Advertisement

المنهاج الواضح للبلاغة 003

المجلد الثالث
مقدمات
مقدمة المؤلف
...
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف:
الحمد لله والصلاة والسلام على خير الناطقين بالضاد من ولد عدنان, محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه والتابعين.
أما بعد: فها هي ذي مذكرة البلاغة لطلاب السنة الثالثة الثانوية للمعاهد الدينية، تحريت في وضعها الدقة في استيعاب ما قرر عليهم من مباحث السعد، مع إضافة ما لا غنى عنه من آراء الشراح، وأحسبني قد صادفني بعض التوفيق في عرض المسائل عرضا واضحا، مبسط المعنى، منسجم الترتيب, يتلاءم مع الدراسات الأزهرية الحديثة. وقد عنيت بالمسائل المختلف فيها بما جعلها أسرع إلى العقل من المتفق عليها، وما كان لي أن أجتزئ بما أوردوه من أمثلة قصدا إلى زيادة الايضاح، ولإمداد النفس بنوع من الترفيه والنشاط, إلى ما وضعته في ختام كل مرحلة من اختبارات وتطبيقات منوعة الأساليب بعضها مجاب عنه، وبعضها مطلوب جوابه؛ ليكون الطالب على ذكر دائما من قواعد العلم ومسائله.
والله سبحانه أسأل أن يثيبني من فضله بقدر ما بذلت من جهد, إنه نعم المجيب.
حامد عوني
(3/3)

تمهيد بنشأة العلوم البلاغة وتدرجها
...
تمهيد بنشأة علوم البلاغة وتدرجها:
وإلمامة ببعض أمهات الكتب المؤلفة فيها، والتعريف بالخطيب القزويني، وبسعد الدين التفتازاني:
اقتضت حكمة الله تعالى أن يجعل لكل أمة لغة تتفاهم بها، ولسانا تؤدي به مطالبها. قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} . وكان من سنته أن جعل بين الأمة ولغتها صلة في الرفعة والانحطاط، والموت والحياة، تلك سنة الله في خلقه.
وإذا كان لسان المرء أحد أصغريه المقومين له، ونصفه المنضم إلى فؤاده ليكونا وحدته، فالأمة كذلك لسانها أحد أصغريها، ونصفها المتمم لوجودها.
ومن ثم ندرك سر عناية الأمم بلغاتها، ونشاطها في ذيوعها. وإن فيما تفعله الأمم القوية بين أظهرنا -من نشر لغاتها، وفتح دور العلم، وتشجيع الناس ببذل الجوائز والهدايا على الإقبال عليها- لشاهدا ناطقا بأن اللغة عنوان الأمة، وبأن رقيها وامتداد ظلها رقي للأمة، وامتداد لسلطانها.
على هذه السنة أرسل الله نبيه الكريم إلى الناس بلسان عربي مبين، وأنزل عليه بهذا اللسان كتابا يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فدعا الناس إلى توحيد الله تعالى، والعمل بشريعته، فآمن به من هداهم الله بنوره من العرب وغير العرب، وتكون من هؤلاء جميعا تلك الأمة المحمدية التي ربط بعضها ببعض ذلك الدين الذي ارتضاه
(3/5)

الله، وذلك اللسان العربي لسان الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وقد بارك الله في الذين آمنوا بالنبي، فنما عددهم وتزايد جمعهم، وانسابوا في بقاع الأرض ترحل معهم لغتهم في كل مرتحل، وتلاحقهم في كل موطن. وقد تآخى العرب والعجم، وامتزج هؤلاء بأولئك، فجرت كلمات غريبة من غير اللسان العربي في أفواه العرب، كما غزت العربية ألسنة من عداهم ممن دخلوا في دينهم, وتقربوا إلى لغتهم.
عند ذلك لُوحظ اعوجاج في ألسنة بعض العرب نتيجة لهذا الاختلاط والتداخل، فخاف الحرصاء على اللغة أن تفسد ملكة العربية، ويضطرب لسانهم من جراء هذا الاندماج، فوجهوا عنايتهم إلى اللغة، فجعلوا منها علوما تستنبط قواعدها، وتقرر قضاياها ليتحامى العربي بتعلمها مزالق الخطأ، ويسير غيره على محجة الصواب. وجهوا عنايتهم أول ما وجهوها إلى ما يحفظ هذه اللغة من جهة الإعراب والبناء، وهو ما عرف بعد "بالنحو"، ثم إلى ما يحفظها من جهة تصريفها وبنيتها، وهو ما عرف "باسم الصرف" ثم إلى ما يحفظها من جهة مادتها، وهو ما عرف باسم "متن اللغة"، فكان ذلك أول ما حدث من تدوين العلوم اللسانية ونشأتها.
ثم وجه العلماء عنايتهم إلى ما عرف باسم "علوم البلاغة" دفاعا عن القرآن الكريم من جهة ما خصه الله به من حسن التأليف، وبراعة الأسلوب، وبديع الإيجاز.
وكان مما حفزهم إلى ذلك مسألة البحث في إعجاز القرآن الكريم من أي جهة هو؟ أمن جهة اشتماله على مغيبات صح الإخبار بها بعد؟ أم من جهة الصرفة، وهي: صرف الله العرب عن معارضته مع يسرها عليهم تمكينا لنبيه وتصديقا له؟ أم من جهة مخالفة أسلوبه لأسلوب الشعر والرسائل؟ أم من جهة جودة النظم وقوة التأليف، والسمو
(3/6)

بالبلاغة إلى الحد الذي لم يستطع عنده أحد من البشر أن يحاكيه, أو يمني نفسه بذلك؟
وكان الحق من ذلك كله آخر هذه الأقوال، وهو ما ارتضاه عامة العلماء، واعتنقه جمهور المسلمين، ومنذ اعتناقهم له أخذوا يبحثون عن معنى الفصاحة والبلاغة والفرق بينهما، وعن سر هذه المزايا والخصائص التي ظهرت في نظم القرآن وتأليفه، وكيف كانت له هذه الجزالة التي أخرست الألسن، وأعجزت أساطين البيان، فنشأت عن ذلك مباحث الفصاحة والبلاغة، وأخذوا يدونون فيها.
ولم يكن دون فيها إذ ذاك كتاب مستقل يضع ضوابطها، ويضبط عامة أصولها وقواعدها, بل كان كل ما عرف من ذلك رسائل وجيزة أثرت عن بعض العلماء ردا على سائل، أو إفادة لمستفهم على نحو ما كان من أبي عبيدة على ما سيأتي، وعلى نحو ما كان من المبرد حين قصد إليه الفيلسوف أبو يعقوب يوسف الكندي إلى آخر ما جاء في هذه المسألة1.
ثم أخذت مسائل هذه العلوم طريقها إلى النمو والظهور على ألسنة الرواة والمتأدبين في غير نظام ولا إحكام، شأن كل جديد ناشئ، حتى جاء أبو عبيدة المتوفى سنة 206هـ فوضع كتابه "مجاز القرآن" على إثر سؤال وجه إليه في مجلس الفضل بن الربيع وزير المأمون عن معنى قوله تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} وكيف يشبه الطلع برءوس الشياطين وهي لم تعرف بعد؟ أي: وينبغي أن يكون التشبيه بشيء قد عرف حتى يتبين الشبه ويتضح. فأجاب أبو عبيدة: إنما كلمهم الله على قدر كلامهم، وهو على حد قول امرئ القيس:
__________
1 هي: أنه ذهب إليه فقال: إني لأجد في كلام العرب حشوا, فقال: في أي موضوع وحدت ذلك؟ فقال: أجدهم يقولون: عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله لقائم، فالألفاظ مختلفة والمعنى واحد, فأجاب أبو العباس: بل المعاني مختلفة؛ فالأول إخبار عن قيامه، والثاني جواب عن سؤال سائل، والثالث جواب عن إنكار منكر ا. هـ. وهذا ما اصطلح العلماء فيما بعد على تسميته "أضرب الخبر".
(3/7)

أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟
يريد أن المشبه به هنا غير معروف كذلك، وأن الغرض من التشبيه في الآية والبيت عرض المشبه وإبرازه في صورة مستفظعة مخوفة, والعرب تشبه قبيح الصورة بالشيطان أو الغول، فيقولون: كأنه رأس الشيطان، أو كأنه وجه الغول وإن لم يروهما لاعتقادهم أن كلا الشيئين شر محض؛ لا يخالطه خير، فيطبع في مخيلتهم بأقبح صورة فاستحسن الفضل ذلك، واستحسنه السائل، ثم قام أبو عبيدة من فوره، وتقصى ما ورد في القرآن من الألفاظ التي أريد بها غير معناها الأول في اللغة، وجمعها في هذا الكتاب، وأسماه "مجاز القرآن"، وهو -على ما قيل- أول كتاب دون في علم البيان.
وأبو عبيدة هذا هو معمر بن المثنى البصري أحد رواة اللغة الأعلام، وتلميذ يونس بن حبيب شيخ سيبويه إمام النحاة، وأستاذ الخليفة العباسي هارون الرشيد.
ثم تبعه العلماء من بعده، فوضعوا رسائل في الاستعارة والكناية لم تميز علم البيان تمييزا خاصا، وبقيت الحال كذلك مدة العصر العباسي الأول.
أما علم المعاني فلم يعرف بالضبط أول من تكلم فيه، وإنما أثر عن بعض فحول الكتاب والخطباء كجعفر بن يحيى1 وسهل بن هارون2 وغيرهما كلام في هذا النوع من البلاغة، ولكنه لم يطبع هذا العلم بطابع خاص يتميز به عن سواه.
وأول من أسهم لهذا العلم من عنايته، وخصه بمستفيض بحثه، ودون فيه ونظم شيخ حملة القلم، إمام الأدباء وصاحب التصانيف الممتعة
__________
1 أحد وزراء الرشيد.
2 فارسي الأصل, اتصل بالمأمون فولاه خزانة الحكمة, وكان أديبا شاعرا حكيما يتعصب للعجم على العرب.
(3/8)

والرسائل المبدعة أبو عثمان بحر الجاحظ المتوفى سنة 255هـ, دون ذلك في كتابيه "البيان والتبيين"، و"إعجاز القرآن"، وتقفّاه العلماء من بعده كأبي عباس المبرد صاحب الكامل، وقدامة بن جعفر1، ووقف الأمر عند هذا الحد طيلة هذا العصر.
أما علم البديع, فعلى ما قيل: إن أول من كتب فيه كتابا خاصا عبد الله بن المعتز الخليفة العباسي المتوفى سنة 296هـ، وكان الشعراء قبله يأتون في أشعارهم بضروب من البديع -على سبيل الاستطراد- مثل بشار بن برد2 ومسلم بن الوليد3 وأبي تمام4 وغيرهم، فجاء ابن المعتز وجمع من أنواعه سبعة عشر نوعا، وقال في كتابه: وما جمع قبلي فنون البلاغة أحد، ولا سبقني إليه مؤلف، ومن أحب أن يقتدي بنا، ويقتصر على ما اخترعناه فليفعل، ومن رأى إضافة شيء من المحاسن إليه فله اختياره.
وكان ممن يعاصره قدامة بن جعفر سالف الذكر، فجمع منه عشرين نوعا توارد مع ابن المعتز على سبعة منها، وسلم له ثلاثة عشر، تضاف إلى السبعة عشر التي جمعها ابن المعتز، فتكون جملة ما جمعاه ثلاثين نوعا هي أقصى ما جمع في ذلك العصر.
وجاء العصر التالي, فزاد كل من أبي هلال العسكري5 صاحب
__________
1 كان نصرانيا وأسلم, واشتهر في زمانه بالبلاغة ونقد الشعر, وألف في ذلك كتبا.
2 هو أبو معاذ أشعر مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية, وكان مع ذلك كفيفا.
3 هو صريع الغواني أبو الوليد, أحد الشعراء المفلقين في الدولة العباسية.
4 هو حبيب بن أوس، عربي الأصل وأحد الشعراء الأعلام في الدولة العباسية.
5 هو الحسن بن عبد الله بن سهل المتوفى سنة 395هـ. ألف كتابه الصناعتين, وبحث في مسائل الفنون الثلاثة, غير أنه أطال الحديث في البديع.
(3/9)

الصناعتين وابن رشيق1 صاحب العمدة وغيرهما أنواعا كثيرة بلغت نحو التسعين نوعا.
هذا, ولم تميز هذه العلوم، وتبوب وتفصل إلا في العصر العباسي التالي, وأول من نزع عن قوسه، ورمى إلى هذا الهدف الإمام عبد القاهر شيخ البلاغة المتوفى سنة 471هـ، فهو أول من هذب المسائل، وضم شتاتها، وأرسى قواعدها، وبوبها فأحسن تبويبها، ورتبها فأبدع ترتيبها، وألف في ذلك كتابيه -أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز- فكانا أحفل كتابين فيما عرف بعد بالمعاني والبيان, إذ قد جرى فيهما شوطا لم يبلغه أحد ممن سلف. وقد أبان الشيخ عن ذلك كله بإطناب ممتع، وعبارات مصطفاة، مع سلاسة وجودة، ومع عرض لكثير من الأمثلة والشواهد في أسلوب طلبي خطابي يملك الأسماع، ويستولي على القلوب.
ومن هنا عد الشيخ الإمام عبد القاهر واضع هذا الفن عند الجمهرة العظمى من علماء البلاغة.
وبقي الأمر على هذه الحال حتى جاء فارس الحلبة أبو يعقوب يوسف السكاكي المتوفى سنة 626هـ, فوضع كتابه "مفتاح العلوم" وجعله ثلاثة أقسام, بسط في القسم الثالث منها مسائل المعاني والبيان بما سمح له أن يقول عن نفسه: إنه قضى بتوفيق الله منهما الوطر, ولم يكن حديث السكاكي في هذه المباحث كحديث عبد القاهر، فقد وضع حدودا استطاع بها أن يفصل بين هذه الأبحاث فخص ما يتعلق برعاية المطابقة لمقتضى الحال "باسم المعاني"، وخص ما يتعلق بإيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة باسم "البيان"، وخص ما يتعلق بتحسين الكلام وتزيينه بعد رعاية المطابقة, ووضوح الدلالة باسم "البديع"، وقد كانت عند عبد القاهر ومن تقدمه
__________
1 هو أبو علي الحسن بن رشيق المتوفى سنة 406هـ. ألف كتابه العمدة في محاسن الشعر وآدابه, وتحدث فيه عن البلاغة بأنواعها الثلاثة, وكان كتابه في ذلك خير الكتب علما وإفادة.
(3/10)

مجموعة في سمط واحد، وتحت موضوع واحد هو الكلام العربي من حيث إنه كيف يكون بليغا فصيحا، وعذبا رشيقا.
والكتاب غاية في الجودة وإن جفت عبارته وخلت من الإطناب الذي التزمه عبد القاهر، ومن الإكثار من الأمثلة والشواهد التي عول عليها الشيخ إلى حد بعيد، ولكنه -مع ذلك- رتب المباحث ترتيبا حسنا، وبوبها تبويبا جيدا، وحدد أنواعها، وضبطها ضبطا وفر به الجهد على من تصدى بعده للنظر فيها.
ولما في هذا الأثر الجليل من تمييز المسائل بعضها من بعض, وتحديد مباحث هذه العلوم تحديدا أنار السبيل للباحثين؛ عد الإمام السكاكي واضع البلاغة في رأي كثير من البلغاء.
ومهما يكن من شيء, فقد أصبحت علوم البلاغة بعد السكاكي قائمة بذاتها, متميزة الموضوع، واضحة المنهج، قريبة المورد، واتية الجنى.
ثم جاء المتأخرون من بعده، فلم يستطيعوا أن يزيدوا عليه شيئا من أصول البلاغة, وكان قصارى جهدهم أن تناولوا كتابه بالاختصار تارة، وبالشرح أخرى، وأهم مختصرات قسم البلاغة منه تلخيص:
الخطيب القزويني:
وهو أبو المعالي قاضي القضاة, جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الشافعي, المولود بقزوين1 سنة 666هـ والمتوفى سنة 739هـ. وقد نشأ الخطيب مقبلا على العلم، محبا له، جامعا لمسائله، يعينه على ذلك ذكاء نادر، وبديهة قوية، ولم يمض من عمره كثير حتى عرف بالفصاحة، وسعة الاطلاع, وجودة المحاضرة، وعذوبة
__________
1 إحدى بلاد طبرستان, التي يحدها من الشمال بحر الخزر.
(3/11)

الحديث؛ ولهذا ولي القضاء وسنه أقل من عشرين سنة، ولم يثنه ذلك عن متابعة الدرس والتحصيل, فأقبل على شتى الفنون يكمل نفسه بها، وعلى علوم البلاغة يحصلها ويؤلف فيها حتى اشتهر أمره بها, فدعي لتولي الخطابة بجامع دمشق وكانت إذ ذاك وظيفة السادة من العلماء الأعلام، ولعله سمي الخطيب من أجل ذلك، ثم طلب لتولي قضاء الشام، فولي أمره على خير ما يكون، ثم ما لبث أن دعي لتولي القضاء في مصر، وزيادة في تكرمته أعطي رئاسة الأوقاف فيها، فوسع بأموالها على الفقراء وذوي الحاجات، فعظم أمره في مصر، وتطلعت إليه الأنظار، وذكر اسمه على الألسنة مقرونا بالعلم والسماحة والمعروف.
غير أن انغماس أولاده في الترف واللهو، وقبولهم للرشوة، واتّجارهم باسم أبيهم وجاهه, كل ذلك أساء إلى سمعة الشيخ الخطيب، فأعفي من العمل في مصر وأعيد إلى قضاء الشام مرة أخرى، فلم يلبث بها كثيرا حتى أصابه فالج مات به, بعد أن ترك لعلماء البلاغة سفرين جليلين هما أثره الباقي في هذا الفن إلى اليوم.
أحدهما: كتاب التلخيص الذي ضمنه القواعد الموجودة في القسم الثالث من مفتاح العلوم للسكاكي, وجعله مشتملا على ما يحتاج إليه من الأمثلة والشواهد. وقد بلغ هذا الكتاب من الشهرة ما لم يبلغه غيره من كتب هذا الفن؛ إذ عني به أرباب الشروح والحواشي, فكتبوا عليه، وكشفوا غوامضه, وأبانوا معالمه، ومن ثم حرص أبناء الأزهر على مدارسته، وتفهم عباراته، وما كتب عليه إلى يومنا هذا.
ثانيهما: كتاب الإيضاح, وقد حدث الخطيب عن نفسه, أنه جعله على ترتيب مختصره "تلخيص المفتاح"، وبسط فيه القول ليكون كالشرح له؛ فأوضح غوامضه، وفصل مجمله، وأضاف إليه زيادات لم يشأ أن يجعلها في مختصره, كما أضاف إليه ما أدى إليه فكره، ولم يجده لغيره.
(3/12)

ولقد خدم الخطيب بهذين الكتابين مؤلفات السابقين؛ فجمع شتاتها، وذلل صعابها، وسهل عسيرها، وهذب قواعدها، وهو لهذا معدود ممن خدموا كتب الفن، لا ممن ابتكروا فيه، ووضعوا أصوله, وأرسوا قواعده.
وقد بلغ من اعتراف العلماء بهذين الكتابين وجليل نفعهما أن عدوهما آخر ما وصل إليه الإتقان والإبداع في هذه الفنون، فلم يحدثوا أنفسهم بالزيادة على ذلك, أو التبديل فيه، أو الخروج عليه، ووقفت همتهم عند ما انتهى إليه هذا الإمام الجليل، وقصروا جهودهم على البحث في كتبه، يوضحون غامضها، ويحلون مشكلاتها، ويفسرون ما انْبَهم من عباراتها وتراكيبها، ومن ثم كثرت الشروح والحواشي والتقارير تقريبا للأفهام، وتيسيرا للعقول، وكل هذه الشروح -ولله الحمد- كانت خير مثابة لطلاب البلاغة وعشاقها، وأشهر هؤلاء الشراح:
سعد الدين التفتازاني:
هو سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني الشافعي, المولود بتفتازان1 سنة 712 أو 722هـ على خلاف في الرواية.
نشأ سعد الدين عاكفا على دراسة العلم والأدب، واتصل في نشأته بالفطاحل من العلماء, فتخرج في علوم كثيرة منها الفقه, فهو معدود من أصحاب التصانيف فيه.
وله في الاهتمام بعلوم البلاغة شأن كبير، وشهرة ذائعة، بل له في كل ما صنف باع طويل في التحقيق البالغ أقصى المدى، وكانت تغلب عليه في ذلك قواعد الفلسفة والمنطق, كما كان مولعا أشد الولع بتعاطي الجدل والمناظرة. وقد تناول فيما تناول كتاب التلخيص فأحسن خدمته والعناية به في شرحيه -المطول والمختصر- وهما ما هما عند
__________
1 إحدى قرى خراسان, من بلاد فارس.
(3/13)

أهل الفن، ألف المطول أولا، فتوسع في الحديث واستطرد في المباحث فرأى -تلبية لرغبة بعض الفضلاء- أن يوجه همته إلى اختصاره، والاقتصار على ما يوضح معاني كتاب التلخيص للقزويني؛ لتقاصر همم المحصلين وتقاعد عزائمهم -كما يقول- فتوفر على تحقيق هذه الرغبة، وألف مختصره، وهو ذلك الكتاب المشهور، والشرح المأثور. وقد عني العلماء بكتابة الحواشي والتقارير عليه، فاشتهر سعد الدين بذلك شهرة لم تكن لغيره ممن عنوا بالكتابة على "التلخيص".
غير أن هذا الشرح يؤخذ عليه كما يؤخذ على غيره من الشروح, والحواشي ابتعاد عبارته عن أساليب البلاغة بحيث لا ينبغي لدارس هذه الكتب أن يتخذ ما فيها من التراكيب قدوة له في كتابته؛ لأنها لم تتضمن غير عبارات اصطلاحية جافة، بعيدة كل البعد عن روح البلاغة، وتذوق الأدب، قصد بها شرح الكتاب المؤلف دون نظر إلى شرح خصائص كلام العرب، وتبيين مزاياه، وذلك مما يؤسف له.
هذا, ومن الغريب أن جل من تعاطى البلاغة هم من العلماء الأعاجم أو المستعجمين الذين تنازعت ألسنتهم ملكات لغاتهم الأصلية، فحسبوا أن البلاغة تجري مع المنطق والفلسفة في مضمار، فكتبوا بأساليبها كتب البلاغة؛ فازدادت تعقيدا وإبهاما، وبدلا من أن تكون عونا على تربية ملكتي الفصاحة والبلاغة، وحسن الأداء كانت عائقة عن نموها، حائلة دون بلوغها ما أريد منها.
ونحن لا نعيب أصحاب هذه الكتب بذلك, ولا ننتقص أقدارهم، ونعتقد أنهم بذلوا غاية الجهد على قدر ما وهبهم الله، وهداهم إليه, غير أن واجبنا يهيب بنا ألا نقنع بالذي صنعوه، وأن نعلي فوق الأساس ونتمم البناء, معترفين بما للسابقين من فضل, متمثلين بقول الشاعر:
فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدى شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها؛ فقلت الفضل للمتقدم
ومما ينبغي أن نقوله في هذا المقام هو أننا لا نستطيع أن نكون بلغاء بمجرد الإلمام بهذه القواعد التي انتظمها التلخيص ومختصر السعد وغيرهما، بل لا بد من الحصول على الملكة البلاغية، وحصولها متوقف -إلى جانب ذلك- على دراسة النصوص الأدبية، والاتصال بالمأثور منها في مختلف عصوره، وامتلاء النفس به، وتذوقه وحفظه ومحاكاته.
(3/14)

وجه الحاجة إلى دراستها:
مرجع ذلك إلى أمور ثلاثة:
الأول: أن الناظر في هذه العلوم، والمدرك لها، والحائز لملكتها يقف عن يقين؛ لا يشوبه تردد على جهة إعجاز القرآن الكريم بالتفصيل. وهي جهة دلالته اليقينية على صدق محمد -صلى الله عليه وسلم- فيكون بذلك مؤمنا عن عقيدة، لا عن تقليد، وعن برهان، لا عن محاكاة، وذلك شرف لا غاية وراءه.
الثاني: أن المتمكن من أصولها وأحكامها يلمس بنفسه دقائق العربية وأسرارها، ويدرك مراتب الكلام ومزايا صوره شعرا ونثرا؛ لأن عليها مدار النقد ومعرفة الجيد من الكلام ورديئه، ومن وفق إلى الإحسان من أرباب القول ومن لم يوفق, وإلا فكيف يعرف الجاهل بفنون البلاغة وأصولها فضل كلام على كلام، وشرف متكلم على آخر، وكيف يستطيع مثل هذا أن يوازن بين شعر وشعر، أو أن يفاضل بين خطيب وخطيب؟
الثالث: أن الدارس لهذه الفنون، الخبير بضوابطها وقوانينها, العارف لأصولها وفروعها إذا أراد أن يقول شعرا أو نثرا في أي غرض من الأغراض, استطاع أن يجد من أمره رشدا، فيصيب الهدف، ويدرك القصد، ويأتي بما يطابق الحال من الألفاظ والتراكيب، ويهتدي إلى المستجاد من الكلام، والمختار من القول؛ لأن معه النبراس الذي يستضيء به، ويسير على هداه.
(3/15)

وإليك ما يقوله الإمام عبد القاهر في ذلك:
"ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا, وأبسق فرعا، وأحلى جنيا، وأعذب وردا، وأكرم نتاجا، وأنور سراجا, من علم البيان الذي لولاه لم تر لسانا يحوك الوشي، وينفث السحر، ويريك بدائع الزهر، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر، والذي لولا تحفيه بالعلوم، وعنايته بها، وتصويره إياها لبقيت كامنة مستورة، ولاستمر السرار بأهلتها، واستولى الخفاء على جملتها, إلى فوائد لا يدركها الإحصاء، ولا يحصرها الاستقصاء".
ولو لم يكن لهذه العلوم من سابغ الفضل على ذويها سوى الوصول بهم إلى موضع السر من إعجاز القرآن، وكيف أنه تحدى العرب -وهم ذوو لسن وفصاحة- في أبين سماتهم، وأجل صفاتهم, بما حواه من محكم الصياغة، ورائع البلاغة، وبما تضمنه من جوامع الكلم، وروائع الحكم حتى وقف بنو العروبة، وحاملو لوائها أمامه واجمين، وخَرَّ له أعلام البيان ساجدين, لو لم يكن لها سوى هذا الفضل لكان لزاما على عامة أبناء العربية أن يرتضعوا أفاويقها, وينهلوا من مناهلها، فما ظنك بها وقد تعدى خطرها هذا الأمر.
إنها لتكشف لك عما في الفصحى من كنوز ونفائس لا تقف عند حد, كما تكشف لك عن سر ما لها من فضل التقدم على سائر اللغات حتى نزل بها القرآن الكريم، فوسعته معنى وأسلوبا, على ما فيه من روعة وجلال، فكان ذلك شهادة لها بتبوئها مكان الصدارة، واستوائها على عرش السيادة.
وهل تراك بالغا أعماق القلوب، مالكا زمام العقول -تقويما لعقيدة زائغة، أو إحياء لحق مضيع، أو ردا لشرف مثلوم- بغير معونة هذه العلوم؟ أجل, فرب كلام أقطع من حسام، وأنفذ من سهام.
وأي أثر ذلك الذي تحسه في نفسك عندما يجري على لسانك اللفظ الأنيق ذو المعنى الدقيق، أو تنعكس على براعتك أشعة الخيال
(3/16)

الرائع، والتصوير البارع، أتراك لو حِيزت لك الدنيا بحذافيرها لقاء أن يعزى إلى غيرك ما أبدعت, أكنت قابلا هذا البدل على جليل خطره، وعظيم قدره؟ تلك "لعمري" متعة النفس, لا يعدلها شيء في الوجود.
من أجل ذلك كله, كانت حاجتنا إلى دراسة هذه العلوم فوق حاجتنا إلى شان آخر من شئون الحياة، وحسبك منها أن تعرف بها ما للغة آبائك من قوة واعتزاز، وما احتواه كتاب ربك من أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز.
(3/17)

الفصاحة والبلاغة
الفصاحة
مدخل
...
الفصاحة والبلاغة:
الفصاحة:
تطلق "في اللغة" على معانٍ عدة ينبئ جميعها عن معنى الظهور والبيان؛ يقال: أفصح فلان عما في نفسه أي: أعرب عنها، ويقال: أفصح الصبي في منطقه, وفصح فيه إذا فهم ما يقول أول أمره. كما يقال: أفصح الأعجمي وفصح إذا انطلق لسانه بالعربية؛ لا تشوبه لكنة. ومنه قوله تعالى حكاية عن موسى, عليه السلام: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} أي: أظهر وأبين مني قولا، وقولك: أفصح إن كنت صادقا أي: بين وأظهر.
ويقال: سرينا حتى أفصح الصبح أي: بدا ضوءه ولمع. ومنه المثل المشهور: "أفصح الصبح لذي عينين"1 أي: ظهر, كما يقال: هذا يوم مفصح أي: جلى, لا غيم فيه.
ويقال: أفصح النصارى أي: برزوا في يوم فصحهم2 ليتبادلوا التهاني، أو ليتسابقوا إلى حيث الرياض والبساتين.
ويقال: أفصح اللبن3: إذا نزعت رغوته فظهر, كما يقال: سقاهم لبنا فصيحا أي: منزوع الرغوة. ومنه المثل المعروف: "وتحت الرغوة اللبن الفصيح"4.
فوضح لك من كل هذه الأمثلة أن "الفصاحة" لم توضع لمعنى الظهور والبيان، وإنما وضعت لمعانٍ يدل جميعها على هذا المعنى بطريق
__________
1 يضرب للشيء يظهر بعد استتاره.
2 بكسر الفاء أي: عيدهم.
3 قيل: إن هذا المعنى حقيقي للفصاحة, وإن ما عداه مجاز.
4 يضرب للأمر ظاهره غير باطنه.
(3/18)

اللزوم, وهذا هو السر في قول "السعد" بيانا لمعناها لغة: هي تنبئ عن الظهور والبيان.
أما الفصاحة "في الاصطلاح" فعلى ما ذهب إليه الخطيب: هي ما يوصف به المفرد، والكلام، والمتكلم, يريد أن معناها يختلف باختلاف موصوفها وهو أحد ثلاثة: الكلمة، والكلام، والمتكلم.
يقال: "هذه كلمة فصيحة" إشارة إلى كلمة معينة كلفظ "الأجل", ويقال:
"هذا كلام فصيح" إشارة إلى مركب معين كقولنا: "الله الأجل" ويقال: "هذا متكلم فصيح" إشارة إلى متكلم معين كأبي بكر، أو عمر، أو علي, أو غيرهم من فصحاء العرب.
غير أن في تعريف الخطيب للفصاحة قصورا؛ إذ لم يشمل المركب الناقص. بيان ذلك: أن المركب الناقص ليس بكلمة لأنها قول مفرد، والمفرد ما قابل المركب، وليس بكلام؛ لأن الكلام خاص بالمركب التام، فالمركب الناقص إذًا خارج عنهما, ومقتضى ذلك ألا يتصف بالفصاحة، مع أنه يوصف بها قطعا، فيقال: هذا مركب فصيح, كما في قول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا
فإن هذا البيت من قبيل المركب الناقص, إذ لا يفيد معنى يحسن السكوت عليه؛ لعدم ذكر الجواب الذي هو محط الفائدة, مع أنه فصيح بالإجماع لخلوه من العيوب المخلة بالفصاحة, على ما سيأتي.
أجاب الخلخالي ردا لهذا الاعتراض: بأن يعمم في الكلام أي: أن يراد به المركب مطلقا -تاما كان أو ناقصا- على سبيل المجاز المرسل، من إطلاق الخاص وإرادة العام، وحينئذ يشمل المركب الناقص كالبيت المذكور.
ورد "السعد" هذا الجواب: بأنه إنما يصح هذا التأويل لو أن العرب أطلقوا على المركب المذكور كلاما فصيحا، ولم ينقل عنهم ذلك
(3/19)

بل المنقول عنهم وصفه بالفصاحة، لا وصفه بأنه كلام، فقالوا فيه: هذا مركب فصيح، ولم يقولوا: هذا كلام فصيح، ووصف المركب بالفصاحة لا يستلزم وصفه بأنه كلام, فاشتمال الكلام على المركب الفصيح حينئذ غير مسلم.
على أن وصف المركب بالفصاحة يحتمل أن يكون باعتبار مفرداته لا باعتبار ذاته، فمعنى قولهم: هذا مركب فصيح: أن مفرداته فصيحة, فيكون حينئذ داخلا في المفرد من غير تأويل فيه؛ وعلى ذلك ينهدم الاعتراض المذكور من أساسه.
فالجواب السليم ردا للاعتراض أن يعمم في المفرد, بأن يراد به ما ليس كلاما أي: مركبا تاما ليشمل المركب الناقص. وسند هذا الجواب أنه لم يعهد إطلاق الكلام على المركب مطلقا الشامل للتام والناقص إلا بالحمل على المجاز المرسل كما ذكرنا, أما إطلاق المفرد على ما ليس كلاما فحقيقة عرفية كإطلاقه على ما ليس مثنى ولا مجموعا "في باب الإعراب"؛ وكإطلاقه على ما ليس مضافا ولا شبيها بالمضاف "في باب المنادى"، وكإطلاقه على ما ليس جملة ولا شبيها بها "في باب المبتدأ والخبر" والحمل على الحقيقة أولى من الحمل على المجاز؛ لأنه خلاف الأصل, والقرينة على أن المراد بالمفرد هنا ما ليس كلاما مقابلته به ا. هـ.
تنبيه:
يلاحظ أنه قسم الفصاحة أولا إلى فصاحة مفرد، وفصاحة كلام, وفصاحة متكلم، ثم عرف كلا على حدة -على ما سيأتي- مع أن الشان أن يؤتى للمعرف بتعريف شامل لأقسامه، ثم يقسم بعد ذلك إلى هذه الأقسام كما فعل في "الكلمة" فقد عرفت أولا بأنها قول مفرد، وهو تعريف شامل لأقسامه الثلاثة: الفعل، والاسم، والحرف؛ إذ يطلق على كل منها: أنه قول مفرد، ثم قسمت بعد ذلك إلى هذه الأقسام. وكما فعل في "الإنسان" فقد عرف أولا بأنه حيوان ناطق، وهو معنى شامل لأنواعه من زنجي وعربي وشامي ومصري, إذ يطلق على كل منها: أنه حيوان ناطق، ثم قسم بعد ذلك إلى هذه الأنواع؛ فهلا فعل في الفصاحة كذلك؟
ويجاب بأنه لم يتأت أن يؤتى للفصاحة بتعريف شامل لأقسامها الثلاثة كما تأتى في الكلمة والإنسان؛ فلهذا اضطروا إلى تقسيمها أولا, ثم تعريف كل قسم من أقسامها ثانيا.
(3/20)

فصاحة الكلمة:
فصاحتها: أن تسلم من العيوب الثلاثة: تنافر الحروف، مخالفة الوضع، الغرابة. ووجه حصر فصاحة الكلمة في السلامة من هذه الثلاثة: أن كل كلمة لها "مادة" هي حروفها، "وصورة" هي صيغتها، ودلالة على "معناها" فعيبها إما في مادتها وهو "التنافر"، أو في صيغتها وهو "مخالفة الوضع"، أو في دلالتها على معناها وهو "الغرابة". فبسلامتها من هذه العيوب تسلم مادتها، وصيغتها، ومعناها من الخلل, وهاك بيان العيوب الثلاثة على هذا النسق:
تنافر الحروف: هو أن تكون الكلمة ثقيلة على اللسان؛ يتعسر النطق بها، وهو نوعان: تنافر شديد، وتنافر قريب منه.
فالأول: كلفظ "الظش" للموضع الخشن، و"كالهعخع" لنبات ترعاه الإبل في قول أعرابي, وقد سئل عن ناقته: تركتها ترعى الهعخع. فهاتان الكلمتان غير فصيحتين؛ لما فيهما من تنافر الحروف تنافرا شديدا يشعر به كل ناطق, وهو خلل واقع في مادتهما.
والثاني: كلفظ "النقاخ" بضم النون, وهو الماء العذب في قول الشاعر:
(3/21)

وأحمق ممن يكرع الماء قال لي ... دع الخمر واشرب من نقاخ مبرد
وكقول امرئ القيس الشاعر الجاهلي1:
غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل العقاص في مثنى ومرسل2
يصف الشاعر حبيبته بكثرة الشعر وغزارته، وأنه مرتفع فوق رأسها، وأنه لكثافته منوع الأجزاء, فبعضه معقوص ملوي، وبعضه مثنى، وبعضه مرسل لا عقص فيه ولا تثنية، وأن المعقوص منه يتيه ويختفي فيما ثني وأرسل منه. فهاتان الكلمتان "في البيتين" غير فصيحتين؛ لما فيهما من تنافر في الحروف وإن كان أخف وقعا مما قبله، وهو خلل واقع في مادتهما كذلك.
قيل: إن الضابط المعول عليه في ضبط التنافر قرب مخارج الحروف أو بعدها بمعنى: أن تكون الحروف متقاربة في المخرج، أو متباعدة فيه؛ فلفظ "الهعخع" مثلا متنافر ثقيل لتقارب حروفه في المخرج؛ لأن الهاء والعين والخاء خارجة كلها من مخرج واحد هو الحلق إلا أن بعضها خارج من أقصاه، وبعضها من قريب منه. ولفظ "مستشزرات" متنافر ثقيل أيضا لتقارب حروفه في المخرج كذلك, إذ إن حروفه ما عدا الميم خارجة من مخرج واحد هو "اللسان"، غير أن بعضها خارج من طرفه، وبعضها من وسطه. ونحو "ملع" بمعنى:
__________
1 هو أسبق شعراء الجاهلية إلى ابتداع المعاني، وحسن التعبير عنها، وأول من وقف على الديار واستبكى الأطلال.
2 الغدائر: جمع غديرة, وهي المسماة بالضفيرة, والضمير راجع إلى "فرع" في البيت الذي قبله وهو:
وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل
أي: فرع محبوبته، ومستشزرات بكسر الزاي بمعنى: مرتفعات, ويروى بفتح الزاي بمعنى: مرفوعات، والعقاص: جمع عقيصة, وهي الخصلة من الشعر مجتمعة فوق الرأس، "والمثنى" الشعر المفتول، "والمرسل" ضده.
(3/22)

أسرع, متنافر الحروف أيضًا لتباعد حروفه في المخرج, إذ إن الميم خارجة من الشفتين، والعين من أقصى الحلق ... وهكذا.
ورد هذا القول بأن الضابط المذكور غير مطرد؛ لأنا لا نجد تنافرا في لفظتي "الجيش والشجي" مع تقارب الجيم والشين في المخرج, كما لا نحس تنافرا في مثل "علم وملح" مع تباعد العين والميم والحاء في المخرج.
على أننا لو اعتبرنا التباعد في المخرج، أو التقارب فيه منشأ للتنافر المخل بالفصاحة لاقتضى ذلك وقوع غير الفصيح في القرآن, فقد ذكرت مادة "علم" في غير موضع منه مع تباعد العين والميم في المخرج, كما ورد في قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ} الآية، مع تقارب الهمزة والعين والهاء في المخرج, وورود غير الفصيح في القرآن المعدود في أعلى طبقات الفصاحة مما لا يؤمن به عاقل.
وقد يجاب بأن ورود كلمة غير فصيحة في جمهرة الكلام الفصيح لا يخرجه عن فصاحته, كما أن ورود كلمة أعجمية في كلام عربي لا يخرجه عن عربيته بدليل ورود كثير من الكلمات الأعجمية في القرآن، ومع ذلك لا يسع عاقلا أن ينكر عربيته، كيف وقد قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا} .
ورد هذا الجواب: بألا يسلم لهذا القائل ما ادعاه من أن اشتمال الكلام الفصيح على كلمة غير فصيحة لا يخرجه عن فصاحته؛ لأن علماء البلاغة شرطوا في فصاحة الكلام أن تكون أجزاؤه كلها فصيحة, والقياس على الكلام العربي قياس مع الفارق؛ لأنهم لم يشترطوا في الكلام العربي أن تكون كل كلماته عربية كما شرطوا في الكلام الفصيح, على أن مجرد ورود كلمة غير فصيحة في القرآن مما يجرّ إلى ما لا يليق به "سبحانه" من نسبة العجز له عن إبدال غير الفصيح بالفصيح في كلام قصد به الإعجاز, والتحدي لبلوغه أعلى طبقات البلاغة.
(3/23)

أما من زعم1 أن منشأ الثقل في نحو: "مستشزرات" توسط الشين -وهي من الحروف الرخوة المهموسة- بين حرفين يضاربانها في صفتها, وهما "التاء الزاي" إذ إن التاء من الحروف الشديدة، والزاي من الحروف المجهورة فبعيد عن الصواب أيضًا لعدم اطراد ما زعم؛ إذ لا نجد تنافرا في لفظ "مستشرف" مع توسط "الشين" بين حرفين يضاربانها في صفتها كما في "مستشزر" فأي فرق بينهما؟
وإذًا فقرب المخارج أو بعدها، أو غيرهما لا يصلح ضابطا يعول عليه لعدم اطراده -كما عرفت- بل الحكم في ذلك للذوق السليم, فما عده الذوق ثقيلا متعسر النطق فهو متنافر، وما لا فلا, سواء أكان متقارب الحروف، أو متباعدها, أو غير ذلك ا. هـ.
مخالفة الوضع2: هي أن تكون الكلمة مخالفة لما ثبت عن الواضع, سواء أخالفت القياس الصرفي أيضا أم لا. فمدار المخالفة على ما ثبت عند الواضع بغض النظر عن القياس المذكور.
فمثال ما خالف الأمرين معا لفظ "بوقات" جمع مؤنث مفرده "بوق" بمعنى المزمار, في قول المتنبي يمدح سيف الدولة:
فإن يك بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول
يقول: إذا كنت سيفا لدولتك له أثره وخطره فغيرك من الملوك بمثابة البوق والطبل لا أثر له، ولا غناء فيه. فلفظ "بوقات" في البيت غير فصيح؛ لمخالفته لما ثبت عن الواضع، وللقياس الصرفي؛ إذ الثابت عن الواضع جمعه جمع تكسير، والقياس الصرفي أيضًا يقتضي
__________
1 هو العلامة الخلخالي.
2 إنما آثرت هذا التعبير على قولهم: مخالفة القياس؛ لأنه أنسب بالمعنى المراد منه, وهو مخالفة الكلمة لما ثبت عن الواضع وإن وافق القياس.
(3/24)

جمعه مكسرا، فيقال: "أبواق"؛ لأن جمع المؤنث السالم له مواضع خاصة ليس هذا الاسم منها. ومثله لفظ "ضننوا" بمعنى بخلوا في قول الشاعر العربي:
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا
يخاطب الشاعر من لامته على إحسانه إلى من بخلوا عليه، فيقول: اقصدي من لومك، وهوني على نفسك الأمر, فقد عرفت أن من خلقي مجازاة من يسيء إلي بالإحسان إليه؛ لأني إنما أصنع المعروف للمعروف، لا لشيء وراءه, فلفظ "ضننوا" غير فصيح؛ لأنه مخالف لما ورد عن الواضع، وللقياس الصرفي. إذ الوارد عن الواضع "وإن ضنوا" بالإدغام لا بالفك، والقياس الصرفي أيضا يقتضي إدغام المثلين -كما عرفته في محله- ومثله لفظ "الأجلل" في قول الفضل بن قدامة الشاعر الإسلامي1:
الحمد لله العلي الأجلل ... أنت مليك الناس ربا فاقبل
فلفظ "الأجل" غير فصيح؛ لأنه مخالف لما ثبت عن الواضع، وللقياس الصرفي كما ترى.
ومثال ما خالف الثابت عن الواضع، ووافق القياس قولك: "يأبي" بكسر الباء مضارع "أبى". فهو غير فصيح؛ لأنه مخالف لما ثبت عن الواضع, إذ الثابت عنه "يأبى" بفتح الباء لا بكسرها في حين أنه موافق للقياس الصرفي؛ لأن "فعل" بفتح العين لا يأتي مضارعه على "يفعل" بفتح العين إلا إذا كان عين ماضيه، أو لامه حرف
__________
1 هو المكنى بأبي النجم, وهو من رجازي الإسلام ومن الفحول المقدمين أي: في الطبقة الأولى. وقيل: تمام البيت: "الواحد الفرد القديم الأول". وقيل: تمامه: "الواهب الفضل الكريم المجزل". وقيل: إن البيت على عكس ما يروى, فالعجز للصدر والصدر للعجز، و"ربا" منادى مضاف لياء المتكلم المنقلبة ألفا, حذفت منه ياء النداء على حد "يا حسرتا" وقيل: إن "ربا" منون حالا من الضمير في مليك.
(3/25)

حلق كسأل يسأل, ومنع يمنع, وليس "أبى يأبى" من هذا القبيل. كذلك لا يأتي مضارعه على "يفعل" مضموم العين إلا إذا كان مضعف العين متعديا "كمده يمده", أو أجوف واويا "كقال يقول"، أو ناقصا واويا "كسما يسمو" وليس أبى يأبى أحد هذه الأنواع, فكسر عين مضارعه حينئذ موافق للقياس الصرفي ولكنه مع ذلك غير فصيح؛ لمخالفته ما ثبت عن الواضع. فالشرط إذًا في المخالفة أن تخالف الكلمة ما ثبت عن الواضع, سواء خالفت القياس الصرفي أيضا، أو وافقته -كما عرفت- وذلك خلل واقع في الصيغة يخرج اللفظ عن الفصاحة.
تنبيه:
علم مما تقدم أن ما ثبت عن الواضع, سواء وافق القياس الصرفي أو خالفه فصيح, فنحو "آل وماء" من قولك: "هؤلاء آلك فاعطف عليهم" و"هذا ماؤك فاشربه" مخالف للقياس الصرفي؛ لأن الأصل فيهما "أهل وموه" أبدلت الهاء فيهما همزة، وهذا الابدال لا يقره القياس، ولكنه فصيح لموافقته ما ورد عن الواضع. ومثله "أبى يأبى" بفتح الباء في المضارع، والقياس كسرها لما تقدم بيانه، ولكنه فصيح لوروده هكذا عن الواضع. كذلك قولهم: "عورت عين فلان"، و {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ} فإن القياس فيهما أن يقال: عارت عينه، واستحاذ عليهم بقلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فتصحيح الواو حينئذ مخالف للقياس لكنه فصيح؛ لأنه ورد هكذا عن الواضع ا. هـ.
الغرابة: هي أن تكون الكلمة وحشية أي: غير ظاهرة الدلالة على المعنى الموضوعة له1, ويكون ذلك لسببين:
__________
1 فلا يرد ما ورد في القرآن في المجمل والمتشابه, فإنهما غير ظاهري الدلالة على المعنى المراد لله تعالى لا على المعنى الموضوع له, وإلا اشتمل القرآن على الغريب غير الفصيح.
(3/26)

الأول: عدم تداول الكلمة في لغة العرب الخلص، فيحتاج في معرفتها إلى بحث وتنقيب في معاجم اللغة إذ لا يذكرها من اللغويين إلا القليل.
فتارة يعثر على معناها بعد البحث كلفظتي "تكأكأتم وافرنقعوا" من قول عيسى بن عمر النحوي وقد سقط عن دابته، فاجتمع الناس حوله: "ما لكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة, افرنقعوا" فمعنى "تكأكأتم" اجتمعتم، ومعنى "افرنقعوا" انصرفوا. يقول متعجبا: ما لكم اجتمعتم علي كاجتماعكم على ذي جنون, تنحوا عني. ومنه لفظ "رخاخ" بفتح الراء في قولهم: "نحن في رخاخ من العيش" أي: في سعة ورغد، ونحو "مسحنفرة" بمعنى متسعة في قول امرئ القيس: "رب طعنة مسحنفرة".
وتارة لا يعثر عليه بعد البحث كلفظ "جحلنجع" من قول أعرابي يسمى أبا الهميسع1: "من طمحة2 صبيرها3 جحلنجع" بجيم مفتوحة فمهملة ساكنة فلام مفتوحة فنون ساكنة فجيم مفتوحة فعين مهملة, ومثله "ترللج" بفتح فسكون ففتح فكسر.
فكل هذه الكلمات غير فصيحة؛ لأنها غريبة، غير ظاهرة المعنى لعدم تداولها, وذلك خلل واقع في المعنى.
الثاني: عدم استعمال الكلمة عند العرب الخلص بالمعنى الذي أريد منها، فيحتاج في معرفتها إلى تخريج على وجه بعيد كلفظ "مسرجا" في قول رؤبة بن العجاج4:
__________
1 بفتح الهاء والميم والسين وسكون الياء.
2 الطمحة: النظرة.
3 السحاب المتراكم.
4 كان هو وأبوه العجاج رجازين مشهورين, لكل واحد منهما ديوان رجز ليس فيه سوى الأراجيز.
(3/27)

أيام أبدت واضحا مفلجا ... أغر براقا وطرفا أدعجا
ومقلة وحاجبا مزججا ... وفاحما ومرسنا "مسرجا"1
يصف الشاعر من محبوبته عدة أشياء, منها الأنف في قوله: "ومرسنا مسرجا" فقد أراد بالمرسن أنفها، وهو في "الأصل" أنف البعير, إذ هو موضع الرسن2 منه، ثم أريد به مطلق أنف مجازا مرسلا -كما سيأتي بيانه في موضعه- فقوله: "مسرجا" غير فصيح؛ لأنه غريب، غير ظاهر الدلالة لعدم استعماله بالمعنى الذي أريد منه، وهو خلل واقع في المعنى.
بيان ذلك: أن "مسرجا" في كلام الشاعر اسم مفعول مشتق، وكل مشتق لا بد له من أصل يرجع إليه في الاشتقاق, غير أنه فتش في معاجم اللغة، فلم يعثر على مصدر لهذا المشتق، وإنما وجد من هذه المادة "سريجي وسراج"، وحمل هذه الكلمة على الخطأ لا يجوز لوقوعها من عربي عارف باللغة، فاحتِيج إلى تخريجها على وجه تسلم به من الخطأ، وإن كان بعيدا، وهذا هو وجه التخريج، والدافع إليه.
ولما لم يعلم ما أراده الشاعر بقوله: "مسرجا" اختلف في تخريجه.
فقيل: هو من قولهم: سيوف سريجية3، أي: منسوب إليها من
__________
1 ضمير "أبدت" عائد على محبوبته في البيت قبله، و"واضحا" صفة لموصوف محذوف أي: سنا واضحا متميزا, و"الفلج" بالتحريك: تباعد ما بين الأسنان، و"الأغر": الأبيض، و"الدعج" بالتحريك: اتساع العين وحسنها، و"المقلة": بياض العين مع سوادها وقد يراد بها الحدقة, و"التزجيج": التدقيق مع تقويس، و"فاحما": صفة لمحذوف أي: شعرا أسود كالفحم, فهو من نسبة المشبه للمشبه به.
2 هو مقود البعير.
3 نسبة إلى حداد كان يجيد صناعة السيوف, يقال له: "سريج" بضم ففتح.
(3/28)

نسبة المشبه للمشبه به، يريد -على ما يظهر- أن يشبه أنفها بالسيف السريجي في الدقة والاستواء.
وقيل: هو مأخوذ من السراج، أي: منسوب إليه نسبة تشبيهية أيضًا يريد -على ما يبدو- أن يشبه أنفها بالسراج في الرونق والضياء.
وعلى كلا القولين هو غير ظاهر الدلالة على ما ذكر؛ لأن مادة "فعل" المضعف العين إنما تدل فقط على مجرد نسبة الشيء إلى أصله، فيقال: كفر فلان فلانا نسبه إلى الكفر، وفسقه نسبه إلى الفسق، فهو مكفر أو مفسق أي: منسوب إلى الكفر أو الفسق. ولما لم يوجد "لمسرج" أصل ينسب إليه اعتبر منسوبا للسريجي أو للسراج -على ما سبق في القولين- غير أن النسبة التشبيهية -وهي أن يكون المنسوب شبيها بالمنسوب إليه- لا تدل عليها المادة المذكورة، فأخذ ذلك منها بعيد؛ لهذا كان اللفظ غريبا، غير ظاهر الدلالة؛ لعدم استعماله عند العرب بهذا المعنى المراد.
وقد حاول بعضهم لهذه الكلمة علاجا تصح به وتسلم، فقال: إن "مسرجا" اسم مفعول مأخوذ من سرج الله وجهه: حسنه وبهجه، وإذًا فقول الشاعر: "ومرسنا مسرجا" معناه: وأنفا محسنا مبهجا, من غير اعتبار نسبة إلى شيء، أو تشبيه به. وبهذا يخرج اللفظ المذكور سليما معافى من داء الغرابة؛ لظهور دلالته على معناه.
وأجيب بأنها محاولة غير مجدية؛ لأن اللفظ بهذا المعنى لا وجود له في المبسوط من معاجم اللغة, إذ لم يشتهر بهذا المعنى في كتبها, فهو وإن سلم من عيب الغرابة بالمعنى الثاني -وهو ما احتيج فيه إلى التخريج البعيد- لا يزال يشكو داء الغرابة بالمعنى الأول, وهو ما احتيج فيه إلى التفتيش والبحث في كتب اللغة.
على أنه لا يبعد أن يكون "سرج" مأخوذا من السراج, واستعمل
(3/29)

بمعنى سرج الله وجهه: حسنه وبهجه, أي: أوجده على هذه الصفة، لا على معنى النسبة التشبيهية كالذي تقدم، ويكون ذلك من ابتكار المولدين ومواضعاتهم غير أنه لا يصح أخذ "مسرجا" منه؛ لامتناع أخذ السابق من اللاحق.
ووجه انحصار "الغريب" في السببين المتقدمين، أن اللفظ يدل على معناه بجوهره وهيئته، فعدم ظهور دلالته؛ أما باعتبار جوهره فيحتاج إلى التنقير والتفتيش، وإما باعتبار هيئته، فيحتاج إلى التخريج على الوجه البعيد.
تنبيهان:
الأول: اعلم أن عدم ظهور المعنى المتقدم ذكره في مفهوم الغرابة منظور فيه إلى الخلص من الأعراب سكان البادية، فهم قد يخفى عليهم معنى اللفظ إذا قل تداوله بينهم، أو لم يستعمل عندهم بالمعنى المراد منه -على ما ذكرنا- أما غير العرب من المولدين فغير منظور إليهم في ذلك, وإلا خرج كثير من قصائد العرب، بل جلها عن الفصاحة لغلبة الجهل باللغة على غير أربابها ا. هـ.
الثاني: زاد بعضهم عيبا رابعا على العيوب المخلة بفصاحة الكلمة، وهو أن تكون الكلمة مستكرهة يمجها السمع، ويأنفها الطبع كلفظ "النقاخ" بمعنى الماء العذب, في قول الشاعر المتقدم:
وأحمق ممن يكرع الماء قال لي ... دع الخمر واشرب من "نقاخ" مبرد
و"كالجرشى" بمعنى النفس في قول أبي الطيب المتنبي من قصيدة يمدح بها سيف الدولة.
(3/30)

مبارك الاسم أغر اللقب ... كريم "الجرشى" شريف النسب1
ورد "السعد" هذا العيب الزائد بأن استكراه السمع للفظ إنما جاء من ناحية وحشيته لغرابته، أو من ناحية تنافر حروفه كما في "تكأكأتم وافرنقعوا" فإنهما -لا شك- يثقلان على السمع لا لشيء سوى غرابتهما؛ لعدم تداولهما في اللغة الفصحى, أو لتنافر حروفهما؛ وحينئذ ففي ذكر الغرابة أو التنافر غنية عن ذكر هذا العيب.
ورد غيره هذا العيب بأن الكراهة في السمع إنما جاءت من ناحية قبح الصوت، لا من ذات اللفظ, فلو أضيف هذا العيب إلى العيوب السابقة لخرج عن الفصاحة كثير من الكلمات المتفق على فصاحتها بسبب صدورها من قبيح الصوت.
وقد فند "السعد" هذا التوجيه بقوله: لا يسلم لهذا القائل ما ادعاه من أن الكراهة في السمع مرجعها قبح الصوت، لا ذات اللفظ إذ لو كان الأمر كما يدعيه لزم أن تكون كلمة "الجرشى" بمعنى النفس, أو "اطلخم" بمعنى أظلم، أو "النقاخ" بمعنى الماء العذب غير مكروهة في السمع إذا نطق بها ذو الصوت الحسن, فتكون فصيحة, وأن تكون المرادفات المذكورة لهذه الألفاظ مكروهة في السمع إذا نطق بها ذو الصوت القبيح، فلا تكون فصيحة وذلك خلاف الواقع؛ للقطع بكراهية السمع لتلك الألفاظ دون مرادفاتها سواء صدرت عن حسن الصوت، أو عن قبيحه ا. هـ.
__________
1 إنما كان مبارك الاسم لإشعاره بالعلو، ولموافقته لاسم علي بن أبي طالب فهو سميه، و"أغر اللقب" مشهوره لاشتهاره بسيف الدولة والملوك يشار إليهم بألقابهم؛ تعظيما لهم وإجلالا، والأغر في الأصل: أبيض الجبهة من الخيل ثم نقل على طريق الاستعارة, أو المجاز المرسل إلى كل واضح مشهور. وإنما كان شريف النسب؛ لأنه على ما قيل من سلالة بني العباس, ورجح بعضهم أنه تغلبي من قبيلة تغلب.
(3/31)

فصاحة الكلام:
فصاحته أن يبرأ من العيوب الثلاثة الآتية بعد:
1- تنافر الكلمات مجتمعة.
2- ضعف التأليف.
3- التعقيد بنوعيه، ووجه حصر فصاحة الكلام في البراءة من هذه العيوب الثلاثة هو أن كل كلام له "مادة" هي أجزاؤه أي: الكلمات التي تركب منها، وله "صورة" هي هيئة تأليفه من هذه الكلمات، وله دلالة على معناه. فعيبه إما في مادته وهو "التنافر"، أو في صورته وهو "ضعف التأليف" أو في دلالته على المعنى وهو "التعقيد".
غير أن براءة الكلام من هذه العيوب مشروطة بسلامة أجزائه أي: الكلمات مفردة من العيوب المتقدمة في فصاحة الكلمة, وإليك بيان العيوب المذكورة على هذا الترتيب.
تنافر الكلمات: هو أن تكون الكلمات مجتمعة ثقيلة على اللسان؛ يتعسر النطق بها، وإن كانت كل كلمة على حدة لا ثقل فيها, وهو أيضًا نوعان: تنافر شديد، وتنافر قريب منه.
فالأول كقول الشاعر:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر1
قيل: قفر بالرفع نعت لمكان على القطع للضرورة, وإن لم يتعين المنعوت بدون هذا النعت. وقيل: هو خبر لقبر، ومعنى كون القبر
__________
1 زعموا أن هذا البيت لأحد الجان صاح على حرب بن أمية جد معاوية أمير المؤمنين, فمات لساعته فأنشد الجني هذا البيت, والواقع أنه لم يعرف قائله ولعله مصنوع.
(3/32)

قفرا -على هذا القول- قيامه وحده في هذا المكان, و"قرب" ظرف مكان خبر ليس مقدما، ولفظ "قبر" اسمها مؤخرا.
والشاهد فيه المصراع الثاني؛ فإن كلماته متعادية ينفر بعضها من بعض أشد النفور, حتى إن اللسان لا يكاد يلفظ بها مجتمعة. ومثله قول الشاعر:
أزج زلوج هزرفي زفازف ... هزف يبذ الناجيات الصوافنا1
فإن اللسان ليتعثر عند النطق به, أيما تعثر.
والثاني كقول أبي تمام من قصيدة يعتذر بها لممدوحه، ويتبرأ مما نسب إليه زورا وبهتانا:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي وإذا ما لمته لمته وحدي2
يصف الشاعر ممدوحه بالكرم والسخاء, وأنه إذا ما جرى لسانه بمدحه رأى الناس عامة ألسنة مدح وثناء معه لفيض إنعامه وعموم أياديه, وإذا ما هم بلومه لم يتبعه فيه أحد لبراءته مما يقتضي اللوم, والواو في قوله: "والورى معي" واو الحال بدليل وقوع هذه الجملة في مقابلة قوله: "وحدي" الواقع آخر البيت, فإنه حال أيضا,
__________
1 "أزج" بفتح الهمزة والزاي وتشديد الجيم، "وزلوج" على زنة صبور، و"هزرفي" بفتح الهاء وسكون الزاي وفتح الراء وكسر الفاء وتشديد الياء، و"زفاف" على زنة صيغة منتهى الجموع, وكلها أوصاف لفرس معناها: خفيف سريع، و"هزف" بكسر ففتح ففاء مشددة معناه الجافي أو الطويل, و"يبذ": يسبق، و"الناجيات الصوافن": الخيل القوية.
2 ذكر الصاحب بن عباد أنه أنشد هذه القصيدة بحضرة ابن العميد, فلما بلغ هذا البيت قال له ابن العميد: هل تعرف فيه شيئا من الهجنة؟ قال: نعم مقابلة المدح باللوم, وإنما يقابل بالذم والهجاء فقال ابن العميد: غير هذا أردت، فقال: لا أدري غير هذا، فقال ابن العميد: هذا التكرار في "أمدحه" مع الجمع بين الحاء والهاء خارج عن حد الاعتدال, نافر كل التنافر, فأثنى عليه الصاحب.
(3/33)

ولا يصح جعل "الواو" عاطفة لما يترتب عليه من توقف مدح الورى على مدحه, وفي هذا قصور يبرأ منه مقام المدح, ولما يترتب عليه أيضًا من اتحاد الشرط والجزاء1.
والشاهد فيه قوله: "أمدحه أمدحه" فإن في اجتماع هاتين الكلمتين ثقلا في النطق بهما يشعر به صاحب الذوق السليم, وليس في مجرد الجمع بين الحاء والهاء ثقل كما قيل, كيف وقد وقع ذلك في القرآن الكريم قال تعالى: {وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} غير أن الجمع بينهما مع تكرار الكلمة يزداد به التنافر ثقلا, وهو مما يقبل التفاوت شدة وضعفا. ومثل البيت المذكور قول الشاعر:
ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل
فإن فيه نوع ثقل يشعر به ذو الذوق البلاغي السليم.
ضعف التأليف: هو أن يكون الكلام في تركيبه مخالفا للمشهور من قوانين النحو التي اعتمدها جمهور النحاة كالإضمار قبل ذكر المرجع لفظا، ومعنى، وحكما كما في قول القائل: "أنقذ خادمه الأمير" فإن الضمير في "خادمه" راجع إلى الأمير، وهو لم يذكر قبل الضمير لفظا وهو ظاهر ولا معنى لعدم وجود ما يقتضي تقدمه، ولا حكما لأنه
__________
1 بيان ذلك: أن جملة "أمدحه" الثانية واقعة جزاء للشرط الذي هو جملة "أمدحه" الأولى, وجزاء الشرط -كما هو معلوم- متوقف تحققه على وجود الشرط, فلو جعلنا الواو عاطفة لكانت جملة "والورى معي" معطوفة على جملة الجزاء والمعطوف على الجزاء يكون داخلا في مفهومه وجزءا منه، فتكون الجملة المعطوفة حينئذ متوقفا تحققها على وجود الشرط كالتي عطفت عليها، وإذًا يكون مدح الورى متوقفا على مدحه. أما اتحاد الشرط والجزاء على تقدير العطف المذكور فأمره ظاهر, إذ إن الجملة المعطوفة مستقلة بذاتها عن المعطوفة عليها, بخلاف ما لو جعلت الواو حالا فإنه لا يؤدي إلى هذين المحظورين, أما في الأول فلأن التقدير حينئذ: متى أمدحه أمدحه في حال مشاركة الورى لي في المدح, فالجزاء مدحه في هذه الحالة، وهذا لا ينافي مدحهم له قبل ذلك, وأما في الثاني فلأن الجزاء مقيد دون الشرط فلم يتحدا.
(3/34)

محكوم عليه بالتأخر لمفعوليته، لا لنكتة بلاغية, وسيتضح لك ذلك فيما بعد، فالمثال المذكور إذًا غير فصيح لضعف تأليفه1. ومثله قول الشاعر:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما جوزي سنمار2
يدعو الشاعر على أبي الغيلان أن يجازيه أولاده -مع كبر سنه، وحسن صنيعه معهم- شر جزاء كما وقع لسنمار. والشاهد فيه قوله في المصراع الأول: جزى بنوه أبا الغيلان, حيث أضمر قبل ذكر المرجع لفظا, ومعنى، وحكما كالمثال الذي قبله, فهو إذًا غير فصيح لضعف تأليفه.
تنبيه:
مما تقدم يفهم أن المرجع إذا تقدم على الضمير، أو معنى, أو حكما كان الكلام سليما معافى من الضعف المذكور.
فالتقدم اللفظي: أن يتقدم المرجع على الضمير لفظا, أي: أن ينطق به أولا، وبالضمير ثانيا كما في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} ، وكما في قولك: "أكرم محمدا
__________
1 أجاز هذه المسألة بعض النحاة كالأخفش وابن جني, ولكنه جواز لا يدفع الضعف؛ لأنه مقابل للمشهور من قوانينهم, والمعول عليه في الضعف مخالفة الكلام لما اشتهر بين جمهورهم. أما الكلام المخالف لما أجمع النحاة على منعه كتقديم المحصور فيه بإنما في نحو: إنما عالم محمد، وكنصب الفاعل أو جره مثلا فهو فضلا عن ضعفه فاسد.
2 "سنمار": اسم رجل بنى للنعمان بن امرئ القيس قصرا عظيما بالكوفة سماه "الخورنق" وقد أتقن بحذقه وبراعته صنعه, ولما أكمل بناءه وزخرفه ألقاه النعمان من أعلاه لئلا يبني قصرا مثله لغيره فمات لوقته، وضرب به المثل لكل من يجازى على الخير بالشر، وفي هذا يقول شاعرهم:
جزتنا بنو سعد بحسن فعالنا ... جزاء سنمار؛ وما كان ذا ذنب
(3/35)

صديقه", فمرجع الضمير في الأول "لفظ الجلالة"، وفي الثاني "محمدا"، وقد تقدم كلاهما على الضمير لفظا, غير أنه في الأول تقدم لفظا ورتبة، وفي الثاني تقدم لفظا فقط؛ لأنه مفعول فمرتبته بعد الفاعل.
والتقدم المعنوي: ألا يتقدم المرجع على الضمير لفظا, لكن هناك ما يقتضي تقدمه معنى؛ كأن يدل عليه لفظ سابق من جنسه، أو ترشد إليه قرينة حال، أو كانت مرتبته التقدم على الضمير.
فمثال ما دل عليه لفظ سابق قوله تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} ، فمرجع الضمير هو "العدل" المدلول عليه بلفظ {اعْدِلُوا} ، فهو لم يتقدم لفظا، وإنما تقدم معناه في الفعل المذكور.
ومثال ما أرشدت إليه قرينة حال قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} فمرجع الضمير المستتر في {تَرَكَ} هو "الميت" ولم يدل عليه لفظ سابق من جنسه كما في {اعْدِلُوا} ، بل دلت عليه قرينة حال هي أن الكلام مسوق لبيان الإرث، ومثله قوله تعالى: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} ، فمرجع الضمير المستتر في {تَوَارَتْ} هو "الشمس" ولم يدل عليه لفظ سابق من جنسه, ولكن ذكر "العشي" والتواري بالحجاب وسياق الكلام قرائن تدل على أن المراد "الشمس".
ومثال ما مرتبته التقدم وإن تأخر في اللفظ قولك: "في داره صديقك"، وقولك: رفع قبيلته عنترة؛ فمرجع الضمير في الأول "صديقك"، وفي الثاني "عنترة"، وقد تأخر كل منهما عن الضمير في اللفظ، ولكن مرتبته التقدم عليه؛ لأنه في الأول مبتدأ، وفي الثاني فاعل، ومرتبة المبتدأ التقدم على الخبر، كما أن مرتبة الفاعل التقدم على المفعول، وكأنما لفظ بهما أولا.
(3/36)

والتقدم الحكمي: هو ألا يتقدم المرجع لفظا، وليس ثم ما يقتضي تقدمه سوى حكم الواضع بأن المرجع يجب تقدمه, غير أنه خُولف فيه حكم الواضع، فأخر لنكتة بلاغية، والمتأخر لعرض متقدم حكما كما في باب "نعم وبئس1"، وضميري "رب والشأن" نحو: "نعم فصيحا سحبان2"، "بئس عييا باقل3" ونحو: "ربه فتى"، ومثل قول الشاعر:
هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي
فالمرجع في "نعم وبئس" هو المخصوص بالمدح أو الذم، وفي "رب" هو "فتى"، وفي الحال والشأن هو لفظ "الدنيا", وهو في كل هذه المثل لم يتقدم لفظا ولا معنى، ولكنه متقدم حكما من حيث إن وضع الضمير على أن يعود إلى متقدم، وإنما أخر هنا لنكتة هي البيان بعد الإبهام.
إلى هنا ظهر جليا أن كل ما سبق من الأمثلة مما تقدم فيه المرجع على الضمير لفظا, أو معنى، أو حكما فصيح لخلوه من ضعف التأليف؛ إذ إنه جرى على المشهور من قوانينهم، وأن ما لم يتقدم فيه المرجع أصلا كقولنا فيما سبق: "أنقذ خادمه الأمير" غير فصيح لضعف تأليفه؛ لأنه جرى على غير المشهور عندهم, وليس هذا من قبيل ما قدم فيه المرجع حكما؛ لأن تأخير المفعول في نحو المثال المذكور لا لنكتة بلاغية، بل لأن مرتبته التأخير عن الفاعل.
__________
1 على رأي من يجعل المخصوص مبتدأ لخبر محذوف أو العكس.
2 هو سحبان وائل الخطيب المصقع، والمضروب به المثل في البلاغة والبيان, نشأ في الجاهلية وعاش إلى زمن معاوية.
3 هو رجل من إياد كان شديد العي في النطق, اتفق أنه اشترى ظبيا بأحد عشر درهما، فقيل له: بكم اشتريته؟ ففتح كفيه وفرق بين أصابعه, وأخرج لسانه ليشير بذلك إلى العدد المذكور؛ فانفلت الظبي من يده, فضرب به المثل في العي والفهاهة.
(3/37)

وإذًا, فالفرق بين الإضمار قبل الذكر الموجب للضعف، وبين الإضمار قبل الذكر الذي جعل من قبيل تقدم المرجع حكما, وجود النكتة في الثاني دون الأول. على أنهم قالوا: إذا قصدت النكتة في مثل المثال المذكور، وأن الغرض من تأخير المفعول هو البيان بعد الإبهام كما في "نعم وبئس" لم يبعد أن يكون فصيحا, غير أن الشأن في مثل هذا التركيب ألا تلتمس له نكتة، بخلاف الشأن في باب نعم وبئس وغيرهما مما قدم فيه المرجع حكما ا. هـ.
وكالإضمار قبل الذكر في تعطيل الكلام من حلية الفصاحة؛ لضعف تأليفه, الإتيان بالضمير متصلا بعد "ألا"، ونصب المضارع بدون ناصب مذكور في الكلام, فالأول كما في قول الشاعر:
وما علينا إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاورنا إلاك ديار
يريد أن يقول: إن غاية ما أرجوه من متع الحياة أن أكون بجوارك, فإذا حظينا بهذه الأمنية، فقد نلنا كل شيء، فلا يعنينا بعد ذلك ألا يجاورنا أحد.
والأصل: إلا إياك. والثاني كما في قول الشاعر:
قبيح من الإنسان ينسى عيوبه ... ويذكر عيبا في أخيه قد اختفى
أي: أن ينسى, وأن يذكر.
التعقيد: هو أن يكون الكلام خفي الدلالة على المعنى المراد لخلل واقع فيه1. وهو نوعان: لفظي ومعنوي.
__________
1 هذا تعريف للتعقيد بالمعنى الاصطلاحي الذي هو كون الكلام معقدا، لا بالمعنى اللغوي الذي هو مصدر عقد المتكلم كلامه تعقيدا, إذا أخفى المراد منه، فإنه بهذا المعنى لا يصح حمل التعريف المذكور عليه؛ لأن التعقيد بهذا المعنى وصف للمتكلم والتعريف المذكور من صفات الكلام, واحترز بقوله: لخلل واقع فيه عما خفي المراد منه لا لخلل فيه, بل لإرادة المتكلم إخفاء المراد منه لحكمة, كالذي ورد في القرآن من المتشابه والمجمل والمشكل, فلا تعقيد فيه.
(3/38)

التعقيد اللفظي: أن يكون الكلام خفي الدلالة على المعنى لخلل واقع في نظمه وتركيبه, بحيث لا يكون ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني بسبب تقديم، أو تأخير، أو فصل، أو حذف، أو نحو ذلك مما يترتب عليه صعوبة فهم المعنى المراد, وهو على ضربين: شديد، وخفيف.
فالشديد كما في قول الفرزدق1 يمدح إبراهيم بن المخزومي خال هشام بن عبد الملك، أحد خلفاء بني أمية:
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
يريد أن يقول: ليس مثل الممدوح في الناس حي يقاربه في الفضائل إلا مملكا2 أبو أم ذلك الملك أبو الممدوح أي: لا يحاكيه أحد إلا ابن أخته وهو "هشام". ففيه فاصل كبير بين البدل وهو "حي" والمبدل منه وهو "مثله" وفيه تقديم المستثنى وهو "مملكا" على المستثنى منه وهو "حي"3، وفيه فصل بين المبتدأ والخبر وهما: "أبو أمه أبوه" بأجنبي هو "حي"، وبين الصفة والموصوف وهما: "حي يقاربه" بأجنبي هو "أبوه" فانظر إلى أي حد وصل تعقيد اللفظ حتى عمي المعنى، واستغلق على الفهم4.
__________
1 هو همام بن غالب بن صعصعة, الشاعر التميمي الأموي المعروف, وقد لقب بهذا اللقب لتقطيع وجهه بالجدري على ما يروى.
2 أي: رجل أعطي الملك والجاه, يريد هشاما.
3 إنما عد تقديم المستثنى من موجبات التعقيد في البيت المذكور مع أنه جارٍ على وفق قوانين النحاة؛ لأن التعقيد يزداد به وهو مما يقبل التفاوت شدة وضعفا.
4 قيل: ويمكن أن يخرج البيت على وجه لا تعقيد فيه, فيجعل "إلا مملكا" مستثنى من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور الواقع خبر "ما" أو خبر "مثله" على الخلاف في جعل "ما" حجازية أو تميمية، ويجعل "أبو أمه" مبتدأ و"حي" خبرا، ويجعل "أبوه" خبرا بعد خبر، والجملة صفة "لمملكا"، وكذلك جملة "يقاربه" أي: إلا مملكا موصوفا بهذه الصفة، وبأنه يقارب خاله في الفضائل. وعلى هذا القول يكون المراد بالحياة في قوله: "حي" الشبوبية والفتوة، وغاية ما يرد على هذا الوجه أن فيه نصب "مملكا", والمختار رفعه لتأخر المستثنى على المستثنى منه بعد النفي.
(3/39)

ومثل هذا البيت في شدة تعقده قول الآخر:
فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفرا رسومها قلما
يصف الشاعر دارا بالية, وأصل الكلام: فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأن قلما خط رسومها؛ ففيه من الفصل، والتقديم، والتأخير ما جعل التعقيد اللفظي في أقبح صورة وأشنعها.
والخفيف كما في قول أبي الطيب المتنبي:
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل
يصف قوما بحسن الشمائل, وأصل التركيب هكذا: جفخت بهم شيم دلائل على الحسب الأغر، وهم لا يجفخون بها أي: افتخرت بهم طبائع دالة على ما كان لآبائهم من مناقب ومفاخر وهم لا يفخرون بها؛ لأنهم حاصلون على ما هو خير وأوفى, فقد فصل بين الفعل والفاعل، وهما: "جفخت شيم" بأجنبي هو جملة "وهم لا يجفخون بها" الواقعة حالا، وفصل بين الصفة والموصوف، وهما: "شيم دلائل" بالجار والمجرور، وهما قوله: "على الحسب الأغر". ومثله قول الفرزدق من قصيدة يصف بها ذئبا:
تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من "يا ذئب" يصطحبان
يريد: نكن يا ذئب مثل من يصطحبان؛ ففصل بين الموصول وصلته وهما: "من يصطحبان" بأجنبي هو قوله: "يا ذئب"، فتعقد اللفظ نوع تعقد.
قيل: لا داعي لذكر التعقيد اللفظي بعد ذكر ضعف التأليف؛ لأن ذكره مغنٍ عن ذكر التعقيد المذكور, إذ لا سبب لهذا التعقيد سوى ضعف التأليف. بل لقد ذهب بعضهم1 إلى أن ذكر أحدهما مغنٍ عن ذكر الآخر, أما إغناء الضعف فلما ذكرنا من أنه لا سبب للتعقيد
__________
1 هو العلامة الخلخالي.
(3/40)

سواه، وأما إغناء التعقيد فلأنه لازم للضعف, إذ إن تأليف الكلام إذا لم يكن على وفق المشهور من قوانينهم يوجب صعوبة في فهم المراد منه لا محالة، وذكر اللازم يغني عن ذكر الملزوم كالضاحك للإنسان, فإن ذكر الضاحك يغني عن ذكر الإنسان.
أجيب أولا: بأنا لا نسلم أن التعقيد اللفظي لا سبب له سوى ضعف التأليف؛ ذلك أن التعقيد المذكور قد يتحقق بدون الضعف كما في قولك: "إلا عمرا القوم هازم محمد" ففي هذا التركيب تقدم المستثنى على المستثنى منه، والمفعول على اسم الفاعل، والخبر على المبتدأ، وكل هذه الأمور أجازها جمهور النحاة لجريانها وفق المشهور من قوانينهم، والتركيب -مع ذلك- معقد لصعوبة فهم المراد منه, فقد تحقق التعقيد بدون ضعف التأليف.
وأجيب ثانيا: بأنا لا نسلم بأن التعقيد لازم للضعف، وأن كل ضعف يوجب تعقيدا, فإن في قولنا: جاءني أحمد "بالتنوين" ضعف تأليف؛ لمخالفته قانون النحاة وهو -مع ذلك- خلو من التعقيد لظهور المعنى المراد منه, فقد وجد الضعف من غير تعقيد.
وقد اجتمعا1 في قول الفرزدق السابق: "وما مثله في الناس ... البيت" وإذا بطل ما ادعاه صاحب القيل، وما ذهب إليه الخلخالي، وثبت أن ذكر أحدهما لا يغني عن ذكر الآخر.
التعقيد المعنوي: أن يكون الكلام خفي الدلالة على المعنى المراد؛ لخلل في انتقال الذهن من المعنى الأول المفهوم من اللفظ لغة إلى المعنى الثاني المقصود, بحيث يكون إدراك المعنى الثاني من الأول بعيدا عن الفهم، يحتاج إلى تكلف بسبب استعمال اللفظ في معنى
__________
1 فبينهما العموم والخصوص الوجهي.
(3/41)

خفي لزومه للمعنى الأول1, كقول العباس بن الأحنف2:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
عبر بالسين الدالة على معنى التسويف -وإن كان مراده الطلب في الحال- لاعتبار لطيف هو أن البعد عن الديار -وإن كان في زعمه وسيلة للقرب من الأحبة، وهو ما يأمله ويبتغيه- جدير أن يسوف, ولا يطلب في الحال لأنه في ذاته مبغض؛ غير مرغوب فيه, و"تسكب" برفع الباء عطف على "أطلب" مجردا عن السين؛ لأن البكاء شعار المحبين وسمة العاشقين, فالتسويف فيه لا يناسب حالهم. ولا يصح فيه نصب الباء؛ لأنه إما أن يكون معطوفا على "بعد الدار"، أو معطوفا على "لتقربوا" وهو لا يحسن في الأول، ولا يصح في الثاني.
__________
1 اعلم أن المراد بخفاء دلالة الكلام على المعنى المراد بطء إدراك المراد منه، وأن المراد بخلل انتقال الذهن بطء انتقاله من المعنى الأصلي إلى المعنى المراد بسبب استعمال المتكلم اللفظ في اللازم الخفي أي: في معنى خفيت علاقته بالمعنى الأصلي. وإذًا فبطء انتقال الذهن من الأول إلى الثاني سبب في بطء فهم المعنى المقصود من اللفظ, كما أن سرعة انتقال الذهن من المعنى الأصلي إلى المعنى المراد سبب في سرعة إدراك المراد من اللفظ, والمراد بالذهن ذهن السامع على ما هو الظاهر؛ لأن الخفاء والظهور إنما هو بالنسبة إليه، وليس من شك أن السامع إذا سمع اللفظ فبطؤ انتقال ذهنه من المعنى الأول إلى الثاني بسبب استعمال اللفظ فيما خفي لزومه للمعنى الأول خفيف عليه دلالة اللفظ أي: بطؤ إدراك المراد منه. "وحاصل المسألة" أن شرط فصاحة الكلام أن يكون المعنى الثاني المراد قريبا فهمه من المعنى الأصلي كمعنى "الكرم" المفهوم من كثرة الرماد في قولك: محمد كثير الرماد, وكمعنى "الشجاع" المفهوم من الأسد في قولك: رأيت أسدا يعطي. فإن كان المعنى الثاني بعيدا فهمه من المعنى الأول, يحتاج في إدراكه إلى تكلف وتمحل بسبب استعمال اللفظ فيما لزم معناه لزوما خفيا, كان الكلام معقدا, فلا يكون فصيحا كما في قول ابن الأحنف.
2 من ندماء هارون الرشيد, وكان لطيف المجلس فكه الحديث.
(3/42)

أما أنه لا يحسن في الأول؛ فلأن سكب الدموع حينئذ يدخل في حيز الطلب، ولا يخفى أن الحزن والبكاء شعار العاشق المهجور، لا ينفكان عنه بحال. فطلبهما إذًا ضرب من العبث لحصولهما, اللهم إلا أن يقال: إن المراد طلب استمرار السكب لا أصله، وهذا الاحتمال هو سر عدم بطلان العطف على بعد الدار.
وأما أنه لا يصح في الثاني؛ فلأن تعليل طلب بعد الديار بالقرب يدل على أن المقصود من طلب البعد قرب الأحبة المقتضي للفرح والابتهاج، فلو عطف على "لتقربوا" لكان طلب البعد معللا بالحزن المدلول عليه بسكب الدمع، وتعليله به يقتضي أن المقصود من طلب بعد الدار حصول الحزن والكآبة له، لا قرب الأحبة. فالتعليل الثاني حينئذ يفيد نقيض ما أفاده الأول؛ وإذًا بطل النصب عطفا على "لتقربوا" كما لم يحسن عطفا على "بعد الدار", وتعين الرفع عطفا على "أطلب".
ومعنى البيت: أن ابن الأحنف يطلب البعد عن أحبته غير مبالٍ بما يعانيه في ذلك من غصص الفرقة، وآلام النوى، ويعتزم أن يوطن نفسه على تجرع كئوس الأسى لفراق من أحبهم، وهام بهم, عساه فيما بعد يحظى بوصل مقيم، وفرح لا يزول, وكأنه بذلك يخادع الزمان، ويغالطه ليوافيه بضد ما يطلب على عادة الدهر من محاربة الناس في مطالبهم، ووقوفه حائلا دون ما يأملون، وبذلك يتم للشاعر -في غفلة الدهر- ما أراد من لقاء الأحبة والابتهاج والأنس بهم, على حد قول الشاعر:
ولطالما اخترت الفراق مغالطا ... واحتلت في استثمار غرس ودادي
ورغبت عن ذكر الوصال لأنها ... تبني الأمور على خلاف مرادي
والشاهد في بيت ابن الأحنف قوله: "لتجمدا" فإنه لم يوفق
(3/43)

في أداء المعنى الذي أراده من هذا اللفظ على وجه صحيح؛ ذلك أنه أراد أن يكني عما قصده بكنايتين أصاب في إحداهما، وأخطأه الصواب في الأخرى.
بيان ذلك: أنه عبر أولا "بسكب الدمع" كناية عما يوجبه فراق الأحبة من الحزن والكمد, فأحسن وأصاب المحز في هذه الكناية؛ لسرعة فهم الحزن من سكب الدموع عرفا. فإن البكاء عادة يكون أمارة الحزن, كما يكون الضحك عنوانا على الابتهاج والفرح، فيقال: أبكاني وأضحكني على معنى: ساءني وسرني. قال الشاعر:
أنزلني الدهر على حكمه ... من شامخ عال إلى خفض
أبكاني الدهر ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضي
ثم عبر ثانيا "بجمود العين" كناية عما يوجبه اجتماع شمله بأحبته من السرور والابتهاج، فأخطأه التوفيق في هذه الكناية؛ ذلك أن جمود العين جفافها من الدمع عند الدافع إليه، وهو الحزن على فراق الأحبة, فجمودها حينئذ كناية عن بخلها بالدمع وقت الحاجة إليه، لا عما أراده من السرور. يؤيد ذلك قول أبي العطاء يرثي ابن هبيرة:
ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود
أي: لبخيلة الدمع، ومنه قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى؟
أي: أفيضا بالدمع، ولا تبخلا به, كما يرشد إلى ذلك قولهم: "سنة جماد" أي: بخيلة بالقطر، "وناقة جماد": لا تجود بالدر. ومن هنا لا يصح عندهم أن يقال في مقام الدعاء للمخاطب بالسرور:
(3/44)

"لا زالت عينك جامدة" على معنى: لا أبكى الله عينك, إذ هو دعاء عليه بالحزن، لا بالسرور.
إذا علمت هذا, ظهر لك أن المعنى الذي أراده الشاعر، وهو "السرور" لا يفهم من "الجمود" إذ لا يدل عله اللفظ لا لغة ولا عرفا, اللهم إلا مع ارتكاب شيء من التعسف1؛ ومن هنا كان التعقيد في المعنى. ومثل قول ابن الأحنف قول الشاعر:
أمنا أن تصرع عن سماح ... وللآمال في يدك اصطراع
تصرع بتشديد الراء مع البناء للمجهول بمعنى: تغلب وتمنع بشدة، ويريد باصطراع الآمال في يده: ازدحامها وتدافعها. يقول: أمنا أن يغلبك على أمرك غالب يحول دون سماحك وكرمك, والشاهد قوله: "وللآمال في يدك اصطراع" حيث كنى باصطراع الآمال في يده عن معنى الكرم, وهي كناية خفية الدلالة على ما أراد؛ ذلك أن معنى الاصطراع: الاطّراح على الأرض, يقال: اصطرع القوم وتصارعوا: ألقى بعضهم ببعض على الأرض، فاستعماله في معنى الكرم غير ظاهر لخفاء اللزوم بين المعنيين, كاستعمال جمود العين في معنى السرور. فلا بد إذًا من ارتكاب شيء من التعسف وهو أن يستعمل الاصطراع أولا في معنى التزاحم والتدافع؛ كاستعمال جمود العين في الخلو من الدمع مطلقا، وحينئذ يصح أن ينتقل منه إلى معنى الكرم؛ لأن الكريم عادة يزدحم على بابه ذوو الحاجات؛ يطلبون معروفه:
__________
1 هو أن يستعمل الجمود الذي هو الخلو من الدمع حالة الحزن في خلو العين من الدمع مطلقا, وإلى هنا صح أن يكنى به عن السرور؛ لأن المسرور تخلو عينه من الدمع عادة. غير أن استعمال الجمود في مطلق الخلو من الدمع لينتقل منه إلى السرور مخالف لاستعمالاتهم؛ لهذا كان الكلام معقد المعنى.
(3/45)

يسقط الطير حيث ينتثر الحـ ... ـب وتغشى منازل الكرماء
وهكذا كل كلام خفيت دلالته على المعنى المراد لخفاء اللزوم بين المعنيين, يكون معقد المعنى.
تنبيهان:
الأول: زاد بعضهم عيبا رابعا على العيوب المخلة بفصاحة الكلام، وهو أن يكثر فيه التكرار1، أو تتوالى فيه الإضافات.
فمثال التكرار قول أبي الطيب يصف فرسا له:
وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد2
"سبوح" فعول بمعنى فاعل، يستوي في الوصف به المؤنث والمذكر، وهو من السبح بمعنى العوم. يريد: أن في جريها -مع شدة عَدْوها- سلاسة وسهولة كأنما تسبح في الماء3, وقوله:
__________
1 التكرار: هو ذكر الشيء ثانيا بعد ذكره أولا، وكثرته بذكره ثالثا، والمراد بالكثرة ما فوق الواحد، وإنما شرط الكثرة لأن التكرار بلا كثرة لا يخل بالفصاحة, وإلا قبح التوكيد اللفظي.
2 "تسعدني" من الإسعاد وهو الإعانة والإنقاذ، "والغمرة": ما يغمرك من الماء وقد أراد بها الشدة, "وسبوح" صفة لموصوف محذوف أي: فرس سبوح، و"شواهد" بمعنى دلائل فاعل الظرف وهو "لها"؛ لاعتماده على الموصوف الذي هو "سبوح"، ولم يجعل النظر خبرا مقدما لشواهد لاحتياج التقديم إلى نكتة, ولا نكتة هنا.
3 فيه إشارة إلى أن استعمال "سبوح" في الفرس العادية مجاز؛ لأن السبوح في الأصل كثير السبح في الماء, فاستعمل في كثير الجري على سبيل الاستعارة التبعية المصرحة, إذ شبه الجري الشديد السلس بالسبح في الماء واستعير اسم المشبه به للمشبه, واشتق من السبح سبوح بمعنى جارية جريا شديدا مع سلاسة.
(3/46)

"لها" وصف لسبوح، وقوله: "منها" حال من شواهد1، و"عليها" متعلق به.
يصف الشاعر فرسه بشدة الجري وحسنه، وأنها منجاة له من الشدائد بخفة حركتها، وشدة عدوها، وأن أمارات النجابة بادية عليها. الشاهد في المصراع الثاني, فإن تكرار الضمير فيه أخل بفصاحته.
ومثال تتابع الإضافات قول ابن بابك:
حمامة جرعاء حومة الجندل اسجعي ... فأتت بمرأى من سعاد ومسمع2
يأمر الشاعر حمامة هذا الوادي بالسجع والتطريب؛ إعجابا بمحبوبته واحتفاء بها، ولكي تسمع وترى ما يسرها ويبهجها. والشاهد في المصراع الأول, فإن فيه إضافات متتابعة, إذ أضيف "حمامة" إلى "جرعاء" المضافة إلى "حومة" المضافة إلى "جندل"، وهذا مخل بفصاحة الكلام.
هكذا زعم هذا القائل، وفيه نظر؛ لأن كثرة التكرار، أو تتابع الإضافات إن ثقل اللفظ به على اللسان فقد دخل في باب التنافر وإلا فلا يخل بالفصاحة, كيف وقد ورد في القرآن الكريم قال تعالى: {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ} ، وقال سبحانه: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ} ، وقال جل شأنه: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} إلى غير ذلك مما نراه في غير موضع من كتاب مقدس هو في أعلى طبقات البلاغة، لا ينكر عليه ذلك أحد. وقد اجتمع الأمران في الحديث
__________
1 لأنه في الأصل نعت لها, ونعت النكرة إذا قدم عليها أعرب حالا.
2 "جرعاء" مؤنث أجرع, وهو الأرض الجرداء لا تنبت شيئا وقصرت للضرورة، و"الحومة": معظم الشيء و"الجندل": الأرض ذات الحجارة و"السجع": تغريد الحمام، وقوله: فأنت بمرأى ... إلخ أي: في مكان تراك فيه سعاد وتسمعك, يقال: فلان بمرأى مني ومسمع أي: بحيث أراه وأسمع قوله.
(3/47)

الشريف, قال صلى الله عليه وسلم: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" فهذا الحديث جمع بين التكرار, وتتابع الإضافات1.
الثاني: إنما شرطنا في فصاحة الكلام أن تسلم كل كلمة فيه من العيوب المخلة بفصاحتها؛ لتعلم أن نحو: "محمد أصدق مودة من أخيه"، ونحو: "شعر هند مستشزر"، و"أنفها مسرج" غير فصيح، مع أنه كلام سليم من العيوب المخلة بفصاحته، فلا تنافر كلمات فيه، ولا ضعف تأليف، ولا تعقيد، ولكنه لما لم يسلم من العيوب المخلة بفصاحة بعض أجزائه لم يكن فصيحا؛ إذ الشرط في فصاحة الكلام -كما قلنا- سلامته من عيوبه وعيوب أجزائه, كما تقول في الأمثلة السابقة: "محمد أصدق مودة من أخيه"، و"شعر هند مرتفع"، و"أنفها مستقيم دقيق، أو ناضر بهيج".
وهذا هو معنى قول الخطيب في تعريف فصاحة الكلام: خلوصه من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد، مع فصاحة الكلمات. وهم قد جعلوا الظرف حالا من الضمير في "خلوصه" العائد على الكلام أي: أن يخلص الكلام من هذه الثلاثة حال كونه فصيح الكلمات ليخرج بذلك نحو قولهم: شعر هند مستشزر, فإنه -وإن خلص من الأمور المذكورة- غير فصيح لخلو بعض كلماته من الفصاحة2.
إذا علمت هذا, علمت أن كل كلام سلم من عيوبه، وعيوب أجزائه عُدَّ في عرف البلغاء فصيحا, وإن لم يسلم من ذلك فقد تعطل جيده من حلية البلاغة.
__________
1 ذلك لأن الإضافات تشمل المتداخلة بأن يكون الأول مضافا للثاني والثاني مضافا للثالث وهكذا كما في الآيتين الأوليين, وغير المتداخلة كما في الحديث, وكثرة التكرار تحصل بذكر الشيء ثالثا سواء كان المذكور ضميرا كما في الآية الثالثة, أو غير ضمير كما في الحديث.
2 وقيل: الظرف حال من الكلمات أي: أن يخلص الكلام من كذا وكذا ومن تنافر الكلمات حال كونها فصيحة, وفي هذا التقدير فساد لأن الظرف حينئذ يكون قيدا للتنافر الداخل تحت النفي وهو الخلوص, والقاعدة: أن النفي إذا دخل على مقيد بقيد توجه في الغالب إلى القيد, وهو هنا فصاحة الكلمات, فيكون المعتبر في فصاحة الكلام انتفاء فصاحة الكلمات مع وجود التنافر, وهذا عكس المقصود؛ إذ المقصود انتفاء التنافر مع وجود فصاحة الكلمات, فيدخل في الفصيح ما ليس بفصيح, ويكون التعريف حينئذ غير جامع.
(3/48)

فصاحة المتكلم:
هي ملكة أو صفة قائمة بنفس المتكلم راسخة فيه, يستطيع بها أن يعبر تعبيرا صحيحا فصيحا عما يجول بخاطره، ويجيش بصدره من الأغراض والمقاصد. فالمدار في فصاحته على أن تكون هذه الصفة غريزة فيه يستطيع أن يستخدمها متى شاء, في أي ضرب من ضروب الكلام، وفي أي فن من فنونه كالمدح، والذم، والرثاء, والفخر، والتشبيب، وغير ذلك فهو فصيح, وإن لم ينطق متى كان فيه الاستعداد والقدرة على صوغ اللفظ الفصيح, فإن فقد هذا الاستعداد وهذه القدرة فهو غير فصيح. كما لا يكون فصيحا إذا استطاع أن يعبر بلفظ فصيح في مقصد دون آخر, إذا لم يكن ذلك وليد ملكة فيه.
وتكوين هذه الملكة إنما يكون بممارسة أساليب العرب الفصحاء، والوقوف على أسرارها، وحفظ الكثير من عيون كلامهم شعرا ونثرا.
اختبار:
1- تكلم بإيجاز عن تاريخ نشأة العلوم البلاغية، واذكر أشهر ما وضع فيها من كتب، وأشهر واضعيها، ثم بين ما يترتب على دراستها من فوائد، مع ذكر ما تعرفه عن سعد الدين التفتازاني، والخطيب القزويني.
2- بين معنى الفصاحة في اللغة، ومَثِّل لها بمثالين.
(3/49)

3- بين الأمور التي تُخِل بفصاحة كل من الكلام والكلمة، ثم اذكر معنى المخالفة في كل منهما، مع التمثيل لما تقول.
4- هل يوصف المركب الناقص بالفصاحة؟ فَصِّل القول في هذه المسألة.
5- افرق بين التعقيد اللفظي والمعنوي، مع التمثيل، وبِمَ ترد على من اشترط في فصاحة الكلام سلامته من كثرة التكرار، وتتابع الإضافات، وعلى من زعم أن ضعف التأليف مغنٍ عن التعقيد اللفظي؟
6- اختلف الرأي في ضابط التنافر المخل بفصاحة الكلمة، فوضح هذا الخلاف، وبين ما استقر عليه الرأي.
7- وضح معنى التعقيد في الكلام، واذكر نوعيه، ثم إن في قول الأحنف: "وتسكب عيناي الدموع لتجمدا" كنايتين صوب النقاد إحداهما، وخطئوا الأخرى, فما وجهتهم في كلتيهما؟ وهل لهم فيما صوبوه وخطئوه ناصر من اللغة؟ بين ذلك بوضوح.
8- بين معنى الغرابة في الكلمة، ومرجع الغرابة فيها، ثم علل غرابة "مسرجا" في قول الراجز: وفاحما ومرسنا مسرجا.
9- عرف فصاحة المتكلم، وهل إذا أجاد القول الفصيح في معنى الفخر مثلا يكون فصيحا؟
تمرينان:
1- مثل لما يأتي من إنشائك ما استطعت: كلام أخل بفصاحته التعقيد اللفظي، وآخر أخل بفصاحته ضعف التأليف، وثالث أخل بفصاحته تنافر الكلمات، ورابع أخل بفصاحته غرابة بعض أجزائه، وخامس أخل بفصاحته تنافر بعض أجزائه.
(3/50)

2- بين العيوب التي أَخَلَّت بفصاحة الكلمة, أو الكلام فيما يأتي:
1-
قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت ... عشواء تالية غبسا دهاريسا1
2-
فتنتني فجننتني تجنى ... بتجن يفتن غب تجني2
3-
يظل بموماة ويمسي بغيرها ... جحيشا ويعرورى ظهور المسالك3
4-
لما رأى طالبوه مصعبا ذعروا ... وكاد -لو ساعد المقدور- ينتصر4
5- فلان على شصاصاء من أمره، أي: على عجلة منه، وفلان سدك -بفتح فكسر- أي: مشتهٍ للطعام، وبفلان زلخة -بضم الزاي وفتح اللام المشددة وفتح الخاء- أي: في ظهره وجع، وفلان شرب الإسفنط -بكسر فسكون فكسر فسكون- أي: الخمر، وفلان بيده خنشليل صقيل -بضم الخاء وسكون النون وفتح الشين وكسر اللام- أي: سيف مصقول ماضٍ.
6- إلا الخائن الناس يحترم المليك. قدم أباك الأعزز.
7-
زار داود دار أروى وأروى ... ذات دل إذا رأت داودا5
__________
1 "اطلخم الأمر": اشتد, و"العشواء": الناقة الضعيفة البصر, و"الغبس" بصم فسكون جمع غبساء: الشديدة الظلمة, و"الدهاريس": الدواهي.
2 "تجني" آخر المصراع الأول اسم امرأة، و"بتجن" بتجرم، و"يفتن": ينوع، و"غب": عقب.
3 الموماة: الفلاة الواسعة، و"الجحيش" بفتح فكسر أو بضم ففتح: المستبد برأيه، و"اعرورى" الظهر: ركبه عريانا. يقول: إنه جوّاب آفاق وجواس شعاب مستبد الرأي، لا يثنيه عن عزمه اعتكار الليل, ولا مجاهل الصحراء.
4 "مصعب" هو ابن الزبير بن العوام, ابن عمة رسول الله, و"المقدور": القدر.
5 "أروى" اسم امرأة, و"الدل": الدلال.
(3/51)

8- العقعقة: صوت العقعق، والنقنقة: صوت الضفدع، والسقسقة: صوت العصفور.
9-
وشوه ترقيش المرقش نقشه ... فأشياعه يشكونه ومعاشره1
10- علمي إلى علمك كالقرارة في المثعنجر2.
11-
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم3
12- السرطراط4 جميل, يتناوله من هو في رخاخ5 من العيش.
13-
لم يضرها والحمد لله شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول6
14- أنت مصوون عن القبيح، وهو مرضوي عنه.
15-
صان اللئيم -وصنت وجهي- ماله ... وونى فلم يبذل ولم أتبذل
16- ارتخش المهمل فزعا عند الامتحان أي: اضطرب.
17-
ألا ليت شعري هل يلومن قومه ... زهيرا على ما جر من كل جانب؟
18-
فلا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم7
19-
ولا تجز رد ذي سؤال ... فتى إذا في السؤال خفف
__________
1 "شوه": قبح، و"الرقش الترقيش": الزخرفة.
2 أي: علمي بالقياس إلى علمك كالغدير الصغير بجانب البحر الكبير.
3 "يذد" من ذاد يذود بمعنى: دفع يدفع.
4 بكسرتين فكسون: الفالوذ.
5 في رخاخ بفتح الراء: في رغد.
6 "ولم يضرها" من ضار يضير بمعنى ضر يضر، و"انثنت": انعطفت، و"عزفت" النفس عن الشيء عزوفا: زهدت فيه, وانصرفت عنه.
7 أبرم الأمر: أحكمه, يريد: أنه نافذ الرأي فلا يعدل عن حكمه, ولا ينثني عن عزمه.
(3/52)

20- "الدهرس" بفتح الدال وسكون الهاء وفتح الراء: الداهية، والنسع بكسر النون وسكون السين: ريح الشمال، و"المشمخر" بضم فسكون ففتح فكسر: العالي.
21- قرب منا فرأيناه أسدا أي: أبخر.
22- حالت دون صفوي صهصليق1 الحي. ركوب الطخرور2 معزة ومهابة. خير لحوم الخيل جلجلانها3. ملأ البعاق الجردحل4.
23-
إن بني للئام زهدة ... ما لي في صدورهم من موددة5
24-
نعم متاع الدنيا حباك به ... أروع لا جيدر ولا جبس6
25-
بيضاء يمنعها تكلم دلها ... تيها ويمنعها الحياء تميسا7
26-
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار
27-
إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره
28- يوم عصبصب وهلوف ملأ السجسج طلا8.
__________
1 بفتح فسكون ففتح: العجوز الصخابة.
2 بضم فسكون فضم: المهر.
3 الجلجلان, بضم فسكون فضم: القلب أو الصدر.
4 "البعاق" بكسر الباء: المطر، و"الجردحل" بكسر فسكون ففتح فسكون: الوادي.
5 زهدة جمع زاهد, يقول: إن أولاده عاقون لا يأخذهم به حنو ولا شفقة، وإنهم لئام يقابلون إحسانه لهم بالإساءة إليه.
6 "حباك": أعطاك، و"الأروع": هو الذي يعجبك حسنه, و"الجيدر" بفتح الجيم والدال: القصير، و"الجبس" بكسر فسكون: الثقيل الروح.
7 "الدل" والدلال بمعنًى، و"تميس": تميل.
8 "عصبصب" بفتحتين فسكون ففتح بمعنى عصيب شديد, و"هلوف" بكسر الهاء وفتح اللام المشددة: هو الذي يستر غمامه شمسه، و"السجسج": الأرض ليست سهلة ولا صلبة، و"الطل": المطر الخفيف.
(3/53)

29-
بثينة شأنها سلبت فؤادي ... بلا ذنب أتيت به سلاما
30- أكلت العرين، وشربت الصمادح1.
جواب التمرين الثاني:
1- في "اطلخم" غرابة وتنافر، وفي "غبس" و"دهاريس" غرابة.
2- في البيت تنافر الكلمات مجتمعة لثقل النطق به، وهو من النوع الشديد.
3- في لفظتي "جحيش ويعرورى" غرابة يحتاجان إلى بحث وتنقيب.
4- في البيت في مصراعه الأول ضعف تأليف؛ لعود الضمير في "طالبوه" على "مصعب"، وهو متأخر لفظا، ومعنى, وحكما.
5- في "شصاصاء" غرابة في المعنى، وتنافر في الحروف، وسدك، وزلخة، والإسفنط, كل منها غريب يحتاج إلى كشف لقلة تداوله، و"خنشليل" غريبة متنافرة.
6- في هذه العبارة تعقيد لفظي، والوضع الفصيح أن يقال: يحترم المليك الناس إلا الخائن، و"الأعزز" مخالف للوضع وللقياس الصرفي, والفصيح أن يقال: الأعز بالإدغام.
7- في البيت في المصراع الأول تنافر الكلمات مجتمعة؛ لثقل النطق بها.
8- في هذه الكلمات تنافر حروف ظاهر.
9- في البيت في المصراع الأول تنافر كلمات واضح الثقل.
__________
1 "العرين": اللحم، والصمادح بضم الصاد وكسر الدال: الماء الخالص.
(3/54)

10- في "المثعنجر" تنافر حروف, وغرابة تحتاج فيهما إلى بحث.
11- في قول زهير: "ومن لا يظلم الناس يظلم" تعقيد معنوي؛ إذ مراده: ومن لا يدفع عن نفسه بما أوتي من قوة وبأس، وحسن رأي وتدبير يظلم, فقد استعمل الظلم في معنى الدفاع، وهذا يحتاج إلى جهد وتعمل لخفاء اللزوم.
12- في كل من السرطراط والرخاخ غرابة وتنافر.
13- في المصراع الثاني من البيت تنافر كلمات؛ لثقل النطق بها على اللسان.
14- في كل من "مصوون ومرضوي" مخالفة للوضع وللقياس الصرفي, والصواب: مصون ومرضي. ففي الأول: حذفت الواو الثانية؛ لالتقاء الساكنين بعد نقل حركة الواو الأولى إلى الساكن قبلها. وفي الثاني: اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياءان، وكسرت الضاد للمناسبة.
15- في البيت تعقيد لفظي بسبب تقديم وتأخير أوجبا عدم استقامة المعنى وخفاءه، والوضع الفصيح هكذا: صان اللئيم ماله وتوانى، فلم يبذل، وصنت وجهي، ولم أتبذل.
16- في "ارتخش" غرابة يحتاج فيها إلى بحث وتنقيب في معاجم اللغة.
17- في البيت ضعف تأليف؛ لأن الضمير في "قومه" عائد على "زهيرا" وهو متأخر لفظا، ومعنى، وحكما، وقد تقدم بيانه.
18- في "في حالل ويحلل" مخالفة للوضع وللقياس الصرفي، والفصيح فيهما: "حال ويحل" بإدغام المثلين المتحركين.
19- في الشطر الأول من البيت تنافر كلمات، يثقل على اللسان النطق بها.
(3/55)

20- الدهرس والنسع والمشمخر كلها كلمات غريبة؛ لعدم تداولها.
21- في العبارة تعقيد معنوي؛ لخفاء لزوم البخر للأسد عرفا, فانتقال الذهن إنما يكون من الأسد إلى معنى الشجاعة لاشتهاره به، لا إلى معنى البخر؛ لبعده عن خواطر الذهن.
22- في كل من "صهصليق" و"الطخرور"، و"الجلجلان" تنافر وغرابة، وفي "البعاق"، و"الجردحل" غرابة فقط.
23- في "موددة" مخالفة لما ثبت عن الواضع وللقياس الصرفي، والفصيح فيه: "مودَّة" بإدغام المثلين.
24- في "جيدر"، و"جبس" غرابة؛ لعدم تداولهما في العربية الفصحى.
25- في البيت ضعف تأليف بسبب نصب المضارع بدون ناصب, والأصل: أن تكلم1، وأن تميس.
26- في "نواكس" مخالفة للوضع وللقياس الصرفي؛ إذ لا يصح نقلا عن الواضع، ولا في القانون الصرفي جمع "فاعل" وصفا لمذكر عاقل على "فواعل".
27- في البيت تعقيد لفظي من النوع الخفيف، والوضع الصحيح: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، ولا كان هو صهرا لكليب, فهو رفيع النسب أبا وأما.
28- في الكلمات الثلاث غرابة؛ لعدم تداولها في اللغة الفصحى، وفي ثالثتها تنافر.
29- في هذا البيت تعقيد لفظي في أقصى شدته, حتى كاد التركيب يستغلق على فتيق الذهن، فيقف حائرا أمام هذا الطلسم بسبب فحش خروجه عن أوضاع النحاة. والأصل: سلا بثينة: ما شأنها؟ سلبت فؤادي بلا ذنب أتيت به.
30- في "العرين والصمادح" غرابة؛ لعدم تداولهما في اللسان الفصيح.
__________
1 بحذف إحدى التاءين أي: أن تتكلم.
(3/56)

تمرين يطلب جوابه:
بين العيوب التي أخلت بفصاحة الكلمة, أو الكلام فيما يأتي:
نحن قوم فواهم ما تقول، وقد جئناك في يوم عصيصيب1.
وازور من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه2
كتب بعض أمراء بغداد -حين مرضت أمه- رقاعا، وطرحها في المسجد الجامع بمدينة السلام, جاء فيها: "صين امرؤ، ورعى دعا لامرأة إنقحلة3 مقسئنة4 قد منيت5 بأكل الطرموق6، فأصابها من أجله الاستمصال7 أن يمن الله عليها بالاطرغشاش"8، فكان كل من يقرأ كلامه يسلقه بحاد لسانه. يقول الشاعر:
أنى يكون أبا البرايا آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد9
__________
1 أي: في يوم شديد البرد.
2 "ازور" على زنة اعتد: انحرف وابتعد، و"عاف": كره، و"عافي العرف": طالب المعروف، و"العرفان": المعرفة, والمعنى: تنحى عنه وقاطعه من كان يزوره، وكره طالب الإحسان معرفته والاتصال به.
3 بكسر فسكون ففتح فسكون بمعنى يابسة.
4 بضم فسكون ففتح فكسر فنون مشددة بمعنى مسنة عجوز.
5 أصيبت.
6 بضم الطاء وسكون الراء وضم الميم: الخفاش.
7 الإسهال.
8 بكسر الهمزة وسكون الطاء وكسر الراء: البرء.
9 "البرايا" جمع برية, وهي الناس عامة و"الثقلان": الإنس والجن، والوضع الفصيح لهذا البيت: أنى يكون آدم أبا البرايا وأنت وأبوك محمد الثقلان، والمعنى: كيف تعقل أبوة آدم لكافة الناس, في حين أن هذا العالم إنسه وجنه هو أنت وأبوك محمد!
(3/57)

قال امرؤ القيس: رب جفنة1 مثعنجرة2، وطعنة مسحنفرة3، وخطبة مستحضرة، وقصيدة محبرة4, تبقى غدا بأنقرة5.
كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد ... ورقى نداه ذا الندى في ذرا المجد6
مر بي رجل مسعوي به عند الأمير. "في رفع عرش الشرع مثلك يشرع".
وما من فتى كنا من الناس واحدا ... به نبتغي منهم عديلا نبادله7
نشر الملك ألسنته في المدينة, يريد: جواسيسه. تسمع بالمعيدي8 خير من أن تراه. صون يديك عن الأذى. أسمع جعجعة وأنا أشرب السمالج9.
__________
1 الجفنة: القصعة.
2 متسعة.
3 متسعة.
4 محسنة.
5 عاصمة تركيا الآن, قال ذلك حين أدركه الموت.
6 "السؤدد" بضم السين وسكون الهمزة وضم الدال: السيادة, فإذا سهلت الهمزة فتحت الدال، و"الندى": الكرم. يقول: إن الحلم والكرم أفضيا به إلى العزة والسيادة، ورقيا به إلى أسمى مراتب المجد والشرف.
7 الوضع الفصيح لهذا البيت: وما من فتى من الناس كنا نبتغي واحدا منهم عديلا نبادله به.
8 تصغير المعدى, وهو مثل يضرب فيمن شهر وتزدري مرآته.
9 الجعجعة: صوت الرحي, وصوت الجمال إذا اجتمعت, والسمالج بضم السين وكسر اللام: اللبن.
(3/58)

البلاغة
مدخل
...
البلاغة:
هي في "اللغة" تنبئ عن الوصول والانتهاء؛ لكونها وصولا خاصا, وهو أن يبلغ الرجل بعبارته كنه مراده أي: غايته. يقال: بلغ1 الرجل بلاغة, إذا أصاب من نفس مخاطبه حاجته، وبلغ منه ما أراد.
وهي "في الاصطلاح" تختلف باختلاف موصوفها، وهو أحد اثنين: الكلام، والمتكلم. يقال: هذا كلام بليغ، وهذا متكلم بليغ, ولا توصف بها الكلمة، فلا يقال: هذه كلمة بليغة؛ لعدم ورود السماع بذلك2.
أما المركب الناقص, فعلى رأي من يدخله في الكلمة لا يوصف بالبلاغة أيضًا، وعلى رأي من يدخله في الكلام يوصف بها. غير أن وصفه بالبلاغة على هذا الرأي محل نظر؛ لأن بلاغة الكلام -على ما سيأتي- مطابقته لمقتضى الحال، ولا يكون الكلام مطابقا حتى يكون تاما مفيدا.
__________
1 على زنة شرف.
2 هذا هو التعليل الصحيح. وقيل في تعليل ذلك: إن البلاغة هي المطابقة لمقتضى الحال، وهذه المطابقة إنما تحصل بمراعاة المعاني الزوائد على أصل المعنى؛ كأن يراعى معنى التأكيد في خطاب المنكر، أو الإيجاز في خطاب الذكي, وهذا المعنى لا يتحقق في المفرد، بل لا بد فيه من مركب مفيد وهو تعليل لا ينتج المدعى؛ لأن المطابقة بالمعنى المذكور إنما هي في بلاغة الكلام والمتكلم على ما سيأتي. أما المفرد فيحتمل أن يكون له بلاغة بمعنى آخر لم نطلع عليه, كما وجد ذلك في فصاحة المفرد. فإن أجيب بأن لا معنى للبلاغة عند العرب إلا هذا المعنى؛ فقد آل الأمر إلى التعليل بعدم السماع كما قلنا.
(3/58)

بلاغة الكلام:
هي مطابقته لمقتضى2 حال الخطاب، مع سلامته من العيوب المخلة بفصاحته، وفصاحة أجزائه3.
__________
1 المراد بمقتضى الحال مناسبه لا موجبه الذي يمتنع تخلفه عنه, وإنما أطلق عليه مقتضى؛ لأن المستحسن عند البلغاء كالمقتضى.
3 علم من هذا التعريف أن البلاغة تتحقق برعاية هذه المطابقة, وإن لم يراع أداء المعنى المطابق في طرق مختلفة الدلالة الذي هو موضوع علم البيان؛ كما إذا أدى المعنى المذكور بدلالات وضعية مطابقية. نعم إذا أدى هذا المعنى بدلالات عقلية مختلفة الوضوح, فلا بد في بلاغة الكلام حينئذ من مراعاة كيفية الدلالة أيضًا.
(3/59)

والمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي هي أن الكلام إذا طابق مقتضى الحال, وصل إلى المطلوب عند البلغاء.
وحال الخطاب -أي المقام1 الذي ورد فيه الخطاب- هي الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر2 في كلامه شيئا خاصا زائدا على أصل المعنى.
ومقتضى الحال: هو ذلك الأمر الزائد الذي اعتبره المتكلم في كلامه لاقتضاء الحال إياه، وهو ما يسمونه بالاعتبار المناسب، أو الخصوصية.
ومطابقة الكلام لمقتضى الحال: هي اشتماله على ذلك الشيء الزائد. مثال ذلك أن يقال لمنكر رسالة محمد, صلى الله عليه وسلم: "إن محمدا لرسول الله"، فإنكار المخاطب لهذه الرسالة "حال" لأنها أمر يحمل المتكلم على أن يعتبر في كلامه شيئا خاصا زائدا على أصل المعنى هو "التأكيد" محوًا لهذا الإنكار كما في المثال المذكور. فإن التأكيد -كما ترى- شيء زائد على المعنى الأصلي الذي هو ثبوت الرسالة لمحمد، وصورة هذا التأكيد التي وردت في الكلام هي "مقتضى الحال"؛ إذ إن الحال اقتضتها، ودعت إليها, واشتمال الكلام على هذه الصورة هو معنى "مطابقته للمقتضى". فهذا القول حينئذ بليغ
__________
1 الحال والمقام شيء واحد، فهما متحدان ذاتا, فكلاهما الأمر الداعي للمتكلم لأن يعتبر في كلامه شيئا زائدا على أصل المعنى, والاختلاف بينهما إنما هو بحسب الاعتبار؛ فإن اعتبر ذلك الأمر الداعي أنه زمان لورود الكلام فيه سمي "حالا" وإن اعتبر أنه محل لوروده سمي "مقاما"، وكل ذلك لا يعدو التوهم والاعتبار وإلا فليس الأمر الداعي -كالإنكار مثلا- زمانا ولا مكانا, وإنما هو سبب لورود الكلام على صورة خاصة. غير أنه لما كان لا بد لهذا الأمر من زمان ومكان يقع فيهما سمي بأحدهما تارة وبالآخر أخرى, فالتسمية حينئذ لأدنى ملابسة.
2 أي: يلاحظ ويقصد, فلا بد في بلاغة الكلام من أن يكون مقتضى الحال مقصودا ملاحظا للمتكلم, ولا يكفي حصوله من غير قصد, وإلا لم يكن مقتضى حال ولم يعتبر الكلام حينئذ مطابقا لمقتضى الحال.
(3/60)

لأنه مطابق لمقتضى الحال, أي: مشتمل على ما تقتضيه الحال من التأكيد.
ومثل الإنكار خلوّ الذهن كما تقول لخالي الذهن: "نجح أخوك في الامتحان"، فخلوّ ذهن المخاطب عن الحكم المذكور "حال"؛ لأنها أمر يحمل المتكلم على أن يعتبر في كلامه شيئا زائدا على أصل المعنى، وذلك الشيء هو تجريده عن صورة التأكيد إذ لا حاجة إليه حينئذ، والتجريد عنه هو "مقتضى الحال"، وورود الكلام مجردا عن التأكيد أي: مشتملا على عدم التأكيد1 هو معنى مطابقته للمقتضى, فهذا القول إذًا بليغ؛ لأنه مطابق لمقتضى الحال أي: مشتمل على ما يقتضيه الحال من التجريد عن التأكيد.
لكن قد يقال: إن القول المذكور الموجه لخالي الذهن ليس فيه أكثر من الدلالة على أصل المعنى الذي هو ثبوت النجاح لأخي المخاطب, فأين الزيادة التي اقتضتها الحال؟ ويجاب بأن كون الاقتصار على أصل المعنى مقصودا لاقتضاء الحال له هو تلك الزيادة المطلوبة, إذ إن هناك فرقا بين أن يكون الاقتصار على إفادة أصل المعنى غير مقصود للمتكلم، وبين أن يكون الاقتصار على ذلك مقصودا له لاقتضاء الحال إياه, وهذا المعنى الأخير -بلا شك- زائد على الأصل.
ولهذا نظير في بحث أحوال المسند إليه عند إيراده اسم إشارة كما تقول: "هذا محمد، وذلك محمد" فإن اللفظ في المثالين لا يدل ظاهره على أكثر من المعنى الأصلي، وهو كون المشار إليه قريبا أو بعيدا؛ لأن "هذا" موضوع للقريب، و"ذلك" للبعيد، لكن علم المعاني لا ينظر لهذا اللفظ هذه النظرة المجردة، ولا يقف به عند هذا الحد، وإنما ينظر إليه من ناحية الدواعي التي اقتضت استعماله فيما
__________
1 معنى اشتماله على عدم التأكيد: اعتباره مجردا عنه لاقتضاء الحال إياه, وهكذا يقال فيما ليس بلفظ من مقتضيات الأحوال.
(3/61)

وضع له, وفرق بين أن يكون اللفظ موضوعا لكذا، وبين أن يكون مستعملا في كذا من أجل كذا, وهذا الأخير هو المعنى الزائد الذي يهدف إليه دائما هذا العلم.
وصفوة القول: أن مقتضى الحال لا يجب أن يكون من قبيل اللفظ كعدم التأكيد في الخطاب المتقدم الموجه لخالي الذهن، وكاستعمال اسم الإشارة في القريب أو البعيد كما مثلنا.
وكالإنكار أيضا المدح, فهو حال تدعو المتكلم لأن يورد كلامه على صورة الإطناب؛ لأن مقام المدح يقتضي الإطالة في القول، والبسط فيه؛ قضاء لحق الممدوح.
وكذلك ذكاء المخاطب حال تحمل المتكلم على أن يورد كلامه على صورة الإيجاز؛ لأن مقام الذكاء يقتضي الاختصار في القول، واستعمال العبارات ذات المعاني الدقيقة الخفية, وكل من صورتي الإطناب والإيجاز مقتضى الحال، واشتمال الكلام على هذه الصورة مطابقة للمقتضى, وهكذا يقال في كل حال من أحوال الخطاب.
تنبيهات:
الأول: يؤخذ من ظاهر تعريف بلاغة الكلام أن البلاغة مرجعها اللفظ؛ لأنها -على ما سبق- مطابقة الكلام لمقتضى الحال، والمطابقة صفة المطابق الذي هو الكلام الملفوظ به. وإذًا تكون البلاغة صفة راجعة إلى اللفظ, غير أن رجوعها إليه لا من حيث ذاته، ولا من حيث إفادته المعنى الأول الذي هو النسبة بين الطرفين, فإن هذا المعنى مطروح في الطريق، فهو في متناول عامة الناس، فلا ينظر إليه البليغ, وإنما رجوعها إلى اللفظ من حيث إفادته المعنى الزائد الذي اقتضاه المقام، ودعت إليه الحال "كالتأكيد" مثلا بالنسبة للمنكر وكعدمه
(3/62)

بالنسبة لخالي الذهن, ولو كان مرجعها اللفظ بغضّ النظر عن المعنى الثاني البلاغي؛ لتصور معنى البلاغة بدون اعتبار ما يناسب الحال من المقتضيات, وذلك محال ا. هـ.
الثاني: تقدم أن الحال هي الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر في كلامه شيئا زائدا على المعنى الأصلي, غير أن هذا الأمر الداعي تارة يكون داعيا في الواقع إلى اعتبار هذا الشيء الزائد كما لو كان المخاطب منكرا حقيقة, فإن الإنكار أمر داعٍ في الواقع إلى أن يعتبر المتكلم "التأكيد" في كلامه -ويسمى الأمر الداعي حينئذ "ظاهر الحال"- وتارة لا يكون داعيا في الواقع إلى اعتبار ما ذكر كما لو نزل المخاطب غير المنكر منزلة المنكر لسبب ما, فإن ذلك الإنكار التنزيلي ليس داعيا في الواقع إلى اعتبار شيء في الكلام، وإنما هو داعٍ في تقدير المتكلم, وافتراضه فحسب بتنزيله غير المنكر منزلة المنكر, ويسمى الأمر الداعي حينئذ "حالا" فقط.
فظهر من هذا أن الحال هي الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر في كلامه شيئا زائدا على أصل المعنى -سواء كان ذلك الأمر داعيا في الواقع، أو في عرف المتكلم فقط- وأن ظاهر الحال هو الأمر الداعي للمتكلم في الواقع لا غير، وثبت حينئذ أن الحال أعم مطلقا من ظاهر الحال ا. هـ.
الثالث: أن ما تقدم من أن مقتضى الحال هو الشيء الزائد على أصل المعنى كالتأكيد في نحو: "إن محمدا لرسول الله" خطابا للمنكر، وكالخلو منه في مثل: "محمد رسول الله" خطابا لخالي الذهن, وأن معنى المطابقة لمقتضى الحال هو اشتمال الكلام على هذا المقتضى كاشتماله على التأكيد "في المثال الأول" وعلى عدمه "في المثال الثاني", أن هذا الذي تقدم هو خلاف التحقيق.
و"تحقيق المسألة": أن مقتضى الحال هو الكلام الكلي المشتمل على الشيء الزائد "كالتأكيد" مثلا، وليس هو التأكيد نفسه -
(3/63)

كما هو الرأي الأول- وأن مطابقة الكلام لمقتضى الحال هي كون الكلام الجزئي الصادر من المتكلم، والمشتمل على الشيء الزائد على أصل المعنى مندرجا تحت الكلام الكلي الذي اقتضته الحال، وجزئيا من جزئياته، بمعنى أن الكلي صادق عليه، شامل له ولأمثاله, فإنكار رسالة محمد مثلا "حال". ومقتضى هذا الحال هو مطلق كلام مؤكد بأي نوع من أنواع التوكيد ردا لهذا الإنكار، لا خصوص قولك: "إن محمدا لرسول الله"، ومعنى مطابقة هذا القول لمقتضى الحال الذي هو مطلق الكلام المؤكد: أنه فرد من أفراد هذا المطلق، وجزئي من جزئياته، فوضح الفرق بين القولين. وعلى كل من الرأيين, فالحال لا تختلف إذ هي الأمر الداعي لاعتبار شيء خاص زائد في الكلام, كما سبق. ا. هـ.
الرابع: إنما شرطنا في بلاغة الكلام أن يسلم من العيوب المخلة بفصاحته، وفصاحة أجزائه لتعلم أن البلاغة أخص من الفصاحة، وأن كل كلام بليغ لا بد أن يكون فصيحا، ولا عكس. فإذا قلت لمنكر: "إن أنف هند لمسرج", أو قلت: "والله ليس بقرب قبر حرب قبر"، أو قلت: "إن محمدا لأصفى موددة من أخيه" لم يكن كلامك بليغا رغم أنه مطابق لما تقتضيه حال المخاطب؛ ذلك لفقدان شرط الفصاحة فيه. أما في المثال الأول؛ فلكون بعض أجزائه وحشيا غريبا، وأما في الثاني؛ فلكونه متنافر الكلمات مجتمعة، وأما في الثالث فلكون بعض أجزائه مخالفا لما ثبت عن الواضع، وللقياس الصرفي من وجوب إدغام المثلين المتحركين. وإذا قلت لمن ينكر إمارة شوقي للشعر: "شوقي أمير الشعراء" من غير تأكيد, كان كلامك فصيحا رغم عدم مطابقته لمقتضى حال المخاطب؛ إذ إن حاله تقتضي التأكيد محوا لإنكاره, وإنما كان فصيحا لسلامته من العيوب المخلة بالفصاحة.
فعلم من هذا: أن الكلام لا يكون بليغا حتى يكون فصيحا لأخذ شرط الفصاحة فيه, وهو أن يكون سليما من العيوب المخلة بها, وأن الكلام يكون فصيحا وإن لم يكن بليغا لعدم أخذ شرط البلاغة فيه, وهو أن يكون الكلام مطابقا, وقد وضح لك ذلك من الأمثلة السابقة فتدبره ا. هـ.
(3/64)

اختلاف مقتضيات الأحوال:
مما تقدم تعلم أن مقتضيات الأحوال تختلف باختلاف تلك الأحوال؛ ذلك أن الحال سبب مقتضٍ، واختلاف الأسباب في الاقتضاء يوجب اختلاف المسببات. فإذا كانت الحال إنكارا من المخاطب مثلا كان المقتضى توكيدا، أو كلاما مؤكدا على القولين السابقين؛ لأن ذلك هو اللائق بحال المنكر. وإن كان الحال خلو ذهن المخاطب عن الحكم كان المقتضى خلوا من التأكيد، أو كلاما خاليا منه؛ لأن ذلك هو المناسب لحال خالي الذهن. وإن كان ذكاء في المخاطب كان المقتضى هو الإيجاز، أو الكلام الموجز ذا العبارات اللطيفة والمعاني الدقيقة. وإن كان الحال وعظا كان المقتضى هو الإطناب، أو الكلام المطنب ذا العبارات الصريحة الواضحة ليبلغ أعماق قلوب المخاطبين, وهكذا: لكل مقام مقال, فالذي يعتبر في مقام يخالف ما يعتبر في مقام آخر, فمقام تعريف المسند إليه مثلا يخالف مقام تنكيره، ومقام تقديمه يغاير مقام تأخيره، ومقام الإيجاز -كما سبق- يباين مقام الإطناب، وهكذا.
وللسوقة كلام لا يصلح لسراة القوم وأمرائهم, وفي مواقف الحروب، أو الوعيد، أو التهديد كلام يغاير ما يقال في مواطن توديع الأحبة، وبث الأشواق، وذكر أيام الفراق، وما قارب ذلك من معاني الاستعطاف والمعاذير. ففي الأول يستعمل اللفظ الضخم، والمعنى الفخم، وفي الثاني يستعمل اللفظ الرقيق الحاشية، اللين المجس، الناعم الملمس، اللطيف الموقع.
ألا ترى إلى قول بشار بن برد:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو أمطرت دما
(3/65)

إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة ... ذرا منبر صلى علينا وسلما
وإلى قوله:
وجيش كجنح الليل يزحف بالحصا ... وبالشوك والخطي حمر ثعالبه
غدونا له والشمس في خدر أمها ... تطالعنا والطل لم يجر ذائبه
بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه ... وتدرك من نجى الفرار مثالبه
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
بعثنا لهم موت الفجاءة إننا ... بنو الموت، خفاق علينا سباسبه
إذا الملك الجبار صعر خده ... مشينا إليه بالسيوف نعاتبه
وإلى قول البارودي:
وإني امرؤ لولا العوائق أذعت ... لسلطانه البدو المغيرة والحضر
من النفر الغر الذين سيوفهم ... لها في حواشي كل داجية فجر
إذا استل منهم سيد غرب سيفه ... تفزعت الأفلاك والتفت الدهر
فإنك إذ يقرع سمعك هذا الشعر لتحس معاني الرهبة تملأ جوانب نفسك, وتملك عليك زمام قلبك وحسك.
ثم لا تلبث أن يمر بسمعك, وأنت ثائر قول إبراهيم للمأمون:
(3/66)

"يا أمير المؤمنين" ولي الثأر محكم في القصاص، "والعفو أقرب للتقوى"، ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن أخذت فبحقك وإن عفوت فبفضلك:
ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه
فخذ بحقك أولا ... فاصفح بفضلك عنه
إن لم أكن في فعالى ... من الكرام فكنه
حتى تنقلب الثورة لطفا، القسوة عطفا، كالصخرة الصماء تفتِّتها ليونة الماء؛ فأنت ترى الألفاظ في المقام الأول تنحدر كما تنحدر الصخور من شواهق، وتراها في الثاني تسيل كما يسيل العذب الفرات سائغا للشاربين.
بل إن لكل كلمة إذا قرنت بأخرى مقاما ليس لها إذا قرنت بغيرها, وإن لنا في القرآن الكريم لخير قدوة في مراعاة مثل هذه الخصائص؛ فها هو ذا يحدثنا، فيقول عز من قائل: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ 1 قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} فقد عبر في جانب الحسنة بالفعل مصحوبا "بإذا" الموضوعة للجزم والتحقيق؛ لأن المقام مقام جزم ويقين, إذ إن المراد مطلق حسنة بدليل تعريفها بأل الجنسية، ومطلق الحسنة مجزوم بوقوعه, وأتى في جانب السيئة بالفعل مصحوبا "بإن" الموضوعة للشك والتردد؛ لأن المقام مقام شك وعدم جزم بالحصول, إذ إن السيئة بالقياس إلى الحسنة المطلقة نادرة الوقوع، والنادر مما يشك في حصوله ووقوعه.
إلى هنا وضح لك أن للفعل مع "إذا" مقاما ليس له مع "إن"؛ لأن مقامه مع "إذا" الجزم، ومقامه "مع أن" الشك, وهذا هو معنى قولهم المشهور:
"ولكل كلمة مع صاحبتها مقام": أي: لكل كلمة "كالفعل" مع كلمة أخرى مصاحبة لها في تركيب واحد "كإذا" مقام ليس لها مع كلمة أخرى "كان" كما تراه واضحا في الآية الكريمة. ويتجلى لك هذا في قولهم: "إن جاء محمد آتيك، وآتيك إذا احمر البسر"، عبر أولا مع الفعل "بإن"، ثم عبر ثانيا "بإذا" لأن مقام الأول الشك في وقوع المجيء من محمد، ومقام الثاني الجزم بوقوع احمرار البسر؛ ولهذا لا يصح العكس فيه.
__________
1 يريد بالحسنة الخصب والرخاء، وبالسيئة الجدب والبلاء.
(3/67)

مراتب البلاغة:
مما سبق تعلم أن مراتب البلاغة تتفاوت في العلوّ والانحطاط بتفاوت مراعاة تلك الأحوال والمقامات، واعتبار ما يناسبها من المقتضيات والخصائص. فكلما كانت رعاية تلك الأحوال أتم وأوفى كان الكلام أبلغ وأسمى, وكلما كانت تلك الرعاية أقل وفاء كان الكلام أدنى مرتبة، وأقل بلاغة؛ فإذا كنت مثلا تخاطب ذكيا منكرا لحكم من الأحكام وجب -ليكون كلامك أسمى بلاغة، وأدق صياغة- أن تراعي في خطابك ذكاءه وإنكاره معا، فتعطي له من الكلام ما يلائم ذكاءه من الإيجاز، وما يناسب إنكاره من التوكيد, فإذا راعيت ذلك كان كلامك أرفع مكانة، وأسمى مرتبة؛ لأنه أكمل مطابقة لمقتضى حال الخطاب, وإن راعيت في الخطاب معه أحد الأمرين بأن أوجزت ولم تؤكد، أو أكدت ولم توجز كان كلامك أقل بلاغة وأحط مكانة, فإن لم تراع الأمرين جميعا كان كلامك عاطل الجيد من حلية البلاغة، بل كاد يلتحق بأصوات الحيوان.
كذلك إذا كنت تخاطب منكرا إنكارا شديدا وجب أن تراعي قوة إنكاره، فتعطي له من التأكيد ما يتكافأ مع هذا الإنكار الشديد، ومتى راعيت ذلك كان كلامك في المرتبة العليا لأنه أكمل مطابقة، وأتم رعاية, وإن لم تعط له من التأكيد ما يعادل إنكاره بأن كان التأكيد أخف وزنا كان كلامك أحط قدرا، وأهون شأنا, فإن لم تراع إنكاره
(3/68)

أصلا، وخاطبته خطاب خالي الذهن كان كلامك غفلا من معنى البلاغة، بل كان بصوت الحيوان أشبه, وهكذا.
هذا, وأما الطرف الأعلى للبلاغة -وهو ما تقطع عنده الأطماع، وتحار فيه العقول، وتخرس الألسنة، وتخر له أعناق الجبابرة- فذلك مرتبة الإعجاز، وهو إنما يكون بمراعاة جميع الأحوال -ظاهرها وباطنها، واعتبار ما يلائمها من المقتضيات- وهذا أمر فوق مقدور البشر انفرد به العليم الخبير؛ ولهذا كان القرآن في أعلى طبقات البلاغة لصدوره عمن هو أعلم بكافة الأحوال -ظاهرها وخفيها- وأدرى بمقتضياتها واعتباراتها {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} .
(3/69)

بلاغة المتكلم:
هي ملكة أو صفة قائمة بالمتكلم راسخة فيه، يتمكن بها متى شاء من تأليف كلام بليغ في أي معنى يريد, فالمدار -كما قلنا في فصاحة المتكلم- على أن تكون فيه هذه الغريزة يستخدمها "متى أراد" في أي فن من فنون الكلام, فهو بليغ وإن لم ينطق متى وجدت فيه هذه القدرة على صوغ الكلام البليغ. فإذا فقد هذه القدرة، وحرم هذا الاستعداد لم يكن بليغا -كما لا يكون بليغا- إذا استطاع صوغ الكلام البليغ في معنى دون آخر.
وقياسا على ما سبق من أن البلاغة أخص من الفصاحة يكون المتكلم البليغ أخص من الفصيح؛ لأن المتكلم البليغ هو -كما قلنا- من به ملكة الإتيان بكلام بليغ، والكلام البليغ -كما سبق- مشروط فيه الفصاحة، وحينئذ لا يكون المتكلم بليغا حتى يكون فصيحا. أما المتكلم الفصيح, فقد يفقد صفة البلاغة بأن يصوغ كلاما بريئا من العيوب المخلة بالفصاحة، غير مطابق لمقتضى الحال كما إذا قلت لمنكر نجاح أخيه: نجح أخوك. مما تقدم في تعريف البلاغة تعلم أن:
(3/69)

البلاغة يتوقف أمرها على شيئين:
الأول: الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وهو معنى مطابقة الكلام لمقتضى حال الخطاب, على ما تقدم بيانه.
الثاني: السلامة من العيوب المخلة بالفصاحة، على ما فصلناه لك سابقا.
تتمة: علمت مما تقدم في بيان تعريف الفصاحة والبلاغة، ما يعرض للفظ من عيوب، وما ينتابه من خلل، فيجمل بنا إذًا أن نعرف: بم نتقي هذه العيوب، ونتجنب هذا الخلل في كلامنا حتى يخرج اللفظ سليما معافى في جوهره, وصيغته، ومعناه, لا يشكو عيبا، ولا يحس نقصا؟ فنقول:
أ- التنافر: ملاك معرفته الذوق السليم، فلا حاكم فيه سواه، فهو الذي يدرك أن نحو: "مستشزر" متنافر، دون مرتفع، وهو الذي يحس ما بين الكلمات مجتمعة من تنافر، أو تضافر.
ب- المخالفة: يمكن الاحتراز عنها بالوقوف على ما نقل عن الواضع, أو بالاطلاع على قواعد علم التصريف؛ إذ هو الباحث في صيغ المفردات، ونهج استعمالها. فمن ألمّ بقواعده عرف أن نحو: "الأجلل" مخالف دون "الأجل" إذ من قواعدهم: أن المثلين إذا اجتمعا في كلمة واحدة، وكان ثانيهما متحركا، ولم يكن زائدا لغرض وجب إدغامهما.
جـ- الغرابة: يمكن اجتنابها بالاطلاع على علم متن اللغة. فمن تتبع معاجم اللغة، ووقف على معاني المفردات المستعملة علم أن ما عداها مما يفتقر إلى تنقيب، أو تخريج غير سالم من الغرابة.
(3/70)

د- ضعف التأليف والتعقيد اللفظي1: يمكن توقيهما بمعرفة قواعد النحو, إذ هو الباحث في طرق استعمال المركبات على الوجه الحق. فمن مارس هذا العلم، ووقف على أصوله ومسائله استطاع أن يصوغ الكلام على نهج قويم سليم من شوائب الضعف والتعقيد.
هـ- التعقيد المعنوي: يعرف من دراسة علم البيان. فمن زاول هذا العلم وأحصى مسائله عرف كيف يتوقى التعقيد في معاني الكلام، وكيف يبرزه فاتحا لك صدره، كاشفا لك عن ضميره.
و الخطأ في تأدية المعنى المراد: أي: في تطبيق الكلام على مقتضى الحال, وذلك يعرف من مزاولة علم المعاني. فمن درس هذا العلم، وكشف عن أمره، واستشف أسراره عرف كيف يتحرج الخطأ في تأدية المعنى المراد، وكيف يطبق الكلام وفق مقتضيات الأحوال.
أما الوجوه التي تخلع على اللفظ خلعة البهجة والبهاء فتعرف من علم البديع؛ إذ به نعرف كيف نحلي من اللفظ جيده العاطل بما يجليه للنواظر، ويبرزه في صورة تبهج القلب، وتأسر اللُّب.
هذا, والثلاثة الأخيرة هي المسماة بعلوم البلاغة، وبعض الأئمة يسمي الكل "علم البيان"؛ لأن البيان هو المنطق الفصيح المعرب عما
__________
1 قد يقال: إن التعقيد اللفظي ليس بلازم أن يكون منشؤه مخالفة القانون النحوي، بل قد يكون سببه اجتماع أمور, كل منها جائز الاستعمال عند النحاة، جارٍ على قوانينهم كتقديم المفعول على الفاعل، وتقديم المستثنى على المستثنى منه, فكيف يبين مثل هذا في علم النحو؟ ويجاب بأن تلك الأمور -وإن كانت جائزة الاستعمال- قد خُولف فيها الأصل؛ إذ الأصل تقديم الفاعل على المفعول، وتقديم المستثنى منه على المستثنى, والنحو يبين فيه ما هو الأصل، وما هو خلاف الأصل, وإذًا يعرف به التعقيد اللفظي الناشئ من أمور خُولف فيها الأصل.
(3/71)

في الضمير. قال الجاحظ: البيان: اسم جامع لكل ما كشف لك عن المعنى. وقال ابن المعتز: البيان ترجمان القلوب، وصيقل العقول. ومنهم من يسمي الأولين "علم البلاغة"؛ لأنهما يبحثان في صلب المعنى المراد، فتأثيرهما في الكلام ذاتي، لا عرضي. وبعضهم يسمي الجميع "علم البديع" لما في مباحثه من الإبداع والابتداع.
اختبار:
1- عرف معنى البلاغة لغة واصطلاحا، وهل مرجع البلاغة اللفظ، أو المعنى، أو هما معا؟ علل لما تقول.
2- بين متى يكون الكلام بليغا, ثم وضح الفرق بين الحال وظاهر الحال، مع التمثيل.
3- بين الخلاف في معنى مقتضى الحال، ومطابقة الكلام له, موضحا ذلك في مثال من عندك.
4- بين كيف كان قولك لخالي الذهن: "نجح أخوك" بليغا, مع أنه لا دلالة فيه على أكثر من المعنى الأصلي الذي هو ثبوت النجاح لأخيه، والبلاغة إنما تعتمد على المعاني الزوائد على المعنى الأصلي.
5- بين الفرق بين الفصاحة والبلاغة, موضحا ذلك بالمثال.
6- ائت بثلاثة أمثلة من عندك اختلفت فيها المقتضيات لاختلاف الأحوال والمقامات.
7- بين بالمثال كيف تتفاوت البلاغة علوا وانحطاطا.
(3/72)

8- متى يكون المتكلم بليغا؟ وإذا استطاع متكلم أن يؤلف كلاما في الطبقة العليا من البلاغة في أحد الأغراض كالمدح أو الرثاء, فهل يعد في شريعة البلغاء بليغا؟
تمرينات:
1- ائت بمثالين من عندك تبين فيهما الحال، ومقتضى الحال، ومطابقة الكلام له, على ما في ذلك من خلاف.
2- بين الحال، ومقتضاه، ومطابقة الكلام له فيما يأتي1:
أ- المليك صالح تقي "لخالي الذهن".
ب- إن المليك لحسن التدبير "للمنكر".
جـ- رثى بعض الشعراء البرامكة، وهو مذعور من الرشيد، فقال:
أصبت بسادة كانوا عيونا ... بهم نسقى إذا انقطع الغمام
د- ما الحياة إلا طيف خيال, تريد التخصيص.
هـ- قال الشاعر, يريد تعجيل المسرة:
هناء محا ذاك العزاء المقدما ... فما عبس المحزون حتى تبسما
و الوزير العادل حضر، والوزير العادل نصح وأرشد "تقول هذا لبليد".
ز- {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} .
3- بين وجه خروج الجمل الآتية عن حدّ البلاغة:
1- قال رجل لمنكر قدوم الأمير: الأمير قادم.
__________
1 أتيت بهذا التمرين وإن كانت فيه إحالة على الأبواب الآتية؛ اتكالا على إرشاد الأستاذ، وطمعا في سهولة القياس على ما سبق في المقررات السابقة.
(3/73)

2- نزلت بالعدو داهية خنفقيق أي: شديدة.
3- قال الفرزدق يمدح خالدا، ويذم أسدا أمير خراسان بعد خالد:
وليست خراسان التي كان خالد ... بها أسدا إذ كان سيفا أميرها1
4- قتل أخوه اللص.
5- قال ابن نباتة في خطبة يذكر فيها أهوال يوم القيامة: اقمطر2 وبالها، واشمخر3 نكالها، فما ساغت، ولا طابت.
6-
إذا جاوز الإثنين سر فإنه ... بنشر وتكثير الوشاة قمين4
جواب التمرين الثاني:
1- خلو الذهن "حال"، وعدم التأكيد، أو الكلام الخالي منه على الخلاف "مقتضى الحال"، وورود الكلام على هذه الصورة "مطابقة لمقتضى الحال" على ما علمته في القولين السابقين من أنه مشتمل على عدم التأكد، أو أنه فرد من أفراد مطلق كلام غير مؤكد, وهكذا يقال في أمثاله.
ب- الإنكار "حال", والتأكيد بأن ولام الابتداء، أو الكلام المؤكد "مقتضى الحال"، وورود الكلام على هذه الصورة "مطابقة للمقتضى".
جـ- الذعر من الرشيد "حال"، وحذف الفاعل، أو الكلام المحذوف منه الفاعل "مقتضى الحال"، وورود جملة "أصيبت" على هذه الصورة من البناء للمجهول "مطابقة للمقتضى".
__________
1 وأصل الكلام: وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفا إذ كان أسد أميرها, وفي "كان" الثانية ضمير الشأن والجملة بعدها خبر عنها.
2 على زنة اطمأن أي: اشتد.
3 اشمخر على زنة اطمأن أيضًا: طال وامتد، والنكال: العذاب.
4 قمين بمعنى جدير. يقول الشاعر: إذا تعدى السر شخصين لم يعد سرا خافيا, فإذا شاع وذاع لم يكن ذلك بدعا؛ لأنه خليق بذلك.
(3/74)

د- قصد التخصيص "حال", والقصر بالنفي والاستثناء، أو الكلام المقصور "مقتضى حال", وورود العبارة على هذه الصورة مطابقة للمقتضى.
هـ- قصد تعجيل المسرة "حال"، وتقديم المسند إليه وهو كلمة "هناء"، أو الكلام المقدم فيه المسند إليه "مقتضى حال", وورود البيت على هذه الصورة مطابقة لمقتضى الحال.
و بلادة المخاطب "حال"، وتكرير المسند إليه وهو كلمة "الوزير" أو الكلام المكرر فيه المسند إليه "مقتضى حال"، وذكر الكلام على هذه الهيئة "مطابقة للمقتضى".
ز- العلم بالفاعل "حال"، وحذفه أو الكلام المحذوف منه الفاعل "مقتضى حال"، وذكر الكلام على هذه الصورة مطابقة للمقتضى.... وهكذا.
1- القول المذكور غير بليغ؛ لعدم مطابقته لمقتضى الحال, إذ إن حال المخاطب تقتضي التأكد.
2- غير بليغ؛ لأن في بعض أجزائه غرابة في المعنى، وتنافرا في الحروف, وهذا مخل بفصاحة الكلام التي هي شرط في بلاغته.
3- ليس البيت من البلاغة في شيء؛ لما فيه من تعقيد في اللفظ خفي المعنى بسببه، وهذا مخل بفصاحته المأخوذة شرطا في بلاغته.
4- غير بليغ لفقدان الفصاحة؛ لما فيه من الإضمار قبل الذكر مطلقا وهو ضعف في تأليف الكلام.
5- خرج هذا القول عن حد البلاغة؛ لأن في بعض أجزائه غرابة في المعنى, وتنافرا في الحروف، وهما مخلان بالفصاحة التي هي أس البلاغة.
(3/75)

6- ليس البيت بليغا لفقدان فصاحته؛ إذ إن في بعض أجزائه وهو لفظ "الإثنين" بقطع الهمزة مخالفة للمنقول عن الواضع، وللقياس الصرفي، والمنقول والقياس وصلها، لا قطعها.
تمرينان يطلب جوابهما:
1- بين الحال, ومقتضاه، ومطابقة الكلام للمقتضى فيما يأتي:
إن محمدا لخاتم النبيين "خطابا للمنكر". إبراهيم رسول الله "لخالي الذهن". {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} . قولك لصياد يترقب صيدا: غزال, تريد: هذا عزال. قولك لآخر: النار تتصاعد من حقلك, تريد تعجيل المساءة. والدك حضر، ووالدك يريد مقابلتك "خطابا لغبي بليد". إنما أنت ناجح "تريد التخصيص". غادر منافق, تريد أن تقول: فلان غادر منافق، فتحذفه خوفا منه. قال الشاعر:
سعدت بغرة وجهك الأيام ... وتبسمت ببقائك الأعوام
2- بين وجه خروج الجمل الآتية عن حد البلاغة:
قال رجل: والله إن محمدا لكريم الخلق "لغير منكر". قال يحيى بن يعمر لرجل حاكمته امرأته: أئن سألتك ثمن شكرها1 وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها؟ قال الشاعر:
ما لي فتنت بلحظك الفتاك ... وسلوت كل مليحة إلاك
جزى ربه عني عدي2 بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
وقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلهن قلاقل3
والشمس كاسفة ليست بطالعة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا4
تصفحت الكتاب, فإذا هو مصوون عن الحشو.
بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح
__________
1 "الشكر" بفتح الشين وكسرها وسكون الكاف: الفرج، والشبر بفتح الشين وسكون الباء: حق النكاح، وتطلها: تماطلها من طل يطل كنصر ينصر، و"تضهلها": تنقض حقها من ضهل كمنع يمنع.
2 هو ابن حاتم المعروف بكرمه.
2 "قلقل": حرك و"قلاقل" الأولى جمع قلقلة وهي الناقة السريعة، وقلاقل الثانية جمع قلقلة بمعنى الحركة، وضمير كلهن للعيس وهي النوق, والمعنى: حركت بسبب الهم الذي حرك نفسي نوقا خفافا في السير, والمراد أنه سافر ولم يعرج بالمكان الذي يلحقه به ضيم.
3 تقدير البيت: والشمس طالعة تبكي عليك ليست بكاسفة نجوم الليل والقمرا.
(3/76)

علم البيان
مدخل
...
علم البيان:
واضعه: قدمنا في مستهل الكتاب أن أول من وضع فيه كتابا هو أبو عبيدة معمر بن المثنى، أحد رواة اللغة المتوفى سنة 206هـ, وهو الكتاب المسمى "مجاز القرآن"، ثم كتب فيه بعض الأئمة المبرزين كالجاحظ، وأبي العباس المبرد، وقدامة بن جعفر، وأبي هلال العسكري، وابن المعتز، وغيرهم, غير أن الفضل في تنسيق قلائده، للإمام عبد القاهر الجرجاني, فهو من هذه الناحية يعتبر واضع هذا الفن.
موضوعه: هو إيراد المعنى الواحد في تراكيب مختلفة في وضوح الدلالة عليه, كما سيأتي بيانه.
فائدته: معرفة ما في الكلام الفصيح من تشبيه، ومجاز، وكناية، توصلا إلى معرفة السر في إعجاز القرآن، وما اختصت به لغة قريش من سيادة وسلطان.
وفيه خمسة مباحث:
1- مبحث التعريف.
2- مبحث الدلالة.
3- مبحث التشبيه.
4- مبحث الحقيقة والمجاز.
5- مبحث الكناية.
(3/77)

المبحث الأول: في تعريف علم البيان
معناه في اللغة: الكشف والإيضاح, يقال: فلان أبين من فلان أي: أفصح وأوضح كلاما, وهو أيضًا: المنطق الفصيح، المعرب عما في الضمير.
ومعناه "في الاصطلاح": علم يعرف به إيراد المعنى الواحد في طرق وتراكيب مختلفة، في وضوح الدلالة عليه.
قيل: إن لفظ "علم" في التعريف مشترك بين معنيين: أحدهما الملكة, وهي صفة قائمة بالنفس حاصلة من ممارسة قواعد الفن وأصوله، وثانيهما قواعد هذا الفن وأصوله1. واستعمال اللفظ المشترك في التعريف، دون قرينة معينة لأحدهما يوقع في حيرة من حيث إنه لا يدرى المعنى المراد, وهذا ينافي الغرض من التعريف، وما يقتضيه من الكشف والإيضاح.
وأجيب: بأن محل منع استعمال المشترك في التعريف حيث أريد منه أحد معنييه، أو أحد معانيه من غير تعيين. أما إذا صح أن يراد كل معنى يدل عليه اللفظ -كما هنا- فإنه يجوز حينئذ أخذ المشترك في التعريف إذ لا ضير فيه، على أن بين المعنيين المذكورين تلازما؛ ذلك أن الملكة صفة راسخة في النفس يقتدر بها على معرفة المسائل الجزئية، ومن المسائل الجزئية نشأت القواعد والأصول بسبب تتبع هذه الجزئيات في أساليب العرب، وبممارسة هذه القواعد والأصول تربت في النفس ملكة. فالملكة إذًا وليدة القواعد التي هي وليدة
__________
1 يطلق العلم أيضا على "الإدراك", وإنما لم يذكر هذا المعنى لاحتياج الكلام معه إلى تقدير المتعلق بلا ضرورة داعية إليه.
(3/78)

الجزئيات المدركة بالملكة فقد استلزم كل منهما الآخر, والمتلازمان بمثابة الشيء الواحد وكأنه لا اشتراك في اللفظ.
ومعنى إيراد المعنى الواحد في الطرق المختلفة في الوضوح: أن يعبر عنه بجملة تراكيب -بعضها أوضح دلالة عليه من بعض- سواء أكانت هذه التراكيب من قبيل التشبيه، أو المجاز، أو الكناية.
فالمعنى الواحد "كالجود" مثلا يمكنك -إذا كنت ملما بمسائل هذا الفن, عالما بأصوله وقواعده- أن تؤديه في طرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه.
فتارة: من طريق التشبيه، فتقول: "محمد كالبحر في الإمداد"، و"محمد كالبحر"، و"محمد بحر" فهذه تراكيب ثلاثة دالة على معنى "الجود" بعضها أوضح في الدلالة عليه من بعض, فأوضحها ما صرح فيه بوجه الشبه والأداة وهو الأول، ويليه وضوحا ما صرح فيه بأحدهما وهو الثاني، وأقلها وضوحا ما لم يصرح فيه بأحدهما وهو الأخير.
وتارة من طريق المجاز، فتقول: "رأيت بحرا في منزلنا" تريد محمدا مثلا, فتشبهه بالبحر في الإمداد، ثم تستعير له لفظ "البحر" -كما ستعرفه بعد في الاستعارة التحقيقية- وتقول: "لجة محمد تتلاطم بالأمواج" فاللجة والتلاطم بالأمواج من أوصاف البحر, مما يدل على تشبيه محمد بالبحر. وتقول: "غمر محمد بفضله جميع الأنام" فالغمر من أوصاف البحر, مما يدل أيضا على أن محمدا مشبه بالبحر, والمثالان الأخيران من قبيل الاستعارة المكنية على ما سيأتي. وأوضح هذه الطرق "الأول"، ويليه وضوحا "الثاني"، وأقلها وضوحا "الثالث"1.
__________
1 أما أوضحية الأول فلظهور التجوز فيه بسبب التصريح باسم المشبه به، وأما الثاني والثالث فلخفاء التجوز فيهما لعدم التصريح باسم المشبه به, غير أن الثاني أوضح من الثالث؛ لاشتماله على وصفين للمشبه به واشتمال الثالث على وصف واحد.
(3/79)

وتارة أخرى من طريق الكناية، فتقول: "محمد كثير الرماد"، و"محمد مهزول الفصيل"، و"محمد جبان الكلب"، فهذه تراكيب ثلاثة تفيد معنى "الجود"؛ لأن كثرة الرماد من كثرة إحراق الحطب للطبخ من أجل الضيفان، وهزال الفصيل يكون بإعطاء لبن أمه للضيوف, وجبن الكلب يكون لكثرة الواردين عليه من الأضياف. وأوضح هذه الطرق "الأول"، ويليه "الثاني"، ثم "الثالث" كما سيذكر بعد. ومثل الجود الشجاعة:
فتارة يعبر عنها من طريق التشبيه، فيقال: "محمد كالرئبال"1 في شجاعته وإقدامه.
وتارة من طريق الاستعارة، فيقال: "رأيت ليثا يخطب القوم على المنبر في المسجد الجامع" يريد: رجلا مقداما شجاعا.
وتارة أخرى من طريق الكناية، فيقال: "زارنا أبو الهيجاء"2, فإن أبوته لها كناية عن ملازمته لها كما يلزم الأب ابنه، وهذا كناية عن شجاعته وإقدامه. وأوضح التراكيب دلالة على هذا المعنى هو الأول، ويليه الثاني، ثم الثالث ... وهكذا دواليك.
تنبيهات:
الأول: أن "أل" في "المعنى" الوارد في التعريف للاستغراق العرفي، لا الحقيقي لأن استحضار جميع المعاني -وهي لا تتناهى- فوق مقدور البشر فيكون المراد حينئذ: كل معنى واحد يدخل تحت قصد المتكلم. فلو استطاع إنسان أن يورد معنى "الجود" في تراكيب مختلفة في الوضوح -على ما سبق بيانه- دون غيره من المعاني لم يكن بمجرد ذلك عالما بعلم البيان حتى يستطيع ذلك في كل معنى يدخل تحت قصده وإرادته ا. هـ.
__________
1 الرئبال: الأسد.
2 الهيجاء: الحرب.
(3/80)

الثاني: أن في التعريف تقييدين؛ تقييد المعنى "بالواحد", وتقييد الاختلاف "بوضوح الدلالة".
أما الأول: فالغرض منه الاحتراز عن المعاني المتعددة، المؤداة بطرق متفاوتة في وضوح الدلالة على معانيها, بأن يكون تركيب في معناه أوضح دلالة من تركيب آخر في معناه؛ كأن تعبر عن معنى "الجود" بقولك: "محمد كالسحاب في الفيض"، ثم تعبر عن معنى "الشجاعة" بقولك: "مر بي أسد فحياني". فمن الواضح أن التركيب الأول معناه أوضح دلالة من الثاني في معناه, ومثل هذا ليس من علم البيان في شيء؛ لأن المعنى في العبارتين مختلف، والشرط أن يكون المعنى فيهما واحدا كما عرفت.
وأما الثاني: فالقصد منه الاحتراز عن الاختلاف في مجرد اللفظ، لا في وضوح الدلالة, كما إذا أوردت معنى واحدا في تركيبين مترادفين، وأنت عالم بمدلولات الألفاظ فيهما؛ كأن تقول مثلا: "نكهة1 فم محمد كالطيب"، ثم تقول: "رائحة ثغر محمد كالند"2، فمثل هذا ليس من مباحث علم البيان؛ لأن التركيبين متماثلان في وضوح الدلالة على المعنى، والاختلاف إنما هو في اللفظ والعبارة فقط, والشرط أن يكون الاختلاف في وضوح الدلالة على المعنى كما وضح لك ا. هـ.
الثالث: اعلم أن الشرط في المعنى المراد إيراده بالطرق المختلفة أن يكون مدلولا عليه بكلام مطابق لمقتضى الحال، ومعنى هذا: أن علم "البيان" لا بد فيه من اعتبار "علم المعاني"، وأن هذا من ذاك بمثابة المفرد من المركب فإذا قلت لمنكر جود محمد: "محمد كالسحاب في الفيض"، و"محمد غمر الناس بمعروفه"، و"محمد ندي الكف
__________
1 نكهة الفم: رائحته.
2 الند: نوع من الطيب.
(3/81)

مبسوطها" لم تكن بيانيا لفقدان شرط المطابقة لمقتضى حال المخاطب؛ إذ إن حاله تقتضي تأكيد هذه التراكيب ردا لإنكاره.
فالتعريف الكامل لعلم البيان حينئذ أن يقال: هو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد المدلول عليه بكلام مطابق لمقتضى الحال في طرق مختلفة, في وضوح الدلالة عليه ا. هـ.
(3/82)

المبحث الثاني: في الدلالة
تعريفها: هي كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم بشيء آخر, كدلالة لفظ "محمد" على الذات المعينة, إذ يلزم من العلم بمحمد -أي: العلم بوضعه للذات المعينة- العلم بهذه الذات أي: فهمها منه، والأول هو الدال، والثاني هو المدلول.
وقيل في تعريفها: فهم أمر من أمر، كفهم الذات المعينة من اللفظ في المثال المذكور, فالأمر الأول "في العبارة المذكورة" هو المدلول، والثاني هو الدال عكس الأول. ولما لم تكن كل دلالة تقبل الاختلاف في الوضوح وجب أن تقسم الدلالة، ثم يعين المقصود منها.
تقسيمها: الدلالة -باعتبار الدال- قسمان: لفظية، وغير لفظية.
فاللفظية: ما كان الدال فيها لفظا, كدلالة لفظ "إنسان" على الحيوان الناطق، وكدلالة لفظ "أسد" على الحيوان المفترس.
وغير اللفظية: ما كان الدال فيها غير لفظ, كدلالة الدخان على النار، وكدلالة حمرة الخدّ على الخجل، أو صفرته على الوجل،
(3/82)

وكدلالة الإشارة الخاصة على معنى "نعم" أو "لا"، وهذه الدلالة لا علاقة لها بمباحث علم البيان.
واللفظية أقسام ثلاثة: وضعية، وعقلية، وطبيعية.
فالوضعية: ما كان للوضع فيها مدخل؛ كدلالة "الإنسان" على الحيوان الناطق. فالربط بين الدال والمدلول من وضع الواضع أي: تعيينه هذا اللفظ لهذا المعنى, ومثله دلالة الفرس على الحيوان الصاهل.
والعقلية: ما كان قوامها "العقل" كدلالة الصوت على حياة صاحبه, كما إذا سمعت صوت إنسان من وراء جدار. فالرابط بين الدال والمدلول في هذه الدلالة هو العقل لا غير.
والطبيعية: ما كان قوامها "الطبع" كدلالة التأوّه على الوجع. فالرابط بين الدال والمدلول في هذه الدلالة هو الطبع, إذ إن طبع المريض أن يتأوه عند استشعاره بالألم, والدلالتان الأخريان لا علاقة لهما أيضا بعلم البيان.
والأولى -وهي اللفظية الوضعية- أقسام ثلاثة كذلك: مطابقية, وتضمنية، والتزامية.
فالمطابقية: أن يدل اللفظ على كامل معناه الموضوع له, كدلالة الإنسان على الحيوان والناطق، ودلالة الأسد على الحيوان والمفترس. وسميت مطابقية لتطابق اللفظ والمعنى أي: تساويهما؛ لأن الواضع إنما وضع لفظ "إنسان" ليدل على مجموع الحيوان والناطق, كما وضع لفظ "أسد" ليدل على مجموع الحيوان والمفترس.
والتضمنية: أن يدل اللفظ على جزء معناه الموضوع له, كدلالة "الإنسان" على الحيوان فقط، أو على الناطق فقط, وكدلالة "البيت" على السقف أو الجدار. وسميت تضمنية؛ لأن الحيوان أو الناطق جزء معنى الإنسان، وداخل في ضمنه لأن الواضع -كما
(3/83)

قلنا- إنما وضع لفظ "إنسان" ليدل على الحيوانية والناطقية معا, كما وضع لفظ "بيت" ليدل على جميع أجزائه. فدلالة الإنسان على الحيوان فقط، أو على الناطق فقط دلالة تضمنية, كما أن دلالة البيت على السقف فقط، أو الجدار فقط تضمنية كذلك؛ لأن الكل متضمن لأحد أجزائه1.
والالتزامية: أن يدل اللفظ على لازم معناه الموضوع له, كدلالة "الإنسان" على الضحك، وكدلالة "حاتم" على الجود، "والأسد" على الجرأة. وسميت التزامية؛ لأن الضحك ليس معنى الإنسان، ولا جزء معناه، وإنما هو أمر خارج عن معناه، لازم له. وكذلك الجود لحاتم والشجاعة للأسد, فكلاهما لازم للمعنى الموضوع له "حاتم والأسد"2.
تنبيهان:
الأول: يكفي لدلالة الالتزام أن يكون التلازم بين الشيئين في الذهن, وهو ما يلزم من حصول المعنى الموضوع له في الذهن حصوله فيه, كالتلازم الذي بين الإنسان والضحك, إذ يلزم من حضور معنى الإنسان وهو "الحيوان الناطق" في الذهن حضور معنى الضحك فيه, وكالتلازم الذي بين الأسد والشجاعة, إذ يلزم من تصور معنى الأسد وهو "الحيوان المفترس" تصور معنى الشجاعة. أما التلازم
__________
1 صورة الدلالة التضمنية أن يسألك سائل مشيرا إلى شبح: أناطق هذا أم صاهل؟ فتقول: هو إنسان فيفهم أنه ناطق, فقد دللت بإنسان على الناطق دلالة تضمنية؛ لأن النطق جزء معنى الإنسان.
2- صورة الدلالة الالتزامية أن يسألك سائل مشيرا إلى شبح: أجماد هذا أم متحرك بالإرادة؟ فتقول: هو إنسان، فيفهم السائل أنه متحرك بالإرادة؛ فقد دللت بإنسان على المتحرك بالإرادة دلالة التزامية؛ لأن المتحرك بالإرادة وصف لازم للإنسان.
(3/84)

في الخارج فليس بشرط, فإن وجد مع التلازم الذهني كان حسنا كالتلازم الذي بين الزوجية والأربعة, فإن الزوجية -كما يبدو بداهة- لازمة للأربعة ذهنا وخارجا, وإن لم يوجد التلازم الخارجي فلا ضير كالتلازم الذي بين العمى والبصر؛ فإن البصر لازم للعمى ذهنا فقط إذ يلزم من تصور معنى العمى تصور معنى البصر؛ لأن العمى فقد البصر ممن شأنه الإبصار, أما في الخارج فبينهما التعاند كما ترى.
كذلك يكفي في دلالة الالتزام أن يكون التلازم بين الشيئين وليد عرف عام أو خاص، أو وليد التأمل في القرائن والأمارات. فالأول كالتلازم الذي بين الأسد والشجاعة, فقد تعارف عامة الناس على أن الشجاعة لازمة للأسد, فإذا قال إنسان: فلان جبان، فرد عليه آخر بأنه أسد فهم أنه شجاع. والثاني كالتلازم الذي بين كثرة الرماد والكرم، والذي بين الفاعل النحوي وحركة الرفع، والذي بين بلوغ الماء عشرا في عشر وعدم تأثره بالنجاسة، والذي بين اختلاج العين ولقاء الحبيب, فالتلازم الذي بين هذه الأنواع مما أثبته العرف الخاص فقد تعارف علماء البيان على أن الكرم لازم لكثرة الرماد. فإذا قال بياني: فلان بخيل، فرد عليه بأنه كثير الرماد فهم منه أنه كريم، وتعارف علماء النحو على أن حركة الرفع لازمة للفاعل النحوي فإذا قال أحد النحاة: أقبل محمدا بالنصب، فرد عليه بأن "محمدا" فاعل فهم أن الواجب رفعه، وتعارف علماء فقه الأحناف على أن عدم قبول الماء للنجاسة لازم لبلوغه عشرا في عشر, فإذا سأل أحدهم: أينجس هذا الماء إذا وقعت فيه نجاسة؟ فأجيب أنه يبلغ عشرا في عشر فهم أنه لا ينجس، وتعارف بعض الناس على أن لقاء الحبيب لازم لاختلاج العين فإذا قلت لأحد هؤلاء: عيني تختلج, فهم من ذلك أنك ستلقى حبيبا إلى غير ذلك. والثالث كالتلازم الذي بين تغير العالم وحدوثه, فإذا قيل: العالم متغير, فهم بعد التأمل في الدلائل والأمارات أنه حادث.
(3/85)

وقد يكون التلازم وليد التعريض, فإذا قلت لآخر يسيء إليك: أنا لست بفاجر, فهم منك أنك ترميه بالفجور.
هذا, وليس بين الأشياء المذكورة تلازم عقلي, فقد يتصور العقل أسدا جبانا كما يتصور كثرة رماد بدون كرم, كما يتصور فاعلا منصوبا أو مجرورا, كما يتصور اختلاج عين بدون لقاء حبيب, وهكذا.
وإذًا فالتلازم العقلي -وهو ما لا يتصور العقل انفكاكه- ليس بشرط في دلالة الالتزام كالتلازم الذي بين الأربعة والزوجية، أو بين الثلاثة والفردية, إذ لا يتصور العقل أربعة بدون زوجية، أو ثلاثة بدون فردية. ولو أن التلازم العقلي شرط لخرج كثير من المعاني المجازية والكنائية عن أن تكون مدلولات التزامية مثل قولك: رأيت أسدا, تريد رجلا شجاعا، وكقولك: فلان كثير الرماد أي: كريم, إذ لا تلازم عقلا بين الأسد والشجاعة، ولا بين كثرة الرماد والكرم، ولم يقل بذلك أحد.
الثاني: اصطلح البيانيون على تسمية المطابقية "وضعية"؛ لأن الواضع وضع اللفظ لتمام معناه لا لجزئه, ولا للازمه. "فالإنسان" مثلا وضعه الواضع لمجموع الحيوان والناطق، ولم يضعه لواحد منهما، ولا لوصف لازم "كالضحك" مثلا, فقوام هذه الدلالة هو العلم بالوضع دون حاجة إلى شيء آخر وراءه. واصطلحوا على تسمية كل من التضمنية والالتزامية "عقلية"؛ لأن دلالة اللفظ على جزء معناه، أو على لازم هذا المعنى متوقفة على أمر عقلي زائد على العلم بالوضع، وهو أن وجود الكل أو الملزوم يستلزم وجود الجزء أو اللازم. "فالإنسان" مثلا موضوع لمجموع الحيوان والناطق، فمجرد العلم بهذا الوضع ليس كافيا في جعل لفظ "إنسان" دالا على جزء معناه "كالناطقية" مثلا، أو على لازمه "كالضاحكية" بل لا بد -مع
(3/86)

العلم بهذا الوضع- من انتقال العقل من المعنى الموضوع له "إنسان" إلى جزئه ضرورة أن الكل يتضمن الجزء، أو إلى لازمه ضرورة أن الملزوم يستلزم اللازم. وإنما اقتصر على العقل في تسمية هاتين الدلالتين, مع أن كلا من العقل والوضع سبب فيهما؛ لأن سببية العقل أقرب من سببية الوضع، ذلك أن انتقال العقل من الكل إلى جزئه أو من الملزوم إلى لازمه إنما جاء بعد العلم بوضع اللفظ لهذا الكل، أو لهذا الملزوم, فهو لذلك سبب قريب، والذهن إلى القريب أكثر التفاتا منه إلى البعيد1.
والمقصود بالبحث في هذا الفن هو الدلالة العقلية بنوعيها, إذ هي التي يتأتى فيها الاختلاف في الوضوح الذي هو موضوع هذا الفن.
بيان ذلك في التضمنية: هو أنه يجوز أن يكون المعنى الواحد جزءا من شيء "كالجسم" فإنه جزء من الحيوان، وأن يكون جزءا لجزء من شيء آخر "كالجسم" أيضا, فإنه جزء من الحيوان الذي هو جزء من الإنسان. وإذًا تكون دلالة الحيوان على الجسم الذي هو جزؤه المباشر أوضح من دلالة الإنسان على الجسم الذي هو جزء جزئه. ومثل الجسم - فيما قلنا- "التراب" فإنه جزء من الجدار الذي هو جزء من البيت، وحينئذ تكون دلالة الجدار
__________
1 أما جمهور المناطقة فيسمون الدلالات الثلاث وضعية؛ لأن للوضع مدخلا فيها، وهم يعتبرون في تسميتها وضعية السبب البعيد لأنه الأصل، ويخصون العقلية -سواء كانت لفظية أو لا- بما يقابل الوضعية والطبيعية كدلالة الدخان على النار, ودلالة اللفظ على حياة اللافظ. فالدلالة عندهم ثلاثة أقسام: عقلية كما مثلنا، ووضعية كالمطابقية وأختيها، وطبيعية كدلالة الحمرة على الخجل، ودلالة التأوه على المريض, بخلاف البيانيين فإن العقلية عندهم لا تقابل الوضعية؛ إذ الوضعية قد تكون عقلية كالتضمنية والالتزامية كما عرفت.
(3/87)

على التراب الذي هو جزؤه المباشر أوضح من دلالة البيت على التراب الذي هو جزء جزئه.
وبيان ذلك في الالتزامية: هو أنه يجوز أن يكون للازم الواحد عدة ملزومات، لزومه لبعضها أوضح منه لبعضها الآخر "كالكرم" مثلا فإنه لازم، وله جملة ملزومات تستلزمه وتدل عليه هي: كثرة الضيفان، وكثرة الطبخ، وكثرة إحراق الحطب، وكثرة الرماد. فهذه الأمور الأربعة تستلزم الكرم، وتدل عليه إذ يلزم من وجودها وجوده, غير أن دلالة بعضها عليه أوضح من دلالة بعضها الآخر؛ فدلالة كثرة الأضياف على "كرم محمد" مثلا أوضح من دلالة كثرة الطبخ عليه؛ لأن كثرة الأضياف أقرب إلى معنى "الكرم" من كثرة الطبخ, فقولك: "محمد كثير الأضياف" أدل على كرمه من قولك: "محمد كثير الطبخ" إذ لا واسطة بين كثرة الأضياف ومعنى "الكرم", ودلالة كثرة الطبخ على "الكرم" أوضح من دلالة كثرة إحراق الحطب عليه؛ لأن كثرة الطبخ أقرب إلى معنى "الكرم" من كثرة الإحراق, فقولك: "محمد كثير الطبخ" أدل على كرمه من قولك: "محمد كثير إحراق الحطب" لقلة الوسائط بين كثرة الطبخ والكرم، ودلالة كثرة إحراق الحطب على معنى "الكرم" أوضح من دلالة كثرة الرماد عليه؛ لأن كثرة الإحراق أقرب إلى معنى "الكرم" من كثرة الرماد فقولك: "محمد كثير إحراق الحطب" أدل على كرمه من قولك: "محمد كثير الرماد" لقلة الوسائط في الأول، وكثرتها في الثاني. وهكذا كلما كان الملزوم أقرب إلى لازمه كانت دلالته عليه أوضح، وإذًا فأوضح هذه الدلالات على "الكرم" دلالة كثرة الضيفان عند محمد، وأقلها وضوحا دلالة كثرة الرماد عنده, كما رأيت.
هذا, وقد يكون مناط الاختلاف في الوضوح كثرة الاستعمال, وقلته بغض النظر عن الواسطة كما في معنى "الكرم" فقد دلت عليه جملة ملزومات هي: كثرة الرماد، وهزال الفصيل، وجبن الكلب،
(3/88)

وأوضحها دلالة على معنى "الكرم"، وأسرعها انتقالا إليه هو "كثرة الرماد"؛ لكثرة استعماله في هذا المعنى, في حين أنه أكثر وسائط من أخويه.
إلى هنا وضح لك اختلاف الوضوح في الدلالتين العقليتين -التضمنية والالتزامية- بما لا يقبل المزيد.
أما الدلالة الوضعية المطابقية التي هي دلالة اللفظ على تمام معناه, فليست من مباحث هذا الفن؛ إذ لا يتأتى فيها الاختلاف في الوضوح.
بيان ذلك: أن السامع لا يخلو حاله من أمرين:
1- أن يكون عالما بوضع الألفاظ لمعانيها.
2- ألا يكون عالما بهذا الوضع.
فإن كان الأول فلا تفاوت في الدلالة على المعنى؛ لأن كل لفظ معلوم وضعه لمعناه, وإن كان الثاني فقد انعدم فهم المعنى من اللفظ لتوقف الفهم على العلم بالوضع، وفهم المعنى من اللفظ هو معنى "الدلالة"؛ إذ هي -على أحد القولين السابقين- فهم أمر من أمر, وإذا انتفى الفهم المذكور الذي هو الدلالة فلا اختلاف في الوضوح؛ إذ لا يتصور اختلاف وضوح فيما لا دلالة له. فإذا قلت مثلا: "محمد يشبه السحاب في العطاء"، وكان السامع يعلم بوضع هذه الألفاظ لمعانيها، ثم أتيت بتركيب آخر دال على هذا المعنى بألفاظ مرادفة لألفاظ التركيب الأول، فقلت: "محمد يحكي الغمام في النوال", وكان السامع يعلم أيضا بوضع هذه الألفاظ لمعانيها؛ امتنع حينئذ أن يكون التركيب الثاني أوضح دلالة من الأول، بل هما في الدلالة سواء.
فإذا لم يعلم السامع وضع الألفاظ لمعانيها في التركيبين، أو في أحدهما لم يفهم شيئًا أصلا؛ لتوقف الفهم على العلم بالوضع كما
(3/89)

قلنا, وإذا انتفى الفهم فلا دلالة للفظ، فلا اختلاف في الوضوح.
فأنت ترى أن الاختلاف في الوضوح منتفٍ "على كلا التقديرين" في الدلالة الوضعية المطابقية, فهي إذًا خارجة عن موضوع هذا الفن.
اختبار:
1- عرف علم البيان في اصطلاح البيانيين، وبين كيف أخذ لفظ "علم" في التعريف وهو لفظ مشترك معنوي، وذلك يتنافى مع الغرض من التعريف؟
2- بين بالأمثلة معنى إيراد المعنى الواحد في الطرق المختلفة في الوضوح.
3- بين لماذا قيد لفظ "المعنى" الواقع في التعريف "بالواحد", وقيد الاختلاف "بالوضوح"؟ وهل كل معنى يصح إيراده في الطرق المختلفة؟ وضح ذلك بالمثال.
4- عرف الدلالة، وقسمها، وعرف كل قسم، مع التمثيل, ثم اذكر أية الدلالات هي موضوع علم البيان، مع التوجيه لما تقول.
5- لماذا لم تكن الدلالة الوضعية المطابقية من مباحث علم البيان؟ وضح ذلك وضوحا تاما، مع بيان معنى اللزوم في الدلالة الالتزامية.
(3/90)

المبحث الثالث: في التشبيه
مدخل
...
المبحث الثالث: في التشبيه
هو من فنون البلاغة له شأنه وخطره، فهو يدني القصي، ويذلل العصي، ويكشف الخفي، ويكسب المعاني رفعة وشرفا، ويكسوها توكيدا ومتانة، ويبرزها في معارض الحس والعيان، وهو -إلى ذلك- كثير المباحث متشعب النواحي، وإن أردت أن تتبين ذلك فانظر لما يلي من أقوال الشعراء:
قال:
نعمة كالشمس لما طلعت ... بثت الإشراق في كل بلد
قال:
الشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب1
قال:
كأنها بوتقة2 أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب
قال:
وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
قال:
دان على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضريب3
كالبدر أفرط في العلو وضوءه ... للعصبة السارين جد قريب
قال:
بذل الوعد للأخلاء سمحا ... وأتى بعد ذاك بذل العطاء
فغدا كالخلاف يورق للعـ ... ـين ويأبى الإثمار كل الإباء4
فإنك لتجد من قوة تأثيره في النفس، ومبلغ أسره في القلب ما لا تستطيع وقعه، ولا تملك دفعه بسبب ما يحرك النفس، ويستثيرها بإخراجها من خفي إلى جلي، ومما لم تألفه إلى ما ألفته، ومما لم تره إلى ما عاينته وشهدته، وهو فوق ذلك يكسب اللفظ حلاوة وطلاوة ويعطيه من الروعة ما يبهر القلب، ويأسر اللب.
وجه تقديمه على المجاز:
اعلم أن اللفظ قد يستعمل في معنى لم يوضع له لعلاقة بين المعنى الموضوع له اللفظ، والمعنى المستعمل فيه، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الموضوع له, ويسمى اللفظ حينئذ "مجازا" إذ قد
__________
1 أي: مانع.
2 وعاء خاص يذاب فيه الذهب.
3 العفاة جمع عاف, وهو السائل الطالب للمعروف، والند بكسر النون المشددة: الضريب الشبيه والمثيل.
4 "الخلاف": شجر الصفصاف.
(3/91)

تجوز باللفظ من المعنى الموضوع له إلى المعنى المراد، ثم إن العلاقة بين المعنيين قد تكون المشابهة، ويسمى اللفظ حينئذ "استعارة" كما في قولك: "سمعت قمرا يتكلم" فلفظ "قمر" استعمل في "الإنسان الجميل" وهو معنى لم يوضع له اللفظ, والقرينة المانعة قولك: "يتكلم" والعلاقة بين المعنيين مشابهة الإنسان للقمر في الحسن, فقد شبه "أولا" الإنسان الجميل بالقمر في البهاء، ثم ادعى -مبالغة في التشبيه- أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه باعتباره أحد أفراده -وسيأتي تفصيل ذلك في أبوابه- فالتشبيه إذًا سابق على الاستعارة التي هي أحد أقسام المجاز، وحينئذ وجب التعرض أولا لبحث التشبيه، إذ هو منها بمثابة الأساس من البناء، أو بمنزلة الأصل من الفرع.
تعريفه: هو في اللغة: الدلالة1 على مشاركة أمر لأمر في معنى2.
ومعناه اصطلاحا: الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى بإحدى أدوات التشبيه لفظا, أو تقديرا لغرض, فالأمر الأول هو "المشبه"، والثاني هو "المشبه به"، ويسميان "الطرفين"، والمعنى المشترك بينهما هو "وجه الشبه".
__________
1 يطلق التشبيه على فعل المتكلم, فالدلالة إذًا صفة له وهي أن يدل المتكلم بقوله على هذه المشاركة، ويطلق على الكلام نفسه الدال على المشاركة, فالدلالة حينئذ صفة الكلام.
2 احترز به عن المشاركة في عين نحو: شارك محمد عمرا في ضيعة, فلا تسمى تشبيها لغويا. وقد اعترض على هذا التعريف بأنه غير مانع لمثل قولك: قاتل محمد عمرا، ولنحو قولك: جاء محمد وعمرو, فإن في كلا المثالين دلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى. فالأول دال على مشاركة محمد لعمرو في القتال, والثاني دال على مشاركة محمد لعمرو في المجيء، وليس شيء منهما تشبيها لغويا وإن قصد بهما معنى الاشتراك؛ لأن التشبيه ليس مجرد الاشتراك في معنى، بل لا بد فيه من ادعاء مماثلة أحد الأمرين للآخر. وأجيب بأن التعريف بالأعم شائع عند أبناء العربية، أو بأن الدلالة على المشاركة فيهما غير صريحة.
(3/92)

وهاك أمثلته: تقول: "القواد المخلصون" كأسود الشرى "في الجرأة والإقدام"؛ ففي هذا دلالة على مشاركة أمر هو "القواد المخلصون" لأمر هو "أسود الشرى" في معنى هو "الجرأة والإقدام" بإحدى أدوات التشبيه هي "الكاف" في هذا المثال. ومثله قولك: "الصحابة مثل النجوم في الهداية والإرشاد"، وقولك: "هند شبه البدر في الوضاءة والإشراق", وقولك: "كأن راحة فلان السحاب في عموم الفيض" إلى غير ذلك.
ويجوز حذف الوجه مع بقاء الأداة كقولك في المثال الأول: "القواد المخلصون كأسود الشرى" وهكذا يقال في باقي الأمثلة. ويجوز العكس أي: حذف الأداة مع بقاء الوجه، أو مع حذفه، ويكون المشبه به في الصورتين حينئذ أحد الأنواع الآتية:
1- أن يكون خبرا للمشبه كقولك: خالد بن الوليد أسد1 بدعوى الاتحاد بينهما مبالغة في تشبيه خالد بالأسد في الجرأة، وكقولك: "فلان بطانة فلان" مبالغة في تشبيهه ببطانة الثوب في قوة الملازمة، وقد يحذف المشبه في هذه الحالة لقرينة, كقول الشاعر:
أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر2
أي: هو أسد، وكقوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} أي: هم صم.
2- أن يقع خبرا لما دخل على المشبه من النواسخ كما في قولك: "إن محمدا شجى في حلوق أعدائه، وقذى في عيونهم،
__________
1 ادعى بعضهم أن مثل هذا النوع من التشبيه استعارة, بناء على أن حمل معنى الأسدية على خالد لا يصح إلا بإدخاله في جنس الأسد، والتحقيق أنه تشبيه لا استعارة -على ما سيأتي بيانه- لأن الاستعارة إنما تكون حيث يطوى ذكر المشبه لفظا وتقديرا، وهنا ليس كذلك؛ إذ إن الطرفين وهما "خالد والأسد" مذكوران.
2 "الفتخاء": النعامة اللينة الجناح.
(3/93)

فكل من شجى وقذى هو المشبه به وقد وقع خبرا "لإن". ومنه قول البحتري:
بنت بالفضل والعلو فأصبحـ ... ـت سماء وأصبح الناس أرضا1
فكل من "سماء وأرضا" هو المشبه به, وكلاهما وقع خبرا "لأصبح".
3- أن يقع حالا من المشبه، أو صفة له. فالأول كقولك: "كر عنترة على الأعداء أسدا"، وكقول الشاعر:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا2
والثاني كقولك: "مررت برجل بحر"، و"فلان رجل أسد".
4- أن يقع مضافا للمشبه, كما في قول الشاعر:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء3
أي: الماء المشبه باللجين, فقدم المشبه به، ثم أضيف إلى المشبه كما ترى.
5- أن يقع مصدرا مبينا لنوع المشبه, كما في قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} أي: تمر مرا كمر السحاب في السرعة، فالمشبه هو المصدر المحذوف، وقد بين نوعه بالمصدر المذكور الذي هو المشبه به, ومثله قول أبي العلاء:
هرب النوم عن جفوني فيها ... هرب الأمن عن فؤاد الجبان
أي: هربا كهرب الأمن.
__________
1 "بنت" بمعنى: امتزت.
2 "الخوط" بضم الخاء: الغصن, و"البان": نوع من الشجر، و"رنت" من الرنو وهو إدامة النظر.
3 الأصيل هو الوقت ما بين العصر إلى الغروب, وهو وقت تعتدل فيه الريح، واللجين: الفضة.
(3/94)

6- أن يكون هو مبينا بالمشبه, كما في قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} فالفجر مشبه بالخيط الأبيض وقد جاء بعد المشبه به مبينا له، أي: حتى يتبين لكم الفجر كالخيط الأبيض, ومنه قول الشاعر:
فما زلت في ليلين شعر وظلمة ... وشمسين من خمر ووجه حبيب
وقول أمير الشعراء أحمد شوقي بك:
ودخلت في ليلين فرعك والدجى ... ولثمت كالصبح المنور فاك
شبه الشعر في البيتين بالليل، ثم ذكر الشعر وما عطف عليه؛ بيانا للمشبه به في قوله: "ليلين".
فاتضح لك من كل ما تقدم من الأمثلة أنه لا بد في التشبيه الاصطلاحي من ذكر الطرفين1 على وجه ينبئ عن التشبيه, بحيث لا يستقيم المعنى إلا بالحمل على التشبيه2 كما في الأمثلة المذكورة، وأنه لا بد فيه من أداة التشبيه ملفوظة أو مقدرة كما رأيت.
ولهذا لا يعتبر من التشبيه الاصطلاحي الاستعارة بأنواعها3، والتشبيه على طريق التجريد في بعض صوره4، وهو ما يكون المشبه بحيث يجعل أصلا ينتزع منه المشبه به مبالغة في التشبيه, كما تقول: "لقيت بخالد أسدا"، "ولقيني منه أسد" فقد بولغ في
__________
1 ولو تقديرا, كما في قول الشاعر السابق: "أسد علي وفي الحروب نعامة ... " "البيت".
2 سيأتي لهذه المسألة مزيد بيان.
3 أي: التحقيقية والمكنية, وكذلك التخييلية في رأي السكاكي, على ما سيأتي.
4 وأما بعضها الآخر -وهو ما كان المجرد عين المجرد منه- فليس داخلا في التشبيه أصلا؛ لعدم دلالته على المشاركة في قوله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ} ، فقد انتزعت دار الخلد من جهنم وهي عين دار الخلد لا شبيهة بها.
(3/95)

تشبيه خالد بالأسد, حتى جعل أصلا جرد منه "أسد" ففيه تشبيه ضمني مضمر في النفس.
أما عدم اعتبار الاستعارة من التشبيه الاصطلاحي؛ فلخلوها من أحد الطرفين، ومن الأداة لفظا وتقديرا نحو: "أقبل الأسد"، ونحو: "أنشبت المنية أظفارها بفلان"، وأما عدم اعتبار التجريد تشبيها اصطلاحيا فلعدم ذكر الطرفين فيه على وجه ينبئ عن التشبيه، ولخلوه أيضا من أداته كما مثلنا1 -فكلاهما إذًا ليس من التشبيه الاصطلاحي في شيء2- وقد احترز عنهما في التعريف بقولنا: "بإحدى أدوات التشبيه لفظا أو تقديرا".
أركان التشبيه 3 وهي أربعة:
1- ذات المشبه.
2- ذات المشبه به، ويسميان "طرفي التشبيه".
3- وجه الشبه, وهو المعنى المشترك الجامع بين الطرفين.
4- أداة التشبيه.
وهذه الأربعة هي قوام التشبيه وعماده؛ فقولك: "رضاب هند كالعسل في الحلاوة" تشبيه, والمشبه في هذا المثال هو "الرضاب"، والمشبه به هو "العسل"، ووجه الشبه هو "الحلاوة"، وأداة التشبيه هي "الكاف".
__________
1 وقيل: هو تشبيه حقيقة لذكر الطرفين فيه, فيمكن التحويل فيه إلى هيئة التشبيه لولا قصد التجريد, وسيأتي أن التحقيق خلافه.
2- ولكنهما من قبيل التشبيه اللغوي؛ إذ هو أعم من الاصطلاحي, فكل اصطلاحي لغوي ولا عكس, يجتمعان في نحو: محمد أسد, وينفرد اللغوي في الاستعارة والتجريد.
3 أي: باعتبار إطلاقه على الكلام الدال على المشاركة كقولك: محمد كالبدر في الإشراق، لا باعتباره وصفا للمتكلم. ولا شك أن الأمور الأربعة أجزاء للتشبيه بهذا الاعتبار، ويصح أن تكون أركانا له بالاعتبار الثاني، وأن المراد بالركن ما يتوقف عليه الشيء وإن لم يكن داخلا في حقيقته.
(3/96)

وفيه أربعة مباحث:
1- مبحث الطرفين.
2- مبحث وجه الشبه.
3- مبحث أداة التشبيه.
4- مبحث الأغراض التي دعت إليه.
مبحث الطرفين:
الطرفان هما -كما تقدم- المشبه والمشبه به كما في قولك: "محمد كسحبان" فالطرفان هما: محمد وسحبان, والأول هو المشبه والثاني هو المشبه به.
وللتشبيه باعتبار الطرفين تقسيمات ثلاثة:
(3/97)

التقسيم الأول:
ينقسم التشبيه باعتبار حسية الطرفين, وعقليتهما إلى أربعة أقسام:
1- أن يكون طرفاه حسيين أي: مدركين بإحدى الحواس الخمس: البصر، والسمع، والشم، والذوق، واللمس.
فمثال ما يدرك بحاسة البصر قولك: وجه هند كالبدر، وشعرها كالليل. ومثال ما يدرك بحاسة السمع قولك: أسمع صوتا كأغاريد البلابل، ودويا كدوي الرعد, وأنينا كأنين الثكلى, ومن الطريف ما يقوله ابن ثناء الملك في وصف ساقية:
وساقية نزلت بها وإلفي ... أودعه كتوديع المروع
فصوت أنينها يحكي أنيني ... وفيض مياهها يحكي دموعي
ومثال ما يدرك بحاسة الشم قولك: شذا عرف هند كأريج المسك، وريحها كريح الخزامي1. ومثال ما يدرك بحاسة الذوق
__________
1 هو نبت له زهر طيب الرائحة.
(3/97)

قولك: رضاب ليلى كلعاب النحل، وحموضة هذا الشراب كحموضة الخل. ومثال ما يدرك بحاسة اللمس قول ذي الرمة:
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر1
وقولك: خشونة هذا الثوب كخشونة جلد القنفذ, فالطرفان في هذه المثل جميعها حسيان كما رأيت.
2- أن يكون الطرفان عقليين أي: مدركين بالعقل, كما نقول: "العلم كالحياة"، و"الجهل كالموت" و"الضلال كالعمى". فالطرفان في هذه المثل لا يدركان بغير العقل, ووجه الشبه في الأول "الأثر الجليل"، وفي الثاني "فقدان النفع"، وفي الثالث "عدم الاهتداء".
3- أن يكون المشبه عقليا، والمشبه به حسيا, كقولهم في تشبيه الرأي الواضح، والحظ العاثر: "رأي كفلق الصبح"، و"حظ كسواد الليل"، وكقولك في تشبيه الخلق القويم، والطبع الكريم: "خلق كشذا المسك" و"طبع كأنفاس الزهر".
4- أن يكون المشبه حسيا، والمشبه به عقليا, كما في قول الشاعر:
وأرض كأخلاق الكريم قطعتا ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا
شبه "الأرض" وهي حسية "بالخلق الكريم" وهو عقلي في الرحابة والسعة بتقدير المعقول محسوسا حتى صار أصلا في وجه
__________
1 "رخيم الحواشي": في أطرافه لين وتكسر، "والهراء" بضم الهاء: الكلام الكثير الفاسد، "والنزر": الكلام القليل, يريد: أنه لا يكثر في الكلام إلى حد الهذيان، ولا يقل منه إلى درجة العي.
(3/98)

الشبه مبالغة, وإلا فإن إلحاق المحسوس بالمعقول قلب للأوضاع1 وجعل الفرع أصلا، والأصل فرعا وهو لا يجوز، ولا يستسيغه عقل لولا قصد المبالغة. ومثله قول الشاعر:
وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم
فالفتك الأول حسي، والثاني عقلي، وهو من أحاسن التشبيهات وأبدعها، وأشدها تأثيرا في النفس، وامتلاكا للقلب.
تنبيه:
من الحسي ما لا تدركه الحواس بذاته ولكن تدرك مادته, ويسمى "خياليا", وهو الشيء المعدوم خارج الأعيان الذي ركبته المتخيلة من أمور مدركة بالحس, كما في قول الصنوبري:
وكأن محمر الشقيـ ... ـق إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد2
يشبه الشاعر هذا الزهر الأحمر حال تصوبه وتصعده بهيئة أعلام من ياقوت، منشورة على رماح من زبرجد. وليس من شك أن صورة الأعلام المصنوعة من ياقوت، المنشورة على رماح مصنوعة من زبرجد، شيء لا يدرك بالحس الظاهر لعدم وجوده خارج
__________
1 ذلك أن الأمور العقلية مستفادة من طريق الحواس, فالحواس إذا أصل لها "كحدوث العالم" مثلا فهو أمر عقلي أدركه العقل من تغيره المدرك بحاسة البصر, ولولاها ما أدركه؛ ولذا قالوا: من فقد حسا فقد علما, فتشبيه المحسوس بالمعقول حينئذ قلب للوضع سوغه قصد المبالغة.
2 "محمر الشقيق" من إضافة الصفة للموصوف أي: الشقيق المحمر, وهو ورد أحمر في وسطه سواد، ويقال له: شقائق النعمان، إضافته إلى النعمان لأنه ينبت كثيرا في أرض كان يحميها "النعمان" وهو لقب لكل من ملك الحيرة، وقيل: النعمان اسم للدم والشقيق يشبهه في اللون, فالإضافة إذًا تشبيهية من إضافة المشبه للمشبه به، و"تصوب": مال إلى أسفل, و"تصعد": مال إلى علو.
(3/99)

الأعيان، وإنما المدرك مادته وهي: الأعلام، والياقوت، والرماح؛ والزبرجد, وهذا كافٍ في جعل الشيء حسيا.
فالحسي حينئذ: هو ما يدرك بذاته، أو بمادته بإحدى الحواس الخمس ليشمل الخيالي, ومثل قول الصنوبري قول الشاعر يصف الخمر في الكأس:
كأن الحباب المستدير برأسها ... كواكب در حشوهن عقيق
شبه هيئة الفقاقيع الطافية على وجه الكأس بهيئة كواكب من در منثورة في سماء من عقيق. فالمشبه به خيالي لا يدرك بالحس؛ لعدم وجوده خارج الأعيان، وقد فرض مجتمعا من أمور, كل منهما مدرك بالحس، وهي: الكواكب، والدر، والسماء، والعقيق.
ومن العقلي ما لا يدرك هو, ولا مادته بإحدى الحواس الظاهرة؛ لعدم وجوده خارجا، ولكنه لو وجد لم يدرك إلا بها1, ويسمى "وهميا" وهو ما اخترعه الوهم من عند نفسه، من غير أن يكون له، ولا لمادته وجود في الخارج كقول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟ 2
وكقوله تعالى في شجرة الزقوم: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} فأنياب الأغوال، ورءوس الشياطين لم توجد هي، ولا مادتها، وإنما هي من اختراعات الوهم وافتراضاته.
__________
1 قيد الوهمي بهذا القيد؛ ليتميز عن العقلي الصرف كالعلم والحياة، وهذا لا ينافي أن الوهمي من أفراد العقلي بالمعنى المذكور هنا.
2 الاستفهام هنا للاستبعاد و"المشرفي": السيف المنسوب إلى مشارف, وهي بلاد باليمن مختصة بصناعة السيوف، و"مضاجعي": ملازمي حال الاضطجاع أي: ففي غير هذه الحال أولى، كناية عن أن السيف لا يفارقه، وأن الاعتداء عليه بعيد المنال، و"مسنونة": حادّة مصقولة، ووصفها بالزرقة لصفائها.
(3/100)

فالعقلى حينئذ: ما لا يدرك هو ولا مادته بإحدى الحواس الظاهرة ليدخل فيه التشبيه الوهمي المذكور, كما يدخل فيه أيضا ما يدرك بالوجدان أي: بالقوة الباطنة، ويسمى "وجدانيا" كاللذة، والألم، والفرح، والغضب، وكالعطش، والجوع، والري، والشبع1, وما شاكل ذلك من الحالات التي لا يدركها الحس الظاهري، ولا العقل الصرف الذي لا يستند إلى حس باطني، وإنما تدرك بإحساس باطني، وتكييف نفسي كالحالة الخاصة التي يحسها الجائع، أو الظامئ، أو يحسها من شبع بعد جوع، أو روى بعد ظمأ. مثال ذاك: أن يشبه الجائع ما يحسه من ألم الجوع بالموت، أو أن يشبه الظامئ ما يشعر به من وهج العطش بالنار ا. هـ.
__________
1 هي أمور حسية أي: مستندة إلى إحساس باطني خاص فلا يدركها العقل الصرف, وإنما يدرك العقل المعاني الكلية لهذه الأشياء كأن يتصور العقل معنى اللذة على أنها شعور خاص يحصل عند نيل الشيء اللذيذ، وأن يتصور معنى الجوع على أنه ميل إلى الطعام واشتهاء إليه. أما الحالة النفسية التي تعتري الملتذ بالشيء أو التي تعرض للجائع فلا يدركها العقل وحده, بل لا بد من تكيف خاص يحس به الملتذ أو الجائع فالفرق واضح.
(3/101)

التقسيم الثاني:
ينقسم التشبيه باعتبار إفراد الطرفين وتركيبهما إلى أربعة أقسام:
1- أن يكون طرفاه مفردين, وهما إما أن يكونا مطلقين عن التقييد بنحو وصف، أو إضافة، أو مفعول، أو حال، أو غير ذلك، أو يكونا مقيدين بشيء مما ذكر, أو يكون أحدهما مقيدا، والآخر مطلقا.
فالمفردان المطلقان كقولك: "لها لحظ كالسهم، وثغر كالدر", والمقيدان كما في تشبيه من لم يحصل من سعيه على نتيجة بالناقش على الماء؛ فالمشبه هو "الساعي" المقيد بأن سعيه لم يكلل بنجاح، والمشبه به هو "الناقش" المقيد بأن نقشه على صفحة الماء، ووجه الشبه هو أن الفعل وعدمه سيان في عدم ترتب نتيجة. ومثله قول الشاعر:
إني وتزييني بمدحي معشرا ... كمعلق درا على خنزير
يريد أن يشبه الشاعر نفسه مقيدا بعمل خاص، وهو مدحه من لا يستحقون المدح بالمعلق مقيدا بعمل خاص، وهو تعليقه شيئا نفيسا بعنق شيء خسيس غير قابل للزينة، فالمشبه مقيد "بحال" والمشبه به مقيد بمفعول وجار ومجرور، ووجه الشبه هو هيئة من يضع الشيء في غير موضعه.
ومثال ما فيه المشبه مطلق، والمشبه به مقيد قول الشاعر:
والشمس كالمرآة في كف الأشل ... لما رأيتها بدت فوق الجبل
يريد أن يشبه الشمس بالمرآة بقيد كونها في يد رعشاء, ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من الاستدارة، والحركة السريعة المتصلة، مع تموج الإشراق حتى يرى الشعاع كأنه ينبسط، ثم يرجع من انبساطه إلى الانقباض, فالمشبه "الشمس" مطلقة عن التقييد بشيء، والمشبه به "المرآة" مقيدة بالقيد المذكور. ومثله تماما قول الآخر:
ولاحت الشمس تحكي عند مطلعها ... مرآة تبربدت في كف مرتعش
ومن هذا الضرب قولك: "وجهها كالبدر ليلة تمامه"، و"ثغرها كاللؤلؤ المنظوم"، ووجه الشبه في الأول هيئة الجمال، مع كمال الإشراق، وفي الثاني هيئة البريق، مع التنسيق.
ومثال ما فيه المشبه مقيد، والمشبه به مطلق عكس الأمثلة السابقة، وهو أن تشبه المرآة في كف الأشل بالشمس، أو تشبه البدر ليلة تمامه بوجه المرأة، أو تشبه اللؤلؤ المنظوم بالثغر تشبيها مقلوبا؛ مبالغة في وصف المشبه بوجه الشبه على ما سيأتي.
(3/102)

2- أن يكون طرفاه مركبين, ومعنى التركيب فيهما أن يقصد إلى عدة أشياء مختلفة في كل من الطرفين، ثم تنتزع منها هيئتان تجعل إحداهما مشبها، والأخرى مشبها به في هيئة تعمهما, كما في قول بشار بن برد:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه1
يصف بشار ملحمة بين جيشين يقتتلان بالسيوف، وفد انعقد عليهما غبار كثيف؛ فهو يشبه الهيئة المنتزعة من السيوف، وقد سلت من أغمادها، وهي تتألق في حركة سريعة مختلفة النواحي، على أشكال متناسبة، وسط غبرة قاتمة قد انعقد فوق الرءوس بالهيئة الحاصلة من النجوم، وهي تتساقط إلى جهات مختلفة في جنح الليل البهيم. ووجه الشبه الهيئة المنتزعة من سقوط أجرام لامعة، مستطيلة متناسبة المقادير، متناثرة في جوانب شيء مظلم, فالمشبه مركب من النقع مثارا فوق الرءوس، ومن السيوف المتلاحمة اللامعة في أثنائه, والمشبه به مركب من الليل، ومن الكواكب المتهاوية في مواقع مختلفة. ومثله تماما قول الشاعر:
كأن دخان العود والند بيننا ... وأقداحنا ليل تهاوى كواكبه
__________
1 "مثار النقع" من إضافة الصفة للموصوف أي: النقع المثار، والواو في "وأسيافنا" بمعنى "مع" فأسيافنا إذًا مفعول معه، ولم يجعل منصوبا "بكأن" عطفا على اسمها الذي هو "مثار" لئلا يتوهم أن في البيت تشبيهين مستقلين, كل منهما تشبيه مفرد بمفرد، وأن المعنى: كأن النقع المثار ليل، وكأن سيوفنا كواكبه, وهذا لا يصح الحمل عليه لما صرحوا به من أنه متى أمكن اعتبار التشبيه مركبا فلا يعدل عنه إلى اعتباره مفردا, إذ تفوت معه الدقة التركيبية المرعية في وجه الشبه، "وتهاوى" فعل مضارع حذفت إحدى تاءيه والأصل تتهاوى, وإنما لم يجعل فعلا ماضيا لما يلزم عليه من الإخلال بما قصده الشاعر من المعنى الدقيق, ذلك أن صيغة المضارع تدل على الاستمرار التجددي وهو أدل على كثرة الحركات، والتساقط في جهات متعددة، بخلاف الفعل الماضي, فإنه -وإن دل على هذا المعنى- لا تجدد فيه ولا استمرار.
(3/103)

فهو يشبه الهيئة المنتزعة من أقداح الخمر، وهي تتألق في أيديهم، وتتحرك إلى جهات مختلفة أثناء ما انعقد حولهم من دخان العود والند قاتما متكاثفا, بهيئة الكواكب المتهاوية في دياجي الليل.
وهذا القسم ضربان: ما يصح فيه تشبيه كل جزء من أحد طرفيه بما يقابله من أجزاء الطرف الآخر, ما لا يصح فيه ذلك.
فالأول كما في البيتين السابقين, فإن كل جزء من أجزاء المشبه له نظير في الطرف الآخر يمكن تشبيهه به، فيشبه النقع بالليل، وتشبه السيوف أو الأقداح بالكواكب, غير أن غرض الشاعر لم يتعلق بالتشبيه على هذه الصورة، إذ ليس فيه من دقة المعنى، وبديع التخيل، وروعة التمثيل ما له في صورته الأولى من تشبيه الهيئة بالهيئة حتى صار بشار -وهو كفيف البصر- يسمو به إلى درجة يقف دونها العباقرة المبصرون. ومن طريف هذا الضرب قول الشاعر:
كأن سهيلا والنجوم وراءه ... صفوف صلاة قام فيها إمامها1
يشبه الشاعر هيئة سهيل، والنجوم مصطفّة وراءه بهيئة إمام قائم يصلي، والناس خلفه صفوف متراصة. فالمشبه مركب من سهيل, ومن النجوم وراءه، والمشبه به مركب كذلك من إمام قائم في محرابه، ومن صفوف المصلين خلفه، ولكل جزء من أجزاء المشبه به نظير في الطرف الآخر يصح تشبيهه به، فيشبه سهيل بإمام يصلي، والنجوم بصفوف الصلاة, غير أن التشبيه على هذا الوضع ليس الذي يهدف إليه الشاعر لسذاجته, فأين هذا من ذلك الذي يملك عليك قلبك أنه يريك هيئة سهيل يتقدم طائفة متراصة من الكواكب المؤتلقة على هيئة إمام تؤمه صفوف المصلين ألا تراه أدق صياغة, وأحلى إساغة؟
__________
1 سهيل: نجم.
(3/104)

الثاني كما في قول الشاعر:
كأنما المريخ والمشتري ... قدامه في شامخ الرفعة
منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعة1
يشبه الشاعر هيئة المريخ، والمشتري قدامه يتألق بهيئة إنسان منصرف بالليل عن دعوة، وأمامه شمعة مضيئة. فالتشبيه -كما ترى- مركب الطرفين, غير أننا لو حللنا هذا التشبيه، فألحقنا أحد أجزاء الطرف الأول بما يقابله من الطرف الثاني، فقلنا: المريخ كمنصرف بالليل عن دعوة, كان ضربا من الهذيان والسخف.
3- أن يكون المشبه مفردا، والمشبه به مركبا, كما في قول الصنوبري السابق:
وكأن محمر الشقيـ ... ـق إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد
فالمشبه "محمر الشقيق" وهو مفرد مقيد بصفة، والمشبه به مركب من أعلام ياقوت، ومن رماح زبرجد أي: من هيئة أجرام حمر، مبسوطة على رءوس سيقان خضر مستطيلة. ومثله قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
فالمشبه مفرد وهو "صخر"، والمشبه به مركب من علم، ومن نار على رأسه.
4- أن يكون المشبه مركبا، والمشبه به مفردا, كما في قول أبي تمام:
يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور
__________
1 "المريخ والمشتري": نجمان في السماء, و"قدامه" بتشديد الدال: ظرف مكان بمعنى أمامه، و"أسرجت": أضيئت.
(3/105)

تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر1
يلفت الشاعر نظري صاحبيه إلى صنيع المبدع القادر فيما أخرج من نبات بهيج ناضر، وكيف أن النبات -لشدة اخضراره، وكثافته- صار لونه يضرب إلى السواد حتى نقص من ضوء النهار المشرق، وكأنه ليل سرى فيه ضوء القمر، لا ترى فيه الأشياء الدقيقة، فهو يريد أن يشبه هيئة النهار المشرق وقد خالطه زهر الربا، فتضاءل ضوءه ونقص بليل بزغ قمره. فالمشبه مركب من نهار تألقت شمسه، ومن زهر نابت في الربا، والمشبه به مفرد مقيد بصفة، وهو "الليل المقمر". ومثله قولهم: القواد في ساعة الوغى كليوث العرين في الدفاع عن الحمى، فالمشبه مركب من القواد، ومن ساعة الوغى، والمشبه به "ليوث العرين" وهو منفرد مقيد بالإضافة كما ترى.
تنبيهان:
الأول: اعلم أن المراد بالقيد في التشبيه الذي كلا طرفيه، أو أحدهما مقيد ما يكون له دخل في وجه الشبه بحيث لا يتم التشبيه بدونه. ففي المثال المتقدم في تشبيه الساعي المقيد بعدم التوفيق في سعيه بالناقش المقيد بأن نقشه على الماء لا بد فيه من اعتبار هذين القيدين؛ لأن وجه الشبه بين الطرفين هو -كما علمت- المساواة بين الفعل وتركه في كون النتيجة سلبا. وهذا المعنى لا يتم إلا بمراعاة القيدين المذكورين، وكذلك تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل لا بد فيه من اعتبار كون المرآة في كف مرتعش؛ لأن وجه الشبه بين الطرفين هو -كما سبق- الهيئة الحاصلة من الاستدارة، والحركة السريعة المتصلة مع نموذج الإشراق، وهذا المعنى لا يتوفر، ولا يستقيم بدون ملاحظة هذا القيد, كذلك لا بد في تشبيه الثغر باللؤلؤ
__________
1 يقال: تقصى الشيء: بلغ أقصاه, أي: غايته, يريد: أمعنا النظر وتدبرا وفكرا، و"تصور" بحذف إحدى التاءين أي: تتصور، و"شابه": خالطه, و"الربا" جمع ربوة, وهو ما ارتفع من الأرض, وخص زهر الربا بالذكر؛ لأنه أنضر وأشد خضرة.
(3/106)

المنظوم من اعتبار قيد "المنظوم"؛ لأن وجه الشبه هو هيئة البريق مع حسن التنسيق، وهذا لا يتم إلا بمراعاة القيد المذكور, فليس المراد إذًا مطلق قيد، بل المراد قيد له تعلق بوجه الشبه أي: له دخل في تكوينه -كما بينا- فإن لم يكن كذلك فلا اعتبار له، ويعتبر الطرف المقيد بمثل هذا القيد من قبيل المفرد المطلق عن القيد كما في قولك: "رأيت رجلا يهب الجزيل كالأسد" فقولك: "يهب الجزيل" قيد لا يعتبر به المشبه مقيدا؛ إذ لا دخل له في تحقيق وجه الشبه ا. هـ.
الثاني: الفرق بين المقيد من الطرفين والمركب منهما أن المقصود بالذات في المركب هو الأجزاء مجتمعة، وليس فيها جزء قصد وحده بالتشبيه، وإن صح أن يشبه بجزء من الطرف الآخر على نحو ما سبق في بيت بشار، فإن المشبه هناك مجموع النقع المثار, والأسياف المسلولة، والمشبه به مجموع الليل، والكواكب المتهاوية، ولم يتعلق الغرض بتشبيه النقع وحده بالليل، ولا بتشبيه السيوف وحدها بالكواكب، وإن صح ذلك.
أما القيد, فإن المقصود بالذات فيه هو أحد أجزاء الطرف، مع مراعاة قيد فيه. فالقيد إذًا ليس مقصودا بذاته, بل مقصود لذلك الجزء كما في تشبيه الساعي المقيد بأن سعيه لم يكلل بنجاح بالناقش المقيد بأن نقشه على الماء, فإن المقصود بالذات كل من "الساعي والناقش" مراعى في كل منهما قيده الخاص به أشبه الأشياء باليد من الإنسان.
فمدار التفرقة بينهما إذًا على القصد والاعتبار، لا على التركيب اللفظي, فإن كانت الأجزاء كلها مقصودة بذاتها في التشبيه كان من قبيل المركب، وإن كان المقصود أحد الأجزاء، وأن ما عداه تبع له كان من قبيل المفرد المقيد. والمرجح لأحد القصدين، وجود الحسن فيه دون الآخر1، والحاكم في ذلك هو الذوق السليم، والقريحة الصافية, أما التركيب اللفظي فلا اعتبار له في التفرقة بين المقيد والمركب؛ إذ قد يستويان فيه غالبا ا. هـ.
__________
1 هذا بالنظر إلى المتكلم, وأما السامع فيفرق بينهما باعتبار ما يبدو له من القرائن الدالة على أن المتكلم قصد الأجزاء كلها، أو قصد أحد الأجزاء واعتبر ما عداه تبعا.
(3/107)

التقسيم الثالث 1:
ينقسم التشبيه باعتبار تعدد الطرفين، أو تعدد أحدهما إلى أربعة أقسام:
1- ملفوف.
2- مفروق.
3- تسوية.
4- جمع.
فالملفوف: هو أن يتعدد طرفاه، ويجمع كل طرف مع مثله؛ بأن يؤتى بالمشبهات أولا بطريق العطف أو غيره، ثم بالمشبهات بها كذلك, أو العكس؛ بأن يؤتى بالمشبهات بها أولا بطريق العطف أو غيره، ثم بالمشبهات كذلك. فمثال تعددهما معطوفين قول امرئ القيس يصف عقابا بكثرة اصطياد الطيور:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي2
شبه امرؤ القيس الرطب الطري من قلوب الطير بالعناب في الشكل والمقدار واللون، وشبه اليابس العتيق منها بالحشف البالي في هذه الثلاثة أيضا, فالمشبه متعدد وهو "الرطب الطري من قلوب الطير، واليابس العتيق منها", والمشبه به متعدد كذلك، وهو "العناب والحشف البالي"، وقد جمع بين المشبهين في المصراع الأول
__________
1 لا يخفى أن هذا التقسيم لا يناسب أخويه السابقين؛ لأنه تقسيم لتشبيهات متعددة, إذ لا يتعدد طرفا تشبيه واحد، والتقسيم فيما سبق لتشبيه واحد.
2 أراد بالطير الجنس الصادق بالكثير والقليل، و"رطبا ويابسا" حالان من القلوب، والعامل فيهما "كأن" لتضمنها معنى التشبيه، وكأنه قال: أشبه قلوب الطير رطبا ويابسا, وإنما لم يؤنث الحالين؛ لأن الضمير فيهما راجع للقلوب لا باعتبار الجمع، بل باعتبار البعض أي: حالة كون بعضها رطبا، وبعضها يابسا, ولا بد من هذا التنويع؛ لأن الرطوبة واليبوسة لا تجتمعان في محل واحد و"لدى وكرها" ظرف يحتمل أن يكون حالا من القلوب أو من الضمير المستتر في "رطبا ويابسا" العائد على البعض، ويحتمل غير ذلك، و"الوكر": عش الطائر و"العناب": حب أحمر مائل إلى الكدرة في حجم قلوب الطير الرطبة، و"الحشف": أردأ التمر في هيئة قلوب الطير اليابسة.
(3/108)

على طريق العطف كما جمع بين المشبهين بهما في المصراع الثاني كذلك كما ترى1.
ومثال تعدد الطرفين غير معطوفين قولك: "والداك القمران" فالطرفان متعددان من غير عطف -كما رأيت- وقد يؤتى بأحدهما معطوفا، دون الآخر كما تقول: "أبوك وأمك القمران"، و"والداك الشمس والقمر" فالمعطوف في الأول هو "المشبه"، وفي الثاني هو "المشبه به"، وفي جميعها تقدم المشبه على المشبه به كما ترى. وعكس ذلك أن يقال: "كالشمس والقمر هند ودعد" بتقديم المشبهين بهما على المشبهين، مع العطف فيهما, ويقال: "كالقمرين ليلى وسعاد" معطوفا أحدهما دون الآخر، ويقال في عكسه: "كالأسد والبحر صديقاك", إلى غير ذلك مما جمع فيه كل صنف على حدة كما هو رأس المسألة. وسمي هذا النوع "ملفوفا" لأنه من اللف وهو الضم، وقد لف المشبهان في جميع ما مثلنا أي: ضم بعضهما إلى بعض, كما لف المشبهان بهما كذلك.
والمفروق: أن يتعدد طرفاه، ويجمع كل طرف مع صاحبه، بأن يجمع كل مشبه مع مشبه به كما في قول ابن سكرة:
الخد ورد والصدغ غالية ... والريق خمر والثغر كالدرر2
شبه الشاعر الخد بالورد, والصدغ بالغاية، والريق بالخمر، والثغر بالدرر، جاعلا كل مشبه مع مقابله. ومثله قول المرقش الأكبر3:
__________
1 إنما جعل من تشبيه المفرد المتعدد، ولم يجعل من تشبيه المركب بالمركب؛ لأنه ليس لانضمام الرطب من القلوب إلى اليابس منها هيئة حاصلة خاصة يقصد إليها، ولا لاجتماع العناب مع الحشف البالي هيئة كذلك.
ولهذا لو فرق التشبيه فقيل: كأن الرطب من القلوب عناب، وكأن اليابس منها حشف لصح ذلك، بدون توقف أحد التشبيهين على الآخر.
2 المراد بالصدغ: الشعر المتدلي على الخد، والغالية: أخلاط من الطيب, و"الثغر" أراد به الأسنان.
3 هو عمرو بن سعد, شاعر جاهلي.
(3/109)

النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم1
جمع الشاعر أيضا في هذا البيت كل مشبه به مع مشبهه كما في البيت السابق. وسمي هذا النوع "مفروقا"؛ لأنه لم يجمع فيه بين المشبهات على حدة، ولا بين المشبهات بها كذلك كما في القسم الأول، بل فرق بينهما، فوضع كل مشبه به بجوار مشبهه كما ترى.
وتشبيه التسوية: هو أن يتعدد المشبه، دون المشبه به كقول الشاعر:
صدغ الحبيب وحالي ... كلاهما كالليالي
وثغره في صفاء ... وأدمعي كاللآلي
شبه الشاعر في البيت الأول حاله، وصدغ حبيبه بالليالي في السواد، وشبه في البيت الثاني أدمعه، وثغر حبيبه باللآلي في الصفاء والتألق, فالمشبه فيهما متعدد دون المشبه به. وسمي هذا النوع "تشبيه التسوية"؛ لأنه سوي فيه بين شيئين في إلحاقهما بشيء واحد, كما تراه في البيتين.
وتشبيه الجمع: هو أن يتعدد المشبه به دون المشبه, عكس تشبيه التسوية, كما في قول البحتري من قصيدة له:
بات نديما لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح
كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح2
__________
1 "النشر": الرائحة الطيبة, و"العنم": شجر لين الأغصان أحمر اللون, تشبه به أصابع الجواري المخضبة, وأراد بأطراف الأكف الأصابع. يريد أن يقول: إن رائحة هؤلاء النسوة كرائحة المسك والوجوه منهن كالدنانير من الذهب في الاستدارة، والاستنارة، والصفرة، وهذا اللون مما كان يستحسن في ألوان النساء، وإن أصابعهن كالعنم في الحمرة والليونة.
2 "النديم" في الأصل: مؤانسك حال الشرب, والمراد هنا المؤانس ليلا، و"الأغيد": الناعم البدن, مؤنثه غيداء ويقال: غادة, و"المجدول": المدمح أي: المدخل بعضه في بعض, يريد: أنه ضامر الخاصرتين والبطن وهما موضع الوشاح, وهو جلد عريض مرصع بالجواهر يشد في الوسط بقصد التزين، و"يبسم" من باب "ضرب" وقد ضمن هنا معنى يكشف فعداه بعن. وفي جعل هذا البيت من باب التشبيه نظر؛ لأن المشبه وهو "الثغر" غير مذكور في الكلام فهو إذًا من باب الاستعارة. وقد يجاب بأن التشبيه هنا ضمني لا صريح يدل عليه "كأن" إذ إن المجاز يجب ألا يشتمّ فيه رائحة التشبيه لا لفظا, ولا تقديرا.
(3/110)

شبه البحتري في البيت الثاني ثغر محبوبه بثلاثة أشياء: اللؤلؤ" وهو المعدن النفيس المعروف، و"البرد" وهو حب الغمام، و"الأقاح" بفتح الهمزة جمع: أقحوان بضمها وسكون القاف وضم الحاء، وهو نور طيب الرائحة يتفتح كالورد, وأوراقه أشبه شيء بالأسنان. فالمشبه شيء واحد وهو "الثغر"، والمشبه به متعدد -كما ترى- و"أو" هنا بمعنى الواو، أو هي على أصلها للتنويع, ولما لم يعين واحد بخصوصه كان كأنه مشبه بالثلاثة. ومثله قول الشاعر:
ذات حسن لو استزادت من الحسـ ... ـن لما أصابت مزيدا
فهي الشمس بهجة والقضيب اللـ ... دن قدا والريم طرفا وجيدا1
شبه الشاعر في البيت الثاني هذه المرأة بثلاثة أشياء: الشمس والقضيب، والرئم. فالمشبه شيء واحد وهو "ذات الحسن"، والمشبه به متعدد. وسمي هذا النوع "تشبيه الجمع" لاجتماع شيئين أو أشياء في مشابهة شيء واحد.
ملحوظة: إن التفرقة بين تشبيهي التسوية والجمع اصطلاح لهم، وإلا فيمكن أن يعتبر في كل منهما ما اعتبر في الآخر، ويسمى باسمه.
اختبار:
1- اذكر وجه تقديم مباحث التشبيه على مبحث المجاز.
2- عرف التشبيه لغة واصطلاحا، وهل هو وصف المتكلم أو الكلام؟ وضح ذلك بمثالين من إنشائك.
__________
1 "القضيب": الغصن، و"اللدن": الطري الغض، و"القد": القامة، و"الرئم": الغزال, و"الطرف": العين و"الجيد": العنق.
(3/111)

3- بماذا يفرق بين التشبيه والاستعارة، ثم بينه وبين صورة التجريد في مثل قولك: "لقيني منه أسد".
4- اذكر أركان التشبيه, ووضح ذلك في مثال من عندك.
5- قسم التشبيه باعتبار حسية الطرفين وعقليتهما، مع التمثيل، ثم ائت بتشبيهات خمسة من إنشائك:
أولها: يدرك طرفاه بحاسة البصر، ووجهه بحاسة الشم.
ثانيها: يدرك طرفاه بحاسة البصر، ووجهه بحاسة اللمس.
ثالثها: يدرك طرفاه ووجهه بحاسة الذوق.
رابعها: يدرك طرفاه ووجهه بحاسة السمع.
خامسها: يدرك أحدهما بإحدى الحواس، والآخر بالعقل.
6- بين معنى الحسي والعقلي في الطرفين، ومن أي قبيل قولهم: "النساء حبائل الشيطان" وقول الشاعر:
كأن عيون النرجس الغضّ حولها ... مداهن در حشوهن عقيق؟
وجه ما تقول في المثالين.
7- قسم التشبيه باعتبار إفراد الطرفين وتركيبهما، مع التمثيل، ثم بين المراد بالقيد فيما طرفاه أو أحدهما مقيد، وهل من قبيل ما طرفاه مقيدان قولهم: "محمد الكريم كالأسد الرابض في عرينه"؟
8- افرق بين المقيد من الطرفين والمركب منهما، مع توضيح ذلك بالمثال.
9- قسم التشبيه باعتبار تعدد الطرفين، مع التمثيل، وبين سبب تسمية كل قسم باسم خاص، ومن أي نوع قول الشاعر:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا؟
تمرينات:
1- بين فيما يأتي طرفي التشبيه، والحاسة التي يدرك بها كل منهما:
(3/112)

1- صوت كأغاريد البلابل، ونكهة كريح الخزامي.
2- {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} .
3- دواء كالعقم، ولسع كلسع الأرقم1.
4- رضاب كجنى النحل، وجبين كالقمر.
5- شعر كالحرير، وقدّ كغصن البان.
6- {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} .
7- عبير كأنفاس الأزهار، ونغم كسجع الأطيار.
8-
كأنما الماء في صفاء ... وقد جرى ذائب اللجين
2- بين فيما يأتي طرفي التشبيه وحاليهما، ونوع التشبيه باعتبارهما:
1- علم لا ينفع كدواء لا ينجع.
2- الصديق المنافق، والأخ الجاهل كلاهما كجمر الغضا2.
3- الحق سيف على أهل الباطل.
4-
فرحت وآمالي كحظى كواسف ... وعزمي يحاكي سعيه في المكارم
5- ألا إن الغضب جمرة توقد في جنب ابن آدم.
6-
وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم
7-
إنما الدنيا كبيت ... نسجه من عنكبوت
8-
خود كأن بنانها ... في خضرة النقش المزرد
سمك من البلور في ... شبك تكون من زبرجد3
9-
رضاك شباب لا يليه مشيب ... وسخطك داء ليس منه مطيب
كأنك من كل النفوس مركب ... فأنت إلى كل النفوس حبيب
10-
فكم معنى بديع تحت خط ... هناك تزاوج كل ازدواج
__________
1 هو من أشد الأفاعي فتكا.
2 شجر سريع الالتهاب.
3 البلور: معدن شفاف, والزبرجد: جوهر نفيس.
(3/113)

كراح في زجاج أو كروح ... سرت في جسم معتدل المزاج
11-
له خال على صفحات خد ... كقطعة عنبر في صحن مرمر1
12-
أين أزمعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الربا وأنت الغمام
13-
يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا2
والبدر لو لم يغب والشمس لو نطقت ... والأسد لو لم تصد والبحر لو عذبا
14-
أنت بدر حسنا وشمس علوا ... وحسام حزما وبحر نوالا
15-
ليل وبدر وغصن ... شعر ووجه وقد
خمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد
16-
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل3
17- وجهه وجه الشيطان، وعمله عمل الملائكة.
18- ريقها العذب الفرات, وصوتها مزمار داود.
19- "أنتم الشعار، والناس الدثار" 4.
__________
1 "الخال": شامة على الخد، و"المرمر": الرخام.
2 صوب الغيث: انصبابه, و"المحيا": الوجه.
3 الأفاعي: الحيات، و"الأري": عسل النحل, و"الجنى": كل ما يجنى, وشار العسل واشتاره: استخرجه، و"الأيدي العواسل": هي المستخرجة للعسل من موضعه.
4 "الشعار": الثوب الذي يلي البدن, و"الدثار": ما فوق الشعار من الثياب. يريد: أنتم أقرب الناس مني كالشعار, أما الناس فبعيدون عني كالدثار.
(3/114)

تمرينات يطلب جوابها:
1- بين فيما يأتي طرفي التشبيه وحاليهما ونوع التشبيه باعتبارهما:
إذا الدولة استكفت به في ملمة ... كفاها فكان السيف والكف والقلبا
في رأس مشرقة حصاها لؤلؤ ... وترابها مسك يشاب بعنبر
إني وتزييني بمدحي معشرا ... كمعلق درا على خنزير
كلنا باسط اليد ... نحو نيلوفر1 ندي
كدبابيس عسجد ... قضبها من زبرجد2
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على المال خانته فروج الأصابع
يهز الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العقاب
كأنما النار في تلهبها ... والفحم من فوقها يغطيها
زنجية شبكت أناملها ... من فوق نارنجة لتخفيها
وإذا أشار محدثا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم
2- مثل لما يأتي: تشبيه مقيد الطرفين. تشبيه طرفه الأول حسي، والآخر عقلي، أو العكس. تشبيه طرفه الأول مقيد، والآخر مركب، أو العكس. تشبيه مفروق، وآخر ملفوف. تشبيه طرفاه مركبان حسيان. تشبيه تسوية، وآخر تشبيه جمع.
3- اجعل مجموع الأشياء الآتية مشبها به، وبين نوع التشبيه فيه: الدر، والغصن، والورد، ثم بين من أي أنواع التشبيه قولهم: هو بدر حسنا، وشمس علوا، وبحر علما، وأسد شجاعة؟
__________
1 بكسر النون وفتح اللام والفاء: نبت له أصل كالجذر, وله ساق تطول حسب عمق الماء, فإذا ساوى سطحه أورق وأزهر.
2 "العسجد": الذهب و"الزبرجد": الزمرد.
(3/118)

مبحث وجه الشبه
التقسيم الأول
...
مبحث وجه الشبه:
الوجه: هو المعنى الذي اشترك الطرفان فيه "كالجمال" في قولك: "سعدى كالبدر"، ومثل "السرعة" في قولك: "الجواد كالريح" فكل من الجمال والسرعة وجه شبه؛ لأنه المعنى الذي اشترك فيه الطرفان: "سعدى والبدر" في الأول، "والجواد والريح" في الثاني.
غير أنه يشترط أن يكون له مزيد اختصاص بالطرفين في قصد المتكلم ليفيد التشبيه فائدته؛ ولهذا ينبغي أن يكون وجه الشبه مقصودا للمتكلم, فليس كل معنى مشترك بين الطرفين "وجه شبه" ما لم يقصد جعله موضع اشتراك, وإلا فإن الطرفين قد يشتركان في كثير من المعاني كالحيوانية، والجسدية، والوجود، والحدوث، وغير ذلك، ومع ذلك لا يعد واحد منها وجه شبه اللهم إلا إذا قصد إليه المتكلم، واعتبره وجها للشبه بين الطرفين لغرض ما كالتفريع مثلا, كأن ترى إنسانا يقسو على آخر، ويحمله ما لا يطيق، فتقول له: "هذا مثلك فارحمه" تريد: مثلك في الحيوانية، أو الجسدية, فيكون لهذا الوجه حينئذ مزيد اختصاص وارتباط من حيث ذلك الغرض.
و"للتشبيه" باعتبار الوجه تقسيمات عدة:
التقسيم الأول:
ينقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين: تحقيقي، وتخييلي.
فالتحقيقي: ما يكون وجه الشبه فيه قائما بالطرفين حقيقة, كما تقول:
(3/119)

وجه هند كالبدر، وشعرها كالليل، فوجه الشبه بين الطرفين هو "الإشراق" في الأول، "والسواد" في الثاني, وكلا المعنيين قائم بالطرفين على وجه الحقيقة.
والتخييلي: ما لا يكون الوجه قائما بالطرفين، أو بأحدهما إلا تخيلا، وهو أن يثبته الخيال بجعله غير المحقق محققا. فمثال ما فيه الوجه متخيل في أحد الطرفين قولك: "له سيرة كنفح1 الطيب" و"أخلاق كأريج المسك" فقد شاع وصف كل من السيرة والأخلاق بالطيب مبالغة, حتى تخيل أنهما من ذوات الرائحة الطيبة, فوجه الشبه وهو "الرائحة الجميلة" متخيل في المشبه في المثالين، ومن هذا القبيل قول القاضي التنوخي:
رب ليل قطعته بصدود ... وفراق ما كان فيه وداع
موحش كالثقيل تقذى به العيـ ... ـن وتأبى حديثه الأسماع
وكأن النجوم بين دجاه ... سنن لاح بينهن ابتداع2
والشاهد في البيت الأخير, فإن وجه الشبه فيه هو الهيئة الحادثة من حصول أشياء بيض مشرقة، في جوانب شيء مظلم وهي غير موجودة في المشبه به ضرورة أن "الإشراق" -لكونه حسيا- لا تتصف به السنة لأنها أمر عقلي، وأن "الإظلام" -لكونه حسيا أيضا- لا تتصف به البدعة؛ لكونها أمرا عقليا كذلك. فوجه الشبه إذًا غير موجود في المشبه به إلا على طريق التخيل والتوهم بافتراض غير الحاصل حاصلا.
بيان ذلك: أنه لما كانت البدعة، وكل ما هو ضلال مما يجعل صاحبه كمن يمشي في الظلام، فلا يهتدي إلى طريق النجاة شبهت
__________
1 نفح الطيب نفحا ونفاحا: تضوّعت رائحته وفاحت.
2 الدجى جمع دجية, وهي الظلمة والضمير لليل، وروي "ودجاها" والضمير حينئذ للنجوم، والإضافة لأدنى ملابسة، و"الابتداع": البدعة وهي الأمر الذي ادعي أنه مأمور به شرعا, وهو ليس كذلك.
(3/120)

البدعة بالظلمة، وشاع وصفها بها، وكان من أثر هذا الشيوع أن تخيل أن البدعة من الأجرام ذوات اللون الأسود, كما تخيل الكفر من الأجرام التي لها سواد في قولهم: "شاهدت سواد الكفر في جبين فلان" ولزم بطريق العكس أن تشبه السنة، وكل ما هو هدى بالنور، وشاع وصفها به حتى تخيل أن السنة من الأجرام ذوات اللون الأبيض المشرق, كما تخيلت الشريعة الغراء من الأجرام التي لها بياض في قوله, صلى الله عليه وسلم: "أتيتكم بالحنيفية البيضاء ليلها كنهارها" فبسبب هذا التخيل، واعتبار ما ليس بمتلون متلونا, صح تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع، وصار واضحا جليا. ونظير هذا تشبيههم النجوم بين الدجى ببياض الشيب يلمع في سواد الشباب، أو بالأزهار تتألق بين النبات الشديد الخضرة.
والبيت المذكور من قبيل تشبيه مفرد مقيد بمفرد مقيد, فإن المشبه "النجوم" بقيد كونها ظهرت بين قطع الليل البهيم، والمشبه به "السنن" بقيد كونها لاحت بين الابتداع.
غير أن في عبارة الشاعر قلبا؛ لأنه جعل في جانب المشبه "النجوم بين الدجى" فكان الواجب أن يجعل في جانب المشبه به "السنن بين الابتداع" لتصح المقابلة، ويتوافق الجانبان. ولعل النكتة في هذا القلب الإشارة إلى كثرة السنن في زمانه، وأن البدع بالقياس إليها كانت قليلة.
ومثل قول التنوخي قول أبي طالب الرقي:
ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق1
يصف الشاعر نفسه بالوفاء، وأنه لا ينسى حبيبه حتى في أحلك الأوقات وأشد الأزمات. ووجه الشبه بين الطرفين هو "السواد"
__________
1 في هذا البيت تشبيه جمع؛ لاتحاد المشبه وتعدد المشبه به.
(3/121)

غير أنه متخيل في المشبه به كالذي قبله؛ لأنه لما شاع وصف أوقات المكاره بالسواد توسعا، فقالوا: اسودّ النهار في عيني، وأظلمت الدنيا في وجهي, تخيل أن "يوم النوى" من الأشياء ذوات اللون الأسود, فشبه الظلام به, كما شبه بفؤاد من لم يعشق تظرفا, فإن الغزل يدعي قسوة من لم يعشق؛ ولذا يقولون: ويل للشجي من الخلي, وكم يوصف القلب القاسي بالسواد حتى تخيل أن له سوادا حالكا. ومثله قول الشاعر:
يا من له شعر كحظي أسود ... جسمي نحيل من فراقك أصفر
فإن الوجه بين الطرفين السواد، وهو متخيل في المشبه به لشيوع وصفه بالسواد, حتى تخيل أنه ذو لون أسود تدركه العيون.
فإذا قيل في هذا البيت: "يا من له حظ كحظي أسود"، أو قيل في بيت أبي طالب: "ولقد ذكرتك والزمان كأنه يوم النوى ... " "البيت" كانا مثالين لما يكون فيه الوجه متخيلا في الطرفين.
هذا, وقد تقدم أن تشبيه المحسوس بالمعقول لا يجوز إلا إذا تخيلنا المعقول محسوسا, وافترضناه أصلا في وجه الشبه يقاس به المشبه مبالغة، وإذًا فلا بد هنا أن نتخيل غير المتلون أصلا للمتلون الحقيقي، فنتخيل "السنن" في بيت التنوخي أصلا في البياض، و"البدع" أصلا في السواد, كما نتخيل في بيت أبي طالب "كلا من يوم النوى، وفؤاد من لم يعشق" أصلا في السواد كذلك.
تنبيهان:
الأول: مما تقدم في تعريف وجه الشبه, وتقسيمه إلى تحقيقي وتخييلي, يتبين أنه لا بد من وجوده في الطرفين تحقيقا، أو تخييلا. فإذا لم يوجد في الطرفين على إحدى هاتين الصفتين لم يصح
(3/122)

جعله وجه شبه, وإذًا لا يصح أن يكون وجه الشبه في قوله: "النحو في الكلام كالملح في الطعام" كون القليل مصلحا, والكثير مفسدا؛ لأنه المشبه، وهو "النحو" لا يشترك مع المشبه به في هذا المعنى؛ إذ لا يحتمل قلة ولا كثرة، بل هو عبارة عن أن تراعى قواعده، وأحكامه من رفع الفاعل، ونصب المفعول فإن تحقق ذلك في الكلام كان صالحا، وإلا كان فاسدا, أما المشبه به وهو "الملح" فيحتمل القلة والكثرة، والقليل منه مصلح، والكثير مفسد؛ وحينئذ لا يصح جعل "كون القليل مصلحا، والكثير مفسدا" وجه شبه لعدم تحققه في كلا الطرفين لا تحقيقا ولا تخييلا, بل وجه الشبه بينهما هو: "الصلاح إذا استعملا، والفساد إذا أهملا" وهذا المعنى "لا شك" موجود في الطرفين ا. هـ.
الثاني: قد يكون وجه الشبه في أحد الطرفين ادعائيا، وفي الآخر حقيقيا كما يقال للجبان: هو أسد، وللبخيل: هو حاتم. فوجه الشبه بين الطرفين في الأول "الشجاعة"، وفي الثاني "الجود", وليس من شك أن الشجاعة في الجبان، والجود في البخيل, كلاهما أمر ادعائي ليس غير.
ومثل هذا الكلام -في ظاهره- غير صحيح؛ لأن وجه الشبه -كما قلنا- لا بد أن يكون معنى مشتركا بين الطرفين، والطرفان "في المثال الأول" لم يشتركا في معنى "الشجاعة" لانعدامه في الجبان, كما لم يشتركا في معنى "الجود" في المثال الثاني؛ لانعدامه في البخيل فلا مندوحة إذًا من توجيه يصح به مثل هذا التشبيه.
وتوجيه ذلك: أن ينزل التضاد بين الطرفين المتضادين منزلة التناسب بينهما، وإبراز الخسيس في صورة الشريف, فيجعل "الجبن" مثلا بمنزلة الشجاعة، والبخل بمثابة الجود، ويعتبر الجبان شجاعا, والبخيل جوادا لغرض ما، وبهذا التأويل صح أن يكون الوجه في الأول "الشجاعة"، وفي الثاني "الجود"، ووضح اشتراك الطرفين
(3/123)

في الوجه, ويسمى مثل هذا النوع من التشبيه "تشبيه التضاد".
غير أنه لا بد لتنزيل التضاد منزلة التناسب من غرض صحيح يدعو إليه, وإلا كان الكلام ضربا من الهذيان، وذلك الغرض هو التهكم والسخرية، أو التظرف والتمليح1، وبغير ذلك لا يتم التنزيل المذكور، ولا يعتبر. فإذا قلت مثلا: "ما أشبه البخيل بحاتم"! أو ما أشبه العيي بسحبان وائل، منزلا التضاد بينهما منزلة التناسب؛ فلا بد أن يكون ذلك منك على سبيل التهكم والسخرية، أو التظرف والتمليح.
أما ما قيل من أن وجه الشبه في نحو هذين المثالين هو "التضاد" أي: كون كل منهما مضادا للآخر؛ لأنه المعنى المشترك بين الطرفين, فهو قول لا يعدو صماخ الأذن؛ إذ من المعلوم بداهة: أن كلا من المتضادين مضاد للآخر ومقابل له كما في قولنا: "السواد كالبياض في التضاد"، و"العدم كالوجود في التقابل". وهكذا ومثل هذا التشبيه من لغو القول ينبغي أن يبرأ منه كلام البليغ, على أنه لو كان الأمر كذلك لم يكن للتهكم أو التظرف معنى؛ إذ لا تهكم أو تظرف في أن يشبه أحد المتضادين بالآخر في معنى التضاد؛ لأن هذا لا يعدو الواقع الملموس، وإنما يكون التهكم أو التمليح حيث يدعى للجبان شجاعة، وللبخيل جود، بعد تنزيل التضاد بينهما منزلة التناسب كما رأيت ا. هـ.
اختبار وتمرين:
1- عرف وجه الشبه، وهل كل معنى بين الطرفين يصح جعله موضع اشتراك؟ وجه ما تقول، مع التمثيل.
__________
1 يفرق بينهما بحسب المقام, فإن رمى المتكلم إلى السخرية والاستهزاء فتهكم, وإن كان متظرفا فتمليح.
(3/124)

2- افرق بين التشبيه التحقيقي والتخييلي، ثم ائت بتشبيه يكون أحد الطرفين فيه حسيا، والوجه عقليا، وبآخر يكون الوجه في أحد الطرفين تخييليا.
3- الشأن في ملح الطعام أن يكون القليل منه مصلحا، والكثير مفسدا, فهل يصح جعل هذا الوصف وجه شبه بينه وبين النحو في قولهم: النحو في الكلام كالملح في الطعام؟ وجه ما تقول، ثم اذكر ما تراه يصلح وجه شبه.
4- بين وجه الشبه، ونوع قيامه بكل من الطرفين من حيث تحققه، أو تخيله، أو ادعاؤه فيما يأتي:
"1" ثوب المخلص كقلبه.
"2" باقل كسحبان.
"3" الحياة كسحابة صيف.
"4"
فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا
جواب التمرين:
1- وجه الشبه هو البياض وهو في المشبه حقيقي، وفي المشبه به تخييلي, فإن القلوب ليست من ذوات الألوان وقد جعل القلب مشبها به لاعتباره أصلا في البياض مبالغة.
2- وجه الشبه الفصاحة وهو في المشبه ادعائي، وفي المشبه به حقيقي بتنزيل التضاد بين الطرفين منزلة التناسب، وجعل العي بمثابة الفصاحة تهكما أو تمليحا.
3- وجه الشبه عدم الثبات وهو قائم بالطرفين حقيقة.
4- وجه الشبه هيئة اجتماع بياض بسواد, إذ قد شبه الشاعر النار والفحم مجتمعين بالعدل والظلم مجتمعين كذلك في الهيئة المذكورة, وهي قائمة بالمشبه حقيقة، وبالمشبه به تخيلا, بعد اعتباره أصلا في هذه الهيئة يقاس عليه مبالغة.
(3/125)

التقسيم الثاني:
ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضا إلى ثلاثة أقسام:
1- ما يكون وجه الشبه فيه شيئا واحدا1.
2- ما يكون الوجه فيه مركبا منزلا منزلة الواحد.
3- ما يكون الوجه فيه متعددا.
فالوجه الواحد: ما لا تركب فيه ولا تعدد "كالحمرة" في قولك: "خده كالورد" و"كالنعومة" في قولك: "لها بشر مثل الحرير"، و"كالحلاوة" في قولك: "تفاحك كالعسل"، و"كالكرم" في قولك: محمد كحاتم، و"كالهداية" في قولك: العلماء العاملون كالنجوم, فوجه الشبه في هذه المثل جميعها شيء واحد كما رأيت.
والمركب المنزل منزلة الواحد: ما كان مركبا من متعدد تركيبا اعتباريا, بأن يقصد إلى عدة أوصاف لشيئين، فتنتزع منها هيئة تعمهما بحيث لا يصلح واحد منها على انفراده وجه شبه، وبحيث لو سقط واحد منها لم يتم التشبيه, كما في قول بشار المتقدم:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فإن وجه الشبه -على ما سبق- مجموع الهيئة المنتزعة من هوي أجرام مشرقة، مستطيلة الأشكال، متناثرة في جوانب شيء مظلم, ولا يصح "في العرف البلاغي" جعل واحد من هذه الأشياء وجه شبه على حدة؛ لأن القصد تشبيه الطرفين في هذه الهيئة المجتمعة, كما لا يصح إسقاط واحد منها "في اعتبار المتكلم" لصيرورة الهيئة وحدة متضامة الأجزاء. ومثله قول الشاعر:
والبدر في كبد السماء كدرهم ... ملقى على ديباجة زرقاء
__________
1 المراد بالواحد: ما يعد في العرف واحدا.
(3/126)

فوجه الشبه -كما ترى- مجموع الهيئة المركبة من عدة أمور: هي ظهور صورة مشرقة مستديرة بيضاء، في رقعة مبسوطة زرقاء, ولا يصح في "الذوق البلاغي" اعتبار أحد هذه الأمور وجه شبه على استقلاله, كما لا يصح فصل أحدها عن مجموع الهيئة.
وإنما نزل هذا القسم منزلة الواحد؛ لأن الوجه فيه مركب من أشياء تضامت، وتلاصقت حتى صارت كالشيء الواحد لا يقبل التجزئة, وإنما لم يكن واحدا حقيقة لتركبه من جملة أمور، ولا تركب في الواحد.
وقد شرطنا في المنزل منزلة الواحد أن يكون تركيبه اعتباريا ليخرج ما كان مركبا من متعدد تركيبا حقيقيا كالحقيقة الإنسانية المركبة من الحيوانية والناطقية في مثل قولك: "عباس كفؤاد في الإنسانية" فإن هذا الوجه من قبيل الواحد، لا من قبيل المنزل منزلته؛ لأنه مركب من جزأين صارا بهذا التركيب شيئا واحدا في الخارج، قائما بذاته, بخلاف الوجه في نحو ما في بيت "بشار"، فإن الأمور التي تكونت منها تلك الهيئة السابقة لا يلتئم من مجموعها حقيقة واحدة قائمة بذاتها كالحقيقة الإنسانية, وإنما هي أمر اعتباري لاحظه المتكلم من اجتماع أمور انتزعها العقل من الطرفين. ولو أننا اعتبرنا المركب الحقيقي في موضوع المسألة لكان أمثال قولك: "عباس كفؤاد" من قبيل تشبيه المركب بمثله, إذ إن كلا من الطرفين مركب من حيوانية وناطقية, ولا قائل به.
والوجه المتعدد ما كان عدة أمور جعل كل منها وجه شبه على حدة, كما في قولك: هذه الفاكهة كالتي أكلناها أمس في الطعم، واللون، والرائحة، وكما في قولك: محمد كأخيه في الطول، والرشاقة، والوسامة، ومثله في الحلم والكرم، والذكاء. فوجه الشبه في هذه المثل أمور متعددة, كل منها يصلح أن يكون وجه شبه على انفراده, إذ ليس القصد تشبيه الطرفين في الهيئة المركبة من هذه الأمور، بل في كل واحد منها.
(3/127)

تنبيهان:
الأول: مما تقدم يعلم أن الفرق بين الوجه المركب من عدة أشياء, وبين المتعدد هو أن المركب منظور فيه إلى مجموع الأشياء، والهيئة المركبة منها بحيث تصير وحدة لا تتجزأ، وبحيث لو حذف أحد هذه الأشياء اختل التشبيه كما في قول بشار: "كأن مثار النقع ... " "البيت" فإن وجه الشبه -كما علمت- هو مجموعة الأمور السابقة, وهي سقوط الأجرام المشرقة, المستطيلة الأشكال, المتناثرة في جوانب شيء مظلم, فلو حذف من هذه المجموعة واحد كالإشراق، أو الاستطالة لم يتم التشبيه بين الطرفين. وكما في قول الآخر: "والبدر في كبد السماء ... " "البيت" فإن وجه الشبه فيه مجموعة الأشياء السابقة من ظهور صورة بيضاء مشرقة مستديرة في رقعة زرقاء, فلو حذف من هذه المجموعة واحد كالاستدارة، أو الإشراق لاختل التشبيه كذلك؛ ذلك أن الغرض تشبيه الطرفين في الهيئة التركيبية المتضامة الأجزاء.
أما الوجه المتعدد, فإن المنظور فيه إلى أمور متعددة يقصد جعل كل واحد منها على استقلاله وجه شبه -عكس الأول- بحيث لو حذف أحدها، أو قدم, أو أخر لم يختل التشبيه كما في المثال السابق في تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم، والرائحة، واللون, فإنك لو حذفت اللون مثلا، أو الطعم لم يختل التشبيه؛ إذ ليس الغرض أن يجعل وجه الشبه الهيئة الحاصلة من مجموع هذه الأمور، بل المراد جعل كل واحد منها وجه شبه، من غير أن يتقيد أحدها بالآخر.
ويتبين لك الفرق بينهما جليا في قول الشاعر:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت1
__________
1 كما أبرقت, الكاف للتشبيه وما مصدرية وأبرقت بمعنى ظهرت وعرضت, وفي الأساس: أبرقت لي فلانة, إذا تحسَّنت وازَّيَّنت, وهو من باب الحذف والإيصال, فقوله: أبرقت قوما أي: أبرقت لقوم و"أقشعت" بمعنى أقلعت وذهبت.
(3/128)

شبه الشاعر حال من ظهر له شيء هو في غاية الحاجة إليه، وقد علق به رجاءه، ثم ما لبث أن فوجئ بفقدانه، أو ذهابه إلى حيث لا أمل فيه بحال قوم عطاش عرضت لهم غمامة هم أشد ما يكون حاجة إليها، وما إن رجوها أن تمطرهم حتى انقشعت عنهم، وذهبت وتركتهم في حيرة ويأس, ووجه الشبه الهيئة الحادثة من الشيء يكون أوله مطمعا مغريا، وآخره مخيبا موئسا.
فأنت ترى أن الوجه منتزع من أمرين متصلين: ابتداء مطمع، وانتهاء موئس, والشطر الأول من البيت المذكور إنما تضمن الأمر الأول إذ معناه: أن الغمامة ظهرت لقوم يرجون الماء لشدة حاجتهم إليه فقد أطمعتهم أول الأمر حين عرضت لهم. أما الأمر الثاني وهو الانتهاء الموئس, فقد تكفل به الشطر الثاني إذ معناه: أن الغمامة خذلتهم، وتولت عنهم حين التمسوها فكانت الحال نهاية موئسة.
وإذ علمت هذا: تعلم أنه لا يتأتى انتزاع وجه الشبه من الشطر الأول فقط؛ لأن الوجه -كما عرفت- مركب من الأمرين معا، فلا بد أن ينتزع من الشطرين جميعا ولو اقتصر فيه على الشطر الاول لاختل التشبيه؛ لعدم وفاء هذا الشطر بالمعنى المراد.
وهذا بخلاف التشبيه المتعدد كما في المثال السابق في تشبيه فاكهة بأخرى، أو كما في قولنا: "محمد كالأسد في ضخامته، وزئيره، وإقدامه" فإن القصد فيه إلى تشبيهه بالأسد في كل واحد من هذه الأمور الثلاثة بحيث لو ترك أحدها, لم يتغير حال الباقي في إفادة معناه ا. هـ.
الثاني: اعلم أنه إذا كان وجه الشبه مركبا وجب أن يكون الطرفان مركبين، أو مقيدين، أو أحدهما مركبا، والآخر مقيدا ولو تقديرا؛ ذلك أن وجه الشبه قائم بالطرفين، منتزع منهما، وليس معقولا أن تقوم هيئة مركبة من عدة أمور بشيء واحد، أو أن تنتزع
(3/129)

من شيء واحد. فوجه الشبه في بيت بشار المتقدم هو الهيئة المركبة من عدة أمور سبق بيانها غير مرة، وتلك الهيئة لا يمكن أن تقوم بشيء واحد، ولا أن تنتزع منه. كذلك وجه الشبه في قول الشاعر السابق:
إني وتزييني بمدحي معشرا "البيت"
هو هيئة من يضع الشيء في موضع ليس أهلا له, وهذا المعنى التركيبي -وقد سبق بيانه- لا يمكن أن يقوم بأحد الطرفين مجردا عما لوحظ فيه من قيود. كذلك وجه الشبه في تشبيه الشمس بالمرآة في يد رعشاء هو الهيئة السابق ذكرها، وأحد الطرفين وهو الشمس -وإن أفراد لفظا- مقيد معنى بجملة قيود هي الإشراق المتموج، والحركة السريعة المتصلة، والاستدارة، وبهذا صح أن يكون منزعا للهيئة المذكورة ا. هـ.
اختبار:
1- افرق بين الوجه المركب والمتعدد، ووضح ذلك بالأمثلة توضيحا تاما، واذكر لِمَ كان المركب منزلا منزلة الواحد، ولم يكن واحدا حقيقة؟
2- قالوا: إذا كان وجه الشبه مركبا فالطرفان إما مركبان, أو مقيدان، أو مختلفان، ولا يصح أن يكون أحدهما، أو كلاهما مفردا. علل لهذه القاعدة، موضحا ما تقول بالمثال.
3- ائت بتشبيهات أربعة، فيها الوجه مركب؛ إما مع طرفين مركبين كذلك، أو مفردين مقيدين، أو مختلفين.
4- قالوا: إن وجه الشبه في نحو قول بشار: "كأن مثار النقع ... " "البيت" من قبيل المركب, فهل يصح تحويله إلى تشبيه متعدد، فيشبه النقع المثار بالليل والسيوف اللامعة بالكواكب؟ علل لما تقول.
5- علامَ استشهد الخطيب في تلخيصه بقول الشاعر:
كما أبرقت قوما عطاشا سحابة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت؟
(3/130)

التقسيم الثالث:
1- أن يكون وجه الشبه فيه حسيا, أي: مدركا بالحس الظاهر، مفردا كان، أو مركبا، أو متعددا.
فالمفرد الحسي "كالإشراق" في قولك: "له وجه كالبدر"، و"كالملاسة" في قولك: "له خد كصفحة المرمر" و"كالطيب" في قولك: له عرف كأريج العنبر, إلى آخر ما تقدم من الأمثلة في الأمور الحسية.
والمركب الحسي يكون طرفاه مركبين، أو مفردين مقيدين، أو مختلفين؛ فالمركب ذو الطرفين المركبين كما في قول بشار السابق:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فإن وجه الشبه فيه -على ما سبق- هو الهيئة الحاصلة من تساقط أجرام مشرقة، مستطيلة، متناسبة المقادير، متناثرة، في أثناء شيء مظلم، وهذه الهيئة حسية تدرك أجزاؤها بحاسة البصر, والطرفان مركبان -كما ترى- إذ لم يقصد تشبيه النقع بالليل، أو السيوف بالكواكب، بل قصد إلى تشبيه الهيئة بالهيئة كما سبق بيانه.
والمركب الحسي ذو الطرفين المقيدين, كما في قول قيس بن الخطيم:
وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا1
__________
1 "الثريا": اسم لمجموعة من النجوم متقاربة على شكل خاص, و"الملاحية" بضم الميم وتخفيف اللام وقد تشدد كما هنا: عنب أبيض في حبه طول, ومعنى "نور" تفتح نوره, وقيل: معناه: أدرك وهو أظهر والإضافة بيانية.
(3/131)

فإن وجه الشبه فيه هيئة اجتماع صور بيض مستديرة، صغار المقادير، في رأي العين، على وضع خاص1. وهذه الهيئة حسية، والطرفان هنا "الثريا والعنقود" وهما مفردان روعي في كل منهما قيده الخاص, ففي الأول روعي كونه في وقت الصبح، وفي الثاني روعي كونه عنقود ملاحية حين تفتح نوره.
والمركب الحسي ذو الطرفين المختلفين, إفرادا وتركيبا كما في قول الصنوبري:
وكأن محمر الشقيـ ... ـق إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد
فإن وجه الشبه فيه هيئة الأجرام الحمر، المنشورة على رءوس أجرام مستطيلة خضر, وهذه الهيئة حسية تدرك بحاسة البصر، والمشبه -كما ترى- مفرد؛ لأنه اسم لمسمى واحد هو "الشقيق"، ولكن روعي فيه قيوده من الاحمرار، والتصوب والتصعد، والمشبه به مركب؛ لأن القصد فيه إلى هيئة الأعلام الياقوتية، المنشورة على الرماح الزبرجدية. وكما تقدم في عكسه من قول أبي تمام:
يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجه الأرض كيف تصور
تريا نهارا مشمسا قد شبه ... زهر الربا فكأنما هو "مقمر"
فإن وجه الشبه فيه هيئة اختلاط شيء أسود بشيء أبيض مشرق, وهذا الوجه مما يدرك أيضا بحاسة البصر, والمشبه مركب لأن القصد فيه -كما سبق- إلى هيئة النهار المشمس، خالطه زهر الربا، فنقص من ضوئه والمشبه به وهو "الليل" مفرد مقيد بالوصف المذكور.
لكن قد يقال: إن وجه الشبه هو المعنى الذي يشترك فيه الطرفان، فينبغي إذًا أن يكون كليا ليتأتى فيه معنى الاشتراك،
__________
1 أي: لا هي منضمة شديدة الانضمام، ولا هي مبتعدة شديدة الابتعاد.
(3/132)

والحسي -وهو المدرك بإحدى الحواس- لا بد من وجوده في جسم معين خارجا, حتى يتأتى إدراكه بالحاسة كالحمرة القائمة بخد معين، وورد معين, ومثل هذا لا يكون إلا جزئيا والجزئي لا يتأتى فيه الاشتراك فلا يصح أن يكون وجه شبه.
ويجاب: بأن لا نزاع في أن وجه الشبه لا يكون إلا كليا ضرورة اشتراك الطرفين فيه, فوجه الشبه في نحو قولك: "خده كالورد" هو "مطلق حمرة" وهو معنى كلي لا يدركه إلا العقل، ولا مدخل للحواس فيه, غير أن الموصوف بالحسية إنما هو جزئيات هذا الكلي كحمرة هذا الخد المشاهد، وحمرة هذا الورد المعين؛ وحينئذ فإطلاق وصف الحسية على وجه الشبه الذي هو مطلق حمرة فيه نوع تسامح من إطلاق ما للجزئي على الكلي.
والمتعدد الحسي ما تقدم في تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم, والرائحة، واللون, فوجه الشبه لكل واحد من هذه الأمور الثلاثة، وجميعها حسي، يدرك الأول منها بحاسة الذوق، والثاني بحاسة الشم، والثالث بحاسة البصر.
2- أن يكون وجه الشبه عقليا أي: مدركا بالعقل، واحدا كان، أو مركبا، أو متعددا.
فالوجه الواحد العقلي, طرفاه إما: عقليان، أو حسيان، أو مختلفان. فالواحد العقلي ذو الطرفين العقليين "كعدم النفع" في قولك: "وجود فلان كعدمه"، و"كعظم الفائدة" في قولك: "العلم كالحياة". والواحد العقلي ذو الطرفين الحسيين "كالهداية" في قول النبي صلى الله عليه وسلم: $"أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم اهتديتم"، و"كالرسوخ" في قولك: "فلان كالجبل". والواحد العقلي ذو الطرفين المختلفين حسا وعقلا "كالهداية" في قولك: "العلم كالنور"، فالمشبه عقلي، والمشبه به حسي,
(3/133)

و"كاستطابة النفس" في قولك: "العطر كالخلق الكريم" فالمشبه حسي, والمشبه به عقلي عكس الأول، والوجه في الجميع عقلي كما رأيت.
والمركب العقلي كما في قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} .
شبه حال اليهود المنتزعة من حملهم للتوراة، بمعنى تكليفهم العمل بها، وكون المحمول مستودع العلم النافع لهم، وعدم حملهم لها بمعنى عدم العمل بمقتضاها، والانتفاع بما فيها، مع تحملهم ما طلب إليهم، مما يثقل عليهم، ويشق على نفوسهم, شبه هذه الحال بحال الحمار المنتزعة من حمله أوعية العلوم، ومستودع ثمار العقول، وعدم انتفاعه بما يحمل، مع معاناته مشاق الحمل. ووجه الشبه بين الحالين هو هيئة الحرمان من الانتفاع بأبلغ نافع، مع معاناة الكد في استصحابه. وهذه الهيئة أمر عقلي انتزع من عدة أمور كذلك1. ومثل الآية الكريمة قول الشاعر:
والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء2 بالنار
شبه حال من أصابته شدة، فالتجأ إلى عمرو طمعا في الاحتماء به, فإذا عمرو أشد خطرا مما وقع فيه بحال من لذعته الرمضاء، فالتجأ إلى ما هو أشد لذعة، وأنكى ألما. ووجه الشبه هيئة الالتجاء من
__________
1 وإنما كان الوجه منتزعا من أمور عقلية؛ لأنه روعي في جانب اليهود حمل خاص هو التكليف، وحرمان من الانتفاع بما كلفوا به، ومعاناة كد فيما حملوه, وكل هذه الأشياء أمور عقلية، وروعي مثل ذلك في جانب الحمار غير أن الحمل في جانبه حسي؛ لأن المراد منه الحمل على الظهر بخلافه في جانب اليهود, فإن المراد منه التكليف والطلب، وكون بعض الأمور المنتزع منها حسيا لا يؤثر في عقلية المنتزع.
2 هي الأرض ذات الحرارة الشديدة, من الرمض -بفتح الراء والميم- وهو شدة وقع الشمس على الرمل.
(3/134)

الضار إلى ما هو أضر منه؛ طمعا في النجاء, فمجموع الهيئة هو الالتجاء إلى ما هو أضر, والطمع في الانتفاع به، وهما -كما ترى- أمران عقليان.
والمتعدد العقلي كما في قولك: محمد كأبيه في شجاعته، وحلمه، وإيمانه, فوجه الشبه كل واحد من هذه الأمور الثلاثة, والجميع مما لا يدرك بغير العقل.
3- أن يكون الوجه مختلفا؛ بعضه حسي وبعضه عقلي, كما في وجه الشبه المتعدد, كأن تشبه رجلا بآخر في طوله وجسامته، وحلمه وشهامته, فوجه الشبه كل واحد من هذه الأمور الأربعة, غير أن الأولين منها حسيان، والآخرين عقليان.
تنبيهان:
الأول: أن الوجه المختلف حسا وعقلا كما يكون في المتعدد -كما مثلنا- يكون كذلك في المركب المنزل منزلة الواحد باعتبار الأجزاء التي تركب منها, كما في تشبيه الحسناء الوضيعة الأصل بخضراء الدمن1 في حسن المنظر مع سوء المخبر, فإن وجه الشبه مجموع الأمرين المذكورين, وأحدهما حسي, والآخر عقلي.
غير أن علماء البيان يعتبرون المركب من حسي وعقلي من قبيل العقلي بتغليب العقل على الحس لاتساع أفقه, إذ يدرك المحسوسات والمعقولات بخلاف الحواس فلا تدرك غير ما وقع تحت الحس, فالمركب حينئذ إما حسي فقط، أو عقلي فقط كما هو الشأن في الوجه المفرد, أما الوجه المتعدد فإن فيه الأنواع الثلاثة كما عرفت ا. هـ.
__________
1 هي شجرة تنبت في معاطن الدواب, تكون ناضرة بهيجة، ولكن لا ثمر فيها.
(3/135)

الثاني: مما تقدم من الأمثلة تعلم أن الوجه إذا كان حسيا، مفردا كان، أو مركبا، أو متعددا, أو كان بعضه حسيا كما في المتعدد المختلف، أو المركب المختلف؛ وجب أن يكون الطرفان حسيين أيضا. أما الأول فلأحد سببين:
"أحدهما": أنه لا بد من قيام وجه الشبه بالطرفين تحقيقا للتشارك بينهما، والحسي لا يقوم بغير الحسي "فالبياض" مثلا مما يدرك بحاسة البصر. فلو جعل مشتركا بين شيئين وجب أن يكونا من المبصرات حتى يتأتى قيام البياض بهما. كذلك "الملاسة" مما تدرك بحاسة اللمس، فلو جعلت موضع اشتراك بين شيئين وجب أن يكونا من الملموسات حتى يتأتى قيام الملاسة بهما, وهكذا يقال في سائر المحسات.
"ثانيهما": أنه لا بد من إدراك الوجه في الطرفين ليتحقق لنا التشارك فيه، والحواس لا تدرك غير المحسات, فحاسة البصر مثلا لا تدرك إلا ما كان مبصرا، وحاسة السمع لا تدرك إلا ما كان مسموعا, وحاسة اللمس لا تدرك إلا ما كان ملموسا. وهكذا ومحال أن تدرك هذه الحواس شيئا من المعقولات، فلا تبصر العين معنى "الكرم"، ولا تلمس اليد معنى "الشجاعة" ولا تشم الأنف معنى "الحلم".
وأما الثاني -وهو ما كان بعضه حسيا وبعضه عقليا- كما في الوجه المتعدد أو المركب؛ فلأنه لا بد من قيام كل واحد من ذلك المتعدد, أو كل جزء من ذلك المركب بالطرفين، أو إدراكه فيهما -كما قلنا- ويمتنع بداهة قيام الحسي بالعقلي، أو إدراكه فيه كما بينا.
أما الوجه العقلي فيصح -على ما تقدم- أن يكون طرفاه عقليين، أو حسيين، أو مختلفين. فالعقليان كأن تشبه وجود الجاهل بعدمه في الخلو من الفائدة، والحسيان كأن تشبه قوي البأس
(3/136)

بالجبل في الصمود، والمختلفان كأن تشبه السيرة الحميدة بأريج المسك، أو العكس كأن تشبه أريج المسك بالسيرة الحميدة في ارتياح النفس لهما. فالطرفان في هذه المثل ما بين حسيين, وعقليين, ومختلفين، ووجه الشبه في الجميع عقلي كما رأيت.
وإنما صح هذا التعميم في الوجه العقلي؛ لجواز قيام المعقول بالمحسوس، كقيام معنى الفصاحة بسحبان، وقيام معنى الشاعرية بحسان، ولجواز أن يدرك العقل أمرا معقولا في شيء محسوس, كإدراك معنى "الشجاعة" في خالد بن الوليد، وإدراك معنى "الجود" في حاتم.
(3/137)

فصل في الوجه المركب الحسي:
للوجه المركب الحسي صور بديعة رائعة، ذلك أنه قد ينتزع الوجه المذكور من هيئة حركة الجسم، أو من هيئة سكونه.
والأول ضربان:
1- أن يراعى مع الحركة شيء من أوصاف الجسم كالشكل، واللون، فيكون الوجه منتزعا من مجموع الأمرين؛ حركة الجسم، وشيء من أوصافه كما في قول الراجز المتقدم:
والشمس كالمرآة في كف الأشل
فإن وجه الشبه -كما سبق- هو الهيئة المنتزعة من الحركة المتصلة، مع الاستدارة، والإشراق المتموج المضطرب. فأنت تراه قد اعتبر مع حركة الجسم استدارته، وأنه ذو شعاع براق متموج حتى أحدث هذا المنظر العجيب في مرأى العين من انبساط تارة، وانقباض أخرى. وإنك لو أنعمت النظر في الشمس لتتبين جرمها
(3/137)

وجدتها مؤدية هذه الهيئة كما تؤديها المرآة في كف الأشل1. ومثله قول الوزير المهلبي:
والشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب
كأنها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب
فإن البوتقة إذا أحميت، وذاب فيها الذهب تشكل بشكلها في الاستدارة, وأخذ يتحرك بجملته تلك الحركة العجيبة, إذ يخيل إليك: أنه ينبسط حتى يوشك أن يفيض من جوانبها لما في طبعه من النعومة، ثم تراه كأنه يعود إلى الانقباض لما بين أجزائه من التماسك والاتصال، فقد اعتبر هنا أيضا مع حركة الجسم المذكورة وصفه من حيث استدارته، وإشراقه، وانتزع الوجه من مجموع الأمرين كالذي قبله.
2- ألا يراعى مع الحركة شيء من أوصاف الجسم، فيكون الوجه منتزعا من حركة الجسم وحدها، ولا بد في هذا الضرب من وجود حركات2 كثيرة إلى جهات مختلفة؛ ليتحقق معنى التركيب في قول ابن المعتز الخليفة العباسي:
وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا3
فالمشبه "البرق" وهو مفرد مقيد تقديرا، والمشبه به "المصحف"
__________
1 غير أننا نعلم أن الحركة السريعة في الشمس وشعاعها أمر خيالي؛ لأنا نقطع بأن حركة الشمس ليست على ما نتخيل, ولولا هذا التخيل لرئيت كالثابتة, بخلاف الحال في المرآة في كف الأشل, فإن الحركة السريعة المتصلة فيها أمر حقيقي.
2 خرج بذلك حركة الرحى أو السهم فلا تركيب فيها؛ لأنها في اتجاه واحد, على أنه لو روعي مع هذه الحركة وصف الجسم من الاستقامة أو الاستدارة, وانتزع الوجه من المجموع, كان مركبا.
3 قار بحذف الهمزة أي: قارئ, والفاء في قوله: "فانطباقا" لتعليل التشبيه المستفاد من "كأن"، أو لبيان وجه الشبه بين البرق والمصحف.
(3/138)

وهو مفرد مقيد بإضافته إلى القارئ, ووجه الشبه هيئة مجموع الحركات المختلفة باختلاف الجهات, غير أن هذه الهيئة تحقيقية في المصحف، تخييلية في البرق, إذ لا انفتاح فيه، ولا انطباق حقيقة وإنما هو ظهور يعقبه خفاء والعكس, إلا أنه يشبه في هذه الحالة المصحف، يفتحه القارئ تارة، ويطبقه أخرى. فهو -كما ترى- لم يعتبر في الهيئة المنتزعة شيئا من أوصاف الجسم، وإنما راعى فقط تلك الحركات المختلفة النواحي عند انفتاح المصحف وانطباقه، وعند ظهور البرق واختفائه. ولا شك أن المصحف يتحرك في كل من حالتي الانفتاح والانطباق إلى جهات مختلفة، فبعضه يتحرك إلى اليمين وبعضه إلى اليسار، ومجموعه إلى العلو حالة الانطباق، وإلى السفل حالة الانفتاح, وكذلك حال البرق في ظهوره وخفائه في مرأى العين. ومثله تماما قول الشاعر:
والسحب تلعب بالبروق كأنها ... قار على عجل يقلب مصحفا
ونظير ذلك قول الشاعر يصف روضة:
حفت بسرو كالقيان تلحفت ... خضر الحرير على قوام معتدل
فكأنها والريح تخطر بينها ... تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل1
فوجه الشبه في البيت الثاني منتزع من هيئة حركة التهيؤ للدنوّ بغية العناق، وحركة الرجوع سريعا إلى أصل الافتراق، وتكررهما مرة بعد أخرى، فقد اعتبر في انتزاع الوجه مجرد هذه الحركات، دون مراعاة شيء آخر من أوصاف الجسم2.
__________
1 السرو: شجر له رواء وليس له ثمر, و"القيان" جمع قينة، وهي الجارية، مغنية كانت أو غير مغنية, و"التلحف": اتخاذ الشيء لحافا، والقوام: القامة.
2 هو تخيل غاية في البداعة, فقد تخيل الشاعر هذا النبات والريح تعبث به فتميل بعضه إلى بعض, ثم لا يلبث أن يعود إلى طبيعته من الاعتدال, تخيله كأن جماعة الأحبة تريد أن تتعانق ثم لا تلبث أن يدركها الحياء, فيحول دون هذا العناق.
(3/139)

والثاني, وهو أن ينتزع الوجه المركب الحسي من هيئة سكون الجسم، ضربان كذلك:
1- أن يراعى مع هيئة السكون شيء من أوصاف الجسم، فيكون الوجه منتزعا من مجموع الأمرين: سكون الجسم، وشيء من أوصافه, كما في قول الشاعر يصف مصلوبا:
كأنه عاشق قد مد صفحته ... يوم الوداع إلى توديع مرتحل
أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطيه من الكسل1
فوجه الشبه "في البيت الأول" منتزع من هيئة سكون عنقه، وصفحته، ويديه حال امتدادهما، مع اصفرار الوجه. فقد اعتبر مع هيئة السكون المذكورة اصفرار اللون بالموت، وهو من أوصاف الجسم، وتلك هي حال العاشق المادّ عنقه، وصفحته، ويديه مفتوحتين لوداع معشوقه.
ووجه الشبه "في البيت الثاني" منتزع من هيئة السكون السابقة، مع اصفرار اللون أيضا، واسترخاء الجسم. فقد اعتبر مع هذه الهيئة وصفان من أوصاف الجسم هما: اصفرار اللون، والاسترخاء، وتلك هي حالة القائم من النعاس متمطيا مواصلا تمطيه.
2- ألا يراعى مع هيئة السكون شيء من أوصاف الجسم، فيكون الوجه منتزعا من هيئة السكون وحده. ولا بد في هذا الضرب أيضا من تعدد أفراد هيئة السكون ليتحقق معنى التركيب في الوجه, كما في قول المتنبي يصف كلب الصيد حال جلوسه:
يقعي جلوس البدوي المصطلي ... بأربع مجدولة لم تجدل2
__________
1 صفحة الرجل: جانب وجهه، واللوثة بضم اللام: الاسترخاء.
2 الإقعاء: الجلوس على الأليتين، والاصطلاء: الاستدفاء بالنار, ومجدولة: محكمة الخلق لم يجدلها إنسان، والغرض مدح الكلب بشدة الحرص.
(3/140)

فوجه الشبه منتزع من هيئة مواقع الأعضاء في إقعاء الكلب, وفي جلوس البدوي المصطلي, إذ يكون لكل عضو في الإقعاء، أو في الجلوس للاصطلاء موضع خاص، وللمجموع هيئة خاصة مؤلفة من تلك المواقع, ولم يراع في انتزاع الوجه شيء وراء ذلك من أوصاف الجسم, كما ترى.
اختبار:
1- مثل لتشبيهين يكون وجه الشبه فيهما مفردا حسيا في أحدهما، وعقليا في الآخر.
2- قد يكون وجه الشبه مركبا حسيا, فما أنواع طرفي التشبيه حينئذ؟ مثل لما تقول، ثم مثل لتشبيهين يكون وجه الشبه فيهما عقليا مركبا تارة، ومتعددا أخرى.
3- كيف يصح جعل "الحمرة" مثلا وجه شبه في نحو قولك: خده كالورد، مع أن الحمرة معنى جزئي، ووجه الشبه ينبغي أن يكون كليا ليتأتى الاشتراك فيه؟ وضح ما تقول بالمثال.
4- من أي قبيل يكون الوجه المركب من حسي وعقلي كما في تشبيه الحسناء الوضيعة الأصل بخضراء الدمن قبيل الوجه العقلي أو الحسي؟ علل لما تذكر.
5- لماذا أوجبوا في الوجه الحسي أن يكون الطرفان حسيين؟ ولماذا عمّموا في الوجه العقلي؟ مثل في تعليلك بما يوضح المقام.
6- للوجه المركب الحسي أنواع بديعة, فصل القول في تلك الأنواع مع التمثيل.
(3/141)

التقسيم الرابع:
ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضا إلى قسمين: تمثيل، وغير تمثيل.
فالتمثيل: ما كان وجه الشبه فيه هيئة منتزعة من عدة أمور1، حسيا كان ذلك الوجه، أو غير حسي.
فالحسي كما مر في تشبيه مثار النقع مع الأسياف بليل تتهاوى كواكبه، وتشبيه الثريا بعنقود الملاحية حين نور، وتشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل، وتشبيه البدر في كبد السماء بدرهم ملقى على ديباجة زرقاء، وغير ذلك من كل ما فيه الوجه منتزع من أمور حسية.
وغير الحسي ما مر في تشبيه حال اليهود بحال الحمار, فإن وجه الشبه -كما سبق- منتزع من أمور عقلية هي الحرمان من الانتفاع بأبلغ نافع، مع معاناة المشاق في تحمله. ومثله ما سبق في تشبيه المستجير بعمرو بالمستجير بالنار, فإن وجه الشبه -كما عرفت- هيئة مركبة من أمرين عقليين هما: الالتجاء من الضار إلى ما هو أشد ضررا، والطمع في الاحتماء به.
وغير التمثيل: ما لم يكن وجه الشبه هيئة منتزعة من متعدد، وبأن كان أمرا واحدا، أو متعددا. فالأول "كالنغم الحسن" في تشبيه صوت حسن بتغريد البلابل، وكالمضاء في تشبيه العزيمة بالسيف، وكالإشراق في تشبيه الحجة بالشمس، ونحو ذلك مما يكون وجه الشبه فيه شيئا واحدا لا تركيب فيه ولا تعدد. والثاني كما في تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم، والرائحة، واللون, فإن وجه الشبه كل واحد من هذه الثلاثة، لا هيئة مركبة منها.
__________
1 أي: من أمرين أو أكثر, فالمراد بالجمع هنا ما فوق الواحد.
(3/142)

هذا هو مذهب جمهور البيانيين، فهم -كما عرفت- لا يفرقون في تشبيه التمثيل بين الحسي وغير الحسي، فالمدار عندهم على أن يكون الوجه هيئة مركبة من عدة أمور, أيا كان نوعها.
وللسكاكي فيه مذهب؛ هو أن تشبيه التمثيل عنده خاص بما كان وجه الشبه فيه وصفا غير حقيقي، منتزعا من عدة أمور. ومعنى قوله غير حقيقي: أن يكون غير متحقق حسا ولا عقلا, بأن يكون أمرا اعتباريا وهميا إذ قال ما نصه: التشبيه متى كان وجهه وصفا غير حقيقي، وكان منتزعا من عدة أمور خص باسم "التمثيل"، وهذا يقتضي أن ما كان وجهه مركبا حسيا أو عقليا ليس من تشبيه التمثيل عنده، غير أننا لم نظفر بغير آية اليهود المتقدمة مثالا للتشبيه الاعتباري على مذهبه، وهي التي مثل بها القوم -فيما سبق- للتشبيه المركب العقلي، إذ قالوا: إن حرمان الانتفاع بأبلغ نافع، مع معاناة الكدّ في استصحابه أمور متقررة في العقل، وليست من اختراعات القوة الوهمية.
وحينئذ كان السكاكي يعتبر هذه الآية من قبيل التشبيه الاعتباري الوهمي، وأن هذه الأمور المذكورة التي انتزع منها الوجه مرجعها الوهم أي: لا وجود لها في غير الأوهام.
وهذا الرأي -إن صح عن السكاكي- قد يتردد العقل في قبوله؛ لأنا نعلم أن الأشياء التي تركب منها الوجه "في آية اليهود" أمور موجودة متقررة في العقل، قائمة بالموصوف قياما حقيقيا، لا وهميا.
فلعل السكاكي أراد بالتشبيه الاعتباري الوهمي ما تعلق بمعقول مطلقا، لا ما تعلق فقط بالاعتبارات المحضة، وبذلك يشمل العقلي والوهمي.
وإذًا ينبغي أن يفسر قوله: "غير حقيقي" بغير حسي ليدخل فيه العقلي والوهمي, وبهذا التفسير يلتقي مذهبه بمذهب عبد القاهر القائل
(3/143)

بأن تشبيه التمثيل هو ألا يكون الوجه المركب فيه حسيا, بأن كان عقليا أو اعتباريا1.
فالمذاهب إذًا ثلاثة: مذهب الجمهور، ومذهب عبد القاهر، ومذهب السكاكي2, والأول أعم الثلاثة، ويليه الثاني، وأخصها الأخير, على ما فهم من صريح قول السكاكي.
أما غير التمثيل عند الشيخين فيختلف باختلاف مذهبهما في تشبيه التمثيل, فهو عند السكاكي -على ما فهم من صريح قوله- ما لا يكون وجه الشبه فيه هيئة منتزعة من متعدد، أو كان منتزعا من متعدد، وليس اعتباريا وهميا بأن كان وصفا حقيقيا -حسيا أو عقليا- وعند عبد القاهر: ما لا يكون وجه الشبه فيه هيئة منتزعة من متعدد، أو كان منتزعا من متعدد، ولكنه ليس عقليا، أو اعتباريا بأن كان حسيا.
فمثل تشبيه مثار النقع، يتخلله بريق السيوق بليل تهاوى كواكبه، وتشبيه الثريا بعنقود الملاحية، وتشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل، وغير ذلك مما فيه الوجه منتزع من متعدد حسي. كل ذلك من قبيل تشبيه التمثيل عند الجمهور؛ لأن وجه الشبه فيها هيئة مركبة من عدة أمور, وليس من تشبيه التمثيل عند عبد القاهر، ولا عند السكاكي؛ لأن وجه الشبه فيها ليس مركبا عقليا، أو اعتباريا. وأما نحو التشبيه في آية اليهود السابقة، أو في قول الشاعر:
والمستجير بعمرو عند كربته
"البيت"
مما يكون فيه الوجه مركبا عقليا, فمن تشبيه التمثيل عند الجمهور،
__________
1 كون الوجه المركب حسيا أو عقليا إنما هو باعتبار مادته المنتزع هو منها, وإلا فإن الهيئة المنتزعة أمر اعتباري لا وجود له.
2 ولصاحب الكشاف مذهب, وهو أن التشبيه والتمثيل مترادفان, فكل تشبيه عنده تمثيل ولو كان الوجه مفردا, وبهذا تتم المذاهب أربعة.
(3/144)

وعبد القاهر. أما الجمهور؛ فلأن وجه الشبه فيه هيئة منتزعة من متعدد على ما هو الشرط عندهم، وأما عبد القاهر؛ فلأن وجه الشبه فيه مركب عقلي، وليس من تشبيه التمثيل عند السكاكي، على ما فهم من صريح قوله؛ لأن وجه الشبه في مثل هذا التشبيه ليس مركبا اعتباريا.
أما نحو تشبيه الخد بالورد في الحمرة من كل ما فيه الوجه شيء واحد, ونحو تشبيه الفاكهة بأخرى في الطعم والرائحة واللون من كل ما فيه الوجه متعدد, فليس من تشبيه التمثيل عند الجميع؛ لأن الوجه في الموضعين ليس هيئة منتزعة.
اختبار:
1- عرف تشبيه التمثيل عند الجمهور، ومَثِّل له، وبين مذهب السكاكي فيه على ما يبدو من صريح كلامه، ثم على ما ينبغي أن يفهم منه، وافرق بينهما، وبين ما ذهب إليه الإمام عبد القاهر، مع التمثيل.
2- بين المذاهب الثلاثة في نحو قول الشاعر:
كأن عيون النرجس الغضّ حولنا ... مداهن در حشوهن عقيق
من كل تشبيه وجهه مركب حسي، وفي نحو آية اليهود من كل تشبيه وجهه مركب عقلي، مع توجيه كل مذهب، ومن أي قبيل في المذاهب الثلاثة قولك: وجه محمد كالبدر في الإشراق، ونحوه من كل تشبيه فيه الوجه ليس هيئة مركبة؟
(3/145)

التقسيم الخامس:
ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضا إلى قسمين: مفصل، ومجمل.
فالمفصل: ما صرح فيه بذكر وجه الشبه على طريقته1، وهي أن يذكر مجرورا "بفي"، أو منصوبا على التمييز على معنى "في" كما تقول: "طبع فؤاد كالنسيم في رقته، أو رقة"، و"يده كالسحاب في الفيض، أو فيضا"، و"كلامه كالدر في الحسن، أو حسنا"، فكل هذه المثل من التشبيه المفصل للتصريح فيها بذكر الوجه، على نحو ما رأيت.
ومن قبيل المفصل قولهم في تشبيه الكلام السهل، الخفيف على السمع: "ألفاظ كالعسل في الحلاوة" وفي تشبيه الحجة بالشمس: "حجة كالشمس في الوضوح"، فوجه الشبه في المثالين مذكور على طريقته، وهو قائم بالطرفين، غير أنه تخييلي في المشبه، تحقيقي في المشبه به -كما ترى- ولا ضير فيه2.
والمجمل: ما لم يصرح فيه بذكر الوجه على طريقته، وهو باعتبار هذا الوجه قسمان:
__________
1 احترز به عن نحو قولهم: يد فؤاد كالنهر تفيض، ووجه هند كالبدر يضيء, فليس ذلك من قبيل المفصل؛ لعدم ذكر الوجه على طريقته من كونه مجرورا بفي, أو منصوبا على التمييز على ما مثلنا.
2 أما ما قيل من أن في مثل هذين المثالين تسامحا من حيث إن وجه الشبه لم يذكر, وإنما ذكر شيء يستلزمه، وهو "الحلاوة" في الأول و"الوضوح" في الثاني, فقول غير سديد؛ لأن ذكر "الحلاوة والوضوح" إن كان من قبيل التعبير بالملزوم عن اللازم الذي هو "ميل النفس" في الأول، و"زوال الحجاب" في الثاني كان من قبيل المجاز، ولا تسامح فيه؛ لأن الوجه مذكور, غاية الأمر أنه عبر عنه بملزومه, وإن لم يكن من المجاز فهو خطأ؛ إذ لا واسطة بين الحقيقة والمجاز غير الخطأ، ولا ينبغي حمل الكلام الفصيح على الخطأ.
(3/146)

1- ما يكون وجهه ظاهرا يستوي في إدراكه العامة والخاصة, كما في تشبيه الشعر بالفحم، والقدّ بالغصن، والوجه بالبدر. فأوجه الشبه في هذه المثل من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى إعمال فكر.
2- ما يكون وجهه خفيا، لا يدرك ببديهة النظر, بل يحتاج إلى تأمل وتعمل. مثاله ما روي أن فاطمة بنت الخرشب1 الأنمارية سُئِلت عن بنيها الأربعة: أيهم أفضل؟ فقالت: "هم كالحلقة المفرغة، لا يدرى أين طرفاها" تريد: هم في تناسبهم في الشرف، والشجاعة، وعدم تفاوتهم فيهما بحيث يمتنع تفضيل أحدهم على الآخر، كالحلقة المتصلة الجوانب، فإن أجزاءها متناسبة في الصورة، يمتنع تعيين بعضها طرفا، وبعضها وسطا. فوجه الشبه بين الطرفين هو "التناسب الكلي الخالي عن التفاوت"، وقد أشعر به قولها: "لا يدرى أين طرفاها"، غير أنه في المشبه تناسب في الشرف, وفي المشبه به تناسب في صورة الأجزاء، وهو -كما ترى- خفي دقيق، فوق متناول مدارك العامة, ولا يدركه إلا من ارتفع منهم إلى طبقة الخاصة.
__________
1 بضم الخاء والشين، وسبب هذا القول: أنها سئلت عن بنيها الأربعة، وهم: ربيع الكامل، وعمارة الوهاب، وقيس الحفاظ، وأنس الفوارس, سئلت: أيهم أفضل؟ فقالت: عمارة، ثم بدا لها غير هذا فقالت: لا بل فلان، ثم بدا لها غير هذا، فقالت: لا بل فلان، ثم قالت في حيرة: ثكلتهم إن علمت أيهم أفضل "هم كالحلقة المفرغة, لا يدرى أين طرفاها". وقيل: إنه من قول كعب الأشعري في وصف بني المهلب للحجاج حين قال له: كيف تركت الناس؟ فقال كعب: تركتهم بخير، أدركوا ما أملوا، وأمنوا مما خافوا، فقال الحجاج: فكيف بنو المهلب فيهم؟ فقال: هم حماة السرح نهارا، فإذا أليلوا ففرسان البيات، فقال الحجاج: فأيهم كان أنجد, أي أشجع؟ فقال كعب: هم كالحلقة المفرغة ... إلخ.
(3/147)

تنبيه:
من هذا المثال السابق يتضح أن التشبيه المجمل لا يخرجه عن إجماله أن يذكر لأحد الطرفين وصف مشعر بوجه الشبه, كما في قول فاطمة بنت الخرشب، فإن قولها: "لا يدرى أين طرفاها" وصف للحلقة "المفرغة" التي هي المشبه به، وهو مشعر بوجه الشبه1 الذي هو "التناسب الكلي", إذ يفهم من عدم دراية الطرفين معنى التناسب في الأجزاء. ومثله قول زياد الأعجم:
فإنا وما تلقي لنا أن هجوتنا ... لكالبحر "مهما تلق في البحر يغرق"
يشبه زياد حال قومه -إذ يرميهم المخاطب بالنقيصة فلا تضرهم، ولا يظهر لها فيهم أثر لخطورة شأنهم-يشبههم بحال البحر العظيم، لا يتأثر بما يلقى فيه, ووجه الشبه هيئة الأمر الخطير لا ينال منه الحقير, وقوله: "مهما تلق في البحر يغرق" وصف للمشبه به مشعر بهذا الوجه.
وقد يكون الوصف المشعر بالوجه خاصا بالمشبه, كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم اهتديتم" فوجه الشبه في الحديث "الهداية"، وقد أشعر به قوله: "بأيهم اقتديتم اهتديتم" وهو وصف خاص بالمشبه. ومثله أن تقول: "رأيت اليوم رجلا كالسحاب يعم نفعه"، و"شهدت إنسانا كالأسد يهابه من يحدثه".
وقد يوصف كل من الطرفين بوصف مشعر بالوجه, كما في قول أبي تمام:
صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عني، وعاودني ظني فلم يخب
__________
1 لا يصلح أن يكون وجه شبه؛ لأنه وصف خاص بالحلقة، والوجه إنما يكون وصفا مشتركا بين الطرفين، وعلى طريقته من حيث وقوعه مجرورا "بفي" أو منصوبا على التمييز على معنى "في" كما علمت.
(3/148)

كالغيث إن جئته وافاك ريقه ... وإن ترحلت عنه لج في الطلب1
وصف الشاعر "الممدوح" الذي هو المشبه بأن عطاياه مغدقة سابغة عليه -أعرض عنه أو أقبل عليه- ثم وصف "الغيث" الذي هو المشبه به بأنه يصيبك -طلبته أو تجنبته- ووجه الشبه مطلق الإفاضة في الحالين2, والوصفان المذكوران مشعران بهذا الوجه.
وصفوة القول: أن التشبيه المجمل: هو ما لم يذكر فيه وجه الشبه -ظاهرا كان ذلك الوجه أو خفيا- كما بينا, وأن وصف أحد الطرفين، أو كليهما بما يشعر بالوجه -كما رأيت- لا يتنافى مع الإجمال؛ لأن المدار في كون التشبيه مجملا على ألا يذكر وجه الشبه ذاته، لا وصف مشعر به ا. هـ.
اختبار:
1- افرق بين المفصل والمجمل، ثم اذكر نوعي المجمل, ومثل لكل نوع.
2- من أي قبيل قولهم في تشبيه الكلام الغثّ: "هو كالعلقم في مرارته"؟ وجه لما تقول.
3- من أي قسمي التشبيه قولك: "هو كالسحاب ينتظم خيره البلاد"، و"كالبدر يهدي ضوءه السارين"؟ علل لما تقول.
4- ائت بتشبيهين من عندك, تذكر في أحدهما وصفا للمشبه مشعرا بالوجه, وفي الثاني وصفا للمشبه به كذلك، مع بيان نوع التشبيه فيهما.
__________
1 "صدفت عنه": أعرضت وبابه ضرب، ومعنى "لم تصدف مواهبه": لم تنقطع عطاياه، ويروى بالياء، و"مواهبه" حينئذ مفعول؛ لأن "صدف" يأتي لازما ومتعديا، و"عاودني ظني فلم يخب" أي: عاودته بعد إعراضي عنه؛ طلبا لإحسانه ظنا مني أنه يصلني رغم إعراضي عنه فكان عند ظني، وإذًا فنسبة المعاودة إلى الظن تجوز، والريق بتشديد الياء المكسورة هو من كل شيء أفضله وأحسنه، و"لج في الطلب": ألح فيه.
2 أي: حالي الإعراض والإقبال.
(3/149)

التقسيم السادس:
ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضا إلى قسمين: قريب مبتذل، وبعيد غريب. ومعنى "قريب": أنه في متناول العامة وغيرهم، ومعنى "مبتذل": أنه متداول بين الناس, ومن هذا التفسير يعلم معنى البعيد الغريب الآتي بعد.
فالقريب المبتذل: ما ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به من غير تأمل, ونظر بسبب وضوح وجه الشبه فيهما, كتشبيه حسناء الوجه بالقمر في الإشراق، وحسن الصوت بالبلبل في حسن النغم، وكتشبيه الشجاع بالأسد في الإقدام، والكريم بالغيث في الإغداق. فكل واحد من هذه التشبيهات قريب؛ يكثر تداوله بين الناس؛ لسهولة انتقال الذهن فيه من المشبه إلى المشبه به بسبب وضوح وجه الشبه بين الطرفين, كما ترى.
وأسباب وضوح وجه الشبه ثلاثة:
1- أن يكون الوجه شيئا واحدا، لا تعدد فيه، ولا تفصيل كالأمثلة السابقة. فإن وجه الشبه في كل منها واحد، وإدراك الشيء الواحد لا يحتاج لغير ملاحظة واحدة؛ لهذا كان التشبيه قريبا مبتذلا؛ لانتقال الذهن فيه من المشبه إلى المشبه به بلا تأمل.
2- أن يكون في وجه الشبه شيء من التفصيل، يحتاج إلى تعدد الملاحظة, غير أنه يكثر حضور صورة المشبه به في الذهن عند استحضاره صورة المشبه؛ لما بين الصورتين من شدة التناسب
(3/150)

كأن تشبه العنب بالبرقوق في حجمه، وشكله، ولونه, ففي وجه الشبه بين الطرفين تفصيل ما؛ إذ لوحظ فيه هذه الأمور الثلاثة: الحجم، والشكل، واللون. وهذا يقتضي شيئا من غرابة التشبيه وبعده، ولكن عارض ذلك ما يقتضي قربه وابتذاله، وهو سرعة حضور صورة المشبه به في الذهن عند استحضار صورة المشبه؛ لما بينهما من شدة التجانس، وقوة التناسب, إذ إن العنب والبرقوق من فصيلة واحدة، يجمعهما زمن واحد، وسوق واحدة، فلا أثر للتفصيل في وجه الشبه، مع قوة هذا التجانس المقتضي لسرعة انتقال الذهن إلى المشبه به لظهور الوجه، ووضوحه.
ومثله تشبيه الجرة الصغيرة بالكوز في "المقدار والشكل", فإن سرعة حضور صورة الكوز في الذهن عند استحضاره صورة الجرة؛ لشدة التناسب بين الصورتين عارضت التفصيل في الوجه على نحو ما ذكرنا في المثال الأول, وبهذا سهل انتقال الذهن لوضوح الوجه, ومن هنا كان التشبيه قريبا، مبتذلا.
3- أن يكون في الوجه شيء من التفصيل -كسابقه- يحتاج إلى تعدد الملاحظة، غير أنه يكثر حضور صورة المشبه به في الذهن مطلقا أي: لا بقيد استحضار صورة المشبه؛ وذلك لكثرة مشاهدة صورة المشبه به، وتكررها على الحس, فإن المشاهد كثيرا يكثر خطوره بالبال عادة, وإذا كثر حضوره في الذهن لكثرة مشاهدته سهل الانتقال إليه عند إرادة التشبيه، ووضح وجه الشبه ومن هنا كان التشبيه قريبا مبتذلا، كما في تشبيه إنسان بالقمر "في الرفعة والهداية"، وكتشبيه المرآة المجلوة بالشمس "في الاستدارة والاستنارة" فإن في وجه الشبه بين الطرفين "في المثالين" شيئا من التفصيل؛ إذ لوحظ فيه أمران: "الرفعة والهداية" في الأول، و"الاستدارة والاستنارة" في الثاني, وهذا يقتضي شيئا من غرابة التشبيه وبعده، ولكن عارض ذلك ما جعله قريبا مبتذلا. وهو كثرة حضور صورة المشبه به في الذهن
(3/151)

لكثرة النظر إليها، وليس من شك أن صورة "القمر" في المثال الأول، وصورة "الشمس" في المثال الثاني مما يشاهد كثيرا.
والبعيد الغريب: ما لا ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به إلا بعد إعمال فكر، وطول تأمل بسبب خفاء وجه الشبه فيهما.
وأسباب خفاء وجه الشبه ثلاثة أيضا:
1- أن يكون في الوجه تفصيل يحتاج إلى كثرة الملاحظات، والاعتبارات كما في تشبيه الهيئات بعضها ببعض, كتشبيه هيئة الخال على الخد بالشقيق في قول الشاعر:
لا تعجبوا من خاله في خده ... كل الشقيق بنقطة سوداء
فوجه الشبه بين الطرفين هو الهيئة الحاصلة من وجود نقطة مستديرة سوداء، في وسط رقعة مبسوطة حمراء وفيه من كثرة التفصيل، والاعتبارات ما لا يقع في نفس مريد التشبيه إلا بعد روية ونظر, وكتشبيه الشمس بهيئة المرآة في يد مرتعشة، أو بهيئة بوتقة محماة، فيها ذهب ذائب، وكتشبيه مثار النقع، يتخلله بريق السيوف المتلاحمة بليل تتهاوى كواكبه، وكتشبيه هيئة إقعاء الكلب بهيئة جلوس البدوي المصطلي, إلى غير ذلك مما لا يقوم بنفس مريد التشبيه إلا بعد أن يتأمل ويتعمل.
2- أن يندر حضور صورة المشبه به في الذهن عند استحضار صورة المشبه لبعد التناسب بين الصورتين، وعدم التجانس بينهما، كما في تشبيه القمر بالعرجون في قوله تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ 1 الْقَدِيمِ} ، فصورة "العرجون" في ذاتها غير نادرة الحضور في الذهن، ولكنها تندر عند استحضار صورة
__________
1 هو سباطة البلح إذا يبست انحنت, وتقوست أشبه شيء بتقوس الهلال.
(3/152)

"القمر" للبون الشاسع بين الصورتين؛ فإن القمر مسكنه في السماء، والعرجون في الأرض، والقمر مثال العلو والهداية، والعرجون شيء تافه حقير، لا تكاد تظهر له فائدة، فشتان ما بين الصورتين، وناءٍ ما بين الطرفين. ومثله قول الشاعر يصف أزهار البنفسج على سيقانها:
ولازوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت1
كان المناسب للشاعر أن يشبه صورة أزهار البنفسج، وهي على سيقانها بما يناسبها من الأزهار, إذ هو الذي يتبادر إلى الذهن عند استحضار صورة البنفسج، ولكنه شبهها بصورة النار في أطراف الكبريت أول شبوبها, ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من تعلق أجرام صغيرة لطيفة، ذات لون خاص على شكل خاص بجرم دقيق الساق يخالفها لونا. فصورة النار في أطراف الكبريت غير نادرة الحضور في الذهن؛ إذ إنها في متناول عامة الناس، واقعة بين أيديهم وأرجلهم، لكنها تندر عند استحضار صورة البنفسج وهو على سيقانه لما بينهما من عدم التجانس، وبعد الموطن, فهذا زهر ندي لطيف، وذاك لهب حار عنيف، وهذا يسكن الخمائل، وذاك يستوطن المنازل، فبعد ما بين الطرفين.
__________
1 "لازوردية" بكسر الزاي وفتح الواو وسكون الراء صفة لمحذوف, أي: رب أزهار من البنفسج لازوردية, نسبة إلى الحجر المسمى باللازورد؛ لكونها على لونه فهي نسبة تشبيهية، و"تزهو" من الزهو وهو الكبر، ونسبة التكبر إلى البنفسج تجوز, و"حمر اليواقيت" من إضافة الصفة للموصوف أي: اليواقيت الحمر، يحتمل أن يراد بها المعنى الحقيقي، ويحتمل أن تكون استعارة أراد بها الأزهار الحمر لمشابهة الأزهار بها, وهو المناسب للبنفسج بدليل قوله: "بين الرياض"، و"فوق قامات" حال من اسم "كأن"، و"ضعفن بها" يريد انحنين بها؛ لأن الساق التي عليها زهر البنفسج إذا طالت انحنت وكأنها ضعفت عن حمله, و"أوائل النار" أي: في بدء اشتعالها, وإنما قيدت بذلك؛ لأن النار في هذا الحال يضرب لونها إلى الزرقة الشبيهة بلون البنفسج.
(3/153)

3- أن يندر حضور صورة المشبه به في الذهن مطلقا, أي: سواء حضرت صورة المشبه في الذهن أو لا؛ وذلك لأمور منها:
أ- أن يكون المشبه به وهميا, أي: من اختراع الوهم, كما في تشبيه النصال المسنونة الزرق بأنياب الأغوال, فإن أنياب الأغوال مما لا وجود لها في غير الأوهام.
ب- أن يكون المشبه به خياليا, أي: من نسج الخيال, كصورة أعلام من ياقوت، منشورة على رماح من زبرجد في قول الشاعر المتقدم, فإن هذه الصورة وما شاكلها من الهيئات المركبة لا وجود لها إلا في الخيال.
جـ- أن يندر تكرر المشبه به على الحس, كصورة المرآة في كف الأشل1, فقد ينقضي عمر الإنسان ولا يرى مرآة في يد شلاء.
هذا, وإنما كانت كثرة حضور المشبه به في الذهن سببا في وضوح وجه الشبه، وندرة حضوره سببا في خفاء الوجه؛ لأن وجه الشبه -كما علمت- مشترك بين الطرفين، قائم بهما، فتصوره فيهما موقوف على تصورهما. فإذا كان المشبه به كثير الحضور في الذهن، أو نادر الحضور فيه؛ لزم أن يكون وجه الشبه أيضا كثير الحضور، أو نادره تبعا له، ومن هنا كان وضوحه أو خفاؤه.
معنى التفصيل في الوجه:
اعلم أن المراد بالتفصيل في وجه الشبه ما فيه من كثرة الاعتبارات والملاحظات، بأن ينظر فيه إلى أكثر من وصف لشيء واحد أو لأكثر، متعددا كان ذلك الوجه، أو مركبا اعتباريا، غير أن المركب أشد
__________
1 وفيه سبب آخر لخفاء الوجه، وغرابة التشبيه، وهو كثرة التفصيل فيه.
(3/154)

حاجة إلى إعمال فكر، ودقة نظر؛ لما فيه من الهيئة التركيبية الحاصلة من تضامّ الأجزاء، وارتباط بعضها ببعض. فمثال تعدد الأوصاف لشيء واحد ما تراه في تشبيه المفرد المقيد بمثله, كما في قول الشاعر المتقدم في "تشبيه الثريا بعنقود الملاحية" إذ قد لُوحظ في الوجه عدة أوصاف متضامة، تكونت من شكل أجرام، ولونها، ومقدارها، وهيئة أوضاعها، على ما سبق، ومجموعها وصف لشيء واحد مشبه بآخر مثله كما عرفت.
ومثال تعدد الأوصاف لأكثر من شيء واحد ما تراه في تشبيه مركب بمركب في قول "بشار" في تشبيه مثار النقع، مع الأسياف اللامعة بالليل، مع الكواكب المتهاوية, فقد اعتبر في الوجه عدة أوصاف تلاصقت والتأمت من اللون القاتم، وبريق الأجرام في أثنائه, وحركاتها، وتناسب أشكالها، واختلاف مواقعها -على ما تقدم- ومجموعها وصف لمركب مشبه بمثله كما رأيت.
هذا, وكلما كثر التفصيل في الوجه كان التشبيه أدخل في باب الغرابة، وأبعد عن الابتذال، وكان أدق نسجا، وأجمل وقعا كما تراه في قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ ... } "الآية" فقد حوت من كمال الدقة، واستقصاء مناحي التشبيه ما يبهر العقول.
أوجه التفصيل:
يقع التفصيل في وجه الشبه على وجوه كثيرة، أحراها بالقبول، وأولاها بالاعتبار صورتان:
الأولى: أن يؤخذ بعض الأوصاف، ويترك بعضها من كل تشبيه فيه دقة تحتاج إلى مزيد نظر1، وفضل ملاحظة كما في قول امرئ القيس:
__________
1 احترز به عن نحو قولك: محمد كعلي في مجموع الجبن، وعدم الكرم، فليس بشيء.
(3/155)

حملت ردينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان1
شبه الشاعر سنان الرمح بلهب ذي سنا, فاعتبر في كل منهما شكله المخروطي الدقيق الطرف، وزرقته الصافية، ولمعانه، ثم قصد أن ينفي الدخان عن السنا تحقيقا للتشبيه, ولو لم ينف ذلك لم يتم التشبيه المقصود؛ إذ ليس في رأس السنان ما يشبه الدخان، وتحقيق التشبيه على هذه الصورة لا يتأتى على البديهة -كما ترى- ومثله قول الشاعر:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب2
يقول: إنهم كانوا كثيري اصطياد الوحوش، وإنهم كانوا يأكلونها، ويطرحون أعينها حول أخبيتهم، أشبه شيء بالجزع غير المثقوب, وقد نفى التثقيب عن الجزع تحقيقا للتشبيه، وبيانا لتساوي الطرفين في وجه الشبه لأن الجزع إذا كان مثقبا خالف العيون في الشكل بعض المخالفة, إذ لا تثقيب فيها.
الثانية: أن يؤخذ جميع الأوصاف، بأن يعتبر وجودها جميعها في وجه الشبه, كما مر في نحو قول الشاعر:
وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا
فقد اعتبر في كل من الطرفين الشكل، والمقدار، واللون، والوضع الخاص, ومثله سائر التشبيهات في الهيئات السابقة.
__________
1 "الرديني": الرمح المنسوب إلى ردينة اسم امرأة كانت تجيد صنعة الرماح وتقويمها, وهي امرأة "السمهر" بفتح السين وسكون الميم وفتح الهاء, وهو أيضا كان يحسن صنع الرماح وإليه تنسب الرماح السمهرية، و"سنا لهب" من إضافة الصفة للموصوف أي: لهب ذو سنا.
2 "الخباء": بيت من شعر، و"أرحل" جمع رحل وهو ما يحمل على البعير، والجزع بفتح الجيم أو كسرها وسكون الزاي: عقيق فيه دوائر بيض وسود تشبه به عيون الوحش, قال الأصمعي: الظبي والبقرة الوحشية إذا كانا حيين فعيونهما كلها سود, فإذا ماتا بدا بياضها فأشبهت الجزع.
(3/156)

تنبيهان:
الأول: اعلم أن التشبيه البليغ1 هو ما كان بعيدا غريبا2 كما في تشبيه الهيئات المنتزعة من أمور متعددة -على ما عرفت- سواء كان وجه الشبه مركبا من أمور كثيرة أو لا, وسواء ذكرت أداته، أو لم تذكر لما هو مركوز في الطباع من أن الشيء إذا نيل بعد الاحتيال له، ومعاناة التوسل إليه كان نيله أحلى، وموقعه في النفس ألذ وأشهى؛ ولهذا ضرب المثل لكل ما لطف موقعه، ودق موضعه ببرد الماء على الظمأ, قال القطامي:
وهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
قالوا: وما أشبه هذا الضرب بالجوهر في الصدف، لا يبرز إليك إلا أن تشقه عنه, أو بالحبيب المتحجب، لا يريك وجهه حتى تستأذن, وقديما قالوا:
وزاده كلفا في الحب أن منعت ... وحب شيء إلى الإنسان ما منعا
أما إطلاق البليغ على التشبيه الذي حذفت أداته إطلاقا شائعا, فاصطلاح لبعضهم، وإلا فهو يسمى تشبيها مؤكدا، على ما سيأتي. ا. هـ.
الثاني: قد يتصرف الحاذق بصنعة الكلام في التشبيه القريب
__________
1 المراد بالبليغ هنا ما يتخاطب به الخواصّ من البلغاء لما فيه من دقة التركيب، ولطف المعنى، وليس المراد ما كان مطابقا لمقتضى الحال, فإن المبتذل قد يطابق مقتضى الحال إذا كان الخطاب مع غبي متبلد.
2 قد يقال: إن الغرابة منشؤها خفاء الوجه -كما علمت- فكيف يكون خفاء الوجه سببا في بلاغة التشبيه، مع أنه تقدم أن عدم الظهور ضرب من التعقيد وهو ينافي البلاغة؟ والجواب: إن الخفاء الموجب للتعقيد ما كان منشؤه سوء التركيب، أو اختلال انتقال الذهن من المعنى الأول إلى الثاني -على ما سبق- أما هنا فمنشأ الخفاء لطف المعنى ودقته وهذا محقق للبلاغة وموجبها، لا منا فيها كما في قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ ... } "الآية"، وكما في تشبيه الهيئات المتقدمة.
(3/157)

المبتذل، بما يجعله غريبا ممتنعا، لا ترتقي إليه مدارك العامة, كما في قول أبي الطيب من قصيدة يمدح بها هارون بن عبد العزيز:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء
يريد الشاعر أن يشبه وجه الممدوح بالشمس في الإشراق، ومثل هذا التشبيه مطروق مبتذل، يستوي فيه العامة والخاصة لظهور وجه الشبه، وعدم توقفه على نظر -غير أن حديث الحياء، وما فيه من الدقة والحسن- من حيث إفادته المبالغة في وصف الممدوح بوضاءة الوجه، وأنه أعظم إشراقا من الشمس -أخرج التشبيه عن الابتذال، وكساه صورة رائعة، تستوقف النظر، وتستثير الإعجاب- ذلك أنه نزَّل الشمس منزلة من يرى ويستحي، فادعى أنها حينئذ تلقى وجه الممدوح لا تلقاه إلا بوجه منزوع منه الحياء، أي: وكان ينبغي حينئذ تلقاه أن تتوارى خجلا1. ومثل هذا التصرف يقتضي أن يكون وجه الممدوح أكمل وأتم إشراقا من الشمس, وفي هذا تشبيه ضمني؛ لأن وجه الممدوح إذا كان أتم من الشمس في الإشراق استلزم ذلك اشتراكهما في أصل الإشراق، فيثبت التشبيه ضمنا2، وهو تشبيه معكوس إذ المقصود تشبيه الوجه بالشمس، لا العكس. وشبيه بقول المتنبي قول الشاعر:
إن السحاب لتستحيي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها
لا شك أن تشبيه الندي بالسحاب في الفيض مبتذل، في متناول العامة، ولكن حديث "الاستحياء"، وتنزيل السحاب منزلة من ينظر
__________
1 ويصح رفع الوجه في بيت أبي الطيب ونصب شمس نهارنا على المفعولية, والمعنى على هذا: أن الشمس لا يمكن أن يلقاها وجه الممدوح إلا إذا كانت مجردة عن الحياء، وكلا التصرفين بديع.
2 أي: على اعتبار أن قوله: "لم تلق" من لقيته بمعنى أبصرته, وإن كان من لقيته بمعنى عارضته وماثلته, فالتشبيه حينئذ مأخوذ من الفعل المنفي المصرح به، فيكون التشبيه مصرحا به لدلالة الفعل عليه صراحة.
(3/158)

ويستحي, خرج بهذا التشبيه من ابتذاله إلى مستوى رفيع -على ما قلنا في البيت السابق- ومثل البيتين السابقين قول رشيد الدين:
عزماته مثل النجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثاقبات أفول1
فإن تشبيه العزم بالنجم في الثقوب، وهو النفوذ مبتذل قريب؛ لوضوح وجه الشبه، وعدم حاجته إلى توقف، ولكن وصف الأفول، وعروضه للثاقبات دون العزمات، وما في ذلك من الدلالة على أن المشبه أتم من المشبه به في وجه الشبه أبرز التشبيه في صورة ممتنعة، وكساه خيالا بديعا رائعا، وكأنه يقول: هذا التشبيه إنما كان يتم بين الطرفين, لولا اختصاص المشبه بوصف لم يوجد في المشبه به.
ويسمى مثل هذا النوع "بالتشبيه المشروط" أي: المقيد بشرط, كأن تقول: هذا الشيء كهذا الشيء لو كان بصفة كذا، أو لولا أنه على صفة كذا.
والتقييد بالشرط إما أن يكون في المشبه به، أو في المشبه، أو في كليهما، والشرط إما أن يكون وجوديا، أو عدميا2، وإما مدلولا عليه بصريح اللفظ، أو بسياق الكلام.
فمثال تقييد المشبه به ما تقدم في تشبيه "العزمات بالنجوم" في قول الشاعر السابق؛ فقد قيد المشبه به بعدم الأفول إذ لا يتم
__________
1 عزماته جمع عزمة, وهي التصميم في الإرادة المتعلقة بمعالي الأمور، و"ثواقبا" حال من "النجوم" وصح مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن قوله: "مثل النجوم" في معنى مماثلة النجوم، و"الثواقب": النوافذ في الظلمات بإشراقها, مأخوذة من الثقوب وهو النفوذ, وسمي لمعان النجوم ثقوبا لظهورها من وراء الظلمة, فكأنها ثقبتها، و"الأفول": الغروب, وجواب الشرط محذوف تقديره: لتم التشبيه.
2 المراد بالعدمي: ما دخل عليه حرف النفي, بخلاف الوجودي.
(3/159)

التشبيه بدونه, كأنه يقول: عزماته مثل النجوم, لولا أن لها أفولا, وكقولك: وجه فلان مثل الشمس لولا كسوفها، وكالقمر لولا خسوفه. ومثال تقييد المشبه قول البديع:
يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن الشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد1 والبحر لو عذبا
فالمشبه به الممدوح, وقد شبه به كل من صوب الغيث، والدهر، والشمس، والليث، والبحر مقرونا كل منها بقيد لولاه ما تم التشبيه.
ومثال تقييد الطرفين معا قولك: "عباس في علمه بالأمور إذا كان يقظا كعلي في علمه بها إذا كان غافلا".
هذا, وكل ما تقدم من القيود، وجوديا كان أو عدميا، قد دل عليه بصريح اللفظ كما رأيت.
ومثال المدلول عليه بسياق الكلام قولهم: "هذه القبة كالفلك في الأرض" أي: لو كان الفلك في الأرض, وقولهم: "هي بدر يسكن الأرض" أي: لو كان البدر يسكن الأرض.
ومن هذا النوع ما يسمى "تشبيه التفضيل" وهو أن يشبه المتكلم شيئا بشيء، ثم يرجع فيرجع المشبه على المشبه به, كقول الشاعر:
حسبت جماله بدرا منيرا ... وأين البدر من ذاك الجمال؟
وكقول الآخر:
من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شيئين
__________
1 هو بالبناء للمجهول.
(3/160)

أنت إذا جدت ضاحك أبدا ... وذاك إن جاد دامع العين
ومنه نوع يسمى "تشبيه التشكيك" كما في قول الشاعر:
وما أدري وسوف أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء؟
وكقول الآخر:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن، أم ليلى من البشر؟
إلى غير ذلك من أنواع التصرف في التشبيه المبتذل بما يخرجه عن ابتذاله، ويكسوه ثوبا من الجمال يستوقف النظر إعجابا.
ومن أبدع ما قيل في هذا الباب قول ابن نباتة في وصف فرس أبلق أغر:
وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه
شبه أولا جبين الفرس بالصبح في البياض والإشراق، ثم شبه ثانيا قوائم الفرس بالصبح في هذا المعنى, وهما تشبيهان -كما ترى- من قبيل القريب المبتذل، غير أن حديث لطم الصبح للجبين اعتداء، ثم خوض الفرس في أحشاء الصبح انتقاما جعلهما من الممتنع البعيد المنال، النادر المثال, والتشبيه في كليهما ضمني؛ ذلك أن لطمة الصبح لجبين الفرس تركت فيه أثر البياض, كما علق هذا الأثر بقوائم الفرس حينما خاض في أحشاء الصبح, وهذا يقتضي تشبيه كل من جبين الفرس، وقوائمه بالصبح في بياضه وإشراقه.
اختبار:
1- بين معنى التشبيه القريب المبتذل، والتشبيه البعيد الغريب، مع بيان سبب قرب الأول وابتذاله، وسبب بعد الثاني وغرابته، ثم بين من أي الأنواع التشبيه البليغ؟ وما وجه ما تقول؟
2- اذكر بالإجمال الأسباب التي يكون بها وجه الشبه واضحا، والأسباب التي يكون بها خفيا، مع التمثيل.
3- بين معنى التفصيل في الوجه، وأشهر أنواع التفصيل فيه، مع التمثيل.
4- ائت بتشبيهين مبتذلين تصرف فيهما بما أخرجهما إلى الغرابة، ثم بين نوع هذين التشبيهين.
(3/161)

مبحث أداة التشبيه:
الأداة: لفظ يدل على معنى التشبيه, كالكاف1 قال تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} فالكاف في قوله: {كَالْأَعْلَامِ} أداة تشبيه؛ لأنها دالة عليه.
ومثل الكاف كل ما يفيد معنى المماثلة والمشابهة, حرفا كان، أو اسما، أو فعلا, كلفظ "كأن" حرفا، و"كمثل، وشبه" اسمين، وكالفعل الدال على معنى التشبيه، ماضيا كان، أو مضارعا, كماثل يماثل، وشابه يشابه، وحاكى يحاكي، وكالوصف المشتق المفيد لهذا المعنى كمماثل، ومشابه، ومحاكٍ. تقول: "كأن محمدا أسد"، وهند مثل الغزال، وعلي شبه الغمام، وتقول: سعدى ماثلت البدر إشراقا، وهي تماثل الحرير نعومة، ومحمد حاكى البحر فيضا، وهو يحاكي النجم علوا، وعلي شابه الأسد إقداما، وهو يشابه أو يشبه الجبل صمودا، والنسيم رقة.
__________
1 هي الأصل في الدلالة على التشبيه, وإذا دخلت على "أن" المفتوحة الهمزة مع تشديد النون فصل بينهما "بما" فيقال: محمد عالم كما أن أخاه عالم.
(3/162)

وتقول: ليلى مماثلة البدر في بهائه، ومشابهة الغصن في ليونته, ومحاكية الحرير في نعومته "بالإضافة في جميعها"1.
ومن أدوات التشبيه "سيان وسواء" تقول: "محمد والأسد سيان", و"محمد وعمرو في ذلك سواء".
والأصل في الكاف، وما جرى مجراها من الأسماء المضافة لما بعدها أن يليها المشبه به لفظا كما مثلنا، أو تقديرا كما في قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ 2 مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ} بعد قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ... } الآية، فالمشبه به الثاني في الآية قد ولي الكاف تقديرا, والأصل: كمثل ذوي صيب، أما تقدير "ذوي" فلأن الضمائر الثلاثة في {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ} للمنافقين، وهم ليسوا مذكورين في الآية، فبقيت الضمائر بلا مرجع، ولا بد لها منه كما هو الشأن فيها. وأما تقدير "مثل" فلأجل أن يشاكل المعطوف عليه،
__________
1 قال بعضهم: إن المتبادر أن هذه المشتقات كلها إنما تفيد الإخبار بمعناها, فقولك: محمد يشبه عمرا أو مشابه عمرا أو محاكيه إخبار بالمشابهة كما تقول: محمد يقوم أو محمد قائم, فإنه إخبار عنه بالقيام وليس هناك أداة داخلة على المشبه, فعدها من أدوات التشبيه لا يخلو عن مسامحة.
2 الصيب: المطر, من صاب بمعنى نزل وهطل، ويطلق أيضا على السحاب. شبه حال المنافقين وقد أبصروا بأعينهم نور الإيمان, وذاقوا حلاوته, وشهدوا بأنفسهم دلائله وشواهده, ووضح أمامهم طريقا الخير والشر وهم -مع ذلك- مصرون على عقيدتهم الفاسدة، مؤثرون أن يقيموا على ظلام الكفر ويتخبطوا في دياجير الضلال, شبه هذه الحال بحال قوم أوقدوا حولهم نارا تبينوا على ضوئها ما أحاط بهم من معالم الأشياء, ثم ما لبثوا أن أطفئت النار فوقعوا في ظلام دامس يتخبطون، أو بحال آخرين كانوا في حال من الهناءة والدعة والاستقرار, ثم ما لبثوا أن دهمهم مطر غزير، أو سحاب متكاثف قاتم صحبه أهوال من الرعد القاصف، والبرق الخاطف مما جعلهم يضعون أصابعهم في آذانهم حذر الموت.
(3/163)

وهو قوله: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} ، وقد يلي الكاف ونحوها غير المشبه به بشرطين:
1- أن يكون المشبه به مركبا, أي: هيئة منتزعة من أمور لم يعبر عنها بمفرد دال عليها, كلفظ "مثل أو حال", ولم يقتض الحال تقدير هذا المفرد1.
2- أن يذكر بعد الكاف ونحوها بعض هذه الأمور التي انتزعت منها تلك الهيئة.
مثال ذلك قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} فليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء حتى تكون الآية مما ولي فيه المشبه به كاف التشبيه, بل المراد تشبيه حال الدنيا في إقبالها على الإنسان في زي حسناء فاتنة، واغتراره بابتسامتها الخادعة، وطلائها الكاذب، وما يعقب ذلك من زوال نعيمها، وامّحاء بهجتها ونضارتها، بحال النبات يغذيه الماء فيخضرّ، وتنضر خضرته، وتبتسم زهرته، ثم لا تلبث أن تنطفئ هذه النضره، وتذبل هذه الزهرة، ويتحول النبات النضر البهيج إلى هشيم تذروه الرياح, وكأنه لم يكن, ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من حسن، وبهجة، وهناء، يتلوه تلف، وشقاء، وفناء. فأنت ترى أن المشبه به لم يل الكاف؛ لأنه هيئة لم يدل عليها بمفرد كلفظ "مثل"، ولا اقتضى الحال تقديره؛ لأن المعتبر هو الهيئة الحاصلة من مجموع الكلام المذكور بعد الكاف، واعتبارها مستغنٍ
__________
1 احترز به عما عبر فيه عن الهيئة بمفرد دال عليها، أو اقتضى الحال تقديره, فالأول كما في آية اليهود فقد عبر فيها عن المشبه به المركب بلفظ "مثل", إذ قال: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ ... } إلخ, والثاني كما في آية {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ... } إلخ, فإن الحال اقتضت أن يقال: كمثل ذوي صيب على ما سبق بيانه.
(3/164)

عن هذا التقدير، لكن وليها شيء يتعلق بها، وهو "الماء" إذ هو أحد أجزاء الهيئة المذكورة.
وإنما احتِيج إلى تقدير المفرد في آية {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} ، ولم يستغن عنه بمجموع الكلام كما في هذه الآية؛ لأن الضمائر هناك في {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ} أحوجت "كما قلنا" إلى تقدير المرجع وهو "ذوي". ولما فتح باب التقدير قدر "المثل" المعبر به عن القصة والهيئة؛ ليشاكل قوله تعالى: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} لهذا كانت آية {أَوْ كَصَيِّبٍ} من قبيل ما ولي فيه المشبه به كاف التشبيه تقديرا, بخلاف آية {كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ} إذ لا حاجة فيها إلى تقدير شيء.
والأصل في "كأن" الدالة على التشبيه أن يليها المشبه عكس "الكاف" وأخواتها, تقول: "كأن عنترة أسد" فعنترة هو المشبه، وقد ولي "كأن"، ويقول الله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} فضمير النسوة هو المشبه، وما بعده هو المشبه به.
ومثل "كأن" في هذا الحكم كل ما له معمولان من الأفعال، أو الأسماء المشتقة لمعنى التشبيه؛ تقول: ماثل أو يماثل خالد أسدا، وشابه أو يشابه علي حاتما، وحاكى أو يحاكي شوقي أبا الطيب, فالذي ولي الأفعال في هذه المثل هو المشبه، وتقول: خالد ماثل أو يماثل الأسد، وعلي شابه أو يشابه حاتما، وشوقي حاكى أو يحاكى أبا الطيب، وتقول في الأسماء المشتقة: علي مماثل أو مشابه أسدا، وشوقي محاكٍ أبا الطيب, فالضمائر المستكنة في هذه الأفعال، أو الصفات هي المشبهات وقد وليتها؛ لأنها فواعل، والفاعل مرتبته التقدم على المفعول به، وقد يجري الكلام على خلاف الأصل لقيام قرينة نحو: "شابه أسدا علي" فيقدم المشبه به لفظا, لا معنى.
(3/165)

تنبيهان:
الأول: ما تقدم من كون "كأن" أداة دالة على التشبيه هو الأكثر استعمالا، وقد تستعمل عند ظن المتكلم ثبوت الخبر من غير قصد إلى تشبيه، سواء كان الخبر جامدا أو مشتقا. والحق ما قاله بعضهم من أنها للتشبيه إذا كان الخبر جامدا مما يتمثل به كما تقول: "كأن محمدا أسد", وللظن إذا كان الخبر مشتقا، أو شبيها بالمشتق, تقول في الأول: "كأن محمدا شجاع"، وتقول في الثاني: "كأن محمدا أخوك" أي: متولد من ماء أبيك، والمعنى في الموضعين على أنك تشكّ في شجاعته، أو في أخوته. ولا يصح هنا أن تكون "كأن" للتشبيه؛ لأن اسمها وخبرها متحدان خارجا، ولا معنى لتشبيه الشيء بنفسه ا. هـ.
الثاني: قد يقوم مقام الأداة في الدلالة على التشبيه "فعل" غير ما تقدم من الأفعال المشتقة من المماثلة والمشابهة, كما تقول: "قدم القائد فوجدته أسدا" و"سمعت الواعظ يخطب فحسبته سحبان وائل"، غير أن الفعل في المثال الأول يستعمل حيث ادعي كمال المشابهة بين الطرفين؛ لأن "وجد" وأخواته من أفعال اليقين، وهي تدل على التحقق والتيقن، وأن الفعل في المثال الثاني يستعمل حيث ادعي ضعف المشابهة بين الطرفين؛ لأن "حسب" وأخواته من أفعال الظن والحسبان، وليس فيها أكثر من الرجحان، والإدراك على وجه الاحتمال، دون التحقق والتيقن ا. هـ.
غير أنه قيل: لا نسلم دلالة الفعل المذكور بنوعيه على التشبيه للقطع بأن لا دلالة للوجدان والحسبان على ذلك، بل إن الدال عليه هو عدم صحة الحمل؛ لأنا نجزم أن "الأسد" مثلا لا يصح حمله على "زيد" لتباين الحقيقتين، وأن المعنى لا يستقيم إلا على تقدير أداة التشبيه، سواء ذكر الفعل أم لم يذكر.
(3/166)

وأجيب: بأن المراد من دلالة المذكور على التشبيه دلالته على حاله من القوة والضعف, فدلالة "علمت محمدا أسدا" على المشابهة بينهما أقوى من دلالة "حسبت محمدا أسدا" على هذه المشابهة؛ لإفادة الأول معنى التيقن والتحقق، دون الثاني.
ومن مجموع الاعتراض والجواب يفهم أن الفعل ليس أداة من أدوات التشبيه، وأن المثالين المذكورين من قبيل التشبيه المؤكد، وهو ما حذفت منه الأداة -على ما سيأتي- غير أن الخطيب في الإيضاح مثّل للتشبيه المرسل بقول البحتري يصف الدروع:
وإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكب في الماء
يقول: إذا خالطت الأسنة الدروع خلتها "في هذه الحالة" خيال نجوم في الماء, فهو قد جعل تشبيه الأسنة لامعة في الدروع بالكواكب لامعة في الماء من قبيل التشبيه المرسل، وهو ما ذكرت فيه الأداة "على ما سيأتي"، فكأنه اعتبر الفعل المذكور أداة تشبيه, ولعل هذا هو السر في قول الخطيب في متن التلخيص: "وقد يذكر فعل ينبئ عن التشبيه"، ولم يقل: ينبئ عن حاله.
تقسيم التشبيه باعتبار الأداة:
ينقسم التشبيه بهذا الاعتبار إلى قسمين: مرسل، ومؤكد.
فالمرسل: ما ذكرت فيه أداة التشبيه لفظا أو تقديرا. فمثال ما ذكرت فيه الأداة لفظا قوله تعالى فيما سبق: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} ، وكقولك: "سجعه كسجع الحمام، ووشيه كوشي الطاووس". ومثال ما قدرت فيه الأداة قولك: سجعه سجع الحمام، ووشيه وشي الطاووس, إذا قدرت في نفسك أنه على معنى الكاف، وأن المشبه مثل المشبه به لا عينه، وسمي التشبيه مرسلا؛ لإرساله عن التأكيد أي: خلوه منه.
(3/167)

والمؤكد: ما تركت فيه الأداة لفظا وتقديرا أي: ترك التصريح بها, وتُنُوسِي تقديرها في نظم الكلام أيضا إشعارا من حيث الظاهر بأن المشبه عين المشبه به مبالغة, كما تقول في المثالين السابقين: "سجعه سجع الحمام، ووشيه وشي الطاووس" فتترك ذكر الأداة، ولا تقدرها في نفسك ادعاء منك أن المشبه هو المشبه به نفسه لا شيء سواه. ومثله قوله تعالى: {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} يريد -والله أعلم بمراده- أن الجبال يوم القيامة بعد النفخة الأولى تسير في الهواء كالسحاب تسوقه الرياح، فهو تشبيه مؤكد تركت فيه الأداة, وتنوسي تقديرها ليكون المعنى: إن مرور الجبال يوم القيامة هو مرور السحاب بعينه، وهذا المعنى هو ما ينبغي أن يفهم تصويرا للحالة التي ستكون. ومنه قول الشاعر:
هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفي اللقاء إذا تلقى بهم بهم
ولو فرض تقدير الأداة في الكلام, لكان تشبيها مرسلا.
إذا علمت هذا, فاعلم أن كل مثال تركت فيه الأداة، يحتمل أن يكون من قبيل التشبيه المؤكد إن لم تقدر فيه الأداة، وأن يكون من قبيل المرسل إن قدرت الأداة ما لم تقم قرينة على المراد.
ومن التشبيه المؤكد ما أضيف فيه المشبه به إلى المشبه بعد حذف الأداة، وتقديم المشبه به على المشبه، والإضافة حينئذ بيانية تقتضي الاتحاد في المفهوم, كما في قول الشريف الرضي يستمطر الرحمة على قبور الموتى:
أرسى النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضع1
__________
1 "أرسى النسيم بواديكم" بمعنى: استقر بها, و"المزن" أراد بها السحاب, و"الأجداث" جمع جدث -بفتح الجيم والدال- وهو القبر، و"تضع" بمعنى تهمي وتهطل, وإنما عبر بالوضع لمناسبة لفظ "الحوامل".
(3/168)

أراد أن المزن الممتلئة بالماء كالحوامل من الحيوان؛ فقد شبه المزن بالحوامل بجامع المنفعة في كل، ثم تركت أداة التشبيه وتنوسيت، ثم أضيف المشبه به إلى المشبه، بعد تقديمه عليه -كما ترى- وفي التعبير بقوله: "تضع"، مع قوله: "حوامل المزن" براعة بارعة في مراعاة التناسب. ومثله قول الشاعر يصف اعتدال
الريح وقت الأصيل:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء1
شبه الشاعر الماء بالفضة في النقاء والصفاء، ثم أضاف المشبه به إلى المشبه بعد حذف الأداة، وتناسيها في نظم الكلام -كما ذكرنا- وسمي التشبيه مؤكدا؛ لأنه أكد وقرر بدعوى اتحاد الطرفين، وأن المشبه هو المشبه به، لا يتميز أحدهما عن الآخر في شيء.
اختبار:
1- عرف أداة التشبيه، ومثل من عندك بأداتين من أدواته, يكون وجه الشبه في أحد المثالين عقليا، وفي الآخر حسيا.
2- بين أي الطرفين يلي كاف التشبيه، وما حكم "كأن التشبيهية" في هذا الشأن؟ مثل لما تقول.
3- من أي قبيل قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ ... } الآية، وقولك: خالد ماثل الأسد؟
__________
1 تعبث بالغصون: تحركها وتميلها, و"جرى" بمعنى ظهر والجملة حالية، والأصيل هو: الوقت بين العصر والغروب ويعد من أطيب الأوقات، وذهبه: صفرته بسبب شعاع الشمس وإطلاق الذهب عليه "استعارة" واللجين: الفضة, وقد أضيف إلى الماء من إضافة المشبه به إلى المشبه, وهو محل الشاهد.
(3/169)

4- متى تستعمل "كأن" في معنى الظن؟ بين الخلاف في ذلك مع التمثيل، وهل من قبيل أداة التشبيه فعلا الوجدان والحسبان في نحو قولك: زرت عليا فوجدته بحرا، ورأيت توفيقا يخطب فظننته قسا؟ وما الفرق بين الفعلين؟
5- قسم التشبيه باعتبار الأداة، وعرف كل قسم مع التمثيل، واذكر من أي قبيل قول الشاعر:
ورد الخدود ورمان النهود وأغصـ ... ـان القدود تصيد السادة الصيدا؟
وما نوع الإضافة فيه؟
6- من أي نوعي التشبيه "المؤكد والمرسل" قولهم: صوته مزمار داود، وما علة هذه التسمية في كل منهما؟
(3/170)

مبحث أغراض التشبيه:
أغراض التشبيه: هي البواعث التي تحمل المتكلم على أن يعقد شبها بين شيئين, وهي على ضربين:
1- ما يعود على المشبه, وهو الأكثر1.
2- ما يعود على المشبه به.
الأغراض التي تعود على المشبه, وهي سبعة:
الأول: بيان حال المشبه, أي: بيان وصفه الذي هو عليه, وذلك إذا كان المخاطب يجهل حال ذلك المشبه ويريد أن يعرف حاله، فيلحق بمشبه به معروف لديه؛ بيانا لهذه الحال كما في تشبيه ثوب بآخر في
__________
1 إنما كان الأكثر ذلك؛ لأن التشبيه بمنزلة القياس في ابتناء شيء على آخر, فالمعقول إذًا أن يعود الغرض منه على المشبه الذي هو كالمقيس؛ ولذا كان عوده إليه هو الغالب الكثير.
(3/170)

بياضه، أو سواده, وكما في قول امرئ القيس المتقدم يصف عقابا بكثرة اصطياد الطيور:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
شبه الرطب من قلوب الطير، واليابس منها بالعناب والحشف البالي؛ بيانا لما فيها من الأوصاف كالشكل، والمقدار، واللون. ومثله قول النابغة يمدح النعمان بن المنذر:
كأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
شبه النابغة النعمان بين سائر الملوك بالشمس بين سائر الكواكب, بجامع الهيئة الحاصلة من الشيء الحقير، يتضاءل شأنه عند وجود الشيء الخطير. والغرض بيان حال النعمان مع سائر الملوك من أنه صفوتهم, إذا ظهر بينهم طغى أمره على أمرهم, شأن الشمس مع الكواكب.
وينبغي لتحقيق هذا الغرض أن يكون المشبه به معروفا عند المخاطب بوجه الشبه؛ لأن الغرض تعريف حال المشبه المجهولة للمخاطب, فلو لم تكن حال المشبه به معروفة عنده من قبل لزم تعريف المجهول بالمجهول.
وليس بلازم في تحقيق هذا الغرض أن يكون وجه الشبه في المشبه به أتم وأقوى منه في المشبه -وإن كان الشأن فيه ذلك- لأن المخاطب إنما يجهل حال المشبه، ويريد مجرد تصورها، من غير التفات إلى زيادة أو نقصان، وهذا يكفي فيه أن يكون وجه الشبه معروفا في المشبه به عنده, فإذا قيل: ما لون ثوبك الذي اشتريته؟ فقلت: كثوب فلان مثلا, والمخاطب يعلم أنه أسود فقد تم الغرض، ولا يتوقف على أن يكون سواد ثوب فلان أتم منه في الثوب المشترى؛ لأن ذلك زائد على المطلوب.
(3/171)

الثاني: بيان مقدار حال المشبه من القوة، أو الضعف، أو الزيادة, أو النقصان، وذلك إذا كان المخاطب يعلم حال المشبه, ويجهل مقدار هذه الحال، ويريد الوقوف على مقدارها، فيلحق حينئذ بشيء يعلم المخاطب مقدار حاله, كما في قول الشاعر:
فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم1
أشار بقوله: "سودا" إلى الصفة المشتركة بين الطرفين, فالمخاطب يعلم حال المشبه، وأنه أسود اللون، ولكن لا يدري إلى أي مدى وصل هذا السواد, وكأنه يطلب معرفته فجاء المتكلم بهذا التشبيه كاشفا عن مقداره، وأنه على حد السواد في الغراب الأسحم المعروف عند المخاطب بشدة سواده، وبهذا اتضحت حال المشبه، واستقر في الذهن مقدار سواده، وأنه بين الحلكة شديدها. ومثله قول الشاعر:
إذا قامت لحاجتها تثنت ... كأن عظامها من خيزران2
فقد أشار بقوله: "تثنت" إلى الوصف المشترك بين الطرفين, فالمخاطب يعلم حال المشبه، وأنه لين لا يبس فيه، ولكنه لا يدري إلى أي حد وصلت هذه الليونة، فجاء الشاعر بهذا التشبيه كاشفا عن مقدارها، وأنها على غرار ليونة الخيزران المعروف للمخاطب مبلغ ليونته وتكسره. وكتشبيه الصوت الضعيف بالهمس، أو القوي بالرعد بيانا لمقدار ضعفه، أو قوته.
__________
1 "الحلوبة": الناقة ذات اللبن الغزير، و"الخافية": ريش في الطائر يختفي إذا ضم جناحيه، و"الأسحم": شديد السواد.
2 "تثنت": تمايلت مع تكسر, و"الخيزران": نوع من الخشب واضح الليونة.
(3/172)

ولتحقيق هذا الغرض ينبغي أن يكون المشبه به أعرف بوجه الشبه وأشهر به عند المخاطب1 من المشبه، غير أنه يجب هنا أن يكون المشبه به مساويا للمشبه في وجه الشبه، لا أكثر ولا أقل, حقيقة أو ادعاء2, إذ لو كان المشبه به أتم في وجه الشبه من المشبه، أو أقل منه لم يتعين المقدار, فلم يتم الغرض من التشبيه.
الثالث: بيان إمكان المشبه أي: بيان أن المشبه أمر ممكن الوجود, وذلك إذا كان أمرا غريبا من شأنه أن ينازع فيه، ويدعى امتناعه، فيمثل حينئذ بشيء مسلم الوقوع، ليكون كالدليل على ثبوته, كما في قول أبي الطيب من قصيدة يرثي بها أم سيف الدولة:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
ادعى الشاعر أن الممدوح من السمو والرفعة بحيث فاق الجنس البشري الذي هو أحد أفراده، وصار كأنه جنس آخر. ولما كان هذا المعنى في بادئ الرأي غريبا في بابه، لا تقبله العقول لاستبعاد أن يخرج الشيء عن جنسه أراد أن يؤيده بما لا نزاع فيه ليتبين إمكانه, فشبهه بشيء أقرته العقول، وآمنت به, وهو "المسك" فإنه خرج عن أصله، وتحول إلى جنس آخر لما فيه من معنى ليس في سائر الدماء أي: وإذا جاز أن يفوق الشيء أصله لميزة فيه, فليس يبعد أن يفوق الممدوح جنسه لما فيه من جليل الصفات. ومن هذا البيان يتبين أمران:
أحدهما: أن قوله: "فإن المسك ... " إلخ لم يأت به جوابا للشرط في المصراع الأول، وإنما سيق مساق الدليل على هذا الجواب،
__________
1 أي: وإن لم يكن أشهر في الواقع.
2 حقيقة كما في الأمثلة المتقدمة، وادعاء كما في تشبيه شراب بارد شديد البرودة بالثلج، أو شراب شديد الحرارة بالنار.
(3/173)

وكأنه يقول: فإن تفق الأنام وأنت منهم فلا بدع ولا غرابة؛ لأن لك نظيرا هو "المسك" فقد حذف الجواب وهو قوله: "فلا بدع ولا غرابة" واستغنى عنه بهذا الدليل.
ثانيهما: أن التشبيه في البيت ليس صريحا، بل دل عليه الكلام ضمنا؛ ذلك أن المعنى الصريح لهذا الكلام هو -كما قلنا- أن لا بدع ولا غرابة أن يخرج الممدوح عن بني جنسه لمعنى فيه ليس فيهم؛ لأن المسك بعض دم الغزال، وهو -مع ذلك- لا يعد من الدماء لما اختص به من معنى كريم, ومفهوم هذا: أن حال الممدوح شبيهة بحال المسك, وبهذا التشبيه الضمني تبين أن المشبه أمر ممكن الوجود. ومثل هذا البيت قول الشاعر:
وإن تكن تغلب الغلباء1 عنصرها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب
يريد: وإن كانت هذه المرأة من قبيلة تغلب ذات العزة والمنعة, فإن فيها من معاني الكمال ما جعلها تبذ قومها وتفوقهم، ثم دلل على هذه الدعوى بما معناه: أن العنب أصل الخمر, ولكنها تحولت إلى شيء آخر لمعنى اختصت به دونه.
ولتحقيق هذا الغرض ينبغي أن يكون المشبه به أعرف وأشهر بوجه الشبه من المشبه كالذي قبله ليصح جعله مقيسا عليه، واعتباره دليلا على إمكان المشبه, وليس بلازم أن يكون المشبه به أتم وأكمل من المشبه في وجه الشبه؛ لأن المطلوب بيان إمكان المشبه بإثبات نظير له، وهذا يكفي فيه مجرد وجود وجه الشبه في المشبه به خارجا، ولا يتوقف على أن يكون الوجه في المشبه به أتم منه في المشبه. فإذا قلت لإنسان: إنك في خروجك عن جنسك كالمسك تم الغرض بمجرد العلم بخروج المسك عن جنسه، وإن لم يكن المسك أتم منه في هذا الخروج فرضا.
__________
1 أي: ذات عزة ومنعة.
(3/174)

الرابع: تقرير حال المشبه، وتمكينها في نفس السامع بإبرازها في صورة هي فيها أوضح وأقوى، وإنما يكون ذلك في الأشياء المحسة كالذي تراه في تشبيه من لا يحصل من سعيه على طائل1 بمن يرقم على الماء أو الهواء، فقد أراك لخيبة المسعى، وبوار العمل صورة ملموسة لا يشك فيها شاكّ, وهل هناك من يشك في عبث من يرقم على الماء أو الهواء، وهو يرى بعينه عملا لا أثر له؟ ومثله قول الشاعر:
إن القلوب إذا تنافر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبر
شبه الشاعر هيئة القلوب المتنافرة بهيئة الزجاجة المتصدعة بجامع هيئة الشيء التالف، تتعذر عودته إلى حالته الأولى. ولما كان تنافر القلوب، وتعذر عودتها إلى التواصل -كما كانت- من الأمور المعقولة التي لا تطمئن إليها النفس أيما اطمئنان, إذ قد يتوهم جواز عودتها إلى ما كانت عليه من الالتئام, لما كان الأمر كذلك أراد أن يبرز هذا المعنى في صورة ترى بالعين لتسكن إليه النفس، وتؤمن به إيمانا قويا، فشبهه بالزجاجة إذا تصدعت. ومثل هذا التشبيه تجد فيه من تقرير المعنى، وتمكينه في النفس ما لا تجده في غيره؛ ذلك أن الجزم بالأمور الحسية أتم منه بالأمور العقلية، وليس من شك في أن التئام الزجاجة بعد صدعها من الأمور المقطوع بتعذرها لتقررها في عالم الحس. ألا ترى لو وصفت يوما بالطول، فقلت: هو كأطول ما يتوهم، أو كأنه لا آخر له, أكنت تحس من الأنس والأريحية بمثل ما تجده في قول الشاعر:
ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطكاك المزاهر2
__________
1 الطائل: الفائدة, يقال: هذا الأمر لا طائل تحته أي: لا فائدة فيه.
2 المراد بدم الزق: الخمر, وهو على تقدير مضاف أي: شرب دم الزق، والزق: وعاء الخمر، و"عنا" حال من دم الزق أي: حال كونه صادرا عنا, و"المزاهر" جمع مزهر بكسر الميم: آلة من آلات الطرب و"اصطكاكها": ضرب بعضها في بعض.
(3/175)

وهل تراك لو وصفته بالقصر، فقلت: هو كأقصر ما يتصور، أو كلمح البصر, أكنت ترى فيه من تجسيم المعنى، وعرضه في صورة ملموسة ما تراه في قولهم: "أيام كأباهيم1 القطا"، أو في قول الشاعر:
ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب؟ 2
ذلك أن اطمئنان القلب إلى ابن الحاسة أقوى وأتم -كما رأيت- ألا ترى إلى قول إبراهيم الخليل عليه السلام: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} .
وإن شئت المثل الأعلى لهذا النوع, فعليك بكتاب الله في غير موضع منه؛ قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ} ، وقال جلت قدرته: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} ، إلى غير ذلك من صور إبراز المعاني المحجوبة عن العيان في معارض الحس والمشاهدة؛ ليكون ذلك أمكن في النفس، فيقوى إيمانها به، واطمئنانها إليه.
وهذا الغرض لا يتحقق إلا بالأمرين جميعا: أعرفية المشبه به بوجه الشبه، وأتميته فيه, أي: أن يكون المشبه به أعرف بوجه الشبه من المشبه، وأن يكون أتم وأقوى منه فيه؛ لأن النفس إلى الأتم الأقوى أميل، فالتشبيه به لقصد التقرير والتقوية أجدر, فأنت إذا قلت مثلا: إن القلوب المتنافرة يتعذر عودتها إلى التواصل, جاز أن يتوهم -كما قلنا- إمكان عودتها إليه, فإذا مثلت هذا المعنى بالزجاجة المتصدعة،
__________
1 الأباهيم جمع إبهام -بكسر الهمزة- وهو أكبر أصابع اليد أو الرجل، والقطا جمع قطاة, وهي طائر معروف بخفة الحركة.
2 سالفة الذباب: مقدم أعناقه.
(3/176)

وهي التي لا يتصور فيها مطلقا أن تعود إلى الالتئام ثانيا, تمكن المعنى في النفس، وآمنت به إيمانها بالمعنى الممثل به.
الخامس: تزيين المشبه للمخاطب أي: تصويره له بصورة جميلة محببة للنفوس؛ بأن يلحق بمشبه به استقر في النفس حسنه وحبه ليتخيله المخاطب كذلك، فيرغب فيه لما هو مركوز في الطباع من أن المتماثلين حكمهما واحد، لا فرق في ذلك بين المبصرات وغيرها كما في قول الشاعر:
سوداء واضحة الجبيـ ... ـن كمقلة الظبي الغرير1
فالوجه الأسود مما لا يستحسن في رأي العين, فلأجل الترغيب فيه شبه بمقلة الظبي في حسن سوادها واستدارته تزيينا له عند السامع، فيتخيله حسنا، ومثله قول الشاعر:
تفاريق شيب في الشباب لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم؟
شبه الشاعر هيئة ظهور بياض الشيب يلمع بين سواد الشباب بهيئة نجوم تتألق في جنح الليل, بجامع هيئة اختلاط شيء ناصع البياض بآخر حالك السواد. والغرض من هذا التشبيه تصوير الشيب بين سواد الشباب بصورة الكواكب تبرق في ظلام الليل؛ تزيينا له في عين المخاطب، فلا ينفر منه, وكما في تشبيه صوت مغنٍّ بصوت داود، وبشرة إنسان بالحرير، ونكهة فم بالعطر، أو نحو ذلك.
السادس: تقبيح المشبه وتصويره للمخاطب بصورة قبيحة؛ بأن يلحق بمشبه به تتقزز منه النفس، ويمجّه الطبع ليتخيله المخاطب كذلك، فيرغب عنه لما تقدم من أن المتماثلين حكمهما واحد كما في قول الشاعر:
__________
1 الغرير: الحسن الشكل.
(3/177)

وإذا أشار محدثا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم
شبه الشاعر هيئة إنسان مبغض، يشير في حديثه بهيئة قرد يضحك، أو عجوز تصفع خديها في بشاعة المنظر وقبحه؛ تشويها له في نظر السمع، ومثله قول الشاعر يذم القمر:
كلف في شحوب وجهك يحكي ... نكتا فوق وجنة برصاء1
فتشبيه ما يبدو على صفحة القمر -في مرأى العين- من نقط دكن بهيئة نكت مبثوثة على وجنة برصاء مما يؤثر في نفس الناظر إلى القمر, إذ يبدو له كأنه بالحالة التي شبه بها، وكتشبيه الصوت الشديد بالرعد، والجهل بالموت، ورجل السوء بالمنية، وسرب الأشرار بالأفاعي، ونحو ذلك.
هذا, ولم يشترطوا لتحقيق هذين الغرضين أتمية الوجه في المشبه به ولا أشهريته فيه, وعللوا ذلك بصحة تشبيه وجه أسود حالك السواد بمقلة الظبي لقصد تزيينه، مع أن السواد فيها ليس أتم منه في الوجه الأسود، ولا هي أشهر منه في السواد، وبأن الهيئة المشتركة بين من يشير متحدثا، وبين قرد يقهقه، أو عجوز تلطم ليست في القرد، أو العجوز أتم، ولا هما بها أشهر.
غير أن هذا القول إنما يستقيم لو أن وجه الشبه المشترك بين الوجه الأسود، ومقلة الظبي "مطلق سواد"، أو لو أن الوجه المشترك بين هيئة من يشير متحدثا, وبين هيئة القرد وهو يضحك، أو العجوز وهي تلطم "مطلق هيئة" وليس كذلك, فإن الوجه في الأول "السواد الحسن"، وفي الثاني "الهيئة القبيحة"؛ لأن الغرض من التشبيه تزيين المشبه، أو تقبيحه بإلحاقه بمشبه به حسن أو قبيح.
__________
1 الكلف بفتح الكاف واللام: شيء يعلو الوجه كحب السمسم, بين السواد والحمرة، والبرصاء مؤنث أبرص, وهو المصاب بداء البرص.
(3/178)

وإذًا يجب أن يكون المشبه به أتم وأشهر من المشبه في هذا المعنى ليتم الغرض, وليس من شك أن مقلة الظبي لما فيها من صفاء السواد، وحسن استدارته أتم وأشهر في هذا المعنى من الوجه الأسود، وأن فيما نراه من قباحة صورة القرد يضحك، والعجوز تلطم وجهها ما لا نجده في صورة من يتحدث مشيرا, مهما قبح منظره، وشاه خلقه, فالقباحة فيهما أتم وأشهر كذلك.
السابع: استطراف المشبه أي: جعله طريفا بديعا, وذلك يكون بواحد من أمرين:
1- أن يبرز في صورة ممتنعة الوجود في الخارج عادة، أو نادرة الحضور في الدهن.
2- أن يشبه بشيء يندر حضوره في الذهن عند حضور المشبه؛ لما بين الطرفين من بعد المناسبة.
فالأول كما في تشبيه هيئة فحم سرت فيه النار بهيئة بحر من المسك، موجه الذهب, بجامع الهيئة الحاصلة من وجود شيء مضطرب مائل إلى الحمرة، وفي وسط شيء أسود فصورة البحر المذكورة عزيزة الوجود خارجا، ونادرة الحضور في الذهن -كما ترى- فإذا أبرز المشبه التافه الذي لا يؤبه له "كهيئة الفحم المذكور" في صورة شيء نفيس ممتنع الوجود في الخارج، أو نادر الوجود في الخاطر "كالصورة المذكورة للبحر" تخيله السامع طريفا بديعا.
والثاني كما في قول عدي بن الرقاع يصف قرن الغزال:
تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها1
شبه الشاعر صورة قرن الغزال، وقد علا طرفه سواد, بصورة قلم
__________
1 تزجي: تسوق, و"الأغن": غزال في صوته غنة، و"روقه": قرنه، وإبرته: طرف القرن، والمداد: الحبر, والدواة: المحبرة.
(3/179)

عليه أثر المداد, وصورة القلم المذكورة قلّما تخطر بالبال عند تصور قرن الغزال ذي الطرف الأسود؛ لما بين الصورتين من بعد المناسبة, فقد أراك الشاعر عناقا بين متباعدين أشد التباعد، ومن هنا كان الاستطراف1. ومثله ما تقدم لك من تشبيه أزهار البنفسج فوق سيقانها بلهيب النار في أطراف الكبريت, إذ أراك شبها لنبات غض، وأوراق رطبة بلهب نار في جسم استولى عليه اليبس. ومبنى الطباع على أن الشيء إذا ظهر في مكان لم يعهد ظهوره فيه كانت صبابة النفس به أكثر، وكان الولع به أجدر.
ولا يشترط لتحقيق هذا الغرض ما اشترط في غيره من كون المشبه به أتم, وأشهر في وجه الشبه من المشبه، بل كلما كان المشبه به أندر وأخفى كان التشبيه لتأدية هذا الغرض أتم وأوفى.
تنبيه:
اعلم أن التشبيه إلحاق شيء بشيء في معنى, أو هو قياس شيء على شيء في هذا المعنى، والأول هو المشبه أو المقيس، والثاني هو المشبه به أو المقيس عليه, ومقتضى الطبع أن يكون المشبه به الذي هو المقيس عليه أصلا في وجه الشبه للمشبه الذي هو المقيس. وإذًا فقاعدة التشبيه تقتضي أن يكون المشبه به أتم وأشهر في وجه الشبه من المشبه ليصح الإلحاق أو القياس، وبهذا صرح السكاكي إذ قال: إن حق المشبه به أن يكون أعرف بجهة التشبيه من المشبه، وأخص بها، وأقوى حالا معها ... إلخ، وقد جرى عليه أبو العلاء المعري في قوله:
ظلمناك في تشبيه صدغيك بالمسـ ... ـك وقاعدة التشبيه نقصان ما يحكي
__________
1 وإنما جاء الاستطراف إلى المشبه من حيث إنه أحد المتباعدين المتعانقين, أو من حيث تصويره بصورة النفيس الممتنع مع تفاهته, أو بصورة نادرة الحضور في الذهن مع عدم ندرته.
(3/180)

غير أنك عرفت مما تقدم -على ما حققناه- أن أعرفية المشبه به بوجه الشبه شرط فيما عدا "الاستطراف"، وهو خلاف ما ذهب إليه شراح التلخيص من عدم اشتراطها أيضا عند قصد التزيين والتقبيح، وقد عرفت ما فيه.
ووجه اشترط الأعرفية في تلك الأغراض: أن المشبه به بمثابة المعرف لحال المشبه، فلو لم يكن المشبه به أعرف بوجه الشبه لزم تعريف المجهول بالمجهول، أما الأتمية فقد شرطها شراح التلخيص عند قصد تقرير المشبه وتمكينه في النفس لما ذكروه من أن النفس إلى الأتم الأقوى أميل منها إلى غيره، لكنك علمت أيضا أنها كذلك شرط عند قصد تزيين المشبه، أو تقبيحه لما بيناه من توقف تحقيق هذين الغرضين على أتمية الحسن، أو القبح في المشبه به كما هو واضح في المثالين السابقين، وهي فيما عدا ذلك من الأغراض ليست بشرط عند الجميع لإمكان تحقيق هذه الأغراض بدون الأتمية -كما بينا- غير أن هذا لا يتنافى مع قاعدة التشبيه من وجوب كون المشبه به أتم من المشبه في وجه الشبه, فإن عدم اشتراط الشيء لا ينافي وجوده، ولو على سبيل الوجوب ا. هـ.
الأغراض التي تعود على المشبه به, وهي اثنان:
الأول, وهو الكثير الغالب: إيهام المخاطب أن المشبه أقوى وأتم من المشبه به في وجه الشبه، وذلك إنما يكون في التشبيه المقلوب بأن يجعل المشبه في مكان الشبه به بادعاء أن المشبه أكمل في وجه الشبه من المشبه به مبالغة، فيتوهم السامع حينئذ أن الأصل فرع والفرع أصل, جريا على قاعدة التشبيه من وجوب كون المشبه به أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه, كما في قول محمد بن وهيب يمدح المأمون:
(3/181)

وبدا الصباح1 كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح
يريد الشاعر أن يشبه وجه الخليفة بغرة الصباح في الضياء والإشراق, جاعلا وجه الخليفة مشبها به، قاصدا إيهام أنه أتم وأكمل في الضوء من غرة الصبح مبالغة في وصف وجهه بالتهلل والطلاقة عند استماع المديح.
وإنما قيد الشاعر إشراق وجه الخليفة بوقت الامتداح؛ ليدل على أمرين هما:
1- اتصاف الممدوح بحسن قبوله للمدح، الدال على تقديره للمادح، وتعظيمه له، ولو كان غير قابل له لعبس في وجهه.
2- اتصافه بالكرم, إذ الكريم هو الذي يتهلل وجهه، وتنبسط أساريره للمدح, ولو كان لئيما ضنينا لقطب جبينه، وأشاح بوجهه. ومثله قول البحتري يصف بركة المتوكل:
كأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها
فقد أراد البحتري أن يوهم أن يد الخليفة أقوى تدفقا بالعطاء من البركة بالماء؛ مبالغة في وصفه بالكرم. وكقول الشاعر:
والبدر في أفق السماء كغادة ... بيضاء لاحت في ثياب حداد
حتى بدا وجه الصباح كأنه ... وجه الحبيب أتى بلا ميعاد
ففي كلا البيتين إيهام أن المشبه أقوى في وجه الشبه من المشبه به.
__________
1 يحتمل أن يراد به الضياء التام الحاصل عند الإسفار, وأن يراد به الضياء المخلوط بظلمة آخر الليل، ففي الأول تكون الإضافة في قوله: "غرته" بيانية أي: كأن الغرة التي هي الصباح، وعلى الثاني تكون الإضافة على أصلها لإحاطة الظلمة في ذلك الوقت بإشراق هو كالغرة المحاطة بسواد الفرس، والغرة: بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم استعير لبياض الصبح.
(3/182)

الثاني: بيان اهتمام المتكلم بالمشبه به, كأن يشبه الجائع وجه حبيبه بالرغيف في الاستدارة والاستلذاذ به, مدعيا أن الرغيف أظهر في وجه الشبه من وجه الحبيب؛ ليدل بهذا التشبيه على اهتمامه بالرغيف، وأنه -لشدة جوعه- لا يغيب عن خاطره، وكأن يشبه الفقير وجه الحبيب بالدينار في الاستدارة والإشراق ليدل بهذا التشبيه على مبلغ عنايته بالنقدين، وأنه لشدة فقره لا يغربان عن ذهنه، وأن الدينار في زعمه أظهر من المشبه في وجه الشبه, ويسمى هذا النوع من التشبيه "إظهار المطلوب"1 لإتيان صاحبه بما يدل على مطلوبه، ولا بد في مثل هذا التشبيه من قرينة تدل على قصد المتكلم كالعدول عما يناسب إلى غيره. وههنا في المثالين قد عدل عن تشبيه الوجه في الإشراق بما يناسبه وهو "البدر" إلى غيره, وهو "الرغيف" في الأول و"الدينار" في الثاني.
__________
1 قال السكاكي: ولا يحسن المصير إليه إلا في مقام الطمع في حصول المطلوب, وقد حكي: أن قاضي سجستان دخل على "الصاحب", فأخذ يمدحه حتى قال: "وعالم يعرف بالسجزي" يريد السجستاني نسبة إلى سجستان على غير قياس، فأشار الصاحب إلى ندمائه أن يتمموا البيت على أسلوبه، فكمله أحدهم بقوله: "أشهى إلى النفس من الخبز" ففهم مراده, فقدم له مائدة.
(3/183)

تقسيم التشبيه باعتبار الغرض:
ينقسم التشبيه بهذا الاعتبار إلى قسمين: مقبول، ومردود.
فالمقبول: ما كان وافيا بالغرض الذي سِيق لأجله التشبيه.
فإن كان الغرض بيان حال المشبه وجب أن يكون المشبه به معروفا بوجه الشبه عند المخاطب من قبل؛ لئلا يؤدي إلى التشبيه بالمجهول.
وإن كان الغرض بيان مقدار حاله, وجب أن يكون المشبه به على حد المشبه في وجه الشبه، لا أكثر منه ولا أقل.
وإن كان الغرض بيان إمكانه, وجب أن يكون وجه الشبه مسلم الوقوع في المشبه به؛ ليتبين عدم استحالة المشبه.
(3/183)

وإن كان الغرض تقريره, وجب أن يكون المشبه به أتم في وجه الشبه من المشبه؛ ليتقرر في ذهن السامع، ويزداد به إيمانا.
وإن كان الغرض تزيينه أو تقبيحه, وجب أن يكون المشبه به أتم أيضا في وجه الشبه من المشبه, على الخلاف في ذلك.
وإن كان الغرض استطرافه, وجب أن يكون المشبه به غريبا في بابه، أو بعيد التصور, وقد تقدمت أمثلة كل هذا، فلا داعي لذكرها.
والمردود: ما لم يكن وافيا بالغرض المسوق له التشبيه.
ففي بيان الحال: أن يكون المشبه به مجهول الصفة للمخاطب, كأن تشبه ثوبا في لونه بآخر لا يعرفه المخاطب.
وفي بيان المقدار: أن يكون المشبه به أقل أو أكثر من المشبه في وجه الشبه, كأن تشبه ثوبا أبيض بآخر أقل أو أكثر منه بياضا.
وفي بيان الإمكان: أن يكون وجه الشبه غير مسلم الوجود في المشبه به, كأن تشبه رجلا فاق جنسه لميزة فيه بآخر فاق جنسه كذلك.
وفي التقرير: ألا يكون المشبه به أتم في وجه الشبه من المشبه, كأن تشبه من لم يحصل من سعيه على نتيجة بمن ينقش على حجر، أو بساعٍ آخر لم يحصل من سعيه على طائل.
وفي تزيينه، أو تقبيحه: ألا يكون المشبه به أتم في وجه الشبه من المشبه, كأن تشبه وجها أسود بالفحم مريدا تحسينه، أو أن تشبه إنسانا يتكلم بحسناء تبتسم مريدا تقبيحه.
وفي الاستطراف: ألا يكون المشبه به غريبا، أو بعيد التصور, كأن تشبه فحما تتخلله نار بقطع من الحديد في أثنائها لهب، أو أن تشبه أزهار البنفسج بما يناسبها من الأزهار إذ ليس المشبه به غريبا في الأول، ولا بعيد التصور في الثاني, فالتشبيه -في كل ما ذكرنا- مردود؛ لعدم وفائه بالغرض كما رأيت.
(3/184)

اختبار:
1- ما هي أغراض التشبيه؟ ومتى يكون الغرض منه بيان مقدار حال المشبه؟ وبم يتحقق هذا الغرض؟ مثل لما تقول.
2- بين وجه اشتراطهم في تقرير الحال أعرفية الوجه، وأتميته في المشبه به، مع توضيح ذلك بالمثال، وما هو الغرض من التشبيه في قولي الشاعر:
ولاح ضوء قمير كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر
فتى عِيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا؟
3- ائت بثلاثة تشبيهات, يكون الغرض في أحدها تقرير المشبه، وفي الآخر استطرافه، وفي الثالث تقبيحه.
4- قسم التشبيه باعتبار الغرض، وعرف كل قسم، ومثل له.
تمرينات:
1- بين طرفي التشبيه، ووجهه، ونوعه باعتبار الأداة، والغرض منه فيما يأتي من أقوال الشعراء:
1-
الخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
2-
وصبغ شقائق النعمان يحكي ... يواقيتا نظمن على اقتران1
3-
كأن سواد الليل والفجر ضاحك ... يلوح ويخفى أسود يتبسم
4-
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع
__________
1 الصبغ: اللون, وشقائق النعمان: زهر أحمر يشوبه نقط سود, واليواقيت: جمع ياقوت, جوهر نفيس صلب شفاف مفرده ياقوتة، ونظمن على اقتران أي: اجتمعن في سلك واحد على مقارنة ومماثلة.
(3/185)

5-
له خال على صفحات خد ... كنقطة عنبر في صحن مرمر
6-
أنا الذهب الإبريز ما لي آفة ... سوى نقص تميز المعاند في نقدي1
7-
كأنه2 سرم بغل حين تفتحه ... عند البراز وباقي الروث في وسطه
8-
وبين الخد والشفتين خال ... كزنجي أتى روضا صباحا
تخير في الرياض فليس يدري ... أيجني الورد أم يجني الأقاحا؟ 3
9-
كم نعمة مرت بنا وكأنها ... فرس يهرول أو نسيم سار
ب- بين أركان التشبيه فيما يأتي:
1-
والشمس من بين الأرائك قد حكت ... سيفا صقيلا في يد رعشاء
2-
نعمة كالشمس لما طلعت ... بثت الإشراق في كل بلد
3-
كأن على قلبي قطاة تذكرت ... على ظمأ وردا فهزت جناحها4
4-
تزدحم الناس على بابه ... والمنهل العذب كثير الزحام
5-
يجود بالوعد ولكنه ... يدهن من قارورة فارغة
__________
1 الإبريز: الخالص, والآفة: العاهة.
2 يذم الشاعر الورد, فالضمير في "كأنه" عائد إليه.
3 الأقاحي: جمع أقحوان, وجاز نصبه على رأي من رفع الراء في قوله تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ} .
4 الورد بكسر الواو: الإشراف على الماء.
(3/186)

6-
وكأن الجو ميدان وغى ... رفعت فيه المذاكي رهجا1
7-
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء تُرجَّى حين تحتجب
8-
وإنما الحقد كمثل النار ... كامنة في باطن الأحجار
9-
وما كمد الحساد شيئا قصدته ... ولكنه من يزحم البحر يغرق
10-
هو السيف إن لاينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان
11-
والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
12-
وكأنما المريخ بين نجومه ... ياقوتة في لؤلؤ متبدد2
13-
بعثوا الرعب في قلوب الأعادي ... فكأن القتال قبل التلاقي
14-
كريشة في مهب الريح ساقطة ... لا تستقر على حال من القلق
__________
1 المذاكي: الخيل، والرهج بفتح الراء والهاء: الغبار.
2 المريخ: نجم، والمتبدد: المتفرق.
(3/187)

تمرين يطلب جوابه على قياس ما سبق:
بين طرفي التشبيه، ووجهه، ونوعه باعتبار الأداة، والغرض منه فيما يأتي:
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
وحديقة غناء تنتظم الندى ... بفروعها كالدر في الأسلاك
{إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} . {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} . هو كالفراشة. العلماء في الأرض كالكواكب في السماء. النحو في الكلام كالملح في الطعام. الحياة كسحابة صيف. سكبت عيناي غيث الدموع. المشتغل بما لا طائل تحته مثل الراقم على الهواء، نزل بساحتنا فكأنه مطر الربيع. لئن أك أسود فالمسك لوني. {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} .
(3/190)

تمرين يطلب جوابه:
بين أركان التشبيه فيما يأتي:
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وحديقة غناء تنتظم الندى ... بفروعها كالدر في الأسلاك
والورد في أعلى الغصون كأنه ... ملك تحف به سراة جنوده
وانظر لنرجسه الجني كأنه ... طرف تنبه بعد طول هجوده
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال
والنقع ليل سماء لا نجوم له ... إلا الأسنة والهندية البتر1
رضاك شباب لا يليه مشيب ... وسخطك داء لا يعيه طبيب
إذا الثريا اعترضت ... عند طلوع الفجر
حسبتها لامعة ... سبيكة من ذهب2
__________
1 النقع: الغبار، والهندية: السيوف، والبتر: جمع الأبتر وهو القاطع.
2 السبيكة: القطعة.
(3/191)

التشبيه والتشابه:
تقدم أن المشبه به ينبغي أن يكون أعرف بوجه الشبه من المشبه، أو أتم وأقوى منه فيه، حقيقة إذا عاد الغرض على المشبه، أو ادعاء إذا عاد على المشبه به كما سبق تفصيله.
ومتى كان الأمر كذلك جيء بصيغة التشبيه المعروفة إشعارا بهذا التفاوت، ودلالة على أن أحدهما ناقص، والآخر كامل, كما تقول: "هذا الشيء كهذا الشيء" أو مثله، أو شبهه، أو يحاكيه، أو يماثله، أو كأنه كذا، أو غير ذلك من أنواع صيغة التشبيه الدالة وضعا على أن بين الشيئين تفاوتا.
فإذا أريد التساوي بين الشيئين في أمر، من غير قصد إلى تمييز أحدهما في الأعرفية، أو الأتمية، أو فيهما معا, سواء وجد هذا التفاوت بينهما أو لا, فالأفضل العدول عن صيغ "التشبيه" المذكورة آنفا إلى صيغة "التشابه"، أو ما يماثلها من كل ما يدل على حصول المعنى من الجانبين على السواء, كتماثل وتعادل وتحاكى؛ احترازا من إيهام1 ترجيح أحد المتساويين الذي هو غير مراد قصدا إلى المبالغة في التشبيه، كما تقول: تشابه محمد والأسد، وتماثل وجهه والبدر، وتحاكى نواله والغيث، ونحو ذلك من كل فعل لا مفعول له للإشعار بأن ليس بين الطرفين تفاوت. ومنه قول أبي إسحاق الصابي2:
تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب
فوالله ما أدري أبالخمر أسبلت ... جفوني، أم من عبرتي كنت أشرب3
__________
1 إنما عبر بالإيهام؛ لأن الاحتراز عن ترجيح أحد المتساويين يوجب العدول عن صيغ التشبيه، مع أن العدول عنها جائز لا واجب.
2 هو إبراهيم أبو إسحاق الصابي اليهودي, وكان يحفظ القرآن, ولكن الله لم يشرح صدره للإسلام كما هداه إلى محاسن الكلام.
3 المدامة والمدام: الخمر و"الفاء" في قوله: "فمن مثل" لإفادة تعليل التشابه أي: تشابها؛ لأن ما تسكبه العين من الدمع مثل ما في الكأس من الخمر، وأسبل هنا فعل لازم يقال: أسبل الدمع أو المطر: هطل، فالباء في قوله: "أبالخمر" للتعدية وقد ورد متعديا فقيل: "أسبل الدمع" بنصب الدمع على المفعولية: أرسله، والعبرة بفتح العين: الدمع, وبكسرها: مصدر بمعنى الاعتبار.
(3/192)

خيل إلى الشاعر -لشدة ما يعانيه من ألم الجوى- أن دمعه الهاطل على خده أحمر قانٍ، فشبهه بما في كأسه من الخمر في الحمرة, غير أنه زعم أن الخمر والدمع تساويا في وجه الشبه، بحيث لا يفضل أحدهما الآخر فيه حتى أشكل عليه الأمر، فلم يدر: أكانت عيناه تسكبان خمرا، فكان يشرب خمرا، أم كانتا تسكبان دمعا، فكان يشرب دمعا؟ لهذا عدل عن التعبير بصيغة التشبيه إلى صيغة التشابه المفيدة لمعنى التساوي الذي زعمه, وهذا من باب تجاهل العارف، وإلا فهو يعلم قطعا أنه يحتسي خمرا، وأن عينيه تسحّان دمعا.
ومن هذا البيان يعلم أن في قول أبي إسحاق حذفا من جهتين, وكأنه يقول: أبالخمر أسبلت جفوني "فمن الخمر كنت أشرب؟ "، "أم بالعبرة أسبلت جفوني"، فمن عبرتي كنت أشرب؟ فأنت تراه قد حذف من إحدى العبارتين ما ذكر مقابله من الأخرى، وهو ما يسمى عندهم "بالاحتباك".
غير أن قوله: "فمن مثل ما في الكأس" صيغة تشبيه، وهي تتعارض مع صيغة التشابه في قوله: "تشابه دمعي ... إلخ". ولعل الجواب على هذا أن المراد بالتشابه التساوي في مقدار وجه الشبه, أما التشبيه فباعتبار أن وجه الشبه في المشبه به أعرف وأشهر منه في المشبه, وقد أجيب بغير ذلك.
ونظير قول الصابي قول الصاحب بن عباد:
رق الزجاج وراقت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر
وفي هذا الشاهد أيضا ما في الذي قبله من تعارض صيغة التشبيه "في البيت الثاني" المقتضية للتفاوت مع صيغة التشابه "في البيت الأول" المقتضية للتساوي. ويجاب بأن "كأن" هنا للشك، لا للتشبيه بدليل قوله في البيت الثاني: "ولا قدح"، ثم قوله: "ولا خمر"، وذلك أمارة التساوي. وقد يجاب بأن التشبيهين في
(3/193)

البيت الثاني تعارضا لفظا، كما تعارضا معنى فتساقطا وبقي التشابه.
هذا, ويجوز في هذه الحالة أيضا -وهي إرادة التساوي بين شيئين من غير قصد إلى تمييز- الإتيان بصيغة التشبيه لغرض ما, كأن يكون أحد الطرفين موضع حديث المتكلم، أو محل اهتمامه, فيجريه على لسانه أولا، ويجعله مشبها، فإذا كان يتحدث عن الليل يتألق فيه بياض الصبح, صح أن يشبه ذلك بجواد أدهم ذي غرة, كما في قول الشاعر:
والصبح في طرة ليل مسفر ... كأنه غرة مهر أشقر1
وإذا شغف بحب فرسه الدهماء ذات الغرة البيضاء, جاز أن يشبه ذلك بظلمة الليل ينشقّ عنها وجه الصباح كما في قول الشاعر:
وجهه صبح ولكن ... سائر الجسم ظلام
فالشاعر في كلتا الحالين إنما يرمي إلى ما في الطرفين من مجرد ظهور بياض في سواد أكثر منه، من غير قصد إلى قوة أو ضعف, غير أن الأفضل -كما قلنا- هو العدول إلى صيغة "التشابه"؛ لأنها أدل على المراد، وأصرح في معنى التساوي بين الطرفين. وإنما لم يجب العدول إلى صيغة التشابه؛ لما بينّا من أن أحد الطرفين قد يكون موضع اهتمام المتكلم، أو موضع حديثه, فله حينئذ أن يقدمه في مستهل كلامه، ويعرضه في صورة المشبه من غير قصد إلى تمييز بينه وبين المشبه به, كما مثلنا لك.
(3/194)

مراتب التشبيه:
للتشبيه باعتبار الأداة والوجه -ذكرا أو تركا- مراتب ثلاث تتفاوت قوة وضعفا.
فالأولى, وهي عليا المراتب: ما ترك فيها ذكر الوجه والأداة جميعا, كما تقول: "محمد أسد" فهذا التشبيه يفيد من قوة المبالغة ما لا يفيده غيره.
وجه ذلك أنه مشتمل على معنى الاتحاد بين الطرفين, من وجهين:
1- أن ترك الوجه يفيد -بحسب الظاهر1- عموم جهة الإلحاق, أي: إن المشبه وهو "محمد" في المثال المذكور يماثل المشبه به وهو "أسد" في جميع صفاته من القوة، والمهابة، والضخامة، والإقدام، وما إلى ذلك من أوصاف الأسد, إذ لا ترجيح لبعض الأوصاف على بعض عند ترك التصريح بالوجه، وهذا يقوي دعوى الاتحاد بين الطرفين، بخلاف ما لو ذكر الوجه لفظا أو تقديرا، فقيل: "محمد أسد في الجرأة"، أو "محمد أسد" على تقدير "في الجرأة", فإنه يفيد أن "محمدا" يماثل الأسد في صفة الجرأة فقط، لا في سائر صفاته، فتضعف بذلك دعوى الاتحاد.
2- أن ترك الأداة يفيد -بحسب الظاهر2 أيضا- أن المشبه به في المثال المذكور محمول على المشبه، والحمل يقتضي اتحادهما معنى، أي: أن يكون المشبه هو المشبه به عينه، وليس شيئا سواه, وإلا ما صح الحمل فيهما لامتناع حمل أحد المتباينين على الآخر، بخلاف ما لو ذكرت الأداة لفظا أو تقديرا، فقيل: "محمد كالأسد"، أو "محمد أسد" على تقدير الكاف, فإنه يفيد أن محمدا غير الأسد, وهذا يضعف دعوى الاتحاد بين الطرفين.
فترك الوجه والأداة إذًا يفيد معنى الاتحاد بين الطرفين من جهتين
__________
1 إنما كانت إفادته العموم بحسب الظاهر؛ لأن الوجه في الحقيقة وصف خاص, قصد اشتراك الطرفين فيه كالجرأة مثلا.
2 إنما كان الحمل بحسب الظاهر أيضا؛ لأنه في الحقيقة لا حمل, وإنما هو تشبيه أحدهما بالآخر.
(3/195)

-"كما بينا"- لهذا كان التشبيه عند تركهما1 في المرتبة الأولى.
والثانية, وهي الوسطى: ما ترك فيها ذكر أحدهما -الوجه أو الأداة- كما تقول: "محمد كالأسد"، أو "محمد أسد في الجرأة"، فقد ترك الوجه في الأول، والأداة في الثاني. وإنما كان التشبيه في هاتين الصورتين في المرتبة الوسطى؛ لاشتماله على معنى الاتحاد بين الطرفين من جهة واحدة، أي: من جهة عموم الإلحاق كما في صورة ترك الوجه، أو من جهة حمل أحد الطرفين على الآخر كما في صورة ترك الأداة.
غير أنه قيل: إن الصورة الثانية، وهو ما ترك فيها الأداة دون الوجه, أقوى مبالغة من الصورة التي ترك فيها وجه الشبه، دون الأداة لظهور حمل أحد الطرفين على الآخر المقتضي للتماثل التام بينهما، بخلاف الصورة الأولى التي ترك فيها الوجه, فإن عموم التماثل مع وجود ما يقتضي التباين، وهو "الكاف" مثلا يضعف دعوى الاتحاد، مع العلم بأن المتروك يحتمل الخصوص.
والثالثة, وهي المرتبة الأخيرة: ما ذكر فيها الوجه والأداة جميعا -عكس الأولى- كما تقول: "محمد كالأسد في الجرأة"، ووجهه كالبدر في البهاء والضياء، وإنما كانت هذه المرتبة دنيا المراتب الثلاث؛ لخلو التشبيه فيها عن دعوى الاتحاد التي هي مدار المبالغة فيه.
تنبيه:
اعلم أن وصف التشبيه بالعلو، والتوسط، والانحطاط فرع عن تحققه، وهو إنما يتحقق بالطرفين: المشبه والمشبه به، فلا بد إذًا من ذكرهما. أما المشبه به؛ فلأنه الأصل المقيس عليه، وأما المشبه فلأنه الفرع المقيس, غير أنه يجوز ترك ذكر المشبه لفظا فقط إذا دلت عليه قرينة, كأن يكون بينك وبين مخاطبك مذاكرة في شأن "محمد" مثلا, فتقول له: وما حال محمد؟ فيقول لك: أسد، على تقدير: هو أسد، فلا يذكر المشبه لدلالة الكلام السابق عليه، لكن لا بد من تقديره في نظم الكلام، وإلا كان استعارة لا تشبيها ا. هـ.
__________
1 إنما عبر بالترك في جانب حذف الوجه والأداة؛ لأن معناه عدم الذكر لفظا وتقديرا، وهذا هو المراد؛ لأن مدار المبالغة على دعوى الاتحاد، وهي لا تجامع التقدير في نظم الكلام.
(3/196)

الاختلاف في صيغة التشبيه:
اختلف الرأي في صيغة التشبيه: أهي من قبيل الحقيقة, أم من قبيل المجاز؟ فالرأي الأول -وهو ما عليه المحققون- أنها من قبيل الحقيقة؛ ذلك أن كلا من المشبه والمشبه به مستعمل في معناه الذي وضع له, "فمحمد" في نحو: "محمد كالبدر" مستعمل في الذات الإنسانية المعروفة, كما أن "البدر" مستعمل في الكوكب المعروف.
وقيل: هو من قبيل المجاز؛ لأن المعنى من قولنا: "محمد كالبدر" أنه تناهى في الحسن حتى بلغ مستوى البدر فيه، وهذا المعنى غير ما يدل عليه التركب وضعا, إذ إن معناه الموضوع له أن محمدا قريب في الحسن من البدر، ولم يبلغ فيه مستواه.
وإلى هذا الرأي ذهب ابن الأثير, محتجا بأن مضمر الأداة من التشبيه معدود في الاستعارة عند الكثير، وهي مجاز باتفاق القوم، فيجب أن يكون مظهر الأداة من التشبيه كذلك, إذ لا تفرقة بينهما إلا من جهة ظهور الأداة، وظهورها إن لم يزده قوة ودخولا في المجاز, لم يكن مخرجا له عن سننه.
اختبار:
1- بين الفرق بين صيغة التشبيه، وصيغة التشابه، وهل العدول عن الأولى إلى الثانية جائز أم واجب؟ ولماذا؟ وضح ذلك بالمثال.
(3/197)

2- اذكر مراتب التشبيه، ومثل لكل، مع بيان وجه التفاوت بينها.
3- وضح الخلاف في صيغة التشبيه، وهل هي من قبيل الحقيقة أو المجاز؟ بين ما تقول بالمثال.
4- من أي قبيل قول الصاحب بن عباد:
متغايرات قد جمعن وكلها ... متشاكل أشباحها أرواح
وإذا أردت مصرحا تفسيرها ... فالراح والمصباح والتفاح
لم يعلم الساقي وقد جمعت له ... من أي هذي تملأ الأقداح؟
تمرينات منوعة وجوابها:
التمرين الأول:
بين أركان التشبيه, والغرض منه فيما يأتي:
أ-
كأن فجاج الأرض وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل1
ب-
إن السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع
الجواب:
أ- المشبه فجاج الأرض مع قيدها، والمشبه به "كفة الحابل", والأداة "كأن", ووجه الشبه عدم القدرة مع الضيق والشدة، والغرض "بيان الحال".
ب- في البيت تشبيه ضمني؛ فقد شبه السلاح في يد الجبان بالمخلب في الحيوان الذي لا يستطيع الافتراس، ووجه الشبه عدم الفائدة مع وجود آلة العمل، والغرض بيان إمكان المشبه.
__________
1 كفة الحابل بضم الكاف: شبكة الصياد.
(3/198)

التمرين الثاني:
تكلم عن التشبيه في قول الشاعر:
العلم في الصدر مثل الشمس في الفلك ... والعقل للمرء مثل التاج للملك
الجواب:
في الشطر الأول: المشبه "العلم في الصدر"، وهو مفرد عقلي، والمشبه به "الشمس في الفلك" وهو مفرد حسي، وأداة التشبيه "مثل"، ووجه الشبه "النفع في كل"، والتشبيه مجمل؛ لعدم التصريح بوجه الشبه، ومرسل للتصريح بالأداة، والغرض بيان حال المشبه، أو بيان مقداره, أو تقريره.
وفي الشطر الثاني: المشبه "العقل للمرء" وهو مفرد عقلي، والمشبه به "التاج للملك" وهو مفرد حسي، وأداة الشبه "مثل"، ووجه الشبه "الزينة", والتشبيه مجمل، ومرسل كالذي قبله، والغرض تحسينه، أو تقريره، أو بيان مقدار حاله من مظاهر الزينة.
التمرين الثالث:
بين وجه الشبه, ونوع التشبيه باعتباره فيما يأتي:
1- لفظ كالسحر، وخلق كالعطر.
2- له صوت كرنين الأوتار.
3- التقي كالمصباح يضيء في الظلام.
4- محمد كأبيه شجاعة، وإيمانا، وكرما.
5- له كلام يؤثر في القلوب كالسحر.
6-
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يوافي تمام الشهر ثم يغيب
(3/199)

7-
مهفهف وجنتاه ... كالخمر لونا وطعما1
8-
طلق شديد البأس راحته ... كالبحر فيه النفع والضرر2
9-
هذا أبو الهيجاء في الهيجاء ... كالسيف في الرونق والمضاء3
10-
ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام4
11-
غدا والصبح تحت الليل باد ... كطرف أشهب ملقى الجلال5
12-
كأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
13-
يا شبيه البدر في الحسـ ... ـن وفي بعد المنال
14-
كأن انتضاء البدر من تحت غيمه ... نجاء من البأساء بعد وقوع6
__________
1 مهفهف: ضامر البطن دقيق الخصر، والوجنتان: ما ارتفع من الخدين.
2 طلق الوجه: مشرقه ضاحكه, و"راحته" يريد يده.
3 أبو الهيجاء كنية الممدوح, والهيجاء: الحرب, ورونق السيف: ماؤه وبريقه.
4- للبحتري يصف فرسا محجلا, والأحجال جمع حجل -بكسر فسكون- وهو بياض في قوائم الفرس, والغيم الجهام: السحاب لا ماء فيه. شبه هيئة اختلاط بياض الأحجال بسواد القوائم بهيئة اختلاط البرق بسواد الغيم, فهو تشبيه مركب بمركب.
5 الطرف: الفرس الكريم, والأشهب: الأبيض, يصف عاديا بأنه يبكر في غدوه فلا ينتظر حتى يتنفس الصبح بل يغدو ويسير والصبح يلوح من وراء الليل كفرس أشهب قد ألقي عليه جله وهو ما تلبسه الدابة لتصان به، شبه الظلمة وضوء الصبح مجتمعين بهيئة بياض الفرس وسواد الجل مجتمعين, فهو تشبيه مركب بمركب أيضا.
6 أراد بالانتضاء: الانكشاف والظهور, من انتضى السيف من غمده إذا سله وأخرجه, والنجاء: الخلاص. شبه هيئة انتضاء البدر من تحت الغيم بالهيئة الحاصلة من النجاء من البأساء بعد الوقوع فيها ووجه الشبه التخلص من حالة إلى حالة أفضل, فهو تشبيه مركب كذلك.
(3/200)

15-
وأرض كأخلاق الكريم قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا1
16- السفرجل كالبرتقال في شكله، وحجمه، ولونه.
17- أنت كالمصباح في ضوئه، وهدايته.
18- "النساء حبائل الشيطان".
19-
كأن صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء در على أرض من الذهب2
__________
1 السماك: نجم، ومعنى "كحل الليل السماك فأبصر": أن الليل اشتد ظلامه فاشتد تألق النجم, وكأنه أبصر بعد أن كان ضريرا، شبه الأرض اللينة السهلة بأخلاق الكريم.
2 الفقاقيع: هي ما يطفو على وجه الماء كالبرد، مفرده: فقاعة على زنة رمانة, والحصباء: الحصا.
(3/201)

تمرين يطلب جوابه على هذا النحو:
بين وجه الشبه, ونوع التشبيه باعتباره فيما يأتي:
كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نطير غرابا ذا قوادم جون1
وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
كأنما الشعرات البيض طالعة ... في مفرقي أنجم أشرقن في الظلم2
ما الأرض إلا الربيع المستنير إذا ... جاء الربيع أتاك النور والنور
فالأرض ياقوتة والجو لؤلؤة ... والنبت فيروزج والماء بلور
الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. فلان كالبحر لا يعكره ولوغ الكلاب. إنك كالبحر في مده وجزره، وكالدهر في إقباله وإدباره. الأماني حلم اليقظان. حجتك كفلق الصبح. مرآة الغريبة كالشمس استدارة وصفاء. النار في أطراف الكبريت كالبنفسج.
وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو مريض
__________
1 جمع دجية وهي الظلمة، وقوادم الطير: مقاديم ريشه, والجون بضم الجيم: جمع جون بفتحها يقع على الأبيض والأسود, والمراد هنا الأبيض. والمعنى: كأنا وضوء الصبح يسوق الدجى على عجل نطير من الليل غرابا أبيض القوادم.
2 المفرق كمقعد ومجلس: وسط الرأس, وهو الذي يفرق فيه الشعر.
(3/204)

التمرين الرابع:
بين ما في هذه الأبيات من تشبيه، مع بيان نوعه:
1-
نشرت إلي غدائرا من شعرها ... حذر الكواشح والعدو الموبق
فكأنني وكأنها وكأنه ... صبحان باتا تحت ليل مطبق1
2-
لدى نرجس غض القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيون
3-
أقحوان معانق لشقيق ... كثغور تعضّ ورد الخدود
4-
لا تحسبوا أن رقصي بينكم طرب ... فالطير يرقص مذبوحا من الألم
5-
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام
6-
اصبر على كيد الحسـ ... ـود فإن غيظك قاتله
كالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله
الجواب:
1- شبه هيئة اجتماعه بها وقد انسدل الشعر عليهما بهيئة اجتماع صبحين انضويا تحت حالك، بجامع هيئة شيء أسود ينطوي على شيئين يخالفانه لونا، وهو تشبيه تمثيل لجريانه في الهيئات، ومجمل لعدم التصريح بالوجه، وغريب لخفاء الوجه؛ لما فيه من الدقة التركيبية.
2 شبه النرجس وهو مفرد حسي بالعيون, وهو مفرد حسي كذلك, ووجه الشبه جمال المنظر، وهو مجمل لعدم ذكر الوجه، وهو من التشبيه المعكوس؛ إذ كان الوضع أن تشبه العيون بالنرجس.
__________
1 أي: حالك واضح الحلوك.
(3/205)

3- شبه هيئة الأقحوان, وهو يعانق الشقيق بهيئة الثغور تعض على الخدود، ووجه الشبه هيئة شيء ذي بياض يخالط شيئا, يضرب لونه إلى الحمرة، وهو تشبيه تمثيل لجريانه في الهيئات، ومجمل لعدم التصريح بالوجه، وغريب لخفاء الوجه, وفي "ورد الخدود" تشبيه مؤكد؛ لإضافة المشبه به إلى المشبه.
4- شبه هيئة المتألم يضطرب من شدة الألم بهيئة الحيوان الذبيح يرقص لشدة ما يعانيه من آلام الذبح, بجامع هيئة المتألم المضطرب, وهو تشبيه تمثيل لجريانه في الهيئات، ومجمل لعدم التصريح بالوجه، وغريب لخفاء الوجه ودقته, والتشبيه فيه ضمني لا صريح.
5- شبه هيئة من يتغشاه الهوان فيقبله، ولا يتألم له بهيئة ميت يوخز بالأسنة فلا يحس ألما، ولا يشكو وجعا، ووجه الشبه الهيئة المنتزعة من عدم التأثر مما ينبغي التأثير منه, وهو تشبيه تمثيل، ومجمل غريب, والتشبيه هنا أيضا ضمني، أخذ من مضمون الكلام.
6- شبه هيئة الحسود يترك، فيأكل الغيظ قلبه بهيئة النار تترك من غير وقود، حتى يأكل بعضها بعضا, وهو تشبيه تمثيل، ومجمل غريب.
تمرين يطلب جوابه:
بين وجه الشبه، ونوع التشبيه باعتباره، وباعتبار أداته، والغرض منه فيما يأتي:
ولولا كونكم في الناس كانوا ... هراء كالكلام بلا معان
وإن كنت من جنس البرايا وفقتهم ... فللمسك نشر ليس يوجد في العطر
العمر والإنسان والدنيا هم ... كالظل في الإقبال والإدبار
(3/206)

وكأنما الشمس المنيرة دينار ... م جلته حدائد الضراب
وعيون من نرجس تتراءى ... كعيون موصولة التسهيد
العيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال سار
قد أقذف العيس في ليل كأنه به ... وشيئا من النور أو روضا من العشب
كأن الثريا في أواخر ليلها ... تفتح نور أو لجام مفضض
كأن الدموع على خدها ... بقية طل على جلنار1
شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد2
حبر أبي حفص لعاب الليل ... يسيل للإخوان أي سيل
خلقنا سماء فوقهم بنجومها ... سيوفا ونقعا يقبض الطرف أقتما
وكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء
شمس الضحا رقصت فنقط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء
ونار لو نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد
العمر مثل الصيف أو ... كالطيف ليس له إقامة
__________
1 بضم الجيم, وفتح اللام المشددة: زهر الرمان.
2 الخرائد جمع خريدة, وهي البكر لم تمس، أو اللؤلؤة لم تثقب, والمراد الأول.
(3/207)

المبحث الرابع: في الحقيقة والمجاز
الحقيقة
...
المبحث الرابع: في الحقيقة والمجاز 1
اعلم أن المقصود الأصلي من علم البيان هو "المجاز" إذ هو الذي يتأتى فيه اختلاف الطرق في وضوح الدلالة على المعنى المراد, أما الحقيقة فلا يتأتى فيها ذلك؛ لأنها إنما وضعت لشيء بعينه لتستعمل فيه. فإن كان السامع عالما بالوضع فلا تفاوت, وإلا فلا يفهم شيئا أصلا لتوقف الفهم على العلم بالوضع, وقد تقدم بيان ذلك واضحا في مبحث الدلالة.
غير أنه لما كانت الحقيقة بمثابة2 الأصل للمجاز من حيث إن الاستعمال في غير ما وضع اللفظ له فرع الاستعمال فيما وضع له, جرت العادة بالبحث عن الحقيقة أولا، وإليك البيان:
الحقيقة:
تعريفها: هي في اللغة: وصف على زنة "فعيل", إما بمعنى اسم الفاعل, من حق الشيء إذا ثبت، فهو حقيق أي: ثابت, قال تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} أي: لقد ثبت القول, وإما بمعنى اسم المفعول, من حققت الشيء إذا أثبته فهو حقيق أي: مثبت، ثم نقل هذا اللفظ في الاصطلاح من الوصفية "بمعنييها" وجعلت اسما للكلمة المستعملة فيما وضعت له باعتبار أنها ثابتة في مكانها الأصلي3 "على الاعتبار الأول"4 أو مثبتة في مكانها
__________
1 قد يقيدان باللغويين لإخراج الحقيقة والمجاز العقليين, والأكثر عدم التقييد؛ لأنهما عند الإطلاق لا ينصرفان لغير اللغويين بخلاف الحقيقة والمجاز العقليين, فقد اصطلحوا على وجوب تقييدهما بهذا القيد.
2 إنما قلنا ذلك؛ إشارة إلى أنها ليست أصلا للمجاز حقيقة, وإلا كان لكل مجاز حقيقة وليس كذلك, فإن لفظ "الرحمن" قد استعمل من أول الأمر في "المنعم" مجازا ولم يسبق له استعمال في المعنى الحقيقي, وهو "رقيق القلب" فهو إذًا مجاز لم يتفرع عن حقيقة.
3 المراد بمكانها الأصلي: المعنى الذي وضعت له أولا.
4 وهو أنها في الأصل بمعنى فاعل.
(3/208)

الأصلي "على الاعتبار الثاني"1، والتاء فيه للدلالة على نقل الكلمة من الوصفية إلى الاسمية2. وإذًا يعلم أن:
الحقيقة في الاصطلاح: هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في3 اصطلاح التخاطب أي: في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب بالكلمة المذكورة "كالأسد" إذا استعمل في الحيوان المفترس, فهو حقيقة لاستعماله فيما وضع له في كافة الاصطلاحات، و"كالصلاة" إذا استعملها المتكلم بعرف الشرع في الأركان الخاصة, فهي أيضا حقيقة لاستعمالها فيما وضعت له في اصطلاح أهل الشرع، و"كالصلاة" أيضا إذا استعملها المتكلم بعرف اللغة في الدعاء, فهي حقيقة لاستعمالها فيما وضعت له في اصطلاح أرباب اللغة.
واعلم أن في التعريف قيودا ثلاثة:
1- المستعملة.
2- فيما وضعت له.
3- في اصطلاح التخاطب, وقد أتي بها للاحتراز.
__________
1 هو أنها في الأصل بمعنى مفعول.
2 بيان ذلك أن التاء في أصلها تدل على معنى فرعي هو التأنيث, فإذا روعي نقل الوصف إلى الاسمية اعتبرت التاء فيه إشعارا بفرعية الاسمية كما كانت حال الوصفية إشعارا بالتأنيث، فالتاء الموجودة فيه بعد النقل غيرها قبله.
3 الظرف متعلق بقوله: "وضعت" لا "بالمستعملة" لما يترتب عليه من فساد في اللفظ والمعنى؛ أما في اللفظ فلأنه يؤدي إلى تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى, وهو غير جائز عند علماء النحو، وأما في المعنى فلأن استعمال الشيء في الشيء معناه: أن يكون الثاني مدلولا للأول، فيؤدي ذلك إلى أن يكون "اصطلاح التخاطب" مدلولا للكلمة المستعملة وهو ظاهر البطلان. وقد يجاب عن الأول بأن الجار الأول تعلق بالعامل مطلقا والثاني تعلق به مقيدا بالأول، فيكون التعلق بعاملين لا بعامل واحد؛ لأن المطلق غير المقيد. ويجاب عن الثاني بأن "في" بمعنى "على" أي: إن الكلمة مستعملة استعمالا جاريا على اصطلاح التخاطب، على أنهم قالوا: إن التعلق "بوضعت" أولى لفعليته, فهو أحق بالعمل من الوصف.
(3/209)

أما القيد الأول, فقد احترز به عن الكلمة قبل الاستعمال، فلا تسمى حقيقة، ولا مجازا.
وأما القيد الثاني, فقد احترز به عن شيئين:
1- "الغلط اللساني"1 وهو ما استعمل في غير ما وضع له، من غير تعمد لذلك الاستعمال نحو: "ناولني هذا الحجر" مشيرا إلى كتاب, فمثل هذا ليس حقيقة، بل ولا مجازا لعدم العلاقة بين المعنيين.
2- "المجاز" وهو ما استعمل في غير ما وضع له في سائر الاصطلاحات "كالأسد" المستعمل في الرجل الشجاع في قولك: "على الفرس أسد".
وأما القيد الثالث, فقد احترز به عن الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح آخر غير الاصطلاح الذي وقع به التخاطب "كالصلاة" إذا استعملها المتكلم بعرف الشرع في "الدعاء", فليست بحقيقة لعدم استعمالها فيما وضعت له في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب وهو "الشرع", وإن استعملت فيما وضعت له في اصطلاح آخر وهو "اللغة"، و"كالصلاة" إذا استعملها المتكلم بعرف اللغة في الأركان الخاصة, فليست بحقيقة أيضا لعدم استعمالها فيما وضعت له في اصطلاح أهل اللغة، وإن استعملت فيما وضعت له في اصطلاح أهل الشرع. وإذًا فالمدار في "الحقيقة" على أن تكون الكلمة مستعملة فيما وضعت له عند أهل الاصطلاح, الذي وقع به التخاطب بالكلمة المذكورة كما بينا.
__________
1 أما الغلط القلبي فهو حقيقة إن كان الاستعمال فيما وضع له بحسب زعم المتكلم, ولو أخطأ في قصده كمن قال في الحجر الذي رآه عن بعد: هذا طائر, معتقدا أنه حيوان ذو جناح.
(3/210)

المجاز:
تعريفه: هو -في اللغة- على ما ذهب إليه عبد القاهر:
مصدر ميمي على زنة مفعل1 بمعنى الجواز والتعدية, من جاز المكان يجوزه إذا تعداه، نقل في الاصطلاح إلى الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له باعتبار أنها جائزة ومتعدية مكانها الأصلي، فيكون المصدر بمعنى اسم الفاعل، أو باعتبار أنها مجوز بها مكانها الأصلي، فيكون المصدر بمعنى اسم المفعول. وذهب الخطيب إلى أن المجاز -في اللغة- مصدر ميمي بمعنى مكان الجواز والتعدية, من قولهم: جعلت هذا مجازا إلى حاجتي أي: طريقا لها, فهو من جاز المكان سلكه إلى كذا، لا من جازه إذا تعداه كما هو الرأي الأول، ثم نقل إلى الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له باعتبار أنها طريق إلى تصور المعنى المراد منها, وهو نوعان: مفرد، ومركب.
المجاز المفرد:
هو في الاصطلاح: الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب؛ لعلاقة بين المعنى الأول والثاني، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأول.
العلاقة: هي المناسبة الخاصة بين المعنى الأصلي الموضوع له اللفظ، والمعنى المقصود. والقرينة: هي الأمر الذي يجعله المتكلم دليلا على أنه أراد باللفظ غير المعنى الموضوع له، مثال ذلك لفظ "الأسد" المستعمل في الرجل الشجاع في قولك: "في الحمام أسد"، وكلفظ "الغيث" المستعمل في النبات في قولك: "رعت الماشية الغيث"، و"كالصلاة" المستعمل عند أهل الشرع في الدعاء, فكل من هذه الألفاظ مجاز مفرد؛ لأنه كلمة مستعملة في غير المعنى الموضوعة له في اصطلاح التخاطب، والعلاقة بين المعنيين "في الأول" مشابهة الرجل الشجاع للأسد، "وفي الثاني" سببية الغيث للنبات، "وفي الثالث" الكلية والجزئية, إذ إن الصلاة كل للدعاء وهو جزء منها، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي قولك في المثال الأول:
__________
1 فأصله "مجوز" نقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها, فتحركت الواو بحسب الأصل, وانفتح ما قبلها بحسب الآن فقلبت ألفا.
(3/211)

"في الحمام" إذ الحلول في الحمام ليس من شأن الحيوان المفترس, والقرينة في الثاني قولك: "رعت الماشية" إذ إن الغيث لا يرعى, والقرينة في الثالث حالية وهي كون المستعمل للفظ الصلاة من أهل الشرع.
وفي هذا التعريف قيود خمسة:
1- المستعملة.
2- في غير ما وضعت له.
3- في اصطلاح التخاطب.
4- لملاحظة علاقة.
5- مع قرينة مانعة.
أما القيد الأول, فقد احترز به عن الكلمة قبل الاستعمال, فلا تسمى حقيقة، ولا مجازا.
وأما القيد الثاني, فقد احترز به عن الحقيقة, وهي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في كافة الاصطلاحات, كالأسد المستعمل في الحيوان المفترس.
وأما القيد الثالث, فقد احترز به عن الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح آخر غير الاصطلاح الذي وقع به التخاطب "كالصلاة" إذا استعملها المتكلم بعرف الشرع في الأركان الخاصة، فليست بمجاز لعدم استعمالها في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب وهو "الشرع"، وإن كانت مستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح آخر وهو "اللغة". و"كالصلاة" أيضا إذا استعملها المتكلم بعرف اللغة في الدعاء، فليست بمجاز كذلك؛ لعدم استعمالها في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب وهو اللغة, وإن استعملت في غير ما وضعت له في اصطلاح آخر هو "الشرع"، فالمدار في المجاز حينئذ على أن تكون الكلمة مستعملة في غير ما وضعت له عند أهل الاصطلاح, الذي وقع به التخاطب بالكلمة المنطوق بها.
وأما القيد الرابع, فقد احترز به عن الغلط اللساني1، وهو
__________
1 أما الغلط في الاعتقاد, فإن استعمل اللفظ في معناه بحسب اعتقاد المتكلم كأن يقول: انظر إلى هذا الأسد, معتقدا أنه الحيوان المفترس فإذا هو فرس, فهو حقيقة لاستعماله في معناه الأصلي في اعتقاده, وإن لم يصب. وإن استعمل اللفظ في غير معناه الأصلي بحسب اعتقاده كأن يقول: انظر إلى هذا الأسد, مشيرا إلى حجر معتقدا أنه رجل شجاع, كان مجازا؛ لأنه مستعمل في غير معناه لعلاقة وإن لم يصب في ثبوت العلاقة في المشار إليه, وهذا هو أصح الأقوال في هذه المسألة, إذ المعول عليه الاعتقاد.
(3/212)

ما استعمل في غير ما وضع له لا لعلاقة، من غير تعمد لهذا الاستعمال كما إذا أشار متكلم إلى حجر، وأراد أن يقول: خذ هذا الحجر، فسبق لسانه، وقال: خذ هذا الفرس، فمثل هذا ليس مجازا؛ لأنه -وإن استعمل فيه اللفظ في غير ما وضع له- لا علاقة فيه بين المعنيين.
ومن هنا يعلم أنه لا بد للمجاز من علاقة1، وهي -كما قلنا- مناسبة خاصة بين المعنى الحقيقي، والمعنى المجازي كالمشابهة في مجاز الاستعارة في نحو قولك: رأيت سحبان يخطب, تريد رجلا فصيحا، وكالسببية والمسببية في المجاز المرسل في نحو قولك: رعت الماشية الغيث, تريد النبات، غير أنه لا يكفي في المجاز مجرد وجود العلاقة بين المعنيين، بل لا بد أيضا من اعتبارها2 وملاحظتها.
وإنما اشترط في المجاز ملاحظة العلاقة بين المعنيين، ولم يكتف بالقرينة الدالة على المراد؛ لأن إطلاق اللفظ على المعنى المجازي بعد إطلاقه على المعنى الحقيقي تشريك بين المعنيين في اللفظ، وتفريع لأحد الإطلاقين على الآخر، وذلك يستدعي وجها لتخصيص المعنى الفرعي "وهو المجازي" بالتشريك والتفريع، دون سائر المعاني، وذلك الوجه هو العلاقة، وإلا فلا حكمة في تخصيص بعض المعاني دون غيره، فيكون تحكما.
__________
1 سميت علاقة؛ لأنه بسببها يتعلق المعنى الثاني بالأول، ويرتبط به، فينتقل الذهن حينئذ من المعنى الأول إلى الثاني.
2 المعتبر في العلاقة نوعها لا شخصها؛ ولهذا جاز إنشاء المجاز في كلام المولدين, فإذا استعمل العرب علاقة خاصة بين معنيين جاز لنا أن نستعمل للربط بينهما لفظا آخر غير ما استعملوه, ولا نقتصر على خصوص اللفظ الذي اعتبروه، ولو كان المعتبر شخص العلاقة لتوقف استعمال اللفظ في معناه المجازي على النقل عن العرب, وليس كذلك.
(3/213)

وأما القيد الخامس, فقد احترز به عن الكناية1 بناء على القول بأنها واسطة، لا هي حقيقة ولا مجاز2, فهي اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، مع قرينة، غير مانعة من إرادة المعنى الحقيقي بحيث تجوز إرادته مع المعنى الكنائي3، وسيأتي لها مبحث خاص.
هذا, وقد علم مما تقدم في بيان معنى الحقيقة والمجاز أن الوضع مأخوذ جزءا في تعريفهما، فوجب التعرض حينئذ لبيان معنى.
__________
1 أي: عند من لا يجيز الجمع بين الحقيقة والمجاز وهم البيانيون, أما من أجازه كالأصوليين فلا يشترط في القرينة أن تكون مانعة عن إرادة المعنى الحقيقي.
2 أما أنها ليست حقيقة؛ فلأن الحقيقة -كما سبق- اللفظ المستعمل فيما وضع له، والكناية ليست كذلك. وأما أنها ليست مجازا؛ فلأنه اشترط فيه القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة, والكناية أيضا ليست كذلك.
3 المراد بجواز إرادة المعنى الحقيقي ألا ينصب المتكلم قرينة على انتفائه، وليس المراد أن يوجد المعنى الحقيقي معها دائما, فإنك إذا قلت مثلا: فلان طويل النجاد كناية عن طول قامته؛ صح ذلك ولو لم يكن له نجاد, اللهم إلا إذا قصد جعل علم المتكلم بأن النجاد له قرينة على عدم إرادة المعنى الحقيقي, فإنه حينئذ يكون مجازا لا كناية.
(3/214)

الوضع:
وهو: تعيين اللفظ1 ليدل على معناه بنفسه، بمعنى أن يكون العلم بتعيين اللفظ للمعنى كافيا في فهمه منه عند الإطلاق، وبالقيد المذكور, وهو قوله: "بنفسه" يخرج شيئان:
1- المجاز بالنسبة لمعناه المجازي.
2- الكناية على القول بأنها غير حقيقة.
وإنما خرجا؛ لأن كلا من لفظي المجاز والكناية إنما يدل على المعنى المجازي، أو الكنائي بالقرينة، لا بنفسه كدلالة "الأسد" على الرجل الشجاع بقرينة الحمام مثلا, في قولك: "في الحمام أسد"، وكدلالة
"كثرة الرماد" على الكرم بقرينة المدح في مثل قولك: "محمد كثير الرماد"، غير أن القرينة في المجاز مانعة -على ما سيأتي- ولولا القرينة فيهما, لكان المتبادر إلى الفهم هو المعنى الحقيقي.
أما المشترك وهو ما وضع لمعنيين، أو أكثر وضعا متعددا, فلا يخرج بالقيد المذكور؛ إذ قد عين للدلالة على كل من معنييه، أو معانيه بنفسه لفهم ذلك منه بدون قرينة, كما في لفظ "القرء" فقد عين "تارة" للدلالة على الطهر بنفسه، وعين "أخرى" للدلالة على الحيض بنفسه كذلك، فهو موضوع لكل منهما على استقلال، وعدم فهم أحد المعنيين منه على التعيين لعارض الاشتراك لا ينافي ذلك، كما لا يضيره احتياجه إلى القرينة -والحالة هذه- لأن القرينة إنما هي لتعيين المراد من المعنيين المدلولين للفظ، لا لوجود أصل الدلالة على المراد، ومثله لفظ "العين" الموضوع لجملة معانٍ ا. هـ.
__________
1 أي: ولو بالقوة؛ لتدخل الضمائر المستترة.
(3/214)

القول بدلالة اللفظ لذاته:
اعلم أن ما ذكر من أن دلالة اللفظ على المعنى إنما تكون بالوضع, والتعيين هو ما عليه المحققون، وكون الواضع هو الله "سبحانه" بطريق الوحي، أو الواضع هو البشر بحث ليس هنا محله.
وذهب بعضهم1 إلى أن دلالة اللفظ على معناه لا تحتاج إلى وضع وتعيين، بل هو أمر ذاتي؛ بمعنى أن بين اللفظ والمعنى علاقة ذاتية طبيعية ربطت بينهما، واقتضت دلالة اللفظ على معناه, فكل من سمع اللفظ فهم المعنى بهذه العلاقة الذاتية, وحجة صاحب هذا الرأي أمران:
1- وجود العلاقة الذاتية بين كثير من الألفاظ ومعانيها؛ فلفظ "العواء" بالضم إنما دل على صوت الذئب؛ لما بين الدالّ والمدلول
__________
1 هو عباد بن سليمان الصيمري, من المعتزلة.
(3/215)

من علاقة ذاتية هي التوافق في الصوت والحروف. ومثله "المواء" بضم الميم لصوت القط، والقهقهة لصوت الضاحك، إلى غير ذلك مما بين الدالّ والمدلول توافق.
2- أنه لولا وجود هذه العلاقة بينهما؛ لكان اختيار لفظ دون آخر ترجيحا بلا مرجح، وقد رد هذا القول من وجوه:
الأول: لو أن اللفظ يطلب المعنى لعلاقة ذاتية بينهما, لزم أن يفهم الإنسان معنى اللفظ في أية لغة من اللغات، بدون حاجة إلى تعلم متى رجع إلى ما بينهما من علاقة. والواقع ليس كذلك, بل لما اختلفت اللغات في معنى اللفظ الواحد باختلاف الأمم؛ لأن اللفظ دال بذاته، وما بالذات لا يختلف باختلاف الغير واللازم باطل.
الثاني: لو أن اللفظ دال بذاته على المعنى لامتنع أن يدل بواسطة القرينة على المعنى المجازي، دون الحقيقي كما في "الأسد" المستعمل في الرجل الشجاع بقرينة الحمام مثلا, ولامتنع أيضا أن ينقل اللفظ من معنى إلى آخر بحيث لا يفهم منه إلا المعنى الثاني "كالصلاة" المنقولة من معنى الدعاء إلى الأركان الخاصة، وكالدابة المنقولة من كل ما يدبّ على الأرض إلى ذوات الأربع؛ لأن اللفظ فيما ذكرنا دال بذاته على المعنى الأول، وما بالذات لا يزول بالغير واللازم باطل.
الثالث: لو كانت المناسبة الذاتية دليلا على المعنى فيما بينهما ذلك التوافق في الصوت والحرف كالذي مثل به هذا القائل من العواء، والمواء، والقهقهة, فكيف تنهض دليلا فيما لا توافق بينهما، مع ما نعلمه من خلو غالب الألفاظ من هذا التوافق؟
الرابع: ماذا يقول صاحب هذا الرأي فيما هو مشاهد من دلالة كثير من الألفاظ على معانيها، وعلى أضداد هذه المعاني؟ فأي أثر للمناسبة الذاتية هنا بين اللفظ، وضد معناه؟
الخامس: هلا كفى أن يكون مجرد عروض اللفظ، دون غيره للخاطر مرجحا، ودافعا إلى اختياره؟
(3/216)

وقيل1 في معنى "دلالة اللفظ" لذاته: إن للحروف في أنفسها خواص, وصفات، وإن لهيئات تركيبها أيضا خواص, وصفات تقتضي ألا يهمل أمرها عند وضع اللفظ للمعنى, بأن يراعى التناسب بينهما أداء لحكمة اتصاف الحروف، أو هيئاتها بتلك الخواص.
فالأول "كالفصم" بالفاء التي هي حرف رخو, فإنه وضع لكسر الشيء من غير أن يبين، و"كالقصم" بالقاف التي هي حرف شديد, فإنه وضع لكسر الشيء حتى يبين, ولا شك أن كسر الشيء مع البينونة أشد وأقوى من الكسر بلا بينونة.
والثاني "كالفعلان" و"الفعلى" بالتحريك فيهما؛ فإنهما وضعا لما فيه حركة واضطراب كالجولان والغليان، وكالحيدى والجمزى وصفين للحمار السريع, هكذا قيل.
غير أن اعتبار التناسب بين اللفظ والمعنى بحسب خواص الحروف, أو هيئات تركيبها -كما قيل- إنما يظهر في بعض الكلمات كالمذكورة سابقا, أما اعتباره في جميع الكلمات من لغة واحدة -فضلا عن جميع اللغات- فمتعذر أيما تعذر, فلعل تلك الألفاظ المذكورة، وما شاكلها وضعت لمعانيها اتفاقا، بدون مراعاة التناسب بينهما.
تنبيه:
يتسمى كل من الحقيقة والمجاز بأسماء تختلف باختلاف الواضع "بالنسبة للحقيقة"، وباختلاف الاصطلاح "بالنظر إلى المجاز".
ففي الحقيقة: إن كان الواضع لها من أرباب اللغة الفصحاء سميت "حقيقة لغوية" كلفظ "الأسد" المستعمل في المعنى الذي وضعه له أهل اللغة، وهو الحيوان المفترس.
__________
1 أريد بهذا القول تأويل قولهم: "إن دلالة اللفظ بذاته" بحمله على غير ظاهره, ولكنه مع ذلك لا يستقيم؛ لعدم اطراده كما هو ظاهر.
(3/217)

وإن كان الواضع لها من أهل الشرع سميت "حقيقة شرعية" كلفظ الصلاة المستعمل في المعنى الذي وضعه له أهل اللغة الشرعيون, وهو الأفعال والأقوال الخاصة.
وإن كان الواضع لها طائفة خاصة كالنحاة مثلا سميت "حقيقة اصطلاحية"، أو "عرفية خاصة" كالفاعل المستعمل في المعنى الذي وضعه له علماء النحو، واصطلحوا عليه، وهو: الاسم المرفوع بعد فعل مبني للمعلوم أو شبهه.
وإن كان الواضع لها غير طائفة بعينها سميت "حقيقة عرفية عامة" كلفظ "الدابة" المستعمل في المعنى الذي تواضع عليه الناس وتعارفوه، وهو ذات الأربع من الدواب كالفرس والحمار.
وفي المجاز: إن كان المستعمل له من أهل اصطلاح اللغة سمي "مجازا لغويا" "كالأسد" المستعمل في الرجل الشجاع.
وإن كان المستعمل له من أهل الشرع سمي "مجازا شرعيا" كالصلاة إذا استعملها الشرعيون في معنى الدعاء.
وإن كان المستعمل له طائفة خاصة سمي "مجازا اصطلاحيا"، أو "عرفيا خاصا" "كالفاعل" إذا استعمله النحاة فيمن وقع منه الفعل.
وإن كان المستعمل له غير طائفة بعينها سمي "مجازا عرفيا عاما" كلفظ "دابة" إذا استعمله العرف العام في الإنسان المتبذل الحقير.
تفسير المجاز المفرد:
قلنا فيما سبق: إن المجاز لا بد له من علاقة، وهي -كما قلنا غير مرة- المناسبة الخاصة بين المعنيين الحقيقي والمجازي, وهو باعتبار هذه العلاقة ينقسم إلى قسمين: استعارة، ومجاز مرسل.
فإن كانت العلاقة بين المعنيين المشابهة سمي "استعارة" كلفظ "الأسد" المستعار للرجل الجريء كقولنا فيما تقدم: "في الحمام أسد", فإن العلاقة بين الأسد والجريء مشابهة الرجل للأسد في الإقدام.
وإن كانت العلاقة بين المعنيين غير المشابهة سمي اللفظ "مجازا مرسلا" كلفظ "الغيث" المستعمل في النبات كقولنا فيما سبق: "رعت الماشية الغيث", فإن العلاقة بين الغيث والنبات السببية؛ إذ إن الغيث سبب في النبات, وإليك بيان كل:
(3/218)

الاستعارة
مدخل
...
الاستعارة 1:
هي: الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الموضوعة له2, كما في قول زهير:
لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم3
يريد: أنا عند أسد أي: رجل مقدام بطل.
وطريقة إجرائها: أن يقال في هذا المثال وأشباهه: شبه الرجل الجريء بالأسد في الجرأة والإقدام، ثم تنوسي التشبيه، وادعي أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، وداخل في جنسه، ثم استعير لفظ المشبه، وهو "الأسد" للمشبه، وأطلق عليه باعتباره أحد أفراد
__________
1 المراد الاستعارة التصريحية, وهي -على ما سيأتي- ما صرح فيها بذكر المشبه به, دون المشبه.
2 هذا التعريف بالمعنى الاسمي وهو المشهور, وقد تطلق الاستعارة بالمعنى المصدري وهو فعل المتكلم، فيقال: هي استعمال الكلمة في غير ما وضعت له ... إلخ, ومن هنا صح الاشتقاق فيقال: اللفظ مستعار، والمشبه به مستعار منه، والمشبه مستعار له، والمتكلم مستعير.
3 شاكي السلاح: تامه, ومقذف بصيغة اسم المفعول أي: المقذوف باللحم أو المقذوف به في المعارك، واللبد على زنة عنب: الشعر الكثيف المجتمع على نصفه الأعلى.
(3/219)

الأسد1. وهكذا يقال في كل استعارة, وكالمثال المذكور قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أي: الدين الحق؛ استعير الصراط المستقيم للدين الحق، بعد إجراء التشبيه فيهما على نحو ما تقدم في المثال الذي قبله, ووجه الشبه أن كلا وسيلة إلى المطلوب, والاستعارة في المثالين تحقيقية، وهي ما كان المستعار له فيها محققا حسا كما في المثال الأول، أو عقلا كما في المثال الثاني.
أركان الاستعارة:
هي -كما يؤخذ من التعريف- ثلاثة: "المستعار منه"، وهو ذات المشبه به "كالحيوان المفترس" في المثال المتقدم؛ لأن اللفظ الموضوع له هو "أسد" أخذ منه وأعطي لغيره، فهو كالإنسان يستعار ثوبه ويعطى لغيره, "والمستعار له"، وهو ذات المشبه كالرجل الجريء؛ لأن اللفظ الذي لغيره أعطي له، فهو كالإنسان يستعار له الثوب من صاحبه، ويلبس إياه, "والمستعار" وهو لفظ "أسد"؛ لأنه أتي به من صاحبه، واستعير لغيره كاللباس المستعار من صاحبه للابسه، وثلاثتها هي أركان الاستعارة2.
__________
1 ويقدر أن الأسد موضوع لفردين, أحدهما متعارف وهو الحيوان المعروف, والآخر غير متعارف وهو الرجل الجريء.
2 من هذا البيان يعلم أن التشبيه إنما يكون في المعاني, وأما الاستعارة ففي الألفاظ.
(3/220)

ما لا بد منه لتحقيقها:
يتبين مما تقدم في طريقة إجرائها أن لا بد لتحقيقها من أمور أربعة:
1- أن يتناسى التشبيه ويجعل كأن لم يكن، ويدعى حينئذ أن المشبه فرد من أفراد المشبه به مبالغة في اتصاف المشبه بوجه الشبه, غير أن التشبيه الذي يجب تناسيه فيها هو الذي ينيت عليه الاستعارة وإذًا فلا مانع من أن تقول: "رأيت أسدا يتكلم مثل الفيل في الضخامة"، فالذي بنيت عليه الاستعارة هو تشبيه الرجل الجريء بالأسد في الجرأة، وهذا هو الذي يجب تناسيه فيها، فتشبيهه بعد ذلك بالفيل لا يضر بالاستعارة؛ لعدم بنائها عليه.
2- ألا يجمع فيها بين الطرفين أصلا، أو يجمع بينهما على وجه لا يدل على التشبيه، في غير صور التجريد.
فمثال الأول قولك: "لقيت بحرا يعظ الناس"، وقولك: "أظفار المنية نشبت بفلان"، ففي الأول: شبه الواعظ بالبحر في الإفاضة، على ما تقدم في طريقة إجرائها، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه، فالمذكور هو المشبه به فقط وهو "البحر". وفي الثاني: شبهت المنية بالأسد في الاغتيال، ثم استعير تقديرا لفظ الأسد للمنية، ثم حذف ورمز له بشيء من خواصه، وهو "الأظفار" -على ما سيأتي بيانه بعد- فالمذكور هو المشبه لا غير.
ومثال الثاني, وهو ما جمع فيه بين الطرفين على وجه لا ينبئ عن التشبيه قول الشاعر:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر1
فلفظ "القمر" في الشطر الثاني من البيت استعارة؛ لأنه مستعار من معناه الحقيقي للإنسان الجميل، بعد إجراء التشبيه بينهما, وقد جمع فيها بين الطرفين؛ المشبه، وهو الضمير في "غلالته"، أو في "أزراره" والمشبه به وهو "القمر"، ولكن على وجه لا يدل على التشبيه؛ لأن سياق الكلام إنما هو لإثبات شيء واقع على القمر وهو زرّ الأزرار، لا لإثبات التشبيه إذ هو مكنون في الضمير، لا يدرك
__________
1 البلى من بلي الثوب إذا فسد, والغلالة: ثوب قصير ضيق الكمين كالقميص يلبس تحت الثوب, وزر القميص عليه: شد أزراره, وبهذا يعلم أن تعدية "زر" إلى الأزرار في البيت فيه ضرب من التسامح.
(3/221)

إلا بشيء من التأمل. ومثله قولهم: "سيف علي في يد أسد" فقد جمع فيه بين الطرفين على وجه لا ينبئ عن التشبيه للسبب المتقدم, وهو أن الكلام مسوق لإثبات شيء واقع على الأسد وهو كون السيف في يده، ولا لإثبات التشبيه.
فإذا جمع بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه، ويدل عليه -بألا يصح المعنى إلا بمراعاة التشبيه- كان الكلام تشبيها لا استعارة؛ وذلك إذا كان الكلام مسوقا لإثبات التشبيه، لا لإثبات شيء آخر كما تقدم, ويكون ذلك إذا كان المشبه به جاريا على المشبه كأن يكون المشبه به خبرا1 عن المشبه، أو في حكم الخبر عنه بأن يقع حالا منه، أو صفة له. فمثال وقوعه خبرا عن المشبه قولك: "خالد بن الوليد أسد"، ومثال ما في حكمه قولك: "كرّ خالد أسدا"، و"لجأت إلى رجل أسد"، ففي هذه المثل جمع بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه؛ لأن المعنى لا يصح إلا بمراعاة التشبيه, إذ إن سياق الكلام ظاهرا إنما هو لإثبات معنى الأسدية لخالد، وهو ممتنع على الحقيقة، فيحمل على أنه لإثبات شبه من الأسد لخالد، ويكون الإتيان "بالأسد" لإثبات هذا الشبه, ومعنى هذا التعليل واضحا: أن جريان لفظ "أسد" على "خال" يقتضي اتحادهما في المعنى ليصح الحمل في المثال الأول، وليصح الاتصاف في المثالين الآخرين، واتحادهما ممتنع لتباين المفهومين، فتعين الحمل على التشبيه بتقدير أداته، وكأنك قلت: خالد بن الوليد كأسد، وكر خالد كأسد، ولجأت إلى رجل كأسد.
3- ألا يذكر وجه الشبه، ولا أداته لا لفظا، ولا تقديرا، فإن ذكرا كما تقول: رأيت كأبى العلاء في شعر أو ذكر أحدهما,
__________
1 أي: أصلا أو حالا, الأول كما في لجين الماء, فإن أصله "لجين" فقدم المشبه به على المشبه ثم أضيف إليه, والثاني كما في قولهم: محمد أسد.
(3/222)

كما تقول: رأيت كأبي العلاء، أو رأيت أبا العلاء في شعره، كان الكلام تشبيها لا استعارة.
4- أن يكون المشبه به كليا, حقيقة أو تأويلا, حتى يتأتى ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، واعتباره فردا من أفراده.
فالكلي الحقيقي كاسم الجنس في مثل "الأسد", فإن معناه كلي يصدق على كثيرين، فيصبح حينئذ جعله استعارة للرجل الجريء باعتباره أحد أفراد الأسد ادعاء كما مثلنا.
والكلي التأويلي كعلم الشخص الذي اشتهر بوصف, بحيث إذا أطلق ذلك العلم فهم منه ذلك الوصف، وصار العلم كأنه موضوع للذات الموصوفة بذلك الوصف "كحاتم" علما على الطائي المعروف1, فإنه اشتهر بالجود، وذاع صيته فيه حتى صار إذا أطلق لفظ "حاتم" فهم منه معنى الجود, فإذا شبه شخص بحاتم في الجود وجب أن يتأمل في حاتم، فيجعل كأنه موضوع لذي الجود مطلقا، وهو -كما ترى- معنى كلي يشمل حاتما الطائي، وغيره من أجاويد الناس، فيصح حينئذ أن يجعل لفظ "حاتم" استعارة لأية ذات كريمة باعتبارها فردا من أفراد حاتم2 ادعاء، فيقال مثلا: "رأيت اليوم حاتما يعطف على البائسين"، ويراد "محمد الكريم" مثلا, والقرينة هنا هي استحالة وجود شخص حاتم الطائي لانقراضه, وهكذا كل علم شخص اشتهر بنوع من الوصف صح جعله "استعارة" بهذا التأويل المتقدم كمادر3 "المشتهر بالبخل"، وقس4 المشتهر بالفصاحة، وباقل5 الذي اشتهر بالعي والفهاهة، ومن هنا يعلم أن:
__________
1 هو عبد الله بن سعد, المضروب به المثل في الجود والكرم.
2 هذا التأويل إنما يكون بعد التشبيه، فلا يقال إذا كان المشبه فردا من أفراد المشبه به, فكيف يصح التشبيه حينئذ؟
3 هو رجل من بني هلال بن عامر بن صعصعة, وهو المضروب به المثل في البخل. قيل: سمي مادرا؛ لأنه سقى إبلا له من حوض, فلما رويت الإبل بقي في أسفل الحوض بقية ماء فسلح فيه ومدر الماء به, أي: خلطه به؛ مخافة أن يستقي من حوضه أحد.
4 هو قس بن ساعدة الإيادي, أحد خطباء العرب الأعلام في العصر الجاهلي.
5 هو رجل من إياد كان شديد العي في النطق, حتى كان مضرب المثل فيه. روي أنه اشترى ظبيا بأحد عشر درهما فقيل له: بكم اشتريته؟ ففتح كفيه، وفرق بين أصابعه وأخرج لسانه ليشير بذلك إلى العدد المذكور؛ فانفلت الظبي منه, فضرب به المثل في الفهاهة.
(3/223)

الاستعارة لا تصح في علم الشخص:
ذلك أن معناه جزئي لتشخصه وتعينه خارجا، فتصوره يمنع من وقوع الاشتراك فيه. فلفظ "محمد" مثلا لا يصح جعله استعارة لشخص آخر بينه وبين محمد مشابهة في شيء, إذ هي تقتضي ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به باعتباره أحد أفراده -كما عرفت- وهذا يقتضي عموم المشبه به، و"محمد" المذكور لا عموم فيه إذ لا يشمل غير مسماه الذي وضع له، اللهم إلا إذا عرف بوصف، واشتهر به كما سبق في "حاتم" فإنه حينئذ يصح جعله كليا بالتأويل المتقدم, باعتبار هذا الوصف1.
فصل في نحو: خالد أسد:
اختلف الرأي في نحو قولهم: "خالد أسد"، و"كر خالد أسدا"، و"أعجبت برجل أسد" من كل لفظ استعمل فيما وضع له.
فقال الخطيب: إنه تشبيه بليغ لا استعارة؛ لأن الاستعارة عنده لفظ تضمن تشبيه معناه المراد بما وضع له, كما في نحو: "رأيت أسدا مدرعا" أي: لابسا درعا, فإن لفظ أسد أفاد تشبيه معناه المراد منه، وهو "الرجل الجريء" بالمعنى الموضوع له اللفظ، وهو "الحيوان
__________
1 تخصيصهم الاستعارة بالذكر في عدم صلاحيتها في علم الشخص, يفهم منه أن المجاز المرسل يصح إجراؤه في العلم المذكور، وأنه لا مانع من كون المجاز المرسل علما لجواز أن يكون للعلم لازم ولو غير مشهور يستعمل فيه لفظ العلم, كما إذا أطلق "قميار" علم فرس على "زيد" مثلا مرادا منه لازمه, وهو شدة العدو.
(3/224)

المفترس"، فلو أن لفظ "أسد" من نحو قولهم: "خالد أسد" استعارة لتضمن تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن المعنى المستعمل فيه اللفظ عين المعنى الموضوع له1, وتشبيه الشيء بنفسه محال. ومما يدل على أنه تشبيه بليغ، لا استعارة إيقاع لفظ "أسد" على "خالد" أي: حمله عليه كما في المثال الأول، أو وصفه به كما في المثالين الآخرين، وهذا يقتضي اتحاد المحمول والمحمول عليه، أو اتحاد الصفة والموصوف في المعنى، واتحادهما باطل لما ذكرنا -سابقا- إذ لا يمكن أن تنقلب حقيقة الإنسان إلى حيوان مفترس، أو العكس، فوجب المصير حينئذ إلى التشبيه بحذف أداته؛ قصدا إلى المبالغة.
وقال السعد التفتازاني: إن نحو ما ذكر من الأمثلة من قبيل الاستعارة، لا من قبيل التشبيه مدعيا أن لفظ "أسد" مستعمل في معنى "الجريء"، بعد إجراء التشبيه بينه وبين الأسد، لا كما قال الخطيب. ودليل استعماله فيه حمله على "خالد" الذي هو فرد من أفراد "الجريء"، أو وصفه به، والحمل أو الوصف -كما قلنا- يقتضي اتحاد الحقيقتين، ولا يتم هذا الاتحاد إلا إذا كان لفظ "أسد" مستعملا في معنى "الجريء"، وحينئذ يكون استعارة لاستعماله في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة بين الجريء والأسد كما في قولك: رأيت أسدا شاهرا سيفا2, وليس في هذا جمع بين طرفي التشبيه؛ لأن "خالدا" في نحو: "خالد أسد" ليس هو المشبه، بل المشبه المعنى الكلي لخالد، وهو "الجريء"، ولم يذكر لفظه في الكلام.
ومما يؤيد استعمال لفظ "أسد" في معنى "الجريء"، لا في المعنى الحقيقي ما ورد من تعلق الجار والمجرور بالمشبه به في مثل هذه
__________
1 من حيث إن الاستعارة تقتضي ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به.
2 يلاحظ أن هذا الاستلال هو عين ما استدلوا به على أنه تشبيه بليغ، ولكن لكلٍّ وجها في تدليله كما تراه.
(3/225)

المواضع. قال عمران بن حطان يخاطب الحجاج بن يوسف الثقفي:
أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتحاء تنفر من صفير الصافر1
أي: أنت مجترئ علي، وفي الحروب جبان رعديد؛ فقد استعمل لفظ "أسد" في معنى المجترئ, كما استعمل لفظ "نعامة" في معنى "الجبان", إذ النعامة من أجبن الحيوانات. وقال أبو العلاء المعري في مرثية له:
والطير أغربة عليه بأسرها ... فتح السراة وساكنات لصاف2
فليس المراد "بالأغربة" الطيور المعروفة إذ لا معنى له، بل المراد: والطير باكية عليه؛ فاستعمل لفظ "أغربة" في معنى "باكية", إذ يزعمون أن الغراب يعلم بالموت، ومن لازم ذلك التحزن والبكاء, فالجار مع مجروره في كل ما ذكرنا إنما تعلق بهذه الألفاظ بعد تأولها بالمشتق -كما رأيت- ولو كانت مستعملة في معناها الحقيقي -كما ذهب إليه الخطيب- ما صح تعلقه بها لامتناع تعلقه بالجوامد؛ لهذا كانت هذه الألفاظ الواردة مستعملة في هذه المعاني المذكورة، لا في المعنى الموضوع له، فهي إذًا من أنواع المجاز بالاستعارة.
__________
1 "الفتحاء" بالحاء المهملة: المسترخية الجناحين عند النزول, والمراد بقوله: "تنفر من صفير الصافر" أنها تنزعج من مجرد الصدى, وبعد هذا البيت:
هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر
وغزالة: اسم امرأة كان يضرب بها المثل في الشجاعة، وقد حدث أنها هجمت على الكوفة ليلا في ثلاثين فارسا وكان الحجاج بالكوفة على رأس ثلاثين ألف مقاتل فخرج موليا، فصلت المرأة صلاة الصبح فيها وقرأت -على ما قيل- في تلك الصلاة سورة البقرة.
2 الفتح -بضم الفاء وسكون التاء- جمع فتحاء من الفتح وهو اللين، والسراة بفتح السين: جبال باليمن، ولصاف بفتح اللام: اسم جبل لطيء, وكلاهما مأوى للطير.
(3/226)

والاستدلال بأن لفظ "أسد" محمول على "خالد"، ووصف له، وهذا يقتضي اتحاد الحقيقتين، ومعلوم أن الإنسان لا ينقلب أسدا, وأن الأسد لا ينقلب إنسانا، فوجب المصير إلى التشبيه. إنما يتم لو كان لفظ "أسد" مستعملا في معناه الحقيقي، وليس كذلك، بل مستعمل في معنى "الجريء" للأدلة التي أوردناها, فحمله حينئذ على "خالد"، أو وصفه به، باعتباره أحد أفراد "الجريء" صحيح, لا ضير فيه لاتحاد الحقيقتين.
وقد يجاب ردا على السعد: بأن الاستعارة لا يجمع فيها بين طرفي التشبيه، وواضح أن في مثل قولنا: "خالد أسد" جمعا بين الطرفين, وقولهم: إن "خالدا" في المثال المذكور ليس مشبها، وإنما المشبه الرجل الجريء، تمحل لا معنى له؛ إذ إن "خالدا" لم يلاحظ باعتبار ذاته، بل باعتبار اتصافه بالجرأة، وهو بهذا الاعتبار مشبه قطعا, ولا دليل لهم فيما أوردوه من نحو: "أسد علي" فإن تعلق الجار "بالأسد" لا باعتبار ذاته، بل باعتبار ما لزمه من وصف الجرأة, ويكفي هذا في صحة التعلق. ويحتمل أن يكون الجار متعلقا بأداة التشبيه المفهومة من التركيب في كل من البيتين؛ لما فيها من معنى الفعل، والمعنى: أنت تشبه الأسد بالنسبة إلي، وحذف ما تعلق به الجار شائع.
وهناك رأي قد يكون قاطعا في المسألة, هو أن الغرض من قولنا: "خالد أسد" ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به, بخلاف نحو قولنا: "رأيت أسدا في حمام" فإن الغرض منه إثبات حكم للمشبه به هو كونه مرئيا في حمام، وكأن ادعاء دخول المشبه في جنسه أمر مقطوع به، مفروغ منه بدليل حذف المشبه من التركيب. كذلك المشبه به في الصورة الأولى ذكر على وجه يصح فيه تقدير أداة التشبيه لفظا, بخلاف المشبه به في الصورة الثانية, فإنه ذكر على وجه لا يفهم منه المشبه إلا بعد التأمل في القرائن، ولا شك أن الخصم لا يسعه إنكار أبلغية الثانية, فهي إذًا أولى أن تسمى "استعارة"، وأن تسمى الأولى تشبيها بليغا.
(3/227)

الاستعارة مجاز لغوي, لا عقلي:
اختلف رأي علماء البيان في الاستعارة: هل هي من قبيل المجاز اللغوي, أم من قبيل المجاز العقلي؟
فجمهور البيانيين -ومنهم الخطيب- على أنها مجاز لغوي, أي: إنها لفظ استعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة, فالتصرف فيها إنما هو في نقل اللفظ من معناه الموضوع له في اللغة إلى معنى آخر. والدليل على ذلك: أن اللفظ المستعار موضوع -في اللغة- للمشبه به، لا للمشبه، ولا للأعم من المشبه والمشبه به، فلفظ "أسد" من قولنا: "رأيت أسدا يقود الجيش" موضوع -في اللغة- للحيوان المعروف، لا للرجل الجريء، وهو ظاهر، ولا لمعنى أعم منه، ومن الحيوان المعروف كالحيوان الجريء مطلقا, رجلا كان أو أسدا، إذ لو كان موضوعا لمطلق حيوان جريء لكان إطلاقه على كل منهما حقيقة باعتبارهما من أفراد هذا المطلق، وليس الواقع كذلك، وإذا لم يوضع لواحد منهما نقلا عن أئمة اللغة كان استعماله في المشبه إطلاقا للفظ على غير ما وضع له، وهذا هو معنى المجاز اللغوي.
وقيل: إنها من قبيل المجاز العقلي بمعنى: أنها تصرف في أمر عقلي لا لغوي. ودليل هذا القائل: أن من يقول: "رأيت أسدا معتقلا رمحا" إنما يريد أن يثبت معنى الأسدية لرجل جريء مقدام، وأن ينقل هذا الرجل الجريء من نوع الإنسانية إلى جنس الأسد, مدعيا أنه فرد من أفراده حقيقة1, إذ لو لم يكن هذا مراده لزم عليه أمور ثلاثة:
__________
1 من هذا يعلم أن المجاز العقلي يطلق على أمرين: إسناد الشيء إلى غير ما هو له, التصرف في المعاني العقلية على خلاف ما في الواقع والمراد هنا الثاني, وهو ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، وأنه فرد من أفراده, وإن لم يكن كذلك في الواقع.
(3/228)

1- ألا يكون القول المذكور وأشباهه استعارة؛ لأن حقيقة الاستعارة أن ينقل اللفظ بمعناه بدعوى دخول المشبه في جنس المشبه به، لا أن ينقل اللفظ مجردا عن المعنى، وعن هذه الدعوى، وإلا كانت الأعلام المنقولة "كيزيد ويشكر" استعارة، ولا قائل به.
2- ألا تكون الاستعارة أبلغ من الحقيقة, إذ لا مبالغة في نقل اللفظ مجردا عن المعنى، وخاليا عن دعوى الاتحاد, وهذا خلاف الواقع.
3- أن من قال: "رأيت شمسا تتحدث"، وأراد "ليلى" مثلا, لا يقال فيه: إنه جعلها شمسا أي: أثبت لها معناها كما لا يقال فيمن سمى بنته شمسا: إنه أثبت لها هذا المعنى لاستواء الأمرين في عدم ادعاء دخول ما أطلق عليه الاسم المستعار في جنس صاحب الاسم، مع أنه من المقطوع به أن من قال: "رأيت شمسا تتحدث"، وأراد "ليلى" مثلا إنما يريد -في العرف- أن يجعل ليلى شمسا, أي: أن يثبت لها معنى الشمس، ولا يكون هذا إلا باعتبار ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به.
وإذ ثبت أن اللفظ المستعار إنما نقل إلى المستعار له بعد نقل معناه إليه، بمعنى إثبات معناه له كإثبات معنى الشمس الحقيقية للمرأة الجميلة ادعاء كان استعمال اسم "الشمس" في المرأة الجميلة استعمالا للفظ فيما وضع له1، فلا يكون مجازا لغويا، بل عقليا, بمعنى أن العقل اعتبر المرأة الجميلة داخلة في جنس الشمس الحقيقية، وفردا من أفرادها -واعتبار ما ليس في الواقع واقعا مجاز عقلي- يؤيد هذا صحة التعجب في قول ابن العميد2:
__________
1 ظهر من هذا أن المستعار في الحقيقة على هذا الرأي هو معنى المشبه به, ولما تبع ذلك إطلاق اللفظ سمي استعارة تبعا لاستعارة المعنى.
2 هو ذلك الكاتب المعروف, وقد قاله في غلام جميل قام على رأسه, يظلله من حر الشمس.
(3/229)

قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز على من نفسي
قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس1
أي: غلام جميل كالشمس في الحسن والبهاء, كما يؤيده صحة النهي عن التعجب في قول أبي الحسن2:
يا من حكى الماء فرط رقته ... وقلبه في قساوة الحجر
يا ليت حظي كحظ ثوبك من ... جسمك يا واحدا من البشر
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر3
أي: على جسم مشرق كالقمر, فلولا أن ابن العميد ادعى لغلامه معنى الشمس الحقيقي لما كان لهذا التعجب معنى, إذ ليس ببدع أن يظلل إنسان حسن الوجه إنسانا آخر، ويقيه بشخصه وهج الشمس، كذلك لولا أن أبا الحسن جعل صاحبه قمرا حقيقة لما كان هناك وجه للنهي عن التعجب؛ لأن الكتان إنما يسرع إليه البلى حين يلابس القمر الحقيقي كما يقولون، لا حين يلابس إنسانا بلغ الغاية في الحسن. ومثله قول الشاعر:
ترى الثياب من الكتان يلمحها ... نور من البدر أحيانا فيبليها
__________
1 ضمن التظليل معنى المنع, فعداه بمن أي: تمنعني من حر الشمس, والمراد بالنفس غلام جميل وأنّث الفعل مراعاة لتأنيث اللفظ.
2 هو الشريف أبو الحسن, يتصل نسبه بعلي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- وهو شاعر مفلق.
3 الشاهد في البيت الأخير, وقد سبق شرح مفرداته في موضع آخر.
(3/230)

فكيف تنكر أن تبلى معاجرها1 ... والبدر في كل يوم طالع فيها
فلولا أن الشاعر جعل صاحبه قمرا حقيقيا, لما كان هناك وجه للتعجب من هذا الإنكار؛ لأن الكتان -كما قلنا- إنما يبليه ملابسته للقمر الحقيقي.
ورد هذا الدليل بأن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به لا يقتضي أن يكون لفظ المشبه به مستعملا فيما وضع له؛ لأن هذا الادعاء مبني على جعل أفراد الأسد بطريق التأويل قسمين: "متعارفا"، وهو الذي له غاية الجرأة في الهيكل المعروف، و"غير متعارف", وهو الذي له تلك الجرأة لا في ذلك الهيكل، ولفظ "الأسد" إنما هو موضوع للقسم المتعارف، فاستعماله في غير المتعارف استعمال للفظ في غير ما وضع له، والقرينة مانعة من إرادة المعنى المتعارف ليتعين غير المتعارف.
وأما التعجب، أو النهي عنه، وما إليهما مما ورد في الأمثلة السابقة, فمبني على تنزيل الاستعارة منزلة الحقيقة بتناسي التشبيه الذي بنيت عليه قضاء لحق المبالغة, حتى إن كل ما يترتب على المشبه به يترتب على المشبه.
ويعلم مما تقدم أن الخلاف بين الرأيين لفظي؛ ذلك أن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به مسلم عند القائل بأن الاستعارة مجاز لغوي، وكون اللفظ المستعار مستعملا في غير معناه الأصلي مسلم عند القائل بأنها مجاز عقلي، فلم يبق إلا النزاع في التسمية، فمن نظر إلى حقيقة الأمر سماها مجازا لغويا، ومن نظر إلى الادعاء والمبالغة سماها مجازا عقليا.
__________
1 جمع معجر على زنة منبر, وهو ثوب تعتجر به المرأة أي: تلتفّ به.
(3/231)

الاستعارة تفارق الكذب:
تفارق الاستعارة الكذب من جهتين:
الأولى: أن الاستعارة مبنية على التأويل، وهو دعوى دخول المشبه في جنس المشبه به, بأن يجعل أفراد المشبه به قسمين: متعارفا، وغير متعارف كما مر بيانه, أما الكذب فلا تأويل فيه.
الثانية: أن الاستعارة لا بد من نصب قرينة على إرادة خلاف الظاهر من اللفظ, أي: مانعة من إرادة المعنى الحقيقي للفظ، أما الكذب فلا تنصب فيه قرينة على إرادة خلاف الظاهر، بل إن قائله ليبذل كل جهده لترويج ظاهره1، وإظهار صحة باطله, وإذ لا بد للاستعارة من قرينة تميزها عن الكذب فهاك بيانها.
__________
1 محل ذلك إذا كان الكاذب يعرف عدم مطابقة كلامه للواقع وقصد إظهار صحته، وأنه مطابق، لا أنه لم يقصد ذلك واعتقد صحته.
(3/232)

قرينة الاستعارة:
الاستعارة نوع من المجاز, وقد تقدم أن المجاز لا بد له من قرينة تفصح عن الغرض، وترشد إلى المقصود، ويمتنع معها إجراء الكلام على حقيقته, وهي -كما قدمنا- الأمر الذي ينصبه المتكلم دليلا على أنه أراد باللفظ غير معناه الأصلي.
وهي نوعان: لفظية، وغير لفظية:
فاللفظية: هي لفظ يلائم المشبه يذكر في الكلام؛ ليصرفه عن إرادة معناه الأصلي. مثال ذلك قولك: "حدثني بدر" أي: غلام جميل, "فبدر" مستعار لهذا الغلام، وقرينة الاستعارة لفظ "حدثني", وكقولك: قتل محمد خصمه بحادّ لسانه؛ استعار القتل للإيذاء الشديد بجامع الألم الأليم، ثم اشتق من القتل بمعنى الإيذاء الشديد "قتل" بمعنى آذى إيذاء شديدا على سبيل الاستعارة التبعية على
(3/232)

ما سيجيء, والقرينة قولك: "بحاد لسانه" إذ ليس اللسان أداة قتل.
وغير اللفظية: هي الأمر الخارج عن اللفظ بصرف الكلام عن إرادة معناه الحقيقي؛ كدلالة الحال، أو استحالة المعنى. فمثال ما قرينته حالية قولك: "أشرق القمر" والسامع يرى فتاة حسناء مقبلة, فالقمر مستعار للفتاة الجميلة, وقرينة الاستعارة دلالة الحال. ومثال ما قرينته الاستحالة قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} شبه كثرة الماء بالطغيان بجامع مجاوزة الحد في كل، ثم استعير الطغيان للكثرة، واشتق منه {طَغَى} بمعنى كثر على سبيل الاستعارة التبعية, والقرينة استحالة صدور الطغيان بمعناه الحقيقي من الماء, إذ هو من شأن الإنسان.
وهي كذلك تتنوع إلى أمرين:
الأول: أن تكون أمرا واحدا لا تعدد فيه، وهو الشائع الكثير كما في الأمثلة السابقة.
الثاني: أن تكون القرينة أكثر من أمر واحد, يكون كل منها كافيا في الدلالة على الاستعارة, كقول الشاعر:
فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإن في أيماننا نيرانا1
يقول: إن كرهتم الإنصاف، وأبيتم إقرار الأمور في نصابها، وامتنعتم عن التصديق بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- قهرناكم عليها بما في أيدينا من سيوف تلمع كشعل النيران؛ استعير لفظ "النيران" للسيوف, والقرينة على أن المراد بالنيران السيوف
__________
1 تعافوا من: عاف الشيء يعافه, إذا كرهه ومجه, و"الإيمان" الأول بكسر الهمزة: التصديق، والأيمان الثاني بفتح الهمزة: جمع يمين, وهي الجارحة المعروفة.
(3/233)

هي كل من العدل والإيمان1 باعتبار تعلق العيافة بهما, ووجه كون ذلك قرينة هو أن الذي يدعو إلى العدل والإيمان آخذ بالشريعة، وهي إنما تحمل من يخالف على الطاعة بحد السيف، لا بالإحراق.
وقد تكون القرينة معاني ملتئمة, ارتبط بعضها ببعض بحيث تتكون القرينة من مجموعها, كما في قول البحتري:
وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب2
شبه أنامل الممدوح بالسحائب في عموم النفع، ثم استعار لفظ "السحائب" لأنامل يده، وجعل القرينة على الاستعارة مجموع أشياء؛ فذكر أن هناك صاعقة، وأنها ساقطة من حد سيفه، وأنها منقلبة على أرؤس الأقرن تفتك بهم، وأنها خمس بقدر أصابع اليد، فاتضح من مجموع ذلك كله غرضه من "السحاب"، وأن المراد بها أنامل الممدوح؛ لما بينها وبين السحائب من جامع النفع، وعموم العطاء.
قد يقال: إن واحدا من هذه الأمور التي ذكرها كافٍ في الدلالة على الاستعارة, فالقرينة إذًا متعددة، وليست معاني ملتئمة متضامّة كما قيل.
ويجاب: بأن الاستعارة لا يكتمل وضوحها إلا بهذه الأمور مجتمعة، وهذا لا ينافي كفاية بعضها في أصل الدلالة على المراد.
أو يجاب: بأن المراد بالتئام المعاني ارتباطها، لا على وجه العطف المؤذن بالاستقلال, كما تراه في البيت المذكور.
__________
1 إنما جعل كل واحد قرينة ولم يجعل أحدهما قرينة والآخر تجريدا وهو ذكر ما يلائم المشبه؛ لأن مجموع الأمرين بمنزلة الشرط, فهما بمثابة الشيء الواحد لكن لو انفرد كل منهما لصح أن يكون قرينة.
2 "الصاعقة" في الأصل: نار سماوية تهلك من تصيبه, و"النصل": حد السيف, و"تنكفي": تنقلب و"الأقران": جمع قرن بكسر القاف, وهو المماثل والنظير, والمعنى: ورب نار من حد سيفه تهوي بها على رءوس الأنداد أنامله الخمس التي هي في الجود, وعموم العطايا كالسحائب, فهو يصفه بالشجاعة والكرم.
(3/234)

تنبيهان:
الأول: ما تقدم من أن القرينة قد تكون أكثر من أمر واحد كما في قول الشاعر المتقدم: "وإن تعافوا العدل والإيمانا"، مبني على جواز تعدد القرينة, وهذا هو الرأي الغالب؛ إذ لا مانع من اعتبار كل واحد قرينة على حدة. ورأي بعضهم عدم جواز تعددها؛ لأن الصرف عن إرادة المعنى الحقيقي إن كان بمجموع الأمور المتعددة, فالقرينة هي تلك الأمور مجتمعة، لا كل واحد منها، وإن كان أحدها كافيا في الصرف عن المعنى الأصلي فلا حاجة لما عداه، فيعتبر تجريدا؛ إذ هو في الاستعارة التصريحية من ملائمات المشبه كما ستعرفه بعد ا. هـ.
الثاني: مما تقدم يعلم أن أثر القرينة في الاستعارة محصور في أمرين: تعيين المعنى المراد، ومنع إرادة المعنى الأصلي. فقولك: "رأيت قمرا يتحدث" استعارة, قرينتها لفظ "يتحدث" وبهذه القرينة تعين المعنى المراد من القمر، وهو "الإنسان الجميل" وامتنع أن يراد المعنى الحقيقي له، وهو "الكوكب المعروف" إذ إن التحدث من شأن الإنسان، لا من شأن القمر.
فإذا انتفت هذه القرينة من الكلام, ولم تدل عليها حال انتفى أثرها المذكور, فلا تعيين للمعنى المراد حينئذ، ولا منع من إرادة المعنى الأصلي, وحينئذ صلح اللفظ لأن يراد به المعنى الأصلي، وأن يراد به المعنى المراد.
أما ما قيل من أنه إذا انتفت القرينة تعينت إرادة المعنى الأصلي, باعتبار أن اللفظ موضوع له, فغير سديد؛ لأن كون اللفظ موضوعا للمعنى لا يوجب استعماله فيه, فقصارى أمره الجواز، لا الوجوب.
اختبار:
1- عرف الحقيقة في اللغة وفي الاصطلاح, مبينا المناسبة بين المعنيين، ثم بين القيود التي في التعريف الاصطلاحي، ومحترز كل قيد، مع التمثيل لكل ما تذكر.
(3/235)

2- عرف المجاز لغة واصطلاحا, مبينا كذلك المناسبة بين المعنيين، والقيود التي في التعريف الاصطلاحي، ومحترز كل قيد، مع التمثيل لكل ما تقول.
3- عرف معنى الوضع، وبين ما يخرج بالتعريف، مثل لما تقول مع التوجيه، وهل المشترك داخل في التعريف، أم خارج؟ ولماذا؟
4- بين حجة القائل بدلالة اللفظ لذاته، ثم انقض هذه الحجة بما تراه من الأدلة.
5- بأي اعتبار ينقسم المجاز المفرد إلى استعارة، ومجاز مرسل، وضح ذلك بالأمثلة.
6- عرف الاستعارة، واذكر لها مثالا من عندك، وبين فيه طريقة إجرائها تفصيلا.
7- بين في مثال من إنشائك أركان الاستعارة، مع التوجيه.
8- بين وجه كون قول الشاعر:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر
من قبيل الاستعارة، مع ذكر الطرفين، والاستعارة -كما عرفت سابقا- لا يجمع فيها بين الطرفين أصلا.
9- لِمَ شرطوا في الاستعارة أن يكون المشبه به كليا؟ وكيف صح إجراء الاستعارة في نحو "حاتم"، مع أن مدلوله جزئي؟ بين ذلك بوضوح تام.
10- اختلف الخطيب والسعد في نحو: "محمد أسد" فقال الخطيب: هو تشبيه بليغ، وقال السعد: هو استعارة, فما دليل كل؟ اشرح ذلك شرحا وافيا.
11- بِمَ تفارق الاستعارة الكذب؟ مثل لما تقول.
12- بين أنواع قرينة الاستعارة، ومثل لكل نوع، واذكر ما وقع من الخلاف في جواز تعددها.
(3/236)

تقسيم الاستعارة
باعتبار الطرفين
...
تقسيم الاستعارة:
للاستعارة تقسيمات شتى, تختلف باختلاف الاعتبارات.
تقسيمها باعتبار الطرفين:
تنقسم الاستعارة باعتبار طرفيها إلى قسمين: وفاقية، وعنادية.
فالوفاقية: ما يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد؛ لما بين الطرفين من الوفاق, كما تقول: "فلان أحيته الموعظة" أي: هدته؛ شبهت "الهداية" بمعنى الدلالة على الطريق القويم "بالإحياء" بمعنى جعل الشيء حيا بجامع ما يترتب على كل من المنافع، وبعد تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به, استعير لفظ الإحياء للهداية، ثم استعير "أحيا لهدى" تبعا لاستعارة المصدر للمصدر, على ما سيأتي في الاستعارة التبعية, والحياة والهداية مما يتأتى اجتماعهما في شيء واحد, وإذًا فاستعارة الإحياء للهداية وفاقية.
والعنادية: ما لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد؛ لما بين الطرفين من التعاند, كاستعارة "اسم المعدوم للموجود عديم الجدوى" في قولك: "رأيت ميتا يتحدث" أي: جاهلا؛ شبه الجهل بالموت بجامع عدم النفع في كل، وبعد تناسي التشبيه, والادعاء المعروفين استعير الموت للجهل، ثم استعير "لفظ ميت" للجاهل تبعا لاستعارة المصدر للمصدر, والجهل والموت مما لا يجتمعان في شيء واحد؛ لأن الميت لا يوصف بالجهل, فهي إذًا استعارة عنادية. ومثله استعارة "اسم الموجود للمعدوم ذي الآثار الخالدة" إذ يمتنع بداهة اجتماع الوجود والعدم في شيء.
وقد اجتمعت الوفاقية والعنادية في قول الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} أي: أومن كان ضالا فهديناه، فقد استعير في الأول الميت للضال، وهما لا يجتمعان في شيء واحد؛ إذ لا يوصف
(3/237)

الميت بالضلال، فالاستعارة عنادية, واستعير ثانيا الإحياء للهداية "كما سبق", والحياة والهداية مما يجتمعان، فالاستعارة وفاقية، ومن العنادية تتفرع.
الاستعارتان التهكمية، والتمليحية:
وهما ما نزل فيهما التضاد، أو التناقض1 منزلة التناسب، واستعمل اللفظ في ضد معناه، أو في نقيضه؛ إبرازا للخسيس في صورة الشريف لقصد الهزء والسخرية، أو التمليح والتظرف وذلك كأن يطلق لفظ "الكريم" على البخيل، و"الأسد" على الجبان في نحول قولك: "زارني اليوم كريم" تريد رجلا بخيلا، و"رأيت على الفرس أسدا" تريد جبانا رعديدا, فقد نزل أولا البخل منزلة الكرم، ونزل ثانيا الجبن منزلة الشجاعة، على ما تقدم في مبحث التشبيه، ثم شبه البخيل بالكريم، والجبان بالأسد، ووجه الشبه "الجود" في الأول، و"الشجاعة" في الثاني، وإن كان كل من الجود في البخيل، والشجاعة في الجبان تنزيليا، ثم استعير اسم الكريم للبخيل، واسم الأسد للجبان. فإن كان الغرض الحامل على استعمال اللفظ في ضد معناه التهكم والاستخفاف بالمقول فيه, كانت الاستعارة تهكمية، وإن كان الغرض الحامل هو بسط السامعين، وإزالة السآمة عنهم بتصوير القبيح في صورة مستحسنة كانت الاستعارة تمليحية. ولا يخفى امتناع اجتماع البخل والكرم، أو الجبن والشجاعة في شيء واحد, فكلتاهما إذًا استعارة عنادية أيضا. ومن هذا القبيل قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ، نزّل التضاد بين التبشير والإنذار منزلة التناسب بينهما، ثم شبه الإنذار بالتبشير, ووجه الشبه إدخال السرور إلى النفس في كل, وإن كان تنزيليا في المشبه، ثم استعير اسم البشارة للإنذار، بعد تناسي التشبيه والادعاء، ثم اشتقّ من البشارة بشر بمعنى "أنذر" على سبيل الاستعارة التهكمية، وهي أيضا عنادية؛ لأن التبشير والإنذار مما لا يجتمعان في شيء واحد، ومثله قوله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} 2 أي: فجروهم جرا عنيفا.
__________
1 الضدان هما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان كالسواد والبياض، والنقيضان هما الأمران اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأحدهما وجودي، والآخر عدمي كالوجود وعدمه.
2 نزل التضاد بين الهداية التي هي الدلالة بلطف، وبين الأخذ بمجامع الشيء وجره بقهر وعنف منزلة التناسب، ثم شبه الأخذ بالعنف بالهداية بجامع الخير والنفع في كل، وإن كان تنزيليا في المشبه، ثم استعير بعد تناسي التشبيه الادعاء لفظ الهداية للأخذ بالعنف، واشتق منه "اهدوهم" بمعنى: جروهم بشدة وقهر, على سبيل الاستعارة التهكمية، وهي عنادية؛ لعدم تأتي اجتماع اللطف والعنف في شيء واحد.
(3/238)

تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع:
الجامع: هو ما قصد اجتماع الطرفين فيه، وهو ما يسمى في التشبيه "وجه الشبه"، وسمي هنا "جامعا"؛ لأنه جمع المشبه مع أفراد المشبه به تحت مفهومه وأدخله في جنسه ادعاء، وهو لا بد أن يكون في المستعار منه أقوى؛ لأن الاستعارة مبنية على المبالغة في التشبيه، والمبالغة فيه توجب إلحاق المشبه بما هو أكمل في وجه الشبه، ولا كذلك التشبيه, إذ يكفي فيه أحيانا أن يكون المشبه به مساويا للمشبه في وجه الشبه, وقد تقدم ذلك في مبحث أغراض التشبيه، وللاستعارة باعتبار هذا الجامع تقسيمان.
التقسيم الأول:
تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار إلى قسمين: داخلية، وغير داخلية.
فالداخلية: أن يكون الجامع داخلا في مفهومي الطرفين1: المستعار منه، والمستعار له, بأن يكون جزءا من مفهوميهما كما في استعارة التقطيع للتفريق في قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا} أي: فرقناهم؛ شبه تفريق الجماعة بالتقطيع بجامع إزالة الاجتماع في كل، ثم استعير -بعد إجراء التشبيه بينهما- لفظ التقطيع للتفريق، ثم اشتق منه "قطّع" بمعنى "فرّق" والجامع -وهو إزالة الاجتماع- داخل في مفهوم التقطيع؛ إذ إن التقطيع موضوع لإزالة الاجتماع في الأشياء المتماسكة، وداخل أيضا في مفهوم تفريق الجماعة؛ لأنه موضوع لإزالة الاجتماع في الأشياء غير المتماسكة. وبديهي أن إزالة الاجتماع في التقطيع أشد وأقوى كما هو الشرط في الجامع, إذ يصعب أن تعود الأشياء المتماسكة بعد التقطيع إلى الاجتماع بخلاف التفريق. ومثل الآية الكريمة قوله صلى الله عليه وسلم: "خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه، كلما سمع هيعة طار إليها" 2، شبه العدو الذي هو قطع المسافة بسرعة في الأرض بالطيران الذي هو قطع المسافة بسرعة في الهواء، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه، واشتق
__________
1 قيل: إن الحكم بدخول الجامع في مفهومي الطرفين يتنافى مع ما هو مقرر من أن جزء الماهية لا يختلف شدة وضعفا؛ ذلك أن دخول الجامع في مفهومي الطرفين يقتضي عدم التفاوت؛ لأن الجزء لا يختلف, وكونه جامعا يقتضي التفاوت لوجوب كونه أقوى في المستعار منه تحقيقا للمبالغة، وهذا جمع بين متنافيين. ويجاب بأن امتناع الاختلاف بالشدة والضعف في أجزاء الماهية إنما هو في الماهية الحقيقية, كماهية الإنسان المركبة من الحيوانية والناطقية, وأما الماهية المركبة من أمور اعتبارية, فإنه يصح فيها أن يكون الجامع داخلا في مفهومي الطرفين، مع كونه في أحدهما أشد كما في "الأسود", فإن السواد جزء مفهومه المركب من السواد والذات.
2 العنان بكسر العين: اللجام، والهيعة: الصيحة يفزع منها, من هاع يهيع إذا جبن، يقول: خير الناس رجل مستعد للجهاد, كلما سمع صيحة الحرب أسرع إليها.
(3/239)

من الطيران "طار" بمعنى "عدا", والجامع بينهما قطع المسافة بسرعة، وهو جنس داخل في مفهوميهما إلا أنه في الطيران أقوى منه في العدو كما هو الشأن في الجامع, غير أنه قيل: إن الطيران قطع المسافة في الهواء أو بالجناح فحسب, وأما السرعة فلازمة له في الأكثر1، لا داخلة في مفهومه، بخلاف العدو فإن السرعة جزء مفهومه, وإذًا فلا يكون الجامع داخلا في مفهومي الطرفين، فلا تكون الاستعارة في الحديث الشريف من القسم الأول.
وغير الداخلية: أن يكون الجامع غير داخل في مفهومي الطرفين بأن كان خارجا عن مفهوم كل منهما، أو كان داخلا في مفهوم المستعار له دون المستعار منه، أو العكس.
فالأول كما في استعارة "الدرر" للكواكب، و"الشمس" للوجه المتهلل, و"البحر" للجواد في قولك: "رأيت دررا في السماء تضيء"، و"أبصرت شمسا داخل غرفة"، و"وردت بحرا يعطي" فالجامع في الأول "التألق واللمعان"، وفي الثاني "التهلل والإشراق"، وفي الثالث "الإفاضة" وكلها عوارض غير داخلة في مفهومي الطرفين.
والثاني كاستعارة "الطيران" للعدو في المثال السابق، على القول بأن السرعة داخلة في مفهوم العدو، لا في مفهوم الطيران.
والثالث كاستعارة "العدو" للطيران على القول المذكور.
التقسيم الثاني:
تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع أيضا قسمين: عامية، وخاصة.
فالعامية وهي المبتذلة: ما ظهر فيها الجامع بحيث يدركه
__________
1 أي: بالنظر للغالب, وقد يكون الطيران قطع المسافة في الهواء, أو بالجناح من غير سرعة.
(3/241)

العامة، كإطلاق الأسد على الرجل الجريء, فإن الجامع -وهو الجرأة- أمر واضح في متناول عامة الناس؛ لاشتهار الأسد بها، وسميت "مبتذلة" لابتذالها بكونها في طوق كل أحد.
والخاصية وهي الغريبة: هي التي لا يدرك الجامع فيها إلا من ارتفع عن طبقة العامة, كما في قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك، يصف فرسا له بأنه مؤدب إذا نزل عنه وألقى عنانه في قربوس سرجه, لا يبرح مكانه حتى يعود إليه:
عودته فيما أزور حبائبي ... إهماله وكذاك كل مخاطر
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر1
شبه جمع القربوس مضموما إلى جانبي فم الفرس بالعنان2, ممتدا من القربوس إلى جانبي الفم, شبه ذلك بالاحتباء، وهو جمع
__________
1 "الاحتباء": أن يشد الرجل ركبتيه إلى بطنه بنحو ثوب يمتد من جانبيه إلى ظهره، و"القربوس" بفتح القاف والراء: مقدم السرج وهو المراد, وقيل: هو السرج نفسه، ثم هو يحتمل أن يكون فاعل "احتبى" بتنزيله منزلة الرجل المحتبي, فكان القربوس ضم الفرس ورأسه إليه بالعنان كما يضم المحتبي ركبتيه إليه بنحو بثوب, ويحتمل أن يكون قربوسه مفعول "احتبى" مضمنا معنى "جمع" ويكون الفاعل ضميرا عائدا على الفرس. والمعنى: جمع هذا الفرس قربوسه إليه بعنانه كما يضم المحتبي ركبتيه إليه بثوب ونحوه, والتشبيه على الاحتمال الثاني أتم وأدخل في تحقيق التشابه؛ لأن القربوس في الهيئة أعلى من فم الفرس وهذه الحالة هي التي تنطبق على حالة الاحتباء؛ إذ إن ركبتي المحتبي تكونان في الهيئة أعلى من ظهره، والعنان: اللجام, والشكيم والشكيمة: هي الحديدة المعترضة في فم الفرس، ومعنى علكها: لاكها ومضغها, وقد أراد بالزائر نفسه. وإنما عبر عن نفسه بالزائر؛ لدلالته على كمال تأدب فرسه، وأنه لا يبرح مكانه إن طال مكثه عند حبيبه كما يدل عليه البيت قبله.
2 متعلق بجمع.
(3/242)

ركبتي المحتبي منضمتين إلى بطنه بنحو1 ثوب ممتد من الركبتين إلى الظهر، ثم استعير لفظ الاحتباء لجمع القربوس منضما إلى جانبي فم الفرس بالعنان، واشتق منه "احتبى" بمعنى جمع. فهذه الاستعارة غريبة لكونها على نمط غير مألوف في تشبيهات الاستعارة؛ لا يقع في كلامهم إلا نادرا، ذلك أن الانتقال إلى معنى الاحتباء المذكور عند استحضار إلقاء العنان على القربوس في غاية الندور لما بين المعنيين من البعد2، مع ما في الوجه من دقة التركيب، وكثرة الاعتبارات الموجبة لصعوبة إدراكه، وبعده عن الأذهان.
غير أنه قيل: إن التشبيه في هذه الاستعارة بين مفردين: الاحتباء، وجمع القربوس إلى جانبي فم الفرس، وإن تضمنا تشبيه هيئة إلقاء العنان على القربوس بهيئة الاحتباء, إذ إن هذا التضمين لا يخرجهما عن إفرادهما. هكذا قيل، وفي النفس منه شيء؛ إذ لا ضرورة إلى اعتبار التشبيه بين مفردين مع وضوح كون الطرفين هيئتين مركبتين.
تنبيه:
قد يتصرف في الاستعارة العامية بما يخرجها من الابتذال إلى الغرابة, بأن يضم إليها تجوز لطيف اقتضته الحال كما في قول كثير عزة:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دهم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
__________
1 متعلق بجمع.
2 إذ إن أحدهما من وادي الركوب, والآخر من وادي القعود.
(3/243)

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... "وسالت بأعناق المطي الأباطح"1
يقول: لما فرغنا من أداء النسك، وقضينا أيام منى، واستلمنا الأركان وشددنا الرحال، ومضى الناس، لا ينتظر الغادي منهم الرائح شوقا للعودة إلى أوطانهم, ابتدأنا في الحديث آخذين بأطرافه وفنونه شأن الرفاق في السفر قد شملتهم الغبطة لما وفقوا إليه من أداء الفريضة، في حين أن المطي سارت في الأباطح سيرا حثيثا، في لين وسلاسة كسيلان الماء.
وهذه الأبيات الثلاثة مع ما فيها من روعة المطلع، وعذوبة الجرس لا ترى فيها معنى دقيقا، ولا تصويرا شائقا، سوى ما نراه في الشطر الثاني من البيت الأخير، وهو محل الشاهد؛ حيث شبه سير المطي في الأباطح سيرا حثيثا، في لين وسلاسة, بسيلان الماء في هذه الأباطح، ثم استعار سيلان الماء للسير الموصوف بما ذكرنا، واشتق منه سالت بمعنى: سارت حثيثا، في لين وسلاسة، ووجه الشبه أو الجامع بين الطرفين هو قطع المسافة بسرعة. فهذه -كما ترى- استعارة عامية؛ يعرفها الخاصة والعامة، غير أنه تصرف فيها بما جعلها غريبة، لا يدركها إلا الخواص, ذلك أنه بعد أن استعار فعل "السيلان" لسير الإبل الحثيث السلس حتى أفاد كأن سيولا جرت
__________
1 أراد بالأركان أركان الكعبة، وبالمسح بها طواف الوداع، والدهم بالضم جمع دهماء, وهي السوداء من الخيل، والمهارى بفتح الراء وكسرها جمع مهرية, وهي في الأصل الناقة منسوبة إلى مهرة بن حيدان بطن من قضاعة، ثم صار هذا اللفظ يطلق على كل نجيبة من الإبل, ومعنى ينظر: ينتظر, والغادي: السائر في الغداة, والرائح: السائر من الظهر إلى الغروب، والأطراف جمع طرف بكسر الطاء بمعنى الكريم, والمراد كرائم الأحاديث, أو جمع طرف بالتحريك بمعنى الناحية, والمراد فنون الأحاديث, والأباطح جمع أبطح وهو مسيل الماء فيه دقاق الحصا, وشد الرحال: وضع الأمتعة من أخبية وغيرها على متون الإبل مشدودة بنحو حبل؛ حتى لا تميل أو تسقط.
(3/244)

في تلك الأباطح, أسند الفعل المستعار وهو "سالت" إلى الأباطح دون "المطي" الذي حقه أن يسند إليه، فأفاد هذا الإسناد: أن الأباطح امتلأت بالإبل إلى حد يخيل للناظر أن الأباطح هي التي تسيل, إذ إن نسبة فعل الحال إلى المحل تشعر بشيوع الحال في المحل، وكأن كل محل من هذه الأباطح سائر، يماثل ذلك إسناد الجري إلى النهر في قولهم: جرى النهر، فهذا الإسناد يشعر بامتلاء النهر بالماء حتى كأن النهر هو الذي يجري، ومن هذا القبيل قوله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} أسند الاشتعال الذي هو وصف الشعر إلى محله وهو الرأس؛ إشعارا بأن الاشتعال قد عمه، ولم يبق فيه جزء غير مشتعل على قاعدة أن نسبة الحال إلى المحل تشعر بشيوع الحال فيه.
وإنما أدخل الأعناق في السير إذ جرها بباء الملابسة المقتضية لملابسة الفعل لها؛ لأن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران -غالبا- في أعناقها. وإذًا فقد أضيف إلى الاستعارة المذكورة مجازان عقليان؛ أحدهما مصرح به، وهو إسناد الفعل إلى الأباطح، والآخر مقدر، وهو إسناده إلى الأعناق؛ لأن مقتضى كون الأباطح في سيرها ملابسة لأعناق المطي أن تكون الأعناق أيضا سائرة, وبإضافة هذين المجازين إليها صارت غريبة طريفة. ومثله قول ابن المعتز:
سالت عليه شعاب1 الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير
فقد استعار السيلان للسير الحثيث السلس، ثم أسند فعله إلى الشعاب إسنادا عقليا صريحا، وأسنده إلى الوجوه إسنادا عقليا مقدرا كما في البيت قبله، وبهذين التصرفين امتنعت الاستعارة بعد ابتذال، واعتزت بعد ضعة.
__________
1 شعاب جمع شعب بكسر الشين, وهو الطريق في الجبل.
(3/245)

تقسيم الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع:
تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار ستة أقسام، ذلك أن المستعار منه والمستعار له، إما حسيان، وإما عقليان، أو المستعار منه حسي والمستعار عقلي، أو العكس، والجامع في الثلاثة الأخيرة عقلي لا غير؛ لما سبق في مبحث التشبيه من أن وجه الشبه -وهو المسمى هنا بالجامع- لا بد أن يقوم بالطرفين, فإذا كان كلاهما، أو أحدهما عقليا وجب أن يكون الجامع عقليا؛ لأن الحسي لا يقوم بغير حسي كما علمت.
أما القسم الأول -وهو ما إذا كان الطرفان فيه حسيين- فصوره ثلاث؛ لأن الجامع حينئذ إما حسي، أو عقلي، أو مختلف، وهاك أمثلتها على التوالي:
1- استعارة محسوس لمحسوس, والجامع حسي كما في قوله تعالى: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} 1، فالمستعار منه ولد البقرة، والمستعار له الحيوان المخلوق من حلى القبط التي سبكتها نار السامري2 عندما ألقى فيها التربة التي أخذها من موطئ فرس جبريل عليه السلام؛ ولهذا الحادث قصة ليس هنا محلها والطرفان حسيان، كما ترى، والجامع حسي كذلك، وهو الشكل والخوار، فإن ذلك الحيوان كان على شكل ولد البقرة، وله صوت كصوته. ومثله قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} ، فالمستعار منه حركة الماء على الوجه الخاص، والمستعار له الحركة والاختلاط الناشئان عن الحيرة والارتباك، والجامع بينهما ما يشاهد في كل من الحركة الشديدة والاضطراب، والجميع
__________
1 {جَسَدًا} أي: بدنا بلحم ودم وهو بدل من عجل, و {لَهُ خُوَارٌ} أي: له صوت البقر؛ شبه الصورة التي سبكتها نار السامري بابن البقرة بجامع الشكل والصوت في كل, ثم استعير لفظ المشبه به وهو العجل للمشبه الذي هو الصورة المسبوكة من النار.
2 هو موسى السامري, وكان رجلا حدادا في زمن موسى -عليه السلام- منسوبا لسامرة قبيلة من بني إسرائيل.
(3/246)

حسي1 -كما ترى- ومثله قولك: "رأيت "قينة" ذات جناحين على شجرة"، فالمستعار منه الجارية المغنية، والمستعار له "البلبل" وهو الطائر المعروف، والجامع الصوت الحسن، والجميع حسي كذلك.
2- استعارة محسوسة لمحسوس، والجامع عقلي كقوله تعالى {وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} فالمستعار منه كشط الجلد, وسلخه عن الشاة ونحوها، والمستعار له إزالة ضوء النهار، وانتزاعه عن مكان الليل، وكلاهما حسي2، والجامع بينهما عقلي؛ إذ هو ترتب أمر على آخر في كل، ففي المستعار منه ترتب ظهور اللحم على كشط الجلد وسلخه، وفي المستعار له ترتب ظهور ظلمة الليل على محو ضوء النهار وإزالته؛ ولهذا صح قوله: {فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} لأن الواقع عقيب إزالة الضوء هو "الإظلام"، وما قيل من أن المستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل فلا يتفق مع القول المذكور؛ لأن الواقع بعد ظهور النهار من ظلمة الليل إنما هو الإبصار لا الإظلام، وقد وفق بعضهم بين القولين بما لا يخلو عن تكلف.
3- استعارة محسوس لمحسوس, والجامع مختلف؛ بعضه حسي، وبعضه عقلي كقولك: "رأيت بدرا يتحدث" وأنت تريد إنسانا كالبدر في حسن الطلعة، ونباهة الشأن، والأول حسي، والآخر عقلي.
__________
1 شبه تزاحمهم وتدافعهم بتلاطم الموج بجامع ما يشاهد في كل من الاضطراب, ثم استعير لفظ المشبه به وهو تلاطم الموج للمشبه الذي هو التزاحم والتدافع, ثم اشتق منه يموج بمعنى يتزاحم ويتدافع.
2 أي: باعتبار متعلقهما -الجلد والضوء- وإلا فإن كلا من كشط الجلد وإزالة الضوء أمر عقلي؛ لأنهما معنيان مصدريان, والمعنى المصدري لا وجود له خارجا فلا يكون محسوسا، ويقال في إجرائها: شبه إزالة ضوء النهار عن موضع الظلمة بسلخ الجلد عن لحم الشاة بجامع ترتب أمر على أمر، ثم استعير لفظ المشبه به وهو السلخ للمشبه الذي هو إزالة الضوء, ثم اشتق منه {نَسْلَخُ} بمعنى نزيل.
(3/247)

4- استعارة معقول لمعقول, كقوله تعالى حكاية عن قول الكفار يوم القيامة: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} فالمستعار منه "الرقاد" أي: النوم على اعتبار أن "المرقد" مصدر ميمي, والمستعار له "الموت"، وكلاهما عقلي إذ هو فقد الإحساس، والجامع بينهما عدم ظهور الأفعال الاختيارية في كل1، وهو عقلي كذلك. ويحتمل أن يكون "المرقد" اسم مكان، فيكون المستعار منه على هذا الاحتمال محل الرقاد، والمستعار له محل الموت أي: القبر، وهما حينئذ حسيان، وبهذا يخرج المثال عما نحن فيه من استعارة معقول لمعقول، إلا أنهم قالوا: إن المنظور إليه في مثل هذا التشبيه إنما هو "الرقاد، والموت" لأن المقصود بالنظر في اسم المكان، وفي سائر المشتقات إنما هو المعنى القائم بالذات، وهو المصدر، واعتبار التشبيه في المقصود الأهم أولى, وإذًا فالمستعار منه "الرقاد"، والمستعار له "الموت" على كلا الاحتمالين2, ولهذه الاستعارة قرينتان, معنوية ولفظية، فالأولى هي كون هذا الكلام كلام الموتى بعد أن يبعثوا، وليس من شك أن الموتى لا يريدون الرقاد بمعنى النوم, إذ لم يكن حاصلا لهم، والثانية هي قوله بعد: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} لأن
__________
1 قيل: إن الجامع في الاستعارة يجب أن يكون في المستعار منه أقوى منه في المستعار له، والأمر هنا بالعكس فإن عدم ظهور الأفعال الاختيارية في الموتى أقوى منه في النوم لفقدان الروح في الموتى لا في النوم, فالأولى حينئذ أن يكون الجامع "البعث" الذي هو رد الإحساس السابق, والبعث بهذا المعنى أقوى ظهورا واشتهارا في النوم؛ إذ لا شبهة فيه لأحد بخلافه في الموت فقد أنكره قوم.
2 وإجراء الاستعارة على الاحتمال الأول أن يقال: شبه الموت بالنوم بجامع عدم ظهور الأفعال الاختيارية في كل, ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به وهو "الرقاد" للمشبه الذي هو "الموت" وإجراؤها على الاعتبار الثاني هو ما تقدم في الاحتمال الأول, غير أنه يشتق من الرقاد بعد استعارته للموت مرقد اسم مكان بمعنى القبر, وتكون الاستعارة تبعية على ما سيأتي.
(3/248)

الذي وعد به الرحمن، وصدق فيه المرسلون، وأنكره الكافرون إنما هو البعث من الموت.
ولا يصح أن يكون "البعث" قرينة الاستعارة؛ لاشتراكه بين الطرفين, إذ يقال أيضا: بعثه من نومه إذا أيقظه، والقرينة يجب أن يكون لها اختصاص بالمستعار له؛ لتكون مانعة من إرادة المعنى الحقيقي.
5- استعارة محسوس لمعقول كقوله تعالى: {فَاصْدَعْ 1 بِمَا تُؤْمَرُ} أي: بلغ الأمة الأحكام التي أمرت بتبليغها لهم تبليغا واضحا لا لبس فيه، ولا غموض. فالمستعار منه كسر الزجاجة ونحوها مما لا يلتئم بعد الكسر، وهو حسي2، والمستعار له تبليغ الرسالة للمرسل إليهم، وهو أمر عقلي، والجامع بينهما التأثير في الشيء بحيث لا يعود إلى ما كان عليه، وهو عقلي، والمعنى: أبن الأمر إبانة لا يعود معها إلى الخفاء, كما أن كسر الزجاجة لا تعود معه إلى الالتئام. ومثله قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} فالمستعار منه {الظُّلُمَاتِ} و {النُّورِ} وهما حسيان، والمستعار له "الضلال" و"الهدى" وهما عقليان، والجامع في الأول عدم الاهتداء وفي الثاني الاهتداء، وهما عقليان أيضا، والاستعار فيهما لا تحتاج إلى بيان.
6- استعارة معقول لمحسوس كقوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} أي: لما كثر الماء, فالمستعار منه التكبر أو التعالى، وهو عقلي والمستعار له كثرة الماء، وهو حسي، والجامع بينهما الخروج عن حد الاعتدال3، وهو عقلي كذلك. ومثله قوله تعالى: {فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} استعار العتو، وهو عقلي لشدة الريح المفسدة، وهي حسية باعتبار متعلقها، والجامع عقلي، وهو مجاوزة الحد.
__________
1 الصدع والكسر: تفريق أجزاء الأجسام المتماسكة.
2 أي: باعتبار متعلقه لا باعتبار ذاته, إذ هو معنى مصدري، والمعاني المصدرية -كما قلنا- لا وجود لها خارجا, وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبه تبليغ الأحكام للناس تبليغا واضحا بالصدع بجامع التأثير في كل, ثم استعير لفظ المشبه به وهو الصدع للمشبه الذي هو تبليغ الأحكام, ثم اشتق منه "اصدع" فعل أمر بمعنى بلغ الأحكام تبليغا واضحا.
3 شبه كثرة الماء كثرة جاوزت الحد بالتكبر المعبر عنه بالطغيان, ثم استعير اسم المشبه به وهو الطغيان للمشبه الذي هو كثرة الماء, ثم اشتق من الطغيان {طَغَى} بمعنى كثر, وهكذا يقال في أشباه ذلك من كل ما كان لفظ المشبه به مشتقا كما سيأتي البحث فيه.
(3/249)

تقسيم الاستعارة باعتبار ذكر أحد طرفيها:
اعلم أن الاستعارة إنما تكون حيث يطوى أحد طرفيها دون الآخر، وهي -بهذا الاعتبار- تنقسم إلى قسمين: تصريحية، ومكنية.
فإن كان المذكور لفظ المشبه به دون المشبه فالاستعارة تصريحية، وإن كان العكس فالاستعارة مكنية وإذًا تكون.
(3/250)

الاستعارة التصريحية
مدخل
...
الاستعارة التصريحية:
هي لفظ المشبه به المستعار للمشبه المحذوف, كما تقول: "رأيت قسورا يمتشق حساما" تريد رجلا مقداما، "فقسور" هو لفظ المشبه به، والمستعار للمشبه، وكما تقول: "هطل الدمع من نرجسها" أي: من عينها, فلفظ "نرجس" هو اسم المشبه به، المستعار للمشبه الذي هو العين. ومن هنا سميت "استعارة تصريحية" للتصريح فيها بلفظ المشبه به, كما في المثالين المذكورين وأشباههما من كل ما صرح فيه باسم المشبه به، دون المشبه. ولهذه الاستعارة تقسيمان باعتبارين:
التقسيم الأول باعتبار لفظ المشبه به:
تنقسم باعتبار لفظ المشبه به المستعار قسمين: أصلية، وتبعية:
(3/251)

الاستعارة الأصلية:
ما كان اللفظ المستعار فيها اسم جنس غير مشتق, والمراد به الماهية الصالحة لأن تصدق على كثيرين1، من غير اعتبار وصف من الأوصاف في الدلالة2, سواء كان صدقها على الكثيرين حقيقة، أو تأويلا، وسواء كانت اسم عين "كالأسد"، أو اسم معنى "كالضرب والقتل".
فمثال اسم الجنس الحقيقي لفظ "أسد" من نحو قولك: "رأيت أسدا يداعب أقرانه" أي: رجلا باسلا. وإجراء الاستعارة فيه -على ما سبق- أن يقال: شبه الرجل الباسل المقدام بالأسد بجامع الجراءة في كل، ثم ادعي أن الرجل المقدام فرد من أفراد الأسد وداخل في جنسه، ثم استعير اسم المشبه به للمشبه استعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار وهو "أسد" اسم جنس حقيقة, إذ يصدق على كل فرد من أفراد هذا الحيوان المفترس.
ومثال اسم الجنس التأويلي لفظ "حاتم" ونحوه من كل علم اشتهر مدلوله بنوع من الوصف, كما في قولك: "رأيت اليوم حاتما" تريد رجلا مسماحا، فلفظ حاتم علم على الذات المعروفة، ولكن تؤول
__________
1 احترز به عن الأعلام، والمضمرات، وأسماء الإشارة، والأسماء الوصولة, فإنها كلها جزئيات لا تجري فيها الاستعارة؛ لعدم صدقها على غير مدلولها الجزئي.
2 خرج به المشتقات كضارب وقاتل؛ لأنها وإن صدقت على كثيرين لكن باعتبار ما تدل عليه من الوصف, فالاستعارة فيها تبعية لا أصلية بخلاف لفظ نحو أسد, فإنه دال على الماهية من غير اعتبار وصف فيه؛ لأنه موضوع للحيوان المفترس من حيث ذاته, لا باعتباره ذا جرأة وإقدام حتى لو وجد أسد لا جرأة فيه صدق عليه اسم الأسد.
(3/251)

فيه، فجعل اسم جنس موضوعا لمطلق ذات متصفة بالجود، ومن هنا صح جعله استعارة لكل جواد بادعاء دخوله في جنس حاتم، واعتباره فردا من أفراده، وقد سبق لهذا الموضوع بحث. وإجراء الاستعارة فيه، وفي أمثاله أن يقال: شبه فلان الكريم بحاتم بجامع السماحة في كل، ثم ادعي أن هذا الكريم أحد أفراد حاتم باعتبار مفهومه الكلي التأويلي، ثم استعير اسم المشبه به، للمشبه استعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار وهو "حاتم" اسم جنس تأويلا, إذ يصدق بهذا التأويل على كل فرد من أفراد الكريم، والمستعار في كلا المثالين اسم عين لدلالته على ذات.
وإنما اعتبرت الأعلام التي تضمنت معنى الوصف اسم جنس تأويلا، ولم تعتبر من فصيلة المشتق الآتي بعد؛ لأن الوصف ليس جزء معناها وضعا، بل هو لازم لها، غير داخل في مفهومها. فحاتم مثلا إنما وضع للرجل المعروف باعتبار ذاته، لا باعتبار وصف الجود, إذ إن الجود عرض له، ولزمه فيما بعد، بخلاف المشتق "كالكريم" مثلا, فإنه موضوع للذات باعتبار ما تضمنته من وصف الكرم، فهو داخل في مفهومها وضعا.
ومثال اسم الجنس -وهو اسم معنى- قولك: آلمني قتل زيد أخاه، تريد: إذلاله إياه، ويقال في إجرائها: شبه الإذلال بالقتل بجامع شدة الألم في كل، ثم ادعي أن الإذلال داخل في جنس القتل، وفرد من أفراده، ثم استعير لفظ المشبه به وهو "القتل" للمشبه الذي هو "الإذلال" استعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار وهو "القتل" اسم جنس معنى.
وسمي هذا القسم من الاستعارة التصريحية "استعارة أصلية" نسبة إلى الأصل بمعنى الكثير الغالب، ولا شك أنها أكثر وجودا في الكلام من التبعية الآتية بعد, أو نسبة إلى الأصل بمعنى ما انبنى عليه غيره، ولا ريب أنها أصل للتبعية لبنائها عليها, على ما سيأتي بيانه قريبا.
(3/252)

الاستعارة التبعية:
ما كان اللفظ المستعار فيها فعلا، أو اسما مشتقا، أو حرفا، والأسماء المشتقة -كما علمت في غير هذا الفن- هي: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، واسما الزمان والمكان، واسم الآلة, وما إلى ذلك، وهاك أمثلتها على التوالي:
الاستعارة في الفعل:
الفعل له "مادة" هي حروفه الدالة على الحدث، وله "صيغة" وهي الهيئة الدالة على الزمان كما في صيغتي الماضي والمضارع، والاستعارة في الفعل، باعتبار مادته غيرها، باعتبار صيغته.
فمثالها في الفعل باعتبار مادته قولك: "من غرس الجميل محبوب" ففي غرس استعارة تصريحية تبعية، إجراؤها: شبه الفعل الجميل بالغرس بجامع انتظار الثمرة في كل، ثم استعير الغرس للفعل الجميل، فصار الغرس بمعنى الفعل الجميل، ثم اشتق من الغرس بهذا المعنى "غرس" بمعنى فعل الجميل على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. وكقولك: "نطقت" حالك بكذا, فالنطق -كما هو معلوم- وصف للإنسان، لا للحال، وإنما توصف الحال بالدلالة. وتقرير الاستعارة فيها أن يقال: شبهت الدلالة الواضحة بالنطق في إيضاح المعنى، ثم استعير النطق للدلالة الواضحة، فصار النطق بمعنى الدلالة الواضحة، ثم اشتق من النطق بهذا المعنى "نطقت" بمعنى دلت, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومنه قوله تعالى: {يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} فالإحياء -وهو إيجاد الروح- إنما يناسب الحيوان، لا الأرض، والذي يناسب الأرض إنما هو "التزيين"، فيشبه حينئذ تزينها بالنبات ذي الخضرة والنضارة بالإحياء في الحسن والنفع، ثم يستعار الإحياء للتزيين، فيصير الإحياء بمعنى التزيين، ثم يشتق من الإحياء بهذا المعنى {يُحْيِي} بمعنى يزين, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
(3/253)

ومثالها في الفعل باعتبار صيغته قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} فمن المعلوم أن أمر الله لم يأت بعد، وإنما سيأتي بدليل قوله: {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} فكان سياق الكلام أن يقول: يأتي أمر الله بصيغة المضارع, لكنه عبر بصيغة الماضي تجوزا. وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبه الإتيان في المستقبل بالإتيان في الماضي في تحقق الوقوع، ثم استعير لفظ "الإتيان في الماضي" للإتيان في المستقبل، فصار الإتيان في الماضي بمعنى الإتيان في المستقبل، ثم اشتق من الإتيان بهذا المعنى {أَتَى} بمعنى يأتي على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثله قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} فمما لا شك فيه أن النداء المذكور يكون في الدار الأخرى، فكان سياق الكلام أن يقال: وينادي أصحاب الجنة, لكنه عبر بصيغة الماضي تجوزا. وتقرير الاستعارة فيه على نحو ما سبق في {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} ، فيقال: شبه النداء في المستقبل بالنداء في الماضي في تحقق الوقوع، ثم استعير لفظ النداء في المستقبل، فصار النداء في الماضي بمعنى النداء في المستقبل، ثم اشتق من النداء بهذا المعنى "نادى" بمعنى ينادي, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية, وأمثال هذا كثير. قال تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا} , {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا} الآية، {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} على تقدير المضارع في جميعها؛ تشبيها للمستقبل المتحقق بالماضي.
وكما تستعمل صيغة الماضي في المستقبل -كما مثلنا- تستعمل صيغة المضارع في الماضي, كما في قوله تعالى حكاية لقول إبراهيم -عليه السلام- لابنه إسماعيل: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} فالرؤية المذكورة وقعت لا محالة، فكان سياق الكلام أن يقول: إني رأيت في المنام, لكنه عبر بصيغة المضارع تجوزا. وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت الرؤية الماضية بالرؤية الحاضرة في استحضار الصورة العجيبة هي صورة ذبح إبراهيم -عليه السلام- لابنه، ثم استعير لفظ الرؤية في الحاضر للرؤية الماضية، فصارت الرؤية الحاضرة بمعنى الرؤية
(3/254)

الماضية، ثم اشتق من الرؤية بهذا المعنى {أَرَى} بمعنى "رأيت" على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثله قوله تعالى: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} أي: قتلتم, وقس على هذا.
الاستعارة في المشتقات:
ومثالها في اسمي الفاعل والمفعول قولك: "جليل أعمالك "ناطق" بكمالك" أي: دال عليه, ففي ناطق استعارة تبعية، وإجراؤها: أن يقال فيها على غرار ما قيل في نطقت الحال بكذا, غير أن المشتق من النطق هنا "ناطق" بمعنى دال. وكقولك: "حكم "على قاتلك" بالسجن" أي: ضاربك ضربا مبرحا، وقولك: "رفع "مقتولك" أمره إلى الحاكم" أي: مضروبك ضربا شديدا. وإجراء الاستعارة فيهما أن يقال: شبه الضرب الأليم بالقتل في قسوة الألم، ثم استعير لفظ "القتل" للضرب الشديد، فصار القتل بمعنى الضرب الشديد، ثم اشتق من القتل بهذا المعنى "قاتل أو مقتول" بمعنى ضارب أو مضروب ضربا شديدا, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومثالها في الصفة المشبهة قولك: إنما أصادق "الأصم" عن العوراء، وأجاور "الأعمى" عن الفحشاء؛ فقد شبه أولا التصامم بالصمم في عدم السماع، ثم استعير لفظ "الصمم" للتصامم، فصار الصمم بمعنى التصامم، ثم اشتق من الصمم بهذا المعنى "أصم" صفة مشبهة بمعنى متصامم. وشبه ثانيا غض البصر بالعمى في عدم الرؤية، ثم استعير لفظ "العمى" لغض البصر، فصار العمى بمعنى غض البصر، ثم اشتق من العمى بهذا المعنى "أعمى" صفة مشبهة بمعنى غاض البصر, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية في المثالين.
ومثالها في اسمي الفاعل والمفعول قولك:
ولئن نطقت بشكر برك مفصحا ... فلسان حالي بالشكاية أنطق
شبهت الدلالة بالنطق على نحو ما سبق في نطقت الحال بكذا،
(3/255)

ثم اشتق من النطق بمعنى الدلالة "أنطق" بمعنى أدل, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومثالها في اسمي الزمان والمكان قولك: "هذا مقتل فلان" مشيرا إلى زمان ضربه ضربا قاسيا، أو إلى مكانه؛ فيشبه الضرب الشديد بالقتل على قياس ما سبق في استعارة اسمي الفاعل والمفعول، ثم يشتق من القتل بمعنى الضرب الشديد "مقتل" اسم زمان أو مكان على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومنه الآية السابقة: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} , فمما لا ريب فيه أن هذا السؤال منهم إنما يكون بعد البعث من القبور, فالمراد بالمرقد حينئذ موضع الموت أي: القبر، لا موضع الرقاد بمعنى النوم؛ فقد شبه الموت بالرقاد في عدم ظهور الأفعال الاختيارية، ثم استعير لفظ الرقاد للموت، فصار الرقاد بمعنى الموت، ثم اشتق من الرقاد بهذا المعنى "مرقد" بمعنى مكان الموت وهو القبر, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. وإن قدر "المرقد" مصدرا ميميا بمعنى الرقاد، واستعير للموت كانت الاستعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار حينئذ اسم جنس غير مشتق1, وهكذا سائر المشتقات.
هذا, ويعلم مما تقدم في استعارة الفعل، والأسماء المشتقة أن التشبيه فيها أجري أولا في مصادرها، لا في ذواتها. ففي قولهم: "نطقت" الحال بكذا أي: دلت, يقدر تشبيه الدلالة بالنطق، وفي قولهم: رفع "مقتولك" أمره إلى الحاكم, يقدر تشبيه الضرب الشديد بالقتل, وهكذا في سائر المشتقات.
دليل التبعية:
وإنما كانت الاستعارة في الفعل، وسائر المشتقات تبعية؛ لجريانها
__________
1 وقيل: إن "مرقدا" في الآية حقيقة لا استعارة, وإن القوم لاختلاط عقولهم ظنوا أنهم كانوا نياما فسألوا عمن أيقظهم, وهذا رأي لبعض المفسرين.
(3/256)

فيهما تبعا لجريانها في المصادر -كما رأيت- فتشبيه الدلالة بالنطق في المثال السابق يتبعه تشبيه "دل بنطق"، واستعارة النطق للدلالة يتبعه كذلك استعارة "نطق لدل"؛ لأن الفعل مشتق من المصدر، فكل تصرف يجري في المصدر يجري نظيره في الفعل تبعا له، وكذلك سائر المشتقات.
وإنما اعتبر التشبيه والاستعارة في المصدر قبل اعتبارهما في الفعل وسائر المشتقات؛ لأن المصدر هو المعنى القائم بالذات، فهو المقصود الجدير بأن يعتبر فيه التشبيه والاستعارة أولا، والشيء إذا اشتمل على قيد كان الغرض هو ذلك القيد, هذا هو التحقيق.
وقالوا في تعليل كون الاستعارة في الأمرين المذكورين تبعية: إن الاستعارة تعتمد التشبيه، وتنبني عليه، والتشبيه يقتضي اتصاف طرفيه بوجه الشبه -كما علمت- وإنما يصلح للموصوفية الحقائق الثابتة كالأجسام وأشباهها. أما ما كان مدلوله متجددا أي: غير متقرر ثابت كمعاني الأفعال, والصفات المشتقة فلا يصلح للموصوفية, فلا يصح فيه التشبيه، فلا تجري فيه الاستعارة الأصلية وإنما كانت مدلولاتها غير متقررة لدخول الزمان -وهو غير قار الذات- في مفهوم الأفعال، ولزومه للصفات.
ورد هذا الدليل بألا يسلم لهم قولهم: لا يصلح للموصوفية غير الحقائق الثابتة, إذ قد صح أن يوصف كل من الحركة والزمان، فيقال: حركة بطيئة، وزمان عصيب، مع القطع بعدم تقررهما وثباتهما, على أن عروض الزمان للصفات لو كان مانعا من جريان التشبيه فيها, لما صح جريانه في المصادر أيضا لعروض الزمان لمفهومها كذلك؛ لأنها دالة على الأحداث، ولا بد لها من زمان تقع فيه، مع أن الاستعارة في المصادر أصلية. وعلى تقدير تسليم ما ذكروا لا يتناول دليلهم أسماء الزمان والمكان والآلة؛ لأنها تصلح للموصوفية، فيقال: هذا مقام واسع،
(3/257)

ومجلس فسيح، ومنبت طيب، ومفتاح كبير، ومنشار ماضٍ, سيما إذا علمنا أنهم صرحوا بأن المراد بالمشتقات ما عدا هذه الثلاثة. ومقتضى عدم شمول الدليل لها، أو تصريحهم باستثنائها أن تكون الاستعارة فيها أصلية بأن يقدر التشبيه فيها ذاتها، لا في مصادرها, وليس الواقع كذلك للقطع بأنا إذا قلنا: "هذا مقتل فلان" للموضع الذي ضرب فيه ضربا شديدا، و"هذا مرقد فلان" لقبره, فإن المعنى على تشبيه الضرب بالقتل، والموت بالرقاد، وإن الاستعارة في المصدر نفسه، لا في ذات المكان.
فالتعليل الصحيح إذًا في كونها "تبعية" هو ما ذكرنا من جريان الاستعارة في المشتقات, تبعا لجريانها في المصادر؛ لأن المصدر هو المعنى القائم بالذات, فهو أسبق في الاعتبار وأولى.
الاستعارة في الحرف:
مثالها قوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} .
اعلم: أن لام العلة موضوعة لترتب ما بعدها على ما قبلها ترتب العلة على المعلول, كما في قولك: "جئت إلى المعهد لأرتشف العلم من مناهله" فإن ارتشاف العلم مترتب على المجيء، وعلة باعثة عليه.
إذا علمت هذا فاعلم: أن "اللام" المذكورة مستعملة في غير ما وضعت له؛ لأن ما بعدها -وإن كان مترتبا على ما قبلها- ليس علة باعثة عليه, ذلك أن آل فرعون لم يلتقطوا موسى -عليه السلام- ليكون لهم عدوا وحزنا، وإنما التقطوه ليكون حبيبا لهم وسرورا, لكن لما كانت النتيجة المترتبة على التقاطهم هي العداوة والحزن، لا المحبة والسرور, شبه العداوة والحزن المترتبان على الالتقاط في الواقع بالمحبة والسرور اللذين كان ينبغي أن يترتبا عليه، ثم استعملت فيه اللام تجوزا.
(3/258)

وتقرير الاستعارة فيه أن يقال: شبه العداوة والحزن المترتبان على الالتقاط بالعلة الحقيقية التي هي المحبة والسرور بجامع الترتب على الالتقاط في كل، فسرى هذا التشبيه إلى تشبيه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب العلة الحقيقية عليه, بجامع مطلق ترتب شيء على الشيء، ثم استعيرت اللام الموضوعة لترتب العلة الحقيقية على الالتقاط؛ لترتب غير العلة الحقيقية عليه على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومثله قوله تعالى: {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} ، فلفظ {فِي} موضوع لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين كما تقول: الماء في الكوز. وإذًا فكلمة {فِي} في الآية مستعملة في غير ما وضعت له؛ لأن ما بعدها لا يصلح ظرفا لما قبلها على الحقيقة, لكن لما كانت الجذوع متمكنة من المصلوبين تمكن الظرف من المظروف شبهت الجذوع بالظرف الحقيقي في هذا التمكن، ثم استعير لها لفظ {فِي} تجوزا.
وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت الجذوع المستعلى عليها بالظروف الحقيقية بجامع التمكن في كل، فسرى هذا التشبيه إلى تشبيه تلبس الجذوع بالمصلوبين بتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين بجامع مطلق تلبس شيء بشيء، ثم استعيرت {فِي} الموضوعة لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين لتلبس الجذوع المستعلى عليها بالمستعلي، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومثله قولهم: "محمود في غبطة" فلفظ "في" -كما علمت- موضوع لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين -كما في المثال السابق- وإذًا فلفظ "في" في المثال المذكور مستعمل في غير ما وضع له؛ لأن ما بعده لا يصلح للظرفية الحقيقية -كما ترى- لكن لما كانت الغبطة متمكنة من محمود تمكن الظرف من المظروف الحقيقيين, شبهت الغبطة بالظرف الحقيقي في هذا التمكن، واستعمل فيها لفظ "في" تجوزا.
(3/259)

وتقرير الاستعارة فيه على نحو ما سبق، فتشبه الغبطة بالظرف الحقيقي بجامع التمكن في كل، فيسري هذا التشبيه إلى تشبيه تلبس الغبطة بمحمود بتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين بجامع مطلق تلبس شيء بشيء, ثم تستعار "في" الموضوعة لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين؛ لتلبس الغبطة بمحمود, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية, وهكذا يقال في أمثال ما ذكر.
ومن هذا البيان يعلم أن الاستعارة في الحرف لا بد فيها من تشبيهين يسبقانها؛ أحدهما في مدخول الحرف، والثاني في معناه, فالتشبيه في آية {فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ} جرى -أولا- في مدخول لام العلة، وهو "العداوة والحزن" في جانب المشبه، "والمحبة والسرور" في جانب المشبه به، ثم جرى -ثانيا- في معنى اللام، وهو ترتب العلة على المعلول. والتشبيه في آية {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ} جرى -أولا- في مدخول الحرف، وهو "الجذوع" في جانب المشبه، والظروف الحقيقية في جانب المشبه به، ثم جرى -ثانيا- في معنى الحرف، وهو "تلبس الظرف بالمظروف", والتشبيه في المثال الأخير جرى -أولا- في مجرور الحرف، وهو "الغبطة" في جانب المشبه، والظرف الحقيقي في جانب المشبه به، ثم جرى -ثانيا- في معنى الحرف، وهو "تلبس الظرف بالمظروف" وعلى هذا فقس.
هذا هو مذهب الخطيب في استعارة الحرف -على ما يفهم من كلامه في كتابه الإيضاح- فهو -كما رأيت- لا يجري استعارة في مجرور الحرف، ويعقد التشبيه فيه، لا في معنى كلي كما ذهب إليه الجمهور -على ما سيأتي- قالوا: وهذا هو الأولى؛ لأن الحرف في حاجة إلى ذكر المجرور, فاللائق أن يكون التشبيه فيه لا في غيره، وأن تكون الاستعارة في الحرف تبعا للتشبيه في مجروره, كما مثلنا.
(3/260)

أما مذهب الجمهور في استعارة الحرف فهو أنهم يعقدون التشبيه في متعلق معنى الحرف1، فيقولون في آية الالتقاط: شبه مطلق ترتب علة واقعية، "كالعداوة والحزن" على الالتقاط بمطلق ترتب علة غائية "كالمحبة والسرور" عليه, بجامع مطلق ترتب شيء على شيء, فسرى التشبيه من هذين الكليين إلى جزئياتهما، ثم استعيرت -بناء على هذا التشبيه الحاصل بالسراية- اللام الموضوعة لجزئي من جزئيات المشبه به2 لجزئي من جزئيات المشبه3, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ويقال في آية {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ} : شبه مطلق تلبس مستعلى عليه بمستعل بمطلق تلبس ظرف بمظروف, بجامع مطلق تلبس شيء بشيء, فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، ثم استعير -بناء على هذا التشبيه- لفظ {فِي} الموضوع لجزئي من جزئيات المشبه به4 لجزئي من جزئيات المشبه5, استعارة تصريحية تبعية.
ويقال في المثال الأخير: شبه مطلق تلبس شيء لا يصلح للظرفية -كالغبطة في المثال المذكور- بشيء آخر بمطلق تلبس ظرف بمظروف, بجامع مطلق تلبس شيء بشيء، فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات
__________
1 المراد بمتعلق معنى الحرف: المعنى الكلي الذي يستلزمه المعنى الجزئي للحرف, فلفظ "في" مثلا موضوع لمعنى جزئي هو الظرفية الخاصة في نحو قولك: الماء في الكوز, وهذا المعنى الجزئي يتعلق بمعنى كلي هو مطلق ظرفية شيء في شيء, ومعنى تعلقه به استلزامه له، إذ الخاص يستلزم العام، ولام العلة موضوعة لمعنى جزئي هو ترتب علة خاصة على معلول خاص, كما في نحو: جئت لتلقي العلم, وهذا المعنى الجزئي يتعلق بمعنى كلي هو مطلق ترتب شيء على شيء, وهكذا.
2 هو ترتب المحبة والسرور المتعلقين بموسى, عليه السلام.
3 هو ترتب العداوة والحزن المتعلقين بموسى, عليه السلام.
4 أي: في نحو: الماء في الكوز.
5 أي: كما في المثال المذكور.
(3/261)

ثم استعير لفظ {فِي} من أحد جزئيات المشبه به1 لأحد جزئيات المشبه3, استعارة تصريحية تبعية, وهكذا.
وسميت الاستعارة في الحرف تبعية "على المذهبين"؛ لأنها تابعة لتشبيه -على ما بينا- لا لأنها تابعة لاستعارة أخرى في المجرور -على رأي الخطيب- أو في متعلق معنى الحرف -على رأي القوم- إذ لا استعارة في الموضعين -كما رأيت- وليس في اعتبارها فيهما سوى تكثير المؤنة والكلفة, بخلاف استعارة المصدر في المشتقات, فإن فائدتها اشتقاق الفعل أو شبهه منه.
غير أنه نقل عن القوم استعارة متعلق معنى الحرف, بأن يقال بعد إجراء التشبيه في الكليين في مثل آية الالتقاط: ثم استعير اسم المشبه به للمشبه، فتكون الاستعارة في الحرف حينئذ تابعة لاستعارة أصلية، وقد علمت أن لا فائدة مترتبة على اعتبار ذلك.
وكما تسمى تبعية لما ذكرنا تسمى تصريحية؛ للتصريح فيها بالحرف المنقول من المشبه به إلى المشبه "كاللام" في آية "الالتقاط"، وكلفظ {فِي} في آية {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ} , فكلاهما بمثابة لفظ "الأسد" المنقول من الحيوان المفترس إلى الرجل الباسل.
وصفوة القول في الاستعارة التبعية أن يقال:
إن كانت الاستعارة في الفعل أو شبهه يقدر التشبيه في معنى المصدر، ثم ينقل المصدر إلى غير معناه الأصلي، ثم يشتق منه ما وقعت الاستعارة فيه من فعل، أو وصف، فتكون الاستعارة فيهما حينئذ تابعة للاستعارة في المصدر, بلا خلاف في المسألة.
وإن كانت الاستعارة في الحرف, فعلى مذهب الخطيب يقدر التشبيه في المجرور بالحرف -أولا- ثم في معنى الحرف -ثانيا-
__________
1 في نحو: محمد في بيته.
2 كالمثال المذكور.
(3/262)

من طريق السراية، ثم ينقل الحرف إلى المعنى المراد، فتكون الاستعارة حينئذ تابعة لتشبيه. أما على مذهب القوم, ففي قول يقدر التشبيه -أولا- في متعلق معنى الحرف، ثم يقدر -ثانيا- من طريق السراية في جزئية، ثم يستعار الحرف للمعنى المراد، فتكون الاستعارة حينئذ تابعة لتشبيه, وفي قول آخر عنهم يقدر التشبيه في متعلق معنى الحرف كسابقه، ثم يستعار اسم المشبه به الكلي للمشبه الكلي، ثم يقدر التشبيه "ثانيا" في الجزئيات من طريق السراية، ثم ينقل الحرف إلى المعنى المراد، فتكون الاستعارة في الحرف حينئذ تابعة لاستعارة أصلية, ولا يعوزك تطبيق هذا الكلام على ما يعرض لك من الأمثلة.
قرينة التبعية:
قرينة التبعية في الفعل، والمشتق1 مرجعها غالبا إلى:
1- "الفاعل" بأن يكون إسناد الفعل إليه غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بالفعل معنى ينساب الفاعل, كما في قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} ونحو قولنا: نطقت "حاله" بكذا؛ فالطغيان بمعناه الحقيقي يستحيل صدوره من الماء, كما أن النطق بالمعنى المعروف يستحيل صدوره من الحال؛ إذ هما من شئون الإنسان، فدل ذلك على أن المراد بالطغيان في الأول ما يصح إسناده إلى الماء وهو الكثرة التي جاوزت الحد, وأن المراد بالنطق ما يصح إسناده إلى الحال، وهو الدلالة الواضحة.
2- نائب الفاعل بأن يكون إسناد الفعل إليه غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بالفعل معنى يناسب نائب الفاعل كما في
__________
1 إنما قلنا في الفعل والمشتق؛ لأن قرينة التبعية في الحروف غير مضبوطة.
(3/263)

قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} فالضرب -وهو نصب الشيء- من شأن الخيام لا من شأن الذلة والمسكنة؛ إذ هما أمران معنويان, فدل ذلك على أن المراد بالضرب معنى يناسبهما، وهو "الحكم" ويكون المعنى حينئذ: حكم عليهم بالذلة والمسكنة1.
3- المفعول بأن يكون تسلط الفعل أو ما يشتق منه على المفعول غير صحيح, فيدل ذلك على أن المراد بهما معنى يناسب المفعول. من ذلك قول ابن المعتز الخليفة العباسي:
جمع الحق لنا في إمام ... قتل "البخل" وأحيا "السماحا"
فالقتل والإحياء الحقيقيان لا يقعان إلا على ذي روح، والبخل والسماح ليسا من ذوات الأرواح فعدم صحة إيقاع القتل على البخل، والإحياء على السماح دليل على أن المراد بالقتل معنى يناسب البخل, وهو "الإزالة"، وأن المراد بالإحياء معنى يناسب الجود، وهو "الإكثار", وكأنه قال: أزال البخل وأكثر السماح2، فالقرينة إذًا هي "البخل" في الأول و"السماح" في الثاني. وقد تكون القرينة المفعول الثاني, كما في قول القطامي من قصيدة:
لم تلق قوما هم شر لإخوتهم ... منا عشية يجري بالدم الوادي
__________
1 شبه الحكم على الشيء بنصب الخيام عليه, بجامع الاشتمال في كل، ثم استعير ضرب الخيام للحكم واشتق منه ضرب بمعنى حكم, على طريق الاستعارة التبعية.
2 شبه أولا إزالة البخل بالقتل بجامع ما يترتب على كل من العدم، ثم استعير القتل للإزالة، واشتق منه قتل بمعنى أزال، وشبه ثانيا الإكثار من الشيء بإحيائه بجامع شيوع المنفعة في كل، ثم استعير الإحياء للإكثار، واشتق من الإحياء أحيا بمعنى أكثر, على سبيل الاستعارة التبعية في المثالين.
(3/264)

نقريهمو لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد1
يقول: لم تجد أقوى منا في إيقاع الشر بأعدائنا، والتنكيل بهم عند النزال وتفاقم القتال؛ إذ نطعنهم طعنات نافذات تقد الدروع، وتشق الضلوع. والشاهد في قوله: "نقريهمو لهذميات" فهو استعارة تبعية قرينتها "لهذميات"، وهو المفعول الثاني لنقري, ذلك أن القرى تقديم الطعام للضيف، فلا يصح إيقاعه على اللهذميات بمعنى الطعنات، فعلم أن المراد "بالقرى" معنى يناسب هذه الطعنات، وهو تقديمها إلى الأعداء عند اللقاء. وقد تكون القرينة المفعولين معا كقول الحريري:
وأقري المسامع أما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا2
يقول: وأقدم إلى المسامع بيانا يكبح بسحره وعذوبته جماح النفوس الصوادف, يصف نفسه بسحر البيان وعذوبة القول. والشاهد في قوله: "وأقري المسامع بيانا" فإن "أقري" استعارة تبعية قرينتها تعلق القرى بكل من المسامع والبيان, ذلك أن القرى -كما قدمنا- تقديم الطعام إلى الضيف، فلا يصح إيقاعه، وتعلقه
__________
1 القرى على "إلى" الإحسان إلى الضيف, واللهذميات جمع لهذمية وهي الطعنة الواسعة, منسوبة إلى اللهذم بفتح اللام والذال وهو السيف القاطع, وقد يراد بها الأسنة القاطعة والنسبة للمبالغة، والقد: القطع، وضمن "خاط" معنى قدر فعداه بعلى، والزراد: صانع الزرد -بفتح الراء- وهو الدرع، ومعنى زردها: نسجها, شبه تقديم الطعنات أو الأسنة عند اللقاء بالقرى بجامع أن كلا تقديم ما يصل من خارج إلى داخل، ثم استعير القرى لتقديم الطعنات أو الأسنة، واشتق من القرى نقريهمو بمعنى: نقدم لهم الطعنات أو الأسنة, على سبيل الاستعارة التبعية.
2 الحرون من الخيل: ما لا ينقاد لصاحبه ومثله الشموس, يقال: حرن الفرس وشمس على زنة دخل, إذا منع ظهره.
(3/265)

بالمسامع والبيان، فعلم من هذا أن المراد به معنى يناسبها، وهو "التقديم" كالمثال الذي قبله.
4- المجرور بأن يكون تعلق الفعل بالمجرور غير مناسب، فيدل ذلك على أن المراد به معنى يناسب ذلك المجرور, كما في قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} فإن التبشير إخبار بما يسر، فلا يناسب تعلقه بالعذاب، فعلم من هذا أن المراد بالتبشير معنى يناسب العذاب1، وهو الإنذار أي: الإخبار بما يحزن, ففي قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ} استعارة تبعية قرينتها مجرور الحرف. ومثله قوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ} فقوله: {نَقْذِفُ} استعارة تبعية بمعنى نرد, ولفظ "الحق" قرينتها, إذ إن الحق أمر معنوي لا يناسبه القذف الخاص بالمحسوسات2.
وقد تكون القرينة غير ما ذكرنا, كما في قوله تعالى: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} على أن يكون "مرقد" اسم مكان, والقرينة على الاستعارة كون هذا القول من كلام الموتى، مع ضميمة قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} .
وإذ قد فرغنا من التقسيم الأول للاستعارة التصريحية,
__________
1 نزل التضاد بين التبشير والإنذار منزلة التناسب بينهما، ثم شبه الإنذار بالتبشير في أن كلا إخبار بما يسر، ثم استعير التبشير للإنذار واشتق منه بشر بمعنى أنذر, على طريق الاستعارة التصريحية التبعية التهكمية.
2 شبه الرد بالقذف بجامع الإبعاد في كل، واستعير القذف للرد، ثم اشتق من القذف {نَقْذِفُ} بمعنى نرد, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
(3/266)

التقسيم الثاني باعتبار الملائم:
تنقسم باعتبار ذكر الملائم لأحد الطرفين، وعدم ذكره إلى ثلاثة أقسام: مرشحة، ومجردة، ومطلقة.
فالمرشحة: ما قرنت بما يلائم المستعار منه أي: المشبه به، سواء كان ذلك الملائم صفة نحوية، أو معنوية، أو كان تفريعا1. فمثال الأول من الاستعارة الأصلية قولك: "رأيت أسدا حادّ الأنياب منتفش اللبدة"، وقولك: "جاورت بحرا بعيد الغور"، فقد استعير في الأول "الأسد" للرجل الجريء، ثم وصف المستعار منه بما يلائمه من حدة الأنياب، وانتفاش اللبدة ترشيحا للاستعارة, واستعير في الثاني "البحر" للعالم الجليل، ثم وصف المستعار منه بما يلائمه من بعد الغور ترشيحا للاستعارة، وكلا الترشيحين وصف نحوي. ومثال الترشيح بالصفة المعنوية من الاستعارة الأصلية أيضا قول الشاعر:
ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمر بن بكر
لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر2
يقول: ينازعني عبد عمرو سيفي الذي أقي به نفسي وعرضي، ثم التفت وقال له: تمهل، فسأقسم بيني وبينك، فأحتفظ لنفسي بقائمه الذي بيدي، وأعطيك أنت صدره, يريد: أنه سيضربه على رأسه بصدر سيفه ضربا يشق ذلك الرأس ويشطره، فهو يهدده
__________
1 الفرق بين الصفة والتفريع أن الملائم إن كان من بقية الكلام الذي فيه الاستعارة فهو صفة, وإن كان كلاما مستقلا جيء به بعد ذلك الكلام الذي فيه الاستعارة مبنيا عليه كان تفريعا, سواء كان بحرف التفريع أو لا, والعبرة بالاعتبار والقصد, فنحو قولك: "رأيت أسدا يرمي" يصح أن يكون من قبيل الصفة، ومن قبيل التفريع.
2 رويدك: اسم فعل بمعنى أمهل, وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، ودونك: اسم فعل بمعنى خذ، والاعتجار: لف الرأس بنحو ثوب، وأراد بالشطر الذي ملكت يمينه: قائم سيفه، وبالشطر الآخر: صدر السيف.
(3/267)

بالقتل حسما للنزاع. والشاهد فيه: استعارة الرداء للسيف، ثم وصف الرداء الذي هو المستعار منه بما يلائمه من الاعتجار -إذ هو لف الرأس بنحو ثوب- ترشيحا للاستعارة. ومثال الترشيح بالتفريع، والاستعارة تبعية قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا 1 الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ؛ استعير الاشتراء للاختيار، واشتق منه {اشْتَرَوْا} بمعنى: اختاروا، ثم فرع عليه بما يلائم المستعار له من نفي الربح والتجارة؛ ترشيحا للاستعارة.
وسمي هذا القسم استعارة "مرشحة"؛ لأن الترشيح معناه التقوية، وذكر ملائم المشبه به يبعدها عن الحقيقة، ويقوي فيها دعوى الاتحاد التي هي مبنى الاستعارة.
والمجردة: ما قرنت بما يلائم المستعار له، سواء كان هذا الملائم صفة نحوية، أو معنوية، أو كان تفريعا. فمثال الصفة النحوية قول البحتري:
يؤدون التحية من بعيد ... إلى قمر من الإيوان باد2
فقد استعار القمر للإنسان الجميل، ثم وصف المستعار له بما يلائمه من كونه مطلا من الإيوان تجريدا للاستعارة, وقرينتها قوله: "يؤدون التحية من بعيد". ومثله قولك: "أبصرت رئبالا يقود جيشا، ويخطب الجنود"، استعير الرئبال لقائد همام, ثم وصف المستعار له بما يلائمه من خطابه في الجنود تجريدا للاستعارة، وقرينتها قوله:
__________
1 شبه إيثار الباطل على الحق واختياره دونه بالاشتراء بجامع استبدال شيء مرغوب عنه بشيء مرغوب فيه، ثم استعير اسم المشبه به وهو الاشتراء للمشبه الذي هو الإيثار والاختيار, ثم اشتق من الاشتراء بمعنى الإيثار والاختيار {اشْتَرَوْا} بمعنى: آثروا واختاروا, على طريق الاستعارة التبعية.
2 الإيوان: اسم لبناء ضخم, ومنه إيوان كسرى.
(3/268)

"يقود جيشا"، ويصح العكس، فيكون الأول تجريدا، والثاني هو القرينة. ومثال الصفة المعنوية قول كثير عزة:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال1
يقول: إنه كثير العطاء، واسع البذل, إذا ابتسم لطالبي معروفه تمكنت رقاب أمواله من أيديهم، وتعذر انفكاكها كالرهن الحبيس في يد المرتهن، وقد عجز الراهن عن استرداده، والشاهد فيه: استعارة الرداء للعطاء بعد تشبيه العطاء به في أن كلا وقاية حفظ وصيانة، فالمال يصون العرض، والرداء يصون السوءة، ثم وصف الرداء "بالغمر" الملائم للمستعار له2 وهو العطاء؛ تجريدا للاستعارة, وقرينتها تتمة الكلام من تبسم الممدوح، وحبس رقاب أمواله في أيدي العفاة3. ومثال التفريع قولهم: "رأيت غضنفرا في حومة الوغى فلجأت إلى ظل رمحه"، استعير الغضنفر للرجل المقدام, بقرينة قوله: في حومة الوغى، ثم فرع عليه بما يلائم المستعار له من اللجوء إلى ظل رمحه تجريدا للاستعارة. ومثالها من التبعية قولك: طغى الماء فأغرق الوادي؛ شبه كثرة الماء بالطغيان على
__________
1 "الغمر" في الأصل: الماء الكثير, واستعمل هنا بمعنى كثرة العطاء, وفي قوله: "تبسم ضاحكا" وصف للممدوح بالبشر والطلاقة مع الوقار, وأنه لا يقهقه كما يفعل المتبذلون، وقوله: "غلقت" من غلق الرهن في يد المرتهن, إذا لم يقدر الراهن على انفكاكه لعجزه عن أداء الدين، والضحكة -بفتح الضاد وسكون الحاء- المرة من الضحك، ويريد برقاب المال: أصوله.
2 هذا إذا كان من غمر الماء إذا كثر, أما إذا كان من قولهم: ثوب غامر أي: واسع فضفاض فهو ترشيح, على أن حقيقة الغمر الكثير من الماء، فإطلاقه على الكثير من العطاء مجاز، فالملائم في الترشيح أو التجريد ما كان مناسبا سواء كان حقيقة أو مجازا.
3 إنما جعل تتمة الكلام قرينة الاستعارة، مع جواز أن يكون الوصف بالغمر قرينتها، بل هو أولى لتقدمه؛ لأن المقصود بالاستعارة لا يتضح إلا مع هذه الإضمامة.
(3/269)

ما سبق بيانه, وقوله: "فأغرق الوادي" تفريع أتي به تجريدا للاستعارة.
وسمي هذا القسم "استعارة مجردة" لتجردها عما يقوي فيها دعوى الاتحاد؛ ذلك أن ذكر ملائم المستعار له الذي هو المشبه يقربها من المعنى الحقيقي، ويضعف فيها دعوى اتحاد الطرفين. وقد اجتمع الترشيح والتجريد في قول "زهير بن أبي سلمى":
لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم1
استعار الأسد للرجل الجريء، ثم أتى بجملة ملائمات، بعضها للمستعار له، وبعضها للمستعار منه, وبعضها مشترك بينهما. فقوله: "شاكي السلاح" أي: تامه تجريد؛ لأنه من ملائمات المستعار له، وقوله: "له لبد" ترشيح؛ لأنه من ملائمات المستعار منه، أما قوله: "مقذف" فإن أريد به المقذوف باللحم كناية عن ضخامته لم يكن تجريدا، ولا ترشيحا لملاءمته لكل منهما، وإن أريد به الذي يقذف بنفسه في المعارك، سواء كان بآلة حرب أو بغيرها فكذلك, فإن القذف بآلة حرب كان تجريدا؛ لأنه يناسب الجريء من الرجال إذ هو الذي يحمل السلاح. وأما قوله: "أظفاره لم تقلم" فإن أريد به أن ذلك الأسد ليس من الجنس الذي تقلم أظفاره كان ترشيحا؛ لأن الأسد الحقيقي ليس من شأنه ذلك، وإن أريد جعله كناية عن نفي الضعف لم يكن ترشيحا ولا تجريدا؛ لأنه قدر مشترك بين الطرفين, وقرينة الاستعارة قوله: "لدى أسد" على تقدير: أنا لدى أسد, فإن كانت القرينة حالية اعتبر هذا تجريدا لملاءمته للمستعار له. ومما اجتمع فيه الأمران قول الشاعر:
رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلدي وهو للقلب جارح
__________
1 "شاكي" أصله شائك, دخله القلب المكاني, واللبد -على زنة عنب- جمع لبدة, وهي ما تلبد من شعر الأسد على منكبيه، ولم تقلم أي: لم تقطع؛ مبالغة في القلم وهو القطع.
(3/270)

شبه النظر بالسهم في شدة التأثير، واستعار السهم للنظر، و"ريشه" ترشيح؛ لأنه من ملائمات المستعار منه, من قولهم: راش السهم إذا ألصق عليه الريش ليكون أحكم في الرماية, و"الكحل" تجريد؛ لأنه من ملائمات المستعار, والقرينة حالية بهذا الاعتبار, فإن اعتبر "الكحل" قرينة كان "ريشه" ترشيحا, واعتبرت الاستعارة مرشحة.
ومما ينبغي أن يعلم, أن اعتبار الترشيح والتجريد إنما يكون بعد استيفاء الاستعارة قرينتها؛ فقولك: "رأيت سحابا يعطي" استعارة لا ترشيح فيها ولا تجريد؛ لعدم اقترانها بما يلائم أحد الطرفين، وأما قولك: "يعطي" فهو قرينة الاستعارة، فلا يعتبر تجريدا، وإن كان من ملائمات المستعار له؛ لأن الترشيح والتجريد -كما قلنا- إنما يعتبران بعد تمام الاستعارة، وهي إنما تتم بالقرينة, ولو أن القرينة في هذا المثال حالية لكان قولك: "يعطي" تجريدا؛ لملاءمته للمستعار له.
والمطلقة: ما لم يقترن بشيء من ملائمات أحد الطرفين, كما تقول: "عطشي إلى لقائك شديد"؛ شبه الشوق بالعطش بجامع ما يترتب على كل من التلهف، ثم استعير العطش للشوق, والقرينة قولك: إلى لقائك. ومثله قولك: "رأيت بحرا في سوق عكاظ" أي: شاعرا فحلا, فالاستعارة في المثالين مطلقة لعدم اقترانها بشيء يلائم أحد الطرفين. وسمي هذا القسم استعارة مطلقة لإطلاقها عن التقييد بما يلائم أحد الطرفين.
قالوا: ومن قبيل المطلقة ما اجتمع فيها ترشيح وتجريد كالبيتين السابقين؛ لأنهما باجتماعهما تتعارضان فتتساقطان, فكأن لا ترشيح، ولا تجريد. وكما في قولك: "زارني غيث غزير يعطي ياليمين واليسار" ففي هذا المثال ذكر ما يلائم الطرفين، فالغيث وهو المشبه به يلائمه غزير، والرجل الجواد وهو المشبه يلائمه يعطي باليمين
(3/271)

واليسار, فالاستعارة مطلقة اللهم إلا إذا زاد أحدهما على الآخر، فإنه حينئذ يرجح جانبه. وبناء عليه يكون قول زهير: "لدى أسد شاكي السلاح" "البيت" من قبيل الاستعارة المجردة إن جعلت القرينة حالية؛ لأن ملائمات المستعار له حينئذ أكثر من ملائمات المستعار منه، كما أن قولك: "رأيت أسدا على فرس منتفش اللبدة رهيب الزئير" من قبيل الاستعارة المرشحة على تقدير أن القرينة حالية؛ لأن ملائمات المستعار منه حينئذ أكثر فهي بهذا الاسم أجدر، ورجح بعضهم جانب السابق لسبقه.
موازنة بين هذه الثلاث:
الاستعارة المرشحة -كما قلنا- ما ذكر فيها ملائم المستعار منه أي: المشبه به, وهذا مما يزيد الاستعارة قوة مبالغة؛ ذلك أن مبنى الاستعارة -كما علمت- على تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه هو المشبه به، لا شيء سواه, والترشيح الذي هو ذكر ملائم المشبه به إمعان في هذا التناسي، وغلو في دعوى الاتحاد، وكأن ليس هناك استعارة بل ولا تشبيه حتى إنك لتجد الشاعر، أو الناثر يمعن في إنكارها، ويخيل للسامع أن الأمر محمول على حقيقته، لا تجوز فيه, ألا ترى إلى قول أبي تمام:
ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة في السماء
فقد استعار لفظ "الصعود"، وهو العلو الحسي المكاني لعلو المرتبة، ثم بنى كلامه على أنه صعود حسي حقيقة إمعانا في تناسي التشبيه، وفي إنكار أن هناك استعارة، فذكر ما يلائم هذا الصعود الحسي من ظن الجهول أن للصاعد حاجة في السماء، ولولا أنه تناسى، أو أنكر أن هناك تشبيها, واستعارة، وأنه جعل الممدوح صاعدا في السماء صعودا حسيا مشاهدا, ما كان لهذا الكلام وجه. يؤيد ذلك ما تقدم من قول الشاعر:
(3/272)

قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز على من نفسي
قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس
وقول الآخر:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر
ففي الأول شبه إنسانا جميلا بالشمس، ثم استعار الشمس له، وفي الثاني شبه إنسانا جميلا بالقمر، ثم استعار القمر له، ثم تناسى التشبيه، وتناسى الاستعارة، وبنى الكلام على أن الشمس والقمر حقيقتان, ولولا ذلك ما كان للتعجب "في الأول" ولا للنهي عنه "في الثاني" معنى, على ما سبق من أنه لا معنى للتعجب من أن ذاتا جميلة تظلل إنسانا من الشمس، ولا معنى للنهي عن التعجب من أن ذاتا جميلة تبلى غلالة.
وإذا كان هذا شأن المرشحة, كانت جديرة أن تحل المكان الأول بين أختيها, ويلي المرشحة في القوة الاستعارة المطلقة؛ إذ هي -كما عرفت- ما لم يذكر معها شيء يلائم أحد الطرفين، فهي -وإن خلت مما يقوي تناسي التشبيه، ويدعم دعوى الاتحاد من ذكر ما يلائم المشبه به- ليس فيها ما ينافيهما من ذكر ما يلائم المشبه, وإذا كان هذا حالها كانت خليقة أن تحتل مكانا وسطا بين أختيها: المرشحة، والمجردة.
ومن هنا يبدو لك واضحا أن الاستعارة المجردة في المرتبة الدنيا؛ لاشتمالها على ما يلائم المشبه, إذ هو يتعارض مع ما تقتضيه الاستعارة من تناسي التشبيه ودعوى الاتحاد قضاء لحق المبالغة.
تنبيه:
تقريرا لما سبق من جواز البناء على المشبه به في الاستعارة بذكر أوصاف تلائمه, نقول: إن البناء على المشبه به ليس خاصا بالاستعارة،
(3/273)

بل ورد البناء عليه في التشبيه أيضا, كما في قول العباس بن الأحنف:
هي الشمس مسكنها في السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا
فهو يشبه إنسانة جميلة بالشمس، ثم يتناسى التشبيه، فيذكر أحوالا تخص الشمس من أن السماء مسكنها، وأنها لا تستطيع النزول كما لا يستطاع إليها الصعود. وكقول أبي العلاء المعري:
هي قالت لما رأت شيب رأسي ... وأرادت تنكرا وازورارا1
أنا بدر وقد بدا الصبح في رأسـ ... ـك والصبح يطرد الأقمارا
لست بدرا وإنما أنت شمس ... لا ترى في الدجى وتبدو نهارا
فقد شبهت نفسها بالبدر، ثم تناست التشبيه، فذكرت ما يخص المشبه به من كون الصبح لا يجامع البدر، وشبهها هو بالشمس، ثم تناسى التشبيه، فذكر ما يلائم الشمس من أنها لا ترى إلا نهارا2.
وإذا جاز البناء على المشبه به أي: ذكر ما يلائمه من الصفات، مع الاعتراف بالمشبه في التشبيه, كان البناء عليه، مع جحد المشبه في الاستعارة أولى؛ إذ قد طوي فيها ما يتعارض مع هذا البناء، وهو ذكر المشبه3.
__________
1 الازورار: العدول والانحراف.
2 بل لقد ورد ما هو أبعد من هذا, فقد وقع في بعض أشعار العجم النهي عن التعجب، مع الاعتراف بالمشبه، ومع التصريح بأداة التشبيه. وحاصل كلامهم في ذلك قولهم: لا تعجبوا من قصر ذوائبه, فإنها كالليل ووجهه كالربيع, فمن المعلوم أن المائل إلى القصر في الربيع هو الليل الحقيقي, ولما تنوسي التشبيه، وادعي أن الذوائب هي الليل الحقيقي وأن وجه المحبوب هو الربيع نفسه نهي عن التعجب من قصر الذوائب، فقد بنى على المشبه به مع الاعتراف بالمشبه، ومع التصريح بالأداة.
3 قيل: إذا كان البناء على المشبه به موقوفا على تناسي التشبيه -كما تقدم- والتناسي ينافيه الاعتراف بالمشبه كان البناء على المشبه به عند ذكر المشبه ممتنعا, فكيف يدعى جوازه؟ أجيب: إن المنافي للبناء على المشبه به إنما هو ذكر المشبه مع الإشعار بأنه باقٍ على أصله من أنه لم يبلغ مرتبة المشبه به، ومجرد ذكر الطرفين لا يشعر بما ذكر, فيتأتى معه تناسي التشبيه، وادعاء اتحاد الطرفين في الحقيقة بدليل حمل أحدهما على الآخر وإلا ما صح الحمل، وهذا إنما يظهر في التشبيه الخالي عن الأداة, وأما عند ذكرها ففيه بعد.
(3/274)

الاستعارة المكنية
مدخل
...
الاستعارة المكنية:
سبق أن قسمنا الاستعارة باعتبار ذكر أحد طرفيها إلى تصريحية، ومكنية, وقد فرغنا من الكلام في التصريحية، وهاك البحث في الاستعارة المكنية.
تعريفها: اختلفت الآراء فيه:
فمذهب السلف، وجمهور علماء البيان، وهو المشهور: أنها لفظ المشبه به المستعار في النفس للمشبه، والمحذوف المدلول عليه بذكر شيء من لوازمه, وخواصه كما في قول أبي ذؤيب الهذلي1 من قصيدة:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع2
يقول: إذا حان الأجل عجزت عنده الحيل، ولا مرد لقضاء الله, شبه الهذلي المنية بالسبع في اغتيال النفوس، من غير تمييز بين نافع
__________
1 هو خويلد بن خالد أحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام, ولم يثبت أن اجتمع بالنبي, صلى الله عليه وسلم.
2 أنشبت أظفارها أي: علقتها ومكنتها, وألفيت: وجدت، والتميمة: خرزة تجعل معاذة, وتعلق بأعناق الصبيان صونا لهم عن العين, أو الجن في زعمهم.
(3/275)

وضار، ثم استعار في نفسه لفظ السبع للمنية بعد تناسي التشبيه, وادعاء أن المشبه من جنس المشبه به، ثم قدر حذفه دالا عليه بذكر بعض خواصه، وهو "الأظفار"، ثم أثبته للمشبه الذي هو المنية على سبيل الاستعارة المكنية. وكما في قول الشاعر الآخر:
إذا هزه في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك1
شبه المنايا عند هزه السيف في عظم قرنه بإنسان يضحك لتوفر دواعي السرور، ثم استعار في نفسه لفظ المشبه به وهو "الإنسان الضاحك" للمنايا بعد التناسي والادعاء، ثم حذفه ودل عليه بذكر بعض لوازمه، وهو "تهلل النواجذ" وأثبته للمنايا على سبيل الاستعارة المكنية. وكقول الشاعر:
ولئن نطقت بشكر برك مفصحا ... فلسان حالي بالشكاية أنطلق
يقول: إن نطقت بلساني مفصحا عن شكر يدك, فلسان حالي أنطق بالشكاية منك؛ لأن ضرك أكثر من نفعك, شبه الحال بإنسان متكلم في الدلالة على المقصود، ثم استعير الإنسان للحال، ثم حذف ودل عليه بلازمه وهو "اللسان"، وأثبت الحال على سبيل الاستعارة المكنية.
وكقول زهير بن أبي سلمى:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله2
__________
1 القرن -بكسر القاف- الند والنظير، وتهلل: تلألأ وأشرق، والنواجذ: هي الأضراس جمع ناجذ, والنجذ: العضّ.
2 "صحا" من الصحو بمعنى: زوال السكر والإفاقة منه، والمراد به السلو وهو زوال العشق من القلب، ففيه استعارة تبعية؛ شبه السلو من العشق بالصحو بالمعنى المذكور بجامع انتفاء ما يحول دون الرشد, ثم استعير اسم المشبه به واشتق منه صحا بمعنى سلا. و"أقصر باطله" يقال: أقصر عن الشيء, إذا أقلع عنه وتركه, مع القدرة عليه فإذا عجز عنه قيل: قصر عنه بلا ألف، وباطل القلب: ميله إلى الهوى. وإنما صح إسناد الإقصار إلى الباطل، وهو ليس بذي قدرة واختيار؛ إما لأن في العبارة قلبا، وأن الأصل: أقصر القلب عن باطله، فقلب وأسند الفعل إلى الباطل مجازا عقليا, وإما لأن المراد بالإقصار معناه المجازي وهو مطلق الامتناع، لا الامتناع مع القدرة الذي هو المعنى الحقيقي، فيكون معنى قوله: أقصر باطل القلب: امتنع عنه وانتفى وزال، والرواحل جمع راحلة, وهي البعير القوى على الأسفار، ومعنى تعرية الأفراس والرواحل: تجريدها من سروجها ورحالها للكف عن استخدمها في هذا السبيل, كناية عن انصرافه عما كان فيه من لهو وعبث.
(3/276)

يقول الشاعر: إنه ثاب إلى رشده، وسلا قلبه عن سلمى، وأقلع عن تعاطي الهوى معها، وجنب نفسه ما كان فيه من غواية وجهل، وسلك مناهج الحق والرشاد.
والشاهد فيه الشطر الثاني من البيت, حيث شبه الصبا -بمعنى الميل إلى الصبوة والجهل- بإحدى جهات المسير إلى غاية كتحصيل علم، أو تجارة, أو نحوهما بجامع ما يتطلبه كل من تجشم للمشاق، واجتياز للمسالك الوعرة، من غير مبالاة بما يستهدف من خطر، ولا اكتراث لما يعرض من شدة، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه، ثم قدر حذفه مدلولا عليه بلازمه، وهو الأفراس والرواحل، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه على سبيل الاستعارة المكنية1.
ففي هذه الأمثلة الأربعة حذف لفظ المشبه به، وكني عنه بذكر لازمه، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه المذكور، وكل ما كان من هذا القبيل ففيه استعارة مكنية.
ففي المثال الأول حذف لفظ المشبه به، وهو "السبع"، وبقي
__________
1 ويحتمل أن الشاعر أراد بالأفراس والرواحل ما تركز في النفوس من شهوات جامحة، مع ما أودع فيها من قوى تعينها على استيفاء الملذات كالصحة والفراغ وما إليهما من جهد وتدبير، أو أراد بها الأسباب التي تتهيأ عادة إبان الصبا كالمال والأعوان، فتكون الاستعارة حينئذ تحقيقية في الأفراس والرواحل لتحقق معناها عقلا إن أريد بها شهوات النفوس وما إليها، أو حسا إن أريد بها الأسباب, ووجه الشبه بين الأفراس والرواحل، وبين ما ذكر في الوجهين أن كلا آلة لتحصيل ما لا يخلو عن مشقة وجهد.
(3/277)

المشبه وهو "المنية"، وكني عن المشبه به بذكر لازمه الذي هو "الأظفار"، ثم أثبت هذا اللازم للمنية، فقيل: "أظفارها".
وفي المثال الثاني حذف لفظ المشبه به، وهو "الإنسان الضاحك" وبقي المشبه وهو "المنايا"، وكني عن المشبه به بذكر لازمه، وهو "تهلل النواجذ"، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه، فقيل: "تهللت نواجذ أفواه المنايا".
وفي المثال الثالث حذف لفظ المشبه به، وهو "الإنسان الناطق" وبقي المشبه وهو "الحال"، وكني عن المشبه به بذكر لازمه، وهو "اللسان" ثم أثبت هذا اللازم للمشبه, فقيل: "فلسان حالي".
وفي المثال الرابع حذف لفظ المشبه به، وهو الجهة التي يقصد منها إلى الغاية، وبقي المشبه وهو الصبا، وكني عن المشبه به بذكر لازمه، وهو الأفراس والرواحل، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه، فقيل: "أفراس الصبا ورواحله". وهكذا, فالمذكور في المكنية من الطرفين هو المشبه دائما عكس الاستعارة التصريحية، على ما عرفت.
والدليل على التشبيه حينئذ إثبات ذلك اللازم؛ لأن إثبات لازم الشيء لغيره إنما يدل على أن ذلك الغير مشبه بذلك الشيء، ومنزل منزلته، وإلا ما صح أن يثبت له لازمه.
وسميت هذه الاستعارة مكنية؛ لعدم التصريح فيها بذكر المشبه به, والكناية عنه بذكر بعض خواصه, كما رأيت.
وذهب الخطيب القزويني إلى أن الاستعارة المكنية هي:
التشبيه المضمر في النفس المدلول عليه بإثبات لازم المشبه به للمشبه, كما في نحو قول الهذلي السابق. ويقال في إجراء الاستعارة فيه على هذا المذهب: شبهت المنية بالسبع تشبيها مضمرا في النفس بجامع الاغتيال، ثم تنوسي التشبيه، وادعي أن المشبه من أفراد المشبه به، ثم أثبت لازم المشبه به، وهو "الأظفار" للمشبه على سبيل الاستعارة المكنية، وهكذا يقال في أمثال ما ذكر.
(3/278)

وعلى هذا المذهب خرجت الاستعارة عن أن تكون من أفراد المجاز اللغوي؛ لأنه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له, فهو من عوارض الألفاظ، والاستعارة المكنية -على هذا المذهب- هي التشبيه المضمر في النفس ... إلخ، وهو فعل من أفعال المتكلم، بخلافها "على مذهب الجمهور" فإنها من قبيل المجاز اللغوي، إذ هي لفظ المشبه به، المستعار للمشبه، المرموز له بشيء من لوازمه, على ما سبق.
وإذًا, فإطلاق لفظ "الاستعارة" على المكنية -على رأي الخطيب- مجرد تسمية خالية عن المناسبة1، وأما إطلاق لفظ "المكنية" عليها فظاهر, إذ لم يصرح فيها بالتشبيه، وإنما كني عنه بذكر لازم المشبه به، وإثباته للمشبه.
__________
1 التمس بعضهم وجها لهذه التسمية, هو أن هذا التشبيه المضمر أشبه الاستعارة من حيث إن فيه ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به, ذلك نه لما أثبت اللازم للمشبه دل ذلك على أن مريد التشبيه ادعى دخوله في جنس المشبه به حتى استحق خواصه, والادعاء المذكور من شأن الاستعارة.
(3/279)

قرينة المكنية:
هي إثبات لازم المشبه به المحذوف للمشبه المذكور, كإثبات الأظفار للمنية في بيت الهذلي، وكإثبات تهلل النواجذ للمنايا في البيت الثاني، وكإثبات اللسان للحال "في البيت الثالث"، وكإثبات الأفراس والرواحل للصبا "في بيت زهير"، فإثبات مثل هذه الأشياء قرينة على أن في الكلام استعارة بالكناية.
وهذا الإثبات يسمى عندهم "استعارة تخييلية". أما أنه استعارة فلأن اللازم المذكور -وهو الأمر المختص بالمشبه به- استعير للمشبه، واستعمل معه، وأما أنه استعارة تخييلية؛ فلأن ذلك اللازم لما نقل واستعمل مع المشبه خيل للسامع أن المشبه من جنس المشبه به. ومن هنا يتبين لك أمران:
الأول: أن قرينة المكنية استعارة تخييلية دائما -عند القوم والخطيب- إذ هي -عندهم- إثبات لازم المشبه به للمشبه، وأنهما متلازمان، فلا توجد إحداهما بدون الأخرى, أي: لا توجد التخييلية بدون المكنية، والمكنية يجب أن تكون قرينتها تخييلية. أما في الأول؛ فلأن التخييلية لو وجدت مع التصريحية، أو مع مجاز آخر كانت ترشيحا لا تخييلا1, وأما في الثاني؛ فلأن التخييلية -كما عرفت- إثبات ما للمشبه به للمشبه -على المذهبين- وهذا الإثبات عندهما يسمى تخييلا, وقد علمت وجهه.
الثاني: أن طرفي الاستعارة التخييلية مستعملان في معنييهما الحقيقيين؛ فالأظفار والمنية مثلا كلاهما مستعمل في المعنى الموضوع له، والتجوز إنما هو في إثبات الأظفار للمنية؛ إذ إن المنية لا أظفار لها، فهو إثبات الشيء لغير ما هو له كالمجاز العقلي في نحو: أنضر الربيع الشجر, إذا صدر القول عن موحد, فإن كلا من الإنضار والربيع مستعمل في معناه الحقيقي، والتجوز إنما هو في إثبات الإنضار للربيع.
تنبيهان:
الأول: اعلم أن ذلك اللازم المراد إثباته للمشبه يجب أن يكون به كمال وجه الشبه في المشبه به، أو أن يكون به قوامه ووجوده.
فالأول كما في بيت الهذلي, فإن وجه الشبه فيه بين السبع والمنية هو "الاغتيال"، والاغتيال في السبع يحصل بشيء آخر غير الأظفار
__________
1 الفرق بين الترشيح والتخييل أن الترشيح يكون في غير المكني عنها, والتخييل خاص بالمكني عنها. فمثال الترشيح في التشبيه قولهم: أظفار المنية الشبيهة بالسبع أودت بفلان, ومثاله في المجاز المرسل قوله -صلى الله عليه وسلم- لأزواجه: "أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا" فإن اليد مجاز مرسل عن النعمة؛ لصدورها من اليد، وقوله: "أطولكن" ترشيح لذلك المجاز, إذ هو مأخوذ من الطول -بالفتح- وهو الإنعام وذلك ملائم لليد الحقيقية، فالترشيح إذًا لا يختص بنوع خاص من أنواع المجاز, وليس كذلك التخييل.
(3/280)

كالأنياب، لكنه بالأظفار يكمل ويتم. وكما في قول الشاعر الآخر, فإن وجه الشبه بين الإنسان الضاحك والمنايا هو السرور, وهو إن أمكن أن يظهر في غير تهلل النواجذ لكنه لا يكمل إلا به.
والثاني كما في قول الشاعر الثالث، فإن وجه الشبه بين الإنسان والحال هو الدلالة الواضحة -على ما سبق- وهي لا تتحقق بدون اللسان. وكما في قول زهير, فإن وجه الشبه بين الصبا والجهة الموصلة للمطلوب ما يتطلبه كل من تحمل مشاق الوصول إلى الغرض وهو لا يتحقق بدون الأفراس والرواحل، وإن جاز أن يتم الوجه بدون الأفراس والرواحل فإنه بهما أتم وأكمل.
الثاني: علم مما سبق أن الخطيب يخالف السلف في تعريف المكنية، ويتفق معهم في قرينتها، وأن المكنية والتخييلية عند الخطيب فعلان من أفعال النفس هما: التشبيه، والإثبات, فليسا من المجاز اللغوي؛ لأنه من عوارض الألفاظ -كما قلنا- وأن التخييلية عند الخطيب والقوم من قبيل المجاز العقلي؛ لما فيها من إثبات الشيء لغير ما هو له1 ا. هـ.
__________
1 تنقسم المكنية كالتصريحية إلى أصلية وتبعية، وإلى مرشحة ومجردة ومطلقة. فالأصلية كاستعارة اسم الجنس في نحو قول الشاعر:
وإذا العناية لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
فالمستعار هنا لفظ "إنسان" المحذوف, وهو اسم جنس. والمكنية التبعية كاستعارة اسم المشتق في قولك: يعجبني إراقة الضارب دم الباغي، وإجراؤها أن يقال: شبه الضرب الأليم بالقتل بجامع الإيذاء الشديد، واستعير القتل للضرب الشديد، واشتق من القتل "قاتل" بمعنى ضارب ضربا شديدا, ثم حذف ودل عليه بلازمه وهو "الإراقة", والقرينة إثبات الإراقة للضارب. والمكنية المرشحة نحو: شم علي رائحة العلم, شبه العلم بالمسك وحذف المشبه به بعد استعارته ودل عليه بلازمه وهو الرائحة، والقرينة إثبات الرائحة للعلم, وقوله: "شم" ترشيح؛ لأنه من ملائمات المسك الذي هو المشبه به. والمكنية المجردة كقول الشاعر: "نقريهمو لهذميات نقد بها" "البيت" شبه اللهذميات بما يقدم للأضياف من طعام، ثم استعير اسم المشبه به للمشبه، ثم حذف ودل عليه بشيء من لوازمه وهو قوله: "نقريهمو" فإن القرى تقديم الطعام وهو من خواص المشبه به, والقرينة إثبات القرى للهذميات, وقوله: "نقد" تجريد للاستعارة؛ لأنه من ملائمات المشبه. والمكنية المطلقة كما في قولهم: نطقت الحال بكذا, استعير الإنسان للحال، ثم حذف لو دل عليه بنطق، والقرينة إثبات النطق لها.
بما يقدم للأضياف من طعام، ثم استعير اسم المشبه به للمشبه، ثم حذف ودل عليه بشيء من لوازمه وهو قوله: "نقريهمو" فإن القرى تقديم الطعام وهو من خواص المشبه به, والقرينة إثبات القرى للهذميات, وقوله: "نقد" تجريد للاستعارة؛ لأنه من ملائمات المشبه. والمكنية المطلقة كما في قولهم: نطقت الحال بكذا, استعير الإنسان للحال، ثم حذف لو دل عليه بنطق، والقرينة إثبات النطق لها.
(3/281)

اختبار:
1- عرف كلا من الاستعارة الوفاقية والعنادية، ومثل لكل بمثال، مع إجراء الاستعارة فيه، ومن أي قبيل قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} ؟
2- أجر الاستعارة في نحو قولك: راعني الورد, تريد الخد الأحمر، وبم تسمي هذا النوع من الاستعارة؟
3- عرف الجامع بين طرفي الاستعارة، وافرق بينه وبين وجه الشبه في التشبيه، ثم أجر الاستعارة في قوله, صلى الله عليه وسلم: "خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه, كلما سمع هيعة طار إليها" واذكر ما ورد على هذا المثال.
4- عرف الاستعارة الخاصة أي: الغريبة، وأجرها في قول الشاعر:
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر
وبين وجه الغرابة فيه، وفي قول الشاعر:
"وسالت بأعناق المطي الأباطح" ... مع وضوح وجه الشبه في الأخير
5- قسم الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار، وعرف كل قسم، ومثل له, وكيف صحت الاستعارة في نحو: "زارني اليوم باقل" تريد رجلا عييا لا يكاد يبين، مع اشتراط أن يكون المستعار اسم
(3/282)

جنس كلي؟ ثم أجر الاستعارة في نحو قولهم: "قتل علي عدوه" أي: أذلّه.
6- بين وجه كون الاستعارة في المشتقات تبعية بمثال من عندك، ثم اذكر ما قالوه في تعليل تبعيتها، وبم رد هذا التعليل؟
7- أجر الاستعارة في قوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} على كل من مذهبي الخطيب والجمهور، مع بيان علة تسمية الاستعارة في الحرف تبعية.
8- بين مدار قرينة التبعية في المشتقات والحروف، مع التمثيل، ومع بيان قرينة الاستعارة في قوله تعالى: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} .
9- عرف كلا من المرشحة، والمجردة، والمطلقة، ومثل لكل بمثال، مع بيان علة التسمية في كل منها، ومن أي قبيل قول الشاعر:
رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلدي وهو للقلب جارح؟
وهل من قبيل التجريد لفظ "يتصدق" من قولك: رأيت بحرا يتصدق؟
10- أي الاستعارات الثلاث أبلغ: المرشحة، أو المجردة، أو المطلقة؟ وما وجه الأبلغية؟ وهل الترشيح خاص بالاستعارة؟ وضح كل ذلك بالمثال.
11- عرف الاستعارة المكنية على رأي الخطيب والجمهور، ومثل لها، مع إجرائها فيما تمثل به على المذهبين، ثم بين علة تسميتها مكنية فيهما.
12- يقولون: إن قرينة المكنية استعارة تخييلية، وإنهما متلازمان، بين علة هذه التسمية وسبب هذا التلازم.
(3/283)

تمرينات منوعة:
1- أجر الاستعارة، وبين نوعها، وقرينتها فيما يأتي:
1- قولك لرجل عيي: يا قس بن ساعدة.
2- قوله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} .
3-
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة ... كما نثرت فوق العروس الدراهم1
4-
وجعلت كوري فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل2
5- {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} .
6- {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ} .
7- {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ} .
8- {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} .
9-
تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبه للمنية يا نئوم
10-
ومن لم يعشق الدنيا قليل ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
11-
أتته الخلافة منقادة ... إله تجرر أذيالها
__________
1 الأحيدب على صورة التصغير: اسم جبل, بنى عليه سيف الدولة قلعة. يقول: فرقتهم على هذا الجبل أشلاء متناثرة, كما تنثر الدراهم على العروس.
2 الكور -بضم الكاف- الرجل, والناجية: الناقة السريعة, والاقتيات: اتخاذ القوت. يقول: أذبت شحم سنامها وهزلتها بوضع الرحل عليها دائما، يصف نفسه بكثرة الأسفار.
(3/284)

12-
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
13-
وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري
14-
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
15-
عضنا الدهر بنيابه ... ليت ما حل بنا به
16-
بكت لؤلؤا رطبا ففاضت مدامعي ... عقيقا1 فصار الكل في نحرها عقدا
17-
أنفقت عمري في رضاك وليتني ... أعطى وصولا2 بالذي أنا منفق
2- بين في الاستعارات الآتية الجامع بين الطرفين، ثم حول كلا منها إلى تشبيه:
1- {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} .
2- تلك آية بينة تخرج متدبرها من العمى إلى الإبصار.
3- ما أروع الخدود منثورة على الأغصان.
4- ما أجمل العيون تختال على سيقانها.
5- يابن القمرين, أقبل.
6- تعلمت الكرم من سحاب لا يكف.
7-
بكت لؤلؤا رطبا ففاضت مدامعي ... عقيقا فصار الكل في نحرها عقدا
__________
1 معدن كريم, أحمر اللون.
2 جمع وصل, وهو صك يؤخذ على المدين استيثاقا.
(3/285)

8- "رمتني بسهم ريشه الكحل"
9- نزلت على حاتم, تريد رجلا بخيلا.
3- بين في التشبيهات الآتية وجه الشبه، ثم حول كلا منها إلى استعارة, مبينا نوعها وقرينتها:
1- في هذه الخميلة أزهار كأنها الكواكب، وفوق الأغصان كروان كأنها القيان.
2- سكبت دمعا كحبات الجمال.
3-
قوم إذا نهضوا لنجدة صارخ ... ركبوا الجياد كأنهن رياح
4-
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
5-
وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
6-
له خال على صفحات خد ... كنقطة عنبر في صحن مرمر
جواب التمرين الأول:
1- نزل التضاد بين العي والفصاحة منزلة التناسب، ثم نزل العيي منزلة الفصيح تهكما أو تظرفا، ثم شبه الرجل العيي بقس بن ساعدة بجامع الفصاحة في كل، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية التهكمية، والقرينة حالية؛ لأن المنادى غير قس.
2- نزل التضاد بين الهداية -وهي الدلالة برفق- وبين الأخذ بعنف وقسوة منزلة التناسب، ثم نزل السوق إلى جهنم منزلة الهداية إلى الخير تهكما، ثم شبه السوق عنيفا بالهداية بجامع ما يترتب
(3/286)

على كل من النفع، وإن كان ادعائيا في المشبه، ثم استعير الهداية للسوق، واشتق منها "اهدوهم" بمعنى: سوقوهم بشدة وعنف, على سبيل الاستعارة التبعية التهكمية, وقرينتها "المجرور بإلى".
3- شبه إسقاط المنهزمين صرعى, بلا نظام في جهات مختلفة بنثر الدراهم على العروس, بجامع التفريق في كل، ثم استعير النثر للإسقاط بلا نظام، واشتق منه نثر بمعنى أسقط بلا نظام, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية الداخلية1, وقرينتها المفعول وهو ضمير الجمع في "نثرتهم".
4- شبه إزالة شحم السنام شيئا فشيئا بالاقتيات بجامع الإفتاء التدريجي في كل, ذلك أن اقتيات الشي ينقصه شيئا فشيئا حتى يفنى، وكثرة الرحلات والأسفار على الناقة ينقص شحم سنامها تدريجيا حتى يزول، ثم استعير الاقتيات للإزالة واشتق منه "يقتات" بمعنى "يزيل" على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية الخاصية, أي: الغريبة لغرابة الجامع فيها -كما رأيت- وقد أسند هنا فعل "الاقتيات" بعد استعارته إلى الرحل، وهو تجوز لطيف زاد الاستعارة غرابة ولطفا؛ إذ أفاد أن الرحل بحكم ملازمته للسنام طوال الرحلات كأنه هو الذي يقتات من شحم الدابة, وقرينة الاستعارة الفاعل وهو "الرحل".
5- شبه ظهور الشيب وانتشاره باشتعال النار بجامع البياض والتألق في كل, ثم استعير الاشتعال للظهور الواضح، واشتق منه "اشتعل" بمعنى ظهر ظهورا بينا, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، وقرينتها الفاعل، وهو {الرَّأْسُ} 2.
6- شبه رد الباطل بالحجة الدامغة بالقذف بشيء صلب, بجامع الإبعاد في كل، ثم استعير القذف للرد، واشتق منه {نَقْذِفُ} بمعنى نرد, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، وقرينتها المجرور بالباء
__________
1 لأن الجامع بين الطرفين, وهو التفريق, داخل في مفهوميهما.
2 على حذف مضاف أي: شعر الرأس, ففيه مجاز بالحذف, ويصح أن يكون مجازا مرسلا من إطلاق المحل وإرادة الحال.
(3/287)

وهو "الحق" إذ ليس القذف من شئون "الحق"، بل من شئون الأشياء الصلبة. ويصح أن تكون الاستعارة مكنية في "الحق", فيشبه الحق أي: الحجج القوية بنحو قطعة من حديد, بجامع قوة التأثير في كل، ثم استعير لفظ المشبه به، وحذف ودل عليه بلازمه، وهو القذف على سبيل الاستعارة المكنية, وقرينتها -كما علمت- إثبات القذف للحق.
7- في {وَزُلْزِلُوا} استعارة تصريحية تبعية؛ شبه ما نالهم من فزع واضطراب بالزلزلة، بجامع شدة الاضطراب في كل، ثم استعير الزلزلة للانزعاج الشديد والاضطراب البالغ، ثم اشتق منه "زلزلوا" بمعنى اضطربوا وانزعجوا, على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
8- في {الْعَمَى} استعارة تصريحية أصلية؛ شبه الضلال بالعمى بجامع عدم الاهتداء إلى الصالح، ثم استعير العمى للضلال, وتصوير الضلال بصورة العمى البغيض للنفس تنفير من الضلال أشد النفور.
9- في "تنام" استعارة تصريحية تبعية مرشحة؛ شبه التغافل بالنوم بجامع عدم النفع، واستعير النوم للتغافل، واشتق منه "تنام" بمعنى تتغافل وتتشاغل. ويصح أن يكون في "المنايا" استعارة مكنية أصلية، شبهت المنايا بالعدو المترصد بجامع الكراهة والأذى، ثم استعير العدو للمنايا، ثم حذف ودل عليه بلازمه، وهو نفي النوم عنه، والقرينة في التبعية حالية؛ إذ المقام مقام وعظ وإرشاد، والقرينة في المكنية إثبات فعل النوم منفيا إلى المنايا، وقوله: "تنبه يا نئوم" ترشيح للاستعارة الأولى؛ لأنه من ملائمات المشبه به.
10- في "يعشق" استعارة تصريحية تبعية مرشحة؛ شبه الاشتغال بالدنيا بالعشق، والجامع التعلق والاهتمام، ثم استعير العشق للاشتغال، واشتق منه يعشق بمعنى يشتغل. ويصح أن يكون في "الدنيا" استعارة مكنية أصلية مرشحة؛ شبهت الدنيا بامرأة
(3/288)

جميلة بجامع الأخذ بمجامع القلوب، ثم استعيرت المرأة للدنيا، وحذفت ودل عليها بلازمها وهو "يعشق", والقرينة إثبات العشق الذي هو من ملائمات المرأة للدنيا، وقوله: لا سبيل إلى الوصال ترشيح للاستعارتين؛ لأنه من ملائمات المشبه به فيهما.
11- في "الخلافة" استعارة كنائية أصلية مرشحة؛ شبهت الخلافة بامرأة حسناء بجامع ميل النفس إلى كل، ثم استعيرت المرأة للخلافة، وحذفت ودل عليها بلازمها وهو "أتته"، والقرينة إثبات الإتيان للخلافة، وقوله: "منقادة"، و"تجرر أذيالها" ترشيح.
12- في "امتحن" استعارة تصريحية تبعية؛ شبه الاشتغال بالدنيا بالامتحان بجامع حصول التعب في كل، ثم استعير "الامتحان" للاشتغال، واشتق منه "امتحن" بمعنى اشتغل، والقرينة المفعول الذي هو "الدنيا"؛ لاستحالة وقوع الامتحان بالمعنى المعروف على الدنيا. ويصح أن يكون في "الدنيا" استعارة مكنية أصلية مرشحة؛ شبهت الدنيا بإنسان مخادع بجامع عدم الثبات على حال، ثم استعير الإنسان للدنيا، وحذف ورمز له بلازمه، وهو قوله: "امتحن"، والقرينة إثبات الامتحان الذي هو من ملائمات المشبه به للدنيا, وقوله: "تكشفت له عن عدو ... إلخ" ترشيح للمكنية.
13- في "تباع" أو "تشترى" استعارة تصريحية تبعية مرشحة؛ شبه الاستبدال بالبيع أو الاشتراء، ثم استعير البيع أو الاشتراء للاستبدال، ثم اشتق منهما تباع وتشترى بمعنى تستبدل. ويصح أن يكون في "كريمة" استعارة مكنية أصلية مرشحة؛ شبهت الخلة الكريمة بجوهرة بجامع الحسن، ثم استعيرت الجوهرة للخلة الكريمة، وحذفت ودل عليها بذكر لازمها وهو البيع والاشتراء، والقرينة إثبات البيع أو الاشتراء اللذين هما من ملائمات الجواهر للخلة الكريمة، وقوله: "فسواك بائعها وأنت المشتري" ترشيح للاستعارتين.
14- في كل من "العزم والهموم" استعارة مكنية أصلية
(3/289)

مرشحة؛ شبه كلا منهما بماشية بجامع قبول الانقياد، ثم استعير لفظ الماشية لكل من العزم والهموم، ثم حذف ودل عليه بلازمه، وهو "مرعى"، والقرينة إثبات المرعى للعزم والهموم، وقوله: "لم يزل مهزولا" ترشيح للاستعارة؛ لملاءمته للمشبه به.
15- في "عضنا" استعارة تصريحية تبعية مرشحة؛ شبه إيلام الدهر بالعض بجامع شدة التأثير في كل، واستعير العض للإيلام، واشتق منه "عض" بمعنى "آلم"، والقرينة لفظ "الدهر"؛ لاستحالة قيام العض بالزمان. ويصح أن يكون في "الدهر" استعارة مكنية أصلية مرشحة؛ شبه الدهر بحيوان مفترس بجامع الأذى, واستعير الحيوان للدهر، وحذف ودل عليه بلازمه، وهو "العض"، والقرينة إثبات العض الذي هو من ملائمات الحيوان للدهر، ولفظ "الناب" ترشيح للاستعارتين.
16- في "لؤلؤ" استعارة تصريحية أصلية مرشحة؛ شبه الدمع باللؤلؤ بجامع البياض والتألق، ثم استعير اللؤلؤ للدمع, والقرينة قوله: "بكت"، وقوله: "في نحرها عقدا" ترشيح للاستعارة.
17- في "اتفق" استعارة تصريحية تبعية مرشحة؛ شبه إفناء العمر بإنفاق المال بجامع التصرف في كل، واستعير الإنفاق للإفناء، واشتق منه "أنفق" بمعنى أفنى، والقرينة "المفعول" وهو "عمري"؛ لاستحالة وقوع الإنفاق بمعناه الحقيقي على العمر. ويصح أن يكون في "العمر" استعارة مكنية أصلية مرشحة؛ شبه "العمر" بالمال بجامع الانتفاع, واستعير المال للعمر، ثم حذف ودل عليه بلازمه، وهو "أنفق"، والقرينة إثبات الإنفاق الذي هو من ملائمات المال للعمر, وكل من "وصول ومنفق" ترشيح للاستعارتين.
(3/290)

جواب التمرين الثاني:
1- النجد في الأصل: الطريق الواضح المرتفع، والمراد هنا: طريقا الخير والشر, والجامع بين الطرفين الوضوح والجلاء، والتشبيه فيهما أن يقال: وهديناه طريقي الخير والشر اللذين هما كالنجدين, أي: كالطريقين المرتفعين الواضحين.
2- الجامع بين الطرفين في الأول "عدم الاهتداء"، والتشبيه فيهما أن يقال: تخرج متدبرها من الضلال الذي هو كالعمى، والجامع بينهما في الثاني "الهداية"، والتشبيه فيهما أن يقال: إلى الإيمان الذي هو كالإبصار.
3- الجامع بين الطرفين "الحمرة والنضارة"، والتشبيه فيهما أن يقال: ما أروع الورود منثورة على الأغصان كالخدود.
4- الجامع بين الطرفين "الشكل والصورة"، والتشبيه فيهما أن يقال: ما أجمل أزهار النرجس كالعيون تختال على سيقانها.
5- الجامع بين الطرفين "الرفعة والإشراق"، والتشبيه فيهما أن يقال: يابن الأبوين الشبيهين بالقمرين.
6- الجامع بين الطرفين "الفيض الدائم"، والتشبيه فيهما أن يقال: تعلمت الكرم من رجل كريم شبه السحاب.
7- الجامع بين الطرفين "التألق والحسن"، والتشبيه فيهما أن يقال: بكت دمعا مثل اللؤلؤ.
8- الجامع بين الطرفين "شدة التأثير"، والتشبيه فيهما أن يقال: رمتني بلحظ كالسهم.
9- الجامع بين الطرفين الكرم تهكما، والتشبيه فيهما أن يقال: نزلت على رجل كريم كحاتم.
(3/291)

جواب التمرين الثالث:
1- وجه الشبه في الأول "التألق", والاستعارة فيه أن يقال: في هذه الخميلة "كواكب"، وهي تصريحية أصلية، وقرينتها قوله: "في هذه الخميلة"، ووجه الشبه في الثاني "حسن النغم"، والاستعارة فيه أن يقال: وفوق الأغصان "قيان"، وهي تصريحية أصلية, وقرينتها "فوق الأغصان".
2- وجه الشبه "التألق"، والاستعارة فيه أن يقال: سكبت حبات الجمان وهي تصريحية أصلية، وقرينتها قوله: "سكبت", إذ إن السكب من شأن الدموع، لا من شأن اللآلئ.
3- وجه الشبه "السرعة"، والاستعارة فيه أن يقال: ركبوا الرياح وهي تصريحية أصلية، والقرينة قوله: "ركبوا" إذ إن الرياح كما تركب المطايا.
4- وجه الشبه "الوضوح والهداية"، والاستعارة فيه أن يقال: راعني "علم" في رأسه نار، وهي تصريحية أصلية، والقرينة حالية.
5- وجه الشبه الهيئة المنتزعة من ظهور أجرام مشرقة، منثورة على رقعة مبسوطة زرقاء، والاستعارة فيه أن يقال: بهرني "درر نثرن على بساط أزرق", وهي تصريحية أصلية، والقرينة حالية.
6- وجه الشبه هيئة ظهور صورة مستديرة سوداء، في رقعة مبسوطة بيضاء، والاستعارة فيه أن يقال: له نقطة عنبر في صحن مرمر، وهي استعارة تصريحية أصلية، والقرينة حالية.
(3/292)

تمرين يطلب جوابه قياسا على ما سبق:
بين نوع الاستعارة، وقرينتها, والجامع فيما يأتي:
أصون عرضي1 بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال
ازرع جميلا ولو في غير موضعه ... فلا يضيع جميل أينما زرعا
أضاءت لهم أحسابهم2 ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجذع ثاقبه
وما الموت بين الناس إلا مهند ... بكف المنايا والنفوس له غمد
لقد نبتت في القلب منك محبة ... كما نبتت في الراحتين الأصابع
ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد لله
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
أعلل3 النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} . {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} . حبك الشيء يعمي ويصم. نهلت الأدب من بحر لا يسبر غوره4. أنا في رغد من العيش. إذا غرست جميلا فاسقه غدقا5. {يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} .
__________
1 ما يجب صيانته من نفس, أو حسب.
2 ما تعده من مفاخر الآباء.
3 من علل الصبي أو غيره: شغله وألهاه.
4 الغور: العمق.
5 الماء الغدق: الغزير.
(3/293)

المجاز المرسل
علاقات المجاز المرسل
...
المجار المرسل:
سبق أن قسمنا المجاز المفرد باعتبار العلاقة إلى قسمين: أحدهما الاستعارة وقد انتهى البحث فيها، وثانيهما "المجاز المرسل" وهو ما نحن بصدد الكلام فيه.
تعريفه: هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي, كما في قولنا: "أمطرت السماء نباتا" فلفظ النبات مجاز مرسل؛ لأنه كلمة استعملت في "الماء"، وهو غير المعنى الموضوع له لفظ "النبات". وقرينة استعماله فيه قولك: أمطرت السماء, إذ إن النبات لا يمطر، وليست العلاقة بين النبات والماء المشابهة لبعد التباين بين الحقيقتين، وإنما العلاقة بينهما من حيث إن أحدهما مسبب عن الآخر، وليس من شك أن النبات مسبب عن الماء, وحسبنا هذه علاقة تصحح استعمال النبات في الماء كما في المثال.
علاقات المجاز المرسل:
عرفت فيما سبق أن علاقة الاستعارة محصورة في المشابهة بين المعنيين، أما علاقة المجاز المرسل فعلى أنواع شتى، وهاك أشهرها وأكثرها استعمالا.
1- السببية: وهي أن يكون المعنى الحقيقي للفظ المذكور سببا في المعنى المجازي، فيطلق حينئذ اسم السبب، ويراد المسبب كما تقدم في قولنا: رعت الماشية الغيث أي: النبات، "فالغيث" مجاز مرسل علاقته السببية؛ لأن المعنى الحقيقي للغيث سبب في المعنى المجازي الذي هو النبات, وقرينة المجاز قولنا: رعت الماشية, إذ إن الغيث لا يرعى. وكما في قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} ، وكقولك: "جلت يدك عندي، وعمت أياديك الورى"، فاليد "في الآية الكريمة" مجاز مرسل بمعنى القدرة أي: إن قدرة الله لا تدانيها قدرة، والعلاقة بين
(3/294)

المعنيين كون اليد بمثابة العلة الصورية للقدرة1؛ لأن أكثر ما يظهر سلطان القدرة في اليد إذ بها البطش، والضرب، والقطع، والدفع، وغير ذلك مما يعتبر أثرا من آثار القدرة، وقرينة المجاز قوله: {فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} , إذ لا معنى لكون اليد -بمعنى الجارحة- فوق أخرى، و"اليد" في المثالين الآخرين مجاز مرسل بمعنى النعمة، والعلاقة فيهما كون اليد بمنزلة العلة الفاعلية2؛ لأن الإعطاء صدر عنها، والقرينة فيهما قولك في أحد المثالين: "جلت"، وقولك في الآخر: "عمت" إذ لا معنى لعظم اليد -بمعنى الجارحة- كما أنه لا معنى لعمومها.
2- المسببية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور مسببا عن المعنى المراد، فيطلق حينئذ اسم المسبب، ويراد السبب كما في قولك: أمطرت السماء "نباتا" أي: ماء, فالنبات مجاز مرسل علاقته المسببية؛ لأن المعنى الأصلي للنبات مسبب عن المعنى المجازي الذي هو الماء, وقرينة المجاز قوله: "أمطرت" إذ إن النبات لا يمطر. ومثله قوله تعالى: {يُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا} أي: ماء يتسبب عنه الرزق، وكقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} أي: ما لا تتسبب عنه النار، فالعلاقة في الآيتين المسببية، والقرينة في الأولى قوله: {يُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ} ، وفي الثانية قوله: {يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ} .
3- اللازمية 3: أن يكون المعنى الحقيقي للفظ المذكور لازما للمعنى المجازي, أي: يجب وجوده عند وجود المعنى المجازي، فيطلق حينئذ اسم اللازم، ويراد الملزوم كما في قولك: بزغ الضوء
__________
1 بناء على أن المراد بالقدرة الصفة التي تؤثر في الشيء, فإن أريد بها أثرها فالعلاقة حينئذ السببية.
2 إنما لم تكن علة فاعلية حقيقة؛ لأن العلة الفاعلية في الحقيقة هي الإنسان, واليد آلة للإعطاء.
3 المعتبر هنا اللزوم الخاص, وهو عدم الانفكاك لا مطلق ارتباط.
(3/295)

تريد "الشمس"، فالضوء مجاز مرسل علاقته اللازمية؛ لأن المعنى الحقيقي للضوء لازم للمعنى المراد الذي هو "الشمس", إذ يلزم من وجود الشمس وجود الضوء, والقرينة قوله: "بزغ"؛ لأن البزوغ وصف لجرم الشمس، لا للضوء. ومثله قولك: نظرت إلى الحرارة أي: إلى النار, ففي الحرارة مجاز مرسل علاقته اللازمية؛ لأن الحرارة توجد حتما عند وجود النار, والقرينة قوله: "نظرت"؛ لأن الحرارة لا ترى بالباصرة.
4- الملزومية: هي أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور ملزوما للمعنى المجازي, أي: يلزم من وجوده المعنى المجازي فيطلق حينئذ اسم الملزوم, ويراد اللازم كما تقول: "دخلت الشمس من الكوة"1 تريد: دخل الضوء, فالشمس مجاز مرسل علاقته الملزومية؛ لأن المعنى الحقيقي للشمس ملزوم للمعنى المراد الذي هو الضوء، والقرينة قوله: "دخلت" فهو وصف للضوء، لا للجرم المعروف, كما لا يخفى. ومثله: "ملأت الشمس الغرفة" يريد: ملأ الضوء الغرفة, ففي الشمس مجاز مرسل علاقته الملزومية، والقرينة "ملأت".
5- الكلية: هي أن يكون المعنى الأصلي المذكور كلا متضمنا للمعنى المجازي، فيطلق اسم الكل، ويراد الجزء كما في قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ} أي: يجعلون أناملهم، ففي {أَصَابِعَهُمْ} مجاز مرسل علاقته الكلية؛ لأن المعنى الأصلي للأصابع كل للأنامل، متضمن لها, وقرينة المجاز استحالة وضع الإصبع كلها في الأذن عادة. ومثله قولك: "أكلت نبات الأرض، وشربت ماء النيل" ففي نبات الأرض، وماء النيل مجاز مرسل علاقته الكلية, إذ قد أطلق اسم الكل وهو النبات أو الماء، وأريد الجزء أي: بعضه، والقرينة في الأول "أكلت"، وفي الثاني "شربت" لاستحالة أكل الكل, أو شربه.
__________
1 الكوة -بفتح الكاف, وقد تضم- الفتحة في الحائط.
(3/296)

6- الجزئية: هي أن يكون المعنى الحقيقي للفظ المذكور جزءا من المعنى المجازي، فيطلق حينئذ اسم الجزء، ويراد الكل كما في قوله تعالى: {رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} أي: عبد مؤمن، ففي {رَقَبَةٍ} مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن المعنى الحقيقي للرقبة جزء من العبد, والقرينة قوله: {فَتَحْرِيرُ} ؛ لأن التحرير إنما يكون للذات كلها، لا لجزء منها, إذ إن العتق لا يتجزأ. ومثله قولهم: "بث الملك "عيونه" في المدينة" أي: جواسيسه, ففي "العيون" مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن المعنى الأصلي للعين جزء من الجاسوس، والقرينة قوله: "بث" لاستحالة بث العيون وحدها. وكقول معبد بن أوس المزني1 في ابن أخته:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد2 ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافية هجاني
الشاهد في البيت الثاني, إذ يريد: فلما قال قصيدة، ففي لفظ "قافية" مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن المعنى الحقيقي للقافية جزء من القصيدة، وقرينة المجاز لفظ "قال"؛ لأن معناه نظم، والنظم إنما يكون للقصائد، غير أنه يشترط لهذه العلاقة غالبا أحد أمور ثلاثة:
الأول: أن يكون انتفاء الجزء مستلزما لانتفاء الكل, كما في إطلاق الرقبة على الذات في المثال الأول, إذ ليس من شك أن إتلاف الرقبة إعدام للذات، فلا يصح حينئذ إطلاق اليد، أو الرجل، أو الأنف على الإنسان مجازا مرسلا علاقته الجزئية؛ لأنها أجزاء لا يستلزم انتفاؤها انتفاء الإنسان عادة, إذ لا تتوقف عليها حياته.
الثاني: أن يكون للجزء مزيد اختصاص بالمعنى المقصود من
__________
1 هو شاعر مخضرم يحسن القول في باب الحكم, وفي الشعر الخلقي.
2 يروى بالسين المهملة من التسديد في الرمي, أي: الإصابة فيه.
(3/297)

الكل كما في إطلاق العين على الرقيب في المثال الثاني, فإن المعنى المقصود من الرقيب هو الإطلاق والتجسس، ولا شك أن للعين مزيد اختصاص في تحقق هذا المعنى, إذ بانعدامها لا يكمل معنى الرقابة، فإطلاق "الأذن" مثلا على الرقيب مجازا مرسلا لا يجوز؛ إذ ليس لها مزيد اختصاص بالمعنى الكامل المراد من الرقيب.
الثالث: أن يكون الجزء أشرف بقية الأجزاء, كما في إطلاق القافية على القصيدة في المثال الثالث؛ إذ لا ريب أن القافية هي الأساس الذي تنبني عليه القصيدة, فهي إذًا أشرف التفاعيل، وأولاها بالاعتبار، فلا يجوز إطلاق أي جزء آخر من أجزاء البيت على القصيدة مجازا مرسلا؛ إذ ليس له من الاعتبار ما للقافية.
7- الحالية: أن يكون المعنى الأصلي للفظ المذكور حالا في المعنى المراد، فيطلق حينئذ اسم الحال، ويراد المحل كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي: ففي جنة الله1, فقوله: {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} مجاز مرسل علاقته الحالية؛ إذ إن {رَحْمَةِ اللَّهِ} بمعنى نعمه وآلائه حالة في جنته، والقرينة قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فإن الخلود الذي هو الإقامة الدائمة إنما يكون في مكان, ويصح أن تكون قرينة المجاز معنوية، وهي استحالة ظرفية الرحمة بمعناها الحقيقي. ونحو قوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي: خذوا لباسكم فـ {زِينَتَكُمْ} مجاز مرسل علاقته الحالية؛ لحلول الزينة في اللباس والقرينة قوله: {خُذُوا} . ومثله قولك: نزلت "بالقوم" أي: بدارهم, ففي القوم مجاز مرسل علاقته الحالية, أطلق الحال وهو "القوم"، وأريد المحل الذي هو الدار, والقرينة قوله: "نزلت".
__________
1 الرحمة في الأصل: رقة في القلب تقتضي الإشفاق والعطف, والمراد بها في جانب الله لازمها وهو الإنعام, وليس هو حالا في الجنة؛ لأنه أمر اعتباري, إذ هو تعلق القدرة بالمنعم به إيجادا وإعطاء, وإنما الحال فيها متعلق هذا الإنعام وهو الأمور المنعم بها, ففيه بناء مجاز على مجاز.
(3/298)

8- المحلية: هي أن يذكر اسم المحل، ويراد الحال عكس السابق كما في قوله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} 1 أي: أهل ناديه، ففي {نَادِيَهُ} مجاز مرسل علاقته المحلية؛ لأن النادي محل لأهله, والقرينة قوله: {فَلْيَدْعُ} لاستحالة دعاء النادي بمعناه الحقيقي. ومثله قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} أي: أهل القرية, ففي {الْقَرْيَةَ} مجاز مرسل علاقته المحلية؛ لأن القرية بمعناها الحقيقي محل لساكنيها، وقرينة المجاز قوله: {وَاسْأَلِ} لاستحالة سؤال القرية بمعناها الأصلي. ومنه قولهم: أمليت القلم من "الدواة" أي: من المداد, ففي "الدواة" مجاز مرسل علاقته المحلية؛ إذ إن الدواة محل للمداد, فقد أطلق اسم المحل وأريد الحال وهو المداد, والقرينة قوله "أمليت". وكما تقول: انصرف "المعهد" أي: طلابه, فقد ذكر اسم المحل وأريد الحال, وكل هذه الأمثلة على أحد احتمالين2.
9- الآلية: هي أن يطلق اسم الآلة، ويراد أثرها الناتج عنها كما في قوله تعالى: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ} أي: ذكرا صادقا، وثناء عطرا فيمن يأتي بعدي من الأمم. ففي {لِسَانَ صِدْقٍ} مجاز مرسل علاقته الآلية؛ لأن اللسان بمعناه الحقيقي آلة، وواسطة للذكر الحسن الذي هو المعنى المراد, والقرينة قوله: {فِي الْآَخِرِينَ} لاستحالة بقاء هذه الجارحة بمعناها الأصلي فيمن يأتي من الأمم بعد. وكما في قوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} أي: بلغتك، ومثله قول الشاعر:
"أتاني لسان منك لا أستسيغه"
أي: ذكر لا يسر, أطلق عليه اللسان مجازا مرسلا؛ لأنه آلة الذكر، وقرينته قوله: "أتاني" لاستحالة إتيان اللسان بمعناه الحقيقي.
10- اعتبار ما كان، أي: تسمية الشيء باسم ما كان عليه قبل
__________
1 نادي القوم: مجتمعهم كالمنتدى.
2 والاحتمال الآخر أن تكون من قبيل المجاز بالحذف, أي: على تقدير مضاف, فلا يكون في الكلام تجوز في المعنى.
(3/299)

كقوله تعالى: {وَآَتُوا الْيَتَامَى 1 أَمْوَالَهُمْ} أي: الذين كانوا يتامى, إذ لا يتم بعد البلوغ، وسماهم يتامى باعتبار ما كانوا عليه من وصف اليتم، ففي إطلاق اسم {الْيَتَامَى} على البالغين مجاز مرسل علاقته اعتبار ما كان, والقرينة على أن المراد البالغون قوله: {وَآَتُوا} فهو أمر بدفع الأموال لهم بتمكينهم منها بالتصرف فيها ولا يكون ذلك إلا بعد البلوغ. ومنه قولهم: أكلنا "قمحا" أي: خبزا، ففي لفظ "قمح" مجاز مرسل علاقته اعتبار ما كان, إذ إن الخبز كان قمحا, والقرينة قوله: "أكلنا".
11- اعتبار ما يكون: أي: تسمية الشيء باسم ما يئول إليه في الزمان المستقبل ظنا أو يقينا. فالأول كقوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} يريد: عنبا يئول عصيره إلى خمر، ففي قوله: {خَمْرًا} مجاز مرسل علاقته اعتبار ما يكون أي: ما يئول إليه العنب من الاختمار، وإنما كان هذا المآل مظنونا لاحتمال أن يقوم حائل دون الاختمار، وقرينة المجاز لفظ {أَعْصِرُ} ؛ لأن الخمر عصير، والعصير لا يعصر. ومثله قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} أي: بطفل مآله أن يكون غلاما وهذا المآل مظنون أيضا؛ لاحتمال قيام حائل دونه كالموت مثلا. والثاني كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} يريد أنك ستموت، وأنهم سيموتون، فالتعبير بـ {مَيِّتٌ} مجاز مرسل علاقته اعتبار ما يكون أي: ما سيئول إليه حالهم من المصير المحتوم, والقرينة على التجوز مقام الخطاب؛ لأن من مات فعلا لا يخاطب. ومثله قوله تعالى: {وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} أي: وليدا يئول أمره إلى هذه الحالة قطعا، والقرينة: {وَلَا يَلِدُوا} إذ لا يمكن أن يكون فاجرا في فجر ولادته.
12- المجاورة: هي أن يسمى الشيء باسم ما يجاوره كما
__________
1 جمع يتيم وهو من الإنسان صغير فقد أباه، ومن الحيوان رضيع فقد أمه.
(3/300)

في إطلاق لفظ "الراوية" على القربة في قولك: "خلت "الراوية" من الماء" تريد خلت القربة، ومعنى الراوية في الأصل الدابة يستقى عليها، "فالراوية" حينئذ مجاز مرسل علاقته المجاورة؛ لمجاورة الدابة للقربة عند الحمل، والقرينة لفظ "خلت"؛ لأن الذي يخلو من الماء هو الوعاء لا الحيوان. ومنه قول الشاعر:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
أي: شككت بالرمح جسمه، فلفظ "ثيابه" مجاز مرسل علاقته ما بين الجسم والثياب من المجاورة التامة, والقرينة قوله: "فشككت" إذ المراد بالشك الطعن وهو إنما يكون في الأجسام، لا في الثياب. ومما علاقته المجاورة إطلاق اللفظ على المعنى، أو العكس, تقول: فهمت اللفظ، وتريد معناه، وقرأت المعنى، وتريد اللفظ؛ وذلك لشدة ارتباط الدال بالمدلول. ومنه إطلاق الظن على العلم، أو العكس؛ لتقاربهما في المعنى، فهما متجاوران.
13- البدلية: هي كون الشيء بدلا وعوضا عن شيء آخر، فيطلق اسم البدل، ويراد المبدل منه كإطلاق القضاء على الأداء في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} يريد: فإذا أديتم؛ لأن الإتيان بالصلاة في أوقاتها يسمى أداء، لا قضاء فالتعبير بالقضاء بدلا من الأداء مجاز مرسل علاقته البدلية، والقرينة مقام الخطاب, إذ إن الخطاب مع من يوفون الصلاة في أوقاتها. ومثله: "قضيت" الدين في "ميعاده" أي: أديته, ففي "قضيت" مجاز مرسل علاقته البدلية كالذي قبله, والقرينة قوله: "في ميعاده" إذ إن الدفع في الميعاد أداء، لا قضاء. ومنه قولهم: في ملك فلان "ألف دينار" أي: متاع يعادل ألفا, فقد أطلق البدل، وهو الألف دينار، وأريد المبدل منه، وهو المتاع.
14- المبدلية: هي كون الشيء مبدلا منه شيء آخر فيطلق اسم المبدل منه، ويراد البدل كإطلاق الدم على الدية في قول الشاعر يتبرم بعشرة زوجه، ويتوعدها بالزواج عليها:
(3/301)

أكلت "دما" إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر1
يريد: أكلت دية، ففي قوله: "دما" مجاز مرسل علاقته المبدلية؛ ذلك أن الدم مبدل منه الدية، والدية يأخذها ولي الدم بدلا منه، والقرينة قوله: "أكلت"؛ لأن الدم بمعناه الحقيقي لا يؤكل.
15- العموم أو الخصوص: ففي الأول: أن يكون مدلول اللفظ المذكور عاما، ويراد منه معنى خاص كإطلاق لفظ الناس على محمد -صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ} فـ {النَّاسَ} مجاز مرسل علاقته العموم والقرينة حالية. وفي الثاني: أن يكون مدلول اللفظ المذكور خاصا، ويراد منه العموم كإطلاق اسم أبي القبيلة "كتميم، وتغلب" على القبيلة قبل أن يغلب عليها.
16- التعلق الاشتقاقي: وهو أن يذكر اللفظ، ويراد ما اشتق منه كإطلاق المصدر على اسم المفعول في قوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} أي: مخلوقه، وقوله: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} أي: معلومه، فكل من "الخلق والعلم" مجاز مرسل علاقته ما بين المصدر، واسم المفعول من الربط الاشتقاقي.
17- التقييد والإطلاق: هو أن يكون الشيء مقيدا، فيطلق عن قيده كما في إطلاق "المشفر" على شفة الإنسان في قولك: "مشفر" زيد يسيل دما, تريد شفته. فالمشفر -في الأصل- للبعير خاصة، ثم أطلق عن هذا القيد، وأريد منه مطلق شفة، فصح إطلاقه على شفة زيد باعتبارها أحد أفراد هذا المطلق، فيكون مجازا مرسلا علاقته التقييد والإطلاق. ومثله إطلاق "المرسن" على أنف الإنسان. فالمرسن -في الأصل- أنف الحيوان, إذ هو موضع الرسن منه، ثم أطلق
__________
1 راعه: أخافه وأفزعه, والضرة -بفتح الضاد- إحدى الزوجتين أو الزوجات, والقرط -بضم القاف- ما يعلق في شحمة الأذن، وقوله: "بعيدة مهوى القرط" كناية عن طول عنقها.
(3/302)

عن قيده، وأريد منه مطلق أنف، فصح إطلاقه على أنف الإنسان باعتباره أحد أفراد هذا المطلق، فهو -كذلك- مجاز مرسل, علاقته التقييد والإطلاق.
وإن أطلق "المشفر أو المرسن" على شفة الإنسان, أو أنفه لا باعتباره أحد أفراد مطلق شفة، أو مطلق أنف، بل باعتبار خصوصه, كان مجازا مرسلا بمرتبتين؛ علاقة الأول التقييد ثم الإطلاق، وعلاقة الثاني الإطلاق ثم التقييد1.
هذا, ويصح في مثل هذين المثالين أن تكون العلاقة المشابهة، وحينئذ يكون اللفظ "استعارة" بأن تشبه شفة "زيد" مثلا بمشفر البعير في الغلظ والتدلي, ثم يستعار لها لفظ "مشفر". ومثل هذا يقال في "المرسن"، فاللفظ الواحد قد يكون مجازا مرسلا، ويكون استعارة باعتبارين؛ فإن اعتبرت العلاقة بين الطرفين غير المشابهة كان اللفظ "مجازا مرسلا"، وإن اعتبرت العلاقة المشابهة كان اللفظ "استعارة"، والعبرة بقصد المتكلم وإرادته، فإن لم يعلم قصده بأن لم تقم قرينة عليه احتمل اللفظ الأمرين.
إلى غير ذلك من علاقات المجاز المرسل، فهي لا تقف عند هذا العدد, وإنما أحصينا لك أشهرها استعمالا.
وسمي مجازا مرسلا؛ لأنه أرسل أي: أطلق عن التقييد بعلاقة واحدة بل له علاقات عدة -كما رأيت- أو لأنه أرسل عن دعوى الاتحاد المعتبرة في الاستعارة, إذ ليست العلاقة فيه بين المعنيين المشابهة حتى يدعى اتحادهما. وإنما لم يسم استعارة، مع أن اللفظ فيه منقول، ومستعار من معناه الأصلي إلى المعنى المراد كما في الاستعارة؛ لأن هذه
__________
1 بيان ذلك أن لفظ المشفر في الأصل مقيد بكونه مشفر بعير، ثم أطلق عن قيده وأريد منه مطلق شفة, وهذه هي المرتبة الأولى وعلاقتها التقييد ثم الإطلاق, فإذا أطلق بعد ذلك على شفة إنسان باعتبار كونها شفة إنسان بخصوصه لا باعتبارها فردا من أفراد مطلق شفة, فهذه هي المرتبة الثانية وعلاقتها الإطلاق ثم التقييد، وكذا يقال في المرسن.
(3/303)

التسمية مجرد اصطلاح، قصد به التفرقة بين نوعين من المجاز مختلفي العلاقة.
تنبيهان:
الأول: اعلم أن القصد من العلاقة أن يتحقق ارتباط بين الشيئين على أي وجه, فإطلاق الدال على المدلول مثلا في قولنا فيما تقدم: "فهمت اللفظ" أي: معناه, مجاز مرسل علاقته يصح أن تكون "المجاورة" -على ما سبق- باعتبار أن الدال وهو اللفظ مجاور للمدلول الذي هو المعنى, ويجوز أن تكون العلاقة "المحلية" على اعتبار أن الدال محل للمدلول, إذ الألفاظ -كما يقولون- قوالب للمعاني، وإطلاق الثياب على الجسم في قول الشاعر المتقدم:
فشككت بالرمح الأصم "ثيابه"
"البيت"
مجاز مرسل، يصح أن تكون علاقته المحلية كما تقدم، باعتبار أن الثياب محل للابسها, ويصح أن تكون العلاقة "المجاورة" على اعتبار أن الثياب لاصقة بلابسها، فهي مجاورة له مجاورة تامة, وإذًا فنوع العلاقة ليس وقفا على ما ذكرنا، وإنما يرشدك إليها الذوق ويدلك عليها فهم الكلام.
الثاني: مما تقدم يعلم أن المراعى في علاقات المجاز المرسل جانب المعنى المنقول عنه اللفظ. فإن كان المنقول عنه سببا في المنقول إليه كانت العلاقة "السببية"، وإن كان مسببا كانت العلاقة "المسببية". وهكذا فالعلاقة في نحو "رعينا الغيث" السببية؛ لأن المعنى المنقول عنه لفظ "الغيث" سبب في المعنى المنقول إليه، وهو "النبات"، والعلاقة في نحو: أمطرت السماء "نباتا" المسببية؛ لأن المعنى المنقول عنه لفظ "النبات" مسبب عن المعنى المنقول إليه, وهو "الغيث".
وإنما روعي في العلاقة جانب المعنى المنقول عنه اللفظ؛ لأنه الأصل فهو أولى بالمراعاة. وقيل: يراعى فيها جانب المعنى المنقول إليه؛ لأنه المراد، وبناء عليه تكون العلاقة في المثال الأول "المسببية"، وفي المثال الثاني "السببية" -عكس القول الأول- وقيل: يراعى الجانبان معا، فينصّ حينئذ على الأمرين فيقال: علاقة المجاز السببية والمسبية، والحالية والمحلية. وهكذا ففي المسألة أقوال ثلاثة, أشهرها الأول.
(3/304)

المثال الثاني "السببية" -عكس القول الأول- وقيل: يراعى الجانبان معا، فينصّ حينئذ على الأمرين فيقال: علاقة المجاز السببية والمسبية، والحالية والمحلية. وهكذا ففي المسألة أقوال ثلاثة, أشهرها الأول.
تمرين على المجاز المرسل:
1- عرف المجاز المرسل، ومثل له من إنشائك بما تكون العلاقة فيه المجاورة، ثم عين المجاز المرسل, وبين علاقته في قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} .
2- بين علة تسميته مرسلا، ولِمَ لَمْ يسم استعارة، مع أن اللفظ فيه -كما في الاستعارة- مستعار من معناه الأصلي لمعنى آخر؟
3- بين المجاز المرسل، ووضح علاقته في العبارات والأبيات الآتية بعد:
1-
وكنت إذا كف أتتك عديمة ... ترجي نوالا من سحابك بلت
2-
بلادي -وإن جارت علي- عزيزة ... وقومي -وإن ضنوا علي- كرام
3-
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
4-
أقبل في المستن من ربابه ... أسنمة الآبال في سحابه1
5-
فهمت الكتاب أبر الكتب ... فسمعا لأمر أمير العرب
__________
1 المستن: المنصب, يقال: استنت العين: انصب دمعها، والرباب: السحاب, واحدته: ربابة, والضمير في ربابه وسحابه للبرق، وأسنمة جمع سنام, وهو ما ارتفع من ظهر البعير, فاعل أقبل, والآبال: إبل.
(3/305)

6- يبيت بمنجاة من اللوم بيتها
إذا ما بيوت بالملامة حلت
7- غرست الورد في البستان.
8- كذاك يعادي العلم من هو جاهل.
9- قامت البلاد وقعدت لهذا النبأ.
10- تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
11- فرجعوا إلى أنفسهم, أي: آرائهم.
12- حكمت المحكمة بكذا.
13- شربنا الزبيب.
14- {وَجَاءَ رَبُّكَ} .
15- {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} .
جواب السؤال الثاني:
1- في "كف" مجاز مرسل علاقته "الجزئية", إذ المراد بالكف الشخص نفسه، وهي جزء منه، والقرينة قوله: "أتتك"؛ لاستحالة الإتيان من الكف وحدها.
2- في "بلادي" مجاز مرسل علاقته "المحلية", إذ إن المراد سكان البلاد التي هي محل لهم، والقرينة قوله: "وإن جارت علي"؛ لاستحالة صدور الجور من البلاد بمعناها الحقيقي.
3- في "أدبي" مجاز مرسل علاقته "الحالية", إذ المراد المحل الذي قام به الأدب، وهو الشخص نفسه بقرينة قوله: "نظر"؛ لاستحالة النظر إلى الأدب بمعناه الحقيقي. ويحتمل أنه أراد "الأدب" بمعناه الحقيقي، وهو ما يتحلى به من معانٍ سامية، وأنها من الوضوح والاشتهار بحيث يراها الأعمى، وحينئذ لا شاهد فيه.
4- في "أسنمة الآبال" مجاز مرسل علاقته "المسببية"؛ إذ إن المراد بأسنمة الآبال الغيث، والأسنمة مسببة عن النبات المسبب عن الغيث.
5- في "الكتاب" بمعنى المكتوب مجاز مرسل علاقته "المحلية"؛ إذ إن المراد المعاني، والمكتوب محل لها، والقرينة قوله:
(3/306)

"فهمت" لأن الفهم إنما يكون للمعاني، لا للنقوش، ويصح أن تكون العلاقة المجاورة؛ لأن المكتوب دال على معناه، والدال والمدلول متجاوران.
6- في "بيتها" مجاز مرسل علاقته "المحلية أو المجاورة" كالذي قبله؛ لأن المراد به شخص المرأة، والبيت محل لها أو مجاور، والقرينة "نفي اللوم" وهو إنما ينفي عمن يتصور لومه، وهو الإنسان.
7- في "الورد" مجاز مرسل علاقته "اعتبار ما يكون" إذ المراد الحب الذي سيئول وردا فيما بعد، والقرينة قوله: "غرست"؛ لأن الورد بمعناه الحقيقي لا يغرس، وإنما يقطف ويجنى.
8- في "العلم" مجاز مرسل علاقته "الحالية"؛ إذ إن المراد أهل العلم, وهو حال فيهم قائم بهم، والقرينة قوله: "يعادي"؛ لأن المعاداة بمعناها الحقيقي إنما تكون للأشخاص، ويصح أن يكون في "العلم" استعارة بالكناية فيشبه العلم بعدو ثم يحذف, ويرمز له بإحدى خواصه وهي قوله: "يعادي".
9- في "البلاد" مجاز مرسل علاقته "المحلية"؛ إذ المراد أهل البلاد التي هي محل لهم، والقرينة قوله: "قامت وقعدت" فإن القيام والقعود من شئون الإنسان.
10- في "السفن" مجاز مرسل علاقته المحلية أيضا؛ إذ المراد: ركاب السفن، وهي محل لهم، والقرينة قوله: "تشتهي" فإن الاشتهاء من صفات الأناسي، لا من شئون الجماد.
11- في "أنفسهم" مجاز مرسل علاقته "المحلية" كذلك؛ إذ المراد "فرجعوا إلى آرائهم" والنفوس محل لها، والقرينة قوله: "رجعوا"؛ إذ لا معنى للرجوع إلى النفس بمعناها الحقيقي.
12- في "المحكمة" مجاز مرسل علاقته "المحلية" أيضا؛ إذ المراد
(3/307)

قضاة المحكمة التي هي محل لهم، والقرينة قوله: "حكمت" فإن صدور الحكم عن المحاكم بمعناها الحقيقي محال.
13- في "الزبيب" مجاز مرسل علاقته "اعتبار ما كان" إذ المراد عصيره وهو كان قبل ذلك زبيبا، والقرينة قوله: "شربنا" إذ إن الزبيب بمعناه الحقيقي لا يشرب.
14- في {رَبُّكَ} مجاز مرسل علاقته السببية؛ إذ المراد أمره، أو عذابه والله تعالى سبب فيهما، والقرينة قوله: {وَجَاءَ} فإن نسبة المجيء بمعناه الحقيقي إلى الله محال.
15- في {قَرَأْتَ} مجاز مرسل علاقته "المسببية"؛ إذ إن المراد: "إذا أردت القراءة" فالقراءة مسببة عن الإرادة, والقرينة قوله: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} فإن الاستعاذة إنما تكون قبل القراءة، لا بعدها.
تمرين يطلب جوابه على نحو ما تقدم:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} . بثت الحكومة الأمن في أرجاء البلاد. شربت البن. غرست القطن في أرضنا. تناولت كأس الشفاء من يد الطبيب. قرر المجلس الأعلى كذا. أقمنا في نعيم ورفاهية. {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ} . أرانا الله وجوهكم في خير. "من قتل قتيلا فله سلبه". ألقى القائد كلمة في الجنود. خذ الملآن "للإناء الفارغ". طحنت خبزا. أكلت دم القتيل.
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
تسيل على حد الظباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا ... بأنني خير من تسعى له قدم
(3/308)

المجاز المركب:
قلنا فيما سبق: إن المجاز على نوعين: مفرد، ومركب, وقد فرغنا من الكلام في المفرد, وهاك بيان المجاز المركب.
تعريفه, كما يقضي به القياس: هو اللفظ المركب المستعمل في غير المعنى الذي وضع له لعلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي.
وهو -باعتبار هذه العلاقة- نوعان: مجاز مركب علاقته المشابهة ويسمى تمثيلا1 أو استعارة تمثيلية، ومجاز مركب علاقته غير المشابهة، ويسمى مجازا مركبا مرسلا.
الاستعارة التمثيلية:
هي اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة كما تقدم في التشبيهات المركبة2 أي: في الهيئات المنتزعة من أمور متعددة إذا استعير فيها لفظ المشبه به للمشبه, كأن تقول: "رأيت مرآة في كف أشل" تريد أن تقول: رأيت شمسا؛ فقد شبهت هيئة الشمس السابق ذكرها بهيئة المرآة في كف الأشل بجامع الهيئة الحاصلة من كل، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية, والقرينة حالية. ومثله قوله تعالى: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} ، وحقيقة الكلام: فتركوا الميثاق وأهملوه، ولم يعتدوا به, وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة من أخذ عليهم الميثاق
__________
1 إذا أطلق "التمثيل" انصرف إلى الاستعارة التمثيلية, فإذا أريد التشبيه ذو الوجه المركب, قيل: تشبيه تمثيل أو تشبيه تمثيلي.
2 هذا التعريف هو الموافق لقول الخطيب في تعريف المجاز المركب: هو اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي تشبيه التمثيل. ومن المعلوم أن تشبيه التمثيل هو ما يكون وجهه منتزعا من متعدد, ولا يكون ذلك إلا بين هيئتين منتزعتين من أمور متعددة, وقد سبق بحثه في مبحث التشبيه.
(3/309)

فأهملوه، ولم يراعوه بهيئة من كان معه شيء تافه، لا قيمة له في اعتباره فطرحه وراء ظهره، والجامع بينهما الهيئة الحاصلة من شيء يهمل احتقارا لشأنه، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية؛ لأن التاركين للميثاق لم يطرحوا شيئا وراء الظهور حقيقة، فحالتهم على غير ما يفيده هذا التركيب وضعا. وكقولهم في المتردد في أمره المتحير: "أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى1", وحقيقة الكلام: أراك متحيرا في أمرك مترددا. وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة المتردد في أمره بين الإقدام والإحجام بهيئة رجل قام ليذهب إلى جهة؛ فتارة يعقد النية على الذهاب، فيقدم رجلا، وتارة يعدل، فيؤخرها ثانيا، والجامع الهيئة الحاصلة من إقدام تارة، وإحجام أخرى، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية؛ إذ إن المتردد المذكور لا يقدم رجلا، ولا يؤخر أخرى، فحالته على غير ما يدل عليه التركيب وضعا. وسميت الاستعارة في المركب تمثيلية؛ لجريان التشبيه فيه بين الهيئات المركبة من متعدد كما في الأمثلة المذكورة2.
وإذا فشت الاستعارة التمثيلية، وشاع استعمالها سميت "مثلا", وإذًا فالأمثال السائرة كلها من قبيل الاستعارة التمثيلية التي شاع استعمالها، والمثل يراعى فيه المعنى الذي ورد فيه أولا، فيخاطب به المفرد، والمثنى، والجمع، مذكرا، أو مؤنثا من غير تغيير في العبارة
__________
1 قوله: تقدم رجلا أي: تارة, ومفعول تؤخر محذوف أي: تلك الرجل المقدمة، وأخرى نعت لتارة المحذوفة أي: تارة أخرى, وأصل الكلام: أراك تقدم رجلا تارة وتؤخرها تارة أخرى. وأصل هذا المثل: أن الوليد بن يزيد لما بويع بالخلافة وبلغه توقف مروان بن محمد في البيعة أرسل إليه الوليد يقول: أما بعد, فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى, فإذا أتاك كتابي فاعتمد على أيهما شئت, والسلام.
2 قضيته أن التمثيل لا بد فيه من انتزاع وجهه من متعدد, فمعنى التمثيل فيه واضح؛ لكثرة ما اعتبر فيه مما أوجب غرابته.
(3/310)

الواردة؛ لأنه -كما قلنا- استعارة تمثيلية، والاستعارة يجب أن تكون لفظ المشبه به المستعمل في المشبه كما في مثال "المتردد"؛ فقد ورد في شخص معين، ثم شاع استعماله حتى صار مثلا يضرب لكل متحير في أمره، متردد فيه، مفردا كان، أو مثنى، أو جمعا، مذكرا، أو مؤنثا، فيقال لكل واحد مما ذكر: أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فينطلق به كما ورد.
ومثل المثل المذكور قولهم: "الصيف ضيعت اللبن" بكسر تاء الفاعل, فقد ورد في امرأة، ثم فشا استعماله أيضا، وذاع حتى صار مثلا يضرب لمن طلب شيئا بعد التفريط فيه, وتضييعه، وفوات فرصته. وأصل هذا المثل: أن امرأة شابة1 كانت تحت شيخ2 طاعن في السن، ذي ثروة، فزهدت فيه، وكرهت معاشرته لضعفه، وكبره, ورجته أن يتركها، فلبى طلبها، وكان ذلك صيفا، ثم تزوجت بعده بشاب فقير3 ثم احتاجت إلى اللبن زمن الشتاء، فجاءت إلى زوجها الأول تطلب منه لبنا، فلم يجبها إلى طلبها، وقال لها القول المذكور، فجرى مجرى الأمثال.
وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة من فرط في شيء وقت إمكان تحصيله، ثم طلبه في وقت يتعذر الحصول عليه فيه بهيئة امرأة تركت زوجها ذا اللبن الوفير، ثم أتت إليه بعد فراقها تطلب اللبن منه, والجامع الهيئة الحاصلة من التفريط في الشيء وقت إمكانه، وطلبه وقت تعذره، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية؛ إذ إن حالة المقول فيه المثل على غير ما يدل عليه التركيب وضعا. ومثله قول الشاعر:
__________
1 تدعى دسوس بنت لقيط بن زرارة.
2 قيل: اسمه عمرو بن عويس.
3 قيل: اسمه عمرو بن معبد بن زرارة.
(3/311)

جزتنا بنو سعد بحسن فعالنا ... جزاء سنمار1 وما كان ذا ذنب
يضرب لمن يجازى على الإحسان بالإساءة. وتقرير الاستعارة فيه أن يقال: شبه هيئة من يجازى بالإحسان إساءة بحال "سنمار" بجامع مقابلة الإحسان بالإساءة، واستعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية، والقرينة حالية؛ لأن حالة المقول فيه المثل تغاير ما يدل عليه اللفظ وضعا. ومثله قول الشاعر:
إذا جاء موسى وألقى العصا ... فقد بطل السحر والساحر
مثل يضرب لمن يتضاءل شأنه عند وجود من هو أجلّ شأنا. وتقرير الاستعارة فيه هكذا: شبهت هيئة من يقل شأنه عند وجود الأجل شأنا بهيئة قوم فرعون، وقد أخفقوا في سحرهم عند مجيء موسى عليه السلام، وإلقائه العصا، والجامع الهيئة الحاصلة من ضآلة الشيء الحقير بجانب الشيء الخطير ثم استعير ... إلخ، والقرينة حالية كسابقاتها. وقد يقال في تقريرها: شبهت حال من تحل المشكلات بوجوده بحال نبي الله موسى -عليه السلام- مع سحرة فرعون, بجامع حال الشيء يحسم عنده النزاع، ثم استعير ... إلخ. وكقولهم: "أحشفا وسوء كيلة؟ "2 يضرب لمن يظلم من وجهين, وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة من يظلم من جهتين بهيئة رجل باع آخر تمرا حشفا، وكان مع ذلك يطفف المكيال, والجامع الهيئة الحاصلة من ظلم مزدوج، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية, والقرينة حالية -كما عرفت- وقس على ذلك جميع الأمثال السائرة, نثرا ونظما.
__________
1 اسم رجل كان صانعا ماهرا, وقد تقدم الحديث عنه.
2 كيلة -بكسر الكاف- اسم بمعنى الكيل -بفتحها- مصدر كال الشيء يكيله بمعنى: قدّره بالمكيال. وأصل هذا المثل أن رجلا اشترى تمرا من آخر فإذا هو حشف, وناقص الكيل فقال المشتري ذلك, فصار مثلا.
(3/312)

المجاز المركب المرسل 1:
هذا هو القسم الثاني من قسمي المجاز المركب:
وهو اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي, كما في الجمل الخبرية المستعملة في الإنشاء لأغراض لم يوضع لها الخبر, كإظهار التحسر، أو الضعف، أو السرور، أو الشماتة، أو نحو ذلك. فمثال المستعمل في معنى التحسر والتحزن قوله تعالى حكاية عن أم مريم: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} , ومثال المستعمل في إظهار الضعف قوله تعالى حكاية عن نبي الله زكريا عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} . فهذان المركبان, وإن كانا في أصل وضعهما للإخبار والإفادة إلا أنهما -في هذا المقام- مستعملان في غير هذا المعنى؛ إذ إن أم مريم، وزكريا -عليهما السلام- يعلمان حق العلم أن الله سبحانه لا تخفى عليه خافية. فأما أم مريم, فقد أرادت بهذا الخبر إظهار التحسر، والتحزن على فوات مأمول لها هو ذلك المولود الذكر، وأما زكريا -عليه السلام- فقد أراد إظهار الضعف، وأنه بلغ من الوهن والكبر غاية لا أمل له في الحياة بعدها. والعلاقة في الموضعين اللزوم, إذ يلزم من إخبار أم مريم بأنها وضعت أنثى على غير ما كانت تأمل إظهار تحسرها وحزنها كما يلزم من إخبار زكريا بأنه قد وهن عظمه، واشتعل رأسه إظهار ضعفه، وأنه بحالة تدعو إلى الشفقة والرحمة, والقرينة في الموضعين مقام الخطاب. ومن استعمال الخبر في إنشاء التحسر قول الشاعر يتحسر على ذهاب شبابه وأيام صباه:
ذهب الصبا وتولت الأيام ... فعلى الصبا وعلى الزمان سلام
فالخبر مستعمل في إنشاء التحسر والتحزن على فوات الشباب، وذهاب أيامه العذاب، والعلاقة فيه اللزوم كسابقه, إذ يلزم من الإخبار
__________
1 إنما أطلق عليه هذا الاسم قياسا على المجاز المفرد, وإلا فإن العلماء لم يضعوا له اسما, بل أكثرهم لم يبحثوه بحثا تفصيليا.
(3/313)

بذهاب الصبا, وتصرم أيامه الباسمة التحسر والأسى على فواته بقرينة قوله: "فعلى الصبا وعلى الزمان سلام".
ومثال الخبر المستعمل في إظهار الابتهاج والفرح قولك لمن يعلم بنجاحك، وأنت تعلم منه ذلك: نجحت في الامتحان، فليس الغرض أن تفيده بنجاحك؛ لأنه يعلم به كما تعلمه، وإنما أردت إظهار أنك مبتهج فرح بهذا النجاح, والعلاقة والقرينة كالذي قبله. ومنه قول الشاعر:
خلقت من الحديد أشد قلبا ... وقد بلي الحديد وما بليت
فهذا كلام خبري استعمل في غير ما وضع له؛ لأن الشاعر أراد بالإخبار إظهار الفخر والمباهاة، والعلاقة اللزوم أيضا؛ لأن إخبار الإنسان بصفات الشجاعة والإقدام يلزمه الفخر غالبا، والقرينة حال الشاعر إذ لم يكن في مقام الإخبار، إلى غير ذلك من الأخبار التي لم يقصد بها المعنى الذي وضعت له، وهو الإخبار للإفادة.
غير أن العلماء أهملوا هذا القسم، ولم يبحثوه، ولم يظهر لإهمالهم له وجه، واعتذر بعضهم عن هذا بقلة وروده، وهو عذر واهٍ، لا يقره الواقع، إذ هو كثير شائع.
أسئلة وتطبيق على المجاز المركب بقسميه:
1- عرف المجاز المركب، وقسمه، ومثل لكل قسم.
2- عرف الاستعارة التمثيلية، وبين وجه تسميتها "تمثيلية", ومتى تسمى "مثلا"؟ مثل لما تقول، ثم أجر الاستعارة في قولهم: إن البغاث1 بأرضنا يستنسر "يضرب للضعيف يصير قويا".
3- ما الفرق بين المجاز المرسل المفرد، والمجاز المرسل المركب؟ اذكر لكل مثالا واشرحه.
__________
1 هو طير ضعيف الشوكة.
(3/314)

4- بين أنواع المجاز فيما يأتي واشرحها:
"1"
تصرمت منا أويقات الصبا ... ولم نجد من المشيب مهربا
"2"
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها ... عند التقلب في أنيابها العطب
"3"
وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب
"4"
وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد
"5"
من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع
"6"
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم؟
"7"
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
"8"
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم
"9"
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق1
5- أجر الاستعارة التمثيلية فيما يأتي:
"1" أتطلب أثرا بعد عين "فيمن ترك الشيء، ثم طلبه بعد ذهابه".
__________
1 هواي مصدر أريد به اسم المفعول أي: مهوى، والركب اسم جمع لراكب، واليمانين جمع يمان وأصل يمان يمني, حذفت ياء النسب وعوض عنها الألف على خلاف القياس, ثم أعل أعلال قاضٍ، ومصعد من أصعد في الأرض إذا سار فيها، والجنيب: المستتبع, وهو الذي يتبعه قومه ويقدمونه أمامهم.
(3/315)

"2" أسمع جعجعة, ولا أرى طحنا1 "فيمن يعد ولا يفي".
"3" تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
"4" أرى خالا2, ولا أرى مطرا "لكثير المال لا يصاب منه خير".
"5" تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها "لمن يصرف نفسه عن خسيس المكاسب".
"6"
ترى الفتيان كالنخل ... وما يدريك ما الدخل
يضرب لذي المنظر, ولا خير فيه.
"7" رجع بخفي حنين "لمن يعمل عملا فيخيب فيه".
"8" رمية من غير رامٍ "لمن يصدر منه فعل حسن ليس له أهلا".
"9" عند الصباح يحمد القوم السرى "يضرب في تحمل المشقة رجاء الراحة".
"10"
بالملح نصلح ما نخشى تغيره ... فكيف بالملح إن حلت به الغير؟
"يضرب لمن فسدت حاله, ممن هو قدوة كرجال العلم والدين".
"11" اليد لا تصفق وحدها "لمن يعالج أمرا وحده, فيعجز عنه".
"12" وعند جهينة الخبر اليقين "لمن يعرف الشيء على وجهه", ومثله قولهم: على الخبير سقطت.
جواب السؤال الرابع:
1- في البيت مجاز مرسل مركب من استعمال الخبر في الإنشاء علاقته السببية؛ لأن هذا الكلام سبب في التحسر، أو الملزومية؛ لأن الإخبار بهذا يستلزم التحسر، والقرينة حالية.
2- في البيت استعارة تمثيلية, شبه هيئة من يغر الناس بلينه الظاهري، ثم يعود، فيضرهم ويؤذيهم بهيئة الأفاعي اللينة الملمس، الشديدة الأذى, بجامع هيئة شيء لين المجس، ناعم الملمس، ينطوي
__________
1 الجعجعة: صوت الرحى, والطحن -بكسر الطاء- الدقيق.
2 الخال: المراد به السحاب.
(3/316)

على شيء ضار شديد الضرر، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية، والقرينة حالية.
3- في البيت استعارة تمثيلية، شبهت هيئة من علا قومه بحيث لا يباريه أحد بهيئة الشمس لا ضريب لها من الكواكب, بجامع هيئة الشيء يعلو فيفوق غيره بحيث لا يطمع في مماثلته, واستعير الكلام الدال على المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية, والقرينة حالية.
4- في البيت مجاز مرسل مركب من استعمال الخبر في الإنشاء علاقته السببية، أو الملزومية؛ لأن الإخبار بمثل هذا يسبب التحسر لفقد الخلان، أو يستلزم التحسر لفقدهم، والقرينة حالية كالذي قبله.
5- في البيت استعارة تمثيلية، شبهت هيئة من علت منزلته إلى حيث لا يتأثر بسبب ما بهيئة من سكن فوق محل الشمس, بجامع هيئة الشيء يسمو حتى لا يؤثر فيه، أو يصل إليه شيء، ثم استعير التركيب الدال على المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية، والقرينة حالية.
6- في البيت مجاز مرسل مركب من استعمال الاستفهام في معنى الإنكار, والعلاقة فيه الملزومية؛ إذ إن الاستفهام عن مثل هذا يستلزم الإنكار، والقرينة حالية.
7- في البيت استعارة تمثيلية, شبه هيئة من لا يعترف بالفضل لذويه رغم وضوحه, وشهرته بهيئة من يحتاج إلى دليل على وجود النهار, بجامع هيئة من يجهل جهلا مطبقا، ثم استعير اللفظ الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية، والقرينة حالية.
8- في البيت مجاز مرسل مركب من استعمال الخبر في معنى التوبيخ والتقريع, وعلاقته السببية أو الملزومية؛ لأن مثل هذا القول يسبب التوبيخ، أو يستلزمه, والقرينة حال الشاعر؛ لأنه في مقام التوبيخ.
(3/317)

9- في البيت مجاز مرسل مركب من استعمال الخبر في إنشاء التحسر على حبيبه النازح إلى اليمن، وهو سجين بمكة، موثق بها، لا يستطيع فكاكا, والعلاقة السببية، أو الملزومية, والقرينة حالية.
جواب السؤال الخامس:
1- شبه هيئة من ترك الشيء، ثم طلبه بعد فواته بهيئة من أهمل طلب العين، ثم تلمس الأثر بعد ذهابها, بجامع هيئة الشيء يهمل أمره حتى ينتهي ثم يطلب بعده ما لا نفع فيه، ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
2- شبه هيئة من يعد ولا يفي بهيئة رحى تسمع لها جعجعة, ولا ترى طحنا, بجامع هيئة الشيء ظاهره خادع، وباطنه مخيب، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية, والقرينة حالية.
3- شبه هيئة من يأتيه الشيء على غير ما يهوى بهيئة ركاب سفن تأتيهم الرياح بعكس ما يريدون, بجامع هيئة الشيء يعرض له ما لا يلائمه، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
4- شبه هيئة المثرى الذي لا يجود بخيره بهيئة السحاب الذي لا مطر فيه, بجامع هيئة الشيء يرى حافلا ولا خير فيه، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية, والقرينة حالية.
5- شبه هيئة من يتعفف عن خسيس المكاسب بهيئة امرأة تؤثر الجوع عن أن تكون مرضعا بأجر, بجامع هيئة الشيء يترفع عن الدنايا، ثم استعير المركب الدال على المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
6- شبه هيئة ذي المنظر الرائع، ولا غناء فيه بهيئة فتيان طوال غلاظ, لا خير فيهم, بجامع هيئة الشيء يروعك منظره، ولا يرضيك مخبره, ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية, والقرينة حالية.
(3/318)

7- شبه هيئة من يسعى في عمل فيخيب فيه بهيئة الأعرابي الذي رجع بخفي حنين, بجامع هيئة الشيء لم يجن منه خير، ثم استعير اللفظ الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
8- شبه هيئة من يصدر منه عمل لا يستأهله بهيئة من رمى السهم فأصاب الرمية، وهو لا يحسن الرمي, بجامع هيئة الشيء يصدر عن غير أهله، ثم استعير المركب الدال على المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
9- شبه هيئة من يتحمل المشقة رجاء الراحة بهيئة من سرى ظمآنا؛ رجاء العثور على الماء صباحا, بجامع هيئة الشيء ينال بعد عناء، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
10- شبه هيئة من فسدت حاله ممن هو قدوة لغيره بهيئة ملح الطعام سرى إليه الفساد، فلم يعد صالحا للاستعمال, بجامع هيئة الشيء المفيد يعتريه تلف، ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه استعارة تمثيلية.
11- شبه هيئة من يحاول عملا وحده، فيعجز عنه بهيئة من يحاول التصفيق بيد واحدة, بجامع هيئة الشيء لا يحالفه التوفيق.
12- شبه هيئة من يعرف الشيء على وجهه الحق بهيئة الرجل منسوبا إلى جهينة, بجامع هيئة الشيء يعرف به الأمر على حقيقته، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية, والقرينة في الجميع حالية؛ لأن حالة المقول فيه المثل تغاير ما يدل عليه التركيب وضعا.
(3/319)

طائفة من الأمثال يطلب بيانها على نحو ما سبق:
رزمة, ولا درة1 "لمن يعد ولا يفي". ركوض في كل عروض2 "لمن يمشي بين الناس بالفساد". مصائب قوم عند قوم فوائد. رب حثيث مكيث3 "لمن أراد العجلة, فحصل على البطء". لأمر ما جدع قصير أنفه "لمن يتستر تحت أمر ظاهري؛ ليحصل على أمر خفي". رب مخطئة من الرامي الذعاف4 "لمن يخطئ على غير عادة".
__________
1 الرزمة -بفتح الراء وسكون الزاي- حنين الناقة، والدرة -بكسر الدال وفتح الراء المشددة- كثرة اللبن وسيلانه.
2 العروض: الناحية.
3 الحثيث: السريع، والمكيث: البطيء.
4 الذعاف: القاتل.
(3/320)

فصل في شرائط حسن الاستعارة:
لا تقع الاستعارة موقعها من الحسن, والقبول إلا إذا توافرت الأمور الآتية بعد:
1- رعاية جهات حسن التشبيه, أي: مراعاة أسباب حسنه؛ لأنها مبنية عليه فهي تابعة له في الحسن والقبح، فإن حسن حسنت، وإن قبح قبحت.
فمن جهات حسن التشبيه أن يكون وافيا بإفادة الغرض منه. فإن كان الغرض منه مثلا تزيين المشبه "كوجه أسود"، فشبه بمقلة الظبي، ذات السواد الجميل، ثم استعير له لفظها، فقيل: رأيت مقلة ظبي، وأريد وجه أسود؛ حسنت الاستعارة لوفاء التشبيه بالغرض. فإذا شبه الوجه الأسود المذكور بالفحم لإفادة هذا الغرض، ثم استعير له لفظه, فقيل: "رأيت فحما"، وأريد الوجه الأسود؛ لم تحسن الاستعارة لعدم حسن التشبيه, إذ لم يف بالغرض المطلوب.
(3/320)

وإن كان الغرض منه تشويه وجه أسود عليه آثار الجدري، فشبه بحمأة جامدة قد نقرتها الديكة، ثم استعير له لفظها، فقيل: رأيت حمأة منقورة، وأريد الوجه الأسود المجدور؛ حسنت الاستعارة لحسن التشبيه لوفائه بالغرض. ولو شبه الوجه المذكور لإفادة هذا الغرض بقطعة منقبة من معدن كريم أسود اللون، ثم استعير له لفظها؛ فات الحسن, وهكذا.
ومن جهات حسن التشبيه أن يكون وجه الشبه غير مبتذل، بأن يكون غريبا لطيفا؛ إما بكثرة ما فيه من التفصيل, أو لكونه نادر الحضور في الذهن، كما سبق في تشبيه "الشمس بالمرآة في كف الأشل"، وتشبيه "زهر البنفسج على سيقانه بأوائل النار في أطراف الكبريت". فإذا استعير لفظ المرآة في كف الأشل للشمس، فقيل: "رأيت مرآة في كف أشل" مرادا به الشمس لقرينة حال، أو استعير لفظ النار مشبوبة في أطراف كبريت لزهر البنفسج فقيل: "رأيت نارا مشبوبة في أطراف كبريت"، وأريد به البنفسج لقرينة حال أيضا؛ حسنت الاستعارة فيهما لحسن التشبيه؛ لما فيه من الدقة بكثرة الاعتبارات في الأول، ولندور حضور المشبه به في الثاني. أما استعارة لفظ "الشمس" للإنسان ذي الوجه المشرق، أو لفظ الأسد للرجل الجريء, فليست بذات حسن؛ لفوات الحسن في التشبيه بسبب ابتذاله لوضوح الوجه فيه.
ويستثنى من جهات حسن التشبيه شيء واحد تحسن فيه الاستعارة، وإن لم يحسن التشبيه, وهو أن يقوى الشبه بين الطرفين جدا حتى ليخيل لك أنهما متحدان كالشبه بين العلم والنور، أو بين الشبهة والظلمة. ففي مثل هذين المثالين تحسن الاستعارة، فتقول: في قلبي نور أي: علم، ولا يحسن التشبيه، فلا تقول: في قلبي علم كالنور، وتقول: في قلبي ظلمة أي: شبهة، ولا يحسن أن تقول: في قلبي شبهة كالظلمة.
(3/321)

وإنما قبح التشبيه في مثل ما ذكرنا؛ لقوة الشبه بين الطرفين حتى كأنهما شيء واحد, فإجراء التشبيه بينهما بمثابة تشبيه الشيء بنفسه، وحسنت فيه الاستعارة؛ لاختفاء شبح التشبيه لفظا.
2- أن يزداد بعدها عن الحقيقة بالترشيح؛ ولذلك كانت الاستعارة المرشحة أكثر قبولا في ذوق البلغاء من أختيها: المجردة، والمطلقة.
3- ألا يشم فيها رائحة التشبيه لفظا1, بألا يذكر في الكلام لفظ يدل على المشبه كما في قولنا: "زارني بدر في منزلي" فليس في العبارة لفظ دال على المشبه. أما قول الشاعر المتقدم:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر
فاستعارة -كما يقولون- قليلة الحسن2؛ لما فيها من إشمام رائحة التشبيه بسبب ذكر لفظ دال على المشبه، وهو "الضمير" في قوله: "غلالته", أو في: "أزراره". وهذا يتنافى مع ما ترمي إليه الاستعارة؛ ذلك أن الغرض منها -كما تقدم- إظهار المبالغة في التشبيه بادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، ومقتضى هذا أن يستويا في وجه الشبه, وإشمام رائحة التشبيه بما ذكرنا يلفت الذهن إلى ما هو معلوم في أصل التشبيه من أن المشبه به أقوى في وجه الشبه من المشبه، وهذا يتعارض مع ما تقتضيه الاستعارة من تناسي التشبيه، ودعوى اتحاد الطرفين.
ومما ينبغي أن يعلم هنا أن المراد بإشمام رائحة التشبيه المشروط
__________
1 إنما شرطوا ذلك في اللفظ؛ لأن شم التشبيه معنى لا بد منه في كل استعارة بواسطة القرينة؛ لأن الاستعارة لفظ أطلق على المشبه بمعونة القرينة, فلا يمكن نفي إشمام التشبيه لفظا ومعنى؛ لأن المعنى على التشبيه قطعا.
2 في نفسي مما يقولون شيء, فإني لأشعر بروعة الاستعارة تملأ جوانب نفسي كلما قرأت هذا البيت أو سمعته.
(3/322)

نفيه في حسن الاستعارة ما لا يخرج به الكلام عن الاستعارة كما في البيت المذكور، ونحوه مما ذكر فيه المشبه على وجه لا ينبئ عن التشبيه, بخلاف ما لو ذكر فيه المشبه على وجه ينبئ عن التشبيه نحو: "محمد أسد"، أو صرح فيه بوجه الشبه نحو: "رأيت أسدا في الجرأة"، أو بالأداة نحو: "رأيت مثل الشمس", فإن مثل هذا الإشمام في الأمثلة المذكورة مبطل للاستعارة, فنفيه شرط لصحتها، لا لحسنها.
4- ألا يكون وجه الشبه خفيا جدا بحيث لا يدرك بغير تأمل ونظر، فلا تحسن استعارة لفظ "أسد" للرجل الأبخر، وهو ذو الفم المنتن لخفاء وجه الشبه, إذ إن انتقال الذهن من معنى الأسد إلى الرجل إنما يكون باعتبار المعنى المشهور في الأسد، وهو الجرأة، لا البخر. فاستعارة لفظ الأسد للأبخر حينئذ يعد إلغازا وتعمية في المراد؛ ذلك أن من شروط حسن الاستعارة -كما علمت- عدم إشمامها رائحة التشبيه، وذلك مما يبعدها عن الحقيقة فإذا انضم إلى ذلك خفاء وجه الشبه ازدادت بعدا، فخفيت على الفهم، وصارت إلغازا. ومن هذا القبيل قولهم في الاستعارة التمثيلية: "رأيت يوم الجمعة في المسجد إبلا مائة, لا تجد فيها راحلة"1 من قوله, صلى الله عليه وسلم: "الناس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة" يريد: أن المختار المنتخب من الناس في عزة وجوده، مع كثرة أفراد جنسه كالنجيبة المنتخبة التي لا توجد في كثير من أفراد جنسها, فوجه الشبه بين الطرفين هو "عزة وجود الكامل، مع كثرة أفراد جنسه"، وهذا المعنى خفي؛
__________
1 في الفائق: أن الراحلة: البعير الذي يرتحله الرجل، جملا كان أو ناقة، ثم إنه يحتمل أن تكون جملة "مائة لا تجد فيها راحلة" استئنافية أي: مائة منها لا تجد فيها راحلة, فهي جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: على أي حال رأيتهم؟ فقيل: مائة منها لا تجد فيها راحلة. ويحتمل أن تكون مائة نعتا للإبل, وأن ما بعده وصف للمائة أي: إبلا معدودة بهذا القدر الكثير الموصوف بأنك لا تجد فيه راحلة.
(3/323)

لأن انتقال الذهن من معنى الإبل إلى الناس إنما يكون باعتبار المعنى المشهور في الإبل، وهو كثرة الأكل، وقلة الفهم، مع كبر الأعضاء وطولها، أو هو الصبر والجلد على العمل, أما عزة وجود الكامل، مع كثرة أفراد جنسه فهو معنى بعيد عن الخاطر؛ لهذا كانت الاستعارة في المثال المذكور تعمية في المراد وإلغازا.
ومن هنا يعلم أن التشبيه أعم محلا1, إذ كل ما يتأتى فيه الاستعارة يتأتى فيه التشبيه من غير عكس؛ لجواز أن يكون وجه الشبه غير جلي، فتصير الاستعارة إلغازا كما في المثالين المذكورين.
هذا, والاستعارة التمثيلية كالتحقيقية في أن حسنها يكون بما ذكرنا من الأمور السابقة, إذ لا فرق بينهما إلا من حيث الإفراد والتركيب، أما الاستعارة المكنية فلا يشترط في حسنها عدم إشمامها رائحة التشبيه؛ لعدم تأتّيه فيها, إذ من لوازم المكنية أن يذكر معها شيء من خواص المشبه به، وذلك دليل التشبيه وحينئذ لا ضير في خفاء وجه الشبه فيها.
والاستعارة التخييلية قرينة المكنية -كما علمت- فحسنها حينئذ تابع لحسن المكنية.
اختبار:
1- اذكر بالإجمال الأسباب الموجبة لحسن الاستعارة, مع التوضيح بالمثال لكل ما تذكر.
2- ما السر في قبح التشبيه في مثل: في قلبي علم كالنور؟ وما وجه حسن الاستعارة فيه؟ وما علة كون الاستعارة في قول الشاعر:
"قد زر أزراره على القمر", وفي نحو قولك: "رأيت أسدا" أي: أبخر, قليلة الحسن؟ اشرح ذلك بوضوح تام.
3- من أي قبيل تشبيهك وجها أبيض بالجير, تريد تحسينه؟ علل لما تقول.
__________
1 المراد به أن يكون العموم من حيث التحقق، لا من حيث الصدق؛ إذ لا يصدق التشبيه على الاستعارة، أو العكس.
(3/324)

فصل آخر في المجاز بالحذف, والزيادة:
اعلم أن لفظ "مجاز" كما يطلق على الكلمة المنقولة عن معناها الأصلي إلى غيره -كما سبق- يطلق أيضا1 على الكلمة المنقولة عن حكم إعرابها الأصلي إلى غيره بسبب حذف لفظ، أو زيادة لفظ.
فالأول كما في نحو قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} , {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} فكل من لفظي {رَبُّكَ} و {الْقَرْيَةَ} مجاز بالحذف2؛ إذ ليس الكلام محمولا على ظاهره لاستحالة مجيء الرب سبحانه في الآية الأولى، وللقطع بأن المراد سؤال أهل القرية، لا سؤال الأبنية في الثانية. وأصل الكلام: وجاء أمر ربك، واسأل أهل القرية، فهما -في الأصل- مجروران بالإضافة، ثم نقلا من هذا الحكم الإعرابي بسبب حذف المضاف، وجعل الأول مرفوعا على الفاعلية، والثاني منصوبا على المفعولية.
والثاني كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، فقوله: {كَمِثْلِهِ}
__________
1 إما على سبيل الاشتراك اللفظي أي: إن لفظ "مجاز" موضوع بوضعين؛ أحدهما للكلمة المستعملة في غير معناها الوضعي، والثاني للكلمة التي تغير حكم إعرابها الأصلي، فيكون إطلاق المجاز عليها حينئذ حقيقة، وإما على سبيل التشابه أي: مشابهة الكلمة المنقولة عن إعرابها الأصلي للكلمة المنقولة عن معناها الأصلي, بجامع الانتقال عن الأصل في كل, واستعير اسم المشبه به وهو لفظ "مجاز" للمشبه, فيكون إطلاق لفظ "مجاز" على الكلمة التي تغير حكم إعرابها مجازا بالاستعارة.
2 ويحتمل أن يكونا من قبيل المجاز المرسل, من إطلاق اسم السبب على المسبب في الأول، وإطلاق اسم المحل على الحال في الثاني.
(3/325)

مجاز بالزيادة, والأصل: ليس مثله شيء؛ لأن المراد نفي مثل الله، لا نفي مثل مثله؛ إذ لا مثل له تعالى حتى ينفى عن ذلك المثل من يكون مثله، فالحكم الإعرابي "لمثل" حينئذ هو النصب خير ليس، ثم نقل من هذا الحكم، وجعل مجرورا بسبب زيادة الكاف.
ومن هذا البيان يعلم أن الموصوف المجاز في هذا النوع هو الكلمة التي تغير إعرابها -كما في المثالين المذكورين- وهذا أقرب مما ذكره السكاكي من أن الموصوف بالمجاز هنا هو حركة الإعراب.
وجه ذلك أن مدلول المجاز على الرأي الأول واحد في الموضعين، إذ مدلوله هنا، وفيما تقدم: "الكلمة المنقولة"1، بخلاف الحال على رأي السكاكي, فإن في مدلوله تخالفا في الموضعين، فمدلوله فيما تقدم: "الكلمة" نفسها، وفي هذا الموضع "حال الكلمة"، وهو الإعراب، وما ليس في مدلوله تخالف أولى بالاعتبار مما في مدلوله تخالف.
__________
1 أما هناك فمنقولة عن المعنى الأصلي، وأما هنا فمنقولة عن إعرابها الأصلي.
(3/326)

المبحث الخامس في الكناية
مدخل
...
المبحث الخامس: في الكناية
تعريفها: هي -في اللغة- أن تتكلم بالشيء وتريد غيره، وهي مصدر كنيت بكذا عن كذا, إذا تركت التصريح به، وبابه رمى يرمي. وورد كنوت بكذا عن كذا من باب دعا يدعو، وقد أنشد الجوهري:
وإني لأكنو عن قدور1 بغيرها ... وأعرب أحيانا بها وأصارح
والأول أفصح بدليل قولهم في المصدر: "كناية" ولم يسمع كناوة.
وهي -في الاصطلاح- لفظ أطلق، وأريد لازم معناه الحقيقي لقرينة لا تمنع من إرادة هذا المعنى، مع المعنى المراد.
قيود التعريف: خرج بقيد "اللفظ" نحو الإشارة، والكتابة من كل ما ليس بلفظ، وخرج بإرادة لازم المعنى الحقيقي اللفظ المراد به المعنى الحقيقي نفسه، وخرج بقوله: لقرينة لا تمنع ... إلخ المجاز, إذ لا بد فيه من قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي، مع المعنى المجازي، عند من يمنع الجمع بين الحقيقة، والمجاز كالخطيب القزويني كما تقول: "كلمني أسد"؛ فلا يجوز أن يراد منه الحيوان المفترس؛ لأن فيه قرينة تمنع من ذلك، وهي "كلمني", إذ إن الكلام من شأن الإنسان، لا من شأن الأسود.
ومن هنا يعلم أن الكناية واسطة بين الحقيقة والمجاز، فهي ليست بحقيقة؛ لأن اللفظ لم يرد به معناه الحقيقي، بل أريد به لازمه، وليست بمجاز؛ لأن المجاز لا بد له -كما قلنا- من قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي2.
ولا يرد على الخطيب أنه لا يجيز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ لأن محل عدم الجواز عنده إذا استعمل اللفظ فيهما على أن كلا مقصود لذاته، وما هنا ليس كذلك؛ لأن المقصود بالذات هو المعنى اللازمي لا غير.
مثال الكناية قولك: "محمد طويل النجاد" كناية عن طول قامته. قال الشاعر:
__________
1 بفتح القاف وضم الدال: اسم امرأة.
2 وقيل: هي من قبيل الحقيقة؛ لأنها لفظ مستعمل في المعنى الحقيقي لينتقل منه إلى المعنى اللازمي، والحقيقة أعم من أن يكون المراد باللفظ فيها المعنى الحقيقي وحده كما في الصريح، أو مع إرادة المعنى الكنائي كما في الكناية.
(3/327)

"طويل نجاد السيف" شهم كأنما ... تصول إذا استخدمته بقبيل1
فالمعنى الحقيقي لهذا اللفظ هو أن نجاد محمد طويلة، وليس هذا مرادا, إنما المراد لازم هذا المعنى وهو: أن محمدا طويل القامة, إذ يلزم عادة من طول النجاد أن تكون القامة طويلة. ويصح مع هذا إرادة المعنى الحقيقي أيضا بأن يراد المعنيان جميعا -طول النجاد، وطول القامة- وهذا هو موضع الفرق بينها وبين المجاز -كما عرفت- ومثله قولك: "محمد نظيف اليد" كناية عن نزاهته, فالمعنى الحقيقي هو أن يده نظيفة, ولكنه ليس مرادا بل المراد لازم هذا المعنى، وهو أنه نزيه، لا يفعل ما يلوث شرفه، وتجوز إرادة المعنيين. وكقولهم: "فلانة نئوم الضحا" كناية عن أنها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها، ويقوم بشئونها. فالمعنى الحقيقي للفظ: أن المرأة المذكورة تنام إلى الضحا، وليس هذا مرادا وإنما المقصود ما يلزم هذا المعنى, وهو أنها من ذوات الترف والنعمة, لها من يقوم بتدبير أمرها، وإصلاح حالها, وتجوز إرادة المعنيين معها -كما علمت- وهكذا.
تنبيهان:
الأول: ليس بلازم في الكناية أن يكون المعنى الحقيقي للفظ المكنى به متحققا في الواقع, إذ يصح أن تقول: "فلان طويل النجاد" كناية عن طول القامة، وإن لم يكن له نجاد، بل تصح الكناية حتى مع استحالة المعنى الحقيقي كما في قولهم: المجد بين برديه، والكرم
__________
1 النجاد: ما وقع على العاتق من حمائل السيف, وفيه إشعار بأن الممدوح من أرباب السيف والإقدام، والقبيل: الجماعة؛ شبه الممدوح وهو مفرد بالجمع في القوة والمنعة، وفي هذا المعنى يقول حافظ في رثاء مصطفى باشا كامل:
سنشهد في التاريخ أنك لم تكن ... فتى مفردا بل كنت جيشا مغازيا
(3/328)

تحت ردائه كناية عن إثبات المجد والكرم للممدوح, فإن المعنى الحقيقي لكل من العبارتين وهو حلول المجد بين البردين، وحلول الكرم تحت الرداء مستحيل الحصول؛ إذ إن الحلول الحسي بين الأشياء أو تحتها من شأن الأجسام، لا المعاني. وكما في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كناية عن الاستيلاء والسيطرة, فالمعنى الحقيقي للاستواء هو "الجلوس" وهذا المعنى مستحيل على الله سبحانه1, ومن هذا يعلم أن الشرط في الكناية جواز إرادة المعنى الحقيقي، لا إرادته بالفعل؛ لامتناع إرادته فيما ذكرنا. ا. هـ.
الثاني: علمت مما تقدم أن مناط الفرق بين المجاز والحقيقة وجوب وجود القرينة المانعة في الأول, دون الثانية.
وقد فرق "السكاكي" بينهما أيضا بأن الانتقال "في الكناية" من اللازم إلى الملزوم, كالانتقال من طول النجاد إلى طول القامة في المثال المتقدم, فطول القامة ملزوم لطول النجاد، وطول النجاد لازم لطول القامة. أما المجاز, فالانتقال فيه من الملزوم إلى اللازم "عكس الأول" كالانتقال من الغيث إلى النبات في نحو قولك: رعى جوادي الغيث، وكالانتقال من الأسد إلى الجريء في نحو قولك: على الفرس أسد، فإن النبات لازم للغيث عادة، والغيث ملزوم له, كما أن الجريء لازم للأسد، والأسد ملزوم له.
ورد هذا الفرق بأن اللازم إذا لم يكن ملزوما2 لا ينتقل منه
__________
1 ومثل الآية المذكورة قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} كناية عن نفي المماثلة عن ذاته تعالى؛ إذ إن سلب الشيئية عن مثل مثله يستلزم سلبها عن مثله, وإلا لزم التحكم في نفي الشيئية عن أحد المثلين دون الآخر, ولا يخفى امتناع إرادة المعنى الحقيقي لهذه العبارة؛ لاستحالة ثبوت مماثله تعالى.
1 أي: بنفسه أو بانضمام قرينة إليه؛ فالأول كالناطق بالنسبة للإنسان, فإنه -وإن تبادر منه أنه لازم للإنسان- ملزوم له أيضا؛ لمساواته له إذ يلزم من وجوده وجود الإنسان، والثاني كقولنا: رأيت إنسانا لا يفارق المنارة, كناية عن المؤذن, فإن الإنسان الموصوف بهذا الوصف فيما يتبادر لازم للمؤذن، ويصح أن يكون أعم منه؛ لجواز أن تكون ملازمته للمنارة لا للأذان, لكن قرينة العرف دالة على أنه المؤذن؛ لأن ذلك هو المتبادر الغالب, فهذا اللازم الأعم صار ملزوما بالقرينة.
(3/329)

إلى الملزوم؛ لأن اللازم من حيث إنه لازم يجوز أن يكون أعم من ملزومه, ولا دلالة للعام على الخاص كما في الضوء للشمس؛ إذ لا دلالة للضوء عليها لاحتمال أن يكون ضوء مصباح، أو قمر, والسكاكي نفسه معترف بهذه القضية, وإذ لا بد -في الانتقال من اللازم إلى الملزوم- أن يكون المنتقل منه ملزوما أيضا, كان الانتقال حينئذ من الملزوم إلى اللازم، وإذًا لا يتحقق الفرق بينهما من هذه الناحية؛ لأن الانتقال في كل منهما من الملزوم إلى اللازم، فثبت أن الفرق الذي أتى به السكاكي ليس بشيء.
وما يقال من أن المراد باللازم في الكناية ما كان تابعا, كطول النجاد التابع لطول القامة, فمردود بأن المجاز أيضا قد ينتقل فيه من التابع في الوجود الخارجي إلى المتبوع, كإطلاق النبات على الغيث في نحو: أمطرت السماء نباتا، فلو اختصت الكناية بما يكون الانتقال فيه من التابع كان مثل هذا المثال من قبيل الكناية مع أنه مجاز بالإجماع, فثبت أن لا فرق بين الكناية والمجاز إلا من حيث القرينة, كما سبق.
(3/330)

أقسام الكناية:
تنقسم الكناية باعتبار المكنى عنه إلى ثلاثة أقسام:
1- كناية يطلب بها صفة1.
2- كناية يطلب بها موصوف.
3- كناية يطلب بها نسبة صفة إلى موصوف.
فالأولى -وهي المطلوب بها صفة- ضابطها: أن يصرح بالموصوف، وبالنسبة إليه، ولا يصرح بالصفة المطلوب نسبتها وإثباتها، ولكن يذكر مكانها صفة تستلزمها كما في المثال السابق: "محمد طويل النجاد" كناية عن طول قامته، فقد صرح بالموصوف، وهو "محمد" وصرح بالنسبة، وهي إسناد طول النجاد إليه، ولم يصرح بالصفة المطلوب نسبتها، وهي "طول القامة"، ولكن ذكر مكانها صفة أخرى تستلزمها هي "طول النجاد". وكما في قولهم: "فلانة نئوم الضحا" كناية عن أنها مترفة مخدومة, فقد صرح بالموصوف، وهو "فلانة" وصرح بالنسبة، وهي إسناد النوم في الضحا إليها، ولم يصرح بالصفة المطلوب نسبتها، وهي "الترف والنعمة" ولكن ذكر مكانها صفة تستلزمها هي "النوم إلى الضحا"، وهكذا.
وهذه الكناية ضربان: قريبة وبعيدة:
فالكناية القريبة: ما ينتقل الذهن فيها من المعنى الأصلي إلى المقصود بلا واسطة بين المنتقل عنه, والمنتقل إليه كما في القول السابق: فلان طويل النجاد، فإن المطلوب بقولنا: "طويل النجاد" صفة هي "طول القامة" كما بينا, وليس بين طول النجاد وطول القامة واسطة، وإنما ينتقل الذهن من طول النجاد إلى طول القامة مباشرة، وسميت قريبة لقصر زمن إدراك المقصود منها بسبب انتفاء الواسطة.
والقريبة نوعان: واضحة وخفية:
فالواضحة: ما يفهم منها المقصود لأول وهلة؛ لوضوح اللزوم بين المكنى به والمكنى عنه كما تقدم في قولنا: فلان طويل نجاده، أو فلان طويل النجاد2, فإن طول القامة يفهم من طول النجاد بلا حاجة إلى
__________
1 المراد بالصفة المعنى القائم بالغير كطول القامة, وكالجود، لا خصوص النعت النحوي.
2 الفرق بين المثالين أن الأول من قبيل الكناية الساذجة, لا يشوبها شيء من التصريح بالمعنى المقصود؛ لأن فاعل الوصف هو النجاد لينتقل منه إلى طول قامة فلان, والثاني من قبيل الكناية المشوبة بشيء من التصريح بالمعنى المراد؛ لتضمن الوصف للضمير العائد على الموصوف, فكأنه قيل: فلان طويل، وهو كلام صريح لا كناية فيه. ولما أضيف إلى النجاد صار كناية عن طوله, لكن مع شيء من التصريح لتحمل الوصف لضمير الموصوف بدليل أنك تقول: فلانة طويلة النجاد, وأنتما طويلا النجاد, وأنتم طوال النجاد, فتؤنث وتثني وتجمع.
(3/331)

تأمل لوضوح اللزوم بينهما كما عرفت. ومثله قول الشاعر:
أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا1
كنى عن كبر عجيزة المرأة، ونهود ثديها بارتفاع قميصها عن أن يمس منها بطنا أو ظهرا، وهي كناية واضحة اللزوم كما ترى.
والخفية: ما لا يفهم منها المقصود إلا مع شيء من التأمل والتفكير؛ لخفاء اللزوم بين المكنى عنه، والمكنى به كما في قولهم: فلان عريض القفا؛ كناية عن أنه أبله بليد, فإن عرض القفا بإفراط مما يستدل به على البلاهة والبلادة إلا أن فهم ذلك منه يتوقف على إعمال فكر وروية؛ لأن في اللزوم بين المعنيين نوع خفاء، لا يدركه كل أحد.
والكناية البعيدة: ما ينتقل الذهن فيها من المعنى الأصلي إلى المقصود بواسطة كما في قولنا: "عباس كثير الرماد" كناية عن أنه جواد مسماح. فالمطلوب بهذه الكناية صفة هي "الجود"، وبين كثرة الرماد وصفة الجود وسائط عدة لا بد من مراعاتها للوصول إلى هذه الصفة؛ فينتقل أولا من كثرة الرماد إلى كثرة الإحراق، ومنها إلى كثرة الطبخ، ثم إلى كثرة الأكلة، ومنها إلى كثرة الضيفان، ومنها إلى الجود. ومثله قول الشاعر:
وما يك من عيب فإني ... جبان الكلب، مهزول الفصيل2
__________
1 الروادف: جمع ردف -بكسر فسكون- وهو عجيزة المرأة، والثدي -بضم الثاء مع التشديد وكسر الدال وتشديد الياء- جمع ثدي -بفتح فسكون- والقمص -بضم القاف والميم وسكن للضرورة- جمع قميص, وقد جمعت هذه الأشياء للمبالغة.
2 الفصيل: ولد الناقة.
(3/332)

فقد كنى عن جوده، وكثرة قِراه للأضياف بجبن الكلب، وهزال الفصيل, إذ ينتقل الذهن من جبن الكلب إلى تأديبه ومنه إلى استمرار ما يوجب نباحه، وهو اتصال مشاهدته وجوها إثر وجوه، ثم ينتقل من هذا إلى كون صاحبه مقصدا للداني والقاصي، ومن هذا إلى أنه يقري الأضياف، ومن قرى الأضياف إلى وصف الجود. كذلك ينتقل الذهن من هزال الفصيل إلى فقد1 أمه بنحرها، ومنه إلى قوة الداعي لنحرها؛ لكمال عناية العرب بالنوق لا سيما المتليات2، ومنه ينتقل الذهن إلى إعدادها للطبخ، ومنه إلى أنه مضياف كريم. وسميت هذه الكناية بعيدة؛ لبعد زمن إدراك المقصود منها.
والثانية -وهي المطلوب بها موصوف- ضابطها: أن يصرح بالصفة وبالنسبة، ولا يصرح بالموصوف المطلوب النسبة إليه، ولكن يذكر مكانه صفة، أو أوصاف تختص به كما في قولك: "فلان صفا لي مجمع لبه" كناية عن قلبه؛ فقد صرح في هذه الكناية بالصفة، وهي "مجمع اللب"، وصرح بالنسبة، وهي إسناد الصفا إليها، ولم يصرح بالموصوف المطلوب نسبة الصفاء إليه، وهو "القلب"، ولكن ذكر مكانه وصف خاص به وهو "كونه مجمع اللب"، فإن القلب -كما يقولون- موضع العقل والتفكير.
وهذه الكناية أيضا نوعان:
الأول: ما يكون الكناية فيه معنى واحدا كما في المثال السابق: فلان صفا لي مجمع لبه؛ فمجمع اللب المكنى به عن القلب معنى واحد -كما ترى3- وكما في قول الشاعر:
__________
1 أو إلى أخذ اللبن منها, وتقديمه للضيفان.
2 هي التي تلاها ولدها أي: تبعها.
3 ويسمى هذا النوع من الكناية عند أصحاب العلوم العقلية "خاصة بسيطة" لعدم تركبها، ويسميه السكاكي "كناية قريبة" لا بالمعنى السابق, بل بمعنى سهولة المأخذ, وسرعة الانتقال فيها لبساطتها.
(3/333)

الضاربين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان1
يصف الشاعر قومه بالبسالة، وحسن البلاء في الحروب، وأن سيوفهم لا تعرف غير المقاتل جفونا، كنى بمجامع الأضغان، وهو معنى واحد عن القلوب. والمراد بوحدة المعنى ألا يكون من أجناس مختلفة، وإن كان مثنى أو جمعا فمجامع الأضغان في قول الشاعر السابق -وإن كان جمعا- هو معنى واحد من حيث إن مدلوله جنس واحد هو "القلوب" لا أجناس مختلفة، وكون القلب مجمع الضغن وصف خاص به، فلا يحل الضغن في غيره.
الثاني: ما يكون الكناية فيه مجموع معانٍ مختلفة ضم بعضها إلى بعض؛ لتكون جملتها مختصة بالموصوف، فيتوصل بذكرها إليه كما يقال في الكناية عن الإنسان: زارني حي، مستوي القامة، عريض الأظفار، فالكناية مجموع هذه المعاني من الحياة، واستواء القامة، وعرض الأظفار، لا كل واحد منها، وهذه المعاني مجتمعة وصف خاص بالإنسان، لا يوجد في سواه2.
والثالثة -وهي المطلوب بها نسبة3- ضابطها: أن يصرح بالموصوف والصفة، ولا يصرح بالنسبة بينهما، ولكن يذكر مكانها نسبة أخرى تستلزمها. وهذه النسبة إما أن تكون إثباتا أو نفيا؛ فمثالها في الإثبات قولهم: "المجد بين بردي محمد" كناية عن إثبات المجد له, فقد صرح في هذه الكناية بالموصوف، وهو "محمد".
__________
1 الأبيض: السيف, والمخذم كمنبر: القاطع, والأضغان: جمع ضغن وهو الحقد، وكل من الضاربين والطاعنين منصوب على المدح بقدرتهم على النكاية, والفتك بالأعداء.
2 ويسمى هذا النوع عند ذوي العلوم العقلية "خاصة مركبة"؛ لتركبها من جملة معانٍ مختلفة، ويسميه السكاكي كناية بمعنى صعوبة المأخذ, والانتقال فيها لتركبها من عدة أمور.
3 أي: إثبات أمر لأمر, أو نفيه عنه.
(3/334)

وصرح بالصفة، وهي "المجد"، ولكن لم يصرح بنسبة المجد إليه، وإنما ذكر مكانها نسبة المجد إلى برديه إثباتا، وهي تستلزم نسبة المجد إليه من حيث وجوده بين برديه الخاصين به، واستحالة قيام المجد بنفسه، ووجوب قيامه بمحل صالح. ومنه قول زياد بن الأعجم:
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج1
فقد كنى عن إثبات هذه الثلاثة للممدوح بإثباتها لقبة ضربت عليه؛ لأنه إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبت له لما قلنا من استحالة قيام الأمر بنفسه, ووجوب قيامه بمحل صالح له. ومثالها في النفي قول الشنفرى يصف امرأة بالعفة والنزاهة:
يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت
فقد صرح بالموصوف، وهو الضمير في "بيتها" العائد على المرأة، وصرح بالصفة، وهي اللوم المنفي في قوله: "بمنجاة من اللوم" ولم يصرح بنسبة اللوم عنها، ولكن ذكر مكانها نسبة أخرى هي نفي اللوم عن بيت يحتويها، وهذا اللوم يستلزم نفي اللوم عنها2.
__________
1 هو عبد الله بن الحشرج كان أميرا على نيسابور, يدل على ذلك قوله: "في قبة" إذ يفهم منه أن الممدوح ممن تضرب له القباب, وذلك عنوان السيادة والإمارة.
2 قيل: قد يطلب بالكناية صفة، ونسبة معا كقولك: كثر الرماد في ساحة محمد, كناية عن صفة المضيافية وإثباتها لمحمد, وقد يطلب بها الصفة والنسبة والموصوف جميعا كما في قولك: كثر الرماد في ساحة حي مستوي القامة عريض الأظفار. ويحاب بأن ما ذكر ليس كناية واحدة, بل هو في المثال الأول كنايتان؛ إحداهما مطلوب بها صفة وهي كثرة الرماد كناية عن المضيافية، والثانية مطلوب بها نسبة المضيافية إلى محمد بواسطة نسبتها إلى ساحته, وفي المثال الثاني ثلاث كنايات، مطلوب بها صفة في كثرة الرماد، ومطلوب بها نسبة في إثباتها للساحة، ومطلوب بها موصوف في حي مستوي القامة عريض الأظفار.
(3/335)

تنبيه:
قد يكون الموصوف بالكناية غير مذكور في الكلام, وذلك إذا كان المطلوب بالكناية صفة، أو نسبة صفة إلى موصوف.
فمثال المطلوب بها صفة قولهم: "كثر الرماد في هذه الساحة", فإن كثرة الرماد كناية عن صفة المضيافية، وإيقاع الكثرة في الساحة كناية عن ثبوت هذه الصفة لصاحب الساحة، وهو لم يذكر في الكلام.
ومثال المطلوب بها نسبة: قوله -صلى الله عليه وسلم- في شأن من يؤذي المسلمين: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" فهو كناية عن نسبة هي نفي1 صفة الإسلام عن المؤذي، وهو غير مذكور في الكلام. ووجه الكناية فيه أن مدلول الجملة في الحديث الشريف حصر الإسلام فيمن لا يؤذي المسلمين، ولا ينحصر فيه إلا بانتفائه عن المؤذي، فقد أطلق الملزوم، وهو حصر الإسلام فيمن لا يؤذي, وأريد اللازم، وهو انتفاء الإسلام عن المؤذي.
أما الكناية المطلوبة بها موصوف, فلا يتصور إلا كونه غير مذكور؛ لأنه هو المطلوب بالكناية, وإلا فكيف يطلب حصول ما هو حاصل؟
__________
1 النسبة المكنى عنها هنا نفي الصفة, لا ثبوتها؛ لأن نسبة الصفة يكنى عنها مطلقا، ثبوتية كانت أو سلبية كما تقدم مثاله, وهي هنا سلبية؛ إذ هي سلب الإسلام عن المؤذي.
(3/336)

بحث للسكاكي في بعض أنواع الكناية:
رأى السكاكي أن يسمي بعض أنواع الكناية بأسماء تختلف باختلاف الاعتبارات، فهي تتنوع عنده إلى أربعة أنواع: تعريض، وتلويح، ورمز، وإيماء أو إشارة.
فالتعريض -لغة- خلاف التصريح، واصطلاحا: إمالة الكلام إلى عرض1 يدل على المقصود, أي: توجيه الكلام إلى جانب يفهم منه المعنى المراد. فلفظ الحديث السابق من قبيل التعريض إذا قصد منه شخص معين, إذ إن معناه الصريح حصر الإسلام في غير المؤذي، ويلزمه نفي الإسلام عن كل مؤذٍ، وهو المعنى الكنائي, فإذًا قصد به نفي الإسلام عن ذلك الشخص المعين المفهوم من سياق الكلام2. ومثله قولك لآخر: "لست بخائن, ولا مراءٍ" فهو كناية من قبيل التعريض بخيانة, ومراءاة من تخاطبه لقرينة أنه ممن اتسم بهاتين الرذيلتين.
ومن مزايا التعريض أن تستطيع النيل من خصمك، والتنديد به بما لا يخرج عن دائرة الأدب، ولا يجعل له عليك سبيلا.
ومما تقدم يعلم أن التعريض ليس من قبيل الحقيقة، ولا من المجاز, ولا من الكناية؛ لأن الحقيقة هي اللفظ المستعمل في معناه الأصلي، والمجاز هو اللفظ المستعمل في لازم معناه فقط، والكناية هي اللفظ المستعمل في اللازم, مع جواز إرادة الأصل. أما التعريض فهو أن يفهم من اللفظ معنى بالسياق أو القرائن، من غير أن يقصد استعمال اللفظ فيه3.
__________
1 العرض -بضم العين- الجانب والناحية, تقول: عرضت بفلان, إذا قلت قولا لغيره وأنت تعنيه, فقد أشرت بالكلام إلى جانب وأردت به جانبا آخر.
2 معنى هذا: أن اللفظ قد يستعمل في معنى مكنى عنه ليلوح به إلى معنى آخر بالقرائن, أو السياق كما في الحديث, فإن حصر الإسلام فيمن لا يؤذي يلزمه انتفاء الإسلام عن مطلق مؤذٍ, فإذا استعمل هذا اللفظ في هذا اللازم ولم يرد به شخص معين بالذات كان كناية, وإن كان ثم شخص معين موصوف بالإيذاء وقد قصد إليه بالكناية, كان الكلام تعريضا.
3 ذكر السكاكي أن التعريض قد يكون مجازا تارة، وكناية أخرى, كما تقول لآخر: آذيتني فستعرف, فإن مدلول هذا التركيب والمقصود منه تهديد المخاطب بسبب إيذائه إياه, وهذا المعنى يلزمه عرفا تهديد من كان مثل المخاطب في الإيذاء والضرر, فإن استعمل هذا التركيب في اللازم فقط وهو تهديد غير المخاطب لقرينة كون المخاطب صديقا مثلا ولعلاقة الاشتراك في الإيذاء ولو فرضا, كان هذا الكلام مجازا, وإن استعمل في اللازم والملزوم معا لقرينة عداوة تنتظم المخاطب وغيره, كان الكلام كناية, وفي هذا الكلام نظر يطول البحث فيه.
(3/337)

والتلويح: كناية كثرت فيها الوسائط بين اللازم, والملزوم كما سبق في نحو: فلان كثير الرماد, وفلان جبان الكلب، مهزول الفصيل، وكقولهم: "فلان كثير الإخوان" كناية عن حسن أخلاقه, فإن الذهن ينتقل أولا من كثرة الإخوان إلى سهولة خلقه، ومنها إلى أنسهم به، وارتياحهم إليه، ثم ينتقل من هذا إلى حسن معاشرته ومعاملته، ثم إلى حسن أخلاقه وطيب أعراقه. وسميت الكناية تلويحا؛ لأن التلويح -في الأصل- أن تشير إلى غيرك من بعد, وكثيرة الوسائط بعيدة الإدراك غالبا.
والرمز: كناية عدمت فيها الوسائط, أو قلت مع خفاء اللزوم. فمثال ما عدمت فيه الواسطة قولهم: فلان عريض القفا, إذ إنهم يكنون بعرض القفا عن البله والبلادة, ومثله قولهم: فلان مكتنز اللحم، أو مفتول الذراعين كناية عن القوة. ومثال ما قلت فيه الواسطة قولهم: فلان عريض الوسادة, فهم يكنون بعرض الوسادة عن عرض القفا، ثم يكنون به عن البله والغباء. واللزوم فيما مثلنا خفي -كما ترى- يحتاج إلى نوع من التأمل، وسميت هذه الكناية "رمزا"؛ لأن الرمز -في الأصل- أن تشير إلى قريب منك خفية بنحو شفة أو حاجب, قال الشاعر:
رمزت إلي مخافة من بعلها ... من غير أن تبدي هناك كلامها
والإيماء أو الإشارة: كناية عدمت وسائطها أو قلت، مع وضوح اللزوم. فمثال ما عدمت فيه الواسطة قولك لآخر: "الحظ حليف الوفي" فتكني بمحالفة الحظ للوفي عن اتصافه بالوفاء. ومثال ما قلت فيه الواسطة قول البحتري:
(3/338)

أوما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول؟ 1
يقول: قد علمت أن المجد أقام بخيام آل طلحة، ولم يرحل عنها فقد أثبت المجد لخيام آل طلحة, إذ جعله مقيما بها وهو كناية عن إثبات المجد لهم من حيث إن المجد صفة لا بد من قيامها بمحل, والخيام لا تصلح محلا لها، واللزوم واضح في المثالين -كما ترى- وسميت هذه الكناية إشارة أو إيماء؛ لأن الإشارة -في الأصل- موضوعة للدلالة على محسوس وهو أمر ظاهر، ومثلها الإيماء.
اختبار:
1- عرف الكناية لغة واصطلاحا، ثم بين محترزات التعريف، وهل هي من قبيل الحقيقة أو المجاز؟ بين ذلك بوضوح, مع التمثيل.
2- كيف صح جواز إرادة المعنى الأصلي في الكناية، مع استحالته في قولهم: المجد بين برديه؟
3- هل بين المجاز والكناية فارق؟ وإذا كان, فما هو؟ وما رأي السكاكي في الفرق بينهما؟ وبم رد عليه فيما رأى؟
4- اذكر أقسام الكناية باعتبار المكنى عنه، وضابط كل منها، مع التمثيل لكل ما تذكر.
5- قسم الكناية المطلوب بها صفة، وعرف كل قسم، ومثل له.
6- قسم الكناية المطلوب بها موصوف، مع التمثيل لكل قسم، ثم بين نوع الكناية في قول الشاعر:
ودبت له في موطن الحلم علة ... لها كالصلال الرقش شر دبيب2
__________
1 إلقاء الرحل كناية عن الإقامة، والتحول: والارتحال، وقوله: "في آل طلحة" على تقدير مضاف أي: في خيام آل طلحة.
2 الصلال: جمع صل -بكسر الصاد- ضرب من الحيات لا نجاة من لدغه, والرقش: جمع رقشاء, وهي حية ذات نقط سود في بياض.
(3/339)

7- ما نوع الكناية في قولك لآخر عديم النفع: خير الناس من ينفعهم.
8- عرف التعريض، وهل هو من قبيل الحقيقة، أو من قبيل المجاز؟ مثل له من إنشائك، مع بيان المعنى الكنائي فيما تمثل به.
9- عرف التلويح، والإيماء، ومثل لكل بمثال، مع بيان المعنى الكنائي فيهما.
10- اذكر الفرق بين الرمز، والإيماء، ثم بين الرمز والتلويح، مع التمثيل.
تمرين, وجوابه:
وضح نوع الكناية فيما يأتي:
1-
وكلبك آنس بالزائرين ... من الأم بابنتها الزائرة
2-
لا يرفع الضيف عينا في منازلنا ... إلا إلى ضاحك منا ومبتسم
3-
أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
4-
لا ينزل المجد إلا في منازلنا ... كالنوم ليس له مأوى سوى المقل1
5-
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
__________
1 المقل: جمع مقلة, وهي العين جملة.
(3/340)

6-
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها1 ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد
7-
وإذا الكريم أضاع مطلب أنفه ... أو عرسه لكريهة لم يغضب
8-
لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل2
9-
أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد3
10-
ولما شربناها4 ودب دبيبها ... إلى موطن الأسرار قلت لها قفي
11-
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم
12-
لست براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم5
13-
خلق اللسان لنطقه وبيانه ... لا للسكوت وذاك حظ الأخرس
14- هو سمين رخو.
15- فلان يفترش الثرى, ويتوسد الجنادل.
16- فلان ملء إهابه الكرم.
17- {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} .
__________
1 النضل: حديدة السيف، يقول: أتبعت طعنة بطعنة, أخفيت بها حديدة السيف في القلب الذي هو موضع هذه الأشياء الثلاثة.
2 العوذ -بالضم- الإبل الحديثات النتاج, جمع: عائذ, كحائل وحول, والفصال جمع: فصيل, وهو ولد الناقة.
3 الضمير في أبين للإبل يقول: يكفيك من كل كريم أن تزور إبلك أبا سعيد أي: كل الصيد في جوف الفرا.
4 الضمير للخمر.
5 الوضم: كل ما قطع عليه اللحم.
(3/341)

جواب التمرين:
1- في البيت كناية يراد بها صفة الكرم، بيانه أن استئناس الكلب بالزائرين عنوان معرفته بهم؛ لأن الكلب لا يأنس إلا بمن يعرف، ومعرفته بهم دليل اتصال مشاهدته إياهم ليل نهار, وهذا دليل على أن دار الممدوح محطّ الرحال، وملتقى الآمال، وهذا يدل على ما أراده الشاعر من وفور إحسان الممدوح، وسعة جوده، وعموم أياديه, فقد بعدت المسافة بين أنس الكلب بالزائرين وإحسان الممدوح, فهي من الكنايات البعيدة المسماة "بالتلويح"، وكون الكلب آنس من الأم مبالغة في استئناسه بالزوار, وهو يقتضي المبالغة في وصف الممدوح بالإحسان.
2- في البيت كناية أريد بها نسبة الكرم إلى قومه وعشيرته, إذ يلزم من الضحك والابتسام في وجه الضيف الحفاوة به, وهذا يستلزم الكرم "إيماء" لقلة الوسائط، ووضوح اللزوم بين الابتسام والكرم.
3- في الشطر الثاني من البيت كناية يراد بها صفة هي طول الرقبة "إيماء"، بيانه أن بعد مهوى القرط يستلزم أن يكون العنق طويلا، وهي قريبة لعدم وجود الواسطة بين بعد المهوى وطول العنق, وواضحة لوضوح اللزوم بين المعنيين.
4- في الشطر الأول من البيت كناية يراد بها نسبة، هي إثبات المجد لهم "إيماء"، ذلك أن نزول المجد في منازلهم الخاصة بهم, مقصورا عليها لا يتعداها إلى غيرها, يستلزم ثبوت المجد لهم، وقصره عليهم, إذ إن المجد صفة لا يصلح قيامها بالجدران والحوائط، وليس في المنازل سواهم، فلزم أن تقوم الصفة بهم، وهي قريبة، وبينة اللزوم.
5- في الشطر الثاني من البيت كناية يراد بها نسبة، هي ثبوت المجد للممدوح "إيماء"، ذلك أن حلول المجد بكل مكان يستلزم
(3/342)

ثبوت المجد له؛ لأن المجد -كما قلنا- وصف لا يصلح قيامه بالأماكن، فلزم ثبوته له, وقيامه به, وهي قريبة واضحة.
6- في الشطر الثاني من البيت كناية يراد بها موصوف هو "القلب"؛ لأن القلب موطن للأشياء الثلاثة المذكورة، وكونه موطنا لها وصف خاص به، فصح أن يكون كناية عنه.
7- في الشطر الأول كناية يراد بها موصوف هو "الفرج", بيانه أن الجنين -على ما يقال- إذا أتمّ أيامه في الرحم، وأراد الخروج منه طلب بأنفه الموضع الذي يخرج منه؛ فقد كنى الشاعر بمطلب أنفه عن فرج الأم؛ لأنه وصف خاص به. يريد أن يقول: إن الرجل الذي لا يحمي عرض أمه، ولا امرأته لا يغضب بعد ذلك من شيء؛ لأنهما محكّ الغيرة ومثارها.
8- في البيت كنايتان بعيدتان يراد بهما صفة هي "الجود", ذلك أن حرمانه العوذ من أن ترى فصالها، وتمتع بها يدل على أنه ينحرها ولا يبقيها، وهذا يدل على كثرة القرى الدال على وفرة الجود، وأن ابتياعه لما قرب أجلها يدل على أنها لا تبيت عنده حية، ومعنى هذا أنه ينحرها، وهذا يدل على كثرة القرى الدالة على أنه مضياف كريم.
9- في الشطر الثاني من البيت كناية يراد بها صفة, هي كرم أبي سعيد "إيماء", والكناية واضحة من قوله: "وحسبك أن يزرن أبا سعيد" مع ما يفيده صدر البيت من أن الإبل أبت إلا أن تولي وجهها شطر الكريم.
10- في البيت كناية يراد بها موصوف هو "القلوب", إذ هي من الناس مواضع أسرارهم, وهي معنى واحد وإن تعددت؛ لأن مدلولها متحدّ الجنس.
11- في البيت كناية يراد بها صفة الكرم, على نحو ما قيل في البيت الأول من هذا التمرين, فإن حب الكلب للضيف حتى إنه ليكاد
(3/343)

يكلمه دليل شدة معرفته به, وهذا يدل على كثرة مشاهدته إياه لكثرة الوسائط فيها.
12- في البيت كناية, يعرض فيها الحجاج بأن من يخاطبهم من رعاة الإبل والغنم، أو من الجزارين, فهي كناية يراد بها نسبة الحقارة لهؤلاء.
13- في البيت تعريض أيضا بأن المخاطب عيي غبي, فهو كناية يراد بها نسبة العي للمخاطب.
14- فيه كناية عن صفة الكسل، وفقدان النشاط "إيماء", ذلك أن بدانة الجسم، ورخاوته تستدعيان "عادة" الرغبة عن العمل، والزهادة فيه، وهذا هو عين الكسل, والكناية فيه قريبة واضحة؛ لوضوح اللزوم بين البدانة والكسل.
15- فيه كناية يراد بها صفة هي الفقر "إيماء"؛ لأن افتراش الثرى، وتوسد الجنادل دليل فقدان ما يفترش ويتوسد، وهذا عنوان ضيق ذات اليد, فهي كناية قريبة، واضحة اللزوم.
16- فيه كناية يراد بها نسبة الكرم إلى الممدوح؛ لأن الكرم صفة لا يصلح إهاب الممدوح وعاء لها، فلزم ثبوت الكرم لذي الإهاب.
17- فيه كناية يراد بها موصوف هو "السفينة"؛ لأن مجموع الأمرين المذكورين -وهما الألواح والدسر مشدودا أحدهما بالآخر- وصف خاص بالسفينة.
تمرين يطلب جوابه على قياس ما سبق:
تشتكي ما اشتكيت من ألم الشو ... ق إليها والشوق حيث النحول
بنى المجد بيتا فاستقرت عماده ... علينا فأعيا الناس أن يتحولا
(3/344)

ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجاب الناس أصبعا
أحن إلى ما يضمن الخمر والحلي ... وأصدف عما في ضمان المآزر1
نصبوا بقارعة الطريق خيامهم ... يتسابقون على قِرى الضيفان
ويكاد موقدهم يجود بنفسه ... حب2 القِرى حطبا على النيران
رميتهم ببحر من حديد ... له في البر خلفهم عباب
فمساهم وبسطهم3 حرير ... وصبحهم وبسطهم تراب
فلان لا يضع العصا عن عاتقه. لبس الدهر لهم جلد النمر. {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} . فلان رحب الصدر، قوي الظهر. فلان طاهر الذيل. روي أن امرأة وقفت على قيس بن سعد4، فقالت: أشكو إليك قلة الفأر في بيتي، فقال: ما أحسن ما روت عن حاجتها! املئوا بيتها خبزا ولحما وسمنا، ويروى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك، فقالت: يا أمير المؤمنين, مشت جرذان بيتي على العصا، فقال لها: ألطفت في السؤال, لا جرم لأردنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا, إلى غير ذلك من لطائف الكنايات، وطرائف العبارات، ذات المعاني الخفية الرائعة.
__________
1 الخمر -بضم الخاء وسكون الميم, أو ضمها- جمع خمار -بالكسر- وهو ما تستر به المرأة وجهها، وأصدف على زنة أضرب بمعنى: أعرض، والمآزر: جمع مئزر, وهو الملحفة.
2 مفعول لأجله أي: لأجل الحب.
3 جمع بساط, وسكنت سينه للضرورة.
4 من سادات العرب, وأجاويدهم.
(3/345)

خاتمة:
أطبق علماء هذا الفن على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، وأن الكناية أبلغ من التصريح1، وأن الاستعارة أبلغ من التشبيه، ومن المجاز المرسل، والكناية.
أما وجه الأبلغية في المجاز والكناية؛ فلأن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم2, فهما كدعوى الشيء ببينة3، ذلك أنك حين تقول متجوزا: "رأيت أسدا على المنبر" إنما تريد أن تقول: رأيت رجلا مقداما على المنبر, وهذه دعوى قام عليها دليلها هو إثبات معنى الأسد له, إذ يلزم من كونه أسدا أن يكون مقداما جريئا للزوم الإقدام والجرأة للأسد، وأنك حين تقول مكنيا: محمد طويل, النجاد إنما تريد أن تقول: محمد طويل القامة، وهي أيضا دعوى قام عليها دليلها هو اتصافه بطول النجاد, إذ يلزم من كونه طويل النجاد أن يكون طويل القامة، وكأنك قلت في الأول: رأيت مقداما على المنبر لأنه أسد، وقلت في الثاني: محمد طويل القامة لأنه طويل النجاد.
أما الحقيقة في نحو: "رأيت رجلا مقداما على المنبر"، والتصريح في نحو: "محمد طويل القامة" فدعويان لم يقم عليهما
__________
1 المراد بالأبلغية هنا الأفضلية في الحسن والقبول, وإنما قلنا ذلك؛ لأن الكناية كلمة مفردة، وأن المجاز قد يكون مفردا, وقد سبق أن البلاغة لا يوصف بها المفرد.
2 أي: فلا يفهم المعنى المراد منهما من اللفظ نفسه، بل بواسطة الانتقال من الملزوم إلى اللازم, فلا يفهم معنى الشجاع من ذات قولك: رأيت أسدا على فرس، بل بواسطة الانتقال من معنى الحيوان المفترس إلى لازمه وهو الشجاع. كذلك لا يفهم معنى طول القامة من ذات قولك: فلان طويل النجاد، بل بواسطة الانتقال من طول النجاد إلى لازمه الذي هو طول القامة.
3 وجه كونهما كالدعوى بالبينة: أن تقرر الملزوم يستلزم تقرر اللازم؛ لامتناع انفكاك الملزوم عن اللازم, فصار تقرر الملزوم مشعرا باللازم.
(3/346)

دليل, وما كان مؤيدا بدليل أبلغ وآكد مما لم يدعم بدليل، فثبت أن المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة التصريح.
ووجه أبلغية الاستعارة على التشبيه هو أن الاستعارة نوع من المجاز، مبني على دعوى اتحاد المشبه والمشبه به، والتشبيه نوع من الحقيقة بناء على القول الراجح, وقد ثبت أن المجاز أبلغ من الحقيقة، على ما بينا.
ووجه أبلغيتها على المجاز المرسل ما فيها من دعوى الاتحاد لفظا ومعنى؛ أما لفظا فلإطلاق لفظ المشبه به على المشبه، وأما معنى فلإدخال المشبه في جنس المشبه به، واعتباره فردا من أفراده، بخلاف المجاز المرسل نحو: أمطرت السماء نباتا، فإن فيه دعوى الاتحاد لفظا فقط من حيث إطلاق اللفظ على المعنى الثاني. أما الاتحاد في المعنى فغير موجود فيه, إذ ليس بين المعنيين "كالماء والنبات" في المثال المذكور تشابه ما حتى يدعى اتحادهما.
ووجه أبلغيتها على الكناية من جهتين:
"الأولى": أن في الاستعارة جمعا بين كناية واستعارة من حيث إن فيها انتقالا من الملزوم "كالأسد" إلى اللازم "كالشجاع"، كما ينتقل في الكناية من "طول النجاد" مثلا إلى طول القامة، ومن حيث إن فيها استعمال اللفظ في غير المعنى الموضوع له لعلاقة المشابهة.
"الثانية": أنها مجاز قطعا بخلاف الكناية, ففي مجازيتها خلاف بين علماء البلاغة مبسوط في محله، فارجع إليه إن شئت.
تنبيه:
ليس معنى الأبلغية في هذه الثلاثة أنها تفيد زيادة في أصل المعنى، لا يفيدها غيرها, إنما المراد أنها تفيد تأكيدا لإثبات المعنى لا يوجد في سواها.
(3/347)

فليست فضيلة قولنا: "رأيت قمرا" على قولنا: رأيت وجها لا يتميز عن القمر في إشراقه, وبهائه من حيث إن الأول أفاد زيادة في مساواة الوجه للقمر في إشراقه لم يفدها الثاني, إذ إن التركيبين في إفادة هذا المعنى سواء. إنما مزية الأول على الثاني من حيث إن الأول أفاد تأكيدا وتقريرا لإثبات معنى المساواة، دون الثاني؛ لما في التركيب الأول من دعوى الاتحاد، والتعبير عن المشبه بلفظ المشبه به، ودلالة دعوى الاتحاد على معنى المساواة كما في التركيب الأول أبلغ من التنصيص على المساواة كما في التركيب الثاني.
كذلك ليست فضيلة قولنا: "محمد طويل النجاد" على قولنا: محمد طويل القامة, من جهة أن التركيب الأول أفاد زيادة في معنى الطول لم يفدها الثاني, فالتركيبان في ذلك سواء, إنما ميزة الأول على الثاني من ناحية أن الأول أفاد تأكيدا, وتقريرا لإثبات معنى الطول دون الثاني؛ لما في التركيب الأول من الدعوى المستندة إلى دليل -كما بينا سابقا- ودلالة دعوى "الشيء" مؤيدة بدليل كما في التركيب الأول أبلغ من التنصيص عليه, غفلا عن الدليل كما في التركيب الثاني, يدرك ذلك صاحب الذوق السليم ا. هـ.
هذا, والاستعارة التمثيلية أبلغ أنواع الاستعارة؛ لأنها إنما تكون في الهيئات المنتزعة من أمور متعددة, فهي كثيرة الاعتبارات والملاحظات، لا يوفق فيها إلا من أوتي حسن روية، وبعد نظر. ويليها في الأبلغية الاستعارة المكنية؛ لاشتمالها على المجاز العقلي في قرينتها, أما التصريحية ففي المرتبة الثالثة.
نموذج في التطبيق على جميع ما مر من قواعد علم البيان:
وفي يده الصمصام تحكي شباته ... نواجذ أفواه المنايا القواضب1
__________
1 الصمصام والصمصامة: السيف لا ينثني, وشباته: حده، والنواجذ: الأضراس والأنياب مفرده ناجذة، والقواضب: القواطع.
(3/348)

الجواب: شبه الشاعر حد الحسام المرهف بنواجذ المنايا, ووجه الشبه المضاء والنفاذ، وهو أمر عقلي، والطرفان حسيان، وأداة التشبيه قوله: "تحكي"، وهي من الأدوات التي يليها المشبه، والتشبيه تحقيقي؛ لأن الوجه محقق في الطرفين وهو غير تشبيه تمثيل؛ لأن الوجه شيء واحد، لا مركب، وهو مفصل لحذف وجه التشبيه، ومرسل لذكر الأداة، والغرض بيان مقدار حال المشبه، وأنه بلغ من قوة مضائه ونفاذه بحيث لا يرد له حكم. وفي "المنايا" استعارة بالكناية؛ شبهت المنايا بالسبع بجامع الاغتيال، واستعير لفظ المشبه به للمشبه، ثم حذف ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو "نواجذ" على سبيل الاستعارة المكنية، ولفظ "أفواه" ترشيح لملاءمته للمشبه به الذي هو المستعار منه، وهي أصلية؛ لأن اللفظ المستعار اسم جنس، وقرينتها إثبات النواجذ للمنايا، وهذا الاثبات استعارة تخييلية. ودونك القياس على ذلك فيما يأتي من الأبيات:
كأن عيون النرجس الغض حولنا ... مداهن در حشوهن عقيق
هرب النوم عن جفوني فيها ... هرب الأمن عن فؤاد الجبان
سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير
والسحب تلعب بالبروق كأنها ... قار على عجل يقلب مصحفا
ازرع جميلا ولو في غير موضعه ... فلا يضيع جميل أينما زرعا
إذا ما الدهر جر على أناس ... كلاكله أناخ بآخرينا
ونار لو نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد
(3/349)

والبدر في أفق السماء كغادة ... بيضاء لاحت في ثياب حداد
حتى بدا وجه الصباح كأنه ... وجه الحبيب أتى بلا ميعاد
تمرينات:
بين أنواع التشبيه، والمجاز المرسل والاستعارة والكناية فيما يأتي:
قال تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} ، {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . ألفاظ كغمزات الألحاظ، ومعانٍ كما تنفست الأسحار. ذم إنسان آخر فقال: كأن وجهه أيام المصائب، وليالي النوائب، يا عجبا من جسم كالخيال، وروح كالجبال. القضاة دعائم العدل، وبأيديهم أزمة الفصل والفضل. قال الحريري: لبثنا في الانتظار إلى أن هرم النهار، وكاد جرف الليل ينهار. زارنا فكأنه مطر الربيع، ونزل بساحة الوغى فكان كأسد خفان، وفاه بلفظ كالدر المنظوم، وبدا بوجه كفلق الصبح، أو كصفحة القمر.
والظل في سلك الغصون كلؤلؤ ... رطب يصافحه النسيم فيسقط
له راحة ينهل جودا بنانها ... ووجه إذا قابلته يتهلل
إذا أنشب الدهر ظفرا ونابا ... وصال على الحر منا ونابا
صبرنا ولم نشك أحداثه ... لأنا نعاف التشكي ونابى1
__________
1 أصله نأبى, سهلت همزته.
(3/350)

وقفت وما بالموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
المرء مثل هلال حين تبصره ... يبدو ضئيلا ضعيفا ثم يتسق
يزداد حتى إذا ما تم أعقبه ... كر الجديدين نقصا ثم ينمحق
أنا نار في مرتقى نظر الحا ... سد ماء جار مع الأخواز
بنفسج جمعت أوراقه فحكى ... كحلا تشرب دمعا يوم تشتيت
كأنه وضعاف القضب تحمله ... أوائل النار في أطراف كبريت
وقيل في وصف السماء:
بساط زمرد بسطت عليه ... دنانير تخالطها دراهم
ونهر المجرة يجري في سندسها، ويسري ليسقي ذوابل نرجسها, فبينما أسرح في درر الدراري نظري، وأروض في رياضها جواد فكري, إذ هبّ نسيم السحر يروي عن أهل نجد أطيب الخبر، ثم تبسم الفجر ضاحكا، واقتنص بازي الضوء غراب الظلام، وفضّ كافور النور مسك الختام.
تم وضع هذا الكتاب عصر يوم السبت 28 شوال سنة 1366هـ, الموافق 13 سبتمبر سنة 1947م, فنرجو أن يكون قد رافقه بعض التوفيق في تأليفه وتنسيقه، وفي أسئلته وتطبيقه, ونحمده -جل شأنه- ونسأله أن ينفع به سؤال معترف بالعجز لقادر, بعونه وتوفيقه تتم الصالحات.
(3/351)

أسئلة وامتحانات رسمية:
نصوص امتحانات سابقة:
امتحان النقل من السنة الثالثة الثانوية، الدور الأول لسنة 1360 الدراسية:
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
1- اشرح المراد من كون التشبيه تمثيلا أو غير تمثيل, واذكر خلاف السكاكي في ذلك, ثم بين متى يكون التشبيه مفصلا، ومتى يكون مجملا, مع بيان أنواع المجمل، ومثل لكل ما تقول.
2- عرف الاستعارة، وقسمها باعتبار اللفظ المستعار، وبين المراد بكونها تحقيقية مع التمثيل لكل ذلك، ثم اشرح وجه مفارقتها للكذب، وبين متى يصح جريانها في علم الشخص, ومتى يمتنع جريانها فيه مع التمثيل.
3- افرق بين المجاز المفرد والمركب، ثم بين هل انقسام المفرد إلى مرسل، واستعارة خاص به, أو جارٍ في المركب كذلك، ووجه ما تقول مع التمثيل.
التطبيق:
أ- بين وجه الشبه, والغرض من التشبيه فيما يأتي:
1- {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} .
2- الحسد يأكل الحسنات, كما تأكل النار الحطب.
3-
والسحب تلعب بالبروق كأنها ... قار على عجل يقلب مصحفا
ب- هات مثالا لكل واحد مما يأتي:
تشبيه وجهه من بديع المركب الحسي, تشبيه مبتذل تصرف فيه بما أخرجه إلى الغرابة, مجار مرسل علاقته المسببية، استعارة اجتمع فيها الترشيح والتجريد، استعارة تبعية مدار قرينتها على المفعول.
(3/352)

جـ- بين نوع الاستعارة فيما يأتي:
1- أنفقت عمري في رضاك.
2- "وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر"
3- قصر تعانق شرفاته السحاب.
د- بين نوع الكناية في كل مما يأتي:
1- قوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} .
2- قوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} .
3- قولهم في المديح: "فلان ساكن الريح".
4-
ولما شربناها ودبّ دبيبها ... إلى موطن الأسرار قلت لها قفي
5-
إذا كنت مرتاد السماحة والندى ... فسائل تخبر عن ديار الأشاهب
امتحان النقل من السنة الثالثة الثانوية، الدور الثاني، لسنة 1360 الدراسية:
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
1- افرق بين التشبيه المبتذل والغريب، وفصل القول في أسباب الابتذال والغرابة، وما معنى التفصيل في وجه الشبه، وما أحسن وجوهه، مع التمثيل لكل ما تذكر؟
2- اختلف علماء البيان في أن الاستعارة مجاز عقلي أو لغوي، فاشرح هذا الخلاف، واذكر أدلة كل من الطرفين، مع توجيه اختيار المصنف.
3- عرف كلا مما يأتي، مع التمثيل:
الاعتبار المناسب، الحال، الكناية، المجاز بالحذف، الترشيح، التجريد.
التطبيق:
أ- بين الغرض من التشبيه، ووجهه، وأداته فيما يأتي:
1- {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} .
2- الإمام العادل ظل الله في أرضه.
3-
كأن سهيلا والنجوم وراءه ... صفوف صلاة قام فيها إمامها
(3/353)

4- قولهم في ذم الشخص: إنه مثل السراب، يغر من رآه، ويخلف من رجاه.
ب- مثل لكل واحد مما يأتي:
تشبيه مجمل فيه وصف المشبه به فقط، تشبيه الغرض منه إظهار المطلوب، استعارة تمثيلية، استعارة تبعية ثم يحول مثالها إلى استعارة أصلية، مجاز مرسل علاقته الجزئية.
جـ- بين نوع المجاز، والاستعارة، والكناية فيما يأتي:
1- {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} .
2- قال أعرابي: دخلت البصرة, فإذا ثياب أحرار على أجسام عبيد.
3-
وقد أغتدى والليل يبكي تأسفا ... على نفسه والنجم للغرب ماثل
4-
يا كوكبا ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار
5-
أتتني لسان فكذبتها ... وما كنت أرهبها أن تقالا
امتحان النقل من السنة الثالثة الثانوية، الدور الأول، لسنة 1361 الدراسية:
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
1- اذكر أقسام الاستعارة باعتبار الجامع, ومثل لكل قسم، ولأي قسم منها مثل المصنف بالحديث الشريف: "خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه, كلما سمع هيعة طار إليها"؟ وما الذي أورده الشارح عليه؟ ثم أجر الاستعارة في قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا} .
2- تكلم عن أربعة أغراض من أغراض التشبيه تعود إلى المشبه, مبينا في كل غرض منها حال وجه الشبه في الطرفين, مع توضيح ذلك بالمثال.
3- اشرح معنى الاستعارة المكنية على رأي الجمهور من البلاغيين، وهل يشملها معنى المجاز اللغوي على هذا الرأي؟ وضح ذلك في قول
(3/354)

زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله
التطبيق:
أ- مثل لما يأتي: تشبيه مقيد الطرفين، تشبيه قريب أخرجه شرط فيه إلى الغرابة, تشبيه قيد أحد طرفيه، تشبيه تمثيل على مذهب السكاكي فيه، مجاز مرسل علاقته ما يئول إليه، استعارة مكنية مرشحة.
ب- ما الذي أخلّ بفصاحة الأمثلة الآتية:
1- قول المتنبي:
جفخت وهم لا يجفخون بهابهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل
2- قول حسان:
ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا ... من الناس أبقى مجده الدهر مطعما
3- قول أبي تمام:
جذبت نواه غدوة السبت جذبة ... فخر صريعا بين أيدي القصائد
جـ- بين نوع الكناية في قول أبي نواس:
يشير إليك الجود من وجناته ... وينظر من أعطافه حين ينظر
امتحان النقل من السنة الثالثة الثانوية لسنة 1362هـ الدراسية:
البلاغة الدور الأول "الزمن: ساعتان"
1- اذكر الفرق بين التعقيد اللفظي والمعنوي, ومثل لهما وبين وجه إخلالهما بالفصاحة, وكيف ترد على من زعم أن ذكر ضعف التأليف يغني عن التعقيد اللفظي؟
2- علام استشهد المصنف بقول الشاعر:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت
ثم بين المشبه والمشبه به ووجه الشبه في المثال.
3- اذكر أقسام التشبيه باعتبار طرفيه إفرادا وتركيبا, ومثل لكل قسم.
(3/355)

4- التطبيق:
أ- مثل للآتي: تشبيه ملفوف. مجاز مرسل علاقته اعتبار ما كان. استعارة تمثيلية.
ب- بين ما الذي أخلّ بالفصاحة في الآتي, مع التوجيه:
قال الشاعر:
إذا جاوز الاثنين سر فإنه ... بنشر وتكثير الوشاة قمين
وقال آخر:
وشوه ترقيش المرقش رقشة ... فأشياعه يشكونه ومعاشره
امتحان النقل من السنة الثالثة الثانوية "الدور الثاني" لسنة 1362-1363هـ الدراسية:
البلاغة "الزمن: ساعتان"
1- يقول المصنف: "وارتفاع شأن الكلام في الحسن, والقبول بمطابقته للاعتبار المناسب وانحطاطه بعدمها, فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب". اشرح هذه العبارة شرحا وافيا, وبين المراد من الاعتبار المناسب والمراد من الكلام والمراد من الحسن.
2- عرف تشبيه التمثيل, ومثل له, وبماذا قيده السكاكي؟ وافرق بين مذهبه وبين مذهب الجمهور, مع التمثيل.
3- اشرح معنى الاستعارة الوفاقية والعنادية, ومثل لهما, ثم بين تحت أيهما تدخل الاستعارة التهكمية, ووجه ما تقول مع التمثيل.
التطبيق:
أ- هات أمثلة لما يأتي: كناية أريد بها صفة. مجاز مرسل علاقته الحالية. استعارة تبعية، تشبيه ضمني، مجاز مركب، تكرار أخل بالفصاحة.
ب- في الحديث والبيت الآتيين مجاز وكناية, فبين نوع المجاز واذكر علاقته, ووضح الكناية وبين نوعها:
(3/356)

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لزوجاته الطاهرات: $"أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا".
وقال الشاعر:
ولما شربناها ودبّ دبيبها ... إلى موطن الأسرار قلت لها قفي
امتحان نقل السنة الثالثة من القسم الثانوي، الدور الأول، لسنة 1363 الدراسية:
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
القواعد:
1- اشرح المعاني الاصطلاحية للألفاظ الآتية, مع التمثيل:
التعقيد المعنوي، ضعف التأليف، تنافر الحروف, مقتضى الحال، المقام.
وهل يغني ضعف التأليف عن التعقيد اللفظي في تحقيق معنى فصاحة الكلام؟ ولماذا؟
2- قد يكون وجه الشبه مركبا حسيا, فما أنواع طرفي التشبيه حينئذ؟ اشرح ذلك مع التمثيل لكل نوع، ثم بين في مثال معنى التركيب في الوجه والطرفين، ولهذا الوجه أنواع بديعة، فصل القول في تلك الأنواع مع التمثيل.
3- قيل: إن الاستعارة من قبيل المجاز اللغوي, فما وجه ذلك؟ ثم بين بأي شيء تفارق الاستعارة الكذب، وهل تجري الاستعارة في علم الشخص؟ ولماذا؟ مثل لما تذكر.
التطبيق:
1- مثل لما يأتي:
تشبيه ملفوف، استعارة مكنية مرشحة, تشبيه مبتذل خرج إلى الغرابة، مجاز مرسل علاقته الإطلاق والتقييد.
2- بين أركان التشبيه، ونوع وجهه، وطرفيه, باعتبار التركيب والإفراد فيما يأتي:
(3/357)

قال عدي بن الرقاع يصف ظبية:
تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
وقال آخر:
تبني سنابكها من فوق أرؤسهم ... سقفا كواكبه البيض المباشير
امتحان نقل السنة الثالثة من القسم الثانوي، الدور الثاني لسنة 1363 الدراسية:
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
القواعد:
1- افرق بين التعقيد المعنوي واللفظي مع التمثيل، وبماذا ترد على من اشترط في فصاحة الكلام خلوصه من كثرة التكرار وتتابع الإضافات؟ وما ضابط التنافر المخل بفصاحة الكلمة؟ وما وجه الغرابة في كلمة "مسرج" في قول العجاج:
وفاحما ومرسنا مسرجا؟
وما معنى مطابقة الكلام لمقتضى الحال؟ مثل لما تقول.
2- اذكر معنى التشبيه القريب المبتذل، والتشبيه البعيد الغريب، وبين الأسباب التي يكون بها التشبيه قريبا، والأسباب التي يكون بها بعيدا، ومن أي النوعين التشبيه البليغ؟ وما وجه ذلك؟ ومتى يكون البعيد الغريب حسنا؟ وضح ما تذكر بالمثال.
3- بين معنى الاستعارة الوفاقية، والعنادية، ومن أي النوعين الاستعارة التهكمية، ثم اذكر معنى الاستعارة الغريبة، مع التمثيل, وعلى أي شيء استشهد المصنف بقول الشاعر:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح
مع بيان وجه الاستشهاد في البيت.
التطبيق:
1- مثل لما يأتي:
تشبيه تمثيل، مجاز مرسل علاقته اعتبار ما كان، كلام أخلّ
(3/358)

بفصاحته التعقيد اللفظي، كلام مطابق لمقتضى ظاهر الحال.
2- بين نوع التشبيه باعتبار حسية الطرفين أو عقليتهما، والغرض منه، وأجر الاستعارة في قول معن بن أوس يعاتب ابن عمه:
فما زلت في ليني له وتعطفي ... عليه كما تحنو على الولد الأم
وخفض له مني الجناح تآلفا ... لتدنيه مني القرابة والرحم
امتحان نقل السنة الثالثة من القسم الثانوي، الدور الأول لسنة 1364 الدراسية:
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
القواعد:
1- تكلم على أربعة أغراض من أغراض التشبيه تعود إلى المشبه, مبينا في كل غرض منها حال وجه الشبه في الطرفين، مع توضيح ذلك بالمثال.
2- اذكر أقسام التشبيه باعتبار الطرفين إفرادا وتركيبا, ممثلا لكل قسم منها، وافرق بين التشبيه المركب والمتعدد.
3- اذكر المراد من دخول الجامع في طرفي الاستعارة وعدم دخوله فيهما، مع التمثيل لكل منهما، وبين لأي قسم منهما مثل المصنف بالحديث الشريف: "خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه, كلما سمع هيعة طار إليها" وما الذي أورده الشارح عليه؟ ثم أجر الاستعارة في قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا} .
التطبيق:
1- ما الذي أخل بفصاحة الأمثلة الآتية:
قال الشاعر:
جفخت وهم لا يجفخون بهابهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل
(3/359)

وقال الآخر:
جذبت نداه غدوة السبت جذبة ... فخر صريعا بين أيدي القصائد
وقال الآخر:
ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا ... من الناس أبقى مجده الدهر مطعما
2- مثل لما يأتي:
تشبيه قريب أخرجه شرط فيه إلى الغرابة، تشبيه تمثيل على مذهب السكاكي، استعارة مكنية مرشحة، مجاز مرسل علاقته اعتبار ما يئول إليه.
3- بين نوع الكناية في البيت الآتي:
يشير إليك الجود من وجناته ... وينظر من أعطافه حين تنظر
امتحان نقل السنة الثالثة من القسم الثانوي، الدور الثاني لسنة 1364 الدراسية:
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
القواعد:
1- عرف البلاغة في الكلام، واشرح التعريف, مبينا معنى المطابقة، والحال، وبين الخلاف في مقتضى الحال، وهل يختلف معنى الحال باختلاف معنى المقتضى والمطابقة؟ وضح لما تقول بالمثال.
2- اشرح معنى اشتراك الطرفين في وجه الشبه تحقيقا, أو تخييلا مع التمثيل لما تقول، ثم بين وجه الشبه في قولهم: "النحو في الكلام كالملح في الطعام".
3- اشرح تعريف المجاز المركب، وبين هل يقع في غير الاستعارة؟ وبأي شيء يمتاز عن التشبيه التمثيلي؟ مع توضيح ما تقول بالمثال.
التطبيق:
1- بين نوع الاستعارة في المثالين الآتيين, وأجرها فيهما:
رأيت اليوم عمرو بن العاص يستعرض جيش مصر.
قولهم في المثل: "بيدي لا بيد عمرو".
(3/360)

2- بين وجه الشبه, والغرض من التشبيه في الأمثلة الآتية:
قال الله تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} .
وقال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب".
وقال الشاعر:
والسحب تلعب بالبروق كأنها ... قار على عجل يقلب مصحفا
3- هات أمثلة لما يأتي:
تشبيه مفروق، تشبيه تعدد فيه وجه الشبه، استعارة تمثيلية، تعقيد معنوي، كناية أريد بها صفة، مجاز مرسل مركب.
امتحان نقل السنة الثالثة من القسم الثانوي، الدور الأول لسنة 1365 الدراسية:
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
القواعد:
1- فصل القول في بيان الأمور التي إذا خلص منها الكلام كان فصيحا مع التمثيل.
2- بين معنى التشبيه المشروط، ومثل له، ولماذا سمي بذلك؟ وتحت أي أنواع التشبيه يندرج؟ ولماذا ومتى يكون التشبيه الغريب بليغا؟ وما أعلى مراتب التشبيه في المبالغة؟ ولماذا؟
3- اشرح مذهب الجمهور في الاستعارة بالكناية والاستعارة التخييلية, وهل بينهما تلازم على هذا المذهب؟ ولماذا؟ وما وجه تسمية التخييلية استعارة عندهم؟ ثم بين طريقة إجراء الاستعارة على مذهبهم في مثال.
(3/361)

التطبيق:
1- مثل لما يأتي:
تشبيه تمثيل، استعارة تبعية في اللام، كناية أريد بها صفة، مجاز مرسل علاقته الجزئية.
2- بين نوع المجاز, وقرينته فيما يلي:
خير الناس من يبني دينه, ولا يهدم دنياه.
شراء النفوس بالإحسان خير من بيعها بالعدوان.
3- بين نوع التشبيه, والغرض منه في قول الشاعر:
تحسنت الدنيا بوجه خليفة ... هو الصبح إلى أنه الدهر مسفر
امتحان نقل السنة الثالثة من القسم الثانوي، الدور الأول لسنة 1366 الدراسية:
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
القواعد:
1- فصل القول في بلاغة الكلام، وبين تفاوت مراتبه, ووضح منشأ هذا التفاوت، وعرف الاعتبار المناسب, وهل هو غير مقتضى الحال؟ وجه ما تقول.
2- وضح التشبيه الذي يكون وجه الشبه فيه مركبا حسيا، واذكر أقسامه مع التمثيل, وبين البديع الغريب منه بمثال تشرح فيه وجه الغرابة, وما المراد بالتركيب؟
3- اذكر أقسام الاستعارة باعتبار الطرفين, وبين وجه ذلك التقسيم ووضحه بالتمثيل, واشرح ما تكون به الاستعارة خاصية مع التمثيل.
التطبيق:
1- أ- بين التشبيه, والغرض منه في قول المتنبي:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
ب- من أي أقسام الاستعارة قوله تعالى:
{وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} ؟ وضح طريقة إجراء تلك الاستعارة.
(3/362)

2- مثل لما يأتي:
مجاز علاقته السببية، استعارة مطلقة، كناية عن نسبة، استعارة تمثيلية.
3- تكلم من علم البيان على ما يأتي:
{فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} .
وذي رحم قلمت أظفار ضغنه ... بحلمي عنه وهو ليس له حلم
امتحان نقل السنة الثالثة من القسم الثانوي، الدور الثاني لسنة 1366 الدراسية:
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
القواعد:
1- بين التنافر في الكلمة, واذكر ضابطه, واشرح الغرابة المخلة بفصاحة الكلمة مع التمثيل.
2- اذكر أغراض التشبيه, موضحا كلا منها بمثال.
3- قسم الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار, باسطا القول في دليل التبعية, وأجرها في قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} , وبين العلم الذي تجري فيه الاستعارة, ونوعها.
التطبيق:
1- مثل لما يأتي:
تشبيه مشروط، مجاز مرسل علاقته الكلية، استعارة بالكناية، كناية عن موصوف.
2- تكلم عن علم البيان, عما يأتي:
بيض صنائعنا سود وقائعنا ... ناسو بأموالنا آثار أيدينا
وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري
3- بين نوع التشبيه, ووجه الشبه فيما يأتي:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا ظهرت لم يبد فيهن كوكب
(3/363)

امتحان نقل السنة الثالثة من القسم الثانوي، الدور الأول لسنة 1368هـ "1949م"
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
القواعد:
1- اشرح التعقيد، واذكر سببه مع التمثيل، وبماذا ترد على من اشترط في فصاحة الكلام خلوصه من كثرة التكرار وتتابع الإضافات؟ ولم كان كل بليغ فصيحا دون العكس؟
2- عرف وجه الشبه, وبين التحقيقي منه والتخييلي مع التمثيل، واذكر الفرق بين وجه الشبه المركب ووجه الشبه المتعدد، وبين لم وجب أن يكون الطرفان حسيين إذا كان الوجه حسيا؟ ولم كان وجه الشبه العقلي أعم؟ ولم لا يجوز أن يكون وجه الشبه في قولهم: "النحو في الكلام كالملح في الطعام" كون القليل مصلحا والكثير مفسدا؟ وما وجه الشبه إذًا في قولهم هذا؟
3- بين الفرق بين الاستعارة والمجاز المرسل، واذكر مثالا فيه لفظ يصح أن يكون استعارة, وأن يكون مجازا مرسلا بحسب القصد مع بيان العلاقة إذا جعلته استعارة والعلاقة إذا جعلته مجازا مرسلا، ومثل للاستعارة التي معناها متحقق حسا والاستعارة التي معناها متحقق عقلا، وبين الاستعارة في قول الشاعر: "وسالت بأعناق المطي الأباطح" واذكر ما أفادها اللطف والغرابة.
التطبيق:
1- بين ما في هذه الأبيات من البيان:
قال بشار:
وكأن رجع حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا
حوراء إن نظرت إليـ ... ـك سقتك بالعينين خمرا
وتخال ما جمعت عليـ ... ـه ثيابها ذهابا وعطرا
2- مثل لما يأتي من إنشائك:
كناية عن نسبة، مجاز مرسل علاقته الجزئية، استعارة مرشحة.
(3/364)

امتحان نقل السنة الثالثة من القسم الثانوي، الدور الثاني لسنة 1368هـ، 1949م:
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
القواعد:
1- بين مخالفة القياس وضعف التأليف, ومثل لهما, واشرح تنافر الكلمات, ومثل له بمثالين أحدهما أشد تنافرا من الآخر.
2- قسم التشبيه باعتبار الطرفين من حيث الإفراد والتركيب مع التمثيل لكل قسم، وبين التشبيه المجمل والمفصل مع التمثيل.
3- اشرح رأي الخطيب والجمهور في الاستعارة بالكناية والاستعارة التخييلية, وأجر الاستعارة بالكناية على رأيهما, مبينا قرينتها في قول زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله
التطبيق:
1- بين ما في الأبيات من البيان:
قال أبو تمام يعاتب أبا سعيد محمد بن يوسف الطائي:
إذا ما الحاجة انبعثت يداها ... جعلت المنع منك لها عقالا
فأين قصائد لي فيك تأبى ... وتأنف أن أهان وأن أذالا
هي السحر الجلال لمجتليه ... ولم أر قبلها سحرا حلالا
2- بين المجاز المرسل, وعلاقته فيما يأتي:
قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ، وقال تعالى: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} .
وقال الشاعر:
إلا من رأى الطفل المفارق أمه ... بعيد الكرى عيناه تنسكبان
(3/365)

امتحان نقل السنة الثالثة من القسم الثانوي، الدور الأول لسنة 1369هـ، 1950م:
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
القواعد:
1- عرف البلاغة في الكلام, واشرح التعريف، مبينا معنى المطابقة والحال، وبين الخلاف في مقتضى الحال، وهل يختلف معنى الحال باختلاف معنى المقتضى والمطابقة؟ وضح ما تقول بالمثال.
2- اشرح معنى اشتراك الطرفين في وجه الشبه تحقيقا, أو تخييلا مع التمثيل لما تقول، ثم بين وجه الشبه في قولهم: "العلم كالنور".
3- وضح تعريف المجاز المركب، وبين هل يكون المجاز المركب غير استعارة؟ وبأي شيء يمتاز عن التشبيه التمثيلي؟ وضح ما تقول بالمثال.
التطبيق:
1- بين نوع الاستعارة في المثالين الآتيين, وأجرها فيهما:
"رأيت اليوم حاتما" "بيدي لا بيد عمرو".
2- بين وجه الشبه, والغرض من التشبيه في الأمثلة الآتية:
قال الله تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} ، وقال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب".
وقال الشاعر:
والسحب تلعب بالبروق كأنها ... قار على عجل يقلب مصحفا
2- هات أمثلة لما يأتي:
تشبيه مفروق، تشبيه تعدد فيه وجه الشبه، استعارة بالكناية، تعقيد معنوي، استعارة تبعية، كناية أريد بها صفة.
(3/366)

امتحان نقل السنة الثالثة من القسم الثانوي، الدور الثاني لسنة 1369هـ، 1950م:
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
القواعد:
1- عرف الغرابة، وتنافر الحروف ومثل لهما، وبين ما يعرف به كل منهما، ولم اشترط في الفصاحة الخلو منهما؟
2- اذكر أربعة من أغراض التشبيه ممثلا لكل منها، وافرق بين التشبيه المركب والمتعدد، والمفصل والمجمل، مع التمثيل.
3- اذكر المراد من دخول الجامع في طرفي الاستعارة، وعدم دخوله فيهما، مع التمثيل لكل منهما، وبين لأي قسم منهما مثل المصنف بالحديث الشريف: "خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه, كلما سمع هيعة طار إليها" وما الذي أورده الشارح عليه؟ ثم أجر الاستعارة في قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا} .
التطبيق:
1- ما الذي أخل بفصاحة الأمثلة الآتية:
قال الشاعر:
جفخت وهم لا يجفخون بهابهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل
وقال آخر:
جذبت نداه غدوة السبت جذبة ... فخر صريعا بين أيدي القصائد
وقال آخر:
ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا ... من الناس أبقى مجده الدهر مطعما
2- مثل لما يأتي:
تشبيه قريب تصرف فيه بما يجعله غريبا، تشبيه تمثيلي على مذهب السكاكي، استعارة مكنية مرشحة، مجاز مرسل علاقته اعتبار ما يئول إليه.
(3/367)

3- بين نوع الكناية في البيت الآتي:
يشير إليك الجود من وجناته ... وينظر من أعطافه حين تنظر
امتحان نقل السنة الثالثة من القسم الثانوي، الدور الأول لسنة 1370هـ، 1951م:
البلاغة الزمن المحدود للإجابة: ساعتان
القواعد:
1- أ- اذكر الفرق بين التعقيد اللفظي والمعنوي، وبين نوع التعقيد, ووجه قول العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتكسب عيناي الدموع لتجمدا
ب- ما المراد من الحال، والمطابقة، والمقتضى؟ وضح ذلك بمثال من إنشائك.
2- بين المراد من التركيب في وجه الشبه, ثم قسم المركب الحسي باعتبار الطرفين مع التمثيل لكل قسم, وبيان المشبه والمشبه به ووجه الشبه في مثالين مما تذكر.
3- أ- وضح الفرق بين الاستعارة المرشحة والمجردة والمطلقة، ولم كانت المرشحة أبلغ منهما؟ مع التمثيل لما تذكر.
ب- اشرح كلا من الاستعارة بالكناية والاستعارة التخييلية عند الخطيب, ثم أجر الاستعارة في قول الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
التطبيق:
1- بين المشبه, والمشبه به في قول حافظ يصف إشراق الشمس في مصر واحتجابها في إيطاليا:
شمسهم غادة عليها حجاب ... فهي شرقية حوتها الخدور
شمسنا غادة أبت أن توارى ... فهي غربية جلاها السفور
(3/368)

2- أجر الاستعارة في قول صفي الدين الحلي:
خلع الربيع على غصون البان ... حللا فواضلها على الكثبان
3- مثل لما يأتي:
مجاز مرسل علاقته المحلية، تشبيه مبتذل تصرف فيه بما يجعله غريبا، استعارة تبعية مرشحة.
4- بين نوع الكناية في قول الشاعر:
قوم ترى أرماحهم يوم الوغى ... مشغوفة بمواطن الكتمان
تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله
(3/369)

موضوعات الكتاب:
صفحة الموضوع
5 تمهيد بنشأة العلوم البلاغية
15 وجه الحاجة إلى دراستها
18 الفصاحة والبلاغة
21 فصاحة الكلمة
32 فصاحة الكلام
49 فصاحة المتكلم
58 البلاغة
59 بلاغة الكلام
65 اختلاف مقتضيات الأحوال
68 مراتب البلاغة
69 بلاغة المتكلم
77 علم البيان: واضعه، موضوعه، فائدته
78 المبحث الأول في تعريفه
82 المبحث الثاني في الدلالة
90 المبحث الثالث في التشبيه
97 التقسيم الأول باعتبار طرفيه
101 التقسيم الثاني باعتبار طرفيه
108 التقسيم الثالث باعتبار طرفيه
116 مبحث وجه الشبه
119 التقسيم الأول باعتباره
126 التقسيم الثاني
131 التقسيم الثالث
137 فصل في الوجه المركب الحسي
142 التقسيم الرابع
146 التقسيم الخامس
150 التقسيم السادس
162 مبحث أداة التشبيه
167 تقسيم التشبيه باعتبار الأداة
170 مبحث أغراض التشبيه
183 تقسيم التشبيه باعتبار الغرض
191 التشبيه والتشابه
194 مراتب التشبيه
197 الاختلاف في صيغة التشبيه
208 المبحث الرابع في الحقيقة والمجاز
208 الحقيقة
211 المجاز، المفرد
214 الوضع
215 القول بدلالة اللفظ لذاته
219 الاستعارة
220 ما لا بد منه لتحقيقها
224 الاستعارة لا تصح في علم الشخص
224 فصل في نحو خالد أسد
228 الاستعارة مجاز لغوي لا عقلي
232 الاستعارة تفارق الكذب
232 قرينة الاستعارة
237 تقسيم الاستعارة باعتبار الطرفين
239 تقسيمها باعتبار الجامع
245 تقسيمها باعتبار الطرفين والجامع
250 تقسيمها باعتبار ذكر أحد طرفيها، الاستعارة التصريحية
250 الاستعارة الأصلية
253 الاستعارة التبعية، الاستعارة في الفعل
255 الاستعارة في المشتقات
256 دليل التبعية
258 الاستعارة في الحرف
(3/370)

صفحة الموضوع
263 قرينة التبعية
266 تقسيم الاستعارة إلى مرشحة ومجردة ومطلقة
272 موازنة بين هذه الثلاثة
275 الاستعارة المكنية
279 قرينة المكنية
294 المجاز المرسل
294 علاقات المجاز المرسل
309 المجاز المركب
320 فصل في شرائط حسن الاستعارة
325 فصل آخر في المجاز بالحذف والزيادة
326 المبحث الخامس في الكناية
330 أقسام الكناية
336 بحث للسكاكي في بعض أنواع الكناية
346 خاتمة في أبلغية المجاز والكناية والاستعارة
352 أسئلة وامتحانات رسمية
(3/371)