Advertisement

المنهاج الواضح للبلاغة 002

المجلد الثاني
علم المعانى
مدخل
...
علم المعاني:
تعريفه:
هو أصول وقواعد، يعرف بها، كيف يطابق الكلام مقتضى الحال.
والمراد بالأصول والقواعد: المسائل الكلية لهذا العلم, كقولهم: المنكر يلقى إليه الكلام مؤكدًا، وخالي الذهن يلقى إليه الكلام خلوا من التأكيد، والذكي يلقى إليه الكلام موجزًا، والغبي يلقى إليه الكلام مطنبًا, وهكذا.
والحال -أي المقام الذي ورد فيه الكلام- هي الأمر الحامل للمتكلم على أن يورد في كلامه شيئًا خاصًا، زائدًا على أصل المعنى.
ومقتضى الحال هو ذلك الشيء الخاص الذي ورد في كلام المتكلم.
ومطابقة الكلام لمقتضى الحال, هي اشتماله على ذلك الشيء الخاص, مثال ذلك: أن يقال لمنكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم: "إن محمدًا لرسول الله" فإنكار المخاطب لهذه الرسالة "خال"، لأنه أمر يحمل المتكلم على أن يورد في كلامه شيئًا خاصًا هو "التأكيد" محوًا لهذا الإنكار، كما في المثال المذكور, والتأكيد "كما ترى" أمر زائد على أصل المعنى الذي هو ثبوت الرسالة لمحمد، وصورة التأكيد التي وردت في الكلام هي "مقتضى الحال" إذ إن الحال اقتضتها ودعت إليها، واشتمال الكلام على هذه الصورة هي مطابقة لمقتضى الحال.
ومثل الإنكار "المدح" فهو حال تدعو المتكلم إلى أن يورد كلامه على صورة الإطناب، لأن مقام المدح يقتضي الإطالة في القول، والبسط فيه.
كذلك ذكاء المخاطب حال تدعو المتكلم لأنه يورد كلامه على صورة الإيجاز، لأن مقام الذكاء يقتضي الاختصار في القول, وكل من صورتي الإطناب والإيجاز مقتضى الحال, واشتمال الكلام على صورة الإطناب أو الإيجاز مطابقة لهذا المقتضى ... وهكذا يقال في كل حال من أحوال الخطاب1 "كالعهد" المقتضي لأن يؤتي بالشيء معرفا "بأل".
و"كالاهتمام" المقتضي لأن يؤتى بالشيء مقدمًا ... إلى غير ذلك مما سيأتي بيانه بعد.
__________
1 هناك رأي آخر هو أن مقتضى الحال: الكلام الكلي المشتمل على التأكيد مثلا أو الإطناب أو الإيجاز، وليس هو التأكيد نفسه أو الإطناب أو الإيجاز كما هو الرأي الأول, فالإنكار مثلًا حال، والمقتضى: مطلق كلام مؤكد بأي نوع من أنواع التأكيد، وقولنا للمنكر: "إن محمدًا لكاتب" فرد من أفراد هذا المطلق المؤكد، ومعنى مطابقة هذا القول لمقتضى الحال حينئذ: أنه مدرج تحت الكلام المطلق وفرد من أفراده, فالفرق بين الرأيين واضح.
(2/5)

تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء
مدخل
...
تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء:
ينقسم الكلام إلى قسمين: خبر، وإنشاء.
فالخبر: قول يحتمل الصدق والكذب لذاته، أي هو ما يصح أن يقال لقائله: أنه صادق فيه أو كاذب، بأن يكون القول مطابقًا للواقع، أو غير مطابق -أو هو قول لا يتوقف تحقق مدلوله على النطق به- فقولك: "علي شجاع" خبر، لأنه يحتمل أن يكون علي شجاعًا في الواقع، فيكون الخبر صادقًا وألا يكون شجاعًا، فيكون الخبر كاذبًا -أو لأن مدلوله- وهو ثبوت الشجاعة له- حاصل سواء نطقت بهذا الخبر أو لا.
والإنشاء: قول لا يحتمل صدقًا ولا كذبًا، أي لا يجوز أن يقال لقائله: أنه صادق فيها أو كاذب إذ لا واقع للقول حتى يطابقه أو لا يطابق -أو هو قول يتوقف تحقق مدلوله على النطق به فقولك: "اكتب يا علي" إنشاء مدلوله طلب الكتابة منه، ولا يتعلق بهذا الطلب صدق ولا كذب- كما يتوقف تحقق مدلوله على النطق بهذا المطلب، وسيأتي البحث فيه قريبًا.
تنبيه:
اعلم أن احتمال الخبر للصدق والكذب منظور فيه إلى ذات الجملة الخبرية، بغض النظر عن المخبر أو الواقع إذ لو نظرنا إلى ذلك لوجدنا بعض الأخبار مقطوعًا بصدقه، لا يحتمل كذبًا، وبعضها مقطوعًا بكذبه: لا يحتمل صدقًا -فالأول كأخبار الله تعالى: وأقوال أنبيائه- وكالبديهيات مثل "الكل أعظم من الجزء" و"الواحد نصف الاثنين" ونحو "السماء فوقنا" "والأرض تحتنا" وغير ذلك مما لا يحتمل كذبًا, والثاني كأقوال مسيلمة الكذاب، ونحو قولك "الجهل نافع". و"العلم ليس بنافع" وما أشبه ذلك: مما لا يحتمل الصدق, فلأجل جعل هذه الأقوال من أفراد الخبر المحتمل للصدق والكذب، ينبغي أن ينظر فيها إلى ذات الجملة الخبرية، وأن يقطع النظر عن المخبر أو عن الواقع, لهذا زيد قوله "لذاته" في التعريف الأول للخبر.
(2/6)

صدق الخبر وكذبه:
الخبر الصادق ما طابق مضمونه الواقع، والكاذب ما لم يطابق مضمونه الواقع.
بيان ذلك: أن لصيغة الخبر نسبتين: نسبة مفهومة من الكلام، وتسمي "نسبة كلامية", ونسبة مفهومة من الخارج والواقع، وتسمى "نسبة خارجية أو واقعية" فإذا قلت مثلًا: "محمود مسافر" فإن ثبوت الصفر له المفهوم من هذه الصيغة نسبة كلامية. وهذا الثبوت المفهوم من الواقع والخارج نسبة خارجية أو واقعية.
إذا علمت هذا: فأعلم أن صدق الخبر وكذبه يدوران حول هاتين النسبتين فإن توافقت النسبتان ثبوتًا بأن قلت: "محمود" وهو في الواقع كذلك، أو توافقتا سلبًا بأن قلت: "محمود ليس مسافرًا" وهو في الواقع كذلك كان الخبر صادقًا, وإن لم تتوافق النسبتان بأن قلت: "محمود مسافر" وهو في الواقع غير مسافر، أو العكس كان الخبر كاذبًا.
فالخبر إذًا محصور في الصدق والكذب، ولا ثالث لهما، وهذا هو رأي الجمهور وهو المعول عليه, وفي المسألة آراء أخرى لا يتسع لها المقام.
الإسناد الخبري:
هو ضم كلمة، أو ما يجري مجراها إلى أخرى، أو ما يجري مجراها على وجه يفيد الحكم بمفهوم أحداهما على مفهوم الأخرى -ثبوتًا أو نفيًا- ويسمى المحكوم به "مسندًا" والمحكوم عليه "مسندًا إليه"، وتسمى النسبة بينهما "إسنادًا", فقولك: "حسان شاعر" أو "حسان غير شجاع" إسناد خبري إذ قد ضم فيه كلمة "شاعر" في المثال الأول "وغير شجاع" في المثال الثاني إلى أخرى "حسان" فيهما على وجه يفيد الحكم بمفهوم "الشاعرية" في الأول "وعدم الشجاعة" في الثاني على مفهوم "حسان" ثبوتًا كما في المثال الأول، ونفيًا كما في المثال الثاني.
والمراد، بما يجري مجرى الكلمة: الجملة الواقعة في موقع المفرد -مبتدأ كان، أو خبرًا، أو فاعلًا، أو نائب فاعل- وبهذا تكون صور طرفي الإسناد أربعًا:
(2/7)

الأولى: أن يكون الطرفان مفردين حقيقة نحو: "علي شجاع"، "وانتصر خالد" و"أبرم الأمر" فالطرفان في هذه المثل مفردان حقيقة.
الثانية: أن يكونا جملتين نحو "لا إله إلا الله ينجو قائلها من عذاب الله".
الثالثة: أن يكون المسند إليه مفردًا حقيقة، والمسند جملة، نحو: حسان سلق الأعداء بحاد لسانه، ونحو: "خالد هزم الجيش بقوة جنانه".
الرابعة: أن يكون المسند إليه جملة، والمسند مفردًا حقيقة: نحو، لا إله إلا الله كلمة النجاة من عذاب الله".
تنبيه:
الطرفان هما المسند والمسند إليه ولكل منهما مواضع يعرف بها، وإليك بيانها.
فمواضع المسند إليه هي: الفاعل، ونائب الفاعل، والمبتدأ الذي له خبر وما أصله المبتدأ كأسماء الأدوات الناسخة، والأمثلة غير خافية.
ومواضع المسند هي: الفعل التام واسم الفعل، والمبتدأ المكتفي بمرفوعه عن الخبر نحو: "أراغب" من قوله تعالى: {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ} ؟ وما أصله خبر المبتدأ كأخبار الأدوات الناسخة، والمصدر النائب عن فعل الأمر كلفظ "سعيًا" من قولك: "سعيًا في الخير" ولا تخفى عليك أمثلة ما لم تمثل له. ا. هـ.
(2/8)

ما يقصده المخبر بخبره:
إذا قصدت أن تخبر إنسانًا بخبر ما، فلا يخلو حال المخاطب من أحد أمرين، لا ثالث لهما.
1- أن يكون جاهلًا بمضمون الخبر المراد إلقاؤه إليه.
2- أن يكون عالمًا به قبل الإخبار.
فإن كان الأول: كان قصدك بهذا الخبر: أن تفيد مخاطبك مضمونه، وتعلمه به كما إذا قلت مخاطبًا إنسانًا يجهل قدوم أبيه:
"قدم أبوك من سفره" فأنت بهذا الخبر تريد أن تفيد مخاطبك الحكم الذي تضمنته هذه العبارة، "وهو قدوم أبيه" ويسمى هذا الحكم حينئذ "فائدة الخبر" لأنه معنى مستفاد منه.
وإن كان الثاني: كان قصدك بهذا الخبر: أن يفيد المخاطب أنك عالم بمضمونه كما في المثال المذكور إذا خاطبت به إنسانًا يعلم قدوم أبيه. وأنت تعلم منه ذلك، فأنت لا تريد بهذا الخبر -والحالة هذه- أن تفيده الحكم الذي تضمنه لأنه عالم به، وإنما تريد: أن تفيده أنك أيضًا عالم بقدوم أبيه، لأن هذا هو الذي يجهله المخاطب, ويسمى علمك به "لازم الفائدة" أي الأمر الذي يستلزمه حكم الخبر وفائدته، إذ كل من أفدته خبرًا أفدته أنك عالم به من غير عكس1 أي ليس كل من أفدته أنك عالم بالحكم الذي تضمنه الخبر أفدته هذا الحكم لجواز أن يكون عالمًا به قبل الإخبار؛ لهذا كان الحكم الذي تضمنه الخبر هو "الملزوم" وعلمك بهذا الحكم هو "اللازم".
تنبيه:
علم مما تقدم أن القصد من إلقاء الخبر؛ أما إفادة المخاطب الحكم الذي تضمنه الجملة الخبرية، أو إفادة أن المتكلم عالم بهذا الحكم, وهذا هو الغالب في استعمال الخبر.
وقد يكون الحامل على الإخبار بواعث أخرى، نذكر منها ما يلي:
1- التوبيخ: كقولك للعاثر في وضح النهار "الشمس طالعة" فغير معقول أنك تريد إفادته طلوع الشمس، أو إفادته أنك عالم به، فإن ذلك مما لا يخفى على أحد، فلا بد إذًا أن يكون الحامل لك على هذا الإخبار غرضًا آخر، هو توبيخه على عثرته، مع طلوع الشمس، ووضوح النهار.
2- إظهار الفرح: كقولك: "نجحت في الامتحان" لمن يعلم ذلك, فليس الغرض الإفادة، بل الغرض إظهار السرور بالنجاح.
3- إظهار الضعف: كقول زكريا عليه السلام يخاطب ربه:
__________
1 أي فليس التلازم بين ذات الخبر وذات العلم, إذ لا تجزم بينهما فقد يتحقق الحكم ولا يعتقده المتكلم, وإنما التلازم بينهما باعتبار الإقامة بمعنى أن إفادة الأول ملزومة لإفادة الثاني.
(2/9)

{رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} فزكريا عليه السلام لا يريد بهذا القول: أن يخبر الله تعالى بحاله، إذ يعلم أن الله لا يخفى عليه شيء، ولكنه قصد مجرد إظهار الضعف، وأنه بلغ من الوهن غاية لا أمل له بعدها في الحياة.
4- إظهار التحسر على فوات مأمول: كقول أم مريم عليهما السلام: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} فهي تعلم يقينًا أن الله تعالى عالم بالذي وضعت، ولكنها تتحسر إذ ولدت أنثى، وكانت تود لو كان المولود ذكرًا؛ ليكون وقفًا على خدمة بيت المقدس ... إلى غير ذلك من الأخبار الذي لا يقصد بها الإفادة كما هو الأصل فيها.
(2/10)

اختبار- تمرين
...
اختبار:
1- عرف علم المعاني، ووضح أجزاء التعريف، ثم ايت بمثال من عندك، وبين فيه الحال ومقتضاه، ومطابقة الحال لهذا المقتضى.
2- اذكر الفرق بين الخبر والإنشاء، ثم بين كيف كان كلام الله تعالى من قبيل الإخبار، مع أنه لا يحتمل كذبًا.
3- بين معنى صدق الخبر وكذبه، ووضح ذلك بمثال تختاره.
4- عرف الإسناد الخبري، ثم وضح التعريف بمثال من إنشائك وبين المراد بقوله: "أو ما يجري مجراها".
5- بين الغرض الأصلي من إلقاء الخبر، ثم اذكر غرضين من الأغراض التي يخرج فيها الخبر عن موضعه.
تمرين:
بين المسند والمسند إليه والغرض من الخبر فيما هو آت:
انصرف الطلاب للمذاكرة، "لمن لا يعلم ذلك". أنت نجحت في الامتحان, "لمن لا يعلم ذلك". الربا حرام, "والخطاب لمسلم يتعامل بالربا". إني فقير إلى عفوك. جاء الحق وزهق الباطل. لفاعل الخير الجزاء الأوفى. الموت حوض وكل الناس وارده. {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} .
هذا أمك, "لمن يعتدى عليها بالأذى". {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} .
{وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} . أنت خرجت عن حدك. إن القوم لئام. زارنا الغيث. "ذهب الشباب فما له من عودة".
(2/10)

تمرين يطلب جوابه:
بين المسند والمسند إليه والغرض من الخبر فيما يأتي:
ظهرت نتيجة الامتحان, "لمن يعلم ذلك". احترام الأب واجب. أنت تحفظ الحديث. كل امرئ سوف يلقى جزاء ما قدمت يداه. جاء الهناء وولى الشفاء. {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} . {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} . فاز المجد. ذهب عنا الحزن. وافانا الحبيب, "لمن يعلم ذلك". {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون} . ما أنت بالرجل الذي يعول عليه. فرطت وهذه نتيجة التفريط. ظلمت نفسك باتباع هواك. {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُوم} . {لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} . {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} . لا دين لمن لا مروءة له. ثمرة العلم العمل.
إلهي عبدك العاصي أتاكا ... مقرًّا بالذنوب وقد دعاكا
ذهب الصبا وتولت الأيام ... فعلى الصبا وعلى الزمان سلام
(2/12)

أَضْرُبُ الخَبَرِ:
تقدم أن قلنا: أن الغرض من الإخبار في أصل وضعه أحد أمرين:
الأول: إفادة المخاطب الحكم الذي تضمنه الخبر إن كان جاهلا به.
الثاني: إفادته أن المتكلم عالم بالحكم إن كان المخاطب عالمًا به.
فينبغي إذا للمتكلم أن يكون كلامه على قدر الحاجة، لا يزيد ولا ينقص في عبارته حذرًا عن اللغو، فيضع نفسه من المخاطب موضع الطبيب الماهر من المريض: يشخص حاله، ويعطيها ما يلائمها.
والمخاطب إزاء هذه الحال أنواع ثلاثة:
1- أن يكون خالي الذهن من الحكم المراد إفادته إياه، بمعنى: أنه لم يسبق له علم بمضمون الخبر قبل إلقائه إليه. ومثل هذا المخاطب يلقى إليه الخبر خلوا من التأكيد، لعدم الحاجة إليه، لتمكن معنى الخبر في ذهنه إذ وجده خاليًا، وخلو الذهن عن الشيء يوجب استقراره فيه، على حد قول الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
فإن كان للإنسان أخ تقدم إلى الامتحان، ففاز فيه على أقرانه، ولم يصل إلى علمه نبأ فوزه فأردت إخباره بذلك قلت هكذا: "فاز أخوك في
(2/12)

الامتحان وسبق نظراءه، بلا حاجة إلى تأكيد الخبر1, ويسمى هذا الضرب "ابتدائيًّا" لأنه لم يسبق بطلب ولا إنكار.
2- أن يكون مترددًا في الحكم المراد إفادته إياه، طالبا وقوفه على حقيقة الأمر إذ إن المتردد في الشيء يكون عادة متشوقًا إليه، طالبًا معرفته ليزول تردده، ويستقر على أحد الأمرين المتردد بينهما. ومثل هذا المخاطب يستحسن أن يؤكد له الخبر محوًا لهذا التردد، وتمكينًا للحكم في ذهنه, سواء استوى لديه طرفا الإثبات والنفي، أو كان لأحدهما أرجحية على الآخر. هذا هو مذهب الجمهور2.
فإذا كان المخاطب في المثال السابق مترددًا بين فوز أخيه، وعدم فوزه، بأن بلغه نبأ فوزه ممن لا يثق بخبره مثلًا, حسن منك أن تؤكد له الخبر ليطمئن إلى أحد الأمرين، فتقول له: "إن أخاك فائز في الامتحان على أنداده". ويسمى هذا الضرب "طلبيًّا" لأنه مسبوق بطلب، إذ إن المخاطب، المتردد طالب بلسان حاله وقوفه على جلية الأمر, كما قلنا.
3- أن يكون منكرًا للحكم المراد إخباره به، معتقدًا غيره. ومثل هذا المخاطب يجب تأكيد الخبر له تأكيدا يتناسب مع إنكاره قوة وضعفًا3 فإن كان المخاطب منكرًا لفوز أخيه معتقدًا إخفاقه لسبب ما وجب عليك أن تؤكد له الخبر لتمحو إنكاره، فتقول له: "إن أخاك لفائز على أقرانه" فإن لم يقتنع، وأصر على إنكاره زدته تأكيدًا
__________
1 التأكيد المحظور هنا هو المنصب على النسبة، أما التأكيد الموجه إلى الطرفين كالتأكيد اللفظي أو المعنوي, فلا مانع منه على قائم أو على نفسه قائم.
2 للإمام عبد القاهر رأي آخر؛ هو أن المستحسن له التأكيد عنده هو المتردد الذي يرجح أحد الأمرين المتردد بينهما, فكأنه يسكن الأمن الآخر ولتحويله عن هذا الأمر الراجح عنده كان في حاجة إلى التأكيد هي أشبه بحاجة المنكر إليه. بخلاف الشاك الذي استوى عنده الأمران فإن أدنى أخبار يمحو شكه ويزيل تردده، فلا داعي لتأكيد الحكم له، وشأنه في ذلك شأن خالي الذهن, وهو عندي رأي حسن.
3 مؤكدات الحكم كثيرة هنا "إن" المكسورة الهمزة، والقسم، ونون التوكيد، ولام الابتداء، واسمية الجملة، وحروف التنبيه، وضمير الفصل، وأداة الحصر، و"قد" التي للتحقيق, وغير ذلك.
(2/13)

حتى يمحى هذا الإنكار, ومنه قوله تعالى حكاية عن رسل عيسى عليه السلام إذا كذبوا في المرة الأولى: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} مؤكدًا بأن وإسمية الجملة1, وإذ كذبوا في المرة الثانية {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} مؤكدًا بالقسم, وإن، واللام, وإسمية الجملة لإمعان المخاطبين في الإنكار، إذ قالوا: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} .
ثم إن الجري على هذا النحو في الخطاب: من خلو الكلام عن التأكيد لخالي الذهن، واستحسان التأكيد للمتردد، ووجوبه للمنكر، هو ما يتطلبه ظاهر حال المخاطب, وحينئذ ينبغي للمتكلم أن يراعي في خطابه ما يبدو من حال مخاطبه ليكون كلامه مطابقًا, ويسمى الجري على هذا النحو إخراجًا للكلام على مقتضى ظواهر الحال.
إذا علمت هذا فاعلم أن المتكلم قد يغض النظر عن ظاهر حال المخاطب ويعتبر فيه أمرًا آخر غير ما يبدو له لسبب ما، ويخاطبه على هذا الاعتبار، والجري على هذا النحو يسمى.
__________
1 أي اعتبار دلالتها على الثبوت والدوام, غير أن التأكيد بها موقوف القصد والاعتبار. وقيل: إنما تكون مؤكدة إذا انضم إليها مؤكد آخر.
(2/14)

إخراج الكلام على غير مقتضى الظاهر:
وذلك إنما يكون حيث ينزل الشيء منزلة غيره, فمن ذلك:
1- تنزيل العالم بالحكم منزلة الجاهل به لعدم جريه على مقتضى علمه، فإن من لا يعمل بعلمه هو والجاهل سواء كقولك للمسلم التارك للصلاة: الصلاة واجبة فهو قطعًا يعلم وجوبها، فالإخبار حينئذ خروج بالكلام عن مقتضى الظاهر، إذ مقتضى الظاهر: الكف عن إخباره لعلمه بالحكم، لكن نزل علمه به منزلة الجهل به لعدم جريه على موجب علمه إذ لو كان عالمًا بوجوب الصلاة ما تركها.
2- تنزيل خالي الذهن منزلة المتردد وحينئذ: يؤكد له القول كما يؤكد للمتردد, مثاله: أن يأتي إليك رجل يتشفع في ابن لك غضبت عليه فتقول له: "لا تحدثني في شأن هذا الولد العاق, إنه محروم من عطفي" فقولك: "إنه محروم" خبر ألقي لخالي الذهن مؤكدًا تنزيلًا له منزلة المتردد في الحكم.
(2/14)

فخلو الذهن ظاهر حال المخاطب، وهو يقتضي أن يلقى إليه الخبر خلوا من التأكيد, لكن المتكلم صرف النظر عن هذا الظاهر، واعتبر في المخاطب أمرًا آخر هو "التردد"، وخاطبه على هذا الاعتبار، وذلك خروج بالكلام عن مقتضى الظاهر.
غير أن تنزيل خالي الذهن منزلة المتردد مشروط بأن يقدم له كلام يلوح بالخبر ويشير إليه، كما في المثال المذكور. فإن قوله: "لا تحدثني في شأن هذا الولد العاق" يشعر المخاطب بجنس الحكم، وهو أن المتشفع فيه قد استحق العقاب، وصار المخاطب بهذا الكلام في مقام المتردد في نوع هذا العقاب أهو ضرب، أم طرد، أم حرمان، أم غير ذلك من أنواع العقاب؟ وكأنه يطلب معرفته, ومنه قوله تعالى مخاطبًا نوحًا عليه السلام: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} , فقوله: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} مشعر بأن سيحل بقومه العقاب، فصار نوح عليه السلام في مقام المتردد في نوع هذا العقاب، لهذا خاطبه تعالى خطاب المتردد.
2- تنزيل غير المنكر منزلة المنكر إذا ظهر عليه شيء من أمارات الإنكار، وحينئذ يؤكد له الكلام كما يؤكد للمنكر حقيقة كما إذا كان المخاطب مسلمًا تاركًا للصلاة، معاقرًا للخمر، فقوله له مؤكدًا: أن الصلاة لواجبة، أو أن الخمر لحرام, فالمخاطب بحكم إسلامه يعلم قطعًا بوجوب الصلاة، كما يعلم بحرمة الخمر، ولا ينكر ذلك، وكان مقتضى هذا ألا يؤكد له القول, لكن تركه للصلاة، أو معاقرته للخمر جعله في منزلة المنكر لذلك، إذ لو كان يؤمن بوجوب الصلاة، أو بحرمة الخمر ما ترك الصلاة أو ما عاقر الخمر، لهذا خوطب خطاب المنكر خروجًا بالكلام عن مقتضى ظاهر حاله, ومنه قول الشاعر:
جاء شقيق عارضًا رمحه ... أن بنى عمك1 فيهم رماح
فشقيق هذا لا ينكر أن في بني عمه رماحًا، بل إنه ليعلم ذلك بحكم الجوار أو بحكم الخصومة القائمة بين الفريقين, لكن مجيؤه على هذه الصورة واضعًا رمحه عرضًا، من غير تهيؤ واستعداد، شأن المدل بنفسه، المعجب بقوته جعله في منزلة المنكر أن في بني عمه سلاحًا يذودون به بغي المعتدين، إذ لو كان معترفًا بذلك لجاء على هيئة المستعد للقائهم.
__________
1 إنما سماهم بني عمك باعتبار أنهم جميعًا من فضيلة العرب, وإن تعددت قبائلهم ولا يبعد أن يكون بين القبيلتين وشائج قربى.
(2/15)

المتهيئ لقتالهم"1.
فعدم الإنكار فيما مثلنا ظاهر حال المخاطب، وهو يقتضي أن يلقى إليه الكلام خاليًا من التأكيد، بل يقتضي ألا يلقى إليه الخبر أصلًا لعلمه بالحكم الذي تضمنه لكن قطع النظر عن هذا الظاهر، وفرض في المخاطب أمر آخر هو الإنكار، لما بدأ عليه من أمارته، وخوطب خطاب المنكر حقيقة، على غير ما يقتضيه ظاهر حاله، كما تراه في البيت، وفي المثال قبله، وهذا خروج بالكلام علن مقتضى الظاهر.
4- تنزيل المنكر منزلة غير المنكر إذا كان الدليل على غير ما يعتقد واضحًا، بحيث لو استطاع التأمل فيه لارتدع عن إنكاره، وحينئذ لا يؤكد له الخبر كما لو لم يكن منكرًا كقولك لمنكر حقيقة الإسلام: "الإسلام حق" فهذا القول خبر، وقد ألقي للمنكر خلوا من المؤكد تنزيلًا له منزلة غير المنكر، لأن الدليل على حقية الإسلام قائم بين يديه، لو نظر فيه نظرة صادقة لأذعن، وأقلع عن جحوده.
فالإنكار ظاهر حال المخاطب حال وهو يقتضي أن يلقى إليه الخبر مؤكدًا، لكن قطع النظر عن هذا الظاهر، وفرض فيه أمر آخر هو "عدم الإنكار" لوضوح الدليل القائم بين يديه، بحيث يعتبر الإنكار معه كلا إنكار، وخوطب خطاب غير المنكر, إلى غير ذلك من المواضع التي ينزل فيها الشيء منزلة غيره "كما رأيت".
تنبيه:
يعلم مما تقدم أن الحال وظاهر الحال -مع اتفاقهما في أن كلا منهما: أمر يدعو المتكلم إلى اعتبار خصوصية في الكلام- يفترقان من حيث أن ظاهر الحال أخص من الحال، لأن ظاهر الحال هو الوصف الثابت للمخاطب في الواقع كخلو الذهن أو التردد أو الإنكار، بخلاف الحال، هو أعم من أن يكون وصفًا ثابتًا في الواقع، أو كان أمرًا مفروضًا فيه فرضًا, فظاهر الحال في نحو قولك لمنكر حقيقة الإسلام: "أن الإسلام لحق", هو الإنكار إذ هو الأمر الثابت له في الواقع, وهو حال له أيضًا، لأنه أمر دعا المتكلم إلى أن يعتبر الكلام خصوصية هي "التأكيد"، فقد اتحد الحال وظاهر الحال في مثل هذا المثال, أما في نحو قولك للمسلم التارك للزكاة: "إن الزكاة لواجبة" فإن الإنكار هنا يعتبر حالًا، لأنه أمر دعا المتكلم لأن يعتبر التأكيد في خطابه، وليس ظاهر حال للمخاطب إذ ليس وصفًا ثابتًا له في الواقع، وإنما الثابت له عدم الإنكار, غير أن المتكلم لم يعتبر هذا الوصف، وفرض فيه حالًا ليست صفة له هي "الإنكار" وخاطبه على هذا الغرض, فظهر أن ظاهر الحال أخص مطلقًا من الحال". ا. هـ.
__________
1 وفي البيت معنى التهكم والسخرية بشقيق، وأنه من الضعف والجبن بحيث لو علم أن في بني عمه رماحًا ما اتجه إليهم، بل ما قويت يده على حمل السلاح.
(2/16)

تمرين:
1- عين فيما يأتي من الجمل نوع الخبر، وبين ما جرى منها على مقتضى ظاهر الحال، وما خرج منها عن مقتضاه.
لكم في زكاة أموالكم ثراء. إني مقيم على ودك. دعني وشأن هذا الأثيم لقد حولت قلبي عنه وصرمت حبال وده، إن الأمير سيعودك اليوم "لمتردد". على رسلك يا أحمد "واقصد في القول أن في الحاضرين لخطباء مصاقع". محمد رسول الله "لمنكر الرسالة". إن الميسر لرجس "والخطاب لمسلم".
(2/17)

تمرين يطلب جوابه:
1- عين فيما يأتي نوع الخبر، وبين ما جرى منها على مقتضى الظاهر وما خرج عن مقتضاه.
الكذب في بعض الأمور فضيلة. إن الله لسريع العقاب. لا تساوم في شرفك. أن مثلوم العرض مخذول. لم تتق الله في أمرك. إن الله يعلم ما تصنعون. القرآن شفاء القلوب "لمنكر ذلك". {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} "والخطاب لمسلم ظالم". إن خصيمك يطلب زيارتك.
2- ايت من إنشائك بمثالين في أحدهما تنزيل المنكر منزلة غير المنكر، وفي ثانيهما بالعكس، ثم بين في كل منهما الحال ومقتضاه.
(2/18)

أحوال المسند إليه
ذكر المسند إليه
...
أحوال المسند إليه:
المسند إليه هو المحكوم عليه, فاعلًا كان، أو نائب فاعل، أو مبتدأ أصلًا أو حالًا, وأحواله هي ما يعرض له من ذكر، وحذف، وتعريف، وتنكير، وتقديم، وتأخير، وغير ذلك.
ذكر المسند إليه:
اعلم أن المسند إليه واجب الذكر إذا لم يقم عليه قرينة، ولا بحث لنا فيه، فإذا دلت عليه قرينة جاز ذكره وحذفه، وهذا ما نحن بصدد البحث فيه, ذلك: أن البحث إنما هو في مرجحات الذكر على الحذف، أو العكس، وذلك إنما يكون حيث يجوز ذكره وحذفه لقيام قرينة عليه, ومرجحات الذكر كثيرة، نذكر منها ما يلي.
1- كون ذكر المسند إليه هو الأصل، أي الكثير، وليس هناك ما يقتضي حذفه في قصد المتكلم1 أي محل كون الأصالة علة تقتضي الذكر إذا لم تعارضها علة أخرى تقتضي الحذف، قصد إليها المتكلم، بحيث إذا وجدت علة الحذف وقصد إليها روعيت وأهملت علة الأصالة لضعفها كما تقول: "محمد قائم" فنذكر المسند إليه، لأن الأصل فيه أن يذكر إذ هو المحكوم عليه بالقيام فهو أعظم ركني الإسناد.
__________
1 إنما شرطنا قصد المتكلم، لأن المقتضي للحذف موجود كالاحتراز دائمًا عن العبث في ذكره مثلًا.
(2/18)

2- قلة الثقة بالقرينة لضعفها. مثال ذلك أن تقول: "أبو الطيب نعم الشاعر" فتذكر المسند إليه إذا سبق لك ذكر أبي الطيب، وطال عهد السامع به، أو ذكر معه كلام في شأن غيره.
3- التعريض بغباوة السامع، وأنه لا يفهم إلا بالتصريح لقصد إهانته وتحقيره كما تقول لسامع القرآن: "القرآن كلام الله" فتذكر المسند إليه تعريضًا بغباوة السامع، وأنه لا يفهم إلا بالقول الصريح لغرض امتهانه، والازدراء به.
4- زيادة إيضاح المسند إليه: وتقريره في نفس السامع كما تقول: "هؤلاء كتبوا، وهؤلاء أفادوا" فقد ذكر المسند إليه وهو "اسم الإشارة" الثاني، مع الاستغناء عنه "باسم الإشارة" الأول لقصد زيادة إيضاحه وتقريره، وأن هؤلاء الذين ثبتت لهم الكتابة هم أنفسهم الذين ثبتت لهم الإفادة, قيل ومنه قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فذكر المسند إليه الذي هو "اسم الإشارة" الثاني لزيادة الإيضاح والتقرير على ما بيننا1.
5- إظهار تعظيمه أو تحقيره إذا كان اللفظ مما يفيد معنى التعظيم أو الحقارة، كأن يسألك شخص: هل رجع خالد؟ فتقول: رجع الشجاع المقدام، أو الجبان الرعديد، فتذكر المسند إليه في الأول تعظيمًا له، وتذكره في الثاني إهانة له وتحقيرًا.
6- التيمن والتبرك بذكره، لأنه مجمع اليمن والبركات كقولك "نبينا قال كذا وكذا" فتذكره تيمنًا وتبركًا به.
7- التلذذ بذكره: كقولك: "الله ربي" و"محمد نبيي", وكقولك: "الحبيب قادم" فتجري ذلك على لسانك لقصد التلذذ1 بسماع هذه الألفاظ.
8- بسط الكلام وإطالته, وذلك في مقام يكون إصغاء السامع فيه مطلوبًا للمتكلم لخطر مقامه، لقربه من قلب المتكلم، ولهذا يطال الحديث
__________
1 غير أن التمثيل بها نظرًا إذ ليست من قبيل ما نحن فيه، لأننا لو حذفنا اسم الإشارة الثاني لم يكن المسند إليه محذوفا؛ لأن "المفلحون" جملة مركبة من مسند ومسند إليه, وهي إما معطوفة على خبر اسم الإشارة الأول, أو معطوفة على جملة: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} , وعلى الاحتمالين لا حذف للمسند إليه.
(2/19)

مع الأحبة, مثاله قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} , وقال ذلك حين سأله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} ، وكان يكفيه في الجواب أن يقول: "عصا"؛ لأن "ما" للسؤال على الجنس، لكنه ذكر المسند إليه, وهو "الضمير" حبًّا في إطالة الكلام في حضرة الذات العلية، وأي مقام يسترعي بسط الكلام فيه كهذا المقام؟ ولهذا لم يكتف موسى بذكر المسند إليه، بل أعقب ذلك بذكر أوصاف لم يسأل عنها، فقال: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} ... إلى آخر الآية.
9- التهويل والإرهاب: كقولك: "وأمير البلاد يأمرك بكذا", فتذكر المسند إليه, وهو "أمير البلاد" تهويلًا للمخاطب، وإرهابًا له بذكر "الأمير" ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة والامتثال.
10- إظهار التعجب من المسند إليه إذا كان الحكم غريبًا، يندر وقوعه كقولك: "محمد يقاوم الأسود" أو "يحمل كذا طنا من حديد", فتذكر المسند إليه لقصد إظهار التعجب من شدة بأسه.
11- التسجيل على السامع بين يدي الحاكم حتى لا يكون له سبيل إلى الإنكار، والتنصل، كأن يقول الحاكم لشاهد واقعة: هل أقر هذا علي نفسه بكذا؟ مشيرًا إلى رجل معين، فيقول الشاهد: "نعم محمد هذا أقر على نفسه بكذا", فتذكر المسند إليه. لئلا يجد المشهود عليه سبيلًا إلى الإنكار فيما لو حذف اسمه.
إلى غير ذلك من علل الذكر إذ ليست سماعية، حتى يمكن استيعابها، بل والمدار في ذلك على الذوق السليم، فما عده الذوق داعيًا من دواعي الذكر، أو الحذف، أو غيرهما عمل به، وإن لم يذكره أهل الفن.
(2/20)

حذف المسند إليه:
يحذف المسند إليه لأغراض نذكر منها ما يلي:
1- الاحتراز عن العبث بذكره، "في ظاهر الأمر" لدلالة القرينة عليه، وينبغي أن يصان كلام البليغ عن العبث, مثال ذلك أن تقول: "حضر" تريد "الأمير" فتحذف المسند إليه، وهو "الأمير" قصدًا إلى التحرز عن العبث في ذكره لقيام القرينة الدالة, وإنما كان العبث ظاهريًا لأن الحقيقة أن لا عبث في ذكره، وإن قامت عليه قرائن، لأن المسند إليه -كما قلنا- أعظم ركني الإسناد إذ هو المحكوم عليه، فلا يكتفى فيه بالقرينة، بل ينبغي مع ذلك أن ينص عليه اهتمامًا بأمره.
2- ضيق المقام عن إطالة الكلام، بسبب سآمة، أو توجع، أو تحزن كقول الشاعر:
قال لي كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل
لم يقل: أنا عليل لضيق صدره عن الإطالة بسبب ما يعانيه من تباريح الهوى، ولواعج الشوق.
3- الحذر من فوات الفرصة: كأن يقول رجل لصائد: "غزال" يريد: هذا غزال، فيحذف المسند إليه, وهو "هذا" مخافة أن تفوت الفرصة، فيفلت الصيد من يد الصائد.
4- اختبار تنبه السامع عند قيام القرينة على المسند إليه: هل يتنبه له بهذه القرينة الدالة، أو لا يتنبه إلا بالتصريح، مثال ذلك: أن يحضر إليك رجلان تربطك بأحدهما صداقة، فتقول لآخر يعلم بهذه الصلة: "غادر" تريد أن تقول: الصديق غادر، فتحذف المسند إليه، وهو "الصديق" اختبارًا لذكاء السامع: هل يتنبه إلى المسند إليه المحذوف وهو "الصديق" بقرينة ذكر الغدر" إذ لا يتناسب إلا الصديق، أو لا ينتبه.
5- اختبار مقدار تنبه السامع عند قيام قرينة خفية على المسند إليه، هل يتنبه بالقرائن الخفية أم لا؟ مثال ذلك أن يحضرك شخصان تجمعك بهما صداقة, غير أن أحدهما أقدم من الآخر فيها، فتقول لآخر يعلم هذه الصداقة: "جدير بالاحترام" تريد: أقدمهما صحبة، وهو "محمد" مثلًا، فتحذفه اختبارًا لمبلغ ذكاء السامع هل يتنبه لهذا المحذوف بهذه القرينة الخفية، وهي أن الجدير بالاحترام ذو الصداقة القديمة، دون حادثها، أم لا ينتبه.
6- إيهام1 صون المسند إليه عن لسانك من أن يتلوث بنجاسة بمروره عليه لكونه عظيمًا خطيرًا, أو إيهام صون لسانك عنه لحقارته وامتهانه, فالأول نحو قولك: "رافع راية التوحيد، هادم دعائم الشرك" تريد النبي صلى الله عليه وسلم، فتحذفه مخافة أن يتلوث من لسانك, والثاني نحو قولك: "مخذول مطرود" تريد إبليس اللعين فتحذفه لئلا يتلوث اللسان بذكره.
__________
1 إنما عبر بالإيهام، لأن التلوث المراد صون الذكر أو اللسان عنه أمر اعتباري محض.
(2/21)

7- تأتي الأذكار عند الحاجة إليه: كأن يحضر إليه جماعة من بينهم خصم لك، فتقول لآخر: "لئيم فاجر" تريد هذا الخصم، فتترك ذكر اسمه ليتأتى لك الإنكار عند لومه لك على سبه، فتقول له: ما عنيتك، وإنما، أردت غيرك.
8- تعيين المسند إليه؛ إما لأن المسند لا يصلح إلا له لأن المسند كامل فيه, وإما لأنه معهود بين المتكلم والمخاطب, فمثال الأول قولك: "عالم الغيب والشهادة" تريد: الله "سبحانه" فتحذفه لتعينه، إذ إن علم الغيب والشهادة وصف خاص به تعالى, ومثال الثاني قولك: "عادل في حكومته" تريد عمر الفاروق، فتحذفه لتعينه, لأن صفة العدالة بلغت فيه الكمال، ومثال الثالث قولك: "حضر" تريد: إنسانًا معهودًا بينك وبين مخاطبك.
9- ادعاء تعينه كقولك: "وهاب الألوف" تريد: "الأمير" فتحذفه لتعينه ادعاء، وأنه لا يتصف بذلك أحد غيره من رعاياه.
10- المحافظة على وزن، أو سجع، أو قافية, مثال الأول قول الشاعر:
على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علي ولا ليا
أي لا علي شيء، ولا لي شيء, حذف المسند إليه فيهما وهو لفظ "شيء" لأن في ذكره إفسادًا لوزن البيت. ومثال الثاني قولهم: "من كرم أصله وصل حبله" أي وصل الناس حبله، فحذف المسند إليه1, وهو "الناس" محافظة على السجع المستلزم رفع الفاصلة2 من الفقرة الثانية، وهي قوله: "حبله" ومثال الثالث قول الشاعر:
وما المرء والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يومًا أن ترد الودائع
أي أن يرد الناس الودائع، فحذف المسند إليه, وهو "الناس" للمحافظة على القافية، ولولا ذلك لاختلفت لصيرورتها مرفوعة "في الشطر الأول" منصوبة "في الشطر الثاني".
11- اتباع الاستعمال الوارد على ترك المسند إليه كقولهم في المثل
__________
1 المراد: المسند إليه الأصلي الذي هو الفاعل, وهذا لا ينافي أن نائب الفاعل مسندًا إليه أيضًا.
2 هي الكلمة الأخيرة من جملة مقارنة لأخرى.
(2/22)

رمية من غير رام1 أي هي رمية موفقة ممن لا يحسن الرمي المسند إليه وهو "الضمير" اتباعًا لما ورد في استعمالاتهم.
ومنه قولهم في النعت المقطوع إلى الرفع، لقصد إنشاء المدح أو الذم أو الترحم. "الحمد لله أهل الحمد", "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم", "اللهم ارحم عبدك المسكين", على تقدير: هو أهل الحمد، وهو الرجيم, وهو المسكين. ومن هذا القبيل قول ابن عنقاء، يمدح عميلة، وقد شاطره ماله لفقره2:
رآني عي ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر
دعاني فآساني ولو ضن لم ألم ... علي حين لا بدو يرجى ولا حضر
غلام رماه الله بالخير يافعًا ... له سيمياء لا تشق على البصر2
أي هو غلام, ومثله قول الشاعر4:
__________
1 مثل يضرب لمن صدر منه فعل ليس هو أهلًا لأن يصدر عنه، قاله الحكم بن يغوث حين نذر أن يذبح مهاة على "الغبغب", وهو جبل يمنى وكان من أرمى الناس فصار كلما رمى مهاة لا يصيبها, مكث على ذلك أيامًا حتى كاد يقتل نفسه, فخرج معه ابنه "مطعم" إلى الصيد فرمى الحكم مهاتين فأخطأهما, فلما عرضت الثالثة رماها "مطعم" فأصابها وكان لا يحسن الرمي فقال الحكم عندئذ: "رمية من غير رام" فصار مثلًا.
2 قال التبريزي في خبر هذه الأبيات: إن قومًا من العرب أغاروا على نعم له فاستاقوها حتى لم يبق له منها شيء، فأتى ابن أخيه عميلة وقال له: يابن أخي نزل بي ما ترى فهل من حلوبة؟ قال: نعم يا عم حين إذ يراح المال فأبلغ مرادك منه، فلما راح المال قاسمه إياه وأعطاه شطره, فقال ابن عنقاء هذه الأبيات.
3 اشتكى حاله إلى ماله, كناية عن أنه رق له وعطف, وهو من أروع الكنايات وألطفها، وقوله: أسر كما جهر يريد: أن باطنه كظاهره فلم يعطه رياء بل كان عطفه عليه وليد رغبة صادقة فيه، ويافعًا من أيفع الغلام إذا ناهز العشرين والسيمياء العلامة يريد، أن سيمياء في وجهه وأن ما ينطوي عليه من خير يدرك بمجرد النظر إليه.
4 هو عمرو بن كميل نظر إليه عمرو بن ذكوان وعليه جبة بلا قميص فجعل يسعى له ويتشفع حتى ولي البصرة, فقال هذه الأبيات, وقيل: إن قائل هذه الأبيات أبو الأسود يمدح بها عمرو بن سعيد العاصي.
(2/23)

سأشكر عمرًا ما تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت1
أي هو فتى, وهكذا يذكرون الممدوح، ثم يعقبون بعد ذلك بقولهم غلام من شأنه كذا وكذا أو فتى من صفاته كيت وكيت، ولا تكاد تجد المسند إليه يذكر في مثل هذه المواضع لهذا ترك ذكره فيها، وفي نظائرها اتباعًا لاستعمالاتهم الواردة.
إلى غير ذلك من دواعي الحذف كإخفاء المسند إليه عن غير المخاطب لسبب ما كالخوف منه، أو عليه، أو نحو ذلك.
__________
1 ما تراخت منيتي: أي ما امتد بي الأجل, أي ما حييت، والأيادي جمع اليد بمعنى العطية, ولم تمنن: أي متصلة لم تنقطع، وقوله: غير محجوب الغنى عن صديقه، يريد أن أمواله في متناول أيدي قاصديه، وقوله: ولا مظهر الشكوى ... إلخ: يريد أنه لجد صبور على قضاء الله لا يجزع لمكروه.
(2/24)

تمرين:
بين أسباب ذكر وحذف المسند إليه في العبارات الآتية:
هؤلاء جدوا وهؤلاء بلغوا الذروة. {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} . {قَدَّرَ فَهَدَى} . الفاروق يدعوك. قضية ولا أبا حسن لها. على أن يناطح الصخر ويلين الحديد. من ساء طبعه هجر ربعه. وقيل لمريض: كيف حالك؟ قال: لا تسر. قيل لرجل: ماذا بيدك؟ قال: هذا كتابي, رفيقه في غربتي، وسميري في وحدتي. فاجر لا يتقي الله، قادم "تريد رجلًا بعينه". ارفق بالسائل المحرومُ "برفع المحروم". مزلزل إيوان كسرى. قطار "لواقف في طريقه". إبراهيم هذا سلب عمرًا متاعه. محتال مراوغ. هازم الجيوش, خازم أنوف الأعداء.
نجوم سماء كلما غار كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكب
فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور
(2/24)

تمرين يطلب جوابه:
{وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} , {خَلَقَ فَسَوَّى} ، "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب"، لا تخاطب السفيه اللئيم، وأحسن إلى الفقير المسكين "بضم النعت فيهما", {يُحْيِي وَيُمِيتُ} ، وجيء بالكتاب، خلق الإنسان ضعيفًا، أقبل أمير المؤمنين "جوابًا لمن سأل: هل أقبل عمر؟ ", حاتم يقري الضعيف، وحاتم يفك الحاني1. شنشنة أعرفها من أخزم2 خامل الذكر "بعد ذكر شخص معين" يريد مقابلتك الليلة، خالد هذا اغتصب مال بكر. غارة. خازم الأعداء، محمد يصيد السباع في مرابضها، من طابت سريته حمدت سيرته، سئل رجل: ما خطبك؟ فقال: هم دائم.
قوم إذا أكلوا خفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج3 الباب والدار
خليلي إما أن تعينا وتسعدا ... وإما كفافًا4 لا علي ولا ليا
__________
1 هو الأسير.
2 هذا المثل عجز بيت قاله أبو أخزم الطائي, كان ابنه أخزم يؤذيه كثيرًا ثم مات في حياة أبيه، وترك أولادًا له، فوثبوا على جدهم يومًا وأوسعوه ضربًا حتى أدموه فأنشد:
إن بني ضرجوني بالدم ... من يلق أساد الرجال يكلم
ومن يكن ردا له يقدم ... شنشنة أعرفها من أخزم
يقول: إن ضربهم إياه خصلة يعرفها من أبيهم أخزم فذهب الشطر الأخير مثلًا.
2 الرتاج ككتاب: الباب المغلق.
4 الكفاف كسحاب: هو من الرزق ما كف عن الناس وأغنى.
(2/26)

تعريف المسند إليه:
اعلم أن المسند إليه ينبغي أن يكون معرفة، لأنه المحكوم عليه فلا بد أن يكون معلومًا ليكون الحكم عليه معتدًا به, ونكتة الإتيان به معرفة قصد إفاده المخاطب أتم فائدة.
ثم إن تعريفه على وجوه مختلفة يكون بالإضمار، وبالعلمية، وبالموصولية، وبالإشارة، وبأل، وبالإضافة, ولا يخلو وجه من هذه الوجوه من أن يتعلق به غرض للبليغ إليك بيانها على هذا الترتيب:
تعريفه بالإضمار:
يؤتى بالمسند إليه ضميرًا إذا كان الحديث في أحد المقامات الثلاثة الآتية مع الاختصار1.
1- مقام التكلم: كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" , وقول بشار بن برد أحد شعراء الدولة العباسية:
أنا المرعث لا أخفى على أحد ... ذرت بي الشمس للقاصي وللداني2
يصف نفسه بأنه ذائع الصيت، واضح الأمر، يعرفه كل من يراه.
2- مقام الخطاب: كقول الحماسي:
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
3- مقام الغيبة: ولا بد في هذا المقام من أن يتقدم مرجع الضمير لفظًا تحقيقًا أو تقديرًا، أو أن يتقدم معنى، أو تدل عليه قرينة حال, فمثال المتقدم لفظًا تحقيقًا قوله تعالى: {وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} , ومثال المتقدم لفظًا تقديرًا قولهم: "نعم فارسًا علي" عند من يجعل المخصوص بالمدح مبتدأ مؤخرًا، والجملة قبله خبرًا عنه مقدمًا، فمرجع الضمير في "نعم" حينئذ هو المخصوص وهو, وإن تأخر عنه في اللفظ, متقدم عليه في التقدير، لأنه مبتدأ، والمبتدأ مرتبته التقديم, ومثال المتقدم قوله تعالى: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} فضمير الغائب وهو لفظ "هو" عائد على معنى "الرجوع" المفهوم من قوله "فارجعوا", ومثال ما دلت عليه قرينة حال قوله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ} فمرجع الضمير في ترك هو "الميت" وهو لم يتقدم لفظًا، ولا تقديرًا، ولا معنى، وإنما أرشدت إليه قرينة حال، هي أن الكلام مسوق لبيان الإرث.
تنبيه:
الأصل في الخطاب: أن يوجه إلى مشاهد معين، لأن معنى الخطاب:
__________
1 احترز به عن قول أحد الأمراء: أمير البلاد يأمرك بكذا، فإن الحديث هنا في مقام التكلم ولكن لا اختصار فيه.
2 الرعثة بضم الراء القرط يعلق بشحمة الأذن، ولقب بشار بالمرعث لرعثة كانت له في صغره، وذرت به الشمس طلعت.
(2/27)

توجيه الكلام إلى حاضر، وهو لا يكون إلا مشاهدًا معينًا كقولك تخاطب شخصًا أمامك: "أنت أسرتني بمعروفك", وقد يخرج الخطاب عن أصله فيخاطب:
1- غير المشاهد إذا كان مستحضرًا في القلب، كأنه نصب العين كما في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، ونحو: "لا إله إلا أنت" وما أشبه ذلك.
2- غير المعين إذا قصد تعميم الخطاب، أي توجيهه إلى كل من يتأتى خطابه، كما نقول: "فلان لئيم، إن أحسنت إليه أساء إليك", فليس بالضمير في قولك: "إن أحسنت" مخاطبًا معينًا كما هو الأصل في الخطاب، وإنما أريد مطلق مخاطب, إشارة إلى أن سوء معاملة اللئيم، لا يختص به واحد دون آخر، ومنه قول المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} . فالمراد بقوله: "ولو ترى": مطلق مخاطب "إشارة" إلى أن حالة المجرمين في ذلك الوقت من تنكيس الرءوس خوفًا وخجلًا، ومن رثاثة الهيئة، واسوداد الوجه وغير ذلك من سمات الخزي والخذلان, قد تناهت في الظهور والافتضاح لأهل المحشر إلى حد، يمتنع عنده خفاؤها، فلا يختص بها راء دون راء، وإذا فلا يختص بهذا الخطاب مخاطب دون مخاطب, بل كل من تتأتى منه الرؤية فله نصيب من هذا الخطاب. ا. هـ.
تعريفه بالعلمية:
يؤتى بالمسند إليه علمًا لأسباب كثيرة منها:
1- إحضار معناه في ذهن السامع باسمه الخاص به ليتميز عمن عداه كقوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} . {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُول} جيء في المثالين بالمسند إليه علمًا لإحضاره مسماه في ذهن السامع باسمه الخاص تمييزًا له عمن سواه, وإنما قلنا: "باسمه الخاص" للاحتراز به عن إحضار المسمى بالضمير مثلًا نحو: "أنا كتبت" فإنه وأن أحضر به معنى المسند إليه في ذهن السامع, ليس اسمًا خاصًّا به، لأن لفظ "أنا" موضوع وضعًا عامًّا لكل متكلم, وهكذا يقال في سائر المعارف كاسم الإشارة, والموصول، وغيرهما.
2- تعظيم المسند إليه: أو إهانته، كما في الألقاب، والكنى
(2/28)

الصالحة لذلك كقولك: "قدم حسام الدين" و"أقبل أبو الفضل", وكقولك: "ذهب أنف الناقة"، و"رحل أبو الجهل" جيء بالمسند إليه علمًا في هذه المثل لقصد تعظيمه في الأولين، وتحقيره في الآخرين, وقد يكون ذلك لتعظيم غير المسند إليه، أو إهانته كما في قولك: "أبو الخير صديقي", و"أبو لهب رفيقك" فالغرض من هذا تعظيم المتكلم في الأول وإهانة المخاطب في الثاني، وكلاهما المسند إليه.
3- التفاؤل به: أو التطير منه نحو: "أقبل سرور، وذهب حرب", فالغرض من الإتيان بالمسند إليه علمًا التفاؤل في الأول والتشاؤم في الثاني.
4- التبرك به أو التلذذ فالأول نحو "الله حسبي" و"محمد شفيعي" إذا تقدم لهما ذكر في الكلام، فيعاد ذكرهما تيمنًا به, والثاني كما في ذكر أسماء الأحبة كقول مجنون ليلى:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر
والشاهد في قوله "أم ليلى", فإن مقتضى سياق الحديث أن يقول: "أم هي" إذ المقام للضمير لتقدم المرجع، لكنه أورده علمًا لقصد التلذذ بذكر اسم محبوبته.
5- الكناية عن معنى يصلح المعلوم، بحسب معناه الأصلي، قبل أن يكون علمًا كما تقول: "أبو لهب فعل كذا".
وتوجيه الكناية فيه: أن "أبو لهب" قبل أن يكون علمًا على الذات فهو مركب إضافي معناه، أبو النار، وأن النار متولدة منه كما تتولد من الخشب، ويلزم من كون الإنسان أبا للنار، بمعنى أنه وقودها، أن يكون جهنميًّا، أي من أهل جهنم إذ إن اللهب الحقيقي هو لهب جهنم، قال تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} ، وحينئذ فلفظ "أبو لهب" -بهذا المعنى المذكور- ملزوم، وقد أطلق لينتقل منه إلى لازمه، وهو كونه جهنميًّا، والانتقال من الملزوم إلى اللازم هو معنى الكناية كما عرفته في محله, فإذا قلت في شأن كافر مسمى "بأبي لهب": أبو لهب فعل كذا فالنكتة في إيراد المسند إليه علمًا: هي أنه كناية عن كونه جهنميا باعتبار المعنى الأصلي الإضافي: من إطلاق الملزوم وهو كونه أبا للنار، وإرادة اللازم، وهو "كونه جهنميًّا" أي من أهل جهنم خالدًا فيها، إلى غير ذلك من دواعي إيراد المسند إليه علمًا.
(2/29)

تعريفه بالإشارة:
يؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لدواع، يلاحظها البلغاء منها:
1- تمييز المسند إليه أكمل تمييز لاقتضاء الحال ذلك، كأن يكون المقام مقام مدح، أو أن يكون المسند إليه مختصًّا بحكم بديع، فمثال الأول قول ابن الرومي الشاعر العباسي:
هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم1
يمدح الشاعر هذا الرجل بأنه فذ في خَلقه وخُلقه، لا يدانيه فيهما أحد، وأنه سليل قوم ذوي شمم وإباء، لأنهم يسكنون البوادي، وهي لا تخضع لسطان حاكم، ولا تدين لسلطة قانون والشاهد قوله: هذا أبو الصقر، حيث عبر عن المسند إليه "باسم إشارة" لمقصد تمييزه تمييزًا كاملًا، اقتضاء مقام المدح. ومثال الثاني قول الراوندي:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقًا
يقول: كثير من ذوي الرأي والعقل، ضاقت بهم سبل العيش الرغيد، وسدت في وجوههم مسالك الحياة الهنيئة، بينما نرى كثيرا من ذوي الجهل في رغد من العيش، وسعة الرزق، وهذا الأمر لبعده في بادئ الرأي عن مظان الحكمة والصواب، وخروجه عن المعتاد المألوف، جدير أن يترك العقول حائرة، ويجعل العالم الراسخ في العلم زائغ العقيدة، مسلوب الرشاد، والشاهد قوله: "هذا الذي" حيث أتى بالمسند إليه "اسم إشارة"2 لقصد تمييزه تمييزا كاملا لما اختص به من هذا الحكم البديع، وهو ترك العقول حائرة، والعالم النحرير زنديقا.
2- التعريض بغباوة السامع، وأن الأشياء لا تتميز عنده إلا بالإشارة الحسية، كقول الفرزدق يهجو جريرًا، ويفتخر عليه:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
__________
1 شيبان اسم قبيلة، والضال جمع ضالة وهي شجرة النبق والسلم بفتح اللام جمع سلمة بالتحريك وهي شجرة ذات شوك.
2 المشار إليه هو ما فهم من البيت الأول "من إعطاء الجاهل وحرمان العاقل" ولغرابة مدلوله وخروجه عن المألوف اختص بهذا الحكم البديع الذي هو "ترك الأوهام حائرة ... إلخ".
(2/30)

يريد: أن جريرًا لا يستطيع أن يأتي بمثلهم آباء ذوي مجد وحسب إذا جمعتهما مجامع الفخر والمساجلة، والشاهد قوله: "أولئك آبائي" حيث أورد المسند إليه "اسم إشارة" قصدًا إلى أن يصم جريرًا يوصمه الغباوة، وأنه لا يدرك إلا المحس بحاسة البصر، ولو أنه عدد آباءه بأسمائهم، فقال: فلان وفلان آبائي لم يكن فيه ما أراد الشاعر: من التعريض عند من له ذوق سليم.
3- بيان حال المسند إليه: من القرب، أو البعد، أو التوسط، فيقال: "هذا محمد" إذا أريد بيان أنه قريب ويقال: "ذلك محمد" إذا أريد بيان أنه بعيد، ويقال: "ذاك محمد" إذا أريد بيان أنه في مكان لا هو بالقريب، ولا بالبعيد.
غير أنه قيل: إن كون "هذا" للقريب و"ذلك" للبعيد، و"ذاك" للمتوسط، بحث خاص بعلماء اللغة، لأنهم إنما يبحثون في المعاني الوضعية، أي من حيث أن "هذا" موضوع للقريب، و"ذلك" موضوع للبعيد، و"ذاك" موضوع للمتوسط، وعلم المعاني يبحث فيها من جهة أنه يؤتى "بهذا" إذ قصد بيان قرب المشار إليه، بأن كان المقام يقتضي ذلك، ويؤتى "بذلك" إذا أريد بيان بعد المشار إليه متى اقتضته الحال, وهكذا فالبحث فيها عند علماء اللغة من حيث الوضع، وعند علماء المعاني من حيث اقتضاء الحال لها فوضح الفرق.
4- تعظيم المسند إليه بالقرب: كما في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} , فينزل قربه من النفس، وحضوره في الذهن منزلة قرب المسافة، ويعبر عنه "باسم الإشارة" الموضوع للقريب لقصد تعظيمه1.
5- تعظيم المسند إليه بالبعد: كأن تقول لحاضر في المجلس: "ذلك الرجل ملجأ البائسين، ومنار المدلجين" فينزل بعد درجته وعلو مرتبته منزلة المسافة، ويعبر عنه "باسم الإشارة" الموضوع للبعيد لقصد تعظيمه2.
__________
1 وجه دلالته على التعظيم هو أنه الشيء المحبوب يكون عادة مخالطًا للنفس حاضرًا في الذهن، فتعظيمه حينئذ يناسبه القرب المكاني.
2 وجه دلالته على التعظيم هو أن العظيم يتأبى على الناس عادة ويبعد عنهم لعزته ورفعة شأنه، فتعظيمه حينئذ يناسبه البعد المكاني على هذا الاعتبار.
(2/31)

6- تحقير المسند إليه بالقرب: كما في قوله تعالى: {هَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُم} , قاله أبو جهل "قبحه الله" مشيرًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد نزل دنو درجته وانحطاط مرتبته منزلة قرب المسافة، وعبر عنه "باسم الإشارة" الموضوع للقريب لقصد إهانته في "زعمه" لعنة الله عليه1.
7- تحقير المسند إليه بالبعد: كقولك لحاضر مجلسك، ذلك اللئيم وشى بي عند الأمير، فينزل بعده عن ساحة الحضور والخطاب منزلة بعد المسافة، ويعبر عنه "باسم الإشارة" الموضوع للبعيد لقصد تحقيره وامتهانه2.
8- التنبيه على أن المشار إليه المعقب بأوصاف، جدير من أجل تلك الأوصاف بما يذكر بعد "اسم الإشارة" كما في قوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} , فالمشار إليه في الآية بأولئك هم "المتقون" وقد عقبه بأوصاف: هي "الإيمان بما أنزل"، و"الإيقان بالآخرة"، ثم أتى بالمسند إليه "اسم الإشارة" تنبيهًا على أن المشار إليهم أحقاء -من أجل تلك الأوصاف المذكورة- بأن يفوزوا بالهداية عاجلًا، وبالفلاح آجلًا.
ملاحظة:
كثيرًا ما يشار إلى القريب غير المشاهد بإشارة البعيد تنزيلًا للبعيد عن العيان منزلة البعد المكاني، كقوله تعالى حكاية عن سيدنا الخضر مخاطبًا موسى عليه السلام: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} يشير بذلك إلى السبب الذي حمله على ما فعل، من "قتل الغلام، وخرق السفينة، وإقامة الجدار".
__________
1 وجه دلالته على التحقير هو أن الحقير عادة لا يمتنع على الناس بل يكون قريب الموصول إليه مبتذلًا واقعًا بين أيديهم وأرجلهم، فتحقيره حينئذ يناسبه القرب المكاني على هذا التقدير.
2 وجه دلالته على التحقير هو أن الحقير عادة من شأنه ألا يلتفت إليه، ولا يعرض للخاطر لنفرة النفس منه، فتحقيره يناسبه البعد المكاني على هذا الاعتبار.
(2/32)

تعريفه بالموصولية:
يؤتى بالمسند إليه اسم موصول لدواع كثيرة، نذكر منها ما يلي:
1- ألا يعلم المتكلم أو المخاطب أو كلاهما شيئًا مما يتعلق بالمسند إليه سوى الصلة، كأن ترى عند أحد أصدقائك رجلًا يرجوه في أمر، ولا عهد لكما أو لأحدكما به، فتقول له من الغد "جاءك الذي كان عندك أمس يتوسل إليك" فتأتي بالمسند إليه "اسم موصول" لعدم العلم بشيء يتعلق به سوى هذه الصلة، لأنها هي المعلومة لكما.
2- استهجان التصريح بذكر المسند إليه، بأن كان مشعرًا بمعنى تقع النفرة منه عرفًا كما في قولك: "الذي يخرج من السبيلين ناقض للوضوء". وكقولك: "الذي رباني أبي" إذا كان اسمه مما لا يستحسن ذكره كلفظة جحش، أو برغوث، أو بطة، أو نحو ذلك.
3- التفخيم والتهويل كقوله تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} عبر عن المسند إليه "بما" الموصولية قصدا إلى التفخيم والتهويل، إذ إن في الموصول إشارة إلى أن تفصيل المسند إليه وبيانه، مما لا تفي به عبارة ولا يحيط به علم, ومنه قول الشاعر يصف الخمر:
مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باق يطلب الباقي
أي مضي بها قدر عظيم من العقل، لا يدرك كنهه.
4- تشويق المخاطب إلى الخبر ليتمكن في ذهنه، وذلك حيث يكون مضمون الصلة حكمًا غريبًا كقول المعري:
والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد
يقول: إن الذي تحيرت الخلائق في خلقه العجيب واختلف الناس في أمر بعثه، وهل يعاد ثانيًا بعد موته أو لا يعاد؟ هو ذلك الحيوان الآدمي المتولد من النطفة، أو من طينة آدم على الخلاف في المراد بالجماد, والشاهد قوله: "والذي حارت البرية فيه" حيث عبر عن المسند إليه "باسم الموصول" لتضمن الصلة أمرًا غريبًا، هو إيقاع البرية في حيرة وارتباك، ومثل هذا الأمر الغريب يشوق النفس إلى أن تعرف ذلك الذي أوقع البرية كلها في هذه الحيرة.
5- تقرير الغرض المسوق له الكلام: كقوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} فالغرض المسوق له الكلام "نزاهة يوسف وبعده عن مظان الريبة"، والتعبير باسم الموصول مع صلته أدل على هذا
(2/33)

الغرض مما لو قال: "وروادته امرأة العزيز أو زليخاء"؛ لأنه إذا كان في بيتها، وتمكن من نيل مراده منها، ومع ذلك عف وامتنع، كان ذلك غاية في النزاهة.
وقيل: إن المراد في الآية: تقرير المسند الذي هو "المراودة" بمعنى أنها وقعت منها "لا محالة" لأن وجوده في بيتها -مع ما لها من سعة السلطان، وقوة النفوذ، ومع فرط الاختلاط والألفة- أدل على وقوع المراودة، وصدور الاحتيال منها1.
6- التنبيه على خطأ وقع فيه المخاطب أو غيره؛ مثال الأول قول عبيدة بن الطيب من قصيدة يعظ بها بنيه:
إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا
يقول: إن الذين تظنونهم أحباءكم، وأنهم يتمنون الخير لكم, هم على غير ما تظنون؛ يودون السوء لكم، وإيقاع الشر بكم. والشاهد قوله: "إن الذين ترونهم إخوانكم" حيث أتى بالمسند إليه موصولا لقصد تنبيه المخاطبين على خطئهم في ظنهم أن أمثال هؤلاء أصدقاء لهم، إذا تحقق فيهم ما لا يتفق مع هذه الصداقة: من تربص الدوائر بهم, بخلاف ما لو صرح بأسمائهم، فليس في ذلك ما يدل على تنبيههم إلى ذلك الخطأ, ومثال ما فيه تنبيه على خطأ غير المخاطب قولك: "إن الذي يحسبه محمد صديقه الحميم يغتم لسروره ويبتهج لحزنه، ويود له ما لا يحب" ففيه من التنبيه على الخطأ في هذا الحسبان ما ليس في التصريح بالاسم, ومنه قول الشاعر2:
إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
__________
1 وقيل: المراد تقرير المسند إليه الذي هو امرأة العزيز أو زليخاء لإمكان وقوع الإبهام والاشتراك فيهما. بيان ذلك أنه لو قال: وراودته زليخاء لم يعلم يقينا أنها المرأة التي هو في بيتها لاحتمال أن يكون هناك امرأة أخرى مسماة بهذا الاسم غير التي هو في بيتها, ولو قيل: وراودته امرأة العزيز لوقع مثل هذا الاحتمال أيضًا وإن كان بعيدًا, بخلاف التعبير بالموصول فإنه لا احتمال فيه، لأنه معلوم من الخارج أن التي هو في بيتها إنما هي زليخاء امرأة العزيز لا غير.
2 هو ابن أذينة أحد بني ليث بن بكر, وهو شاعر غزل مقدم من شعراء المدينة معدود في الفقاء والمحدثين روى عنه مالك بن أنس.
(2/34)

ففي التعبير بالموصول تنبيه على خطأ هذا الزعم.
7- الإشارة إلى نوع الخبر المحكوم به على المسند إليه كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} أتى بالمسند إليه "اسم موصول"؛ لأن في مضمون صلته وهو الاستكبار عن العبادة تلميحًا وإشارة إلى أن الخبر المترتب عليه من جنس العقوبة والإذلال, وكقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} , فإن في مدلول الصلة -وهو الإيمان والعمل الصالح- ما يشير إلى أن الخبر المحكوم به من نوع الإثابة والإمتاع, ومن ذلك قولهم: "من ثابر وصبر جنى أطيب الثمر", وقولهم: "من زرع الإهمال حصد الوبال", ففي الأول إشارة إلى أن الخبر من نوع الفوز والفلاح، وفي الثاني إشارة إلى أن الخبر من جنس الإخفاق والحرمان, وهكذا.
تنبيه: قد يكون في الموصول إشارة إلى نوع الخبر على نحو ما تقدم ولكن لا يكون ذلك ملحظ المتكلم، ولا مقصوده من الكلام، وإنما يرمى إلى هدف آخر، هو "التعريض" بتعظيم الشيء أو تحقيره, أو أن يكون الهدف تحقيق ذلك الشيء وتقريره.
فمثال ما فيه تعريض بالتعظيم قول الفرزدق يفخر على جرير:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول
يقول: إن الذي رفع السماء "ذلك البناء العظيم" بنى لنا مجدًا وشرفًا لا يطاولهما شيء، وجعل فينا العزة والسيادة, أما أنت "يا جرير" بلا مجد لك ولا شرف, والشاهد فيه قوله: "إن الذي سمك السماء"، ففي الموصول إشارة إلى أن الخبر من جنس البناء والرفعة, لكن ليس هذا هو المقصود بالذات إنما الغرض الذي يرمي إليه الشاعر هو التعريض بتفخيم بيته وتعظيمه من حيث إن بانيه هو ذلك الذي رفع السماء, وأي بناء أرفع وأعظم من سماء هي من صنع يد ذلك المبدع القادر؟ ولو أنه عبر عن المسند إليه بغير الموصول, فقال مثلا: "إن الله بنى لنا بيتًا" لتعطل جيد العبارة من تلك الحلية البلاغية, ومثله قوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} ففي الموصول إشارة إلى أن الخبر من نوع الخيبة والخسران، لأن شعيبًا نبي، فتكذيبه يفضي إلى هذه الصفة الخاسرة، لكن المقصود من هذا إنما هو التعريض بتعظيم شأن شعيب عليه السلام، من حيث إن تكذيبه، أوجب هذا الخسران المبين.
ومثال ما فيه تعريض بالإهانة قولك: "إن الذي لا يحسن قرض الشعر أنشأ قصيدة" ففي الموصول إشارة إلى أن الخبر من نوع
(2/35)

التأليف والإنشاء لكن ليس هذا هو المقصود، إنما الغرض التعريض، بتحقير هذه القصيدة، وأنها من النوع المبتذل الساقط، لأنها من صنع من لا يجيد قول الشعر, ومثله قولهم: "إن الذي يتبع الشيطان مخذول خاسر" ففي الموصول إشارة إلى أن الخبر من نوع الخزي والخذلان، لأن الشيطان ضال مضل، فاتباعه ضرب من التخاذل, غير أن الغرض التعريض بتحقير الشيطان، من حيث إن اتباعه يفضي إلى ذلك المصير البغيض.
ومثال ما فيه تحقيق الشيء وتقريره قول الشاعر:
إن التي ضربت بيتًا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول1
يقول متوجعًا شاكيًا من جفاء حبيبه وهجره، أن التي نزعت إلى الكوفة واتخذت بها موطن إقامة دائمة تصرمت حبال ودها، وانحلت عرى العلاقة بيني وبينها, والشاهد في تعبيره بالموصول, إذ فيه إشارة إلى أن الخبر المترتب عليه من نوع زوال المحبة، وانقطاع المودة، لأن الإنسان لا يهجر وطنه إلى غيره "في العادة" إلا إذا كان كارهًا لأهله، راغبًا عنهم ولكن ليس هذا ملحظ الشاعر، إنما يريد أن يدل بهذه المهاجرة منها على تحقيق هذا الجفاء، وتقرير انصراف قلبها عنه, وإلا فكيف استساغت لنفسها هذا الفراق، واتخذت ذلك البلد النائي موطن إقامة؟ إلى أشباه ذلك من الدواعي كالترغيب في نحو قولك: "الذي حسنت خصاله، ونبلت فعاله محبوب" وكالتنفير نحو: "الذي شاه خلقه وساء خلقه ممقوت" وغير ذلك مما يكون الغرض فيه شيئًا آخر غير الإشارة إلى نوع الخبر.
تعريفه بأل:
يؤتى بالمسند إليه معرفًا "بأل" للأغراض الآتية بعد:
1- الإشارة بها إلى معهود خارجًا, وتسمى اللام حينئذ "لام العهد الخارخي" وهي التي كون مدخولها معينًا في الخارج.
وتنقسم باعتبار مدخولنا إلى ثلاثة أقسام: لام العهد الصريحي، ولام العهد الكنائي، ولام العهد العلمي.
__________
1 ضرب البيت بناؤه للإقامة فيه، وإضافة الكوفة للجند لأدنى ملابسة والغول كل ما يغتال.
(2/36)

فالأولى: ما يتقدم لمدخولها ذكر صريح كقولك: "صنعت في رجل جميلًا فلم يحفظ الرجل هذا الجميل" فإتيان المسند إليه وهو "الرجل" محلى "بأل" للإشارة بها إلى معهود في الخارج عهدًا صريحًا لتقدم ذكره في قوله: "صنعت في رجل جميلًا".
والثانية: ما يتقدم لمدخولها ذكر كنائي, أي غير مصرح به كما في قوله تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} ، فإتيان المسند إليه, وهو لفظ "الذكر" معرفة "بأل" للإشارة بها إلى معهود في الخارج عهدًا كنائيًا، لتقدم ذكره كناية في قوله تعالى حكاية عن امرأة عمران: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} فإن لفظ "ما" مبهم: يعم "بحسب وضعه" الذكور والإناث لكن التحرير, وهو أن يعتق الولد ليكون وقفًا على خدمة بيت المقدس, إنما كان للذكور دون الإناث. فلفظ "ما" حينئذ كناية عن الذكر باعتبار اختصاص التحرير بالذكور.
والثالثة: ما لا يتقدم لمدخولها ذكر مطلقًا، ولكن للمخاطب علم به لقرينة حال، وهذه اللام على قسمين: لام العهد الحضوري، ولام العهد العلمي.
فالأولى: ما يكون مدخولها حاضرًا في المجلس كأن تقول في شأن رجل حاضر: "أبدع الرجل في كلامه" لمخاطب سبق له علم به.
والثانية: ما يكون مدخولها غائبًا عن المجلس كأن تقول في شأن رجل غائب: "أنشد الرجل فأبدع في إنشاده" لمخاطب سبق له به علم, فإتيان السند إليه في القسمين محلى "بأل" للإشارة بها إلى معهود في الخارج عهدًا علميًا لتقدم علم المخاطب به.
2- الإشارة بها إلى الحقيقة: وهي التي يكون مدخولها موضوعًا للحقيقة والماهية.
وتنقسم أيضًا باعتبار مدخولها إلى ثلاثة أقسام لام الحقيقة1, لام العهد الذهني، لام الاستغراق.
فالأولى: ما يكون مدخولها مرادًا به الحقيقة نفسها، بغض النظر عما ينطوي تحقيقًا من أفراد كقولهم: "أهلك الناس الدرهم والدينار"، فالإتيان بالمسند إليه محلى "بأل" للإشارة بها إلى حقيقة الدرهم، وحقيقة الدينار، لأن الحكم المذكور إنما هو على جنس هذين النقدين، لا على نقد بعينه كما هو ظاهر, وكقولهم: "الرجل خبر من المرأة" فالحكم بالخبرية إنما هو على الحقيقة نفسها، بمعنى: أن حقيقة الرجل خير من حقيقة المرأة،
__________
1 وتسمى أيضًا لام الجنس ولام الطبيعة.
(2/37)

بلا نظر إلى الأفراد، وهذا لا ينافي أن بعض أفراد حقيقة المرأة يفضل بعض أفراد حقيقة الرجل كالسيدة عائشة أم المؤمنين مثلًا فالمنظور إليه في المفاضلة إنما هو الحقيقة لا الفرد، وليس من شك في أن حقيقة الرجل إذا صرف النظر عن الأفراد تفضل حقيقة المرأة.
والثانية: ما يكون مدخولها مرادًا به فردًا مبهمًا من أفراد الحقيقة إذا قامت القرينة على ذلك كقوله تعالى: {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} عرف المسند إليه "بأل" للإشارة بها إلى فرد غير معين من أفراد حقيقة الذئب، فليس المراد الحقيقة نفسها بقرينة قوله: {أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ} ، إذ الحقيقة من حيث هو أمر لا وجود لها في الخارج، حتى يتحقق منه أكل أو شرب، وليس المراد فردًا معينًا من أفراد الحقيقة، إذ لا عهد في الخارج بذئب معين، فتعين أن يكون المراد فردًا مبهمًا من أفرادها, ومنه قول الشاعر:
ومن طلب العلوم بغير كد ... سيدركها متى شاب الغراب
فليس المراد حقيقة الغراب، بقرينة قوله: "شاب", وليس المراد فردًا معينًا من أفرادها إذ لا عهد بغراب معين، فظهر أن المراد فرد مبهم.
والثالثة: ما يكون مدخولها مرادًا به جميع أفراد الحقيقة, وإنما سميت "لام الاستغراق" لأن المفاد بها: استغراق جميع الأفراد.
وهذه اللام قسمان: لام الاستغراق الحقيقي، ولام الاستغراق العرفي.
فالأولى: ما يكون مدخولها مرادًا به كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب اللغة كقولك: "الغيب يعلمه الله", عرف المسند إليه "بأل"؛ لأن القصد إلى جميع الأفراد التي يتناولها لفظ "الغيب" لغة، أي كل غيب، وكقوله تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} فالقصد فيه أيضًا إلى جميع الأفراد التي يتناولها لفظ "الإنسان" لغة، أي كل إنسان، بدليل الاستثناء الآتي بعد في قوله: {إِلَّا الَّذِينَ} ... الآية، فهو أمارة إرادة العموم في الإنسان: إذ شرطه دخول المستثنى في المستثنى منه لو سكت عن ذكر المستثنى.
والثانية: ما يكون مدخولها مرادًا به كل فرد مما يتناول اللفظ بحسب العرف والعادة، كأن تقول: "امتثل الجند أمر الأمير", فإن المراد جميع الأفراد التي يتناولها لفظ "الجند" عرفًا، أي جنود مملكته، لا جنود الدنيا, إذ ليس في وسع الأمير: أن يبسط نفوذه على جنود العالم أجمع عادة.
(2/38)

وصفوة القول: هو أن "أل" التعريفية على قسمين:
الأول: لام العهد، وتحته أنواع ثلاثة: صريحي، كنائي، علمي. والعلمي نوعان: علمي حضوري وعلمي فقط.
والثاني: لام الحقيقة وتحته أنواع ثلاثة أيضًا: لام الحقيقة من حيث هي ولام الحقيقة ويراد فرد مبهم من أفرادها، وهي المسماة بلام العهد الذهني، ولام الحقيقة، ويراد جميع أفرادها وهي المسماة بلام الاستغراق، وهي نوعان: لام الاستغراق الحقيقي، ولام الاستغراق العرفي. ا. هـ.
تعريفه بالإضافة:
يؤتى بالمسند إليه معرفًا بالإضافة لمزايا كثيرة، نذكر أهمها فيضًا يأتي:
1- أنها أخصر طريق إلى إحضار مدلول المسند إليه في ذهن السامع كما تقول: "وافاني غلامي" فالتعبير بالإضافة أخصر من قولك: الغلام الذي لي أو غلام لي. وكقول جعفر بن علبة الحارثي1.
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق2
ويقول والحزن يملأ قلبه, ويجز في أحشائه: أنه سجين بمكة، وأن السجن حال دون أن يرى حبيبه بل سفره، وكان يود لو يحظى منه بنظرة وداع، والشاهد قوله "هواي" حيث أتى بالمسند إليه مضافًا لقصد الاختصار في اللفظ، وهو مطلوب هنا لضيق صدره، وفرط سآمته، وتوجعه لكونه سجينًا والحبيب راحل، ولا شك أن "هواي" أخصر من "الذي أهواه" مثلا.
__________
1 قاله وهو سجين بمكة وكان قد قتل رجلًا من بني عقيل, فسجن فيه وكان يومئذ بمكة ركب من اليمن فيه محبوبته، وقد عزم هذا الركب على الرحيل فأنشد هذا البيت. من قصيدة في هذا المعنى.
2 هواي أي مصدر أريد به اسم المفعول أي مهوي، والركب اسم جمع لراكب واليمانين جمع يمان، وأصل "يمان" يمني, حذفت منه ياء النسب وعوض عنها الألف على خلاف القياس، ثم أعل أعلام "قاض", ومصعد من أصعد في الأرض إذا سار فيها والجنيب المستتبع، وهو الذي يتبعه قومه، ويقدمونه أمامهم.
(2/39)

2- تضمن الإضافة تعظيمًا لشأن المضاف، أو المضاف إليه، أو غيرهما فمثال تعظيم المضاف قولك: "عبد الأمير قادم" ففي الإضافة تعظيم للمضاف بأنه عبد الأمير, ومثال تعظيم المضاف إليه قولك: "عبدي حضر" فالمراد تعظيم المتكلم بأن له عبدًا, ومثال تعظيم غير المضاف والمضاف إليه قولك: "جليس الأمير زارني", ففي الإضافة تعظيم للمتكلم وهو غير المسند إليه المضاف، وغير ما أضيف إليه المسند إليه، وفيها أيضًا تعظيم للمضاف، ولكنه غير مراد.
3- تضمن الإضافة تحقيرًا لشأن المضاف، أو المضاف إليه، أو غيرهما كذلك, فمثال الأول قولك: "ولد اللص قادم" ففي الإضافة تحقير للمضاف بأن أباه لص، ومثال الثاني قولك: "ضارب زيد آت" ففيه إهانة للمضاف إليه بأنه مضروب، ومثال الثالث قولك: "ولد السفيه يجالس عمرًا" ففي الإضافة إهانة وتحقير لشأن عمرٍو بأن ولد السفيه من جلسائه، وهو ليس مضافًا ولا مضافًا إليه، وفيها أيضًا تحقير للمضاف، ولكنه غير مقصود.
4- إغناؤها عن تفصيل متعذر أو متعسر, فمثال المتعذر تفصيله قولهم: "أهل مصر كرام" فقد أضيف المسند إليه لتعذر تعداد أهل مصر, ومثال المتعسر قول حسان بن ثابت:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن ماوية الكريم المفضل1
وقول مروان بن أبي حفصة:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل2
أضيف المسند إليه في "البيتين"؛ لتعسر تعداد أولاد جفنة، وبني مطر.
5- إغناؤها عن تفصيل حال دونه مانع مع تيسره، كما تقول:
"حضر قادة الجيش" فيضاف المسند إليه منعًا لوقوع التنافس بينهم فيما لو ذكرت أسماؤهم، وقدم اسم أحدهم على غيره.
6- تضمن الإضافة اعتبارًا لطيفًا كما في قول الشاعر:
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... سهيل أذاعت غزلها في القرائب
__________
1 أولاد جفنة من الغساسنة الذين كان يمدحهم الشاعر بالشام.
2 الغيل الأجمة وخفان مأسد مشهورة بقوة أسودها.
(2/40)

يقول: إن المرأة الحمقاء لا تتهيأ في الصيف للشتاء بإعداد الغزل، حتى إذا ما طلع الكوكب المذكور في بدء الشتاء وزعت غزلها على قريباتها ليغزلنه، والشاهد قوله: "إذا كوكب الخرقاء" حيث أضيف المسند إليه "الخرقاء" لاعتبار لطيف, وهو الإشارة إلى أن الإهمال والتكاسل ديدنها وعادتها، وإنها غافلة عن القيام بشئونها، ولا تفيق إلا على ضوء هذا النجم، وكأنما خلق لأجلها.
إلى غير ذلك من الدواعي كالاستهزاء في قوله تعالى حكاية عن فرعون مخاطبًا قومه: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} ، وكغير ذلك من دواعي الإضافة، فليست الدواعي محصورة فيما ذكرنا كما هو معروف.
(2/41)

تنكير المسند إليه:
يؤتى بالمسند إليه نكرة لأسباب أهمها ما سنذكره لك فيما يلي:
1- أن يكون القصد إلى فرد غير معين, إما لأن المتكلم لم يعلم جهة من جهات التعريف: من علمية، أو صلة، أو غير ذلك، أو لأن غرضه لم يتعلق بتعيينه، وإن كان معينًا, مثال الأول قولك لآخر: "حضر رجل هنا يسأل عنك" تقول ذلك إذ لم تعرف اسمه، ولا شيئًا يتعلق به, ومثال الثاني قوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} فقد ذكر المفسرون أن ذلك الرجل هو "حبيب النجار" غير أن الغرض لم يتعلق به معينًا.
2- أن يكون القصد نوعًا خاصًّا من أنواع الجنس كقوله تعالى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة} نكر المسند إليه وهو "غشاوة"؛ لأن المقصود نوع خاص من أنواع الأغشية غير ما يتعارفه الناس, ذلك هو غطاء التعامي عن الحق، أي الإعراض عن آيات الله1.
2- أن يكون الغرض تعظيم المسند إليه، أو تحقيره، وأنه بلغ في رفعة الشأن حدًّا فوق متناول المدارك، أو انحط إلى درجة لا يعتد بها.
__________
1 يرى السكاكي أن التنكير في هذا لتعظيم أي غشاوة عظيمة تحجب أبصارهم دفعة واحدة وتحول بينهم وبين الإدراك, لكن هذا لا يتنافى مع قصد النوعية: لأن الغشاوة العظيمة التي هي غطاء التعامي عن الحق نوع خاص من أنواع الأغشية.
(2/41)

ولا يلتفت إليها, وقد اجتمعا في قول مروان ابن أبي حفصة:
له حاجب في كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب
يقول: أن بينه وبين ما يشينه حجابًا كثيفًا, وهو إلى جانب هذا في متناول أيدي العفاة، لا يحول دون قاصديه حائل, والشاهد في لفظي "حاجب" في شطري البيت، حيث أتى بهما منكرين, أما في الشطر الأول فلقصد تعظيم الحائل دون ما يشينه، وأنه في حصن حصين من كل ما يزري به, وأما في الشطر الثاني فلقصد تحقير ما يحول بينه وبين قاصديه, كناية عن أن بابه مفتوح على مصراعيه لمن يريد الولوج، فليس هناك أدنى مانع يحجبهم عن فضله ومعروفه. ومثله قول الشاعر:
ولله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والخلاعة جانب
فالتنكير في الأول للتعظيم، وفي الثاني للتحقير، يدل على مقام التمدح برجحان جانب الخير فيه على جانب الشر.
4- أفاده التكثير أو التقليل, مثاله في التكثير: "إن له لإبلا, وإن له لغنمًا", أتى بالمسند إليه في الجملتين نكرة لقصد إفادة أن لديه عددًا كبيرًا من الإبل والغنم، وأنها من الكثرة، بحيث لا يمكن الإحاطة بها، والوقوف على مقدارها. ومثاله في التقليل قوله تعالى: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} فقد نكر المسند إليه, وهو "شيء" لقصد أفاده أنه شيء قليل.
ولا يخطر بالبال: "أن التعظيم والتكثير شيء واحد، وأن التحقير والتقليل كذلك فإن بين هذه المعاني من الفروق ما لا يخفى, ذلك أن التعظيم يراعى فيه الحال والشأن كعلو المرتبة، وبعد المنزلة, أما التكثير فالمراعى فيه الكميات والمقادير, كالمعدودات والموزونات, وكذلك يقال في الفارق بين التحقير والتقليل, وقد اجتمع التعظيم والتكثير في قوله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} ذكر المسند إليه وهو "رسل" لقصد إفادة التعظيم أو التكثير باعتبارين؛ فعلى اعتبار أنهم ذوو شأن عظيم كان التنكير للتعظيم، وعلى اعتبار أن عددهم كبير كان التنكير للتكثير واجتمع التحقير والتقليل كذلك في قولهم: "أصابني منه شيء" أي حقير قليل، فالتنكير هذا للتحقير إن روعي من حيث الشأن، وهو للتقليل إن روعي من حيث العدد.
5- أن يمنع من التعريف مانع كقول الشاعر:
إذا سئمت مهنده يمين ... لطول العهد بدله شمالًا
لم يقل "يمينه" تحاشيًا من أن ينسب السآمة بصريح اللفظ إلى يمين الممدوح، وهو اعتبار لطيف.
6- أن يراد إخفاؤه عن المخاطب كما تقول لآخر: "قال لي رجل: إنك تنكبت جادة الطريق" فتخفي اسمه لئلا يلحقه أذى من المخاطب إذ نسب إليه ما لا يحب ... إلى غير ذلك من دواعي التنكير.
(2/42)

تمرين:
بين الأغراض التي اقتضت تعريف أو تنكير المسند إليه فيما يأتي:
1-
أنت تبقى ونحن طرا فداكا ... أحسن الله ذو الجلال عزاكا
2-
لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها
3-
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
4-
إذا جاء موسى وألقى العصا ... فقد بطل السحر والساحر
5-
فقل لمن يدعي في العلم فلسفة ... حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
6-
ومن طلب العلوم بغير كد ... سيدركها متى شاب الغراب
7-
والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
8-
كل من في الوجود يطلب صيدا ... غير أن الشباك مختلفات
9-
طلبت الجميع فغاب الجميع ... فمن سوء حظك لا ذا ولا ذا
10-
حكم حارت البرية فيها ... وجدير بأنها تحتار
11-
ولله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والخلاعة جانب
12- شرق متاعك الذي وفد عليك فأكرمت وفادته. 13- {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} . 14- ركب سيف الدولة. 15- أبو الفضل قادم إليك. 16- {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} . 17- إن الذي يعق أباه مطرود من رحمة الله. 18- مات الذي أدبك فأحسن تأديبك. 19- {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} . 20- {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} . 21- أخو الأمير أرسل إليّ.22- محمد يسبق الريح في عدوه.
23-
ولله صعلوك يساور همه ... ويمضي على الأحداث والدهر مقدما1
__________
1 يساور همه يواثبه بمعنى: يستثير همته إذا أنس منها فتورا.
(2/43)

إذا ما رأى يومًا مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثم صمما
ويغشى إذا ما كان يوم كريهة ... صدور العوالي1 وهو مختضب دما
إذا الحرب أبدت ناجذيها وشمرت ... وولى هدان2 القوم أقبل معلما3
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفًا مذمما
الجواب:
1- عرف المسند إليه في "أنت" و"نحن" بالإضمار، لأن الحديث في مقام الخطاب الأول، والتكلم في الثاني, وعرف بالعلمية في "أحسن الله" لإحضاره في ذهن السامع باسمه الخاص.
2- نكر المسند إليه في "دواء" للقصد إلى نوع من الدواء خاص, إذ لكل داء من الأدواء ما يناسبه, عرف بالإضمار في "يستطيب" و"أعيت"؛ لأن المقام للغيبة لتقدم المرجع.
3- عرف المسند إليه "بالإشارة" لقصد تمييزه أكمل تمييز لاقتضاء مقام المدح إياه, أو للتعرض بغباوة السامع, وعرف "بأل" في كل من "البطحاء" و"البيت" و"الحل" و"الحرم" للعهد العلمي فإن كل ذلك معهود في علم المخاطب.
4- عرف المسند إليه "بالعلمية" لقصد إظهار التعجب من موسى عند إلقائه العصا, وعرف "بأل" في "السحر" و"الساحر" للعهد العلمي.
5- عرف المسند إليه "بالإضمار" في "يدعي"؛ لأن المقام للغيبة لتقدم المرجع لفظًا تحقيقًا, وعرف بالإضمار في "حفظت"؛ لأن المقام للخطاب, ونكر في "أشياء" لقصد إفادة التكثير.
6- عرف المسند إليه في "طلب"؛ لأن المقام للغيبة لتقدم المرجع لفظًا تحقيقًا, وعرف كذلك في "سيدركها" للسبب المذكور, وعرف "بأل" في "الغراب" للعهد الذهني أي للإشارة إلى فرد ما من أفراد الحقيقة.
7- عرف المسند إليه "بأل" في قوله: و"الخل" للإشارة بها إلى الحقيقة في ذاتها, وعرف "بالإضمار" في "يبدي": لأن المقام للغيبة لتقدم المرجع لفظًا تحقيقًا, وكذلك يقال في "يخفيها".
__________
1 العوالي: الرماح.
2 الهدان بكسر الهاء: الأحق.
3 المعلم بفتح اللام المخففة: المرسوم بسيما الحرب.
(2/44)

8- عرف المسند إليه بالإضمار في "يطلب"؛ لأن المقام للغيبة, وعرف "بأل" في "الشباك" لقصد الاستغراق الحقيقي.
9- عرف المسند إليه بالإضمار في "طلبت"؛ لأن المقام للخطاب, وعرف "بأل" في الجميع الثاني للإشارة إلى العهد الخارجي الصريحي.
10- ذكر المسند إليه في قوله: "الحكم" لقصد تعظيمه، وأنه بلغ من السمو ما لا يدرك كنهه، وعرف "بأل" في "البرية" للعهد العلمي, وعرف بالإضمار في "تحتار" لمقام الغيبة.
11- نكر المسند إليه في "جانب" الأول لقصد تعظيمه, وفي الثاني لقصد تحقيره، بمعونة المقام.
12- عرف المسند إليه "بالموصولية" لقصد تقرير الرفض المسوق له الكرم وهو خيانة الضيف، أو لقصد تقرير المسند، أو المسند إليه، على ما تقدم في مبحث تعريف المسند إليه بالموصولية.
13- عرف المسند إليه "بالعلمية" في {وَمَا مُحَمَّدٌ} لقصد إحضار مسماه في ذهن السامع، أو للتبرك به أو التلذذ.
14- عرف المسند إليه "بالعلمية" لقصد تعظيمه، أو لغرض الإرهاب.
15- عرف المسند إليه "بالعلمية" لقصد إفادة المعنى الكناني، وهو أن الفضل لازمة ملازمة الأب لابنه.
16- عرف المسند إليه "بالإشارة" الموضوعة للقريب لقصد تحقيره, وأنه في المرتبة الدنيا، تنزيلًا لدنو مرتبته منزلة قرب المسافة.
17- عرف المسند إليه "بالموصولية" للإشارة إلى نوع الخبر المترتب عليها.
18- عرف المسند إليه "بالموصولية" لقصد إفادة التعظيم والتبجيل.
19- عرف المسند إليه بإشارة البعيد لقصد تعظيمه تنزيلًا لبعد درجته منزلة بعد المسافة.
20- عرف المسند إليه بإشارة البعيد لقصد تحقيره تنزيلًا لبعده عن ساحة عز الخطاب منزلة بعد المسافة.
(2/45)

21- عرف المسند إليه بالإضافة لقصد تعظيم المتكلم بأن الذي أرسل إليه أخو الأمير.
22- عرف المسند إليه بالعلمية لقصد إظهار التعجب من سباقه الريح.
23- عرف المسند إليه "باسم الإشارة" في البيت الأخير لقصد التنبيه على أن المشار إليه المعقب بأوصاف جدير, من أجل تلك الأوصاف بما يذكر بعد اسم الإشارة, ذلك أنه ذكر المشار إليه في قوله: "لله صعلوك"، ثم عدد له خصالا فاضلة من المضاء على الأحداث، وتيمم كبرى المكرمات، والتأهب للحرب بلا مبالاة، ثم عقب ذلك بقوله: فذلك أن يهلك ... إلخ.
تمرين يطلب جوابه على هذا النحو:
أنا الذي نظر الأعمي إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
بيمن أبي إسحاق طالت يد العلا ... وقامت قناة الدين واشتد كاهله
هو البر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والبحر ساحله
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
ولربما بخل الكريم وما به ... بخل ولكن سوء حظ المطالب
تقول وصكت صدرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس1
__________
1 من كلام ابن كعب العنبري, والمتقاعس من "القعس" بالتحريك, وهو خروج الصدر ودخول البطن ضد الحدب. قاله يخاطب زوجته وقد مرت به في نسوة فوجدته يطحن الرحى لنزول أضياف ببابه, فقالت لهن ولم يكن قد ابتنى بها بعد: أبعلي هذا! استهزاء به، فأخبر بذلك فأنشد هذا البيت وبعده:
فقلت لها لا تعجبي وتبيني ... بلائي إذا التفت على الفوارس
لعمر أبيك الخير إني لخادم ... لضيفي وإني إن ركبت لفارس
(2/46)

زارني صلاح الدين، الدينار خير من الدرهم، أحمد تحن الطيور لسماع صوته، أسعاد ابنة جارنا؟ أم سعاد صديقة ابنته؟. إن الذي تخلص إليه وتفنى في حبه لا يرغب فيك ولا يود لقاءك، أذاع سرك من أوصيته بكتمانه، {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} ، إن من لا يرحم الصغير ولا يوقر الكبير مبغض ممقوت، {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} ، مر بي رجل وسأل عنك، أخو السارق قادم، نبأ روع البلاد، {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} ، إن لنا لضياعًا وإن لنا لخدما, طلاب المعهد رحلوا إلى بلادهم, {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} , الله وكيلي ومحمد كفيلي.
(2/47)

تقديم وتأخير المسند إليه:
اعلم أن مرتبة المسند إليه التقديم؛ لأنه المحكوم عليه، فمدلوله يخطئ أولًا بالذهن, ولكن تقديمه مع ذلك ليس واجبًا، بل يجوز تقديمه وتأخيره, وإنما يؤتى به مقدمًا لأسباب شتى، نذكر لك أهمها فيما يلي:
1- كون التقديم هو الأصل فيه، لأنه المحكوم عليه "كما عرفت" غير أن ذلك مشروط بألا توجد نكتة أخرى تقتضي تأخيره في اعتبار المتكلم كقولك: "محمد رسول الله" فقد قدم المسند إليه لأن الأصل فيه أن يقدم إذ هو المحكوم عليه بالرسالة، فينبغي ذكره أولًا, وإنما شرطنا عدم وجود نكتة أخرى تقتضي التأخير؛ لأن الأصالة وحدها نكتة ضعيفة لا تنهض سببًا مرجحًا للتقديم، مع وجود المقتضى للتأخير1 كما في الفعل مثلًا, فإن الأصل فيه التقديم أيضًا؛ لأنه الذات المحكوم عليها, غير أن الأصالة عارضتها نكتة أخرى تقتضي تأخيره، وهي أن الفعل عامل في الفاعل الرفع، ومرتبة العامل التقديم على المعمول، فرجح جانبه عليه.
2- تعجيل المسرة للتفاؤل، أو المساءة للتطير, مثال الأول قولك: "العفو عنك صدر به الأمر", ومثال الثاني قولك: "القصاص من الجاني حكم به القاضي", قدم المسند إليه في المثالين لقصد المبادرة بإدخال السرور على قلب السامع ليتفاءل بحصول الخير، أو المسارعة بإدخال الغم على قلبه ليتشاءم بحصول الشر.
3 التعجيل بإظهار تعظيمه أو تحقيره إذا كان اللفظ مشعرًا بما يدل
__________
1 سبق مثل هذا الكلام عند البحث في ذكر المسند إليه.
(2/47)

عليهما. تقول في الأول: "أبو الفضل عندنا"، وفي الثاني: "أبو الجهل غادرنا".
4- تعجيل التبرك بذكره، أو التلذذ، كقولك في الأول: "اسم الله اهتديت به", وكقولك في الثاني: "ليلى رأيتها"، و"سلمى تحدثت إليها"، قدم المسجد في الموضعين تبركًا في الأول، وتلذذًا في الثاني.
5- التشويق إلى الخبر إذا كان في المسند إليه ما يوجب الدهشة والاستغراب، مما يجعل النفس في لهفة إلى سماع الخبر كقول أبي العلاء:
والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد
وقد سبق القول فيه عند الكلام في تعريف المسند إليه بالموصولية، فارجع إليه إن شئت, ومثله قول الشاعر:
ثلاثة1 تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
فقد قدم فيه المسند إليه, وهو "ثلاثة"؛ لأن فيه تشويقًا إلى الخبر لاتصافه بما يدعو إلى المعجب، وهو قوله: "تشرق الدنيا ببهجتها"، فإن إشراق الدنيا بأسرها لما يشوق النفس إلى أن تعرف ذلك الذي جعل العالم أجمع يتألق ويضيء، فإذا عرفت ذلك تمكن منها أي تمكن.
6- إفادة تعميم النفي، وشموله للأفراد، إذا كان المسند إليه أداة عموم2 تقدمت على أداة النفي، ولم تكن معمولة للفعل المنفي، كما تراه في نحو قولك: "كل طالب لم يقص" أي إنهم جميعًا لم يقصروا، فقد قدم المسند إليه -وهو أداة عموم- على أداة نفي الفعل غير عامل3 فيها لقصد إفادة عموم النفي أي نفي الحكم -وهو التقصير في هذا المثال- عن كل فرد من أفراد الطلاب, وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل ذلك لم يكن" جوابًا عن سؤال ذي اليدين: "أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ ", ومعنى القول الكريم: لم يقع واحد من القصر
__________
1 على اعتبار أنه المبتدأ, وأن ما بعده هو الخبر ويصح العكس ولكن لا يكون فيه شاهد.
2 كلفظ كل وجميع، وكل ما يدل على العموم.
3 إذ هو منها في موضع الخبر ولا عمل للخبر في المبتدأ.
(2/48)

والنسيان فالنفي شمل الأمرين جميعًا, ومنه قول أبي النجم:
قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع
برفع: "كل" على أنه مبتدأ، والجملة المنفية بعده خبر, والمعني: لم أصنع شيئًا مما يدعيه على من الذنوب ولإفادة هذا المعنى عدل عن نصب "كل" إلى رفعها حتى لا تقع معمولة للفعل المنفي، وذلك شرط في إفادة العموم.
فإن تقدم النفي على أداة العموم، أو كانت هي معمولة للفعل المنفي لم يكن النفي عامًّا شاملًا، بل أفاد الكلام: نفي الحكم عن بعض الأفراد دون بعض.
فمثال ما إذا تقدم النفي على أداة العموم قول المتنبى:
ما كل ما يتمنى المرأ يدركه ... تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
يريد: أن الإنسان لا يدرك كل ما يتمنى، وإنما يدرك بعضه، دون بعض, ومثله قولك: ما كل الطلاب نجحوا "وما نجح كل الطلاب", "وما نجح الطلاب كلهم" فالمعنى في هذه الأمثلة: أن النجاح منفي عن بعضهم دون الآخر.
ومثال ما إذا كانت أداة العموم معمولة للفعل المنفي قولك: "كل الصفحات لم أطالع"، و"الصفحات كلها لم أطالع" بنصب "كل" على المفعولية, والمعنى في المثالين: أن المطالعة منفية عن بعض الصفحات دون بعضها, فالنفي في كل هذه المثل ليس عامًّا، وإنما هو منصوب على بعض الأفراد، دون بعض لوقوع أداة العموم في حيز النفي في الصورتين؛ تحقيقًا في الأولى1 وتقديرًا في الثانية2, يشهد بذلك الذوق السليم, ويدل عليه الاستعمال.
__________
1 وهي صورة تقدم النفي على أداة العموم كما في بيت المتنبي والأمثلة الثلاثة بعده.
2 هي صورة ما إذا كانت أداة العموم معمولة للفعل المنفي، كما في المثالين الأخيرين.
(2/49)

فإذا جاء من هذا القبيل1 ما يفيد: عموم النفي أي سلب الحكم عن كل فرد كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} ، قوله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} , فليس ذلك من أصل وضعه، بل من قرينة خارجية، هي تحريم الاختيال والكفر, وأما التركيب في ذاته فلا يفيد العموم اطرادًا للقاعدة.
7- تقوية الحكم في ذهن السامع إذا كان المسند فعلا رافعًا لضمير المسند إليه كما تقول: "محمد يعطي الجزيل", "وهو يحب الثناء", قدم المسند إليه في المثالين لإفادة تقوى الحكم, وسر التقوية: أن في مثل هذا التركيب تكرارًا للإسناد: من حيث أن الفعل, وهو "يعطي" في المثال الأول أسند مرتين, أسند أولًا إلى الضمير المستتر فيه العائد على "محمد", ثم أسند ثانيًا إلى الاسم الظاهر, فهو بمثابة قولك: "يعطي محمد الجزيل", وهكذا يقال في المثال الثاني, وبتكرار الإسناد يتقوى الحكم، ويتقرر في ذهن السامع.
قيل2 ويقرب من هذا في تقوية الحكم: ما كان المسند فيه وصفًا رافعًا لضمير المسند إليه كما في قولك: محمد معطي الجزيل, وذلك لتكرار الإسناد فيه كما في الفعل, "فمعطي" في المثال المذكور مسند مرتين كذلك- مرة إلى الضمير المستتر فيه، ومرة إلى الاسم الظاهر، وتكرار الإسناد هو عماد التقوى "كما عرفت".
غير أن الوصف -مع هذا- لم يبلغ مبلغ الفعل في إفادة التقوى؛ لأن فيه جهة ضعف، تلك هي شبهة بالاسم الجامد في أنه يلزم صورة واحدة في المتكلم، والخطاب، والغيبة. فتقول: "أنا قادم"، و"هو قادم" فلفظ "قادم" لم يتحول عن صورته في الأصول الثلاثة, كما هو الحال في الاسم الجامد الخالي من الضمير "كرجل" إذ تقول فيه: "أنا رجل", وأنت رجل و"هو رجل", فرجل كذلك لم يتغير في الأحوال الثلاثة.
وقصارى القول: أن الوصف لاشتماله على الضمير كان كالفعل في إفادة التنويه لتكرار الإسناد، ولكن: صورته لا تتغير بتقدير الأحوال.
__________
1 أي من وقوع أداة العموم في حيز النفي المفيد بحسب الوضع لسلب العموم أي في نفي الحكم عن بعض الأفراد دون بعض.
2 قاله السكاكي.
(2/50)

الثلاثة "كالاسم الجامد" كان دون الفعل في هذه التقوية.
إلى غير ذلك من دواعي التقييم كإيهام أن المسند إليه لا يزول عن الخاطر نحو: "رحمة الله ترجى"، وغير ذلك.
تنبيه:
ورد في أساليب العرب قولهم: "مثلك لا يخون"، و"غيرك لا يفي" ويريدون: إثبات عدم الخيانة للمخاطب "في الأول", وإثبات الوفاء له "في الثاني" من طريق الكناية قصدًا إلى الأبلغية في الحكم.
وبيان الكناية في الأول, هو أن قولهم: "مثلك لا يخون" معناه: إثبات عدم الخيانة لمثل المخاطب أي للماثل له في صفاته، والمماثل معنى كلي يشمل المخاطب وغيره ممن يماثله، فإذا ثبت عدم الخيانة للماثل لزم ثبوته للمخاطب باعتباره أحد أفراد المعنى الكلي، فقد أطلق الملزوم، وهو إثبات عدم الخيانة للماثل، وأريد اللازم، وهو إثباته للمخاطب.
وبيان الكناية في الثاني: هو أن قولهم: "غيرك لا يفي"، معناه: نفي الوفاء عن غير المخاطب، والوفاء صفة وجودية، لا بد لها من محل تقوم به، وهذا المحل منحصر في أمرين: المخاطب، وغير المخاطب، وقد نفيت صفة الوفاء عن غير المخاطب، فلزم قيامها بالمخاطب, فقد أطلق الملزوم، وهو نفي الوفاء عن كل من عدا المخاطب، وأريد اللازم، وهو إثباته للمخاطب.
ولما كان الغرض من التعبير الكنائي في "مثل وغير": إثبات الحكم من الطريق الأبلغ، وكان تقديمها حينئذ أعون على تحقيق هذا الغرض لما علمت من أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي يفيد تقوية الحكم، وتقريره بسبب تكرار الإسناد, لما كان الأمر كذلك كان لهما الصدارة في الكلام؛ ولهذا لم يردا في استعمالات العرب إلا مقدمين "كما رأيت". ا. هـ.
ووجه الأبلغية في "مثل وغير": هو أن الحكم فيها مصحوب بالدليل فقولك: "مثلك لا يخون" ينحل إلى جملتين هما: أنت لا تخون، لأن مثلك لا يخون، والأولى هي الدعوى، والثانية هي الدليل, وكذا قولك: "وغيرك لا يفي" إذ معناه أنت تفي لأن غيرك لا يفي, والحكم المؤيد بدليل أبلغ في إثباته مما لم يؤيد بدليل، كما في مبحث "الكفاية".
تأخير المسند إليه:
يؤخر المسند إليه حيث يقتضي الحال تقديم المسند، كما سيأتي بعد:
(2/51)

تمرين:
بين دواعي تقديم المسند إليه في الأمثلة الآتية:
ثلاثة ليس لها أياب: الوقت والجمال والشباب، النار وعدها الله الذين كفروا، محمد سيد الأنام، كل ظالم لا يفلح، نجاحك في الامتحان تأكد، مثلك يرعى الحرمة، وغيرك لا يصل، الثقيل رحل عنا، قائد الثورة قادم اليوم، عباس يصل الرحم، ويعطف على الفقراء، محمد شفيعنا، سعاد وصلتني بعد هجر، رضا الرحمن بغيتي ومناوي.
الجواب:
تمرين يطلب جوابه:
ثلاثة يذهبن الحزن: الماء، والخضرة، والوجه الحسن، محمد يود لقاءك، بكاء وعويل في بيتك، كل مجد لا يخيب، أبو المجد يعتزم زيارتك، مثلك يعم فضله، وغيرك لا يفيد، هو يجيد التفكير، ويحسن التدبير، فتاة أنيقة أعدت هذه المائدة، الله ولي المؤمنين، عطفك عليّ لا أنساه، كل أستاذ لا يود الإخفاق لأحد تلاميذه.
(2/52)

أحوال المسند
ذكر المسند
...
أحوال المسند:
المسند هو المحكوم به فعلًا كان، أو اسمًا وله كما للمسند إليه أحوال تعرض له: من ذكر، وحذف، وتعريف، وتنكير، وتقديم، وتأخير وغير ذلك، وهاك تفصيل ما ذكر على الترتيب المذكور.
ذكر المسند:
يذكر المسند في الكلام لأمرين:
الأول: ما تقدم من الدواعي التي اقتضت ذكر المسند إليه ككون الذكر هو الأفضل، ولا مقتضى للعدول عنه كما تقول ابتداء: "زهير بن أبي سلمى شاعر" وكضعف التعويل على القرينة كقولك: "رأيك سديد، وحظك سعيد", فلو حذف "سعيد" ما دل عليه المذكور دلالة قاطعة, إذ يحتمل أن يكون الحظ عاثرًا، كما هو شأن الكثير من ذوي الآراء والعقول, وكالتعريض بغباوة السامع كما تقول: "محمد نبينا" في جواب من سأل: من نبيكم؟ فيذكر المسند مع علمه من قرينة السؤال، إشارة إلى أن المخاطب غبي، لا يفهم بالقرينة، بدليل أنه يسأل عن نبي هو أجل من يتوهم خفاؤه، وكالرد على المخاطب نحو: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} بعد قوله: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} ؟ أعاد ذكر المسند مع العلم به من السؤال، لأنه محط الإنكار إذ إن الخطاب مع من يذكر إعادة الإنسان بعد موته، وكغير ذلك من دواعي الذكر.
الثاني: تعيين أنه فعل، فيفيد التجدد والحدوث، أو اسم، فيفيد الثبوت والدوام, فإذا لم يذكر احتمل أن يكون فعلًا، وأن يكون اسمًا، فلم يتبين المراد, مثال الأول قولك: "محمد يكتب" فتذكر المسند ليتعين أنه "فعل" فيفيد أن الكتابة ليست لازمة له، ولا وصفًا فيه, ومثال الثاني قولك: "محمد كاتب" فتذكر المسند ليتعين أنه "اسم" فيفيد أن الكتابة ثابتة له على الدوام، وأنها صفة من صفاته.
(2/53)

حذف المسند:
بحذف المسند لأغراض عدة، نذكر منها ما يلي:
1- ضيق المقام بسبب المتوجع من ألم، أو بسبب المحافظة على وزن كما في قول ضابعي بن الحارث.
ومن يك أمسى بالمدينة رجله ... فإني وقيار بها لغريب
يشكو الشاعر ما يعانيه من مرارة الوحشة، وقد آلمه أشد الأم أن يرى نفسه غريب الدار، نائيًا عن الأهل والوطن، بينما يرى غيره ينعم باجتماع شمله بأهله ووطنه, و"قيار" اسم فرس أو جمل للشاعر, قدمه على قوله: "لغريب" لنكتة لطيفة، هي أن هذا الحيوان الأعجم قد ناله من كرب الغربة ما جعله يشاطر صاحبه هذا الألم، وقوله: "لغريب" خبر "أن" بدليل اقترانه بلام الابتداء، وأما المسند إلى "قيار" فمحذوف. والتقدير: "وقيار غريب" وهذا هو محل الشاهد، إذ قد حذف لضيق المقام بسبب ما يعانيه الشاعر من آلام الاغتراب وغصص النوي, قد يكون الحذف المذكور للمحافظة على وزن الشعر, ومثل قول ابن الحارث قول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف1
يقول كلانا قانع برأيه: راض به "وإن كنا على خلاف" فكل يرى ما يتفق مع حاله، فرب حسن عند دنيء الهمة قبيح عند عاليها, وقوله "راض" خبر أنت، وأما المسند إلى "نحن" فمحذوف، تقديره: "نحن رضوان" وهو محل الشاهد إذا قد حذف لضيق المقام بسبب تألم الشاعر
__________
1 الفرق بين هذا المثال والذي قبله، أن المحذوف في البيت السابق خبر "قيار" إذ لا يجوز أن يكون "لغريب" خبرًا عنه، لأن لام الابتداء لا تدخل على خبر المبتدأ غير المنسوخ في فصيح الكلام, فقد حذف من الثاني لدلالة الأول عليه, وأن المحذوف في هذا البيت خبر "نحن" إذ لا يجوز أن يكون "راض" خبرًا عنه لعدم مطابقته للمبتدأ في الدلالة على الجمع, فقد حذف من الأول لدلالة الثاني عليه عكس الأول.
(2/54)

من احتدام الخلاف بينه وبين مناظره، أو بسبب المحافظة على وزن الشعر.
2- الاحتراز عن العبث في ذكره، في بادئ الرأي1 كما في قوله تعالى: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} فقد حذف الفعل المسند إلى ضمير المخاطبين وهو "أنتم" فأنتم إذا فاعل لفعل محذوف لأن "لو" لا تدخل إلا على الأفعال, وأصل الكلام: لو تملكون تملكون، حذف الفعل الأول احترازًا عن العبث في ذكره لوجود مفسره، وهو "تملكون" "الثاني"، فانعصل الضمير الذي هو واو "الجماعة"، وصار "أنتم" وبقي على فاعليته كما كان الحل وهو متصل, ومثله قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} أي ورسوله بريء منهم أيضًا، فقد حذف المسند إلى "رسوله"، لأن في ذكره عبثًا لقيام القرينة عليه.
3- اتباع الاستعمال كما في قول الشاعر:
إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضوا مهلا2
يقول: إن لنا في الدنيا حلولا إلى حين، وإن لنا عنها إلى الأخرى ارتحالا، وإن الراحلين عنها أوغلوا في غيبتهم، فلم يعودوا، أي وهكذا نحن على الأثر، سنبقى إلى أمد، ثم نفنى فلا نعود, والشاهد فيه حذف المسند الذي هو خبر "إن" اتباعًا للاستعمال الوارد على حذف الخبر عند تكرار "إن" وتعدد اسمها كما في البيت المذكور, سواء كان الاسم نكرة كما في "هذا البيت، أو معرفة كأن يقول لك قائل: إن القوم ألب عليك3 فهل لك أحد؟ فيقول: "إن محمدًا وإن عليًّا" أي إن لي محمدًا، وإن لي عليًّا, ومثال الحذف تبعًا للاستعمال أيضًا قولهم: "خرجت فإذا رسول أبي" أي فإذا رسول أبي واقف بالباب، أو وافد علينا، فقد حذف المسند إلى رسول اتباعًا للاستعمال الوارد على ترك
__________
1 إنما كان ذلك في بادئ الرأي، لأنه في الحقيقة لا عبث في ذكره إذا هو أحد ركني الإسناد.
2 محلًا ومرتحلًا مصدران ميميان بمعنى الحلول والارتحال، السفر بسكون الفاء اسم جمع "مسافر" بمعنى مسافر كركب وراكب والمهل بالتحريك مصدر بمعنى الإمهال وطول الغيبة.
3 أي مجتمعون على مناهضتك وعداوتك.
(2/55)

المسند إذا وقع إليه بعد "إذ الفجائية"1.
4- أن يقع المسند في جواب عن سؤال محقق، أو مقدر, فالسؤال المحقق ما وجدت صورته في الكلام، والمقدر ما لم توجد له في الكلام صورة, فالأول كقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} حذف فيه المسند إلى "لفظ الجلالة" لوقوعه في جواب السؤال المذكور، والتقدير: "خلقهن الله", والثاني كقوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ، رِجَالٌ} في قراءة من بنى الفعل للمجهول فقد حذف المسند إلى "رجال" لوقوعه في جواب سؤال مقدر، وكأنه قيل: من يسبحه؟ فأجاب "رجال" أي يسبحه رجال.
إلى غير ذلك من الأغراض التي اقتضت هناك حذف المسند إليه كاختبار تنبه السامع، أو إيهام صونه عن اللسان، أو صون اللسان عنه، أو غير ذلك مما سبق عند ذكر دواعي حذف المسند إليه.
__________
1 إنما حذف المسند بعد إذ الفجائية، لأنها تدل على مطلق الوجود فالقرينة على المسند قائمة، وهي إذ الفجائية حتى لو صرح به لكان عبثًا في ظاهر الأمر لدلالة إذ الفجائية عليه.
(2/56)

تعريف المسند:
يؤتى بالمسند معرفًا بإحدى طرق التعريف لواحد من أمرين:
1- إفادة السامع حكمًا بأمر معلوم عنده بإحدى طرق التعريف على أمر معلوم له كذلك1.
بيان ذلك: أن الشيء قد يكون له صفتان من صفات التعريف، يعلم المخاطب اتصافه بإحداهما، دون الأخرى، فنخبره باتصافه بها, وحينئذ يجب تقديم المحكوم عليه، وجعله "مبتدأ"، وتأخير المحكوم به وجعله "خبرًا"، وذلك كقولك: "علي الخطيب" فإن للذات صفتي تعريف, إحداهما تسميها "بعلي"، والثانية وصفها "بالخطابة", فإذا عرف المخاطب "عليًّا باسمه وشخصه، ثم علم أن هناك خطيبًا ذائع الصيت، ولكن لا يدري أن "عليًّا" هو ذلك الخطيب، صار كأنه.
__________
1 سواء اتحدا طريقا التعريف فيهما كقولك: الواقف هو الفائز أو اختلفا كما في قولك: محمد الفائز.
(2/56)

يطلب الحكم على "علي" بوصف الخطابة، فنقول له حينئذ "علي الخطيب, وإذا علم أن ثم خطيبًا معروفًا، ثم عرف شخصًا بعينه يسمى "أحمد", ولكن لا يدرى أن ذلك الخطيب هو هذا "الشخص" صار كأنه يطلب الحكم على الخطيب بأنه "أحمد". فنقول له حينئذ: "الخطيب أحمد", فأيا ما كان فالمحكوم عليه هو الذي يجب تقديمه "كما عرفت", وقد أفدت السامع "في المثالين" حكمًا بأمر معلوم له على أمر معلوم له كذلك.
وكون المسند والمسند إليه معلومين للمخاطب لا ينافي إفادته أمرًا مجهولًا له، هو الحكم بأحدهما على الآخر، فالعلم لا يستلزم العلم بنسبة أحدهما إلى الآخر "كما رأيت".
2- إفادة السامع قصر المسند على المسند إليه إذا كان التعريف بأل الجنسية, والقصر بها نوعان: حقيقي، وادعائي.
فالأول نحو: "أنت الشاعر" إذا لم يكن شاعر سواه، فيؤتى بالمسند معرفًا "بأل" لقصد قصر الشاعرية على المخاطب قصرًا حقيقيًّا.
والثاني كقولك: "محمد الكريم"، إذا كان ثم كريم غيره، ولكن الكرم في "محمد" كمل وأتم، فيؤتى بالمسند معرفًا "بأل" لقصد قصر الكرم على "محمد" ادعائيًّا مبالغة في اتصافه بالكرم، بمعنى أنه بلغ فيه مرتبة لم يبلغها سواه، فكأن لا كريم غيره.
(2/57)

تنكير المسند:
يؤتى بالمسند منكرًا لأمور نذكر منها ما يلي:
1- عدم وجود الموجب لتعريفه "من إرادة التعيين" أو الحصر، بأن لم يرد المتكلم إفادة السامع التعيين في المسند، ولا إفادة حصر المسند إليه على ما تقدم، كما تقول: "محمد كاتب"، و"شوقي شاعر" فأنت تريد الإخبار بمجرد ثبوت الكتابة "لمحمد"، والشعر "لشوقي"، لا حصر الكتابة في "محمد" ولا الشعر في "شوقي"، ولا أحدهما معينًا، بحيث لا يرد الكتابة أو الشعر في شخص بعينه.
2- قصد التفخيم والتعظيم للإشارة إلى أن المسند بلغ من خطورة الشأن، وسمو المنزلة درجة لا يدرك كنهها كقوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} بناء على أنه خبر {ذَلِكَ الْكِتَابُ} فقد أتى بالمسند نكرة للدلالة على فخامة هداية الكتاب وكمالها، وأنها بلغت غاية فوق متناول المدارك.
1- قصد التحقير كما تقول: "نصيبي من هذا المال شيء" أي حقير تافه، لا يؤبه له، ولا يعتد به، ولا يبعد أن يكون لمادة الكلمة دخل في المعنى المراد.
4- اتباع المسند إليه في التنكير كما تقول: "طالب من القسم الثاني وافد علينا", إلى غير ذلك من دواعي التنكير.
(2/57)

تقديم وتأخير المسند:
يؤتى بالمسند مقدمًا على المسند إليه لأسباب منها.
1- قصر المسند إليه على المسند كما يقال: "مصري أنا" فتقديم المسند يفيد قصر المتكلم على المصرية، لا يتجاوزها إلى الشامية مثلًا فهو من قصر الموصوف على الصفة وسيأتي ذلك في بابه مفصلًا, وكقوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي أن هذا الملك العظيم له "سبحانه" لا لغيره.
2- "التنبيه من أول الأمر" على أنه خبر عن المسند إليه، لا نعت له، إذ النعت لا يتقدم على المنعوت كقول حسان بن ثابت يمدح النبي "صلى الله عليه وسلم".
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
يقول: إن هممه الكبيرة لا يحصيها عد، ولا يحيط بها وهم، وإن صغرى هممه فوق همة الدهر، بمعنى أن الدهر "على عظيم خطره"، لا يفل من عزيمته ولا يحول دون إرادته, والشاهد في قوله: "له همم" حيث قدم المسند على المسند إليه تنبيهًا "من بادئ الأمر" على أنه خبر لا نعت, ولو أخره فقال: "وهم له" لتوهم ابتداء: أنه نعت لشدة حاجة النكرة إليه، وأن الخبر سيذكر فيما بعد, وكقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} ... إلى أشباه ذلك من الآيات.
3- التفاؤل بإسماع المخاطب "من أول الأمر" ما يسره كما تقول للمريض: "في عافية أنت"، أو "في تحسن صحتك"، وكقول الشاعر:
سعدت بغرة وجهك الأيام ... وتزينت بلقائك الأعوام
قدم المسند في هذه المثل لقصد إسماع المخاطب "من أول الأمر" ما يتفاءل به، ويغتبط له.
(2/58)

4- التشويق إلى ذكر المسند إليه، بأن يشتمل المسند على وصف أو أوصاف للمسند إليه، تشوق النفس إلى ذكره، كقول ابن وهب المتقدم:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتا ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
على تقدير: "أن "ثلاثة" هو الخبر، وقد قدم لاشتماله على وصف مشوق لذكر المسند إليه، ونحو "منهومان لا يشبعان- طالب علم. وطالب مال" على تقدير: "أن "منهومان" خبر. وقدم لاشتماله على وصف مشوق.
تأخير المسند:
يؤتى بالمسند مؤخرًا للأغراض المتقدمة في تقديم المسند إليه: من أن تقديمه هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه، أو لأن في تقديمه تشويقًا للمسند، أو لتعجيل المسرة أو المساءة، أو غير ذلك؛ مما بسطنا ذكره هناك.
(2/59)

تمرينات منوعة:
1- ايت بعدة أمثلة من إنشائك يكون المسند إليه فيها:
"1" مذكورًا لإظهار التعجب منه. "2" محذوفًا لتعينه.
"3" معرفًا بالإضمار للمتكلم. "4" معرفًا بالعلمية للتفاؤل.
"5" معرفًا بإشارة البعيد للإهانة. "6" معرفًا بالموصولية للتشويق إلى الخبر. "7" معرفًا "بأل" للإشارة إلى الحقيقة نفسها.
"8" معرفًا بالإضافة لإغنائها عن تفصيل متعذر.
"9" منكرًا لإفادة التكثير.
"10" مقدمًا للتفاؤل.
2- ايت بعدة أمثلة كذلك يكون المسند فيها:
"1" مذكورا للتعريض بغباوة السامع. "2" محذوفًا في جواب سؤال محقق "3" لإفادة القصر. "4" مذكرًا لقصد التحقير.
"5" مقدمًا للتطير.
(2/59)

3- اجعل من الكلمات الآتية مسندًا, ثم مسندًا إليه في عبارات من عندك ثم بين الحال العارضة لكل، والغرض الذي دعا إليها.
الهدنة، بشير السلام. الحرير, غلام الوزير. رحمة. عراقي. تجهم. أولئك. كاتب أنت. قادم. الذين.
4- بين فيما يأتي: الحال العارضة للمسند، أو المسند إليه، مع بيان السبب الذي دعا إليها.
"1" نبينا محمد حبيب الله، سيد الأنبياء والمرسلين، في جواب: "من نبيك؟ ". "2" طيار يقول: "من رأى طيارًا مقبلا؟ ". "2" زهير يذيب الشعر، والشعر يذيبه: ويدعو القول، "والسحر يجيبه، في جواب من قال: ما شأن زهير؟
"4"
له راحة لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندى من البحر
"5"
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت
"6" ما خالد رجلًا. "7" أقبل أمير المؤمنين، جوابًا لمن سأل: هل أقبل عمر؟. "8" {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} .
"9" حريق اندلع لهيبه في حقلك. "10" {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} . "11" {لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} . "12" ذو ملق ونفاق.
"13" {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} .
14
خليلي إما أن تعينا وتسعدا ... وإما كفافا لا علي وليا
"15" {الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} .
"16" الجائزة كانت من نصيبك. "17" ربح أصابه تجار القطن هذا العام. "18" كل من عاش لنفسه لا يستحق أن يولد. "19" الجلاء قرر وبشير السلام وافى. "20" إن الذي أخلصت له ودك لا يرغب فيك.
"21" على يعظم أهل الدين.
"22"
شيئان لا تصلح الدنيا بغيرهما ... المال يصلح منه الحال والولد
(2/60)

تمرين يطلب جوابه على قياس ما سبق:
إلهي عبدك العاصي أتاكا ... مقرًّا بالذنوب وقد دعاكا
فإن تغفر فأنت لذاك أهل ... وإن تطرد فمن يعفو سواكا
عربي أنا. محمد تاجر. وعلي كاتب. محمد رحمة للعالمين. علي يعطي وهو متهلل الوجه، تجهم لخصمك الدهر، وابتسمت لك الأيام. ثلاثة تورث المحبة: الأدب، والتواضع، والدين. الذي حارت الناس في أمره الإنسان، {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، ذهبت إلى السوق فإذا أبي، قابلت رجلًا فسألني عنك الرجل، إن الذي تحنو عليه يسلقك بحاد لسانه، {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} . الصوف خير من القطن. اعتدى على شرفك من صنت عرضه. وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها. يرزق الجنين في بطن أمه. جاء ابن الحلاق. شر أهر ذا ناب. له عزيمة لا تقل. عندهم خدم. وفي حوزتهم ضياع.
إن الذي الوحشة في داره ... تؤنسه الرحمة في لحده
قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة ... وللسبع خير من ثلاث وأكثر
أن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سننًا للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
(2/62)

أحوال متعلقات بالفعل:
الكلام في هذا الباب مقصور على بحثين:
"1" بحث حذف المفعول.
"2" بحث تقديمه على عامله.
البحث الأول:
اعلم: أن للفعل ارتباطًا بكل من الفاعل والمفعول, فارتباطه بالفاعل من جهة وقوعه منه، وارتباطه بالمفعول من حيث وقوعه عليه, ولاختلاف نوع الارتباط اختلف أثر العامل، ولهذا كان أثره في الفاعل "الرفع" وفي المفعول "النصب".
والفعل المتعدي إذا أسند إلى فاعله، ولم يكر له مفعول، لا بد فيه من داع لهذا الهدف, وهاك أهم دواعيه:
1- البيان بعد الإبهام كما في فعل المشيئة1 إذا وقع شرطًا، ولم يكن تعلقه بالمفعول المحذوف غريبًا، كقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} , فمفعول فعل المشيئة محذوف، والتقدير: {وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُم} , ونكتة حذفه: "البيان بعد الإبهام" لأنه لما قيل: "ولو شاء" علم أن هناك شيئًا تعلقت به المشيئة، فلما جيء بجواب الشرط وهو قوله: {لَهَدَاكُمْ} وضح ذلك الشيء، وعلم أنه "الهداية" فكل من الشرط والجواب حينئذ دلا على المفعول، غير أن الشرط دل عليه إجمالًا، والجواب دل عليه تفصيلًا, والبيان بعد الإبهام أو لتفصيل بعد الإجمال، أو وقع في النفس, إذ إن السامع حينما يسمع قوله: {وَلَوْ شَاءَ} تتحرك نفسه، وتتشوق إلى ما تعلقت به المشيئة، فإذا جاء بعد ذلك جاء النفس في لهفة وشوق، ترقب قدومه فلا يلبث أن يقع منها موقع الماء الفرات من جوف الصدى, ومنه قول الشاعر:
__________
1 مثله كل ما في معناه كالإرادة والرغبة والمحبة وما شابه ذلك.
(2/63)

فلو إني استطعت خفضت طرفي ... فلم أبصر به حتى أراكا
أي لو أني استطعت خفض الطرف خفضت طرفي، فحذف المفعول للنكتة المتقدمة, والمفعول المحذوف في مثل هذه المواضع يقدر دائمًا مصدر فعل الجواب "كما رأيت".
فإن كان تعلق فعل المشيئة بالمفعول غريبًا لم يحسن حذف المفعول إذ لا يدل عليه الجواب حينئذ كقول الشاعر يرثي ابنه:
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
لم يحذف مفعول فعل المشيئة وهو قوله: "أبكي دمًا" لغرابة تعلق الفعل المذكور، ببكاء الدم, لهذا ذكر ليتقرر في ذهن السامع.
2- دفع توهم غير المراد ابتداء كما في قول أبي عبادة البحتري:
وكم نددت عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم
يقول الشاعر: كثيرًا ما دفعت عني ظلم الزمان وجبروته ورددت طغيان أيام ضربت فأوجعت، حتى بلغت في قسوتها الغاية. والشاهد في قوله: "حززن إلى العظم" والأصل حززن اللحم إلى العظم، فقد حذف المفعول، لأن ذكره يوهم السامع ابتداء، أي قبل ذكر قوله: "إلى العظم" أن الحز لم يصل إلى العظم، وإنما كان في بعض اللحم، وهذا غير مراد, بل المراد أن الحز جاوز اللحم إلى العظم كناية على أن أيام بلغت في شدتها, فدفعًا لتوهم غير المراد حذف المفعول ليدل الكلام على المراد من أول الأمر.
3- قصد إفادة التعميم في المفعول المحذوف مع الاختصار كقولهم: "قد كان منك ما يؤلم" أي كل أحد، فحذف المفعول لغرض إفادة العموم بقرينة المقام، إذ الغرض: المبالغة في الوصف بالإيلام، وهذا يقتضي إرادة العموم فبمن وقع عليه الألم، وأنه لا يختص به واحد دون الآخر، بل الكل في معاناة الألم سواء، قضاء لحق المبالغة, وكقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ} أي يدعو جميع عباده المكلفين. غير أن إفادة العموم في الآية، على وجه الحقيقة، لأن الدعوة إلى الجنة تعم الناس جميعًا, أما المثال الأول فإفادته العموم فيه على وجه المبالغة، لأن إيلام كل أحد من شخص واحد محال عادة, وإنما قلنا: "مع الاختصار" لأن التعميم يمكن أن يستفاد من ذكر المفعول بصيغة العموم، بأن يقال مقالًا: "قد كان منك ما يؤلم كل أحد"، أو يقال في غير القرآن: "والله يدعو كافة الناس إلى دار السلام" لكن يفوتنا الاختصار، وهو مطلوب أيضًا.
(2/64)

4- قصد الاختصار المجرد عن أي اعتبار آخر، من عموم أو خصوص كقولهم: "أصغيت إليه، أي أذني، حذف المفعول هنا لمجرد الاختصار وعليه قوله تعالى: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} أي أرني ذاتك.
5- استهجان التصريح به كقول عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت منه، ولا رأى مني" تريد "العورة", ونص الحديث: "كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، فما رأيت منه، ولا رأى مني".
6- أن ينزل الفعل المتعدي منزلة اللازم لعدم تعلق الغرض بالمعمول كقوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} ؟ فالغرض مجرد إثبات العلم ونفيه، دون ملاحظة تعلقه بمعمول ما، أي هل يستوي من له علم، ومن لا علم له؟ يريد نفي المساواة بين من هم من أهل العلم، ومن ليسوا من أهله مبالغة في ذمهم بالجهل بالدين، وإن الذين لا علم لهم به كان لا علم عندهم أصلًا.
7- قصد المحافظة على سجع أو وزن, فالأول كقوله تعالى: {وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} أي وما قلاك, والثاني كقول الشاعر:
بناها فأعلى والقنا بقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم
أي فأعلاها ... إلى غير ذلك من دواعي الحذف كالاعتماد على تقديم ذكره نحو: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} أي ويثبت ما يشاء, وكتعينه نحو: "رعت الماشية" أي النبات، وكغير ذلك.
البحث الثاني:
اعلم: أن الأصل في العامل أن يتقدم على المعمول، وقد يعكس الأمر فيقدم المعمول1 على العامل لاعتبارات شتى أهمها ما يلي:
1- إفادة التخصيص أي قصر العامل على المعمول، بحيث لا يتجاوزه إلى غيره كقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فإن المعنى نخصك بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك، ولا نستعين به، فقدم المفعول
__________
1 كالمفعول به وكالجار والمجرور والظرف والحال وما أشبه ذلك.
(2/65)

على الفعل لإفادة هذا الحصر، ومثله: {لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} أي لا إلى غيره، قدم المعمول، وهو جار ومجرور، لإفادة الحصر كذلك.
2- رد المخاطب إلى الصواب عند خطئه في تعيين المعمول، أو في الاشتراك فيه كقولك في الأول: "علينا لقيت" أي "لا غيره" ردا لمن اعتقد أنك لقيت رجلا غيره، وكقوله في الثاني: "محمدا أكرمت" أي "وحده" ردا لمن اعتقد أنك أكرمت "محمدا" وآخر معه، فقد قدم المفعول "في المثالين" لرد الخطأ في التعيين في الأول، وفي الاشتراك في الثاني.
وكالمفعول في هذا: الحال، والتمييز، والظرف، والجار والمجرور، وغيرها من متعلقات الفعل، فتقول في الحال: "راكبا جئت" لمن زعم أنك جئت "ماشيا"، وتقول في التمييز: "نفسا طبت" لمن زعم أنك طبت "نفسا وجسما"، فالأول لرد الخطأ في تعين المعمول، والثاني لرد الخطأ في الاشتراك فيه، وتقول في الظرف والجار والمجرور، "عند الأمير جلست"، و"في المنزل صليت" ردا لمن زعم العكس أو الاشتراك.
ويسمى الأول: قصر قلب، والثاني: قصر إفراد، وسيمر بك قريبا بحث واف خاص بهذا الموضوع.
3- الاهتمام بأمر المقدم كما في "بسم الله" حيث يقدر العامل مؤخرا، أي بسم الله أفعل كذا بيانا للاهتمام بالاسم الكريم، وفيه إلى جانب ذلك رد على المشركين، إذ كانوا يبدءون بذكر آلهتهم اهتماما بأمرها، فيقولون: "باسم اللات، باسم العزى"، ولا يشكل علينا آية {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} بتقديم الفعل على "اسم الله"، لأن الأمر بالقراءة فيها أهم إذ هي أول ما نزل من القرآن، والمقصود بالذات من الإنزال حفظ المنزل، وهو متوقف على القراءة، فكان البدء بها أحق1.
4- كون المعمول محط الإنكار كما تقول: "أبعد طول التجربة تنخدع بهذه الزخارف"؟ وكما تقول: "أفي الشر تسعى وقد جربت
__________
1 وقد يقال ردا لهذا الإشكال: إن قوله: {بِاسْمِ رَبِّكَ} متعلق "اقرأ" الثاني على أنه مفعول والباء زائدة لإفادة التكرار أي اقرأ "اسم ربك" بمعنى اذكره مرارا وتكرارا وأما "اقرأ" الأول فمنزل منزلة اللازم على معنى وأوجد القراءة، ويكون الكلام حينئذ جاريا على أصله إذ قدم فيه المفعول على الفعل اهتماما به.
(2/66)

عواقبه"؟ فأنت في الأول لم تنكر عليه "الانخداع" إذ هو أمر شائع، وإنما تنكر عليه أن يكون الانخداع منه بعد طول التجربة، كما لم تنكر عليه في الثاني سعيه، وإنما تنكر عليه أن يكون السعي منه في الشر لا في الخير، وقد عرف وخامة عاقبته، وسوء مغبته لهذا قدم كل من الظرف والجار والمجرور على عاملهما إذ هما محطا الإنكار "كما رأيت" ومنه قول الشاعر:
أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد1 بالليل نارا
فمزية تقديم المفعول "في البيت": إفادة أن الإنكار مسلط عليه، فهو يريد أن ينكر عليها: أن كل الناس "في حسبانها" سواسية، لا فرق بين كامل وناقص، وأن كل نار في زعمها نار كرم وسماحة.
5- التعجيل بالتبرك أو التلذذ به، أو بالمسرة، والمساءة، ففي الأول قولك: "محمدا صلى الله عليه وسلم أحببت"، وفي الثاني قولك: "ليلى وصلت, وسلمى لقيت"، وفي الثالث والرابع: "خيرا تلقي"، "شرا ينال عدوك".
6- موافقة كلام السامع نحو: "محمدا دعوت" في جواب "من دعوت"؟ فيقدم المفعول ليوافق مقابله في كلام السائل وهو "من" الاستفهامية.
7- مراعاة نظم الكلام كقوله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} والشاهد في الفقرة الثانية، حيث قدم المفعول على الفعل لتتوافق الفاصلتان في الفقرتين، ومثله قوله عز وجل: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} ، فالتقديم في مثل هذه المواضع ليس إلا مجرد مراعاة نظم الكلام "كما ترى"، إلى غير ذلك من الأسباب التي تستدعي التقديم، ولا تخفى على صاحب الذوق السليم.
__________
1 الأصل تتوقد حذفت إحدى التاءين.
(2/67)

تمرينات متنوعة:
"1" ايت من إنشائك بخمسة أمثلة حذف فيها المفعول لدواع مختلفة وبخمسة أخرى قدم فيها المفعول على عامله لأسباب مختلفة كذلك.
"2" اجعل كلا من الكلمات الآتية معمولا مقدما على عامله، مع اختلاف الدواعي: الله. محمدًا عليه السلام، عليًّا، باسمك ربي. أبعد أن وخط الشيب, نجاحًا. إخفاقًا هندًا.
"3" ايت بأربعة أمثلة من عندك يكون المفعول فيه محذوفًا بعد الإبهام، في الأول، ولإفادة التعميم "في الثاني" ولتنزيل الفعل المتعدي منزلة اللازم "في الثالث" ولاستهجان التصريح "في الرابع".
"4" بين دواعي حذف المعمول، أو تقديمه فيما يأتي:
"1" {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} . "2" باسمك الله. "3" {فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} . "4" إياك أعني. "5" علونا إلى القمة. "6" إبراهيم زرت.
"7" بلغني عنك ما يسر. "8" الرئيس رجوت "في جواب من رجوت؟ ". "9" اشتبكت مع أحد الخصوم، فتراشقنا ببذيء الكلام، فقال لي وقلت له. "10" {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ} . "11" {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى} . "12" إلى الوالدين شيء. وأنت لا تجهل نعمتهما عليك. "13" توفيقًا حالفت, وخذلانًا نال عدوك. "14" الله الكريم أسأل. "15" سعاد رأيت.
جواب التمرين الرابع:
(2/68)

تمرين يطلب جوابه على قياس ما سبق:
الله يحيي ويميت، {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} ، الحفاظ قد نبذ الناس، جميلك أتم، {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} .
أعندي وقد مارست كل خفية ... يصدق واش أو يخيب سائل
لو شئت عدت بلاد نجند عودة ... فحللت بين عقيقه وزورده1
تصفحنا إلى الخاتمة. أخاك قابلت "جوابًا لمن سأل من قابلت؟ ". تبادل رجلان هجو الكلام، فقالا حتى أسفا. {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} . بالنبي الكريم أتوسل. فوزًا أحرزت، وإلى مكة قصدت ومن زمزم شربت، وعلى الله توكلت. أكفرًا بعد رد الموت علي؟
أحين عسا2 غصني طرحت حبائلي ... إلي فهلا ذاك وهو رطيب
__________
1 العقيق والزورد مكانان.
2 عسا الغصن يعسو ذبل وجف.
(2/69)

القصر:
تعريفه:
هو لغة: الحبس، قال تعالى: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} أي محبوسات فيها, ومعناه اصطلاحًا: تخصيص شيء بشيء بإحدى طرق القصر الآتية بعد1, والمراد بالشيء الأول "المقصور" وبالشيء الثاني "المقصور عليه", مثاله أن تقول: "ما نجح إلا فؤاد" فهذا التعبير تخصيص شيء هو "النجاح" بشيء هو "فؤاد" بإحدى طرق القصر هو "النفي والاستثناء".
في هذا الباب أربعة مباحث:
"1" مبحث تقسيم القصر باعتبار غرض المتكلم. "2" مبحث تقسيمه باعتبار حال المقصور. "3" مبحث تقسيمه باعتبار حال المخاطب.
"4" مبحث الطرق الخاصة بالقصر.
__________
1 احترز بهذا عن نحو قولهم: محمد صلى الله عليه وسلم مقصور على الرسالة فلا يسمى قصرًا اصطلاحًا، لأنه ليس آتيا من إحدى الطرق المصطلح عليها.
(2/69)

تقسيم القصر:
تقسيم القصر باعتبار غرض المتكلم:
يقسم القصر باعتبار غرض المتكلم إلى قسمين: حقيقي، وإضافي.
فالحقيقي: هو ما اختص فيه المقصور عليه. بحيث لا يتجاوزه إلى غيره بمعنى ثبوته له، وانتفائه عن ذلك الغير حقيقة كان ذلك أو ادعاء.
فالأولى: كما في قولك: "ما خطيب في البلد إلا علي" إذا لم يكن في البلد خطيب سواه، فهذا قصر حقيقي إذ إن الغرض تخصيص الخطابة "بعلي" وقصرها عليه، بحيث لا تتعداه إلى غيره في الواقع ومثله قولهم: "ما معبود بحق إلا الله" فإن العبادة بحق مختصة بالله تعالى لا تكون لأحد سواه.
والثاني: كما في المثال المتقدم: "ما خطيب في البلد إلا علي" إذا كان ثم خطباء غيره، ولكنهم لم يبلغوا في الخطابة مبلغ "علي" فهذا قصر حقيقي ادعائي أما أنه حقيقي، فلأن الغرض تخصيص الخطابة "بعلي" وقصرها عليه، بحيث لا تتعداه إلى غيره، وأما ما ادعاني، فلام التخصيص فيه ليس واقعيًا إذ الواقع أن هناك خطباء غيره, وإنما هو في ادعاء المتكلم وافتراضه، وأن من عداه من الخطباء في حكم المعدوم لقصورهم فيها، وكان لم يكن ثم خطيب سواه. ومثله قول الشاعر:
لا سيف إلا ذو الفقا ... ر ولا فتى إلا علي
القصرين في البيت حقيقي ادعائي، فافتراض أن غير "ذي الفقار" من السيوف، وغير "علي" من الفتيان في حكم المعدوم.
فالفرق إذا بين القصر الحقيقي حقيقة، والحقيقي ادعاء: أن الأول منظور فيه إلى الحقيقة والواقع، وأن الثاني منظور فيه إلى الادعاء والافتراض يجعل ما عدا المقصور عليه في حكم المعدوم وسمي هذا القصر حقيقيًّا، لأن القصر فيه بالنسبة إلى جمع ما عداه ولو فرضًا.
والإضافي: ما اختص فيه المقصور عليه بالنسبة إلى شيء معين, بحيث لا يتعداه إلى ذلك الشيء، ويصح أن يتعداه إلى شيء آخر كما تقول:
"ما كاتب إلا محمد" أي لا "علي" مثلا فالغرض تخصيص الكتابة "بمحمد" وقصرها عليه، بحيث لا تتجاوزه إلى "علي" ويصح أن
(2/70)

تكون لغير "علي" لأن الغرض تخصيصها "بمحمد" بالنسبة "لعلي" فقط وسمي هذا القصر إضافيا، لأن القصر فيه بالإضافة إلى شيء معين كما رأيت.
تنبيه:
يعلم مما تقدم أن القصر الحقيقي الإدعائي، والقصر الإضافة يشتركان في أمر، ويفترقان في آخر يشتركان في أن المقصور فيهما لا يختص بالمقصور عليه في الواقع، بل يوجد فيه وفي غيره كما تقول: "ما كاتب إلا محمد، فإن الكتابة غير مختصة بمحمد في القصرين أما في الحقيقي الادعائي فلأن الغرض فيه: تخصيص الكتابة بمحمد، مع وجودها في غيره، وافتراضها في حكم المعدوم, وأما في الإضافي فلأن الغرض فيه، تخصيص الكتابة "بمحمد" بالنسبة إلى شخص معين كعلي مثلًا، لا بالنسبة لكل من عدا المقصور عليه, ويفترقان في أن الحقيقي الادعائي روعي فيه نفي الحكم عما عدا المقصور عليه، باعتبار أن ما عداه في حكم المعدوم مبالغة وأن الإضافي يراعى فيه نفس الحكم عن شيء معين لا عن كل ما عدا المقصور عليه كما في المثال المذكور فإن الحقيقي الادعائي روعي فيه نفي الكناية عن غير "محمد" من اشتركوا معه فيها، باعتبارهم في حكم المعدول، وأن الإضافي روعي فيه نفي الكتابة عن "علي" فقط، ولم يتعرض فيه لنفي الكتابة عن غير "علي" فوضح ما بين القصرين من اتفاق وافتراق. ا. هـ.
تقسيم القصر باعتبار حال المقصور:
يقسم القصر "بنوعيه" باعتبار حال المقصور إلى قسمين قصر صفة1 على موصوف، وقصر موصوف على صفة, والفرق بينهما أن الأول يكون بتقديمه الصفة على الموصوف كما تقول: "ما شاعر إلا علي". والثاني يكون بتقديم الموصوف على الصفة كما تقول "ما علي إلا شاعر"2.
__________
1 المراد بالصفة هنا: الصفة المعنوية وهي المعنى القائم بالغير المقابل للذات سواء دل عليه بلفظ النعت النحوي كقائم, أو بغيره كالفعل ونحوه من ظرف أو جار ومجرور مثل: ما يقوم إلا محمد، وما عندي إلا علي، وما في الدار إلا خالد.
2 هذا إذا لم يكن القصر من طريق التقديم فإن كان منه اختلف الحال ففي نحو: "مصري أنا" قصر موصوف على صفة مع تأخير الموصوف، وفي نحو "إياك نعبد" قصر صفة على موصوف مع تأخير الصفة على ما سيأتي.
(2/71)

فمثال قصر الصفة على الموصوف من الحقيقي حقيقة قولك: "لا إله إلا الله" ففيه قصر صفة الألوهية على ذات الله "سبحانه" قصرًا حقيقيًا حقيقة وهو ظاهر، ومثله قولك: "ما خطيب في البلد إلا علي" إذا لم يكن في البلد خطيب سواه, ومثله من الحقيقي ادعاء قولك "ما عادل إلا عمر" ففيه قصر صفة العدالة على "عمر" قصرًا حقيقيًا ادعائيًا لأنها توجد في غيره ولكنها في "عمر" أكمل منها في سائر الأفراد، فاعتبر كأن لم يكن عادل سواه ومثاله من القصر الإضافة قولك: "ما أديب إلا إبراهيم": أي لا أحمد مثلًا، ففيه قصر الأدب على إبراهيم قصرًا إضافيًا، أي بالإضافة إلى "أحمد" فقط.
ومثال قصر الموصوف على الصفة قصرًا حقيقيًا قولك: "ما علي إلا تاجر" تريد قصره على صفة التجارة، وأن لا صفة له غيرها، وهذا النوع من القصر لا يكاد يوجد لتعذر الإحاطة بصفات الشيء، حتى يمكن إثبات شيء منها، ونفي ما عداه، وحينئذ فالتعويل في مثل هذا النوع على قصد المبالغة، بمعنى عدم الاعتداد بصفة غير الصفة المقصور عليها، فيكون من قبيل القصر الحقيقي الادعائي, ومثاله من القصر الإضافي قولك: "ما شوقي إلا شاعر" أي إلا خطيب مثلًا، تريد قصره على صفة الشعر، بحيث لا يتجاوزها إلى الخطابة.
تقسيم القصر باعتبار حال المخاطب:
ينقسم القصر بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: قصر قلب، قصر أفراد, قصر تعيين.
فقصر القلب: ما يخاطب به من يعتقد عكس الحكم الذي أثبته المتكلم, مثاله في قصر الصفة على الموصوف قولك: "ما نابه إلا أحمد" ردًّا على من اعتقد أن النابه محمود لا أحمد, ومثاله في قصر الموصوف على الصفة قولك: "ما علي إلا بطل" ردًا على من اعتقد اتصافه بالجبن، دون البطولة وسمي: قصر قلب لقلب الحكم على المخاطب.
وقصر الإفراد: ما يخاطب من يعتقد الشركة, مثاله في قصر الصفة على الموصوف قولك: "ما نبيل إلا فؤاد" ردًا على من اعتقد اشتراك عباس معه في هذه الصفة، ومثاله في قصر الموصوف على الصفة: "ما فؤاد إلا كاتب" ردًا على من اعتقد اتصافه بالكتابة والشعر, وسمي قصر أفراد لقطع الشركة التي اعتقدها المخاطب.
(2/72)

وقصر التعيين: ما يخاطب به المتردد بين شيئين, مثاله في قصر الصفة على الموصوف قولك: "ما ذكي إلا خالد" خطابًا لمن تردد بين ذكائه وذكاء "بكر" ولا يدري أيهما على التعيين, ومثاله في قصر الموصوف على الصفة قولك: "ما فؤاد إلا ناجح" خطابًا لمن تردد بين نجاحه وإخفاقه, وسمي قصر تعيين لتعيين ما هو غير معين عند المخاطب.
تنبيهان:
الأول: اعلم أن التقسيم إلى القلب، والإفراد، والتعيين خاص بالقصر الإضافي كما يظهر لك من الأمثلة السابقة, وعللوا ذلك: بأن التقسيم المذكور لا يتأتى إجراؤه في القصر الحقيقي حقيقة1.
بيان ذلك: أنك إذا قلت مثلًا في قصر الصفة على الموصول قلبًا: "ما كاتب إلا محمد" تريد قصر الكتابة عليه قصرًا حقيقيًا بمعنى إثبات الكتابة له ونفيها عمن عداه كان مقتضى ذلك: أن المخاطب يعتقد العكس أي يعتقد اتصاف جميع الناس بالكتابة دون "محمد" وهذا بعيد جدًا. إذ لا يتصور من السامع العاقل أن يعتقد اتصاف جميع الناس بصفة من الصفات إلا واحدًا منهم لما هو معلوم بداهة من تعذر استقصاء كافة الناس حتى يحكم عليهم بإثبات أو نفي, كذلك إذا قلت في قصر الموصوف على الصفة قلبًا: "ما محمد إلا كاتب" تريد قصره على صفة الكتابة قصرًا حقيقيًّا حقيقة، بمعنى إثبات الكتابة له، دون غيرها من سائر الصفات, كان مقتضى ذلك أن المخاطب قد اعتقد العكس أي اعتقد ثبوت جميع الصفات "لمحمد" إلا الكتابة، وهذا أيضًا غير متأت لما علم بالبداهة: من تعذر الإحاطة بصفات الشيء، حتى يمكن الحكم بثبوت شيء منها ونفي ما عداه, وهكذا يقال في قصري الإفراد والتعيين. اهـ.
الثاني: علمت مما تقدم: أن قصر الإفراد هو ما يخاطب به من يعتقد الشركة أي اشتراك شيئين أو أشياء في أمر واحد كما مثلنا سابقًا وحينئذ.
يشترط: في قصر الموصوف على الصفة إفرادًا، إلا يتنافى الوصفان ليتأتى اعتقاد المخاطب اشتراكهما في موصوف واحد، فيرد عليه حينئذ بقصر الإفراد أي بأنه متصف بأحد الوصفين دون الآخر، فإذا قلت مثلًا "ما علي إلا شاعر" وجب أن تكون الصفة المراد نفيها: كونه خطيبًا أو كاتبًا، لا كونه مفحمًا، أي لا يقول الشعر إذ الإقحام ينافي الشاعرية فلا يتأتى اعتقاد اجتماعهما في موصوف واحد. ا. هـ.
__________
1 إنما قلنا ذلك لإمكان القصر الحقيقي الادعائي.
(2/73)

اختبار1:
1- عرف القصر لغة واصطلاحًا، ثم بين أجزاء التعريف الاصطلاحي, ووضح ذلك بالمثال.
2- قسم القصر باعتبار غرض المتكلم، وعرف كل قسم، ومثل له، مبينا علة تسمية كل قسم.
3- قسم القصر باعتبار حال المقصور، ومثل لكل قسم، وافرق بين الأقسام.
4- بين سبب تعذر قصر الموصوف على الصفة قصرًا حقيقيًا، مع بيان المراد بالصفة.
5- اذكر الفرق بين الحقيقي والإضافي, ثم افرق بين الحقيقي حقيقة، والحقيقة ادعاء، ثم فرق بين الحقيقي ادعاء والإضافي، مع توضيح كل ذلك بالمثال.
6- اذكر أقسام القصر الإضافي، وعرف كل قسم، ومثل له، مع بيان سبب تسمية كل قسم من هذه الأقسام، ومن أي نوع قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِر} ؟
7- بين لماذا خص القصر الإضافي بالتقسيم إلى القلب، والإفراد، والتعيين، دون الحقيقي، وضح ذلك بالمثال.
(2/74)

تمرين:
حول الجملة الآتية إلى ما يناسبها من جمل قصرية، وبين نوع القصر فيها: علي أبين صفاته الزهد. محمد بذ أبناء بلده في الكرم. عرف خالد بالبسالة ولم يعهد فيه الجبن. إبراهيم فاق أخاه في الذكاء. شوقي يجيد الإنشاء دون الإنشاد. محمود فحسب يحترف التجارة.
تمرين يطلب جوابه:
حول الجمل الآتية إلى ما يناسبها من جمل قصرية، وبين نوع القصر فيها:
توفيق سبق أقرانه علمًا. أظهر سمات الجمل الصبر. اشتهر حسان بالشعر ولم يعرف بالإقدام. استأثر امرؤ القيس باستبكاء الديار. ليس للبحتري حكمة المتنبي. شوقي في شعره أبرز منه في نثره.
(2/75)

طرق القصر:
للقصر طرق يتأدى بها، وهي كثيرة1, ولكن المصطلح عليه منها ستة؛ غير أن المبحوث منها في هذا الباب أربعة2 وإليك بيانها:
1- النفي والاستثناء3 والمقصور عليه فيهما هو ما يلي أداة الاستثناء, مثاله في قصر الصفة قصرًا حقيقيًا قولك: "ما شاعر إلا فؤاد" أي لا غير فؤاد، وفي قصر الموصوف قولك: "ما فؤاد إلا شاعر" أي شاعر, أي لا غير شاعر.
ومثاله في قصر الصفة قصرًا إضافيًا قولك: "ما شاعر إلا فؤاد" أي لا توفيق, فإن كان الخطاب مع من اعتقد أن الشاعر توفيق لا فؤاد كان قصر "قلب". وإن كان مع من اعتقد أن الشاعر توفيق وفؤاد كان قصر "إفراد" وإن كان مع من تردد بينهما كان قصر "تعيين", وهكذا يقال في قصر الموصوف.
2- إنما: والمقصور عليه فيها هو المؤخر. مثاله في قصر الصفة على الموصوف قصرًا حقيقيًا قولك: "إنما شاعر شوقي" أي لا غير شوقي, وفي قصر الموصوف على الصفة قولك: "إنما شوقي شاعر" أي لا غير شاعر.
ومثاله في قصر الصفة قصرًا إضافيًا قولك: "إنما شاعر شوقي" أي لا المنفلوطي، ومثال قصر الموصوف على الصفة قولك: "إنما شوقي شاعر" أي
__________
1 منها التصريح بلفظ "وحده" أو "لا غيره"، أو "فقط" كما تقول زارني محمد وحده، أو لا غير، أو فقط, ومنها التصريح بمادة الاختصاص، أو القصر كما تقول: اختص محمد بالكتابة، أو الشعر مقصور على محمد، فكل هذا ليس من طرق القصر الاصطلاحية.
2 والاثنان الباقيان؛ أحدهما ضمير الفصل نحو: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} ؟ أو المقصور عليه فيه ما بعد الضمير. وثانيهما تعريف ركني الإسناد سواء اختلف طريقا التعريف كما في قوله: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} أو اتحدا نحو: الأمير القادم علينا, والمقصور عليه في المثال الأول هو المقدم، وفي الثاني هو المؤخر.
3 أي بإلا أو بإحدى أخواتها كغير وسوى.
(2/76)

لا خطيب, وكونه قصر قلب، أو إفراد، أو تعيين منوط بحال المخاطب كما تقدم.
ووجه إفادتها معنى القصر: تضمنهما معنى "النفي والاستثناء" فقولك: "إنما شوقي شاعر"، أو "إنما شاعر شوقي" في معنى قولك: ما شوقي إلا شاعر، أو ما شاعر إلا شوقي.
وأحسن مواقع "إنما" استعمالا: ما إذا كان المقصد منها التعريض1 كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} أي إنما يتعقل الحق أصحاب العقول. فمن المجزوم به: أن ليس الغرض من هذا الكلام ظاهره؛ وهو حصر تعقل الحق في ذوي العقول؛ لأن هذا أمر معلوم بالبداهة، وإنما هو تعريض بذم الكفار، وأنهم لفرط عنادهم, وغلبة الهوى عليهم في حكم من لا عقل له، وأن من يطمع في أن ينظروا ويتذكروا كمن يطمع في ذلك من غير أولي الألباب، ومثله قوله:
أنا لم أرزق محبتها ... إنما للعبد ما رزقا
فهذا تعريض بأنه لا مطمع له في وصلها، وأنه بائس من تحقيق ما يرجوه منها، وإلا فكون الرزق منوطًا بصاحبه، لا يكون لغيره أمر معلوم.
وإنما كان التعريض أحسن مواقع "إنما"، لأن الحكم الذي شأنها أن تستعمل فيه يكون "في الغالب" معلومًا للمخاطب "كما سيأتي بعد" فلا يكون الغرض إفادته حينئذ، بل يكون المقصود التاريخ به إلى معنى آخر كما تقدم بيانه "في الآية والبيت" وهذا هو معنى التعريض.
3- العطف بلا، أو ببل، أو بلكن. والمقصور عليه في العطف "بلا" هو المقابل لما بعدها، وفي العطف "ببل، ولكن"، هو ما بعدها. مثال العطف "بلا" في قصر الصفة قصرًا حقيقيًا قولك: "زهير شاعر لا غير زهير"، ومثاله في قصر الموصوف: "زهير شاعر لا غير شاعر" والمقصور عليه في الأول، "زهير" وفي الثاني "شاعر"؛ لأن كلا منهما هو المقابل لما بعد "لا".
__________
1 هو الكلام المستعمل في معناه ليلوح به إلى غيره لغرض من الأغراض.
(2/77)

ومثاله في قصر الصفة قصرًا إضافيًا قولك: "زهير شاعر لا سحبان".
ومثاله في قصر الموصوف: قولك "زهير شاعر لا خطيب", والمقصور عليه في الأول "زهير" وفي الثاني "شاعر" لأنهما المقابلان لما بعد "لا", ويبدو لك من الأمثلة: أن المدار في كون هذا النوع "من القصر" حقيقيًا أو إضافيًا على المعطوف فإن كان عامًّا "كما في المثالين الأولين" فالقصر حقيقي، وإن كان خاصًّا "كما في المثالين الآخرين" فهو إضافي.
ومثال العطف "ببل ولكن في قصر الصفة قولك: "ما عبد الحميد شاعرًا بل بشار، أو لكن بشار", ومثاله في قصر الموصوف قولك: "ما عبد الحميد شاعرًا بل كاتب، أو لكن كاتب", والمقصور عليه في الأول "بشار" وفي الثاني "كاتب"، وهذا التمثيل للإضافي، وأما الحقيقي فيعلم التمثيل به بالمقايسة على ما تقدم, والمدار في كونه حقيقيًا، أو إضافيًا على عموم المعطوف أو خصوصه "كما بينا", وفي كون الإضافي منه قلبًا، أو إفرادًا، أو تعيينًا مناطه حال المخاطبة "كما علمت".
"فائدة" إذا كثر النفي في العطف "بلا" قيل: "لا غير"، و"ليس إلا", فتقول في قصر الصفة: "محمد تاجر لا غير" أي لا غير محمد فهو قائم مقام قولك: لا علي ولا أحمد ولا محمود، ولا غيرهم وتقول في قصر الموصوف: "محمد شاعر لا غير" أي لا غير شاعر، فهو قائم مقام قولك: لا فقيه، ولا تاجر، ولا كاتب، ولا غير ذلك.
4- تقديم ما حقه1 التأخير: كتقديم الخبر على المبتدأ2, وتقديم المعمول على العامل, والمقصور عليه في هذا النوع من القصر هو المقدم. مثال الأول من قصر الموصوف قولك: "مصري أنا" أي لا غير مصري إن كان القصر حقيقيًّا أو لا شامي إن كان القصر إضافيًّا, فتقديم الخبر على المبتدأ أفاد قصر الموصوف, وهو "ضمير المتكلم" على الصفة, وهي "المصرية" بحيث لا يتعداها إلى غيرها أصلا "في القصر
__________
1 احترز به عما وجب تقديمه لصدارته كأين ومتى.
2 محل كون تقديم الخبر على المبتدأ يفيد الحصر ما لم يكن المتبدأ نكرة قدم عليها الخبر كقولهم: في الدار رجل. فمثل هذا لا يفيد حصرًا.
(2/78)

الحقيقي"، أو إلى الشامية "في القصر الإضافي", ومثال الثاني من قصر الصفة قصرًا حقيقيًّا قولك: "إياك نعبد"، أي لا غيرك, فتقديم المفعول على الفعل أفاد قصر الصفة وهي "العبادة" على الموصوف الذي هو "ضمير الخطاب", بحيث لا تتعداه إلى غيره "سبحانه", ولا يخفى اعتبار الإضافي منه قلبًا، أو إفرادًا، أو تعيينًا.
اختلاف طرق القصر:
هذه الطرق الأربعة -بعد اشتراكها في إفادة القصر- تختلف من عدة وجوه وإليك بيانها.
الأول: أن النفي "بلا العاطفة" لا يجامع النفي والاستثناء, فلا يصح أن يقال في قصر الصفة: "ما حكيم إلا المتنبي لا البحتري"، ولا أن يقال في قصر الموصوف: "ما سحبان إلا خطيب لا شاعر"؛ لأن شرط صحة المنفي "بلا" العاطفة: ألا يكون منفيًّا قبلها بغيرها من أدوات النفي, والمنفي "بلا" في المثالين منفي قبلها "بما" فقبح نفيه ثانيًا.
ولكنه يجامع "إنما", والتقديم فيقال: إنما "أنا مصري لا عراقي".
ويقال: "محمدًا أكرمت لا عليًّا" وإنما صح ذلك فيهما؛ لأن النفي غير مصرح به، فلم يقبح النفي "بلا" حينئذ.
الثاني: إن التقديم يفيد الحصر بمفهوم الكلام ومعناه، بمعنى أن صاحب الذوق السليم إذا تأمل في الكلام الذي فيه التقديم المذكور فهم الحصر، وإن لم يعرف أن التقديم- في اصطلاح البلغاء- يفيد الحصر, فقولك: "مصري أنا" يدل بمفهومه ذوقًا على حصر المتكلم في المصرية, أما ما عداه من طرق القصر فدلالته على الحصر بالوضع, "فلا العاطفة" موضوعة للنفي بعد الإثبات، و"بل ولكن" موضوعتان للإثبات بعد النفي، وهذان المعنيان مفيدان للقصر, كذلك الحال في النفي والاستثناء, فإن حرف النفي موضوع للنفي، وحرف الاستثناء موضوع للإخراج من حكم النفي، وهذا المعنى مفيد للقصر, "وإنما" كذلك مفيدة للحصر وضعًا لتضمنها معنى "النفي والاستثناء" كما علمت.
الثالث: أن الأصل في القصر "بالعطف"، أن ينص على المثبت والمنفي معًا فإذا قلت في قصر الصفة: "الحجاج خطيب لا الوليد" فقد نصصت على من تثبت له الخطابة وهو "الحجاج"، وعلى من نفيت عنه وهو "الوليد", وإذا قلت في قصر الموصوف: "الحجاج خطيب لا
(2/79)

شاعر "فقد نصصت على المثبت للحجاج وهو "الخطابة"، وعلى المنفي عنه وهو "الشعر" وكذلك الشأن في العطف "ببل ولكن" ولا يترك النص عليهما إلا كراهة الإطناب لغرض ما، كما يقال في قصر الموصوف: "محمد يعرف الكيمياء لا غير" أي لا الطب ولا الهندسة؛ ردًّا على من يقول محمد يعرف الكيمياء والطب والهندسة, وكما يقال في قصر الصفة: "محمد يعرف الطب لا غير" أي لا إبراهيم، ولا خالد، ردًّا على من يقول: محمد يعرف الطب، وإبراهيم، وخالد.
أما الطرق الثلاثة الباقية فالأصل فيها النص على المثبت فقط, فتقول في "النفي والاستثناء" في قصر الصفة: "ما أديب إلا محمد" فقد نص على الذي أثبت له الأدب، وهو "محمد" ولم ينص على الذي نفى عنه، وهو "أحمد" مثلًا. وتقول في قصر الموصوف: ما محمد إلا أديب، فقد نص على الذي أثبت وهو "الأدب"، ولم ينص على الذي انتفى وهو "التجارة" مثلًا, وهكذا يقال في "إنما" و"التقديم" فظهر أن الطرق الثلاثة لا ينص فيها إلا على المثبت.
الرابع: أن الأصل "في النفي والاستثناء": أن يستعملا في أمر من شأنه أن يجهله المخاطب، وينكره، أو فيما هو منزل هذه المنزلة. مثال الأول: أن ترى شبحًا من بُعْد، فتقول: "ما القادم إلا محمد" لمخاطب ينكر عليك ذلك معتقدًا أنه محمود، لا محمد، فقدوم محمد أمر من شأنه أن يجهله المخاطب، وينكره لبعد الشبح في مرأى العين. ومثال الثاني وهو ما نزل فيه الأمر المعلوم منزلة ما من شأنه أن يجهل، وينكر قوله تعالى: {إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِير} أي لست مكلفًا بغير الإنذار, فكونه عليه الصلاة والسلام منذرًا فقط أمر لا يجهله، ولا ينكره, لكن لما كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا جيد الحرص على هداية الناس، يكرر الدعوة جاهدًا لمن امتنع عن الإيمان، صادقًا عنه نزل ذلك الأمر المعلوم له منزلة ما من شأنه أن يجهل وينكر" فعبر فيه "بالنفي والاستثناء" على ما هو الأصل فيهما.
والأصل في "إنما" على العكس، أي أن تستعمل في أمر من شأنه ألا يجهله المخاطب، ولا ينكره، أو فيما نزل هذه المنزلة. مثال الأول: أن ترى شبحًا من قرب، بحيث يدرك بقليل من التأمل فتقول لآخر: "إنما المقبل ذئب" فمثل هذا الحكم -والحالة هذه- من شأنه ألا يجهله المخاطب ولا ينكره لقرب الشبح في مرأى العين, وكما تقول: "إنما هو صاحبك القديم"، و"إنما هو أخوك" لمن لا يجهل ذلك، ولكنك تريد أن تنبهه إلى ما يجب عليه: من رعاية حرمة الصاحب، وحق الأخوة لترققه،
(2/80)

وتستعطف قلبه -ومثال الثاني- وهو ما نزل فيه الأمر للمجهول منزلة ما من شأنه ألا يجهل قوله تعالى: حكاية عن اليهود: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} , ادعوا: أن إصلاحهم المجهول للمخاطبين، والمنكر لديهم أمر جلي ظاهر، من شأنه ألا يجهله المخاطب، ولا ينكره تنزيلًا للأمر المجهول لهم، المنكر عندهم منزلة المعلوم المعترف به، فعبروا فيه "بإنما" على ما هو الأصل فيها, ومثله قول الشاعر:
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء
ادعى الشاعر أن ثبوت هذه الصفة لممدوحه أمر جلي لا يخفى على أحد, كما هو دأب الشعراء إذا مدحوا، فإنهم يدعون الشهرة فيما يصفون به ممدوحيهم.
وإنما خص "النفي والاستثناء" بما من شأنه أن يجهل وينكر دون "إنما" لأن القصر من أسباب التأكيد ولما كان النفي صريحًا في "الاستثناء" كان التأكيد أقوى، فكان لموضع الإنكار أنسب. ا. هـ.
الخامس: أن "إنما" يعقل منها الحكمان: الإثبات والنفي دفعة واحدة، ويستفادان منها نصًّا من غير توقف على شيء, فإذا قلت مثلا: "إنما خالد كاتب" فقد أثبت له صفة الكتابة، ونفى عنه صفة الشعر مثلا في القصر الإضافي, وهذان الحكمان استفيدا من العبارة المذكورة في آن واحد، ودلت عليهما نصًّا، بلا توقف على شيء آخر وراء ذلك.
بخلاف "العطف" نحو: "خالد كاتب لا شاعر" و"ما خالد كاتبًا بل شاعرًا", فإن الذي يعقل أولا في "المثال الأول" ثبوت الكتابة لخالد, ثم نفي الشاعرية عنه, والذي يعقل في المثال الثاني "نفي الكتابة عن خالد", ثم ثبوت الشاعرية له, ولا شك أن تعقل الحكمين معًا أرجح، إذ لا يذهب فيه الوهم إلى عدم الحصر من أول الأمر "كما في العطف".
وبخلاف: "التقديم" نحو: "العلوم لزمت" فإنه وإن أفاد الحكمين معًا لكن ليس ذلك نصًّا، بل احتمالا, فإن الاسم المقدم يحتمل أن يكون معمولا للعامل المؤخر، فيكون تقديم المعمول مفيدًا للحكمين معًا, ويحتمل أن يكون معمولًا لعامل آخر قدر تقديمه على المعمول، فلا يفيد الحكمين.
وبخلاف "الاستثناء" فإنه -وإن أفاد الحكمين معًا نصًّا- لكن إفادته ذلك موقوفة على المستثنى منه، لأن الاستثناء موضوع للإخراج فلا بد من ملاحظة المخرج منه.
(2/81)

مواقع القصر:
كما يقع القصر بين المبتدأ والخبر -كما سبق- يقع بين الأشياء الآتية:
1- بين الفعل والفاعل نحو: "ما صدق إلا محمد", والقصر الواقع بينهما من قصر الصفة على الموصوف؛ لأن الفعل من قبيل الأوصاف.
2- بين الفاعل والمفعول نحو "ما لقي عمرو إلا خالدًا" في قصر الفاعل على المفعول، ونحو "ما لقي خالدًا إلا عمرو" في قصر المفعول على الفاعل, وقد علمت أن المقصور عليه "في الاستثناء هو ما بعد "إلا".
3- بين المفعولين نحو: "ما أعطيت الفقير إلا درهمًا" و"ما أعطيت درهمًا إلا الفقير" و"ما علمت محمدًا إلا البيان" و"ما علمت الباين إلا محمدًا، وهكذا"، والقصر الواقع بين هذه المعمولات من قبيل قصر الصفة على الموصوف، أو قصر الموصوف على الصفة, وبيان ذلك مما لا يتسع له المقام.
4- بين سائر المتعلقات كالحال، والتمييز والظرف، والجار والمجرور، وغير ذلك.
ففي الحال تقول: "ما جاء محمد إلا راكبا" أو "ما جاء راكبًا إلا محمد" وفي التمييز تقول: "ما طاب محمد إلا نفسًا، وما طاب نفسًا إلا محمد"، وفي الظرف تقول: "ما جلست إلا بين يدي الأمير"، وفي المجرور تقول: "ما مررت إلا بك" وهكذا يكون القصر في كل ذلك حقيقيًّا، وإضافيًّا قلبًا، أو إفرادًا، أو تعيينًا، ولا يخفى اعتبار ذلك.
تأخير المقصور عليه أو تقديمه:
إذا كان القصر من طريق النفي والاستثناء فالكثير، الغالب أن يؤخر المقصور عليه على المقصور, فإذا أريد قصر المبتدأ على الخبر قيل: "ما محمد إلا كاتب", وإذا أريد العكس قيل: "ما كاتب إلا محمد"، وإذا أريد قصر الفاعل على المفعول قيل: "ما لقي محمد إلا عليًّا، وإذا أريد العكس قيل: "ما لقي عليًّا إلا محمد" ... وهكذا، فالمقصور عليه في هذه المثل جميعها هو المتأخر كما ترى.
ويجوز -على قلة- تقديم المقصور عليه بشرط أن تصحبه أداة
(2/82)

الاستثناء، بحيث يكون واليًا لها نحو: ما لقي إلا عليًا محمد "في قصر الفاعل على المفعول" وما "لقي إلا عباس فؤاد" في قصر المفعول على الفاعل, ومنه قول الشاعر:
فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا ... عشية لاقينا جزامًا وحميرا
وإنما جاز تقديمه على قلة بالشرط المذكور؛ لعدم اللبس في المعنى إذ المقصور عليه هو الوالي لأداة الاستثناء قدم، أو أخر.
ويمتنع تقديمه إذا فقد الشرط المذكور لما فيه من التباس المعنى وانعكاس المقصود, بيان ذلك: أنك إذا قلت مثلا: "ما أحب محمد إلا عمرًا" تريد قصر الفاعل على المفعول، ثم قدمت المقصور عليه بدون الأداة، فقلت: "ما أحب عمرًا إلا محمد", كان من قبيل قصر المفعول على الفاعل، وهو خلاف المعنى المراد.
وإن كان القصر "بإنما" وجب تأخير المقصور عليه, ولا يجوز تقديمه مطلقًا, فإذا أريد قصر المبتدأ على الخبر قيل: "إنما إبراهيم أديب", وإذا أريد العكس قيل: "إنما أديب إبراهيم", وإذا أريد قصر الفاعل على المفعول قيل: "إنما لقي عليٌّ محمودًا", وإذا أريد العكس قيل: "إنما لقي محمودًا علي", فالمقصور عليه في مثل هذه المثل هو المتأخر دائمًا.
ويمتنع تقديمه على المقصور؛ لأن في تقديمه إخلالا بالمعنى المقصود، فإذا قلت مثلا: "إنما لقي بكر خالدًا" تريد قصر الفاعل على المفعول، ثم قدمت خالدًا, فقلت: "إنما لقي خالدًا بكر" كان من قصر المفعول على الفاعل، وانعكس المقصود؛ لهذا وجب تأخير المقصور عليه ليكون التأخير إمارة القصر عليه إذ لا دليل عليه سواه.
(2/83)

اختبار:
1- اذكر ما اصطلحوا عليه من طريق القصر, ثم بين المقصور عليه من طريق العطف في مثالين أحدهما لقصر الصفة، والآخر لقصر الموصوف.
2- ما الفرق بين القصر الحقيقي والإضافي من طريق "العطف" وضح ذلك بمثالين أحدهما لقصر الصفة، والآخر لقصر الموصوف.3- بين المقصور عليه في القصر من طريق "النفي والاستثناء" في مثالين أحدهما لقصر الصفة، والآخر لقصر الموصوف, ثم بين مثل ذلك في القصر بإنما.
4- بين المقصور عليه في القصر من طريق التقديم في مثالين: لقصر الصفة تارة، والموصوف أخرى.
5- بين كيف استفيد معنى الحصر من طرق القصر المصطلح عليها، وما الكل في إفادة هذا المعنى سواء؟ اشرح ذلك مع التمثيل.
6- هل هناك فارق بين القصر من طريق العطف، والقصر من طريق غيره، وإذا كان، فما هو؟ مثل لما تقول.
7- وازن بين "النفي والاستثناء" وبين "إنما" بما تعرفه من وجوه الموازنة مع التمثيل.
8- كيف كان التعريض أحسن مواقع "إنما" مثل لما تقول.
9- اذكر مواقع القصر، ومثل لكل بمثال ومثل لكل بمثال: ومن أي قبيل قصر الفعل على الفاعل؟.
(2/84)

اختبار2:
1- اذكر ما اصطلحوا عليه من طريق القصر, ثم بين المقصور عليه من طريق العطف في مثالين أحدهما لقصر الصفة، والآخر لقصر الموصوف.
2- ما الفرق بين القصر الحقيقي والإضافي من طريق "العطف" وضح ذلك بمثالين أحدهما لقصر الصفة، والآخر لقصر الموصوف.3- بين المقصور عليه في القصر من طريق "النفي والاستثناء" في مثالين أحدهما لقصر الصفة، والآخر لقصر الموصوف, ثم بين مثل ذلك في القصر بإنما.
4- بين المقصور عليه في القصر من طريق التقديم في مثالين: لقصر الصفة تارة، والموصوف أخرى.
5- بين كيف استفيد معنى الحصر من طرق القصر المصطلح عليها، وما الكل في إفادة هذا المعنى سواء؟ اشرح ذلك مع التمثيل.
6- هل هناك فارق بين القصر من طريق العطف، والقصر من طريق غيره، وإذا كان، فما هو؟ مثل لما تقول.
7- وازن بين "النفي والاستثناء" وبين "إنما" بما تعرفه من وجوه الموازنة مع التمثيل.
8- كيف كان التعريض أحسن مواقع "إنما" مثل لما تقول.
9- اذكر مواقع القصر، ومثل لكل بمثال ومثل لكل بمثال: ومن أي قبيل قصر الفعل على الفاعل؟.
(2/84)

تمرينات:
الأولى: بين موضع القصر فيما يأتي:
"1" ما قصد عباس إلا فؤادًا. "2" لم يزرنا إلا إبراهيم.
"3" إنما يخشى الله من عباده العلماء. "4" ما منحت الفقير سوى درهم.
"5" إنما أعطيت أخي معطفي. "6" إنما خطب علي وهو جالس.
"7" طاب توفيق عيشًا لا نفسًا. "8" إنما اشتقت إليك.
"9" ما أقمت إلا عندك. "10" إنما راعني محمد جماله.
الثاني: بين نوع القصر وطريقه، والمقصور والمقصور عليه فيما يأتي:
"1" ما كامل غير الله. "2" ما خاتم النبيين إلا محمد. "3" ما كريم إلا حاتم. "4" {إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} . "5" إنما الدنيا كطيف خيال. "6" الدنيا دار ضيافة لا دار إقامة "7" ما أنت صديق بل شقيق. "8" {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} . "9" {لِلَّهِ الْأَمْرُ} . "10" العلم أطلب. "11" إنما الأعمال بالنيات. "12" لا يعلم السر والنجوى سوى الله. "13" إنما يعرف الفضل من الناس ذووه. "14" الدين المعاملة. "15" إنما منحت المجد مكافأة.
(2/84)

جواب التمرين الأول:
"1" القصر فيه بين الفاعل والمفعول. "2" القصر فيه بين الفعل والفاعل.
"3" القصر فيه بين المفعول والفاعل. "4" القصر فيه بين مفعولي "منح".
"5" القصر بين مفعولي "أعطي". "6" القصر بين الحال وصاحبها.
"7" القصر بين التمييز والمميز. "8" القصر بين الفعل والمجرور.
"9" القصر بين الفعل والظرف. "10" القصر بين البدل والمبدل منه.
تمرين يطلب جوابه على نحو ما سبق:
إنما ساءني زيد طبعه. ما كسوت سعيدًا إلا جبة. إنما سبق علينا أخوه. ما زارنا سوى إبراهيم. إنما ساء زيد منقلبا. ما خطب أحمد إلا جالسًا. إنما أحب إبراهيم محمودًا. ما فكرت إلا فيك. ما يرعى حق الجوار إلا كريم. لا يحسن الخلة إلا وفي. ما سأل عمرو إلا خالدًا. إنما يعطي القوس باريها.
(2/85)

تمرين يطلب جوابه:
بين نوع القصر، وطريقه، والمقصور عليه فيما يأتي:
لا فارس إلا علي. ولا شاعر إلا ابن هانئ1. ابن المقفع ناثر لا ناظم. ما أنا حاسب لكن كاتب. لله درك فارسًا. لا إله إلا الله. بك وثقت. إنما تعلم محمد علم المعاني.
ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم ... ولا أسلمها إلا يدا بيد
ليس عارًا بأن يقال فقير ... إنما العار أن يقال بخيل
إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس
ليس اليتيم الذي قد مات والده ... بل اليتيم يتيم العلم والأدب
وما نال المنى في الناس إلا ... غبي القوم أو فطن تغابى
إنما الدنيا هبات ... وعوار مسردة
كأن لم يمت أحد سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح
قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر2 الفارس إلا أنا
وقيل في الحكم: لا يألف العلم إلا ذكي، ولا يجفوه إلا غبي، إياك أعني واسمعي يا جارة.
وما شاب رأسي من سنين تتابعت ... علي ولكن شيبتني الوقائع
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
__________
1 ابن هانئ من فحول شعراء الأندلس وهذان المثالان ينطبق عليهما قول الشاعر:
إن تكن فارسًا فكن كعلي ... أو تكن شاعرًا فكن كابن هانئ
2 بتشديد الطاء يريد: القاه على قطره أي جنبه.
(2/87)

الإنشاء
مدخل
...
الإنشاء:
قلنا فيما سبق: أن الإنشاء قول لا يحتمل صدقًا ولا كذبًا، أي لا ينسب لقائله صدق أو كذب, وقد تقدم بيان ذلك, وهو يطلق بمعنيين:
1- يطلق ويراد به الكلام الذي ليس لنسبته خارج تطابقه، أو لا تطابقه، نحو: "اكتب يا فلان"، فهذا كلام إنشائي إذ ليس لنسبته خارج تطابقه أو لأن مدلول اللفظ لا يحصل إلا بالتلفظ به, كما ترى.
2- يطلق ويراد به: المعنى المصدري، أي فعل المتكلم، وهو إلقاء مثل الكلام المذكور، والتلفظ به.
وينقسم باعتبار المعنى إلى قسمين: طلبي، وغير طلبي.
فغير الطلبي كصيغ المدح, والذي مثل "نعم وبئس", وكصيغ العقود "كبعت واشتريت", وكالقسم، وفعلي التعجب, وغير ذلك من الصيغ التي لا يراد بها طلب شيء, وهذا القسم لا بحث له في علم المعاني.
والطلبي وهو المقصود بالبحث هنا هو ما يستدعي مطلوبًا غير حاصل وقت الطلب ولو في اعتقاد المتكلم؛ لأن طلب الحاصل لا يليق1.
والمبحوث فيه هنا من أنواع الطلب خمسة هي: الأمر، النهي, الاستفهام، التمني، النداء.
__________
1 فإذا استعملت صيغ الطلب في مطلوب حاصل عند الطلب امتنع إجراؤها على معانيها الحقيقية كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا} ، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} فإن كلا من الإيمان والتقوى حاصل وقت الطلب لهذا امتنع إجراء صيغة الطلب على معناها الذي هو طلب الحصول، وأريد طلب دوام هذا الحصول، والمعنى داوموا على إيمانكم، ودم على تقواك.
(2/88)

مبحث الأمر:
الأمر:
هو طلب حصول الفعل على جهة الاستعلاء حقيقيًّا كان ذلك الاستعلاء، أو ادعائيًّا, فالأول كقول السيد لعبده: "افعل كذا"، والثاني كقول العبد لسيده: "افعل كذا" متعاظمًا لا متواضعًا.
ولصيغة الأمر صور أربع:
1- فعل الأمر, كقوله تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} ، وكقولك: "اعطني كتابك".
2- المضارع المقرون بلام الأمر, كقوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِه} ، وكقولك: "ليؤد كل منكم واجبه".
3- اسم فعل الأمر, كقولك لآخر: "صه عن الغيبة والنميمة", أي كف عنهما، ونحو: "حي على الفلاح" أي أقبل على ما فيه الخير والسعادة، ونحو "آمين" بمعنى استجب, فإن مجنون ليلى العامرية.
يا رب لا تسلبني حبها أبدا ... ويرحم الله عبدًا قال آمينا
4- المصدر النائب عن فعل الأمر نحو: سعيًا في الخير، ورفقًا بالضعفاء، وصبرًا على البأساء1.
المعنى الحقيقي لصيغة الأمر:
مدلول الصيغة -على ما ذهب إليه الجمهور- هو الطلب على جهة الوجوب إذ هو المفهوم منها عند الإطلاق, وما عداه من المعاني يحتاج إلى قرائن تحف به، تستفاد من سياق الكلام, وقيل غير ذلك.
فورية الأمر وتراخيه:
اختلفوا في صيغة الأمر عند تجردها من القرائن, هل تقتضي الامتثال فورًا، أو على التراخي، أو ما هو أعم منهما؟
فالجمهور على أن مدلول صيغة الأمر هو طلب حصول الفعل مطلقًا عن قيد الفورية؟ أو التراخي, فالمأمور يكون ممثلًا للآمر بالإتيان بالفعل المأمور به سواء أتى به فورًا، أو بعد مهلة, ولا يتعين أحدهما إلا بقرينة، وهذا هو الراجح.
وقال السكاكي: إن مدلول الأمر، طلب حصول الفعل فور النطق بالصيغة، إذ مقتضى الطبع في كون الشيء مطلوبًا، أن يراد حصوله في
__________
1 هذه المصادر نائبة عن فعل الأمر المحذوف وجوبًا، ولهذا كان المصدر نفسه هو "المسند" لا الفعل المحذوف، والضمير المستتر فيه هو "المسند إليه".
(2/89)

الحال, فإذا قيل: "افعل كذا" كان معناه افعله فورًا, كما هو الشأن في "الاستفهام والنداء", فالأول يقتضي فورية الجواب عن المستفهم عنه، والثاني يقتضي فورية إقبال المنادى, ولا يستفاد المتراخي إلا بقرينة. ا. هـ.
تنبيه:
كما أن مدلول صيغة الأمر لا يفيد الفورية، ولا التراخي عند خلو المقام عن القرائن -كما قدمنا- كذلك لا يفيد استمرار الفعل، ولا تكراره، فإذا أمر السيد عبده بالقيام مثلًا كان ممتثلًا بمجرد قيامه، ولا يقتضي ذلك أن يستمر قائمًا، أو أن يكرر القيام مرة بعد أخرى، ما لم تقم قرينة على ذلك. ا. هـ.
المعاني المجازية لصيغة الأمر:
تخرج صيغ الأمر عن معانيها الحقيقية إلى معان آخر مجازية. تفهم من سياق الكلام، وقرائن الأحوال؛ منها:
1- الدعاء: إذا استعملت الصيغة في مقام التضرع نحو {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ} .
2- الالتماس: كقولك لندك سنًا ومقامًا: "اعطني هذا الكتاب".
3- التهديد: إذا استعملت الصيغة في مقام عدم الرضا بالمأمورية كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} ، وكقولك: "افعلوا ما بدا لكم", وإنما كان تهديدًا؛ لأن أمرهم بكل عمل شاءوا، أو بكل عمل بدأ لهم ليس مرغوبًا فيه.
4- التعجيز: إذا استعملت الصيغة في مقام إظهار عجز المدعي كقوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} , وإنما كان تعجيزًا لأن الإتيان بسورة من مثله فوق مقدورهم، ومن التعجيز قول الشاعر:
يا لبكر انشروا لي كليبا ... يا لبكر أين أين الفرار
فالأمر هنا مراد به التعجيز، لأن المقصود به: إعادة الحياة لكليب، وذلك فوق مقدورهم، وخارج عن طوقهم.
5- التسخير: إذا استعملت الصيغة في مقام يكون المأمور فيه منقادًا لما أمر به كقوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} .
6- الإهانة: إذا استعملت الصيغة في مقام عدم الاعتداد بشأن المأمور كقوله تعالى: {كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} .
(2/90)

7- الإباحة: إذا استعملت الصيغة، حيث توهم المخاطب عدم جواز الإتيان بالشيء كقوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} فالمراد بهذا الأمر، بيان حكم الأكل والشرب وأنه مباح لا حظر فيه.
8- التسوية بين الشيئين: إذا استعملت الصيغة في مقام توهم المخاطب فيه أرجحية أحد الطرفين المتساويين كقوله تعالى: {اصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا} وكقوله تعالى: {أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ} .
9- التمني: إذا استعملت الصيغة في معنى لا طماعية في حصوله كقول الشاعر الجاهلي:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فليس الليل مما يوجه إليه أمر أو نهي، وإنما الشاعر يشكو من طول ليله، ويود لو ينبلج الصبح ليتخلص من هموم الليل والألم والسهر.
10- الامتنان: نحو: {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} ، يريد "سبحانه" أن يمتنّ علينا بما منحنا من نعمه وآلائه.
11- الإكرام: كقوله تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ} فليس المراد: الأمر بالدخول لحصوله وقتئذ، وإنما الغرض: إظهار إكرامهم وأنهم يستحقون هذا النعيم بما قدموا من خير.
12- الدوام: كقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ، وكقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا} فليس المراد: الأمر بالهداية والإيمان لأنهما حاصلان إنما الغرض الدوام عليهما.
13- الإذن: كقولك لمن طرق الباب: "ادخل" تريد الإذن له بالدخول.
14- الإرشاد والاعتبار: فالأول كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} يريد: إرشادنا إلى ما ينبغي، من تدوين ما يجرى بيننا من معاملات تفاديا لما عسى أن يقع من نزاع, والثاني كقوله تعالى: {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} , فليس المراد: مجرد الأمر بالنظر إلى الثمر، وإنما الغرض: لفت النظر إلى ما في قدرة الله تعالى من إبداع ليعتبروا ... إلى غير ذلك.
(2/91)

مبحث النهي:
النهي: طلب الكف عن الفعل على جهة الاستعلاء حقيقيًا كان الاستعلاء أو ادعائيًا -كما في الأمر- فالأول كقول السيد لعبده: "لا تفعل كذا", والثاني كقول العبد لسيده: "لا تفعل كذا" متعاظمًا.
ولصيغة النهي صورة واحدة هي الفعل المضارع المقرون "بلا الناهية" كقوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} .
المعنى الحقيقي لصيغة النهي:
هو- على ما ذهب إليه الجمهور- طلب ترك الفعل طلبًا جازمًا وهذا أرجح الأقوال, وقيل: غير ذلك مما لا مجال لذكره.
غير أن صيغة النهي تختلف عن صيغة الأمر: من حيث إن صيغة النهي تدل على الفور والاستمرار جزمًا، لأنه "في الغالب" لدفع مفسدة ما لم تقم قرينة على قصد التراخي أو المرة, فإذا قيل لإنسان يتناول الخمر: "لا تشرب الخمر" لا يعد ممتثلا للنهي حتى يكف في الحال، ويستمر كافًّا عنها, فلو استمر يشرب بعد النهي، ثم كف لم يكن ممتثلا لأنه لم يكف فورًا، وإذا كف على الفور، ثم عاد لم يكن ممتثلا أيضًا لأنه لم يستمر على هذا الكف, وإنما تكون الصيغة للتراخي أو المرة بقرينة, فالأول كقول أستاذ لتلميذه: "لا تخرج من الفصل"، فهو لا يريد طبعًا أن يكف الآن عن الخروج، إذ الخروج لم يحصل بعد حتى يكف عنه، إنما يريد أن يكف عندما يهم به, والثاني كقولك لآخر: "لا تتكلم" فأنت "بالبداهة" لا تريد الكف عن الكلام مدى الدهر، إنما تريده في حالة خاصة، وفي وقت معين.
المعاني المجازية لصيغة النهي:
تخرج صيغة النهي -كما في الأمر- عن معناها الحقيقي إلى معان مجازية تفهم من سياق الكلام؛ منها:
الدعاء: إذا استعملت الصغية في مقام التخضع والاستعطاف نحو قوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} .
الالتماس: كقولك لندك: لا تبرح مكانك حتى أعود إليك.
التهديد: كقولك لخادمك الخارج عن طاعتك: "ألا تمتثل أمري", وإنما كان تهديدًا للعلم الضروري بأن السيد لا ينهى خادمه عن امتثال
(2/92)

أمره بل الحال بالعكس فكأنه يقول: سترى ما يسوءك لعدم امتثالك.
الإرشاد: كقوله تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} يريد بهذا النهي: إرشادهم إلى أنه لا ينبغي التدخل في أمور يسوء وقعها، ولا يسر العلم بها.
التيئيس: كقوله تعالى: {لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ} يريد أن لا فائدة في الاعتذار وأنكم في يأس مما تأملون.
الدوام: كقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} , وإنما كان الغرض: الدوام للعلم بأنه صلى الله عليه وسلم لم يظن ذلك بل لم يخطر له ببال.
التمني: كما في قول الشاعر:
يا ليل طل يا نوم زل ... يا صبح قف لا تطلع
والشاهد في "لا تطلع" فليس مستعملًا في معناه الحقيقي إذ لا يوجه إلى الصبح أمر أو نهي, وإنما كان الغرض: التمني، لأنه يسمر مع حبيبه، فهو يود ألا يطلع الصبح، ليطول سمره، واستمتاعه بحبيبه ما شاء له، الهوى, إلى غير ذلك من المعاني.
(2/93)

اختبار- تمرين1:
1- اذكر معنى الإنشاء وقسمه، وبين كل قسم، ومثل له.
2- عرف الأمر، وبين الصيغ الدالة على معناه، مع التمثيل.
3- إذا قال إنسان لخادمه: "افعل كذا فمتى يكون ممتثلًا" على رأي الجمهور، وما رأي السكاكي في هذه المسألة؟
4- عرف النهي وبين مدلوله الحقيقي، ووازن بين صيغته وصيغة الأمر في الدلالة.
5- ايت من إنشائك بأربعة أمثلة "للأمر" أحدها للتهديد، وثانيها للدعاء، وثالثها للتمني، ورابعها للتعجيز، ثم ايت بمثلها للنهي".
تمرين:
بين ما يراد من صيغ الأمر والنهي في التراكيب الآتية:
يا دار عبلة بالجواء تكملي. {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} . أسيئي بنا أو أحسني. لا تعاد الناس في أوطانهم. {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} لا تبرم أمرًا حتى تبحثه. {فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ} . لا يطمعنك سكوتي عنك. {يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} . {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ} . اتخذ لنفسك سلمًا في الجو. صديقي لا يكن في صدرك حرج. أعيني جودا ولا تجمدا. لا تقم بأداء الواجب. أربا بنفسك أن ترعي مع الهمل. لا ترحل أيها الشباب. أقم معنا على الرحب والسعة، لا تنه عن خلق وتأتي مثله. خذ ما أعددته لك. لا تشمت بي الأعداء، اصطد العنقاء. لا تحتجب أيها القمر.
(2/93)

جواب التمرين:
(2/94)

تمرين يقاس على ما سبق:
لا تطع أمري. استعد لما أنت لاقيه مني أيها المغرور. لا تنته عن غيك. بأسماء أقلعي. لا تحسبن سرورًا دائمًا أبدًا. عش ما شئت فإنك ميت. {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} . لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله. استقم أو لا تستقم. لا تلتمس من عيوب الناس ما ستروا. إن كان كبر عليك فوات الغرض فتصعد في السماء. لا تكن قئولا غير فعول.
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي إن دهرك هازل
قولك لزميل لك: لا تتوان عن تحصيل دروسك. لا تعبث في الصلاة. قوله صلى الله عليه وسلم: "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".
(2/95)

مبحث الاستفهام:
الاستفهام "لغة": طلب الفهم, "واصطلاحًا": طلب العلم بشيء بواسطة أداة من أدواته, وهي إحدى عشرة: الهمزة، هل, ما، من, متى، أيان، أين، كيف، أنى، كم، أي. وهذه الأدوات على ثلاثة أقسام:
1- ما يطلب به التصور تارة، والتصديق أخرى، وهو "الهمزة".
2- ما يطلب به التصديق فحسب، وهو "هل".
3- ما يطلب به التصور فقط، وهو بقية أدوات الاستفهام. وإليك تفصيل الكلام فيها على هذا الترتيب.
الهمزة ولها حالتان:
الحالة الأولى:
أن يطلب بها: تصور المفرد كإدراك المسند إليه وحده أو المسند وحده, تقول في طلب إدراك المسند إليه: "أمحمد مسافر أم محمود؟ ", إذا كنت تعرف أن أحدهما مسافر، ولكنك لا تعرفه بعينه، فأنت تريد بالسؤال تعيينه وتصوره، فتجاب حينئذ بأنه "محمود" مثلًا. وتقول في طلب تصور المسند: "أعلي شاعر أم كاتب" إذا كنت تعرف أن أحد الوصفين ثابت "لعلي" ولكنك لا تعرفه على التعيين، فأنت تطلب بالسؤال تعيينه، فتجاب بأنه "كاتب" مثلًا.
(2/95)

والمسئول عنه بهذه الهمزة1 هو ما يليها سواء أكان مسندًا إليه أم مسندًا أو شيئًا من المتعلقات كالمفعول، والظرف، والمجرور، والحال، ونحو ذلك فمثال ما ولى فيه "المسند إليه" الهمزة قولك: "أأنت أنشأت هذه القصيدة؟ ", إذا كنت تعلم بوقوع الفعل وهو "الإنشاء" ولكنك لا تدري فاعله أهو المخاطب أم غيره، وتريد بالسؤال تعيينه, ومثله "أعلي بنى هذه الدار؟ ", "أمحمد أقام هذه المصنع؟ ", "أإبراهيم خاط هذه القباء؟ ", فالمسئول عنه في هذه المثل هو "المسند إليه" إذ هو الذي ولي الهمزة.
ومثال ما ولي فيه "المسند" الهمزة قولك: "أأكرمت محمودًا"؟ إذا كنت تعلم أن فعلا من المخاطب تعلق "بمحمود"، ولكنك لا تدري أهو إكرام أم إهانة؟ وتريد بالسؤال تعيينه ومثال ما وليها "المفعول" قولك "أأياي قصدت؟ " إذا كنت تعلم بوقوع القصد من المخاطب، وتجهل عين المقصود وتريد بالسؤال تعيينه.
ومثال ما وليها "الظرف" قولك: "أيوم الجمعة قدمت؟ " إذا علمت بحصول القدوم، وجهلت زمنه, وقولك: "أعندكم أقام فلان؟ ", إذا علمت بحصول الإقامة، وجهلت مكانها, ومثال ما وليها الحال قولك: "أراكبا جئت؟ " ومثال ما وليها المجرور قولك: "أفي المسجد صليت؟ ". وهكذا فالمسئول عنه في هذه المثل وأشباهها هو ما ولي الهمزة كما رأيت.
تنبيهان:
الأول: يجوز أن يذكر بعد "همزة التصور"، وبعد حرف "أم" لفظ يناسب ما يليها أي مناسبة. ويسمي "معادلا" كما تقول في الأمثلة السابقة: "أأكرمت محمودًا أم أهنته"؟ فلفظ "أهنت" معادل "لأكرمت" وهما متناسبان من حيث التضاد, وتقول: "أأياي قصدت أم أخي؟ " فلفظ "أخي" معادل "لإياي" وهما متناسبان من حيث أن كلا مفعول "قصدت", وتقول: "أيوم الجمعة قدمت أم يوم الخميس؟ " فلفظ يوم الخميس معادل ليوم الجمعة، وهما متناسبان من حيث الظرفية, وتقول: "أراكبا جئت أم ماشيا" فلفظ "ماشيا" معادل "لراكبا" وهما متناسبان من حيث إن كلا حال مضادة لأخرى, وتقول: "أفي المسجد صليت أم في البيت؟ " فلفظ "البيت" معادل للمسجد من حيث أن كلا ظرف مكان للصلاة ... وهكذا, ويجوز حذفه كما تقدمت أمثلته. وتسمى "أم" هذه "متصلة" وهي لتعيين أحد المعادلين، بعد العلم بثبوت أصل الحكم.
__________
1 وهي التي لطلب القصور.
(2/96)

الثاني: محل وجوب إيلاء المسئول عنه الهمزة إذا لم تقم قرينة تدل عليه، فإن قامت عليه قرينة جاز تأخيره كما إذا أتى في الكلام بمعادل -على ما بيناه في التنبيه السابق- نحو: "أأكرمت محمودًا أم أحمد"؟ فإن ذكر المعادل وهو "أحمد" قرينة أن المسئول عنه المفعول لا الفعل، ونحو: "أليلة الخميس بكرت في نومك أم سهرت؟ " "أعندك قام محمد أم علي؟ " "أفي الحفل شعرت أم خطبت؟ " "أماشيًا جاء محمد أم محمود؟ "، "أأنت أنشأت هذه القصيدة أم رويتها؟ " وهكذا فالمسئول عنه في هذه المثل هو ما ولي الهمزة بقرينة، ذكر المعادل "كما رأيت". ا. هـ.
الحالة الثانية:
أن يطلب بالهمزة: التصديق بنسبة بين شيئين -ثبوتًا أو نفيًا- فالمسئول عنه بها هو نسبة يتردد العقل بين ثوبتها ونفيها، أي بين أن تكون محققة خارجًا أو غير محققة ويكثر حينئذ دخولها على الجملة الفعلية نحو: "أقدم صديقك؟ " فأنت لا تريد السؤال عن ذات القدوم ولا عن ذات "الصديق", وإنما تسأل عن نسبة القدوم إليه هل هي محققة في الخارج أو لا؟ ويقل دخولها على الجملة الاسمية نحو: "أعلي مسافر؟ " تسأل عن نسبة السفر إليه هل هي حاصلة أم غير حاصلة؟ ويجاب: "بنعم" أو "بلا" في الموضعين, وهذه الهمزة لا يتأتى فيها، أن يليها المسئول عنه لأنه "النسبة" وليس لها لفظ خاص يلي الهمزة.
"فائدة" إذا ولي الهمزة الفعل كما في نحو: "أأكرمت محمودًا؟ " احتمل ظاهره: أن تكون الهمزة لطلب تصور الفعل أهو إكرام أم إهانة؟ واحتمل أن تكون لطلب التصديق بنسبة الإكرام إلى المخاطب هل هي محققة في الخارج أم لا؟ , ويكون تعيين أحد الاحتمالين بالقرينة كأن يذكر المعادل لما ولي الهمزة, فإن كان المعادل هو النقيض كانت الهمزة لطلب التصديق كما تقول في المثال المذكور: "أأكرمت محمودًا أم لم تكرمه"، وإن كان المعادل غير النقيض كانت الهمزة لطلب القصور كما تقول في هذا المثال: "أأكرمت محمودًا أم أهنته"؟ وعلى هذا فقس.
هل ولها صفتان:
الأول: اختصاصها بطالب التصديق بنسبة بين شيئين ثبوتًا، أو نفيًا، أي طلب إدراك وقوعها، أو عدم وقوعها كما في الحالة الثانية "للهمزة" وتدخل على الجملتين الفعلية والاسمية نحو: "هل قدم أخوك"؟ وهل أخوك قادم؟ تريد السؤال عن نسبة القدوم إلى الأخ، هل هي حاصلة في الواقع أم غير حاصلة؟ ويجاب "بنعم" أو "لا".
(2/97)

ولاختصاص "هل" بطلب التصديق يمتنع استعمالها في صورة، ويقبح في أخرى, كما تراه فيما يلي:
فيمتنع في مثل قولك: "هل قدم محمد أم علي"، من كل تركيب يذكر في المعادل, ووجه المنع: هو أن ذكر المعادل يفيد بحسب السليقة العربية والذوق البلاغي: أن السائل عالم، ومصدق بأصل الحكم، وهو "القدوم" في هذا المثال، وإنما يسأل فقط عن الفاعل أهو محمد أم علي؟ , و"هل" تفيد: أن السائل جاهل بأصل الحكم لأنها لطلب التصديق به، فيؤدي الجمع بينهما في تركيب واحد إلى التناقض.
ويقبح استعمالها في مثل قولك: "هل عمرا قابلت"، و"هل بناديك نزل"، و"هل راكبًا أتى إليك"، و"هل عندك أقام" ونحو ذلك: من كل تركيب يتقدم فيه المعمول على العامل, ووجه القبح: هو أن تقديم المعمول على العامل -كما في الأمثلة- يفيد "غالبًا": تخصيص العامل بالمعمول كما تقدم في باب القصر, فقولنا: "عمرًا قابلت" مثلًا يفيد اختصاص عمرو بهذه المقابلة دون سواه، وإذا فالقائل: "هل عمرًا قابلت؟ " مصدق بوقوع المقابلة من الفعل، وإنما يسأل فقط عمن اختص بهذه المقابلة دون غيره -أهو عمرو أم غير عمرو- وحينئذ فتقديم المعمول على عامله يقتضي: التصديق بأصل الحكم، و"هل" لطلب التصديق بأصل الحكم فيؤدي ذلك إلى طلب حصول الحاصل، وهذا ضرب من العبث، ينبغي أن يصان عنه كلام البليغ.
وإنما قبح ذلك ولم يمتنع كسابقه، مع أن علة القبح تقتضي المنع، لاحتمال أن يكون تقديم المعمول لغير التخصيص كالاهتمام بالمقدم مثلا، فلا يقتضي تقديمه حينئذ: التصديق بأصل الحكم، فلا يؤدي إلى هذا العبث.
الصفة الثانية شبهها "بالسين وسوف" في تخليصها المضارع للاستقبال وضعًا، بعد أن كان محتملا له وللحال, ولهذا لا يصح أن يستفهم بها عن الفعل الواقع في الحال, فلا يقال: "هل تصدق" في جواب من قال: "أحبك" إذ يريد هل تصدق الآن في قولك؟ فهو يستفهم عن اتصافه بالصدق في الحال ووجه عدم الصحة: أن "هل" للاستقبال "كما ذكرنا" والفعل الواقع بعدها هنا حالي, وهما معنيان متدافعان بخلاف الهمزة فإنه يصح فيها ذلك، لأنها ليست مخصصة للمضارع بالاستقبال، فيصح أن يقال في المثال السابق: "أتصدق؟ " ولا ضمير فيه.
(2/98)

ولأجل اختصاص "هل" بطلب التصديق، وتخليصها المضارع للاستقبال اختصت بدخولها على الفعل لفظًا أو تقديرًا, تقول في الأول: "هل يعود أبوك من سفره"؟ وتقول في الثاني: "هل أبوك يعود من سفره"؟ على تقدير رفع "أبوك" في المثال الثاني على الفاعلية لفعل محذوف يفسره المذكور.
فإن عدل بها عن الجملة الفعلية إلى الاسمية كان ذلك لنكتة بلاغية أن يجعل ما سيوجد كأنه حاصل موجود اهتمامًا بشأنه، ودلالة على شدة المرغبة فيه نحو: "هل علي مجتهد؟ " والأصل: أن يقال: هل يجتهد علي؟ بمعنى: هل سيحصل اجتهاد من "علي" فيما بعد, غير أنه لما كان الاجتهاد منه مرغوبًا فيه جد الرغبة مطلوبا أشد الطلب أبرز في صورة الحاصل الآن كما هي عادة الإنسان إذا اشتدت رغبته في شيء مستقبل الوقوع تخيله واقعًا؛ لهذا عبر بالجملة الاسمية؛ لأنها أدل على طلب حصول الاجتهاد لدلالتها على الثبوت القائم.
ومن هنا كان قوله تعالى: {هَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُون} الذي عدل فيه عن الجملة الفعلية إلى الاسمية أدل على طلب حصول الشكر من العباد مما لو قيل: "فهل تشكرون؟ "، أو "أفأنتم شاكرون؟ ".
أما وجه الأدلية "في الأول" فلأن "هل" عشيقة الفعل، لا ترضى به بديلا، فإذا أبعد عنها، وأتى بالجملة الاسمية في مكانه كان ذلك دليلا على كمال العناية بمدلول هذه الجملة لأنها -كما ذكرنا- أدل على طلب حصول المقصود لدلالتها على حصول قائم بخلاف الفعلية1 فإنها إنما تدل على حصول سيأتي.
وأما وجه الأدلية "في الثاني" فلأن "هل" أشد ارتباطًا بالفعل من الهمزة، فانفكاكه عنها أشد عسرًا من انفكاكه عن الهمزة لفرط تعلق "هل" به، فيكون ذلك أدل على شدة الاهتمام بمدلول الجملة الاسمية لهذا كان قوله تعالى: {هَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} ؟ أدل على طلب حصول الشكر مما لو قيل: "أفأنتم شاكرون؟ "، مع اتحاد نوعي الجملة فيهما, ولذلك لا يحسن أن يقال: "هل أنت شاكر"؟ إلا من البليغ، لأنه
__________
1 أي المضارعية لأن الحديث فيها.
(2/99)

هو الذي يراعي النكات البلاغية في عباراته أما صدور مثل هذا القول من غير البليغ فقبيح، لأنه استعمال اللفظ في غير موضعه، عن جهل بمرامي الكلام ولطائفه.
و"هل" نوعان: بسيطة، ومركبة:
فالبسيطة هي التي يستفهم بها عن وجود الشيء في نفسه، أو عدم وجوده على معنى تحققه في الخارج، أو عدم تحققه فيه، بحيث يكون لفظ الوجود، أو عدم الوجود، أو ما في معناهما1 محمولًا على مدخولها كقولك: "هل العنقاء موجودة؟ " أو "هل هي غير موجودة؟ " أي هل هي ثابتة في الخارج متحققة فيه، أو غير متحققة فيه؟ بأن كانت أمرًا اعتباريًا وهميًا.
ومعنى كونها بسيطة: أن المذكور فيها شيء واحد غير لفظ "الوجود".
أو ما في معناه "كالعنقاء" في المثال المذكور، و"كمحمد" في نحو قولك: "هل محمد موجود؟ "، و"كالكرم" في قولك: "هل الكرم متحقق؟ "فالمذكور في الكلام غير لفظ الوجود أو التحقق، هو "العنقاء" في المثال السابق ومحمد في المثال الثاني والكرم في المثال الثالث.
والمركبة: هي التي يستفهم بها عن وجود شيء لشيء، أو عدم وجوده له، بمعنى ثبوته له، أو عدم ثبوته كقولك: "هل الشمس طالعة؟ "، أو "هل هي غير طالعة" أو "هل علي كريم" أو "هل هو غير كريم؟ " فليس الغرض: الاستفهام عن وجود "الشمس" في ذاتها، أو عن وجود "علي" في نفسه, كما في "هل" البسيطة، إنما الغرض، الاستفهام عن ثبوت شيء لهما, هو "الطلوع" للشمس، و"الكرم" لعلي.
ومعنى كونها مركبة: أن المذكور فيها شيئان غير لفظ "الوجود أو ما في معناه"، وهذان الشيئان هما "المسند والمسند إليه" "كالشمس والطلوع" في المثال الأول، و"علي والكرم" في المثال الثاني, إلى هنا ينتهي الحديث عن "الهمزة، وهل".
__________
1 كالثبوت والحصول والتحقق ونحو ذلك.
(2/100)

أما باقي أدوات الاستفهام المذكورة فلطلب التصور فحسب غير أنها تختلف: من جهة أن المطلوب بكل منها تصور شيء غير المطلوب تصوره بأداة أخرى وإليك الحديث عنها.
ما: ويستفهم بها عن غير العاقل وهي نوعان:
1- ما يطلب به إيضاح الاسم وشرحه كأن تسمع لفظًا لا تعرف معناه، فتقول، ما هو؟ طالبًا أن يبين لك مدلوله اللغوي كقولك: "ما المسجد" أي ما مدلوله اللغوي، فتجاب بلفظ أشهر، فيقال "ذهب"، وكقولك: "ما الغضنفر؟ " فتجاب: "أشد" وهكذا:
2- ما يطلب به، ماهية المسمى وحقيقته كما يقال: "ما الإنسان؟ أي ما حقيقة مسمى هذا اللفظ، فيجاب: "حيوان ناطق" وما الشمس؟ أي ماهيتها: فيجاب: "كوكب نهاري" وهكذا.
ويقع السؤال "بهل" البسيطة بين السؤال "بما" التي لشرح الاسم، و"ما" التي لطلب الماهية والحقيقة تمشيًا مع ما يقتضيه المنطق والطبع, فإن من يجهل معنى "البشر" مثلًا يسأل أولًا "بما" التي لشرح الاسم عن مدلوله اللغوي، فيقول: "ما هو؟ " فيجاب: "إنسان"، ثم يسأل ثانية "بهل" البسيطة عن وجوده، فيقول: "هل هو موجود"؟ فيجاب "نعم" مثلًا ثم يسأل ثالثًا "بما" التي لطلب الماهية والحقيقة، فيقال: "ما حقيقته؟ " فيجاب: "حيوان ناطق", وهكذا.
من ويسأل بها عن العاقل كما يقال: "من بنى الأهرام؟ " "من فتح مصر؟ " فيجاب باسمه الخاص، فيقال في الأول "خوفو"، وفي الثاني: "عمرو بن العاص", وقد يجاب بوصفه المعين له كما يقال: "من في الدار؟ " فيجاب "الرجل الطويل الذي أنشدك قصيدة أمس", وخرج الوصف غير المعين نحو: تاجر، أو كاتب أو غير ذلك من الأوصاف المشتركة بين كثيرين، فلا يصح أن يقع جواب السؤال "بمن".
متى: ويسأل بها عن الزمان ماضيًا كان أو مستقبلًا تقول: "متى قدمت؟ " فتجاب: "أمس"، وتقول: "متى تسافر؟ " فتجاب: "بعد أسبوع أو بعد شهر".
(2/101)

أيان: ويسأل بها عن الزمان المستقبل خاصة, فيقال: "أيان يثمر هذا الشجر؟ " فيجاب: بعد شهرين، أو ثلاثة، أو بعد سنة. وقد تستعمل في مواضع التفخيم والتهويل كما في قوله تعالى: {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَة} فإن الغرض: تفخيم هذا اليوم, وجواب هذا السؤال " {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} .
أين: ويسأل بها عن المكان، فيقال: "أين بيتك" و"أين تذهب" و"أين قضيت يومك؟ " فيجاب عن كل هذا بأسماء الأماكن.
كيف: ويسأل بها عن الحال, فيقال: "كيف صحتك"، أي على أي حالة هي، فيجاب: جيدة أو معتدلة, ويقال: "كيف وجدت صاحبك؟ " أي على أية حال وجدته، فيجاب: وجدته صحيحًا، أو مريضًا، أو مسرورًا أو حزينًا, ويقال: "كيف أتى إليك فلان" أي على أي حال أتى إليك، فيجاب أتى ماشيًا، أو راكبًا ... وهكذا.
أنى: ولها استعمالان:
أحدهما أن تكون بمعنى "كيف" كما في قوله تعالى: {أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ} ، وكقوله تعالى: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} ؟ على معنى كيف في المثالين, ويجب -والحالة هذه- أن يليها الفعل "كما مثلنا" بخلاف "كيف" فلا يجب فيها ذلك كما تقدم في أمثلتها.
ثانيهما: أن تكون بمعنى: "من أين" كما في قوله تعالى: {يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} ؟ على معنى: "من أين لك هذا الرزق"؟ بدليل قولها: "هو من عند الله", وقد تأتي بمعنى "متى" كما في قولك: "أني يفيض هذا النيل" أي متى يفيض؟
كم: ويسأل بها عن العدد المبهم كما في قوله تعالى: {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} ؟ ويقال: "كم كتابًا عندك؟ " فيجاب: كذا من الأعداد.
أي ويطلب بها، تعيين واحد مما أضيفت إليه كما في قوله تعالى: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا} ؟، و"أي الحزبين أحصى"؟ و {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} ؟ ويجاب في كل هذا بتعيين واحد من المضاف إليه, وهي بحسب ما تضاف إليه, فتكون للزمان، أو المكان إذا أضيفت إليهما، وتكون للحال، أو العدد كذلك وتضاف إلى العاقل، وإلى غيره، فيقال: "أي الأيام
(2/102)

قدمت"، و"أي الأماكن نزلت"، و"على أي الأحوال كنت"، "وأي الرجال بني الأهرام" "وفي أي الكتب تقرأ".
استعمال هذه الأدوات في غير معناها الحقيقي:
تخرج هذه الأدوات عن معناها الحقيقي إلى معان مجازية، تفهم من سياق الكلام بواسطة القرائن, منها:
1- الأمر: كما في قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ؟ على معنى: انتهوا.
2- النهي: كما في قوله تعالى: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ} ؟ بمعنى: لا تخشوهم فالله هو الجدير بالخشية منه.
3- النفي: كما في قوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} ، على معنى ما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
4- التشويق: كما في قوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ؟ يريد: أن يشوقهم إلى تجارة رابحة هي العمل بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.
5- التعجب: كما في قوله تعالى: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} ، فالغرض، التعجب من هذه الحال في الرسول.
6- التنبيه على ضلال: نحو: {أَيْنَ تَذْهَبُونَ} ؟ فليس الغرض: الاستفهام عن مكان الذهاب، بل المراد: تنبيههم على أنهم ضالون، وأن لا مفر لهم من عذاب الله، فهو لاحق بهم حيثما كانوا.
7- التمني: كما في قوله تعالى: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا} ؟
فليس الغرض: الاستفهام عن وجود شفعاء لهم إذ هم يعتقدون أن لا شفيع، ولكنهم يتمنون لو يكون لهم شفعاء يشفعون لهم.
8- التهكم والاستهزاء: كما في قوله تعالى: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} ؟ فليس الاستفهام هنا محمولا على معناه الحقيقي، إنما المقصود السخرية والاستهزاء به.
9- الاستبطاء: كقولك لمن دعوته فأبطأ في الإجابة: "كم دعوتك"؟ فليس المراد: الاستفهام عن عدد الدعوة، إنما الغرض: إظهار أنه تلكأ في الإجابة، فلم يسارع.
(2/103)

10- الاستبعاد: كقوله تعالى: {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ} ؟ فليس الغرض: السؤال عن الذكرى لاستحالته من الله العالم بخفايا الأمور، إنما المراد: استبعاد تذكرهم بدليل قوله: {وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ} فكأنه يقول من أين لهم التذكر والاعتبار والرجوع إلى الحق، وقد جاءهم رسول واضح الحجة، فأعرضوا عنه؟
11- التحقير: كقولك لآخر: "من أنت"؟ استخفافًا به وازدراء.
12- التكثير: كقوله تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ} ؟ فليس المراد: السؤال من عدد الآيات، وهو الذي لا تخفى عليه خافية، إنما الغرض: بيان أن ما أوتي إليهم من الآيات البينات كثير العدد، أي وهم -مع ذلك- يكابرون عنادًا.
13- التعظيم: كما في قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} ؟ يراد تعظيمه "سبحانه"، وأن الأمن في الشفاعة مرجعه إليه, ومنوط بإذنه وإرادته.
14- التسوية: كما في قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} أي إنذارهم وعدمه سيان، فهم -في الحالين- معرضون.
15- التقرير: أي حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه كما في قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} ؟ فحمل الاستفهام على حقيقته ممنوع بداهة؛ لأنه قول الله تعالى، وإنما هو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف, ومثله قوله تعالى: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} ؟
16- الإنكار: كقولك لمن يتعاطى الخمر: "أتشرب الخمر؟ ", أو لمن يسرق: "أتسرق؟ ", فليس الاستفهام محمولًا على حقيقته إذ لا معنى للسؤال عن شيء مشاهد، إنما الغرض. الإنكار على الفاعل فعله, ويسمى الاستفهام حينئذ إنكاريًا, ولا يخرج أمره عن معنيين: التوبيخ، والتكذيب.
فالتوبيخ إما على أمر وقع فيما مضى، بمعنى "ما كان ينبغي"، أو على أمر خيف وقوعه في المستقبل، بمعنى: "لا ينبغي أن يكون", فالأول كقولك لمن ارتكب جرمًا: "أعصيت ربك؟ " أي ما كان ينبغي لقد أن تعصيه, والثاني كقولك لمن يعتزم ارتكاب محظور: "أتعصي ربك؟ " أي لا ينبغي أن يصدر منك عصيان, ومن هذا قول الشاعر:
(2/104)

"أفوق البدر يوضع لي مهاد؟ " أي لا ينبغي ذلك، مدعيًا: أنه أعلى مرتبة، وأسمى مكانة من البدر, فالاستفهام في كل هذا يراد به الإنكار على المخاطب فعله، وتوبيخه عليه.
والتكذيب: إما في أمر مضى بمعنى: "لم يكن" أو سيأتي بمعنى: "لن يكون", فالأول كقوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا} ؟ أي لم يكن هذا الإصفاء، وهذا الاتخاد، بل أنتم مفرتون على الله كذبًا فيما تدعون، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا فالمراد هنا: تكذيبهم في دعواهم, والثاني كقوله تعالى: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} أي أنكرهكم على قبول الحجة: وأنتم كارهون لها. يعني لن يكون هذا الإلزام والإكراه, بل الذي أنا منوط به، الإعلام لا الإلزام, فالاستفهام في "الآيتين" يراد به الإنكار على المخاطب، وتكذيبه فيما زعم ... إلى غير ذلك من المعاني التي لم يرد فيها: الاستفهام الحقيقي.
(2/105)

اختبار- تمرين2:
"1" عرف الاستفهام، واذكر أدواته، وبين ما يختص منها بالتصور، وما يختص بالتصديق، وما يشترك بينها، مع التمثيل لما تقول.
"2" ما المسئول عنه بالهمزة التي للتصور؟ وماذا يراد بها في مثل قولك: "أقابلت صاحبك"؟ من كل ما ولي الفعل فيه الهمزة، وما المسئول عنه في نحو قولك: "ألقيت محمودًا أم خالدًا؟ ".
"3" ما المسئول عنه بهمزة التصديق؟ وهل يشترط فيه إيلاؤه هذه الهمزة كما في همزة التصور؟ وجه لما تقول.
"4" بين وجه امتناع أن يقال: "هل زارك علي أم أخوه"؟ وما وجه قبح أن يقال: "هل محمدًا قابلت؟ " ولم لم تمتنع هذه الصورة كسابقتها؟
"5" يقولون: إن "هل" كالسين وسوف: تمحض المضارع للاستقبال, فماذا يترتب على ذلك؟ علل لما تقول مع التمثيل.
"6" ما وجه اختصاص "هل" بالجملة الفعلية؟ وما هي النكتة في العدول بها عن الفعلية إلى الاسمية في نحو قولك: "هل أنت صادق؟ " اشرح ذلك بوفاء.
(2/105)

"7" أي العبارتين أدل على طلب الصدق؛ أقولك: "فهل أنت صادق؟ ", أم قولك: "أفأنت صادق؟ ". وضح ما تقول مع التوجيه.
"8" قسم "هل"، وعرف كل قسم، ومثل له، مع بيان علة تسميتها بالبسيطة "تارة"، وبالمركبة "أخرى".
"9" ايت بمثال من عندك فيه الهمزة للتصديق, ثم حولها إلى همزة تصور في المثال عينه، ثم مثل للهمزة المراد بها تصور المفعول لأجله، وما المراد تصوره في قولك: "أجد قال أم هزل؟ ".
"10" بين ما يطلب تصوره "بما"، ثم بين مرتبة "هل" البسيطة بالنسبة "لما"، مثل لما تقول شارحًا إياه.
"11" اذكر أربعة من المعاني التي خرج فيها الاستفهام عن معناه الحقيقي، مع التمثيل، ثم بين المراد بالاستفهام في قول الشاعر:
أتطلب صاحبًا لا عيب فيه ... وأي الناس ليس له عيوب
تمرين:
بين المعاني المستفادة من الاستفهام فيما يأتي:
{سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} ؟ هل الحياة إلا ظل زائل؟ {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ} ؟ أتصون يدك عن الأذى؟ أتغضب والديك؟ هل تسمع قولا فيه إصلاحك؟ من ذا الذي بنى الأهرام؟ أهذا الذي كنت تركن إليه؟ أأنت الذي نال الجائزة أم يوسف؟ {يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ} ؟ أنى لكم هذا المال وقد أهلككم الفقر؟ قال النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
إلام أنت لاه ولاعب؟ ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى} ؟ متى يستقيم الظل والعود أعوج؟ أتركن للعدل؟ وهل سمعت بظل غير متنقل؟ أتلهو؟ وأيامنا تذهب؟ أأديت واجبك؟ هل تستوي الظلمات والنور؟ أبعد شيبي يبغي مني الأرب؟ أتكذب علينا؟ هل يعود الشباب؟
(2/106)

جواب التمرين:
(2/107)

تمرين يقاس على ما سبق:
بين المعاني المستفادة من الاستفهام فيما يأتي:
{هَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} ؟ أعقوقا بعد إذ طوقت عنقي بمعروفك؟ أتسود بلا مشقة أو عمل؟ {أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ؟ من علمك؟ {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} ؟
أألبس هجر القول من لو هجرته ... إذًا لهجاني عنه معروفة عندي
{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} ؟ هل يشرح المعلم الدرس؟ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} ؟ {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} ؟ {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} ؟ {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ} ؟ {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} ؟ أين المفزع من أمر الله؟
أأرى الصنيعة منك ثم أسرها ... إني إذًا ليد الكريم لسارق
من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط
هل الدهر إلا ساعة ثم تنقضي ... بما كان فيها من بلاء ومن خفض
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه ... إذ كنت تبنيه وغيرك يهدم
وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم ... إذا كانت الأخلاق غير حسان
إلام وفيم تنقلنا ركاب ... ونأمل أن يكون لنا أوان
بالله لفظك هذا سال من عسل ... أم قد صببت على أفواهنا العسلا
(2/108)

مبحث التمني:
هو طلب الشيء المحبوب الذي لا يرجى حصوله, أما لكونه مستحيلا، أو لأنه بعيد الحصول، فالأول كما في قول الشاعر:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
والثاني كقول أحد السوقة: "ليتني وزير".
فإن كان ذلك الشيء مترقب الحصول قريبه كان طلبه ترجيًا، ويعبر فيه حينئذ بألفاظ الترجي "كلعل وعسى" كقوله تعالى: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ
(2/108)

بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} وقوله تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} , ولا بحث لنا فيه؛ لأنه ليس من أقسام الطلب, إذ هو عبارة عن تقرب حصول الشيء محبوبًا كان أو مكروهًا, والمكروه لا يطلب حصوله.
صيغة التمني: للتمني صيغ أربع: أحداها أصلية فيه، والثلاث الباقية غير أصلية, وإليك بيانها:
"1" ليت: وهي الأداة الموضوعة لأجل التمني أصالة، وقد تقدمت أمثلتها فلا داعي لذكرها.
"2" هل: ويتمنى بها، فتعطي حكم "ليت"، وينصب المضارع بعدها على إضمار "أن" كما في قوله تعالى: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا} ؟ على معنى: ليس لنا شفعاء, ونكتة التمني بها: إبراز المتمني الذي لا طماعية في حصوله في صورة المستفهم عنه، الممكن الوجود، المطموع في حصوله إظهارًا لكمال العناية به، وشدة الرغبة فيه, وإنما لم تحمل على معناها الحقيقي, "وهو الاستفهام" للعلم بأن لا شفعاء لهم، ولا شفاعة.
"3" لو: ويتمنى بها، فتعطي أيضًا حكم "ليت"، وينصب في جوابها المضارع على إضمار "أن" كسابقها كما في قوله تعالى: {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، وكما في قولنا: "لو تأتينا فتحدثنا" على معنى: "ليت لنا كرة، وليتك تأتينا" ونكتة التمني بها: إبراز المتمني للإشعار بعزته في صورة الممتنع إذ إن "لو" -في الأصل- حرف امتناع لامتناع, ولم تحمل على معناها الحقيقي "وهو الشرطية" لنصب الفعل بعدها.
"4" لعل: ويتمنى بها، فتعطي كذلك حكم "ليت"، وينصب المضارع بعدها على إضمار "أن" كما سبق لأختيها كقوله تعالى حكاية عن فرعون موسى: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} على معنى ليتنى أبلغ الأسباب، ومنه قول الشاعر:
أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير
على معنى: ليتني أطير, ولم تحمل على معناها الحقيقي الذي هو "الرجاء" لاستحالة بلوغ الأسباب في الأول، والطيران في الثاني, ونكتة التمني بها: إبراز المتمني البعيد الحصول في صورة القريب المترقب حصوله إشعارًا بكمال العناية به، والشوق إليه.
(2/109)

تنبيهان:
الأول: كما تستعمل "لعل" في مقام التمني لنكتة إبراز البعيد الحصول في صورة القريب المتوقع حصوله, تستعمل "ليت" في مقام الترجي لنكتة إبراز المرتقب حصوله في صولة البعيد الحصول "عكس الأول" كما في قول الشاعر:
فيا ليت ما بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب
يقول: إنه مبتلى بأمرين بعد الأحبة عنه: وقرب المصائب منه. فهو يرجو لو تبتعد عنه المصائب ابتعاد الأحبة, وهذا المرجو كما يبدو مترقب الحصول, ولكن لما كان بعيد المنال "في زعمه" وأنه أمر لا طماعية فيه، ولا أمل في الوصول إليه عبر فيه "بليت" تنزيلا للمترجي القريب الحصول منزلة المتمني البعيد الحصول.
الثاني: اعلم أن "هل" قد يزاد عليها حرف "لا"، فيقال: "هلا" بالتشديد, وقد تقلب الهاء همزة، فيقال: "ألا", كذلك "لو" قد يضم حرف "لا" أو "ما" فيقال: "لولا ولوما", وبهذا يتكون حروف أربعة، تصلح للتمني بها، هدى, هلا، وألا، ولولا, ولوما؛ وإنما ركبت "هل ولو" هذا التركيب ليزول احتمال معنى الاستفهام في هل ومعنى الشرط في لو ويتعين معنى "التمنى", فإذا دخلت أحداهما على الفعل الماضي حينئذ أفادت معنى "التنديم" أي جعل المخاطب نادمًا وإن دخلت على المضارع أفادت معنى "التحضيض والحث" أي حض المخاطب وحثه على الفعل, تقول في الأول: "هلا سافرت" أو "لولا سافرت"، على معنى: "هلا تخلص في عملك"، أو "لو ما" تصدق في قولك: على معنى: ليتك تخلص أو ليتك تصدق، تريد حضه على الإخلاص أو الصدق. ا. هـ.
(2/110)

مبحث النداء:
هو طلب المتكلم إقبال المخاطب عليه بحرف ناب مناب أدعو" لفظنا كقوله تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} ، أو تقديرًا كقوله تعالى: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} .
صيغ النداء:
للنداء صيغ ثمان هي: الهمزة، أي، يا، آ، آي، أيا، هيا، وا، وهي في الاستعمال قسمان:
الأول: الهمزة وأي, وهما موضوعتان لنداء القريب.
الثاني: باقي الأدوات, وهي موضوعة لنداء البعيد.
وقد ينزل البعيد منزلة القريب، فينادى "بالهمزة وأي" تنبيها على أنه في القلب حاضر، ولا يغيب عن الحاضر كما في قول الشاعر:
أسكان نعمان الأراك تيقنوا ... بأنكمو في ربع قلبي سكان1
وقد يعكس فينزل القريب منزلة البعيد، فينادى بأدوات البعيد لغرض من الأغراض منها:
1- الإشعار بأن المنادى رفيع القدر، عظيم الشأن، فينزل بعد المنزلة منزلة بعد المكان كما في قولك: "يا الله" وكقول العبد لسيده، وهو في حضرته: "يا مولاي".
2- الإشارة إلى أن المنادى وضيع المنزلة، منحط المكانة، فكأنه بعيد عن ساحة عز الحضور كما في قولك: "من أنت يا هذا؟ " لمن هو بين يديك.
3- الإشارة إلى أن السامع غافل لذهول، أو نوم، أو نحو ذلك، فيعتبر كأنه غير حاضر في مجلس الخطاب كقولك للساهي: "أيا فلان", إلى غير ذلك.
استعمال الصيغة في غير معناها الحقيقي:
تخرج صيغة النداء عن معناها الأصلي الذي هو "طلب الإقبال" إلى معان أخر مجازية، تفهم من القرائن أشهرها:
الإغراء, وهو الحث على التزام الشيء، والتمسك به كقولك لمن أقبل يتظلم: "يا مظلوم"، فليس الغرض منه، حقيقة النداء الذي هو طلب الإقبال؛ لأن الإقبال حاصل، فلا معنى لطلبه، إنما المراد: إغراء المخاطب، وحثه على زيادة التظلم، وبث الشكوى، بقرينة الحال.
الاختصاص: هو هنا تخصيص الشيء من بين أمثاله بما نسب إليه كأن يقول إنسان: "أنا أكرم الضيف أيها الرجل" و"أنا أيها البطل أكشف الكروب" يريد في الأول أن يقول: أنا مختص من بين الرجال بإكرام الضيف, وفي الثاني يريد: أنا مختص من بين سائر الأبطال بكشف الكروب, والاختصاص على صور ثلاث:
__________
1 نعمان الأراك: اسم مكان، والربع: المنزل.
(2/111)

"أ" أن يكون على صورة المنادى، إلا أنه لا يجوز فيه إظهار حرف النداء إذ لم يبق فيه معنى النداء أصلًا كما مثلنا -وكما في قولك: "علي أيها الكريم يعتمد" أي أنا مختص من بين سائر الكرام بالاعتماد علي.
"ب" أن يكون معرفًا "بأل" كقولهم: "نحن العرب أسخى الناس"، و"نحن الليبيين ننشد الحرية، ونأبى الضيم".
3- أن يكون معرفًا بالإضافة كقولهم: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" أو نحن "أبناء طرابلس" لا نرضى به بديلا.
4- أن يكون معرفًا بالعلمية، وهو نادر الوقوع كقول الراجز العربي: بنا "تميم" يكشف الضباب.
فليس الغرض من النداء في هذه الصور: حقيقة الإقبال إذ ليس المراد "بالاسم الظاهر" في هذه المثل: المخاطب، بل المراد: المتكلم نفسه، وهو لا يطلب إقبال نفسه, لهذا حمل على معنى الاختصاص معونة المقام, كأن يكون الكلام في معرض الفخر والمباهاة كما في الأمثلة السابقة, أو في معرض التواضع والمسكنة كما في قولك: "أنا أيها العبد فقير إلى عفو ربي".
وقد يكون الحامل عليه: مجرد بيان الغرض من الضمير كقولهم: "اللهم اغفر لنا أيتها العصابة".
الاستغاثة والندبة: فالأول نحو: "يا لله للمسلمين", والثاني نحو "واحسيناه" فمن الجلي أن ليس المراد حقيقة النداء، إنما الغرض: الاستغاثة بالمخاطب في الأول، والبكاء عليه في الثاني.
التحسر والتحزن: كما في نداء القبور، والأطلال، والمنازل الدارسة كقول الشاعر يرثي معن بن زائدة:
أيا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا
وكقول آخر:
أيا منزلي سلمي سلام عليكما ... هل الأزمن اللاتي مضين رواجع
فليس المراد حقيقة النداء كما هو ظاهر إذ ليست هذه الأشياء مما ينادى بها ويطلب إقباله، وإنما الغرض التحسر والتفجع لفقدان الأحبة، وذهاب أيامهم، وما كانوا فيه من مجد وعز وحول وطول.
(2/112)

الزوجر والملامة: كما في قول الشاعر:
أفؤادي متى المتاب ألما ... تصح والشيب فوق رأسي ألما1
يزجر الشاعر نفسه، ويلومها على تماديها في غيهة وضلالها، وقد وخطه الشيب، وهو نذير الفناء أي فكان ينبغي أن يرعوي عن غيه، ولا يتمادى في ضلاله.
التعجب: كما في قول الشاعر:
يا لك من قمبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضى واصفرى
إلى غير ذلك مما لا يراد منه حقيقة النداء.
__________
1 ألما بمعنى نزل والألف للإطلاق.
(2/113)

اختبار- تمرين3:
"1" عرف التمني، ومثل له، وافرق بينه وبين الترجي، وهل الترجي من أقسام الطلب؟ ولما؟ مثل لما تقول.
"2" اذكر أدوات التمني، ثم بيِّن معنى "هل" في قوله تعالى: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ} ؟ وما هي النكتة في استعمال أداة الاستفهام في التمني.
"3" بين السبب في استعمال "لو" في معنى التمني في قول المعسر: "لو أن لي مالا فأصدق منه على الفقراء والمحتاجين".
"4" بين سر استعمال "لعل" في معنى التمني في قول ذي الفاقة: "لعل لي قنطارًا من ذهب".
"5" قال رجل: "ليت الدهر يصفو لي" فما وجه التعبير "بليت"، في حين أن صفاء الزمان ليس مما يستبعد حصوله.
"6" عرف النداء: ومثل له، وقسم صيغه باعتبار استعمالها، مع بيان ما تعرف: من دواعي استعمال صيغة المنادى البعيد في القريب.
"7" هات مثالين خرجت فيهما صيغة النداء عن معناها الحقيقي، مع بيان علة خروجها عن المعنى.
(2/113)

"8" ما المقصود بالنداء في قوله تعالى: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} , وفي قول الشاعر: "أيا منازل سلمى أين سلماك".
"9" هات مثالًا من إنشائك في مقام التمني مستعملًا فيه "لعل"، وبين فيه نكتة الاستعمال.
تمرين:
بين المعاني المستفادة من الجمل الآتية، مع بيان السر في عدم حملها على المعاني الحقيقية.
"1" هل إلى مرد من سبيل؟
"2" لو تسالمني الأيام فأتقي شرها.
"3" لعلي أرى طيفك في المنام. "4" إسكان العقيق كفى فارقًا.
"5" يا مهيض الجناح. "6" نحن "المصريي" من سلالة الفراعنة.
"7" يا لك مزبطل. "8" لو تتلو الآيات فتشق سمعي.
"9"
صاح شمر ولا تزال ذاكر ... الموت فنسيانه ضلال مبين
"10"
يا لقومي ويا لأمثال قومي ... لأناس عقوهم في ازدياد
"11"
أيها القلب قد قضيت مراما ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
"12"
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
"13"
يا ليلة لست أنسى طيبها أبدا ... كأن كل سرور حاضر فيها
جواب التمرين:
(2/114)

تمرين يطلب جوابه على قياس ما سبق:
لعل لي ضياعًا واسعة وجاها عريضًا، يا مسلوب الحق، نحن معشر العرب لا نرضى الهوان، يا لله من ظلم الإنسان، وافضيلتاه، يا له من برهان ساطع، يا قلب متى ترعوي عن غيك؟ لو يولد لي ولد صالح فيدعو لي.
ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمة كل الناس ما يحسدونه
يا ناق سيري فقط أفنت أناتك بي ... صبري وعمري وأحلاسي وأنساعي1
__________
1 "أحلاس" جمع حلس بكسر الحاء وهو كساء يوضع على ظهر البعير تحت البردعة و"الأتساع" جمع تسع بكسر النون سير من جلد يشد به الرحل, والمعنى أسرعي أيتها الناقة فقد نفذ الصبر والعمر، وبلي ما عليك من رحل لطول زمن الركوب, فهو يشكو من بطء ناقته، ويتضجر من طول الركوب.
(2/115)

الفصل والوصل
مدخل
...
الفصل والوصل:
الوصل:
عطف جملة فأكثر على أخرى، والفصل: ترك هذا العطف والبحث هنا مقصور على العطف بالواو لا غير، إذ هي التي يقع فيها الاشتباه لأنها لمطلق الجمع، ولمجرد تشريك ما بعدها لما قبلها في إعرابه، فلا بد فيها إذا من معنى جامع بين المتعاطفين يصحح العطف, وهذا المعنى لا يوفق إليه إلا من أوتي حظا من حسن الذوق، ورزق قريحة وقادة، لهذا كانت هذه "الواو" محك رجال هذا الفن، ومقياس أقدارهم فيه، حتى قصر بعض العلماء "البلاغة" على معرفة "الفصل والوصل" بخلاف غيرها من حروف العطف فلا بحث لهم فيه إذ لا يقع فيه اشتباه؛ لأن كل حرف من هذه الحروف يفيد -مع التشريك في الإعراب- معنى آخر كالترتيب مع التعقيب في "الفاء"، ومع التراخي في "ثم"، وكالتخيير والإباحة في "أو", وهكذا سائر الحروف العاطفة، فإذا تحقق هذا المعنى حسن العطف، وإن لم توجد جهة جامعة بين المتعاطفين, ولكل من الفصل والوصل مواضع خاصة وهاك بيانها:
(2/115)

مواضع الفصل والوصل:
الأول: أن يكون بين الجملتين "كمال انقطاع"، بحيث لا يصح الربط بينهما لكن ذلك مشروط بألا يكون في الفصل إيهام خلاف المراد كما سيأتي بيانه بعد, وإنما وجب الفصل في هذه الحالة لأن العطف بالواو يقتضي المناسبة بين الجملتين، ولا مناسبة فيما بينهما كمال انقطاع.
الثاني: أن يكون بين الجملتين "كمال اتصال"، بحيث لا يصح التغاير بينهما, وإنما وجب الفصل في هذه الحالة؛ لأن العطف بالواو يقتضي المغايرة بين الجملتين، ولا مغايرة فيما بينهما كمال اتصال.
الثالث: أن يكون بين الجملتين "شبه كمال انقطاع".
الرابع: أن يكون بين الجملتين "شبه كمال اتصال", وإنما وجب الفصل في هاتين الحالتين لما ذكر في الحالتين الأوليين لأن شبه الشيء يأخذ حكمه.
الخامس: أن يكون بين الجملتين "توسط بين كمال الانقطاع وكمال الاتصال" مع قيام المانع من الوصل, وإليك تفصيل القول في المواضع الخمسة على الترتيب المذكور:
أما كمال الانقطاع بين الجملتين "بالشرط المتقدم"، فيتحقق في صورتين:
الأولى: أن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاء بأن تكون أحداهما خبرًا لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، وتكون الأخرى إنشاء لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، فالمدار في الاختلاف على المعنى1.
فمثال اختلافهما لفظًا ومعنى "والأولى هي الإنشاء" قول الشاعر:
لا تسأل عن المرء عن خلائقه ... وجهه شاهد من الخبر
فصلت الجملة الثانية عن الأولى لاختلافهما خبرا وإنشاء في اللفظ والمعنى كما ترى, ومثله قول الشاعر:
__________
1 فإن اختلفا لفظًا فقط وجب الوصول نحو قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} إلى قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} فقوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} عطف على قوله: {لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} لأنه بمعنى النهي أي "لا تعبدوا".
(2/116)

وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... فحتف كل امرئ يجري بمقدار1
يقول: أقيموا في هذا المكان نقاتل العدو، ولا تحجموا عن قتاله خشية الموت، فلكل إنسان أجل محدود ينتهي إليه، فلا الإقدام يدنيه, ولا الإحجام يقصيه, والشاهد في قوله "أرسوا نزاولها" حيث فصل بين الجملتين لاختلافهما خبرًا وإنشاء كما ترى.
ومثال اختلافهما لفظا ومعنى "والأولى هي الخبر" عكس ما تقدم قولك: "ضل زيد السبيل، اهده يا عمرو".
ومثال اختلافهما معنى "وهما في اللفظ خبران" قولهم: "سافر محمد، بلغه الله مناه" فالثانية -وإن كانت خبرًا في اللفظ- هي في المعنى إنشاء للدعاء، على معنى: اللهم بلغه مناه.
ومثال اختلافهما معنى "وهما في اللفظ إنشاءان" قولك عند ذكر من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم: "ليتبوأ مقعده من النار، لا تصاحبه أيها الصديق". فالأولى -وإن كانت إنشاء في اللفظ- هي في المعنى خبر.
في المعنى خبر على معنى: يتبوأ مقعده. ومثله أن تقول: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} ؟ اتق الله أيها العبد", فالأولى خبرية معنى على معنى: الله كاف، وإن كانت في اللفظ إنشاء.
الصورة الثانية: أن تتفق الجملتان خبرًا وإنشاء، ولكن لا تناسب بينهما في المعنى، أو في السياق, فالأولى: نحو أن تقول لآخر: "خرجت من داري، أبدع ما قيل من الشعر كذا", فتفضل الثانية عن الأولى لعدم المناسبة بين الخروج من الدار وإبداع ما قيل من الشعر، مع اتفاقهما في الخبرية لفظًا ومعنى, والثاني: نحو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} , بعد قوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} الآية، لم يعطف قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} ... إلخ على قوله: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} ... إلخ, مع ما بينهما من مناسبة في المعنى بالتضاد: من حيث إن الأول مبين لحال المؤمنين، والثاني مبين
__________
1 الرائد في الأصل من يتقدم القوم لطلب الماء أو الكلأ, والمراد هنا الشجاع "المقدام" و"أرسوا" أقيموا و"نزاولها" بالرفع: نحاولها ونعالجها والضمير للحرب و"الحتف" الهلاك و"المقدار" قضاء الله.
(2/117)

لحال الكفار؛ لأن بيان حال المؤمنين غير مقصود بالذات، وإنما ذكر بطريق التبع لبيان حال الكتاب، في قوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} ، وليس بين حال الكتاب، وحال الكفار مناسبة ظاهرة، تقتضي الوصل.
واعلم أن المانع من العطف في هاتين الصورتين ذاتي، لا يمكن دفعه أصلا، وهو كون الجملتين لا تناسب بينهما كما أوضحناه لك فيما تقدم.
وأما كمال الاتصال بين الجملتين:
فيتحقق في أن تتحد الجملتان اتحادًا تامًّا، بحيث تنزل الثانية من الأولى منزلة نفسها، وذلك في صور ثلاث:
الصورة الأولى: أن تكون الجملة الثانية مؤكدة للأولى تأكيدًا لفظيًّا، أو معنويًّا.
فالتأكيد اللفظي: أن يكون مضمون الجملة الثانية هو مضمون الجملة الأولى لدفع توهم الغلط أو السهو في الجملة الأولى كما في قوله تعالى:
{فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} , فصل بين الجملتين؛ لأن الثانية بمثابة التأكيد اللفظي من الأولى وهو ظاهر.
والتأكيد المعنوي: أن يختلف مفهوما الجملتين، ولكن يلزم من تقرر معنى إحداهما: تقرر معنى الأخرى لدفع توهم التجوز في الجملة الأولى كقوله تعالى: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} فصل بين الجملتين؛ لأن الثانية من الأولى بمنزلة التأكيد المعنوي لاختلاف مفهومي الجملتين؛ ولأن مضمون الثانية منهما مقرر لمضمون الأولى, ذلك أنه إذا كان ملكًا لم يكن بشرًا، فإثبات ملكيته تحقيق وتأكيد لنفي بشريته.
الصورة الثانية: أن تكون الجملة الثانية بدلا من الأولى, بأن يكون في الأولى قصور، أو خفاء في وفائها بالمراد، وتكون الثانية أوفى به منها، والمقام يقتضي اعتناء بشأنه.
والبدل -كما هو معلوم- أنواع ثلاثة: بدل بعض، وبدل اشتمال, وبدل كل بناء على اعتباره في الجمل.
فمثال بدل البعض قوله تعالى: {أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} فصل بين الجملتين؛ لأن الثانية من الأولى بمثابة بدل البعض لقصور الأولى عن وفائها بالمراد, ذلك أن المراد: التنبيه على نعم الله "سبحانه"، والمقام يقتضي اهتمامًا بشأن هذا التنبيه، لأنه إيقاظ للغافلين من سنة غفلتهم عن نعم الله تعالى, وليس من شك: أن الجملة الثانية أوفى بتأدية هذا المراد لدلالتها على نعم الله تفصيلا
(2/118)

بخلاف الجملة الأولى، فإن في وفائها بهذا المراد قصورًا لدلالتها عليه إجمالا, وإنما كانت الجملة الثانية بمثابة بدل البعض من الأولى؛ لأن ما ذكر في الجملة الثانية من النعم الأربع بعض ما يعلمون، فهي على وزان "وجهه" من قولك: "أعجبني محمد وجهه".
ومثال بدل الاشتمال قوله تعالى: {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} , فصلت الثانية عن الأولى إذ أبدلت منها بدل اشتمال؛ لأنها أبين وأوفى من الأولى في تأدية المعنى المقصود, وهو حمل المخاطبين على اتباع الرسل، إذ مفادها: أنهم لا يخسرون معهم شيئًا عن دنياهم بل يربحون صحة دينهم، فينتظم لهم خيري الدنيا والآخرة, وإنما كانت الثانية بدل اشتمال؛ لأن اتباع الرسل يتضمن اتباعًا موسومًا بالهداية والسعادة, وهو مضمون الجملة الثانية، فوزانها حينئذ وزان "علمه" من قولك: "أعجبني محمد علمه", ومثله قول الشاعر:
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلما
يقول: إنك لم تخلص في صحبتنا، وإن ظاهرك وباطنك على طرفي نقيض، فارحل إذًا، ولا تقم بيننا، وإلا فكن على ما ينبغي أن يكون عليه الرجل المسلم: من طهارة وصفاء في سره وعلنه, والشاهد في قوله "ارحل لا تقيمن" حيث أبدلت الجملة الثانية من الأولى بدل اشتمال إذ هي أوفى منها في تأدية المراد الذي هو "إظهار كمال الكراهية في إقامته"؛ لأنها تدل عليه دلالة صريحة، مع تأكيدها بالنون, وإنما كان البدل اشتمالا؛ لأن الارتحال يتضمن عدم الإقامة.
ومثال بدل الكل قوله تعالى: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ، قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} ؟ أبدلت جملة "قالوا" الثانية من جملة "قالوا" الأولى بدل كل، لأن الثانية أوفى من الأولى من حيث إنها مفصلة للمقول، فوزانها وزان "أخوك" من قولك: "زارني محمد أخوك"، وإنما كان بدل كل؛ لأن الجملتين بمعنى واحد، والاختلاف بينهما إنما هو بالإجمال والتفصيل.
ومثله قولهم: "فلان جمع بين أمرين: بين طهارة السريرة وحسن السيرة". وقولهم: "قنعنا بالأسودين, قنعنا بالماء والتمر". وقولهم في امراة تزني وتتصدق توبيخًا لها: "لا تجمعي بين الأمرين, لا تزني ولا تتصدقي", ومن لم يعتد ببدل الكل من الجمل يجعل كل هذه الأمثلة من تمييز التوكيد، أو من قبيل عطف البيان الآتي بعد.
(2/119)

الصورة الثالثة: أن تكون الجملة الثانية بيانًا للأولى لخفائها، والمقام يقتضي إزالة هذا الخفاء، كقوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} فصلت جملة {قَالَ يَا آَدَمُ} عن جملة {فَوَسْوَسَ} ؛ لأنها موضحة لها، بمثابة عطف البيان منها لخفائها إذ لم تتبين تلك الوسوسة. فوزان {قَالَ يَا آَدَمُ} وزان "عمر" من قولهم: "أقسم بالله أبو حفص عمر". وكالآية الكريمة الأمثلة المتقدمة في بدل الكل عند من لم يعتد به في الجمل.
وأما شبه كمال الانقطاع:
فيتحقق في أن يكون عطف الثانية على الأولى موهمًا بعطفها على غيرها, وهو غير مقصود لما في العطف على هذا الغير من خلل في المعنى ذلك يكون في جملة مسبوقة بجملتين، يصح عطفها على أحدهما للوجوه المناسبة، ولا يصح عطفها على الأخرى لفساد المعنى، فيترك العطف حينئذ دفعًا لتوهم أنها معطوفة على هذه الأخرى. مثاله قول الشاعر:
وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلا أراها في الضلال تهيم
لم يعطف جملة "أراها" على "تظن" لئلا يدور في خلد السامع أنها معطوفة على "أبغي" لقربها منها، فتكون من مظنونات "سلمى"، ويصير المعنى حينئذ: أن سلمى تظن: أنني أبغي بها بدلا، وتظن أيضًا: أنني أراها تهيم في الضلال، وليس هذا مراده أن يقول: إن "سلمى" أخطأت في زعمها أنني أبغي بها بدلًا, بدليل قوله بعد هذا البيت أو قبله:
زعمت هواك عفا الغداة كما عفا ... عنها طلال باللوى ورسوم
وشبه هذا بكمال الانقطاع لاشتماله على مانع من العطف "كما بينا" وإنما لم يكن من كمال الانقطاع، لأن المانع ليس من ذات الجملتين، بل خارج عنهما، يمكن دفعه بنصب قرينة على المراد.
وأما شبه كمال الاتصال:
فيتحقق في أن تكون الجملة الثانية جوابًا لسؤال نشأ عن الجملة الأولى، فتفصل الثانية عنها كما يفصل الجواب عن السؤال, ويسمى الفصل "استئنافًا", وتسمى الجملة الثانية "مستأنفة", والسؤال الناشئ عن الجملة الأولى يكون عن واحد من ثلاثة.
(2/120)

الأول: عن سبب عام للحكم الذي تضمنته الجملة الأولى، بمعنى أن السائل يجهل السبب من أصله كما في قول الشاعر:
قال لي كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل
فالجملة الأولى هي قوله: "عليل" إذ التقدير: "أنا عليل"، وقد فصلت عنها جملة "سهر دائم ... إلخ"؛ لأنها وقعت جوابًا لسؤال ناشئ عن الجملة الأولى، وكان المخاطب حين سمع قوله: "عليل" تساءل: ما سبب علتك؟ فأجاب سهر دائم، وحزب طويل, ومثله قول الشاعر:
جزى الله الشدائد كل خير ... عرفت بها عدوى من صديقي
فصل بين الجملتين؛ لأن الثانية في موقع الجواب عن سؤال ناشئ عن الجملة الأولى, وكأن سائلا قال: لم دعوت للشدائد بالخير على غير المألوف, فأجاب: عرفت بها ... إلخ.
الثاني: عن سبب خاص للحكم الذي دلت عليه الجملة الأولى؛ أهو حاصل أم غير حاصل؟ كما في قولك: "إني لأتهم نفسي إن النفس نزاعة إلى الشر" فصلت الثانية لوقوعها جوابًا لسؤال نشأ عن الجملة الأولى, وكان سائلا سأل: لم تتهم نفسك ألأنها مطبوعة على حب الشر؟ أم لسبب آخر؟ فأجاب: إن النفس نزاعة إلى الشر، منطبعة على طلب ما لا ينبغي, ومنه قوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} .
وهذا النوع من السؤال يقتضي تأييد الحكم الذي تضمنته الجملة الثانية؛ لأن السائل -كما عرفت- في حكم المتردد في حصوله، وقد تقدم في مبحث الإسناد الخبري أن المتردد يؤكد له الخبر استحسانًا.
الثالث -عن غيرهما- أي لا عن سبب عام ولا خاص، ولكن عن شيء آخر له تعلق بالجملة الأولى كما في قوله تعالى: {إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} فصلت جملة: {قَالَ سَلَامٌ} عن جملة: {فَقَالُوا سَلَامًا} ؛ لأن الثانية جواب عن سؤال ناشئ عن الأولى, وكأن سائلًا سأل: فماذا قال إبراهيم عليه السلام ردًّا لتحيتهم؟ فأجاب: "قال: سلام", ومثله قول الشاعر:
زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تفجلي
(2/121)

يقول: قد اتهمني العذال, فزعموا: أنني في كرب وشدة، مما ينتاب القلب من لوعة الهوى، وقد صدقوا فيما زعموا, غير أن ما أنا فيه من شدة لا مطمع لي في زواله. والشاهد فيه: فصل جملة "صدقوا" عن جملة "زعم العواذل"؛ لأن الثانية جواب عن سؤال ناشئ عن الأولى, ذلك أن مساق الكلام: في بث الشكوى من جماعة العذال، وهذا مما يحرك السامع لأنْ يسأل: أصدقوا في هذا الزعم أم كذبوا؟ فأجاب: صدقوا, والسؤال في هذين المثالين لا عن سبب عام ولا خاص إذ إن قول إبراهيم عليه السلام ليس سببًا لسلام الملائكة لا عامًّا ولا خاصًّا, كما أن صدق العواذل ليس سببًا لما زعموه على خلاف ما تقدم من أن "السهر الدائم" سبب في المرض، و"كون النفس نزاعة للشر، أمارة بالسوء" سبب في اتهامها.
وأما التوسط بين الكمالين مع قيام المانع من الموصل:
فيتحقق في جملتين: لا يوجد بينهما سبب من أسباب الفصل المتقدمة, ولكن لأولاهما حكم، لا يصح تشريك الثانية فيه لما يترتب على هذا التشريك من اختلال المعنى كما في قوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} لم يعطف جملة: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} على جملة "قالوا" الواقعة جوابًا للشرط لما يلزم على هذا المعطف من فساد المعنى, ذلك أن جملة {قَالُوا} مقيدة بالظرف الذي هو "إذا" والمعنى أنهم إنما يقولون ذلك وقت خلوهم بشياطينهم فحسب, فلو عطف جملة {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} على جملة {قَالُوا} لزم تشريك الثانية في حكم الأولى, وهو "التقيد بالظرف المذكور" فيكون المعنى حينئذ: إن الله يستهزئ بهم وقت خلوهم بشياطينهم فقط كالذي قبله وهو باطل إذ إن استهزاء الله بهم -بمعنى: مجازاته لهم بالخذلان- متحمل لا يتقيد بزمن.
كذلك لم يعطف جملة {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} على جملة {إِنَّا مَعَكُمْ} الواقعة مفعولا "لقالوا" لما يلزم على هذا العطف من فساد المعنى كذلك، ذلك أن قوله: {إِنَّا مَعَكُمْ} مفعول {قَالُوا} ، فهو إذًا من مقول المنافقين، فلو عطف قوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} على قوله: {إِنَّا مَعَكُمْ} لزم تشريك الثانية في حكم الأولى، وهو كونها مفعولا "لقالوا"، فيلزم أن تكون جملة {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} من مقول المنافقين أيضًا في حين أنها من مقول الله "سبحانه" فبطل إذا عطفها عليها لما يلزم عليه من هذا الفساد.
وإذ قد استوفينا القول في مواضع الفصل، فإليك الحديث مفصلا عن:
(2/122)

مواضع الوصل:
الأول:
أن يكون بين الجملتين كمال انقطاع، مع إيهام الفصل خلاف المواد, ويتحقق هذا في أن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاء, ولكن فصل إحداهما عن الأخرى يوهم خلاف المقصود، كقولك عندما تريد أن تنفي شيئًا في حديث تقدم، مع إرادة الدعاء للمخاطب بالسداد مثلا: لا، وسدد الله خطاك. فقولك: "لا" رد لكلام سابق كأن يقال مثلا: هل الأمر كما زعم فلان؟ فتقول: "لا" أي ليس الأمر كما زعم، فهي جملة خبرية، "وسدد الله خطاك" جملة إنشائية دعائية، فبين الجملتين إذا كمال انقطاع، وكان مقتضى ذلك: أن يجب الفصل لاختلافهما خبرًا وإنشاء, لكن يجب الوصل هنا دفعًا لإيهام خلاف المراد إذ لو ترك الوصل, فقيل: "لا سدد الله خطاك" لأوهم الكلام أنه دعاء على المخاطب بعدم السداد, في حين أن المقصود الدعاء له بالسداد, ومثله قولهم: "لا وشفاه الله", جوابًا لمن سأل: هل نقه محمد من مرضه؟ فإن ترك المعطف -والحالة الثانية- يوهم الدعاء عليه بعدم النقاهة، مع أن الغرض الدعاء له بالنقاهة1؛ لهذا يوجب الفصل فيما ذكرنا وأمثاله دفعًا لهذا الإيهام.
الثاني: أن يكون بين الجملتين توسط بين الكمالين، مع عدم وجود مانع من الوصل, ويتحقق هذا في أن تتفق الجملتان خبرًا وإنشاء، وليس في عطف إحداهما على الأخرى ما يوجب فساد المعنى, ولهذا النوع ثماي صور، نذكرها لك فيما يلي:
1- أن تتفق الجملتان في الخبرية لفظًا ومعنى كقول الله تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} ، وكقوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} , فالجملتان -في المثالين- خبريتان لفظًا ومعنى.
2- أن تتفق الجملتان في الإنشائية لفظًا ومعنى كقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} ، وكقوله تعالى: {فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا
__________
1 سأل هارون الرشيد نائبه عن شيء, فقال: لا وأيد الله الأمير. فلما سمع الصاحب ذلك قال: هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ على خدود الملاح.
(2/123)

3- أن تتفق الجملتان خبرًا في المعنى "واللفظان إنشاءان" كقولك: "ألم آمرك بالتقوى، وألم أنهك عن الأذى"، على معنى: أمرتك بكذا، ونهيتك عن كذا، وكقولك: "من قال لك: اضرب الغلام، واطرده" على معنى ما قلت لك أن تضربه وتطرده فالجملتان في المثالين خبريتان في المعنى، واللفظان "في الأول" إنشاءان على صيغة استفهام "وفي الثاني" إنشاءان على صيغة الأمر.
4- أن تتفق الجملتان خبرًا في المعنى ولفظ الأول "خبر", والثانية "إنشاء" كقولك: "أوصيتك بحسن المعاملة، وألم أحذرك عن إيقاع الأذى بالناس" فالجملة الثانية إنشاء في اللفظ على صيانة الاستفهام، ولكنها في المعنى خبر على معنى: وحذرتك عن كذا.
5- أن تتفق الجملتان خبرًا في المعنى ولفظ الأولى "إنشاء", والثانية "خبر" عكس السابقة كقوله تعالى: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} فجملة "ودرسوا" عطف على قوله: "ألم يؤخذ" وهو- وإن كان إنشاء على صيغة الاستفهام- خبر في المعنى لأن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه.
6- أن تتفق الجملتان إنشاء في المعنى "واللفظان خبران" كقولك لآخرين: "لقد أخذنا عليكم عهدًا، لا تعبثون بالنظام وتحافظون على أوقاتكم", فكلتا الجملتين إنشائية معنى، أي لا تعبثوا بالنظام، وحافظوا على أوقاتكم، لأن أخذ العهد يقتضي الأمر والنهي فإذا وقع بعده خبر أول بالأمر أو النهي كما هنا.
7- أن تتفق الجملتان إنشاء في المعنى ولفظ الأولى "إنشاء", والثانية "خبر" كما تقول: "قم الليل، وتصوم النهار" فالجملة الثانية -وإن كانت في اللفظ خبرًا- وهي في المعنى إنشاء على صيغة النهي أي لا وصم النهار.
8- أن تتفق الجملتان إنشاء في المعنى ولفظ الأولى "خبر"، والثانية "إنشاء" عكس السابقة كما تقول في المثال المتقدم: "لقد أخذنا عليك عهدًا لا تعبثون بالنظام، وحافظوا على أوقاتكم" فالجملة الأولى -وإن كانت في اللفظ خبرًا- هي في المعنى إنشاء على صيغة النهي أي لا تعبثوا بالنظام.
الثالث: أن يكون للأولى حكم أعرابي، وأريد تشريك الثانية فيه، حيث لا مانع منه ككون الأولى خبر مبتدأ نحو: "محمد يعطي ويمنع"، أو حالا نحو: "قام محمد يخطب ويشعر"، أو صفة نحو: "مررت برجل يشرب ويطرب" أو مفعولا نحو: "ألم تعلم أني أحبك، وأني أجلك", أو غير ذلك من كل جملتين أريد تشريك الثانية منهما في حكم إعراب الأولى, وحينئذ يجب عطف الثانية على الأولى ليدل العطف على التشريك المذكور.
(2/124)

محسنات الوصل:
مما يريد الوصل حسنًا أمور منها:
1- أن تتفق الجملتان في الاسمية والفعلية, والاسميتان في نوع المسند: من حيث الإفراد، أو الجملية، أو الظرفية, والفعليتان في نوع الفعل: من حيث الماضوية، أو المضارعية, فيحسن العطف في مثل: "محمد كاتب وأحمد شاعر" لاتفاقهما في الاسمية، وفي نوع المسند من حيث إفراده, ويحسن في مثل: "محمد يحسن التفكير، ومحمود يحكم التدبير"؛ لاتفاقهما في الاسمية، وفي نوع المسند من حيث إنه جملة فعلية, ويحسن في مثل: "خالد في بيته، وبكر في مصنعه"؛ لاتفاقهما في الاسمية، وفي نوع المسند من حيث إنه ظرف, وهكذا.
كذلك يحسن العطف في مثل: "خطب علي، وشعر حسان"؛ لاتفاقهما في الفعلية, ونوع الفعل من حيث المضي, ويحسن في مثل: "يملي إبراهيم، ويكتب إسماعيل"؛ لاتفاقهما في الفعلية، وفي نوع الفعل من حيث المضارعة, وهكذا.
2- أن تتوافق الجملتان في الإطلاق والتقييد, فيحسن العطف في مثل: "محمد يبدع إذا كتب ومحمود يجيد إذا خطب"؛ لتوافقهما في التقييد بالشرط.
وإنما يحسن الوصل في كل ما ذكرنا إذا كان المقصود من الجملتين، الثبوت والدوام كما في الاسميتين، أو التجدد والحدوث في نسبتهما كما في الفعليتين أو كان المقصود الإطلاق أو التقييد فيهما "كما رأيت".
فإذا أريد في إحداهما: "الثبوت والدوام" وفي الأخرى: "التجدد والحدوث", أو أريد في إحداهما "المضي"، وفي الأخرى "المضارعة" أو أريد "الإطلاق" في إحداهما، و"التقييد" في الأخرى, امتنع التناسب بين الجملتين، وأتى بهما على وفق المقصود منهما, فيقال: "خطب محمد ومحمود كاتب" حيث أريد الإخبار بحدوث الخطابة "لمحمد".
(2/125)

وثبوت الكتابة "لمحمود", ومنه قوله تعالى: {أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} ؟ فقد كانوا يزعمون: "أن اللعب حالة دائمة لإبراهيم، فاستفهموا من حدوث مجيئه لهم بالحق, ومثله قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} ويقال: "كتب عليّ, ويشعر خالد" حيث أريد الإخبار بحدوث الكتابة "لعلي" فيما مضى, وحدوث الشعر "لخالد" في الحال أو فيما يستقبل, ومنه قوله تعالى: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} عبر بالمضارع في الجملة الثانية, وإن كان القتل في الماضي؛ لأن الأمر فظيع فأريد استحضار صورته في النفوس، وقد يقال: "أكرمت محمدًا، وإن جئتني أكرمتك" حيث أريد: الإطلاق في الأولى، والتقييد في الثانية.
هذا ولو روعي التناسب في كل هذه المثل لم يفهم السامع المقصود.
(2/126)

اختبار- تمرين4:
"1" ما الفرق بين الفصل والوصل، وهل يعتبر الوصل بغير المواد. علل لما نقول، ومثل له.
"2" بين الصور التي يتحقق فيها كمال الانقطاع، مع التمثيل وبين علة وجوب الفصل.
"3" بين بالاختصار المواضع التي يتحقق فيها كمال الاتصال، مع التمثيل ومع بيان علة وجوب الفصل.
"4" بين ما يتحقق فيه شبه أحد الكمالين، مع التمثيل لكل.
"5" اذكر مواضع الوصل، ومثل لما تقول مع الشرح والبيان.
"6" بين الأمور التي يزداد بها الوصل حسنًا، مع التمثيل.
تمرين:
بين سر الفصل والوصل فيما يأتي:
"1" {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} .
"2" تأهب أخي للامتحان، ذاكرًا دروسه.
"3"
يزعم أخوك أني كسلان ... أراه مخطئًا في زعمه
"4"
فما الحداثة عن حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب
"5"
ظل يسعى إلى المعالي بجد ... والعلا لا تنال إلا بكد
"6"
كفى حزنًا أني أروح وأغتدي ... ومالي من مال أصون به عرضي
"7"
يهوى الثناء مبرز ومقصر ... حب الثناء طبيعة الإنسان
"8"
كفى زاجرًا للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدي
(2/126)

"9"
إنما المرء بأصغريه ... كل امرئ رهن بما لديه
"10" {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .
"11" لكل مقام مقال، وخير القول ما وافق الحال.
"12" {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ، اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى} .
"13" شرحت صدر خالد أخبرته بنجاحه في الامتحان.
"14"
إنما الدنيا فناء ... فليس للدنيا ثبوت
"15"
اخط مع الدهر إذا ما خطا ... واجر مع الدهر كما يجري
"16"
يقولون أني أحمل الضيم عندهم ... أعوذ بربي أن يضام نظيري
"17"
إذا ما ساقط أثرى تعدى ... وأنكر قبل كل الناس نفسه
"18"
حكم المنية في البرية جار ... ما هذه الدنيا بدار قرار
"19"
أقي بمالي عرضي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال
"20"
السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
"21" {وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} .
"22" أعطاه ما يستحق، أعطاه ألف دينار.
"22" ساعدني الرئيس رعاه الله.
جواب التمرين:
"1" فصلت الثانية عن الأولى لما بينهما من كمال الانقطاع لاختلافهما خبرًا وإنشاء، أو لما بينهما من شبه كمال الاتصال، إذ يصح أن تكون الثانية جوابًا عن سؤال نشأ عن الأولى كأنهم تساءلوا: وهل للاستغفار من نتيجة؟ فأجاب: إنه كان غفارًا.
"2" فصلت الثانية عن الأولى لما بينهما من كمال الاتصال إذ الثانية من الأولى بمثابة عطف البيان.
"3" الفصل هنا لشبه كمال الانقطاع إذ إن عطف قوله: "أراه مخطئًا على قوله: يزعم أخوك" يوهم عطفه على جملة "إني كسلان", وهو فساد في المعنى المراد.
"4" فصلت الثانية عن الأولى لما بينهما من شبه كمال الاتصال أو الثانية بمثابة الجواب عن سؤال ناشئ عن الأولى، وكان سائلا سأل: وكيف لا تحول حداثة السن دون العقل؟ فأجاب: قد يوجد الحلم ... إلخ.
(2/127)

"5" وصل بين الجملتين لما بينهما من التوسط بين الكمالين لاتفاقهما في الخبرية، مع وجود المناسبة وعدم المانع من العطف.
"6" وصل بينهما للسبب المتقدم وهو المتوسط بين الكمالين، مع عدم المانع من الوصل.
"7" فصل بين الجملتين لما بينهما من شبه كمال الاتصال إذ الثانية من الأولى بمنزلة الجواب عن سؤال ناشئ عن الأولى، وكأن سائلًا قال: وكيف كان الثناء مطلوبًا للمجد وغير المجد؟ فأجاب: حب الثناء إلخ.
"8" فصل بين جملتي "كفي وتروح"، لما بينهما من كمال الاتصال, إذ الثانية من الأولى بمنزلة عطف البيان, ووصل بين جملتي "تروح وتغتدي" لما بينهما من التوسط بين الكمالين، مع عدم وجود المانع.
"9" فصل بين شطري البيت لما بينهما من كمال الانقطاع، إذ لا مناسبة بين معنييهما كما هو ظاهر.
"10" وصل بين الجملتين لما بينهما من التوسط بين الكمالين مع وجود المناسبة، وعدم المانع من الوصل.
"11" وصل بين الجملتين للسبب المتقدم وهو التوسط بين الكمالين ... إلخ.
"12" وصل بين جملتي {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} لما بينهما من التوسط بين الكمالين، مع التناسب وعدم المانع, ثم فصل بين جملتي {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} و {اللَّهُ يَعْلَمُ} ... إلخ؛ لأن للأولى حكمًا هو "القصر" ولا يراد إعطاؤه الثانية لما يترتب عليه من فساد المعنى.
"13" فصل بين الجملتين لما بينهما من كمال الاتصال؛ لأن الثانية منهما بمنزلة عطف البيان من الأولى.
"14" فصل بين شطري البيت لكمال الاتصال بينهما إذ إن الجملة الثانية تأكيد للأولى.
"15" وصل بين شطري البيت للتوسط بين الكمالين، مع التناسب ومع عدم وجود المانع من العطف.
"16" فصل بين جملتي "يقولون" و"أعوذ" لما بينهما من شبه كمال الانقطاع إذ إن عطف الثانية على الأولى، موهم لعطفها على غيرها هما يوجب خللا في المعنى المراد, وقد يكون الفصل لشبه كمال الاتصال
(2/128)

إذ إن الثانية بمثابة الجواب عن الأولى، وكان سائلا سأل: وهل صدقوا فيما قالوا؟ فأجاب أعوذ بربي ... إلخ، ومعنى هذا: أنهم كذبوا؛ لأن مثلي لا يضام، فقد حذف الجواب لقيام الدليل عليه.
"17" وصل بين جملتي "تعدى وأنكر"؛ لاتفاقهما في الخبرية مع وجود المناسبة وعدم المانع.
"18" فصل بين شطري البيت لما بينهما من كمال الاتصال, إذ إن الثانية بمثابة التوكيد المعنوي للأولى.
"19" فصل بين جملتي "أقي" و"لا أدنسه" لكمال الاتصال بينهما؛ لأن الثانية بمنزلة التوكيد المعنوي للأولى, وفصل بين جملتي "أقي" و"لا بارك الله" لما بينهما من شبه كمال الاتصال بين جملتي جواب عن سؤال ناشئ عن الأولى, فكأن سائلا سأل: ولم تق عرضك بمالك؟ فأجاب: "لا بارك الله ... إلخ".
"20" فصل بين شطري البيت لأحد السببين في البيت قبله.
"21" وصل بين جملتي {وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ} لما بينهما من متوسط بين الكمالين لاتفاقهما في الإنشائية، مع قيام المناسبة بينهما، وعدم المانع, وفصل بينهما وبين {أَيُحِبُّ} لشبه كمال الاتصال إذ إن الجملة الثانية بمثابة الجواب عن سؤال ناشئ عن الأوليين، وكأن سائلا سأل: ولم ينه عن التجسس والاغتياب؟ فأجاب: لأنهما بمثابة أكل لحم الميت أيحب أحدكم ذلك؟
"22" فصل بين الجملتين لكمال الاتصال بينهما، إذ إن الثانية بدل بعض من الأولى؛ لأن إعطاء ألف دينار بعض ما يستحق.
"23" فصل بين الجملتين لكمال الانقطاع باختلافهما خبرًا وإنشاء.
تمرين يطلب جوابه على قياس سابقه:
{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} ، لا وجعلني الله فداك، نصحته قلت له استقم، {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} , علي كاتب، الحمام طائر، إنما زيد شاعر أخوه ناثر.
وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وجواب
شكرتك إنك للشكر أهل, احتفظ بمسائل هذا الكتاب، لا تدعها تمر بك دون أن تتدبرها، الناس أبناء ما يحسنون، لا يفل الحديد إلا الحديد، المال عارية تجيء وتذهب، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ، {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} .
(2/129)

سألت الندى هل أنت حر فقال لا ... ولكني عبد ليحيى بن خالد
والهم يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم
ليس العلم ما بقي القمطر ... ما العلم إلا ما حواه الصدر
ملكته حبلي ولكنه ... ألقاه من زهد على غاربي
وقال إني في الهوى كاذب ... انتقم الله من الكاذب
قالت بليت فما نراك كعهدنا ... ليت العهود تجددت بعد البلى
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي إن دهرك هازل
{يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} ، "إن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف".
سالم الناس ما استطعت ودار ... أخسر الناس أحمق لا يدارى
بادر إلى الفرصة وانهض لما ... تريد منها فهي لا تلبث
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع
{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ} ، {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} ، {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} ، {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا} .
(2/130)

المساواة والإيجاز والإطناب
مبحث المساواة
...
المساواة والإيجاز والإطناب:
كل ما يجيش بالصدر من المعاني يمكن أن يعبر عنه بطرق ثلاثة: المساواة والإيجاز والإطناب.
فمباحث هذا الباب حينئذ ثلاثة:
1- مبحث المساواة. 2- مبحث الإيجاز. 3- مبحث الإطناب.
وهاك تفصيل القول فيها على هذا الترتيب:
مبحث المساواة:
المساواة: هي أن يؤدى المعنى المراد بعبارة مساوية له، لا تنقص عنه, ولا تزيد -حذوك النعل بالنعل- ويعرف ذلك: بأن تكون العبارة على الحد الذي جرى به عرف أوساط الناس في محاوراتهم, وهم الذين لم يرتقوا إلى درجة البلاغة، ولم ينحطوا إلى درجة الفهامة، فهؤلاء هم الذين يؤدون المعنى بعبارة، يدل كل جزء منها على معناه بالمطابقة, كما في قوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} ، وكقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} , وكقوله صلى الله عليه وسلم: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات" , فالمعنى في كل من الآيتين والحديث قد أدي بما يستحقه من التركيب، من غير نقص أو زيادة.
والمساواة: هي الحد الفاصل بين الإيجاز والإطناب، فما نقص عن هذا الحد -بدون إخلال- فإيجاز، وإن زاد عنه -لفائدة- فإطناب.
(2/130)

مبحث الإيجاز:
الإيجاز: هو أن يؤدى المعنى بعبارة أقل مما يستحق بحسب متعارف الأوساط المتقدم وصفهم، بشرط أن تكون وافية بالمعنى المراد, أو هو اندراج المعاني المتكاثرة، تحت اللفظ القليل الوافي، فإن لم يكن في العبارة أو اللفظ وفاء بالغرض كان إخلالًا، لا إيجازًا كقول اليشكري:
والعيش خير في ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا1
فالمستفاد من هذا البيت: هو أن العيش في ظل الجهل ناعمًا كان ذلك العيش أو خشنًا خير من عيش المكدود عاقلًا كان أو جاهلًا. وليس هذا ما يريده الشاعر، إنما مراده أن يقول: إن العيش الناعم مع رذيلة الجهل والحماقة خير من العيش الجاف، مع فضيلة العقل. والبيت لا يفي بهذا المعنى "كما ترى" لأن اعتبار "الناعم" في المصراع الأول منه، واعتبار "العقل" في مصراعه الثاني لا دليل عليهما دلالة واضحة؛ لهذا كان في هذا البيت إخلال لا إيجاز.
والإيجاز ضربان؛ إيجاز قصر2 وإيجاز حذف، وهاك بيانهما:
إيجاز القصر:
هو أن تؤدى المعاني الكثيرة بعبارة قصيرة من غير حذف, وهذا الضرب مطمح أنظار البلغاء، ومحك همم الأفذاذ منهم، التي لا ترام, من ذلك قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} , فتلك آية من جوامع الكلم، انطوى تحتها كثير من مكارم الأخلاق ذلك: "أن في العفو الصفح عمن أساء، والأخذ بمبدأ التسامح
__________
1 النوك بضم النون وفتحها الحمق والجهل وبابه "فرح"، "وكدًّا" صفة لمصدر محذوف أي عاش عيشًا كدًّا أي فيه شدة وجفاء.
2 بكسر ففتح, سمي إيجاز قصر لوجود الاقتصار في العبارة مع كثرة المعنى.
(2/131)

والإغضاء, وفي الأمر بالمعروف: صلة الرحم، والحدب على ذوي القربى، وصون الجوارح عن المحارم, وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والأناة، وكظم الغيظ, وما إلى ذلك من أحاسن الشيم, ومثله قوله تعالى: {فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} , وهي جملة جامعة تضمنت سرًّا من أسرار التشريع التي عليها مدار سعادة المجتمع الإنساني في أولاه وآخرته, ذلك أن الإنسان إذا علم أنه متى قَتَلَ قُتِلَ دعاه ذلك إلى أن يكف عن القتل خشية أن يذهب ضحية جرمه "قصاصًا", وبهذا القصاص ارتفع كثير من قتل الناس بعضهم بعضًا، وفي ذلك حياة لهم, فهذا المعنى الكثير في كل من "الآيتين" أداه لفظ يسير، من غير أن يكون في اللفظ شيء محذوف يحتاج إليه في أداء المعنى المقصود.
وفي هذه الجملة من بلاغة الإيجاز ما يقف دونه قولهم المأثور: "القتل أنفى للقتل", ذلك أن النص الكريم يفضله من وجوه, منها:
1- أن النص القرآني كلمتان فحسب, أما النص العربي فأربع، وما كان أقل لفظًا، مع الوفاء بالمعنى، فهو أبلغ.
2- أن في النص الكريم تصريحًا بالمطلوب، وهو "الحياة", التصريح بها أزجر عن القتل بغير حق، وأدعى إلى القصاص, أما القول المأثور فإنما يدل على "الحياة" لزومًا، لا نصًّا.
3- أن في النص الكريم تذكيرًا "للحياة" وهو مفيد لتعظيمها من حيث إن في تشريع القصاص حياة من هم بالقتل، وحياة المهموم بقتله، وحياة كل من تسول له نفسه بقتل غيره، وحياة ذلك الغير, ففيه إذا حياة الجميع وأي حياة أعظم من تلك الحياة؟ 1 أما النص المأثور, فخلو من هذه المزية.
4- أن النص الكريم عام مطرد إذ القصاص مطلقًا في كل وقت، ولكل فرد سبب في الحياة, أما النص العربي فليس في ظاهره2 مطردًا
__________
1 وقيل في إفادة التفكير للتعظيم، إنهم كانوا في الجاهلية يقتلون القائل ويقتلون عصبته معه، فلما شرع القصاص وهو قتل القائل وحده كان في ذلك حياة لأولياء القائل.
2 إنما كان ذلك بالنظر للظاهر لأن المراد بالقتل في قولهم هذا هو القتل قصاصًا لا مطلق قتل.
(2/132)

إذ ليس كل قتل أنفى للقتل، بل تارة يكون أنفى له إذا كان القتل قصاصًا وأخرى يكون أدعى له إذا كان القتل ظلمًا وعدوانًا.
5- إن النص القرآني خال من التكرار اللفظي, أما المأثور عنهم ففيه التكرار، وهل "في الجملة" عيب في الكلام.
6- إن النص القرآني جعل "القصاص" كالمنبع للحياة بإدخال "في" عليه, أما النص العربي فخلو من هذه المعنى.
7- إن النص القرآن محلى بحلية الطباق، بين "القصاص والحياة", أما النص العربي فعاطل الجيد من تلك الحلية البديعية إلى غير ذلك من المزايا التي انفرد بها النص الكريم.
ومثل ما تقدم من الكلمات الجامعة، ذات اللفظ القصير، والمعنى الكثير قوله صلى الله عليه وسلم: "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء"، ففيه من المعاني الحكيمة الشيء الكثير، وقول علي رضي الله عنه: "ثمرة التفريط الندامة"، وقوله: "من استقبل وجوه الآراء عرف وجوه الخطأ" وقول بعض الأعراب: اللهم هب لي حقك، وارض على خلقك، فلما سمعه عليه الصلاة والسلام قال: "هذا هو البلاغة" , فكل هذا وغيره من جوامع الكلم هو من قبيل إيجاز القصر.
إيجاز الحذف:
ما قصد فيه إلى إكثار المعنى، مع حذف شيء من التركيب، ودلالة القرينة عليه, والمحذوف أنواع شتى فمنها:
"أ" ما يكون حرفًا كقوله تعالى: {وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} والأصل: ولم أكن، حذفت النون تخفيفًا.
"ب" ما يكون مفردًا مضافًا، أو مضافًا إليه, فالأول: كقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} , أي أهل القرية, بناء على أن المراد بالقرية: المكان, فإن أريد به: أهلها كان مجازًا مرسلا علاقته الحالية والمحلية، وحينئذ فلا حذف في الآية، ومثله قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} أي في سبيل الله. والثاني: كقوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} أي بعشر ليال، ومثله قوله تعالى: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} أي من قبل ذلك ومن بعده.
(2/133)

"ج" ما يكون موصوفًا, وهو كثير كقوله تعالى: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ} أي حور قاصرات الطرف، ومثله: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} أي دروعًا سابغات، وكقول الشاعر:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني1
يصف نفسه بالشهرة ووضوح الأمر، وأنه كشاف للكروب، ركاب للصعاب، لقوة مراسه وعلو همته، وأنه متى يضع البيضة الحديد على رأسه يعرفوا شجاعته، وقوة بأسه, ويحتمل أن يكون المعنى: أنه متى يرفع العمامة التي يستر بها وجهه لإخفاء نفسه عرفوه ذلك الباسل المغوار، والفارس الذي لا يشق له غبار, والشاهد قوله: "أنا ابن جلا" حيث حذف فيه الموصوف والتقدير: "أنا ابن رجل جلا أي انكشف أمره واتضح، بحيث لا يخفى على أحد، أو ابن رجل كشف الأمور، وجلا الكروب, وأكثر ما يكون حذف الموصوف في باب المصدر كقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} "أي عملًا صالحًا".
"د" ما يكون صفة -وهو نادر- كقوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} أي سفينة سليمة، بدليل قوله: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} فإن ذلك يدل على أن الملك كان لا يأخذ المعيبة, ومن هذا القبيل قول الشاعر:
كل امرئ ستئيم منه ... العروس أو منها يئيم2
يريد أن يقول: كل امرئ متزوج، إذ المعنى لا يصح إلا بهذا الوصف.
"هـ" ما يكون شرطًا, كقوله تعالى: {اتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} أي إن تتبعوني يحببكم الله، وكقولك: "أين بيتك أزرك؟ " أي إن تعرفنيه أزرك.
__________
1 الثنايا: جمع ثنية على وزن غنية, وهي ما ارتفع من الأرض شبه بها صعاب الأمور، أو كنى بها عنها.
2 آم الزوج من زوجته يئيم إذا انفصل عنها، أو انفصلت عنه بموت أو طلاق.
(2/134)

"و" ما يكون جواب شرط, كقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} , والجواب محذوف تقديره: لرأيت أمرًا فظيعًا, والحذف فيه على أن جواب الشرط مما لا يحيط به وصف قصدًا إلى المبالغة, وقد يكون الحذف لمجرد الاختصار كقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} , فهذا شرط حذف جوابه، وهو "أعرضوا", بدليل قوله بعد: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} .
"ز" ما يكون قسمًا أو جوابه: فالأول كقولك: "لأحجن هذا العام", أي والله لأحجن, والثاني وهو كثير شائع كقوله تعالى: {وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} ... إلخ، وتقدير الجواب: لتعذبن يا كفار مكة.
"ح" ما يكون معطوفًا كقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} , فقد حذف المعطوف على {مَنْ أَنْفَقَ} والتقدير: ومن أنفق من بعده، وقاتل.
"ط" ما يكون جملة كقوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ} أي فاختلفوا، فبعث، وكقوله تعالى: {قُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ} أي فضربه بها فانفجرت.
"ي" ما يكون عدة جمل كقوله تعالى: {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ، يُوسُفُ} فقد حذف من هذا الكلام عدة جمل، لا يستقيم المعنى إلا بها، والتقدير: فأرسلون إلى يوسف لاستعبره الرؤيا، فأرسلوه إليه، فأتاه، وقال له: يا يوسف ودليل هذه المحذوفات: هو أن نداء يوسف يقتضي أنه وصل إليه والوصول إليه متوقف على فعل الإرسال، والإرسال إنما كان للاستعبار.
هذا والحذف على وجهين:
الأول: أن يقام مقام المحذوف شيء يدل عليه كقوله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} فقوله: "فقد كذبت رسل" ليس هو جواب الشرط، لأن تكذيب الرسل سابق على تكذيبه، وجواب الشرط يجب أن يكون مضمونه مترتبًا على مضمون الشرط، والمذكور هنا إنما هو علة الجواب المحذوف، وهو "الصبر وعدم الحزن"، فكأنه قيل، وإن يكذبوك فاصبر، ولا تحزن، لأنه قد كذبت رسل من قبلك، أي فلك بهم أسوة.
الثاني: ألا يقام شيء مقام المحذوف، بل يكتفى في فهم المحذوف
(2/135)

بالقرينة الدالة كما تقدم لك في الأمثلة السابقة، وأدلة الحذف كثيرة منها:
1- العقل والعرف: فالعقل يدل على الحذف، والعرف يدل على خصوص المحذوف كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} الآية. أي حرم عليكم أكلها، أو الانتفاع بها, فالعقل دل على أن في القول حذفًا لعدم تصور تعلق الحرمة بالأعيان، والعرف دل على خصوص المحذوف وهو "الأكل أو الانتفاع" إذ المفهوم عرفًا من قول القائل: "حرم عليك كذا: تحريم أكله، أو الانتفاع به".
2-العقل والشروع في الفعل: فالعقل يدل على الحذف، والشروع في الفعل يدل على خصوص المحذوف، كقول القارئ: "بسم الله" أي باسم الله أقرأ, فالعقل دل على أن فيه حذفًا لإدراكه أن الجار والمجرور لا بد أن يتعلقا بشيء، والشروع في الفعل -وهو "القراءة" هنا- دل على خصوص الحذف وهو "أقرأ", وحينئذ يقدر ما جعلت البسملة مبدأ له, ففي "القراءة" مثلا كما هنا يقال: باسم الله أقرأ، وفي "الكتابة" يقال: باسم الله أكتب, وفي "الأكل" يقال: باسم الله آكل ... وهكذا, ومثله قولهم للمعرس، وهو المتخذ عرسًا: "بالرفاء والبنين"1, أي أعرست بالرفاء والبنين, فالعقل دل على الحذف لضرورة تعلق الجار والمجرور بشيء، والشروع في الفعل دل على خصوص المحذوف وهو "أعرست".
3- العقل وحده: بمعنى أنه: يستقل بإدراك الأمرين معًا: الحذف وخصوص المحذوف, كقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} أي أمر ربك, فالعقل وحده هو الذي دل على الحذف، وعلى خصوص المحذوف لامتناع مجيء الرب عقلا.
__________
1 الرفاء: الالتئام, تقول رفأت الثوب أرفؤه إذا أصلحت ما فسد منه، والمعنى: أعرست متلبسًا بالالتئام والوئام مع زوجك، وبإنجاب البنين منها، والجملة دعائية, أي جعلك الله ملتئمًا مع زوجك منجبًا للبنين منها.
(2/136)

مبحث الإطناب:
الإطناب: هو أن يؤدى المعنى بعبارة زائدة عما يستحق، بحسب متعارف الأوساط، بشرط أن يكون ذلك الزائد لفائدة كقوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} فاللفظ المستحق في متعارف الأوساط أن يقال: "رب إني كبرت" أو شخت لكنه لما كان في مقام بث الشكاية، وطلب استدرار الرحمة ناسب ذلك ذكر ما يستوجب الشفقة والإحسان لهذا كان الزائد لفائدة, فإن لم يكن لفائدة لم يكن الكلام إطنابًا، وكان بمعزل عن أهداف البلاغة, ولا يخلو الحال حينئذ من أمرين:
1- أن يكون الزائد غير متعين.
2- أن يكون متعينًا.
فإن كان الزائد غير متعين سمي "تطويلا" كقول عدي بن زيد, وهو من شعراء العصر الجاهلي:
وقددت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا1
وهو من قصيدة له يخاطب بها النعمان بن المنذر يذكره فيها أحداث الدهر، وما وقع "لجذيمة الأبرش" و"الزباء" من خطوب جسام، ولهذين قصة طويلة لا محل لذكرها هنا2, والشاهد في قوله: "ومينا" فإن فيه تطويلا؛ لأن الكذب هو المين، ولا فائدة في الجمع بينهما، ولم يتعين أحدهما للزيادة, ومثله قول الشاعر.
ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد
ففي قوله و"البعد" تطويل؛ لأنه "النأي" بعينه، ولا فائدة في الجمع بينهما، ولم يتعين أحدهما للزيادة.
وإن كان الزائد متعينًا سمي "حشوًا", وهو نوعان: مفسد للمعنى وغير مفسد له، وإليك البيان:
__________
1 "قددت" من القد وهو القطع, و"الأديم" الجلد, و"الراهشان" عرقان في باطن الذراعين إذا فصد المرء منهما مات لساعته، و"المين" الكذب.
2 تتلخص في أن "جذيمة الأبرش" كان قد قتل أبا "الزباء" وكلاهما صاحب ملك وسلطان فسكتت الزباء على كره ريثما يقوى أمرها، ثم بعثت إليه تستدعيه لتتخذه زوجًا فنصح له بعض حاشيته ألا يأمن لها فلم يستجب لنصحه وركب إليها يدفعه الطمع في ملكها، وحينما وصل إليها غدرت به، فأجلس على نطع وشد عضداه وقطع رأهشاه، فتدفق الدم منهما حتى مات.
(2/137)

فالحشو المفسد كلفظ "الندى" في قول أبي الطيب المتنبي يرثي غلامًا:
ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب1
يقول: إنه لا فضل في الدنيا للشجاعة والصبر لولا "الموت", وهو حس جميل، لأنهما إنما عدا من الفضائل لما فيهما من الإقدام على الموت واحتمال المكروه, ولو علم الإنسان أنه لن يموت لم يبال بالمغامرات، وهان عليه اقتحام المخاطر, كما أنه لو أيقن الخلود وزوال المكروه لهان عليه الاحتمال والصبر لوثوقه بالخلاص, أما الندى فعلى العكس من ذلك إذ لو أيقن الإنسان أنه لن يفنى اشتد حرصه على المال مخافة أن ينفد، فيصبح صفر اليدين ما لو علم أنه سيموت، ويترك ماله، فإنه حينئذ يستخف به، ويهون عليه بذله، وإذا لا يظهر لهذا البذل فضل, وحينئذ فنظم "الندى" في سياق الحديث عن الشجاعة والصبر لا يستقيم لفساد المعنى, فهو لذلك حشو مفسد.
والحشو غير المفسد كلفظ "قبله" من قول زهير بن أبي سلمى من قصيدة في إصلاح ذات البين بين قبيلتي عبس وذبيان:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عمي
يقول: إني محيط علمًا بما مضى، وبما هو حاضر، ولكنني جاهل بما استكن في ضمير المستقبل، فلا أدري ماذا عسى أن يكون في الغد, والشاهد في قوله: "قبله" فهو حشو، ولكنه غير مفسد, أما إنه حشو فلأنه زيادة متعينة، لا لفائدة؛ لأن "الأمس" مفيد للقبلية لدخولها في مفهومه إذ هو اليوم الذي قبل يومك, وأما أنه غير مفسد؛ فلأن المعنى لا يبطل بذكره, ومثله قول الشاعر:
ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب
فذكر "الرأس" مع الصداع حشو؛ لأن الصداع لا يكون في غير الرأس، ولكنه غير مفسد، لأن المعنى لا يفسد به.
وقد يحسن الحشو إذا تضمن نكتة لطيفة كما في قول أبي الطيب المتنبي:
1- "الندى" الكرم و"شعوب" بفتح الشين المنية, وهو مأخوذ من الشعبة وهي الفرقة إذ إن المنية تشعب وتفرق بين الأحبة.
(2/138)

وخفوق قلبي لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما
فقوله: "يا جنتي" حشو، ولكنه غاية في الحسن والإبداع لمقابلته بجهنم. ا. هـ.
ويكون الإطناب بأمور شتى:
1- يكون بالإيضاح بعد الإبهام:
ونكتته عرض المعنى في صورتين مختلفتين؛ إحداهما مبهمة، والأخرى موضحة، وذلك أمر مستحسن إذ هو أشبه بعرض الحسناء في لباسين متغايرين. أو نكتته تمكن المعنى الموضح بعد إبهامه في نفس السامع فضل تمكن، إذ إن الإشعار بالشيء إجمالا يدعو إلى التشوق إليه تفصيلًا، والشيء إذا جاء بعد تشوق وتلهف عليه وقع في النفس، وتمكن أيما تمكن, يرشدك إلى ذلك: أنك إذا قلت: هل أدلك على أكرم الناس أبا، وأفضلهم حسبًا، وأمضاهم عزيمة، وأنفذهم رأيًا؟ ثم قلت: "فلان" كان ذلك أوقع في النفس مما لو قلت: فلان الأكرم الأفضل ... إلخ، من ذلك قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ} ثم وضحه بقوله: {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} ولو قيل في غير القرآن: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين لم يكن له من حسن الموقع ما كان مع الإبهام يدل على ذلك الذوق البلاغي.
ويدخل في الإيضاح بعد الإبهام باب "نعم وبئس" نحو: "نعم الرجل محمد"، و"بئس الرجل مسيلمة" على رأي من يجعل المخصوص خبرًا حذف مبتدؤه، أو مبتدأ حذف خبره.
2- يكون بالتوشيع:
وهو أن يؤتى في عجز الكلام بمثنى مفسر ياسمين ثانيهما معطوف على الآخر، أو يؤتى بجمع مفسر بأسماء معطوف بعضها على بعض. مثاله في المثنى قولهم: خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق. وقولهم: يشيب ابن آدم، ويشيب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل. ونحو: علينا بالشفاءين: العسل والقرآن، ومن هذا القبيل قول الشاعر:
فما زلت في ليلين شعر وظلمة ... وشمسين من خمر ووجه حبيب
ومثاله في الجمع قولك: إن في فلان ثلاث خصال حميدة: الكرم، والشجاعة، والحلم.
3- يكون بعطف الخاص على العام، ونكتته: التنبيه على فضل الخاص حتى كأنه "لفضله" شيء آخر مغاير لما قبله، كقوله تعالى:
(2/139)

{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} قيل: هي صلاة العصر -في الرأي الغالب- لتوسطها بين نهاريتين وليليتين، وقيل غير ذلك.
4- يكون بعطف العام على الخاص ونكتته: الاهتمام بالخاص بذكره في عنوان عام بعد العنوان الخاص نحو: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ، ونحو: {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ} .
5- يكون بالإيغال وهو "لغة":
المبالغة من أوغل في الأمر إذا أمعن فيه، وبالغ, و"اصطلاحًا": ختم الكلام بما يفيد نكتة، يتم المعنى بدونها كالمبالغة في التشبيه أو تحقيقه، أو زيادة الحث والترغيب، فمثال المبالغة في التشبيه قول الخنساء في رثاء أخيها صخر:
وإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
فقولها: "في رأسه نار" إيغال إذ قد تم المقصود, وهو تشبيهها إياه بالعلم في الظهور والارتفاع, غير أنها لم تكتف بوقوفها عند هذا الحد في التشبيه بل جعلت في رأس العلم نارًا مبالغة في التشبيه لما في ذلك من مزايدة الظهور والاشتهار والاهتداء به, ومثال تحقيق التشبيه، أي بيان التساوي بين الطرفين في وجه الشبه قول امرئ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب1
يريد أن يقول: إنهم كانوا كثيري اصطياد الوحوش، وكادوا يأكلونها ويطرحون أعينها حول أخبيتهم أشبه شيء بالجزع غير المثقوب, فقوله: "لم يثقب" إيغال إذ قد تم المعنى المراد, وهو تشبيه عيون الوحش بالجزع وبدونه وإنما أتى به تحقيقًا للتشبيه، وبيانًا لتساوي الطرفين في وجه الشبه, ذلك: أن تشبيه عيون الوحش بعد موته "بالجزع" في اللون والشكل ظاهر، لكن الجزع إذا كان مثقبًا يخالف العيون شكلًا إلى حد ما؛ لأن العيون لا ثقوب فيها، فزاد الشاعر قوله "لم يثقب" ليتحقق التشابه كاملا في الشكل حتى يتساوى الطرفان مساواة تامة في وجه الشبه, ومثال زيادة الحث والترغيب قوله تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ
__________
1 "أرحل" جمع رحل "والجزع" بفتح الجيم أو كسرها وسكون الزاي عقيق فيه دوائر بيض وسود يشبه به عيون الوحش.
(2/140)

اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِين، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ، فقوله: {وَهُمْ مُهْتَدُونَ} إيغال؛ لأن المعنى يتم بدونه إذ إن الرسول مهتد لا محالة إلا أن في التصريح بوصف الاهتداء ما يحفزهم إلى اتباع الرسل، ويزيدهم ترغيبًا فيه.
6- يكون بالتكرير لأغراض منها:
"أ" تأكيد الردع والإنذار: كقوله تعالى: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} ، فقوله "كلا" للردع والزجر عن الانشغال، والتعلق بالدنيا، والتلهي بها عن الآخرة، وقوله: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ} إنذار وتهديد أي سوف تعلمون ما أنتم عليه من ضلال إذا شاهدتم هول المحشر وفي تكريره تأكيد لهذا الردع والإنذار.
"ب" استمالة المخاطب لقبول الخطاب كقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ} كرر قوله: {يَا قَوْمِ} لقصد استمالتهم، وحملهم على قبول الإرشاد.
"ج" قصد الاستيعاب: نحو "قرأت الكتاب بابا بابا", "وفهمته كلمة كلمة"، ففي هذا التكرار معنى الاستيعاب والشمول.
"د" التنويه بشأن المخاطب: كقولهم: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم".
"هـ" إظهار التحسر: كقول الحسين بن مطير بن الأشيم الأسدي1:
فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة موضعا
ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا
__________
1 وهو شاعر فصيح متقدم في الرجز والقصيد يعد من فحول المحدثين، أدرك بني أمية وبني العباس، ووفد على معن بن زائدة مادحًا فأجزل صلته.
(2/141)

ففي تكرار قوله: "يا قبر معن" إظهار لكمية الحزن المندلعة ناره بين جوانحه على فقده.
"و" طول الفصل: كما في قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} , كررت "إنَّ واسمها" لطول الفصل خشية أن يكون الذهن قد ذهل عما ذكر أولا, ومثله قول الشاعر:
وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على مثل هذا إنه لكريم
7- يكون بالتكميل, ويسمى الاحتراس أيضًا, وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المراد بما يدفعه كقول المتنبي.
غير اختيار قبلت برك بي
والجوع يرضي الأسود بالجيف
فقوله: "غير اختيار" تكميل أتى به دفعًا لتوهم أن قبول البر عن رضا واشتهاء له, وكقول المعتز يصف فرسا:
صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
فقوله "ظالمين" تكميل واحتراس دفع به توهم أنها تستحق الضرب لبلادتها، أو لسوء سيرها, وكقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} تكميل واحتراس قصد به دفع إيهام أن وصفهم بالذلة لضعفهم وهوانهم: من حيث إن شأن المتذلل أن يكون ضعيفًا مهينًا دفع ذلك بأن تذللهم للمؤمنين ليس عن ضعف ومهانة، وإنما هو وليد التوضع منهم للمؤمنين، بدليل أنهم أعزة على الكافرين.
8- يكون بالتتميم, وهو أن يؤتى في الكلام بفضله لنكتة سوى دفع توهم غير المراد كالمبالغة في قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} فقوله: {عَلَى حُبِّهِ} تتميم أريد به المبالغة في مدحهم بالسخاء والكرم, أي يطعمونه مع حبهم، واشتهائهم له، واحتياجهم إليه, ولا شك أن إطعام الطعام -مع اشتهائه والاحتياج إليه- أبلغ في المدح بالكرم من مجرد إطعام الطعام, ومثله قول زهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان:
من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والذي خلقا
(2/142)

فقوله: "على علاته" أي على رقة حاله وقلة ماله, تتميم قصد به: المبالغة في مدحه بالكرم, والمعنى: إن تلقه على حال إعسار تجده سمحًا جوادًا فما ظنك به على غير هذه الحال.
9- يكون بالتذييل, وهو "لغة": جعل الشيء ذيلا للشيء. "واصطلاحًا": تعقيب الجملة بجملة أخرى تشتمل على معناها تأكيدا لها.
والتذييل على ضربين:
الأول: ضرب لم يخرج مخرج المثل، وهو الذي لا يستقل بإفادة المعنى، بل يتوقف على ما قبله كقوله تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا} , {وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} , فصدر الآية صريح في أن هذا الجزاء إنما كان من أجل كفرهم، فقوله بعد: {وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} تذييل جيء به تأكيدًا لما استفيد من سابقه, ولم يجر مجرى المثل لتوقف على ما قبله إذ المراد بالجزاء "في الآية": ذلك الجزاء الخاص، وهو المذكور فيما قبل من إرسال سيل العرم، وتبديل جنتيهم، إلى آخر ما هو مذكور في هذا الحادث، فإن أريد مطلق جزاء كان من قبيل الضرب الثاني الآتي بعد.
الثاني: ضرب جرى مجرى المثل، وهو ما تضمن حكمًا كليًّا, واستقل بإفادته كقوله تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} فقوله: {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} ، تذييل أتى تأكيدًا لما فهم مما قبله، وهو جار مجرى المثل لاستقلاله بالإفادة عما قبله بتضمنه معنى كليًّا وهو: أن الباطل لا تقوم له قائمة.
والتأكيد بالتذييل على ضربين أيضًا:
الأول: أن يكون التأكيد لمنطوق الجملة الأولى كأن تشترك ألفاظ الجملتين في مادة واحدة، مع اختلاف نسبتهما، بأن تكون أحداهما فعلية والأخرى اسمية مثلا كالآية السابقة، فإن قوله تعالى: {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} تذييل مؤكد لمنطوق قوله: {وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} لاشتراك الجملتين في مادة واحدة, واختلافهما بالفعلية والاسمية.
الثاني: أن يكون التأكيد لمفهوم الأولى بألا تشترك ألفاظ الجملتين في مادة واحدة كما في قول النابغة الذبياني:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
(2/143)

فصدر البيت يدل بمفهومه على نفي الكامل من الرجال إذ يريد أن يقول: إذا لم تضم أخا إليك، وتقبله على عيبه، وتغض النظر عن زلاته ولم تؤاخذه على كل جريرة لم يطق عشرتك أحد، ولم يبق أخ في الدنيا, إذ ليس في الرجال مهذب كامل التهذيب، مبرأ من العيب فقوله بعد ذلك: أي الرجال المهذب؟ تذييل أتى به تأكيدًا لذلك المفهوم؛ لأنه في معنى قولك: ليس في الرجال مهذب كامل.
10- يكون بالاعتراض: وهو أن يؤتى في أثناء الكلام بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لأغراض منها:
"أ" التنزيه: كما في قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} , فقوله: {سُبْحَانَهُ} اعتراض وقع في أثناء الكلام لغرض تنزيهه تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا.
"ب" الدعاء: كما في قول عوف بن محلم الشيباني يشكو ضعفه:
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
يشكو الشاعر ضعف سمعه بسبب الكبر, حتى صار بحيث يحتاج إلى من يكرر له القول بصوت أجهر من سابقه, والشاهد في قوله: "وبلغتها", فهو اعتراض أتى به أثناء الكلام لقصد الدعاء للمخاطب بطول العمر, وهذه الواو تسمى واو الاعتراض.
"ج" التنبيه على فضيلة العلم كما في قول الشاعر:
واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا
يقول: إن الذي قدر "لا محالة" آت طال الزمن أو قصر، وفي هذه تسكين للنفس وتسهيل للأمر عليها؛ لأنها إذا علمت: أن ما قدره الله لا بد آت سهل عليها الصبر، والتفويض، والاستسلام. والشاهد قوله: "فعلم المرء ينفعه"، فهو اعتراض أتى به تنبيهًا للمخاطب على فضل العلم، وهذا مما يزيده إقبالا على طلبه.
"د" زيادة التأكيد كما في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} فقوله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} , تفسير لقوله: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ
(2/144)

بِوَالِدَيْهِ} , وقوله: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} اعتراض أتى به تأكيدًا لطلب الشكر للوالدة, تقديرًا لفضلها العظيم، بسبب ما عانته من آلام الحمل طوال الشهور.
ومما جاء فيه الاعتراض بأكثر من جملة قوله تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} , فقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} اعتراض بأكثر من جملة، وقع في أثناء الكلام، وكقوله تعالى: {إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} , فقوله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ} ... إلخ, اعتراض بأكثر من جملة.
(2/145)

اختبار
...
اختيار:
"1" بين معنى المساواة, وهل لهذا المعنى من ضابط يعرف به؟ مثل لما تقول مع الإيضاح.
"2" عرف الإيجاز، ومثل له، وبين كيف كان قول الشاعر:
والعيش خير في ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا
إخلالا، لا إيجازا.
"3" اذكر قسمي الإيجاز، ثم عرف كل قسم، ومثل له، ثم بين أوجه تفضيل قوله تعالى: {فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} على القول العربي المأثور: "القتل أنفى للقتل".
"4" اذكر أنواعًا من إيجاز الحذف، ومثل لكل نوع.
"5" اذكر نوعي الحذف، ومثل لكل نوع، مع بيان أدلة الحذف, والتمثيل لها بما تعرف.
"6" عرف الإطناب، ومثل له، واذكر الفرق بين الإطناب، والتطويل والحشو، خمع التمثيل لكل ما تذكر.
"7" اذكر نوعي الحشو، ومثل لكل نوع، مع التوجيه لما تقول.
"8" اذكر أربعة أنواع من أنواع الإطناب، ومثل لكل نوع، مع بيان النكتة فيه، وبين من أي أنواع الإطناب باب "نعم وبئس".
"9" بين معاني الألفاظ الآتية، ونكتة التعبير بها، مع التمثيل لها: التوشيع، التذييل، الاعتراض، الإيغال، التتميم، التكميل، التكرير.
(2/146)

تمرين:
بين ما جاء من طريق الإيجاز، أو الإطناب، أو المساواة فيما يلي من العبارات:
"1" {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
"2" {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} . "3" احذر محل السوء لا تنزل به. "4" اجتهدوا من دروسكم، واللغة العربية. "5" كل امرئ يحصد ما زرع. "6" من علم الدهر هذا الجود والكرما؟ "7" {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} . "8" {فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} . "9" دخلت المعهد، فنلت شهادة الدراسة الثانوية.
10- أكرمت إخوتي، وأخواتي "ووالدي وأفراد أسرتي". "11" {أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} . "12" لكل امرئ من دهره ما تعودا. "13" إن تلميذا يجد في عمله، ويقوم بأداء واجبه، إنه لحرى بالنجاح. "14" أبو بكر رضي الله عنه، أول الخلفاء الراشدين. "15" {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . "16" نجح محمد باجتهاده وما ينجح إلا المجدون. "17" ألا كل شيء ما خلا الله باطل. "18" فهمت المسألة.
"19"
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
"20"
شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ... ويستحل دم الحجاج في الحرم
"21"
أمسى وأصبح من تذكاركم وصبا ... يرثى لي المشفقان الأهل والولد
"22"
لله لذة عيش بالحبيب مضت ... ولم تدم لي وغير الله لم يدم
"23"
حليم إذا ما الحلم زين لأهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب
"24"
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على هرم
"25"
وألفيته بحرًا كثيرًا فضوله ... جوادًا متى تذكر له الخير يزدد
(2/147)

جواب هذا التمرين:
رقم الجملة نوعها
1 في الآية إطناب إذا قد صرح بذكر أمهات الممكنات ليكون دليلا على القدرة وكان في الإمكان الاستغناء عنه بقوله: إن في خلق كل ممكن لآيات للعقلاء.
2 فيه مساواة؛ لأن اللفظ على قدر المعنى.
3 فيه تكرير؛ لأن الجملتين بمعنى واحد لقصد الزجر والردع.
4 فيه إطناب بذكر الخاص بعد العام تنويها بفضله.
5 فيه إيجاز قصر لتضمن اللفظ القصير المعنى الكثير.
6 فيه تطويل؛ لأن الزائد غير متعين في كلمتي "الجود والكرم".
7 فيه إيجاز بحذف حرف "لا", والتقدير: "لا تفتأ تذكر يوسف".
8 فيه إيجاز بحذف جملتين, أي: فذهبا بالرسالة فكذبوها.
9 فيه إيجاز بحذف جمل، أي: فتلقيت الدروس، واجتهدت، وانتقلت من فرقة إلى فرقة، ودخلت الامتحان، ووفقت فيه، وتقرر نجاحي، فنلت الشهادة.
10 فيه إطناب بذكر العام بعد الخاص اهتمامًا به.
11 فيه إطناب بالإيضاح بعد الإبهام.
12 إيجاز قصر؛ لأن المعنى كبير، واللفظ يسير.
13 إطناب بالتكرير لطول الفصل.
14 إطناب بالاعتراض لقصد الدعاء.
15 إطناب بالتذييل؛ لأن الجملة الثانية مشتملة على معنى الأولى تأكيدًا لها, والتأكيد هنا لمنطوق الجملة الأولى لاشتراك ألفاظ الجملتين في مادة واحدة، والتذييل المذكور جار مجرى المثل.
(2/148)

رقم الجملة نوعها
16 إطناب بالتذييل أيضًا, ولكنه غير جار مجرى المثل لتوقفه على ما قبله, إذ إن معناه: وهل ينجح ذلك النجاح الخاص إلا المجدون؟
17 إطناب بالاحتراس؛ لأنه دافع لإيهام غير المراد.
18 فيه مساواة؛ لأن اللفظ على قدر المعنى.
19 فيه إيجاز بحذف "لا", أي: لا أبرح ... إلخ.
20 فيه إطناب بالإيغال لزيادة المبالغة في الذم.
21 إطناب بالتوشيع لنكتة الإيضاح بعد الإبهام.
22 فيه إطناب بتذييل جار مجرى الأمثال.
23 فيه إطناب بالاحتراس في قوله: "في عين العدو مهيب".
24 فيه إيجاز بحذف جملة، أي: وآتيناه على هرم "فساءنا".
25 فيه إطناب بالتذييل لإفادة التأكيد لمعنى الجواد.
(2/149)

تمرين يطلب جوابه على غرار ما سبق:
{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} . ذاكر تراجم رجالات مصر الحديثة، والإمام محمد عبده. سر القائد فلانًا, أنعم عليه بنيشان. تغاض عن هفوان صديقك، وتجاوز عن سيئاته، واستر مساوئه، نحن العرب أقرى الناس للضيف. {وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} . أنت -سدد الله خطاك- من صفوة الناس خلقًا. لو غيرك قال هذه العبارات. الأرض للنشيط. أفيقوا من غفلتكم، واستيقظوا، ولا تأخذكم سنة ولا نوم عن هذا الأمر. رب اشرح لي صدري. أتقنت علوم البلاغة ومبحث الإيجاز والإطناب والمساواة. خاب زيد لإهماله وهل يخيب إلا المهملون؟ ما حك جلدك مثل ظفرك. ربح محمد مالا كثيرًا، ربح عشرين ألف دينارًا. إن رجلا يحرص على أداء واجبه، ويحافظ على شرفه، إنه لجدير باحترام الناس له، {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} .
إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفوا مشاربه
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي
تسمي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
وما مات منا سيد في فراشه ... ولا طل منا حيث مات قتيل
إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان البحر والمطر
وإن أضاءت لنا أنوار غرته ... تضاءل النيران الشمس والقمر
(2/150)

نصوص أسئلة لامتحانات رسمية:
امتحان الدور الأول سنة 1365هـ:
القواعد:
1- اذكر مع التمثيل خمسة من دواعي حذف المسند إليه، وخمسة من دواعي تعريفه بالإشارة.
"10-40"
2- عرف القصر الإضافي ومثل له، وافرق بينه وبين القصر الحقيقي الادعائي مع التمثيل, ثم بين معنى قصر الإفراد، وقصر القلب، ومن أيهما قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} ؟
"8-40"
3- بين المعنى الاصطلاحي لشبه كمال الانقطاع، وشبه كمال الاتصال، واذكر أنواع ثانيهما، وأي تلك الأنواع يقتضي التأكيد؟ ولماذا؟ وما حكم الجملتين في الحالين؟ مع التمثيل لكل ذلك. "10-40"
التطبيق:
1- مثل من كلام مأثور لما يأتي:
مسند إليه عرف بالموصولية لتقرير الغرض الذي سبق له الكلام.
مفعول حذف لدفع توهم غير المراد.
قصر صفة على موصوف حقيقي تحقيقي.
"هل" مستعملة في الاستبعاد.
2- بين سر الوصل والفصل فيما يأتي:
قال الله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ، اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} .
"4-40"
3- بين ما في الأمثلة الآتية من إيجاز أو إطناب أو مساواة:
قال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} .
وقال تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} .
وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} .
وفي الحديث الشريف: "الضعيف أمير الركب". "4-40"
(2/151)

امتحان الدور الثاني سنة 1366هـ:
القواعد:
1- اذكر مع التمثيل ثلاثة من دواعي ذكر المسند إليه، وثلاثة من دواعي تعريفه بالعلمية، وأربعة من دواعي تقديمه. "10-40"
2- "أ" عرف القصر الحقيقي والادعائي منه مع التمثيل، وما قصر الموصوف على الصفة؟ وما المراد بالصفة هنا؟
"ب" اذكر خمسة أمور من التي يستعمل فيها الاستفهام مجازًا مع التمثيل. "10-40"
3- بم يتحقق كمال الانقطاع بين الجملتين، وهل يقتضي الفصل أو الوصل؟ مع التمثيل لكل ما تقول، اذكر سر الفصل في قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ} . "7-40"
التطبيق:
1- مثل لما يأتي:
مسند إليه عرف بأل للإشارة إلى الحقيقة. أمر خرج إلى التمني. نهي الغرض منه الدوام. إيجاز بحذف جمل. "4-40"
2- بين الإيجاز والإطناب فيما يأتي:
"أ" {وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} .
"ب" {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} .
"ج" صببنا عليها ظالمين سياطنا.
3- بين المقصور عليه وطريق القصر ونوعه فيما يأتي:
"أ" {وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} .
"ب" إنما الدنيا هبات وعوار مستردة.
"ج" الجديدين في طول اختلافهما
لا يفسدان ولكن يفسد الناس
"6-40"
(2/152)

امتحان الدور الأول سنة 1366هـ:
القواعد:
1- اذكر الأغراض التي يقصدها المخبر بخبره، ومثل لها، وفي أي الحالات يتأتى إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر مع التمثيل.
2- من طرق القصر "إنما" مثل لها في قصر الصفة على الموصوف حقيقيًّا وإضافيًّا, وما وجه إفادتها القصر؟ وما أحسن مواقعها مع التوجيه؟ وأين يقع المقصور عليه في إنما؟ وأي طرق القصر لا يصح بعده العطف بلا مع التوجيه؟ "10-40"
3- بين ما يطلب بهمزة الاستفهام، وأين يقع المسئول عنه في الكلام؟ ولماذا يمتنع مثل: هل قرأت الفقه أم النحو؟ وما وجه اختصاص هل بالجملة الفعلية؟ ومتى يعدل إلى الجملة الاسمية؟ "10-40"
التطبيق:
1- مثل لما يأتي:
جملة: المفعول فيها محذوف للبيان بعد الإبهام. مسند إليه عرف بالإضافة لإغنائها عن تفصيل. إطناب سببه التتميم. "3-40"
2- بين المقصور والمقصور عليه وطريق القصر ونوعه فيما يأتي:
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} .
كأن لم يمت أحد سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح
"4-40"
3- بين سر الفصل والوصل فيما يأتي:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} .
{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} .
يهوى الثناء مبرز ومقصر ... حب الثناء طبيعة الإنسان
"3-40"
(2/153)

امتحان الدور الثاني سنة 1368هـ:
القواعد:
1- اذكر خمسة من دواعي تعريف المسند إليه بالموصولية، وثلاثة من دواعي تعريفه بالإضافة مع التمثيل، وبين لم نكر المسند إليه في قوله تعالى: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ} , وقوله تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَر} .
"10-40"
2- من أسباب الفصل بين الجمل كمال الاتصال، ففيم يتحقق، اشرح ذلك شرحًا وافيًا مع التمثيل، وبين منزلة قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيه} , وقوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} من قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} مع التعليل. "10-40"
3- اذكر ثلاثة من دواعي حذف المسند مع التمثيل، وبين لم قدم المسند في قول الشاعر:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
وقول حسان في رسول الله صلى الله عليه وسلم:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحة لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندى من البحر
"8-40"
التطبيق:
1- بين المقصور والمقصور عليه وطريق القصر ونوعه في هذا البيت:
إلى الله أشكو لا إلى الناس إنني ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
"4-40"
2- "ما عليٌّ إلا عالم" متى يكون القصر في هذه الجملة قصر إفراد، ومتى يكون قصر قلب، ومتى يكون قصر تعيين.
"3-40"
3- مثل لما يأتي:
استفهام عن الفاعل. أمر الغرض منه التهديد. "2-40"
4- بين الوجوه التي بها فضل قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} على قولهم: القتل أنفى للقتل. "3-40"
(2/154)

امتحان الدور الأول سنة 1368هـ:
القواعد:
1- اذكر أضرب الخبر، ومثل لكل ضرب منها، وبين لم بولغ في تأكيد قوله تعالى: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} ، مع بيان المؤكدات في الجملة الأولى والثانية. "8-40"
2- لم عرف المسند إليه بالإشارة فيما يأتي:
"أ"- أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
"ب" {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} .
"ج" {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} .
"د" {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} .
"هـ" {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
3- بماذا تمتاز إنما على العطف؟ ولماذا يجتمع العطف مع إنما والتقديم ولا يجمتع مع النفي والاستثناء؟ ولم كان التأكيد في النفي والاستثناء أقوى من التأكيد في إنما؟ وكيف قال الله تعالى مخاطبًا الرسول: {إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا ينكر ذلك؟ بين المقصور والمقصور عليه وأداة القصر في قولك: أنا سعيت في حاجتك، وبين أهو من قصر الموصوف على الصفة، أم من قصر الصفة على الموصوف. "11-40"
التطبيق:
4- استفهم عن الفعل والفاعل والمفعول في هذه الجملة "اشترى عليّ كتابًا".
"3-40"
5- بين المعاني التي خرج إليها الاستفهام فيما يأتي:
"أ" قال تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} .
"ب" وقال: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} .
"ج" وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى, ورأى أمير المؤمنين جميل؟
"3-40"
(2/155)

3- بين سبب الوصل والفصل في هذين البيتين:
قال حسان بن ثابت:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال أن أودي فأكسبه ... ولست للعرض في أودي بمحتال
"4-40"
4- مثل لما يأتي:
إيجاز قصر. إيجاز حذف. إطناب بالتذييل. جملتين فصل بينهما لشبه كمال الاتصال. جملتين وصل بينهما لدفع إبهام خلاف المقصود.
"5-40"
امتحان الدور الثاني سنة 1369هـ:
القواعد:
1- اذكر دواعي تعريف المسند إليه بالإشارة مع التمثيل لكل داع.
2- عرف القصر الحقيقي، واذكر وجه تعذر قصر الموصوف على الصفة فيه، وافرق بين القصر الحقيقي حقيقة، والقصر الحقيقي ادعاء، وبين الحقيقي ادعاء والإضافي، وما الذي يشترط في قصر الموصوف على الصفة إفرادًا، ولماذا اشترط، وما أحسن مواقع إنما.
"8-40"
3- عرف التذييل وقسمه مبينًا كل قسم، وممثلا له. "8-40"
التطبيق:
1- بين أضرب الخبر في الأمثلة الآتية:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} . إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع. عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة.
"3-40"
2- بين سر الوصل والفصل في الأمثلة الآتية:
{لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .
وقال الشاعر:
لا تسأل الناس والأيام عن خبر ... هما يبثانك الأخبار تفصيلا
(2/156)

اللهم أرني الحق حقًّا فأتبعه، وأرني الباطل باطلًا فأجتنبه، ولا تكلني إلى نفسي فأضل ضلالا بعيدًا. "7-40"
3- بين ما في الأمثلة الآتية من إيجاز، وإطناب، ومساواة:
{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} . {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} . {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} . {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} . {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} . {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} . "6-40"
امتحان الدور الأول سنة 1369هـ:
القواعد:
1- متى يجب ذكر المسند إليه، ومتى يترجح، اذكر ستة من دواعي ذكر المسند إليه، مع التمثيل لكل ما تذكر.
"8-40"
2- تكلم عن دواعي تنكير المسند إليه ممثلا لما تذكره، وبين الفرق بين التعظيم، والتكثير، والتحقير، والتقليل. "8-40"
3- بين معنى كمال الانقطاع، ومعنى التوسط بين الكمالين واذكر صور كل منهما، وحكم الجملتين في الحالتين، ممثلا لما تقول.
"9-40"
التطبيق:
1- بين الغرض من الخبر في الجمل الآتية وما جرى على مقتضى الظاهر وما جرى على خلافه فيها:
{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} ، {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} . {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} . {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} . "6-40"
2- هات مسندًا إليه معرفًا بالإشارة لإفادة التعظيم، ومسندًا إليه معرفًا بالموصولية للتنبيه على خطأ المخاطب، وقصر صفة على موصوف قصرًا حقيقيًّا. "6-40"
(2/157)

3- بين المراد من الاستفهام في الأمثلة الآتية:
قال الله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ؟ وقال تعالى: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا} ، "أسرب القطا هل من يعير جناحه", أتوانيا وقد جد فرناؤك.
امتحان الدور الأول سنة 1370هـ:
القواعد:
1- اذكر أضرب الخبر بالنظر إلى حال المخاطب وبين دواعي إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر مع التمثيل، ثم بين لم بولغ في التأكيد في قوله تعالى: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} دون قوله أولا: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} مع بيان المؤكدات في الجملتين.
"10-40"
2- اذكر ثلاثة من دواعي حذف المسند إليه وثلاثة من دواعي حذف المسند مع التمثيل. "6-40"
3- اذكر دواعي تعريف المسند إليه بالموصولية مع التمثيل. "8-40"
4- افرق بين القصر الإضافي وبين القصر الحقيقي الادعائي مع التمثيل ثم بين من أي نوع قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} . "5-40"
التطبيق:
1- مثل لما يأتي:
مسند إليه معرف بالإضافة لإغنائها عن التفصيل. مفعول مقدم للتخصيص. مسند مقدم لإفادة العموم. هل مستعملة في الاستبعاد. مسند إليه عرف بأل للإشارة إلى الحقيقة. "5-40"
2- قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} , وقال: {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} .
لم عرف المسند إليه في الآية الأولى بالإشارة.
ولم عرف في الآية الثانية بأل. "4-40"
3- بين سر الفصل في قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} .
"2-40"
(2/158)

موضوعات الكتاب:
الصفحة الموضوع
3 مقدمة
5 تعريف علم المعاني
6 تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء
7 صدق الخبر وكذبه. الإسناد الخبري
8 ما يقصده المخبر بخبره
10 اختبار. تمرين
12 أضرب الخبر
14 إخراج الكلام على غير مقتضى الظاهر
17 تمرين
18 أحوال المسند إليه. ذكر المسند إليه
20 حذف المسند إليه
26 تعريف المسند إليه. تعريفه بالإضمار
28 تعريفه بالعلمية
30 تعريفه بالإشارة
32 تعريفه بالموصولية
36 تعريفه بأل
39 تعريفه بالإضافة
41 تنكير المسند إليه
43 تمرين
47 تقديم المسند إليه
51 تأخير المسند
53 أحوال المسند. ذكر المسند
54 حذف المسند
56 تعريف المسند
57 تنكير المسند
58 تقديم المسند
59 تأخير المسند
59 تمرينات منوعة
63 أحوال متعلقات الفعل
67 تمرينات عامة
69 القصر. تعريفه
70 تقسيم القصر باعتبار غرض المتكلم
71 تقسيم القصر باعتبار حال المقصور
72 تقسيم القصر باعتبار حال المخاطب
74 اختبار
76 طرق القصر
79 اختلاف طرق القصر
82 مواقع القصر
82 تأخير المقصور عليه أو تقديمه
84 اختبار
(2/159)

الصفحة الموضوع
88 الإنشاء
88 مبحث الأمر
92 مبحث النهي
93 اختبار
95 مبحث الاستفهام
105 اختبار
108 مبحث التمني
110 مبحث النداء
113 اختبار. تمرين
115 الفصل والوصل
116 مواضع الفصل
123 مواضع الوصل
125 محسنات الوصل
126 اختبار. تمرين
164 المساواة والإيجاز والإطناب
130 مبحث المساواة
131 مبحث الإيجاز
135 مبحث الإطناب
138 التوشيع
139 الإيغال
140 التكرير
141 التكميل. الاحتراس
141 التتميم
142 التذييل
144 الاعتراض
146 اختبار. تمرين
151 نصوص أسئلة لامتحانات رسمية
(2/160)