Advertisement

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت الحوفي 003

المجلد الثالث
تابع المقالة الثانية في الصناعة المعنوية
النوع السابع عشر: في التكرار
مدخل
...
النوع السابع عشر: في التكرار
قد تقدم الكلام في صدر كتابي هذا على تكرار الحروف، وما [أشبه] ذلك مما يختلط بهذا النوع الذي هو "تكرار المعاني والألفاظ".
واعلم أن هذا النوع من مقاتل علم البيان، وهو دقيق المأخذ.
وحده هو: دلالة اللفظ على المعنى مرددا، وربما اشتبه على أكثر الناس بالإطناب مرة، وبالتطويل أخرى، وقد تقدم الكلام على الفرق بين هذه الأنواع الثلاثة في باب الإطناب1، فلا حاجة إلى إعادته ههنا.
وأما التكرير فقد عرفتكه, وهو ينقسم قسمين:
أحدهما يوجد في اللفظ والمعنى.
والآخر يوجد في المعنى دون اللفظ. فأما الذي يوجد في اللفظ والمعنى فكقولك لمن تستدعيه "أسرع أسرع" ومنه قول أبي الطيب المتنبي2:
ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام
وأما الذي يوجد في المعنى دون اللفظ فكقولك: "أطعني ولا تعصني". فإن الأمر بالطاعة نهي عن المعصية.
__________
1 انظر صفحة 357 من القسم الثاني من هذه الطبعة.
2 ديوان المتنبي 4/ 79 من قصيدته في مدح المغيث بن علي العجلي، ومطلعها:
فؤاد ما تسليه المدام ... وعمر مثل ما تهب اللئام
(3/3)

وكل من هذين القسمين ينقسم إلى مفيد وغير مفيد:
ولا أعني بالمفيد ههنا ما يعنيه النحاة، فإنه عندهم عبارة عن اللفظ المركب، إما من الاسم مع الاسم، بشرط أن يكون للأول بالثاني علاقة معنى يسع مكلفا جهله، وإما من الاسم مع الفعل التام المتصرف على هذا الشرط أيضا، وإما من حرف النداء مع الاسم، فهذا هو المفيد عند النحاة.
وأنا لم أقصد ذلك ههنا، بل مقصودي من المفيد أن يأتي لمعنى، وغير المفيد أن يأتي لغير معنى.
واعلم أن المفيد من التكرير يأتي في الكلام تأكيدا له، وتشييدا من أمره، وإنما يفعل ذلك للدلالة على العناية بالشيء الذي كررت فيه كلامك، إما مبالغة في مدحه أو في ذمه أو غير ذلك، ولا يأتي إلا في أحد طرفي الشيء المقصود بالذكر، والوسط عار منه؛ لأن أحد الطرفين هو المقصود بالمبالغة إما بمدح أو ذم أو غيرهما، والوسط ليس من شرط المبالغة، وغير المفيد لا يأتي في الكلام إلا عيا وخطلا من غير حاجة إليه.
(3/4)

التكرير في اللفظ والمعنى:
فأما الأول وهو الذي يوجد في اللفظ والمعنى, فإنه ينقسم إلى ضربين: مفيد وغير مفيد.
فالأول المفيد, وهو فرعان:
الأول: إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد، والمقصود به غرضان مختلفان:
كقوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} 1.
هذا تكرير في اللفظ والمعنى، وهو قوله: "يحق الحق وليحق الحق" وإنما جيء به ههنا لاختلاف المراد, وذاك أن الأول تمييز بين الإرادتين, والثاني بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها، وأنه ما نصرهم وخذل أولئك إلا لهذا الغرض.
ومن هذا الباب قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي، فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} 2.
فكرر قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} وقوله: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} والمراد به غرضان مختلفان، وذلك أن
__________
1 سورة الأنفال: الآيتان 7 و8.
2 سورة الزمر: الآيات 11، 12، 13، 14، 15.
(3/5)

الأول: إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة والإخلاص في دينه، والثاني إخبار بأنه يخص الله وحده دون غيره بعبادته, مخلصا له دينه، ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة في الثاني، وأخره في الأول؛ لأن الكلام أولًا وقع في الفعل نفسه وإيجاده، وثانيا فيمن يفعل الفعل من أجله، ولذلك رتب عليه {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} .
وعليه ورد قوله تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} 1.
وظاهر الأول والثاني أنهما سواء في المعنى، وليس كذلك؛ لأن الثاني فيه تخصيص غير موجود في الأول، ألا ترى أنا إذا قلنا: "زيد الأفضل"، وقلنا: "الأفضل زيد"، كان في الثاني تخصيص له بالفضل، وهذا التخصيص لا يوجد في القول الأول الذي هو "زيد الأفضل"، ويجوز أن تبدل صفة الفضل فيه بغيرها أو بضدها، فيقال: "زيد الأجمل"، أو "زيد الأنقص"، وإذا قلنا: "الأفضل زيد"، وجب تخصيصه بالنفس، ولم يمكن تغيير عنه.
وكذلك يجري الحكم في هذه الآيات، فإن الله تعالى قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} ثم قال: {لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} فوصفهم بالامتناع عن الذهاب إلا بإذنه، وهذه صفة يجوز أن تبدل بغيرها
__________
1 سورة النور: الآية: 62.
(3/6)

من الصفات، كما قال تعالى في موضع آخر: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} 1.
فجاء بصفة غير تلك الصفة، ولما قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} وجب تخصيصهم بذلك الوصف دون غيره، وهذا موضع حسن في تكرير المعاني.
ومما يعد من هذا الباب قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} 2.
وقد ظن قوم أن هذه الآية تكرير لا فائدة فيه, وليس الأمر كذلك، فإن معنى قوله: {لا أَعْبُدُ} يعني في المستقبل: من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلبه منكم من عبادة إلهي، {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ} أي: وما كنت عابدا قط فيما سلف ما عبدتم، يعني أنه لم يعهد مني عبادة صنم في الجاهلية في وقت ما, فكيف يرجى ذلك مني في الإسلام? {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ} في الماضي في وقت ما ما أنا على عبادته الآن.
ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} 3.
__________
1 سورة الحجرات: الآية 15.
2 سورة الكافرون.
3 سورة فاتحة الكتاب: الآيات 1 و2 و3.
(3/7)

فكرر"الرحمن الرحيم" مرتين, والفائدة في ذلك أن الأول يتعلق بأمر الدنيا، والثاني بأمر الآخرة.
فما يتعلق بأمر الدنيا يرجع إلى خلق العالمين في كونه خلق كلا منهم على أكمل صفة, وأعطاه جميع ما يحتاج إليه حتى البقة والذباب، وقد يرجع إلى غير الخلق كإدرار الأرزاق وغيرها.
وأما ما يتعلق بأمر الآخرة فهو إشارة إلى الرحمة الثانية في يوم القيامة الذي هو يوم الدين.
وبالجملة فاعلم أنه ليس في القرآن مكرر لا فائدة في تكريره، فإن رأيت شيئا منه تكرر من حيث الظاهر فأنعم نظرك فيه، فانظر إلى سوابقه ولواحقه، لتنكشف لك الفائدة منه.
ومما ورد في القرآن الكريم مكررا قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} 1.
فكرر قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} 2 ليؤكده عندهم, ويقرره في نفوسهم، مع تعليق كل واحد منهما بعلة، فجعل علة الأول كونه أمينا فيما بينهم، وجعل علة الثاني حسم طمعه فيهم، وخلوه من الأغراض فيما يدعوهم إليه.
__________
1 سورة الشعراء: الآيات 105-110.
2 زيادة عن الأصل يقتضيها السياق.
(3/8)

ومن هذا النحو قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ، وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ، إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} 1.
وإنما كرر تكذيبهم ههنا؛ لأنه لم يأت به على أسلوب واحد، بل تنوع فيه بضروب من الصنعة، فذ كره أولًا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية, فأوضحه بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل؛ لأنهم إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم، وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه, والتنوع في تكريره بالجملة الخبرية أولًا, وبالاستثناء ثانيًا, وما في الاستثناء من الوضع على وجه التوكيد والتخصيص المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق العذاب وأبلغه.
وهذا باب من تكرير اللفظ والمعنى حسن غامض، وبه تعرف مواقع التكرير، والفرق بينه وبين غيره، فافهمه إن شاء الله تعالى.
الفرع الثاني من الضرب الأول 2:
إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد, والمراد به غرض واحد، كقوله تعالى: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} 3.
والتكرير دلالة على التعجب من تقديره, وإصابته الغرض, وهذا كما يقال: "قتله الله ما أشجعه أو ما أشعره! "
__________
1 سورة ص: الآيات 12 و13 و14.
2 أي: التكرير المفيد.
3 سورة المدثر: الآيتان 19 و20.
(3/9)

وعليه ورد قول الشاعر:
ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي1
وهذا مبالغة في الدعاء لها بالسلامة، وكل هذا يجاء به لتقرير المعنى المراد إثباته.
وعليه ورد الحديث النبوي، وذاك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليا, فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يطلق علي ابنتي وينكح ابنتهم".
فقوله: "لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن" من التكرير الذي هو أشد موقعا من الإيجاز، لانصباب العناية إلى تأكيد القول في منع علي رضي الله عنه من التزويج بابنة أبي جهل بن هشام.
وهذا مثل قوله تعالى: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} 2.
ومن أجل ذلك نقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"؛ لأن قولنا: "لا إله إلا الله" مثل قولنا: " وحده لا شريك له" وهما في المعنى سواء، وإنما كررنا القول فيه لتقرير المعنى وإثباته؛ وذاك لأن من الناس من يخالف فيه كالنصارى والثنوية.
__________
1 صدر بيت وعجره:
ثلاث تحيات وإن لم تكلمي
والبيت في ديوان الحماسة 2/ 137.
والبيت ثالث ثلاثة أبيات رواها أبو تمام، ولم ينسبها لصاحبها، والأبيات هي:
ولا غرو إلا ما يخبر سالم ... بأن بني أشباهها نذروا دمي
وما لي من ذنب إليهم علمته ... سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي
نعم فاسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ... ثلاث تحيات وإن لم تكلمي
2 سورة القيامة: الآيتان 34 و35.
(3/10)

والتكرير في مثل هذا المقام أبلغ من الإيجاز، وأحسن وأشد موقعا.
ومما جاء في مثل هذا قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} 1.
فقوله: {مِنْ قَبْلِهِ} بعد قوله: {مِنْ قَبْلِ} فيه دلالة على أن عهدهم بالمطر قد بعد وتطاول، فاستحكم بأسهم، وتمادى إبلاسهم2، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك.
وعلى ذلك ورد قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} 3.
فقوله: {لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ} يقوم مقام قوله: {وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} ؛ لأن من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لا يدين دين الحق، وإنما كرر ههنا للخطب على المأمور بقتالهم، والتسجيل عليهم بالذم، ورجمهم بالعظائم، ليكون ذلك أدعى لوجوب قتالهم وحربهم.
وقد قلنا: إن التكرير إنما يأتي لما أهم من الأمر, بصرف العناية إليه ليثبت ويتقرر.
وكذلك ورد قوله تعالى: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا
__________
1 سورة الروم: الآيتان 48 و49.
2 الإبلاس اليأس، أبلس إذا يئس.
3 سورة التوبة: الآية 29.
(3/11)

تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 1.
فتكرير لفظة "أولئك" من هذا الباب الذي أشرنا إليه، لمكان شدة النكير، وإغلاظ العقاب بسبب إنكارهم البعث.
وعلى هذا ورد قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} 2.
فإنه إنما تكررت لفظة "هم" للإيذان بتحقيق الخسار، والأصل فيها وهم في الآخرة الأخسرون، لكن لما أريد تأكيد ذلك جيء بتكرير هذه اللفظة المشار إليها.
وكذلك قوله تعالى: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا} 3.
وأمثال هذا في القرآن كثير.
وكذلك ورد قوله تعالى في سورة القصص:
{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} 4.
__________
1 سورة الرعد: الآية 5.
2 سورة النمل: الآية 5.
3 سورة الحشر: الآية 17.
4 سورة القصص: الآيتان 18 و19.
(3/12)

فقوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ} بتكرير "أن" مرتين دليل على أن موسى عليه السلام لم تكن مسارعته إلى قتل الثاني كما كانت مسارعته إلى قتل الأول، بل كان عنه إبطاء في بسط يده إليه، فعبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ} .
وجرت بيني وبين رجل من النحويين مفاوضة في هذه الآية، فقال: إن "أنّ" الأولى زائدة، ولو حذفت فقيل: لما أراد أن يبطش لكان المعنى سواء، ألا ترى إلى قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ} 1.
وقد اتفق النحاة على أن "أن" الواردة بعد "لما" وقبل الفعل زائدة.
فقلت له: النحاة لا فتيا لهم في مواقع الفصاحة والبلاغة، ولا عندهم معرفة بأسرارهما، من حيث إنهم نحاة، ولا شك أنهم وجدوا "أن" ترد بعد "لما" وقبل الفعل في القرآن الكريم, وفي كلام فصحاء العرب, فظنوا أن المعنى بوجودها كالمعنى إذا أسقطت فقالوا: هذه زائدة، وليس الأمر كذلك، بل إذا وردت "لما" وورد الفعل بعدها بإسقاط "أن" دل ذلك على الفور، وإذا لم تسقط لم يدلنا ذلك على أن الفعل كان على الفور، وإنما كان فيه تراخ وإبطاء.
وبيان ذلك من وجهين:
أحدهما: أني أقول: فائدة وضح الألفاظ أن تكون أدلة على المعاني، فإذا وردت لفظة من الألفاظ في كلام مشهود له بالفصاحة والبلاغة, فالأولى
__________
1 سورة يوسف: الآية 96.
(3/13)

أن تحمل تلك اللفظة على معنى، فإن لم يوجد معنى بعد التنقيب والتنقير والبحث الطويل قيل: هذه زائدة دخولها في الكلام كخروجها منه.
ولما نظرت أنا في هذه الآية وجدت لفظة "أن" الواردة بعد "لما" وقبل الفعل دالة على معنى, فكيف يسوغ أن يقال: إنها زائدة؟.
فإن قيل: إنها إذا كانت دالة على معنى فيجوز أن تكون دالة على غير ما أشرت أنت إليه.
قلت في الجواب: إذا ثبت أنها دالة على معنى فالذي أشرت إليه معنى مناسب واقع في موقعه، وإذا كان مناسبا واقعا في موقعه فقد حصل المراد منه، ودل الدليل حينئذ أنها ليست زائدة.
الوجه الآخر: أن هذه اللفظة لو كانت زائدة لكان ذلك قدحا في كلام الله تعالى، وذاك أنه يكون قد نطق بزيادة في كلامه لا حاجة إليها، والمعنى يتم بدونها، وحينئذ لا يكون كلامه معجزا، إذ من شرط الإعجاز عدم التطويل الذي لا حاجة إليه، وإن التطويل عيب في الكلام، فكيف يكون ما هو عيب في الكلام من باب الإعجاز? هذا محال.
وأما قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ} فإنه إذا نظر في قصة يوسف عليه السلام مع إخوته منذ ألقوه في الجب إلى أن جاء البشير إلى أبيه عليه السلام وجد أنه كان ثم إبطاء بعيد، وقد اختلف المفسرون حول تلك المدة، ولو لم يكن ثم مدة بعيدة وأمد متطاول لما جيء بأن بعد "لما" وقبل الفعل، بل كانت تكون الآية: فلما جاء البشير ألقاه على وجهه.
(3/14)

وهذه دقائق ورموز لا تؤخذ من النحاة؛ لأنها ليست من شأنهم.
واعلم أن من هذا النوع قسما يكون المعنى فيه مضافا إلى نفسه مع اختلاف اللفظ، وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة.
وقد ورد في القرآن الكريم، واستعمل في فصيح الكلام. فمنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} 1 والرجز هو العذاب.
وعليه ورد قول أبي تمام2:
نهوض بثقل العبء مضطلع به ... وإن عظمت فيه الخطوب وجلت
والثقل هو العبء، والعبء هو الثقل.
وكذلك ورد قول البحتري3:
ويوم تثنت للوداع وسلمت ... بعينين موصولا بلحظهما السحر
توهمتها ألوى بأجفانها الكرى ... كرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر
فإن الكرى هو النوم.
__________
1 سورة سبأ: الآية 5.
2 ديوان أبي تمام. من قصيدة له يمدح فيها حبيش بن المعافى، ومطلعها.
نسائلها أي المواطن حلت ... وأي بلاد أوطنتها وأيت
3 ديوان البحتري 1/ 54 من قصيدة له في مدح المتوكل مطلعها:
متى لاح برق أوبدا طلل قفر ... جرى مستهل لا بكي ولا نزر
(3/15)

وربما أشكل هذا الموضع على كثير من متعاطي هذه الصناعة, وظنوه مما لا فائدة فيه, وليس كذلك، بل الفائدة فيه هي التأكيد للمعنى المقصود، والمبالغة فيه.
أما الآية فالمراد بقوله تعالى: {عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ} أي: عذاب مضاعف من عذاب. وأما بيت أبي تمام فإنه يتضمن المبالغة في وصف الممدوح بحمله للأثقال.
وأما بيت البحتري فإنه أراد أن يشبه طرفها لفتوره بالنائم، فكرر المعنى على طريق المضاف والمضاف إليه تأكيدا له, وزيادة في بيانه.
وهذا الموضع لم ينبه عليه أحد سواي.
ولربما أدخل في التكرير من هذا النوع ما ليس منه، وهو موضع لم ينبه عليه أيضًا أحد سواي.
فمنه قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} 1 فلما تكرر "إن ربك" مرتين علم أن ذلك أدل على المغفرة.
وكذلك قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} 2.
ومثل هذا قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ
__________
1 سورة النحل: الآية 119.
2 سورة النحل: الآية 110.
(3/16)

أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} 1.
وهذه الآيات يظن أنها من باب التكرير، وليست كذلك.
وقد أنعمت نظري فيها فرأيتها خارجة عن حكم التكرير، وذلك أنه أطال الفصل من الكلام، وكان أوله يفتقر إلى تمام إلا يفهم إلا به، فالأولى في باب الفصاحة أن يعاد لفظ الأول مرة ثانية، ليكون مقارنا لتمام الفصل، كي لا يجيء الكلام منثورا، لا سيما في "إن وأخواتها".
فإذا وردت "إن" وكان بين اسمها وخبرها فسحة طويلة من الكلام فإعادة "إن" أحسن في حكم البلاغة والفصاحة، كالذي تقدم من هذه الآيات.
وعليه ورد قول بعضهم من شعراء الحماسة2:
أسجنا وقيدا واشتياقا وغربة ... ونأي حبيب إن ذا لعظيم
وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على مثل هذا إنه لكريم3
فإنه لما طال الكلام بين اسم إن وخبرها أعيدت "إن" مرة ثانية؛ لأن تقدير الكلام: وإن امرأ دامت مواثيق عهده على مثل هذا لكريم،
__________
1 سورة آل عمران: الآية 188.
2 ديوان الحماسة 2/ 105 ولم ينسبهما أبو تمام.
3 رواية البيت الثاني في ديوان الحماسة:
وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على مثل ما قاسيته لكريم
وعلى هذه الرواية لا يكون البيت موضعا للاستشهاد؛ لأنه لا تكرار فيه.
(3/17)

لكن بين الاسم والخبر مدى طويل، فإذا لم تعد "إنّ" مرة ثانية لم يأت على الكلام بهجة ولا رونق.
وهذا لا يتنبه لاستعماله إلا الفصحاء إما طبعا وإما علما.
وكذلك يجري الأمر إذا كان خبر "إن" عاملا في معمول يطول ذكره، فإن إعادة الخبر ثانية هو الأحسن.
وعلى هذا جاء قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} 1.
فلما قال: {إِنِّي رَأَيْتُ} ثم طال الفصل كان الأحسن أن يعيد لفظ الرؤية فيقول: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} .
وكذلك جاءت الآية المذكورة ههنا مثل هذه، وهي قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} 2 فإنه لما طال الفصل أعاد قوله: {فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} فاعلم ذلك وضع يدك عليه.
وكذلك الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} 3.
__________
1 سورة يوسف: الآية 4.
2 سورة آل عمران: الآية 188.
3 سورة النحل: الآية 119.
(3/18)

وكذلك الآية الأخرى وهي: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا} .
ومن باب التكرير في اللفظ والمعنى الدال على معنى واحد عز وجل: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} 1.
فإنه إنما كرر نداء قومه ههنا لزيادة التنبيه لهم والإيقاظ عن سنة الغفلة؛ ولأنهم قومه وعشيرته، وهم فيما يوبقهم من الضلال، وهو يعلم وجه خلاصهم، ونصيحتهم عليه واجبة، فهو يتحزن لهم، ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك ألا يتهموه، فإن سرورهم سروره, وغمهم غمه، وأن ينزلوا على نصيحته لهم.
وهذا من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز, وأشد موقعا من الاختصار، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
وعلى نحو منه جاء قوله تعالى في سورة القمر: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} 2.
فإنه قد تكرر ذلك في السورة كثيرا، وفائدته أن يجددوا عند استماع كل نبإ من أنباء الأولين ادكارا وإيقاظا، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا, إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث إليه، وأن تقرع لهم العصا مرات؛ لئلا يغلبهم السهو, وتستولي عليهم الغفلة.
__________
1 سورة المؤمن: الآيتان 38 و39.
2 سورة القمر: الآيتان 39 و40.
(3/19)

وهكذا حكم التكرير في قوله تعالى في سورة الرحمن: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} .
وذلك عند كل نعمة عددها على عباده.
وأمثال هذا في القرآن الكريم كثير.
ومما ورد من هذا النوع شعرا قول بعض شعراء الحماسة1:
إلى معدن العز المؤثل والندى ... هناك هناك الفضل والخلق الجزل2
فقوله: "هناك هناك" من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز؛ لأنه في معرض مدح، فهو يقرر في نفس السامع ما عند الممدوح من هذه الأوصاف المذكورة مشيرا إليها، كأنه قال: أدلكم على معدن كذا وكذا ومقره ومفاده.
وكذلك ورد قول المساور بن هند3:
جزى الله عني غالبا من عشيرة ... إذا حدثان الدهر نابت نوائبه4
__________
1 نسبه أبو تمام إلى خلف بن خليفة مولى قيس بن ثعلبة، وهو شاعر إسلامي مجيد مقل عاصر جريرا والفرزدق، ويعرف بالأقطع؛ لأنه قطعت يده بسرقة اتهم بها.
2 رواية ديوان الحماسة 2/ 336 "المؤيد" موضع "المؤثل" والبيت من جملة أبيات أولها:
عدلت إلى فخر العشيرة والهوى ... إليهم وفي تعداد مجدهم شغل
3 هو ابن قيس بن زهير بن حذيفة بن خزيمة بن روحة، هكذا قال التبريزي، وقال غيره: هو شاعر إسلامي مقل.
4 بعد هذين البيتين بيتان، وهما:
إذا قلت عودوا عاد كل شمردل ... أشم من الفتيان جزل مواهبه
إذا أخذت بزل المخاض سلاحها ... تجرد فيها متلف المال كاسبه
راجع ديوان الحماسة 2/ 291. ولم ينسب أبو تمام هذه الأبيات للمساور، ولكنه رواها بعد أبيات للمساور أولها:
فدا لبنى هند غداة دعوتهم ... يجو وبال النفس والأبوان
ثم روى بعد هذه الأبيات الأبيات الأربعة، ونسبها لآخر, ورواية الحماسة في البيت الأول
جزى الله خيرا غالبا ...
(3/20)

فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت ... علي وموج قد علتني غواربه1
فصدر البيت الثاني وعجزه يدلان على معنى واحد؛ لأن تلاحم الكرب عليه كتعالي الموج من فوقه، وإنما سوغ ذلك؛ لأنه مقام مدح وإطراء, ألا ترى أنه يصف إحسان هؤلاء القوم عند حدثان دهره في التكرير، وفي قبالته لو كان القائل هاجيا، فإن الهجاء في هذا كالمدح، والتكرير إنما يحسن في كلا الطرفين لا في الوسط.
واعلم أنه إذا وردت "إن" المكسورة المخففة قبل "ما" كانت بمعناها سواء.
ألا ترى إلى قوله تعالى: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ} فـ"إن" و"ما" بمعنى واحد، وإذا أوردت من بعد "ما" كانت من باب التكرير كقولنا: "ما إن كذا وكذا" أي: ما يكون كذا وكذا، وإذا وردت في الكلام فإنما ترد في مثل ما أشرنا إليه من التكرير، فإن استعملت في غير ما يكون منها لفائدة ينتجها تكريرها كان استعمالها لغوا لا فائدة فيه.
وقد زعم قوم من مدعي هذه الصناعة أن أبا الطيب المتنبي أتى في هذا البيت بتكرير لا حاجة به إليه، وهو قوله2:
العارض الهتن ابن العارض الهتن ابـ ... ـن العارض الهتن ابن العارض الهتن
__________
1 الغوارب أعلى الموج وأعلى الظهر.
2 ديوان المتنبي 4/ 209 من قصيدة له في مدح أبي عبيد الله محمد بن عبد الله القاضي الأنطاكي، ومطلعها:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
(3/21)

وليس في هذا البيت من تكرير، فإنه كقولك: "الموصوف بكذا وكذا ابن الموصوف بكذا وكذا"، أي: إنه عريق النسب في هذا الوصف.
وقد ورد في الحديث النبوي مثل ذلك، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف يوسف الصديق عليه السلام: "الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم".
ولقد فاوضني في هذا البيت المشار إليه بعض علماء الأدب، وأخذ الطعن من جهة تكراره، فوقفته على مواضع الصواب فيه، وعرفته أنه كالخبر النبوي من جهة المعنى سواء بسواء، لكن لفظه ليس بمرضي على هذا الوجه الذي قد استعمل فيه، فإن الألفاظ إذا كانت حسانا في حال انفرادها فإن استعمالها في حال التركيب يزيدها حسنا على حسنها، أو يذهب الحسن عنها.
وقد تقدم الكلام على ذلك في المقالة الأولى من الصناعة اللفظية1.
ولو تهيأ لأبي الطيب المتنبي أن يبدل لفظة "العارض"2 بلفظة "السحاب"، أو ما يجري مجراها، لكان أحسن.
وكذلك لفظة "الهتن"3 فإنها ليست بمرضية في هذا الموضع على هذا الوجه، ولفظة "العارض"، وإن كانت قد وردت في القرآن,
__________
1 انظر صفحة "211" من القسم الأول من هذه الطبعة.
2 العارض السحاب يعترض في الأفق، ومنه قوله تعالى: {عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} .
3 هتنت السماء تهتن هتنا وهتونا وهتنانا وتهتانا، وتهاتنت: انصبت، أو هو فوق الهطل، أو الضفيف الدائم، أو مطر ساعة، ثم يفتر ثم يعود، وسحاب هاتن وهتون.
(3/22)

وهي لفظة حسنة, فالفرق بين ورودها في القرآن الكريم وورودها في هذا البيت الشعري ظاهر.
وقد تقدم الكلام على مثلها من آية وبيت لأبي الطيب أيضا، وهو في المقالة اللفظية عند الكلام على الألفاظ المفردة فليؤخذ من هناك.1
وكثيرا ما يقع الجهال في مثل هذه المواضع, وهم الذين قيل فيهم:
وكذا كل أخي حذلقة ... ما مشى في يابس إلا زلق
فترى أحدهم قد جمع نفسه وظن على جهله أنه عالم، فيسرع في وصف كلام بالإيجاز, وكلام بالتطويل, أو بالتكرير، وإذا طولب بأن يبدي سببا لما ذكره لم يوجد عنده من القول شيء, إلا تحكما محضا صادرا عن جهل محض.
__________
1 انظر صفحة "213" من القسم الأول من هذه الطبعة، وقد وازن فيها بين استعمال كلمتي "العسل" و"الشهد" في شعر للأعرج ولأبي الطيب وآية من القرآن الكريم.
(3/23)

الضرب الثاني من التكرير في اللفظ والمعنى:
وهو غير المفيد، فمن ذلك قول مروان الأصغر1:
سقى الله نجدا والسلام على نجد ... ويا حبذا نجد على النأي والبعد
نظرت إلى نجد وبغداد دونها ... لعلي أرى نجدا وهيهات من نجد
وهذا من العي الضعيف، فإنه كرر ذكر "نجد" في البيت الأول ثلاثا،
__________
1 هو أبو السمط مروان بن أبي الجنوب بن مروان بن أبي حفصة, وهو مروان الأصغر، ويقال لجده مروان بن أبي حفصة مروان الأكبر. كان شاعرا ساقط الشعر، عاصر الواثق والمتوكل، وله قصائد عدة في المتوكل وأحمد بن أبي دؤاد.
(3/23)

وفي البيت الثاني ثلاثا، ومراده في الأول الثناء على نجد، وفي الثاني أنه تلفت إليها ناظرا من بغداد، وذلك مرمى بعيد.
وهذا المعنى لا يحتاج إلى مثل هذا التكرير.
أما البيت الأول فيحمل على الجائز من التكرير؛ لأنه مقام تشوق وتحزن وموجدة بفراق نجد، ولما كان كذلك أجيز فيه التكرير، على أنه قد كان يمكنه أن يصوغ هذا المعنى الوارد في البيتين معا من غير أن يأتي بهذا التكرير المتتابع ست مرات.
وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي نواس1:
أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم الترحل خامس2
ومراده من ذلك أنهم أقاموا بها أربعة أيام، ويا عجبا له يأتي بمثل هذا البيت السخيف الدال على العي الفاحش في ضمن تلك الأبيات العجيبة الحسن التي تقدم ذكرها في باب الإيجاز3 وهي:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... ...........................
ومن هذا الباب أيضًا ما أوردناه في صدر هذا النوع, وهو قول أبي الطيب:
__________
1 ديون أبي نواس "295" من جملة أبيات من خمرياته أولها.
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس
2 رواية الديوان في هذا البيت:
أقمنا بها يوما ويومين بعده ... ويوما له يوم الترحل خامس
3 راجع صفحة "346" من القسم الثاني من هذه الطبعة.
(3/24)

ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام1
فهذا هو التكرير الفاحش الذي يؤثر في الكلام نقصا.
ألا ترى أنه يقول: لم أر مثل جيراني في سوء الجوار، ولا مثلي في مصابرتهم ومقامي عندهم، إلا أنه قد كرر هذا المعنى في البيت مرتين.
وعلى نحو من ذلك جاء قوله أيضا:
وقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلهن قلاقل
__________
1 من قصيدته التي أولها:
فؤاد ما تسليه المدام ... وعمر مثل ما تهب اللئام
وقد سبق في صفحة "3" من هذا القسم الثالث.
(3/25)

التكرير في المعنى دون اللفظ:
وأما القسم الثاني من التكرير، وهو الذي يوجد في المعنى دون اللفظ, فذلك ضربان: مفيد وغير مفيد:
الضرب الأول: المفيد.
وهو نوعان:
الأول: إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين مختلفين
وهو موضع من التكرير مشكل؛ لأنه يسبق إلى الوهم أنه تكرير يدل على معنى واحد.
فمما جاء منه حديث حاطب بن أبي بلتعة1 في غزوة الفتح, وذاك
__________
1 هو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، حليف قريش، ويقال إنه من مذحج وقيل هو حليف الزبير بن العوام. شهد بدر والحديبية، ومات سنة ثلاثين بالمدينة، وهو ابن خمس وستين سنة، وصلى عليه عثمان، وقد شهد الله لحاطب بالإيمان في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} . وانظر الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر 1/ 312.
(3/25)

أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر علي بن أبي طالب والزبير1 والمقداد2 رضي الله عنهم فقال: "اذهبوا إلى روضة خاخ 3، فإن بها ظعينة معها كتاب، فأتوني به" , قال علي رضي الله عنه: فخرجنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، وإذا فيها الظعينة، فأخذنا الكتاب من عقاصها4، وأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "ما هذا يا حاطب?" , فقال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من
معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون بها أموالهم وأهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه قد صدقكم".
__________
1 هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي، أمه صفية بنت عبد المطلب بن هاشم عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم, أسلم الزبير وهو ابن خمس عشرة سنة، ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، ومن الستة الذين هم أهل الشورى، ومات مقتولا في فتنة الجمل يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست
وثلاثين.
2 هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة البهراوي، من بهراء من قضاعة، وقيل هو كندي من كندة، شهد بدرا والمشاهد كلها، وكان من الفضلاء النجباء الكبار الخيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد فتح مصر، ودفن في أرضه بالجرف، فحمل إلى المدينة، ودفن بها، وصلى عليه عثمان بن عفان سنة ثلاث وثلاثين.
3 خاخ: موضع بين الخمين، به روضة خاخ، بقرب حمراء الأسد من المدينة، قال الأحوس.
ليست لياليك من خاخ بعائدة ... كما عهدت ولا أيام ذي سلم
4 العقيصة: الضفيرة، وعقص الشعر ضفره على الرأس.
(3/26)

فقوله: "ما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. من التكرير الحسن.
وبعض الجهال يظنه تكريرا لا فائدة فيه، فإن الكفر والارتداد عن الدين سواء، وكذلك الرضا بالكفر بعد الإسلام، وليس كذلك، والذي يدل عليه اللفظ هو أني لم أفعل ذلك وأنا كافر, أي: باق على الكفر، ولا مرتدا, أي: إني كفرت بعد إسلامي، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام, أي: ولا إيثارا لجانب الكفار على جانب المسلمين، وهذا حسن في مكانه، واقع في موقعه.
وهو يحمل التكرير فيه على غير هذا الفرع الذي نحن بصدد ذكره ههنا، وهو الذي يكون التكرير فيه يدل على معنى واحد، وسيأتي بيانه في الفرع الثاني الذي يلي هذا الفرع الأول.
والذي يجوزه أن هذا المقام هو مقام اعتذار وتنصل عما رمي به من تلك القارعة العظيمة التي هي نفاق وكفر، فكرر المعنى في اعتذاره قصدًا للتأكيد والتقرير لما ينفي عنه ما رمي به.
ومما ينتظم بهذا السلك أنه إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين: أحدهما خاص والآخر عام كقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} 1.
فإن الأمر بالمعروف خير, وليس كل خير أمرا بالمعروف، وذاك أن الخير أنواع كثيرة من جملتها الأمر بالمعروف.
__________
1 سورة آل عمران: الآية 104.
(3/27)

فائدة التكرير ههنا أنه ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على فضله، كقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} 1.
وكقوله تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} 2.
وكقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا} 3.
فإن الجبال داخلة في جملة الأرض، لكن لفظ الأرض عام والجبال خاص، وفائدته ههنا تعظيم شأن الأمانة المشار إليه، وتفخيم أمرها.
وقد ورد هذا في القرآن الكريم كثيرا.
ومما ورد منه شعرا قول [المقنع الكندي4] من أبيات الحماسة5:
وإن الذي بيني وبين بني ... أبيوبين بني عمي لمختلف جدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا6
__________
1 سورة البقرة: الآية 238.
2 سورة الرحمن: الآية 68.
3 سورة الأحزاب: الآية 72.
4 بياض في الأصل موضع اسم الشاعر، وهو محمد بن ظفر بن عمير ينتهي نسبه إلى كندة بن عفير، وإنما لقب بالمقنع؛ لأنه كان أجمل الناس وجها، وكان إذا حسر اللثام عن وجهه أصابته العين ويلحقه عنت ومشقة، فكان لا يمشي إلا مقنعا، هكذا ذكر التبريزي. وهو شاعر مقل من شعراء الإسلام في عهد بني أمية، وكان له محل وشرف ومروءة في عشيرته، وكان متخرقا في عطاياه، سمح اليد بماله، لا يرد سائلا عن شيء سأله إياه.
5 ديوان الحماسة 2/ 33 من جملة أبيات أولها:
يعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
وانظر أمالي القالي 1/ 280 وفيها ثلاثة أبيات ليست في رواية أبي تمام.
6 رواية الحماسة "فإن أكلوا ... " ورواية الأمالي "فإن يأكلوا....".
(3/28)

وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم
وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
فهذا من الخاص والعام، فإن كل لحم يؤكل للإنسان فهو تضييع لغيبه، وليس كل تضييع لغيبه أكلا للحمه.
ألا ترى أن أكل اللحم هو كناية عن الاغتياب، وأما تضييع الغيب فمنه الاغتياب ومنه التخلي عن النصرة والإعانة, ومنه إهمال السعي في كل ما يعود بالنفع كائنا ما كان.
وعلى هذا فإن هذين البيتين من الخاص والعام المشار إليه في الآية المتقدم ذكرها، وهو موضع يرد في الكلام البليغ ويظن أنه لا فائدة فيه.
الفرع الثاني: إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنى واحد لا غير
وقد سبق مثال ذلك في أول هذا الباب، كقولك: "أطعني ولا تعصني"، فإن الأمر بالطاعة نهي عن المعصية، والفائدة في ذلك تثبيت الطاعة في نفس المخاطب.
والكلام في هذا الموضع كالكلام في الموضع الذي قبله من تكرير اللفظ والمعنى إذا كان الغرض به شيئا واحدا، ولا نجد شيئا من ذلك يأتي في الكلام إلا لتأكيد الغرض المقصود به، كقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 1.
__________
1 سورة التغابن الآية 14.
(3/29)

فإنه إنما كرر العفو والصفح والمغفرة، والجميع بمعنى واحد للزيادة في تحسين عفو الوالد عن ولده والزوج عن زوجته.
وهذا وأمثاله ينظر في الغرض المقصود به، وهو موضع يكون التكرير فيه أوجز من لمحة الإيجاز، وأولى بالاستعمال. وقد ورد في القرآن الكريم كثيرا، كقوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} 1.
فإن البث والحزن بمعنى واحد، وإنما كرره ههنا لشدة الخطب النازل به، وتكاثر سهامه النافذة في قلبه، وهذا المعنى كالذي قبله.
وكذلك ورد قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} 2 بعد ثلاثة وسبعة تنوب مناب قوله ثلاثة وسبعة مرتين؛ لأن "عشرة" هي ثلاثة وسبعة، ثم قال "كاملة" وذلك توكيد ثالث، والمراد به إيجاب صوم الأيام السبعة عند الرجوع في الطريق على الفور، لا عند الوصول إلى البلد كما ذهب إليه بعض الفقهاء.
وبيانه أني أقول: إذا صدر الأمر من الآمر على المأمور بلفظ التكرير مجردا من قرينة تخرجه عن وصفه, ولم يكن مؤقتا بوقت معين, كان ذلك حثا له على المبادرة إلى امتثال الأمر على الفور فإنك إذا قلت لمن تأمره بالقيام، "قم قم قم" فإنما تريد بهذا اللفظ المكرر أن يبادر إلى القيام في تلك الحال الحاضرة.
__________
1 سورة يوسف: الآية 86.
2 سورة البقرة: الآية 196 وقبل هذه الجملة {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} .
(3/30)

فإن قلت: الغرض بتكرير الأمر أن يتكرر في نفس المأمور أنه مراد منه، وليس الغرض الحث على المبادرة إلى امتثال الأمر.
قلت في الجواب: إن المرة الواحدة كافية في معرفة المأمور أن الذي أمر به مراد منه، والزيادة على المرة الواحدة لا تخلو إما أن تكون دالة على ما دلت عليه المرة الواحدة, أو دالة على زيادة معنى لم تكن في المرة الواحدة.
فإن كانت دالة عليه المرة الواحدة كان ذلك تطويلا في الكلام لا حاجة إليه.
وقد ورد مثله في القرآن الكريم، كهذه الآية المشار إليها وغيرها من الآيات, والتطويل في الكلام عيب فاحش عند البلغاء والفصحاء، والقرآن معجز ببلاغته وفصاحته، فكيف يكون فيه تطويل لا حاجة إليه، فينبغي أن تكون تلك الزيادة دالة على معنى زائد على ما دلت عليه المرة الواحدة، وإذا ثبت هذا فتلك الزيادة هي الحث على المبادرة إلى امتثال الأمر.
فإن سلمت لي ذلك, وإلا فبين معنى تلك الزيادة ببيان غير ما ذكرته أنا، ولا أراك أن تستطيع ذلك. فإن قلت: إن الواو في قوله تعالى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} لولا أن تؤكد بقوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ} لظن أنها وردت بمعنى "أو" أي: فثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم، فلما قيل {تِلْكَ عَشَرَةٌ} زال هذا الظن، وتحققت الواو أنها عاطفة، وليست بمعنى "أو".
قلت في الجواب: هذا باطل من أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن الواو العاطفة لا تجعل بمعنى "أو" أين وردت من
(3/31)

الكلام، وإنما تجعل بمعنى "أو" حال ضرورة ترجيح جانبها على جانب جعلها عاطفة؛ لأن الأصل منها أن تكون عاطفة، فإذا عدل بها عن أصلها احتاج إلى ترجيح، ولا ترجيح ههنا.
الوجه الثاني: بلاغي، وذاك أن القرآن الكريم منتهى البلاغة والفصاحة لمكان إعجازه، فلو كان معنى الواو في هذه الآية بمعنى "أو" لقيل: فثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، ولم يحتج إلى هذا التطويل، في قوله: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} .
الوجه الثالث: أن هذا الصوم حكم من أحكام العبادات، والعبادات يجب فيها الاحتياط, وأن تؤدى على أكمل صورة، لئلا يدخلها النقص، وإذا كان الأمر على ذلك فكيف يظن أن الواو في هذه الآية بمعنى "أو"?.
الوجه الرابع: أن السبعة ليست مماثلة للثلاثة حتى تجعل قبالتها؛ لأن معنى الآية إذا كانت الواو فيها بمعنى "أو" إما أن تصوموا ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم.
فإن قلت: هذه تعبد لا يعقل معناه كغيره من التعبدات التي لا يعقل معناها؟ قلت في الجواب: إن لنا من التعبدات ما لا يعقل معناه، كعدد ركعات الصلوات، وعدد الطواف والسعي وأشباه ذلك، ولنا ما يعقل معناه كهذه الآية، فإنا نعقل التفاوت بين الصوم في الحصر والسفر، ونعقل التفاوت بين العدد الكثير والعدد القليل.
وعلى هذا فلا يخلو إما أن يكون صوم الأيام السبعة عند الرجوع في
(3/32)

الطريق، أو عند الوصول إلى البلد، فإن كان في الطريق فإنه أشق من الصوم بمكة؛ لأن الصوم في السفر أشق من الصوم في الحضر، فكيف يجعل صوم سبعة أيام في السفر في مقابلة صوم ثلاثة أيام بمكة? وإن كان الصوم عند الوصول إلى البلد فلا فرق بين الصوم بمكة والصوم عند الوصول إلى البلد؛ لأن كليهما صوم في المقام ببلد من البلاد, لا تفاوت بينهما حتى يجعل صوم ثلاثة أيام في مقابلة سبعة أيام, على غير مثال ولا تساو.
فعلى كلا التقديرين لا يجوز أن تكون الواو في {سَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} بمعنى "أو"، فتحقق أنها إذا للعطف خاصة.
وإذا كانت للعطف خاصة فتأكيدها بعشرة كاملة دليل على أن المراد وجوب صوم الأيام السبعة في الطريق قبل الوصول إلى البلد.
فإن قلت: إن الصوم بمكة أشق من الصوم في الطريق؛ لأن الواجب عليه الصوم بمكة في نصب وتعب بتصريف زمانه في السعي والطواف والصلاة والعمرة وغير ذلك. قلت في الجواب: هذا لا يلزم، إذ الواجب عليه سعي واحد، وطواف واحد، وما عدا ذلك نافلة لا يلزم، ونحن في هذا المقام ناظرون إلى ما يجب لا إلى النافلة، والذي يجب أداؤه بمكة يفرغ منه في ساعة واحدة، فكيف تجعل الزيادة على ذلك دليلا يورد في هذا المقام? هذا غير وارد, وهذا ورد في قوله تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ، فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ، عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} 1 فقوله: {غَيْرُ يَسِيرٍ} بعد قوله: {عَسِيرٌ} من هذا النوع المشار إليه، وإلا فقد علم أن العسير لا يكون يسيرا، وإنما ذكرها ههنا على هذا الوجه لتعظيم
__________
1 المدثر.
(3/33)

شأن ذلك اليوم في عسره وشدته على الكافرين.
وكذلك ورد قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} 1 فإن البغضاء والعداوة بمعنى واحد، وإنما حسن إيرادهما معا في معرض واحد, لتأكيد البراءة بين إبراهيم صلوات الله عليه والذين آمنوا به, وبين الكفار من قومهم، حيث لم يؤمنوا بالله وحده.
وللمبالغة في إظهار القطيعة والمصادفة ورد مثل ذلك في مثل هذا الموضع كالإيجاز في موضعه، ولن ترى شيئا يرد في القرآن الكريم من هذا القبيل إلا وهو لأمر اقتضاه، وإن خفي عنك موضع السر فيه, فاسأل عنه أهله العارفين.
ومما ورد منه شعرا قول بعضهم في أبيات الحماسة2:
نزلت على آل المهلب شاتيا ... بعيدا عن الأوطان في زمن المحل
فما زال بي إكرامهم وافتقادهم ... وإحسانهم حتى حسبتهم أهلي
فإن الإكرام والافتقار داخلان تحت الإحسان، وإنما كرر ذلك للتنويه بذكر الصنيع، والإيجاب لحقه. وعلى هذا ورد قول الأعشى في قصيدته المشهورة التي يمدح بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال منها3:
__________
1 الممتحنة: 4.
2 هو بكير بن الأخنس كما في البيان والتبيين "3/ 233" على أن المقطوعة ليست منسوبة إلى أحد في شرحي الحماسة للتبريزي والمرزوقي ولا في عيون الأخبار "1/ 341" ولا في وفيات الأعيان في ترجمة المهلب بن أبي صفرة. وفي البيان والتبيين "فقيرا بعيد الدار" بدلا من "بعيدا عن الأوطان" والبيت الثاني في البيان.
فما زال بي إلطافهم وافتقادهم ... وإكرامهم حتى حسبتهم أهلي
وفي شرح الحماسة للمرزوقي "في زمن محل" بدلا من "في زمن المحل".
3 البيت من قصيدته التي مطلعها:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وعادك ما عاد السليم مسهدا
وفي الديوان "ولا في حفي" شرح الديوان 135.
(3/34)

فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من وجى حتى تلاقي محمدا
فإن الوجى والكلالة معناهما سواء، وإنما حسن تكريره ههنا للإشعار ببعد المسافة.
الضرب الثاني من القسم الثاني في تكرير المعنى دون اللفظ:
وهو غير مفيد، فمن ذلك قول أبي تمام:
قسم الزمان ربوعها بين الصبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا1
وليس ذلك مثل التكرير في قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} 2 فيما يرجع إلى تكرير اللفظ والمعنى، ولا مثل التكرير في قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} 3 فيما يرجع إلى تكرار المعنى دون اللفظ، وقول أبي تمام: الصبا والقبول لا يشتمل إلا على معنى واحد لا غير.
وهذا الضرب من التكرير قد خبط فيه علماء البيان خبطا كثيرا، والأكثر منهم أجازه، فقالوا: إذا كانت الألفاظ متغايرة والمعنى المعبر عنه واحدا فليس استعمال ذلك بمعيب، وهذا القول فيه نظر، والذي عندي
__________
1 البيت من قصيدته في مدح مالك بن طوق ومطلعها:
قف بالطول الدراسات علاثا ... أمست حبال قطينهن رثاثا
"ديوان أبي تمام 1/ 314". وفي القاموس المحيط: القبول ريح الصبا؛ لأنها تقابل الدبور أو لأنها تقابل باب الكعبة أو لأن النفس تقبلها "مادة قبل".
وفي شرح الحماسة للمرزوقي: قيل في القبول إنها الصبا، وقال النصر بن شميل: القبول ريح بين الصبا والجنوب.
وقال ابن الأعرابي: القبول كل ريح لينة طيبة المس تقبلها النفس، فليس للرد على أبي تمام وجه. وقال ابن المستوفي: الصحيح أن الصبا هي القبول، وما الذي منع أبا تمام أن يجعل موضع "قبولها" "جنوبها" فكان يسلم من التشنيع عليه "ديوان أبي تمام 1/ 315 وقد ذكر الخفاجي نقد البيت "سر الفصاحة 225" وكذلك أبو هلال ذكره "الصناعتين 121".
2 البقرة 38.
3 آل عمران 104.
(3/35)

فيه أن الناثر يعاب على استعماله مطلقا إذا أتى لغير فائدة، أما الناظم فإنه يعاب عليه في موضع دون موضع.
أما الموضع الذي يعاب استعماله فيه فهو صدور الأبيات الشعرية وما والاها، وأما الموضع الذي لا يعاب فيه فهو الأعجاز من الأبيات لمكان القافية، وإنما جاز ذلك ولم يكن عيبا؛ لأنه قافية، والشاعر مضطر إليها، والمضطر يحل له ما حرم عليه، كقول امرئ القيس في قصيدته اللامية التي مطلعها:
ألا أنعم صباحا أيها الطلل البالي
فقال:
وهل ينعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم لا يبيت بأوجال1
وإذا كان قليل الهموم فإنه لا يبيت بأوجال، وهذا تكرير للمعنى، إلا أنه ليس بمعيب؛ لأنه قافية.
وكذلك قال الحطيئة:
قالت أمامة لا تجزع فقلت لها ... إن العزاء وإن الصبر قد غلبا
هلا التمست لنا إن كنت صادقة ... ما لا نعيش به في الناس أو نشبا2
فالبيت الأول معيب؛ لأنه كرر العزاء والصبر، إذ معناهما واحد، ولم يردا
__________
1 ديوان امرئ القيس 27 والمطلع في الديوان:
"ألا عم صباحا" والبيت الثاني:
وهل يعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال
الأوجال: جمع وجل وهو الفزع.
2 البيتان من قصيدته في مدح بغيض، ومطلعها:
طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنه من قوام ما ومنتقبا
وفي الديوان "في الخزج" بدلا من "الناس" ديوان الحطيئة 121.
(3/36)

قافية؛ لأن القافية هي الباء وأما البيت الثاني فليس بمعيب؛ لأن التكرير جاء في النشب وهو قافية.
ومما يجري هذا المجرى قول المنخل اليشكري:
ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء تر ... فل في الدمقس وفي الحرير1
فإن الدمقس والحرير سواء، وقد ورد قافية فلا بأس به من أجل ذلك. فإن قيل: إن الحرير هو الإبريسم المنسوج، بدليل قوله تعالى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} 2 فإنه لم يرد خيوط إبريسم، وإنما أراد أثوابا من الإبريسم، وأما الدمقس فإنه خيوط الإبريسم محلولة، بدليل قول امرئ القيس:
وشحم كهداب الدمقس المفتل3
فإنه لم يرد إبريسما منسوجا, وإنما أراد خيوط الإبريسم, فالجواب عن ذلك: أنه لو حمل بيت المنخل على ذلك لفسد معناه؛ لأن المرأة لا ترفل في خيوط من الإبريسم، وإنما ترفل في الأثواب منه، وأما قول امرئ القيس "كهداب الدمقس" فإنه لو كان الدمقس هو الخيوط المحلولة من الإبريسم لما
__________
1 البيتان من قصيدته التي مطلعها.
إن كنت عاذلتي فسيري ... نحو العراق ولا تحوري
"الأصمعيات 52"
2 الإنسان 12.
3 الشطر من البيت:
فظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل
والبيت من المعلقة التي مطلعها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول وحومل
"الديوان11"
(3/37)

احتاج أن يقول كهداب, فإن الهداب جمع هدب، ثم قال "المفتل", فدل بذلك على أن الدمقس يطلق على الإبريسم، سواء كان منسوجا أو غير منسوج، وكذلك الحرير أيضا، وعند الاستعمال يفهم المراد منه بالقرينة، ألا ترى أنه لما قال المنخل:
ترفل في الدمقس وفي الحرير
فهم من ذلك أنه أراد أثوابا من الدمقس ومن الحرير؛ لأن الرفول لا يكون في خيوط من الإبريسم، وإنما يكون في أثوابه.
ومما يجري على هذا المنهج قول الآخر من شعراء الحماسة1:
إني وإن كان ابن عمي غائبا ... لمقاذف من خلفيه وورائه
فإن خلفا ووراء بمعنى واحد، وإنما جاز تكرارهما؛ لأنهما قافية, وعلى هذا ورد قول أبي تمام:
دمن كأن البين أصبح طالبا ... دمنا لدى آثارنا وحقودا2
فإن الدمنة هي الحقد. وكذلك قول أبي الطيب المتنبي:
بحر تعود أن يذم لأهله ... من دهره وطوارق الحدثان
__________
1 هو الهذيل بن مشجعة البولاني. المعنى أنه يقاتل دونه إذا كان هو هاديا له، وقد تخلف عنه ابن عمه، ويقاتل وراءه إذا تقدمه ابن عمه، فقوله: "من ورائه" من البين الظاهر أنه بمعنى المقدام "شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 4/ 1680".
2 البيت من قصيدته في مدح خالد بن يزيد الشيباني ومطلعها:
طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا
وفي الديوان "لدى آرامها" بدلا من "لدى آثارنا".
الدمن الأول جمع دمنة وهي آثار القوم في الديار، ثم يسمي المنزل دمنة؛ لأن الدمنة فيه. والدمن الثاني جمع دمنة، وهي الحقد وبقيته في القلب، وعنى بالآرام النساء شبهها بالظباء البيض، يقول إن الفراق طلب عند ظباء هذه الدمن آثارا "ديوان أبي تمام 2/ 411".
(3/38)

فتركته وإذا أذم من الورى ... راعاك واستثنى بني حمدان1
فإن الدهر وطوارق الحدثان سواء، وإنما جاز استعمال ذلك لأنه قافية.
وأما ما ورد في أثناء الأبيات الشعرية فكقول عنترة:
حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم2
فقوله أقوى وأقفر من المعيب؛ لأنهما لفظان وردا بمعنى واحد لغير ضرورة، إذ الضرورة لا تكون إلا في القافية كما أريتك.
وأما ما ورد من صدور الأبيات فكقول البحتري:
ألمت وهل إلمامها بك نافع ... وزارت خيالا والعيون هواجع3
فإن قوله: "ألمت" وقوله: "زارت خيالا" سواء, فلا فرق إذا بين صدر البيت وعجزه, فإن قيل: إنه أراد بالإلمام زيارة اليقظة، ثم قال: "وزارت خيالا" فالجواب عن ذلك أنه لم يرد إلا زيارة المنام في الحالتين؛ لأنه قال: "ألمت وهل
__________
1 البيتان من قصيدته في مدح سيف الدولة عند انصرافه من بلد الروم سنة 345، وأنشده إياها بآمد، ومطلعها:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني
"شرح ديوان المتنبي 3/ 395".
بحر هنا خبر لمبتدأ محذوف، أي: النهر الذي عبره سيف الدولة بحر. يذم لأهله: يجيرهم: الحدثان: نوائب الدهر. بنو حمدان: عشيرة سيف الدولة، أي: إن هذا النهر الذي عبره سيف الدولة بحر تعود أن يجير أصحابه من حوادث الدهر بأن يمنع العدو من العبور إليهم، لكن لما عبرته أنت تركته يجير أهله من كل أحد إلا من بني حمدان، يعني أن غيرك لا يقدر على عبوره.
2 من معلقته التي مطلعها:
هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
3 من قصيدته في مدح الفتح بن خاقان، "الديوان 2/ 76" وفي الديوان لك نافع.
(3/39)

إلمامها بك نافع" ولو كان في اليقظة لما قال: وهل إلمامها بك نافع, فإنه لا نفع أنفع من زيارة المحبوب في اليقظة، وهذا غير خاف لا يحتاج إلى السؤال عنه. فإن قيل: لم أجزت ذلك للناظم وحظرته على الناثر?
قلت في الجواب: أما الناثر فإنه إذا سجع كلامه فالغالب أن يأتي به مزدوجا على فقرتين من الفقر، ويمكنه إبدال تلك الفقرتين بغيرهما، فيسلم منه، وأما الشاعر فإنه يصوغ قصيدا ذا أبيات متعددة على قافية من القوافي، فإذا تكرر لديه شيء من الكلام في آخر بيت من الأبيات عسر إبداله من أجل القافية، وهذا غير خاف، والسؤال عنه غير وارد.
وهذا الذي ذكرته إذا ورد في غير القافية سمي إخلاء، ويقال إن البحتري كان يخلي كثيرًا في شعره، وهو لعمري كذلك، إلا أن حسن سبكه ورونق ديباجته يغفر له ذلك. ويروى عنه أنه كان إذا مثل بين يدي الفتح بن خاقان وزير المتوكل مادحا له اختال بين يديه معجبا بنفسه، فتقدم خطوات ثم تأخر، وقال: أي شيء تسمعون؟ فنقم عليه ذلك بعض حسدته، وحمل الفتح بن خاقان عليه، فقال له الفتح: لو رمانا بالحجارة لكان ذلك مغفورا له فيما يقوله.
(3/40)

النوع الثامن عشر في الاعتراض:
وبعضهم يسميه الحشو, وحده: كل كلام أدخل فيه لفظ مفرد أو مركب لو سقط لبقي الأول على حاله.
مثال ذلك أن تقول: زيد قائم، فهذا كلام مفيد، وهو مبتدأ وخبر، فإذا أدخلنا فيه لفظا مفردا قلنا: زيد والله قائم، ولو أزلنا القسم منه بقي على حاله، وإذا أدخلنا في هذا الكلام لفظا مركبا قلنا: زيد على ما به من المرض
(3/40)

قائم، فأدخلنا بين المبتدأ والخبر لفظا مركبا، وهو قولنا على ما به من المرض, فهذا هو الاعتراض، وهذا حده.
واعلم أن الجائز منه وغير الجائز إنما يؤخذ من كتب العربية، فإنه يكون مستقصى فيها، كالاعتراض بين القسم وجوابه، وبين الصفة والموصوف، وبين المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك مما يحسن استعماله، وكالاعتراض بين المضاف والمضاف إليه، وبين إن واسمها، وبين الجار والمجرور، وأمثال ذلك مما يقبح استعماله، وليس هذا مكانه؛ لأن كتابنا هذا موضوع لمن استكمل معرفة ذلك وغيره مما أشرنا إليه في صدر الكتاب.
وليس المراد ههنا من الاعتراض إلا ما يفرق به بين الجيد والرديء, لا ما يعلم به الجائز وغير الجائز؛ لأن كتابي هذا موضوع لذكر ما يتضمنه الكلام على اختلاف أنواعه من وصفي الفصاحة والبلاغة، فالذي أذكره في باب الاعتراض إنما هو ما اشتمل على شيء من هذين الوصفين المشار إليهما.
قسما الاعتراض:
واعلم أن الاعتراض ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: لا يأتي في الكلام إلا لفائدة وهو جار مجرى التوكيد.
والآخر: أن يأتي في الكلام لغير فائدة، فإما أن يكون دخوله فيه كخروجه منه، وإما أن يؤثر في تأليفه نقصا وفي معناه فسادا.
القسم الأول:
وهو الذي يأتي في الكلام لفائدة كقوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} 1، وذلك اعتراض بين القسم
__________
1 الواقعة: 75, 76.
(3/41)

الذي هو {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} وبين جوابه الذي هو {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الموصوف الذي هو قسم وبين صفته التي هي عظيم, وهو قوله: {تَعْلَمُونَ} فذانك اعتراضان كما ترى.
وفائدة هذا الاعتراض بين القسم وجوابه إنما هي تعظيم شأن المقسم به في نفس السامع، ألا ترى إلى قوله: {لَوْ تَعْلَمُونَ} اعتراضا بين الصفة والموصوف, وذلك الأمر بحيث لو علم وفي حقه من التعظيم.
وهذا مثل قولنا: إن هذا الأمر لعظيم, بحيث لو تعلم يا فلان عظمه لقدرته حق قدره، فإن ذلك يكبره في نفس المخاطب, ويظل متطلعا إلى معرفة عظمه. وكذلك ورد قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} 1.
وتقديره: ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون، فاعترض بين المفعولين بسبحانه، وهو مصدر يدل على التنزيه، فكأنه قال: ويجعلون لله البنات وهو منزه عن ذلك، ولهم ما يشتهون، وفائدة هذا ههنا ظاهرة.
وكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ، قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} 2 فقوله: {لَقَدْ عَلِمْتُمْ} اعتراض بين القسم وجوابه، وفائدته تقرير إثبات البراءة من الفساد والنزاهة من تهمة السرقة، أي: إنكم قد علمتم هذا منا، ونحن مع علمكم به نقسم بالله على صدقه.
وقد ورد الاعتراض في القرآن كثيرا، وذلك في كل موضع يتعلق بنوع من خصوصية المبالغة في المعنى المقصود.
ومن هذا القسم قوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ
__________
1 النحل: 57.
2 يوسف: 72.
(3/42)

قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} 1 فهذا الاعتراض بين إذا وجوابها؛ لأن تقدير الكلام وإذا بدلنا آية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر، فاعترض بينهما بقوله تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} وهو مبتدأ وخبر، وفائدته إعلام القائلين أنه مفتر أن ذلك من الله وليس منه، وأنه أعلم بذلك منهم.
ومن هذا الباب قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} 2.
ألا ترى إلى هذا الاعتراض الذي قد طبق مفصل البلاغة، وفائدته أنه لما أوصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم من المشاق في حمل الولد وفصاله، إيجابا للتوصية بها، وتذكيرا بحقها، وإنما خصها بالذكر دون الأب؛ لأنها تتكلف من أمر الولد ما لا يتكلفه, ومن ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له: من أبر? فقال: "أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك".
ومما جاء على هذا الأسلوب قوله عز وجل: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} 3.
فقوله: {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفائدته أن يقرر في نفوس المخاطبين وقلوب السامعين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك النفس لم يكن نافعا لهم في إخفائه وكتمانه؛ لأن الله تعالى مظهر لذلك، ولو جاء الكلام غير معترض فيه لكان: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} , {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} ، ولا يخفى على البليغ الفرق بين ذلك وبين كونه معترضا فيه.
ومما ورد من ذلك شعرا قول امرئ القيس:
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
__________
1 النحل: 151.
2 لقمان: 14.
3 البقرة: 72.
(3/43)

ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي1
تقديره: كفاني قليل من المال، فاعترض بين الفعل والفاعل بقوله: "ولم أطلب" وفائدته تحقير المعيشة, وأنها تحصل بغير طلب وعناء، وإنما الذي يحتاج إلى الطلب هو المجد المؤثل.
وكذلك قول جرير:
ولقد أراني والجديد إلى بلى ... في موكب طرف الحديث كرام2
تقديره: في موكب طرف الحديث، فاعترض بين المفعولين، وإنما جاء بهذا الاعتراض تعزيا عما مضى من تلك اللذة وذلك النعيم الذي فاز به من عشرة أولئك الأحباب، "فكأنه قال"3: ولقد أعهدني في كذا وكذا من اللذة، وذلك قد مضى وسلف وبلي جديده، وكذلك كل جديد فإنه إلى بلى.
والاعتراض إذا كان هكذا كسا الحديث لطفًا إن كان غزلا، وكساه أبهة وجلالا إن كان مديحا, أما ما يجري مجراه من أساليب الكلام، وإن كان هجاء كساه تأكيدا وإثباتا، كقول كثير عزة:
لو أن الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا4
__________
1 من قصيدته التي مطلعها:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الحالي
"الديوان 39" المؤثل الذي يثمر ويفيد، وهو أيضا الكثير.
2 من قصيدته في الرد على الفرزدق، ومطلعها:
سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام
والبيت في الديوان هكذا:
ولقد أراني والجديد إلى بلى ... في فتية طرف الحديث كرام
"الديوان 551".
3 ما بين قوسين زيادة رأينا أنها توضح المراد.
4 ديوان كثير 1/ 151.
(3/44)

فقوله: وأنت منهم, من محمود الاعتراض ونادره، وفائدته ههنا التصريح بما هو المراد، وتقدير هذا الكلام قبل الاعتراض: لو أن الباخلين رأوك، فاعترض بين اسم أن وهو الباخلين, وبين خبرها وهو رأوك بالمبتدأ, أو الخبر الذي هو "وأنت منهم".
ومن محاسن ما جاء في هذا الباب قول المضرب السعدي:
فلو سألت سراة الحي سلمى ... على أن قد تلون بي زماني
لخبرها ذوو أحساب قومي ... وأعدائي فكل قد بلاني1
وهذا اعتراض بين لو وجوابها، وهو من فائق الاعتراض ونادره، وتقديره: فلو سألت سراة الحي سلمى لخبرها ذوو أحساب قومي وأعدائي، وفائدة: "على أن قد تلون بي زماني" أي: إنهم يخبرون عني على تلون الزمان، يريد تنقل حالاته من خير وشر، وليس من عجمه الزمان وأبان عن جوهره كغيره ممن لم يعجمه ولا أبان عنه.
ومن ذلك قول أبي تمام:
وإن الغنى لي إن لحظت مطالبي ... من الشعر إلا في مديحك أطوع2
__________
1 في الأصل نسبة الشعر للمضرب السعدي، والصواب نسبتهما إلى ابنه سوار "شرح التبريري للحماسة 1/ 125".
2 من قصيدته في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري، ومطلعها:
ألا إنه لولا الخليط المودع ... وربع عفا عنه مصيف ومربع
الديوان 2/ 333" قال أبو الفتح عثمان بن جني: الفصل بين المضاف والمضاف إليه كثير، وقد جاء الطائي الكبير بالتقديم والتأخير فقال: "البيت" وتقديره أن الغنى -لو لحظت مطالبي- أطوع لي من الشعر، إلا في مديحك، أي: فإنه يطيعني في مديحك ويسارع إلي. وهذا كقوله أيضا معنى ولفظا:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل
(3/45)

وهذا البيت فيه اعتراضان:
الأول: بين اسم إن وخبرها، تقديره: وإن الغنى أطوع لي من الشعر، فاعترض بين الاسم والخبر بقوله: "إن لحظت مطالبي".
وأما الاعتراض الثاني: فقوله: "إلا في مديحك" فجاء بالجملة الاستثنائية مقدمة، وموضعها التأخير، فاعترض بها بين الجملة التي هي خبر إن.
وتقدير البيت بجملته: "وإن الغنى أطوع لي من الشعر إن لحظت مطالبي إلا في مديحك" وفائدة قوله: إلا في مديحك, من الاعتراض الذي اكتسب به الكلام رقة وفائدة حسنة، والمراد به وصف جود الممدوح بالإسراع، ووصف خاطر شعره بالإسراع إذا كان في مدحه خاصة دون غيره، فهذا الاعتراض يتضمن مدح الممدوح والمادح معا، وهو من محاسن ما يجيء في هذا الموضع.
وكذلك ورد قوله:
رددت رونق وجهي في صحيفته ... رد الصقال بهاء الصارم الخذم
وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي1
فقوله: "وخير القول أصدقه" اعتراض بين المفعول والفعل؛ لأن موضع حقنت نصب، إذ هو مفعول أبالي، وفائدته إثبات ما ماثل به بين ماء الوجه والدم أي: إن هذا القول صدق ليس بكذب.
القسم الثاني:
وأما القسم الثاني وهو والذي يأتي في الكلام لغير فائدة فهو ضربان:
__________
1 من قصيدته في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف والبيتان في الديوان هكذا:
ردت رونق وجهي في صحيفته ... رد الصقال بوجه الصارم الخذم
وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي
"الديوان 3/ 218" الصقال: الاسم من الصقل: الخدم: السريع القطع.
(3/46)

الضرب الأول: يكون دخوله في الكلام كخروجه منه لا يكتسب به قبحا ولا حسنا، فمن ذلك قول النابغة:
يقول رجال يجهلون خليقتي ... لعل زيادا لا أبا لك غافل1
فقوله: لا أبا لك, من الاعتراض الذي لا فائدة فيه، وليس مؤثرا في البيت حسنا ولا قبحا.
ومثله جاء قول زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم2
وقد وردت هذه اللفظة وهي "أبا لك" في موضع آخر فكان للاعتراض بها فائدة حسنة كقول أبي همام:
عتابك عني لا أبا لك واقصدي3
فإنه لما كره عتابها اعترض بين الأمر والمعطوف عليه بهذه اللفظة على طريق الذم.
الضرب الثاني: وهو الذي يؤثر في الكلام نقصا، وفي المعنى فسادا, وقد تقدم ذكر أمثاله وأنظاره في باب التقديم والتأخير، وإنما جيء بذكره ههنا مكررا لإتمام التقسيم الاعتراضي فيما أفاد وفيما لا يفيد، وقد ذكرت من ذلك مثالا واحدا أو مثالين، فمما ورد منه قول بعضهم:
__________
1 من قصيدة في رثاء النعمان بن المنذر، مطلعها:
دعاك الهوى واستجهلتك المنازل ... وكيف تصابي المرء والشيب شامل
2 من معلقته التي مطلعها.
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراح فالمتثلم
3 لم نعثر على النص في ديوانه.
(3/47)

فقد والشك بين لي عناء ... بوشك فراقهم صرد يصيح1
فإن في هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره لك، وهو الفصل بين قد والفعل الذي هو بين، وذلك قبيح، لقوة اتصال قد بما تدخل عليه من الأفعال ألا تراها تعد مع الفعل كالجزء منه، ولذلك أدخلت عليه اللام المراد بها توكيد الفعل، كقوله تعالى: {لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ} 2 وكقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ} 3 وقول الشاعر:
ولقد أجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور4
إلا أن فصل بين قد والفعل بالقسم, فإن ذلك لا بأس به، نحو قولك: قد والله كان ذاك, وقد فصل في هذا البيت أيضًا بين المبتدأ الذي هو الشك وبين الخبر الذي هو عناء بقوله: بين لي، وفصل بين الفعل الذي هو بين, وبين فاعله الذي هو صرد بخبر المبتدأ الذي هو عناء، فجاء معنى البيت كما تراه كأنه صورة مشوهة قد نقلت أعضاؤها بعضها إلى مكان بعض.
ومن هذا الضرب قول الآخر:
نظرت وشخصي مطلع الشمس ظله ... إلى الغرب حتى ظله الشمس قد عقل
أراد نظرت مطلع الشمس وشخصي ظله إلى الغرب حتى عقل الشمس أي: حاذاها، وعلى هذا التقرير فقد فصل بمطلع الشمس بين المبتدأ الذي هو شخصي وبين خبره الجملة، وهو قوله: ظله إلى الغرب، وأغلظ من ذلك أنه
__________
1 أصل التركيب فقد بين صرد يصيح بوشك فراقهم، والشك لي عناء.
2 الزمر: 65.
3 البقرة: 102.
4 من مقطوعة لعمرو بن معديكرب "شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 3/ 181" الضمير في قوله بها للفرس. والمعنى: أركضها وأستدر جريها، ذهابا في الفرار، واحترازا من الموت، وإني لكثير الهرب إذا كان الهرب أغنى، وإلى مراغمة العدو أدعى.
(3/48)

فصل بين الفعل وفاعله بالأجنبي، وهذا وأمثاله مما يفسد المعاني ويورثها اختلالا.
واعلم أن الناثر في استعمال ذلك أكثر ملاءمة من الناظم، وذاك أن الناظم مضطر إلى إقامة ميزان الشعر، وربما كان مجال الكلام عليه ضيقا، فيلقيه طلب الوزن في مثل هذه الورطات، وأما الناثر فلا يضطر إلى إقامة الميزان الشعري، بل يكون مجال الكلام عليه واسعا، ولهذا إذا اعترض في كلامه اعتراضا يفسده توجه عليه الإنكار، وحق عليه الذم.
(3/49)

النوع التاسع عشر: في الكناية والتعريض
مدخل
...
النوع التاسع عشر في الكناية والتعريض:
وهذا النوع مقصور على الميل مع المعنى وترك اللفظ جانبا, وقد تكلم علماء البيان فوجدتهم قد خلطوا الكناية بالتعريض، ولم يفرقوا بينهما، ولا حدوا كلا منهما بحد يفصله عن صاحبه، بل أوردوا لهما أمثلة من النظم والنثر، وأدخلوا أحدهما في الآخر فذكروا للكناية أمثلة من التعريض، وللتعريض أمثلة من الكناية، فممن فعل ذلك الغانمي1 وابن سنان الخفاجي2 والعسكري3، فأما ابن سنان فإنه ذكر في الكناية قول امرئ القيس:
فصرنا إلى الحسنى ورق كلامها ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال4
__________
1 هو أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي. كان من فضلاء عصره، وله شعر مشهور، وهو من شعراء نظام الملك "اللباب لابن الأثير 3/ 166".
2 الأمير أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجى الحلبي المتوفى سنة 466هـ مؤلف سر الفصاحة.
3 أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري المتوفى سنة 395هـ مؤلف كتاب الصناعتين.
4 البيت من قصيدته التي مطلعها:
ألا عم صباحا أيها الطال البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
"الديوان 27".
صرنا إلى الحسنى: إلى ما تحب من الأمور: رضت: لبنتها بالكلام والمداراة كما يروض البعير أو الحصان بالسير.
(3/49)

وهذا مثال ضربه للكناية على المباضعة، وهو مثال للتعريض1.
ووجدت في كتاب التذكرة لابن حمدون البغدادي وكان مشارا إليه عندهم بفضيلة ومعرفة، لا سيما فن الكتابة، فوجدت في كتابه بابا مقصورا على ذكر الكناية والتعريض، وما قيل فيهما نظما ونثرا، وهو محشو بالخلط بين هذين القسمين من غير فصل بينهما، وقد أورد أيضًا في بعضه أمثلة غثة باردة.
وسأذكر ما عندي في الفرق بينهما، وأميز أحدهما عن الآخر، ليعرف كل منهما على انفراده، فأقول:
الكناية:
أما الكناية فقد حدت بحد، فقيل: هي اللفظ الدال على الشيء على غير الوضع الحقيقي, بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه، كاللمس والجماع، فإن الجماع اسم موضوع حقيقي, واللمس كناية عنه، وبينهما الوصف الجامع، إذ الجماع لمس وزيادة، فكان دالا عليه بالوضع المجازي.
وهذا الحد فاسد؛ لأنه يجوز أن يكون حدا للتشبيه، فإن التشبيه هو اللفظ الدال على غير الوضع الحقيقي لجامع بين المشبه والمشبه به وصفة من الأوصاف، ألا ترى أنا إذا قلنا: زيد أسد، كان ذلك لفظا دالا على غير الوضح الحقيقي، بوصف جامع بين زيد والأسد، وذلك الوصف هو الشجاعة, ومن ههنا وقع الغلط لمن أشرت إليه في الذي ذكره في حد الكناية.
__________
1 قال ابن سنان الخفاجى: ومن هذا الجنس حسن الكناية عما يجب أن يكنى عنه في الموضع الذي لا يحسن فيه التصريح، وذلك أصل من أصول الفصاحة، وشرط من شروط البلاغة, إلى أن قال. ومما يستحسن من الكنايات قول امرئ القيس "البيت" لأنه كنى عن المباضعة بأحسن ما يكون من العبارة "سر الفصاحة 156".
(3/50)

وأما علماء أصول الفقه فإنهم قالوا في حد الكناية: إنها اللفظ المحتمل، يريدون بذلك أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى وعلى خلافه, وهذا فاسد أيضا, فإنه ليس كل لفظ يدل على المعنى وعلى خلافه بكناية.
دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا لم تستح فافعل ما شئت" فإن هذا اللفظ يدل على المعنى وعلى خلافه، وبيان ذلك أنه يقول في أحد معنييه: إنك إذا لم يكن لك وازع يزعك عن الحياء فافعل ما شئت، وأما معناه الآخر فإنه يقول: إذا لم تفعل فعلا يستحى منه فافعل ما شئت، وهذا ليس من الكناية في شيء, فبطل إذا هذا الحد.
ومثال الفقيه في قوله: إن الكناية هي اللفظ المحتمل, مثال من أراد أن يحد الإنسان فأتى بحد الحيوان، فعبر بالأعم عن الأخص, فإنه يقال كل إنسان حيوان, وليس كل حيوان إنسانا, وكذلك يقال ههنا، فإن كل كناية لفظ محتمل، وليس كل لفظ محتمل كناية.
والذي عندي في ذلك أن الكناية إذا وردت تجاذبها جانبا حقيقة ومجاز، وجاز حملها على الجانبين معا، ألا ترى أن اللمس في قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} يجوز حمله على الحقيقة والمجاز، وكل منهما يصح به المعنى، ولا يختل، ولهذا ذهب الشافعي رحمه الله إلى أن اللمس هو مصافحة الجسد الجسد، فأوجب الوضوء على الرجل إذا لمس المرأة، وذلك هو الحقيقة في اللمس، وذهب غيره إلى أن المراد باللمس هو الجماع، وذلك مجاز فيه، وهو الكناية، وكل موضع ترد فيه الكناية فإنه يتجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، ويجوز حمله على كليهما معا، وأما التشبيه فليس كذلك، ولا غيره من أقسام المجاز؛ لأنه لا يجوز حمله إلا على جانب المجاز خاصة، ولو حمل على جانب الحقيقة لاستحال المعنى، ألا ترى أنا إذا قلنا: "زيد أسد"، لا يصح إلا على المجاز خاصة، وذلك أنا شبهنا زيدا بالأسد في شجاعته، ولو حملناه على جانب الحقيقة لاستحال المعنى؛ لأن
(3/51)

زيدا ليس بالحيوان ذا الأربع والذنب والوبر والأنياب والمخالب.
وإذا كان الأمر كذلك فحد الكناية الجامع لها هو: أنها كل لفظة دلت على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز, والدليل على ذلك أن الكناية في أصل الوضع أن تتكلم بشيء وتريد غيره، يقال: كنيت بكذا عن كذا، فهي تدل على ما تكلمت به، وعلى ما أردته في غيره، وعلى هذا فلا تخلو إما أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة، وليس لنا قسم رابع، ولا يصح أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة؛ لأن ذلك هو اللفظ المشترك، وإذا أطلق من غير قرينة تخصصه كان مبهما غير مفهوم، وإذا أضيف إليه القرينة صار مختصا بشيء بعينه، والكناية أن تتكلم بشيء وتريد غيره، وذلك مخالف للفظ المشترك إذا أضيف إليه القرينة؛ لأنه يختص بشيء واحد بعينه لا يتعداه إلى غيره، وكذلك لا يصح أن تكون الكناية في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز؛ لأن المجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها؛ لأنه فرع عليها.
وذلك اللفظ الدال على المجازين إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه أو لا يكون لها شركة، فإن كان لها شركة في الدلالة فيكون اللفظ الواحد قد دل على ثلاثة أشياء: أحدها الحقيقة، وهذا مخالف لأصل الوضع؛ لأن أصل الوضع أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، وههنا تكون قد تكلمت بشيء وأنت تريد شيئين غيره، وإن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة كان ذلك مخالفا للوضع أيضا؛ لأن أصل الوضع أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، فيكون الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به وعلى غيره، وإذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة لم يكن الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به، وهذا محال، فتحقق حينئذ أن الكناية أن تتكلم بالحقيقة وأنت تريد المجاز، وهذا الكلام
(3/52)

في حقيقة الدليل على تحقيق أمر الكناية لم يكن لأحد فيه قول سابق.
واعلم أن الكناية مشتقة من الستر، يقال: كنيت الشيء إذا سترته, وأجري هذا الحكم في الألفاظ التي يستر فيها المجاز بالحقيقة، فتكون دالة على الساتر وعلى المستور معا، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} فإنه إن حمل على الجماع كان كناية؛ لأنه ستر الجماع بلفظ اللمس الذي حقيقته مصافحة الجسد الجسد، وإن حمل على الملامسة التي هي مصافحة الجسد الجسد كان حقيقة، ولم يكن كناية، وكلاهما يتم به المعنى.
وقد تأولت الكناية بغير هذا، وهي أنها مأخوذة من الكنية التي يقال فيها: أبو فلان، فإنا إذا نادينا رجلا اسمه عبد الله وله ولد اسمه محمد فقلنا: يا أبا محمد، كان ذلك مثل قولنا: يا عبد الله، فإن شئنا ناديناه بهذا، أو شئنا ناديناه بهذا، فكلاهما واقع عليه، وكذلك يجري الحكم في الكناية، فإنا إذا شئنا حملناها على جانب المجاز، وإذا شئنا حملناها على الحقيقة، إلا أنه لا بد من الوصف لجامع بينهما، لئلا يلحق بالكناية ما ليس منها، ألا ترى إلى قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} 1 فكنى بذلك عن النساء، والوصف الجامع بينهما هو التأنيث، ولولا ذلك لقيل في مثل هذا الموضع: إن أخي له تسع وتسعون كبشا ولي كبش واحد، وقيل: هذه كناية عن النساء، ومن أجل ذلك لم يلتفت إلى تأويل من تأول قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} 2 أنه أراد بالثياب القلب على حكم الكناية؛ لأنه ليس بين الثياب والقلب وصف جامع، ولو كان بينهما وصف جامع لكان التأويل صحيحا.
__________
1 سورة ص: 23.
2 المدثر: 4.
(3/53)

فإن قيل فما الدليل على اشتقاق الكناية من كنيت الشيء، إذا سترته ومن الكنية?
قلت في الجواب: أما اشتقاقها من كنيت الشيء إذا سترته, فإن المستور فيها هو المجاز؛ لأن الحقيقة تفهم أولا، ويتسارع إليها الفهم قبل المجاز؛ لأن دلالة اللفظ عليها وضعية، وأما المجاز فإنه يفهم بعد فهم الحقيقة، وإنما يفهم بالنظر والفكرة، ولهذا يحتاج إلى دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ فالحقيقة أظهر، والمجاز أخفى، وهو مستور بالحقيقة، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} فإن الفهم يتسارع فيه إلى الحقيقة التي هي ملامسة الجسد الجسد، وأما المجاز الذي هو الجماع فإنه يفهم بالنظر والفكر، ويحتاج الذاهب إليه إلى دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ.
وأما اشتقاقها من الكنية فلأن محمدا في هذه الصورة المذكورة هو حقيقة هذا الرجل، أي: الاسم الموضوع بإزائه أولا، وأما أبو محمد فإنه طارئ عليه بعد عبد الله1؛ لأنه لم يكن له إلا بعد أن صار له ولد اسمه محمد، وكذلك الكناية، فإن الحقيقة لها هو الاسم الموضوع أولًا في أصل الوضع، وأما المجاز فإنه طارئ عليها بعد ذلك؛ لأنه فرع، والفرع إنما يكون بعد الأصل، وإنما يعمد إلى ذلك الفرع للمناسبة الجامعة بينه وبين الأصل على ما تقدم الكلام فيه، وهذا القدر كاف في الدلالة على اشتقاق الكناية من ذينك المعنيين المشار إليهما.
فإن قيل: إنك قد ذكرت أقسام المجاز في باب الاستعارة التي قدمت ذكرها في كتابك هذا، وحصرتها في أقسام ثلاثة وهي: التوسع في الكلام، والاستعارة، والتشبيه، ونراك قد ذكرت الكناية في المجاز أيضا، فهل هي قسم رابع لتلك
__________
1 كان في الأصل قلب بين الاسمين محمد وعبد الله، فصححناهما هكذا ليتلاءم الكلام هنا مع سابقه عند قوله إنها مأخوذة من الكنية.
(3/54)

الأقسام الثلاثة أم هي من جملتها? فإن كانت قسما رابعا، فذلك نقض للحصر الذي حصرته، وإن كانت من جملتها فإنك أعدت ذكرها ههنا مرة ثانية، وهذا المكرر لا حاجة إليه.
فالجواب عن ذلك أني أقول: أما الحصر الذي ذكرته في باب الاستعارة فهو ذاك، ولا زيادة عليه، وأما الكناية فهي جزء من الاستعارة، ولا تأتي إلا على حكم الاستعارة الخاصة؛ لأن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له، وكذلك الكناية، فإنها لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المكنى عنه، ونسبتها إلى الاستعارة نسبة خاص إلى عام، فيقال: كل كناية استعارة، وليس كل استعارة كناية، ويفرق بينهما من وجه آخر، وهو أن الاستعارة لفظها صريح, والصريح هو: ما دل عليه ظاهر لفظه، والكناية: ضد الصريح؛ لأنها عدول عن ظاهر اللفظ، وهذه ثلاثة فروق: أحدها الخصوص والعموم، والآخر الصريح، والآخر الحمل على جانب الحقيقة والمجاز. وقد تقدم القول في باب الاستعارة أنها جزء من المجاز، وعلى ذلك تكون نسبة الكناية إلى المجاز نسبة جزء الجزء وخاص الخاص.
وكان ينبغي أن تذكر الكناية عند ذكر الاستعارة في النوع الأول من هذه الأنواع المذكورة في المقالة الثانية، وإنما أفردتها بالذكر ههنا من أجل التعريض؛ لأن من العادة أن يذكرا جميعًا في مكان واحد.
وقد يأتي في الكلام ما يجوز أن يكون كناية، ويجوز أن يكون استعارة، وذلك يختلف باختلاف النظر إليه بمفرده والنظر إلى ما بعده، كقول نصر بن سيار في أبياته المشهورة التي يحرض بها بني أمية عند خروج أبي مسلم:
أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالزندين تورى ... وإن الحرب أولها كلام
(3/55)

أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام
فإن هبوا فذاك بقاء ملك ... وإن رقدوا فإني لا أنام1
فالبيت الأول لوروده بمفرده كان كناية؛ لأنه يجوز حمله على جانب الحقيقة وحمله على جانب المجاز أما الحقيقة فإنه أخبر أنه رأى وميض جمر في خلل الرماد، وأنه سيضطرم, وأما المجاز فإنه أراد أن هناك ابتداء شر كامن, ومثله بوميض جمر من خلل الرماد، وإذا نظرنا إلى الأبيات في جملتها اختص البيت الأول منها بالاستعارة دون الكناية، وكثيرا ما يرد مثل ذلك ويشكل، لتجاذبه بين الكناية والاستعارة، على أنه لا يشكل إلا على غير العارف.
التعريض:
وأما التعريض: فهو اللفظ الدال على الشيء من طريق المفهوم بالوضع الحقيقي والمجازي، فإنك إذا قلت لمن تتوقع صلته ومعروفه بغير طلب: والله إني لمحتاج, وليس في يدي شيء، وأنا عريان والبرد قد آذاني، فإن هذا وأشباهه تعريض بالطلب، وليس هذا اللفظ موضوعا في مقابلة الطلب، لا حقيقة ولا مجازا، إنما دل عليه من طريق المفهوم، بخلاف دلالة اللمس على الجماع، وعليه ورد التعريض في
__________
1 كان نصر بن سيار واليا على خراسان لهشام بن عبد الملك، وقد بعث إليه بهذه الأبيات يحذره فيها ذيوع السخط على بني أمية هناك, وانتشار الدعوة لبني العباس.
والأبيات في الأغاني 15/ 116 ومروج الذهب 2/ 252 والعقد الفريد 1/ 240. هكذا:
أرى خلل الرماد وميض نار ... ويوشك أن يكون لها ضرام
فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الكلام
فإن لم تطفئوها تجن حربا ... مشمرة بشيب لها الغلام
أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام؟
فإن يك قومنا أضحوا نياما ... فقل قوموا فقد حان القيام
ففري من رحالك ثم قولي ... على الإسلام والعرب السلام
(3/56)

خطبة النكاح، كقولك للمرأة: إنك لخلية وإني لعزب، فإن مثل هذا لا يدل على طلب النكاح حقيقة ولا مجازا.
والتعريض أخفى من الكناية؛ لأن دلالة الكناية لفظية وضعية من جهة المجاز، ودلالة التعريض من جهة المفهوم لا بالوضع الحقيقي ولا المجازي، وإنما سمي التعريض تعريضا؛ لأن المعنى فيه يفهم من عرضه أي: من جانبه، وعرض كل شيء جانبه.
واعلم أن الكناية تشمل اللفظ المفرد والمركب معا، فتأتي على هذا تارة، وعلى هذا تارة أخرى، وأما التعريض فإنه يختص باللفظ المركب، ولا يأتي في اللفظ المفرد ألبتة.
والدليل على ذلك أنه لا يفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة ولا من جهة المجاز، وإنما يفهم من جهة التلويح والإشارة، وذلك لا يستقل به اللفظ المفرد، ولكنه يحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب، وعلى هذا فإن بيت امرئ القيس الذي ذكره ابن سنان مثالا للكناية هو مثال للتعريض, فإن غرض امرئ القيس من ذلك أن يذكر الجماع، غير أنه لم يذكره، بل ذكر كلاما آخر يفهم الجماع من عرضه؛ لأن المصير إلى الحسنى ورقة الكلام لا يفهم منهما ما أراده امرؤ القيس من المعنى لا حقيقة ولا مجازا، وهذا لا خفاء به فاعرفه.
وحيث فرقنا بين الكناية والتعريض وميزنا أحدهما عن الآخر فلنفصلهما ونذكر أقسامهما، ولنبدأ أولًا بالكناية فنقول:
(3/57)

الكناية:
اعلم أن الكناية تنقسم قسمين: أحدهما ما يحسن استعماله، والآخر ما لا يحسن استعماله، وهو عيب في الكلام فاحش, وقد ذهب قوم إلى أن الكناية تنقسم أقساما ثلاثة: تمثيلا وإردافا، ومجاورة.
فأما التمثيل:
فهو أن تراد الإشارة إلى معنى, فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك مثالا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه، كقولهم: فلان نقي الثوب أي: منزه من العيوب.
وأما الإرداف:
فهو أن تراد الإشارة إلى معنى فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك إردافا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه ولازما له، كقولهم: فلان طويل النجاد أي: طويل القامة، فطول النجاد رادف لطول القامة ولازم له، بخلاف نقاء الثوب في الكناية عن النزاهة من العيوب؛ لأن نقاء الثوب لا يلزم منه النزاهة من العيوب، كما يلزم من طول النجاد طول القامة.
وأما المجاورة:
فهي أن تريد ذكر الشيء فتتركه إلى ما جاوره كقول عنترة:
بزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر في الشمال مفدم1
يريد بالزجاجة الخمر، فذكر الزجاجة وكنى بها عن الخمر؛ لأنها مجاورة لها.
__________
1 من معلقته. الأسرة: جمع سر وسرور وهما الخط من خطوط اليد والجبهة وغيرها وتجمع أيضا على أسرار، والأسرار تجمع على أسارير.
أزهر: إبريق مشرق. مفدم: مسدود الرأس بالفدام وهو هنا المصفاة.
(3/58)

وهذا التقسيم ليس صحيح؛ لأن من شرط التقسيم أن يكون كل قسم منه مختصا بصفة خاصة تفصله عن عموم الأصل، كقولنا: الحيوان ينقسم أقساما منها الإنسان، وحقيقته كذا وكذا، ومنها الأسد وحقيقته كذا وكذا، ومنها الفرس وحقيقته كذا وكذا، ومنها غير ذلك، وههنا لم يكن التقسيم كذلك فإن التمثيل على ما ذكر عبارة عن مجموع الكناية؛ لأن الكناية إنما هي أن تراد الإشارة إلى معنى, فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك اللفظ مثالا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه.
ألا ترى إلى قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} 1 فإنه أراد الإشارة إلى النساء، فوضع لفظا لمعنى آخر وهو النعاج، ثم مثل به النساء، وهكذا يجري الحكم في جميع ما يأتى من الكنايات، لكن منها ما يتضح التمثيل فيه, وتكون الشبهية، بين الكناية والمكنى عنه شديدة المناسبة، ومنه ما يكون دون ذلك في الشبهية، وقد تأملت ذلك، وحققت النظر فيه، فوجدت الكناية إذا وردت على طريق اللفظ المركب كانت شديدة المناسبة واضحة الشبهية، وإذا وردت على طريق اللفظ المفرد لم تكن بتلك الدرجة في قوة المناسبة والمشابهة، ألا ترى إلى قولهم: "فلان نقي الثوب"، وقولهم: "اللمس" كناية عن الجماع، فإن نقاء الثوب أشد مناسبة وأوضح شبها؛ لأنا إذا قلنا: نقاء الثوب من الدنس كنزاهة العرض من العيوب اتضحت المشابهة, ووجدت المناسبة بين الكناية والمكنى عنه شديدة الملاءمة، وإذا قلنا: "اللمس كالجماع" لم يكن بتلك الدرجة في قوة المشابهة، وهذا الذي ذكر في أن من الكناية تمثيلا وهو كذا وكذا، غير سائغ ولا وارد، بل الكناية كلها هي ذاك، والذي قدمته من القول هو الحاصر لها، ولم يأت به أحدي غيري كذلك.
__________
1 سورة ص: الآية 3.
(3/59)

وأما الإرداف:
فإنه ضرب من اللفظ المركب, إلا أنه اختص بصفة تخصه، وهي أن تكون الكناية دليلا على المكنى عنه ولازمة له، بخلاف غيرها من الكنايات، ألا ترى أن طول النجاد دليل على طول القامة ولازم له، وكذلك يقال: فلان عظيم الرماد أي: كثير إطعام الطعام، وعليه ورد قول الأعرابية في حديث أم زرع في وصف زوجها: "له إبل قليلات المسارح, كثيرات المبارك، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك"1.
وغرض الأعرابية من هذا القول أن تصف زوجها بالجود والكرم، إلا أنها لم تذكر ذلك باللفظ الصريح، وإنما ذكرته من طريق الكناية على وجه الإرداف الذي هو لازم له.
وكذلك ورد في الأخبار النبوية أيضا، وذاك أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن غسلها من الحيض، فأمر أن تغتسل، ثم قال: "خذي فرصة من مسك فتطهري بها" 2 قالت: كيف أتطهر بها? فقال: "تطهري بها" قالت: كيف أتطهر بها? قال: "سبحان الله تطهري بها". فاجتذبتها عائشة رضي الله تعالى عنها إليها، وقالت: تتبعي بها أثر الدم، فقولها: "أثر الدم" كناية عن الفرج على طريق الإرداف، لأن أثر الدم في الحيض لا يكون إلا في الفرج، فهو رادف له.
ومما ورد في ذلك شعرا قول عمر بن أبي ربيعة:
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم2
__________
1 من وصف الزوجة العاشرة لزوجها، والنص في البخاري "له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك".
"صحيح البخاري 3/ 184".
2 صحيح البخاري 1/ 49.. الفرصة بكسر الفاء خرقة أو قطنة تتمسح بها المرأة من الحيض.
3 شرح ديوان عمر بن أبي ربيعة 200.
(3/60)

فإن بعد مهوى القرط دليل على طول العنق.
ومن لطيف هذا الموضع وحسنه ما يأتي بلفظة مثل، كقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح: "مثلي لا يفعل هذا" أي: أنا لا أفعله، فنفى ذلك عن مثله, ويريد نفيه عن نفسه؛ لأنه إذا نفاه عمن يماثله ويشابهه فقد نفاه عن نفسه لا محالة، إذ هو ينفي ذلك عنه أجدر، وكذلك يقال: "مثلك إذا سئل أعطى" أي: أنت إذا سئلت أعطيت، وسبب ورود هذه اللفظة في هذا الموضع أنه يجعل من جماعة هذه أوصافهم وتثبيتا للأمر وتوكيدا، ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه، ولم يرس فيه قدمه.
وهذا مثل قول القائل إذا كان في مدح إنسان: "أنت من القوم الكرام" أي: لك في هذا الفعل سابقة، وأنت حقيق به، ولست دخيلا فيه.
وقد ورد هذا في القرآن الكريم في قوله تعالى: {ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1 والفرق بين قوله: {ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وبين قوله: ليس كالله شيء, هو ما أشرت إليه، وإن كان سبحانه وتعالى لا مثل له حتى يكون لمثله مثل، وإنما ذكر ذلك على طريق المجاز قصدًا للمبالغة.
وقد يأتي هذا الموضع بغير لفظة مثل وهي مقصودة، كقولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم أي: "أنت لا تخفر الذمم"، وهذا أبلغ من قولك: أنت لا تخفر الذمم، لما أشرت إليه. وعلى نحو من هذا جاء قول أبي الطيب المتنبي:
ألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل2
__________
1 الشورى: 11.
2 من قصيدة في رثاء أبي الهيجاء عبد الله بن سيف الدولة وقد توفي سنة 338هـ، والبيت في الديوان:
ألست من القوم الألى من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل
"ديوان المتنبي 3/ 211".
(3/61)

وإذا فرغت من ذكر الأصول التي قدمت ذكرها فإني أتبعها بضرب الأمثلة نثرا ونظما، حتى يزداد ما ذكرته وضوحا.
فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} 1، فإنه كنى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة، فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله.
فأما جعل الغيبة كأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدا؛ لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم، وتمزيق العرض مماثل لأكل لحم الإنسان لحم من يغتابه؛ لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة، وأما جعله كلحم الأخ فلما في الغيبة من الكراهة؛ لأن العقل والشرع مجتمعان على استكراهها, آمران بتركها والبعد عنها، ولما كانت كذلك جعلت بمنزلة لحم الأخ في كراهته، ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر، إلا أنه لا يكون مثل كراهته لحم أخيه، وهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة، وأما جعل اللحم ميتا فمن أجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحس بها، وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة, فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة والشهوة لها مع العلم بقبحها.
فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكناية تجدها من أشد الكنايات شبها؛ لأنك إذا نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع التي أشرنا إليها وجدتها مناسبة لما قصدت له.
وكذلك ورد قوله تعالى: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ
__________
1 الحجرات: 12.
(3/62)

وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا} 1 والأرض التي لم يطئوها كناية عن مناكح النساء، وذلك من حسن الكناية ونادره.
وكذلك ورد قوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا} 2 فكنى بالماء عن العلم, وبالأودية عن القلوب وبالزبد عن الضلال، وهذه الآية قد ذكرها أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الموسوم بإحياء علوم الدين, وفي كتابه الموسوم بالجواهر, والأربعين, فأشار بها إلى أن في القرآن الكريم إشارات وإيماءات لا تنكشف إلا بعد الموت، وهذا يدل على أن الغزالي رحمه الله لم يعلم أن هذه الآية من باب الكنايات التي لفظها يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز, وقد رأيت جماعة من أئمة الفقه لا يحققون أمر الكناية، وإذا سئلوا عنها عبروا عنها بالمجاز, وليس الأمر كذلك، وبينهما وصف جامع, كهذه الآية وما جرى مجراها، فإنه يجوز حمل الماء على المطر النازل من السماء، وعلى العلم، وكذلك يجوز حمل الأودية على مهابط الأرض وعلى القلوب، وهكذا يجوز حمل الزبد على الغثاء الرابي الذي تقذفه السيول، وعلى الضلال، وليس في أقسام المجاز شيء يجوز حمله على الطرفين معا سوى الكناية.
وبلغني عن الفراء النحوي أنه ذكر في تفسيره آية، وزعم أنها كناية، وهي قوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} 3 فقال: إن الجبال كناية عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما جاء به من الآيات.
وهذه الآية من باب الاستعارة، لا من باب الكناية؛ لأن الكناية لا تكون إلا فيما جاز حمله على جانبي المجاز والحقيقة، والجبال ههنا لا يصح بها المعنى إلا إذا حملت على جانب المجاز خاصة؛ لأن مكر أولئك لم يكن لتزول منه جبال الأرض، فإن ذلك محال.
__________
1 الأحزاب: 27.
2 الرعد: 17.
3 إبراهيم: 46.
(3/63)

وأما ما ورد منها في الأخبار النبوية فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه كانت امرأة فيمن كان من قبلنا، وكان لها ابن عم يحبها، فراودها عن نفسها، فامتنعت عليه، حتى إذا أصابتها شدة فجاءت إليه تسأله، فراودها، فمكنته من نفسها، فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة قالت له: لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه, فقام عنها وتركها"، وهذه كناية واقعة في موقعها.
ومن ذلك أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رويدك سوقك بالقوارير" 1, يريد بذلك النساء، فكنى عنهن بالقوارير، وذاك أنه كان في بعض أسفاره وغلام أسود اسمه أنجشة يحدو، فقال له: "يا أنجشة رويدك بالقوارير" وهذه كناية لطيفة.
وكذلك ورد حديث الحديبية وذاك أنه لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الركية2, جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من أهل تهامة، فقال: "تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا عداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت"3, وهذه كناية عن النساء والصبيان، والعوذ: جمع عائذ، وهي الناقة التي وضعت وقوي ولدها، وهذا يجوز حمله
__________
1 كان أنجشة يحدو بالنساء ركابهن, ويرتجز بنسيب الشعر والرجز وراءهن، فلم يؤمن أن يصيبهن ما يسمعن من رقيق الشعر فيهن، أو يقع في قلوبهن حداؤه، فأمر أنجشة بالكف عن نشيده وحدائه حذار صبوتهن إلى غير الجميل. وقيل إن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت فأزعجت الراكب فأتعبته فنهاه عن ذلك؛ لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة. "لسان العرب مادة قرر والنهاية لابن الأثير 3/ 240.
2 الركية: البئر.
3 العوذ: جمع عائذ وهي من الإبل الحديثة النتاج. المطافيل: التي معها أولادها، يريد أنهم خرجوا ومعهم النساء والصبيان.
وفي سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري أن الذي لقى النبي صلى الله عليه وسلم بشر بن سفيان الكعبي أو بسر، وأنه لقيه بعسفان، وهو منهل بين الجحفة ومكة أو بين المسجدين، أو غير ذلك. فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدا.
"سيرة ابن هشام 2/ 309 وتاريخ الطبري 3/ 72".
(3/64)

على طريق الحقيقة، كما جاز حمله على طريق المجاز, أي: معهم الأموال من الإبل، وهي كانت جل أموال العرب: أي إنهم أحضروا أموالهم ليقاتلوا دونها، ولما جاز حمل العوذ المطافيل على النساء والصبيان وعلى الأموال كان من باب الكناية.
ومن ذلك ما ورد في إقامة الحد على الزاني، وهو أن يشهد عليه برؤية الميل في المكحلة وذلك كناية عن رؤية الفرج في الفرج.
ومن لطيف الكنايات أن امرأة جاءت إلى عائشة رضي الله عنها فقالت لها: "أقيد جملي?" فقالت عائشة رضي الله عنها: "لا", أرادت المرأة أن تضع لزوجها شيئا يمنعه عن غيرها أي: تربطه أن يأتي غيرها، فظاهر هذا اللفظ هو تقييد الجمل، وباطنه ما أرادته المرأة وفهمته عائشة منها.
وكذلك يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وذاك أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: "وما أهلكك" قال: حولت رحلي البارحة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة".
ويروى أن عمرو بن العاص زوج ولده عبد الله رضي الله عنه، فمكثت المرأة عنده ثلاث ليال لم يدن منها، وإنما كان ملتفتا إلى صلاته، فدخل عمرو بعد ثلاث، فقال: كيف ترين بعلك? فقالت: نعم البعل إلا أنه لم يفتش لنا كنفا ولا قرب لنا مضجعا، فقولها: لم يفتش لنا كنفا ولا قرب لنا مضجعا من الكناية الغراء الظاهرة.
ومن ألطف ما بلغني في هذا قول عبد الله بن سلام، فإنه رأى على رجل ثوبا معصفرا، فقال: "لو أن ثوبك في تنور أهلك أو تحت قدرهم كان خيرا"، فذهب الرجل وأحرقه، نظرا إلى حقيقة قول عبد الله, وظاهر مفهومه، وإنما أراد
(3/65)

المجاز منه، وهو أنك لو صرفت ثمنه إلى دقيق تخبزه أو حطب تطبخ به كان خيرا، والمعنى متجاذب بين هذين الوجهين، فالرجل فهم منه الظاهر الحقيقي فمضى وأحرق ثوبه، ومراد عبد الله غيره.
ومن هذا القسم ما ورد من أمثال العرب كقولهم: إياك وعقيلة الملح، وذاك كناية عن المرأة الحسناء في منبت السوء، فإن عقيلة الملح هي اللؤلؤة وتكون في البحر فهي حسنة وموضعها ملح.
وكذلك قولهم: لبس له جلد النمر، كناية عن العداوة.
وقد يقاس على هذا أن يقال: لبس له جلد الأسد، ولبس له جلد الذئب، ولبس له جلد الأرقم؛ لأن هذا كله مثل قولهم: لبس له جلد النمر، إذ العداوة محتملة في الجميع.
وكذلك قولهم: "قلب له ظهر المجن" كناية عن تغيير المودة.
ومما ورد في ذلك شعرا قول أبي نواس:
لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره1
وهذا له حكاية، وهو أنه كان لأبي نواس صديقة تغشاه، فقيل له: إنها تختلف إلى آخر من أهل الريب، فلم يصدق ذلك حتى تبعها يوما من الأيام, فرآها تدخل منزل ذلك الرجل، ثم إن ذلك الرجل جاءه، وكان صديقا له، فكلمه، فصرف وجهه عنه، ثم نظم قصيدته المشهورة التي مطلعها:
أيها المنتاب عن عفره
وهذا البيت من جملة أبياتها.
وكذلك ورد قوله أيضا:
__________
1 من قصيدته في مدح العباس بن عبيد الله، التي مطلعها:
أيها المنتاب عن عفره ... لست من ليلى ولا من سمره
"الديوان: 427".
المنتاب: المتردد مرة بعد مرة. العفر: بسكون الفاء من ليالي الشهر السابعة والثامنة والتاسعة. وحرك الفاء لضرورة الشعر، يقول: أيها الزائر للسمر والحديث لست مني ولست منك؛ لأن ليلى لا يشبه ليلك، وسمري بعيد عن سمرك؛ لأني وفي وأنت غادر.
(3/66)

وناظرة إلي من النقاب ... تلاحظني بطرف مستراب
كشفت قناعها فإذا عجوز ... مموهة المفارق بالخضاب
فما زالت تحمسني طويلا ... وتأخذ في أحاديث التصابي
تحاول أن يقوم أبو زياد ... ودون قيامه شيب الغراب
أتت بجرابها تكتال فيه ... فقامت وهي فارغة الجراب1
فقوله: أتت بجرابها تكتال فيه كناية، إذ الجراب يجوز حمله على الحقيقة والمجاز، وكذلك الكيل أيضا.
ومما جاء من هذا الباب أيضا قول أبي تمام في قصيدته التي يستعطف بها مالك بن طوق على قومه، ومطلعها:
أرض مصردة وأرض منجم
ما لي رأيت ترابكم يبس الثرى ... ما لي أرى أطوادكم تتهدم2
فيبس الثرى كناية عن تنكر ذات البين، تقول: يبس الثرى بيني وبين فلان، إذا تنكر الود الذي بينك وبينه، وكذلك "تهدم الأطواد" فإنه كناية عن خفة الحلوم وطيش العقول.
__________
1 ليست في الديوان.
2 مطلع القصيدة في الديوان:
أرض مصردة وأخرى تثجم
مصردة: قليلة الري والمطر. تثجم: يدوم عليها المطر.
والبيت في الديوان هكذا:
ما لي رأيت ترابكم يبسا له ... ما لي أرى أطوادكم تتهدم
الضمير في "له" يعود على شخص مذكور في القصيدة من قبل اسمه مالك، أغضبه هؤلاء وهو عظيم جليل النفع. "الديوان 199".
(3/67)

ومن الكناية الحسنة قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي يعاتب فيها سيف الدولة بن حمدان التي مطلعها:
واحر قلباه ممن قلبه شبم
وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم1
يشير بذلك إلى أن سيف الدولة يستوي في المنال منه هو وغيره، فهو البازي، وغيره الرخمة، وإن حمل المعنى على جانب الحقيقة كان جائزا.
وعلى هذا ورد قول الأقيشر الأسدي، وكان عنينا لا يأتي النساء وكان كثيرًا ما يصف ذلك من نفسه، فجلس إليه يوما رجل من قيس، فأنشد الأقيشر:
ولقد أروح بمشرف ذي ميعة ... عسر المكرة ماؤه يتفصد
مرح يطير من المراح لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتقدد2
__________
1 الديوان 4/ 116 مطلع القصيدة:
واحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم
شبم: بارد. الشهب: جمع أشهب وهو ما فيه بياض يخالطه سواد، الرخيم: جمع رخمة وهي طائر من الجوارح الكبيرة الجسم الوحشية الطباع، قالوا إنه موصوف بالغدر والقذر. البزاة: جمع باز وهو ضرب من الصقور.
2 الميعة: المراد بها القوة والنشاط، من ماع الشيء يميع إذا جرى على وجه الأرض منبسطا، وماع الفرس إذا جرى.
يتفصد: يسيل ويجري على الأرض.
والبيتان في الأغاني "10/ 83" هكذا.
ولقد أروح بمشرف ذي شعرة ... عسر المكرة ماؤه يتفصد
مرح يطير من اللعاب مراحه ... وتكاد جلدته به تتقدد
والصواب الأقيشر كما في الأغاني لا الأقيس كما في الأصل. ويتفصد بالفاء لا بالقاف كما كانت بالأصل.
(3/68)

ثم قال له: أتبصر الشعر? قال: نعم، قال: فما وصفت? قال: فرسا، قال: أفكنت تركبه لو رأيته? قال: إي والله وأثني عطفه، فكشف له عن أيره، وقال: هذا وصفت، فقم فاركبه، فوثب الرجل من مكانه، وقال: قبحك الله من جليس سائر اليوم.
وكذلك أيضًا يحكى أنه وفد سعيد بن عبد الرحمن على هشام بن عبد الملك، وكان جميل الوجه، فاختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب الوليد بن يزيد، فراوده عن نفسه، فوثب من عنده، ودخل على هشام وهو يقول:
إنه والله لولا أنت لم ... ينج مني سالما عبد الصمد
فقال هشام: ولم ذلك? قال:
إنه قد رام مني خطة ... لم يرمها قبله مني أحد
قال: ما هي? قال:
راح جهلا بي وجهلا بأبي ... يدخل الأفعى على حبس الأسد1
قال: فضحك هشام، وقال: لو فعلت به شيئا لم أنكره عليك.
ومن ألطف ما سمعته في هذا الباب قول أبي النواس في الهجاء:
إذا ما كنت جار أبي حسين ... فنم ويداك في طرف السلاح
فإن له نساء سارقات ... إذا ما بتن أطراف الرماح
سرقن وقد نزلت عليه أيري ... فلم أظفر به حتى الصباح
__________
1 حبس الأسد: المراد غيله؛ لأن الحبس الجبل العظيم ونطاق الهودج وثوب يطرح على الفراش للنوم عليه.
(3/69)

فجاء وقد تخدش جانباه ... يئن إلي من ألم الجراح1
فتعبيره عن العضو المشار إليه بأطراف الرماح تعبير في غاية اللطافة والحسن.
وقد أدخل في باب الكناية ما ليس منه، كقول نصيب:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب2
فهذا يروى عن الجاحظ، وما أعلم كيف ذهب عليه مع شهرته بالمعرفة بفن الفصاحة والبلاغة، فإن الكناية هو ما جاز حمله على جانب الحقيقة, كما يجوز حمله على جانب المجاز، وههنا لا يصح ذلك، ولا يستقيم؛ لأن الثناء للحقائب لا يكون إلا مجازا، وهذا من باب التشبيه المضمر الأداة الخارج عن الكناية، والمراد به أن في الحقائب من عطاياك ما يعرب عن الثناء لو سكت أصحابها عنه.
ما يقبح ذكره من الكناية:
وأما القسم المختص بما يقبح ذكره من الكناية فإنه لا يحسن استعماله؛ لأنه عيب في الكلام فاحش، وذلك لعدم الفائدة المرادة من الكناية فيه.
فما جاء منه قول الشريف الرضي يرثي امرأة:
إن لم تكن نصلا فغمد نصال3
__________
1 ليست الأبيات في ديوان أبي نواس المطبوع.
2 الصناعتين 214 وعيون الأخبار 1/ 299، والأغاني 1/ 130 من مقطوعة في مدح سليمان بن عبد الملك.
3 البيت في الديوان هكذا.
إلا يكن نصلا فغمد نصول ... غالته أحداث الزمان بغول
أولا يكن بأبي شبول ضيغم ... تدمى أظافره فأم شبول
في تعزية أبي سعيد علي بن محمد بن أبي خلف عن أخت له توفيت.
"ديوان الشريف الرضي 2/ 677".
(3/70)

وفي هذا من سوء الكناية ما لا خفاء به، فإن الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ما يقبح ذكره، وهذا المعنى أخذه من قول الفرزدق فمسخه وشوه صورته، فإن الفرزدق رثى امرأته فقال:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث إليه البواكيا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو أن المنايا أمهلته لياليا1
وهذا حسن بديع في معناه، وما كني عن امرأة ماتت بجمع2 أحسن من هذه الكناية ولا أفخم شأنا، فجاء الشريف الرضي فأخذ معناها وفعل به ما ترى، وليس كل من تصرف في المعاني أحسن في تصريفها، وأبقى هذه الرموز في تأليفها.
وقد عكس هذه القصة مع أبي الطيب المتنبي فأحسن فيما أساء به أبو الطيب طريق الكناية فأخطأ حيث قال:
إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها3
وهذه كناية عن النزاهة والعفة، إلا أن الفجور أحسن منها.
وقد أخذ الشريف الرضي هذا المعنى فأبرزه في أحسن صورة حيث قال:
__________
1 البيتان في الديوان هكذا:
وغمد سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو أن الليالي أنسأته لياليا
"الديوان 2/ 894".
2 ماتت المرأة بجمع: مثلثة أن عذراء أو حاملا أو مثقلة والمراد هنا أنها حامل.
3 من قصيدته في مدح أبي أيوب أحمد بن عمران "الديوان 1/ 255" وقد ذكره أبو هلال في الصناعتين وعابه 375. قال الصاحب بن عباد: كان الشعراء يصفون المآزر تنزيها لألفاظها عما يستشنع، حتى تخطى هذا الشاعر المطبوع إلى التصريح، وكثير من العهر أحسن عندي من هذا العفاف. واعتذر بعضهم عن المتنبي بأنه قال: سرابيلاتها، جمع سربال وهو القميص، وكذا رواه الخوارزمي، يريد أنه مع حبه لوجههن يعف عن أبدانهن.
(3/71)

أحن إلى ما تضمن الخمر والحلى ... وأصدف عما في ضمان المآزر1
وأمثال هذا كثير، وفيما ذكرناه من هذين المثالين مقنع.
وأما التعريض فقد سبق الإعلام به، وعرفناك الفرق بينه وبين الكناية, فما جاء منه قوله تعالى: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} 2, وغرض إبراهيم عليه السلام من هذا الكلام إقامة الحجة عليهم؛ لأنه قال: {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} وذلك على سبيل الاستهزاء، وهذا من رموز الكلام، والقول فيه أن قصد إبراهيم عليه السلام لم يرد به نسبة الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقديره لنفسه وإثباته على أسلوب تعريض يبلغ فيه غرضه من إلزام الحجة عليهم والاستهزاء بهم، وقد يقال في هذا غير ما أشرت إليه، وهو أن كبير الأصنام غضب أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها، وغرض إبراهيم عليه السلام من ذلك أنه لا يجوز أن يعبد مع الله تعالى من هو دونه، فإن من هو دونه مخلوق من مخلوقاته، فجعل إحالة القول إلى كبير الأصنام مثالا لما أراده.
ومن هذا القسم أيضًا قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} 3 فقوله: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} تعريض بأنهم أحق بالنبوة، وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم، فقالوا: هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم في المنزلة فما جعلك أحق منهم بها? ألا ترى إلى قولهم: {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} .
__________
1 من قصيدته في مدح أبي سعيد بن خلف التي مطلعها:
بغير شفيع نال عفو المقادر ... أخو الجد لا مستنصرا بالمعاذر
وفي الديوان "يحن" بدلا من "أحن" ويصدف بدلا من أصدف "الديوان 343"
2 الأنبياء: 63.
3 هود: 27.
(3/72)

وكان مروان بن الحكم واليا على المدينة من قبل معاوية فعزله, فلما قدم عليه قال له: عزلتك لثلاث لو لم تكن إلا واحدة منهن لأوجبت عزلك: إحداهن أني أمرتك على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تشتفي منه، والثانية كراهتك أمر زياد، والثالثة أن ابنتي رملة استعدتك على زوجها عمر بن عثمان فلم تعدها.
فقال له مروان: أما عبد الله بن عامر فإني لا أنتصر منه في سلطاني، ولكن إذا تساوت الأقدام علم أين موضعه، وأما كراهتي أمر زياد فإن سائر بني أمية كرهوه، وأما استعداء رملة على عمر بن عثمان فوالله إنه لتأتي على سنة وأكثر وعندي بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا، يريد بذلك أن رملة بنت معاوية إنما استعدت لطلب الجماع، فقال له معاوية: يابن الوزغ1 لست هناك، فقال له مروان: هو ذاك، وهذا من التعريضات اللطيفة.
ومثله في اللطافة ما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذاك أنه كان يخطب يوم جمعة، فدخل عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال له عمر: أية ساعة هذه? فقال عثمان: يا أمير المؤمنين انقلبت من أمر السوق فسمعت النداء، فما زدت على أن توضأت، فقال عمر: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا بالغسل2.
فقوله: "أية ساعة هذه" تعريض بالإنكار عليه لتأخره عن المجيء إلى الصلاة وترك السبق إليها، وهو من التعريض المعرب عن الأدب.
ووقفت في كتاب العقد3 على حكاية تعريضية حسنة الموقع، هي أن
__________
1 الوزغ: الرجل الفاسد المريض الفسل. والوزغة محركة سام أبرص جمعها وزغ.
2 في الصناعتين 16 ذكر لهذا الحوار موجز, وفي نهايته: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى الجمعة فليغتسل".
3 العقد الفريد لابن عبد ربه.
(3/73)

امرأة وقفت على قيس بن عبادة فقالت: "أشكو إليك قلة الفأر في بيتي" فقال: ما أحسن ما ورت عن حاجتها، املئوا لها بيتها خبزا وسمنا ولحما.
ومن خفي التعريض وغامضه ما ورد في الحديث الشريف، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وهو محتضن أحد ابني بنته، وهو يقول: "والله إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون، وإنكم من ريحان الله، وإن آخر وطأة وطئها الله بوج" 1.
اعلم أن وجا واد بالطائف, والمراد به غزوة حنين، وحنين: واد قبل وج؛ لأن غزوة حنين آخر غزوة أوقع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المشركين، وأما غزوتا الطائف وتبوك اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيهما وطأة، أي: قتال، وإنما كانتا مجرد خروج إلى الغزو من غير ملاقاة عدو ولا قتال.
ووجه عطف هذا الكلام وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "وإن آخر وطأة وطئها الله بوج" على ما قبله من الحديث هو التأسف على مفارقة أولاده لقرب وفاته؛ لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان، ووفاته صلى الله عليه وسلم كانت في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فكأنه قال: وإنكم من ريحان الله أي: من رزقه، وأنا مفارقكم عن قريب، إلا أنه صانع عن قوله: وأنا مفارقكم عن قريب بقوله: "وإن آخر وطأة وطئها الله بوج " وكان ذلك تعريضا بما أراده وقصده من قرب وفاته صلى الله عليه وسلم.
ومما ورد في هذا الباب شعرا قول الشميذر الحارثي:
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا2
__________
1 اسم واد بالطائف لا بلد به ومنه، "آخر وطأة وطئها الله بوج" يريد غزوة حنين لا الطائف "القاموس المحيط مادة وج".
2 الصواب الشميذر وكانت بالأصل الشميرد. ورد الشعر في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي "1/ 124" وللتبريزي "1/ 61".
الغمير على وزن زبير موضع قرب ذات عرق وموضع بديار بني كلاب.
(3/74)

وليس قصده ههنا الشعر، بل قصده ما جرى لهم في هذا الموضع من الظهور عليهم والغلبة، إلا أنه لم يذكر ذلك بل ذكر الشعر، وجعله تعريضا لما قصده: أي لا تفخروا بعد تلك الواقعة التي جرت لكم ولنا بذلك المكان.
ومن أحسن التعريضات ما كتبه عمرو بن مسعدة الكاتب إلى المأمون في أمر بعض أصحابه، وهو: "أما بعد، فقد استشفع بي فلان إلى أمير المؤمنين، ليتطول في إلحاقه بنظرائه من الخاصة، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته".
فوقع المأمون في ظهر كتابه: "قد عرفت تصريحك وتعريضك لنفسك، وقد أجبناك إليهما"1.
واعلم أن هذين القسمين من الكناية والتعريض قد وردا في غير اللغة العربية، ووجدتهما في اللغة السريانية، فإن الإنجيل الذي في أيدي النصارى قد أتى منهما بالكثير.
ومما وجدته من الكناية في لغة الفرس: أنه كان رجل من أساورة2 كسرى وخواصه, فقيل له: إن الملك يختلف إلى امرأتك، فهجرها لذلك، وترك فراشها، فأخبرت كسرى، فدعاه وقال له: قد بلغني أن لك عينا عذبة وأنك لا تشرب منها، فما سبب ذلك? قال: أيها الملك، بلغني أن الأسد يردها فخفته، فاستحسن كسرى منه هذا الكلام وأسنى عطاءه.
__________
1 في الصناعتين نص هذه الرسالة مع تغيير 368.
2 الأساورة: جمع أسوار بضم الهمزة وكسرها وهو القائد من الفرس أو هو الفارس.
(3/75)

النوع العشرون في المغالطات المعنوية:
وهذا النوع من أحلى ما استعمل في الكلام وألطفه، لما فيه من التورية, وحقيقته أن يذكر معنى من المعاني له مثل في شيء آخر ونقيض، والنقيض أحسن موقعا، وألطف مأخذا. فالأول الذي يكون له مثل يقع في الألفاظ المشتركة، فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي:
يشلهم بكل أقب نهد ... لفارسه على الخيل الخيار
وكل أصم يعسل جانباه ... على الكعبين منه دم ممار
يغادر كل ملتفت إليه ... ولبته لثعلبه وجار1
فالثعلب هو هذا الحيوان المعروف، والوجار اسم بيته، والثعلب أيضًا هو طرف سنان الرمح، فلما اتفق الاسمان بين الثعلبين حسن ذكر الوجار في طرف السنان، وهذا نقل المعنى من مثله إلى مثله.
وعليه ورد قول المتنبي:
برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان
__________
1 من قصيدته في مدح سيف الدولة لما أوقع ببني عقيل وقشير وبني العجلان وبني كلاب حين عانوا وخالفوا عليه "الديوان 2/ 243".
يشلهم: يطردهم. الأقب: الضامر البطن. نهد: مرتفع. يقول: إنه يطردهم بكل فرس ضامر نهد لفارسه لخيار، إن شاء لحق وإن شاء سبق. أصم: رمح صلب ليس بأجوف. يعسل: يضطرب. ممار: مسال مهرق. يغادر: يترك والضمير للرمح. اللبة: أعلى الصدر. الثعلب. المراد هنا ما دخل من الرمح في السنان. الوجار: بيت الوحش من ضبع وثعلب ونحوهما يقول: إن هذا الرمح يترك من يلتفت إليه من الأعداء ونحره مطعون يدخل ثعلبه في نحره.
(3/76)

كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يماني1
فإن شبيبا الخارجي الذي خرج على كافور الإخشيدي، وقصد دمشق وحاصرها، وقتل على حصارها، كان من قيس، ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب، وأخبار ذلك مشهورة.
والسيف يقال له يماني في نسبته إلى اليمن، ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه: أنت يماني وصاحبك قيسي، ولهذا جانبه السيف وفارقه, وهذه مغالطة حسنة, وهي كالأولى إلا أنها أدق وأغمض.
وكذلك ورد قول بعضهم من أبيات يهجو بها شاعرا، فجاء من جملتها قوله:
وخلطتم بعض القرآن ببعضه ... فجعلتم الشعراء في الأنعام
ومعنى هذا أن الشعراء اسم سورة من القرآن الكريم, والأنعام اسم سورة أيضا، والشعراء جمع شاعر، والأنعام ما كان من الإبل والبقر. وكذلك ورد قول بعض العراقيين يهجو رجلا كان على مذهب أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي رضي الله عنه:
من مبلغ عني الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي لديه الرسائل
__________
1 من قصيدته في مدح كافور الإخشيدي بعد قتل شبيب العقيلي بدمشق سنة 348 لما خرج عليه. "الديوان 4/ 472".
كان شبيب من القرامطه، وكانوا مع سيف الدولة، وتولى شبيب معرة النعمان دهرا طويلا، ثم اجتمع إليه جماعة من العرب فوق عشرة آلاف، وأراد أن يخرج على كافور، وقصد دمشق فحاصرها، فيقال إن امرأة ألقت عليه رحى فصرعته فانهزم من كانوا معه، ويقال إنه حدث به صرع من الخمر فتركه أصحابه ومضوا فأخذه أهل دمشق وقتلوه.
قيس: من قيس العدنانية. يماني: من اليمانية.
وكان بين هؤلاء وأولئك شقاق وتنازع واختلاف، يقول: كأن رقاب الناس أغرت بينه وبين سيفه لكثرة قطعه إياها، فقالت لسيفه: إن شبيبا الذي يصاحبك قيسي وأنت يمني، والسيوف الجيدة تنسب إلى اليمن، ففارقه سيفه لما عرف أنه مخالف له في الأصل.
(3/77)

تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ... وفارقته إذ أعوزتك المآكل
وما اخترت رأي الشافعي تدينا ... ولكنما تهوى الذي منه حاصل
وعما قليل أنت لا شك صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل
ومالك هو مالك بن أنس صاحب المذهب رضي الله عنه، ومالك هو خازن النار وهذه مغالطة لطيفة.
ومن أحسن ما سمعته في هذا الباب قول أبي العلاء بن سليمان في الإبل1:
صلب العصا بالضرب قد دماها ... تود أن الله قد أفناها
إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها2
فالضرب: لفظ مشترك، يطلق على الضرب بالعصا، وعلى الضرب في الأرض، وهو السير فيها، وكذلك دماها فإنه لفظ مشترك يطلق على شيئين: أحدهما يقال دماه، إذا أسال دمه، ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة، وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب، وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية، يقال: أفناه إذا أذهبه، وأفناه إذا أطعمه الفنا، وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى
__________
1 يريد الشاعر الفيلسوف أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري المولود بالمعرة سنة 363هـ والمتوفى بها سنة 449هـ.
2 ليس البيتان بسقط الزند ولا باللزوميات وقد جاء بلسان العرب مادة "دمي": دمي الراعي الماشية جعلها كالدمي، وأنشد أبو العلاء:
صلب العصا برعية دماها ... يود أن الله قد أفناها
أي: إنه أرعاها فسمنت حتى صارت كالدمى.
وذكر في مادة "فتى" أن الراجز وصف راعي غنم فقال:
صلب العصا بالضرب قد دماها ... يقول ليث الله قد أفناها
وأفناها أي: أنبت لها الفنا وهو عنب الذئب حتى تغزر وتسمن.
وجاء في كتاب العصا لأسامة بن منقذ "نوادر المخطوطات 188". "قال الراعي يصف راعيا:
صلب العصا بضربة دماها ... إذا أراد رشدا أغواها
والضربة هي السيرة والسفرة، ودماها أي: تركها كالدمية، وأغواها أي: أرعاها. الغواء وهو نبت تسمن عليه الإبل".
(3/78)

نبتان1 يقال: أغواه إذا أضله، وأغواه إذا أطعمه الغوى، ويقال: طلب رشدا، إذا طلب ذلك النبت، وطلب رشدا إذا طلب الهداية، وبعض الناس يظن هذه الأبيات من باب اللغز، وليس كذلك؛ لأنها تشتمل على ألفاظ مشتركة، وذلك معنى ظاهر يستخرج من دلالة اللفظ عليه، واللغز هو الذي يستخرج من طريق الحزر والحدس، لا من دلالة اللفظ عليه، وسأوضح ذلك إيضاحا جليا في النوع الحادي والعشرين، وهو الذي يتلو هذا الباب, فليؤخذ من هناك.
ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا، فلقيهم رجل من العرب، فقال: ممن القوم? فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ماء" فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر أي بطون العرب يقال لها ماء، فسار النبي صلى الله عليه وسلم لوجهته، وكان قصده أن يكتم أمره.
وهذا من المغالطة المثلية؛ لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء، ويجوز أن يكون المراد أن خلقهم من ماء.
وقد جاءني شيء من ذلك الكلام المنثور, فمنه ما كتبته في فصل من كتاب عند دخولي إلى بلاد الروم أصف فيه البرد والثلج، فقلت: "ومن صفات هذا البرد أنه يعقد الدر في خلفه، والدمع في طرفه، وربما تعدى إلى قليب الخاطر فأجفه أن يجري بوصفه، فالشمس مأسورة, والنار مقرورة، والأرض شهباء غير أنها حولية، ومسيلات الجبال أنهار غير أنها جامدة لم تخض". ومكان المغالطة من هذا الكلام في قولي: "والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض" فإن الشهباء من الخيل يقال فيها حولية أي: لها حول، ويقال إنها مروضة أي: ذللت للركوب، وهذه الأرض مضى للثلج عليها حول فهي شهباء حولية، وقولي: لم ترض, أي: لم تسلك بعد.
__________
1 لم نجد في اللسان ولا القاموس أن الرشد والغواء أو الغوى نوعان من النبات، وإنما وجدنا أن حب الرشاد نبات وكذلك الغاغة.
والشطر الرابع غامض لعل فيه تصحيفا لم نهتد إليه.
(3/79)

ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، فقلت: "ولقد نزلت منه بمهلبي الصنع، أحنفي الأخلاق1، ولقيته فكأني لم أرع ممن أحب بلوعة الفراق، ولا كرامة للأهل والوطن حتى أقول إني قد استبدلت به أهلا ووطنا، وعهدي بالأيام وهي من الإحسان فاطمة, فاستولدتها بجواره حسنا".
وهذه تورية لطيفة, فإن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن رضي الله عنهما ولدها، وفاطمة هي اسم فاعل من الفطام، يقال: فطمت فهي فاطمة، كما يقال: فطم فهو فاطم2، والحسن: هو الشيء الحسن الأسلوب.
ومن هذا الأسلوب ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: "وعهدي بقلمي وهو يتحلى من البيان بأسمائه، وتبرز أنوار المعاني من ظلمائه، وقد أصبحت يدي منه وهي حمالة الحطب، وأصبح خاطري أبا جهل بعد أن كان أبا لهب".
وهذا أحسن من الأول، وأخلب عبارة، فانظر أيها المتأمل إلى ما فيه من التورية اللطيفة، ألا ترى أن الخاطر يحمد فيوصف بأنه وقاد وملتهب، ويذم فيوصف بأنه بليد وجاهل، وأبو لهب وأبو جهل هما الرجلان المعروفان، وكذلك حمالة الحطب هي المرأة المعروفة، وإذا ذم القلم قيل: إنه حطب، وإن صاحبه حاطب، فلما نقلت أنا هذا المعنى الذي قصدته جئت به على حكم المغالطة، ووريت فيه تورية.
والمسلك إلى مثل هذه المعاني وتصحيح المقصد فيها عسر جدا، لا جرم أن الإجادة فيها قليلة.
__________
1 مهلبي: نسبة إلى المهلب بن أبي صفرة القائد الباسل الذي حارب الخوارج مرات، وكان كريما ممدحا. أحنفي: نسبة إلى الأحنف بن قيس عاش إلى الدولة الأموية وكان مشهورا بالحلم وكرم الخلق.
2 في القاموس المحيط مادة فطم: ناقة فاطم بلغ حوارها سنة. وأفطمت السخلة حان أن تفطم، فإذا فطمت فهي فاطم ومفطومة.
(3/80)

ومما يجري هذا المجرى ما ذكرته في وصف شخص بمعالي الأمور، وهو: "من أبر مساعيه أنه حاز قفل المكرمات ومفتاحها، فإذا سئل منقبة كان مناعها, وإذا سئل موهبة كان مناحها، وأحسن أثرا من ذلك أنه أخذ بأعنة الصعاب وألان جماحها، فإذا شهد حومة حرب كان منصورها, وإذا لقي مهجة خطب كان سفاحها".
والمغالطة في هذا الكلام في ذكر المنصور والسفاح، فإنهما لقب خليفتين من بني العباس، والسفاح أول خلفائهم، والمنصور أخوه الذي ولي الخلافة من بعده، وهما أيضًا من النصر في حومة الحرب, والسفح الذي هو الإراقة، والمهجة دم القلب، فكأني قلت: هو منصور في حومة الحرب، ومريق لدم الخطوب، وقد اجتمع في هذا الكلام المنصور والمنصور، والسفاح والسفاح، وهذا من المغالطة المثلية لا من النقيضية، ولا خفاء بما فيها من الحسن.
ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: "وقد علمت أن ذلك الأنس بقربه يعقب إيحاشا، وأن تلك النهلة من لقائه تجعل الأكباد عطاشا، فإن شيمة الدهر أن يبدل الصفو كدرا، ويوسع أيام عقوقه طولا, وأيام بره قصرا، وما أقول إلا أنه شعر بتلك المسرة المسروقة فأقام عليها حد القطع، ورأى العيش فيها خفضا فأزاله بعامل الرفع".
والمغالطة في هذا الكلام هي في ذكر الخفض والرفع، فإن الخفض هو سعة العيش، والخفض هو أحد العوامل النحوية، والرفع: هو من قولنا رفعت الشيء، إذا أزلته، والرفع هو أحد العوامل النحوية أيضا، وهذا من المغالطات الخفية.
ومن ذلك ما كتبته في فصل أصف فيه الحمى، وكنت إذ ذاك بحصن سميساط، وهو بلد من بلاد الأرمن، فقلت: "ومما أكره في حال المرض بهذه الأرض أن الحمى خيمت بها فاستقرت، ولم تقنع بأهلها حتى سرت إلى تربتها, فترى
(3/81)

وقد أخذتها النافض1 فاقشعرت، ولم يشكل أمرها إلا لأنها حمى أرمنية مستعجمة اللسان، وقد تشتبه الأمراض وأهل بلادها في الإبان، وإذا كانت الحمى كافرة لم تزل للمسلم حربا، وشكاتها لا تسمى شكاة, وإنما تسمى طعنا وضربا، ولهذا صارت الأدوية في علاجها ليست بأدوية، وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية، وليس موسمها في فصل معلوم بل كل فصول العام من مواسمها، ولو كاتبتها نصيبين أو ميا فارقين بكتاب لترجمته بعبدها وخادمها".
والمغالطة ههنا في قولي: وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية. والمراد بذلك أنها تقبل بغتة من غير ترو أي: من غير تلبث، ويوم النحرهو يوم عيد الأضحى، وقبله يوم يسمى يوم التروية، فالمغالطة حصلت بين نحر الحمى للناس ونحر الضحايا، إلا أن يوم النحر مبتدأ بيوم التروية، ولا خفاء بما في هذه المغالطة من الحسن واللطافة.
وأما القسم الآخر وهو النقيض فإنه أقل استعمالا من القسم الذي قبله؛ لأنه لا يتهيأ استعماله كثيرا.
فمن جملته ما ورد شعرا لبعضهم، وهو قوله:
وما أشياء تشريها بمال ... فإن نفقت فأكسد ما تكون
يقال: نفقت السلعة إذا راجت، وكان لها سوق، ونفقت الدابة إذا ماتت، وموضع المناقضة ههنا في قوله: إنها إذا نفقت كسدت، فجاء بالشيء ونقيضه، وجعل هذا سببا لهذا، وذلك من المغالطة الحسنة.
ومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن فتوح بلد من
__________
1 النافض: حمى الرعدة مذكر. يقال أخذته حمى بنافض وحمى نافض، ونفضته الحمى فهو منفوض.
(3/82)

بلاد الكفار، فقلت في آخر الكتاب: وقد ارتاد الخادم من يبلغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها، ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها، ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي فأحسن الناس بيانًا مؤهل لإبداع حسانها، والسائر بها فلان, وهو راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرف العوال، والليالي والأيام لها رواة, فما الظن برواية الأيام والليال.
وفي هذا الفصل مغالطة نقيضية، ومغالطة مثلية، أما المغالطة المثلية فهي في قولي: "وعوالي إسنادها مأخوذة من طرف العوالي" وقد تقدم الكلام على هذا وما يجري مجراه في القسم الأول، وأما المغالطة النقيضية فهي قولي: "وهو راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجال" وموضع المغالطة منه أنه يقال في رواة الأخبار: فلان عدل صحيح الرواية، وفلان مجروح: أي سقيم الرواية, غير موثوق به، فأتيت بهذا المعنى على وجه النقيض، فقلت صحة أخبار هذه الفتوح في تجريح الرجل أي: تجريحهم في الحرب، وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به.
وقد أوردت من هذه الأمثلة ما فيه كفاية ومقنع.
فإن قيل: إن الضرب الأول من هذا النوع هو التجنيس الذي لفظه واحد ومعناه مختلف كالمثال الذي مثلته, وفي قول أبي الطيب المتنبي ثعلب ووجار، فإن الثعلب هو الحيوان المعروف، وهو أيضًا طرف السنان وكذلك باقي الأمثلة, قلت في الجواب إن الفرق بين هذين النوعين ظاهر، وذاك أن التجنيس يذكر فيه اللفظ الواحد مرتين، فهو يستوي في الصورة ويختلف في المعنى، كقول أبي تمام:
بكل فتى ضرب يعرض للقنا ... محيا محلى حليه الطعن والضرب1
__________
1 من قصيدته في مدح خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني "الديوان 1/ 199" المحيا: الوجه.
(3/83)

فالضرب الرجل الخفيف، والضرب هو الضرب بالسيف في القتال، فاللفظ لا بد من ذكره مرتين والمعنى فيه مختلف، والمغالطة ليست كذلك، بل يذكر فيها اللفظ مرة واحدة، ويدل به على مثله، وليس بمذكور.
(3/84)

النوع الحادي والعشرون: في الأحاجي
وهي الأغاليط من الكلام, وتسمى الألغاز جمع لغز1, وهو الطريق الذي يلتوي ويشكل على سالكه، وقيل: جمع لغز بفتح اللام وهو ميلك بالشيء عن وجهه، وقد يسمى هذا النوع أيضًا المعمى، وهو يشتبه بالكناية تارة، وبالتعريض أخرى، ويشتبه أيضًا بالمغالطات المعنوية، ووقع في ذلك عامة أرباب هذا الفن, فمن ذلك أن أبا الفرج الأصفهاني ذكر بيتي الأقيشر الأسدي في جملة الألغاز وهما:
ولقد أروح بمشرف ذي ميعة ... عسر المكرة ماؤه يتفصد
مرح يطير من المراح لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتقدد2
وهذان البيتان من باب الكناية؛ لأنهما يحملان على الفرس، وعلى العضو المخصوص، وإذا حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز فكيف يعد من جملة الألغاز? وكذلك فعل الحريري في مقاماته، فإنه ذكر في الأحاجي التي جعلها حكم الفتاوي كناية ومغالطة معنوية، وظن أنهما من الأحاجي الملغزة، كقوله:
__________
1 اللغز على وزن نهر وعلى وزن قفل وبضم اللام والغين معا، وبتحريكهما وبضم اللام وفتح الغين: الميل بالشيء عن وجهه "القاموس المحيط".
2 البيتان في الأغاني للأقيشر الأسدي لا للأقيس كما في الأصل، هكذا:
ولقد أروح بمشرف ذي شعرة ... عسر المكرة ماؤه يتفصد
مرح يطير من المراح لعابه ... وتكاد جلدته به تتقدد
"الأغاني 10/ 82" طبعة التقدم. والصواب يتفصد بالفاء لا بالقاف. وسبق شرحهما.
(3/84)

"أيحل للصائم أن يأكل نهارا"1 والنهار: من الأسماء المشتركة بين النهار الذي هو ضد الليل وبين فرخ الحبارى، فإنه يسمى نهارا، وإذا كان من الأسماء المشتركة صار من باب المغالطات المعنوية، لا من باب الأحاجي، والألغاز شيء منفصل عن ذلك كله، ولو كان من جملته لما قيل لغز وأحجية، وإنما قيل كناية، وتعريض، ومنه ما يطلق عليه المغالطة، ومنه شيء آخر خارج عن ذلك فجعل لغزا وأحجية.
وكنت قدمت القول بأن الكناية هي اللفظ الدال على جانب الحقيقة وعلى جانب المجاز، فهو يحمل عليهما معا، وأن التعريض هو ما يفهم من عرض اللفظ لا من دلالته عليه حقيقة ولا مجازا، وأن المغالطة هي التي تطلق ويراد بها شيئان: أحدهما دلالة اللفظ على معنيين بالاشتراك الوضعي، والآخر دلالة اللفظ على المعنى ونقيضه. وأما اللغز والأحجية فإنهما شيء واحد، وهو كل معنى يستخرج بالحدس والحزر، لا بدلالة اللفظ عليه حقيقة ومجازا، ولا يفهم من عرضه؛ لأن قول القائل في الضرس:
وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا فرقة الأبد
لا يدل على أنه الضرس، لا من طريق الحقيقة ولا من طريق المجاز ولا من
__________
1 المقامة الثانية والثلاثون، فيها مائة مسألة فقهية ملغزة، منها: أيجوز للمعذور أن يفطر في شهر رمضان، قال: ما رخص فيه إلا للصبيان. قال: فهل للمعرس أن يأكل فيه، قال: نعم بملء فيه. المعذور: المتبادر أن المعذور من أصابه عذر يحل له الفطر وهو أيضا المختون فلا يسوغ له الفطر، وهنا تورية. المعرس: من دخل بعرسه، وهو لا يجوز له أن يفطر, وهو أيضا المسافر الذي ينزل في آخر ليلة ليستريح ثم يرتحل، وهو ممن يباح لهم الفطر.
(3/85)

طريق المفهوم، وإنما هو شيء يحدس ويحزر، والخواطر تختلف في الإسراع والإبطاء عند عثورها عليه.
فإن قيل إن اللغز يعرف من طريق المفهوم, وهذان البيتان يعلم معناهما بالمفهوم.
قلت في الجواب: إن الذي يعلم بالمفهوم إنما هو التعريض، كقول القائل: إني لفقير، وإني لمحتاج, فإن هذا القول لا يدل على المسألة والطلب، لا حقيقة ولا مجازا، وإنما فهم منه أن صاحبه متعرض للطلب، وهذان البيتان ليسا كذلك، فإنهما لا يشتملان على ما يفهم منه شيء إلا بالحدس والحزر لا غير, وكذلك كل لغز من الألغاز.
وإذا ثبت هذا فاعلم أن هذا الباب الذي هو اللغز والأحجية والمعمى يتنوع أنواعا:
فمنه المصحف، ومنه المعكوس، ومنه ما ينقل إلى اللغات غير العربية، كقول القائل: اسمي إذا صحفته بالفارسية آخر، وهذا اسمه اسم تركي، وهو دنكر، بالدال المهملة والنون، وأخر بالفارسية ديكر بالدال المهملة والياء المعجمة بثنتين من تحت, وإذا صحفت هذه الكلمة صارت دنكر بالنون, فانقلبت الياء نونا بالتصحيف، وهذا غير مفهوم إلا لبعض الناس دون بعض.
وإنما وضع واستعمل؛ لأنه مما يشحذ القريحة، ويحد الخاطر؛ لأنه يشتمل على معان دقيقة يحتاج في استخراجها إلى توقد الذهن، والسلوك في معاريج خفية من الفكر, وقد استعمله العرب في أشعارهم قليلا, ثم جاء المحدثون فأكثروا منه. وربما أتي منه بما يكون حسنا وعليه مسحة من البلاغة، وذلك عندي بين بين، فلا أعده من الأحاجي، ولا أعده من فصيح الكلام.
فما جاء منه قول بعضهم:
قد سقيت آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار
(3/86)

ومعنى ذلك أن هؤلاء القوم الذين هم أصحاب الإبل ذوو وجاهة وتقدم، ولهم وسم معلوم، فلما وردت إبلهم الماء عرفت بذلك الوسم، فأفرج لها الناس حتى شربت، وقد اتفق له أنه أتى في هذا البيت بالشيء وضده، وجعل أحدهما سببا للآخر، فصار غريبا عجيبا، وذاك أنه قال: سقيت بالنار، وقال: إن النار تشفي من الأوار، وهو العطش وهذا من محاسن ما يأتي في هذا الباب.
ومما يجري على هذا النهج قول أبي نواس في شجر الكرم:
لنا هجمة لا يدرك الذئب سخلها ... ولا راعها نزو الفحالة والخطر
إذا امتحنت ألوانها مال صفوها ... إلى الحو إلا أن أوبارها خضر1
ومن هذا القبيل قول بعضهم:
سبع رواحل ما ينخن من الونا ... شيم تساق بسبعة زهر
متواصلات لا الدءوب يملها ... باق تعاقبها على الدهر2
هذان البيتان يتضمنان وصف أيام الزمان ولياليه، وهي الأسبوع، فإن الزمان عبارة عنه، وذلك من الألغاز الواقعة في موقعها.
وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي في السفن من جملة قصيدته التي مدح بها سيف الدولة عند ذكر عبوره الفرات وهي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان
فقال:
__________
1 الديوان 102 وفي الأصل لا يدري بدلا من لا يدرك، وغض بدلا من نزو. الهجمة: القدح العظيم الضخم. السخل: جمع سخلة وهي ولد الشاة: نزو: وثب. الفحالة: جمع الفحل. الخطر: الإبل الكثيرة. الحو: الذي في القاموس الحو سواد إلى خضرة أو حمرة إلى سواد. والحو جمع أحوى وحواء وهو النبات الضارب إلى سواد لشدة خضرته أو الأحمر إلى سواد.
2 شيم: جمع أشيم وشيماء وهو الذي به علامة.
(3/87)

وحشاه عادية بغير قوائم ... عقم البطون حوالك الألوان
تأتي بما سبت الخيول كأنها ... تحت الحسان مرابض الغزلان1
وهذا حسن في بابه.
ومن ذلك قول بعضهم في حجر المحك:
ومدرع من صبغة الليل برده ... يفوف طورا بالنضار ويطلس
إذا سألوه عن عويصين أشكلا ... أجاب بما أعيا الورى وهو أخرس
وهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه، وكان سمعه بعض المتأخرين من أهل زماننا، فأجاب عنه ببيتين على وزنه وقافيته وهما:
سؤالك جلمود من الصخر أسود ... خفيف لطيف ناعم الجسم أطلس
أقيم بسوق الصرف حكما كأنه ... من الزنج قاض بالخلوق مطلس
وقد رأيت هذا الشاعر، وهو حائك بجزيرة ابن عمر، وليس عنده من أسباب الأدب شيء سوى أنه قد أصلح لسانه بطرف يسير من علم النحو لا غير, وهو مع ذلك يقول الشعر طبعا، وكان يجيد في الكثير منه.
ومن الألغاز ما يرد على حكم المسائل الفقهية، كالذي أورده الحريري في مقاماته2، وكنت سئلت عن مسألة منه وهي:
__________
1 من قصيدة في مدح سيف الدولة "الديوان 4/ 389" حشاه: الضمير عائد على الماء, عادية: راكضة. عقم: جمع عقيم وهو الذي لا يلد. يقول إن سيف الدولة حشا ماء النهر سفنا تعدو ولا قوائم لها، وهي عقم لا تلد، وألوانها سود؛ لأنها مطلية بالقار، شبهها بالخيل العادية، والخيل من عادتها أن تنتج، ولها قوائم، وهذه السفن تحمل النساء اللاتي سباهن الفرسان، وكأنهن غزلان والسفن مرابض لها. يفوف: يزخرف. رجحنا "صبغة" بدلا من صنعة.
2 المقامة الثانية والثلاثون بها مائة مسألة فقهية ملغزة، وهناك مقامات غيرها فيها ألغاز شتى من النحو وغيره.
(3/88)

ولي خالة وأنا خالها ... ولي عمة وأنا عمها
فأما التي أنا عم لها ... فإن أبي أمه أمها
أبوها أخي وأخوها أبي ... ولي خالة هكذا حكمها
فأين الفقيه الذي عنده ... فنون الدراية أو علمها
يبين لنا نسبا خالصا ... ويكشف للنفس ما همها
فلسنا مجوسا ولا مشركين ... شريعة أحمد نأتمها
وهذه المسألة كتبت إلي فتأملتها تأمل غير ملجلج في الفكر، ولم ألبث أن انكشف لي ما تحتها من اللغز، وهو أن الخالة التي الرجل خالها تصور على هذه الصورة، وذاك أن رجلا تزوج امرأتين: اسم إحداهما عائشة، واسم الأخرى فاطمة، فأولد عائشة بنتا، وأولد فاطمة ابنا، ثم زوج بنته من أبي امرأته فاطمة، فجاءت ببنت، فتلك البنت هي خالة ابنه، وهو خالها؛ لأنه أخو أمها.
وأما العمة التي هو عمها فصورتها أن رجلا له ولد، ولولده أخ من أمه، فزوج أخاه من أمه أم أبيه، فجاءت ببنت، فتلك البنت هي عمته؛ لأنها أخت أبيه، وهو عمها؛ لأنه أخو أبيها.
وأما قوله: ولي خالة هكذا حكمها, فهو أن تكون أمها أخته، وأختها أمه، كما قال: أبوها أخي وأخوها أبي, وصورتها أن رجلا له ولد ولولده أخت من أمه، فزوجها من أبي أمه، فجاءت ببنت، فأختها أمه، وأمها أخته.
وأحسن من ذلك كله وألطف وأحلى قول بعضهم في الخلخال:
ومضروب بلا جرم ... مليح اللون معشوق
له قد الهلال على ... مليح القد ممشوق
وأكثر ما يرى أبدا ... على الأمشاط في السوق
(3/89)

وبلغني أن بعض الناس سمع هذه الأبيات، فقال: قد دخلت السوق فما رأيت على الأمشاط شيئا، وظن أنها الأمشاط التي يرجل بها الشعر، وأن السوق سوق البيع والشراء.
واعلم أنه قد يأتي من هذا النوع ما هو ضروب وألوان، فمنه الحسن الذي أوردت شيئا منه كما تراه، ومنه المتوسط الذي هو دونه في الدرجة، فلا يوصف بحسن ولا قبح، كقول بعضهم:
راحت ركائبهم وفي أكوارها ... ألفان من عم الأثيل الواعد
ما إن رأيت ولا سمعت بأركب ... حملت حدائق كالظلام الراكد1
وهذا يصف قوما وفدوا على ملك من الملوك فأعطاهم نخلا، وكتب لهم بها كتابا، والأثيل: الموضع الذي كتب لهم إليه، والعم: العظام الرءوس من النخيل، والواعد: الأقناء2 من النخل، فلما حملوا الكتب في أكوارهم فكأنهم حملوا النخل، وهذا من متوسط الألغاز.
وقد جاء من ذلك ما هو بشع بارد، فلا يستخرج إلا بمسائل الجبر والمقابلة، أو بخطوط الرمل من القبض الداخل أو القبض الخارج والبياض والحمرة وغيرها، ولئن كان معناه دقيقا يدل على فرط الذكاء فإني لا أعده من اللغة العربية، فضلا عن أن يوصف بصفات الكلام المحمودة, ولا فرق بينه وبين لغة الفرس والروم وغيرهما من اللغات في عدم الفهم.
وأما ما ورد من الألغاز نثرا فقد ألغز الحريري في مقاماته ألغازا ضمنها ذكر
__________
1 كان البيت الثاني "
ما إن رأيت ولا بأركب هكذا
فرجحنا تصحيحه ليستقيم المعنى، وأغلب الظن أن كلمة "هكذا" مقحمة لما وجد الناسخ أن في الشطر كلمة ناقصة
ما إن رأيت ولا سمعت
فلما لم يجد كلمة "بأركب" كتب: هكذا.
2 جمع قنو بكسر القاف وضمها الكباسة.
(3/90)

الإبرة والمرود وذكر الدينار، وهي أشهر كما يقال من "قفا نبك"1 فلا حاجة إلى إيرادها في كتابي هذا.
وقد ورد في الألغاز شيء في كلام العرب المنثور, غير أنه قليل بالنسبة إلى ما ورد في أشعارها.
وقد تأملت القرآن الكريم فلم أجد فيه شيئا منها، ولا ينبغي أن يتضمن منها شيئا؛ لأنه لا يستنبط بالحدس والحزر كما تستنبط الألغاز.
وأما ما ورد للعرب فيروى عن امرئ القيس وزوجته عدة من الألغاز، وذاك أنه سألها قبل أن يتزوجها، فقال: ما اثنان وأربعة وثمانية? فقالت: أما الاثنان فثديا المرأة، وأما الأربعة فأخلاف الناقة، وأما الثمانية فأطباء الكلبة، ثم إنه تزوجها وأرسل إليها هدية على يد عبد له، وهي حلة من عصب2 اليمن ونحي من عسل ونحي من سمن، فنزل العبد ببعض المياه ولبس الحلة فعلق طرفها بسمرة3 فانشق، وفتح النحيين وأطعم أهل الماء، ثم قدم على المرأة وأهلها خلوف4, فسأل عن أبيها وأمها وأخيها، ودفع إليها الهدية، فقالت له: أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيدا ويبعد قريبا، وأن أمي ذهبت تشق النفس لنفسين، وأن أخي يرقب الشمس، وأخبره أن سماءكم انشقت، وأن وعاءيكم نضبا.
فعاد العبد إلى امرئ القيس وأخبره بما قالته له، فقال: أما أبوها فإنه ذهب يحالف قوما على قومه، وأما أمها فإنها ذهبت تقبل امرأة5، وأما أخوها فإنه في سرح يرعاه إلى أن تغرب الشمس، وأما قولها: إن سماءكم انشقت, فإن
__________
1 مشهورة كقصيدة امرئ القيس التي مطلعها
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
2 العصب: ضرب من البرود. النحى: زق السمن.
3 السمرة: شجرة شائكة جمعها سمر.
4 خلوف: غائبون عن الحي.
5 تقبل على وزن تعلم, أي: تتلقى الولد عند الولادة.
(3/91)

الحلة انشقت، وأما قولها: إن وعاءيكم نضبا, فإن النحيين نقصا، ثم قال للعبد: اصدقني، فقال له: إني نزلت بماء من مياه العرب، وفعلت كذا وكذا.
فهذا وأمثاله قد ورد عنهم إلا أنه يسير.
وكذلك يروى عن شن بن أفصى، وكان ألزم نفسه ألا يتزوج إلا امرأة تلائمه، فصاحبه رجل في بعض أسفاره، فلما أخذ منهما السير قال له شن: أتحملني أم أحملك? فقال له الرجل: يا جاهل، هل يحمل الراكب راكبا? فأمسك عنه، وسارا حتى أتيا على زرع، فقال شن: أترى هذا الزرع قد أكل? فقال له: يا جاهل، أما تراه في سنبله، فأمسك عنه.
ثم سارا, فاستقبلتهما جنازة، فقال شن: أترى صاحبها حيا? فقال له الرجل: ما رأيت أجهل منك, أتراهم حملوا إلى القبر حيا?
ثم إنهما وصلا إلى قرية الرجل، فسار به إلى بيته، وكانت له بنت، فأخذ يطرفها بحديث رفيقه، فقالت ما نطق إلا بالصواب، ولا استفهم إلا عما يستفهم عن مثله، أما قوله: أتحملني أم أحملك, فإنه أراد أتحدثني أم أحدثك حتى نقطع الطريق بالحديث.
وأما قوله: أترى هذا الزرع قد أكل, فإنه أراد هل استلف ربه ثمنه أم لا؟ وأما استفهامه عن صاحب الجنازة فإنه أراد هل خلف له عقبا يحيا بذكره أم لا؟ فلما سمع كلام ابنته خرج إلى شن وحدثه بتأويلها, فخطبها فزوجه إياها.
وأدق من هذا كله وألطف ما يحكى عن رجل من المناقذة أصحاب شيرز وهو أولهم الذي استنقذه من أيدي الروم بالمكر والخديعة، ولذلك قصة طريفة وليس هذا موضع ذكرها، وكان قبل ملكه في خدمة محمود بن صالح صاحب حلب، وكان إذ ذاك يلقب بسديد الملك، فنبا به مكانه، وحدثت له حادثة أوجبت له أن هرب ومضى إلى مدينة طرابلس1 في زمن بني عمار أصحاب
__________
1 بلد بالشام، بفتح الطاء وضم الباء واللام. وكانت في الأصل ترابلس.
(3/92)

البلد، فأرسل إليه ابن صالح واستعطفه ليعود إليه، فخافه ولم يعد، فأحضر ابن صالح رجلا من أهل حلب صديقا لابن منقذ وبينه وبينه لحمة مودة أكيدة, وأجلسه بين يديه، وأمره أن يكتب إليه كتابا عن نفسه يوثقه من جهة ابن صالح ليعود، فما وسعه إلا أن يكتب، وهو يعلم أن باطن الأمر في ذلك خلاف ظاهره، وأنه متى عاد ابن منقذ إلى حلب هلك، فأفكر وهو يكتب في إشارة عمياء لا تفهم، ليضعها فيه يحذر بها ابن منقذ، فأداه فكره أن كتب في آخر الكتاب عند إنهائه: "إن شاء الله تعالى" وشدد إن وكسرها، ثم سلم الكتاب إلى ابن صالح، فوقف عليه وأرسله إلى ابن منقذ، فلما صار في يده وعلم ما فيه قال: هذا كتاب صديقي وما يغشني، ولو أنه يعلم صفاء قلب ابن صالح لي لما كتب إلي ولا غرني، ثم عزم على العود، وكان عنده ولده، فأخذ الكتاب وكرر نظره فيه: ثم قال له: يا أبت مكانك، فإن صديقك قد حذرك وقال لا تعد، فقال: وكيف! قال: إنه قد كتب "إن شاء الله تعالى" في آخر الكتاب، وشدد إن وكسرها، وضبطها ضبطا صحيحا لا يصدر مثله عن سهو، ومعي ذلك أنه يقول: {إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} 1 وإن شككت في ذلك فأرسل إلى حلب.
وهذه من أعجب ما بلغني من حدة الذهن وفطانة الخاطر، ولولا أنه صاحب الحادثة المخوفة لما تفطن إلى مثل ذلك أبدا،؛ لأنه ضرب من علم الغيب، وإنما الخوف دله على استنباط ما استنبطه.
ووجد لبعض الأدباء لغز في حمام، فمنه ما أجاد فيه كقوله: "وقد أظلتها
__________
1 القصص: 20.
(3/93)

سماء ذات نجوم، لا استراق لها ولا رجوم، وهي مركبة في ذلك صحت استدارته، وسكنت إدارته.
أعجب بها من أنجم ... عند الصباح ظاهره
لكنها إذا بدا ... نجم الظلام غاره
فهي على القياس جنة نعيم، مبنية على لظى جحيم، لا خلود فيها ولا مقام، ولا تزاور بين أهلها ولا سلام، أنهارها متدفقة، ومياهها مترقرقة، والأكواب بها موضوعة، والنمارق عنها منزوعة.
يطبع بها المولى أوامر عبده ... ويصبح طوعا في يديه مقاتله
ويرفع عنه التاج عند دخوله ... وتسلب من قبل الجلوس غلائله
التجمل بها معدوم، والخادم فيها مخدوم، ينكر بها التستر من البرد، ويكره حرها إذا جاوز الحد.
هذا اللغز من فصيح الألغاز، ولا يقال إن صاحبه في العمى صانع العكاز، وإذا تطرز غيره بلمعة من الوشى فهذا كله طراز.
ومما سمعته من الألغاز الحسان التي تجري في المحاورات ما يحكى عن عمر بن هبيرة وشريك النميري، وذاك أن عمر بن هبيرة كان سائرا على برذون له وإلى جانبه شريك النميري على بغلة، فتقدمه شريك في المسير فصاح به عمر: اغضض من لجامها، فقال: أصلح الله الأمير إنها مكتوبة1, فتبسم عمر
__________
1 كانت في الأصل مكبوتة.
(3/94)

ثم قال: ويحك، لم أرد هذا، فقال له شريك: ولا أنا أردته.
وكان عمر أراد قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا1
فأجابه شريك بقول الآخر:
لا تأمنن فزاريا غزلت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار2
وهذا من الألغاز اللطيفة، وتلطف كل من هذين الرجلين لمثله ألطف وأحسن.
ومما يجري هذا لمجرى أن رجلا من تميم قال لشريك النميري: ما في الجوارح أحب إلي من البازي. فقال له شريك: إن كان يصيد القطا.
وكان التميمي أراد قول جرير:
أنا البازي المطل على نمير ... أتيح من السماء لها انصبابا3
وأراد شريك قول الطرماح.
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلت
__________
1 ديوان جرير 75 من قصيدة في هجاء الراعي.
2 البيت لسالم بن دارة في هجاء بني فزارة "الشعر والشعراء 1/ 364".
القلوص: الناقة الشابة. اكتبها: قيدها.
3 الديوان 72 من هجاء للراعي.
(3/95)

واعلم أن خواطر الناس تتفاضل كتفاضل الأشخاص، ومن هنا قيل: سبحان خالق أبي موسى وعمرو بن العاص1.
__________
1 يحسن أن نعقب على ابن الأثير في الألغاز برأي ابن سنان الخفاجى، وقد سبقه بنحو قرنين من الزمان، قال الخفاجى: "فإن قيل: فما تقولون في الكلام الذي وضع لغزا، وقصد ذلك فيه؟ قيل: إن الموضوع على وجه الإلغاز قد قصد قائله إغماض المعنى وإخفاءه، وجعل ذلك فنا من الفنون التي تستخرج بها أفهام الناس ويمتحن أذاهنهم. فلما كان وضعه على خلاف وضع الكلام في الأصل كان القول فيه مخالفا لقولنا في فصيح الكلام، حتى صار يحسن فيه ما كان ظاهره يدل على التناقض، أو ما جرى مجرى ذلك..... وقد كان شيخنا أبو العلاء يستحسن هذا الفن ويستعمله في شعره كثيرا. "سر الفصاحة 215".
(3/96)

النوع الثاني والعشرون: في المبادئ والافتتاحات
هذا النوع هو أحد الأركان الخمسة البلاغية المشار إليها في الفصل التاسع من مقدمة الكتاب.
وحقيقة هذا النوع: أن يجعل مطلع الكلام من الشعر أو الرسائل دالا على المعنى المقصود من هذا الكلام إن كان فتحا ففتحا، وإن كان هناء فهناء، أو كان عزاء فعزاء، وكذلك يجري الحكم في غير ذلك من المعاني.
وفائدته أن يعرف من مبدأ الكلام ما المراد به ولم هذا النوع؟
والقاعدة التي يبني عليها أساسه أنه يجب على الشاعر إذا نظم قصيدا أن ينظر، فإن كان مديحا صرفا لا يختص بحادثة من الحوادث فهو مخير بين أن يفتتحها بغزل أو لا يفتتحها بغزل، بل يرتجل المديح ارتجالا من أولها كقول القائل:
(3/96)

إن حارت الألباب كيف تقول ... في ذا المقام فعذرها مقبول
سامح بفضلك مادحيك فما لهم ... أبدا إلى ما تستحق سبيل
إن كان لا يرضيك إلا محسن ... فالمحسنون إذًا لديك قليل
فإن هذا الشاعر ارتجل المديح من أول القصيدة فأتى به كما ترى حسنا لائقا.
وأما إذا كان القصيد في حادثة من الحوادث كفتح معقل1 أو هزيمة جيش أو غير ذلك، فإنه لا ينبغي أن يبدأ فيها بغزل، وإن فعل ذلك دل على ضعف قريحة الشاعر وقصوره عن الغاية، أو على جهله بوضع الكلام في مواضعه.
فإن قيل: إنك قلت: يجب على الشاعر كذا وكذا فلم ذلك?
قلت في الجواب: إن الغزل رقة محضة، والألفاظ التي تنظم في الحوادث المشار إليها من فحل الكلام ومتين القول، وهي ضد الغزل، وأيضا فإن الأسماع تكون متطلعة إلى ما يقال في تلك الحوادث والابتداء بالخوض في ذكرها لا الابتداء بالغزل, إذ المهم واجب التقديم.
ومن أدب هذا النوع ألا يذكر الشاعر في افتتاح قصيدة بالمديح ما يتطير منه، وهذا يرجع إلى أدب النفس، لا إلى أدب الدرس، فينبغي أن يحترز منه في مواضعه، كوصف الديار بالدثور والمنازل بالعفاء، وغير ذلك من تشتت الآلاف وذم الزمان, لا سيما إذا كان في التهاني، فإنه يكون أشد قبحا، وإنما يستعمل ذلك في الخطوب النازلة والنوائب الحادثة، ومتى كان الكلام في المديح مفتتحا بشيء من ذلك تطير منه سامعه.
__________
1 كانت بالأصل مقفل.
(3/97)

وإنما خصت الابتداءات بالاختيار؛ لأنها أول ما يطرق السمع من الكلام، فإذا كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفرت الدواعي على استماعه.
ويكفيك من هذا الباب الابتداءات الواردة في القرآن الكريم، كالتحميدات المفتتح بها في أوائل السور، وكذلك الابتداءات بالنداء كقوله تعالى في مفتتح سورة النساء: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} وكقوله تعالى في أول سورة الحج: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} فإن هذا الابتداء مما يوقظ السامعين للإصغاء إليه.
وكذلك الابتداءات بالحروف كقوله تعالى: "ألم وطس وحم" وغير ذلك، فإن هذا أيضًا يبعث على الاستماع إليه؛ لأنه يقرع السمع شيء غريب ليس له بمثله عادة، فيكون ذلك سببا للتطلع نحوه والإصغاء إليه.
ومن قبيح الابتداءات قول ذي الرمة:
ما بال عينك منها الماء ينسكب1
لأن مقابلة الممدوح بهذا الخطاب لا خفاء بقبحه وكراهته.
ولما أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قصيدته التي أولها:
خف القطين فراحوا منك أو بكروا2
قال له عند ذلك: لا، بل منك، وتطير
__________
1 كانت عين عبد الملك دائمة الدمع، فلما افتتح ذو الرمة قصيدته في مدحه بقوله:
ما بال عينك منها الدمع ينسكب ... كأن من كلى مفرية سرب
وهو لا يخاطبه في الحقيقة وإنما يخاطب نفسه على سبيل التجريد، لم يسترح عبد الملك إلى قبح المواجهة بهذه الصورة؛ لأنها توهم أنه هو المراد، فقال له: وما سؤالك عن هذا يابن الفاعلة، وكرهه وأمر بإخراجه.
2 الشطر الثاني: وأزعجتهم نوى في صرفها غير "الديوان 104".
(3/98)

من قوله، فغيرها ذو الرمة، وقال:
خف القطين فراحوا اليوم أو بكروا
ومن شاء أن يذكر الديار والأطلال في شعره فليتأدب بأدب القطامي على جفاء طبعه، وبعده عن فطانة الأدب فإنه قال:
إنا محيوك فاسلم أيها الطلل1
فبدأ قبل ذكر الطلل بذكر التحية والدعاء له بالسلامة.
وقد قيل: إن امرأ القيس كان يجيد الابتداء كقوله:
ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي2
وكقوله:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل3
ومما يكره من الابتداءات قول أبي تمام:
تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد4
وإنما ألقى أبا تمام في مثل هذا المكروه تتبعه للتجنيس بين تجرع والجرع، وهذا دأب الرجل، فإنه كثيرًا ما يقع في ذلك:
وكذلك استقبح قول البحتري:
فؤاد ملاه الحزن حتى تصدعا5
فإن ابتداء المديح بمثل هذا طيرة ينبو عنها السمع، وهو أجدر بأن يكون ابتداء مرثية لا مديح، وما أعلم كيف يخفى على مثل البحتري وهو من مفلقي الشعراء.
__________
1 الشطر الثاني:
وإن بليت وإن طالت بك الطيل
"الأغاني 16/ 18".
2 الشطر الثاني:
وهل يعمن من كان في العصر الخالي
"الديوان 27".
3 الشطر الثاني:
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
"الديوان 8".
4 تكملة البيت:
ودع حسي عين يجتلب ماءها الوجد
"الديوان 2/ 80".
الجرع: ما سهل من الأرض. الحسي: ماء قليل في الأرض.
5 ليس المطلع بديوانه.
(3/99)

وحكي أنه لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان جلس فيه, وجميع أهله وأصحابه، وأمرهم أن يخرجوا في زينتهم، فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، فاستأذن إسحاق بن إبراهيم الموصلي في الإنشاد، فأذن له، فأنشد شعرا حسنا أجاد فيه، إلا أنه استفتحه بذكر الديار وعفائها فقال:
يا دار غيرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك
فتطير المعتصم بذلك، وتغامز الناس على إسحاق بن إبراهيم كيف ذهب عليه مثل ذلك مع معرفته وعلمه وطول خدمته للملوك، ثم أقاموا يومهم وانصرفوا، فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس وخرج المعتصم إلى سر من رأى، وخرب القصر1.
فإذا أراد الشاعر أن يذكر دارا في مديحه فليذكر كما ذكر أشجع السلمي حيث قال:
قصر عليه تحية وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيام2
وما أجدر هذا البيت بمفتتح شعر إسحاق بن إبراهيم الذي أنشده للمعتصم، فإنه لو ذكر هذا أو ما جرى مجراه لكان حسنا لائقا.
__________
1 الصناعتين 432 وفي سر الفصاحة 175 أن أبا نواس أنشد الفضل بن يحيى قصيدته التي مطلعها:
أربع البلى إن الخشوع لبادي ... عليك وإني لم أخنك ودادي
فتطير الفضل من هذا الابتداء. فلما انتهى إلى قوله:
سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغاد
استحكم تطيره، فلم يمض إلا أسبوع حتى نكب بنو برمك، وقتل جعفر بن يحيى.
2 الصناعتين 433 وبه "نشرت".
(3/100)

وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء فقال: من أجاد الابتداء والمطلع، ألا ترى إلى قصيدة أبي نواس التي أولها:
يا دار ما فعلت بك الأيام ... لم تبق فيك بشاشة تستام1
فإنها من أشرف شعره وأعلاه منزلة، وهي مع ذلك مستكرهة الابتداء؛ لأنها في مدح الخليفة الأمين، وافتتاح المديح بذكر الديار ودثورها مما يتطير منه، لا سيما في مشافهة الخلفاء والملوك, ولهذا يختار في ذكر الأماكن والمنازل ما رق لفظه وحسن النطق به، كالعذيب والغوير ورامة وبارق والعقيق، وأشباه ذلك2, ويختار أيضًا أسماء النساء في الغزل نحو: سعاد وأميم وفوز وما جرى هذا المجرى.
وقد عيب على الأخطل في تغزله بقذور، وهو اسم امرأة، فإنه مستقبح في الذكر، وقد عيب على غيره التغزل باسم تماضر، فإنه وإن لم يكن مستقبحا في معناه فإنه ثقيل على اللسان، كما قال البحتري:
إن للبين منة لا تؤدى ... ويدا في تماضر بيضاء3
فتغزله بهذا الاسم مما يشوه رقة الغزل، ويثقل من خفته، وأمثال هذه الأشياء يجب مراعاتها والتحرز منها.
وقد استثنى من ذلك ما كان اسم موضع تضمن وقعة من الوقائع، فإن
__________
1 الديوان: 407.
2 أسماء أماكن ومياه يكثر ورودها في الشعر وبخاصة في الغزل.
3 من قصيدته في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف "الديوان 1/ 13".
(3/101)

ذكره لا يكره، وإن كان في اسمه كراهة، كما ذكر أبو تمام في شعره مواضع مكروهة الأسماء لضرورة ذكر الوقائع التي كانت بها، كذكر الحشال وعقوقس وأمثالهما، وكذلك ذكر أبو الطيب المتنبي هنزيط وشميصاط وما جرى مجراهما، وهذا لا عيب في ذكره, لمكان الضرورة التي تدعو إليه.
وهكذا يسامح الشاعر والكاتب أيضًا في ذكر ما لا بد من ذكره وإن قبح، ومهما أمكنه من التورية في هذا المقام فليسلكها، وما لا يمكنه فإنه معذور فيه.
واعلم أنه ليس من شرط الابتداء ألا يكون مما يتطير منه فقط، فإن من الابتداءات ما يستقبح وإن لم يتطير منه، كقول أبي تمام:
قدك اتئب أربيت في الغلواء1
وكقوله:
تقي جمحاتي لست طوع مؤنبي
وكقول أبي الطيب المتنبي:
أقل فعالي بله أكثره مجد2
__________
1
قدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي
مطلع قصيدته في مدح محمد بن حسان الضبي "الديوان 1/ 22". قدك: حسبك. اتئب: استحى. سجرائي: أصدقائي.
2
تقي جمحاتي لست طوع مؤنبي ... وليس جنبي إن عذلت بمصحبي
مطلع قصيدته في مدح عياش بن لهيعة الحضرمي "الديوان 1/ 153".
تقي: أمر للواحد من تقي المخفف. جمحاتي: المراد ثوراتي وعصياني. الجنيب: المجنوب، والمراد به هواه ونفسه. يقول لعاذلته إن عذلك لا يجدي نفعا؛ لأني لا أطيع المؤنب. وليس قلبي منقاد إلا إذا لامني أحد.
3
أقل فعالى بله أكثره مجد ... وذا الجد فيه نلت أم لا أقل جد
مطلع قصيدته في مدح محمد بن سيار بن مكرم التميمي "الديوان 2/ 107".
الفعال: الفعل الحسن من الجود والكرم ونحوه. بله: اسم فعل بمعنى دع. الجد بكسر الجيم: الاجتهاد، وبفتحها الحظ. يقول: أقل فعلي مجد، دع أكثره، فكل أفعالي قليلها وكثيرها في سبيل المجد، وهذا السعي الدائب في سبيل المجد يعد حظا لي سواء نلت مطلوبي أم لم أنله.
(3/102)

وكقوله:
كفي أراني ويك لومك ألوما1
والعجب أن هذين الشاعرين المفلقين يبتدئان بمثل ذلك ولهما من الابتداءات الحسنة ما أذكره.
أما أبو تمام فإنه افتتح قصيدته التي مدح بها المعتصم عند فتحه مدينة عمورية فقال:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ...
متونهن جلاء الشك والريب
هذه الأبيات لها قصة، وذاك أنه لما حضر المعتصم مدينة عمورية زعم أهل النجامة أنها لا تفتح في ذلك الوقت، وأفاضوا في هذا حتى شاع، وصار أحدوثة بين الناس، فلما فتحت بنى أبو تمام مطلع قصيدته على هذا المعنى، وجعل السيف أصدق من الكتب التي خبرت بامتناع البلد واعتصامها، ولذلك قال فيها:
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب
أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرصا وأحاديثا ملفقة ... ليست بنبع إذا عدت ولا غرب2
وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب.
__________
1
كفى أراني ويك لومك ألوما ... هم أقام على فؤاد أنجما
مطلع قصيدته في مدح إنسان مجهول "الديوان 4/ 184".
كفي: دعي. أراني: يريد عرفني وأعلمني. ويك: كلمة تعجب وإنكار. هم فاعل أراني. أنجم: أقلع. يقول للعاذلة: اتركي عذلي، فقد أراني الهم المقيم على فؤادي الذاهب مع الحبيب أن لومك إياي أحق بأن يلام مني.
2 من قصيدته في مدح المعتصم بعد فتح عمورية "الديوان 1/ 45".
الصفائح: السيوف. النبع: شجر صلب تتخذ منه القسي. الغرب: شجر ضعيف لا قوة له.
(3/103)

وكذلك قوله في قصيدة يمدحه بها أيضا، ويذكر فيها خروج بابك الخرمي عليه وظفره به، وهي من أمهات شعره قال:
الحق أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار1
وكذلك قوله متغزلا:
عسى وطن يدنو بهم ولعلما ... وأن تعتب الأيام فيهم فربما2
وهذا من الأغزال الحلوة الرائقة، وهو من محاسن أبي تمام المعروفة.
وكذلك قوله في أول مرثية:
أصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا3
وأما أبو الطيب فإنه أكثر من الابتداءات الحسنة في شعره، كقوله في قصيدة يمدح بها كافورا، وكان قد جرت بينه وبين ابن سيده نزغة، فبدأ قصيدته بذكر الغرض المقصود فقال:
حسم الصلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحساد4
وهذا من بديع الابتداء ونادره
__________
1 في مدح المعتصم "الديوان 2/ 198".
2 في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف "الديوان 3/ 232" تعتب: من أعتب إذا أعطاه العتبى أو طلبها إليه. فربما: فربما دنا البعيد.
3 الديوان 374 طبعة محمد جمال والمطلع بالموازنة 94 وبمعجم البلدان 8/ 88 في رثاء أبي نصر محمد بن حميد الطائي.
4 كان قوم من الغلمان اتصلوا بابن الإخشيد سيد كافور، وأرادوا أن يفسدوا الأمر على كافور، فطالبه بتسليمهم إليه, فسلمهم بعد أن امتنع مدة سببت وحشة، ولما تسلمهم كافور ألقاهم في النيل واصطلحا "الديوان 2/ 156".
(3/104)

وكذلك ورد قوله في سيف الدولة، وكان ابن الشمشقيق حلف ليلقينه كفاحا، فلما التقيا لم يطق ذلك، وولى هاربا فافتتح أبو الطيب قصيدته بفحوى الأمر فقال:
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم
وفي اليمين على ما أنت واعده ... ما دل أنك في الميعاد متهم1
وكذلك قوله وقد فارق سيف الدولة وسار إلى مصر، فجمع بين ذكر فراقه إياه ولقائه كافورا في أول بيت من القصيدة، فقال:
فراق ومن فارقت غير مذمم ... وأم ومن يممت خير ميمم2
ومن البديع النادر في هذا الباب قوله متغزلا في مطلع قصيدته القافية وهي:
أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي3؟
وله مواضع أخر كثيرة لا حاجة إلى ذكرها.
ومن محاسن الابتداءات التي دلت على المعنى من أول بيت في القصيدة ما قرأته في كتاب الروضة لأبي العباس المبرد، فإنه ذكر غزوة غزاها الرشيد هارون رحمه الله في بلاد الروم، وأن نقفور ملك الروم خضع له، وبذل الجزية، فلما عاد عنه
__________
1 "الديوان 4/ 167" يقول: من حلف أن عاقبة الحرب له كانت عاقبته الندم؛ لأنه ربما لا يظفر، والقسم لا يزيد في الإقدام؛ لأن الجبان لا يقدم وإن حلف. يشير إلى أن البطريق المسمى ابن شمشقيق أقسم عند ملك الروم أنه لا بد أن يظفر بسيف الدولة، وسأله أن ينجده ببطارقته وبالعدد والمدد، ففعل، فخاب ظنه وانهزم.
2 الديوان 4/ 333.
3 مطلع قصيدته في مدح أبي العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان "الديوان 3/ 121" يريد أنها لكثرة عشاقها الباكين تتوهم أن الدمع خلقة في العيون فلا ترحم من يبكي.
(3/105)

واستقر بمدينة الرقة وسقط الثلج نقض نقفور العهد، فلم يجسر أحد على إعلام الرشيد، لمكان هيبته في صدور الناس، وبذل يحيى بن خالد للشعراء الأموال على أن يقولوا أشعارا في إعلامه، فكلهم أشفق من لقائه بمثل ذلك، إلا شاعرا من أهل جدة يكنى أبا محمد، وكان شاعرا مفلقا، فنظم قصيدة وأنشدها الرشيد أولها:
نقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنه ... فتح أتاك به الإله كبير
نقفور إنك حين تغدر أن نأى ... عنك الإمام لجاهل مغرور
أظننت حين غدرت أنك مفلت ... هبلتك أمك ما ظننت غرور
فلما أنهى الأبيات قال الرشيد: أوقد فعل? ثم غزاه في بقية الثلج وفتح مدينة هرقلة.
وقرأت في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني ما رواه من شعر سديف في تحريض الخليفة السفاح رحمه الله على بني أمية، فقال: قدم سديف من مكة إلى الحيرة والسفاح بها، ووافق قدومه جلوس السفاح للناس، وكان بنو أمية يجلسون على الكراسي تكرمة لهم، فلما دخل عليه سديف حسر لثامه، وأنشده أبياتا من الشعر، فالتفت رجل من أولاد سليمان بن عبد الملك وقال لآخر إلى جانبه: قتلنا والله العبد، فلما أنهى الأبيات أمر بهم السفاح فأخرجوا من بين يديه, وقتلوا عن آخرهم، وكتب إلى عماله بالبلاد يأمرهم بقتل من وجدوه منهم.
(3/106)

ومن الأبيات:
أصبح الدين ثابتا في الأساس ... بالبهاليل من بني العباس
أنت مهدي هاشم وهداها ... كم أناس رجوك بعد إياس
لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس
أنزلوها بحيث أنزلها الله ... بدار الهوان والإتعاس
خوفهم أظهر التودد منهم ... وبهم منكم كحز المواسي
أقصهم أيها الخليفة واحسم ... عنك بالسيف شأفة الأرجاس
واذكرن مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس
ولقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من منابر وكراسي1
وهذه الأبيات من فاخر الشعر ونادره افتتاحا وابتداء وتحريضا وتأليبا، ولو وصفتها بما شاء الله وشاء الإسهاب والإطناب لما بلغت مقدار ما لها من الحسن.
ومن لطيف الابتداءات ما ذكره مهيار وهو:
أما وهواها عذرة وتنصلا ... لقد نقل الواشي إليها فامحلا
سعى جهده، لكن تجاوز حده ... وكثر فارتابت، ولو شاء قللا2
__________
1 الأبيات من قصيدة بالأغاني 4/ 92 مع تغيير طفيف. زيد: المراد زيد بن علي زين العابدين بن الحسين. وكان قد خرج بالكوفة على هشام بن عبد الملك، فقتل وصلب سنة 121 أو 122هـ, والقتل الذي بجانب المهراس "وكانت بالأصل الهرماس" المراد حمزة بن عبد المطلب، قتله وحشي غلام جبير بن مطعم يوم أحد، والمهراس ماء بأحد، وقد نسب الشاعر قتل حمزة إلى بني أمية؛ لأن قائد الناس يوم أحد كان أبا سفيان بن حرب؛ ولأن وحشيا قتله بتحريض هند أم معاوية، وقالوا إنها لاكت قطعة من كبد حمزة.
رقلة: نخلة. طالت وفاتت اليد. والمراد اقض على كبيرهم وعلى صغيرهم.
2 الديوان 3/ 194 عذرة: معذرة. أمحل: بالغ في مكره وكيده.
كان قد وشى به بعض حساده في أمر يتصل بالملك شاهنشاه جلال الدولة أبي طاهر بن بويه، ثم تبينت براءته وأنعم الملك عليه، فأنشأ قصيدة يمدحه بها ويعرض بالواشي.
(3/107)

فإنه أبرز الاعتذار في هيئة الغزل، وأخرجه في معرض النسيب، وكان قد وشي به إلى الممدوح, فافتتح قصيدته بهذا المعنى فأحسن.
ومما جاء على نحو ذلك قول بعض المتأخرين من العراقيين:
وراءك أقوال الوشاة الفواجر ... ودونك أحوال الغرام المخامر
ولولا ولوع منك بالصد ما سعوا ...
ولولا الهوى لم أنتدب للمعاذر
فسلك في هذا القول مسلك مهيار، إلا أنه زاد عليه زيادة حسنة، وهي المعاتبة على الإصغاء إلى أقوال الوشاة والاستماع منهم، وذلك من أغرب ما قيل في هذا المعنى.
ومن الحذاقة في هذا الباب أن تجعل التحميدات في أوائل الكتب السلطانية مناسبة لمعاني تلك الكتب، وإنما خصصت الكتب السلطانية دون غيرها؛ لأن التحاميد لا تصدر في غيرها، فإنها تكون قد تضمنت أمورا لائقة بالتحميد، كفتح معقل1، أو هزيمة جيش، أو ما جرى هذا المجرى.
ووجدت أبا إسحاق الصابي على تقدمه في فن الكتابة قد أخل بهذا الركن الذي هو من أوكد أركان الكتابة, فإذا أتى بتحميدة في كتاب من هذه الكتب لا تكون مناسبة لمعنى ذلك الكتاب، وإنما تكون في واد والكتاب في واد، إلا ما قل من كتبه. فما خالف فيه معناه أنه كتب كتابا يتضمن فتح بغداد وهزيمة الأتراك عنها، وكان ذلك فتحا عظيما فابتدأ بالتحميد، فقال: "الحمد لله رب العالمين، الملك الحق المبين، الوحيد الفريد، العلي المجيد،
__________
1 كانت بالأصل مقفل.
(3/108)

الذي لا يوصف إلا بسلب الصفات، ولا ينعت إلا برفع النعوت، الأزلي بلا ابتداء الأبدي بلا انتهاء، القديم لا منذ أمد محدود، الدائم لا إلى أجل معدود، الفاعل لا من مادة استمدها, ولا بآلة استعملها، الذي لا تدركه الأعين بلحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها، ولا تصارعه الأجسام بأقطارها، ولا تجانسه الصور بأعراضها، ولا تجاريه أقدام النظر أو الأشكال، ولا تزاحمه مناقب القرناء والأمثال، بل هو الصمد الذي لا كفء له، والفذ الذي لا توأم معه، والحي الذي لا تخرمه المنون، والقيوم الذي لا تشغله الشئون، والقدير الذي لا تؤده المعضلات، والخبير الذي لا تعييه المشكلات".
وهذه التحميدة لا تناسب الكتاب الذي افتتح بها، ولكنها تصلح أن توضع في صدر مصنف من مصنفات أصول الدين، ككتاب الشامل للجويني، أو كتاب الاقتصار، أو ما جرى مجراها، وأما أن توضع في صدر كتاب فتح فلا.
وهو وإن أساء في هذا الموضع فقد أحسن في مواضع أخرى، وذاك أنه كتب كتابا عن الخليفة الطائع رحمه الله تعالى إلى الأطراف عند عوده إلى كرسي ملكه، وزوال ما نزل به وبأبيه المطيع رحمه الله تعالى من فادحة الأتراك، فقال: "الحمد لله ناظم الشمل بعد شتاته، وواصل الحبل بعد بتاته، وجابر الوهن إذا انثلم1، وكاشف الخطب إذا أظلم، والقاضي للمسلمين بما يضم نشرهم، ويشد أزرهم، ويصلح ذات بينهم، ويحفظ الألفة عليهم، وإن
__________
1 كانت بالأصل "ثلم".
(3/109)

شابت ذلك في الأحيان الشوائب من الحدثان, فلن تتجاوز بهم الحد الذي يوقظ غافلهم، وينبه ذاهلم، ثم إنهم عائدون إلى فضل ما أولاهم الله وعودهم، ووثق لهم ووعدهم، من إيمان سربهم وإعذاب شربهم، وإعزاز جانبهم، وإذلال مجانبهم، وإظهار دينهم على الدين كله ولو كره المشركون".
وهذه تحميدة مناسبة لموضوع الكتاب، وإن كانت المعاني فيها مكررة كالذي أنكرته عليه وعلى غيره من الكتاب، وقدمت القول فيه في باب السجع، فليؤخذ من هناك.
ومن المبادئ التي قد أخلقت وصارت مزدراة أن يقال في أوائل التقليدات، إن أحق الخدم بأن ترعى خدمة كذا وكذا، وإن أحق من قلد الأعمال من اجتمع فيه كذا وكذا، فإن هذا ليس من المبادي المستحسنة، ومن استعمله أولًا فقد ضعفت فكرته عن اقتراح ما يحسن استعماله من المبادئ، والذي تبعه في ذلك إما مقلد ليس عنده قدرة على أن يختار لنفسه، وإما جاهل لا يفرق بين الحسن والقبيح والجيد والرديء.
وأهل زماننا هذا من الكتاب قد قصروا مبادئ تقاليدهم على هذه الفاتحة دون غيرها، وإن أتوا بتحميدة من التحاميد كانت مباينة لمعنى التقليد الذي وضعت في صدره.
وكذلك قد كان الكتاب يستعملون في التقليدات مبدأ واحدا لا يتجاوزونه إلى غيره، وهو "هذا ما عهد فلان إلى فلان" والتحميد خير ما افتتح به التقليدات وكتب الفتوح وما جرى مجراها، وقد أنكرت ذلك على مستعمله في مفتتح تقليد أنشأته بولاية وال فقلت: "كانت التقليدات تفتتح بكلام ليس
(3/110)

بذي شأن، ولا يوضع في ميزان، ولا يجتنى من أفنان، وغاية ما يقال: هذا ما عهد فلان إلى فلان، وتلك فاتحة لم تكن جديدة فتخلق1 بتطاول الأيام، ولا حسنة النظم فيضاهى بمثلها من ذوات النظام، وهذا التقليد مفتتح بحمد الله الذي تكفل لحامده بالزيادة، وبدأ النعمة ثم قرنها من فضله بالإعادة، وهو الذي بلغ بنا من مآرب الدنيا منتهى الإرادة، وسلم إلينا مقادها فذلل لنا بها كل مقادة، ووسد الأمر منا إلى أهله فاستوطأت الرعايا منه على وسادة، ونرجو أن يجمع لنا بين سعادة الأولى والأخرى حتى تتصل هذه السعادة بتلك السعادة، ثم نصلي على نبيه محمد الذي ميزه الله على الأنبياء بشرف السيادة، وجعل انشقاق القمر له من آيات النبوة وانشقاق الإيوان من آيات الولادة، وعلى آله وأصحابه الذين شادوا الدين من بعده فأحسنوا في الإشادة، وبسطت عليهم الدنيا كما بسطت على الذين من قبلهم فلم يحولوا عن خلق الزهادة، أما بعد كذا وكذا"، ثم أنهيت التقليد إلى آخره.
ومن الحذاقة في هذا الباب أن يجعل الدعاء في أول الكتاب من السلطانيات والإخوانيات وغيرهما متضمنا من المعنى ما بني عليه ذلك الكتاب، وهذا شيء انفردت بابتداعه، وتراه كثيرًا فيما أنشأته من المكاتبات، فإني توخيته فيها وقصدته.
فمن ذلك ما كتبته في الهناء بفتح، وهو: "هذا الكتاب مشافه بخدمة الهناء للمجلس السامي الفلاني جدد الله له في كل يوم فتحا، وبدل عرش كل ذي سلطان لديه صرحا، وجعل كل موقف من مواقف جوده, وبأسه يوم فطر ويوم أضحى، وكتب له على لسان الإسلام ولسان الأيام ثناء خالدا ومدحا،
__________
1 تخلق: تبلى.
(3/111)

وأسكنه بعد العمر الطويل دارا لا يظمأ فيها ولا يضحى"، ثم أخذت بعد ذلك في إنشاء الكتاب المتضمن ما يقتضيه معاني ذلك الفتح.
ومن ذلك ما ذكرته في الهناء بمولود، وهو: "جدد الله مسرات المجلس السامي الفلاني ووصل صبوح هنائه بغبوقه، وأمتعه بسليله المبشر بطروقه، وأبقاه حتى يستضيء بنوره, ويرمي عن فوقه، وسر به أبكار المعاني حتى تخلق أعطافها بخلوقه، وجعله كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه"، ثم أخذت في إتمام الكتاب بالهناء بالمولود على حسب ما اقتضاه ذلك المعنى.
فتأمل ما أوردته ههنا من هذين المثالين، وانسج على منوالهما فيما تقصده من المعاني التي تبني عليها كتبك، فإن ذلك من دقائق هذه الصناعة.
وأما فواتح الكتب التي أنشأتها فمنها ما اخترعته اختراعا ولم أسبق إليه، وهي عدة كثيرة, وقد أوردت ههنا بعضها.
ومن ذلك مفتتح كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: "نشأت سحابة من سماء الديوان العزيز النبوي جعل الله الخلود لدولته أوطانا، والحدود لها أركانا، ونصب أيامها في أيام الدهر أعيانا، وصورها في وجهه عينا وفي عينه إنسانا، ومد ظلها على الناس عدلا وإحسانا، وجمع الأمم على دين طاعتها وإن تفرقوا أديانا، وآتاها من معجزات سلطانه ما لم يترك به لغيرها سلطانا، فارتاح الخادم لالتقائها، وبسط يده لاستسقائها، وقال رحمة مرسلة لا تخشى رعودها، ولا تخلف وعودها، ومن شأنها ترويض الصنائع التي تبقي آثارها، لا الخمائل التي تذوي أزهارها، وقد يعبر عن الكتاب ونائله بالسحاب ووابله، فإن صدر عن يد كيد الديوان العزيز فقد وقع التشبيه موقع الصواب، وصدق حينئذ قول القائل: إن البحر عنصر السحاب،
(3/112)

لكن فرق بين ما يجود بمائه، وما يجود بنعمائه، وبين ما يسم الأرض الماحلة، وبين ما يسمي الأدار الخاملة، وما زالت كتب الديوان العزيز تضرب لها الأمثال، وتصرف نحوها الآمال، ويرى الحسد فيها حسنا، وإن عد في غيرها من سيئ الأعمال", وهذا فصل من أول الكتاب.
ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان, وأرسلته إليه من الموصل إلى أرض الشمال من بلاد الروم، وهو: "طلع كوكب من أفق المجلس السامي لا خلت سيادته من عدو وحاسد، ولا شينت بتوأم يخرجها من حكم الواحد، ولا عدمت صحبة الجدود المتيقظة في الزمن الراقد، ولا أوحشت الدنيا من ذكره الخالد, الذي هو عمر خالد، ولا زال مرفوعا إلى المحل الذي يعلم به أن الدهر للناس ناقد، والكواكب تختلف مطالعها في الشمال والجنوب، فمنها ما يطلع دائما في أحدهما وهو في الآخر دائم الغروب، وكتاب المجلس كوكب لم ير بهذه الأرض مطلعه، وإن علم من السماء أين موضعه، ولما ظهر الآن للخادم سبح له حامدا، وخر له ساجدا، وقال قد عبدت الكواكب من قبلي فلا عجب أن أكون لهذا الكوكب عابدا، وها أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى، وقال الناس هذا ابن كبشة الكتاب لا ابن أبي كبشة الشعري". وهذا مطلع غريب، والسياقة التالية لمطلعه أغرب.
ومن أغرب ما فيها قولي: "وها أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى، وقال الناس هذا ابن أبي كبشة الكتاب لا ابن أبي كبشة الشعري" والمراد بذلك أن أبا كبشة كان رجلا في الجاهلية يعبد الشعري فخالف بذلك دين قومه، ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قالت قريش: هذا قد خالف ديننا، وسموه
(3/113)

ابن أبي كبشة, أي: إنه قد خالفنا كما خالف أبو كبشة قومه في عبادة الشعرى، فأخذت أنا هذا المعنى وأودعته كتابي هذا فجاء كما تراه مبتدعا غريبا.
ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وهو: "طلعت من الغرب شمس فقيل: قد آذنت أشراط الساعة بالاقتراب، ولم يعلم أن تلك الأنوار إنما هي أنوار الكتاب، لم تألف الأبصار من قبله أن تطلع لشمس من المغرب، وليس ذلك إلا كتاب المجلس لا سلبه الله مزية هذا الوصف الكريم، وأتاه من الفضل ما يقال معه وفوق كل ذي علم عليم، وأحيا النفوس من كلمها بروح كلمه كما شفى غليلها من أقلامه بسقيا الكليم، ولما ورد عن الخادم صار ليله نهارا، وأصبح الناس في الحديث به أطوارا، والمنصف منهم يقول: قد جرت الشمس إلى مستقرها, والشمس لا تجد قرارا". وهذا الكتاب في الحسن والغرابة كالذي قبله.
ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى الإخوان، وهو: "تأوب زور من جانب المجلس السامي أدنى الله داره، وجعل كلماته التامة جاره، وأشهد أفعال التقوى ليله وأفعال المكارم نهاره، ووهبه من أعمار العمر طواله, ومن أعمار العيش قصاره، ولا أقدر السابقين إلى المعالي أن يجروا معه, ولا أن يشقوا غباره، وليس ذلك الزور إلا سطورا في قرطاس, ولا فرق بين الكتاب وبين مرسله في ملاطفة الإيناس، والله لا يصغر ممشى هذا الزائر، ويقر عيني برؤيته حتى لا أزال به قرير الناظر، ومع هذا فإني عاتب لتأخره, وههنا مظنة العتاب، ومن تأخر عنه كتاب صديقه فلا بد أن يخطر له خاطر الارتياب، والظنين بالمودة لا يرى إلا ظنينا، وقد قيل إنها وديعة وقليلا ما نجد على الودائع أمينا". وهذا فصل من أول الكتاب.
(3/114)

ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وهو: "سنحت روضة من جانب المجلس السامي جعل الله المعالي له رداء، ونهايات المساعي له ابتداء، وفداه بمن يقصر عن درجته حتى تكون الأكارم له فداء، وهدى المحامد لأفعاله وأهدى البقاء لأيامه, حتى يجتمع الأمران له هدى وإهداء، وآتاه من السيادة ما يجعل أعداءه أصادق, ومن السعادة ما يجعل أصدقاءه أعداء، فاستنشق الخادم رياها1، وتلقى بالتحية محياها، واستمتع بأزهارها التي أنبتها سقيا الأقلام, لا سقي الغمام، وقال هذا ربيع الأرواح لا ربيع الأجسام، ولو رام الإحاطة بوصفها لكانت الأقوال المطولة فيها مختصرة، ولكنه اكتفى بأن رفعها على رأسه حتى يتمثل أن الجنة في شجرة، ومن أوصافها أنها جاءت رائدة ومن شأن الروض أن يرتاد، وحلت محاسنها التي هي في غيرها من حظ البصر, وفيها من حظ السمع والبصر والفؤاد، ولما سرح فيها نظره وجد شوقه حمامة تغرد في أكنافها، وتردد الشجا لبعد أليفها إذا رددته الحمائم لقرب ألافها، وهذا قول له عند إخوان الصفاء علامة، وإذا تمثل كتاب الحبيب روضة فهل يتمثل شوق محبه إلا حمامة؟ وأي فرق بين هذه وبين أخواتها من ذوات الأطواق? إلا أنها تملي شجوها على صفحات القلوب وتلك تمليه على عذبات الأوراق".
وهذا فصل من الكتاب، وهو غريب عجيب, وفيه معنيان مبتدعان، وأعجبهما وأغربهما قولي: "حتى يتمثل أن الجنة في شجرة" وهذا مستخرج من الحديث النبوي.
ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وهو: "تضوعت نفحة من تلقاء المجلس السامي رعى الله عهده وسقاه، وصان وده
__________
1 كانت بالأصل "رباها".
(3/115)

ووقاه، ويسر لي إلقاء العصا بملقاه، فعطرت الطريق التي سايرتها، والريح التي جاورتها، فأفرشتها خدي، وضممت عليها ودي، وجعلتها ردنا1 لجيبي ولطيمة لردني, وسخابا2 لعقدي، وعلمت أنها ليست بنفحة طيب، ولكنها كتاب حبيب، فإن مناشق الأرواح غير مناشق الأجسام، ولا يستوي عرف الطيب وعرف الأقلام، ثم مددت يدي إلى الكتاب بعد أن صافحت يد موصله، كما صافحت عبق مندله3، وقلت أهلا بمن أدنى من الحبيب مزارا، وأهدى لعيني قرة ولقلبي قرارا".
وهذا في الغرابة كأخواته التي تقدمت, ولم أستقص ما اخترعته من هذا الباب في مطالع الكتب.
وأما ما أتيت فيه بالحسن من المعاني ولكنه غير مخترع، فمن ذلك مطلع كتاب كتبته عن الملك نور الدين أرسلان بن مسعود صاحب الموصل إلى الملك الأفضل علي بن يوسف يتضمن تعزية وتهنئة, أما التعزية فبوفاة أخيه الملك العزيز عثمان صاحب مصر، وأما التهنئة فبوراثة الملك من بعده، وهو: "لا يعلم القلم أينطق بلسان التعزية أم بلسان التهنئة، لكنه جمعهما جميعًا فأتى بهما على حكم التثنية، وفي مثل هذا الخطب يظل القلم حائرا، وقد وقف موقف السخط والرضا فسخط أولًا ثم رضي آخرا، وهذا البيت الناصري يتداول درجات العلى فما تمضي إلا وإليه ترجع، وشموسه وأقماره تتناقل مطالع السعود فما يغيب منها غائب إلا وآخر يطلع، والناس إن فجعوا بماجد, ردفه من بعده ماجد، وإن قيل إن الماضي كان واحدا
__________
1 كانت في الأصل ردعا.
2 السخاب على وزن كتاب قلادة من مسك "نوع من الطيب" وقرنفل ومجلب بلا جوهر.
3 العبق: مصدر عبق الطيب إذا فاحت رائحته، وكانت في الأصل "عبقة" المندل: على وزن مقعد العود أو أجوده كالمندلي.
(3/116)

قيل بل الآتي هو الواحد". وهذا فصل من أول الكتاب.
ثم كتبت في هذا المعنى كتابين آخرين، وفي الذي أوردته من هذا الفصل مقنع.
ومن هذا الأسلوب ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وكانت الكتب قد انقطعت بيني وبينه زمانا، وهو: "لقاء كتب الأحباب كلقاء الأحباب، وقد تأتي بعد يأس منها فيشتبه دمع السرور بدمع الاكتئاب، ومن أحسنها كتاب المجلس السامي الفلاني جعل الله الليالي له صحبا, والمعاني له عقبا، ورفع مجده فوق كل ماجد حتى تكون حسناتهم لدى حسناته ذنبا، ولا زال اسمه في الأفواه عذبا وذكره في الألسنة رطبا، ووده لكل إنسان إنسانا ولكل قلب قلبا". ثم انتهيت إلى آخر الكتاب على هذا النسق، وإنما ذكرت ههنا مبتدأه؛ لأنه الغرض المقصود في هذه الموضع.
ومن ذلك ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وهو: "البشرى تعطى للكتاب كما تعطى لمرسله، وكل منهما يوفى حق قدره وينزل في منزله، وكذلك فعل الخادم بكتاب المجلس السامي الفلاني لا زال محله أنيسا، وذكره للفرقدين جليسا، وسعيه على المكارم حبيسا، ومجده جديد الملابس إذا كان المجد لبيسا", وههنا ذكرت في هذا الكتاب كما ذكرته من الذي قبله, فإني لم أذكر إلا مبدأه الذي هو الغرض.
ومما ينتظم في هذا السلك ما كتبته في صدر كتاب يتضمن تعزية، وهو: "لو لم يلبس قلمي ثوب الحداد لهجر مداده، ونضا عنه سواده، وبعد عن قرينته، وعاد إلى طينته, وحرم على نفسه أن يمتطي يدا، أو يجري إلى مدى، لكنه أحد فندب وبكى فسكب، وسطر هذا الكتاب من دموعه، وضمنه ما حملته أحناء ضلوعه، وإنما استعار ذلك من صاحبه الذي أعداه، وأبدى إليه من عزمه
(3/117)

ما أبداه، وهو نائب في تعزية سيدنا أحمد الله صبره، ويسر أمره، وأرضى عنه دهره"، ثم أنهيت الكتاب إلى آخره.
ومن محاسن هذا الباب أن يفتتح الكتاب بآية من القرآن الكريم، أو بخبر من الأخبار النبوية، أو ببيت من الشعر، ثم يبني الكتاب عليه, فمن ذلك ما كتبته في ابتداء كتاب يتضمن البشرى بفتح، وهو:
ومن طلب الفتح الجليل فإنما ... مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم1
وقد أخذنا بقول هذا الشاعر الحكيم، وجعلنا السيف وسيلة إلى استنتاج الملك العقيم، وراية المجد لا تنصب إلا على النصب، والراحة الكبرى لا تنال إلا على جسر من التعب2، وكتابنا هذا وقد استولينا على مملكة فلانة، وهي المملكة التي تمسي الآمال دونها صرعى، وإذا قيس إليها غيرها من الممالك كانت أصلا وكان غيرها فرعا"، وهذا فصل من أول الكتاب.
ومن ذلك ما كتبته في مفتتح تقليد بالحسبة، وهو: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 3.
__________
1 من قصيدة المتنبي في مدح سيف الدولة، التي مطلعها.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
"الديوان 4/ 122".
2 من قول أبي تمام:
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب
من قصيدته في مدح المعتصم بعد فتح عمورية التي مطلعها:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
"الديوان 1/ 45".
3 قرآن كريم سورة آل عمران 104.
(3/118)

هذا أمر يشتمل على معنى الخصوص دون العموم، ولا يختص به إلا ذوو الأوامر المطاعة وذوو العلوم, وقد جمع الله لنا هذين الوصفين كليهما، وجعلنا من المستخلفين عليهما، فلنبدأ أولًا بحمده الذي هو سبب للمزيد، ثم لنأخذ في القيام بأمره الذي هو على كل نفس رقيب عتيد، ولا ريب أن إصلاح العباد يسري إلى الأرض حتى تزكو بطونها وتنام عيونها، ويشترك في بركات السماء ساكنها ومسكونها، والأمر بذلك حمل إن لم تتوزعه الأكف ثقل على الرقاب، وإذا انتشرت أطراف البلاد فإنها تفتقر إلى مساعدة من مستنيب ومستناب، وقد اخترنا لمدينة فلانة رجلا لم نأل في اختياره جهدا، وقدمنا فيه خيرة الله التي إذا صدقت نيتها صادفت رشدا، وهو أنت أيها الشيخ فلان، فابسط يدك بقوة إلى أخذ هذا الكتاب، وكن كحسنة من حسناتنا التي يرجح بها ميزان الثواب، وحقق نظرنا فيك فإنه من الله الذي ليس دونه حجاب".
فتأمل كيف فعلت في هذه الآية التي بنيت التقليد عليها، وهو من محاسن المبادئ والافتتاحات.
وكذلك فعلت في موضع آخر، وهو مفتتح كتاب كتبته إلى شخص كلفته السفارة إلى مخدومه في حاجة عرضت، وهو: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا 1} . هذا القول تتبع آثاره، وتحمل عليه أنظاره، وأولى الناس بسيدنا من شاركه في لحمة أدبه، وإن لم يشاركه في لحمة نسبه، فإن المناقب أقارب, والمآثر أواصر:
وليس يعرف لي فضلي ولا أدبي ... إلا امرؤ كان ذا فضل وذا أدب
__________
1 قرآن كريم سورة آل عمران 68.
(3/119)

ونتيجة هذه المقدمة بعث خلقه الكريم على عوارف أفضاله، واستهداء صنيعة جاهه التي هي أكرم من صنيعة ماله، ولا تجارة أربح من هذه التجارة، والساعي فيها شريك في الكسب بريء من الخسارة".
وأما الأخبار النبوية فيسلك بها هذا المسلك: بأن يذكر الخبر في صدر الكتاب، ثم يبني عليه, ولنذكر منها ولو مثالا واحدا، وهو توقيع كتبته لولد رجل من أصحاب السلطان, وتوفي والده ونقل ما كان باسمه إليه، فقلت: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم, فمن مات وترك مالا فلورثته, ومن ترك دينا أو كلا أو ضياعا فإلي وعلي" , وهذا خلق من الأخلاق النبوية لا مزيد على حسنه، وأساليب المكارم بأسرها موضوعة في ضمنه، ونحن نرجو أن نمشي على أثره, فنتنزل منزلة رديفه، أو نتشبه به فنبلغ مبلغ مده أو نصيفه، وقد أرانا الله ذلك في قوم صحبونا فأسعفناهم بمباغي الإنعام، وأحمدناهم صحبة الليالي والأيام، وتكلفنا أيتامهم من بعدهم حتى ودوا أن يكونوا هم الأيتام، وهذا فلان ابن فلان رحمه الله ممن كان له في خدمة الدولة قدم صدق، وأولية سبق، وحفظ كتاب المحافظة عليها, فقيل له في تلاوته اقرأ وارق".
ثم أنهيت التوقيع إلى آخره، فتأمل مفتتح هذا التوقيع, فإنه تضمن نص الخبر من غير تغيير، وقد ضمنته بعض خبر آخر من الأخبار النبوية، وهو قوله: اقرأ وارق, قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها". وقد مثلت لك ههنا أمثالا يقتدى بها، فاحذ حذوها، وامض على نهجها, والله الموفق للصواب.
(3/120)

النوع الثالث والعشرون: في التخلص والاقتضاب
مدخل
...
النوع الثالث والعشرون: في التخلص والاقتضاب
وهذا النوع أيضًا كالذي قبله في أنه أحد الأركان الخمسة التي تقدمت الإشارة إليها في الفصل التاسع من مقدمة الكتاب, وينبغي لك أيها المتوشح لهذه الفضيلة أن تصرف إليه جل همتك، فإنه مهم عظيم من مهمات البلاغة.
التخلص:
أما التخلص فهو أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني, فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره, وجعل الأول سببا إليه, فيكون بعضه آخذا برقاب بعض، من غير أن يقطع كلامه، ويستأنف كلاما آخر، بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا، وذلك مما يدل على حذق الشاعر، وقوة تصرفه، من أجل أن نطاق الكلام يضيق عليه، ويكون متبعا للوزن والقافية فلا تواتيه الألفاظ على حسب إرادته، وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء، فلذلك يشق التخلص على الشاعر أكثر مما يشق على الناثر.
وأما الاقتضاب فإنه ضد التخلص، وذاك أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ويستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك، ولا يكون للثاني علاقة بالأول, وهو مذهب العرب ومن يليهم من المخضرمين.
(3/121)

وأما المحدثون فإنهم تصرفوا في التخلص فأبدعوا وأظهروا منه كل غريبة.
فمن ذلك قول أبي تمام:
يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القود
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الجود1
وهذان البيتان من بديع ما يأتي في هذا الباب ونادره.
وكذلك قوله أيضًا في وصف أيام الربيع ثم خرج من ذكره الربيع وما وصفه به من الأوصاف فقال:
خلق أطل من الربيع كأنه ... خلق الإمام وهديه المتيسر
في الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن النبات الغض سرج تزهر
تنسي الرياض وما يروض جوده ... أبدا على مر الليالي يذكر2
وهذا من ألطف التخلصات وأحسنها.
__________
1 في مدح عبد الله بن طاهر لما خرج إليه "الديوان 2/ 132" قومس: بلد بين العراق وخراسان وطبرستان بالقرب من أصفهان. المهرية: الإبل الكريمة نسبة إلى مهرة بن حيدان. قود: طويلات الأعناق المفرد قوداء. والذي بالديوان "تبغي أن تؤم بنا".
2 من قصيدته في مدح المعتصم "الديوان 2/ 191" والذي بالديوان "يروض فعله" بدلا من جوده، وفي الأصل "على مر الزمان ويذكر" فأصلحنا الشطر من الديوان. يريد أن الرياض تنسى وتذبل أما فعله فلا ينقص ولا ينسى.
(3/122)

وكذلك قوله في قصيدته الفائية التي أولها "أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا"
فقال فيها1:
غيداء جاد ولي الحسن سنتها ... فصاغها بيديه جنة أنفا
يضحي العذول على تأنيبه كلفا ... بعذر من كان مشغوفا بها كلفا
ودع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التوديع منصرفا
يجاهد الشوق طورا ثم يجذبه ... جهاده للقوافي في أبي دلفا
وهذا أحسن من الذي قبله، وأدخل في باب الصنعة.
وكذلك جاء قوله:
زعمت هواك عفا الغداة كما عفت ... منها طلول باللوى ورسوم
لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم
ما زلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم2
وهذا خروج من غزل إلى مديح أغزل منه.
__________
1 من قصيدته في مدح أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي "الديوان 2/ 359"، التي مطلعها.
أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ... فلا تكفن عن شانيك أو يكفا
وفي الديوان "روضة أنفا".
ولي الحسن: الحسن المتوالي المتتابع، من الولي وهو المطر بعد المطر.
2 من قصيدته في مدح أبي الحسين محمد بن الهيثم بن شبانة "الديوان 3/ 289"، التي مطلعها:
أسقى طلولهم أجش هزيم ... وغدت عليهم نضرة
ونعيم
كان الأصل "النوى أجل" و"ما حلت عن سنن الوداد".
(3/123)

ومن البديع في هذا الباب قول أبي نواس من جملة قصيدته المشهورة التي أولها:
أجارة بيتينا أبوك غيور
فقال عند الخروج إلى ذكر الممدوح:
تقول التي من بيتها خف مركبي ... عزيز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى في جريهن عبير
ذريني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيها الخصيب أمير1
ومما جاء من التخلصات الحسنة قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته الدالية التي أولها:
عواذل ذات الخال في حواسد
وأورد نفسي والمهند في يدي ... موارد لا يصدرن من لا يجالد
ولكن إذا لم يحمل القلب كفه ... على حالة لم يحمل الكف ساعد
خليلي إني لا أرى غير شاعر ... فلم منهم الدعوى ومني القصائد
فلا تعجبا إن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد2
__________
1 "الديوان 480", من قصيدته في مدح الخصيب، بالديوان "عن بيتها" وفيه "الخصيب". بوادر: دموع مستبقات. عبير: رائحة ذكية، أي: اختلط هممها بعبيرها.
2 من قصيدته في مدح سيف الدولة التي مطلعها:
عواذل ذات الخال في حواسد ... وإن ضجيع الخود مني لمساجد
"الديوان 1/ 305".
لا يصدرن من لا يجالد: أورد نفسي في الحرب موارد هلاك لا يرجع واردها حيا. ومعنى البيت الثاني أن قوة الضرب إنما تكون بالقلب لا بالكف, فإذا لم تقو الكف بقوة القلب فإنها لا تقوى بقوة الساعد.
ومعنى البيت الرابع أنه في الشعراء ممتاز كسيف الدولة في السيوف، فكل منهما منقطع النظير, وإن كان له أشباه ونظائر في التسمية.
(3/124)

وهذا هو الكلام الآخذ بعضه برقاب بعض.
ألا ترى إلى الخروج إلى مدح الممدوح في هذه الأبيات كأنه أفرغ في قالب واحد، ثم إن أبا الطيب جمع بين مدح نفسه ومدح سيف الدولة ببيت واحد، هو من بدائعه المشهورة.
وكذلك قوله أيضا، وهو من أحسن ما أتى به من التخلصات، وهو في قصيدته التائية التي أولها:
سرب محاسنه حرمت ذواتها
فقال في أثنائها:
ومطالب فيها الهلاك أتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها
ومقانب بمقانب غادرتها ... أقوات وحش كن من أقواتها
أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها
الثابتين فروسة كجلودها ... في ظهرها والطعن في لباتها
فكأنها نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها
تلك النفوس الغالبات على العلا ... والمجد يغلبها على شهواتها
سقيت منابتها التي سقت الورى ... بيدي أبي أيوب خير نباتها1
__________
1 من قصيدته في مدح أبي أيوب أحمد بن عمران "الديوان 1/ 255".
مقانب: جمع مقنب وهو الطائفة من الخيل تجتمع للغارة. أقوات: مفعول ثان لغادرتها بقول رب جيش من الفرسان لقيته بمثله من صحبي فتركته قوتا للوحوش التي كانت قوتا له يصيدها ويذبحها ويأكلها.
أقبلتها غرر الجياد: جعلتها تقبل غرر جيادها التي أوصلتها إلى أعدائها وشفت صدورها منهم، كأن هذه الغرر أيدي بني عمران. نتجت: ولدت. صهواتها: جمع صهوة وهي مقعد لفارس على الحصان.
(3/125)

فانظر إلى هذين التخلصين البديعين، فالأول خرج به إلى مدح قوم الممدوح، والثاني خرج به إلى نفس الممدوح، وكلاهما قد أغرب فيه كل الإغراب.
وعلى هذا جاء قوله:
إذا صلت لم أترك مصالا لصائل ... وإن قلت لم أترك مقالا لعالم
وإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم1
والشعراء متفاوتون في هذا الباب، وقد يقصر عنه الشاعر المفلق المشهور بالإجادة في إيراد الألفاظ واختيار المعاني، كالبحتري، فإن مكانه من الشعر لا يجهل، وشعره هو السهل الممتنع الذي تراه كالشمس قريبا ضوؤها بعيدا مكانها، وكالقناة لينا مسها خشنا سنانها، وهو على الحقيقة قينة الشعراء في الإطراب، وعنقاؤهم في الإغراب، ومع هذا فإنه لم يوفق في التخلص من الغزل إلى المديح بل اقتضبه اقتضابا.
ولقد حفظت شعره فلم أجد له من ذلك شيئا مرضيا إلا اليسير، كقوله
في قافية الباء من قصيدة:
وكفاني إذا الحوادث أظلمـ ... ـن شهابا بغرة ابن شهاب2
وكقوله في قافية الدال من قصيدة:
قصدت لنجران العراق ركابنا ... يطلبن أرحبها محلة ماجد
__________
1 من قصيدته في مدح أبي محمد الحسن بن عبيد الله بن طفج "الديوان 4/ 303" كان الأصل "مصالا لفاتك".
2 من قصيدته في مدح أحمد بن إسماعيل بن شهاب التي مطلعها:
ما على الركب من وقوف الركاب ... في مغاني الصبا ورسم التصابي
الديوان 1/ 71".
(3/126)

آليت لا تلقين جدا صاعدا ... في مطلب حتى تنخن بصاعد1
وكقوله في قصيدته التي أولها:
حلفت لها بالله يوم التفرق
فإنه تشوق فيها إلى العراق من الشام، ووصف العراق ومنازله ورياضه، فأحسن في ذلك كله، ثم خرج إلى مدح الفتح بن خاقان بسياقة آخذة بعضها برقاب بعض فقال:
رباع من الفتح بن خاقان لم تزل ... غنى لقديم أو فكاكا لموثق2
ثم أخذ في مدحه بعد ذلك بضروب من المعاني, وكذلك ورد قوله في قصيدته التي أولها:
ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها
فإنه وصف البركة فأبدع في أوصافها، ثم خرج منها إلى مدح الخليفة المتوكل، فقال:
كأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها3
وأحسن ما وجدته له، وهو مما تلطف فيه كل التلطف قوله في قصيدته التي يمدح بها ابن بسطام ومطلعها:
نصيب عينك من سح وتسجام
فقال عند تخلصه إلى المديح:
هل الشباب ملم بي فراجعة ... أيامه لي في أعقاب أيام؟
لو أنه بابل عمر يجاذبه ... إذا تطلبته عند ابن بسطام4
__________
1 من قصيدته في مدح صاعد بن مخلد "الديوان 1/ 158".
في الأصل
فضلك أزجيها محلة ماجد
ولا معنى له، وبه "حتى تناخ" والديوان أصوب.
2 تكملة المطلع: وبالوجد من قلبي بها المتعلق "الديوان 2/ 122 وبالديوان "نكاكا لمرهق"".
3 تكملة المطلع: نعم ونسألها عن بعض أهليها "الديوان 2/ 318".
4 لم نعثر على الشطر ولا على البيتين في ديوانه. وقوله: "لو أنه بابل عمر" فيه تحريف وغموض.
(3/127)

وهذا من الملائح في هذا الباب.
وله مواضع أخرى يسيرة بالنسبة إلى كثرة شعره.
وقال أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي1: إن كتاب الله خال من التخلص. وهذا القول فاسد؛ لأن حقيقة التخلص إنما هي الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره بلطيفة تلائم الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه، وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة كالخروج من الوعظ والتذكير بالإنذار والبشارة بالجنة إلى أمر ونهي ووعد ووعيد، ومن محكم إلى متشابه، ومن صفة لنبي مرسل وملك منزل إلى ذم شيطان مريد وجبار عنيد، بلطائف دقيقة، ومعان آخذ بعضها برقاب بعض.
فما جاء من التخلص في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ، وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ، وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ
__________
1 أبو العلا محمد بن غانم، كان من شعراء عصره وفضلائه، وهو من شعراء نظام الملك "اللباب لابن الأثير 3/ 166".
(3/128)

مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ، فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ، وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ، قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ، تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ، فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ، وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ، فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} 1.
هذا كلام يسكر العقول، ويسحر الألباب، وفيه كفاية لطالب البلاغة، فإنه متى أنعم فيه نظره وتدبر أثناءه ومطاوي حكمته علم أن في ذلك غنى عن تصفح الكتب المؤلفة في هذا الفن، ألا ترى ما أحسن ما رتب إبراهيم عليه السلام كلامه مع المشركين حين سألهم أولًا عما يعبدون سؤال مقرر لا سؤال مستفهم، ثم أنحى على آلهتهم، فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع, ولا تبصر ولا تسمع، وعلى تقليد آبائهم الأقدمين فكسره, وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجة، ثم أراد الخروج من ذلك إلى ذكر الإله الذي لا تجب العبادة إلا له، ولا ينبغي الرجوع والإنابة إلا إليه، فصور المسألة في نفسه دونهم، بقوله: "فإنهم عدو لي" على معنى أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو وهو الشيطان، فاجتنبتها، وآثرت عبادة من الخير كله في يده، وأواهم بذلك أنها نصيحة ينصح بها نفسه، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، فيكون ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله، وأبعث على الاستماع منه، ولو قال فإنهم عدو لكم لم يكن بتلك المثابة، فتخلص عند تصويره المسألة في نفسه إلى ذكر الله تعالى، فأجرى عليه تلك الصفات العظام من تفخيم
__________
1 الشعراء 69-102.
(3/129)

شأنه, وتعديد نعمه, من لدن خلقه وأنشأه إلى حين وفاته, مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ليعلم من ذلك أن من هذه صفاته حقيق بالعبادة، واجب على الخلق الخضوع له، والاستكانة لعظمته.
ثم خرج من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه، فدعا الله بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوابين؛ لأن الطالب من مولاه إذا قدم قبل سؤاله وتضرعه الاعتراف بالنعمة كان ذلك أسرع للإجابة، وأنجح لحصول الطلبة.
ثم أدرج في ضمن دعائه ذكر البعث, ويوم القيامة، ومجازاة الله تعالى من آمن به واتقاه بالجنة ومن ضل عن عباده بالنار، فجمع بين الترغيب في طاعته والترهيب من معصيته.
ثم سأل المشركين عما كانوا يعبدون سؤالا ثانيًا عند معاينة الجزاء، وهو سؤال موبخ لهم مستهزئ بهم، وذكر ما يدفعون إليه عند ذلك من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمني العودة ليؤمنوا.
فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكلام الشريف الآخذ بعضه برقاب بعض، مع احتوائه على ضروب من المعاني, فيخلص من كل واحد منها إلى الآخر بلطيفة ملائمة، حتى كأنه أفرغ في قالب واحد، فخرج عن ذكر الأصنام وتنفير أبيه وقومه من عبادتهم إياها, مع ما هي فيه من التعري عن صفات الإلهية, حيث لا تضر ولا تنفع, ولا تبصر ولا تسمع إلى ذكر الله تعالى فوصفه بصفات الإلهية, فعظم شأنه وعدد نعمه، ليعلم بذلك أن العبادة لا تصح إلا له، ثم خرج من هذا إلى دعائه إياه وخضوعه له، ثم خرج منه إلى ذكر يوم
(3/130)

القيامة وثواب الله وعقابه، فتدبر هذه التخلصات اللطيفة المودعة في أثناء هذا الكلام.
وفي القرآن مواضع كثيرة من التخلصات، كالذي ورد في سورة الأعراف، فإنه ذكر فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية من آدم إلى نوح عليهما السلام، وكذلك إلى قصة موسى عليه السلام، حتى انتهى إلى آخرها الذي هو:
{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ، وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 1.
هذا تخلص من التخلصات الحسان، فإن الله تعالى ذكر الأنبياء والقرون
__________
1 الأعراف: 155-157.
(3/131)

الماضية إلى عهد موسى عليه السلام، فلما أراد ذكر نبينا صلوات الله عليه وسلامه ذكره بتخلص انتظم به بعض الكلام ببعض.
ألا ترى أنه قال: قال موسى عليه السلام: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ} فأجيب بقوله تعالى: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ} من حالهم كذا وكذا، ومن صفتهم كيت وكيت، وهم الذين {يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} ثم وصفه صلوات الله عليه بصفاته إلى آخر الكلام.
ويالله العجب كيف يزعم الغانمي أن القرآن خال من التخلص? ألم يكفه سورة يوسف عليه السلام, فإنها قصة برأسها، وهي مضمنة شرح حاله مع إخوته من أول أمره إلى آخره، وفيها عدة تخلصات في الخروج من معنى إلى معنى، وكذلك إلى آخرها.
ولو أخذت في ذكر ما في القرآن الكريم من هذا النوع لأطلت، ومن أنعم نظره فيه وجد من ذلك أشياء كثيرة1.
وقد جاءني من التخلصات في الكلام المنثور أشياء كثيرة، وسأذكر ههنا نبذة يسيرة منها. فمن ذلك ما أوردته في كتاب إلى بعض الإخوان أصف فيه الربيع، ثم خرجت من ذلك إلى ذكر الأشواق، فقلت: "وكما أن هذه
__________
1 أورد الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن 1/ 43-55 دعوى الغانمي التي ذكرها ابن الأثير, وذكر أمثلة من التخلص في القرآن الكريم، بعضها ذكره ابن الأثير، ونرجح أن الزركشي نقل من ابن الأثير؛ لأن الزركشي توفي سنة 794 وابن الأثير توفي سنة 637.
(3/132)

الأوصاف في شأنها بديعة، فكذلك شوقي في شأنه بديع، غير أنه لحره فصل صيف وهذا فصل ربيع، فأنا أملي أحاديثه العجيبة على النوى، وقد عرفت حديث من قتله الشوق فلا أستغض حديث من قتله الهوى".
ومن هذا الأسلوب ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أيضا، وأرسلته إليه من بلاد الروم، وهو كتاب يشتمل على وصف البرد وما لاقيته منه، ثم خرجت من ذلك إلى ذكر الشوق، فقلت: "ومما أشكوه من بردها أن الفرو لا يلبس إلا في شهر ناجر، وهو قائم مقام الظل الذي يتبرد به من لفح الهواجر، ولفرط شدته لم أجد ما يحققه فضلا عما يذهبه، فإن النار المعدة له تطلب من الدفء أيضًا ما أطلبه، لكن وجدت نار أشواقي أشد حرا, فاصطليت بجمرها التي لا تذكى بزناد, ولا تئول إلى رماد، ولا يدفع البرد الوارد على الجسد بأشد من حر الفؤاد، غير أني كنت في ذلك كمن سد خلة بخلة، واستشفى من علة بعلة، وأقتل ما أعلك ما شفاك, فما ظنك بمن يصطلي نار الأشواق، وقد قنع من أخيه بالأوراق فضن عليه بالأوراق".
ومما ينتظم في هذا العقد ما ذكرته في مفتتح كتاب يتضمن عناية ببعض المتظلمين، فاستطردت فيه إلى ذكر المكتوب إليه، وهو: "هدايا المكارم أنفس من هدايا الأموال، وأبقى على تعاقب الأيام والليال، وقد حمل هذا الكتاب منها هدية تورث حمدا وتكسب مجدا، وهي خير ثوابا وخير مردا، ولا يسير بها إلا سجية طبعت على الكرم، وخلقت من عنصر الديم، كسجية مولانا أعلاه الله علوا تفخر به الأرض على السماء، وتحسده شمس النهار ونجوم الظلماء، ولا زالت أياديه مخجلة صوب الغمام، معدية على نوب الأيام، مغنية بشرف فضلها على شرف الأخوال والأعمام، وتلك الهدية هي تجديد الشفاعة في أمر
(3/133)

فلان ومن إيمان المرء سعيه في حاجة أخيه، وإن لم يمسه بشيء من أسباب أواخيه، فإن المؤمنين إخوة وإن تباينت مناسبهم، وتفاوتت مراتبهم، ومن صفتهم أن يسعى بذمتهم أدناهم، وخيرهم من عناه من الأمر ما عناهم"، ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب.
ومن ذلك ما كتبته من كتاب إلى صديق استحدثت مودته، وهو من أهل العراق، وكنت اجتمعت به بالموصل, ثم سار عني فكتبت إليه أستهد به رطبا، فقلت: "هذه المكاتبة ناطقة بلسان الشوق الذي تزف كلمه زفيف الأوراق، وتسجع سجع ذوات الأطواق، وتهتف وهي مقيمة بالموصل فتسمع من هو مقيم بالعراق، وأبرح الشوق ما كان عن فراق غير بعيد، وود استجدت حلته, واللذة مقترنة بكل شيء جديد، وأرجو ألا يبلى قدم الأيام لهذه الجدة لباسا، وأن يعاذ في نظرة الجن والإنس حتى لا يخشى جنة ولا بأسا، وقد قيل: إن للمودات طعما, كما أن لها وسما، وإن ذا اللب يصادق نفسا قبل أن يصادق جسما، وإني لأجد لمودة سيدنا حلاوة يستلذ دوامها، وقد أذكرتني الآن بحلاوة الرطب الذي هو من أرضها، وغير عجيب لمناسبة الأشياء أن يذكر بعضها ببعضها، إلا أن هذه الحلاوة تنال بالأفواه, وتلك تنال بالأسرار، وفرق بين ما يغترس بالأرض وما يغترس بالقلب في شرف الثمار، فلا ينظر سيدنا علي في هذا التمثيل، ولربما كان ذلك تعريضا ينوب مناب التطفيل".
وهذا من التخلصات البديعة، فانظر أيها المتأمل كيف سقت الكلام إلى استهداء الرطب, وجعلت بعضه آخذا برقاب بعض، حتى كأنه أفرغ في قالب واحد? وكذلك فليكن التخلص من معنى إلى معنى.
وهذا القدر من الأمثلة كاف للتعلم.
(3/134)

ومما أستظرف من هذا النوع في الشعر قول "ابن الزمكرم"1 الموصلي وهو:
وليل كوجه البرقعيدي مظلم ... وبرد أغانيه وطول قرونه
سريت ونومي فيه نوم مشرد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه
على أولق فيه التفات كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه2
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه3
وهذه الأبيات لها حكاية، وذاك أن هذا الممدوح، وهو شرف الدولة قرواش ملك العرب، وكان صاحب الموصل، فاتفق أنه كان جالسا مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء، وفي جملتهم هؤلاء الذين هجاهم الشاعر، وكان البرقعيدي مغنيا،
__________
1 ذكر ياقوت هذه الأبيات غير منسوبة إلى قائلها "مادة برقعيد".
ورجعنا إلى كثير من كتب الأدب، لعلنا نهتدي إلى تصويب اسم القائل "ابن الزمكرم" كما ذكره المؤلف، فلم نعثر على ضالتنا، ثم رجعنا إلى الكامل في التاريخ لابن الأثير، وتعقبنا كل ما ذكر عن قرواش الذي جاء ذكره في الأبيات، فوجدناه يذكر أن الشاعر اسمه ابن الزمكرم "الكامل لابن الأثير 7/ 308" أما فوات الوفيات لابن شاكر 2/ 265 فهو يذكر الأبيات منسوبة للطاهر الجزري.
2 أولق: الولقي: الناقة السريعة، والأولق: الجنون وشبهه، ولعله ذكر "الأولق" مريدا به التذكير ليدل به على الجمل السريع، وإن كانت اللغة لا تطاوعه في هذا.
3 البرقعيدي: منسوب إلى برقعيد، بلد من أعمال الموصل، منه بنو حمدان التغلبيون سيف الدولة وأهله. والأبيات في هجاء سليمان بن فهد الموصلي ومدح قرواش ابن المقلد أمير بني عقيل، مع تغيير يسير "معجم البلدان مادة برقعيد".
والأبيات في الكامل لابن الأثير 7/ 308 كما هي، عدا ظلمة بدلا من مظلم. وهي كما قال في قرواش وابن فهد والبرقعيدي وأبي جابر، وقد أجمع أهل البيان على أنها غاية في الجودة، لم يقل أحد خيرا منها في معناها.
وقد مات قرواش أو قتل سنة 444 "فوات الوفيات 2/ 265".
أو سنة 442 "البداية والنهاية 12/ 62".
(3/135)

وسليمان بن فهد وزيرا، وأبو جابر حاجبا، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر أن يهجوه المذكورين ويمدحه، فأنشد هذه الأبيات ارتجالا، وهي غريبة في بابها: لم يسمع بمثلها، ولم يرض قائلها بصناعة التخلص وحدها، حتى رقي في معانيه المقصودة إلى أعلى منزلة، فابتدأ البيت الأول يهجو البرقعيدي، فجاءه في ضمن مراده ذكر أوصاف ليل الشتاء جميعها، وهي الظلمة والبرد والطول، ثم إن هذه الأوصاف الثلاثة جاءت ملائمة لما شبهت به مطابقة له، وكذلك البيت الثاني والثالث، ثم خرج إلى المديح بألطف وجه، وأدق صنعة, وهذا يسمى الاستطراد، وما سمعت في هذا الباب بأحسن من هذه الأبيات.
ومما يجري على هذا الأسلوب ما ورد لابن الحجاج البغدادي، وهي أبيات لطيفة جدا:
ألا يا ماء دجلة لست أدري ... بأني حاسد لك طول عمري
ولو أني استطعت سكرت سكرا ... عليك فلم تكن يا ماء تجري
فقال الماء ما هذا عجيب ... بم استوجبته يا ليت شعري
فقلت له لأنك كل يوم ... تمر على أبي الفضل بن بشر
تراه ولا أراه وذاك شيء ... يضيق عن احتمالك فيه صبري1
وما علمت معنى في هذا المقصد ألطف ولا أرق ولا أعذب ولا أحلى من هذا اللفظ، ويكفي ابن الحجاج من الفضيلة أن يكون له مثل هذه الأبيات.
__________
1 معاهد التنصيص 4/ 253 وفيه البيت الثالث هكذا:
فقال الماء قل لي كل هذا ... بم استوجبته ياليت شعري
وفي البيت الأخير كلمة صدري بدلا من صبري.
(3/136)

ولا تظن أن هذا شيء انفرد به المحدثون لما عندهم من الرقة واللطافة، وفات من تقدمهم لما عندهم من قشف العيش وغلظ الطبع، بل قد تقدم أولئك إلى هذا الأسلوب، وإن أقلوا منه وأكثر منه المحدثون، وأي حسن من محاسن البلاغة والفصاحة لم يسبقوا إليه? وكيف لا وهم أهله ومنهم علم وعنهم أخذ?
فمن ذلك ما جاء للفرزدق وهو:
وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الليل وهي تلفهم ... على شعب الأكوار من كل جانب
إذا ما رأوا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب1
فانظر إلى هذا الاستطراد ما أفحله وأفخمه.
واعلم أنه قد يقصد الشاعر التخلص فيأتي به قبيحا، كما فعل أبو الطيب المتنبي في قصيدته التي أولها:
ملث القطر أعطشها ربوعا
فقال عند الخروج من الغزل إلى المديح:
غدا بك كل خلو مستهاما ... وأصبح كل مستور خليعا
أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرا وابن إبراهيم ريعا2
__________
1 "الديوان 1/ 30" وكان البيت الأول بالأصل "عندها، لها قوة" والبيت الثاني "يخطبون" أما البيت الثالث فقد كان بالأصل "إذا آنسوا" وهي رواية معاهد التنصيص وفي الأغاني "إذا استوضحوا".
2 "الديوان 2/ 427" في مدح علي بن إبراهيم التنوخي. ملث القطر: المطر الدائم. الخلو: الخالي من الهوى: المستهام: الذاهب اللب من الهوى. الخليع: الذي ترك الحياء وتهتك في الهوى. أو يقولوا: إلى أن يقولوا: ثبير: جبل بالحجاز. ريع: أخيف. ابن إبراهيم: هو على الممدوح.
(3/137)

هذا تخلص كما تراه بارد، ليس عليه من مسحة الجمال شيء، وههنا يكون الاقتضاب أحسن من التخلص.
فينبغي لسالك هذه الطرق أن ينظر إلى ما يصوغه، فإن واتاه التخلص حسنا كما ينبغي وإلا فليدعه، ولا يستكرهه حتى يكون مثل هذا، كما فعل أبو الطيب ولهذا نظائر وأشباه، وقد استعمل ذلك في موضع آخر في قصيدته التي أولها:
أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا
فقال:
عل الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا1
والإضراب عن مثل هذا التخلص خير من ذكره، وما ألقاه في هذه الهوه إلا أبو نواس فإنه قال:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواك لعل الفضل يجمع بيننا2
على أن أبا نواس أخذ ذلك من قيس بن ذريح، لكنه أفسده ولم يأت به كما أتى به قيس، ولذلك حكاية، وهو أنه لما هام بلبنى في كل واد وجن بها رق له الناس ورحموه، فسعى له ابن أبي عتيق إلى أن طلقها من زوجها، وأعادها إلى قيس فزوجها إياه فقال عند ذلك:
جزى الرحمن أفضل ما يجازي ... على الإحسان خيرا من صديق
فقد جربت إخواني جميعا ... فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأي حدت فيه عن طريقي
وأطفا لوعة كانت بقلبي ... أغصتني حرارتها بريقي3
__________
1 "الديوان 3/ 352" في مدح سعيد بن عبد الله بن الحسن الكلابي المنبجي.
2 الديوان 474.
3 الأغاني 8/ 129 كان في الأصل "وقد جربت" و"رأى حرت".
(3/138)

وبين هذا الكلام وبين كلام أبي نواس بون بعيد، وقد حكي عن ابن أبي عتيق أنه قال: يا حبيبي أمسك عن هذا المديح فما يسمعه أحد إلا ظنني قوادا.
(3/139)

الاقتضاب:
وأما الاقتضاب فهو الذي أشرنا إليه في صدر هذا النوع، وهو قطع الكلام واستئناف كلام آخر غيره، بلا علاقة تكون بينه وبينه.
فمن ذلك ما يقرب من التخلص، وهو فصل الخطاب، والذي أجمع عليه المحققون من علماء البيان أنه أما بعد؛ لأن المتكلم يفتتح كلامه في كل أمر ذي شأن بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بقوله: أما بعد.
ومن الفصل الذي هو أحسن من الوصل لفظه هذا, وهي علاقة وكيدة بين الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره، كقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ، إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ، وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ، هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ، جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ} 1. ألا ترى إلى ما ذكر قبل "هذا"؟ ذكر من ذكر من الأنبياء عليهم السلام، وأراد أن يذكر على عقبه بابا آخر غيره، وهو ذكر الجنة وأهلها، فقال: {هَذَا ذِكْرٌ} ثم قال: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} ثم لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد
__________
1 سورة ص: الآية 49, 50.
(3/139)

أن يعقبه بذكر أهل النار قال: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} وذلك من فصل الخطاب الذي هو ألطف موقعا من التخلص.
وقد وردت لفظة "هذا" في الشعر, إلا أن ورودها فيه قليل بالنسبة إلى الكلام المنثور، فمن ذلك قول الشاعر المعروف بالخباز البلدي1 في قصيدة أولها:
العيش غض والزمان غرير
إني ليعجبني الزنا في سحرة ... يروق لي بالجاشرية زير2
وأكاد من فرح السرور إذا بدا ... ضوء الصباح من الستور أطير
وإذا رأيت الجو في فضية ... للغيم في جنباتها تكسير
منقوشة صدر البزاة كأنه ... فيروزج قد زانه بلور
نادت بي اللذات ويحك فانتهز ... فرص المنى يا أيها المغرور
مل بي إلى جور السقاة فإنني ... أهوى سقاة الكأس حين تجور
هذا وكم لي بالجنينة سكرة ... أنا من بقايا شربها مخمور
باكرتها وغصونها مغروزة ... والماء بين مروزها3 مذعور
في ستة أنا والنديم وقينة ... والكأس والمزمار والطنبور
__________
1 من بلدة يقال لها بلد من بلاد الجزايرة التي فيها الموصل. اسمه أبو بكر محمد بن أحمد بن حمدان. وكان أميا، وشعره كله ملح وتحف وطرف، ولا تخلو مقطوعة له من معنى حسن أو مثل سائر "يتيمة الدهر 2/ 208".
2 الجاشرية: شرب مع الصبح، وهي أيضا السحر. الزير: وتر من أوتار العود.
3 المرز بالفتح الحباس الذي يحبس الماء، فارمي معرب "هامش القاموس مادة مرز" والمروز جمع مرز، يريد أن الأغصان متشابكة تحبس الماء. مغزورة: أصابها مطر غزير أو ماء كثير.
(3/140)

هذه الأبيات حسنة، وخروجها من شدق هذا الرجل الخباز عجيب، ولو جاءت في شعر أبي نواس لزانت ديوانه.
والاقتضاب الوارد في الشعر كثير لا يحصى, والتخلص بالنسبة إليه قطرة من بحر، ولا يكاد يوجد التخلص في شعر الشاعر المجيد إلا قليلا بالنسبة إلى المقتضب من شعره.
فمن الاقتضاب قول أبي نواس في قصيدته النونية التي أولها:
يا كثير النوح في الدمن
وهذه القصيدة هي عين شعره, والملاحة للعيون، وهي تنزل منه منزلة الألف لا منزلة النون، إلا أنه لم يكمل حسنها بالتخلص من الغزل إلى المديح، بل اقتضبه اقتضابا، فبينا هو يصف الخمر ويقول:
فاسقني كأسا على عذل ... كرهت مسموعه أذني
من كميت اللون صافية ... خير ما سلسلت في بدني
ما استقرت في فؤاد فتى ... فدرى ما لوعة الحزن
حتى قال:
تضحك الدنيا إلى ملك ... قام بالآثار والسنن
سن للناس الندى فندوا ... فكأن البخل لم يكن1
فأكثر مدائح أبي نواس مقتضبة هكذا، والتخلص غير ممكن في كل الأحوال، وهو من مستصعبات علم البيان.
ومن هذا الباب الذي نحن بصدد ذكره قول البحتري في قصيدته المشهورة بالجودة التي مدح بها الفتح بن خاقان وذكر لقاءه الأسد وقتله إياه، وأولها
__________
1 الديوان 412 ومطلعها:
يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن
(3/141)

أجدك ما ينفك يسري لزينبا
وهي من أمهات شعره، ومع ذلك لم يوفق فيها للتخلص من الغزل إلى المديح، فإنه بينما هو في تغزله وهو يقول:
عهدتك إن منيت منيت موعدا ... جهاما وإن أبرقت أبرقت خلبا
وكنت أرى أن الصدود الذي مضى ... دلال فما إن كان إلا تجنبا
فوا أسفا حتام أسأل مانعا ... وآمن خوافا وأعتب مذنبا
حتى قال في أثر ذلك:
أقول لركب معتفين تدرعوا ... على عجل قطعا من الليل غيا
ردوا نائل الفتح بن خاقان إنه ... أعم ندى فيكم وأيسر مطلبا1
فخرج إلى المديح بغير وصلة ولا سبب.
وكذلك قوله في قصيدته المشهورة بالجودة التي مدح بها بن خاقان أيضا، وذكر نجاته عند انخساف الجسر به، وقد أغرب فيها كل الإغراب، وأحسن كل الإحسان وأولها:
متى لاح برق بدا طلل قفر
فبينا هو في غزلها حتى قال:
لعمرك ما الدنيا بناقصة الجدى ... إذا بقي الفتح بن خاقان والقطر2
فخرج إلى المديح مقتضبا له متعلقا به، وأمثال هذا في شعره كثير.
__________
1 "الديوان 1/ 55" وفي الديوان "علمتك إن منيت" و"أقرب مطلبا".
2 "الديوان 1/ 217" ومطلع القصيدة.
متى لاح أو بدا طلل قفر ... جرى مستهل الدمع لا بكئ ولا نزر
(3/142)

النوع الرابع والعشرون: في التناسب بين المعاني
مدخل
...
النوع الرابع والعشرون: في التناسب بين المعاني
وينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول في المطابقة وهذا النوع يسمى البديع أيضا، وهو في المعاني ضد التجنيس في الألفاظ؛ لأن التجنيس هو أن يتحد اللفظ مع اختلاف المعنى، وهذا هو أن يكون المعنيان ضدين.
وقد أجمع أرباب هذه الصناعة على أن المطابقة في الكلام هي الجمع بين الشيء وضده، كالسواد والبياض، والليل والنهار.
وخالفهم في ذلك قدامة بن جعفر الكاتب فقال: المطابقة إيراد لفظين متساويين في البناء والصيغة مختلفين في المعنى.
وهذا الذي ذكره هو التجنيس بعينه, غير أن الأسماء لا مشاحة فيها، إلا إذا كانت مشتقة.
ولننظر نحن في ذلك، وهو أن نكشف عن أصل المطابقة في وضع اللغة، وقد وجدنا الطباق في اللغة من طابق البعير في سيره، إذا وضع رجله موضع يده، وهذا يؤيد ما ذكره قدامة؛ لأن اليد غير الرجل لا ضدها، والموضع الذي يقعان فيه واحد، وكذلك المعنيان يكونان مختلفين واللفظ الذي يجمعهما واحد، فقدامة سمى هذا النوع من الكلام مطابقا، حيث كان الاسم مشتقا مما سمي به، وذلك مناسب وواقع في موقعه، إلا أنه جعل للتجنيس اسما آخر، وهو المطابقة، ولا بأس به، إلا إن كان مثله بالضدين، كالسواد والبياض، فإنه يكون قد خالف الأصل الذي أصله بالمثال الذي مثله1.
__________
1 ذكر قدامة أن الناس يضعون من صفات الشعر المطابق والمجانس، وهما داخلان في باب ائتلاف اللفظ والمعنى. ومعناهما أن تكون في الشعر معان متغايرة قد اشتركت في لفظة=
(3/143)

وأما غيره من أرباب هذه الصناعة فإنهم سموا هذا الضرب من الكلام مطابقا لغير اشتقاق ولا مناسبة بينه وبين مسماه، هذا الظاهر لنا من هذا القول، إلا أن يكونوا قد علموا لذلك مناسبة لطيفة لم نعلمها نحن.
ولنرجع إلى ذكر هذا القسم من التأليف وإيضاح حقيقته، فنقول: الأليق من حيث المعنى أن يسمى هذا النوع المقابلة؛ لأنه لا يخلو الحال فيه من وجهين: إما أن يقابل الشيء بضده، أو يقابل بما ليس بضده، وليس لنا وجه ثالث.
فأما الأول وهو مقابلة الشيء بضده كالسواد والبياض، وما جرى مجراهما فإنه ينقسم قسمين: أحدهما مقابلة في اللفظ والمعنى, والآخر مقابلة في المعنى دون اللفظ.
المقابلة في اللفظ والمعنى:
أما المقابلة في اللفظ والمعنى فكقوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} 1 فقابل بين الضحك والبكاء والقليل والكثير.
وكذلك قوله تعالى: {لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} 2 وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير المال عين ساهرة لعين نائمة".
__________
= واحدة وألفاظ متجانسة مشتقة. ثم عرف "المطابق" بأنه ما يشترك في لفظة واحدة بعينيها، وعرف "المجانس" بأن تكون المعاني اشتراكها في ألفاظ متجانسة على جهة الاشتقاق "نقد الشعر 92 طبقة برل. ليدن".
وقد سبق الآمدي ابن الأثير إلى نقد قدامة في تصرفه في المصطلحات، قال الآمدي: وهذا باب -أعني المطابق- لقبه قدامة "المتكافي" وسمي ضربا من المتجانس "المطابق" وما علمت أن أحد فعل هذا غيره.. ولم أكن أحب له أن يخالف من تقدمه مثل عبد الله بن المعتز وغيره ممن تكلم في هذه الأنواع وألف فيها "الموازنة بين أبي تمام والبحتري 1/ 275 طبعة دار المعارف".
1 التوبة 82.
2 الحديد 23.
(3/144)

ومن الحسن المطبوع الذي ليس بمتكلف قول علي رضي الله عنه لعثمان رضي الله عنه: "إن الحق ثقيل مري, والباطل خفيف وبي، وأنت رجل إن صدقت سخطت، وإن كذبت رضيت"، فقابل الحق بالباطل، والثقيل المري بالخفيف الوبي، والصدق بالكذب، والسخط بالرضا، وهذه خمس مقابلات في هذه الكلمات القصار.
وكذلك ورد قوله رضي الله عنه لما قال الخوارج: لا حكم إلا لله تعالى: "هذه كلمة حق أريد بها باطل". وقال الحجاج بن يوسف لسعيد بن جبير رضي الله عنه, وقد أحضره بين يديه ليقتله، فقال له: ما اسمك? قال: سعيد بن جبير، قال: بل أنت شقي بن كسير، وقد كان الحجاج من الفصحاء المعدودين، وفي كلامه هذا مطابقة حسنة، فإنه نقل الاسمين إلى ضدهما، فقال في سعيد: شقي، وفي جبير: كسير.
وهذا النوع من الكلام لم تختص به اللغة العربية دون غيرها من اللغات.
ومما وجدته في لغة الفرس أنه لما مات قباذ أحد ملوكهم قال وزيره: "حركنا بسكونه".
وأول كتاب الفصول لأبقراط في الطب قوله: العمر قصير، والصناعة طويلة. وهذا الكتاب على لغة اليونان.
ومن كلامي في هذا الباب ما كتبته في صدر مكتوب إلى بعض الإخوان، وهو: "صدر هذا الكتاب عن قلب مقيم, وجسد سائر، وصبر مليم, وجزع عذر، وخاطر أدهشته لوعة الفراق فليس بخاطر".
وكذلك كتبت إلى بعض الإخوان أيضا، فقلت: صدر هذا الكتاب عن قلب مأنوس بلقائه, وطرف مستوحش لفراقه، فهذا مروع بكآبة إظلامه، وهذا ممتع ببهجة إشراقه، غير أن لقاء القلوب لقاء عنيت بمثله خواطر
(3/145)

الأفكار، وتتناجى به من وراء الأستار، وذلك أخو الطيف الملم في المنام، الذي يموه بلقاء الأرواح على لقاء الأجسام".
ومن هذا النوع ما ذكرته في كتاب أصف المسير من دمشق إلى الموصل على طريق المناظر، فقلت في جملته: "ثم نزلت أرض الخابور فغربت الأرواح وشرفت الجسوم، وحصل الإعدام من المسار والإنزال من الهموم، وطالبتني النفس بالعود والقدرة مفلسة، وأويت إلى ظل الآمال والآمال مشمسة".
ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب إلى بعض الإخوان، وعرضت فيه بذكر جماعة من أهل الأدب، فقلت: "وهم مسئولون ألا ينسوني في نادي فضلهم الذي هو منبع الآمال، وملتقط اللآل, فوجوه ألفاظه مشرقة بأيدي الأقلام المتسودة، وقلوب معانيه مستنبطة بنار الخواطر المتوقدة، والواغل إليه بشكر من خمرته التي تنبه العقول من إغفائها، ولا يشعر بها أحد غير أكفائها".
وهذه الفصول المذكورة لا خفاء بما تضمنته من محاسن المقابلة.
ومما ورد من هذا النوع شعرا قول جرير:
وأعور من نبهان أما نهاره ... فأعمى وأما ليله فبصير1
وكذلك ورد قول الفرزدق:
قبح الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون بجار
يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار2
فقابل بين الغدر والوفاء، وبين التيقظ والنوم، وفي البيت الأول معنى يسأل عنه.
__________
1 من قصيدته في هجاء أعور نبهان "الديوان 264" يريد أنه في النهار أعمى عن الخيرات، وفي الليل يصير بالسيئات.
2 ديوان الفرزدق 2/ 448 في هجائه لجرير من قصيدة مطلعها:
يابن المراغة إنما جاريتني ... بمسبقين لدى الفعال قصار
وكان بالأصل "بجار".
(3/146)

وكذلك ورد قول بعضهم:
فلا الجود يفني المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجد مدبر
وقد أكثر أبو تمام من هذا في شعره فأحسن في موضع وأساء في موضع، فمن إحسانه قوله:
ما إن ترى الأحساب بيضا وضحا ... إلا بحيث ترى المنايا سودا
وكذلك قال من هذه القصيدة أيضا:
شرف على أولى الزمان وإنما ... خلق المناسب أن يكون جديدا1
وعلى هذا النهج ورد قوله:
إذا كانت النعمى سلوبا من امرئ ... غدت من خليجي كفه وهي متبع
وإن عثرت سود الليالي وبيضها ... بوحدته ألفيتها وهي مجمع
ويوم يظل العز يحفظ وسطه ... بسمر العوالي والنفوس تضيع
مصيف من الهيجا ومن جاحم الوغى ... ولكنه من وابل الدم مربع2
ومن هذا الأسلوب قوله أيضا:
تقرب الشقة القصوى إذا أخذت ... سلاحها وهو الإرقال والرمل
إذا تظلمت من أرض فصلت بها ... كانت هي العز إلا أنها ذلل
__________
1 من قصيدته في مدح خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، ومطلعها:
طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا
"الديوان 1/ 410" كان في الأصل "سوف" بدلا من شرف، يريد أن ما كان حديثا جديدا كان خلقا لا يتفكر فيه.
2 من قصيدته في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري "الديوان 2/ 317" كان في الأصل "وهو تبع" و"هيجاء" و"حاجم"، السلوب: التي سلب منها ولدها. المتبع التي يتبعها ولدها. خليجي كفه المراد الكف الواحدة. يقول: إذا كانت النعمة من منعم واحدة فإن نعمة هذا الممدوح يتبعها غيرها من النعم. مصيف من الهيجا: هذا اليوم صيف من حر الحرب. مربع: مجتمع.
(3/147)

المرضياتك ما أرغمت آنفها ... والهادياتك وهي الشرد الضلل1
وعلى هذا النحو ورد قوله:
وناضرة الصبا حين اسبكرت ... طلاع المرط والدرع اليدي
تشكى الأين من نصف سريع ... إذا قامت ومن نصف بطي2
وقد جاء لأبي نواس ذلك فقال:
أقلني قد ندمت على الذنوب ... وبالإقرار عذت من الجحود
أنا استهديت عفوك من قريب ... كما استعفيت سخطك من بعيد3
فقابل بين الأضداد من الجحود والإقرار، والعفو والسخط، والقرب والبعد.
وعلى نحو من ذلك ورد قول علي بن جبلة في أبي دلف العجلي4 وهو:
أيم المهير ونكاح الأيم ... يوماك يوم أبؤس وأنعم
وجمع مجد وندى مقسم
وكذلك قوله أيضا:
هو الأمل المبسوط والأجل الذي ... يمر على أيامه الدهر أو يحلو
__________
1 من مقطوعة يصف فيها شدة البرد بخراسان ويصف الإبل "الديوان 360" والبيت الأخير بالديوان قبل الأول. والذي بالديوان "وهي الرشد والضلل" والإرقال والرمل ضربان من السير. ذلل: مطيعة منقادة.
2 من قصيدته في مدح الحسن بن وهب "الديون 3/ 351".
اسبكرت: تم شبابها. طلاع المرط: ملؤه يعني مرط المرأة.
اليدي: الواسع، ويروى البدي بالباء وهو البديع العجيب.
نصف سريع: ويروى خصرها الرقيق. نصف بطيء يريد ردفها الثقيل.
3 الديوان 453 وليس البيت الثاني به، وبعد البيت الأول:
وإن تصفح فإحسان جديد ... سبقت به إلى شكر جديد
4 يعرف علي بن جبلة بالعكوك، كان مداحا مجيد ووصافا بارعا، وكان ضريرا، مدح المأمون وحميد بن عبد الحميد الطوسي وأكثر من مدح أبي دلف وأجاد ومدح غير هؤلاء "طبقات الشعراء لابن المعتز 170 والشعر والشعراء 50 وتاريخ بغداد 11/ 359 وشذرات الذهب 2/ 30".
(3/148)

ولا تحسن الأيام تفعل فعله ... وإن كان في تصريفها النقض والفعل
فعش واحدا أما الشراء فمسلم ... مباح وأما الجار فهو حمى بسل
ومما جاء من هذا القسم قول البحتري:
أحسن الله في ثوابك عن ثغـ ... ـر مضاع أحسنت فيه البلاء
كان مستضعفا فعز ومحرو ... ما فأجدى ومظلما فأضاء1
ومن أحسن ما ورد له في هذا الباب قوله:
أشكو إليك أناملا ما تنطوي ... بخلا وإملاقا تقصفها اليد
أرضيهم قولا ولا يرضونني ... فعلا وتلك قضية لا تقصد
فأذم منهم ما يذم وربما ... سامحتهم فحمدت ما لا يحمد2
وعلى هذا النهج ورد قوله:
وتوقعي منك الإساءة جاهدا ... والعدل أن أتوقع الإحسانا
وكما يسرك لين مسي راضيا ... فكذاك فاخش خشونتي غضبانا3
وأما أبو الطيب المتنبي فإنه استعمل هذا النوع قليلا في شعره، فمن ذلك قوله:
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا4
__________
1 من قصيدته في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف "الديوان 1/ 2".
2 من قصيدته في مدح أبي أيوب ابن أخت أبي الوزير الديوان 1/ 176" والنص بالديوان "ما تنطوي بيسا" والضمير في أرضيهم عائد على الناس في قوله:
الناس حولك روضة ما ترتقي ... ريا النبات ومنهل ما يورد
3 من قصيدته في عتاب أبي العباس بن بسطام الديوان "2/ 279".
4 من قصيدته في مدح محمد بن سيار بن مكرم التميمي التي مطلعها:
أقل فعالي بله أكثره مجد ... وذا الجد فيه نلت أم لم أنل جد
"الديوان 2/ 108" ثقال: نعت لمشايخ في البيت السابق له، يريد أنهم ثقال الوطأة على العدو. خفاف: سريعو الإجابة للنجدة. كثير إذا شدوا دلالة على أن الواحد منهم يسد مسد الجماعة.
(3/149)

وكذلك قوله:
إلى رب مال كلما شت شمله ... تجمع في تشتيته للعلا شمل1
ومما استعذبته قوله في هذا الباب:
كأن سهاد الليل يعشق مقلتي ... فبينهما في كل هجر لنا وصل2
ومما جاء من هذا الباب:
لما اعتنقنا للوداع وأعربت ... عبراتنا عنا بدمع ناطق
فرقن بين معاجر ومحاجر ... وجمعن بين بنفسج وشقائق3
وهذا تحته معنى يسأل عنه غير المقابلة. وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالبنفسج والشقائق هو عارض الرجل وخد المرأة؛ لأن من العادة أن يشبه العارض بالبنفسج. وهذا قول غير سائغ؛ لأن العارض إنما يشبه بالبنفسج عند أول ظهوره, فإذا طر وظهرت خضرته في ابتداء سن الشباب شبه بالبنفسج؛ لأنه يكون بين الأخضر والأسود، وليس في الشعر ما يدل على أن المودع كان شابا قد طر عارضه، والذي يقتضيه المعنى أن المرأة قامت للوداع فمزقت خمارها, ولطمت
__________
1 من قصيدته في مدح شجاع بن محمد الطائي المنبجي، التي مطلعها:
عزيز أسى من داؤه الحدق النجل ... عياء به مات المحبون من قبل
"الديوان 3/ 370" شت: تفرق. الشمل: الاجتماع، أي: كلما تفرق شمل ماله اجتمعت معاليه.
2 من القصيدة نفسها.
3 المعاجر: جمع معجر على وزن منبر ثوب تعتجر به المرأة.
المحاجر: جمع محجر على وزن مجلس وهو العين.
(3/150)

حدها، فجمعت بين أثر اللطم، وهو شبيه بالبنفسج، وبين لون الخد وهو شبيه الشقائق، وفرقت بين خمارها وبين وجهها بالتمزيق وَلَها وموجدة على الوداع، هذا هو معنى البيت لا ما ذهب إليه هذا الرجل.
المقابلة في المعنى دون اللفظ:
وأما المقابلة في المعنى دون اللفظ في الأضداد فمما جاء منه قول المقنع الكندي من شعراء الحماسة:
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا1
فقوله: تتابع لي غنى, بمعنى قوله: كثر مالي, فهو إذا مقابلة من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ؛ لأن حقيقة الأضداد اللفظية إنما هي في المفردات من الألفاظ، نحو: قام وقعد وحل وعقد، وقل وكثر، فإن القيام ضد القعود، والحل ضد العقد، والقليل ضد الكثير، فإذا ترك المفرد من الألفاظ وتوصل إلى مقابلته بلفظ مركب كان ذلك مقابلة معنوية لا لفظية، فاعرف ذلك.
مقابلة الشيء بما ليس بضده:
وأما مقابلة الشيء بما ليس بضده فهي ضربان: أحدهما ألا يكون مثلا، والآخر أن يكون مثلا, فالضرب الأول يتفرع إلى فرعين:
الأول: ما كان بين المقابِل والمقابَل نوع مناسبة وتقارب، كقول قريط بن أنيف:
__________
1 اسم الشاعر محمد بن ظفر بن عمير، من شعراء الدولة الأموية وكان فيما قالوا جميلا مشرق الوجه، فكان يستر وجهه لجماله، فسمي المقنع. وهذا البيت من أبيات اختارها أبو تمام في الحماسة، أولها.
يعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
"شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 3/ 1178".
(3/151)

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا1
فقابل الظلم بالمغفرة، وليس ضدا لها، وإنما هو ضد العدل، إلا أنه لما كانت المغفرة قريبة من العدل حسنت المقابلة بينهما وبين الظلم, وعلى هذا جاء قوله تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} 2 فإن الرحمة ليست ضد الشدة، وإنما ضد الشدة اللين، إلا أنه لما كانت الرحمة من مسببات اللين حسنت المقابلة بينها وبين الشدة.
وكذلك ورد قوله تعالى: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ} 3. فإن المصيبة سيئة؛ لأن كل مصيبة سيئة، وليس كل سيئة مصيبة، فالتقابل ههنا من جهة العام والخاص.
النوع الثاني: ما كان بين المقابل والمقابل به بعد، وذاك مما لا يحسن استعماله، كقول أم النحيف، وهو سعد بن قرط، وقد تزوج امرأة كانت نهته عنها، فقالت من أبيات تذمها فيها:
تربص بها الأيام عل صروفها ... سترمي بها في جاحم متسعر
فكم من كريم قد مناه إلهه ... بمذمومة الأخلاق واسعة الحر4
__________
1 من أبيات في الحماسة، يقرع فيها قومه على تخليهم عن نصرته، أولها:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
"شرح الحماسة للمرزوقي 1/ 22 والتبريزي.
2 الفتح 29.
3 التوبة 50.
4 في الأصل أم المحنف، وابن قرظ، لكن الذي في شرح الحماسة للتبريزي 4/ 352 وفي شرحها للمرزوقي 4/ 1862 هو ما أثبتناه.
(3/152)

فقولها: بمذمومة الأخلاق واسعة الحر, من المقابلة البعيدة، بل الأولى أن كانت قالت: بضيقة الأخلاق واسعة الحر, حتى تصح المقابلة.
وهذا مما يدل على أن العربي غير مهتد إلى استعمال ذلك بصنعته، وإنما يجيء له منه ما يجيء بطبعه لا بتكلفه, وإذا أخطأ فإنه لا يعلم الخطأ ولا يشعر به، والدليل على ذلك أنه لو أبدلت لفظة مذمومة بلفظة ضيقة لصح الوزن، وحصلت المقابلة، وإنما يعذر من يعذر في ترك المقابلة في مثل هذا المقام إذا كان الوزن لا يواتيه.
وأما المحدثون من الشعراء فإنهم اعتنوا بذلك خلاف ما كانت العرب عليه، لا جرم أنهم أشد ملامة من العرب.
فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم1
فإن المقابلة الصحيحة بين المحب والمبغض، لا بين المحب والمجرم، وليست متوسطة أيضًا حتى يقرب الحال فيها، وإنما هي بعيدة، فإنه ليس كل من أجرم إليك كان مبغضا لك.
المواخاة بين المعاني:
ومما يتصل بهذا الضرب ضرب من الكلام يسمى المواخاة بين المعاني، والمواخاة بين المباني, وكان ينبغي أن نعقد له بابا مفردا, لكنا لما رأيناه ينظر إلى التقابل من وجه وصلناه به.
__________
1 هذه هي رواية الديوان "4/ 343" وفي الأصل يطلب ويرد ومساءة. والبيت من قصيدة في مدح كافور.
(3/153)

أما المواخاة بين المعاني فهو أن يذكر المعنى مع أخيه, لا مع الأجنبي، مثاله أن تذكر وصفا من الأوصاف وتقرنه بما يقرب منه ويلتئم به، فإن ذكرته مع ما يبعد منه كان ذلك قدحا في الصناعة وإن كان جائزا.
فمن ذلك قول الكميت:
أم هل ظعائن بالعلياء رافعة ... وإن تكامل فيها الدل والشنب1
فإن الدال يذكر مع الغنج وما أشبهه، والشنب يذكر مع اللعس وما أشبهه، وهذا موضع يغلط فيه أرباب النظم والنثر كثيرا، وهو مظنة الغلظ؛ لأنه يحتاج إلى ثاقب فكرة وحذق, بحيث توضع المعاني مع أخواتها، لا مع الأجنبي منها.
وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج أنه اجتمع نصيب والكميت وذو الرمة، فأنشد الكميت
أم هل ظعائن البيت
فعقد نصيب واحدة، فقال له الكميت: ماذا تحصي? قال: خطأك، فإنك تباعدت في القول، أين الدل من الشنب? ألا قلت كما قال ذو الرمة.
لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي للثاث وفي أنيابها شنب2
ورأيت أبا نواس يقع في ذلك كثيرا، كقوله في وصف الديك:
له اعتدال وانتصاب قد ... وجلده يشبه وشي البرد
__________
1 ليس البيت بالهاشميات. الشنب: ماء ورقة وعذوبة وبرد في الأسنان.
2 الأغاني 1/ 134 مع بعض تغيير. الشنب: ماء ورقة وعذوبة وبرد في الأسنان. لمياء: سمراء الشفة. الحوة: حمرة مشوبة بسواد. اللعس: سواد مستحسن في الشفة.
(3/154)

كأنها الهداب في الفرند ... محدودب الظهر كريم الجد1
فإنه ذكر الظهر وقرنه بذكر الجد، وهذا لا يناسب هذا؛ لأن الظهر من جملة الخلق، والجد من النسب، وكان ينبغي أن يذكر مع الظهر ما يقرب منه ويواخيه.
وكذلك أخطأ أبو نواس في قوله أيضا:
وقد حلفت يمينا ... مبرورة لا تكذب
برب زمزم والحو ... ض والصفا والمحصب2
فإن ذكر الحوض مع زمزم والصفا والمحصب غير مناسب، وإنما يذكر الحوض مع الصراط والميزان وما جرى مجراهما، وأما زمزم والصفا، والمحصب فيذكر معها الركن والحطيم، وما جرى مجراهما.
وعلى هذا الأسلوب ورد قوله أيضا:
أحسن من منزل بذي قار ... منزل خمارة وخمار
وشم ريحانه ونرجسة ... أحسن من أينق بأكوار3
فالبيت الثاني لا مقارنة بين صدره وعجزه، وأين شم الريحان من الأينق
__________
1 في الديوان تحقيق الغزالي "645" مقطوعة في وصف ديك هندي، أولها:
أنعت ديكا من ديوك الهند ... كريم عم وكريم جد
وليس بها هذان البيتان. لكنهما في ديوانه من قصيدة في وصف ديك "المطبعة العمومية".
2 من مقطوعة مطلعها:
حمدان ما لك تغضب ... علي في غير مغضب
"الديوان 724".
3 المطلع في الديوان "160":
أحسن من منزلي بذي قار ... منزل خمارة بالأنبار
الأكوار: جمع كور وهو الرحل.
(3/155)

بالأكوار? وكان ينبغي له أن يقول: شم الريحان أحسن من شم الشيح والقيصوم، وركوب الفتيات الرود أحسن من ركوب الأينق بالأكوار، وكل هذا لا يتفطن لوضعه في مواضعه في كل الأوقات، وقد كان يغلب علي السهو في بعض الأحوال حتى أسلك هذه الطريق في وضع المعاني مع غير أنسابها وأقاربها، ثم إني كنت أتأمل ما صنعته بعد حين فأصلح ما سهوت عنه.
المؤاخاة بين المباني:
المؤاخاة بين المباني فإنه يتعلق بمباني الألفاظ.
فمن ذلك قول أبي تمام في وصف الرماح:
مثقفات سلبن العرب سمرتها ... والروم زرقتها والعاشق القضفا1
وهذا البيت من أبيات أبي تمام الأفراد، غير أن فيه نظرا، وهو قوله العرب والروم ثم قال العاشق، ولو صح أن يقول العشاق لكان أحسن، إذ كانت الأوصاف تجري على "نهج" واحد، وكذلك قوله سمرتها وزرقتها, ثم قال القضفا، وكان ينبغي أن يقول: قضفها أو دقتها.
وعلى هذا ورد قول مسلم بن الوليد:
نفضت بك الأحلاس نفض إقامة ... واسترجعت نزاعها الأمصار
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... يثني عليها السهل والأوعار2
__________
1 البيت من قصيدة في مدح أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي "الديوان 3/ 359" ونصه في الديوان:
مثقفات سلبن الروم زرقتها ... والعرب سمرتها والعاشق القضفا
مثقفات مقومات. القضف: النحافة والضمور، يقول إنها مقومات معدلات، سمر كالعرب، زرق الأسنة كالروم ضامرة كالعاشق.
2 من رثائه ليزيد بن مزيد، والبيتان في الديوان 313:=
(3/156)

والأحسن أن يقال: السهل والوعر، أو السهول والأوعار، ليكون البناء اللفظي واحدا, أي: أن يكون اللفظان واردين على صيغة الجمع أو الإفراد، ولا يكون أحدهما مجموعا والآخر مفردا.
وكذلك ورد قول أبي نواس في الخمر:
صفراء مجدها مرازبها ... جلت عن النظراء والمثل1
فجمع وأفرد في معنى واحد، وهو أنه قال النظراء مجموعا, ثم قال المثل مفردا، وكان الأحسن أن يقول: النظير والمثل، أو النظراء والأمثال.
وعلى ذلك ورد قوله أيضا، والإنكار يتوجه فيه أكثر من الأول، وهو:
ألا يابن الذين فنوا فماتوا ... أما والله ما ماتوا لتبقى
وما لك فاعلمن فيها مقام ... إذا استكملت آجالًا ورزقا2
وموضع الإنكار ههنا أنه قال: آجالا ورزقا, وكان ينبغي أن يقول: أرزاقا، أو أن يقول: آجلا ورزقا، وقد زاده إنكارا أنه جمع الأجل فقال: آجالا, والإنسان ليس له إلا أجل واحد، ولو قال أجلا وأرزاقا, لما عيب؛ لأن الأجل واحد والأرزاق كثيرة، لاختلاف ضروبها وأجناسها.
__________
نقضت بك الآمال أحلاس الغنى ... واسترجعت نزاعها الأمصار
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار
الأحلاس: جمع حلس وهو الذي يوضع تحت الرحل.
1 من قصيدته التي مطلعها:
كان الشباب مطية الجهل ... ومحسن الضحكات والهزل
"الديوان 42" المرازب والمرازبة جمع مرزبان وهو أحد حكام وقواد الفرس. 2 رواية الديوان 98 "المطبعة العمومية".
ألا يابن الذين فنوا وبادوا ... أما والله ما بادوا لتبقى
وما لك فاعلمن بها مقام ... إذا استكملت آجالا ورزقا
(3/157)

وإذا أنصفنا في هذا الموضع وجدنا الناثر مطالبا به دون الناظم، لمكان إمكانه من التصرف, وقد كنت أرى هذا الضرب من الكلام واجبا في الاستعمال، وأنه لا يحسن المحيد عنه، حتى مر بي في القرآن الكريم ما يخالفه، كقوله تعالى في سورة النحل: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} 1 ولو كان الأحسن لزوم البناء اللفظي على سنن واحد لجمع اليمين كما جمع الشمال أو أفرد الشمال كما أفرد اليمين.
وكذلك ورد قوله تعالى:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} 2 فجمع القلوب والأبصار وأفرد السمع.
وكذلك ورد قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ} 3 فذكر السمع بلفظ الإفراد وذكر الأبصار والجلود بلفظ الجمع.
وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة هكذا، ولو كان هذا معتبرا في الاستعمال لورد في كلام الله تعالى الذي هو أفصح من كل الكلام، والأخذ في مقام الفصاحة والبلاغة إنما يكون منه، والمعول عليه.
وينبغي أن يقاس على هذا قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين} 4.
__________
1 النحل 48.
2 النحل 108.
3 فصلت 20.
4 يونس 87.
(3/158)

وربما قيل: إن هذه الآية اشتملت على تثنية وجمع وإفراد، وظن أنها من هذا الباب، وليس كذلك؛ لأنها مشتملة على خطاب موسى وهارون عليهما السلام أولًا في اتخاذ المساجد لقومهما، ثم ثنى الخطاب لهما ولقومهما جميعا، ثم أفرد موسى عليه السلام ببشارة المؤمنين؛ لأنه صاحب الرسالة.
(3/159)

مقابلة الشيء بمثله:
الضرب الثاني في مقابلة الشيء مثله، وهو يتفرع إلى فرعين: أحدهما: مقابلة المفرد بالمفرد، والآخر مقابلة الجملة بالجملة.
النوع الأول: كقوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} 1, وكقوله تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا} 2 وقد روعي هذا الموضع في القرآن الكريم كثيرا، فإذا ورد في صدر آية من الآيات ما يحتاج إلى جواب كان جوابه مماثلا، كقوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} 3 وكقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} 4, وهذا هو الأحسن، وإلا فلو قيل من كفر فعليه ذنبه, كان ذلك جائزا، لكن الأحسن هو ما ورد في كتاب الله تعالى، وعليه مدار الاستعمال.
وهذا الحكم يجري في النظم والنثر من الأسجاع والأبيات الشعرية, فأما إن كان ذلك غير جواب، فإنه لا يلتزم فيه هذه المراعاة اللفظية، ألا ترى أنه قد قوبلت الكلمة بكلمة هي في معناها، وإن تكن مساوية لها في اللفظ، وهذا يقع في الألفاظ المترادفة، ولذا يستعمل ذلك في الموضع الذي ترد فيه الكلمة غير جواب.
__________
1 التوبة 67.
2 النمل 50.
3 الروم 44.
4 الشورى 40.
(3/159)

فمما جاء منه قوله تعالى: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} 1 ولو كان لا تورد الكلمة إلا مثلا لقيل وهو أعلم بما تعلمون.
وكذلك قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} 2 فقال: لا تخف بعد قوله: ففزع, ولما كان هذا في معنى هذا قوبل أحدهما بالآخر، ولم يقابل اللفظ بنفسه.
وكذلك جاء قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} 3 فذكر الاستهزاء الذي هو في معنى الخوض واللعب, وقابل به الخوض واللعب، ولو ذكره على حد المماثلة والمساواة لقال: أفي الله وآياته ورسوله كنتم تخوضون وتلعبون.
فإن قيل: إنك قد احتججت بالقرآن الكريم فيما ذكرته، ونرى قد ورد في القرآن الكريم ما ينقضه، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} 4 ولم يقل جزاء سيئة سيئة مثلها, فالجواب على ذلك أني أقول: أردت أن تنقض على ما ذكرته فلم تنقضه، ولكنك شيدته، والذي ذكرته هو
__________
1 الزمر 70.
2 ص 21, 22.
3 التوبة 65.
4 يونس 27.
(3/160)

دليل لي لا لك، ألا ترى أنه لا فرق بين قوله تعالى: {جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} وبين قوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} إذ المعنى واحد لا يختلف، ولو جاء عوضا عن السيئة لفظة أخرى في معناها كالأذى والسوء أو ما جرى مجراهما لصح لك ما ذهبت إليه.
وقد ذهب بعض المتصدرين في علم البيان أنه إذا ذكرت اللفظة في أول كلام يحتاج إلى تمام، وإن لم يكن جوابا كالذي تقدم، فينبغي أن تعاد بعينها في آخره، ومتى عدل عن ذلك كان معيبا، ثم مثل ذلك بقول أبي تمام وقول أبي الطيب المتنبي، فقال: إن أبا تمام أخطأ في قوله:
بسط الرجاء لنا برغم نوائب ... كثرت بهن مصارع الآمال1
فحيث ذكر الرجاء في صدر البيت فكان ينبغي أن يعيد ذكره أيضًا في عجزه، أو كان ذكر الآمال في صدر البيت وعجزه.
وكذلك أخطأ أبو الطيب المتنبي في قوله:
إني لأعلم واللبيب خبير ... أن الحياة وإن حرصت غرور2
فإنه قال:
إني لأعلم واللبيب خبير
وكان ينبغي أن يقول: إني لأعلم واللبيب عليم، ليكون ذلك تقابلا صحيحا.
وهذا الذي ذكره هذا الرجل ليس بشيء، بل المعتمد عليه في هذا الباب أنه
__________
1 من قصيدة في مدح الحسن بن رجاء، مطلعها:
كفى وغاك فإنني لك قالي ... ليست هوادي عزمتي بتوالي
"الديوان 3/ 76".
2 من رثائه لمحمد بن إسحاق التنوخي "الديوان 2/ 278".
(3/161)

إذا كانت اللفظة في معنى أختها جاز استعمالها في المقابلة بينهما، والدليل على ذلك ما قدمناه من آيات القرآن الكريم, وكفى به دليلا, وهذه الرموز التي هي أسرار الكلام لا يتفطن لاستعمالها إلا أحد رجلين: إما فقيه في علم البيان قد مارسه، وإما مشقوق اللسان في الفصاحة قد خلق عارفا بلطائفها, مستغنيا عن مطالعة صحائفها، وهذا لا يكون إلا عربي الفطرة يقول ما يقوله طبعا، على أنه لا يسدد في جميع أقواله، ما لم تكن معرفته الفطرية ممزوجة بمعرفته العرفية.
الفرع الثاني في مقابلة الجملة بالجملة:
اعلم أنه إذا كانت الجملة من الكلام مستقبلة قوبلت بمستقبلة، وإن كانت ماضية قوبلت بماضية، وربما قوبلت الماضية بالمستقبلة, والمستقبلة بالماضية، إذا كانت إحداهما في معنى الأخرى.
فمن ذلك قوله تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} 1, فإن هذا تقابل من جهة المعنى، ولو كان التقابل من جهة اللفظ لقال: وإن اهتديت فإنما أهتدي لها.
وبيان تقابل هذا الكلام من جهة المعنى هو أن النفس كل ما عليها فهو بها، أعني أن كل ما هو وبال عليها وضار لها فهو بسببها ومنها؛ لأنها الأمارة بالسوء، وكل ما هو لها مما ينفعها, فبهداية ربها وتوفيقه إياها، وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسند ذلك إلى نفسه؛ لأن الرسول إذا دخل تحته مع علو محله وسداد طريقته كان غيره أولى به.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} 2, فإنه لم يراع التقابل في قوله "ليسكنوا فيه ومبصرا"؛ لأن
__________
1 سورة سبأ 50.
2 سورة النمل 86.
(3/162)

القياس يقتضي أن يكون "والنهار ليبصروا فيه" وإنما هو مراعى من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، وهذا النظم المطبوع غير المتكلف؛ لأن معنى قوله: مبصرا لتبصروا فيه طرق التقلب في الحاجات.
واعلم أن في تقابل المعاني بابا عجيب الأمر يحتاج إلى فضل تأمل، وزيادة نظر، وهو يختص بالفواصل من الكلام المنثور، وبالأعجاز من الأبيات الشعرية.
فمما جاء من ذلك قوله تعالى في ذم المنافقين: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} 1 وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ} 2.
ألا ترى كيف فصل الآية الأخرى بيعلمون, والآية التي قبلها بيشعرون، وإنما فعل ذلك؛ لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل, يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة بذلك، وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات, معلوم عند الناس خصوصا عند العرب, وما كان فيهم من التجارب والتغاور، وفهو كالمحسوس عندهم، فلذلك قال فيه: {لا يَشْعُرُونَ} وأيضا فإنه لما ذكر السفه في الآية الأخيرة وهو جهل, كان ذكر العلم معه أحسن طباقا, فقال: {لا يَعْلَمُونَ} .
وآيات القرآن جميعها فصلت هكذا، كقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} 3 وكقوله تعالى:
__________
1 سورة البقرة 11, 12.
2 سورة البقرة 13.
3 سورة الحج 63.
(3/163)

{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} 1. وكقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} 2.
فإنه إنما فصلت الآية الأولى بلطيف خبير؛ لأن ذلك في موضع الرحمة لخلقه بإنزال الغيث وغيره، وأما الآية الثانية فإنما فصلت بغني حميد؛ لأنه قال: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} له لا لحجة، بل هو غني عنها، جواد بها؛ لأنه ليس كل غني نافعا لغناه, إلا إذا كان جوادًا منعمًا، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه، واستحق عليه الحمد، فذكر الحميد ليدل على أنه الغني النافع بغناه خلقه.
وأما الآية الثالثة فإنها فصلت برءوف رحيم؛ لأنه لما عدد للناس ما أنعم به عليهم من تسخير ما في الأرض لهم وإجراء الفلك في البحر بهم, وتسييرهم في ذلك الهول العظيم, وخلقه السماء فوقهم, وإمساكه إياهن عن الوقوع, حسن أن يفصل ذلك بقوله: "رءوف رحيم" أي: إن هذا الفعل فعل رءوف بكم رحيم لكم.
واعلم أيها المتأمل لكتابنا هذا أنه قلما توجد هذه الملاءمة والمناسبة في كلام ناظم أو ناثر.
ومن الآيات ما تشكل فاصلته فتحتاج إلى فكرة وتأمل, كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} 3.
__________
1 سورة الحج 64.
2 سورة الحج 65.
3 سورة النور 6-10.
(3/164)

فإنه قد وردت الفاصلة في غير هذا الموضع بتواب رحيم، ويظن الظان أن هذا كذلك، ويقول إن التوبة مع الرحمة لا مع الحكمة، وليس كما يظن، بل الفاصلة بتواب حكيم أولى من تواب رحيم؛ لأن الله عز وجل حكم بالتلاعن على الصورة التي أمر بها، وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده، وذلك حكمة منه، ففصلت الآية الواردة في آخر الآيات بتواب حكيم، فجمع فيها بين التوبة المرجوة من صاحب المعصية وبين الحكمة في سترها على تلك الصورة.
وهذا الباب ليس في علم البيان أكثر منه نفعا ولا أعظم فائدة.
ومما جاء من هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي:
وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
وقد أوخذ على ذلك، وقيل: لو جعل آخر البيت الأول آخرا للبيت الثاني وآخر البيت الثاني آخرا للبيت الأول لكان أولى.
ولذلك حكاية, وهي أنه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم1
فلما بلغ إلى هذين البيتين قال: قد انتقدتهما عليك, كما انتقد على امرئ القيس قوله:
كأني لم أركب جوادًا للذة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
__________
1 مطلع القصيدة في مدح سيف الدولة لما بنى ثغر الحدث 343هـ.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
"الديوان 4/ 122".
(3/165)

ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال1
فبيتاك لم يلتئم شطراهما، كما لم يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس، وكان ينبغي لك أن تقول:
وقفت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي: إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك؛ لأن البزاز يعرف جملته، والحائك يعرف تفاصيله، وإنما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره، ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت: ووجهك وضاح وثغرك باسم؛ لأجمع بين الأضداد.
__________
1 من قصيدته التي مطلعها:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
"الديوان 27".
(3/166)

صحة التقسيم وفساده:
ولسنا نريد بذلك ههنا ما تقتضيه القسمة العقلية، كما يذهب إليه المتكلمون, فإن ذلك يقتضي أشياء مستحيلة كقولهم: الجواهر لا تخلو إما تكون مجتمعة أو مفترقة، أو لا مجتمعة ولا مفترقة، أو مجتمعة ومفترقة، أو بعضها مجتمعة وبعضها مفترقة.
ألا ترى أن هذه القسمة صحيحة من حيث العقل، لاستيفاء الأقسام جميعها, وإن كان من جملتها ما يستحيل وجوده.
(3/166)

وإنما نريد بالتقسيم ههنا ما يقتضيه المعنى مما يمكن وجوده من غير أن يترك منها قسم واحد، وإذا ذكرت قام كل قسم منها بنفسه، ولم يشارك غيره، فتارة يكون التقسيم بلفظة إما, وتارة بلفظة بين, كقولنا: بين كذا وكذا، وتارة بلفظة منهم، كقولنا: منهم كذا ومنهم كذا، وتارة بأن يذكر العدد المراد أولًا بالذكر، ثم يقسم، كقولنا: فانشعب القوم شعبا أربعا، فشعبة ذهبت يمينا, وشعبة ذهبت شمالا وشعبة وقفت بمكانها، وشعبة رجعت إلى ورائها.
فمما جاء من هذا القسم قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} 1.
وهذه قسمة صحيحة، فإنه لا يخلو العباد من هذه الثلاثة, فإما عاص ظالم لنفسه، وإما مطيع مبادر إلى الخيرات، وإما مقتصد بينهما.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً، فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} 2. وهذه الآية منطبقة المعنى على الآية التي قبلها، فأصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم، وأصحاب الميمنة هم المقتصدون، والسابقون هم السابقون بالخيرات.
وعلى نحو ذلك جاء قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} 3. فإن الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع، وليس لنا قسم ثالث.
فإن قيل: إن استيفاء الأقسام ليس شرطا، وترك بعض الأقسام لا يقدح في الكلام، وقد ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ
__________
1 سورة فاطر 32.
2 سورة الواقعة 7-10.
3 سورة الرعد 12.
(3/167)

النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} 1, فذكر أصحاب الجنة دون أصحاب النار, فالجواب عن ذلك أني أقول: هذا لا ينقض علي ما ذكرته، فإن استيفاء الأقسام يلزم فيما استبهم الإجمال فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ} فإنه حيث قال "فمنهم" لزم استيفاء الأقسام الثلاثة، ولو اقتصر على قسمين منها لم يجز، وأما هذه الآية التي هي {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} فإنه إنما خص أصحاب الجنة بالذكر, للعلم بأن أصحاب النار لا فوز لهم، ولو خص أصحاب النار بالذكر لعلم أيضًا ما لأصحاب الجنة.
وكذلك كل ما يجري هذا المجرى، فإنه إنما ينظر فيه إلى المستبهم وغير المستبهم فاعرفه.
وكان جماعة من أرباب هذه الصناعة يعجبون بقول بعض الأعراب، ويزعمون أن ذلك من أصح التقسيمات، وهو قولهم: "النعم ثلاث: نعمة في حال كونها، ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتي غير محتسبة، فأبقى الله عليك ما أنت فيه، وحقق ظنك فيما ترتجيه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه".
وهذا القول فاسد، فإن في أقسام النعم التي قسمها نقصا لا بد منه، وزيادة لا حاجة إليها، فأما النقص فإغفال النعمة الماضية، وأما الزيادة فقوله بعد المستقبلة: "ونعمة تأتي غير محتسبة"؛ لأن النعمة التي تأتي غير محتسبة داخلة في قسم النعمة المستقبلة, وذاك أن النعمة المستقبلة تنقس قسمين: أحدهما يرجى حصوله، والآخر لا يحتسب، فقوله: "ونعمة تأتي غير محتسبة"، يوهم أن هذا القسم غير المستقبل، وهو داخل فيه.
__________
1 سورة الحشر 20.
(3/168)

وعلى هذا فكان ينبغي له أن يقول: النعم ثلاث: نعمة ماضية، ونعمة في حال كونها، ونعمة تأتي مستقبلة، فأحسن الله آثار النعمة الماضية، وأبقى عليك النعمة التي أنت فيها، ووفر حظك من النعمة التي تستقبلها.
ألا تراه لو قال ذلك لكان قد طبق به مفصل الصواب?
وقد استوفى أبو تمام هذا المعنى في قوله:
جمعت لنا فرق الأماني منكم ... بأبر من روح الحياة وأوصل
فصنيعة في يومها وصنيعة ... قد أحولت وصنيعة لم تحول
كالمزن من ماء الرباب فمقبل ... متنظر ومخيم متهلل1
ووقف أعرابي على مجلس الحسن البصري رضي الله عنه فقال: "رحم الله عبدا أعطى من سعة، أو آسى من كفاف، أو آثر من قلة"، فقال الحسن البصري: ما ترك لأحد عذرا.
وقد عاب أبو هلال العسكري على جميل قوله:
لو كان في قلبي كقدر قلامة ... حبا وصلتك أو أتتك رسائلي2
فقال أبو هلال: إن إتيان الرسائل داخل في جملة الوصل3. وليس الأمر
__________
1 من مدحه لأحمد بن أبي داود الإيادي "الديوان 3/ 49" في الأصل فوق بدلا من فرق.
2 قبل هذا البيت أبيات منها:
فلرب عارضة علينا وصلها ... بالجد تخلطه بقول الهازل
فأجبتها بالرفق بعد تستر ... حبي بثينة عن وصالك شاغلي
"الديوان 83".
3 الصناعتين 348.
(3/169)

كما وقع له، فإن جميلا إنما أراد بقوله: وصلتك أي: أتيتك زائرا وقاصدا, أو كنت راسلتك مراسلة، والوصل لا يخرج عن هذين الوصفين, إما زيارة، وإما رسالة.
ومن أعجب ما وجدته في هذا الباب ما ذكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي هو قول العباس بن الأحنف:
وصالكم هجر وحبكم قلى ... وعطفكم صد وسلمكم حرب1
ثم قال الغانمي: هذا والله أصح من تقسيمات إقليدس2.
ويالله العجب, أين التقسيم من هذا البيت? هذا والله في واد والتقسيم في واد، ألا ترى أنه لم يذكر شيئا تحضره القسمة، وإنما ذم أحبابه في سوء صنيعهم به، فذكر بعض أحواله معهم، ولو قال أيضا:
ولينكم عنف وقربكم نوى ... وإعطاؤكم منع وصدقكم كذب
لكان هذا جائزا، وكذلك لو زاد بيتا آخر لجاز، ولو أنه تقسيم لما احتمل زيادة، والأولى أن يضاف هذا البيت الذي ذكره الغانمي إلى باب المقابلة، فإنه أولى به؛ لأنه قابل الوصل بالهجر، والعطف بالصد، والسلم بالحرب.
ومن فساد التقسيم قول البحتري في قصيدته التي مطلعها:
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا
فقال:
__________
1 "الديوان 13".
2 سبق التعريف بالغانمي. إقليدس: رياضي هندسي يوناني قديم.
(3/170)

قف مشوقًا أو سعدًا أو حزينا ... أو معينًا أو عاذرًا أو عذولا1
فإن المشوق يكون حزينا، والمسعد يكون معينا، وكذلك يكون عاذرا، وكثيرا ما يقع البحتري في مثل ذلك.
وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي وهو:
فافخر فإن الناس فيك ثلاثة ... مستعظم أو حاسد أو جاهل2
فإن المستعظم يكون حاسدًا، والحاسد يكون مستعظمًا, ومن شرط التقسيم ألا تتداخل أقسامه بعضها في بعض.
ومن هذا الأسلوب ما ورد في أبيات الحماسة3، وهو:
وكنت امرأ إما ائتمنتك خاليا ... فخنت وإما قلت قولا بلا علم
فأنت من الأمر الذي قد أتيته ... بمنزلة بين الخيانة والإثم
فإن الخيانة من الإثم، وهذا تقسيم فاسد.
__________
1 في مدح محمد بن علي عيسى القمي. والشطر الثاني هو: "مقصرا من صبابة أو مطيلا" الديوان 2/ 210.
2 من قصيدة في مدح القاضي أبو الفضل أحمد بن عبد الله الأنطاكي، مطلعها:
لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أو أهل
"الديوان 2/ 455".
وفي الديوان "يا أفخر" يريد يا هذا افخر، فحذف المنادى كقراءة علي بن حمزة: "أَلَّا يا اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ" أو أن حرف النداء هنا للتنبيه مثل ألا, كقول ذي الرمة:
ألا يا اسلمى يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر
3 ذكر التبريزي أن القائل عبد الله بن همام السلولي، وكان قد وشى به واش إلى زياد بن أبي سفيان، ثم جمع بينهما زياد، فقال عبد الله للواشي هذين البيتين وفي الحماسة "وأنت امرؤ إما ائتمنتك".
"شرح التبريزي لديوان الحماسة 3/ 142 وشرح المرزوقي 3/ 1139".
(3/171)

ومما جاء من ذلك نثرا قول بعضهم في ذكر منهزمين: "فمن جريح متضرج بدمائه، وهارب لا يلتفت إلى ورائه"، فإن الجريح قد يكون هاربا، والهارب قد يكون جريحا، ولو قال: فمن بين قتيل ومأسور وناج، لصح له التقسيم, أو لو قال: فمن بين قتيل ومأسور لصح له التقسيم أيضًا, لعدم الناجي بينهما.
وقد أحسن البحتري في هذا المعنى حيث قال:
غادرتهم أيدي المنية صبحا ... بالقنا بين ركع وسجود
فهم فرقتان بين قتيل ... قنصت نفسه بحد الحديد
أو أسير غدا له السجن لحدًا ... فهو حي في حالة الملحود
فرقة للسيوف ينفذ فيها الحكم قصدًا أو فرقة للقيود1.
ومن فساد التقسيم قول أبي تمام:
وموقف بين حكم الذل منقطع ... صاليه أو بحبال الموت متصل2
فإنه جعل صالي هذا الموقف إما ذليلا عنه أو هالكا فيه، وههنا قسم ثالث، وهو ألا يكون ذليلا ولا هالكا، بل يكون مقدما فيه ناجيا.
وفي هذا نظر على من ادعى فساد تقسيمه، فإن أبا تمام قصد الغلو في وصف هذا الموقف، فقال: إن الناس فيه أحد رجلين: إما ذليل عن مورده، وإما هالك فيه أي: إنه لا ينجو منه أحد يرده.
وهذا تقسيم صحيح لا فساد فيه.
__________
1 ليست بديوانه.
2 من قصيدته في مدح المعتصم بالله والذي في الديوان "ومشهد بين حكم الذل" الديوان 3/ 16.
(3/172)

ترتيب التغير:
والقسم الثالث في ترتيب التفسير وما يصح من ذلك وما يفسد.
اعلم أن صحة الترتيب في ذلك أن يذكر في الكلام معان مختلفة، فإذا عيد إليها بالذكر لتفسر قدم المقدم وأخر المؤخر، وهو الأحسن، إلا أنه قد ورد في القرآن الكريم وغيره من الكلام الفصيح ولم يراع فيه تقديم المقدم ولا تأخير المؤخر، كقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} 1, ولو قدم تفسير المقدم في هذه الآية وأخر تفسير المؤخر لقيل: إن نشأ نسقط عليهم كسفا من السماء أو نخسف بهم الأرض.
وكذلك ورد قوله تعالى: {يوم تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} 2, فقدم المؤخر وأخر المقدم.
والقسمان وردا جميعًا في القرآن الكريم:
فمما روعي فيه تقديم المقدم وتأخير المؤخر قوله تعالى: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ، يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ
__________
1 سورة سبأ 9.
2 سورة آل عمران 106.
(3/173)

فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} 1.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} 2.
وكذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} 3, فلما قدم الليل في الذكر على النهار قدم سبب الليل، وهو السكون على سبب النهار، وهو التعيش.
ومن ذلك ما كتبته في كتاب تعزية، وهو فصل منه فقلت: ولقد أوحشت منه المعالي كما أوحشت المنازل، وآمت المكارم كما آمت الحلائل، وعمت لوعة خطبه فما تشتكي ثكلى إلا إلى ثاكل، وما أقول فيمن عدمت الأرض منه حياها، والمحامد محياها، فلو نطق الجماد بلسان، وتصور المعنى لعيان، لأعربت تلك عن ظمأ صعيدها، وبرزت هذه حاسرة حول فقيدها.
ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: "وما زالت أيادي سيدنا متنوعة في زيادة جودها وكتابها، فهذه متطولة بترقية وردها, وهذه آخذة بسنة أغبابها، وأحسن ما في الأولى أنها تأتي متحلية بفواضل الإكثار، وفي الثانية أنها تأتي متحلية بفضائل الاختصار، فاختصار هذه في فوائد أقلامها، كتطويل تلك في عوائد إنعامها، وقد أصبحت خواطري مستغرقة بإنشاء القول المبتكر، في شكر الفضل المطول وجواب البيان المختصر،
__________
1 سورة هود 10.
2 سورة الإسراء 12.
3 سورة يونس 67 كان في الأصل تحريف في الآية.
(3/174)

وما جعل الله لها من سلطان البلاغة ما يستغل بأداء حقوق تنقل على الرقاب، ومقابلة بلاغات تثقل على الألباب".
ومما جاء من ذلك شعرا قول إبراهيم بن العباس:
لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... ويفتر عنها أرضها وسماؤها
فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستباح دماؤها
حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأيسر خطب يوم حق فناؤها1
وهذه الأبيات من نادر ما يجيء في هذا الباب معنى وترتيب تفسير.
ومما جاء منه أيضًا قول أبي تمام:
وما هو إلا الوحي أو حد مرهف ... تميل ظباه أخدعي كل ماثل
فهذا دواء الداء من كل عالم ... وهذا دواء الداء من كل جاهل
وكذلك قوله أيضا:
وكان لهم غيثًا وعلمًا فمعدم ... فيسأله أو باحث فيسائله2
وهذا من بديع ما يأتي في هذا الباب.
ومما ورد منه قول علي بن جبلة:
فتى وقف الأيام بالسخط والرضا ... على بذل عرف أو على حد منصل3
ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس:
__________
1 ديوان إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول 163, كوم: جمع كوماء وهي الناقة الضخمة السنام.
2 من قصيدته في مدح المعتصم والأفشين التي مطلعها:
غدا الملك معمور الحمى والمنازل ... منور وحف الروض عذب المناهل
"الديوان 3/ 79".
3 "الديوان 377 في رثاء القاسم بن طوق".
(3/175)

يزجو ويخشى حالتيك الورى ... كأنك الجنة والنار1
وكذلك ورد قول بعض المتأخرين، وهو القاضي الأرجاني:
يوم المتيم فيك حول كامل ... يتعاقب الفصلان فيه إذا أتى
ما بين حر جوى وماء مدامع ... إن حن صاف وإن بكى وجدا شتا2
ومما أخذ على الفرزدق في هذا الباب قوله:
لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملًا ثقل مغرم
لألفيت منهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوم3
لأنه أصاب في التفسير وأخطأ في الترتيب، وذاك أنه أتى بتفسير ما هو أول في البيت الأول ثانيًا في البيت الثاني، والأولى أن كان أتى بتفسير ذلك مرتبا، ففسر ما هو أول في البيت الأول بما هو مكان في البيت الثاني.
__________
1 من قصيدته التي مدح بها العباس بن الفضل بن الربيع، التي مطلعها:
أمنك للمكتوم إظهار ... أم منك تغبيب وإنكار
الديوان 444، تغبيب: دفاع عني.
2 من مدحته للفقيه جمال الدين بن الحسن بن سليمان، ومطلعها:
يا معرضا قد آن أن تتلفتا ... تعذيب قلبي المستهام إلى متى
3 كان القعقاع بن عوف بن معبد زرارة قد أصاب دما في بني سعد بن زيد مناة وهرب، فشكاه بنو سعد إلى والي البصرة حينئذ عبيد الله بن زياد، فبعث وراءه رئيس شرطته هبيرة بن ضمضم المجاشعي، وقاله له: لئن لم تأتني به قتلتك، فظفر به هبيرة، فامتنع عليه، فصوب إليه هبيرة الرمح ليستسلم وهو لا يريد قتله، فأصابه الرمح في جوفه فمات مكانه، وعاد هبيرة خائبا، فقال الفرزدق أبياتا يعرض فيها بضمضم، مطلعها.
وقائلة والدمع يحدر كحلها ... لبئس المدى أجرى إليه ابن ضمضم
والبيتان في الديوان هكذا:
لقد خنت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم
لألفيت منهم مطعما ومطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوم
الديوان 2/ 749 شزرا: المراد في غضب. الوشيج المقوم: الرمح.
(3/176)

واعلم أن الناظم لا ينكر عليه الذي ينكر على الناثر؛ لأن الناظم يضطره الوزن والقافية إلى ترك الأولى.
وأما فساد التفسير فإنه أقبح من فساد ترتيبه، وذاك أن يؤتى بكلام ثم يفسر تفسيرا لا يناسبه، وهو عيب لا تسامح فيه بحال، وذلك كقول بعضهم:
فيا أيها الحيران في ظلمة الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدا
تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحرا من الندى
وكان يجب لهذا الشاعر أن يقول بإزاء بغي العدا ما يناسبه من النصرة والإعانة، أو ما جرى مجراهما، ليكون ذلك تفسيرا له, كما جعل بإزاء الظلمة الضياء, وفسرها به، فأما أن جعل بإزاء ما يتخوف منه بحرا من الندى, فإن ذلك غير لائق.
(3/177)

النوع الخامس والعشرون: في الاقتصاد والتفريط والإفراط
مدخل
...
النوع الخامس والعشرون: في الاقتصاد والتفريط والإفراط
اعلم أن هذه المعاني الثلاثة من الاقتصاد والتفريط والإفراط توجد في كل شيء من علم وصناعة وخلق، ولا بد لنا من ذكر حقيقتها في أصل اللغة, حتى تتبين نقلها إلى هذا النوع من الكلام.
فأما الاقتصاد في الشيء فهو من القصد الذي هو الوقوف على الوسط الذي لا يميل إلى أحد الطرفين، قال الله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} 1, فظلم النفس والسبق بالخيرات طرفان، والاقتصاد وسط بينهما.
__________
1 سورة فاطر 32.
(3/177)

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} 1 فالإسراف والإقتار طرفان، والقوام وسط بينهما.
وقال الشاعر2:
عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأتي دونه الخلق
وأما التفريط فهو التقصير والتصنيع، ولهذا قال الله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} 3 أي: ما أهملنا ولا ضيعنا.
وأما الإفراط فهو: الإسراف وتجاوز الحد، فيقال: أفرط في الشيء إذا أسرف وتجاوز الحد, والتفريط والإفراط هما الطرفان البعيدان، والاقتصاد هو الوسط المعتدل.
وقد نقلت هذه المعاني الثلاثة إلى هذا النوع من علم البيان.
أما الاقتصاد فهو أن يكون المعنى المضمر في العبارة على حسب ما يقتضيه المعبر عنه في منزلته.
وأما التفريط والإفراط فهما ضدان: أحدهما: أن يكون المعنى المضمر في العبارة دون ما يقتضيه منزلة المعبر عنه، والآخر: أن يكون المعنى فوق منزلته.
__________
1 سورة الفرقان 67.
2 هو سالم بن وابصة. شرح الحماسة للتبريزي 2/ 236, والمرزوقي 710.
3 سورة الأنعام 38.
(3/178)

التفريط:
والتفريط في إيراد المعاني الخطابية قبيح لا يجوز استعماله بوجه من الوجوه، والإفراط يجوز استعماله، فمنه الحسن، ومنه دون ذلك.
(3/178)

فمما جاء من التفريط قول الأعشى:
وما مزبد من خليج الفرا ... ت جون غواربه تلتطم
بأجود منه بماعونه ... إذا ما سماؤهم لم تغم1
فإنه مدح ملكا بالجود بماعونه، والماعون كل ما يستعار من قدوم أو قصعة أو قدر، أو ما أشبه ذلك، وليس للملوك في بذله مدح، ولا لأوساط الناس أيضا، وفي مدح السوقة به قولان، ومدح الملوك به عيب وذم فاحش، وهذا من أقبح التفريط.
ومما يجري هذا المجرى قول الفرزدق:
ألا ليتنا كنا بعيرين لا نرد ... على حاضر إلا نشل ونقذف
كلانا به عر يخاف قرافه ... على الناس مطلي المشاعر أخشف2
__________
1 من قصيدته في مدح قيس بن معد يكرب، التي مطلعها:
أتهجر غانية أم تلم ... أم الحبل واه بها منجذم
"الديوان 35".
2 من إحدى نقائضه "الديوان 2/ 551" والبيتان في الديوان هكذا:
فيا ليتنا كنا بعيرين لا نرد ... على منهل إلا نشل ونقذف
كلانا به عمر يخاف قرافه ... على الناس مطلي المساعر أخشف
وكان بالأصل "قرانه" و"المشاعر".
المنهل: الماء. نشل: نطرد. العر بفتح العين: الجرب وبضمها قرح ليست بالجرب. القراف: المخالطة وداء يقتل البعير. المساعر: أصول الفخذين والإبطين؛ لأنها أول ما يشتد فيها الجرب. ويروى الأشاعر. الأخشف: الجلد اليابس من الجرب.
ولكثير عزة أمنية مثل هذه في قوله:
ألا ليتنا يا عز من غير ريبة ... بعيرات ترعى في الخلاء ونعزب
كلانا به عر فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدى وأجرب
نكون لذي مال كثير مغفل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
إذا ما وردنا منهلا صاح أهله ... علينا فلا ننفك نرمى ونضرب
"الموشح 155".
(3/179)

هذا رجل ذهب عقله حين نظم هذين البيتين، فإن مراده منهما التغزل بمحبوبه, وقد قصر تمنيه على أن يكون هو ومحبوبه كبعيرين أجربين، لا يقربهما أحد، ولا يقربان أحدا، إلا طردهما، وهذا من الأماني السخيفة، وله في غير هذه الأمنية مندوحات كثيرة.
وما أشبه هذا بقول القائل:
يا رب إن قدرته لمقبل ... غيري فللأقداح أو للأكؤس
وإذا حكمت لنا بعين مراقب ... في الدهر فلتك من عيون النرجس
فانظركم بين هاتين الأمنيتين.
ومما أخذ على أبي نواس في قصيدته الميمية الموصوفة التي مدح بها الأمين محمد بن الرشيد، وهو قوله:
أصبحت يابن زبيدة ابنة جعفر ... أملا لعقد حباله استحكام1
فإن ذكر أم الخليفة في مثل هذا الموضع قبيح.
وكذلك قوله في موضع آخر:
وليس كجدتيه أم موسى ... إذا نسبت ولا كالخيزران2
__________
1 من قصيدته في مدح الأمين التي مطلعها:
يا دار ما فعلت بك الأيام ... ضامتك والأيام ليس تضام
"الديوان: 407".
2 من مدحته للأمين، التي أولها:
رضينا بالأمين عن الزمان ... فأضحى الملك معمور المعاني
"الديوان 416".
(3/180)

وهذا لغو من الحديث لا فائدة فيه، فإن شرف الأنساب إنما هو إلى الرجال، لا إلى النساء، ويا ليت شعري أما سمع أبو نواس قول قتيلة بنت النضر في النبي صلى الله عليه وسلم:
أمحمد ولأنت نجل كريمة ... من قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق1
فإنها ذكرت الأم بغير اسم الأم، وأبرزت هذا الكلام في هذا اللباس الأنيق.
وكذلك فليكن المادح إذا مدح، وأبو نواس مع لطافة طبعه وذكائه وما كان يوصف به من الفطنة قد ذهب عليه مثل هذا الموضع مع ظهوره.
وليس لقائل أن يعترض على ما ذكرته بقوله تعالى حكاية عن موسى وأخيه هارون عليهما السلام: {قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي} 2 فإن الفرق بين الموضعين ظاهر؛ لأن المنكر على أبي نواس إنما هو التلفظ باسم الأم، وهي زبيدة، وكذلك اسم الجدة، وهي الخيزران وليس كذلك ما ورد في الآية. فإن قيل: قد ورد في القرآن الكريم ما يسوغ لأبي نواس مقالته، وهو قوله تعالى
__________
1 وفدت قتيلة بنت النضر بن الحارث على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمر بقتله عقب غزوة بدر، فأنشدته أبياتا أولها:
يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق
بلغ به ميتا فإن تحية ... ما إن تزال بها الركائب تخفق
سيرة ابن هشام "1/ 359" والإصابة 884 قسم النساء ومعجم البلدان "الأثيل" والعمدة 1/ 30 وذكر ابن إسحاق في السيرة وأبو الفرج في الأغاني 1/ 9 والحصري في زهر الآدب 1/ 22 أنها بنت الحارث، وتكون إذا أخت النضر لابنته.
الأثيل: موضع كان فيه قبر النضر. المظنة: المنزل المعلم. من صبح خامسة: تريد من من صبح ليلة خامسة لليلة التي تبدأ فيها السير إلى الأثيل وأنت على الطريق غير عادل عنه تخفق: تضرب وتتحرك.
2 سورة طه 94.
(3/181)

{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} 1 فناداه باسم أمه, قلت الجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما أن عيسى عليه السلام لم يكن له أب، فنودي باسم أمه ضرورة، إذ لو كان له أب لنودي باسم أبيه.
الوجه الآخر: أن هذا النداء إنما هو من الأعلى إلى الأدنى، إذ الله سبحانه وتعالى هو الرب، وعيسى عليه السلام عبده، وهذا لا يكون تفريطا؛ لأنه لم يعبر عنه بما هو دون منزلته.
على أن أبا نواس لم يوقعه في هذه العثرة إلا ما سمعه عن جرير في مدح عمر بن عبد العزيز كقوله:
وتبني المجد يا عمر ابن ليلى ... وتكفي الممحل السنة الجمادا2
وكذلك قال فيه كثير عزة أيضا.
وليس المعيب من هذا بخاف، فإن العرب قد كان يعير بعضها بعضا بنسبته إلى أمه دون أبيه، ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقال له: ابن حنتمة، وإنما كان يقول ذلك من يغض منه، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم للزبير ابن صفية: "بشر قاتل ابن صفية بالنار" فإن صفية كانت عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما نسبه إليها رفعا لقدره في قرب نسبه منه، وأنه ابن عمته، وليس هذا كالأول في الغض من عمر رضي الله عنه في نسبه إلى أمه3.
__________
1 سورة المائدة 116.
2 من قصيدته التي مطلعها:
أبت عيناك بالحسن الرقادا ... وأنكرت الأصادق والبلادا
"الديوان 134".
3 لم يكن النسب إلى الأم تحقيرا، كما توهم ابن الأثير.
فقد كانت له بواعث شتى، منها تكريم الأم المنجبة وتمجيدها، ومنها الفخر بها لعراقتها، منها مدح أبنائها بنسبهم إليها، ومنها أن تكون الأم أعظم شهرة من الأب وعراقة.
وكان في قليل من الأحيان للتحقير "المرأة في الشعر الجاهلي للدكتور أحمد الحوفي 80".
(3/182)

وقد عاب بعض من يتهم نفسه بالمعرفة قول أبي نواس في قصيدته السينية التي أولها:
نبه نديمك قد نعس
فقال من جملتها:
ورث الخلافة خامسًا ... وبخير سادسهم سدس1
قال: وفي ذكر السادس نظر، ويا عجبا له مع معرفته بالشعر كيف ذهب عليه هذا الموضع? أما قرأ سورة الكهف، يريد قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} 2 وهذا ليس بشيء؛ لأنه قد ورد في القرآن الكريم ما ينقضه، وهو قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} 3.
ومما عبته على البحتري قوله في مدح الفتح بن خاقان في قصيدته المشهورة عند لقائه الأسد التي مطلعها:
أجدك ما ينفك يسري لزينبا
فقال:
شهدت لقد أنصفته حين تنبري ... له مصلتا عضبا من البيض مقضبا
فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا إذا الهيابة النكس كذبا4
قوله: "إذا الهيابة النكس" تفريط في المدح، بل كان الأولى أن يقول: إذا البطل كذب، وإلا فأي مدح في إقدام المقدم في الموضع الذي يفر منه الجبان?
__________
1 من قصيدته في مدح الأمين "الديوان 417".
والمعروف أنه سادس خلفاء بني العباس، والخمسة هم عبد الله السفاح والمنصور والهادي والمهدي والرشيد. وسدسهم صار لهم سادسا.
2 سورة الكهف 23.
3 سورة المجادلة 7.
4 مطلع القصيدة:
أجدك ما ينفك يسري لزينبا ... خيال إذا آب الظلام تأوبا
وفي الأصل تبتري بدلا من تنبري "الديوان 1/ 56".
(3/183)

وألا قال كما قال أبو تمام:
فتى كلما أرتاد الشجاع من الردى ... مفرا غداة المأزق ارتاد مصرعا1
وعلى أسلوب البحتري ورد قول بعضهم من شعراء الحماسة:
وإني لقوال لعافي مرحبًا ... وللطالب المعروف إنك واجده
وإني لممن أبسط الكف بالندى ... إذا شنجت كف البخيل وساعده2
وهذا معيب من جهة أنه لا فضل في بسط يده عند قبض يد البخيل، وإنما الفضيلة في بسطها عند قبض الكرام أيديهم.
ومن هذا الباب قول أبي تمام:
يقظ وهو أكثر الناس إغضا ... ء على نائل له مسروق3
فإنه أراد أن يمدح فذم.
ومما هو أقبح من ذلك قوله أيضا:
تثفى الحرب منه حين تغلي ... مراجلها بشيطان رجيم4
وقد استعمل هذا في شعره حتى أفحش، كقوله:
__________
1 من رثائه لمجد بن حميد، ومطلع القصيدة:
أصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
وقد تقدمت القصيدة.
2 القائل هو إياس بن الأرث "شرح الحماسة للتبريزي 4/ 218" والمرزوقي 4/ 1685 العافي: طالب المعروف أو الطعام: شنجت كفه وساعده: كناية عن ظهور الجدب والبخل.
3 من قصيدته في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف، ومطلعها:
ما عهدنا كذا بكاء المشوق ... كيف والدمع آية المعشوق
"الديوان 2/ 430".
4 من مدحته لبعض بني عبد الكريم الطائيين "الديوان 217" ومطلعها:
أراملة كنت مألف كل ريم ... لو استمعت بالأنس المقيم
تثفى: تجعل لها أثافي وهي الحجارة التي ينصب عليها القدر. المراجل: القدور. وفي الأصل "ينقى الحرب". ليست القصيدة بالديوان.
(3/184)

أنت دلو وذو السماح أبو مو ... سى قليب وأنت دلو القليب1
ومراده من ذلك أنه جعله سببا لعطاء المشار إليه كما أن الدلو سبب في امتياح الماء من القليب، ولم يبلغ هذا المعنى من الإغراب إلى حد يدندن أبو تمام حوله هذه الدندنة، ويلقيه في هذا المثال السخيف، على أنه لم يقنع بهذه السقطة القبيحة في شعره، بل أوردها في مواضع أخرى منه، فمن ذلك قوله:
ما زال يهذي بالمكارم والعلا ... حتى ظننا أنه محموم2
فإنه أراد أن يبالغ في ذكر الممدوح باللهج بالمكارم والعلا، فقال: "ما زال يهذي" وما أعلم ما كانت حاله عند نظم هذا البيت:
وعلى نحو منه جاء قول بعض المتأخرين:
ويلحقه عند المكارم هزة ... كما انتفض المجهود من أم ملدم3
وهذا وأمثاله لا يجوز استعماله، وإن كان المعنى المقصود به حسنا، وكم ممن يتأول معنى كريما فأساء في التعبير عنه حتى صار مذموما، كهذا وأمثاله.
__________
1 القليب: البئر. ليست القصيدة بالديوان. البيت بالصناعتين 356.
2 من مدحته لأبي الحسين بن شبابة بن الهيثم التي مطلعها:
أسقى طلولهم أجش هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم
"الديوان 3/ 289" والبيت في الديوان هكذا:
ما زال يهذي بالمواهب دائبا ... حتى ظننا أنه محموم
ويروى بالمواهب والندى.
أجش: يوصف به كأن به جشة وقوة. هزيم: رعد ذو صوت، أو رعد ممطر.
3 أم ملدم: الحمى.
(3/185)

ومن أحسن ما قيل في مثل هذا الموضع قول ابن الرومي:
ذهب الذين تهزهم مداحهم ... هز الكماة عوالي المران
كانوا إذا مدحوا رأوا ما فيهم ... فالأريحية منهم بمكان1
ومن شاء أن يمدح فليمدح هكذا، وإلا فليسكت.
ووجدت أبا بكر محمد بن يحيى المعروف بالصولي قد عاب على حسان بن ثابت رضي الله عنه قوله:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسياقنا يقطرن من نجدة دما2
وقال إنه جمع الجفنات، والأسياف جمع قلة، وهو في مقام فخر، وهذا مما يحط من المعنى ويضع منه، وقد ذهب إلى هذا غيره أيضا، وليس بشيء؛ لأن الغرض إنما هو الجمع، فسواء أكان جمع قلة أم جمع كثرة.
__________
1 "الديوان 474" من قصيدة مطلعها:
للمادحون اليوم أهل زماننا ... أولى من الهاجين بالحرمان
2 كان النابغة الذبياني تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ، يجتمع إليه فيها الشعراء، فدخل إليه حسان بن ثابت وعنده الأعشى وقد أنشده شعره، وأنشدته الخنساء إحدى مراثيها، فقال النابغة: لولا أن أبا بصير أنشدني قبلك، لقلت إنك أشعر الناس، أنت والله أشعر من كل ذات مثانة، فقالت: والله ومن كل ذي خصيتين. فقال حسان: أنا والله أشعر منك ومنها قال النابغة: حيث تقول ماذا، قال حيث أقول:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحا ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
فقال النابغة: إنك لشاعر، لولا أنك قللت عدد جفانك، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، وفي رواية أخرى أنه قال له: قلت الجفنات فقللت العدد، ولو قلت الجفان لكان أكثر، وقلت يلمعن في الضحا، ولو قلت يبرقن بالدجا لكان أبلغ في المديح؛ لأن الضيف بالليل أكثر طروقا، وقلت يقطرن من نجدة دما، فدللت على قلة القتلى، ولو قلت يجرين لكان أكثر، لانصباب الدم، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، فقام حسان منكسرا منقطعا.
"الأغاني 8/ 188 والموشح للمرزباني 60".
(3/186)

ويدل على ذلك قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 1 أفترى نعم الله أكانت قليلة على إبراهيم صلوات الله عليه؟
وكذلك ورد قوله عز وجل في سورة النمل: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} 2 فقال: {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} فجمع النفس جمع قلة، وما كان قوم فرعون بالقليل حتى تجمع نفوسهم جمع قلة، بل كانوا مئين ألوفا، وهذا أيضًا مما يبطل قول الصولي وغيره في مثل هذا الموضوع.
وكذلك ورد قوله عز وجل: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} 3 والنفوس المتوفاة والنائمة لا ينتهي إلى كثرتها كثرة؛ لأنها نفوس كل من في العالم.
واعلم أن للمدح ألفاظا تخصه، وللذم ألفاظا تخصه، وقد تعمق قوم في ذلك حتى قالوا: من الأدب ألا تخاطب الملوك ومن يقاربهم بكاف الخطاب، وهذا غلط بارد، فإن الله الذي هو ملك الملوك قد خوطب بالكاف في أول كتابه العزيز فقيل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .
وقد ورد أمثال هذا في مواضع من القرآن الكريم غير محصورة، إلا أني قد راجعت نظري في ذلك، فرأيت الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم4، والعوائد لا حكم لها،
__________
1 سورة النحل 120, 121.
2 سورة النمل 12-14.
3 سورة الزمر 42.
4 كانت في الأصل "بأيامهم".
(3/187)

ولا شك أن العادة أوجبت للناس مثل هذا التعمق في ترك الخطاب بالكاف، لكني تأملت أدب الشعراء والكتاب في هذا الموضع فوجدت الخطاب لا يعاب في الشعر ويعاب في الكتابة إذا كان المخاطب دون المخاطب درجة، وأما إن كان فوقه فلا عيب في خطابه إياه بالكاف؛ لأنه ليس من التفريط في شيء, فمن خطاب الكاف قول النابغة:
وإنك كالليل الذي هو مدركي وإن ... خلت أن المنتأى عنك واسع1
وكذلك ورد قوله أيضا:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب2
وعليه جاء قول بعض المتأخرين أيضا، فقال أبو نواس:
إليك أبا المنصور عذبت ناقتي ... زيارة خل وامتحان كريم
لأعلم ما تأتي وإن كنت عالما ... بأنك مهما نأت غير ملوم3
وكذلك ورد قول السلامي4:
إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر
وبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر5
__________
1 من قصيدته في الاعتذار إلى النعمان بن المنذر "الديوان 71".
2 من اعتذاره للنعمان بن المنذر "الديوان 17".
3 من قصيدة في مدح الفضل بن الربيع، مطلعها:
لمن دمن تزداد حسن رسوم ... على طول ما أقوت وطيب نسيم
"الديوان: 447".
4 من أشهر شعراء العراق ولد بكرخ بغداد 336هـ وينتسب إلى بني مخزوم "يتيمة الدهر 2/ 395".
5 قصارى المطايا: هدفها وغايتها. وكانت بالأصل نصار المطايا "يتيمة الدهر 2/ 401".
(3/188)

وعليه ورد قوله البحتري:
ولقد أتيتك طالبا فبسطت من ... أملي وأطلب جود كفك مطلبي1
وجل خطاب الشعراء للممدوحين إنما هو بالكاف.
وذلك محظور على الكتاب، فإنه ليس من الأدب عندهم أن يخاطب الأدنى الأعلى بالكاف، وإنما يخاطبه مخاطبة الغائب لا مخاطبة الحاضر.
على أن هذا الباب بجملته يوكل النظر فيه إلى فطانة الخطيب والشاعر، وليس مما يوقف فيه على المسموع خاصة.
ومن ألطف ما وجدته أنك إذا خاطبت الممدوح أن تترك الخطاب بالأمر بأن تقول: افعل كذا وكذا، وتخرجه مخرج الاستفهام، وهذا الأسلوب حسن جدا، وعليه مسحة من جمال، بل عليه الجمال كله.
فمما جاء منه قول البحتري في قصيدة أولها:
بودي لو يهوى العذول ويعشق
فقال منها:
فهل أنت يابن الراشدين مختمي ... بياقوتة تبهى علي وتشرق2
وهذا من الأدب الحسن في خطاب الخليفة، فإنه لم يخاطبه بأن قال: ختمني بياقوتة، على سبيل الأمر بل خاطبه على سبيل الاستفهام، وقد أعجبني هذا المذهب، وحسن عندي.
__________
1 الديوان 1/ 20".
وفيه "إني أتبتك" أطلب جود كفك مطلبي: ما طلبت.
2 من قصيدته في مدح المعتز بالله، والشطر الثاني من البيت هو:
فيعلم أسباب الهوى كيف تعلق
"الديوان 2/ 124".
تبهى: تحسن وتجمل. ويصح أن تكون تبهى على وزن تعطي والمعنى واحد.
(3/189)

وقد حذا حذو البحتري شاعر من شعراء عصرنا فقال في مدح الخليفة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد من قصيدة له على قافية الدال، فقال من أبيات يصف بها قصيدته:
أمقبولة يابن الخلائف من فمي ... لديك بوصفي غادة الشعر رؤده1
فقوله: "أمقبولة" من الأدب الحسن الذي نسج فيه على منوال البحتري.
وهذا باب مفرد، وهو باب الاستفهام في الخطاب، وإذا كان الشاعر فطنا عالما بما يضعه من الألفاظ والمعاني تصرف في هذا الباب بضروب التصرفات، واستخرج من ذات نفسه شيئا لم يسبقه إليه أحد.
واعلم أن من المعاني ما يعبر عنه بألفاظ متعددة ويكون المعنى المندرج تحتها واحدا، فمن تلك الألفاظ ما يليق استعماله بالمدح ومنها ما يليق استعماله بالذم، ولو كان هذا الأمر يرجع إلى المعنى فقط لكانت جميع الألفاظ الدالة عليه سواء في الاستعمال، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف دون الأصل.
ولنضرب له مثالا فنقول: هل يجوز أن يخاطب الملك فيقال له: وحق دماغك، قياسا على وحق رأسك? وهذا يرجع إلى أدب النفس دون أدب الدرس. فإذا أراد مؤلف الكلام أن يمدح ذكر الرأس والهامة والكاهل، وما جرى هذا المجرى، فإذا أراد أن يهجو ذكر الدماغ والقفا والقذال2، وما جرى هذا المجرى، وإن كانت معاني الجميع متقاربة، ومن أجل ذلك حسنت الكناية في الموضع الذي يقبح فيه التصريح.
__________
1 الرؤد والرأد والرئد: الشابة الحسنة. المعنى هل تقبل في مدحي لك غادة من شعري.
2 القذال: مجتمع مؤخر الرأس.
(3/190)

ومن أحسن ما بلغني من أدب النفس في الخطاب أن عثمان بن عفان رضي الله عنه سأل قباث بن أشيم، فقال له: أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ? فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا أقدم منه في الميلاد.
فانظر إلى أدب هذا العربي الذي من شأنه وشأن أمثاله جفاء الخلق والبعد عن فطانة الآداب.
(3/191)

الإفراط:
وأما الإفراط فقد ذمه قوم من أهل هذه الصناعة، وحمده آخرون، والمذهب عندي استعماله فإن أحسن الشعر أكذبه، بل أصدقه أكذبه، لكنه تتفاوت درجاته، فمنه المستحسن الذي عليه مدار الاستعمال، ولا يطلق على الله سبحانه وتعالى؛ لأنه مهما ذكر به من المغالاة1 في صفاته فإنه دون ما يستحقه.
ومما ورد من ذلك في الشعر قول عنترة:
وأنا المنية في المواطن كلها ... والطعن مني سابق الآجال2
وقد يروى3 بالياء، وكلا المعنيين حسن، إلا أن الياء أكثر غلوا.
ومما جاء على نحو من ذلك قول بشار:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما4
__________
1 كانت الكلمة بالأصل "المعاملات".
2 ديوان عنترة 129 والبيت بالديوان هكذا:
وأنا المنبه حين تشتجر القنا ... والطعن مني سابق الآجال
3 يروى سابق الآجال، أي: يسوقها.
4 روي البيت هكذا بالشعر والشعراء لابن قتيبة 178 والبيت بالأغاني 3/ 31 هكذا
إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدما
(3/191)

ومنه ما يستهجن كقول النابغة الذبياني:
إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق1
وهذا يصف طول قامتها2، لكنه من الأوصاف المنكرة التي خرجت بها المغالاة عن حيز الاستحسان.
وكذلك ورد قول أبي نواس:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق3
وهذا أشد إفراطا من قول النابغة.
ويروى أن العتابي لقي أبا نواس فقال له: أما استحييت الله حيث تقول، وأنشده البيت، فقال له: وأنت ما راقبت الله حيث قلت:
ما زلت في غمرات الموت مطرحا ... يضيق عني وسيع الرأي من حيلي
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي
قال له العتابي: قد علم الله وعلمت أن هذا ليس مثل قولك، ولكنك قد أعددت لكل ناصح جوابا.
__________
1 من أبيات له في الغزل، وبعده:
وإن ضحكت للعصم ظلت روانيا ... إليها وإن تبسم إلى المزن يبرق
ارتعثت: تفرطت، الرعثة: القرط.
الديوان من مجموعة دواوين طبعة المطبعة الأهلية ببيروت ص56.
2 لعله يريد طول عنقها؛ لأن البيت كناية عن طول الرقبة لا طول القامة.
3 من مدحة للرشيد، مطلعها:
خلق الشباب وشرني لم تخلق ... ورميت في غرض الزمان بأفوق
الديوان 398 خلق على وزن سمع وكرم ونصر: بلى. الشرة: الحدة والنشاط, غرض هدف. أفوق: سهم كسر فوقه أي: موضع الوتر من السهم.
(3/192)

وقد أراد أبو نواس هذا المعنى في قالب آخر فقال:
كدت منادمة الدماء سيوفه ... فلقلما تحتازها الأجفان
حتى الذي في الرحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان1
وما يجيء في هذا الباب ما يجري هذا المجرى.
وقد استعمل أبو الطيب المتنبي هذا القسم في شعره كثيرا، فأحسن في مواضع منه، فمن ذلك قوله:
عجاجا تعثر العقبان فيه ... كأن الجو وعث أو خبار2
ثم أعاد هذا المعنى في موضع آخر، فقال:
عقدت سنابكها عليها عثيرًا ... لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا3
__________
1 من مدحة للرشيد، مطلعها:
حي الديار إذ الزمان زمان ... وإذ الشباك لنا حرى ومعان
"الديوان 404".
الرحم: بكسر الراء وسكون الحاء، وبكسرهما معا مقر الجنين في بطن أمه. الشباك: جمع شبكة. حري: خليق بنا. معان: عون. يريد أن شباك الهوى فيما مضى كانت تصيب.
2 من مدحة لسيف الدولة مطلعها:
طوال قنا قطاعتها قصار ... وقطرك في ندى ووغى بحار
"الديوان 243".
عجاجا: منصوبة على التبعية لما قبلها في بيت سابق. والعجاج: الغبار.
العقبان: جمع عقاب وهو طير جارج. الوعث: المكان السهل اللين الذي تغوص فيه الأقدام. الخبار: ما لان من الأرض واسترخى. يريد أن العقبان التي تسير فوق الجيش تعثر في ذلك الغبار الكثيف، فكأن الجو أرض لينة تغوص فيها أرجلها.
3 من قصيدة في مدح بدر بن عمار "الديوان 4/ 425" السنابك: جمع سنبك وهو طرف مقدم الحافر. العثير: الغبار. العنق: سير شديد.
(3/193)

وهذا أكثر مغالاة من الأول.
ومن ذلك قوله أيضا:
كأنما تتلقاهم لتسلكهم ... فالطعن يفتح في الأجواف ما يسع1
وعلى هذا ورد قول قيس بن الخطيم:
ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها2
لكن أبو الطيب أكثر غلوا في هذا المعنى، وقيس بن الخطيم، أحسن لأنه قريب من الممكن، فإن الطعنة تنفذ حتى يتبين فيها الضوء، وأما أن يجعل المطعون مسلكا يسلك كما قال أبو الطيب، فإن ذلك مستحيل، ولا يقال فيه بعيد.
__________
1 من مدح سيف الدولة، مطلع القصيدة:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا
"الديوان 2/ 392".
2 شرح الحماسة للمرزوقي "1/ 184" يصف طعنته لابن عبد القيس:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
الشعاع: بفتح الشين الدم المتفرق، يريد أن الطعنة كانت تظهر الضوء لولا الدم المنبثق من الجرح.
(3/194)

الاقتصاد:
وأما الاقتصاد فهو وسط بين المنزلتين، والأمثلة له كثيرة لا تحصى، إذ كل ما خرج عن الطرفين من الإفراط والتفريط فهو اقتصاد.
ومن أحسنه أن يجعل الإفراط مثلا، ثم يستثنى فيه بلو أو بكاد وما جرى مجراهما.
فمن ذلك قوله تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} 1 وكذلك قوله عز وجل: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} 2 وقد ورد هذا في القرآن الكريم كثيرا.
__________
1 سورة البقرة 20.
2 سورة الجن 19.
(3/194)

ومما ورد منه شعرا قول الفرزدق:
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم1
وكذلك ورد قول البحتري:
لو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر2
وهذا هو المذهب المتوسط.
(3/195)

النوع السادس والعشرون: في الاشتقاق
مدخل
...
النوع السادس والعشرون: في الاشتقاق
اعلم أن جماعة علماء البيان يفصلون الاشتقاق عن التجنيس، وليس الأمر كذلك، بل التجنيس أمر عام لهذين النوعين من الكلام، وذاك أن التجنيس في أصل الوضع من قولهم: جانس الشيء الشيء، إذا ماثله وشابهه، ولما كانت
(3/195)

الحال كذلك ووجدنا من الألفاظ ما يتماثل ويتشابه في صيغته وبنائه علمنا أن ذلك يطلق عليه اسم التجنيس.
وكذلك لما وجدنا من المعاني ما يتماثل ويتشابه علمنا أن ذلك يطلق عليه اسم التجنيس أيضا.
فالتجنيس إذا ينقسم قسمين: أحدهما تجنيس في اللفظ، والآخر تجنيس في المعنى.
فأما الذي يتعلق باللفظ فإنه لم ينقل عن بابه ولا غير اسمه، وقد تقدم ذكره في باب الصناعة اللفظية.
وأما الذي يتعلق بالمعنى فإنه نقل عن بابه في التجنيس، وسمي الاشتقاق أي: أحد المعنيين مشتق من الآخر. وهو على ضربين: صغير وكبير. فالصغير: أن تأخذ أصلا من الأصول فتجمع بين معانيه، وإن اختلفت صيغته ومبانيه، كترتيب "س ل م" فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه، نحو: سلم وسالم وسلمان وسلمى، والسليم اللديغ أطلق عليه ذلك تفاؤلا بالسلامة.
والأصل في ذلك أن يضع واضع اللغة اسما أول لمسمى أول، ثم يجد مسمى آخر أو مسميات شبيهة بالمسمى الأول فيضع لها اسما كالاسم الأول، كقوله ضرير اسم للأعمى، والضر: ضد النفع، والضراء: الشدة من الأمر، والضر بالضم: الهزال وسوء الحال، والضرر: الضيق، والضرة: إحدى الزوجتين، فإن هذه المسميات كلها تدل على الأذى والشر، وأسماؤها متشابهة لم تخرج عن الضاد والراء، إلا أنا الآن لا نعلم ما هو الأول منها حتى نحكم على الثاني أنه مشتق منه، لكن نعلم في السليم اللديغ أنه مشتق من السلامة؛ لأنه
(3/196)

ضدها، قيل: من أجل التفاؤل بالسلامة، وعلى هذا جاء غيره من الأصول، كقولنا: هشمك هاشم، وحاربك محارب، وسالمك سالم، وأصاب الأرض صيب، فهذه الألفاظ كلها لفظها واحد ومعناها واحد، أما هاشم فإنه لم يسم بهذا الاسم إلا لأنه هشم الثريد في عام محل فسمي بذلك، وأما محارب فإنه اسم فاعل من حارب فهو محارب، وأما سالم فمن السلام، وهو اسم فاعل من سلم، وأما الصيب فهو المطر الذي يشتد صوبه أي: وقعه على الأرض.
ولا يقاس على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله، وعصية عصت الله" فإن أسلم وغفار وعصية أسماء قبائل، ولم تسم أسلم من المسالمة، ولا غفار من المغفرة، ولا عصية من تصغير عصا، وهذا هو التجنيس، وليس بالاشتقاق، والنظر في مثل ذلك يحتاج إلى فكرة وتدبر كي لا يختلط التجنيس بالاشتقاق.
ومما جاء من ذلك شعرا قول البحتري:
أمحلتي سلمى بكاظمة اسلما1
وكذلك قول الآخر:
وما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن الخير حابس2
وربما ظن أن هذا البيت وما يجري مجراه تجنيس، حيث قيل فيه: معقول وعقال، ومحبوس وحابس، وليس الأمر كذلك.
وهذا الموضوع يقع فيه الاشتباه كثيرًا على من لم يتقن معرفته. وقد تقدم القول
__________
1 مطلع قصيدته في مدح أحمد وإبراهيم ابني المدبر. وعجزه:
وتعلما أن الهوى ما هجتما
الديوان 2/ 239.
2 جرير في هجاء الفرزدق. والبيت في الديوان "326" هكذا.
فما زال معقولا عقال عن العلا ... وما زال محبوسا عن المجد حابس
(3/197)

أن حقيقة التجنيس هي: اتفاق اللفظ واختلاف المعنى, وعقال ومعقول وحابس ومحبوس اللفظ فيهما واحد والمعنى أيضًا واحد، فهذا مشتق من هذا أي: قد شق منه.
وكذلك ورد قول عنترة:
لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حد إذا لبس الحديد1
فإن حدا وحديدا لفظهما واحد ومعناهما واحد.
وأما الاشتقاق الكبير فهو أن تأخذ أصلا من الأصول فتعقد عليه وعلى تراكيبه معنى واحدا يجمع تلك التراكيب, وما تصرف منها, وإن تباعد شيء من ذلك عنها رد بلطف الصنعة والتأويل إليها. ولنضرب لذلك مثالا، فنقول: إن لفظة "ق م ر" من الثلاثي لها ست تراكيب، وهي: "ق ر م، ق م ر، ر ق م، ر م ق، م ق ر، م ر ق"، فهذه التراكيب الست يجمعها معنى واحد، وهو القوة والشدة، فالقرم: شدة شهوة اللحم، وقمر الرجل، إذا غلب من يقامره، والرقم: الداهية، وهي الشدة التي تلحق الإنسان من دهره، وعيش مرمق أي: ضيق، وذلك نوع من الشدة أيضا، والمقر: شبه الصبر، يقال: أمقر الشيء، إذا أمر، وفي ذلك شدة على الذائق وكراهة، ومرق السهم، إذا نفذ من الرمية، وذلك لشدة مضائه وقوته. واعلم أنه إذا سقط من تراكيب الكلمة شيء فجائز ذلك في الاشتقاق؛ لأن الاشتقاق ليس من شرطه كمال تركيب الكلمة، بل من شرطه أن الكلمة كيف تقلبت بها تراكيبها من تقديم حروفها وتأخيرها أدت إلى معنى واحد يجمعها.
فمثال ما سقط من تركيب الثلاثي لفظة "وس ق" فإن لها خمس تراكيب، وهي: "وس ق، وق س، س وق، ق س و، ق وس"، وسقط من جملة التراكيب
__________
1 في شرح الحماسة للمرزوقي 1/ 288 نسبة البيت إلى حيان بن ربيعة. وروايته هكذا:
لقد علم القبائل أن قومي ... ذوو جد إذا لبس الحديد
(3/198)

قسم واحد، وهو س ق و، وجميع الخمسة المذكورة تدل على القوة والشدة أيضا، فالوسق من قولهم: استوسق الأمر أي: اجتمع وقوي، والوقس: ابتداء الجرب، وفي ذلك شدة على من يصيبه وبلاء، والسوق: متابعة السير، وفي هذا عناء وشدة على السائق والمسوق، والقسوة: شدة القلب وغلظه، والقوس معروفة، وفيها نوع من الشدة والقوة، لنزعها السهم وإخراجه إلى ذلك المرمى المتباعد.
واعلم أنا لا ندعي أن هذا يطرد في جميع اللغة، بل قد جاء شيء منها كذلك، وهذا مما يدل على شرفها وحكمتها؛ لأن الكلمة الواحدة تتقلب على ضروب من التقاليب، وهي مع ذلك دالة على معنى واحد، وهذا من أعجب الأسرار التي توجد في لغة العرب وأغربها، فاعرفه.
إلا أن الاستعمال في النظم والنثر إنما يقع في الاشتقاق الصغير دون الكبير، وسبب ذلك أن الاشتقاق الصغير تكثر الألفاظ الواردة عليه، والاشتقاق الكبير لا يكاد يوجد في اللغة إلا قليلا، وأيضا فإن الحسن اللفظي الذي هو الفصاحة إنما يقع في الاشتقاق الصغير، ولا يقع في الاشتقاق الكبير، ألا ترى إلى هذين الأصلين الواردين ههنا، وهما "ق ر م" و"وس ق" إذا نظرنا إلى تراكيبهما وأردنا أن نسبكهما في الاستعمال لم يأت منهما مثل ما يأتي في الاشتقاق الصغير حسنا ورونقا؛ لأن ذاك لفظه لفظ تجنيس، ومعناه معنى اشتقاق والاشتقاق الكبير ليس كذلك.
(3/199)

النوع السابع والعشرون: في التضمين
وهذا النوع فيه نظر بين حسن يكتسب به الكلام طلاوة وبين معيب عند قوم، وهو عندهم معدود من عيوب الشعر، ولكل من هذين القسمين مقام.
التضمين الحسن:
فأما الحسن الذي يكتسب به الكلام طلاوة فهو أن يضمن الآيات والأخبار النبوية، وذلك يرد على وجهين: أحدهما تضمين كلي، والآخر تضمين جزئي.
فأما التضمين الكلي فهو أن تذكر الآية والخبر بجملتهما، وأما التضمين الجزئي فهو أن تدرج بعض الآية والخبر في ضمن كلام، فيكون جزأ منه كالذي أوردته في حل الآيات والأخبار في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب.
وقد قيل: إنه لا يجوز درج آيات القرآن الكريم في غضون الكلام من غير تبيين، كي لا يشتبه، وهذا القول لا أقول به، فإن القرآن الكريم أبين من أن يحتاج إلى بيان، وكيف يخفى وهو المعجز الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله، فإن كانت المفاوضة في التفرقة بينه وبين غيره من الكلام إذا أدرج فيه مع جاهل لا يعرف الفرق فذاك لا كلام معه، وإن كان الكلام مع عالم بذلك فذاك لا يخفى عنه القرآن الكريم من غيره. ومذهبي في هذا هو ما تقدم ذكره في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب، وهو أحسن الوجهين عندي، وذاك أنه لا تؤخذ الآية بكمالها، بل يؤخذ جزء منها ويجعل أولًا لكلام أو آخرا، هذا إذا لم يقصد به التضمين، فأما إذا
(3/200)

قصد التضمين فتؤخذ الآية بكمالها, وتدرج درجا، وهذا ينكره من لم يذق ما ذقته من طعم البلاغة ولا رأى ما رأيته.
التضمين المعيب:
وأما المعيب عند قوم فهو تضمين الإسناد، وذلك يقع في بيتين من الشعر، أو فصلين من الكلام المنثور، على أن يكون الأول منهما مسندا إلى الثاني فلا يقوم الأول بنفسه، ولا يتم معناه إلا بالثاني، وهذا هو المعدود من عيوب الشعر، وهو عندي غير معيب؛ لأنه إن كان سبب عيبه أن يعلق البيت الأول على الثاني فليس ذلك بسبب يوجب عيبا، إذ لا فرق بين البيتين من الشعر في تعلق أحدهما بالآخر وبين الفقرتين من الكلام المنثور في تعلق إحداهما بالأخرى؛ لأن الشعر هو كل لفظ موزون مقفى دل على معنى، والكلام المسجوع هو كل لفظ مقفى دل على معنى، فالفرق بينهما يقع في الوزن لا غير.
والفقر المسجوعة التي يرتبط بعضها ببعض، قد وردت في القرآن الكريم في مواضع منه، فمن ذلك قوله عز وجل في سورة الصافات: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ، يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} 1.
فهذه الفقر الثلاث الأخيرة مرتبط بعضها ببعض، فلا تفهم كل واحدة منهن إلا بالتي تليها، وهذا كالأبيات الشعرية في ارتباط بعضها ببعض، ولو كان عيبا لما ورد في كتاب الله عز وجل.
وكذلك ورد قوله تعالى في سورة الصافات أيضا: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ، مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ، إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} 2.
فالآيتان الأوليان لا تفهم إحداهما إلا بالأخرى.
__________
1 سورة الصافات 51-53.
2 سورة الصافات 161-163.
(3/201)

وهكذا ورد قوله عز وجل في سورة الشعراء: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} 1 فهذه ثلاث آيات لا تفهم الأولى ولا الثانية إلا بالثالثة، ألا ترى أن الأولى والثانية في معرض استفهام يفتقر إلى جواب، والجواب هو في الثالثة؟.
ومما ورد من ذلك شعرا قول بعضهم:
ومن البلوى التي ليـ ... ـس لها في الناس كنه
أن من يعرف شيئا ... يدعي أكثر منه
ألا ترى أن البيت الأول لم يقم بنفسه ولا يتم معناه إلا بالبيت الثاني؟ وقد استعمله العرب كثيرا، وورد في شعر فحول شعرائهم، فمن ذلك قول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل2
وكذلك ورد قول الفرزدق:
وما أحد من الأقوام عدوا ... عروق الأكرمين إلى التراب
بمحتفظين إن فضلتمونا ... عليهم في القديم ولا غضاب3
__________
1 سورة الشعراء 105-107.
2 من معلقته في وصف "الليل"، "الديوان 18" وقبل البيتين:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
3 من فخر الفرزدق لما اجتمع هو وجرير وكثير وابن الرقاع عند سليمان بن عبد الملك وقال لهم: أنشدونا من فخركم شيئا حسنا، فبدرهم الفرزدق فقال:
ولو رفع السحاب إليه قوما ... علونا في السماء إلى السحاب
"الأغاني 19/ 23 والديوان 1/ 36
والرواية في الديوان:
فما أحد من الأقوام عدوا ... عروق الأكرمين على انتساب
بمحتفظين إن فضلتمونا ... عليهم في القديم ولا غضاب
محتفظين: غضاب من الغيظة بمعنى الغضب.
(3/202)

وكذلك ورد قول بعض شعراء الحماسة:
لعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه وإن عالوا به كل مركب
من الجانب الأقصى وإن كان ذا غنى ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب1
الضرب الثاني من التضمين, وهو أن يضمن الشاعر شعره والناثر نثره كلاما آخر لغيره، قصدًا للاستعانة على تأكيد المعنى المقصود، ولو لم يذكر ذلك التضمين لكان المعنى تاما.
وربما ضمن الشاعر البيت من شعره بنصف بيت، أو أقل منه، كما قال جحظة:
قم فاسقينها يا غلام وغنني ... ذهب الذين يعاش في أكنافهم2
...
ألا ترى أنه لو لم يقل في هذا البيت
ذهب الذين يعاش في أكنافهم
لكان المعنى تاما لا يحتاج إلى شيء آخر، فإن قوله:
قم فاسقينها يا غلام وغنني
فيه كفاية، إذ لا حاجة له إلى تعيين الغناء؛ لأن في ذلك زيادة على المعنى المفهوم لا على الغرض المقصود.
وقد ورد هذا في عدة مواضع من شعر أبي نواس في الخمريات، كقوله في مخاطبة بعض خلطائه على مجلس الشراب:
فقلت هل لك في الصهباء تأخذها ... من كف ذات حر فالعيش مقتبل
حيرية كشعاع الشمس صافية ... تطير بالكأس من لألائها شعل
__________
1 شرح المرزوقي للحماسة 1/ 358 والقائل هو خالد بن فضلة كما في الحيوان 3/ 103 والبيان والتبيين 3/ 250.
2 الشطر الثاني صدر بيت للبيد بن ربيعة:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
(3/203)

فقال هات وأسمعنا على طرب ... ودع هريرة إن الركب مرتحل1
وكذلك قوله أيضا:
وظبي خلوب اللفظ حلو كلامه ... مقبله سهل وجانبه وعر
نحلت له منها فخر لوجهه ... وأمكن منه ما تحيط به الأزر
فقمت إليه والكرى كحل عينه ... فقبلته والصب ليس له صبر
إلى أن تجلى نومه عن جفونه ... وقال كسبت الذنب قلت لي العذر
فأعرض مزورا كأن بوجهه ... تفقؤ رمان وقد برد الصدر
فما زلت أرقيه وألثم خده ... إلى أن تغنى راضيا وبه سكر
ألا فاسلمي يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر2
وقد استعمل هذا الضرب كثيرًا الخطيب عبد الرحمن بن نباتة رحمه الله، فمن ذلك قوله في بعض خطبه، وهو: "فيأيها الغفلة المطرقون أما أنتم بهذا الحديث مصدقون، فما لكم منه لا تشفقون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون3".
__________
1 الديوان 116 كانت بالأصل "ذت حر" و"تطير بالكاس" و"غنينا على طرب" ذات هن: ذات فرج. مقتبل: نضير. حيرية: منسوبة إلى الحيرة بالعراق. لألائها: بريقها والشطر الأخير من مطلع قصيدة الأعشى:
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل
"الديوان 55"
2 "الديوان 101".
وفي الديوان "سكت له منها" و"راضيا وله الشكر", نحلت: أعطيت. تفقؤ رمان: رمان متكسر، يريد حمرة الوجه من الخجل أو الآثار التي فيه من تلك الليلة. البيت الأخير لذي الرمة. الجرعاء: الرملة الطيبة المنبت لا وعوثة فيها أو الكثيب جانب منه رمل وجانب حجارة.
3 {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} [سورة الذاريات: 23] .
(3/204)

وكذلك قوله في ذكر يوم القيامة، وهو: "فيومئذ تغدو الخلائق على الله بهما، فيحاسبهم على ما أحاط به علما, وينفذ في كل عامل بعمله حكما، وعت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما"1.
ألا ترى إلى براعة هذا التضمين الذي كأنه قد رصع في هذا الموضع رصعا؟.
وعلى نحو من ذلك جاء قوله في ذكر يوم القيامة، وهو: "هناك يقع الحساب على ما أحصاه الله كتابا، وتكون الأعمال المشوبة بالنفاق سرابا، يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا2".
ومما ينتظم بهذا السلك قوله في خطبة أخرى، وهو: "أسكتهم الله الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم وسيجدهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم، يوم يعيد الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا، ويوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا"3.
ومن هذا الباب قوله أيضا: "هنالك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، ويجمع من وجب له الثواب، ومن حق عليه العقاب، فيضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب4".
وأمثال هذه التضمينات في خطبه كثيرة وهي من محاسن ما يجيء في هذا النوع.
__________
1 "وعنت الوجوه ... ظلما" [سورة طه: 111] بهم: ليس بهم شيء مما كان في الدنيا نحو: البرس والعرج، أو عراة "القاموس المحيط مادة بهم".
2 "إلا من أذن ... صوابا" [سورة النبأ: 38] .
3 {يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [سورة البقرة: 143] {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ... أَمَدًا بَعِيدًا} [سورة آل عمران: 30] .
4 "بسور ... العذاب" [سورة الحديد: 13] .
(3/205)

النوع الثامن والعشرون: الإرصاد
وحقيقته أن يبني الشاعر البيت من شعره على قافية قد أرصدها له أي: أعدها في نفسه، فإذا أنشد صدر البيت عرف ما يأتي في قافيته. وذلك من محمود الصنعة، فإن خير الكلام ما دل بعضه على بعض.
وفي الافتخار بذلك يقول ابن نباتة السعدي:
خذها إذا أنشدت في القوم من طرب ... صدورها عرفت منها قوافيها
ينسى لها الراكب العجلان حاجته ... ويصبح الحاسد الغضبان يطريها1
فمن هذا الباب قول النابغة:
فداء لامرئ سارت إليه ... بعذرة ربها عمي وخالي
ولو كفي اليمين بغتك خونا ... لأفردت اليمين عن الشمال2
ألا ترى أنه يعلم إذا عرفت القافية في البيت الأول أن في البيت الثاني ذكرا الشمال؟.
وكذلك جاء قول البحتري:
أحلت دمي من غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي
فليس الذي حللته بمحلل ... ليس الذي حرمته بحرام3
__________
1 يتيمة الدهر 2/ 379 وكان بالأصل يطويها.
2 من مدحة للنعمان بن المنذر والاعتذار له وبالأصل
ولو كفى اليمين نفتك خوفا
3 من قصيدته في مدح المتوكل، التي مطلعها.
ألا هل أتاها بالمغيب سلامي ... وهل خبرت وجدي بها وغرامي
"الديوان 2/ 222".
(3/206)

فليس يذهب على السامع -وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثاني- أن عجزه هو ما قاله البحتري.
وقد جاء الإرصاد في الكلام المنثور كما جاء في الشعر.
فمن ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} 1.
فإذا وقف السامع على قوله تعالى: {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ} عرف أن بعده "يختلفون" لما تقدم من الدلالة عليه.
ومن ذلك أيضًا قوله عز وجل: {فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} 2 وعلى نحو منه جاء قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ} 3 فإذا وقع السامع على قوله عز وجل: {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ} يعلم أن بعده بيت العنكبوت.
ورأيت أبا هلال العسكري قد سمى هذا النوع التوشيح4، وليس
__________
1 سورة يونس 19.
2 سورة العنكبوت 40.
3 سورة العنكبوت 41.
4 في كتاب الصناعتين 382 "سمي هذا النوع التوشيح، وهذه التسمية غير لازمة بهذا المعنى، ولو سمي بتبيينا لكان أقرب، وهو أن يكون مبتدأ الكلام ينبئ عن مقطعه، وأوله يخبر بآخره، وصدره يشهد بعجزه، حتى لو سمعت شعرا، أو عرفت رواية، ثم سمعت صدر بيت منه وقفت على عجزه قبل بلوغ السماع إليه.." ومن هذا يبدو أن ابن الأثير قد وهم في نسبة تسمية هذا الفن "التوشيح" إلى أبي هلال العسكري، والحقيقة أن الذي سماه بذلك قدامة بن جعفر؛ لأنه جعل التوشيح من أنواع ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر معنى البيت، وقال في تعريفه، هو أن يكون أول البيت شاهدا بقافيته ومعناها متعلقا به، حتى إن الذي يعرف قافية القصيدة إذا سمع أول البيت منها عرف آخره، وبانت له قافيته "نقد الشعر"
(3/207)

كذلك بل تسميته بالإرصاد أولى، وذلك حيث ناسب الاسم مسماه، ولاق به, وأما التوشيح فإنه نوع آخر من علم البيان، وسيأتي ذكره بعد هذا النوع إن شاء الله تعالى.
واعلم أنه قد اختلف جماعة من أرباب هذه الصناعة في تسمية أنواع علم البيان، حتى إن أحدهم يضع لنوع واحد منه اسمين، اعتقادا منه أن ذلك النوع نوعان مختلفان، وليس الأمر كذلك، بل هما نوع واحد.
فممن غلط في ذلك الغانمي1 فإنه ذكر بابا من أبواب علم البيان وسماه التبليغ وقال: هو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها حتى يتم وزنه، فيبلغ بذلك الغاية القصوى في الجودة، كقول امرئ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب2
فإنه أتى بالتشبيه تاما قبل القافية، ولما جاء بها بلغ الأمد الأقصى في المبالغة.
ثم إن الغانمي ذكر بعد هذا الباب بابا آخر، وسماه الإشباع، فقال: هو أن يأتي الشاعر بالبيت معلق القافية على آخر أجزائه، ولا يكاد يفعل ذلك إلا حذاق الشعراء، وذاك أن الشاعر إذا كان بارعا جلب بقدرته وذكائه وفطنته إلى البيت -وقد تمت معانيه واستغنى عن الزيادة فيه- قافية متممة لأعاريضه ووزنه فجعلها نعتا للمذكور، كقول ذي الرمة:
__________
1 أبو العلاء بن غانم المعروف بالغانمي كان من فضلاء عصره وشعرائه "اللباب 3/ 166".
2 الديوان 53 الجزع الذي لم يثقب: شبه عيون الوحش لما فيها من سواد وبياض بجزع غير مثقب؛ لأن ذلك أصفى له وأتم لحسنه.
(3/208)

قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل1
هذا كلام الغانمي بعينه, والبابان المذكوران سواء، لا فرق بينهما بحال.
والدليل على ذلك أن بيت امرئ القيس يتم معناه قبل أن يؤتى بقافيته، وكذلك بيت ذي الرمة، ألا ترى أن امرأ القيس لما قال:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع...................
أتى بالتشبيه أيضًا قبل أن يأتي بالقافية، ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهي قوله: "لم يثقب".
وهكذا ذو الرمة، فإنه لما قال:
قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء.........
أتى بالتشبيه أيضًا قبل أن يأتي بالقافية، ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهي قوله: "المسلسل".
واعلم أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين القسمين بعينهما الإيغال2، وقال: هو أن يستوفي الشاعر معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، ثم يأتي بالمقطع
__________
1 ديوان ذي الرمة 72 العيس: النوق البيض. أخلاق الرداء: الرداء الذي صار خلقا وقطعا.
2 "الصناعتين 380" هو أن يستوفي معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، ثم يأتي بالمقطع فيزيد معنى آخر زيد به وضوحا وشرحا وتوكيدا وحسنا. وأصل الكلمة من قولهم وغل في الأمر إذا أبعد الذهاب فيه.
وقد وهم ابن الأثير هنا أيضا في نسبة هذا الفن "الإيغال" إلى أبي هلال العسكري. والحقيقة أن هذا الفن من مستخرجات قدامة، وهو واضع لقبه، وجعله من أنواع ائتلاف القافية مع سائر معنى البيت، وروى قدامة أن محمد بن يزيد النحوي قال: حدثني التوزي قال: قلت للأصمعي: من أشعر الناس؟ فقال: من يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيرا، أو إلى الكبير فجعله خسيسا، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى. قال: قلت نحو من؟ قال: نحو ذو الرمة، وأورد البيت المذكور هنا. ثم قال: فتم كلامه قبل "المسلسل" ثم قال "المسلسل" فزاد شيئا. ثم قال ذو الرمة.
أظن الذي يجدى عليك سؤالها ... دموعا كتبديد الجمان المفصل
فتم كلامه ثم احتاج إلى القافية فقال "المفصل" فزاد شيئا.
(3/209)

فيزيد فيه معنى آخر، وأصل الإيغال من أوغل في الأمر، إذا أبعد الذهاب فيه، ثم مثل أبو هلال ذلك بقول ذي الرمة:
قف العيس في أطلال مية فاسأل
وهذا البيت أقرب أمدا من الغانمي؛ لأنه ذكره في باب واحد، وسماه باسم واحد، ولم يذكره في باب آخر كما فعل الغانمي.
وليس الأخذ على الغانمي في ذلك مناقشة على الأسماء، وإنما المناقشة على أن ينتصب لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي ذكرها داخلا في الآخر فيذهب عنه ويخفى عليه1، وهو أشهر من فلق الصباح.
وههنا ما هو أغرب من ذاك، وذلك أنه قد سلك قوم في منثور الكلام ومنظومه طرقا خارجة عن موضوع علم البيان، وهي بنجوة عنه؛ لأنها في واد وعلم البيان في واد.
فممن فعل ذلك الحريري صاحب المقامات، فإنه ذكر تلك الرسالة2 التي هي
__________
1 في الأصل "فيذهب عليه ويخفى عنه" فرجعنا هذا التصويب.
2 في المقامة الحلبية "السادسة والأربعون" عشر مقطعات من الأبيات في كل مقطعة تلاعب لفظي. فمن ذلك الأخياف أي: كلمة مهملة وأخرى معجمة مثل قوله:
اسمح فبث السماح زين ... ولا تخب آملا تضيف
ولا تظن الدهور تبقى ... مال ضنين ولو تقشف
ومن ذلك العواطل أي: الخالية من الحروف المعجمة، مثل:
أعدد لحسادك حد السلاح ... وأورد الآمل ورد السماح
ومن ذلك العرائس أي: المعجمة كلها مثل:
شغفتني يجفن ظبي غضيض ... غنج يقتضي تغيض جفني
إلخ
وفي المقامة السمرقندية "الثامنة والعشرون" خطبة مهملة الحروف مثل قوله:
أحمده حمد موحد مسلم، وأدعوه دعاء مؤمل مسلم، وهو الله لا إله إلا هو الواحد الأحد، العادل الصمد، لا والد له ولا ولد، ولا درء معه ولا مساعد، أرسل محمدا للإسلام ممهدا، وللملة موطدا.
وفي المقامة الرقطاء "السادسة والعشرون" رسالة مكونة من كلمات حرف مهمل وتاليه معجم، مثل:
أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته يلب، وقربه تحف، ونأبه تلف، وخلته نسب، وقطيعته نصب، وغربه ذلق، وشهبه تأتلق إلخ.
(3/210)

كلمة معجمة وكلمة مهملة، والرسالة التي حرف من حروف ألفاظها معجم والآخر غير معجم، ونظم غيره شعرا آخر كل بيت منه أول للبيت الذي يليه، وكل هذا وإن تضمن مشقة من الصناعة، فإنه خارج عن باب الفصاحة والبلاغة؛ لأن الفصاحة هي ظهور الألفاظ مع حسنها، على ما أشرت إليه في مقدمة كتابي هذا، وكذلك البلاغة فإنها الانتهاء في محاسن الألفاظ والمعاني، من قولنا بلغت المكان إذا انتهيت إليه.
وهذا الكلام المصوغ مما أتى به الحريري في رسالته وأورده ذلك الشاعر في شعره لا يتضمن فصاحة ولا بلاغة، وإنما يأتي ومعانيه غثة باردة، وسبب ذلك أنها تستكره استكراها، وتوضع في غير مواضعها، وكذلك ألفاظه، فإنها تجيء مكرهة أيضًا غير ملائمة لأخواتها، وعلم البيان إنما هو الفصاحة والبلاغة في الألفاظ والمعاني، فإذا خرج عنه شيء من هذه الأوضاع المشار إليها لا يكون معدودا منه، ولا داخلا في بابه.
ولو كان ذلك مما يوصف بحسن ألفاظه ومعانيه لورد في كتاب الله عز وجل الذي هو معدن الفصاحة والبلاغة أو ورد في كلام العرب الفصحاء، ولم نره في شيء من أشعارهم ولا خطبهم.
ولقد رأيت رجلا أديبا من أهل المغرب، وقد تغلغل في شيء عجيب وذاك أنه شجر شجرة ونظمها شعرا، وكل بيت من ذلك الشعر يقرأ على ضروب من الأساليب اتباعا لشعب تلك الشجرة وأغصانها، فتارة تقرأ كذا، وتارة تقرأ كذا، وتارة يكون جزء منه ههنا، وتارة ههنا، وتارة يقرأ مقلوبا، وكل ذلك الشعر وإن كان له معنى يفهم إلا أنه ضرب من الهذيان، والأولى به وبأمثاله أن يلحق بالشعبذة والمعالجة والمصارعة، لا بدرجة الفصاحة والبلاغة.
(3/211)

ورأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي قد ذكر بابا من الأبواب في كتابه1 فقال: ينبغي ألا تستعمل في الكلام المنظوم والمنثور ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم، ولا الألفاظ التي تختص بها بعض المهن والعلوم؛ لأن الإنسان إذا خاض في علم وتكلم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة2، ثم مثل ذلك بقول أبي تمام:
مودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض3
وبقوله أيضا:
خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلعب الأفعال بالأسماء4
وهذا الذي أنكره ابن سنان هو عين المعروف في هذه الصناعة:
إن الذي تكرهون منه ... هو الذي يشتهيه قلبي
وسأبين فساد ما ذهب إليه، فأقول: أما قوله إنه يجب على الإنسان إذا خاض في علم أو تكلم في صناعة أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة,
__________
1 سر الفصاحة: 159.
2 تكملة كلام الخفاجى: وبهذا شرف كلام أبي عثمان الجاحظ، وذلك أنه إذا كاتب لم يعدل عن ألفاظ الكتاب، وإذا صنف في الكلام لم يخرج عن عبارات المتكلمين، فكأنه في كل يخوض فيه لا يعرف سواه، ولا يحسن غيره "159".
3 من قصيدته في عتاب عياش بن لهيعة التي مطلعها:
ذل السؤال شجا في الحلق معترض ... من دونه شرق من تحته جرض
الديوان 400 طبعة محمد جمال.
الجوهر والعرض من اصطلاحات علماء الكلام. الجرض: الغصة.
4 الديوان 1/ 33 من قصيدته في مدح محمد بن حسان الضبي، وهذا البيت من خمرياته فيها، خرقاء: وصف الخمر بالخرق وهو في الأصل العجز عن إحسان العقل، يقال للمرأة خرقاء، أي أن الخمر لا تحسن أن تعمل شيئا لكنها تلعب بالعقول، ويغيرها من حال إلى حال، كما تعمل الأفعال بالأسماء، فترفعها تارة وتنصبها تارة. الحباب: طرائق الماء فيها إذا مزجت.
(3/212)

فهذا مسلم إليه، ولكنه شذ عنه أن صناعة المنظوم والمنثور مستمدة من كل علم وكل صناعة؛ لأنها موضوعة على الخوض في كل معنى، وهذا لا ضابط له يضبطه، ولا حاصر يحصره، فإذا أخذ مؤلف الشعر أو الكلام المنثور في صوغ معنى من المعاني وأداه ذلك إلى استعمال معنى فقهي أو نحوي أو حسابي أو غير ذلك فليس له أن يتركه ويحيد عنه؛ لأنه من مقتضيات هذا المعنى الذي قصده.
ألا ترى إلى قول أبي تمام في الاعتذار:
فإن يك جرم عن أو تك هفوة ... على خطأ مني فعذري على عمد1
فإن هذا من أحسن ما يجيء في باب الاعتذار عن الذنب، وكان ينبغي له على ما ذكره ابن سنان أن يترك ذلك ولا يستعمله، حيث فيه لفظتا "الخطأ" و"العمد" اللتان هما من أخص ألفاظ الفقهاء.
وكذلك قول أبي الطيب المتنبي:
ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا2
__________
1 الديوان 2/ 117 من مدحه لأبي المغيث الرافقي واعتذاره له.
2 من قصيدته في مدح أبي الفضل محمد بن العميد، التي مطلعها:
باد هودك صبرت أم لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى
وقوله لقيت كل الفاضلين، معطوف على كلام سابق يتحدث فيه عن تمثل فلاسفة وعلماء وعظماء وكرماء في شخص ابن العميد "الديوان 2/ 316" نسقوا: سردوا. فذلك: حكاية قول الحاسب إذا أجمل حسابه، فهي فاعل أتى أي أن هؤلاء الفاضلين تتابعوا متقدمين عليك في أزمانك، فلما أتيت بعدهم جمعت ما كان فيهم من فصائل، فكنت بمثابة إجمال الحساب الذي تذكر تفاصيله أولا، ثم تجمل فيكتب في آخرها فذلك كذا وكذا.
"الديوان 2/ 316".
(3/213)

وهذا من المعاني البديعة، وما كان ينبغي لأبي الطيب أن يأتي في مثل هذا الموضع بلفظة "فذلك" التي هي من ألفاظ الحساب، بل كان يترك هذا المعنى الشريف الذي لا يتم إلا بتلك اللفظة موافقة لابن سنان فيما رآه وذهب إليه، وهذا محض الخطأ وعين الغلط.
وأما ما أنكره على أبي تمام في قوله:
مودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض
فإن هذا البيت ليس منكرا لما استعمل فيه من لفظتي الجوهر والعرض اللتين هما من خصائص ألفاظ المتكلمين، بل لأنه في نفسه ركيك، لتضمنه لفظة "الشبه" فإنها لفظة عامية ركيكة، وهي التي أسخفت بالبيت بجملته، ورب قليل أفسد كثيرا، وأما لفظتا الجوهر والعرض فلا عيب فيهما، ولا ركاكة عليهما.
وأما البيت الآخر، وهو:
خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلعب الأفعال بالأسماء
فليس بمنكر، وهل يشك في أن التشبيه الذي تضمنه واقع في موقعه? ألا ترى أن الفعل ينقل الاسم من حال إلى حال، وكذلك تفعل الخمر بالعقول في تنقل حالاتها، فما الذي أنكره ابن سنان من ذلك?
وقد جاء لبعض المتأخرين من هذا الأسلوب ما لا يدافع في حسنه، وهو قوله:
عوامل رزق أعربت لغة الردى ... فجسم له خفض ورأس له نصب
فإنه لما حصل له المشابهة في الاسمية بين عوامل الرماح والعوامل النحوية حسن موقع ما ذكره من الخفض والنصب، وعلى ما ذكره ابن سنان فإن ذلك غير جائز، وهو من مستحسنات المعاني، هذا من أعجب الأشياء.
(3/214)

وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم:
وفتى من مازن ... فاق أهل البصره
أمه معرفة ... وأبوه نكره
وهل يشك في حسن هذا المعنى ولطافته?
وكذلك ورد من هذا النوع في شعر بعض العراقيين يهجو طبيبا فقال:
قال حمار الطبيب توما ... لو أنصفوني لكنت أركب
لأنني جاهل بسيط ... وراكبي جهله مركب
وهذا من المعنى الذي أغرب في الملاحة، وجمع بين خفة السخرية ووقار الفصاحة.
وقد تقدم القول في صدر كتابي هذا أنه يجب على صاحب هذه الصناعة أن يتعلق بكل علم وكل صناعة، ويخوض في كل فن من الفنون؛ لأنه مكلف بأن يخوض في كل معنى من المعاني، فاضمم يدك على ما ذكرته ونصصت عليه، واترك ما سواه، فليس القائل بعلمه واجتهاده كالقائل بظنه وتقليده.
وهذا النوع إذا استعمل على الوجه المرضي كان حسنا، وإذا استعمل بخلاف ذلك كان قبيحا، كما جاء كلام أبي العلاء بن سليمان المعري، وهو قوله في رسالة كتبها إلى بعض إخوانه: "حرس الله سعادته ما أدغمت التاء في الظاء، وتلك سعادة بغير انتهاء"، وهذا من الغث البارد، لكن قد جاء في الشعر ما هو حسن فائق، كقوله:
فدونكم خفض الحياة فإننا ... نصبنا المطايا في الفلاة على القطع1
__________
1 شرح التنوير على سقط الزند 2/ 109 نصبنا المطايا: أعددناها للسير. خفض الحياة: لينها ونعيمها.
(3/215)

والخفض والنصب من الإعراب النحوي، والخفض: رفاهة العيش، والقطع: من منصوبات النحو، والقطع: قطع الشيء، يقال: قطعته إذا بترته.
(3/216)

النوع التاسع والعشرون: في التوشيح
وهو أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على بحرين مختلفين، فإذا وقف من البيت على القافية الأولى كان شعرا مستقيما من بحر على عروض، وإذا أضاف إلى ذلك ما بنى عليه شعره من القافية الأخرى كان أيضًا شعرا مستقيما من بحر آخر على عروض، وصار ما يضاف إلى القافية الأولى للبيت كالوشاح، وكذلك يجري الأمر في الفقرتين من الكلام المنثور، فإن كان فقرة منهما تصاغ من سجعتين, وهذا لا يكاد يستعمل إلا قليلا وليس من الحسن في شيء، واستعماله في الشعر أحسن منه في الكلام المنثور،
فمن ذلك قول بعضهم:
اسلم ودمت على الحوادث ما رسا ... ركنا ثبير أو هضاب حراء1
ونل المراد ممكنا منه على ... رغم الدهور وفز بطول بقاء
وهذا من الجيد الذي يأتي في هذا النوع، إلا أن أثر التكلف عليه باد ظاهر، وإذا نظر إلى هذين البيتين وجدا وهما يذكران على قافية أخرى وبحر آخر، وذاك أن يقال:
__________
1 ثبير: جبل بظاهر مكة. حراء: جبل بمكة به غار تحنث فيه رسول الله.
(3/216)

أسلم ودمت على الحوا ... دث مارسا ركنا ثبير
ونل المراد ممكنا ... منه على رغم الدهور
وقد استعمل ذلك الحرير في مقاماته، نحو قوله:
يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غدا بعدا لها من دار
وإذا أظل سحابها لم ينتفع ... منه صدى، لجهامه الغرار1
واعلم أن هذا النوع لا يستعمل إلا متكلفا عند تعاطي التمكن من صناعة النظم، وحسنه منوط بما فيه من الصناعة، لا بما فيه من البراعة.
ألا ترى أنه لو نظم عليه قصيد من أوله إلى آخره يتضمن غزلا ومديحا على ما جرت به عادة القصائد أليس أنه كان يجيء باردا غثا لا يسلم منه على محك النظر عشره? والعشر كثير، وما كان على هذه الصورة من الكلام فإنما يستعمل أحيانا على الطبع، لا على التكلف، وهو وأمثاله لا يحسن إلا إذا كان يسيرا، كالرقم في الثوب أو الشية في الجلد.
__________
1 من الممكن أن تقرأ الأبيات هكذا، وقد وردت على الوجهين في المقامة الشعرية "الثالثة والعشرون" 166.
يا خاطب الدنيا الدنيـ ... ـة إنها شكر الردى
دار متى ما أضحكت ... في يومها أبكت غدا
وإذا أظل سحابها ... لم ينتفع منه صدى
لم ينتقع منه صدى: لم يرتو منه عطش.
(3/217)

النوع الثلاثون: في السرقات الشعرية
مدخل
...
النوع الثلاثون: في السرقات الشعرية
ولربما اعترض معترض في هذا الموضوع فقال: قد تقدم نثر الشعر في أول الكتاب، وهو أخذ الناثر من الناظم، ولا فرق بينه وبين أخذ الناظم من الناظم، فلم يكن إلى ذكر السرقات الشعرية إذن حاجة. ولو أنعم هذا المعترض نظره لظهر له الفرق وعلم أن نثر الشعر لم يتعرض فيه إلى وجوه المأخذ وكيفية التوصل إلى مدخل السرقات، وهذا النوع يتضمن ذكر ذلك مفصلا.
واعلم أن الفائدة من هذا النوع أنك تعلم أين تضع يدك في أخذ المعاني إذ لا يستغني الآخر عن الاستعارة من الأول1، لكن لا ينبغي لك أن تعجل في سبك اللفظ على المعنى المسروق فتنادي على نفسك بالسرقة، فكثيرا ما رأينا من عجل في ذلك فعثر، وتعاطى فيه البديهة فعقر.
والأصل المعتمد عليه في هذا الباب التورية والاختفاء2 بحيث يكون ذلك أخفى من سفاد الغراب، وأظرف من عنقاء مغرب في الإغراب.
__________
1 قال أبو هلال العسكري: ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعاني ممن تقدمهم، والصب على قوالب من سبقهم، ولكن عليهم إذا أخذوها أن يكسوها ألفاظا من عندهم، ويبرزوها في معارض من تأليفهم. "الصناعتين 196".
2 قال القاضي الجرجاني: فإن الشاعر الحاذق إذا علق المعنى المختلس عدل به عن نوعه وصنفه، وعن وزنه ونظمه، وعن رويه وقافتيه. فإذا مر بالغبي الغفل وجدهما أجنبيين متباعدين، وإذا تأملهما الفطن الذكي عرف قرابة ما بينهما، والوصلة التي تجمعها "الوساطة 199"
وقال أبو هلال: والحاذق يخفي دبيبه إلى المعنى يأخذه في مسترة فيحكم له بالسبق إليه أكثر من يمر به "الصناعتين 198".
(3/218)

وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه ليس لقائل أن يقول: إن لأحد من المتأخرين معنى مبتدعا، فإن قول الشعر قديم منذ نطق باللغة العربية، وإنه لم يبق معنى من المعاني إلا وقد طرق مرارا.
وهذا القول وإن دخل في حيز الإمكان إلا أنه لا يلتفت إليه؛ لأن الشعر من الأمور المتناقلة، والذي نقلته الأخبار وتواردت عليه أن العرب كانت تنظم المقاطيع من الأبيات فيما يعن لها من الحاجات، ولم يزل الحال على هذه الصورة إلى عهد امرئ القيس، وهو قبل الإسلام بمائة سنة زائدا فناقصا، فقصد القصائد، وهو أول من قصد، ولو لم يكن له معنى اختص به سوى أنه أول من قصد القصائد لكان في ذلك كفاية، وأي فضيلة من هذه الفضيلة? ثم تتابع المقصدون، واختير من القصائد تلك السبع التي علقت على البيت، وانفتح للشعراء هذا الباب في التقصيد، وكثرت المعاني المقولة بسببه، ولم يزل الأمر ينمي ويزيد ويؤتي بالمعاني الغريبة، واستمر ذلك إلى عهد الدولة العباسية وما بعدها إلى الدولة الحمدانية، فعظم الشعر، وكثرت أساليبه، وتشعبت طرقه، وكان ختامه على الثلاثة المتأخرين، وهم: أبو تمام حبيب بن أوس، وأبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري، وأبو الطيب المتنبي.
فإذا قيل: إن المعاني المبتدعة سبق إليها ولم يبق معنى مبتدع، عورض ذلك بما ذكرته.
والصحيح أن باب الابتداع للمعاني مفتوح إلى يوم القيامة، ومن الذي يحجر على الخواطر وهي قاذفة بما لا نهاية له? إلا أن من المعاني ما يتساوى الشعراء فيه، ولا يطلق عليه اسم الابتداع لأول قبل آخر؛ لأن الخواطر تأتي به من غير حاجة إلى اتباع الآخر قول الأول، كقولهم في الغزل:
عفت الديار وما عفت ... آثارهن من القلوب
وكقولهم إن الطيف يجود بما يبخل به صاحبه، وإن الواشي لو علم بمزار
(3/219)

الطيف لساءه، وكقولهم في المديح: إن عطاءه كالبحر، وكالسحاب، وإنه لا يمنع عطاء اليوم عطاء غد، وإنه يجود ابتداء من غير مسألة، وأشباه ذلك وكقولهم في المراثي: إن هذا الرزء أول حادث، وإنه استوى فيه الأباعد والأقارب، وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة، وإن بعد هذا الذاهب لا يعد للمنية ذنب، وأشباه ذلك.
وكذلك يجري الأمر في غير ما أشرت إليه من معان ظاهرة تتوارد الخواطر عليها من غير كلفة، وتستوي في إيرادها، ومثل ذلك لا يطلق على الآخر فيه اسم السرقة من الأول، وإنما يطلق اسم السرقة في معنى مخصوص كقول أبي تمام:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شردوا في الندى والياس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس
فإن هذا المعنى مخصوص ابتدعه أبو تمام، وكان لابتداعه سبب، والحكاية فيه مشهورة، وهي أنه لما أنشد أحمد بن المعتصم قصيدته السينية التي مطلعها: "ما في وقوفك ساعة من باس"1 انتهى إلى قوله:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
فقال الحكيم الكندي: وأي فخر في تشبيه ابن أمير المؤمنين بأجلاف العرب? فأطرق أبو تمام ثم أنشد هذين البيتين معتذرا عن تشبيهه إياه بعمرو وحاتم وإياس، وهذا معنى يشهد به الحال أنه ابتدعه، فمن أتى من بعده بهذا المعنى أو بجزء منه فإنه يكون سارقا له.
__________
1 من قصيدته في مدح أحمد بن المعتصم "الديوان 2/ 242".
(3/220)

وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي في عضد الدولة وولديه:
وأنت الشمس تبهر كل عين ... فكيف وقد بدت معها اثنتان
فعاشا عيشة القمرين يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان
ولا ملكا سوى ملك الأعادي ... ولا ورثا سوى من تقتلان
وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان1
وهذا معنى لأبي الطيب، وهو الذي ابتدعه أي: إن زيادة أولاد عدوك كزيادة التصغير، فإنها زيادة نقص.
وما ينبغي أن يقال إن ابن الرومي ابتدع هذا المعنى الذي هو:
تشكى المحب وتلفى الدهر شاكية2 ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان
فإن علماء البيان يزعمون أن هذا المعنى مبتدع لابن الرومي، وليس كذلك، ولكنه مأخوذ من المثل المضروب، وهو قولهم: "يلدغ ويصي"3، ويضرب ذلك لمن يبتدئ بالأذى ثم يشكو، وإنما ابن الرومي قد ابتدع معاني
__________
1 "الديوان 4/ 486" من قصيدته التي مطلعها:
مغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان
2 تشكى المحب: تزيده أذى وتفعل به ما يوجب شكواه: تصمي الرمايا: تصيب المصيد فتقتله مكانه. وفي الأصل "يشكي ويلغي"، لكن قبل البيت قوله:
يارب حسانة منهن قد فعلت ... سوءا وقد تفعل الأسواء حسان
وهذا يعين تأنيث الفعلين.
3 يصي: يصيء، من صاءت العقرب تصيء إذا صاحت، ومنه حديث علي رضي الله عنه "أنت مثل العقرب تلدغ وتصيء" أي: تلدغ وهي صائحة. تاج العروس مادة صأي.
(3/221)

آخر غير ما ذكرته، وليس الغرض أن يؤتى على جميع ما جاء به هو ولا غيره من المعاني المبتدعة، بل الغرض أن يبين المعنى المبتدع من غيره. والذي عندي في السرقات أنه متى أورد الآخر شيئا من ألفاظ الأول في معنى من المعاني، ولو لفظة واحدة فإن ذلك من أدل الدليل على سرقته.
واعلم أن علماء البيان قد تكلموا في السرقات الشعرية فأكثروا،1 وكنت ألفت فيها كتابا، وقسمته ثلاثة أقسام: نسخا، وسلخا، ومسخا.
أما النسخ فهو: أخذ اللفظ والمعنى برمته، من غير زيادة عليه، مأخوذا ذلك من نسخ الكتاب.
وأما السلخ هو: أخذ بعض المعنى, مأخوذا ذلك من سلخ الجلد الذي هو بعض الجسم المسلوخ.
وأما المسخ فهو: إحالة المعنى إلى ما دونه، مأخوذا ذلك من مسخ الآدميين قردة.
وههنا قسمان آخران أخللت بذكرهما في الكتاب الذي ألفته، فأحدهما أخذ المعنى مع الزيادة عليه، والآخر عكس المعنى إلى ضده، وهذان القسمان ليسا بنسخ ولا سلخ ولا مسخ.
__________
1 من العلماء والنقاد الذي درسوا السرقات القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني مؤلف الوساطة، فقد قسم المعاني ثلاثة أقسام: المعاني المشتركة التي لا يجوز ادعاء السرقة فيها، والمعاني المبتذلة التي كانت في أصلها مخترعة ثم استفاضت وتنوقلت فليس أحد أولى بها من أحد، والمعاني المختصة التي حازها المبتدئ فملكها، فصار المعتدي مختلسا سارقا "الوساطة 179".
وكذلك أبو هلال العسكري الذي أفاض في الكلام في السرقات وضروبها وتكلم في الأخذ الحسن ووسائله والقبيح وضروبه "الصناعتين 196".
(3/222)

وكل قسم من هذه الأقسام يتنوع ويتفرع، وتخرج به القسمة إلى مسالك دقيقة، وقد استأنفت ما فاتني من ذلك في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب.
ومن المعلوم أن السرقات الشعرية لا يمكن الوقوف عليها إلا بحفظ الأشعار الكثيرة التي لا يحصرها عدد، فمن رام الأخذ بنواصيها، والاشتمال على قواصيها، بأن يتصفح الأشعار تصفحا، ويقتنع بتأملها ناظرا، فإنه لا يظفر منها إلا بالحواشي والأطراف.
وكنت سافرت إلى الشام سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ودخلت مدينة دمشق فوجدت جماعة من أدبائها يلهجون ببيت من شعر ابن الخياط في قصيد له أولها:
خذا من صبا نجد أمانا لقلبه1
ويزعمون أنه من المعاني الغريبة وهو:
أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذارا عليه أن تكون لحبه
__________
1 تكملة البيت:
فقد كاد رياها يطير بلبه
وهو مطلع قصيدة لطيفة منها:
وإياكما ذاك النسيم فإنه ... متى هب كان الوجد أيسر خطبه
خليلي لو أحببتما لعلمتما ... محل الهوى من مغرم القلب صبه
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الحب يصبه
غرام على يأس الهوى ورجائه ... وشوق على بعد المزاد وقربه
وفي الركب مطوي الضلوع على جوى ... متى يدعه داعي الغرام يلبه
إذا خطرت من جانب الرمل نفحة ... تضمن منها داؤه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنة معرض ... وفي القلب من إعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحي أنه ... حذارا وخوفا أن تكون لحبه
والأبيات لأحمد بن محمد بن علي بن صدقة التغلبي المعروف بابن الخياط الشاعر الدمشقي الكاتب المتوفى سنة 497هـ "الكامل لابن الأثير 12/ 193".
(3/223)

فقلت لهم: هذا البيت مأخوذ من شعر أبي الطيب المتنبي في قوله:
لو قلت للدنف المشوق فديته ... مما به لأعزته بفدائه1
وقول أبي الطيب أدق معنى، وإن كان قول ابن الخياط أرق لفظا، ثم إني وقفتهم على مواضع كثيرة من شعر ابن الخياط قد أخذها من شعر المتنبي.
وسافرت إلى الديار المصرية في سنة ست وتسعين فوجدت أهلها يعجبون ببيت من الشعر يعزونه إلى شاعر من أهل اليمن يقال له عمارة2، وكان حديث عهد بزماننا هذا في آخر الدولة العلوية بمصر، وذلك البيت من جملة قصيدة له يمدح بها بعض خلفائها عند قدومه عليه من اليمن، وهو:
فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم3
فقلت لهم: هذا البيت مأخوذ من شعر أبي تمام في قوله مادحا لبعض
__________
1 من قصيدته التي مطلعها:
القلب أعلم يا عذول بدائه ... وأحق منك بجفنه وبمائه
الديوان 1/ 1 أي: إن القلب أدرى منك أيها اللائم بدلته وما أدركه من ألم الهوى، فهو يلتمس شفاءه في البكاء ويأمر الجفن به.
الدنف: المريض من العشق. أغرته: بعثته على الغيرة. بفدائه: بفدائك إياه.
2 عمارة اليمني: شاعر سياسي كبير ولد سنة 515هـ باليمن، ثم رحل إلى مصر سنة 550هـ في عهد الخليفة الفائز ووزيره يومئذ طلائع بن رزيك، ونال من الكرم ما ألهج لسانه بالشكر.
ولما سقطت الدولة الفاطمية حزن عليها حزنا شديدا، لكنه اضطر إلى مدح صلاح الدين الأيوبي. ثم اتهم بالاشتراك في مؤامرة لخلع صلاح الدين، فصلب فيمن صلبوا سنة 569هـ.
3 من قصيدته في مدح الخليفة الفائز بن الظافر ووزيره الصالح، التي مطلعها:
الحمد للعيس بعد العزم والهمم ... حمدا يقوم بما أولت من النعم
"ديوان عمارة اليمني"
(3/224)

الخلفاء في حجة حجها، وذلك بيت من جملة أبيات خمسة:
يا من رأى حرما يسري إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم1
ثم قلت في نفسي: يالله العجب! ليس أبو تمام وأبو الطيب من الشعراء الذين درست أشعارهم، ولا هما ممن لم يعرف ولا اشتهر أمره، بل هما كما يقال: أشهر من الشمس والقمر، وشعرهما دائر في أيدي الناس، بخلاف غيرهما، فكيف خفي على أهل مصر ودمشق بيتا ابن الخياط وعمارة المأخوذان من شعرهما? وعلمت حينئذ أن سبب ذلك عدم الحفظ للأشعار، والاقتناع بالنظر في دواوينها.
ولما نصبت نفسي للخوض في علم البيان ورمت أن أكون معدودا من علمائه علمت أن هذه الدرجة لا تنال إلا بنقل ما في الكتب إلى الصدور, والاكتفاء بالمحفوظ عن المسطور:
ليس بعلم ما حوى القمطر ... ما العلم إلا ما حواه الصدر
ولقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع، وأنفذت شطرا من العمر في المحفوظ منه والمسموع، فألفيته بحرا لا يوقف على ساحله، وكيف ينتهى إلى إحصاء قول لم تحص أسماء قائله؟ فعند ذلك اقتصرت منه على ما تكثر فوائده، وتتشعب مقاصده، ولم أكن ممن أخذ بالتقليد والتسليم في اتباع من قصر نظره على الشعر القديم، إذ المراد من الشعر إنما هو إيداع المعنى الشريف، في اللفظ الجزل واللطيف، فمتى وجدت ذلك فكل مكان خيمت فهو بابل.
__________
1 ليس البيت بديوانه.
(3/225)

وقد اكتفيت في هذا بشعر أبي تمام حبيب بن أوس وأبي عبادة بن الوليد "البحتري" وأبي الطيب المتنبي، وهؤلاء الثلاثة هم لات الشعر وعزاه ومناته1، الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين.
__________
1 يريد أنهم آلهة الشعر.
اللات: صنم كان لأهل الطائف وكانت قريش وسائر العرب تعظمه، وهو صخرة مربعة وسموا به فقالوا: زيد اللات وتيم اللات "الأصنام لابن الكلبي 16" وقيل إنه بيت كان بنخلة فعبدته قريش "تفسير الطبري 27/ 35" ويرى بروكلمان أن اللات هي الإلهة التي كانت تعرف بالطائف بالربة أي: السيدة وهي تقابل الأم الكبرى للإلهة عشتر عند الساميين الشماليين "العرب والإمبراطورية العربية 27" وذكر الطبري أن اللات مشتقة من الله، ألحقت به التاء فأنث، كما قيل عمرو للمذكر وللأنثى عمرة "تفسير الطبري 27/ 34".
وظلت اللات إلى فجر الإسلام إذ بعث النبي أبا سفيان والمغيرة بن شعبة لهدمها بالطائف "دحلان 2/ 379" بعد أن أسلمت ثقيف، وعلاها المغيرة يضرب المعول، وخرجت نساء ثفيف حسرا يبكين عليها ويتهمن بالجبن رجالهن؛ لأنهم لم يدافعوا عنها "ابن هشام 4/ 198".
العزى:
كانت العزى أعظم الأصنام عندهم. وكانت بواد من نخلة الشامية يقال له حراض، فبني عليها بيت، وكانوا يسمعون فيه الصوت. وسموا بها فقالوا عبد العزى. وكانوا يزورونها ويهدون إليها ويتقربون بالذبح عندها "الأصنام 18" ويختلف المؤرخون في عبادها، فابن هشام يذكر أنهم قريش وبنو كنانة "السيرة 4/ 87" وغيره يذكر أنهم غطفان. وهي شجرة سمرة بعث إليها النبي خالد بن الوليد فقطعها. وزعموا أنها خرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس ناشرة الشعر، تضرب رأسها وتولول فضربها خالد بالسيف فقتلها وهو يقول:
يا عز كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك
فلما رجع إلى النبي أخبره بما فعل، فقال: "تلك العزى ولن تعبد أبدا" "أخبار مكة للأزرقي 1/ 74 والنيسابوري على هامش الطبري 27/ 41 والزيني ذحلان على هامش السيرة الحلبية 3/ 340" وتسمية العزى مشتقة من اسم الله تعالى العزيز أو هو مؤنث الأعز كما ذهب النيسابوري "الطبري 27/ 34 والنيسابوري على هامشه".
مناة:
أقدم أصنامهم، كانت تعظمه الأوس والخزرج ومن ينزل يثرب ومكة وما حولهما، ويذبحون له ويهللون، وسموا به فقالوا عبد مناة وزيد مناة "الأصنام 13". وهي صخرة سميت بذلك؛ لأن دماء القرابين كانت تمنى عندها أي: تراق وظلت قائمة إلى أن بعث النبي سعد بن زيد أو أبا سفيان بن حرب أو علي بن أبي طالب فهدمها "الزيني دحلان 2/ 342"
ويرى بروكلمان أنه إلهة القضاء والقدر، وكانت معروفة في مكة، ثم شاعت عبادتها على الخصوص بين قبائل هذيل البدوية المجاورة "العرب والإمبراطورية العربية 77".
(3/226)

إلى فصاحة القدماء، وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء.
أما أبو تمام فإنه رب معان، وصيقل ألباب وأذهان وقد شهد له بكل معنى مبتكر، لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي برز فيه على الأضراب.
ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير، ولم أقل ما أقول فيه إلا عن تنقيب وتنقير، فمن حفظ شعر الرجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه, أطاعته أعنة الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام، فخذ مني في ذلك قول حكيم، وتعلم ففوق كل ذي علم عليم.
وأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق، فبينا يكون في شظف نجد إذ تشبت بريف العراق.
وسئل أبو الطيب المتنبي عنه، وعن أبي تمام، وعن نفسه، فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري، ولعمري إنه أنصف في حكمه، وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه، فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء، في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام، مع قربه إلى الأفهام، وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية1، ورقى في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية.
وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه، ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه، لكنه حظي في شعره بالحكم
__________
1 الطيب.
(3/227)

والأمثال، واختص بالإبداع في وصف مواقف القتال.
وأنا أقول قولا لست فيه متأثما، ولا منه متلثما، وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى تظن الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا، فطريقه في ذلك تضل بسالكه، وتقوم بعذر تاركه، ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة ابن حمدان فيصف لسانه، ما أدى إليه عيانه، ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن سنن التوسط، فإما مفرط في وصفه وإما مفرط.
وهو وإن انفرد بطريق صار أبا عذره، فإن سعادة الرجل كانت أكبر من شعره، وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو فوق الوصف وفوق الإطراء.
ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة:
لا تطلبن كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا
ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى أحمد الصمم1
ولما تأملت شعره بعين المعدلة البعيدة عن الهوى، وعين المعرفة التي ما ضل صاحبها وما غوى، وجدته أقساما خمسة، خمس في الغاية التي انفرد بها دون غيره، وخمس من جيد الشعر الذي يساويه فيه غيره، وخمس من متوسط الشعر، وخمس دون ذلك، وخمس في الغاية المتقهقرة التي لا يعبأ بها, وعدمها خير من وجودها،
__________
1 من قصيدته في مدح سيف الدولة التي مطلعها:
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم
لما بلغه أن البطريق أقسم عند ملكه أن يهزم سيف الدولة، فلما حاربه سيف الدولة هزمه "الديوان 4/ 167". شاعره: يريد نفسه.
(3/228)

ولو لم يقلها أبو الطيب لوقاه الله شرها، فإنها التي ألبسته لباس الملام وجعلت عرضه شارة لسهام الأقوام. ولسائل ههنا أن يسأل ويقول: لما عدلت إلى شعر هؤلاء الثلاثة دون غيرهم?
فأقول: إني لم أعدل إليهم اتفاقا، وإنما عدلت إليهم نظرا واجتهادا، وذلك أني وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم أترك ديوانا لشاعر مفلق يثبت شعره على المحل إلا وعرضته على نظري، فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام وأبي الطيب للمعاني الدقيقة، ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض والمقاصد، ولم أجد أحسن تهذيبا للألفاظ من أبي عبادة، ولا أنقش ديباجة، ولا أبهج سبكا، فاخترت حينئذ دواوينهم، لاشتمالها على محاسن الطرفين من المعاني والألفاظ، ولما حفظتها ألغيت ما سواها مع ما بقي على خاطري من غيرها.
وقد أوردت في هذا الموضوع من السرقات الشعرية ما لو يورده غيري، ونبهت على غوامض منها,
وكنت قدمت القول أني قسمتها إلى خمسة أقسام، منها الثلاثة الأول وهي: النسخ، والسلخ، والمسخ، ومنهما القسمان الآخران، وها أنا أبين ما تنقسم إليه هذه الأقسام من تشعبها وتفريعها فأقول:
(3/229)

"النسخ":
فأما النسخ فإنه لا يكون إلا في أخذ المعنى واللفظ جميعا، أو في أخذ المعنى وأكثر اللفظ؛ لأنه مأخوذ من نسخ الكتاب، وعلى ذلك فإنه ضربان:
الأول:
يسمى وقوع الحافر1 على الحافر، كقول امرئ القيس:
وقوفًا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل2
وكقول طرفة:
وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد3
وقد أكثر الفرزدق وجرير من هذا في شعرهما، فمنه ما وردا فيه مورد امرئ القيس وطرفة في تخالفهما في لفظة واحدة، كقول الفرزدق:
أتعدل أحسابا لئامًا حماتها ... بأحسابنا إني إلى الله راجع4
وكقول جرير:
أتعدل أحسابا كراما حماتها ... بأحسابكم إني إلى الله راجع5
__________
1 ذكر أبو هلال البيتين الآتيين وغيرهما، على أنه مما أخذ بلفظه ومعناه، وادعى آخذه أو ادعى له أنه لم يأخذه، ولكن وقع له كما وقع للأول، ثم علق على ذلك بأنه معيب وإن ادعى الآخر أنه لم يسمع قول الأول، بل وقع لهذا كما وقع لذاك، فإن صحة ذلك لا يعلمها إلا الله عز وجل، والعيب لازم للآخر "الصناعتين 229".
2 من معلقته "الديوان 9".
3 من معلقته. جمهرة أشعار العرب 130.
4 البيت بديوان الفرزدق:
أتعدل أحسابا لئاما أدقة ... بأحسابنا إني إلى الله راجع
"الديوان 2/ 519".
5 اليبت كذلك في ديوانه 371.
(3/230)

ومنه ما تساويا فيه لفظا بلفظ كقول الفرزدق:
وغر قد نسقت مشمرات ... طوالع لا تطيق لها جوابا
بكل ثنية وبكل ثغر ... غرائبهن تنتسب انتسابا
بلغن الشمس حين تكون شرقا ... ومسقط رأسها من حيث غابا1
وكذلك قال جرير من غير أن يزيد.
وقد حكي أن امرأة من عقيل يقال لها "ليلى" كان يتحدث إليها الشباب، فدخل الفرزدق إليها، وجعل يحادثها، وأقبل فتى من قومها كانت تألفه، فدخل إليها، فأقبلت عليه وتركت الفرزدق, فغاظه ذلك، فقال للفتى: أتصارعني? فقال: ذلك إليك، فقام إليه، فلم يلبث أن أخذ الفرزدق فصرعه، وجلس على صدره، فضرط، فوثب الفتى عنه، وقال: يا أبا فراس، هذا مقام العائذ بك والله ما أردت ما جرى، فقال: ويحك والله ما بي أنك صرعتني، ولكن كأني بابن الأتان، يعني جريرا وقد بلغه خبري فقال يهجوني:
جلست إلى ليلى لتحظى بقربها ... فخانك دبر لا يزال يخون
فلو كنت ذا حزم شددت وكاءه ... كما شد جربان الدلاص قيون
قال: فوالله ما مضى إلا أيام حتى بلغ جريرا الخبر، فقال فيه هذين البيتين2، وهذا من أغرب ما يكون في مثل هذا الموضع وأعجبه.
__________
1 "الديوان 1/ 123" من هجائه لجرير. والبيت الأول في الديوان هكذا:
وغر قد نسقت مشهرات ... طوالع لا تطيق لها جوابا
وفيه "غواربهن". وفي الأصل "وسقت".
2 ليس البيتان في ديوان جرير.
(3/231)

ويقال إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد, وهذا عندي مستبعد، فإن ظاهر الأمر يدل على خلافه، والباطن لا يعلمه إلا الله تعالى, وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى من بعده علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه، وهب أن الخواطر تتفق في استخراج المعاني الظاهرة المتداولة، فكيف تتفق الألسنة في صوغها الألفاظ?
ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء1 ...
دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا
وهذا من عالي الشعر, ثم وقفت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد، وهو:
لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا
وما أعلم كيف هذا2.
__________
1 ديوان أبي نواس6 والبيت بالديوان هكذا:
دارت على فتية الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا
2رواية الأغاني "1/ 24": قال الوليد بن يزيد يوما: لقد اشتقت إلى معبد، فوجه البريد إلى المدينة، فأتى بمعبد، وأمر الوليد ببركة قد هيئت، فملئت بالخمر والماء، وأتى بمعبد فأجلس والبركة بينهما، وبينهما ستر قد أرخي، فقال له: غنني يا معبد، فغناه هذه الأبيات:
لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء
أبكى فراقهم عيني وأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء
وفي الأغاني رواية أخرى 6/ 123 تغاير هذه، ملخصها أن الحسين بن الضحاك قال في قصيدة له مطلعها:
بدلت من نفحات الورد باللاء ... ومن صبوحك دار الإبل والشاة
(3/232)

الضرب الثاني من النسخ:
وهو الذي يؤخذ فيه المعنى وأكثر اللفظ، كقول بعض المتقدمين يمدح معبدا صاحب الغناء:
أجاد طويس والسريجي بعده ... وما قصبات السبق إلا لمعبد
ثم قال أبو تمام:
محاسن أصناف المغنين جمة ... وما قصبات السبق إلا لمعبد
وهذه قصيدة أولها:
غدت تستجير الدمع خوف نوى غد
فقال:
وقائع أصل النصر فيها وفرعه ... إذا عدد الإحسان أو لم يعدد
فمهما تكن من وقعة بعد لا تكن ... سوى حسن مما فعلت مردد1
محاسن أصناف المغنين جمة البيت
__________
= أبياتا، أعجب بها، فقال له سامعها: أنت تحوم حول أبي نواس في قوله:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
وتغاضبا، فاستدل سامعه بأبيات أبي نواس "دارت على فتية" وفي رواية أخرى أن أبا نواس والحسين بن الضحاك تناشدا قصيدتيهما، وحكما بينهما ابن مناذر.
1 من قصيدته في مدح أبي سعد محمد بن يوسف الطائي، ومطلعها في الديوان 2/ 22 هكذا:
سرت تستجير الدمع خوف نوى غد ... وعاد قتادا عندها كل مرقد
(3/233)

السلخ:
وأما السلخ فإنه ينقسم إلى اثني عشر ضربا، وهذا تقسيم أوجبته القسمة، وإذا تأملته علمت أنه لم يبق شيء خارج عنه.
فالأول: أن يؤخذ المعنى ويستخرج منه ما يشبهه، ولا يكون هو إياه، وهذا من أدق السرقات مذهبا، وأحسنها صورة ولا يأتي إلا قليلا. فمن ذلك قول بعض شعراء الحماسة:
لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل1
أخذ المتنبي هذا المعنى واستخرج منه معنى آخر غيره إلا أنه شبيه به، فقال:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل2
والمعرفة بأن هذا المعنى أصله من ذاك المعنى عسر غامض، وهو غير متبين إلا لمن أعرق في ممارسة الأشعار، وغاص في استخراج المعاني وبيانه أن الأول يقول: إن بغض الذي هو غير طائل إياي مما زاد نفسي حبا إلي, أي: جملها في عيني وحسنها عندي كون الذي هو غير طائل مبغضي. والمتنبي يقول: إن ذم الناقص إياي شاهد بفضلي، فذم الناقص إياه كبغض الذي هو غير طائل ذلك
__________
1 الشعر للطرماح بن حكيم الطائي "شرح الحماسة للمرزوقي 1/ 227 والأغاني 10/ 150 غير طائل: غير فاضل، دون خسيس".
2 من قصيدته في مدح القاضي أبي الفضل أحمد بن عبد الله الأنطاكي، ومطلعها:
لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل
ورواية الديوان "بأني كامل" وهي أولى من "فاضل" لتضاد كلمة ناقص "الديوان 3/ 468".
(3/234)

الرجل، وشهادة ذم الناقص إياه بفضله كتحسين بغض الذي هو غير طائل نفس ذلك الرجل عنده.
ومن هذا الضرب ما هو أظهر مما ذكرته وأبين، كقول أبي تمام:
رعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها وماء الروض ينهل ساكبه1
أخذ البحتري هذا المعنى واستخرج منه ما يشابهه، كقوله في قصيدة يفخر فيها بقومه:
شيخان قد ثقل السلاح عليهما ... وعداهما رأي السميع المبصر
ركبا القنا من بعد ما حملا القنا ... في عسكر متحامل في عسكر2
فأبو تمام ذكر أن الجمل رعى الأرض ثم سار فيها فرعته أي: أهزلته، فكأنها فعلت به مثل ما فعل بها، والبحتري نقل هذا إلى وصف الرجل بعلو السن والهرم، فقال: إنه كان يحمل الرمح في القتال ثم صار يركب عليه أي: يتوكأ منه على عصا، كما يفعل الشيخ الكبير.
وكذلك ورد قول الرجلين أيضا، فقال أبو تمام:
لا أظلم النأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا3
__________
1 من قصيدته في مدح أبي العباس عبد الله بن طاهر، التي مطلعها:
هن عوادي يوسف وصواحبه ... فعز ما فقد ما أدرك السؤال طالبه
"الديوان 1/ 230" الفيافي: الأماكن الخالية والقفار، يريد أن مركوبه هزل من سيره في القفار بعد ما كان سمينا، فكأنها رعته بعدما رعى نبتها.
2 من رثائه لقومه "الديوان 2/ 45" وفي الديوان البيت الثاني قبل الأول.
3 من قصيدته في مدح أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي التي مطلعها:
أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ... فلا تكفن عن شأنيك أو يكفا
"الديوان 3/ 359" قذف بضم القاف والذال وبفتحهما بعيدة، أي: لا أكذب على النأي فأقول إنه فرق بيننا، فقد كانت أخلاقها لي قبل الفراق فرقا يمنعني الوصول إليها.
(3/235)

أخذه البحتري فقال:
أعاتك ما كان الشباب مقربي ... إليك فألحى الشيب إذ هو مبعدي1
وهذا أوضح من الذي تقدمه، وأكثر بيانا.
الضرب الثاني من السلخ:
أن يؤخذ المعنى مجردا من اللفظ، وذلك مما يصعب جدا، ولا يكاد يأتي إلا قليلا.
فمنه قول عروة بن الورد من شعراء الحماسة:
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح2
أخذ أبو تمام هذا المعنى فقال:
فتى مات بين الضرب والطعن ميتة ... تقوم مقام النصر إذ فاته النصر3
فعروة بن الورد جعل اجتهاده في طلب الرزق عذرا يقوم مقام النجاح،
__________
1 "الديوان 1/ 196" من قصيدته في مدح أحمد بن المدبر.
2 شرح الحماسة للمرزوقي 1/ 465 وديوان عروة بن الورد 88 وفيهما "أو يصيب رغيبة".
3 من رثائه لمحمد بن حميد الطوسي، ومطلع القصيدة:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
الديوان 319 وفي الأغاني 15/ 99 أبيات منها.
(3/236)

وأبو تمام جعل الموت في الحرب الذي هو غاية اجتهاد المجتهد في لقاء العدو قائما مقام الانتصار، وكلا المعنيين واحد, غير أن اللفظ مختلف.
وهذا الضرب في سرقات المعاني من أشكلها، وأدقها وأغربها، وأبعدها مذهبا، ولا يتفطن له ويستخرجه من الأشعار إلا بعض الخواطر دون بعض. وقد يجيء منه ما هو ظاهر لا يبلغ في الدقة مبلغ هذه الأبيات المشار إليها، كقول ابن المقفع في باب الرثاء من كتاب الحماسة:
فقد جر نفعا فقدنا لك أننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع1
وجاء بعده من أخذ هذا المعنى فقال:
وقد عزى ربيعة أن يوما ... عليها مثل يومك لا يعود
وهذا من البديع النادر.
وههنا ما هو أشد ظهورا من هذين البيتين في هذا الضرب من السرقات الشعرية، وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة التي يقوم بعضها مقام بعض، وذاك لا اعتداد به لمكان وضوحه.
__________
1 من رثاء عبد الله بن المقفع ليحيى بن زياد أو لابن أبي العوجاء عبد الكريم شرح الحماسة للمرزوقي 2/ 863 والتبريزي.
وابن المقفع هو أبو محمد عبد الله بن المقفع أحد البلغاء الأولين والمترجمين السابقين، وهو من سلالة فارسية. كان أبو المقفع مجوسيا، وسبب تلقيبه بالمقفع أنه كان يعمل في جباية الخراج لولاة العراق زمن بني أمية فخان في بعض المال فضربه الوالي حتى تقفعت يده أي: تشجت. ولد ابن المقفع حوالي 106هـ وسماه أبوه روزبة، ونشأ بالبصرة، وتعلم على علماء عصره وعلى أبيه، وأجاد العربية والفارسية، ثم كتب لولاة من بني أمية ومن بني العباس، وترجم كثيرا من كتب الفرس إلى العربية وقتل سنة 142هـ لضغينة سياسية ولاتهامه بالزندقة.
(3/237)

لكن قد يجيء منه ما هو صفة من صفات الترادف, لا الاسم نفسه، فيكون حسنا كقول جرير:
ولا تمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار1
أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى فقال:
ومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب2
الضرب الثالث من السلخ:
وهو أخذ المعنى ويسير من اللفظ، وذلك من أقبح السرقات وأظهرها شناعة على السارق, فمن ذلك قول البحتري في غلام.
فوق ضعف الصغير إن وكل الأمر ... إليه ودون كيد الكبار3
سبقه أبو نواس فقال:
لم يخف من كبر عما يراد به ... من الأمور ولا أزرى من الصغر4
وكذلك قوله "البحتري" أيضا:
كل عيد له انقضاء وكفي ... كل يوم من جوده في عيد5
__________
1 من قصيدته في هجاء الفرزدق والبعيث "الديوان 192" وقبل البيت بيت فاحش. الأرب: الحاجة القبيحة التي ذكرها في البيت السابق.
2 من قصيدته في مدح سيف الدولة بعد أن أوقع ببني كلاب الخارجين عليه، التي مطلعها:
بغيرك راعيا عبث الذئاب ... وغيرك صارما ثلم الضراب
وهو يشير في البيت إلى ما فعله سيف الدولة بهم، إذ سبى نساءهم، فصار الرجال كالنساء ذلا وخزيا.
3 من قصيدته في مدح أبي جعفر بن حميد واستيهابه غلاما "الديوان 2/ 25" وفي الديوان "الصغار" بدلا من "الصغير".
4 ليس البيت في ديوانه.
5 ليس البيت في ديوانه.
(3/238)

أخذه من علي بن جبلة:
للعيد يوم من الأيام منتظر ... والناس في كل يوم منك في عيد1
وكذلك قوله "البحتري":
جاد حتى أفنى السؤال فلما ... باد منا السؤال جاد ابتداء2
أخذه من علي بن جبلة:
أعطيت حتى لم تدع لك سائلا ... وبدأت إذ قطع العفاة سؤالها
وقد افتضح البحتري في هذه المآخذ غاية الافتضاح، هذا على بسطة باعه في الشعر وغناه عن مثلها.
وقد سلك هذه الطريق فحول الشعراء ولم يستنكفوا من سلوكها، فممن فعل ذلك أبو تمام فإنه قال:
قد قلصت شفتاه من حفيظته ...
فخيل من شدة التعبيس مبتسما3
سبقه عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن فقال:
وإذا شئت أن ترى الموت في صو ... رة ليث في لبدتي رثبال
فالقه غير أنما لبدتاه ... أبيض صارم وأسمر غال
تلق ليثا قد قلصت شفتاه ... فيرى ضاحكًا لعبس الصيال
__________
1 شاعر يجيد المدح وبخاصة مدح أبي دلف العجلي وحميد الطوسي والمأمون "طبقات الشعراء لابن المعتز 170 والشعر والشعراء 550".
2 من قصيدته في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف "الديوان 1/ 13".
3 من قصيدته في مدح إسحاق بن إبراهيم "الديوان 3/ 165" قلصت: أبرزت أسنانه من شدة الغضب.
(3/239)

وكذلك قال أبو تمام:
فلم أمدحك تفحيمًا بشعري ... ولكني مدحت بك المديحا1
أخذه من حسان بن ثابت في مدحه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:
ما إن مدحت محمدًا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمد2
ولا شك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سمع قول حسان بن ثابت حيث استخلف عمر رضي الله عنه فقال له عمر: استخلف غيري، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما حبوناك بها وإنما حبوناها بك.
وهكذا فعل ابن الرومي، فمما جاء له قوله:
جرحته العيون فاقتص منها ... بجوى في القلوب دامي الندوب3
سبقه أبو تمام فقال:
أدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب4
__________
1 من مدحة لإسحاق بن إبراهيم "الديوان 1/ 345".
2 ليس البيت بديوان حسان.
وحسان هو حسان بن ثابت الأنصاري الخزرجي النجاري أشعر شعراء رسول الله. وقد عمر طويلا حتى كف بصره في حياته، ومات سنة 64هـ زمن معاوية عن عشرين ومائة سنة كان حسان من بيت عريق في الشعر، إذ كان أبوه وجده شاعرين، وكان ابنه عبد الرحمن وحفيده سعيد بن عبد الرحمن شاعرين.
واشتهر حسان بأنه شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي زمن النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام.
3 ديوان ابن الرومي 2/ 173.
الندوب: الجروح. الجوى: الألم والوجد.
4 لم نجد البيت في ديوانه.
(3/240)

وكذلك قول ابن الرومي:
وكلت مجدك في اقتضائك حاجتي ... وكفى به متقاضيا ووكيلا1
سبقه أبو تمام فقال:
وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي2
وكذلك قال ابن الرومي:
وما لي عزاء عن شبابي علمته ... سوى أنني من بعده لا أخلد3
سبقه منصور النمري فقال:
قد كدت أقضي على فوت الشباب أسى ... لولا تعزي أن العيش منقطع4
وكذلك فعل أبو الطيب المتنبي فمما جاء منه قوله:
فدى نفسه بضمان النضار ... وأعطى صدور القنا الذابل5
__________
1 ليست بديوانه المطبوع.
2 من قصيدته في مدح ابن أبي دواد التي مطلعها:
بدلت عبرة من الإيماض ... يوم شدوا الرحال بالأغراض
"الديوان 2/ 316".
3 "الديوان 394" من قصيدته التي مطلعها:
أبين ضلوعي جمرة تتوقد ... على ما مضى أم حسرة تتجدد
4 من قصيدته في مدح الرشيد "الأغاني 12/ 18" ومنها في الشباب:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
بان الشباب وفاتتني بلذته ... صروف دهر وأيام لها خدع
ما كنت أوفى شبابي كنه غرته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
ومنصور النمري كان عند الرشيد مقدما، وكان الرشيد يعطيه ويجزل له، وكان يتظاهر بأنه عباسي المذهب وهو في باطن نفسه شيعي.
5 من قصيدته في مدح سيف الدولة لما استنقذ من أسر الخارجي أبا وائل تغلب بن داود، ومطلعها:
إلام طماعية العاذل ... ولا رأي في الحب للعاقل
"الديوان 3/ 186" النضار: الذهب. القنا الذابل: الرماح. أي: ضمن لهم الذهب ثم أعطاهم صدرو الرماح. وذلك أن سيف الدولة استنقذه من أيديهم بغير فداء، إذ أتى الخارجي بجيشه وقتله وأنقذ أبا وائل.
(3/241)

أخذه من قول الفرزدق:
كان الفداء له صدور رماحنا ... والخيل إذ رهج الغبار مثار1
وكذلك قوله "المتنبي" أيضا:
أين أزمعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الربا وأنت الغمام2
أخذه من بشار حيث قال:
كأن الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخطأه القطار3
وكذلك قوله "المتنبي":
فلا زالت ديارك مشرقات ... ولا دانيت يا شمس الغروبا
لأصبح آمنا فيك الرزايا ... كما أنا آمن فيك العيوبا4
__________
1 من قصيدة له في مناقضة جرير "الديوان 2/ 469".
2 مطلع قصيدته في مدح المتنبي حينما عزم على الرحيل عن أنطاكية. "الديوان 4/ 79".
3 من قصيدته في الفخر "الديوان 3/ 247" والبيت في الديوان:
كأن الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخلفه القطار
القطار: بكسر القاف جمع قطر وقطرة والمراد المطر، وبضم القاف المطر الغزير.
4 من قصيدته في مدح علي بن محمد بن سيار التميمي.
"الديوان 1/ 167" التي مطلعها:
ضروب الناس عشاق ضروبا ... فأعذرهم أشفهم حبيبا
(3/242)

أخذه ابن الرومي حيث قال:
أسالم قد سلمت من العيوب ... ألا فاسلم كذاك من الخطوب1
والذي عندي في الضرب المشار إليه أنه لا بد من مخالفة المتأخر المتقدم، إما بأن يأخذ المعنى فيزيده على معنى آخر، أو يوجز في لفظه، أو يكسوه عبارة أحسن من عبارته.
ومن هذا الضرب ما يستعمل على وجه يزداد قبحه، وتكثر البشاعة به، وهو أن يأخذ الشاعرين معنى من قصيدة لصاحبه على وزن وقافية، فيودعه قصيدة له على ذلك الوزن وتلك القافية، ومثاله في ذلك كمن سرق جوهرة من طوق أو نطاق ثم صاغها في مثل ما سرقها منه، والأولى به أن كان نظم تلك الجوهرة في عقد، أو صاغها في سوار أو خلخال ليكون أكتم لأمرها.
وممن فعل ذلك من الشعراء فافتضح أبو الطيب المتنبي حيث قال في قصيدته التي أولها:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع2
لم يسلم الكر في الأعقاب مهجته ... إن كان أسلمها الأصحاب والشيع
وهذه القصيدة مصوغة على قصيدة لأبي تمام في وزنها وقافيتها أولها:
أي القلوب عليكم ليس ينصدع3
__________
1 من قصيدته في مدح سالم بن عبد الله بن عمر الأخباري "الديوان 1/ 295".
2 من قصيدته في مدح سيف الدولة، التي مطلعها:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا
"الديوان 3/ 393" يقول إن هذه الوقعة التي هزم فيها المسلمون قد خذل فيها الجند سيف الدولة لكنه كر على الأعداء بنفسه، فدافعت نفسه عن نفسه.
3 "الديوان 322" في رثاء بني حميد.
(3/243)

وهذا المعنى الذي أورده أبو الطيب مأخوذ من بيت منها وهو:
ما غاب عنكم من الإقدام أكرمه ... في الروع إذ غابت الأنصار والشيع
وليس في السرقات الشعرية أقبح من هذه السرقة، فإنه لم يكتف الشاعر فيها بأن يسرق المعنى حتى ينادي على نفسه أنه قد سرقه.
الضرب الرابع من السلخ:
وهو أن يؤخذ المعنى فيعكس، وذلك حسن يكاد يخرجه حسنه عن حد السرقة,
فمن ذلك قول أبي نواس:
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطي إلي ما لم يركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب1
فقال مسلم بن الوليد في عكس ذلك:
إن المطية لا يلذ ركوبها ... حتى تذلل بالزمام وتركبا
والحب ليس بنافع أربابه ... حتى يفصل في النظام ويثقبا2
ومن هذا الباب قول ابن جعفر:
ولما بدا لي أنها لا تريدني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي
تمنيت أن تهوى سواي لعلها ... تذوق صبابات الهوى فترق لي3
__________
1 الديوان 29 "المطبعة العمومية".
2 الديوان 305.
3 هو علي بن عبد الله بن جعفر ينتهي نسبة إلى أبي طالب، وهو قائل هذين البيتين "الأغاني 19/ 142" وفي الأغاني "لا تودني".
(3/244)

وقال غيره:
ولقد سرني صدودك عني ... في طلابيك وامتناعك مني
حذرًا أن أكون مفتاح غيري ... وإذا ما خلوت كنت التمني1
أما ابن جعفر فإنه تذاءب2 وألقى عن منكبه رداء الغيرة، وأما الآخر فجاء بالضد من ذلك وتغالى به غاية الغلو.
وكذلك ورد قول أبي الشيص:
أجد الملامة في هواك لذيذة ... شغفا بذكرك فليلمني اللوم3
أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى وعكسه فقال:
أأحبه وأحب فيه ملامة ... إن الملامة فيه من أعدائه4
وهذا من السرقات الخفية جدا، ولأن يسمى ابتداعا أولى من أن يسمى سرقة, وقد توخيته في شيء من شعري فجاء حسنا، فمن ذلك قولي:
__________
1 ورد في الأغاني 19/ 142 نسبة البيتين إلى ابن جعفر أيضا. وذلك أن المتوكل سأله عن تدينه في البيتين الأولين فقال له ابن جعفر: جعلت فداك، اسمع بيتين قلتهما في الغيرة، وأنشده البيتين.
2 تذاءب وتذأب: استخفى وتحايل، من تذاءب للناقة إذا استخفى لها متشبها بالذئب ليعطفها على غير ولدها.
3 في الأغاني أن علي بن عبد الله أنشد لنفسه أبياتا، منها هذا البيت "الأغاني 19/ 142" وفي العقد الفريد 5/ 374 نسبتها إلى أبي الشيص، وكذلك في شرح المرزوقي للحماسة 3/ 373، أما الشاعر فاسمه محمد بن عبد الله بن رزين، وهو ابن عم دهبل الشاعر وكان في زمن الرشيد معاصرا لأبي نواس، والشيص معناه في الأصل التمر الرديء. والأبيات هي:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظى منك حظى منهم
وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم
4 من أبيات أجازها باقتراح سيف الدولة "الديوان 1/ 1".
(3/245)

لولا الكرام وما سنوه من كرم ... لم يدر قائل شعر كيف يمتدح
أخذته من قول أبي تمام:
لولا خلال سنها الشعر ما درى ... بناة العلا من أين تؤتى المكارم1
الضرب الخامس من السلخ:
وهو أن يؤخذ بعض المعنى، فمن ذلك قول أمية بن الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:
عطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... ببذل وما كل العطاء يزين
وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين2
أخذه أبو تمام فقال:
تدعى عطاياه وفرًا وهي إن شهرت ... كانت فخارًا لمن يعفوه مؤتنفًا
ما زلت منتظرًا أعجوبة زمنًا ... حتى رأيت سؤالًا يجتني شرفًا3
فأمية بن الصلت أتى بمعنيين اثنين: أحدهما أن عطاءك زين، والآخر أن
__________
1 من قصيدته في مدح أحمد بن دواد "الديوان 3/ 183" وفي الديوان "بغاة الندى".
2 الأغاني 8/ 3 والديوان 63.
أمية شاعر جاهلي حفل ديوانه بالتوحيد والكونيات والبعث والحساب إلخ قال فيه الأسمعي ذهب أمية في شعره بعامة ذكر الآخر، وذهب عنترة بعامة ذكر الحرب، وذهب عمر بن أبي ربيعة بعامة ذكر الشباب "الأغاني 4/ 125" وقد أدرك الإسلام وتوفي سنة 90 هو كان قد قرأ الكتب واتصل بالقديسين وليس المسوح وتنسك وحرم الخمر والأوثان.
وعبد الله بن جدعان جواد عربي مشهور ربما كان النبي يحضر طعامه، وقد حضر في داره قبل النبوة حلف لرد المظالم.
3 من مدحة لأبي دلف العجلي مطلعها.
أما الرسوم فقد أذكرني ما سلفا ... فلا تكفي عن شانيك أو يكفا
"الديوان 2/ 365".
(3/246)

عطاء غيرك شين، وأما أبو تمام فإنه أتى بالمعنى الأول لا غير.
ومن هذا الضرب قول علي بن جبلة:
وآثل ما لم يحوه متقدم ... وإن نال منه آخر فهو تابع
فقال أبو الطيب المتنبي:
ترفع عن عون المكارم قدره ... فما يفعل الفعلات إلا عذاريا1
فعلي بن جبلة اشتمل ما قاله على معنيين: أحدهما أنه فعل ما لم يفعله أحد ممن تقدمه، وإن نال منه الآخر شيئا فإنما هو مقتد به، وتابع له، وأما أبو الطيب المتنبي فإنه لم يأت إلا بالمعنى الواحد، وهو أنه يفعل ما لا يفعله غيره، غير أنه أبرزه في صورة حسنة.
ومن ذلك قول أبي تمام:
كلف برب المجد يعلم أنه ... لم يبتدأ عرف إذا لم يتمم2
فقال البحتري:
ومثلك إن أبدى الفعال أعاده ... وإن صنع المعروف زاد وتمما3
فأبو تمام قال: إن الممدوح يرب صنيعه أي: يستديمه، ويعلم أنه إذا لم
__________
1 من قصيدته في مدح كافور التي مطلعها:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا
"الديوان 4/ 528" العون: جمع عوان وهي التي فوق البكر دون الفارض. العذارى: جمع عذراء وهي البكر، أي: إنه أجل قدرا من أن يفعل في المكرمات فعلا قد سبقه إليه أحد، وإنما يأتي بها ابتداعا.
2 من مدحة لابن شبانه 2/ 248.
3 من قصيدته في مدح الفتح بن خاقان التي مطلعها:
يهون عليها أن أبيت متيما ... أعالج شوقا في الضمير مكتما
"الديوان2/ 227".
(3/247)

يستدمه فما ابتدأه, والبحتري قال: إنه يستديم صنيعه لا غيره، وذلك بعض ما ذكره أبو تمام.
وكذلك قال البحتري:
ادفع بأمثال أبي غالب ... عادية العدم أو استعفف1
أخذه ممن تقدمه حيث قال:
انتج الفضل أو تخال عن الدنيا ... فهاتان غاية الهمم
فالبحتري أخذ بعض هذا المعنى ولم يستوفه.
وكذلك ورد قول ابن الرومي:
زلتم على هام المعالي إذا ارتقى ... إليها أناس غيركم بالسلالم2
أخذه أبو الطيب المتنبي فقال:
فوق السماء وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا3
وهذا بعض المعنى الذي تضمنه قول ابن الرومي؛ لأنه قال: إنكم نزلتم على هام المعالي، وإن غيركم يرقى إليها رقيا، وأما المتنبي فإنه قال: إنكم إذا أردتم غاية نزلتم، وأما قوله: "فوق السماء" فإنه يغني عنه قول ابن الرومي: "نزلتم على هام المعالي" إذ المعالي فوق كل شيء؛ لأنها مختصة بالعلو مطلقا.
__________
1 من قصيدته في مدح أبي غالب أحمد بن المدبر التي مطلعها:
لم تبلغ الحق ولم تنصف ... عين رأت بينا فلم تذرف
"الديوان 2/ 102".
2 ليست بديوانه المطبوع
3 من مدحة لعضد الدولة بقصيدة مطلعها:
اثلث فإننا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل
"الديوان 4/ 32".
(3/248)

الضرب السادس من السلخ:
وهو أن يؤخذ المعنى فيزاد عليه معنى آخر, فمما جاء منه قول الأخنس بن شهاب:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب1
أخذه مسلم بن الوليد فزاد عليه وهو قوله:
إن قصر الرمح لم يمش الخطا عددا ... أو عرد السيف لم يهمم بتعريد2
وكذلك ورد قول جرير في وصف أبيات من شعره:
غرائب ألاف إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما3
أخذه أبو تمام فزاد عليه، إذ قال في وصف قصيد له، وقرن ذلك بالممدوح:
غرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب4
__________
1 شرح الحماسة للمرزوقي 2/ 727 وفيه "وإن قصرت" وهو الأخنس بن شهاب بن شريق ينتهي نسبه إلى تغلب، شاعر جاهلي قديم قبل الإسلام بدهر. وهو غير الأخنس بن شريق الثقفي الصحابي.
2 من قصيدته في مدح داود بن يزيد المهلبي "الديون 159" تعريد: عدم قطع، أي: لم يهم بإبعاد السيف عن الضريبة.
3 من قصيدته في هجاء البعيث "الديوان 542" والنص في الديوان:
فإني لها جيهم بكل غريبة ... شرود إذا الساري بليل ترنما
غرائب ألافا إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما
4 من مدحة لأبي دلف بقصيدة مطلعها:
على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب
"الديوان 1/ 221".
(3/249)

وكذلك ورد قول ولد مسلمة بن عبد الملك:
أذل الحياة وكره الممات ... وكلا أراه طعامًا وبيلا
فإن لم يكن غير إحداهما ... فسيرا إلى الموت سيرًا جميلا
أخذه أبو تمام فقال:
مثل الموت بين عينيه والذ ... ل وكلا رآه خطبا عظيما
ثم سارت به الحمية قدما ... فأمات العدا ومات كريما1
فزاد عليه بقوله:
فأمات العدا ومات كريما
ويروى أنه نظر عبد الله بن علي رضي الله عنه عند قتال المروانية إلى فتى عليه أبهة الشرف، وهو يبلي في القتال بلاء حسنا، فناداه: يا فتى لك الأمان ولو كنت مروان بن محمد فقال: إلا أكنه فلست بدونه.
قال: فلك الأمان ولو كنت من كنت، فأطرق ثم تمثل بهذين البيتين المذكورين.
وكذلك ورد قول أبي تمام:
يصد عن الدنيا إذا عن سودد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد2
أخذه من قول ابن المعذل بن غيلان:
ولست بنظار إلى جانب العلا ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر3
__________
1 الديوان 334 في رثاء جعفر الطائي.
2 من مدحته لأبي الحسن محمد بن الهيثم بن شبانة التي مطلعها.
قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد ... وإن هي لم تسمع لنشدان ناشد
"الديوان 2/ 68".
3 تصويب اسمه من الأغاني 12/ 54 وكان في الأصل المعذل، بغير ابن وهو عبد الصمد بن المعذل بن غيلان، وفي الأغاني:
ولست بميال إلى جانب الغنى ... إذا كانت الغلياء في جانب الفقر
وإني لصبار على ما ينوبني ... وحسبك أن الله أثنى على الصبر
(3/250)

إلا أنه زاده زيادة حسنة بقوله:
ولو برزت في زي عذراء ناهد
ومما يجري هذا المجرى قول البحتري:
خل عنا فإنما أنت فينا ... واو عمرو أو كالحديث المعاد1
أخذه من قول أبي نواس:
قل لمن يدعي سليمى سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت ملصق مثل واو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو2
إلا أن البحتري زاد على أبي نواس قوله: أو كالحديث المعاد.
وهكذا ورد قول البحتري أيضا:
ركبوا الفرات إلى الفرات وأملوا ... جذلان يبدع في السماح ويغرب3
أخذه من مسلم بن الوليد في قوله:
ركبت إليه البحر في مؤخراته ... فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر4
__________
1 من هجائه لعلي بن الجهم "الديوان 1/ 191".
2 في هجاء أشجع السلمي "الديوان 545" وكان في الأصل "سليما" والبيت الثاني بالديوان:
إنما أنت من سليمى كواد ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو
3 من مدحته لإسحاق بن إبراهيم بن مصعب "الديوان 1/ 62".
4 "الديوان 111" ويروى ركبنا إليه البحر. مؤخراته: أواخر ركوبه. والضمير في أوفت يعود على السفينة المذكورة قبل ذلك.
(3/251)

إلا أن البحتري زاد عليه بقوله:
جذلان يبدع في السماح ويغرب
وكذلك ورد قول أبي نواس:
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد1
وهذا البيت قد لهج به الناس لهجا كثيرا، ومنهم من ظنه مبتدعا لأبي نواس، ويحكى عن أبي تمام أنه دخل على ابن أبي داود2، فقال له: أحسبك عاتبا يا أبا تمام، فقال إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا، قال: من أين هذه يا أبا تمام? قال: من قول الحاذق أبي نواس، وأنشده البيت، وهذه الحكاية عندي موضوعة؛ لأن أبا تمام كان عارفا بالشعر، حتى إنه قال: لم أنظم شعرا حتى حفظت سبعة عشر ديوانا للنساء خاصة دون الرجال، وما كان يخفى عنه أن هذا المعنى ليس لأبي نواس، وإنما هو مأخوذ من قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا3
إلا أن أبا نواس زاد زيادة حسنة، وذاك أن جريرا جعل الناس كلهم بني تميم، وأبا نواس جعل العالم كله في واحد، وذلك أبلغ.
ومما ينتظم في هذا السلك قول الفرزدق:
__________
1 من مدحته لهارون الرشيد "الديوان 454".
2 هو ابن أبي دواد الإيادي، كان من جلة العلماء في عصر المأمون، وقد عرف فضله، فأوصى أخاه المعتصم به، وكتب في كتاب الوصية له بالخلافة "وأبو عبد الله أحمد بن أبي داود لا يفارقك، أشركه في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع ذلك" فكان المعتصم لا يفعل فعلا باطنا ولا ظاهرا إلا برأيه، ثم حسنت حاله كذلك عند الواثق بعد المعتصم، ثم فلج في خلافة المتوكل ومات سنة 240هـ.
ويقول ابن خلكان "دواد" بضم الدال وفتح الواو. وفي القاموس المحيط في مادة "داود": وأحمد بن أبي دواد معروف. ومن هذا يظهر لك خطأ من يهمز الواو، وقد وقع في ذلك كثير.
3 الديوان 78 من قصيدته في هجاء الراعي النميري.
(3/252)

علام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي
متى تأتي الرصافة تستريحي ... من الأنساع والدبر الدوامي1
أخذه أبو نواس فصار أملك به، وأحسن فيه غاية الإحسان، فقال:
وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام2
فالفرزدق قال:
تستريحي من الأنساع والدبر الدوامي
وليست استراحتها بمانعة من معاودة إتعابها مرة أخرى، وأما أبو نواس فإنه حرم ظهورهن على الرجال، أي: إنها تعفى من السفر إعفاء مستمرا، ولا شك أن أبا نواس لم يتنبه لهذه الزيادة إلا من فعل العرب في السائبة والبحيرة3.
وعلى هذا الأسلوب ورد قول المتنبي:
وملومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل4
__________
1 من قصيدته في مدح هشام بن عبد الملك "الديوان 835" وفي الديوان "إلام تلفتين".
2 من قصيدته في مدح الأمين "الديوان 407".
3 السائبة: البعير يدرك نتاج نتاجه فيسبب أي: يترك لا يركب والناقة كان تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت أو كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد أو نجت دابتة من حرب أو مشقة قال هي سائبة، وكانت لا تمنع من ماء ولا كلأ ولا تركب.
البحيرة: كانوا إذا نتجت الناقة أو الشاة عشرة أبطن بحروها وتركوها ترعى وحرموا لحمها إذا ماتت على نسائهم وأكلها الرجال، أو التي خليت بلا راع، أو هي ابنة السائبة، وكانوا يحرمون لحمها وركوبها.
4 من قصيدته في مدح سيف الدولة "الديوان 3/ 241".
ملمومة: كتيبة مجتمعة، والكلمة معطوفة على كلمة مرفوعة من قبل: زرد ثوبها. ثيابها دروع لها. والزرد حلق الدرع، أي: حال بينهم وبين ما يشتهون جيشك الذي اتخذ فرسانه الدروع لباسا لهم، إلا أن ذلك الثوب مخمل بالرماح كالخمل لتلك الثياب.
(3/253)

أخذه من أبي نواس في قوله:
أمام خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قنا وجياد1
فزاد أبو الطيب زيادة صار بها أحق من أبي نواس بهذا المعنى.
وكذلك قال أبو الطيب المتنبي:
وإن جاد قبلك قوم مضوا ... فإنك في الكرم الأول2
فأخذته أنا وزدت عليه فقلت:
أنت في الجود أول وقضى اللـ ... ـه بألا يرى لك الدهر ثان
وهذا النوع من السرقات قليل الوقوع بالنسبة إلى غيره.
الضرب السابع من السلخ:
وهو أن يؤخذ المعنى فيكسى عبارة أحسن من العبارة الأولى, وهذا هو المحمود الذي يخرج به حسنه عن باب السرقة.
فمن ذلك قول أبي تمام:
جذلان من ظفر حران إن رجعت ... مخضوبة منكم أظفاره بدم3
__________
1 من قصيدته في مدح الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي "الديوان: 473" الخميس: الجيش العظيم. أرجوان: أحمر.
2 من قصيدته في مدح سيف الدولة التي مطلعها:
أينفع في الخيمة العذل ... وتشمل من دهرها يشمل
3 من قصيدته في مدح مالك بن طوق التغلبي "الديوان 4/ 191" وجذلان من الفاعل في البيت السابق:
قد انثنى بالمنايا في أسنته ... وقد أقام حياراكم على اللقم
اللقم: الطريق الواضح.
(3/254)

أخذه البحتري فقال:
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها1
ومن هذا الأسلوب قولهما أيضا، فقال أبو تمام:
إن الكرام كثير في البلاد وإن ... قلوا كما غيرهم قلوا وإن كثروا2
وقال البحتري:
قل الكرام فصار يكثر فذهم ... ولقد يقل الشيء حتى يكثرا3
وعلى هذا النحو ورد قول أبي نواس:
يدل على ما في الضمير من الفتى ... تقلب عينيه إلى شخص من يهوى4
أخذه أبو الطيب المتنبي فقال:
وإذا خامر الهوى قلب صب ... فعليه لكل عين دليل5
__________
1 من قصيدته في مدح المتوكل وذكر صلح بني تغلب "الديوان 2/ 316" والضمير عائد على الفرسان من الطرفين.
2 من قصيدته في مدح عمر بن عبد العزيز الطائي "الديوان 2/ 186".
3 من قصيدته في مدح إسحاق بن كنداج "الديوان 2/ 21" فذهم: فريدهم.
4 من قصيدة في الغزل والخمر مطلعها:
شجاني وأبلاني تذكر من أهوى ... وألبسني ثوبا من الضرر البلوى
"الديوان 118".
5 من قصيدته في مدح سيف الدولة "الديوان 3/ 334" التي مطلعها:
ليالى بعد الظاغين شكول ... طوال وليل العاشقين طويل
(3/255)

ومما ينتظم في هذا السلك قول أبي الطيب المتنبي:
إذا ما ازددت من بعد التناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازدياد1
أخذه ابن نباتة السعدي2 فقال:
إذا كان نقصان الفتى من تمامه ... فكل صحيح في الأنام عليل
وكذلك ورد قول أبي العلاء بن سليمان في مرثية:
وما كلفة البدر المنير قديمة ... ولكنها في وجهه أثر اللطم3
أخذه الشاعر المعروف بالقيسراني، فقال:
وأهوى التي أهوى لها البدر ساجدا ... ألست ترى في وجهه أثر الترب
وكذلك قول ابن الرومي:
إذا شنئت عين امرئ شيب نفسه ... فعين سواه بالشاءة أجدر
__________
1 من مدحة لعلي بن إبراهيم التنوخي "الديوان 2/ 91" والنص في الديوان:
إذا ما ازددت من بعد التناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازديادي
يريد أنه إذا بلغ الشباب نهايته فزيادة العمر بعد ذلك زيادة في النقصان، لما يترتب على هذا من ضعف الشيخوخة، كما قال عبد الله بن طاهر:
إذا ما زاد عمرك كان نقصا ... ونقصان الحياة مع التمام
وكما قال آخر:
إذا اتسق الهلال وصار بدرا ... تبينت المحاق من الهلال
2 تقدم التعريف به، والاسم يروى بضم النون وبفتحها وهو أبو نصر عبد العزيز محمد بن نباتة السعدي التميمي أحد فحول الشعراء. توفي سنة 405 في بغداد.
3 من قصيدته في رثاء أبي إبراهيم العلوي "سقط الزند 1/ 292" وفي الديوان "اللطم" يريد أن الكلفة التي ترى فيه ليست قديمة ولكنها من لطمه لما بلغه نعي المتوفى.
(3/256)

أخذه من تأخر زمانه عنه، فقال:
إذا كان شيبي بغيضا إلي ... فكيف يكون إليها حبيبا1
ومما ينخرط في هذا السلك قول بعضهم:
مخصرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها
أخذه أبو تمام، فقال:
كأن عليها كل عقد ملاحة ... وحسنا وإن أضحت وأمست بلا عقد2
ثم أخذه البحتري فقال:
إذا أطفأ الياقوت إشراق وجهها ... فإن عناء ما توخت عقودها3
أمثال هذا كثيرة، وفيما أوردناه مقنع.
الضرب الثامن من السلخ:
وهو أن يؤخذ المعنى ويسبك سبكا موجزا،
وذلك من أحسن السرقات، لما فيه من الدلالة على بسطة الناظم في القول، وسعة باعه في البلاغة.
__________
1 القائل هو أبو هلال العسكري، وقبل البيت قوله:
فلا تعجبا أن يعبن المشيب ... فما عبن من ذاك إلا معيبا
"الصناعتين 48".
2 من قصيدته في مدح أبي الغيث الرافقي "والديوان 2/ 111" وبالديوان تقديم أمست على أضحت.
3 من قصيدته في مدح صاعد بن مخلد "الديوان 1/ 156" وبالديوان "حسنها" لا من "وجهها".
(3/257)

فمن ذلك قول بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج1
أخذه سلم الخاسر -وكان تلميذه- فقال:
من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور2
فبين البيتين لفظتان في التأليف.
ومن هذا الأسلوب قول أبي تمام:
برزت في طلب المعالي واحدًا ... فيها تسير مغورًا أو منجدًا
عجبا بأنك سالم في وحشة ... في غاية ما زلت فيها مفردًا3
__________
1 الديوان 2/ 75، الفاتك: القاتل واستعاره للجريء والذي لا يبالي إنكار الناس. اللهج: المغري بالشيء المثابر عليه المقدام.
2 ذكر أبو هلال في الصناعتين 214 إن بشارا لما سمع بيت سلم قال: ذهب ابن الفاعلة ببيتي. وفي شرح ديوان بشار 2/ 75 وطبقات الشعراء لابن المعتز 100 أنه قال: فهو أخف منه وأعذب، والله لا أكلت ولا شربت اليوم. فلما بلغ ذلك سلما استنفع إلى بشار بجماعة، فذهبوا به فقال بشار: أين هو الخبيث؟ قالوا: ها هوذا، فقام إليه وسلم، فقبل سلم رأسه وقال له: يا أبا معاذ خريجك وتلميذك. قال بشار: يا سلم من الذي يقول؟
من راقب الناس لم يظفر بحاجته
قال: أنت يا أبا معاذ. قال: فمن الذي يقول:
من راقب الناس مات غما
قال: خريجك يا أبا معاذ. قال: أفتأخذ معاني التي قد عنيت بها وتعبت في استنباطها، فتكسوها ألفاظا أخف من ألفاظي. حتى يروى ما تقول ويذهب شعري؟ لا أرضى عنك أبدا. فما زال يضرع إليه والقوم يشفعون حتى رضي عنه.
وسلم الخاسر هو سلم بن عمرو شاعر بصري قدم بغداد ومدح المهدي والهادي وهارون والبرامكة. وسمي بالخاسر لأنه ورث عن أبيه مصحفا فباعه واشترى طنبورا "الأغاني 21/ 73".
3 من مدحته لأحمد بن عبد الكريم الطائي "الديوان 2/ 104".
(3/258)

أخذه ابن الرومي فقال:
غربته الخلائق الزهر في النا ... س وما أوحشته بالتغريب1
وكذلك ورد قول أبي نواس:
وكلت بالدهر عينا غير غافلة ... من جود كفك تأسو كل ما جرحا2
أخذه ابن الرومي فقال:
الدهر يفسد ما استطاع وأحمد ... يتتبع الإفساد بالإصلاح3
وعلى هذا ورد قول ابن الرومي:
كأني أستدني بك ابن حنية ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا4
أخذه بعض شعراء الشام، وهو ابن قسيم الحموي5، فقال:
فهو كالسهم كلما زدته منك ... دنوا بالنزع زادك بعدا
__________
1 من قصيدته في مدح يحيى بن علي المنجم "الديوان 1/ 106".
2 من قصيدته في مدح أبي العباس "الديوان 457".
3 من قصيدته في مدح أحمد بن شيخ "الديوان 2/ 104".
4 غير موجود بالديوان.
5 هو أبو المجد مسلم بن الخضر بن مسلم بن قسيم الحموي التنوخي، ذكره العماد في الحزبدة في شعراء حماة بأسلوبه المسجوع المصنوع بقوله: "أبو المجد مجيد الشعر، وحيد الدهر فريد العصر، ذو رقة للقلوب مسترقة، وللعقول مسترقة ... " إلى أن قال: "كان ثالث القيسراني وابن منير في زمانهما، وسبقهما في ميدانهما، نبغ في عصر شيخوختهما، وبلغ إلى درجتهما، وراق سحرهما سحره، وفاق شعرهما شعره، لكنه خانه عمره، وفل سبا=
(3/259)

ولقيت جماعة من الأدباء بالشام، ووجدتهم يزعمون أن ابن قسيم هو الذي ابتدع هذا المعنى، وليس كذلك، وإنما هو لابن الرومي.
ومما يجري هذا المجرى قول أبي العتاهية:
وإني لمعذور على فرط حبها ... لأن لها وجها يدل على عذري1
أخذه أبو تمام فقال:
له وجه إذا أبصر ... ته ناجاك عن عذري2
فأوجز في هذا المعنى غاية الإيجاز.
ومما يجري على هذا النهج قول أبي تمام:
كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري
__________
= شبابه، وحل حبا آدابه، وأمر جنى جنايه، وحل شعوب بشعابه، وذلك في سنة نيف وأربعين وخمسمائة" ومن العجيب أن يقول العماد بعد ذلك: "ووجدت في ديوانه لحنا فاحشا، ووهنا بالخطل جائشا، ونظرت في ديوان شعره، فالتقطت فرائد دره، وقلائد سحره...." وقال عنه ابن عساكر: شاب شاعر، قدم دمشق، ومدح أتابك زنكي. واختار له طائفة من الأبيات "وانظر خريدة القصر، وجريدة العصر 1/ 431، قسم شعراء الشام -بتحقيق الدكتور شكري فيصل- دمشق 1955".
1 ليس بالديوان.
2 الديوان 374.
(3/260)

أخذه أبو الطيب المتنبي فأوجز، حيث قال:
وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر1
وكذلك قولهما في موضع آخر، فقال أبو تمام:
كم صارما عضب أناف على فتى ... منهم لأعباء الوغى حمال
سبق المشيب إليه حتى ابتزه ... وطن النهى من مفرق وقذال2
أخذه أبو الطيب فزاد وأحسن حيث قال:
يسابق القتل فيهم كل حادثة ... فما يصيبهم موت ولا هرم3
ومن هذا الضرب قول بعض الشعراء:
أمن خوف فقر تعجلته ... وأخرت إنفاق ما تجمع
فصرت الفقير وأنت الغني ... وما كنت تعدو الذي تصنع
__________
1 من مدحة لعلي بن أحمد بن عامر الأنطاكي "الديوان 2/ 311".
2 من قصيدته في مدح المعتصم بعد هزيمة الخرمية "الديوان 3/ 141".
في الأصل كم صارم عضب أناف على قفا. يقول هذا الصارم سبق إلى هذا الفتى الشيب فسلبه رأسه وأم دماغه الذي هو وطن العقل.
3 من قصيدته في مدح سيف الدولة وقد انتصر على الروم مطلعها:
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم
"الديوان 4/ 183".
(3/261)

أخذه أبو الطيب المتنبي فقال:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر1
الضرب التاسع من السلخ:
وهو أن يكون المعنى عاما فيجعل خاصا، أو خاصا فيجعل عاما, وهو من السرقات التي يسامح صاحبها.
فمن ذلك قول الأخطل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم2
أخذه أبو تمام فقال:
أألوم من بخلت يداه وأغتدي ... للبخل تربا ساء ذاك صنيعا3
وهذا من العام الذي جعل خاصا، ألا ترى أن الأول نهى عن الإتيان بما ينهى عنه مطلقا، وجاء بالخلق منكرا فجعله شائعا في بابه، وأما أبو تمام فإنه خصص ذلك بالبخل، وهو خلق واحد من جملة الأخلاق.
__________
1 من مدحة لعلي بن أحمد بن عامر الأنطاكي، ومطلع القصيدة:
أطاعن خيلا من فوارسها الدهر ... وحيدا وما قولي كذا ومعي الصبر
"الديوان 2/ 305".
2 ويروى لأبي الأسود الدؤلي ويروى للمتوكل الليثي وقد أكد ذلك الآمدي في المؤتلف والمختلف 179 والمرزباني في معجم الأدباء 410.
3 النص بالديوان صفحة 286 هكذا:
أألوم من بخلت يداه وأغتدى ... في تالدي للسائلين مطيعا
آبى فأعصى العاذلين وأغتدى ... للبخل تربا ساء ذاك صنيعا
(3/262)

وأما جعل الخاص عاما فكقول أبي تمام:
ولو حاردت شول عذرت لقاحها ... ولكن منعت الدر والضرع حافل1
أخذه أبو الطيب المتنبي فجعله عاما إذ يقول:
وما يؤلم الحرمان من كف حارم ... كما يؤلم الحرمان من كف رازق2
الضرب العاشر من السلخ:
وهو زيادة البيان مع المساواة في المعنى، وذاك أن يؤخذ المعنى فيضرب له مثال يوضحه.
فمما جاء منه قول أبي تمام:
هو الصنع إن يعجل فنفع وإن يرث ... فللريث في بعض المواطن أنفع3
__________
1 من قصيدة في مدح محمد بن عبد الملك الزيات
"الديوان 3/ 129".
أي: إن مطلك دام وطال مع طول أملي فيك، ولو كان ذلك لإعوازك لعذرتك، ولكنك حرمتني ومالك كثير، وعطاؤك ممكن.
حاردت: قل لبنها. الشول: النوق القليلات اللبن، جمع شائلة. حافل: ممتلئ.
2 من قصيدة في مدح سيف الدولة بن حمدان مطلعها:
تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق
"الديوان 3/ 77".
3 من قصيدة في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف الثغرى، مطلعها:
أما إنه لولا الخليط المودع ... وربع عفا منه مصيف ومربع
"الديوان 3/ 319".
والقافية بالديوان "أسرع" بدلا من "أنفع".
(3/263)

أخذه أبو الطيب المتنبي فأوضحه بمثال ضربه له وذلك قوله:
ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام1
وهذا من المبتدع، لا من المسروق، وما أحسن ما أتى بهذا المعنى في المثال المناسب له.
وكذلك قولهما في موضع آخر فقال أبو تمام:
قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من شدة التعبيس مبتسما2
أخذه أبو الطيب المتنبي فقال:
وجاهل مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم
إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث مبتسم3
ومما ينخرط في هذا السلك قول أبي تمام:
وكذاك لم تفرط كآبة عاطل ... حتى يجاورها الزمان بحال4
__________
1 من قصيدة في مدح أبي الحسين علي بن أحمد المري الخراساني مطلعها:
لا افتخار إلا لمن لا يضام ... مدرك أو محارب لا ينام
"الديوان 4/ 286".
سيبك: عطائك. الجهام: السحاب الذي لا ماء فيه.
2 من قصيدته في مدح إسحاق بن إبراهيم "الديوان 3/ 170" أي: قد أبرزت شفتاه أسنانه من شدة الغضب.
3 من قصيدته في عتاب سيف الدولة التي مطلعها:
واحر قلباه ممن قلبه شيم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم
"الديوان 4/ 104" شيم: بارد. والبيت الثاني بالديوان "إذا نظرت" يد فراسة: يد باطشة شديدة الافتراس.
4 من قصيدته في مدح المعتصم مطلعها:
آلت أمور الشرك شر مآل ... وأقر بعد تخمط وصيال
"الديوان 3/ 132".
(3/264)

أخذه أبو عبادة البحتري فقال:
وقد زادها إفراط حسن جوارها ... لأخلاق أصفار من المجد خيب
وحسن دراري الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من الليل غيهب1
فإنه أتى بالمعنى مضروبا له هذا المثال الذي أوضحه وزاده حسنا.
الضرب الحادي عشر من السلخ:
وهو اتحاد الطريق واختلاف المقصد، ومثاله أن يسلك الشاعران طريقًا واحدة، فتخرج بهما إلى موردين أو روضتين، وهناك يتبين فضل أحدهما على الآخر.
فمما جاء من ذلك قول أبي تمام في مرثية بولدين صغيرين:
مجد تأوب طارقا حتى إذا ... قلنا أقام الدهر أصبح راحلا
نجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا
إن الفجيعة بالرياض نواضرا ... لأجل منها بالرياض ذوابلا
لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أخرت حتى تكون شمائلا
إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا
قل للأمير وإن لقيت موقرا ... منه بريب الحادثات حلاحلا
إن ترز في طرفي النهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلابلا
فالثقل ليس مضاعفا لمطية ... إلا إذا ما كان وهما بازلا
لا غرو إن فننان من عيدانه ... لقيا حماما للبرية آكلا
__________
1 من قصيدته في مدح الفتح بن خاقان "الديوان 1/ 50" وبالديوان "خلائق أصفار" داج غيهب: مظلم شديد الظلام.
(3/265)

إن الأشاء إذا أصاب مشذب ... منه انمهل ذرا وأث أسافلا
شمخت خلالك أن يواسيك امرؤ ... أو أن تذكر ناسيا أو غافلا
إلا مواعظ قادها لك سمحة ... إسجاح لبك سامعا أو قائلا
هل تكلف الأيدي بهز مهند ... إلا إذا كان الحسام القاصلا1
وقال أبو الطيب في مرثية بطفل صغير:
فإن تك في قبر فإنك في الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يبكى على قدر سنه ... ولكن على قدر الفراسة والأصل
ألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل
بمولودهم صمت اللسان كغيره ... ولكن في أعطافه منطق الفصل
تسليهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل
عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل
تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرجل
__________
1 ليست القصيدة بديوانه بشرح التبريزي ولا بطبعة محمد جمال.
تأوب طارقا: رجع زائرا، شمائل: طباع، موقر: رزين، حلاحل: رزين أو سيد شجاع، وهم: جمل ضخم قوي ذلول، بازل: جمل بلغ التاسعة من عمره فاكتمل، فننان: المراد ولدان، الأشاء: صغار النخل. انمهل: اعتدل وانتصب. أث: التف وكثر، إسجاع: سماحة، المهند: السيف. الحسام القاصل: السيف القاطع.
(3/266)

بنفسي وليد عاد من بعد حمله ... إلى بطن أم لا تطرق بالحمل
بدا وله وعد السحابة بالروى ... وصد وفينا غلة البلد المحل
وقد مدت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديلي الركاب من النعل
وريع له جيش العدو وما مشى ... وجاشت له الحرب الضروس وما تغلي1
فتأمل أيها الناظم إلى ما صنع هذان الشاعران في هذا المقصد الواحد، وكيف هام كل واحد منهما في واد منه، مع اتفاقهما في بعض معانيه؟.
وسأبين لك ما اتفقا فيه، وما اختلفا، وأذكر الفاضل من المفضول، فأقول: أما الذي اتفقا فيه فإن أبا تمام قال:
لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أخرت حتى تكون شمائلا
وأما أبو الطيب فإنه قال:
بمولودهم صمت اللسان كغيره ... ولكن في أعطافه منطق الفصل
__________
1 من مرثيته لأبي الهيجاء عبد الله بن سيف الدولة "الديوان 4/ 209" وبالديوان "المخيلة والأصل" و"الألى من رماحهم": الفراسة: المخيلة. الأعطاف: جمع عطف وهو الجانب. منطق الفصل: القول الصائب الحاسم. مصابهم: إصابتهم. الشغل: الاهتمام بما عدا كسب الثناء والمحامد. عزاءك: تعز عزاءك، أو الزم عزاءك. به: الضمير يعود على العزاء. نصل: سيف. الرجل: جمع راجل وهو الماشي. تطرق بالحمل: لا تخرج الولد من بطنها. الروى: الرواء والري. غلة: عطش. المحل: الجديب. الخيل العتاق: الكرام الركاب ما توضع فيه الرجل من السرج. ريع: أخيف. جاشت: غلت وهاجت. الضروس. الشديدة العض.
(3/267)

فأتى بالمعنى الذي أتى به أبو تمام، وزاد عليه بالصناعة اللفظية، وهي المطابقة في قوله صمت اللسان ومنطق الفصل.
وقال أبو تمام:
نجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا
وقال أبو الطيب:
بدا وله وعد السحابة بالروى ... وصد وفينا غلة البلد المحل
فوافقه في المعنى وزاد عليه بقوله:
وصد فينا غلة البلد المحل
لأنه بين قدر حاجتهم إلى وجوده وانتفاعهم بحياته.
وأما ما اختلفا فيه فإن أبا الطيب أشعر فيه من أبي تمام أيضا، وذاك أن معناه أمتن من معناه، ومبناه أحكم من مبناه.
وربما أكبر هذا القول جماعة من المقلدين الذين يقفون مع شبهة الزمان وقدمه، لا مع فضيلة القول وتقدمه، وأبو تمام وإن كان أشعر عندي من أبي الطيب فإن أبا الطيب أشهر منه في هذا الموضع.
وبيان ذلك أنه قد تقدم على ما اتفقا فيه من المعنى.
وأما الذي اخلتفا فيه فإن أبا الطيب قال:
عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل
وهذا البيت بمفرده خير من بيتي أبي تمام اللذين هما:
إن ترزفي طرفي نهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلابلا
(3/268)

فالثقل ليس مضاعفا لمطية ... إلا إذا ما كان وهما بازلا
فإن قول أبي الطيب "والشدائد للنصل" أكرم لفظا ومعنى من قول أبي تمام:
إن الثقل إنما يضاعف للبازل من المطايا
وقوله أيضا:
تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرجل
وهذا أشرف من بيتي أبي تمام اللذين هما:
لا غرو إن فننان من عيدانه ... لقيا حماما للبرية آكلا
إن الأشاء إذا أصاب مشذب ... منه انمهل ذرا وأث أسافلا
وكذلك قال أبو الطيب:
ألست من القوم الذين من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل
تسليهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل
وهذان البيتان خير من بيتي أبي تمام اللذين هما:
شمخت خلالك أن يواسيك امرؤ ... أو أن تذكر ناسيا أو غافلا
إلا مواعظ قادها لك سمحة ... إسجاح لبك سامعا أو قائلا
واعلم أن التفضيل بين المعنيين المتفقين أيسر خطبا من التفضيل بين المعنيين المختلفين.
(3/269)

وقد ذهب قوم إلى منع المفاضلة بين المعنيين المختلفين، واحتجوا على ذلك بأن قالوا: المفاضلة بين الكلامين لا تكون إلا باشتراكهما في المعنى، فإن اعتبار التأليف في نظم الألفاظ لا يكون إلا باعتبار المعاني المندرجة تحتها، فما لم يكن بين الكلامين اشتراك في المعنى فإنه لايعلم مواقع النظم في قوة ذلك المعنى أو ضعفه، أو اتساق ذلك اللفظ أو اضطرابه، وإلا فكل كلام له تأليف يخصه بحسب المعنى المندرج تحته، وهذا مثل قولنا: العسل أحلى من الخل، فإنه ليس في الخل حلاوة حتى تقاس حلاوة العسل عليها.
وهذا القول فاسد، فإنه لو كان ما ذهب إليه هؤلاء من منع المفاضلة حقا لوجب أن تسقط التفرقة بين جيد الكلام ورديئه وحسنه وقبيحه، وهذا محال.
وإنما خفي عليهم ذلك؛ لأنهم لم ينظروا إلى الأصل الذي تقع المفاضلة فيه، سواء اتفقت المعاني أو اختلفت ومن هنا وقع لهم الغلط.
وسأبين ذلك فأقول: من المعلوم أن الكلام لا يختص بمزية من الحسن حتى تتصف ألفاظه ومعانيه بوصفين هما الفصاحة والبلاغة، فثبت بهذا أن النظر إنما هو في هذين الوصفين اللذين هما الأصل في المفاضلة بين الألفاظ والمعاني على اتفاقهما واختلافهما فمتى وجدا في أحد الكلامين دون الآخر أو كانا أخص به من الآخر حكم له بالفضل.
وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج في تفضيل الشعر أشياء تتضمن خبطا كثيرا، وهو مروي عن علماء العربية لكن عذرتهم في ذلك، فإن معرفة الفصاحة والبلاغة شيء خلاف معرفة النحو والإعراب.
(3/270)

فمما وقفت عليه أنه سئل أبو عمرو بن العلاء عن الأخطل فقال: لو أدرك يوما واحدا من الجاهلية ما قدمت عليه أحدا1.
وهذا تفضيل بالأعصار، لا بالأشعار، وفيه ما فيه ولولا أن أبا عمرو عندي بالمكان العلي لبسطت لساني في هذا الموضع.
وسئل جرير عن نفسه وعن الفرزدق والأخطل، فقال: أما الفرزدق ففي يده نبعا من الشعر وهو قابض عليها، وأما الأخطل فأشدنا اجتراء، وأرمانا للفرائص2، وأما أنا فمدينة الشعر.
وهذا القول في التفضيل قول إقناعي3 لا يحصل منه على تحقيق، لكنه أقرب حالا مما روي عن أبي عمرو بن العلاء.
وسئل الأخطل عن أشعر الناس، فقال: الذي إذا مدح رفع، وإذا هجا وضع، فقيل: فمن ذاك? قال: الأعشى، قيل: ثم من? قال: طرفة.
وهذا قول فيه بعض التحقيق، إذ ليس كل من رفع بمدحه ووضع بهجائه كان أشعر الناس؛ لأن المعاني الشعرية كثيرة والمدح والهجاء منها.
وسئل الشريف الرضي عن أبي تمام وعن البحتري وعن أبي الطيب، فقال: أما أبو تمام فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر4, وأما المتنبي فقاتل عسكر.
__________
1 الأغاني 7/ 163 وفيه تفضيل له على معاصريه.
2 الفرائص: جمع فريصة وهي اللحمة بين الجنب والكف، والمراد المقاتل. وكانت بالأصل "القرائض" ولعلها الفرائص كما رجحنا، أو القريض بمعنى الشعر.
3 يريد أنه كلام خطابي لا دليل عليه.
4 الجؤذر: ولد البقرة الوحشية، والمراد أنه صاحب غزل.
(3/271)

وهذا كلام حسن واقع في موقعه فإنه وصف كلا منهم بما فيه من غير تفضيل.
ويروى عن بشار أنه وصف نفسه بجودة الشعر والتقدم على غيره، فقيل له: ولم ذاك? فقال: لأني نظمت اثني عشر ألف قصيدة وما تخلو واحدة منهن من بيت واحد جيد، فيكون لي حينئذ اثنا عشر ألف بيت.
وقد تأملت هذا القول فوجدته على بشار لا له؛ لأن باقلا الذي يضرب به المثل في العي لو نظم قصيدا لما خلا من بيت واحد جيد، ومن الذي ينظم قصيدا واحدا من الشعر ولا يسلم منه بيت واحد?
لكن كان الأولى ببشار أن قال: لي اثنا عشر ألف قصيدة ليس واحدة منهن إلا وجيدها أكثر من رديئها، وليس في واحدة منهن ما يسقط، فإنه لو قال ذلك وكان محقا لاستحق التقدم على الشعراء، ومع هذا فقد وصل إلي ما في أيدي الناس من شعره مقصدا ومقطعا فما وجدته بتلك الغاية التي ادعاها، لكن وجدت جيده قليلا بالنسبة إلى رديئه، وتندر1 له الأبيات اليسيرة.
وبلغني عن الأصمعي وأبي عبيدة وغيرهما أنهم قالوا: هو أشعر الشعراء المحدثين قاطبة، وهم عندي معذورون؛ لأنهم ما وقفوا على معاني أبي تمام، ولا على معاني أبي الطيب، ولا وقفوا على ديباجة أبي عبادة البحتري.
وهذا الموضع لا يستفتى فيه علماء العربية، وإنما يستفتى فيه كاتب بليغ، أو شاعر مفلق، فإن أهل كل علم أعلم به، وكما لا يسأل الفقيه عن مسألة حسابية فكذلك لا يسأل الحاسب عن مسألة فقهية، وكما لا يسأل النحوي عن مسألة طبية
__________
1 تندر: هنا بمعنى تظهر وتشتهر من الندور لا من الندرة.
(3/272)

فكذلك لا يسأل الطبيب عن مسألة نحوية، ولا يعلم كل علم إلا صاحبه الذي قلب ظهره لبطنه وبطنه لظهره.
على أن علم البيان من الفصاحة والبلاغة محبوب إلى الناس قاطبة، وما من أحد إلا ويحب أن يتكلم فيه، حتى إني رأيت أجلاف العامة ممن لم يخط بيده، ورأيت أغتام1 الأجناس ممن لا ينطق بالكلمة صحيحة، كلهم يخوض في فن الكتابة والشعر، ويأتون فيه بكل مضحكة، وهم يظنون أنهم عالمون به، ولا لوم عليهم، فإنه بلغني عن ابن الأعرابي2 -وكان من مشاهير العلماء- أنه عرض عليه أرجوزة أبي تمام اللامية التي مطلعها:
وعاذل عذلته في عذله
وقيل له هذه لفلان من شعراء العرب، فاستحسنها غاية الاستحسان، وقال هذا هو الديباج الخسرواني3، ثم استكتبها، فلما أنهاها قيل له هذه لأبي تمام، فقال: من أجل ذلك أرى عليها أثر الكلفة. ثم ألقى الورقة من يده، وقال: يا غلام خرق خرق4.
__________
1 الأغتم: من لا يفصح شيئا، جمعه غتم على وزن قفل.
2 أبو عبد الله محمد بن زياد كان من أكابر أئمة اللغة بالكوفة، وكان ربيبا للمفضل الضبي وسمع عنه الدواوين وصححها، وكان من أحفظ الناس للغة والأنساب، توفي سنة 231هـ "الفهرست 69 ووفيات الأعيان 1/ 492".
3 الديباج الخسرواني. الحرير الفارسي الفاخر.
4 في الصناعتين 45 أن ابن الأعربي كان يأمر بكتابة جميع ما يجري في مجلسه، فأنشده رجل يوما أرجوزة أبي تمام في وصف السحاب، على أنها لبعض العرب.
سارية لم تكتمل بغمض ... كدراء ذات هطلان محض
فقال ابن الأعرابي. اكتبوها. فلما كتبوها قيل له: إنها لحبيب بن أوس، قال: خرق خرق، لا جرم أن أثر الصنعة فيها بيّن.
(3/273)

فإذا كان ابن الأعرابي مع علمه وفضله لا يدري أي طرفيه أطول في هذا الفن، ولا يعلم أين يضع يده فيه, ويبلغ به الجهل إلى أن يقف مع التقليد الشنيع الذي هذا غايته, فما الذي يقول غيره? وما الذي يتكلم فيه سواه?
والمذهب عندي في تفضيل الشعراء أن الفرزدق وجريرا والأخطل أشعر العرب أولًا وآخرا، ومن وقف على الأشعار, ووقف على دواوين هؤلاء الثلاثة, علم ما أشرت إليه.
ولا ينبغي أن يوقف مع شعر امرئ القيس وزهير والنابغة والأعشى، فإن كلا من أولئك أجاد في معنى اختص به، حتى قيل في وصفهم: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب، والأعشى إذا شرب.
وأما الفرزدق وجرير والأخطل فإنهم أجادوا في كل ما أتوا به من المعاني المختلفة وأشعر منهم عندي الثلاثة المتأخرون، وهم أبو تمام، وأبو عبادة البحتري، وأبو الطيب المتنبي1، فإن هؤلاء الثلاثة لا يدانيهم مدان في طبقة الشعراء.
أما أبو تمام وأبو الطيب فربا المعاني، وأما أبو عبادة فرب الألفاظ في ديباجتها وسبكها. وبلغني أن أبا عبادة البحتري سأل ولده أبا الغوث عن الفرزدق وجرير أيهما أشعر، فقال: جرير أشعر، قال: وبم ذلك?
__________
1 لقد قال منذ بضعة أسطر إن الفرزدق وجريرا والأخطل هم أشعر العرب أولا وآخرا. وها هو ذا يقول إن أبا تمام والبحتري والمتنبي أشعر منهم، فكيف ذلك.
(3/274)

قال: لأن حوكه شبيه بحوكك1. قال ثكلتك أمك، أوفى الحكم عصبية؟ قال: يا أبت فمن أشعر؟ قال: الفرزدق. قال: وبم ذاك؟ قال: لأن أهاجي جرير كلها تدور على أربعة أشياء: هي القين، والزنا وضرب الرومي بالسيف، والنفي من المسجد، ولا يهجو الفرزدق بسوى ذلك، وأما الفرزدق فإنه يهجو جريرا بأنحاء مختلفة، ففي كل قصيد يرميه بسهام غير السهام التي يرميه بها في القصيد الآخر2، وأنا أستكذب راوي هذه الحكاية، ولا أصدقه، فإن البحتري عندي ألب من ذلك، وهو عارف بأسرار الكلام، خبير بأوساطه وأطرافه، وجيده ورديئه، وكيف يدعي على جرير أنه لم يهج الفرزدق إلا بتلك المعاني الأربعة التي ذكرها وهو القائل:
لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل3
فجمع بين هجاء هؤلاء الثلاثة في بيت واحد.
ولقد تأملت كتاب النقائض فوجدت جريرا رب تغزل ومديح وهجاء وافتخار، وقد كسا كل معنى من هذه المعاني ألفاظا لائقة به ويكفيه من ذلك قوله:
وعاد عوى من غير شيء رميته ... بقارعة أنفاذها تقطر الدما
وإني لقوال لكل غريبة ... ورود إذا الساري بليل ترنما
خروج بأفواه الرواة كأنها ... شبا هندواني إذا هز صمما
__________
1 يربط أسلوبه وتعبيره.
2 في الصناعتين 24 ذكر لهذا التفضيل موجز.
3 الديوان 443.
(3/275)

غرائب ألاف إذا حان وردها ... أخذن طريقًا للقصائد معلمًا1
ولو لم يكن لجرير سوى هذه الأبيات لتقدم بها الشعراء, وسأذكر من هجائه الفرزدق ما ليس فيه شيء من تلك المعاني الأربعة التي أشار البحتري إليها فمن ذلك قوله:
وقد زعموا أن الفرزدق حية ... وما قتل الحيات من أحد قبلي
ألم تر أني لا تبل رميتي ... فمن أرم لا تخطئ مقاتله نبلي
رأيتك لا تحمي عقالا ولم ترد ... قتالا فما لاقيت شر من القتل2
وقوله:
أبلغ هديتي الفرزدق إنها ... عبء يزاد على حسير مثقل
إني انصببت من السماء عليكم ... حتى اختطفتك يا فرزدق من عل3
__________
1 كان بالأصل
بقافية أنفاذها يقطر الدما
و"جروخ بأفواه الرواة" و"هو صمصما". وبالديوان "قرأ. هندواني" الديوان 544 أنفاذها: أقطارها. ورود: كثيرة الورود يريد أن قصائده سريعة الذيوع. خروج بأفواه الرواة: ذائعة على ألسنتهم لا يستطيعون كتمانها. شبا هندواني: حد سيف. صمم: قطع وأصاب المفصل. معلم: معلوم معروف.
2 من هجائه للبعيث والفرزدق "الديوان 464" وترتيب الأبيات في الديوان أن الثالث هو الثاني، وبين الأول والثاني ثلاثة أبيات، وبين الثاني والثالث ستة أبيات، وبالأصل "لا أنبل رميتي" فأصلحناها من الديوان.
لا تبل رميتي: لا ينجو من رميي من أرميه ولا يشفى. العقال: القلوص الفتية والمراد المرأة.
3 من هجائه للفرزدق "الديوان 444، 448" والبيت الثاني هنا قبل الأول في الديوان. وفي الديوان "عبء يزاد" حسير: كليل مجهد.
(3/276)

وقوله:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع
ورأيت نبلك يا فرزدق قصرت ... ورأيت قوسك ليس فيها منزع
إن الفرزدق قد تبين لؤمه ... حيث التقت حششاؤه والأخدع1
وقوله:
أحارث خذ من شئت منا ومنهم ... ودعنا نقس مجدا تعد فواضله
لبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عليه وشاحا كرج وجلاجله
فلست بذي عز ولا ذي أرومة ... وما تعط من ضيم فإنك قابله2
وقوله:
لا يخفين عليك أن مجاشعا ... لو ينفخون من الخؤورة طاروا
__________
1 من هجائه للفزردق "الديوان 348، 351" والبيت الثاني هنا موضعه بالديوان بعد أبيات من الثاني. مربع: لقب لراوية جرير، وكان الفرزدق قد حلف ليقتلنه. الحششاء: العظم الناتئ خلف الأذن. الأخدع: عرق في صفحة العنق. وبالديوان "ووجدت قوسك" منزع: مد.
2 من هجائه للفرزدق "الديوان 485" بالأصل "فضائله" والأبيات بالديوان هكذا، مع تباعد ما بينها:
ليست أداتى والفرزدق لعبة ... عليه وشاحا كرج وحلاحله
أحارث خذ................. ... .............................
ولست بذي درء ولا ذي أرومة ... وما نعط من ضيم فإنك قابله
كرج: الكرج المهر والكرجي المخنث. الجلاجل: جمع جلجل وهو الجرس الصغير.
(3/277)

قد يؤسرون فلا يفك أسيرهم ... ويقتلون فتسلم الأوتار1
وقوله:
بني مالك إن الفرزدق لم يزل ... يلقى المخازي من لدن أن تيفعا
مددت له الغايات حتى تركته ... قعود القوافي ذا علوب موقعا2
وقوله:
ألا إنما كان الفرزدق ثعلبا ... ضغا وهو في أشداق ليث ضبارم3
وقوله:
مهلا فرزدق إن قومك فيهم ... خور القلوب وخفة الأحلام
الظاعنون على العمى بجميعهم ... والنازلون بشر دار مقام4
__________
1 من رثائه لزوجته "الديوان 207" كان بالأصل "فتسلم الآثار" وبالديوان "فما يفك".
2 من هجائه للفرزدق "الديوان 334" كان بالأصل "أن تيفعا" والبيتان بالديوان هكذا:
بني مالك إن الفرزدق لم يزل ... فلو المخازي من لدن أن تيفعا
مددت له الغايات حتى نخسته ... جريح الذنابى فاني السن مقطعا
فلو المخازي: رضيعها. ذو علوب: المراد جروح. موقع: مرمى من قرب أو مكوى الذنابى: العجز. مقطع: لا قدرة له على الضراب.
3 "الديوان 558" الضيارم: الأسد القوى الشديد. ضغا: صاح.
4 هذان البيتان كما في النقائض مما هجا به جرير غسان بن ذهل السليطي، ورواية النفائس للبيت الأول:
أبني أديرة إن فيكم فاعلموا
ولكنهما في الديوان من هجاء جرير للفزردق "الديوان: 552".
(3/278)

قوله:
إذا سفرت يوما نساء مجاشع ... بدت سوأة مما تجن البراقع
مباشيم عن غب الخرير كأنما ... تصوت في أعفاجهن الضفادع
رأت مالك نبل الفرزدق قصرت ... عن العلو لا يأبى عن العلو بارع
أتعدل أحسابا كراما حماتها ... بأحسابكم إني إلى الله راجع
إذا قيل أي الناس شر قبيلة ... وأعظم عارًا قيل تلك مجاشع1
وقوله:
علق الأخيطل في حبالي بعد ما ... عثر الفرزدق لا لعا للعاثر
لقي الفرزدق ما لقيت وقبله ... طاح البعيث بغير عرض وافر
وإذا رجوا أن ينقضوا لي مرة ... مرست قواي عليهم ومرائري2
ولجرير مواضع كثيرة في هجاء الفرزدق غير هذه، ولولا خوف الإطالة
__________
1 من هجائه للفزردق والبعيث "الديوان 267" وترتيبها هنا يخالف ترتيبها في الديوان. والبيت الأول بالديون هكذا:
رأت مالك نبل الفرزدق قصرت ... عن المجد إذ لا يأتلي الغلو نازع
وكان بالأصل "رأت مللا مثل" و"غب الهرير".
نبل الفرزدق: شعره. لا يأتلي: لا يقصر. الغلو: رفع اليدين بالسهم إلى أقصى غاية مباشيم: متخمات. الخزير: حساء من دسم. الأعناج: الأمعاء. مجاشع: قوم الفرزدق.
2 من هجائه الأخطل "الديوان 307".
كان بالأصل "التعيس" بدلا من البعيث. ورواية الديوان
لقى الأخيطل ما لقيت
وأن ينقضوا من قوى
لا لعا له: لا انتعاش له من سقطته.
(3/279)

لاستقصيتها جميعها.
ولو سلمت إلى البحتري ما زعم من أن جريرا ليس له في هجاء الفرزدق إلا تلك المعاني الأربع لاعترضت عليه بأنه قد أقر لجرير بالفضيلة.
وذاك أن الشاعر المفلق أو الكاتب البليغ هو الذي إذا أخذ معنى واحدا تصرف فيه بوجوه التصرفات، وأخرجه في ضروب الأساليب، وكذلك فعل جرير، فإنه أبرز من هجاء الفرزدق بالقين كل غريبة، وتصرف فيه تصرفا مختلف الأنحاء، فمن ذلك قوله:
ألهى أباك عن المكارم والعلا ... لي الكتائف وارتفاع المرجل1
وقوله:
وجد الكتيف ذخيرة في قبره ... والكلبتان جمعن والمئشار
يبكي صداه إذا تصدع مرجل ... أو إن تفلق برمة أعشار
قال الفرزدق رقعي أكيارنا ... قالت وكيف ترقع الأكيار2
وقوله:
إذا آباؤنا وأبوك عدوا ... أبان المقرفات من العراب
__________
1 من هجائه للفرزدق "الديوان 447" ارتفاع المرجل: إصلاحه، لي الكتائف: إصلاح الضباب لأن الكتيفة الضبة، أو الكتيفة كلبتا الحداد يعيره في الحالين بالحدادة.
2 من قصيدته في رثاء زوجته "الديوان 202" بالأصل "الكنيف. والمنشار" وبالديوان "تثلم برمة" الكتيف: الضبة وكلبتا الحداد. المنشار: هو المنشار. تغلق برمة أعشار: تتكسر قدر أجزاء عشرة. الأكيار: جمع كير.
(3/280)

فأورثك العلا وأورثوني ... رباط الخيل أفنية القباب
وسيف أبي الفرزدق فاعلموه ... قدوم غير ثابتة النصاب1
فانظر أيها الواقف على كتابي هذا إلى هذه الأساليب التي تصرف فيها جرير وأدارها على هجاء الفرزدق بالقين، فقال أولا: إن أباه شغل عن المكارم بصناعة القيون، ثم قال ثانيا: إنه يبكي عليه ويندبه بعد الموت المرجل والبرمة الأعشار التي يصلحها، ثم قال ثالثا: إن أباك أورثك آلة القيون، وأورثني أبي رباط الخيل.
وقد أورد جرير هذا المعنى على غير هذه الأساليب التي ذكرتها، ولا حاجة إلى التطويل بذلك ههنا، وهذا القدر فيه كفاية.
وحيث انتهى بنا القول إلى ههنا فلنرجع إلى النوع الذي نحن بصدد ذكره، وهو اتحاد الطريق واختلاف المقصد، فمما جاء منه قول النابغة:
إذا ما غزا بالجيش حلق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب2
وهذا المعنى قد توارد عليه الشعراء قديما وحديثا، وأوردوه بضروب العبارات.
__________
1 "الديوان 27، 29" كان بالأصل
جدوا بأن المفرقات من الغراب
وفي الديوان "الفزردق قد علمتم" المقرفات: المقرف والمقرفة من الفرس وغيره ما يداني الهجنة أي: أمه عربية لا أبوه. أبان: استبان. العراب: الخالصة العروبة. العلاة: السندان. الرباط: الخيل. أو الخمس منها أو المكان المعد للمرابطة.
2 "الديوان 43" من مدحة لعمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر الغساني حين هرب إلى الشام ونزل عنده. جوانح: مائلات للوقوع والانقضاض.
(3/281)

فقال أبو نواس:
تتمنى الطير غزوته ... ثقة باللحم من جزره1
وقال مسلم بن الوليد:
قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل2
وقال أبو تمام:
وقد ظللت أعناق أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل
أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل3
وقد ذكر هذا المعنى غير هؤلاء، إلا أنهم جاءوا بشيء واحد لا تفاضل بينهم فيه، إلا من جهة حسن السبك، أو من جهة الإيجاز في اللفظ، ولم أر أحدا أغرب في هذا المعنى فسلك هذه الطريق مع اختلاف مقصده إليها إلا مسلم بن الوليد، فقال:
أشربت أرواح العدا وقلوبها ... خوفًا فأنفسها إليك تطير
__________
1من قصيدته في مدح العباس بن عبيد الله "الديوان 431" وزهر الآداب 4/ 134 ورواية الديوان
تتأيى الطير غدوته
ومعنى تتأيى تقصد. الجزر: جمع جزور وهو البعير أو الناقة المجزورة، والمراد قتلى الحرب.
2 من قصيدته في مدح يزيد بن مزيد الشيباني "الديوان 12".
3 من قصيدته في مدح المعتصم والأفشين "الديوان 82" وفي الديوان "عقبان أعلامه" شبه الأعلام بالعقبان، وجعل عقبان الطير آلفة لها لما اعتادت من أكل لحوم الأعداء. وفي أخبار أبي تمام للصولي حديث عن هذا المعنى قال فيه الذي سبق إليه مسلم وأبو نواس، وسبقهم جميعا إليه النابغة، ثم قال إن معنى النابغة من قول الأفوه الأودي الشاعر الجاهلي:
فترى الطير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار
أخبار أبي تمام 164، ومثل هذا بالصناعتين 225.
(3/282)

لو حاكمتك فطالبتك بذحلها ... شهدت عليك ثعالب ونسور1
فهذا من المليح البديع الذي فضل به مسلم غيره في هذا المعنى، وكذلك فعل أبو الطيب المتنبي، فإنه لما انتهى الأمر إليه سلك هذه الطريق التي سلكها من تقدمه، إلا أنه خرج فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه، فأغرب وأبدع وحاز الإحسان بجملته، وصار كأنه مبتدع لهذا المعنى دون غيره.
فمما جاء منه قوله:
تفدى أتم الطير عمرًا سلاحه ... نسور الملا أحداثها والقشاعم
وما ضرها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم2
ثم أورد هذا المعنى في موضع آخر من شعره، فقال:
سحاب من العقبان ترجف تحتها ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه3
وهذا معنى قد حوى طرفي الإغراب والإعجاب.
__________
1 من قصيدته في مدح منصور بن يزيد "الديوان 220" بالديوان "ملاحم ونسور" ذحلها: ثأرها.
2 من مدحة لسيف الدولة بقصيدته التي مطلعها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
"الديوان 4/ 122" أحداثها والقشاعم: صغارها وكبارها. القوائم: مقابض السيوف.
3 من قصيدته في مدح سيف الدولة "الديوان 4/ 55" ورواية الديوان "يزحف تحتها".
(3/283)

وقال في موضع آخر:
وذي لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم
تمر عليه الشمس وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم
إذا ضوؤها لاقى من الطير فرجة ... تدور فوق البيض مثل الدراهم1
وهذا من إعجاز أبي الطيب المشهور، ولو لم يكن له من الإحسان في شعره إلا هذه الأبيات لاستحق بها فضيلة التقدم.
ومما ينتظم بهذا النوع ما توارد عليه أبو عبادة البحتري وأبو الطيب المتنبي في وصف الأسد، وقصيدتاهما مشهورتان، فأول إحداهما:
أجدك ما ينفك يسري لزينبا
وأول الأخرى:
في الخد إن عزم الخليط رحيلا
أما البحتري فإنه ألم بطرف مما ذكر بشر بن عوانة في أبياته الرائية التي أولها:
أفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا2
وهذه الأبيات من النمط العالي الذي لم يأت أحد بمثله، وكل الشعراء لم تسم قرائحهم إلى استخراج معنى ليس بمذكور فيها، ولولا خوف الإطالة لأوردتها بجملتها، لكن الغرض إنما هو المفاضلة بين البحتري وأبي الطيب
__________
1 من قصيدته في مدح الأمير أبي محمد الحسن بن عبيد الله بن طفج "الديوان 4/ 304" ذو لجب: ذو جبلة، يصف الجيش. القشاعم: النسور. البيض: جمع بيضة وهي الخوذة.
2 من مقامات بديع الزمان الهمذاني: وأغلب الظن أن بشرا هذا شخص اخترعه البديع وأجرى على لسانه الأبيات.
(3/284)

فيما أورداه من المعاني في هذا القصد المشار إليه.
فمما جاء للبحتري من قصيدته:
وما تنقم الحساد إلا أصالة ... لديك وعزما أريحيا مهذبا
وقد جربوا بالأمس منك عزيمة ... فضلت بها السيف الحسام المجربا
غداة لقيت الليث والليث مخدر ... يحدد نابا للقاء ومخلبا
إذا شاء غادى عانة أو غدا على ... عقائل سرب أو تقنص ربربا
شهدت لقد أنصفته حين تنبري ... له مصلتا عضبا من البيض مقضبا
فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا إذا الهيابة النكس كذبا
هزبرا مشى يبغي هزبرا وأغلبا ... من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا
أدل بشغب ثم هالته صوله ... رآك لها أمضى جنانا وأشغبا
فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا
فلم يغنه أن كر نحوك مقبلا ... ولم ينجه أن حاد عنك منكبا
حملت عليه السيف لا عزمك انثنى ... ولا يدك ارتدت ولا حده نبا1
ومما جاء لأبي الطيب المتنبي في قصيدته:
أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا
ورد إذا ورد البحيرة شاربا ... ورد الفرات زئيره والنيلا
__________
1 من قصيدته في مدح عبد الله بن دينار ووصف مبارزته للأسد "الديوان 55" بالديوان "وما تنقم الحساد" و"يوم تنبري". أريحي: الأريحي الواسع الخلق. مخدر: ملازم للأجمة. غادي عانة: باكر قطيعا من حمر الوحش. عقائل سرب: ظباء نفيسة. تقنص ربربا: افترس قطيعا من بقر الوحش. مقضب: قاطع. ضرغامين: أسدين. النكس: الجبان. هزبر: أسد. أغلب: ضخم العنق والأسد بوصف بذلك. أدل بشغب: انبسط بالهياج. أمضى جنانا: أقوى قلبا.
(3/285)

متخضب بدم الفوارس لابس ... في غيله من لبدتيه غيلا
ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا
في وحدة الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا
يطأ الثرى مترفقا من تيهه ... فكأنه آس يجس عليلا
ويرد غفرته إلى يافوخه ... حتى تصير لرأسه إكليلا
قصرت مخافته الخطا فكأنما ... ركب الكمي جواده مشكولا
ألقى فريسته وزمجر دونها ... وقربت قربا خاله تطفيلا
فتشابه القربان في إقدامه ... وتخالفا في بذلك المأكولا
أسد يرى عضويه فيك كليهما ... متنا أزل وساعدا مفتولا
ما زال يجمع نفسه في زوره ... حتى حسبت العرض منه الطولا
وكأنما غرته عين فادنى ... لا يبصر الخطب الجليل جليلا
أنف الكريم من الدنية تارك ... من عينه العدد الكثير قليلا
والعار مضاض وليس بخائف ... من حتفه من خاف مما قيلا
خذلته قوته وقد كافحته ... فاستنصر التسليم والتجديلا
سمع ابن عمته به وبحاله ... فمضى يهرول أمس منك مهولا
وأمر مما فر منه فراره ... وكقتله ألا يموت قتيلا
تلف الذي اتخذ الجراءة خلة ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا1
__________
1 من قصيدته في مدح بدر بن عمار لما خرج إلى أسد فهرب الأسد منه، وكان قد خرج قبله إلى أسد آخر فهاجه عن بقرة افترسها بعد أن شبع وثقل، فوثب إلى كفل قوسه، فأعجله عن سل سيفه، فضربه بالسوط فمرغه في التراب، فأحاط به الجيش فقتله "الديوان 3/ 434" بالديوان "وبربر دونها" و"فتشابه الخلقان".=
(3/286)

وسأحكم بين هاتين القصيدتين، والذي يشهد به الحق وتتقيه العصبية أذكره، وهو أن معاني أبي الطيب أكثر عددا، وأسد مقصدا، ألا ترى أن البحتري قد قصر مجموع قصيدته على وصف شجاعة الممدوح في تشبيهه بالأسد مرة، وتفضيله عليه أخرى، ولم يأت بشيء سوى ذلك، وأما أبو الطيب فإنه أتى بذلك في بيت واحد، وهو قوله:
أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا؟
ثم إنه تفنن في ذكر الأسد، فوصف صورته وهيئته، ووصف أحواله في انفراده في جنسه وفي هيئه مشيه واختياله، ووصف خلق نجله مع شجاعته، وشبه الممدوح به في الشجاعة، وفضله عليه بالسخاء، ثم إنه عطف بعد ذلك على ذكر الأنفة والحمية التي بعثت الأسد على قتل نفسه بلقاء الممدوح، وأخرج ذلك في أحسن مخرج، وأبرزه في أشرف معنى.
وإذا تأمل العارف بهذه الصناعة أبيات الرجلين عرف ببديهة النظر ما أشرت إليه.
والبحتري وإن كان أفضل من المتنبي في صوغ الألفاظ وطلاوة السبك, فالمتنبي أفضل منه في الغوص على المعاني.
__________
= معفر: ممرغ في التراب. الهزبر: الأسد الشديد. الصارم: السيف القاطع. ورد: لونه محمر. البحيرة: بحيرة طبرية. الفرات والنيل: نهران بالعراق، والنيل أيضا نهر بمصر لكن المبالغة على هذا تكون قد جاوزت الغلو. الغيل: الأجمة. اللبدة: الشعر المجتمع على كتف الأسد. الفريق الحلول: الجماعة النازلة بمكان. الغفرة: الشعر المجتمع على قفاه. اليافوخ: الرأس. الإكليل: التاج. الكمي: البطل المتستر في سلاحه. مشكول: مقيد. زمجر: صاح، وكذلك بربر. تطفيل: تطفل أي: دخول على الآكل من غير دعوة. تشابه القربان أو الخلقان أي: تشابهما في الجرأة والإقدام، وتخالفتما في أن الأسد بخيل بطعامه وأنت جواد. متن: جانب الصلب. أزل: قليل لحم العجز والفخذيين مقتول: مندمج شديد.
زوره: وسط صدره. أدنى: قرب. مضاض: مؤلم. التجديل: الانطراح على الأرض. ابن عمته: الأسد الذي هرب من بدر بعد ذلك.
(3/287)

ومما يدلك على ذلك أنه لم يعرض لما ذكره في أبياته الرائية, لعلمه أن بشرا قد ملك رقاب تلك المعاني واستحوذ عليها، ولم يترك لغيره شيئا يقوله فيها، ولفطانة أبي الطيب لم يقع فيما وقع فيه البحتري من الانسحاب على ذبل بشر؛ لأنه قصر عنه تقصيرا كثيرا، ولما كان الأمر كذلك عدل أبو الطيب عن سلوك الطريق وسلك غيرها، فجاء فيما أورد مبرزا.
واعلم أن من أبين البيان في المفاضلة بين أرباب النظم والنثر أن يتوارد اثنان منهما على مقصد من المقاصد يشتمل على عدة معان، كتوارد البحتري والمتنبي ههنا على وصف الأسد، وهذا أبين في المفاضلة من التوارد على معنى واحد يصوغه هذا في بيت من الشعر وفي بيتين، ويصوغه الآخر في مثل ذلك، فإن بعد المدى يظهر ما في السوابق من الجواهر1، وعنده يتبين ربح الرابح وخسر الخاسر.
فإذا شئت أن تعلم فضل ما بين هذين الرجلين فانظر إلى قصيدتيهما في مراثي النساء التي مفتتح إحداهما:
يا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أكرم العرب2
وهي لأبي الطيب, ومفتتح الأخرى:
غروب دمع من الأجفان ينهمل ... وحرقة بغليل الحزن تشتعل3
وهي للبحتري، فإن أبا الطيب انفرد بابتداع ما أتى به في معاني قصيدته، والبحتري أتى بما أكثره غث بارد، والمتوسط منه لا فرق فيه بين رثاء امرأة ورجل.
ومن الواجب أنه إذا سلك الناظم أو الناثر مسلكا في غرض من الأغراض
__________
1 السوابق: الخيل الجياد السباقة. يريد أن بعد الغاية يظهر ما في الخيل المتسابقة من كرم ونفاسة.
2 مطلع قصيدته في رثاء أخت سيف الدولة "الديوان 1/ 99".
3 ليست بديوانه.
(3/288)

ألا يخرج عنه، كالذي سلكه هذان الرجلان في الرثاء بامرأة، فإن من حذاقة الصنعة أن يذكر ما يليق بالمرأة دون الرجل.
وهذا الموضع لم يأت فيه أحد بما يثبت على المحك إلا أبو الطيب وحده، وأما غيره من مفلقي الشعراء قديما وحديثا فإنهم قصروا عنه.
وله في هذا المعنة قصيدة أخرى مفتتحها:
نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال1
وكفى بها شاهدا على ما ذكرته من انفراده بالإبداع فيما أتى به.
والفتيا عندي بينه وبين البحتري أن أبا الطيب أنفذ في المضيق، وأعرف باستخراج المعنى الدقيق، وأما البحتري فإنه أعرف بصوغ الألفاظ، وحوك ديباجتها.
وقد قدمت أن الحكم بين الشاعرين في اتفاقهما في المعنى أبين من الحكم بينهما فيما اختلفا فيه؛ لأنهما مع الاتفاق في المعنى يتبين قولاهما، ويظهران ظهورا يعلم ببديهة النظر، ويتسارع إليه فهم من ليس بثاقب الفهم، وأما اختلافهما في المعنى فإنه يحتاج في الحكم بينهما فيه إلى كلام طويل يعز فهمه، ولا يتفطن له إلا بعض الناس دون بعض، بل لا يتفطن له إلا الفذ الواحد من الناس.
ولي في هذا مقالة مفردة ضمنتها الحكم بين المعنيين المختلفين، وتكلمت عليه كلاما طويلا عريضا، وأقمت الدليل على ما نصصت عليه، وما منعني من إيرادها في كتابي هذا إلا أنها سنحت لي بعد تصنيفه وشيوعه في أيدي الناس، وتناقل النسخ به.
وعلى هذا الأسلوب توارد البحتري والشريف الرضي على ذكر الذئب في قصيدة للبحتري دالية أولها.
__________
1 في رثاء والدة سيف الدولة "الديوان 3/ 170".
المشرفية: السيوف. العوالي: الرماح.
(3/289)

سلام عليكم لا وفاء ولا عهد1
ومقطوعة للشريف الرضي أولها:
وعاري الشوى والمنكبين من الطوى ... أتيح له بالليل عاري الأشاجع2
وقد أجاد البحتري في وصف حاله مع الذئب، والشريف أجاد في وصف الذئب نفسه.
__________
1 من قصيدته في وصف الذئب حين لقبه "الديوان 1/ 185".
2 من قصيدته في وصف الذئب "الديوان 502".
الشوى: جمع شواة وهي جلدة الرأس أو اليدان أو الرجلان أو الأطراف. الطوى: الجوع. الأشاجع: أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف، المفرد أشجع.
(3/290)

المسخ:
وأما المسخ فهو: قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة،
والقسمة تقتضي أن يقرن إليه ضده، وهو قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة.
فالأول كقول أبي تمام:
فتى لا يرى أن الفريصة مقتل ... ولكن يرى أن العيوب مقاتل1
__________
1 من قصيدته في مدح محمد بن عبد الملك الزيات.
مطلعها:
متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل ... وقلبك منها مدة الدهر آهل
"الديوان 3/ 126".
الفريصة: عرق في العنق: واللحمة التي بين الجنب والكتف لا تزال ترعد.
(3/290)

وقول أبي الطيب المتنبي:
يرى أن ما بان منك لضارب ... بأقتل مما بان منك لعائب1
فهو وإن لم يشوه المعنى فقد شوه الصورة، ومثاله في ذلك كمن أودع الوشي شملا، وأعطى الورد جعلا2، وهذا من أرذل السرقات. وعلى نحو منه جاء قول عبد السلام بن رغبان:
نحن نعزيك ومنك الهدى ... مستخرج والصبر مستقبل
نقول بالعقل وأنت الذي ... نأوي إليه وبه نعقل
إذا عفا عنك وأودى بنا الد ... هر فذاك المحسن المجمل3
أخذه أبو الطيب فقلب أعلاه أسفله، فقال:
إن يكن صبر ذي الرزية فضلا ... تكن الأفضل الأعز الآجلا
أنت يا فوق أن تعزى عن الأحـ ... ـباب فوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عزا ... ك قال الذي له قلت قبلا4
والبيت الأخير من هذه الأبيات هو الآخر قدرا، وهو المخصوص بالمسخ.
وأما قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة فهذا لا يسمى سرقة، بل يسمى إصلاحا وتهذيبا.
__________
1 من قصيدته في مدح أبي القاسم طاهر بن الحسين مطلعها:
أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب
"الديوان 1/ 183".
المعنى أنك ترى أن الذي ظهر من الإنسان لضاربه بالسيف كالعنق ليس بأقتل مما ظهر للعائب، فالعيب أشد من القتل.
2 الشمل: الشمال على وزن كتاب شيء مثل المخلاة يغطي به ضرع الشاة إذا ثقلت أو خاص بالعنز، والجمع شمل. الجعل: دويبة تشبه الخنفساء.
3 الأغاني 12/ 142 من قصيدته في تعزية جعفر بن علي الهاشمي. وقبل البيت الأخير:
نحن فدى لك من أمة ... والأرض والآخر والأول
4 من قصيدته في تعزية سيف الدولة في أخته الصغرى وتسليته عن أخته الكبرى مطلعها:=
(3/291)

فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي:
لو كان ما تعطيهم من قبل أن ... تعطيهم لم يعرفوا التأميلا1
وقول ابن نباتة السعدي:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل2
وعلى هذا النحو ورد قول أبي نواس في أرجوزة يصف فيها اللعب بالكرة والصولجان فقال من جملتها:
جن على جن وإن كانوا بشر ... كأنما خيطوا عليها بالإبر2
ثم جاء المتنبي فقال:
فكأنها نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها4
وبين القولين كما بين السماء والأرض، فإنه يقال: ليس للأرض إلى السماء نسبة محسوسة، وكذلك يقال ههنا أيضا، فإن بقدر ما في قول أبي نواس من النزول والضعف، فكذلك في قول أبي الطيب من العلو والقوة.
__________
إن يكن صبر ذي الرزية فضلا ... تكن الأفضل الأعز الأجلا
"الديوان 3/ 301" يريد أن المعزى لسيف الدولة يهتدى بألفاظه، ويخاطبه بما تعلمه من قوله، فقدره مرتفع عن التعزية.
1 من مدحة لسيف الدولة "الديوان 4/ 449".
2 الديوان 411 ويتيمة الدهر 2/ 388 من مدحة لسيف الدولة بن حمدان
3 ليست بالديوان. وهي أرجوزة مطلعها:
قد أشهد اللهو بفتيان غرر ... من ولد العباس سادت البشر
4 من قصيدته في مدح أبي أيوب أحمد بن عمران "الديوان 1/ 255" نتجت: ولدت. الصهوات: المراد مقاعد الفرسان على ظهور الخيل.
القصيدة مطلعها:
سرب محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها
(3/292)

فهرس القسم الثالث من كتاب المثل السائر:
في أدب الكاتب والشاعر
لضياء الدين بن الأثير
النوع السابع عشر في التكرار
صفحة
"3-40"
حده. قسماه: تكرار في اللفظ والمعنى. تكرار في المعنى
3 دون اللفظ
4 وكل منها: تكرار مفيد، وتكرار غير مفيد
التكرير في اللفظ والمعنى
ينقسم إلى مفيد وغير مفيد:
5 1- المفيد فرعان: 1- مقصود به غرضان مختلفان. أمثلة له
9 2- مقصود به غرض واحد. أمثلة له
12 فائدة تكرير "أن" في قوله: {فلما أن أراد أن يبطش}
13 لوم النحاة في قولهم بزيادة الحروف
15 من هذا القسم الثاني إضافة المعنى إلى نفسه مع اختلاف اللفظ
(3/293)

صفحة
16 أمثلة من القرآن الكريم والشعر، وبيان الفائدة من هذه الإضافة
16 اعتداد المؤلف بأنه أول من نبه على هذا النوع
16 قد يدخل في التكرير ما ليس بتكرير. اعتداد المؤلف بأنه أول من تنبه إلى ذلك
17 أمثلة من القرآن الكريم والشعر، وبيان السبب في التكرير بها
17 التكرير لطول الفصل بين اسم إن وخبرها
18 التكرير إذا كان خبر إن عاملا في معمول يطول ذكره
19 التكرير للاستمالة
19 التكرير للتنبيه
20 التكرير لتعداد النعم
20 التكرير لتأكيد المدح
21 دفاع عن بيت للمتنبي
21 نقد آخر للبيت
23 2 التكرير غير المفيد
23 أمثلة له من الشعر
25 التكرير في المعنى دون اللفظ
ضرباه: مفيد وغير مفيد
25 1- المفيد نوعان: الأول الدلالة على معنيين مختلفين
26 أمثلة له من النثر والقرآن والشعر
29 النوع الثاني: الدلالة على معنى واحد
29 أمثلة له من القرآن والشعر
(3/294)

30 تفصيل القول في الآية الكريمة {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة}
35 2 غير المفيد
35 أمثلة له من الشعر
35 رأي بعض البلاغيين في أنه لا عيب فيه إذا تغايرت الألفاظ
36 رأي ابن الأثير أنه معيب في صدور الأبيات الشعرية
"40-49" النوع الثامن عشر في الاعتراض
40 حده
40 قسماه: قسم يأتي لفائدة، وقسم لغير فائدة
40 1- القسم المفيد
42 أمثلة له من القرآن الكريم، وبيان فائدته
43 أمثلة له من الشعر وبيان فائدته
46 2 القسم غير المفيد: ضربان:
47 الضرب الأول لا يكسب الكلام قبحا ولا حسنا
47 أمثلة له
47 الضرب الثاني يفسد الكلام
47 أمثلة له
(3/295)

الصفحة
"49-75" النوع التاسع عشر في الكناية والتعريض
49 خلط علماء البيان بين الكناية والتعريض
تمييز ابن الأثير أحدهما من الآخر
50 تعريفه للكناية - اشتقاقها
56 تعريفه للتعريض
57 فروق بينهما
58 الكناية
58 تقسيمها إلى حسن وقبيح
58 تقسيمها إلى تمثيل وإرداف ومجاورة
59 نقد ابن الأثير للتقسيم الثاني
62 أمثلة من النثر والشعر للكناية
70 ما يقبح ذكره من الكناية
72 أمثلة للتعريض
"76-84" النوع العشرون في المغالطات المعنوية
76 حقيقة هذا النوع
76 1- المغالطة المثلية أو التورية بما له مثل في الألفاظ المشتركة
76 أمثلة لهذا النوع من الشعر ومن الحديث النبوي
79 كتاب لابن الأثير في وصف البرد والثلج
(3/296)

الصفحة
80 كتاب له في وصف كريم
80 كتاب إلى بعض إخوانه
81 كتاب له في وصف شخص بمعالي الأمور
81 كتاب إلى بعض إخوانه
81 كتاب له في وصف الحمى
82 2- المغالطة النقيضية أو التورية بالنقيض
82 أمثلة لها
82 كتاب لابن الأثير في وصف فتح
"84-96" النوع الحادي والعشرون في الأحاجي
84 معناها
84 أمثلة لها
85 الفرق بين الأحاجي والمغالطة والتعريض والكناية
86 أنواع الأحاجي: المصحف، المعكوس
86 فائدة الأحاجي والألغاز
86 أمثلة أخرى من الشعر
88 مسألة ملغزة من مقامات الحريري، وحل ابن الأثير إياها
90 الحسن من الأحاجي والألغاز
90 القبيح منها
90 أمثلة من النثر
91 خلو القرآن الكريم من هذا النوع
93 أمثلة أخرى من الشعر
(3/297)

الصفحة
"96- 120" النوع الثاني والعشرون في المبادئ والافتتاحات
96 حقيقة هذا النوع
96 فائدته
96 واجب الشاعر في الافتتاح
98 الابتداءات في أوائل السور القرآنية
98 أمثلة من قبيح الابتداء
103 أمثلة للابتداءات الحسنة من شعر أبي تمام والمتنبي
106 أمثلة من شعر غيرهما
108 ملاءمة التحميدات في أوائل الكتب السلطانية لموضوعها
110 تحميد لابن الأثير في تولية الاسير
112 تهئنة بمولود
112 كتاب له إلى ديوان الخلافة
113 كتاب له إلى بعض الإخوان
114 كتاب آخر إلى بعض الإخوان
114 كتاب آخر إلى بعض إخوانه
115 كتاب إلى بعض إخوانه
115 كتاب إلى بعض إخوانه
116 كتاب عن الملك نور الدين إلى الملك الأفضل
117 كتاب إلى بعض إخوانه
117 كتاب إلى بعض إخوانه
117 كتاب له في التعزية
(3/298)

118 من محاسن هذا الباب الافتتاح بآية أو بحديث أو بشعر
118 كتاب له في البشرى بفتح
118 كتاب له في التقليد بالحسبة
119 كتاب له في رجاء
120 توقيع له
النوع الثالث والعشرون
"121-142" في التخلص والاقتضاب
121 التخلص والاقتضاب
121 التخلص
122 أمثلة لبراعة المحدثين في التخلص
126 اقتضاب البحتري
128 الرد على الغانمي في قوله إن القرآن خال من التخلص
128 أمثلة للتخلص من القرآن الكريم
132 نماذج لتخلص ابن الأثير في رسائله
135 أمثلة أخرى من التخلص الحسن في الشعر
137 أمثلة للتخلص القبيح
139 الاقتضاب
139 أمثلة له: أما بعد، لفظة هذا
141 أمثلة له من جيد الشعر
(3/299)

الصفحة
"143- 177" النوع الرابع والعشرون في التناسب بين المعاني
أقسام هذا النوع:
143 المطابقة أو المقابلة
143 حقيقة المطابقة والآراء فيها
143 رأي ابن الأثير
144 1- المقابلة في اللفظ والمعنى
144 أمثلة لها
146 أمثلة من نثير ابن الأثير
146 أمثلة أخرى من الشعر
151 2- المقابلة في المعنى دون اللفظ
151 3- مقابلة الشيء بما ليس بضده
153 المواخاة بين المعاني
156 المواخاة بين المباني
159 2- مقابلة الشيء بمثله
159 مقابلة المفرد بالمفرد
162 مقابلة الجملة بالجملة
166 3- صحة التقسيم وفساده
166 أمثلة له
173 ترتيب التفسير
(3/300)

الصفحة
"177-195" النوع الخامس والعشرون في الاقتصاد والتفريط والإفراط
177 حقيقة كل منها
178 التفريط
179 أمثلة من التفريط
180 عيب ذكر اسم الأم في المدح
183 عليب التعليق على شرط لا يليق
185 أغلاط في المدح
186 دفاع عن بيت لحسان بن ثابت
187 خطاب الممدوح بكاف الخطاب جائز
188 أمثلة من القرآن الكريم، والشعر الجيد
189 تجنب الخطاب بالأمر والنهي في المدح
190 ألفاظ تليق بالمدح وأخرى تليق بالذم
191 الإفراط
191 جواز استعماله
191 أمثلة له
194 الاقتصاد
194 توسطه بين التفريط والإفراط
194 أمثلة له من القرآن الكريم والشعر
(3/301)

الصفحة
"195-199" النوع السادس والعشرون
في الاشتقاق
195 الفرق بينه وبين التجنيس
196 نوعان: صغير وكبير
196 أمثلة للصغير
198 الاشتقاق الكبير
"200-205" النوع السابع والعشرون في التضمين
200 التضمين الحسن
200 نوعاه: كلي وجزئي
200 التضمين الكلي
200 جواز التضمين الكلي من القرآن الكريم
201 التضمين المعيب عند بعض البلاغيين
201 جوازه في رأي ابن الأثير
201 أمثلة له
203 تضمين الغرض منه تأكيد المعنى
203 أمثله له
"206-216" النوع الثامن والعشرون في الإرصاد
206 حقيقته
(3/302)

الصفحة
206 أمثلة له
207 تسمية أبي هلال له بالترشيح
208 خلط علماء البيان في المصطلحات
210 بعض ألاعيب الحريري ليست من علم البيان
212 الرد على ابن سنان في حظر استعمال مصطلحات النحويين والمتكلمين والمهندسين ومعانيهم
214 أمثلة من جيد الشعر في الرد عليه
"216-217" النوع التاسع والعشرون في التوشيح
216 حقيقته
216 أمثلة له
"218-292" النوع الثلاثون في السرقات الشعرية
218 فائدة دراسة هذا النوع
218 وسيلته
219 لا معنى لنفاذ المعاني لأن الابتداع ممكن
219 المعاني الشائعة لا ابتداع فيها
220 لا سرقة في المعاني الشائعة
220 أمثلة لمعان مبتدعة
(3/303)

الصفحة
222 أقسام السرقات الشعرية:
النسخ، والسلخ، والمسخ، وأخذ المعنى مع الزيادة عليه، وعكس المعنى إلى ضده
223 وسيلة الوقوف على السرقات حفظ الأشعار
223 أمثلة مما حدث للمؤلف
225 اعتماده في هذه الدراسة على شعر أبي تمام والبحتري والمتنبي 225
227 رأيه في كل منهم
230 النسخ
230 حقيقته
230 نوعاه
230 1- وقوع الحافر على الحافر
230 بين طرفه وامرئ القيس
230 بين جرير والفرزدق
232 بين أبي نواس والحسين بن الضحاك
233 2- أخذ المعنى وأكثر اللفظ
233 بين أبي تمام وبعض المتقدمين
234 السلخ
أقسامه
234 1- أخذ المعنى واستخراج ما يشبهه
(3/304)

الصفحة
234 بين المتنبي والطرماح
235 بين البحتري وأبي تمام
235 مثال آخر من شعرهما
236 2- أخذ المعنى مجردا من اللفظ
236 بين أبي تمام وعروة بن الورد
237 بين شاعر وعبد الله بن المقفع
238 بين المتنبي وجرير
238 3- أخذ المعنى ويسير من اللفظ
238 بين البحتري وأبي نواس
238 بين البحتري وعلي بن جبلة
239 مثال آخر من شعرهما
239 بين أبي تمام وعبد السلام بن رغبان
240 بين أبي تمام وحسان بن ثابت
240 بين ابن الرومي وأبي تمام
241 مثال آخر من شعرهما
241 بين ابن الرومي ومنصور النمري
241 بين المتنبي والفرزدق
242 بين المتنبي وبشار
242 بين المتنبي وابن الرومي
243 متى يليق هذا الضرب من الأخذ
243 متى يزداد قبحه
243 أمثلة لأخذ القبيح
243 بين المتنبي وأبي تمام
(3/305)

الصفحة
244 4- أخذ المعنى ثم قلبه وعكسه
244 بين مسلم بن الوليد وأبي نواس
245 بين شاعر وعلي بن جعفر
245 بين المتنبي وأبي الشيص
245 بين ابن الأثير وأبي تمام
246 5- أخذ بعض المعنى
246 بين أبي تمام وعبد الله بن جدعان
247 بين المتنبي وعلي بن جبلة
247 بين البحتري وأبي تمام
248 بين البحتري وشاعر متقدم
248 بين المتنبي وابن الرومي
249 6- أخذ المعنى ثم الزيادة عليه
249 بين مسلم بن الوليد والأخنس بن شهاب
249 بين أبي تمام وجرير
250 بين أبي تمام وولد مسلمة بن عبد الملك
250 بين أبي تمام وابن المعذل
251 بين البحتري وأبي نواس
251 بين البحتري ومسلم بن الوليد
252 بين أبي نواس وجرير
253 بين أبي نواس والفرزدق
253 بين المتنبي وأبي نواس
254 بين ابن الأثير والمتنبي
(3/306)

الصفحة
254 7- أخذ المعنى والتعبير عنه بعبارة أحسن من الأولى
254 بين البحتري وأبي تمام
255 مثال آخر لهما
255 بين المتنبي وأبي نواس
256 بين ابن نباتة السعدي والمتنبي
256 بين القيسراني وأبي العلاء
256 بين أبي هلال العسكري وابن الرومي
257 بين أبي تمام وشاعر سابق
257 بين البحتري وأبي تمام
257 8- أخذ المعنى وسبكه سبكا موجزا
258 بين سلم الخاسر وبشار
258 بين ابن الرومي وأبي تمام
259 بين ابن الرومي وأبي نواس
259 بين ابن قسيم الحموي وابن الرومي
260 بين أبي تمام وأبي العتاهية
260 بين المتنبي وأبي تمام
261 مثال آخر لهما
261 بين المتنبي وشاعر سابق
262 9- تخصيص العام وتعميم الخاص
262 بين أبي تمام والأخطل
263 بين المتنبي وأبي تمام
(3/307)

الصفحة
263 10- أخذ المعنى وزيادته بيانا بمثال يوضحه
263 بين المتنبي وأبي تمام
264 مثال آخر من شعرهما
265 بين البحتري وأبي تمام
265 11- اتحاد الطريق واختلاف المقصد
265 المراد بهذا الضرب
265 موازنة بين قصيدتين في الرثاء لأبي تمام والمتنبي
267 المعاني التي اتفقا فيها
268 المعاني التي اختلفا فيها
270 استطراد إلى الرد على من منعوا المفاضلة بين المعاني المختلفة
270 الرد على الذين فضلوا بعض الشعراء بأحكام خطابية عامة
272 الرد على بشار في تفضيل نفسه
273 مثال من التعصب للقدماء
274 رأي ابن الأثير في المفاضلة بين الشعراء
274 الفرزدق وجرير والأخطل أشعر العرب
274 أبو تمام والبحتري والمتنبي أشعر منهم
275 الرد على دعوى أن جريرا اقتصر في هجاء الفرزدق على أربعة معان
276 أمثلة شتى من هجائه بمعان أخرى
280 قدرة جرير على التصرف في المعنى الواحد
(3/308)

الصفحة
عودة إلى النوع الحادي عشر من السلخ
281 أمثلة من اتحاد الطريق واختلاف المقصد
281 بين النابغة وأبي نواس ومسلم وأبي تمام والمتنبي
284 بين المتنبي والبحتري
284 موازنة بين قصيدتيهما في وصف الأسد
288 بين المتنبي والبحتري في الرثاء
289 بين الشريف الرضي والبحتري
290 المسخ
290 تعريفه
290 بين المتنبي وأبي تمام
291 بين المتنبي وابن رغبان
قلب الصورة القبيحة إلى حسنة لا يسمى سرقة
292 بين ابن نباتة السعدي والمتنبي
292 بين المتنبي وأبي نواس
(3/309)