Advertisement

المعاني الكبير في أبيات المعاني 001


الكتاب: المعاني الكبير في أبيات المعاني
المؤلف: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ)
المحقق: المستشرق د سالم الكرنكوي (ت 1373 هـ)، عبد الرحمن بن يحيى بن علي اليماني (1313 - 1386 هـ)
الناشر: مطبعة دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد الدكن
بالهند [الطبعة الأولى 1368هـ، 1949م]
ثم صورتها: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان [الطبعة الأولى، 1405 هـ - 1984 م]
عدد الأجزاء: 3 (في ترقيم مسلسل واحد)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه المعونة
كتاب الخيل
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري: أنشدني الرياشي عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء لأبي داوود الإيادي هذه الأبيات إلا ككنانة الزغري فإنه لم يحفظه.
لقد ذُعِرَتْ بَنَاتُ عَ ... مِّ المُرِشقاتِ لها بصابِصُ
بِمجوَّفٍ بلقا وأع ... لى لونه ورد مُصامِصُ
أراد أن يقول ذعرت البقر فقال: بنات عم المرشقات - وهي الظباء، والمرشق الظبية التي تمد عنقها وتنظر فهي كذلك أحسن ما تكون، والظباء بنات عم البقر لأنها وحش تشبّه بها، والبقر لا تكون مرشقات لأنها وُقص قصار الأعناق، وبصابص حركات الأذناب، يقال بصبص إذا حرك ذنبه، ومثل للعرب بصبصن إذ حُدين، والمجوف الفرس الذي بلغ البلق بطنه وهو التجويف - يقال ما أحسن ما جُوف.
(1/1)

قال طفيل:
شميطُ الذنابي جُوِّفَتْ وهي جَونةٌ ... بنُقبةِ ديباجٍ ورَيط مقطع
الشمْط الخلط يقول اختلط في ذنبها بياض وغيره، يقال اشمُط له العلف أي اخلط، ويقال للصبح شميط.
والجونة السوداء والنقبة اللون يريد أن التجويف منها كالديباج والربط.
وأنشدني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب ابن أخي الأصمعي عن عمه للرخيم العبدي في شعر له طويل:
ومجوّف بلقا ملكتُ عنانَه ... يعدو على خمسٍ قوائمه زكا
يعدو على خمس أُتن، وقوائمه زكا زوج يريد أنها أربع، وقوله ملكت عنانة أي صار لي.
وقال الأصمعي ليس هذا من الوصف جيداً لأن كل بياض يجاوز العرقوبين عيب في العتاق.
والمصامص الخالص من كل شيء يريد أنه خالص في العراب ليس بهجين.
ككنانة الزُغَري زي ... نها من الذهب الدُلامص
هذه كنائن يؤتى بها من بلد من الشام، يقال له زغر تعمل من أدم أحمر وتذهَّب.
(1/2)

والدلامص البراق، يقال امرأة دُمَلِصة ودلمصة مقلوب إذا كانت ملساء تبرق، شبه لونه بألوان من هذه الكنائن.
وقال امرؤ القيس يصف حماراً:
كأن سَرَاتَه وجُدة متنِهِ ... كنائنٍ يجرى فوقهنَ دليصُ
أي صقال، يريد الذهب.
يمشي كمشي نعامتيْ ... ن تتابعان أشقَّ شاخص
هكذا أنشدنيه الرياضي عن الأصمعي - وأنشدنيه السجستاني عن أبي عبيدة.
يمشي كمشي نعائمٍ ... يشتالهن أشق شاخص
قوله يمشي كمشي نعامتين يقول إذا مشى اضطرب فارتفعت عجزه مرة وعنقه مرة أخرى، وكذلك مشي النعامتين إذا تتابعتا تقاصر واحدة وتطاول واحدة فإذا مشت المتقدمة ارتفع الصدر وإذا مشت المتأخرة ارتفع العجز، والأشق الطويل.
وسُمع عقبة بن رؤبة ينعت فرساً أو رجلاً فقال: " هو والله أشق أمق خبق " قال الأصمعي الأشق والأمق والخبق الطويل، وروى غيره عن الأصمعي أن أمق وخبق تأكيد أن لأشق.
يَخْرُجْنَ مِنْ خَلَلٍ الْغُبَا ... رِ فُجامِزُ الوَلقى وقابصُ
(1/3)

الولقي والجمزي المر السريع، والقابص الذي يعدو على الأطراف كأنه ينزو في عدوه، والقبص الأخذ بأطراف الأصابع والقبض بالكف.
وقال المرار العدوي يصف فرساً:
سائلٍ شمرٍ أخ ذي جُببٍ ... سَلْطِ السنبكِ رسغ عَجُرْ
الشمراخ الغرة التي استدقت في الجبهة، والجبب أن يبلغ بياض التحجيل ركبة اليد وعرقوب الرجل - أو ركبتي اليدين وعرقوبي الرجلين يقال فرس مجبب بين التجبيب، عجر غليظ، وسلط طويل.
فهو وردُ اللونِ في ازبئرارِهِ ... وكميتُ اللونِ ما لم يزبئرُ
الازبئرار الانتفاش، ومنه قول امرؤ القيس:
سود يفئن إذا تزبئر
يقول إذا سكنت شعرته استبانت كمتته وإذا ازبأر استبانت أصول
(1/4)

الشعر وهي أقل حمرة من أطرافه، ومثله قول ساعدة بن جؤية وذكر وعلا:
يحول لوناً بعد لونٍ كأنه ... بشفانِ يوم مقلِعِ للوبل يُصرّدِ
أراد أنه يقشعر فيخرج باطن شعره فيبدو لون غير لونه ثم يسكن فيعود لونه الأول، والشفان الريح الباردة.
ومثله له:
يحولُ قشعر يراتُه دون لونه ... فرائصُهُ من خيفةِ الموتِ تُرعَدُ
وقال الفراء في قول الله عز وجل " فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان " أراد فرسا وردة تكون في الربيع وردة إلى الصفرة فإذا اشتد البرد كانت وردة حمراء فإذا كان بعد ذلك كانت وردة إلى الغبرة، فشبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه، ويقال أن الدهان الأديم الأحمر، وقال كثير يمدح:
إذا ما لَوَى صَنَعَ به عدنيةً ... كلونِ الدهانِ وردة لم تَكمّت
الصنع الخياط، تكمت تضرب إلى الكمتة - وقال النابغة:
(1/5)

وما حاولتُما لجماعٍ جيَشٍ ... يصونُ الوردَ فيه والْكُميتَ
خص الورد والكميت لصلابتهما، والصائن الذي يتقي على حافره من الحفي والوجي - وقال أبو النجم:
يبرى لنا أحْوَى خفيفَ نقلهِ ... أغرَّ في البُرقعِ بادٍ حجله
يقول غرته شادخة فقد ظهرت من البرقع، والشادخة التي قد فشت وملأت الجبهة، يقال فرس شادخ الغرة.
وقال سلمة بن الخرشب الأنماري:
كميتُ غيرُ مُحلِفةٍ ولكن ... كلون الصِرفِ عُلّ به الأديم
المحلف الذي يشبه الأشقر في ذنبه وناصيته ويشبه الأحوى، وأصله أنه يشك فيه حتى يختلف فيه فيقول واحد هو كميت ويقول آخر هو أشقر أو أحوى فيحلف هذا ويحلف هذا، ومن هذا قولهم " حَضارِ والوزن محلفان " وهما نجمان أي يظن بهذا أنه هذا وبهذا أنه هذا ويحلف كل واحد على ما ادعاه، والصرف نبت أحمر يصبغ به
(1/6)

الأديم، وقال كثير يصف خيلاً:
ومُقرَبةٌ دهمٌ وكمتٌ كأنها ... طماطمٌ يوفون الوِفار هنادكَ
شبهها حين حُزّمت بعجم احتزموا بالمناطق، ويوفون الوفا رأى يطولون الشعور، هنادك هند والكاف زائدة، قال ابن هرمة:
كالهندكية نبذت أثوابها
وقال سلمة - ابن الخرشب:
كأن مسيحتي ورِقٌ عليها ... نمت قرطيهما أذن خذيم
المسيحة القطعة من الفضة يقول كأنها أُلبست مسيحة فضة من حسن لونها وصفاء شعرتها، وقد فسّر البيت في الخلق.
وقال عبد الله بن سَليمة يصف بعيراً:
يُعلَى عليه مسائحٌ من فضةٍ ... وثَرى حُبابِ الماءِ غير وريسِ
الثرى أول ما يبدأ به

العرق، قال طفيل:
يُذَدن ذيادَ الخامساتِ وقد بدا ... ثَرى الماءِ من أَعطافِها المُتحلبِ
وإنما أراد الأول صفاء شعره وقصره، يقول إذا عرق فكأن عليه مسائح فضة.
(1/7)

العرق
قال زهير:
يَعودُها الطرادُ وكل يومٍ ... تُسَنَّ على سنابِكِها القرونُ
القرون العرق الواحد قرن يريد مرة بعد مرة، وأصل القرن الطلق يقال عصرنا الفرس قرناً أو قرنين يريد العرق الذي يكون في ذلك الطلق، وإذا لم يعرق الفرس فهو صلود وذلك مذموم. والهِضَبْ الكثير العرق. ومنه قول طرفة:
وهِضَبَات إذا ابتلّ العذر
وقال خفاف بن عمير السلمي:
من المغضباتِ بفضِ القرونِ ... إذا رُدَّ منها حميمٌ غرارا
وقال المستوغر القريعي:
يِنشّ الماءُ في الربَلاتِ منها ... نَشيشَ الرّضفِ في اللبنِ الوغيرِ
(1/8)

الربلات أصول الفخذين والرضف الحجارة المحماة والوغير اللبن ساعة يحلب فسمى المستوغر بهذا البيت.
قال ابن ميادة:
هم الضاربونَ الخيلِ حتى إذا بَدَتْ ... نواجِذُها واستغضبتْها جلودها
بدت نواجذها، يريد كلحت في الحرب، ولهذا قيل لها عوابس ولا يقال عوابس إلا في الحرب.
وقال لبيد:
ومقطِعٌ حلقُ الرحالةِ سابحٌ ... بادٍ نواجذه على الإطرابِ
وأنشد:
إذا العوالي أخرَجَتْ أقصى الفمِ
وقوله واستغضبتها جلودها، أي عرقت فأغضبتها. ويقال في قوله باد نواجذه على الإطراب، وبدت نواجذها، النواجذ آخر الأضراس أي أنها تنازع فتكبح اللجام وتكف فتفتح أفواهها وتبدو
(1/9)

نواجذها، ولذلك قال بادٍ نواجذه على الإطراب، أراد أنه ينازعه على الطرب لنشاطه ومرحه فيكبحه فينفتح فوه وتبدو نواجذه.
وقال أبو النجم:
والحُصنُ شُوسُ الطرفِ كالأجادلِ ... تَردى معاً شاحيةَ الجَحافلِ
أي مفتوحة الأفواه، يقال شحافاه إذا فتحه وليس ذلك بمحمود إذا كان من عادتها، إنما يريد أنها تنازع فتكبح باللجم فتنفتح أفواهها.
وقال بشر بن أبي خازم:
تَراها من يَبيسِ الماءِ شهباً ... مخالطَ درةٍ منها غرار
قال ابن الأعرابي: يقول لا ينقطع عرقها ولا يكثر فيضعفها، والدرة أن تدر، والغرار القلة، ويقال غارت الناقة إذا قل لبنها بعد مجيئه.
وقال غيره - أراد سيرها إذ تنفتق من عزة نفسها ونشاطها ثم ترجع إلى الذي كانت عليه من سيرتها، وعرق الخيل إذا يبس ابيض وعرق الإبل إذا يبس اصفر.
وقال طفيل الغنوي يذكر خيلاً:
كأن يبيسَ الماءِ فوق متونِها ... أشاريرُ ملحٍ في مَباءةِ مُجرِبِ
يبيس الماء العرق الجاف شبهه بالملح، والأشارير لحم يشر كما يشر الإقط واحدها إشرارة.
(1/10)

والمجرب الذي قد جربت إبله وهو يجمع الملح ليداويها به.
وقال طفيل:
كأن على أعطافِهِ ثوبٌ مائحٌ ... وإن يُلق كلب بين لحييه يذهبُ
المائح الذي يدخل البئر فيملأ الدلو فيسيل الماء على ثيابه فيبتل، أراد أنه قد عرق فكأن عليه ثوب مائح.
وقوله - وإن يلق كلب بين لحييه يذهب، لسعة شدقه.
وقال خداش بن زهير يصف خيلاً:
وقد سالَ المسيحُ على كُلاها ... يخالفُ دُرةً منها غرارا
المسيح العرق، وأراد بكلاها بطونها والدرة أن يسيل، والغرار أن يقل، يريد أنها تعرق تارة وتجف تارة وهذا مما يحمد لأنه لو دام عرقها لأضعفها. وقال أبو ذؤيب:
تأبى بدّرَتِها إذا ما استُغضِبت ... إلا الحميم فإنه يتبصعُ
ويروي يتبصع أي تأبى بدرة العدو إذا حركت بساق أو ضربت بسوط تنزو وتمرح ولا تعدو إلا الحميم، وهو العرق فإنه ينفجر، وقال الأصمعي قد أساء الوصف لأنه يستحب من الفرس أن لا يعجل عرقه ولا يبطئ، وقال ابن أحمر وذكر فرساً:
هَمِع إذا رشح العذار بِلِيته وكَفت خصائله وكيف الغرقد همع
(1/11)

سائل بالعرق خصائله عضَلاته وأول ما يرشح موضع العذار والغرقد يسرع القطر - وقال الجعدي وذكر فرساً:
فعرفَّنا هِزةً تأخذه ... فقرناه برضراضٍ رِفلِّ
فظننا أنه غالبه ... فزجرناه بيهياهِ وهلِ
كَلِبا من حسِ ما قد مسّه ... وأفانينُ فؤادٍ محتملِ
ويروي: " من حس ماء مسه " هزة نشاط، رضراض بعير كثير اللحم، رفلّ سابغ الذنب، يقول ظننا أن الفرس يستخف البعير ويغلبه حين قرن به فزجرناه لئلا يمرح. قوله كَلِبا من حسِ ما قد مسّه - أي لما وجد مس العرق أخذه شبيه بالجنون من شهوة العدو، وأفانين ضروب، ومحتمل مستخف يقال جاء فلان محتملاً إذا جاء غضبان مستخفاً.
وقال امرؤ القيس يصف فرساً:
فعادى عَداءً بين ثورٍ ونعجةٍ ... دراكاً ولم ينضح بماءٍ فيُغسَلُ
هكذا أنشدنيه السجستاني عن الأصمعي ينضح، والناس يغلطون فيروونه يُنضَح وإنما هو مثل قول النابغة يصف خيلاً:
يَنِضحنَ نَضْحَ المزادِ الوُفرِ أتْأَقَها ... شَدّ الرواةُ بماءٍ غيرِ مشروبِ
(1/12)

شبه عرق الخيل بنضح المزاد ثم قال إلا أن هذا النضح ليس مما يشرب، والرواة المستقون، وعادي والي بين اثنين، ولم يرد بقوله ولم ينضح بماء أن العرق مكروه ولكنه أراد سرعة إدراكه إياهما وأنه عقرهما قبل أن يعرق الفرس، ومثل هذا قوله:
فأدرك لم يعرق مناط عذارهِ ... يمرُ كخُذْروفِ الوليدِ المثقبِ
قالوا والخيل إذا عرقت غُسلت بالماء وليس هذا بشيء، قول امرئ القيس مثل قول معقر بن حمار:
وكل سبوحٍ في العنان كأنها ... إذا اغتسلتْ بالماء فتخاء كاسرِ
لأن اغتسلت في هذا البيت عرقت، وأنشدنيه السجستاني عن أبي عبيدة " وكأنها إذا اغتمست بالماء فتخاء كاسر " والعرق عندهم محمود.
قال النجاشي:
كأن جنابَيه وصُفّةَ سرجِه ... من الماءِ ثوباً مائحٍ خضلانِ
وقال أبو النجم:
كأنه في الجلِ وهو ساميٌ ... مشتملٌ جاء من الحمامِ
وقال أيضاً:
(1/13)

كأن مِسكاً غله مغلِّلُهْ ... في ناضحِ الماءِ الذي يشلشلهُ
" وغله فانغل أي دخل بعضه ببعض وغل فلان المفاوز أي دخلها، والغلل الماء بين الأشجار " وطيب رائحة العرق عندهم محمود أنشدني السجستاني عن أبي عبيدة:
إذا عرقَ المهقوعُ بالمرءِ أنعظت ... حليلتُه وازداد حراً مِتاعها
قال أبو عبيدة أبقي الخيل المهقوع وكانوا يستحبون الهقعة وهي الدائرة التي تكون في عرض زوره حتى أراد رجل شراء فرس مهقوع فامتنع صاحبه من بيعه فقال هذا البيت فكُرهت الهقعة منذ ذاك.
قال أبو النجم وذكر فرساً:
ساطٍ إذا ابتلّ رقيقاه ندا
رقيقاه جانبا منخره ابتلاّ من العرق، والساطي البعيد الأخذ من الأرض. وللعرق باب ألفته في كتاب الإبل فيه أبيات المعاني في عرق الإبل.

باب اضطرام العدو وحفيفه
قال امرؤ القيس:
(1/14)

رَقاقها ضرِمٌ وجريِها خذمٌ ... ولحمها زِيمٌ والبطن مقبوبُ
الرقاق الملأ المستوى ضرم أي يضطرم من الجري، وجريها خذم أي تقطعه شيئاً بعد شيء، ولحمها زيم أي متفرق في أعضائها ليس بمجتمع في مكان فتبدن.
قال جرير:
من كلِ مشترفٍ وإن بعد المدا ... ضرم الرَقاق مناقلَ الأجرالِ
مشترف عالي النظر، ضرم الرقاق أي هو كالنار المضطرمة إذا جرى في الرقاق، والأجرال الحجارة، والمناقلة أن يضع يده ورجله
(1/15)

على غير الحجارة لحسن نقلهما لحذقه.
وقال يزيد بن عمرو الحنفي:
للشأ وفيها إذا ورّعتْها حدم ... يحسبه الكِفلُ شداً وهو تقريبُ
حدم اضطرام مثل حدمة النار، والشأ والطلق والكفل القَلِع الذي لا يثبت على سرجه أي تقريبها عنده إحضار، ورّعتها كففتها.
وقال آخر - أوس بن حجر:
نجّاكَ جيّاشٌ هزيمٌ كما ... احميت وسط الوبرِ المِيسَما
شبه حفيفه بحفيف الميسم وسط الوبر.
وقال امرؤ القيس:
على العقبِ جيّاش كأن اهتزامَه ... إذا جاش منه حميه غلى مرجلُ
يقول إذا حركته بعقبك جاش وكفاك ذاك من السوط ويقال العقب جرى بعد جري، يجيش يرتفع كما يجيش المرجل إذا غلى، واهتزامه شققه بالعدو.
وقال أبو زبيد يصف خيلاً:
كل سجحاءٍ كالقناة قَرونُ ... وطُوال القَرا هزيمُ الذكاءِ
(1/16)

القرون التي تعرق واحدة من القرن وقد فسرناه والذكاء السن يقال: قد ذكّى الفرس فهو مذك إذا أسن، وأراد بقوله هزيم الذكاء هزيم عند الذكاء، ومثل للعرب " جرى المذكيات غلاب ". ويقال غِلاء فمن قال أراد جريها كغلاء السهام، ومن قال غلاب أراد أنها تغالب الجري غلاباً وليست كالمهارة.
وقال امرؤ القيس:
وسالفةٌ كسحوق الليا ... نِ أضرمَ فيه الغَوى السُعرَ
الليان جمع لينة وهي النخلة، والسالفة صفحة العنق من مقدمها، والسحوق النخلة الطويلة وأحسب ذلك مع انجراد ويقال ثوب سَحْق وسحوق إذا انجرد من الإخلاق وقوله أضرم فيه الغوى السعر - أراد حفيفه حين جرى كحفيف النار ويقال إذاً كأن عنقها نخلة قد شذبت النار سعفها وبقيت منجردة.
وقال طفيل:
كأن على أعرافِهِ ولجامهِ ... سنا ضَرم من عرفَجٍ يتلهبُ
السنا الضوء وإذا كان له ضوء كان له حفيف، وضرم جمع ضرمة، والعرفج تسرع فيه النار لأنه ليس بجزل، يقول يحف من شدة العدو حتى كأن عرفجاً يتضرم على عنانه وعنقه، وهو كما قال الآخر:
عمل الحريق بيابس الحلفاء
(1/17)

ومثله:
جموحاً مروحاً وإحضارها ... كمعمعةِ السعفِ الموقدِ
ومثله للعجاج:
سفواءُ مرخاءُ تباري مِغلجاً ... كأنما يستضرمان العرفَجا
الغلج عدو دون الاجتهاد يقول: حفيف عدوهما مثل عجيج العرفج.
وقال رؤبة:
تكاد أيديها تهاوَى في الرهقِ ... من كَفتها شداً كإضرامِ الحرقِ
تهاوى تهوي، والرهق التقدم يقال فرس رَهَيقَى إذا كان يتقدم الخيل، يقول تكاد أيديها تهوي من شدة ما تقدمها، والكفت السرعة.
وقال الهذلي وذكر حماراً:
يعالج بالعطفينِ شأواً كأنه ... حريقٌ أُشيعته الأباءة حاصدُ
يعالج بالعطفين يعني أنه يميل في شقه يتكفأ في عدوه، والشأو الشوط، أشيعته الأباءة وهو أن يضع حطباً صغاراً مع حطب كبار حتى تشتعل النار في الصغار ويقال أشعت إشاعة وشيّعت تشييعاً، والأباءة الأجمة، حاصد يحصدها بإحراقه.
(1/18)

باب في وثبها
قال زيد الخيل:
وكل كميت كالقناة طمرة ... وكل طمرّ يحسب الغَوط حاجراً
أي يثب الغوط وهو المطمئن من الأرض فهو عنده كالحاجر والحاجر محبس للماء لطيف.
وقال آخر:
غَشمشمٌ يغشي الشجرَ ... ببطنه يعدُ والذكرَ
يريد أنه يثب الشجر.
وقوله ببطنه يعدو الذكر خص الذكر لأنه يقال إن الإناث أقوى على الخلاء من الذكور.
وقال آخر:
وكأنما دوحُ الأراكِ لمهرهِ ... حُوّاءةٌ نبتَتْ بدارٍ قرارِ
الدوح عظام الشجر يريد أنه يطفرها كما يطفر الحواءة وهي نبت لازق بالأرض لا يرتفع.
قال:
كما تبسم للحُواءة الجملُ
يريد أنه لا يقدر على رعيها حتى يكشر فذلك تبسمه.
(1/19)

وقال امرؤ القيس:
لها وثبات كصوبِ السحابِ ... فواد خطيطٍ وواد مطِرِ
الخطيطة أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين ويستحب سعة شحوة الفرس فجعل شحوته وهي بين حافريه من الأرض خطيطاً وموضع الحافر غيثاً ويروي خطاء أي يخطو وادياً ويعدو وادياً.
كما قال الآخر - زهير:
يركضن ميلاً وينزعن ميلاً
وأنشدنيه السجستاني عن أبي عبيدة: فواد خطئ.
وقال أبو داود:
ضُروحُ الحماتيْنِ سامي الذراعِ ... إذا ما انتحاه خَبار وَثَبَ
الحماتان عضلتا الساقين.
يقول إذا عدا ضرح برجليه يريد سعته وانبساطه في عدوه، والخبار أرض مسترخية وفيها جِحرَة فالخيل تعثر فيها.
يقول إذا وقع في الخبار جمع قوائمه ووثب.
وقال أبو النجم:
يخرجُ ثلثاها من الإعصارِ ... قوداءَ يُجفيها عن العِثارِ
(1/20)

في جَدَد الأرضِ وفي الخبارِ ... سُمر الحوامي وأبة الآثارِ
يقول إذا جرت فأثارت غباراً فحملته الريح سبقته هي حتى يخرج ثلثاها منه، قوداء طويلة العنق، يجفيها يرفعها عن أن تعثر في جدد الأرض وهي الصلبة وفي الخبار وهي المسترخية وفيها جِحَرة هذه الحوافر، ويقال إن إناث الخيل تعثر في الجدد، ولذلك قال قيس بن زهير. في داحس والغبراء " رويد يلعون الجدد " وإن الذكور تعثر في الخبار، والحوامي جوانب الحافر.
وأبة الآثار مقعَّبة الآثار، وإذا كانت الحوافر مقعبة فهو أحمد لها، وقال الراعي في مثله:
إذا كان الجِراءُ عفَّت عليه ... ويسبقها إذا هبطت خباراً
عفت زادت، وقال الأخطل:
ذوابل كلِ سلهبةٍ خنوفُ ... وأجردٌ ما يثبِّطهُ الخبارُ
ولذلك قال أبو داود للغلام حين حمله على الفرس:
أحصننه إن المكان خبار
(1/21)

وقال العجاج:
عافى الرَقاقِ مِنهب مَيوحٍ ... وفي الدهاس مِضبرٍ ضروحٍ
يقول إذا عدا في الرقاق فعدوه عاف لا يجتهد، منهب شديد المناهبة كأنه يناهب قوماً ويبادرهم، والميوح الميال في شقيه، قال الأصمعي وذاك أجود له كما قال الآخر.
تَبرِي لعريان الشوي ميّاح
والدهاس رمل تغيب فيه الأرجل، يقول إذا وقع في الدهاس ضبر أي جمع رجليه فوثب والضبر الوثب وقوائمه مجموعة، يقال ضبرت الشيء جمعته ومنه قيل إضبارة كتب، والضروح النفوح برجليه يقال اضرح عنك هذا الأمر أي نحه عنك، وقال أيضاً:
عافي الرقاق مِنهب مُواثم ... وفي الدهاس مضبر مُتائم
الوئم شدة وقع الحافر والخف على الأرض، متائم أي يجيء بعدو توأم أي بعدو، وبعد عدو ويريد أن عنده ضروباً من العدو، وقال أيضاً وذكر الثور والكلاب:
غَمر الجِراءِ إن سطون ساط ... عافى الأياديم بلا اختلاطِ
وبالدهاسِ ريّثُ السقاطِ
(1/22)

غمر الجراء كثير الجري، إن سطون إن أبعدن الأخذ من الأرض، ساط بعيد الخطو، والإيدامة المكان الصلب ليس بحصي ولا بحجارة، يقول إذا وقع في الأياديم جاء عدوه عفواً سهلاً، ريث السقاط يقال للرجل أنه لذ وسقطات أي لا يزال يعثر فهذا لا يعثر البتة، وقال حميد الأرقط:
أضر فهي وَكَرَى مضرارُ ... عُرضتُها التقريبُ والاحضارُ
لم يتكأد ضبرها الخبارُ
يقال ناقة وكرى وقد وكرت تكر وكراً، ويقال للرجل أنه لعرضة للقتال وأن الناقة لعرضة للسفر إذا كانت قوية عليه، ويتكأد من الكؤود وهي العقبة أي لم يشق الخبار عليها إذا وثبت، وقال ابن مقبل:
زلُّ العِثارِ وثبت الوعَث والغَدَر
زل العثار أي بعيد منه قد زل عنه، والوعث السهل الذي تسوخ فيه أخفاق الإبل مثل الرمل، والغدر المكان المتعادي، أي تثبت فيها، يقال للرجل إذا كان جيد الحجة أنه لثبت الغَدر.
وقال ابن مقبل:
إذا كان جريُ العيرِ جَوداً وديمةً ... تغمدُ جودَ العيرِ في الوعثِوابلهِ
يقول ما عند الفرس من الجري يتغمد جري العير في الوعث.
(1/23)

في لحوق الخيل بالصيد
قال امرؤ القيس:
وقد أغتدي والطيرُ في وكناتها ... بمنجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكلُ
الوكنة الوكر وهو موضع العش وأما الوكن بالنون فالعود الذي يثبت عليه الطائر، منجرد قصير الشعر، وطول الشعر هجنة ويقال منجرد ماض غير وان، كما يقال انجرد في حاجتك، قيد الأوابد يقول إذا أرسل على الأوابد وهي الوحش فكأنها في قيد.
وقال الأسود - بن يعفر:
بمقلِّصٍ عَتَدٍ جهيزٍ شده ... قيدَ الأوابدِ والرهانِ جوادُ
الأصمعي: المقلص المشرف الطويل القوائم، والعتد الذي هو عدة للجري يقال فرس عتَد وعتِد، جهيز شده أي سريع شده. ومنه قيل أجهز على الرجل إذا كان بآخر رمق فقتله، وقال أبو عبيدة: المنجرد الذي لا يتعلق به فرس والمقلص الطويل القوائم المرتفع عن الأرض الخفيف الوثب، أبو عبيدة: يقال قيد الأوابد وقيد الرهان وهو الذي كأن طريدته في قيد إذا طلبها. قال واول من قيدها امرؤ القيس، وقال ابن أحمر:
بمقلِّصٍ درَك الطريدَة متنُهُ ... كصفا الخليقةِ بالفضاءِ الملبِدِ
درك الطريدة أي هو إدراك الطريدة ويقال مالك في هذا درك أي إدراك، يقول فهو درك الطريدة - كما قال الآخر قيد الأوابد، والخليقة الملساء مثل الخلقاء والمخلّقة يقال خلقت الشعر إذا لينته
(1/24)

وملسته، يريد أنه لين أملس كهذا الصفا، والفضاء المتسع من الأرض، والملبد الخاشع، يريد كصفا في مستوى من الأرض، وقال عدي بن زيد:
مشرِفُ الهادي له غُسَنٌ ... يُوثقُ العلجينِ إحضاراً
العلجان حماران غليظان، والغسن شعر الناصية، الواحدة غُسْنَة ويروي يغرق العِلجين إحضاراً، أي يجيء الفرس بجري يغمر جريهما.
وقال أيضاً:
يغرقُ المطرودَ منه وابلٌ ... ضابطُ الوعثِ ضبوعٍ في الجددِ
يقول إذا طلب الشيء أغرقه في جريه وأدركه كما يغرق الماء الشيء يعلوه ويغمره، وابل أي شد كالوابل من المطر، ضابط الوعث أي هو ضابط في الوعث، وضبوع من الضبع وهو ضرب من العدو يمد ضبعيه فتطول خطاه. وقال المرار - بن منقذ العدوي:
يصرعُ العيرينِ في نقعيهما ... أحوذيّ حينَ يهوي مستمرِ
ثم إن يُقدَع إلى أقصاهما ... يخبطُ الأرضَ اختباطِ المحتفِرِ
(1/25)

أي يخرج من غبارهما حتى يوالي بينهما، والأحوذي الماضي الناجي، يقدع يكف، وقوله إلى أقصاهما أي عند أقصى المديَين وهما الغايتان، يخبط الأرض من النشاط.
وقال ابن مقبل:
وصاحبي وهوه مستوهلٌ صرِعٌ ... يحول بين حمارِ الوحشِ والعَصَرِ
وهوه ذاهب العقل وقيل خفيف، والعصر الملجأ.
وقال عبد المسيح بن عسلة:
لا ينفعُ الوحشُ منه أن تحذّرَه ... كأنه معلقٌ فيها بخطَّافِ
وهذا من أغرب ما جاء في هذا المعنى.
وقال أمية بن أبي عائد الهذلي وذكر حماراً وآتنه:
كأن الطِمِرّةِ ذات الطِما ... حِ منها لضَبرتِهِ بالعِقالِ
الطمرة المشرفة ومنه يقال طمر الجرح إذا نتا وورم، ومنه يقال وقع من طَمار إذا وقع من مكان مشرف، وذات الطماح التي تطمح في العدو تبعده والطماح الارتفاع.
يقول إذا وثب هذا الحمار فكأن الأتان التي طمحت في عدوها في عقال من إدراكه إياها، والضبر أن يجمع قوائمه ويثب.
وقال عدي بن زيد:
(1/26)

أحالَ عليه بالقطيعِ غلامنا ... فأذرِع به لخلَة الشاةِ راقعاً
أحال عليه أقبل فاذرع به أي ما أذرعه يريد بعد شحوته لخلة الشاة يريد الفرجة التي بينه وبين الشاة، راقعاً أي يرقعها بنفسه يريد أنه يلحق الشاة فلا يكون بينهما فرجة، والقطيع السوط وهذا كقول الجعدي:
واستوت لهزمتا خديهما ... وجرى الشّفُ سَواءً فاعتدلَ
الشف القِصَر أي ذهب ما كان بينهما من فضل، يقول أحدهما يسبق الآخر فاستويا، ويروي لخلة الشاء راقعاً، وروي عن خلف في هذه الرواية أنه قال، يعدو الفرس وبين الشاتين فرجة فيدخل بينهما فكأن الفرس يرقع الخلة بنفسه إذا صار فيها.

باب الميل في أحد الشقين في مشيها وجريها
قال المرار - بن منقذ العدوي:
شُندُفٌ أشدفٌ ما ورعته ... فإذا طُؤطِئَ طيار طمِرِ
الشدف كالميل في أحد الشقين، وأرى أن شندفاً منه، ما ورعته ما كففته فهو يعرض، فإذا طؤطئ أي دفع، وإنما أراد أنه صبه في
(1/27)

آثارهن والصب طأطأة، ومنه قول امرئ القيس:
كأني بفتخاءِ الجناحين لقوةٍ ... صيود من العقبانِ طأطأتْ شملالَى
ويقال تطأطأت أيضاً أسرعت، ويقال فلان يطأطئ في ما له إذا أسرع إنفاقه.
وقال امرؤ القيس:
إذا ما عنَجَتْ بالعِنانينِ رأسه ... مشى الهِربِذي في دَفّة ثم فرفرا
عنجت عطفت، والهربذي التبختر، وقوله في دفه يريد أنه يحرك رأسه مرة في هذا الجانب ومرة في هذا الجانب في دفه وهو جنبه وفرفر نفض رأسه، ويروي الهيذبي وهي فيعلي من الإهذاب، وقال خداش بن زهير:
متحرّفاً للجانبيْنِ إذا جرى ... خِذماً جوادَ النزعِ والإرسالِ
أي يميل على شقيه في جريه ويتكفأ من النشاط، ومثله:
من المتحرفات بجانبيها ... إذا أشكلن بالعرق الجلودا
وللهذلي في وصف حمار:
يُعالجُ بالطفيْنِ شأواً كأنه ... حريقٌ أشيعته الأباءةُ حاصدُ
أي يضرب بعطفيه في عدوه يتكفأ، وقال آخر:
(1/28)

يضربُ عطفَيْه إلى شأوِهِ ... يذهبُ في الأقربِ والأبعدِ
وقال ابن مقبل:
مُفِجٌ من اللائي إذا كنتَ خلفه ... بدا نحرُهُ من خلفِهِ وجحافلِهِ
يقول خانف برأسه فأنت ترى نحره وجحفلته، وقال العجاج:
كالأخدري يركب الأقطارا
أي يركب قطريه في عدوه من النشاط، وقال رجل من كنانة:
على رِبذِ التقريبِ يُفديه خالَه ... وخالَتَه لما نجا وهو أملسُ
فنحنُ لأمِ البيضِ وهو لأمه ... لئن قاظ لم يصحبنه وهي شُوّسُ
ربذ التقريب يريد خفيف رجع اليد، يفديه خاله يقول فدى لكل خالي لما نجا، أملس لم تصبه جراحة يعني رجلاً انهزم فهو يفدّي فرسه، وقوله فنحن لأم البيض يقول نحن نعام لؤماً وجبناً وهو لأمه أي وهو إنسان لئن صار في القيظ ولم تغر عليه الخيل، وهي شوس أي موائل في ناحية من النشاط، وقال أبو عبيدة: إذا اشتد عدو الفرس فكأنه يأخذ في أحد شقيه، وقال زهير:
جوانحٌ يخلِجنَ خلجَ الظباءِ ... يركضنَ ميلاً وينزعن ميلا
جوانح موائل في العدو، ويخلجن يسرعن وأصل الخلج الجذب ولا يقال ركض الفرس إنما يقال يركضه صاحبه، والميل القطعة من الأرض قد رمد البصر.
(1/29)

وينزعن يكففن عن العدو، وقال العجاج:
عافى الرَقاق مِنهب ميوح
الميوح والمياح الميال في شقيه وذاك أجود له وقد فسر البيت.

باب جريها ومشيها
قال عدي بن زيد:
لا يرقب الجِريُ في المواطن لِل ... عُقبِ ولكنّ للعقابِ حضُرُ
العقب آخر الجري يقول لا يُبقي من جريه شيئاً للعقب ولكنه يخرجه كله فإذا عاقب أحضر كما أحضر في أول دفعة أي عقبة وابتداؤه سواء. قال أبو النجم:
يسبح آخره ويطفو أوله
(1/30)

قال الأصمعي: إذا كان كذلك كان حمار الكساح أسرع منه لأن اضطراب مآخيره قبيح، قال وأحسن في قوله: ويطفو أوله، وقالوا: خير عدو الذكران الإشراف وخير عدو الإناث الصغاء كعدو الذئبة والظليم، قال لبيد يصف الظليم:
يُلقي سقيطُ عِفائِه متقاصراً ... للشد عاقدٌ مَنكبٍ وجرانِ
يقول يلقي ما ينتف من ريشه من شدة عدوه، ومنه قول ابن أقيصر في وصف فرس:
إذا استقبلته أقعي
يقول، كأنه مقع لإشراف مقدمه، وقال غير الأصمعي: إنما أراد بقوله يسبح أخراه أنه لسعته وانبساطه في عدوه يضرح برجليه كالسابح ومثله قول أبي داود:
ضروحُ الحماتيْنِ سامي الذراعِ ... " إذا ما انتحاه خبار وثب "
والحماتان عضلتا الساق يقول إذا عدا ضرح برجليه، والأصمعي ذهب في أخراه إلى عجزه، وقال امرؤ القيس:
على زبذٍ يزدادُ عفواً إذا جرى ... مِسَح حثيثَ الركضِ والذألانِ
يزداد عفواً أي يجم ويسكن وهو سريع في سهولة، والذألان المر السريع ومنه سمي الذئب ذؤالة، ويروي الدألان وهو قريب منه، ربذ خفيف. وقال رؤبة:
كيف ترى الكاملَ ينقضي فرقاً ... إلى ندى العقب وشداً سحقاً
(1/31)

الكامل اسم فرس، يقضي فرقاً أي يقضي قضاء يفرق به وذلك لأنه يسبقها سبقاً بيناً ومنه عمر الفاروق، والندي الغاية مثل المدي، والعقب جري بعد جري، يريد أنه لا يزال يفرق بينها وبينه إلى هذه الغاية، وقال رؤبة - 1:
وإن هَمَرن بعد معق معقاً ... عرفت من ضربِ الحريرِ عتقاً
الهمر الغرف يقال إنه ليهمر همراً في الكلام وإنه لمهمار إذا كان كثير العطاء أو كثير الكلام، والمعق البعد يقال عمق ومعق، والحرير فرس كان لهم.
يهوي إذا هُن وَلقنَ ولقاً ... بأربعٍ لا يعتنفن العفقا
يهوين شتى ويقعن وفقاً
(1/32)

الوَلق المر الخفيف يقال مر يلق، والاعتناف أخذ الرجل العمل بغير حذق، والعفق ضعف اليد في العدو، وقوله يهوين شتى ويقعن وفقاً، قال الأصمعي: بلغني أن سلم بن قتيبة قال له يا أبا الجحاف أخطأت في هذا جعلته مقيداً، فقال رؤبة: أدنني من ذنب البعير.

ما يشبه به مشيها وجريها
قال امرؤ القيس:
له أيْطَلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ ... وإرخاء سرحانٍ وتقريبِ تتفلِ
وقد فسر صدر البيت في باب الخلق والإرخاء جري سهل ليس بالشديد، يقال فرس مِرخاء وأفراس مَراخ وليس شيء أحسن إرخاءً من الذئب ولا أحسن تقريباً من الثعلب، ويقال للفرس هو يعد الثعلبية إذا كان حسن التقريب، ويقال أنه لم يُقَل في وصف الفرس أحسن من هذا البيت، وقال ابن مقبل:
(1/33)

بذي مَيعةٍ كأنّ بعضَ سقاطهِ ... وتَعدائِه رِسلاً ذآليل ثعلبِ
جرى قَفِصاً وارتدَّ من أسرِ صلبِهِ ... إلى موضعٍ من سرجِهِ غير أحدبِ
الميعة النشاط، ويقال إنه ليساقط الشد أي يأتي منه الشيء بعد الشيء فذلك سقاطه، والذآليل من الذألان وهو مر سريع، والقفص الذي لا ينطلق في جريه، وأسر صلبه اندماجه، وارتد يقول رجع بعضه إلى بعض لأنه لم يستقم جريه وليس ذلك من الحدب، وقال المرار - بن منقذ العدوي:
صفةُ الثعلبِ أدنى جريِه ... وإذا يُركَض يعفور أشر
ونشاصي إذا تُقرِعُه ... لم يكدْ يلجُمُ إلا ما قسر
يعفور ظبي، أشر ظبي، أشر نشيط، نشاصي مرتفع، ومنه يقال للغيم المرتفع نشاص، ونشصت المرأة على زوجها ونشزت، ورواه أبو عبيدة شناصي ويقال هو الشديد الخلق الجواد والأنثى شناصية، وقال طفيل:
كأنه بعد ما صدَّرنَ من عرقٍ ... سِيد تمطر جنح الليلِ مبلولِ
أراد بالعرق سطور الخيل، ويقال لكل شيء من الدواب والطير
(1/34)

يصطففن مثل السطر عرقة وجمعها عرق، صدرن سبقن سطر الخيل بصدورهن فكأنه ذئب قد ابتل من المطر فهو يبادر إلى الغار، والتمطر العدو وهو تفعل من قولك مطر في الأرض يمطِر مطوراً أي ذهب، وقال الجعدي:
وعاديةٌ سوم الجرادِ وزعتها ... فكلفتها سِيداً أزل مصدّراً
عادية حاملة، يقال رأيت عديّ القوم أي حاملة القوم في الحرب، سوم الجراد أي مضيه يريد أنها تنتشر كما ينتشر الجراد، ووزعتها كففتها، وكلفتها سيداً أي جعلت مؤونة هذه العادية على فرس يشبه الذئب، والأزل الأرسح وهو من صفة الذئب لا من صفة الفرس.
ومثله قول الراجز يصف فرساً:
أزل إن قيد وإن قام نصب
أي كأنه ذئب إن قيد وإن قام نصب رأسه فرأيته مشرفاً، قال الأسعر الجعفي:
أما إذا استعرضتُه متمطّراً ... فتقولُ هذا مثلُ سرحانِ الغَضَا
متمطراً عادياً، وشبهه بذئب الغضا لأنه أخبث الذئاب يقال ذئب خمر أي يلزم الخمَر، وقال طفيل:
(1/35)

وفينا رباطُ الخيلِ كل مطهّمٍ ... رجيلٍ كسرحان الغَضا المتأوبِ
المطهم التام كل شيء على حدته وكذلك العميثل، وأنشد - لبعض الضبيين:
متقاذفٌ عبلُ الشَوَى شنج النسا ... سباق أنديةِ الجيادِ عميثلُ
الرجيل الجيد المشي القوي عليه الذي لا يحفي، ومنه قول الآخر:
أنى سريتِ وكنت غير رجيلة
وقال طرفة:
وكَرَى إذا نادى المضافُ محنّباً ... كسيدِ الغَضا نبهتُه المتوردُ
المحنب الذي في رجليه انحناء وتوتير وذلك محمود في الخيل.
وقال آخر:
يعسلُ تحتي عسَلاناً كما ... يعسلُ تحت الردهةِ الذِيبُ
الردهة منقع ماء قليل، وقال آخر:
كإرخاء سيد إلى ردهةٍ يوائل ... من بردٍ مرهبِ
(1/36)

يوائل ينجو. وقال آخر:
كما يختبُّ معتدلُ مطاهٌ ... إلى وشلٍ بذي الروهاتِ سيدُ

باب التشبيه بالعقاب
قال امرؤ القيس:
كأني بفخاءِ الجَناحَيْنِ لقوةٍ ... صيودٌ من العقبانِ طأطأتْ شِيمالي
أخبرني السجستاني عن أبي عبيدة أن أبا عمرو بن العلاء كان ينشده شيمالي فزاد ياء، وكان غيره يروي شملالي يريد الخفيفة يقول كأني بطأطأتي هذه طأطأت عقاباً، ويقال لِقوة ولَقوة والكسر أجود، وقال آخر:
هو سِمعَ إذا تمطَر مشياً ... وعقابٌ يحثها عِسبارُ
فالسمع ولد الذئب من الضبع والعسبار ولد الضبع من الذئب، وقوله يحثها عسبار يريد أن العسبار يسرع في عدوه فتسرع العقاب في طلبه كأنه هو حثها، وقال الأعشى:
وكأنما تبع الصِوارِ بشخصِها ... عجزاءٌ ترزقُ بالسُلّى عيالها
أي كأنما تبع الصوار حين تبعته الفرس عقاب، الأصمعي: عجزاء في أصل ذنبها بياض، أبو عبيدة: عجزاء شديدة الدابرتين، والسلي واد دون حجر، وعيالها فراخها.
(1/37)

باب التشبيه بالبازي
قال الأسعر الجعفي:
أما إذا استقبلتُه فكأنه ... بازٌ يكفكفُ أن يطيرَ وقد رأى
ويكفكف يكف مثل قولهم يكمك من الكمة، وقال المرار - ابن منقذ:
وكأنما كلما هُجْنا به ... نطلبُ الصيدَ ببازٍ منكدرِ
وقال آخر:
وعلاهن إذ تجاهدن في الأج ... رال باز شاكي السلاح مُطار
الأجرال جمع جرل وهي حجارة صغار وكبار يقال أرض جرَل وجرلة وجرولة إذا كان فيها غلظ وحجارة، يريد أنه ينقل قوائمه في الأجرال لتوقيه الحجارة.

باب التشبيه بالصقر
قال زاحم العقيلي:
يهوى إذا بلّ عطفيْهِ الحميمَ كما ... يهوى القطامِيّ أضحى فوق مرتَقبِ
(1/38)

وقال النابغة الجعدي:
ومن دونِ هَوَى له هَوّى ... القَطامِيّ للأرنب
وقال:
فسُرِّح كالأجْدلِ الأزرقي ... في إثر سِربٍ أجَدّ النفارا
وقال لبيد:
وكأني ملجمٌ شُوذانقا ... أجدليا كَرُّه غير وَكِل
الشو ذانق الشاهين وأصله بالفارسية سوذانه، وقال الجعدي:
كأنه بعد ما تقطعت ال ... خيل ومال الحميم بالجُرُم
شَو ذانق يطلب الحمام وتز ... هاه جنوب لناهِض لحِم
وقال - وهو أبي بن سلميّ الضبي:
وما شو ذنيقٍ على مَرقَبٍ ... كمي الجنانِ حديد النظرِ
رأى أرنباً سنحتْ بالفضاءِ ... فبادَرَها ولجأت الخَمرِ
بأسرعِ منه ولا مِنزعِ ... يقمّصُه ركضه بالوترِ
(1/39)

باب التشبيه بالنعامة
قال أبو داود:
يمشي كمشي نعامتيْ ... نِ تتابعان أشق شاخص
وقد فسر، ومثله:
يمشي كمشي نعامةٍ تبِعتْ ... أخرى إذا هي راعَها خَطبُ
وله:
وهي تمشي مشي الظليمِ إذا ما ... مارَ في الجري سَهلةَ عُرهومِ
أي عظيمة.

باب التشبيه بالوعل والظبي
قال مهلهل:
وخيل تكدَّس بالدار عين ... مشى الوعول على الظاهره
التكدس أن يحرك منكبيه إذا مشى كأنه ينصب إلى بين يديه وكذلك مشى الوعول على الأرض، وإنما وصفها بهذا لأنه أراد أنها تمشي إلى الحرب رويداً وهو أثبت لها من أن تلقاها وهي تركض.
قالت الخنساء:
(1/40)

وخيلٌ تكدّسَ بالدارِ عينٌ ... قارعَتْ بالسيفِ أبطالُها
ويروي تكدس مشي الوعول، وقال آخر:
يبكون نضلةً بالرماح على ... جردٍ تكدّس مِشية العُصمِ
يقول بكاؤهم له أن طلبوا بثاره، وقال يزيد بن خذّاق:
فآضتْ كتيسِ الربلِ تعدو إذا عدت ... على ذرعاتٍ يغتلينَ خُنوسا
الربل جمعه ربول وهو نبت ينفطر بورق أخضر إذا أدبر الصيف وبرد الزمان من غير مطر يقال تربلت الأرض وهو عنده إذا أكل الخضر كان أقوى له وأسرع من غيره، آضت صارت وقولهم افعل ذلك أيضاً أي عد إليه ثانية وهو مصدر آض إلى كذا أي صار إليه، والذِرعة الطويلة ويقال الذرعة السريعة الاندفاع، ويقال امرأة ذراع للسريعة الغزل، يغتلين أي يعلون ما جاراهن وهو يخنسن أي يسرعن عن الرد، وإذا أسرع الفرس مدّ يده ولم يسرع ردها فليس بسريع ولا جواد، وقال النجاشي:
مكرٌ مفرٌ مدبرٌ معاً ... كتيسِ ظباءِ الحُلْبِ الغَذَوانِ
أي يصلح للكر والفر والإقبال والإدبار، والحلب نبت تعتاده
(1/41)

الظباء يخرج منه شبيه باللبن إذا قطع، وتسميه العرب الحلبلاب وبلغني أنه هو الذي تسميه العامة اللبلاب، وإنما سمي الحلب لتحلبه والغذوان الذي يُغذِي ببوله أي يدفعه دفعة دفعة من النشاط. والأصمعي يرويه: العدوان من العدو، والغدوان من الغدو.

باب التشبيه بالطير
قال زيد الخيل:
إذا وقعتْ في يوم هيْجا تتابعتْ ... خروج القواري الخضرِ من خللِ السيلِ
القواري واحدتها قارية وهي طير شبهها بها في السرعة وهي تبادر إلى أوكارها. وقال النابغة:
والخيلُ تمزَع غرباً في أعِنّتها ... كالطيرِ تنجو من الشؤبوبِ ذي البردِ
تمزع تثب.

باب التشبيه بالرشا
المرقّش الأصغر:
تراه بِشكاتِ المدجج بعد ما ... تقطعَ أقرانُ المغيرةِ يجمحُ
(1/42)

الشكة السلاح، والأقران الأسباب، وفيه قولان أحدهما أنه يقول تراه يجمح بعد انقضاء أسباب المغيرة وهم القوم يغيرون وبعد أن انصرم أمرهم من الغارة والخيل أشد ما تكون كلالا في ذلك الوقت، والقول الآخر أنه أراد بالأقران الحبال يقول تراه يجمح بعد طول المسير وبعد أن تقطعت حبال المسافرين، والجموح الاعتراض في السير من النشاط، وقال:
شهدَتْ به في غارةٌ مسبطرةٌ ... يطاعن أولاها فئام مصبّح
كما انتفجت من الظباءِ جداية ... أشم إذا ذكَّرته الشدافيح
مسبطرة منقادة، المصبح المغار عليه في الصبح، كما انتفجت من الظباء جداية أي كما ينتفج الجداية إذا ذعر، وهو أفيح أي واسع في الجري، إذا ذكر أي إذا أريد منه وحمل عليه.
على مثله تأتي النديّ مخايلاً ... وتعبر سراً أيّ أمريكٍ أفلحِ
ويروي أنجح، يقول أن تسابق عليه أنجح أو أن تغير عليه، والندي المجلس، وقوله تعبر سراً أي تدبّر في نفسك أي أمر يك أنجح.

باب التشبيه بالسهم
قال عبيد بن الأبرص:
(1/43)

يرعُف الألفَ بالمدجَّجِ ذي القَوْ ... نسِ حتى يؤوبُ كالتمثالِ
فهو كالمِنزعِ المريّشِ من الشو ... حطِ مالتْ به يمينُ الغالِي
يرعف الألف أي يسبقهم ويتقدمهم، قال السجستاني أخبرني أبو عبيدة قال يقال بينا نحن نذكرك رعف بك الباب أي دخلت علينا، والمنزع السهم، وقال ابن مقبل:
كأنه متنُ مريخٍ أمرِّ به ... زيغُ الشمالِ وحفزُ القوسِ بالوترِ
هَرجُ الوليد بخيط مبرم خلق ... بين الرواجب في عود من العشر
المريخ سهم له أربع قذذ وهو أسرع السهام ذهاباً، زيغ الشمال يقول حيث زاغت شماله أرسل سهمه، والحفز الدفع، الهرج كثرة الفتل، يريد الخذروف وجعل خيطه خلقاً لأنه أسلس وأخف وجعله من عشر لأن العشر أخف، والرواجب سلاميات الأصابع، وقال آخر:
وشمر كالمريخ يرمي به الغالي
وقال آخر:
يمر كأنه مريخ غالي

باب التشبيه بالخذروف
قال امرؤ القيس:
دريرٌ كخذروفِ الوليدِ أمرّه ... تتابعُ كفّيه بخيطٍ موصلِ
(1/44)

وقال:
فأدرك لم يعرق مناط عذاره ... يمر كخذروف الوليد المثقبِ

باب التشبيه بالحجر
فأمره في إثرها وكأنه ... حجر القذافِ أمر فيهِ المجذبِ

التشبيه بالجرادة
قال بشر - بن أبي خازم الأسدي:
مهارشةُ العنانِ كأنّ فيه ... جرادةً هَبوةً فيها اصفرارُ
أي تعض العنان وتعبث به من النشاط. كما قال الآخر:
ملاعبة العنان بغصن بان
وجعل الجرادة صفراء لأنه جعلها ذكراً والإناث سود. يقال:
جرادة ذكر وجرادة أنثى وكذلك نعامة ذكر ونعامة أنثى وبطة وحمامة وحية كذلك.
وقال آخر:
كجرادةٍ بَرَحَتْ لريحِ شمألٍ ... صفراءٍ مصغيةٍ لرجلٍ جرادِ
برحت من البارح.
(1/45)

التشبيه بالكلاب
قال الجعدي:
وشعثٌ يطابقنَ بالدارعينَ ... طباقَ الكلابِ يطأنَ الهَراسا
المطابقة أن تقع الرجل موقع اليد، والهراس نبت له شوك والكلب يطابق والذئب لا يطابق. وقال طفيل:
تصانعُ أيديها الرسيحَ كأنّها ... كلابٌ يطأنَ في هراسٍ مقنّبِ
وقال:
تبارى مراخيها الزِجاج كأنها ... ضرا أحسّتْ نبأة من مكلِّبِ

التشبيه بالثور
قال عمر وبن معدي كرب:
وأجردٌ ساطَ كشاةٍ الأرا ... نِ رِيع فعنّ على الناجشِ
ساط طويل بعيد الخطو، والشاة الثور، والأران النشاط، قال الشاعر:
وكان انطلاق الشاة من حيث خيّما
(1/46)

يريد الثور والناجش الصائد ومنه قيل للزائد في ثمن السلعة ناجش ونجاش.

التشبيه بالناس
قال أبو داود:
ظَلِلت أخفضُه كأنه رجلٌ ... دامي اليدينِ لي علياءِ مسلوبِ
أخفضه أسكنه، كأنه رجل عريان واقف على شرف وإنما أراد أنه مطوى مدمج قصير الشعرة ولم يشبهه به إلا في الخلقة لا في المشي ولا في العدو.
أو هيِّبان نجيب بات عن غنمٍ ... مستوهلٍ في سوادِ الليلِ منخوبِ
يقول أو كأنه راع بات عن غنمه فوقع فيها الذئب أو تفرقت عليه فهو منخوب قد سلب لبه، شبه الفرس به لهوجه ونزقه وقلقه، وأنشدني السجستاني عن أبي عبيدة:
كأنه يرفئي نامَ في غنمٍ ... مستوثرٍ في سواد الليلِ مذؤوبِ
وقال: يرفئ راع أسود، مستوثر نام مذعورا، مذؤوب وقع
(1/47)

الذئب في غنمه قال: وبعضهم يجعل اليرفئ تيس المعز، وقال زهير يصف العير:
فظلّ كأنه رجلٌ سليبٌ ... على علياءِ ليس له رداءُ
وقال الأخطل:
كأنهما لما استحمّا فأشرفا ... سليبان من ثوْبيهما خضلانِ
كأن ثيابَ البربري تطيّرها ... أعاصيرُ ريحٍ زفزفٍ زفيانِ
وقال أبو النجم:
كأنه حينَ تدمّى مسحله ... وابتلّ ماءُ نحرهِ وكفلهُ
جعد طوال ظل دجن يغسله
يقول كأن هذا الفرس رجل هذه صفته، وقال عقبة بن سابق:
كشخصِ الرجلِ العريا ... نِ قذد فوجئ بالرعبِ
وقال النظار الفقعسي وذكر الحمار:
ظلّ بقفٍ فرقاً أجلاده ... يوفي الصوى مثل السليبِ العريانِ
فرقاً ذائباً من التلف، وقال آخر وذكر الفرس:
كأنه سكرانٌ أو عابثٌ ... أو ابنُ ربٍ حدثِ المولدِ
وقال أبو النجم:
والخيل تمشي مِشية الزوار
(1/48)

أي تمشي بليقة في مشيها كما يمشي الذي يزور بعضهم بعضاً على إدلال وتؤدة.
وقال كثير:
ولقد شهدت الخيل يحمِل شِكّتي ... متملِّط خذِم العنان بَهيمُ
متملط ذاهب ماض يقال تملط منى وقولهم فلان مِلط منه.
عَتد القيادِ كأنه متحجّرٌ ... حرِبٌ يشاهدُ رهطَه مظلومُ
باقي الذّماءِ إذا ملكت مُناقل ... وإذا جمعتُ به أجش هزيمُ
حرب غضبان، والذماء بقية نفسه، يقول: إذا ملكت عنانه فهو مناقل في السير وإذا جمعت به رجليك للحضر فهو أجش هزيم، يقال جمع رجليه به إذا طلب عدوه، ومنه قول عمرو بن معدي كرب:
ولقد أجمع رجليّ بها ... حذَرُ الموتِ وإني لفَرورُ
ويروى: وإني لوقور.

باب التشبيه في خلقه بالعصا
امرؤ القيس:
بِعجِلزةٍ قد أترزَ الجريُ لحمها ... كميتٌ كأنها هِراوة مِنوالِ
(1/49)

عجلزة صلبة ويقال عَجلَزة أيضاً، أترز أيبس، يقال خرجت خبزتك تارزة أي يابسة ويقال للميت قد تَرز، والمنوال خشبة من أداة النساج وهراوته التي يلف عليها الغزل وهي صلبة ملساء، وقال أبو عبيدة: امرؤ القيس أول من شبه الخيل بالعصا واللقوة والسباع والظباء والطير فاتبعه الناس على ذلك.
وقال لبيد:
جرداء مثل هراوة الأعزاب
الهراوة العصا والأعزاب الذين يعزبون عن أهلهم واحدهم عزب.
وقال الأعشى:
وكل كميت كجذع الطري ... ق يجري على سلطات وُثُم
الطريق ضرب من النخل وإنما سمي طريقاً لأنه يغرس على سطر واحد، وثم من الوثم وهو شدة وقع الحافر والخف على الأرض.

باب التشبيه بالدلو
قال الشاعر:
كل وآةٍ طيّعٍ جَنا بها ... مثل الدَلاةِ عُطِبتْ أسبابُها
وآة شديدة، طيع مطيع، جنا بها قودها والدلاة الدلو، وقال آخر:
(1/50)

متطلعٌ في الكفِ ينزعُ مقدماً ... كهوّى دلوٍ خانها التكريبُ
أي انقطع الكرب فهوت في البئر، وقال ذو الرمة في مثله:
كأنها دلوُ بئرٍ جد ماتحها ... حتى إذا ما رآها خانها الكربُ
وقال خفاف بن ندبة:
حامَ على أثرِ الشياهِ كأنه ... إذ جد سجل نزيّة مصبوبُ
النزية ما نزا من الماء.

باب التشبيه بالحسى
أنشد:
يجيشُ على العلاتِ والخيلِ شرّب ... كما جاشَ حسى الأبطحِ المتفجرِ
وقال زيد الخيل:
يجمُ على الساقينِ بعد كلالهِ ... كما جمُ جفرٍ بالكلابِ نقيبُ
وأخذه من قول امرئ القيس حين، يقول:
يجم على الساقين بعدَ كلالِهِ ... جمومُ عيونِ الحسى بعد المخيضِ
يقول إذا غمز بالساقين وحث بهما جم كما يجم البئر يجمع ماؤها والمخيض مخضها بالدلاء.
(1/51)

باب التشبيه بالماء والسيل
قال:
فولّت سراعاً وإرخاؤها ... كسيلِ النضيحِ إذا ما انبعَثْ
النضيح الحوض، سمي بذلك لأنه ينضح العطش.
وقال زهير:
فتبّع آثارَ الشياهِ جوادُنا ... كشؤبوبِ غيثٍ يحفشُ الأكم وابله
يحفش يعلو.
وقال المرار - بن منقذ العدوي:
يرأبُ الشدّ إلى الشدِ كما ... حفش الوابلِ غيث مسبكرِ
وقال آخر:
تقريبها شدٌ وإحضارها ... كمرّ غيث مسبل تحت ريحِ

ما تشبه به جماعات الخيل
قال ضمرة بن ضمرة:
والخيلُ من خللِ الغبارِ خوارجٌ ... كالتمرِ ينثر من جرابِ الجرّمِ
الجرم الصرام، وهذا مثل - يقول الخيل في الغبار منتشرة كأنها
(1/52)

تمر ينثر من جراب.
وقال دريد - بن الصمة:
وربت غارةٌ أوضعت فيها ... كسحّ الخزرجي جريم تمرِ
الإيضاع ضرب من السير السريع، والسح الصب، والجريم التمر المصروم. وقال العجير:
كمتا وشقرا وورادا شُزّبا ... مثل جريمِ الهَجري المتسقِ
أي هن متتابعات كالتمر إذا نثر فتتابع، وقال آخر:
أسآر جرد مترصات كالنوى
وقال آخر - الأعشى -:
وجذ عانها كلقيط العجم
العجم النوى شبهها به لصلابتها واكتنازها، وقال أمية بن أبي عائذ يصف الحمير:
فظلت صَوافِن خوصُ العيو ... نِ بثّ النوى بالرُبا والهِجالِ
وقال رؤبة:
مستويات القدِّ كالجنبِ النسقِ ... تحيدُ عن الظلاها من الفرقِ
يقول كأنهن أضلاع الجنب في استوائهن.
وقال الأعلب في الإبل:
(1/53)

على قِلاصٍ يعملات قُبْ ... متَّسقات كضلوعِ الجنبْ
وقال الجعفي - الأسعر:
يخرُجنَ من خللِ الغبارِ عوابساً ... كأصابعِ المقرورِ أقعى فاصطلى
يقول خرجت الخيل متقارباً بعضها من بعض يبادرن الغارة كتقارب الأصابع، وقال بعضهم شبهها بأصابع المقرور خاصة إذا اصطلى لأنه إذا أدناها من النار قبضها بعض القبض فكادت أطرافها تتساوى وقال زيد الخيل وذكر الربيئة:
وألقى نفسَه وهويْنَ رَهواً ... ينازُ عن الأعنّة كالكعابِ
شبه الخيل بكعاب القمار إذا ضربت فوقعت متبددة، ومثله - والبيت لأجدع بن مالك -:
وكأن عَقراها كِعابٍ مقامرٍ ... ضربت على شَزَنَ فهن شَواعي
شزن حرف شاخص ليس بمستوٍ، وإذا ضربت عليه كان أشد لتفرقها وأراد شوائع فقلب والشوائع المتفرقة، يقال شائع وشاعٌ مثل هائر وهار قال الأصمعي: كأن الخيل كعاب مقامر فبعضها على
(1/54)

ظهر وبعضها على جنب، وقال الجعدي:
وعادية سوم الجراد وزعتها
أي تنتشر كما ينتشر الجراد، والعادية الحاملة على القوم وقد فسر البيت.

ما يشبه به حدة نفسه ونزقه ونبض فؤاده
قال أبو داود:
كليتاها كالمروتينِ وقلبِ ... نبضى كأنه برعومُ
البرعوم كمام الزهر، وهو لا يكاد يسكن من خفته فشبه قلبها في نبضه بذلك، وقال ابن مقبل:
وللفؤادِ وجيبٌ تحت أبهره ... لَدمِ الغلامِ وراء الغيبِ بالحجرِ
الأبهر عرق مستبطن الصلب، يقال أن القلب متصل به، يقول تسمع صوت فؤاده من تحت الأبهر كما تسمع لدما من وراء غيب ونبض الفؤاد لحدة نفسه وذلك محمود وكذلك الرعدة، قال ابن مقبل:
(1/55)

ويرعدُ إرعادَ الهجينِ أضاعَه ... غداةَ الشمالِ الشُمرجِ المتنصَّحِ
الهجين البختي ويكون من الرجال في غير هذا الموضع أيضاً، والشمرج الثوب الخلق، والمتنصح المخيط في كل ناحية.
وقال أبو داود يصف حدة نفسه ونزقه بعد الجري:
فقلت لهم جلّلوه الثياب ... وشدوا الحِزام وأرخوا اللبب
وضموا جناحيه أن يستطار ... فقد كان يأخذُ حسنَ الأدبِ
وقال ابن أحمر:
ثم اقتحمت مناجدا ولزمته ... لفؤادِه زجَلٌ كعَزفِ الهدهدِ
مناجدا مشارا ولفؤاده صوت ووجيب مثل صوت الهدهد وهو عزفه، وقال طرفة يصف قلب ناقة:
وأروعُ نباضِ أحذ ململمٍ ... كمرادةِ صخرٍ من صفيحٍ مصمدِ
الأروع الحديد، ومرادة صخر حجر يرمى به صلب شبهه به في صلابته، قال ابن مقبل:
يزَعُ الذراعُ منه مثل ما ... يزعُ الدالي من الدلوِ الوذِمِ
يزع يكف الذراع منه ويرفق به كما يرفق الدالي بالدلو يخاف على
(1/56)

أوذامها، وقال امرؤ القيس:
فظلّت وظل الجَون عندي بِلبدِه ... كأني أعدّى عن جناح مهِيضِ
أخفّضه بالنقرِ لما عَلَوْته ... ويرفع طرفاً غير جافٍ غضيضِ
أعدى يقول أكف عن عُريه وأبقى منه كما يبقى جناح قد انكسر، والنقر أن ينقض له بفيه حتى يسكن، غير جاف أي لا يجفو عن الأشباح ولا هو غضيض عنها، وقال العرجي:
إذا قادهُ السُّواسُ لا يملكونَه ... وكان الذي يألونَ قولاً له هلا
أي كان الذي يستطيعون أن يقولوا له هلا، وقال الشاعر:
وإن تركبوا أعراضنا بشتيمةٍ ... فإني لا آلو لأعراضكم شتما
أي لا أستطيع، وقال زهير:
فبُتنا عراةً عند رأسِ جوادِنا ... يزاولنا عن نفسِه ونزاوله
قال الأصمعي: العرب تقول بتنا عراة أي مشمرين وعلينا أزرنا، قال أبو عبيدة: عراة يعرونا عرواء أي رعدة من الزمع أي بنا زمع وحرص على القنص، وأنشد:
أسد تفر الأسد من عروائه
يزاولنا ونزاوله أي يجذبنا ونجذبه.
وقال آخر - أبو داود الإيادي:
فبتنا عراةً لدى مهرِنا ... ننّزعُ من شفتيهِ الصّفارا
(1/57)

" الصفار يبيس البهمي، وقال ابن مقبل:
خدّى مثل خَدى الفالجي ينوشى ... بخبطِ يديهِ عِيل ما هو عائلهُ
خدي من الخديان، ينوشى من النوش وهو التناول يقول يكاد يتناولني بيديه من خبطه بهما وذاك من نزقه ومرحه، عيل ما هو عائله وإنما هو كقولك عالني الشيء أي أثقلني ولم يرد بذلك مذهب الدعاء عليه وإنما هو كقولك للشيء يعجبك قاتله الله أخزاه الله أي شدد هذا الشيء عليه وأثقله.

التشبيه باهتزاز الرمح
قال أبو داود:
كهزِ الرديني بين الأكفّ ... جري في الأنابيبِ ثم اضطربِ
يقول إذا هززت الرمح جرت تلك الهزة فيه حتى يضطرب كله وكذلك هذا الفرس ليس فيه عضو إلا وهو يعين ما يليه، ولم يرد الاضطراب ولا الرعدة.
وقال ابن مقبل:
يفرفر الفأسِ بالنا بين يخلعه ... في أفكلٍ من شهودِ الجنِ محتضرِ
يفرفر يجري فأس اللجام حتى يخلعه في رعدة، ويقال إن الجن تحضر الفرس، عن أبي عمرو.
قال أبو النجم:
(1/58)

والجن حُضّار به تقبّله
وأنشدنيه السجستاني عن أبي عبيدة: يفرّرالفأس أي يخرجه من فيه وقال - ابن مقبل:
أقولُ والحبلُ مشدودٌ بمسحلهِ ... مرحى له إن يفُتنا مسحه يطِرِ
الأصمعي عن أبي طرفة وأبي عمر وبن العلاء: يقال إذا رمى فأصاب مرحى فإذا ثنى فأصاب قال أيحى.
قال أمية بن أبي عائذ:
يصيب الفريصُ وصدقاً يقو ... ل مَرحى وإيحى إذا ما يوالي
يقول إن فاتنا مسحه طار من الحدة.

ما يشبه به بعد الإضمار
أبو داود:
غدوْنا به كسوارِ الهَلو ... كِ مضطمِراً حالباه اضطِمارا
الهلوك الفاجرة التي تتهالك على الرجال وهي أكثر لبساً للسوار من غيرها وهي تليحه وتبرزه للرجال فهو أدق من غيره من الأسوارة، والحالبان العرقان في الخاصرتين عن يمين وشمال، أراد أنه مضمر.
وقال أيضاً:
فسَللْنا عنه الجِلالَ كما س ... ل لبيعِ اللطيمةِ الدَخدارِ
(1/59)

يقول نزعنا عنه الجلال فخرج منه الصيان كما يخرج ثياب البزاز من التخت إذا صينت بالمناديل، والدخدار بالفارسية تخت دار وهو الثوب الذي يمسكه التخت.
وقال امرؤ القيس:
فقمنا بأشلاءِ اللجامِ ولم نقُد ... إلى غصنِ بانٍ ناضرٍ لم يحرَّقِ
نزاوله حتى حَمَلنا غلامَنا ... على ظهرِ ساطٍ كالصليفِ المعرقِ
أراد قمنا بأشلاء اللجام إلى غصن بان، ولم نقد أي ركبناه ولم نقده، ويقال للشَعر إذا نبت كزاليس بسبط ولا مسترسل أنه لحرق النبات، والساطي الطويل وهو الواسع الخطو، والصليف عود يكون معرضاً في القتب، والمعرق الذي قد برى فليس عليه قشر أي هو أملس ويقال الصليف جانب العنق وهما صليفان، والمعرق الذي لا لحم عليه.
وقال امرؤ القيس:
إذا أعرضتُ قلتُ دُبّاءةٌ ... من الخضر مغموسةٌ في الغُدُرِ
يقول كأنها من بريقها قرعة وليس يريد أنها مغموسة في الماء ولكنه أراد أنها في ري فهو أشد لملاستها، وهذا كقولك: فلان مغموس في الخير، وقال بعضهم إناث الخيل تكون في الخلقة كالقرعة يدق مقدمها ويعظم مؤخرها.
وقال ابن مقبل:
(1/60)

كأن دباءة شُدّ الحزام بها

ما يشبه من صغارها ومهازيلها
قال بشر - بن أبي خازم الأسدي:
بأحقِيها المُلاء محزّمات ... كأن جِذاعها أُصُلا جِلام
كانت الخيل إذا طرحت أولادها عُصبت بطونها بالملاء كراهة الخوى، والجلام الواحد جلم، قال بعضهم هو الجدي وقال آخرون هو الذي يقطع به، ويقال الجلام اعنز حجازية صغار دقاق، وقد اكترث الشعراء في تشبيه صغراها ومهازيلها بالجلام، قال أبو داود:
قد شوتهن غِرة الوحش والأع ... داء حتى كأنهن جلام
أي أضمرها كثرة ما يطلب بهن غرة الوحش وغرة الأعداء، وقال الأعشى:
شوازبُ جُذعانها كالجلامِ ... قدَ اقرحَ منها القِيادَ النسورا
وقال النابغة:
شوازبٌ كالأجلامِ قد آلَ رِمّها ... سماحيقٌ صفُرا في تليلٍ وفائلِ
شوازب وشواسب ضوامر، رمها بقية مخها صار رقيقاً أصفر وقال الأصمعي: يقول نحلت فصار ما كان فيها من شحم وقوة إلى المواضع التي لا تنحل إلى التليل وهو العنق وإلى الفائل وهو عرق يكون في الفخذ ولم يرد الفائل بعينه وإنما أراد موضع الفائل،
(1/61)

وسماحيق طرائق رقاق فأما المخ فإنه بعد النحول يبقى في السلاميات والعين، قال أبو ميمون النضر بن سلمة العجلي يصف الخيل:
لا يشتكيْن عملاً ما أنقين ... ما دامَ مخٌ في سلامي أو عينُ
وأنشدني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه:
أضر به التعداء حتى كأنه ... منيحٌ قدّاحٌ في اليدينِ مشيقُ
قال لأن المنيح يلقي ما لا يلقي القداح لأنه كلما خرج رُد، ومشيق يقول يعرق فيدلك باليدين.

ما يشبه به الغبار الذي تثير بحوافرها
والحصا الذي تنجله بأرجلها وما تستخرجه من الفار
قال مزاحم:
يتبعنَ مُشترفاً ترمي دوابره ... رمي الأكفِّ بتربِ الهائلِ الحصبِ
المشترف السامي ببصره، ودوابره مآخير حوافره، قال امرؤ القيس:
مَسحِّ إذا ما السابحات على الونى ... أثرنَ الغبارَ بالكديدِ السَمَوّلِ
الكديد المكان الغليظ يقول يثرن الغبار بالمكان الحزن، والسمول
(1/62)

جوف من الأرض واسع، يقال إذا فعل العتاق هذا الونى والفترة كان مسحاً. قال أبو النجم:
كأنها بالصمدِ ذي القُلاقِل ... مجتابةٌ في خلقٍ رَعابِلِ
الصمد مكان غليظ والقلاقل شجر، يقول يثرن الغبار مجتابة ثوباً خلقاً، وقال في الإبل:
تغادر الصمد كظهر الأجزَل
وقال دكين:
ينبُثن نبثاً كالجراء الأطفال
أي يقلعن بحوافرهن من الطين مثل الجرار، وقال امرؤ القيس:
ترى الفأر في مستنقعِ الماءِ لاحباً ... على جددِ الصحراءِ من شدّ ملهِبِ
خفاهُن من أنفاقَهُن كأنما ... خفاهُن ودقّ من عشي مجلِّبِ
يريد أنه مر وله حفيف فخرج الفأر من حجرتهن خشية المطر، لاحباً يأخذ في لحب الطريق، خفاهن استخرجهن، وأنفاقهن جحرتهن، مجلب ذو جلبة ويروي محلب وقال آخر:
وراحَ كشؤبوبِ العشي بوابلٍ ... ويخرُجنَ من جعدٍ ثراه منصَّبِ
جعد غبار، منصب قد نصب على كل شيء، وقال طفيل:
إذا هبطتُ سهلاً حسبتُ غبارَها ... بجانبه الأقصى دواخنَ تنضُبُ
(1/63)

دواخن جمع دخان وهو جمع على غير قياس وكذلك يقال عُثان للغبار وعواثن، والتنضب شجر.

في القنص
قال عدي يصف الفرس والعير:
كأن ريقَه شؤبوبُ غاديةٍ ... لما تقفَّى رقيبُ النقعِ مُسطارا
يربي عليه تجاه الركبِ ذو دركٍ ... بالعقبِ إن لم يدم الجلزِ إحضارا
ريقه أول عدوه وريق الشباب وروقه سواء وهو أوله وجدته، والشؤبوب سحابة قليلة العرض شديدة الوقع عظيمة القطر، فضربه مثلاً لعدوه، وغادية أمطرت بالغداة، ولما تقفي يعني الفرس يريد لما تولي في أثر الحمار، رقيب النقع أي مراقباً لنقع الحمار وهو غباره، مسطاراً أراد مستطاراً أي ذاهب الغبار من حدته، يربي عليه يعني الفرس يدرك ما طلب، والعقب عدو بعد العدو الأول، والجلز معظم السنان وأغلظه، يقول إن لم يدركه صاحبه فيطعنه حتى يدمي الجلز فإنه يدركه في العقب، وقال ابن الرقاع ووصف فرساً يطرد عانة:
فرمى به أدبارَهُن غلامنا ... لما استتبّ به ولم يستدخلُ
استتب تتابع، ولم يستدخل أي لم يدخل الحمر دواخل الأرض
(1/64)

ولكن جاهر الصيد كما قال زهير:
متى نره فإننا لا نختاله
وقال يزيد بن عمرو الحنفي:
نعم الألوك الوك اللحم ترسله ... على خواضبٍ فيها الليلَ تطريبُ
الألوك الرسالة، يقول ترسله فيأتيك باللحم أي يصيدك.
وقال أبو داود:
يزيّنَ البيتَ مربوطاً ... ويشفي قرم الركبِ
يقول إذا قرموا إلى اللحم ركبوه فصادوا عليه.
وقال آخر - خالد بن الصقعب:
وتُشبِع مجلسَ الحييْنِ لحماً ... وتُبقي لِلإماءِ من الوَزيمِ
الوزيم البقية، يقول يفضل بعد شبعهم للإماء.
(1/65)

وقال عوف بن الخرع يصف فرساً:
فأثنتْ تقودُ الخيلَ من كل جانبٍ ... وقال الصديقُ قد أجادوا وأنعموا
هنالك لا تُلقي عليها هشيمةً ... لبخل ولكن صيدها متقسَّمُ
تقول الخيل أي تقاد الخيل إليها ليسابق بها، أجادوا جاؤوا بها جواداً، وأنعموا زادوا ومنه يقال دققت الدواء فأنعمت، والهشيمة الصيد يقول لا يحملونه على هذه الفرس كما يفعل من يبخل ولكنه يقسم.
وقال عبد المسيح بن عسلة:
وعازبٌ قد علا التهويلُ جنبتَه ... لا ينفعُ النعلُ في رقراقِه الحافي
باكرته قبل أن تلغي عصافِره ... مستخفياً صاحبي وغيره الخافي
لا ينفعُ الوحشَ منه أن تحذّره ... كأنه معلقٌ فيها بخطافِ
عازب نبت بعيد ليس فيه أحد، والتهويل الألوان من الحمرة
(1/66)

والصفرة في نور البقل، والجنبة شجر من الحمض والخلة، لا ينفع النعل الحافي فيه من كثرة نداه، ورقراقه ما رق منه، تلغي تصيح، مستخفياً صاحبي أي فرسي أخفيه لئلا يعلم به الوحش، وغيره الخافي أي مثله لا يخفي لطوله وإشرافه، وقال سلامة بن جندل:
والعادياتُ أسابيُّ الدماءِ بها ... كأن أعناقها أنصابُ ترجيبِ
العاديات خيل تعدو، قال الله عز وجل والعاديات ضبحاً، تعدو وتضبح والضبح صوت يخرج من حلوقها عند العدو، والأسابي طرائق الدم واحدها إسباءة، أنصاب ترجيب جمع نُصب وهو الذي ينصب لذبح رجب، شبه أعناقها لما عليها من الدم بالحجارة التي كانوا يذبحون عليها، وكان الفرس إذا عقر عليه خضبوه بدم الصيد وكذلك البازي إذا صاد شيئاً من عظام الطير، وقال أبو عمرو واحد الأسابي إسباء.
وقال امرؤ القيس وذكر الفرس:
وقام طُوال الشخصِ إذ يخضِبونه ... قيامَ العزيزِ الفارسي المنطَّقِ
يقول يخضبونه بدم ما يصاد عليه. وقال الأعشى:
بمشذبٍ كالجذعِ صا ... كَ على حواجبهِ خضابَه
صاك لزق والمشذب الطويل وقال العباس بن مرداس:
(1/67)

صنيعاً كقارورةِ الزعفرا ... نِ مما تُصانُ وما تُؤثرُ
إذا شاء أربابُها لم يزل ... خضاب بلبتها أحمرُ
يصاد اعتباطاً عليها الظلي ... م في القطر والفرأ الأقمرُ
الفرأ حمار الوحش، وقال ابن مقبل:
وغيثٌ تبطنت قُريانه ... إذا رفه الوبلُ عند دُجنَ
ذعرتْ به العيرُ مستوزياً ... شكير جحافله قد كَتِنَ
مستوزياً متهيئاً، شكير جحافله صغار الشعر على جحافله، كتن لزج واتسخ، ومثله له:
والعيرُ ينفخُ في المكنانِ قد كتِنت ... منه جحافلُه والعَضرسِ الثُجَرِ
والمكنان نبت وإنما ينفخ فيه لأنه قد سنق من الكلأ، والعضرس نبت أحمر النوار إلى السواد، والثجر جماعات متفرقة الواحدة ثجرة
(1/68)

وواحدة المكنان مكنانة، وقال معاوية بن مرداس:
وعازب عاشبٌ قفرٌ مساربه ... تلقي أوابده عِينا وأثوارا
باكرتُه بكرةٌ أخشى اللقاءَ به ... أقودُ منجرداً كالسِيد عَيّارا
يكاد في شأوه لولا أسَكنّه ... لو طارَ ذو حافرٍ من شدِّهِ طارا
فاخترتهنَ ولم تُنجَد مغابنه ... وكنتُ لا بد إذ عاديتُ مختارا
عاديت واليت بين اثنين كما قال امرؤ القيس:
فعادى عداء بين ثور ونعجة
وقوله: لم تنجد لم تعرق والنَجد العرق، فاخترتهن يقول اخترت منهن. وقال المرار العدوي:
نبعثُ الحُطّاب أن يعدي به ... يبتغَى صيدَ نعامٍ وحمرِ
يقول نبعث من يحتطب لأنا نثق بأنه يصيد، وقال الهذلي وذكر خمارين:
وقد لقيا مع الإشراقِ خيلاً ... تسوفُ الوحشَ حسبها خياما
السائف الصائد وأصله و - هو - يسوف يصيد، وقال زياد - بن منقذ - لعدي أخو المرار:
(1/69)

من غير عُرى ولكن من تبذلهم ... للصيدِ حين يصيحُ السائفُ اللحِمُ
وقال عدي بن زيد:
شاءنا ذو ميعة يُبطِرنا ... خمر الأرض وتقديم الجُننِ
شاءنا أعجبنا ما نرى منه وهو من شؤت به، قال - الحارث بن خالد المخزومي:
مر الحمول فما شأونك نقرة " ... ولقد أراك تشاء بالأظعان
يريد سرّنا، ذو ميعة ذو نشاط، يبطرنا يعجلنا عن أن نتقدم إلى خمر أو جنة توارينا من الصيد، وأصل يبطرنا يدهشنا والبطر والدهش واحد.
يرأب الشدُ بسحٍ مرسلٍ ... كاحتفالِ الغيثِ بالمزنِ اليفنِ
يرأب الشد بسح مرسل أي يصلح شده بسرعة، والاحتفال الاجتماع، والمزن السحاب، واليفن الشيخ البالغ، يقول قد بلغ هذا السحاب الغاية وكثر ماؤه، وهو من المقلوب إنما هو كاحتفال المزن اليفن بالغيث.
أنسل الذرعانُ غربَ خذم ... وعلا الربرب أزم لم يَدُن
أنسل أي خلّف الذرعان خلفه فنسلت، ويقال أسقطها من قولك نسل وبر البعير أي سقط، والذرعان أولاد البقر واحدها ذرع، وإنما يطلب الكبار منها، غرب نشاط، خذم سريع، أزم عض لأن الفرس
(1/70)

يعض على لجامه إذا أرسل، وإنما أراد العدو الذي يكون فيه العض لا العض، لم يدن لم يضعف من قولك دان يدون دوناً وأُدِين إدانةً أي أضعف، أبو عمرو لم يُدَنّ لم يقصر وأنشد:
يا من لقوم رأيهم خلف مدَن
وقال عدي بن زيد وذكر الحمار والفرس:
متى يهبطا سهبا فليس حماره ... وإن كان علجاً مُضمرَ الكشحِ طالعا
السهب المنصوب من الأرض، علجاً غليظاً، يقول متى صارا في السهب فليس الحمار بمنفلت منه حتى يطلع أي يشرف من ذلك السهب.
تردَّين ثوباً واستغاثَ بمغولٍ ... يضيفُ ويُعطي الغرب غرباً منازعا
تردين ثوباً من الغبار، بمغول يعني فرساً يغتال جريهن فيذهب به حتى يتركهن دون الغبار، ويقال مغول فرس يغول الأرض في جريه، ويضيف يجليء ما يطرد من الوحش ويخرجها من قولك فلان مضاف إلى كذا وكذا، قال ويعطي الغرب غرباً من جريه ينازعه به.
فلما استدارَ واستدرنَ بريق ... يُحلن به دون الغبارِ شوافعا
يريد لما بعد وبعدن - وذلك أن الفرس وكل عاد يبعد عنك فأنت تراه من بعيد وهو في حال عدوه كأنه يدور كما قال ذو الرمة:
حتى إذا دومت في الأرض
أي بعدت حتى رأيتها كأنها تدور، يقول فلما بعد الفرس وبعدت
(1/71)

بهذا الريق من العدو، يخلن به أي يخلن الوحش به دون الغبار أي مع هذا الفرس وهو دون غبارهن قد كاد يلحقهن فهو دون غبارهن لأن الغبار يتأخر عنهن فيخلن مع الفرس وهو دون غبارهن شوافعا، وقال الحرمازي: يحسب الواحد اثنين، وأنشد للبعيث:
وتيهُ مروراة تخالُ شخاصَه ... يحلنَ بأمثالٍ فهنَ شوافعُ
وقال لبيد:
يُغرق الثعلب في شرّته ... صائبَ الجذمةِ في غير فشلِ
الثعلب من القناة ما دخل منها في السنان، ويقال لما دخل فيه الثعلب من السنان الجبة، وأنشد في صفة الطعنة:
تغادرُ الجبّةَ محمرةً ... بقانئٍ من دمِ جوفٍ جميسِ
وشرته نشاطه وحدته، وقوله يغرق الثعلب يقول إذا طعنت عليه الطريدة أغرق ثعلب الرمح فيها من حدته وشدة جريه، صائب قاصد، والجذمة السوط، يقول إذا ضرب بالجذمة عدا عدواً صائباً غير منتشر، وجمع الجذمة جذم، والفشل الانتشار والفساد، والمعنى صائب عند الجذمة كما يقال ناقة رقود - الحلب - 5 - أي رقود عند الحلب، وقال غير الأصمعي الجذمة السرعة والذهاب ومنه
(1/72)

قيل أجذم فلان في سيره وأنشد - للربيع بن زياد:
حرّق قيسٌ عليّ البلا ... دِ حتى إذا اضطرمت أجذَما
وأنشدنيه السجستاني عن أبي عبيدة - للبيد:
يمكن الثعلب إن ثوّرته ... صائب الجِذمةِ من غير فَشَلِ
من نسا الناشِط في شِرّته ... ورئيسُ الأخدرياتِ الأولِ
أي يلحق الناشط فيمكن ثعلب الرمح من نساه، ونسا - رئيس - 5 - الأخدريات، والناشط الثور، وقال أبو داود يصف فرساً أنثى صاد عليها الوحش:
فلَهزتهنَ بها يؤّل فريصُها ... من لمعِ رابِئنا وهنَ غَوادي
يقال قد ألّ يؤل إذا أسرع في السير ويقال ألّ لونه يؤل إذا صفا وبرق ويكون يؤل في هذا البيت منهما جميعاً يقول لما لمع إلينا الرابيء بالوحش ركبت الفرس في آثارهن، وقال زهير:
ولقد غدوت على القنيص بسابح ... مثل الوذيلة جرشع لأم
الوذيلة الفضة أراد في صفاء شعرته وملاسته مثل قول الآخر - وهو سلمة من الخرشب:
كأن مسيحتي ورق عليها
(1/73)

وقال آخر - وهو عبد الله بن سلمة -:
تُعلى عليه مسائح من فضة
وقال الفرزدق:
ووفراء لم تُخرز بسيرِ وكيعةٍ ... غدوتَ بها طيَّا يدي برشائها
ذعرتُ بها سرباً نقياً جلودهُ ... كنجمِ الثّريا أسفرتْ من عَمائها
وفراء وافرة يعني فرساً، وكيعة وثيقة الخلق شديدته وكل وثيق شديد فهو وكيع، يقال دابة وكيع. وسقاء وكيع ويقال استوكعت معدته إذا اشتدت وقويت، طياً ضامر البطن، وقال ابن مقبل:
يُردي الحمارُ لزاماً وهو مبتركٌ ... كالأشعبِ الخاضعِ الناجي من المطرِ
يردي يهلك، لزاماً يلزمه، وهو مبترك أي معتمد، والأشعب الظبي وإنما يقال له أشعب إذا كان بعيد ما بين القرنين شبهه به في عدوه لا في خلقه.
(1/74)

باب في السباق عليها
قال العجاج:
تراهُ بعد المائة الطروحِ ... من الهوادي مَعطِفَ السنيحِ
المائة يريد مائة غلوة، والطروح المبعدة يقال اطرح بطرفك أي أبعد النظر وأنشد:
فاطرح بنفسك في البلاد
وقال آخر - الطرماح:
فاطرح بطرفك هل ترى أظعانهم
أي تراه بعد أن بعد من الهوادي وهي أوائل الخيل، معطف السنيح يقول تراه من سوابق الخيل بقدر المكان الذي يسنح فيه الظبي بين يدي المار.
وقال أبو النجم:
يقبض ما بين المنارِ مِغوله ... في جنبه الطائرِ ريث عجَلُه
مغوله شده وسرعته يقول كأنه يجمع ما بين المنار والمنار لسرعته، وقال آخر:
ليس بملحوق ولا بلا حق
أراد أنه متقدم أبداً لا شيء بين يديه يريد أن يلحقه ولا خلفه شيء قد لحقه منها.
وقال آخر:
(1/75)

يمشي رويداً ويكون أولاً
يريد أن عفوه أكثر من جهد غيره، وقال سلامة بن جندل:
يحاضر الجُونُ مخضراً جحافلها ... ويسبقُ الألفَ عفواً غير مضروبِ
الجون الحمر في ألوانها، مخضراً جحافلها يريد أنها تأكل الرطب فهو أشد لها وأسرع، ويسبق الألف فرس، ومثله للأعشى:
به يرعفُ الألفَ إذ أَرسلتْ ... غداةَ الصباحِ إذا النقعُ ثارا
يرعف يسبق ومنه يقال رعف فلان أي سبق دمه من أنفه، وقال أبو النجم يصف فرسه.
سباقة كل صنيعٍ علله ... أحلى من الشّهدِ ومرٌّ حنظلُهُ
فهو يسيل شريُه وعسلُه ... والخيلُ يحرمنَ خسيفاً يبذلُهُ
يقول يسبق معتلاً كل صنيع مصنوع من الخيل، وعلله أن لا يحنذ ولا يضمر والإحناذ أن يلقي عليه جل حتى يعرق فيذهب رهله عنه ويخف للجري، والشري الحنظل، قال حلاوته لصاحبه ومرارته لمن سابقه، يحرمن يمنعن والخسيف يعني به شدة عدوه شبهه بالخُسُف وهي الآبار التي لا تنزح.
(1/76)

وقال يذكر مُجرى الفرس:
أدرك عقلاً والرهانُ عملُه ... ثقْفٌ أعاليه وَقارٌ أسفلُه
يقول طرح في الرهان وهو صبي فكبر وعقل وليس يعرف عملاً غيره، ثقف لبق خفيف جيد التحرف، وقار كأنه ملزق بقار من ثبوته على متن فرسه.
وقال يصف يوم الرهان:
فظل مجنوباً وظل جَمَله ... بين شعيبين وزاد يُزملُه
حتى وَرَدْنا المصرَ يطوي قنبله ... نفرعُه فرعاً ولسنا نعتلُه
أي يحمل له العلف واللبن على جمل، والشعيبان مزادتان، يطوي يضمر، قنبله جماعة خيله، نفرعه نكفه، ونعتله ندفعه ونجره، يقول نداريه:
يحثي بجمرٍ خلفه وينجله ... كأن تربَ القاعِ وهو يسحلُه
صيق شياطين زفته شمأله ... فأوفَتِ الخيلُ ونحن نشلكُه
يقول إذا وطئ المرو بحوافره نجلها أي رمى بها إلى خلفه وقد انقدح منها النار يسحله يقشره ويرمي به وصيق غبار رفعته الشمال وأراد الزوابع، قال وذكر الخيل التي وافت بعده:
كل مكّبِ الجريِ أو مُنَعثِله ... والضربُ يحشوها بربوِ تشعلهُ
(1/77)

المنعثل البطيء مأخوذ من نعثل وهي الضبع وفيها ظلع، أي هي تضرب فالضرب يحشوها إذا عدت أي يملؤها ربواً أي قد جهدت، وقال يصف فرساً:
مقتدرُ النفسِ على اعتوائهِ ... مبتركٌ يخرجُ من هبائِه
تجرُّدَ المجنونُ من كسائه ... منفلَتَ الأصلعِ من نِصائِه
يقال إن من الخيل ما لا يستطيع أن ينثني إذا عدا وإن فعل ذلك به أتعب، مبترك معتمد في العدو، يقول يخرج من الغبار كما رمي مجنون بكسائه وكما أفلت أصلع ناصاه إنسان أي أخذ بناصيته، وقال أحيحة بن الجلاح يصف فرساً:
تَذر العناجيجُ الجيادَ بقفرةٍ ... مر الدموك بمحصدٍ ورجامِ
الدموك بكرة سريعة الدوران، محصد حبل شديد الفتل، والرجام حجر يشد في طرف الحبل ثم يدلي في البئر يخضخض به الحمأة حتى تثور ثم يستقي ذلك الماء فيستنقي البئر وهذا إذا
(1/78)

بعدت فلم ينزل إليها، وقال الفرزدق وحمله سبرة بن النخف على فرس:
حمى سبرة بن النخف يوم لقيتُهُ ... ذمار العتيكِ بالجوادِ المقصبِ
المقصب السابق الذي يحرز قصبة السبق، وقال العماني ووصف فرساً يعدو:
كأن تحتَ البطنِ منه أكلباً ... بيضاً صغاراً ينتهشنَ المنقَبا
وصف فرساً يسرع في عدوه فقوائمه الأربع تجتمع على بطنه وهو محجل فشبه قوائمه في اجتماعها هناك وتحجيلها بكلاب بيض والمنقب موضع نقب البيطار، وقال:
كأن أجراءَ كلابٍ بيضٍ ... بين صفاقيهِ إلى التعريضِ
وقال:
كأن قطناً أو كلاباً أربعاً ... دون صفاقيه إذا ما ضبَعا
وقال آخر في تشبيه بذلك:
ونجاكَ منها بعد ما ملّت جانئا ... ورمت حِذار الموتِ كل مَرامِ
مُلحّ إذا بلّحن في الوعثِ سابق ... سنابكُ رجليهِ بعَقدِ حِزامِ
جانيء يقول جنأت مخافة الطعن، يقول إذا عدا قربت سنابك
(1/79)

رجليه من حزامه لشدة عدوه، بلحن أعيين وقمن.

باب حثها بالأعقاب والسياط
قال الشاعر - وهو ساعدة بن جؤية الهذلي:
يوشونهنَ إذا ما آنسوا فزعاً ... تحت السنّورِ بالأعقابِ والجِذمِ
يوشونهن يستخرجون ما عندهن بالحث بالأعقاب والضرب بالسياط.
وقال رؤبة يصف فرساً:
ناجٍ يعنّيهنَ بالإبعاطِ ... إذا استدى نوّهنَ بالسياطِ
الإبعاط والأبعاد واحد ومثله مد ومط، استدى عرق وهو افتعل من السدي وهو الندى نوهن بالسياط أي كأنهن يدعون بها ليضربن لأنهن يقصرن عن غايته في هذا الوقت فيضربن، ومثله لابن كراع في وصف ناقة:
(1/80)

وإذا السياطُ تكلّفتها عَطّفت ... ثمرَ السياطِ قطوفَها ووساعَها
وقد فسر في كتاب الإبل، وقال امرؤ القيس:
فللسوطِ ألهوبٌ وللساقِ درةٌ ... وللزجر منه وقعٌ أخرج مُهذِبُ
يقول إذا ضرب بالسوط التهب في جريه وإذا مُري بالساق در، والأخرج الظليم، وروي أن امرأ القيس وعلقمة بن عبدة الفحل تنازعا الشعر إلى أم جندب امرأة امرئ القيس وادعى كل واحد أنه أشعر من صاحبه، فقالت قولا شعراً في صفة الخيل على روي واحد، فقال امرؤ القيس شعراً هذا البيت فيه.
وقال علقمة شعراً فيه:
فولّى على آثارهنَ بحاصبٍ ... وغَبية شؤبوب من الشدّ ملهبِ
فأدركهنَ ثانياً من عنانه ... يمر كمرِّ الرائحِ المتحلبِ
فحكمت لعلقمة على امرئ القيس وقالت: أما أنت فجهدت فرسك بسوطك وزجرك ومريته بساقك، وأما هو فأدرك فرسه الطريدة ثانياً من عنانه لم يضربه بسوط ولم يمره بساق ولم يزجره،
(1/81)

فقال امرؤ القيس: ما هو بأشعر مني ولكنك له عاشق، فطلقها فخلف عليها علقمة.
وقال امرؤ القيس:
وللسوطِ فيها مجالٌ كما ... تنزّل ذو بردٍ منهمرِ
يقول إذا وقع بها السوط جالت من حدة نفسها ثم شبه حفيفها بحفيف المطر الذي فيه برد.
وقال زهير:
إذا رُفع السياطُ لها تمطّت ... وذلك من عُلالتها متينُ
تمطت تمددت، وعلالة الفرس بقية جريه بعد الجهد وعلالة الناقة والشاة ما تدر به بعد الحلب، يقول ذلك العدو وإن كان علالة فهو متين، وقال امرؤ القيس:
يجمُّ على الساقينِ بعدَ كلالهِ ... جمومَ عيونِ الحسى بعد المخيضِ
يقول إذا غمز بالساقين وحث بهاجم كما تجم البئر أي يجتمع ماؤها والمخيض مخضها بالدلاء، وقال خداش بن زهير العامري:
وأبرحُ ما أدامَ اللهُ قومي ... رخيّ البال منتطقا مُجيدا
منتطقاً فيه قولان، أحدهما أن يشد الدرع عليه بالنطاق، ويروى عن يونس أنه قال: تقول انتطق الرجل فرسه إذا قاده، مجيداً أقود فرساً تلد الجياد، وقاد الأصمعي أرسل الوليد بن عبد الملك حلبة
(1/82)

من الخيل فأرسل أعرابي فرساً له مجيداً فسبقت الخيل فقال له الوليد: احملني عليها، فقال إن لها حرمة ولكني أحملك على مهر لها سبق الناس عاماً أول وهو رابض يريد أنه في بطن أمه فسبقت.

باب في القيام عليها وإضمارها
وسقيها باللبن
قال زهير:
تميمٌ علفناه فأكمل صنعه ... فتم فعزّته يداه وكاهلهُ
تميم تام، ويروي فلوناه أي فطمناه ويقال له إذا فطم فلوٌّ. عزته يداه وكاهله أي صار أعظم شيء فيه يداه وكاهله وهذا من صفة الجياد. وقال زهير:
وعزّتها كواهِلِها وكلّتْ ... سنابِكُها وقدّحت العيون
وقال أبو زبيد يصف الأسد:
إذا سار عزّته يداه وكاهله
وقال امرؤ القيس:
ورحنا وراحَ الطِرفُ ينفضُ رأسَه ... متى ما ترقُ العينُ فيه تسهّلُ
(1/83)

ينفض رأسه من النشاط، يقول إذا رفع رأسه إليه ناظر رأى ما يعجبه فسهل وهذا مثل قولهم: صعد فيه البصر وصوبه، وقال رجل من جشم:
طِرف غدونا بسواد نستره
نستره مخافة العين عليه. وقال عنترة يذكر فرسه الأغر وإحسانه إليه:
أراه أهلُ ذلك حين يسعى ... رعاءَ الناسِ في طلبِ الحلوبِ
الحلوب جمع حلوبة وهي النوق تحلب، يقول أفعل ذلك به إذا اشتد الزمان وطلب الرعاء الحلوب في الإبل لشدة الزمان.
فيخفُقُ مرةً ويفيدُ أخرى ... ونفجع ذا الضغائنِ بالأريبِ
يخفق يخيب، أخفق الرجل، ويفيد يغنم، ونفجع نصيب ذا العداوة والحقد بالأريب وهو العاقل وهو الداهي أيضاً، وقال آخر - وهو أوس بن حجر -:
فأعقب خير أكلٍ أهوجٍ مِمْرَج ... وكل مفداةِ العُلالةِ صِلدمِ
(1/84)

أي أعقبتهم خيلهم هذه خيراً مما قاموا عليها وصنعوها، والأهوج الذي يركب رأسه، والممرج الكثير الجري، وقوله مفادة العلالة يقال لها إذا طلب علالتها وهي بقية جريها: وَيها فدى لك، ومثله لطفيل:
وللخيل أيام فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيامها الخير تعقب
والعرب لكثرة انتفاعها بالخيل تسميها الخير، قال الله عز وجل: " إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب " ذكروا أنه لها بالخيل وبالنظر إليها حتى فاتته صلاة العصر، وقال أبو ميمون العجلي:
فالخيل والخير ... كالقرينين
وقال خالد بن الصقعب النهدي:
يُصَبُ لها نطافُ القومِ سراً ... ويَشهدُ خالُها أمرَ الزعيمِ
أي تؤثر بالماء لنفاستها، وخالها صاحبها، يقال أنه لخائل مال وخال مال - إذا كان حسن القيام عليه، والزعيم الرئيس، أراد أن لفارسها قدراً فالرئيس يشاوره في أمره، وقالت ليلى الأخيلية:
حتى إذا برز اللواءُ رأيتهُ ... تحتَ اللواءِ على الخميسِ زعيماً
وقال أبو ذؤيب:
(1/85)

قصر الصبوحَ لها فشُرّج لحمها ... بالنِيّ فهي تثوخُ فيها الأصبعُ
قصره حبسه عليها لا يفارقها، فشرج لحمها أي صار ضربين شحماً ولحماً والشريج كل شيء مختلط، تثوخ وتسوخ واحد ساخت رجله في الأرض ثاخت، والمعنى أن عليها من الشحم واللحم ما لو غمزت فيه إصبعك لم تبلغ العظم أي لم تجد حسه، قال الأصمعي هذا من أخبث ما نعتت به الخيل والجيد قول الآخر، أنشدنيه عبد الرحمن عن عمه:
كثيرٌ سوادُ اللحمِ ما كان بادِناً ... وفي الضمرِ ممشوقُ القوائمِ حوشبُ
يعني أن الفرس إذا كان سمنه بربو لحمه وكثرته ولم يكره الشحم فذاك أحمد له وإذا كانت المرأة كذلك كانت عضلة وسمنها بالشحم أحمد.
وقال الشمردل اليربوعي:
نبيتُ نَلحفه طوراً ونغبقه ... شحمَ الذَري وقَراحَ الماءِ نَغتبقُ
أي نغبقه اللبن الذي هو شحم لأنه يذهب بالشحم إذا در، ونغتبق نحن الماء القراح أي نؤثره به، ومثله - للشماخ:
(1/86)

إذا دَعَت غوثُها ضراتَها فزعت ... أطباقُ نِيّ على الأثباجِ منضودُ
يقول هي سمان فإذا احتاجت إلى الدر أتتها شحومها بالدر، وقال يزيد بن خذاق العبدي:
وداويتُها حتى شتَّت حبشيةٌ ... كأن عليها سندساً وسدوسا
أي ألقت شعرها وطرّت فكأن عليها هذا السدوس، قال أبو عبيدة هي الطيالسة وهو بالضم، وقال الأصمعي السدوس الطيلسان وهو بالفتح واسم الرجل سُدوس، قالوا غلط الأصمعي وهو بالضم، وداويتها سقيتها اللبن وصنعتها والدواء اللبن، وقال آخر - وهو ثعلبة بن عمرو العبدي:
وأهلكَ مهرَ أبيكِ الدوا ... ء ليس له من طعامٍ نصيبِ
الدواء اللبن وإنما أراد طلبه اللبن وهو لا يجده، ومثله قول جرير:
لما تذكرتُ بالديرينِ أرّقَني ... صوتُ الدجاجِ وقرعٌ بالنواقيسِ
أي تذكرت المسير فأرقني انتظار الديوك أن تصيح، والنواقيس أن تضرب فأرتحل - وقال آخر:
جزتني ما خفنتُ لها عيالي ... وكرّي في المقيظِ لها لقاحي
وإعمالي لها رَسفُ المطايا ... تكُر على الكلالةِ والرُزاحِ
(1/87)

حفَنت أي أعطيتهم أحفن لهم حفناً لا أبالي كيف أعطيهم، وكرّي لقاحي لها أسقيها لبنها مرة بعد أخرى، والرسف والرسفان والرسيف واحد وهو ضرب من السير مقارب الخطو أي يأتيها بالماء، يقول إن اللبن لها طعام والماء لا تجد منه بداً، ومثله لمالك بن نويرة:
جزاني دوائي ذو الخمارِ وصنعتي ... بما باتَ أطواء بنيَّ الأصاغرُ
رأى أنني لا بالقليلِ أهورهُ ... ولا أنا عنه في المواساةِ ظاهرُ
ذو الخمار فرسه، وصنعتي من قولك صنعت الدابة أي قمت عليها، أهوره أي لا أظن القليل يكفيه يقال هو يهار بكذا أي يظن به قال بعض الرجاز:
قد علمتْ جِلادُها وخُورُها ... أني بشربِ السَّوءِ لا أهورها
أني لا أظن القليل يكفيها ولكني أطلب لها الكثير، والخور الضعاف وقال زهير يصف الفرس:
صدّت صدوداً عن الأشوالِ فاشترفتْ ... قُبلاً تقلقَلُ في أفواهها الحكمُ
(1/88)

يقول صدفت عن الماء لأن عادتها أن تسقي اللبن.
وقال ابن مقبل:
فيهم تجاوبَ أولادُ الوجيهِ إذا ... صامَ الضُّحى تقدع الذِبّان بالنُّخَرِ
من كل أهوجٍ سرداحٍ وهيكله ... تقات يوم لِكاكِ الوِردِ في الغُمَرِ
تقدع الذبان بالنخر تطردها بأفواهها، والنخر جمع نخرة، ويروي تقدع الذبان كالشُجُر: وهو جمع شجار وهي عيدان الهودج، شبه الخيل في ارتفاعها بذلك، لكاك الورد ازدحامه، والغمر القدح الصغير تقات فيه اللبن لأنها تضمر.
وقال أبو داود:
وقصرنا الشتاء بعد عليه ... فهو للذَودِ أن يقسَّمن جار
يقول حبسنا الإبل عليه الشتاء كله يشرب ألبانها، فهو لها جار من أن يغار عليها فتتقسم لأن صاحبه يقاتل عليه من يريدها ويلحق من أغار عليها فيردها.
علِقتْ هابتي بهنَ فما يم ... نعُ مني الأعنةَ الإقتارَ
أي أولعت بالخيل فما يمنعني إقتاري من اتخاذهن حتى أوسر.
وقال عنترة لامرأته:
لا تذكري مُهري وما أبليته ... فيكون جلدكِ مثل جلدِ الأجربِ
(1/89)

أي لا تلومي فيه فأُنزل بك ما أنزل من الاتعاب.
إن الغبوقَ له وأنتِ مسوءةٌ ... فتأ وهي ما شئتِ ثم تحوَّبي
التحوب التوجع، وقال آخر - وهو طفيل الغنوي:
من الغيظ في أكبادنا والتحوب
كذبَ العتيقُ وماء شنٍ باردٍ ... إن كنتِ سائلتي غَبوقاً فاذهبي
يقول عليك بالتمر والماء البارد ودعي اللبن لفرسي، يقال كذب عليكم الحج، معناه الزموا الحج، فإن سألتني غبوقاً فاذهبي أي أنت طالق.
إن الرجالَ لهم إليكِ وسيلةٌ ... إن يأخذوكِ تكحّلي وتخضبي
ويكونُ مركبكِ القعود ورحله ... وابن النعامةِ يوم ذلك مركبي
ابن النعامة فرسه، وقال بعضهم ابن النعامة الخط الذي في أسفل رجله في وسطها فاحتج بقوله - والبيت لعنترة أيضاً:
وأنا امرؤ إن يأخذوني عنوةً ... أقرَن إلى شر الركابِ وأجنبِ
فقال كيف يكون فرسه مركبه وهو يريد أنها إذا أخذت كُحِّلت وخضِّبت وإنما تؤخذ إذا اُسر فإذا أُخذ قرن إلى بعض الركاب وجنب كما يفعل بالأسير.
وقال ابن الأخيذ:
(1/90)

أوكّل بالخِرازةِ كل عامٍ ... ويُقسَمُ بيننا لبن المصورِ
يريد أوكل بخرز الشكاء وهي جماعة شكوة وهي المزادة للغزو في كل شتوة، والمصور القليلة اللبن.
أحاذِرُ أن أصادَفَ في الروايا ... على رجلٍ كتابعةِ الكسيرِ
يقول أحاذر أن أصادف في هذه الإبل ولا فرس معي فأكون كالكسير الذي لا يقدر على النجاء، وقال يصف الفرس:
سليم شظَى اليدين تُرد فيه ... عُلالة كل مُبسئَة دَرورِ
العلالة حلبة بعد الدرة الأولى، والمبسئة الطيبة النفس بالحلب، وقال امرؤ القيس:
تقدمني نَهدة سَبوحٍ ... صلّبها العُضُ والحِيالُ
العض القت والشعير وهو يصفون الحائل من النوق والخيل بالصلابة والحائل التي لا تحمل.
وقال أبو النجم:
من كل شَوهاء عوان بِكر ... حالتْ حيالاً لم يكن عن عُقرِ
الشوهاء الحسنة، عوان حملت غير مرة، وهي بكر لم تلد شيئاً لأنها تخدج أولادها.
(1/91)

وقال الكميت يصف خيلاً:
أبدأنَ لالّو فيما قال ناعتها ... من صنعة ضامت الولدان في الحلَبِ
لالو يقول لا يقول ناعتها ما أحسنها لو كان أتم فزادها كذا، لأنه قد أحكم القيام عليها فتمت، ضامت الولدان يقول أصار أولادنا إلى الضر إيثارنا خيلنا باللبن عليهم.
إذا الصبوحُ لهم أسآر ما تركت ... بعد التعلّجِ والتَحساءِ في العُلبِ
لهم للولدان أسآر بقايا ما تركت الخيل مما فضل عنها بعد التعلج وهو الانتقاض من الامتلاء.
لا ينضحُ الصارباتَ الوطبَ من يُبُس ... لحالبٍ قبل أن يروينَ مصطربِ
لا ينضح السقاء صارباته بالماء حتى ينظرن هل يفضل عن الخيل أم لا، والصارب الذي يجمع اللبن في السقاء أراد الحلب، ومصطرب جامع.
(1/92)

لا يخدع الألُ بالموماةِ أعينها ... من شربهنَ عن الأشوالِ في القِرَبِ
يقول لم يغر السراب قُوّامها فيُهريقوا ما بقي من الماء في قربهم الذي رفعوه لها، والشول دلو من ماء يبقى في القربة.
حتى يُصَبَّ لها فضلُ النطافِ إذا ... ما كدّر الماحة الساقون ذا القُلُبِ
النطاف الماء، ذا القلب يعني الذي في القلب وهو الماء والقلب جمع قليب.
وقال عدي بن زيد:
تربّبته لم أَل في ثغباتهِ ... فتُبصرهُ عينٌ إذا أشير ضائعاً
الثغب الغدير العذب.
يقول لم أقصر في مشربه، ويروى: في سبغباته أي في جوعه شير عرض.
يقول: لم أقصر في الإحسان عليه خوفاً من أن تبصره العين ضائعاً.
فذلَّقته حتى ترفع لحمه ... أداويه مكنوناً وأركَبُ وادِعا
ذلقته ضمرته وحددته حتى ترفع لحمه في الضمر، أداويه أسقيه اللبن، مكنوناً مصوناً بحل، وأركبه وادعاً أي رافقاً به، وقال الراعي:
(1/93)

نوضح بالحَوْم الهجانِ ونَقترى ... مراعيه بالمخلّصات الضوامرِ
نوضح نظهر أي أنا نستر بأنفسنا لا نخشى فنورى، والحوم الكثير من الإبل، والمخلصات خيل خالصات، نقترى نتبع.
بجرد عليهنَ الأجلّة سويت ... بضيق الشتاءِ والبنينِ الأصاغرِ
وقال خداش بن زهير:
ما إن يرودُ ولا يزال فِراغه ... طحلاً ويحفظهُ من الاعيالِ
الفِراغ حوض من أدم، طحلاً أي وسخاً، والاعيال سوء الغذاء من عيّل الرجل عِياله إذا أساء إليهم، ويروى الاغيال وهو الحمر والبشم، يقول لا يقضمه الشعير وأنشد ابن الأعرابي:
ومنتخبٌ كأن هالةَ أمه ... سبيه الفؤاد ما يعيش بمعقولِ
قصّرنا عليه بالمقيظِ لقاحنا ... فعيّلنه من بين عَشى وتقييلِ
قال: هالة الشمس، والهالة الدارة حول القمر، قول غيره أخبر أنه
(1/94)

كريم كأن الشمس ولدته، سبيه الفؤاد ومسبوه الفؤاد واحد أي كأنه مجنون من نشاطه، والعشى العشاء والتقبيل شرب نصف النهار، وعيلنه هاهنا مثل علنه وليس مثل الاعيال في البيت الأول، أنشدني عبد الرحمن عن عمه للنابغة:
ومعلّقين على الجيادِ حَليّها ... حتى تصوبَ سماؤهم بقطارِ
قال الحلى إذا كان رطباً فهو نصى، يقول يعلقون عليها الحلى لتأكله حين لا يكون في الأرض نبت حتى تصوب السماء لهم بقطر فيحيا لهم النبت. ورواه غيره: ومعلقين على الجياد حُليها، بضم الحاء وفسره لجمها وفسر حتى يصوب سماؤهم حتى يوقعوا.
وهو نحو قول الآخر:
أبوكَ الذي نئبت يحبسُ خيلَه ... حذار الندى حتى يجفَّ لها البقلُ
قال الندى هاهنا النشر، والنشر نبت ينبت عن مطر يكون في الصيف بعد يبس الكلا والخيل إذا رعته دويت، فيقول: أبوك عالم بالخيل فإذا جاء ذلك الوقت حبسها حتى يذهب ذلك عنها، وفسر هذا البيت فقيل: إنما حمّقه بهذا لأن الحافر كله لا يضره السُهام والسُهام داء يعتريها من النشر إذا رعته وإنما يضر الإبل، ويقول: فأبوك يحبس خيله من أن تُسهَم لقلة علمه بالخيل.
وأنشد للأحمر:
(1/95)

سَقى سَكَراً كأسَ الذُعافِ عشيةً ... فلا عاد مخضراً بعشبِ جوانبه
سكراً جمله، وكان رعى النشر فسُهِم، قال الأصمعي الخيل تدوى من النشر وإن لم تسهَم.
وقال علقمة بن عبدة وذكر خيلاً:
تتبعُ جُونا إذا ما هُيّجت زَجِلت ... كأن دُفاً على العَلياء مهزوم
هذه خيل تتبع جوناً أي إبلاً تسقى ألبانها، إذا ما هيجت زجلت يريد أنها تهيج عند الحلب فتحانُّ أي تحن بعضها إلى بعض، ومهزوم مشقوق يقول كأن فيه خرقاً فهو أبح لصوته.

باب في مغازيهم
قال الأعشى:
عناجيج من ألِ الوجيهِ ولاحقُ ... مغاويرٍ فيها للأريبِ معقَّبُ
الوجيه ولاحق والعسجدي لبني أسد وغنى تدعى لاحقاً،
(1/96)

والحلاّب لبني تغلب، وذو العقال لبني يربوع، والأعوج لبني عامر بن صعصعة والتدمري لبني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، والصريح لبني نهشل، والغراب ومُذهب لغنى بن أعصر، والواقي وناضح فحلان لا أعلم لمن هما، قوله عناجيج أي طوال الأعناق، مغاوير تغزو ويقال مغاوير شديدات العدو يقال أغار إغارة الثعلب، والأريب العاقل: معقب يرجع إلى الغارة، يقول ليس هي مما إذا غزى عليها انقطعت ولكنها فيها قوة لغزو بعد غزو في عام واحد.
وقال بشر:
بكلِ قِيادٍ مُسنفِةٌ عنود ... أضرَّ بها المسالحُ والغِوارُ
مسنفة متقدمة، عنود لا تستقيم على حالة ولكنها تعارض، والمسالح مواضع القتال حيث يستعمل السلاح، والغوار المغاورة، مسنف بالكسر في الفرس وبالفتح في البعير.
وقال لبيد:
ولقد حميت الحمى تحمل شِكّتى ... فُرُط وشاحى إذ غدوت لجامُها
الشكة السلاح، فرط فرس متقدمة، ثم استأنف قائلاً وشاحى لجامها وإنما جعله وشاحاً لأنهم كانوا ينزعون لجم الخيل إذا رجعوا
(1/97)

من الغزو ويلقونها على مناكبهم.
وقال النابغة:
فأوردهُنَّ بطنَ الإتم شُعثاً ... يصُنَّ المشي كالحِدإ التُؤامِ
على إقرِ الأدلةِ والبغايا ... وخفقِ الناعجاتِ من السأمِ
يصن المشي أي يتقين في مشيهن كأن بهن حفى، والحدأ جمع حدأة والتؤام جمع تؤام أي مثنى مثنى، والبغايا الطلائع، وخفقها اضطرابها، من السأم وهو الإعياء أبو عمر من الشأم، ويروى: الروايا، يريد الإبل عليها الماء.
وقال آخر:
مستحقباتٍ رواياها جحافِلها ... يأخذنَ بين سوادِ الخطِ فاللُّوبِ
البعير يكون عليه الماء والزاد فيقرن به الفرس فإذا طال القياد بالفرس وضع جحفلته على عجز البعير فجعل جحفلة الفرس بمنزلة الحقيبة للبعير.
(1/98)

وقال آخر - وهو مقلس العائذي:
أولى فأولى يا امرأ القيس بعدما ... خصفنَ المطّى الحوافِرا
أي قرنت الخيل بالإبل في الغزو فوطئت الخيل على آثار الإبل.
وقال آخر:
وما خلتُ بيننا من هَوادةٍ ... عراض المذاكي المُسنِفات القلائصا
المذاكي المسان، أي قد قرنت بالإبل فهي تعارضها، والمسنفات إن كان من صفة الخيل فهو بكسر النون وهي المتقدمات كأنه قال عراض المسنفات القلاص وإن كان من صفة الإبل فهو بفتح النون وهي المشدودات بالسنف كأنه قال عراض المذاكي القلاص المسنفات.
وقال طفيل:
نزائعَ مقذوفاً على سرواتها ... بما لم تخالسُها الغُزاة وتُسهَبُ
نزائع نزيع كل قبيلة غريبها، ويقال الذي انتزع منها، مقذوفاً على سرواتها أي قذفت الأداة على ظهورها ثم تركت مسهبة، والمسهب المهمل المتروك، ربما تركت بموضع لا يخالسها الغزاة فيه، وسراة كل شيء أعلاه، ويقال مقذوفاً على سرواتها الشحم، بما لم تخالسها الغزاة أشي حين ترك ركوبها والمخالسة لها سمنت ولو كان يفعل ذلك بها لضمرت ومن ذهب إلى هذا رواه: يخالسها الغزاة وتركب.
أنخنا فسمناها النطاف فشارب ... قليلاً وأب صدّ عن كل مشربِ
(1/99)

أي أنخنا الإبل نسقي الخيل فسمناها أي عرضنا عليها الماء وصببنا لها والنطاف المياه واحدتها نطفة، فشارب يقول هو مجرب قد علم أنه يغار عليه وترك الشرب لأنه إذا طرد وقد شرب كان أشد عليه، والنطفة الماء القليل يبقى في الإناء والنطفة الماء الكثير يقال قطعنا هذه النطفة يعني البحر والنهر، ونحو منه قول زيد الخيل:
صبّحنا هُنَّ من سَملِ الأداوَى ... فمصطبحٍ على عَجلٍ وأبي
وقال زهير:
وخرّجها جعلها خُرجاً كل يومٍ ... فقد جعلتْ عرائكها تلينُ
خرجها جعلها خرجاً أي ضربين ضرباً فيه طِرق وضرباً لا طِرق فيه وكل ضربين فهو أخرج.
قال العجاجُ يصفُ الحربَ:
ولبِست للشرِ جُلاً أخرجا
أي هي شنعاء مشهورة والخرج من هذا وبه سميت الخرجاء ويقال عام مخرّج فيه سواد وبياض من الجدب والخِصب، وقال بشر وذكر خيلاً وفرساً أنثى:
تراهُنَّ من أزمها شُزَّبا ... إذا هنَّ أنسن منها وحاما
الأزم العض يقال أزم على فأس اللجام أي عض، والشزب الدقاق، يقول أضرت هذه الفرس بالخيل عِضت على لجامها وعضضن وهن لا يقدرن على ذلك فقد ضررن، أنسن رأين
(1/100)

وعلمن، والوحام أصله شدة شهوة الحامل، يقال امرأة وحمى، فهو يريد في هذا الموضع شهوتها لذلك العدو وحرصها عليه وقال عمرو بن معدي رب للعباس بن مرداس:
أعباسٌ لو كانت شياراً جيادُنا ... بتثليثٍ ما ناصيت بعدي الأحامسا
ولكنها قيّدت بصعدةٍ مرةً ... فأصبحنَ ما يمشينَ إلا تكاوسا
الشيار السمان الحسنة المنظر، والأحامس الأشداء.
يقول لو لقيناك وخيلنا جامة لقتلت ولكنا لقيناك وهي كليلة قد أتعبت بصعدة وهي قرية، تكاوس على ثلاث.
ومثله له:
ولو جئْنَ يحملنَ الحديدَ بنا معاً ... ألا يا لعمرو بعدها لشَوارِ
ولكنها قيّدت بصعدة مرة ... فجئنَ وما يعدون غير عِذارِ
الشوار المتاع، يقول يا لها من غنيمة، يال عمرو يعني نفسه، عذار تعذير والعرب تقول: الخيل تجري على مساويها - أي على ما بها من علل ونصب كما يقال الجواد يعطى على علاته أي على نوائبه وإعساره.
وقال العباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع
(1/101)

وقال النابغة:
فيهم بناتُ العسجدي ولا حق ... وُرقاً مراكلها من المضمارِ
أي تحاث الشعر عن مواضع الأعقاب فلما نبت خالف لونها وخرج أورق.
وقال أبو داود:
قد تَصعْلكنَ في الربيع وقد قر ... ع جلدُ الفرائصِ الأقدامَ
تصعلكن طارت أوبارهن ورققن في الربيع، وقد قرعت فرائصهن من الركض بأعقاب الرجال.
وقال آخر:
وجردأَ كبدإٍ مثل القنا ... ةِ قد طارَ في الروضِ سربالها
سربالها وبرها.
وقال آخر:
فتُبنا بالأوارةِ دون سلمى ... نخافِتُ بيننا دون السرارِ
نشيرُ إلى وجوهِ الخيلِ حتى ... بدَا بلقٌ يبشرُ بالنهارِ
هؤلاء قوم يريدون الغارة على قوم فهم يشيرون إلى وجوه الخيل لئلا تصهل فتنذرهم حتى بدا الصبح.
وقال لبيد:
بأجّشِ الصوتِ يعبوب إذا ... طرق الحي من الليلِ صهلَ
(1/102)

الفرس يمدح بأن يكون في صوته جُشة.
قال الجعدي:
ويصهلُ في مثلِ جوفِ الطّوى ... صهيلاً يبيّنُ للمعربِ
الطوى البئر، يقول كأن صوته يخرج من بئر، والمعرب صاحب الخيل العراب.
وقال جرير:
يشتفنَ للنظرِ البعيدِ كأنما ... إرنانُها ببوائنِ الأشطان
يشتفن ينظرن ويرفعن رؤوسهن، وإرنانها أصواتها، ببوائن في أبار تبين أشطانها من بعدها، والأشطان الحبال، يقال بئر بيون وبئار بوائن، ويجعل لها شطنان فيأخذ كل شطن رجل فإذا جازت الدلو بالجرف من قبل كل واحد جرها عنه الآخر، فيقول كأن أصواتها تخرج من هذه الآبار، ويقال لتلك البئر الشطون ويقال نوى شطون، وأنشد:
أكل يوم ل شاطنان ... على الطوى متقابلانِ
والشاطن الذي ينزع بالشطن.
وقال آخر:
فلا ألفيْن الخيلَ تطرحُ بيننا ... وبينكم سخلاً بهيماً موضعا
يقول نغزو عليها فنجهدها فتسقط أولادها بهما أي على لون
(1/103)

واحد أراد أنها لم تشعر فتستبين شياتها، وقال كثير يمدح قوماً:
وهم يضربونَ الصَفَّ حتى يثْبتوا ... وهو يرجعونَ الخيلَ جماً قرونها
أي حتى يثبتوا ما أرادوا، جماً قرونها وقد قتل فرسانها وقال مقّاس العائذي:
تذكرتْ الخيلُ الشعيرَ عشيةً ... ونا أناساً يعلفونَ الأياصرا
أي ذكرتم الحب والقرى فانهزمتم ورجعتم إليها ونحن نعلف الحشيش فنحن نصبر لا ننهزم ولا نبالي أين كنا، ونحو منه قول عوف بن عطية بن الخرع للقيط بن زرارة:
هلا كررتُ على ابنِ أمكِ معبد ... والعامري يقودهُ بصفادِ
وذكرتُ من لبنِ المحلَّقِ شربةً ... والخيلُ تعدو بالصعيدِ بَدادِ
المحلق إبل سماتها الحلق، بداد متفرقة، وقال وذكر خيلاً:
وجللنَ دمخاً قناعَ العرو ... سِ أدنَتْ على حاجبَيْها الخمارا
دمخ جبل يريد قناعاً من الغبار، ومثله قول عمرو بن معدي كرب:
جوافلٌ حتى ظل جُندٌ كأنه ... من النقعِ شيخٌ عاصبٌ بخمارِ
جند جبل.
(1/104)

وكلّ قبائلهم أتبعتْ ... كما أتّبعَ العَرّ ملحاً وَقارا
يقول كان في صدورهم بغي وحب للقتال أتبعتهم وقعتنا برءاً كما أتبع العر الملح والقار، والعر الجرب.
وقال عُقفان بن قيس اليربوعي:
لا يركبُ الخيلَ إلا أن يُركَّبها ... ولو تناتجنَ من حمرٍ ومن سودِ
يركبها يعطاها يغزو عليها ويعطى أصحابها نصف ما يصيب.
وقال متمم بن نويرة:
ونحن بجوٍ إذا أصيبَ عميدُنا ... وعرّدَ عنا كل نِكسٍ مركَّبِ
وأنشد الأصمعي - لابن أحمر:
وقرّطوا الخيلَ من فلجِ أعنّتها ... مستمسكٌ بهواديها ومصروعُ
قال يقال قرط الفرس لجامها أي احملها على أن تجري جرياً شديداً حتى يمتد على أذنها فيصير كأنه قرط.
وقال عنترة:
تركتْ بني الهُجيم لهم دَوار ... إذا تَمْضي جمَاعتُهم تعودُ
(1/105)

الدوار نسك للجاهلية يدورون فيه لصنم أو غيره، أي تركتهم لفرسي كذلك تكر عليهم فتجوزهم ثم تعود عليهم.

سقوط الذباب من صهيل الفرس
قال ابن مقبل وذكر فرساً:
ترى النُعَراتَ الخضرَ تحت لَبانِه ... فرادَى ومُثنى أصعقتها صواهِله
فريساً ومُغشيّا عليه كأنها ... خيوطهُ مارِي لواهنٍ فاتِله
النُعرة الذبابة، أصعقتها أي غشى عليها لصهيله، والماري الكساء الذي له خيوطة مرسلة، والخيوطة الخيوط، شبه النعرات للخطوط التي فيها بهذا الكساء المخطط بسواد وبياض، ويقال الماري صائد القطا شبهها بالخيوط التي تكون في شبكته والقطاة يقال لها مارية.
وقال مطير بن الأشيم الأسدي:
تزيدُ العنانَ على طولهِ ... ذراعاً وتؤنس شخصاً بعيدا
" تكَبُ الذبابُ لدى طرفها ... أمام اليدينِ وقيصاً لهيدا "
تكب الذباب إذا دنا من جفن عينها ضربته به فقتلته.
وقال المرقش:
بمُحالةٍ تقصُ الذبابُ بطرفِها ... " خلقت معاقمها على مُطوائها "
(1/106)

وقال العبشمي وذكر حماراً:
من الحميرِ صعِقَ ذبّانه ... بكلِ ميثاءٍ كتغريدِ المغَنِّ

أعلام الجواد من الخيل
قال أنيف بن جبلة الضبي:
ولقد شهدتُ الخيلَ يحمل شكتي ... عتد كسرحانِ القصيمةِ مِنهَبِ
الشكة السلاح، والقصيمة الرملة تنبت الغضا، وذئب الغضا أخبث الذئاب لأنه خمر، ومنهب كأنه ينتهب الأرض.
أما إذا استقبلتُه فكأنه ... في العينِ جذعٌ من أوالَ مشذّبُ
وإذا اعترضتُ له استوتْ أقطاره ... وكأنه مستدبَراً متصوَبُ
أوال جزيرة في البحر، مشذب منزوع الشذب، وشذب كل شيء ما يلقى منه عند التنقية، ومعنى هذه الأبيات قول - ابن - أقيصر خير الخيل الذي إذا استدبرته جبّى وإذا استقبلته أقعى، وإذا
(1/107)

استعرضته استوى، وإذا مشى ردى، وإذا عدا دحا. وقوله إذا استدبرته جبى أي كأنه مكب لإشراف عجيزته، وإذا استقبلته أقعى أي كأنه مقع لإشراف مقدمه، وإذا اعترضته استوى لك منظره فلم يكن مقعياً، ولا منكباً، والرديان - قال الأصمعي عن المنتجع بن نبهان هو عدو الحمار بين آريه إلى متمرغه، وروى عن خلف عن رجل من بني الحرماز قال أتى العجاج إلى أبي فقال: أتبيعني شاة من غنمك على نعتي ببكر؟ قال وما نعتك؟ قال: حسراء المقدم شعراء المؤخر إذا أقبلت حسبتها نافراً وإذا أدبرت حسبتها ناثراً. قوله حسبتها ناثراً أي كأنها تعطس، يقول من " أي - 1 " أقطارها أتيتها وجدتها مشرفاً.
وقال يزيد بن عمرو الحنفي:
محنَّبٌ مثل تيسِ الربلِ محتفلٍ ... بالقُصرَيين على أولاهِ مصبوبُ
التحنيب كالقنا، والربل نبت وقد فسر معناهما في التشبيه بتيس الربل محتفل بالقصريين يعني عظم ذلك الموضع، والقصري فيها قولان يقال هي الضلع القصيرة مما يلي الصدر ويقال هي ضلع الخلف في آخر الأضلاع، وقوله على أولاه مصبوب أي هو مكبوب، يقول إذا استدبرته فكأنه مكب لإشراف عجيزته.
وقال ابن مقبل:
(1/108)

مجبٌ من اللائي إذا كنتُ خلفَه ... بدا نحرُه من خلفِه وجحافلُهُ
يقول هو يخانف برأسه إذا سار من نشاطه كما قال:
متحرفاً للجانبين
فأنت ترى نحره وجحفلته، وقال الأسعر الجعفي:
أما إذا استقبلتُه فكأنه ... بازٌ يكَفكفُ أن يطيرَ وقد رأى
أما إذا استدبرتُه فتسوقُه ... ساق قموصٍ الوقعِ غارية النسا
أما إذا استعرضتُه متَمطراً ... فتقول هذا مثلُ سرحانِ الغضَا
ابن الأعرابي قال: سئل رجل من بني أسد: تعرف الفرس الكريم؟ قال أعرف الجواد المُبِر من المبطئ المقرف، أما الجواد المبر فالذي لُهز العير وأنّف تأنيف السير، الذي إذا عدا اسلهبّ وإذا قيد اجلعَبَ وإذا انتصب اتلأبّ، وأما البطئ المقرف فالمدكوك الحجبة الضخم الأرنبة الغليظ الرقبة الكثير الجلبة، الذي إذا أمسكته قال أرسلني وإذا أرسلته قال أمسكني، وأنشد:
كمهرِ سوءٍ إذا سكّنت سيرتُه ... رامَ الجماحَ وإن رفّعته سكنا
وقوله لُهز لَهز العير أي ضبّر خلقه تضبير الحمار، وأنف قد وحدد حتى استوى كما يستوي السير المقدود، والمسلهب الماضي الذاهب، والمجلعب الممتد، والمتلئب المستقيم المستوى، والمدكوك الحجبة الذي ليس لحجبته إشراف فهي ملساء مستوية وهي أعلى وركيه الذي يشرف " على - 5 " صفاف بطنه، هذا تفسير ابن
(1/109)

الأعرابي أيضاً، قال وروى الهيثم عن ابن عياش أنه قال: لا تشتر خمساً من خمسة، لا تشتر فرساً من أسدي ولا جملاً من نهدي ولا عنزاً من تميمي ولا عبداً من بجلي، ونسي الهيثم الخامس، يريد أن هذه القبائل عظام الجدود في هذه الأشياء، وأنشد أبو عبيدة هذا الشعر وقال لا أعرف قائله وعروضه لا يخرج أيضاً، وقال السجستاني هو لعبد الغفار الخزاعي:
ذاكَ وقد أذغرَ الوحوشُ بصلْ ... تِ الخدِ رَحبٌ لبانِهِ مُجفَرُ
طويلٌ حمسٌ قصيرٌ أربعة ... عريضٌ ستٌ مقلِّصٌ حَشوَرُ
قال: قال أبو عبيدة طويل العنق طويل الأذنين طويل الذراعين طويل الأقراب طويل الناصية، قصير الأرساغ قصير عسيب الذنب قصير الظهر قصير الأطرة وهو عصبة فوق الصفاق قصير النضى وهو الذكر. عريض الجبهة عريض اللبان عريض المحزم عريض الفخذين عريض وظيفي الرجلين عريض مثنى الأذنين.
(1/110)

حدتْ له سبعةٌ وقد عُرِيَتْ ... تسعٌ ففيه لمن رأى منظَرُ
حديد الأذنين، حديد العينين، حديد المنكبين، حديد القلب، حديد عرقوبي الرجلين، حديد المنجمين وهما عظمان متقابلان في باطن الكعبين، حديد الكتفين.
عاري النواهق، عاري السموم، عاري الخدين، عاري الجبهة، عاري مثنى الأذنين، عاري الكعبين، عاري عصب اليدين، عاري عصب الرجلين.
تم له تسعةٌ كسينَ وقد ... أرحَبَ منه اللبانُ والمنخِرُ
مكتسي الكتفين، مكتسي المَدّين، مكتسي الناهضين، مكتسي الفخذين، مكتسي الكاذتين، مكتسي أعلى الحمامتين.
بعيدٌ عشر وقد قرّبنَ له ... عشر وخمس طالتْ ولم تقصُر
بعيد ما بين الجحفلة والناصية، بعيد ما بين الأذنين والعينين، بعيد ما بين العينين، بعيد ما بين أعالي اللحيين، بعيد ما بين الناصية والعكوة، بعيد ما بين العضدين والركبتين، بعيد ما بين البطن
(1/111)

والرفغين، بعيد ما بين الحجبتين والجاعرتين، بعيد ما بين الجاعرتين.
قريب ما بين المنخرين، قريب ما بين الأذنين، قريب ما بين المنكبين، قريب ما بين المرفقين، قريب ما بين الوركين، قريب ما بين الحارك والقطاة، قريب ما بين المعدين والقصريين، قريب ما بين الجاعرتين والعكوة، قريب ما بين الثفنتين والكعبين، قريب ما بين الجبب والأشاعر. وقوله خمس طالت ولم تقصر وقد فسرناهن في موضع قوله طويل خمس.
نُقفيه بالمحضِ دون ولدتنا ... وغُضّه في آرَيْه ينثرُ
نُصبّحه تارةً ونُغبقه ... ألبانَ كُوم روائم ظُؤَّرُ
حتّى شتا بادناً يُقال ألا ... تطوون من بُدنِه وقد أضمِرُ
موثّقُ الخُلقِ جرشعٌ عتَدُ ... منضرجُ الحضرِ حين يستحضرُ
خاظى الحَمامتينِ لحمُه زِيمَ ... نهدٌ شديدُ الصفاقِ والأبهرُ
رقيقُ خمسٍ غليظُ أربعة ... نابى المعدّين ليّن الأشعَرُ
رقيق الأرنبة، رقيق الجحافل، رقيق الجفون، رقيق الأذنين، رقيق عرض المنخرين.
غليظ الخلق، غليظ القوائم، غليظ القصرة، غليظ عكوة الذنب، وقوله أرحب منه اللبان والمنخر ويستحب أن يرحب منه أيضاً الاهاب والجوف والعجان والشدقان، وقال آخر من الضبيين:
(1/112)

وقد حد منه أربع بعد أربعٍ ... عرضْنَ فِالا يحتبسْ فهو طائرُ
وقد طال منه أربع بعد أربعٍ ... قصرنَ فاضحى وهو بالشدِ ماهرُ
وتفسير هذا يستخرج من الشعر الأول، وكذلك قول أبي صِرار اليمامي:
عاري ثمانٍ مكتسي ثمانٍ ... إلى ثمانٍ قُدّرت حِسانُ
وستة والعشر بالميزان

مما يوصف به أعضاؤها
الأذن وما يحمد من رقتها وانتصابها
قال ابن مقبل:
تُرخى العِذارُ ولو طالتْ قبائِلهُ ... عن حَشْرةٍ مثل سنفِ المَرخةِ الصفرِ
ترخى العذار لطول خد الفرس، وقبائله سيوره، عن أذن حشرة أي رقيقة منتصبة، والسنف وعاء ثمرة المرخ، والصفر الذي لا شيء فيه، قال الجراح العقيلي ليس للمرخة ورق ولكن لها ثمرة طويلة كالإصبع، وقال الراجز في مثل ذلك:
حَشْرة الأذن كاعليط صِفِر
(1/113)

الاِعليط ثمرة المرخ، وقال ربيعة بن جشم النمري:
لها أذنٌ حَشرة مَشرةٌ ... كاِعليطِ مرخٍ إذا ما صِفرَ
مشرة نضيرة، يقال تمشَّر الشجر إذا أصابه مطر فخرج فيه الورق.
قال مطير بن الأشيم الأسدي:
وسامعتان كسلاءتي ... عسيبة مؤتبرٌ من يهودا
وقال آخر في مثله:
يخرجنَ من مستطيرِ النقعِ داميةً ... كأن آذانها أطرافُ أقلامِ
يريد أن آذانها مؤللة، والتأليل التحديد وهو محمود في الخيل والإبل، والخدا مذموم وهو استرخاء أصول الأذنين على الخدين وقال امرؤ القيس:
ومستفلكُ الذفرى كأن عنانَه ... ومثناتَه في رأس جذعٍ مُشذّبِ
الذفريان عن يمين الذن وشمالها، مستفلك يقول كأن ذفراه فلكة وذلك من علامات العتق، مثناته وثنايته حبله يقول كأنها علقت برأس جذع من طول عنقه، وقال أبو داود:
" وهاد تقدم لا عيب فيه " ... كما الجذع شُذّب عنه الكرب
(1/114)

المشذب الذي ألقى شذبه، وقال سلمة بن الخرشب:
كأن مسيحتي ورقٌ عليها ... نَمَتْ قرطيهما أذنُ خَذيمِ
كذا رواه الأصمعي نمت قرطيهما أي قرطي المسيحتين كأنهما عملا منها، ونمت رفعت أذن خذيم أي مثقوبة، ورواه ابن الأعرابي:
كأن مسيحتي ذهبٌ عليها ... نَفَتْ عن قرطِها أذنَ خذيمِ
والمسيحة القطعة من الفضة والذهب، قال أراد أنها كميت صفراء وأراد الأول بمسيحة الورق صفاءها وحسن لونها وملاستها، وقال ابن الأعرابي أراد كأنها في سموها برأسها قِرطت قرطاً فخذم أذنها فهي طامحة الرأس تتقى خذم القرط أذنها، وعن صلة، أراد نفت قرطها أذن خذيم.

الناصية وما يحمد من سبوغها
قال ابن مقبل:
وحاجبٌ خاشعٌ وماضِغٌ لهزٍ ... والعينُ تكشفُ عنها ضافي الشعرِ
قال: إذا خشع الحاجب من الفرس والناقة فهو أعتق لها وقد خالف أبو ميمون العجلي هذه الصفة فقال:
وحاجبين أشرفا كالصفَّين
(1/115)

وإذا اشتد الماضغ وكبر عصبه قيل ماضغ لهز: والضافي السابغ المسترخي، وقال امرؤ القيس:
وأركبُ في الرّوعِ خيفانةً ... كسا وجهَهَا سعَفُ منتشِرُ
خيفانة جرادة، شبه الفرس بها وأراد أن ناصيتها كسعف نخلة، والسعف في غير هذا بياض يعلو الناصية وذلك مما يعاب، وقال عَبيد:
مضبَّرٌ خلقُها تضبيراً ... ينشقّ عن وجهها السَبيبِ
السبيب شعر الناصية هاهنا وهو أيضاً شعر الذنب، وقال سلامة بن جندل:
ليس بأسفي ولا أقني ولا سَغِل ... يسقي دواء قفي السكن مربوبِ
الأقنى الذي في أنفه احديداب وذلك يكون في الهجن والأسفي الخفيف الناصية والاسم السفا مقصور، وهو عيب في الخيل ومحمود في البغال، وأنشد:
جاءتْ به معتجِراً بِبُردِه ... سفواءَ تَردى بنسيجٍ وَحدِه
(1/116)

قال أبو عبيدة يقال للفرس أسفي و - لا - يقال للأنثى سفواء ويقال للبغلة سفواء وليس وراء السفا إلاّ الزّعر والمعر والحصص وذلك كله قريب بعضه من بعض وهو ذهاب شعر الناصية، إذا غطت الناصية عينيه فهي خاشعة وغماء وذلك الإفراط في كثرة الناصية مذموم وإنما يحمد من النواصي - الجَثْلة، والسِغل المضطرب الخلق السيء الغذاء، ويروى: لا صِقل - وهو طويل الصُقلة والصُقلة الطِفطِفة، يقال ما طالت صقلة فرس إلا قصر جنباه وذلك عيب، والقفى الذي يعطى القفية وهي ما خبأت للإنسان تكرمة، والدواء ما عولجت به الجارية لتسمن وعولج به الفرس عند المضمار، والسكن أهل الدار، مربوب مربب يصان ولا يرسل، وقال امرؤ القيس:
لها عُذَرٌ كقرونِ النسا ... ءِ رُكَبنَ في يومِ ريحِ وصِرِّ
عِذر ذوائب، وقال الكميت.
نزائعٌ من آلِ الوجيهِ ولاحقٌ ... تخفَّفَ بالتقزيعِ منها وبالهَلبِ
(1/117)

نزائع انتزعت، والتقزيع أن يخفف أعرافها والهلب في الذنب، قال ابن الأعرابي النتف والتقزيع القص.

باب الخد وما يحمد وما يحمد منه أسالته وملاسته ورقته
قال امرؤ القيس يصف خد فرس:
يباري شباةُ الرمحِ خد مذلقِ ... كصفحِ السنانِ الصُلّبى النّحيضِ
شباة الرمح حد السنان، والمذلق الطويل الدقيق الذي ليس بكز، يريد أن عنقه طويلة فخذه يباري حد الرمح، وصفح السنان عرضه والسنان المسن، والصلبي منسوب إلى الحجارة الصلبة، والنحيض المرقق، شبه خده بالمسن في ملاسته ورقته وذلك من علامات العتق والكرم. ومثله قول لبيد:
يطردُ الزُجَّ يبلرى ظلُه ... بأسيلٍ كالسنانِ المنتخّلِ
يقول رأس هذا الفرس مع رأس هذا الزج يباريه بخده الأسيل، والزج السنان في هذا الموضع، والمنتخل المنتقي. أبو عمرو الزج النعام الواحد أزج والأنثى زجاء وهو البعيد الخطو، وقال لبيد أيضاً:
رفيغٌ اللَبانِ مطمئناً عِذارهُ ... على خدٍ منحوضِ الغرارينِ صُلَّبِ
يقول قد لصق عذاره بخده لأنه طويل أسيل فليس في عذاره
(1/118)

فضل فينبو، منحوض الغرارين يعني أنه قلي لحم الخدين وذلك من علامات الكرم. صلب شديد، وقال الفرزدق:
وهززْنَ من فزعِ أسنة صلَبِ ... بجذوعِ خيبرٍ أو جذوعِ أوالِ
أي هززن خدوداً كالمسان بجذوع خيبر أي أعناق كجذوع خيبر في الطول.

مما توصف به في وجوهها
قال امرؤ القيس:
لها جبهةٌ كسراةِ المج ... نِ حذفَهُ الصانعُ المقتدرُ
المجن الترس، مدحها بسعة الجبهة وعرضها والجبهة أحد ما يوصف بالعرض، وقال الجعدي:
بعارى النواهق صلت الجبين
الناهقان العُظيمان الشاخصان في وجهه أسفل من عينيه، وقال
(1/119)

بعضهم الناهق ما أسهل من الجبهة في قصبة الأنف، وقد بينا أين يحمد العرى، وقال آخر:
ضَمِر الحَجاجين هريت الشدق
الحجاجان ما جيب عن موضع مقلتيه من العظم الذي يحيط بالعينين فإذا دق ذلك فهو ضمر وذلك محمود، وقال آخر:
قد أشهدُ الغارةَ الشعواءَ تحملني ... جرداءً معروقةَ اللحيين سرحوب

العين وما توصف به
قال أبو داود:
طويلٌ طامحُ الطرفِ ... إلى مفزعةِ الكلبِ
حديدُ الطرفِ والمنك ... بِ والعرقوبِ والقلبِ
يقول هو مشترف إلى الموضع الذي يتشوف إليه الكلب للصيد، وقال أبو النجم:
(1/120)

طامحة الطرف نباة الفائل
وقال سُبيع بن الخطيم:
ترمى أمام الناظريْنَ بمقلةٍ ... خوصأَ يرفعُها أشمُّ منيفُ
يعني بالأشم المنيف عنقها، وقال أبو النجم:
والحُصن شُوس الطرف كالأجادلِ
يصفونها بالشَوس والخَوص لأنها تفعل ذلك من عزة أنفسها تشاوس في نظرها فأما الحول فمذموم إذا كان خلقة، وأما قول الخنساء:
ولما أن رأيتُ الخيلَ قُبْلا ... تبارى بالخدودِ شَبا العَوالى
فليس القبَل هاهنا مذموماً لأنه بمنزلة الشَوس والخَوص وليس بخلقة إنما تفعله من عزة أنفسها، وقال ابن أحمر وذكر فرساً:
(1/121)

وحَبت له أذن يراقبُ سمعها بصر
يقول إذا سمعت حسا نظرت والسمع يراقبه البصر، بناصية الشجاع والشجاع يرفع من وسط رأسه إذا انساب فيعرورف أي يرفع عُرفه، فشبه حدة طرفه وسموه به برفع الحية عرفه، ويقال جاء فلان غضبان معروفاً، قال مزرّد:
يُرى طامحُ العينينِ يرنو كأنه ... مؤانسُ ذَعرٍ فهو بالأذن خاتِلُ
يقول أنس شيئاً يحذره فكأنه يختل ما يسمع لشدة استماعه وقال امرؤ القيس:
وعينُ كمرأة الصناعِ تديرُها ... لمحجرِها من النصيفِ المنَقَّبِ
الصناع الحاذقة فمرآتها أصفى من مرآة خرقاء لأنها تجلوها وتصونها تديرها النظر إلى محجرها وقد تنقبت، والنصيف الخمار.

المنخر وما يحمد من سعته
قال بشر بن أبي خازم:
كأن حفيفَ منخرهِ إذا ما ... كتمنَ الربوِ كيرٌ مستعارُ
يستحب سعة المنخر وربما ضاق فشق، - أي - الخيل الربو النفس لضيق مناخرهن، ويقال للفرس إذا كتم الربو في جوفه فلم يخرجه قد كبا وهو فرس كاب، والكير زق الحداد، وجعله مستعار لأنه إذا كان كذلك كان العمل به أحث وقيل مستعار من التعاور، وقال الراجز:
(1/122)

وجارُه في العدوِ من أن يُبهرا ... سم هريت ما يزال مُغبِرا
السم يعني منخره وكل خرق في الجسد سم مثل خرق الأذن، مغبر أي يغبر فيه النفس، وقال عياض بن كثير الضبي:
له منخر كالورب لم يكم رَبوة ... إذا ما كمت رَبو الجياد المناخرُ
لم يكم لم يكتُم يقال كمى شهادته إذا كتمها، وهو مثل قول بشر:
إذا ما كتمن الربو
والورب الثقب في الجبل، وقال امرؤ القيس:
لها منخر كوِجارِ السباعِ ... فمنه تريحُ إذا تنبَهِر
شبهه بحجر السبع لسعته، ومثله لأبي داود:
ولها منخر كمثل وجار الضبع ... تذرى له العَجاج السموم
وقال:
له منخرٌ مثلُ جيبِ القميصِ ... تنفَّسَ منه إذا ما احتفَلَ

الأفواه وما يَحمد من هرتها والأسنان
قال الأعشى:
(1/123)

هرِيت قصير عِذار اللجامِ ... أسيل طويل عِذار الرسَنِ
لم يرد بقوله قصير اللجام أنه قصير الخد وكيف يكون ذلك وهو يقول أسيل طويل عذار الرسن، ولكنه أراد أنه هريت وأن مشق شدقيه من الجانبين مستطيل فقد قصر عذار لجامه، ثم قال طويل عذار الرسن لأن الرسن لا يدخل في فيه شيء منه كما يدخل فأس اللجام فعذار رسنه طويل لطول خده، وقال أبو داود:
ترى فاه إذا أقبلَ ... مثل السلقِ الجدْبِ
السلق جانب الوادي إلى الأرض.
وقال أيضاً:
وهي شَوهأُ كالجُوالقِ فوهاً ... مستجاف يضل فيه الشكيمُ
قال أبو عبيدة: شَوهاء واسعة الفم والمنخرين.
وقال المنتجع: هي الرائعة في الحسن. ومنه قولهم لا تشوه إذا قال ما أحسنك أي لا تصبني بعين، وقيل: شوهاء طويلة، ومستجاف مثل أجوف، والشكيم فأس اللجام، يضل فيه لسعته.
وقال طفيل:
كأنّ على أعطافهِ ثوبَ مائحٍ ... وإن يُلق كلبٌ بين لحْييه يذهبُ
(1/124)

المائح الذي ينزل يملأ الدلو في البئر فتبتل ثيابه، يعني من عرفه وأن يلق كلب بين لحييه يذهب من سعته.
وقال ابن الرقاع:
وهو شاح كأنّ لحييه حنوا ... قتبٌ لاحَ منهما المسمارُ
عن لسان كجثة الوَرل الأحمر مجّ الندى عليه العَرارُ
العرار نبت أصفر طيب الريح، يشبه لسان الفرس في طيب رائحته بورل أصابه ندى العرار والفرس إذا حمِر أنتن فوه، وإنما أراد بهذا الوصف أنه غير حَمِر.
وقال امرؤ القيس:
لعمري لسعدٍ حلَّت ديارُه ... أحبُّ إلينا منك فافرس حمِرِ
لقب رجلاً بذلك أراد يافافرس حمر، كما قال الآخر - رجل من ضبة:
أكان كرّي وإقدامي لفي جرَذ ... بين العواسج أجنى حوله المُصَع
المصع ثمر العوسج، وكما قال الآخر:
لفي جمل عَود عليه أياصِر
وقال خالد بن عجرة الكلابي:
كأن لسانه ورَل عليه ... بدارِ مَضَبَّة مَجَّ العرارِ
(1/125)

واحسب ابن الرقاع أخذ من هذا، وقال ابن مقيل:
فقمت أُلجمه وقال مشترفاً ... على سنابكه في شائك يسَر
المعنى فقمت ألجمه في شائك يسر أي في رأس شائك الأنياب أي قد طلعت، يسر سهل، ويروى شابك، أي قد اشتبكت أنيابه، وقال أبو النجم:
حتى إذا بدَّلَه ... بالراضعِ الأقصى دخيلاً يُنصِلهُ
قسراً يحل داره ويُحمله
الفرس يقرح بأقصى سن له وإنما يطلع القارح في موضع سن تسقط راضع ثم يطلع القارح مكانه، فأنا البعير فإنه يبزل بنابه وليس يطلع مكان سن، وقوله مبدله يعني الله عز وجلّ، والدخيل القارح، ينصله أي يسقطه يعني الراضع، ويحمله يرحّله.

العنق وما يحمد من طولها
قال أبو داود:
إذا قيد قحّم من قادَه ... وولت علاّبيه واجلعبّ
وهادٍ تقدّم لا عيبَ فيه ... كما الجذعُ شُذِبَ عنه الكَرب
الهادي العنق، وقوله كما الجذع شذب عنه الكرب نحو قول امرئ القيس:
(1/126)

ومستفلك الذفرى كأن عنانَهُ ... ومثناتَه في رأس جذعٍ مشذبِ
وكقول الفرزدق:
بجذوع خيبر أو جذوع أوال
قد فسرناهما فيما تقدم من الكتاب، وقوله: إذا قيد قحّم من قاده يقول يتقدم من يقوده فيقحمه، والعلباوان عصبتان في العنق وذلك أن العلباء يمتد حتى يكاد يتصل بالرأس ثم يولى إلى ناحية العنق شيئاً وإذا جَسَت العنق لم يدبر العلباء، وقال ابن مقبل:
وحاوطني حتى ثنيت عنانه ... على مدبر العلباء ريّان كاهله
حاوطني داورني وعالجني حتى ألقيت عنانه على عنق مدبر العلباء، يريد أنه طويل العنق لينها ففي طرف علبائه إدبار، وقال ابن الرقاع:
ومنيف غوج اللبان يرى منه ... بأعلى علبائه إدبار
غوج اللبان واسعه، يقال للفرس إذا جعل ينثني في شقيه أنه يتغوج، واللبان مجرى اللبب من صدر الفرس، قال أبو ميمون العجلى:
ضافي السبيب مدبر العلباوين
وقالت الخنساء:
(1/127)

ولما أن رأيتُ الخيل قُبلاً ... تُبارى بالخدودِ شبا العَوالى
الشبا حد السنان تريد، أنها طوال الأعناق فهي تباري الأسنة بخدودها، ومثله لبشر:
يبارينَ الأسنة مُصغياتٍ ... كما يتفارطُ الثمدَ الحمامُ
يتفارط يريد أن بعضها يتقدم بعضاً إلى الماء وهو أشد لطيرانها، والثمد ركايا يجتمع فيها ماء المطر. وقد تقدمت أبيات في هذا المعنى في وصف خدودها فتركنا ذكرها. وطول العنق من علامات العتق وقصرها من علامات الهجنة.
وروي أن عمر بن الخطاب رحمه الله لما شك في العتاق والهجن دعا سلمان بن ربيعة الباهلي بطست من ماء فوضعت على الأرض ثم قدم الخيل فرساً فرساً فما ثنى منها سنبكه فشرب جعله هجيناً وما شرب ولم يثن سنبكه جعله عتيقاً، وذلك لأن في أعناق الهجن قصراً فهي لا تنال الماء على تلك الحال حتى تثني سنابكها وأعناق العتاق طوال وفي ذلك يقول لبيد:
من يمدُدا لله إصبعاً ... في الخيرِ والشرِ يلاقه معا
أنت جعلت الباهلي مِفَنّعا
(1/128)

قال أبو عبيدة أول من عرّب العراب رجل من وادعة همدان أغارت الخيل فصبحت العدو وأبطأت الكوادن فجاءت ضحَى فأسهم للعراب وترك الكوادن وكتب إلى عمر بذلك، فقال عمر: هبِلت الوادعيّ أمه لقد أذكرني أمراً أكنت نسيته وكتب إليه أن نعم ما صنعت، وقال خالد بن الصقعب:
ملاعبةُ العنانِ بغصنِ بانٍ ... إلى كتفينِ كالقتبِ الشميمِ
يقول عنقها لينة ليست بجاسية، ومعنى إلى معنى مع، والشميم من الأشم وهو المرتفع يقال جبال شم أي مرتفعة، وإذا كانت العنق غير لينة المعاطف كانت معيبة، والقصر في العنق والجساءة أن تكون غير لينة.
وقال:
لما أتيتُ الحيَ في متنِه ... كأنّ عرجوناً بمثنى يدى
وقال سلامة بن جندل:
تم الدسيع إلى هادٍ له تَلِع ... في جُؤجُؤ كمداكِ الطيبِ مخضوب
الدسيع صفحة العنق من أصلها والجمع دسائع، والهادي العنق تلع الطويل منتصب، والجؤجؤ الصدر، مداك الطيب الصلاية.
(1/129)

يقول: هو أملس قصير الشعر وكأن جؤجؤه صلاية، ورقة الجؤجؤ عندهم محمود، مخضوب بدم الصيد.
وقال أبو داود:
يهزّ العنقَ الأجرَ ... دفى مستأ من الشَّعْبِ
مع الحاركِ مخشوش ... يجنبٍ مُجَفر رَحْبِ
يقول إذا سار هز عنقه، والأجرد الأملس قصير الشعر، والعنق يؤنث ويذكر يقول قد ركب في أصلٍ وتين، والشعب الوصل المركب في الحارك وهو موصل العنق مع الكاهل، والمخشوش المدخل فيه كما يدخل الخشاش.
وقال أبو النجم:
في مُفْرع الكتفيْن حلو عطَلُه ... سوند في هادٍ كثيفٍ خَلله
مفرع مشرف، الأصمعي: عطله عنقه يقال شاة حسنة العطل أي العنق وأصل ذلك العنق التي لا حلى عليها ويقال عطله جسمه ومجرده.
وقال خالد بن كلثوم: عطله ضمره وذهاب لحمه، يقول: هو حلو في الضمر فكيف في السمن، سوند رفع وضم بعضه إلى بعض، في هاد أي مع هاد وهو العنق، كثيف خلله يقول هو مكتنز ما بين الأضلاع والفقَر.
(1/130)

وقال ابن فسوة يصف فرساً:
بعيدة بين العَجب والمتلدَّد
والمتلدد المتلفت وأصل ذلك من اللديدين وهما صفحتا العنق ومنه قبل فلان متلدد أي متلفت يميناً وشمالاً.

الكتفان وما يحمد من ارتفاعهما
قال ربيعة بن جشم:
له حاركٌ مثل شرخِ الغبيطِ ... عرّى منه بعير دَبر
الحارك فروع الكتفين وهو أيضاً الكاهل، والمنسج أسفل من ذلك، وشرخ الرحل مقدمه وآخره، والغبيط قتب الهودج وإذا وضع عن البعير رأيته أشرف. قال لبيد:
(1/131)

مغبط الحارك
أي كأن ظهره غبيط وهو القتب. والكتف عيب وهو أن يكون في أعالي كتفي الفرس انفراج في غرا ضيفهما مما يلي الكاهل، وقال آخر:
كتفاها كما يركّب قينٌ ... قَتبا في أجنائِه تشميمُ
الأحناء خشب الرحل، تشميم ارتفاع، ونحو منه قول خالد بن الصقعب:
إلى كتفين كالقتب الشميم
وقال الضبي:
وكاهلٌ افرعٌ فيه مع ال ... افراع إشرافٌ وتقتيبُ
(1/132)

الأفرع المشرِف، وقال زهير:
قد أبدأت قطفاً في الجري منشزة ال ... أكتافِ تنكُبها الحزانُ والأكُمُ
أبدأت من بدأت في ذلك مثل ابتدأت، قطفاً في الجري أي في أوله وذلك من النشاط، ومنشزة مرتفعة، وقال زهير:
بذي ميعةٍ لا موضعِ الرمحِ مسلم ... لبطءٍ ولا ما خلف ذلك خاذله
الميعة النشاط والميعة من السير هاهنا وميعة الحب وميعة الشباب أوله، ويقال أمّاع السمن إذا ذاب، لا موضع الرمح يعني الكاثبة وهي موضع الرمح وهي قدام القربوس مقدم المنسج ويدلك على ذلك قول النابغة:
لهنَ عليهم عادةٌ قد علنَها ... إذا عرضَ الخُطى فوق الكواثبِ
وأراد زهير أن مقدمه لا يخذل مؤخره ومؤخره لا يخذل مقدمه كما قال القطامي في وصف الإبل:
يمشينَ رهواً فلا الأعجازُ خاذلةٌ ... ولا الصدورُ على الأعجاز تتكلُ
ويستحب من الفرس أن يشتد مركّب عنقه في كاهله لأنه يتساند إليه إذا أحضر، ويشتد حقواه لأنهما معلق وركيه ورجليه في صلبه.
(1/133)

قال أبو عبيدة: لا موضع الرمح مسلم يعني الطريدة التي يطلبها من الوحش لا تفوته، وقال العجاج:
نُتبعهم خيلاً لنا عواتكا ... من كل نهدٍ يستعزِ الحاركا
منه تليلٌ يعتلي السوامكا
عواتك رواجع يقال عتك عليه أي كر. يقول: تغلظ عنقه حتى يصغرُ حاركُه عندها، ومنه قول زهير:
وعزتها كواهله
أي كانت أغلظ شيء فيها. وأراد أن التليل قاهر للحارك.

الصدر وما يحمد منه
قال زهير:
قد عوليت فهي مرفوع جواشنها ... على قوائم عوج لحمها زيم
فهي تبلّغ بالأعناق يتبعها ... خلج الأجرة في أشداقها ضجم
مرفوع جواشنها أي خلقت مرتفعة والجوشن الصدر، قوائم عوج وإذا كان في رجلي الفرس أو يديه قنا كان أسرع له، قال الجعدي:
مفروشة الرجل فرشاً لم يكن عقَلا
(1/134)

زيم متفرق في أعصانها لم يجتمع في مكان فتبدن، وقوله تبلغ بالأعناق أي تمد أعناقها لأنها مقرنة بالإبل فإذا مدتها إلى بين أيديها مدت أعناقها: خلج جذب يقال خلجه إذا جذبه وصرفه ويقال ناقة خلوج إذا اختلج ولدها عنها بموت أو ذبح، والأجرة جمع جرير وهو حبل من جلود، ضجم ميل، ومثله للنابغة:
إذا استعجلوها عن سجيةٍ في مشيها ... تبلّغ في أعناقِها بالجحافلِ
يقول الخيل مقطورة بالإبل فكلما استعجل القوم الإبل لم تدركها الخيل حتى تمد جحافلها فتبلغ إعجاز الإبل لأن الخيل أبطأ إذا كانت مع الإبل. وقد مرت أبيات في هذا المعنى فيما تقدم.
قال أبو النجم:
منتفج الجوف رحيب كلكله
وعرض الصدر محمود قاما الجؤجؤ والزور فيوصفان بالضيق وهما جميعاً شيء واحد، وقال عبد الله بن سليمة:
متقاربُ الثفناتِ ضيقٌ زورُهُ ... رحبُ اللبانِ شديدُ طي ضريسِ
الثفنات مواصل الذراعين في العضدين والساقين في الفخذين، ويقال أن الفرس إذا دق جؤجؤه وتقارب مرفقاه كان أجود لجريه، وقوله: شديد طي ضريس أي شديد الفقار ضُرس ضرساً، وأصل
(1/135)

ذلك البئر إذا طويت بالحجارة قيل ضرست، قال لبيد:
رفيع العذار مطمئناً عذاره
يقول هو مرتفع الصدر ليس به ذنن والدنن تطامن الصدر ودنوه من الأرض وهو من أسوأ العيوب، فأما الهنع فتطامن العنق من وسطها يقال عنق هنعاء، قال أبو داود:
رهلٌ زورُها كأن قراها ... مسدشدٌ متنهُ التبريمُ
يستحب أن يكون الفرس رهل اللبان رحيب الاهاب واسع الأباط، وعيب الحمار الكزازة في يديه وفي منكبيه وانضما مهما إلى إبطيه وضيق جلده وإنما يعدو بعنقه، والتبريم الفتل، والزور في الصدر عيب وهو دخول إحدى الفهدتين وخروج الأخرى، والفهدتان اللحمتان الناتئتان في الصدر مثل الفهرين، وقال ابن مقبل:
غوجُ اللبانِ ولم تعقُد تمائمُه ... مُعرى القلادةِ من ربوٍ ولا بهر
أي لين اللبان واسعه، واللبان مجرى اللبب، ويقال للدابة إذا جعل يتثنى في شقيه أنه ليتغوج، يقول: لم يقلد من داء ولا ربو إنما قلد للحسن خوفاً من العين، وقال عبد المسيح يذكر نبتاً رعاه أو صاد فيه:
صبَّحته صاحبي كالسيد معتدل ... كأن جؤجؤه مداك أصداف
(1/136)

مداك الطيب وهو الصلابة، شبه جؤجؤه وهو عظم صدره به، وقال سلامة بن جندل:
تم الدسيعُ إلى هادلِه تَلِع ... في جؤجؤ كمداكِ الطيب مخضوب
وقد فسر شبهه بالصلاية لإملاسه وبريقه ويقال بل شبهه به لضيق جؤجؤه، وقال امرؤ القيس:
كأنّ على الكتْفينِ منه إذا جرى ... مداكُ عروسٍ أو صَراية حنظلِ
يقول هو أملس فكأن على كتفيه فهر عروس أو حنظلة براقة قد أصفرت وهي الصرابة، قال أبو عبيدة صراية بالكسر وهو الماء الذي ينقع فيه الحنظل لتذهب مرارته. شبه عرقه بمداك العروس لأنه أصفر أو بصراية الحنظل، وجعلها مداك عروس لأنها قريبة عهد بالسحق فهي تبرق في القول الأول، وفي القول الآخر فيها صفرة، وقال الجعدي:
ولوح ذراعينِ في بركةٍ ... إلى جؤجؤ رهِل المنكبِ
كل عظم لوح، والبركة الصدر بكسر الباء فإن حذفت الهاء قلت برك ففتحت الباء، وقوله في بركة معناه مع بركة، ويستحب أن يكون في جلد الصدر وجلد المنكبين رهل وهو مسترخى جلد المنكب فهو يموج ليس بضيق، وقال أيضاً:
(1/137)

في مرفقَيه تقاربٌ وِله ... بركةُ زَور كَجبأةِ الخزَمِ
الجبأة خشبة الحذّاء ويقال الجفنة أيضاً، والخزم شجر يتخذ من لحائه الحبال، قال أصمعي: وبالمدينة سوق يقال لها سوق الخزامين، وقال بعضهم الخزم شجر الجوز.

الجنبان والجوف وما يحمد من إجفاره وانطواء الكشح
قال مزرّد:
له طُحرٌ عُوجٌ بضيعها ... قِداحٌ بَراها صانعُ الكفِ نابلُ
الأصمعي قال: الطحر هاهنا الأضلاع مشتق من قولهم طحره إذا دفعه وباعده لأن اللحم قد ذهب عنها، والبضيع اللحم، والنابل الحاذق. وقال بشر:
على كل ذي ميعةٍ سابحٌ ... سقطَع ذو أبهريه الحِزاما
الأبهر عرق مستبطن الصلب وهو واحد فجعله اثنين وإنما أزاد ذوا أبهره يعني جنبيه يقول: يقطعان الحزام إذا زفر، وقال مطير بن الأشيم:
له زَفرةٌ بعد طولِ الجِراء ... يقطع منها الحِزامَ الشديدا
وقال العجاج:
(1/138)

يقطع إبزيم الحِزام جشَمه
يقول يجشّم الحزام ما لا يطيق من انتفاخ جنبيه فإذا زفر انكسر الإبزيم، وقال لبيد:
ومقطعٌ حلقُ الرحالةِ سابحٌ ... باد نواجذه على الإطرابِ
يقطعها من انتفاخ جنبيه وقد فسر البيت فيما تقدم، وقال الجعدي:
خِيطَ على زفرةٍ فتم ولم ... يرجعْ إلى رقةٍ ولا هضَمِ
يقول كأنه زافر أبداً من عظم جوفه، والهضم استقامة الضلوع ودخول أعاليها وهو عيب، يقال فرس أهضم، والاخطاف لحوق ما خلف المحزم من بطنه وهو عيب، يقال فرس مخطَف، قال الأصمعي: لم يسبق الحلبة أهضم قط والفرس بعنقه، وقال آخر - وهو الجعدي أيضاً:
شديدُ قلاتِ الموقفيْنِ كأنما ... نهَى نَفساً أو قد أراد ليزفِرا
الموقفان رؤوس الفخذين وهما الحارقتان، نهى نفساً كأنه أراد أن يزفر فانتفخ لذلك ثم نهى نفسه أي رده. والثجل خروج
(1/139)

الخاصرة ورقة في الصفاق، يقال فرس أثجل وهو عيب، وقال الراعي في الإبل:
حُوزية طويَتْ على زفَراتها ... طي القناطرِ قبدأنَ بزولا
كقوله: خيط على زفرة.
وقال ابن أحمر:
حَبَطت قُصيراه وسوند ظهره ... وإذا تدافَع خلتَه لم يسندِ
القصيري آخر ضلع في جنبه، يريد أنه منتفخ الجنبين وسوند ظهره يريد أن ظهره مشترف إذا وقف، وإذا تدافع في مشبه اعتدل ودخل بعضه في بعض.
وقال ابن مقبل:
إلى كبدٍ كأنّ منهاة سوطها ... بفرجِ الحِزامِ بين قُنبٍ ومَنقَبِ
وما انتَقَصَتْ من حالبيْه ومتنِه ... صفيحةُ ترسٍ جَوزها لم يثقَّبِ
منهاة سوطه حيث ينتهي السوط إليه منها، وفرج الحزام حيث ينفرج من الحزام، والحالبان عرقان يكتنفان السرة، أي كأن متنه وما وصف من هذه المواضع صفيحة ترس، والمنقب حيث ينقب البيطار.
(1/140)

وقال أبو داود:
فُرشت كِبدها على الكبِد السفلى فأضت كأنها فُرزُوم
يريد أنها مجفرة انبسطت كبدها على موضعها، والفرزوم خشبة الحذاء ويقال للقصار: قال أبو عبيدة للفرس كبد وليس له طحال، شبهها بالفرزوم في صلابتها.
وقال النابغة:
لقد لحقتُ بأولى الخيلِ تحملني ... كَبْداءِ لا شَنجٌ فيها ولا طَنَبُ
كبداء ضخمة الوسَط، شنج قصر، وطنب طول مع اضطراب يقول هي معتدلة، وقال امرؤ القيس:
له أيْطَلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ ... وإرخاء سرحانٍ وتقريبِ تتفل
أيطلا ظبي كشحاه، ويروى اطِلا - وهما سواء، وشبهها بكشحى ظبي لأنه طاو، وساقا نعامة لقصر ساقيها ويستحب قصر الساقين في الفرس وقال المعَذَّل بن عبد الله:
لها قُصريا رئمٍ وشِدقا حمامةٍ ... وسائقتا هَيقٍ من الرُبدِ أربدا
(1/141)

وقال أبو داود:
وقُصرى شنجِ الإنسا ... ء نبّاح من الشُعْبِ
القصرى الضلع الأخرى التي تلي الكشح وإنما أراد الكشح، نباح يقال للظبي إذا كبر وهرم نباح، والشعب جمع أشعب وهو الظبي وإنما قيل له أشعب لانفراج ما بين قرنيه، وقال آخر:
تردّى به مَلَث الظلام طمّرة ... مَرَطى الجِراء طُوالة الأقرابِ
الأقراب واحدها قُرب وهو منقطع حصيري الجنبين، قال أبو عبيدة القرب والموفف والأيطل والحقو كل ذلك قريب بعضه من بعض وهو الخاصرة وما يليها، وهم يذمون طول الصُقلة وهي الطِفطفة، يقال: ما طالت صقلة الأقصر جنباه وذلك عيب وقال الجعدي:
كأنّ مقطَّ شرا سيفِه ... إلى طرفِ القُنبِ فالمَنقَبِ
لَطمنَ بترسٍ شدن الصفا ... قِ من خشبِ الجوزِ لم يثقَبِ
الشراسيف مقاط الأضلاع، والقنب غلاف قضبيه والمنقب موضع نقب البيطار من بطنه، أي كأن ذلك الموضع منه ألصق بترس من خشب الجوز وإنما يعني الجوز ثم رجع إلى نعت الفرس فقال شديد الصفاق والصفاق الجلد الأسفل دون الجلد الأعلى الذي عليه الشعر.
(1/142)

وقال يذكر فرساً:
ويُبقي وجيفَ الأربعِ السودِ جوفه ... كما خلق التابوت أحزم مُجفَرا
أي بعد ما يوجف أربع ليال يبقى جوفه مثل التابوت، أحزم عظيم المحزم.
فلما أبى أن ينقصَ القودُ لحمه ... نقصتْ المديدُ والمريذُ ليضمرا
المديد دقيق وما يمده به المريذ أن يمرذ له خبزاً وتمراً أو غيره يقال مرذ ومرث ومرس سواء.
وبطنٌ كظهرِ الترسِ لوشُلٍ أربعا ... فإصبح صفراً بطنهُ ما تخرجوا
شل طرد أربع ليال فأصبح خالي الجوف ما اضطرب بطنه ولا تغير عن حاله.
وقال سلمة بن الخرشب:
إذا كان الحزامُ لقُصرييها ... أما ما حيث يتمسكُ البريمُ
يقول إذا قلق الحزام واضطرب وسفل عن موضعه، أما ما أي صار قداماً أي قدام القصرى، والبريم الحقاب، أي حيث يكون الحقاب من المرأة وهذا مثل.
(1/143)

وقال المرقش:
ومغيرةٌ نَسَجَ الجنوبُ شهدتَها ... تمضي سوابقُها على غُلَوائها
بمُحالةٍ تقصُ الذبابَ بطرفها ... خُلقَتْ معاقمُها على مُطَوائها
نسج الجنوب أي هم مجتمعون كسحاب نسجته الجنوب وجمعته من الآفاق، والغلواء الارتفاع، وقال آخرون أراد أن المغيرة تمر مثل مر الريح والمحالة الشديدة المحال وهو الفقار، تقص الذباب تقتله بطرفها إذا سقط ودنا منها، والمعاقم الفصوص وهي المفاصل، أراد أنها كأنها تمطت فخلقت على ذلك، وشبيه به قول الجعدي:
خيط على زفرة
وقال سلمة بن يزيد الجعفي:
كأن مواضُعَ الدأياتِ منه ... وجُفرَة جنبِه حُشيتْ ثَماما

الظهر والقطاة والمتن وما يوصف به
وقال سلمة بن يزيد الجعفي: قال امرؤ القيس:
وصُمّ صلاب ما يقين من الوجَى ... كأن مكانَ الرِدفِ منه على رالِ
صم صلاب حوافره ما يقين من الوجى، وشبه قطاته بقطاة الظليم لأنها مشرفة ويستحب إشراف قطاة الفرس.
وقال أيضاً:
(1/144)

يديرُ قطاةً كالمحالةِ اشرفتْ ... إلى سندٍ مثلِ الغبيطِ المذأبِ
المحالة البكرة، إلى سند أراد مع سند وهو الظهر، والغبيط الرحل، والمذأب له ذئب أي فُرَج، قال أبو داود:
يعلو بفارسهِ منه إلى سندٍ ... عالٍ وفيه إذا ما جدّ تصويبُ
أي ظهر مشرف إذا وقف وفيه إذا سار طمأنينة وتصويب وذلك محمود، وقال الفرزدق يهجو سليطاً:
سائلٌ سليطاً إذا ما الحربُ أفزعَها ... ما بال خيلكُم قُسا هَواديها
القعس أن يطمئن الصلب من الصهوة وترتفع القطاة وذلك عيب، فإن اطمأنت القطاة والصلب فذلك البَزخ يقال فرس أبزخ وأقعس وهما عيبان، وإنما أراد الشاعر أنكم تتأخرون عن الحرب وتجذبون أعنة الخيل فقد دخلت أصلا بها وخرجت صدورها والصهوة مغق الفارس وقال أبو داود:
ومتنان خظانان ... كزحلوف من الهضب
وكزحلوق أيضاً وهو بمعناه، يقال لحمه خظا بظا إذا كان كثير اللحم صلبة والزحلوق الحجر الأملس، وقال امرؤ القيس:
لها متنتان خطانا كما ... أكب على ساعديه الغمر
ويقال هو خاظى البضيع إذا كان كثير اللحم مكتنزه، وقوله
(1/145)

خظاتا فيه قولان أنه أراد خظاتان كما قال أبو داود: ومتنان خظاتان، فحذف نون الاثنين يقال متن خظاة ومتنة خظاة، والآخر أنه أراد خظتا أي ارتفعتا فاضطر فزاد ألفاً، والقول الأول أجود، وقوله " كما أكب على ساعديه النمر " أراد كأن فوق متنها نمراً باركاً لكثرة لحم المتن وقال:
كميتٌ يَزّلُ اللِبْدَ عن حالِ مَتْنِهِ ... كَما زَلَّتِ الصَّفْوأَ بِالمُتَنَزَّلِ
حال متنه موضع اللبد، قال الأصمعي لم أسمع به إلا في هذا البيت، وشبه زليل اللبد عنه بصخرة تزل في هبوط، وقال أوس:
كميتٌ يَزلُ اللِبَد عن دأياتها ... كما زلّ عن عظمِ الشجيجِ المُحارفُ
الدأيات الفقار، وقال علقمة:
وجوفٌ هوا تحت متنٍ كأنه ... من الهضبةِ الخلقاءِ زُحلوقٌ مَلعَبُ
وقال خداش بن زهير:
دحِض السراةُ إذا علوتَ سَراته ... صافي الأديمِ صبيحة الأعمالِ
السراة الظهر، أي لا يثبت فوقه شيء لملاسته يزلق عنه، وقال عمرو بن معدي كرب:
وعجِلِزة يزل اللِبد عنها
(1/146)

العجلزة الشديدة وقال النجاشي:
كأن بمنهى سرجِهِ وقطاتهِ ... ملاعب ولدان على صَفوانِ
الملاعب الزحاليق، وقال دكين:
كأنّ غَر متْنَه إذ نُجنبه ... من بعدِ يومٍ كاملٍ نؤوبُه
سير صناع في خيرز تكلُبه
غر المتن طريقته وكذلك غر كل شيء، قال واشترى رؤبة ثوباً من بزاز فلما استوجبه قال: أطوه على غره أي على كسره، والتأويب سير اليوم إلى الليل، يقول طريقة متنه تبرق كأنها سير في خريز، والكلب أن يبقى السير في القربة وهي تخرز فتدخل الخارزة يدها وتجعل معها عقبة فتدخلها من تحت السير ثم تخرق خرقاً بالأشفى فتخرج رأس الشعرة منها فإذا خرج رأسها جذبتها فاستخرجت السير، وقال ابن مقبل:
جرى قفصاً وارتدَّ من أسرِ صُلبِه ... إلى موضعٍ من سرجِهِ غيرِ أحدبِ
القفص الذي لا ينطلق في جريه، وأسر صلبه اندماجه، وارتد يقول رجع بعضه إلى بعضه لأنه لم يستقم جريه وليس ذاك من حَدب. وقال كعب بن زهير:
شديدُ الشَظَى عبلُ الشوى شنجُ النسا ... كأن مكانَ الرِدفِ من ظهرهِ وَعا
أي كأنه كسر ثم جبر وإنما أراد أن فيه ارتفاعاً، وقال الجعدي:
(1/147)

أمِرَ ونُحَى من صلبه ... كنتيجةِ القتبِ المجلَبِ
على أن حاركَهُ مشرفٌ ... وظهر القطاةِ لم يحدّبِ
أمر فتل وأدمج، ونحى حرف، يقول في عظامه قنا أي تحنيب وهو أن يكون فيه كالحدب وهو يستحب في المحال والذراع، وأنشد الأصمعي:
أقنى المحال مجفَر مجرى الضفر

الذَنب وما يوصف به
قال النمر بن تولب:
جمومُ الشّدِ شائلةُ الذنابى ... تخالُ بياضَ غِرَّتها سِراجا
جموم الشد يقول إذا ذهب شد جاء شد كما تجم البئر إذا ذهب ماء جاء آخر، ويستحب من الفرس أن يرفع ذنبه إذا عدا، يقال هو من شدة صلبه، ويقال الذنابي شعر ذائل منتشر في أصل الذنب من جانبيه.
وقال دكين:
فهو كأنّ يد ساط ذَنَبه
يريد أنه قد رفع ذنبه في عدوه فكأنه رجل ساط قد رفع يده ليدخلها في حياء ناقة، وجاء في الحديث " لا بأس أن يسطو الرجل على المرأة " وقال زهير:
(1/148)

عواسِرٌ يمزَعنَ مَزع الظبا ... ءِ يركضنَ ميلاً وينزُعن ميلا
عواسر رافعة أذنابها، ويروى يمزعن ميلاً، أي يثبن، وقال امرؤ القيس:
ضليعٌ إذا استدبرتُه سدّ فرجَه ... بضاف فويقَ الأرضِ ليس بأعزلِ
ضاف سابغ، سد فرجه ما بين فخذيه، يريد كثرة الذنب، والعزل أن يعزل ذنبه في أحد الجانبين وذلك عادة لا خلقة، والعَصل التواء عسيب الذنب حتى يبرز بعض باطنه الذي لا شعر عليه، والكَشف أكثر من ذلك، والصبغ بياض الذنب كله، والشعل أن يبيض عرضه - وهذه عيوب الذنب، وقال أيضاً:
وإن أدبَرتْ قلتُ سُرعوقةٌ ... لها خلفُها ذنبٌ مسبَطِرُ
سرعوفة جرادة، مسبطر ممتد، مدحها بطول الذنب، وقال أيضاً:
لها ذنبٌ مثلُ ذيلِ العروسِ ... تسدُ به فرجَها من دبرِ
أراد الفرج بين فخذيها، وقال خداش بن زهير:
لها ذنبٌ مثلُ ذيلِ الهَدي ... إلى جؤجؤ أيدِ الزافرِ
أيد شديد، الزافر الصدر لأنه يزفر منه، وقال النابغة:
(1/149)

بكل مدجّجِ في البأسِ يسمو ... إلى أوصالِ ذيالِ رِفَنِ
الذيال الطويل الذنب الطويل فإن كان الفرس قصيراً وذنبه طويلاً قالوا ذائل والأنثى ذائلة وذيال الذنب فيذكرون الذنب، ورفن ورفل واحد، وقال ابن مقبل:
وكل علنَدي قُصّ أسفلُ ذيلِه ... فشمَّرَ عن ساقٍ وأوظفة عُجْرِ
- العلندي الجمل والكندي إذا غلظ - قص أسفل ذيله أي حذف، وعجر غلاظ، وقال امرؤ القيس:
على كلِ مقصوصِ الذنابي معاودِ ... وجيفِ السرى بالليلِ من خيلٍ بربرا
إذا قلتُ روّحنا أرن فُرانِق ... على جلعدٍ واهى الأباجل أبترا
يعني البريد وكانت دواب البريد الخيل، واهى الأباجل منفتق الأباجل بالجرى، أبتر محذوف.
(1/150)

العجز والفخذان
قال امرؤ القيس:
سليمُ الشظى عبلُ الشوى شَنِجُ النِسا ... له حجباتٌ مشرفاتٌ على الفالِ
الشظى عظم لاصق بالذراع، فإذا تحرك قيل شظى الفرس، شنج النسا قصيره والنسا عرق مستبطن الفخذين حتى يصير إلى الحافر فإذا هزلت الدابة ماجت فخذاه فخفى وإذا سمنت انفلقت فجرى بينهما واستبان كأنه حية وإذا قصر كان أشد لرجله، قال:
بشنج موتَّر الأنسا
فإذا كان فيه توتير فهو أسرع لقبض رجليه وبسطهما غير أنه لا يسمح بالمشي، وضروب من الحيوان توصف بشنج النسا وهي لا تسمح بالمشي كالظبي، قال أبو داود:
وقصرى شنجُ الأنسا ... ءِ نباحٌ من الشُعْبِ
ومنها الذئب وهو أقزل وإذا طرد فكأنه يتوجى، ومنها الغراب وهو يحجل كأنه مقيد، قال الطرماح:
شَنِجُ النِسا حرِقُ الجَناحِ كأنه ... في الدارِ إثر الظاعنيْن مقيّدُ
والحجبات واحدتها حجبة وهي رأس الورك التي تشرف على الجاعرة، والفال عرق يخرج من فوارة الورك، يقول قد أشرفت حجبته على هذا العرق، وقال أبو النجم:
(1/151)

طامحة الطرف نباة الفائل
نباة مشرفة والفائل والفال واحد، أراد مشرفة موضع الفال وقال طفيل:
على كلِ مَنشقٍ نساها طمْرة ... ومنجردٍ كأنه تيسٌ حُلّبُ
منشق نساها يريد به موضع نساها، منشق لأنها سمينة فقد انفلقت فخذاها كما يقال فلان شديد الاخدع يراد شديد العنق، والأخدع عرق في العنق، وفلان شديد الأبهر وهو عرق في الظهر يريد الظهر.
وقال النابغة - الجعدي:
فليقُ النِسا حبِطُ الموقفينِ ... يستنُ كالتيسِ في الحلَّبِ
فليق النسا مثل منشق النسا، والموقف ما دخل في وسط الشاكلة إلى منتهى الأطرة من منتهى الخاصرة، أراد أنه منتفج وقال أبو ذؤيب:
متفلقٌ أنساؤها عن قانى ... كالقُرطِ صاوٍ غُبره لا يُرضعُ
تفلقت أنساؤها عن ضرع أحمر كالقرط في صغره، وصاو يابس، والغبر بقية اللبن، وإنما أراد أنها لم تحمل وإذا لم تحمل كان أصلب لها، ومثله في الكلام " فلان لا يرجى خيره " أي ليس له خير يرجى.
وقال دكين:
(1/152)

على ضروع كقرون الأوعال
شبهها بقرون الأوعال لرقتها ولأنها لم تحمل قط ولم ترضع فتستفيض ضروعها وللضروع باب ألفته في كتاب الإبل.
وقال ابن الرقاع:
وترى لغَرّ نساه غيباً غامضاً ... فلق الخصيلةِ من فويق المفصلِ
الغر تكسر الجلد وجمعه غرور، وسئل رجل من العلماء بالخيل: متى يبلغ الفرس، فقال: إذا ذبل فريره وتفلقت غروره وبدا حصيره واسترخت شاكلته، الفرير موضع المجسة من معرفته والغرور واحدها غر وهو كل تكسر في الجلد، والحصير ما بين العرق الذي يظهر في جنب الفرس والبعير معرضاً فما فوقه إلى منقطع الجنب، وقال آخر: الحصير العصبة التي تبدو في الجنب بين الصفاق ومقط الأضلاع وأنشد الأصمعي:
كأنّ سفينةً طُليتْ بقارٍ ... مقطا زوره حتى الحصيرِ
والحصير في غير هذا الملك وأنشد:
بني مالكٍ جارَ الحصيرُ عليكم
والشاكلة الجلدة التي بين الثفنة وعرض الخاصرة، وقال آخر هي الطفطفة، وقوله غيباً، يريد انفلقت فخذاه بلحيتين عند سمنه فجرى النسا بينهما واستبان، والخصيلة كل لمحة فيها عصبة.
(1/153)

وقال امرؤ القيس:
لها عجزٌ كصفاةِ المسيلِ ... أبرَزَ عنها جِحافُ مِضرِ
يريد أن عجزه ملساء ليس بها فَرق والفرق إشراف أحد الوركين على الأخرى يقال فرس أفرق وذلك عيب، جحاف مجاحفة السيل الصخرة، مضر دانٍ متقارب، وقال عوف بن عطية بن الخرع:
لها كفلٌ مثلُ متنِ الطرا ... فِ مدد فيه البُناةُ الحِتارا
الطراف الفسطاط من أدم، والحتار ما أطاف به من أطرافه وهو موقع الطنب من الطراف، ومثله الإطار وإنما شبه الكفل بمتن الطراف في استوائه، وقال:
كميتاً كحاشيةٍ الأتحمى ... لم يدعِ الصنعُ فيه عَوارا
شبهها بحاشية البرد في استوائه وسفاقته، أنشدني السجستاني عن أبي عبيدة للعُديل:
ومهريْنِ كالرمحينِ تنشقُّ عنهما ... عجاجةُ نقعٍ ساطعٍ فتجرّدا
شُجيْريْنِ طارَ الكبوُ والربوُ عنهما ... إذا الربوُ في أكفالهن تصعّدا
قال أبو عبيدة يقال فرس شجير أي لطيف الشجر ليس بمنتفج يربو ولكنه لطيف لا ينتفج ولا يربو، والكبو هاهنا أن لا يعرق
(1/154)

كما تكبو الركية إذا ذهب ماؤها فلم تبض، وقال غيره كما يكبو الزند إذا لم يور، قال أبو عبيدة وإذا صعد الربو في كفل الفرس وذلك من طول ما يعلف سقطت رجلاه فقام، والربو هاهنا من ربا يربو ربواً.

القوائم
قال الشاعر - ويروى لطفيل الغنوي:
وأحمرٌ كالديباجِ أما سماؤه ... فريّا وأما أرضه فَمحُولُ
سماء الفرس ما كان من عجب ذنبه إلى المعذَّر، وأرضه قوائمه يريد أن قوائمه ممحِّصة ليست برهلة وأن أعلاه ريان ليس بمهزول ولا ضعيف، وأرضه في غير هذا الموضع تكون حوافره، قال حميد الأرقط:
ولم يقلّب أرضها البيطارُ ... ولا لحبليْه بها حَبارُ
يقول لم تكن بها علة فيحتاج البيطار إلى تقليب حوافرها، والحبار الأثر، قال أبو داود:
أيّد القُصريين ما قِيد يوماً ... فيعنَّى لصرعهِ بيطارُ
أراد لم يقد يوماً إلى بيطار ليصرعه ويعالجه.
وقال الجعدي:
(1/155)

سليم السنابك لم يُقلَب
وقال آخر:
إذا ما استحمّتْ أرضُه من سمائِه ... وباعَ كبوعِ الخاضبِ المتطلقِ
يقول عرق حتى سال العرق على قوائمه، والخاضب الظليم، وقال سلمة بن الخرشب:
إذا ما استحمّتْ أرضُه من سمائِه ... جرى وهو مودوعٌ وواعدٌ مصدَّقُ
مودوع مودع، وواعد مصدق أي يعدك صدقاً في العدو، وقال العجاج:
قد لاح منه فالسراة أشحمه
أي أسمنه سراته وهو أعلاه، وقال دكين بن رجاء:
ينجّيه من مثلِ حمامِ الأغلالِ ... وقعُ يدٍ عجلى ورجلٍ شِملالِ
يظمأُ من تحتٍ ويروى من عالِ
(1/156)

يعنى من خيل مثل - حمام - 1 - الأغلال والأغلال جمع غَلَل وهو الماء الجاري على وجه الأرض وإذا كانت الحمام تريد الماء فهو أسرع لها، والشملال الخفيفة، وقال أبو النجم:
عَبْل الأعالي مَرِسُ الأسافلِ ... مشترِفٌ محتَجِزُ الخصائلِ
عن سلباتِ ذُبّلِ المفاصلِ
أراد بالأعالي كاهله وبأسافله قوائمه، مرس شديد، مشترف عالي النظر سام، محتجز يقول قد احتجز بعض لحمه من بعض من شدته، ومثله لحمها زيم أي مفترق في أعضائها ليس بمجتمع فتبدن، عن سلبات عن قوائم سلبات أي طوال، ذبل يبّس والخصائل العضل ومثله:
من كلِ عريانِ الشوى جُسام ... محتجزُ الحمِ على العظامِ
أي هو ممحّص القوائم ليست قوائمه برهلة.
وقال الأسدي:
كميتٌ أمِّر على زفرة ... طويل القوائم عريانها
أمر كأنه فتل وطوى على زفرت.
وقال خداش بن زهير:
ولا حنكل عاري الظنابيب اكزما ... الحنكل والأكرام والحاذي القصير
ولميسمع بأحد ذم العري في
(1/157)

الظنابيب غيره والعري محمود وقال امرؤ القيس:
وساقان كعباهما صمعا ... ن لحم حمايتهما منبتر
الحماة عضلة الساق ويحب انبتارها، والكعوب المفاصل، يريد أنهما ليستا برهلتي المفاصل، والصمع اللزوق، ومنه أذن صمعاء أي صغيرة لازقة بالرأس، ويقال خرج السهم متصمعاً أي قد انضم ريشه من الدم، منبتر متقطع.
وقال زيد الخيل:
نسوف للحِزامِ بمرفقيْها ... شَنونُ الصلبِ صَمعاء الكِعابِ
نسوف للحزام قطوع، يقال نسفه أي قطعه.
ومثله قول بشر:
نسوف للحِزامِ بمرفقيْها ... يسدُ خَواءَ طُبييها الغُبارُ
الأطباء لكل ذات حافر، والضرع لكل ذات ظَلف والخِلف لكل ذات خف، والخَواء فرجة ما بينها، شنون الصلب سمينة، صمعاء الكعاب لازقتها وقال أبو داود:
لها ساقا ظليمٍ خا ... ضبٍ فوجى بالرُعبِ
(1/158)

ساقا ظليم قصيرتان ويستحب قصر ساقي الفرس.
ومثله قول الآخر:
له متن عَير وساقا ظليم
وقال امرؤ القيس:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة
وقال أبو داود:
بين النعامِ وبين الخيلِ خلقتهُ ... خاظَى البضيعِ أجش الصوتِ يعبوبُ
يريد أن فيه من خلقة النعامة قصر ساقيها وإشراف قطاتها ومشيها في بعض أحوالها وعدوها.
وقال آخر يمدحه بطول القوائم:
شرجبٌ سلهبٌ كأن رماحاً ... حملَتْه وفي السراة دُموجُ
الشرجب الطويل العاري أعالي العظام، والسلهب أيضاً الطويل القوائم.
وقال زهير:
(1/159)

وملجمُنا ما إن ينالُ قَذاله ... ولا قدماه الأرضُ إلا أناملهُ
فنضربه حتى أطمان قَذاله ... ولم يطمئنَّ قلبُه وخصائلهُ
القذال من الإنسان ما بين النقرة والأذن ومن الفرس معقد العذار والخصائل جمع خصيلة وهي كل لحمة في عصبة، وقوله: اطمأن قذاله كان رافعاً رأسه فضربناه حتى نكس، يقول وهو فإن كان قد اطمأن قذاله فليس يناله ملجمنا ولا تنال الأرض قدماه لأنه قد قام على أطراف أصابعه، ومثله قول الآخر:
كأن هاديها إذ قامَ ملجمُها ... قعو على بكرةِ زَوراءِ منصوبُ
وقال خفاف بن ندبة:
ربِذ الخِناف إذا اتلأب ورجلهُ ... في وقعِها ولحاقِها تجنيبُ
الربذ سرعة رجع اليد وليس الربذ سعة الشحوة، والخناف في الحافر كلها أن يهوي بيده إلى وحشيته والتجنيب كالروح في الرجلين والتجنيب انحناء وتوتير وذلك محمود: وإذا كانت رجلاه منتصبتين، غير محنبتين فهو أقسط والاسم القسَط وذلك عيب، قال طرفة:
وكرّى إذا نادى المضاف محنبا
(1/160)

في وقعها، يريد مع وقعها وكذلك قولك فلان عاقل في حلم، وقال زهير:
قد عوليت فهي مرفوعٌ جواشنُها ... على قوائمٍ عُوجٍ لحمُها زيمُ
وقال العماني الراجز:
يرى له عظم وظيف أحدبا ... مسقّفاً عبلاً ورسغاً مُكربا
وقال يزيد بن عمرو الحنفي:
يخطو على عسَبٍ عوجٍ سمونٍ به ... فيهن أطرٌ وفي أعلاه تقتيبُ
وقال أبو داود:
وفي اليدينِ إذا ما الماء أسهله ... ثنى قليلٌ وفي الرجلينِ تجنيبُ
وقال طرفة:
جافلاتٌ فوق عوج عجل ... ركبت فيها ملاطيس سمرُ
ملاطيس جمع ملطاس وهو معول للصخر شبه الحافر به. وقال
(1/161)

رجل من الأنصار:
وأقدر مشرف الصهوات ساط ... كميت لا أحق ولا شيئت
ويروى: وأقدر من جياد الخيل ناج، قال أبو عبيدة الأقدر من الخيل الذي يجاوز حافراً رجليه موضع حافري يديه والأقدر أفسح الخيل عنقاً والأنثى قدراء، وروى أبو عبيد القاسم بن سلام عن بعضهم، أن الأقدر إذا سار وقعت رجلاه مواقع يديه.
قال أبو عبيدة: والأحق الذي يطبّق حافراً رجليه موضع حافري يديه، ورواية أبي عبيد: الأحق الذي لا يعرق، الشئيت الذي يقصر حافراً رجليه عن موضع حافري يديه، والساطي البعيد الخطو، وروى القاسم بن سلام عن بعضهم: أن الشئيت العثور.
وأنشد أبو عبيدة لعياض بن كثير الضبي:
إذا ما الشئيتُ أمسكَ الربوُ ماءه ... تحدّر لا وإن ولا متفاتر
وقال أبو داود:
حديدُ الطرفِ والمكبِ والعرقوبِ والقلبِ
التحديد في العرقوب محمود وفي جميع ما ذكر، ومن العراقيب المؤنَّف وهو الذي حدت إبرته وهو محمود، ومنها الأدرم وهو الذي
(1/162)

عظمت إبرته وهي طرفه، ومنها أقمع وهو الذي عظم رأس عرقوبيه وذلك القمَع.
وقال آخر:
لطافُ الفصوصِ نيامُ الشظى ... صحاحُ الأباجلِ لم تُضربِ
نيام الشظى يريد أنها غير منتشرة.
وقال عوف بن عطية بن الخرع:
لها شعبٌ كأياد الغبي ... طِ فضض عنها البناةُ الشجارا
شعب قوائم، والغبيط مركب النساء، وأياده جانبه، والبناة الذين بنوه وركبوه، فضض كسر وفرق، والشجار عيدان الهودج، وقوله ولا العرق فاراً، يقول: لم يكن بها داء فتُودج فيفور الدم، وقال عمرو بن معدي كرب:
يقولُ له الفوارسُ إذ رأوه ... نرى مَسداً أمِّر على رماحٍ
أي يشبه بحبل فتل على رماح وهي قوائمه وشبهه بالحبل في ضمره واندماج خلقه، وقال الأعشى:
(1/163)

منه وجاعرةٌ كأن حماتَهالما كشفت الجل عنها أرنب
الحماة عضلة الساق ويستحب انقطاعها واجتماعها، وقال عبد الرحمن بن حسان:
كأن حماتَيْها أرنبانِ ... تقبّضتا خيفةَ الأجدلِ

الأرساغ وما يحمد من يبسها وغلظها
قال امرؤ القيس:
تبارى الخنوفُ المستقلُ زِماعه ... ترى شخصَه كأنه عودُ مشجبِ
الخنوف الذي يرى بيديه في السير فهو أسرع له وأوسع، والزماع جمع زمعة والزمعة تكون لما له ظلف ولكنه أراد المستقل ثنته وهو الشعر المعلق في مآخير قوائمه وأراد أنها لا تمس الأرض ولكنه يستقل بها لأن أرساغه غير لينة، وقال أبو داود:
وأرساغٌ كأعناقٍ ... ضباعٍ أربعٍ غلب
الغلب الغلاظ الرقاب واحدتها غلباء، وقال الجعدي:
كأن تماثيل أرساغه ... رقاب وعول على مشرب
(1/164)

وقال امرؤ القيس:
لها ثُننٌ كخوافي العُقا ... بِ سودٌ يفينَ إذا تزبئرَ
يريد تنتفش أخبرك أنها غير معِرة والمعَر مكروه وجعلها سوداً لأن البياض كله رقة في الخيل وشبهها بالخوافي في رقتها ويستحب أن تكون الثنن والناصية والسبيب ليناً، قال أبو عمرو: يفين لا يهمز أي يكثرن يقال وفي شعره إذا كثر، وقال غيره: يفئن مهموز أي يرجعن بهذا الازبئرار، وقال في وصف ناقة:
تُطايرُ شَذّانُ الحصا بمناسمٍ ... صلابِ العُجى ملثومها غير أمعرا
العجاية عصبة في الوظيف وجمعها عُجى، ويقال أن الانتشار منها يكون، والملثوم الذي لثمته الحجارة.
وقال طرفة وذكر ناقة:
تتقى الأرضُ بملثومٍ مَعر
فهذا وصَفها بالمعر وقال لبيد:
صاجبٌ صاجبٌ غير طويلِ المحتبلِ
أي غير طويل الأرساغ والمحتبل موضع الحبل من رسغه وإنما يحمد قصر الرسغ إذا لم يكن معه انتصاب وإقبال على الحافر فإذا كان منتصباً مقبلاً على الحافر فهو أقفد والقفَد عيب، قال أبو
(1/165)

عبيدة: والقفد لا يكون إلا في الرجل، قال والفحَج: تباعد ما بين الكعبين والصكك اصطكاك الكعبين والبدد بعد ما بين اليدين، والصدف تداني الفخذين وتباعد الحافرين في التواء من الرسغين والتوجيه نحو من ذلك إلا أنه أقل منه، والفدع التواء الرسغ من عرضه الوحشي.

الحوافر وما توصف به
قال امرؤ القيس:
ويخطو على صُمٍ صلابٍ كأنها ... حجارةُ غَيلٍ وارساتٌ بطُحلُبِ
الغيل الماء الجاري على وجه الأرض، وارسات داخلات في الطحلب وإذا كان الطحلب على حجارة صلبت، ويقال وارسات أي صفر والحجارة تصفر إذا كان عليها الطحلب ولم يرد أن الحافر أصفر، وإنما أراد أن الحجر مصفر من الطحلب صلب، والنّقد في الحافر عيب وذلك أن تراه مثل المتقشر، وقال الجعدي في مثله:
كأن حوامِيَه مدبراً ... خضبنَ وإن كان لم يخضبِ
حجارةُ غيلٍ برضراضةٍ ... كُسين طلاءً من الطحلبِ
الحوامي جوانب الحوافر، يقول هي سود كأنها خضبت، والرضراضة حجارة ترصف بعضها إلى بعض وإذا أصابها الماء وركبها الطحلب كان أصلب لها وأشد، وقال ساعدة بن جؤية:
(1/166)

وحوافرٌ تقعُ البراح كأنما ... ألف الزماعُ بها سلام صُلّب
البراح ما استوى من الأرض، تقع تضرب، ومنه يقال وقعت السكين إذا ضربتها بالمطرقة، والزماع أصله في الظلف في مؤخر الحافر وهي الزوائد كأنها الزيتون، أراد كأن ذلك الموضع حجارة صلب وواحد السلام سلمة، وقال النابغة:
بَرى وقع الصوّانُ حدّ نسورِها ... فهنَّ لطافٌ كالصعادِ الذوابلِ
الصوان الصلابة في الأرض واليبس، يقال وَقِعت الدابة توقِع وقعاً إذا أصابها وجع في الحافر ولا يكون ذلك إلا من وطئها في الغلظ فالغلظ هو أوقعها، وبرى نسورها والنسور ما ارتفع من باطن الحافر كأنه النوى أو الحصى، وقال علقمة بن عبدة:
سُلاّءةٌ كعصا النهدي غل لها ... منظمٌ من نوى قُرّان معجومِ
ويروى: ذو فيئة من نوى قرّان، سلاءة يقول هذه الفرس دقيقة المقدم كسلاءة النخل غليظة المؤخر، ومثله قول امرئ القيس:
إذا أقبلت قلت دُبّاءة
شبهها بقرعة في دقة مقدمها وغلظ مؤخرها ويستحب ذلك في الإناث من الخيل، وعصا النهدي أراد النبع والنبع نبت ببلاد نهد، وقيل أيضاً: شبهها بالسلاءة في صلابتها وضمرها، وقال آخر نهد
(1/167)

ينزلون الجبل فشجرهم أصلب من شجر غيرهم، غل لها أدخل لها، ذو فيئة أي ذو رجوع، وذلك أن الإبل تطعم النوى فإذا هي بعرت غسلوا البعر فإذا أصابوا نوى صحاحاً أطعمته الإبل ثانية وهو أصلب النوى أراد بذلك أن نسورها كنوى القسب من صلابته، معجوم يعني النوى أنه مما أكل ولم يطبخ وإذا طبخ كان أضعف له والمأكول أصلب، وقال أبو داود:
ترى بين حواميْه ... نسوراً كنوى القسبِ
وقال آخر:
مُفِّج الحَوامي عن نسورٍ كأنها ... نوى القسبِ تَرت عن جريمٍ مُلجلَجِ
مفج واسع يقال أفج أي اتسع، والجريم النوى، ترت ندرت شبهها بنوى ندر عن المرضحة ويقال الجريم هاهنا التمر المصروم والجرام الصرام، والملجلج تمر لجلج في الفم، وقال أبو النجم:
سُمُرُ الحوامى وأبةُ الآثارِ ... كالأقعُبِ البيضِ من النُضارِ
ركِبنَ في كاسيةٍ عوارى ... يهمشنَ جوزَ القَلّعِ الصّرارِ
الحافر يوصف بالسمرة والخضرة والورقة وإذا كان كذلك كان أصلب له، وأبة الآثار أي مقعبة الآثار
(1/168)

فهو أحمد لها، وقوله: من النضار، وإنما أراد صفاء الحوافر ولم يرد البياض، والصفاء فيها أحمد من أن تكون كمدة متقشرة، كاسية قوائم كسيت بالجلد والعصب وهي عوار من اللحم، والقلع الصخر الأسود يصرّ لصلابته إذا وطئته الحوافر ولا يتكسر، يقول فحوافر هذه تكسره، وقال عوف بن عطية بن الخرع:
لها حافرٌ مثلُ قعبِ الوليدِ ... يتخذُ الفأرَ فيه مَغارا
يتخذ الفأر مغارا في الحافر، شبهه في تقعيبه بالقعب يريد لو كان الفأر يتخذ فيه مغاراً لكان له فيه مغار، ومثله جاءنا بجفنة يقعد فيها ثلاثة أي لو قعد فيها ثلاثة لوسعتهم، ويقال بل أراد يتخذ الفأر مغاراً في القعب لأن القعب للوليد لا يزال يكون فيه الشيء من الطعام يعلل به الوليد فالفأر يدخله.
وقال آخر - وهو أبو النجم:
بكلِ وأبٍ للحصى رَضّاحٍ ... ليس بمصطرٍ ولا فرشاحِ
ضافي الحوامي مكرَب وَقاح
أي مقعب، مصطر ضيق، فرشاح منبسط، مكرب شديد.
وقال طرفة:
تتقى الأرضُ بُرح وُقُح ... ورُق تقعر أنباكَ الأكم
(1/169)

الرح جمع أرح وهو الحافر الكثير الأخذ من الأرض الواسع وهو ضد المصطر والوقُح الصلاب، ورق في لونها.
وقال أبو داود:
سلطاتِ رُكّبنَ في عجِراتٍ ... مكرِباتٍ لم يخفها التقليمُ
ونسورٌ كأنهن أواقٌ ... من حديدٍ يشقى بهن الرضيمُ
سلطات طوال، أراد القوائم، عجرات حوافر غليظة فهو من المعجور الذي فيه كالعقد، والأواقي مكاييل الزيت، والرضيم الحجارة المرضومة.
وقال دكين:
يُبثنَ نبثاً كالجراء الأطفالِ ... بسلطاتٍ كمساحى العُمّالِ
أي يقلعن من الطين بحوافرهن مثل الجراء من شدة عدوهن، سلطات حوافر طوال.
وقال سلمة بن الخرشب:
ومختاضٌ تبيضُ الرُبدُ فيه ... تُحومي نبته فهو العميمُ
غدوتُ به تدافعني سبوحٌ ... فَراشُ نسورِها عجمٌ جريمُ
مختاض بلد يخاض خوضاً كأنه بحر أو ليل من كثرة نبته وخضرته، والفراش كل عظم رقيق، وكل رقيق من حديدة أو عظم يتقشر فهو فراشة، أراد أن ما يتقشر من نسورها مثل العجم وهو النوى، جريم مصروم، وجعله مصروماً لأنه قد بلغ واشتد نواه.
(1/170)

تم الخلق
أنشدني السجستاني لأبي ميمون النضر بن سلمة العجلي هذا الشعر وقال قرأته على أبي عبيدة والأصمعي:
قُدنا إلى الشأم جِيادَ المصريْنِ ... آلُ الحرونِ قد سُحقنَ العصرينِ
قال أبو عبيدة: آل الحرون أولاد الحرون وهو فرس كان لمسلم بن عمرو بن أسيد الباهلي، والذائد من نسل الحرون.
شهراً فشهراً فاغتفرنَ الشهريْنِ ... فهنَ قُبٌ مالئاتٌ للعينِ
اغتفرن أي احتملن ذاك لأنها تطعم قوتاً على قدر فاحتملت ذاك.
مثل قِداحِ النبعِ مما يُبرينَ ... أنضجهن الطبخُ طبخ الصِرعينِ
الصرعان غدوة وعشية وهما العصران والبردان، والطبخ هو الحِناذ وهو التسخين للخيل بعد التقريب حتى يذهب الشحم ويبقى اللحم، وتستوكع على الجري ويفعل ذلك بها في البردين.
والركضُ بعد الركضِ حتى يُمهينَ ... والقودُ بعد القَودِ قد تمكَّينَ
يمهين يستخرج عرقهن كما تمهى الركية يستخرج ماؤها، أمهت وأمهيت الحديدة سقيتها الماء وماهت هي، تمكين ابتللن وخمص فضولهن.
(1/171)

مستقبلاتُ الريحِ حينَ يُلقّينَ ... للأرضِ يعركنَ بها ما يأذَينَ
أذيت به بعلت به، يعركن بالأرض يريد التمريغ.
عَرك ذوي العُرّةِ جربي يطلينَ ... حتى تبعثنَ وقد تثرّينَ
أي لصق بهن ثرى الأرض.
ثم انتفضْنَ مرةً أو اثنتين ... نفضَ عتاقِ الطيرِ حين يُندينَ
ثم توذَّفنَ كأن لن يُجرينَ ... وجُلنَ في الأرسانِ حتى يخلّينَ
أصل التوذف التبختر، يخلين تعلق عليهن المخالي.
كل طويلِ الساقِ حُر الخدينِ ... مقسمُ الوجهِ هريت الشِدقينِ
مقسم الوجه حسن الوجه، رجل قسيم ووسيم.
مؤلّلُ الأذنينِ صافي العينينِ ... ذي حاجبينِ أشرفا كالصفَّينِ
مؤلل محدد، والحاجب يستحب منه الخشوع كما قال ابن مقبل:
وحاجب خاشع وماضغ الهز
ومدح هذا بإشرافه:
ومنخرينِ رحبا كالكيرينِ ... صلت الجبينِ رحب شجرِ اللَّحيينِ
الكير زق الحداد، والشجر ما بين لحييه من اللحم من ظاهر وباطن.
(1/172)

في فهقةٍ غامضةِ المقذينِ ... وعنقٍ كالجذعِ حرِ الليتينِ
الفهقة الفقرة التي هي مركب الرأس في العنق، والليتان صفحتا العنق.
ضافي السبيب مدبرِ العلباويْنِ ... في منكبيْنِ رهليْنِ ضخميْنِ
ضافي سابغ، والسبيب شعر ناصيته وذنبه، والعلباء يدبر فتلين العنق وهما عصبتان في العنق وقد فسر ذلك، والرهل في المنكب والزور يستحب وإنما يكون ذلك لسعة الجلد.
ذي حافرٍ كقعبِ بين القعبينِ ... مستقدمِ السنبكِ وافي العرضينِ
النسور في باطن الحافر مثل النوى واللوز، والأشعر ما أحاط بالحافر من الشعر، والبريم المخلوط، يريد في الأشعر بياضاً، وكل شيئين خلطا فهما بريم.
وثننٌ تحمى حواميها الشينُ ... مثل الخوافئهَن للأرضِ الزينِ
الثنة الشعر المعلق في مؤخر كل قائمة من قوائمه، وشبهها بالخوافي لطولها، وطولها يستحب ويكره المعر وهو شينها، وحواميها جوانبها.
(1/173)

وحوشبٌ لا يتشكّاه القيْنِ ... هادي العروقِ سالمُ الشظاتيْنِ
الحوشب موصل الوظيف في الرسغ والقينان حرفاً وظيفي اليدين، يقول هو شديد الحوشب وثيقه فليس يتشكى الوظيف، وقوله: هادي العروق أي هي غير منتشرة كما قال الآخر:
نيام الأباجل لم تضرب
والشظاة عظم لاصق بالركبة فإذا شخصت شظى الفرش:
في عصباتِ مصحٍّ لا يُخشيْنَ ... عارى الوظيفِ أحدب الذراعيْنِ
يقول عصباته قد خفيت لأنها غير منتشرة فلا يخشى عليها الانتشار، والعرى في الوظيف محمود، واعوجاج الذراعين أيضاً محمود وأنشد - للعماني:
ترى له عظم وظيف أحدبا
مستقدمُ البركة ضخمُ العضدينِ ... مشترفُ الكتْفِ طُوالُ القرنيْنِ
نهدُ الغرابِ ناهدُ المعدّيْنِ ... معقربٌ منبترُ الحماتيْنِ
البركة الصدر، والغرابان ملتقى أعالي الوركين، والقطاة بينهما على العجز والمعدّان موضع السرج من جنبي الفرس، ويستحب أن ترتفع القطاة وإذا ارتفعت اشتد الغرابان، والحماة عضلة الساق ويستحب انتبارها وقد فسر ذلك:
قليلُ لحمِ الشدقِ ضخمُ الفخذينِ ... أشق قاسى الظهرِ عاري الكعبينِ
(1/174)

غوجٌ جهيزُ الشدِ حين يُبلينَ ... ترى الغلامَ بعد ركضِ الميلينِ
يقال هو يتغوج في مشيته إذا تثنى في شقيه، والشد العدو، ويبلين يختبرن، جهيز سريع.
وبعد تقريبٍ أفاضَ العطفينِ ... في ربذٍ منه يوارى الساقينِ
أفاض عطفيه ماء أي عرقاً.
مستمسكاً منه بلهبِ العُرشَينِ ... ترمي به الرجل فروع الكتفينِ
الهلب الشعر، والعرشان منبت العرف، يقول قد استمسك بالعرف خوفاً من أن يسقط:
يقول قد حنَتْ وما منه الحين ... ثم ثنى يجذِبه بالكفيْنِ
بالسبقِ فوق السبقِ بين الجمعيْنِ ... ثم مشى فاهتزّ بين الحزبينِ
يريد أنه سبق سبقاً بيناً كأنه تجاوز السبق فهناك حبسه الغلام بكفيه.
مثلَ اهتزازِ الرمحِ بين النصليْنِ ... فمثل هذا نعم كحلِ العينيْنِ
بين النصلين بين السنان والزج.
ونعم حشو السرجِ بين الخيليْنِ ... ونعم تالى الحمرِ حين يتليْنِ
فالخيلُ منى أهلٌ ما أن يدنينِ ... وأن يقرّبنِ وأن يقصيْنِ
وأن يبأ بأن أن يفدين ... وأن يكون المحضُ مما يسقينِ
وأهل إن أغلين أن يغالين ... بالطُرف والتلد وأن لا يُجفينِ
(1/175)

وأهل ما صحبننا أن يقفين ... وأهل ما أعقبننا أن يجزيْنِ
قوله أعقبننا يريد أهل أن يجزين بما أعقببنا من إحساننا إليهن كما قال الآخر:
فأعقب خيراً كل أهوج مهرج
ألسن عزُ الناس فيما أبليْنَ ... والحسبُ الزاكي إذا ما يثنينِ
والأجر والزين إذا رمت الزينُ ... وأي يوم حظوة لم يحظينِ
وأي يوم غارةً لم يدميْن ... وكم كريمٌ جدّهُ قد أغلينِ
وكم طريدٌ خائفٌ قد أنجين ... ومن فقيرٍ عائلٍ قد أغنينِ
وكم برأس في لبان أجرين ... وجسد للعافيات أعرينِ
يقول مثل رؤوس الجوارح تجعل في أعناقها وتجرئ والعافيات الطير والسباع تعفو أجساد القتلى تأتيها.
وأهل حصنٍ ذي امتناعٍ أدَّينِ ... وكم لها في الغنم من ذي سهميْنِ
يكون فيما اقتسموا كالرّجلينِ ... وكم وكم أنكحن من ذي طِمريْنِ
المنكحاتُ البيض مما يسبين ... بغير مهرٍ عاجلٍ ولا دينِ
كل معروف البلا أبلينَ ... فالخيلُ مخٌ في سُلامَى أو عينِ
ما بلّل الصوفةَ ماءُ البحريْنِ
ما أنقين ما كان لهن مخ وهو النقى، ويقال أن المخ يبقى في السلامى والعين بعد أن يذهب من جميع العظام، وأنشدني أيضاً لأبي
(1/176)

صدقة العجلي في هذا الوزن عن أبي عبيدة:
أعددتُ سامي الطرفَ حدر العينيْنِ ... في محجرينٍ سُهّلا كاللصّيْنِ
يقال عين حدرة وحادرة وهي الضخمة الصافية.
عارٍ من اللحمِ صبيا اللحييْنِ ... مؤلل الأذنِ أسيل الخديْنِ
الصبيان مجتمع اللحيين من مقدمهما، وقلة اللحم هناك محمود.
في هامةٍ بهيةٍ وصدغيْنِ ... تم له هاد طويل العَرشيْنِ
منتصبُ العلباءِ تحت الخُشّيْنِ ... منفرجُ المنخرِ رحبُ الشدقيْنِ
الخشاء والخششاء عظم ناتئ خلف الأذن وهما اثنان، وكان ينبغي أن يقول الخشاوين.
مستنتِلُ المنكبِ رَسل العضديْنِ ... طالتْ ذراعاهُ تمام الحبليْنِ
مستنتل متقدم.
ذا عصبٍ تم على الوظيفيْنِ ... وثنَّتيْنِ
وحافريْنِ أدمجا كالقُعبينِ ... وأبين قد لُمّا كلّم الفهريْنِ
وحوشبين فيهما سليمين ... تحرَّزا في سنبكٍ ونسرينِ
وبركةٌمثل مقيلِ الفهدينِ ... لط بها زور نبيلُ العرضيْنِ
منتفجُ الجوفِ رحيبُ الجنبينِ ... إلى قطاةِ زانت الغرابينِ
وذنب أضمر كالعسيبينِ ... نازي الحماتيْنِ عريضُ الفخذيْنِ
محددُ العرقوبِ أظمى الكعبينِ ... إذا تعالى طَلقاً أو اثنينِ
خلتُ بعطفيْهِ له جناحينِ ... ولثق الشرسوف بعد العطفيْنِ
وانحدرَ الماءُ كفيضِ الغربيْنِ ... وصارَ للناظرِ لونيْنِ اثنيْنِ
(1/177)

يهتز في المشيةِ بين القُتريْنِ ... حتى إذا حانَ رِهانُ المصريْنِ
وقد صُنعن قبل ذاك شهريْنِ ... حتى تملّينَ وقد تعزيْنِ
تملين قال أبو عبيدة أطلن المكث في ذلك المضمار وتمتعن به ومنه يقال تمليت حبيبك وشبابك، وتعزين تشددن وقوله عزيته إنما هو شددته وعززته.
قُوّدنَ بالليلِ ولم يعنّين ... حتى تخففنَ وقد تطوينِ
أخذْنَ بالتقريبِ حتى يندينَ ... طوراً يقربنَ وطوراً يجريْنِ
وبالجناذِ بعد ذاك يعلين ... حتى إذا رفَّه عنها أفضيْنِ
يعركن بالأرضِ إذا ما يُلقينَ ... عرك هناء الجربِ حين يطليْنِ
حتى إذا بعثتُها تمطّينَ ... ثم انتفضْنَ مرةً أو اثنتيْنِ
حتى تشقّقْنَ ولما يُشقيْنَ ... شبه قداحِ النبعِ حين يُبريْنِ
أبو عبيدة تشققن ضمرن وهو من الأشق والأشق الضامر، وقال الأصمعي الأشق الطويل، ولما يشقين أي لم يفعل ذلك بهن للشقاء، والحِناذ أن يعتصر ماؤها، وفي أخرى:
فهي إذا رفقتُها تمطيْنَ ... يخلطنَ من جهلٍ وحلمٍ خلطيْنِ
وأنشد الدكين:
أعددتُ للرَّوعِ ويومَ التَشلالِ ... مطهَّمُ الصورةِ مثل التمثالِ
(1/178)

التشلال الطرد والمطهم التام الخلق.
قاظَ بقيدٍ مقفلٍ وتطوالِ ... في تولجٍ ممردٍ وتظلالِ
مفرجُ الرُفغِ مِرَّخى الأذيالِ ... فهو مُمر كقناةِ المنوالِ
حتى إذا كان غداةُ الإرسالِ ... وأشرف الديرُ له والطربالِ
وصاح من مبرذِن وبغّالِ ... وجعلَ السوط شمال الشّمالِ
بشرٌ منه بصهيلٍ صلصالِ ... بين خفاقي مأزقٍ ذي أهوالِ
جاء يفدّي بالأبين والخالِ ... ينجّيه من مثلِ حمامِ الأغلالِ
وقع يد عجلى ورجل شملالِ ... ظمأى النِسا من تحتِ ريّا من عالِ
ينبثنَ نبثاً كالجراءِ الأطفالِ ... بسلطاتٍ كمساحى العمالِ
خضرُ النواحي ريّثاتُ الأنصالِ ... كأنما غلامُنا في تَلتالِ
يرمي به المنسجُ جالاً عن جالِ ... تطاوحِ الأرجاء مدلاة الدالِ
على ضروعٍ كقرونِ الأوعالِ ... يخرجنَ من قرطفٍ جونٍ منجالِ
وقال لا أملكهُ على حالِ ... بهبةٍ مني ولا بيع غالِ
قد فسرنا ما يحتاج إلى التفسير منها فيما تقدم.
وأنشد ابن الأعرابي:
(1/179)

يا رُب مُهرٍ مزعوقٍ ... مقيّلٍ أو مغبوقٍ
من لبن الدهمِ الرُوقِ ... حتى شتا كالذعلوقِ
أسرعُ من طرفِ الموقِ ... وذي جناحٍ أو فوقِ
وكل شيءٍ مخلوقِ
الذعاليق بقل شبيه بالكراث يلتوى طيب يؤكل، وقال آخر:
ورَبربٌ حمّاضُ ... يطعنَ بالصياصي
ينظرنَ من خصاصٍ ... بأعينٍ شَواصِ
كفلقِ الرصاصِ ... يأكلنَ من قُرَّاصِ
أو 5 حمصيص واصِ
تمت معاني الخيل والحمد لله تعالى وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
(1/180)

الجزء الثاني
كتاب السباع
فيه الأبيات في صفة الذئب والأرنب والضبع والكلاب والأسد والغراب، والتطير من الغربان وسائر ما يتطير منه، والعقاب والنسر والصقر والرخم والحبارى والمُكاء والحمام وغيرها من الطير والقطا، والأبيات في النعام من كتاب المعاني لابن قتيبة.

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه معونتي وعليه توكلي
أبيات المعاني في وصف الذئب
أنشدني أبو حاتم السجستاني عن أبي زيد:
عَوى ثم قَوقا بعد ما لعبتْ به ... حوامِيْنَ أمثالُ الذئابِ السوافدِ
قال السجستاني سألت عنه الأصمعي فقال: السافد أضم ما يكون وأذهبه سخنة وأشده غبرة فأراد أنها حوامين غبر، وحَوامين جمع حومانة وهي القطعة من الأرض فيها غلظ وانقياد، وقال ابن مقبل وذكر بقرة:
حتى احتوى بكرُها بالجزعِ مطردٍ ... هملعٍ كهلالِ الشهرِ هذلولُ
لم يبقَ من زغبٍ طارَ الشتاءُ به ... على قرى ظَهرهِ إلا شماليلُ
(1/181)

يعني ذئباً أكل ولدها، والهملع الخفيف، كهلال الشهر في دقته وضمره، شماليل بقايا متفرقة يقال للنخلة إذا أكلت فلم يبق فيها إلا أشياء يسيرة متفرقة في الأعذاق ما يقي الأشماليل، وقال كعب بن زهير وذكر ذئباً:
إذا ما عوى مستقبِل الريح جاوبتْ ... مسامعُه فاه على الزاد مُعوِلُ
الأصمعي يقول: إذا عوى مستقبل الريح ردت الريح الصوت فسمع لذلك طنيناً، ويقال: أراد أنه إذا عوى صوتت مسامعه من فمه لأنه ليس بينهما حاجز وذلك إذا جاع، معول باك إذا لم يجد الزاد، ويروى: مرمل، أي هو مرمل من الزاد.
كسوبٌ لدنٌ أن شبّ من كسبٍ واحدٍ ... محالِفه الأقتارُ ما يتمولُ
رواه الأصمعي: كسوب له المعدوم من كسب غيره، يقول ما يعدم غيره أصابه، وقال أعرابي في رجل: هو آكلكم للمأدوم وأعطاكم للمحروم وأكسبكم للمعدوم: ومن قال كسوب لدن أن شب من كسب واحد فإنه يريد أن الذئب يكسب قد ما يكسب واحد.
كأنّ دخانَ الرمثِ خالطَ لونَه ... يُغَلُّ به من باطنٍ ويجللُ
بصيرُ بأدغالِ الضراءِ إذا غدا ... يعيلُ ويخفي بالجهادِ ويمثلُ
يعيل يميل في مشيته يتبختر، ويمثل يظهر منتصباً، ويقال يعيل في
(1/182)

البلاد مثل قولك يعير.
تراه سميناً ما شتا وكأنه ... حمّى إذا ما صافَ أو هو أهزلُ
قال: كل السباع يسمن في الشتاء حتى السنانير في البيوت، حمى مُحْتم، قال الأصمعي: وصفه بالسمن في الشتاء لأنه يأكل من الأسلاء فإذا جاء الصيف جهد.
كأن نساه شرعةٌ وكأنه ... إذا ما تمطّى وجهةَ الريحِ محملُ
محمل حمالة السيف، شبه الذئب به أي هو ممتد خميص، وشرعة وتر، يريد أنه معرّق القوائم ليس برهل فنساه مثل الوتر والذئب يوصف بشنج النسا.
وقال وذكر ناقة:
تجاوبُ أصداءِ وحيناً يروعها ... تصوّر كسّابٌ على الركب عائلُ
يعني ذئباً، عائل محتاج، أي تضوره على الركب.
وقال الراجز يذكر ذئباً:
يستخبرُ الريحَ إذا لم يسمع ... بمثل مقراعِ الصفا الموقّع
أي يستروح إذا لم يسمع صوتاً بخرطوم مثل مقراع الصفا وهو الفأس التي يكسر بها الصخر، وجعل تشممه استخباراً.
وقال طفيل وذكر فرساً شبهه بالذئب:
كسيدِ الغضا الغادي أضلَّ جراءه ... على شرفٍ مستقبلِ الريحَ يلحبُ
(1/183)

سيد الغضا أخبث الذئاب يقال ذئب خِمر والذئب يستقبل الريح ليشم أرواح جرائه أو غير ذلك وقال الجعدي وذكر جؤذراً:
رأى حيث أمسى أطلسَ اللونِ شاحباً ... شحيحاً تسميه الشياطينُ نهسرا
فباتَ يذكّيه بغيرِ حديدةٍ ... أخو قنصٍ يمسى ويصبحُ مفْطرا
إذا ما رأى منه كراعاً تحركتْ ... أصابَ مكان القلبِ منه وفرفرا
نهسر خفيف، يقول إذا تحركت قائمة من قوائمه غمز بطنه وعضه فلا يزال يفعل ذلك حتى تسكن حركته ويموت وهكذا تفعل السباع، وقال ابن مقبل وذكر ذئب:
كأنما بين أذنيْه وزبرته ... من صبغهِ في دماءِ الناسِ منديلُ
الزبرة موضع المنسِج، من صبغه أي مما يأكل ويكرع في الدماء.
وقال آخر:
إني رأيتكِ كالورقا يوحشُها ... قربُ الأليفِ وتغشاه إذا نحرا
(1/184)

يعني ذئبة تنفر من الذئب وهو صحيح فإذا رأت به دماً غشيته لتأكله وهذا طبع الذئب، ومثله - لرؤبة:
فلا تكوني يا بنةَ الأشمِّ ... وَرقاءَ دَمّى ذئبها المدمِّي
وقال آخر - وهو الفرزدق:
وكنتُ كذئبِ السوءِ لما رأى دماً ... بصاحبه يوماً أحالَ على الدمِ
أي أقبل عليه يقال أحال عليه بالسوط، وقال مغلِّس بن لقيط:
إذا هنَّ لم يلحسنَ من ذي قرابةٍ ... دماً هُلِستْ أجسامُها ولحومُها
وقال أبو كبير يرثي رجلاً:
ولقد وردتُ الماءَ لم يشربْ به ... بين الربيعِ إلى شهورِ الصَّيفِ
الأعواسرُ كالمراطِ معيدةٌ ... بالليلِ مورد أيّم متغضفِ
عواسر ذئاب ترفع أذنابها.
وأنشدنيه الرياشي: الأعواسل، عن الأصمعي أي ذئاب تعسل تمر مراً خفيفاً، والمراط القداح المتمرطة الريش، معيدة معاودة لذلك
(1/185)

مرة بعد مرة يقال أبدأ وأعاد في الأمر، والأيم الحية والأصل بالتشديد إلا أن الناس خففوا فقالوا أيم كما قالوا ميت وهين ولين، ويقال له أين أيضاً، متغضف متثن متطوّ.
ينسلنَ في طرقٍ سباسبٍ حوله ... كقداحِ نبلِ محبِّر لم تُرصَفِ
يقال نسل الذئب وعسل سواء، والسباسب الأرض المستوية البعيدة والواحد سبسب، وأراد حوله ذئاب كقداح، والمحبر المحسن للشيء المزين له، لم ترصف من الرصاف وهو العقَب الذي فوق الرُّعظ، والرعظ مدخل سنخ النصل في القدح.
تعوي الذئابُ من المخافةِ حوله ... إهلالَ ركبِ اليامنِ المتطوفِ
اليامن الذي يجيء من اليمين.
زقَبٌ يظلُ الذئبُ يتبعُ ظلَّه ... من ضيقِ موردِه استنان الأخلفِ
الزقب الضيق، أي يمر الذئب مائلاً على شقه من ضيقه، والأخلف الذي يمشي على أحد شقيه كأن به عَسراً، والاستنان العدو.
وقال رؤبة:
يشقى بي الغَيرانُ حتى أحسبا ... سيداً مغيراً أو لِياحاً مَغرَبا
يقول أتقى على الحرم كما يتقي الذئب على الغنم، واللياح الثور
(1/186)

الوحشي الأبيض، وكانوا يتطيرون من المغرب ويتشاءمون به، أي فكأني ذلك لكراهتهم للنظر إليّ.
وقال ابن كراع يذكر ناقة:
كأن خيالَ الذئبِ دفوفها ... إذا ما غدتْ فُتلا مَرافقُها دُفقا
يقول هي خفيفة كأن ظلالها ظلال الذئب من خفتها، ويروى: كأن خروف الذئب، يريد كأن ولد الذئب ينيّب في جنبها فتعدو، والفتل أن يفتل المرفق عن الإبط فلا يحزه ولا ينكُته، دفقاً متدفقة بالعدو.
وقال مغلِّس بن لقيط:
فما لكم طُلساً إلى كأنكم ... ذئابُ الغضا والذئبُ بالليلِ أطلسُ
أي سواده يشبه سواد الليل فهو في الليل أخفى يريد أنه يختطف الشاة وهم لا يعملون، وقال آخر يصف ذئب:
أطلسٌ يخفي شخصَه غبارُه ... في شدقهِ شفرتهُ ونارهُ
وقال ابن أحمر وذكر بقرة وولدها:
طلت تُماحِلُ عنه عسعساً لحِماً ... يغشى الضراءَ خفياً دونه النظرُ
تماحل عن ولدها أي تخادع وتماكر، والعسعس يغشى الضراء أن يستتر فيما يواريه ليختل، خفياً دونه النظر، يقول لا يتبينه الناظر لطلسته ولأنه على لون الأرض في الغبرة.
(1/187)

تربَّى له وهو مسرورٌ بغفلتِها ... طوراً وطوراً تسنّاه فتعتكرُ
تربى لولدها أي تشرف له، والذئب مسرور بغفلتها عنه إذا غفلت، طوراً تسناه أي تغشاه فتركبه وتعتكر ترجع إليه، وقال خداش بن زهير يصف رجلاً:
يخالسُ الخيلَ وهس محضرةٌ ... كأنما ساعداه ساعدا ذئبِ
شبه سرعة اختلاسه للطعن بسرعة يدي الذئب، وقال:
فلما دنوْنا للقبابِ وأهلِها ... أتيحَ لنا ذئبٌ مع الليل فاجرُ
ويروى غادر وكافر، يعني رجلاً شبهه بالذئب، وقال الراعي:
كهداهدٍ كسرَ الرماةُ جناحَه ... يدعو بقارعةِ الطرقِ هَديلا
يقول أنا كحمامة يهدهد في صوته وقد كسر جناحه يدعو بأعلى الطريق وهو لا يستطيع البراح.
وقعَ الربيعُ وقد تقاربَ خطوه ... ورأى بعقوته أزل نسولا
يعني ذئباً قد طمع فيه لضعفه وسوء حاله.
(1/188)

متوضّحُ الأقرابِ فيه شبهةٌ ... نهشُ اليدينِ تخاله مشكولا
نهش اليدين يريد أنه خفيف في العدو، وتخاله مشكولا من بغيه في مشيته.
كدخانٍ مرتجلٍ بأعلى تلعةٍ ... غرثان ضرّم عرفجاً مبلولا
يقول لونه كدخان رجل يطبخ في مرجل بالعرفج الندي، ويقال مرتجل رجل صاد رِجْلاً من جراد فهو يشويه، وقال أبو النجم يذكر جنيناً ألقته الناقة:
يشقُ عنه كفناً لم يُخلق ... عاري الشَوى مثل الدخانِ الأورقِ
كفناً يعني السلا، عاري الشوى ذئب لا لحم على قوائمه، مثل الدخان الأورق في لونه، وقال الطرماح يصف ذئباً:
عملس دلجات كأنّ مسافَه ... قرا حنظُب أخلى له الجوُّ مُقَمحِ
العملس الذئب، ومسافه خطمه لأنه يسوف به أي يشم، قرا ظهر، والحنظب الجعل شبه خطمه لسواد فيه بظهر جعل، أخلى له كثر خلاه، مقمح رافع رأسه.
كلونِ الغرّى الفردِ أجسد رأسَه ... عتائرٌ مظلومُ الهديّ المذبحِ
الغرى الصنم، أجسد رأسه يقول يبس الدم على رأسه من كثرته، والعتائر الذبائح في رجب واحدتها عتيرة، مظلوم يذبح لغير علة، والهدي ما يهدي للصنم، ومثل هذا قوله يصف الذئب:
(1/189)

كغريّ أجسدت رأسه ... فُرُع بين رياسٍ وَحامِ
الفرع الذبائح واحدتها فرعة، وكان الرجل إذا تمت له مائة شاة ذبح على النصب منها شاة ويسمون تلك الفرعة، والرياس يقال أنه ذبح الأم التي تلد للصنم، والحامي كان الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس منهن ذكر قيل حمى ظهره فلم يركب ولم يجز وبره وخلى في الإبل يضرب فيها، ويروى بين رَءوس وهي الناقة تشق أذنها ليكون لبنها للرجال دون النساء ويكون الأضياف، ويقال الفرع أول ما تلده الناقة وكان يذبح لآلهتهم، وقال يصف الذئب:
إذا امتل يهوى قلتُ ظل طهاءة ... درى الريح في أعقابِ يومٍ مصرح
امتل عدا، والطهاءة والطخاءة السحابة تراها في ناحية السماء، شبه الذئب بظلها، وأعقاب يوم أي آخر يوم، مصرح فقد ذهب سحابة وأضاءت شمسه.
وإن هو أقعى خلتُه من أمامهِ ... على حاله ما لم يُرم جذم مصطحِ
جذم أصل، والمصطح صفا عريض واسع يحوط حوله حائط لماء المطر والمصطح أيضاً عود من عيدان الخباء.
بمنتاطٍ ما بين النياطينِ موره ... من الأرضِ يعلو صحصحاً بعد صحصح
منتاط معلق، موره متردده، يقول طرفه متصل بأرض أخرى.
وقال جرير:
(1/190)

وسودا من نبهانٍ تثنى نطاقُها ... بأخجى قعورٍ أو جواعرِ ذيبِ
أخجى كثير الماء يعني فرجها، أو جواعر ذئب يصفها بالرسح والذئب أرسح ولذلك يقال له أزلّ، والجاعرة موضع الرقمة من مؤخر الحمار.
وقال الأخطل وذكر ناقة:
يشقُ سماحيقُ السلا عن جنينها ... أخو قرةٍ بادي السغابةِ أطحل
سماحيق السلى الغِرس، أخو قفرة الذئب، والسغابة الجوع والأطحل كدر إلى السواد.
وقال الراجز:
في بلدةٍ لا يستطيعُ سِيدها ... حسرى الأراكيبِ ولا يهيدها
يقول الذئب في هذه البلدة لا يمس الحسرى ولا يقربها لأن الماء بعيد منها فهو يخاف إن أكل أن يعطش.
وقال ابن ميادة في مثله:
ودويةٌ قفرٌ يكادُ يهابها ... من القوم مصلاتِ الرحيلِ دليلِ
يَعافُ بها المعبوطَ بُعد مائهاوإن جاعَ مقرام السباع نسولِ
المصلات الماضي، والمعبوط اللحم الذي ينحر بعيره وهو صحيح من غير داء، والمقرام القرم إلى اللحم.
وقال ذو الرمة وذكر ماء:
به الذئبُ محزوناً كأن عواءه ... عواءُ فصيلِ آخرِ الليلِ مُحثَلِ
(1/191)

محزون لأنه لا يجد به ما يأكل، والمحثل الذي أسئ غذاؤه وجعل عواءه في آخر الليل لأنه لم يسق في أول الليل من اللبن فهو أجوع ما يكون في آخر الليل فشبه صوت الذئب بصوت هذا الفصيل في ضعفه:
أفلّ وأقوى فهو طاو كأنما ... يجاوبُ أعلى صوتهِ صوتَ معولِ
أفل وقع في أرض فِل وهي التي لم تمطر ولا نبات فيها، وأقوى صار في القواء وهو الخلاء، يقول إذا صاح أجابه الصدى.
وقال يذكر صائداً:
كأنما أطمارُه إذا عدا ... جُلّلنَ سرحان فلاة مِعمدا
ممعد قال الأصمعي إما أن يكون يجذب العدو أو يجذب شيئاً سرقه يقال امتعده إذا اختلسه.
وقال الأخطل يذكر عدواً:
ولو أواجههُ مني بقارعةٍ ... ما كان كالذئبِ مغبوطاً بما أكلا
يقول لو أصبته بقارعة لم يسلم كما يسلم الذئب، بذي بطنه أي بما في بطنه. ويقال في مثل: الذئب يغبط بذي بطنه، لأنه وإن كان جائعاً ضريراً فليس يظن به إلا البطنة لعدوه على الناس والماشية.
وهو مثل قول آخر:
ومن يسكنُ البحرين يعظُم طحالُه ... ويغبُط بها في بطنهِ وهو جائعُ
وقال يصف ناقة:
(1/192)

على أنها تُهدي المطي إذا عوى ... من الليلِ ممشوقُ الذراعينِ هبهبُ
هبهب سريع خفيف يعني ذئباً.
وقال الشماخ:
بها السِرحان مفترِشاً يديه ... كأن بياضَ لبَّته صديعُ
الصديع يقال أنه الفجر ويقال أنه ثوب يصدع وسطه وتجتابه المرأة ولا يجيّب فإذا جيّب فهو بقير وربما لبسه الدارع تحت الدرع، قال عمرو بن معدي كرب:
إذا أبطنت دا البدن الصديعا
أراد هذا الثوب تحت الدرع. شبه البياض الذي في نحر الذئب تحت غُبسة سائر لونه بهذا الثوب تحت الدرع، قال ابن غَلفاء:
سوى آثارِ عرجلةٍ حُفاةٍ ... خفافُ الوطءِ ليس لهم نعالُ
قليلُ فضلٍ كاسبّهم عليهم ... سوى ما نال في دهشٍ ونالوا
أخبرني عبد الرحمن عن عمه الأصمعي قال: هذه ذئاب، يقول: رئيسهم قليل الكسب عليهم إلا أن يختلس شيئاً ويختلسوه، وقال غيره هؤلاء رجّالة لصوص.
وقال آخر - وهو دكين -:
فصبحته سِلَق تَبربَس ... تهتكُ خلَ الخلقِ الملسلَسِ
(1/193)

سلق جمع سلقة وهي الذئبة، ويقال إذا مر مراً خفيفاً مر يتبربس، والخل الطريق في الرمل، والحلق حلق من الرمل تعقد أي دارات فهي تخلله، وأراد بالملسلس المسلسل فقلب، وقال الشماخ يذكر ماء ورده:
ذُعِرتْ به القَطا ونُفيتْ عنه ... مقامَ الذئبِ كالرجلِ اللعينِ
مقام الذئب يريد الذئب نفسه أي نفيت الذئب عن مقامه واللعين المطرود وهو الخليع لكثرة جناياته، أبو عبيدة قال إنما يريد مقام الذئب اللعين كالرجل.
وقال آخر:
ظَللْنا معاً جاريْنِ نحترسُ الثأى ... يسائرُنا من نطفةٍ ونسائرُه
وصف ذئباً، نحترس الثأى أي الفساد منا ومنه، يسائرنا من السؤر أي يبقى لنا ونبقى له يرد هو الماء ونرده نحن تارة، والنطفة من الماء يكون الكثير منه والقليل، وقال آخر:
وزيدٌ إذا ما سيمَ خسفاً رأيتُه ... كسيدِ الغَضا أربى لك المتظالع
أربى لك أشرف لك، والغضا خمر وسيده أخبث الذئاب، والمتظالع الذي يظلع من البغي، وقال حميد بن ثور في ذكر الذئب وذكر المرأة:
(1/194)

تلومُ ولو كان ابنها قنِعت به ... إذا هبَّ أرواحُ الشتاء الزعازعُ
يريد لو كان الذئب ابنها قنعت به لما يسرق من أغنام الناس ويأتيها به.
فقامتْ تعْشى ساعةَ ما تطيقُها ... من الدهرِ نامتها الكلابُ الظوالعُ
الظالع من الكلاب لا ينام إلا بعد أن تنام الكلاب لأنه ينتظر أن تسفد الكلاب ثم يسفد هو بعدها لضعفه وظلعه، وفي مثل للعرب " افعل ذلك إذا نام ظالع الكلاب ".
رأته فشكّتْ وهو أطحلٌ مائلٌ ... إلى الأرضِ مثنّى إليه الأكارعُ
يقول رأته وقد ربض قوضع قوائمه بعضها على بعض على بعض فشكت فيه أهو الذئب أم غيره، أطحل في لونه يضرب إلى السواد.
طوِي البطنُ الأمنُ مصير يبله ... دم الجوفِ أو سؤر من الحوضِ ناقعُ
المصير واحد مصران والمصارين جمع الجمع، يقول ليس في جوفه شيء من الطعم إنما هو مصيره الذي يبله دم جوفه أو شيء يناله من الماء.
ترى طَرفيْه يعسلان كلاهما ... كما اهتزَّ عودُ الساسمِ المتتايعُ
يعني مقدمه ومؤخره وذلك من لين ظهره.
إذا خافَ جوْراً من عدوٍّ رمَتْ به ... قصايته والجانبُ المتواسعُ
(1/195)

وإن باتَ وحشاً ليلةً لم يضُق بها ... ذراعاً ولم يصبح لها وهو خاشعُ
وحش جائع خالي الجوف، ومنه قيل فلان يتوحش للدواء، يقول هو صبور على الجوع.
إذا اختلَّ حضنى بلدة طِر منهما ... لأخرى خفي الشخصُ للريحِ تابعُ
هذا مثل أي كما يختل الرمح حضنى الإنسان أي ينفذهما، وقوله: للريح تابع يقول يتشمم فإذا وجد ريح شيء اتبع الرائحة، ونحو منه قول الآخر:
يستخبر الريح إذا لم يسمع
وإن حذرّتْ أرضٌ عليه فإنه ... بغرةٍ أخرى طيبُ النفسِ قانعُ
يقول: إن حذره أهل أرض وقعدوا له وطلبوه ليقتلوه خرج إلى أرض أخرى طيب النفس بها يغير على أهلها وعلى شائهم وهم له آمنون.
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي المنايا بأخرى فهو يقظان هاجع أخبر أنه يفتح عيناً ويغمض عيناً لشدة حذره.
إذا قامَ ألقى بوعَه قدرَ طولهِ ... ومدّد منه طلبصلبَه وهو بائعُ
بائع من البوع ويعني أنه يتمطى.
وفكّكَ لحييْه فلما تعاديا ... صأى ثم أقْعى والبلادُ بلاقعُ
إذا ما عدا يوماً رأيتُ عنانةً ... من الطيرِ ينظرن الذي هو صانعُ
يقول ينتظرن أن يفرس شيئاً فيسقطن معه عليه، ويروي رأيت
(1/196)

ظلاله، أنشد أبو زيد:
أنعتُ ذئباً من ذئاب قَعرينِ ... منهرتُ الشدقِ حديدُ النابينِ
تَبري له طلساء ذات جرويْنِ ... مألولةَ الأذنين كحلاءَ العيْنِ
ومنخرينِ خلقا مسوّدين ... لكل ريحٍ نفخت معدّينِ
يعني أنها تستروح فإذا وجدت ريح شيء طلبته.
تعدو العِراضات بشوطين اثنين
وقال كعب بن زهير:
يقول حيّاي من عوفٍ ومن جشمٍ ... يا كعبَ ويحُك ألا تشتري غنما
مالي منها إذا ما أزمة أزمتْ ... ومن أويْس إذا ما أنفه رذَما
يعني الذئب إذا جاع سال أنفه، يريد أنه يأكلها.
أخشى عليها كسوباً غير مدّخرٍ ... عاري الأشاجعِ لا يشوى إذا ضغما
إذا تولى بلحم الشاةِ نبذها ... أشلاءَ بردٍ ولم يجعل لها وضما
أشلاء برد كما يخرّق البرد قطعاً.
إن يُعد في شيعةٍ لا يثنهِ نَهَر ... وإن عدا واحداً لا يتقي الظلما
نهر نهار، يقال ليلة نهرة أي مضيئة، ويروى: نُهُر أيضاً.
وقوله في شيعة يعني أصحابه من الذئاب، والظلم جمع ظلمة.
(1/197)

وإن أغارُ فلم يحلأ بطائلةٍ ... في ظلمةِ ابن جميرٍ ساورَ الفُطما
ابن جمير أظلم ليلة في الشهر وهي التي لا يطلع فيها القمر من أولها ولا آخرها، والفطم السخال التي قد فطمت، يقول جاء يطلب الكبار فلما لم يجدهن ساور الصغار.
إذا لا يزالُ فريسٌ أو مغبّبةٌ ... صيداء تنشج من دونِ الدماغ دما
المغببة التي دنت من الموت وفيها بقية، صيداء ملتوية العنق، تنشج أي لها صوت من الدم.
وقال آخر:
لا تأمريني ببناتٍ أسفعٍ ... فالعينُ لا تمشي مع الهملّعِ
أسفع الكبش، وبناته الغنم والسفعة سواد، والعين العظام العيون يريد أن الغنم لا تمشي أي لا تكثر، يقال قد مشت الماشية إذا كثرت وأمشى الرجل إذا كثرت ماشيته، والهملع الخفيف يريد الذئب يعني أن الماشية لا تكثر والذئب يعدو عليها يفنيها، وقال النابغة:
وكل فتى وإن أن أمشي فأرى ... ستُخلِجُه عن الدنيا منونُ
أمشى كثرت ماشيته، يقال الرجل مشى بعد ما أمشى وذلك إذا افتقر بعد الغنى، وقال كثير وذكر ماء ورده:
وصادفتُ عيّالاً كأن عواءه ... بكا مُجْرَذٍ يبغى المبيتَ خليعُ
عيال يعني ذئباً يعيل في البلاد كما يقال عار يعير فهو عيار ويقال
(1/198)

عيال في مشيته كأنه يميل، خليع خلعه أهله لجنايته، والمجرذ الذي ذهب ماله.
عوى ناشزُ الحيزومِ مضطمرَ الحشا ... يعالجُ ليلاً قارساً مع جوعِ
فصوّتَ أذناي بباقٍ على الطوى ... محنّبٍ أطرافِ العظامِ هبوعِ
أي بصوت باق على الجوع، محنب ماطور، هبوع يستعين بعنقه في مشيته من الضعف، لذلك قيل لما تضعه الناقة في آخر النتاج هبع لأنه ضعيف فإذا مشى مع أمه هبع أي استعان بعنقه.
فلم يجترسُ الأمعرس راكب ... تأيا قليلاً واسترى بقطيعِ
الاجتراس الإصابة يقال هل اجترست شيئاً ويقال النحل جوارس لأنها تصيب من الشجر، ويروى يحترس أي يسرق ويقال للذي يسرق الغنم المحترس وللشاة التي تسرق حريسة، تأيا تلبّث قليلاً، استرى افتعل من السرى وهو سير الليل، بقطيع أي بقطع من الليل.
وموقع حرجوج على ثفناتها ... صبور على عدوى المناخ جموع
عدوى المكان وتعاديه واحد وهو أن يرتفع بعض وينخفض بعض.
ومَطرحٌ أثناءَ الزمامِ كأنه ... مزاحف أيم بالفناءِ صريعِ
(1/199)

الأيم الحية وهو الأين أيضاً، وقال ذو الرمة في هذا المعنى وذكر أرضاً:
إذا اعتَسَ فيها الذئبُ لم يلتقطْ بها ... من الكسبِ الأمثلِ مُلقى المشاجرِ
اعتس طلب ما يأكل والمشاجر أعواد الهودج واحدها مِشجر، شبه آثار قوائم الناقة حيث بركت بمشاجر ملقاة.
وبينهما مُلقى زِمام كأنه ... مخيطٌ شجاعُ آخر الليلِ ثائرِ
أي بين الرجل والناقة ملقى زمام كأنه ممرحية، يقال خاط بنا فلان خيطة أي مر بنا مرة، ثائر أي قد قتل أخوه فجاء يطلب ثأره وهو الشجاع.
ومُغفى فتى حلّت له فوقَ رحلهِ ... ثمانيةٌ جُردا صلاة المسافرِ
أي ولم يجد هذا الذئب إلا الموضع الذي أغفى فيه الفتى: حلت له أي ثمانية أشهر جرد أي تامة صلاة المسافر أراد تقصير الصلاة.
سوى وطأةٍ في الأرضِ من غير جعدةٍ ... ثنى أختها في غرزِ عَوجاءٍ ضامرِ
أي ولم يجد سوى وطأة وطئها هذا الرجل وضع واحدة في غرز
(1/200)

الناقة والأخرى في الأرض، من غير جعدة يقول هذه الرجل ليست بكزة وهي سبطة سهلة.
وموضعُ عرنيْنِ كريم وجبهةٌ ... إلى هدفٍ من مسرعٍ فاجرِ
ولم يجد أيضاً غير أثر سجود الرجل صلى إلى هدف أي شرف من الأرض صلى عليه، من رجل مسرع غير فاجر لأنه مسافر إنما يصلي ركعتين ثم يمضي، وقال الطرماح في مثل هذا:
أطافَ بها طِملٌ حريصٌ فلم يجد ... بها غير مُلقى الواسطِ المتباينِ
الطمل الذئب، والواسط العمود الذي يكون في وسط البيت، ورواها أبو عمرو: فلم يجد سوى مثل ملقى.
ومخفقٌ ذي زرين في الأرضِ متنهُ ... وفي الكفِ مثناه لطيفُ الأسائنِ
مخفق حيث وقع يعني الزمام، والأسائن القوي وهي الطاقات التي تفتل يريد سيور الزمام.
خفي كمنحارِ الشجاعِ وذُبّل ... ثلاث كحباتِ الكباثِ القرائنِ
خفي يعني أثر الزمام خفي، ثم شبهه بممر شجاع وهو الحية، والذبل بعرات ثلاث شبههن بحب الكباث لصغرهن وهو ثمر الأراك.
(1/201)

وضَبثةُ كفٍ باشرتْ بيمينها ... صعيداً كفاها فقد ماءِ المصافنِ
الضبثة القبضة، يقال ضبث به إذا قبض عليه، والصعيد التراب كفاها فقد الماء يريد تيمم فاكتفى بالصعيد من الماء، والمصافن الذي يقاسم الماء في السفر.
ومعتمدٌ من صدرِ رجلٍ محالةٍ ... على عجلٍ من خائفٍ غير آمنِ
معتمد موطئ أي حيث اعتمد فوطئ، محالة مرفوعة وإذا رفعت رجلك فقد أحلتها، من رجل خائف بهذه الفلاة.
مقلّصة طارت قرينتُها بها ... إلى سلّمٍ في دفِ عوجاءِ ذاقنِ
مقلصة مشمرة يعني الرجل التي في الأرض، وقرينتها الرجل الأخرى، والسلم يريد الغرز، والدف الجنب، وذاقن تطأطئ رأسها وعنقها إذا سارت.
وموضعُ مثنى ركبتينِ وسجدةٍ ... توخّي بها ركنُ الحطيمِ الميامنِ
وقال كعب بن زهير في مثل هذا وذكر ذئباً وغراباً:
فلم يجدا الأمناخَ مطيةً ... تجافي بها زورُ نبيلٍ وكلكلِ
ومضرُبها وسطُ الحصى بجرانِها ... ومثنى نواجٍ لم يخنهن مفصلِ
وموضعٌ طوليّ وأحناءُ قاترٌ ... يئطُ إذا ما شد بالنسعِ من علِ
طولّى زمام، ويقال قطع يكون فوق البرذعة، والقاتر الرجل الحسن الوقوع على ظهر الناقة.
وأتلع يلوى بالجديلِ كأنه ... عسيبٌ سقاه من سُميحة جدول
(1/202)

وسمر ظماءٍ واترتهنَ بعدما ... مضَتْ هجعةٌ من آخرِ الليلِ ذُبّلِ
أراد بعرات، واترتهن تابعتهن.
سفي فوقهنَ التربُ صافٍ كأنه ... على الفرجِ والحاذين قنو مُذلّلِ
يعني فوق البعر، ضاف يعني ذنباً سابغاً طويلاً، مذلل مهيأ مسوي.
ومضطمِرٌ أراد الطرفِ خائف ... لما تضع الأرضُ القواء وتحملِ
مضطمر أراد شخص الرجل يعني نفسه واضطماره انضمامه، لما تضع الأرض وتحمل أي خائف لما يكون عليها، وقال المرار:
على صرماء فيها أصرماها ... وخرّبت الفلاة بها مليلِ
صرماء مفازة لا ماء بها ولا علف، والأصرمان الذئب والغراب والخريت الدليل، مليل محترق من الشمس من الملّة، وقال كثيّر:
ومن قاوٍ يصيّح أصرماه
وقال الطرماح يذكر الفلاة:
يظل غرابُها ضرما شذاه ... شج بخصومةِ الذئبِ الشنونِ
شذاه حده يريد هاهنا صوته، وضرم كثير الصياح، شج حزين وذلك أنه إذا رأى الذئب قد طرده عن شيء صاح وصفق
(1/203)

بجناحيه وذلك خصومته للذئب.
على حُوَلاءِ يطفو السُخدُ فيها ... فراها الشيذُمانُ عن الجنينِ
الحولاء التي تقع بعد الولد من البطن، يطفو يرتفع، والسخد الماء يكون فيها، فراها شقها، والشيذمان الذئب، والجنين الولد، وقال الراجز:
ما زلتُ أسعى معهم وألتبطُ حتى إذا جُنَّ الظلامُ المختلطُ
جاؤوا بضيح هل رأيت الذئب قطُ
يريد لبناً ممزوجاً صار أورق كلون الذئب من كثرة مائه. وأنشد ابن الأعرابي:
شرِبنا فلم نهجأ من الجوعِ نقرةً ... سَمارا كإبط الذئب سَودا حواجره
يقال شربنا شيئاً ما هجأنا أي لم يغن عنا شيئاً إلا أن رد أنفسنا، وأنشد:
سَجاجاً كأقراب الثعالب أورقا
وقال الكميت:
(1/204)

ومستطعِمٌ يُكنَّى بغيرِ بناتهِ ... جعلت له حظاً من الزادِ أوفرا
يعني الذئب يكنى أبا جعدة ولا تسمى ابنته جعدة.
وقال وذكر أرضاً:
لقينا بها ثِلباً ضريراً كأنه ... إلى كلِ من لاقى من الناسِ مذنبُ
الثلب الهرم.
مضيعاً إذا أثرى كَسوباً إذا عدا ... لساعتهِ ما يستفيدُ ويكسبُ
أي لا يدخر.
تضوّر يشكو ما به من خَصاصةٍ ... وكاد من الإفصاحِ بالشكوِ يعربُ
فنَشنا له من ذي المزاودِ حصةً ... وللزاد أسآر تلّقي وتوهبُ
نشنا تناولنا، وذو المزاود الزاد، وأسآر بقايا جمع سؤر.
وقلنا له هل ذاك فاستغن بالقرى ... ومن ذِي الأداوي عندنا لك مشربُ
وصبّ له شوْل من الماءِ غابر ... به كفٌ عنه الحِيبة المتحوّبُ
ذو الأداوي الماء، الشول القليل من الماء، والحيبة الإثم والمتحوب المتأثم.
وقال حين أضاف الذئب أيضاً:
فقلت له اشرب هذه ليس مُطعِم ... من الناس لا يسقي برائشٍ ما يَبري
(1/205)

يقول من أطعم ولم يسق بمنزلة من برى سهماً ولم يرشه.
وقال وذكر أرضاً:
بنائيةِ المناهلِ ذاتِ غولٍ ... لسرحانِ الفلاةِ بها خيبُ
يراني في الطعامِ له صديقاً ... وشادنة العسابر رعبليبُ
إذا اشتكيا إليّ رأيت حقاً ... لمحرومينِ شفهما السغوبُ
العسابر واحدها عسبارة وهو ولد الذئب من الضبع، والشادنة ما شدن، رعبليب ملاطفة، شفهما هزلهما، والسغوب الجوع، وأنشد ابن الأعرابي:
لشخصٍ خفي قد رأيتُ مكانَهُ ... يضائلُ مني شخصَه ويقاصرهُ
دفعتُ بكفي الليلَ عنه وقد بدَت ... هوادي ظلام الليل فالليل غامرهُ
يعني بالشخص الخفي الذئب، وقوله دفعت بكفي الليل عنه يريد أنه وضع يده فوق حاجبه وعينه كما يفعل من يستثبت في النظر إلى الشيء البعيد أو الشمس كما قال - العجاج:
أدفعها بالراح كي تزحلفا
إذا الذئبُ قد أعيتْه كل بغيةٍ ... وآيسة من كل فجٍ مصادرهُ
وقال لقد أمسيتُ عطشان لاغباً ... وأحببتُ أن ألقي رفيقاً أوازرهُ
فقلتُ التمس فوق الحقيبةِ مركباً ... ولا تغش حنو الرحل إنك كاسرهُ
فاهوى يديه للحقيبةِ فاستوى ... عليها فثارتْ وهي عجلى تبادرهُ
فأجلت بنا إجلاءةً ثم راجعت ... وقد علقت في النِسعتينِ أظافرهُ
(1/206)

فبتُ على رحلي وباتَ مكانهُ ... أراقبُ ردفي تارة وأباصرهُ
أراقبُ رِد في خشيةَ أن يخونني ... وفي منكبي إن حاولَ الغدرُ زاجرهُ
يعني أن في منكبه سيفه.
فلما ورَدنا الماءَ فرّق بيننا ... وكل دعت أهواؤه وأواصرهُ
وقمتُ أصلي وهو ملقي كأنه ... لجامُ جوادٍ قد تحنت مكاسرهُ
أنشد للعبدي وذكر ناقة - وهو المثقب:
كأنّ مناخَها ملقي لجامٍ ... على معزائها وعلى الوجينِ
فقلتُ له خذ مزودي فاستعن به ... على الدهرِ إن الدهرَ جمٌ بوادرهُ
فعهدي به قد جاوزَ الماءَ صادِراً ... يجرّ جرابي تارة ويناثرهُ
وقال النجاشي وذكر ماء:
وماء كلونِ البولِ قد عاد آجناً ... قليلٌ به الأصوات ذي كلأ مخلي
لقيتُ عليه الذئبَ يعوي كأنه ... خليعٌ خلا من كلِ مالٍ ومن أهلِ
فقلتُ له يا ذئبَ هل لك في أخٍ ... يواسي بلا أثرٍ عليك ولا بخلِ
فقالَ هداكَ اللهُ إنكَ إنما ... دعوتُ لما لم يأته سبعٌ قبلي
فلستُ بآتيهِ ولا أستطيعهُ ... ولاكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فضلِ
(1/207)

فقلتُ عليكَ الحوض إني تركته ... وفي صغوه فضل القلوص من السجلِ
فطربَ يستعوي ذئاباً كثيرةً ... وعديت كل من هواه على شغلِ
وقال الغنوي:
ولو أخاصمُ ذئباً في أكيْلتهِ ... لجاءني جمعهُم يسعى مع الذيبِ
يريد أنهم يعينون عليه وإن كان مظلوماً والمثل يضرب بظلم الذئب وظلم الحية يقال: أظلم من ذئب وأظلم من حية.
وقال مغلس بن لقيط:
لعمركَ إني لو أخاصمُ حيةً ... إلى فقعسٍ ما أنصفتني فقعسُ
فيالكم طلساً إليّ كأنكم ... ذئاب الغضا والذئبُ بالليلِ أطلسُ
وقال تأبط شراً:
ووادٍ كجوفِ قفرٍ قطعتهُ ... به الذئبُ يعوي كالخليع المعيّلِ
الخليع الذي قد خلعه أهله لجناياته، والمعيل الذي تُرك يذهب ويجيء حيث شاء، وقال الأصمعي أنشدني خلف الأحمر:
نسقي قلائصنا بماءٍ آجنٍ ... وإذا يقوم به الخليع يعيّلُ
(1/208)

طرحت له نعلاً من السبتِ طلّة ... خلافَ ندى من آخر الليل مُخضِل
يقول لما ابتلت طرحتها له، خلاف ندى، أي بعد نِدى، والمخضل المندى.
وقلت له لما عوي إن ثابتاً ... قليلَ الغنى إن كنت لما تموّلُ
كلانا مضيع لا حراثةَ عنده ... ومن يحترثُ حرثي وحرثُكَ يهزلُ
يقول إن كنت لا مال لك فأنا لا مال لي، وثابت اسم تأبط شراً، لا حراثة عنده أي ليس عنده إصلاح مال.
وقال الهذلي - ربيعة بن الجحدر:
وقرنٍ صريعٍ قد تركت مجدلاً ... يطوفُ عليه العاسلات اللغاوِسِ
يعني الذئاب، واللغاوس اللواتي تأكل أكلاً سريعاً يقال تلغوس ما هناك أي أكله أكلاً سريعاً واحدها لَغوَس.
وقول أبي النجم:
واكتن من لفح الأوار الوعوع
يعني الذئب والثعلب يدخلان الكن من شدة الحر.

الأبيات في الأرانب
قال الشاعر:
وطالبتْ بي الأيامُ حتى كأنني ... من الكبرِ البادي بدَت لي أرنبُ
(1/209)

يريد انحنيت فكأني صائد يحتل أرنباً فهو يتقاصر لها كيلا تراه. ومثله:
وقد طالتْ بي الأيامُ حتى ... كأني خاتلٌ يدنو لصيدِ
وقال - عمرو - بن قميئة:
شرّكم حاضرٌ وخيركُم درّ ... خروسٌ من الأرانبِ بكرُ
الخروس النفساء والخُرسة ما تأكله، والخرس طعام الولادة الذي يدعي إليه الناس، وطعام الختان إعذار، وطعام القادم من السفر نقيعة وطعام البناء الوكيرة وكل طعام صنع مأدُبة ومأدَبة، والبكر التي لم تلد الأمرة وهو أقل للبنها وأضيق لمخرجه، والمثل يضرب بقلة لبن الأرانب، وقال عبد الله بن همام السلولي لمعاوية:
لقد ضاقتْ رعيتكم وأنتم ... تدرون الأرانب غافلينا
وقال الشماخ وذكر عقاباً:
فما تنفكُ حول عويرِ ضاتٍ ... تجرُّ برأسِ عكرشةٍ زموعِ
يقال زموع تطأ على زمعاتها وهي مواضع الثنن من الدواب وذلك هو التوبير لئلا يعرف أثرها والتوبير للأرنب وللثعلب ولكثير من صغار السباع إذا طمع في صيد أو خاف أن يصاد فربما ضم براثنه
(1/210)

ووطئ ببطن الكف وربما وطئ على زمعاته وذلك كله في السهل، وقال امرؤ القيس يهجو:
مرسعةٌ وسط أرباعِه ... به عسمٌ يبتغي أرنبا
ليجعلَ في كفِّه كعبَها ... حذارُ المنية أن يعطبا
وكانوا يقولون في الجاهلية من علق كعب أرنب لم يصبه عين ولا سحر وكانت عليه واقية من الجن لأن الجن تهرب منها للحيض ولا تمتطيها، ويقال رجل مرسِع ومرسعة وهو الفاسد العين، ويروى مرسَّعة بين أرساغه من الترسيع وهو سير يضفر ويرسع ثم يشد في الساق وأنث لأنه يرده على قوله لا تنكحي بوهة مرسعة، وأما قول المخبل:
كما قال سعدٌ إذ يقود به ابنه ... كبرت فجنبني الأرانب صعصعا
فإن الأرانب في هذا البيت أحقاف من الرمل منحنية يريد خذ بي في طريق مستو وجنبني الوعث والرمل والصعود، وكذلك قول الكلح الذهلي يصف راحلته:
قوداءُ تملكُ رحلَها ... مثل اليتيمِ من الأرانبِ
أراد أن رحلها على سنام مثل اليتيم وهي الهضبة المنفردة وكل شيء انفرد فقد يتم، والأرانب الأحقاف من الرمل واحدها أرنب.
(1/211)

أبيات المعاني في الضبع
قال الكميت:
كما خامرتْ في حضنها أم عامرٍ ... لدى الحبلِ حتى عال أوس عيالها
أم عامر الضبع، وأوس الذئب، والضبع من أحمق الدواب وتبلغ من حمقها أنه يدخل عليها في مغارها فيقال: ليست هذه أم عامر، فتسكن حتى تقاد، ويقال لها: خامري أم عامر، ثم يشد في عرقوبها حبل ثم تجرّ به، وقوله خامرت سكنت وانخدعت وأصل المخامرة المخالطة، وقوله لدى الحبل يريد الصائد، وقوله: حتى عال أوس عيالها، يقال إن الضبع إذا صيدت عال الذئب ولدها وأتاها باللحم وذلك أنه يثبت على الضبع فتحمل منه وتلد له، وكان بعضهم يرويه: غال أوس عيالها أي أكل جراءها، وقال آخر:
كمرضعةِ أولاد أخرى وضيّعتْ ... بنيها ولم ترقَعْ بذلك مرقعا
أراد الذئبة يقال إنها تدع ولدها وترضع ولد الضبع ولذلك تقول العرب: أحمق من جهيزة يعنونها، ويقولون أيضاً: أحمق من نعامة لأنها تدع الحضن على بيضها ساعة تحتاج إلى الخروج لطلب الطعم فإن رأت بيض نعامة قد خرجت للطعم حضنت وتركت بيض نفسها.
(1/212)

وقال ابن هرمة:
كتاركةٍ بيضِها بالعراءِ ... وملبسةٍ بيض أخرى جناحا
وأنشد أبو عبيدة:
والذئبُ يغذو بناتَ الذيخِ ناقلة ... بل يحسبُ الذئبَ أن النجلَ للذيبِ
الذيخ ذكر الضباع وهو الضبعان أيضاً، والنجل الولد.
وقال جرير:
تراغيتُم يوم الزبيرِ كأنّكم ... صباغٌ بذي قارٍ تُمنى الأمانيا
يقول صحتم صياح الضباع إذا جهدت، يقول لم يكن عندكم إلا أن يشكو بعضكم إلى بعض، وقوله تمنى الأمانيا هو قولهم للضبع في وجارها: خامري أم عامر أبشري بجراد عضال وكمر رجال، فلا يزالون يقولون ذلك حتى تقر فيدخل عليها الرجل فيربط يديها ورجليها ويكعمها والعظال الجراد الذي يركب بعضه بعضاً إذا أراد أن يبيض ولذلك قيل يوم العظالى لأن الناس - كان - يركب بعضهم بعضاً، وقوله كمر رجال يقال إن الضبع إذا وجدت قتيلاً قد انتفخ جرد أنه ألقته على قفاه ثم ركبته لتستعمله أبداً حتى يلين.
وقال العباس بن مرداس:
(1/213)

فلو ماتَ منهُم جرحنا لأصبحت ... ضباعٌ بأكنافِ الأراكِ عرائسا
أراد هذا المعنى.
وقال آخر:
تضحكُ الضبعُ لقتلى هذيلٍ ... وترى الذئبَ لها يستهلُ
وعتاقُ الطيرِ تهفو بطاناً ... تتخطاهم فما تستقلُ
وقال الكميت يهجو قوماً:
أما أخوكَ أبو الولي ... د فلابسٌ ثوبي مخامرِ
فعَلَ المقرِةَ للمقا ... لة خامري يا أم عامرِ
حتى إذا نَشُبَ الضفي ... رُ بجاذبٍ للحبلِ باترِ
ذهبت تحير إليه وه ... ي بغير منزلةِ المحاورِ
وقال كثير بذكر ناقة:
وذفري ككاهلِ ذيحِ الرفيضِ ... أصابَ فريقةً ليل فعاثا
الذيح ذكر الضباع، والرفيض قطعة من الجبل وجمعه رفض،
(1/214)

والفريقة الغنم الضالة يقال أفرق غنمه أي أضلها، وقال جران العود وذكر نفسه حين أسن:
أصبحتُ قد جحّمتُ في كسر بيتكم ... كما حجّم الضبعانُ بين السخابرِ
الضبعان ذكر الضباع، والسخابر شجر الواحدة سخبرة، ويقال جحم فلان إذا نظر نظراً حديداً حتى يُنظر إلى عينه كأنها جاحظة - قال قيس - ابن عيزارة الهذلي:
فإنكَ إذ تحذوكَ أم عويمرٍ ... لذو حاجةٍ حافٍ مع القومِ ظالعُ
أم عويمر الضبع، أي تتبعك تطمع أن تقتل فتأكل منك، وقال العجاج يذكر سني جدب:
يدعنَ ذا الثروةِ كالمعيلِ ... وصاحب الأقتارِ لحم المألِ
أي يتركن الفقير لحماً للضبع أي يمتنه، وقال آخر - المشعث:
وجاءت جيألٌ وأبو بنيها ... أحمُ المأقييْن به خماعُ
أبو بنيها الذكر وهو الضبعان، وقال مدرَك بن حصين الأسدي:
رغا جزعاً بعد البكاءِ كما رغتُ ... موشمةَ الجنبينِ رطبَ عرينها
(1/215)

يريد ضبعاً موشمة بها وشوم، وقال الكميت:
نطعم الجيأل اللهيد من اللح ... م ولم ندع من يشيط الجزورا
الجيأل الضبع، واللهيد مثل الحسير، ويقال شاط دمه إذا بطل وأشطته أبطلته وقال ساعدة بن جؤية وذكر ميتاً:
وغودرَ ثاوياً وتأوبَتْهمذرعة اميم لها فليلُ
تأوبته أتته ليلاً مذرعة ضبع بذراعيها توقيف أي آثار خطوط والفليل ما تكبب من الشعر واحدتها فليلة.
لها خفّان قد ثلبا ورأسٌ ... كرأسِ العودِ شهبرة نؤولُ
أراد أن لها خفاً غليظاً، ثلبا تكسرا من قولك ثلب فلان عرض فلان أي كسره، وشهبرة مسنة، والنهشلة مثلها، والنؤول التي تمشي كأنها مثقلة من حمل يقال مر ينأل بحمله نألانا إذا مر يتدافع به ومر يدلح.
تبيتَ الليلَ لا يخفي عليها ... حمارٌ حيث جر ولا قتيلُ
كمشيِ الأقبل الساري عليها ... عفاء كالعباءةِ عفشليلُ
يريد أنها تمشي في الليل كمشي الرجل الأقبل وهو الذي في عينه شبيه بالحول وذلك أنها تلتفت وتدير عينيها، وجعله سارياً لأن الضبع أكثر جولانها في الليل لأكل الجيف، وعفاؤها شعرها ووبرها، والعفشليل الجافي، وكذا خلقة الضبع وهي كثيرة الشعر ولذلك قيل
(1/216)

عثواء لأنها كثيرة الشعر.
فذاحتْ بالوتائرِ ثم بدّت ... يديْها عند جانبه تهيلُ
ذاحت مرت مراً سريعاً سهلاً، والوتائر طرائق مرتفعة من الأرض منقادة، بدت يديها أي فرقت بين الأصابع وفتحتها لتحفر عند جانب القبر، تهيل تحثو التراب وتنبش، وقال الأعلم يخاطب رجلاً يذمه:
تشايعُ وسطَ ذودك مقبئنّاً ... لتُحسب سيداً، ضبعاً تبولُ
المشايعة والشياع رغاء الإبل، يريد إنك ذو مال فأنت تنادي وسط إبلك، والمقبئن المجتمع، وقوله ضبعاً أراد يا ضبعاً تبول فشبه بها.
عشنزرة جواعِرها ثمانٍ ... فويق زماعِها وشمٌ حجولُ
العشنزرة الغليظة، وسألت الرياشي عن قوله جواعرها ثمان فقال الجواعر أربع في رقمتي الحمار مواصل أطراف عظام وأراه أراد زيادة في تركيب خلقها، وإنما سميت الضبع جعار من الجواعر،
(1/217)

والزماع جمع زمعة وهي شيء مثل الزيتونة تكون خلف ظلف الشاة، وشم من الخطوط، وحجول مثل الخلاخيل.
تراها الضُبع أعظمهنَ رأساً ... جراهمة لها حرة وثيلِ
الضُبع جمع ضَبع، جراهمة عظيمة الرأس.
وقوله لها حرة أي حر فزاد الهاء، وثيل وعاء القضيب، وأراد أنها خنثى، ويروي لها حر بتشديد الراء للضرورة.
كما قال: " كأن مهواها على الكلكلّ " وقال:
وتجرّ مجريةً لها ... لحمى إلي أجرٍ حواشبِ
مجرية ضبع ذات جراء، حواشب منتفخات الجنوب.
سودٌ سحا ليلٌ كأنّ ... جلودَهن ثيابُ راهبِ
سحاليل لينة واحدها سحليل شبه جلودها بثياب الرهبان لأن ثياب الرهبان سود.
آذانهن إذا احتضَرْ ... نَ فريسةً مثل المذانبِ
(1/218)

المذانب المغارف واحدتها مِذنبة.
ينزعنَ جلدَ المرءِ نز ... عَ القينِ أخلاق المذاهبِ
أخلاق المذاهب أخلة تجعل مذهبة على جفن السيف فإذا أخلقت نزعت عن الجفن وأعيد عليه غيرها، وأنشدني الرياشي في وصف ضبع:
دفوع للقبورِ بمنكبيْها ... كأن بوجهها تحميمَ قدرِ
يريد أن وجهها سواداً والتحميم السواد.
قال ابن الأعرابي يقال في مثل: إنما أنت خلاف الضبع الراكب.
قال لأن الضبع إذا رأت راكباً خالفته وأخذت في ناحية، يقول فأنت تخالف الناس أبداً فيما يصنعون، والذئب يعارضه وهو أخبث.
قال الهذلي - عبد بن حبيب:
تركنا ضُبع سُمْيَ إذا استباءت ... كأن عجيجهُنَ عجيجُ نيبِ
استباءت يقال رجعت إلى القتلى من باء يبوء ويقال استباءت أرادت الباءة من القتلى وهو النكاح والضبع تستعمل ذكر القتيل.
وقال آخر:
فارتث كلما هم عشية هزمهم ... حي بمنعرجِ المسيلِ مقيمُ
يعني الضباع جعلها بمنزلة حي من الأحياء.

أبيات المعاني في الكلاب
قال الشاعر يصف الكلاب - والبيت للبعيث المجاشعي:
(1/219)

محرَّجةٌ حُص كأن عيونَها ... إذا آذن القناصُ بالصيدِ عضرسِ
محرجة في أعناقها الحِرج وهو الودع، والعضرس بقلة حمراء الزهرة، أراد أعين الكلاب تجمر من شدة الغضب، ومثله - لامرئ القيس:
مغرَثةٌ زرقا كأن عيونَها ... من الذمرِ والإيسادِ نوار عضرسِ
مغرثة مجوعة، والذمر الإغراء والزجر، وقال عنترة:
أقل عليك ضراً من قريح ... إذا أصحابه ذمروه سارا
ويقال آسدت الكلاب إذا قلت لها خذي، ويقال العضروس في البيت الأول البرد يعني أنها تبيض عيونها حين تشخص للصيد، ويقال العضرس الورق الذي يصبح عليه الندى شبه العيون به، وقال الراعي وذكر الصائد والثور والكلاب:
يشلى سلوقية زلاً جواعرها ... مثل اليعاسيبِ في أصلابِها أودُ
زل رسح، قال الأصمعي: يستحب من الكلب أن يكون في ظهره أحد يدأب قليلاً وأن يكون في سَبّته سعة وفي شدقيه سعة.
فجالَ إذ رعنه ينأى بجانبهِ ... وفي سوالفِها من مثله قددُ
يريد أن في أعناق الكلاب قلائد من جلد ثور، وقال امرؤ القيس وذكر كلباً:
(1/220)

فيدركنا فغِم داجنٌ ... سميعٌ بصيرٌ طلوب نكِرُ
فغم حريص على الصيد، يقال للكلب ما أشد فغمه، قال الأعشى: " وأنت بآل عُقَيل فغِم " أي حريص مولع.
ألصّ الضروسُ حتّى الضلوعَ ... تبوعٌ أريبُ نشيطٌ أشِرُ
قال الأصمعي: لا أعرف ألص الضروس ولكني أعرف ألص الثنيتين إذا كانت إحداهما على الأخرى ويقال للزنجي ألص الأليتين إذا كان صغيرهما قريب ما بينهما، وقال يذكر الثور:
فكر عليه بمبراتهِ ... كما خلّ ظهر اللسان المُجِرّ
فظل يرنّح في غيظلٍ ... كما يستديرُ الحمارُ النعرِ
المبراة القرن وأصلها التي تبرى بها القوس، والمجر الذي يثقب لسان الفصيل ويجعل فيه عوداً لئلا يرضع، يرنح يقال ضربة حتى رنّحه أي غشي عليه فمال كما يميل السكران، غيظل شجر ملتف، والجلبة والأصوات يقال لها أيضاً غيظل، النعر الذي دخلت في أنفه نُعَرة وهي ذبابة تدخل في أنف الحمار فيضرب بنفسه الأرض ويقلق، وقال النابغة وذكر صائداً وثوراً:
من حسِ أطلسٍ يسعى تحته شِرَع ... كأن أحناكها السفلى مآشيرُ
شرع كلاب شبهها في دقتها بالأوتار.
(1/221)

يقول راكبُها الجنّى مرتفقاً ... هذا لكُنّ ولحم الشاة محجورُ
راكبها يعني صاحب الكلاب الذي هو خلفها يوسدها، مرتفقاً في رفق، هذا لكن أي لحم الثور ولكن هيهات أن تدركه ولحم الشاة - يعني الثور - محجور عنهن ولا يدركنه.
وقال وذكر القانص والكلاب والثور:
فبثهن عليه واستمر به ... صُمع الكعوب بريات من الحرَدِ
الحرد يكون بالبعير وهو استرخاء في عصب يديه من شدة العقال فهو ينفضهما ويضرب بهما راد ليس بالكلاب عيب ولم يرد الحرد نفسه، صمع الكعوب - لازقة خفية.
فكان ضُمِرانٌ منه حيث يوزعه ... طعن المعارك عند المُحجَر النَجُدِ
ضمران اسم كلب، حيث يوزعه أي حيث يغريه صاحبه يقال هو يوزَع بالشيء إذا كان مولعاً به أي كان الكلب من الثور حيث أمره الكلاّب أن يكون كما تقول للرجل أنا بحيث تحب، ضرب المعارك أراد كضرب المعارك وهو المقاتل، والمحجر الملجأ المدرك، ويروي النُجد والنِجد، والنِجد الذي يعرق من الكرب والشدة واسم العرق النَجد ومنه قوله في هذه القصيدة:
(1/222)

" بعد الأين والنَجد " يقال رجل منجود، والنِجد من نعت المُحجر، وإن قلت النجد فهو من نعت المعارك والنُجد الشجاع من النجدة، قال أبو عبيدة: حيث يوزعه طعن، طعن بالرفع، وقال رفع ضمران بكان وجعل الخبر في " منه " أي كان الكلب من الثور كأنه قطعة منه في قربه وارتفع الطعن بيوزعه، وقال سمعت يونس بن حبيب يجيب بهذا الجواب في هذا البيت:
شكَّ الفريصةَ بالمدرى فأنفذَها ... شكَ المبيطرِ إذ يشفي من العضَدِ
المدرى قرنه، والمبيطر البيطار والعضد داء.
كأنه خارجاً من جنبِ صفحتهِ ... سفود شَرب نسوه عند مفتأدِ
أي كأن القرن في حال خروجه سفود، والمفتأد الموضع الذي يختبز فيه ويطبخ ومثله قول أبي ذؤيب:
فكأن سف لماوديْنِ لما يقترا ... عجلاله بشواءٍ شَرب ينزعُ
أي فكأن سفودين لم يقترا بشواء شرب ينزع أي هما حديدان شبه قرنيه بالسفودين، عجلاً له أي الثور بالطعن الواقع بالكلاب.
فظلَّ يعجمُ أعلى الروق منقبضاً ... في حالكِ اللونِ صَدق غير ذي أوَدِ
(1/223)

أي ظل الكلب يمضغ أعلى القرن لما خرج من جنبيه، في حالك اللون أي أسود يعني القرن، صدق صلب، أود اعوجاج، ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مديحاً وقال كأن ناقتي بقرة أو ثور أن تكون الكلاب هي المقتولة فإذا كان الشعر موعظة ومرثية أن تكون الكلاب هي التي تقتل الثور والبقرة ليس على أن ذلك حكاية بقصة بعينها.
وقال ذو الرمة وذكر الصائد:
يجْنبُ ضِرواً ضارياً مقلّداً ... أهضم ما خلف الضلوع أجيدا
موثّق الخلقِ بروقاً مبعداً ... وانقضّ يعدو الرَهَقى واستأسدا
لابس أذنيه لما تعودا
أهضم منضم الجنبين، أجيد طويل العنق، بروق شائل ذنبه ويكون البروق الواضح اللون، مبعد مُبعد، والرهقى عدو يرهق به المطلوب، استأسدا صار كالأسد، لابس أذنيه أي صرهما وجمعهما فألصقهما بصماخه.
وقال سويد بن أبي كاهل:
(1/224)

" وضِراء كن أبلينَ السِرَع " السرع السرعة، يقول أبلين صدقاً في الإسراع.
قال الأعشى: " إن ريثا وإن سرعا " وقال يذكر الكلاب والثور:
وتراهن على مهلتِه ... يختلينَ الأرضَ والشاة يلَعُ
مهلته تقدمه، يلع يعدو ولا يصدق في عدوه، ويقال كذب وولع.
وأنشد:
إلاّ بأن تكذبا عليّ ولاأملكُ أن تكذبا وأن تلَعا
ولم أسمع ولع وحدها إلا ها هنا، يختلين الأرض يقطعن الأرض بأرجلهن إذا عدون، وقال لبيد:
حتى إذا يئسَ الرماةُ وأرسلوا ... غَضفا دواجن قافلاً أعصامُها
أي يئس الرماة من بلوغ السهام فأرسلوا كلاباً، دواجن متعودة للصيد، قافلاً أعصامها أي يابساً قلائدها.
ويقال الأعصام الأمعاء وهي الأعصال أيضاً.
وقال يصف الثور والكلاب:
(1/225)

فجالَ ولم يَعكِم بغضفٍ كأنها ... دقاقُ الشعيلِ يبتدرنَ الجعائلا
جال الثور، ولم يعكم لم يرجع، والشعيل الفتائل واحدتها شعيلة، والجعائل ما جعل للكلاب من رزقهن.
وقال الكميت وذكر الكلاب:
حتى إذا أطعمتْ أحناكُ ضاريةٌ ... هن المساريف يوم الغُنم والنجَلُ
ضارية كلاب، يقول ينجلن على صيدهن ويسرفن في أكله.
وقال وذكر الكلاب:
فدُع أيد فج العراقيب كالأق ... دح إلا سمُومها والغرورا
الأفدع المائل اليد، والسموم الثقب مثل المنخرين والفم، والغرور غضون الجلد.
وقال يصفها:
مؤللةُ الآذانِ عقد كأنها ... يعاسيبٌ لا يأدو الضَراء اختيالُها
مؤللة محددة الآذان، والكلاب توصف بالغضف، والأعقد الذي إذا عدا رفع ذنبه، وقال الفرزدق: " مشية الجاذف الأعقد " يريد الكلب، يأدو يختل، يقول لا تختل ولكنها تحمل، والضراء ما استترت به.
تولّت بإجريّا وِلاف كأنما ... تحوّلَ شختاً بعد جأبٍ خيالها
(1/226)

إجريا من الجري، ولاف مؤتلف، يقول إذا عدت دقت شخوصها وإذا وقفت كانت أعظم خلقاً، وقال الطرماح وذكر صائداً:
يورِّع بالأمراسِ كل عملّسٍ ... من المطعَماتِ الصيدِ غير الشواحنِ
يورع يكف، والأمراس الحبال واحدها مَرَس والعملس أصله الذئب سمي بذلك لسرعته وشبه الكلاب بالذئاب، والمطعمات الصيد المرزوقات ويقال للرجل إنه لمطعَم إذا كان مرزوقاً من الصيد، والشواحن اللواتي يبعدن في الطلب ولا يصدن شيئاً.
معيدٌ قمِطر الرِجلِ مختلفُ الشبا ... شرنبث شوكِ الكفِ شثن البراثنِ
المعيد الذي عاود الصيد، والقمطر الرجل الذي كأنه به عقالاً من اعوجاج ساقيه وهو الشديد، والشبا حد أنيابه، والشرنبث الخشن الكف، والشوك المخالب، والبراثن ما وطئ به الأرض.
توازنه صيّ على الصيدِ همّها ... تفارطَ أحراج الضراءِ الدواجنِ
توازنه تساويه وتعاونه، صي كلبة من قولك صارت تصيء صيئاً وهو صوت دقيق، تفارط تسابق، أحراج جمع حِرج يقال هو نصيبهن الذي يجعل لهن من الصيد، الضِراء الكلاب جمع ضرو.
وقال يذكر الكلاب:
يبتدرنَ الأحراج كالثَولِ والحِر ... جِ لرب الضراءِ يصطفِدهُ
(1/227)

يبتدرن يعني الكلاب، والأحراج أنصباؤها من الصيد ما سقط من البطون وغيرها، والثول الزنابير وشبهها بها، يصطفده يأخذه يفتعل من الصفد.
مِرُغناتٍ لأخلجِ الشدقِ سلعا ... م مُمَرَ مفتولة عضُده
مرغنات مطيعات، أخلج الشدق واسعه، سلعام عظيم الخلق والبطن، ممر مفتول شديد.
يضغم النابئ الملّمع بين ال ... روق والعين ثم يقصده
يضغم يعض، والنابئ الثور يخرج من بلد إلى بلد وكذلك الناشط، والملمع الذي في يديه لمع سواد وبياض.
مستنيع يصر مثل صرير ال ... قعو لما أصاحه مسده
مستنيع متقدم، يصوت صوتاً كصرير القعو وهو الذي يكون فيه المحور من خشب فإن كان من حديد فهو خطاف، والمسد حبل من ليف وهو كل ما ضفر فتل، وقال وذكر كلبة:
عولق الحرصِ إذا أبشرت ... لعوةً تضبحُ ضبحَ النُهامِ
عولق لا يفلت منها شيء، أبشرت من المباشرة، لعوة حريصة على الصيد، والنهام ذكر البوم، وتقول العرب: أحرص من لعوة، وقال العجاج:
(1/228)

غُضفاً طواها الأمس كلاّبيُّ ... بالمالِ إلا كسبها شقيّ
يريد بالمال شقي إلا من كسبها، وقال وذكر الكلاب بعد طعن الثور لها:
حتى إذا ميَّثَ منها الريُّ ... وعظعظِ الجبان والزِئني
ميث أي لين من الكلاب، الري السكر من الطعن، عظعظ اضطرب، والزئني الصغير من الكلاب، والعامة تقول الصيني.
وطاحَ في المعركةِ الفُزنى ... تواكلتُه وهو عجرفي
الفرني الضخم، تواكلته الكلاب أي اتكل بعضها على بعض وأحبت أن يكفي بعضها بعضاً، وقال وذكر الثور:
مبتكراً فاصطادَ في البكورِ ... ذا أكلبٍ نواهزٍ ذكورِ
اصطاد في البكور هذا هزء يريد أنه خرج فأصاب الصائد كقولك خرج فلان يصطاد فوقع على أسد فأكله، فيقال بئس الصيد وقع عليه، نواهز تنتهز الصيد.
(1/229)

" يُهمدن للاجراسِ والتشوير " يهمدن يَجدِدن، ويسرعن في العدو، والاجراس أن تسمع الجرس، والتشوير أن شير بيده يقال أشار وشوّر، قال جرير:
رأى عبد قيس خفقة شوّرت بها ... يدا قابس ألوى بها ثم أخمدا
أي أشار بها، وقال آخر: " حتى إذا أجرس كل طائر " أي صوت، وقول ذي الرمة يصف الكلاب: " لاحها التغريث والجنب " والتغريث الجوع، والجنب لصوق الرئة بالجنب من العطش.
وقال جرير:
فلا تحسبني شحمةً من وقيفةٍ ... تسرّطُها مما تصيدُك سلفعُ
الوقيفة التي تلجئها الكلاب أو الرامي إلى موضع لا تخلص منه
(1/230)

يريد إني ممتنع، تسرطها تزدردها يقال في المثل الأكل سُرَّيْطَي والقضاء ضُرَّيْطَي، ويقال الأكل سلَجان والقضاء ليّان، وسلفع اسم كلبة، وقال أبو خراش الهذلي لابنه حين هاجر في خلافة عمر:
فإنكَ وابتغاءَ البِرِ بعدي ... كمخضوبِ اللَبانِ ولا يصيدُ
هذا مثل يعني الكلب تلطخ صدره وحلقه بالدم ترى الناس أنه قد صاد ولم يصد شيئاً، وقال آخر:
فلا ترفعي صوتاً وكوني قصيةً ... إذا ثوبَ الداعي فأنكرني كلبي
إنما ينكره كلبه إذا لبس سلاحه يخبر أن سلاحه تام يقول إياك والصراخ إذا عاينت الجيش، وقال آخر:
إذا خَرسَ الفحلُ وسطَ الحجورِ ... وصاحَ الكلابُ وعقَّ الولدُ
الفحل إذا عاين الجيش وبوارق السيوف لم يلتفت لِفت الحجور، والكلاب تنج أربابها لأنها لا تعرفهم للبسهم الحديد، والمرأة تذهل عن ولدها ويشغلها الرعب فجعل ذلك عقوقاً، قالوا ومنه يقال: أمر لا ينادي وليده، أي تشتغل المرأة عن ولدها فلا تناديه.
وقال آخر - وهو طفيل الغنوي:
أناسٌ إذا ما الكلبُ أنكرَ أهلَه ... حمُوا جارَهم عن كل شنعاءٍ مضلعِ
وقال آخر:
(1/231)

وفينا إذا " ما " الكلبُ أنكر أهلَه ... غداةَ الصباحِ المانعون الدوابرا
وقال الكميت:
واستثفر الكلبُ إنكاراً لمولغِهِ ... في حُولةٍ قصرت عن نعتِها الحُوَلُ
اسثفر الكلب أدخل ذنبه بين رجليه، لم يعرف من يسقيه لأنه قد لبس الحديد فأنكره، والحولة الداهية.
وقال زيد الخيل:
يتبعنَ نضلةَ أيرِ كلبٍ منعظٍ ... عض الكلابُ بعجبهِ فاستثفرا
وقال الكميت:
فإنكم ونزاراً في عداوتها ... كالكلبِ هرّ جدا وطَفاء مِدارِ
الأصل في هذا أن كلباً ألحت عليه السماء بالمطر أياماً ثم طلعت الشمس فذهب يتشرق فلم يشعر إلا بسحابة قد أظلته ففزع ورفع رأسه وجعل ينبح، ويقال في المثل " وهل يضر السحاب نباح الكلاب ".
وقال آخر:
وما لي لا أغزو وللدهرِ كرة ... وقد نبَحت نحو السماءِ كلابُها
يقول: كنت أدع الغزو قبل الغيث فما عذري اليوم وقد جاء المطر وامتلأت الغدران، والكلب ينبح السحاب من الحاج المطر.
وقال الأفوه الأودي وذكر سحاباً:
فباتتْ كلابُ الحي ينبحنَ مزنه ... وأضحتْ بناتُ الماءِ فيه تعمّجُ
أي تتلوى.
(1/232)

وقال آخر:
إذا عمى الكلبُ في ديمةٍ ... وأخرسَه الله في غير ضرِّ
يخرسه إفراط البرد، كما قالت الهذلية - وهي جنوب أخت عمرو ذي الكلب - وذكرت ليلة:
لا ينبحُ الكلبُ فيها غير واحدةٍ ... من العشاءِ ولا تسرى أفاعيها
وقوله عمى الكلب مثل قول الآخر - مرة بن محكان -:
وليلةٌ من جمادي ذات أنديةٍ ... لا يبصرُ الكلبُ من ظلمائها الطُنُبا
وقال الفرزدق:
ولا يدعُ للأضيافِ إلا الفتى الذي ... إذا ما ابى أن ينبحَ الكلبُ أوقدا
يأبى الكلب أن ينبح لشدة البرد فيوقد ناره ليراها الطارقون، وقال الأعشى:
وتسخنُ ليلةٌ لا يستطيع ... نباحاً بها الكلب إلاّ هريرا
وأما قول الآخر:
مالكَ لا تنبحُ يا كلبَ الدّومِ ... قد كنتَ نبّاحاً فمالكَ اليوم
فإن هذا الرجل كان ينتظر عيراً له تجيء وكان الكلب إذا جاءت ينبح فاستبطأ العير فقال مالك لا تنبح أي ما للعير لا تجيء وقال ابن هرمة:
كيف يلقونني إذا نبحَ الكل ... بُ وراء الكسورِ نبحاً خفياً
(1/233)

من شدة البرد، وقال آخر:
ومبدٍ لي الشحناء بيني وبينه ... دعوتُ وقد طال السُرى فدعاني
يعني كلباً وذلك أن المسافر إذا كان في الليل فلم يدر أين البيوت نبح ليُسمع الكلاب فتجيبه وتنبح له أي لما نبح للكلب نبح الكلب فجعل ذلك دعاء، وقال الكميت يمدح قوماً:
ولا لقاحهُم إلا مُعَودة ... ذل الكلابِ وأن لا تسمنُ الفُصُلُ
ذل الكلاب أن لا تنبح الأضياف، وأن لا تسمن الفصل لأنهم يسقون ألبان الأمهات، وقال آخر في مثله:
وما يك فيّ من عيبٍ فإني ... جبانُ الكلبِ مهزولُ الفصيلِ
وقال حاتم:
إذا ما بخيلُ القومِ هرّت كلابُه ... وشقَّ على الضيفِ الغريبِ عقورها
فإني جبانُ الكلبِ بيتي موطأ ... جوادٌ إذا ما النفسُ شحَّ ضميرُها
وإن كلابي قد أقرت وعُودت ... قليل على من يعتريها هريرها
وقال آخر وذكر ضيفاً:
حبيبٌ إلى كلبِ الكريمِ مُناخُه ... كريهٌ إلى الكوماءِ والكلب أبصرُ
يحب الكلب مناخه لأنهم ينحرون له فيأكل الكلب ويخصب، وتكرهه الناقة السمينة لأنها تخاف النحر، وقال ابن هرمة:
(1/234)

وفرحةٌ من كلابِ الحي يتبعها ... شحمٌ يزفُ به الراعي وترعيبُ
الأسعر بن حمران الجعفي:
باتتْ كلابُ الحي تنبحُ بيننا ... يأكلنَ دعلجةً ويشبعُ من عفا
الدعلجة الاختلاف يقال بينهم دعلجة، وقال الحطيئة:
تسدينها من بعد ما نام ظالع ال ... كلاب وأخبى ناره كل موقد
الظالع من الكلاب لا يسفد حتى يسفد الكلاب كلها لضعفه، ويقال في مثل - أفعل ذاك إذا نام ظالع الكلاب - أي في آخر الأوقات لأن الظالع لا ينام إلا بعد الكلاب كلها، وقال حميد بن ثور وذكر امرأة:
فقامت تعشى ساعة ما يطيقُها ... من الناسِ نامتها الكلابُ الظوالعُ
وقال أبو ذؤيب وذكر امرأة:
بأطيبِ من فيها إذا جئتَ طارقاً ... وأشهى إذا نامت كلابُ الأسافلِ
قال الأصمعي: كلاب الأسافل يريد أسافل الأحوية يكون فيها الرعاء والكلاب وهم آخر من يهدأ، وقال رؤبة:
(1/235)

لاقيتُ مطلاً كنعاسِ الكلبِ ... وعدة عُجتُ عليها صحبي
يقول مطلاً دائماً لأن الكلب تراه أبداً ناعساً مغضياً عينيه وإنما يفعل هذا بالنهار فإما بالليل فلا، وقال أبو حية وذكر فلاة:
يكونُ بها دليلُ القومِ نجم ... كعينِ الكلبِ في هبىً قِباعِ
هذه الأرض جدبة ذات غبرة لا تبصر فيها النجوم فينظر الدليل إلى النجم الذي يهتدي به كأنه عين الكلب إنما يبدو له منه شيء يسير كأنه عين الكلب لأن الكلب ناعس أبداً مغض، في هبى يعني النجم في نجوم هبى وهي التي تراها مظلمة من القتام والواحد هاب مثل غاز وغزى قباع قد قبعت في الغبار دخلت فيه ويقال للقنفذ إذا أدخل رأسه قد قبع.
وقال الأخطل يهجو رجلاً:
سَبنتَي يظل الكلبُ يمضغ ثوبه ... له في ديار الغانيات طريق
السبنتي الجريء، ولذلك قيل للنمر سبنتي، يمضغ الكلب ثوبه من
(1/236)

أنسه به ومعرفته له، يريد أنه يخالف إلى جاراته فيدارى الكلاب بالشيء يطعمها إياه فهي آنسة به، وقال آخر:
إني لعفٍّ عن زيارة جارتي ... وإني لمنشوءٍ إليَّ اغتيابها
إذا غابَ عنها بعلُها لم أكنْ لها ... زؤوراً ولم تأنسْ إليَّ كلابها
وقال الفرزدق:
وضاربةٌ ما مر إلا اقتسمنه ... عليهنَ خوّاضَ إلى الطِنء مخَشفُ
ضاربة كلاب، يقول إذا مر بهن أحد لريبة اقتسمنه بالنهش والخدش، والطنء الريبة والتهمة، مخشف سريع في أموره ومروره دليل يقال خشف يخشف خشفاً، وقال الأعشى - وهو أعشى تغلب واسمه عمرو بن الأيهم -:
إذا حلّت معاويةٌ بن عمرو ... على الأطواءِ خنَّقتِ الكلابا
يهجوهم يقول يخنقون الكلاب لئلا تنبح فيستدل بذلك الأضياف.
(1/237)

وقال الحطيئة:
دفعَت إليه وهو يخنقُ كلبه ... ألا كلُ كلبٍ لا أبا لك نابحُ
وقال الكميت:
وأحلب إسمعيل فيها ومنذر ... بأوبط من كيدِ الفراشةِ والجُعَلِ
ليستبعيا كلباً بهيماً مخزّماً ... ومن يك أفيالاً أبوته يفِلِ
أحلب أعان، أوبط أضعف، يستبعيا يستعينا وأصل البعو الجناية يقال بعا عليهم فهو باع، بهيم أسود لا لون فيه غير لونه وجعله كذلك لأنه يقال إن الأسود البهيم شيطان، مخزم خزم أنفه بخزامة من ذله، شبه رجلاً بهذا الكلب، والأفيال واحدهم فيل وهو الكثير الخطأ، وأبوته آباؤه جمع أبا على فعولة كما يقال صقر وصقورة وحمو وحموة وكذلك أب وأبوة.
أنشد أبو عبيدة:
أرسلت أسداً على سودِ الكلابِ فقد ... أمسى شريدُهم في الأرض فُلاّد
(1/238)

قال لأن سود الكلاب أكثرها عقوراً ولذلك أمر بقتل الكلاب السود منها.
قال وهي للذئاب وأنشد: " كخوفِ الذئبِ من سودِ الكلابِ " وأنكر على من يرويه: من بقع الكلاب، وأنشد غيره:
إذا تخازرتُ وما بي من خَزرٍ ... ثم كسرتُ العينَ من غير عَورِ
لقيتني ألوى بعيدُ المستمرِ ... أبذي إذا بوذيتُ من كلبٍ ذكرِ
أسود قزّاح يغذّى في الشجر
قزاح يقزح ببوله يزج به ويغذى ببوله.
وقال الخذلي:
أأجعلُ نفسي عدل عِلج كأنما ... يموتُ به كلبٌ إذا ماتَ أبقعُ
(1/239)

قال البقع شر الكلاب والتبقع هجنة وسوادها أكثرها عقوراً وهي للذئاب وهي شرها، وخيرها ما شاكه الأسد في لونه.
وقال الراجز:
كأنه ملبّسٌ درانكا ... يقصر يمشي ويطول باركا
أراد يقصر ماشياً، ومما يتحاجى الناس به: ما شيء إذا قام كان أقصر منه إذا قعد، يريدون الكلب لأن قعوده إقعاء.
وقال عمر بن لجأ:
عليه حنوا قتَبٍ مستقدمٍ ... مقعٍ كإقعاءِ الكليبِ المعصِمِ
وقال مزرد وذكر ضيفاً نزل به فأمر بإطعامه:
(1/240)

فجاءا بخرشاوى، شعيرٍ عليهما ... كراديسٍ من أوصال أعقد سافدِ
الأعقد الكلب الرافع ذنبه على ظهره وإذا كان سافداً فهو أشد لهزاله وأخبث للحمه، أخبرك أنه قرى ذيفه لحم كلب، وقال ابن الأعرابي أراد تيساً. وقال مساور بن هند:
إذا أسدية ولدت غلاماً ... فبشرها بلؤم من الغلامِ
يخرّسها نساء بني دُبير ... بأخبث ما يجدنَ من الطعامِ
ترى أظفارَ أعقد ملقياتٍ ... براثنُها على وضَمِ الثُمامِ
يخرسها من الخرسة وهو ما تطعمه النساء يريد أنها تطعم لحم الكلب.
وقال الفرزدق:
إذا أسدى جاعَ يوماً ببلدةٍ ... وكان سميناً كلبُه فهو آكله
وقال مساور:
بني أسدٍ إن تُمحل العامُ فقَعس ... فهذا إذاً دهرُ الكلابِ وعامُها
وقول العرب في مثل أمثالها " فلان يثير الكلاب عن مرابضها " يراد به لؤمه وطمعه وأنه يثيرها يطمع أن يجد في مواضعها شيئاً يأكله، ومن أمثالهم " ألأم من كلب على عَرق " ومن أمثالهم " سمن كلب في جوع أهله " وذلك إذا وقع في الإبل السُواف فماتت فأكل، وأنشدني الرياشي:
(1/241)

قد شيّب الرأسُ حتى ابيضَّ مفرقهُ ... أن قلتَ يا عمرو إني نابحُ الظّرِبِ
وفسره غيره فقال هذا رجل به الكلب فهو ينبح على الظرب وهو دون الجبل، قال والكلب الكلِب إذا عض إنساناً إحاله نباحاً مثله ثم أحبله وألقحه بأجر صغار يراها علقاً في صورة الكلاب، وقال ابن فسوة عتيبة بن مرداس وكان به الكلَب فداواه ابن المحل فأخرج اجرى الكلاب علقاً مثل صور النمل فبرأ.
لولا دواءُ ابن المُحِلّ وعلمه ... هررت إذا ما الناس هرَّ كليبُها
وأخرج بعد الله أولاد زارعٍ ... مولّعة أكتافها وجنوبها
الكليب جمع كلب مثل عبد وعبيد، وأولاد زارع الكلاب، وقال امرأة في رجل أصابه الكلَب:
أبالك أدراصاً وأولاد زارعٍ ... وتلك لعمري نُهيةُ المتعجّبِ
ويقولون أن دماء الملوك شفاء من الكلب، قال رجل من كندة لبني أسد في قتلهم حُجراً:
(1/242)

عبيد العصا حُبتم بقتل ربيبكم ... تريقون تامورا شفاء من الكلَب
التامور الدم، وقال الفرزدق:
ولو شرب الكلَبي المراض دماءنا ... شفتها وذو الخبل الذي هو أدنف
وقال آخر:
بُناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلَب الشفاء
وقال دريد بن الصمة حين ضرب امرأته بالسيف ليقتلها فسلمت:
اقرّ العين أن عُصبت يداها ... وما أن تعصبان على خضاب
وابقاهن انّ لهن جنا ... وواقية كواقية الكلاب
يقال أن على الكلاب واقية من عبث الصبيان والسفهاء بها، وقال آخر:
إني وأتيي ابن غلاّق ليقريني ... كالغابط الكلب يبغى الطِرق في الذنب
الغابط الذي يجسّ الموضع من الشاة لينظر أسمينة هي أم لا، والطرق الشحم، وقال أعرابي يوصي بكلبه:
استوص خيراً به فإن له ... عندي يداً لا أزال أحمدها
يدل ضيفي عليّ في غسق ال ... ليل إذا النار خف موقدها
(1/243)

أبيات المعاني في الأسد
قال أبو زبيد يذكر الأسد:
بِثنْيِ القريتيْنِ له عيالُ ... بنوه ومُلمِع نصف ضَروسُ
الثِني العقبة، والملع التي قد قاربت أن تضع فاشرق ضروعها، ضروس عضوض يريد لبؤة، نصَف ليست بشابة.
غُذين بكلِ منعفرٍ سليبِ ... يجاء به وقد نسَل الدريسُ
نسل سقط، والدريس خلقان الثياب.
رأى بالمستوى سفْراً وعيراً ... أُصيلالاً وُجنته الغميسُ
أصيلالاً عشية، وجنته سترته، والغميس الأجمة التي ينغمس فيها وقيل الظلمة.
تواصوا بالسَّرى هَجراً وقالوا ... إذا ما ابتزّ أمرَكم النعوسُ
فإياكم وهذا العرق واسموا ... لموماة مآخذُها مليسُ
يقول تواصلوا نصف النهار بأن يتحفظوا في سرى ليلهم من الأسد، والنعوس الذي يحرسهم فينام، والعرق واحد العراق، يقول سيروا في موماة ملساء فإن جاءكم الأسد رأيتموه.
وحُقوا بالرحال على المطايا ... وضُمّوا كل ذي قَرنٍ وكيسوا
(1/244)

القرن الكنانة، يقول ضموا إليكم الرماة، ويكون أيضاً أن يضموا إليهم كلهم ذي قرن من أبلهم والقرن الحبل، وروى الأصمعي: وزموا كل ذي قرن - يقول اجعلوا الأوتار في أفواق سهامكم، ويقال يصف مخالبه:
بسُمر كالمجالقِ في فُتوخٍ ... يقيها قَضةَ الأرضِ الدخيسُ
السمر المخالب، والمحالق المواسي شبهها بها في حدتها، ويروى كالمعابل وهي نصال سهام، لي فتوخ في استرخاء ولين، والقضة الحصى الصغار، والدخيس اللحم الذي في كفيه.
كأنّ بنحرهِ وبمنكبيْه ... عبيراً بات تعبؤه عروسُ
العبير عند العرب الزعفِران، تعبؤه تهيئه.
وقال يصف الأسد وما في عرينه:
ومن فلائلٍ هامَ القومُ محتلِقاً ... بمستحى من أمينِ الجلدِ إتعابا
الفلائل واحدتها فليلة وهي الخصلة من الشعر، بمستحى أي بمقشور من الجلد قشر بإتعاب وهو مفتعل من سحوت القرطاس أي قشرته.
ومن سرابيلِ أهبابٍ مضرّجةٍ ... بصائكٍ من دمِ الأجوافِ قد رابا
أهباب أخلاق من الثياب والصائك الدم الذي له ريح، راب أي غلظ كما يروب اللبن.
(1/245)

كأنَّ أثوابَ نقادٍ قُدرنَ له ... يعلو بخملتِها كهباءِ هُدّابا
النقاد صاحب النقَد وهي الغنم الصغار، شبه جلد الأسد وشعره المتدلي بالقطيفة التي على الراعي.
وقال يصفه حين زجره القوم:
كأنما كان تأييها ليأتيهم ... في كل إيعادهِ يدنو تقرّابا
التأييه الدعاء، يقول كأن زجرهم إياه ليتنحى عنهم فكأنه إنما كان ليأتيهم.
وثارَ إعصارٌ هيجا بينهم وجلوا ... يضيء محراثُهم جمراً وإحطابا
هذا مثل، يريد بالجمر نار الحرب بينهم، والمحراث ما حُرك به النار أي سلاحهم يستثير نار الحرب.
وقال يصفه:
وَرَدَ كأن على أكتادهِ حَرَجاً ... في قَرطفٍ من نسيلِ البُخت مخدورِ
الكتد مغرز العنق في الكاهل، والحرج الهودج، شبه ما على كتده من الشعر بالحرج، والقرطف القطيفة، وقوله: من نسيل البخت أي هذا القطيفة متخذة مما نسل أي سقط من أوبار الإبل فقد جلل بها ذلك الهودج.
أو ذا شصائبٌ في أحنائهِ شمَمٌ ... رخو الملاطِ غبيظاً فوق صُرصورِ
الشصائب عيدان الرحل واحدها شصيبة، في أحناء الرحل وهي عيدانه، شمم أي ارتفاع، رخو الملاط أي لم يشد شداً جيداً والملاط
(1/246)

جنب البعير وهو هاهنا جنب الرحل، والغبيط مركب النساء، والصرصور البازل من الإبل ويقال هو الفالج ويقال ولد البختية من العربي.
إذا تبهنس يمشي خلته وعثاً ... وعيَ السواعد منه بعد تكسير
تبهنس تبختر، وعثاً يمشي في وعث وهو ما كثر فيه الرمل، وعي السواعد يقول كأنها كانت قد انكسرت ثم جبرت بعد.
أقبل يريدي معاردي الحصانُ إلى ... مستعسبٌ أربُ منه بتمهيرِ
الرديان ضرب من العدو، والحصان الفرس، والمستعسب مثل المستطرق من العسب أي أقبل هذا الأسد إلى هؤلاء القوم كما يقبل هذا الفرس إلى هذا الرجل الذي معه هذه الفرس الأنثى، أرب ذو إربة وحاجة، بتمهير بطلب مهر، وعسب الفحل وطرقه سواء.
خان العذارَ بما في الرأسِ من طولٍ ... وسيّر الجلُ عنه أي تسييرِ
أي قصر عنه عذاره لطول رأسه، وسير الجل أي ألقاه.
وفي القوائمِ والأقربِ باقيةٌ ... منه هذاليل تبطين وتصديرِ
الأقرب الخواصر، والهذاليل المقطَّع وقوله تبطين وتصدير يقول بقي من الجل في موضع البطان والتصدير، شبه الأسد بالفرس في هذه الحال.
(1/247)

وصاحَ من صاحَ في الأجلابِ وابتعثت ... وعاثَ في كبّة الوعواعُ والعيرِ
الكبة الجماعة، والوعواع الصوت، وعاث أفسد، وابتعثت الإبل.
فكعكعوهُنَ في ضيقٍ وفي دهشِ ... ينزون من بين مأبوضٍ ومهجورِ
كعكعوهن كفوا إبلهم في ضيق، مأبوض مشدود بالإباض، وهو حبل يشد من العنق إلى الرجل.
للصدرِ منه عويلٌ فيه حشرجةَ ... كأنما هي في أحشاءِ مصدورِ
يريد هماهم الأسد كأنما هي في أحشاء رجل يشتكي صدره.
وغودِرَ السيفُ لم يخرج وخِلته ... أهبابُ دام على السربالِ معفورِ
خلة السيف بطانة جفنه وجمعها خلل، والأهباب الأخلاق المنقطعة، معفور قد انعفر في التراب.
ثم استمرَ إلى تَرجٍ فأسندَه ... إلى فريسينِ ذي كفلٍ وذي كورِ
أي مضى الأسد بهذا الرجل إلى ترج وهو موضعه، وأسنده إلى فريسين أي صريعين قد كان افترسهما قبل ذلك، ذي كفل يقول
(1/248)

كان مكتفلاً بكساء له، وقال في أخرى:
تمهلِ رِبعياً وزايل شيخُه ... بمأربةٍ لما اعتلى وتمهرا
تمهرا تثبت، ربعياً في أول شباب أبيه، وزايل أباه بمأربة أي قضى إربه منه، لما اعتلى أي قوي على الصيد، وتمهر ومهر سواء.
وعايَشَه حتى رأى من قوامِهِ ... قَواماً وخلقاً خارجياً مصبّرا
أي عايش الجرو أباه حتى رأى من استقامة خلقه، مضبراً موثقاً.
تريبل لا مستوحشاً لصحابةٍ ... ولا طائشاً أخذا وإن كان أعسرا
تريبل صار ريبالاً، والأسد لا يضرب إلا بشماله.
خُبعِثنة في ساعديْهِ تزايلُ ... تقولُ وعيَ من بعدما قد تكسرا
خبعثنة ضخم يقول كأن ساعديه كسرا ثم جبرا، وقوله يصف أسنانه:
مطلن ولم يُلفتن في الرأس مثغَرا
مطلن طولن والأسد لا يسقط أسنانه، وقال يصف الأسد:
ينيخ نهار بالرفاق
أي ينيخ الرفاق من خوفه نهاراً، وقال في أخرى يصف الأسد:
له لِبَدٌ كاللبْدِ طارتْ رعابلاً ... وكتفانِ كالشرخينِ، عبل مضبرَ
(1/249)

اللبد ما تلبد من شعره على عنقه، والرعابل المتقطع، والشرخان عودان في مقدم الرحل وآخرته يتكئ عليهما الراكب والمضبر الموثق المحكم.
كأنّ غضوناً من لهاهِ وحلقهِ ... مغار هَيام عُدمُليّ منهوّرِ
الغضون ما تغضن بعضه على بعض من الجلد الذي فوق حلقه ولهاه، والهيام الرمل الذي يتناثر، والعدملي القديم، والمنهور الواسع أخذه من النهر، وقيل المنهور المتهدم، وقوله:
كأن الجوش منه مشجّر
الجوش والجاش الصدر، مشجر قد أدخل بعضه في بعض.
يعرّد منه ذو الحفاظِ مدججاً ... ويحبقُ منه الأحمري المدوّرِ
أي يفر الذي يحافظ على القتال، ويحبق يضرط الرجل الأحمر المدور السمين لأنه لا يقدر على الهرب فهو يضرط.
يظلُ مُغِبّاً عنده من فرائسٍ ... رُفات حطامٍ أو غرضٍ مُشرشرِ
يقال أغب اللحم إذا أنتن وغب أيضاً، غريض طري، مشرشر مقطع وقوله:
وراح على آثارهم يتقمر
أي يسير في القمر وينتظر أوبته.
ففاجأهُمْ يستّنُ ثاني عطفه ... له غببٌ كأ، ما باتُ يمكر
المكر المغرة، يقول كأنما خضب غببه بها، ويقال يمكر ينفخ يقال زق ممكور أي منفوخ، ومنه يقال امرأة ممكورة إذا كانت ممتلئة،
(1/250)

وقال كثير يذكر أسداً:
يرى أن أُحدانَ الرجالِ غَفيرةٌ ... ويُقدم وسطَ الجمع والجمعُ حافلُ
غفيرة أي يغتفر الواحد لا يلتفت إليه من احتقاره إياه، وقال أوس:
ليث عليه من البرديّ هِبريةٌ ... كالمِزْبراني عيّالٌ بآصالِ
الهبرية ما تطاير من البردي، والمزبراني الشديد الزبرة وهو يعنيه كما تقول رأيت رجلاً ذي الهيئة، وأنت تعنيه والعيال يعيل أي يتبختر في مشيته يقول يتبختر بالعشيات، وقال مالك بن خالد الهذلي:
يحمي الصريمةُ أُحدانَ الرجالِ له ... صيدٌ ومستمعٌ بالليلِ هَجّاسِ
الصريمة موضع هاهنا، أحدان الرجال ما انفرد منهم، يقول لا يمر في هذا الموضع إلا الجماعة، ويقال الصريمة رميلة فيها شجر. وقال زهير:
يصطاد أحدانُ الرجالِ فما ... تنفكُ أجريه على ذُخْرِ
أجريه يغنى جراءه، على ذخر من لحوم الناس وقال العجاج:
ليث غاب لم يرم بأبس
الأبس أن يصغّر الرجل ويحقر.
(1/251)

يقال أبسه أبساً وأبّسته تأبيساً مثله، وقال الفرزدق:
هزبر هريت الشدق ريبال غابه ... إذا سار عزّته يداه وكاهله
ريبال يصيد وحده، يقال خرج الناس يتريبلون إذا خرجوا للغارة والسرق متخففين، غابة أجمة إذا سار من قولك هو يسور، عزته يداه وكاهله أي صار أعظم شيء فيه، وقال أبو النجم يصف أسداً:
كان سفّافاً بخوص سفَفَاً ... من سعفَ النخل كميتاً سعفا
السفاف الذي يعمل السفيف من الخوص أراد سفف سعفاً كميتاً من سعف النخل فقدم النعت، كميت أحمر، يقول السعف يابس قد احمر.
ناطَ على المتنيْنِ منه خصفاً ... وابتزَّ منه الصدرُ بطناً أهيفا
ناط علّق على متني الأسد، خصفاً أي جلال الواحدة خصفة وسميت الجلة بذلك لأنها تخاط، وابتز منه - يقول: صدره عظيم وبطنه خميص فكأن الصدر غلب البطن على السمن.
وإن رآهُ مدلجُ تلهّفا ... وصدّقَ الظنَ الذي تخوّفا
تلهف قال والهفاه، وصدق الأسد خوفه:
عدواً وإلهاباً يمد الطفطفا
يقول إذا امتد في عدوه امتدت خواصره.
كأن عينيْه إذا ما ألغفا ... الشعريان لاحتا بعد الشَفا
(1/252)

ألغف وألعف أولع به ويقال ألغف وألعف ولغ في الدم وهما سواء وشبههما بالشعريين بعد دنو الشمس للمغيب لأنهما في أول الليل حمراوان ثم تبيضان بعد ذلك في الليل، يقول فعيناه حمراوان، وقال عمرو بن معدي كرب:
بعفُروسٍ تبادرهُ يداهُ ... وصمصامٌ يصممُ في العظامِ
العفروس الأسد تبادره يداه أنه اضبط يعمل بيديه جميعاً عملاً واحداً، وقال لبيد:
أو ذو زوائدٍ لا يطاقُ بأرضِه ... يغشى المهجهجُ كالذَنوبِ المرسلِ
في أرساغه زوائد مثل الزوائد في الأصابع، والمهجهج الذي يصيح به ويزجره، يقول يغشاه ولا يباليه كالذنوب وهو الدلو قد أرسل في سرعته. وقال القطامي:
لعل الصيدَ سوف يصيرُ شثناً ... يبينُ حين ينهِمُ أو يقومُ
يقول لعلك تطلب صيداً فتقع على أسد، والشثن الغليظ الكف.
وقال ابن هرمة يصف أسداً:
مطرقاً يُكذِبُ عن أعدائه ... ينقضُ الكلم إذا الكلم التأمَ
يكذب عنهم إذا قال إنسان لأعداء هذا الأسد من القوم أنه لا يقدم عليهم جبناً أكذب هو ذاك وظهر منه أنه إنما امتنع من الإقدام عليه -؟ - لخبث الأسد وشدته، وقال الأعشى:
(1/253)

فلم يسبقوه أن تلافي رهينةً ... قليلُ المساكِ عنده غير مفتدي
يقول ارتهن من القوم رهينة قليل البقاء عنده لا يفتدي نفسه منه كما يفتدى الأسير.
فأسمع أولى الدعوتيْنِ صحابَه ... وكان التي لا يسمعون لها قَدي
يقول دعا فأسمع ثم دعا ثانية لم يرفع بها صوته حتى أتى على نفسه وكانت قد، أي حسب، وقال رجل من بني أسد:
رضينا بحظِ الليثِ طُعماً وشهوةً ... فسائل أخا الحلفاءِ إن كنتَ لا تدري
بنو أسد تعير بأكل لحوم الكلاب والأسد يأكل الكلاب ويحرص على لحومها، وأخو الحلفاء الأسد لأنه يسكن الحلفاء في الغياض، وقال الشاعر - الفرزدق:
إذا أسديّ جاعَ يوماً ببلدةٍ ... وكان سميناً كلبُه فهو آكلهُ
وقد مر في هذا أبيات في باب الكلاب.
وقال ساعدة بن جؤية يذكر أسداً:
إذا احتضرَ الصُرمُ الجميع فإنه ... إذا ما أراحوا حضرةَ الدارِ ينهدُ
أي إذا احتضروا نهدلهم، ومثله: لما رأى العدو نهدلهم، يريد أراحوا إبلهم حضرة الدار، والصرم هم الجماعة من البيوت، والجميع أهل الحِواء ما بين ثلاثين بيتاً إلى أربعين بيتاً، يريد أنه ينهض إليهم إذا اجتمعوا وأراحوا إبلهم فهدرت ولم يكترث لهم جرأة وشجاعة.
وقاموا قياماً بالفجاجِ وأوصدوا ... وجاءَ إليهم مقبلاً يتورَّدُ
(1/254)

أوصدوا صاروا في الوصيد وهو الفناء، أراد حضروا الدار، يتورد يغشاهم في بيوتهم، والفجاج الطرق.
يقصّم أعناقَ المطيّ كأنما ... بمفرجٍ لحييه الزِجاجُ الموتدُ
يقول كأن زجاج الرماح وتدت مكان أنيابه، يقصم يكسر، وقال مالك بن خالد الهذلي:
يا ميُّ لا يعجز الأيام مجترئ ... في حومة الموتِ رزّام وفرَاسُ
أحمي الصريمة أُحدان الرجال له ... صيد ومستمع بالليل هجّاسُ
مجترئ من الجرأة، رزام يرزم على قرنه أي يبرك، والصريمة رميلة فيها شجر، وأحمي جعلها حمي يقال أحميت المكان جعلته حمى لا يقرب، ومستمع نعت له بكسر الميم، والهجس الاستماع.
الأصمعي قال أنشدني عيسى بن عمرو:
يصطاد أُحدان الرجالِ وإن يجدَ ... ثناءهم يفرحُ بهم ثم يزددُ
وقال أبو الطمحان القيني وذكر أسداً:
يظلُتغنيه الغرانيقُ فوقه ... أباء وغيل فوقه متآصِرُ
يقول هو في أجمة فيها طير الماء فهي تصوت واحدها غُرنَيق.
وقال المعطل الهذلي:
كأنهم يخشونَ منك محرَّبا ... بحليةٍ مشبوحِ الذراعينِ مهزَعا
المحرب المغيظ، يعني أسداً، مشبوح الذراعين عريضهما، مهزع مدق يقال تهزعت عظامه إذا تكسرت.
(1/255)

له أيكةٌ لا يأمنُ الناسُ غينُها ... حمى رفرفاً منها سباطاً وخِروعا
قال الأصمعي: لا أدري ما الرفرف هاهنا.
وقال غيره الأيكة الشجر الملتف والرفرف أصله ما انعطف واسترخى أراد ما تهدل من غصون الشجر، والخروع النبت الناعم الأخضر، والسباط الممد.
وقال أبو زُبَيد يصف أسداً:
أقبلَ يردي معاً رَدْي الحصانِ إلى ... مستعسبٍ أربٍ منه بتمهيرِ
وقال الكميت:
صارتْ هناك لبصريّيكَ دولتُهم بعد الذي أنتَ فيه الهترك البِيد
الهترك الأسد، والبيد الذي يبيد كل شيء.

أبيات المعاني في الغراب
قال كعب بن زهير:
وحَمشَ بصيرُ المقلتينِ كأنه ... إذا ما مشي مستكرهَ الريحِ أقزلَ
حمش يعني الغراب يقول هو دقيق الساقين، مستكره الريح أي يستقبل الريح وترده، والأقزل الأعرج.
يكادُ يرى ما لا ترى عينٌ واحد ... يثير له ما غيّب الترب مِعولَ
(1/256)

يقول يبلغ نظره ما لا يبلغه واحد، معول منقار مثل الفأس يستخرج به ما في التراب.
الغردة جمع غِرد وهو كمء صغير ويقال له مُغرود والجمع مغاريد وقالوا غِرْد وغِرَدة كما قالوا فِقْع وفِقَعة للكمأة أيضاً ويقال فقع أيضاً بفتح الفاء، قالوا الغراب أعرف شيء بموضع الكمأة.
وقال النابغة:
ولرهطِ حرّابٍ وقدٍّ سُورة ... في المجدِ ليس غرابُها بمطارِ
السورة الفضيلة والشرف، ليس غرابها بمطار أي هو ثابت، فهذا مثل أصله أن المكان إذا وصف بالخِصب وكثرة الشجر والنخل قيل لا يطير غرابه، يراد أنه يقع في المكان فيجد ما يشبع به فلا يحتاج إلى أن يتحول عنه فضربه مثلاً لمجدهم أي مجدهم ثابت كثير.
وقال آخر:
يا عجباً للعجبِ العجابِ ... خمسةُ غربانٍ على غرابِ
هذا رأى خمسة غربان على غراب بعير قد مات، والغراب رأس الورك المتصل بالصلب، وهو من الإنسان الحرقفة ومن الفرس القطاة.
وقال:
سأرفع قولاً للحصينِ ومالكٍ ... تطيرُ به الغربانُ شطرَ المواسمِ
(1/257)

يريد هجاء يسير به الركبان نحو المواسم، والغربان غربان الإبل واحدها غراب وهو مقعد الراكب، وقال ابن ميادة:
ألا طرقَتْنا أمُ أوسٍ ودونها ... حِراج من الظلماءِ يعشى غرابُها
خص الغراب لصحة بصره، يقال أبصر من غراب وأصفى عيناً من غراب، فإذا عشى الغراب من هذه الظلمة فكيف غيره، وإنما قيل للغراب أعور لحدة بصره على الضد كما قيل للحبشي أبو البيضاء وللفلاة مفازة، قال الكميت:
نطعمُ الجيألَ اللهيدَ من الكُو ... مِ ولم ندعْ من يشيطُ الجَزورا
والحوارُ التِمام ذا السر منه ... ن صحاح العيونِ يدعينَ عورا
الجيأل الضبع، واللهيد من الكوم مثل الحسير، يشيط ينحر، ونطعم الحوار صحاح العيون يعني الغربان، وقال آخر لرجل طويل العمر صحيح البدن:
قد أصبحتْ دارُ آدمٍ خربت ... وأنت فيها كأنك الوتدُ
تسألُ غربانُها إذا حجلتْ ... كيف يكون الصداعُ والرمدُ
(1/258)

خص الغراب بالمسألة لصحة بصره وبدنه يقال فلان أصح من غراب، وقال أبو الطمحان:
إذا شاءَ راعيها استقى من وقيعةٍ ... كعين الغرابِ صفوها لم يكدَّرُ
وقال آخر:
قد قلت يوماً للغرابِ إذ حجل ... عليك بالقُودِ المسانيف الأولُ
تغدَ ما شئت على غير عجل
المسانيف المتقدمات يقول للغراب تغد مما عليها فإنها قد تقدمت الإبل والركاب فليس أحد يعجلك ولا ينفرك.
وقال آخر في مثله - والرجز للاجلح ويقال للجليح بن شميذ -:
تقدمُها كل عَلاةٍ عِليانِ ... حمراءٍ من معرّضات الغربانِ
علاة مشرفة وإذا قيل كعلاة القين فهو الصلاية، والعلاة السندان، حمراء يقال أجلد الإبل وأصبرها الحمر، معرضات مهديات من العُراضة وهي الهدية يعني أن الناقة تتقدم الإبل فتأكل الغربان من التمر الذي عليها لتباعدها من الحادي، وقال الكميت يمدح رجلاً في غزاته:
في داره حين يغدو من وضائِعه ... مالَ تنافسه الغربانُ والرَخمُ
(1/259)

يقول إذا حسر بعير أو وجيت دابة ترك ذلك للسباع والطير ولم يرج شيئاً منها ولم ينحره لسرعته في السير، وقال الراعي:
بملحمةٍ لا يستقلُ غرابُها ... دفيفاً ويمشي الذئبُ فيها مع النسرِ
الملحمة موضع القتال، لا يستقل غرابها أي لا يطير مخلفاً فيذهب ولكنه يطير عن قتيل ويقع على آخر، وقوله ويمشي الذئب فيها مع النسر يقول قد تملأ النسر فليس يقدر على الطيران كما قال في العقاب:
قَرى الطيرَ بعد الناس زِيد فأصبحتُ ... بساحةِ زِيدٍ ما يدف عقابها
أي لا يقدر على الدفيف لشبعه وثقله، وكما قال الآخر - تأبط شراً:
وعناقُ الطيرِ تهفو بطاناً ... تتخطاهم فما تستقلُ
وقال آخر لناقته:
فمثلكَ أو خير تركت رذيةً ... تقلبُ عينيْها إذا مر طائرُ
يعني الغراب وذلك أنه يقع على دبر الإبل، والعرب تسمي الغراب ابن داية لأنه إذا وجد دبرة في ظهر البعير سقط عليها ونقرها حتى يبلغ الدايات، وقال أبو حية:
وإذا تحلّ قتودَها بتنوفةٍ ... مرّت تُليحُ من الغرابِ الأعورِ
(1/260)

تليح تُشفق من الغراب الأعور لوقوعه على الدبر وإذا كان بظهر البعير دبرة غرزوا في سنامه إما قوادم ريش أسود وإما خرقاً سوداً ليفزع الغراب فلا يقع عليه، وقال الشاعر - وهو ذو الخرق الطُهَوي:
لما رأتْ إبلي جاءت حمولتُها ... هَزلي عِجافاً عليها الريشُ والخِرقُ
وقال آخر:
كأنها ريشةٌ في غاربِ دبِرٍ ... في حيث ما صرفتها الريحُ تنصرفُ
وقول الآخر:
يهبُ الجيادُ بريشِها ورعائها ... كالليلِ قبل صباحه المتبلّجِ
فأنه لم يرد ريش الدبر وإنما أراد ريشاً يغرز في أسنمتها علامة لها وذلك إذا كانت الملك فدفعها وأراد تشريف صاحبها، ويروى أن نابغة بني ذبيان رجع من عند النعمان بن المنذر وقد وهب له من عصافيره بريشها.
وقال الراعي يذكر إبلاً دبرة:
رأيتَ رُدافيّ فوقها من قبيلةٍ ... من الطيرِ يدعوها أحمُّ تشُخوجِ
يقول يقع الغراب على دبرها، رُدافى ما ترادف، أحم غراب أسود، وقال الفرزدق:
(1/261)

إذا ما نزلنا قاتلت عن ظهورِها ... حراجيجُ أمثالِ الأهلة شُسَّف
يقول يقع الغربان على دبرها فتقاتل عن ظهورها، وحراجيج مرفوع لأنها فاعلة ولم يذكر المفعول، شسف يابسة، وقال الأخطل وذكر إبلاً:
إذا كلفوهُنَ الفيافي لم يزل ... غرابٌ على عوجاءٍ منهن أو سَقب
عوجاء اعوجت من الهزال، والسقب الصغير، يقول هن يتقدمن فيقع الغربان على الدبرة منهن والجنين الذي تلقيه، وقال يصف نساءً:
نواعمٌ لم يقظنَ بجُدّ مَقل ... ولم يقذفنَ عن حفّضٍ غرابا
الجد البئر جيدة الموضع من الكلاء، والحفض البعير الذي يحمل عليه القوم متاعهم وكل ردى وسقط من متاع أو غيره فهو حفض، والغراب يقع على البعير الدبر يقول فهن لا يرمين الغراب لأنهن خفرات.

الأبيات في التطير من الغربان
وغيرها
قال المرقش - السدوسي:
ولقد غدوتُ وكنتُ لا ... أغدو على واقٍ وحاتمِ
فإذا الأشائمُ كالأيا ... من والأيامنُ كالأشائمِ
الحاتم الغراب لأنه يحتم بالبين والفراق، وقال عوف بن الخرِع:
(1/262)

ولكني أهجو صفي بن ثابتٍ مثبّجة لاقت من الطيرِ حاتما
والواقي الصرد.
وقال آخر:
وليس بهيّابٍ إذا شدّ رحلَه ... يقولُ عداني اليوم واقٍ وحاتمِ
ولكنه يمضي على ذاك مقدماً ... إذا صدّ عن تلك الهناتِ الخُثارمِ
الخثارم المتطير من الرجال، وأنشد الأصمعي:
وهوّن وجدي إنني لم أكن لهم ... غرابَ شمالٍ ينتفُ الريشَ حاتما
يقال مر له طير شمال أي طير شؤم.
وقال الطرماح:
وجرى بالذي أخاف من البي ... ن لعين ينوض كل مناضِ
صيدحيِ الضحى كأن نساهُ ... حين يحتثُّ رجله في إباضِ
اللعين الغراب، ينوض يذهب، صيدحي في صوته من صدح يصدح، والغراب يوصف بشنج النسا، يقول فهو يحجل إذا مشى كأنه مأبوض والإباض حبل يشد من رسغ البعير إلى مأبضه.
وقال ذو الرمة يصف الغربان:
ومستشحجاتٌ بالفراقِ كأنها ... مثاكيلٌ من صُيابةِ النوبِ نوح
مستشحجاتٌ غربان استُشحجن فشحجن، شبهها بنساء مثاكيل من النوب وصيابة النوب خالصهم يقال فلان من صيابة قومه
(1/263)

أي من صميمهم، وإنما قيل غراب البين لأنه إذا بان أهل الدار للنجعة وقع في موضع بيوتهم يلتمس ويتقمم فتشاءموا به وتطيروا إذا كان يعتري منازلهم إذا بانوا، ويقال إنما سمي غراب البين لأنه بان عن نوح عليه السلام واغترب، وليس شيء مما يزجرونه من الطير والظباء وغيرها أنكد منه ولست تراه محموداً في شيء من الأحوال ويشتقون من اسمه الغُربة.
قال الشاعر:
دعى صردٌ يوماً على غصنٍ شوحطٍ ... وصاحَ بذاتِ البينِ منها غرابُها
فقلتُ أتصريدٌ وشحطٌ وغُربةٌ ... فهذا لعمري نأْيُها واغترابُها
وقال سوار بن المضرب:
تغنى الطائرانِ بنأي سلمى ... على غضنيْن من غَربٍ وبانِ
فكان البانُ أن بانَتْ سليمى ... وبالغربِ اغترابٌ غيرُ دانِ
فزجر في الغرب الغربة كما زجر الآخر في الغراب الاغتراب.
وقال الآخر، وهو جران العود:
جرى يومٌ جئنا بالركابِ نزفّها ... عقابٌ وشحّاج من الطيرِ مَتيْحُ
شحاج غراب، متيح يأتي من كل وجه.
(1/264)

فأما العقابُ فهي منها عقوبةٌ ... وأما الغرابُ فالغريبُ المطرّحُ
فهذا كما ترى وقد زجر في العقاب الشر.
وقال آخر:
وقالوا عقابٌ قلتُ عُقبى من النوى ... دنتْ بعد هجرٍ منهم ونُزوحُ
فزجر - في - العقاب الخير، ثم قال:
وقالوا حمامٌ قلتُ حُمّ لقاؤها ... وعادَ لنا حلو الشبابِ مروحُ
وقالوا تغنّى هدهدٌ فوق بانةٍ ... فقلتُ هدى يغدو به ويروحُ
فالشاعر إن شاء جعل العقاب وإن شاء جعله عقبى خير، وإن شاء جعل الحمام حِماماً وحمَّى وإن شاء قال حم لقاؤها، ولم نرهم زجروا في الغراب شيئاً من الخير، قال الكميت:
وكان اسمُكم لو يزجرُ الطير عائف ... لبينكم طيراً مبينةَ الفالِ
أي اسمكم جذام والزجر فيه الانجذام وهو الانقطاع، وقال يمدح زياداً:
(1/265)

واسمُ امرئ طيرهُ لا الظبي معترضاً ... ولا النغيقُ من الشحاجةِ النُعُبِ
يقول اسمه زياد فالزجر فيه الزيادة، والشحاجة الغربان.
قال الشماخ:
وظلَ غرابُ البيْنِ منقبضَ النسا ... له في ديارِ الجارتيْنِ نغيقُ
أي شنج النسا، وقال العجاج:
نَحي حييّاً بعد ما تلهّفا ... وخالَ جريَ الشاحِجاتِ تَلفا
الشاحجات الغربان أي تطير منها وخالها تُجرى بالتلف، ويقال شحَج الغراب إذا أسن فغلظ صوته.
وقال سلامة بن جندل أو علقمة:
ومن تعرَّضَ للغربان يزجرُها ... على سلامتِه لا بد مشؤومُ
وقال الكميت:
ألِلورُقُ الهواتفُ أم لباك ... عمٍ عمّا يُزَن به غَفولُ
الباكي الغراب يقول يزن أنه ينعب بالفراق وهو غافل عن ذلك، وقال زبّان بن سيار:
(1/266)

تعلَّم أنه لا طيرُ إلا ... على متطيرٍ وهو الثُبورُ
بلى شيء يوافق بعض شيءٍ ... أحاييناً وباطلُه كثيرُ
يقول هذا للنابغة وكان خرج معه للغزو فرأى جرادة فقال تَجرد وذات ألوان، فانصرف متطيراً ومضى زبان فغنم وسلم فلما قفل قال شعراً فيه هذان البيتان، وكانوا لا يأكلون لحم الغراب لإفراط بغضهم له ويعير بعضهم بعضاً بأكله.
وقال وعلة الجرمي:
لهانَ العام ما غيرتمونا ... شِواء الناهضاتِ مع الخبيصِ
فما لحمُ الغرابِ لنا بزادٍ ... ولا سرطانِ أنهارِ البريصِ

الأبيات في سائر ما يتطير منه وما يستدفع به
قال امرؤ القيس:
مرسعةٌ وسطَ أرباعِهِ ... به عسَمٌ يبتغي أرنبا
ليجعلَ في كفِه كعبَها ... حِذارِ المنية أن يعطّبا
كانت العرب في الجاهلية تقول من علّق عليه كعب أرنب لم تصبه عين ولا نفس ولا سحر وكانت عليه واقية من الجن لأن الجن تهرب منها للحيض ولا تمتطيها، وقال عروة بن الورد:
(1/267)

وكانوا إذا دخل أحدهم قرية خاف منالجن أهلها أو من وباء الحاضرة أشد الخوف إلا أن يقف على باب القرية فيعشر كما يعشّر الحمار في نهيقه ويعلق عليه كعب أرنب، وقال آخر:
ولا ينفعُ التعشيرُ في بابِ قريةٍ ... ولا دعدعٌ يغني ولا كعبُ أرنبِ
دعدع كلمة تقال عند العِثار، وقالت امرأة يهودية:
وليس لوالدةٍ نفثها ... ولا قولها لابنها دعدعِ
فربكَ يحدث أحواله ... وربكَ أعلمُ بالمَصرعِ
وقال آخر:
هل ينفعنَكَ اليوم إن همَّتْ بهم ... كثرةٌ ما توصى وتَعقاد الرَتَمِ
الرتم شجر وكان الرجل إذا خرج في سفر عمد إلى هذا الشجر فعقد بعض أغصانه ببعض فإذا رجع من سفره وأصابه على تلك الحال قال لم تخني امرأتي وإن أصابه قد انحلّ قال خانتني، وأنشد:
إلى سنا نار وقودها الرتم
وهذا من فعلهم كالزجر، وقال آخر:
يزيلُ على غِرّاتِ أشوسٍ يتَّقى ... يرى الطيرَ لو يحزو له الطيرَ عائف
(1/268)

يقول يرى الطير تجري له بما بيني وبينها لو يجزو له الطير عائف من نفسه لعرف ذاك، ويحزو يزجر هو الحازي، والعائف، وكان أصل التطير في الطير وكذلك الزجر بأصواتها وعددها والتفلّي والتنتف ثم صاروا إذا عاينوا الأعور والأعضب والأبتر زجروا، وزجروا بالسنوح والبروح، وقال رؤبة:
يشقى بيَ الغيران حتى أحسبا ... سيداً مغيراً أو لَياحاً مُغرَبا
يقول يخافني الغيران على حرمته كما يُخاف الذئب على الغنم، واللياح الثور الأبيض، وكانوا يتشاءمون بالمغرب الذي تبيض أشفاره، يقول لا يقدر على النظر إليّ، وقال أيضاً:
قد علمَ المرْهِيئون الحمقا ... ومن تحزَّى عاطساً وطَرقا
أن لا نُبالي إذ بدرْنا الشرقا ... أيومَ نحسٍ أم يكونُ طَلقا
المرهيئون المهيئون يقال جاء بشهادة مُرَهْيَأة، والتحزي التكهن، وكان يتطيرون بالعطاس والطَرق، والطرق طرق الحصى والتخطيط بالأصابع، يقول إذا غدونا غدوة فبدرنا الشرق لم نتطير، والطلق السهل، ومنه يقال طلق اليدين.
(1/269)

وقال الهذلي - ربيعة بن الجحدر:
وخَرقٌ إذا وجّهتَ فيه لغزوةٍ ... مضيتُ ولم تحسبكَ عنه الكَوادسُ
الكوادس العواطس، يقال كدس إذا عطَس.
وقال امرؤ القيس:
وقد اغتدى قبل العطاس بهيكل
أي قبل أن ينتبه إنسان فيعطس فأتطير منه، وقال الكميت وذكر الصائد والثور:
فتماري بنبأةٍ من خفي ... بين حِقفيْنِ كلّفته البكورا
عطسةُ العائفِ الذي بمناهٍ ... حِسبَ الفألِ فألُها المزجورا
النبأة الصوت الخفي، والخفي الصائد، والحقف ما اعوج من الرمل، والعطسة كلفت الصائد زجر الفأل على مناه فقال: لأصيبن خيراً اليوم فبكّر.
وقال العجاج:
قالت سليمى لي مع الضوارسِ ... يا أيها الراجمُ رجم الحادِسِ
بالنفس بين اللُجَم العواطسِ
(1/270)

هذا مثل، كانوا يتطيرون من العطاس فإذا عطس العاطس قالوا قد ألجمه، كأن العطسة تلجمه عن حاجته.
وقال ابن الأعرابي، يقال عطست فلاناً اللجم، أي أصابه الهلاك الذي تُطيِّر له به فمات، قال واللجم دوبية صغيرة.
وقال رؤبة:
ولا أبالي اللَجم العَطوسا
وقال آخر:
إنا أناسٌ لا تزال جزورُنا ... لها لجم عند المباءةِ عاطسُ
يريد أنا ننحرها فكأن اللجم عطس لها فأسابها الهلاك.
وقال طرفة:
لعمري لقد مرَتْ عواطسٌ جمّةٌ ... ومر قُبيل الصبحِ ظبيٌ مصمَّعُ
عواطس أشياء عطست يتشاءم بها، والظبي أيضاً يتشاءم به، مصمع صمعت أذنه أي صغرت والأذن الصمعاء الصغيرة، ويروي مصمع أي ذاهب مسرع، يقال صمّع إذا عدا.
وعجزاً دفَّت بالجناحِ كأنها ... مع الفجرِ شيخٌ في بجادٍ مقنَّعُ
(1/271)

عقاب جعلها عجزاء لبياض عجزها، دفت ضربت بجناحها، يجاد كساء والعقاب يتشاءم بها أيضاً.
فلن تمنعي رزقاً لعبدٍ يصيبُه ... ولن تدفعي بؤسي وما يتوقَّعُ
وقال ذو الرمة:
جرى أدعَجُ الروقيْنِ والعين واصح ال ... قرى الخديْنِ بالبيْنِ بارحُ
بتفريقِ طيّاتِ تُياسِرْنَ قلبُه ... وشق العصا من عاجلِ البيْنِ قادحُ
يعني ثوراً جرى بالفراق وهم يتشاءمون به، أدعج الروق أسوده، واضح القرى أبيضه، والسُفعة في الخد كل لون يخالف سائر لونه، تياسرن قلبه اقتسمن قلبه من الميسر والميسر الجزور نفسه، والقادح أكل يقع في العصا، بارح جرى من يساره وكانوا يتشاءمون بالبارح، وقال الرياشي الشعراء المتقدمون كانوا يتشاءمون بالسانح، وأنشد ابن قميئة:
وأشأم طير الزاجرين سنيحها
وهذيل تتشاءم بالسانح، قال أبو ذؤيب:
أرِبتُ لإربته فانطلقْتُ ... أزجي لحبِ الإيابِ السنيحا
قوله أربت لإربته أي كانت لي حاجة في حاجته فمضيت معه،
(1/272)

أزجي أدفع عني الطير، يقول مضيت معه لا أتطير من السنيح فذاك إزجاؤه، يقول كنت ذا إربة في الغزو كإربة صاحبي والإربة الحاجة، فذكرت له بيت أبي داود يصف الحمار والأتان:
قلتُ لما نَصلا من قنةٍ ... كذبَ العيرُ وإن كان برَحَ
وقلت إنهم كانوا يفسرونه بأن الحمار جرى بارحاً بحرمان الصيد فقال أبو داود كذب فيما صنع يعني من البروح ولكني سأصيده، فقال بل أراد أن العير جرى لنفسه بارحاً كأنه تيمن بالبروح ورجا السلامة وكذب فيما قدّر لأني سأصيده، وقال زهير وذكر الظباء:
جرت سُنحاً فقلتُ لها: أُجيزي ... نوى مشمولة فمتى اللقاءُ
أجيزي أي مرّي يقال جاز وأجاز إذا ذهب، نوى مشمولة أي ليست على القصد كأنه أخذ بها نحو الشمال، ويقال في مشمولة إنها من الريح الشمال والعرب تتشاءم بها لأنها تفرق السحاب، والقول هو الأول ألا ترى الهذلي يقول:
زجرتُ لها طيرَ الشمالِ فإن يكنْ ... هواكَ الذي تهوي يصيبكَ اجتنابُها
وقال كثير:
أقولُ إذا ما الطيرُ مرّت مُخيفةً ... سوانحُها تجري وما أستثيرُها
فدتكَ ابن ليلى ناقتي حدث الردي ... وراكبها إن كان كون وكُورها
(1/273)

مخيفة ومخيلة أي موهمة، يقول لا أزجرها لآثيرها ثقة بك وعلماً بأنك لا تأتي ما أكره وإن جرت السوانح به، وقال الكميت يصف قومه:
وفي نهاوند قد حلوا بمغتفِر ... زجر البوارح بالإيمان والنُعب
بمغتفر كأنهم غفروا زجر الظباء والغربان أي لم يعملوا به وأبطلوه ومضوا على الإيمان والتوكل، يريد أنهم مؤمنون لا يتطيرون.
وقال كثير وذكر خطة:
غموم لطير الزاجريها أريبة ... إذا حاولت ضر الذي الضغن ضَرّت
غموم أي غامرة للزجر تشكل عليهم ولا يقدر زجر الطير.
وقال ابن أحمر:
ألا قلّ خير الدهر كيف تغيرا ... فأصبح يرمي الناس عن قرن أعفَرَا
يقول كأنما يرميهم عن قرن غزال والغزال يتشاءم به.
وقال أيضاً:
زجرت لها طيراً فيزجر صاحبي ... وأقول هذا أزائد لم يحمَد
(1/274)

لم يحمد لم يأت موضعاً محموداً.
آخر:
قامتْ تباكي لأن مرّتْ بنا أصُلاً ... بجانبِ الدَوّ أسرابٌ من العينِ
قالت أبو مالكٍ أمسي ببلقعةٍ ... تسفي الرياحُ عليه غير مدفونِ
فبيَّنتُ صدقَ ما قالت وما نطقتْ ... وصاحبُ الدهرِ في خفضٍ وفي لينِ
هذه امرأة مرت بها ظباء فتشاءمت بها فقالت لعل أبا مالك أمسى في هذه الحال، ثم جاءها الخبر عنه بنحو مما خافت فقال فبينت صدق ما قالت، وصاحب الدهر في خفض في اتضاع مرة وفي لين أي في خير مرة أخرى.
وقال الفرزدق لناقته:
إذا قطنا بلغتِنيه ابن مدركٍ ... فلاقيتِ من طيرِ الأشائمِ أخيَلا
الأخيل الشِقِرّاق وهو يتشاءم به ويقال بعير مخيول إذا وقع الأخيل على عجزه فقطعه.
وقال هو أو جرير:
(1/275)

ويقطع أضعاف المتون أخايله
أراد - إذا - أنتِ بلغتني هذا الممدوح لم أُبَل بهلكك كما قال ذو الرمة:
إذا ابنَ أبي موسى بِلالا بلغتِه ... فقامَ بفاسٍ بين وِصليكَ جازِرُ
وكما قال الشماخ:
إذا بلغتِني وحملت رحلي ... عرابةَ فاشرَقي بدمِ الوتينِ
وقال كعب بن زهير:
فما نلتني غدراً ولكن صبحتنا ... غداةَ التقيْنا في المضيقِ بأخيلِ
أي لقيتنا بشؤم كالأخيل، وقال الأعشى:
انظر إلى كفٍّ وأسرارَها ... هل أنتَ إن أوعدتني ضائري
الأسرار خطوط الكف وكانوا ينظرون إليها فيستدلون بها وقال الكميت:
وانظُر إلى أسراِ ك ... فٍ أجمٍ مقلومِ الأظافرِ
الأجم الذي لا سلاح معه، وكذلك المقلوم الأظافر وإنما يريد نفسه أي انظر إلى أسرار كفك فإنه أجم مقلوم الأظافر
(1/276)

فهل تقدر لي على ضر.
وقال جرير:
وما كانَ ذو شَغبٍ يمارسُ عيضا ... فينظُر في كفَّيْه إلا تندُّما
العيض الغيضة، شبه حسبهم به فينظر في كفيه يقول إذا تعيّف فنظر في كفيه علم أنه لاق شراً.

الأبيات في العُقاب
قال أبو كبير:
ولقد غدوْتُ وصاحبي وحشية ... تحت الرداءِ بصيرةٌ بالمشرفِ
حتى انتهيتُ إلى فراشِ عزيزةٍ ... سوداءِ روثةٍ أنفها كالمِخصفِ
وحشية يريدها ريحاً، عزيزة يعني عش العقاب، والمخصف المِخرز، وقال طفيل:
تبيتُ كعقبانِ الشُريّفِ رجالهُ ... إذا ما نووا إحداثَ أمرٍ معطِّبِ
أي تبيت الرجال معدة للغدوّ كما تبيت هذه العقبان، معطب مهلك، وقال الشماخ وذكر الحمير:
كأن متونهُنَ مولِّياتٍ ... عصيّ جناحٍ طالبة لَموعِ
عصي أصول الريش شبه متونهن في استوائها وانملاسها بقصب
(1/277)

الريش وذلك لأن في متونهن خطوطاً سوداً، طالبة يعني عقاباً، لموع تلمع بجناحها.
فما تنفكُ حول عويرضاتٍ ... تجرّ برأسِ عِكرِشةٍ زموعِ
العكرشة الأرنب الأنثى، والذكر خُزَز، زموع يقال مسرعة في عدوها ويقال زموع تطأ على زمعاتها وهي مواضع الثنن من الدواب وذلك هو التوبير وإنما تفعله لئلا يعرف أثرها.
تطارد سِيدَ غاباتٍ ويوماً ... تطاردُ سيدَ قاراتِ الجموعِ
يقول هذه العقاب تطارد الذئاب وذلك لأنها تقع على القتلى والذئاب عليها.
وقال يذكر وكر العقاب:
ترى قطعاً من الأحناشِ فيه ... جماجمهن كالخَشْلِ النزيعِ
الأحناش الحيات واحدها حنش، والخشل المقْل الواحدة خشلة، وروي عن الأصمعي أنه قال الخشل ما انكسر من رؤوس الأسورة والخلاخيل شبه رؤوس الحيات به.
وقال المسيب بن علَس:
أنتَ الوفي بما تُذِم وبعضهم ... يودي بدمتهِ عقابُ ملاعِ
تذم تعطي من الذمة، ملاع يقال امتلعه إذا اختلسه، أخرجه مخرج
(1/278)

حذار أي كأن ذمته طارت بها عقاب.
ومثله - لامرئ القيس:
كأنّ بني شيْبان أودَت بجارُهم ... عقاب تَنَوفا لا عقاب القَواعلِ
تنوفا ثنية مشرقة والقواعل ثنايا صغار، وقال عمرو بن معدي كرب يصف خيلا ً:
بساهمةٍ خصبْنَ بجادياتٍ ... سوابقهن كالحِداء الشحاحِ
شحّت أن يسبقها شيء، والحدأ جمع حدأة، وقال جران العود:
عقاب عقنباة كأن وظيفها ... وخرطومها الأعلى بنار ملوَّحَ
عقنباة سريعة الخطفة، خرطومها منسرها، ووظيفها ساقها، أراد أنهما أسودان، وقال امرؤ القيس يصف فرساً:
كأني بفتخاءِ الجناحيْنِ لقوةٍ ... صيودٍ من العقبان طأطأت شيمالي
كأن قلوبَ الطيرِ طباً ويابساً ... لدى وكرِها العنابِ والحشفِ البالي
يقول كأني بطأطأتي هذه طأطأت فتخاء وهي العقاب سميت
(1/279)

بذلك لفتخ في جناحها والفتخ اللين إذا انقضت، وشيمال وشملال خفيفة. قال أبو عبيدة أُراه أراد شمالي فزاد ياء كما قالوا:
من يانع الثيمار
أراد الثمار، ويقال فلان يطأطئي في ما له أي يسرع، والقلوب أطيب ما في الطير فهي تأتي به فراخها.
وقال الأعشي وذكر فرسه:
وكأنما تبعُ الصوارِ بشخصِها ... عجزاً ترزُق بالسُلّيّ عِيالها
أي كأنما تبع الصوار حين تبعته الفرس عقاب، وعجزاء في أصل ذنبها بياض، أبو عبيدة: عجزاء شديدة الدابرتين، والسلي واد دون حجر، وعيالها فراخها.
وقال أبو خداش الهذلي:
كأني إذ غدوا ضمَّنتُ بزي ... من العقبانِ خائِتَة طَلوبا
بزي سلاحي، يقول كأن ثيابي حين غدوت على عقاب من سرعتي، خائتة تسمع لجناحها صوتاً إذا انقضّت.
جريمةُ ناهضٍ في رأس نيقٍ ... ترى لعظامٍ ما جمَّعت صليبا
جريمة كاسبة، يقال فلان جارم أهله أي كاسبهم، ناهض فرخ،
(1/280)

قال الله عز وجل " لا يجر منّكم شنآن قوم " أي لا يكسبكم، والصليب الودك ولهذا مصلوب أي يسيل ودكه.
رأتْ قنصاً على فوتٍ فضمّت ... إلى حيزومها ريشاً رَطيبا
على فوت أي كاد الصيد يفوتها، الرطيب الناعم، والحيزوم الصدر، أي كسرت جناحها لتنقضّ حين رأت الصيد.
فلاقتْه ببلقعةٍ بَراحٍ ... فصادمَ بين عينيْه الجَبوبا
أي رفعته ثم أرسلته فصادم الجبوب أي الأرض.
وقال آخر يصف فرساً:
هو سِمع إذا تمَطر مشياً ... وعقابٌ يحثّها عِسبارُ
السمع ولد الذئب من الضبع، والعسبار ولد الضبع من الذئب، وقوله وعقاب يحثها عسبار يريد أن العسبار يسرع في عدوه فتسرع العقاب في طلبه فكأنه هو حثها.
وقال ابن كُنَاسة يصف فرساً:
كالعقابِ الطلوبِ يضربُها الطلُّ ... وقد صوّبتُ على عِسبارِ
وقول الهذلي:
فلو أن أمي لم تلدني لحلّقتْ ... بي المُغرِب العنقاء عند أخي كلبِ
قال بعضهم العنقاء المغرب لأنها تأتي من مكان بعيد
(1/281)

وكانت أمه كلبية فأسره رجل من كلب أراد قتله فلما انتسب له خلي سبيله، وقوله لحلقت بي المغرب أي هلكت كما يقال شالت نعامته.
وقال أبو ذؤيب:
فألقى غِمدَه وهوى إليهم ... كما تنقضُّ خائتة طَلوبِ
خائتة منقضة يقال سمعت خَوَات القوم أي أصواتهم وخوات العقاب أي انقضاضها وسمي الرجل خَواتاً من ذلك وأنشد:
يخوتون أولى القوم خوت الأجادل
موقّفة القوادمِ والذنابي ... كأن سراتَها اللبنِ الحليبِ
يقول في قوادمها وذنبها بياض وظهرها أبيض وهي شر العقبان، والخالصة هي الخُدارية وهي السوداء وخدر الليل سواده، وأنشد الأصمعي:
لها ناهضٌ في الوكرِ قد مهّدتْ له ... كما مَهدتْ للبعلِ حسناً عاقرُ
العاقر أشد تصنعاً للزوج وأحفى به لا ولد لها تدل به ولا يشغلها عنه، وقال الهذلي وذكر فرخي عقاب فقدا أمهما:
فُريخيْنِ ينضاعان في الفجرِ كلما ... أحسَّا دويّ الريحِ أو صوتَ ناعبِ
ينضاعان يتحركان ومنه تضوع المسك كأنه تحركه، في الفجر لأنه وقت حركة الطير.
(1/282)

الأبيات في النسر
قال النابغة:
إذا ما غزا بالجيشِ حَلَق فوقه ... عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائبِ
قال: النسور والعقبان والرخم تتبع العساكر تنتظر القتلى لتقع عليهم فإذا لم تحم النسور على الجيش ظنوا أنه لا يكون قتال.
جوانحٌ قد أيقنّ أن قبيلة ... إذا ما التقى الجمعانِ أول غالبِ
وهذا إسراف في القول:
يصانعنهم حتى يُغرنَ مُغارهم ... من الضارياتِ بالدماءِ الدواربِ
قوله يصانعنهم يقول النسور تسير معهم فلا تؤذي دابة ولا تقع على دبرة فهذا مصانعتها لهم، والدوارب المعتادة من الدربة وهي الضراوة.
تراهُنَ خلفَ القومِ زُوراً عيونها ... جلوسَ الشيوخِ في مُسوك الأرانبِ
الشيوخ ألزم للفراء لرقتهم على البرد والأرانب لينة المس، قالت امرأة في زوجها " المسّ مسّ أرنب ".
(1/283)

قال الأصمعي " في ثياب المرانب " وهي ثياب يقال لها المرنبانية إلى السواد ما هي، شبه ألوان النسور بها.
لهنَّ عليهم عادةٌ قد علمنها ... إذا عرَضَ الخَطيّ فوق الكواثبِ
الكاثبة من المنسج أمام القَرَبوس يقول إذا عرضت الرماح على الكواثب علمت النسور أن ذلك لرزق يساق إليها، وقالت الهذلية تذكر قتيلاً:
تمشي النسورُ إليه وهي لاهيةٌ ... مشي العذارى عليهن الجلابيبُ
تقول النسور في خلاء ليس فيه شيء يذعرها فهي آمنة لا تعجل، وقال الجعدي وذكر قتيلاً:
تَوهّن فيه المضرِحية بعدما ... رويْنَ نجيعاً من دمِ الجوفِ أحمرا
توهن يريد تثقل من كثرة أكلها فلا تقدر على النهوض فتصير كالمَوهون، والمضرحية العتيق النجار وأراد النسور ويقال رجل مضرحي أي عتيق النجار، وقال أبو خراش وذكر سيفاً:
به أدع الكمي على يديْه ... يخرّ تخاله نسراً قَشيبا
قشيب خلط له السم بطعم، يقال قشب له إذا خلط له السم ليصاد به، ومثله لطفيل:
(1/284)

كساها رطيبُ الريشِ من كل ناهضٍ ... إلى وكره وكل جونٍ مُقَشّبِ
المقشب نسر جعل له القشب في الجيف ليصاد، ناهض حديث السن وفيه غبرة، والجون الأسود وإذا كبرت سنه ود، وقال ساعدة:
أريُ الجَوارسَ في ذؤابة مِشرفٍ ... فيه النسورُ كاتحبّي المَوكبِ
يقول قد نزلت النسور فيه لوُعورته فكأنها موكب قعدوا محتبين مطمئنين، يعني ركباً.

الأبيات في البازي والصقر
قال أبو وجزة يذكر بازياً:
وخائفٌ لحِماً شاكاً براثنه ... كأنه قاطمُ وَقفيْنِ من عاجِ
القطم العض بمقدم الأسنان، والوقف السوار، والعاج الذبل ويقال أنه ظهر السلحفاة البحرية، وقال ذو الرمة يذكر الحمير في عدوها:
كأنهنَ خوافي أجدل قرمٍ ... ولّى ليسبُقَه بالأمعزِ الخرَبُ
الأجدل الصقر، والخرب الذكر من الحباري، والخوافي ما كان
(1/285)

من ريشه دون الريشات العشر اللواتي يكن في مقدم الجناح، والقرم الذي يشتهي اللحم، أراد: ولي الخرب ليسبق الأجدل، شبّه سرعتهن بسرعة هذا الصقر القرم حين ولى الخرب ليسبقه فطلبه.
وقال أيضاً:
كما نَفَضَ الأشباحَ بالطرفِ غدوة ... من الطيرِ أقني أشهل العين واقعُ
يقال: انفض الأرض أي انظر هل ترى فيها عدوّاً أو صيداً، أقنى في أنفه قنا، وقال الراعي يصف البازي:
مملمٌ كمُدقّ الهضبِ منصلتٍ ... إذا تفرّقنَ عنه وهو مندفعُ
يسبقنَ بالقصدِ والإيغالِ كرّته ... ولا يكادُ إذا ما فاتَ رتجعُ
يقول إذا حمل البازي فجاوزهن قصدن وحمل هو فأخطأ فمضى، يقول إذا مضى مضيّه لم يكد يرجع من شدة حمله وكذلك البازي:
وظل بالحزنِ لا يَصري أرانبه ... من حدِ أظفارِه الجُحرانُ والقَلَعُ
الجحران الجِحرة والقلع جمع قلعة وهو البل، لا يصري لا ينجي.
وقال أبو النجم وذكر راعي الإبل:
صُلب العصا جافٌ عن التغزلِ ... كالصقرِ يجفو عن طِراد الدُّخْلِ
يقول لا يحسن مغازلة النساء يجفو عن ذلك كما يجفو الصقر عن صيد الدخل، هو ابن تمرة. وقال عنتر وذكر فرساً:
(1/286)

كأنه بازٌ دَجْنٌ فوق مرقبةٍ ... جلّى القطا فهو ضارٌ سملقٌ سَنِقُ
البازي يوم الدجن وهو يوم إلباس الغيم أشد طلباً للصيد، ضار سملق أي معتاد للصيد في السملق وهو الصحراء، سنق بشم.
وقال المرار:
تأملَ ما تقولُ وكتُ قِدماً ... قُطامياً تأمله قليلُ
القطامي الصقر وهو يكتفي بنظرة واحدة.
وقال العجاج:
يقلبُ أولاهنَ لطَم الأعسرِ ... قلبَ الخراساني فروَ المفتري
المفتري اللابس الفرو، شبّه جناحي البازي بكميه إذا خلع فروه.
وقال يذكر بازياً:
(1/287)

بحِجناتٍ يتثقّبن البُهَر ... كأنما يمزّقنَ باللحم الحوَرِ
حجنات مخالب معقفة يقال ناب حجن إذا كان معوجاً، يتثقبن يثقبن، البهر جمع بهرة وهي الوسط، يمزقن يشققن، والحور جلود تدبغ بغير القرظ وهي لينة، يقول كأنما تمزق هذه المخالب مزقهن اللحم الحور، يريد أنها تسرع تمزيقه.
وقال رؤبة:
لما رأتني راضياً بالإهمادِ ... كالكُرّزِ المربوطِ بين الأوتادِ
الإهماد السكون ولزوم البيت، وهو في موضع آخر سرعة السير وهذا حرف من الأضداد.
قال الراجز - ويروى لرؤبة أيضاً:
ما كان إلا طَلَقُ الإهمادِ ... وجذبُنا بالأغرُبِ الجيادِ
والكرز بالفارسية الحاذق المجرب يقال له كره فعرب وأراد البازي الذي قد شُد لئلا يطير حتى يسقط ريشه.
وقال أيضاً:
البُوه تحت الظلة المرشوش
البوه طائر مثل البومة فيقول كأني طائر قد تمرط ريشه من الكبر فرشّ عليها الماء بالفم ليكون أسرع لنبات ريشه وإنما يفعل هذا بالصقورة خاصة.
وقال امرؤ القيس:
(1/288)

يا هند لا تنكحي بوهة
يقال أنه أراد هذا الطائر شبه الرجل الجاهل به، وقال كثير:
فما زلتم بالناس حتى كأنهم ... من الخوف طير أخذأتها الأجادل
أخذأتها أذلتها ياقل أخذأت فلاناً أي ذللته، والأجادل الصقور. قال رؤبة:
إذا تعرّقْنا لحاءِ العظمِ ... أريت عينيْه غَرام الغُرمِ
واضطرَّه من أيمني وشؤمي ... صرة صرصارِ العتاق القُتمِ
تعرقنا لحاء العظم يريد بلغنا الغاية كما تقول بلغ السكين العظم، أريت عينيْه غَرام الغُرمِ أي الغمرة، تقول العرب للذي يرى ما يكره رأي العمى، والصرة صوت الصقر، يقول اضطره هذا الوقع مني إلى ما يكره، والأقتم في لونه، أنشد ابن الأعرابي:
إليكَ أشكو لزَبابٍ مغلقٍ ... وحادياً كالشّيذقانِ الأزرقِ
يريد الصقر، وقال أبو خراش:
ولا أمغر الساقينِ ظلَّ كأنه ... على محزئلاّتِ الأكام نصيلُ
يعني الصقر وما ارتفع فقد أحزأل، والنصيل الحجر قدر الذراع ونحوه، وقال زهير وذكر صقراً:
ثم استمر فأوفى رأس مَرقبة
(1/289)

الأبيات في الرخم
قال الكميت:
وذات اسميْنِ والألوانِ شتى ... تُحمق وهي كيِّسة الحَويل
ذات اسمين يريد أنها تسمى رخمة وأنوقا، والحويل الحيلة، قال المفضل الضبي، قلت لمحمد بن سهل راوية الكميت ما معنى هذا البيت؟ وأي كيس عند الرخمة؟ ونحن لا نعرف طائراً ألأم لؤماً ولا أقذر طعمة ولا أظهر موقاً منها، فقال محمد وما حمقها؟ وهي تحفظ فرخها وموضع بيضها وطلب طعمها واختيارها لبيضها من المواضع ما لا يبلغه سبع ولا طائر وهي تحضن بيضها وتحمي فراخها وتحب ولدها ولا تمكن إلا زوجها وتقطع في أول القواطع وترجع في أول الرواجع ولا تطير في التحسير ولا تغتر بالشكر ولا تُرِبّ بالوكور ولا تسقط على الجفير، أما قوله تقطع في أول القواطع وترجع في أول الرواجع فإن القُناص إنما يطلبون الطير بعد أن يعلموا أن القواطع قد قطعت فتقطع الرخمة ويستدلون بها فتنجو سالمة إذ كانت أول طالع عليهم، وأما قوله ولا ترب بالوكور فإنه يقول الوكر لا - يكون - إلا في عرض الجبل وهي لا ترضى إلا بأعالي الهضاب حيث لا يبلغه أحد، قال أبو نوفل:
من الطير المرِّبة بالوكور
يقال أرب بالمكان إذا لزمه، وأما قوله ولا تغتر بالشكر فإنه أراد
(1/290)

أنها تدع الطيران أيام التحسير فإذا نبت الشكير وهو أول ما ينبت من الريش لم تتحامل به حتى يصير الشكير قصباً، والجفير الجعبة، يقول لا تسقط في موضع تراها فيه لأنها تعلم أن فيها سهاماً، وقال الكميت:
لا تجعلوني في رجائي ودّكم ... كراجٍ عن بيضِ الأنوقِ احتبالها
يقول لا تجعلوني كمن رجا ما لا يكون، احتبالها صيدها بالحبالة فقد رجا ما لا يكون، وقال الأعشى:
يا رخماً قاظَ على ينكوبٍ ... يُعجِّل كفُ الخارئ المُطيبِ
المطيب الذي يستطيب أي يستنجي تعجله عن الاستنجاء لأنها تأكل العذرة، وقال آخر:
حتى إذا أضحى تدرَّى واكتَحَلَ ... بجارتيْه ثم ولَّى فنثَلَ
رزق الأنوقين القرنَبي والجَعَلَ
أي نثل رزقاً لها يعني العذرة وهي تقتاتها.
وقال الأنوقين والأنوق الرخمة، ثم فسرهما فقال القرنبي والجعل
(1/291)

وليس يسمى القنبي ولا الجعل أنوقاً ولكنه سماهما أنوقين لأنهما يأكلان العذرة كما تأكله الرخمة.
وقال الكميت يهجو رجلاً:
أنشأت تنطقُ في الأمو ... رِ كوافدِ الرَّخَم الدوائرِ
إذ قيلَ يا رخم انطقي ... في الطيرِ إنكِ شرُّ طائرِ
فأتتْ بما هي أهلُه ... والعِيُّ من شَللِ المُحاورِ
الدوائر التي تدور إذا حلقت، وقوله: إذ قيل يا رخم انطقي أراد قول الناس إنك من طير الله فانطقي، وصير العيّ كالشلل.

الأبيات في الحباري
قال أبو الأسود:
وزيد ميتٍ كمد الحباري ... إذا ظعنت هُبَيدة أو مُلمُّ
يقال في مثل " مات فلان كمد الحباري " والحباري إذا تحسرت وألقت ريشها مع إلقاء الطير ريشه أبطأ نبات ريشها فإذا طار الطير ورامت هي الطيران فلم تقدر ماتت كمداً، وملم مقارب للموت.
وقال الراعي:
حلفَتْ لهم لا تحسبونَ شتيمتي ... بعيني حباري في حبالةِ مُعزِبِ
رأتْ رجلاً يسعى إليها لحملقَتْ ... إله بمأقي عينِها المتقلبِ
(1/292)

المعزب الصائد لأنه لا يأوي إلى أهله، حملقت قلّبت حملاق عينها.
والمعنى أن شتمكم إياي لا يذهب باطلاً فأكون بمنزلة الحباري التي لا حيلة عندها إذا وقعت في الحبالة إلا تقليب عينيها وهي من أذل الطير، ونحو منه قول الكميت:
وعيد الحباري من بعيدٍ تنفَّست ... لأزرقٍ معلولِ الأظافرِ بالخَضبِ
وقال الراعي:
تنوشُ برجليْها وقد بلَّ ريشُها ... رشاش كغسلِ الوفرةِ المتصبّبِ
تنوشُ برجليْها أي تضرب بهما، والغسل الخطمي يريد سلحت على ريشها، ويقال في المثل " أسلح من حباري " ولها خزاية بين دبرها وأمعائها لها فيها سلح رقيق لزج فمتى ألح عليها الصقر سلحت عليه فصار كالدبق في جناحه وبقي كالمنتوف فعند ذلك تجتمع الحباريات عليه فينتفن ريشه كله وفي ذلك هلاكه.
وقال الشاعر:
وهم تركوكَ أسلح من حباري ... وهم تركوكَ أشرد من نعامِ
وقال متمم بن نويرة:
(1/293)

وأرملةٌ تمشي بأشعثٍ مُحثَلٍ ... كفرخ الحباري رأسُه قد تصوَّعا
محثل صبي قد أسيء غذاؤه وشبهه بفرخ الحباري لأنه قبيح المنظر منتف الريش. آخر:
وكل شيءٍ قد يحب ولدَه ... حتى الباري فتطير عَنَدَهُ
الحباري يضرب بها المثل في الموق قال فهي على موقها تعلم ولدها الطيران وإذا أرادت أن تعلمه ذلك طارت يمنة ويسرة وهو ينظر ليتعلم، وقوم يظنون أن الكروان ابن الحباري لقول الشاعر:
ألم ترَ أن التَّمر بالزبدِ طيبٌ ... وأن الحباري خالةُ الكروانِ
والعرب تقول:
أطرقُ كراً أطرقُ كرا ... إن النعامَ في القرى
كراً ترخيم كروان تقلب الواو ألفاً لانفتاحها وانفتاح ما قبلها وكذلك ترخيم قطوان تقول يا قطا أقبل، وهذا مثل يضرب للرجل الحقير الصغير القد يتكلم في الأمر الذي غيره أولى بالكلام فيه فيقال " أمسك فقد جاء من هو أكبر منك وأولى بالقول " والكروان أيضاً سلاح، قال بعض بن أسد لمصدق:
يا كرواناً صُكّ فاكَبأَنا ... فشن بالسلعِ فلما شنّا
(1/294)

بل الذّنابي عبساً مُبِنّا
أصل العبس البعر، فأراد سلحه، مبناً له بنّة أي رائحة.

الأبيات في المكّاء
قال ذو الرمة وذكر يبس البقل:
وظل للاعَيس المزجي نواهضُه ... في نفنفِ اللوحِ تصويبُ وتصعيدُ
الأعيس يريد المكاء في لونه، يزجي يسوق فراخه لتنهض وإنما يكون هذا عند يبس البقل.
وقال أيضاً في مثل هذا:
ولم يبقَ من منقاضِ رُقشٍ توائمٍ ... من الزغبِ أولادِ المكاكي واحدُ
منقاض موضع انقياض البيض، رقش يعني بيضه، توائم أزواج لسن بأفراد، والزغب الفراخ يقول استقللن فطرن في هذا الوقت والمكاء يذكر في الزمان الذي تسميه العوام الربيع وهو الوقت الذي تصوت - فيه - وتسافد، قال:
كأن مكاكيّ الجواء غدية ... نشاوى تساقوا بالرياحِ المفلفلِ
أراد بالرياح الراح فزاد ياء، شبهها بنشاوى لكثرة أصواتها وغنائها.
وقال آخر:
(1/295)

إذا غرَّدَ المكاءُ في غيرِ روضةٍ ... فويلٌ لأهل الشاءِ والحُمُراتِ
يقول إذا أجدب الزمان ولم يكن روضة يغرد فيها فغرد في غير روضة فويل لأهل الشاء.
وقال كثير يذكر ناقة:
تمطو الجديلَ إذا المكاكي بادرتْ ... جُحل الضبابِ محافر الأدحالِ
يقول يدخل المكاء جحر الضب لشدة الحر، جُحل جمع جهل وهو العظيم من الضباب والأدحال جمع دحل وهو الغار.

الأبيات في الحمام وغيرها من الطير
قال ذو الرمة:
أرى ناقتي عند المحصَّبِ شاقها ... رواحُ اليماني والهديلُ المرجّعُ
أي نفر اليمانية ينصرفون، والهديل هاهنا أصوات الحمام، أراد أنها ذكرت الطير في أهلها فحنت إليهم.
وقال جران العود:
كأن الهديلَ الظالعَ الرجلِ وسطها ... من البغي شَريب بغزة منزَفِ
(1/296)

الهديل هاهنا الفرخ بعينه، والشريب الكثير الشرب، وقال الكميت لقضاعة في تحولهم إلى اليمين:
وما مَن تهتفينَ به لنصرٍ ... بأقربِ جابةٍ لك من هَديلِ
العرب تقول كان في سفينة نوح فرخ فلما دف طار فوقع في البحر فغرق الطير فالطير كلها تبكي عليه، قال:
يبكي بقارعة الطريق هَديلا
جابة إجابة ويقال في المثل " أساء سمعاً فأساء جابة ".
وقال ابن مقبل:
في ظهر مَرتْ عساقيلُ السرابِ به ... كأن وَغرَ قطاه وَغرَ حادينا
أصواتُ نسوانٍ أنباط بمصنعةٍ ... يجّدن للنَّوحِ واجتنَبْنَ التبابينا
يجدن لبسن البُجُد، شبه أصوات قطاه لكثرتها بأصوات حُداة. وشبه أصوات الحمام بأصوات نساء من النبط مثاكيل.
وقال جران العود:
واستقبلوا وادياً صوت الحمام به ... كأنه صوت أنباط مثاكيل
ثم ذكر موضع المصنعة فقال:
(1/297)

في مشرفٍ ليط ليّاق البلاطِ به ... كانت بشاشتهُ مُهدَى قرابينا
يقول تلك المصنعة للنصارى يتعبدون فيها في مشرف، ليط ألصق، ولياق البلاط ما لصق منه يقال ما يليق بك هذا وما يليط سواء، ويقال لاقت الدواة أي لصقت، ويروى: ليط ليّوق، وهو مثله، والقرابين جمع قربان وهو ما يقترب به النصارى، يقول كأن حسن ذلك الموضع وأنسه بإهداء القربان وإيقاد المصابيح وضرب النواقيس:
صوتُ النواقيسِ ما تفرّطه ... أيدي الجلاذيْ وجُون ما يُغفِّينا
الجلاذي قوَّامه وخدَّامه واحدهم جلذي.
وقال ابن الأعرابي إنما سمي جلذياً لأنه حلق وسط رأسه فشبه ذلك الموضع بالحجر الأملس وهو الجلذي، وقال ابن الأعرابي ولم نزل نظن أن الجون في هذا البيت الحمام - وما يغفين من الهدير حتى حُدّثت عن بعض ولد أبي بن مقبل أن الجون القناديل سميت بذلك لبياضها، والجون الأسود والأبيض ويقال الشمس جَونة أي بيضاء، ما يغفين ما ينطفئن، ما تفرطه أي ما تفرط هؤلاء الخدام في قرع النواقيس. وقال النابغة:
واحكَم كحكمِ فتاةِ الحي إذ نظرتْ ... إلى حمامٍ شراعٍ واردِ الثَمدِ
(1/298)

احكم كن حكماً، كفتاة الحي يقال أنها زرقاء اليمامة إذ نظرت ثم قالت فأصابت والثمد الماء القليل:
قالت فيا ليتَ ما هذا الحمامُ لنا ... إلى حمامتِنا أو نصفُه فقَدِ
يحفّها جانبا نيق وتُتبعه ... مثلَ الزجاجةِ لم تكحَّل من الرمدِ
النيق الجبل، يقول كان الحمام في موضع ضيق قد ركب بعضه بعضاً فهو أشد لعده، أو نصفه أرادت ونصفه " أو " بمعنى الواو. فقد حسب وتتبعه عيناً مثل الزجاجة، لم تكحل من الرمد لم يكن بها رمد فتكحل منه مثل قول الآخر:
على لا حب لا يُهتدي بمناره
فحسّبوه فألفوه كما زعمتْ ... تسعاً وتسعين لم تنقص ولم تزدِ
فكمّلتْ مائةً فيها حمامتُها ... وأسرعتْ حسبة في ذلك العددِ
نظرت هذه المرأة إلى حمام مر بها بين جبلين وكان ستاً وستين فقالت ليت لي هذا الحمام ونصفه وهو ثلاث وثلاثون إلى حمامتي فيتم
(1/299)

لي مائة فنظروا فإذا هو كما قالت، يقوا النابغة للنعمان فليكن نظرك في أمري وحدسك عما بُلِّغت عني كنظر هذه المرأة وحدسها.
وقال ذو الرمة:
ألا ظعنت ميٌّ في هاتيكَ دارُها ... بها السُحم تَردي والحمام الموشَّمُ
كأن أنوفَ الطيرِ في عرصاتِها ... خراطيمُ أقلامِ تخط وتعجمُ
السحم الغربان، والموشم به وشوم ونقط تخالف لونه، وشبه مناقير الطير بأطراف الأقلام.
وقال الراعي يصف نفسه:
كهُداهد كَسَر الرماةُ جناحَه ... يدعو بقارعةِ الطريقِ هديلا
وقعُ الربيعُ تقاربَ خطوهُ ... ورأي بَعقوَته أزلّ نسولا
هداهد حمام يهدهد في صوته ولم يرد الهدهد، يقول قد كُسر جناحه فهو لا يستطيع البراح، قارعة العقيق أعلاه.
وقال أبو ذؤيب:
فليتهمُ حذّروا جيشَهم ... عشيةَ هم مثل طيرِ الخَمَرِ
أي يُختَلون ويُستتر لهم كما يستتر للطير في الخمر، والخمر كل ما واراك من شيء شجراً كان أو غيره، والضراء ما واراك من شجر.
(1/300)

وقال آخر:
أمن ترجيعِ قاريةٍ تركتُم ... سباياكم وأبتم بالعَناقِ
القارية طير أخضر والجمع قَوار، أي فزعتم لما سمعتم ترجيع هذا الطائر فتركتم سباياكم وأبتم بالخيبة، والعناق الخيبة.
وقال الكميت:
ودوية أنفذت حضني ظلامها ... هدّوا إذا ما طائرُ الليلِ أبصرا
أنفذت قطعت، وطائر الليل يريد الخشاف.
وقال رؤبة:
إذا تداعى في الصِمادِ مأتمُه ... أحنّ غِيرانا تنادي زُجّمُه
الصمد الغليظ المرتفع يقع عليه البوم، ويقال: البوم ينوح على الأفراط وهي إكام صغار يقع عليها، والمأتم جماعة النساء، شبه البوم بنساء ينحن، أحن غيرانا قال الأصمعي لا أدري ما معناه، ويقال زجم له بشيء يعرفه من كلام وهو الذي تسمع الصوت به ولا تدري ما هو، وقال غيره: أحن غيرانا - يريد أن البوم إذا صوتت حنت الغيران بمجاوبة الصدى وهو الصوت الذي تسمعه من الجبل أو من الغار بعد صوتك.
وقال زهير:
(1/301)

وبلدةٌ لا ترام خائفةَ الف ... وّادِ مغبرةً جوانبِها
تسمع للجنِ عازفيْنَ بها ... تضبح من رهبةِ ثعالبِها
الفواد جمع فياد -؟ - ويقال أنه ذكر البوم.
قال الأعشى:
يؤنسني صوت فيّادها
إذا كان الفياد بها خائفاً فكيف غيره.
وإنما يوصف أصوات البوم والهام والصدى بالليل.
قال رؤبة:
وصيحت في ليله أصداؤه ... داعٍ دعا لم أدرِ ما دعاؤه
الصدى ذكر البوم، يقول دعا فلم أدر ما دعا، وقال ذو الرمة:
وأسودٌ ولاجٌ لغير تحيةٍ ... على الحي لم يُجرم ولم يحتمل وزرا
قبضتْ عليه الخمس ثم تركته ... ولم أتخذ إرساله عنده ذخرا
يعني الخطاف. وقال الطرماح:
فيا صبحَ كمّش غُبّر الليلِ مُصعِدا ... ببمّ ونبّه ذا العفاء الموشحِ
(1/302)

إذا صاحَ لم يخذل وجاوب صوتَه ... حماشُ الشوي يصدحنَ من كل مصدحِ
كمش ارفع، وغبر الليل بقاياه، وصعداً مرتفعاً ذاهباً، والعفاء الريش، والموشح الذي وشح بشيء غير لونه يعني الديك، إذا صاح لم يخذل يعني أن الديوك تجيبه من كل ناحية، وقال آخر:
ماذا يؤرقني والنومُ يعجبني ... من صوتِ ذي رعثاتٍ ساكن الدارِ
(1/303)

كأن حُمّاضةً في رأسهِ نبتتْ ... من آخرِ الليلِ قد همّت بإثمارِ
يعني ديكاً والحماض أحمر، وأنشد:
والشيب بالحناء كالحماض
وقال جرير:
لما تذكّرتُ بالديريْنِ أرَّقني ... صوتُ الدجاجِ وقرعٌ بالنواقيسِ
يقول أرقني انتظار الديوك أن تصدح وقرع النواقيس أن تضرب فأرحل.
فلم يرد أن الديوك صوتت والنواقيس ضربت فأرقته أصواتها.
وقال لبيد يصف راكباً:
فصدهم منطق الدجاج عن ال ... قصد وضرب الناقوس فاجتنبا
يقول ما سمعوا ذلك عدلوا ليعرسوا والتعريس آخر الليل.
وقال آخر:
وبلدة يدعو صداها هندا
قوله هند حكاية صوت الصدى إذا صاح فقال هن هن، ومثله قول رؤبة:
كالبحر يدعو هَيقما وقَيقما
حكي صوت أمواجه، ومثله:
(1/304)

تسمع للجن فيه زِيرَ يزَما
حكي أصوات الجن، وأما قول أبي داود:
سَلَّط الموتُ والمنون عليهم ... فلهم في صدَى المقابرِ هامُ
فإنهم كانوا يزعمون أن الميت إذا دفن خرج من قبره طائر مثل الهامة فلا يزال يصيح على قبره بالليل حتى يقتل من قتله ويدرك بثأره، ويقال أنهم كانوا يزعمون أن عظام الموتى تصير هامة فتطير.
أبو عمر قال وكانوا يسمون ذلك الطائر الصدى، والهام والصدى واحد.
وقال أمية بن أبي الصلت:
غيمٌ وظلماً وفضلُ سحابةٍ ... أيام كفّن واسترداد الهدهدُ
يبغي القرارُ لأمه ليكنها ... فبنى عليها في قفاهِ يمهدُ
(1/305)

فيزال يذبح ما مشى بجنازة ... منها وما اختلف الجديد المسندُ
الأعراب يزعمون أن أم الهدهد لما ماتت قبرها في رأسه فأعطاها الله القُزّعة ثواباً على بره بأمه وستر تلك الوهدة وأن نتن رائحته من تلك الجيفة.
وقال العجاج:
ذا النهارُ كفَّ ركض الأخيل ... إن قالَ قَيل لم أقِلُ في القُيَّلِ
الأخيل طائر أخضر يقال له الشِقرّاق وهو لا ينجحر نصل النهار كما ينجحر الطير من الجر، يقول فالأخيل قد ينجحر وأنا لا أنجحر، ويقال ركض الطائر إذا اجتهد، قيل جمع قائل مثل سافر وسَفْر.

أبيات المعاني في القطا
قال حميد بن ثور:
فلا أسألُ اليوم عن ظعائنٍ ... ولا ما يقولُ غرابُ النوا
يقول تركت اليوم طلب الباطل والجهل وتركت التطير.
كأني أباري قطا صاحبي ... إذا هو صوَّتَ ثم ابتدا
بُكوراً وأرّقها بالشبا ... من جزعِ جُبَةِ ريحِ الثرا
هوِيّ تخالُ به جنةٌ ... يقطِّعُ فيه فطالَ الحشا
(1/306)

أباري أعارض قطا صاحبي يعني مزاحم بن الحارث العقيلي، يقول كأني أباريه في النعت للقطا، وكدراً في ألوانها، والثرى الندى، يقول: وجدْت ريح الندى فطلبت الماء، وهوى يقول أوردها هوى وهو الطيران الشديد، تخال به جنة أي جنوناً من شدته وسرعته، وقوله: يقطع فيه فطال يعني فطال يا مزاحم، والحشا الربو من شدة الطيران والعدو يقال حشِي يحشَى حشاً شديداً.
لها مِلَمعانٌ إذا أوغفا ... يحثّانِ جؤجؤها بالوَجا
ملمعان جناحان تلمع بهما، وأوغفا أسرعا، والوحا الحفيف والصوت.
وقال أيضاً يصف قطاة:
قرينةُ سبعٍ إن تواترنَ مرةً ... ضربنَ فصفّت أرؤس وجنوب
أي قرينة سبع قطوات، تواترن تتابعن، ضربن أي بأجنحتهن والضرب الخفق بالأجنحة، وقال الجعدي:
وضُمّ الجناح فلم يضرب
يقول لم يخفق. والقطا تصطف إذا طرن وعدون يقال لها إذا كثرت واصطفت عَرَقة:
ثمانٍ بأستارين ما زدنَ عدة ... غدوْنَ قُرانا ما لهن جنيبُ
(1/307)

إستارين أربعة أربعة، وقرانا يقول كأنهن قُرِنّ، ما لهن جنيب أي ليس معهن غيرهن.
وقال وذكر الفراخ:
جُعلنَ لها حزناً بأرضِ تنوقةٍ ... فما هي إلا نهلةٌ فوثوبُ
توطّن توطيْن الرهانِ وقلّصتْ ... بهن سرنداة الغدوِ سَروبُ
يريد أن أولادها حزنها من الدنيا، توطين الرهان أي كما توطن الدواب للسبق، والسرنداة الجريئة، سروب سريعة.
وقال زهير:
كأنها من قطا الأجبابِ حلاّها ... وردَ وأفردَ عنها أختُها الشركُ
جونية كحصاةِ القَسم مرتعها ... بالسِيّ ما تنبتُ القفعاء والحسكُ
الأجباب مواضع - فيها - ركايا واحدها جب، والورد قوم يردون الماء، وأفراد عنها أختها الشرك أي أُخذت أختها ففزعت وهو أسرع لها، جونية قالوا القطا ضربان فالجوني والكُدري واحد والغَطاط صنف منه آخر.
فالكدري ما يكون أكدر الظهر أسود باطن الجناح أصفر
(1/308)

الحلق قصير الرجلين في ذنبه ريشتان أطول من سائر الذنب، والغطاط ما اسود باطن أجنحته وطالت أرجله واغبرت ظهوره غبرة ليست بالشديدة وعظمت عيونه، وحصاة القسم هي التي يقدّر بها الماء في القدح ويقسم عليها إذا تصانفوا، وشبهها بهذه الحصاة لأنها مستوية ليس في حَيد يُغبن به صاحبه، قال الأصمعي وأبو عبيدة واسم الحصاة المقلة، قال - يزيد بن طعمة الخطمي:
قذفوا جارهم في هُوّة ... قذفك المَقلة وسط المعترَك
- وقال زهير:
ثم استغاثَ بماءٍ لا رِشاءٍ له ... من الأباطحِ في حافاتِه البُركُ
كما استغاثَ بسيء فزُّ غَيطَلة ... خاف العيون ولم يُنظر به الحشَكُ
لا رشاء له أي أنه يجري على وجه الأرض، يقول لم تزل مجتهدة في طيرانها حتى استغاثت بماء أبطح، والبرك طير صغار واحدتها بُرَكة، والفز ولد البقرة والسَّيء اللبن الذي يكون في الضرع قبل نزول الدرة، والغيطلة شجر ملتف، قال الأصمعي: والذي أظن في الغيطلة أن تكون أمه وضعته في شجر، خاف العيون أي خاف أن يراه الناس ولم تنتظر به أمه حشوك الدرة وهو حفلها، يقال حشك إذا حفل ودفع حشكاً بسكون الشين فحركها ضرورة، قال أبو عبيدة الغيطلة البقرة، وقال يصف الصقر والقطاة:
(1/309)

ينقضّ عند الذنابيّ وهي جاهدة ... يكاد يخطفها طَوراً وتهتلكُ
إنما ينقض الصقر على القطاة من ناحية الذنب، وتهتلك تجتهد.
ثم استمر فأوفى رأس مرقبة ... كمنصب العِتر دميّ رأسه النسكُ
يعني الصقر ترك القطاة وسقط على رأس مرقبة فكأنه مما به من الدم الحجر الذي يعتر عليه، والمنصب الحجر، والعتيرة الذبيحة في رجب.
وأنشد لأبي خراش:
ولا الأمغر الساقيْنِ ظلَّ كأنه ... على محزئلاتِ الأكامِ نصيلُ
يعني صقراً، وما ارتقع فقد احزأل، والنصيل الحجر قدر الذراع ونحوها.
وقال وذكر الفلاة - والبيت لزهير:
بها من فراخِ الكُدرِ زغبٌ كأنها ... جني حنظلٍ في مِحصَنٍ متعلقِ
شبه فراخ القطا بجني الحنظل قد علق على وتد في زبيل.
وقال الراعي يصف القطا:
صفرُ المناخرِ لغواها مبينةٌ ... في لجةِ الليلِ لما راعها الفَزَعُ
يسبقنَ أولادَ أبساطِ مجددةٍ ... أزري بها الصيفُ حتى كلها ضرَعُ
لغواها أصواتها، مبينة لأنها تقول قطا قطا، يسبقن يعني القطا
(1/310)

يسبقن أولادها، أبساط أراد ذوات أفراخ، يقال ناقة بسط إذا كان معها ولدها أي هي مع أمهاتها وليس لأمهاتها لبن فلذلك قال مجددة وأصل المجددة في الإبل التي أصاب أطباءها شيء فانقطع لبنها، ضرع ضعيف.
صيفيةٌ كالكُلى صفراً حواصلُها ... فما تكادُ إلى التغريرِ ترتفعُ
شبهها بالكلى لأن ريشها لم ينبت فهي حمر، صيفية خرجن من البيض في آخر ما يخرج من الطير، قال:
إن بنيّ صبية صيفيون
والتغرير الزق، يقول لا تكاد ترفع إلى أمهاتها.
يسقينهنَ مُجاجاتٍ يجئنَ بها ... من آجنِ الماءِ محفوفاً به الشِرَعُ
الشرع الأوتار يريد الأشراك التي ينصبها الصائد وجعلها من عقب.
حتى إذا جرعَتْ من مائهِ نطفاً ... تسقس الحواقنُ أحياناً وتجترعُ
الحاقنة الحوصلة وأصل الحاقنة نقرة اللبة، أي أحياناً تجرع لنفسها وأحياناً لفراخها، وقال وذكر القطا:
(1/311)

تداعينَ شتى من ثلاثٍ وأربعٍ ... وواحدةٍ حتى اجتمعنَ ثمانيا
هذا مثل قول حميد بن ثور " قرينة سبع ":
دعا لُبّها غمرٌ كأن قد وردنَه ... برجلةِ أبلى ولو كان نائيا
دعا لب هذه القطاة ماء غمر كأن قد وردنه في السرعة، ورجلة مسيل الماء إلى الوادي، وقال أيضاً يصف القطاة وفرخها:
توي له بشعيب غير مُعصَمة ... منغلّة دونها الأحشاء والكبد
الشعيب المزادة يعني حوصلتها، غير معصمة ليس لها عصام والعصام سير القربة، ويروي مغلولة يريد أن ما دونها من الأحشاء والكبد ذو غلة والغلة حرارة العطش، وقال ابن أحمر يصف فرخ القطا:
أطلسٌ ما لم يبدُ من جلدهِ ... وبالذنابيّ شائل مُقمطِر
يقول ما لم يبد فيه الريش من جلده أطلس والطلسة غبرة إلى السواد كلون الذئب، وهو بالذنب شائل مقمطر منتفش يريد أن ريشه لم يتطارق بعد.
حتى إذا ما حببت ريّة ... وانكدرتُ يهوي بها ما تمرُ
حببت رية أي امتلأت رياً، يهوي بها ما تمر أي مرها.
أيقظه أزملها فاستوى ... فصعصعَ الرأسُ شخيت قفرُ
أيقظ الفرخ صوت أمه وحسها، فصعصع أي حرك، شخيت دقيق، قفر قليل اللحم، وقوله يصف حوصلتها:
(1/312)

من ذي عِراقِ نيطَ في جوزِها ... " فهو لطيفٌ طيَّه مُضطمِرُ "
العراق الطرة المجاورة في المزادة شبه حوصلتها بالمزادة.
وقال يصف القطاة:
ترعى القطاةَ الخِمس قَفّورها ... ثم تُعر الماءَ فيمن يعُرُ
يقول ترعى خمساً لا تجد الماء والقفور نبت، تعر الماء تلمِ به فيمن ألم. وقال:
بتيهاءُ قفر والمطي كأنها ... قطا الحَزنِ قد كانت فراخاً بيوضُها
قال هي قبل هذا الوقت في الربيع تشرب من الغدر فلما صافت خرج فراخها من البيض فاحتاجت إلى طلب الماء من مكان بعيد لأن الغدر في الصيف تجف وذاك أسرع لها.
وقال المرار وذكر إبلاً:
لها نَسقاتٌ كالقطا نشطتْ به ... من الدوّ صفراءُ اللَّبانِ طَمومُ
نسقات اصطفاف في السير كاصطفاف القطا، نشطت به أي خرجت به والناشط الخارج من بلد إلى آخر، الهاء في به للقطا أي خرجت بالقطا قطاة صفراء اللبان وأراد أنها زاقَّة فقد اصفر لبانها لما يسيل عليه ويقال بل ذاك خلقة، والقطا الكدري صفر الحلوق.
وقال يصف فرخ القطاة:
(1/313)

تقلِّبُه عن وكره عُلويّةٌ ... كما جُرعن أصلِ الحَماطِ هشيمُ
علوية ريح تجيء من ناحية العالية، شبه الفرخ بقطعة من هشيم الحماط نُحيّ عن أصله.
وقال يصف الحوصلة:
بضمرٍ كجِروِ الشري لم تطوِ غيره ... فِراغاً ولم يُكتب هناك أديمُ
بضمر أي بحويصلة لطيفة، والشري الحنظل وجروه صغار حمله والفراغ حوض من آدم، يقول ليس لها غيره، ولم يكتب لم يخرز.
وقال أبو النجم يذكر الإبل:
يثُرنَ أسرابَ القطا البُيّاضَ ... عن كل أدحيّ أبي مقاضِ
يقول قد فرخت فيه مراراً ففيه قيض كثير والقيض قشور البيض، يقال هو أبو المنزل أي صاحبه وهذا كقولك ذو مقاض أي موضع قيض.
ورد القطا مَطائط الإياض
أراد الإضاء وهو جمع أضاة، يعني الغدران فقدم لام الفعل وأخر العين، وقال آخر لناقته:
رِدي رِدي وردَ قطاة صمّا ... كُدريةٍ أعجبها بردُ الما
صماء يقول هي في موضع لا تسمع فيه صوتاً يذعرها ولا يثنيها
(1/314)

عن الماء، يقول لناقته كوني كذا.
وقال الجعدي وذكر ناقة:
خنوفٌ مروحٌ تعجِل الوُرق بعدما ... يَعرّسن شكوى آهة وتذمرا
الخنوف التي ترمي يديها إلى وحشيها، والمروح التي تمرح، والورق القطا، تعجلهن أي تذعرهن إذا عرسن من آخر الليل توقظهن، آهة يعني تأوهاً.
وقال آخر يصف الإبل:
إذا هَجَدَ القطا أفزعنَ منه ... أوامنٌ في معرّسه الجُثومِ
هجد القطا وقع ليستريح والهجود النوم والتهجد السهر، يقول إذا نامت القطا مرت بها الإبل فأفزعت من القطا أوامن في معرسه بكسر الراء أي في قطاة الذي عرس، والجثوم مردود على المعرس أو على الهاء التي في المعرس، ومن روي: في معرسه بفتح الراء فالمعرس الموضع الذي يعرس فيه، أراد أوامن الجثوم في معرسه ففرق بين المضاف والمضاف إليه، وقال العجاج وذكر ماء:
وردته قبل الذئابِ العُسّالِ ... وقبل أرسالِ قطا وأرسالِ
بالقوم غِيداً والمطي الكُلاّل ... فوّز خمساً عن طلاقِ الأوشالِ
غيداً أي متثني الأعناق ونصبه على الحال، وفوز أخذ في المفازة عن طلاق أي بعد طلاق، وهو جمع طَلَق مثل جمل وجمال
(1/315)

والطَلَق ليلة يطلب الماء والقَرب ليلة يرد، وأرسال قطا واحدها رَسَل شبهها بجماعة الرسل من الإبل وهي ما قام على الحوض من الشاربة ولا تسمى رسلاً إلاّ ثم فإذا تنحى فليس برسل، ويقال سرب من قطا أي قطعة فإذا كثر جمع القطا واصطف قيل عَرَقة، وكل ما كثر من الطير في الهواء فهو فيء، وقال آخر وهو الأصبهبذ رجل من بني حنظلة:
كأنها إذ تحمل المساعرا ... الخيل والأبدان والمغافرا
في من الطير غدت كواسرا
والوشل الماء القاطر قال ذو الرمة:
فلاةُ رجوع الكدر أطلاؤها بها ... من الماءِ تأويب فهن روابعُ
يقول رجوع القطا ليلاً، ويقال أوّب إذا سار يومه ونزل عند الليل، وأطلاؤها أولادها والطلا ولد الظبية فاستعاره، وهن روابع أي يردن ربعاً وذلك أن يكون في العري يومين وفي الماء يوماً.
وقال آخر وذكر حماراً وأتناً - والبيت لأوس بن حجر:
فأوردها التقريبُ والشدُّ منهلاً ... قطاه معيد كرة الوردِ عاطفُ
يريد أوردها العير تقريباً وشدا فأدخل الألف واللام ووصف البلد بالبعد فقال إذا ورد القطا فشرب ثم كر راجعاً لم يقطع البلد من بعده حتى يعود فيشرب ثانية.
وقال ابن مقبل وذكر ناقة:
(1/316)

إذا الجَونةُ الكدراءُ باتتْ مبيتَها ... أناخَتْ بجعجاعِ جناحاً وكلكلا
أي باتت القطاة تسير كما تسير الناقة ضعفت عن ذلك وأناخت، والجعجاع المحبس ويقال بات فلان سائراً.
وقال مزاحم العقيلي وذكر قطاة وفرخها:
غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها ... تصلّ وعن قيضٍ بزيزاءٍ مجهلُ
الأصمعي: من عليه يريد من فوقه أي من فوق الفرخ، تم ظمؤها أي أنها كانت تشرب في كل ثلاثة أيام أو أربعةمرة فلما جاء ذلك الوقت طارت، والزيزاء المكان الغليظ المنقاد وجمعه زَياز، والقيض ما تكسر من البيض، تصل أي هي يابسة من العطش، أبو عبيدة: غدت من عليه أي من عنده يعني فرخها والظمء ما بين الشربتين.
وقال النابغة يصف قطاة:
تسقي أزيغبٍ ترويه مجاجَتَها ... وذاك من ظمئها في ظمئهِ شُرْبُ
أزيغب فرخ، والظمء ما بين الشربتين أي ذاك السقي منها ومنه شرب وذلك لأن ظمأها وظمء الفرخ واحد هي تشرب لتروي وتسقيه.
وقال ذو الرمة:
ككدريةٍ أوجت لوردٍ مباكرٍ ... كلاماً أجابتْ داجناً قد تعلَّما
أوحت صوتت، لورد يريد إلى ورد، قال الله عز وجل " بأن ربك أوحى لها " أراد بالورد القطا التي وردت والورد أيضاً السير إلى
(1/317)

الماء والورد الماء المورود.
وقال أيضاً:
ومستخلفاتٌ من بلادٍ تنوفةٍ ... لمصفرّةِ الأشداقِ حمر الحواصلِ
المستخلف السقاء يعني قطا يحملن الماء في حواصلهن لفراخهن.
صدرن بما أسارُت من ماءٍ آجنٍ ... صرى ليس في أعطانهِ غير حائلِ
سوى ما أصاب الذئب منه وسُربة ... أطافت به من أمهات الجوازلِ
يقو لرجعن إلى فراخهن بما أبقيت في أعن هذا الماء شيء إلا هو حائل قد تغير أي رجعن بما أبقيت إلا ما شربه الذئب، وسُربة جماعة من قطا أو حمام، والجوازل الفراخ واحدها جوزل.
وقال أبو وجزة وذكر حميراً:
وهنَ ينسبْنَ وهنا كل صادقةٌ ... باتتْ تباشرُ عُرماً غير أزواجِ
أي يفزعن القطا ليلاً فتصيح فتقول قطا قطا فتنسب أنفسها فتصدق، تباشر عرماً يعني بيضها، والعرم المنقطة يقال شاة عرماء وحية عرماء، وقوله غير أزواج قالوا لا يكون بيضها أبداً إلا فرداً.
وقال:
بحافته من لا يصيحُ بمن سرى ... ولا يدّعي إلا بما هو صادقُهُ
وقال الأخطل:
(1/318)

ولا جشمٌ شر القبائلِ أنهم ... كبيْضِ القطا ليسوا بسودٍ ولا حمرِ
بيض القطا أرقط يقول فهؤلاء ألوان كبيض القطا ليسوا من نجر واحد، ومثله قول الآخر في صادقة:
وصادقةٌ ما خبّرت قد بعثتها ... طروقاً وباقي الليلِ في الأرض مسدفُ
ولو تُركتُ نامَتْ ولكن أعشاها ... أذى من قلاصٍ كالحنيّ المعطفُ
يُقال أعششت القوم إذا نزلت بهم على كره حتى يحولوا من مكانهم من أجلك، ومثل قوله ولو ركت نامت، قولهم في المثل " لو ترك القطا لنام ".
وقال النابغة:
تدعو قطا وبه تُدعى إذا نَسبت ... يا صدقَها حين تدعوه فتنسبُ
وقال الكميت:
أو الناطقاتُ الصادقاتُ إذا غدتْ ... بأسقية لم يفرهنَ المطببُ
الأسقية الحواصل، لم يفرهن لم يشققهن، والمطبب صاحب الطباب وهو جلدة تجعل على طرفي الأديم ثم تخرز فيمسك الخرز طرفي الأديم جميعاً.
جعلنَ لهنَ الخمس للعيسِ روحةً ... سبابها مفض اليهن سبسبُ
(1/319)

يريد جعلت القطا مسيرة الإبل خمساً روحة لها.
فأبن قصار الظمء لم يسترثنها ... بما فيه من ري الصوادي التحبب
أبن يعني القطا، قصار الظمء يعني الفراخ والظمء وقت الشرب، والتحبب الامتلاء من الري أراد أبن بما فيه التحبب من ري الصوادي.
وقال:
أو روايا التوائم في المهمة القفّ ... ر تناولن من سراة العويرا
روايا الفراخ يعني المستقيات لها وجعلها تؤاماً أي أزواجاً وليس في هذا نقض لقولهم أن البيض لا يكون إلا أفراداً لأنه قد يفسد يعضه، والعوير ماء.
لفواقٍ عوداً وبدءاً يبادر ... نَ رواياه أن يجف الغديرا
الفواق أصله ما بين الحلبتين، أي بدأن وعدن يبادرن الغدير أن يجف من أجل فواق.
يتبادرنَ بالرواءِ من الشِ ... رب أمامَ القلوبِ عيراً فعيرا
أي حواصلهن قدام قلوبهن.
كل صادٍ كأنّ بالجلدِ منه ... حصفاً أو تخاله مجدورا
يقول الفراخ حين حمّمت أي بدأ طلوع ريشها فكأن بها حصفاً.
في أساقٍ لم يغدُ فيها الوليدا ... ن ولم يُعكم الأجيرُ الأجيرا
أساق حواصل، لم يعكم لم يعن قولك أعكمني أي أعني على عكمي.
(1/320)

لم تَسدد لها الخوالق بالأم ... س ولم تقدد الفواري السيورا
لم تسدد لم تلزم السداد بالرفق ويروي: لم تشدد، أي لم تتهيأ لذاك، والخوالق النساء اللواتي يقددن الأديم يخرزن به، ويقال بل هن اللواتي يُقدّرنه، والفواري القواطع، قال زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري
وقال يشبه الإبل بالقطا، - والشعر للكميت -:
كالناطقاتِ الصادقاتِ الواسقا ... تِ من الذخائرِ
الواسقات الحاملات والوسق الحِمل، الذخائر الماء تذخره لأولادها.
عُلَق الموضّعة التوا ... ئم بين ذي زغبٍ وباثرِ
علق من العَلاق يقال ما ذقت علاّقاً ولا علوقاً، والموضعة يريد الموضوعة بأرض الفلاة وهي الفراخ، والتوائم اثنين اثنين، يقول بعضها عليه زغب وبعضها قد بدأ يطلع ريشه فكأنه بثر.
يحملنَ قدامَ الجآ ... جئ في أساقٍ كالمطاهرِ
لم يتّهم فيها الصوا ... نع خِلقة الأيدي القوادرِ
المطاهر الأداوي، والقوادر اللواتي يقدرن الأديم، خلقة أي تقديراً ويقال قطع، ويروي: لم ينههَم أي لم يكن عليهم ناهية
(1/321)

من أيدي الصوانع.
أقوات ناظرة الفوا ... ئدِ غيرَ رائثةِ الموائرِ
ناظرة منتظرة يقال نظرته وانتظرته بمعنى، والفوائد ما تأتيها به الأمهات والموائر الأمهات لأنها تميرها، رائثة بطيئة، أراد يحملن قدام الجآجئ أقوات ناظرة. وقال يصف القطا:
موكّرةٌ من حيث لم يرجَ مخلفٌ ... مطائطٌ صيفيّ الأضا وسِمالها
موكرة ممتلئة، والمخلف المستقي، والمطائط واحدتها مطيطة وهي بقية الماء في الصفاة، وصيفي مطر السيف، والأضا الغدران.
أسافي لا توكَى على ما تضمنت ... ولا يستريث الناضحون ابتلاها
يعني حواصلها، لم تشد على الماء كما تسد القرب، ويستريث يستبطئ والناضح الذي ينضح القربة بالماء لتبتل.
يقول لا تستبطئ ابتلال هذه الحواصل كما يستبطأ ابتلال القرب.
أمام قلوبٍ كالحصى مطمئنةٍ ... إلى ثقةِ المستبطئاتِ عِجالَها
الحواصل أمام قلوب تشبه الحصى هن ثقة الفراخ والفراخ تستبطئ المستعجلات من القطا.
وقال يصف فراخ القطا:
متخذات من الخراشيّ كال ... حلية منها السموط والحقبُ
لا شاركاتٌ إذا غنينَ ولا ... في فقرهنَ الجفاءُ مُرتأبُ
الخراشي قشور البيض الرقيقة وهو الغرقيء، مرتأب يقول
(1/322)

الجفاء لا يرأب من رأبت الصدع، والجفاء من الجفوة.
وقال الطرماح يذكر القطا:
حوائمٌ يتخذنَ الغِبَّ رِفها ... إذا اقلَولَينَ للقرَبِ البطينِ
حوائم عطاش، والغب شرب يوم وترك يوم، والرفه شرب كل يوم أي يسرعن فيردن كل يوم، الولين ارتفعن، والقرب الليلة التي يصبح الماء في غدها، والبطين البعيد.
بأجنحةٍ يمرنَ بهنَ حُرد ... وأعناقُ حُنين بغيرِ أونِ
يمرن يطرن، والحرد المائلة، والأون الضعف يقول لم تحن من ضعف في الطيران، ويقال أن عليّ في السير أي ارفق.
وقال وذكر أرضاً:
وترى الكدَرَ في مناكبِها الغبررذايا من بعد طولِ انقضاضِ
كبقايا الثَوى نبذنَ من الصي ... فِ جنوحاً بالجر ذي الرضراضِ
أو كمجلوحٍ جِعثنَ بلّه القط ... ر فأضحى مودّس الأعراضِ
الثوي صوف أو كساء أو خرقة تجعل على الوتد ليمخض عليه السقاء ليسند إليه لئلا يتخرق، والجنوح الموائل، والرضراض الحصى الصغار، والجرّ أصل الجبل والمجلوح الذي قطع، والجعثن أصول الصِليان وإذا قطعت رؤوسه فقد جلح وبقرة جلحاء إذا لم يكن لها قرن وهودج أجلح إذا لم يكن عليه غطاء، ومودس حين نبت واخضر.
(1/323)

يقال ودست الأرض إذا أنبتت، والأعراض الجوانب.
وقال:
كأن المطايا ليلةُ الخمسِ عُلِّقت ... بوثابةٍ بعد الكلالةِ شَحشَحِ
لها كضواةِ النابِ شُدّ بلا عُري ... ولا خرز كفٍ بين نحرٍ ومذبحِ
وثابة يعني قطاة تثب، والضواة ورم يكون في عنق البعير والناقة، شبه به حوصلة القطاة.
أنامتْ غريراً بين كسرى تنوفة ... من الأرضِ مصفّر الصلالمِ يرشّحِ
الغرير فرخها الذي تغره أي تزقه، وكسرا التنوفة جانباها والصلوان عرقان عن يمين الذنب وشماله، يرشح يربّي.
فعبَّت غِشاشاً ثم جالتْ وبادرتْ ... مع الفجرِ ورّاد العراكِ المصبّحِ
عبت في الماء غشاشاً على عجلة، ثم جالت وبادرت الوراد والعراك المزاحمة على الماء، يقال أوردها عراكاً إذا أرسلها جميعاً فازدحمت.
وقوله يصف الحوصلة:
(1/324)

مدبوغة لم تُمرّح
أي تلين وتدهن.
بمَعيةٍ تمسي القطا وهي نُسّسٌ ... بها بعد ولقِ الليلتينِ المسمّحِ
معمية لا طريق فيها ولا علم، والولق شدة السير، والمسمح الكثير، نسس من العطش وأنشد:
وبلد تمسي قطاه نَسّسا
وقال يذكر حسرى القطا:
زِفافاً تُنادي بانزولِ كأنها ... بقايا الثُوى وسطَ الديارِ المطرحِ
الثوى واحدتها ثُوَّة وهي خرقة تربط على رأس الوتد يمخض عليها السقاء.
روايا فراخٍ تنتحي بأنوفِها ... خراشِيّ قيضِ القفزةِ المتصيّحِ
الخراشي ما دون القشر الأعلى، والقيض قشور البيض والمتصيح المتقشر.
(1/325)

ينّتجِن أمواتاً ويلقحنَ بعد ما ... تموتُ بلا بُضع من الفحلِ ملقحِ
يعن البيض، والبضع النكاح.
سماويةُ زغبٍ كأن شكيرَها ... صماليخٌ معهودُ النصيّ المجلَّحِ
سماوية منسوبة إلى السماوة، شكيرها صغار ريشها، والنصي نبت، والصماليخ ما خرج من رؤوسه بعد الأكل، المعهود الذي أصابه العهاد وهو من المطر، والمجلح الذي أكل.
تجوب بهنَ البيدُ صغواء شفَّها ... تباعد أظماء الغِوارِ الملّوحِ
الأظماء أوقات الشرب، والغوار من الغور وهو البعد، الملوح العطش.
من الهُوذ كدراءِ السراةِ ولونِها ... خصيف كلون الحَيقُطانِ المسّيحِ
الهوذة جمع هَوذة وهي القطاة الأنثى، خصيف لونان مختلطان أي فيها لون آخر أسود يضرب إلى الحمرة، والسراة الظهر، والحيقطان ذكر الدراج، والمسيح المخطط.
أصابت نطافاً وسط آثارٍ أذؤبٍ ... من الليلِ في جنبي مديّ ومَسلَحِ
أذؤب جمع ذئب، مديّ حوض صغير، ويروي: أسآر أذؤب جمع سؤر، وقال رؤبة وذكر مهمها:
يشأى القطا أسداسَه ويُجذمُه ... إلى أجُونِ الماءِ داو أسدمُهُ
يشأى القطا أي يسبقه هذا المهمة فلا يستطيع أن يقطعه، ويجذمه القطا أي سيره فيه إجذام: وقوله أسداسه أي يصيب الماء فيه سدساً
(1/326)

والمعنى أن القطا يريد ماءة فيسبق بُعدُ الماء القطا فيصير سدساً دونه، وقوله إلى أجون الماء يريد أجن الماء: وقوله داو يقول قد ركبته دُواية من بُعد عهد الناس به وأصل الدواية ما يركب اللبن من تلك الجلدة الرقيقة، ويقال بئر سُدُم إذا كانت قديمة، وقالت ليلى الأخيلية تصف القطاة وفراخها:
تدلَتْ على حُصّ الرؤوسِ كأنَّها ... كُراتُ غلامٍ من كساءٍ مؤرنبِ
فلما انجلت عنها الدجى وسقتهما ... صبيبَ سقاءٍ نيطٍ لم يخرَّبِ
غدتْ كنواةِ القَسبِ عنها وأصبحتْ ... تُراطِنُها دوية لم تعرِّبِ
شبهت فراخ القطا بكرات من أكسية مرنبانية وهي موبرة، لما يخرب أي تجعل لها خربة وهي العروة يريد الحوصلة، دوية قطاة أخرى منسوبة إلى الدو، لم تعرب لم تفصح، وقال ابن مقبل وذكر شدة الحر:
إذا ظلتْ العيسُ الخوامسُ والقطا ... معاً في هَدالٍ يتبعُ الريحَ مائلُه
توسدَ ألحي العيس أجنحةَ القطا ... وما في أداوي القومِ خفّ صلاصلُه
هدال غصون الشجر، يريد أن القطا من شدة الحر يلجأ إلى الشجر وتجيء الإبل أيضاً فتدخل رؤوسها في غصون الشجر لتكنها من الحر فتقع ألحيها على أجنحة القطا فتصير كالوُسُد لها، وصلاصله بقايا الماء فيها.
(1/327)

الأبيات في النعام
قال المرار يذكر الظليم:
ويطيرُ أسودُه ويبرقُ تحتُه ... برقَ السحابةِ شدّ ما يُجلي
أسوده جناحه ويبرق تحته ما ابيض من ريشه الصغار، برق السحابة شد ما يجلى أي شد ما يكشف.
ذو بُردةٍ خُلّت على جؤشوشهِ ... سوداء جافية من الغزلِ
جافية من الغزل لانتفاش ريشه.
وشقيقةٌ بيضاءُ غيرُ طويلةٍ ... عن ركبتيْه قليلةُ العضلِ
شبه السواد أعاليه وصدره ببردة سوداء قد خلّت عليه، وشبه بياض أسافله إلى ركبتيه بشقيقة بيضاء وهو ما شق باثنين، وقليلة العضل لأن ريشه إذا بلغ ركبتيه انقطع.
وقال الطرماح في هذا المعنى وكان الأصمعي يستحسنه، ويتعجب منه:
مجتابُ شملة بُرجُد لسراتِه ... قدراً وأسلم ما سواء البرجدُ
سراته ظهره.
وقال المرار:
حُرقَ الجناحُ كأنه متمايلٌ ... من آل أحبشٍ شاسعِ النعلِ
أي قد انحص ريش جناحه وكأنه يميل في شق، من آل أحبش أي من الحبش قد شسع نعله وقال لبيد:
(1/328)

ومكانُ زعلٍ ظلمانه ... كحزيقِ الحبشيين الزُّجُلِ
وقال ذو الرمة:
كأنه حبشيٌ يبتغي أثراً ... أو من معاشرٍ في آذانها الخُرَبُ
يقول قد تطأطأ يرعى فكأنه حبشي يطلب أثراً في الأرض أو سندي في أذنه خربة أي ثقب.
هجنَّع راحَ في سوداءِ مُخمَلة ... من القطائِفِ أعلى ثوبِه الهُدُبُ
وهذا مثل قول بشر يشبهه.
وكأنه، حبشي حازقة عليه القرطف
حازقة جماعة، والقرطف الكساء، شبهه ذو الرمة بأسود عليه قطيفة مقلوبة فالهدب ظاهر، وقال عنتر:
صَعل يعودُ بذي العُشيرةِ بيْضَه ... كالعبدي ذي الفروِ الطُوالِ الأسحمِ
شبه الظليم بعبد أسود عليه فرو مقلوب، والأسحم من نعت العبد وهو الأسود، وقال العجاج:
فاستبدلَتْ رسومُه سفنَّجاً ... أصك نَغضاً لا يني مستهدجَا
كالحبشي التف أو تسبجا
السفنج الظليم الواسع الخطو السريع المشي، أصك يصطك رجلاه، لا يني لا يزال، مستهدجاً يحمل على الهدَج وهو تقارب الخطو مع
(1/329)

سرعة المشي، تسبج ليس سبيجاً وهو بردة سوداء بقيرة وهو بالفارسية سبي فعرب.
وقال ذو الرمة:
كأنه حبشيٌ يبتغي أثراً ... أو من معاشرٍ في آذانها الخُربُ
أو مقحمٌ أضعف الإبطانَ حادجُه ... بالأمس فاستأجر العِدلانُ والقتَبُ
المقحم البعير الذي يقحم سِنَّين في سن وذلك أن يسدس ويبزل في سنة، والحادج الذي يشد الحدج وهو مركب، أضعف الإبطان أي لم يشد بطانه فيستوثق فاستأجر عدلاه وقتبه. شبه جناحي الظليم بالعدلين وذلك أنهما مسترخيان.
أضله راعياً كلبية صدراً ... عن مُطلبٍ وطُلي الأعناقِ تضطربُ
كلبية إبل كلب وهي سود فشبه الظليم ببعير منها، أضلاه أي غفلا عنه حتى ضل، صدراً يعني الراعيين، عن مطلب أي عن ماء بعيد لا يدرك إلا بطلب، والطُلية عرض العنق تضطرب من النعاس يقول ناما فضلَّ هذا البعير.
عليه زادٌ وأهدامٌ وأخفيةٌ ... قد كاد يجتزّها عن ظهرِه الحقَبُ
أهدام أخلاق وأخفيه أكسيه واحدها خِفاء ممدود، والحقب حبل يشد على حقو البعير، أراد أن حمله قد تأخر، شبه به جناحه.
كلٌ من المنظرِ الأعلى له شبهٌ ... هذا وهذانِ قدُّ الجسم والنُقَبُ
(1/330)

المنظر الأعلى الأرفع الأبعد، هذا يعني البعير وهذان يعني الحبشي والسندي، والنقب الألوان جمع نقبة.
وقال لبيد:
ويظلُ مرتقباً يقلّبُ طرفَه ... كعريشِ أهلِ الثَلّة المهدومِ
يريد أن في جناحه استرخاء فهو شبه بعريش قد تقوض.
ونحوه قول الآخر:
سماوة جون كالخباء المقوّض
وقال أبو النجم:
كأن بالسُهبِ أو حزبائه ... عرشٌ تحنَّ الريحُ في قَصبائِهِ
شبهه بمظلة من قصب وقال تحن الريح في قصبه يريد أن له حفيفاً في عدوه كحفيف الريح في هذا العرش.
وقال الطرماح:
بات يحفّ الأدحيّ متخذاً ... كسريْ بجادٍ مهتوكةٍ أصُده
الكسر جانب البيت، والبجاد كساء أسود، شبه جناحه وريشه على البيض ببيت مهتوك، أصده وهو ما بعضه إلى بعض.
(1/331)

وقال أوس وذكر ظليماً:
وتُبرى له زعراءُ إما انتهارها ... ففوَّتَ وإما حين يعي فتلحقُ
كأنّ جهازاً ما تميلُ عليهما ... مُقاربة إخصامِه فهو مُشنَقُ
الجهاز المتاع وما زائدة يريد كأن على كل واحد منهما حملاً من جناحه: وأخصامه نواحيه واحدها خُصم، ومُشنق مرفوع عليهما، وقال طرفة:
ومكانُ زعلٍ ظلمانه ... كالمخاضِ الجربِ في اليومِ الخَضِرِ
زعل نشيط، والمخاض الحوامل واحدتها خلفة من غير لفظها، والخضر البارد، والمخاض في اليوم البارد تضم فشبهها بها، وقال ابن مقبل وذكر منزلاً:
وتمشي به الظُلمان كالدُهمِ قارفَتْ ... بزيتِ الرهاءِ الجَون والزِفتِ طاليا
يقول كأن النعام فيه إبل دهم قد جربت فطليت بعكر الزيت، والجون الأسود، وقارفت خالطت، وقال أبو النجم:
كالآدمِ المطليّ في طلائِه ... صعداً وما حقواه في هنائه
شبه الظليم بالبعير المهنوء، يقول هو أسود وحقواه أبيضان هُنئ كله الأحقوية، وقال أيضاً:
(1/332)

والنَغض مثل الأجرب المدجّل
فالنغض الذي يحرك رأسه إذا عدا، والمدجل المهنوء بالقطران وشبهه بالأجرب لأنه قد أسن ذهب ريشه من أرفاغه.
قال ابن أحمر:
لَهدجدَج جُرْب مساعره ... قد عادَها شهراً إلى شهرِ
الهدجدج الذي يهدج في مشيته أي يقارب الخطو ويضطرب، والمساعر الآباط وباطن الأفخاذ، وليس هناك جرب إنما أراد أنه لا ريش عليه، وعادها يعني بيضة اختلف إليها شهراً بعد شهر.
وقول لبيد يصفه:
أفذاكَ أم صَعل كأن عِفاءهأوزاعٌ ألقاءٍ على أغصانِ
شبه ريشه بخرق خلقان ألقيت على أغصان، وقال ذو الرمة:
على كلِ حِزباءٍ رعيلٌ كأنه ... حمولةٌ طالٍ بالعنيّة مُهمِلُ
الحزباء المكان الغليظ، رعيل جماعة نعام.
والحمولة الإبل يحمل عليها والعنية أبوال الإبل تخلط مع أشياء وتطبخ فإذا عتقت عمل منها قطران، مهمل أهملها بعد الطلاء بلا راع.
وقال ذو الرمة:
ومن خاضِبٍ كالبَكرِ أدلج أهله ... فزاغَ عن الأحفاضِ تحت بجادِ
شبهه ببكر ثم وصف البكر، زاغ هرب، والأحفاض المتاع الذي
(1/333)

يحمله البعير والحفض أيضاً البعير نفسه، والبجاد كساء أسود مخطط تبنى به بيوت الأعراب.
قال كعب بن زهير:
ينجو بها خرِبُ المشاشِ كأنّه ... بخزامِه وزِمامه مسنوفُ
الخرب الذي لا مخ له، والمشاش المفاصل ويقال أن النعام جوف العظام لا مخ فيها، مسنوف مرفوع الرأس، وقال الهذلي ووصف عدوه وهربه:
كأن ملاءتيَّ على هِزَفٍّ ... يعنُّ مع العشيةِ للرئالِ
على حتّ البُرايةِ زمخري ال ... سواعدِ ظلَّ في شَرىٍ طوالِ
ملاءتاه ثوباه، والهزف الجافي، يعن يعرض، الرئال الصغار، حت سريع يقال فرس حت وسكب وبحر كل هذا في السرعة والالتهاب، والبراية ما يبقى منه بعد بري الكلال له يقال للدابة إنه لذو براية أي ذو بقية إذا براه السفر والمرض.
والزمخري الأجوف، والسواعد مجاري اللبن في الضرع وهي هاهنا مجاري المخ في عظام الظليم، والشرى شجر الحنظل، وقال أبو عبيدة على حت البراية على خفيف اللحم من الظلمان، والزمخري الشديد والسواعد ما ساعده من جناحه وقوائمه، وأراد: حت عند البراية في
(1/334)

التفسير الأول وهو مثل قولهم " فلان صدق المبتذل " أي صدق عند المبتذل.
وقال زهير:
من الظلمان جؤجؤه هواء
ألا لا مخ فيه، وأما قول أبي النجم:
يزعزع الجؤجؤ من أنقائه
فإنه أراد أنه إذا عدا حرك جؤجؤه من موضع الأنقاء لا أن هناك نقياً، والنقي المخ، وأنشد ابن الأعرابي لأعرابي في نفسه وأخيه:
وإني وإياهُ كرجليْ نعامةٍ ... على ما بنا من ذي غنى وفقيرِ
قال ابن الأعرابي كل طائر إذا كسرت إحدى رجليه أو قطعت تحامل على الأخرى خلا النعام فإن متى كسرت إحدى رجليه جثم ولم يتحامل بواحدة فأخبر أنه وأخاه كذلك إذا أصاب أحدهما شيء بطل الآخر.
وأنشد ابن الأعرابي:
إذا انكسرتْ رجلُ النعامةِ لم تجِد ... على أختِها نهضاً ولا باستْها جبرا
قالوا وإنما امتنع من الجبور لأنه لا مُخّ فيه.
وقال آخر:
(1/335)

أجدْكَ لم تظلع برجليْ نعامةٍ ... ولستُ بنهّاضٍ وعظمُكَ زمخرَ
أي أجوف، وقول لبيد:
كأن جؤجؤه صفيح كِران
الكران العود والكرينة القينة.
وقال عنتر:
وكأنما أقصُ الأكامَ عشيةً ... بقريبٍ بين المنسميْنِ مصلّمِ
قريب بن المنسمين يعني ظليماً، والمناسم للإبل والعرب تجعلها أيضاً للظليم ويقولون هو لا طائر ولا بعير، وفيه من البعير المنسم والوظيف والعنق والخزامة اليت في أنفه، وفيه من الطير الريش والجناحان والذنب والمنقار.
وقال حسان:
لعمركَ أنّ آلكَ في قريشٍ ... كآلِ السقبِ من رألِ النعامِ
أراد إنك ضعيف النسب في قريش وإنك حين وجدت أدنى سبب ادعيت إليهم وأن ذاك السبب في ضعفه كشبه الرأل بالسقب، وقال يحيى بن نوفل:
ومثلُ نعامةٍ تدَّعي بعيراً ... تعاظمُها إذا ما قيلَ طيري
وإن قيلَ احمُلي قالتْ فإني ... من الطيرِ المرِبّة بالوكورِ
هذا يضرب مثلاً للرجل يعتل في كل شيء يكلف فعله.
(1/336)

وقول عنتر: مصلم يريد لا أذن له، والعرب تصف النعام بالتصليم خاصة وكل طائر مصلم وإنما اختصوا النعامة بذلك.
فقال زهير:
أصّك مصلّم الأذنينِ أجني ... له بالسِيّ تنومُ وآهُ
وقال كبشة بنت معدي كرب:
فمُشوا بآذان النعامِ المصلم
وقال علقمة:
ما يسمع الأصوات مصلوم
لأنهم يضربون المثل بالنعامة في الموق وسوء التدبير ويقولون ذهبت النعامة تطلب قرنين فقطعوا أذنيها، فأرادوا بمصلم هذا المعنى، وقال أبو العيال:
أو كالنعامةِ إذ غدتْ من بيتها ... ليصاغُ قرناها بغيرِ أذيْنِ
فاجتُثَّتِ الأذنانِ منها فانتهتْ ... صلماءَ ليست من ذواتِ قرونِ
وكذلك يقولون ذهب الغراب يتعلم مشية الديك فلم يحسنها ونسي مشيته.
قال أبو عمران الأعمى في تحوّل قضاعة عن نزار إلى اليمين:
(1/337)

كما استوحش الحي المقيم لرحلة ال ... خليط ولا عز الدين تحملوا
كتارك يوماً مشية من سجية ... لأخرى ففاتته وأصبح يحجلُ
فصار قولهم مصلم كافياً من قولهم ظليم، وكذلك يقولون صكاء فيكفيهم من نعامة، ويقولون خنساء فيكفيهم من بقرة، ويقولون أعلم فيكفيهم عن بعير. قال عنتر:
تمكو فريصته كشدق الأعلم
وقال الرجز:
أخو خناثير أقود الأعلما
وقال آخر:
خنساء ضيعت الفرير
وقال المسيب بن علس يصف ناقة:
صكاءَ علبةٍ إذا استقبلتُها ... حرج إذا استدبرتُها هلواعِ
(1/338)

والصكك اصطكاك رجلي الناقة وهو عيب ولم يكن ليصفها بعيب ولكنه أراد بصكاء نعامة فكأنه قال نعامة إذا استقبلتها.
وقال عدي بن زيد:
والخدّيف العاري الزوائد مل حفا ... ن داني الدماغ للآماق
الخدب العظيم من النعام ومن كل شيء، والزوائد ربما كانت في مناسمه كزيادة الأصابع في الناس وكذلك زوائد الأسد.
قال لبيد:
أوذي زوائد لا يطاف بأرضه
والجفان فراخ النعام، وقوله داني الدماغ للآماق يريد أن رأسه منصوب إلى بين يديه فدماغه قريب من آماق عينيه وأراد أنه عاري الزوائد من الريش.
وقال امرؤ القيس:
كأني ورحلي والقرابُ ونمرقي ... على يرفئي ذي زوائدٍ، نقنقِ
اليرفئي الخائف الفزع.
وقال أبو النجم:
يحفرُ بالمنسمِ من فرقائهِ ... ومرةً بالحدِ من مجذائِه
(1/339)

الفرقاء الفرق الذي في المنسم، ومجذاؤه منقاره وقيل ما يجذو عليه أي ينتصب.
وقال أوس بن حجر:
وينهي ذوي الأحلامِ عني حلومهم ... وأرفعُ صوتي للنعامِ المخزَّمِ
جعله مخزماً للخرقين اللذين في عرض أنفه وهو في موضع الخزامة من البعير.
وقوله أرفع صوتي للنعام فخصه لنفاره وشروده وموقه وسوء فهمه فضربه مثلاً للجهال، يقول: الحكيم يكفينيه حلمه والجاهل أزجره أشد الزجر.
وقال سهم بن حنظلة يهجو بني عامر:
إذا ما لقيتُ بني عامرٍ ... رأيتُ جفاءً ونوكاً كبيرا
نعامٌ تمدُ بأعناقِها ... ويمنعُها نوكُها أن تطيرا
وقال بشر بن أبي خازم:
وأما بنو عامرٍ بالنسارِ ... فكانوا غداةً لقونا نعاما
نعاماً بخطمةِ سعرِ الخدوِ ... دلاً تطهُمُ الماءَ إلا صياما
شبههم بالنعام حين هربوا مسرعين.
ويقال في المثل: أشرد من نعام.
قال الشاعر:
(1/340)

وهم تركوني أشرد من ظليم
ولخفة النعامة وسرعة طيرانها وهربها قالوا في المثل " شالت نعامتهم - وزف رألهم " إذا هلكوا وقوله " لا تطعم الماء إلا صياماً " أي قياماً.
وقال آخر يصف الخيل:
كأنهم برملِ الخلِ قصراً ... نعام قلنَ في بلدٍ قفارِ
وقال زيد الخيل وذكر قوماً هاربين:
كأنهم بجنبِ القاعِ أصلاً ... نعام قالصٌ عنه الظلولُ
وقال علقمة بن عبدة:
فوهٌ كشدقِ العصا لأياً تبيّنه ... أسكُ ما يسمع الأصواتَ مصلومَ
قوله كشق العصا يريد أنه لاصق ليس بمفتوح فلا يكاد يرى شقه كأنه صدع في قوس.
وقال النظار الفقعسي:
(1/341)

محدرجُ العينِ كأنّ خطْمه ... في الرأسِ صدعاً سية خفيّانِ
السية ما انحنى من القوس شبه فاه بصدع في سية، وقال ذو الرمة:
أشداقها كصدوع النبع في قلل
وقوله أسك ما يسمع الأصوات فيه قولان أحدهما أنه أراد بما معنى الذي أي أسك الذي يسمع الأصوات والذي يسمع الأصوات أذنه وكأنه قال أسك الأذن مصلوم، والآخر أنه يقال أن الظليم لا يسمع الأصوات ويكفيه الشم والاسترواح من السمع والمثل يضرب باسترواحه، قال:
أشم من هَيق وأهدي من جَمل
وقال الراجز:
وهو يشتم اشتمام الهَيق
وقال آخر:
وربدا يكفيها الشميمُ ومالَها ... سوى الربدِ من أنسٍ بتلك المجاهلِ
يقول لا تأنس بشيء من الوحش إلا بنعام مثلها.
وقال آخر:
وجاءَ كمثلِ الرأل يتبعُ أنفَه ... لعقبيْه من وقعِ الصخورِ قعاقعُ
وأحسب هذا البيت لبعض المحدثين، والرأل يشم ريح أبيه وأمه والسبع والإنسان من مكان بعيد، وأراد بقوله يتبع أنفه أنه يستروح الشيء فيتبع الرائحة كما قال الآخر في الذئب:
(1/342)

خفي الشخص للريح تابع
ليس قول من قال أنها لا تسمع بشيء لأن الشعراء جميعاً على غير ذلك.
قال الحارث بن حلزة:
بزفوفٍ كأنّها هقلُة أمٍّ ... رئالٍ دويّة سقفاءُ
آنستُ نبأةً وأفزعَها القنّا ... صُ عصراً وقد دنا الإمساءُ
النبأة الصوت، وقال علقمة:
تحفّه هقلةٌ سقفا خاذلةٌ ... تجيبه بزمارٍ فيه ترنيمُ
يوحي إليها بإنقاصٍ ونقنقةٍ ... كما تراطَنَ في أفدانِها الرومُ
وقال لبيد:
متى ما تشأ تسمعُ عراراً بقفرةٍ ... يجيبُ زماراً كاليراعِ المثقّبِ
وقال الطرماح:
يدعو العرارَ بها الزمار كأنّه ... ألِم يجاوبُه النساءُ العوّدُ
وقال طرفة:
أو خاضبٌ يرتعي بهِقْلتِه ... متى تَرُعْه الأصواتُ يهتجِسُ
وأما قول الهذلي - أسامة بن الحارث:
(1/343)

لعمري لقد أمهلتُ في نهي خالدٍ ... إلى الشأمِ إما يعصينكَ خالدُ
وأمهلتُ في إخوانهِ فكأنما ... يسمع بالنهي النعامُ الشواردُ
فأراد أن الشوارد من النعام لا تعرج عليك ولا تقبل منك كما قال الله تبارك وتعالى " إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين " فأراد كأنني أسمعت بإسماعي خالداً نعاماً شارداً لا يرعوي لقول، ونحو منه:
وأرفع صوتي للنعام المخزم
جعل النعامة مثلاً للجهال الذين لا يقبلون ولا يفهمون، يقول: من كان جاهلاً زجرته أشد الزجر، وقال أبو النجم وذكر ظليماً:
إذا لوى الأخدع من صمعائه ... صاح به عشرون من رعائه
يريد إذا لوى عنقه يلتفت إلى الفارس صاح به عشرون من الجن وهم يزعمون أن النعام نعم الجن، يقول يلعي عنقه من موضع أذنه.
وقال:
ومَهْمَهَ مشتبهُ الأعلامُ ... تهابُه الجنُ على النعامِ
وقال:
يتبعنَ هيقاً غافلاً مضللاً ... قَعود جنٍ مستفزاً أغيلا
أغيل عظيم، يقال ساعد غيل إذا كان ممتلئاً، وهم يزعمون أيضاً أن الجن تمتطي الثعالب والظباء والقنافذ وتجتنب الأرانب لمكان الحيض ولذلك كانوا يعلقون كعب الأرنب، وأنشدني الرياشي:
(1/344)

كراعي الخيال يستطيف بلا فَكر
وقال: راعي الخيال الرأل ينصب له الصائد خيالاً فيألفه فيأخذ الخيال فيتبعه الرأل، قال وأخبرني ابن سلام الجمحي عن يونس النحوي قال: يقال ليس لي في هذا الأمر فكر بمعنى تفكر.
وقال النظار الفقعسي:
أصكٌّ صعلٌ ذو جرانٍ شاخصٍ ... وهامةٍ فيه كجروِ الرمانِ
أصك يصطك عرقوباه، وصعل صغير الرأس، وجرو الرمان والحنظل والقثاء صغارها - يريد أنه صغير الرأس، وقال عنتر:
يتبعنَ قلةَ رأسِه فكأنه ... حرَجٌ على نعشٍ لهن مخيّمُ
قلة رأسه أعلاه، والحرج عيدان تشد بعضها إلى بعض يحمل فيها الموتى يقول هذا الظليم قد علاهن كأنه حرج على نعش.
تأوي له حِزَقُ النعامِ كما أوَتْ ... حزقٌ يمانيةٌ لأعجمٍ طِمطِمِ
تأوي له أي إليه جماعات النعام شبه جماعة النعام حول هذا الظليم بقوم من اليمن حول رجل من العجم يستمعون كلامه ولا يدرون ما يقول، ويروي قُلص النعام وهي شوابها، وقال الطرماح:
وقلاصاً لم يَغُذهنَ غبوقٌ ... دائماتُ النحيمِ والانقاضِ
القلاص إنات النعام الفتاء، والنحيم والانقاض أصواتها، وقال
(1/345)

ذو الرمة:
شخت الجُزارةُ مثل البيتِ سائره ... من المسوحِ خدب شوقبُ خشبُ
كأن رجليه مسماكان من عشر ... صقبان لم يتقشر عنهما النجَبُ
شخت الجزارة يقول هو دقيق القوائم، وسائر خلقه كبيت مسوح، خدب ضخم، شوقب طويل، خشب جاف، مسماكان عودان، ضقبان طويلان، والنجب لحاء الشجر.
ألهاهُ آهٌ وتنّومُ وعقبته ... من لائحِ المروِ والمرعى له عُقَبُ
الآء والتنوم نبتان، يقول إذا رعاهما مرة رعى المرو مرة أخرى وهو الحصى الصغار، ولائحه الأبيض الذي يلوح والظليم يغتذي الصخر والحصى ويذيبه بحر قانصته حتى يجعله كالماء الجاري وهو يبتلع الجمر وأوزان الحديد وربما أحميت له فابتلعها.
وقال أبو النجم:
والمروُ يلقيه إلى أمعائه ... في سرطمٍ هادٍ على التوائهِ
يمرُ في الحلقِ على علبائهِ ... تعمَج الحيةُ في غشائهِ
السرطم الحلق يسرطم يبتلع، هاد لا يجوز على أنه ملتو في الخلقة، تعمج تلوي شبه التواء المرو إذا ابتلعه فمر في حلقه ملتوياً بالتواء الحية.
وقال الشماخ:
ودويةٌ قفزٌ تمشي نعامُها ... كمشي النصارى في خفافِ الارندجِ
(1/346)

شبه سواد أرجل النعام بسواد خفاف الارندج في أرجل النصارى لأنهم كانوا يلبسونها والعرب كانت تلبس الأدم.
وإنما يقال للظليم خاظب إذا احمر وظيفاه وهما يبتدئان في الاحمرار عند دخول الصيف وابتداء الحمرة في البسر ثم لا يزالان يزدادان حمرة إلى أن ينتهي حمرة البسر.
وأما الخاضب من بقر الوحش فهو الذي يخضر أظلافه من وطء الرطب وإنما أراد أن النعام آمنة مطمئنة بهذه الأرض فهي تتبخر في مشيها، والأرندج جلود سود.
وقال أبو النجم:
خلُ الذنابي أجدفُ الجناحِ ... يمشينَ بالتلعِ وبالقِرواحِ
مشي النصارى بزقاقِ الراحِ
الخل القليل الريش، والأجدف القصير يقول النعام يمشين مشياً بطيئاً لأنها آمنة ممتلئة من المرعى كمشي النصارى قد حملوا زقاق. خمر تحت آباطهم فهم يمشون في شق مشياً بطيئاً.
وقال ذو الرمة:
حتى إذا الهَيقُ أمسي شام أفرخَه ... وهنٌ لا مؤيسٌ منه ولا كَثَبُ
أراد لا نظر مؤيس منه فلذلك لم يقل مؤيسات أي ليس الفراخ بعيدات منه فيؤيسه البعد من بلوغهن في يومه فيفتر ولا بالقريبات فيغتر ولكنها بين ذلك فهو أنجى له وأسرع.
وقوله يذكر الظليم:
(1/347)

ويسطعُ أحياناً فينتسبُ
أي يرفع رأسه فيتبين لك أنه ظليم، وقال يصف النعامة:
كأنها دلوُ بئرٍ جدّ ماتحها ... حتى إذا ما رآها خانَها الكربُ
الماتح الذي يستقي على البكرة، يقول حين ظهرت الدلو له فرآها انقطع الكرب وهو العقد على خشب الدلو فهوت في البئر فشبه سرعة النعامة بسرعة الدلو في تلك الحال.
وقال امرؤ القيس يذكرهما:
إذا راحَ للادحيّ أوباً يفنها ... فترمدّ من إدراكهِ وتحيضُ
أوباً مساء يقال أبت الحي أتيته مساء، قال الأخطل:
ولو يشاؤون آبوا الحيّ أو طرقوا
والطروق ليلاً، يفنها يطردها والفانّ الطارد، وترمد تسرع.
وقال الأعشى يذكرهما:
يتباريانْ ويَخشيانْ إضاعة ... ملثِ العشيّ وإن يغيبا يُفقدا
يتباريان في العدو ويخشيان إضاعة الفراخ، ملث العشي اختلاط الظلام، وإن يغيبا عن الفراخ تجد الفراخ فقدهما، وقال أبو النجم:
ورفَعَ الظليمُ من لوائهِ ... إشراف مُرديّ على صُرّائِه
لواؤه عنقه، شبهها بمردى قد أشرف على رأس الملاح يرفعه ويقذف به في الماء.
وضُم صُعدا جانبي خبائهِ ... ضمُّ فتي السوءِ على عطائهِ
(1/348)

خباؤه جناحاه، صعدا ارتفعا إلى فوق وكذلك يفعل إذا عدا أي كما يضم على عطائه البخيل كي لا يراه أحد فيسأله.
وطَمَحتْ عيناه في قرعائِه ... ونَسْيَ ما يذكرُ من حيائهِ
قرعاؤه هامته لأنه لا ريش فيها، يقول سا ببصره أمامه ليعدو، ونسي ما يذكر من حيائه، هذا مثل لأن الرجل إذا استحيا طأطأ رأسه، يقول كان الظليم يرعى مطأطئاً رأسه كالمستحي فلما فزع رفع رأسه فكأنه رجل نسي حياءه، ويقال بل كان يحمي بيضه أو رئاله من السباع فلما رأى الطارد نسي حياءه يعني محاماته عن البيض فهرب.
هاوٍ تضلّ الطيرُ في خوائِه ... وجدّ يفري الجلدُ من أنسائهِ
هاو يهوي في الأرض، قال الأصمعي: أراد أنه من سرعته بين السماء والأرض والطير بينه وبين الأرض كأنها ضلت، ويروي تضل الريح، أي من سعة ما بينه وبين الأرض، والخواء ما بينه وبين الأرض، يُفرى يُقطع في فساد، والأنساء جمع نسا وهو عرق في الرجل، يقول كأن جلد رجليه قد انشق بالعدو.
وقال الكميت يصف النعام:
(1/349)

فاستورأت بفريّ كاد يجعله ... طيرورة زفيان الحرجف الزجل
فاستورأت مرّت على نفار، والفري العدو الشديد، وزفيان صوت، والحرجف ريح ممتدة، والزجل المصوت ويقال زفيان من زفاه يزفيه أي استخفه وطرده، يقول كاد طرد الريح له أن يجعل عدوه طيراناً والظليم يستقبل الريح إذا عدا وكلما اشتد عصوف الريح كان أشد لعدوه.
وقال أبو عبيدة: وإنما يستقبلها لأنه إن استدبرها أكبته فيضع عنقه على ظهره ثم يخرقها، قال غير أبي عبيدة: والثور أيضاً يستقبل الريح إذا عدا.
وقال عبدة بن الطبيب يصف الثور:
مستقبلُ الريحِ يهفو فهو مبتركٌ ... لسانُهُ عن شمالِ الشدقِ معدولُ
والثور إذا عدا أخرج لسانه من الشدق الأيمن وعدله إلى الأيسر. والذئب يستقبل الريح إذا عدا يشم أرواح جرائه وغيرها.
قال طفيل:
كسِيدِ الغضا الغادي أضلّ جراءه ... على شرفِ مستقبِلِ الريحِ يلحَبُ
وقال الأخطل يصف الظليم والنعامة:
تعاوَرَا الشدّ لما اشتدّ رفعهما ... وكان بينهما من غائطٍ وشعِ
(1/350)

خمساً وعشرين ثم استدرعتْ زغباً ... كأنهنَ بأعلى لعلعٍ رِجَعِ
الوشع الطريقة من الغبار وهي الوشائع شبه طرائق الغبار إذا عدا بوشائع الثوب وهي الخيوط التي لحم بها السدى، وقوله خمساً وعشرين يعني أنهما يختلفان إلى بيضهما خمساً وعشرين ليلة، حتى استدرعت فراخها زغباً أي تدرعت، رجع حواسر الإبل وصغارها.
وقال زهير وذكر نعامة:
تحنُّ إلى مثلِ الحمانينِ جُثّما ... لدى سكنٍ من قيضِها المتفلِّقُ
تحطّم عنها قيضها عن خراطِمٍ ... على حدقٍ كالنبحِ لم يتفتّقُ
الحمانين القردان واحدها حمنان شبه بها الفراخ، لدى سكن من قيضها أي عند الموضع الذي كانت تسكنه من البيض المتكسر، وشبه حدقها بالجدري الذي لم يتحفر، وقوله على حدق أي مع حدق.
وقال أبو النجم:
والبيضُ في نَؤي من انتئائه ... والأمُ لا تسأمُ من ثوائهِ
حتى يدبُّ الرألُ من خِرشائِه ... وباتَ مأوى الوَدِّ من بنائهِ
يقول جعل البيض في حظيرة كالنؤي لئلا يحتمله السيل، والأم لا تمل من حضنه وأراد من ثواء عليه، والخرشاء قشر البيضة
(1/351)

الرقيق، يقول بات قريباً من أبويه كمكان الودّ من الخيمة.
وقال ذو الرمة يذكر الرئال:
أشداقُها كصدوعِ النبعِ في قُللٍ ... مثل الدحاريجِ لم ينبتْ بها الزغبُ
كأنّ أعناقَها كُرّاثٌ سائفةٌ ... طارتْ لفائفُه أو هيشر سُلُبُ
أراد أشداقها كشقوق في النبع، والأشداق في قلل أي في رؤوس، مثل الدحاريج والدحروجة ما دحرجته من شيء، وشبه أعناقها بلون الكراث وهو نبت ويقال شبهها به لرقتها، سائفة مسترقّ الرمل طارت لفائفه أي قشوره، وهيشر شجر، سلب سقط ورقه.
وقال الكميت لقضاعة:
كأمِ البيضِ تلحفُه غُدافاً ... وتفرشُه من الدمثِ المهيلِ
غداف ريش أسود طويل، والدمث أرض لينة.
لما قيِّض عن حَتَكٍ لصوقٍ ... بأزعرٍ تحت أهدبٍ كالخميلِ
قيض عن حتك تفلق، والحتك الفراخ واحدها حتكة، أزعر صغار الريش، وأهدب طواله، والخميل القطيفة، يعني الظليم.
كأنّ القيضَ رعَّثه بودعٍ ... مع التوشيحِ أو قطعِ الوذيلِ
رعثه يقول بقي قطعة من كسر البيض في موضع أذن الفرخ مثل القرط الرعثات القرطة، والوذيل الفضة.
أويْنَ إلى ملاطِفةٍ خضودٍ ... لمأكلهنِ صفطافَ الرُبولِ
(1/352)

ملاطفة أم، خضود كسوب، لمأكلهن أي لأكلهن، والطفطاف ما تدلى منالجر، والربول شجر واحدها ربْلة وهي تنبت في الصيف في الرمل، يريد لهن ابقل.
تسبّع دونهنَّ لكلِ وحيٍ ... تعرض من أزلّ لها نسولِ
الوحي الصوت، والأزل الذئب، نسول في عدوه، يقول تحمي الفراخ.
فلما استرألتْ حسبتُ سواءً ... مفارقةَ الرعيلِ إلى الرعيلِ
فساقَطَها الفراقُ بكلِ غيبٍ ... خواذل بالمقدِّ وبالمُقيلِ
استرألت صارت رئالاً، والرعيل الجماعة، ساقطها الفراق يقول فارقت أبويها واستبدلت بهما نعاماً أخرى، والغيب المطمئن منالأرض، خواذل مفارقة، والمقد طريق يقد الأرض قداً، حيث تقيل، شبه قضاعة في انتقالها إلى اليمن عن نزار بهذه الرئل وقال أيضاً في مثل هذا المعنى:
أولى وأولى له حسني وسيئة ... تَبالِيَ الهيقُ والمكلوءُ ذي الزغبِ
يقول أوليه حسني وأولاني سيئة كتبالي الهيق وفخه حين يحفظه ويكلؤه وتبالي تفاعل.
لما تفلَّق عنه قيضُ بيضَتُه ... آواهٍ في ضِبنٍ مضبوءٍ به نصبِ
يقول آواه أبوه في ضبنه، مضبوء لاطيء بالأرض.
(1/353)

وإن تعرضَ معتسُ الذئابِ له ... أوفى بأولقٍ ذي الزبّونةِ الحرِبِ
الأولق الجنون، والزبونة من زبنة أي دفعه، والحرب العالم بالحرب.
حتى إذا علمَ التدارجُ واتخذتْ ... رجلاهُ كالودعِ آثاراً على الكُثُبِ
وخالَهُ ضد من قدْ كان يكلؤه ... بالأمسِ إنّ الهوى داعٍ إلى الشجبِ
ظن أنه مثل أبيه وأنه سيقاوم الذئب إن لقيه، والشجب الهلاك.
ولي مباعدةٌ منه ومزريةٍ ... من غيرِ مُزري به والحينُ ذو سببِ
يريد أنه ترك أباه وانفرد. وقال - ذو الرمة:
وبيض رفعنا بالضحى عن مُتونها ... سماوة جونٍ كالخباءِ المقوضِ
هَجومٌ عليها نفسُه غيرَ أنه ... متى يُرمَ في عينيْه بالشخصِ ينهضِ
بيض يعني بيض نعام، وسماوة الشيء شخصه، والجون الظليم هاهنا، والمقوض المقلوع، شبه الظليم بالخباء المقلوع، هجوم عليها نفسه أي يرمي نفسه على البيض، متى يرم في عينيه بالشخص أي متى ير شخصاً يقم عن بيضه.
وقال ذو الرمة:
إذا هبّتِ الريحُ الصبا درجتْ به ... غرابيبُ من بيضِ هجائنٍ دردقِ
الصبا والجنوب تهبان في أيام يبس البقل وهو وقت ينقف فيه
(1/354)

النعام بيضه، فيقول إذا كان هذا الوقت درجت بهذا الموضع رئلان سود، من هجائن أي بيض ابيض، دردق صغار وهو من صفة الرئلان لا واحد لها من لفظها، وقال الشماخ:
ووحشيةٌ بيضا قد صدَّتْ صاحبي ... ولادة صِعونَّينِ حمشٌ شواهُما
ولودين للبيضِ الهجانِ وحالكٌ ... من اللونِ غريبٌ بهيمٌ علاهُما
وحشية يعني بيضة نعام، والصعون الخفيف الرأس، حمش دقيق، شواهما أطرافهما، حالك أسود، يقول يلدان بيضاً أبيض وهما أسودان، وقال ذو الرمة:
وبيضاً لا تنحاشُ منا وأمُّها ... إذا ما رأتنا زيل منا زويلُها
نتوج ولم تقرفْ بما يمتنى له ... إذا أنتجتْ ماتتْ وعاش سليلُها
بيضاء يعني بيضة نعامة، لا تنحاش لا تفزع، وأمها يعني النعامة إذا ما رأتنا ذعرت وفزعت، يقال للرجل إذا رعب: زيل منه زويله وزيل بغير الغ لغة، نتوج حامل يعني البيضة، ولم تقرف لم تدان، لما يمتنى له أي للضراب الذي يمتنى له، والسليل الفرخ، وقال أيضاً:
وميّتةُ الأجلادِ يحيا جنينُها ... لأولِ حملٍ ثم يورثُها عُقرا
يعني البيضة إذا خرج الفرخ لم تحمل البيضة بعده حملاً، وقال الكميت وذكر النساء:
لهنَ وللمشببِ ومن علاه ... من الأمثالِ قائبةٌ وقوبُ
(1/355)

قائبة قشر البيضة، والقوب الفرخ يقول ذو المشيب من النساء بمزلة الفرخ من البيضة إذا خرج منها وانكسرت فليس يرجع إليها أبداً، وقال لقريش:
فقائبةٌ ما نحنُ غدوا وأنتم ... بني غالبٍ إن لم تفيؤوا وقوبُها
يقول إن لم ترجعوا عما أنتم عليه فارقناكم غداً كفراق الفرخ بيضته إذا خرج منها لم يعد إليها، وقال ذو الرمة يذكر بيضاً:
ترائكٌ أيأسن العوائدُ بعد ما ... أهفن فطارُ الفرخِ بعد رُزامِ
ترائك فواسد قد تركت واحدتها تريكة، أيأسن العوائد يعني الأمهات من أن يعدن فيحضنّ البيض، بعد ما أهفن أي دخلن في الهيف وهي الريح الحارة، بعد رزام بعد أن لا تستطيع تنهض، يقول من هذا البيض ما فسد ومنه ما لم يفسد طارت فراخ بعد أن كان
(1/356)

رازماً، والرازم المهزول الذي لا ينهض من الإبل وغيرها، وسئلت ابنة الخس هل يلقح البازل؟ قالت نعم وهو رازم، أي وإن كان لا يقدر على النهوض.
وقال ابن أحمر:
وما بيضاتُ ذي لبدٍ هجفٍّ ... سقيْنَ بزاجلٍ حتى روَينا
هجف يعني ظليماً جافياً والزاجل مني الظليم من زجله يزجله.
يظلُّ يجفهنَ بقَفْقَفيْه ... ويلحفهُنَ هفافاً ثخينا
وهو ثخين أي بعضه فوق بعض.
وضعْنَ وكلهنَ على غرارٍ ... حصانُ الجيبِ قد وسقت جَنيْنا
وضعن يعني البيضات، وهن على غرار أي على مثال في الأقدار ويقال أيضاً أنها تضع بيضها طولاً ثلاثين بيضة أو نحوها كخيط ممدود ثم تعاقب بينها في الحضن فمن ذهب إلى هذا قال في قوله - وكلهن على غرار - أي على استواء في الطول ومثال واحد لا تخرج واحدة عن الأخرى كما قال الآخر:
على غرارٍ كامتدادِ المطمرِ
يعني بيض النعام والمطمر خيط البناء، وقوله حصان الجيب يعني البيض لم يقارفن سواء، وسقت جنيناً حملت جنيناً، والقول في البيض هو الأول أنهن على مقدار.
(1/357)

وقال ثعلبة بن صعير العدوي وذكر الظليم والنعامة:
فتذكرت ثَقَلاً رثيداً بعدما ... ألقت ذُكاء يمينها في كافر
الثقل هاهنا البيض وجعل بيضها ثقلها ومتاعها والرثيد المطروح بعضه على بعض فقد رثدته، وذكاء الشمس وهي لا تنصرف، وكافر الليل لأنه يغطي كل شيء، وقوله ألقت يمينها هذا مثل أي صار أوائلها في الغور.
ومثله قول لبيد في الشمس:
حتى إذا ألقَتْ يدا في كافرٍ وأجنّ عوراتُ الثغورِ ظلامُها
وقال علقمة بن عبدة:
حتى تلافي وقرنُ الشمسِ مرتفعٌ ... أدحيّ عرسينِ فيه البيضُ مركومُ
فجعل البيض بعضه على بعض، وقال أبو النجم:
والبيض في نؤي من انتئائه
يقول حفر له حفيرة كالنؤي، وقال لبيد:
بكثيِّبٍ رابيةٍ قليلٍ وطؤُه يعتادُ بيتُ موضَّعٌ مركومُ
الموضع بيضه، وبيته الأدحى. وقال ابن أحمر وذكر امرأة:
كودعةِ الهجاجِ بوأها ... ببِراق عاذَ البَيْضُ أو ثجُر
(1/358)

لهدجدج جرب مساعره ... قد عادها شهراً إلى شهر
وديعته بيضته، والهجهاج الظليم وهو الجافي الفزع، وعاذ موضع منسوب إلى البيض كأن النعام تبيض فيه، وقال ابن هرمة:
فإني وتركي ندى الأكرمينَ ... وقَدَحي بكَفي زندا شحاحا
كتاركةٍ بيضَها بالعراءِ ... وملبسةٍ بيضَ أخرى جناحا
ويقال في المثل: أموق من نعامة، وذلك أنها ربما خرجت للطعم فرأت بيض نعامة أخرى قد خرجت لمثل ما خرجت له فتحضن بيضها وتدع بيض نفسها، ويقال: أخرق من حمامة، وذلك لأنها لا تجيد عمل العش وربما وقع البيض فانكسر، قال عبيد:
عيّوا بأمرِهم كما ... عيَّت ببيضتْها الحمامه
جعلتْ لها عودينِ من ... نشمٍ وآخرٍ من ثَمامه
النشم شجر يتخذ منه القسي صلب، والثمام نبت ضعيف، يقول قرنت هذا بهذا فسقط البيض فانكسر، ويقال أيضاً: أخرق من عقعق، لأنه وإن كان حذراً فإنه من الطير الذي يضيع بيضه وفراخه، ويقال: أسرق من كِنش، وهو العقعق، وأنشد ابن الأعرابي:
هل تلحقني بالغادينَ دوسرة ... كأنها ذِعلبٌ بالطُفْي ملتحفُ
ألقي الثماني على أجسادٍ مطبَقةٍ ... بالدومنهنَ منتوجٌ ومكترفُ
الطفي خوص الدوم والثماني يريد الثماني ريشات ومن مقاديم
(1/359)

جناحه، والمطبقة البيض أطبقت على ما فيها، والمكترف الذي مات في بيضه وأنتن.
وقال عدي يصف نباتاً:
لم تعبه إلا الأداحي فقد وب ... ر بعض الرئال في الأفلاق
وبر ازلغّب وهذا مستعار إنما التوبير في الإبل، يقول: هذا الموضع لا ترى فيه إلا أدحيا ونباتاً وزهراً فهو أحسن ما يكون وأحفل، والأفلاق فلق البيض، وقوله لم تعبه مثل قول النابغة:
ولا عيبَ فيهم غير أن سيوفَهم ... بهنَ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
لأنه ما كان كذلك فهو مبرأ من العيوب، ونحو منه قوله يصف النساء:
كدمي العاج في المحاريب أو كال ... بيض في الروض زهره مستنير
سئلت ابنة الخس أي شيء أحسن منظراً؟ فقالت: قصور بيض في حدائق خضر.
وقال الأخطل وذكر الثور:
وزمَّتِ الريحُ بالبُهمي جحافِلُهُ ... واجتمعَ القيضُ من نَعمانِ والخَضرِ
زمت الريح الجحافل بالسفا وهو شوك البهمي وهذا حين يهيج النبت واجتمع القيض والخضر، القيض قشور البيض والخضر النبت الأخضر، يريد أنهما ذهبا جميعاً وجف النبت فكأنهما لما فارقا هذا الموضع اجتمعا ولم يرد أنهما اجتمعا في موضع.
(1/360)

وقال امرؤ القيس:
وتحسبُ سلمى لا تزالُ ترى طلي ... من الوحشِ أو بيضاً بميثاءِ مِحلالِ
يقول تحسب سلمى لا تزال في هذا الموضع وهو مبدأها في الربيع، قال وإنما يرى البيض والطلي في الربيع فإذا جاء الصيف تفرقوا.
وقال يصف امرأة:
كبِكرِ المقاناةِ البيّاضِ بصفرةٍ ... غذَّاها نميّرِ الماءِ غير محللِ
ويروي: كبكر مقاناة البياض بصفرة، يعني البيضة قونيت بياضاً بصفرة أي خالط بياضها صفرة وكذلك بيضة النعامة، يقال ما يقانيني هذا الأمر أي ما يوافقني، وهو مثل قول ذي الرمة:
كحلاء في برج صفراء في نعج كأنها فضة قد مسها ذهب
يقول ليست بيضاء مهقاء والأمق الذي لونه لون الجص، ونمير الماء النامي في الجسد وإن كان غير عذب، غير محلل يقول لم يحله الناس فيغيروه ويثوّروه، يصف حسن غذاء المرأة، وقال طفيل يذكر إبلاً:
عوازبٌ لم تسمَعْ نبوحَ مقامةٍ ... ولم ترَ ناراً تمّ حول مجرَّمِ
سوى نارِ بيضٍ أو غزالٍ بقفرةٍ ... أغن من الخنس المناخر توأمِ
عوازب تبيت القفر لا تروح إلى أهلها، والنبوح جلبة الحي وأصواتهم، تم تمام، مجرم مقطوع ماض، أي هي في القفر لا ترى ناراً ولا تسمع جلبة سوى نار بيض نعام توقد له وغزال يصاد،
(1/361)

والنار توقد للظباء لتعشى إذا أدامت النظر إليها فتصاد وللرئال ويطلب بها بيض النعام في أداحيها، وقال الطرماح وذكر مكاناً:
كم به من مَكْنِ وحشيةٍ ... قِيضَ في منتثَلِ أو شيامِ
المكن البيض وهو للضباب واستعاره، وحشية نعامة، قيض السهلة، والمنتثل الذي أخرج ترابه لأنه حفر قبل ذلك، والشيام الأرض السهلة، ويروي: من مكو وحشية والمكو الجحر وجمعه مِكاء مثل دلو ودلاء ومن قال مَكا قال أمكاء مثل قفا وأقفاء، أنشد أبو زيد:
أما تعرف الأطلال قد طال طيلها ... بحيث التقت رمُد الجِناب وعينِها
يقال قد طال طيلك وطيَلك، والعِين البقر، والرُمد النعام.
وقال أوس يصف ظليماً:
يدُّفُ فويقَ الأرضِ فوتاً كأنه ... بإعجالِه الطرفُ الحديد معلقُ
يقول كأنه من سرعته معلق بين السماء والأرض، وقوله فوتاً أي قدر ما يفوته بإعجاله الطرف يقول يسبق طرف العين.
وقال آخر:
ومجوَفاتٌ قد علا ألوانَها ... أسآرُ جردِ مترصاتٍ كالنوا
مجوفات يعني نعاماً والمجوف من الخيل الذي ارتفع بياض بلقه إلى
(1/362)

بطنه فجعل النعام هكذا، وقد علا ألوانها أي قد علا التجويف ألوانها، أسآر خيل قد طردت نعاماً فبقيت منها هذه النعام والخيل أسأرت هذه أي أبقتها، والمترص المحكم يعني الخيل، كالنوى في الضمر.
وقال آخر:
وانتصف النهارُ والنعامُ ... والمهرُ مزدمٌّ له قتامُ
هذا رجل طرد نعاماً على فرس فصرع نصفها إلى وقت انتصاف النهار، مزدم رافع رأسه يقال جاءنا زامّاً بأنفه.
وقال ابن مقبل ووصف نبتاً:
فيه من الأخرجِ المرياعِ قرقرةٌ ... هدرُ الديافيّ وسط الهجمةِ البُحُرِ
الأخرج الظليم فيه بياض وسواد، والمرياع الراجع إلى مكانه، ويروي: المرتاع، وهو الفزع، والبحر الغزار أخذ من البحر، وقال أبو النجم وذكر ظليماً:
قلتُ لشيبانٍ ادْنُ من لقائهِ ... كما نغدِّي القوم من شوائه
شيبان ابنه قلت له: اركب في طلبه، كما بمعنى كيما يقول كيما نصيده فنغدي القوم به مشوياً، وقال الأخطل:
وداويةُ قفرٍ كأنّ نعامَها ... بإرجائِها القصوى رواجنٌ هُمّلُ
الرواجن إبل قد رجنت وأكلت علف الأمصار، قال وهذه إبل قد جربت فقد طليت بالقطران فكأنها نعام.
وقال مالك بن خالد الهذلي:
(1/363)

والله ما هقلةُ حصاءٍ عنّ لها ... جونُ السراةِ هزفٌّ لحمه زيمُ
هقلة نعامة، حصاء قد تحاصّ عنها الريش وذلك من كبرها وهو أشد لعدوها.
وقال آخر - وهو المتنخل الهذلي:
كانوا نعائمَ حفّان منفرة ... مُعْط الحلوقِ إذا ما أدركوا طَفَحوا
لحمه زيم أي قطع على رؤوس العظام ليس بمذموم.
كانت بأوديةٍ محل فجادَها ... من الربيعِ نجاء بينها ديمُ
فهي شنونٌ قد ابتلتْ مساربُها ... غير السَحوفِ ولكن عظمَها زِهمُ
ابتلت مساربها يريد مجاري اللحم منها وأصل المسارب مجاري الماء إلى الروض، والشنون بين السمين والمهزول، يقول هي شنون غير سحوف وهو أجود لشدها وأقوى لها والسحوف التي تسحف عن ظهرها الشحم ثم قال لكن عظمها زهم أي فيه مخ والزهم الشحم وهذا خلاف قول الآخر:
زمخري السواعد
وقول زهير:
جؤجؤه هواء
تم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
(1/364)

الثالث من كتاب المعاني لابن قتيبة وهو
كتاب الطعام والضيافة
بسم الله الرحمن الرحيم وبه الثقة والمعونة
أبيات معان في القدور
قال أبو ذؤيب:
وسودٌ من الصيدانِ فيها مذانبٌ ... نصارٌ إذا لم نستفدْها نُعارُها
يعني قدوراً، والصيدان حجارة البِرام، والمذانب المغارف الواحدة مذنبة، وقال الأصمعي أظنه أراد بالصيدان الصاد والصاد يكون للصفر والحجارة، هذه رواية الزيادي عنه، قال وهو كما قال العجاج:
بحيث صاح المرجل الصادي
قال والصيداء الصخرة ونضار شجر قال الأصمعي أراد الأثل يقول إن لم نشترها استعرناها يريد أنهم أصحاب قرى وسماحة.
لهنَ نشيخٌ بالنشيلِ كأنها ... ضرائرٌ حِرمي تفاحشَ غارُها
نشيج غليان، والنشيل أصله ما أخرجت بيدك من اللحم ولم يرد
(1/365)

ذلك بعينه وإنما اراد اللحم، وشبه غليان القدور باصطخاب ضرائر ثم نسبهن إلى رجل من أهل الحرم لأن قريشاً أول من اتخذ الضرائر وغارها غيرتها، حرمي منسوب إلى الحرم على غير قياس والقياس حَرَمى وأنشد الأصمعي:
كقارورةِ الحِرِمي لو أن مُدنِفاً ... يداوي بها وتريْنِ لم يتوجّع
وقال:
إذا استُعجِلَتْ بعد الخبوِّ ترازمَتْ ... كهزمِ الظُؤارِ جُرّ عنها حوارُها
الخبو أن تموت النار يقال خبت النار، يقول إذا استعجلت بأن توقد وقوداً شديداً بعد السكون سمعت لها رزمة مثل رزمة الناقة على ولدها وهو صوتها يقال ارزمت الناقة إذا حنت، والظؤار ثلاث من النوق يعطفن على الفصيل، والواحد ظئر.
وقال الآخر:
فعالى غلامانا على غضويَةٍ ... جماعاً من الصيدانِ تطغي فتقدعُ
كأن المحالَ الغرّ في حجراتها ... عذارى على طاياتِ بُصري تطلّعُ
غضوبة نار توقد بحطب الغضا، جماعاً أي قدراً تجمع الجزور والصيدان حجارة البرام، تطغي تفور، فتقدع أي تكف وبناء بصري بحجارة سود فشبه بياض المحال في القدور مع سواد القدر بالعذارى فوق تلك السطوح، والطايات السطوح واحدها طاية.
وقال النابغة يمدح رجلاً:
(1/366)

له بفناءِ البيتِ دهماءُ جونةٍ ... تلقمُ أوصالَ الجزورِ العُراعرِ
يعني قدراً تسع الجزور العظيمة وهي الجماع التي ذكرها الأول.
ومثله:
بقدرٍ تأخذُ الأعضاءُ ممّا ... بجملتِه وتلتهمُ الفَقارا
ويروي: وتلتهم الغبارا.
وقال الكميت:
ومرصوقةٌ لم تُونِ في الطبخِ طاهياً ... عجلَّتْ إلى مُحوَرّها حين غَرغَرا
مرصوقة قدر أنضجت بالرضف وهي حجارة تحمي ثم تطرح فيها، والطاهي الطباخ، لم تون لم تحبس من الونى، والمحور ما ابيض منها قبل النضج، غرغر غلا أول غلية يريد أنه على عجلة، وقال عنتر:
(1/367)

إذ لا تزالُ لكم مغرغرةً ... تغلي وأعلى فوقها كِتر
مغرغرة قدر تغلي والكتر السنام، وقال آخر:
ثبتتْ قواثمها خسا وترنمتْ ... غضباً كما يترنمُ السكرانُ
يعني القدر، خسا فرد يعني الأثافي، وقال الراعي:
فبتْنا وباتتْ قدرهم ذاتَ هزَّةٍ ... يضيءُ لنا شحمَ الفروقةِ والكُلى
هزة غليان، والفروقة شحم الكليتين، وقال ابن أحمر:
ودهمٌ تصاديها الولائد جلة ... إذا جهلَتْ أجوافُها لم تحلّمِ
الدهم القدور، تصاديها تداريها وترفق بها، جلة عظام، وجهل أجوافها بالغليان.
نرى كل هرجابٍ لجوجٍ لهمَّة ... زفوفٍ بشلوِ النابِ جوفاء عَيلمِ
هرجاب طويلة على وجه الأرض، زفوف بشلو الناب أي تزويه إذا غلت ومنه قيل زفت الإبل زفيفاً إذا قاربت الخطو وفيه بعض النزوان، عيلم واسعة كثيرة الأخذ ويقال للبئر عيلم، لهمة تبتلع كل شيء.
(1/368)

لها زجلٌ جنحُ الظلامِ كأنه ... عجارفُ غيثٍ رائحٌ متهزمُ
شبهه بهزمة الرعد وهو صوته، وجنح الظلام دنوه واختار هذا الوقت لأنه وقت نزول الأضياف، وعجارف اختلاط الأصوت.
إذا ركدَتْ حولَ البيوتِ كأنها ... ترى الآلَ يجري عن قبائلِ صُيّمِ
ركدت سكن غليانها، أي رأيت الدسم يجري عليها كما يجري الآل على خيل صيام أي قيام، وقال الراعي:
حلبت له دهماً ليستْ بلقحةٍ ... ركوداً إذا النكباءُ هبّتْ عقيمُها
تجيشُ بأعضاءِ المحالِ كأنها ... عذارى بدَتْ لما أصيبَ حميمُها
وذكر ضيفاء، ودهماء قدر، شبه قطع اللحم فيها بنساء برزن، مثل قول الآخر:
عذارى على طايات بُصرى تطلّع
وقد تقدم ذكره.
غضوبٌ كحيزومِ النعامةِ أُحمشتْ ... بأجوازِ خشبٍ طارَ عنها هشيمُها
محضّرةٌ لا يجعلُ السرُ دونها ... إذا المرضع الغوجاء جالَ بريمُها
(1/369)

غضبها غليانها، أحمشت كأنها أغضبت إذا أمدت بالحطب الجزل فغلت، والبريم الحقاب وإنما يجول من الهزال، يقول: لا نسترها في وقت الجدب ولكننا نظهرها ونحضرها للناس، وقال يذكر امرأة:
رفَعْنا لها مشبوبةً يهتدي بها ... ولقحةَ أضيافٍ طويلاً ركودُها
إذا ما اعترانا الحقُ بالسهلِ أصبحتْ ... لها مثل أسرابِ الضباعِ خدودُها
إذا نصبَتْ للطارقينَ كأنها ... نعامةٌ حزبا تقاصَرَ جيدُها
مشبوبة يعني ناراً، خدودها حيث يخدّ لها في الأرض، كأنها نعامة حزباء يقول ليست بطويلة العنق فكأنها تقاصرت، والحزباء الأرض الحزنة الغليظة.
يبيتُ المشاشُ الخورُ في حجراتِها ... شكارى مراها ماؤها وحديدُها
الخور الكثيرة الدسم، شكارى من كثرة الدسم وهذا مثل، مراها حلبها الماء، يقول لما صب الماء خرج الدسم، والحديد يريد المغرفة.
وقال:
وقدر كرأل الصحصحان وئية
الوئية العظيمة، والرأل فرخ النعام، والصحصحان المستوى من الأرض.
وقال وذكر الأثافي:
(1/370)

ثلاثٌ صَلَينَ النارَ حولاً وأرزمتْ ... عليهن رجزاء القيام هدوجُ
أرزمت صوتت وأصله إرزام الناقة يعني قدراً غلت على الأثافي ورجزاء القيام من ثقلها والرجزاء من الإبل التي إذا أرادت النهوض أرعدت فخذاها، وهدوج في صوتها تهدج في غليانها.
وقال جرير:
إذا لم يُدِرّوا عاتماً عطفت له ... سريعةُ أبشارِ اللقاحِ درورُ
يقول إذا لم يكن لبن نصبوا للضيف قدراً، والعاتم هاهنا ناقة تحلب عتمة، وسريعة إبشار اللقاح يعني قدراً شبهها بناقة بها حمل إذا ألقي فيها اللحم ويقال أبشرته وبشرته بمعنى واحد.
وقال لبيد:
وأعطوا حقوقاً ضمّنوها وراثة ... عظامِ الجفانِ والصيام الحوافلا
تُوزّع صَرّاد الشمالِ جفانُهم ... إذا أصبحتْ نجدٌ تسوقُ الأفائلا
الصيام الحوافل يريد القدور الممتلئة، توزع تطرد، والصراد السحاب البارد الذي لا ماء فيه أي ترد حفانهم الشمال بالإطعام وأصبح أهل نجد يسوقون الفصلان لأنها أضعف على البرد، والأفائل قطع السحاب تنفيه الشمال.
وقال أيضاً:
وأبذلُ سوام القدرِ إ ... نّ سواءها دهماً وجونا
ذو القدرِ إن نضجتْ وعجّ ... ل قبله ما يشتوينا
(1/371)

إن القدورَ لقائحٌ ... يحلبنَ أمثل ما رعينا
يقول إنك ستصيب سواءها دهماً وجوناً من الإبل، ذا القدر رده على سوام، يقول يحلبن من الحمد والذكر والشرف أكثر مما يطعم فيهن، رعين استحفظن وجعل فيهن، وقال آخر - مضرس بن ربعي الأسدي:
فلا تسأليني واسألي ما خليقتي ... إذا ردّعا في القدر من يستعيرها
العافي كل شيء يرده مستعير القدر فيها من المرق إذا ردها وكانوا يفعلون ذلك في الجدب، وقال الكميت يذكر سنة جدب.
وجاءتِ الريحُ من تلقاءِ مغربها ... وضنَّ من قدرهِ ذو القدرِ بالعُقَبِ
ويروي بالعَقَب، العقبة والعافي سواء، وقال أيضاً وذكر سنة جدب:
واتخذت للقدر في عُقبة ال ... كرّة مبذولة وطائدها
العقبة ما فسرناه، والكرة حيث ترد القدر، وطائدها أثافيها.
وقال الراعي:
إني أقسّمُ قدري وهي بارزةٌ ... إذ كل قدرِ عروسٍ ذات جلبابِ
أي تستر كما تستر العروس، وقال آخر - وهو المرار بن سعيد الفقعسي:
(1/372)

فقلت أشيعا مشّرا القدرِ حولنا ... وأي زمانٍ قدرنا لم تمشّر
مشرت اللحم قسمته، وقال آخر:
ألا إن قومي لا تلطُّ قدورُهم ... ولكنما يوقَدنَ بالعِذاراتِ
تلط تستر وأنشد:
كما لُطّ بالاستارِ دونَ العرائسِ
يقال ألط فلان إذا ساتر وفلان يلط دون الحق بالباطل أي يستر.
وقال بشر:
فكانوا كذاتِ القدرِ لم تدرِ إذ غلتْ ... أتنزلها مذمومةً أم تُذيبُها
تذيبها تنهبها يقال أذاب علينا بنو فلان إذا أغاروا عليهم فأخذوا مالهم، يقول لما رأونا تحيروا ودهشوا فلم يدروا ما يصنعون كسالئة فسدت عليها زبدتها فلم تدر ما تصنع أتنزل القدر مذمومة أم تقسم ما فيها.
وقال أعشى باهلة:
لا يعجلُ القومَ أن تغلي مراجلُهم ... ويدلجُ الليلُ حتى يُفسحُ البصرُ
يقول هو رابط الجأش فإذا أغار عليه قوم وأصحابه يطبخون لم يفزعه ذلك حتى يعجلهم عن الطبيخ، ويسير بالليل حتى يفسح البصر
(1/373)

بالصبح، والمراجل القدور.
وقال بشر وذكر ناقة:
تجرّ نعالَها ولها نفيّ ... نفي الحَبِّ تُطحره الملالُ
أي تسقط نعالها من شدة سيرها، والنفي ما تنفيه من تحت قوائمها، تطحره ترمي به، والملال المقالي أخذ من الملة وهو الموضع الحار.
وقال آخر:
لا تعدلنَ أتاويّين تضربُهم ... نكباء صرّ بأصحابِ المُحِلاتِ
الأتاويون الغرباء، والمحلات القدر والقربة والفأس والقدّاحة والدلو والرحى وإنما قيل لها محلات لأن من كانت معه حل حيث شاء وإلا فلا بد له من أن ينزل مع الناس، يقول لا تعدلن الغرباء بهؤلاء، ويقال هي سبعة أشياء منها السكين.
وقال الفرزدق:
وقِدرٌ فثأنا غلِيها بعد ما غلتْ ... وأخرى حششنا بالعوالي تؤثّفُ
القدر هاهنا الحرب، فثأنا أطفأنا لهبها، وأخرى حششنا أي أحميناها بالرماح فكانت لها كالأثافي التي تحت القدر تثبتها وتمسكها وتحميها من كل جانب.

أبيات معان في الجفان
قال ابن مقبل:
وجوفاً يجنحُ فيها الضريكُ ... لحين الشتاءِ جنوحُ العرِنِ
(1/374)

الضريك البائس الهالك بسوء حال، جوفاء يعني جفنة واسعة الجوف، والعرن الذي به داء في عنقه وهو قرح يحتك منه وربما برك إلى أصل شجرة فاحتك بها.
وقال أبو خراش:
يقاتل جوعهم بمكلت ... من الفرني يرعبها الجميل
مكللات جفان قد كللن باللحم، يرعبها يملؤها، يقال رعبت الأودية أي ملئت، والجميل الشحم المذاب.
وقال أبو زبيد:
وخوان مستعمل أدجنته ... كل يوم شيزي رجوف دلوف
شيزي جفنة تعمل من الشيز، رجوف يرجف بها إذا ملئت من ثقلها، دلوف يدلف بها والدليف تقارب الخطو وهو فعيل بمعنى مفعول.
وقال الراعي وذكر امرأة أضافها:
فباتت تعد النجم في مستحيرة ... سريع بأيدي الآكلين جمودها
مستحيرة جفنة قد تحير فيها الدسم فهي ترى فيها النجوم لصفاء الإهالة، وأراد بقوله تعد النجم الثريا والعرب تسمي الثريا النجم، قال:
طلع النجم عشاءً ... ابتغى الراعي كساءً
وقد ذكرناه في كتاب الأنواء، وقال لبيد:
(1/375)

ويكللون إذا الرياح تناوحت ... خلجاً تمد شوارعاً أيتامها
الخلج الجفان كأنها خلج جمع خليج وهو النهر، يكللونها باللحم، شوارعاً شرعوا فيها، تناوح الخليجان تقابلاً وكذلك الشجر، وقال النابغة الذبياني:
إني أتمم أيساري وأمنحهم ... مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما
معان في الرحا أنشدنا أبو حاتم عن أبي زيد:
بدلت من وصل الغواني البيض ... كبداء ملحاحاً على الرضيض
تخلأ إلا بيد القبيض
يقال خلأت الناقة تخلأ خلاء إذا وقفت فلمتبرح، والقبيض الشديد القبض، والرضيض حجارة المعادن فيها ذهب وفضة، والكبداء الرحا العظيمة، يقول تقف فلا تدور إلا بيد قوية، وقال آخر:
بئس طعام الصبية السواغب ... كبداء جاءت من ذرى كواكب
كبداء رحى عظيمة، وكواكب اسم جبل، وقال آخر:
أعددت للضيف وللجيران ... حريتين ما تحلحلان
لا تحلبان وهما ظئران.
يعني رحيين م الحرة، وقال آخر يصف رحا:
(1/376)

وضيفين جاءا من بعيد فقربا ... على فرش حتى اطمأنا كلاهما
قرينا هما ثم انترعنا قراهما ... لضيفين جاءا من بعيد سواهما
وقال ذو الرمة:
وأشعث عادي الضرتين مشجج ... بأيدي السبايا لا ترى مثله جبرا
كأن على أعراسه وثيابه ... وئيد جياد قرح ضبرت ضبرا
أشعث يعني وتد الرحا، والضرتان الحجران، يقول إذا انكسر طرح وأخذ غيره ولم يجبر، وأعراسه معرس الرحا حيث توضع، وئيد جياد أي صوت خيل، وضبرت وثبت.

معان في الطعام والضيافة
قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
يقال فلان يدعو الجفلى والأجفلى إذا عم بدعوته وفلان يدعو النقرى إذا خص بدعوته قوماً دون قوم، والآدب الداعي إلى المأدبة وهي الطعام المدعو إليه، وقال آخر مهلهل بن ربيعة:
إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ... ضرب القدار نقيعة القدام
القدار الجازر، والنقيعة الطعام يصنع للقادم من سفر، والقدام جمع قادم مثل كافر وكفار، وقال آخر:
كل الطعام يشتهى ربيعه ... الخرس والاعذار والنقيعة
(1/377)

الخرس طعام الولادة، والاعذار طعام الختان، والنقيعة طعام القادم من سفر، وكل طعام صنع ودعي إليه فهو مأدبة ومأدبة.
وقال أبو ذؤيب:
ومدعس فيه الأنيض اختفيته ... بجرداء ينتاب الثميل حمارها
مدعس مختبز قد طبخ فيه وخبز، اختفيته استخرجته، يقال للنباش مختف، والأنيض اللحم الذي لم ينضج من العجلة، والثميل جمع ثميلة وهي البقية من الماء في الغدير وبطن الوادي، يقول ليس بها ماء فحارها ينتاب الثميل ببلد آخر، ومثله للشماخ:
وأشعث قد قد السفار قميصه ... وجر شواء بالعصا غير متضج
أي لم ينضجه من العجلة، وقال امرؤ القيس:
فظل صحابي يشتوون بنعمة ... يصفون غاراً باللكيك الموشق
قال الأصمعي: لا أعرف الغار هاهنا ولكن الغار الكتيبة يقال التقى الغاران. وقال أبو عمرو: يصفون غاراً كما تقول صفوا المسناة بالخشب والقصب وإنما يصفون اللكيك في الغار واللكيك اللحم، وقال غيره: الوشيقة اللحم يقطع صغاراً وهي التي تسميها العامة العشيقة، والواشق في شعر النابغة من هذا وهو الكلب لأنه يوشق
(1/378)

الصيد، والغار واللكيك اللحم، والموشق أيضاً المقدد، وقال الأعشى:
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو شلول مشل شلشل شول
الشاوي الشواء، المشل السائق السريع السوق يقال شللت الإبل، والشلول المسرع، والشلشل الخفيف، وشول خفيف أيضاً، يقال للميزان إذا خف أحد جانبيه قد شال ويقال الشول الذي يشول الشيء أي يحمله يقال أشلت وشلته ويروي: شمل أي طيب النفس والريح.
وقال ذو الرمة:
وسواد مثل الترس نازعت صحبتي ... طفاطفها لم نستطع دونها صبرا
وأبيض هفاف القميص أخذته ... فجئت به للقوم مغتصباً ضمرا
سوداء يعني الكبد وأبيض يعني الفؤاد، هفاف رقيق الجلد، مغتصب أي لم يمرض قبل ذلك، يقال جزور مغصوبة مثل معبوطة وذلك أن تنحر بغير علة، ضمر لطيف؟
وذي شعب شتى كسوت فروجه ... لغاشية يوماً مقطعة حمرا
يعني السفود وفروجه ما بين شعبه، لغاشية أي لقوم غشوه، ملأت فروجه لحماً.
(1/379)

ومضروبة ضرب المريب بريئة ... كسرت لأصحابي على عجل كسرا
يعني خبزة ملة وهي تضرب ليسقط عنها الرماد.
وقال الكميت:
وأقاموا على الجفان ملاء ... قمعا واريا كسوه الخميرا
القمع السنام، والواري السمين، والخمير الخبز المختمر يريد الثريد.
وقال أمية بن أبي الصلت يمدح ابن جدعان:
له داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق دارته ينادي
إلى ردح من الشيزى ملاء ... لباب البر يلبك بالشهاد
رد جفان ضخمة، يلبك يخلط بالشهد يريد الفالوذ.
وقال لبيد:
وفتيان صدق قد غدوت عليهم ... بلا دخن ولا رجيع مجنب
مجنب كثير يقال خير مجنب وشر مجنب أي كثير أراد بلحم ليس فيه ريح دخان، رجيع مردود عن المائدة.
وقال آخر:
(1/380)

بئس قوم الله قوم طرقوا ... فقروا ضيفانهم لحماً وحر
وسقوهم في إناء كلع ... لبناً من در مخراط فئر
كلع وسخ، وحردبة عليه الوحرة وهي دويبة حمراء تشبه العظاءة، فئر وقعت فيه فأرة، ويقال اخرطت الناقة إذا لم يستقص حلبها فارتد بعض اللبن في الضرع ففسد وصار قيحاً، وقال معقر بن حمار:
وذبيانية وصت بنيها ... بأن كذب القراطف والقروف
القراطف الأكسية، والقروف جمع قرف وهو وعاء من أدم يجعل فيه الخلع وهو أن يطبخ الشحم باللحم، وقوله كذب القراطف أي عليكم بها فاغنموها، وقوله في بيت آخر وهو:
تجهزهم بما اسطاعت وقالت ... بني فكلكم بطل مسيف
فكلكم بطل مسيف أي قد وقع في إبله السواف يقال أساف الرجل، وقال علقمة:
وقد أصاحب أقواماً طعامهم ... خضر المزاد ولحم فيه تنشيم
كانوا إذا غزوا وسافروا قطعوا اللحم فجعلوه في كرش فإذا أتى عليه أيام تغير فذلك تنشيمه، يقال نشم في الأمر أي بدأ فيه وتخضر
(1/381)

الكرش إذا تغير اللحم فيها فشبه خضرتها بالمزاد إذا اخضر من الماء أي يأكلون الكرش وما فيها عند إيغالهم في السفر، وقال آخر:
إذا نحن نلنا من ثريدة عوكل ... فقدنا، لها ما قد بقي من طعامها
عوكل اسم امرأة، فقدنا يريد فحسبنا، والمعنى أكلنا ثريدتها فشبعنا منها لطيبها واكتفينا فلم تحتج إلى باقي طعامها، ثم استأنف فقال لها ما بقي من طعامها لأنا لا نحتاج إليه.
وقال آخر عمرو بن أسوى:
لا بل كلي يا أم واستأهلي ... إن الذي أنفقت من ماليه
استأهلي اتخذي إهالة وهي الإلية المذابة.
وقال آخر:
يمشون دسما حول قبته ... ينهون عن أكل وعن شرب
ينهون يبلغون غاية الشبع فيعجزون عن الحركة فهو ينهون غيرهم عن مثل ما نزل بهم.
وقال بشر بن أبي خازم:
ترى ودك السديف على لحاهم ... كلون الراء لبده الصقيع
السديف قطع السنام، والراء شجر، لبده ضم بعضه إلى بعض، والصقيع الجليد.
(1/382)

وقال رجل من بني سعد وهو ناشرة بن مالك يرد على المخبل السعدي:
إذا ما الخصيف العوبثاني ساءنا ... تركناه واخترنا السديف المسرهدا
الخضيف الذي له لونان من سواد وبياض يعني هاهنا الحيس والعويثاني مأخوذ من العبيثة وهي الشيئان يخلطان.
وقال رؤبة:
وطاحت الألبان والعبائث
أي في زمان تذهب فيه، والمسرهد الحسن الغذاء وكل شيء أملحته وحسنته فقد سرهدته، قال الأصمعي عوبثان حي من همدان قال وأراد إن لم يضفنا عقرنا إبله، يهجه بذلك.
نعاف وإن كنا خماصاً بطوننا ... لباب المصفي والعجاف المجردا
يريد بلباب المصفي البر وبالعجاف التمر الذي طار عنه قشره، يقول نعاف هذا وننحر الإبل فنأكل.
وقال آخر:
خذامية آدت لها عجوة القرى ... فتأكل بالمأقوط حيساً مجعداً
خذامية منسوبة إلى خذام، آدت مالت إليها عجوة القرى يريد
(1/383)

أتتها بها الميارة من قولك تأود الغصن إذا مال وآد النهار إذا مال والمأقوط سويق بالإقط، وقوله: بالمأقوط أي تأكل مع المأقوط حيساً، والمجعد الجيد الخلط الكثير الحلاوة.
وقال ساعدة بن جؤية:
ثم ينوش إذا آد النهار له ... على الترقب من نيم ومن كتم
يعني حماراً جائعاً، ينوش الشجر يتناول على ترق وخوف.
وقال المتنخل:
لا در دري إن أطعمت نازلكم ... قرف الحتي وعندي البر مكنوز
يقال لا در در فلان أي لا كانت له حلوبة ولا رزق، والحتي سويق المقل، والقرف ما انقشر منه.
أنشدنا الرياشي:
ولست بكائن أبداً بخيلا ... إذا ما اعتل بالحب البخيل
يقول إذا سئل قال عندنا حب وليس عندنا دقيق، فتعلل به.
وقال الراعي وذكر امرأة أضافها:
فلما سقيناها العكيس تمذحت ... مذاخرها وازداد رشحاً وريدها
(1/384)

العكيس مرق يصب عليه اللبن، مذاخرها أمعاؤها، تمذحت تملأت وبطنت.
فلما قضت من ذي الأباء لبانةً ... أرادت إلينا حاجة لا نريدها
ذو الأباء موضع فيه أباء وهو رؤوس القصب، أي أرادت الفجور ولم نرد ذلك.
وقال الأسود بن يعفر يهجو عقالاً:
ليبك عقالاً كل كسر مؤرب ... مذاخره للآكل المعرف
الكسر العظم التام الذي لم يكسر منه شيء، مؤرب وافر، أقنعت مدت للفم ومنه مقنعي رؤوسهم أي ماديها، والخزير الطعام الذي تعير به قريش وبنو مجاشع، وقال جرير:
قبح الإله بني خصاف ونسوة ... بات الخزير لهم في الأحقال
الأحقال جمع حقل وهو طعام يطبخ بدقيق وبقول، والمعرف المطيب، ومنه قوله عز وجل الجنة عرفها لهم أي طيبها لهم، وقال الأخطل يهجو رجلاً:
(1/385)

يبيت على فراسن معجلات ... خبيثات المغبة والعثان
وشلو تمزق الأغراس عنه ... إذا لم يصله لهب الأفاني
الفراسن أخفاف الإبل وهي شر ما أكل، معجلات أعجلت قبل أن تنضج، وخبث مغبتها أن أكلها يفسد جوفه، والعثان الدخان، وشلو يعني ولداً معجلاً، وأغراسه غشاؤه، والأفاني شجر، يقول يأكله نياً، وقال جرير:
عضاريط يشوون الفراسن بالضحى ... إذا ماالسرايا حث ركضاً مغيرها
عضاريط أتباع، يأكلون الفراسن يريد أنهم لا ييسورن مع الناس فيكون لهم حظ في الجزور، وقال أبو النجم يذكر الصائد:
فظل محموداً على قدورها ... ليس بذي الرغبة في تشريرها
إلا بحمد النفس أو سرورها
يقول يطعم لحومها فيحمد وليس له رغبة في تشرير هذا اللحم إلا ليطعم فيحمد أو يسر نفسه بما أصاب من الصيد. وقال آخر:
وعند الكلابي الذي حل بيته ... بخوعي غداء حاضر وصبوح
ومكسورة حمر كأن متونها ... نسور لدى جنب الخوان جنوح
خوعي بلد، ومكسورة حمر يعني وسائد، وقال رجل من قيس:
نغالي اللحم للأضياف نيا ... ونرخصه إذا نضج القدور
يقول نشتريه للأضياف في وقت غلائه فإذا نضج أطعمناه من استحقه ومن لم يستحقه، ومثله لشبيب بن البرصاء.
(1/386)

وإني لأغلي اللحم نياً وإنني ... لممن يهين اللحم وهو نضيج
وقال الراعي:
الآكلين اللوايا دون ضيفهم ... والقدر مخبوءة منها أثافيها
اللوايا واحده اللوية وهو ما تخبيء المرأة للضيف في بيتها، يقول فهؤلاء يأكلونها، وأنشد:
إذا ما كنت في قوم شهاوى ... فلا تجعل شمالك جردبانا
قال هو أن يأكل بيمناه ويضع شماله على شيء آخر من الطعام خوفاً أن يؤخذ يقال جردبت إذا فعلت ذلك، وقال مرة بن محكان:
وقلت لما غدوا أوصي قعيدتنا ... غدي بنيك فلن تلقيهم حقباً
أدعي أباهم ولم أقرف بأمهم ... قد هجعت وللم أعرف لهم نسبا
ويروي لها يعني للأضياف، وقال أبو العيال:
أبو الأضياف والأيتا ... م ساعة لا يعد أب
وقال آخر:
(1/387)

إذا ضاف أهل الأرحضية مسور ... تناذره أهل الصلوف هدان
وأخمد منه أهل جمة نارهم ... وأضحوا ولم تقرع لهم رحيان
وقالوا أحسوا أربعاً من مخاضنا ... سقاهن أهل الجفر منذ ثمان
الأرحضية والصلوف موضعان، أحسوا اطلبوا، منذ ثمان يريد ثمان ليال، والحوامل المخاض، يريد أن هذا الرجل ينشد إبلاً ولم يذهب له شيء وإنما يطلب القرى.
مثله لجندل الطهوي
قد خرب الأنضاد نشاد الحلق
الأنضاد جمع نضد وهو ما نضد من المتاع، والحلق الإبل سماتها حلق وأنشد:
(1/388)

وذكرت من لبن المحلق شربة
وقال آخر:
برح العينين خطاب الكثب ... يقول إني خاطب وقد كذب
وإنما يخطب عسا من حلب
الكثب جمع كثبة وهي قدر حلبة من اللبن، يقول يعتل بالخطبة وإنما يريد القرى كما يعتل الناشد بأنه يطلب إبلاً محلقة في وسمها
وإنما يطلب القرى.
وقال مزرد وذكر ضيفاً:
إذا مس خرشاء الثمالة أنفه ... ثنى مشفريه للصريح فأقنعا
الخرشاء جلد الحية شبه به الرغوة، وذكر ضيفاً أي هو حاذق بالشرب إذا خشنت عليه الرغوة ثنى مشفره لخالص اللبن وأقنع رأسه.
وقال جبهاء يهجو ضيفاً:
فأقنع كفيه وأجنح صدره ... لجرع كأثباج الزباب الزنابر
أقنع رفع رأسه وأجنح أمال، وأثباج أوساط، والزباب فأر القف، والزنابر العظام الواحد زنبور.
(1/389)

وقال رؤبة:
وحق أضياف عطاش الأعين
لهذا مثل يريد أنهم سافروا من بعد فغارت أعينهم من الكلال، وقال الهذلي يذكر ضيفاً والبيت للمتنخل:
كأنما بين لحييه ولبته ... من جلبة الجوع جيار وإرزيز
يقال أصابت الناس جلبة أي أزمة والجلبة السنة الشديدة، والجيار حر يخرج من الجوف، قال الأصمعي: أراد بجيار جائراً أي حرارة في الجوف ولكنه قلب الهمزة فقال جيار، وكذلك يقال إن للسم جائراً أي حرارة في الجوف وأنشد لوعلة الجرمي:
ولما رأيت الخيل تدعو مقاساً ... تطالعني من ثغرة النحر جائر
أراد حراً يجده ووهجاً في صدره من الجوع والجهد. والإرزيز الشيء تغمزه وأنشد ابن الأعرابي:
يبرز للراكب حين يؤنسه ... بزأمات خبر لا تحبسه
يقال ما زأمني زأمة أي ما كلمني كلمة، يريد أنه يلقي الضيف بكلام قبيح حين يراه يقول من أنت؟ أظنك لصاً. وقال المتنخل في ضد ذلك:
فلا وأبيك نادي الحي ضيفي ... هدوا بالمساءة والعلاط
(1/390)

نادي أي لا ينادي، والعلاط أصله سمة في عنق البعير ويقال علطه بشر إذا وسمه ولطخه.
سأبدؤهم بمشمعة وأثنى ... بجهد من طعام أو بساط
أي أقرش له وأوطئ، ومشمعة مزاح ومضاحكة يقال قد شمع وما جد.
وأكسو الحلة الشوكاء خدني ... وبعض القوم في حزن وراط
الشوكاء الحسنة من الجدة لم يذهب زئبرها، والحزن جمع حزنة وهو ما غلظ من الأرض، والوراط جمع ورطة وهو أن يقع في موضع لا يقدر أن يخرج منه.

العقر للأضياف
قال النمر بن تولب:
أزمان لم تأخذ إلي سلاحها ... إيلي بجلتها ولا أبكارها
يقول لم أمتنع من أن أعقرها إن حسنت بجلتها وهي الكبار والأبكار الصغار أي أعقرها لأضيافي ولا يمنعني من ذلك حسنها، وجعل حسنها سلاحاً تمتنع به من ذابحها لأنه ينفس بها ويضن، وقالت ليلى:
لا تأخذ الكوم الجلاد سلاحها ... لتوبة في صر الشتاء الصنابر
(1/391)

وقال رجل من بني عكل:
ولا يتحشى الفحل إن أعرضت به ... ولا يمنع المرباع منه فصيلها
يتحشى يباليه من حاشى يحاش، يقال: شتمتهم فما تحشيت منهم أحداً وما حاشيت ما باليت، أعرضت به أي جعلته في عرضها والمرباع التي تنتج في أول الربيع، يقول ينجرها ولا يمنعها منه ولدها فيدعها له تغذوه، وقال المرار:
لا تتقيني الشول بالفحل دونها ... ولا يأخذ الارماح لي ما أطارد
أي لا تتستر بالفحل فإذا نظرت إليه امتنعت من عقرها والأرماح حسنها وسمنها، ومثله:
لا أخون الخليل ما حفظ العهد ... ولا تأخذ الرماح لقاحي
وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة وتذكر الإبل:
إذا ما رأته مقبلاً بسلاحه ... تقته الخفاف بالثقال البهارز
البهرزة الجسيمة الغليظة. وقال عتيبة بن مرداس:
وما أتقى الساق التي تتقي بها ... إذا ما تفادي الراتكات من العقر
أراد ساق الفحل والناقة الكريمة أي لا أمتنع من ضرب الساق التي تتقي بها، وقال ابن أحمر:
ويوم قتام مزمهر وهبوة ... جلوت بمرباع تزين المتاليا
أي ذهبت بغبرة البؤس فيه ما نحرت، والمرباع التي تنتج في أول الربيع والمتلية واحدة المتالي، مزمهر من المزمهرير، وقال الفرزدق:
(1/392)

وذكر ناقة نحرها للأضياف:
شققنا عن الأفلاذ بالسيف بطنها ... ولما تجلد وهي يحبو بقيرها
يريد شققنا بطنها، وبقيرها ولدها الذي بقر بطنها عنه، ولما تجلد تسلخ، جلد فلان بعيره وسلخ شاته، والفلذ الكبد.
وقال الأخطل يصف ضيفاً نزل به فأمر أن يذبح له.
فقال ألا لا تجشموها، وإنما ... تنحنح دون المكرعات لتجشما
المكرعات من الإبل ما ألبس الدخان رؤوسها وكواهلها. وقال الكميت:
يضج رواغي أقرانهم ... لهلاكها ويكيس العقيرا
الهلاك الفقراء أي يعطي الإبل فتشد في الأقران وهي الحبال فترغو والكوس أن تعرقب البعير فيمشي على عرقوبيه.
ومثله للآخر:
رغاقرن منها وكاس بعير
وقال الراعي:
إني تأليت لا ينفك ما بقيت ... منها عواسر في الأقران أو عجل
أي لا أزال أعطي منها مخاضاً تعسر بأذنابها في الحبال أو عجلاً وهي الثكل وذلك أن لها لبناً فهي أنفس من غيرها.
(1/393)

وقال آخر يمدح قوماً:
ترى فصلانهم في الورد هزلي ... وتسمن في المقاري والحبال
الورد حيث ترد الماء، يقول إذا وردت الماء سقوا الناس من ألبانها وتركوا الفصلان فتهزل وإن جاءهم سائل لم يقرنوا له إلا سميناً ولا يقرون الأضياف إلا سميناً.
وقال أوس:
نحل الديار وراء الديا ... ر ثم نجعجع فيها الجزر
يقول نحن من عزنا وكثرتنا ننزل حياً وراء حي، نجعجع نحبسها حتى تنحر وكل محبس جعجاع، ومنه قول أبي قيس ابن الأسلت:
من يذق الحرب يجد طعمها ... مراً وتتركه بجعجاع
أي تدعه في ضيق ومثل هذا.
لففنا البيوت بالبيوت فأصبحوا
وأنشد ابن الأعرابي:
ومفرهة تامك نيها ... تزين إذا ما تساق العشارا
لقيت قوائمها أربعاً ... فعدن ثلاث وعادت ضمار
(1/394)

الضمار خلاف العيان يقول نحرت فتلفت وبارت، يقول أعرضتها بالسيف فضربت إحدى قوائمها ونحرتها وصار ثمنها على نسيئة. وقال طرفة يذكر ناقة عقرها:
يقول وقد تر الوظيف وساقها ... ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد
وقال ألا ماذا ترون بشارب ... شديد عليكم بغيه متعمد
فقالوا ذروه إنما نفعها له ... وإلا تردوا قاصي البرك يزدد
تر انقطع وأتررته قطعته، مؤيد داهية، أي مثلها لا تعقر، وقال ألا ماذا ترون، هذا قول صاحب الناقة والشارب طرفة فقال: ذروه أي ذروا طرفة فإنما نفعها له أي لصاحبها لأن طرفة سيخلف عليه.
وقال آخر يصف إبلاً عقرها والبيت للمرار بن سعيد الفقعسي:
فأجلين عن برق أضاء عقيرةً ... فيالك ذعراً أي ساعة مذعر
أي انكشفن عن مثل البرق يعني سيفاً، وقال لبيد:
يذعر البرك وقد أفزعه ... ناهض ينهض نهض المختزل
مدمن يجلو بأطراف الذرى ... دنس الأسوق بالقضب الأفل
أي افزع البرك بسيف، وناهض هو الممدوح نهض المختزل أي
(1/395)

غير مستو لأنه قد شرب وسكر فكان به ما يحبسه عن القيام والمختزل المقطوع السنام، مدمن لهذا الفعل، وقال مقاس العائذي:
وإنا نكب النيب حتى يفكها ... رغاها إذا هبت رياح الصنابر
جمع رغوة أي حتى يكون لها لبن، ومثله قول الآخر:
إذا ما درها لم يقر ضيفاً ... ضمن له قراه من الشحوم
أي نحرناها فأطعمناه شحومها.
وقال آخر:
يا إبلي روحي إلى الأضياف ... أن لم يكن فيك غبوق كاف
فبشري بالقدر والأثافي ... وقادح ومقدح غراف
قادح غارف، مقدح مغرفة، وأنشد:
أنشد من مقدحة ذات ذنب ... قد أصبحت وردة منها بسبب
إلا ترديها فشيء قد ذهب
وردة أمة له اتهمها بسرقة المغرفة: وقال آخر:
مطاعيم أيسار إذا البزل حاردت ... على الرسل لم تحرم علينا لحومها
حاردت منعت الدر. وقال ذو الرمة يذكر إبلاً:
وإن يعتذر بالمحل من ذي ضروعها ... على الضيف يجرح في عراقيبها نصلي
(1/396)

وقال آخر وذكر إبلاً:
وقد فدى أعناقهم المحض ... والدأض حتى ما لهن غرض
أي كانت لهن ألبان نقري منها فقدت أعناقها من النحر، والغرض أن يكون في جلودها نقصان، والدأض أن لا يكون فيها نقصان يقال دئض يدأض دأضانا بالضاد والصاد جميعاً ويقال بالظاء دأظ يدأظ دأظاً والاسم الدأظ، وقال الراعي:
بمغتصب من لحم بكر سمينة ... وقد شام ربات العجاف المناقيا
المناقي السمان والمغتصب الذي ينحر من غير علة، والمعتبط مثله، شام نظر ذوات العجاف إلى السمان من شدة الزمان، ومثله لأبي يزيد يحيى العقيلي:
أكلنا الشوي حتى إذا لم ندع شوي ... أشرنا إلى خيراتها بالأصابع
الشوي رذال المال، ومثله:
ونار خيار المال في الجحرة الأزل
الجحرة السنة المجدبة أي أصابهم الجهد حتى أكلوا خيار مالهم.
(1/397)

القرى باللبن
قال عمرو بن الأهتم وذكر ضيفاً:
فبات له دون الصبا وهي قرة ... لحاف ومصقول الكساء رقيق
يعني باللحاف الطعام وبمصقول الكساء اللبن وذلك أن عليه رغوة فصبها؟ بمنزلة الكساء، وقال آخر " جرير ":
كم قد نزلت به ضيفاً فلحفني ... فضل اللحاف ونعم الفضل يلتحف
لحفني أطعمني وهو مثل، وقال آخر:
ينفي الدوايات إذا ترشفا ... عن كل مصقول الكساء قد صفا
وقال آخر:
فتحفي بهم ووحي قراهم ... وأتاهم به غريضاً نضيحا
تحفي أحسن القيام عليهم، والغريض الطري يعني لبناً ومثله لرؤبة:
جاءت بمطحون لها لا يأجمه ... تطبخه ضروعها وتأدمه
يمسد أعلى حلقه ويأزمه
لا يأجمه الراعي لا يكرهه، يأدمه أي كأنه يجعل له أدماً، يمسد يشد، والأزم نحو من ذلك يعني لبناً وهو مأخوذ من الأزم وهو العض، أي يضم بعض خلقه إلى بعض، وقال آخر وذكر إبلاً:
(1/398)

يهل ويسعى بالمصابيح حولها ... لها أمر حزم لا يفرق مجمع
يمد لهم بالماء لا من هوانهم ... ولكن إذا ما ضاق شي يوسع
ويروي: بالمصابيح وسطها، قوله يهل أي يدعو بعضنا بعضاً نقول هاتوا ما عندكم، والمصابيح واحدها مصبح وهو الإناء الذي يصبح فيه ويقال مصباح، لها أمر حزم أي أصحابها يحزمون، مجمع صواب أجمعت الأمر، وقال آخر وذكر امرأة:
من المهديات الماء بالماء بعدما ... زمى بالمقاري كل قار ومعتم
هذه امرأة سخية تهدي المرق وتصب عليه الماء ليكثر فتهديه، والمقاري الجفان ولك ما يقري فيه الواحد مقرى والمعتم المبطئ القري. وقال آخر:
ما زلت أسعى معهم وألتبط ... حتى إذا جن الظلام المختلط
جاؤوا بضيح هل رأيت الذئب قط
يريد لبناً أورق من كثرة مائه، وأنشد ابن الأعرابي:
شربنا فلم نهجأ من الجوع نقرةً ... سماراً كإبط الذئب سوداً حواجره
(1/399)

أي لم يغن عنا شيئاً إلا أنه رد أنفسنا، حواجره نواحيه، وأنشد غيره:
ويشربه محضاً ويسقي ابن عمه ... سجاجاً كأقراب الثعالب أورقا
السجاج الذي مذق حتى تغير لونه وهو السمار، وقال الحارث بن حلزة:
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج
وأصبب لأضيافك من رسلها ... فإن شر اللبن الوالج
الكسع أن ينضح الضرة بالماء البارد ثم يضربها بالكف صعدا، أراد، فشر اللبن ما حقن في الضرع، ومثله:
أكثر ما نعلمه من كفره ... إن كلها يكسعه بغبره
ولا يبالي وطأها في قبره
سمع الحديث إن الإبل والغنم إذا لم يعط صاحبها الحق منها بطح لها بقاع قرقر فوطئته.
وقال النمر بن تولب يذم قوماً:
كانوا يسيمون المخاض أمامها ... ويغرزون بها على اغبارها
أي يسرحونها قدماً والتغريز مثل الكسع، وقال الجعدي:
(1/400)

غرزها اخضر النواجذ نسا ... ف يخول الفصال بالقدم
يخول من حسن القيام عليها، يقال فلان خال مال إذا كان مصلحاً له.
وقال آخر:
تسمنها بأخثر حلبتيها ... ومولاك الأحم له سعار
الأحم من الحميم كما يقال الأقرب من القرابة، أي ترد لبنها فيها، سعار تسعر من الجوع، وتحرق، وقال آخر:
مسعورة إن غرثت لم تشبع
أي ملتهبة من الجوع، وقال النمر:
أرى أمنا أضحت علينا كأنما ... تجللها من نافض الورد أفكل
يعني امرأته والعرب تقول للرجل يضيفهم أبونا ولامرأته أمنا ويقال هو أبو الأضياف، أي كأنما أصابتها رعدة لما رأتنا نسقي الألبان ولا ندعها لها.
وما قمعنا فيها الوطاب وحولنا ... بيوت علينا كلها فوه مقبل
(1/401)

أي مالنا نملأ الوطاب بالقمع وحولنا بيوت أفواهها مقبلة علينا.
ألم يك ولدان أعانوا ومجلس ... قريب فنخزي إذ تلف وتحمل
أي أعانوا على السقي، ومجلس قريب فلنستحي من إن تلف الوطاب وتحمل وقال:
عليهن يوم الورد حق وحرمة ... وهن غداة الغب عهندك حفل
فإن تصدري يحلبن دونك حلبةً ... وإن تحضري يلبث عليك المعجل
وقال وذكر الإبل:
إذا هتكت أطناب بيت وأهله ... بمعطنها لم يوردوا الماء قيلوا
أي دنت منه يقال بنو فلان يطؤهم الطريق، والقيل شرب نصف النهار، وقال آخر يزيد بن الحكم الثقفي:
بدا لك غش طال ما قد كتمته ... كما كتمت داء ابنها أم مدوي
الدواية جليدة تركب اللبن وقد دوي اللبن، وادّوي فهو مدّو إذا أخذها وقال أبو الطمحان القيني:
وإني لأرجو ملحها في بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبر
(1/402)

كان نزل على قوم فأخذوا إبله، والملح الرضاع، ولفلان في بني فلان مخاطة أي رضاع وأراد اللبن الذي شربوا منها فبسط جلد من كان مهزولاً، وأنشد الأصمعي لشتيم بن خويلد:
لا يبعد الله رب العبا ... د والملح ما ولدت خالده
ويروي: والملح والملح أراد بالملح الرضاع، وقال آخر:
متبجح بقرى الضيوف وإنما ... طرق الضيوف بعشة لم تملح
متبجح مشمر لم تملح لم تسمن، وأما قول مسكين الدارمي:
لا تلمها إنها من معشر ... محهم موضوعة فوق الركب
ويروي ملحها:
(1/403)

كشموس الخيل يبدو شغبها ... كلما قيل لها هال وهب
ويروي هال بلا تنوين، يقال للرجل الحديد: ملحه على ركبته وقيل له كيف قلت ملحا موضوعة فقال: كما يقال: عسل طيبة، وقال آخر:
وقائلة ظلمت لكم سقائي ... وهل يخفى على العكد الظليم
ظلم السقاء أن يسقي قبل أن يدرك وتخرج زبدته وهي الظليمة والعكدة أصل اللسان، وقال آخر:
وصاحب صدق لم تنلني أذاته ... ظلمت وفي ظلمي له عامداً أجر
يعني سقاء ومثله:
إلى معشر لا يلمون سقاءهم ... ولا يأكلون اللحم إلا مقددا
هذا هجاء، وقال آخر:
عجيز من عامر بن جندب ... تبغض أن يظلم ما في المروب
يعني سقاء، وقال الحطيئة:
قروا جارك العيمان لما جفوته ... وقلص عن برد الشراب مشافره
سناماً ومحضاً أنبتا اللحم فاكتست ... عظام امرئ ما كان يشبع طائره
عام إلى اللبن إذا اشتهاه وقرم إلى اللحم، والعيمان العطشان، وقلص عن برد الشراب أي عن برد الماء فلم يقدر على شربه
(1/404)

لشهوة اللبن، ومثله:
وهم سقوني المحض إذ ... قلصت عن الماء المشافر
ما كان يشبع طائره يقول لو وقع عليه طائر وهو ميت لما شبع من قلة لحمه وشدة هزاله، وقاله أبو عمرو الشيباني يريد ما كان عنده ما يشبه طائره من سوء الحال، وقال آخر:
يا أيها الفصيل المعني ... إنك ريان فصمت عني
يكفي اللقوح أكلة من ثن
صمت عني أي سكت، ويقال أصمت عني أي أسكت، يقول إذا صرفت اللبن عنك إلى الأضياف سكتوا، وقد فسر الباقي، وقال آخر:
وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب معزول الفصيل
لأنه يؤثر عليه بلبن أمه ومثله:
ترى فصلانهم في الورد هزلي
وقال النمر بن تولب وذكر إبلاً:
وفي جسم راعيها شحوب كأنه ... هزال وما من قلة الطعم يهزل
يريد أنه يؤثر بألبانها، وقال أبو خراش الهذلي:
أرد شجاع البطن قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم
وأغتبق الماء القراح فأنتهي ... إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
يقول الجوع في بطني مثل الجاع يتلمظ، وقال أعشى باهلة:
(1/405)

لا يعض على شرسوفه الصقر
يقال هي حية تكون في البطن من الناس والدواب والمواشي تشتد على الإنسان إذا جاع، والطعم الطعام والطعم الشهوة، والمزلج الضعيف من الرجال الذي ليس بكثيف، أنتهي أي تنهى نفسي عنه.
وقال آخر:
أقسم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد
أي أوثر بقوتي وأجتزئ بالماء في الشتاء والبرد.

الإبل المحبوسة على الأضياف
قال الأخطل:
ومحبوسة في الحي ضامنة القرى ... إذا الليل وافاها بأشعث ساغب
مرازيح في المأوى إذا هبت الصبا ... تطيف أوابيها بأكلف ثالب
هذه الإبل حبست للحقوق والضيافة، مرازيح يقول هي في مباركها صبر على الريح لشحومها وسمنها وأصل المرازيح المهازيل التي لا تبرح فشبه هذه الإبل وهي سمان إذا كانت ثقالاً لا تبرح
(1/406)

بالمرازيح ضعفاً.
وقال عتيبة بن مرداس يصفها:
طوال الذرى ما يلعن الضيف أهلها ... إذا هو أرغى وسطها بعد ما يسري
أرغى أي الضيف يضرب ناقته لترغو فيسمعها من يريد أن يضيف فيخرج إليها.
وقال المرار وذكرها:
محبسة في كل رسل ونجدة ... وقد عرفت ألوانها في المعاقل
أي في كل أمر هين وشديد وصعب وذلول.
وقال آخر: صخر الغي:
لو أن عندي من قريم رجلاً ... لمنعوني نجدةً ورسلا
لمنعوني بأمر صعب أو هين وقيل الرسل اللبن والنجدة المعونة، يقول وقفوها لألبانها وليقرنوا منها ولينجدوا عليها إذا استصرخوا. وقال الراعي:
تأوي إلى بيتها دهم معودة ... أن لا تروح إن لم تغشها الحلل
جمع حلة وهم القوم النزول
وأما قول خداش بن زهير:
ومطوية طي القليب حبستها ... لذي حاجة لم أعي أين مصادره
ففيه قولان يقال إنه أراد الأذن ويقال أراد نوقاً شبه طيها بطي البئر.
(1/407)

وقال آخر:
ومطوية طي القليب رفعتها ... لمستنبح بعد الهدو طروق
يعني أذنه يرفع سمعه ليسمع مستنبحاً فيدعوه ويضيفه.

المواضع التي ينزلها المضيفون
قال المسيب بن علس:
أحللت بيتك بالجميع وبعضهم ... متوحد ليحل بالأوزاع
أي حللت وسط القوم لم تنتج فراراً من القرى حيث لا يعرف مكانك، والأوزاع الفرق ومنه قيل وزعت بينهم أي فرقت، وقال الآخر:
ولا يحل إذا ما حل معتنزاً ... يخشى الرزية بين الماء والبادي
معتنزاً منفرداً، يقول لا نزل وحده خشية أن ينزل به ضيف على الماء أو في البدو وقال كعب بن سعد الغنوي:
عظيم رماد القدر يحتل بيته ... إلى هدف لم تحتجنه غيوب
الهدف الموضع المرتفع، لم تحتجنه لم يصر فيها، والغيوب ما اطمأن من الأرض واحدها غيب، وقال الراعي:
(1/408)

وآناء حي تحت عين مطيرة ... عظام البيوت ينزلون الراوبيا
آناء جمع نؤي، والعين سحاب يجيء من نحو القبلة وهو أغزر لمطره، ينزلون الراوبيا أي ما علا من الأرض لتعرف أمكنتهم فيأتيها الأضياف، ومثله للأعشى:
بسط البيوت لكي يكون مظنةً ... من حيث توضع جفنة المسترفد
وقال طرفة:
ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد
التلاع مسايل جوف يستتر فيها من نزلها من الأضياف، وقال آخر:
وبوأت بيتك في معلم ... رحيب المباءة والمسرح

باب شدة الزمان والجدب
قال الراعي:
هلا سألت هداك الله ما حسبي ... إذا رعائي راحت قبل حطابي
أخبرنا اشتد البرد راح الراعي ببله قبل الحطاب لأن الأرض ليس فيها كثير مرعى واحتبس الحطاب لشدة البرد أراد أنه يقري ويضيف ذلك الوقت.
(1/409)

وقال النابغة:
هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... إذا الدخان تغشي الأشمط البرما
البرم الذي لا ييسر مع القوم، وخص الأشمط لأنه قد كبر وضعف فهو يأتي مواضع اللحم.
وقال ابن مقبل:
ألم تعلمي أن لا يذم فجاءتي ... دخيلي إذا اغبر العضاه المجلح
أي إذا أتاني ولم أستعد، المجلح الذي أكلته الإبل.
وقال الأعشى:
وإني لا يشتكيني الألوك ... إذا كان صوب السحاب الضريبا
الألوك الرسالة ومعناه لا أرد صاحبها بغير شيء، ومثله للبيد:
وغلام أرسلته أمه ... بألوك فبذلنا ما سأل
أو نهته فأتاه رزقه ... فاشتوى ليلة ريح واجتمل
أي لم ترسله فأرسلنا إليه، واجتمل من الجميل وهو الودك.
وقال الكميت:
وكان السوف للفتيات قوتاً ... يعشن به ونئت الرقوب
السوف التسويف والرقوب التي لا يبقى لها ولد.
(1/410)

وصار وقودهم للحي أماً ... وهان على المخبأة الشحوب
يقول اجتمعوا عند النار فكأنها أم لهم. وقال يمدح:
وأنت ربيعنا في كل محل ... إذا المهداة قيل لها العفير
المهداة التي تهدي. والعفير التي لا تهدي من الجدب لأنه لا شيء لها. وقال أيضاً:
وأنتم غيوث الناس في كل شتوة ... إذا بلغ المحل الفطيم المعفرا
المعفر الذي تريد أمه فطامه فهي تعلله بالشيء ليستغني عن اللبن، ومنه قول لبيد:
لمعفر قهد تنازع شلوه
وقال آخر:
يكبون العشار لمن أتاهم ... إذا لم تسكت المائة الوليدا
يقول ينحرون الإبل في الجدب إذا لم يكن في مائة من الإبل ما يعلل به صبي.
وقال آخر:
(1/411)

إذا النفساء لم تخرس ببكرها ... غلاماً ولم يسكت بتر فطيمها
وقال أوس:
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا
الهدم الثوب الخلق، وأراد بالتولب طفلها، والنواشر عصب الذراع الواحدة ناشرة وبها سمي الرجل، والجدع السيء الغذاء.
وقال:
وشبه الهيدب العبام من ال ... أبرام سقبا مجللا فرعا
الهيدب مثل العبام وهو الثقيل الغبي والأبرام الذين لا ييسرون، والفرع أول ولد الناقة، وكانوا يذبحون ذلك لآلهتهم، يقول فهذا قد لبس جلد الفرع من شدة البرد فكأنه فرع، وقال طرفة:
ألقوا إليك بكل أرملة ... شعثاء تحمل منقع البرم
(1/412)

قال الأصمعي منقع البرم، وأبو عمرو وابن الأعرابي منقع البرم والبرم جمع برمة وهي برام صغار تحملها المرأة فتنقع فيها أنكاث الأخبية وهو ما نقض منها فإذا نزلوا واستقروا خكن ذلك الغزل واتخذن منه أخبية، وقال لبيد:
تأوي إلى الأطناب كل رذية ... مثل البلية قالصاً أهدامها
الرذية امرأة مهزولة، والبلية الناقة تعقل عند قبر صاحبها فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت، أهدامها خلقان ثيابها الواحد هدم.
وقال الفرزدق:
وعاش تمشي القراع أرامله
القراع الجرب واحدها قرعة وتجمع أيضاً على قرع، يقول تتمشي بالجرب يتصدقن فيها، وقال سويد بن أبي كاهل:
وأتاني صاحب ذو غيث ... زفيان عند إنقاذ الفرع
الغيث أصله في البئر يقال بئر ذو غيث إذا كانت لها مادة، زفيان خفيف.
(1/413)

وقول الكميت:
وكاعبهم ذات الغفارة أسغب
الغفارة شعر الصدغ وما يليه.
وقال الخرشب:
وإن وراء الحزن غزلان أيكة ... مضمخة أردانها والغفائر
ويروي العفاوة وهو ما يرفع للإنسان من المرق ويروي القفاوة وهو من القفي وهو ما خص به الإنسان، ومنه قول سلامة:
ليس بأسفي ولا أقني ولا سغل ... يسقي دواء قفي السكن مربوب
(1/414)

وقالت أخت عمروذي الكلب الهذلية:
وليلة يصطلى بالفرث جازرها ... يخص بالنقرى المثرين داعيها
ويروي يختص، تقول يدخل يده في الكرش من شدة البرد لتدفأ.
وقال الأسدي مثله:
يبيتون أمثال العشار وجارهم ... على الفرث يحيي الليل يفرح بالمحل
يقول هم سمان أمثال العشار من الإبل وضيفهم سيء الحال بالعراء على الفرث يدخل رجليه فيه يستدفئ به، وقال الكميت:
واحتل برك الشتاء منزلة ... وبات شيخ العيال يصطلب
أي يجمع العظام فيطبخها بالماء ليخرج ودكها، ومنه سمي المصلوب لأنه يسيل ودكه، والصليب الودك، قال الهذلي وذكر عقابا والبيت لأبي خراش:
جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليباً
أي ودكاً، وقال الفرزدق:
إذا السنة الشهباء حل حرامها.
أي يأكلون فيها الميتة والدم وقال رؤبة:
حدباء فكت أسر القعوس
(1/415)

القعش الهودج يريد أنهم حلوا القد من هوادجهم وفكوها وأوقدوها من شدة البرد، وقال الكميت:
فأي عمارة كالحي بكر ... إذا اللزبات لقبت السنينا
أكر غداة إبساس ونقر ... وأكشف للأصائل أن عرينا
العمارة الحي الضخم، واللزبات الشدائد لقبت بكحل ونحوه، وقال:
ولم يند من أنواء كحل جبوبها
كحل سنة جدب، والجبوب وجه الأرض، والإبساس والنقر تسكين الدابة، والأصائل العشيات، عرين بردن يقال ليلة عرية ويوم عر أي بارد يقول يكشفونها بالإطعام.
وقال يصف شدة الزمان:
(1/416)

ولم ينبح الكلب العقور ولم يخف ... على الحاطبين الأسود المتقوب
الأسود الحية والمتقوب السالخ وذلك أنه لا يظهر في شدة البرد وقال:
وحالت الريح من تلقاء مغربها ... وضن من قدره ذو القدر بالعقب
وكهكه المدلج المقرور في يده ... واستدفأ الكلب بالمأسور ذي الذئب
أي نفخ من شدة البرد في يده، والمأسور الغبيط، وكل شيء حنيته وعطفته فهو مأسور، والذئبة فرجة بين عودي القتب والغبيط.
وقال سلامة بن جندل:
كنا نحل إذا هبت شآمية ... بكل واد حطيب البطن مجدوب
شيب المبارك مدروس مدافعه ... هابي المراغ قليل الودق موظوب
(1/417)

يقول ننزل بكل واد كثير الحطب لنعقر ونطبخ ولا نبالي أن يكون مجدوباً أي معيباً والعائب الجادب مباركه شيب من الجدب والصقيع فهو أبيض لا كلأ به مدروس مدافعه أي قد درست ورقت ووطئت وأكل نبته ومدافعه مسايل مائه، موظوب قد وظب عليه حتى لم يبق منه شيء، هابي المراغ أي منتفخ التراب لا يتمرغ فيه قد ترك لخوفه، وقال ذو الرمة يمدح:
وخير إذا ما الريح ضم شفيفها ... إلى الشول في دفء الكنيف المتاليا
الخير الكرم والشفيف البرد والكنيف حظيرة من شجر دفؤها مسترها، والشول التي تشولت ألبانها وقعت بطونها من أولادها وأتى على نتاجها أشهر، والمتالي التي نتجت وفي بطونها أولادها وهي مثقلة مكروبة والبرد إلى الشول أسرع منه إليها لخفة بطونها فإذا بلغ البرد إلى المتالي حتى يضمها إلى الشول في الكنيف فهو أشد البرد.
وقال ابن مقبل في مثله:
يظل الحصان الورد فيها مجللاًلدى الستر بغشاه المصك الصمحمح
يعني يغشى الفرس البيت من شدة البرد فأراد يظل الحصان الورد المصك الصمحمح مجللاً من شدة البرد لدى الستر يغشاه ويقال
(1/418)

مصك بعير يغشاه من شدة البرد وقال الفرزدق وذكر جدباً وبرداً.
وهتكت الأطناب كل غليظة ... لها تامك من صادق الني أعرف
تامك سنام، أعرف طويل العرف يقول إذا أصابها البرد دخلت في الخباء.
وراح قريع الشول قبل إفالها ... يزف وراحه حوله وهي زفف
قريع الشول فحلها، يزف يسرع لشدة البرد وقلة المرعى فتتبعه الإبل وتسرع حوله.
وقال ابن أحمر وذكر سنة جدب:
وراحت الشول ولم يحبها ... فحل ولم يعتس فيها مدر
أي ذهل الفحل عن الشول وهمته نفسه من شدة الزمان ويقال هو يحبو ما حوله أي يحميه ويمنعه، ولم يعتس أي لم يسع فيها ذو عس. لأنه لا ألبان لها، وقال الكميت:
إذا اللقاح غدت ملقى أصرتها ... ولم تند عصوب كف معتصب
ملقى أصرتها لأنها لا ألبان بها، والعصوب التي لا تدر حتى تعصب فخذاها.
وقال أيضاً:
(1/419)

فأي امرئ أنت أي امرئ ... إذا الزجر لم يستدر الزجورا
ولم تعط بالعصب منها العصو ... ب إلا النهيت وإلا الطحيرا
النهيت صياح ورغاء، والطحير أن تضرب برجلها، والزجور التي لا تدر حتى تزجر، وهذا في شدة الزمان.
وقال أيضاً:
وأسكت رز الفحل واسترعفت بهحراجيج لم تلقح كشافا سلوبها
رزه صوته ينقطع من شدة البرد، استرعفت به تقدمت والكشاف أن تلقح في دمها بعد الولاد، والسلوب التي سلب ولدها.
وقال وذكر سنة جدب:
بعام يقول له المؤلفو ... ن هذا المعيم لنا المرجل
المؤلف الذي له ألف بعير، والمعيم الذي أعامهم إلى اللبن، ومرجل أرجلهم.
وكان سواءً لدى الناتجين ... تمام الحوارين والمعجل
أي ليس للأمهات لبن فالتمام يموت أيضاً، قال أبو عمرو هما حواران أحدهما تمام والآخر معجل.
وقال أيضاً:
هدما للكنيف يلقي لدي المبر ... ك لا يتبع الصريف الهديرا
(1/420)

هدماً أي محب لكنيفه لا يريد مفارقته، يقال ناقة هدمة إذا كانت تحب الفحل.
والرؤوم الرفود منهن بالأم ... س علوقاً لسقبها أو زجورا
الرؤوم العطوف على ولدها، والرفود التي تملأ رفدين في حلبة أي قدحين، والعلوق التي ترأم بأنفها وتمنع درها، والزجور التي لا تدر حتى تزجر.
وقال آخر:
أيانق قد كفأت أرفادها ... نطعمها إذا شئت أولادها
حرادها يمنع أن نمتادها
الأرفاد جمع رفد، كفأت الإناء قلبته أي انقطع لبنها فكفئت الأقداح، وأراد بعنما أولادها فأنفقنا أثمانها عليها، والمحاردة انقطاع ألبانها في الشتاء، نمتادها نقتلعها من مدت الرجل أخبرنا أعطيته، والمعنى أنها إذا حاردت لم يكن لها لبن يميد الناس.
وقال آخر:
حبسنا وكان الحبس منا سجيةً ... عصائب أبقتها السنون الأورام
ابن الأعرابي: عصائب المال بقاياها، الأورام المستأصلة.
وقال الكميت:
ويأرم كل نابتة رعاء ... وحشاشا لهن وحاطبينا
وقال الكميت يذكر سنة جدب:
وكان لبيت القشعة الهدم والصبا ... أحاديث منها عاليات الأرواد
(1/421)

القشعة بيت من جلود، والهدم الخلق، والصبا الريح، والأرواد من رويد أي قليلاً، يقول فأضعفها شديد.
وقال ابن مقبل:
فلا أصطفي شحم السنام ذخيرةً ... إذا عز ريح المسك بالليل قاتره
قاتره من القتار، عزه غلب عليه، يقول في أزمان الجدب يكون ريح القتار أطيب من ريح المسك، يقول: لا أصطفي السنام لنفسي وأطعم ما سواه.
وقال آخر وذكر الضيف واللحم:
فإن يك غثاً أو سميناً فإنني ... سأجعل عينيه لقلبه مقنعا
ترك مد الهاء في مثل لقلبه لغة لبعضهم، يقول إذا ذبح الجزور بين يديه اتخذت له الطعام بحضرته لا أغيب عنه غثاً كان أو سميناً لئلا يظن أني قد استأثرت عليه.
وقال آخر:
ولا يتقاضى القوم جاري هديتي ... بأعينهم في البيت من خلل الستر
أي لا تمتد أعينهم إلى ما أبعث به إلى جاري الأدنى لأني أوسعهم كلهم من قرب منهم ومن بعد فلا يحتاج البعيد إلى القريب.
(1/422)

وقال آخر:
بلى إن الزمان له صروف ... وكل من معاركه السنين
فيسمن ذو العريكة بعد هزل ... وتعتر الهزيلة بالسمين
يقال ناقة عروك إذا لم يكن في سنامها إلا شيء يسير، وتعتر الهزيلة أي تأتي والهزيلة الهزال بعينه أي تأتيه، والمعنى إن صروف الدهر تقلب فتسمن الهزيل وتهزل السمين، والهزال من الشحم والهزل من الجدب والموت. وقال عروة بن الورد:
أقيموا حذر الهزال نكحت عبداً ... وصهر العبد أقرب للهزال
وقال:
وصاحبين شتيت اللون نجرهما ... في جسم حي وروح واحد خلقا
يغذوهما الخصب حتى يسمنان له ... وإن أصابا هزالاً بعده افترقا
يعني الشحم واللحم، وأنشد ابن الأعرابي:
(1/423)

يحملن أوصال غلام متخم ... لو لم يهو ذل طرفاه لنجم
في جنبه مثل قفا الكبش الأجم
يهوذل يسيل يريد أنه قاء وسلح ولولا ذلك لصار في جنبه من التخمة مثل قفا الكبش الذي لا قرن له، وأنشد:
تعدون القراح ولم تعدوا ... علي نقارة إلا القراحا
يقول ما لكم عندي يد إلا أنكم قريتموني ماء قراحاً كما تقول مالك نقرة ولا أثر أي قدر ما نقره الطائر، وأنشد:
قرانا التقيا بعد ما هبت الصبا
التقيا شيء يقراه الضيف يتقي به الأذى بقدر ما تقول أطعمته شيئاً، وأنشد أبو زيد:
ونصبح بالغداة أتر شيء ... ونمسي بالعشي طلنفحينا
التار الممتلئ والطلنفح الخالي الجوف.

طعام الفقراء في الجدب
أنشد ابن الأعرابي:
(1/424)

الأسودان أبردا عظامي
الأسودان الفث والماء، والفث حب يطحن ويختبز منه خبز أسود، وقال الأسودان كما يقال للماء والتمر الأسودان، أبردا عظامي أي أذهبا مخي، والفث يأكله الضركاء وهم الفقراء، وقال الطرماح:
لم تأكل الفث والدعاع ولم ... تنقف هبيدا يجنيه مهتبده
الفث والدعاع حب يجتنى في الجدب ويؤكل، والهبيد جب الحنظل، وقال حسان:
لم يعللن بالمغافير والصم ... غ ولا شرى حنظل الخطبان
المغفور شيء ينضحه الثمام بضم الميم.
وقال آخر:
أرض من الخير والسلطان نائية ... فالأطيبان بها الطرثوث والضرب
الطراثيث نبت، والصرب صمغ أحمر، وأنشد:
كأن آنفهم فوق اللحى رب
وقال:
لما غدوت خلق الثياب ... أحمل علين من التراب
لعوزم وصبية سغاب
(1/425)

يعني اللثا وهو ما يقطر من بعض الشجر مثل العسل فيجي المحتاج ليحمل التراب صم يصفي ما فيه فيأكله، وقال آخر يهجو والشعر لمعاوية ابن أبي معاوية الجرمي:
ألم ترجر ما أنجدت وأبوكم ... مع الشعر قص الملبد شارع
ويروي في حفر الأقيصر:
ذا قرة جاءت يقول أصب بها ... سوى القمل إني من هوازن ضارع
أنجدت سكنت نجداً، والملبد المحرم الذي لبد شعره بالخطمى والصمغ وكانوا يفعلون ذلك لئلا يقملوا إذا دخله الغبار بعد العرق والقرة تعير بها تميم وهوازن وهما بنو القملية، وذلك أن أهل اليمن كانوا إذا حلقوا رؤوسهم بمنى سقط الشعر مع دقيق كانوا يجعلونه في رؤوسهم فكان ناس من الضركاء وفيهم ناس من قيس وأسد يأخذون ذلك الشعر بدقيقة فيرمون بالشعر وينتفعون بالدقيق، وأما العلهز فهو قردان تعالج بدم الفصد مع شيء من وبر وكانوا يدخرون ذلك لزمان الجدب.
وقال آخر:
لتبك الباكيات أبا حبيب ... لدهر أو لنائبة تنوب
وقعب وجية بلت بماء ... يكون إدامها لبن حليب
وتيس قد خصيت ولم تضره ... بميجنة على حجر صليب
الوجية تمر حشف يبل ثم يدق، وإنما هجاه بأنه لا يذبح ولا ينحر
(1/426)

وكان رفيقاً بخصى الغنم، والميجنة الكدينف:
وأنشد ابن الأعرابي:
أف لشيخ هرم دهري ... همته ضبيبة الصبي
الضبيبة سمن ورب وحرف وربما جعل معه التمر في العكة للصبي فيقال ضببوا صبيانكم.

العواذل
قال مسكين الدارمي:
أصبحت عاذلتي معتلةً ... فرمت بل هي وحمى للصخب
أصبحت تنقل في شحم الذرى ... وتعد اللوم درا ينتهب
أي تعظم أمري إبلي وتكبر قدرها لئلا أنحر أو أهب منها، وتعد اللوم من حرصها عليه كالدر الذي ينتهب.
وقال آخر:
(1/427)

ألا بكرت عرسي علي تلومني ... وفي يدها كسر أبح رذوم
الكسر العظم الذي لم يكسر، والأبح السمين، والرذوم القطور قال الأصمعي نحر بعيراً سميناً فأتته امرأته فقالت أمثل هذا تنحر؟ فلامته، قال وفيه قول آخر أراد أنها في خصب وسعة وهي تلوم ولا تقنع وتستبطئ وتزعم أنها ضيقة العيش، يقول فكيف تكون في ضيق وفي يدها عظم يقطر من الدسم؟ وقال لبيد:
أعاذل قومي فاعذلي الآن أو ذري ... فلست، وإن أقصرت عني بمقصر
أي لست وإن لمتني حتى تقصري بمقصر عما أصنع فإن شئت فلومي وإن شئت فدعي.
وقال آخر:
فإن أقل يا ظمى حلا حلا ... تغضب وتعقد حبلها المنحلا
أي كأنها تؤكد ما تصنع ولا تعتب، حلا أي تحللي واستثني. وقال ابن أحمر:
أصم دعاء عاذلتي تحجي ... بآخرنا وتنسي أولينا
(1/428)

يعني وافق دعاؤها قوماً صماً، يقال أتيناه فأبخلناه، فدعا على دعائها بهذا، وقوله تحجي أي تلزم ذلك وفعلت منه حجوت.
وقال العجاج:
فهن يعكفن به إذا حجا
وقال الشماخ:
أعائش ما لأهلك لا أراهم ... يضيعون الهجان مع المضيع
وكيف يضيع صاحب مدفآت ... على أثباجهن من الصقيع
قيل إنها لامته على إمساكه فقال لها ما لأهلك لا أراهم يضيعون أموالهم فكيف تأمريني بشيء لا يفعله أهلك؟ والدليل على ذلك قوله بعد.
لمال المرء يصلحه فيغنى ... مفاقره أعف من القنوع
وقال كيف أضيع إبلاً في هذه الصفة، والقنوع السؤال من قول الله عز وجل " وأطعموا القانع والمعتر "، والقناعة الرضا ولم نسمع بامرأة عاتبت على إصلاح المال غير هذه، وإنما العادة في وصفهن على الحث في الجمع والمنع والعذل على الإنفاق، ويقال أنه أراد ما لأهلك يضيعون الهجان، وأدخل " لا " حشوا كأنه لامهم على السرف والتبذير ويدل على هذا قوله:
(1/429)

ولكني إلى تركات قومي ... بقيت وغادروني كالخليع
يقول لا أفعل فعلهم ولكني إلى تركات قومي أقوم لحسبهم وشرفهم فلا أسأل الناس ولا أتعرض لما أشين به قومي لأني إذا أصلحت مالي وثمرته كان أصون لي من تبذيره مع المسألة، والخليع الذي خلعه أهله وتبرؤا منه، يقول ماتوا فصرت بعدهم فردا كالخليع، والمدفآت الإبل الكثيرات الأوبار والشحوم فقد أدفئن بها من الصقيع، ويروي: مدفئات أي كثيرة يدفئ بعضها بعضاً بأنفاسها.
وقال زهير:
غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعودا لديه بالصريح عواذله
الصريم جمع صريمة وهي القطعة من الرمل تنقطع من معظمه عواذله يعذلنه على إنفاق ماله، وقال أبو عبيدة: الصريم الليل أراد أنه غدا عليه في بقية من الليل ويقال: الصريم الصبح لأنه انصرم من الليل.
وقال آخر لعله حاتم:
وعاذلة هبت بليل تلومني ... وقد غاب عيوق الثريا فعردا
لأنه يسكر بالعشي فإذا صحا من سكره بالليل لامته، وعرد فردا.

أبيات في ذكر النار
قال أعرابي وذكر إبلاء:
لها بدن عاس ودر كريمة ... بمكتفل الاري بين الصرائم
(1/430)

عاس قد غلظ وعسا، ونار كريمة أي تضيء للأضياف، مكتفل أي حيث تناخ منه الآرق هو المحبس، والصرائم قطع من الرمل في الأرض.
وقال آخر " عمرو بن قعاس المرادي ":
وبرك قد أثرت بمشرفي ... إذا ما زل عن عقر رميت
وعارية لها رهج طويل ... رددت بمضغة مما اشتهيت
يقول إذا لم يعقر السيف رميت بالسهم، والعارية النار لأنها لا تكسي شيئاً إلا أكلته، ورهجها دخانها شبهه بالغبار، رددت بمضعة يقول كففتها بلقمة لحم كببت عليها.
وقال آخر " وهو كعب بن زهير ":
ونار قبيل الليل بادرت قدحها ... حيا النار قد أوقدتها للمسافر
هذا رجل خائف يقول أوقدت النار نهاراً لأنها ترى بالليل ولا ترى بالنهار.
وقال ابن مقبل وذكر ناقة:
فبعثتها تقص المقاصر بعدما ... كربت حياة النار للمتنور
تقص تدق وتكسر، والمقاصر محاضر الطرق الواحد مقصر، ويقال المقاصر أفواه الطرق، وكربت دنت، وحياة النار تبينها إذا أوقدت وإنما أراد حين ذهب النهار وجاء الليل لأنها تخفي بالنهار
(1/431)

وتحيا بالليل والظلمة وتضيء، يقول بعثتها عند المغرب، والمتنور الذي ينظر إلى النار من بعيد، وقال ابن حلزة:
فتنورت نارها من بعيد
وقال آخر:
ودوية لا يثقب النار سفرها ... وتضحي بها الوجناء وهي لهيد
أي لا يوقدون نارا من مخافتهم ولكنهم يتبلغون بأدنى شيء، وقد فسر، واللهيد التي ضغطها الحمل حتى اشتكت لحم صدرها، وقال ابن أحمر يصف بقرة:
تطايح الطل عن أعطافها صعدا ... كما تطاير عن مأموسة الشرر
(1/432)

مأموسة النار هاهنا، وخبزة الملة مأموسة أيضاً.
وقال آخر في وصف قناة:
ثقفها بسكن وأدهان
أي قوم أودها بالنار والدهن والسكن النار، وأنشد:
وسكن توقد في مظله
وقال آخر:
وجمة أقوام حملت ولم تكن ... لتوقد ناراً بعدهم للتندم
الجمة الجماعة يمشون في الدم والصلح.
وقال شاعر يذكر إبلاً:
تقسم في الحق وتعطي في الجمم
وقوله ولم تكن لتوقد ناراً كانوا يوقدون ناراً خلف المسافر والزائر اللذين لا يحبون رجوعهما، ويقال في الدعا أبعده الله وأسحقه وأوقد ناراً أثره، يقول لم تندم على الإعطاء في الحمالة لتوقد ناراً خلفهم كيلا يعودوا.
وقال بشار في مثل هذا
(1/433)

صحوت وأوقدت للجهل ناراً ... ورد عليك الصبا ما استعار
وقال عمرو " بن كلثوم ":
ونحن غداة أوقد في خزازي ... رفدنا فوق رفد الرافدينا
كانوا إذا أرادوا حرباً أو توقعوا جيشاً عظيماً وأرادوا الاجتماع أوقدوا ليلاً على جبل لتجتمع إليهم عشائرهم فإذا جدوا وأعجلوا أوقدوا نارين. وقال الفرزدق:
ضربوا الصنائع والملوك وأوقدوا ... نارين أشرفتا على النيران
وقال أوس:
إذا استقبلته الشمس صد بوجهه ... كما صد عن نار المهول حالف
كانوا يحلفون بالنار وكانت لهم نار يقال أنها كانت بأشراف اليمن له سدنة فإذا تفاقم الأمر بين القوم فحلف بها انقطع بينهم وكان اسمها هولة والمهولة وكان سادنها إذا أتى برجل هيبه من الحلف بها ولها قيم يطرح فيها الملح والكبريت فإذا وقع فيها استشاطت وتنقضت فيقول هذه النار قد تهددتك. فإن كان قريباً نكل وإن كان بريئاً حلف.
قال الكميت:
هم خوفونا بالعمى هوة الردى ... كما شب نار الحالفين المهول
وقال الكميت وذكر امرأة:
(1/434)

فقد صرت عمالها بالمشي ... ب زوالاً لديها هو الأزول
كهولة ما أوقد المحلفون ... لدي الحالفين وما هولوا
يقول صرت في أعين النساء كذلك.
وقال الأعشى:
نساء بني شيبان يوم أوارة ... على النار إذ تجلى له فتياتها
كانوا يكرهون أن يعرضوا السبي نهاراً فيعرضونهن ليلاً وتوقد لذلك نار.
وقال أيضاً لمرأة:
أريت القوم نارك لم أغمض ... بواقصة ومشربنا زرود
فلم أرمو قدا منها ولكن ... لأية نظرة زهر الوقود
وإنما نظر إلى ناحيتها فخيلت له نارها مرفوعة توقد وهذا تظن منه ليس أنه رأى شيئاً بعينه أراد رؤية القلب.
وقال امرؤ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي
تنورتها نظرت إلى نارها وهذا تحزن وتظنن منه ليس أنه رأى بعينه شيئاً إنما أراد رؤية القلب.
ومثله قول الآخر:
أليس بصيراً من رأى وهو قاعد ... بمكة أهل الشام يختبزوا
وقال الحارث بن حلزة:
(1/435)

وبعينيك أوقدت هند النار ... ر أخيراً تلوي بها العلياء
يريد رأى عينيك أوقدت، أخبر أنه رأى نارها وكان آخر عهد منه بها أي بالنار تلوي بها العلياء أي ترفعها وتضيئها كما يلوي الرجل بثوبه إذا رفعه يلوح به للقوم، ويقال ألوت الناقة بذنبها إذا رفعته وأراد بالعلياء العالية وهي الحجاز وما يليه من بلاد قيس.
أوقدتها بين العقيق فشخصي ... ن بعود كما يلوح الضياء
شخصين شعبين لأكمة، بعود أراد اليلنجوج والشعراء تذكر ذلك وتكثر فيه وإنما هو لحبهم موقدي النار.
ومثله قول عدي بن زيد:
رب نار بت أرمقها ... تقضم الهندي والغارا
يريد بالهندي اليلنجوج، والغار شجر طيب.
فتنورت نارها من بعيد ... بخزازي هيهات منك الصلاء
خزازي جبل.
قال الشماخ يصف امرأة:
وكانت إذا هبت على العرفج الصبا ... ينور بالغور التهامي مسيرها
العرفج إذا هبت عليه الريح فاحتك بعض عيدانه ببعض اشتعلت فيه النار يقول تسير في وقت هبوب الصبا فتضيء لها طريقها والغور ينبت العرفج، ويروي أيضاً:
وكانت إذا هبت على الحرجف الصبا ... ينور بالغور التهامي سريرها
(1/436)

يقول توقد اليلنجوج في الشتاء لتتخر به كما قال أبو دواد:
يكتبين الينجوج في كبة المش ... تى وبله أحلامهن وسام
يكتبين يفتعلن من الكباء أي يتبخرن، وكبة الشتاء شدته.

الأبيات في ذكر الخمر وآلاتها
قال الأعشى:
وسبية مما تعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جرياً لها
حدثنا الرياشي قال حدثنا أخو زبرقان عن مؤرج عن سعيد عن سماك عن أبيه عن عبيد راوية الأعشى أنه سأل الأعشى عن هذا البيت فقال: شربتها حمراء وبلتها فسلبتها الحمرة والجريال اللون.
وقال ابن أحمر وذكر الخمر:
كمرآة المضر سرت عليها ... إذا رامقت فيها الطرف جالا
أي سرت على المرآة تجلوها، أمقت فاعلت من رمقت.
جال زال من شدة ضوئها، والمضر التي تزوجت، على ضر فمرآتها أبداً في يدها.
(1/437)

وقال الأعشى:
فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى جونة عند حدادها
كحوصلة الرأل في دنها ... إذا جليت بعد إقعادها
جونة حمراء إلى السواد والحداد المانع، ومنه حدت المرأة على زوجها أي امتنعت من الزينة، وأراد أكل بعضها بعضاً لطول الدهر فلم يبق منها إلا كحوصلة الرأل في قلتها، بعد ٌقعادها بعد ما كبرت شبهها بالقاعد من النساء.
وقال حميد بن ثور وذكر امرأة:
علتها كبرة فهي قاعد
ويقال أنها حمراء فشبهها بحوصلة الرأل لأنها حمراء، جليت أخرجت بعد الكبر، وقال بعضهم إذا جنئت أي أميلت بعد انتصابها.
وقال كثير:
جنوء العائدات على وسادي
وقال الأعشى:
وكأس كماء الني باكرت حدها ... بعزتها إذ غاب عنها بغاتها
شبه الخمر بماء اللحم الني، حدها أولها، عزتها غلاؤها.
وقال القطامي:
(1/438)

ورقيقة الحجرات بادية القذى ... كدم الغزال صبحتها ندمانا
الحجرات النواحي، من صفائها يرى القذى في أسفلها.
ومثله للأعشى:
تريك القذى من تحتها وهي فوقه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطق
وقال الأخطل مثله:
ولقد تباكرني على لذاتها ... صهبا عارية القذى خرطوم
يقول إذا كان في أسفلها قذى لم تواره، خرطوم أول ما بزل من الدن.
وقال أبو ذؤيب:
ولا الراح راح الشام جاءت سبيئةً ... لها غاية تهدي الكرام عقابها
سبأت الخمر اتبعتها، والغاية اللبن الراية وكان الخمارون ينصبون راية ليعرف بها مكانهم.
وقال عنترة يمدح رجلاً:
هناك غايات التجار ملوم
التجار الخمارون، يقول لا يزال يشتري حتى ينفد ما عنده فيقلع رايته والعقاب الراية، قال الأصمعي: وإنما قيل بلاغ فلان الغاية كأنه بلغ راية منصوبة.
عقار كماء الني ليست بخطمة ... ولا خله يكوي الشروب شهابها
(1/439)

كماء الني أراد خمراً كالدم، والخطمة التي أخذت ريحاً لم تستحكم ولم تدرك والخلة الحامضة، يكوي الشروب يقول لم تحمض كل حموضتها وهذا مثل ويجوز أن يكون أراد عقاراً يكوي الشروب شهابها أي لها حدة وتوقد ولا تجعله من صفة الخمر، وشهابها طيرانها في الرأس، والشروب جمع شارب.
توصل بالركبان حيناً وتؤلف ال ... جوار ويغشيها الأمان ربابها
توصل بالركبان يعني الخمارين واللفظ للخمر أي يتخذون الركبان وصلة يستأنسون ويأمنون بهم وتأخذ جواراً من وجهين فتؤلفه أي تجمع واحداً إلى واحد، ويقال بل تجمع بين جيران من بعد يجتمعون عليها فتؤلف بينهم، والرباب العهد وواحده ربة.
وقال أبو ذؤيب:
كانت أوبتهم بهز وغرهم ... عقد الجوار وكانوا معشراً غدرا
يقول العهد الذي أخذتها آمنها.
فما برحت في الناس حتى تبينت ... ثقيفاً بزيزاء الأشياء قبابها
يقول فما برحت في ناس لا تفارقهم مخافة أن يغار عليها حتى
(1/440)

تبين أهلها ثقيفاً بذي المجاز فأمنت فاشتراها من التجار أهل القباب.
فطاف بها أبناء آل معتب ... وعز عليهم بيعها واغتصابها
أي غلبهم أن يشتروها لغلائها وأن يغصبوها لأنهم في الحرم، قال الأصمعي وما تصنع ثقيف بالخمر وعندهم العنب ولكنه عجب.
فلما رأوا أن أحكمتهم ولم يكن ... يحل لهم إكرامها وغلابها
أحكمتهم منعتهم نفسها أحكمه ن ظلمي امنعه.
أتوها بربح حاولته فأصبحت ... تكفت قد حلت وساغ شرابها
تكفت يقبض ثمنها ويقال وقع في الناس كفت شديد أي موت وفي بعض الكتب يقال لبقيع الغرقد الكفتة، وقال أيضاً وذكر خمراً:
معتقة من أذرعات هوت بها ال ... ركاب وعنتها الزقاق وقارها
أي أطالت حبسها أخذ من العاني وهو الأسير أومن العنية وهي أبوال الإبل تخلط بأشياء وتعتق وتهنأ بها الإبل.
(1/441)

فلا تشتري إلا بربح سباؤها ... بنات المخاض شومها وحضارها
أي سودها وبيضها.
ترى شربها حمر العيون كأنهم ... أساوى إذا ما سار فيهم سوارها
الأساوي جمع آس وأسيان وهو الحزين يريد كأن شربها بهم جراح في رؤوسهم قد دوويت شبه السكارى بالأساوي لانكسار أعينهم، سوارها فتورها.
وقال الأعشى وذكر الخمار:
أضاء مظلته بالسرا ... ج والليل غامر جدادها
فقلت له هذه هاتها ... بأدماء في حبل مقتادها
الجداد هدب كساء المظلة وهي نبطية أصلها كداد، يقول أعطني الخمر بهذه الناقة الأدماء وهي البيضاء أي خذها عفواً ثمناً للخمر، ومنه يقال خذ هذا الشيء برمته أي خذه كله، وأصل الرمة الحبل الخلق.
(1/442)

وقال آخر:
وقد أسبأ للندما ... ن بالناقة والرحل
وقال عنترة:
لقد شربت من المدامة بعدما ... ركد الهواجر بالمشوف المعلم
المشوف البعير المهنوء، والمعلم الذي عليه علامة سمة أو نحوها.
قال لبيد:
مثل المشوف هنأته بعصيم
العصيم القطران، ويقال المشوف الدينار المجلو، والمعلم المنقوش.
بزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر في الشمال مفدم
الصفراء الخمر واللفظ للزجاجة، والأسرة الخطوط، والأزهر الإبريق، ويروي في الشمال يريد ريح الشمال.
وقال النمر بن تولب وذكر العاذلة:
قامت تباكي أن سبأت لفتية ... زقاً وخابيةً بعود مقطع
أي انقطع ضرابه، أي لامته في جمل لا خطر له.
وقال آخر:
لا يكره الجارات إذ يحتضرنه إذا ... قام بالوسق الأسير المرجل
(1/443)

الأسير المشدود، أسره يأسره، والمرجل لد يسله من ناحية الرجل يعني زقاً، وقام بالوسق أي جعل ثمناً، ومثله للأعشى:
وقامت زقاقهم بالحقاق
وقال آخر في المرجل:
أيام ألحف مئزري عفر الملا ... وأغيض كل مرجل ريان
المئزر والإزار واحد، والعفر التراب، أراد أنه يختال، أغيض أنقص والمرجل الزق سلخ من قبل رجليه، وقال النابغة الجعدي وذكر قول العاذلة:
إني أرى إبلاً أضر بها ... دار الحفاظ ومحبس التجر
دار الحفاظ الثغر، ومحبس الخمارين حيث ينزلون، أي أنه اشترى الخمر بالإبل فقد تنقصها هذان الأمران.
وقال ابن أحمر:
وكوما تحبو ما تشايع ساقها ... لدى مزهر ضار أجش ومأتم
أي ما تتابع إحدى ساقيها الأخرى لأنها قد عرقبت، مزهر عود، ضار متعود، والمأتم الجمع في الفرح والحزن جميعاً.
وقال أيضاً:
(1/444)

بل ودعيني طفل إني بكر ... فقد دنا الصبح فما أنتظر
أن تغضب الكأس لما قد أنت ... إن أناة الكأس شي نكر
المعنى فما انتظاري بأن أشرب الكأس، وغضبها حمياها.
أو تبعث الناقة أهوالها ... تجر من أحبلها ما تجر
أي وما أنتظر أيضاً أن أثير الناقة فأعقرها بالسيف، وأهوالها أن ترى السيف فإذا رأته انبعثت تجر حقبها وتصديرها.
أو يصبح الرحل لنا آيةً ... لا يعذر الناس بما يعتذر
أي وما أنتظر أن يصبح رحل الناقة ملقى فيكون علامة لعقرها وأقول عقرتها جوداً ويقول الناس عقرها سكراً.
إن امرأ القيس على عهده ... في إرث ما كان أبوه حجر
بنت عليه الملك أطنابها ... كأس رنوناة وطرف طمر
ويروى مدت، رنوناة ثابتة، والطرف الكريم من الخيل، والمعنى أنه كان في شرب ولهو بالصيد وغيره، ففارق ما كان فيه، وأدخل الألف واللام في الملك والمعنى طرحها وهو حال، أراد أن الكأس طنبت عليه أطنابها ملكاً أي في حال ملكه، ونحوه قول لبيد:
(1/445)

فأوردها العراك ولم يذدها
والمعنى فأوردها عراكاً وهي تزدحم.
وقال ابن مقبل:
سقتني بصهباء درياقة ... متى ما تلين عظامي تلن
صهابية مترع دنها ... ترجع في عود وعس مرن
أي ترجع الحمر في هذا القدح تعرف منها فيوالي عرفها ويشرب وهو ترجيعه، وعسا لموالاة العرف والحاجة كما تواعس أنت الأرض فتلح عليها وتطؤها، عود يعني قدحاً،
(1/446)

والمرن الذي يرن يقول إذا شرب أطرب صاحبه حتى يرن أي يتغنى ويترنم، ويقال المرن إذا قرعته سمعت له رنيناً.
وقال:
وصهبا يستوشي بذي اللب ميلها ... قرعت بها نفسي إذا الديك أعتما
تمززتها صرفاً وقارعت دنها ... بعود أراك هزه فترنما
يستوشي يستخرج ما عند ذي اللب ميلها به، يقال استوشيت الحديث من فلان أي استخرجته، قرعت بها أي شربتها فقرعتني ويقال بدأت بها نفسي.
قال أبو عمرو: ضربت دنها بهذا العود فإذا طن علم أنه قد فرغ يقال عنيت ووقعت على الدن بعود أراك فترنم الدن.
وقال الأعشى:
وصهبا طاف يهوديها ... وأبرزها وعليها ختم
وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم
(1/447)

ويروي ختم جمع ختام، صلة دعا لها بالبركة وارتسم من الرسم. ويروي وارتشم وهما بمعنى.
وقال النابغة الجعدي:
باشرته جونة مرشومة ... أو جديد حدث القار جحل
وضع الاسكوب فيه رقعاً ... مثل ما يرقع بالكي الطحل
جونة مرشومة: خابية مختومة، جحل عظيم يعني زقاً، ويروي وضع الأسكوف يريد الاسكاف، والطحل أن تلزق الرئة بالجنب إذا بحر البعير فيكوي.
وقال وذكر خمراً:
ردت إلى أكلف المناكب مر ... شوم عقيم في الطين محتدم
جون كجوز الحمار حرده ال ... حراض لا ناقس ولا هزم
يعني دناً، محتدم شديد الغليان، شبهه بوسط الحمار، والحراض الذين يحرقون الأشنان، ويروي الخراص، وهم الذين يعملون الدنان والناقس الوسخ.
وقال عدي بن زيد:
(1/448)

يا ليت شعري وأنا ذو عجة ... متى أرى شراباً حوالي أصيص
بيت جلوف بارد ظله ... فيه ظبا ودواخيل خوص
العجة الحنين والأصيص أسفل دن مكسور، والجلوف جمع جلف وهو الدن الذي لا شيء فيه ويقال جلف جاف أي لا عقل له وإنما يريد أن البيت مبني بالدنان المكسورة ويظلونها بالخصف، وظباء أي أباريق ضخام وهذا من قولهم.
كأن إبريقهم ظبي على شرف
ودواخيل يعني دواخل التمر، يخبر أنه بيت خمار في أرض السواد.
والمشرف الهندي يسقى به ... أخضر مطوثاً بماء الخريص
المشرف إناء لهم وهو قدح ويعني شراباً أخضر وهو أجود الخمر والمطموث الذي طمث بمسك أو نحوه ويقال هو الممزوج من قول الله سبحانه " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان " والخريص نهر ينشعب من البحر ويقال الخريص يستنقع ويخضر وقال أبو عمرو الخريص الشديد الوقع، وقال أبو زبيد:
ودنان خصية مسندات ... فعبيط بالطعن أو مقلوف
(1/449)

وأباريق شبه أعناق طير الم ... اء قد جيب فوقهن خنيف
المقلوف الذي قشر الطين عنه، الخنيف ضرب من ثياب الكتان رديء يريد الفدام.
صادرات وواردات إلى ان ... تحسب الشرب صرعتهم نزوف
نزوف طعنة تنزف الدم كأنهم ماتوا، وقال أبو الهندي يصف الأباريق:
مفدمة قزا كأن رقابها ... رقاب بنات الماء أفزعها الرعد
طير الماء إذا سمعت صوت الرعد مدت أعناقها فشبه رقاب الأباريق بأعناقها في تلك الحال.
وقال لبيد وذكر الخمر:
تضمن بيضاً كالإوز ظروفها ... إذا أتاقوا أعناقها والحواصلا
(1/450)

أي تضمن أباريق بيضاً كالبط، وقال المرقش الأصغر:
وما قهوة كالمسك ريحها ... تعلى على الناجود طوراً وتقدح
ثوت في سباء الدن عشرين حجة ... يطان عليها قرمد وتروح
قال الأصمعي سميت قهوة لأنها تقهي عن الطعام أي لا يكثر من أدمن شربها منه، تعلى ترفع، والناجود المصفاة ويقال الباطية.
وقال الشاعر:
ما كان من سوقة أسقي على ظمأ ... خمراً بماء إذا ناجودها بردا
والسوقة أشراف دون الملوك، وتقدح تغرف، في سباء الدن أي أقامت كالسبي للدن، وأصل القرمد الآجر وهو هاهنا الدن، وتروح تبرز للريح.
وقال المسيب بن علس يصف ثغراً:
ومها يرف كأنه إذ ذقته ... عانية شجت بماء يراع
المها البلور شبه الثغر به، عانية منسوبة إلى عانة، شجت مزجت، واليراع القصب أراد أنها مزجت بماء الأنهار لأن القصب ينبت على شطوطها فاكتفى بذكره منها لأنه أعذب من ماء الآبار، يرف يكاد يقطر من شدة صفائه، وفيه لغة أخرى: ورف يرف.
أو صوب غادية أدرته الصب ... اببزيل أزهر مدمج بسياع
(1/451)

قال الأصمعي: لم يخصها بالغدو وإنما أراد صوب سارية دام مطرها إلى الغدو وخص الصبا لأنها لينة الهبوب فهو أخف لوقع المطر وأصفى لمائها، والبزيل ما بزل، والأزهر الأبيض وأراد دنا أبيض وأراد به أنه نظيف غير وسخ، والسياع الطين، مدمج مشدود به.
وقال ابن مقبل وذكر سحابة:
قطبت بأصهب من كوافر فارس ... سقطت سلافته من الجريال
قطبت مزجت، السلاقة ما سال من غير عصير، والكوافر الدنان واحدها كافر، والجريال الخمرة هاهنا.
وقال العجاج:
فشن في الإبريق منها نزفا ... من رصف نازع سيلاً رصفا
شن صب في الإبريق من الخمر نزفاً من الماء والنزفة الغرفة، رصف حجارة، نازع سيلاً رصفاً أي كأن السيل كان في رصف فسال منه في هذا الرصف فجعل ذلك منازعته إياه والرصف حجارة متراصفة والغرفة كالجرعة، وقال يذكر الحرورية:
معلقين في الكلاليب السفر ... وخرسه المحمر فيه إما اعتصر
الخرس الدن والخراس صاحب الدنان، وقال لبيد:
أغلى السباء بكل أدكن عاتق ... أو جونة قدحت وفض ختامها
أدكن زق، وجونة خابية، قدحت بزلت، وفض فوه.
(1/452)

بادرت حاجتها الدجاج لسحرة ... لأعل منها حين هب نيامها
أي بادرت بحاجتي إلى شربها أصوات الديكة لأشرب منها مرة بعد مرة وهو العلل.
وقال الأخطل وذكر الخمر:
تغيظت أيامها في شارف ... نقلت قرائنه ولما ينقل
تغيظها شدة غليانها، شارف وعاء عظيم شبهه بالشارف من الإبل نقلت قرائنه وترك.
وقال الأخطل يصف عتق الخمر:
كمت ثلاثة أحوال بطينتها
أي سدت وطينت. وقال لبيد:
ومجتزف جون كأن خفاءه ... قرا حبشي بالسرومط محقب
مجتزف شراب يشتري جزافاً، خفاؤه غطاؤه، والسرومط جلد ضائنة يجعل الزق فيه.
إذا أرسلت كف الوليد عصامه ... يمج سلافاً من رحيق مقطب
فمهما يغض منه فإن ضمانه ... على طيب الأردان غير مسبب
(1/453)

مقطب مطيب ويقال ممزوج، يغض ينقص، وقال:
ورابح التجر إن عزت فضالهمحتى يعود سليمى حوله نفر
الفضال ما أفضله الدهر من الخمر أي هي عتيقة كريمة، أراد حتى يعود يا سليمى حول الزق نفر يشربون منه، وكنى عن الزق ولم يذكره كقول طرفة:
ألا ليتني أفديك منها وأفتدي
يريد الفلاة ولم يذكرها.
غرب المصبة محمود مصارعه ... لا هي النهار لسير الليل محتقر
أي الزق حديد المصبة لامتلائه، يحمد مصرعه لأصحابه لأنه يطربهم، ثم رجع إلى وصف نفسه فقال لا هي النهار فرده إلى رابع التجر وقال ابن مقبل:
حتى انتشينا عند أدكن مترع ... جحل أمر كراعه بعقال
أدكن زق، جحل عظيم، وقال كعب بن زهير:
وجحل سليم قد كشطنا جلاله ... وآخر في أنضاء مسح مسربل
سليم تام، وأنضاء خلقان وفي مثل هذا يحمل الزق، وقال الأخطل:
(1/454)

أناخوا فجروا شاصيات
الشاصي الساقط الرافع يديه ورجليه وهكذا الزقاق المملوءة، وفي المثل:
إذا ارجحن شاصياً فارفع يدا
وقال النابغة:
إذا فضت خواتمه علاه ... يبيس القمحان من المدام
القمحان الذريرة، أراد إذا فتحت الآنية التي تكون فيها الخمر رأيت عليها بياضاً كالذريرة، وقال عمرو بن كلثوم:
مشعشة كأن الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا
المشعشعة التي أرق مزجها، والحص الورس، سخيناً فيه قولان يقال هو من السخاء ويقال من الماء السخن، وقال عوف بن الخرع:
كأني اصطحبت سخاميةً ... تفسأ بالمرء صرفاً عقارا
سخامية سلسة لينة ومنه شعر سخام ناعم لين، ويقال تفسأ الثوب تهتك وتخرق، وقال ابن أحمر:
اسلم براووق حييت به ... وانعم صباحاً أيها الجبر
الراووق هاهنا الكاس، والجبر الرجل وأصله سرياني ومنه قيل
(1/455)

جبرئيل وقال زهير:
مثل دم الشادن الذبيح إذا ... أتأق منها الراووق شاربهه
الراووق في هذا الموضع الكأس وفي غير هذا الموضع المصفاة، وقال أبو خراش يرثى دبية:
ما لدبية منذ اليوم لم أره ... وسط الشروب ولم يلمم ولم يطف
لو كان حياً لغاداهم بمترعة ... من الواويق من شيزي بني الهطف
لم يطف لم يأت طيفه وهو الخيال، والرواويق جمع راووق وهي المصفاة، وهو ما روق وصفي من إناء في إناء، والشيزي جفان سود وأصله من خشب الشيز، وبنو الهطف من أهل أسد السراة باليمن يعملون الجفان والشيز ببلادهم ينبت، وقال آخر:
إذا ما شئت باكرني غلامي ... بزق فيه ني أو نضيج
الني الخمر والنضيج الخبيث، وقال الراعي يهجو رجلاً يقال له الحلال:
(1/456)

خريع متى يمش الخبيث بارضه ... فإن الحلال لا محالة دائقه
الخريع الجبان الضعيف، والخبيث الخمر.
وقال أبو زبيد:
قولهم شربك الحرام وقد كان ... حلال سوى الحرام فمالوا
كان أهل الكوفة شكوا عاملهم إلى عثمان وذكروا أنه ينادم أبا زفيد وكان نصرانياً يشرب الخمر فقال أبو زبيد، قولهم شربك الخمر وقد كان هناك نبيذ حلال تشربه فمالوا عن النبيذ الذي هو حلال إلى الخمر.
وقال جميل:
فظلنا بنعمة واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله
اتكأنا أي طعمنا من قول الله عز وجل " وأعتدت لهن متكئاً " أي طعاماً والقلل جمع قلة.
(1/457)

وقال الفرزدق:
أيسقي ابن ورقاء المحيل دفينه ... ويسقي القشيري السلاف المشعشعا
المحيل دفينه يعني كنيز التمر الحولي.
وقال آخر: وهو أبو الهندي:
وإن تسق من أعناب وج فإننا ... لنا العين تجري من كسيس ومن خمر
الكسيس السكر، وقال ابن أحمر:
كأن سلافة عرضت لنحس ... يخيل شفيفها ماءً زلالا
أي وضعت في ريح فبردت، يحيل يصب، وشفيفها بردها، يقول برد هذه الخمر يصب الماء في الحلق ولولا بردها لم يشرب الماء:
رنوناه تساور حين تجلي ... شؤون الرأس با لا قبالا
تمشي في مفارقة وتغشى ... سناسن صلبه حتى يهالا
رنوناة دائمة، شبا اتقادا كما تشب النار، السناسن الفقار، أي إذا أراد أن يقوم لم يقدر، يهال يرى تهاويل وألواناً مختلفة في منامه، وقال ذو الرمة:
كأنه بالضحى ترمى الصعيد به ... دبابة في عظام الرأس خرطوم
أي كأنه من نعاسه وفترته سكران، والخرطوم أول ما بزل منها، قال الراعي وذكر نفسه والسكارى:
(1/458)

إذا ما برزنا بالفضاء تقحمت ... بأقدامنا منها المتان الصرادح
أي أرجلنا تختلف وهذا مثل، يقول نحن وإن كنا في مستوى كأن أرجلنا تنحدر من المتان إلى هوة، والصرادح المنجردة، وقال الأخطل:
إذا ما نديمي علني ثم علسي ... ثلاث زجاجات لهن هدير
خرجت أجر الذيل مني كأنني ... عليك أمير المؤمنين أمير
قوله علني ثم علني ثلاث زجاجات ولم يقل زجاجتين لأن العلل لا يكون إلا بعد النهل، فقوله علني يدل على أنه قد سقاه قدحين ثم علني الثالث.
وقال المسيب بن علس:
وشرب كرام حسان الوجوه ... تغاديهم النشوات ابتكارا
كميت تكاد وإن لم تذق ... تنشي إذا الساقيان استدارا
وقال الأخطل يصف الخمر:
كأنما المسك نهبي بين أرحلنا ... لما تضوع من ناجودها الجاري
الناجود كل إناء فيه الخمر وهو هاهنا الكأس، الجاري الدائر.
تدامى إذا طعنوا فيها بجائفة ... من ناصع اللون لذ غير مصطار
يقال مصطار المتغيرة الطعم والريح ويقال الحديثة، جائفة بلغت الجوف.
وقال زهير:
(1/459)

دبت دبيباً حتى تخونه ... منها حمياً وكف صالبها
أي لما انتشى قال اسقني بالكبير.
وقال الأخطل:
لما أتوها بمصباح ومبزلهم ... سارت إليهم سؤور الأبجل الضاري
الأبجل من الفرس والبعير هو الأكحل من الإنسان، والضاري الشديد السيلان.
وقوله:
وهما ينسيني السلاف المهودا
أي المسكن والتهويد السير اللين. وقال:
كأني كررت الكأس ساعة كرها ... على ناشص سافت حواراً ملبسا
فأصبح منها الوائلي كأنه ... سقيم تمشي داؤه حين أسلسا
الناشص مثل الناشز وأراد ناقة عرفت بعينها وأنكرت بأنفها لأنها لم تجد منه ريح الحي، وأسلس داؤه إذا دله عقله، وقال الراعي:
(1/460)

ومصنعة خليد أعنت فيهاعلى علاته الثمل المنينا
مصنعة مكرمة، وخليدة ابنته، والمنين الضعيف فعيل في معنى مفعول، وقال الأعشى:
لقوم فكانوا هم المنفدين ... شرابهم قبل إنفادها
أراد أنفدوا الشراب قبل أن ينفدهم السكر وأنث لأنه أراد الخمر، وقال:
تراموا به غرباً أو نضارا
الغرب شجر والنضار الأثل والنضار الذهب، وقال حرملة ابن حكيم:
يا كعب إنك لو قصرت على ... شرب المدام وقلة الجرم
وسماع مدجنة تعللنا ... حتى نؤوب تناوم العجم
لصحوت والنمري يحسبها ... عم السماك وخالة النجم
(1/461)

ويروي: على حسن الندام، مدجنة داخلة في دجن، والعجم لا ينامون إلا على ضرب الأوتار، وقال ابن الأعرابي: أراد الديكة، يقول: لو أحسنت المنادمة لنا إلى صياح الديكة، والنمري كعب نفسه أي لصحوت وأنت تحسب هذه المسمعة في عظم القدر كذلك كقولك ما يسحبه إلا ابن ماء السماء، ثم قال:
والخمر ليست من أخيك ول ... كن قد تجور بآمن الحلم
ليست من أخيك كما تقول ليست منك وليست مني ثم قال الذي يؤمن من الحلم تجور بن الخمر، وقال أبو زبيد يذكر رجلاً قتل رجلاً أضافه:
ظل ضيفاً أخوكم لأخينا ... في شراب ونعمة وشواء
ثم لما رآه رانت به الخم ... ر وأن لا يريبه باتقاء
(1/462)

لم يهب حرمة النديم وحقت ... يا لقوم للسوءة السوآء
رانت غلبت على عقله، أراد وحقت أن يهاب ثم ابتدأ فقال: يا لقوم أعجبوا، وقال ابن أحمر وذكر شبابه ونعمته:
كشراب قيل عن مطيته ... ولكل أمر واقع قدر
مد النهار له وطال علي ... هـ الليل واستنعت به الخمر
وجرادتان تغنيانهم ... وعليهما الياقوت والشذر
يقول أنا في سكر شبابي كذلك إذ لي عن مطيته، استنعت تمادى به الشرب، والجرادتان قينتان.
وبعيرهم ساج بجرته ... لم يؤذه غرب ولا ذعر
فإذا تجرر شق باز له ... وإذا أصاخ فإنه بكر
ساج ساكن على جرته فإذا اجتر أنيابه وإذا أصاخ رأيت له وجه بكر.
دنان حنانان بينهما ... رجل أجش غناؤه زمر
(1/463)

أي غناؤه يشبه الزمر. وقال الأخطل يمدح رجلاً:
خضل الكئاس إذا انتشاها لم تكن ... خلفا مواعده كبرق الخلب
وإذا تعوورت الزجاجة لم يكن ... عند الشراب بفاحش متقطب
كأس وثلاث أكؤس وكئاس، والخضل الندى أي بالمعروف، تعوورت أعتورت.
وقال أيضاً:
وشارب مربح بالكأس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسوار
مربح يغالي في ثمن الخمر فيربح عليه التجار، والحصور هاهنا البخيل، سوار سيء الخلق يساور ويقاتل.
وقال لبيد يمدح النعمان:
إذا مس أسآر الصقور صفت له ... مشعشعةً مما تعتق بابل
أسآر جمع سؤر أي بقايا من الصيد، أي إذا أكل الصيد شرب الخمر. وقال:
حقائبهم راح عتيق ودرمك ... وريط وفاثورية وسلاسل
(1/464)

درمك حواري، ريط ثياب بيض، فاثورية يقال أخونة ويقال جامات فضة، سلاسل ما سلسل من صفائه.
وقال أبو دواد وذكر الفرس:
ثم ولى بنعجتين وثور ... قسمت بينهن كأس عقار
يقول لما فرغنا من الصيد قعدنا على الشرب نأكل لحم الوحش فاشرب الخمر.
وقال النابغة:
وتسقي إذا ما شئت غير مصرد ... بزوراء في أكنافها المسك كانعً
التصريد شرب دون الري يقال صرد شربه أي قطعه وصرد السقاء: إذا خرج زبده متقطعاً فيداوي بالماء الحار ومن هذا صرد البرد، وزوراء دار بالحيرة للنعمان هدمها أبو جعفر كانع دان والتكنع في اليدين من هذا، واكتنع الشيء وكنع إذا دنا وقرب، واكتنع الموت وكنع إذا قرب، قال الراجز:
إني إذا الموت اكتنع ... أضر بهم بذي القلع
يقال نعوذ بالله من الكنوع وهو المذلة، وأنشد:
(1/465)

آب هذا الليل فاكتنعا
وقد روي كارع، قال أبو عمرو، زوراء مكوك وهو شيء من فضة فيه طول مثل التلتلة، كارع يعني أن المسك كارع على شفاه هذه الطاسات يسقي بها السقاء وقال لبيد:
يثبي ثناءً من كريم وقوله ... ألا أنعم على حسن التحية واشرب
يثبي أي يدوم على ما كان عليه من قبله، ثبيت على الأمر دمت عليه، أبو عمرو يثبي: يثني عليه حياً والتأبين بعد الموت، وقال يصف قوماً:
كرام إذا ناب التجار ألذة ... مخاريق لا يرجون في الخمر واغلا
ألذة يأخذون لذتهم يتخرقون في العطاء كما قال الآخر:
فتى إن هو استغنى تخرق في الغنى
وأراد لا يطردون واغلاً. وقال يذكر مجلس النعمان:
والهبانيق قيام معهم ... كل محجوم إذا صب همل
(1/466)

الهبانيق الوصفاء واحدهم هبنيق، محجوم إبريق عليه فدام.
فتولوا فاتراً مشيهم ... كروايا الطبع همت بالوحل
الطبع من التطبيع وهو الملء يقال طبعته طبعاً فالاسم بالكسر والمصدر بالفتح كقولك للدقيق الطحن والمصدر الطحن، الأصمعي: الطبع النهر والجمع أطباع، يقول تلك الروايا في وحل شبه مشي الوصفاء بتلك الإبل وقال عدي بن زيد:
والربرب المكفوف أردانها ... تمشي رويداً كتوخي الرهيص
الربرب الوصفاء، مكفوف كفت أكمامها أي خسروا عن سواعدهم.
قال الأعشى:
فلما أتانا بعيد الكري ... سجدنا له ورفعنا العمارا
العمار الريحان وهو الذي يسميه الفرس الميوران وهو أن يقوم الفتى إذا طرب فيأخذ ضغثاً من ريحان فيرفع به يده ويتمشى ويحيي القوم، وقال بعض الرجال لابنه: كأنما سميته العمار أي الريحان وقال أيضاً:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
واحدة يشربها على سماع وأخرى يشربها وهو مخمور فأذهبت عنه الخمار.
(1/467)

البربط
قال ذو الرمة:
وداع دعاني للندى وزجاجة ... تحسيتها لم تقن ماءً ولا خمرا
يعني البربط دعاه إلى السخاء، والزجاجة فم امرأة لم تقن لم تحفظ. وقال الأعشى يذكر رجلاً:
قاعداً عنده الندامى فما ينفك ... يؤتي بمزهر مندوف
مزهر عود، مندوف مضروب، وقوله في هذا الشعر بموكر محذوف موكر مملوء، محذوف مقطوع يريد الزق، وقال:
ولقد شربت ثمانيا وثمانيا ... وثمان عشرة واثنتين وأربعاً
بالجلسان وطيب أردانه ... بالمسك يضرب لي يكر الاصبعا
والنأي نرم وبربط ذي بحة ... والصنج يبكي شجوه أن يوضعا
الجلسان الورد، وشجوه رقة صوته وحزنه، يقول الصنج يبكي شجوه أي يضرب به إذا وضع العود، وقال في مثله:
وشاهدنا الجل والياسمو ... ن والمسعات بقصابها
وبربطنا دائم معمل ... فأي الثلاثة أزري بها
ترى الصنج يبكي له شجوه ... إذا ظن أن سوف يدعى بها
(1/468)

القصاب المزامير الواحدة قصابة والقاصب الزامر، أزري بها يقال بالمسمعات وقيل بالباقة، يريد هؤلاء الممدوحين أتيت، ولم يكن لهذا عنده، أن سوف يدعي بها أي بالكأس، وقال الطرماح يذكر نساء خرجن؟:
يقصر مغداهن كل مولول ... عليهن تستبكيه أيدي الكرائن
ثواني للأعناق يندبن ما خلا ... بيوم اختلاف من مقيم وظاعن
أي يقصر عليهن النهار ضرب العيدان، وأنشد:
ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
والكرائن المغنيات واحدتهن كرينة، ثواني للأعناق أي يعطفن أعناقهن على عيدانهن.
وقال لبيد:
وصبوح صافية وجذب كرينة ... بموتر تأتاله إبهامها
ألت الشيء أصلحته كقولك من قلت يقتاله إذا أردت يفتعله.
وقال النابغة الجعدي وذكر دسكرة:
سبقت صياح فراريجها ... وصوت نواقيس لم تضرب
برنة ذي عتب شارف ... وصهباء كالمسك لم تقطب
(1/469)

رنة صوت، ذو عتب عود وعتبه ملاويه، شارف قديم، تقطب تمزج.
وقال طرفة يصف قينة:
رحيب قطاب الجيب منها رفيقة ... نجس الندامى بضة المتجرد
إذا نحن قلنا أسمعينا انبرت لنا ... على رسلها مطروقةً لم تشدد
رحيب واسع، وقطاب الجيب مجتمعة حيث قطب أي جمع كما يقطب الرجل بين عينيه، رفيقة بجس الندامى يقول قد استمرت على جس الندامى، بضة رخصة ناعمة، مطروفة ضعيفة الصوت فيه طريقة، ويروي: مطروقة أي منكسرة الطرف.
وقال كعب بن زهير:
ورنة هتاف العشى مكبل ... ينازعه الأوتار من ليس راميا
تنازعه مثل المهاة رفيقة ... بجس الندامى تترك اللب زانيا
كأن دوي النحل صوت بنانها ... إذا ضربت سمر المتون ثمانيا
مكبل يعني البربط مكبل بالأوتار، وقال ابن مقبل:
صدحت لنا جيدا تركض ساقها ... عند الشروب مجامع الخلخال
فضلا تنازعها المحابض صوتها ... بأجش لا فظع ولا مصحال
أي تركض ما يلي الخلخال من الثياب بساقها، فضل في ثوب
(1/470)

واحد، المحابض الأوتار، والصحل بحة يسيرة، وقال لبيد يذكر الحمار:
كأن سحيله شكوى رئيس ... يحاذر من سرايا واغتيال
تبكى شارب أسرت عليه ... عتيق البابلية في القلال
تذكر شجوه وتقاذفته ... مشعشعةً بمغروض زلال
ويروى تغنى شارب، أي يخاف أن ينهزم فيتغنى به السكارى، رئيس قوم يخاف أن يغتال، وقيل رئيس أي مضروب على رأسه فعيل في معنى مفعول أي مرؤوس، تبكى شارب قد سكر فتذكر ما أصاب الرئيس، وهذا نحو قول الآخر والبيت للأعشى:
به تنقض الأحلاس في كل منزل ... وتعقد أطراف الحبال وتطلق
ويروي به تنفض، تقاذفته ترامت به، المغروض الماء حين ينزل من السحاب، زلال صاف.
وقال الفرزدق:
يمشين بالفضلات وسط شروبهم ... يتبعن كل عقيرة ودخان
الفضلات الخمور، كل عقيرة أي كل صوت يغني به، ويقال عقيرة ناقة معقورة.
وقال الكميت يصف المرأة والزوج:
إذا واضعته مصون الحديث ... ولاقى من الدجن يوماً مطيرا
كأن الجراد يغنينه ... يناغم ظبي الأنيس المشورا
أراد الجرادتين وهما قينتان كانتا زمن عاد ولهما حديث، يناغم
(1/471)

بكلام خفي، والمشور الحسن الشارة وهي اللباس والهيئة.
وقال الأعشى وذكر امرأة:
وإذا لها تامورة ... مرفوعة لشرابها
يريد الإبريق.
وقال المتنخل:
متى تبغني في حلقة القوم تلقني ... وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد
يعني حوانيت الخمارين. وقال الأخطل وذكر الخمر:
ربت وربا في حجرها ابن مدينة ... يظل على مسحاته يتركل
أي ربت الكرمة، وابن مدينة يقول هو عالم بالقيام عليها يقال للرجل أنه لابن مدينة إذا كان عالماً بها، وقال غيره: ابن مدينة ابن مملوكة أي هو عبد ربي هو وأمه فيها.
وقال ابن مقبل وذكر زقاً:
يروى قوامح قبل الصبح صادقة ... أشباه جن عليها الريط والأزر
هذا الزق يروي قوامح وأصل القوامح الإبل التي ترفع رؤوسها
(1/472)

فلا تشرب، صادفة عن الماء، وشبه الرجال بهذه الإبل، يريد أنهم لا يريدون شرب الماء وإنما يريدون الشراب.
وقول الراعي يذكر الريحان:
يتبع الشؤونا
وهي مواصل قبائل الرأس يعني ريحه. وقال حميد بن ثور يصف الخمر:
إذا استوكفت بات الغوى يسوفها ... كما جس أحشاء السقيم طبيب
استوكفت استقطرت وكذلك استودفت. وقال امرؤ القيس يذكر العود:
فإن أمس مكروباً فيا رب قينة ... منعمة أعملتها بكران
لها مزهر يعلو الخميس بصوته ... أجش إذا ما حركته البدان

أبيات في ذكر الملوك والسادة
قال عدي بن زيد:
(1/473)

ووطيد مستعمل سيبه ... عاقد الأيام والدهر يسن
أي يسهل ما عقد عليهم الدهر ويحله، ومنه:
إذا الله سنى عقد شيء تيسرا
والوطيد الملك، وقال لبيد:
فانتضلنا وابن سلمى قاعد ... كعتيق الطير يغضي ويجل
سلمى أم النعمان، وعتيق الطير البازي والصقر، يغضي يطرق ويجلي ينظر إلى الصيد، يريد أنه كالبازي إذا أغضى وجلى من التكبر ويقال ويجل من الجلالة. وقال ابن مقبل يعني ملكاً:
بدا كعتيق الطير قاصر طرفه ... مسربل ديباج البنيق المطنب
أي لا يمد طرفه من كبره، والمطنب المطول. وقال لبيد:
وسانيت من ذي بهجة ورقيته ... عليه السموط عابس متغضب
سانيت ساهلت، والسموط خرزات الملك، يقول رقيته حتى لان والبهجة الجمال، وقال يذكر ملكاً:
(1/474)

رعى خرزات الملك عشرين حجةً ... وعشرين حتى فاد والشيب شامل
رعى حفظ، خرزات الملك تاج الملك، ويقال إن الملك كان إذا ملك سنة زيد في تاجه وقلادته خرزة ليعلم عدد السنين التي ملك فيها، فاد مات، وقال العجاج:
فرب ذي سرادق محجور ... سرت إليه في أعالي السور
يعني ملكاً، سرت نهضت إليه في أعلى علية. وقال رؤبة:
والله لولا النار أن نصلاها ... لما سمعنا لأمير قاها
يعني طاعة واستماعاً، تقول للرجل إذا أمرته: إيقه يا فتى وهو مقلوب مثل جبذ وجذب.
وقال المخبل:
واستيقهو اللمحلم
أي أطاعوا. وقال النابغة:
يحفون بساماً غضوباً وإنه ... لراع لمن سن العروج وخازن
السن حسن الرعي للمال، والعروج جماعة الإبل الواحد عرج.
وقال الأغلب:
ما إن رأينا ملكاً أغاراً ... أكثر منه قرة وقارا
(1/475)

القار الإبل، والقرة الغنم وهي الوقير. وقال بشر:
فلو صادفوا الرأس الملفف حاجباً ... للاقي كما لاقي الحمار وجندب
يريد بالرأس الرئيس، الملفف الذي لفف به القوم أمرهم وأسندوه إليه والمعمم من الرجال كذلك، يقال عممه القوم أمرهم مثل العمامة، وقال ابن الأعرابي: الملفف المتوج، والحمار وجندب رجلان كانا مع حاجب بن زرارة. وقال البعيث:
وجدت أبي من مالك حل بيته ... بحيث تنصى أبيض الوجه ذو فضل
وعمي الذي اختارت معد لحكمه ... فألقوا بأرسان إلى حكم عدل
تنصى ارتفع في الناصية، وعمه يعني الأقرع بن حابس بعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو حكم العرب في كل موسم وكانت العرب تيمن به وهو أول من حرم القمار، فألقوا بأرسان أي انقادوا إليه، وقال الأعشى في نحوه:
بنية إن القوم كان جريرهم ... برأسي لو لم يجعلوه معلقا
يقول قلدوني أمرهم وعصبوه برأسي. وقال آخر:
بنى مالك جار الحصير عليكم
الحصير الملك وهو فعيل بمعنى مفعول.
وإنما قيل له حصير لأنه محجوب، قال الله عز وجل: " وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا " أي محبسا. وقال لبيد:
(1/476)

وكثيرة غرباؤها مجهولة ... ترجى نوافلها ويخشى ذامها
قيل هذه قبة النعمان بن المنذر، غرباؤها النزاع إليها من كل ناحية، وقيل خطة اجتمعوا لها وقصة على باب ملك، مجهولة لم يعرفوا جهتها، والنوافل العطايا. وقال المرار:
ولقد ذكرتك والخصوم يلفهم ... باب يقاربهم على الأوتار
يقول ذكرتك عند باب يضمنا والخصوم يقارب بينهم على ذحول بينهم، يريد أنه يصلح أمور الناس يعني باب السلطان. وقال الراعي:
وخصم غضاب ينفضون لحاهم ... كنفض البراذين الغراث المخاليا
لدى مغلق أيدي الخصوم تنوشه ... وأمر يحب المرء فيه المواليا
ينفضون لحاهم كما قال الأعشى:
أتاني كريم ينفض الرأس مغضبا
لدى مغلق يعني باب الملك، تنوشه تناوله، والموالي بنو العم يحب حضورهم لينصروه ويعينوه. وقال العجير:
ومنهن قرعي كل باب كأنما ... به القوم يرجون الأذين نسور
يعني باب ملك وشبه الشيوخ بنسور. وقال النابغة:
جلوس الشيوخ في مسوك الأرانب.
وقال رؤبة:
(1/477)

قد رفع العجاج ذكرى فادعني ... باسم إذا الأنساب طالت يكفني
فنعم داعي الوالج المستأذن ... أبي إذا استغلق باب الصيدن
الصيدن الملك، يقول إذا قال غيري أنا فلان بن فلان الفلاني قلت أنا العجاج، كما قال النسابة البكري حين سأله: من أنت؟ فقال: رؤبة بن العجاج، فقال قصرت وعرفت، أي إذا قيل للملك: ابن العجاج، أذن لي فدخلت، قال الأصمعي: لم أسمع الصيدن الملك إلا في هذا البيت.

ثياب الملوك وغيرهم وما يكنى عنه بالثياب
قال المخبل:
وأشهد من قيس حلولاً كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا
يحجون يعودون مرة بعد مرة، والسب العمامة، والمزعفر المصبوغ بالزعفران، وكان السيد يعتم بعمامة مصبوغة لا يكون ذلك لغيره، وإنما سمي الزبرقان بذلك ويقال لكل شيء صفرته زبرقته وإنما أراد
(1/478)

أنهم يأتون الزبرقان لسوداه.
وقال آخر: وهو المخبل السعدي:
رأيتك هربت العمامة بعدما ... أراك زماناً فاصعا لم تعصب
أي جعلتها هروية، فاصعا أي بادي الرأس، لم تعصب لم تعمم أراد أنك سدت بعد أن لم تكن سيداً، والعمامة العصابة.
وقال الفرزدق:
وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها سلبا من جذبها بالعصائب
وقال آخر:
إن السيد المتختم
المتختم المتعمم، وقال الهذلي المعطل:
أمن جدك الطريف لست بلابس ... بعاقبة إلا قميصاً مكففا
يقول إذا كان النسب طريفاً كانت الآباء أقعد، وكانوا يكفون قمصهم بالديباج وأنشد الأصمعي:
كما لاح في جنب القميص الكفائف
وقال النابغة في النعمان بن الحارث:
(1/479)

يحث الحداة جالزا بردائه ... بقي حاجبيه ما تثير القنابل
الحداة ساقة الجيش، جالزا أي قد تعصب.
وقال آخر في مثله:
وجاعل برد العصب فوق جبينه ... يقي حاجبيه ما يثير قنابله
وقال آخر: والبيت للخنساء:
وداهية جرها جارم ... جعلت رداءك فيها خمارا
فيه قولان يقال أنه أراد بالرداء السيف أي ضربت به رؤوس الناس ويقال بل أراد أنك تعصبت به كما يفعل المستعد المتأهب للحرب كما قال الأخطل:
إذا ما شددت الرأس مني بمشوذ ... فغيك مني تغلب ابنة وائل
المشوذ العمامة ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم أغزاهم: " امسحوا على المشاوذ والتساخين، وهي الخفاف ".
وقال كثير:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً ... غلقت لضحكته رقاب المال
أي كثير العطية. وقال رؤبة:
(1/480)

وقد أرى واسع جيب الكم
يريد كثير العطاء. وقال آخر: امرؤ القيس:
ثياب بني طهارى نقية ... وأوجههم بيض المسافر غران
ويروى المشاهر أراد بثيابهم أبدانهم وأنفسهم، وقول الله عز وجل " وثيابك فطهر " يقال نفسك ويقال الثياب نفسها.
وقال آخر:
لا هم إن عامر بن جهم ... أو ذم حجا في ثياب دسم
أو ذم أوجب وعقد، في ثياب أي في جسم غير طاهر، وقال عدي:
أجل أم الله قد فضلكم ... فوق ما أحكي بصلب وإزار
الصلب الحسب، والإزار العفاف، ويروى: أحكأ صلباً بإزار، أراد كل من شد على ظهره الإزار. وقال الأخطل:
قد كنت أحسبه قيناً وأنبؤه ... فاليوم طير عن أثوابه الشرر
يمدح سماكاً من بني أسد وكان يقال لعمرو بن أسد: القين، يقول قد كان لهم هذا اللقب فلما أجازني وأحسن طار الشرر عن أثوابه أي بطل هذا القب. وقال رؤبة:
(1/481)

حتى إذا الدهر استجد سيماً ... من البلى يستوهب الوسيما
ردءه والبشر والنعيما
النعيم الناعم، سيما أثر سوى سيماه الأولى، والوسيم الجمال كأن الكبر إذا ذهب به يستوهبه، ورداؤه حسنه، كما قال الآخر وذكر الذهر والكبر:
هذا ردائي عنده يستعيره ... ليسلبني نفسي أمال بن حنظله
يقول: يسلب مهجتي يا مالك بن حنظلة. وقال العجاج:
أن الهوى والقدر الكرارا ... ألبس من ثوب البلى نجارا
النجار الخلقة واللون، يقول ألبسني خلقة الكبر وهيئته. وقال امرؤ القيس:
فإن يك قد ساءتك خليقةً ... فسلى ثيابي من ثيابك تنسل
يقال نسل ريش الطائر ينسل إذا سقط ونسلت السن ونسل النصل يقول: في خلق لا ترضينه فانصرفي.
وقال أبو ذؤيب وذكر امأة:
(1/482)

فإنك منها والتعذر بعدما ... لججت وشطت من فطيمة دارها
لنعت التي ظلت تسبع سؤرها ... وقالت حرام أن يرجل جارها
تبرأ من دم القتيل وبزه ... وقد علقت دم القتيل إزارها
أي تغسل إناءها سبع مرات إن ولغ فيه كلب، وتحرجت أن تأخذ ناقة جارها فيرجل، وبزه سلاحه، وقد علقت دم القتيل إزارها هذا مثل يقال: حملت دم فلان في ثوبك، أي قتلته، قال الأصمعي: هذه امرأة نزل بها رجل فتحرجت أن تدهنه وأن ترجل شعره ثم جاء كلب لها فولغ في إنائها فغسلته سبع مرات وذلك بعين الرجل يتعجب منها ومن ورعها فبينا هو كذلك أتاها قوم يطلبون عندها قتيلاً وسلاحه في بيتها. ومثله لعبد الله بن ثعلبة الحنفي.
لقد راح في أثواب عمرو بن فرتنا ... فتى غير وقاف إذا ذعذع السرب
أي قتله، وذعذع فرق. وقال أوس:
نبئت أن دماً حراماً نلته ... فهريق في ثوب عليك محبر
وقال أيضاً في نحوه وإن لم يذكر الثوب:
نبئت أن بني سحيم أدخلوا ... أبياتهم تامور نفس المنذر
(1/483)

يقول فأنت واعتذارك من حبها بمنزلة التي قتلت قتيلاً وضمت بزه وأظهرت التحرج عما ذكر، أي فأنت تعتذر من القليل وتأتي الكثير. ويقال علق فلان دم فلان إذا كان قاتله. وقال أوس:
وإن هز أقوام إلي وجدوا ... كسوتهم من حبر بز متحم
هزوا ساروا سيراً سريعاً، وأنشد:
ألا هزئت بنا قرشية يهتز موكبها
حبر حسن يقال رجل به حبر الشباب أي حسنه، متحم من البز ألا تحمى وهو ضرب من برود اليمن، يقول أكسوهم من أحسن ذلك البز وإنما هذا مثل أي أهجوهم هجاء يرى عليهم ويشتهرون به كما يشتهر صاحب هذا اللباس، وقال:
هجاؤك إلا أن ما كان قد مضى ... علي كأثواب الحرام المهينم
يقول هجاؤك حرام على مثل الثياب على رجل قد أحرم فهو يسبح ويقرأ.
وقال الهذلي: أبو المثلم:
متى ما أشأ غير زهو الملو ... ك أجعلك رهطاً على حيض
الرهط جلد يشق أسفله ويترك أعلاه فيلبسه الصبيان وهذا مثل وإنما يريد ألبسك العار، كقول الآخر:
(1/484)

كأني نضوت حائضاً من ثيابها
وقال امرؤ القيس:
ثياب بني عوف طهارى نقية
يعني من العار والعيب، وقال الفرزدق:
وما قمت حتى هم من كان مسلماً ... ليلبس مسودي ثياب الأعاجم
وضاق ذراعاً بالحياة وقطعت ... حوامله عض العذارى والأوازم
يقول هم من كان مسلماً بأن يتمجس مما يلقون في الخراج، مسودي يعني الطيالسة والبرنكانات، حوامل يديه عصبهما، والعذارى الجوامع والقيود هاهنا، وأنشد ابن الأعرابي:
يكفيك من طاق كثير الأثمان ... جمازة شمر منها الكمان
قال يعني كساء، وجمازة مدرعة. وقال آخر في امرأة:
شائلة الأصداغ يهفو طاقها
أي تطير كساؤها عنها ويرتفع صدغاها وشعرها مما تقاتل
(1/485)

ألم يأتها أني تلبست بعدها ... مفوقة صباغها غير أحرقا
هذا رجل قد جدر فبقي الجدري في جسده كالثوب الوشي المفوف.
وقد كنت منها عارياً قبل لبسها ... فكان لباسيها أمر وأعلقا
وقال عنترة:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
ثيابه يريد قلبه ويقال جسمه لأن الثياب على الجسم تكون، ومثله قول الآخر يصف إبلاً والبيت لليلى الأخيلية:
رموها بأثواب خفاف فلا ترى ... لها شبهاً إلا النعام المنفرا
يعني بأجسام خفاف يريد ركبوها، ومن أبيات اللغز أنشدنيه عبد الرحمن عن عمه:
وكثيرة الألوان حين تكبها ام ... تلأت وإن ترفع تجدها خاليه
قال يعني قلنسوة، وأنشدني الرياشي أو غيره من البصريين:
لنعم العيش عيش أبي زهير ... يضمن ما يخلفه الإزارا
يعني مفتاحاً شده في إزاره.
(1/486)

النعال
قال النجاشي:
لا يأكل الكلب السروق نعالنا ... ولا ننتقي المخ الذي في الجماجم
إنما يأكل الكلب الفطير من النعال فأما السبت فلا. وقال كثير وذكر نعلاً:
إذا طرحت لا تطبي الكلب ريحها ... وإن طرحت في مجلس القوم شمت
(1/487)

تطبي تدعو أي هي طيبة الريح ليست بفطير.
وقال النابغة الذبياني:
رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب
أراد أنهم ملوك لا يخصفون نعالهم إنما يخصفها من يمشي، والحجزة الوسط أراد أنهم يشدون أزرهم على عفة، والسباسب يوم السعانين.
وقال عنترة:
بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم
أي هو ملك يلبس الرقاق من النعال الطيبة الريح. وقال آخر:
وجدت بني خفاجة في عقيل ... كرام الناس مسمطة النعال
قميص سمط ونعل سمط أي اق، أي هم أشراف ليست نعالهم مطبقة، كقول النابغة: رقاق النعال. وقال آخر:
إلى معشر لا يخصفون نعالهم ... ولا يلبسون السبت غير المخصر
يقول لا يمشون فيخصفون نعالهم كما يخصقها الرعاء، والسبت جلود البقر المدبوغة بالقرظ، غير المخصر لأن الأعراب كانوا
(1/488)

يلبسون قطعاً من جلود الإبل غير محذوة. وقال الأعشى:
الواطئين على صدور نعالهم ... يمشون في الدفني والأبراد
على صدور نعالهم يريد على نعالهم أي ينتعلون ولا يحتفون، كما قال:
تحذى صدور النعال
ويقال: جاء فلان على صدر راحلته أي على راحلته، ومنه قول حميد بن ثور:
قطعتهما بيدي عوهج ... تعيي المطي بإصرارها
ولم يرد باليدين دون الرجلين، والدفني ثياب منسوبة.
وقال طرفة يصف مشفر الناقة:
كسبت اليماني قده لم يحرد
من رواه بالحاء يقول لم يعوج، ومن رواه بالجيم يقول دبغ بالقرظ فلم يسقط شعره. وقال البعيث:
فألقى عصا طلح ونعلاً كأنها ... جناح السماني صدرها قد تجذما
(1/489)

أي هو سيء الحال لا سلاح له إلا عصا طلح وعصا الطلح لا تكون مستوية فيها بن واعوجاج، وقال الأصمعي: شبه نعله بجناح السماني في خلوقها لأن السماني تؤكل كلها وتمشش فلا يبقي منها إلا جناحها ورجلاها.
وقال أبو خراش الهذلي:
ونعل كأشلاء السماني نبذتها ... خلاف ندى من آخر الليل أورهم
أشلاؤها بقاياها بعدما تؤكل وهو جناحاها ورجلاها، نبذتها طرحتها لأنه كان يعدو، خلاف ندى أي بعد ندد، والرهم المطر الضعيف.
وقال خداش بن زهير:
ورجلة واهب أكرهت حتى ... تركت عشية جذمي النعال
رجله يعني الرجالة، وواهب بن خثعم يريد أكرهتهم على الهزمة حتى تركتهم منقطعي النعال.
وقال آخر يصف الثور والكلاب:
إذا كر فيها كرةً وكأنها ... نقال نعال يحتفيهن سارد
أي يشك الكلاب كما شك السارد النقال والنقال هي التي تحتاج إلى السرد والخصف، والجدد لا تحتاج إلى ذلك، وقال الأخطل يهجو اللهازم:
(1/490)

قبيلة كشراك النعل دارجة ... إن يهبطوا العفو لا يوجد لهم أثر
كراك النعل في القلة، دارجة أي دارس نسلها، وقال القلاخ:
إني إذا ما كان الأمر معلا ... وأوخفت أيدي الخصوم الغسلا
وكان ذو الحلم أشد جهلاً ... من المجهول لم تجدني وغلا
ولم أكن دارجة ونعلا
معلا عجلا، والعفو الموضع الذي لم يوطأ. وقال بدر بن عامر لأبي عيال:
وتأمل السبت الذي أحذوكم ... فانظر بمثل إمامه فاحذوني
هذا مثل يقول تأمل ما صنعت بك فاصنع بي مثله. فأجابه أبو العيال:
قرب حذاءك قاحلاً أو لينا ... فتمن في التخصير والتلسين
قال الأصمعي: كانت العرب إذا تنوقت في النعال خصرت ولسنت، فقال له: قرب حذاءك الذي حذوتني حتى أحذوك مثله، وإنما كانوا يخصرون ويلسنون المدبوغ خاصة دون الخام، وقال أبو راش:
(1/491)

حذاني بعد ما خذمت نعالي ... دبية إنه نعم الخليل
بموركتين من صلوى مشب ... من الثيران عقدهما جميل
أي من الورك، والصلوان ما أكنف الذنب، ويروي مقابلتين أي لهما زمامان، وقال الأصمعي وسمعت من ينشد:
بموركتين شدهما طفيل ... بصرافين عقدهما جميل
صرافان شراكان يصرفان أي يصران للجدة.
بمثلهما يروح يريد لهواً ... ويقضي حاجة الرجل الرجيل
الرجيل القوي على المشي، والحاج جمع حاجة، ويقال أيضاً حاجة وحاج وساعة، وساع وقارة وقار، وراحة وراح، ويروى: يقضي الهم ذو الأرب الرجيل والأرب الحاجة.
وقال الطرماح يصف الرحال:
كمت تشبهها عتا ... ق قرائن السبت العواطل
كمت حمر شبه الرحال بالنعال، والعتاق الكرام، العواطل التي لا شرك عليها. وقال عمرو ذو الكلب:
وأبرح في طوال الدهر حتى ... أقيم نساءً بجلة بالنعال
أي أقتل رجالهم فتقوم النساء ينحن ويضربن صدورهن بالنعال، وقالت الخنساء:
ولكني رأيت الصبر خيراً ... من النعلين والرأس الحليق
(1/492)

وقال الكميت:
ومركوبة تمشي بأرجل غيرها ... جعلت لها نضواً لغيري مفقرا
يعني نعلاً، نضوا بالية، مفقر معير أي أعطيتها غيري يلبسها، وقال آخر:
تعاورتما حتى القديمة منكما ... جديد وقد أبلي قديمتها الدهر
يعني النعل والقدم. وقال آخر:
وميتة أطعمت خمساً أكلنها ... نضيجاً ولم يطبخ بنار نضيجها
إذا طرحت ماتت وإن رطبت مشت ... بشيعة أخرى ليس يبلى نسيجها
يعني نعلا، وخمساً يعني الأصابع، بشيعة أخرى يعني القدم.
وقال عمرو ذو الكلب:
ومقعد كربة قد كنت منه ... مكان الإصبعين من القبال
يعني مربأة أي توسطتها كما يتوسط القبال الإصبعين وأراد مكان القبال من الإصبعين فقلب.

أبيات معان في الجد والغنى والفقر
قال كعب بن زهير:
لعمرك لولا رحمة الله أنني ... لأمطو بجد ما يزيد ليرفعا
فلو كنت حوتاً ركض الماء فوقه ... ولو كنت يربوعاً سرى ثم قصعا
يشكو جده، أمطو أمد، يقول لو كنت حوتاً لرسبت من ضعف
(1/493)

بختي وقصع دخل في قاصعاته.
إذا ما نتجنا أربعاً عام كفأة ... بغاها خنا سيرا فأهلك أربعا
نتجنا أربعاً يعني أربع نوق، وقال أبو عمرو: نتج فلان إبله كفأة وكفأة إذا فرقها فرقتين فضرب إحداهما الفحل سنة والأخرى سنة، خناسير أي دواهي فأهلك العام الأربع.
إذا قلت إني في بلاد مضلة ... أبي أن ممسانا ومصبحنا معا
يقول إذا قلت إني في بلاد مضلة من جدي أبي ممسانا ومصبحنا إلا أن نكون معاً فلا يفاقني ولا أفارقه. وقال الراعي يرثي:
أحاربن عبد للدموع البوادر ... وللجد أمسى عطفه في الجبائر
الجبائر ما يشد على الكسر من الخشب. وقال زهير:
والجد من خير ما أعانك إن ... وصلت إن الجدود تهتصر
من هصرت أي ثنيت وأملت، يقول ربما كان الجد لغيرك ثم تولي عنه فيصير لك، ويبين ذلك قوله بعد هذا البيت:
قد يقتني المرء بعد عيلته ... يعيل بعد الغنى ويفتقر
أنشد الرياشي عن الأصمعي:
(1/494)

نمى ما لهم فوق الوصوم فأصبحوا ... أبارق مال والوصوم كما هيا
الوصوم العيوب، أبارق مال أي جبال. وقال الراعي:
وخادع المجد أقوام ورق ... راح العضاه به والعرق مدخول
خادعوه لم يصدقوا قوله في المجد ولهم شيء من مال ظاهر علسهم كالعضاه تروح فتفطر بشيء من الورق، والعرق فاسد أي ليس باطنهم بجيد. وقال آخر:
وأكرم كريماً أن أتاك لحاجة ... لعاقبة إن العضاه تروح
يقال تروح الشجر وقد راح إذا تفطر، أي فهذا وإن كان فقيراً فسيستغني. وقال آخر مثله والشعر لغريض اليهودي:
ارفع ضعيفك لا يحربك ضعفه ... يوماً فتدركه العواق قد نمى
لا يحر لا يرجع وجزم لأنه جواب الأمر أي لا يصر ضعفه إليك فتدركه العواقب قد نمي أو ارتفع. ومثله للأضبط بن قريع:
لا تهين الفقير علك أن ... تركع يوماً والدهر قد رفعه
لا تهين أراد النون الخفيفة إلا أنه وصل الحرف بغيره فذهب، تركع تسقط وتضعف ويرتفع هو. وقال آخر:
لا تحرم المرء الكريم فإنه ... أخوك ولا تدري لعنك سائله
(1/495)

يقال لعني ولعنني، ولعلي ولعلني، وعلي وعني، وأنشد:
قلت لشيبان لعنك منهم
وقال آخر: الأشعر الرقبان الأسدي:
بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غني مضر
أي عليك ضرة من المال وهو الكثير قال أبو زيد: يقال إن فلاناً لفي ضرة من مال يعتمد عليه وذلك إذا اعتمد على مال غيره من أقاربه فتلك الضرة. وقال الشماخ:
نبئت أن ربيعاً أن رعى إبلاً ... يهدي إلي خناه ثاني الجيد
أي صارت له إبل يرعاها أراد أن استغني واستطال بذلك، ثاني الجيد أي رخي البال غير مكترث. وقال آخر:
فما أخذا الديوان حتى تصعلكا ... زماناً وحت الأشبهان غناهما
الأشبهان عامان أبيضان، سنة شهباء بيضاء ليس فيها خضرة ولا كلأ. وقال آخر:
لما غدوت خلق الثياب ... أحمل عدلين من التراب
لعوزم وصبية سغاب
يعني اللثى وهو كالعسل يسيل من الشجر فيحمله المحتاج ثم
(1/496)

يصفيه ويأكله، وأنشد:
إذا عارعين الفحل لم ير أهله ... بأهل ولم يقنع سويد بأربع
كانوا إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً فقأ عين الفحل فإن بلغت ألفين فقأ العين الأخرى فذلك المفقئ والمعمي وكانوا يزعمون أن ذلك يطرد عنها العين والسواف والغارة، يقول فهذا لما كثر ماله تكبر على أهله واستصغرهم ولم يقنع بأربع نسوة. وقال آخر:
إن كنت ذا نخل وزرع وهجمة ... فإني أنا المثري المضيع المسود
المضيع الذي........
وقال آخر:
الفقر يزري بأقوام ذوي حسب ... وقد يسود غير السيد المال
ويقال في المثل لا تسأل بمصارع قوم ذهبت أموالهم، أي يموت واحد هاهنا وآخر هاهنا.
وقال آخر:
رمي الفقر بالأقوام حتى كأنهم ... بأطرار آفاق البلاد نجوم
وقال آخر:
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... وترمي النوى بالمقترين المراميا
(1/497)

قال أوس بن حجر أو غيره:
من يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلي عذراً أو ليبلغ حاجةً ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وقال آخر:
تركناهم ضياكلة أيامي ... يسوقون النعاج إذا أراحوا
الضيكل العريان، والأيم الذي لا امرأة له، يسوقون النعاج أي لا إبل لهم لأنا أخذناها.
وقال آخر من هذيل مالك بن خالد:
وجزال لمولاه إذا ما ... أتاه عائلاً قرع المراح
جزال يجزل له أي يقطع قطعة من ماله فيهبها له، عائلاً فقيراً، والمراح حيث تأوي الإبل إذا انصرفت من المرعى، يقول ليس له إبل فمراحه قرع. ومثله قول آخر منهم وهو مالك بن الحارث:
فلوموا ما بدا لكن فإني ... سأعتبكم إذا اتسع المراح
يقول ذلك لقوم لاموه على كثرة الغزو، يقول إذا انفسخ مراحي لكثرة إبلي كففت عن الغزو. وقال الشماخ:
(1/498)

لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقرة أعف من القنوع
يسد به نوائب تعتريه ... من الأيام كالنهل الشروع
القنوع المسألة، قال الله عز وجل: " وأطعموا القانع والمعتر " والقناعة الرضا، نوائبه حقوق تغشاه كما تغشى الإبل النواهل الماء وهي عطاش. وقال آخر:
ما للفقير والغني طاقه ... من صدقات قومه بناقه
الغني هاهنا تتميم. وقال رؤبة:
وهي ترى ذا حاجة مؤتضا
أي مضطراً يقال اضطرني إليك أمر، وائتضني وأضني سواء
(1/499)

فهو يؤضني وأجاءني مثله. وقال طرفة:
أتذكرون إذ نقاتلكم ... لا يضر معدماً عدمه
يقول نقاتلكم منا الغني الذي يدفع عن ماله والفقير الذي لا مال له. وقال النمر بن تولب:
هلا سألت بعاد ياء وبيته ... والخل والخمر الذي لم يمنع
كانوا كأنعم من رأيت فأصبحوا ... يلوون زاد الراكب المتمتع
الخل والخمر الخير والشر، يقال ما عند فلان خل ولا خمر أي ليس عنده خير ولا شر، لم يمنع أي أبيحت، يلوون أي يتعذر عليهم والأصل في اللي المطل والمنع، والمتمتع الذي يطلب زاد يوم أي متعة يوم أي أنهم افتقروا. وقال ساعدة يصف فقيراً:
صفر المباءة ذي هرسين منعجف ... إذا نظرت إليه قلت قد فرجا
(1/500)

أي خالي مبارك الإبل، هرسين خلقين ويروي: درسين، منعجف مهزول، فرج فتح فاه للموت. وقال آخر:
إذا قربت للسوق خلف بعضها ... كما خلفت يوم العداد الروادف
العداد يقول إذا عادهم قوم فجاودوا للعطاء، خلفت الروادف وهم الأتباع الذي يجيئون رادفة أي ليس لهم ديوان.
وقال الفرزدق:
فلا تقبلوا منهم أباعر تشترى ... بوكس ولا سود تضج فسولها
سودا أي دراهم رديئة، فسولها رديئها، وقال أعرابي:
يا رب أوجدني صؤاباً حياً ... فما أرى الطيار يغني شيئا
أراد مثل الصؤاب من الذهب، والطيار ما طارت به الريح من دقيق الذهب. وقال آخر وكان يعمل في معدن:
إذا أكلت درهماً في يومين ... ولم أصب غير صؤابين اثنين
كلاهما يصغر أن يقذي العين ... فأت حنيناً فاستعره خفين
هذا مثل: رجع بخفي حنين. وقال النابغة الجعدي:
(1/501)

وأبح جندي وثاقبة ... سبك كثاقبة من الجمر
وجديد حر الوجه حودث بال ... مثقال خبء خوالد الدهر
جندي يعني درهماً من ضرب أجناد الشأم، ثاقبة مضيئة يعني سبائك الذهب، وقوله: خوالد الدهر يعني الأيام، وأنشد ابن الأعرابي:
المال يغشى رجالاً ططباح بهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالي
يريد الخشب العفن، وقال آخر المعلوط القريعي:
فليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسمت وجدود
أحاظ جمع حظ وهو البخت والجد أيضاً.

أبيات معان في القرابة والصهر والنسب
والنكاح والفرج والولاد
قال الشاعر:
مكنني بيت رفيع وجرأة ... وخال كعريان النجوم نزيع
نزيع غريب، أراد أن خاله ليس بقريب لأبيه فيضوي كما قال
(1/502)

الآخر:
فتى لم تلده بنت عم قريبة ... فيضوي وقد يضوي رديم القرائب
وجاء في الحديث: اغتربوا لا تضووا. وقال آخر:
تنجبتها للنسل وهي غريبة ... فجاءت به كالبدر خرقاً معمما
فلو شاتم الفتيان في الحي ظالماً ... لما وجدوا غير التكذب مشتما
وقال آخر قاله جرير لابنه بلال:
إن بلالاً لم تشنه أمه ... لم يتشابه خاله وعمه
وقال عميرة التغلبي:
كسا الله حي تغلب ابنة وائل ... من اللؤم أظفاراً بطيئاً نصولها
فما بهم أن لا يكونوا طروقةً ... هجاناً ولكن عفرتها فحولها
يقول لم يؤتوا في لؤمهم من قبل أمهاتهم ولكن ألزقها بالعفر وهو التراب الآباء، والهجان الخالص الحسب الكريم.
(1/503)

ترى الحاصن الغراء منهم لشارف ... أخي سلة قد كان منها سليلها
الشارف الكبير والسلة السرقة يعرض بأنه مدخول النسب كأنه سرق نسبه، والهاء التي في سليلها ترجع إلى السلة، والحصان والحاصن بمعنى يعني المرأة.
فلا أعرفن ذا الشف يطلب شفه ... يداويه منكم بالأديم المسلم
الشف الزيادة والنقصان وهو ها هنا النقصان، لا أعرفن ذا نقص في حسبه يطلب إليكم فتزوجونه فيداوي نقصانه بشرفكم وصحتكم. وقال الأبيرد:
وينفق فيها الحنظليون ما لهم ... ليالي يبغي شقها من تتجرا
يعني ها هنا فضلها، وقال الكميت:
فأحسابكم لا تنحلوها سواكم ... فيقبل بعض المخفقين انتحالها
المخفق أصله الذي لا مال له وأراد الذي لا حسب له.
وقال آخر جزء بن كليب الفقعسي:
(1/504)

أراد ابن كوز والسفاهة كاسمها ... ليستاد منا أن شتونا لياليا
تبغ ابن كوز في سوانا فإنه ... غذا الناس ذقام النبي الجواريا
أي لينكح في ساداتنا أن أصابتنا شدة وقد كثرت الجواري مذ بعث النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يئدون، فانكح حيث شئت.
وقال آخر:
قالوا تعز فلست نائلها ... حتى تمر حلاوة التمر
لسنا من المتأزمين إذا ... سر اللموس بشائب الفقر
أراد امرأة خطبها، المتأزمون أي لسنا ممن أصابته الأزمة نيل منه ما يراد، واللموس ضربه مثلاً في الحسب وأصله الناقة التي ليس لها طرق، يريد جاء الفقير لينكح في الأشراف، ويقال اللموس الطالب يلتمس ما عندنا، وقال آخر وهو كثير:
أحب من النسوان كل قصيرة ... لها نسب في الصالحين قصير
قصيرة مقصورة محبوسة، ونسب قصير أي تعرف بأبيها الأول ولا تحتاج أن تنسب إلى أكثر منه. وقال كثير:
وأنت التي حببت كل قصيرة ... إلي وما تدري بذاك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطى، شر النساء البهاتر
ويروى البهائر والبهيرة الذليلة، وقال رؤبة:
(1/505)

قد رفع العجاج ذكرى فادعني ... باسم إذا الأنساب طالت يكفني
الأصمعي عن العلاء بن أسلم عن رؤبة قال أتيت النسابة البكري فقال من أنت؟ فقلت ابن العجاج، فقال قصرت وعرفت.
وأنشدنا الرياشي:
رأيت اللواتي كن يرغبن مرةً ... تخبأن في دهر أتاهن صالح
لقد طال هذا البقل حتى كأنما ... تربغ الغواني من قريش الأباطح
يقول جاءهم الخصب فامتنعوا أن ينكحوا إلا في الأكفاء. وقال الكميت:
يغشى المكاره في أسباب صهركم ... إن المكارم يغشى دونها الهول
هول وهولة يقول من أراد أن يخطب إليكم هاله ذاك مخافة أن يرد لشرفكم. وقال يمدح:
أبوك أبو الخير ابن عائشة التي ... دعت عمها من آل برة خالها
ابن عائشة عبد الملك بن مروان، وبرة بنت مر بن أد ولدت أسد بن خزيمة والنضر بن كنانة، وكل رجل أمه بنت عم أبيه فأخواله أعمامه وهو مقابل مدابر.
وقال الفرزدق يمدح خال هشام:
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبوه أمه حي أبوه يقاربه
تلخيص البيت: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه
(1/506)

أبوه، أي أبو أم الملك وهو هشام أبو هذا الممدوج وهو خال هشام. وقال عنترة:
إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
وإذا الكتيبة أجحمت وتلاحظت ... ألفيت خيراً مزن معم مخول
يقول أنا عربي من قبل الأب، وكانت أمه سوداء يقال لها زبيبة فعير بها فقال: أحمي نسبي من أمي بالسيف فأكون خيراً من عربي محض الأبوين، نحو قوله:
كل امرئ يحمي حره ... أسوده وأحمره
وقوله: من معم مخول يريد قيس بن زهير وكان له عشرة عمومة وعشرة خؤولة، يقول: فأنا وإن كانت أمي أمة خير في الحرب منه، أحجمت كفت وتلاحظت للكر. وقال مالك يهجو قيس بن عاصم:
لحا الله أعلى تلعة حفشت به ... وقلتا أقرب ماء قيس بن عاصم
تلعة يعني صلب أبيه، حفشت دفعت، والقلت رحم أمه، والماء نطفة أبيه. وقال آخر:
وإذا الكريم أضاع مطلب أنفه ... أو عرسه لكريهة لم يغضب
مطلب أنفه فرج أمه لأنه إذا تمت أيامه في الرحم وأراد الخروج طلب بأنفه موضع المخرج، يقول متى لم يحم فرج أمه وأمرأته فليس
(1/507)

يغضب من شيء يؤتي إليه، وقال آخر:
وما زلت خيراً منك مذع عض كارها ... بلحييك عادي الطريق ركوب
أي مازلت خيراً منك مذ ولدتك أمك، والعادي القديم، والركوب الذي يركب وهو أيضاً الذي به آثار، وهذه كناية، وقال النابغة وذكر نساءً سبين:
شمس موانع كل ليلة حرة ... يخلفن ظن الفاحش المغيار
شمس عفيفات فيهن نفار، وأزواجهن غيب وإذا غلبت المرأة ليلة هدائها قيل باتت بليلة شيبا، وإذا غلبت قيل باتت بليلة حرة، قال الأصمعي: موانع كل ليلة شيباء لأن ليلة شيباء هي التي يغلب فيها الزوج المرأة ولكنه عرف ما أراد....أنهن يمنعن في الليلة التي يقال فيها باتت بليلة حرة، وقوله: يخلفن ظن الفاحش المغيار يقول أن أساء الظن أخلفن ظنه لعفتهن.
(1/508)

وقال آخر: عروة بن الورد:
وكنت كليلة الشيباء همت ... بمنع الشكر أتأمها القبيل
الشكر الفرج وأتأمها أفضاها والأتوم المفضاة، ومثل قوله يخلفن ظن الفاحش قول النابغة:
موانع للأسرار إلا لأهلها ... ويخلفن ما ظن الغيور المشفشف
الأسرار جمع سر وهو النكاح، والمشفشف الذي قد شففه الغيرة وأصله المشفف. وقال النابغة:
فنكحن أبكاراً وهن بآمة ... أعجلنهن مظنة الأعذار
(1/509)

الآمة العيب، ارد نكحن ولم يختتن بعد، يقول أعجلتهن الخيل أي سبتهن قبل لن يبلغن وقت الختان وهو العذار.
وقال يصف جيشاً كثيراً:
لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ... دحقت عليك بناتق مذكار
ويروي: طفحت عليك، أي اتسعت، أي غذوا غداذاء حسناً فنموا وكثروا، والناتق الكثيرة الولد أخذ من نتق السقاء وهو نفضه حتى يخرج ما فيه، ومذكار تلد الذكور، دحقت عليك بناتق أي هي نفسها ناتق، كقول الأخطل:
بنزوة لص بعد ما مر مصعب ... بأشعث لا يفلى ولا هو يقمل
لص يعني زفر بن الحارث مر به رأس مصعب بن الزبير وهو أشعث لا يفلى ولا هو يقمل.
وقال آخر:
جارية أعظمها أجمها ... بائنة الرجل فما تضمها
الأجم الفرج، وقال النابغة يصف الفرج:
وإذا لمست لمست أجثم جاثماً ... متحيزاً بمكانه ملء اليد
أي هو منبسط عريض في ارتفاع، متحيز قد ملأ مكانه لا جهة له يمضي فيها.
(1/510)

وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسة بالعبير مقرمد
المستهدف المرتبع، والعبير عند العرب الزعفران، مقرمد مطين.
وإذا نزعت نزعت من مستحصف ... نزع الحزور بالرشاء المحصد
المستحصف الذي يبس عند الغشيان والحزور الغلام وإنما خصه لأنه بطيء السقي يريد الضيق، والمحصد الشديد الفتل:
لا وارد منه يجوز إذا استقى ... صدراً ولا صدر يجوز لمورد
يقول من ورده لم يجز صدراً عنه ومن صدر عنه لم يرد مورداً غيره.
وقال أبو النجم يصف نساء:
غالي السلاح عاجز قتاله
السلاح الفرج وثمنه المهر. وقال الكميت:
قبيح بمثلى نعت الفتا ... ة إما ابتهاراً وإما ابتياراً
الإبتهار أن يذكر منها ومن نفسه الريبة كاذباً، والإبتيار أن يذكر ذلك صادقاً وأصله من البؤرة وهي الحفرة. ومثله له:
(1/511)

ولا حليلة جاري لست زاعمها ... تصبو إلي وساء الصدق والكذب
يقول قبيح أن أذكر ذلك صادقاً أو كاذباً. وأنشد الأصمعي:
صيرني جود يديه ومن ... أهواه في بردة الأخماس
يقال في المثل ليتنا في بردة الأخماس أي ليتنا تقاربنا وتدانينا ويراد بأخماس أن طوله خمسة أشبار. يعني رجلاً أعطاه ما وصل به إلى من يحب.
وقال خداش بن زهير:
لعمر التي جاءت بكم من شفلح ... لدى نسييها سابغ الإسب أهلبا
أزب جداعي كأن لدى إستها ... أغاني خرف شاربين بيثربا
الشفلح الرجل العظيم الشفة المنقلبها وكذلك هو الفرج العظيم الاسكتين وأراد ها هنا الرحم، والأهلب.......يقال في مثل من أمثال العرب إياك والأهلب الضروط جداعي منسوب إلى
(1/512)

جداعة، خرف أراد قوماً يشربون في الخريف عند جداد النخل ويغنون وشربهم إذ ذاك الفضيخ.
قال المرار للمساور:
لست إلى الأم من عبس ومن أسد ... وإنما أنت دينار بن دينار
وإن تكن أنت من عبس وأمهم ... فأم عبسكم من جارة الجار
دينار بن دينار عبد ابن لأن دينار من أسماء العبيد والعرب تسمى الإست جارة الجار وهو الفرج.
وقال الكميت:
جاءت بكم فتحججوا ما أقول لكم ... بالظن أمكم من جارة الجار
وقال امرؤ القيس:
وآثر بالملحاة آل مجاشع ... رقاب إماء يعتبئن المفارما
الملحاة الشتم، يعتبئن يتخذن ما يتضيفن، وكتب عبد الملك إلى الحجاج يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب.
(1/513)

وقال عبد الرحمن بن حسان:
فتبازت فتبازخت لها ... جلسة الجازر يستنجي الوتر
البزاء أن تخرج المرأة عجيزتها لتدنيها منه والبزخ، أن يدخل البطن وتخرج الثنة والثنة بين السرة والعانة، شبه تبازخه بجلسة هذا الجازر الذي ينتزع عصب المتن فهو لشدة جذبه يتبازخ، والإستنجاء الأخذ.
وقال الشماخ:
فما زال ينجو كل رطب ويابس ... وينغل حتى نالها وهو بارز
أي نال القوس وهو بارز لا شيء لأنه قد أخذ أغصان الشجرة كلها. وقال آخر يصف رجلاً:
حضجر كأم التوأمين توكأت ... على مرفقيها مستهلة عاشر
الحضجر العظيم البطن شبهه بإمرأة حامل باثنين وقد استوفت تسعة أشهر واستهلت العاشر أي رأت هلاله، ويقال أهللنا الهلال واستهللناه، وقد توكأت على مرفقيها للطلق. وقال أبو خراش لامرأة لامته على ترك القتال:
لامت ولو شهدت لكان نكيرها ... ما يبل مشافر القبقاب
القبقاب في صوته. يقول لو شهدت لكان نكيرها أن تبول. وقال آخر:
(1/514)

قد أقبلت عمرة من عراقها ... تضرب قنب عيرها بساقها
قد بلت السرج بخاقباقها
القنب جلد الذكر من كل شيء، والخاق باق الفرج سمي بذلك لصوته عند الجماع.
وقال جرير:
وسودا من نبهان تثنى نطاقها ... بأخجى قعور أو جواعر ذيب
أخجى فرج كثير الماء، جواعر ذئب وصفها بالرسخ والذئب أرسح، والجاعرة موضع الرقمتين من إست الحمار.
وقال أيضاً:
تفلق عن أنف الفرزدق عارد ... له فضلات لم تجد من يقورها
عارد غليظ يعني بظراً، يقورها يختنها. وقال يذكر بني منقر وما فعلوا بجعثن:
هم رجعوها مسحرين كأنما ... بجعثن من حمى المدينة قفقف
وتحلف ما أدموا الجعثن مثبرا ... ويشهد حوق المنقرى المحرف
مسحرين أراد أنهم فجروا بها في الليل ثم رجعوها حين دخلوا في السحر، والمثبر الموضع الذي تنتج فيه الناقة فيقع فيه دمها وسلاها فهي لا تكاد تنساه يقال مرت الناقة على مثبرها إذا مرت عليه وشمته، والحوق ما حول الكمرة وهو موضع الختان، والمحرف
(1/515)

الذي أدخل فيه المحراف وقالت ابنة الحمارس:
هل هي إلا حظوةً أو تطليق ... أو صلف ما بين ذاك تعليق
قد وجب المهر إذا غاب الحوق
الصلف أن لا تحظى المرأة عند زوجها. وقال أيضاً: يعني جريراً:
أجعثين قد لاقيت عمران شارباً ... على الحبة الخضراء ألبان أيل
هو عمران بن مرة وهو الذي كان يرميها به جرير، أراد أنه شرب لبن أيل مع الحبة الخضراء فهاجت غلمته، وقال الفرزدق:
وأنتم بنو الخوار يعرف ضربه ... وأمكم فخ قذام وخيضف
الفخ الجفر وهي البئر التي لم تطو يريد ذلك سعتها، قذام واسع الفم كثير الماء يقال قذم قذماً يعني فرجها، خيضف ضروط.
وقال الفرزدق:
أرى أم غيلان حرامها ... حمار العصا من تفل ما كان ريقا
فما نال راق مثلها من لعابه ... علمناه مما سار غرباً وشرقا
(1/516)

كان جرير أصابته حمرة فتورم وكان رجل من بني تميم يرقى من الحمرة فأتاه جرير فقال له الرجل ما تجعل لي أن داويتك حتى تبرأ فقال حكمك، فرقاه حتى برأ ثم سأله أن يزوجه أم غيلان ابنته فزوجه إياها.
وقال الفرزدق حين ذكر أنه خطب إلى آل بسطام بن قيس:
وما استعهد الأقوام من زوج حرة ... من الناس إلا منك أو من محارب
لعلك في حدرإ لمت على الذي ... تخيرت المعزى على كل حالب
عطية أو ذي بردتين كأنه ... عطية زوج للأتان وراكب
استعهدوا اشترطوا يقول كأنك يا جرير إذ لمت أهلها في تزويجهم إياي لمتهم على عطية الذي تخيرته المعزى يعني أبا جرير ولمتهم على رجل ذي بردتين زوج للأتان وراكب كأنه عطية يعني جريراً. وقال أيضاً:
والجعفرية غير فارحة لها ... أم لها بغلامها المسرور
ويفر حين يشب منها إن دعت ... ويريد حين يموص للتطهير
يقول لا تفرح أم الجارية منهم تلد غلاماً لأنه يفعل بأمه، والمسرور المقطوع السرة، يفر يعني الابن يفر منها حين تدعوه إلى الفجور بها ما دام طفلاً فإذا احتلم وماص أي اغتسل أراد بذلك،
(1/517)

والموص الغسل.
وقال يذكر نساء سبين:
إذا حركوا أعجازها صوتت لهم ... مفركةً أعجازهن المواقع
من قولك جمل موقع أي به آثار الدبر لكثرة ما حمل عليه يريد أنهن فعل بهن مراراً كثيرة فتوقعت أعجازهن.
وقال وذكر تميماً:
لو كان بال بعامر ما أصبحت ... بشمام تفضلهم عظام جزور
يقول لو كان تميم ولد عامراً لما أصبحوا ولو اجتمعوا على جزور يأكلونها لفضل من أعضائها ولا يستوفونها لقتلهم.
وقال بعض الرجاز:
لقد بعثت صاحباً من العجم ... ومن أولى الأحلام والبيض اللمم
كان أبوه غائباً حتى فطم ... فعاش لم يغيل ولم يلق الرقم
جمع حلم، أي هو من المحتلمين، والبيض اللمم الشيوخ أي هو بين المحتلم والشيخ، والغيل أن ترضعه أمه وهي حامل.
وقال رجل من كلب:
تمطت به أمه في النفاس ... وليس بيتن ولا توأم
(1/518)

أي نضجت حمله ولم يكن معه آخر في بطن أمه، فيضعف. كما قال عنترة:
يحذي نعال السبت ليس بتوأم
وقال أبو دهبل:
تمطت به بيضاء فرع نجيبة ... هجان وبعض الوالدات غرام
وقال أبو كبير يصف رجلاً:
ممن حملن به وهن عواقد ... حبك النطاق فعاش غير مثقل
ويروي: غير مهبل، الحباك ما يشد به النطاق مثل التكة.
حملت به في ليلة مزؤودة ... كرهاً وعقد نطاقها لم يحلل
مزؤودة فيها زؤد وذعر كذلك قال الأصمعي، ويرويه بعضهم مزؤودةً ويجعله حالاً للمرأة ويقال إن المرأة إذا حملت وهي مذعورة فأذكرت جاءت به لا يطاق.
فأتت به حوش الجنان مبطناً ... سهداً إذا ما نام ليل الهوجل
ومبرءاً من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء معضل
(1/519)

حوش الجنان أي وحشي الفؤاد، مبطن خميص، سهد لا ينام هوجل وخم، أي لم تحمل أمه في بقية الحيض ولا أرضعته وزوجها يأتيها، والمعضل العظيم.
وقال القتال الكلابي يمدح قوماً:
طول أنضية الأعناق لم يجدوا ... ريح الإماء إذا راحت بأزفار
لم يرضعوا الدهر إلا ثدي واضحة ... لواضح الوجه يحمي باحة الدار
الرياشي عن الأصمعي عن أبي طرفة الهذلي عن جندب عن شعيب قال رأيت المولود قبل أن يغتذي من غير أمه فعلى وجهه مصباح من البيان يعني من بيان الشبه، يقول كأن ألبان النساء تغيره.
وقال رؤبة يصف تميماً كيف حملت به أمه:
حتى إذا الراجي لها توقعا ... مدت يديها جمعةً وأربعا
أي لم تعجل بولادته وجعل الفعل لها أي هي مدت يديها أيام نفاسها.
إن تميماً لم يراضع مسبعا
أي مهملاً أي لم يدافع إلى الظؤورة، يقال أسبعت عبدي أي أهملته. وقال:
أشريةً في قرية ما أشفعا ... وغضبة في هضبة ما أمنعا
(1/520)

كالشمس إلا تمد الإصبعا
الشري شجر الحنظل الواحدة شرية، في قرية نمل، ما أشفع ما أكثر وهو من شفع أي ازداد غضبة صلبة، وإنما هذا مثل ضربه في كثرة نسله وعزه وقال هو كالشمي إلا أن توميء إليه.
وأنشد ابن الأعرابي لأوس:
والفارسية فيهم غير منكرة ... فكلهم لأبيه ضيزن سلف
الضيزن الذي يخلف على امرأة أبيه ها هنا، ويقال في غير هذا جعلته إلي ضيزناً أي لزازاً، وقال أبو كبير يمدح قوماً:
سجراء نفسي غير جمع أشابة ... حشداً ولا هلك المفارش عزل
السجير الصفي، أشابة أخلاط أي ليست فرشهم التي يأوون إليها فرش سوء يعني نساءهم، والهلك جمع هلوك وهي التي تتهالك أي تتكسر وتغنج توصف الفاجرة بذلك، والحشد الذين يحتشدون ولا يدعون جهداً، والأعزل الذي لا سلاح معه. وقال رؤبة:
فقل لذاك الشاعر الخياط
يعني أبا نخيلة الراجز، خاط فلان إلى بني فلان إذا ذهب إليهم يريد أنه مدخول النسب يخيط إلى القوم فينتهي إليهم. وقال آخر:
ما ولدتكم حية ابنة مالك ... سفاحاً ولا كانت أحاديث كاذب
(1/521)

ولكن نرى أقدامنا في نعالكم ... وآنفنا بين اللحى والحواجب
أي نرى مثل آنفنا في الشبه يعني أن القرابة بيننا تشبهكم بنا، وقال آخر:
وقد كتب الشيخان لي في صحيفتي ... شهادة عدل أدحضت كل باطل
يعني والديه بينا في صحيفة وجهه شبههما. وقال آخر:
أما اليدان فلاتنا ضل عنهما ... ما لم يكن منك القفا والحاجب
يعني يدي المولود يقول ليس شبهها لك بشيء حتى يشبهك القفا والحاجب. وقال آخر:
وكم من قاذف لك نال خبراً ... فأدرك ما أراد وما تريد
هذا رجل دعى انتسب إلى العرب وليس منهم فلما نسب إلى من ادعاه قذف فرضي وهو مشتوم.
وقال الحارث بن ظالم يذكر قريشاً:
فلو أني أشاء لكنت منهم ... وما سيرت أتبع السحابا
أي لم أتبع الكلأ كما يفعل غيرهم وقريش لا تفعل ذلك وسمى الكلأ سحاباً لأنه به يكون وكذلك يسمونه الندى لأنه من الندى يكون. وقال النابغة ليزيد بن الصعق:
(1/522)

وكنت أمينه لو لم تخنه ... ولكن لا أمانة لليماني
ويزيد بن الصعق من قيس وإنما سماه يمانياً لأن منزله كان من ناحية اليمن، ومثله قولهم لسهيل يمان لأنه يستقل ناحية اليمن والثرايا شآمية لأنها تستقل ناحية الشام، وقولهم الركن اليماني لأنه من ناحية اليمن. وقال الشماخ:
أنا الجحاشي شماخ وليس أبي ... بنسخة لنزيغ غير موجود
منه ولدت ولم يؤشب به حسبي ... لما كما عصب العلباء بالعود
نسب نفسه إلى جده جحاش، بنسخة بدفعة وهو ولد الزناء والنسخة الزنية، نزيع غريب، لما جمعا، كما يعصب العود إذا انكسر بالعلباء. وقال الراعي يهجو الحلال:
وإني لداعيك الحلال، وعاصما ... أباك وعند الله علم المغيب
أبي للحلال رخوةً في فؤاده ... وأعراق سوء في رجيع معلب
أي أبي للحلال أن يكون رجلاً ضعف في قلبه، وأعراق رديئة في حسبه الخامل الرث، والرجيع الشيء ينكر فيرمي ثم يعاد إلى استعماله، والمعلب المشدود بالعلباء كقول الشماخ:
(1/523)

كما عصب العلباء بالعود
وقال الأخطل:
علي ابن أبي العاصي قريش تعطفت ... له صلبها، ليس الوشائظ كالصلب
تعطفها عليه ولادتها إياه من جميع قبائلها والوشيظة الزائدة اللاحقة. وقال النابغة ليزيد بن سنان:
جمع محاشك يا يزيد فإنني ... أعددت يربوعاً لكم وتميماً
عيرتني النسب الكريم وإنما ... ظفر المفاخر أن يعد كريما
محاشك يريد قوماً وسماهم محاشا لأنهم تحالفوا عند نار حتى محشتهم فأما المحاش مفتوح الأول فهو المتاع والأثاث، وقوله عيرتني النسب الكريم كان يزيد بن سنان سابه وقال له: والله ما أنت من قيس ولا أنت إلا من قضاعة، يقول عيرتني بنسب كريم فهذا ظفر وغنم.
وقال الكميت لقضاعة في تحولهم إلى اليمن:
رأيتكم من مالك وادعائه ... كرائمة الأوتاد من عدم النسل
وحظك من قحطان إن كنت منهم ... ومن مالك حظ البغي من الحمل
أراد أنهم يقولون قضاعة بن مالك بن حمير وإنما هو قضاعة بن معد بن عدنان، والبغي إذا حملت حزنت، والأوتاد هاهنا الأصل.
وقال لجذام في تحولهم إلى اليمن:
(1/524)

فإن جذماً فارقت اذتبا عدت ... بريش أبي دودان معروفة النسل
وكان اسمكم لو يزجر الطير عائف ... لبينكم طيراً مبينة الفأل
يقول أينما ذهبت فهي معروفة أنها من بني أسد بن خزيمة، يقول أنتم جذام والانجذام الانقطاع. وقال لقريش:
بني ابنة مر أين برة عنكم ... وعنا التي شعبا تصير شعوبها
وأين ابنها عنا وعنكم وبعلها ... خزيمة؟ والأرحام وعثاء حوبها
برة بنت مر بن أد أخت ضبة وهي أم أسد بن خزيمة وأم النضر بن كنانة، شعباً حياً واحداً، والحوب الإثم، والوعث المكان الصعب.
ملأتم حياض المحلبين عليكم ... وأثآؤكم منا تضب ندوبها
يريد أحسنتم إلى أعدائكم وأسأتم إلينا، تضب تقطر دماً، ندوبها جروحها، والإثآء جمع ثأي.
ستتركنا قربي لؤي بن غالب ... كسامة إذ أودت وأودى عتيبها
سامة بن لؤي أخو كعب بن لؤي فارق قريشاً ولحق باليمن، وعتيب قبيل منهم وهو اليوم في بني شيبان.
فقائبة ما نحن غدوا وأنتم ... بني غالب إن لم تفيئوا وقوبها
(1/525)

يقول إن لم ترجعوا عما أنتم عليه فارقنا غدا كفراق الفرخ لبيضته إذا خرج لم يعد إليها والقائبة البيضة والقوب الفرخ.
وقال:
ومن عضة من آجر ما نبتم ... نضاراً عيصه الأشب النضير
العضة شجرة وجمعها عضاه، وآجر يريد هاجر أم إسماعيل عليه السلام، عيصه أصله، والأشب الملتف.
وقال أيضاً في نحو ذلك يذكر ماله:
وميراث ابن آجر حيث ألقى ... باصل الضنء ضئضئه الأصيل
ابن آجر إسمعيل صلوات الله عليه، والضنء الولد والضئضئ الأضل فلان من ضئضئ صدق أي من نجل صدق.
(1/526)

وقال:
لكم مسجدا الله المزوران والحصى ... لكم قبصه من بين أثري وأقترا
يعني المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والحصى العدد الكثير، والقبص الكثرة أثري أكثر، وأقتر أقل أراد الناس جميعاً.
وقال الأخطل يمدح دارماً:
حصى يتحدى قبصه كل فاتك
يتحدى يتعمد ويقصد، والفتك لمساماة وقال الكميت:
لقد ما رأيت الناس أبناء علة ... وأرحامهم أكراش دمن تجرر
وكادت عياب الود منا ومنهم ... وإن قيل أبناء العمومة تصفر
الكرش تمرغ في التراب، والسرجين ليطيب ريحها، وعياب الود الصدور، وتصفر تخلو، ويقال: الكرش البعير بعينه. وقال:
وكان يقال إن بني نزار ... لعلات فأمسوا تؤمينا
تنبه بعد رقدته نزار ... لهم بالملحقات معاندينا
علات أمهات متفرقات، وتوأمين لبطن واحد، وأراد اجتماع
(1/527)

كلمتهم أراد كأن نزاراً انتبه لهم حتى ائتلفوا فصاروا كحي واحد، والملحقات الخصال تلحقهم بالمتالف.
وقال خداش بن زهير:
أنفنا لهم أن يساموا اللفاء ... بشجناء من رحم توصل
اللفاء النقصان، وشجناء اشتباك الرحم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرحم: إنها شجنة من الله عز وجل، وشجر متشجن ملتف. وقال الكميت:
رأيت به الأحساب كانت مصونةً ... وآدمة الأرحام بالوصل بلت
آدمة جمع أديم، نديت بالصلة.
وقال الراعي وذكر إبله:
ولكنها لاقت رجالاً كأنهم ... على قربهم لا يعلمون الجوامعا
يريد الأرحام التي تجمع بيننا وبينهم. وقال الحصين بن الحمام:
يا أخوينا من أبينا وأمنا ... إليكم، وعند الله والرحم العذر
معنى إليكم أي تنحوا عنا وأبعدوا مثل قول الآخر:
إليكم يا بني بكر إليكم
(1/528)

وكقول المرار بن سعيد الفقعسي:
إليكم يا لئام الناس إني ... نشعت العز في أنفي نشوعاً
النشوع بالفتح الوجور والضم المصدر، وقوله: عند الله والرحم العذر يقول: قد علم أنا قد أعذرنا فيما بيننا وبينكم والرحم فلو كانت ممن يتكلم لقد بينت أنا قد أعذرنا عندها.
وقال كثير لخزاعة وذكر بني أمية:
إذا لم تكونوا ناصري أهل حقها ... وملفين عند النصر ممن يجيبها
فسيروا براءً في تفرق مالك ... بنصح وأرحام يئط قريبها
يريد إن لم تكونوا ناصري بني أمية فسيروا براء الصدور من غش مالك في الإصلاح فيما بينهم، يريد مالك بن النضر بن كنانة، يئط يتحرك ويعطف.
وقال القلاخ بن حزن المنقري:
(1/529)

أنا القلاخ بن جناب بن جلا ... أبو خناثير أقود الجملا
جلا الواضح المتكشف، أراد أنا ابن جلا وهكذا جاء هذا الحرف خناثير وخناسير الدواهي، أقود الجمل يقال ما استسر من قاد جملاً أي أنا مكشوف ظاهر لا أخفي. وتمثل الحجاج بقول الآخر وهو سحيم بن وثيل الرياحي:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
أي يطلع على الثنايا وهي ما علا من الأرض وغلظ، ومثله قولهم فلان طلاع أنجد، وهي جمع نجد. وقول هند بنت عتبة بن ربيعة:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
يقال أرادت بالطارق النجم شبهت أباها بنجم في علوه وشهرة مكانه، قال الله عز وجل: " وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب "
(1/530)

وقيل للنجم طارق لأنه يطلع ليلاً وكل آت ليلاً فهو طارق، وقول الأعشى:
وما كنت قلا قبل ذلك أرزيبا
القل القليل، والأرنب الدعي، وقال آخر:
موالينا إذا غضبوا علينا ... وإن نغضب فليس لنا موال
أي إذا غضبوا قالوا ما لكم لا تغضبون ونحن بنو عمكم وإن غضبنا أنكروا القرابة. وقال آخر:
أبو راشد مولاي ما طل حقه ... وإن كانت الأخرى فمولى بني سهم
وقال آخر وذكر قبيلة من الأنصار يقال لها خطمة:
وإن قروم خطمة أنزلوني ... بحيث يرى من الخضل الخروت
الخضل ضرب من الخرز، والخروت الثقب والثقب تكون في وسط الخرز، يقول أنا أوسطهم نسباً. وقال زهير ومدح رجلاً:
فضله فوق أقوام ومجده ... ما لن ينالوا وإن جادوا وإن كرموا
قود الجياد وإصهار الملوك وصب ... ر في مواطن لو كانوا بها سئموا
إصهار بكسر الألف يقال فلان مصهر بنا من القرابة لا من الصهر. وقال الحارث بن حلزة:
وولدنا عمرو بن أم أناس ... من قريب لما أتانا الحباء
(1/531)

مثلها تخرج النصيحة للقو ... م فلاةً من دونها أفلاء
يريد عمرو بن حجر الكندي وكان جد عمرو بن هند وهند هي بنت عمرو بن حجر آكل المرار وكانت أم عمرو بن حجر أم أناس بنت ذهل بن شيبان بن ثعلبة، يقول النسب قريب، والحباء خطبة الملك عمرو بن حجر إليهم وتصييره إياهم موضعاً لصهره، ثم قال مثل هذه القرابة تخرج نصحنا لك، ثم قال فلاة يعني نصيحة كثيرة واسعة مثل الفلاة الكبيرة التي دونها أفلاء كثيرة. وقال لبيد:
إن أبانا كان حلواً بسراً ... بني عمراً وأرب عمرا
اسم ابنته بسرة فناداها ورخم فقال بسرا، بني أي جعل ابناً له، وأرب جعل له ربيباً، وعمرو من بعض أولاد الملوك. وقال آخر:
آليت لا أعطي غلاماً أبداً ... دلاته إني أحب الأسودا
الأسود ابنه ودلاته أي سجله ونصيبه من قلبي، وقال الربيع بن ضبع:
وإن كنائني لنساء صدق ... وما ألي بني ولا أساؤا
قال أبو عمرو سألني القاسم بن معن عن هذا البيت فقلت: ما أبطأوا، فقال: ما تركت شيئاً، قال: وكل مبطئ فقد ألي، وألي فعل من ألوت. وقال آخر:
(1/532)

حتى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبوا
وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن اللئيم العاجز الخب
قملت كثرت، والبطون القبائل، وأراد قلبتم ظهر المجن لنا ثم أدخل الواو، ومثله قول الله عز وجل: " حتى إذا جاءها وفتحت أبوابها "، والجواب في فتحت فأدخل الواو، وقال ابن الدمينة يمدح رجلاً أو قوماً:
إذا سفر وأبعد التهجر والسري ... جلوا عن عراب السن بيض الصحائف
أي جلوا عمائمهم عن وجوه يعرب سنها عن كرم أصولهم كما قيل في المثل: إن الجواد عينه فراره، يقول: إذا رأيته أغناك منظره عن أن تفر عنه، والسن أي هي مسنونة سناً غريباً، ويروي السن بضم السين وهو جمع سنة الوجه، كقول ذي الرمة:
تريك سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب
والصحائف صحائف وجوههم. وقال ذو الرمة:
فأبصرت صحيفة وجهي قد تغير حالها
وقال رؤبة:
إن كنت أعمي فالقنا بالأشهاد ... تنبئك من لم يحصه ذو أسباد
إن تميماً كان قهباً من عاد
(1/533)

يقول: إن كنت أعمي عن طريقنا فالقنا مع الأشهاد تنبئك هذا جميع من ها هنا وها هنا ما لم يحصه ذو المال، والقهب المسن، وقوله: من عاد يريد شرفنا قديم وذكرنا.

أبيات معان في المدح
قال عبد الرحمن بن حسان:
ما زال ينمي جده صاعداً ... من لد أنٍ فارقه الحال
الحال العجلة التي يدب عليها الصبي إذا بدأ يمشي، يريد منذ كان صغيراً.
وقال الفرزدق:
أرى المقسم المختار عيلان كلها ... إذا هو لم يجتر نفيلاً تحللا
يقول إذا أقسم أن فلاناً خير قيس فلم يقل إلا بني نفيل تحلل من يمينه لأنه قد حنث حتى يستثني بني نفيل.
وقال أيضاً:
لنا العزة القعساء والعدد الذي ... عليه إذا عد الحصى يتحلف
القعساء الممتنعة، يتحلف أي يحلف ما لأحد مثل عددنا.
وقال البعيث:
نعز بنجد كل من لقط الحصى ... ونعلو رؤوس الناس عند المواسم
(1/534)

أي نقول لنا يوم كذا ونلقط حصاة ويوم كذا ونلقط حصاة.
وقال الأغلب:
عهدي بقيس وهي من خير الأمم ... لا يطأون قدماً على قدم
أي هم رؤساء ليسوا أتباعاً يطأون أعقاب غيرهم.
وأنشد ابن الأعرابي:
إن لقيس عادةً تعتادها ... سل السيوف وخطا تزدادها
وهذا مثل قول كعب بن مالك:
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا
وقال الفرزدق:
سيعلم من سامي تميماً إذا سمت ... قوائمه في البحر من يتخلف
أي إذا غرق في البحر فارتفعت قوائمه.
(1/535)

وقال الأخطل:
إن العرارة والنبوح لدارم ... والمستخف أخوهم الأثقالا
العرارة النجدة والشدة، والنبوح العدد والجماعة واحدها نبح. قال عمرو بن معد يكرب:
ألف الخيل بالخيل ... وأغشى النبح بالنبح
وقال العجاج:
قوم لهم عرارة التدكل ... ما فتئوا من أول وأول
على العدي وسخرة الموفل
العرارة الشدة، والتدكل مثل التدلل يقال: هم يتدكلون على السلطان أي يمتنعون عليه، ما فتئوا ما زالوا كذلك من أول زمن، والمؤفل الضعيف يقال قد أفل.
وقال الكميت يمدح رجلاً بطوله:
إذا لبس الأبطال أثواب يومها ... إلى الروع غالت من سواه وغالها
يعني الدرع يقول هي تطول غيره وهو يطولها. وقال عنترة يمدح بالطول:
(1/536)

بطل كأن ثيابه في سرحة
أي كأن ثيابه على شجرة. وقال آخر:
طويل نجاد السيف ليس بحيدر ... إذا اهتز واسترخت عليه الحمائل
النجاد حمائل السيف، والحيدر القصير، واسترخت أي اتسعت من قولهم في بال رخي أي واسع والبال الحال، والهزة الخفة تأخذه للمعروف. وأنشد الأصمعي:
بيض جعاد كأن أعينهم ... يكحلها في الملاحم السدف
أي لا تنقلب فيظهر باطنها من الفزع، والسدف الظلمة. وأنشد للأعشى:
كذلك فافعل ما حييت إليهم ... وأقدم إذا ما أعين القوم تزرق
إذا فزع الإنسان وبرق انقلبت حماليق عينيه فغاب السواد. وأنشد:
بيض جعاد كأن أعينهم ... تكحل يوم الهياج بالعلق
العلق الدم، وصفهم بحمرة الأعين لشدة الغضب في الحرب ولذلك شبهت عيون الكلاب بنوار العضرس وهي بقلة حمراء الزهرة لأن أعينها تحمر إذا آسدتها من شدة الغضب. وقال ابن هرمة:
وله مكارم أرضها معلومة ... ذات الطوي وله نجوم سمائها
(1/537)

أرضها أصلها، أي هو معروف له معلوم، ذات الطوي أي في ذات الطوي وهي السنة الجدباء التي تطوي الناس فيها ويجوعون وله نجوم سماء تلك السنة يعني بالنجوم أمطارها وخصبها أي الذي يكون فيها من خصب وخير عنه فكأنه قال له نجومها مطيرها.
وقال أبو وجزة:
وأرى كريمك لا كريمة دونه ... وأرى بلادك منقع الأجواد
أي من أكرمته فليس تدخر عنه كريمة من مالك، ومنقع الأجواد مروى العطاش يقال جيد الرجل فهو مجود إذا عطش وبه جواد فكأنه من الجمع الذي جاء على غير واحده يعني الأجواد.
وقال أبو المثلم الهذلي:
حامي الحقيقة نسال الوديقة مع ... تاق الوسيقة جلد غير ثنيان
أي يحمي ما يحق عليه ويعدو في شدة الحر حتى تدق الشمس وتدنو، معتاق الوسيقة يقول إذا طرد طريدة أنجاها من أن تدرك يقال أعتقه أي أنجاه، والثنيان دون السيد.
وقال ساعدة الإيادي:
ألا يا فتى ما عبد شمس بمثله ... يبل على العادي وتؤبي المخاسف
(1/538)

هو الطرف لم يحشش مطى بمثله ... ولا أنس مستوبد الدار خائف
أراد أي فتى هو عبد شمس، ثم استأنف فقال بمثله يغلب على العدو، والمخاسف من الخسف وهو النقصان، والطرف الكريم، لم يحشش لم يحم في السير بمثله، والأنس الحي أي لم يقم بشانهم مثله، مستوبد من الوبد وهو القشف وسوء الحال، ويروى: لم يخشش من الخشاش أي لم يزم. وقال زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفرى
تفري تقطع ما قدرت، وخالقة الأديم مقدرته. وقال:
وليس مانع ذي قربى ولا حسب ... يوماً ولا معدماً من خابط ورقا
يريد ولا معدماً خابطاً ورقاً، والإعدام أن يمنع الإنسان ما يريد، فيقول قد عدمته، وأراد بقوله: من خابط خابطاً كقولك: ما رأيت من أحد وما رأيت أحداً، ويقال للرجل إن خابطه ليجد ورقاً أي إن سائله ليجد عطاء وسمى من طلب بغير يد ولا رحم خابطاً.
وقال أيضاً:
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل
هنالك أن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
القطين الحشم والأهل، يقول يلزمونهم حتى يسمنوا وجمع القطين
(1/539)

قطن. وقال لبيد:
فتكنسوا قطناً تصر خيامها
وقال جرير يهجو بني الفدوكس ورهط الأخطل:
هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلي قطينا
فقيل: يا أبا جزرة أما وجدت في تميم مفخراً تفخر به عليهم حتى فخرت بالخلافة لا والله ما صنعت شيئاً في هجائهم، والقطين ها هنا العبيد، والقطين في مكان آخر السكان، قال الأخطل:
خف القطين فراحوا منك أو بكروا
والقطان المقيمون واحدهم قاطن، قال الأصمعي قال أبو عمرو بن العلاء: لا أعرف الاستخبال وأراه قال يستخولوا والإستخوال أن يملكوهم إياه، وقال أبو عبيدة أنشدنا أبو عمرو: يستخولوا المال يخولوا، وقال لم أسمع يستخبلوا، وقال يونس بلى قد سمعه ولكن نسي.
وقال غير الأصمعي: الإستخبال أن يستعير الرجل من الرجل إبلاً فيشرب من ألبانها وينتفع بأوبارها فإذا أخصب ردها، ييسروا من الميسر، يغلوا في الميسر أي يأخذون سمان الإبل لا ينحرون الأغالية. وقال:
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفواً ويظلم أحياناً فيظلم
أي يطلب إليه في غير موضع الطلب فيحمل ذلك لهم، وأصل
(1/540)

الظلم كله وضع الشيء في غير موضعه، منه من أشبه أباه فما ظلم وقال:
وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم
الخليل الفقير والخلة الفقر، والحرم المنع، يقول ليس لمالي منع عليه، أبو عبيدة: حرم إذا كان يحرم لا يعطى منه، وقال غيره حرم مقمور أي لا يعتل عليه بذلك. وقال:
تهامون نحديون كيداً ونجعةً ... لكل أناس من وقائعهم سجل
يقول يأتون تهامة ونجداً لا يمنعهم بعد المكان من أن يغزوه وينتجعوه، سجل نصيب وأصل السجل الدلو مملوءة ماء.
وقال العجاج يمدح رجلاً:
حلو المساهاة وإن عادى أمر ... مستحصد غارته إذا اترز
المساهاة المياسرة، مستحصد شديد الفتل، غارته فتله يقال حبل مغار، وأحصدت الحبل فتلته:
أمره يسراً فإن أعيا اليسر ... والتاث إلا مرةً الشزر شزر
أي فتله، واليسر مخفف فحركه ضرورة وهو الفتل على اليمين سهل، والشزز فتل على اليسار وهو أعسر من الأول، والمعنى أنه يستعمل السهولة أولاً فإن لم يأته الأمر على ذلك استعمل الشدة وهو أعسر من الأول. وقال:
يرتاح أن تبرد ريح الشمال
(1/541)

أي يسر بأن يشتد الزمان ليصنع المعروف. وقال عمرو بن قميئة يصف الجدب:
يثوب عليهم كل ضيف وجانب ... كما رد دهداه القلاص نضيحها
الجانب الغريب، دهداه صغار الإبل، والقلاص إناث الإبل، والنضيج الحوض، يقول يعود الأضياف إليهم كما يعود هذا إلى النضيج. وقال الحارث بن حلزة:
لا يرتجى للمال يهلكه ... طلق النجوم إليه كالنحس
لله هنالك لا عليه إذادنعت أنوف القوم للتعس
لا يرتجي لا يخاف لا هلاك المال يقول لا ينفق المال في نجم مبارك ليخلف عليه ولكنه ينفقه في كل وقت، إليه أي عنده، يقول فالفضل له في هذا الزمان لا عليه إذا دعى على القوم بالتعس، دنعت تدنع دنعاً ودنوعاً دقت ولؤمت. وقال الحطيئة:
هم القوم الذين إذا ألمت ... من الأيام مظلمة أضاءوا
هم القوم الذين علمتموهم ... لدى الداعي إذا رفع اللواء
وقال أوس بن حجر:
تجرد في السربال أبيض حازم ... مبين لعين الناظر المتوسم
هذا مثل، أي هو متجرد للأمور كما تقول: والله لئن تجردت
(1/542)

لك لأعلمنك، أبيض نقي العرض من الدنس. ومثله:
أمك بيضاً من قضاعة في البيت الذي تستظل في طنبه
أي نقية الحسب. وقال أبو ذؤيب:
المانح الأدم كالمرو الصلاب إذ ... ما خارد الخور واحتث المجاليح
المحاردة إن لا تدر، والمجاليح التي تدر في الشدة، ويقال الجيدة الأكل، احتثت استزيد في درتها.
وقال أيضاً:
وصرح الموت من غلب كأنهم ... جرب يدافعها الساقي منازيح
صرح كشف، غلب غلاظ الرقاب، منازيح طلبت الماء من مكان بعيد فهو أحرص لها.
وقال المتنخل:
أجزت بفتية بيض خفاف ... كأنهم تملهم سباط
سباط إسم للحمى وذلك أن صاحبها يسبط عليه، أسبطت عليه الحمى إذا أخذته فتمدد واسترخى أي هم من الغزو والشحوب هكذا. وقال:
السالك الثغرة اليقظان كالئها ... مشى الهلوك عليها الخيعل الفضل
(1/543)

الثغرة والثغر سواء وهو موضع المخافة، والكالئ الحافظ، والخيعل ثوب يخاط أحد جانبيه ويترك الآخر، والهلوك المتثنية المتكسرة، والفضل من صفة الهلوك وكان ينبغي أن يكون جراً ولكنه رفعه على الجوار للخيعل.
ومثله للعجاج:
كأن نسج العنكبوت المرمل
ومثله جحرضب خرب ومثله لامرئ القيس:
كبير أناس في بجاد مزمل
أراد أنه آمن لا يخاف فهو يمشي على هينته. وقال آخر من هذيل وهو معقل بن خويلد:
فما العمران من رجلي عدي ... وما العمران من رجلي فئام
وأنهما لجوابا خروق ... وشرابان بالنطف الطوامي
العدي القوم الذين يحملون في الرجالة أي ما هما من رجلين، على التعجب يريدهما فاضلان لهذا وهذا وهما أيضاً جواباً خروق، والطوامي التي تركت فطمت أي ارتفعت مما لا تورد، يقال: أراد ما هما من رجال العدو ولكنهما جواباً خروق، والأول أجود. وقال الأخطل:
(1/544)

لعمري لقد ناطت هوازن أمرها ... بمستر بعين الحرب شم المناخر
المستربع للشيء الحامل له، ربعت الحجر إذا أشلته.
وقال الفرزدق:
فذاك أبي وأبوه الذي ... لمقعده حرم المسجد
أي لا ينطق عنده يفحش كما لا ينطق في المسجد، وقول الراعي:
فوارس أبطال لطاف المآزر
أي هم خماص البطون. وقال رجل من الخوارج:
لطاف براها الصوم حتى كأنها ... سيوف يمان أخلصتها سمومها
يعني رجالاً أضمرها الصوم فشبهها بسيوف، سمومها خروقها تبين أنها خالصة وذلك أن ثقوب العتق غير ثقوب الحدث أي ذات خروق تدل على عتقها. وقال الأعشى وذكر ناراً:
تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق
رضيعي لبان ثدي اشم تقاسما ... بأسحم داج عوض ما نتفرق
(1/545)

يقول حالف الجود أن لا يفارقه وهما في الرحم وهو أسحم داج، عوض يفتح ويضم والفتح أكثر وهو الدهر، وأراد لا نتفرق أبداً. وقال يمدح هوذة:
فتىً لو ينادي الشمس ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المقالدا
ينادي يجالس من النادي، ألقت قناعها أي ذهب نورها وحسنها بحسنه، ولألقى القمر المقاليد إليه أي أقر له بالحسن، ويقال المقاليد المفاتيح واحدها إقليد.
وقال أيضاً:
هضوم الشتاء إذا المرضعا ... ت جالت جبائر أعضادها
أصل الهضم الظلم، يقول يقرى في الشتاء ويطعم فيذهب بشدته، والجبائر أسورة النساء من دون تجعل في الأعضاد، جالت من الهزال.
وقال أيضاً:
نهار شراحيل بن عمرو يريبني ... وليل أبي ليلى أمر وأعلق
نهاره ظاهره وليله باطنه. وأنشد للأعشى:
فلا تحسبني كافراً لك نعمة ... على شاهدي يا شاهد الله فاشهد
(1/546)

شاهدي لساني، وشاهد الله من يشهد ألا إله إلا الله، ويقال الملك الموكل به. وقال الأعشى:
ربي كريم لا يكدر نعمةً ... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا
لا يكدر نعمة بالمن وإذا ناشدوه بالمهارق وهي كتب الأنبياء أنشدهم أي أجابهم وفي بمعنى الباء. ويقال لبيد يذكر عامر بن الطفيل.
ومقسم يعطى العشيرة حقها ... ومغذمر لحقوقها هضامها
المقسم الذي يعطيها مالها، والمغذمر الذي يحطم حقوقها ويكسرها، ويقال هو الذي يضرب حقوق الناس بعضهم ببعض ويهضم من ماله للناس ويعطي هذا ما يأخذ من هذا، ومنه قيل للحادي إنه لذو غذامير في حدائه، هضامها يهتضمها يحتملها. وقال:
وهم العشيرة أن يبطيء حاسد ... أو أن يلوم مع العدي لوامها
أي لا يقدر حاسد أن يبطيء الناس عنهم بأن يقول فيهم قول سوء لا يقدر لائم على لومهم، قال وهذا مثل قول مطرود بن كعب الخزاعي:
أخلصهم عق لباب لهم ... من لوم من لام بمنجاب
(1/547)

المنجاب المنكشف. وقال القطامي يمدح قريشاً:
قوم ثبتوا الإسلام وامتنعوا ... قوم الرسول الذي ما بعده رسل
يريد: هم ثبتوا الإسلام وامتنعوا ممن أرادهم، قوم الرسول مستأنف أي وهو أيضاً قوم الرسول.
وقال أيضاً:
وتراه يفخر أن تحل بيوته ... بمحلة الزمر القصير عنانا
يفخر أي يأنف فخرت عن الشيء أنفت منه، والزمر القليل الخير. ابن أحمر:
وذي بدن أو مسبل فوق قارح ... جميل الدجى يعدو بلدن مقوم
بدن درع قصيرة، ومسبل سابغة، أي بعد النعاس وبعد تغشي الكرى جميلاً لا يؤثر فيه السهر.
وقال يذكر إبلاً:
عليهن أطراف من القوم لم يكن ... طعامهم حباً بزغبة أغبرا
(1/548)

أطراف جمع طرف وهو العتيق من الخيل استعاره للناس، حباً يعني حنطة. وقول الأعشى:
طويل اليدين رهطه غير ثنية ... أشم كريم جاره لا يرهق
التثنية إلذين دون الملك. وقوله أيضاً:
أنت خير من ألف ألف من القو ... م إذا ما كبت وجوه الرجال
أصله من كبا الزند إذا لم يور وكذلك الرجل إذا لم يعط عند السؤال. وقال النابغة:
محلتهم ذات الإله ودينهم ... قزيم فما يرجون غير العواقب
ذات الإله بلاد الشام لأنها مقدسة ويقال بيت المقدس لأنه موضع الأنبياء، عواقب أعمالهم أن يثابوا بها، ويقال يرجون يخافون كقوله جل وعز: " ما لكم لا ترجون لله وقاراً " أي لا يخافون إلا عواقب أعمالهم بخوفهم لله، ويروي: مجلتهم أي كتابهم كتاب الله.
وقال:
سبقت الرجال الباهشين إلى الندى ... كسبق الجواد اصطاد قبل الطوارد
الباهش الذي يسبق إلى الصنائع، والطوارد من الخيل والكلاب كل ما طرد فالواحد طارد. وقال:
(1/549)

أثني على ذي كل عذرة إنه ... قد كان قدم قبل قيل القائل
يقول قد كان قدم ما يقال فيه قبل أن يمدحه المادح.
وقال:
وأنت الغيث ينفع من يليه ... وأنت السم يخلطه اليرون
يقال هو ماء الرجال وقيل هو عرق الداية ويقال هو دماغ الفيل ويقال هو السم القاتل. وقال أبو بكر كبير:
ولقد صبرت على السموم يكنني ... قرد على الليتين غير مرجل
أراد شعراً قد تلبد مما لا يغسل ولا يدهن يريد أنه كان ربيئة في جبل. وقال:
ومعي لبوس للبئيس كأنه ... روق بجبهة ذي نعاج مجفل
لبوس يعني صاحباً له، والبئيس الأمر الشديد يريد صبوراً على الشدائد، والروق القرن، مجفل نافر، شبه الرجل في صلابته واندماجه بالقرن يعني ثوراً وحشياً.
وإذا يهب من المنام رأيته ... كرتوب كعب السياق ليس بزمل
أي ينتصب عند قيامه من منامه كانتصاب الكعب إذا لعب به، زمل ضعيف. وقال آخر:
أبا ما لكأو قدت نارك للعلي ... وأرغيت إذ أثغي موالي في حبلي
(1/550)

أي قرنت لي إبلاً ترغو إذ أعطوني هم غنماً تثغو.
وقال الأخنس بن شهاب التغلبي:
ونحن أناس لا حجاز بارضنا ... مع الغيث ما نلقى ومن هو غالب
أي ليس بأرضنا جبل نحتجز به فنحن مفضون ومن كان له الغلب فهو مع الغيث أبداً، ويقال لا نجتمع نحن ومن يغلب أبداً أي من كان معنا فنحن غالبون له.
ترى رائدات الخيل حول بيوتنا ... كمعزي الحجاز أعوزتها الزرائب
وكم أناس قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب
أي الخيل كمعزي لا تجد زربا فهي تسرح حول البيوت، وكل أناس حبسوا فحلهم أن يتقدم فتتبعه الإبل ونحن لعزنا تركناه يرعى حيث شاء، جعل الفحل مثلاً للعز. وقال طرفة:
ولي الأصل الذي في مثله ... يصلح الآبر زرع المؤتبر
الآبر المصلح والمؤتبر منه، قال أبو عبيدة كل شيء أصلحته فقد أبرته. وقال الكميت:
بحمد من شبابك لا بذم ... أبا قران بت على مثال
المثال الفراش أي مت وشبابك محمود ليس بمذموم.
وقال يمدح:
(1/551)

كان السدى وللندى مجداً ومكرمة ... تلك المكارم لا يورثن عن رقب
رقب من الرقبى وهي وصية الرجل بالدار وغيرها، يقول هي لفلان فإن مات فهي لفلان فهذا يرقب موت هذا.
وقال وذكر الحوادث إذ نزلت بقومه:
ولم يوائم لهم في رتبها ثبجاً ... ولم يكن لهم فيها أبا كرب
ولم يكن هدمها المخبون منفعةً ... إذا التفت غرضة التصدير والحقب
رتبها إصلاحها، ثبجا من التثبيج والإفساد، أبا كرب يريد قول الناس.
(1/552)

ليت حظي من أبي كرب ... إن يسد خيره خبلة
والهدم الخلق، والمخبون المعطوف، يقول لم يكن في الشدائد كالهدم المخبون الذي لا ينتفع به.
وقال:
ولم يتجهم لك النائبات ... ولم تك فيها اللباس الدثورا
ولم تك شهدارة الأبعدين ... ولا زمح الأقربين الشريرا
ولم تك لا جير لللابعدين ... مخة ساق تجيب الصفيرا
اللياس الثقيل الضعيف، والدثور النوام، يتجهم يتنكر والزمح الشرير، لا جير قسم، وإذا أخذ الإنسان عظم ساق الشاة فنفضه ليخرج مخه فمصه أجاب المخ صفيره فخرج.
فموضوع جودك أن لم تنا ... ج الإبهاء لهات الضميرا
يقول أصغر جودك أن لم تحدث نفسك إلا بأن إذا قيل لك هات قلت هاء ناولت. وقال:
وتحسب طالبيك إذ إذا أرادوا ... وئامك أنت والشعري العبور
الوئام المباراة، أراد إذا واءموك كنت في الارتفاع فوقهم كالشعري.
(1/553)

وقال يمدح:
وتعاطى به ابن عائشة البد ... ر فأمسى له رقيباً نظيرا
لم تجهم له البطاح ولكن ... وجدتها له معاناً ودرا
ابن عائشة عبد الملك بن مروان، أي رام بأن يأتي به شبه البدر، وأصل الرقيب النجم يطلع إذا غاب رقيبه، يقول إذا ذهب البدر كان هذا مكانه، تجهم تنكر، والمعان الحل، أراد أنه من قريش البطاح وهم أكرم من قريش الظواهر. وقال طريح:
أنت ابن مسلنطح البطاح ولم ... يعطف عليك الحنى والولج
أراد محاني الأودية، والولج الغامض من الوادي.
وقال الكميت:
أخبرت عن فعالة الأرض ... واستنطق منها البياب والمعمورا
أي أثر فيها آثاراً حسنة، بنى المساجد وحفر الآبار والأنهار، واليباب الخراب، أي بنى فيه فسكن. وقال يمدح بني أمية:
ولم يدبغونا على تحلئ ... فيرمق أمر ولم يغملوا
التحلئ أن يكون في شعر الأديم وسخ فإذا قشرته بقد حلأته، أي لم يسيئووا سياستنا فيكونوا كمن دبغ ولم ينق وسخ الأديم، يرمق يضعف، والغمل حتى يسترخي شعره وصوفه فينتزع منه.
(1/554)

وتنأى قعورهم في الأمور ... على من يسم ومن يسمل
قعورهم عقولهم، يقال: ما أبعد قعره وغوره، يسم يصلح يسمل مثله.
ولا يدمس الأمر فيما يلون ... على المنطقات ولا يدمل
يدمس يستتر ومنه ليل دامس، والمنطقات المعايب، يدمل يطوى، أي لا يطوى على فساد، ويقال اندمل الجرح أب برأ والتأم. وقال:
وقد طال ما يا آل مروان ألتم ... بلا دمس أمر الغريب ولا غمل
التم سستم، والدمس الظلمة، والغمل أن يغم الأديم حتى يسترخي ثم يدبغ. وقال:
مباؤك في البثن الناعما ... ت عيناً إذا روح المؤصل
(1/555)

المباء المنزل، والبثن جمع بثنة وهي الرملة السهلة اللينة، والناعمات عيناً من قولك: نعم الله بك عيناً، والمؤصل من الأصيل وهو العشي. وقال طرفة:
خير حي من معد علموا ... لكفي ولجار وابن عم
الكفى الكفء، أي يحالفون الكفى الكفء ويصلون الغريب ويفضلونه على الجار.
وقال لبيد في أخيه:
يعفو على الجهد والسؤال كما ... أنزل صوب الربيع ذو الرصد
يعفو يجم ويزيد على السؤال كما يجم الماء يقال: عفا شعره إذا كثر، والرصد جمع رصدة وهي المطرة تكون أولاً لما يأتي بعدها كالعهد، وأراد أنه يعطي عطية ويرصد بأخرى. وقال العباس بن عبد المطلب يمدح النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يستر الورق
ويروي: حيث يخصف الورق، يعني ظلال الجنة يعني أنه كان صلى الله عليه وسلم طيباً في الجنة في صلب آدم عليهما السلام، والظلال جمع ظل ولم يرد ظل شجرها ونباتها لأن الجنة كلها ظل ممدوح
(1/556)

وظلال الشجر والبنيان إنما يكون في موضع تطلع فيه الشمس والجنة لا شمس فيها ولا قمر، والمستودع يحتمل معنيين يجوز أن يكون أراد بالمستودع الذي جعل فيه آدم وحواء عليهما السلام من الجنة، والآخر أن يكون أراد النطفة في الرحم، وكان أبو عبيدة يقول في قول الله عز وجل: " فمستقر ومستودع " قال المستقر الصلب والمستودع الرخم، ويخصف الورق وللإشفي مخصف.
ثم هبطت البلاد لا بششر ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسراً وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم باد طبق
حتى علا بيتك المهيمن من ... خندق علياء تحتها النطق
الصالب والصلب والصلب بمعنى، والعالم القرن من الناس
(1/557)

وكذلك الطبق من الناس يكون طباق الأرض أي ملأها، ومنه الحديث " اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً طبقاً " ومنه:
طبق الأرض تحرى وتدر
وقوله تحتها النطق فيه ثلاثة أقاويل أحدها أن يكون يريد أنك أعلى قومك نسباً وهم دونك كالنطاق لك، والآخر أنه يريد العفاف من لبس المرأة النطاق أي تحتها العفاف والحسب، والثالث يعني بالنطق المتكلمين جمع ناطق أي إن كل خطيب في العرب دون خطباء قومك من قول الله عز وجل: " بل هم قوم خصمون ".
وقالت بنت النضر بن الحارث للنبي صلى الله عليه وسلم:
أمحمد ها أنت ضنء نجيبة ... في قومها والفحل حل ممعرق
الضنء الولد، والمعرق الكريم الأعراق المنجب.
(1/558)

باب الهجاء وهجاء النساء
عوف بن عطية بن الخرع:
ولقد أراك ولا تؤبن هالكاً ... عدل الأصرة في سنام الأكوم
أي لا يبكي عليك إن مت، عدل الأصرة أي كانت أمه راعية فكانت تحمله على بعير وتعدل به الأصرة. وقال الأخطل يهجو قوماً:
البائتين قريباً من منازلهم ... ولو يشاءون آبوا الحي أو طرقوا
يعني يغتنمون القرى ولو أحبوا يأتوا بيوتهم. والطروق أن تجيء ليلاً، والإياب أن تجيء عند الليل، ويقال أوب السير إذا سار من غدوة إلى الليل. وقال آخر في ضد هذا يمدح:
تقرى قد ورهم سراء ليلهم ... ولا يبيتون دون الحي أضيافاً
وقال عميرة بن جعيل التغلبي:
كسا الله حيي تغلب ابنة وائل ... من اللؤم أظفاراً بطيئاً نصولها
هذا مثل، أي علامات من اللؤم ترى عليهم لا تنصل كما تنصل الأظفار.
(1/559)

إذا ارتحلوا من دار ضيم تعاذلوا ... عليها وردوا وفدهم يستقيلها
أي يعذل بعضهم بعضاً لم لم يصبروا على الضيم لأنهم ليسوا ممن يغلب على دار.
وقال عوف بن الخرع:
هلا فوارس رحرحان هجوتم ... عشرا تناوح في سرارة واد
السرارة أكرم الوادي وخيره والنبات يحسن فيها يقول لكم حسن وليس لكم خبر وذلك أن العشر خوار ضعيف، والتناوح التقابل. قال الأصمعي دور يتناوحن أي يتقابلن. وقال آخر:
إذا ابتدر الناس المعالي رأيتهم ... وقوفاً بأيديهم مسوك الأرانب
أي هم أصحاب صيد وليسوا ممن يطلب المعالي. وقال:
إذا ابتدر الناس المكارم والعلى ... أقاموا رتوباً في النهوج اللهاجم
يقول يسألون الناس في الطرق البينة الواسعة، والراتب الثابت والنهج البين واللهجم الواسع، قال العجاج:
مفترشات كل نهج لهجم
يقول أقاموا يسألون الناس على الطرق. آخر:
فأصممت عمراً وأعميته ... عن الجود والفخر يوم الفخار
أي وجدته أصم أعمى كقولك أتيت أرض بني فلان فأعمرتها أي وجدتها عامرة. ومثله لرؤبة:
(1/560)

وأهيج الخلصاء من ذات البرق
أي وجدها هائجة النبات، ومثله قول الأعشى:
فمضى وأخلف من قتيلة موعدا
أي وجده خلفاً. آخر وهو الفرزدق:
إذا غاب عنكم أسود كنتم ... كراماً وأنتم ما أقام الألائم
أسود العين جبل، والعين المنظر والجبل لا يغيب أبداً يريد أنتم لئام أبداً. آخر:
سمين الضواحي لم تؤرقه ليلةً ... وأنعم أبكار الهموم وعونها
الضواحي الظاهر يريد ما ظهر منه وأراد لم يؤرقه أبكار الهموم وعونها وأنعم أي وزاد على هذه الصفة، واحدة العون عوان. آخر:
ستعلم إن دارت رحا الحرب بيننا ... عنان الشمال من يكونن أضرعا
حكى عن أبي عبيدة أنه قال عنان الشمال دعاء أي يا عنان الشمال والشمال الخرقة التي يكون فيها ضرع الشاة، والعنان السير الذي تعلق به، وقال بعضهم عنان الشمال أي معانة أمر مشؤوم من عن أي عرض كما قيل غراب شمال وزجرت لها طير الشمال، وقال بعضهم إن الدابة لا تعطف إلا من شمالها فأراد دارت رحى الحرب مدارها وعلى
(1/561)

جهتها، وقال رجل من كلب:
غدا ضيف حجاز بن زيد بحبله ... مطوي وبطن الضيف أطوي من الحبل
وقال أوس:
مباشيم عن لحم العوارض بالضحى ... وبالصيف كساحون ترب المناهل
العوارض الإبل تنحر من علة، يقول لا يذبحون إلا ما كان عليلاً لا ينتفع به من لؤمهم ويضعفون عن السقي أول الناس فيبقون حتى يسقي الناس فيكونون آخرهم.
وقال حاتم في ضد هذا:
وسقيت بالماء النمير ولم ... أترك ألاطم حمأة الجفر
النمير الماء النامي في الجسد وإن كان غير عذب.
وقال النجاشي: لابن مقبل:
ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل
وقال الأخطل:
المانعيك الماء حتى يشربوا ... جماته ويسموه سجالا
(1/562)

وقال الفرزدق لجرير:
إن الزحام لغيركم فتحينوا ... ورد العشي إليه يخلو المنهل
وقال آخر يهجو قوماً:
مناين أبرام كأن أكفهم ... أكف ضباب أنشقت في الحبائل
أي نشبت. وقال آخر:
غثا كثير لا عزيمة عندهم ... سوى أن خيلاناً عليها العمائم
خيلان جمع خيال أي ليسوا شيئاً، ابن الأعرابي: الخال البعير الضخم والخال الجبل شبههم بالإبل في أبدانهم ولا عقول لهم. آخر:
ولا عيب إلا نزع عرق لمعشر ... كرام وإنا لا نخط على النمل
قال أبو عمرو: إذا كان الرجل من أخته ثم خط على النملة وهي قريحة تظهر في ظهر الكف لم تلبث أن تجف، وهذا من فعل المجوس وإنما عرض برجل أخواله مجوس فقال: لست أنا كأولئك. وقال امرؤ القيس:
أيا هند لا تنكحي بوهةً ... عليه عقيقته أحسبا
البوهة الأحمق، وعقيقته شعره الذي خرج به من بطن أمه، يريد
(1/563)

أنه لا يطلي، أحسب أحمر.
مرسعة وسط أرباعه ... به عسم يبتغي أرنبا
يقال رسع الرجل ورسع ورجل مرسع ومرسعة وهو الفاسدة عينه، وفي حديث عبد الله بن عمرو أنه بكى حتى رسعت عينه أي فسدت وتغيرت، ويروي مرسعة بين أرساغه من الترسيع وهو سير يضفر ويرسع ثم يشد في الساق، وأنث مرسعة في هذه الرواية رده على بوهة:
ليجعل في ساقه كعبها ... حذار المنية أن يعطبا
يريد أنه جاهل يظن أن كعب الأرنب إذا علقه دفع عنه الموت.
فلست بطياخة في القعود ... ولست بخزرافة أخدبا
الطياخة الذي لا يزال يقع في بلية وسوءة، يقال لا يزال فلان يقع في طيخة أي بلية، والخزرافة الكثير الكلام الخفيف.
ولست بذي رثية إمر ... إذا قيد مستكرهاً أصحبا
أصحب تبع، والرثية وجع يأخذ في الركبتين، منه:
وللكبير رثيات أربع
والإمر الأحمق الضعيف. وقال النابغة:
إذا نزلوا ذا ضرغد فعتائدا ... يغنيهم فيها نقيق الضفادع
قعوداً لدى أبياتهم يثمدونهم ... رمى الله في تلك الأكف الكوانع
(1/564)

الضفادع تكون في الخصب يريد أنهم في أرض مخصبة، يثمدونهم يسألونهم، والكانع الخاضع، وقال الأعشى:
هم الطرف الناكوا العدو وأنتم ... بقصوى ثلاث تأكلون الوقائصا
الطرف جمع طريف وهو الذي بينه وبين الجد الأكبر آباء كثيرة وهو أحب إليهم من ذي القعدد، بقصوى ثلاث أي بعداً على ثلاث ليال، والوقائص التي أفطرت من الإبل والغنم.
وقال:
أنوفهم ملفخر في أسلوب ... وشعر الأستاه بالجبوب
أسلوب جانب، والجبوب الأرض يريد أنهم قصار.
وقال آخر: شظاظ الضبي:
رب عجوز من أناس شهبره ... علمتها الانقاض بعد القرقره
يعني أنها كانت لها بعير مسن يقرقر فركبه وذهب به وترك لها بكراً تنقض به. وأنشد في وصف سوداء:
كأنها والكحل في مرودها ... تكحل عينيها ببعض جلدها
أنشد عيسى بن عمر:
(1/565)

كل عجوز رأسها كالكفه ... تغدو بجف معها هرشفه
كان عيسى بن عمر يرى أن الهرشفة العجوز حتى قال منتجع: الهرشفة خرقة تنشف بها الماء وذلك أن يجيء مطر وتحتاج إلى أخذ الماء فتنشفه من الأرض بها ثم ترده في الجف من جلود الإبل، والكفة حبل للصائد يديره، شبه شعرها إذ تساقط وسط الرأس وبقي ما حوله مستديراً بالكفة.
وقول الأنصاري عبد الرحمن بن حسان:
فتبازت وتبازخت لها ... جلسة الجازر يستنجي الوتر
البزاء أن تخرج المرأة عجيزتها لتدنيها منه وتعظمها، والبزخ أن يدخل القطن وتخرج الثنة، والثنة ما بين السرة والعانة، شبه تبازخه بجلسة الذي ينزع عصب المتن، والاستنجاء الأخذ.
وقال امرؤ القيس:
وآثر باللحاة آل مجاشع ... رقاب إماء يعتبئن المفارما
(1/566)

الملحاة الشتم، يعتبئن يتخذن ما يتضيقن به، وكتب عبد الملك إلى الحجاج يا ابن المستفرمة بحب الزبيب. وقال الأعشى:
ونساء كأنهن السعالي
أي مثل الغيلان من الضر، الأصمعي: الغول ساحرة الجن. وقال لبيد:
تأوي إلى الإطناب كل رذية ... مثل البلية قالص أهدامها
أطناب الفسطاط، رذية مهزولة، يريد امرأة شبهها بالبلية من الإبل، قالص مرتفع، أهدامها خلقان ثيابها.
وقال خداش بن زهير يهجو رياح بن ربيعة العقيلي.
بعناك في بطن مخضر عوارضها ... ترى من اللؤم في عرنينها خنسا
يريد سبينا أمك وهي حامل بك فبعناها، وعوارضها أسنانها وخنس قصر.
وقال يهجو قوماً وهم جداعة رهط دريد بن الصمة:
لعمر التي جاءت بكم من شفلح ... لدى نسيبها سابغ الاسب أهلبا
الشفلح الرجل العظيم الشفة المنقلبها وأراد ها هنا الرحم.
أزب جداعي كأن لدى إستها ... أغاني خرف شاربين بيثربا
(1/567)

يقال في مثل من أمثال العرب إياك والأهلب الضروط خرف قوم يشربون في الخريف. وقال المرار للمساور:
لست إلى الأم من عبس ومن أسد ... وإنما أنت دينار بن ديناز
أي عبد بن عبد لأن ديناراً من أسماء العبيد.
فإن تكن أنت من عبس وأمهم ... فأم عبسكم من جارة الجار
وقال ذو الرمة:
إذا أبطأت أيدي امرؤ القيس بالقرى ... عن الركب جاءت حاسراً لا تقنع
يقول إذا لم يفرد الضيف بالقرى عن الركب جاءت المرأة حاسراً تقول ليس لكم عندي قرى، لا تقنع لأنها لا تستحي من الرد المحاربية تهجو امرأة:
وعلق المنطق منها بذلق ... كلب لها عودت مس الخنق
تقول هي رسحاء فالمنطق لا يثبت وتخنق كلبها لئلا يسمع صوته
(1/568)

الأضياف. وقال الراعي يهجو امرأة:
تبيت ورجلاها إوانان لاستها ... عصاها حتى يكل قعودها
أي تحرك استها حتى يسير القعود واستها عصاها.
مخشمة العرنين مثقوبة العصا ... عدوس السرى باق على الخسف عودها
أي تسري بالليل لطلب الريبة. وقال:
إني نذير التي ألقت منيئتها ... على القعود وحفتها بأهدام
من المهيبات مخضراً مغابنها ... لم تثقب الجمر كفاها بأهضام
المنيئة إهاب تدبغه المرأة تجلس عليه، تهيب تدعو أي هي راعية لم توقد ناراً قط لبخور.
وقال جران العود وذكر امرأته:
تكون بلوذ القرن ثم شمالها ... أحث كثيراً من يميني وأسرح
لوذ القرن موضعه، يريد أن شمالها أسرع في اللطام من يمينها وأسرح أمضى، والقرن قرن الإنسان على رأسه، ولوذه حيث لاذ طرفه من القفا.
وقال جرير:
لقد ولدت غسان ثالبة الشوى ... عدوس السرى لا يعرف الكرم جيدها
(1/569)

ثالبة الشوى متشققة الرجل لأنها راعية، ابن الأعرابي: ثالثة الشوى شبهها بالضبع لأنها تمشي على ثلاث، ولا تستقر بالليل، فقال: أمهم لا تستقر بالليل لطلب الفجور، عدوس السرى قوية على السري، والكرم قلادة فيها ذهب أو فضة تصوغها الأعراب.
وقال:
وسودا من نبهان تثني نطاقها ... بأخجي قعور أو جواعر ذيب
أخجى فرج كثير الماء، يصفها بالرسح، والجاعرة موضع السمة من الحمار.
وقال وذكر أم البعيث:
إذا هبطت جو المراغ تكرست ... عروشاً وأطراف التوادي كرومها
تكرست جمعت شجراً، فعرشته وسكنت فيه وذلك فعل الرعيان، والتوادي أصرة الإبل وهي أعواد خشب تصر على ضروعها الواحدة تودية، والكروم القلائد واحدها كرم والمعنى أنها تلقي التوادي على عاتقها فتكون كأنها قلادة، والمراغ موضع تمرغ فيه الإبل.
وقوله يذكرها:
ترى العبس الحولي جوناً تسوفه ... لها مسكاً من غير عاج ولا ذبل
وقال الفرزدق يذكر البعيث:
(1/570)

أرحت ابن حمراء العجان فعردت ... فقارته الوسطى وقد كان وانيا
أي أرحته من مهاجاة جرير وتقلدت ذلك، وحمراء العجان لأنها أمة وكذلك قول جرير: فرتنا وكل أمة عند العرب فرتنا، عردت قويت والعرد الشديد:
فألق استك الهلباء فوق قعودها ... وشايع بها واضمم إليك التواليا
الهلباء ذات الهلب وهو الشعر، شايع ادع الإبل وأهب بها والتوالي المستأخرات.
قعود التي كانت رمت بك فوقه ... لها مدلك عاس أصل العراقيا
مدلك يعني بظرا، عاس غليظ واسمه النوف إذا طال، وأراد عراقي القتب.
وقال جرير وذكر أم الفرزدق:
بزرود أرقصت القعود فراشها ... رعثات عنبلها الغدفل الأرعل
العنبل البظر الطويل، والغدفل العظيم والأرعل المسترخي.
وقال آخر:
(1/571)

إن ابن حواء وترك الندى ... كالعبد إذ قيد أجماله
يقول ترك طلب المكارم وأقام. ومثله بيت الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... وأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وقال خداش بن زهير يهجو قوماً:
لا تبرحون على الأبواب ملاءمةً ... تغاروزن بها ما لألأ الفور
أي تقيمون، يقال غرز فلان إذا أقام ولم يبرح وذا مأخوذ من غرز الجراد إذا غرز بموضع ألقى بيض به، والفور الظباء لا واحد لها من لفظها، لألأت حركت أذنابها. ومثله قول الآخر الأبيرد اليربوعي:
أحقاً عباد الله أن لست رائياً ... بريداً طوال الدهر ما لألأ العفر
العفر الظباء في ألوانها مأخوذ من عفر الأرض وهو لونها.
كأنكم نبطيات بمزرعة ... قشر الأنوف، درادير مآدير
درادير لا أسنان لها والدردر منبت الأسنان قبل أن تخرج، والمآدير العظام الخصي من الأدرة يقال رجل آدر مثال أفعل من
(1/572)

الأدرة، ودرادير استأنف به وصف القوم ولم يضف إلى النبطيات، قشر الأنوف حمرها.
ترى صدورهم حمراً محشرةً ... وفي أسافلهم نشل وتشمير
أخبر أنهم سود الوجوه، محشرة دقاق قليلة اللحم، نشل وتشمير. وقال يهجو عبد الله بن جدعان:
أريصع حلاف على كل بيعة ... وآدر مستلق بمكة أعفل
الأرصع والأرسح واحد، والبيعة من البيع يقال فلان رخيص البيعة والسيمة، والأعفل من العفل وهو العجان، أي هو كثير لحم ذلك الموضع وارمه. ومثله لبشر:
وارم العفل أبخر
مستلق بمكة يريد أنه ليس ممن يرحل ولا يبرح إنما هو تاجر، وقال:
أغرك أن كانت لبطنك عكنة ... وأنك مكفي بمكة طاعم
وقال يهجو قوماً:
(1/573)

سلاحكم يوم الهياج أصرة ... بأيديكم معوية ومثاني
الأصرة جمع صرار يخبر أنهم رعاء، معوية ملوية، ومثان حبال. وقال المرار:
ثقيل على جنب المهاد وماله ... خفيف على أعدائه حين يسرح
يقول هو ثقيل النوم واذغ غراد أعداؤه سوق إبله كان خفيفاً عليهم لعجزه عن الطلب.
فإن مات لم يفجع صديقاً مكانه ... وإن عاش فهو الديدني المترح
أي فهذا الذي ذكرت دأبه وعادته، والمترح الذي يعيش في ترح. وقال الكميت يهجو رجلاً:
أنصف امرئ من نصف حي يسبني ... لعمري لقد لاقيت خطباً من الخطب
كان الرجل الذي هجاه أعور وكان من قبيلة من كلب يقال لهم بنو شق. وقال:
وقد أطمعت في الحوادث منهم ... فقيراُ وأعمى يلمس الأرض مقعداً
يروم ورجلاه استه خندقية ... من المجد أعيت ما أمر وأحصدا
أراد قول جرير:
(1/574)

وبارق، شيخان أعمى مقعد وفقير
مقعد أراد خالد بن عبد الله أصابه النقرس ولذلك قال رجلاه استه لأنه كان إذا أراد الحركة زحف. وقال يهجو خالد بن عبد الله البجلي:
ولولا أمير المؤمنين وذبه ... بجيل عن العجل المبرقع ما صهل
روى أنه اشترى رجل من العرب ثوراً فبرقعه فقيل له: ما هذا؟ فقال: فرس، فقالوا: فالقرنان؟ قال: هما في استه غير مدهونين إن لم يكن هذا فرساً، فضرب مثلاً في الحمق، وأراد بالعجل خالداً ليس بفرس كريم.
هززتكم لو أن فيكم مهزةً ... وذكرت ذا التأنيث فاستنوق الجمل
روى أن المتلمس أنشد قوماً فيهم طرفة:
وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم
الصيعرية سمة توسم بها النوق، فقال طرفة استنوق الجمل، فضحك الناس منه وهزئوا به، فقال الكميت مدحتكم فأفرطت في مدحكم حتى جعلت المؤنث مذكراً، وصار قول طرفة مثلاً.
وقال الراعي:
(1/575)

تأبى قضاعة أن ترضي دعاوتكم ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد
النعامة تبيض فتفسد منه الواحدة فيذهب أبواها يتركانها في البلد فكل من رمى بالذل والقلة قيل له بيضة البلد.
وقال أبو النجم يذكر عبد الرحمن بن الأشعث:
عيراً يكد ظهره بالأفوق ... حمار أهل غير أن لم ينهق
يرجو بأنباط السواد الأبق ... أن يترك الدين كجلد الأبلق
أي يكد بالذل فواقاً بعد فواق لا يروح، وأصل هذا في الحلب، غير أن لم ينهق يقول كذا ويذل ولا ينطق، كجلد الأبلق أي يؤثر فيه ويجعله ألواناً ومللاً.
وقال المسيب بن نهار يهجو الحصين من ولد الحارث بن وعلة.
وبعت أباك والأنباء تنمي ... بجوف عتيد شيخ العمور
عتيد أرض كان الحارث بن وعلة دفن فيها فلما مات باع حصين حصته رجلاً من محارب بن عمرة الغمور فعيره ببيع موضع قبر أبيه.
وقال زيد الخيل:
(1/576)

فخيبة من يخيب على غني ... وباهلة بن أعصر والركاب
يقول من غزا فخاب فخابئانه يكر على غني وباهلة فيغنم لأنهم لا يمنعون ممن أرادهم كالركاب وهي الإبل لأنها لا تمنع على من أرادها، ابن الأعرابي: يقول من صار في يده أسير من غني وباهلة فقد خاب لقلة فدائه، والدليل على ذلك قوله:
وأدى الغنم من أدى قشيرا ... ومن كانت له أسرى كلاب
والدليل إلى التفسير الأول قول الفرزدق يهجو أصم باهلة.
أأجعل دارماً كابني دخان ... وكانا في الغنيمة كالركاب
ابنا دخان غني وباهلة وكانوا يسبون بذلك في الجاهلية، كالركاب أي لا امتناع بهم كما لا تمتنع الركاب، وكان الرجل منهم في الجاهلية إذا قتل رجلاً من أفناء العرب لم يكن في دمه وفاء منه حتى يزاد عشراً من الإبل أو نحوها، وهذا قول أبي عبيدة، وذكر أن الأشعث الكندي قال للنبي صلى الله عليه وسلم أتكافأ دماؤنا يا رسول الله؟ قال: نعم ولو قتلت رجلاً من باهلة لقتلتك به.
وقال حميد بن ثور لرسوليه إلى عشيقته:
وقولاً إذا جاوزتما أرض عامر ... وجاوزتما الحيين نهداً وخثعما
نزيعان من جرم بن ربان إنهم ... أبوا أن يميروا في الهزاهز محجما
نزيعان غريبان من هؤلاء القوم الضعاف الذين لا يخافون ولا
(1/577)

تخشى لهم غارة، ويقال مار دمه إذا جرى وأمرته أجريته، وأنشد لجرير:
ومار دم من جار بيبة ناقع.
وقال زيد الخيل الطائي:
أغشاكم عمرو عيوباً كثيرةً ... ومن دون عمرو ماء دجلة دائم
عمرو بن عبد الله بن خزيمة بن مالك بن نصر بن قعين وكان لعمرو جار من طيء فذهب بإبله، يقول فلكم بعد الذي أغشاكم عمرو من العيوب عيوب كماء دجلة كثيرة.
وقال عمرو بن معد يكرب:
ألا غدرت بنو أعلى قديماً ... وأنعم إنها ودق المزاد
قال ابن الكلبي: لا يشرب أحد من مائهم إلا استودق. آخر:
في فتية من بني هند كأنهم ... آذان أحمرة يحملن أعدالا
أي مسترخين لا حراك بهم ولا شهامة لهم كأنهم آذان حمير قد لغبت فاسترخت آذانها. وقال الراجز:
أذنا حمار زهلقي قد لغب
آخر من بني ضبة:
(1/578)

فهلا بني شر الشباع ثأرتم ... سدوساً وقد أجزت سدوس وأوجعوا
شر السباع عنزة وهي دويبة صغيرة. آخر:
إذا أنفض الذهلي ما في وعائه ... تلفت هل يلقي برابية قبرا
فإن قيل قبر من لجيم بتلعة.......وسمي رأس ركبته عمرا
روى أن رجلاً من عجل أوصى أن يقري الناس عند قبره فجاء رجل من ذهل فوضع قلنسوته على ركبته وسماها عمراً ثم أخذ من القرى حظ اثنين، أوهمهم أن ركبته ولد له صغير.
آخره:
إن بني فزارة بن ذبيان ... قد طرقت ناقتهم بإنسان
يقال طرقت المرأة إذا كان خروج ولدها يريد أنهم ينكحون النوق: ومثله لسالم بن دارة:
لا تأمنن فزارياً خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
(1/579)

كتبت البغلة إذا جمعت بين شفريها بحلقة.
آخر يزيد بن الصعق:
إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بلحم أو بتمر ... أو الشيء الملفف في البجاد
البجاد الكساء، قال الأصمعي الشيء الوطب؟ ص وقال جرير:
إست السليطي سوا وفمه ... محرنفشاً بحسب لا نعلمه
المحرنفش المتعظم المنتفخ، يقول هو متكبر من الفخر بما ليس عنده، وقوله است السليطي سواء وفمه يريد أنه أنجز وقوله:
أنعت حصاء القفا جموحاً ... ذات حطاط تنكأ الجروحا
تترك فحجان سليط روحا
يعني كمرة، والحصاء القرعاء والحطاط بثر يخرج في الوجه، والأفحج الذي تداني صدور قدوميه ويتباعد عقباه وتتفحج ساقاه، والأروح الذي تداني عقباه وتتباعد صدور قدميه وقوله يهجوهم:
فما في سليط فارس ذو حفيظة ... ومعقلها يوم الهياج جعورها
الحفيظة الغضب، يريد أنهم إذا فزعوا سلخوا فلا يقربهم عدوهم
(1/580)

لقذرهم، ومثل هذا مثل للعرب حكاه أبو زيد قال: إن رجلاً أراد ضرب غلام له اسمه سمرة فسلح الغلام فتركه وقال اتقى بسلحه سمرة ويروي: احتمى فذهب هذا الكلام مثلاً.
إذا ما تعاظمتم جعوراً فشرفوا ... جحيشاً إذا آبت من الصيف عيرها
هو جحيش بن زياد السليطي، يقول إذا جاءت العير بالميرة وكثر عندكم البر والتمر وسعتم وعظمت جعوركم ففضلوا حينئذ جحيشاً فإنه أكثركم أكلاً وأوسعكم جعرا.
كأن سليطاً في جواشنها الخصى ... إذا حل بين الأملحين وقيرها
الجواشن الصدور يقول لحومهم منبترة متميزة كأنها خصى لأنهم قوم يعتملون فتغلظ لحومهم، والوقير الغنم فيها حمار أو حمارات، والأملحان ماء لبني سليط.
عضاريط يشوون الفراسن بالضحى ... إذا ما السرايا حث ركضاً مغيرها
ومثله للأخطل:
يبيت على فراسن معجلات ... خبيثات المغبة والعثان
أعجلت أن تنضج. وقال يهجوهم:
إسأل سليطاً إذا ما الحرب أفزعها ... ما شأن خيلكم قعساً هواديها
(1/581)

أراد أنهم يجذبون الأعنة فتقاعس، والقعس دخول الصلب وخروج الصدر.
لا يرفعون إلى داع أعنتها ... وفي جواشنها دا يجافيها
أراد انتفاخ سحورها من الجبن يجافيها عن متون الخيل ومثله له.
ألا ساء ما تبلي سليط إذا ربت ... جواشنها وازداد عرضاً ظهورها
يقول انتفخت سحورها قربت صدورها وعرضت ظهورها، وقال يهجوهم:
الظاعنون على العمى بجميعهم ... والخافضون بغير دار مقام
أي يظعنون بجميعهم على الجهل وما لا يدرون ما عاقبته ويقيمون وهم آمنون بحيث لا ينبغي أن يقيموا، وصفهم بالجهل وقال غسان بن ذهيل لجرير:
لا تسألون كليبياً فيخبركم ... أي الرماح إذا هزت عواليها
أي لا يعرفون عالية الرمح من سافلته من الفزع، وقول جرير:
نبثت غسان ابن واهصة الخصى ... بقصوان في مستكلئين بطان
أي يرعون الكلاء ومثله:
تلقى السليطي والأبطال قد كلموا ... وسط الرجال بطيناً غير مفلول
(1/582)

قال مسحل بن كسيب: فلما بلغهم هذا البيت قالوا أدام الله لنا ذلك أي البطنة والسلامة. وقال البعيث يهجو جريراً:
لقي حملته أمه وهي ضيفة ... فجاءت بنز من نزالة أرشما
اللقى الشيء المطروح المحتقر، ضيفة أي سيئة الحال تضيف الناس، والنز الخفيف النزق، نزالة نطفة، أرشم أصحم الوجه إلى السواد، ويروي: فجاءت بيتن للضيافة أرشما، وهو الذي تخرج رجلاه قبل رأسه، والأرشم الذي يتشمم الطعام ويحرص عليه وهذه الرواية أجود. وقال جرير:
بني مالك لا صدق عند مجاشع ... ولكن حظاً من فياش على دخل
فياش فخر، ودخل أمر سوأ لا خير فيه. وقال:
دعوا المجدالا أن تسوقوا كزومكم ... وقيناً عراقياً وقيناً يمانيا
الكزوم الناقة المسنة الكبيرة، يعني معاقرة غالب سحيماً بصوأر والعراقي البعيث واليماني الفرزدق وإنما جعلهما كذلك لموضع منازلهما كما قال النابغة ليزيد بن الصعق الكلابي:
ولكن لا أمانة لليماني.
(1/583)

لأن منزله كان قريباً من بلحارث بن كعب فجعله يمانياً. وقال الفرزدق لجرير:
وأنت بوادي الكلب لا أنت ظاعن ... ولا واجد يا ابن المراغة بانيا
إذا العنز بالت فيه كادت تسيله ... عليك وتنفى أن تحل الروابيا
الوادي شر منازل الناس. قال الشاعر يرثي رجلاً:
وحل الموالي بعده بمسيل
يقول ليس عليك بناء ولا عريش كالكلب في غير بناء.
وقال أيضاً لجرير:
ضربت عليك العنكبوت بنسجها ... وقضي عليك به الكتاب المنزل
أي بيتك في الوهن والذل كبيت العنكبوت وقضي عليك بالذل القرآن. وقال له:
أنا لنضرب رأس كل قبيلة ... وأبوك خلف أتانه يتقمل
يهز الهرانع عقده عند الخصى ... بأذل حيث يكون من يتذلل
يهز ينتزع، والهرانع القمل واحدها هرنع، عقده يعني عقد ثلاثين.
وقال جرير للفرزدق:
أعيتك مأثرة القيون مجاشع ... فانظر لعلك تدعي من نهشل
(1/584)

يقول إذا لم تجد في مجاشع مأثرة ولا فخراً فادع من نهشل، ونهشل أخو مجاشع.
ما كان ينكر في غزي مجاشع ... أكل الخنزير ولا ارتضاع الفيشل
قال أبو عبيدة عطش نجيح بن مجاشع ومعه ثعالة مولى له إما حليف وإما عسيف فلما اشتد عطشهما أقبل نجيح فاه جردان ثعالة فمصه فشرب بوله فلم ينفعه ومات وفعل مثل ذلك ثعالة فمات، والخزير شيء يعمل من الدقيق كالعصيدة، وقال جرير يصف ضلال عاصم دليل الفرزدق به:
بلعت نسيء العنبري كأنما ... ترى بنسيء العنبري جني النحل
النسيء اللبن الحليب يمذق بالماء وهو ها هنا البول. والعنبري عاصم.
وقال جرير يهجو الراعي:
إذا نهض الكرام إلى المعالي ... نهضت بعلبة وأثرت نابا
تبوء لها بمحنية وحينا ... تبادر حد درتها السقابا
الناب المسنة من النوق، تبوء لها من الباءة وهو النكاح، ويروى: تنوخها، والمحنية منعطف الوادي، وقوله له:
(1/585)

ولو وضعت فقاح بني نمير ... على خبث الحديد إذا لذابا
أي من فسوهم. وقال الفرزدق:
وبرحرحان تخضخضت أصلاؤكم ... وفزعتم فزع البطان العزل
الصلوان مكتنفاً الذنب وإنما يتخضخض من المرأة العجزاء، يقول كنتم في ذلك اليوم نساء ولم تكونوا رجالاً، وقال آخرون: أراد سلحت أستاهكم من الفزع، والبطال الثقال من الشبع، والعزل الذين لا سلاح معهم. وقال الفرزدق:
ولكن خرباناً تنوس لحاهم ... على قصب جوف تناوح خورها
يقول هم كالخربان في الجبن والضعف على أجواف هواء ليس لها قلوب. وقال جرير للفرزدق:
وأنتم بنو الخوار يعرف ضربكم ... وأمكم فخ قذام وخيضف
الفخ الجفر؟ وهي البئر الواسعة التي لم تطو، قذام واسع الفم كثير الماء، يقال قذم الماء قذماً يعني فرجها، خيضف ضروط. وقال يذكر بني منقر وما فعلوا بجعثن:
وهم رجعوها مسحرين كأنما ... بجعثن من حمى المدينة قرقف
وتحلف ما أدموا لجعثن مثبرا ... ويشهد حوق المنقري المجوف
المثير الموضع الذي تنتج فيه الناقة فيقع فيه دمها وسلاها فهي لا
(1/586)

تكاد تنساه، والمجوف الذي أدخل الجوف، وقال جرير:
تفلق عن أنف الفرزدق عارد ... له فضلات لم تجد من يقورها
عارد غليظ يعني بظراً.
وأبرأت من أم الفرزدق ناخساً ... وقرد إستها بعد المنام تثيرها
الناخس الجرب في أصل الذنب، وقرد جمع قراد. وقوله:
يا ابن ذات الدمل
يعني أن بها حكة. وقال:
ألا إنما مجد الفرزدق كيره ... وذخر له في الجنبتين قعاقع
الجنبة جلد بعير مثل الكنف يكون فيه أداة القين. وقال الفرزدق يذكر نساء سبين:
إذا حركوا أعجازها صوتت لهم ... مفركةً أعجازهن المواقع
المواقع من قولك جمل موقع أي به آثار الدبر لكثرة ما حمل عليه، فيزيد أنه قد فعل بهن مراراً كثيرة فتوقعت أعجازهن. وقال جرير:
(1/587)

أجعثن قد لاقيت عمران شارباً ... على الحبة الخضراء ألبان أيل
أي شرب ألبان أيل مع الحبة الخضراء فهاجت غلمته. وقال أيضاً:
تثاءب من طول ما أبركت ... تثاؤب ذي الرقية الأدرد
أي الذي لا سن له وإذا تثاءب كان أسمج له. وقال الفرزدق لجرير حين ذكر أنه خطب إلى آل بسطام بن قيس:
وما استعهد الأقوام من زوج حرة ... من الناس إلا منك أو من محارب
استعهدوا اشترطوا.
لعلك في حدرإ لمت على الذي ... تخيرت المعزى على كل حالب
عطية أو ذي بردتين كأنه ... عطية زوج للأتان وراكب
أي لعلك في حدراء لمت على عطية الذي تخيرته المعزى أو على رجل كعطية يعني جريراً. وقال الفرزدق:
لئن أم غيلان استحل حرامها ... حمار الغضا من تفل من كان ريقا
فما نال راق مثلها من لعابه ... علمناه ممن سار غرباً وشرقا
وقال الفرزدق وذكر تميماً:
لو كان بال بعامر ما أصبحت ... بشمام تفضلهم عظام جزور
(1/588)

وقال الأخطل يذكر قتلة المختار:
وناطوا من الكذاب كفا صغيرة ... وليس عليهم قتله بكبير
ناطوا علقوا كفاً صغيرة رماه بالبخل واللؤم فجعلها صغيرة. وقال:
كل المكارم قد بلغت وأنتم ... زمع الكلاب معانقوا الأطفال
أي ملازمون بيوتكم وأولادكم. وقال:
شفى النفس قتلى من سليم وعامر ... ولم تشفها قتلى غنى ولا جسر
أي لأنهم ليسوا أكفاء.
ولا جشم شر القبائل إنها ... كبيض القطا ليسوا بسود ولا حمر
بيض القطا أرقط أي فهم ألوان ليسوا من نجر واحد. وقوله:
على العيارات هداجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سواءتهم هجر
العيارات الحمر غير وأعيار وعيرة وعيارات، والهدجان تقارب الخطو. وقال يهجو جريراً:
سبنتى يظل الكلب يمضغ ثوبه ... له في مغاني الغانيات طريق
السبنتي الجرئ، يمضغ الكلب ثوبه من أنسه به ومعرفته له، والمغاني منازل القوم ومالهم، يريد أنه مخالف إلى جاراته فيداري الكلاب بالشيء يطعمها فهي آنسة به. آخر:
(1/589)

فإن ترصداني ظالمين وتلمسا ... مكان فراشي فهو بالليل بارد
يقول ذلك لرفيقه يرغمهما بذلك أي هو كما تظنان. وأما قول الآخر:
صبح حجراً من منى لأربع ... دلهمس الليل برود المضجع
فإن هذا مدح يريد أنه صاحب سرى. وقال الأخطل:
أجرير إنك والذي تسمو له ... كأسيفة فخرت بحدج حصان
حملت لربتها فلما عوليت ... نسلت تعارضها مع الأظعان
الحدج مركب المرأة، والأسيفة الأمة، يقول حملت الأمة الحدج ففخرت به فلما عولى على البعير وركبته مولاتها نسلت هي مع الظعن، يقول: فأنت تعد مآثر ليست لك. وقال بشر:
فإني والشكاة لآل لأم ... كذات الضغن تمشي في الرفاق
الرفاق حبل يشد من العنق إلى المرفق وذلك إذا أعلت إحدى يدي الناقة فتشد إليه اليد الصحيحة فلا يعنت السقيمة، وزعموا أن بني بدر كانوا يأمرونه بهجاء آل لأم وأن يخبر أنهم ينهونه فقال كما
(1/590)

أرادوا يقول في هجائهم هوى وأنا أمنع من ذلك كهذه الناقة. وفيه قول آخر يقول أنا وهم كامرأة في صدرها ضغن على قوم فهي تمشي في الرفاق تشكوهم، يقول فأنا على آل لأم كهذه المرأة لأن في قلبي حنقاً عليهم.
وقال طرفة يهجو:
ويشرب حتى يغمر المحض قلبه ... وإن أعطه أترك لقلبي مجثما
المحض اللبن الحليب، يقول أن أعطيت ما أعطى لم أصنع ما أعطى لم أصنع صنعه ولكني أدع في قلبي مجثماً للرأي والهموم.
وقال الطرماح يمدح رجلاً ويهجو آخرين:
يمسي ويصبح جوفه من قوته ... وبه لمختلف الهموم مجارى
ويبيت جلهم يكت كأنه ... وطب يكون إناه بالأسحار
يكت من الكتيت وهو الهدر الضعيف، ويقول كأنه وطب يضطرب، وإناه وقته الذي يمخض فيه.
وقال آخر: طرفة:
فما ذنبنا في أن أداءت خصاكم ... وأن كنتم في قومكم معشراً اءدرا
إذا جلسوا خيلت ثيابهم ... خرانق توفي بالضغب لها نذرا
شبه أدراتهم بالخرانق أولاد الأرانب، والضغيب أصواتها والأدرة لها صوت. وقال النابغة الجعدي:
(1/591)

كذى داء بإحدى خصيتيه ... وأخرى لم توجع من سقام
فضم ثيابه من غير برء ... على شعراء تنقض بالبهام
البهام أولاد الغنم جمع بهم، يقول أراد أن يقطع الخصية التي بها الإدارة فغلط فقطع الصحيحة، وهو قوله فضم ثيابه من غير برء، شعراء ذات شعر، تنقض تصوت يقال أنقضت الدجاجة والعقاب صوتت. وقال النمر:
إن بني ربيعة بعد وهب ... كراعي البيت يحفظه فخانا
أي كمن اؤتمن على بيت يحفظه فخان الذي ائتمنه، بعد وهب معناه إذا كان وهب خائناً فمن بقي بعده، ولم يرد بعد أن مات وهب.
وقال آخر يهجو عمارة بن عقيل:
إذا ما كنت جار بني كليب ... فلا تسرح بساحتهم حمارا
فإن لم يأكلوا رووا عليه ... بهامات وأكباداً حرارا
رووا عليه استقوا، بهامات جمه بهام وبهام جمع بهم وهي صغار الغنم. وقال آخر:
يا إبلي تروحي وانمطي ... وصعدي في ضفر وانحطي
إلى أمير بالغبيب ثط ... وجه عجوز جليت في لط
انمطى امتدى في السير، يقال مط ومد، وضفر رمل منعقد، واللط القلائد التي تعمل من حنظل بمكة والمدينة.
(1/592)

وقال آخر أبو الملثم:
متى ما أشأ غير زهو الملو ... ك أجعلك رهطاً على حيض
أبو عبيد: الرهط جلد يشق فيلبسه الصبيان، وهذا مثل وإنما أراد إذاً أسبك وألبسك العار، كقول الشاعر:
كأني نضوت حائضاً من ثيابها
وكذلك قول امرئ القيس:
ثياب بني عوف طهارة نقية
يعني طهارى من العار والغدر، وقال جرير:
وقد لبست بعد الزبير مجاشع ... ثياب التي حاضت ولم تغسل الدما
وقال للبعيث:
يا عبد بيبة ما عذابك محلبا ... لتصيب عرة مجرب وتلاما
يا ثلط حائضة تروح أهلها ... عن ماسط وتندت القلاما
محلباً معيناً، مجرب صاحب إبل جربى، ويروى: ما عذيرك. وقال زهير:
وما أدري وسوف أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
فإن تكن النساء مخبآت ... فحق لكل محصنة هدأ
(1/593)

والمعنى فإن قالوا النساء التي في الخدور فينبغي أن يزوجن إذا، والهداء الزفاف، وبعده:
وإنما أن تقولوا قد أبينا ... وشر مواطن الحسب الآباء
كان يطلب أن يخلوا الأسارى الذين في أيديهم فقال للحسب مواطن موطن عطية وموطن قتال فشر مواطنه أن يأبى أن يعطي شيئاً. وقال الجعدي:
ولو أصابوا كراعاً لا طعام لهم ... لم ينضجوها ولو أعطوا لها حطبا
ترقش العث في بطن الأديم فما ... نالوا بذلكم تقوى ولا نشبا
العث شيء يشبه السوس يقع في الأديم، والترقش التحرك، شبههم بذلك. وقال الشاعر: وهو وبرة لص معروف:
على رؤوسهم حماض محنية ... وفي صدورهم جمر الغضا يقد
ذكر مشايخ يشهدون ورؤوسهم مخضوبة بالحناء فشبهها بالحماض وهو أحمر وله ثمر أشكل إلى الحمرة. وقال الجعدي وذكر فرساً:
فجرى من منخريه زبد ... مثل ما أثمر حماض الجبل
أي زبد أحمر من الدم، وقال العجاج:
والشيب بالحناء كالحماض
وقال آخر وذكر ديكاً ويروى للأخطل:
(1/594)

كأن حماضةً في رأسه نبتت ... من آخر الصيف قد همت بإثمار
وقال أبو خراش لامرأته لامته على ترك القتال:
لامت ولو شهدت لكان نكيرها ... ماء يبل مشافر القبقاب
أي لبالت. وقال الأعلم:
فلا والله لا ينجو نجائي ... غداة لقيتهم بعض الرجال
هوا مثل بعلك مستميت ... على ما في وعائك كالخيال
أي لا ينجو نجائي رجا هواء أجوف ليس له فؤاد أي يموت على الزاد بخلاً وهو كالخيال ليس عنده غناء إنما هو كالشيء المنصوب، وقال أبو جندب:
وجاءت للقتال بنو هلال ... فدري يا سماءً بغير قطر
أي جاءوا بوعيد ليس معه صدق كما يأتي السماء بغير قطر يهزأ بهم. وقال كثير:
ويحشر نور المسلمين أمامها ... ويحشر في أستاه ضمرة نورها
يريد أنهم برص الفقاح. ومثله لزياد الأعجم:
(1/595)

ولا يد بح منهم خاري أبداً ... إلا حسبت على باب إسته القمرا
ومثله:
عجبت لأبلق الخصيين عبد ... كأن عجانه الشعري العبور
وقال رجل يهجو قوماً من بني أسد:
عراجلة بيض الجعور كأنهم ... بمنعرج الغيطان شهب العناكبب
إذا كان قوت الرجل اللبن ابيض جعره فأراد أنهم لا يأكلون اللحم للؤمهم وإنما قوتهم اللبن. وقال آخر:
حتى إذا أضحى تدرى واكتحل ... لجارتيه ثم ولى فنثل
رزق الأنوقين القرنبي والجعل
الأنوق الرخمة فجعل القرنبي والجعل على الاستعارة وذلك أنها كلها تقتات العذرة. وقال آخر وذكر امرأة:
كأن مهوى قراطها المعقوب ... على دباة أو على يعسوب
المعقوب قرط من عقب، وقال بعض الأعراب: معقوب من العقاب وهو الخيط الذي يشد به طرف الحلقة، على دباة من قصر عنقها. وقال الفرزدق:
غشى بثويبها الدخان ترى لها ... شريجين في بالي المشاشة أكواعا
ترى اللاهج المخلول يتبع ريحها ... وإن كان منتوف الفرائص أقرعا
(1/596)

شريجين لونين يعني الذيار والعبس، بالي المشاشة يعني معصمها، والأكوع الذي مال كوعه في جانب والكوع رأس الزند الذي يلي الإبهام، واللاهج الفصيل الذي لهج بالرضاع، والمخلول الذيخل لسانه فإذا دنا من أمه نخسها به فزبنته، يتبع ريحها لأنه يجد منها ريح اللبن وإن كان به فزع فهو يتبعها على ضعفه، يذكر أنها راعية حلابة. وقال آخر:
ابني لبيني إن أمكم ... أمة وإن أباكم وقب
أكلت خبيث الزاد فاتخمت ... منه وشم خمارها الكلب
وقب خاو ضعيف، وأراد أن خمارها زهم قد تقيأت فيه. آخر:
تخاله إذا مشى خصياً ... من طول ما قد حالف الكرسيا
أي قد اعتاد الجلوس والنعمة فهو يمشي رويداً متفحجاً كأنه قد خصى فهو يشتكيهما. قال الفرزدق:
رأيت رجالاً كسبهم بأكفهم ... وكسب فراس باسته قاعد
فراس كان رائضاً للإبل. وقال أيضاً:
أمير المؤمنين وأنت عف ... كريم ليس بالطبع الحريص
أأطعمت العراق ورافديه ... فزارياً أحذ يد القميص
رافداه دجلة والفرات. أحذ خفيف أراد أنه خائن.
(1/597)

عبد الرحمن عن عمه، قال: طرفة:
فكائن ترى من يلمعي محظرب ... وليس له عند العزائم جول
ومن مرثعن في الرخاء مواكل ... وهو بسمل المضلعات نبيل
المحظرب المتشدد في الرأي ويقال وتر محظرب إذا كان شديد العقد، والمرثعن المتثني، والسمل الإصلاح، نبيل حاذق، قال أبو ذؤيب:
نابل وابن نابل
وقال العدواني ذو الإصبع:
ترص أفواقها وقوتها ... أنبل عدوان كلها صنعا
وأنشد الرياشي عن الأصمعي:
نمى ما لهم فوق الوصوم فأصبحوا ... أبارق مال والوصوم كما هيا
أبارق مال أي جبال مال، والوصوم العيوب يريد أنهم رفعهم المال وعيوبهم كما كانت. حميد بن ثور يهجو امرأة. جلبانة
ورهاء تخصى حمارها بفي ... من بغي خيراً لديها الجلامد
جلبانة غليظة الخلق جافيته، ورهاء رعناء، يقول هي قليلة الحياء لا تبالي ما صنعت، وإذا خصت المرأة الحمار لم يبق شيء من المكروه إلا أتته.
(1/598)

عريبية لا ناخس من قدامة ... ولا معصر تجري عليها القلائد
من بني غريب حي من اليمن، ويقال للوعل إذا أسن فبلغ قرنه ذنبه ناخس، قدامة مصدر قديم والمعصر التي دنت من الحيض، أي هي نصف.
إزاء معاش لا تحل نطاقها ... من الكيس فيها سؤرة وهي قاعد
أي مصلحة للمال، سؤرة بقية، قاعد من الولد.
إذا الحمل الربعي عارض أمه ... عدت وكري حتى تحن الفدافد
يقول إذا عارض الحمل أمه ليرضعها عدت هذه المرأة وكري والوكر شدة النزو ثم تنزع الخلف من فم الحمل ويشتد عدوها حتى تسمع للأرض حنيناً، والفدافد واحدها فدفد وليس هو بالصلب ولا اللين من الأرض.
فجاءت بذي أونين ما زال شاته ... تعمر حتى قيل قد مات خالد
يعني وطباً ضخم حنباه حتى أونا أي صارا كأنهما عدلان.
(1/599)

فذاقته من تحت اللفاف فسرها ... جراجر منه وهو ميلان ساند
فأرست له منها حيود كأنها ... ملاطيس أرساها لتثبت واتد
يريد أثبتت حيود يديها ورجليها في الأرض وذلك أنها تشدد لئلا تميل، وحيودها مرافقاها وركبتاها ويداها، والملطس مغول يدق بها الصخر.
وقيل لها جدي هويت وبادري ... غناء الحمام أن تميع المزابد
فغصت تراقيه بصفراء جعدة ... فعنها تصاديه وعنها تراود
أي قيل لها اشرعي في مخض سقائك قبل أن يروب، والمزابد الأسقية واحدها مزبد، صفراء زبدة وإذا اصفرت فهو أدسم لها، يعني فم السقاء.
وقال آخر:
ترى التيمي يزحف كالقرنبي ... إلى تيتية كقفا القدوم
يعني أنها رسحاء. وقول رؤبة:
أكدي الكدي وأكذب النواكدا
أي منع الناس ما عنده واشتد، والنواكد اللواتي تنكد ما عند الرجل وتستخرجه كرها ومنه قولهم جرى الفرس غير منكود.
(1/600)

أي غير مستحث، أي أكذبها فلم تخرج شيئاً، والكدية المكان الغليظ.
أنشد ابن الأعرابي:
تعدون القراح ولن تعدوا ... علي نقارة إلا القراحا
يقول ما لكم عندي يد إلا أنكم فريتموني ماء قراحاً، ونقارة كما تقول مالك نقرة ولا أثر بقدر نقرة الطائر.
تم المجلد الأول من كتاب المعاني الكبير لابن قتيبة المشتمل على الجزء الأول في كتاب الخيل والجزء الثاني في كتاب السباع والجزء الثالث في كتاب الطعام والضيافة. ويتلوه المجلد الثاني المشتمل على الجزء الرابع في

كتاب الذباب والبعوض والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم لكل حرف جرى به القلم إلى يوم القيامة.
(1/601)