Advertisement

المعاني الكبير في أبيات المعاني 002

//الرابع من كتاب المعاني
كتاب الذباب والبعوض

الأبيات في الذباب
كثرة الذباب وسمع أصواتها علم أنه نبت كثير فكان طنينها عليه لعباً أي يقلن لعبا.
وقال آخر في مثله:
ولقد هبطت الواديين ووادياً ... يدعو به الأنيس به العضيض الأبكم
يريد الذباب.
(2/603)

وقال الشماخ وذكر الحمار والآتن.
يكلفها أن لا تخفض جأشها ... أهازيج ذبان على غصن عرفج
يقول يكلفها الحمار أن لا تسكن أهازيج الذباب قلوبها فتشغل بالنبت عنه.
وقال المتلمس:
وذاك أوان العرض حي ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس
العرض واد اليمامة، يقول حي ذبابه وجاش ولما كثر نبته والأزرق ذباب ضخم أخضر يكون في الرياض، وقوله حي ذبابه زنابيره فجعل الزنابير من الذباب، فالعرب تجعل الفراش والنحل والزنابير كلها من الذباب، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " كل ذباب في النار إلا النحلة "، وروي عنه عليه السلام " عمر الذباب أربعون يوماً وهو في النار "، وقوله والأزرق المتلمس يريد الطالب، وبهذا البيت سمي المتلمس.
وقال ذوالرمة يصف الإبل: بعدما، وخطن بذبان المصيف الأزارق وخطن لدغن، والذباب الذي يهلك الإبل الأزرق.
قال أرطأة بن سهية:
إني امروءٌ تجد الرجال عداوتي ... وجد الركاب من الذباب الأزرق
(2/604)

يقال بعير مذبوب إذا عرض له داء يدعو الذبان إلى السقوط عليه. يعرفون الغدة إذا أصابت البعير بسقوطها عليه.
وقال ذو الرمة يذكر حميرا:
يذببن عن أقرابهن بأرجل ... وأذناب زعر الهلب زرق المقامع
المقامع الذباب الواحدة قمعة جمع على مفاعل مثل مطايب الجزور والواحد أطيب، والخيل تجري على مساويها والواحد سيء، وفيه مشابه من أبيه والواحد شبه، ويروي: ضخم المقامع: والواحدة مقمعة وهي الجحافل من الحمر والخيل ومن الإبل المشافر.
وقال العجاج يصف جمله:
وباديات من ذباب زرقا ... ينتق رحلى والشليل نتقا
ينفض عنه عنترا وبقا
بوادي الشيء أوائله، ينتق ينفض ويحرك ولذلك قالوا للمرأة الكثيرة الولادة ناتق، والشليل مسح يكون على عجز البعير، والعنتر ضرب من الذباب يؤذي الدواب. وقال ذو الرمة وذكر حميرا:
يقلبن من شعراء صيف كأنها ... موارق للدغ انخزام مرامي
أراد خزم مرماة وهي السهم. وقال أوس بن حجر:
ألم تر آن الله أنزل مزنة ... وعفر الظباء في الكناس تقمع
(2/605)

تقمع تطرد عنها القمعة وهو ذباب أزرق، يقول خصه الله بهذه المزنة في غير وقت مطر في الحر والذباب لم يخف ولم يذهب.
وقال ابن مقبل وذكر فرساً:
ترى النعرات الخضر تحت لبانه ... فرادي ومثنى أصعقتها صواهله
فريساً ومغشياً عليه كأنها ... خيوطة ماري لواهن فاتله
النعرة ذبابة كبيرة، أصعقتها أي غشي عليها لصهيله، والماري الكساء الذي له خيوط مرسلة، والخيوط والخيوطة واحد، شبه النعرات للخطوط التي فيها بهذا الكساء المخطط بسواد وبياض، ويقال أن الماري صائد القطا شبهها بالخيوط التي تكون في شبكته والقطاة يقال لها مارية، وقال مطير بن الشيم الأسدي وذكر فرساً:
تكب الذباب لدى طرفها ... أمام اليدين وقيضاً لهيدا
يريد أن الذباب إذا دنا من جفن عينها ضربته به فقتلته.
وقال المرقش:
بمحالة تقص الذباب بطرفها ... خلقت معاقمها على مطوائها
وقال آخر وذكر حماراً:
من الحمير صعق ذبانه ... بكل ميثاء كتغريد المغن
والنعرة ربما دخلت في أنف البعير فيزم بأنفه، والعرب تشبه ذا الكبر من الرجال إذا صعر خده وزم بأنفه بذلك البعير، قال عمر لا
(2/606)

أقلع عنه حتى أطير نعرته، قال امرؤ القيس وذكر كلباً طعنه ثور:
فظل يرنح في غيطل ... كما يستدير الحمار النعر
وقال الشماخ وذكر ناقةً:
تذب ضيفاً من العراء منزله ... منها لبان وأقراب زهاليل
وأراد: منزل هذا الذباب هذه المواضع، زهاليل ملس.
وقال ابن مقبل وذكر نبتاً:
والأزرق الأخضر السربال منتصب ... قيد العصا فوق ذيال من الزهر
يقال هو اليسروع وهو يكون في الخصب ويقال أن اليسروع إذا سلخ صار فراشة، وقال الكميت:
بها حاضر من غير جن يروعه ... ولا أنس ذو ارونان وذو زجل
يعني البعوض، أرونان صوت وكذلك الزجل.
وقال أبو كبير وذكر نبتا:
وكأن أصوات الخموش بجوه ... أصوات ركب في ملاً مترنم
عجل الرباح بهم فتحمل عيرهم ... مصطافة فضلات ما في القمقم
الخموش البعوض، مترنم يتغنى، عجل بالركب ربح ربحوه في عيرهم ففرحوا، مصطافة في الصيف، وأراد بالقمقم الدن.
وقال أبو وجزة ز ذكر صائداً:
(2/607)

يبيت جارته الأفعى وسامره ... رمد به عاذر منهن كالجرب
الرمد الغبر في كدرة - والقتم الغبر في حمرة - والغبس الغبر في صفرة - يريد بعوضاً، والعاذر الأثر من قرصهن. وقال آخر:
مثل الشذاة دائم ظنينها ... ركب في خرطومها سكينها
يصف بعوضة والشذاة ذبابة كبيرة والذباب والبعوض من ذوات الخراطيم وخرطومه هو يده ومنه يغني وفيه يجري الصوت كما يجري الزامر الصوت في القصبة بالنفخ. وقال ابن أحمر:
كلفتني مخ البعوض فقد ... أقصرت لانجح ولا عذر
أي كلفتني ما لا يقدر عليه. وكذلك قول الآخر:
أيقنت أن إمارة ابن مضارب ... لم يبق منها قيس أير ذباب
أي لم يبق من شيء.
وقال الحارث بن حلزة يذكر الميت وما يخلفه:
يترك ما رقح من عيشه ... يعيث فيه همج هامج
الترقيح إصلاح المال: يقال للتاجر مرقح، والهمج البعوض، شبه الوارث في ضعفه به. وقال ذو الرمة وذكر الحر:
(2/608)

وحتى سرت بعد الكرى في لويه ... أساريع معروف وصرت جنادبه
اللوي البقل حين يبس وفيه بعض الرطوبة، يقول: الأساريع تصعد في اللوى بعد النوم، واحدها أسروع، ومعروف واد.
وقال آخر:
بأرض خلاء ما يغشى بعيرها ... على الماء طراد الشذى ولبودها
الشذى ذباب الإبل وهو يؤذيها الواحد شذاة. ولبودها ما لبد منها، يقول ليس بها نبات فيكون بها ذباب، وإنما قيل فرية غناء لأن الذباب يكثر فيها ويصوت وفي صوته غنة.
وقال آخر:
كأن بني ذؤيبة رهط حسل ... فراش حول نار يصطلينا
يطفن بحرها ويقعن فيها ... ولا يدرين ماذا يتقينا
نسبهم إلى الجهل والطيش، يقال أطيش من فراشة، وما فلان إلا فراش نار وذبان طمع، ويقال فلان أزهى من ذباب، وإنما قيل ذلك لأنه يسقط عل أنف الملك الجبار ومآقي عينيه. وأنشد:
وأعظم زهواً من ذباب على خر ... وأبخل من كلب عقور على عرق
وقال الراجز يصف البعوض:
وليلة ما أدر ما كراها ... أمارس البعوض في دجاها
كل زجول خفق حشاها ... لا يطرب السامع من غناها
(2/609)

وقال آخر:
إذا البعوض زجلت أصواتها ... وأخذ اللحن مغنياتها
لم تطرب السامع خافضاتها ... وأرق العينين رافعاتها
كل زجول تتقي شذاتها ... رامحة خرطومها قناتها
وقال ذو الرمة وذكر أرضاً:
وليس لساريها بها متعرج ... إذا انجدل اليسروع وانعدل الفحل
متعرج مقام، واليسروع والأسروع دويبة تكون في البقل كأنها إصبع فإذا يبس البقل ماتت، وانعدل الفحل جفر وذهبت غلمته وذلك في شدة القيظ، انجدل مات.

الأبيات في الجراد
قال الشاعر:
وجمع بني القين بن جسر كأنهم ... جراد يباري وجهة الريح مسنف
مسنف مجدب يقال أرض مسنفة أي مجدبة ومنه قول القطامي.
وذكر أرضاً:
ونحن ترود الخيل وسط بيوتنا ... ويغبقن محضاً وهي محل مسانف
وإذا أجدب الجراد طار.
وقال ابو جندب الهذلي:
على حنق صبحتهم بمغيرة ... كرجل الدبا الصيفي أصبح سائماً
(2/610)

الصيفي لا يجد في الأرض من النبات ما يسقط عليه فهو سائم ذاهب في الرض.
وقال ذو الرمة:
يضحي به الأرقش الجون القرا غردا ... كأنه زجل الأوتار مخطوم
الأرقش الجراد، الجون القرا غردا، كأنه طنبور زجل الأوتار.
معروريا يرمض الضراض يركضه ... والشمس حيرى لها بالجو تدويهم
معرورياً يعني الجرادقد ركب رمض الحصا، والرمض شدة الحر أي باشره، يركضه ينزو من شدة الحر، والشمس حيرى كأنها لا تمضي من بطئها، والتدويم التدويرأي تدور الشمس على الرؤوس كانها ركدت من طول النهار، يقال ذوم الطائر إذا دار وارتفع.
كأن رجليه رجلاً مقطف عجل ... إذا تجاوب من برديه ترنيم
يريد كأن رجلي الجرادة رجلا رجل عجل يستحث جمله برجله فهو ينزو، وبراده جناحاه، يقول تصر رجلاه في جناحيه فتسمع صوتهما، ترنيم تصويت. ومثله قول أبي زبيد الطائي: ونفى الجندب الحصى بكراعيه وأذكت نيرانها المعزاء وقال آخر:
وصر في جناحه إذ نشره ... وظيف ساق حمشة مؤشره
أي لها تأشير. وقال آخر:
(2/611)

وكتيبة لبستها بكتيبة ... كالثائر الحيران أشرف للندا
الثائر الجراد، أشرف أتى الشرف للندى الذي أصابه.
ومثله للعجاج:
وفثأت عنه ضحى الشرق الخصر
والعرب تقول: أجرد من جراد، وإنما يصطاد الجراد بالسحرو إذا وقع عليه الندى طلب مكاناً أرفع من موضعه فإذا كان مع الندى برد لبد في موضعه.
وقال الكميت يهجو بارقاً وهي قبيلة:
تنفض بردى أم عوف ولم تطر ... لنا بارق بخ للوعيد واللرعب
ام عوف الجرادة وبرداها جناحاهاٌ؛ شبههم بها لضعفهم.
وقال آخر:
فما صفراء تكنى أم عوف ... كأن رجلتيها منجلان
وقال آخر:
(2/612)

إذا ارتجلت عن منزل تركت به ... سخالاً يعاجى بالتراب صغارها
يعاجي يغذي وهو من العجى وهو الذي ففد أمه فصاحبه يرضعه ويقوم عليه، يعني الجراد ويقال أراد القردان.
وأنشد أبو زيد لعوف بن ذروة.
قد خفت أن يحدرنا للمصرين ... ويترك الدين علينا والدين
زحف من الخفيان بعد الزحفين ... من كل سفعاء القفا والخدين
ملعونة تسلخ لوناً لونين ... كأنها ملتفة في بردين
تنحي على الشمراخ مثل الفأسين ... أو مثل مئشار غليظ الحرفين
أنصبه منصبه في قحفين
الجراد يسلخ فيحدث له لون غير لونه الأول، وكل طائر له غلاف في جناحيه مثل العجل والدبر فإنه يسلخ، وسلخ الطير تحسيرها، وسلخ الحوافر إلقاء عقائقها، وسلخ الإبل طرح أوبارها، وسلخ الأيائل نصول قرونها، وسلخ الأشجار إلقاء ورقها، والأسروع يسلخ فيصير فراشة، والبرغوث يسلخ فيصير بعوضة، والنمل تحدث لها أجنحة ويتغير خلقها. والسراطين تسلخ فتضعف
(2/613)

عند ذلك عن المشي.
وقال بشر بن أبي خازم وذكر فرساً:
مهارشة العنان كأن فيه ... جرادة هبوة فيها اصفرار
وصف الجرادة بالصفرة لأن الذكور فيها صفر وهي اخف أبداناً وتكون لخفة الأبدان أشد طيراناً. وقول آخر:
حتى رأينا كدخان المرتجل ... أو شبه الخيفان في سفح الجبل
يقال هو الذي اصاب رجل جراد فهو يشويه.
وقال عمرو بن معدي كرب: السكاك المسامير التي في الدروع شبهها بحدق الجراد، ويشبه حباب الماء والشراب بحدق الجراد. قال المتلمسك
عقارا عتقت في الدن حتى ... كأن حبابها حدق الجراد
وإذا صفا الشراب شبه بلعاب الجراد. قال أبو الهندي:
صفراء من حلب الكروم كأنها ... ماء المفاصل أو لعاب الجندب
ولعابه سم على الشجر لا يقع على شيء منه إلا أحرقه.
وقال آخر وذكر ناقة:
تلفى بعيداً من الحادي إذا ملأت ... شمس النهار عنان الأبرق الصخب
الأبرق الجندب وذلك أن فيه سواداً وبياضاً، وعنانه جهده ويقال
(2/614)

لكل شيء عدا جهده قد امتلأ عنانه، والصخب بجناحيه إذا وقعت رجلاه فيهما. وقال ساعدة بن جؤية:
صابوا بستة أبيات وأربعة ... حتى كأن عليهم جابئاً لبدا:
أي أوقعوا بهم، والجائبي الجراد نفسه ويقال لكل ما طلّع عليك جائبي وقد جبأ عليك، واللبد المتراكب بعضه على بعض. وأنشد ابن أعرابي:
وجاء ريعان جراد مائجه ... سم الربيع استسر باهجه
يريد أن الجراد إذا وقع على البقل فبزق عليه احرقه وهو سمه، باهجه حسنه.

الأبيات في النحل والعسل
قال الكميت يذكر النساء:
كأن حديثهن غريضٌ مزنٌ ... بما تقري المخصّرة اللسوبُ
الغريض الطري، والمزن السحاب، شبه حديثهن بماء السماء حين نزل، تقرى تجمع، والمخصّرة النحل، واللسوب التي تلسع، يقال لسبته لسبا. وقال الشماخ:
كأن عيون الناظرين تشوفها ... بها عسل، طابت يدا من يشورها
المعنى كأن عيون الناظرين التي تشوفها تلك الظعائن من حلاوة
(2/615)

النظر إليها بها عسل، وقال الأصمعي: المعنى كأن عيون الناظرين إليها تشوفها عسل بالمرأة أي طيب يجدونه في النظر كطيب العسل، والعسل تذكر وتؤنث، يشورها يجبنيها، وقوله طابت يدعو لليدين بالطيب.
تناول شوراً من مجاجات شمّذ ... باعجازها صفر لطاف خصورها
والشور ما جني من العسل، والمجاجات ما مجته من أفواهها، شمّذ بأعجازها رافعات لأذنابها.
وقال ابن مقبل وذكر النواقيس:
كأن أصواتها من حيث تسمعها ... صوت المحابض يخلجن المحارينا
المحابض عيدان تكون مع المشتار يشتار بها العسل، والمحارين جمع محران وهو الذي لا يريم مكانه، يصف نحلا جلاهن المشتار بالمحابض فإذا نزع النحل من أماكنهن من الإشتيار حرنّ فلم يرمن، يخلجن يجذبن، وروى ابن الأعرابي: صوت المشاور يفزعن المحارينا، وقال شبه أصوات النواقيس بأصوات العيدان التي تضرب بها النحل لتنفر من أماكنها فيتمكن من الإشتيار، وقال بعضهم المحابض الأوتار، والمحارين حب القطن، أي كأنها أصوات منادف ينزعن بها حب القطن من القطن.
وقال أبو ذؤيب وذكر خمراً:
(2/616)

بأرى التي تهوي إلى كل مغرب ... إذا اصفر ليط الشمس حان انقلابها
الأرى العمل والأرى العسل جميعاً يقول: الخمر بعمل التي تهوى التي تطير، والمغرب كل شيء وأراها من حرف أو غيره، وليط الشمس لونها وأصل الليط الجلد والقشر.
بأرى التي تأري اليعاسيب أصبحت ... إلى شاهق دون السماء ذؤابها
أراد بعمل العسل التي تعملها اليعاسيب وهي ذكور النحل، ذؤابها أعاليها جمع ذؤابة.
جوارسها تأرى الشعّوف دوائباً ... وتنصبّ ألهاباً مصيفاً شعابها
الجوارس الأواكل، في الحديث " نحل جرست العرفط " تأرى الشعوف أي تعمل في الشعوف وهي أعالي الجبال، دوائباً في العمل، وتنصب ألهاباً أي تنحدر فيها واللهب الهواء بين شرفين، وقوله مصيفاً شعابها أي هو بارد يصطاف فيه، ويقال مصيفاً أي عادلاً معوجاً من ضاف السهم إذا عدل، ويروى كرابهان وهي مجاري الماء واحدها كربة.
إذا هبطت به تصعد نفرها ... كقتر الغلاء مستدرّاً صيابها
(2/617)

نفرها ما نفر منها، تصعده أي شق عليه الجبل، والقتر نصل سهم الأهداف، مستدر درير، صيابها قواصدها، والغلاء المغالاة - شبه مر النحل بمر سهام الأهداف.
تظلُّ على الثمراء منها جوارسٌ ... مراضيعُ صهبُ الريش زغبٌ رقابها
الثمراء جبل ويقال شجر، مراضيع أي معها أولادها، صهب الريش أراد صفر الأجنحة.
فلما رآها الخالدي كأنها ... حصى الخدف تهوى مستقلاً إيابها
أجد بها أمراً وأيقن أنه ... لها أو لأخرى كالطحين ترابها
يريد أن مآباً منها قد استقل وطار، أجد أمراً أي جد بها أمره واعتزم كما تقول قمر به عيناً أي قرت عينه به، أراد به أنه اعتزم على أن يدلي نفسه وأيقن أنه للجبل أي يصل إلى وقبتها فيأخذ ما فيها، أو الأخرى يعني الأرض إن انقطع حبله وسقط والتي كالطحين ترابها هي الأرض.
فقيل تجنّبها حرام وراقه ... ذراها مبيناً عرضها وانتصابها
حرام إسم المشتار، يقول خوّفها وحذرها، وراقه أعجبه ذرى العسل ولا يرى إلا أعاليه لأنه مطرور بالشمع، عرضها عرض الشهد وانتصابها في السماء يريد قرصة الشهد.
فأعلق أسباب المنية وارتضى ... ثقوفته إن لم يخنه انقضابها
أسباب المنية تلك الحبال لأنه على خطر فإن سقط كان سبب
(2/618)

منيته، والثقوفة والثقافة واحد وهو الحذق، وانقضابها انقطاعها.
تدلّى عليه بين سبٍّ وخيطة ... بجرداءٍ مثل الوكف يكبو غرابها
السب في كلام هذيل مثل السبب، والخيطة الوتد، يقول هو بين الحبل والوتد في أعلى الجبل، والوكف النطع، جرداء صخرة ملساء يزل عنها الغراب من ملاستها.
فلما جلاها بالأيام تحيزت ... ثبات عليها ذلّها واكتئابها
جلاها طردها وأخرجها والإيام الدخان، تحيزت انحازت وتميزت قطعاً قطعاً، ثبات جماعات الواحدة ثبة.
وقال أيضاً وذكر خماراً جلب خمراً:
فبات بجمع ثم تمّ إلى منى ... فأصبح راداً يبتغي المزج بالسحل
فجاء بمزج لم ير الناس مثله ... هو الضحك إلا أنه عمل النحل
راداً أي مرتاداً يطوف يبتغي عسلاً يمزج به خمره، والمزج العسل والسحل النقد، يقال سحله مائة درهم مثل نقده، والضحك الثغر يقول جاء بعسل هي الثغر بياضاً، قال الأصمعي سألت بن أبي طرفة عن الضحك فقال أظنه أراد المضحك أي بياض الثغر.
وقال ابن الأعزابي يقال للطلع الضحك والأغريض، يقال ضحك النخل وهو أن ينشق كافوره عن طلعه.
يمانيةٌ أحيا لها مظّ مأبد ... وآل قراس صوب أسفية كحل
(2/619)

المظّ الرمان البري تأكل النحل نوره، ومأبد بلد، قراس أجبل معروفات لهذيل، كحل د، أسفية جمع سفى والسفى والرمى سحابتان شديدتا الوقع عظيمتا القطر ليس لهما جدا على الأرض وهما سوداوان من سحاب الحميم والخريف.
وقال:
وما ضرب بيضاء يأوي مليكها ... إلى طنف أعيا براق ونازل
الضرب العسل الأبيض الذي قد صلب يقال قد استضرب العسل، والطنف ما نتأ من الجبل، ومليكها أميرها وهو اليعسوب.
نهال العقاب أن تمر بريده ... وترمي دروءاً دونه بالأجادل
الريد الناحية من الجبل، والدروء العوج يقال بين القوم درء، والأجادل الصقور.
تنمّى بها اليعسوب حتى أقرَّها ... إلى مألف رحب المباءةعاسل
تنمى ارتفع بهذا النحل حتى جعلها في مألفه، والمباءة مرجع الإبل أي مبيتها الذي تأوي إليه فضربه مثلاً، عاسل كثيرة العسل كما يقال لابن وتامر:
فلو كان حبلٌ من ثمانين قامة ... وتسعين باعاً نالها بالأنامل
(2/620)

يقول لو كان الحل الذي يتدلى به إلى الوقبة ثمانين قامة أو تسعين باعاً لناله يده. وقال سعدة بن جؤية:
أرى الجوارس في ذؤابة مشرف ... فيه النسور كما تحبى الوكب
يقول هو وعر ففيه النسور قد استدارت فكأنهم الركب قد نزلوا واحتبوا.
من كان معنقة وكل عطافة ... مما يصدقها ثوّاب يزعب
يعني الهضبة معنقة طويلة العنق، وعطافة منحنى هضبة أخرى ينعطف، وثواب ما يثوب أي يجتمع في الوادي، ويزعب يتدافع يقال مر الوادي يزعب ومر الرجل يزعب بحمله، وقوله مما يصدقها - يقول إذا رأيتها رأيت لها مخيلة يصدقها ما يثوب من الماء.
منها جوارس للسراة وتأتري ... كربات أمسلة إذا تتصوّب
تأتري تفتعل من الأرى وهو العمل، والكربات مواضع من الوادي فيها غلظ، وأمسلة بطون الأودية التي تسيل، ويروي: وتحتوي كربات، أي تغلب عليها، وقوله: للسراة أي من السراة.
فتكشّفت عن ذي متون نير ... كالريط لاهفٍّ ولا هو مخربُ
(2/621)

تكشفت النحل عن ذي متون أي عسل له طرائق بيض وشبهها بالربط في البياض، والهف الخالي الذي ليس فيه شيء مخرب أخذ من الخراب، أراد قرص العسل.
وكأن ما جرست على أعضادها ... حيث استقّل بها الشرائع محلب
أعضادها أجنحتها، يريد أنها تحمله عليها وشبه ما تحمله من الشمع بحب محلب، قال الأصمعي: ولا يدري من أين تجيء بالشمع، والشرائع طرائق في الجبل شرعت فيه لترعى.
حتى أشبَّ لها وطال إيابها ... ذو رجلة شئن البراثن جحنب
يقول أبطأ رجوعها وطال حبسها في مسرحها واستمكن مناخذه ذو رجلة صبور على المشي، وقوله: شئن البراثن - والبرثن لا يكون للإنسان إنما هو للسباع فاستعاره، والجحنب القصير.
معه سقاء لا يفرّط حمله ... صفن وأخراص يلحن ومسأب
يقول لا يخلف سقاءه أين ذهب، والصفن وعاء فيه أداته، والأخراص أعواد يخرج بها العسل وهي المشاور، ومسأب سقاء ضخم.
صب اللهيف لها السبوب بطغية ... تنبي العقاب كما يلطّ المجنبُ
(2/622)

السبوب الحبال جمع سبّ وهو في كلامهم مثل السبب، يقول دلى حباله يربطها في شيء ثم دلى، الطغية الهضبة من الجبل صعبة، والمجنب الترس، يلط يستر وكل ما حجبت شيئاً فقد لططت دونه، وإنما أراد أن هذه الطغية كالترس من ملاستها، ثم زاد في الكلام شيئاً من صفة الترس، أراد كالترس الملطوط.
وكأنه حين استلم بريدها ... من دون وقبتها لقى يتذبذب
يقول المشتار كأنه شيء ألقي فهو يتذبذب أي يتطوّح، ووقبتها حرفها، والريد شبيه بالحيد.
فقضى مشارته وحطَّ كانه ... خلق ولم ينشب بها يتسبب
مشارته أي ما اجتناه من العسل، وحط تدلى كأنه ثوب خلق، ولم ينشب أي لم يعلق وانخرط منحطاً، يتسبسب ينسل.
فأذال ناصحها بأبيض مفرط ... من ماء ألهاب عليه التألّب
ناصحها خالصها، ازاله أي فرقه يعني قرص الشهد، بماء أبيض، مفرط يعني غديراً مملوءاً من ماء ألهاب، واللهب شق في الجبل، والتألب شجر، يريد أن الماء ظليل فهو بارد صاف.
وقال أيضاً:
وما ضربٌ بيضاء يسقي ذنوبها ... دفاق فعروان الكراث فضيمها
(2/623)

ذنوب بلد، وعروان واد، والكراث شجر، وضيم واد.
أتيح لها شثن البنان مكزّم ... أخو حزن قد وقّرته كلومها
أتيح قدّر لها، شثن البنان خشنها، مكزم قصير الأصابع كزها قد أكلت أظفاره الصخر، أخو حزن جمع حزنة وهو المكان الغليظ، وقرته كلوم تلك الصخرة أي صيرت به وقرات وهي الآثار.
قليل تلاد المال إلا مسائبا ... وأخراصه يغدو بها ويقيمها
يقول هو قليل أصل المال إلا هذه المسائب والأخراص، وقد فسر فيما تقدم، يقيمها يسوي عوجها.
رأى عارضاً يهوي إلى مشمخرّةٍ ... قد أحجم عنها كل شيءٍ يرومها
رأى عارضاً من نحل كأنه عارض من سحاب، مشمخرة هضبة طويلة.
فما برح الأسباب حتى وضعنه ... لدى الثوال ينفي جثّها ويؤومها
يقول ما برحت به الحبال حتى وضعته لدى الثول وهي النحل، والجث ما ليس بخالص من عسلها كأنه ما يعلو العسل من أجنحتها وصغارها، ويؤومها يدخن عليها والإيام الدخان يقام آم يؤوم أوماً.
فلما دنا الابراد حط بشوره ... إلى فضلات مستحير جمومها
(2/624)

الابراد العشى، حط بما اشتار من العسل إلى بقايا من ماء غدير ليغسله، ومستحير كثير قد تحير، وجمومها ما جم عنها.
وقال أبو ذؤيب:
وأشعثٌ ما ل فضلات ثول ... على أركان مهلكة زهوق
تأبّط خافة فيها مساب ... فأصبح يقتري مسداً بشيق
الخافة السفرة كالخريطة تكون معه، مساب أراد مسأباً فترك الهمز وهو سقاء العسل، يقتري يتبع، مسداً أي حبلاً، شيق أعلى الجبل، والمعنى يتبع شيقاً بمسد فقلب.
على فتخاءٍ تعلم حيث تنجو ... وما في حيث تنجو من طريق
فتخاء يعني رجله فيها اعوجاج ولين.
وقال المسيب بن علس يصف النحل:
سود الرؤوس لصوتها زجل ... محفوفة بمسارب خضر
بكّرت تعرّض في مراتعها ... فوق الهضاب بمعقل الوبر
وغدت لمسرحها وخالفها ... متسربل أدما على الصدر
المسارب مجاري الماء، يقول لما سرحت هي ترعى خالفها إلى وقبتها.
فأصاب ما حذرت ولو علمت ... حدّبت عليه بضيق وعر
أصاب ابعسل، حدبت عليه عطفت عليه بمكان وعر،
(2/625)

تركت مرعاها،
فهراق في طرف العسيب إلى ... متقبّل لنواطف صفر
حتى تحدر من غواربه ... أصلاً بسع ضوائن وفر
العسيب الزق، نواطف ما نطف من العسل أي قطر، والمتقبل لها الزق، يقول فصب في فم الزق إلى داخله حتى نزل من أعالي الجبل عشياً بسبع أسقية من جلود الضأن، وفر واسعة.
وقال يصف العسل:
ويظل يجري في جواشنها ... حتى يروح مقصر العصر
يقول العسل يجري في صدور النحل، مقصر من قصر العشى.
وقال النابغة الجعدي في هذا المعنى وذكر امرأة:
وكأن فاهاً بات مغتبقاً ... بعد الكرى من طيّب الخمر
شرقاً بماء الذوب أسلمه ... للمعتفين معاقل الوبر
بكرت تبغي الخير في مسل ... مخروفة ومسارب خضر
حتى إذا غفلت وخالفها ... متسربل أدما على الصدر
صدع أسيد من شنوءة مشاءٍ ... قتلن أباه في الدهر
الذوب العسل، شرق مختلط، يعني جازر العسل، صدع المتوسط بين الطويل والقصير من الرجلين، قتلن أباه يقول
(2/626)

كان أبوه جازر عسل فقتلته النحل يريد أنه سقط عن موضعهن فمات.
يمشي بمحجنة وقربته ... متلطفاً كتلطف الوبر
فأصاب عرّتها ولو شعرت ... حدبت عليه بضيق وعر
حتى تحدّر من منازلها ... أصلاً بسبع ضوائن وفر
وقال أبو ذؤيب وذكر النحل:
تدلى عليها بالحبال موثّقاً ... شديد الوصاة نابل وابن نابل
أي شديد الحفظ لما أوصى به، نابل حاذق.
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل
لم يرج لم يخف، وخالفها إلى بيوتها كما قال المسيب.
وخالفها، متسربلاً أدما على الصدر
ويروي حالفها أي لازمها ولم يتركها، والنوب النحل التي تنوب أي تذهب وتجيء عوامل تجيءبالشمع.
وقال المسيب:
وتظل عاملة كذي النّذر
قالوا والنحل تقتسم الأعمال بينها فبعضها يعمل الشمع وبعضها يعمل البيوت وبعضها يسقي الماء في الثقب ويلطخها بالعسل ومنها ما يعمل العسل. وقال:
فحطّ عليها والضلوع كأنها ... من الخوف أمثال السهام النواصل
النواصل السهام التي سقطت نصالها، قال الأصمعي: السهم إذا
(2/627)

استرخى تقعقع، يقول: فتسمع لضلوع هذا نقيضاً ورجفاناً من الخوف، وقال غيره: السهم إذا سقط نصله خف فلا يستوي إذا رمي به ولكنه يضطرب فشبه رجفان ضلوعه باضطراب السهام النواصل.
وقال كثير:
إذا النبل في نحر الكميت كأنها ... شوارع دبر في حشافة مدهن
الحشافة الماء القليل، والمدهن نقرة في الصخرة يبقى فيها الماء.

الأبيات في الجعل
قال الشماخ وذكر حماراً وأتانا:
فإن يلقيا شأواً بأرض هوى له ... مفرّض أطراف الذراعين أفلج
الشأو هاهنا روثهما، أصله مقدار زبّيل من تراب يخرج من البئر ويقال للزبيل الذي يخرج به التراب المشآة، شبه روثهما في اجتماعه بذلك، مفرض محزوز يعني الجعل.
وقال ابن مقبل:
ولا أطرق الجارات بالليل قابعاً ... قبوع القرنبي أخلفته محاجره
القرنبي دويبة تشبه الخنفساء وهي أعظم منها، والقبوع أن يجتمع وينقبض، يقول لا آتي الجارات ليلاً لريبة مستخفياً.
وقال آخر:
إذا أتيت سليمى شبّ لي جعل ... إن الشيء الذي يغري به الجعل
(2/628)

العرب تقول " سدك به جعله يضرب للرجل يلزق به ما يكرهه إذا كان لا يراه وهو يهرب منه، وسدك لزق، وأصله ملازمة الجعل من بات في الصحراء كلما قام تبعه يتوهم أنه يريد الغائط، شبّ تاح وأشب أنيح. وقال آخر وذكر جعلاً:
يبيت في منزل الأوام يربؤهم ... كأنه شرطيّ بات في حرس
يربؤهم انتظاراً ليحدثوا فيخالف إلى حدثهم. قال:
حتى إذا أضحى تدرّى واكتحل ... بجارتيه ثم ولى فنثل
رزق الأنوقين القرنبي والجعل
الأنوق الرخمة وسمي القرنبي والجعل أنوقين لأنهما يقتاتان العذرة كما تقتاته الرخمة. وقال حسان بن ثابت يهجو:
وأك سوداءٌ مودونة ... كأنّ أناملها الحنظب
مودونة ناقصة الخلق والحنظب الجعل. وقال عنترة:
كأن مؤشر العضدين جحلاً ... هدوجاً بيت أقلبة ملاح
يعني جعلاً، وأقلبة جمع قليب.

الأبيات في القراد
قال الحطيئة:
لعمرك ما قراد بني كليب ... إذا نزع القراد بمستطاع
(2/629)

أي لا يقدر على استذلالهم، وأصل ذك أن يجيء الرجل بالخطام إلى البعير قد شرد منه لئلا يمتنع ثم ينزع قراداً من البعير حتى يستأنس به ويدني رأسه ثم يرمي بالخطام في عنقه، أراد أنهم لا يخدعون. وقال آخر وهو الحصين بن القعقاع:
هم السمن بالسنّوت لا ألس فيهم ... وهم يمنعون جارهم أن يقرّدا
السنوت العسل، والألس الخيانة، وهم يمنعون جارهم أن يستذل كما يستذل البعير فيؤخذ منه القردان. وقال ذو الرمة وذكر ماء:
بأعقاره القردان هزلى كأنها ... نوادر صيصاء الهبيد المحطم
الأعقار مقام الشاربة، والصيصاء أصله الشيص، والهبيد حب الحنظل. وقال الطماح وذكر ناقة:
وقد لوى أنفه بمشفرها ... طلح قراشيم شاحب جسده
علّ طويل الطوي كبالية ال ... فع متى يلق العلو يضطعده
القراشيم القردان واحدها قرشوم، والطلح القراد والعل منها الكبير الصغير الجسم والطوي الجوع، والسفع حب الحنظل هاهنا وهو أسود، شبه القراد بالبالية منه، يصطعده يفتعل من الصعود، يخبر أنه يرتفع في البعير قليلاً، وقال زهير يصف بعيراً:
(2/630)

غليظ على مجزّى القراد كأنه ... بجانب صفوان يزول ويرتقي
يقول لا يجذو عليه القراد من ملاسته واستواء خلقه في السمن والغلظ فيزل عنه كما يزل عن الصفا إذا دب عليه.
وقال الشماخ وذكر ناقة:
وجلدها من أطوم ما يؤيّسه ... طلح كضاحية الصيداء مهزول
أي جلد الناقة كجلد أطوم وهي سمكة تكون في البحر غليظة الجلد، ما يؤيسه ما يؤثر فيه من غلظه، طلح قراد، كضاحية يعني حصاة ظاهرة للشمس شبه القراد به، والصيداء حجارة البرام، والعرب تقول: ألزق من قراد، و: ما هو إلا قراد ثفر، وتقول: أسمع من قراد، ويستدلون عند المياه على قرب الإبل منهم بانتعاش القردان. وقال رشيد بن رميض:
لنا غزر ومأوانا قريب ... ومولى لا يدبّ مع القراد
اصل هذا أن رجلاً إذا نزلت رفقة بالقرب منه أخذ شنة فجعل فيها قرداناً فينشرها بقرب الإبل فتنتشر فإذا أحستها الإبل نهضت فشد الشنة في ذنب بعض الإبل فإذا سمعت صوت الشنة وعلمت أن فيها القردان نفرت، ثم كان يثب في حذوة بعير منها فيذهب به.
وقال الحضين بن المنذر:
أوصاني أبي فحفظت عنه ... بفك الغل عن عنق الأسير
وأوصى جحدر يوماً بنيه ... بإرسال القراد على البعير
(2/631)

ويقال منه قول الشاعر وهو الأعشى:
فلسنا لباغي المهملات بقرفة ... إذا ما طها بالليل منتشراتها
قرفة ظنة، يقول لا يظن أنا أخذناها.
وقال آخر.
وما ذكر وإن سمن فأنثى ... شديد الأزم ليس له ضروس
يعني القراد، يقال أنه قراد فإذا كبر وسمن سمي حلمة، والأزم العض. وقال هشام أخو ذي الرمة وذكر فراش ماء:
كأن أجسادها الأظفار جامدة ... في قنّف الصقر الآني الشراذيم
شبه أجساد بنات الماء حين ماتت بالأظفار وهي كبار القردان، جامدة أي ساكنة لا تتحرك، والقنف طين القاع الذي نشف ماؤه وتشقق طينه، والشراذيم القطع يعني طين القاع، يريد أن أجساد بنا ت الماء ميتة في هذا الطين ككبار القردان، الصقر الذي أصابته صقرة الشمس وهو شدة وقعها، والآني الذي بلغ إناه.
وقال آخر.
ألا يا عباد الله من لقبيلة ... إذا ظهرت في الأرض شدّ مغيرها
(2/632)

فلا الدين ينهاها ولا هي تنتهي ... ولا ذو سلاح من معدّ يضيرها
يقال هي القردان ويقال البراغيث وهو بالقردان أشبه.
وقال أمية بن أبي الصلت وذكر السماء:
ولو أنه يجدّ البرام بمتنها ... صعداً لألفاها التي لا تقرد
يريد أنها ملساء فالقراد لا يعلق بها لو وجد إليها سبيلاً.

الأبيات في العنكبوت
قال الزفيان:
ومنهل طام عليه الغلفق ... ينير أو يسدي به الخدرنق
نسائجاً يجيدها ويصفّق
الخدرنق العنكبوت.
وقال آخر:
ووجناء مرقال كأن لغامها ... على سروات القور نسج الخدرنق
وقال الكميت وذكر القطا:
جاورن ربّات أبيات بعولتها ... منها مؤنثة الأسماء تعتمل
لا بعرف الناس بعلاً من حليلته ... وأين ذو كبرة منها ومقتبل
يقول: القطا جاورن مواضع العناكب والذكر منها معروف وكذلك الأنثى لأن تنسج والذكر ينقض ويفسد.
ولا تصب إلى جار وإن ظعنت ... بعد المقام وفي أجوافها الثقل
(2/633)

الثقل يعني غزلها وجعله في جوفها وليس في جوفها منه شيء وإنما تنسجه من خارج.
وقال آخر وهو الجذامي في مثل هذا أيضاً:
كأن وقفا هارون إذ قام مدبراً ... قفا عنكبوت سلّ من دبرها غزل
قال الكميت:
تدعى اثنتان معاً منها وواحدة ... وإن يكنّ ثلاثاً يكثر الجدل
يقول لا اختلاف في اسم الواحدة والاثنتين وإنما الاخلاف في الثلاثة يقال عناكب وعناكيب وعنكبوتات.
وقال ذو الرمة:
وبيت بمهواة هتكت سماءه ... إلى كوكب يزوي له الوجه شاربه
يعني بيت العنكبوت، والمهواة النفنف، أراد ههنا ما بين أسفل البئر وأعلاه، وكوكب الماء معظمه يريد أن الماء بعيد العهد بالناس.
وجاءت بنسج من صناع ضعيفة ... ينوس كأخلاق الشفوف ذعالبه
أصل الذعالب الثوب، ينوس يتذبذب، شبه ما جاءت به الدلاء من نسج العنكبوت بأخلاق الثياب الرقاق.
وقال:
رأتني كلاب الحيّ حتى عرفنني ... ومدّت نسوج العنكبوت على رحلي
أي عرفتني الكلاب لكثرة ما رأتني وعلا رحلي نسج العنكبوت لطول مقامي.
(2/634)

وقال الفرزدق لجرير:
ضربت عليك العنكبوُ بنسجها ... وقضى عليك به الكتاب المنزل
أي بيتك في الذلة والوهن كبيت العنكبوت.
وقال الله عز وجل: و " وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت "، وقضى عليك به أي الذل.
وقال الطرماح يهجو تميماً:
ولو أن أم العنكبوت بنت له ... مظلتها يوم الندى لأكنّت
يريد القلة. وأنشد ابن الأعرابي:
وماء قد وردت أميم طام ... على أرجائه هلل الهبون
أراد نسج العنكبوت.
وقال مزرّد:
ولو أن شيخاً ذا مئين كأنما ... على رأسه من شامل الشيب قونس
تنبّت فيه العنكبوت بناتها ... نواشيء حتى شبن أوهن عنّس
العناكب لا تشيب وإنما هو مثل أي كما يطول مكث العانس في بيت أبويها حتى تشيب ولا تتزوج.

الأبيات في النمل
وأمة كان في أسلاف أولها ... قول أصابت به العجماء مرتجل
(2/635)

أمة يعني النمل، والأسلاف الأوائل، النملة التي تكلمت زمان سليمان عليه السلام، مرتجل مبتدأ من ذات نفسها لم تأثره عن أحد.
وقال رؤبة:
لو كنت قد أوتيت علم الكحل ... علم سليمان كلام النمل
الكحل من الحيوان ما لم يكن له صوت في شيء من أحواله وكذلك النمل والحكلة في الإنسان ثقل في لسانه من العجمة فإذا كان خلقة قيل حبسة. وقال العماني الراجز في عبد الملك بن صالح:
ويفهم قول الحكل لو أن ذرة ... تساود أخرى لم يفته سوادها
السواد السرار، يقول الذر الذي لا يسمع لمناجاته صوت ولا عليه دليل لو كان بينه سرار لفهمته. وقال ذو الرمة:
وقرية لا جن ولا أنسية ... مداخلة أبوابها بنيت شزرا
نزلنا بها لا نبتغي عندها القرى ... ولكنها كانت لمنزلنا قدرا
يريد قرية النمل، مداخلة بعضها في بعض، بنيت شزرا أي ليست بمستقيمة هي معوجة. وقال أبو النجم:
وانتفض البروق سودا فلفلة ... واختلف النمل قطاراً ينقله
بين القرى مدبره ومقبله
يريد بين قرى النمل، والبروق، وفلفله حمله، وقال البعيث:
(2/636)

ومولى كبيت النمل لا خير عنده ... لولاه إلا سعيه بنمين
يقال للنمام: أنه لنم نمل، يريد كأن على لسانه نملاً حتى يتكلم وينم. ومن اللغز:
فما ذو جناح لح حافر ... وليس يضّر ولا ينفع
يقال أراد النمل، وقوله: حافر يريد أن يحفر جحره بقوائمه لا بفيه. وأما قول الآخر عمرو بن جمعة الدوسي:
ولا عيب فينا غير عرق لمعشرٍ ... كرام وإنا لا نخط على النمل
فإن النمل ههنا قروح تظهر في الساق، وقال أبو عمرو: المجوس يقولون أنه إذا كان الرجل من أخته ثم خط على النملة يعني هذه القرحة لم تلبث أن تجف، وإنما عرض الشاعر برجل أخواله مجوس فقال لست كأولئك. وروى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للشفاء وهي امرأة " علمّي حفصة رقية النمل ".
وقال آخر:
لئن أداةً حوضك استدرّا ... ولم يرده ربّك فيه شرّاً
ليوشكن أن لا يفوت الذرّا
(2/637)

أداته الدلو والبكرة والحبل، وقوله أن لا يفوت الذرا أي يمتليء حتى يفيض من أعلاه فلو وردته ذرة لشربت م أعلاه واستدلا استفعل من الدر.

باب الحيتان والضفادع
قال ذو الرمة:
عينا مطلحبة الأرجاء طامية ... فيها الضفادع والحيتان تصطخب
أراد فيها الضفادع تصطخب وفيها الحيتان.
وقال الشماخ يذكر حماراً:
توجسن واستيقنّ أن ليس حاضر ... على الماء المقعدات القوافز
يعني الضفادع، ويقال: أرسح من ضفدع.
وقال آخر وذكر الضفادع:
يدخل في الأشداق ماء ينصفه ... كما ينق والنقيق يتلفه
ينصفه أي يبلغ الماء نصف أشداقه والضفدع لا ينق حتى يكون الماء في فمه ماء، وأما قوله: والنقيق يتلفه - فإنه ذهب فيه إلى قول الآخر والبيت للأخطل:
(2/638)

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حية البحر
والحيات تأكل الضفادع أكلاً ذريعاً. وقال أوس بن حجر:
فباكرن جوناً للعلاجيم فوقه ... مجالس غرقي لا يحلأ ناهله
جون يريد غديراً كثير الماء وإذا كثر الماء وكثر عمقه اسود في العين، وقوله: غرقي - كقولك فلان غرق في النعيم، وجعل لها مجالس حول الماء لأنها تظهر على شطوط الأنهار والمياه في المواضع التي تبيض فيها من خوق الرعد وكذلك السرطان والسلحفاءوالرقّ. وقال زهير:
يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الماء والغرقا
انما تخرج لما أعلمتك لا لما ذكر من خوف الغم والغرق، وهذا البيت مما غلّظ فيه زهير، والشربات شبيهة بالحياض في أصول النخل تملأ ماء لتشرب النخلة - واحدتها شربة. وقال أبو الأخرز
تسمع القنقن صوت القنقن
زعم بعض العلماء أنه أراد الضفدع قال والضفدع جيد السمع إذا ترك النقيق وكان خارجاً من الماء وهو في ذلك الوقت حذر.
(2/639)

وقال الطرماح:
يخافتن بعض المضغ من خيفة الردى ... وينصتن للسمع انتصات القناقن
يقال أنه أراد الضفادع واحدها قنقن، ويقال أنهم المهندسون الذين يعرفون مواضع المياه، وإنما يترك النقيق إذا خرج من الماء لأنه لا يقدر عليه حتى يكون في فمه ماء كما أعلمتك، والعلاجيم منها الذكور والسود. وقال أبو وجزة وذكر حميراً وردت ماء:
تنحاز منهن أمة خلقت ... جدا مذبحة منها بأوداج
أي تنحاز من الحمر في الماء أمة يعني السمك وهي مذبوحة بأوداجها، جدا لا أللبان لها، وكان بعض العلماء يزعم أنه أراد القطا ينحاز من الحمر عند الماء، مذبوحة أراد الأطواق في أعناقها كأنه أثر الذبح وكان يري1يه حذا والقطاة حذّاء. وقال الكميت:
يؤلف بين ضفدعة وضبّ ... ويعجب أن نبرّ بني أبينا
اليمن أصحاب بحر فلذلك نسبهم إلى الضفادع وبنو نزار أصحاب بر فلذلك نسبهم إلى الضباب، ويقال في المثل: لا يكون ذلك متى تجمع بين الضفدع والضب، وبين الأروى والنعام.
وقال الكميت:
وعطفت الضباب أكف قوم ... على فتح الضفادع مرئمينا
(2/640)

مرئمين أي عاطفين من قولك رئمت الناقة ولدها، وإنما أراد من ادعى من نزار إلى اليمن، والأعراب تزعم أن الضب خاطر الضفدع أيهما أصر على الماء وكان الضفدع حينئذ ذنب وكان الضب لا ذنب له فخرجا من الكلأ فصبرت للضفدع يوماً فنادت: يا ضب وردا وردا. فقال الضب:
أصبح قلبي صرداً ... لا يشتهي أن يردا
ونادت في اليوم الثاني يا ضب وردا وردا، فقال الضب:
أصبح قلبي صرداً ... لا يشتهي أن يردا
إلا عراداً عرداً ... وصلّيانا بردا
فلما كان في اليوم الثالث نادت أيضاً فلم يجبها وبادرت إلى الماء واتبعها الضب فأخذ ذنبها. وقال ابن هرمة:
وقال الضب للضفد ... ع في بيداء قرواح
تأمل كيف تنجو اليو ... م من كرب وتطواح
فإني سابح ناج ... وماأنت بسبّاح
وقال رؤبة:
والحوت لا يكفيه شيء يلهمه ... يصبح ظمآناً وفي البحر فمه
وصف طباعه واتصاله بالماء وأنه شديد الحاجة إليه وإن كان غرقاً فيه.
(2/641)

الأبيات في الضب
قال خداش بن زهير:
فإن سمعتم بجيش سالك سرفا ... أو بطن مرفأ خفوا الجرس واكتتموا
ثم أرجعوا فأكّبوا في بيوتكم ... كما أكب على ذي بطنه الهرم
الهرم الضب ها هنا، وجعله هرماً لطول عمره، وذو بطنه ولده والضب يأكل حسوله ولذلك قيل: اعق من ضب، كأنه قال ارجعوا عن الحرب التي لا تستطيعونها إلى أكل الذرية والعيا، ويقال ذو بطنه قيئة وأنه يقيء ثم يرجع فيأكله كالكلب والسنور. وقال آخر:
يعود في ثعّة حدثان مولده ... فإن اسنّ تغدي نجوه كلفا
الثع القيء ثع الرجل ثعا إذا قاء. وقال عملّس بن عقيل بن علّفة:
أكلت بنيك أكل الضّب حتى ... وجدت مرارة الكلإ الوبيل
وقال لأبيه:
أكلت بنيتك أكل الضّب حتى ... تركت بنيك ليس لهم عديد
وقال آخر وذكر حاسداً:
(2/642)

ترى الشزّ قد أفنى دوابر وجهه ... كضب الكدى أفنى براثنه الحفر
قال: الضب لا يتخذ جحره إلا في كدية وهو الموضع الصلب وإلا في ارتفاع عن المسيل ولذلك تنقص براثنه وتكل لأنه يحفر في الصلابة يعمق في الحفر. وقال كثير:
فإن شئت قلت له صادقً ... وجدتك بالقفّ ضباً جحولا
من اللاء يحفرون تحت الكدى ... ولا يتبعن الدماث السهولا
وإنما يحفر في الصربة خوفاً من انهيار الجحر عليه. وقال كثير:
ومحترش ضبّ العداوة منهم ... بحلو الرقي حرش الضباب الخوادع
تريد الدخول فيصاد. وقال الأصمعي في قولهم: هذا أرجل من الحرش إن الضب قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجن، فسمع الحسل صوت الحفر فقال لأبيه: أهذا الحرش؟ فقال: يا بني هذا أجل من الحرش، فأرسلت مثلاً، وقوله: ضب العداوة يعني الحقد الكامن في القلب، وإنما سمي ضبا لأن الضب إذا خدع في جحره وصف عند ذلك بالمكر والخبث فيقولون: خب ضب
(2/643)

وأخدع من ضب، فشبه الحقد الكامن الذي يعسر استلاله بالضب إذا خدع في جحره أي دخل وهو حينئذ أخبث ما يكون وأعسر صيداً. وأنشدوا في ذلك:
كأنهما ضبّان ضبا مفزة ... كبيران غيداقان صفر كشاهما
قان يحبلا لا يؤاخذا في حبالة ... وإن يرصدا يوماً يخب راصداهما
وقال كثير:
ومازالت رقاك تسل ضغني ... وتخرج من مكامنها ضبابي
أي أحقادي. وقال آخر وهو الفزاوي:
وحسل له نزكان كانا فضيلةً ... على كل حاف في البلاد وناعل
النزك أير الضب وله أيران وللضبة حران، ويقال أيضاً أن للسقنقور مثل ذلك وللحردون مثل ذلك، ويقال أير الضب كلسان الحية الأصل واحد والفرع اثنان، وأنشد الكسائي:
تفرقتم لا زلتم قرن واحد ... تفرق أير الضب والأصل واحد
(2/644)

وقالت حبى المدينة
وددت بأنه ضبّ وأني ... ضبيبة كدية وجدت خلاء
تمنت أن يكون لها حران وأن لزوجها أيرين. وقال الطرماح وذكر فلاة:
يقيم بها الذئب الأزلّ وقوته ... ذوات المرادي من مناق ورزّح
ذوات المرادي الضباب والمرادي الصخور واحدها مرادة والضب سيء الهداية فإذا حفر لنفسه حجراً حفره عند صخرة ليجعلها علماً له لأنه لا يأمن أن يغلط فيلح على ظربان أو وبر فيأكله، ولذلك يقال في المثل: كل ضب عند مرداته، والمناقي السمان، والرزح المهازيل.
إذا استعكدت منه بكل كداية ... من الصخر وافاها لدى كل مسرح
استعكدت تحرزت، والكداية الصخرة، وافاها الذئب لدى كل موضع تسرح فيه. وقال ابن أحمر:
أبلغ سراة بني رفاعةأل ... صق بالغطارف منهم الزهر
(2/645)

بكعترة الضب الذليلة تح ... رنبي على أرحائها الخضر
عترته قرابته تحرنبي تنتفش، والخضر من نعت الأرحاء يقول هي من صخر أخضر وهو أصلب ليس بكذّان ولا رخو، يريد المرداة التي يحفر عندها يجعلها علماً لسوء هدايته، يقال أضل من ضب، و: من ورل. وقال أعرابي في ضب صاده:
يقول أهل السوق لما جينا ... هذا وربّ البيت إسرائينا
أراد إسرائيلا فأبدل من اللام نوناً، وهذا بمعنى قول الفقيه ورأى رجلاً يأكل لحم ضب فقال: أعلم أنك قد أكلت شيخاً من مشيخة بني إسرائيل يريد أنه مسخ، وقال أعرابي وهو أبو الوجيه العكلي.
وأفطن من ضب إذا خاف حارشاً ... أعدّ له عند التلمس عقربا
قال أبو حية العكلي: العقارب مسالمة للضباب والضب لا
(2/646)

يأكل الجراد ولا يقربها فهي تلج في جحره وتجتمع عنده كما تألف الخنافس العقارب، فأما الأعرابي فإنه زعم أنه يعد العقرب فإذا أدخل الحارش يده لسعته. وأنشد ابن الأعرابي لابن دعمي العجلي:
سوى أنكم جربتم فجريتم ... على دربة والضبّ يختل بالتمر
وقالوا: والضب يعجب بالتمر عجباً شديداً ويحتال لصيده وكذلك العقرب تعجب بالتمر وتصاد به. وقال آخر وهو سالم ابن دارة:
وما التمر إلا آفة وبلية ... على كل هذا الخلق من ساكني البحر
وفي البر من سمع وذئب وعقرب ... وخنفسة تسعى وثرملة تسري
وقد قيل في الأمثال إن كنت راعياً ... عذيرك إن الضب يختل بالتمر
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لرجل من أهل الطائف الحبلة أفضل أم النخلة؟ فقال: الحبلة أترببها وأتشببها وأستظل في ظلها، والبلح يرمّق بها، فقال عمر: تأبى ذلك عليك الأنصار، ودخل عليه ابن عبد الرحمن بن محض الأنصاري فقال له عمر مثل ذلك فقال: الزبيب إن آكله أضرس، وإن أتركه أغرث، ليس كالصقر في رؤوس الرقل، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل،
(2/647)

خرفة الصائم وتخفة الكبير، وصمتة الصغير، وخرسة مريم، ويحترش به الضباب من الصلفاء يعني الصحراء، والخرسة ما تطعمه النفساء.
وقال دريد بن الصمة:
وجدنا أبا الجبار ضبّاً مرئّساً ... له في الصفاة برثن ومعاول
قالوا: الضب يقاتل الحية يضربها بذنبه فربما قتلها وربما وقذها وذلك هو المذّنب لأنه يخرج ذنبه من جحره إذا أرادت الحي الدخول عليه والحية تدخل على كل ذي جحر وتخرجه، ولذلك قالوا في المثل " أظلم من حية " والمرئس الذي يخرج رأسه من جحره وإذا فعل ذلك غلبته الحية وربما قتلته. وقال رؤبة وذكر امرأة:
تسألني من السنين كم لي ... فقلت لو عمرّت عمر الحسل
أو عمر نوح زمن الفطحل ... والصخر مبتل كطين الوحل
صرت رهين هرم أو قتل
قالوا: الضب لا يلقي سناً أبداً حتى يومت، والضب طويل العمر فإذا هرم اكتفى باليسيروربما تبلّغ ببرد الهواء وعاش بالنسيم
(2/648)

كالأفعى، وتقول العرب: أروى من ضب، لأنه عندهم لا يحتاج إلى شرب الماء. وقال عبدة بن الطيب:
ما كنت أول ضب نال تلعته ... غيث فأمرع واسترخى به الدار
قالوا: الضب إذا أمن وخلا له وجوه وأخصب نفخ وكش نحو كل شيء يريده وتطاول له، وبه ضرب المثل. قال ابن ميّادة:
وأنّي لقيس من بغيض تناصر ... إذا أسد كشّت لفخر ضبابها
وقال آخر وهو دملج بن عبد المجاب:
إذا كان بيت الضب وسط مضبة ... تطاول للشخص الذي هو حابله
المضبة مكان الضباب ومجتمعها وليست تكون إلا في موضع بعيد من الناس ولا تكون بقربها حية ولا ورل ولا ظربان فحينئذ يأمن ويتطاول. وقال ابن ميّادة:
ترى الضّب إن لم يرهب الضب غيره ... يكشّ له مستكبراً أو يطاوله
وقال آخر:
أعام بن عبد الله إني وجدتكم ... كعرفجة الضّب التي تتذلل
العرفجة لينة وعودها لين فالضب يعلوها ويتشوف عليها، شبههم في لينهم وضعفهم بالعرفج، ولست تر الضب أبدا ًوهي سامية
(2/649)

برأسها تنتظر وتترقب. وقال آخر وهو الفزاري:
ترى كل ذيّال إذا الشمس عارضت ... سما بين عرسيه سموّ المخايل
يعني الضب، ويروي أن الضب قال لصاحبه:
أهدموا بيتك لا أبالك ... وزعموا أنك لا أخالك
وأنا أمشي الحيكى حوالك
يقال فلان يحيك في مشيته إذا تبختر فيها، يقول: كيف زعموا أنه لا أخالك وأنا أخوك وأمشي التبختر حواليك. وقال آخر:
وأنت لو ذقت الكشى بالأكبا ... لم تركت الضّب يعدو بالواد
الكشية شحم بطنه، يقول: لو عرفت طعمها مع الأكباد لصدت الضب ولم تتركه، والمكن بيض الضب، يقال ضبة مكون، وروي عن بعض الصالحين أنه قال: ضبة مكون أحب إليّ من دجاجة سمينة. وقال أبو الهندي:
ومكن الضباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم
وقال آخر وهو جران العود:
قريت الضب من حبي كشاها ... وأيّ لوية إلا كشاها
(2/650)

فلولا أن أصلك فارسي ... لما عبت الضباب ومن قراها
اللوية الطعام الطيب واللطف يرفع للصبي والشيخ. وقال آخر:
مناتين أبرام كأن أكفّهم ... أكفّ ضباب انشقّت في الحبائل
انشقت علقت: يقال: أقصر من إبهام الضب، واقصر من إبهام الحباري وأقصر من إبهام القطاة، أراد صغر أكفهم.

الأبيات في الظربان
قال الشاعر:
يا ظرباناً يتفسّى ضبّاً ... أي العقاب فوقه فجبيّ
الظربان كثير الفساء شديده وهو له كالسلاح، يقال: فما بينهم ظربان، وهذا مثل يضرب للرجلين إذا كان بينهما حسن ثم فسد، ويسمى الظربان مفرقة الغنم، يريدون من فسائه تتفرق الإبل كما تتفرق عن المنزل وفيه قردان، وهو يدخل على الضب جحره وفيه حسوله فيأتي أضيق موضع فيه فيسده بيديه ويحول دبره فلا يزال يفسو حتى يخر الضب كالسكران فيأكله ثم يقيم في جحره حتى يأتي على آخر حسوله. وقال الربيع بن أبي الحقيق
وأنتم ظرابيّ إذ تجلسون ... وما آن لنا فيكم من نديد
وأنتم تيوس وقد تعرفون ... بريح التيوس ونتن الجلود
(2/651)

قوله: أنتم ظرابي أي تفسون في مجالسكم، ويقال في المثل أفسى من ظربان. وقال آخر يذكر حوض ماء:
إزاؤه كالظربان الموفى
قال أبو العميثل الأعرابي: كنت أحسب الإزاء ها هنا مصب الماء في الحوض حتى قال الأصمعي هو صاحب الحوض والقيم بالسقى من قولهم فلان إزاء مال وخال وخال مال وخائل مال، أراد انه لصنانه وذفره إذا هو استقى وعرق كالظربان. وقال الفرزدق:
ولو كنت في نار الجحيم لأصبحت ... ظرابيّ من حمّان عني تثيرها
وقال:
سواسية سود الوجوه كأنهم ... ظرابي غربان بمجرودة محل
سواسية يريد ليس لبعضهم على بعض فضل، ولا يقال سواسية إلا في الذم، والظرابي فوق السنانير في المقدار، ونسبها إلى الغربان لأنها تقع معها على الجيف، مجرودة أرض أكلها الجراد.

الأبيات في اليربوع
قال الفزاري:
جبا العام عمال الخراج وجبوتي ... محذفة الأذناب صفر الشواكل
رعين الدبا والبقل حتى كأنما ... كساهنّ سلطان ثياب المراجل
(2/652)

يعني اليرابيع، واليربوع دابة كالجراد قصير الذنب طويل الرجلين قصير اليدين فهو كالمنكب على صدره إذا عدا لقصر يديه وفيه صفرة وحمرة. قال الكميت وذكر داراً:
بها من ذوات الريش ما ليس طائراً ... وذو أربع لم يجر إلا على الشطر
من ذوات الريش يعني النعام، وذو أربع يعني اليربوع له أربع قوائم فإذا عدا رأيته كأنه يعدو على جنب. وقال الفرزدق لجرير:
وإذا أخذت بقاصعائك لم تجد ... أحداً يعينك غير من يتقصع
القاصعاء جحر اليربوع يقول لا يعينك إلا من يصيد اليرابيع وإنما أراد أن قومك يعينونك وهم يصيدونها - يعيبهم بذلك. وقال أعرابي لسهل بن هارون:
وخذ نفق اليربوع فاسلك سبيله ... ودع عنك إني ناطق وابن ناطق
وكن كأني قطن على كل أربع ... له باب دار ضيق العرض سامق
(2/653)

يوصيه بالتواري عن غرمائه ومراوغتهم كما يراوغ اليربوع في جحرته إذا أخذ عليه واحد منها خرج من آخر، وأبو قطن خناق بالكوفة مولى لكندة.
وقال عبيدة بن أيوب العنبري وذكر ناقة.
ترى الطير واليربوع يحفلن وطأه ... وينقرن وطء المنسم المتقاذف
قال ابن الأعرابي أنشدنيه أعرابي: ترى الضب واليربوع. وقال: يعني أنهما يحسبان اثر خفها ملجأ يلجآن إليه إما لشدة الحر أو لغير ذلك. وقال آخر.
وإني لأصطاد اليرابيع كلها ... شفاريّها والتدمري المقصّعا

الأبيات في القنفذ
قال الطرماح وذكر الثور.
فبات يقاسي ليل أنقد دائباً ... ويحدر بالحقف اختلاف العجاهن
(2/654)

أنقد هو القنفذ، ويقال إنه لا ينام الليل. وقال الراجز:
قنفذ ليل دائم التّبحاث
وهي تأكل الأفاعي، يقول فهذا الثور كالقنفذ لا ينام، ويحدر يهبط، ثم شبه ذلك باختلاف العجاهن وهو الذي يخدم العرس إكراماً لصاحبه، ويقال هو غلام الطباخ.
وقال الكميت يصف نساء سبين:
وينصبن القدور مشمرات ... يخالسن العجاهنة الرئينا
وقال عبدة بن الطبيب:
قوم إذا دمس الظلام عليهم ... حدّجوا قنافذ بالنميمة تمزع
النمام يشبه بالقنفذ لاستخفائه بما يأتي به كاستخفاء القنفذ بالليل في خروجه.
وقال السدي وهو أيمن خريم:
كقنفذ القف لا تخفي مدارجه ... الليل إن نام عنه الناس لم ينم
وقول الأعشى:
لئن جدّ أسباب العداوة بيننا ... لترتحلن مني على ظهر شيهم
(2/655)

الشيهم القنفذ وهو شوك، يقول: لتركبن مني أمرا صعباً لا تطمئن عليه.
وقال زيد الخيل وذكر خيلاً:
كأن رجال التغلبيين خلفها ... قنافذ قفص علّقت بالحقائب
قفص منضمة يريد أنهم قد أسروا.

الأبيات في الجرذان والفأر
قال أوس بن حجر:
لحيتهم لحى العصى فطردتهم ... إلى سنة جرذانها لم تحلّم
لم تحلم لم تسمن لأنها في سنة جدب، ويقال تحلم الصبي إذا سمى واشتد، وتحلمت الشاة وتملحت، يقول: لم تسمن جرذانها فكيف ما سواها واللحي القشر. وقال الحارث بن حلزة:
وهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعدا
الزباب جنس من الفأر صم، يقال: أسرق من ذبابة و: أسرق من جرذ، والحائر الذي لا يتجه والحائر من الفأر أعمى، وإنما وصف قوماً بالجهل. وقال مزرد وذكر ضيفاً سقاه لبناً:
(2/656)

وأهوى له الكفين وامتد حلقة ... بجرع كأثباج الزباب الزنابر
شبه جرعه حين مر اللبن في حلقه بأوساط هذا الفأر، والزنابر العظام. وقال الراجز:
وما تحاً لا يثني إذا احتجز ... كأنّ جوف جلده إذا احتفز
في كل عضو جرذان أو خزز
شبه عضد الماتح بالجرذان لأنها قد صارت زيما وتفتق لحمه عن العمل: والخزز ذكر اليرابيع ههنا وأصل الخزز الذكر من الأرانب، واليرابيع من الفأر. وقال الشماخ وذكر ناقته:
فأوّبتها حيّاً تريح رعاؤه ... عليه ابن عرس والاوزّ المكفّرا
إذا ناهبت بلق البراذين حظها ... من القّت لم يعجلنها أن تجرجرا
التأويب سير اليوم إلى الليل، ثم صرت بها إلى نبط تريح رعاؤهم ابن عرس وبطّا، والمكفر الذي قد تغطىبريشه وكذلك المكفر بالسلاح، ناهبت خالست، يريد البط. والقت يريد الرطبة، لم يعجلنها أي أنظرنها، أن تجرجر أي تبلغ يقال جرجر الشيء إذا بلعه، والجراجر الحلوق.

الأبيات في الحرباء
قال ابن أحمر:
(2/657)

وتقنّع الحرباء أرنته ... متشاوساً لوريده نقر
سألت عنه السجستاني فقال: الأرنة ما لف على الراس، قال: ولم أسمعه إلا في هذا البيت، قال: وفي شعر ابن أحمر ألفاظ لم يسمع بها إلا في شعره وهي قوله
ماريّة لؤلؤان اللون أوّدها ... طل وبنس عنها فرقد خصر
أراد تأخر، وتسميته السم الجوزل، والنار ماموسة في بيت قاله:
تطايح الطلّ عن أعطافها صعداً ... كما تطايح عن ماموسة الشرر
وفي شعر ابن مقبل الجلاذي يعني خدم الكنيسة قال:
صوت النواقيس فيه ما يفرطه ... أيدي الجلاذيّ جون ما يعفّينا
وفي شعر الأعشى الباقر العثل حيث قال:
(2/658)

إني لعمر الذي حطت مناسمها ... تخدي وسيق إليه الباقر العثل
قال أبو عبيدة: العثل الكثير، ولم أره يحفظ في بيت ابن أحمر غير هذا، وأنبأني غيره أن الحرباء تخضر غباغبه من الشمس فجعل تلك الخضرة كالقناع له. وقال ذو الرمة:
غدا أصفر الأعلى وراح كأنه ... من الضحّ واستقباله الشمس أخضر
الضح الشمس، والحرباء أعظم من العظاية وهو أغبر ما كان صغيراً ثم يصفر إذا كبر فإذا حميت الشمس عليه أخذ جلده يخضر. وقال ذو الرمة وذكره:
وقد جعل الحرباء يبيض لونه ... ويخضر من لفح الهجير غباغبه
(2/659)

وقال ذو الرمة:
يظل بها الحرباء للشمس ماثلاً ... على الجذل إلا أنه لا كبّر
إذا حول الظل العشي رأيته ... حنيفاً وفي قرن الضحى ينتصر
الظل يكون مع طلوع الشمس إلى زوالها فإذا زالت صار فيئا، يقول: فهذا الحرباء بالغداة يستقبل الشمس إذا طلعت وتلك قبلة النصاري وإذا زالت الشمس يستقبلها وتلك قبلة المسلمين لأن الشمس تدور فهو حينئذ حنيف، والحرباء تراه أبدا إذا بدت الشمس قد ألجأ ظهره إلى جذيل فإن رمضت الأرض ارتفع ثم ينقلب بوجهه مع الشمس كيفما دارت حتى تغرب إلا أن يخاف شيئاً ثم هو شائح بيديه كالمصلوب. قال ذو الرمة:
فلما تقضّت حاجه من تحمّل ... وأظهرن واقلولى على عوده الجّحل
أظهرن دخلن في الظهيرة، واقلولى انتصب، وقال الأصمعي ارتفع، والجحل الحرباء العظيم وهو في غير هذا الموضع اليعسوب، وإنما يرتفع في عوده إذا رمضت الأرض.
(2/660)

وقال أبو النجم:
ترى الحرابيّ به تضرع ... كوافرا للشمس ثم تركع
الحرباء يمد يديه فكأنه يتضرع ويستقبل الشمس ثم يضم يديه فكأنه يركع. وقال:
ويوم قيظ ركدت جوزاؤه ... وظلّ منه هرجاً حرباؤه
أي ركد بارح الجوزاء فلم يهب، والهرج أن يصل الحرّ إلى جوفه فإذا هرج الحرباء الذي حياته بالحر فكيف غيره. وأنشد ابن الأعرابي:
في كل يوم من الجوزاء ذي وهج ... يسبي الوجوه إذا حرباؤه ركدا
يقال سبأته النار وسبته تسبية إذا أحرقته. وقال ذو الرمة:
وآض حرباء الفلاة الأصحر ... كأنه ذو صيد أو أعور
الصيد داء يأخذ في أنوف الإبل فترتفع رؤوسها وهو الصائد أيضاً، يقول فالحرباء قد رفع رأسه ينظر إلى عين الشمس كأن به صيداً أو عوراً لتشاوسه. ومثله لابن أحمر:
متشاوساً لو ريده نقر
وقال الطرمّاح:
(2/661)

وانتمى ابن الفلاة في طرف الجذ ... ل وأعيا عليه ملتحده
انتمى ارتفع، وابن الفلاة الحرباء، والجذل العود والشجرة، ملتحدة ملجأه ومعدله.
وقال آخر وهو قيس بن الحدادية الخزاعي:
أنّي اتيح له حرباء تنضبة ... لا يرسل الساق إلا ممسكاً ساقا
تنضبة شجرة، والحرباء إذا لجأ إلى شجرة فزالت الشمس عنها تحول إلى أخرى أعدها لنفسه وهذا مثل يضرب للمحلف أي انه لا يدع حاجة إلا سأل أخرى. وقال الأخطل:
أجزت إذا الحرباء أوفى كأنه ... مصل يمان أو أسير مكبل
جعله يمانياً لاستقباله الشمس وشبهه بالأسير لأنه منتصب لا يبرح.

الأبيات في الحية
قال النابغة:
(2/662)

فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرفش في أنيابها السم ناقع
ضئيلة أفعى وذلك أنها دقيقة قليلة اللحم، تقول العرب: سلط الله عليه أفعى حارية، يريدون أنها تحري أي ترجع من غلظ إلى دقة ومن طول إلى قصر، وذلك أنه يذهب تقادمها رطوبتها ويشتد سمها إذا أسنت. وقال آخر في ذلك ويروي للنابغة الذبياني:
حارية قد صغرت من الكبر ... صل صفّاً ما ينطوي من القصر
وقال آخر وهو جاهلي فيما قال الجاحظ:
أنعته من حنش أفعى أصم ... قد عاشن حتى هو لا يمشي بدم
فكل ما أفضل منه الجوع سم
قال: الأفعى إذا هرمت أقنعها النسيم ولم تشته الطعم، ويقال: إنه ليس في الحيوان شيء أصبر على الجوع منها. وقال النابغة:
تناذرها الراقون من سوء سمّها ... تطلقه حيناً وحينا تراجع
ويروي: من شر سمها، ومن سوء سمعها، يريد أنها لا تسمع الرقية، ويقال لها صلّ إذا كانت كذلك، تطلقه يعني الملسوع أي تخف عنه تارة وتشتد عليه تارة وكذلك السليم. وأنشد الأصمعي للمزق العبدي:
كما تعتري الأهوال راس المطلّق
(2/663)

يسهّد من نوم العشاء سليمها ... لحلى النساء في يديه قعاقع
كانوا يجعلون الحلى في يدي السليم والخلاخل يحركونها لئلا ينام فيدب السم فيه.
وقال أعرابي:
ترى في بياض الصبح وجه سليمه ... كأن به آثار شام مولّع
وهذه صفة وجه السليم. وقال ذو الرمة:
وكم حنش ذعف اللعاب كأنه ... من الشرك العامي نضو عصام
بأغبر مهزول الأفاعي مجنّة ... سماوته منسوجة بقتام
الحنش الأفعى، وذعف قاتل، يقال موت ذعاف أي سريع الإجهاز، والعصام حبل القربة، والنضو الخلق، شبه الأفعى بذلك، وقوله بأغبر أي هذا الحنش بموضع أغبر لا ماء فيه، وأفاعيه مهزولة لأنها في جدب فهو أخبث ما يكون لها، مجنة ذات جن.
وقال يذكر القانص وقترته:
يبايته فيها أحمّ كأنه ... إباض قلوص أسلمته حبالها
وقرناء يدعو باسمها وهو مظلم ... له صوتها إرنانها وزيا لها
أحم يريد حية إلى السواد ما هو، والإباض حبل يشد على مأبض البعير في رسغه، أسلمته يريد أنه انحلّ فبقي ينجرّ، وقرناء أفعى ذات قرون، وهو مظلم أي داخل في ظلمة، له صوتها يقول يبين له وذلك أن لها حفيفاً إذا مشت لخشونة جلدها.
(2/664)

وقال الراعي وذكر القانص في قترته:
تبيت الحية النضناض منه ... مكان الحب يتسع السرار
النضناض القلق الذي لا يثبت، ويقال هو الذي يحرك لسانه، ويريد أن الصائد في قفر.
وقال أبو النجم:
وباتت الأفعى على محفورها ... باللجف من تصغيرها
أراد باتت الأفعى على محفورة لها والمحفورة الحفرة لها لا تباليها وهو مصدر في معنى مفعول مثل ميسور ومعسور باللجف أي بالموضع الذي لجفه الصائد، تستحييه لا تقدم عليه من تصغيره لها، وهذا مثل.
تأشيرك يحتكّ في تأشيرها ... مرّ الرحا تجري على شعيرها
يقول تدب وتلتوي وجلدها خشن مثل المنشار فله صوت كصوت رحى تطحن شعيراً.
ومثله له:
تحكي له القرناء في عرزالها ... مرّ الرحا تجري على ثفالها
عرزالها موضعها. وقال وذكر الحر:
(2/665)

وأجمت أحناشه العرزالا
يقول جاء الحر وبرد لها باطن الأرض فكرهته.
توعده بالأخذ أو هريرها ... تضّرم القصباء في تنّورها
أي تقبل إليه فكأن ذلك إيعازاً لها بأن تأخذه وتوعده بصوتها أيضاً وذلك الصوت كتضرم النار في القصب في تنور وللنار في القصب حفيف.
يوقر النفس على توقيرها ... يعلم أن لا شيء في تنغيرها
يقول يوقّر النفس على أنها وقور يعلم أن لا شيء يضرها في تنغير الحية وهو تغضبها مع القدر.
في عاجل النفس وفي تأخيرها ... متى يمت يحي إلى نشورها
يقول لا يضره ذلك في عاجل حتف النفس وفي آجله لأنه موقن بالقدر وعالم بأنه مبعوث بعد الموت، ويقال: بل أراد متى يمت الصائد أي ينام ينتبه بنشور الحية أي بانتشارها ومرها وجلدها لخفة رأسه. وقال آخر وذكر حية والبيت لموسى بن جابر الحنفي:
طرد الأروى فما تقربه ... ونفي الحيات عن بيض الحجل
خص الأروى لأنها تأكل الحيات: وقال خلف الأحمر:
(2/666)

أبى الحاوون أن يطأوا حماه ... ولا تسري بعقوته الذئاب
سئل خلف عن ذلك فقال: لأن الذئاب تأكل الحيات، ولا نعلم أن أحداً قال ذلك، والذئاب تأكل الضباب. وقال جرير لمجاشع:
أيفايشون وقد رأوا حفّاثهم ... قد عضّه فقضي عليه الأشجع
يفايشون يفاخرون، والحفاث حية لا سم لها تأكل الفأر، والأشجع الشجاع من الحيات، جعل الفرزدق حفاثاً ونفسه شجاعاً. وقال الشماخ:
لا تحسبني وإن كنت امرءً غمراً ... كحية الماء بين الطيّ والشيد
حية الماء لا سم لها ولا تضر، والشيد الجص، والطي طي البئر. وقال الأخطل:
فثم قالوا أنام الماء حيته ... وما يكاد ينام الحية الذكر
فعظم كما ترى شأن حية الماء. وقال عبد الله بن همام السلولي في مثله:
كحية الماء لا تنحاش عن أحد ... صلب المراس إذا ما حلّت النطق
وقال آخر وذكر ناقته وروى الجاحظ هذا البيت لطرفة:
تلاعب مصنى حضرميّ كأنه ... تمعّج شيطان بذي خروع قفر
(2/667)

يعني زماماً شبه يلويه بتلوي حية، شيطان حية قبيح المنظر خفيف الجسم.
وقال آخر وذكر امرأة:
عنجرة تحلف حين أحلف ... كمثل شيطان الحماط أعرف
عنجرة سليطة، والحماط شجرة الواحدة حماطة وهم يقولون: كأنه شيطان حماطة، يريدون الحية كما يقولون ذئب الغضا، وذئب الخمر، وأرنب الخلة، وتيس الربل، وتيس الحلّب، وضب السحاء. وهي بقلة تحسن حاله عن أكله، وقنفذ برقة كأنه يكون أخبث وأعرف له عرف. وقال كعب بن زهير:
كأن شجاعى رملة درجا بها ... فمرا بنا لولا وقوف ومنزل
يعني الزمام والجديل شبهها بشجاعين، أي لولا وقوف ومنزل لقالوا حيتين، وقال الشماخ:
وكلهن يباري ثني مطّرد ... كحية الطود وليّ غير مطرود
يباري يعارض، ثنى مطرد يعني زماماً طويلاً، وشبهه بحية الطود وهو الجبل لأنه في خشونة فهو يتلوى إذا مشى وجعله غير مطرود لأنه أراد أنه لم يطرد فيستعجل ويمر مرا مستقيما وشبه اضطراب زمامها إذا هي سارت بذلك. وقال آخر:
تلاعب مثنى حضرميّ كأنّه ... حباب نقاً يتلوه مرتحل يرمي
(2/668)

حباب نقا حية رمل فهو ألين الرمل يتثنى وإن كان مذعوراً مطروداً. وقال ذو الرمة:
كأن حبابي رملة حبوا لها ... بحيث استقرت من مناخ ومرسل
حبوا دنوا، مرسل أرسلت، شبه الزمام والخطام بحيتين، وقال ذو الرمة:
وأحوى كأيم الضال أطرق بعدما ... حبا تحت فينان من الظل وارف
أحوى يعني زماماً شبهه بحية، الضال السدر البري، أطرق بعدما حبا أي سكن بعد دنوه، والفينان الشجر الظليل، الوريق، وارف يكاد يقطر من النعمة، ولخضرته يقال هو يرف.
وقال المرار بن سعيد الفقعسي:
كأن لدى ميسورها متن حية ... تحرك مشواها ومات ضريبها
مشواها بدنها كله غير الرأس لأن بدنها إذا ضرب كل شوى أي خطأ ليس هو مقتلها، يقال رميت فأشويت إذا أخطأت المقتل، والضريب الرأس لأنه مقتلها، فشبه الزمام بحية هذه صفتها. وقال الفرزدق:
كأن أراقماً علّقت براها ... معلقة إلى عمد الرخام
شبه الأزمة بالحيات وأعناقها بعمد الرخام. وقال كثير:
(2/669)

كأنك مردوع بشّن مطّرد ... يقارفه من عقدة البقع هيمها
مردوع منكوس. وقال قيس بن ذريح:
فوا كبدي وعاودني رداعي ... وكان فراق لبنى كالخداع
وشسّ أرض كثيرة الحمّى، يقارفه يخالطه وأراد تلسعه، عقدة جماعة شجر، والبقع الحيات، والهيم العطاش. وقال آخر يذكر حاوياً:
يدعو به الحية في أقطاره ... فإن أبي شم سفا وجاره
يشم تراب الجحر ليعلم أهو أفعى لا تجيب الرقية أم حية وريح كل واحدة منهما معروف.
وقال كثير:
وسودا مطراق إلى آمن الصفا ... أنيّ إذا الحاوي دنا افصدي لها
صد لها أي صفق لها، والحية مثل الضب والضبع إذا سمعا اللدم والهدّة والصوت الشديد خرجا ينظران، والحاوي إذا دنا من الجحر صفق بيديه ورفع صوته وأكثر من ذلك حتى تخرج الحية كما يخرج الضب والضبع. قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه " لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم فتخرج فتصاد " ثم قال كثير:
كففت يداً عنها وأرضيت سمعها ... من القول حتى صدقت ما وعى لها
(2/670)

وقال آخر:
ولو أخاصم أفعى نابها لثق ... أو الأساود من صم الأهاضيب
لكنتم معها ألباً وكان لها ... ناب بأسفل ساق أو بعرقوب
العرب تقول: فلان أظلم من حية، لأنها لا تتخذ لنفسها بيتاً وكل بيت قصدت نحوه هرب منه ما فيه وتركه لها إلا الورل فإنه يأكل الحيات وهو ألطف بدناً من الضب وبراثنه أقوى من براثن الضب لأنه لا يحفر بها بنفسه كما يحفر الضب إبقاء عليها وربما أخرج الضب من بيته واستولى عليه ولذلك يقال أيضاً: أظلم من ورل، وهم يقولون أيضاً: أضل من حية، لأنها إذا خرجت من جحرها ثم وجدت جحراً دخلته ولم تعد إلى الأول. وقال آخر الكذاب الرمازي:
يا ابن المعلى نزلت إحدى الكبر ... أنت لها منذر من بين البشرى
داهية الدهر وصماء الغبر
وقال يونس: داهية الدهر الحية كنيت بذلك لأنها ربما سكنت بقرب ماء إما غدير أو عين فتحمي ذلك الموضع وربما غير ذلك الماء في ذلك المنقع حينا وقد حمته، وقالوا: داهية صماء الغبر، تشبيهاً لها بالحية، وقالوا: صمام أيضاً تشبيهاً لها بالأفعى الصماء، وإنما قيل لها صماء لأنها لا تجيب الراقي فشبهت بالأصم كما قيل في الظلم أيضاً
(2/671)

لأنه لا يسمع لشراده وشدة نفاره. وقال الشاعر وذكر أفعى:
وتارة تحسبه ميتاً ... من طول إطراق وإسبات
أصم أعمى لا يبجيب الرقى ... يفتّر من عصل حديدات
فجعله أعمى لطول سباته وإطراقه كما جعله أصم لأنه لا يجيب الرقي.
وقال أعرابي يصف عين الأفعى والبيت للراعي:
ويدني ذراعيه إذا شاء سادراً ... إلى رأس صل قائم العين أشنع
يقال إن عين الأفعى لا تدور والمقلة لا تزول. وقالت أعرابية جاهلية تصف أفعى:
وتدير عيناً للوقاع كأنها ... سمراء طاحت من نفيض برير
إنما أرادت أنها تنظر يميناً وشمالاً لأن المقلة لا تزول والحية تبدي السلخ من ناحية عيونها في الربيع والخريف ولذلك يظن من يعاينها في ذلك الوقت أنها عمياء. وقال عنتر
(2/672)

له ربقة في عنقه من قميصه ... وسائره عن متنه قد تقدّدا
رقود ضحيّان كأن لسانه ... إذا سمع الأجراس مكحال أرمدا
والحية مشقوقة اللسان سوداؤه. وقال كثير يمدح:
يجرّر سربالاً عليه كأنه ... سبيّ هلال لم يفتّق شنائقه
يريد يجر قميصاً كأنه سبي هلال أي جلد حية، والهلال الحية شنائقه دخاريصه صيرها شنائق لأنها معلقة. وقال آخر وذكر النثرة وهي نجوم من الأسد:
في نثلة تهزأ بالنصال ... كانها من خلع الهلال
وقال رؤبة يذكر النساء:
لا تمكن الخنّاعة الناموسا ... وتحصب اللعابة الجاسوسا
بعشر أيديهن والضغبوسا ... حصب الغواة العومج المنسوسا
الخناعة التي تخنع أي تخضع وتدنو منهن بالريبة، والناموس الخادع الذي يسر الأحاديث ويهمس، والجاسوس الذي يتجسس منهن مالاً يرين، بعشر أيديهن أي تجدّ في ذلك كما قال:
شد بعشر حبله المخموسا
والضغبوس الضعيف من الرجال، والعومج الحية، والمنسوس
(2/673)

المسوق يقال نسه أي ساقة، يريد الطرود. وقال معقل بن خويلد:
أبا معقل لا توطئنك بغاصتي ... رؤوس الأفاعي في مراصدها العرم
يقول لا يحملنك بغضي على أن تقتل نفسك وتهلكها، والعرم القرط يقال: شاة عرماء، أراد رؤوس الأفاعي العرم في مراصدها ومراصدها حيث ترصد، يقال أنها تظهر مع أول الليل على قارعة الطريق وتستدير وتشخص رأسها معترضة لأن يطأها إنسان أو دابة فتنهشه.
وقال الكميت:
وإياكم إياكم وملّمة ... يقول لها الكانون صمى ابنة الجبل
ابنة الجبل الأفعى وهم، يشبهون الداهية بها، ومن أمثالهم: صمى صمام، و: صمى ابنة الجبل، و: جاء بالحية، وجاء بأم الرّبيق على أريق، وأم الربيق الحية، وجاء بأم بنات طبق، يضربون هذا مثلاً في الدواهي وأصله من الحيات. وقال آخر:
ألوى حيازيمي بهن صبابة ... كما يتلوى الحية المتشرق
والحية موصوفة بالصرد ويصيبها برد السحر فإذا طلعت الشمس تشرقت وتلوت في تشرقها.
وقال آخر:
قلائصاً مثل الأفاعي زلاً ... جمعن عزا وجمعن ذلا
(2/674)

هكذا صفة الأفعى لأنها أبداً نائمة مسبوتة فإن أنكرت شيئاً نهشنه كالبرق الخاطف في السرعة وقال آخر:
حتى إذا تابع ين سلخين ... اقبل وهو واثق بثنتين
بسمّة الرأس ونهش الرجلين
ذهب إلى آن لا يكون قاتلاً حتى تأتي عليه سنتان. وقال آخر:
ثم دنا من رأس نضناض أصم ... فحاصه بين الشراك والقدم
بمذرب أخرجه من جوف كم
قال: أنياب الأفاعي مصونة في أكمام ما لم تعض وكذلك مخالب الأسد لها كالغلف، قال أبو زبيد:
بحجن كالمحالق في فتوخ ... يقيها قضة الأرض الدخيس
وقال البعيث يهجو رجلاً:
مدا من جوعات كأن عروقه ... مسارب حيات تسرّبن سمسما
يقول هو بادي العروق من سوء الحال فكأنها ممرّ حيات، تسربن سمسما أي انسبن، وسمسم مكان، ويروي: تشربن سمسما، أي سمّاً.
(2/675)

الأبيات في العقارب
قال بعض بني نصر بن الحجاج السلمي:
وداري إذا نام جيرانها ... تقيم بها الحدود العقرب
إذا غفل الناس عن دينهم ... فإن عقاربنا تضرب
نزل بهم ضيف فدّب إلى بعض أهل الدار فضربته عقرب على مذاكيره فمات.
وقال إياس بن الأرّت:
كأن مرعى أمكم إذ بدت ... عقربة يكونها عقربان
كل امرىء قد يتّقي مقبلاً ... وأمكم صولتها بالعجان
العقربان الذكر من العقارب وأدخل الهاء في عقربة ضرورة: وقال آخر وهو الفضل بن العباس اللهبي:
كل عدو يتقي مقبلاً ... وعقرب تخشى من الدابره
ومن أبيات اللغز:
وحاملة لا يكمل الدهر حملها ... تموت وينمي حملها حين تعطب
هذه العقرب وذلك أن أولادها تأكل بطنها فيكون عطبها في أولادها.
(2/676)

وقال الشماخ في ذكر الحمار والأتان:
وحمت على أن قد يقرّ بعينها ... تشميم كل ثرى كبيت العقرب
وحمت حملت واشتهت على حملها كل شيء، أي تشم كل موضع بالت فيه، وشبه ذلك ببيت العقرب في صغره ولاجتماع ترابه. وقال أبو النجم:
ونّس وغرات المصيف العقربا
نّس طرد، ووغرة الحر شدته، يقول: جاء الصيف فخرجت الهوام.

الأبيات في ضروب من الهوام
قال أرابي وذكر إبلاً والرجز لشبيب بن البرصاء:
تخالها من سمن استيقار ... دبّت عليها عارمات الأنبار
وقال آخر:
هل الله من شر العداة يريحني ... ولما تقسّمني النبار الكوانس
وقال ساعدة بن جؤية وذكر سيفاً:
ترى أثره في صفحتيه كأنه ... مدارج شبثان لهن هميم
(2/677)

أثره فرنده، شبثان جمع شبث وهو دويبة في الرمل، هميم دبيب سمعت أعرابية تقول: همّمى في رأسي أي دبي بيدك في رأسي. وقال آخر:
بئس قوم الله قوم طرقوا ... فقروا أضيافهم لحماً وحر
يريد دبّت عليه الوحرة وهي دويبة كالعظاءة حمراء تلزق بالأرض ومنه قيل: وحر الصدر ذهبوا إلى لزوق الحقد بالصدر كالتزاق الوحرة بالأرض، كما قيل للحقد ضب.
وقال ذو الرمة:
ومكنية لم يعلم الناس ما اسمها ... وطئنا عليها ما نقول لها هجراً
يعني أم حبين ويقال لها حبينة، قال مدني لأعرابي: وما تأكلون وما تدعون؟ فقال: نأكل ما دبّ ودرج ألا أم حبين، فقال المدني لتهن أم حبين العافية. ويقال إنها تسمى هيشة وأنشد:
أشكو إليك زماناً قد تعرّفنا ... كما تعرّق رأس الهيشة الذيب
وقال جرير:
يقول المجتلون عروس تيم ... شوى أم الحبين ورأس فيل
(2/678)

وقال أيمن بن خريم:
وخيل غزالة تنتابهم ... تجوز العراق وتجبي النبيطا
تكرّ وتجحر فرسانهم ... كما أحجر الحية العضرفوطا
العضرفوط دويبة تذكر الأعراب أنه لم يبل قط الأشغر ببوله تلقاء القبلة والحية تأكله، ويقال إن العضرفوط ذكر العظاء عن أبي زيد. وقال الراعي يذكر بعيراً:
تبيت بنات الأرض تحت لبانه ... بأجنف من أنقاء وهبين هائل
بنات الأرض دوابها، وأجنف رمل مائل، وقال ذو الرمة:
خراعيب أملود كأن بنانها ... بنات النقا تخفى مراراً وتظهر
بنات النقا دواب تكون في الرمل يقال لها: شحمة الأرض وهي بيضاء حسنة يشبه بها الأصابع وهي تغوص في الرمل وتسبح فيه سباحة السمكة في الماء، وقال مزرد وذكر إبلاً ذهبت كان صاحبها
(2/679)

مستجيراً:
ولو في بني الثرماء حلّت تحدّبوا ... عليها بأرماح حداد الحدائد
ولكنها في مرقب متناذر ... كأن بها منه قروض الجداجد
المرقب الموضع المرتفع، والتناذر المتحامى، والجداجد جمع جدجد وهو الذي يصر بالليل، وقال ذو الرمة:
كأنا يغني بيننا كل ليلة ... جداجد صيف من صرير المآخر
شبه صرير مآخر الرحل بأصوات الجداجد ونسبها إلى الصيف لأنها لا تصبح إلا في الصيف. وقال آخر:
وحمش القوائم حدب الظهور ... طرقن بليل فأرقنني
يعني البراغيث. وقالت إمرأة لزوجها.
لقد وقع الحرقوص منى موقعاً ... أرى لذّة الدنيا إليه تصير
الحرقوص دويبة أكبر من البرغوث وعضه أشد من عض البرغوث وربما نبت له جناحان، وأرادت المرأة أنه يدخل فرجها. وقال الطرماح:
ولو أن حرقوصاً على ظهر قملة ... يكّر على صفّى تميم لولّت
وقال الفرزدق لجرير:
إنا لنضرب رأس كل قبيلة ... وأبوك خلف أتانه يتقمّل
يهز الهرانع عقده عند الخصى ... بكذل حيث يكون من يتذلل
(2/680)

يهز ينزع، والهرانع القمل واحدتها هرنع، عقده يعني عقد ثلاثين وأنشد ابن أعرابي لشداد بن معاوية:
قتلت سراتكم وحسلت منكم ... حسيلاً مثل ما حسل الوبار
الحسل والحسيل الرذال، يقول قتلت سراتكم وتركت رذالكم الذين ينفون كما ينفي الوبار.
ومما يتمازح الأعراب.
قد هدم الضفدع بيت الفأره ... فجاءت الزغب من الوبارة
وكلهم يشتد بالحجارة
يقال هذا في تصغير الأمر وتوهين من يسعى فيه. وقال جرير.
تطلّى وهي سيئة المعّرى ... بصن الوبر تحسبه ملابا
من الوبر وهو شديد النتن. وقال بعض العبديين:
إلا تنهي سراة بني حميس ... شويعرها فويلية الأفاعي
قبيلة تردد حيث شاءت ... كزائدة النعامة في الكراع
فويلية الأفاعي دويبة سوداء فوق الخنفساء.
وقال كعب بن زهير يصف الصائد:
لطيف كصداد الصفا لا يغرّه ... بمرتقب وحشيّة وهو نائم
(2/681)

الصداد دويبة يقال إنها سام أبرص، ويقال ليست به ولكنها تشبهه، لا يغتره لا يغتر، وحشي ما يرتقب يعني الصيد فيأتيه نائماً ولكنه يجده أبداً يقظان، والهاء في وحشيه للمرتقب أي لا يغره صيده. وقال ابن مقبل وذكر نعاجاً.
كأن نعاجها بلوى سمار ... إلى الخرماء أولاد السمال
السمال بقايا الماء في الغدران، وأولادها أبناء الماء يعني الدعاميص. وقول جرير:
وقد يقرض العثّ ملس الأدم
العث دويبة صغيرة تقرض الأديم ليس لها خطر ولا قوة بدن، وقال الآخر:
ترّقش العث في ظهر الأديم فما ... نالوا بذلكم تقوى ولا نشبا الترقش التحرك:

الأبيات في الشاء والمعز
قال الحارث بن حلّزة:
(2/682)

عننا باطلاً وظلماً كما تعتر عن حجرة الربيض الظباء.
عننا اعتراضاً بادعاء الذنوب، والعتر الذبح والعتيرة الذبيحة في رجب. والحجرة الحظيرة تتخذ للغنم، والربيض جماعة للغنم، وكان الرجل من العرب ينذر على شائه إذا بلغت مائة أن يذبح عن كل عشرة منها شاة في رجب وكانت تسمى تلك الذبائح الرجبية وكان الرجل ربما بخل بشاته فيصيد الظباء ويذبحها عن غنمه في رجب ليوفي بها نذره، فقال: أنتم تأخذوننا بذنوب غيرنا كما ذبح أولئك الظباء عن غنمهم. وقال ابن أحمر:
تهدى إليه ذراع الجدي تكرمة ... إما ذكياً وإما كان حلانا
الذكي الذي يذكى بالذبح، والحلان يقال إن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا ولد له جدي حزّ في أذنه حزاً أو قطع منها شيئاً: وقال: اللهم إن عاش فقنى وإن مات فذكى، فإن عاش الجدي فهو الذي أراد وإن مات قال كنت ذكيته بالحز فاستجاز أكله كذلك، ويروى " إما ذبيحاً " والذبيح الذي قد أسن وأدرك أن يضحى، وهو أيضاً الذبح، ومن روى هذه الرواية فتفسير الحلان أنه الصغير، ويقال حلام أيضاً، يريد إما صغيراً أو كبيراً. وقال الحطيئة:
فما تتام جارو آل لأى ... ولكن يضمنون لها قراها
(2/683)

تتام من التيمة وهي الشاة التي تكون للمرأة أو الرجل يترببها فإذا جاءت المجاعة ذبحها ضرورة، يقال منه أتّامت تتام اتّياماً إذا ذبحتها يقول: فجارتهم لا تضطر إلى تيمتها لأنهم يكفونها. وقال عروة بن الورد:
إذا ما جعلت الشاة للقوم خبرة ... فشأنك، إني ذاهب لشؤوني
الخبرة أن يشتري للقوم جماعة فيقتسمونها. وقال غسان بن ذهيل يهجو جريراً:
وما يذبحون الشاة إلا بميسر ... طويلاً تناجيها صغاراً قدروها
يقول يشتركون فيها، والميسر إنما يكون في الجذور وهو القمر، طويلاً تناجيها أي مشاورة بعضهم بعضاً في ذبح الشاة إذا أرادوه ونحو منه قول خداش بن زهير:
إذا اصطادوا بغاثاً شيّطوه ... وكان وفاء شأنهم القروع
يقول كان وفاء أمرهم الذي هم فيه أن يقرعوا على البغاث فيأخذوا أنصباءهم بالقرع، وقال بعض الرواة " وكان وقاء شاتهم القروع " أي يكون هذا البغاث وقاية لشاتهم فلا تذبح والقروع التي يقرعها الفحل ويروى " وقالوا إن شاتكم خلوع " أي سمينة تصلح للخلع أي تشاهدوا عليها بالسمن فلم يذبحوها
(2/684)

واقتصروا على البغاث. وقال خداش:
أغرك إن كانت لأهلك صبّة ... نما الكبش فيها صوفه ورخائله
أبحنا له ما بين بسّ ورهوة ... مشى الكبش معبّراً به ورواغله
صبة قطعة من المعزى، يريد نما صوف الكبش فيها، ورخائله جمع رخالة الواحدة رخل، بس ورهوة موضعان، مشى الكبش كثر نتاجه، يقال كم مشت هذه النعجة؟ أي كم لها من الولد ويقال أمشى الرجل إذا كثرت ماشيته. وقال النابغة:
وكل فتى وإن أمشى فأثرى ... ستخلجه عن الدنيا منون
ويقال مشت الماشية إذا كثرت. ومنه قول الآخر:
لا تأمرنيّ ببنات أسفع ... فالعين لا تمشي مع الهملّع
بنات أسفع الغنم وأسفع كبش، لا تمشي لا تكثر، والهملع الذئب والعين الغنم، وقول خداش، معبّراً أراد معبراً فشدد، يقال كبش
(2/685)

معبر إذا ترك سنتين أو ثلاثاً لا يجز صوفه، ورواغله فيه قولان قال أبو عبيدة: أراد وغنمه التي تأكل الرغل وهو نبت، وقال: الرواغل الرواضع من أولاد شائه، يقال رغل أمه يرغلها. وقال الكميت:
ولو ولي الهوج الثوائج بالذي ... ولينا به ما دعدع المترجل
الهوج الغنم، الثوائج من الثؤاج وهو صوت الضأن، واليعار للمعز، دعدع زجر، والمترجل الذي يرجل البهم عن أمهاتها يدعها ترضع كيف شاءت، ويروى " المترخل " وهو صاحب الرخال، ويقال رخل. قال ذو الرمة:
أغر هشاماً من أخيه ابن أمه ... قوادم ضأن يسّرت وربيع
تباعد مني أن رأيت حمولتي ... تدانت وأن أحيا عليك قطيع
القوادم للنوق فاستعاره للضأن، يسرت صار لها لبن، يقول لما أيسر ترك أخاه، تدانت قلت، احيا عاش. وقال ذو الإصبع:
لم عقلا جفرا عليّ ولم ... أوذ صديقاً ولم أنل طبعاً
الجفر لا تعقل وهي الشاة إذا أكلت الكلأ وانتفجت، وهذا
(2/686)

مثل، وإنما أراد لم تعقلا بكرة علي، أي لم تحبساها عليّ لتعقلا عني، والطبع الدنس وتلطخ العرض، طبع السيف إذا صديء.
وقال آخر:
ما زلت منذ أشهر السفّار أنظرهم ... مثل انتظار المضحيّ راعي الغنم
أشهر السفار أتى لهم شهر، أنظرهم انتظرهم، والفار جمع سافر مثل كافر وكفار، والمضحيّ الرجل تكون له غنم فيغدو فيها ويحبس راعية لحاجة فهو ينتظر الراعي ليجيء إليها فينصرف، وإنما إغا حرصاً على آن يصيب غنمه بقدر ما يقضي راعيها حاجته وقد خرج لم يأكل ولم ينتعل ولم يتأهب للرعي فهو غرض كثير التلفّت إلى الموضع الذي يقبل منه الراعي، يقول فأنا مثل هذا ضجر. وقال آخر:
أبني إن العنز تمنع جارها ... عن أن يبيّت جارها بالنئطل
يقول جار العنز يستغني بلبنها إذا نزل به ضيف عن أن يبيته بسوء أو مكروه، والنئطل الداهية. وقال آخر:
تعيرني تركي الرماية خلتي ... وما كل من يرمي الوحوش ينالها
فإلا أصادف غرة الوحش أقتنص ... من الأنسيات العظام جفالها
من الأنسيات من الضأن التي هي للإنس، أقتنص، أصيد، يريد
(2/687)

أنه يسرقها، والجفال الصوف. وقال آخر:
وسودا من شاء الموالي سمينة ... يبكّى عليها، اسود الرأس ذيبها
حلفت لهم بالله إني لجاهد ... وجهدي أن قد بات عندي غبيبها
أسود الرأس يعني أنه سرقها إنسان، غبيبها ما غب منها، أي حلفت لهم أني جاهد في طلبها - وجهدي أني سرقتها. وقال آخر يصف شاة:
تمسح وجه الحالب الرفيق ... بلين المسّ قليل الريق
أي تمسح وجه حالبها بلسانها، وقوله قليل الريق يعني أنها شابة وإذا أسنت سال لعابها وكثر. وقال الفرزدق لجرير:
وأنت تسوق بهم بني كليب ... تطرطب قائماً تشلي الحوارا
الطرطبة دعاء البهم، والحوار اسم فل كان لجرير في غنمه، تشلي تدعو إليك.
وأنشد الأصمعي:
فمرّ ولما تسخن الشمس غدوة ... بذرآء تدري كيف تمشي المنائح
الذرآء الشاة التي بأذنها ووجهها نقط بيض، ويقال للرجل غشيته ذرأة إذا ابيض موضع جلحه، وقوله: تدري كيف تمشي المنائح
(2/688)

يقول منحت كثيراً أي أعيرت فإذا منحت سامحت بالمشي فعلمت كيف تمشي، وأصل المنح العارية فغلب عليه، من كثرة ما جرى صار هبة وأصله أن يعطيه إبلا يشرب ألبانها. وقال الأخطل:
واذكر غدانة عدّانا مزنمة ... من الحبلّق تبنى حولها الصير
تمذي إذا سخنت في قبل أذرعها ... وتزرئم إذا ما بلّها المطر
عدّان جمع عتود أدغمت التاء في الدال، والحبلّق غنم صغار، والصير جمع صيرة وهي حظيرة الغنم شبههم بها، وهي إذا أصابها الحر أمذت فيصيب أذرعها، وتزرئم أي تنقبض إذا أصابها المطر. وقال آخر:
أحيان بن عثمان بن لؤم ... عتود في مفارقه يبول
التيس يقزح ببوله في خيشومه ومفرق رأسه. وقال حسان يهجو قوماً:
إذا جلسوا وسط النديّ تجاوبوا ... تجاوب عتدان الربيع السوافد
قال ابن أحمر:
إني وجدت بني أعيا وحاملهم ... كالعنز تعطف روقيها فترتضع
العنز ترضع من خلفها وهي محفلة فربما أتت على كل ما في ضرعها.
وقال الفرزدق يذكر مهور نساء بني كليب.
(2/689)

وفينا من العزى تلاد كأنها ... ظفارية الجزع التي في الترائب
يعني جزع ظفار وظفار باليمن، أي هي بلق كأنها جزع. وقال:
ترى شرط المعزى مهور نسائهم ... وفي شرط المعزى لهن مهور
أي فيها وفاء لهن. وقال الهذلي وذكر شاة. والبيت لأبي العيال الهزلي:
جهراً لا تألوا إذا هي أظهرت ... بصراً ولا من عيلة تغنيني
الجهراء التي لا تبصر في الشمس، يقال كبش أجهر ونعجة جهراء، لا تألوا لا تستطيع، يقال ما آلو كذا أي ما أستطيعه. وقال آخر وذكر غنماً:
يدعونني بالماء ماء أسودا
بالماء حكاية أصواتهن ثم دعا عليهن فقال ماء أسودا أي جعله الله ماء أسوداً في بطونكن.
وقال آخر:
لهفي على عززيّ لا أنساما ... كأن ظلّ حجر صغراهما
وصالع معطرة كبراهما
كأن ظل حجر يريد أنها سوداء، وأنشد:
(2/690)

كأنما وجهك ظلّ من حجر.
أي هو أسود وظل الحجر كثيف ليس كظل الشجر، وعطرة حمراء مأخوذة من العطر، والصالع في الغنم مثل القارح في الخيل والبازل في الإبل. وقال الراعي يهجو رجلاً:
ولكنكما أجدى وأمتع جده ... بفرق يخشّيه بهجهج ناعقه
أي تمتع بفرق من الغنم، والفرق القطيع من الغنم العظيم، وأجدى من الجداء وهي العطية، ويخشيه يفزعه، وهجهج هز الغنم، والناعق الراعي الذي يصوت بالغنم. أدحى اسم ناقة، أما في الجوالق الميرة، فقال صاحبها:
تقول عجوزي واشتكت بعض حالها ... وكم قدر رأينا من مبسّ وناعق
الإبساس دعاء الإبل، والنعق بالضأن.
أريتك إن قام الخليط فزالها ... كما كنت القي من مانع وطارق
أتر عينها إن فرق الحي نية ... وكل خليل ذات يوم مفارق
زالها فرقها ويقال أزلت الشيء وزلته، وأنشد ابن الأعرابي:
إذا الثويّ كثرت ثوائجه ... وصار من تحت الكلى نواتجه
(2/691)

يريد أن الغنم إذا أجدبت فخيف عليها الموت شقوا بطونها واستخرجوا أولادها فغذوها لئلا تموت في أجواف أمهاتها، والعرب تقول.
رمدّت المعزى فرنّق رنّق ... رمدت الضأن فربّق ربّق
وذلك أن المعزى تدفع في أول حملها فيقول: انتظر الولاد وإن أبطأ فهو كماء يرنق وهو رقرقته، والضأن لا تدفع إلا عند الولاد فإذا رمّدت الضأن فهي الأرباق لأولادها. وتقول: المعزى تبهي ولاتبني، تبهي تخرق وتقطع، ولا تبني أي لا يفيد منها ما يبني به كما تفعل الضائنة، يقال أبنيت فلاناً بيتاً إذا أفدته إياه وأعنته على عمله قال أبو زيد، بهى البيت بهاء إذا تخرق، والعنز تصعد على ظهور الأخبية فتقطعها بأظلافها والنعجة لا تفعل ذلك وبيوت العرب إنما تعمل من الصوف والوبر ولا تعمل من الشعر، والمعزى تخرق ولا يصلح شعرها لعمل البيوت. ويحكون عن البهائم قالوا قالت الضائنة، أولد رخالا، وأجز جفالا وأحلب كثبا ثقالا، ولم تر مثلي مالا. جفالا تقول أجزّ بمرة وذلك أن الضائنة إذا جزت فليس يسقط من صوفها شيء إلى الأرض حتى يجز كلها، والكثب جمع كثبة وهي قد رحلبة، وما صب في شيء فقد انكثب فيه، ومنه سمي
(2/692)

الكثيب من الرمل لأنه انصب في مكان فاجتمع فيه. وقال دغفل بن حنظلة في بني مخزوم: معزى مطيرة، عليها قشعريرة، إلا بني المغيرة، فإن فيهم تشادق الكلام، ومصاهرة الكرام. والعرب تقول: أصرد من عنز جرباء. وقيل لابنة الخس: ما تقولين في مائة من المعزى؟ فقالت: فناء، قيل: فمائة من الضأن؟ قالت: غني، قيل: فمائة من الإبل؟ قالت: منى. وقالوا: العنوق بعد النوق، والعنوق جمع عناق، يراد الصغير بعد الكبير. وقيل لأعرابي بأي شيء تعرف حمل شاتك، قال: إذا ورم حياؤها ودجت شعرتها واستفاضت خاصرتاها وكثفت، يقال كان ذاك وقد دجا ثوب الإسلام. وقال آخر:
إني إذا شاركني في جسمي ... من ينتفي مخي ويبري عظمي
لم أطلب الدنيا بثأر البهم
يقال أراد الحمى، ويقال أراد الكبر. وقال حميد بن ثور وذكر بعيراً:
محليّ بأطواق عتاق يبينها ... على الضرّ راعي الضأن لا يتقوّف
(2/693)

خص راعي الضأن لجفائه وجهله بأمر الإبل، يقال في المثل: أجهل من راعي ضأن، لا يتقوف من القيافة، أي لا يطلب أمراً يستدل به على نجابته لأن النظر إليه يدل عليه. وقال آخر ويروي لذي الرمة:
كأن القوم عشوا لحم ضأن ... فهم نعجون قد مالت طلاهم
وقال أبو ذؤيب وذكر وقتاً من الليل:
إذا الهدف المعزاب صوّب رأسه ... وأعجبه ضفو من الثلّة الخطل
الهدف الشيخ المسن، والمعزاب الذي يعزب عن أهله في الغنم، صوّب رأسه أي نام وأسكنه: ضفو أي اطمأن إلى سعة في ماله يضفو عليه أي يتسع، والثلّة الضأن ولا يكون من المعز.
وروي عن العجاج أنه قال في وصف شاة: حسراء المقدم، شعراء المؤخر، إذا أقبلت حسبتها نافراً، وإذا أدبرت حسبتها ناثراً، أي كأنها تعطس، يقول: من أي أقطارها أتيتها وجدتها مشرفة. الأصمعي: قال أعرابي يهزأ بصاحبه: اشتري لي شاة فقماء تضحك مندلقة خاصرتاها لها ضرع أرقط كأنه ضب، قال وكيف العطل؟ قال: أولهذه عطل؟. العطل طول العنق يقال شاة حسنة العطل قال أبو النجم يذكر فرساً.
(2/694)

عن مفرع الكتفين حلو عطله

الأبيات في الظباء والبقر
قال الشاعر يذكر الظباء:
وينبح الشعب نبحاً كأنه ... نباح سروق أبصرت ما يريبها
وبيضه الهزل المسوّد غيره ... كما ابيّض عن حمض المراضين نيبها
الظبي إذا أسن وصارت لقرونه شعب قيل له أشعب، وقيل له نبّاح وذلك لأن صوته يغلظ، وفيه قول أبي دواد وذكر فرساً:
وقصرى شنج الأنسا ... ء نبّاح من الشعب
والظبي يوصف بشنج النسا، والظبي إذا هزل ابيض وكل أبيض إذا هزل أسود، والبعير يشيب وجهه إذا رعى الحمض. قال آخر:
أكلن حمضاً فالوجوه شيب ... شربن حتى نزح القليب
وقال ابن لجأ:
شابت ولما تدن من ذكائها
وقال عمرو بن قميئة من عبد القيس يذكر وعلاً
فلو أن شيئاً فائت الموت أحرزت ... عماية إذ راح الأرحّ الموقّف
(2/695)

سما طرفه وابيض حتى كأنه ... خصيّ جفت عند الرحائل أكلف
الأرح الذي في ظلفه انفتاح، والموقّف الذي في أرساغه بياض والوقف السوار، وقوله: أبيض - يعني أن الوعل اسن وإذا أسن ابيض، كأنه برذون قد خصي فهو لا يركب، والرحالة سرج من جلود، والكلفة حمرة يدخلها سواد. وقال امرؤ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزع الذي لم يثقّب الظبي والبقرة إذا كانا حيين فعيونهما كلها سود فإذا ماتا بدا البياض وإنما شبهها بالجزع بعدما ماتت فانقلبت عيونها والجزع فيه بياض وسواد. وقال قيس بن خويلد الهذلي:
حتى أشّب لها أقيدر نابل ... يغري ضواري خلفها ويصيد
في كل معترك يغادر خلفها ... زرقاء دامية اليدين تميد
ذكر صواراً، أشب لها قدر لها، أقيدر متقارب الخلق يعني قانصاً، يغادر خلف الكلاب زرقاء يعني بقرة غشي عليها فانقلبت عينها. وقال زهير:
بها العين والآرام يمشين خلفه ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
(2/696)

العين البقر، والآرام الظباء البيض، قال أبو زيد: وهي تسكن الرمل والأدم ظباء طوال الأعناق والقوائم بيض البطون سمر الظهورفي ظهورها جدّتان وهي العواهج وليس الفهد يطمع في الآدم لسرعته. قال أبو زيد: وهي تسكن الجبال والعفر ظباء تعلو بياضها حمرة وكذلك الكثيب الأعفر وهي قصيرة الأعناق وهي أضعف الظباء عدواً، قال أبو زيد: وهي تسكن القفاف وصلابة الأرض. خلفه أي إذا مضى فوج جاء آخر فخلف هذا ذاك، يريد أن الدار أقفرت فصارت الوحش فيها، والطلا ولد البقرة وولد الظبية الصغير، ينهضن من كل مجثم، أراد أنهن ينمن أولادهن إذا أرضعنهن ثم يرعين فإذا ظنن أن أولادهن قد أنفدن ما في أجوافهن من اللبن صوتن لأولادهن فينهضن للأصوات يشربن. ومثله قول ذي الرمة:
لا ينعش العين إلا ما تخوّنه ... داع يناديه باسم الماء مبغوم
وقال امرؤ القيس يصف بقراً:
فأدبرن كالجزع المفصّل بينه ... بجيد معم في العشيرة مخوّل
أي البقر فيها بياض وسواد فشبهه بالجزع، بجيد معم في جيد صبي معم أي كريم الأعمام والأخول، وقوله المفصل بينه أراد أنهن متفرقات كتفرق الجزع الذي جعل وسطه فواصل.
وقال يذكر الفرس:
فألحقنا بالهاديات ودنها ... جواحرها في صرّة لم تذيّل
(2/697)

يقول ألحقنا بالمتقدمات، الجواحر المتأخرات، المجحر المدرك صرّة جماعة، لم تذيل لم تتفرق.
وقال ابن مقبل وذكر امرأة:
ترنو بعين مهاة الرمل أفردها ... رخص ظروفية إلا المنا ضرع
ربيّب لم يفّلكه الرعاء ولم ... يقصر، بحومل أقصر سربه، ورع
يفلكه يجعل في فيه ولسانه مثل الفلكة لئلا يرضع وهذا يفعل بالإبل وهو التفليك يكون من شعر، ولم يقصر لم يحبس ولكنه ترك يذهب حيث شاء، ثم قال أقصى سربه بحومل، والسرب جماعة البقر والظباء، ورع هيوب، وقال:
الإمهاة إذا ما ضعاعها عطفت ... كما حفا الوقف للموشية الصنع
مهاة يعن أمه، إذا ما ضاعها أي دعاها، والموشية التي بذراعيها توقيف كالوشي، والصنع الرفيق من الرجال. وقال ذكر وبقرة
(2/698)

أكل الذئب ولدها:
لما اتقى اللّعوة الأولى وأسمعها ... ودونه سعة ميلان أو ميل
كاد اللعاع من الحوذان يشحطها ... ورجرج بين لحييها خراذيل
اللعاع بقل ناعم في أول ما يبدو، يشحطها يقتلها ويذبحها، أي كانت ترعى فلما سمعت صوت ولدها وعلمت أن الذئب قد أصابه كادت تغص بالحوأذان الرطب أي تغص بما لا يغص بمثله من الحزن على ولدها، والرجرج اللعاب يترجرج ولم يسغ اللعاع من الحوأذان بلعابها وهو الرجرج، خرازيل قطع. وقال الجعدي وذكر بقرة أصاب ولدها الذئب:
(2/699)

فباتت ثلاثاً بين يوم وليلة ... وكان النكير أن تضيف وتجأر
أي ثلاث ليالي بأيامها، وكان جهدها وهو نكيرها أن تضيف أي تشفق، ومنه قول الهذلي أبو جندب:
وكنت إذا جاري دعا المضوفة ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري
أي لأمر يشفق منه، والجؤار الصوت.
فلاقت بياناً عند أول معهد ... إهاباً ومعبوطاً من الجوف أحمرا
ووجها كبر قوع الفتاة ملمّعاً ... وروقين لما يعدوا إن تقشّرا
أي رأت ما تبينت بأنه قد أكل عند أول مكان عهدته فيه رأس ولدها ووجهه، وشبهه ببرقوع الفتاة الملّمع بالزعفران، والقرن إذا طلع كان رطباً ثم يتقشر ثم يصلب بعد.
وقال يصف ثوراً رأته بقرة بعد ذهاب ولدها:
وكان إليها كالذي اصطاد بكرها ... شقاقاً وبغضاً أو أطمّ وأهجرا
كان إليها أي عندها كالذئب في بغضها له، شقاقا مثلا يقال هو شقيق ذلك أي وقال ذو الرمة:
لاينعش العين إلا ما تخوّنه ... داع يناديه باسم الماء مبغوم
(2/700)

أي لا يرفع عين الظبي من منامه إلا صوت أمه، ومنه يقال نعش فلان فلاناً إذا رفع من أمره، وانتعش فلان إذا قوي وحي بعد ضعف، إلا ما تخونه أي تعهده، داع وهو صوت أمه، مبغوم من البغام وهو صوت الظبية، يقال بغم الظبي فبغم أي دعي فأجاب، وهو كقولك قول مقول، وماء - حكاية صوت الظبي وذلك إذا قال " ما - ما "
كانه دماج من فضة نبه ... في ملعب من عذارى الحي مفصوم
نبه يقال للشيء إذا ضاع، يقول هذا الدملج سقط من العذارى حيث كن يلعبن فانكسر، وإنما شبه الظبي بالمكسورة لأنه نام شبه السكران. وقيل إنما سمي نبها لأن العذارى لما فقدنه تنبهن له فطلبنه فلذلك سمي نبهاً. وقال في هذا المعنى وذكر الظبية:
رأت راكباً وراعهعها لفواقه ... صويت دعاها من أعيس فاتر
يقول رأت هذه الظبية راكباً فخافته أو فراعها صوته سمعته من خلفها حين دعاها لفواقه، والفواق ما بين الحلبتين.
إذا استودعته صفصفاً أو صريمة ... تنحتحت ونصّت جيدها بالمنظر
الصفصف المستوي من الأرض، والصريمة الرمل، أي تخوفت ونصبت عنقه بكل مكان تنظر منه.
حذارا على وسنان يصرعه الكرى ... بكل مقيل على ضعاف فواتر
(2/701)

وتهجره إلا اختلاساً بطرفها ... وكم من محب رهبه العين هاجر
ضعاف فواتر يعني قوائمه، وتهجره على عمد لئلا يستدل السبع عليه بها.
وقال حميد بن ثور يصف ظبية:
مفزعة تستحيل الشخوص ... من الخوف تسمع ما لا ترى
تستحيل الشخوص يقول تنظر هل يحول الشخص أي يتحول أم لا من الخوف على ولدها، وقوله: تسمع ما لا ترى، قال الأصمعي يقال إن أذن الوحشية أصدق من عينها وكذلك أنفها أصدق من عينها. وقال يصف ظبية:
تجود بمدريين قد غاض منهما ... شديد سواد المقلتينر نجيب
(2/702)

مدريين خلفين دقيقين جعلهما محددين، غاض نقص منهما، شديد سواد المقلتين يعني غزالها، نجيب عتيق، يريد أن ولدها كلما رضعها غاض من لبنها.
على مثل حق العاج تهمي شعابه ... بأسمر يحلو لي له ويطيب
يريد في ضرة مثل حق العاج لصغره، تهمي تسيل عروقه وهي شعابه وهذا مثل، وقوله بأسمر بلبن.
فلما غذت قد قلّصت غيرحشوة ... من الجوف فيها علّف وخصوب
يقول فلما غدت من مبيتها، قلصت أي شمرت وذهبت درتها، والحشوة كل ما احتشت به بطونها، وقوله قلصت من الجوف أي مما في الجوف، والعلف ثمر الطلح، وخضوب يقال خضبت الأرض إذا ظهر بها نبت.
رأت مستخيراً فاشرأبت لشخصه ... بمحنية يبد ولها ويغيب
المستخير القانص وذلك أنه يأخذ ولدها فإذا خار أصغت ودنت منه فرماها: ويقال أنه يخور لها مثل خوار ولدها لينظر أهي مغزل أم لا فإن كانت مغزلاً دنت منه فيرميها، يبدو لها أي يظهر تارة ويستتر تارة يختلها.
جرت يوم جئنا عوهج لا شحاصة ... نوار ولا ريّا الغزال لحيب
الشحاصة التي ليس لها لبن وشحص المال ما لا لبن له، ولحيب يقول ليست بكثيرة فيذهب لحم متنها، ويروي لحيب وهي القليلة للبن.
(2/703)

ذكرتك لما أتلعت من كناسها ... وذكرك سبّات إلى عجيب
فقلت على الله لا تذعرانها ... وقد أوّلت أن اللقاء قريب
سبات قطع من الزمان، يقال مضت عليه سبةّ من الزمان، وقوله إلاّ عجيب أي عندي، وقوله على الله أي عليّ لله أن تفزعانها. وقد أولت أي فسرت بالعيافة وإنما اعتاف بمرها.
وقال الطرماح وذكر المرأة:
مثل ما عانيت قبل الفا ... واضح العصمة أحوى الخدام
بادر السيء ولم ينتظر ... نبه فيقات العروق النيام
الشفا دنو الشمس للمغيب، وأحسن ما تكون الظبية في ذلك الوقت لأن الشمس لا تغلب على لونها. ومثله لذي الرمة وذكر المرأة:
براقة الجيد واللبات واضحة ... كأنها ظبية أفضى بها لبب
ثم قال:
بين النهار وبين الليل من عقد ... على جوانبه الأسباط والهدب
يريد هذا الوقت، والخطوط التي في بدنه هي الخدام مستديرة. والسيء اللبن في الضرع قبل أن يدر ويحشك، والحشك الدرة، نبه
(2/704)

تحرك العروق للدرور، والفيقة أن تمكث بعد الحلب ساعة فتلك الساعة بينهما الفيقة. وقال زهير في هذا المعنى:
كما استغاث بسيء فزغيطلة ... خاف العيون ولم ينظر به الحشك
الفزّ ولد البقرة، خاف العيون أي خاف أن يراه الناس فلم تنتظر به أمه حشوك الدرة وهو حفلها، والحشك بالسكون فحركه للقافية. وقال الطرماح:
في شناظي أقنّ بينها ... عرّة الطير كصوم النعام
الشناظي أطراف الجبال ويقال حروفها، والأقن نقر يستنقع فيها الماء واحدتها أقنة، والعرّة سلح الطير، وصوم النعام سلحه.
ثم ولي بين عيط بها ... تلحس الأروى زمار البهام
العيط جمع عيطاء وهي الطويل من الجبال، والبهام جمع بهمة وأراد ههنا أولاد الأروى، زمار جمع زمرة وهي قليلة الشعر من الصغر وقد تكون خلقه. وقال الراعي في مثل هذا المعنى:
بحيث تلحس عن زهر ملمعة ... عين مراتعها الصمان والجرع
يقول بحيث تنتج البقر فتلحس أولادها عند النتاج، والجرع الكثيب السهل.
(2/705)

مثل ما كافحت مخروفة ... نصها ذاعر روع مؤام
كافحت واجهت، مخروفة أصابها مطر الخريف، يقول نصها الفزع فنصبت عنقها لذلك، ومؤام أي يسير غير شديد، يقول إنما ذعرها ذعراً شديدا فنصبت عنقها وأحسن ما تكون كذلك
مغزلاً تحنو لمستوسن ... ماثل لون القضيم التهام
مغزل معها غزال صغير، والمستوسن من الوسن، والماثل ههنا للاطيء بالأرض وهو في غير هذا الموضع المنتصب وهو من الأضداد، والقضيم الصحيفة البيضاء.
أو كأسباد النصية لم ... تجتذل في حاجز مستنام
النصية واحد النصي وهو نبت، وأسبادها أصولها أي قطعت أطرافها والواحد سبد، ومنه سبد الشعر حين يطلع فيصير جزلا والحاجز المكان الذي يقوم فيه الماء، والمستنام المتطامن.
(2/706)

وقال مضرّس الأسدي:
بلاد خلت من أهلها وترجعت ... بها الخنس أرآم الشقيق وباقره
ترجعت رجعت إليها، والخنس البقر، والأرام الظباء البيض، الشقيق جمع شقيقة من الرمل، والباقر البقر.
كأن وقوفاً طرحت في ملاعب ... مراضيعه غزلانهه وجآذره
المعنى كأن مراضيعه وقوف طرحت في ملاعب ثم فسر المراضيع فقال: غزلانه وجآذره، والغزلان إذا انطوين بالوقوف. ونحو منه قول ذي الرمة:
كأنه دملج من فضة نبه ... في ملعب من عذارى الحي مفصوم
وقال بشر وذكر الديار وأنه لم يبق فيها أحد:
إلا الجآذر تمتري بأنوفها ... عوذاً إذا تلع النهار تعطف
أي تمسح ضروع الأمهات بأنفها، تلع النهار ارتفع، تعطف على أولادها.
حمّ القوادم ما يعرّ ضروعها ... حلب الأكف لها قرار مؤنف
حم سود، القوادم يقال هي القرون ويقال الجحافل، يعر يعقر، قرار ما اطمأن من الأرض، مؤنف لم يرعه أحد.
(2/707)

وقال النابغة وذكر ظبية:
تسف بريرة وترود فيه ... إلى دبر النهار من القسام
القسام شدة الحر. وقال بشر:
تعرّض جأبة المدرى خذول ... بصاحة في أسرّتها السلام
من همز جأبة جعله من الغلظ، يقال لكل غليظ كأب، ومن لم يهمز جعله من جاب يجوب أي حين طلع قرنها، والخذول التاركة صواحبها من أجل ولدها، والأسرة بطون الأودية، والسلام شجر. وقال النمر بن تولب ذكر الظبية وولدها:
خرق إذا مت نام طافت حوله ... طوف الكعاب على جنوب دوارها
بأغن طفل لا تصاحب غيره ... فله عفافة درها وغرارها
خرق لاصق بالأرض، والدوار صنم كانوا يدورون حوله في الجاهلية، والعفافة ما يبقى من اللبن في الضرع بعد الحلب، والغرار ما ترفع الناقة من لبنها، يقال ناقة مغار؟ ّ إذا فعلت ذلك، يقول: لهذا الطفل قليل لبن هذه الظبية وكثيره، وجرّ عرارها على الجوار، وكلن ينبغي أن يكون مرفوعاً وهو كما يقال جحر ضب خرب، وقوله: لا تصاحب غيره - يريد أنها قد خزلت صواحبها فانفردت. وقال الراعي يصف ظبية:
لها ابن ليال ودّأته بقفرة
(2/708)

أي غيّبته والحفيرة مودّأة. وقال:
أغنّ غضيض الطرف باتت تعلّه ... صرى ضرّة شكرى فأصبح طاوياً
الصرة ما اجتمع في الضرة من اللبن، شكرى كثيرة اللبن، فأصبح طاوياً يقول: لما روي من اللبن طوى عنقه ولواها فنام، وقال لبيد وقد وصف أتانا:
أفتلك أم وحشية مسبوعة ... خذلت وهادية الصوار قوامها
وحشية بقرة، مسبوعة أكل ولدها السبع، خذلت تركت صواحبها وهادية الصوار يعني أنها كانت تتقدم القطيع وكانت قوامه أي تقوم به يريد: أبتلك لأتان أشبّه ناقتي أم بهذه الوحشية؟.
معقر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب ما يمنّ طعامها
المعفر الولد إذا أرادت أمه أن تفطمه تركته يومين لا تسقيه ثم ترضعه ثم تتركه ثلاثة أيام ثم ترضعه حتى يستمر ويعتاد، والقهد الغنم الصغار الأذناب. قال الأصمعي: القهد من الضأن أن تصغر آذانها وتعلوهن حمرة، شبه به الغزال، تنازع شلوه أي تجاذب بقية جسده، غبس ذئاب في ألوانها، لا يمنّ طعامها من عطاء أحد يمتن به إنما هو كسبها ويقال: لا يمن لا ينقص من قول الله عزّ
(2/709)

وجل " لهم أجر غير ممنون ".
تجتاف أصلاً قالصاً متنبذا ... بعجوب أنقاء يميل هيامها
تجتاف البقرة أصل شجرة تستكن من المطر به، قالصاً أي قالص الفرع، يريد أنه مرتفع قلل الورق فليس له ظل، وقوله بعجوب أنقاء يريد أن هذه الشجرة بمآخير الرمل لأن الشجر لا ينبت في وسط الرمل ومعظمه إنما بجنبتيه ومنقطعه. وقال ذو الرمة:
من عاقر ينفي الألاء سراتها ... عذارين عن جرداء وعث خصورها
متنبذاً متفرق الغصون، هيامها ما انهال من الرمل.
يعلو طريقة متنها متواتراً ... في ليلة كفر النجوم ظلامها
يعلو المطر طريقة متن البقرة وهي الجدّة التي في ظهرها، كفر النجوم - غطاها، ومنه قيل لليل كافر لأنه يغطي كل شيء. وقوله يصفها حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت بكرت تزل عن الثرى ازلامها. شبه قوائمها بالقداح واستوائها واحدها زلم.
حتى إذا يئست وأسحق حالق ... لم يبله إرضاعها وفطامها
يئست من ولدها، وأسحق حالق أيبس اللبن وذهب والحالق الضرع الممتلىء لم يبله أن أرضعت وفطمت ولكنها ثكلت وحزنت وتركت العلف فذهب لبنها.
(2/710)

أدخل الفاء في قوله فغدت والمعنى طرحها، والفرجان الطريقان ويقال الفرج موضع المخافة، وقوله: خلفها وأمامها كان أحد الفرجين خلفها والآخر أمامها.
وقال يشبه المرأة بالظبية:
لياتى تحت الخدر ثني مصيفة ... من الأدم ترتاد الشروج القوابلا
ثني ظبية ولدت بطنين، والبكر التي ولدت بطناً، مصيفة ولدت بعدما كبرت، ترتاد ترود، والشرج مسايل الماء واحدها شرج والقوابل ما قابلك من الوادي.
أنا مت غضيض الطرف رخصاً ظلوفه ... بذات السلامى من دحيضة جادلا
غضيض فاتر، ذات السلامى موضع، دحيضة بلد، جادل حين اشتد لحمه، قيل: شدن وجدل.
مدى العين منها أن تراع بنجوة ... كقدر النجيث ما يبذّ المناضلا
مدى العين منها بقدر ما تنظر إليه، ومن قال: مدى النبل، أراد بقدر رمية سهم منها، أن تراع أي لئلا تراع، والنجيث الغرض الذي يعمل من نجيث الأرض وهو ما استخرج منها من التراب، فيقول فولدها منها كمكان الغرض من الرامي، ما يبذ المناضل أي يفوت الرامي أن يبلغه. وقال يصف نبتاً:
همل عشائره على أولادها ... من راشح متّقوب وفطيم
(2/711)

العشائر الظباء وهو جمع عشراء وعشار ويقال جمع عشيرة، شبه الوحش في اختلافها بالعشائر، وراشح من أولادها الذي قد قوى وتحرك، ومتقوب قد تقوب شعره.
وقال ابن أحمر يذكر بقرة:
مارية لؤلؤان اللون أوّدها ... طلّ وبنّس عنها فرقد خصر
مارية خفيفة لونها لون اللؤلؤ، أودها طل أي عطفها وثناها على ولدها، وبنس عنها أي تأخر عنها، فرقد ولدها، خصر من البرد. وقال يذكر بقرة:
ثكلى عوان بدوّار مؤلفة ... هاج القنيص عليها بعدما اقتربا
القنيص الصائد ههنا وفي غير هذا الموضع الصيد، يريد انه ثاورها من قرب:
ظلت بجورؤاف وهي مجمرة ... تعتاد مكراً لعاعاً نبته رطباً
عن واضح اللون كالدينار منجدل ... لم تخش إنساً ولم تترك به وصباً
مجمرة مسرعة، والمكر نبت، أي تعتاد مكراً، عن واضح عن ولد واضح لونه، يريد تطلب المرعى وتترك ولدها كالدينار في حسنه ولم
(2/712)

تخش إنساً عليه لأنه بمعزل منهم ولم يك به وصب فتقيم عليه، أراد أنه غوفص ولدها. وقال:
ما أم غفر على دعجاء ذي علق ... ينفى القراميد عنها الأعصم الوقل
أم غفر أروية والغفر ولدها، دعجاء هضبة سوداء، ذو علق جبل، والقراميد الآجر الكبار شبه الصخرية، يقول لا يصعد إليها الوعل حتى يرمى مثل القراميد عنها لزلل.
في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة ... لا يبتغى دونها سهل ولا جبل
قوائمه يصف صعوبته، والوقل الذي يتوقل أي يصعد.
في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة ... لا يبتغى دونها سهل ولا جبل
يقول ما دون هذه الهضبة مطلب ولا يقدر عليها فكيف ما فوقها.
وقال خداش بن زهير يصف ظبية:
موشّحة جيداء يقصر سربها ... عضاه مشير بالربيع ومفتل
سربها مرعاها، يخبرك أنها لا تتباعد في المرعى للخصب، والعضاه كل شجر ذي شوك كالسدر والقتاد، والمشير الذي قد اخضرت أطراف غصونه وبدأ يورق والإسم المشرة، والمفتل الذي قد طلعت فتّلته وهي ثمر العرفط. وقال الكميت يصف الظبية وولدها:
تحنو على خدر القيام وترعوى ... بغناه في سمح الوعاء معلّق
(2/713)

يريد ترجع بما يغنيه في صرع سمح الوعاء باللبن.
بكرت وأصبح في المبيت، يؤودها ... لوث المغفل واعتناف الأخرق
بكرت للمرعى وأصبح ولدها في مبيتها، وهو يؤزدها يثقلها بالهم علمها بلوث ولدها وغفلته وجهله، واعتناف الأخرق أي عنف الذئب. وقال يصف بقرة:
تعاطى فراخ المكر طوراً وتارة ... تثير رخاماها وتعلق ضالها
المكر نبت وفراخه ثمره، والرخامى نبت، تعلق تناول بفيها.
كعذراء في مجنى السيال تخيرت ... أنابيب رخصات الفروع سيالها
أنابيب تستاك بها، ونصب سيالها بتخيرت وهو كما يقال تخيرتهم رجلاً أي اخترت منهم رجلاً.
على رسلة من هذه وتكمّش ... بهاتيك إن هاج الرواع امتلالها
أراد على أرسّل من الجارية وانكماش من البقرة، والرواع الفزع، وامتلالها إسراعها في العدو.
وإن اختلافاً منهما وتفرّقا ... لما خالفت فيه الحماش خالها
الحماش قوائم البقرة أراد أنها دقاق، والخدال قوائم الجارية وهي غلاظ يقول: فذاك اختلاف ما بينهما.
(2/714)

وقال كثير يصف جبالاً:
حواجرها العليا وأركانها التي ... بها من مغافير العناز أفارق
مغافير مثل مغازيل ومطافيل وهي التي معها أطفالها والغفر ولد الأروية، وعناز جمع عنز مثل رمل ورمال. وأفارق أقاطيع متفرقة واحدها فرق وواحد المغافير مغفر، والحواجر ما استتر وعلاً. وقال كعب بن زهير لامرأته:
لقد ربعت بيني وبينك حقبة ... بأطلائها الخنس الملمّعة الشوى
يريد بعد ما بيني وبينك فصار ما بيننا مواضع الوحش والخنس. وقول الجعدي:
كممرية فرد
يعني يقرة أمرت أي حان أن تمرى أي يرضعها ولدها. وقال عدي بن زيد وذكر فرساً:
طلبت بها شاة الإران غدية ... مرابى سفعاً قد حنون لأطفال
(2/715)

الشاة البقرة، والإران النشاط، مرابى يقول أنها لمربية على ولدها ذا كان ولدها بعينها تنظر إليه، قد حنون أي عطفن، لأطفال أي على أطفال. وقال ذو الرمة يذكر رملة:
إذا ما علاها راكب الصيف لم يزل ... يرى نعجة في مرتع أو يثيرها
مولّعة خنسا ليست بنعجة ... يدمّن أجواف المياه وقيرها
نعجة بقرة، مولعة فيها خطوط، خنساء قصيرة الأنف، ليست بنعجة أهلية، يدمن الدمن وهو البعر، والوقير الشاء الكثير وكلابها وحمرها ولا يكون وقيراً حتى تكون فيها كلاب، أي هذه الأرض فيها وحوش. وقال أيضاً:
بها عفر الظباء لها نزيب ... وآجال ملاطمهن شيم
كأنّ بلادهن سماء ليل ... تكشف عن كواكبها الغيوم
ملاطمهن مواضع اللطم منهن بها شامات - وهكذا البقر، والآجال أقاطيع الظباء، وشبه اجتماعهن في تلك الصحراء وكثرتهن بكثرة الكواكب في السماء المنجلي عنها الغنم، والنزيب أصوات الظباء. وقال يصف البقرة:
يلحن كما لاحت كواكب شتوه ... سرى بالجهام الكدر عنهن جافله
(2/716)

شبهها بكواكب الشتاء لأنها أضوأ وذلك لقلة الغبرة، والجهام السحاب الذي هرق ماؤه، فيقول جافل الجهام سرى بالجهام عن النجوم، والجافل ما جفله أي قلعه فذهب به، وسرى كشط يقال سروت درغي. وقوله يذكر البقر:
درّاؤه وخواذله
والدراء التي جاءت من أرض إلى أرض، والخواذل اللواتي تأخرن عن صواحبهن.
وقال يذكر البقر وشبهها بالخيل:
حرونية الأنساب أو أعوجية ... عليها من القهز الملاء النواصع
تجوّبن منها عن خدود وشمّرت ... أسافلها عن حيث كان المذراع
حرونية نسبها إلى الحرون وهو فرس كان لباهلة، والقهز القز، والنواصع البيض، تجوبن يقول هذه الملاء تكشفن عن خدودها وقلصت عن قوائمها وهي المذارع، والمعنى أن خدود هذه البقر سود وقائمها سود وسائر أجسادها بيض. وقال الأخطل يصف البقر:
أدما مخدمة السواد كأنها ... خيل هوامل جلن في الأجلال
أدم بيض، ومخدمة السواد أي مواضع الخلاخيل منها سود، وشبه بياضها بخيل عليها جلال بيض قد بدت قوائمها سوداً. وقال في نحو هذا يصف ثوراً:
(2/717)

كأنه إذا أضاء البرق بهجته ... في أصبهانية أو مصطلى نار
يقول هو أبيض إلا قوائمه ووجهه فكأنه سفع، بهجته بياضه ونقاء لونه. وقال المسيب بن علس يصف الظباء:
لسن بقول الصيف حتى كأنما ... بأفواهها من لسّ حلّبها الصقر
الحلب نبت تعتاده الظباء، يقال تيس حلّب، والصقر ما سال من الرطب.
وقال عدي بن زيد وذكر فرساً:
وله النعجة المريّتجاه الر ... كب عدلاً بالنابىء المخراق
النعجة البقرة، والمري التي لها لبن، أي يدركها فيصيدها قبالة الركب والنابىء الذي يخرج من أرض إلى أرض يقال ثور نابىء والمخراق نحو من النابىء من خرق يخرق، أي تصاد النعجة فتكون عدلاً له. وقال آخر وهو عمرو بن الفضفاض الجهني:
لا تجهّمينا أم عمرو فإنما ... بنا داء ظبي لم تخنه عوامله
قال أبو عمرو أراد: فإنه لا داء بنا كما لا داء بالظبي. وقال الأموي: داء الظبي إذا أراد أن يثب تمكث ساعة ثم وثب والأول أجود. وقال أبو داود:
(2/718)

ولقد ذعرت بنات ع ... م المرشقات لها بصابص
المرشقات الظباء وهي التي تمد أعناقها وتنظر وأحسن ما تكون كذلك وأراد أن يقول ذعرت البقر فقال: بنات عم المرشقات - أي بنات عم الظباء لأنها وحش مثلها ولا تكون مرشقات لأنها وقص، وبصابص حركات الأذناب يقال بصبص إذا حرك ذنبه، ومثل للعرب: بصبصن إذ حدين. وقول خداش بن زهير:
ما لألأ الفور
الفور الظباء لا واحد لها من لفظها، ولألأن حركن أذنابهن ومثله قول آخر وهو الأيبرد اليربوعي:
أحقاً عباد الله أن لست لاقياً ... بريداً طوال الدهر مالألأ العفر 0
وهي الظباء في ألوانها مأخوذ من عفر الأرض وهو لونها. وقال الطرماح وذكر امرأة:
وليست بأدنى غير أنس حديثها إلى القوم من مصطاف عصماء هاجن
يقول هي أبعد مما يراد منها من الأروية إلا ذلك الحديث، ومصطافها حيث تصطاف، والهاجن الجارية توطأ قبل أن تدرك، يقال اهتجن الجارية إذا عجل في وطئها.
(2/719)

لها كلماريعت صداة وركدة ... بمصدان أعلى ابني شمام البوائن
صداة تسمع، وركدة انتصات، والمصدان أعالي الجبال واحدها مصاد، وابنا شمام جبلان، والبوائن ذهب إلى أطرافها فجمع.
عقيلة رمل تنتمي طرفاتها ... إلى مؤنق من جنبة الذبل راهن
العقيلة الكريمة، تنتمي ترتفع، والطرفات التي تطرف في المرعى والجنبة، والذبل جبل، راهن مقيم.
لها تفرات تحتها وقصارها ... إلى مشرة لم تعتلق بالمحاجن
واحدتها تفرة وهي العشب إذا جف، ويقال ما ينبت تحت الشجرة، ويقال هو من دق الشجرة تقتصر عليه، والمشرة يقال تمشر الشجر إذا أصابه مطر فخرج ورقه، وتمشر الرجل حسنت حاله وهيأته، والمحجن الصولجان يتناول به الغصون وأطراف الشجر.
يخافتن بعض المضغ من خيفة الردى ... وينصتن للسمع انتصات القناقن
القناقن الضفادع، ويقال المهندسون الذين ينظرون مواضع المياه - الواحد قنقن.
يطفن بحوزيّ المراتع لم يرع ... بواديه من قرع القسي الكنائن
أي يطفن بوعل يحوز المراتع، وأراد من قرع الكنائن القسى فقدم وأخر.
(2/720)

وشاخص فاه الدهر حتى كأنه ... منّمس ثيران الكريص الضوائن
شاخص خالف بين أسنانه من الكبير فبعضها طويل وبعضها قصير وبعضها معوج وبعضها منكسر، والثور قطعة من الأقط والكريص الذي يكرص مع الطراثيث أي يدق حتى يصير مثل الحيس. قال الأصمعي: يكرس بالحمصيص وهي بقلة حامضة، والمنمس الذي عتق فصار نمسا أصفر، يقال نمس الشيء، والضوائن البيض، ويقال الكريص المجموع بعضه على بعض يقال: كرص يكرص أي جمع، وقال مزرد وذكر امرأة:
ولو آن شيخاً ذا مئين كأنما ... على رأسه من شامل الشيب قونس
ولم يبق من أضراسه غير واحد ... إذا مسّه يدمي مراراً ويضرس
يظل النهار رانياً وكأنه ... إذا كشّ ثور من كريص منمّس
الرنوّ إدامة النظر يقال رنا يرنو رنوا، ومنه قيل: كأس رنوناة أي دائمة. وقال أبو ذؤيب:
فما أم خشف بالعلاية شادن ... تنوش البرير حيث نال اهتصارها
النوش التناول، والبرير ثمر الأراك، واهتصارها جذبها يقال هصرت العود إذا ثنيته وجذبته إليك.
موشحة بالرّتين دنا لها ... جني أيكة تضفو عليها قصارها
الطرتان طريقتان في ظهرها، والأيكة الشجر الملتف، تضفو تتسع
(2/721)

وتفضل، فإذا ضفا القصار فكيف الطوال.
به أبلت شهري ربيع كليهما ... فقد مار فيها نسؤها واقترارها
أبلت جزأت فهي تأبل أبولا، والنسء بدء السمن، والاقترار أن تبول الدابة في رجليها من خثورة بولها وذلك إذا أكلت اليبيس والحبة وعقّدت الشحم يقال تقررت الإبل في أسواقها.
وقال أبو النجم:
حتى إذا بلن مثل الخردل
وإذا أكلت الرطب رقت أبوالها فرجّت به رجّا.
وسود ماء المرد فاها فلونه ... كلون النؤور وهي أدماء سارها
المرد مدرك البرير فإا غضاً فهو كباث وسارها سائرها وأدماء بيضاء، والنؤور الذي يسيل به اللثاث. وقال أيضاً:
كأن ابنة الزيدي يوم لقيتها ... موشحة بالطرتين هميج
بأسفل ذات الدير أفرد جحشها ... فقد ولهت يومين فهي خلوج
يعني ظبية لها طرتان في جنبيها سوداوان وكذلك الظباء التهامية
(2/722)

والهميج الضعيفة النفس يقال: أهمجت نفس الرجل، ويقال للنفساء هميجة النفس إذا ذبل وجهها، والجحش الخشف في لغة هذيل، والدير مكان، والخلوج التي اختلج ولدها عنها أي أخذ. وقال أيضاً:
لعمرك ما عيساء تنسأ شادناً ... يعنّ لها بالجزع من نخب النجل
إذا هي قامت تقشعرّ شواتها ... وتشرق بين الليبت منها إلى الصقل
ترى حشماً في صدرها ثم إنها ... إذا أدبرت ولّت بمكتنز عبل
تنسأه تسوقه، ويعن يعرض لها، نخب واد بالطائف، نجل ينجل بالماء يقال للوادي إذا ظهر ماؤه فجرى: قد استنجل، وذلك يكون إذا كثرت الأمطار، يقول إذا قامت فزعة اقشعر رأسها وقوائمها ويشرق ذلك منها، يقول تنتفش، والصقل الكشح وهو منقطع الأضلاع إلى الورك، يقول يشرق منها عنقها وحشاها. قال الأصمعي: والظبية مخطفة في صدرها وعنقها وهي مكتنزة المآخير.
(2/723)

وقال أيضاً وذكر ثوراً:
في ربرب يلق حور مدامعها ... كأنهن بجنبي حربة البرد
الربرب القطيع من بقر الوحش، واليلق البيض، وحربة بلد، وجعلهن كالبرد لبياضهن.
وكن بالروض لا يرغمن واحدة ... من عيشهن ولا يدرين كيف غد
لا يرغمن لا يصيبهن رغم في عيشهن أي أمر يسوءهن، الواحدة رغمة ولا يهتممن لغد، إنما همهن ليومهن أي هن في خفض من العيش.
فسمعت نبأه منه وآسدها ... كأنهن لدى أنسائه البرد
أي سمعت البقرة نبأة من الصائد أي هنة من صوت، آسدها أغراها كأن الكلاب لدى أنساء الصائد حين امتددن بين يديه البرد وهي برود من صوف.
حتى إذا أدرك الرامي وقد عرست ... عنه الكلاب فأعطاها الذي يعد
عرست بطرت وتحيرت، أعطى الثور الكلاب الذي يعد وأيعاده أنه كان يتهيأ ويتحرف فأعطاها ذلك أي طعنها. وقال أيضاً:
واعلم أني وام الرهين ... كالظبي سيق لخبل
الشعر يقول أعلم أن لقيّ إياها كالظبي سيق للحبالة.
(2/724)

فبينا يسلّم رجع اليدين ... باء بكفة حبل ممر
يقول بينا هو يطأ سليما رجع بكفة حبل، يقول علق إحدى قوائمه، ممرّ شديد الفتل، وقال ساعدة بن جؤية:
تالله يبقى على الأيام ذو حيد ... أدفى صلود من الأوعال ذو خدم
الحيد في القرن وهي حيود فيه، وأدفى في قرنه انحاء إلى ظهره، والصلود الذي يصلد برجله أي يضرب بها على الصخرة فتسمع لها صوتاً، ومن ثم قيل حجر صلاّد أي تسمع له صوتاً، ويقال أيضاً الصلود الذي إذا فزع صلد في الجبل أي صعد فيه، ذو خدم أي هو أعصم وهو الذي في وظيفه بياض.
يأوي إلى مشمخرات مصّعدة ... شم بهن فروع القان والنشم
مشمخرات مرتفعات يعني جبالاً، مصعدة يريد طوالا قد صعدت، وشم مرتفعة، والقان والنشم شجر، وفروعه أغصانه.
من فوقه شعف قرّ وأسفله ... جيء تنطّق بالظيان والعتم
شعف كل شيء أعلاه، وقر بارد، وجيء جمع جيئة وهي مناقع تمسك الماء، والظيان ياسمين البر، والعتم شجر شجر الزيتون البري.
موكل بشدوف الصوم يرقبها ... من المغارب مخطوف الحشا زرم
(2/725)

الشدوف الشخوص جمع شدف، والصوم شجر يشبه الزيتون يؤخذ صمغه، يقول كأنه وكل بها يفرق أن تكون ناسا، والمغارب جمع مغرب، وهو كل مكان يتوارى فيه، وصيره مخطوف الجشا من الفزع، زرم لا يثبت بمكانه ينقطع عنه يقال: زرم الدمع وأزرمت على الصبي بوله أي قطعته.
ثم ينوش إذا آد النهار له ... بعد الترقّب من نيم ومن كتم
ينوش يتناول، وآد مال للزوال ورجع في العشى، يقول يأكل تلك الساعة حين يغفل الناس، والترقب التخوف والتنظر، والنيم والكتم ضربان من الشجر.
ولا صوار مدرّاة مناسجها ... مثل الفريد الذي يجري من النظم
يقول كأنما ضربت مناسجها بالمداري وذلك إذا ضربتها الريح فتنتفش وتفرق كما يدرى الشعر بالمداري وذلك إذا ضربتها الريح فتنتفش وتفرق كما يدرّى الشعر بالمداري، والفريد شيء يعمل من فضة ويجعل مع الحلي شبهها به لبياضها، والنظم جمع نظام وهو الخيط
ظلت صوافن بالأرزان صاوية ... في ما حق من نهار الصيف محتدم
(2/726)

الأرزان اماكن صلبة واحدها رزن، والصاوي الذابل، يقال أتانا في ما حق الصيف أي في شدة حره.
قد أويت كل ماء فهي طاوية ... مهما تصب أفقاً من بارق تشم
أو بيت كل ماء منعت لأن عليه الزماة فهي طاوية لذلك أي خماص، تصب أفقاً أي تجد ناحية، تشم أي تقدرأين موقعه لتمضي إليه، وبارق سحاب ذو برق، ويروى: فهي صادية. ويقال طعام وشراب لا يوبى أي لا ينقطع.
حتى شآها كليل موهنا عمل ... باتت طراباً وبات الليل لم ينم
شآها ساقها فاستاقت، كليل برق ضعيف، موهناً بعد ليل، عمل عمل لا يغفل، فباتت البقر طرابا.
حيران يركب أعلاه أسافله ... يخفي تراب جديد الأرض منهزم
حيران سحاب لا يمضي على جهته ولكنه يتردد، يخفي يظهر جديد الأرض ما صلب منها ولم يدمّن، منهزم متسق بالمطر.
فأسأدت دلّجا تحيا لموقعه ... لم تنتشب بوعوث الأض والظلم
الإساد سير الليل، وقوله: تحيا لموقعه، يريد لتبلغ ذلك المطر، ولم تنتشب لم تحتبس ولم تمنعها الوعوث والظلمة أن مضت.
حتى إذا ما تجلى ليلها فزعت ... من فارس وحليف الغرب ملتئم
(2/727)

غرب كل شيء حده، والحليف الجديد يعني رمحا حديد السنان، ملتئم أي غير مختلف.
فافتنّها في فضاء الأرض يأفزها ... وأصحرت من قفاف ذات معصم
إفتنها اشتق بها يأفزها ينزو بها نزوا، يريد خرج بها من أرض إلى رض. وقال أيضاً:
أرى الدهر لا يبقى على حدثانه ... أبود بأطراف المناعة جلعد
الأبود الآبد المتوحش، والمناعة بلد، والجلعد الغليظ يعني وعلا
تحول لونا بعد لون كأنه ... بشفّاف يوم مقلع الوبل يصرد
يقول يقشعر فيخرج باطن شعرته فيجيء له لون غير لونه ثم يسكن فيعود لونه الأول، والشفاف الريح الباردة يقول هبت بعقب مطر فهو أشد البرد.
تحول قشعريراته دون لونه ... فرائصه من خيفة الموت ترعد
أي يحول دون حقيقة لونه اقشعراره، والفريصة المضغة تحت الكتف وإذا فزعت الدابة أرعدت.
وشقت مقاطيع الرماة فؤاده ... إذا سمع الصوت المغّرد يصلد
شقت آذت، والمقاطيع السهام والقطع النصل العريض المدملك المغرد الذي يرفع به صوته، ويصلد يعلو في الجبل ويقال: يقرع برجله. وقال صخر الغي:
فعينيّ لايبقى على الدهر فادر ... بتيهورة تحت الطخاء العصائب
(2/728)

يريد فيا عيني لا يبقى على الدهر، والفادر المسن من الأوعال، والتيهورة الهوّة في الجبل وفي الرمل، والطهاء والطخاء سحاب رقيق، والعصائب شقائق من السحاب، يقول فكأن الغيم على هذا الجبل مثيل العمائم.
تملّي بها طول الحياة فقرنه ... له حيد أشرافها كالرواجب
أي تمتع بها ومنه قليل تمليت حبيبا أي طال عمره معك. والرواجب السلاميات، وبعض يقول ظهور المفاصل.
يبيت إذا ما آنس الليل كانساً ... مبيت الغريب ذي الكساء المحارب
يقول يبيت منتحياً كما ينتحي رجل غاضب أهله وولده فأخذ كساءه وبات وحده، والوعل لا يبيت أبداً إلا منفرداً.
أتيح له يوماً وقد طال عمره ... جريمة شيخ قد تحنّب ساغب
جريمة شيخ أي كاسب شيخ، تحنب احدودب ودب، ساغب جائع.
يحامي عليه في الشتاء إذا شتّا ... وفي الصيف يبغيه الجنى كالمناحب
المناحب المجاهد وأصله الخطر، يعني كالذي يبالغ في الأمر. قال الأصمعي: قال أبو عمرو بن العلاء سار رجل سيراً شديداً في الجاهلية فقيل لابنه منحّب، ويقال تناحب القوم إذا تبادروا، والجنى الكمأة، وقال وذكر وعلا:
(2/729)

أتيح لها أقيدر ذو حشيف ... إذا سامت على الملقات ساما
خفيّ الشخص مقتدر عليها ... يسن على ثمائلها السماما
أقيدر تصغير أقدر وهو القصير الغنق، الحشيف الثوب الخلق، والملقات صفوح الجبال المتزلقة الملس واحدتها ملقة، مقتدر أي قادر، يسن يصب على مواضعها ثمائلها السمام، والثميلة العلف في جوف الدابة يريد أنه يرمي موضع الطعام من أجوافها.
وقال أبو خراش وذكر حمار الوحش:
تراه وقد فات الرماة كأنه ... أمام الكلاب مصغي الخد أصلم
مصغ من شدة العدو قد أصغي، وقوله أصلم يقول قد صرّ أذنه فكأنه من شدة ما صرها مقطوع الأذن. وقال ربيعة بن الجحدر الهذلي:
فلو رجلاً خادعته لحدعته ... ولكنما حوتا بدحنا أقامس
أقول له كيما أخالف روغه ... وراءك مل أروي شياه كوانس
أقامس أغاطّ، أخالف روغه يقول أخادعه لأرميه فأروع منه فيتبع روغي فأقول وراءك شيله كوانس ليذهب إليهن ويدعني. وقال صخر الغي وذكر وعولا:
(2/730)

لها معن وتصدر في لهوب ... بها ذبّت أوائلها هياما
معن مياه تجري جمع معين، ذبّت جفت تذب ذبا، هيام عطاش، يقول لها مياه وتخاف أن تردها من أجل القنّاص فقد لزمت الجبال. وقال حميد بن ثور:
فقلت لأصحابي تراجع للصّبا ... فؤادي وعاد اليوم عودة أعصما
قال: الوعل ينفر في أول ما يرى فيشتد نفره ثم يعود فيسكن. وقال مهلهل:
وخيل تكدّس بالدارع ... ين مشى الوعول على الظاهره
التكدس أن يحرك منكبيه إذا مشى كأنه منصبّ إلى شيء بين يديه، وكذلك مشى الوعول علىالأرض، وفي المثل: ما يجمع بين الأروى والنعام. لأن الأروى تسكن الجبال ولا تسهل والنعام تسكن السهل ولا ترقى فأراد أن هذه الخيل تمشي إلى الحرب رويداً وهو أثبت لها من أن تلقاها وهي تركض. وقال الجعدي وذكر ناقته:
وتبتزّ يعفور الصريم كناسه ... فتخرجه منه وإن كان مظهرا
منكب روقية الكناس كأنه ... مغشّي عمي إلا إذا ما تنشرا
منكب أي منح أي اعتمد على الكناس فجعل روقيه بلبانه،
(2/731)

مغشي عمي أي كأن بصره عمي في كناسه إلا إذا ما انتشر في برد النهار.

الثور
قال النابغة:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل عن مستأنس وحد
من وحش وجرة موشيّ أكارعه ... طاوى المصير كسيف الصيقل الفرد
زال النهار تنصف، بنا في معنى علينا، والمستأنس الذي ينظر بعينه ويروى مستوجس وهو الذي قد أحسن شيئاً يفزع منه فهو يتسمع والوجس السمع، وذو الجليل موضع ينبت الثمام ويقال للثمام جليل الواحدة جليلة، وإنما قال من وحش وجرة لأن وجرة في طرف السيّ وهي فلاة بين مران وذات عرق وهي ستون ميلا وهي مجمع الوحش وهي قليلة الشرب للماء هناك، وموشى أكارعه يريد أنه أبيض في قوائمه نقط سود وفي وجهه سفعة، طاوي المصير يريد ضامر البطن والمصير المعي وجمعه مصران ثم مصارين جمع الجمع، كسيف الصقيل يريد أنه أبيض يلوح كأنه سيف صقيل، ويقال فرد وفرد أي هو منقطع القرين لا مثل له في جودته كما يقال نسيج وحده. وكان الأصمعي يستحسن بيت الطرماح في صفة الثور.
(2/732)

يبدو وتضمره البلاد كأنّه ... سيف على شرف يسلّ ويعمد
وقال ذو الرمة:
ولاح أزهر مشهور بنقبته ... كأنه حين يعلو عاقراً لهب
أزهر ثور أبيض ونقبته لونه، والعاقر رملة مشرفة لا تنبت، ولهب شبهه بشعلة نار على أعلى الرملة. وقوله:
تجلو البوارق عن مجرمّز لهق ... كأنه متقبّي يلمق عزب
اليلمق القباء، وعزب وحده يشبهه بذلك لبياضه. وقال بشر وذكره:
ومر يباري جانبيه كأنه ... على البيد والأشراف عشوة مقبس
العشوة النار. وقال أبو دواد:
لهق كنار الرأس بال ... علياء تذكيها الأعابد
لهق أبيض: الرأس رئيس العجم، والأعابد جمع أعبد، شبهه بنار توقد على شرف.
وقال رؤبة ذكر ثوراً:
حتى إذا ما دجنه ترفّعا ... وليله عن فرديّ ألمعا
عدا كلمع البرق أو تزوّعا
فردى كقول النابغة " كسيف الصيقل الفرد " وألمع ذو لمع،
(2/733)

وتزوّع تحرّك كقولك: زع ناقتك أي حركها. وقال ابن أحمر:
لما أنجلى غلس الظلام صبحته ... ذا ميعة خرصا كلون الفرقد
صبحته أي صبحت الفرس ثوراً ذا نشاط، والخرص الجوع مع البرد، والفرقد نجم، شبهه به لبياضه. وقال ابن مقبل وذكر ثوراً استضاف بشجرة:
كأن مجوسياً أتى دون ظلّها ... ومات الندي عن جانبيه فاضرما
قال الأصمعي: أراد كأن الثور في بياضه مجوسي قام دون الشجرة وعليه يلمق أبيض والمجوس لم تزل تلبس الأقبية، فشبه الثور بذلك، قال وهو كقول ذي الرمة:
كأنه متقّبي يلمق عزب
وقال أبو عمرو نحو ذلك وزاد: مات الندى أي ذهب وانقطع عنه المطرى وجاء الحر فأضرم أي دخل في الضرمة وهي توقد الحر، وروي لي عن الأصمعي أنه قال في قوله: فأضرما، أي أقام مكانه في الحر، ويروى " كأن يهودياً أتى دون ظلها " فمن روي هذه الرواية أراد: كأن الثور منكساً رأسه كيهودي مصل، وروى عن خالد أنه رواه: فأصرما يريد انقطع الندى وذهب. وقول لبيد يصف الثور:
فاجتاز منقطع الكثيب كأنه ... مصع جلته الشمس بعد صوان
(2/734)

المصع الثوب الأبيض، والصوان التخت. وقال ضابيء بن الحارث يذكر الثور:
شديد بريق الحاجبين كأنما ... أسفّ صلى نار فأصبح أكحلاً
يقول هو أبيض الحاجبين أحم الفم كأنه أقمح رماداً. وقال ابن مقبل وذكر ثوراً:
يظلّ بها ذبّ الرياد كأنه ... سرادق أعراب بحبلين مطنب
أي يرود بها ويذبّ عن نفسه. وقال الهذلي وذكر ثوراً:
يظلّ على البرز اليفاع كأنه ... طراف رست أوتاده عند نازل
البرز ما برز من الأرض، واليفاع المرتفع، والطراف بيت من أدم، رست ثبتت.
وقال أبو حية النميري:
كأن بها البردين أبلاق سيمة ... تبين إذا أشرفن تلك الروابيا
أبلاق الواحد البلق وهو الفسطاط، وسيمة يسام بها لتباع، شبّه الثيران بها.
وقال ذو الرمة يذكر الإبل حيث نظرت:
فبينّ برّاق السراة كأنه ... فنيق هجان دس منه المساعر
أي استبن ثورا براق الظهر كأنه فحل إبل طليت مساعره وهي
(2/735)

أصول آباطه وأفخاذه بالهناء، وشبهه بذلك لأن مساعر الثور إلى السواد فكأنه فحل أبيض اللون قد هنئت مساعره. وقيل سميت مساعر لأنها أول ما تستعر بالجرب. وقال الطرماح وذكر ثوراً:
ومضى تحسب أقرابه ... ثوب سحل فوق أعود قام
أقرابه خواصره، والسحل ثوب أبيض، وقام جمع قامة وهي البكرة. وهذا وصفه ببياض الأقراب. وقال يذكر ثوراً يشبه به ناقته:
كعقيل الحر في لونه ... لمع كالشام من غير شام
خلط وشي مثل ما هلهلت ... ذات أصداف نؤور الوشام
العقيل الثور، والحر الرمل، والشام جمع شامة، يقول في هذه اللمع خلط وشى، وهلهلت أرقت وكل رقيق مهلهل وهلهال، وإنما سمي مهلهلا لأنه أرق الشعر، ذات أصداف امرأة تكون معها الصدف وفيه ضروب من الصبغ، والنؤور الكحل تشم به الجارية ظاهر كفها. ووشام جمع وشم. وقال العجاج وذكر ثوراً:
كأنه مسرول أرندجا ... كما رأيت في الملاء البردجا
الأرندج جلود سود والبردج السبي والملاء الملاحف، شبه سواد قوائمه بالجلود التي تعمل منها الخفاف، وشبه بياض ظهره بالملاء والأرندج أصله بالفارسية رنده وكذلك البردج بالفارسية برده
(2/736)

وقال الكميت:
وكأن الشوى تزيّن منه ... بثرى الحص أو امسّ عبيرا
الحص الورس، وثراه نداه، والعبير أخلاط تجمع مع الزعفران. وقال العجاج:
سرول في سراول الصفّور ... تحت رفلّ السند المزرور
الصفور ثياب تأتي من الصفورية أحسبها ملونة إلى السواد، رفل ثوب سابغ، والسند ثياب يؤتي بها من ناحية السند. وقال المثقب العبدي وذكر ناقة:
كأنها أسفع ذو جدة ... يمسده القفر وليل سدي
يمسده يطويه والمسد الطي، وليل سد أي ند، يريد أنه في القفر، قال ولا يزال البقل في تمام ما سقط الندى عليه فإذا ذهب الندى تولى البقل، يريد أنه يأكل العشب فيغنيه عن الماء فيطويه ذلك.
كأنه ينظر من برقع ... من تحت روق سلب مذود
يريد أن بخديه سفعة، وسلب طويل ومذود يذود به. ومثله لرؤبة:
كأنما تنظر من براقعا
وقول الآخر:
(2/737)

وبرقع خديه ديباجتا
وقال ذو الرمة يصف ثورا:
كأنه كوكب في إثر عفرية ... مسوّم في سواد الليل منقضب
شبهه بكوكب منقض يرجم به الشيطان ومسوم معلم. وقال
ذو سفعة كشهاب القذف منصلت ... يطفو إذا ما تلقتّه الجراثيم
شهاب القذف النجم الذي يقذف به الشيطان، يطفو يعلو، والجراثيم تراب في أصول الشجر. وقال العجاج يصفه:
إذا تلقتّه الجراثيم طفا
وقال الكميت:
تولى كنجم الأخذ بعد عداده ... يضيف وأشفى النفر نفر المعاين
ملا بائصا ثم اعترته حمية ... على تشحة من ذائد غير واهن
نجم الأخذ الذي يرمي به الشيطان ونجم الأخذ مفسر في كتاب الانواء بعد عداده أي بعد طلوعه لوقته والعداد الوقت يقال: السم يعاد. يضيف أشفى النفر للنفس نفر من عاين، والملا الواسع من الأرض، والبائص الفائت يقال باصه إذا فاتعه وسبقه، والتشحة خبث النفس والغضب، واهن، وقال أوس بن حجر:
(2/738)

فانقض كالدريّ يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا
يخفي وأحيا نايلوح كما ... رفع المشير بكفه لهبا
وقال عوف بن الخرع:
برد علينا العير من دون إلفه ... أو الثور كالدري يتبعه الدم
وقال بشر بن أبي خازم.
فجال على نفر كما انقّض كوكبوقد حال دون النقع والنقع يسطع
وقال أيضاً وذكر أتانا:
والعيرير هقها الغبار وجحشها ... ينقض خلفهما انقضاض الكوكب
جدّا من الشعراء شبه الحمار والجحش بالكواكب المنقض في سرعته وبياضه.
وقال ابن أحمر:
وأنقض منسدراً كأن إرانه ... قبس تقطّع دون كف الموقد
منسدراً راكبا رأسه، وإرانه نشاطه، يقول كأن إرانه شعلة نارتقطعت شرارته أسفل من كف الموقد. وقال النابغة:
فارتاع من صوت كلاب فبات له طوع الشّوامت من خوف ومن صرد
(2/739)

أراد بالشوامت القوائم واحدتها شامتة، يقول بات الثور طوع قوائمه أي بات قائما، هذا من روى طوع بالنصب، ومن رفع طوع فأنه يريد بات الثور من البرد والخوف ما تشتهيه شوامته وتسرّبه وهم أعداؤه. ويقال لا تطيعن شامتا أي لا تفعل ما يحب، يقال طاع يطوع طوعا وأطاع إطاعة. وقال الطرماح:
نول عن الأرض أزلامه ... كما زلّت القدم الآزحة
أزلامه قوائمه شبهها بالقداح، والآزحة القصيرة. وقال لبيد:
حتى إذا حسر الظلام واسفرت ... بكّرت تزلّ عن الثرى أزلامها
يعني بقرة وقال الأعشى:
فأصبح ينفض الغمرات عنه ... ويربط جأشه سلب حديد
ورحّ كالمحا موتّدات ... بها ينضو الوغى وبه يذود
سلب قرن طويل، ورح أظلاف، كالمحار أي كالصدف، بها ينضو أي يخرج، وبه أي بالقرن يذود. وقال أبو النجم:
يحثي بسمر تعبط الأهدافا ... من الحرور لهبّا شفشافا
يقول يحثى بأظلافه وهي سمر ما يحفره من التراب بقرنيه، تعبط تشق وتحفر، والأهداف جمع هدف من الرمل، وأراد يتقي من
(2/740)

الحرور لهبا فأضمر ذلك ولم يذكر، وشفشافا شديدا.
وقال لبيد:
تشق خمائل الدهنا يداه ... كما لعب المقامر بالفئال
الفئال لعبة للصبيان يجعلون ترابا بالطول وفيه عود ثم يضرب باليد فيقطع نصفين ويقال أين العود؟ وقال طرفة:
يشق حباب الماء حيزومها يها ... كما قسم التراب المفائل باليد
وقال رؤبة يذكر الكلاب والثور:
فانصاع يكسوها الغبار الأصيعا ... بأربع في وظف غير أكوعا
ندف القياس القطن الموشعا
الأصيع الذي يجيء ويذهب، والأكوع الذي في كوعه اعوجاج والاسم الكوع، والتوشيع أن يدار الغزل بالابهام والخنصر ثم يجمع فيدخل في القصبة.
وقال ذو الرمة يذكر ثورا يحفر أصل شجرة:
توخاه بالأظلاف حتى كأنما ... يثير الكباب الجعد عن متن محمل
الكباب ما يكب من الرمل واجتمع، والجعد الذي قد لزم بعضه بعضاً، محمل يريد حمائل السيف، شبه حمرة عروق الشجرة بحمرة الحمائل. وقال بشر بن أبي خازم.
(2/741)

تمكث شيئا ثم انحى ظلوفه ... يثير التراب عن مبيت ومكنس
برح كأصداف الصناع قرائن ... إثارة معطاش الخليقة مخمس
الرح الأظلاف الواسعة - الواحد أرحّ، شبهها في عرضها بأصداف الصناع. وقرائن مقترنة، الخليقة يقال البئر لا ماء فيها، فشبه الثور برجل يصب ماء بئره فهو يثير غبار بئر يحفرها.
وقال ابن الأعرابي: يريد أن خليقته طبعت على العطش، والمخمس الذي يورد لخمس، وقال امرؤ القيس:
يهيل ويذرى تربها ويثيرها ... إثارة نبّات الهواجر مخمس
النباث الذي ينبث التراب في الهاجرة إما لاستخراج ماء كما قال بشر وإما لأن يباشر إبله برد الثرى. وقال الراعي وذكر ثورا عند شجرة:
يجتاب أذرأها والترب يركبه ... ترسّم الفارط الظمآن في الأثر
يجانف البرك عن عرق أضربه ... تجافيا كتجافي القرم ذي السرر
يجتاب يحفر، أذرأها أسترها، كما يترسّم الفارط وهو الذي يتقدم الواردة ينظر أنّى يحفر، ويجانف يحرف صدره عن عرق الشجرة، أضرّ به دنا منه، والسرر فرجة تكون في الكركرة يقال بعير أسر.
فصبّحته كلاب الغوث يؤسدّها ... مستوضحون يرون العين كالأثر
يؤسها يغريها، مستوضحون ينظرون هليرون شيئاً، وأراد
(2/742)

يرون الأثر كالعين فقلب.
فأدّت الأذن رزّاً من سوابقها ... وجال أزهر مذعور من الخمر
فكّر منتصراً يحمي حقيقته ... كصاحب البزمن كرمان منتصر
أدت أذن الكلب إليه صوتا خفيا من الكلاب، وجال أزهر يعني الثور، مذعورا من ناحية الخمر وهو ما واراك من شيء وصاحب البز صاحب سلاح.
وقال لبيد يصف ثورا استضاف شجرة:
ويبرى عصيا دونها ملتئبّة ... يرى دونه غولا من الرمل غائلا
يقول يبرى عصيا من شعب ساقها دون أصلها وذلك أنه يحفر، متلئبة مطردة مستقيمة، وغولا من التراب يريد كثيرا منه، يغول العروق فلا تستبين من كثرته. وقال وذكر بقرة تحفر:
تبني بيوتا على فقر يهدّمها ... جعد الثري مصعب في دفه زور
على فقر على حاجة منها إلى البيوت، ثم قال يهدم البيوت جعد الثرى وهو ما أبتل من الرمل جعله جعدا لانضمام بعضه إلى بعض يعني الثرى أي هو صعب شديد، في جنبه ميل يريد أنها تحفر في
(2/743)

الرمل فهو ينهال لا يستوي لها الحفر. وقال الكميت:
يبحث الترب عن كوارعفي المش ... رب لا تجشم السقاة الصغيرا
موتهن انتباشهن من القب ... ر ويحين ما سكن القبورا
يعني عروق الشجر. وقال العجاج:
إذا انتحى كالنابث المثير ... مرّت له دون الرجا المحفور
نواشط الأرطاة كالسيور
أي تعترض له عروق الشجر دون الرجا يعني ناحية الكناس، نواشط عروق تأخذ من هذا الشق إلى الآخر، وشبه عروق الشجرة بالسيور. وقال ذو الرمة:
تقيّظ الرمل حتى هز خلفته ... تروّح البرد ما في عيشه رتب
الخلفة ما نبت بعد النبت الأول إذا برد الليل، هز أي نبت فاهتز من النعمة، وتروح البرد يريد التروح الذي يكون في البرد والشجر إذا أصابه برد الليل فتفطّر بالورق قيل قد تروح، رتب غلظ وشدة، والرتب والعتب ما ارتفع من الأرض كأنه درج، يقول هو في عيش لي فيه غلظ.
ربلا وأرطى نفت عنه ذوائبه ... كواكب الخر حتى ماتت الشهب
(2/744)

الربل نبت يتربل في آخر الصيف فيصيبه برد الليل فينبت بلا مطر، ذوائبه أغصانه، وكواكب الحر معظمه، والشهب جمع شهاب وهو شدة الحر، ومن رفع الذوائب جعل أغصان الشجر هي التي نفت الحر عن الثور ومن نصبها جعل كواكب الحر هي التي نفت الأغصان كأنها ألقت ورقها. وقال وذكر أرطأة:
ميلاء من معدن الصيران قاصيةأبعارهن على أهدافها كثب
يقول فيها ميل وعوج، من معدن الصيران أي هي من الموضع الذي تقيم به البقر فلا تفارقه، يقال عدن بالمكان إذا أقام به، قاصية بعيدة، وأهدافها ما أشرف من الرمل حولها جمع هدف، كثب دفع الواحدة كثبة.
وحائل من سفير الحول حائله ... حول الجراثيم في ألوانه شهب
كأنما نفض الأحمال ذاوية ... على جوانبه الفرصاد والعنب
الحائل ورق أبيض قد تغير، والسفير ما سفرته الريح فألقته وسفته، وشبه البعر بالتوت والعنب، أراد كأن شجر التوت والعنب نفضت أحمالها على جوانب هذا الكناس، ذاوية قد ذوت أي جفت بعض الجفوف، ونصب ذاوية على الحال. وقال الطرماح يذكر الثور:
بات لدى نعضة يطوف بها ... في رأس متن أبزى به جرده
(2/745)

نعضة شجرة والجمع نعض، وأبزى بالمتن رفعه، جرده قلة نباته.
طوف متلّي نذر على نصب ... نصب دوار محمّرة جدده
المتلّي الذي يقضي ما بقي عليه من نسكه، وجدده طرائقه احمرت من الدم.
وغاط حتى استثار من شيم ال ... أرض سفاة من دونها ثأده
لما استبان الشبا شبا جربيا ... ء المس من كل جانب ترده
غاط أدخل رأسه يحفر فهو يغوط غوطا، وشيم الأرض تراب حفرة لم تحفر قبل ذلك واحدتها شيمة، والسفاة التراب يخرج من البئر، والثأد الندى يقول: فعلى هذا الماء استبان الشبا من البرد وهو حده، والجربياء الشمال، أي وجد مثل مسها من البرد. وقال مثل هذا:
فبات يقاسي ليل أنقد دائبا ... ويحدر بالحقف اختلاف العجاهن
أنقد القنفذ وهو لا ينام فكذلك هذا الثور يدور ولا ينام، ويحدر يهبط، ثم شبهه بالطباخ إذا اختلف في العرس بالطعام. ويقال: العجاهن الذي يخدم في العرس إكراما لصاحبه.
كطوف متلّي حجة عند غبغب ... وقرّت مسودّ من النسك قاتن
الغبغب المنحر ويقال صنم، وقرت جمع قارت وهو الدم الجامد، والنسك الذبح، والقاتن الأحمر اليابس، أي هو يختلف حول
(2/746)

الحقف كطوف هذا المتلّي:
بضاحية ثريا يحيل سفاتها ... على نعج من عجمة الرمل ضائن
ضاحية بارزة للشمس، ثريا كثيرة الندى دقيقة التراب. وسفاتها ترابها، والنعج الأبيض، عجمة الرمل معظمه، والضائن الأبيض، يحيل يصب.
يبين ويستعلي ظواهر خلفة ... له من سنّا ينعق بعد بطائن
يبين يستبين يعني الثور، ويستعلي يعلو، والظواهر جمع ظاهرة وهي الأرض الصلبة فيها ارتفاع، له للثور، من سنا أي من سنا ضوء برق، ينعق ينشق، ما بطن من السحاب ثم انشق عنه فأبداه. وقوله:
يثير نقا الحنّاءتين وينثني ... به نقب أولاج كنقب الصيادن
الحناءتان رملتان، والصيادن الثعالب، شبه ما عرف بنقوب الثعالب، ويروي هذا البيت:
ويلقى قفا الحناءتين بروقه ... تناويط أولاج كخيم الصيادن
التناويط عششة الطير المتدلية في الشجر، والخيم جمع خيمة، والصيادن الملوك، قال الأصمعي: مهد ذلك الطير لفرخه وفرش له ذلك العش مثل ما مهد للملك يقول يلقى بروقيه عششه الطير. وقال النابغة:
(2/747)

يقابل الريح روقيه وجبهته ... كالهبرقيّ تنحّيّ ينفخ الفحما
الهبرقي الحدّاد. ويقال أنه يقابل الريح ليشم الريح من الصائد والكلاب إن جاءت. وقول لبيد:
فبات كأنه قاضي نذور ... يلوذ بغرقد خضل وضال
أي كان عليه نذرا آن يحفر فهو مجد في ذلك. وقال الكميت يصف الثور:
مكبّاً كما اجتنح الهالكي ... على النصل إن طبع المنّصل
اجتنح مال، والهالكي الصيقل، طبع صدىء، شبه الثور مكبا بصيقل مكب يجول نصلا، وقال العجاج:
يزفيه والمفزّع المزفيّ ... من الجنوب سنّن رمليّ
يزفيه يستخفه من مكانه، سنن من الرمل جاءت به الجنوب.
وذو عفاء قرد نجديّ ... فبات حيث يدخل الثوىّ
ذو عفاء سحاب والعفاء أصله الوبر والريش فشبه السحاب بشيء له عفاء، قرد متلبد، نجدي جاء من ناحية نجد، والثوى الضيف.
مجرمّزا وليله قسيّ ... ومسهدات روعها تنزيّ
مجرمز منقبض، قسي شديد، مسهدات مطيرات نومه، تنزىّ أي تنزى فؤاده.
(2/748)

وهدب أهدب غيفانيّ ... يذود عنه جنثها الجنثيّ
الهدب ورق الأرطى، وكل ورق ليس بعريض، غيفاني ميال يتغيف، دفع عن الثور جنثها وهو أصلها. وقال يذكر الثور أيضاً:
يركب كل عاقر جمهور ... مخافة وزعل المحبور
والهول من تهوّل الهبور
العاقر رملة مشرفة لا تنبت، والجمهور العظيمة، أي يركبها مخافة الرماة، وزعلا نشاطا، والمحبور المسرور، ونصب الهول أي ويركب الهول، والهبور مواضع من الأرض مطمئنة، يقول يخاف أن يكون في هذه المواضع المطمئنة سبع أو صائد. وقال أيضاً يذكره:
وشجر الهداب عنه فجفا ... بسلهبين فوق أنف أذلفا
شجر أي عمد، والهداب غصون الشجر، سلهبين أي قرنين طويلين، والذلف قصر الأنف ورجوع طرفه إلى الرأس. وقال ذو الرمة وذكر ثوراً:
إلى كل بهو ذي أخ يستعدّه ... إذا هجّرت أيامه للتحول
بهو يعني كناسا وكل فجوة ومتسع فهو بهو، ذي أخ أخبر أن له كناسا آخر، يستعده هذا الثور للتحول إذا زالت الشت الشمس فيتحول عن
(2/749)

هذا اليله. ومنه قول طرفة وذكر ناقة:
كأن كناسي ضالة يكنفانها ... وأطرقسيّ تحت صلب مؤيّد
وقد فسر في كتاب الإبل. وقال النجاشي وذكر ظبيا:
إذا الشمس ضحّت متنها يستعده ... لحد الضحى أحوى الشرا سيف أكحل
هذا كناس له بابان باب للشمال وباب للجنوب فهو يستعد باب الجنوب للشتاء وباب الشمال للصيف. وقال العجاج:
ومكنس بات به قيظيّ ... أجوف جاف فوقه بنيّ
من الحوامي الرطب والذوي
بات به بات فيه، قيظي يقول هو من مكانس القيظ كان أعده للقيظ وكنس فيه في الشتاء فهو أبرد له، أجوف ذو جوف، جاف متجاف عنه، بنى جمع بنية، يريد أن الغصون بعضها فوق بعض، والحوامي خشب يخرج في أصوله من الجانبين، والذوى اليابس.
وقال لبيد يصف دياراً:
تحمّل أهلها واجدّ فيها ... نعاج الصيف أخبية الظلال
أي اتخذت كنسا جددا ولا يكون كناس إلا تحت شجرة وجعلها نعاج الصيف لأنهم يرتحلون في الصيف لطلب المياه.
(2/750)

وقال العجاج يذكر الثور:
فبات في مكتنس معمور ... مساقط كالهودج المخدور
مكتنس شجر جعل كناسا، معمور من البقر، مساقط مسترخي الأغصان والورق فكأنه هودج صير له حذر.
كأن ريح جوفه المزبور ... بالخشب دون الهدب اليخضور
المزبور كأنه طوي بالخشب كما تطوي البئر بالحجارة. ثم قال بالخشب دون الهدب يقول هو أسفل من الهدب، والهدب ورق الأرطى.
وفي الشتاء خضر المحضور
أي هو في الشتاء كثير الحاضر من البقر والظباء. وقال آخر:
وبيت تخفق الأرواح فيه ... خلاء الليل معمور النهار
تمارسه صوانع مشفقات ... على خرق يقوّم بالمداري
يعني كناسا، خرق يعني أولادها واحدها خرق، والمداري القرون. وقال الكميت:
فبات في دولج عّفي معارفه ... بالأمس جلجال يوم الهبوة النخل
الدولج الكناس، والجلجال ما ذهبت به الريح وجاءت. وقال أبو ذؤيب وذكر ثورا:
(2/751)

يرمي بعينيه الغيوب وطرفه ... مغض يصدّق طرفه ما يسمع
الغيوب واحدها غيب وهي المواضع لا يرى ما وراءها، يرميها بطرفه يخاف أن يكون فيها سبع أو صائد، يصدق طرفه ما يسمع، يقول إذا سمع شيئا ببصره فكان ذلك تصديقا منه لما يسمع لأنه لا يغفل عن النظر حين يسمع، وقوله: طرفه مغض - يقول ينظر ويطرف فله بين كل نظرتين إغضاء. وقال بشر بن أبي خازم الأسدي.
فأدى إليه مطلع الشمس نبأة ... وقد جعلت عنه الضبابة تحسر
تمارى بها رأد الضحى ثم ردها ... إلى حرّيته حافظ السمع مبصر
تمارى بالنبأة وشك فيها، رأد الضحى ارتفاعه، وحرتاه أذناه، حافظ السمع مبصر يريد أنه لا يخطيء في سمعه ولا في يبصره.
فجال ولما يستبين وفؤاده ... بريبته مما توجّس أوجر
جال الثور وما يستبين شيئا، توجس سمع، وبعض يجعل توجس من الخيفة، وأوجر خائف.
وقال الكميت يذكر ثورا:
ذو أربع ركّبت في الرأس تكلؤه ... مما يخاف ودون الكاليء الأجل
منها أثنان لما الطأطاء يحجبه ... والأخريان لما وافى به القبل
يريد عينيه وأذنيه فالأذنان لما أطمأن فتوارى عنه وهو الطأطاءمن الأرض، والعينان لما أتاه من قبل وهو سند الجبل.
(2/752)

وقال دواد وذكر ثورا:
ويصبح تارات كما استمع المضل دعاء ناشد
كان أبو عمرو بن العلاء يعجب من هذا البيت، والناشد طالب الضالة يقال نشدتها أنشدها نشدانا، والمنشد المعرّف، يقال أنشدت الضالة إنشادا أي عرفتها يريد أن الرجل إذا أضل رأى مضلا ينشد ضالته سأل هذا هذا وهذا هذا، وإنما ذلك لأن كل واحد منهما يظن بصاحبه أنه قد سمع في تطوافه خبر ضالته، ويقال بل يتشوف لذلك لوثا وأنسا كما قيل في المثل: الثكلى تحب الثكلى. وقال المثقب العبدي:
يصيخ للنبأة أسماعه ... إصاخة الناشد للمنشد
قال الأصمعي سمعت أبا عمرو يستحسن هذا البيت، يقول إذا سمع صوتاً أمال أذنه وتسمع كما يصيخ طالب الضالة لمعرفتها.
فنخب القلب ومارت به ... مور عصافير حشى الموعد
يقول فزع، ومارت به قوائمه من الفزع من الكلاب مور عصافير، وهذا مثل يقال طارت عصافير رأسه من الفزع أي كأنما كانت عصافير على رأسه فطارت منه. ونحو منه:
فلما أتاني ما يقول ترقصت ... شياطين رأسي وأنتشين من الخمر
(2/753)

فاستن للصدع ولم يقسم ال ... أمر فريقين ولم يلبد
يقال صدع بالعدو إذا قصد به، ولم يقسم الأمر فريقين، يقول لم يقل أقيم أو أمضي ولكنه مضى ولم يلبد أي لم يلزق بالأرض وقال ذو الرمة:
أمسى بوهبين مجتاز الطيته ... من ذي الفوارس يدعو أنفه الريب
أي اجتاز لطلب مرتعا، والريب واحدتها ريبة، يقول يشم رائحته فيأتيه ليأكله فكأنه دعاه بريحه إليه، وذو الفوارس موضع رمل. ومثله قول العجاج:
حتى غدا واقتاده الكرى ... وشر شر وقسور نضرىّ
ضروب من النبت. وقال ذو الرمة:
وكل أحم المقلتين كأنه ... أخو الانس من طول الخلاء المغفل
يعني ثورا أسود العينين، أخو الانس يقول لم ير الناس قط ولم يعرفها فهو لا ينحاش منهم، والمغفل من نعت الخلاء يريد المغفول عنه، ويروى: مغفل. وقال بشر
فأضحى وصئبان الصقيع كأنها ... جمان بضاحي جلده يتحدر
(2/754)

أضحى من الضحى، صئبان الصقيع صغاره يعني ما سقط من الندى فيتحدر على جلده كاللؤلؤ. وقال ابن مقبل:
تحدّر صئبان الصبا فوق متنه ... كما لاح في سلك جمان مثقّب
وقال ضابيء:
فبات إلى أرطاة حقف تلفّه ... شآمية تذرى الجمان المفصلا
الجمان شبيه باللؤلؤ من فضة، شبه ما ينحدر عنه بالجمان المفصل، وقال بشر بن أبي خازم:
فبات يقول أصبح ليل حتى ... تجلى عن صريمته الظلام
أي طال عليه الليل مما هو فيه، ويروى: صريميه، والصريم الليل، يريد أول الليل وآخره. وقال ابن الأعرابي: صريميه رمليه. وقال أبو عبيدة: الصريم الليل والصبح وهو من الأضداد.
وقال بشر:
وبات على خد أحمّ ومنكب ... ودائرة مثل الأسير المكردس
دائرة تكون في جنبه، مكردس ساقط. وقال لبيد:
أضل صواره وتضيفته ... نطوف أمرها بيد الشمال
تضيفته أخذت ضيفته أي ناحيته وضيف كل شيء ناحيته، ويقال بل أراد مالت إليه من قولهم تضيف فلان فلانا أي مال إليه، نطوف سحابة تنطف أي مع الشمال. وقال القطامي:
(2/755)

فثنّى أكارعه وبات تحمه ... رهم تسيل تلاعه إمعانا
فترى الحباب كأنما عبثت به ... ثقفيتان تنّظمان جمانا
تحمه تغسله من الحميم وأصله الماء الحار، والرهم مطر ضعيف، إمعانا سيلا شديدا، ويقال تحمه مثل تهمه يقال أحمه الأمر إذا أخذه منه مثل الزمع، والجمان اللؤلؤ وخص بالثقفيتين لأن ثقيفا بجنب البحر. وقال ذو الرمة:
طاوي الحشى قصت عنه محرّجة ... مستوفض من نبات القفر مشهوم
مستوفض أفزع فأوفض والإيفاض عدو فيه شبه الإرقال، وقوله من بنات القفر لأنه يسكن القفر كما يقال بنات الأرض لهو امها وبنات الماء، مشهوم مذعور، شهمه إذا ذعره ومنه يقال فلان شهم الفؤاد أي الؤاد كأنه يذعر من الشيء من ذكاء قلبه. وقال الطرماح:
كأخنس ذبّ رياد العشىّ ... إذا ورّكت شمسه جانحه
(2/756)

أخنس ثور وذلك لأن في أنفه خنسا، ذب رياد العشى يريد أنه يرتاد بالعشى ويذب في رياده، وورّكت تحرفت للغروب.
يذيل إذا نسم الأبردان ... وتخدره الصّرة الصامحة
يذيل يتبخر، ونسم برد يقال نسمت الريح أول ما تبدأ بضعف، والأبردان غدوة وعشية، وتخدره تدخله الكناس والصامحة التي تكاد تذيب دماغه، والصرة شدة الحر.
يسف خراطة مكر الجنا ... ب حتى ترى نفسه قافحه
خراطته ما انخرط منه، والمكر نبت، قفحت نفسه إذا انتهت عن الشيء تأكله.
فجال ولم تصره قبلها ... بعقوته نبأة فادحة
تصره تمنعه لأنه قد أصابه ما كان يحذر، والعقوة الساحة، والنبأة الخفي.
وبربر بربرة الهبرقيّ ... بأخرى خواذلها الآنحة
بربر صوت، والهبرقي الحداد، والخوازل المتخلفات، والآنحة
(2/757)

من الأنواح وهو صوت مثل الزفير. وقال أبو دواد وذكره:
أضحى بذي العلجان يلجذ ... بأرضنا والدمع جامد
العلجان نبت، ويلجذ يقلع ما برض من النبت، والدمع جامد أي هو في روض وغدير فهو فرح وليس فيه دمع، وإنما هو مثل. وقال الطرماح وذكره:
يمسح الأرض بمعنوس ... مثل مثلاة النياح القيام
معنونس ذنب فيه التواء وذلك يستحب، والمئلاة خرقة تكون بيد النائحة، ونياح جمع نوح والنوح النساء ينحن. وقال ابن أحمر وذكره:
فبدرته عينا ولّج بطرفه ... عني لعاعة لغوس مترئد
فبدرته عينا أي نظرت إليه وشغلت عنه طرفه لعاعة وهو أول ما يبدو النبت، ولغوس يقال هو يتلغوس إذا أكل رطبا لينا في
(2/758)

خفة الأكل وحرص، ويسمى الذئب لغوسا لخفته وخفة أكله، مترئد متئن من النعمة.
فانقضّ منسدرا كأنّ إرانه ... قبس تقطّع دون كف الموقد
وقد فسر هذا البيت. وفيها:
باتت عليه ليلة عرشية ... شربت وباتت على نقّا متهدد
منسوبة إلى عرش السماك أي ممطرة بنوءه، وقال أبو ذؤيب وذكر الثور:
فانصاع من فزع وسدّ فروجه ... غبر ضوار وافيان وأجدع
المنصاع المنشق في غير طريقة وسد فروجه أي ملأها بالعدو فلم يبق منه شيء إلا جاء به، وجعل الكلاب هي التي سدت فروجه لأنه عدا من أجلها فكأنها هي ملأت فروجه، وافيان أي سليما الأذن، وأجدع مقطوع الأذن. وقال وذكر الصائد:
فرمى لينقذ فرّها فهوى له ... سهم فأنفذ طرتيه المنزع
فرها من فر منها، يرمي الصائد الثور ليشغله عن بقية الكلاب
(2/759)

لا يقتلها الثور، وطرتاه ناحيتا جنبه، والمنزع السهم، فهوى له أي للثور.
فكبا كما يكبو فنيق نارز ... بالخبث إلا أنه هو أبرع
كبا الثور سقط، والتارز اليابس، يقال أخرج خبزته من النار تارزة، قال الشماخ، وذكر الصائد:
كأن الذي يرمي من الوحش تارز
أي كأنه يابس قبل أن يصيبه السهم، والخبت المستوي من الأرض وأبرع وأضخم. وقوله:
فحنا لها بمذلقين كأنما ... بهما من النضح المجدح أيدع
فحنا لها أي تقاصر وإذا تقاصر كان أشد لطعنه، مذلقان قرنان محددان وذلق كل شيء حده، والمجدح الملطخ يقال جدح بالدم أي خلط به، والأيدع دم الأخوين وهو أيضا الزعفران.
فكأن سفودين لما يقترا ... عجلا له بشوا شرب ينزع
يقول كأن سفودين مما يشوى عليهما لقوم يشربون عجلا لهذا الثور بالطعن الذي يقع بالكلاب، ولما يقترا لم يستعملا، يقول هما حديدان، يقترا من القتار. مثل قول النابغة وذكر القرن:
كأنه؟؟؟ خارجاً من جنب صفحته ... سفّود شرب نسوه عند مفتأد
وقد فسر في الأبيات في الكلاب. وقال أبو ذؤيب:
(2/760)

من وحش حوضى يراعي الصيد مبتقلاكأنه كوكب في الجوّ منحرد
يراعي الصيد ينظر إليه أي يراعي الوحش، والمحرد المعتزل.
حتى إذا أدرك الرامي وقد عرست ... عنه الكلاب فأعطاها الذي يعد
يريد أدرك الرامي الثور، وعرست دهشت وتحيرت، إيعاده لها أنه كان يتحرف لها ويتهيأ فأعطاها مما وعدها من الطعن. وقال ذو الرمة يذكره والكلاب:
ينحى لها حد مدريّ يجوف به ... حالا ويصرد حالا لهذم سلب
المدرى القرن، نحا لها تحرف، يصرد ينفذ. ومنه قول الآخر:
لكن خفتما صرد النبال
أي نفوذها، ويجوف يبلغ الأجواف، لهدم حاد، سلب طويل.
حتى إذا كنّ محجوزا بنافذة ... وزاهقا وكلا روقية منخضب
يعني الكلاب منهن ما أصابه الطعن في مؤتزره أي وسطه والحجزة الوسط يقال احتجز إذا شد وسطه بإزار أو حبل، والزاهق الميت، بنافذة أي بطعنة تنفذ.
ولى يهذّ اهتزاما وسطها زعلا ... جذلان قد أفرخت عن روعه الكرب
(2/761)

الهذ المر السريع وأصله القطع، زعل نشيط.
وهن من واطىء ثني حوّيته ... وناشج وعواصي الجوف تنشخب
الحويّة بنات اللبن، وعواصي الجوف العروق التي تعصى فلا يسكن دمها، والناشج ينشج بنفسه للموت، ويقال حوية وحاوية. وقال:
وكائن ذعرنا من مهاة ورامح ... بلاد الورى ليست له ببلاد
رامح ثور له قرن كالرمح، يقول هو في موضع لا أنيس فيه، وقال الكميت وذكر موضعه: حيث لا ينبض القسى ولا يلفى بعرعار ولدة مذعورا يقول هو في موضع منتح حيرز لا يبلغه الصائد، والعرعار لعبة كان الصبيان يلعبون بها، يقول موضعه ليس به أنيس.
وكأن الشوى توين منه ... بثرى الحص أو أمسّ عبيرا
قد تقدم تفسيره مع أخوته. وقال يذكر طيب ريحه من ثرى الأرض: أرجا من رضاب ما يعبأ الغيث بملقى بعاعه مسرورا.
أرج طيب الريح، والرضاب ما سقط من الندى، ما يعبأ ما يحمل والبعاع الثقل. وقال يذكر الصائد:
تخّذ الطمر مئزرا وتردّى ... غير ما قدره به الطمرومرا
(2/762)

الطمر الخلق، غير ما قدرة أي لم يقدر على أكثر من ذلك، والطمرور الخلق أيضا.
وقال ذو الرمة وذكر الثور:
نمى ارتفع، بعد قيظ قاصر عليه أي ثابت لازم، يريد إنما يطلب المرعى إذا أمكنه ذاك. وقال آخر:
حر هجان اللون يحمي فوته
يقول يحمي أن يفوت فيذهب. ولو أراد ذلك لقدر عليه ولكنه يحمي ذلك أي يمنعه ويقاتل دونه. وقال آخر وذكر ثوراً وكلاباً:
أذا كرّ فيها كرة فكأنها ... نقال نعال يختفيهن سارد
أي يشكهن كما يشك السارد النعال، وجعلها نقالا لأتها تحتاج إلى السرد والخصف والجدد لا تحتاج إلى ذلك. وقال ضابيء:
يهزّ سلاحا لم ير الناس مثلها ... سلاح أخي هيجا أذفّ وأعدلا
السلاح قرناه، وأنث ذهب إلى القناة كأنه قال: يهز قناة: يهز قناة وأذف أسرع، وأعدل أشد استواء.
(2/763)

فظّل سراة اليوم يطعن ظلّه ... بأطراف مدريين لم يتفلّلا
يقول قتل الكلاب فهو ينظر إلى ظله فيحسب أنه من الكلاب فيطعنه بقرنيه. وقال امرؤ القيس:
فأدركنه يأخذن بالساق والنسا ... كما شبرق الولدان ثوب المقدّس
كان الراهب ينزل فيذهب ألى بيت المقدس فيتمسح به الصبيان حتى يمزقوا ثيابه.
وقال الطرماح:
يتّقي الشمس بمدريّة ... كالحماليج بأيدي التلام
الحماليج المنافيخ التي تكون للصاغة وأراد التلاميذ فقطع. وقال المرار نحو هذا:
إذا حرجت تتقى بالقرون ... أجيج سموم كلفح الصلاء
وقال أبو النجم:
يحذى أذا شاة الكناس اجتافا ... دون عروق الشجر الأصنافا
وظلّ ما يعتكف اعتكافا ... في تولّج أو يعرف الأسدافا
يقول ظلّ في غصون الشجر وورقه لأن الحر اشتد عليه فلم يقدر على الحفر، يقال للشجرة قد صنّفت إذا نبت ورقها، ظل ما
(2/764)

يعتكف ما زائدة، وتولج ودولج كناس، يقول يعتكف فيه حتى يرى الليل قد أقبل فيخرج. وقال رؤبة:
إذا التلظّي أوقد اليرامعا ... وأولج الزجّجة القوادعا
الزجّجة يعني بقرا بعيدة الخطو، والقوادع التي تقدع الذبان، واليرامع مع حجارة رخوة.
وقال النمر بن تولب:
فظل يشبّ كأنّ الولو ... ع كان بصحته مغرما
يقول لما أصابه السهم شب أي رفع يديه، والولوع الدهر والقدر لأنه مولع باهلاك الأشياء، يقول كأنه كان مغرما بإزالة صحته وسلامته. وقال لبيد وذكر الثور:
يمتلّ موفورا ويمشي جابنا ... ربذا يسلّي حاجة الخشيان
يمتل يمر مرا سريعا، موفورا لم يصبه شيء، يمشي جانبا من النشاط، ربذ خفيف، حاجة الخشيان أي يلقى ما في نفسه من الجزع. وقال الكميت:
ولّى يهز قناتي غير مختبىء ... من وحدة طلل يأدو له طلل
شبه قرني الثور بقناتين، متهيب من وحدة، طلل شخص الثور، يأدو له طلل - يختله طلل يريد شخص الصائد.
(2/765)

وقال يذكره حين طعن الكلاب:
وعاث في غابرمنها بعَثَتةٍ ... نحرَ المكافىء مثل المعاقر
يريد طعن في بقيتها، والعثعثة المعاودة، والمكافىء مثل المعاقر كمعاقرة غالب أبي الفرزدق سحيم بن وثيل الرياحي وهو أن يتبارى رجلان في عقر إبلهما فيعقر هذا ويعقر هذا حتى يعجز أحدهما أو يبخل، يهتبل يفترص الفرَص، والمكثور هو الثور.
وقال يذكره حين طعن الكلاب:
فلما قفى تحبَ من لا يخا ... ف أقران ظهر ولم يفشَل
قضى الثور نحب من لا يخاف يعني نفسه، والنحب النذر، ويقال للقوم إذا اجتمعوا مع رجل يعينونه هم أقران ظهره. وقال الهذلي:
ولكن أقران الظهور مقاتل
وقد فسر وقال يذكر قرن الثور:
كأن مجّ ريقته في الغُطاط ... به سافي الجلدِ مستبدل
(2/766)

الغطاط الصبح، يقول كأن أسود سالخاً مج ريقته على القرن.
وقال العجاج وذكر ثوراَ طردته الكلاب:
كأنّما جمر الغضا المرمّى ... به رضاضاً رضّه غوّى
نور الخزامى خلفُه الربعى ... مما تهادى بينها الشظيّ
يريد كأنما نور الخزامى الذي قطعه برجليه حين عدا جمر الغضا، ونصب رضاضاً أي الذي رمى به فتاتاَ، والشظى الأظلاف.
يمور وهو كابنِ حيّ ... خوف الضوى والهارب المضوِي
يمور يتكفأ، وهو كابن قاصر في عدوه، حي مستح من الفرار، والضوى هو النقصان وأصله الدقة وضعف الخلق، يريد خوفاً أن يدخل عليه عيصه لأن الذي هرب هو الذي ينقص حقه ولم يقل المضوى وهو من أضويته، أراد الذي جعل فيه الضوى كقولك: مسعود فيه سعادة وتقول سعد الرجل. وقال يذكر ثورا وبقرة:
يتبعن ذيالا موشى هبرجا ... فهن يعكفن به إذا حجا
هبرج يتبختر، ويعكفن به يطفن به ويقمن عليه، إذا حجا إذا ثبت.
وقال يذكر الثور والكلاب:
سحو ذهن وله خوذِي
(2/767)

أي يسوقهن ويطردهن وله طارد يطرده من نشاطه وحدة نفسه. وقال وذكر القرن.
ينسنّ أن تسنَّه الدُمِيّ ... إذا اكتلا واقتُحِم المكلى
ينسن أي يتحدد، والدمى جمع دم، أي كلما أصابه الدم ازداد حدة، واكتلى واقتحم وصرع، والمكلى الذي أصيبت كليته. وقال وذكر الكلاب:
حتى إذا ميّث منها الرّي
ميث لين من الكلاب، الري أي السكر من الطعن. وقال:
فانصاع وهو ذاخرُ التنكير ... من بغيهِ مقاربُ التهجيرِ
انصاع انشق في ناحية وهو يذخر التنكير لا يريها أنه يقاتل وقد أضمر ذلك، يقال هل نكر فلان التهجير شد الهجار وهو حبل يشد في رجل البعير إلى حقبه أو حقوه أي قد قورب هجاره، ومن روى مقارب بكسر الراء أراد أن الثور قد دنا من أن يكون مهجورا.
إذا استذرن حول مستديرٍ ... لشزره صانع بالمشزور
ويسر إن دون للميسورِ
يعني أن الكلاب كلما أتينه من جهة تحرف لهن، والمشزور ها هنا
(2/768)

طعن الشزر كما تقول عقل ومعقول، والمعنى: إذا استدرن حول منحرف لشزره صانع بطعن الشزر، وصانع رفق وأصله في الفتل، ويسر إن ردن للميسور - ويسر مسكنة السين فحرك ضرورة.
يذّبُ عنه سورة السؤورِ ... من ناهزٍ وداجن مذعور
يريد أن الثور يذب عن نفسه مساورة المساور اياه، ناهز كلب ينتهز، وداجن كلب متعود، مذعور يصاح به ويغرّي. وقوله يصف الكلاب:
والنَبْح واستسلمن للتعوير ... وقد يثوبُ الروعُ للمكثور
التعوير فساد الامر يقال تعور الأمر إذا فسد، ومنه قوله:
وعوّر الرحمانِ من قال العور
وقد يرجع الروع إلى من كثر معناه إذا كثر الثور وهو واحد كان إليه الروع.
وقال أيضاً يصف الثور والكلاب:
وانشمن في غباره وخذرفا ... معاً وشتى في الغبار كالسفا
ميلين ثم أزحفت وأزحفا
الخذرفة مر سريع كالخذروف، والسفا يريد سفا البهمي أي شوكة شبهها به لدقتها، وأزحفت وأزحف صار لها زحفا وصارت له
(2/769)

كذلك، يقال أزحف لنا بنو فلان أي صاروا لنا زحفا يقاتلونا ولم يرد الاعياء. وقال رؤبة يذكر مهمهاً:
يمشي به الادمان كالمؤمّه
الادمان الظباء البيض والمؤمة به موم من الحر، يقول كأنها من شدة الحر الذي به الجدرى، يقال قد أمِهت الشاة فهي مأموهة إذا أصابها الجدري. وقال:
اذا التلظّي أوقَدَ اليرامعا ... وأولَجَ الزجّاجةَ القوادِعا
اليرامع حجارة رخوة واحدها يرمع، والزجاجة كل بعيد الخطو فهو زجاج وأزج، والقوادع التي تقدع الذبان يعني بقرا.
بوهَجَان يسفع السوافعا
قال هو كقولك يغعل الأفاعيل. وقال رؤبة يذكرثورا:
أشرفَ رَوقاه صليفاً مقنعاً ... حتى إذا ما دجَّنه ترفّعا
وليله عن قردِيّ ألمعا ... عدا كلمعِ البرقِ أو عزوّعا
المقنع المرتفع. وهذا كقول ذي الرمة:
كسيف الصيقل الفرِد
ألمع ذو لمع، وتزوع تحرك كقولك: زع بالزمام أي حرك ناقتك بالزمام.
(2/770)

أسعر ضرباً أو طوالا هِجرَعا ... فانصاعَ يكسوها الغبارَالأضيعا
الضرب القليل اللحم، والهِجرَع الفاحش الطول، الأصيع الذي يجيء ويذهب.
بأربع في وظِف غير أكوعا ... ندفَ القياسِ القطنَ الموشعا
الأكوع الذي في كوعه اعوجاج والاسم الكَوع، والتوشيع ان يدار الغزل في اليد على الإبهام والخنصر ثم مجمع فيدخل في القصبة. وذكر طعنه الكلاب فقال:
طعن كنفضِ الريحِ تلقى الخَيلعا ... عن ضعيفِ أطنابٍ وسمكِ أفدَعا
الخيلع ثوب، وجعل الطعن كنفض الريح الثوب بخفته يعني أن الريح ألقت خيعلا عن بيت ضعيف الأطناب، أفدع معوج.
اذا مِئَلاّ شغبه تزعزعا ... للقصد أو فيه انحراف أوجَعا
مِئل تقول يؤلّ في الشيء أي يدخل فيه، وشعبه قرنه، والمئل الذي يمر مرا سريعا لقصد أو انحراف أي على كل حال.
وإن دنت من أرضيه تهرّعا ... لهنّ واختارَ الخِلاطَ الفَعفعا
أرضه قوائمه، وتهرع مر مرا سريعا، والخلاط المخالطة، والفعفع السريع، وأنشد للهذلي:
(2/771)

اجتزار الفعفعيّ المناهب
كأنه حاص جنبٍ أخذعا من بغيهِ والرِفق حين أكنعا لم يعرف الأصمعي معنى قوله: كأنه حامل جنب أخذعا ولا الأخذع أيضاً، لم يعرفه، وقوله أكنع يقول أكنعهن فصرن قريبا منه، يريد أدناهن، يقال: أكنع السبع إذا دنا بعضه من بعض وقد اكتنع الموت وكنع إذا قرب، ويقال: أعوذ بالله من الكنوع - والقنوع فالكنوع المذلة والقنوع المسألة والتكنع في اليد من هذا. وقال ابن الأعرابي في هذا البيت: كأنه حامل جنب أخذعا - اًي كأنه ضرب بالسيف ضربة فتعلق جنبه، وحكي: ترى الجريح منهم يعارضه جنبه أو يده - وذلك إذا تعلقت، والخذَع الميل يقول تراه من بغيه مائلا كأنه ضُرب فتعلق جنبه فمال. وقال:
ذو النبلِ ما كان المها كُنوسا ... يرمي ويرجو الممكنات الليسا
ذو النبل مرفوع بقوله يرمي، ويرجو ما كان المها في الكنس، والممكنات اللواتي أمكنت، والليس اللواتي لا يبرحن يقال للذكر أليس وللأنثى ليساء. وقال أبو ذؤيب وذكر الثور:
فغدا يشرقُ متنه فبدا له ... أولى سوابقُها قريباً توزع
(2/772)

يشرّق متنه في الشمس، وفي توزع قولان، يقال: تغري به وتوسد، كقول النابغة:
فكان ضمران منه حيث يوزعه
أي يغريه وقد مر تفسيره في الأبيات في الكلاب، ويقال توزع تُكَف السوابق منها لئلا يخلو بها حتى يجتمع عليه كلها. وقال الجعدي وذكر الثور والكلاب:
فزّلَ ولم يدرِكنَ إلا غباره ... كما زَّلَ مرّيخ عليه مناكبُ
فأعجله لَه عن سبعة في مكره ... قضَينَ كما بتَّ الأنابيشَ لاعِبُ
المريخ سهم، عليه مناكب أي ريش. من مناكب النسور والأنابيش البسر في العود يعمد إلى عود فيجعل فيه شوك ثم يضرب في عرض البسر فتغترز فيه، واحدها أنبوش.
وقال امرؤ القيس:
وسنّ كُسنيقٍ سناء وسنّم ... ذعِرَتْ بمدلاجِ الهجيرِ نهوض
لم يعرفه الأصمعي، وقال غيره سن ثور، وسنيق جبل، سناء ارتفاعا وسنم بقرة، مدلاج من دلج إذا منشى وليس هو من أدلج ولا ادلّج وكيف يدلج في الهجير أو يدّلج.
وقال النظار الفقعسي وذكر الثور:
(2/773)

اذا الضراءُ مشَقت عرقوبه ... مشض المُلاحِين ثيابَ الدهقان
المشق جذب خفيف سريع، والملاحين المخاصمين وقول بشر يصف الكلاب والثور:
ستحدسه في الغيب أقرب محدس
أي ستصرعه. وقول لبيد:
وولى تحسُرُ الغمرات عنه ... كما ولَّى المراهنُ ذو الجلال
المراهن الفرس روهن عليه ... وقال لبيد يصف ثورا
أضل صواره وتضيفته ... نطوف أمرها بيد الشمال
تضيفته أخذَت ضيفتيْه أي ناحيتيْه، وضيف كل شيء ناحيته، يقال: أراد مالت إليه من قولهم تضيف فلان فلانا إذا مال إليه، نطوف سجابة تنطف أي تقطر مع الشمال. وقوله: فبات كأنه قاضي نَذور أي كأن عليه نذرا فهو يحفر.
(2/774)

وقال ابن أحمر يذكر بقرة:
ماريةٌ لؤلؤان اللونِ أوّدَها ... طلّ وبنّس عنها فرقذ خَصر
مارية - خفيفة - لونها لون اللؤلؤ، أودها طل عطفها وثنائها على ولدها، بنس تأخر، خصر من البرد، الفرقد ولدها.
ظلت تماحل عسعَساً لحماً ... يغشَى الضراءَ خفيّاً دونه النظر
تماحل عن ولدها أي تخادع وتماكر، والعسعس الذئب، الضراء ما واراك من شيء وسترك، وإنما تفعل ذلك لتختل، خفيا دونه النظر يقول: الذئب لا يتبين للناظر لطلَسه ولأنه على لون الأرض في الغبرة.
تربي له فهو مسرورٌ بغفلتها ... طورا وطورا تسنّاه فتعتكر
تريي لولدها تشرف له، والذئب مسرور بغفلتها عنه إذا غفلت، وطورا تسني ولدها أي تغشاه وتركبه، فتعتكر ترجع إليه. وقال أبو دواد يصف الصائد:
فأتانا يسعى تفرّش أمّ ال ... بيض شدّاً وقد تعالى النهارُ
أي أتانا يعدو كعدو النعامة رويدا وهو في ذلك خفيف يخفي
(2/775)

وطأه. وقوله يصف اللثور:
كأنه أوثار
قيل هو الثوب الأبيض المحشوّ، وقيل البرَذَعة. وقوله:
ففريق يفلج اللحمَ نيئاً ... وفريق لطابخِيِه قُتار
أي يشرّج ويقال يقسم:

الصائد والحبالة والقترة
قال:
وخشنا من مال الفتى إن أراحَها ... أضاعَ ويرجو نفعَها حين تعزُب
يعني حبالة الصائد، أن أراحها أي ردها إلى أهلها خالية فقد أخفق، وإن عزبت عنه فذهبت علم أن فيها صيدا ذهب بها. وقال آخر:
الشركُ يا نزالٌ غير مجمودٍ لك ... النَشاقَى ولي المفَاسيدُ
النشاقي العلائق التي قد نشبت في الحبالة، والمفاسيد التي قطعت الحبالة فأفلتت، يقول: ما أفلت فذهب جعلته لي وما علق جعلته لك فهذا شرك غير محود، وواحد المفاسيد مفسدة.
وقال آخر في الأنشاق:
(2/776)

مناتين أبرام كأنَّ أكفَّهم ... أكفُ ضبابٍ اُنشِقَّتْ في الحبائل
وقال آخر وهجا رجلا ميتا:
كأن الظباءَ العُفرِ يعلمنَ أنه ... وثيق عُرى الأربيّ في العشرَاتِ
لَبيقَ إذا ما خَطّ بالنابِ أثرة ... تبينَ بالخَوفا في البكَراتِ
يقول هو صاحب صيد ومهنة ليس بكريم ولا سيد، والأربي مواثق الحبالة وهي مثل الأواخي وهي الأربة، والأربة العروة عروة الآري والاخية، والخَوفاء حلقة في الخف أثرة من أثر تأثيره. وقال امرؤ القيس:
بعثنا ربيئاً قبل ذلك مخمِلاً ... كذئبِ الغضا يمشي الضراءَ ويتّقي
المخمل الذي يخفي شخصه، ويتقي الناس وقيل يلبس الخمل وقوله ايضاً يصف الربىء:
فجاء خفياً يسفنُ الأرضَ بطنه ... ترى الترب منه لاصقأ كل مَلصَقِ
يسفن يمسح. وقول أبي دواد للصائد.
أوف فارقُب لنا الأوابد واربأ ... وانقص الأرض إنها مذكارُ
أي تنبت ذكور البقل فالمشي فيه أخفى.
فأتانا يسعى تفرّش أم ال ... بيض شدا وقد تعالى النهار
(2/777)

أتانا الصائد يعدو كما تعدو النعامة وهو في ذلك خفيف يخفي وطأه. وقوله يصف الثور:
كأنه أوثار
قد تقدم تفسيره. وقال الطرماح وذكر الثور:
فلما غدا استذرَى له سمط رملة ... لحوليْنِ أدنى عهده بالدواهِ
استذرى استتر له، سمط رملة أي صاحب رملة وأخو رملة يعني صائدا، أقرب عهده بالادهان حولان.
وبالغسلِ إلا أن يمير عصارة ... على رأسه من حشوِ أليسَ جائن
الغسل الخطمي، يقول هو بعيد العهد بالدهن والغسل إلا أن يخرج ما في كرش ثور مما يصيد فيعصره على رأسه، والحشو ما في جوفه من العلف، والأليس الشجاع المبرز الذي لا يبرح، والحائن الذي حانت منيته، وقال رؤبة:
يرمي ويرجو الممكنات اللِيسا
الليس جمع أليس وهو الذي لا يبرح. وقال الطرماح:
أخو قنصَ يهفو كأنّ سراتَه ... ورجليْه سلم بين حبلى مشاطِنِ
يهفو يمر مرا سريعا، وسراته أعلى ظهره، شبه رجليه إذا عدا وتحرك ظهره بسلم وهو دلو، بين حيلين ينزعان بها والدلو تضطرب
(2/778)

وتمايل، والمشاطن الذي يشاطنه رجل آخر ينزع هذا وينزع هذا، والمساحل نحوه، وقال مالك بن خالد الخُناعي:
حتى أشبّ له رامٍ بمُحدَلة ... ذو مِرّة بِدوارِ الصيدِ هَمّاسُ
المحدلة التي غمز طائفها إلى مؤخرها ثم عطفها إلى مقدمها. وأنشد الأصمعي لأبي حية:
ومصونةٌ دفغتْ فلما أقبلَتْ ... عطفَتْ طوائفها على الأقبالِ
ذو مرة أي ذو عقل، بدوار الصيد أي بمداورته وهو مصدر داورته دواراً، همّاس يمر مرا خفيا.
يدنى الحشيف عليها كي يواريها ... ونفسَه وهو للأطمار لبّاس
الحشيف الثوب الخلق يدنيه على القوس ليسترها ويستر نفسه.
فقامَ في سِيتَيْها فانتحَى فرَمى ... وسهمه لبناتِ الجوفِ مسّاسُ
قام في سيتيها أي قام بينهما، إنتحى تحرف، وبنات الجوف الأفئدة قال أبو عمرو: الأمعاء والكبد. وقال آخر من هذيل وذكر أتانا:
أتيحَ له أقيدر ذو حَشيفٍ ... غبيّ في نجاشتهِ زَلوج
(2/779)

الأقيدر القصير العنق، وغبي خفي إذا نجش الوحش وهو أن يحوشها نحو الرامي، زلوج خفيف على الأرض.
ويُهلك نَفَسه إن لم ينلْها ... فحُقَّ له سَحير أو بَعيج
يقول يهلك نفسه باللوم إن فاته شيء من الوحش أي يخطئه، سحير يصيب سَحْره والسحر الرئة، والبعيج المبعوجَ البطن أي المشقوقة. وقال أسامة الهذلي وذكر حمارا:
فلما تولى صادراً واستراثُه ... غبيُّ سَفاةٍ في المقابرِ صائدُ
استراثه استبطأه، غبي سفاة يعني أنه قد غبى في قترته أي خفي فيها، والسفا التراب الذي خرج من القترة، يقول كأنه في قبر من قترته.
مُقيت إذا لم يرمِ لاهو يائس ... ولا هو حتى يخفُقُ النجمُ راقدُ
مقيت مقدّر إذا لم يرم، يخفق النجم يغيب. وقال أمية بن أبي عائذ يذكر حمارا وآتنا:
فأسلكَها مرصداً حافظا ... به ابن الدُجَى لاطئاً كالطحالِ
مرصدا موضعا يرصد فيه، حافظا يحفظها من أن تزيغ وتجور.
ومثله قول الآخر أبو خراش:
فلما رأى أن لا نجاءَ وضمّه ... إلى الموتِ لِصبِ حافظ وقفيلِ
ابن الدجى صائد والدجى جمع دُجية وهي القترة كما قالوا للدليل
(2/780)

هو ابن فلاة، وقوله لاطئا كالطحال يريد أنه في قترته لازق كما لزق الطحال بالجنب.
مفيداً معيداً لأكلِ القَني ... ص ذا فاقةٍ ملحِماً للعِيال
له نسوة عاطلات الصدو ... ر عُوجٌ مراضيعٌ مثل السعاليَ
ملحم يقول هو مرزوق من الصيد والقنيص والقنص واحد وهو الصيد، ويقال ملحم للعيال أي يطعم عياله اللحم، عاطلات لا حلَى عليهن من الهزال.
وقال كعب بن زهير وذكر حميراً وردت:
فصادَفَ ذا شكوةٍ لاصقا ... لصوقَ البرام يظنَّ الظنونا
قصيز البنانِ دقيق الشوي ... يقول أيأتينَ أم لا يجينا
يعني صائداً، والبرام القراد. وقال الطرماح وذكر حماراً:
صادفْت طلوا طويلَ الطوي ... حافظَ العين قليلَ السَآم
منطو في مستوَى دُجية ... كانطواءِ الَحرِ بببن السِلامِ
الطلو الخفيف الجسم يريد صائداً، والدجية القترة، والحر الأبيض من الحيات، والسلام الحجارة، والصائد يوصف بخفة الجسم.
(2/781)

وقال الهذلي أبو ذؤيب:
كأنه في حواشي ثوبه صُرَد
يلحسن الرَصفَ له قَصْبة ... سمحج المتنِ هتوف الخطامِ
الرصف عقب السهم وجمعه رصاف، والقصبة القوس، والسمحج الطويلة الظهر، الخطام الوتر، هتوف مصوت.
إن ينل صيداً يكن جله ... لعجايا قوتهم بالِلحام
أو يصادف خفقاً يصِفهم ... بعتيقِ الخَشلِ دون الطعامَ
عجايا واحدتها عجيّ وهي التي ماتت أمهاتها فسقيت من ألبان غيرها يتتبع بها مواضع اللبن يعني ولد الصائد، والخفق أن لا يصادف شيئاَ، وعتيق الخشل يقال انه سويق المقل، والخشل نوي المقل، وجعله هاهنا المقل نفسه. وقال رؤبة وذكر الصائد:
لايشتكي صدغيه من داءِ الودَقِ ... فباتَ والنفس من الحرصِ الفَشقَ
في الزرب لو يمضغ شرياً ما بزق
الودقة نكتة تخرج في العين من بياض والذي يشتكي عينه يصيبه عليه الصداع، وجمع الودقة ودْق ولكنه حركه وأخرجه على المصدر كأنه قال ودِق ودَقا، والفشق الانتشار يقال ظبي أفشق القرنين، يريد
(2/782)

أن حرصه قد انتشر، والشري الحنظل، يقول قد صمّت مخافة أن يسمع الوحش صوته. ومثله:
فباتَ يخفي صوتَه والريحا ... والنفَسَ العالي والتسبيحا
وقال الشماخ:
وحلأها عن ذي الأراكةِ عامر ... أخو الخضر يرمي حيثُ تكوى النواحز
حلأها منعها من الماء، والخضر من محارب، والنواحز التي بها نحاز فتكوى في جنوبها وأصول أعناقها. وقال صخر الغي وذكر الوعول والقاض:
خفيّ الشخص مقتدرٌ عليها ... يسنّ على ثمائِلها السماما
الثميلة ما بقي في الجوف من الطعام، يريد أنه يرمي بطونها وخواصرها، والسمام جمع سَم يريد السهام. وقال ذو الرمة وذكر الحمير:
وقد أسهرت ذا أسهم باتَ جادل ... له فوقُ زُجّي مرفقيه وحاوِح
جادل منتصب، والزج طرف المرفق، وحاوح صوت، يقول هو بارك على مرفقيه لا ينام. ومثله قوله يذكره:
(2/783)

كأنه خشيةَ الاخطاء محموم
وقوله:
أو كان صاحب أرض أو به مُوم
الأرض الرعدة، والوم البِرسام، وقال أبو حية:
وفي الجانب الأقصى الذي ليس ضربةً ... برمح بلي حرّان زُرق معابِله
يعني القانص، قال: ليس يكون قدر ضربة برمح، ثم قال: بلى - ومثل هذا كثير، قال:
فلا تبعدنَ يا خير عمرو بن جندبِ ... بلى ان من زارَ القبورَ ليبعدا
وقال كعب بن زهير يصف الصائد:
لطيف كصمدّادِ الصفا لا يغرّه ... بمرتقبِ وحشيّه وهو نائمُ
وقد فسر في الأبيات في الهوام. وقال الشماخ وذكر عين ماء:
عليها الدُجى المستنشآتُ كأنها ... هوادج مشدود عليها الجزائز
الدجى القُتَر، المستنشآت المستحدثات، شبهها بالهوادج لأن الصائد يبنى على قترته شجر الثمام والحشيش ثم يقبّبه، والجزائز العهن
(2/784)

واحدها جزيزة. وقال أبو النجم يذكر الصائد والحية في القترة:
وهو كذي الشوق إلى زِيالها ... إن لم يرَ الصحةَ في اعتزالِها
زيالها فراقها، يريد إن لم ير الصواب في اعتزالها لأنه لو خرج من قترته أتاه السبع فأكله أو نذِرت به الوحش فصبر على مقاساتها وقال يصف القترة:
بيت حتوف مُكفَأ مردوحا
مكفأ له كفاء مرسل من خلفه، ردحتُ البيت وأردحته. وقال خداش بن زهير:
وأوس لنا ركن الشمالِ بأسهمٍ ... خفافٍ وناموس سديد حمائرُه
أوس اسم صائد، والناموس القترة، والحمائر صفائح حجارة واحدتها حمارة. وقال حميد الأرقط:
بيت حتوف أردِحت حمائره
وقال الكميت:
تخذَّ الطمر مئزراً وتردّي ... غير ما قدرة به الطمرورا
الطمر الخلق والطمرور أيضاً كذلك، يقول لم يقدر على ذلك قال امرؤ القيس:
(2/785)

بعثنا ربيئاً قبل ذلك مُخمِلاً ... كذئبِ الغضا يمشي الضَراء ويثقَّى
وقد مضى تفسيره. وقال كعب بن زهر وذكر القانص:
فلمارأى الصيدَ يوماً وأشرَعَت ... زوي سهمَه غاوٍ من الجنِ حارِم
قال أبو عمرو: يقولون ليس من وحشية إلا وعليها جني، وهو مثل بيت النابغة:
يقول راكبها الجني مرتفقاً ... هذا لكنّ ولحم الشاة محجور
حارم حرمه الصيد. وقال أمية بن أبي عائذ الهذلي وذكر رامياً:
يصيب الفريص وصدقاً يقو ... ل مرحَى وإيحى إذا ما يواليِ
إذا أصاب قال مرحى وإذا ثنى قال إيحى يقال ذلك عند الفرح والتعجب.
وقال امرؤ القيس وذكر رامياً:
فهو لاتنمي رميته ... ماله لاعدّ من نفَرِه
يقول لا تجوز الوضع الذي رماها فيه حتى تموت، وقوله لا عد كل من نفره يدعو عليه بالموت، يقول إذا عد أهله لم يعد معهم ولم يرد وقوع الفعل ولكنه كما يقال قاتله الله.
وقال أوس بن حجر وذكر رامياً أخطأ.
فعض بابهامِ اليمين ندامةً ... ولهف سراً أمه وهو لاهف
(2/786)

عض أبهام يمينه لأن القوس في يساره فقال: يا لهف أمّتاه لئلا يسمعِ الوحش.
وقال أبو خراش:
منيباً وقد أمسى تقدمَ وردَها ... أقيدر محموز القِطاع نذيلُ
القطاع جمع قِطْع وهو نصل قصير عريض، محموز شديد يقال حمز اللبن إذا أشتدت حموضته، والأقدر القصير اعنق يعني الصائد، تقدم فقعد على طريقها ويقال نذَل ونَذيل وسمج وسَميج.

الأبيات في الكِناس
قال:
وبيت تخفق الأرواح فيه ... خَلاءَ الليلِ معمور النهار
تمارسه صوانعٌ مشفقاتٌ ... على خرقٍ يقوَّم بالمَداري
يعني كناساً، والمداري القرون، وخرُق اولادها واحدها خَرق ومثله للعجاج:
وشجرَ الهدّابَ عنه فجفا ... بسلهبيْنٍ فوق أنفٍ أذلفا
الذلف قصر الأنف ورجوع طرفه إلى الرأس. وقال ذو الرمة وذكر ثوراً:
إلى كلِ بهوٍ ذي أخٍ يستعده ... إذا هجّرت أيامه للتحول
(2/787)

بهو يعني كناسه وكل فجوة ومتسع بهو، وقوله ذي أخ أخبر أن له كناسا آخر يستعده هذا الثور إذا زالت الشم فتحول عن هذا إليه. ومنه قول طرفة:
كأنّ كناسَي ضالة ويكنفانها ... وأطْرَ قسيّ تحت صُلب مؤيّد
وقد فسر في كتاب الابل. وقال النجاثي وذكر ظبياً:
إذا الشمسُ ضَحَّت متنها يستعدّه ... لحد الضحى أحوى الشراسيفِ أكحلِ
قال: هذا الكناس له بابان باب للشمال وباب للجنوب فهو يستعد باب الجنوب للشتاء وباب الشمال للصيف، وضحت أظهرت. وقال لبيد يصف ديارا:
تحمل أهلُها وأجدَّ فيها ... نعاج الصيفِ أخبيةُ الظلالِ
أي اتخذت كُنُساً جدداً ولا يكون كناس إلا تحت شجرة وجعلها نعاج صيف لأنهم يرتحلون لطلب المياه. وقال العجاج يذكر الثور:
فباتَ في مكتنسٍ معمورٍ ... مساقطٍ كالهودجِ المخدورِ
مكتنس شجر جعل كناساً، معمور من البَقر، مساقط مسترخ
(2/788)

أغصانه وورقه وكأنه هودج صير له خدر.
كأن ريحَ جوفه المزبورِ ... بالخُشثبِ دون الهدَبِ اليخضورِ
مزبور كأنه طوي بخشب كما تطوى البئر بالحجارة، ثم قال بالخشب دون الهدب - يقول هو أسفل من الهدب والهدب ورق الأرطي.
وبالشتاء حضر المحضور ... إذا انتحَى كالنابثِ المثيرِ
أي هذا الكناس كثير الحاضر في الشتاء من البقر والظباء.
مرَّت له دونَ الرجا المحفورِ ... نواشطٌ الأرطاةِ كالسيورِ
أي تعترض له عروق الشجرة دون الرجا يعني ناحية المكنس، ونواشط عروق تأخذ من هذا الشق إلى الشق الآخر. وقال آخر يذكر ظبياً:
وينبحُ بين الشعبِ نبحاً كأنه ... نباحُ سلوقٍ أبصرتْ ما يريبُها
وبيّضه الهزل المسوّد غيره ... كما ابيض عن حمض المراضَين نيبها
الظبي إذا أسن وصارت لقرونه شعب نبح وقيل له نباح وأشعب. ومنه قول أبي دواد:
نبّاح من الشُعْب
والظبي إذا هزل ابيض وكل أبيض إذا هزل اسود والبعير يشيب وجهه إذا رعى الحمض. وقال الراجز:
أكلن حمضاً فالوجوه شيب
(2/789)

وقال عمر بن لجأ:
شابت ولما تَدن من ذكائها

دخول الظباء الكُنس في الحر
قال الراعي وذكر ناقة:
أخالف الفلاةَ فأرمي بها ... إذا أعرَضَ الكانس المظهر
إذا قالَ في فتن واحد ... من الضالةِ الرئم والأعفرُ
أعرض عن الشمس، يقول من شدة الحر يجتمع اثنان مختلفان. وقال الحطيئة:
وقدَّت لها الشعري فأل ... فت الخدودَ بها الهواجر
يريد الحر الذي كان بالشعري فجعلت الخدود مؤتلفة في الكنس من شدة الحر.
وقال ذو الرمة:
ويوم يُزيرُ الظبي أقصى كناسِه ... وينزو كنزوِ المعلَقاتِ جنادبه
يزير الظبي أقصى الكناس من شدة الحر، والمعلقات الظباء تعلقن في الشرك فينزون وانما ينزو الجندب من الرمضاء. وقال:
ويوم من الشعري يظل ظباؤه ... بسوقِ العضاه عوّذا لا تبرّح
(2/790)

أي لو أجيء في الكنس تحت سوق العضاه وهوَ شجر. وقال المرار وذكر فلاة:
وفي ذُراها من الجوزاءِ عاصفة ... ترمي الكناسَ بأفراق اليعافيرِ
يكف من حَجرتيْها ثم يهجمها ... على الكناسِ أصيلا بعد تغوِيرِ
الحر يكف من جانبها أي يضم، ثم يهجمها أي يدخلها الكنس، أصيلا عشياً، بعد تغوير يعني نصف النهار. ومثله له:
ويومٌ من النجم مستوقد ... يسوق إلى الموتِ نور الظباءِ
النور النوافر والنَوار النَفور، وقوله إلى الموت يريد أنها تدخل الكنس وتخفى فكأنها مدفونة في القبور.
تراها تدورُ بغيرِ أنها ... ويهجمُها بارح ذو عماءِ
أي ذو غبار، شبه البارح بالسحاب.
إذا حرجت تتّقي بالقرون ... أجيج سمومٍ كَلفح الصلاءِ
يقول إذا ضاقت عليها الكنس اتقت الحر بالقرون، ومثله قول الطرماح:
يتقي الشمسَ بمدرية ... كالحماليج بأيدي التلام
(2/791)

وقال مسكين الدارمي:
وهاجرةٌ ظلّتْ كأنّ رؤوسها ... علاها صداع أو فَوال تضورها
وقال الشماخ:
إذا كان يعفوز الفلاةِ كأنه ... من الحر ِحرج تحت لوح مفرّجِ
الحرج الودعة تكون تحت الرحل يزين به الرحل، قال الأصمعي ودعة تكون في أعلى الهودج من داخله، يقول: انطوى الظبي في كناسه في هذا الوقت فكأنه من بياضه ودعة تحت الرحل. وقال لبيد وذكر ناقة:
تسلب الكانس لم يُرَبها ... شعبة الساقِ إذا الظل عقَل
أي تدخل الناقة كناس الظبي من الحر، لم يور بها لم يشعر بها حتى هجمت عليه، ويروى: لم يوأر بها مقلوب، يقال استورأت إذا مرت عليه نفار، والساق ساق الشجرة، عقل اعتدل.
وقال كثير:
وتعانَقَتْ أدم الظباء وباشَرَتْ ... أكناف كل ظليلةٍ مقيال
يقول تجتمع فتتقي بعضها من الحر ببعض، وظليلة شجرة، ومقيال يقال فيها.
(2/792)

الجزء الخامس من كتاب المعاني
كتاب الوعيد والبيان والخطابة
فيه

الأبيات في الوعيد والبيان والخطابة وفي الدعاء بالشر واليمن واللأيمان والعداوة والبغضاء والظلم والبغي والداهية والخطة والقيد والغل.

بسم الله الرحمن الرحيم
الأبيات في الوعيد
قال نافع بن لقيط الفقعسي:
إربِط حمارَكَ إنه مستنفر ... في إثرِ أحمر عمدنَ لغرّبِ
يروى: أزجر حمارك، ومعناه كف نفسك عن أذى قومك لا تطمحن إليهم بالأذى فانك قد عيرت في شتمهم كما يعير الحمار عن مربط أهله يتبع حماراً.
أعطيكَ ذمةَ والديّ كليهما ... لأذَرّفنْكَ الموتَ إن لم تهرب
ولأحملنكَ إلى نهابرٍ إن تثبَ ... فيها وإن كنتَ المنهِّت تعطب
لأذرفنك الموت أي لأشرفن بك عليه، ويقال ذرف على الأربعين، والمنهِت الأسد، والنهابر من الرمل واحدها نهبور وهو المشرف منه. وقال عبد اللَه بن عَنمة:
أزجر حماركَ لا يرتع بروضتنا ... إذأ يردّ وقيد العَير مكروب
(2/793)

هذا مثل، يقول: رد شرك عنا لا تعرض لنا وإلا تفعل يرجع إليك أمرك مضيقاً عليك، والمكروب المضيّق. وقال أبو المثلم:
أعام بن عجلان مقصورةً ... بغيريَ من شِبعٍ عرِّض
يريد عامر بن عجلان أقتصر بالحديث عليك لا أبلغها الحي أجمعين، والمقصورة رسالة، وإذا شبعت فعرض بغيري.
فإن الذي يُتّقى شرّه ... كما تتّقى النار بالمِركضِ
الأصمعي: ما سبقه بالمركض أحد، قال: وليس المركض بشيء وليس هو باسم، والركض الرفع وأراد به عوداً تحرك به النار.
متى ما أشأ غير زَهوِ الملو ... كِ أجعَلْكَ رهطاً على حُيّضِ
الرهط أديم سيورا دقاقاً ويترك أعلاه لا يقد تأتزر به النساء والصبيان، أي يقدرك الناس مما أظهر منك وليس هذا مني زهواً
وأكحلكَ بالصاب أو بالجلاءِ ... ففقّح بعينيكَ أو غَمِّض
الصاب شجر له لبن يحرق العين إذا أصابها قطرة منه، والجلاء كحل يجلو العين يحك على حجر ثم يكتحل به، وهذا مثل أراد أنه يأتيك من قبلي شيء يحرقك ففقّح عينيك أو أغمض أي أنكران شئت أو تغافل فإني لا أجيئك إلا بما تعرف، ويقال للجرو أول ما يفتح عينيه قد فقّح، يقول فتهيأ لها مني.
(2/794)

وأسعطْكَ في الأنفِ ماءَ الأبا ... ءِ مما يثمّلُ المِخوضِ
الاباء القصب ويقال الأباء هاهنا الذي تشرب منه الأروى فتبول فيه وتدمنه، ويثمل ينقع وقد فسد واستنقع.
جهلّتَ سعوطكَ حتى ظنن ... تَ أن قد أرِضتَ ولم تؤرَض
أي جهلت ما صنعت بك حتى ظننت أن بك زكمة وإنما ذا مما وضعت برأسك، والأرض الركام. وقال رؤبة:
يا أيها الكاسر عيْن الأغضَن ... والقائل الأقوال ما لم يلقني
هرّق على خمرك أو تبيّن ... بأي دلو إن غرفنا تستني
إن صحّ في أوفر حقن المحقن ... فالسبّ تخريق الأديم الألخن
هرق على خمرك أي أقبل على لهوك وباطلك، يقول إن فاخرتني فبم تفاخرني. ومثله للفضل بن عباس اللهبي:
من يساجلني يساجل ماجِدا ... يملأ الدلَو إلى عقدِ الكَرَبِ
إن صح يقول إن تم أي إن اجتمع في أسقية وفرما تحقن وأحقن تبين أيّنا أكرم، والمحقن الذي يحقن فيه، واللخَن النتن يريد من
(2/795)

سابّ خرقّ جلده ولخن. ونحوه قول العجاج:
والشوق شاج للعيون الحُذّل
يقول هو الذي حذّلها وأبكاها وكذلك السب هو الذي ألخن الأديم وخرقه. وقال رؤبة:
ودَغْية من خَطلٍ مغدَودِنٍ ... قربان مَلكٍ أو شريفِ المعدنِ
قامَتْ به شدّاكُ بعد الأوهنِ ... بدرءِ همّاز دروء الضَيزنِ
الدغية الكلمة القبيحة، والخطل المضطرب، مغدودن مسترخ، قربان ملك أي من خاصة ملك كريم المغرس، شدّاك خصلتك التي هي أشد وهي فُعلى، بدرء أي يدفع، والضيزن الذي يضارّك. وقال:
والملغ يلكى بالكلامِ الأملَغِ ... لولا دَبوقاءِ استهِ لم يبدَغِ
الملغ النذل، يلكى يلهج يقال لكيت بدنس أي لزقت به والدبوقاء الدبق ودبوقاء الاست العذرة، يقول لولا خرؤه لم يتلطخ يقال بدغ الرجل في خرئه إذا تلطخ به. وقال:
فابهز بي المدره والزعما ... وذا عضاضٍ يعدل الظَلوما
ابهز بي يقول القُه بي من قولك رجل مبهوز، والزعيم في
(2/796)

هذا الموضع، المتكلم وفي غيره الكفيل.
يعتقم الأجدالَ والخصوما ... بشُطسيِّ يفهمُ التفهيما
الشطَسيِ المارد المتكبر من الرجال.
ويَعتقي بالكلمِ التكليما ... ممتنعَ العقميّ أو عقيما
أذللت من قَسوتيِ التحريما
يعتقي يعتاق مقلوب، يقال: اعتاقه واعتقاه، يريد يعتاق بكلم منه التكليم الذي كلمه به خصمه، والعقميّ من اعتقام البئر كأنه يأتيه من عرض أو عقيما يعني الداهية، قسوتي صعوبتي، والتحريم يقال بعير محرّم إذا لم يمسه حبل ولم يذلّل. وقال المرقش:
أبلغ المنذِرَ المنقّبَ عني ... غير مستعتبِ ولا مستعينِ
لا ت هنا وليتني طرفَ الزجِّ ... وأهلي بالشَأم ذَاتَ القرونِ
المنقب المستقصي في الطلب، لات هنا أي ليس هذا وقت إرادتك، والزج موضع، وقوله بالشأم ذات القرون لأن الروم كانوا بالشأم وأراد قرون شعورهم كأنه قال بالشأم ذات العدوّ، وليتني في بلاد العدو.
(2/797)

وقال امرؤ القيس:
أقصر إليكَ من الوعيدِ فإنني ... مما ألاقي لا أشدّ حزامي
أي قد جربت حتى لا احتاج أن اتشدد للاشياء ولا أتحزم لها. وقال الزبرقان بن بدر:
ألم أكُ باذلاً ودّي ونَصري ... وأصرف عنكم ذربي ولَغبي
ذرَبي حدة لساني، ولغبي سيء كلامي وأصله رديء الريش. وقال أوس:
أقولُ بما صبّتْ على عما يتي ... وأمري وفي حبلِ العشيرة أحطمب
يقول أقول بما جربت وما علمت مما مضى من دهري وهو مثل. وقال جرير:
إني إذا الشاعرُ المغرورُ حرّبني ... جار لقبرٍ على مرّانِ مرموسِ
حربني أغضبني يعني قبر تميم، يقول أنا جار لتميم ممن يهجوها أذب عنهم الشعراء. وقال عنترة:
سيأتيكما عني وإن كنت نائيأ ... دخانَ العلندَي دون بيتي مذود
(2/798)

يقال أن العلندي جبل لم ير إلا وعليه كالدخان، ويقال العلندي شجر له دخان كثير إذا أوقد به وهذا من قولك: لأثيرن عليكم شرا يبلغ دخانه السماء - أي يأتيكم من هجائي شيء له دخان كدخان العلندي، مذود يذود عنه ويدافع.
قصائذ من قيل امرىء يحتديكُم ... وأنتم بِجسمَى فارتدوا وتقلدّوا
بيّن ذلك الدخان فقال قصائد، يحتديكم يتعمدكم بها، فارتدوا هذا الهجاء وتقلدوا، كما قال الآخر أبو ذؤيب:
لخبِرّت أنا نحتدي الحمد إنما ... تكلّفه من النفوسِ خيارها
ومثل قول الأول:
سأكسوكما يا ابن يزيد بن جعشمٍ ... رداءيْن من قارٍ ومن قِطرانِ
اذا لُبسا زاداً على اللبسِ جدّة ... ولم يبلَ وَشى منهما لِأوانِ
وقال أوس:
وما أنا إلا مستعد كما ترى ... أخو شرَكيّ الورد غير معتمِ
شركي الورد سريع يقال لطمه لطما شركيا أي متتابعا، يريد أنه ورد في إثر ورد ومعنى الورد أنه أغشاهم ما يكرهون، يقال لا يزال فلان يتوردنا بالشر، معتِم محتبس، قيل لأعرابي: ما قمر أربع؟ فقال عتمة ربع، أي قدر ما يحتبس في عشائه، وقوله:
(2/799)

على حينِ أن جد الذكاءِ وادركَتْ ... قريحةَ حسى من شريح معمِمِ
الذكاء السن، يقال فرس مذكّ إذا كان قد أسن، والقريحة أول ما يخرج من البئر، واقتراح القول ابتداؤه، ومنه اقترحْ عليّ ما شئت وشريح ابنه، أي بعد ما أسننت وادرك ابني وقال الشعر، وضرب الحسى مثلا للشعر. وقال الشماخ:
نبئتُ أن ربيعاً أن رعى إبلاً ... يهدي إلىّ خناه ثاني الجِيد
فان كرهتَ هجائي فاجتنبْ سخطَي ... لا يعقلنّكَ إفراعي وتصعيدي
أن رعى إبلا أي استغنى وصار له مال، ثاني الجيد أي رخى البال غير مكترث لذلك، وإفراعي هاهنا انحداري وهذا حرف من الأضداد، يقال أفرع في الجبل صد وأفرع منه إنحدر. وقال آخر في الصعود وهو رجل من العبلات:
إني امروء من يمانٍ حين تنسبني ... وفي أميةٍ إفراعي وتصويبي
وقال آخر:
إني لأشقى الناس إن كنتَ غارماً ... ضمان التي يسقي بها نخلُ مَلهمُ
عبد الرحمن عن عمه قال: يقول إن كنت كلما عقرت سانية
(2/800)

ضمنتها فإني شقي. وقال غيره: أراد جريرة القصيدة يتغنى بها الساقي نخل ملَهم وذلك انه رمى بشيء فانتفى منه، كما قال ابن أحمر:
وإن قال غاوٍ من تنوخ قصيدةً ... به جربّ عدّت عليَّ بزوبرا
يعني الداهية. وقال النابغة للنعمان بن جبلة:
ولولا أبو الشقراء ما زال ماتح ... يعالج خطّافاً بإحدى الجرائرِ
الجرائر جمع جريرة، يعني ما ينشد إذا استقى، وكان بعضهم يجعله من غير هذا، يقول: لولا أبو الشقراء وأنه أعتق أسراءنا ما زال رجل منا قد أسرته قوم فهو يستقي لهم، والجرائر في هذا التفسير جع جرور وهي البئر البعيدة القعر. وقال الأعشى:
وإن عتاقَ الطيرِ سوف يزور ... ثناءً على أعجازهُنَ معلّقُ
به تنفض الأحلاس والديكُ نائم ... وتعقَد أطراف الحبالِ وتطلقُ
يعني أنهم إذا رحلوا وحطوا تمثلوا بهذه القصيدة. وقال المسيب:
إني امرؤ مهدِ بغيب تحيةِ ... إلى ابن الجلنديّ فارس الخيلَ جيفر
بها تنفض الأحلاس والديَكُ نائمَ ... إلى مسنفاتِ آخر الليلِ ضمّر
(2/801)

يقول إذا رحلوا إبلهم وحطوا عنها تمثلوا بهذه القصيدة وأنشدوها. وقال آخر:
سأرفع قولاً للحصيْن ومالكِ ... تطيرُ به الغربان سطرَ المواسمِ
وتروي به الهيم الظماء وَيطّي ... بأمثالها الغاوون سجع الحمائم
الغربان غربان الابل واحدها غرابة وهو مقعد الراكب، شطر أي نحو وتروي به الهيم الظماء يريد أنه يتغنى بهذا القول إذا سقيت. وقال جرير:
رفع المطي بما وسمتُ مجاشعاً ... والزنبريّ يعوم ذو الأجلالِ
الزنبري العظام من السفن، والأجلال الشرع، يقول غنى بهجائي لهم في البحر والبر. وقال زهير:
فإن الشعرَ ليس له مردّ ... إذا وَرَدَ المياء به التِجار
يقول إذا استقوا الماء تمثلوا به وترنموا. وقال:
سيأتي آلُ حصنٍ حيث كانوا ... من المذلاتِ باقيةً ثناءُ
أصل المذَل القلق أي كلام لا يستقر بمكان واحد ولكنه يسير على
(2/802)

ألسنة الرجال، باقية نصب على الحال. وقال المسيب بن علس:
فلأهديّنَ مع الرياح قصيدةً ... مني مغلغلةً إلى القعقاع
مع الرياح أي تذهب كال مذهب كما تأخذ الرياح في كل وجه أي يتحملها الناس ويحسنها. وقال الكميت وذكر قصيدة له:
فتلكَ إليكَ تقدبم مذهباتٍ ... بها يترنم الوله الطروبُ
فلا الرجزاءُ تعجز عن قيام ... ولا ذاتُ العقال ولا العتوبُ
ولكن كل نابئةٍ خَروجً ... من الأمثال والطلُق المنيبُ
يقول هذه القصائد ليست كالرجزاء ولا كالظالع ولا العتوب، وهو الذي يعتب على يد واحدة: والنابئة التي تخرج من أرض إلى أرض، ويروى: ولكن كل آبية، وهي التي تأبى أن يقال مثلها، والطلق التي لا عقال لها، ويقال ان المنيب أول الابل الماضي على وجهه في الصدر من أناب. وقال يذكر قصائده:
غرائبٌ يدعونّ الرواة كأنما ... رشَونهم والراكبَ المتغردّا
تعلّظ أقواماً بميسم بارق ... وتفطم أوباشاً حميلاً ومُسنداً
يقول يطلبها الناس حتى يرووها من حسنها فكأنَها رشتهم
(2/803)

والعلاط سمة في العنق بمنزلة القلادة، والمسند الدعى، والحميل الذي يحمل من بلاده صغيراً. وقال خداش بن زهير:
كذبتُ عليكم أوعدوني وعلّلوا ... بي الأرض والأقوام قُردان مِوظَبا
كذبت عليكم إغراء أي عليكم بي، ومثله لمعقر بن حمار البارقي:
وذبيانية أوصت بنيها ... بأن كذبَ القراطفِ والقُروفِ
عليكم بها، أوعدوني من الوعيد وتغنوا بشتمي وعللوا به السفْر
إذا مِقنَب منكم تقيَّل قَيلة ... ثنى رجل الأخرى عليّ فشبّبا
المقنب من الخيل ما بين خمسة عشر إلى ثلاثين، يقول إذا سوى من اللبن استلقى ووضع رجلا على رجل وتغنى بهجائي، وشبب فيه، والقيل شرب نصف النهار. وقال الراعي:
تغنى ليبلغني خنزر ... وكل ابن مومسةٍ أخزرُ
قياماً يوارون عوراتِهم ... بشتمى وعوراتهم أظهرُ
أي تغني بشتمي، يريدون أن يغطوا على أنفسهم بشتمي وعوراتهم أظهر لأنهم إذا شتموني شتموا أنفسهم بذلك يعني قومه. وقال القطامي:
(2/804)

وطال ما ذبّ عني سائرٍ شرُد ... يصبحنَ فوق لسان الراكب العادي
فاسألُ نزاراً فقد كانت تنازلني ... بالنصفِ من بين إسخان وإبرادِ
سائر يعني شعرا يسير في الناس ووحّد على اللفظ لأنه أراد الشعر ومعنى الشعر جميع ولذلك قال شرد، والنصف الإنصاف، وإسخان وإبراد شر وخير، يقال أسخنت له الحرب وأبردت له السلم. وقال ابن أحمر وذكر امرأة:
إذا عرضتُ منها بنجدٍ تحيةً ... فان لها أخرى تخبّ بمَوسِم
يقول إذا قلت فيها قصيدة أمتدحها بها فبلغت نجدا فإني قائل أخرى فتسير حتى تروى بالموسم. وقال الراعي:
وقلتُ له إن تدلَج الليلَ لاتزل ... أمامكَ بيت من بيوتي عائر
أي بيت هجاء سائر. وقال بشر:
إذا ما شئتَ نالكَ هاجراتي ... ولم يُعمَل إليكَ بهن ساقي
الهاجرات الكلام القبيح، يقال أهجر في منطقه، يقول يأتيك الهجاء من غير أن آتيك به لأنه يسير. وقال جرير:
وأطلعتُ القصائد طَود سَلَمى ... وجدّع صاحبي شُعَبَي انتقامي
سلمى أحد جبلي طيء، وإطلاعه إياه القصائد أنه هجا الأعور النبهاني، وصاحبا شعبي رجلان هجاهما، وشعبي موضع. وقال الشماخ:
لولا ابن عفانٍ والسلطانُ مرتقَب ... أوردت فجّا من اللّعباءَ جُلمودي
(2/805)

مرتقب محاذر، واللعباء أرض لبني سليم وكان بها أعداؤه، وجلموده يريد الهجاء.
وقال راشد بن شهاب:
بذمً يغشى المرء خزياً ورَهطه ... لدى السرحةِ العشياء في ظِلّها الأدَم
السرحة شجرة كانت بعكاظ يجتمعون عندها ويتحدثون في ظلها وكان الأدم يباع تحتها، ويروى العشواء وهي الكثيفة الظل التي لا يبصر فيها لشدة سواد الظل. وقال الأخطل:
وما يبقى على الأيامِ إلا ... بنات الدهرِ والكلم العقورُ
بنات الدهر أحداثه وصروفه، والكلم العقور الهجاء. وقال ابن مقبل:
بني عامر ما تأمرون بشاعرٍ ... تخيرّ بابات الكتاب هجائيا
وعندي الدُهَيم لوأحلُ عقالها ... فتصعد لم تعدم من الَجن حاديا
بابات سطور واحدها بابة، والدهيم الداهية والأصل ناقة حمل عليها رؤوس إخوة قتلوا فضربت مثلا في الشر فأراد أن الجن تحدو القوافي كأنها تسوقها إلى الشاعر. وقال عنتر:
هل غادرَ الشعراءُ من متردَّمٍ ... أم هل عرفَتْ الدارُ بعد توهّمِ
غادر ترك، متردم مترقع مستصلَح يقال ردمت ثيابي ولدمتها
(2/806)

وأصلحتها، ويقال ثوب مردَمّ إذا سد خلله بالرقاع، وهذا كقولك هل ترك الأول للآخر شيئاً؟ أي هل ترك الشعراء شيئاً ينظر فيه، ويروى مترنم أي متغنى فيه. وقال النابغة:
يصّد الشاعرُ الثنيان عني ... صدود البَكرِ عن قَوم هجانَ
والثنيان الذي يعد ثانياً من الشعراء ويقال هو الشاعر ابن الشاعر يقول لا يقوى على مهاجاتي كما لا يطيق البكر القرمَ فيصدّ عنه. وقال الأعشى:
أبا مِسمع أقصر فإن غريبة ... متى تأتكم تلحق بها أخواتها
غريبة قصيدة هجاء. وقال الكميت يذكر قصيدة:
فدونكموها آلُ كلبٍ فإنها ... غرائب ليست بانتحالٍ ولاخُشب
الأخشب من القداح الذي لم تتم صنعته جعله مثلا. وقال الراعي للأخطل:
أبا مالكٍ لا تنطق الشعرَ بعدها ... وأعطِ القياد عثَمت على كسرِ
العثم أن ينكسر العظم فينجبر على عقد، يريد انا قتلنا قومك.
(2/807)

وقال بعض الشعراء لعمرو بن معدي كرب وكان عمرو هجاه.
ليس النزول يسيراً إن همَمْت به ... ولست منها على غُنمٍ وإحرازِ
أي ليس نزولك عن الخطة التي أحملك عليها من الهجاء يسيراً ولست من مهاجاتي على غنيمة تحورزها.
فإن أبيتَ وشر الغَيَ غنيمة أطوله ... فإنَّ عِرضكَ من عرضِ امرئ جازى
جاز قاض، فلما بلغ البيت عمراً قال: صدق لا أهجوه أبداً. وقال أبو النجم:
ينصرني الله ومن شاءَ نصر ... بمنطقٍ كأنه الصخر الأصر
إذا تعيا المتعيّون انحدَر
الأصرفي صوته إذا ضُرب صوّت، يقول إذا عيّ الشعراء انحدر شعري. وقال الطرماح:
أتهجو من روى جزعاً واؤماً ... كساقي الليل من كدرٍ وصافى
تنخّل ما استطعتُ فإن حربي ... تلقح بالقصائدِ عن كشافِ
يقول تترك من يقول الشعر فلا تهجو وتهجو من رواه لغيره جزعاً منك ولؤماً - ثم شبه رواية الشعر من غير أن يقوله بهذا الذي يسقى بالليل ولا يدري أصاف ما يسقي أم كدر، ثم قال: تنحل أنت
(2/808)

الشعر فإن قصائدي تأتيك تترى، ثم ضرب الكَشوف مثلا ويقال للناقة إذا حمل عليها في سنتين متواليتين كشوف وهو أن يحمل عليها في دم نتاجها. وقال يذكر الشعراء:
ويؤديهم عليّ فتاءِ سنى ... حَنَانَكَ ربنا يا فا الجَنان
سيعلم كلهم أني مسن ... إذا رفعتْ عِنانا عن عنانِ
يؤديهم يعينهم، فتاء سني حداثتي، حنانك رحمتك يا ذا الرحمة، أي إذا رفعت الخيل سبقا بعد سبق وشوطاً بعد شوط. وقال العجاج:
وشاعرٌ آلى بجهدٍ المقسمِ ... ليعضدنَّ باطلى وأضمي
أي ليقطعن لعبي وجدي، والأضم شدة الغضب.
كما تمنى مارث في مَفطَمِ ... وقد رأى دوني من تهجّمي
المارث الذي يمضغ على دردره أي أصول أسنانه يريد الصبي ومفطم فطام.
أم الربيقِ والأرَيقِ الأزنَم ... فلم يلثْ شيطانه تنهّمي
أي رأى دوني داهية، يقال، جاء بأم الربيق على أريق، والأزنم ذو الزَنمة فلم يلث لم يحبس، والتنهم الزجر.
مختتئاً لشيّئان مِرجم
المختتئ المنكسر المستخذي، والشيئان البعيد النظر، والمرجم
(2/809)

الشديد العدْو. وقال طرفة:
وقرّبتُ بالقربى وجدّكَ إنني ... متى يك أمر للنكيثة أشهدُ
وقربت بالقربى أدللت بالقرابة، والنكيثة الأمر يبلغ فيه أقصى المجهود من النفس، يقول متى يحدث مثل هذا أشهده، يقال بلغت نكيثة البعير إذا جهدته.
بلا حدَثٍ أحدثته وكمحدثٍ ... هجائي وقذفي بالشكاة ومطرَدى
المعنى بلا حدث كان منى هجاؤه لي وقذفه بالشكاة، وقوله كمحدث أي من أتى ذلك إليّ فهو كمحدث، ويقال أراد فعل ذلك بي بلا حدث أحدثته وكمحدث من فعل ذلك به، أي قد استويا في الهجاء والشكاة. وقال أبو دواد: وأتاني تقحيم كعب لي المنطق إن النكيثة الإقدام في نظام ما كنت فيه فلا يحزنك قول، لكل حسناء ذام التقحيم الكلام بعضه في أثر بعض كأنه هجاه، وكعب هو كعب ابن مامة وكان بلغه عنه ماكره، والنكيثة بلوغ الأمر منتهاه، في نظام أي في نظام من الكلام، والذام والذيم العيب. وقال طرفة:
سأحلب عيساً صحن سم فأبتغي ... به جيرتي حتى يجَلّوا لي الخمر
(2/810)

الصحن الإناء القصير الجدار، والعيس ماء الفحل وهو سم قاتل، وهذا مثل يقول: أقول فيهم شعراً يكون بمنزلة هذا حتى يخبروني بجليّة الأمر، والخمَر ما واراك من شيء. وقال:
إن امرء أسرِف الفؤاد يرى ... عَسلاً بماءِ سحابة شَتمِي
سرف الفؤاد أي خطيء الفواد والسرف الخطاء، الأصمعي قال: قال لي أبو خيرة أردتكم فسِرفتكم، وأنشد لجرير يمدح بني أمية:
أعطوا هنيدةَ يحدوها ثمانيةٌ ... ما في عطائهم مَنْ ولا سرَف
أي يضعون العطاء موضعه لا يخطئون. وقال جرير:
جبيت جبَى عبد فأصبحت موردّا ... غرائب يلقى صعبةً من يذودها
الجبي جمع الماء في الحوض حتى ترده الإبل فتشرب، يقول جبيت أي جمعت في حوضك ماء لا يروى واردتك، وهذا مثل يريد أنك لم تغن فيما عبأتَ لي وكان الذي أوردته من إبلك غرائب من الشعر، ويروى ضيعة أي شغلاً وعملاً، يذودها يدفعها. وقال:
وأوقدت نارى بالحديدِ فأصبحت ... لها وهج يصلى بها الله من يصلى
أي أوقدت ناري بمياسم الشعر، وهذا مثل.
(2/811)

وقال الفرزدق لجرير:
أتعدل دارما ببني كليبٍ ... وتعدل بالمفقئة الِسبابا
المفقئة أشعاره وهي قوله:
غلبتك بالمفقىء والمعنّى ... وبيت المحتى والخافقات
وقوله:
ولستَ ولو فقأت عينيْكَ واجدا ... أبالك إن عدّ المساعي
والمعنّى قوله:
فإنكَ إذ تسعى لتدرك دارما ... لأنتَ المعنّى يا جريرَ المكلفِ
وقال طرفة:
إني وجدّك ما هجْوتكَ وال ... أنصاب يسفح بينهنَ دم
ولقد هممت بذاكَ إذ حسبت ... وأمرّ دون عبيدةِ الوَذَم
(2/812)

أقسم بالأنصاب، وعبيدة بن العبد أخو طرفة وكانوا أغاروا على إبله فذهبوا بها وبه معها، والوذم السير يشد به طرف العرقوة إلى عروة الدلو، وهذا مثل للشيء إذا فات، ويقضي دونك لا تستأمر فيه ولا تستشار.
إن الطرمّاح يهجوني لأرفَعَة ... أيهات أيهات عِيلت دونه القُضبُ
عيلت ارتفعت كما تعول الفريضة، وكما يعول الميزانْ إذا شال، والقضُب المقتَضبة واحدها قضيب. وقالت ليلى الأخيلية:
كأنْ فتى الفتيانِ توبةً لم يرضَ ... قضيباً ولم يمسحْ بنُقبة مجرِبُ
قضيب قصيدة مقتضبة أو خطبة لم يقل أحد مثلها قبله، يقال قضيب ناقة صعبة يركبها لطلب الغزل، ولم يمسح بنقبة مجرب أي لم
(2/813)

يشف ذا داء من دائه، وقال القِطران:
أنا القِطرانُ والشعراءُ جربى ... ذو صولةٍ ترمَى بي المدالِث
هايثني حركني المحرك، والمدالث جع مندلث وهو الذي يرمي بنفسه يتقدم، قال الأصمعي سمعت عيسى بن عمر يقول: إبل مغاليم جمع مغتلم. وقال يصف شعره:
ما كان تحبيرُ اليماني البرّاد ... يرجو وإن داخل كل وصّادِ
نسجى ونسجى مجرهِدّ الجُدّادِ
يقول ما كان ناسج البرود يحوك أحسن من شعري ولا يرجو ذلك، ولم يقل الأصمعي في: داخل كا وصاد - شيئاً، الزيادي: يقال وصد الوشي إذا بالغ فيه، والجداد الهدب فظن رؤبة أنه من عمل النساج فقال مجرهد الجداد، والمجرهد السريع الماضي. آخر:
وبيت بعلياءِ الفلاةِ بنيته ... بأسمرٍ مشقوقٍ الخياشيم يرعَفُ
يعني بيت شعر، والأسمر القلم. وقال آخر ووصف القلم:
عجبت لذي سنين في الماء ... نبته له أثر في كلِ مِصرٍ ومَعمر
لقد نقيم إذا الخصًوم تنافدوا ... أحلامهم صعر الخصيم المجنفِ
(2/814)

حتى يظَّلَ كأنه متثبّتُ ... بركوحٍ أمغرذي حيود مشرفِ
المجنف الذي جاء بالجنف كما تقول: خبيث مخبث أي جاء بالخبث، والصغر الميل، والخصيم الخصم، تنافدوا أحلامهم أي ذهبت أحلامهم، حتى يظل كأنه متثبت أي متمسك مخافة أن يخطيء، برُكح جبل مخافة أن يسقط، والركح ناحية الجبل، والأمغر الأَحمر، والريود جوانب حروف الجبل الواحد رَيد. وقال رؤبة وذكر كلاما:
لو كان خَرزا في الكلى ما بَضّا
أو لو كان هذا الكلام خرزا لكان محكما لا يبض منه قطرة. وقال الفرزدق:
وما خاصَمَ الأقوامُ من ذي خصومةٍ ... كورهاءٍ مشنوءٍ اليها حليلُها
تراها إذا اصطّكَ الخصومُ كأنما ... ترى رفقةً من ساعةِ تستحيلُها
يقول هي طامحة الطرف عن زوجها لا تنظر إليه من بغضه كأنها تنظر إلى رفقة من بعد تستحيلها، يقال استحل الشخصَ أي انظراليه هل يزول. وقال رؤبة يذكر المرأة:
لما ازدرت نقدي وقلت إبلي ... تألقت واتصلت بعكل
(2/815)

خِطبى وهزت رأسها تستبلى ... تسألني من السنين كم لي
فقلت لو عمرت الحسل ... أو عمر نوح زمن الفطَحل
كنت رَهين هرَم أو قتل
تألقت تغيرت وتلونت، اتصلت بعُكل اعتزت إليهم، وخطب الرجل المرأة يتزوجها، وهزت رأسها تهزأ به، تستبلي تختبر وتنظر ما عندي - من بلوت، والفطحل يقول أنه زمن كانت الحجارة رطبة. وقال أبو النجم:
تؤنسه دائرة لا تغزع ... عند اللقاء وخطيب مِقصَع
دائرة رأسه لا يقشعر وذلك يعني نفسه، والمصقع الماضي في خطبته غير العي.
وقال الحطيئة:
أم من لخصم مضجعين قِسيّهم ... صعر خدودهم عظام المفخَر
أي قد أضجعوا قسيهم وتوَكأوا عليها فهم يخطبون. وقال لبيد يذكر قوما وفاخرهم:
غلب تشذّر بالذحول كأنها ... جن البدىّ رواسيا أقدامها
(2/816)

أي يذكرون ما كان منهم ويقال تشذرت الناقة إذا لقحت فرفعت ذنبها واستكبرت، يريد أنه ينتصب بعضهم لبعض بالذحول أي من أجل الذحول، يقال فلان يتشذر لي بالعداوة، والبدي واد، رواسيا ثابتة. وقال لبيد:
نشين صحاح البيد كل عشية ... بعوج السراء عند باب محجّب
أي عند باب ملك، نشين صحاح البيد أي نحفر فنشينها وذلك أنهم يفتخرون ويخطفون بقسيهم فيقولون فعلنا كذا ويخطّون وفعلنا كذا ويخطون بالقسى.
وأصدرتهم شتىّ كأن قسيهم ... قرون صِوار ساقط متلغّب
يقول هم لا يحركون قسيهم ويخطون بها لأنهم لا أيام لهم قد انقطع ما عددوا منها وبقيت أعدد فهم كصوار سقطت معيِية فهي لا تحرك قرونها. ومثله قول الآخر:
إذا اقتسم الناس فضل الفخارِ ... أملنا إلى الأرض فضل العصا
أي نخطط بها ونقول فعلنا كذا وفعلنا كذا. وقال لبيد:
ما إن أهاب إذا السرادق غَمه ... قرعُ القسى وأرعشى الرعديد
أي كثر عليه، وهؤلاء قوم يدخلون على ملك متنكبين قسيهم فقسيهم تغرع السرادق، والرعديد الجبان. وقال حيد بن ثور:
بمنزلة لا يصدق الصواب عندها ... من النبل إلا الجيدْ المتلقّف
(2/817)

الذي يتلقف من جودته وضرب النبل مثلا للكلام أي لا يجوز فيها إلا كلام رجل نحرير، والصوب القصد. ومثله للبيد:
فرميت القوم رشقا صائبا ... ليس بالعُصل ولابالمفتعَل
الرشق الوجه يقال رميت رشقا أو رشقين، ليس بالعصل أي بالمعوجّة يقال سهم أعصل وناب أعصل أي معوج، ولا بالمفتعل أي ولم يعمل مما تعمل منه السهام، وذكّره لأنه إلى لفظ الرشق وإنما أراد السهام ومعناه الكلام شبهه بالسهام. وقبل هذا البيت:
إذا دعتني عامر أنصرها ... فالتقي الألسن كالنَبل الدول
أي التي تُتداول. وقال آخر:
ولا يعيبك عرقوب للأي ... إذا لم يعطك النصف الخصيم
عرقوب حيلة. وقال بعض الرجاز:
إذا حبا قُف له تعرقبا
أي عدل عنه والنوى للأي أي لالتواء خصم عليك. وقال البعيث:
(2/818)

نعز بنجدٍ كل من لقط الحصى ... ونعلو رؤوسَ الناسِ عند المواسمِ
لقط الحصا أن يقول: لنا يوم كذا ويلقطَ حصاة ويوم كذا ويلقط حصاة. وقال حكيم بن معَية:
إني إذا ما طارتْ الزنابز ... ولقّحتْ أيديها عَواسرُ
يعني رفع أيدي القوم عند الخصومة. ومثله للعجاج في رفع اليد:
لغد كفى قرضى بنيك العَسرا
أي أن تعسر عليهم الأيدي بالسياط فيضربوا. وقال القلاخ
وأوخفت أيدي الخصوم الغسلا
أي قلبوها في الجدال كما يوخف الخطمى باليد. ومثله للراعي وذكر عريفا:
نسي الأمانةَ من مخافةِ لقّح ... شمس تركن بضيعةٍ مجزولا
لقح أيد ترتفع عليه بالسياط شبهها بأذناب الابل اللواقح شمس صفة للابل الحوامل لا للايدي.
(2/819)

وقال النابغة:
وقد عسرت من دونهم بأكّفِهم ... بنو عامر عسر المخاضِ الموانعِ
يقول اتقتهم بنو عامر بأيديها كما تتقي المخاض الفحل بأذنابها. وقال آخر:
تلقَح أيديهم كأن زبيبَهم ... زبيب الفحولِ الصيد ِوهي تلمّجُ
تلقح أيديهم يعني أنهم يشيرون إذا اكلموا وأصل التلقح في الناقة إذا شالت ذنبها تريك أنها لاقح. وقال ذو الرمة:
إذا قلت عاجِ أو تغنّيت أبرقَتْ ... بمثل الخوافي لاقحاً أو تلقّحَ
الزبيب الزبد الذي مجتمع في الاشداق إذا تكلم فأكثر، يقال قد زبب شدقاه.
وقال آخر أبو الحجناء:
إني إذا ما زبّب الأشداق ... وكثر الضَجاج والَلقلاقُ
ثبت الجنان مرجم ودق
ومنه قول الجارية: كنت أنشد أبي حتى يزبب شدقاي، شبه ذلك من هؤلاء المتكلمين بما مجتمع في أشداق الفحول الصيد وهي التي ترفع رؤوسها، والصيد داء يصيب الابل فترفع، وهي تلمّج أي تأكل اليسير ومنه يقال: ما ذقت لَماجا، وقول لبيد:
(2/820)

يلمّج البارض لمجاً في الندى ... في مرابيع رياض ورِجَل
وقال أبو خراش:
تخاصَمَ قوما لا تلفّى جوابُهم ... وقد أخذتْ من أنفِ لحيتكَ اليدُ
يقول ندمت على ما ضيعت، ومن عمل النادم العبث بلحِيته قال أبو عمرو أي كبرت فطالت وأنت لا تعقل، وأنف اللحية مقدمها. وقال آخر أبو النجم:
وقد أقود بالدوىَ الملزمّلِ ... أخرس في الركب بقَق المنزلِ
الدوى الرجل الأحمق والبقاق الكثير الحديث، تقول: بققت له أي أخرجت له ما في نفسي، ويقال بق الغيث عبابه أي أخرج ما فيه، يقول فهذا الرجل ساكت في السفر لا يتحدث ولا يؤنس وهو في منزله كثير الحديث، وهذا مما يعاب به. وقال ابن أحمر وذكر كلمة:
ليست بمشتمةٍ تعدّ وعفوها ... عرَق السقاءِ على القعودِ اللاغبِ
قال الأصمعي: العرب تقول لقيت من فلان عرق القربة يعنون الشدة، وقال هذا: عرق السقاء أراد القربة فلم يمكنه الشعر، والمعنى أنه يسمع الكلمة تغيظ وليست بشتم فيأخذ صاحبها بها وقد أبلغت
(2/821)

إليه كعرق السقاء على القعود اللاغب، وقال أبو عبيدة: وهذا المعنى يشبه ما كان الفراء يحكيه أنهم كانوا يتزودون الماء في المفاوز فيعلقونه على الابل يتناوبونه فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر وكان الفراء يجعل هذا التفسير في عَلق القربة. وقال المرار الفقعسي:
لنا مساجد ونعّمروها ... وفي المنابرِ قعدانُ لنا ذُلل
قعدان جمع قعود، شبه مجلسه على المنبر بالبعير يقتعده. وقال أبو داود:
وأتانا تقحيمُ كعبٍ لي المن ... طق إن النكيثةَ الإقدام
في نظامٍ ما كنتُ فيه فلا ب يح ... زنكَ قول لكل حسناءِ ذام
التقحيم الكلام بعضه في إثر بعض كأنه هجاه، وكعب هو كعب ابن مامة وكان بلغه عنه ما يكره، والنكيثة بلوغ الأمر يقال بلغت نكيثة البعير إذا جهدته في السير، وقال طرفة:
وقربت بالقربى وجدّك إنني ... ومتى يك أمر للنكيثة أشهد
ويروى: الاقحام، في نظام، أي في نظام من القول، والذام والذيم العيب. وقال طرفة:
(2/822)

وتضد عنك مخيلة الرجل ال ... عريض موضحة عن العظم
بحسامِ سيفِكَ او لسانكَ وال ... كلم الاصيل كأرغب الكَلْمِ
الكلم جمع كلمة والكلْم الجرح وأرغب أوسع، وهو مثل قول امريء القيس:
ولو عنْ نثا غيره جاءني ... وجرحُ اللسانِ كجرحِ اليدِ
والعريض المتعرض للشر، والمخيلة الخيلاء، موضحة شبحه توضح عن العظم. وقال النابغة:
يصدّ الشاعرُ الثنيان عني ... صدودَ البَكر عن قرم هجانِ
أثرت الغي ثم نزعتُ عنه ... كما حاد الأزَب عن الطعانِ
الثنيان الذي يعد ثانيا من الشعراء ويقال هو الشاعر ابن الشاعر يقول لا يقوى على مهاجاتي كما لا يطيق البكر القرم فيصد عنه، أثرت الغي أي هيجت الشر ثم تركته، كما حاد الأزبّ وهو الكثير وبر الحاجبين والعينين، والطعان حبل يشد به الهودج وقال:
وأي الناسِ اغدر من شآم ... له صردان منطلق اللسانِ
(2/823)

الصُرَدان عرقان يكتنفان اللسان، وقال شآم لأن النابغة كان بالشأم. وقال الكميت:
ولو جّهزث قافية شروداً ... لقد دخلت بيوتَ الأشعرينا
ولارتحلتَ مّن العريان نضواً ... غنياً عن رحالةٍ منطفِينا؟
يريد العريان بن الهيثم وكان على شرط الحجاج، لارتحلت القافية من هذا الرجل أي لركبتْ منه بعيرا نضوا وكان غنيا أن يركب حتى يدبر ظهره - شبهه ببعير دبر إذ هجاه.
وأنشد الأصمعي:
حديث بني قرط إذا ما لقيتهم ... كمزوِ الدبا في العرفج المتقاربِ
يريد أن كلامهم عجلة. ونحو منه قول آخر:
كأن بني رألانِ إذ جاء جمعهم ... فراريج يلقي بينهنَ سويقُ
شبههم بذلك لدقة أصواتهم وعجلة كلامهم. وقال ابن أحمر:
ولم أختلس بين الشقاشقِ حجةً ... وقد وَقعَتْ بالقرِ إلا تلاقيا
يريد شقاشق الخطباء شبه ذلك بشقشقة البعير وقد وقعت الحجة بمستقرها، أي لا تدرك بعد وقوعها.
(2/824)

وقال ذو الرمة يهجو قوما
كأن أباها نهشل أو كأنهم ... لشقشقةٍ من رهطِ قيسٍ بن عاصمِ
الشقشقة أصله الذي يخرجه البعير من لهاته فضربه مثلا أي كأنهم للخطباء من رهط قيس بن عاصم. وقال ابن أحمر يصف خطيبا:
إذا نفرجتْ عنه سمادير حلقةٍ ... وبردان من ذاك الخلاج المسهمِ
أتانا طموحُ الرأسِ عاصبٌ رأسَه ... فمن لكً من امرِ العماسِ الملوّمِ
السمادير الغشى وممن اكتنفه من الناس، والخلاج ضرب من البرود يشبه الوشى، أتانا رافع رأسه من الكبر، والعماس الذي لا يتجه له ولبابه، والملوّم الذي لا يزال يأتي بما يلام عليه. وقال الراعي:
وخصمٌ غضاب ينفضونَ لحاهم ... كنفضِ البراذين الغِراث المخاليا
هذا مثل قول الأعشى:
أتاني كريم ينفضُ الرأسَ مغضباً
وقال زهير:
(2/825)

وذي نعمة تممتَها وشكرتُها ... وخصم يكادُ يغلب الحق باطِلَه
دففتُ بمعروفٍ من القولِ صائبٍ ... إذا ما أضّل القائلين مفاصله
هذا من قولهم فلان يصيب المفصل إذا أصاب المقطع. وقال الحارث بن حلزة:
إرمي بمثلِه جالَت الجنّ ... فاْبت لخصمها الأجلاء
نسبه إلى إرم عاد في قدم ملكه، وقيل في حلمه، جالت كاشفت وهو فاعلت من المجالاة وهي المكاشفة، والجن دهاة الناس وأبطالهم، يقال: ما هو إلا جني إذا كان عاقلا بطلا، يقول بمثل عمرو بن هند كاشفت الدهاة الناس فرجعوا وقد فلج خصمهم على من خاصمهم، والأجلاء جمع ممدود وهو الأمر الواضح البارز. قال آخر:
شيخ لنا كاللَيث من باقي إرم
وقال ابن مقبل:
وكنا إذا ما الخصمُ ذو الضغنِ هرَّنا ... قد عنا الجموح واختلعنا المعذرا
المعذر سن الفرس الذي عليه العذار والفرس إذا خلع عذاره لا يعدو وهذا مثل أي نقطع الخصم، ومثله له.
وخلعي عذار الخطيب اللسن
وقال آخر الدبيري:
(2/826)

أو رجل عن حقهم منافد
أي يخامم حتى ينفد حجة صاحبه ويبقى هو.
وقال آخر:
ومَنطق خُرِّقَ بالعَواسلِ ... لذّكَوشي اليمنة المراجل
قال الأصمعي: هذا مثل قول الآخر وهو عامر بن جوَين الطائي ويروى لأبي قردودة.
يا جفنةً كازاء الحوضِ قد هدموا ... ومنطقاً مثلَ وشي اليمنة الحبره
أي قتل صاحبها فكفئت. وقال عمرو بن الإطنابة:
فإنكم وما ترجونَ شطري ... من القولِ المرغّي والصريح
شطري نحوي، والمرغي أصله في اللبن وهو الذي عليه الرغوة، والصريح الخالص جعلهما مثلا للقول المستور المعرض به، والقول الظاهر المكشوف. وقال النابغة:
أتاكَ بقولٍ لهله النسجِ كاذبا ... ولم يأتكَ الحقَ الذي هو ساطع
ويروى: هلهل، يقال لهله الثوب وهلهله إذا ارقه، ومنه سمي المهلهل لأنه أول من هلهل الشعر أي أرقه، ويروى: الذي هو ناصع. وقال ابن أحمر:
(2/827)

إذا جاءَ منهم قافل بصحيفةٍ ... يكون عناءَ ماينبق عانيا
وتعرفُ في عنوانِها بعضَ لحنِها ... وفي جوفها صمعاء تبلي النواصِيا
قافل راجع، ينبّق يسطر. قال الأصمعي في قول امرىء القيس.
وحدَثَ بأنْ زالتْ بليل حمولهم ... كنخل من الأعراضِ غير منبقِ
قال ليس على سطر واحد، وعناء عان مثل موت مائت، وعنوانها ما ظهر من قولها، ومنه عنوان الكتاب أي ظاهره، ولحنها قصدها من قول الله عز وجل " ولتعرفهم في لحن القول "، وفي جوف الصحيفة صمعاء أي داهية، تبلي النواصي أي تشيبها.
وقال ابن أحمر وذكر نساء:
تعاورْنَ الحديثَ وطبّقته ... كما طبقتَ بالنعلِ المثالا
طبقته أصابت مفصله وعينه، يقال قطعه طوابيق أي مفصلا مفصلا. وقال المرار:
أنا الخزَمي حلخلّي الناس بيني ... وبين الهدر بذخا أو بليعا
يقول عرفوا فضلي فخلوا بيني وبين ما أفتخر به، بذخا عاليا من المجد، والبليع من الكلام ما فتح به الفم وسوّغه قائله لم ينازع فيه. وقال العجاج:
بمنطقٍ لو أنني أسبني ... حيات هضبٍ جئنَ أو لوانيّ
(2/828)

أرقى به الأروى دنوْن مني
أسنّى أسهل وأرفق كأنه يفتح، يقال ظل يسنّي فلانا حتى أدرك حاجته. وقال العجاج أيضاً:
فقلت قولاً ليس بالمشاخسِ ... والجِد مضّا على التغامسِ
المشاخس المختلف يقال تشاخس أمر بني فلان أي اختلف. َ ومنه قول الطرماح:
وشاخس فاه الدهر حتى كأنه ... منمّس ثيران الكريصِ الضوائنِ
أي خالف بين أسنانه، والتغامس التعامي والتغافل، يقول الجد من القول يمضي وان تعاميت. وقال عدي بن زيد يذكر منازعا له.
أطحطحه حتى أضل حخيفه ... ويسرعُ فيه النافذاتُ البواضعا
أطحطحه أرمي به فأذهبه، والجخيف الكبر والعظمة، أبو عمرو: الجخيف الصخَب يقال جخف علينا أي فخر، والبواضع التي تبضع لحمه أي تقطعه.
فكيفَ ترونَ السعي أسأر قِيله ... على نقبِ الوجوه سواد براقعا
السعي في المجد أبقى القيل به أي الافتخار، يقول ترك قولي على وجوهكم براقع سودا.
أراهم بحمد الله بعد جخيفِهم ... غرابهم اذ مسّه الفَتر واقعا
(2/829)

قال يكون الرجل كثير الصخب ثم يفتر فيقال قد فتر غرابه ووقع غرابه.
وقال كثير يمدح رجلا:
ولكن بلوا في الجدِ منكَ ضريبة ... بعيداً ثراها مسمهراً وجينها
إذا جاوزوا معروفها أسلمتُهم ... إلى غمرة لا ينظر العَومَ نونها
ضريبة طبيعة، بعيدا ثراها ضربه يقول إنك بعيد الغور، والمسمهر الغليظ الصلب، والوجين ما غلظ من الارض، إذا جاوزوا معروفها معروف الطبيعة أي تركوا المقاربة وقعوا في غمرة من الماء يهلك فيها النون وهو السمكة، والعوم السباحة. وقال يمدح:
له عهد ودٍ لم يكذَّبْ يزيّنه ... ردَي قول معروفٍ حديثٍ ومزمنِ
ردى قول معروف زيادة قول، يقال أردي وأربي عليه، ومنه قول الحطيئة:
تضمنها بنات الفحل عنهم ... فأعطوها وما بَلغَتْ رداها
وقال كثيّر لعمر بن عبد العزيز وذكر أباه:
(2/830)

ذكرتُ عطاياه وليستْ بحجةٍ ... عليكَ ولكن حجة لك فاتْن
يقول: عطايا أبيك ليست توجب عليك أن تعطيني مثلها ولكنها حجة لك إن فاخرت، فاتّن إفتعل من ثنيّت أي بدأ هو فكن أنت ثانيا. وقال له:
له في شيمتانِ منهما أنَسيّة ... ووحشيةٌ إغراقها النهي معجلُ
فراعهما منه فانهما له ... وانهما منه نجاةٌ ومحفل
أنسية ووحشية واحدة تؤنس وأخرى يستوحش منها وهو كقولك حلو ومر، إغراقها من أغرقت في الأمر، والنهي الزجر عن الشيء والنهي عنه، والنجاة مثل النجوة وهو الموضع المرتفع الذي لا يبلغه السيل، والمحفل مجرى السيل، يقول فيهما عطب وسلامة. وقال:
حليم كريم ذو أناةٍ وأربةٍ ... بصير إذا ما كفة الحبل جرّت
الأربة العقدة، والكفة كفة الصَائد وهو حبل يديره، يقول هو بصير إذا خودع ونصب له ليختل مثل الحبالة التي تنصب للصيد.
(2/831)

في الدعاء بالشر واليمن
قال المنخل:
إن كنتِ عاذلتي فسيري ... نحوَ العراق ولا تَحوري
يدعو فيها أي لاردّك الله. وقال زيد الخيَل:
فلا شربَا إلا بلَزن مصرّدٍ ... ولا رميَا إلا بأفوقٍ ناصل
اللزن الضيق والقلة، والمصرد الذي ينقطع قبل الري، والأفوق السهم المنكسر الفوق، والناصل الساقط النصل. وقال بعض الضبيين:
أزائدَ لا أحلْت الحول حتى ... كأن عجوز كم شربت سماما
أي هلكتم حتى كأن أمكم شربت سما فماتت قبل أن تلد. وقال طرفة:
ولا غروَ إلا جارتي وسؤالها ... ألاهال لنا أهل؟ سئلتِ كذلك
أي صرت غريبة حتى تسألي كما سألتني - يدعو عليها، ومثله.
أفي كل يوم أم مثوى تعودني ... وتنفض أحلاسي وتسألني ما اسمي
وأنشد أبو زيد لامرأة:
فآبك هلا والليالي بغرة ... تلّم وفي الأيام عنك غفولُ
قال أبو زيد: آبك أبعدك الله، وفي كتابه سيبويه:
آبك أيّه بي أو مصدّر.
(2/832)

أنشدني أبو غانم: وقال آخر:
فجنّبتَ الجيوش أبا زينب ... وجادَ على ديارِكُم السخاب
أي لا كان لك مال، تغزَى له ولا زلت فقيرا وجاد السحَاب على ديارك لتراه حسنا، والعرب تقول: مرعى ولا أكولة، وعشب ولا بعير، وكلأ يتّجع له كبد المصرِم. وقال آخر:
فما للذي ولّى بها يومَ فارقَتْ ... مرَى بيد خلف الرفاقِ كسير
دعا عليه لأنه فرق بينه وبينها، مرى أي حرك بعيره وسار بيد كسير. وقال ابن أحمر:
لأصابَ جارهُم الربيعَ ولا ... زادتْ حمولته على عشرِ
(2/833)

أي لا جعل الله له من الحمولة وهي الإبل التي يحمل عليها إلا أصابعه العشر أي لا كان له إلا ما يحمل بكفه حسب وأنكر أن يكون أراد عشرا من الابل لأنها إن كانت حمولة لرجل كان كثير الميرة والخير. وأنشد لآخر:
يردّون في فيه عشر الحسود
يعني أصابع يديه العشر يعضّها غيظا عليهم وحنقا. نحو منه قول الهذلي صخر الغي:
قدَ افنى أناملَه أزمُه ... فأضحى يعضّ عليّ الوظيفا
يقول قد عضّض أصابعه غيظا وحنقا حتى ابانها ثم هو يعض على الوظيف، والأزم العض. وقال جرير للطلل:
سقيت دمَ الحياتِ ما ذنب زائرٍ ... يلّم فيعطي نائلاً أن يكلما
وقال مقاس:
تقول له لما رأتْ ظَلع رجله ... أهذا رئيس القوم؟ رادَ وسادَها
راد أي قلق وجاء وذهب حتى تأرق ويصيبها المكروه، دعا عليها. ابن احمر يدعو على الذي رمى عينه.
شُلت أنامل مخشيّ فلا جبَرتْ ... ولا أستعانَ بضاحي كفَه أبدا
ضاحي الكف ظاهرها، لم يقل باطن لأن العصب في ظاهر
(2/834)

الكف. وقال أبو خراش لامرأته:
وبعد بلائي ظلّت البيت من عمي ... تحبّ فراقي أو يحلّ لها شتمي
أي بعد ما أبلاها الله من الخير على يدي أحبت فراقي وضلت البيت، دعا عليها - يقول أعماها الله حتى لا تبصر البيت. وقال العباس بن مرداس:
فا وأيىّ ما وأيّك كان شراً ... فقِيدَ إلى المقامةِ لا يراها
هذا دعاء، يريد أينا كان شرا فأعماه الله حتى يقاد إلى المقامة وهو لا يراها. وقال مقاس:
ألا أبلغْ بني شيبانِ عني ... فلا يلك من لقائكم الوداعا
أي أبلغهم عني فلا جعل آخر العهد منكم. وقال أوس:
فيا راكباً إما عرَضَتْ فبلغن ... بني كاهل، شاهَ الوجوه لكاهلِ
أي قبحت الوجوه التي لكاهل، يقال رجل أشوه وامرأة شوهاء وفي الحديث: شاهت الوجوه أي قبحت. وقال النابغة:
أغيركَ معقلاً أبغي وحصناً ... فأعيتَني المعاقل والحصونُ
فجئتكَ عارياً خلَقاً ثيابي ... على خوفٍ تظَن بي الظنون
يدعو على نفسه، عاريا سائلا من قولك عراه يعروه. وقال آخر:
قفا، لا يكن حظي وحظكما البكا ... على طَللٍ بالغَمرتيْنِ محيلِ
(2/835)

لا يكن دعاء له ولهما أي لا كان حظنا ذاك. وقال آخر:
لقد غيّل الأيتامَ طعنةَ ناشره ... أناشر لا زالتْ يمينُكَ آشرُه
آشرة يعني مأشورة من المئشار، يقال مئشار وميشار بغير همزة أيضا ومنشار بالنون أيضاً. وقال النابغة الجعدي:
إذا فعدِمت المالَ الا مقيّرا ... بأقرابه نِسفٌ من العرِّ جالبُ
المقير البعير المهنوء، والنسف أشد الجرب جالب ذو جلب. وقال امرؤ القيس وذكر الرامي: ماله لا عد من نغره يقول إذا عد أهله لم يعد معهم يدعو عليه بالموت وليس يربد بهذا وقوع الأمر، وهو مثل قولهم: قاتله والله وأخزاه الله، وكذلك قول ابن مقبل وذكر الفرس:
خدي مثلُ خدي الفالجيّ ينوّشنُي ... بخبطِ يديْه عيل ما هو عائله
هو من قولك عالني الشيء أي أثقلني يريد يشدد هذا الشيء الذي عليه وأثقله كقولك للشيء يعجبك: قاتله الله.

الأيمان
قال الأعشى:
إني لعمرِ التي خطت مناسمها ... تخدي وسيقَ إليه الباقر العثلُ
(2/836)

الاصمعي: خطت شقت التراب، وحطت خطأ لأن الحطاط الاعتماد بالزمام، والباقر جع بقر، والعثل الكثير. قال أبو عمرو: روى أبو عبيدة العثَل فأرسلت إليه: قد صحفَ إنما هو الغيل أي الكثير يقال ماء غيل إذا كان كثيراً، وفسره أخرى السمان يقال ساعِد غيل، والأصمعي: وجدّ عليها النافر العجُل - أي النفار من معنى، والنافر في معنى جمع، وأبو عبيدة يرويه: حطت بالحاء يعني حطاطها، وألأصمعي: خطت، وأنشد:
أرأيتُ يومَ عُكاظَ حين لقيتنى ... تحت العَجاجِ فما خططتَ غباري
للنابغة أي شققته. وقال عدي بن زيد:
إذ أتاني نبأ من منعم ... لم أخفهْ والذي أعطي السِبَرِ
أي الحسن والجمال يقال: حِبَر وسِبَر وسِبْر.
إنني والله فأقبلُ حِلفي ... بأبيلٍ كلما صلى جأرِ
مُرعَعد أحشاؤه في هيكلٍ ... شعِث لمَته وافي الشعرِ
(2/837)

الابيل الراهب، الهيكل الصومعة. وقال لأهل بيت النعمان:
فلا يميناً بذاتِ الوَدْع لوحدَثَتْ ... فيكم وقابلَ قبر الماجد الزارا
ذات الودع صنم كان بالحيرة ويقال بل هي الابل التي تسير إلى مكة يعلق عليها الودع، ويقال إن مكة يقال لها ذات الودع، وواجه قبر النعمان الزار وهي الأجمة أي دفن حذاءها.
إذاَ لبؤتم بجمعٍ لا كفاءَ له ... أوتاد ملْك تليد جدّه بارا
أي لو مات لغزتكم الجيوش فأقررتم أو رجعتم بجيش لا مثل له أوتاداً لملك قديم قد سقط جده أي صرتم كذلك وهو منصوب على الحال ولا مجوز أن يكون منصوباً على النداء. لأنه لا يجوز أن يدعوهم بذلك والنعمان لم يمت. أنشدني الرياشي لعبد الرحمن بن جمانة المحاربي:
فان حراما لا أرى الدهر باكياً ... على شجوة إلا بكيت على عمرو
قال: حرام هاهنا واجب: قال الله عز وجل " وحرام على قرية أهلكناها " وقد يجيء بمعنى اليمين. وقال العجاج:
وربّ هذا الأثر المقسّم ... من عهدِ إبراهيم لما يُطسم
المقسّم المحسّن من القسام وهو الحسن، ويطسم ويطمس واحد.
(2/838)

بحيثُ تدلَى قدم لم تذأمِ ... وربّ هدي كالحنيّ موذَمِ
أي الأثر بحيث دلّى قدمه لتغسل أم اسمعيل رأسه. لم تذأم لم تغب: والذام العيب وكذلك الذيم، موذم موجب. قال:
لا هُمّ ان عامرَ بن جَهمِ ... أوذم حجّا في ثيابٍ دسمَ
وقال العجاج أيضاً:
كالخَيم في شطيّه المخيّمِ ... حتى إذا ما حانَ فِطرُ الصوَّمِ
الخيم البيوت جمع خيمة شبهها بالخيم لعظمها، والشطي الشطوى وهي ثياب تعمل بشطا، يقول كأنها البيوت وهي في أجلتها، والمخيم الذي اتخذ خيمة.
أجازَ منا جائز لم يوقَمِ ... لقصفةِ الناس من المحرنجمِ
أجاز منا يريد تقدمنا يريد دفع جائز نافذ، يقال جاز وأجاز لغتان، يوقم يرد يقال وقَمه يقمه أي رده، يريد أن دفعة الحج كانت لنا، وقصفة الناس دفعتهم يقال انقصف الناس إذا اندفعوا،
(2/839)

والمحرنجم المجتمَع. وقول بشر بن أبي خازم وقد أقسم:
وبالأدم ينظرن الحليل
وقال بعضهم الحليل حيث يحل لهم النحر، وقيل: ان يحل الناس من إحرامهم ثم يركبونها فهي تنتظر ذلك. قال الفِرزدق:
ولا خير في مال عليه الية ... ولا في يمين غير ذات مخارم
مخارم أي طرق جمع مخرم. وقال رؤبة:
ولاتني أيدٍ علينا تضبَع ... بما أصبناها واخرَى تطمع
تضبع تمد أضباعها وهي أعضادها بالدعاء علينا، ومنه قول الآخر وهو عمرو بن شأس:
نذود الملوك عنكم وتذودنا ... ولا صلح حتى تضبعونا ونضبعا
أي تمدون إلينا أضباعكم بالسيوف. وقال عمرو ذو الكلب:
منت لكَ أن تلاقيني المنايا ... أحادَ أحادَ في الشهرِ الحلالِ
هذا دعاء، منت لك أي قدرت لك الأقدار لقائي وحدَين في الشهر الحلال. وقال العجاج وذكر مرضة دعا الله فيها:
هو الذي أبصرَ ليلاً لَمعتي ... بالكف إذ مسك بالمصوّتِ
وحالت اللأواء دون نشغتي
(2/840)

اللمعة الدعاء بالاصبع أو بالكف، والمصوت موضع الصوت، يقال للرجل يغشى عليه ثم يفيق نشَغ، أي حالت اللأواء وهي الشدة دون إفاقتي. وقال آخر القلاخ بن حزن:
أبعدهن الله من مناق ... إن هن أنجين من الوثاق
بأربع من كذب سماق
السماق الخالص أي بأربع أمان بها فيخلون عني وأنجو وقال الشماخ وذكر أهل بيت امرأته:
يقولون لي يا احلفَ ولست بحالفٍ ... أخادعهُم عنها لكيما أنالها
يريد يقولون لي يا هذا احلف مثل: ألا يا اسلمى وألاّ يسجدوا اخادعهم عن اليمين لكيما أردها عني فلما عيل صبري حلفت.
ففرجت همَ الصدرِ عني بحلفةٍ ... كما شقَّت الشقراءُ عنها جلالَها
أي كما وطئت فرس شقراء على جلالها فخرجت منها وكذلك خرجت انا من هذه اليمين، أبو عمرو: " كمثل جواد قدّ عنها جلالها " أبو عبيدة و " كقدك عن متن الجواد جلالها ".
وقال يذكر امرأته في أول هذا الشعر:
(2/841)

وكنت إذا زالتْ رحالة سابحٍ ... شمِتّ به فقد لقيتُ مثالَها
هذا مثل ضربه لامرأته حين طلقها وهي الرحالة. وقال ابن أحمر:
فإما زال سرج عن مَعدً ... فأخلِق بالحوَادثِ أن تكونا
المعدان ما وقع عليه السرج من جنبي الفرس أي ان بنت بالطلاق، يقول الشماخ كنت أشمَت بمن طلق امرأته فقد أتيت ذلك. وقوله يعني الشماخ:
أغدو القِمِصى قبل عَيرٍ وما جرى ... ولم تدرِ ما خبري ولم أدرِ مالَها
القمصي عدو الأتان، وقبل عير وما جرى قبل أن يأتيها الفحل وقبل جريه إليها، وما جرى بمعنى ولم يجر، يقول نفرت امرأتي مني ولم تدر ما لحالها عندي كنفر هذه الأتان من الفحل حين نظرت إليه من بعيد لما تخوّفت طلبه لها. وقال لبيد لامرأته:
(2/842)

دعي اللوم أو بيني كشِق صديع
الصديع ثوب يشق نصفين يقول فارقيني كما فارق هذا النصف النصف الآخر.
وقال الأعشى لامرأته:
وبِيني فانَ البيْنَ خير من العصا ... وأن لاتزالي فوقَ رأسكَ بارقه
يقول بينك خير لك من العصا ومن أن لا تزال فوق رأسك لائحة من السيوف، والبارقة لمعها. قال المرقش الأصغر:
تنجّد عمرو حلفةً فأطعتُه ... فنفسَكَ ول اللومَ إن كنت لائماً
تنجد أي وثب على حلفة، والنجد ذو الجرأة من الرجال. وقال النابغة:
فإن كنتَ لاذاً الضغن عني منكّلا ... ولا حلفي على البراءةِ نافع
حلفتُ فلمْ أتركْ لنفسكَ رِيبةَ ... وهلْ يأثمن ذو أمة وهو طائع
قالوا كيف يقول: ولا حلفي على البراءة نافع - ثم يقول حلفت فلم أترك لنفسك ريبة؟ قال بعضهم - لا - في قوله: ولا حلفي،
(2/843)

حشو والمعنى: إن كنت لا تكذب الساعي بي إليك ولا تنكله ويميني على البراءة تنفعني فإني أحلف وهل يأثم ذو أمة أي ذو دين واستقامة وهو طائع لم يجبر، وقوله:
وذلك أمر لم أكنْ لأقولَه ... ولو كبلت في ساعدي الجوامعُ
يقول لو حبست حتى أغل لم أكن لأقول ماَ بلغك. وقال عدي بن زيد في قصة الزباء وقصير:
فردته بضعفَي ما أتاها ... ولم تكبلْ على المالِ يمينا
لم تكبل لم تعقد على المال بأن تحلف لا يخرج مالي هذا اليوم من يدي إليك.
وقال ساعدة بن جؤية:
ينيلان بالله المجيدِ لقد ثوَى ... لدي حيث لاقى زينها ونصيرها
أي يحلفان، وقال كثير:
فما وجدوا منكَ الضريبةَ هدّة ... هَياراً ولا سقطَ الألية أخرما
(2/844)

هياراً أي تنهار أي لم يجدوك ضعيفاً، ولا سقط الألية الكذاب الحلف، أخرما - أي لا تنخرم أليتك فتذهب باطلا، والأخرم لا يثبت على رأي واحد، وهدة منهدة مسترخية. وقول آخر: تفرقتم لا زلتم قرن واحد يقول لا زلتم ضعفاء لا تقاومون إلا واحداً. العداوة والبغصاء قال الشاعر:
ومولي كأن الشمسَ بيني وبينه ... إذا ما التقينا ليس ممن أعاتبه
يقول: لا أقدر أن أنظر إليه من بغضه فكأن الشمس بيني وبينه. وقال الفرزدق:
وما خاصمَ الأقوامَ من ذي خصومةٍ ... كورهاءِ مشنوءٍ إليها حليلها
تراها إذا اصطفّ الخصومُ كأنهاترى رفقةً من ساعةٍ تستحيلها يقول هي طامحة الطرف عن زوجها لا تنظر إليه من بغضه فكأنها تنظر إلى رفقة من بعد تستحيلها، يقال: إستحل الشخص أي انظر هل يزول. وقال آخر:
يتقارضون إذا التقوا في موطنٍ ... نظرآَ يزيلُ مواطىء الأقدامِ
(2/845)

من قول الله عز وجل " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ". آخر:
ومولى كداءِ البطنِ لا خيرَ عندة ... لمولاه إلا أن يعيبَ الأدانيا
جعله كداء البطن لأنه لا يدري ما هو وما هاجه ولا كيف يتأتى له. وقال ابن أحمر:
أرانا لا يزالُ لنا حيمٌ ... كداءِ البطن يلاّ أو صُفارا
يعالج عاقراَ عاصَتْ عليه ... ليلقّحها فنتجها حواراً
عاصت عليه التوتْ، يقول يطلب من الشر ما لا يكون ولا يقدَر عليه.
ويزعم أنه نازٌ علينا ... بشِرّته فتاركَنا تبارا
كحجةِ أم شعلٍ حين حجتْ ... بكلبتِها فلمْ ترمِ الجمارا
أي حلف أن ينالنا بشرته فيهلكنا كما حجت أم شعل في الجاهلية بكلبتها وهي مدلة بنفسها تظن أنها ترجع فماتت فلم تدرك الحج.
نُدارئه كما أنقاء وهبِ ... يساعدها وتنهمرُ انهِمارا
أنقاء جمع نقا أي ندارىء هذا الرجل كما تدارىء الرمل أي يتناثر. وقال الكميت:
(2/846)

لما رآه الكاشحو ... نَ من العيون على الحنادر.
الكاشحون الأعداء سموا بذلك لأنهم يخبأون العداوة في كشوحهم، والحنادر نواظر العيون واحدها حندورة وحندرة، أي رأوه كأنه على أبصارهم من بغضه. وقال زهير:
تلجلج مضغةَ فيها أنيض ... أصلّت فهي تحت الكشحِ دأءُ
بسأتٍ بنيئها وجوِيتْ ... عنها وعندي لو أردت لها دواء
ورواه الأصمعي " غصِصت بنيئها وبشمت منها، وعندك " يقول أخذت هذا المال فأنت لا تأخذه ولا ترده كما يلجلج الرجل المضغة فلا يبتلعها ولا يلقيها، والأنيض اللحم الذي لم ينضج والأناضة والنهوءة خلاف النضج وإذا لم ينضج فهو أثقل لأنه لا يستمر فيريد أن تريد أن تسيغ شيئاَ لم يدخل حلقك أي تظلم ولا تترك والظلم، أصلّت أنتنت فهي مثل هذا الذي أخذت فإن حبسته فقد انطويت على داء، يقال: صلّ اللحم وأصلّ وفيه صلول وإصلا ل.
وأنشد الأصمعي للحطيئة:
ذاك فتى يبذل ذا قِدره ... لا يفسد اللحم لديه صلول
غصصت بنيئها يقول المال الذي أخذته كمضغة نيئة غصصت بها وبشمت منها، وعندك لها دواء لو شئت في رد المال إلى أهله. آخر:
فلا توعدونا بالجيادِ فإننا ... لكم مضغةٌ قد لجلجتْ فأمرّتْ
(2/847)

ويروى نجنجت والمعنى أنها رددت في الفم، والجياد الخيل. أمرّت صارت مرة، والمعنى أنكم لا تسيغوننا ولا تقدرون علينا، وقال جرير:
ونبئتْ غسّانُ بن واهصةٍ الخصي ... يلجلجُ مني مضغةً لا بحيرها
واهصة الخصي شادختها أي تشدخها لتلين فتأكلها، ولا يحيرها لا يسيغها فردها إلى جوفه. وقال العجاج:
وقد وغَظْناها اتقاءَ المأثمِ ... فجعلوا العتابَ حرق الأرّم
أي جعلوا عتاينا، ويقال هو يعُلك على الأرم، ويحرق على الأرم إذا صرف بنابه وأوعد، والأرّم أقصى الأنياب. وقال الهذلي المعطل:
وفهم بن عمرو يعلونَ ضريسَهم ... كما صرفَتْ فوقَ الجُذاذ المساخن
ضرس وضريس مثل كلب وكليب وعبد وعبيد ومعز ومعيز، والجذاذ حجارة فيها ذهب، والمساحن واحدها مسحنة وهو حجر يدق به حجارة الذهب. وقال المرار بن منقذ العدوى:
وحشوتُ الغيظَ في أضلاعهِ ... فهو يمشي حظلاناً كالنقرِ
النقر من النقرة وهو داء يأخذ الغنم في بطون أفخاذها وفي جنوبها فإن أخذها في أفخاذها طلعت وإن أخذها في جنوبها انتفخت بطونها وحظلت المشي أي كفّت بعض مشيها.
وقال آخر أبو خراش الهذلي:
(2/848)

رأيتُ بني العَلّاتِ لما تضافروا ... يحوزونَ سهمي دونهم في الشمائل
بنو العلات الذين ليسوا لأم واحدة، تضافروا تعاونوا، يحوزون يجعلون وهذا مثل يقول ينزلونني بالمنزلة الخسيسة كقولك في ضده: فلان عندي باليمين أي بالمنزلة العليا.
وقال الأعشى:
أرى رجلاً منهم أسيفاَ كأنما ... يضّم إلى كشحيةِ كفاً مخضباَ
أسيف غضبان، كأن هذا الرجل قطعت يده فغضب لذلك وعادة بكل إنسان إذا أرسل يده ولم يستعملها أن يقفها على كشحه: وأما قوله: كفا - واحدا وهما كشحان فذلك لضمه يديه جميعا وإن كانت المقطوعة واحدة ولم يَخف اللبس لقرب المعنى من الفهم وإحاطة العلم بأن كفا واحدة لا تضم إلى الكشحين، ومثل هذا كثير في الكلام، مخضب بالدم. آخر:
وفينا وإن قيل أصطلحْنا تضاغُن ... كما طرّ أو بار الجراب على النَشْرِ
النشر الكلأ إذا جف ثم أصابه مطر واخفرّ وهو داَء كله إذا أكلته الماشية، يقول: نحن وإن ظهر الصلح ففي قلوبنا غير ذاك كما أن هذه الجراب أكلت النشر فطّرت أوبارها وحسن ظاهرها وفيه من الداء ما فيها. ومثله قول زفر بن الحارث:
وقد ينبت المرعى على دِمَنِ الثري ... وتبقى حَزازات النفوس كما هيا
المرعى إذا نبت على الدمن فهو أخبث المرعى. أي فكما أن ظاهر
(2/849)

هذا المرعى حسن وداخله رديء فكذلك نحن ومثله.
ولا يغرّنك أضغان مزمّلة ... قد يضرب الدبر الدامي بأحلاس
أي تستر هذه الأحقاد كما تستر هذه بالأحلاس وتحتها الداء، ومثله للكميت.
ولم أحلَس على جُلَب
وقال معقل بن خويلد:
أبا معقل إن كنتَ أشّحت حلّة ... أبا معقلِ فانظر بنبلكَ من ترمي
أبا معقلٍ لا توطئَنكم بغاضَتي ... رؤوس الأَفاعي في مراصدِها العُرْمِ
يقول إن كنت أعطيت جاها وقدرا فانظر لمن تعرض، وأشحت ووشحت سواء، لا يحملنك بغضي على أن تقتل نفسك وتهلكها، والعُرم الرقط يقال شاة عرماء، مراصدها حيث ترصُد.
فودِّع خليلإِ لا يزال كأنه ... على الوّدِ والبغضاء ريشة غاربِ
إذا دبر البعير جعلوا في دَبرته ريشة فتحركها الريح فإذا رآها الغراب لم يقع على الدبرة، يقول هو يتلون لي. وقال آخر من ضبة:
لا تجعلونا إلى مولى يحلّ بنا ... عقدَ الحِزامِ إذا ما لبِدنا مالا
أي إذا رآنا في شر أعان علينا. وقال آخر:
يا رب مولي حاسد مباغض ... علّى ذي ضغنٍ وضبٍ فارضِ
(2/850)

له قُروء كقروء الحائض
فارض ضخم، قال الله تبارك وتعالى " لا فارض ولا بكر " قروء أي أوقات تهيج فيها عداوته يقال: رجع فلان لقرئه أي لوقته. قال الهذلي مالك بن الحارث:
كرهت العقر عقر بني شليل ... إذا هبّتْ لقارئها الرياَح
أي لوقتها. وقال زيد الخيل:
وأسلَم عرسه لما التقيْنا ... وأيقنَ أننا صهْب السِبالِ
يقال للأعداء صهب السبال وسود الأكباد، ويقال أن الأصل في الصهب أن العجم صهب السبال وكانوا لهم أعداء فكثر حتى قيل للأعداء ممن كانوا وكيف صهب السبال.
وقال الأعشى:
فما أجشِمت من إتيانِ قوم ... هم الأعداءُ فالأكباد سود
يقال عدو أسود الكبد أي أحرفت كبدَه شدة العداوة. وقال العجاج:
فقأ أكبادهم المرارا
يقول احتثت أكبادهم غيظاَ فانشق منه المرار. وقال طفيل:
فذوقوا كما ذقنا غداةَ محْجرِ ... من الغيظِ في أكبادنا والتحوّبِ
(2/851)

التحوب التوجع يقال: بات مجيبة سوء من هذا، ولا يقال حيبة صدق. وقال النابغة:
أتاكَ امرو مستعلنٌ ليَ بغضة ... له من عدوّ مثل ذلك شافع
مستعلن مظهر، والبغضة والبغض مثل الذلة والذل وَالقِلة والقل، شافع أي معه ثان، يقول أتاك رجل من أعدائي معه آخر مثله.
وذلك ذنبٌ لم أكن لأقوله ... ولو كُبلتْ في ساعدي الجوامع
الجوامع الأغلال الواحدة جامعة، يقول لم أكن لأقوله ولو حبست وقال:
لاتقذفني بركنٍ لا كفاءَ له ... ولو تأثفكَ الأعداءُ بالرِفَدِ
يقول لا ترميني بناحية لا مثل لها في الشر، ولو تأثفك الأعداء أي احتشوك وصاروا من جوانبك بمنزلة الأثافي من القدر، والرفد التعاون يرفد بعضهم بعضاً علّى عندك ويسعون بي.
لا أعرفنك أن جدّت عداوتنا ... والتمس النصر منكم عوضَ تحتَمل.
تحتمل قال عروة بن الورد:
ألا إن أصحاب الكنيفِ وجدتُهم ... هم الناس لما أخصبوا وتمولوا
(2/852)

قال الأحمر: يقول وجمدتهم مثل سائر الناس في الغدر وكانوا عاهدوه حين كانوا معه أن لا يفارقوه، وفي الناس الرفع أيضاً. وقال النابغة للنعمان:
فمن عصاك فعاقبْه معاقبةً ... تنهى الظلومَ ولاتقعد على ضَمدِ
إلاّ لمثلكَ أو من أنتَ سابقه ... سبقَ الجوادِ إذا استولى على الأمدِ
قال الأصمعي: لا تقعد على غيظ وغضب إلا لمثلك في حالك أو لمن فضلك عليه كفضل السابق على المصلّى فأما من دون ذلك فأمض إرادتك فيهم. وقال له:
فإن أك مظلوماً فعبد ظلمته ... وإن تكُ غضباناً فمثلكَ يعتَبُ
يريد إني غير ممتنع من ظلمك إن كنت ظلمتني كما لا يمتنع العبد من فعل سيده، وإن تك غضباناً فلك العتبى أي لك الرجوع إلى ما تحب. وقال:
ولكنني كنت امرءاً إلى جانبٌ ... من الأرضِ فيه مسترادٌ ومذهب
(2/853)

ملوك وإخوان إذا ما لقيتهم ... أحكّم في أموالهم واقرّب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في مثل ذلك أذنبوا
يقول اجعلني كهؤلاء القوم الذين صاروا إليك وكانوا مع غيرك فاصطنعتهم وأحسنت إليهم ولم ترهم مذنبين إذ فارقوا من كانوا معه يقول: فأنا مثلهم صرت عنك إلى غيرك فاصطنعَني وأحسن إليّ فلا ترني مذنباً إذ لم تر أولئك مذنبين. وقال الأعشى:
ألست منتهياً عن نحت أثلتنا ... ولستَ ضائرها ما أطت الإبل
كناطح صخرة يوماً ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنَه الوعل
أثلتنا شجرتنا وإنما يريد عزنا، وقيل أثلتنا أصلنا، يقال مجد مؤثل أي فو أصل، والوعل إذا اشتد قرنه أتى صخرة فنطحها يريد بذلك تجريب قرنه. يقول: فأنت في الذي ترومه منا كالوعل ونحن صخرة. وقال المرار يصف ناقة:
هذي الوَآة كصخرة الوعِل وقال الأعشى:
صرمت ولم أصرمكم وكصارم ... أخ قد طوى كشحا وأبّ ليذهبا
أب تهيأ وتشمر للذهاب والأبابة إسم من ذلك. وقال:
وزعمتَ أنك مانع ... حقا فلا تعطى اصطبارَه
(2/854)

حتى تكون عرارة ... منا فقد كانت عراره
ولقد علمت لتشربن ... ببعض ظلمك في محاره
اصطبارة أي لا يعطيه صبراً عليه وأصل الصبر حبس النفس على الحق، والعرارة الشدة، والمحارة الصدفة أي نوجرك كرهاً كما يوجَر الصبي. وقال الكميت:
أضحت عداوتهم إياي إذ ... ركبوا بحرَى نزار بهم منفّشة القِرَب
بحرى نزار يريد ربيعة ومضر أراد ركبوا بحرى نزار على قِرَب قد نفخت فانفشت الريح من القرب فغرقوا، وهذا مثل. وقال الحارث بن حلزة:
إن إخواننا الأراقم يغلو ... ن علينا في قولهم إحفاء
زعموا أن كل من ضرب العير ... مَوال لنا وأنا الوَلاء
يغلون يرتفعون في القول وكذلك الغلو في كل شيء هو الارتفاع وجواز القدر، إحفاء إلحاح واستقصاء في مساءتنا كما يحفَى الشيء ينتقَص منه، ومنه يقال أحفيت شاربي أي استأصلته، وقيل أصل هذا كله الحفى، قال أبو عبيدة سألت أبا عمرو بن العلاء عن البيت، يعني الثاني فقال: ذهب والله الذين كانوا يحسنونه ولكنا نرى معناه: إن إخواننا يضيفون إلينا ذنب كل من أذنب إليهم ممن نزل الصحراء وضرب عيرا ويجعلونهم موالى لنا - والموالى الأولياء وبنو العم، ويقال إنه عني بالعير كليب وائل سماه عيرا لأنه كان سيداً والعير سيد القوم، يقول كل من قتل كليبا أو أعان على قتله جعلوه مولى لنا وألزمونا ذنبه، وقال أبو مالك: العير الوتد سماه عيراً
(2/855)

لنتوّه من الأرض مثل عير النصل وهو الناتىء في وسطه، يقول: كل من ضرب وتداً في الصحراء فأذنب إلى الأرقم ألزمونا ذنبه. وفيه قول رابع - العير جبل بالمدينة، منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم ما بين عير إلى ثور، أي كل من ضرب إلى ذلك الموضع وبلغه، وأنا الولاء أي أهل الولاء، ولم يقل الأصمعي فيه شيئاً.
أجمعوا أمرهم عشاء فلما أصبحوا ... أصبحت لهم ضوضاء
يريد أجمعوا أمرهم ليلا على أن يصبحونا بالذي اتفقوا عليه من تهمتنا فلما أصبحوا جلّبوا، ويروى: أجمعوا أمرهم بليل، وهذا كقول القائل: هذا أمر دبّر بليل. لم وقال العجاج:
يا عمربن معمر لا منتظَر ... بعد الذي عدا القروصَ فحزر
لا منتظر أي لا انتظار بعد هذا الذي مرق فجاوز القدر، يقال للرجل إذا أفرط وعدا قدره: عدا القارص فحزر، مثل، وأصله في اللبن، والقارص الذي يَحذي اللسان، والحازر الحامض. واشتغروا في دينهم حتى اشتغر فقد تكبّدت المناخ المشتهَر تشغروا انتشوا حتى اشتغر الدين أي انتشر، تكبّدت المناخ أي
(2/856)

نزلت وسطه وأصله من الكبد أي نزلت منزلاً مشهوراً وأنظر ما تفعل.

الداهية والخطة
قال امرؤ القيس:
بدّلتْ من وائل وكندةٍ عد ... وان وفهما صَمّي ابنةَ الجبلِ
يقال للداهية صمّي صَمامِ مثل نظارِ وحذار. وقال ابن أحمر:
فردوا ما لديكم من ركابي ... ولما تأتِكم صمِّي صمامِ
وقد اختلف في أصل هذا الحرف فقال الأصمعي: بنت الجبل الصدى ويقال إذا دعي على رجل بهلكة " صم صداه ". وقال أبو عبيدة: بنت الجبل هي الحصاة ويقال في المثل: صَمتْ حصاة بدم، وذلك إذا اشتدت الحرب وتفاقم الأمر كأنه كثر الدم حتى إذا وقعت فيه حصاة لم يُسمع لها صوت. وقال آخر بنت الجبل الحية الصماء التي لا تجيب الراقي وذلك أنها تكون في الجبل يقال لها: صمِّي صَمام - أي لا تجيبي، ثم شبهت الداهية بها. وقال الكميت:
إيّاكم إيّاكم وملمّةً ... يقولُ لها الكانون صَمّي إبنة الجبلِ
(2/857)

الكانون الذين يكنون عنها. وقال أيضاً وذكر داهية:
إذا لقي السفير بها وقالا ... لها صمّي ابنةَ الجبلِ السفير
وقال سويد ابن كراع وذكر إبلا:
إذا عَرَضتْ داويةَ مدلهمةً ... وعرّد حاديها فرَين بها فلقا
الفلق الداهية ويقال فلان يفري الفرى إذا كان يعمل عملا محكماً، ويروى: عملن بها فلقا. وقال الشمماخ:
ومرتبةٌ لا يستقال بها الردى ... تلافى بها حلمى عن الجهلِ حاجز
وعوجاءُ مِجذام وامر صربمة ... تركَمت بها الشك الذي هو عاجز
مرتبة منزلة من ردِي فيها لم يستقل ذلك، تلافى تدارك حلمي أن أجهل، حاجز من نفسي، عوجاء خصلة عوجاء، مجذام مقطاع لا ينظَر صاحبها أن ينظر فيها إذا وقعت ولكنها تنجذم ولا تستقال وأمر صريمة يعني عزبمة، يقال ليست لفلان صربمة، والصرم القطع يقول رب أمر هكذا ليس له إلا أن يُصرَم تركت الشك فيه وعزمت
(2/858)

ومضيت على الصواب.
وقال العجاج:
وعاصماً سلمه من الغَدرِ ... من بعدِ إرهانٍ بصماء الغَبر
الغدر الجحَرة والجرَفة يقال للرجل أنه لثبت الغدر، إذا ثبت في موضع الزلقَ كما تقول ثبْت الخبار ومعناه أنجاه من الهلاك، أرِهان إثبات وإدامة يقال أرهن لهم الشراب إذا أدامه وأرهن لهم الشر إذا أدامه، وصماء الغبر داهية تبقى، والغبر البقاء. وقال لبيد:
وكل أناس سوفَ تدخل بينهم ... دويهيةٌ تصفرّ منها الأناملُ
صغّر دويهية والمعنى التكببر. ومثله قول أوس:
فُويقُ جبيلٍ الرأسِ لم تكن ... لتلُغَه حتى تكِل وتعملا
وإذا اصفرت أنامل الرجل فقد مات. ومن ذلك قول أبي زبيد:
يارِزٌ ناجذاة قد تجرَدَ المو ... ت على مُصطلاهِ أيّ برودِ
مصطلاه أنامله لأنه إذا اصطلى اصطلى بها وبرود الموت
(2/859)

عليها؟، والناجذ آخر الأضراس. وقال ابن أحمر:
فلما غَسا ليلِي وأيقنت أنها ... هي الأربى جاءتْ بأم حَبَوْكَرا
وأفلَّت من أخرى تقاصرَ طَيرها ... عشيّةَ أدعو بالستارِ المجبّرا
الأربى وأم حبوكر داهيتان، وأفلت من أخرى أي داهية كأنها صاعقة، والطير تقاصر من حِس الصاعقة. وقال علقمة وذكر سحابة:
كأنهم صابَتْ عليهم سحابة ... صواعِقها لطيرهنَ دَبيب
وقال الكميت:
فأياكُم وداهيةً نآدى ... أظلّتكم بعارضها المخيلِ
لعلّ لبونها ستروح يوماً ... بَسيء قبل دِرّتها وبيل
وذا وَيقبنٍ ذكّره تماد ... من الهلكاتِ بالخطبِ الجليلِ
السيء اللبن اليسير يخرج من الضرع قبل الدرة. قال زهير:
كما استغاثَ بسيءٍ فزّ غيطَلة ... خاف العيون فلم يُنظربه الخشَك
(2/860)

هذا مثل ضربه الكميت لما تأتى به من الشر وإذا كان الشيء وبيلا فكيف الدِرة، وذا ودقين يعني أمرا شديدا، يريد وإياكم وذا وَدقين ذا طرفين. ذكرّه تماد أي تمادى فصار ذكرا.
قال أيضا يصف رجلا:
واذا خافَ منَ مَغَبّةٍ أمر ... حَقَبا أن يُلا قي التصديرا
كانّ بالمِقُبل المغمّض منه ... قبل إفراخ بيضتيْه بَصيرا
الحقب في الحقو والتصدير في الصدر، وإنما يلتقيان عند أشد سير يكون وأتعبه، يقول إذا خاف من الأمر اضطرابا عرفه قبل وقوعه وقبل ظهوره شره، وجعل له بيضتين لأن الطائر يحضِن على بيضتين.
يعرف السقبَ قبل أن يُنتج السِل ... تمِ أهال الجَهالة العَنقَفيرا
السقب الحوار الذكر وهو لا يحمد وإنما تحمد الإناث فصار الذكر مضروبا لكل أمر غير محمود، والسلتم والعنقفير داهيتان وإنما ينتجان بينهما القتلى. وقال يذكر خطوبا:
أَنطفت رُبدها الأسِرّة منها ... واستَلجّتْ دماؤها تقطيرا
أي أدَمت فجعلتها تنطف، والربد الدواهي، والأسرّة الخطوط، واستلجّت لجت الدماء بالقطر، وتقول العرب للأمر إذا كان عظيما " المقطر من الأسّرة الدَم ". وقال:
(2/861)

أجيبوا رقي الآسيِ النطاسيّ وأحذوا ... مطفّئة الرضف التي لا شوَي لها
النطاسي الحاذق، ومطفئة الرضف وهي الحجارة المحماة حتى يبرد الرضف لما يخرج من الماء والقَذر، وقوله لا شوّى لها لا برء لها جعل ذلك مثلا للداهية. وقال المرار في نحو ذلك:
على كششُفِ مطَفئة صلاها ... ورضف المرءَ يطفئهَ الكِشاف
أي على دواهٍ مثل هذه الكُشف التي بها هذا الداء فتحمي الحجارة ثم تجعل في رحمها فتطفأ. وقال الكميت:
إذا طرَّق الأمر بالمغلقا ... تِ يَتْناً وضاقَ به المهبل
وقال المذَمرِ للناتجين ... متى ذمِرّت قبلي الأرجل
يقال طرقت القطاة إذا حان خروج بيضها، والمغلقات الدواهي، واليتن الذي تخرج رجلاه قبل رأسه، والمهبل أقصى الرحم، وهذا مثل ضربه للأمر العظيم ينزل، والمذمّر الذي يدخل يده في رحم الناقة ليعلم ما الجنين، سمي بذلك لأن يده تقع على مذمّرالجنين فهذا يتَن لأن يده وقعت على رجله، والمذمر الذِفَري وما يليها. وقال الجعدي:
(2/862)

وحيَّ أبي بكر ولا حيّ مثلهم ... إذا بلغ الأمر العَماش المذَّمرا
العماس المبهم الذي لا يعرف جهته، بلغ المذَّمر كما تقول بلغ الأمر المخنق. قال أبو كبير:
ورغا بهم سقب السماءِ وخُنقت ... مهج النفوسِ بكاربِ متزلّفِ
وتبوّأ الأبطال بعد حَزاحز ... هكعَ النواحز في مناخِ اَلموحِفِ
قوله رغابهم سقب السماء مثل - وأصله أن ناقة ثمود لما عقرت علا فصيلها شرفا فرغا فجاءهم الهلاك. وقال علقمة بن عبدة:
رغافوقهم سقب السماءَ فداحصَ ... بشكّتِه لم يستلَب وسليبِ
الداحص الفاحص برجله، يقال دحّص أي فحص برجله، ومثله قول آخر:
أصابك بالثَرثار راغية السقب
والكارب الكرب، ومهَج النفوس خالصها والمهجة أيضا الدم إذا سال، متزلف يأتيه زلفة زلفة تبوأ الأبطال تهيأوا للقتال، والجزاحز الحركة للقتال، والهكع السعال، أي يبرحون؟ كما تسعل النواحز وهي التي بها السعال، والموحف وهو الموضع الذي يحِف
(2/863)

فيه البعير أي يضرب بنفسه الأرض ويبرك. وقال جرير:
فأولى وأولى أن أصيبَ مقلّدا ... بفاشيةِ العدوى سريعٍ نشورها
أولى وأولى تهدد ووعيد أي كفّوا عني لا أصيبكم بَعّر، فاشية العدوى أن تفشو في الجلد فيعدى ما قرب منها، سريع نشورها يقول إذا هنئت فظنوا أنها قد برأت انتشرت أي عاد الجرب فيها وفشا وأسرع. وقال ابن مقبل:
زجرنا بني كعب فأما خيارهم ... فصدوا ولَلمعروف في الناس أعرفُ
وأما أناس فاستعاروا بعيرنا ... فِقيدَ لهم بادٍ به العَرّ أسعفُ
قال الأصمعي: هذا مثل يقول طلبوا شرنا فوقع في أيديهم منه بعير أجرب. والأسعف الذي به قروح في وجهه ومشافره وهو السعف. وقال الأخطل:
كانوا ذوي إمّةٍ حتى إذا علقت ... بهم حبائلٌ للشيطان فابتهَروا
صكوا على شارفٍ صعبٍ مراكبها ... حصّاء ليس لها هلبُ ولا وبر
إمة نعمة، ابتهروا قذفوا الناس بما ليس فيهم، صكوا على شارف صعبة - يقول حملوا على خطة شبيهة بشارف وهي المسنة من النوق ونحوه قوله:
ولولا يزيد ابن الملوك وسَيبه ... تجللَّتُ حِد بارا من الشر أنكدا
(2/864)

الحدبار الناقة الذاهبة السنام، تجللت ركبت. وقال:
وكم انقذتَني من جرورِ حبالُكم ... وخرسا لو يرمى الفيل بلّدا
جرور بئر بعيدة القعر - مَثل ضربه للشر الذي كاد يقع فيه، والخرساء داهية. وقال العجاج:
فإن يعقّبُ درّك على ثمرٍ ... يبرىء داءَ أو يقي إحدى الكبر
يقول إن تدركنا عقبى أي أمر يدركنا على ما ثمرنا من أموالنا يبرىء داء أي يصلح بين عشيرة أو يدفع بلية ويقي عظيمة. وأما قوله:
وعوّر الرحمن من ولّى العور
فإنه يريد أفسد الرحمن من ولاه الضلالة أي من جعله أهلا ومن ولاه الفساد، يقال عورت عليه أمره أي أفسدته. وقال كثير:
فلا تعجلي ياغزّ أن تتفهمي ... أجاءوا بنصح أم أتوا في بحبولِ
الحبول الدواهي. وقال آخر:
لعمري لقد قلتم حبولا ومأثما
وقال صخر بن الجعد الخضري:
أليسَ حبولاً أنها لا تهيدني ... وانّي كجنابٍ بها لا أهيدها
(2/865)

جناب غريب وهو الجانب أيضا أي فليس هذا داهية. وقال عدي بن زيد للنعمان:
سعى الأعداءُ لا يألون شرا ... إليكَ وربّ مكة والصليب
أرادوا أن تمهّل عن كبيرٍ ... لأسجَنُ أو لأقذَف في قليب
تمهل تفعل من قول الله عز وجل " فمهل الكافرينَ " أي دعهم فإني من ورائهم، وقوله عن كبير يعني نفسه أي عن رجل هو كبيركم ومؤدبكم ومصلح أمركم، وكان كذلك لهم، يقول تبطأ عنه فلا تداركه حتى يحبس ليموت فيلقي في حفرة. وقال:
وما طلبي سؤالاً بعد خبر ... نماهُ الموضعونَ إلى شَعوب
وما شأيي به والفيجُ حولي ... وهمي في ملماتِ الخطوب
يقول ما لي أسأل وقد عرفت الأشياء وخبرتها، ونماه رفعه، والموضعون أصله من الإيضاع في السير وإنما أراد السعاة، وشعوب هي المنية، وما شأني به أي وما همي بالسؤال، والفيح الحرس يقال هم فيج وهو فيج - الواحد والجمع سواء، ويقول ما أصنع
(2/866)

بهذا السؤال، والذي هو همّ إليّ اليوم ما أتوقع من ملمات الخطوب - يعني القتل. قال أبو عمرو ما شأني به من شئت أي ما أشاء به. وقال:
ألا تلكَ الثعالب قد تَوالتْ ... عليّ وحالفَتْ عرجا ضباعا
لتأكلني فمّر لهنَّ لحمي ... وأفرقَ من جذاري أو أتاعاَ
الثعالب والضباع أعداؤه. فمر من المرارة يقال مر الشيء وأمرّ يقول صار لحمي في أفواهها مرا حتى سلحت من حذاري وقاءت وأضمر هاهنا، أراد فكلها افرق وأتاع. وقال كثير يمدح:
وشعثاءُ أمرِ قد برّت بين غالبِ ... تلافيّتها قبل التنافي فلمّتْ
وأبرأتها لم يجرحْ الكلم عظمَهاَ ... ولو غبتُ عنها ربّعت ثم أمَتْ
ربعت شجت مربعة، وأمت من الآمّة وهي التي تبلغ أمّ الدماغ. وقال آخر:
تزاكها من إبل تراكها ... ألا ترى الموتَ لدى أوراكِها
(2/867)

أغير على إبل قوم فلحق أصحاب الإبل فجعلوا لا يدنو منها أحد إلا قتلوه، فقال الذين أغاروا على الإبل هذه المقالة. وقال آخر وذكر إبلا:
إذا تمطيْنَ على القياقي ... لا قيْن منه أذِني عناق
يعني داهية. وقال أوس:
أم مَن لحيّ أضاعوا بعض أمرهم ... بين القسوطِ وبين الدين دَلدال
خافوا الأصْيلة واعتلّتْ ملوكهم ... وحمّلوا من أذى غُرم باثقال
القسوط الجور يقال قسط السلطان إذا جار، والدين والطاعة. يقول هم بين الطاعة والمعصية فهم يفرقون، دَلدال متذبذبين، وخافوا الأصيلة خافوا أن يستأصلوا. وقال:
هل سرَّكم في جمادي أن نصالكم ... إذ الشقاشقُ معدولٌ بها الحَنَك
اوسرّكم إذ لحقنا غز فخركم ... بأنكم بين ظهري دِجلة السمكُ
قال كان هذا في جمادي، يقول أسّركم أنا سلم لكم في هذا الوقت؟ وذلك أن بني عامر لما قتلوا بني تميم يوم جبَلة قالوا: لم يبق منهم إلا يسير فغزوهم فنستأصلهم، فغزوهم يوم ذي نَجَب فقتلتهم تميم، وقوله " إذ الشقائق معدول بها الحنك " يرشد إذ تهدرون، والشقشقة أبدا تكون من جانب، وقوله إذ لحقنا غير
(2/868)

فخركم - يقول: لحقنا ملحقا ليس كما تفخرون، يقول أسركم أنكم سمك فتقتلون. وقال رؤبة:
إذا الأمور أولعتْ بالشخزِ ... والحربُ عسراء اللقاحِ المغزى
الشخز الطعن، يريد أن الأمور تطعن هاهنا وهاهنا، والمزى التي لا تنتج إلا بعد بطء، يقال شاة مغزية وأتان مغزية. وقال ذو الرمة:
رباع أقبّ البطنِ جأب مطرّد ... بلحييه صكّ المغزيات الرواكلِ
عسراء اللقاح يقول تلقح لقاحا عسرا، وإنما يريد أن الحرب لا تكاد تنقطع. وقوله:
أترِفن يشدخن العِدى بالخَبز
أترفن أعطين ما أردن، والخبز الوطء. وقال المخبل:
هلا تسلى حاجةً غرضَتْ ... علَق القرينة حبلها جذمُ
الجذمة القطعة من الحبل وإذا كان الحبل هكذا قربت
(2/869)

القرينتان، يقول فهذه الحاجة قد قربت كما قربت هذه القرينة لما كان حبلها جذما. وقال رؤبة:
وحاجة أخرِجَتْ من أمرِ لبك ... أخرجتها من بين تصريحٍ وَلَكَ
تدحىَ الرومّى من يّك لَبِك
لبك مختلط، واللك نحو منه، يقول كانت الحاجة بين أمر مختلط وبَين تصريح فأخرجتها بتحد كتحدي هذا الداعي إلى البراز واحدا لواحد. وقال
يا حكم الوارث عن عبدِ الملكِ ... أوديت إن لم تحبُ حبو المعتنكِ
المعتنك البعير الذي يقطع العانك وهي الرملة الضخمة وربما حبا فيها الجمل وعليه حمله حتى يقطعها فيشتد عليه المشي فيها فيبرك على ركبتيه ثم يعتمد، فيقول: أوديت إن لم تعتمد في حاجتي كاعتماد هذا البعير في العانك. وأما قوله:
ما بعدنا من طلب ولادَرَك
فإنه يريد: أنك لا تضع معروفك عند أحد هو أحق به منا. وقال العجاج
(2/870)

والشَحط قطاع رَجاء من رَجا ... إلا احتضار الحاج من تجوجا
الشحط البعد، يقول: إذا بعدت ممن تحب انقطع رجاؤك منه إلا أن تكون حاضرا لحاجتك أي قريبا منها. يقال تجوّجت حاجة طلبتها. وقال الشماخ:
وإني عداني عنكُما غيرَ ما قِتٍ ... نواران مكتوبٍ على بغاَهما
أي حاجتان عسرتان، والنوار النُفور. وقال لبيد يصف خطة:
فأصبحت أنى تأتها تبتئس بها ... كلا مركبيها تحتَ رحلكَ شاجر
يقول من حيث أتيتها لزمك بأسها وشاجر ناب بك، وقوله:
فإن تتقدم تغش منها مقدما ... عظيا وإن أخرت بالكفل فاجر
الكفل الحويّة، فاجر مائل والفجور منه لأنه عدول عن الحق وقال الكميت:
وما غيب الأقوام عن مثل خطة ... تغيّب عنها يومَ قيلتْ أريبها
ولاعن صفاةِ النيقِ زِلّت بنا علىّ ... ترامى به أطوادها ولهوبها
يقول تلك الخطة أشد من صفاة النيق، واللهِب ما بين الجبلين. وقال أبو زبيد:
(2/871)

إلي: إليكَ عِذرة بعد عذرةٍ ... فقد يبالغ الشرّ السديل المشهرُ
يريد يبالغ الشر المشهر السديل، يعني ستر الملك يريد أن الشر إذا جاء لم يمنع من سرداق الملك ولم يهبهم فكيف من دونهم. وقال الفرزدق
أبا مَعقلِ لولا حواجز بيننا ... وقُربي ذكرناها لآل المجبّر
إذا لركبنَا العام حدَ ظهورهم ... على وقُر أندابه لم تغَفّرِ
أندابه جروحه لم تغفر لم تيبس وتجلب. وقال طرفة:
وأنا امرؤ أكوى من القَصر ال ... بادي وأغشى الدَهَم بالهم
القصر داء يأخذ في العنق فلا يقدر صاحبه أن يلتفت، يقول من كان معرضا عني كأن به قصرا داويت ضغنه. وقال ابن حِلزة لعمرو بن كلثوم:
أيها الناطق المرّقش عنا ... عند عمرو وهلْ لذاكَ بقاء
لا تخلنا على غَراتكَ إنا ... قبل ما قد وَشى بنا الأعداءُ
روى أبو عمرو: المقرّش، وقال: هو المحرش، وقوله: وهل لذاك بقاء - أي أنه كذب فإذا نظر فيه بطل. لا تخلنا لا تحسبنا جازعين لأغرائك الملك بنا فإنا قد مر بنا من سعاية الأعداء ما لا نجزع معه من وِشايتك.
(2/872)

وعَلونا الشناءةِ ينمي ... نا حصون وعزةٌ قعساء
قبل ما اليومُ بيصتْ بعيونِ ال ... ناسِ فيها تعيّط وإباء
علونا ارتفعنا على بغض الناس إيانا وغيظنا لهم بما يرون من ثبات عزنا ومكاننا من الملك، القعساء الثابتة الدائمة ويقال المتمنعة، بيضت هذه العزة عيون الناس وأقحم الباء كما قال الآخر وهو الراعي:
هن الحرائر لا باتٍ أحمرة ... سود المحاجرِ لا يقرأنَ بالسورِ
التعيط الامتناع والإباء من قولهم تعيطت الناقة واعتاطت إذا امتنعت من الفحل فلم تحمل، الأصمعي: تعيط ارتفاع من قوله.
في رأسِ عيطاءٍ من خلقاءِ مشرفة
وكأن المنون ترِدى بنا أر ... عن جونا ينجاب عنه العماء
مكفهراً على الحوادثِ لا تر ... ته للدهرِ مؤيد صمّاء
تردي بنا ترمي بنا يقال ردى يدِي ردْيا والمرادة حجر يرمى به، يقول كأنها ترمي برميها لنا جبلا فلا تؤثر فينا ولا تضرنا كما لا تؤثر في الجبل، ينجاب يشنق، والعماء سحاب رقيق، يقول هذا الجبل من طوله ترى الغيم إنما تراه أبدا دونه، ويروي: أصحَم صّمٍ، يريد جبل جبال والأصحم في لونه ويروى: أصحم عصم، أي جبل
(2/873)

وعول، مكفهر متراكب بعضه على بعض، ممتنع على الحوادث، والرتو النقصان من قولك: رتوت الدرع إذا قصّرت من طولها عند القتال فرفعتها بالعرى. وقال لبيد:
فخمة ذفراء ترتَى بالعرى ... قردما نيا وتَركا ِكالبصل.
ورتوت القوس إذا شددت وترها وقصرت منه، ويقال أصابه مصيبة فما رتت في ذراعه أي ما كسرته، ويكون رتا في غير هذا يقال أكلت أكلة فرتت فؤادي - أمسكته، مؤيد داهية قوية شديدة وهو عن الوأد وهو الثقل، صماء لا جهة لها. وقال رؤبة:
وجامع القطرين مطْرخمّ ... بيّض عينيه العمى المعمّى
أي ورب جامع القطرين - وهو مثل، وذلك أن الناقة إذا لقحت زمّت برأسها وشالت بذنبها فاستكبرت، فقال: ورب مستكبر كاستكبار هذه الناقة قد أصابه كذا، مطرخم مستكبر ومثله مصْلخِمّ. وقال سلامة بن جندل:
اما الخلا والمسح إن كان نية ... علىّ فإني غير خال وماسح
ومستهزع خالا ولؤمَ خليقة ... صعقت بشر والأكف لواقح
(2/874)

الخالي الذي يلقي الخلا والماسح الذي يمسح الضرع، ويروى ومهتزِع أيضا، وهو الذي يسرع في اللوم، والخال الكِبر، واللواقح المرتفعة وإذا رفع يده للضرب فيده لاقحة. وأصل هذا أن الناقة إذا حملت شالت بذنبها. وقال امرؤ القيس:
ألاهل أتاها والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن تمِلكََ بيقرا
الأصمعي: بيقر هاجر من أرض إلى أرض. غيره: بيقر أقام بالعراق. غيره بيقر: أعيا.

القيد والغُل
قال الفرزدق يمدح هشاما وهو محبوس:
وما قمت هتى همّ من كان مسلما ... ليلبس مسدَّى وثياب الأعاجم
وضاق فراعا بالحياة وقطعت ... حواملَه عضّ العَذارى الأوازم
يقول هم من كان مسلما أن يرتد عن الإسلام ويتمجس مما يلقون من الخراج، ومسودى يعني الطيالسة والبرنكانات، حوامل يديه يعني عصبهما الذي تحملان به، والعذارى الجوامع، أي يعذّبون في الخراج بالجوامع والدهق. وقال آخر:
(2/875)

ولي مسمِعان وزَمّاة ... وظلّ مديد وحصن أمقّ
هذا مسجون، والمسمعان القيدان، والزمارة الغل. وقال آخر:
ولي مسمِعان فأدنا هما ... يغنّي ويمسك في الحالك
وأقصاهما ناظر في السما ... ء عمدا وأوسخ منِ عارِك
أحد المسمعين قيده والآخر الذي يضرب بالجرس، والعارك الحائض. وقال المرار:
أنت رهين بالحجاز محالف ... يجون سرى دهم المطئيّ وما يسري
يعني القيد. وقال الفرزدق في يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج
رأيت ابن دينار يزيدَ رمى به ... إلى الشأم يوم العنز والله شاغله
بعذراء لم تنكح خليلا ومن تلج ... ذراعيه تخذل معد ساعديه أنامله
وثقت له يالخزى لما رأيته ... على البغل معد ولا ثِقالا فَراز له
يوم العنز أراد حتفه كما قال:
وكنت كعنز السوء قامت لحتفها ... إلى مدية مدفونة تستشيرها
وعذراء جامعة وفراز له كبوله.
(2/876)

وقال آخر:
وقالوا رَبوض ضخمة في جِرانه ... واسمر من جلد الذراعين مقغَل
الربوض هاهنا السلسلة وأصل الربوض الشجرة الضخمة، والجران هاهنا العنق، وأسمر يعني غلا وكانوا يغلون بالقِد ولذلكِ قيل غل قيل لأن الشَعر يكون عليه فربما قمل الغل، مقفل يابس وقد أقفله الصوم إذا أيبسه، وخيل قوافل أي ضوامر يُبّس. وقال الفرزدق وذكر زيادا
أخاف زيادا أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا
يعني بالأداهم القيود وبالمحدرجة السياط. وقال الراعي:
وأزهر سخىّ نفسه عن تِلاده ... حنايا حديد مغفل وسوارقه
أزهر رجل أبيض أسرناه فسخت نفسه عن تلادة، وحنايا ما عطف من حديد عليه وأوثق به، وسوارقه يعني الأقفال وأراد أنه فدى نفسه. وقال عدى بن زيد للنعمان:
جاءني من لديه مروان إذ قف ... يت عنه بخير ما أحداني
(2/877)

بإفال عشرين قحمها الصع ... ب بحسن الإخاء والخُلاّن
لاصفا يادُهم فأسنمها الرِس ... ل ولا جلة قطيع هجان
الإفال هاهنا القيود، قحمها أدخل بعضها في بعض، ويقال قحمها في رجله. وكان النعمان يسمى الصعب لصعوبته في ملكه، بحسن الإخاء أي فعل ذلك مكافأة لمسن الإخاء ومكافأة للخلان - يهزأ به، أي كانت تلك مكافأته لي بإحساني. وقال خالد: بل أراد بالأفال صغار الإبل، قحمها الصعب وهو رجل يسوقها، ومن ذهب هذا المذهب أراد أن عديا استقل ما بعث به ولم يرض. آخر كتاب الوعيد والبيان وغير ذلك.
(2/878)

الجزء السادس من كتاب المعاني الكبير
كتاب الحرب
الأبيات في الحرب
قال زهير بن أبي سلمى:
فَتعركْكم عرك الرحا بثفالها ... وتلقح كشافا ثم تحمل فتت
فتنتج لكم غلمان أشأمَ كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
هذا كله أمثال. إراد أحمر ثمود الذي عقر الناقة فصار مثلا في الشؤم. ومثله قول الراجز: مثل النصارى قتلوا المسيحا سمع بالنصارى والمسيح ولم يدر كيف كان الأمر فقال علي ما توهم. غلمان أشأم أي غلمان شؤم، يقال: كانت لهم أشأم، ثم ابتدأ فقال كلهم كأحمر عاد ثم ترضع فتئم أي يتطاول أمرها حتى تكون بمنزلة من تلد وترضع وتفطم.
فتُغلل لكم ما لا تغلّ لأهلها ... قُرى بالعراق من قفير ودرهم
يقول يأتيكم منها ما تكرهون لا كما يأتي أهل العراق من الطعام والدراهم. قال أبو عمرو: يصيبون غلة من هذه الحروب من عقل
(2/879)

وغيره، وقال ليزيد بن حارثة بن سنان والحارث بن عوف المصلحين بين عبس وذبيان.
سعى ساعيا غيظ بن مرّة بعدما ... تبزّل ما بين العشيرة بالدم
يقول أصلحا أمر العشيرة وقد كاد يتبزل بالدم أي يتشقق.
يمينا لنعم السيدان وجِدتما ... على كل حال من سَحَيل ومبرَم
السحيل خيط غير مفتول على طاق، والمبرم يفتل على طاقين، يقول على كل حال من شدة وسهولة، أي نعم السيدان وجدتما حين تُفاجآن لأمر محكم وأمر لم يحكم.
تداركآ عبسا وذبيان بعدما ... تفانوا ودقّوا بينهم عطر منَشم
الأصمعي: منشم امرأة كانت عطارة فتحالف قوم فأدخلوا أيديهم في عطرها على أن يقاتلوا حتى يموتوا فصاغوا هؤلاء بمنزلة أولئك في شدة الأمر، أبو عبيدة: منشم اسم وضع لشدة الأمر لا أن ثم امرأة، قال وهو مثل قولهم: جاؤا على بكرة أبيهم وليس ثم بكرة. أبو عمرو: هو من التنشيم في الشر وهو الابتداء به. غيره: منشم امرأة كانت تبيع الحنوط. وقال:
لعمري لنعم الحيّ جرّ عليهم ... بما لايؤاتيهم حصين بن ضَمضم
أي بما لا يوافقهم، وحصين من بني مرة وهو الذي لم يدخل في الصلح وكان حين اجتمعوا للصلح شد على رجل منهم فقتله.
(2/880)

وقال يذكر حصينا:
فشدّ ولم يُفزِع بيوتا كثيرة ... لدي حيث ألقت رحلَها أمّ قَشعمَ
قوله: ولم يفزع بيوتا كثيرة أي قتل رجلا واحدا ولو قتل أكثر من واحد لكان الفزع أكثر، وأم قشعم المنية - أي حيث أقامت لهذا الرجل فأهلكته وذلك إلقاؤها رحلها، وقيل أم قشعم الحرب الشديدة، أبو عبيدة: أم قشعم العنكبوت أي شد عليه بمضيعة فقتله، ويروى يَفزع بيوت كثيرة، يقول شد على ثأره وحده فقتله ولم تفزع العامة بطلب واحد، يريد بذلك تملقهم وأن لا يغضبوا وأنه إنما قصد لثأره ولم يردكم فاقبلوا الدية والصلح.
رعوا ما رعوا من ظِمئهم ثم أوردوا ... غمار تفرَّى بالسلاح وبالدم
الظمء ما بين الشربتين، والغمار من الغمرة وهي أعظم شأنهم تفَرّي تشقق عليهم بالسلاح وبالدم وهذا مثَل ضربه لرمِّهم أمرهم ثم وقوعهم في الحرب. وقال:
ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي رُتهّبت كل لهذم
يريد من عصى الأمر الصغير صار إلى الأمر الكبير، وهذا مثَل، يقول: أن الزجّ ليس يُطعن به إنما الطعن بالسنان فمن أبي الصلح وهو الزج أطاع العوالي، ومثَل للعرب " الطعن يظأر " أي يعطف على الصلح، أبو عبيدة: يقول من لم يقبل السلم عفوا قبلها بعد أن يغلب ويقتل قومه وكانوا يرفعون الزجاج أولا فإذا أرادوا الحرب قلبوها،
(2/881)

واللهذم المحدد الماضي من الأسنة، أي ركبت في كل لهذم. وقال أوس:
تحيزَن انضاء ورُكبّن أنصلا ... كجر الغضافي يوم ريح تزيّلا
وقال عبيد:
قومي بنو دودان أهل النهى ... يوما إذا ألقَحت الحائل
يقول إذا هاجت الحرب التي لم يكن لها أصل. وقال الأخطل:
لقد حملت قيسَ بن عيلان حربُنا ... على يابس السِيساء محدودب الظهر
السِيساء عظم الظهر. يقول حملناهم على مشقة. وقال:
واسأل بهم أسَدا إذا جعلت ... حرب العدو تشول عن عُقهم
عن بمعنى بعد. وهذا مثَل، وذلك إن الناقة إذا لقحت شالت بذنبها فضربه مثلا للحرب أي قد لقحت فهي تشول بذنبها بعد أن كانت عقيما لا تحمل، والمعنى أنها كانت ساكنة فهاجت. ومثل قول الأخطل بيت النابغة الجعدي:
نحن الفوارس يوم ديسقة ال ... مغشو الكُماة غوارب الأ كم
غارب كل شيء أعلاه، وديسقة موضع، يريد نحملهم على المشقة والغلظ. وقال الجعدي:
(2/882)

تفوزُ علينا قِدْرهم فنُديمها ... ونفثؤها عنا إذا حميها غلا
هذا مثل، قدرهم حربهم يريد نُسكنها إذا فارت. يقال أدْم قدرك فيسوطها حتى تسكن، ومنه الحديث: " لا يبولن أحدكم في العلماء الدائم " نفثؤها نكسرها. وقال أبو ذؤيب:
فجاءَ بها ما شئت من لطَميّةٍ ... يدوم الفراتُ فوقُها ويموج
أي يموج مرة ويسكن أخرى. وقال الجعدي:
مُصابِينَ خِرصانَ الوشيجِ كأننا ... لأعدائنا نُكبٌ إذا الطعن أفقرا
الخُرص القناة والخرص السنان وجمعه خِرصان، مصابين أي حادريها، والوشيج الرماح، نكب متحرفين متهيئين للطعن، أفقر أمكن يقال أفقرك الصيد أي أمكنك، ويقال رماه من فقرة - أي من قريب ورماه من كَثب. ويقال فلان يصابي الرمح أي يميله للطعن.
ومثله قول الأجدع الهمداني:
خَيلانٌ من قومي ومن أعدائهم ... خفضوا أسنتَهم وكلّ ناعِ
خفضوا للطعن، وكل ناع يقول: يا لثَارات فلان أو - يا فلاناه - ونحو ذلك. وقال الجعدى:
حتى لحِقناهم تعدِي فوارسُنا ... كأننا رَعن قفٍّ يرفغ الآلا
تعدي أي تستحضر خيلها، يقال عدا الفرس وأعديته أنا، والرعن أنف الجبل، يعني أنها تنزو في السير كما ينزو الرعن في الآل.
(2/883)

وقال الأعشى:
إذ نظرتْ نظرةً ليست بكاذبةٍ ... ورفّعَ الآل رأس الكلبِ فارتفعا
رأس الكلب يريد القف وقوله يرفع الآلا وكلاهما يرفح صاحبه، ألا ترى أن الآل إذا رفع القف إرتفع معه ولولا مكانه لم يرتفع الآل.
فلم توقّفْ مشيلين الرماح ولم ... توجَد عواوير يوم الرَوعِ غُزّالا
أي لم تقف رافعي الرماح حسب ولكن حدروها للطعن، والعزّال الذين لا سلاح معهم، يقال رجل أعزل، والعواوير الضفاء. وقال رؤبة وذكر جيشاً أتاهم:
عاينَ حيّاَ كالحِراج نِعَمه ... يكون أقصى شِلّه محر نجَمه
الحراج قطع الشجر أي هم ملتفّون مجتمعون كأنهم حراج الشجر، ونعمه إبله، وقوله: يكون أقصى شله محر نجمه، كان القوم إذا فوجئوا بالغارة طردوا نعمهم وأقاموا يقاتلون بعد طردهم النعم، فيقول: هؤلاء من عزهم وكثرتهم إذا أتتهم الغارة لم يطردوا نعمهم، وكان أقصى طردهم أن ينيخوها في مباركها ثم يقاتلون عنها، ومحر نجمها الموضع الذي تحر نجم فيه أن تجتمع ويدنو بعضها من بعض. ومثل هذا قول آخر:
(2/884)

قوم إذا رِيعوا كأنّ سَوامَهم ... على ربعٍ وسطَ الديارِ تعطّف
الربع الخوار الذي ينتج في النتاج الربعي، يريد أن أبلهم في وقت الروع لا تطرد ولا تبرح كأنها قد عطفت على ولد فهي لا تبرحه، والسوام المال الراعي. ومثله قول الأعشى:
نَعم يكون حجازه برماحنا ... وإذا يُراع فإنه لن يُطردا
حجازه الذي يحجزه ويمنعه. ومثله قول زهير:
فإن شلَّ رَيعان الجميع مخافةً ... نقول جهازاً ويلكم لا تنفَروا
على رِسلكم إنّا سنعدي وراءكم ... فتمنّعكم أرماحنا وسنعذِر
ويروى: فإن شل رعيان الجميع،! ثهل طرد وريعان كل شيء أوله، سنعدي أي سنعدي خيلنا أي سنحضر، أو سنعذر أي نصنع ما نعذر فيه ومثله قول لبيد:
في جميعِ حافظي عوراتهم ... لا يهمّون بأدعاقِ الشَللِ
الدعقة الدفعة، والعورة موضع المخافة. وقال ابن مقبل:
بحيّ إذا قيلَ اظْعنوا قد أتيتم ... أقاموا على أثقالِهم وتلَحلَحوا
(2/885)

تلحلحوا تحركوا فلم يبرحوا من أمكنتهم، يقال تحلحل وتلحلح إذا تحرك وثبت فلم يبرح.
وقال الأعشى:
رُب رفد هرقتَه ذلك اليو ... م وأسَرى من معشَرٍ أقتالِ
الأقتال الأعداء واحدهم قتل، ويقال الأقتال الأمثال، والرفد القدح الكبير، والمعنى أنك قتلت صاحبه فذهب وبطل. وقال امرؤ القيس:
وقاهُم جدهُم ببني أبيهمِ ... وبالأشقَين ما كان العِقابُ
وأفلتَهن عِلباء جَريضاً ... ولو أدركنَه صَفِر الوِطاب
أي قتل وأخذت. إبله فصفرت وطابه من اللبن أي خلت، والجريض الذي قد غص بريقه من الجهد. ومثله لأبي زبيد:
وجَفنةٍ كنضيحِ الحوضِ قد كُفِئت ... بِثنى صِفّينٍ يعلو فوقَها القتَرُ
أي ورب جفنة قد قتل صاحبها فقفئت. وقال آخر:
(2/886)

وهو عامر بن جوين الطائي ويروى لأبي قردودة الطائي:
ياجفنة كإزاءِ الحوضِ قد هدَموا ... ومنطقاً مثل وشي اليمنة الحِبره
وقال آخر في مثله وهو لسلمة بن الخُرشُب الأنماري
هرَقنَ بساحوقٍ جفاناً كثيرةَ ... وغادرنَ أخرى من حقينٍ وحازر
يقول قتلت أصحاب جفان كثيرة فتكتْ لا يحلب فيها فكأنهم هراقوها، وغادرن أخرى أي تركن جفانا على حالها لم يُهرَقن، من حقَين من حليب، وحازر، أي من شريف سيدودون ذلك - اللفظ للّبن والمعنى للقوم. وقال آخر وهو أبو بكر شداد بن الأسود الليثي:
وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشِيزَى تكلّل بالسَنام
وقال عنترة:
حالَث رماح ابني بغيض دونكم ... وزَوتْ جواني الحربِ من لم يُجرم
ابني بغيض عبس وذبيان يعني قتالهم في حرب داحس، وذوت أي نحت وباعدت، جواني لحرب الذين جنوها، من لم يجرم من ليس له ذنب، أي لم يقدر أحد أن ينفرد عن عشيرته وأصله مخافة أن يقتل
(2/887)

وأن لم يكن له ذنب، ومثله قول مالك بن حَريم الهمذاني:
قرِّب رباطَ الجَون مني فإنه ... دنا الحِلُ واحتلّ الجميعَ الزَعانفُ
الزعانف الزوائد، أي صار إلى الجميع لم يطيقوا الانفراد، ومثله قول وعلة الجرمي:
سائلٌ مجاور جَرم هل جنيت لهم ... حرباً تزيّل بين الجَيرةِ الخلُطِ
أي يدع كل قوم جيرانهم ويلحقون بأصولهم. ومثله لرؤبة:
وأجمعْت بالشرِ أن تلفَّعا ... حربٌ تضمّ الخاذلين الشسّعا
وقال أبو ذؤيب يذكر حربا:
وزافَتْ كموجِ البحرِ يسمو أمامها ... وقامَتْ على ساقٍ وآن التلاحُق
أي آن أن يلحق كل قوم بأصلهم. وقال أبو طالب:
أفيقوا أفيقوا قبل أن نحفِر الثرى ... ويصبح من لم يجن ذنبا كذي ذنبِ
نحفر الثرى أي نتتبع أصول الأمور ونطلب عيوبكم ويصبح من كان له ذنب ومن لم يكن له ذنب سواء. وقال النابغة في مثل هذا ووصف جيشاً:
أو تزجروا مكفهرّا لا كِفاءَ له ... كالليلِ يخلطُ أصراماً بأصرام
(2/888)

أي جماعات بجماعات تلحق كل قوم يأصولهم، مكفهر جيش كثير بعضه على بعض، لا كفاء له لا مثله له. وقال آخر:
وخمارُ غانيةٍ شُدِّدت برأسها ... أصلا وكان منشّراً بشمالها
هذه امرأة فزعة فلما أدركها أمنت فاختمرت. وقال عنترة فَي مثله:
ومُرقِصة رددت الخيلَ عنها ... وقد همّتْ بالقاءِ الزِمام
ومرقصة يعني امرأة ركبت بعيرا فهي ترقصه هاربة وقد همت أن تلفي زمام بعيرها وتعطي بيدها. وقال الكميت:
ومرقصة قد مال كور خمارِها ... منعنا إذا ما أعجلتْ أن تخَمرّا
وقال طفيل:
وراكضة ما تستجِنّ بجُنةِ ... بعَير حِلال غادرتْه مجعفَل
الحلال مركب من مراكب النساء، غادرته تركته، مجعفل مصروع يعني الحلال وقد كان البعير لحلال فغادرت الحلال ملقي ونصّت أي ركبت بعيرها عريا من المخافة.
فقلت لها لما رأيْنا الذي بها ... من الشرِ لا تستوهِلي وتأمّلي
أي لا تفزعي، والوهل الفزع، وتأملي انظري ممن نحن، قال
(2/889)

أوس بن حجر:
ترى الأرضّ منا بالفضاءِ مريضةً ... معضَّلةً منا بجمعٍ عَرمَرمِ
المعضلة التي نشب ولدها في بطنها أي فقد نشبت هذه الأرض بنا أي نشبنا كما ينشب ولد هذه في بطنها يريد من الكثرة. ومثله للنابغة يصف جيشاً:
لَجِب يظّل به الفضاءُ معضِّلاً ... يدع الإكام كأنهنَّ صَحارى
أي من كثرة ما يطأ عليها هذا الجيش يسويها بالأرض. ومثله لزيد الخيل:
بجمعٍ تضل البلق في حجَراتِه ... ترى الأكم منه سجّدا للحوافر
يقول إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرَف فغيرها أحرى أن تضل، يصف كثرة الجيش ويريد أن الاكم قد خشعت من وقع الحوافر. وقال الحطيئة:
بجمهورٍ يحارُ الطرفُ فيه ... يظّل معضَلاً منه الفَضاء
جمهور كتيبة كثيرة. وقال أوس بن حجر يصف جيشاً:
بأرعنٍ مثل الطَودِ غير أشابةٍ ... تناجزُ أولاه ولم يتصرمِ
(2/890)

آرعن جيش كثير مثل رعن الجبل، والرعن أنف يتقدم من الجبل فينسل في الأرض، والطَود الجبل، غير أشابة أي غير أخلاط، تناجز أولاه أي يمضي أوله وهو لا ينقطع من كثرته. ومثله قول الجعدي:
بأرعنٍ مثلِ الطودِ تحسب أنهم ... وقوفت لأمرٍ والركابُ تُهملج
أي من كثرتهم تحسب أنهم وقوف وركابهم تسير، وفي كتاب الله جل وعز: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب ". وقال عمرو ابن قميئة:
وملمومة لا يخرق الطرف عرّضَها ... لها كوكب فخم شديدٌ وضوحها
تسيرُ وتزجي السمَ تحتَ لَبانِها ... كريه إلى من فاجأته صبوحها
يصف كتيبة والملمومة المجتمعة لا ينفذ البصر في عرضها من كثرتها، وكوكب الشيء معظمه، فخم عظيم شديد، وضوحها أي بياضها، تزجي السم أي تقدم الموت بين يديها، والصبوح شرب الغداة، وهذا مثَل. وقال قيس بن الخطيمِ يصف جيشاً كثيراً:
لوَ أنّكَ تلقي حنظلاً فوق بيضنا ... تدحَرجَ عن ذي سامِه المتقاربِ
السام عرق الذهب أي عن بيضه المذهب، يقول لو ألقيت حنظلا على بيضهم لتدحرج عليه، يريد جرى فوقه ولم يسقط إلى الأرض
(2/891)

لقرب بعضه من بعض ولالتصاق بعضه ببعض وعن بمعنى على، وواحد السام سامة وبه سمي سامة بن لؤي. وقال أبو خراش يصف حفيف جيشهم وكثرتهم:
وسائل سبرة الشجعي عنا ... غداة تخالَنا نجواً جَنيبا
النجو السحاب، والجنيب الذي أصابته جنوب فَهو أغزر له. وقال آخر:
ولقد شهدَتْ الحي بعد رقادِهم ... يعلي جما جِمهم بكل مقللِ
يعني أنهم بيّتوا بياتا، يعلي جماجهم بالسيوف، مقلل سيف عليه قلة والقلة القبيعة وقلة كل شيء أعلاه، أبو عمرو، بكل منحَّل أي سيف قد نحل لقدمه، ويروى " منخل " أي منتفي.
حتى رأيتهم كأن سحابةً ... صابَت عليهم ودقّها لم يشَمل
أي كأن حفيف هذا الجيش في القتال حفيف مطر، صابت قصدت، ودقها مطرها، لم يشمل لم تصبه شمال وذلك أنه إذا شُمل انقشع وإذا جنب كان أدرّ له، وهكذا يصفون السحاب، وإنما ضربه مثلا لكثرتهم وشمدة حفيفهم. ومثله قول الهذلي عبد بن حبيب:
كأن القوم إذ دارت رحاهم ... هدوءاً تحت أقمر ذي جنوب
(2/892)

وقال أوس:
صحّنا بني عوف وأفناءَ عامرٍ ... بصادقةٍ جَودٍ من الماءِ والدمِ
يريد بغارة صادقة كأنها سحابة فيها جود من الماء، ثم أعلم أنها ليست بسحابة خالصة فقال: والدم، يعلمك أنها وقعة. وقال ابن مقبل:
وخطّارة لم ينضحْ السِلم فرجَها ... تلّقح بالمرّانِ حتى تَشذّرا
لم ينضح من قولك انضح رحمك أي بلّها وصلها، ويروى ينصح أي يخيط والأول أجود، السلم المسالمة، المران القنا، تشذرا تشول إذا قحت، وهذا مثَل لبيد يصف كتيبة:
أوتْ للشِياحِ واهتدى بصليلِها ... كتائب خضر ليس فيهن ناكِلُ
ناكل جبان، أوت هذه الكتيبة للشياح أي للجدّ والحملة، والصليل خضرمن الحديد. وقال بشر:
عطفنا لهم عطف الضَروسِ من الملا ... بشَهباءٍ لا يمشي الضَراءَ رقيبها
الضَروس الناقة السيئة الخلق، شهباء كتيبة بيضاء، لا يمشي الضراء رقيبها لا يستتر وهو مصحِر، ورقيبها رئيسها. العجاج يصف جيشاً:
(2/893)

بلَجِبٍ ينفي الأسودَ هزَمه ... مردفٍ جُولٍ لا يُخاف هدَمه
لجب جيش كثير الأصوات، هزمه صوته، والجول ناحية البئر يقول هذا الجيش له ردف خلفه مثل جول البئر، لايخاف هدمه أي لا يخاف ان يؤتى من ضف. وقال الأعشى:
فأصبْن ذا كرم ومَن أخطأنَه ... جزأ المقيظة خَشية أمثالَها
جزأ أي أقام بالفلاة ولم يقرب الماء مخافة أن يغار عليه. ومثله لقيس بن مسعود:
فإياكُم والطفّ لا تقربُنّه ... ولا الماءُ إن الماءَ للقَودِ واصلُ
أي من نزل الماء قيد إليه الخيل أي فلا تأتوا والزموا الفلاة وقال النابغة:
وكانتْ له رِبْعيةً يحذرونها ... إذا خَضخَضتْ ماءَ السماءِ القبائلُ
ويروى لا القنابل لا والربعي أول شيء في النتاج. غيرهَ: أول كلِ شيء، ربعية أي غزوة في الربيع والغزو إنما يكون في الربيع إذا وجدوا المياه فإذا جاء الصيف انقطع الغزو، والقنابل الجماعات من الخيل واحدتها قنبلة. ومثله:
لو وصلَ الغيمث أبنَينَ امرءاً ... كانت له قبةً سَحق بجادْ
يقول لو وصل المطر ووجدنا المياه غزونا، وقوله: أبنين يعني الخيل
(2/894)

جعلن بناء هذا الرجل، يقول: يُغار عليه فيؤخذ ماله فلا يجد إلاّ سحق بجاد يتخذه بناء بعد أن كان ذاقبة، والسحق الخلق، والبجاد كساء أي بعد ما كانت له قبة صار له هذا البجاد. ومثله:
وفي البقل إن لم يدفع الله شره ... شياطين ينزو بعضهن على بعض
ومثله:
يا ابن هشامٍ أهلَكَ الناسَ اللبن ... فكلّهم يغدو بقَوس وقَرنِ
يقول لما جاء الربيع وأصابوا اللبن قووا وغزوا، والقرن الجعبة. ومثله للحارث بن دوس الايادي يخاطب المنذر بن ماء السماء:
قوم إذا نَبَتَ الربيعُ لهم ... نَبتتْ عداوتهم مع البقلِ
ومثله:
قوم إذا اخضّرتْ نعالهم ... يتناهقونَ تناهقَ الحُمرِ
تخضر نعالهم لوطئهم العشب. ومثله:
وقد جَعلَ الوسميّ ينبتُ بيننا ... وبين بني رومان نبعاً وشوْحطا
النبع والشوحط ضربان من الشجر وهي هاهنا القسيّ نرميهم بها
(2/895)

ويرموننا.
ومثله لأوس بن حجر:
تَناهقونَ إذا اخضّرتْ نعالِكم ... وفي الحفيظةِ أبرامٌ مَضاجيز
أي تأشَرون إذا أصبتم الغنى والخصب وإذا كان موضع المخافة ضجرتم، والأبرام جمع برَم وهو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. وقال آخر:
إذا اخضرّتْ نعال بني غرابٍ ... بغَوا ووجدتهم أشري لئاما
وقال الأعشى:
وفي كل عام أنتَ جاسمُ وقعةٍ ... تشد لأقصاها عزيم عَزائكا
مورّثة مالاً وًفي الأصلِ رِفعة ... لما ضاع فيها من قروءٍ نسائكا
أي لما ضاع فيها من طهر نسائك نم تغشهن لشغلك بالغزو فأبدلت من ذلك هذا المال وهذه الرفعة. ومثله للنابغة:
شعَب العِلافّيات بين فروجهم ... والمحصنات عوازبُ الأطهارِ
(2/896)

العلافيات رحال منسوبة إلى علاف رجل من قضاعة، هؤلاء قوم في غزو فأطهار نسائهم عازبة عنهم، وشعب الرحال بين أرجلهم. وقال الحطيئة في مثله:
إذا همّ بالأعداءِ لم يثْنِ هَمّه ... كَعاب عليها لؤلؤٌ وشنوف
وقال كثّير في مثله:
إذا همّ بالأعداءِ لم يثنِ همه ... كَعاب عليها نظمُ در يُزينها
وقال الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... عن النساءِ ولو باتَتْ بأطهارِ
وقال ربيع بن زياد العبسي:
أفبعد مقتلِ مالكٍ بن زهيرِ ... ترجو النساءُ عواقبَ الأطهارِ
أي الغشيان بعد الطهر. وقال أبو كبير يصف قوماً لا يجعلهم الفزع:
يتعطّفون على البطىء تعطف ال ... عوذ المطافل في مناخ المعقل
أي يتعطفون على من أبطأ منهم كما تتعطف العوذ على أولادها
(2/897)

والعُوذ الحديثات النتاج واحدها عائذ، وهذا من مقلوب كلامهم العائذ الناقة ما دامت يعوذ بها ولدها وإنما يكون ذلك يومين أو ثلاثة، ومثل ذلك قولهم: غيث عازب - أي معزوب عنه، والمطافل التي معها أولادها، والمعقل الحرز، يقول هم يتعطفون عليه كما تعطف هذه حيث تأمن ولا يذعرها شيء ولذلك هم لا يربدون الفرار. أوس بن حجر:
لعمركَ إنّا والأحاليف هَؤلا ... لفي حِقبةٍ أظفارُها لم تقلّم
أي نحن في حرب. ومثله للنابغة الذبياني:
وبنو قُعَينِ لا محالَة إنهم ... آتوكَ غير مقلّمي الأظفارِ
أي محاربين غير مسالمين، والأظفار هاهنا السلاح، يريد أن سلاحهم تام جديد. وقال آخر:
الضاربون غداةَ غارةٍ ثابت ... ضرباً أضاع له المقاديم العرا
المقاديم الأبطال والعري الرؤوس، أي فضربوا ضربا أضاعت له الأبطال رؤوس الجيش وتركوهم. آخر وهو مقّاس العائذي:
أوْلَى وأوْلى يا امرأ القيس بعدما ... خصفنَ بآثارِ المطيّ الجوافرا
أي قُرنت الخيل بالابل في الغزو فوطئت الخيل على آثار الإبل. ومثله قول الآخر:
(2/898)

مستحقبات رواياها جَحافلها ... يأخذنَ بين سوادِ الخطِ فاللوبِ
البعير يكون عليه الماء والزاد ويرن به الفرس بمنزلة الحقيبة للبعير، والروايا الإبل يكون عليها الماء. ومثله قول الآخر وهو الأعشى:
وما خآتْ أبقى بيننا من مودةٍ ... عِراض المذاكى المسنفاتِ القَلائصَا
المذاكي المسان، أي قُرنت بالإبل فهي تعارضها. آخر في وصف جبان:
أي تركض والعينانُ في نُقرة القفا ... من الذّعرِ لا تلوى على متخلِفِ
أي أنت منهزم فعيناك في نقرة قفاك. ومثله:
فولّيتَ عنه يرتمي بك سابح ... وقد قابَلَتْ أذنيه منك الأخادع
أي صارت أخادعك قبالة أذنيه وأنت متلفف منهزم، والأخدع عرق في القفا. ومثله:
ألقيَتا عيناكَ عند القفا ... أوْلى فأوْلى لكَ ذا واقيه
وقال الفرزدق:
بأيدي رجالٍ لم يَشيِموا سيوفَهم ... ولم يكثرالقتلى بها حينَ سلّتْ
(2/899)

أراد لا يشيمون سيوفهم ولم يكثر القتلى بها ولكنهم يشيمونها إذا أكثروا بها القتلى.
الذلى وهو المتنخل يصف قوما لا عَناء عندهم:
عقوا بسهمٍ فلم يشعرْ به أحد ... ثم استفاءوا وقالوا حبّذاَ الوضَح
عقوا مفتوحة القاف وهو رميك بالسهم في السماء يقال عقَّى بسهمه يريد أنهم لم يضروا برميهم ثم رجعوا إلى أكل اللبن وشربه، والوضح اللبن، ويحكى عن بعض الأعراب أنه كان يشكو ويسأل، ويقول: مالي وضح أنفخ فيه ولا لي كذا.
لكن كبير بن هند يوم ذَلكم ... فتخ الشمائل في أيمانهم رَوَحُ
كبير بن هند قبيلة، فتخ الشمائل يريد أنهم قد تترسوا بالتِراس
(2/900)

وقد نصبوا شمائلهم وفتخوها ليتقوا بها ضرب السيوف، وأصل الفتخ اللين ولذلك فيل للعقاب فتخاء، في أيمانهم روح أي سحة لأنهم قد بسطوها وفيها السيوف يضربون بها.
لا يسلمونَ قريحاً حلّ وَسطهم ... يوم إلقاءِ ولا يشوونَ من قَرحوا
القريح الجريح والقرح الجرح، لا يشوون من قرحوا لا يخطئون مقتل من جرحوه ومن جرح منهم حاموا عليه حتى يستنقذوه. يقال رميت فأشويت إذا أصاب الأطراف وأخطأ المقاتل، ورميت فأصميت إذا أصاب المقتل. وقال الجعدي:
فلما أنْ تلاقيْنا ضُحياّ ... وقد جعلوا المِصاع على الذراعِ
المصاع القتال، أي جعلوا أمر القتال إلينا فقالوا: إن شئم فقاتلوا، كما تقول للرجل في الشيء: هو على حبل ذراعك، أي الأمر فيِه إليك. وقال أبو ذؤيب:
وصرّح الموتُ عن غلْبٍ كأنهم ... جرب يدافعها الساقي منازيح
صرح انكشف، غلب غلاظ الرقاب، جرب يدافعها الساقي أي يدفعها عن الماء لأن الجراب لا يدعونها تختلط بالابل يخافون
(2/901)

الإعداء، منزيح قد طلبت الماء من مكان بعيد نازح فهو أحرص لها عليه، يقول فهؤلاء يغشون الحرب كما تغشى هذه الماء. بعض الهذليين وهو أبو خرلش.
تذكرتُ ما أينَ الفرارُ وأنني ... بَغرزِ الذي ينجى من اِلموتِ معصم
يقال للرجل: أشدد بغرز فلان أي تمسك به. فيقول أنا متعلق بعدو ينجيني من الموت.
فعديت شيئاً والدَريس كأنما ... يزعزعه وِرد من الممِ مُردمُ
عاديت صرفت، والدريس ثوبه الذي عليه وهو الثوب الخلَق، يزعزعه يحركه، وِرد أي حمّى، والموم البرسام، مردم ملازم، أي من شدة عدوي واضطرابه علي، وروى أَبو عمرو: فعرَرت شيئا، أي تلبثت، والمعارة التلبيث. وقال قبل هذا وذكر قوما هرب منهم:
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوهْ هم هم
رفوني أي سكّنوني، وقالوا لا ترع أي لا تخف، هم هم أي هم الذين أخاف. أبو عمرو: يقال ارفه أي سكته. وقال أبو خراش:
وشَوط فصّح قد شهَدت مشايِحا ... لأدرِكَ ذحَلا أو أشيف على غُنمِ
(2/902)

أي من سَبق فيه افتضح، شوط عدو، مشايحا جادّا، ويقال " مهاذبا " أي سريعا، أشرف وأشفى سواء وهو مقلوب - أشرف، يريد أصيب أو أدرك ذَحلا.
إذا ابتّلتِ الأقدام والتفَ تحتها ... غُثاء كأجوازِ المقرّنةِ الدرهمِ
ابتلت الأقدام من العرق ويقال من ندى الليل، والتف تحتها غثاء أي يعدون فيكسرون الشجر فيتعلق بأرجلهم، والمقرّنة إبل صعاب تقرن، والأجواز الأوساط، وروى أبو عمرو: إذا كلّت الأقدام وابتل تحتها. وقال:
ولا بطلاَ إذا الكماة تزينّوا ... لدى غَمراتِ الموتِ بالحالكِ الفَدْمِ
الحالك الأسود، والفدم الثقيل، أي كانت زينتهم في حربهم أن يتضمخوا بالدم، والفدم الثقيل الخاث، ومن هذا يقال صبغ مفدّم أي خاثر ثقيل. أبو عمرو: الفدم القانيء. وقال ابن كُراع:
ومُعدنا بالقتل يحسب أنه ... سيُخرج منا القتل ما القتل مانع
أي يحسب أنا سنذل إذا قتل منا والقتل يمنع أن نذل لا نزداد على القتل إلا عزة. وقال:
(2/903)

ألم ترَ أن الغزوَ يُعرِج أهله ... مراراً وأحيانا يفيد ويُورقُ
يعرج أي لهم عرجا من الابل، ويفيد يهلك، يقال فاد الرجل وأفدته، ويقال أورم القوم إذا طلبوا صيدا ففاتهم بعد أن يرموه. وقال مقّاس في يوم الشيطَين:
نهَيت تميماً أن تربّ نحاءها ... وتطوِيَ أجباءَ الرَكىّ المعموَّر
أي نهيتهم أن يربّوا نحاءهم للسمن واللبن وتهيئوا للمقام معشّرِ سنزعجهم عن هذا الموضع، والأجباء جمع جَبَى وهو ما حول البئر. وقال:
ليختلطّنَ العام راع مجنبٍ ... إذا تلاقينا براعٍ معشَّ
المجنب الذي ليس في إبله لبن، والمعشر الذي قد عشّرت إبله، يقول ليس لنا لبن فنغير عليكم فنأخذ إبلكم فيختلط بعضها ببعض. وقال الكميت وذكر يوم حرب:
كالروقِ فيه الأقوامِ نلّهمُ ... إذا الخرائدُ لم يثبتن في الحجُبِ
الأرَوق الطويل الأسنان والأيَلّ الذي قد لزقت أسنانه باللثة ولم يبق منه شيء، يقول فهؤلاء اليلّ من الفزع قد كلَحوا فبدت
(2/904)

أسنانهم فكأنهم روق. ومنه قول لبيد وذكر سهاما:
رَقمياتٌ عليها ناهض ... تُكِلح الأروقَ منهم وأ لايلّ
رقميات نبل منسوبة إلى الرَقم وهو موضع دون المدينة ويقال سهام مرقومة، عليها ناهض أي ريش فرخ نسر حين نهض وهِو أجود، يقول إذا أصابت هذه السهام هؤلاء كلَحوا وفتحوا أفواههم فالقصير الأسنان والطويل سواء. وقال النابغة:
فداءُ خالتي لبنى حيّ ... خصوصاً يوم كِِّالقوم روق
الأعشى:
وإذا ما الأكس شبِّه بالأر ... وقِ عند الهيجا وقَلَّ البُصاقُ
من شدة الفزع. وقال الراجز:
إني إذا لم يُندِ حلقا رِيقه
وقال القطامي:
قد حَقنَ اللَه بكفيْكَ دمي ... من بعد ما ذَبَّ لساني وفمي
أي يبس من الخوف. وقال عنترة:
لما رآني قد نَزَلت أريده ... أبدَى نواجذه لغير تبسّم
النواجذ آخر الأضراس، يريد أنه كلح. ومثله له:
(2/905)

ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى ... إذ تقلُص الشفتان عن وضَح الفم
وأستخرجَ الهولُ ما تخفن براقعهاتحتَ العجاجةِ والأوضاحَ في الِقصَبِ
الأوضاح الخلاخيل، والقصب أسواقُها. وقال أيضا:
ولم أرَ مثلَ الحي بكر بن وائلٍ ... إذا نزلَ الخلخالُ منزلةَ القُلبِ
يقول إن الحرب إذا كانت حسرت المرأة عن ساقها فبدا خلخالها من الرعب وإنما يبدو في الأمن السوار وهو القلب. وقال أيضا:
إذا الإرون إرو الحربَ العوانِ لهم ... شُبّتْ وركبت الأرجاء والثُقل
إرون جمع إرة وهي حفرة توقد فيها النار، والثفل جع ثِفال وهو جلد يجعل تحت الرحى.
وأتثَّفر الكلب إنكاراً لمُولغِ ... في حلةٍ قصرَت عن نعتِها الحوَلُ
استثفر دخل ذنبه بين رجليه لم يعرف من يسقيه، والحولة الداهية، وإنما ينكر الكلب أبهله لأنهم قد لبسوا الحديد. ومثله:
أناس اذا ما أنكرت الكلب أهله ... حموا جارهم من كل شنعاء مبِق
وقال يصف غارة والبيت للكميت:
وصارَتْ البِيض لاتخفي محاسنها ... إذ كالوقوفِ لدى أبكارِها الخدم
الوقوف جع وقف وهي الأسورة من عاج شبه الدماليج، والقلب
(2/906)

خدمة شبه الخلخال، يقول اشتد الفزع فأبدت النساء خلاخيلها كما كانت في الأمن تبدي الاسورة. وقال يصف جيشا:
بأرعنٍ كالجبال تَضيفُ عنه ... لظاهرة إذا وَرَدَ البُحورَ
الظاهرة أن تشرب كل يوم مرة، يريد تضيق عنه البحورَ إذا وردها الظاهرة. وقال:
أرى أمراً سيكبر أصغراه ... لتم لقاحٍ مُبسِقة حفول
التم التمام، مبسقة دفعت باللبن في ضهروعها، وقيل هي التي ترى على حيائها شيئا أبيض ملتزقا حين يدنو نتاجها، حفول كثيرة اللبن. وقال:
وهل تخفينّ السِرَ دون وليها ... صرام وقد أيلت عليه وآلهَا
صرام اسم الحرب، إيلت وليت عليه وآلها وليَها وساسها، ويقال في مثل " ألنا وإيل علينا ". وقال وذكر ظعائن قومه:
ظعائن من بني الجَلالّافِ تأوى ... إلى خُرس نواطق كالفَتِنا
خرس كتائب لا يسمع لمن فيها كلام، نواطق بالضرب وصوت الجِلاد، والفتين جع فتينة وهي الجرار.
(2/907)

وقال وذكر بني هاشم:
تجود لهم نفسي بما فوق وثبةٍ ... تظّل لها الغِربان حولىَ تحجِلُ
أي تجود لهم نفسي بما فوق القتل أن كان فوقها شيء مثلا - وإذا قتل حَجلت الغربان حوله. وقال وذكر الحسين صلوات الله عليه حين قتل
وتُطيلُ الرزءاتُ المقالي ... تُ إليه القعود بعد القيامِ
المرزءات اللواتي أصِبن بالمصائب، والقِلات التي لا يبقى لها ولد، وكانوا يزعمون أن المقلات إذا تخطّت قتيلا كريما ووطئته أحيت أي عاش ولدها، وقيل المقاليت اللواتي لا يحملن فإذا وطئن القتيل حملن. وقال ابن مقبل:
فينا كَراكر إخواِ مضبّرة ... فيها دروء إذا شئنا من جوزَوَرِ
تقول: بنو فلان كركرة إذا كانوا كثيرا، وإخوان أوساط من الناس، فيها دروء أي اعتراض مثل اعتراض الجبل، والزوَر عوَج في الزور، أراد فيها عرضية.
وثورة من رجال لو رأيتهم ... لقلتً إحدى حراجِ الجَرةِ من أقُرِ
(2/908)

ثورة أي عدد كثير يثورون، والحراج حرَجة وهي شجر كثير ملتف وكل مكان غليظ في سفح جبل فهو جرّ، وأقر جبل. وقال لبيد:
وإذا تواكلَت المقانب لم يَزلبالثَغرِ منا مِنسر وعظيم تواكلت اتّكل بعضها على بعض، عظيم يعني سيدا. وقال لبيد:
وأربد فارس الهيجا إذا ما ... تقعّرتْ المشاجر بالفِئامِ
تقعرت سقطت، والفئام أن يوسع الهودج يزاد فيه حتى يكون فيه تربيع، والمشاجر مراكب للنساء أكبر من الهودج، الواحد مشجر، يقول أربد فارس الهيجا إذا كان فزَع وسقطت المشاجر بما فيها من الفئام والنساء، وقال يصف النسا:
إذا بكر النساء مرَّدفاتٍ ... حواسر لا يجين على الخدام
أي لا يرخين على خلاخليهن ثيابهن لأنهن قد سبين، أجْأتْ
(2/909)

أرخت وغطّت. وقال لبيد يصف جيشا:
نغير به طَوراً وطَوراً نضّمه ... إلى كلِ محبوكٍ من السَروِ أيهما
إلى كل جيش محبوك مدمج مجتمع، والسرو باليمن يعني جبلا شبه الجيش به - أملس، والأيهم الأعمى. وقال أبو دواد وذكر نساءً:
غير ما أن يَبنّ من سلفٍ أر ... عنٍ عَود لسربه قدام
يقول ما يفارقهن هذا السلف وهم فرسان حيها الذين يكونون قدّام الظعن يحمونهن أن يغار عليهن، والأرعن الكثيف الضخم كرعن الجبل، والعَود القديم أي قديم لهن ذلك، والسَرب والسرح هم الرعاء مع الابل.
(2/910)

وقال يذكر إبله:
مكفهرّعلى حواجبها يغ ... رقُ في جمعِها الخميس اللُهامُ
فارس طارد وملتقط بي ... ضاً وخيل تعدو وأخرى صيام
مكفهر جيش كالسحاب أي متراكب كثيف، على حواجبها على جوانبها، واللهام الجيش الذي يلتهم كل شيء أي يبلعه ويذهب به، وقوله: يغرق في جمعها الخميس اللهام من كثرتها، ثم أخبرك أن للجيش الذي يحميها واحدا يطرد الوحش وآخر يلتقط بيض النعام وخيلا تعدو وأخرى قيام لأنها طلائع. وقال امرؤ القيس:
وغارةٌ ذات قَيروانٍ ... كأنّ أسرابها الرِعال
رعال أجبال هاهنا، قيروان جمع فارسي أصله كاروان وهي القافلة فعرب.
كأنهم حرشفٌ مبثوثٌ ... بالجوّ إذ تبرق النعال
الحرشف الجراد، والنعال الأرض الصلبة واحدها نعل، يريد أنه غزا في الشتاء: وقد أصاب النعال المطر فبرقت وصفت. وقال:
نطعنهم سلكى ومخلوجة ... لفثكَ لأمين على نابلِ
(2/911)

عن أبي عبيدة: سألت أبا عمرو بن العلأ عن هذا البيت فقال: ذهب من كان يعرف هذا وهو مما درس معناه، غيره: السُلكى الطعنة المستقيمة، ومخلوجة يمنة يسرة: كرك - وهو مثله، ولأمين سهمين واحدهما لأم، أي ككرك سهمين على رام رمى بهما تعيدهما عليه فكذلك نطعنهم ثم نعود عليهم كما يعِاد السهمان على الرامي أي ينفذهم ثم يعودهما، وسألت ابن السجستاني فقال: ككرك سهمين على رام رمى بهما لأنك تردهما إلى ورائك. وقال:
ومجر كغلاّن الأنَيعِن بالغٌ ... ديارَ العدوّ ذي زهاءٍ وأركان
غزوتُ بهم حتى تكلّ غزاتهم ... وحتى الجياد ما يَقدن بأرسانَ
مجر جيش، والغلان واحدها غالّ وهو الوادِي الكثير الشجر، زهاؤه كثرته وارتفاعه، وقوله: وحتى الجياد ما يقدن - أي قد أعيت فلا تحتاج إلى أرسان. وقال النابغة وذكر كتيبة:
وأضحى عاقلاَ بجبالِ حِسمى ... ذقاق التربِ محتزِم القتامِ
يقال عقل يعقل إذا صار في حرز، يقول: أصبح التراب الذي تثيره الخيل عاقلا في الجبل كما تعقل الوعول فيه، أي دقاق التراب احتزم بذلك المكان فصار للجبل مثل الحزام.
فدوّختُ البلادَ بكل قصرِ ... يجلل خندقاً منه وحامي
(2/912)

الحامي الذي يحمي مجعل حوله خندقا، وحام بمعنى حمي فاعل بمعنى مفعول، أي فكل قصر وحام يجلل خندقا منه والهاء راجعة إلى الذين غزاهم، يريد مجللان خندقا من خوفه.
وما تنفكُ محلولاً عُراها ... على متناذَرِ الأكلاء طام
يريد الكتيبة أي لا يزال محمولاً عراها على موضع قد تناذره الناس من خوبه.
وقال يصف طيرا تتبع عسكرا.
يصانعهم حتى يغرنَ مُغارهم ... من الضارياتِ بالدماء الدواربِ
يقول هذه النسور تسير معهم فلا تؤذي دابة ولا تقع على دبرة صانعتها لهم، ثم قال من الضاريات بالدماء، والدوارب المعتادة والدربة الضراوة والنسور تكون على الجيش تنتظر القتلى لتقع عليهم فإذا لم تحم النسور على الجيش ظنوا أنه لا يكون قتال.
وقال يصف النسور:
تراهنّ خلفَ القَومِ زوراً عيونها ... جلوس الشيوخ في مسوكِ الأرانبِ
الشيوخ ألزم للفراء لرقتهم على البرد، الأصمعي: " في ثياب لمرانب "، وزعم أنها ثياب سود يقال لها المرنبانية شبه ألوان النسور بها.
لهن عليهم عادة قد علمنها ... إذا عرضَ الخَطىّ فوق الكواثبِ
يقول إذا عرضت الرماح على الكواثب علمت النسور أن ذلك
(2/913)

لرزق يساق إليها، والكاثب المنسج القربوس. وقال:
وقلتُ لهم لا أعرفنّ عقائلا ... رَعابيب من جنبَى أريك وعاقل
أي حذرتهم أن تسبى نساؤهم، والرعبوبة الرخصة البيضاء.
ضوارب بالأيدي وراء بَراغزٍ ... صغارٍ كآرامِ الصريمِ الخواذلِ
أي ضربن بالأيدي خلف أولادهن بها، والآرام الَظباء، والصريم ما انقطع من الرمل، خواذل تخذل صواحبها وتقيم على أولادها. وقال يصف رجلا:
إذا حلَّ بالأرضِ البريةِ أصبحتْ ... كئيبةً وجه غبّها غير طائل
يقول إذا حل بأرض برية من القتل أصبحت غِب إتيانه لها كئيبة أي فيها الدماء والقتل.
يؤم برِبعى كان زهاءه ... إذا هبط الصحراء حرة راجلِ
ربعى جيش يبكر بالغزو، وزهاؤه قدرة، حرة راجل لقيس وهي خشنة غليظة، وحرة النار لبني سليم، وحرة واقم بالمدينة، وحرة ليلى في بلاد قيس. وقال:
مخافة عمرو أن تكون جياده ... يقَدن إلينا بين حافٍ وناعلِ
إذا استعجلوها عن سجيةِ نفسها ... تَبلّغُ في أعناقِها بالجَحافلِ
(2/914)

الأصمعي: الخيل مقطورة بالإبل فكلما استعجل القوم الإبل لم دركها الخيل تمد جحافلها فتبلغ أعجاز الإبل لأن الخيل إذا كانت مع الإبل تقاد كانت أبطأ، مثل الحُطيئة.
مستحقبات رواياها جحافِلها ... يسمونها أشعرى طرفة سامِ
وقد مر لهذا أمثال، وقال النابغة:
وغارة فات أطفال مُلملَمة شعواء تعتسف الصحراء والأكَما
أي تزلق الخيل فيه أولادها، ويروى: ذات أظفار - أي ذات سلاح. مُلملمة مجتمعة.
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلِك اللجما
صيام قيام ليست في قتال، وأخرى تعلك اللجما قد هيِّئت للقتال. وقال يصف جيشا:
مطَوتَ به حتى تصون جياده ... ويرفضّ من أعلاقه كل مِرفد
تصون جياده يتوجيّن، مطوت به أي مددت به، ويربض ينقطع ويتفرق، والأعلاق ما علق أي تبلى المعاليق فتقع الأقداح والمشارب. وقال يصف جيشا:
يقودهم النعمان منه بمحصف ... وكيد يغُم الخارجيَّ مناجِد
(2/915)

بمحصف برأي محصف وعقل محكم، والخارجي الذي يَشرُف ولم يكن لآبائه شرف ولا قديم، والكيد المكر، والمناجد شديد من النجدة. وقال يصف نساء سبين:
يخّططن بالعِيد أن في كل مقعد ... ويخبأن رمان الثَّدِىّ النواهِد
يخططن بالعيدان في الأرض من الهم - والمهموم يولع بذلك وبلقط الحصى. وقد مر لهذا أشباه. وقال يصف جيشا
لا تزجروا مكفهرا لا كفاء له ... كالليل يخلط أصراما بأصرام
لا كفاء له لا مثل له. والمكفهر المتراكب أي جيش كثير الأهل شبهه بالسحاب المكفهر. وقوله: لا تزجروا يريد أنكم لا تدفعونه بالزجر عن أنفسكم، يخلط أصراما بأصرام أي جماعات بجماعات الواحد صِرم، يقول: إذا فزع الناس وخشوا العدو اجتمع الأصرام وهم القطع من الناس إلى الحي الأعظم ليعتزّوا بهم كما قال مالك ابن حريم:
(2/916)

فأدن رباطَ الجَون مني فإنه ... دنا الحِل واحتل الجميع الزعانف
كانوا في الأشهر الحرم فقرب دخول الحل فقال أدن فرسي فقد صارت الزعانف وهي البيوت المتفرقة إلى البيت الأعظم وهو الجميع، والزعانف الزوائد واحدتها زِعِنفة. وقال النابغة:
تبدو وكواكبه والشمس طالعة ... لا النورُ نور ولا الإظلامُ إظلامُ
في هذا البيت إكفاء وكذا أنشد، يريد أن اليوم من ظلمته تبدو كواكبه، يقال للرجل لأرينّك الكواكب بالنهار. ومنه قول طرفة:
إن تنوّله فقد تمنعه ... وتريه النجمَ يجري بالظُهُير
يريد هذا اليوم ليس بشديد النور كالنهار ولا بشديد الظلمة كالليل، ويقال: بل أراد ولا كنوره نور أن ظَفر ولا كظلمته ظلمة إن ظُفِر به - يعني الرئيس. وقال النابغة، يصف جيشا كثيرا:
لم يُحرَموا حسنَ الغذاءِ وأمهم ... طفحَتْ عليكَ بناتقٍ مذكارِ
ويروى: دحقت، وطفحت اتسعت أي غُذُوا غذاء حسنا. فنموا وكثروا، الناتق الكثيرة الولد أخذ من نتق السقاء وهو نفضه
(2/917)

حتى يخرج ما فيه، مِذكار تلد الذكور، وقوله: دحقت عليك - أي هي نفسها ناتق، كما قال الأعشى:
مرِحت حرةً كقنطرةِ الرو ... مي تفري الهجير بالإرقال
أي هي نفسها. وكما قال الأخطل:
بنزوةِ لصٍ بعد مامرّ مصعب ... بأشعثٍ لا يفليَ ولا هو يقمَلُ
وقول آخر:
إذا قيلَ ماماءُ الفراتِ وبردهِ ... تعرض لي منها أغنّ غَضوب
وقال النابغة يصف جيشا:
ما حاولتُما بجماعِ جيشٍ ... يصون الوَردَ فيه والكميتَ
يصون يتوجى، وخَص الورد والكميت لأنهما فيما يقال أصلب الدوابّ حوافر. وقال النابغة:
فلتأتينك قصائد وليدفَعنَ ... ألف إليك قوادم الأكوارِ
أي ليدفعن جيش قدره ألف إليك أي يغزونك، والأكوار الرحال. وقال يصف نساء سبين:
خَرز الجزيز من الخدام خوارج ... من فرج كل وصيلة وإزار
الجزيز تعمل من هنات من صوف تعلقهن الجواري، والوصيلة
(2/918)

ثوب أحمر وجمعه وصائل يجاء بها من اليمن. وقال عنترة يصف امرأة هاربة:
فقلتُ لها اقصُري منه وسيري، وقد قرعَ الجزائز بالخِدام
وفسر الجزيزة شيء يجعل من صوف أحمر موضع الخلخال أراه تصنع للعين.
شمس موانع كل ليلةٍ حرة ... يُخلفنَ ظن الفاحشِ المغيارِ
شمس عفيفات فيهن نفار وأزواجهن غيب، وقوله: ليلة حرة - إذا غَلبت المرأة ليلة هدائها قيل وأزواجهن غيب، وقوله: ليلة حرة - إذا غَلبت المرأة ليلة هدائها قيل باتت بليلة حرة وإذا غلبها الزوج، باتت بليلة شيباء، قال الأصمعي: موانع كل ليلة شيباء لأن ليلة الشيباء التي يَغلب فيها الزوج المرأة ولكنه عرف ما أراد أنهن يمنعن الليلة التي يقال فيها: باتت بليلة حرة، وقوله يخلفن ظن الفاحش المغيار، يقول إذا أساء بهن الظن أخلفن ظنه لعفتهن.
فنكحنَ أبكاراً وهن بآمةٍ ... أعجلنهن مظنةَ الاعذار
الآمة العيب، أراد نكحن ولم يختتن بعد. أعجلنهن أي الخيلَ سبتهن قبل أن يبلغن وقت الختان وهو الإعذار. وقال:
(2/919)

لا أعرفنّك معرضاً لرما حِنا ... في جُفٍ تغلب واردي الأمرار
الجف الجماعة من الناس وهو في غير هذا شيء ينقر من جذوع النخل، معرضا أي ممكنا من عرضك يقال أعرض لك الشيء إذا أمكنك من عرضه، ويروي " في جف ثعلب " يريد ثعلبة بن سعد والأمراء ماء. وقال:
قرما قضاعة حلا حول قبتِه ... مدّا عليه بسُلاّفٍ وأنفارِ
حلا حول حجرة النعمان، مدا عليه يعني مقدمة الخيل، أنفار قوم متقدمون من النفر.
لا يخفُضُ الرِزّ عن حي ألَّم بهم ... ولا يضّلُ على مصباحِه الساري
يقول إذا أراد أن يأتي أرضا يغير عليها لم يسّر ذلك ولم يخفض الصوت ولكنه يعلنه وناره مضيئة فالساري لا يضل. الأعشى:
لاينتهونَ ولاينهي ذوي شططٍ ... كالطعن يذهبُ فيه الزيت والفُتل
حتى يصيرُ عميدَ الحي متكئاً ... يدفع باالراحِ عنه نسوة عُجل
عميد الحي سيدهم، متكئا أي مصروعا، تدفع النساء عنه بالراح لأنه قد قتل الرجال فلم يبق أحد يدفع إلا النساء، عجل جع عجول وهي الثكلى. وقال أيضا:
(2/920)

واعددَت للحرب أوزارَها ... رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا
إلا بدّ من غزوةَ في المصي ... ف رهب تفلّ الوقاح الشكورا
الأوزار السلاج، والرهب من النوق التي لا تقوم هزالا فصير لغزوة رهبا، أي يصيب الناس فيها الضر، الوقاح الفرس الشديد، الشكور الذي يبس عليه العلف.
وقال يصف قوما في حرب:
لا يقيهم حدُ السلاح ولانأ ... لم جرحاً ولا نبالي السهاما
ساعة أكَبر النهار كما ش ... لّ محيل لبونه إعتاما
يقول كان ذلك أكبر النهار أي ثبوتنا لهم، والمحيل الذي حالت إبله فلم تحمل تلك السنة.
وقال لقيس بن مسعود الشيباني:
أطورين في عامِ غزاةٍ ورحلةٍ ... ألا ليتَ قيساً غرّقته القوابلُ
أي تغزو الملك ثم ترتحل إليه في عام واحد؟ يعنفه بذلك ويضعف رأيه، أي غرفته في ماء السلي فلم تخرجه منه.
أمن جبل الأمرارِ صُرَّتْ خيامكمعلى نبإ أنّ الأشافيّ ساثلُ
(2/921)

فهان عليه أن تجفّ وطابها إذا حنيت فيما لديه الزواجلُ
كان قيس بن مسعود وفد على كسرى فأطعمه الأبلّة فلما حضر قتال العرب العجم سار قيس إلى بكر بن وائل سرا فأشار عليهم برأيه فلما هزمت الأعاجم وبلغ كسرى مسير إليهم ومشورته عليِهم فبعث إليه أن ائتني فتجهز ليأتيه، فاجتمعت رجال من بكر بن وائل فنهوه وقالوا: إنما بعث إليك لما بلغه عنك، فقال: كلاّما بلغه ذلك، فأتاه فحسبه في قصر له بالأنبار حتى هلك وفي ذلك القصر حبس النعمان بن المنذر حتى هلك. ويقال نجا قيس. فقال الأعشي احتملتَ من حبل الأمرار فصرّت خيامك وقبابك على علم منك بأن الأشافي وهو واد سائل بك. أي تهلك، ومنه يقال سال به السيل إذا هلك وقوله - فهان عليه - أي على كسرى، إن تجف أي تيبس من اللبن، ويروي: تجف وطابكم، أسقيتكم أسقية اللبن، والزواجل جع زاجل وهو العود الذي يكون في طرف الحبل الذي يشد به الحمْل وهو على هيئة الحلقة. يقول هان على كسرى أن يقتلكم ويأخذ إبلكم فتجف وطابكم إذا حطت أحمالكم إليه. وقال:
يشّد على الحربِ ليّ العصاب ... ويغشي المهجهجُ حتى ينيبا
هذا مثل، إذا منعت الناقة الدر عصبوا فخذيها عصبا شديدا فقرت ودرت. يقول: إذا امتنع علينا أصحاب الحرب فعلنا
(2/922)

بهم مثل ما يفعل، بهذه الناقة حتى يذعنوا كما تذعن هذه، والمهجهج الزاجر يقال هجهجت بالسبع إذا زجرته، حتى ينيبا - أي حتى يرجع. وقال:
أما التلاءُ فلا تِلا ... ء ولا أودّ ولا خفَاره
إلا بُداهة أو علا ... لةُ سابحٍ نهد الجزارَه
التلاء الأمان، والأود جع ود، ولا خفارة أي ولا جوار، والبداهة المفاجأة، والعلالة البقية، سابح فرس يسبح بيديه، نهد الجزارة أي ضخم القوائم، يريد ليس عندنا إلا الحرب. وقال:
ولكن شَببت الحرب أدنى صلاتها ... إذا حركّوه حَشّها غير مُبردِ
أدنى صلاتها أي كنتَ أقربهم منها، وقوله:
ألى وألى كل فلست بظالمٍ ... وطئتَهم وطءَ البعيرِ المقيدِ
المقيد أثقل وطأ لأنه يطأ بيديه جميعا. وقال:
(2/923)

ولمثل الذي جمعت لرَيب ال ... دهر تأبى حكومة المقتال
يقول مثل الذي جمعت من العدة والسلاح تأبى أن يحتكم عليك متحكم، والمقتال المتحكم يقال " اقتَل عليّ ما شئت ".
كل عام يقود خيلا إلى خي ... ل شيار غداة غب الصقالِ
تُذهل الشيخَ عن بنيه وتلوي ... بلبونِ المِعزابةَ المِعزالِ
أبو عبيدة: أي يسلي الوالد عن ولده كما يقال: تركتهم في أمر لا يناديَ وليده - أي أمر يذهل الوالد عن ولده فلا يناديه، وهذا مثل في الخير والشر، يلوي يذهب، والمعزابة الذي يعزب في إبله لا يؤوب إلى أهله يقال معزاب ومعزابة كما يقال مجذام ومجذامة، والمعزال الذي لا يخالط الناس وهو فرد أبدا، واللبونة ما كان بها لبن وهن جمع وكذلك الواحد، يقال ليس لهم لبونة، ومثله الحلوبة والحمولة، الأصمعي: اللبون ما حلب، الفراء: تدخل الهاء في نعت المذكر على وجهين على المدح والمبالغة يذهبون به إلى الداهية وعلى الذم يذهبون به إلى البهيمة.
هو دان الرِباب اذكر هو الدينَ ... دراكا بغزوةٍ فارتحالِ
الدين الطاعة ودان ملك والديّان منه ودان جزي ومنه مالك يوم الدين أي المجازاة، والدين في غير هذا الدأب كما قال المثقب العبدي.
تقولُ إذا رأت لها وضيني ... أهذا دينة أبداً وديني
(2/924)

ثم أسقاهم على نَفدِ العي ... شِ فأروى ذَنوبَ رِفد مُحالِ،
ذنوب رفد أي مثل ي قدح القرى، محال مصبوب، يقال أحلْت الدلو في البير أي صببتها، هذا مثل ضربه للموت.
دانَتْ بعد الرِبالب وكانتْ ... كعذاب عقوبة الأقوالِ
دانت أطاعت، والأقوال الملوك وهم الأقيال واحدهم قَيل ومن ضعهم الأقوال ذهب إلى مِقوال.
ثم واصلتْ صِرة بربيع ... حينَ صرّفت حالة عن حالِ
صرة شتوة من الصِر وهو البرد، أي وصلتها بربيع من طول غزوك، وقوله حالة عن حال أي حالا بعد حال وعن بمعنى بَعد، روى أبو عمرو: ضّرة بربيع، أي كنت لقوم ربيعا ولآخرين عذابا، يقال معناه أسرتهم ثم أنعمت عليهم.
وشريكَن في كثير من الما ... ل وكانا محالفَي إقلال
قسما التالدَ الطريف من الما ... لِ فآبا كلاهما دون مال
يعني رجلين من عنده غنما، كان هذا المال تالدا عند أربابه وهو طريف عندهما. ومثله قوله يصف إبلا أخذت في غنيمة
تدّرعلى غيرِ أسمائها ... مطرّفةً بعد إتلادِها
وقال زيد الخيل:
(2/925)

تلاقَينْا فما صبنا سواءً ... ولكن خرّ عن حالٍ فحالِ
يقول ما وقعنا سواء لكن طعنته فسقط عن حال فحال، الأولى لقاؤها والثانية صرعه.
تذكر وطبه لما رآني ... أقلّب الّةً مثلَ الهِلالِ
الألّة الحربة والوطب اللبن، يريد أثر اللبن، وتذكَر الخفض والدعة.
وقد بلغتْ سواءة كل مجدٍ ... بأنفسها إذا سمنتْ فصالي
يقول يكثر البقل ويكثر اللبن فتسمن الفصال فيقول إذا نبت البقل فقد بلغوا الغاية في العداوة ولم يكن بعد ذلك إلا القتال، مثله للحارث بن دوس:
قوتم إذا نبتَ الربيع لهم ... نبتتْ عداوتُهم مع البقلِ
وقال زيد الخيل:
إذا أخفر وكم مرةَ كان ذاكم ... جياداَ على فُرسانهن العمائم
وصف قوما كانوا جيرانا لقوم فقال إن ترككم هؤلاء وأخفروا ذمتكم غزاكم الناس وأغاروا عليكم لأنكم إنما تعزون بهم، يقال أخفرت ذمة فلان أي غدرت به، وحفرته أي صرت له خفيرا. وقال أزيد الخيل:
وآل عروةٍ في قَتلاكم ... عَلما تنفى الثعالبَ عنهم رَكضَة الساق
(2/926)

يقول هم قتلى قد وقعت عليهم الثعالب تأكل منهم فإذا حركت على الخيل تنحت عنهم. وقال العوّام بن شوذب في بساط بن قيس يصفه بالجبن وفر يوم العظالي:
ولو أنهاعصفورةٌ لحسبتها ... مسوَّعةً تدعو عبيداً وأزنما
أي لو أن عصفورة طارت لحسبتُها من جبنك خيلا معلمة، تدعو عبيدا وأزنما أي شعارهم: يال عبيد أزنم، ونحو منه قول الله عز " يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم) . وقال أبو خراش:
وأحسب عرفط الزوراءِ يؤدي ... علّى بوشكِ رجع واستِلال
عرفط شجر له شوك، أي كلما طلعت عرفطة خشيت من الفزع أن تعين علي، وشك رجع أي برد يد إلى كناية وسلّ سيف، يؤدي يعين، يقال أدى وأعدى على فلان سواء أي أعان وقوى عليه. وقال العباس بن مرداس:
فلو ماتَ منهم من قتلنا ... لأصبحت ضباع بأكنافِ الأراكِ عرائسا
يقال إن الضبع إذا وجدت قتيلا استعملت ذكره، وأنشد لتأبط شراً:
تضحك الضبع لقتلى هذيلٍ ... وترى الذئب لها يستهلُ
(2/927)

وقول عمرو بن معدي كرب:
أعباس لو كانت شياراً جيادنا بتثليتٍ ما ... ناصيت بعدي الأحامسا
ولكنها قيِّدتْ بصعدةٍ مرة فأصبحن ما يمشينَ إلا تكاوسا
الشيار السمان الحسنة المنظر، يقول لو لقيناك وخيلنا جامّة لقتلت والأحامس الأشداء، ولكنا لقينا وهي كليلة قد أتعبت بصعدة وهي قرية بَخيوان، وتكاوس - أي على ثلاث، ومنه قيل للذي عُرقب هو يكوس - أي على ثلاث قال أنس بن مدرك الخثعمي وقتل سليكا.
إني وقتلى سليكا ثم أعقلَه ... كالثورِ يُضرب لما عافَتْ البقر
كان سليك مر ببيت من خثعم أهله خلوف فوطىء امرأة منهم فبادرت إلى الماء فأخبرت القوم فركب أنس الخثعمي في أثره فقتله فأخذ بعقله فقال ولله لا اديه ابن إفال - وقال شعرا فيه هذا البيت - يريد إن قتلى إياه كان باستحقاق منه لذلك فكيف أعقله؟ أي فمطالبتكم إياي بالعقل ظلم كما ظلم الثور فضرب إذ عافت البقر الماء، ومثله للأعشى:
فإني وما كلفتموني خهدتم ... ليعلم من أمسى أعّق وأحوبا
(2/928)

لكاثور والجني يضربُ ظهرَه ... وما ذنبة أن عافتِ الماءُ مشربا
وما ذنبُه أن عافَتْ الماء باقر ... وما إن تعالف الماء إلا لتضربا
الجنى الراعي وكانوا إذا أرادوا أن تورد البقر الماء فعافته قدموا فضربوه فورد، فإذا فعلوا ذلك وردت البقر، يقول فأنتم قد ألزمتموني ما لا ذنب لي فيه. أبو عبيدة: لم يكن هذا قط وإنما ضرب هذا مثلا لما ألزم ذنب غيره. ومثله بيت النابغة:
حملت علّى ذنبِه وتركتهُ ... كذي العرّ كوى غيره وهو راتع
كانت العرب إذا وقع العر في إبلهم - وهو قرح يخرج في مشافِرها - اعترضوا بعيرا لم يقع ذلك فيه فيكوى مشفره ويرون أنهم إذا فعلوا ذلك العر من أبلهم، وقال أبو عبيدة: هذا مثل أيضا ولم يكن قط وإنما هذا كقولهم: كلفتني الأبلق العقوق. والذكر لا يكون حاملا أبدا.
وقال عمرو بن معدى كرب يصف جيشا:
جوافلٌ حتى ظلَّ جُند كأنه ... من النقعِ شيخ عاصب بخماِ
جند جبل، شبّه هذا الجبل لما علاه الغبار الذي أثارته الخيل بشيخ معتّم.
وقال أبو النجم يصف جيشا:
وذو دخيسٍ أيد الصواهل ... مِن طبَقٍ طّمٍ ومن رَعابل
(2/929)

أدنى من المرسل والرسائل.
ذو دخيس يريد جيشا ذا عدد، طبق جمع كثير، طم كثير، رعابل كتائب متفرقون لأنهم لا يقدرون أن يسيروا في موضع، أراد حتى يكونوا أقرب منا من أن يبعث إليهم، وقوله:
بجَحفل يأتاب ثم يسرى
يأتاب يفتعل من الأوب، أي يسير ليلا ويطرق العدو ليلا ثم يسري أي يعود أيضا.
وقال الأعشى:
وفَيلقٌ شَهباء ملموسة ... تعصف بالدارعِ والحاسرِ
تعصف به تهلكه. وقال بشر بن أبي خازم خازم يصف مقتولا
تظلُ مقاليت النساء يطأنه ... يقلن ألا يُلقى على المرء مِئزر
يقولون إن المقلات - وهي التي لا يعيش لها ولد - إذا توطأت رجلا كريما قتل غدرا عاش ولدها. وهذا مثل قول الكميت في الحسين عليه السلام.
وتطيل المزرءاتُ المقالي ... ت عليه القعود بعد القيامِ
وقال يذكر قوما:
وكانوا كذاتِ القدرِ لم تدراذغلت ... أتنزلها مذمومةَ أم تذيبها
(2/930)

أبو عبيدة: تذيبها تنهبها، يقال أذاب علينا بنو فلان إذابة شديدة إذا أغاروا عليهم فأخذوا أموالهم. غيره: أراد كانوا كسالئة ارتجنت عليها زبدتها فإن أذابتها لم تفلح وإن أنزلتها فكذلك، يريد اختلط أمرهم كهذه السالئة، والارتجان أن تعلو الزبدة حتى تصير في أعلى القدر وإذا علت فإنها تتقطع وتفسد فلا تدِري صاحبتها ما تصنع أتنزلها وهي يذم أمرها أم اديم الوقود عليها لتذوب فتحترق، يقول فهؤلاء لا يدرون إذ رأونا ما يصنعون أيرجعون فنتبعهم فنقتلهم أم يتقدمون فنستأصلهم. ابن الأعرايي: هذه أمرأة كانت تسلأ سمنا فرأت ركبا فكرهت أن تطعمه من القدر وكرهت أن تنزلها مذمومة لم تحكمها ولم تصلحها. وقال يذكر الخيل:
جعلن قشيراًغاية تقتدي بها ... كما مدَّ أشطانَ الدلاءِ قليبها
يقول جعلت الخيل قشيرا غاية لها دون غيرها فهي تمد إليها السير كما تمد أنت الدلو لتخرجها وإنمآ كانت الدلو تمد في البئر صارت البئر تمد الدلو، ونحو من هذا قول أبي زبيدة.
(2/931)

ناط أمرالضعاف فاجتعل اللي ... ل كحبل العاديّة الممدود
يريد أنه سار الليل كله لم يعرّج ولم يعدل كحبل البئر الممدود. وقال بشر:
كنا إذا نعروا لحربٍ نعثر ... نشفى صداعهُم برأسٍ مِصدَمٍ
نعروا صاحوا وهو النعير والنعار، نشفى صداعهم أي إذا أتوا بوجع في روؤسهم نَذهَب بذلك الذي هاجوا له، وهذا مثل، والرأس الحي الذي لا يحتاج إلى أن يعينه أحد ولا يمده، يقال هذا الحي رأس من الأحياء ويقال الرأس الرئيس، والمصدم الذي يصدِم ما أصاب من شيء.
وقال:
ورأو أعقابهم المدِلّة أصبحْ ... نُبذتْ بأغلب ذي مخالبٍ جهضم
أي رميت بحي مثل الأسد الأغلب وهو الغليظ العنق، والمدلة التي تدلّ بقوة، والعقاب الراية ويقال هي الحرب هاهنا ضرَبها مثلا لها، الجهضم المنتفج الجنبين، ويروي: بأفصح ذي مخالب، يريد بأصبح، والصُبحة بياض تعلوه حمرة.
وبني نميرٍ قد لقينا منهم جيلا ًتضب لثاتها للمغبمِ
تضب تدمى من الحرص وهذا مثل للعرب، يقال جاءنا يدمي فوه من الحرص، إذا اشتد حرصه، تضب تقطر وتبِضّ.
(2/932)

مثله لعنترة:
أبينا أن تضِب لثاتهم ... على مرشقاتٍ كالظباء عواطيا
مرشقات نساء ينظرن، والعواطي من الظباء التي تعطو الشجر أي تتناوله.
ولقد خبطْنَ بني كلابٍ خَبطةً ... ألصقنهم بدعائمِ المتخيَّمِ
خبطن دُسن بقوائمهن، يريد الخيل هزمن هؤلاء حتى ألزمنهم بخشب البيوت، والمتخيَّم الموضع الذي خيموا به أي أقاموا وضربوا خيامهم.
وصقلن كعباً قبل ذلك صلقةً ... بقنا تعاوره إلا كفّ مُقوّم
يقول أوقعن بهم وقعة سمعت لها صوتا، والصلق الضرب أيضا الأول قول لبيد:
فصلْقنا في مرادٍ صَلقة ... وصداء ألحقتهم بالثَللِ
ومن الضرب قول ابن أحمر:
كأن وقعته في لوحٍ مرفقها ... صلق الصفا بأديم وقعة تير
وقال أبعثر بن أبي خازم:
وشبّ لطيء الجبليْنِ حرب ... تهرّ لشَجوِها منه صحار
تهرّ تكره، لشجوها ما يشجوها منه أي يحزنها، وصحار
(2/933)

مدينة عمان، المعنى إنا أوقعنا بطيىء وقعة كرهتها صحار لما دخل عليها من الفزع.
وصوّب قومِه عمرو بن عمرو ... كجادعٍ أنفه وبه انتصار
ابن الأعرابي: صوب قومه أي انحدر بهم إلى بني تميم وكان ذلك عليه كجدع أنفه ولو شاء أن ينتصر لانتصر.
فحاطونا القَصاء وقد رأونا ... قريبا حيث يُستَمع السرار
حاطونا القصاء هربوا منا، يقال لتحوطنّي القصا أولأقتلنك قال ذلك ابن الأعرابي، وقال هذا مثل الأخفش: حطني القصا - تباعد عني وكن حيث أسمع كلامك. غيره: أحاطهم بقصاهم - وحاطهم قصاهم - معناه كان فيهم في قاصيتهم.
يسومونا الصيلاحَ بذاتِ كهفٍ ... وما فيها لهمْ سلَع وقارُ
الصلاح مصدر صالحته أي يريدون الصلح، وما فيها - أي الذي لهم بهذا المكان سلع وقار وهما شجران مران، يقول والذي لهم في ذات كهف لثر، يقول تركوا موضع الكلأ من أجلنا وخوفنا وتنحوا عنا إلى أرض سوء مرتعها السلع والقار. وروى عن ألب عمر والشيباني: هذا أقير من هذا - أي أمر من هذا. وهو هذا النبت.
(2/934)

وأنزل يخوفنا سعداَ بأرضٍ ... هنالك إذ تُجز ولا تُجاز
يقول أنزلهم خوفنا بأرض لا يخرجون منها، وقد كانت تجير ولا ر فصارت إلى هذه الحال.
وقد ضمزت بَحرتها سليم ... نحافتنا كما ضمزَ الحمارُ
يقال للبعير إذا أمسك عن جرته قد ضمز فضربه مثلا لهم لهم فضربه مثلا لهم أي أنهم قد أذعنوا وأمسكوا من مخافتنا.
ولم نهلكْ لمرّة إذ رأونا ... فساروا سيرَ هاربة فغاروا
لم نهلك أي لم نستوحش، وهاربة بن ذبيان تحولوا إلى الشأم عن قومهم، الأخفش: كان بين هاربة وقومهم حرب فرحلوا من غطفان فنزلوا في بني ثعلبة بن سعد.
وقال لقوم يحذّرهم الحرب:
ويلتفُ جذماناً ولا حق بيننا ... وبينُكم إلا الصريخ المهذَّب
الجذَم الأصل، يقول نلتقي وأنتم فلا يكون بيننا وبينكم من الحق الجلاد بالسيوف، والصريح الخالص من كل شيء، ومن روى: لا حي بيننا - فإنه يريد لا يدخل بيننا وبينكم أحد من غيرنا.
سينصُرهم قوم غضاب عليكم ... متى تدعهم يوماً إلى الروعِ يركبوا
(2/935)

أشارَ بهم لمعُ الأصم فأقبلوا ... عرانببنَ لا يأتيه للنصر محلب
أي كما تلمع للأصم بإصبعك أي كما تشير بها، يقول: أكثر في ذلك وردده ليشد عليهم، والمحلب المعين من غير قبيلتك، يقول لا يأتيك أحد سوى قومه وبني عمه يكفونه، والعرانين الرؤساء يقول أثار إليهم فأقبلوا مسرعين، ثم ابتدأ فقال: لا يأتيه محلبَ أي معين من غير قبيلتك، يقول لا يأتيك أحد سوى قومه وبني عمه يكفونه، والعرانين الرؤساء يقول أشار إليهم فأقبلوا مسرعين، ثم ابتدأ فقال: لا يأتيه محلب - أي معين من غير قومه: وقوله:
وراكبٌ ... حثيث بأسبابِ المنيةِ يضربُ
الراكب راكب البعير جاء بأسباب المنية يضرب بها أي يعول بها مثل قوله: دونكم السلاح، اخرجوا إلى عدوكم، يقال: هل وقعت إليكم ضربة خبر، وما ضُربت لي منه ضربة خبر، ابن الأعرابي: يضرب يحث بعيره وما ركبه، يقال جاء يضرب إذا كان مستعجلا.
وقال طفيل وذكر خيلاً:
ولكن يجابَ المستغيث وخيلهم ... عليها كماة بالمنيّةِ تضربُ
أي تسرع، وقال المسيب:
فإن الذي كنتم تحذرونَ ... أتتنا عيون به تضربُ عيون قوم يبعث بهم يتجسسون.
فلو صادموا الرأس المللففَّ حاجباً ... للاقى كما لاقى الحمارُ وجُندب
هذان رجلان، والرأس الرئيس، والملفف يريد أن القوم لفّوا
(2/936)

أمرهم وأسندوه إليه، والمعمم من الرجال كذلك، يقال عممه القوم أمرهم مثل العمامة يتعمم بها، وحاجب هو ابن زرارة التميمي. ابن الأعرابي: الملفف المتوج. وقال يصف قوماً:
وما يندوهم النادي ولكنَّ ... بكلِ محلةٍ منهم فئامُ
أي ما يسعهم المجلس من كثرتهم فيتفرقون.
وما تسعى رجالهم ولكن ... فضولَ الخيلِ ملجمة صيامُ
أي لا يسعون في دية يطلبونها ولكن خيولهم تكفيهم ذلك يقول يركبون فيد ركون بالثأر، وفضول الخيل يريد أن لهم خيلا معدة سوى التي يركبونها، ابن الأعرابي: أراد لا يمشون على أرجلهم ولكن يركبون. وقال:
فأما تميم تميم بن مر ... فألفاهم القومُ رَوبيَ نياما
أبو عبيدة: روبى خثراء الأنفس مختلطين، وروى مثل ذلك عن الأخفش وقال غيره: هم سكاري من اللبن، وليس هذا بشيء، ابن الأعرابي: روبى لم يحكموا أمرهم.
وأما بنو عامرٍ بالنسارِ ... فكانوا غداةً لقونا نَعاما
شبههم بالنعام حين هربوا مسرعين.
نعانا بخطمةٍ صرا لخدو ... دٍ لاتطعم الماءَ إلا صياما
صياما قياما. وقال يصف جيشاً:
سمونا بالنسارِ بذي دروءٍ ... على أركانِه شذَب مَنيغ
(2/937)

إذا ما قلتُ أقصر أو تناهي ... به الأصواء لجّ به الطلوعُ
بذي دروء أي بجيش ذي فوائد والدرء الاعوجاج، أركانه جوانبه، شذب ما تفرق من النبت وهو هاهنا السلاح جعله شذبا لأنه متفرق فيهم وعليهم، إذا ما قلت أقصر أراد أنه كثير فكِلما ظننت أنه قد انقطع وتناهى به الأصواء وهي الأعلام ارتفع منه شيء آخر وطلع، يقال طلع طلوعا إذا ارتفع في الجبل. وقال بشر بن أبي خازم:
سائل نميرا غداة النعفِ من شطَبٍ ... إذ فُضّت الخيلُ من ثهلانٍ ما ازدَهفوا
فضت الخيل فيهم أي فرقت للقتال، وما ازدهفوا ما غنموا واحتملوا.
لما رأيتُم رماحَ القومِ حِطَّ بكم ... إلى مرابطها المقورّة الخُنفِ
إلى مرابطها أي انهزمتم: والمقورة الضوامر، والخنف اللينة الأرساغ.
إذ تتّقي ببني بدرٍ وأردفَهم ... فوقَ العمايةِ منا عاند يكِف
المعنى إنك تتقي ببني بدر وجمعتهم جيشا فأردفناهم بجيش طمَّ عليهم، والعماية السحابة، شبه الجيش بها، والعاند الدم يعند عن مجراه يريد الطعنة.
(2/938)

تبكي لهم أعين من شجوٍ غيرهم ... وإن يكنْ منهم باكٍ فقد لهفوا
تبكي لهم أعين رحمة وحزنا عليهم ويبكي لهم من ليس منهم ولا من حيهم. وقال زهر يصف حربا وقوما:
على ما خيّلتْ هم إزاءها ... وإن أفسدَ المال الجماعاث وإلأزل
يقول تجد هؤلاء القوم إزاء الحرب أي مدبّروها - من قولك: هو إزاء مال أي يقوم به، على ما خيلت أي على ما شبهت، الأصمعي: إن حبس الناس أموالهم لا تسرح وجدتهم ينحرون وإن اشتد أمر حتى بلغ الضيق وجدتهم يسوسون. وإن كان بالمال عزة أفنته الجماعات الذين ينتابونها، والأزل الجدب. وقال يصف بلدة.
وهم ضربوا عن فرجها بكتيبةٍ ... كبيضاءِ حرسٍ في طوائفها الرجْلُ
الفرج موضع المخافة مثل الثغر أي ذبوا عن ثغرها بكتيبة كبيضاء حرس وهي صفاة بيضاء في جبل يقال له حرس، أراد أنها تلوح الصفاة، ورجل جمع راجل. وقال:
(2/939)

كانوا فريقين ينضون الزِجاج على ... قعس الكواهل في أكتافها شمم
ينضون الزجاج أي يسقطونها من كثرة ما يجرونها على الأرض.
ينزعن إمّة أقوام لذي كرم ... مما تيسَّر أحيانا له الطعم
أي يسلبن أقواما نعمتهم لهذا الرئيس، مما تيسر أي ئهيأ، والطعم المأكل تيسر له من الغزو. وقال يصف خيلا:
فأتبعهم فَيلقا كالسرا ... ب جأواء تتبع شئخبا ثَعولا
الفيلق الكتيبة، كالسراب من بريق الحديد، جأواء في لونها والجؤوة لون الحديد، الأصمعي الجؤوة السواد تعلوه حمرة، والشخب ما خرج من الضرع من اللبن، والثعول الكثير، وإنما يريد الخيل يتبع بعضها بعضا من كثرتها مثل هذا اللبن الذي يدر بعضه على أثر بعض ويتتابع، وأصل الثعول في الشاء يقال: شاة ثعلاء إذا كان لها ظبي زائد، ورجل أثعل إذا كانت له سن زائدة.
(2/940)

وقال يصف رجلا:
فما مخدر ورد عليه مهابة ... يصيدْ الرجال كل يوم ينازل
وشهك منه أن ينازل قوزه ... إذا شال عن خفض العوالي السوافل
يريد غذا حدروا رماحهم، للطعن فارتفعت الأسافل من خلف وانخفضت العوالي من قدام. ومثله.
إذا وردت ماء علتها زِجاجها ... وتعلو أعاليها إذا الروع أنجما
يقول إذا ما وردوا ماء قاتلوا فخفضوا أسنتهم للطعن فعلت زجاج من خلف فإذا أنجم الروع أي ذهب علت الأعالي وانخفضت الأسافل، وقال الحارث بن حلزة اليشكري:
هل علمتم أيام ينتهب النا ... س غوارا لكل حي عواء
كانت العرب من نزار يملكهم ملوك فارس، وغسان تملكهم الروم، فلما غلب كسرى على بعض ما في يديه وكان بنو حنيفة الذين غلبوه ضعف أمر كسرى فغزا بعض العرب بعضا.
إذا رفعنا الجمال من سعف البح ... رين سيرا حتى نهاها الحساء
يخبر عن مغارهم يقول أغرنا على من لقينا من الناس حتى
(2/941)

انتهينا إلى سعف البحرين ثم مضينا نغير حتى بلغنا حسى البحر فلم يكن وراءَه مغار.
ثم مْلنا على تميم فأحرن ... نا وفينا بناتُ قومٍ إماءُ
ويروى: بنات مر، وهو أبو تميم، يقول لما صرنا في بلاد تميم دخلنا في الأشهر الحرم فكففنا وفينا بناتَ قوم إماء أي سبين.
لا يقيمُ العزيز بالبلدِ السه ... ل ولا ينفغ الذليلَ النجاءُ
يقوم لم يكن العزيز يقيم بالسهل لخوف الغارات فكيف الذليل ولا ينفع الذليل الهرب لأنه يلحق. وقال وذكر عمرو بن هند حين أراد الغزو:
فتأوتْ له قراضبةٌ من ... كلِ حيٍ كأنها اللقاءُ
تأوت اجتمعت للغزو ومعه، قراضبة الواحد قرضاب وهو الصعلوك، الألقاء واحدهم لَقّى وهو الشيء المطروح، واللقي من الرجال الخامل الذكر الذي لا يعرف لأن ذكره مطروح.
فهداهم بالأسودْين وأمراد ال ... له بلْغ يشقَى به الأشقياءُ
الأسودان التمر والَماء، وبلغ بالغ.
لم يغرّوكم غروراً ولكن ... رفع الآل حزهم والصحاءُ
يقول لم يأتوكم مستترين ولم يخاتلوكم ولكن القوم ظهروا لكم وأتوكم جهارا.
(2/942)

وقال يذكر ثلاثة خلال موجبة له الحظوة عند عمرو:
آية شارقٍ الشقيقةِ إذ حا ... جاؤا جميعا لكل حي لِواءُ
شارق الشقيقة أي من جاء منها من قبل المشرق والشقيقة من بني شيبان، آية واحد الآى. وهذه واحدة عدها.
حول قيسٍ مستلئمينَ بكبشٍ ... قَرظىّ كأنّه عَبلاءُ
قيس بن معدى كرب وهو أبو الأشعث بن قيس وكانوا جاءوا يغيرون على إبل عمرو بن هند وعليهم قيس فردتهم يشكر وقتلواكم منهم، مستلثمين قد لبسوا الدروع، قرظى نسبة إلى البلاد التي تنبت القرظ وهي اليمن، وعبلاء هضبة بيضاء، أي جاءوا بكبش عظيم كأنه هضبة.
ثم حُجرا أعني ابن أم قطامٍ ... وله فارسية خضراءُ
هذه اليد الأخرى، فارسية كتيبة عليها سلاح من عمل أهل فارس، خفراء من كثرة السلاح، وكان حجر غزا أبا المنذر بن ماء السماء يجمع من كندة فخرجت إليه بكر بن وائل فردته وفلّت جموعه.
ومع الجَونِ جون آل أبي الأو ... سِ عنود كأنها دَفواءُ
الجون ملك من ملوك كندة. عنود كتيبة محكمة، دفواء منعطفة على ملكها تمنعه، والأدفي القرن المنحني على عجز الوعل. وقال سلامة بن جندل:
(2/943)

كنا إذا ما أتانا صارح فزِعَ ... كان الصراخَ له قرعُ الظَنابيبِ
أبو عمرو: كانوا إذا أرادوا أن ينيخوا البعير فعسر عليهم ضربوا ظنبوبه فبّرك. يقول إذا أتانا صارخ أنخنا الإبل ليحمل عليها أراد إنا نصرخه. قال الأصمعي: يقال ضرب لذلك الأمر جروته وقرع له ساقه وشد له حزيمه كل هذا إذا عزم عليه.
وشدّ كُر على وجناء ذِعلبةٍ ... وشدَّ لِبد على جرداءٍ شرحوبِ
يقال محبِسُها أدنى لمرتعِها ... ولو تعادى بَبكءٍ كل محلوبِ
يقول إذا نزلنا الثغر فحبسنا به الإبل حتى صب ونسمن ونهاب قال الناس محبس هذه الإبل على دار الحِفاظ أدنى أن تنال المرعى وإن كن قد تعادينَ أي توالين ببكء وَالبكء، يقال بكؤت الناقة، يقول: إن حبسناها في الثغر قليلا على سوء من حالها فإن ذلك أدنى لها من المرتع لأنا نستبيحها فتكون لها ترعاها، أبو عمرو: يقول هم وإن ذهب لبنها احتملوا لأنهم في حفاظ، وقيل أيضا يحبسونها ترعى قريبا منهم لتُركب إن خافوا شيئا، ولو تعادى أي أعدت هذه من عدوَى الحرب وتوالت - من قوله والبيت لامريء القيس.
(2/944)

فعادى عداءً بين ثورٍ ونعجتة ... دراكاً ولم بنصحْ بماءٍ فيغسلُ
حتى تُرِكنا وما يُثنَى ظعائننا ... يأخذن ب! ين سوادِ الخطِ فاللوبِ
يثنى يرد، يقول اتسع لها البلد بين الحرار والبحرين، يقول تحامانا الناس وقال عنترة:
وجئنا على عمياء ماجمعوا لنا ... بأرعنٍ لاخَلٌ ولا متكشف
قول جئنا على أمر عمى وجهالة لما جمعوا لنا، أرعن جيش كثير برعن الجبل، ولا خل أي ضعيف ضئيل، ولا متكشف. وقال:
فإن يكُ عبد الله لاقي موارساً ... يردونَ خالَ العارضِ المتوقِدِ
العارض السحاب وأراد الجيش هاهنا شبهه به، المتوقد للمع الحديد فيه، والخال من المخيلة وقيل الخال الراية. قال المفضل بن عبد القيس:
وهم رفعوا المنيةَ فاستقلَتْ ... دِراكاً بعدِ ما كانتْ تحيق
هذا مَثل، يريد أنهم رفعوا الراية وتحتها المنية، داركا متداركا، تحيق تنزل بهم - ومنه: " وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ".
فلما اسيقنوا بالصبرِ منا ... تَذُكرتْ العشائر والحديق
يقول: لما عرفوا الصبر منا انهزموا وولوا عند ذكرهم قومهم وحدائقهم.
(2/945)

وقال وعلة الجرمي:
ولما رأيتُ الخيلَ تتْرى أثايجا ... علمتُ بأن اليومَ أحس فاجرُ
أثايج جاعات، أحمس شديد. فاجر يركب فيه الفجور ولا يبقى فيه محرم، أراد مفجور فيه. وقال عوف بن الخرع:
إذا ما اجتببنا جَبّاً مَنهل ... شببنا لحربٍ بعَلباَءٍ نارا
يقول إذا غلبنا على منهل فشربنا منه شخصنا إلى قوم آخرين. وقوله يصف خيلا:
وجللنَ دَمخا قناع العرو ... سِ أدنت على حاجبْيها الخِمارا
دمخ جبل، يربد قناعا من الغبار الذي أثارته.
وكلّ قبائِلهم أتّبعتْ ... كما أتبعَّ العرمِلحا وقارا
يقول كان في صدورهم بغي وحب للقتال فأتبعتهم وقعتنا بُرءا كما أبرأ الملح والقار الجرب. وقال سلة بن الخرشب الأنماري يوم الرقم:
(2/946)

إذا ما خرجتمُ عامدينَ لأرضنا ... بني عامر فاستظهروا بالمرائر
يعني أن بعض بني عامر لما خاف الإسار حين هزمت بنو عامر بحل حتى مات.
يصف امرأة:
توقع أنباء الخميس فراعَها ... توادِر خيلٍ لم يذرِّعْ بشيرها
يقال ذَرّع البشير إذا جاء رافعا ذراعيه يولول أو يبشر، يقول لم يرفع يديه لأن الظفر لو كان لهم جاء البشير بذلك، يقول فلم يرعها إلا قد هجمت عليهم. عمرو بن قميئة:
فدارت رَحانا ساعةً ورحاهمُ ... وردتْ طباقاً بَكءِ لَقحها
هذا مَثل، يقول درت الحرب كما درت اللقوح، طباقا أي بعد أن كانت لا تدر: والبكء قلة اللبن.
نبذنا إليهم دعوةً يال مالك ... لها إربة إن لم تجدْ من يريحها
مالك يربد قومه، أي هذه الدعوة حاجة إن لم تجد من يريحها أي يردها بفداء أو ما ترد بمثله. وقال ذو الرمة:
أبت إبلي أن تعرفَ الضيم ... نيبها إذا اجتيب للحربِ العوانِ السَنوّر
(2/947)

النيب المسانّ: يقول هذا التي كبرت وولت فلا يرغب فيها ولا تلقح أبت الضيم فكيف خيار إبلي، اجتيب لُبس، والسنور الدروع. وقال ذو الرمة:
صدَمناهم دونَ الأماني صدمةً ... عَماساً بأطوادِ طواَلِ الشواهقِ
يقول أمنوا بنا ما تمنوا فصدمناهم دون ذلك فلم يبلغوه، عماس مظلوة شديدة، بأطواد يقول بجبال من الجمع، شبه جمعهم بالجبال الطوال.
لنا ولهُم جَرسٌ كأن ؤغاتَه ... تقوِّض بالوادي رؤوس الأبارقِ
جرس صوت، وغاته ضوضاؤه: تقوِض تهدم بالوادي، رؤوس الأبارق جمع أبريق وهو جبل فيه حجارة وطين فشبه صوتهم في الحرب بصوت تقويض جبل. وقال آخر:
وأقبلَ القوُ نَعاميّةً ... فينا وفئنا بالنِهابِ الخميسِ
نعامية ضرب من المشي، وفئنا الثانية من الفيء، والخميسى المخموس أي مأخوذ منه الخمس، عن عدي بن حاتم أنه قال: ربعت في الجاهلية وخمست في الإسلام. وقول الآخر وهو عبد الله بن عنمة:
(2/948)

لكَ المرباعُ منها والصفايا ... وحكمكَ والنشيطةُ والفضولُ
المرباع ربع الغنيمة، والصفايا ما يصطفيه الرئيس لنفسه، والنشيطة ما أخذوه في قَفلهم، والفضول ما فضل عن القسم - هذه كانت تُجعل للرئيس في غزواتهم. قال آخر:
دعوا رحِماً فينا ولا يرقبونها ... وصدّتْ بأيديها النساء عن الدمِ
أي كانوا يناشدونهم برحم بينهم وهم لا يرعونها حين حاربوهم فظفروا بهم واستقبلت النساء الطالبين فقلن بأيديهن: كفوا حسبهم، ونحو منه قول بشر:
إذا عُلُوا قالوا أبونا وأمنا ... وليسَ لهم عالينَ أم ولا أبُ
أبو زبيد:
أصبحت حربُنا وحربُ بني الحا ... رثِ مشبوبةً بأعلى الدماءِ
شامذاً تتقي المبِسَّ عن المر ... يةِ كرهاً بالصرف ذى الطلاء
الشامذ الناقة التي ترفع ذنبها وإنما تفعل ذلك إذا لقحت، شبه الحرب بها، والمبس الحالب الذي يسَكّن الناقة إذا أراد أن يحتلبها، والمرية مسح الضرع حتى تدر، والصرف الدم الخالص، والطلاء اللبن والدم إذا اختلطا، أبو عمرو: الطلاء ما ارتفع فوق الدم واللبن إذا
(2/949)

جمدا مثل الماء، يقول: إذا امتراها الحالبون يعني الحرب حلبت لهم دما صرفا. وقال آخر:
لأجنينَّ لعامرٍ ولمنقذٍ ... حرباً كناصيةِ الحصانِ الأشقرِ
وقال ابن أحمر:
على حالةٍ لا يعرفُ الورَد ... ربّه من الأبلق المشهورِ وسط القنابلِ
يقول صار الأبلق والورد واحدا من الدم. وقال خداش بن زهير:
ومُرقصة ترى زفيان خيلٍ ... وألهي بعلها عنها الشغولُ
وتؤنس ركض مشعلة رعال ... وقد جعلت رجازتها تميلُ
ترقص بعيرها هاربة لما رأت الخيل، والمشعلة الخيل المتفرقة في الغارة والرعال القطع، والرجازة ما عدلت به مما يلي الهودج، الطرماح يصف جيشا:
بقود سما باللوثٍ حتى أبادَه ... من العيشِ واستلهى شهودُ العواهنِ
القود الخيل تقاد، واللوث الشحم، أباده ذهب به، يقول غزوا بها سمانا، واستلهى من قولك لهيث عنه أي تركته، يقول تركهم القود في منازلهم لم يطيقوه فلهوا، والشهود الحضور، والعاهن المقيم على ماله لا يبرح، ويقال القود الجيش. وقال:
(2/950)

ويفون إن عقدوا وإن أتلوا حَبوا ... دون التلاء بفخمة مذكار
أتلوا أجاسوا، والفخمة الكتيبة الضخمة، والمذكار التي فيها ذكور الخيل.
وقال جرير لبني مجاشع:
فبتّم خزايا والخزيرُ قراكُم ... وباتَ الصدى يدعو عقالاً وضمْضما
خزايا واحدهم خزيان والمرأة خزيا وهي المستحيية والخزير شيء يعمل من الدقيق يشبه العصيدة، وبات الصدى يعني صدى هامة مزاد بن الأقعس بن ضمضم قتله عوف بن القعفاع فلم يدركوا بدمه، كانت العرب تقول إذا قتل خرج من رأسه هامة تزقو على قبره: اسقوني فإني عطشى فإذا أدرك بدمه سكتت. وقال ربعية بن عرادة.
فإن تكُ هامةً بهراةٍ تزقو ... فقد أزقيتَ بالمروين ها ما
وقال البعيث:
نضاربُهم والخيل عابسة بنا ... ونكرِهُها ضربَ المخيض على الوحلِ
المخيض الذي يريد أن يخيض إبله وحلا وهي تتأَخر وهو يضربها لتخوض.
وقال الفرزدق يمدح قوماً:
المانعون إذا النساءُ ترادفَتْ ... حذرَ السباء جمالها لا تُرحلُ
ترادفت أي ركب بعضهن خلف بعض للهرب، جمالها لا ترحل
(2/951)

أي تركب أعراء من العجلة. وقال آخر في مثله والبيت لأبي دواد الرؤاسي:
واعرورَتُ العلُطُ العُرصيّ تركضه ... أم الفوارسِ بالدئداءِ والرَبعه
اعرورت ركبت البعير عريا للعجلة، والعلط التي لا أداة عليها مثل العطل، والعرضي الصعب الذي فيه اعراض، فإذا فعلت أم الفوارس هذا فغيرها أشد مخافة، والدئداء والربعة ضربان من العدو شديدان. وقال الفرردق وذكر الخيل:
ترعى الزعانفُ حولنا بقيادِها ... وغدوّهنَ مروّحُ التَشلالِ
الزعانف التباع والضعفاء من الناس الواحد زعنفة، يقول إذا قدنا الخيل إلى الأعداء رعت الزعانف حولنا آمنين، ويروى وعدوهن، أي عدو الخيل، مروح التشلال يقول يحمل الناس على أن يطردوا نعمهم فيهربوا منا، والشل الطرد.
في جحفلٍ لجبٍ كأنّ سعاعَه ... جبل الطراة مضعضع الأميالِ
يقول كان بريق السلاح فيه هذا الجبل إذا تضعضعت أمياله في السراب، والميل منتهى البصر.
تغشى مكثلةٌ عوابسُها بنا ... يوم اللقاءِ أسنة الأبطالِ
يعني الخيل، مكللة حاملة لا تكذب، يقال كلّل الرجل إذا حمل، وهلّل إذا فر. وقال كعب بن زهير:
(2/952)

لا يقع الطعنُ إلا في نحورِهم ... ما إن لهم عن حياضِ الموتِ تهليلُ
وقال الفرزد ق:
كيفَ التعذز بعد ذُمِّر تم ... صقباً لمعضلةِ النتاجِ نوار
ذمرتم مسستم المذَّمر والمذَّمر مكانان يمسهما المذمِّر أحدهما بين الأذنين فإذا وجده غليظا تحت يده علم أنه ذكر وإن وجده لينا علم أنها أنثى والآخر طرق اللحي إذا وجده لطيفا علم أنها أنثى وإذا وجده غليظا علم أنه ذكر، معضلة النتاج نتجت في مشقة وشدة، نوار نفور، وهذا مثل للحرب وجعل الجنين صقبا أي ذكرا لأن الإناث أحمد في النتاج. وقال جرير:
وخور مجاشع تركوا لقيطاً ... وقالوا حِنَو عينكَ والغرابا
لقيط ابن زرارة، تركوه أسلموه فقتل، حنو العين الحاجب ينحني على العين، والغراب أي قتل حين أسلموه فالغراب ينقر عينه. وقالت الهذلية تذكر قتيلا والبيت لجنوب:
تمشي النسورُ إليه وهي لا هية ... مشى العذارى عليهنَ الجلابيبُ
تريد أنها آمنة لا يذعرها شيء فهي تمشي لاهية كمشي العذارى. وقال جرير:
(2/953)

ولم تأتِ عز أهلَها بالذي أتَتْ ... به جعفرا يوم الهضيباتِ عيرها
أتتّهم بِعير لم تكنْ هجريّةً ... ولا حنطة الشأم المزِيت خميرها
يوم الهضيبات يوم طِخفه وكانت وقعة بين الضباب وبين بني جعفر فكانت للضباب على بني جعفر فقتلوا من بنيِ جعفر سبعة وعشرين رجلا فجاءت نساء بني جعفر فحملن قتلاهم على الإبل فدفنهم. يقول لم تكن العير هجرية تحمل التمر من هجر إلى البحرين ولا عيرا تحمل الحنطة من الشأم التي تخمَّر بالزيت إنما كانت قتلى حلوا على الإبل.
وقال أيضا في غير هذا المعنى:
لولا ارتدافكما الخصّي عشية ... يا ابني حَميضة جئتما في العير
أي لولا أنكما ركبتما الخصي - وهو برذون - فانهزمتما لكنتما بمنزلة هذه العير والقتلى. وقال يذكر نساء القتلى:
وقد أنكَرَتْ أزواجَها إذ رأتْهم ... عراة نساء قد أحرّت صدورُها
رأتْ كمراً مثل الجلاميدِ فتحتْ ... أحاليلها لما اتمأرَّتْ جذورُها
الإحليل مخرج البول. اتمأرت انتفخت وعظمت. جذورها أصولها.
منعنَ زيستحييْمَ بعد فرارهِم ... إلى حيثِ للأولاد يطوّى صغيرُها
(2/954)

أي النساء منعن أزواجهن أنفسهم وأرحامهن التي يطوَى صغير أولادهن فيها استحياء من فرارهم واستهانة منهن بهم، أيمط منعن إلى حيث يطوي للأولاد. وقال:
وأضيافُ ليلٍ قدّ نقلنا قِراهم ... إليهُم فأتَلفْنا المنايا وأتلفوا
نقلنا قراهم قتلناهم، فأتلفنا المنايا أي صادفناه بخيلا وجَبانا.
وقال عمرو بن كلثوم في مثل هذا المعنى:
قرينا كم فعبجّلْنا قِراكم قب ... يْل الصبحِ مِرداة طحونا
يقول جعلنا قراكم كتيبة كالصخرة وهي المرداة.
يكونُ ثِفالُها شرقي نجدٍ ... ولَهوتها قضاعة أجمعينا
الثفال جلدة تكون تحت الرحى يقع عليها الدقيق، واللهوة الكف من الحنطة، وسلمى أحد جبلي طيىء، يقول: كتيبتنا تأخذ من الأرض هذا المقدار، ولهوتها قضاعة أي تطحنهم.
وقال عمرو بن كلثوم:
إذا ما عيَّ بالإسنافِ حيٌ ... من الهولِ المشبَّه أن يكونا
الإسناف التقدم يقول إذا عي بالتقدم حي من الإحياء، من الهول المشبه يعني الذي قد شبه على الناس فلا يدرون أي جهة يأخذون ثم قال:
(2/955)

نصْبنا مثل رَهوةَ ذات حدٍ ... محافظة وكنا المسنِفينا
أي نصبنا لهم كتيبة مثل رهوة وهي جبل، وكنا المتقدمين.
ونحنُ الحاسبونَ بذي اُراطَي ... تسّف الجِلّةُ الخورُ الدَرينا
الجلة المشان من الإبل، والخور الغِزار، تأكل، الدرين، وهو الكلأ اليابس، أي نحبس الإبل في دار الحفاظ وهو أجدر أن تأمن في غد. ومثله لسلامة بن جندل:
يقالُ محبسها أدنى لمرتعها ... وان تعادي ببَكءٍ كلِ محلوبِ
يقول محبسها في دار الحفاظ على الخسف والجدب أحرى أن تأمن معه في غدا إذا تنحى عنها الأعداء ورتعت حيث شاءت. ومثله للكميت:
يرونَ الجَدبَ ما نزلوه خِصباً ... محافظة وكالأنُف الدَرينا
وقال الفرزدق:
منازيل عن ظهرِالقليلِ كثيرنا ... إذا ما دعا في المجلسِ المتردَّف
الأصمعي: يريدَ إن لنَا نزلا وإن كان قليلا فهو خير من كثير غيرنا، أبو عبيدة: يريد نحن وإن كنا كثيرا لنا عزّو منعة فنزل لذي القلة عن حقه ولا تمنعنا كثرتنا من إنصافه، والمتردف الذي تردّفه
(2/956)

الشر شيء بعد شيء. والقول قول أبي عبيدة لأنه يقول في هذا الشعر.
ولا عّزٌ إلا عّزنا قاهرٌ له ... ويسألنا النِصفِ الدليلُ فيُنصَفُ
وبعد الأول:
فقلنا الحصى عنه الذي فوقَ ظهره ... باحلامِ جهال إذا ما تغضَّفوا
ولو أن سعاً أقبلتْ من بلادِها ... لجاءتْ بيبرينََ الليالي تَزَحَّف
تغضفوا مالوا عليه بالتعطف، أي لجاءت الليالي من سعد بعدد مثل عدد الرمل.
وقال يصف الخيل:
علميهن منا الناقصون ذحولهم ... فهن بأعباء المنية كُتّف
أعباءُ المنّية فرسان الخيل، كّتف تكتف في مشيتها وذلك إذا رفعت كتفا وخفضت كتفا.
وقال الفرزدق يصف جيشاً:
لنا أمرُه لا تعرف البلق وسطه ... كثيرُ الوَغي من كل حيّ قنابِلُه
لنا أمره أي نحن أمراؤها، لا تعرف البلق وسطه، يقول أشهر الخيل البلق فإذا لم تعرف فغيرها أجدر أن لا تعرف لكثرة الجيش، والوغى اجتماع الأصوات.
إذا حانَ منه منزل الليلِ أو قدتْ ... لأخراه في أعلى اليفاعِ أوائلة
يقول إذا ورد الجيش فنزلوا منزلا أوقدت على شرف الأرض
(2/957)

ليهتدى بالنار آخر القوم إلى المنزل الذي نزل به أولهم.
تظلُ به الأرضُ الفضاء معّضِلا ... وتَجهر أسدامَ المياه قبائلهُ
أي تضيق عنه الأرض لكثرته، والتعضيل أن ينشب الولد في بطن المرأة فلا يخرج، والأسدام المياه المندفنة لطول عهدها بالناس، يقول إذا جاء هؤلاء استقوا منها فأخرجوا مع الماء التراب فيظهر الماء، فذلك الجهر، يقال جهرت البئر، وإنما يريد أن هؤلاء يسلكون طريقا لم يسلكه الناس من مخافته فقد اندفنت مياهه. وقال جرير للفرزدق:
هّلا الزبيرَ مُنعت يومَ تشمستْ ... حرب تَضرَّم نازها مِذكاز
تشمست امتنعت، وهذا مَثل، والناقة إذا حلت امتنعت عن الفحل، مذكار تلد الذكور وهو شر إنما تحمد الإناث. وقال الأخطل:
فإن تك حرب ابنى نزار تواضَعتْ ... فقد عذرتنا في كلابٍ وفي كعبِ
تواضعت سكنت، وكلاب وكعب ابنا ربيعة بن عامر بن صعصعة، عذرتنا جعلت لنا عذرا، يقال عذرْت الرجل وأعذرته أي جعلت له عذرا، يقول إن كانت حربنا سكنت فقد نلنا ما نحب من كلاب وكعب. وقال يذكر عمير بن الحباب حين قُتل:
يسألة الصبر من غسان إذ حَضروا ... والحزمُ كيف قَراك الغِلمة الجشَر
الصبر والحزم قبيلتان من غسان وكان عمير يقول: إنما هؤلاء جشر لنا والجشر القوم العزّاب في إبلهم، فلما مروا برأسه على
(2/958)

هؤلاء قالوا: كيف رأيت قرى الغلمة الذين زعمت أنهم جشر لك؟ واحدهم جاشر. وقال:
أبحت حصونَ الأعجمبنَ فأمسكْتَ ... بأبوابِها من منزلٍ أنت نازله
يقول إذا نزلت منزلا قريبا منهم أغلقوا أبواب حصونهم خوفا. وقال العجاج وذكر الحرب:
ونجنجت بالخوفِ من تنجنجا ... ولبست للشرِ جُلّا أخرجا
النجنجة الترديد، والأخراج الذي فيه بياض وسواد، المعنى أنها ت " مشهورة.
ولم تعوّج رُحمٌ من تعوّجا ... وأعشَتْ الناس الضحاجَ الاضججا
أي لم تعوج حم س لعوجا ... أي لم تعوج رحمة لمن تعوج، أي لم تمل عمن مال عنها ولكنها غشيته، الأضجج كقولك: الليل الأليل.
وصاحَ خاشي شرِها وهجهجا ... وكان ما اهتضَّ الجحافُ بهرَجا
هجهج زجر، اهتضّ كسر، والجحاف المجاحفة في الحرب، بهرج باطل، يقول ما أصيب فيها بطل ليس فيها عدْوَى ولا سلطان
وحين يبعثْنَ الرياغ رهجآَ ... سفْر الشَمالِ الزِبْرَجَ المزبرجا
أي حين الخيل يبعثن يثرن الغبار والتراب، رهجا غبارا، سفر الشمال أي كقشر الشمال الزبرج وهو قطع الغيم الصغار.
(2/959)

عن ذي اميسَ لهام لو دسر ... بركنه اركان دَمخ لا نقعر
ذو قد اميس جيش ضخم، لهام يبتلع، دسر نطح، دمخ جبل، انقعر سقط.
أرعن جرّار إذا جر الأثر ... دّيث صعْبات القفاف واربتأر
ارعن له رَعن مثل رعن الجبل ورعنه أنفه، جرّار يَجر نفسه جرا من ثقله جرا لا يرى لا يستبين له أثر أاي ليس بقليل فيستبين آثاره، ديث لين كل قف ودقه، ابتأر حفر آبارا بالسهل.
بالسهل مدعاس وبالبيد النقر ... كأنما زُهاؤه لمن جهر
المدعاس الطريق الكثير الآثار، زهاؤه قدره وحزره، جهر نظر إليه.
ليل ورزّ وغرِه إذا وغر ... سارٍ سرى من قبل العين فجر
رز صوت، وغره أيضا صوته، يقول هذا الجيش كالليل. وضجته كضجة المطر، والساري سحاب يسري ليلا، والعين عن يمين قبلة العراق. وقال:
سنابك الخيل يصدّ عن الأيَرّ ... من الصفا العاسي ويدهَسن الغَدَر
الأيرّ الصفا الدلاص، يدهسن يلين، والغدر ما تعادى من الأرض فلم يستو وارتفع بعضه وانخفض بعضه.
(2/960)

وقال أيضا يذكر الجيش:
في لامع العقبان لا يأتي الخمر ... يوجّه الأرض ويستاق الشجر
أي في جيش تلمع عقبانه وهي الرايات، لا يأتي الخمر أي لا هو مِصحر، يوجّه الأرض يجعلها وجها واحدا من كثرته، ويستق الشجر يعني العرفج والرمث.
قال يصف جيشا:
بجشة جشوا بها ممن نفر ... محمّلين في الأزمّنة النخَر
بجشة بثورة ونهضة، جشوا بها أي طحنوا ومنه سميت الجشيشة، وقوله: ممن نفر أي ممن ثار فنفر حين أتاه الخبر، محملين يقول علقوا الأزمة في النخر والنخر جع نخرة وهو طرف الأنف. وقوله:
وانشقّ شؤبوب النفاق واشفتّر ... وأذلقته لجّة الغيث سحر
شؤبوبه دفعته وحده، اشفتر تفرّق، لجة الغيث صوته وضجته ضرب ذلك مثَلا للحرب.
منهما هما ذيّ إذا حرّت وحر ... فَقْخ إذا مارنّح الطرف اسمدرّ
هماذِى تقول كان المطر هماذىَّ - أي يشتد مرة ويسكن أخرى
(2/961)

أي للحرب تارات شداد، والفقخ ضرب ودفعة، حرّت وحر فقخ، والمرّنح الذي يميل كالمغشى عليه وكذلك الطرف، واسمدرّ حين يأخذه مثل الغشى.
ضربا إذا ما مِرجل القوم أفَر ... بالغلْى أحموه وأخبوِه التير
أفر نزا بالغلى، والمرجل هاهنا مَثل للحرب، أخبوه أسكنوه، التّير جمع تارة أي مرة بعد مرة. وقال يصف جيشا
آذى أوراد يغيّقن النظر ... من ذي إيادَين إذا جدّ اعتكر
يغيّقن يحّيرن، والإياد شخص كالمسناة، أب للجيش مثل ذلك الإياد أي له جيشان مثل ذينك الإيادين، اعتكر عاد. وقال:
لما رأوا منا إيادا سامكا ... مِردَى حروب بحروب يفرج اللكائكا
الإباد مثلُ الركنِ يستقبلك أو يستدبرك، يريد جيشا، والسامك
(2/962)

المشرف، واللكائك الضيق والزحام - الْتكَ عليه القوم إذا ازدحموا. وقال يصف جيشا:
كثير مَجْرِ المقرِلاتِ والحصا ... ذي لجبٍ يسرح من حيث اغتدا
حتى توارتْ شمسه وما انقَضا
المجر الجيش، المقربات الخيل تكون قريبات من البيوت لكرامتها، والحصى العدد الكثير من الناس، يقول يغتدى هذا الجيش مغيب الشمس من الموضع الذي خرج منه وما انقضى وهو معنى قوله: يسرح من حيث اغتدى.
ينكر ذو الحاجة منه ما ابتغى ... حيران لا يشعر من حيثُ أتى
عن قبص من لاقى أخاسً أم زكا
يقول من جاء يطلب فرسا لم يعرفه من كثرة الخيل فيبقى متحيرا، والقبص العدد الكثير، يقول لا يشعر من كثرتهم أأزواج هم أم أفراد. وقال طفيل الغنوي:
تبيت كعقبانِ الشريفِ رجالُه ... إذا كانو وا إحدث أمرٍ معطّفِ
أي تبين مستعدة للعدو كما تبيت هذه العقبان، معطّب مهلك. وقال الجعدي:
وبنو فزارةٍ إنها ... لاتلبث الحلَب الحوالبِ
(2/963)

أي لا تلبث الحوالب أن تحلب عليها - تعاجلها قبل أن تأتيها الأمداد. وقال الأصمعي: لا تلبث الحوالب حلب الناقة حتى تهزم، والأول أجود، وقال الجعدي:
فلما أنْ تلاقيْنا ضحيّا ... وقد جعلوا المِصارعَ عَلى الذراعِ
المصاع القتال، أي جعلوا أمر القتال إلينا فقالوا إن شئتم فقاتلوا كما يقول الرجل في الشيء: هو على حبل ذراعك، أي الأمر فيه إليك. وقال آخر:
جدّت جَداد بلاعبٍ وتقشّعتْ ... غفمراتُ قالِبٍ لبسة حيرانِ
أي لبس ثوبه مقلوبا من الدهش أوقال الكميت:
في حومةِ الفيلقِ الجأواء إن ركبتْ ... قسر وهيضلها الخشخاشُ إن نزلوا
الهيضل الرجالة، والخشخاش الكثير. وقال:
وأي امرىءٍ كنتّ في الوغا ... إذا مارأينَ السُوقَ مثل السواعدِ
أي تخرج النساء أسواقها من الفزع كما يخرجن السواعد في الأمن. وقال وذكر حربا:
وأنَسى في الحروبِ مذمّريكم ... نتاج اليَتْنِ ما صفة السليل
(2/964)

اليتين أن تخرج رِجلاَ الولد قبل يديه، والسليل الولد، والمذمِرّ الذي يدخل يده في رحم الناقة لينظر ما الولد، يقول أنساهم اليتن الولد أذكر هو أو أنثى؟. وقال:
مهاجر سائر وقد شالتْ ال ... سحرب لِقاحا بغُبرها الكُثبُ
قول بغبر اللقاح من الحرب الكثب وهو جع كثبة وهي الدفعة من اللبن.
مبسورة شارِفا مصّرمة ... محلوبُها الصابُ حين تُحتلَبُ
مبسورة بسَرها الفحل أي ضربها على غير ضَبعة، والمصرّمة التي قد صرموا اخِلفها حتى انقطع لبنها. وقال:
إذا ابتسر الحربَ أخلامُها ... كِشافا وهيّخت لأفحلُ
أي أصدقاؤها واحدهم خلم.
(2/965)

واحتضر الموقدونَ إذ غزل ال ... واغلّ عنها النفارُ والزَيبُ
الواغل الداخل، والازبّ الذي على عينيه شعر كثير طويل فهو ينفر أبدا.
قدريْن لم يقتدحْ وقودَهما ... بالمرخِ تحت العفارِ منتصبُ
أي واحتضر الموقدون، أي يقدح نارهما ذو زندين، منتصب ناصب للقدر. وقال جرير:
نهيتكم أن تركبوا ذاتَ ناطحٍ ... من الحربِ يلوي بالرِداءِ نذيرُها
قال يجيء رجل يلّوِح رداءه يقول: أتيتم فتهيئوا. وقال:
وإذا سمعت بحربِ قيسٍ بعدها ... فضعوا السلاحَ وكفّروا تكفيرا
التكفير أن يضع يديه على صدره. وقال وعلة الجرمي:
(2/966)

فدى لكمار رجلّي أمي وخالتي ... الكُلابِ إذ تُحزّ الدوابر
هذا رجل كان يغدو ساعة ويركب فرسه ساعة حتى نجا، تحزّ الدوابر تقطع الأصول، ومنه قولهم: قطع الله دابرة فلان.
ولما سمعتُ الخيلَ تدعو مُقاعساً ... تطالعني من ثغرةِ النحرِ جائزِ
ثغرة النحر النقرة التي في أعلى الصدر وأسفل العنق. وقال الأخنس بن شهاب التغلبي:
بجأواءٍ ينفي وردُها سرعانَها ... كأن وضيع البيضِ فيها الكواكبُ
جأواء كتيبة علاها لون السواد والصدأ، والخضراء نحو ذلك، يقدّم وردها سرعانا منه لا يحملهم ماء واحد، والورد والواردة التي ترد الماء. وقال مهلهل ويقال رجل من تغلب يقال له شرحبيل.
خلعَ الملوكَ وسارَ تحتَ لوائِهشجر العُرَى وعُراعر الأقوامِ أبو عبيدة: العراغر السيد ليس يريد سيدا واحدا إنما أراد السيد من كل قوم، وقوله العري واحدها عروة وهو الشجر الذي لا يذهب أبدا يقال: بارض بني فلان عروة من شجر أي شجر هو دائم فشبه كثرة الناس وبقاءهم بذلك الشجر. أبوعبيدة: إنما قيل
(2/967)

عري الإسلام للبقية، أبو عمرو: في العروة غير ذلك، ومن أنشده: عَراعر بفتح العين أراد جمع عراعر. وقال الكميت يهجو:
ما أنتَ من شجرِ العرى ... عند الأمورِ ولا العَرَاعرِ
وقال الأعشى يمدح رجلا:
وَثوب إذا ما الحرب آوتْ سُروبهم ... وفاتهُم مأوي من الأرضَ سَملقُ
سُروب جمع سَرب، وكانوا إذا أحَسّوا الغارة ضموا الإبل ولم يسرحوها بعيدا وفاتهم مأواها الذي كانت ترعى فيه. وقال الكميت:
فأيّ مَزورٍ نحن أم أي زائِر ... إذا الكوم باءتْ بالرذيّة وارَهْبِ
باءت ساوت، والرذية الهالكة، والرهب الكبيرة الهرمة، يقول صارت الكوم كذلك لمسيرنا عليها إليكم.
وأيّ مزورٍ نحن أم أي زائرٍ ... إذا بَلَغَ القَود الوِكال من الندْبِ
القود بلغ من الندب وهو السريع، أي يواكل فلا يبرح. وقال وذكر الخيل:
(2/968)

ومن غنمها يوم الهياجِ إذا غدَتْ ... بنا العَرَج يحوَي والقتيل الملحَّب
سقتنا دماء القومِ طوراً وتارةً ... صبو حاله اقتار الجلودَ المعِلّب
اقتار قوّر، والمجلب صاحب العلبة. وقال قيس بن الخطيم:
أرِبتُ بدفعِ الحرلب حتى رأيتُها ... عن الدفع لا تزداد غيرُ تقاربِ
فلما رأيت الحربَ حرباً تجردتْ ... لبست مع البرديْنِ ثوبَ المحاربِ
أربت أي كانت لي حاجة في دفع القتال، والأرَب والإربة الحاجة، عن الدفع أي إذا دُفعت، ولبست مع البردين ثوب المحارب قال: كان يقول الرجل إذا أراد أن يحارب: إشتر لي ثوب مفاخر ودرع محارب. وقال:
أطاعت بنو عوفٍ أميراً نهاهُم ... عن السِلمِ حتى كانَ أولَ واجبِ
واجب ميت من قولهم وجبت الشمس إذا سقطت ووجب البيع إذا وقع.
وقال صخر الغي يذكر كتيبة:
(2/969)

متى ما تنكروها تَعرفوها ... على أقطارِها علق نفيثُ
أراد فيها ترد عليكم في الدماء تنفثها نفثا أي ترمي به، أي ترون كتيبة نكَر.
وقال ابن شلوة:
وحبيّب يزجونَ كل طمّرة ... ومن اللهازم شخْب غير مصرّم
يمشونَ في خلقِ الحديد ِكما مشتْ ... أسْد الغريفِ بكلِ نحس مظلمَ
يزجون يسوقون، طمّرة طويلة، ويقال وقع من طمار وهو المكان المشرف، واللهازم قيس وعِجل وتيم الله وعنزة، وقوله: شخب غير مصرم يريد أنهم من جماعة عزيزة والمصرم الضرع الذي أصابه شيء فاشتد وانقطع، شخب ما يخرج من الإحليل من اللبن، النحس الغبرة، مظلم أنهم يمشون في أمر عظيم. وقال عوف بن الخرع:
بثّوا المغيرة في السوادِ كأنّها ... سَنَن تحيّر حول حوضِ المبِكرِ
(2/970)

يقول فرّقوا الجيش فكأنه إبل جاءت سننا ثم تفرقت حول. الحوض، والمبكر الذي يسقي إبله بكرا، يقال أبكر وبكر. وقال أبو قلابة الهذلي:
ومنّا غصبة أخرى سراع ... زفّتها الريحُ كالسَنن الطِرابِ
أي كابل تستّن في العدو، زفتها استخفتها، الطراب قد طربَت إلى أولادها والطرب خفة تأخذ الرجل من حزن ومن فرح. وقال حسان بن ثابت:
وقال اللة قد أرسلت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاءُ
يقال فلان عرضة لكذا وكذا - إذا كان قويا عليه. وقال رؤبة:
إنا إذا قدنا لقومٍ عَرضا ... لم نُبقِ من بغي الأعادي عِضّاً
الغرض الجبل شبه الجيش به وجمعه أعراض. وأنشد الأصمعي لذي الرمة:
أدنى تقاذَقه التقريب أو خبب ... كما تدَهدَى من العرضِ الجلاميد
العض الجَلْد الشديد ويقال للرجل إذا كان منكرا شديدا: إنه لعض. وقال طفيل:
(2/971)

فألوَتْ بغاياهم بنا وتباشَرتْ ... إلى عَرضِ جيشٍ غير أن لم يُكتَّبِ
ألوت لمعتِ لهم بشيء، وبغاياهم رباياهم الذين يبغون لهم الخبر ويلتمسونه لمعوا لهم بثوب أو بسيف، تباشرت البغايا إلى ذلك الجيش حين رأته وظنت أنه شيء يسرهم، وقوله إلى عرض جيش - تقول ذهب الجيش عرضا، لم يكتّب لم يجمع كتيبة.، أنشد يونس بن حبيب:
نجا عامر والنفس منه بشدقِه ... ولم ينبئ إلا جفنَ سيفٍ ومئزرا
يونس: أراد لم ينج إلا بجفن سيف ومئزر، وكان الكسائي ينصبه على الاستثناء يريد نجا ولم ينج ماله كما تقول نجا فلان وأنت تريد ماله واحترق منزل فلان إلا بيتين. وقال آخر:
لو جسرَ دِجلة عن يزيدٍ سألتة ... والجسر منقطع به معقودُ
يقال جسر وجسر يعني أنه وقف على الجسر فقاتل فمنعه فهو منقطع لا يجَاوزه أحد وهو معقود. وقال أبو حزام العكلي:
وضاربتَ يوم الجسرِ والموتِ كانع ... وأبناؤه بين الذراعيْنِ والنحرِ
كانع دان، وأبناء الموت قد نزلوا بين نراعيك ونحرك أي قربوا منك يعني الفرسان.
وقال آخر:
إذا ما الحرب ضّرس نابها
أي ساء خلقها. وقال طفيل:
(2/972)

ومشعلة تخال الشمسَ فيها ... بعَيدَ طلوعِها تحت الحجابِ
مشعلة غارة متفرقة كقولك أشعلت النار، ومنه قول الشاعر
والخيل مشعلة النحور من الدم
تحت الحجاب يقول تخالها تحت حجابها لم تطلع بعد، يريد كأنها ليست بطالعة وإن كانت طالعة لأنه لا ضوء لها من ضوء الحدَيد. وقال الحصين بن الحمام المري.
ولما رأيتُ الصبرَ ليس بنافعي ... وإن كان يوماً ذا كواكبٍ أشهبا
يقول كان اليوم يوما ذا كواكب، يقول له كواكب من السلاح، وأشهب يقول يوم شمس لا ظل فيه. وقال آخر.
ويوم كظلِ الرمحِ واليوم شامسٌ
أي طويل لأن ظل الرمح في أول النهار يطول جدا فيقول يوم طويل وهو شامس لا ظل فيه من شدته. ويقال في قول الحصين في شعر آخر:
ولما رأيتُ الودَ ليسَ بنافعي ... وإن كان يوماذا كواكب مظُلمِا
إنه مثل قول النابغة وذكر يوما:
تبدو كواكبة والشمسُ طالعةٌ ... لا النور نور ولا الإظلام إظلامُ
وقد فسر، يريد أنه يوم شديد تظلم عليهم الشمسى من شدته فتبدو كواكبه كما تقول للرجل تهدّده: لأرينك الكواكب ظهرا. وقال آخر:
(2/973)

ومشعلة ترى السُفَراءَ فيها ... كأن وجوهَهم عصب نضاج
أي قد لوّحتهم الحرب وغيّرتهم فكأن وجوههم عصب قد لاحته النار، والسفراء والسفراء جمع سفير وهم الذين يصلحون بين القوم. وقال العباس بن مرداس:
ونحنُ ضربنا الكبشَ حتى تساقَطتْ ... كواكُبه بكل عَضًبٍ مهنّد
كبش القوم رأسهم، وقوله تساقطت كواكبه يقول ذهب معظم كتائبه - وكوكب كل شيء معظمه - وكوكب الماء معظمه - وكوكب الحر معظمه - وكوكب القتال معظمه.
قال أبو جندب الهذلي:
ونهنهتُ أولى القومِ عنه بضربةٍ ... تنفّس منها كل حشيانٍ مُجحر
أي كففتهم عنه، والحشيان الذي به ربو أي تفرج بتلك الضربة كل مكروب.

في الطعنة والشجة والضربة
قال أبو ذؤيب:
فتخالسا نفسيْهما بنوافذٍ ... كنوافذِ العُبُطِ التي لا تُرقَعُ
وصف رجلين التقيا في قتال، والعبط جع عبيط وهو الثوب يشق عن صحة وكذلك الناقة العبيط والشاة التي تنحر من غير علة، لا ترقع يقول فهذا أصلب من خلق يرقع، ويقال طعنة عبيط أي
(2/974)

طعنت على صحة فنفذت إلى الجوف فهي لا يسدها سبار ولا يرقععها أيضا. وقال:
وطعنةُ خَلس قد طَعنَتْ مُرِشّة ... كعَطِّ الرداءِ لا يُشك طَوارُها
أي لا تُسبرَ ولا تعالج، طوارها ناحيتها، خلس على دهش، مرشة ترش الدم، والعرب تقول: طعن بتر أي يختلس، ورمي سعَر - مصدر سعّرت الحرب والنار إذا لهبتها، وضرب هبر - أي يلقي قطعة من اللحم.
مسحسحة تنفي الحصى عن طريقِها ... يطيّر أحشاءَ الرعيبِ اثِرارُها
مسحسحة أي تسح الدم سحا، تنفي الحصى يقول دمها الذي يسيل منها ينّحي الراب عن طريقه، يصف كثرة الدم، والرعيب المرعوب، أي إذا نظر المرعوب إلى هذه الطعنة هاله ذلك، والانثرار سيلان ويقال سعة الجرح. وقال طفيل في مثل ذلك:
برمّاحةٍ تنفي الترابُ كأنّها ... هراقة عقّ من شَعيبي معجّلِ
عق شق، والشعيبان المزادتان، والمعجل الذي يحلب الإبل فيعجله إلى أهله قبل ورود الإبل. وقال أبو جندب الهذلي:
وطعن كَرمحِ الشَول أمسَتْ غَوارِزا ... جَواذِبُها تأبى على المتغّبِرِ
(2/975)

أي ينفح هذا الطعن بالدم كما يرمح الشول. والغوارز التي قد غرزت وذلك إذا ذهبت ألبانها فإذا طلب منها الدر رمحت، والمتغبر الذي يطلب الغُبر أي بقية اللبن، والجواذب والغوارز قريب من السوء. وقال ابن رِبع الهذلي واسمه عبد مناف:
والطعن شغشغة والضرب هيقعة ... ضرب المعوّل تحت الديمة العضدا
شغشغة حكاية صوت الطعن، والهيقعة حكاية وقع السيوف، والمعوّل يتخذ عالة يبنيها وهي بيت من شجر يستظل من المطر، والعضد ما قطع من الشجر، والعضْد بالإسكان القطع يقال عضد يعِضد عضدا. وقال آخر:
وطعنةُ مستبسلٍ ثائرٍ ... تردّ الكتيبة نصف النهار
يقول: إذا رأوا تلك الطعنة رجعوا يقولون قد طعنوا هذا الطعن - فينهزمون نصف يوم.
وقال المسيب بن علس:
كغماغمِ الثيرانِ بينهمُ ... ضربٌ يغمّض دونه الحدقُ
غماغم الثيران أصواتها، وعماعم الثيران بالعين جاعاتها، يقول هذا الضرب إذا رآه الإنسان غمض عينيه من هوله. وقال آخر يصف شجة وهو عذار بن ذرة الطائي:
(2/976)

يحجّ مأمومةً في قعرِها لجفٍ ... فاست الطبيب قذاها كالمغاريد
يحج يصلح، مأمومة شجة بلغت أم الدماغ، ولجف أن يذهب في إحدى الناحيتين، فالطبيب مما يرى من هولها تقذى استه كالمغاريد وهم كمء صغار. ويقال له غماريد مقلوب، وهو مثل الجوز فعقد في كل شجرة ذات هدَب، والهدب ما كان يشبه ورق السرو مما ذهب طولا وما ذهب عرضا فهو ورق. وقال العجاج:
عن قُلب ضُجم تورّي من سَبَر
القلب جمع قليب، والضجم العوج، تورِّي تفسد جوفه من الخوف، من سبر هو الذي يسبرها والمسبار الذي يقدّر به الجراحة فينظر ما غورها. وقال الكميت يصف رجلا ضُرب رأسه:
كأن الأمَ أم صداه لما ... جلوا عنها غَطاطة حابلينا
الحابل الصائد بالحبالة، والغطاطة القطاة، شبه القحف حين ندر بقطاة، والصدى طائر كانت الأعراب تقول أنه يخرج من هامة الميت فلا يزال يصيح على قبره حتى يُدرَك بثأره. فأما قول ذي الإصبع:
إنك إلاّ تَدع شتمي ومنقصتي ... أضربكَ حيث تقولُ الهامة اسقوني
(2/977)

فانه إنما أراد أضربك على الهامة لأن العطش يكون في الهامة. وأنشدنا لأبي محمد الفقعسي:
قد علمتُ أني مروِّي هامها ... ومُذهب الغليلِ من أوامِها
وقال الكميت يذكر طعن الثور:
بطعن كوقعِ شراد النقالِ ... يحاكي به اللبة الأبحلِ
السِراد المخصف وهو المِسرد، والنقال رقاع النعال واحدها نقيل، والأبجل العرق، يقول هذا يسيل واللبة تسيل فكأنهما يتباريان. وقال قيس بن الخطيم يصف طعنة:
ملكتُ بها كفِّي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها
ملكت شددت، ومنه قوله: أملكوا العجين فإنه أحد الريعين يريد شدوا عجنه، أراد أن البصر ينفذ فيها وهذا من إفراط الشعر وقبل هذا البيت.
طعنتُ ابن عبد القيسِ طعنةَ ثائرٍ ... لها نَفَذ لولا الشعاع أضاءَها
نفَذ الجرح منجمه من حيث نفذ أي ظاهره.
وقال جرير:
وعاوٍ عوى من غير شيءٍ رميته ... بقارعة أنفاذها تقطُر الدما
جع نَفذٍ، والشعاع ما تفرق من الدم وانتشر، يقول لولا ذلك
(2/978)

أضاءت حتى يستبين لك، أنهرت فتقها أي أجريت الدم وكأنه من النهر. وقال الأعشى يصف ضربا بالسيف:
كاذن الفَرَاء الأصح ... ر بين الغيل والدَحل
يقيل النسر فيه ك ... جلوسِ الشيخ ذي الكِفلِ
الفرأ الحمار، والأصحر في لونه وكذلك حمير الوحش صحر، والغيل الشجر، والدحل غار يكون في أصل الجبل يتسع من آخره ويضيق من أعلاه، شبه ما بقي من ذلك الضرب من الجلود المتعلقة بآذان الحمر، وشبه النسر بشيخ مكتفل. وقال مالك بن زغبة:
بضربٍ كآذانِ الفراءِ فضوله ... وطعنٌ كايزاغ المخاض تبورها
الفِراء جمع فَرإ، وإيزاغ المخاض دفعها بالبول - يقال أوزغت توزغ وذلك إذا قطّعته قطعا، تبورها تعرضها على الفحل تنظر ألواقح هي أم لا. وقال الأعشى:
بمشعلةٍ يغشى الفِراشَ رشاشتها ... يبيت لها ضو من النارِ جاحم
مشعلة متفرقة الدم، ومنه قيل قد اشتعلت الكتيبة إذا تفرقت يبيت لها ضوء أي يوقدون عند المطعون ليعرفوا حاله في كل ساعة،
(2/979)

جاحم جمر، الأصمعي: الجحمة حر النار ومنه الجحيم. وقال حسان بن ثابت:
ذَروا فلجات الشأم قد حالَ دونها ... ضراب كأفواهِ اللقاح الأوراكِ
ينشَد: فلحات وفلجات بالحاء والجيم، قالِ: والفلحة من الأرض ما اشتققت منها للزرع، والفلجة ما اشتققت من الديار وقال آخر:
وأحياناً نخالطهم بضربٍ ... صموتٍ في الحديد وأرونانِ
يقول إذا ضربنا البَيض صوت وإذا ضربنا الدروع لم تصوت، أرونان صوت.
وقال الحارث بن حلزة:
وصتيت من العواتك ماتن ... هاه إلا مُبيضّة رَعلاء
صتيت جمع، والعواتك أمهات ملوك اليمن من كندة، ما تنهاه أي لا تكف هذا الجمع الاضربة توضح عن بياض العظم، رعلاء يتدلى اللحم من جانبيها جميعا. وقال:
وسمعت وقعَ سيوفنا برؤوسهم ... وقعَ السحابِ على الطِرافِ المشَرجِ
شبه وقع السيوف برؤوسهم بوقع المطرعلى الطراف وهو بيت من أدَم، مُشَرج منصوب مبني. وقو له:
وضرّب غير تذبيب
يريد أنه ليس بضرب نردّهم به عنا ولكنه ضرب قتل.
(2/980)

وقال سلامة بن جندل:
كأن منا خا من قيون ومنزلاً ... بحيث التقيْنا من أكّفٍ وأسوق
أي قيون يقطعون الأيدي والأرجل. وقال عنترة:
وحليل غانيةٍ تركَتْ مجدّلاً ... تمكو فريصته كشدقِ الأعلم
تمكو تصغِر من قول الله جل وعز " وما كان صلاتهم عند البيت الامكاء وتصدية "، يريد صوت خروج الدم منها، والأعلم الجمل المشقوق المشفر، شبه مواضع الضربة بشدق الأعلم. وقال:
بكلِ مرهفةٍ لها نَفَتٌ ... تحت الضلوعِ كطرة القدمِ
مرهفة سيوف رقاق، نفث تنفث بالدم، ويقال نفت بالتاء، يقال نفتت القدر تنفت نفتا إذا غلت، والرجل ينفت إذا غضب، القُدم برود يقال لها القُدمية، والطرة الحاشية.
وقال مالك بن زغبة الباهلي يصف رجلا طعن:
(2/981)

يجرِّر ثربه قد قضَّ فيه ... كأنّ بياضَه سِبّ صفيقُ
يريد أن بطنه شُق فخرج ثربه فقضّ في الراب أي حمل القضض، والسِب الخمارأ.
وقال القطامي يصف ضربا وطعنا:
ترى منه صدورَ الخيلِ زورا ... كأنّ بها نخازاً أو دُكاعا
نحاز مثل السعال، والدكاع الزكام، والنحاز للخيل والدكاع للابل.
فظلَّتْ تعبط الأيدي كلوماً ... تمّ عروفها علَقاً مُتاعا
تعبط تكلم كلْما على صحة لغير علة، والمتاع المسال يقال أتاع الرجل إتاعة إذا قاء قيئة.
وقال أيضا:
بضرب تهللك الأبطال منه ... وتمتكر اللحى منه امتكارا
المكرة المغرة، أي تخضب اللحى منه بالدم، شبه حمرة الدم بالمغرة. وقال عنترة أو غيره:
فنجا أمامَ رماحنا وكأنّه ... فوتَ الأسنة حافر الجَأبِ
الجأب المغرة، شبه ما عليه من لطخ الدم برجل يحفر في معدن مغرة. وقال خداش بن زهير:
وطعنة خَلس كفرغ الإزا ... ء أفرغ في مثعبِ الحائرِ
(2/982)

الفرغ مصب الماء من الدلو، وإزاء الحوض الموضع الذي تفرغ عليه الدلو.
تهالُ العوائدَ من فرغِها ... ترد السبارَ على السابرِ
السِبار الذي يدخل في الجراحة ليعلم ما غورها، ترده علىِ السابر لكثرة ما يخرج منها من الدم. وقال الطرماح يصف الثور حين طعن الكلاب:
فنحا لأولاها بطعنةِ محفظٍ ... تمكو جوانبها من الإنهارِ
نحا انحرف، والمحفظ المغضب، تمكو تصفِر وذلك عند سيلانها، والإنهار سعة الطعنة.
ومنه قول قيس بن الخطيم:
فأنهرت فتقها
وقال البعيث:
ونحن منعنا بالكلابِ نساءَنا ... بضربٍ كأفواهِ المقّرحةِ الهدلِ
المقرحة التي بمشافرها قَرْح فتسترخي مشافرها وتسيل ماء، شبه الضرب بها.
وقال الفرردق يصف شجّة ويهوّلها:
ترى في نواحيها الفراخَ كأنما ... جثَمن حِوالَي أم أربعةٍ طُحْلِ
شرَنبثةَ شمطاءَ من يرَ مابها ... يُشْبِه ولوبين الخماسّي والطفلِ
(2/983)

إذا ما سقوها السمنَ أقبلَ وجهُها ... بعين عجوزٍ من عرينةٍ أو عُكلِ
جُنادفةً سجراء تأخذُ عينُها ... إذا اكتحلَتْ نصفَ القفيزِ من الكحلِ
جنادقة يعني العجوز قصيرة غليظة، سجراء حمراء. وقال الفرزدق:
يحمي إذا اختلطَ السيوفُ نساءَنا ... ضرب تخِرّ له السواعدُ أرعلُ
تخر تسقط، أرعل مسترخ، المعنى أنه يميل ما قطع فيسترخي وفي مثل للعرب " زادك الله رَعالة: كلما ازددت مثالة " رعالة استرخاء ومثالة من قولك: هذا أمثل من هذا.
وقال الغرزدق أيضا:
ونحن ضربْنا هامةَ ابن خويلدٍ ... يزيدَ على أم الفِراخِ الجواثمِ
ونحنُ ضربنا من شُتيرِ بن خالدٍ ... على حيث تستسَقيه أم الجماجمِ
أم الفراخ الهامة، وكذلك أم الجماجم. وهذا مثل قول ذي الأصبع:
أضربْك حيث تقول الهامة اسقوني
ونحو منه قوله:
ونحن صدَّعنا هامةَ ابن خويلد ... على حيثِ تستسقيه أم الجواثمِ
(2/984)

الجواثم الفراخ يريد، الدماغ - وأمها الهامة. وقال العجاج يصف طعن الثور الكلاب:
وبجَّ كلَّ عاندٍ نَعور ... قضبَ الطبيبُ نائطَ المصغور
بج شق كل عرق عاند وهو الذي لا يرقأ، ويقال العاند العادل لا يجري دمه على جهته، والنعور الذي يرتفع دمه إذا جرى، قضب الطبيب أي قطعه، والنائط عرق يقال إنه في الظهر، والمصفور الذي به الصفار. وقال:
صقعاً إذا صابَ اليآ فيخ احتفَر ... في الهامِ دُحلانا يفّرسْنَ النُعَر
الصقع الضرب، والدحلان جع دحل وهو هوّة تكون في الأرض، يقول مجفر الضربُ في الهام، والفَرْس أصله دقّ العنق ثم جُعل كل دق فرسا، والنُعرة ذبابة، يقال: في رأسه نعرة - أي كبرة، وأصله أن الحار النِعر - وهو الذي يكون هذا الذباب في رأسه - يرفع رأسه فَضُرب مثلا للرجل الذي به كبر كأن تلك الذبابة في رأسه فهو شامخ بأنفه، يقول: فهذا الضرب بالسيف يذهب الكبر.
بين الطِراقين وَيفلين الشعرَ ... عن قُلُبٍ ضُجمٍ تورِّي من سَبرِ
أي بين طراقي عظام الرأس، والقلب الآبار: شمبه الشجاج بها ضجم مائلة يقال فم أضجم إذا كان مائلا، تورِّي من سبر أي من قاسها أورثت جوفه داء يسمى الوَرْي.
(2/985)

منها قعور عن قَعورٍ لم تذر ... دون الصَدى وأمه سترا سَتر
الصدى الدماغ وأمه الجلدة تكون عليه، يقول السيوف لم تنر شيئا من الرأس دون الدماغ وأمه، ويسمى الدماغ بالصدى لقول الأعراب أنه يخرج من هامة الميت فلا يزال يصيح على قبره. ومنه قول الكميت:
كأن الأمَ أم صداه لما ... جلوا عنها غَطاطةً حابلينا
يعني هامته، وقد فُسّر ذلك. ويقال أنه سمي الدماغ بالصدى لأن العطش يكون منه.
ومنه قول ذي الإصبع:
أضربْك حيث تقول الهامة اسقوني
وقوله يصف ضربا أيعني قول العجاج:
تفضّ أمّ الهام والترائكا ... هشمَك حوليّ الهبيد الراتِكا
الترائك أصله بيض النعام الذي قد قمثر فترك، شبه البيض على الرؤوس به. وقال: لا أدري ما الهبيد الراتك غير أن الرتك مقاربة الخطو. وقال بعضهم: إن الحنظل يؤخذ فيلقي حبه في حوض ويصب عليه الماء مرارا ثم يوطأ بالأرجل ويدلك دلكا شديد فإذا طاب الماء أخرج وجفف ثم جش فطبخ به واتخذ منه السويق، يريد بالراتك المرتوك فيه، الأصمعي: ويروي حولى الهبيد آركا، أي مقيما
(2/986)

عليه وهذا مثل - يقال إبل آركة إذا لزمت الأراك تأكله. وقال:
وفي الحَراكيك بخُدبٍ خزّلٍ ... لَخفٍ كأشداقِ القِلاص الهدَّلِ
الحراكيك الحراقِف وهي رؤوس الأوراك والخُدب الضربات التي لا تمالك، والخزل القطع، لخف هو أن يقطع قطعا رقيقا، ثم شبه هذه الخدب في سعتها بأشداق إبل هدل مسترخيات المشافر. وقال عبد الله بن الحويرث الحنفي:
هم أنشبوا زرقَ القنافي في نحورَهم ... وبِيضاً تقيضن البَيض من حيث طائره
يعني الفرخ وهو الدماغ، وتقيض تكسر. آخر وهو ابن مقبل:
كأن نزَو فراخِ الهامِ بينهم ... نزو القلاتِ زَهاها قال قالينا
القلات جمع قلَة وهي الدوّامة، والقال الخشبة التي تضرب بها الدوامة، والقالون الضاربون بها - يقال: قلوت بها. وقال الراعي يصف سيفا:
يزيل بناتَ الهامِ عن سكناتها ... وما يلقَه من ساعدٍ فهو طائح
بنات الهام الأدمغة، وسكناتها مواضعها. وقال آخر:
(2/987)

ألم ترمِ أوتضربْ وقد يضربُ الفتى ... ويرمي إذا جاري وإن مال رَلكبُه
أي يقاتل وإن قُتل، وراكبه رأسه. وقال أبو النجم:
وكان نوْل العبدِ إذ تحرّفا ... أن يُضرَب البيضِاءُ أو أن يُرعفا
إذ تحرف إذ مال عن الطربق، يضرب البيضاء أي الوجه، يقال ضربتك البيضاء أي الوجه، أو أن يرعف أي يجدع أنفه فيسيل دمه. وقال ابن شلوة:
وكأنما أقدامُهم ... كرَب تساقط في خليجٍ مفعَمِ
مفعم مملوء أراد كثرة الدم أي تَقع فيه فكأنها تقع في خليج وهو النهر الصغير يشق من النهر الكبير. وقال قيس بن الخطيم:
ترى اللابةَ السوداءَ يحمّر لونُها ... ويسهل منها كل رِيع وفَدفَدِ
اللابة الحرة والجمع لاب ولوب، يحمر لونها من الدم، ويسهل فيها كل ريع أي ينزل منه الدم، والريع كل ما ارتفع من الأرض، والفدفد المستوى الصلب.
وقال ابن أحمر يذكر عينه ورماها رجل ففقأها:
أهوى لها مِشَقصاً حشراً فشبرقها ... وكنت أدعو قذاها الاثمد القَرِدا
(2/988)

يقول كنت من إشفاقي عليها أسمي ما يصلحها قذى فكيف ما يؤذيها، وقوله: أدعو أي أسمي، تقول: ما تدعون هذا فيكم؟ أي ما تسمونه. وقال ساعدة بن جؤية:
يُدعون حُمساً ولم يرتعْ لهم فزع ... حتى رأوهم خِلالَ السبي والنَعم
يُدعَون يسمّون، يقال لهم حرمة الحمس والحمس قريشَ ومن ولدت وحلفاؤها، ولم يرتع من الروع، خلال السبي بينه، والنعم الإبل، والحشر السهم الخفيف الريش الذي قد قُصبه ورِصافه، والاثمد القرد هو الذي ينقطع في العين وقيل القرد الذي لصق بعضه ببعض، والمعنى كنت أسمي الإثمد قذى من حذري عليها. وقال أبو كبير:
عجِلت يداك لخيرهمِ بمِرشّةٍ ... كالعّط وسط مزادةِ المستخلفِ
مرشة طعنة ترش الدم، والعط الشق، والمستخلف الذي يسقى، يقول يسيل دم هذه الطعنة كما تسيل المزادة المشقوقة.
مستّنة سننُ الفَلُوّ مرشّة ... تنفي التراب بقاحِز مُعرَورِفِ
أي يسن دمها يتبع بعضه بعضا كما يستن الفلو، تنفي التراب تبعده بدم يقحز أي ينزو، معرورف له عرف.
يهدى السباع لها مُرِشّ جديّة ... شعواء مشعلة كجّرِ القَرطفِ
أي تشم السباع الدم فتتبع أثره، والجدية الطريقة من الدم وشعواء
(2/989)

منتشرة، مشعلة متفرقة، وشبه طريقة الدم بمجرّ قطيفة على الأرض. وقال
وإذا الكماةُ تعاوروا طعَن الكلى ... ندْر البِكارةِ في الجزاء المضعَفِ
أي يتعاورون طعنا يذهب هدرا كما تندر البكارة وهي الصغار أي تُلقى فلا تحسب في الجزاء أي في الدية، وَالمضف المضاعف. وقال:
وأخو الأباءةِ إذ رأى خُلّانه ... تلّى شفاعا حوله كالاِذخِرِ
الأباءة الغيضة، يريد قوما قُتلوا قريبا من غيضة، تلّى صرعى، من تَلّه للجبين، شفاعا اثنين اثنين، يقول امتلأت الأرض منهم حي قُتلوا، وذلك أن الاذخر يكثر إذا نبت ولا تكاد تجد اذخرة واحدة إنما تجد الأرض منه مستحلسة.
من يأتِه منهم يؤبْ بمرشّةٍ ... نجلاءٍ تُزغل مثل عَطِ المِسترِ
تزغل تدفع، مثل شق المستر وهو ثوب يستتر به، نجلاء، واسعة.
وقال يصف رجلا والبيت لزهير:
يطعنهُم ما ارتموا حتى إذا اطّعنوا ... ضارب حتى إذا ماضاربوا اعتنقا
يقول: إذا رموا من مدى بعيد غشيهم بالرمح فإذا اطعنوا دخَل تحت الرماح وضارب فإذا ضاربوا دخل تحت السيوف فاعتنق، إنما أراد أن يخبر أنه أقربهم منهم وألزقهم بهم.
وقال مالك بن خالد الخناعي:
(2/990)

ترى القوم صَرعى جثوةٍ أصبحوا معا ... كأنّ بأيديهم حواشي شِبرق
شبرق شجر وحواشيه حمر، فشبه الدماء بها. وقال ابن مقبل:
ورجلة يضربون البَيضَ عن عُرُضٍ ... ضرباً تواصى به الأبطالُ سِجّينا
سجّين ضرب شديد، قال أبو عبيدة: ومنه قول الله عز وجل " بحجارة من سجيل "، أي شديد، قال: وليس قول من قال سنكك وكل بشيء، ويروي سِخينا أي سخن. وقال كعب بن زهير:
بضربٍ يُلقح الضِبعانُ منه ... طِروقته ويأتنف السفادا
قال الأصمعي: يقول أخصب الضبعان حتى كأنه في ربيع يخصب فيلقح فيه، يأتنف السفادا، آخر: إذا شبع ترك الطلب وألحّ على السفاد، غيره: يريد تركنا من ذلك الضرب قتلى فيها طعام يلقح الضبعان طروقته سنتة ويأكل منه فيكفيه حتى يأتنف سفاداً من العام المقبل، والضبعان ذكر الضباع وقال النابغة الجعدي:
(2/991)

تحمَّل حي من كلاب وعلّقوا ... رؤوسً تُثفّى منزلاً ثم منزلا
وجئنا بإبدالء الرؤوس فلم ندعْ ... لبنتِ كلابيّ من التبلِ مغزلا
تثفى تُتَّخد أثافي، أي لم ندع مغزلا أخذ منهم إلا استنقذناه فرددناه عليهم.
وقال عدي بن زيد يمدح رجلا في حرب:
يهيِّجُه الصوتُ الضئيلُ وقِرنه ... يعاندُ خرقاً ثائرأ دون سربالِ
يقول يهيجه صوت رجل قد طُعن فهو ضعيف الصوت يستغيث، يعاند يميل من طعنة، والثائر الدم، ويروي.
يجيْبُ إلى الصوتِ فقرنه ... يعالجُ وهياً فائرأ دون سربالِ
وقال يذكر طعنة:
تقحِّم الآنِيَ العبيط كما ... قحَّمَ غرب المحالةِ الجملِ
الآني الدم الذي قد بلغ ونزا في الجوف، والعبيط الطي، والغرب الدلو، والمحالة البكرة، يقول تدفع الطعنة الدم كما يجذب الجمل الغرب ويدفعه. وقال أبو ذؤيب:
وغادر في رئيسِ القومِ أخرى ... مشَلشلة كما نفَذَ الخسيف
مشلشلة طعنة تشلشل بالدم، والخسيف البئر تكون في جبل فيُكسَر جبلها عن الماء فلا تنزح أبدا.
(2/992)

وقال ساعدة بن جؤية:
كأنما يقعُ البُصري بينهم ... من الطوائفِ والأعناقِ بالوَذمِ
البصري سيف منسوب، والطوائف النواحي يريد الأيدي والأرجل، والوذم سيور في الدلو، يقول كأنما تقع السيوف على السيور من سرعة مّرها. وقال لبيد وقد ذكر الدهر وحوادثه:
ولقد رأى صُبح سوادَ خليلةِ ... من بينِ قائمِ سيفه والمِجملِ
صبح ملك من ملوك اليمن، وخليلة كندة وذلك أنه ضُرب ضربة فرأى كبد نفسه، ويقال: بل أراد بخليله صاحبه الذي ضربه وسواده شخصه وقد قرب منه، والمحمل حمائل السيف.
وقال أبو خراش:
فنهنه أولى القوم عني بضربةٍ ... كأوشخةِ العذراءِ ذاتِ القلائدِ
يريد طرائق الدم كأوشحة العذراء. وقال المتنخل الهذلي وذكر سيفا:
ذلك بزّي وسليهم إذا ... ما كنَّتِ الحَيش عن الأرجلِ
هل ألحق الهِدرة بالضربة الخدباء بالمطَّرد المقصَل. كفت شمر، والحيش الفزع أي شمر بهم الفزع، والهدرة
(2/993)

الضربة التي تهدر قطعة فترمى بها، والمطرد الذي يتتابع إذا هز. وقال كثير:
ويضربُ رَيعانَ الكتيبةِ صفّنا ... إذا أقبلتْ حتى نطرّفها رَعلا
ريعان الكتيبة أولها، والرعل أن يقطع اللحمَ ويترك متعلقا لا يسقط، نطرفها نردّها. وقال آخر:
وضربُ الجماجمِ ضرب الأص ... م حنظل شابةَ يجني هَبيدا
ضرب الأصم أشد من ضرب السميع لأنه يبالغ ليسمع صوت الضربة.
وقال آخر وهو الفرزدق - ويروي لذي الرمة:
وكنا إذا القيسي نبّ عَتودُه ... ضربناه دونَ الأنثيين على الكرَدِ
نبَّ عتوده - يصغرّ شأنه، والنيب صياح التيس عند السفاد، والعتود العريض حين يبلغ السفاد، والأنثيان الأذنان، والكرد أصل العنق. وقال زهير:
إذا لِقحَتْ حرب عَوان مضرة ... ضروس تهرّ الناس أنيابُها عُصلِ
قضاعّيةٌ أو أختها مضريّة ... يحرَّق في حافاتها الحطبُ الجَزلُ
(2/994)

لقحت اشتدت، وعوان ليست بأول - قد قوتل فيها مرة بعد مرة، وضروس عضوض سيئة الخلق، تهر الناس أيمط تصيرهم يَهرون منها أي يكرهونها. وقال عننترة:
حلفنا لهم والخيلُ تردِى بنا معا ... نقاتلُكم حتى تهروا العوالياِ
وعصل كالِحة معوجة وإنما يعصل ناب البعير إذا أسن، فأراد أنها حرب قديمة. قال وسمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: يقولون لزهير " حرب مضرة " ولو كان إلي لقلت " مصِرّة " أي تعتزم وتمضي، قضاعية أو أختها مضرية - أي حرب منكرة. يقال: قضاعة بن معد مضر بن نزار بن معد، والجزل ما غلظ من الحطب. يقول: توقد بالجزل لا بالدقيق، والمعنى أنها حرب شديدة. ومثله قول الأعشى:
أي نارِ الحربِ لا أوقدُها ... حطَباً جزلاً فأورَى وقدَحَ
وقال ابن مقبل:
لا حرب بالحرب يشفيها الإله ويش ... فيها شفاعة بين الاِلّ والرحِم
حتى تشولُ لقاحاً بعد قارحِها ... تحرّبوها كحربِ الذئب للغنمِ
يقول: إذا شفى الله الحرب وشفتها الرحم فليست بحرب شديدة، والالّ الحِلف والقرابة، وأول ما تلقح الناقة فهي قارح، جعل الناقة مثلا للحرب، تحربوها أي تجعلوها حربا، يقال: حرب وأحرب
(2/995)

أي حرش الحرب. وقال كعب بن زهير:
صبحناهم بجمعٍ فيه ألف ... رواياهم يخضخضنَ المزادا
الروايا الإبل التي تحمل الماء، تخضخض المزاد والضأن القهادا أربت يعني الحرب لزمتهم، والأركاع السفلة، والقهاد الصغار الأذناب القباح الوجوه، يهجوهم أي أنهم كذلك.
وقال النابغة الجعدي:
ويوم شديد غير ذي متنفسٍ ... أصمٍ على من كان يُحسب راقيا
كأن زفير القوم من خوفِ شرهِ ... وقد بلغت منه النفوسُ التراقيا
زفير متمّ بالمشيّا طرّقتْ ... بكاهله فلا يَريمُ الملاقيا
المتم المرأة الحامل أتمت حملها، والمشيأ المختلف الجسم، طرقت بكاهله أي حان خروج كاهله فنشب، فلا يريم ملاقي الفرج. وقال أبو ذؤيب:
وقائلة ما كان حذوةً بعلها ... غداة إذٍ مِنها شاءِ قِرد وكاهلِ
ردّدنا إلى مولى بنيها فأصبحتْ ... يُعَدُّ بها وسط النساءِ الأراملِ
أي رب قائلة تقول ما أصاب زوجي من حذوة الجيش؟ أي ما أعطى، وقرد وكاهل قبيلتان من هذيل، وإنما يهزأ بالمرأة يقول: قتلنا زوجها فصار يلي بنيها مواليهم أي بنو العم وأصبحت تعد في الأرامل.
(2/996)

وأشعت بوشّي شفينا اُحاحَه ... غداة إذ ذي جَردة متماحلِ
أهمَّ بنيه صيفهم وشتاؤهُم ... فقالوا: تعدّوا غْز وسط الأراجل
بوشي ذو بوش وعيال، أحاحه غيظه، والجردة الشملة، المتماحل الطويل الطرفين، أهم بنيه نفقة صيفهم وشتائهم فقالوا لأبيهم تعدّ أِي - انصرف، واغز وسط الأراجل رجّالة جماعة.
تأبّط نعليْه وشيقّ فريرة ... وقال أليس القوم دون حُفائل
يقول تزود نصف خروف، قال أبو عمرو: نصف فروة. وقال أليس القوم - العدو - قريباً؟، فقال يكفيني هذا الزاد وأنا إليكم بالغنائم. وقال ساعدة بن جؤية:
بيناهُم يوما كذلك راعَهُم ... ضبر لباسهم الحديد مؤلّبُ
ضبر جماعة من الناس، ومنه ضبرت الكتب أي جمعتها، مؤلب مجّمع.
تحميهُم شهبا ذاتُ قوانس ... رمّازة تأبى لهم أن يُحربوا
قوانس أعالي حديد، رمازة تموج وتتحرك وأصل الرمز تحريك الشفتين.
لا يُكتَبون ولا يُكَتّ عديدُهم ... حفلَت بجيشهم كتائب أو عبوا
(2/997)

لا يكتبون أي يجمعهم العدد، ولا يكت لا يكسر، أو عبوا جاءوا بجماعتهم. وقال:
يُدعُون حُمساً ولم يرتعْ لهم فزع ... حتى رأوهم خلالَ السبي والنعمِ
الحمس بنو عامر وكنانة وخزاعة ومن ولدته قريش - سمّوا بذلك لأنهم كانوا يحرمون أشياء لم تكن العربَ تحرمها. وقال الشاعر وهو ابن أحمر:
لو بي تحمّست الركاب إذّا ... ما خانني حَسبي ولا وفري
أي تحرمتْ، ولم يرتع - يفتعل من الروع كأنه قال: ولم يفزع لهم فزع أي لم يكونوا فزعوا قبل ذلك وكانوا عند أنفسهم أعزّ من الأحماس فلم يشعروا حتى رأوا الذين أغاروا عليهم بين السبي والنعم يأخذون.
فاستدّبروا كل ضَحضاحٍ مدفّئِة ... والمحَصنات وأوزاعاً من الصِرَمِ
استدبروا ساقوها من ورائها، كل ضحضاح يعني إبلا والضحضاح الرقيق أصله من الماء الرقيق وإنما قال لها ضحضاح يعني لانتشارها على الأرض، مدفئة كثيرة، وأوزاعا يعني فرقا. وقال عمرو ذو الكلب وكان جارا لهذيل:
ومالَبثَ القتالُ إذا التقينا ... سوى لَفْتِ اليمينِ على الشمالِ
يقول إنما لبث كقدر اشتمال إنسان في السرعة.
(2/998)

وقال عياض بن خويلد:
من المدَّعينَ إذا نوكِروا ... ترْيع إلى صوته الغَيلَم
المدعين هو أن يقول: خذها وأنا فلان، ونوكروا كرهوا، تريع ترجع، والغيلم المرأة الحسناء، أي هو يمنع ويقاتل عن الفتاة. وقال عياض بن خويلد:
بشهباءٍ تغلب من ذادَها ... لدى متنٍ وازعِها الأورمِ
تغلب من طردها، يقول معظم الجيش وأشده انتفاجا خَلف وازعها ليزعها فخلفه معظمها. وقال أبو جندب:
وقلت لهم قد ادركتُكم كتيبةً ... مفسِّدةً الأدبارِ مالم تخفّز
من قال: تخفر بفتح الفاء أراد ما لم تُنفَذ لها خفارتها، ومن قال تخفر بكسر الفاء أراد ما لم تعب عَهدا فإن أعطت وفت به، مفسّدة يريد إذا أدركت دبر كتيبة أفسدتها.
وقال ساعدة يذكر امرأة تسأل عن أبيها صاحبين له:
فقالا عهدنا القومَ قد حضَروا به ... فلا ريب أن أن قد كانَ ثم لَحيم
(2/999)

حضروا به أي حضروه، فلا ريب فلا شك، لحيم قتيل - لحِم فلان قتل، ويروى " شحيم " أيضا أي قتيل. وقال يذكر جيشا:
صابوا بستةِ أبياتٍ وأربعةٍ ... حتى كأنّ عليهم جابئاً لبدا
أي وقعوا بهم، والجابيء الجراد يريد من كثرة ماَ وقع عليهم الناس كأن عليهم جرادا ملتبدا. وقال أبو خراش حين أسر فافتداه خويلد:
فداني فلم يضننَّ عليّ ببكرِه ... وردّ غداة القاعِ رَدّة ماجدِ
بكره ولده الأول، رد ردة ماجد أي كرّ كرة ماجد. وقال أبو ذؤيب:
مردّ قد نرى ما كان فيه ... ولكن إنما يدَعي النجيب
أي مكرّ. وقال كثيّر:
وسارَتْ إلى شهباءٍ ثابِتة الرحى ... مقنّعة أخرى تزود نجومها
مقنعة بالحديد يعني كتيبة، ونجومها توقدها من الحديد والبَيض كأن فيها نجوما، تزول تحرك كقول زهير:
(2/1000)

تبصّر خليلي هلى ترى من ظعائن ... كما زالَ في الصبحِ الأشياءِ الحواملِ
عبد الرحمن عن عمه.
والحرب لا تقهر لاستعلائِها ... تطمح لم يقدَر على إلهائِها
يقول الحرب لا تقهر بأمر يسير حتى يحتوش من نواحيها، فشبه الناقة بالحرب لأنها لا تضبط حتى يكون مستعلٍ وبائن، والمستعلي الذي يحلب والبائن الذي يمسك العلبة.
عبد الرحمن عن عمه لعامر بن الطفيل:
ونعم أخو الصعلوكِ أمسِ تركتُه ... بتّضرعٍ يمري باليديْنِ ويعسِفُ
يمري يمسح الأرض، والعسف أن يتنفس نفسا شديداً. والعرب إذا رأوا البعير قد عسف نحروه، والعسف نزو الحنجرة وهذا مجروح، وأنشد.
حتى يرى يعسف قد أحبّا
والمحِب الذي قد كاد يموت. وأنشد:
ما كان ذنبي في محبٍ باركْ ... أتاه أمرُ الله فهو هالْكُ
وقال أوس بن حجر:
(2/1001)

وفارَتْ بهم يوماً إلى الليلِ قِدْرنا ... تصّكُ حرابيَّ الظهور وتدسَعُ
هذا مثل، أي كأنهم في قدر لنا تغلي بهم، وحَرابيّ الظهور عضلُها الذي يشخص من لحمها، أراد إنا نطعنهم في ظهورهم لأنهم منهزمون وأنشد لعبد الله بن عنمة الضبي.
حرابيّ متنيه تديص كأنها ... خُصي أكلب ينزون فَي رأسِ أبرقا
تديص تموج، وتدسع تدفع وترمي بالزبد يعني القدر كأنها تقىء عليهم.
فما جبنوا إني أسِدّ عليهم ولكن لقوا ناراً تحشّ وتسفع
إني بالكسر أسِدّ عليهم أقول بالسداد وهو القصد. قال الأصمعي هكذا أنشدنيه شعبة عن سماك بن حرب، وأنشدنيه أبو عمرو بن العلاء " فما جبنوا أنا نَشد عليهم " يقول لم يجبنوا لشَدنا عليهم ولكن لقوا حربا مثل النار. وقال يذكر خيلا عليها فرسان:
عليها شِحاحٌ لا ذخيرة فيهم ... فيلحق منهم لاحق وتقطّعوا
شحاح شداد حراص على الغنيمة، لا ذخيرة فيهم لا معروف لأحد عندهم فيحتاجوا إلى أن يكافئوه به، فيلحق لاحق أي من
(2/1002)

الخيل، وتقطعوا قبل أن تبلغ. وقال:
لدي كلِ أخدودِ يغادرن دارعاً ... يجَرّكما جر الفصيلِ المقرَّعُ
القرع بثر الفصال وجدريّها فتبلّ ثم تجرّ في سبخة أو ملح فيذهب.
لدن غدوةٍ حتى أغاثَ شريدّهم ... طويل البناتِ فالعيونُ فضَلفَع
طويل البنات جبل حوله جبال صغار، يقول صاروا فيه فأفاقوا وشربوا الماء. وقال:
نبئت أنّ دماَ حراماً نلتَه ... وهريق في ثوبِ عليكَ محبّرِ
إن كان ظني يا ابن هند صادقي ... لا تحقنوها فيَ السقاءِ الأوفرِ
يقول صار الدم في ثيابكم ليس عند آخرين، لا تحقنوها أي لا تذهبوا بها، وهذا مثَل للعرب أي أنتم قتلتموه. وقال رؤبة:
قلت وجدَّ الورد بالفُرّاطِ ... لابدّ من جبيهةِ الخِلاطِ
إذا تلاقى الوهط بالأوهاطِ ... أروِي بثَرثارَين في الغِطماطِ
الوهط المكان المطمئن من الأرض، يريد إذا اجتمعت جماعات القتال في هذه المواضع: وإنما يريد ورد القتال، والجبيهة المصادمة، والخلاط المخالطة، والثرثار الذي له صوت، والغطماط الموج، وإنما
(2/1003)

هذا مثل. وقوله:
أغرفُ من ذي حدب وأوزي ... إلى تميم وتميم حرزي
قال بعضهم: أوزي أسند وقال آخرون أصبّ في الإزاء وهو موضع مصب الماء، وهو أيضا مثل قوله:
بأيّ دلو إن سقينا تستنيَ
وهذه أمثال. الأصمعي في قول الشاعر:
وخيل بني شَيبان أحنطها الدم
: أي كان الدم لها حنوطا. وقال رؤبة:
وأنا إن حافل يوم الحّفِل ... وغَشّ ذو الضّبِ وداء الحقلِ
والحرب تَشرَي بالكِشافِ المغلِ
الضب داء يكون في الصدر، والحقل هاهنا مثَل وهو داء يصيب الإبل في بطونها من أكل التراب والاسم الحَقْلة، والكشاف اللقاح، والمغل أن تلقح في السنة مرتين يقال أمغلت الشاة، قال الأصمعي: وضعه في غير موضعه لأن الكشاف إنما هو في الإبل والمغل في الشاء.
(2/1004)

أنشد ابن الأعرابي لشداد بن معاوية:
قتلت سراتكم وحَسلت منكم ... حسيلأ مثل ما حسل الوِبار
الحسيل والخسيل الرُذال، يقول قتلت سراتكم وتركت رذالكم الذين يُنفون كما ينفيَ الوبار. وأنشد:
تخبط بالأخفافِ والمناسمِ ... عن دِرّة تخضب كف الهاشمِ
هذه حرب شبهها بناقة ودرتها دم، ويقال هشم ما في الضرع إذا حلبه كله. وأنشد لبعض الأنصار:
وأفلتنا أحَيَة غَير غَفرٍ ... يواري شخصه منا السواد
الغفر أصله النكس، يقول أفلتنا مرةَ وليس بمفلت بعد. وقال في قول ضمرة:
ماويّ بل ربّتَ ما غارة ... شعوا كاللَذعة بالمِيسمِ
يريد كأنها في سرعتها لذعة بميسم في وبر. وقال آخر:
وآخر شاص ترى جلده ... كقشرِ القتادةِ غِبّ المطرِ
الشاصي الرافع رجله، وإذا أصاب المطر القتاد انتفخت قشوره وارتفعت، أراد قتيلا قد انتفخ.

باب المعاني في الديات
قال زهير:
تُعفى الكلوم بالمئين فأصبحَتْ ... ينجّمها من ليسَ فيها بمجرِم
(2/1005)

أي تمحي الجراح بالمئين من الإبل، يقول أنتم تغرمونها وتتحملونها نجوما على أنفسكم حتى يتموا الصلح، يريد المصلحين من عبس وذبيان.
فأصبحَ يجري فيهم من تلادكم ... مغانم شتى من إفالٍ مزنَّم
يقول صار عندهم من تلادكم لأنكم تحملتم، والإفال صَغار الإبل الواحد أفيل، والمزنم الموسّم بسمة توسم بها كرام الإبل. وقال: المزنم فحل معروف. ثم قال:
لعمركَ ماجرّت عليهم رماحهم ... دم ابن نهيكٍ أو قتيلِ المثلّمِ
فكلا أراهم أصبحوا يعقلونه ... صحيحات مال طالعات بمخرم
يقول لم يحملوا دم ابن نهيك ودم قتيل المثلم لأن رماحهم جرّت ذلك ولأنهم جنوه - ولكن تبرعوا بالصلح بين عشيرتهم فأصبحوا يعقلون عنهم، وقوله: صحيحات مال - ويروي ألف، يريد ألفا من الإبل، طالعات بمخرم - أي قد نفذت إلى أصحابها الذين أدوها إليهم وقال آخر:
(2/1006)

عقلُنا لهم من زوجِها عددُ الحصى ... تُخطّطهُ في جنحِ كل أصيلِ
يقول قتلنا زوجها فلم نجعل عقله إلاّ همها تخطط في الأرض من غمها بذلك وفكرتها بما أصيب به من زوجها. والمغموم يولع بلقط الحصى وعدّه. وانشد لذي الرمة:
عشية مالي حيلة غير أنني ... بلقطِ الحصى في عرصة الدار مولعُ
وقال آخر:
كفى مطلَّقةٍ تفتّ اليرمعا
وقال أمية بن أبي الصلت:
في فعالٍ من المكارمِ جزل ... لم تعلّل لهم بلَقطِ حصاكا
وقال الكميت يذكر رجلا:
كأنّ الدياتِ إذا علّقتْ ... مئوها به الشنَق الأسفلُ
الشنق ما بين الفريضتين وهي في البقر الوقص، يقول الديات التامات عنده في خفة حملها عليه كأسفل الأشناق. وقال الأخطل:
قرم تعلق أشناق الدياتِ به ... إذا المئون أمرّت فوقه حملا
ابن الأعرابي: الشنق أن تزيد الإبل على المائة خمساً أو ستا: يقول فهو يحتمل الديات كاملة زائدة وقد تفعل العرب ذلك إذا احتمل الرجل الحمالة زاد أصحابها ليقطع ألسنتهم عنه وينسب إلى الوفاء.
(2/1007)

أمرت فوقه حملا - كأنها شدت عليه بالمِرار وهو الحبل. وقال الكميت:
أبونا الذي سن المئون لقومِه ... ديات وعداها سلوفاً منيبهاً
عدّاها أمضاها سنة، سلوفا متقدما، منيبها مطيعها، وقيل السابق.
وسلمها واستوسق الناس للتي ... تعلل فيما سن فيهم جَدوبها
يقول من عابها تعلل لأنه لا يجد عيبا. وقال زيد الخيل يذكر إياس بن قبيصة الطائي:
أفي كل عام سيد يفقدونه ... تحكِّك من وجدٍ عليه الكلا كلُ
ثم يكون العقل منكم صحيفةً ... كما علقت على السليمِ الجلاجلُ
كان كسرى أرسل إلى مال إياس ليأخذه فنفرت عن ذلك طيء وقد أراد أن يبطش بأناس منهم فلما رأى ذلك كسرى كتب لهم كتابا. فيه أمان فقال زيد شعرا هذين البيتين فيه يحض قومهم وينهاهم أن يقبلوا كتابه أو يطمئنوا إلى قوله. وقوله: كما علقت على السليم الجلاجل - كان اللديغ تعلق عليه الجلاجل والحلى ثم تحرك لئلا ينام فيدب السم في جسده. يقول: فهذا الكتاب الذي كتبه لكم كسرى كذلك يخدعكم به ويعللكم. وقال النابغة يصف حية:
يسهّد من نومِ العشاءِ سليمها ... بحلى النساءِ في يديه قعاقعُ
وقال عمرو بن معدي كرب:
لصاحت تنادي الهام منهم بأرضنا ... صياحَ الندامى حول بيتِ تجارِ
(2/1008)

يقول قُتلوا فصاحت هامهم وكانت الأعراب تزعم أن الهامة تصيح إذا قتل الرجل بإني عطشى حتى يقتل بثاره فتسكهن، ويقال بل يخرج من رأسه طائر يقال له الهامة، والتجار هاهنا باعة الخمر وقالت ليلى الأخيلية:
إلى الخيل أجلي شأوها عن عقيرةٍ ... لعاقرِها فيها عقيرةُ عاقرِ
تريد فيها وفاء لعاقرها في القصاص.
فإن لا يباوئه السليل يكنْ لكم ... من الدهرِ يومِ ورده غير صادرِ
يباوئه من البواء وهو القصاص، والسليل رجل من عقيل، تقول إن لم يقاص به أقام لكم يوم من الشر مَن وردَه لم يصدر، تريد أنه يقتل.
وإن تكنْ القتلى بواء فإنكم ... فتى ماقتلتم آل عوفٍ بن عامر
فتى ما قتلتم على جهة التعجب أيْ: أيّ فتى ما هو من فتى، والبواء التساوي في القصاص. وقال أنس بن مدرك وقتل سُليكا:
إني وقتلى سليكاً ثم أعقُله ... كالثورِ يُضرب لما عافت البقرُ
كان سليك وطىء امرأة من خثعم وأهلها خلوف فقتله انس فطولب بعقله فامتنع. وقال: إن قتلى سليكا كان باستحقاق فمطالبتكم إياي بعقله ظلم كما ظُلِم الثور لما ضُرب إذ عافت البقر، وقد فُسر هذا وما أشبهه. وقال زهير يصف قوما:
(2/1009)

كرام فلا ذو التبل يدرك تبلهلديهم ولا الجاني عليهم بمسلم يقول إذا تبلوا في قوم لم يطمع القوم في الإدراك بتبلهم منهم وإن جني عليهم جان لم يسلَم لمن يأخذه بجنايته. وقال يمدح قوما:
وإن قامَ منهم قائمٌ قالَ قاعد ... رشدت فلا غرمٌ عليك ولا خذل
أي إذا قام في الحمالة قائم دعا له القاعد بالرشاد: لا غرم عليك لتبرعهم جميعا بالاحتمال، كلهم يحب أن يلزم ذلك دون غيره. قال الحارث بن حلزة:
إن نبشتَّم ما بين مِلحةَ فالصاق ... بُ فيه الأمواتُ والأحياءُ
يقول إن أثرتم ما كان بيننا وبينكم من الوقعات التي كانت بين الصاقب - وهو جبل - وملحة - وهو مكان - ظهر عليكم ما تكرهون من قتلى قتلناها لم تدركوا بثارهم، وفيه الأموات والأحياء - يقول في هذا النبش والأمر الذي أثرتموه موتى قد نُسوا ومات أمرهم لقدم عهدهم، وفيه أحياء أي حديث أمرهم قد بقي ففي آثارهم تلك ما يعرف به فضلنا عليكم وادعاؤكم الباطل، ويقال: إن نبشتم ما فعل الميت وما فعل الحي.
أو نقشتم فالنقش يجشِّمه النا ... سُ وفيه السقام والابراءُ
النقش الاستقصاء ومنه قيل ناقش فلان فلانا في الحساب أي استقصاه، يقول إن استخرجتم كل شيء ففي الناس السقام والابراء
(2/1010)

أي لا تأمنون إن استقصيتم أن يكون السقام فيكم بأن تكونوا فتلتم فلم تثأروا وقُهرتم وعسى أن يكون الإبراء منا فيستبين ذلك للناس ويصير عاره عليكم فترك الاستقصاء خير.
أو سكتَّم عنا فكنتمِ كمنْ أغ ... مَضَ عيناً في جفنها أقذاءُ
أو منَعتُم ما تُسألون فمن حدِّ ... ثتموء له علينا العلاءُ
أي إن منعتم ما تسألون من النصفة فانظروا من ضامنا أو كانت له الغلبة علينا فاعتبروا.
فاتركوا الطَيخَ والتعدي وإمّا ... تتعاشَوا ففي التعاشِي الداءُ
الطيخ الكلام القبيح، يقال هو طيّاخة، والتعاشي التعامي يقول إن تعاشيتم عن أيامنا فألجأتمونا إلى الإخبار عنكم وعنّا صرتم إلى ما تكرهون.
أعلينا جُناحِ كندة إن يغ ... نم غازيهم ومنا الجَزاء
ذكروا أن كندة غزت بني تغلب فقتلوا منهم وأسروا، يقول إن كانت كندة فعلت ذلك بكم فلم تقدروا أن تمتنعوا ولا أن تلحقوا اثأركم أفعلينا تحملون ذنبهم؟ يقول: تغنم كندة منكم فيكون جناح ما صنعواعلينا؟.
أم علينا جرّي إياد كما قي ... ل لطسم أخوكم الأبّاء
قال الأصمعي: كان طسم وجديس أخوين فكسرت جديس على الملك خراجه فأخذت طسم بذنب جديس، والأباء أبى أن يؤدي الخراج، يقول تريدون أن تلزمونا ذنوب الناس كما قيل لطسم إن
(2/1011)

أخاكم كسر الخراج على الملك فنحن نأخذكم بذنبه.
عننا باطلا وظلما كما تُع ... تر عن حَجرة الربيض الظِباء
عننا اعتراضا، يقول: أنتم تعترضوننا بادعاء الذنوب، والعتر الذبح والعتيرة ذبيحة، والحجرة الحظيرة تتخذ للغنم، والربيض جماعة الغنم، وكان الرجل من العرب ينذر نذرا على شائه إذا بلَغت مائة أن يذبح عن كل عشر منها شاة في رجب كانت تسمى تلك الذبائح، الرجبية فكان الرجل منهم ربما بخل بشائه فيصيد الظباء ويذبحها عن غنمه في رجب ليوفي بها نذره، فقال: أنتم تأخذوننا بذنوب غيرنا كما ذبح أولئك الظباء عن غنمهم. وقوله:
أم علينا جرَّى العباد كما ني ... ط بجوز المحمّل الأعباء
جوزه وسطه، والأعباء الأثقال، أي كما يزاد الثقل على الثقل وقال يصف إيقاع الغَلاّق بتغلب:
ما أصابوا من تغلبي فمطلو ... ل عليه إذا تولّى العفاء
كتكاليف قومنا إذ دعا المن ... ذر: هل نحن لابن هند رِعاء
كان عمرو بن هند قد بعث إلى بني تغلب وكانوا انحازوا عنه، يدعوهم إلى الرجوع إلى طاعته والغزو معه فأبوا وقالوا: مالنا نغزو معك أرعاء نحن لك؟ فحكى الحارث قول تغلب - فغضب عمرو فغزاهم في طريقه إلى غسان فقتل منهم، وقوله: كتكاليف - يقول لما كلِّفوا أن يرجعوا إلى عمرو لم يفعلوا - أي كانت وقعة الغَلاق بهم وذهاب أموالهم ودمائهم فيها هدرا كهذا. وقوله:
وأقد ناه رب غسّان بالمن ... ذ ركرها اذلا تكال الدماء.
(2/1012)

يقول ذهبت هدرا فليس فيها قَود، يقال كِيل فلان بفلان إذا قتل به.
وقال الأسعر بن حمران الجعفي:
باتت بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعد وبهاعتَد وَأي
البصيرة الدفعة من الدم، أي دماؤهم قد خرجت فصارت على أكتافهم وبصيرتي - في جوفي يعدو بها فرسي، يريد أنهم جرحوا، ويقال: بل أراد أن الذي طلبوه من الذحول على أكتافهم لم يدركوه بعد فهو ثقل عليهم، وبصيرتي أي ذحلى قد أدركت به.
وقال عوف لقوم أخذوا إبل جيران له:
وإن كان عقلا فاعقلوا لأخيكم ... بنات المخاض والبِكارَ المقاحما
يهزأ بهم يقول: إن كان الأمر إلى أن تعقلوا فأعطوا الخشارة. وقال عبد الله بن سلمة:
وسامِي الناظرين غذيّ كثر ... وثروة نابت كثرو افهِيبوا
غذى كثر هو في سعة من المال، وثروة أي عدد كثير، نابت نشأ حديثا.
نقِمت الوتر منه فلم أعَتم ... إذا مسحت بمغنظة جنوب
أي انتصرت منه، لم أعتم لم أحتبس، مغنظة غم - غنظه الأمر إذا كَربه.
(2/1013)

وقال عطية الخطَفَي:
إذا ما جدعنا منكم أنف مِسمَع ... أقرّ ومنّاه الصعاصِع أبكُرَا
مسمع أذن، وأنف كل شيء أوله، وقال بعضهم: المسمع كل خرق في الجسد من أنف وأذن، أقر على ذلك لذلّه، الصعاصع هلال بن صعصعة وقومه ومن يليه، أبكرا في الدية.
وقال الأخطل:
ألقوا البُرِين بني سليم إنها ... شابت وإنّ حَزازها لم يذهب
البُرة الحلقة، وكانت امرأة من بني سُليم خزمت أنفها لما قُتل عمير بن الحباب السلمي وقالت: لا أنزعها حتى يدرك بثأره، والحزاز الحرقة يجدها الرجل في قلبه.
ولقد علمت بأنها إذ علقت ... سمة الذليل بكل أنف مغضَب
وقال العجاج:
فلم يكن ينكَر فيما لم يُغَرّ ... عقل المئين والمئين والغُرر
أي لم يكن ينكر فيما لم يُغَرّ منه الناس - فخفف - أي لم يكن ينكر أن يعقل المئين من الإبل في الدية، والغُرر جمع غرة وهو عبد أو أمة أو فرس. وقال العجاج:
فإن يكن لاقي حيا بلأمم ... أمر يَفُضّ الصخر من جُول العلَم
(2/1014)

حي رجل حبس وقيّد، يقول إن فعل هذا به في أمر يسير وهو الأمم فلاقاه منه أمر عظيم يكسر الصخر من ناحية العلم، والعلم الجبل، والجول الناحية.
فلم يعِشْ مضيّما ولم يضَم ... بالأخذ والأخذ له ثأر العيمَ
أي لم يعش يحمل على الضيم ولم يضم هو بأن يؤخذ وأن يؤخذ لَه الثأر المختار، يقال اختار له عيمة ماله - أي خياره - وجماعة عِيمَ. وقال آخر:
فقتلا بتقتيل وعقرا بعقركم ... جزاء العطاس لا يموت من اثّأر
جزاء العطاس يعني التشميت. وقال امرؤ القيس:
بأي علا قتنا ترغبو ... ن عن دم عمرو على مَرثد
أبو عمرو - لم يعرف هذا البيت أحد ممن سألته عنه غيره -: يقول بأي شيء تتعلقون علينا من العيوب فترغبون له. وقال النابغة:
لئن كان للقبرين قبر بجلّق ... وقبر بصيداء التي عند حارب
وللحارث الجفني سيد قَومه ... ليلتمسن بالجمع أرض المحارب
هذا تحضيض على الغزو، يقول: لئن كان ابن هؤلاء الذين سميت ووصف مكان قبورهم ليغزون بالجمع دار من يحاربه.
(2/1015)

وقال الكميت لقضاعة:
لأية خصلتين دعوتمانا ... فلبّيكُم إجابة مستطيل
مستطيل يأخذ بالفضل عليكم لا إجابة فقير إليكم.
فإن نك في مُناوأة أخذنا ... بسَجل في الخُماشة ذي فضول
المناوأة المعاداة، ويروى: في مباوأة، من البواء - رجل برجل، والسجل أصله الدلو أي بنصيب وحظ، والخماشة جراحة لا تبلغ الدية وقال خداش بن زهير:
أكّاف قتلي العِيص عِيص شُواحط ... وذلك أمر لا يثفي له قِدري
يقال هذا أمر لا يثَّفى عليه قدري أي لا تبرك عليه إبلي أي لا أعتد به ولا أريده وقال الراعي:
وفجع يقلع الأحداث عنه ... تحسر حربُه الدحِن البَطينا
الفجع المصيبة تقضّي أحداث الدهر عنه، تحسِّر تدعه حسيرا، والدحِن العظيم البطن.
تُبادرنا إساءتُه فجئنا ... من الأفواج نبتدر المِئينا
يريد تبادر بالإصلاح من قولك أسوت الجرح، يريد جئنا
(2/1016)

نصلح ذلك الفجع، والأفواج الطرق من كل وجه، نبتدر المئين يريد نحتمل الدماء والديات بالمئين من الإبل.

باب في الثأو
قال أبو كبير الهذلي:
تقع السيوفُ على طوائفٍ منهم ... فيُقامُ منهم ميل من لم يعدل
يقول إذا كان لنا فيهم دم قتلنا به منهم حتى نستوي نحن وهم، والطوائف النواحي يريد الأيدي والأرجل. ومثله لأحيحة بن الجلاح:
وقد علمتْ سَراةُ الأوسِ أنيمن الفتيان أعدلُ ما يميلُ
أنشد عبد الرحمن عن عمه:
تالله قد قذَفوا ضحوا بفاقرة ... إذا لقيلٍ أصابوا الميلَ فاعتدلوا
وقال رجل من عبد شَمس:
أكرهت نفسي والحياةُ حبيبة ... على جدن والخيل زُور قَوابعُ
جدن اسم رجل، زور مزورة من الطعن. قال عنترة:
فازوّر من وقعِ القنا بلبَانه ... وشكا إليّ بعبرةٍ وتحمحُمِ
(2/1017)

قوابع متقاعسة خانسة.
ولم يثنِ همي يومَ ذلك أنه ... بنحري جارٍ من دمِ الجوف ناقع
يعني أنه طعنهم فانتضح عليه من دمائهم، يقول لم يثن همي ذلك من طلب الزيادة، ناقع شاف لأنه قد طعنه فاشتفى بذلك. أبو جندب الهذلي:
دَعوا حولي نفاثةَ ثم قالوا ... لعلّكَ لست بالثأرِ المنيمِ
كان هذا القول منهم على الاستهزاء، يقولون له لعلك إن قتلت لم تكن بثأر، والمنيم الذي إذا ظفر به صاحبه رضي به ونام عليه، أبو عمرو: الثأر المنيم الكفء.
وقال عمرو بن معدي كرب:
فإن أنتمُ لم تثأروا بأخيكم ... فمشّوا بآذانِ النعامِ إلمصلّمِ
أي أنكم قد جدعتم بأخيكم فآذانِكم كآذان النعام، ومُشوا أمسحوا أيديكم بها. وقال امرؤ القيس:
نمشّ بأعرافِ الجيادِ أكفّنا ... إذا نحن قمنا عن شواءٍ مضهَّبِ
وقال آخر:
مشينا فسوّينا القبورَ بعاقلٍ ... فقد حسنت بعد القُبوحِ قبورُها
يقول قد كان قتلوا منا أكثر ممن قتلنا منهم حتى استوينا نحن وهم فقد حسن أمرنا بعد أن كان قبيحا. وقال آخر وهو جرير:
(2/1018)

يمشي هبيرة بعد مقتلِ شيخِه ... مشى المراسلِ أوذنت بطلاقِ
يعني يمشي على هينته فاترا لم يتحرك في ذلك ولم يطلب ثأر أبيه، والمراسل التي كانت لها زوج مرة فهي قد سمعت الطلاق فليست كأخرى لم تسمعه، ويقال المراسل التي قد تزوجت أزواجا. وقال آخر:
ألا أبلغْ بني وهبٍ رسولاً ... بأنّ التمرَ حلوٌ في الشتاءِ
عيّرهم بأنهم أخذوا دية فاشتروا بها نخلا، أي اقعُدوا وكلوا التمر ولا تطلبوا بثأركم.
وقال آخر:
فظلّ يضوزُ التمرَ والتمر ناقعٌ ... بوردٍ كلونِ الأرجوان سبائبه
الضوز الأكل بخفاء، هذا رجل أخذ دية، يقول فهو يأكل التمر بدم لأنه إنما يأكله بالدية، والأرجوان صبغ أحمر. وقال آخر:
إذا صُبّ ما في الوطب فاعلم بأنه ... دمُ الشيخ فاشربْ من دمِ الشيخِ أودعا
هؤلاء قوم أخذوا دية إبلا فعيرهم، وأرادَ النون الخفيفة في دعا وقال آخر:
كأنّ الذي أصبحتُم تحلبونه ... دمٌ غير أن الدَرَ ليس بأحمرا
وقال آخر:
(2/1019)

متى تردوا عكاظ توافقوها ... بآذان مسامِعُها قصارُ
أي بآذان مجدعة أي قد ذللتم وغُلبتمً فلم يكن عندكم انتصار ولا طلب ثأر.
ومثله قول أخت عمرو بن معدي كرب:
فمُشوا بآذان النعام المصلّم
وقال الأعشي:
قد نطعنُ العيرَ في مكنون فائله ... وقد يشيطُ على أرماحِنا البَطلُ
الفائلان عرقان عن يمين الذنب وشماله، يشيط يبطل دمه يقال شاط دمه إذا بطل وأصل الإشاطة الاحتراق ويقال أشاط دمه إذا عرضه للقتل، ويروى: قد نخضب العير من مكنون فائله، قال: والفارس الحاذق يتعمد بالطعن في الخُربة وهي نقرة في الورك فيها لحم ولا عظم فيها تنفذ إلى الجوف، يقول إنا بصراء بموضع الطعن، والفائل عرق يخرج من الجوف في الخربة فيجري في الفخذ، ومكنون الفائل دمه، ومن أنشد: قد نطعن العير فقد أخطأ كيف يطعنه في الدم، ويشيط يهلك، والأصل في الإشاطة الاحتراق. وقال الراعي:
وأزهر سخّي نفسه عن تلادهِ ... حَنايا حديد مُقفلٍ وسوارقه
أزهر رجل أبيض أسرناه فسخت نفسه عن تلاده، حنايا حديد
(2/1020)

ما عطف من الحديد عليه فاُوثق به، وسوارقه يعني الأقفال، يريد أنه فدى نفسه. وقال آخر:
هم قتلوا منكمُ بظنةٍ واحدٍ ... ثمانية ثم استمروا فأرتعوا
يقول اتهموكم بقتل رجل منهم فقتلوا منكم ثمانية به، ثم أرتعوا إبلهم آمنين لا يخافون منكم غيرا. وقال الحطيئة:
قد ناضلوكَ فسلَّوا من كنائنهم ... مجداً تليداً ونبلأ غير أنكاسِ
ناضلوك رامَوك، وهذا مثَل أي فاخروك فرجحوا عليك بآبائهم وأجدادهم، والنكس هو أن يجعل أعلاه أسفله حين ينكسر، الأصمعي - وقال: المجد هاهنا كان الرجل في الجاهلية إذا أسر الرجل جز ناصيته وخلي سبيله وصيّر ناصيته في كنانته ثم أخرج الناصية عند الفخار فيقول: هذه ناصية فلان. وقال الراعي:
ومغتصَب من رهطِ ضِبعانٍ يشتكي ... إلى القوم أعضادُ المطيّ الرواسمِ
أي أسر وجنب فهو يشتكي أعضادها لأنه قد شُد إليها.
تجولُ به عَيرانة عند غرزِها ... جنيب أقادته جريرةُ جارم
أقادته جعلته منقادا وقال الطرماح:
إذا الجبلان استتليادَين معشرٍ ... على الناسَ كان الدينَ أحلامَ باطلِ
يعني جبلي طيىء أجأ وسلمى، استتليا من التلية والتلاوة ويقال تتلّيت حقي أي تتبعته، يريد صار دين لمعشر من الناس يريد دما يُطلَب به كان ذلك الدم باطلا أي مطلولا بعز طيىء وامتناعها. وقال:
(2/1021)

كم من كريم عظيم الشأن من مضرٍ ... ومن ربيعةٍ نائي الدار والنسب
قدراحَ زيد إلى الهطّالَ جانِبَه ... مواشكاً للمطايا طيّع الخَبَبِ
يعني زيد الخيل والهطال فرسه، يقول كم من كريم قد أخذه زيد فقرنه بحبل ثم ذهب به إلى الهطال يجنبه. وقال آخر وهو جرير:
وما باتَ قوم ضامنين لنا دماً ... فتوفيْنا إلا دماء شوافع
أي دمان من غيرنا بدم واحد منا. وقال الأخطل:
وإذا المئون تُووكلت أعناقها ... فاحمل هناك على فتى حمال
أعناقها جماعاتها يقال عنق من الناس أي جماعة، والمئون من الإبل، تووكلت أي اتكل بعضها على بعض فيها. وقال آخر:
وقالوا رَبوض ضخمة في جرانه ... واسمر من جلد الذراعين مقُفَل
يقال شجرة ربوض أي ضخمة وهي هاهنا سلسلة، والجران العنق هاهنا، وأسمر يريد القِدّ، مقفل يابس، يقال أقفله الصوم أي أيبسه وخيل قوافل أي ضوامر يبّس. وقال الفرزدق:
وإني لأخشى أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سُمرا
اداهم قيود، ومحدرجة سمر سياط من القِد.
(2/1022)

وقال الأعشى:
يقوم على الوغمِ في قومه ... فيعفوا إذا شاءَ أو ينتقم
الوغم التِرة والذحل، يقوم عليه في قومه أي يطالب فإذا قدر فهو بالخيار إن شاء عفا وإن شاء انتقم. وقال أبو زبيد:
من دمٍ ضائعٍ تغّيب عنه ... أقربوه إلا الصدى والجبوبُ
الصد ى ذكر البوم، والجبوب الحجارة، استثنى الصدى والجبوب من الأقربين وليسا منهم. وقال المرار بن سعيد الفقعسي:
ونحن جنبنا السمهري إليهم ... يطيع القرين مرة ويجاذبه
القرين الحبل، يريد أنه موثق. وقال آخر أبو خراش الهذلي:
فمن كانَ يرجو الصلحَ منهم فإنه ... كأحمرٍ عاد أو كُلَيبٍ لوائل
وصف قتيلا فقال: من كان يرجو الصلح من أولئك الذين قتلوا فإن هذا القتيل في الشؤم كأحمر ثمود الذي عقر الناقة أو كشؤم كليب لابني وائل يعني الذي هاجت لمقتله الحرب بين بكر وتغلب، يريد أن الصلح لا يتم. وقالت ليلى الأخيلية:
إلى الخيلِ أجلي شأؤها عن عقيرةٍ ... لعاقرِها فيها عقيرةُ عاقرِ
(2/1023)

تريد: فيها وفاء لعاقرها. تريد: عقيرة ما هي من عقيرة - على جهة التعجب.
فالّايباوئه السليل نقم لكم ... من الدهرِ يوماً ورده غير صادرِ
السليل بن ثور بن أبي سمعان العقيلي، يباوئه من البَواء وهو التساوي في القصاص، نقم لكم يوما من الشر مَن ورده لم يصدر عنه، تريد أنه يقتل.
وإن تَكُن القتلى بواءٍ فإنّكم ... ما قتلتُم آل عوف بن عامر
تقول إن تكن القتلى متساوية في القصاص دم بدم فأي فتى قتلتم - على جهة التعجب.
وقال قيس بن الخطيم:
ثأرت عديّأ والخطيمُ فلم اُضع ... وصية أشياخٍ جعلت إزاءَها
تقول ثأرت فلانا - وبفلان إذا قتلت قاتله وثأرك هو الرجل الذي أصاب حميمك والمصدر الثؤرة يقال أدرك فلان ثؤرته، وأنشد عن أبي عمرو:
قتلت به ثأري فأدركت ثؤرتي
جُعلت إزاءها أي القيّم بها، يقال هو إزاء مال أي يقوم به وأنشد:
ولكني جُعلتُ إزاءَ مالٍ ... فأبخلُ بعد ذلك أو أنيلُ
(2/1024)

وقال يزيد بن الصعق:
بإصر يقولنَ حميري لقومهِ ... أو ابن أبَير أو يقولّنَ عاصمُ
متى عقلت عليا هوازن مذحجاً ... كأنا بنو أم اليكِ توائمُ
الأصمعي: أسر ابن بوّ وهو رجل من تميم رجلا من طوائف مذحج فاستودعه يزيد بن الصعق فأطلقه يزيد وقال: قد أفلت منيَ، فقال ابن بوّ: أردد إليّ أسيري أو هات فداءه، فقال يزيد هذا الشعر، وحميري الذي ذكر رجل من بني رياح، وابن أبير تميمي أيضا، وعاصم أبو قيس بن عاصم المنقري، يقول: باصر يقولن هؤلاء متى أخذت هوازن بفعل مذحج ثم تعجب فقال: كأنا بنو أم إليك - بمعنى عندك في حكمك، وبقوله: يقولن، أراد ليقولن فأضمر اللام، وقال سُحَيم بن وثيل الرياحي:
وإني لا يعود إليّ قِرني ... غداةَ الغِبّ إلا في قرينِ
غداة الغب إذا غمزه وثبت معه يوما وليلة لم يصبر فلا يعود إليه أبدا إلا وهو مقرون أي أسير مربوط، وقوله: إلا في قرين أي إلا مع قرين قد قُرن إليه من الأساري.
وقال آخر وهو الحطيئة:
غضبتُم علينا أنْ قتلنا بما لك ... بني مالكٍ ها ان ذا غضَب مُطّرْ
أبو عبيدة: يقال جاء فلان مطرّا أي مستطيلا مدلا.
(2/1025)

وقال ابن مقبل:
ونجنُ قَتلنا القومَ ليلة أجحمتْ ... هلالٌ وقالوا: حَرّزوا وانظروا غدا
حرزوا أسراكم أي اعتقوهم وانظروا غدا أي حسن المقالة غدا أي انظروا في العواقب.
وقال كعب بن زهير:
صبّحنا الخزرَ جيةَ مرهفات ... أبار ذوي أرومتِها ذووها
فما عُتر الظباء بحي كعب ... ولا الخمسون قصّر طالبوها
ذووها أي ذوو السيوف، عتر ذبح من العتيرة وهي الذبيحة في رجب، يقول لم تعتر الظباء ولكن عترت الرجال، ولا الخمسون قصر طالبوها - قالوا لا نقتل إلا خمسين ليس فيهم أعور ولا أعرج. وقال المرار الفقعسي:
وأنتَ رهين بالحجازِ محالفٌ ... بجون سري دهم المطيّ ومايسري
وقال الجعدي، ويقال هو لأبي الصلت:
تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... سيباً بماءِ فعادا بعد أبوالا
يقال في تفسيره إن المكارم أن تطلب بثأرك حتى تدركه وليس بأن تأخذ إبلا فتشرب ألبانها. ويقال: بل تفسيره ما عدّد في الشعر لا لبن يشرب ويسقاه الناس. وقال عدي وذكر النعمان:
(2/1026)

جاءني من لديه مروان إذ قفّي ... تْ عنه بخبرٍ ما أحذاني
بافال عشرين قحّمَها الصع ... ب بحسن الإخاء والخُلاّن
لاصفايادهم فأسمنها الرسا ... لُ ولا جلة قطيع هجانِ
الإفال القيود، قحمها أدخل بعضها في بعض، يقال قحمها في رجله، وكان النعمان يسمي الصعب لصعوبته في ملكه، بحسن الإخَاء أي جعل ذلك مكافأة لحسن الإخاء ومكافأة للخلان، يهزأ به: أي كانت تلك مكافأته إياي بإحساني، قال خالد: بل أراد بالإفال صغار الإبل قحمها الصعب وهو رجل يسوقها، ومن ذهب هذا المذهب أراد أن عديا استقل ما بعث به ولم يرضه. وقال:
إن ابن أمك لم يُنظَر قفيتَه ... لما توارى ورامى الناسِ بالكِلمِ
قفيته كرامته يقال هو يقفي بكذا أي يؤثر به ويكرم أي لم ينظر لكرامته لما توارى أي لما حبس إنما أخّر ليقتل، ورامي الناس بعضهم بعضا بالكلم في أمره. وقال يزيد بن الصعق:
أساور بَيض الدارعينَ وأبتغي ... عقالَ المئين في الصباحِ وفي الدَّهم
أي آخذ برؤوس الفرسان وأعانق، أبتغي عقالَ المئين أي الفرسان
(2/1027)

الذين فداؤهم مائة، وأصله أن يقال: فلان قيد مائة أي إذا أسر فمِائته مقيدة عند صاحبه. وقال الراعي:
وكان لها في أوَلِ الدهرِ فارسٌ ... إذا ما رأى قيدَ المئِين يعانقه
وقال آخر:
لعلكَ يوماً إن أثرت خليةً ... بُجذمورما أبقى لك السيف تغضَبُ
هذا رجل قطعت يده فأخذ ديتها، ويروي: بجذماء فيها ضربة السيف.
وقال أعرابي أسر يحرض قومه على فكاكه:
نطحن بالرحا شزرا وبتّا ... ولو نعطَي المغازل ماعَيينا
ونصبحُ بالمغداةِ اترّ شيء ... ونمسي بالعشي طلنفَجينا
الشزر إدارة الرحا على غير جهتها والبتّ على جهتها، والطلنفح الكال المعي.
وقال الفرزدق في يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج:
رأيتُ ابنَ دينارٍ يزيدَ رمي به ... إلى الشأمِ يومَ العنزِ والله شاغِلُهُ
بعذراءٍ لم تُنكَح حليلاً ومن تلج ... ذراعيْه تَخذلُ سأعدبَه أناملَهُ
وثِقتُ له بالخزي لما رأيتُه ... على البغلِ معدولاً ثقالاً فرازله
يوم العنز أراد حتفه - كما قال:
(2/1028)

وكنتُ كعنزِ السوءَ قامَتْ لحتفِهاإلى مُدية مدفونة تستثيرها عذراء جامعة، وفرازله كبوله. أنشد الرياشي:
فإن تقتلوا أوساً كريماً فإنني ... جعلتُ أبا سفيان ملتزماً رَحلِى
أي أسرته. وقال حميد بن ثور وذكر رجلا يمدحه:
تلافيَ مهمات الحمالةِ كلما ... اُريحتْ بأيدي الجارِ مين الجرائرِ
تلافى تدارك أي تحمل الحمالات، أريحت الجرائر أي ردت عليكم جرائر الجار مين فأدوا إلى أهلها، والعرب تقول: أرح عليه حقه أي أده إليه. وقال آخر:
لتبكِ على الجّحافِ عين مريضة ... وصما عمّا ساءَها وهي تسمعُ
ومستشعرونَ الثأرِ دون ثيابهم إذا ... هتَفَتْ ورقا يوما تقنعوا
يعني أنها ذلت بعد قتل الجحاف فإن سمعتْ كلاما يسوءها صمتت، ومستشعرون الثأر أي لم يدركوه ولم يطلبوه فهو لهم شعار وهو ما ولى الجلد من الثياب فإذا هتفت ورقاء أي حمامة فأذكرتهم الجحاف ببكائها تفنعوا خزاية.

البيض والدروع
قال لبيد:
فخمة ذفراء تُرَتى بالعُرى ... قُردما نياً وتَركا كالبصل
(2/1029)

فخمة كتيبة عظيمة، ذفراء منتنة الريح من الحديد، ترتي بالعري أي تشد الدروع بالعري فيها حتى تقصر وذلك أنها طوال، والقر - دماني الدروع وهو فارسي " أصله كردمانذ " أي عمل فبقى، والتَرك البيض، كالبصل في بياضه، وكانوا يجعلون في الدرع عروة ثم تقلص بها حتى تخف على الراكب.
أحكم الجنثّي من عوراتها ... كلَّ حرباء إذا أكره صَلَّ
أحكم - على هذا الأعراب - من الإحكام للصنعة، والجنثي هو الزراد، والعورات الفتوق واحدها عورة، والحرباء المسمار في حلق الدرع، إذا أكره ليدخل في الحلق سمعت له صليلاً وقال الأصمعي:
أحكم الجنثّي من عوراتها ... كلّ حرباء إذا أكره صل
وقال: الجنثي السيف هاهنا، وأحكم منع السيفَ كلّ حرباء فلم يصل السيف إليه - وأنشد:
ولكنها سوق يكون بياعها ... بِجنثية قد احكمتها الصياقل
يعني سيوفا وأحكم على مذهب الأصمعي منع وردَّ، ومنه سميت
(2/1030)

حكَمة الدابة لأنها تمنعها من كثير من الطماح، ويقال أحكم فلانا عن كذا. وقال لبيد أيضا:
إذا ما اجتلاها مأزِق وتزايَلتْ ... وأحكم أضغانَ القَتير الغلائلُ
مأزق مضيق في الحرب، تزايلت تفرقت مساميرها، والقتير رؤوس مسامير الدروع، والأضغان ما تزايل من المسامير ولم يلتئم، والغلائل ما غل أي دخل في المسامير من الحلق - الواحد غليل ومغلول، فهذه أحكمت المسامير. وقال الكميت:
علينا كالنهاءِ مضاعفات ... من الماذيّ لم تؤذِ المتونا
النهاء الغدران واحدها نهي، لم تؤذ لم تثقل متون الأفراس، وصفها بالرقة والخفة.
وقال عمرو بن كلثوم:
علينا كل سابغةٍ دلاصٍ ... ترى فوقَ النِطاقِ لها غضونا
دلاص لينة، سابغة واسعة، غضون تشنّج وإنما تشنجت فوق النطاق لطولها.
(2/1031)

علينا البَيض واليلب اليماني ... وأسياف يقمن وينحنينا
اليلب بَيض يعملونها من أنساع تعرض النسعة ويخرز بعضها إلى بعض.
وقال النابغة يذكر كتيبة:
فصَّبحهم بها صهباءً صرفا ... كأنّ رؤوسَهم بيض النعامِ
صهباء في لونها: صرفا خالصة، وشبه البيض على رؤوسهم ببيض النعام.
وقال سلامة بن جندل في مثله:
كأن النعامَ باضَ فوقَ رؤوسِهم ... بروض القِذافِ أو بروضٍ مخفّقِ
وقال أيضا:
كأن نعام الدوباض عليهم
وقال النابغة:
وكل صموتٍ نثَلة تُبّعيةٍ ... ونسج سُليم كل قضّاءِ ذائل
صموت درع لينة إذا صبّت لم يكن لها صوت. ونثلة واسعة، وقّضاء حديثة العهد بالعمل خشنة المس ومنه أقض على مضجعي أي أخشن والقِضة حصى صغار، والذائل الواسعة، وسليم يريد سليمان عليه السلام. وقال آخر وهو الحطيئة:
فيه الرماح وفيه كل سابغةٍ ... جدلا محكمة من نسجِ سلامِ
(2/1032)

أراد سليمان.
علين بكدَيون وأبطّن كرّةً ... فهن إضا صافيات الغلائل
الكديون درديِّ الزيت، والكرّ البعر تجلى به الدروع، فهن إضاء أي مثل الغدران، يقول مسحن بعكر الزيت ثم ألقيت الكرة في الأوعية. وجعلت فيها الدروع لئلا تصدأ ولا تختلّ فيضرَ ذلك بمساميرها، والغلائل الواحدة غلالة وهو الثوب يكون تحت الدرع وتكون مسامير الدروع الواحد غليل فعيل بمعنى مفعول، وإنما قيل غليل لأن المسمار غل في الحلَق ثم أدخل ثم جمع. وقال عمرو بن معدي كرب:
قلتُ لعيرٍ جَرمٍ لا تراعي ... إذا وطَنَتْ بالبدنِ الصديعا
البَدن الدرع، والصديع ثوب يصدع أي يشق نصفين يكون تحت الدرع وهو غلالته.
وقال أبو قيس بن الأسلت
أحفِزها عني بذي رونقٍ ... مهندٍ كالملحِ قَطّاعُ
أبو عبيدة: هو أن تجعل في حمائل السيف كلابا وتكون في أسفل الدرع عروة فتعلق بالكلّاب فتِخف على صاحبها، وكذلك قول زهير:
ومفاضة كالنهي تنسِجُه الصّبا ... بيضا كفَّتْ فضَلها بمهنّدِ
أبو عبيد قال سمعت أبا عبيدة يقول: أحفزها بالسيف أي
(2/1033)

أعينها به وأجعله معها في لباسي. وكذلك قول كعب من زهير:
خدبا يحفّزها نِجاد مهندٌ ... صافي الحديدةِ صارِم ذي رونقِ
الخدباء الواسعة بالخاء معجمة. وقال المنخل يصف فوارس:
شدَّوا قوانسَ بيضِهم ... في كلِ محكمةٍَ القتيرِ
دوابر البيض مآخيرها. وكان الفارس إذا ركض فخاف أن تسقط بيضته شدها في درعه، والقتير رؤوس المسامير. وقال الحارث بن حلزة:
يحبوكَ بالزَعْفِ الفَيوضِ على ... هميانِها والأدم كالغرسِ
الزغف الدرع اللينة المس، الفيوض السابغة، والهميان هاهنا المنطقة، والأدم البيض من الإبل، والغرس البستان المغروس. وقال سلامة بن جندل يصف درعا:
فألقوا لنا أرسانَ كل نجيبةٍ ... وسابغة كأنها مسّ خرنقُ
أي من لينها، ومنه قول المرأة في زوجها: المس مس أرنب.
مداخلة من نسج داود سكْهامَحبِ الجني من أبلمٍ متفلِّقُ
(2/1034)

السك المسمار، الأبلم نبت، شبّه مساميرها بحب الأبلم، وأما قولهم " المال بيني وبينه شق أبلمة " فإنها الخوضة. وقال جرير للأخطل:
أبا مالكٍ مالَتْ برأسكَ نشوةٌ ... وعرّدَت إذ كبشُ الكتيبةِ أملح
عردتَ جُبنت وتأخرت، والأملح من الكباش الذي يشبهَ لونه لون الرماد وإنما يريد أن رئيس القوم في الحديد وهكذا لونه. وقال لبيد:
الضاربون الهام تحت الخيَضَعة
الخيضة البيضة. وقال الحطيئة:
فيه الرماحُ وفيه كل سابغةٍ ... جَدلاء مبهمة من نسجِ سلاّم
سابغة درع، جدلاء مدورة الحلق، مبهمة مستوية الحلق، وأراد بسلام سسليمان صلى الله عليه ولم يعمل الدروع سليمان وإنما عملها داود عليه السلام: وقال ابن مقبل:
سم الصباح بِخرصانٍ مسوّمةٍ ... والمشرفيّة نُهديها بأيدينا
أبو عبيدة: الخرصان الدروع الواحد خرص، ونظنهم سموا الدرع
(2/1035)

خرصا لأنه حلَق كما سموا الحلقة التي في الأذن خرصا مسومة أي سومت بالحَلق الصفر التي فيها، والمشرفية من صنعة مشرف ومشرف جاهلي وهم يدعون إلى ثقيف. الأصمعي: الخِرصان الرماح واحدها خُرص وخرص وكل قضيب خرص، وروى - بخرصان مقوّمة، وقال: المشرفية السيوف نسبت إلى المشارف قرى للعربَ تدنو من الريف، نهديها نقيمها، سم الصباح أي. سم الغارة يقال فرسان الصباح أي فرسان الغارة. وقال النابغة:
وكل صموتٍ نثلة تبّعية ... ونسج سليم كل قضّاءَ ذائل
القضة الحصى الصغار وأنشد لأبي زبيد الطائي: يقيها قضة الأرض الدخيس أبو عبيدة: النثلة من أسمائها، يقال نثلت عني الدرع ألقيتها ويقال نثرة ولا يقال نثرت عني الدلاع فنراهم حوّلوا اللام إلى الراء كما قالوا سملت عينه وسمرت ونرى أن النثلة هي الأصل لأن لها فعلا وليس للنثرة فعل لأنها مستبدلة، والقضاء المسرودة المسمورة ونراها من قولهم قض الجوهرة إذا ثقبها ومنه قضة العذراء إذا فرغ منها، ومن قوله يعني النابغة
علينَ بكديون وأبطنّ كرةً ... فهنّ إضا صافيات الغلائل
(2/1036)

ويروى: فهن وِضاء، أي نقاء نظاف وهو جمع وضيئة، والغلالة المسمار الذي يجمع رأسي الحلقة، وإنما خص الغلائل بالصفاء لأنها أول ما يصدأ من الدرع، وروى أبو عبيدة: فهن إضاء، أي نقية من الصدأ كإضاء الغدران، والغلائل التي تحتها وهي ما تلبس تحت الدروع. وقال آخر:
وجاء سِعر عارضا رمحه ... ولابسا حصداء مثل البِجاد
حَصداء درع، والبجاد كساء من أكسية العرب. وقال قيس بن عَيزارة أسرته فَهم فأخذ سلاحه تأبط شرا:
سرا ثابت بزّي ذميما ولم أكن ... سلكت عليه شلّ مني الأصابع
فويل ام بن جرّ شَعل على الحصى ... ووقر بزّ ما هنالك ضائع
سرا عني أخذه مني وسلبنيه، ويقال سروت عن الفرس جله. وقال أبو دواد:
فسَرونا عنه الجلال كما سسُ ... لّ لبيع اللطيمة الدخدار
اللطيمة سوق المسك، والدخدار بالفارسية إنما هو تخت دار أي يمسكه التخت، ذميما أي مذموما، وثابت اسم تأبط شرا، سلكت عليه أي لم أقاتله، شل مني الأصابع دعا على نفسه، فويل ام بز يتعجب منه وبزه سلاحه، وشعل لقب تأبط شرا، ووقر بزّ أي أكرم بزّكنت
(2/1037)

أوقره وأكرمه - دعاء، قيل: وقر - صارت فيه وقرات وآثار: وروى أبو عمرو: فضُيع بز. وقال آخر عبد قيس بن خفافُ البرجمي:
وسابغة من جياد الدرو ... ع تسمع للسيف فيها صَليلا
كمتن الغدير زفته الدبور ... يجر المدجّ منهاَ فضولا
الدرع تشبه بالغدير والنهي وبذور الشمس وبالبجاد والمِجول قال الشاعر:
وعلي سابغة كأن قتيرها ... حدق الأساود لونها كالمجول
القتير رؤوس مسامير الدروع شبهها بحدق الجنادب، والمجول دُريع صغير تلبسه الصبية. وقال امرؤ القيس:
إلى مثلها يرنو الحليم صبابة ... إذا ما اسبكّرت بين دِرع ومجول
وقال زهير يمدح رجلا:
حامي القتير على محافظة ال ... جليّ أمين مغيّب الصدر
القتير رؤوس مسامير الدرع، يقول يلبس الدرع في الحوب فتحمي عليه، والجلي الأمر العظيم وجمعه جلل على غير قياس. وقال كعب بن زهير:
بيض سوابغ قد شدت لها حلق ... كأنه حلَق القَفعاء مَجدول
(2/1038)

القفعاء ضرب من الحسك وهو أشبه شيء بحلق الدروع، مجدول من الجدل وهو العصب والشد. وقال أبو ذؤيب وذكر متبارزين:
وتعاورا مسرودتين قضاهما ... داود أو صَنعُ السوأبغ تُبع
مسرودتان درعان، قضاهما أي فرغ منهما، ومنه تول الله عزَ وجل " فقضاهن سبع سموات في يومين " والصنع الحاذق بالعمل يريد تعاورا درعين بالطعن.

باب القسي والسهام
قال رؤبة وذكر صائدا:
سوَّى لها كبداء تنزو في الشَنق ... نبعيّة ساورها بين النِيق
يقول كأنها من شدة ما وترت تنزو، الشناق الحبل والشنق العمل وهو أن يرفع رأسه إذا شدها، والنيق رؤوس الجبال واحدها نيق وجاء به على نيقة.
تنثر متن السمهري الممتَشق ... كأنها في كفه تحت الرِوق
وفق هلال بين ليل وأفق ... أمسي شفا أو خطّه يوم المحق
السمهري الشديد يعني الوتر، والممتشق الذي مُرن ولين، والروق وهي الشقة المقدمة من البيت، والمؤخرة تسمى كفاء وليس ثم رواق إنما يريد أنه في مقدم الناموس، وفق هلال بين ليل - شبه
(2/1039)

عطف القوس ودقتها بهلال حين طلع لوفق وهو الذي يطلع لليلته، وقوله بين ليل وأفق، يقول حين جاء الليل من ناحية المشرق ولم يغب في الأفق هو بين ذلك، أمسى شفاً أي بقية، أو خطه بالرفع هكذا أنشده الأصمعي وهو عطف على قوله وفق هلال، يريد كأنها الهلال في أول ما يطلع أو القمر في آخر الشهر، والمحاق هو اليوم الذي يطلع فيه القمر فتمحقه الشمس، والسرار الذي خلفه يستسر فيه. وقال
لولايُد اليِ خفضه القِدح انزرَق
يدالي يداري ويرفق به، والانزراق أن يفلت فيجاوز ويذهب.
فارتاز عيرَ سَندريّ مختلق ... لوصفّ أدراقا مضى من الدّرَق
ارتازه رازه فغمزه لينظر إلى صلابته، والسندري الأزرق وسمعت أعرابيا يقول: يصيد هاهنا زريقاء سندرية، يريد طائرا خالصَ الزرق، مختلق تام. يقول لوصف أدراقا لهذا السهم لأنفذه. وقال أبو النجم:
في كفه اليسرى على ميسورها ... نبعيّة قد شد من تَوتيرها
وفي اليد اليمنى لمستعيرها ... شهباء تروي الريش من بصيرها
(2/1040)

لمستعيرها أي لآخذها من الكنانة، تقول أعرني ثوبك أي حوله منك إليّ، شهباء يعني مَعبلة، والبصيرة الطريقة من الدم، والبصير جمع بصيرة، والهاء للحمير، أي من بصير الحمير، ومثل مستعيرها قول العجاج.
وإن أعارت حافرا معارا
أي قلبته مقَلبا وحولته عوَّلا في عدْوها. وقال الراعي:
فيمّم حيث قال القلب منها ... بحَجْريٍّ ترى فيه اضطمارا
قال القلب حيث يقيل أي يسكن، وحجري مشقَص وهوسهم عريض نسبه إلى حَجْر وهي قصبة اليمامة. وقال الهذلي يذكر سهما:
شديد العير لم يَدحض عليه ال ... غرار فقِدحه زَعِل دروج
العير الناتيء في وسط النصل، والغرار المثال وفيه فجوة للعير فإذا زلق عنه فسد العير، زعِل نشيط. وهذا مثل، دروج يدرج إذا ألقى في الأرض من استوائه.
وقال ساعدة بن العجلان الهذلي:
ولقد بكيتك يوم رَجْل شُواحط ... بمعابل ضلع وابيض مِقطع
يعني أنه جعل يرميهم بالسهام وينادي أخاه فجعل ذلكَ بكاء له، والرجل الرجال، وشواحط موضع، والمعابل نصال عراض، وأبيض مقطع يعني سيفا قاطعا.
فرميت حول مُلاءة محبوكة ... وأبنت للأشهاد حَزّة أدّعي
(2/1041)

أي رميت وعليّ هذه الملاءة، والمحبوكة التي لها حبك أي طرائق والأشهاد الشهود شهدوا ما تم، حزة أي ساعة، أي أبنت لهم من أنا حين رميت فقلت: أنا ابن فلان، يقال: جئتنا على حزة منكرة - أي ساعة. وقال الشماخ يصف قوسا:
وذاق فأعطته من اللين جانبا ... كفى ولها أن يُغرق السهم حاجز
ذاق يعني راز ونظر، كفى ذلك اللين منها، وإن أراد أن يغرق النبل فيها منعت ذاك أي فيها لين وشدة، ومثله للعكلي:
في كفه معطية منوع
ومثله.
شريانة تمنع بعدَ لين
وقال زيد الخيل:
وزُرق كستهن الأسنة هبوة ... أحدّ من الماء الزُلال كليلها
زرق نصال بيض، والأسنة المسانّ التي يحدَّد بها واحدها سنان، وهبوة يعني من صفائها كأن عليها غبرة. وقال آخر:
مالك لا ترمي وأنت أنزع ... وهي ثلاث أذرع وإصبع
(2/1042)

خِطامها حبل الفقار أجمع
أي مالك لا ترمي وأنت رجل قد اختتلت وبلغت، حبل الفقار - يقول وترها من المتن كله، والقوس أنتم ما تكون فمالك لا ترمي. وقال آخر:
أرمي عليها وير فرع أجمع
عليها أي عنها، وهي قضيب كله يريد أنها تامة. وقال آخر:
وميّتة ركضت ميّتا ... فولّى حثيثأ هو الجاهد
طليعة حيّ إلى حيّة ... يرجي النجاحَ بها الشاهد
ميتة قوس، وميت سهم، وحي صائد، إلى حية أي رمية، والشاهد الصائد الذي شهد الصيد. وقال الكميت:
أرهط امرئ القيس اعبأوا حظواتكم ... لحيّ سوانا قبل قاصِمه الصُلب
اعبأوا عبّئوا، والحظوات سهام الصبيان، وقال الكميت:
بأن قوسهم تعطيك ما منعت ... وأن نبلك لا فُوق ولا نُصل
فُوق جمع أفوق وهو المنكسر الفوق، نُصل ساقطة النصال.
(2/1043)

وقال الكميت:
فأوفقت دوني بغير المِراط ... ولا الفوق مما حشوت الجفيرا
أي ناضلت دوني بغير الفوق جمع أفوق، والمِراط التي لا ريش عليها، والجفير الجعبة.
وقال الكميت:
وكنا إذا ما الجمع لم يك بيننا ... وبينهم إلا الزوافر تنحِب
الزوافر القسي. وقال الكميت يصف القوس:
وفليقا ملء الشمال من الشو ... حط تعطي وتمنع التوتيرا
تعطي في الرمي وتمنع إن توتر، فيها شدة ولين. كما قال الآخر " معطية منوع ".
وثلاثا بين اثنتين بها ير ... سِل أعمى بما يكيد بصيرا
يعني ثلاثة أصابع يرمي بها بين اثنتين الإبهام والخنصر، والأعمى السهم وهو بصير بما يكيده الصائد، ويقال الثلاث القذذ والاثنتان الإصبعان، ومن أحاجيهم: ما ذو ثلاث آذان، يسبق الخيل بالرديان - أراد بآذانه قذذه.
وبنات لها وما ... لدتهن إناثا طورا وطورا ذكورا
أراد السهام يقال مرماة تارة فتؤنث وسهم تارة فيذكر.
قلقات على البنان جديرا ... ت إذا نفرت بها أن تخورا
نفرت حركت وأديرت، وتخور تصيح. وقال الكميت:
(2/1044)

رمانا بأرشاقِ العداوةِ فيكم ... كذي النبل اذيرمي الكنانة بالعِلَلِ
هذا مثل تضربه العرب، وذلك أن رجلا لقي رجلا ومعهما كنائن ونبل، فقال أحدهما لصاحبه: أينا أرمى، فنصبا كنانة الذي مُكربه فرمي الكنانة حتى نفذت سهامه ثم رماه الآخر بسهم فقتله، أي يرمي صاحب الكنانة ويظهر أنه يريد الكنانة. ومثله قول الفرزدق لجرير:
فقلتُ: أظَن ابن الخبيثةِ أنني ... غفلت عن الرامي الكنانة بالنبلِ
وقال الشماخ يذكر القوس:
أقام الثقاف والطريدةُ درأها ... كما أخرجَتْ ضغن الشَموس المهامزِ
الثقاف خشبة في رأسها ثقب تدخل فيها الرماح فتقوم، والطريدة قصبة توضع فيها السكين تبرى بها القداح. الأخفش: هي الحديدة التي تكون مع المثقب ينحت بها، ودرؤها اعوجاجها، ثم شبه قوسه في حالها تلك بالشَموس من الخيل ردتها المهامز إلى الانقياد والمسامحة بعد الشِماس، والمهامِز جمع مهمزة وهي حديدة تنخس بها الدابة. وقال أيضا يصف القوس:
بحضرته رامٍ أعد سلاحما ... وفي الكفِ طوع المركضين كتوم
المركضان جانبا القوس وهما ما انحنى من طرفيها، والكَتوم التي لا صدع فيها.
(2/1045)

فأنفذ حضنيْها وجالَ وراءَها ... طَميل يباري الجوف فهو سليمُ
الحضنان جانبا البطن، جال وراءها يعني السهم خرج من جوفها حين جال وراءها، والطَميل السهم وجمعه طُمل، يباري الجوف من المبارأة والتبرؤ أي دخل الجوف فخالطه ثم تبرأ منه فخرج سليما، وترك الهمز في يباري. وقال يصف القسي:
إذا نفّزوها بالأهيمِ جرجرتْ ... عجيج الروايا من عروكِ الكراكرِ
نفزوها حركوها. جرجرت صوتت، كما تعج الروايا وهي الإبل تستقي الماء، والعروك جمع عَرك وهو الضاغط.
إذا جاءَ عالاها على ظهرِ شَرجعٍ ... كمرتفق الحسناءِ ذاتِ الجبائرِ
يقول إذا انصرف الرامي وضع قوسه على طرف السرير من ضنّه بها كما ارتفقت حسناء أي اتكت على سرير، والجبائر الدماليج. وقال جندب الراجز:
قذف المغالين على الشرائج
المغالين الرُماة، والشرائج القسي جمع شريجة. قال لبيد:
فرميت الناسَ رِشقا صائباً ... ليس بالعصلِ ولا بالمفتعلِ
(2/1046)

رِشقا وجها، العصل المعوَّجة يقال سهم أعصل وناب أعصل أي معوج، ولا بالمفتعل أي ولم يعمل مما يعمل منه السهام، وذكّره لأنه ذهب إلى لفظ الرشق وإنما أراد السهام.
رَقميّات عليها ناهض ... تكلح الأروق منهم والأيّلِ
رقميات ريش فَرخ نسر حين نهض وهو أجود، والأورق الطويل الأسنان الشاخصها، والأيلّ القصير الأسنان الذي أقبلت أسنانه على باطن فيه. يقول فإذا أصابته هذه السهام كلح وفتح فاه فالقصير الأسنان والطويلها واحد، أنشد ابن الأعرابي لعامر المجنون:
معطّفة الأذنابِ ليس فصيلُها ... برازِئها درّا ولا ميِّت غوَى
يريد القوس وفصيلها السهم والغوى البشَم: وقال امرؤ القيس:
رُبَّ رامٍ من بني ثعل ... مُخرج كفَّيْه من ستّرهِ
سُتره كُمّاه، ويروي: متلج كفيه في ستره، يريد أنه أولج يديه في كميه لئلا يراه الوحش، وهذا الرامي عمرو بن عبد المسيح.
(2/1047)

عارض زورا من نشمٍ ... غير باناةٍ عليَ وترهِ
أي رب رام عارض أي يرمي عن القوس العربية وإنما يرمي عليها بالعرض، والزَوراء القوس لاعوجاجها، والنَشم شجر تعمل منه القسي. قال الأصمعي: غير باناة غير بانية فقلب، ذهب إلى لغة من قال باداة في البادية، وناصاة في الناصية وامرأة كاساةَ يريد كاسية، وأنشد لحُريث بن عناب الطائي:
لقد آذَنَتْ أهل اليمامة طيىء ... بحربٍ كناصاةِ الحصانِ المشهر
على وتره في معنى عن وتره، يريد أن القوس ليست بمنفجّة فيقل ذهاب سهمها.
فأتَتْه الوحشُ واردةً ... فتمتّي النزعُ في يسَرهِ
تمتى تمطي ومدّ، يسره قبالته وهو يسْر مخفف فحرّكه، والشزر يمنة.
برهيش من كنانته ... كتلظّي الجمرِ في شَرَرِهِ
رهيش سهم ضامر والناقة الرهيش الخفيفة لحم المتن المهزولة،
راشه من ريشٍ ناهضةٍ ... ثم أمهاه على حَجرهِ
ريش النواهض ألين وأطول وريش المسان أحصّ لا خير فيه، أمهاه أرقّه، أبو عبيدة سقاه الماء يقال أماهه وأمهاه.
(2/1048)

فَهوَ لا تنمي رميّته ... ماله لا عُدّ من نفَره
أي لا تجوز الموضع الذي رماها فيه حتى تموت ولكنه يصمِيها، لا عد من نفره يدعو عليه بالموت، يقول إذا عُدّد أهله لم يعد معهم. وقال:
أيقتُلني والمشر في مُضاجعي ... ومسنونةٌ زرقٌ كأنيابِ أغوالِ
يريد غول. وقال يذكر امرأة.
وفَتَحتْ له عن أرزِ تالَبةٍ ... فِلق فِراغ معابل طُحلِ
يقال قوس ذات أرز أي ذات صلابة، والتألبة شجرة يريد قوسا، فراغ إذا كانت بعيدة رمْي السهم، يقال نحا له بسهم إذا رماه به. وقال النابغة وذكر امرأة:
ولقد أصابَتْ قلبَه من حبّها ... عن ظهرِ مرنانٍ بسهمٍ مُصردِ
مرنان قوس في صوتها، ومصرد مُنفذ يقال أصردت السهم
(2/1049)

وصرد هو. وقال زيد الخيل:
فلا شرباً إلا بلَزْن مصّردٍ ... ولا رمَياً إلا بأفوقَ ناصلِ
اللْزن الضيق والقلة، والمصرد المنقطع قبل الرِي، والأفوق السهم المنكسر الفوق، والناصل الساقط عنه النصل. وقال يصف نصالا:
كأنّ على أعجازِها أطْر اَدبرِ ... بدتْ من شفاذي كفة ما يطولُها
أطر أدبر أي أذناب زنابير، ذي كفة يريد الجفير. وقال أبو النجم يصف سهما:
يسوقُها صُلب القوى مربّع ... فاختلَّها وهو خصيفٌ أصمعُ
أي وتر فُتل على أربع طاقات، أختلها نفذها إلى الجانب الآخر حتى خرج منها، وهو خصيف أي له لونان لونه الأول ولون من الدم، أصمعُ متقبض الريش من الدم.
وقال أبو النجم يصف صائدا:
في كفِّه اليسري على ميسورِها ... كبداءٍ قَعساءٍ على تأثيرها
على ميسور الأتان لأن المقتل في جنبها الأيسر وفيه يكون القلب، كبداء ضخمة الكبد وهو مقبض القوس، والقَعس أن يدخل الظهر ويخرج الصدر، وكذلك القوس وهو أشدّ لها.
(2/1050)

هتّافة تخفضُ من نذيرِها ... وفي اليدِ اليمنى لمستعيرِها
أي لمستعير يده يريد نفسه كأنه إذا تناول السهم بها فكأنه قد استعارها.
شَهباء تروي الريش من بصيرها
شهباء يعني مَعبلة، والبصيرة طريقة من الدم والبصير جمعه والهاء للحمير، أي من بصير الحمير. وقال يصف معبَلة حين وقعت في الأتان.
رمى فردّت نَفسي نثيرها
يقول قتلها على المكان فردت نفسيها الخارجين من منخريها إلى جوفها. وقال يصف فرسا:
نحا حيالَ الدفِ أو طحالها ... عوجاء في عوجاءٍ من أوصالِها
ترنّ في الكفِ إلى نصالِها
عوجاء قوس في عوجاء أي في يده لأنه قد أمالها للرمي فهي عوجاء ترن في الكف، يقول إذا رمى بالنصل فجاز حنّت فكأنها تحن إلى نصالها. وقوله يصف معبلة: ركّبها القانص في مِزجا لها المزجال القدح قبل أن تركب عليه الحديدة والريش. وقال يصف قوسا:
نبعاً يغني سالماً ممتوحأ ... من متنِ نابٍ لم تكن لَقُوحا
(2/1051)

سالم يعني الوتر، ممتوح ممدود وقيل شديد من متن ناب وكانوا يعملون الأوتار من جلود الإبل، فيقول هذا الوتر من جلد ناقة لم تجلب فهو أصلب لجلدها وأغلظ وإذا حلبت رقت جلودها، وسالم وتر لا عيب فيه.
تهِدي نضّياً جسداً مضبوحاً ... أزَّره خشيةَ أن يطيحا
النضّى القدح، جسد قد تبين عليه الدم لأنه قد رمى به غير مرة، مضبوح ضبح بالنار حين قوّم، أزره بالريش.
غُضفا حوالي فُوقه جنوحا
غضفا طويلة الريش جنوح مائلة، وذلك أنه يجعل أعلاها أغلظ من أسافلها فكأنها مائلة.
وقال أبو وجزة
شاكت رُغَامي قذوفَ الطرفِ خائفةً ... هول الجنان وما همّت بادلاجِ
الرغامي زيادة الكبد ويقال قصب الرئة، وأنشدنا عن الأصمعي
يبلُ من ماء الرغاميَ ليته ... كما يبلُ سالىء حميته
الساليء الطابخ للسمن والحميت زق السمن، إنه يطعن الكلاب فيسيل دمه على اليته وهما صفحتا عنقه، ومنه قول رؤبة:
وبلَّ من أجوافهن الأخدعا
شاكت الكبد فهي تشاك من الشوك، قذوفَ الطرف بعيدة
(2/1052)

النظر، والجنان ما سترها يعني الليل، أراد الاتان. وقال أبو وجزة:
حرّى موقّعة ماجَ البنان بها ... على خِضمٍّ يسّقي الماء عجّاج
الحرى المِرماة العطشى أي السهم الذي يرمى به، والخضم المسنّ الذي يحدد به، موقّعه محددة، ماج البنان بها بالمعبلة على المسن، عجّاج في صوته. وقال يذكر حميرا:
وهن بالعينِ من ذي صارخٍ لجبٍ ... هول ونوّاحة بالموت مِرجاج
من ذي صارخ يعني قانصا، صارخ يعني القوس وذكرها أراد عودا، لجب شديد الصوت، مرجاج لها رجّة أي صوت، ويقال أراد وترا وعنى أن الحمير بالعين من صائد ذي وتر لجب وقوس نواحة بالموت.
فاغتالها الأجلَ الآتي فأسلمها ... ناوي الحياة عليها غيرَ مُنعاجُ
اغتال الحمير ذهب بها وأهلكها لأجل وأسلمها الحمار وهو ناوي الحياة أي يريد الحياة ولا يريد الموت، غير منعاج أي غير منعطف. وقال أبو الصلت الثقفي:
يرمونَ عن عَتلٍ كأنها غُبُط ... بزمخرٍ يعجل المرمّى إعجالا
العتل القسي الفارسية واحدتها عتَلة، والغبط غبط الإبل جمع
(2/1053)

غبيط، والزَمخر السهام.
وقال سلامة بن جندل يصف رجلا:
شاكٍ يَكرُّ على المضافِ ويدّعي ... إذ لا يوافق شعبتا الايفاق
يقول إذا دهش الجبَان فلم يصب وضع الوتر في شعبتي الفُوْق. وقال النمر بن تولب:
فأخرَجَ سهماً له أهزعا ... فشكَّ نواهقه والفما
أهزع واحد، يقال ما في كنانته أهزع أي سهم واحد، يقال ما في كنانته أهزع أي سهم واحد، والنواهق أراد الناهقين وهما عظمان يبدوان في وجه الفرس في مجرى الدمع فجعله للوعل، وشك انتظم. وقال عنترة وذكر الفرس:
طَوراَ يجّرد للطعانِ وتارةً ... يأوي إلى حصدِ القسى عَرمرم
أي يأوي إلى جيش كثير القسى، والحصد المفتولة الأوتار وقال:
وهل تدري جريةَ أنّ نبلي ... يكونُ جَفيرَها البطل النجيد
الجفير جعبة النبل فإذا وقعت النبل في جوفه صار كالجعبة لها، والنجيد الشجاع. وقال:
وكل هَتوفٍ عَجسها رضوية ... وسهم كبير الحميري مؤنّفُ
هتوف قوس لها صوت، والعجس مقبض القوس، رضوية
(2/1054)

منسوبة إلى جبل رضَوي، مؤنّف محد. وقال:
وكالورقِ الخلافِ وذات غربٍ ... ترى فيها عن الشرعِ ازورارا
أراد نصا لا تشبه ورق الخلاف، ذات غرب يعني قوسا والغرب الحدة، والشرع أوتار، ازورار تباعد عن الوتر. وقال يصف فرسه:
كأن دفوفَ مرجعٌ مرفقيْه ... توارثها منازيع السهَام
المنزع السهم، يقول: السهام في مرجع مرفقيه كثيرة فكأنها توارثت ذلك الموضع.
وقال لقيط بن يعمر الأيادي:
فهم سراع إليكم بين ملتقطٍ ... شوكا وآخر يجني الصاب والسلعا
شوكا يعني سلاحا حديدا ومنه قيل أنه لذ وشوكة، والصاب لبن العشَر وهو سم، والسلع نبت يكون بالحجاز خبيث الطعم لا يرعى، يريد أنه يعدّ لكم الشر. وقال الشنفّري:
وباضعة حُمر القسى بعثتُها ... ومن يغز يغنمُ مرةً ويشمّت
باضعة أصحاب جراح وغزْو وهم الرجال الذين يقطعون كل شيء، حمر القسى معاودين للقتال بالقسى فقسيهم عُتق وإذا عتقت القوس احمرت، ويشمت يخيب، وأنشد لساعدة بن جؤية الهذلي:
(2/1055)

به القوم مسنلوبٌ بتبلٍ وذاهب ... شَماتاً ومكتوف أوانا وكاتِف
لها وَفضة فيها ثلاثون سيحَفا ... إذا آنست أولى العديّ اقشعرّتْ
الوفضة الجعبة، سيحف نصل عريض. وقال راشد بن شهاب اليشكري:
ونبل قران كالسيورِ سَلاجمٌ ... وفلق هتوف لاسقيَّ ولا نشم
قران متشابهة من عمل رجل واحد وهو من قرين، سلاجم طوال. سقيّ يقول ليست مما يشرب الماء هي جبلية، والنشم خشب هش ضعيف، كالسيور أي محددة كما يحدد طرف للسير، ومثله. كالسيور سلاجمات وقال أبو أسامة الجشمي يصف سهما:
كأن الريشَ والفوقيْنِ منه ... يُعَلّ به أجاجِيّ عليلُ
أجاجي طيب يأتّج. وقال مالك بن نويرة:
وأدبرت عني هارباً بعد ما جرى ... لمهركَ مزواراً تحَيت المعذّر
كل شيء فتل قد زوّر ويقال للعود الذي يشد خيط الفخ مزوار،
(2/1056)

يقول رميتك فشج سهمي فرسك فكان له مزوارا. وقال ذوالرمة يذكر القانص.
معدّ زرق هدَّت قَضباً مصدرة ... ملس المتون حداها الريشُ والعَقب
زرق نصال، هدت تقدمت، قضبا سهاما، حداها ساقها، وكان الأصل قَضب بالفتح لأنه جمع قضيب مثل أديم وأدَم وأفيق وأفَق، مصدرة شديدة الصدور. وقال يصف قوما:
كانوا ذوي عددٍ دَهم وعائرة ... من السلاحِ وأبطالاً ذوي نَجدِ
عائرة كثير من السلاح وذلك أنه يعير فيه بصرك من كثرته ترمي به هاهنا وهاهنا ومنه فرس عيار يأخذ هاهنا وهاهنا، نجَد شدة. وقال:
فلاة ينزّ الرِئم في حجراتها ... نزير خطامِ القوسِ يحدّي به النبلُ
ينزّ يزو ويتحرك، خطام القوس وترها. وقال يصف القوس:
يؤودُ من متنها متنٌ ... ويجذبُه كأنه في نياطِ القوس حلقومُ
يؤود يعوّجَ من متن القوس متن الناقة يعني وترا عملَ من متن، كأن الوتر حلقوم قطاة، ونياط القوس معلقها. وقال وذكر الصائد:
له نبعةٌ عطوى كأنّ رنينَها ... بألوى تعاطته الأكف المواسح
عطوي تعطيه ما أراد من النزع، والألوي الوتر، والمواسح اللواتي يمسحنه يلينّه. ثم قال:
(2/1057)

أخو شقة يرمي على حيث يلتقيمن الصفحةِ اليسرى صُحارو واضحُ
صحار حمرة إلى بياض وهي الصحرة، واضح بياض وهو ما وضح من إبطه، فأراد حيث يجتمع ذا وذا عند الفريصة وهي مضغة لحم تحت الإبط مما يلي الجنب، والعرب تقول رماه ورمى عليه، يقول: فهذان يلتقيان عند مقطّ الجنب حيث تنقطع الأضلاع، والمقتل في الجانب الأيسر وفيه القلب. وقال:
وشعب أبَي أن يسلكَ الغُفرُ بينه ... سلكت قُرانَي من قياسرة سمرا
يعني بالشعب فُوق السهم، والغُفر ولد الأروية، قراني يعني الوتر، من قياسرة يعني إبلا عظاما يريد وترا من جلود هذه الإبل العظام، قراني أي قد قرن قوي الوتر بعضها إلى بعض لأنه من ثلاث طاقات. وقال ابن أحمر يذكر ذهاب عينه:
ولكن قومي شبر قوها فجاءةً ... بأورقٍ لالَغب ولا متخاذل
شبرقوها مزقوها، والأورق النصل عليه آثار النار وسوادها واللغب الردى من الريش إذا اجتمع ظهران وبطنان فالريش لغب. وقال خداش بن زهير.
أريشٌ وأبري للظلومِ معابلا ... إذا خرجَتْ من بدئها لم تنزّع
المعابل نصال عراض، إذا خرجت من حيث بدأت لم تنزع من جسد من رمى بها أي إذا خرجت من يد الرامي. وقال الطرماح يذكر كلب صيد:
(2/1058)

يمرّ إذا ماحُلَّ مر مقّزع ... عتيق حداه أبهرُ القوس جارِنِ
يمر الكلب إذا حُل عنه مر السهم المقزّع وهو المصلح المحذق والعرب تقول قزِّعوا إلى بني فلان رسولا - أي ابعثوا متجردا خفيفا، وحداه ساقه، والأبهر موضع الكف، وجارن لين: يقال جرن جُرونا إذا لان، وأنشد للطرماح:
سلاجم يثربٍ الأولى عليها ... بيثربٍ كَبرة بعد الجُرونِ
سلاجم نصال، كبرة قدِم، ويروى: كدرة، بعد الجرون - أي بعد ما جليت والجرون والمرون سواء، يقال استعمل حتى جرن ومرن - بمعنى، وقال يذكر صائدا:
يلحس الرصف له قضبةً ... سمحج المتن هتوف الخِطامِ
الرصف عقب السهم وهو الرصاف، والقضبة القوس، والسمحج الطويلة الظهر، والخطام الوتر، والهتوف التي تصوت. وقال الأخطل:
حتى تكون لهم بالطف ملحمةٍ ... وبالثويّةِ لم يُنبضْ بها وترُ
يقول تكون تلك الحرب أشد من أن يكون فيها إنباض بوتر إنما هو جِلاد بالسيوف وطعان، والثوية بظهر الكوفة. وقال العجاج يصف إبلا:
نواحل مثل قسّي العُجرم
العجرم شجر تعمل منه القسي. وقال يصف ماء:
(2/1059)

كأن أرياشَ الحمامِ النُسّلِ ... عليه وُرقان القران النُصّلِ
النسّل الساقطة، والقران نبل صيغت صيغة واحدة وجعلها وُرقا لأنها تدخل النار فتسود وتجيء ورقا، النصّل التي نصلت أي خرجت جمع ناصل. وقال:
وفارجاً من قضبٍ ما تقضّبا ... تُرِنّ إرناناً إذا ماَ أنضبا
الفارج القوس التي يبين وترها عن كبدها، تقضّب اقتضب شيئا لم يكن ويقال ناقة قضيب إذا اقتُضبت فركبت قبل أن تتم رياضتها.
يمطو تمطّيها الخِطام المِجذيا
يقول إذا تمطت القوس فتطاولت مدت الخطام وهو الوتر، والمجذب الذي يجذب مثل المغرف الذي يغرف به. وقال:
أو رد حُذّا تَسبق الأبصارا ... تسبق بالموت القنا الحرارا
الحذّ السهام القصار يريد نبلا تسبق القنا بالموت. وقال يذكر الإبل:
تغلو بها ركبانُها وتغتلي ... معَجَ المرامي عن قياسِ الأشكلِ
يريد تغتلي كما يمضي المرامي، عن قياس جمع قوس، والمعج سير سهل، والأشكل ضرب من الشجر.
(2/1060)

وقال ذو الرمة يصف حميرا وردت:
فمرّ على الأول النضيّ فصدَّه ... تليّة وقت لم يكمّل كمالُها
أي على الأولى من الآتن، النضي السهم، التلية البقية، يقول لم يأت وقتها.
وقال ساعدة بن جؤية يصف رجلا:
فورّك لَينا أخلص القين أثره ... وحاشكة يحصى الشمالَ نذيرُها
ورّك لينا أي أماله إلى يده، أثره فرنده، والحاشكة القوس تحشك بدرتها، يحصى الشمال نذيرها - أي يضرب وترها اليد حتى يؤثر فيها، والنذير الصوت صوت الوتر وسمي نذيرا لأنه ينذر الوحش. وقال أمية بن أبي عائذ الهذلي وذكر الرامي.
يصيبُ الفريص وصدقاً يقو ... ل مرحى وإيحا إذا ما يوالي
إذا أصاب مرحى، وإذا اثنى فأصاب إيحا. يقال ذلك عند الفرح والتعجب، ويقال بل إذا رمى الثانية فأخطأ قال إيحا، يوالي من الموالاة. وقال أوس بن حجر:
فملّك بالليطِ الذي تحت قشرِها كغِرقيء بيضٍ كنّه القيضُ من علُ
ملك شدد، أي ترك من القشر شيئا يتمالك به يكنه لئلا يبدو قلب القوس وإلا انشقت، وهم الآن يصنعون عقبة إذا لم يكن عليها
(2/1061)

قشر، وملك من قولهم ملكوا العجين أي شددوا عجنه، ومن قول قيس بن الخطيم:
ملكت بها كفي
والليط القشر ومنه: اذبحه بليطة، والقيض قشر البيضة اِلغليظ، والغرقيء القشر الرقيق.
وقال أيضا يصف نبعة قطعها يتخذ منها قوسا:
فلما نجا من ذلك الكربِ لم يزلْ ... يشرّبها ماءَ اللحاءِ لتذبلا
كان صاحب القوس إذا قطع العود ترك عليه لحاءه يمظعه ماءه أي يشربه كيلا يتصدع فإذا يبس قُوِّم حينئذ، وكذلك كانوا يفعلون بالقداح أيضا. وقال كعب بن زهير وذكر نصالا:
صدرن رواء عن أسنةٍ صلّبِ ... يقئنَ ويقطرنَ السمامَ سلاجم
وصفرا شكّتها الأسرة عودهاَ ... على الطلِ والأنداءِ أحمرُ كاتمُ
صدرن رواء أي قد بولغ في تحديدهن، والأسنة جمع سنان، وهو المسن الذي يسن عليه، والصُلّب حجارة تعمل منها المسان، والأسرة طرائق تكون في القوس، شكتها دخلت فيها، أحمر من القدم، كاتم لا صدع فيه. وقال طفيل:
كأن عراقيبَ القطا أطَرٌ لها ... حديثٌ نواحيها بوقعِ وصلّبِ
الأطر جمع أطرة وهي العقبة المشدودة على مجمع الفوق لئلا يفتق،
(2/1062)

شبه الأطر بعراقيب القطا، حديث نواحي هذه السهام بالتحديد لم تقدم فتكل، بوقع يقال قع سهمك أي اضربه بالميقعة وهي المطرقة والجمع مواقع، وأنشد:
سلاط حداد أرهفتها المواقع وقال آخر وهو الفند الزِمّاني:
ونبلي وفُقا هاكعراقيب قطا طحل وقال صخر الغي.
كأنّ اّزَبّيها إذا رُدَمِتْ ... هزم بُغاة في إثِر ما فقدوا
الأزبي الفن الذي يأخذ فيه صوتها، وكل ضرب وطريقة أزبي، يعني به هاهنا ضربا من صوتها، والبغاة القوم يبغون بالأرض القفر فإذا كلم بعضهم بعضا همس إليه بشيء من الكلام، إذا رُدمت وذلك أن ينزع في الوتر ثم يرسله فيردم الكف كما يردم الباب.
وقال آخر وذكر ذئبا:
دَفَعَتْ إليه سلجم اللحي نصلُه ... كباردةِ الحُوّا وهو وقيعُ
يعني دفعت بالوتر إلى الذئب، سلجم اللحى أي طويل اللحى، والحواء نبت، باردته نباته قبل أن يتشقق، فشبه النصل به، وقيع مضروب بالميقعة ليرق. وقال العبدي:
(2/1063)

وأرسلَ عن فرعٍ من النبلِ فارجٍ ... أغرّ بلاديا فاصردٌ يرعق
أغر يريد أن له غَرا وهي الطربقة، فأصرد أي أنفذ، يقال صرِد السهم يصرد وأصردته، وأنشد الزيادي:
ماذالها هَبلَتْ في أنّ تخرّقَني ... بيضٌ مطارد قدزُينّ بالعقَبِ
وصف سهاما، الواحد مِطرد. وقال أوس:
وحشو جفيرٌ من فروعٍ غرائبٍ ... تنطّعَ فيها صانعُ وتنبّلا
الجفير الكنانة، حشوها السهام، تنبل تحذق.
تُخّيرن أنضاءَ وركّبن أنصلا ... كجمرٍ غضافي يوم ريحٍ تزيلا
النابل الحاذق، تخيرن من قداح ثم ركب فيها النصال، والأنضاء التي لم تبر بعد، الواحد نضى.
يُخزن إذا انفَزن في ساقطِ الندى ... وإن كان يوماً ذا أهاضيبٍ مخضلا
يخزن أي يسمع لهن صوت إذا أديرت على الظفر وحركت بالأصابع وإذا صوتت في الندى فكيف في الجفاف. وقال أبو كبير وذكر رجلا قُتل أصحابه:
لما رأى أن ليسَ عنهُم مقصِرٌ ... قصرُ اليمين بكلِ أبيضٍ مطحر
وعراضة السيَتَين توبِع بريها ... تأوى طوائفُها لعجسٍ عَبهرِ
يأوي إلى عظمِ الغريفِ ونبله ... كسَوامِ دَبرِ الخشرمِ المتثّورِ
(2/1064)

يقول لما رأى أن ليس عنهم محبس ولا متخلف قصر اليمين أي حبسها عليهم لا يشغلها بغيرهم، مطحر سهم بعيد الذهاب، وعراضة يريد عريضة، والسيتان ما انعطف من طرفي القوس، توبع بريها أي جُعل بعضها يشبه بعضا، تأوي طوائفها إلى عجس والطائفان دون السيتين والعجس مقبض القوس، عبهر ممتليء شدة وغلظا، يقال: فلان يأوي إلى عقل ورأي، أي يرجع إلى ذلك، يأوي هذا الرامي إلى عظم الغريف والغريف شجر ملتف، أي جعل ظهره إلى معظم الأجمة وجعل يرميهم، والسوام مرّه ومضيه، والخشرم النحل كأنه أضافه إليه لما اختلف لفظه. وقال:
ومعابلا صلع الرؤوسِ كأنها ... جمرٌ بمسهَكةٍ تشَبّ لمصطلى
ويروى: صفع الظباة، والمعابل نصال عراض قد جليت حتى هي صلع أي ملس، مسهكة مكان ذو ريح تسهك التراب أي تسحقه يقال سهكت الزعفران وسحقته سواء، تشب توقد، واذا هبت الريح فهو أذكى للجمر وأشدّ لتوقده.
نُجفا بذلَتْ لها خوافي ناهض ... حشرالقوادمِ كالِلفاعِ الأطحلِ
النجف النصال العراض، بذلت لها أي جعلت فيها خوافي، أراد الزقت قذذها، والقوادم العشر الريشات المتقدمات، والخوافي دونها والناهض الفرخ والفرخ أجود ريشا وألين، وريش المسانّ احضّ قد تحاتّ، واللفاع اللحاف، والأطحل الأسود إلى الخضرة، أي كأن هذا النسر في لونه لحاف بهذه الصفة.
(2/1065)

وقال كعب بن زهير يصف قانصا:
ثاوياً ماثلاً يقلّب زرقاً ... رَمّها القَين بالعيونِ حشورا
رمها القين اصلحها الحداد، بالعيون أي بالنظر، والحشر الملصق القذذ ومنه سهم محشور.
شرِقاتٌ بالسم من صلبّيّ ... ورَكَوضاً من السراء طًحورا
الصلبي حجارة المسانّ، يقول حددها على المسانّ حتى كأن فيها سما، وركوضا يعني قوسا تركض السهم أي تدفعه وكذلك الطحور، والسراء شجر تتخذ منه القسي.
يبعثُ العزفُ والترنمُ منها ... ونذير إلى الحميرِ نذيرا
النذير الصوت، يقول: إذا صوتت أنذرت الحمير بذلك. وقال وذكر القانص:
فلما أراد الصيدَ يوماً وأشرعَتْ ... زوى سهمَهِ غاوِ من الجنِ عارِمِ
قال أبو عمرو: يقولون ليس من وحشية إلا وعليها جني يركبها. وهو مثل قول النابغة:
(2/1066)

يقول راكبُها الجنيّ مرتفقاً ... هذا لكنُّ ولحم الشاة محجورُ
ويروى: حارم، أي حرمه الصيد. وقال ساعدة بن جؤية يذكر وعِلا:
حتى أتيحَ له رام بمحدَلة ... جَشءٍ وبِيض نواحيهن كالِسجَمِ
محدلة قوس أحد أبهريها أوفى من الآخر، والمحدل من الرجال الذي أحد منكبيه أوفَى من الآخر، يقال رجل أحدل وامرأة حدلاء، ومحدل مفعول به، جشء خفيفة، وبيض نصال، والسجم شجر، يقول حروفها كحروف ورق هذا الشجر. وقال آخر يذكر سهما:
وخلّقته حتى إذا تمَّ واستوى ... كمخةِ ساق أو كمتن إمامِ
خلقته من الأخلق وهو الأملس.
قرنت بحقوْيهِ ثِلاثاً فلم يُزلْ ... عن القصدِ حتى بُصّرت بدمامِ
الامام هاهنا خيط يقدر به البناء، قرنت بحقويه ثلاث قذذ، فلم يزل عن القصد حين رمى به حتى بصرت القذذ من بصيرة الدم، والدمام الطلاء يقال دُمّ قدرك - أي اطلها بالدم أو الطحال، ومنه قول علقمة:
عقلا ورقما تظلّ الطيرُ تتبعُه ... كأنه من دمِ الأجوافِ مَدموم
(2/1067)

يريد أن السهم أصاب الرميّة ونفذ فيها حتى تدمت قذذه، وقال أبو ذؤيب وذكر صائدا:
فذاك تلاده ومسلَجماتٍ ... نظائر كل خوّارِ بروقُ
نظائر يشبه بعضها بعضا، خوار في صوته، بروق في لونه وصفائه
له من كسبهن معذ لَجات ... قعائد قد مُلئن من الوَشيقِ
معذلجات مملوءات، قعائد عزائز، والوشيق ما جفف من اللحم. وبِكّر كلما مُسّت أصاتت صوتت، ذو الشرع عود عليه أوتار.
لها من غيرِها معها قرينٌ ... يردّ مِراح عاصية صفوقِ
من غيرها معها يعني وترا، وعاصية هي القوس فيها صلابة، صفوق لينة.
وهذا مثل قول الآخر:
في كفه معطية منوع
وقال وذكر قاتل خالد ابن أخيه:
فأعشيتُه من بعدِ ما راثَ عِشيه ... بسهمٍ كسَيرِ الثابريةِ لهوقِ
أعشيته يريد عشيته من بعد ما أبطأ عشاؤه، وسير الثابرية منسوب، لهَوق حديد.
(2/1068)

وقلت له هل كنت آنست خالدا ... فإن كنت قد آنسته فتأرّق
يهزأ به، يقول إن كنت أبصرته فلا تنم لأنه رماه في عينه فأصاب بصره فلا يقدر على النوم. وقال المتنخل:
واسلُ عن الحب بمضلوعة ... تابعها الباري ولم يعجَل
كالوقف لا وقَربها ... بالشِرع كالخَشرم بالأزمل
مضلوعة قوس بريت ضليعة أي غليظة، تابعها الباري جعل بعضها يتبع بعضا، والوقف السوار أي تبرق كما يبرق، وهزمها صوتها، والشرع الوتر، والوقر الهزمة، والخشرم الدَبْر، والأزمل في صوتها. وقال أمية بن أبي عائذ يصف الصائد:
تراح يداه بمحشورة ... خواظي القداح عجاف النصال
أي تخف يداه، محشورة قد ألصق قذذها فهو أسرع لها وأبعد، خواظي متان، عجاف قد أرهفت.
كخشرم دَبر له أزمل ... أو الجمر خشّ بصُلب جزال
على عجْس هتافة المذروي ... ن زوراء مضجعة في الشمال
أي السهم على عجس، والمذروان الطرفان، أي لهما صياح بالنبيض، ومضجعة في الشمال يريد أنه في موضع ضيق كاللحد فهو لا يستطيع أن ينبضها، زوراء منحنية.
(2/1069)

بها محص غير جافي القُوى ... إذا مُطْيّ جنّ بورك حدال
الأصمعي: بها محص يريد الوتر، والقوى الطاقات، مطى أنبض، بورك أي في ورك يريد القوس، حدال هو أن يكون أحد منكبيه أوفي من الآخر، محص بالمشاقة حين فتل.
وقال ساعدة:
وصفراء من نبع كأن عدادها ... مزعزعة تلقي الثياب حطوم
كحاشية المحذوف زيّن ليطَها ... من النبغ أرزٌ حاشيك وكتُوم
عدادها صوتها، مزعزعة ريح، والمحذوف ضرب من البرود حواشيه حمر، شبه القوس بها في اللون، أرز شدة، يقال قوس ذات أرز، حاشك حشكت بدرّتها، كتوم ما بها شق.
وأحصنه ثُجر الظباة كأنها ... إذا لم يغيبها الجفير جحيم
أحصنه منعه، ثجر عراض النصال، يقول كأنها نار إذا لم تجعل في الكنانة، والجفير الكنانة المشقوقة في جنبها، وقوله.
وشقت مقاطيعُ الرماة فؤادَه ... إذا يسمع الصوت المغرد يصلد
(2/1070)

يعني وحشية، مقاطيع جمع قطع وهو نصل عريض قصير وزيدت الميم في أوله كقولهم مشابه ومحاسن.

باب السيوف
وقال أبو كبير يذكر ربيئة:
مستشعرا تحت الرداء إشاحَة ... عَضبا غموض الحد غير مفلل
جعل سيفه بمنزلة الوشاح له، غموض الحد يقول حده يغمض أي يدخل إذا ضرب به، وعضب قاطع، غير مفلل أى غير مكسر. وقال النابغة الجعدي وذكر سيفا:
تنَّحي عليه كل أسقف جائني ... بجبهته حتى يكل ويعملا
فأبرز عن أثر قديم كأنه ... مدّب دبيً سود سري ثم أسهلا
تنحى اعتمد ومثله انتحى، والأسقف الصيقل وجعله أسقف لانحنائه، والجانيء المنكب المعتمل، ويعمل يدأب، والأثر الفرند. وقال الجعدي:
ثم نزلنا وكسرنا الرماح وجرّدنا صفيحا كستها الروم دجّالا الدجال ماء الذهب الذي تطلى به السيوف كيلا تصدأ وهو مثل وأصله الهِناء، يقال بعير مدجل أي مطلى بالهناء.
وقال أبو ذؤيب يصف متبارزين:
(2/1071)

وكلاهما متوشّح ذارونق ... عضبا إذا مسّ الكريهة يقطع
العضب القاطع، والكريهة الضريبة وهو ما وقع عليه السيف. وقال أجنادة، بن عامر الهذلي:
بمّطرد تخال الأئر منه ... مدب غرانِق خاضت نِقاعا
إذا مس الضريبة شفرتاه ... كفاك من الضريبة مَا استطاعا
والغرانق طير يشبه الكركيّ واحدها غُرنَيق، والنقع محتبس الماء، كفاك من الضريبة أي تبلغ إرادتك ولا تنكل. وقال أبو العيال:
ومشقوق الخشيبة مش ... ر فيّ صارم رسبُ
الخشيبة الطبيعة أي طبع طبعا عريضا، ويقال شقه أي عرّضه ومثله قولهم، مفتوق الغرارين - وغراراه حداه من الجانبين، يقال ذلك للعريض من السيوف، رسب أي يرسب في اللحم. وقال المتنخل يصف سيفا:
أبيض كالرَجع رسوب إذا ... ما ثاخ في محتفَل يختلي
الرجع الغدير فيه ماء المطر، رسوب يرسب في اللحم، ثاخ وساخ سواء محتفَل معظَم أي إذا أصاب معظم موضع رسب في الجسد، ويختلي يقطع.
(2/1072)

وقال ساعدة يذكر ثغرا:
رميتَ بمخشوب صقيل وضالة ... مباعج ثُجر كلها أنت شائف
مخشوب سيف لم يتم عمله أي حين بدىء طبعه. وقال الأصمعي: كثر المخشوب في كلامهم حتى جعل اسما للسِيف لا صفة ثم وصف بصقيل، وضالة نبل معمولة من شجر الضال، مباعج عظام الجروح، وثجر عراض، وشائف حالٍ يقال شفته شوفا. وقال ساعدة:
فوّرك لَينا لا يثمثَم نصله ... إذا صاب أوساط العظام صميم
ورك صيره على أحد شقيه فهو يقع على الورك، لين سيف ليس بيابس فينقصف، يثمثم لا يُرد مصروفا بل يمضي قُدما، صميم أراد نصله صميم أي خالص، إذا صاب أي وقع.
ترى أثره في صفحتيه كأنه ... مدارجِ شبثان لهن هميم
أثره فرنده، شبثان جمع شَبث وهو دويبة في الرمل، لهن هميم أي دبيب قال: سمعت أعرابية تقول: همّمي في رأسي لا أبالك، أي دبيّ بيدك في رأسي. وقال ساعدة:
فقال: بشير أو نذير فسلموا ... وألكد آيات المنا بالحمائل
(2/1073)

ألكد ألصق، يقول الموت لصق بجمائل السيوف، والمنا القدر والمنية.
ومنه قوله في هذا الشعر يرثي ابنه:
ولو سامني الماني مكان حياته ... أنا عيم دهر من عباد وجامل
سامني أي أراد مني مكانه إن أقبل منه هذا، وأنا عيم جمع نعيم وعباد جمع عبيد، والماني المقدر وأراد الدهر. وقال أبو خراش:
أذا لبل صبي السيف من رجل ... من سادة القوم أولا لتف بالدار
صبي السيف أسفل من طرفه، والتف بالدار أي سباهم وذهب وقال صخر الغي:
وصارم أخلصت خشيبته ... أبيض مهو في متنه ربَد
فليت عنه سيوف أرْيح إذ ... باء بكفي ولم أكد أجد الخشية
الطبع الأول قبل أن يتم عمله ثم استعمل حتى صير الصقيل خشيبا، والمهو الرقيق ومنه رطبة مهوة أي رقيقة. ويقال سلح سلحا مهوا أي رقيقا، والربد جمع ربدة وهي غبرة إلى سواد يريد فرنده، فليت عنه أي بحثت عنه حتى أخرجته، باء بكفي رجع بكفي أي صار فيها، وأريح موضع. وقال أبو المثلم لصخر الغي:
(2/1074)

يا صخر ورّاد ماء قد تمانعه ... سوم الأراجيل حتى جمّه طَحِل
يا صخر جاء له من غير مورده ... بصارمَين معاً لم يثنه وجلَ
سوم الأراجيل أي منع هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، يقول فهذا الرجل يرِد على هذه المخافة، والأراجيل الرجالة، أي جاء لهذا الماء من غير مورد أي انحدر عليه من غير الطريق الذي يرَده الناس، بصارمَين يعني نفسه وسيفه. وقال البريق:
ألم تعلموا أن الشعير تبدلت ... دَيافيّة تعلو الجماجم من عل
إذا الرجل الشعبان صابت قذالَة ... أذاع به مجلوزها والمقلَل
ديافية سيوف جلبت من دياف قرية بالشام، يقول كانوا يجلبون الطعام فتبدلوا منه الذي ذكره، والشعبان البطين، والمجلوز من السيوف الذي عليه جلاز من علباء وهو أن يتقلقل قائمه فيشد بعلباء والمقلل من القلّة وهي رأس القبيعة. وقال الزبير بن عبد المطلب:
وينهي نخوةَ المختال عني ... غَموضُ الحد ضربته صموت
السيف إذا كان قاطعا مر في العظم سريعا فلم يكن له صوت. وقال آخر:
وأحياناً نخالطهم بضرب ... صموت في الحديد وأرونان
وقد فسر. وقال آخر:
يكفيك من قَلَع السماء مهندِ ... فوق الذراع ودون بوع البائع
(2/1075)

نسبه إلى السماء أراد أنه من صاعقة. وقال آخر وذكر سيفا:
أو قدْت فوقه الصواعق نارا ... ثم ساطت به الذعافَ القيون
وقال آخر:
اُداعيك ما مستصحَبات مع السري ... حسان وما آثارهاَ بحسان
أداعيك مثل أحاجيك، بينهم أدعيّة وأحجية - سواء، يعني السيوف - حاجاه به.
وقال آخر امرؤ القيس:
تجافَي عن المأثور بيني وبينها ... وتُدني علينا السابريّ المضلعا
الأصمعي: المأثور السيف، وقال بعضهم يريد تجافي عن المحمول من الحديث بيننا لا تعاتب عليه. وقال العجاج:
يُذرِي بإرعاسِ يمينِ المؤتلي ... خضُمّة الذراع هذّ المختلي
الإرعاس والإرعاش واحد وهو الرجف والمؤتلي التارك جهدا، فيقول هو يقطع وسط الذراع الذي عليه الدرع، وخضمه كل شيء معظمه - على أنه ترك جهده ويده ترجف، والهذ القطع،
(2/1076)

والمختلي الذي يأخذ الخلا والخلا ارطْب، إذا يبس فهو الحشيش. وقال الفرزدق:
وكنت كما قالتْ نوار إن اجتلَتْ ... على رجلٍ ما شدّ كفى خليلُها
وذلك أن النوار امرأته خاصمته ونافرته، يقول: أنا كما زعمتْ أن تركتها فتزوجتْ غيري واجتلت عليه، ما شد كفَى خليلها ما دام قائم السيف في يدي أمتنع به، وجعل السيف لكفه خليلا. وقال آخر:
دلفتُ له بأبيضٍ مشرفيّ ... كأنّ على مواقعه غبارا
مواقعه التي وُقعت منه، يريد من شدة الإرهاف وكثرة الماء كأن عليه غبارا، وقعت الحديدة أقعها وقعا وهي موقوعة، والمطرقة ميقعة، وقال المتنخل وذكر سيفا:
منتخب اللبِ له ضربةٌ ... خدبا كالعطِّ من الخِذعِل
أي هذا السيف كأنه أهوج لا عقل له، منتخب أي منخوب اللب أي ذاهب العقل، والخَدَب تهاوي الشيء ولا يتمالك وهذا مثَل، أي هذا السيف لا يتمالك ولا يبالي ما أصاب، وإنما أراد كالعط من ثوب الخذعل، ثم وصفها فقال:
أفلطها الليلُ بعير فتس ... عى ثوبها مجتنبِ المعدلِ
(2/1077)

أي فاجأها الليل فخرجت وثوبها على غير القصد تسعى من الفرح بالعير.
وقال آخر يصف سيوفا والبيت لخفاف بن ندبة:
جلاها الصيقلون فأخلَصوها ... فجاءَتْ كلها يَتْقيِ بأثر
أراد يتّقي فخفف، يعني السيوف أي توليهم أثرا يجعلها بينها وبينهم، والأثر الفرند وقال آخر وهو الأخطل.
رأوا بارقاتي بالأكّفِ كأنها ... مصابيح سرج أوقدّت بمدادِ
أي بزيت يمد0 وقال الأخطل:
وما تركتْ أسيافنا حين جرِّدت ... لأعدائنا قيس بن عيلان من عذرِ
أي لم يقدروا أن يقولوا كنا قليلا، ولا: أتونا ولم نعلم بهم. وقال آخر والبيت للخنساء:
وداهية جرّها جارمٌ ... جعلَتْ رداءَك فيها خمارا
رداءك أي سيفك خمرت به رؤوس الناس أي ضربتهم، ويجوز أن تكون جددت وتعممت بردائك كما قال النابغة:
يحثّ الحداة جالزاً بردائهِ ... يقي حاجبَيْه ما تثير القنابلُ
وقال آخر:
رمونا برِشقٍ ثم إن سيوفَنا ... وردْنَ فأبطَرْنَ القبيل التراضيا
(2/1078)

ولم تكن تثني البنلُ حدَّ سيوفِنا ... إذا ما عقدنا للجلادِ النواصيا
برشق أي دفعة، فأبطرتهم عن الترامي أي صاروا إلى السيوف، تثني ترد، يريد عقدنا النواصي أي تهيأنا لذلك. وقال آخر:
وجردت عضباً مشرقياً أرقّة ... عراكَ سِلام القَين وهو المثّمل
عراك معاركة أي معالجة، وسلام القين حجارة المسانّ والمثمل وقال
وبيض كأن الماء قبل احمرارها ... ينابيع من أعراضِها يتصبب
قبل احمرارها من الدم، كأن الماء من نواحيها يجري من صفائها. وقال ابن مقبل:
إني أقيدُ بالمأثورِ راحلتي ... ولا أبالي ولو كنا على سفرِ
يقول لا أبالي أن أرحل بعد أن أعقر ناقتي لأصحابي، والمأثور السيف ذو الأثر وهو الفرند: وقال لبيد:
وأعددتُ مأثوراً قليلاً حشوره ... شديدَ العماد ينتحي للطرائق
حشوره كلوله، شديد العماد شديد الوسط. أي له متن، ينتحي يقصد لطرائق البيض.
بأخلقٍ محمودٍ نجيحِ رجيعه ... وأخشن مرهوب كريم المآزِق
(2/1079)

أخلق سيف أملس، أخشن يعني نفسه، المآزق المضايق عند الحرب. وقول النابغة:
من وحشٍ وجرةِ موشّى أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقلِ الفردِ
أي الثور أبيض كالسيف الفرد أراد أنه مسلول وإنَ شئت قلت إن هذا السيف منقطع القرين لا نظير له. وقال يصف السيوف
تقدّ السلوقيّ المضاعف نسجَه ... ويوقدنَ بالصفّاحِ نارَ الحباحب
الأصمعي: الصفاح الحجارة العراض، يقول تقطع هذه السيوف الدروع وكل شيء حتى تصل إلى الحجارة فتوري فيها النار، ونار الحباحب ما توريه الحجارة وهذا من إفراط العرب كقول قيس بن الخطيم يصف الطعنة:
ملكتُ بها كفى فأنهرتْ فتقُها ... وترى قائماً من خلفِها ماوراءها
وقد فسرت هذا البيت:
يطير فُضاضاً بينهم كل قونسٍ ... ويتبعُها منهم فَراش الجواجبِ
يطير فضاضا أي ينفض ويتفرق، والفراش عظام رقاق تطير عند الضرب وقال الفرزدق:
(2/1080)

بأيدي رجال لم يشيموا سيوفَهم ... ولم يكثروا القتلى بها حين سُلتْ
يقول لم يغمدوا سيوفهم والقتلى لم تكثر حين سلت ولكن أغمدوها حين كثرت القتلى.
وقال الراعي:
بربِ ابنةِ العَمري ماكان جارها ... ليسلمَها ما وافقَ القائم اليدا
يَعني قائم السيف. وقال يصف سيوفا:
وبيض رقاق قد غلتهن كَبرة ... يداوي بها الصادَ الذي في النواظرِ
يعني سيوفا، علتهن كبرة أي هي قديمة. والصاد داء يكون في رأس البعير فيرفع منه رأسه فضرب ذلك مثلا للكِبْر، والنواظر عروق تصير إلى العين وربما قطعت من الناس والإبل. وقول زيد الخيل يصف سيفا:
أحادثه بصقلٍ كل يومٍ ... وأعجمه بها ماتِ الرجالِ
أي أعضه من قولك عجمت الشيء أي ذقته وخبرته. وقال أبو ذؤيب يصف سيفا:
ضروب لهاماتِ الرجالِ بسيفهِ ... إذا عجِمَتْ وسطَ الشؤونِ شفارها
يعني شؤون الرأس وهي قبائله. وقال أبو ذؤيب:
رميناهم حتى إذا أربتْ جمعهم ... وصار الرصيع نهية للحمائل
(2/1081)

إربث تفرق، يقول صارت سيوفهم أعاليها أسافلها، والرصيع سيور تضفر بين الحمائل والجفن. يقول صار الرصيع في منكب الرجل حيث كانت الحمائل وصارت الحمائل عند صدره أي انقلبت عند الهزيمة، نهية حيث انتهت إليه. أبو النجم:
والصدقَ مما يمنع النسوانا ... بمرهفاتٍ تبتني سلطِانا
نجعل فيها للعدي غِيرنا
أراد الصدق بمرهفات أي بسيوف. تبتني عزا قاهرا، غيرانا جراحات وقيل الغيران جمع غار وهو الجيش، وحكى عن الأصمعي أنه قال: نجعل فيها، أي في الحرب للعدى غيرانا يهربون منا إليها، ومن جعل الغيران الجراحات جعلها فيها للسيوف. وقال يصف قوما يتحاربون:
كلا الفريقيْنِ المنيماتِ اشتهرَ ... كأنما بَرقعَ خدّيْه الحَور
المنيمات السيوف القاتلات، اشتهر سل، والحور جلود حمر شبه الدم على خدودهم بحمرة الحور، برقعه صار الدم كالبرقع. وقال عنترة:
وسيفي كالعقيقةِ فهو كِمعي ... سلاحي لا أفلّ ولا فُطارا
(2/1082)

العقيقة لمعة البرق، كِمعي ضجيعي، يريد أنه إلى جانبي، أفلّ به فلول، والفطار الذي لم يصقل فهو متشقق، المتفطر المتشقق. وقال
عُلالُتنا في كلِ يومٍ كريهةٍ ... بأسيافِنا والقرح لم يتفرقُ
العلالة البقية يقول بقيتنا في الحرب أن نضربهم بأسياَفنا، والقرح لم يتقشر أي أنا نعود إلى الحرب فنقاتل وجراحتنا لم تبرأ وذلك أنها إذا برأت تقشرت. وقال وذكر قاتلا ومقتولا:
يذبّب ورد على إثرِه ... وأمكنه وقع مردي خشِبِ
ورد بن حابس، يذبب على إثر المقتول، مردي سيف، خشب فيه غلظ وجفاء لم تتم صنعته وجلاؤه. وقال الشنفري يصف سيفا:
وهن كأذنابِ الحسيلِ صواديا ... وقد نهِلتْ من الدماءِ وعلّتْ
الحسيل، أولاد البقر، يقول كأن السيوف أذناب البقر إذا عطشت فضربت بها.
وقال قيس بن الخطيم:
نَفِلي بحدِ الصفيحِ هامهُم ... وفلينا هامهم بنا عنف
يقول هم قومنا. وقال ذو الرمة:
وأبيض موِشّي القميصِ نصبته ... على خَصرِ مقلاتِ سفيه جَديلها
(2/1083)

يعني سيفا، يعني أن باطن جفنه موشى، يقول هذا السيف على خصر ناقة مقلات لا يعيش لها ولد وهو أقوى لها وأصلب، سفيه زِمامها يقول هو مضطرب لتحريك الناقة رأسها وإنما أراد أن الناقة نشيطة. وقال ابن أحمر:
تقلدت إبريقاَ وعلقتَ جعلةً ... لتُهلكَ حياً ذا ذهاء وجَاملِ
إبريق سيف إفعيل من البريق وقيل قوس فيها أساريع، زهاء عدد وقد ر.
وقال المرار وذكر إبلا عقر منها:
فأجليْنَ عن برق أضاءَ عقيرةَ ... فيالكَ ذعراً أيّ ساعة مذعرِ
أي انكشفن عن سيف مثل البرق. وقال الطرماح وذكر فلاة:
أنخْتَ بها مستبطناً ذا كريهةٍ ... على عجلٍ والنوم بي غير رائن
العرب تكتفي بأنخت دون البعير، ذا كريهة أراد سيفا، غير رائن أي غير غالب من قول الله تبارك وتعالى " كلابل ران على قلوبهم "، أي غلب. وقال الفرزدق:
فِدىً لسيوفٍ من تميمٍ وفيَ بها ... ردائي وجلت عن وجودهِ الأهاتم
أراد الأهتم بن سمي التميمي، وكان سليمان حج فبلغه بمكة إيقاع
(2/1084)

وكيع بقتيبة بن مسلم فخطب الناس بمسجد عرفات وذكر غدر بني تميم ووثوبهم على سلطانهم وإسراعهم إلى الفتن، فقام الفرزدق ففتح رداءه وقال: يا أمير المؤمنين هذا ردائي رهن لك بوفاء تميم والذي بلغك كذب، فلما جاءت بيعة وكيع قال الفرزدق هذا البيت. وقال الفرزدق:
عشية ولّيتُم كأنّ سيوفَكم ... ذآنين في أعناقِكم لم تسلّل
ذآنين جمع ذؤنون وهو نبت ضعيف طويل له رأس مدور شبه سيوفهم في ضعفها بذلك النبت. وقال العجاج:
وبالسُريجياتِ يخطِفنَ القَصرَ ... وفي طِراقِ البَيضِ يوقِدن الشَررَ
السريجيات السيوف والقَصر أصول الأعناق، ويوقدن في طبقات البيض الشرر أي تنقدح النار. وقال العجاج أيضا:
إذ مطَرتْ فيه الأيادي ومطَرَ ... بصاعقاتِ الموتِ يكشفنَ الحَيَرَ
عن الدجارَى ويقوّمنَ الصَعَر
الأيادي جمع أيد، وصاعقات الموت السيوف، الدجاري الحَياري يقال دِجر دَجرا.
وقال أبو كبير:
(2/1085)

ولقد شهدْتَ الحي بعد رقادِهم ... تفلى جماجمهُم بكل مقلّلِ
بعد رقادهم يعني أنهم بُيِّتوا بياتا، تفلى تعلى بالسيوف، مقلل سيف عليه قلّة والقلة القبيعة وقلة كل شيء أعلاه، ويروي: بكل منحّل، أي سيف قد نحل لقدمه، ويروي: منخل، أي منتفي وقال الكميت لقوم انتقلوا عن قبيلهم:
أحلامهم أم أحدث الدهر نوبةً ... لمرهفةٍ إن لا تُجّدوا صقالها
يقول من أحلامهم أن تصيروا إلى اليمن وتدعونا ونحن السيوف، يقول أحدث الدهر نوبة للسيوف أن لا تصقل وتصلح.
تواكلها الأبطال حتى كأنما ... يرون محاريث الغريب نصالها
تواكلها تركها بعض إلى بعض، والمِحراث العود الذي تحرك به النار، والغريب الذي يغرب عن أهله أي ينتحي، والنصال السيوف، أي كأنها محاريث من الصدإ.
وقال ساعدة بن جؤية الهذلي:
وكنا أناساً أنطقْتنا سيوفنا ... لنا في لقاءِ القومِ حدّ وكوكب
يقول أحسنّا العمل بها فتكلمنا وافتخرنا، وهذا مثل قول عمرو بن معدي كرب:
فلو أن قومي أنطقْتني رماحهم ... نطقتُ ولكنَّ الرماحَ أجرَّتْ
(2/1086)

وقال ابن مقبل يرثي عثمان بن عفان:
ليبكَ بنو عثمان ما دامَ جِذمهم ... عليه بأصلالٍ تعَرَّي وتُخشَب
جذمهم أصلهم، عليه - أي على عثمان، بأصلال بسيوف، تعري تُسلّ من جفونها، وتخشب تصقل. وقال ذوا الخِرق الطهوي:
وما كانَ ذنب بني مالكٍ ... بأن سبُّ منهم غلام فسبَ
بأبيض ذي أثرٍ صارمٍ ... تخِرُ بوائكها للرُكبِ
يقول كان سبابه إياهم أن ضرب عراقيب الإبل بالسيف، والبوائك جمع بائك وهي الناقة الفتية الحسنة. قال الأصمعي أنشدني خلف لرجل من النمر بن قاسط جاهلي.
وليستْ بأسواق يكون بياعها ... ببيض تشاف بالجيادِ المثاقلُ
ولكنها سوق يكون بياعها ... بجُنمثية قد أحكمتها الصياقلُ
الجنثية السيوف، أبو عبيدة: الخنثّي والجنثي بالضم والكسر من أجود الحديد، ويقال الجِنثي الحداد. وقال أوس بن حجر يصف سيفا:
إذا سُل من غمدٍ تأكلُ أثره ... على مثلِ مصحاةِ اللُجينِ تأكّلا
الأثر الفرند، وقوله تأكّل - أصله التوهج، والمصحاة إناء من فضة.
وقال أبو كبير وذكر خَرقا:
(2/1087)

فأجزته بأفل تحسب أثره ... نهجاً أبانَ بذي فَريغ مخَرِفِ
أجزته قطعته، أفل سيف فيه فلول، تحسب فرنده من بيانه نهجا وهو الطريق البين، وفريغ طريق قد أثر فيه لطول ما وطيء، مخرف طريق. قال الرياشي قال أنشدني الأصمعي للحارث بن زهير:
فيخبرُه مكانُ النونِ مني ... وما أعطيتُه عرق الَخِلالِ
الخلال المخالّة، الرياشي في قول الآخر يصّف سيفا:
له جذمة من ذي الفقار اغتصابها
قال سألت الأصمعي فقال: كان السيف من جنس ذي الفقار، والجذمة هاهنا السيف.
وأنشد الزيادي:
لئمك ذو زِرَّين مصقول
اللئيم الصلح، يريد أن صلحك إنما هو سيف مصقول. وقال رؤبة:
والسابقُ الصادقُ يوم المعلِ ... كسبقِ صمصامة زجرَ المهلِ
المعل الاختلاس يوم يختلس فيه الأمر مخالسة، وقوله كسبقَ صمصامة زجر المهل - وهذا كقولك: سبق السيف العذل، زجر المهل قوله مهلا. وقال وذكر السيوف:
(2/1088)

إذا استُعيرتْ من جفونِ الأغمادِ ... فقأن بالصقعِ يرابيع الصادِ
الصقع الضرب، الصاد والصيد داء يأخذ الإبل في رؤوسها فيرم لذلك أنوفها وتسمو برؤوسها ويسيل من أنوفها مثل الزبد فشبه الورم باليرابيع وإنما يريد أنها تخرج الكِبْر من الرؤوس، ويقال للمتكبر به صاد وصيد - لأنه يشمخ بأنفه فشبه بالبعير الذي بهَ هذا الداء فقد رفع رأسه، يقول نضربه فنفقي هذا القرح حتى يذهب كبره وطماحه. ومثله بيت الراعي:
يداوي بها الصاد الذي في النواظر

باب في الرمح
حدثت عن ابراهيم بن أبي حبيب أبي اسحاق الزيادي، قال سمعت زيد ابن كثوة يقول في قول امرىء القيس:
نطعنهم سُلكي ومخلوجة ... كرّ كلامين على نابلِ
قال وهو بمعنى قول القائل للرامي: ارم ارم، يريد أنه يطعن طعنتين يتابع بينهما كما يتابع القائل هاتين الكلمتين. قال وكان الزيادي يستحسن هذا التفسير. وقال رؤبة:
والدَين يُحي هاجساً مهجوساً ... مَغس الطبيبِ الطعنة المغوسا
(2/1089)

شدّ بعَشر حبله المخموسا
المغس الطعن يقال: أجد في بطني مغسا، يقول كما يمغس، الطبيب أي كما يطعن الطبيب في الجرح، يقول ما أجد من ألم الدين مثل هذا، فضربه مثلا للدين. وقوله: شدّ بعشر، هذا مثَل يقول أحكم أمره فجعل حبله على خمس قوى وشد بعشر أصابعه. قال الأصمعي: العرب تقول: بيدين ما أوردها، وما زائدة إذا أحكم الأمر فإذا عمل عملا لم يجد فيه قالوا:
أوردها سعد وسعد مشتمل
وعنى بقوله: شد بعشر، صاحب القتب الذي يشده، يقول أحقبه إحقابا شديدا فأثر في صلب البعير. وقال الجعدي:
ولا يشعر الرمح الأمم كُعوبه ... بثروة رهط الأبلج المتغِشّم
يقول إذا حَمل لم يرهب كثرة أهلك وعشيرتك. وقال أبو ذؤيب وذكر متبارزين:
وتشاجرا بمذلّقيْنِ كلاهما ... فيه سنانٌ كالمنارةِ أصلعُ
تشاجرا تطاعنا، بمذلقين بسنانين حادين وإنما أراد رمحين، سنان كالمنارة - أراد كالسراج فأوقع اللفظ على المنارة ضرورة، وأصلع له بريق قد انكشف من الصدإ والوسخ، يقال انصلعت الشمس إذا بدا
(2/1090)

ضوءها. وقال ساعدة يذكر رجلا:
وعميَّ عليه الموتَ يأتي طريقَه ... سِنان كعَسراءِ العقابِ ومِنهَبِ
أي عميَّ على هذا الرجل الموت أي لبس عليه الموت فلم يدر أين يأخذ وقد أتى طريقةَ سنان، وعسراء العقاب ريشة بيضاء في باطن الذنب، ومنهب فرس شديد العدو وكأنه ينتهب الأرض انتهَابا. وقال كثيّر يمدح رجلا في حرب:
وقد شخَصْتُ بالسابريةِ فوقَه ... معلّبة الأنبوبِ ماضٍ أليلها
السابرية شُقة من سابري جُعلت راية، ويروي: مقومة الأنبوب، وهو أجود، ومعلبة مشدودة بالعلباء، والأليل الحربة سميت أليلا لأنها محددة. وقوله:
ولكن بصمّ السمهري المعَّرِن
المعرن المسمور والعِران المسمار الذي يضم بين القناة والسنان، أصله من عران الناقة وهو العود الذي يُجعل في أنف البختية. وقوله يصف قومه:
وأثبتَه داراً على الخوفِ ثَملها ... فُروع عوالي الغاب أكرمْ بها ثَملا
ثملها من قولك، أنت ثمال المساكين أي غياثهم وعصمتهم، يقال
(2/1091)

بحر ثمال. وقال الراجز: ثفّفها بسَكَن وأدهان السكن النار، أي أقام أودها بالنار والدهن، الأصمعي: أنشدني مُعتُم بن سليمان قال: أنشدنيه بكر بن حبيب السهمي:
وإني لا أزال أقول: أقرِنْ ... لذي رمحين ان حدِرْتْ حَدور
قاله رجل غاز يصف شدة ما هو فيه، يقول إذا انحدر وقدامه إنسان معه رمح أو رمحان قال له الغازي: أقرنْ، أي ارفع رمحك انصبه نصبا - لئلا يعقره، قال: وقولهم: أقرِنْ أي ارفع فرنةَ رمحك. وأنشد الزيادي لخداش بن زهير:
بين الأراك وبين النخلِ تسدَحُهم ... زرقُ الأسنة في أطرافها شم
يريد أنها مسمومة والسم بارد، تسدحهم تصرعهم. وقال أوس:
معي مارن لدْن يخليّ طريقَه ... سنان كنِبراسِ النِهامِيّ مِنجلُ
مارن يعني رمحا لينا، طريقَه، يقول السنان يقدمه فلا يقدر أحد
(2/1092)

أن يدنو منه، والنبراس السراج، والنهامي النجار، فكأن السراج على منارة عملها النجار، مِنجل واسع الجراح، وقوله:
وذاك سلاحي قد رضيتُ كماله ... فيصدِفُ عني ذو الجَناحِ المعّبل
من قال الجُناح بالضم أراد الميل ومن قال الجَناح بالفتح أراد العضد، والمعبّل الذي معه معابل. وقال بشر بن أبي خازم:
وفي صدرِه أظمَى كأن كُعوبَه ... نوى القَسبِ عرّاص المهزة أزير
أظمى أسمر يعني رمحا، يقال رجل أظمى أي أسمر، ويقال أظمى قليل اللحم، كأنه نوى القسب في صلابته لا في خلقته، وعرّاص شديد الاضطراب، وأزبر شديد الزُبرة - الكاهل، وإنما هذا مثَل. الأصمعي: الأسمر أصلب الرماح لأنه يؤخذ من غابته وقد نضج - وإذا أخذ ولم ينضج كان أبيض لا بقاء له. وقال آخر:
الرمحُ لا أملأ كفّي به ... واللِبدُ لا أتبع تَزوالَه
لا أملأ كفي به يريد أنه لا يشغله حمل الرمح حتى يملأ كفه فلا يكون فيها فضل لغيره من السلاح ولكن أراد أنه يقاتل بالرمح والسيف، وإذا زال اللبد لم أزل معه.
(2/1093)

وقال عمرو بن معدي كرب:
فلو أن قومي أنطقْتني رماحُهم ... نطقْتُ ولكنَّ الرماحَ أجرّتْ
يقول لو كان لهم فعال تنطق - يعني الطعان بالرماح - لتكلمت ولكن رماحهم لما لم تستعمل أجرّتْ أي مَنعتْ من الكلام كما يجَرّ الفصيل يخلّ لسانه ليمنع من الرضاع. وقال آخر:
نِلقي خصاصةَ بيننا أرماحَنا ... شالتْ نعامةً أيّنا لم يفعل
أي نلقي في فرجة ما بيننا من الفضاء رماحنا ونصير إلى السيوف فمن لم يفعل ذلك فشالت نعامته أي أهلكه الله وفرق أمره. وقال زهير:
ومن يعصِ أطرافَ الزجاجِ فإنه ... يطيعُ العوالي ركّبتْ كل لَهذمِ
هذا مثل، يقول إن الزُج ليس يُطعن به إنما الطعن بالسنان فمن أبى الصلح - وهو الزج - أعطى العوالي وفيها الطعن. وقا ل آخر: إذا وردتُ ماءً علَتْها زِجاجُها وتعلو أعاليها إذا الرَوعُ أنجما يقول إذا لقوا قوما على مائهم طعنوا فيهم فانخفضت الأسنة وارتفعت الأزجّة - فإذا أنجم الروع - أي ذهب - رُكزِت الأزجة فارتفعت الأسنة وقال الكميت:
(2/1094)

وما أنكحتْ منا الأسنة خاطباً ... ولا أذِنت عزّابنا حين تخطبُ
يقول لم تُسب نساؤنا، أذنت يقول يأخذونها مكابرة. ونحوه للقحيف:
أخذن اغتصاباً خِطبةً عجرفيةَ ... وأمهِرن أرماحاً من الخطِ ذُبّلا
تقول: مهرتُ المرأة وأمهرتها. وقال امرؤ القيس:
وظل لثيرانِ الصرمِ غَماغم ... يدعِّسها بالسمهري المعلَّبُ
غماغم أصوات، والصريم الرمل، والمعلب الذي يشد بالعباء الرطبة وذلك إذا خُشي على الرمح أن ينكسر شد عليه العلباء الرطبة فجف عليه. وقال الأعشى: فمثل الذي تولوني في بيوتِكم يقيني سناناً كالقدامى وثَعلبا القدامى ريش الجناح المتقدم، شبه به السنان في مضيه، والثعلب ما دخل في السنان من الرمح. وقال زيد الخيل:
سلكْتْ مجامع الأوصالِ منه ... بمطردِ الوقيعةِ كالخلالِ
ويروي: مجامع الأمطاء منه، جمع مَطا وهو الظهر،
(2/1095)

والخلال المدري، يريد رمحا، والوقعية السنان الذي وقعته بالميقعة وهي المطرقة يقال: شفرة وقيع أي مضروبة. قال عنترة:
وآخر منهم أجررتً رمحي ... وفي البجَلي مِعبلة وقيع
وقال سلامة بن جندل:
فمن يكُ ذا ثوبٍ تنَله رماحنا ... ومن يك عرياناً يوائل فيسِبقُ
يقول من كان عليه سلاح طعناه ومن طرح إلينا سلاحه وأكمش نجا. وقال عنترة:
كأنَّ رماحَهم أشطان بئرٍ ... لها في كلِ مَدلَجتن خُدود
أشطان حبال، مدلجة ممر الساقي بين البئر والحوض وهو مثل مدرجة، خدود جمع خدّ يريد آثار الأشطان. وقال:
قد أطعُن الطعنةَ النجلاءَ عن عُرُض ... تصفرّ كف أخيها وهو منزوفُ
عن عرض أي يعرض الناس لا يبالي من طعن، وإذا نزِف الدم اصفّرت الكف. وقال:
ونحن منعنا بالفروقِ نساءنا ... نطرّف عنها مُسبَلات غَواشيا
نطّرف نرد عنها يقال: طَرّفّ عنا هذه الخيل - أي ردّها، ومسبلات رماح قد أسبلت للطعن. ويقال خيل مسبِلة أي صابّة، غواشي تغشى القوم.
(2/1096)

ألم تعلموا أن الأسِنّةَ أحرزَتْ ... بقيتنا لو أن للدهرِ باقيا
يقول حصوننا الأسنة فهي التي أحرزت لنا كرما - ألا أنه لا يبقى على الدهر أحد.
وقال المفضل بن عامر من عبد القيس:
يهزهِزُ صعدةً جرداءَ فيها ... نقيع السم أو قَرّن مَحيق
كانوا يجعلون قرون الثيران مكان الأسنة. محيق قد دلكَ حتى امّحق.
وجاوَزْنا المنونَ بكلِ نكسٍ ... وخاظِي الجَلز ثعلبه دَميقُ
النِكس الضعيف يعني سهما قد انكسر فاصلح وعقّب ولذلك قيل للرجال الضعفاء أنكاس، والجَلز أصل السنان، ودميق أدخل إلى آخره. والخاظي المنتفخ، والثعلب ما دخل في السنان من الرمح. وقال أبو الطمحان يذكر هاربا.
على صَلَويه مُرهَفات كأنها ... قوادِم دلّتها نُسورٌ نواشِرُ
الصَلوان ما عن يمين الذنب وشماله. يقول قد أدرك فالرماح شارعة إليه كأنها قوادمِ نسر. وقال عمرو بن قميئة:
وأرماحنا ينهزنهم نهز جَمّةٍ ... يعود عليهم وِردنا ونميحها
ينهزنهم نَهز جمة - أي ينزعن عن دمائهم كما ينزع من الجمة الماء، يعود عليهم وردنا - يقول: نعود عليهم بالطعن مرة بعد مرة، نميحها نستخرج ماءها.
وقال آخر وهو قيس بن زير:
لا تعجَل بأمركَ واستدمْهِ ... فما صلَى عصاكَ كمستديمِ
(2/1097)

صلى أدناها من النار، يريد بالعصا القناة، يقول لم يُصلح أمرك شيء كالأناة - كالذي يدخل قناته النار كي تلين فإن عجل في إخراجها فلم يلينها انقصفت. وقال القطامي:
قوارش بالرماحِ كأنّ فيها ... شواطَن ينتزِعنَ بها انتِزاعا
إذا التقت الرماح سمعت لها صوتا فهي قوارش، يقال: تناولت الشيء وتقرشته سواء - ومنه سميت قريش قريشا لتناولها التجارة. وأنشد:
أحد كيحي في الطعان إذا ق ... تَرش القنا وتَقعقَع الحَجَف
شواطن حبال، يشبه الرماح بالحبال. وقال أبو زبيد يرثي غلامه:
إما تقرم بكَ الرماح فلا ... أبكيكَ إلا للدلوِ والمرسِ
تقرم من القَرم وهو الشهوة للحم، ويروى: تَقارَنْ بك الرماح، يقول قُرِنت بك الرماح فطُعنت بها فلست أبكي عليك إلا للعمل والاستقاء بالحبل والدلو. وهذا مثل قول الآخر في عبده:
عبد العشاء وإرشَاء والعمل
حمدت أمري ولمت أمرك إذ ... أَمسكَ جَلز السنانِ بالنَفسِ
(2/1098)

الجلز ما شد به السنان على الرمح من عقَب أو غيره، يقول غُيب السنان حتى بلغ الجَلز فلم يتنفس حتى مات. وقال أبو زبيد:
في ثيابِ عمادهُنَ رماحُ ... عند عوجٍ تسمّو سمو الصِيدِ
يعني الرايات، والصَيد داء يصيب الإبل تَرفع منه رؤوسها. وقال الطرماح يذكر قتيلا:
توَهّزُ فيه المضرحية بعدما ... مضَت فيه أذنا بلقَعِي وعامل
توهز تأكل حتى لا تستطيع أن تقوم، والمضرحية النسور، والبلقعي السنان، وأذناه جانباه، والعامل أسفل من السنان.
سحاليطَ حمراء القراحين أكرِهتْ ... به والعو إلى مضجَعاتُ الأسفلِ
سحا قَشر، والليط القشر، حين أكرهت أي حمل عليها في.
وقال عمرو بن كلثوم وذكر قناة ضربها مثلا:
فإن قناتَنا يا عمرو أعيَتْ ... على الأعداءِ قبلكَ أن تلينا
إذا عضَ الثقاف بها اشمأزّتْ ... ووّلته عشَوزنة زبونا
اشمأزت انقبضت وولته صلابة وهي العشَوزنة، والثقاف ما يقّوم به الرماح، وزبون دفوع تزبنهم عما يريدون أي تدفعهم وهذا مثل
(2/1099)

لمنعتهم ممن يريد اهتضامهم وغيرهم. ومثله لعَبيد:
إنا إذا عضَ اثقا ... ف برأسٍ صعدتنا لوينا
وقال الأخطل:
ومسّوِم خِرَقُ الحتوفِ تقودُه ... للطعنِ يوم كريهة وَنزالِ
المسوم المعلم بعلامة في الحرب بعِهن أو ريشة يعقدها في صدره أو ناصية فرسه، وخِرق الحتوق الرايات. وقال العجاج:
إنا لعطافون خلف الملَحمِ ... إذا العوالى أخرجَتْ أصى الأضراس.
وقال الأعشى:
ولسوف تكلحُ للأسن ... ةِ كلحةً غيرَ افترارَه
وقال العجاج:
وخطَرتْ أيدي الكماة وخطَر ... راي إذا أورده الطعُن صدَر
خطرت بالسيوف أيديهم ارتفعت كما يخطر البعير بذنبه إذا رفعه
(2/1100)

وضرب به، راي جمع راية مثل آية وآي، يقول إذا طعن بالراية ردها فصدرت.
والسَلبات السحم يشفين الزَورَ
السلبات الرماح الطوال، الزور العوج، يقول من اعوج عن القصد رده الطعن إلى القصد. وقال الأخطل يصف خيلا:
إذا سَطَع الغبار خرجْنَ منه ... بأسحمٍ مثل خافيةِ العقابِ
أسحم راية سوداء. وقال لبيد: رابطُ الجأشِ ثابت القلب يربط نفسه عن الفرار، والفرج موضع المخافة، والجون فرسه، مربوع رمح ليس بالطويل ولا بالقصير، أي أعطف الجون ومعي رمح مربوع، والمتلّ الشديد. وقال قيس بن الخطيم:
ترى قصَد المرّان تُلقي كأنه ... تذرّعُ خِرصان بأيدي الشواطبِ
التذرع قدر ذراع ينكسر فيسقط، قال: والتذرع والقِصدَ واحد، وواحد القصد قِصْدة، والملران والوشيج عروق القنا فنسبوا القنا إليه. وأنشد لزهير:
وهل ينبتُ الخطى إلا وشيجُه ... وتغَرس إلا في منابتها النخلُ
مثل ما جعل الخرص الرمح وإنما هو نصف السنان الأعلى إلى
(2/1101)

موضع الّجبة وكذلك الأسل إنما هي أطراف الأسنة، يقال خِرص الرمح وُرص الرمح وخَرص - ثلاث لغات - وخِرصان للجميع، والشاطبة التي تعمل الحُصر من الشطْب شَطبت تشطِب شطوبا وهو أن تأخذ قشرة الأعلى، وتشطب وتلحَى واحد، وواحد الشَطْب شَطبة وهي السعفة، وتشطِب وتلحي واحد، وواحد الشَطْب شَطبةِ وهي السعفة، وكل قضيب من شجرة خرص ومن ثم قيل للرمح خرص. وقال العجاج:
حنّى قناتي الكِبَر المحني ... أطَر الثقافِ خُرص المقني
وقول الحارث بن حلزة:
وثمانون من تميم بأيدي ... هم رماح صدورهن القضاء
أي الموت. وقال ابن مقبل:
نصَبْنا رماحاً فوقها جَدّ عامر ... كظلِ السماءِ كل أرض تعمدا
جد عامر أي حظ عامر أي معها جد عامر، وهذا مثل، كظل السماء في الكثرة وهو مثَل يقول: ظل السماء يلبس كل شيء وكذلك هم.

باب التُرس والمنجنيق
قال بعض الهذلين أبو خراش.
أو قد لا آلوكَ إلا مهنداً ... وجلد أبي عِجل وثيق القبائل
(2/1102)

مهند سيف منسوب إلى الهند، وجلد أبي عجل يعني الترس المعمول من جلد ثور وهو أبو العجل، شديد القبائل يعني أنه شديد قبائل الرأس أي هو مسن. وقال العجاج وذكر المنجنيق.
أورد خُذّا تسبق الأبصارا ... وكل أنثى حملَتْ أحجارا
احذ سهام خفاف، والأنثى المنجنيق.
تنتج يوم تلقَح ابتقاراَ ... إذا سمِعتُ صوتَها الخرّارا
يهوي أصم صفعها الصَرّارا ... قد ضَبّرَ القوم لها أضبارا
كأنما تجمّعوا بُقّارا
تنتج يوم تلقح يقول إذا وضع في جوفها الحجر خرج منها مكانها، ابتقارا أي يخرج حجرها من بطن الجلدة كما يبقر بطن الحامل عن ولدها، يقول إذا سمعت صوت الحجر يهوي بين السماء والأرض أصم وقعها الصَرّار - وهو طائر يقال له الجد جد أيضا،
(2/1103)

ضَبّر القوم جمعوا لها حجارة فهم مزدحمون فهم مزدحمون كأنهم ضَبْر. وقال كَثير بن مزرد ابن أخي الشماخ:
بين يديْه سَتَر كالغربال ... كاللامعاتِ في الكِفافِ المختال
يقلبه للصفِ حالاً عن حاَلِ ... تحمَّط الليث أمام الأشبالَ
ستَر ترس يستتر به ويتبرس، واللامعات السحاب، والكفاف الجوانب، والمختال الذي يرى له خال للمطر. وقال الهذلي يصف برقا والبيت لصخر الغي:
أرقتُ له مثل لمع البشي ... ر قلب بالكف فرضا خفيفا
الفرض الترس. وقال العجاج يصف الرامي بالمنجنيق:
إذا رأى أو رَهِب الغرارا ... مَرج الوضينِ قَدّم الزِيارا
الغرار أصله في الحلوبة أن لا تدّر، ضرب ذلك مثلا، يقول إذا خاف أن لا تدر بالرمي قدم الزيار من أذنها، والوضين هو الذي يشد به الهودج فضربه مثلا، أراد ورِهب موج الوضين، وجعل الحبل الذي يعكسها مثلا للزيار الذي يشد به الدابة، وقال المرار:
وأصحَرنا ولا عطف علينا ... لهم غير المحامل والجِنان
(2/1104)

المحامل حمائل السيوف، والجنان التِرسَة. وقال الأخطل يصف الحمار والآتن والآتن يرمحنه بحوافرهن.
وهن ينَبونَ عن جأبِ الأديمِ كما ... تنبو عن البَقريّاتِ الجَلامِيدُ
يعني حوافرهن تنبو عن جلد الحمار، والجأب الغليظ الشديدِ، والبقريات تِرسة من جلود البقر. وقال أوس بن حجر:
وذو بقرٍ من صنعِ يثربٍ مقفَلٍ ... وأسمر داناه الهلالِيّ يعتُر
الأصمعي: يعني ترسا من جلود بقر، مقفل ميبس يقال قفَل جلده، أبو عبيدة: ذو بقر يعني كنانته، الأصمعي: واسمر رمح داناه كأن الرمح كان معوجا فداناه وقومه، والهلالي المقوم له، يعتر يضطرب يقال: رمح عاتر، أبو عبيدة: وأسمر درع والدرع تذكر وتؤنث وأنشد لأبي الأخزر:
مقلِّصا بالدرعِ ذي التغضّن
داناه أي داني حلقه، يعتر اسم السّراد. وقال صخر الغي:
إني سينَهي عني وعيدَكم ... بيضُ رِهابٍ ومجنأ أجُد
المجنأ الترس وذلك لأنه أحدب، والمجنأ القبر أيضا، بيض نصال، رهاب مرققة وكذلك رِهاف أيضا مرهفة، وأجد موثق.
(2/1105)

وقال صخر.
لو أن أصحابي بنو خناعه ... تحتَ جلودِ الإبلِ القَرّاعه
يعني الترَسة أي هم يتقون بها فهي على رؤوسهم فلذلك قال تحت، ويقال للشديد قرّاع وفرس قرّاع. وقال طفيل:
فلما فنا ما في الكنائن ضاربوا ... إلى القرعَِ من جلدِ الهجانِ المجوّبِ
القرع الترسة ويقال للترس إذا كان صلبا، أنه لقراع. وقال أبو قيس، بن الأسلت:
صَدقَ حسام وادَّق حده ... ومجنا أسمر قَرّاع
المجوب المجعول جوبا والجوب الترس، يقول: ضاربوا بأيدهم إلى الترسة ليقاتلوا.

باب الجوار والحِلف والإغاثة
قال الحطيئة:
قوم إذا عَقدَ واعقد الجارهم ... شدوا العناجَ وشدوا فوقه الكَرَبا
أي إذا عقدوا أوفوا لمن عقدوا له وكان عقدهم وثيقا، والعناج حبل أو بطان يجعل في أسفل الدلو تشد به العَراقي ليكون عونا
(2/1106)

للوذَم، والوذم السيور التي بين أطرا ف العراقي وآذان الدلو والكرب عقد مثنى يشد على العراق. وقال الأعشى في مثله:
إنا لنمنع جارنا ... إذ بعضهم يغَتفّ جارهِ
يقال أصاب الناس غُفة من الربيع أي شيئا يسيرا، ويغتف يفتعل من هذا كأنه أراد يأكلون جارهم.
ونشد عقد وريّنا ... شد الحِبَجْر على الغِفاره
يقال وتر حبجر أي غليظ، والغفارة الجليدة التي تكون على فرضة القوس - وفرضتها الحز الذي يكون فيها، وريّنا قال بعضهم جارنا الذي تواريه بيوتنا، وقيل ضيفنا، وقال بعضهم الذي يوري معنا. وقال بشر بن أبي خازم:
أجاز فلم يمنع منَ القوم جاره ... ولا هو إذ خاف الضباع مسير
يقول لم يمنعه ولا هو إذ لم يقدر على منعه تركه يسير ويذهب عنه فأصبح كالشقراء لم يعد شرها سنابك رجليها وعِرضك أوفر. الشقراء أراد الأشقر وهو فرس لقيط بن زرارة حين قال له في يوم جَبلة: أشقر إن تتقدم تنحر، وإن تتأخر تعقر، يقول لو سيّرته فقتل في غير جوارك لم تلحقك منه لائمة ولا مسبّة إذ قُتل
(2/1107)

بعد ما برئت منه وكان هو على كل حال مقتولا كهذا الأشقر إلا أن عرضك يكون موفورا غير مجروح، وقوله: لم يعد شرها سنابك رجليها - لأنه إن تقدم بقوائمه فعقر وإن تأخر بقوائمه فعقر فشره لا يعدو سنابك رجليه، وفيه قول آخر - تقول العرب في مثَل: ما أنت إلا كالشقراء لا يعدو شرها سنابكها، أي لا شيءَ عندها إلا ترمح، أي قُتل جارك فلم تصنع شيئا.
دعا معِتبا جار الثبور وغره ... أجّم خَدور يتبع الضأن حيدر
معتب عتبة، أجم شبهه بكبش لا قرن له والأجم من الرجال الذي لا رمح معه وجعله كبشا وهو يهجوه لأنه عظيم في قومه، والخدور الذي يكون وراء الغنم أبدا أي هو وراء الجيش لا يتقدم، حيدر قصير
جزيز القفا شعبان يربض حَجرة ... حديث الخصاء وارم العَفل أبجر
العرب تكره في الرجل كثرة الطعم ولا تصف به الشجاع بل تصفه بقلة الطعم ومنه قول أعشى باهلة:
(2/1108)

تكفيه حُزة فلذ إن ألّم بها ... من الشواء ويروي شربَه الغُمَر
وقوله يربض حجرة أراد المثل: كلْ وسطا واربض حجرة، كن مع القوم ما داموا في خير فإذا وقعوا في شر فدعهم وتنح، جزيز القفا إذا سمن الكبش جُز قفاه، والعَفل ما بين الذكر والدبر، وأبجر عظيم البطن، ويروى: مُعبر، يقال تيس معبَر وشاة معبرة وهَي التي لم تجزّ، يريد جز قفاه وترك سائره. وقال جرير للفرزدق يعير مجاشعا بقتل الزبير وهو جارهم:
شُدّوا الحبَى وبشاركم عرق الخصى ... بعد الزبير وبعد جِعثنَ عار
إذا احتبى الرجل عرقت خصيتاه، يقول فمباشرتكم بالاحتباء عرق الخصى عار بعد الزبير وجعثن، أي ليس يحتبى مع ما بكم من الداء. وقال زهير:
وجار البيت والرجل المنادي ... أمام البيت عقدهما سواء
المنادي المجالس من النادي وهو ابن العم والقرابة، يقول: الجار والقرابة سواء. وقال:
فلم أر معشرا أسروا هدّيا ... ولم أر جار بيت يستباء
يستباء من البواء وهو القود وذلك أنه أتاهم أراد أن يستجيرهم
(2/1109)

فقتلوه برجل منهم كان قُتل. ويقال يستباء يتبوأ أي تُتخذ امرأته أهلا، والهدى الرجل ذو الحرمة وهو أن يأتي القوم يستجيرهم أو يأخذ منهم عهدا فهو هدّى مالم يجره فإذا أخذ العهد فهو حينئذ جار، ومعناه أن له حرمة كحرمة الهدى وهو الذي يهدى إلى البيت فلا يرد إلى البيت ولا يصاب بسوء. جوار
شاهد عدل عليكم ... وسِيّان الكفالة والتَلاء
التَلاء الذمة، يقال أتليت فلانا ذمة، أبو عبيدة: التلاء أن يكتب على سهم أو قِدح: فلان جار فلان - ثم يرمي به فإذا فعل ذلك فقد أتلاه، ويقال التلاء الحوالة يقال أتليت فلانا على فلان بمال أي أحلته، يقول إذا تكفلت لرجل أو احتال عليك فهو سواء كما أن الكفالة والحوالة بالحق سواء فهذا المجاور لكم مثل المحال عليكم، وقله جوار شاهد أي قد كان جارا لكم فهذا شاهد عليكم أنكم أصحابه.
وإنكم وقوما أخفروكم ... لكالديباج مال به العباء
أخفروكم جعلوكم خفراء، كالديباج مال به العباء أي غلب عليه ولم أرهم يثبتون البيت لزهير وقد سألت عنه فلم أُزَد على هذا التفسير. وقوله:
بأي الجيرتين أجرتموه ... فلم يصلح له إلا الأداء
(2/1110)

يقول إن كنتم أنتم الذين أجرتموه فقد عقدتم له ووجب حقه عليكم وإن كان هو اختاركم من قِبَل نفسه وجاوركم فهو واجب الحق، وفسره أيضا فقال: الكفالة الجوار والتَلاء الجوار فأي الأمرين كان فلا يصلح إلا الأداء، قال أبو عبيدة: يروى: بأي الجارتين، يقال أجاره إجارة وَجارة مثل أغرت إغارة وَغارة وأطعت إطاعِة وطاعة وأعدت إعادة وعادة - وهي من العادة - وأجبت إجابة وجابة. وقال المسيب بن علس:
عُديَّة ليس لها ناصرُ ... ولا تحسْبنه فَقع قاعٍ بقَرقَر
المرخة شجرة ليس لها ذرى ولا ارتفاع فتكون ظليلة، والفقع الكمء الأبيض، والقرقر القاع المستوى، يقول لا تحسبه ذليلا لمن أراده كالفقع الذي لا أصل له ولا عروق فهو لا يمتنع على جانيه.
(2/1111)

وقال العجاج:
مروانُ إن الله وصَّى بالذمم ... وجعلَ الجيرانَ أستار الحُرمِ
يقول جعل جار الرجل سترا لحرمته فإن لم يمنع جاره هتك ستر حرمته.
ولم يقِدّر جارُكم لَحَم الوضم ... وقذفُ جار المرءِ في قَعرَ الرجَمِ
وهو صحيح لم يدافعْ عن حَشَمٍ ... صمَّاء لا يبرئها من الصممِ
حوادثُ الدهر ولا طول ... القِدمِ فاتّقيْن مروان في القومِ السلمِ
عندك في الأحجال شَعراء النَدم
أي جعل جاركم ممنوعا، والرجم القبر، يقول: هلاك الجار وجاره صحيح لم يدافع عنه داهية عارها باق، والسلمْ المسلمون، والأحجال القيود، أي اتَق أن تعمل عملا يلحقك فيه ندامة فتكون عليك كشعراء الندم، والشعراء ذباب، يقول أصابك ذباب من الأمر، ويقال داهية.
وقال آخر وهو الحصين بن القعقاع:
هم السَمن بالسنّوتِ لا ألْس فيهم ... وهم يمنعونَ جارَهم أن يقرَّدا
السنوت العسل، والألْس الخيانة، وهم يمنعونَ جارهم أن يُستذل كما يستذل البعير يؤخذ عنه القِردان. ومثله للحطيئة:
لعمرك ما قُراد بني كليب ... إذا نُزعَ القراد بمستطاعِ
(2/1112)

أي لا يُقَدَر على استذلالهم، وأصل ذلك أن يجيء الرجل بالخطام إلى البعير الصعب قد ستره منه لئلا يمتنع ثم ينتزع قرادا من البعير حتى يستأنس به ويدني رأسه ثم يرمي بالخِطام في عنقه، يريد الحطيئة أنهم لا يخُدعون. وقال زيد الخيل:
إذا أخفر وكُم مرةً كان ذَالكُم ... جيادأ على فُرسانهن العمائَمُ
وصف قوما كانوا جيرانا لقوم، فيقول إن ترككم هؤلاء غزاكم الناس وأغاروا عليكم لأنكم إنما تعزّون بهم. وقال آخر:
إذا خُضُر الأصّم رُمِيت ... فيها بمُستَتلٍ على الأدنَين باعِ
فإن تعقِد فإنك غير وافٍ ... وإن تظلم فإنكَ غير ساعِ
الأصم رجب وكانت العرب تسميه الأصم لأنه لم يكن يسمع فيه استغاثة - لا ينادَى فيه يا لفَلان ولا يا صاحباه، وقيل لم يكن يُسمع فيه قَعقَعة سلاح فلذلك سُمي الأصم، والخضر السود وهي آخر ليالي
(2/1113)

الشهر. ومثله للأعشَى:
تداركه في مُنصِل الأل ... بعدما مضى غير دأداء وقد كاد يذهب
الدآدي الثلاث الأواخر، ومنصِل الأل رجب، الأل جمع آلة وهي الحربة، كانوا يأمنون فيه لأنه شهر حرام فتنزع فيهِ الحِراب، أي كاد الشهر يذهب، مستَتل مستفعل من التلاء وهو الحوالة، يحيل عليك يطلب إليك أن تجيره، على الأدنين باع أي عليهم جان جارم، يقال بعا يبعو. ومنه قول عوف بن الأحوص:
وإبسالي بنى بغيرِ جرمٍ ... بَعَوناه ولا بِدمٍ مُراقِ
وقال أبو داود الإيادي وذكر الجار:
إذا ما عقْدنا له ذِمّةً ... شَددْنا العِناج وعَقد الكرًبِ
وهذا مثل بيت الحطيئة:
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم
وقد فسِّر. وقال امرؤ القيس:
يا عَجبي يمشي الحُزُقَة خالد ... كمشى أتانٍ حُلّتْ عن منَاهلِ
الحزقة القصير الضخم البطن، حلِّئت ردَّت عن منهل بعد منهل
(2/1114)

وكانوا أغاروا على إبل امرىء القيس وهو في جوار خالد بن سدوس فقال له خالد: أنا أطلبها لك، فطلبها فرجع خائبا.
تلّعب باعث بذمةِ خالدٍ ... وأودَى دِثار في الخطوب الأوائِل
باعث الذي أغار على إبله ودثار راعيها. يقول ذهبت الإبل فصارت حديثا كما ذهبت الأمور الأوائل.
فدعْ عنك نَهباً صِيحَ في حَجراتِه ... ولكن حديث ما حديث الرواحلِ
كان خالد قال لامرىء القيس: أعطني رواحِلك لأدرك القوم لأستنقذ منهم إبلك، فأعطاه رواحله فلما لحقهم وسألهم أن يردوا إبل امرىء القيس وأعلمهم أنه جاره وأن رواحله تحته استنزلوه عنها وذهبوا بها فقال امرؤ القيس: دع عنك الإبل التي أغير عليها ولكن حديث ما حديث الرواحل - على التعجب.
كأن بني شَيبان ألَوت بجارِهم ... عقاب تَنوفَا لا عقاب القَواعِلِ
تَنوفا: ثَنيّة مشرقة، والقوافل ثنايا صغار دونها.
(2/1115)

وقال آخر الكلحَبة.
وقلتُ لكأسٍ ألجميها فإنما ... حللنا الكَثيب من زَرودٍ لنفزَعا
أي لنغيث أي ألجمي الفرس. وقال النابغة:
بحمدِ ابن سلمى إذ شأتني منيّتي ... ليالي رَجّيت الفضولَ النوافعا
شأتني أي جازتني وتقدمتني كأنه أجازه من القتل. وقال النابغة:
قالتْ بنو عامرٍ خالُوا بني أسدٍ ... يا بؤسَ للجهل ضَرّارا لأقوامِ
خالوهم تخلوا من حِلفهم وتاركوهم، ومنه قولهم: أنتِ خلية وأنت بريّة، وكانت بنو عامر قالت لبني ذبيان: أخرجوا بني أسد واقطعوا حلف ما بينكم وألحقوهم ببني كنانة فنحن بنوا أبيكم، فقالت لهم بنو ذبيان: أخرجوا من فيكم من الحلَفاء ونخرج من فينا فأبوا.
يأبَى البلاءُ فلا نبغي بهم بدلاً ... ولا نريد خِلاء بعد إحكامِ
الأصمعي: يأبى علينا ما قد بلوناه من نصحهم أن نخالعهم، ولا نريد خِلاء أي متاركة وهو مصدر خاليت أي تاركت وبارأت، بعد إحكام الحِلف. وقال زهير:
(2/1116)

إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثِهم ... طوال الرماحِ لاقصار ولا عُزلُ
أي إذا أغاثوا. وقال آخر:
دعوتُ خُليدا دعوةً فكأنما ... دعوت به ابنَ الطَودِ أو هو أسرع
ابن الطود حجر، أي فكأنه حجر يدهدَى من جبل، وأنشد لامرىء القيس:
مِكَرٍ مِفَرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معا ... كجلمودِ صخرٍ حطه السيلُ من علِ
وقال الحارث بن حلزة:
فاعلموا أننا وإياكم في ... ما اشترطْنا يومَ احتَلفنا سَواء
يقول احتلفنا فكل ما كان من اشتراط لكم علينا في ذلك اليوم فلنا عليكم مثله.
حذَر الجَور والتعدي وهل ين ... قضُ ما في المهارق الأهواءُ
يقول إن كانت أهواؤكم زينت لكم الغدر بعدما تحالفنا وتوافقنا فكيف تصنعون بما في الصحف مكتوبا عليكم. وقال قيس بن الخطيم:
لَما غدَتْ غُدوةً جِباهُهم ... حنّتْ إلينا الأرحام والصحف
يعني بكوا إلينا، والصحف التي كُتب فيها الحِلف بينهم، وهو مثل قول الحارث بن حلزة:
(2/1117)

هل ينقض ما في المهارقِ الأهواءُ
وقال آخر:
فجارك عند بيتكَ لحم ظبيٍ ... وجاري عند بيتي لا يرامُ
أي جارك لمن رامه كالظبي لا مانع له. وقال الطرماح يمدح قوما:
ويفونَ إن عقَدوا وإن أتلَوا حَبوا ... دون التلاءِ بفَخمةٍ مِذكارِ
أتلوا أجاروا، الفخمة كتيبة ضخمة، مذكار فيها ذكران الخيل. وقال طرف:
لعمركَ ما كانَتْ حمولةَ مَعبدٍ ... على جدّها حربا لدِينك من مضرِ
الحمولة إبل القوم التي يتحملون عليها، ومعبد أخو طرفة، والجد البئر الجيدة الموضع من الكلأ، والدين الطاعة، وكان لمعبد إبل في جوار عمرو بن هند فأغير عليها، يقول نحن في طاعتك ومضر في طاعتك فما بالنا أغير علينا وكلنا ندين لك؟ يحرضه على الطلب له.
وكانَ لها جاران قابوس منهما ... وعمرو ولم استرِعها الشمسَ والقمرْ
قابوس بن المنذر، وكان هذان جاريه، يقول قد استوثقت جهدي أن أستجير الشمس والقمر. وقال آخر أبو جندب الهذلي:
(2/1118)

وكنتُ إذا جاري دعا لمُضوفةٍ ... أشمِّر حتى يَنَصُفَ الساقَ مِئرزي
المضوفة الأمر يشمَّر فيه يحاذَر، ومنه قول الهذلي:
إذا يغزو تضيف
أي تشفق. وقال زهير:
فتُجمع أيمن منا ومنكم ... بمقَسمةٍ تمور بها الدماءُ
أيمن جمع يمين والمقسمة موضع القسم جعله بمكة حيث ينحر الجُزر فتسيل الدماء، من قال مقَسمة أراد اليمين، وقيل بل أراد تؤخذ أيمان مثل الأيمان التي تؤخذ عند الدم للقَسامة فإذا كان القوم عشرة ردت اليمين عليهم حتى تكون خمسين قسامة. وقال آخر:
تركناكَ لا تُوفي لجارٍ أجَرته ... كأنكَ ذاتُ الوَدعَ أودي بريمها
البريم الحقاب. وقال ذات الودع لأنه لباس الإماء. وقال بدر بن حمراء:
ومن يك مبيناً على بيتِ جارِه ... فإني امرؤٌ عن بيت جاريَ جافِر
(2/1119)

يقول من كان معرسا بحارته فإني جافر عن ذلك، والجافر الفحل الذي عدل عن الضراب.
أقول لمن دلتْ حبالي وأوردتْ ... تعلم وبيتِ اللهِ إنكَ صادرُ
أي من أجَرته وأعطيته من مواثقي شيئا يتعلق به أي أقول لمن أورده جواري موردا: إنك وبيت الله ستصدر سالما.
كذاك منعت القومَ أن يتقسَّموا ... بسيفي وعريان الأشاجعِ خادرُ
عريان الأشاجع هو نفسه، خادر شبه نفسه بالأسد. وقال الأعشى في الحبال:
فإذا يجوّرها حبالُ قبيلةٍ ... أخذَتْ من الأخرى إليكَ حبالها
يعني ناقته أي إذا أخذت موثقا من قبيلة فجازت تريدك أخذت موثقا آخر من قبيلة أخرى. وقال جرير:
نبني على سَنَنِ العدوّ بيوتَنا ... لا نستجيرُ ولا نَحلّ حَريدا
الحريد المتحول عن قومه، يقال حرد يحرد خرودا، يقول لا ننزل في قوم من ضعف وذلة لقوتنا وكثرتنا. وقال الحطيئة:
هم القوم الذين علمتموهم ... لدى الداعي إذا رفعَ اللواء
أي هم أول من يغيث ويأتي الداعي أي المستغيث. وقال الهذلي حذيفة بن أنس:
ألم تقتلوا الحِرجَين إذ أعورا لكم ... يُمِرّان بالأيدي اللحاءَ المضفرا
(2/1120)

الحِرجان رجلان واحدهما حِرج، أعورا أمكنتم عورتها وغِرّتهما وإنما كان الرجل يأخذ من لحاء شجر الحرم فيجعله في عنقه أو في يده فيأمن بذلك. وقال الأعشى:
وما إن على جارهُ تَلفة ... يُساقطها كسِقاطِ العُننِ
أبو عبيدة: واحدها عُنّة وهو مثل البيت يُعمل من الخشب، ولم يعرف الغبن. وقال الأعشى:
وقومك إن يضمنوا جارةً ... يكونوا بموضعِ أنضادُها
الأنضاد جمع نضَد وهو ما نضد من متاع بيتها ثم جعل أهلُ البيت نضَدا، يقول إذا ضَمن قومك جارة كانوا في ضمانهم يقومون مقام قومها، وأنشد الأصمعي: وإن ظهري لمستنِد إلى نضد أمين وأنشد لرؤبة: أنَا ابنَ أنضاد إليها أرزي
(2/1121)

ويقال إليها أرزي أي أسند ظهري. وقال: أصله متاع البيت ثم جعل الرهط والعشيرةَ، وروى عن الأصمعي أنه: قال النضد الأعمام والأخوال.
فلنْ يطلبوا سرَّها للغني ... ولن يسلموها لإزهادِها
يعني أنهم لا يرغبون في نكاح جارتهم من أجل غناهَم ولا يتركونها من أجل الفقر وهو الإزهاد. وقال يذكر رجلا نصر جاره ومنع منه:
فأعطاه جلساً غيرِ نكسٍ أربّه ... لؤاما به أو في وقد كادَ يعطَب
الجلس سهم صلب، والنكس الذي جُعل فُوقه مكان نصله، أربه ألزمه، واللؤام المتفق من الريش، يقول أخذ سهما من جفيره فناوله إياه، وذلك أنه لقيه خارجا من بلده فأجاره وأعطى ذلك وقال القُطاميِّ لزفر بن الحارث وكان منع منه:
وما نسيتُ مقامَ الوَردِ تحبسه ... بيني وبين حفيفِ الغابةِ العادي
الورد فرس زفر بن الحارث، والغابة الأجمة وهي هاهنا الرماح شبهها بالغابة لكثرتها والتفافها، والحفيف صوتها، والعادي صفة للورد أراد مقام الورد العادي بيني وبين هؤلاء حتى سلمت.
(2/1122)

وقال آخر:
ولستُ بصادرٍ من بيتِ جاري ... صدورَ العير غَمّره الورود
التغمر أن يشرب دون الري فيه إلى الورود حاجة، أي فأنا لا آتي بيت جاري هكذا، أي إن خرجت لم أخرج خروجا أِريد العودة إليه لريبة.
ولا ألقي لذي الوَدعات سَوطي ... لألَهيه ورِيبتَه أريدُ
ذو الودعات الصبي، أي لا ألقي سوطي له لأشغله وأخلو بما أريد. ومثله قول الراجز:
ظَلّتْ بوادي حَرمَلاً ترتّمه ... لا تطعم الماءَ ولا تشَمّه
بعِلل الصبي نيكَتْ أمّه
ومثله قول مسكين الدارمي.
لا آخذ الصبيان ألثَمهم ... والأمر قد يغَزي به الأمر
وقال أبو حنبل حين نزل به امرؤ القيس فأجاره:
لقد آليت أغدِر في جَداع ... ولو مُنِّيت أمّات الرباع
(2/1123)

جَداع سنة جدعاء تذهب، بكل شيء.
لأن الغدر في الأقوام عار ... وأن المرء يجَزأ بالكراع
أي يكفيه كراع يأكلها فلِم يغدر. وقال زهير:
هلاّ سألتمَ بني الصيداءِ كلهم ... بأيّ حبل جِوار كنتُ أِمتسكُ
فلن يقولوا بحبلٍ واهِنٍ ... خلَق لو كان قومكَ في أمثالِه هلَكوا
يقول سلهم كيف كنت أفعل فإني كنت استوثق ولا أتعلق إلا بحبل متين إذا كان حبل قومك - وهو عهدهم - هلكوا فيه أي حتى غدروا. ومثله لطفيل:
وكنتُ إذا أعلقت مكّنت في الذري ... يَديّ فلا يُلقَي بجنبَّي مصرعُ
ويروى: كنت إذا جاورت، يقول لم أكن أنازل إلا الذرى من القوم أي الأشراف.
وقال أبو خراش الهذلي يذكر ابنه:
ولم أدرِ من ألقي عليه رداءَه ... ولكنه قد سُلّ عن ماجد محض
يقول لم أدر من أجاره، وكان الرجل إذا ألقي على الرجل ثوبه فقد أجاره، يقول لم أدر من هو ولكنه ما جد محض. وقال أبو المثلم لصخر الغي:
كلوا هنيئاً وإن أثِقفتم بَكلا ... مما تجيرُ بنو الرمداءِ فابتِكلوا
(2/1124)

يهزأ بهم، يقول لصخر: إنك وثبت على جار القوم فكل هنيئا فإنك لا تسلم، بكلا غنيمة، أي ان أثقفتموه غنيمة مما في جوار بني الرمداء فاغتنموا. وقال أبو جندب يرثي جارين له:
إني امرؤ أبكي على جارَيَه ... كانا مكان الثوبِ من حَقَوّيهِ
يقال للرجل يعوذ بالرجل ويتحرم به: أخذ بحقويه، يقول هما عني بمنزلة من عاد بحقويّ، ومثله: هو مني مَعقدَ الازار. وقال عمرو بن برّاقة الهمداني:
تحالَفَ أقوامٌ عليّ ليسِمنوا ... وجرُّوا عليّ الحربِ إذ أنا سالم
يقول صارت كلمتهم عليّ، ليسمنوا أي ليكون مرعانا لهم فيرعوا به ويسمنوا فيه، يقال رعي فلان موضع كذا حتى أسمن أي سمنت إبله.

باب في العداوة والبغضاء والحقد والظلم
قال أبو خراش:
رأيتُ بني العلات لما تضافروا ... يحوزونَ سهمي دونهم في الشمائل
بنو العلات الذين ليسوا لأم واحدة تضافروا تعاونوا، يحوزون أي يجعلون، وهذا مثل، يقول ينزلونني بالمنزلة الخسيسة كقولك:
(2/1125)

فلان عندي باليمين، أي بالمنزلة العليا. وقال الأعشى:
أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنما ... يضّم إلى كشحْيه كفاً مخضبا
أسيف غضبان كأن هذا الرجل من شدة غضبه قطعت يده فغضب لذلك، وعادة كل إنسان إذا أرسل يديه لم يشغلها بعمل إن تقعا على كشحيه، أما قوله كفا - واحدة وهما كشحان فذلك لضمه يديه جميعا وإن كانت المقطوعة أحدهما ولم يخَفِ اللبس لقرب المعنى من الفهم وإحاطة العلم بأن كفا واحدة لا تُضم إلى الكشحين، ومثل هذا كثير في كلامهم. وقال آخر:
وفِينا وإن قيلْ اصطلحنا تضاغن ... كما طَرّ أوبارُ الجِرابِ على النَشرِ
الكلأ، إذا جف ثم أصابه المطر فاخضر فهو النشر وهو داء كله إذا أكلته الماشية. يقول نحن وإن أظهرنا الصلح ففي قلوبنا غير ذلك كما أن هذه الجراب أكلت النشر فطرّت أوبارها وحسن ظاهرها وفيها من الداء ما فيها. ومثله لزفر بن الحارث الكلابي:
وقد ينبتُ المرعَى على دِمَن الثَري ... وتَبقى حزازاتُ النفوسِ كما هيا
(2/1126)

المرعى إذا نبت على الدِمن أخبث المرعى فكما ظاهر هذا المرعى حسن وداخله رديء كذلك نحن. ومثله:
ولا يغرَّنْكَ أضغانُ مزملة ... قد يضربُ الدَبرُ الدامي بأحلاسِ
الأضغان الأحقاد أي تُستركما تستر هذه الأحلاس وتحتها الداء فكذلك هذه الأضغان تستر وفي داخلها ما فيها. ومنه قول الكميت:
ولم أحلس على جلَب.
وقال آخر:
فلا توعدونا بالجيادِ فإننا ... لكم مضعة قد لجِلجت فأمرَّتْ
ويروي نُجِنجت، والمعنى أنها ردَّدت في الفم، والجياد الخيل، أمرّتْ صارت مرا، والمعنى أنكم لا تسيغوننا ولا تقدرون علينا. وقال معقل بن خويلد:
أبا معقلٍ إن كنت أشّحت حلةً ... أبا معقل فانظر بنبلك من ترمي
أي إن كنت أعطيت جاها وقدرا فانظر لمن تَعرَض، أشحت ووُشّحت سواء:
أبا معقلٍ لا توطيئنكم بغاضتي ... رؤوس الأفاعي في مراصِدها العُرْم
أبو عمرو يرويه: بغاضتي بكسر الباء، يقول لا يحملنك بغضى
(2/1127)

على أن تقتل نفسك وتهلكها، والعُرم الرقط، يقال شاة عَرماء، مراصدها حيث ترصُد. وقال العجاج:
وقد وعظناها اتّقاءَ المأثم ... فجعلوا العتاب حَرقَ الأرَّمِ
أي جعلوا عتابنا أن أو عدوْنا،، يقال هو يعلك عليّ الأرم أقصى الأنياب. وقال:
لولا تكَميكَ ذُرَي من جارا ... والذّبُ عنّا لم نكنْ أحرارا
التكمي القمع. يقال كَمَى شهادته إذا قمعها وكتمها، وذرى أعال - يعني رؤوسهم، قمعت رؤوسهم، والتكمي التعمد. وقال:
بل لو شهدتَ القوم إذ تُكمَّوا ... بقدَر حُمّ لهم وحُموا
تكُموا تفُعّلوا من الكمّة أي لبسوا غُمة كُمّوا بها كما تكم النخلة جُللوا، والكمي قمْع الشيء وستره. وقال آخر:
وإن امرءً أيدعو ليَهلكَ مالِك ... ويبغي علينا للمنية قارعُ
أي يقرع بابها يطلبها. وهذا مثَل. وقال آخر.
أجبّارُ إن المرء يدركُ حقَه ... ببعض الحِقاق أو يسيَّب باطله
وما يبتغي من بعدِ إعطاءٍ ... حقه من الأَمرِ إلاَ أن تئيم حلائله
(2/1128)

الحِقاق المحاقة، أن يكون له في الأمر حق، أو يسيَّب أي يخلى باطله فلا يعطى شيئا، وما يبتغي بعد ما يعطي حقه إلا أن يُقتل فتئيم حلائله. وقال العجاج.
وشانيء أرضوه بالأخسِّ ... من أمره بالهَجْسِ بعد الهجْسٍ
الشانيء المبغض، الأخس الأقل من أمره، الهجس أي يهجس في نفسه منه بلاء وشر - أي حملوا عليه الشر حتى أرضوه بغير الحق. وقال آخر:
ومولًى كأن الشمسَ بيني وبينه ... إذا ما التقيْنا ليس ممن أعاتبه
يقول لا أقدر أن أنظر إليه من بغضه فكأن الشمس بيني وبينه. وقال آخر:
يتقارضونَ إذا التقوا في موطنٍ ... نظرأ يزيلُ مواطيء الأقدامِ
قال الله عز وجل " يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ". وقال العجاج: فوجدوا الحَجّاج يأبىالنَهضا النهض الظلم. وقال:
وإن أجاروا معشَرا لم ينَهضوا
(2/1129)

سألت عنه الأصمعي فقال: يأبى الهضّا، أي الكسر وكذلك يُنشد هذا البيت. وقال آخر:
ومولًى كداء البطن لا خير عنده ... ولا شرّ إلا أن يعيب الأدانيا
جعله كداء البطن لأنه لا يدري ما هو وما هاجسه. وقال خوات بن جُبير:
وأهل خباء صالح ذات بينهم ... قد احتربوا في عاجل أنا آجله
أبو عمرو: يعني أنا جالبه أجَلت فأنا اجِلُ أجْلا، وقال أبو زيد أجلت جررت عليهم جريرة - اجِل أجْلا. قال الأحمر في بيت عروة بن الورد:
ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم ... هُم الناسَ لما أخصبوا وتمولّوا
وفي الناس الرفع أيضا، يقول وجدتهم مثل سائر الناس في الغدر، وكانوا عاهدوه حين كانوا معه أن لا يفارقوه. وقال النابغة للنعمان:
لا تقذ فَني بركن لاكفاء له ... ولو تأثّفك الأعداء بالرِفَد
يقول لا ترميني بناحية لا مثل لها في الشر ولو تأثفك الأعداء أي احتشوك وكانوا من جوانبك بمنزلة الأثافي من القدر،
(2/1130)

بالرفد أي بالتعاون يرفد بعضهم بعضا عليَّ عندك ويسعون بي وقال:
فمن عصاكَ فعاقِبْه معاقبةً ... تنهى الظَلومَ ولاتقعدْ على ضَمدِ
إلا لمثلكَ أزمن أنتَ سابقُه ... الجوادِ إذا استولى على الأمدِ
الأصمعي: لا تقعد على غيظ وغضب إلا لمثلك في حالك أو لمنَ فضلك عليه كفضل السابق على المصلِّي فأما من دون ذلك فأمض فيهم إرادتك. وقال:
فان أكُ مظلوماً فعبدٌ ظلمتَه ... وأن تك غضبانا فمثلك يعتَب
يريد إني غير ممتنع من ظلمك إن كنت ظلمتني كما لا يمتنع العبد من فعل سيده وإن تك غضبانا فلك العتبى أي لك الرجوع إلى ما تحب. وقال:
ولكنني كنت امرءً إلى جانب ... من الأرضِ فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما لقيتهم ... أحكمَّ في أموالهِم وأقرّب
كفعلكَ في قومٍ أراكَ اصطنعتَهم ... فلم ترهم في مثلِ ذلك أذنبوا
يقول اجعلني كهؤلاء القوم الذين صاروا إليك وكانوا مع غيرك فاصطنعتهم وأحسنت إليهم ولم ترهم مذنبين إذ فارقوا من كانوا معه، يقول فأنا مثلهم صرت عنك إلى عنك إلى غيرك فاصطنَع إليَّ وأحسنَ بي فلا ترني مذنبا إذ لم تر أولئك مذنِبين.
(2/1131)

وقال الأعشى:
ألستَ منتهياً عن نَحت أثلتنا ... ولستَ ضائرها ما أطَت الإبلُ
كناطحِ صخرةٍ يوماً ليفلقها ... فلم يضرها وأهي قرنَه الوِعلُ
أثلتنا شجرتنا وإنما يريد عزنا وقيل أثلتنا أصلنا، يقال مجد مؤثّل - أي ذو أصل، والوعل إذا اشتد قرنه أتى صخرة فنطحها يريد بذلك تجريب قرنه، يقول: أنت في الذي ترمونه منا كالوعل ونحن صخرة. ومثله للمرار يصف ناقة:
هذي الوَآة كصخرة الوَعْل
وقال الأعشى:
صرمتُ ولم أصرمكم وكصارم ... أخ قد طوى كشحاً وأبَّ ليذهبا
ومثلُ الذي تولونني في بيوتِكمً يقنِّي سناناً كالقُدامَى وثعلبا أبَّ تهيأ وتشمر للذهاب، والقدامى ريش الجناح شبه به السنان في مضيه، والثعلب ما دخل في السنان من الرمح. وقال:
وزعمتَ أنكَ مانع ... حقّا فلا تعطي اصطبارِه
حتى تكونَ عَرارة ... منا فقد كانتْ عَرارِه
ولقد علمت لتشرب ... نّ ببعضِ ظلمكَ في مَحارِه
(2/1132)

اصطباره أي لا تعطيه صبرا عليه وأصل الصبر الحبس للنفس على الحق، والعَرارة الشدة، والمحارة الصدقة أي نوجرك كرها كما يوجر الصبي. وقال:
لا أعرفنّك إن جدّت عداوتنا ... والتُمس النصر منكم عوضُ تحتَمل
تحتمل تغضب، يقال جاء فلان محتملا من الغضب أيَ مستخَفّا. ومنه قول الجعدي:
كلِبا من حِس ما قلد مسّه ... وأفانين فؤاد محتَمَل
وقال آخر:
فودَع خليلا لا يزال كأنه ... على الود والبغضاء ريشة غارب
إذا دَبِر البعير جعل في دبرته ريشة فتحركها الريح فإذا رآها الغراب لم يقع على الدبرة، يقول هو يتلّون لي. وقال أبو زبيد:
إليك إليك عِذرة بعد عِذرة ... فقد يبلغ الشرّ السديل المشهَّر
يريد يبلغ الشر المشهر السديل - يعني ستر الملك، يريد أن الشر إذا جاءكم لم يمتنع من سرادق الملوك لا يَهابها فكيف بمن دونهم. وقال ابن أحمر:
أرادنا لا يزال لنا حميم ... كداء البطن سلِّا أو صفارا
(2/1133)

داء البطن لا يدري من أين يهيج ولا كيف يتأتى له وكذلك هذا القريب.
يعالج عاقرا أعيت عليه ... ليلقحها فينتجها حُوارا
أعيت عليه وعاصت عليه أي التوت، يقول يطلب من الشر ما لايكون ولا يقدر عليه.
ويزعم أنه نازٍ علينا ... بشرّته فتاركُنا تَبارا
كحجة أم شَعل حين حجت ... بَكلبتها فلم ترم الجِمارا
أي حلف أن ينالنا بشرته فيهلكنا كما حجت أم شعل في الجاهلية بكلبتها وهي مِدلّة بنفسَها تظن أن ترجع فماتت ولم تدرك الحج.
تدارئه كما أنقاء وهب ... تساعدها وتنهمِر انهمارا
الأنقاء جمع نقيِّ، تداريء هذا الرجل كما تدارىء الرمل أن يتناثَر.
وقال الكميت يذكر أعداءه من اليمن:
أضحت عداوتهم إياي إذ ركبوا ... بحرَي نزار بهم منفشّة القرب
بحري نزار يريد ربيعة ومضر، يقول ركبوا بحري نزار على قِرب قد نفخت فانفشّت الريح من القرب فغرقوا. وقال:
لما رآه الكاشِحُو ... ن من العيون على الحَنادِر
(2/1134)

الكاشحون الأعداء سممّوا بذلك لأنهم يخبأون العداوة في كشوحهم، والحنادر نواطر العيون واحدها حندورة. أي إذا رأوه كأنه على أبصارهم من بغضه. وقال:
على حين أن دَنت لكل قرارة ... مذانب لا تُجدي على من أسالها
مذانب لا تستنبِت العودَ في الثرى ... ولا يتحاذَى الحائمون فِضَالها
المذانب مسايل الماء، والقَرارة مستقره، يقول ليست هذه المذانب تنبت إنما هي مذانب شحناء، يتحاذى من الحُذيا أي يعطي بعض بعضا، والفضال ما فضل منها. وقال زيد الخيل:
وأسلَم عِرسه لما التقينا ... وأيقن أننا صهْب السِبال
يقال للأعداء صهب السبال ويقال أصل هذا أن العجم صهب السبال وكانوا لهم أعداء فكثر حتى قيل للأعداء ممن كانوا: صهب السبال. وقال آخر من ضبة:
لا تجعلونا إلى مولى يحلُ بنا ... عقدَ الحِزام إذا ما لِدنا مالا
أي إذا رآنا في شر أعان علينا. وقال جرير:
ونُبئت غسان ابن واهصةِ الخُصى ... يلجلج مني مضغة لا يحيِرها
واهصة شادخة تشدخ الخصى لتلين فتشويها أو تطبخها، يلجلجها
(2/1135)

يديرها في فيه، لا يحيرها لا يسيغها فيردها إلى جوفه. وقال الفرزدق:
أبا معقل لولا حواجر بننا ... وقربي ذكرناها لآل المجبّر
إذا لركبنا العام حد ظهوركم ... على وقَر أندابُه لم تغفّر
أندابه جروحه، لم تغفر أي لم تيبس وتجلب. وقال طرفة:
وآنا امرؤ أكوِي من القصَر ال ... بادي وأغشى الدهم بالدَهم
القصر داء يأخذ قصَرة العنق فلا يقدر صاحبه أن يلتفت، يقول من كان معرضا عني كأن به قصرا داويت ضغنه. وقال الحارث بن حلزة:
إن إخواننا الأراقم يَغلو ... ن علينا في قولهم إحفاء
يغلون يرتفعون في القول وكذلك الغلو في كل شيء الارتفاع ومجاوزة القدر، إحفاء إلحاح واستقصاء في مساءتنا كما يحفي الشيء ينتقص منه ومنه قولك: أحفيت شاربي أي استأصلته وقيل أصل هذه الكلمة الحفي.
زعموا أن كل من ضرب العي ... د مَوال لنا وأنّا الوَلاء
(2/1136)

أنا الولاء أي أهل الولاء، أبو عبيدة: سألت أبا عمرو بن العلاء عن هذا البيت فقال: ذهب والله الذين كانوا يعرفون تفسيره ولكنا نرى معناه: إن إخواننا يضيفون إلينا ذنب كل من أذنب إليهم ممن نزل الصحراء وضرب عَيرا ويجعلونهم موالي لنا والموالي بنو العم. وفيه قول ثان يقال إنه عني بالعير كليب وائل سماه عيرا لأنه كَان سيدا والعير سيد القوم، يقول كل من قتل كليبا أو أعان على قتله جعلوه مولى لنا وألزمونا ذنبه. وقال أبو مالك فيه قولا ثالثا: العَير الوتد سماه عيراَ لنتوه من الأرض مثل عير نصل السهم وهو الناتيء في وسطه، يقول كل من ضرب وتدا في الصحراء فأذنب إلى الأراقم ألزمونا ذنبه. وقال أبو مالك فيه قولا ثالثا: العَير الوتد سماه عيراَ لنتوه من الأرض مثل عير نصل السهم وهو الناتىء في وسطه، يقول كل من ضرب وتدا في الصحراء فأذنب إلى الأراقم ألزمونا ذنبه. وقال أبو عبيد فيه قولا رابعا: العير جبل بالمدينة ومنه أن رسول اللَه صلى الله عليه وسلم حرم ما بين عير إلى ثور، أي كل من ضرب إلى ذلك الموضع وبلغه، ولم يقل الأصمعي فيه شيئا.
أجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضَوضاء
يريد أجمعوا أمرهم ليلا على أن يصبحونا بالذي اتفقوا عليه من تهمتنا فلما أصبحوا جلبوا، ويروى: أجمعوا أمرهم بليل، وهذا كقول القائل: هذا أمر ذبر بليل. وقال لعمرو بن كلثوم:
(2/1137)

أيها الناطق المرقِّش عنا ... عند عمرو وهل لذلك بقاء
وروى أبو عمرو: المقرش - وهو المهرِّش، وهل لذاك بقاء أي أنه كذب فإذا نظر فيه بطل.
لا تَخلنا على غَراتك إنا ... قبلُ ما قد وشى بنا الِأعداء
لا تخلنا لا تحسبنا جازعين لإغرائك الملك بنا لأنا قد مرّ بنا من سعاية الأعداء ما لا نجزع معه من وشايتك.
وعلَونا على الشناءة تنمي ... نا حصون وعِزَّة قَعساء
قعساء دائمة ثابتة، أي ارتفعنا على بغض الناس إيانا وغيظنا لهم بما يرون من ثبات عزنا ومكاننا عند الملك.
قبل ما اليوم بيَّضت بعيون ال ... ناس فيها تغيّظ وإباء
بيضت هذه العزة عيون الناس - فقحّم الباء. كما قال الراعي:
هن الحرائر لا ربّات أحمرة ... سود المحاجِر لا يقرأن بالسُوَر
تغيظ امتناع وإباء من قولهم تغيّظت الناقة واغتاظت إذا امتنعت من الفحل فلم تحمل. الأصمعي: تعيط - ارتفاع من قوله.
في رأس عَيطاء من خَلقاء مشرقة
وكأن المنون تردِي بنا أر ... عَن جَونا يَنجاب عنه العماء
مكفهّرا على الحوادث لا تر ... توهَ للدهر مؤيِد صَمّاء
(2/1138)

تردي بنا ترمي بنا يقال ردي يرِدي رديا، يقول كأنها برميها إيانا ترمي جبلا فلا تضرنا ولا تؤثر كما لا تؤثر في الجبل، ينجاب عنه ينشق عنه، والعَماء سحاب رقيق، يقول هذا الجبل من طوله لا ترى الغيم يعلوه إنما تراه أبدا دونه، ويروي، أصحم صُمّ، يريد جبل جبال، أصحم في لونه، ويروي: أصحم عصم أي جبل وعِول، مكفهر متراكب بعضه على بعض، ممتنع على الحوادث، لا ترتوه - الرتو النقصان من قولك رتوت الدِرع إذا قصّرت من طولها عند القتال فرفعتها بالعرَى. قال لبيد:
فخمة ذفرا تُرتى بالعُرى ... قُردُمانيا وتُركا كالبصلِ
ورتوت القوس - إذا شددت وترها وقصرت منه، ومؤيد داهية قوية وهو من الوأد وهو الثقل، صمَّاء لا جهة لها، ويقالَ أصابته مصيبة فما رتَت في ذرعه أي ما كسرته، ويكون رَتا في غير هذا يقال أكلت أكلة فرتت قلبي أي أمسكته. وقال العجاج:
يا عُمر بن معَمرٍ لا منتظَر ... بعد الذي عدا القُروص فَحزَرَ
أي لا انتظار بعد هذا الذي مرق فجاوز القَدْر، يقال للرجل إذا أفرط في تعدَي قدره عدا القارص فحزر، مثَل - وأصله في اللبن، والقارص الذي يحذي اللسان، والحازر الحامض.
(2/1139)

واشتغروا في دينِهم حتى أشتغَرَ ... فقد تكبّدتَ المناخَ المشتهرَ
اشتغروا انتشروا، حتى اشتغر الدين أي انتشر، تكبدت نزلت وسطه وأصله من الكبد، أي نزلت منزلا مشهورا فانظر ما تفعل. وقال رؤبة:
وجامعُ القطرينِ مطرِخمّ ... بيض عينيْه العَمى المعمّي
أي رب جامع القطرين - وهو مثَل وذلك أن الناقة إذا لقحت زمّت برأسها وشالت بذنبها واستكبرت، فقال: ربّ مستكبر كاستكبار هذه الناقة قد أصابه كذا، مطرخم مستكبر ومثله مصلخِمّ ومطَلِخمّ. وقال طفيل:
فذوقوا كما ذقنا غداةَ محجّرٍ ... من الغيظِ في أكبادِنا والتحوّب
يعني التوجع، ويقال بات بحِيبة سَوء من هذا ولا يقال حِيبة صدق، وقال سلامة بن جندل:
أما الخَلى والمسحُ إن كان منةً ... عليّ فإني غيرِ خالٍ وما سح
ومستهرِع خالا ولؤم خليقةٍ ... صقَعت بشرّ والأكف لواقح
رجلٍ يُلقيِ الخلى، والماسح الذي يمسح الضروع، ومستهرع
(2/1140)

ويروى ومستهزع - وهو الذي يسرع في اللوم، والخال الكِبر، واللواقح المرتفعة، وإذا رفع يده بالضرب فيده لاقحة، وأصل هذا أن الناقة إذا حملت شالت بذنبها. وقال زهير:
يُلجلجٍ مضغةٍ فيها أنيض أصلَتْ ... فهي تحت الكَشحِ داءُ
بسأَت بنيئها وجوِيت عنها ... وعندي لو أردتَ لها دوَاه
ورواها الأصمعي: غصِصت بنيئها - أي بشمت عنها، وعندك لها دواء، يقول أخذت هذا المال فأنت لا تأخذه ولا تردّه كما يلجلج الرجل المضغة فلا يبتلعها ولا يلقيها، والأنيض اللحم الذي لم ينضج والأناضة النُهوءة خلاف النضج فإذا لم ينضج فهو أثقل لا يستمرأ، فيريد: أنت تريد أن تسيغ شيئا ليس يدخل حلقك أي تظلم ولا تترك والظلم، أصلّت أنتنت وهي مثل هذا الذي أخذت فإن حبسته فقد انطويت على داء. يقال صلّ اللحم وفيه صلول وإصلال: وأنشد الأصمعي للحطيئة:
(2/1141)

ذاك فتًى يبذلُ ذا قِدره ... لا يفسد اللحم لديه الصلولُ
غصصت بنيئها، يقول المال الذي أخذته كمضغة نيئة غصصت بها وبشمت منها وعندك لها دواء لو شئت في رد المال إلى أهله. قال النابغة:
أتاكَ امرؤُ مستعلن لَي بِغضة ... له من عدوٍّ مثل ذلك شافعِ
مستعلن مظهر، والبغضة والبغض واحد مثل الذِلة والذل والقِلة والقل، يريد مثله شافع أَي يشفعه يصير معه اثنين، يقال شفعت الرجل إذا صرت معه ثانيا، يقول: أتاك رجل معه ممن اُعادي رجل آخر مثله.
وذلكَ ذنبٌ لم أكنْ لأقوله ... ولو كبّلتْ في ساعديّ الجوامعِ
الجوامع الأغلال والواحدة جامعة، يقول: لم أكن لأقوله ولو حبست. وقال عدي بن زيد:
وعِداتي شُمّت أعجبهم ... أنني غُيّبت عنهُم في قَرَن
فسبيل اُسوة جَمّ بها ... عَنوة للملكِ في بعضِ الظننِ
يريد غيبت عنهم في قرن عنوة للملك، ثم قال: فلي بهذه السبيل أسوة جم بها - يريد قوما أصابهم مثل ما أصابني في بعض الظنن. وقال المعطل:
(2/1142)

وفهم بن عمرو يعلُكون ضريسَهم ... كما صرفتْ فوقَ الجذاذِ المساحِنُ
الجذاذَ حجارة فيها ذهب، والمساحن واحدتها مِسحّنة وهو حجر يدق به حجارة الذهب.
وقال آخر:
يارُبَّ مولى حاسد مباغِض ... عليَّ ذي ضِغنٍ وضَبٍ فارضٍ
له قُروء كقُروءِ الجائض
فارض ضخم يقال كساء فارض، قروء أي أوقات تهيج فيها عداوته، يقال رجع فلان لقُرئه أي لوقته. وقال المرار بن سعيد العدوى:
وحَشَوتُ الغيظ في أضلاعه ... فهو يمشي حَظَلانا كالنًقِر
النقر من النقرة وهو داء يأخذ الغنم في بطون أفخاذها وفي جنوبها فإن أخذها في أفخاذها ظلعت وإن أخذها في جنوبها انتفخت بطونها، وحظلَت المشي أي كفت بعض المشي. وهذا آخر ما وجد من المعاني في كتاب الحرب.
والحمد لله رب العالمين وكان على ظهر كتاب الحرب بخط أبي محمد بن قتيبة. قال الفرزدق:
وما قمت حتى همَّ من كانَ مسلماً ... ليلبس مسودَي ثيابَ الأعاجمِ
(2/1143)

وضاق ذراعا بالحياة وقطعت ... حواملَه عض العذارَي الأوازِم
يقول همّ مَن كان مسلما بالارتداد عن الإسلام والتمجّس مما يلقون في الخَراج ويعني بالمسودّة الطيالسة والبَرنَكانات، حوامل يديه عصبهما الذي يحملان، والعَذارى الجوامع، أي يعذبون في الخَراج بالجوامع والدهق. وقال الراجز:
إذا تمطين على القياقي ... لا قين منه أذنَى عَناق
يعني داهية. وقال أوس:
أم من لحّى أضاعوا بعضَ أمرهُم ... بين القُسوط وبين الدِين دَلدال
خافوا الأصيلة واعتلت ملوكهم ... وحمِّلوا من أذى غرم بأثقالَ
القُسوط الجور، يقال قسط السلطان إذا جار، والدين الطاعة يقول هم بين الطاعة والمعصية، دلدال متذبذبون، خافوا الأصيلة أن يستأصَلوا. وقال:
(2/1144)

هل سّركم في جمادَي أن نصالحكم ... إذ الشَقاشق معدول بها الحنَك
قال كان هذا في جمادي، يقول سرَّكم أنا لكم سلم في هذا الوقت. وذلك أن بني عامر لما قتلوا بني تميم يوم جبلة قالوا: لم يبق من تميم الأبقية فنغزوهم فنستأصلهم، فغزوهم يوم ذي نجب فقتلتهم تميم. قوله الشقاشق معدول بها الحنك - يريد إذ تهدرون والشِقشقة أبدا تكون من جانب.
أو سَرَّكم إذ لحِقنا غيرَ فخركم ... بأنكم بين ظَهَري دجلة السَمَك
يقول لحقنا ملحقا ليس كما تفخرون، أي سركم أنكم سمك فتقتلوا. وقال رؤبة.
إذا الأمور أولعت بالشَخز ... والحرب عسراء اللقاح المغزى
الشخز الطعن، يريد أن الأمور تطعن هاهنا وهاهنا فتفسد، والمغزى التي لا تنتَج الأبعد بطء، يقال شاة مغزِية وأتان مغزية. وأنشد لذي الرمة:
رَباع أقبّ البطن جأب مطرّد ... بلجييه صَكّ المغزِيات الرَّواكل
عسراء اللقاح يقول تلقح لقاحا عسِرا، وإنما يريد أن الحرب لا تكاد تنقطع. وقوله:
(2/1145)

أترفْن يَشدَخنَ العدى بالخَبزِ
أترفن أعطينَ ما أردنَ، الخَبز الوَطءِ.
تم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد سيدنا النبي الأمي وسلم ورضي الله عن الصحابة أجمعين
(2/1146)