Advertisement

المنهاج الواضح للبلاغة 005

المجلد الخامس
علم البيان
مدخل
...
علم البيان:
البيان -لغة- الكشف والإيضاح، وهو أيضا: المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير -يقال: فلان أبين من فلان، أي أفصح وأوضح كلاما.
وهو في الاصطلاح: علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه.
ومعنى: إيراد المعنى الواحد بالطرق المختلفة في الوضوح: أن يعبر عنه بجعلة تراكيب، بعضها أوضح دلالة عليه من بعض -سواء أكانت هذه التراكيب من قبيل التشبيه، أم المجاز، أم الكتابة.
فالمعنى الواحد، كالجود" مثلا يمكن أن يؤدي بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه.
فتارة: من طريق التشبيه، فتقول: "محمد كالبحر في الامداد": وتقول: "محمد كالبحر" وتقول "محمد بحر" فهذه تراكيب ثلاثة دالة على معنى "الجود" وبعضها أوضح في الدلالة عليه من بعض، فأوضحها ما صرح فيه بوجه الشبه والأداة جميعا كما في المثال الأول، ويليه وضوحا ما صرح فيه بأحدهما كما في المثال الثاني، وأقلها وضوحا ما لم يصرح فيه بواحد منهما كما في المثال الأخير.
وتارة: من طريق المجاز، فتقول: "رأيت بحرا في منزلنا" تريد محمدا مثلا، فتشبيه بالبحر في الامداد، ثم تستعير له لفظ "البحر" كما ستعرفه بعد في الاستعارة التحقيقية، وتقول: "لجة محمد تتلاطم بالأمواج" فاللجة والتلاطم بالأمواج من أوصاف البحر، مما يدل على تشبيه محمد به -وتقول: عمر محمد بفضله الأنام، فالغمر من أوصاف البحر، مما يدل أيضا على أن محمدا مشبه بالحبر، والمثالان
(5/5)

الأخيران من قبيل الاستعارة المكنية -على ما سيأتي- وأوضح هذه الطرق الأول، ويليه وضوحا الثاني، وأقلها وضوحا الثالث1.
وتارة أخرى: من طريق الكناية، فتقول "محمد كثير الرماد"، و"هو مهزول الفصيل"، "وهو جبان الكلب" فهذه تراكيب ثلاثة دالة على معنى "الجود" لأن كثرة الرماد، من كثرة إحراق الحطب للطبخ، من أجل الضيفان، وهزال الفصيل يكون بإعطاء لبن أمه للأضياف، أو بنحرها لهم -وجبن الكلب يكون لكثرة الواردين عليه من الضيوف، وأوضح هذه الطرق الأول، ويليه الثاني، ثم الثالث كما سنذكره بعد.
تنبيه: اعلم أن في التعريف تقييدين -تقييد المعنى "بالواحد" وتقييد الاختلاف "بوضوح الدلالة".
أما التقييد الأول: فالغرض منه: الاحتراز عن المعاني المتعددة المؤداة بطرق متفاوتة في وضوح الدلالة عليها: بأن يكون تركيب في معناه أوضح دلالة من تركيب آخر في معناه، كأن تعبر عن "الجود" بقولك: "محمد كالسحاب في الفيض" ثم تعبر عن معنى "الشجاعة فيه" بقولك: "مر بي أسد فحياني"، فمن الواضح: أن التركيب الأول في معناه أوضح دلالة من الثاني في معناه- ومثل هذا ليس من علم البيان في شيء، لأن المعنى في العبارتين مختلف -والشرط أن يكون المعنى فيهما واحدا- كما عرفت.
وأما التقييد الثاني: فالقصد منه الاحتراز عن الاختلاف في مجرد اللفظ لا في وضوح الدلالة- كما إذا أوردت معنى واحدًا في تركيبين مترادفين، وأنت عالم
__________
1 أما أوضحية الأول فلظهور التجوز فيه بسبب التصريح باسم المشبه به، وأما الثاني والثالث فلخفاء التجوز فيهما لعدم التصريح باسم الشبه به -غير أن الثاني أوضح دلالة من الثالث لاشتماله على وصفين للمشبه به واشتمال الثالث على وصف واحد.
(5/6)

بمدلولات الألفاظ فيهما. كأن تقول مثلا: "نشر فم محمد كنفح الطيب" ثم تقول: "ريح ثغر محمد كأريح العطر، فمثل هذا أيضا ليس من مباحث علم البيان، لأن التركيبين متماثلان في وضوح الدلالة على المعنى، والاختلاف فيهما إنما هو في اللفظ والعبارة فقط -والشرط أن يكون الاختلاف في وضوح الدلالة على المعنى كما سبق.
الدلالة العقلية:
هي أن يدل اللفظ على جزء المعنى الموضوع له، أو على لازم معناه فالأول كدلالة لفظ "إنسان" على الحيوان، أو على الناطق، وتسمى هذه الدلالة: "تضمنية" لأن الحيوان أو الناطق جزء معنى الإنسان، وداخل في ضمنه والثاني كدلالة لفظ "إنسان على الضاحك، وكدلالة لفظ "أسد" على الجرى، ودلالة لفظ "حاتم" على الجود -وتسمى هذه الدلالة: "التزامية" لأن الضحك ليس معنى الإنسان، ولا جزء معناه، وإنما هو أمر خارج عن معناه لازم له، وكذلك الجرأة للأسد، والجود لحاتم، فكلاهما لازم للمعنى الموضوع له.
غير أن البيانيين اصطلحوا على تسمية كل من التضمنية والالتزامية "عقلية" لأن دلالة اللفظ على جزء معناه، أو على لازم هذا المعنى متوقفة على أمر عقلي هو أن وجود الكل، أو الملزوم يقتضي عقلا وجود الجزء أو اللازم.
هذا: والدلالة العقلية بنوعيها هي المقصود بالبحث في هذا لافن إذ هي التي يتأتى بها الاختلاف في الوضوح الذي هو موضوع هذا الفن.
ثم إن الغرض من معرفة هذا الإيراد: أن يحترز المتكلم عن الخطأ في تأدية الكلام، بحيث لا يورد من الكلام ما يدل على مقصوده دلالة خفية، عند اقتضاء المقام دلالة واضحة كأن يكون المخاطب غبيا، أو دلالة واضحة، عند اقتضاء المقام دلالة خفيةن كالخطاب مع الذكي.
(5/7)

مبحث التشبيه
منزلة التشبيه من علم البيان
...
مبحث التشبيه:
منزلته من الاستعارة: اعلم أن اللفظ قد يستعمل في معنى لم يوضع له وهذا الاستعمال إن صحبته قرينة مانعة من إرادة المعنى الموضوع له كان اللفظ "مجازا" إذ قد تجوز به من المعنى الموضوع له إلى المعنى المراد -ولا بد- مع هذا- من وجود علاقة بين المعنى المنقول عنه اللفظ والمعنى المنقول إليه، فإذا كانت العلاقة المشابهة سمي اللفظ حينئذ استعارة" كما في نحو: "رأيت أسدا يخطب" فغن لفظ "أسد" مستعمل في الإنسان الجرئ، وهو معنى لم يوضع له لفظ "أسد"، والعلاقة بين المعنيين مشابهة الإنسان للأسد في وصف الجرأة.
فالتشبيه إذن سابق عن الاستعارةن ضرورة أنها مبنية على المبالغة في التشبيه، فهو إذن منها بمثابة الأساس من البناء، أو بمنزلة الأصل من الفرع -ومن هنا يعلم وجه تقديم بحثه على بحث المجاز.
منزلة التشبيه من علم البيان:
اعلم: أن التشبيه من فنون البلاغة، له شأنه وخطره، فهو يدني القصين ويذلل العصي، ويكشف الخفي، ويكسب المعاني رفعة وشرفا، ويكسوها روعة وفخامة، ويبرزها في معارض الحس والعيان -وهو- إلى ذلك- كثير المباحث، متشعب النواحي.
وإليك جملة من الشواهد في مزايا التشبيه، تريك إجمالا منزلته من علم البيان، قال البحتري1:
دان على أيد الغفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضريب
__________
1 هو أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي الشاعر المطبوع أشهر من استحق لقب شاعر بعد أبي نواس، ومن أحسن قوله:
دنوت تواضعا وعلوت مجدا ... فشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامي ... ويدنو الضوء منا والشعاع
(5/8)

كالبدر أفرط في العلو وضوؤه ... العصبة السارين جد قريب1
فقد ادعى الشاعر في البيت الأول: الجمع بين معنيين متدافعين، عما قوله: دان وشاسع، وهو أمر -في بادئ الرأي- لا يكاد يقره العقل، أو تؤمن به النفس، ثم ما لبث أن أراكهما بهذا التمثيل الرائع في البيت الثاني إلفين متعانقينن فإن البدر -مع شاسع بعده، وفرط علوه -ماثل بين أيدينا بضوئه، فهو بعيد قريب، لهذا لم يسع العقل إلا أن يقر، ولا النفس إلا أن تؤمن -وقال ابن لنكك:
إذا أخو الحسن أضحى فعله سمجا ... رأيت صورته من أقبح الصور
وهبه كالشمس في حسن ألم ترنا ... نفر منها إذا مالت إلى الضرر2
فأنت تراك في البيت الأول تقف موقف الحائر المتردد، وكيف ينقلب ذو الوسامة الصبيح مشوه الخلق، تتقزز لمرآه النفوس -حتى إذا ما جاوزته إلى البيت الثاني آمنت بالأمر إيمانا لا يرقى إليه شك -وقال ابن الرومي3:
__________
1 "العفاة" جمع عاف، وهو الطالب المعروف، و"الشاسع" البعيد. "والند" المثل والنظير، ومثله الضريب، وقد عطف على الند عطف تفسير. و"العصبة" "الطائفة من الناس، "السارين" جمع سار وهو السائر ليلا، و"جد قريب" على معنى. قريب جدا.
2 "السمج" على زنة كتف القبيح، "هبه" فعل أمر بمعنى: افرضه وقولهم: هب أنه كذا تعبير خاطئ، لعدم ورود السماع بذلك.
3 هو أبو الحسن على بن العباس مولى بني العباس الشاعر المكثر المطبوع صاحب النظام العجيب، والمعاني المخترعة، والأهاجي المقذعة -ومن معانيه البديعة قوله:
وإذا امرؤ مدح امرءا لنواله ... وأطال فيه فقط أطال هجاءه
لو لم يقدر فيه بعد المتقى ... عند الورود لما أطال رشاءه
(5/9)

بذل الوعد للأخلاء سمحا ... وأبي بعد ذاك بذل العطاء
فغدا كالخلاف يورق للعين ... ويأبى الإثمار كل الإباء1
يحدثنا الشاعر عن إنسان يبذل لك الوعد في سخاء، بينما تراه يتخلف عن ركب الأوفياء، ثم مالبث أن أراكه عيانا في شجرة الصفصاف، يبهرك رواؤها -بينما تراها عقيما لا تلد، ولا تثمر -وقال أبو تمام2:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود3
يذكر لنا الشاعر: أن الفضيلة مثار حقد وحسد من فاقديها، فإذا قدر لفضيلة أن تنشر مطارفها على الناس، بعد أن طويت أجراها على لسان حسود حاقد، فهو كفيل أن يذيع أمرها، وينشر عبيرها، بما يبديه من غيظ وحنق، ثم وضع هذا المعنى في إطار بديع، فأرانا بالعين ذلك المعنى في كمين عرف الطيب، يثيره حر اللهيب -ثم انظر إلى قوله:
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب يتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد4
__________
1 "السمح" الكريم. و"الخلاف" ككتاب شجر الصفصاف.
2 هو حبيب بن أوس الطائي أسبق الشعراء الثلاثة الذين سارت بذكرهم الركبان"، وخلد شعرهم الزمان: ثانيهم البحتري، وثالثهم المتنبي"، ومن أبياته السائرة قوله:
ولو صورت نفسك لم تردها ... على ما فيك من كرم الطباع
3 نشر الفضيلة إذاعتها بين الناس، أتاح لها هيا لها، وعرف العود رائحته.
4 مخلق من أخلق الشيء أبلاه، "والديباجتان" صفحتا الخدين، والمراد: عامة الوجه ولذا أعاد الضمير عليهما مفردا في "يتجدد" و"السرمد" الدائم.
(5/10)

وقس حالك، وأنت في البيت الأول، ولم تنته إلى الثاني: بحالك، وقدانتهيت إليه، ووقفت ببصرك عليه، فإنك -لا ريب- مدرك مدى تمكن المعنى في نفسك.
كما تدرك الفرق بين أن يقول لك قائل: "الدنيا لا تدوم، ثم يسكت، وبين أن يذكر عقبيه قوله صلى الله عليه وسلم: من في الدنيا ضيف، وما في يده عارية، والضيف مرتحل، والعارية مؤداة، أو أن ينشد قول لبيد1:
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد يوما أن ترد الودائع
كما ترى الفرق واضحا بين أن يقول قائل: أرى قوما لهم منظر، وليس لهم مخبر ويقطع الكلام، وبين أن يشفعه بنحو قول ابن لنكك:
في شجر السرو منهم مثل ... له رواء وما له ثمر2
وهل تراك لو بالغ لك أحد في وصف أيام بالقصر فقال: أيام كأقصر ما يتصور، أكنت تجد لك من الأنس في نفسك ما تجده في نحو قولهم: "أيام كأباهيم القطا"، أو في نحو قول الشاعر:
ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب3
فأنت في كل ذلك ترى المعنى في الحالة الثانية أسمى شرفا، وأشد وقعا، وأرسخ قدما منه في الحالة الأولى- ذلك لما يحصل للنفس من الإنس بإخراجها من خفي إلى جلي، ومن معقول إلى محسوس، ومما لم تألفه إلى ما ألفته، ومما لم تعلمه إلى ما هي به أعلم.
__________
1 هو أبو عقيل لبيد بن ربيعة العامري أحد أشراف الشعراء المجيدين، والقواد البواسل المعمرين. نشأ جوادا شجاعا فاتكا وهو القائل:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
2 "السرو" نوع من الشجر ذو رونق ولكنه لا يثمر.
3 "سالفة الذباب" مقدم عنقه، يريد: أن اليوم يحكيها في القصر.
(5/11)

إلى غير ذلك من روائع التشبيه وفضائله، حتى إنك لتجد فيه من قوة تأثيره في النفس، ومبلغ أسره للقلب مالا تقوى على دفعه، وهو فوق ذلك يكسب اللفظ حلاوة وطلاوة، ويضفي على المعنى من الروعة وإليهاء، ما يبهر القلب، ويأسر اللب.
(5/12)

تعريف التشبيه:
هو -في اللغة: الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى -ومعناه- في الاصطلاح: الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى1 بإحدى أدوات التشبيه لفظا، أو تقديرا -فالأمر الأول هو "المشبه" والثاني هو "المشبه بـ" ويسميان الطرفين، والمعنى المشترك بينهما يسمى: "وجه الشبه" كما تقول: "القواد البواسل كأسود الشرى في الجرأة"، ففي هذه دلالة على مشاركة أمر هو "القواد البواسل"، لأمر هو "أسود الثرى" في معنى هو "الجرأة" بإحدى أدوات تشبيه وهي "الكاف".
ويجوز حذف الوجه مع بقاء الأداء فتقول: "القواد البواسل كأسود الشرى" ويجوز العكس، أي حذف الأداء، مع بقاء الوجه، فتقول: "القواد البواسل أسود الشرى في الجرأة" ويجوز حذفهما جميعا، فتقول: القواد البواسل أسود الشرى -ويكون المشبه به في الصورتين الأخيرتين أحد الأنواع الآتية:
أ- يكون خبرا للمشبه كما مثلنا من نحو "القواد البواسل أسود الشرى" "بدعوى الاتحاد بين الطرفين مبالغة في التشبيه -وكما في قولهم: "فلان بطانة فلان" مبالغة في تشبيهة ببطانة الثوب في قوة الملازمة، وقد يحذف المشتبه في هذه الحالة لقرينة كما في قول عمران بن حطان2:
__________
1 احترز به عن المشاركة في عين فلا يسمى تشبيها.
2 هو من شعراء الخوارج، ويؤثر عنه أنه لم يكذب في شعره قط قالت له امرأته يوما: ألم تزعم أنك لا تكذب في شعرك؟ قال بلى.. فقالت: أرأيت قولك:
وكذلك مجزأة بن ثو ... ر كان أشجع من أسامه
أيكون رجل أشجع من أسد؟ قال لعم: إن مجزأة بن ثور فتح مدينة كذا والأسد لا يقدر على ذلك.
(5/12)

أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صغير الصافر1
يريدك هو أسد، وكقوله تعالى: "صم بكم عمي فهم لا يعقلون" على تقدير: هم صم..إلخ.
ب- يكون خبرا لما دخل على المشبه من النواسخ. أو مفعولا ثانيا له.
فالأول نحو قولك: "كان محمد شجي في حلوق أعدائه، وقذى في حيوان حساده"، فكل من "شجي" وقذى" مشبه به، وقد وقع خبرا "لكان" -ومنه قول البحتري:
بنت بالفضل والعلو فأصبحت سماء وأصبح الناس أرضا
فكل من "سماء وأرضا" مشبه به، وكلاهما واقع خبرا لأصبح.
والثاني نحو قول الشاعر:
حسبت جماله بدرا منيرا ... وأين البدر من ذاك الجمال؟
وكما تقول: حمل خالد على الأعداء، فخلته أسدا، فكل من "بدرا وأسدا" مشبه به، وقع وقع الأول مفعولا ثانيا "لحسب"، ووقع الثاني مفعولا ثانيا "لخال".
جـ- يكون حالا من المشبه، أو صفة له- فالأول كقولك: "كر عنترة على الأعداء أسدا" فلفظ أسدا" هو المشبه بهن وقد وقع حالا من عنترة -ومنه قول الشاعر:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا2
__________
1 "فتخاء" مؤنث أفتخ من الفتخ بالفتح، وهو استرخاء المفاصل ولينها يريد نعامة مسترخية الجناحين.
2 "الخوط" بضم الخاء الغصن، و"البان" نوع من الشجر، و"رنت" من الرلو وهو إرادة النظر.
(5/13)

فالمشبه ضمير المرأة المستتر في الأفعال المذكورة، والمشبه به هو ما ذكر من تلك الأحوال -والثاني نحو "جلست إلى محمد فإذا هو رجل بحر"، تريد: في العلم "فبحر" مشبه به وهو وصف لرجل.
د- يكون مضافا للمشبه كما تقول: "لؤلؤ ثغره يبهر العين، وورد خده يتضوع أريجا" تريد: ثغيره الشبيه باللؤلؤ، وخده يبهر العين، وورد خده يتضوع أريجا" تريد: ثغيره الشبيه باللؤلؤ، وخده الشبيه بالوردن ويقول الشارع:
أقحران معانق لشقيق ... كثغور تعض ورد الخدود1
يريد: الخدود الشبيهة بالورد في الحمرة، ومنه قول الشاعر:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين لماء2
يريد: الماء الشبيه باللجين في البياض والصفاءن وقد أضيف المشبه به في هذا المثل كما ترى.
هـ- يكون مصدرا مبينا لنوع المشبه كما في قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} أي تمر مرًا كمر السحاب في سرعتها، فالمشبه هو المصدر المحذوف، وقد بين نوعه بالمشبه به الذي هو المصدر المذكور المضاف -ومثله قول أبي العلاء3.
هرب النوم عن جفوني فيها ... هرب الأمن عن فؤاد الجبان
يريد: هربا كهرب الأمن -وكأن تقول: فلان يهدر هدير الحمام، ويزأر زئير الأسود، ومثل هذا أكثر من أن يحصى.
__________
1 الأقحوان: بضم الهمزة والحاء نبت ذر رائحة طيبةن والشقيق نبت ذر زهر أحمر.
2 "الأصيل" هو الوقت ما بين العصر إلى الغروب، وهو وقت تعتدل فيه الريح واللجين الفضة.
3 هو أحمد بن عبد الله سليمان المعري الشاعر الفيلسوف، عربي النسب وبيته بيت علم وقضاء، قال الشعر وعمره إحدى عشرة سنة وقبل موته أوصى أن يكتب على قبره:
هذا جناه أبي علي ... وما جنيت على أحد
(5/14)

و ويكون مبينا بالمشبه -كما في قول الشاعر:
فما زلت في ليلين شعر وظلمة ... وشمسين من خمر ووجه حبيب
فالمشبه به في الشطر الأول هو "الليل" وقد بين بالمشبه، وهو "الشعر" والمشبه به في الشطر الثاني هو "الشمس" وقد بين المشبهين: الخمر ووجه الحبيب- ومثله تماما الشطر الأول من قول الشاعر:
ودخلت في ليلين فرعك والدجى ... ولئمت كالصبح المنور فاك1
وعليه قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ، فالمشبه به هوالخيط الأبيضن وقد بين بالمشبه، وهو "الفجر" يريد: حتى يبدو لكم الفجر كالخيط الأبيض- ولزم بطريق المقابلة: أن يشبه الليل بالخيط الأسود ليكون المعنى: حتى يتبين لكم بياض النهار من سواد الليل.
إلى هنا وضح لك من كل هذه الأمثلة والشواهد. أنه لا بد في التشبيه الاصطلاحي من ذكر الطرفين، ولن تقديرا2، على وجه ينبئ عن التشبيه: بألا يستقيم المعنى إلا بالحمل على التشبيه كما في الأمثلة المذكورة -وأنه لا بد فيه من أداة التشبيه ملفوظا بها، أو مقدرة في الكلام- على ما رأيت.
ولهذا لا يعتبر من التشبيه الاصطلاحي3: الاستعارة بأنواعها- عل ما سيأتي كما لا يعد منه: التشبيه على طريق التجريد، في بعض صوره، وهو ما كان المنتزع فيه غير المنتزع منه كما تقول: "لقيت بخالد أسدا، وغمرني منه بحر". فقد بولغ في تشبيه خالد بالأسد حتى جعل أصلا جرد منه أسد -كما بولغ في تشبيهه بالبحر، بحيث جعل
__________
1 قائله أحمد شوقي، "والفرع" الشعر وسمى بذلك لأنه متفرع من الإنسان والدجى" جمع دجية وهي القطعة من الليل.
2 كما سبق في بيت ابن حطان. أسد علي إلخ، وفي آية: صم بكم إلخ.
3 أما التشبيه بالمعنى اللغوي فلا تخرج الاستعارة عنه.
(5/15)

أصلا انتزع منه بحر -ففي المثالين تشبيه ضمني مضمر في النفس والمنتزع فيهما غير المتنزع منه1.
أما عدم اعتبار الاستعارة من التشبيه الاصطلاحي فلخلوها من ذكر أحد الطرفين وهو المشبه "في الاستعارة التحقيقية" نحو: "أقبل الأسد شاكي السلاح"- والمشبه به "في الاستعارة المكنية" نحو: "عين العناية ترعاك" على ما سيأتي بيانه- ولخلوها أيضا من ذكر الأداة لفظا وتقديرا".
وأما عدم اعتبار التجريد المذكور تشبيها اصطلاحيا فلعدم ذكر الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه، ولخلوه أيضا من أداته في اللفظ والتقدير2.
فكلاهما ليس من التشبيه الاصطلاحي في شيء -ويمكن الاحتراز عنهما بقولنا في التعريف. بإحدى أدوات التشبيه لفظا أو تقديرا.
__________
1 أما بعضها الآخر، وهو ما كان المنتزع عين المنتزع منه فليس داخلا في التشبيه أصلا لعدم دلالته على المشاركة كما في قوله تعالى: "لهم فيها دار الخلد" فقد انتزعت دار الخلد من جهنم، وهي عين دار الخلد لأشبيهة بها.
ومثله: في قولهم لي من فلان صديق حميم، فقد جرد من فلان صديق حميم وكلاهما عين الآخر لا شبيه به.
2 قيل: هو تشبيه حقيقة لذكر الطرفين فيه إذ يمكن التحويل فيه إلى هيئة التشبيه أولا قصد التجريد وسيأتي أن التحقيق خلافه.
(5/16)

أركان التشبيه:
1- ما أريد إثبات الصفة له، ويسمى "مشبها".
2- ما وضحت فيه الصفة، ويسمى: "مشبها به"، وكلاهما يسميان: "طرفي التشبيه، أي الشيئين اللذين قصدا بالتشبيه.
3- الصفة التي قصد إثباتها للمشبه، وتسمى: "وجه شبه" وهو المعنى الجامع بين الطرفينن أي المشترك بينهما.
(5/16)

4- الكلمة التي أفادت معنى المماثلة. وتسمى: "أداة التشبيه".
وهذه الأربعة هي قوام التشبيه وعماده -فقولك: "يد فلان كالبحر في تدفقه" تشبيه. والمشبه هو "اليد" والمشبه به هو "البحر" ووجه الشبه هو "التدفق"، وأداة التشبيه هو الكاف- ومن هنا نعلم أن:
في التشبيه ثلاثة مباحث:
1- مبحث الطرفين.
2- مبحث وجه الشبه.
3- مبحث أداة التشبيه.
مبحث الطرفين:
الطرفان هما -على ما علمت- المشبه والمشبه به، والتشبيه -باعتبارهما- عدة تقسيمات: منها.
التقسيم الأول:
ينقسم التشبيه باعتبار حسية الطرفين، وعقليتهما أربعة أقسام:
1- أن يكون طرفاه حسيين، أي مدركين بإحدى الحواس الخمس.
فمثال ما يدرك بحاسة البصر قولك: وجه هند كالبدر، وقدها كالرمح، وشعرها كالليل.
ومثال ما يدرك بحاسة السمع قولك: "أسمع صوتا كأغاريد البلابل، أو كدوي الرعد، أو كأنين الثكلى- ومنه قول الشاعر يصف ساقية:
وساقية نزلت بها والفى ... أودعه كتوديع المروع
فصوت أنينها يحكى أنيني ... وفيض دموعها يحكى دموعي
(5/17)

ومثال ما يدرك بحاسة الشم قولك: "شذا عرف ليلى كأريج المسك، وريح ثيابها كريح الخزامي"1.
ومثال ما يدرك بحاسة الذوق قولك: "رضاب سلمى كلعاب النحل، وعصير لحصرم كالخل".
ومثال ما يدرك بحاسة اللمس قول ذي الرمة2 يصف امرأة بنعومة البشرةن ورخامة الصوت:
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي -لا هراء ولا نزر3
وقولك: بشرة فلان كجلد القنفذ -فالطرفان في هذه المثل جميعها حسيان، وأوجه الشبه فيها واضحة، لا تحتاج إلى بيان.
2- أن يكون الطرفان عقليين، أي مدركين بالعقل كقولهم: "العلم كالحياة" "والجهل كالموت" و"الضلال كالعمى" -فالطرفان في هذه المثل لا يدركان بغير العقل- ووجه الشبه في الأول: "الأثر الجليل"، وفي الثاني: "فقدان النفع" وفي الثالث: "عدم الاهتداء".
3- أن يكون المشبه عقليا والمشبه به حسيا كقولهم في شبيه الخلق القويم والطبع الكريم: خلق كشذا العطر، وطبع كأنفاس الزهر، وكقولك في تشبيه الرأي الواضح والحظ العاثر "رأى كفلق الصبح"، و"حظ كسواد الليل"، ومنه قول الشاعر:
الرأي كالليل مسود جوانبه ... والليل لا ينجلي إلا بإصباح
4- أن يكون المشبه حسيا، والمشبه به عقليا كما في قول الشاعر:
__________
1 هو نبت له زهر طيب الرائحة.
2 هو غيلان بن عقبة شاعر أموي.
3 "رخيم الحواشي" في أطرافه لين وتكسر، "والهاء" بضم الهاء الكلم الكثير الفاسد و"النزر" الكلام القليل يريد أنه لا يكثر في الكلام إلى حد الهذيان، ولا يعقل منه إلى درجة العي.
(5/18)

وأرض كأخلاق الكريم قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا1
يقول: رب أرض رحبة الجنبات قطعتها في ليل تألق نجمه -شبه الأرض بالخلق الكريم في الرحابة والسعة، بتقدير المعقول محسوسا، واعتباره أصلا في وجه الشبه، يقاس به مبالغة، وإلا فإن إلحاق المحسوس بالمعقول قلب للأوضاع2، وجعل للفرع أصلا، والأصل فرعا، وهو لا يجوز، ولا يستسيغه عقل لولا قصد المبالغة -ومن الطريف في ذلك قول الشاعر:
وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم
فالفتك الأول حسي باعتبار متعلقه، والثاني عقلي، وهو من أحاسن التشبيهات وأبدعها، وأشدها في النفس وقعا -ومثله قول الصاحب:
أهديت عطرا مثل طيب ثنائه ... فكأنما أهدى له أخلاقه
تنبيه:
من الحسي: مالا تدركه الحواس بذاته، ولكن تدرك مادته، ويسمى: خياليا، وهو الشيء المعدوم خارج الأعيان الذي ركبته المتخيلة من أمور مدركة بالحس الظاهر كما في قول أبي الغنائم الحمصي:
خود كأن بنانها ... في خضرة النقش المزرد
سمك من البلور في ... شبك تكون من زبرجد3
__________
1 السماك نجم، وهو مفعول والليل فاعله، الضمير في "أبصرط عائد على "السماك" وتكحيل الليل له على معنى أن الليل إذا اشتدت ظلمته ازداد السماك تألقا كان الليل كحل بسواده.
2 ذلك أن الأمور العقلية مستفادة من طريق الحواس فالحواس إذن أصل لها كحدوث العالم مثلا فهو أمر عقلي أدركه العقل من تغيره المدرك بحاسة البصر ولولاها ما أدركه، ولذا قالوا من فقد حسا فقد علما فتشبيه المحسوس بالمعقول حينئذ قلب للأوضاع سوغه قصد المبالغة.
3 "الخود" بفتح الخاء الشابة الحسناء "والبنان" أطراف الأصابع، "والبلور" معدن شفاف، و"الزبرجد" جوهر نفيس.
(5/19)

شبه الشاعر هيئة بنانها، مع ما عليها من نقش منسق أخضر: بهيئة سمك مصنوع من البلور: داخل شبك مصنوع من زبرجد -فليس من شك أن صورة المشبه به المذكورة شيء خيالي، لا يدرك بالحس الظار لعدم تحققه خارج الأعيان، وإنما المدرك مادته، وهي السم، والبلور، والشبك، والزبرجد، ومن هنا كانت حسية -ومنه قول الشاعر يصف الخمر في الكاس:
كأن الحباب المستدير برأسها ... كواكب در حشوهن عقيق1
شبه هيئة الفقاقيع الطافية على وجه الكأس: بهيئة كواكب من در، منثورة في سماء من عقيق -فالمشبه به خيالي-: لا يدرك بالحس لعدم وجوده خارج الأعيان، وقد فرض مجتمعا من أمور، كل منها مدرك بالحس، وهو: الكواكبن والدر، والعقيق.
فالمراد بالحسي حينئذ: ما يدرك بذاته، أو بمادته بإحدى الحواس الظاهرة ليشمل الخيالي الوارد في البيتين السابقين ونحوهما.
ومن العقلي: مالا يدرك هو ولا مادته بإحدى الحواس الظاهرة لعدم وجوده خارجا. ولكنه بحيث وجد لم يدرك إلا بها، ويسمى "وهميا"2 وهو ما اخترعه الوهم من عند نفسه، من غير أن يكون له، ولا لمادته وجود في الخارج، كما تراه في قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال3
__________
1 "الحباب" هو تلك الفقاقيع التي تطفو عادة على سطح الماء، والعقيق نوع من الأحجار الكريمة.
2 قيد الوهمي بهذا القيد لتيميز عن العقلي الصرف كالعلم والحياة، وهذا لا ينافي أن الوهمي من أفراد العقلي بالمعنى المذكور هنا.
3 الاستفهام هنا للإنكار، "والمشرقي" السيف المنسوب إلى مشارف اليمن، "ومضاجعي" ملازمي حال الاضطجاع وهو كناية عن أن السيف لا يفارقه وأن الاعتداء عليه بعيد المنال، "ومسنونة" حادة مصقولة، وصفت بالزرقة لفرط صفائها.
(5/20)

ينكر أن يتمكن من قتله أحد، وهو محصن بسيفه ورمحه.
وكما تراه في قول تعالى في سجرة الزقوم: "طلعها كأنها رءوس الشياطين" -فأنياب الأغوال، ورءوس الشياطين لم توجد بعد لاهي ولا مادتها، فلم تدرك بالحواس، وإنما هي من اختراعات الوهم وافتراضاته ولكنها- على فرض وجودها- لا تدرك بغير الحس الظاهر.
فالمراد بالعقلي حينئذ: ما لا يدرك هو، ولا مادته بإحدى الحواس الظاهرة ليشمل التشبيه الوهمي المذكور -كما يدخل فيه أيضا ما يدرك بالوجدان، أبي بالقوة الباطنة كاللذة، والألم، والفرح، والغضبن والجوع، والعطش، والشبعن والرين وغير ذلك من الحالات الباطنة التي لا يدركها الحس الظاهر، ولا العقل الصرف، وإنما تدرك بإحساس باطني، وتكييف نفسي، كالحالة الخاصة التي يحسها الجائع، أو الظامئ أو التي يحسها من شبع بعد سغب، أو روى بعد ظما -مثال ذلك: أن يشبه الجائع ما يحسه من ألم الجوع بالموت، أو أن يشبه الظامئ ما يشعر به من وهج العطش بالنار.
التقسيم الثاني:
ينقسم التشبيه باعتبار تعدد الطرفين، أو تعدد أحدهما إلى أربعة أقسام:
1 ملفوف 2 مفروق 3 تسوية 4 جمع
فالملفوف: هو أن يتعدد طرفاه، ويجمع كل طرف مع مثله: بأن يؤتى بالمشبهات أولا، ثم بالمشبهات بها ثانيا أو العكس، بأن يؤتى بالمشبهات بها أولا، ثم بالمشبهات بعد ذلك.
فمثال الأول قول امرئ القيس1 يصف عقابا بكثرة اصطياد الطيور:
__________
1 هو أبو الحرث جندج بن حجر الكندي رأس شعراء الجاهلية وقائدهم إلى التفنن في أبواب الشعر وفنونه.
(5/21)

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها -العناب والحشف البالي1
شبه الشاعر الرطب الطرى من قلوب الطير بالعناب في الشكل والمقدار، واللون- وشبه اليابس العتيق منها: بالحشف البالي في هذه الثلاثة أيضا- فالمشبه متعدد، وهو الرطب من قلوب الطيرن واليابس العتيق منها- والمشبه به متعدد كذلك وهو "العناب والحشف البالي"، وقد جمع بين المشبهين في المصراع الأول على طريق العطف -كما جمع المشبهين بهما في المصراع الثاني كذلك2.
ومثال الثاني قولك: "كالشمس والقمر هند ودعد" بتقديم المشبهين بهما على المشبهين -إلى غير ذلك مما جمع فيه كل صنف على حدة كما هو رأس المسألة.
وسمي هذا النوع "ملفوفا" لأنه من اللف، أي الضم، وهو لف المشبهين فيما مثلنا، أي ضم بعضهما إلى بعض -كما لف المشبهان بهما كذلك.
والمفروق: أن يتعدد طرفاه: ويجمع كل طرف مع صاحبه: بأن يجمع مشبه مع مشبه بهن كما تراه في قول الشاعر:
الخد ورد والصدغ غالية ... والريق خمر والثغر كالدرر3
__________
1 "رطبا ويابسا" حالان من القلوب، "ولدى وكرها" ظرف يحتمل أن يكون حالا من القلوب أو من الضمير المستتر في "رطبا ويابسا"، "والوكر" عش الطائر "والعناب" حب أحمر مائل إلى الكدرة في حجم قلوب الطير الرطبة و"الحشف" أردأ التمر في هيئة قلوب الطير اليابسة.
2 إنما جعل من قبيل المفرد المتعدد ولم يجعل من تشبيه المركب بالمركب لأنه ليس لانضمام الرطب من القلوب إلى الياس منها هيئة خاصة يقصد إليها، ولا لاجتماع العناب من الحشف البالي هيئة كذلك -ولهذا لو فرق التشبيه، فقيل: كأن الرطب من القلوب عتابا، وكأن اليابس منها حشف لصح ذلك دون توقف أحد التشبيهين على الآخر.
3 المراد "بالصدع" الشعر المتدلى على الخد، "والغالية" أخلاط من الطيب "والثغر" أراد به الأسنان.
(5/22)

شبه الشاعر الخد بالورد، والصدغ بالغالية، والريق بالخمر، والثغر بالدر جاعلا كل مشبه مع مقابله -ومنه المرقش الأكبر1:
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم2
يقول: إن رائحة هؤلاء النسوة كرائحة المسكن والوجوه منهن كالدنانير من الذهب في الاستدارة والصفرة، وهو لون كان يستحسن في النساء، وأن أصابعهن المخضبة كالعنم في الحمرة والليونة -وقد جمع في هذا البيت كل مشبه به مع مشبهه- كما في البيت السابق.
وسمي هذا النوع "مفروقا" لأنه لم يجمع فيه بين المشبهات على حدة، ولا بين المشبهات بها كذلك -كما في القسم الأول- بل فرق بينهما، فوضع كل مشبه به بجوار مشبههه- كما ترى.
وتشبيه التسوية: هو أن يتعدد المشبه، دون المشبه به كقول الشاعر:
صدغ الحبيب وحالي ... كلاهما كالليالي
وثغره في صفاء ... وأدمعي كاللآلي3
شبه الشاعر في البيت الأول -حاله، وصدغ حبيبه بالليالي في السواد، وشبه في البيت الثاني- أدمعه، وثغر حبيبه باللآلئ في الصفاء والتألق -فالمشبه فيهما متعدد، دون المشبه به -والمراد بالمتعدد هنا: أن يكون ذا معنيين مختلفي المفهوم، أو ذا معان كذلك، وعلى هذا لا يكون المشبه به -في البيتين- وهو الليالي، واللآلي، "متعدد بهذا المعنى، لأن آحاد كل متحدة المفهوم- كما ترى:
__________
1 هو عمرو بن سعد شاعر جاهلي.
2 "والنشر" الراحئة الطيبة، "والعنم" بالتحريك شجر لين الأغصان أحمر اللون تشبه به أصابع الجواري المخضبة، وأراد بأطراف الأكف: الأصابع.
3 الصدع تقدم شرحه والمراد بالثغر الأسنان، "واللآلي" جمع لؤلؤة سهلت همزته الروى.
(5/23)

سمي هذا النوع: "تشبيه التسوية"، لأنه سوى فيه بين شيئين في إلحاقهما بشيء واحد- كما تراه واضحا في البيتين.
وتشبيه الجمع: هو أن يتعدد المشبه به، دون المشبه، عكس تشبيه التسوية كما تراه في قول البحتري، من قصيدة له يمدح بها عيسى بن إبراهيم:
بات نديما لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح
كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد، أو أقاح1
شبه البحتري في البيت الثاني ثغر محبوبته بثلاثة أشياء -اللؤلؤ- والبرد، والأقاحي- فالمشبه شيء واحد، وهو "الثغر" المفهوم من قوله: "يبسم" والمشبه به متعدد -كما ترى- "وأو" هنا بمعنى "الواو" أو هي على أصلها لقصد التنويع، ولما لم يعين واحد بخصوصه كان كأنه مشبه بالثلاثة -والتشبيه هنا ضمني، يدل عليه لفظ "كأن"، وكأنه يقول: كأنما يبسم عن ثغر كالؤلؤ، أو برد، أو أقاح- ومثله قول الشاعر:
ذات حسن لو استزادت ... من الحسن لما أصابت مزيدا
فهي الشمس بهجة والقضيب اللدن قدا والرئم طرفا وجيدا2.
__________
1 "النديم" في الأصل مؤنسك حال الشراب، والأغيد الناعم البدن مؤنثه غيداء، ويقال: غادة، "والمجدول" المدخل بعضه في بعض يريد: أن ضامر الخاصرتين والبطن، و"والوشاح" جلد عريض مرصع بالجواهر يشد في الوسط بقصد التزين، ويبسم" من باب "ضرب"، وقد ضمن معنى "يكشف" فعده "بعن"، و"المنضد" المنظم"، والبرد" بفتح الراء حب الغمام، "الأقاحي" بفتح الهمزة جمع "أقحوان" بضم فسكون فضم، وهو زهر زكى الرائحة كالورد وأوراقه أشبه بالأسنان.
2 "القضيب" الغصن، و"اللدن" الطري الغض، و"القد" القامة، و"الرئم الغزال "والطرف" العين. "والجيد" العنق.
(5/24)

شبه الشاعر في البيت الثاني هذه المرة بثلاثة أشياء، فالمشبه شيء واحد، وهو ذات الحسن، والمشبه به متعدد.
وسمي هذا النوع: تشبيه الجمع" لاجتماع شيئين أو أشياء في مشابهة شيء واحد بها- غير أن التفرقة بين تشبيهي التسوية والجمع اصطلاح لهم، وإلا فيمكن أن يعتبر في كل منهما ما اعتبر في الآخر، ويسمى باسمه.
(5/25)

اختبار:
1- عرف التشبيه واصطلاحا، وبين منزلته من الاستعارة، ولماذ لم تعد الاستعارة والتجريد من التشبيه الاصطلاحي؟ وبم احترز عنهما في التعريف؟ مثل لكل ما تقول.
2 قسم التشبيه باعتبار حسية الطرفين وعقليتهما، مع التمثيل، ثم بين من أي قبيل قول الشاعر:
كأن عيون النرجس الغض حولنا
مداهن در حشوهن عقيق
وقولهم: النساء حبائل الشيطان، وجه ما تقول في المثالين.
3 بين المراد بالحسي والعقلي في الطرفين، مع التمثيل، ومن أي قبيل قول الشاعر:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟
4- قسم التشبيه باعتبار تعدد الطرفين، ومثل لكل قسم مع بيان سبب تسمية كل قسم باسم خاص، ومن أي الأنواع قول الشاعر:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا
(5/25)

تمرينات منوعة
مدخل
...
تمرينات منوعة:
1- إيت بتشبيهات أربعة من إنشائك.
أولها: يدرك طرفاه بحاسة البصر، ووجهه بحاسة الشم.
ثانيها: يدرك طرفاه بحاسة البصر، ووجهه بحاسة اللمس.
ثالثها: يدرك طرفاه ووجهه بحاسة السمع.
رابعها يدرك أحد الطرفين بإحدى الحواس، والآخر بالعقل.
2- بين فيم يأتي طرفي التشبيه، والحاسة التي يدرك بها كل منهما: صوت كمزمار داود. نكهة كريح العنبر. كأنهم أعجاز نخل خاوية. دواء كالعلقم، واسع كلمع الأرقم. رضاب كجنى النحل، وجبين كالقمر. شعر كالحرير، وقد كغصن البان. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. عبير كأنفاس الأزهار، ونغم كسجع الأطيار.
كأنما الماء في صفاء وقد ... جرى ذائب اللجين1
3- مثل لما يأتي: تشبيه كلا طرفيه عقلي: تشبيه مفروق، وآخر ملفوف. تشبيه جمع.
4- اجعل كلا من الأشياء الآتية مشبها به، ثم بين نوع الحاسبة فيه: الدر. العطر. الشوك- ثم بين من أي أنواع التشبيه قولهم: هو بدر حسنا وشمس علوا، وبحرا علما، وأسد إقداما.
5- كون تشبيهات من الأطراف الآتية: بحيث تأتي مع كل طرف بما يشاكله: الإرادة القوية، الغيث المنهمر، العافية في البدن، شذا المسك، الحديث الممتنع، السف القاطع، يد الجواد، الصديق الوفي.
6- اجعل كل واحد مما يأتي مشبهابه، مع بيان وجه الشبه في كل منها. بلابل
__________
1 "ذائب اللجين" من إضافة الصفة للموصوف أي اللجين الذائب واللجين الفضة.
(5/26)

الأغصان. النهار المشرق. الأم الرءوم. الوابل الهاطل. المرآة الصافية: النسيم العليل. الرعد القاصف.
7- بين فيما يأتي طرفي التشبيه، وحاليهما من حيث الحسية، والعقلية مع بيان نوعه من حيث تعدد الطرفين.
علم لا ينفع كدواء لا ينجع. الصديق النافع. والأخل الجاهل، كلاهما كجمر الغضا1 الحق سيف على أهل الباطل. قال الشاعر:
فرحت وآمالي كحظى كواصف ... وعزمي يحاكي سعيه في المكارم
ألا إن الغضب جمرة توقد في جنب ابن آدم:
إنما الدنيا كبيت ... نصجه من عنكبوت
وضاك شباب لا يليه مشيب ... وسخطك داء ليس منه مطيب
ابن أزمعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الربا وأنت الغمام
يكاد يحكيك صوت الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والبدر لم يغب والشمس لو نطقت ... والأسد ل لم تصد والبحر لو عذبا2
أنت بدر حسنا وشمس علوا ... وحسام حزما وبحر نوالا
__________
1 "الغضا" شجر سريع الالتهاب.
2 "صوب الغيث" انصبابه، و"المحيا" الوجه.
(5/27)

ليل وبدر وغصن ... شعر ووجه وقد
خمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل
وجهه وجه الشيطان، وعمله عمل الملائكة، أنتم الشعار والناس الدثار1.
جواب التمرين الأخير:
علم لا ينفع إلخ -المشبه "علم لا ينفع" وهو عقلي- والمشبه به "دواء لا ينجع"/ وهو حسي يدرك بحاسة الذوق.
الصديق المنافق الخ: المشبه "الصديق المنافق، والأخ الجاهل"، وهو متعدد حسي يدرك بحاسة البصر، والمشبه به "جمر الغضا" وهو مفرد حسي يدرك بحاسة اللمس "وهو من تشبيه التسوية".
الحق سيف الخ: المشبه هو "الحق" وهو عقلي، والمشبه به "سيف" وهو حسي يدرك بحاسة البصر.
فرحت وآمالي الخ: المشبه: "آمالي"، وهو عقلين والمشبه "حظي" وهو عقلي كذلك".
ألا إن الغضب جمرة الخ: المشبه "الغضب" وهو عقلي، والمشبه به "جمهرة" وهو حسي يدرك بحاسة اللمس.
__________
1 "الشعار" الثوب الذي يلي البدن "والدثار" ما يلبس فوق الشعار- يريد: أنتم أقرب الناس مني كالشعار، أما الناس فبعيدون عني كالدثار.
(5/28)

إنما الدنيا كبيت الخ: المشبه "الدنيا" وهو حسي يدرك بحاسة البصر، والمشبه به "بيت العنكبوت"، وهو حسي كسابقه.
وضاك شباب الخ: المشبه "رضاك"، وهو عقلي، والمشبه به "شباب" وهو حسي باعتبار متعلقه يدرك بحاسة البصر.
أين أزمعت أيهذا الخ: المشبه "نحن -أنت" وهو مفرد حسي، والمشبه به "نبت" الربا -الغمام" وهو حسي وكلاهما يدرك بحاسة البصر.
يكاد يحكيك صوب الخ: المشبه "صوب الغيث وما عطفت عليه"، وهو متعدد حسي، والمسبه به، الممدوح المدلول عليه بكاف الخطاب، وهو مفرد حسي وكلاهما يدرك بحاسة البصر، وهو من تشبيه التسوية.
أنت بدر حسنا الخ: المشبه "أنت" وهو مفرد حسي، والمشبه به "بدر وما عطف عليه" وهو متعدد حسي، من تشبيه الجمع.
ليل وبدر وغصن الخ: المشبه "ليل وما عطف عليه"، وهو متعدد حسي والمشبه به "شعر وما عطف عليه" وكلاهما يدرك بحاسة البصر، وهو تشبيه ملفوف، والبيت الثاني مثله.
لعاب الأفاعي الخ: المشبه "لعابه" وهو مفرد حسي، والمسبه به "لعبا الأفاعي وما عطف عليه"، وهو متعد حسين ومن قبيل تشبيه الجمع.
وجهه وجه الشيطان الخ: المشبه "وجهه" وهو حسي يدرك بحاسة ابصر والمشبه به "وجه الشيطان" وهو وهمي.
أنتم الشعار الخ: المشبه "أنتم -الناس"، وهو مفرد حسي، والمشبه به "الشعار -الدثار" وهو مفرد حسي كذلك وكلاهما يدرك بحاسة البصر.
(5/29)

مبحث وجه الشبه:
الوجه هو المعنى الذي قصد اشتراك الطرفين فيه "كالجمال" في قولك: "سعدي كالبدر" و"كالسرعة" في قولك "الجواد كالريح" -فكل من "الجمال والسرعة" وجه الشبه لأنه المعنى الذي اشترك فيه الطرفان في قصد المتكلم، فليس كل معنى مشترك بين الطرفين وجه الشبه مالم يقصد جعله موضع اشتراك، وإلا فإن الطرفين قد يشتركان في كثير من المعاني كالحيوانية والجسدية، والوجود، والحدوث وغيرها، وهي -مع ذلك- لا يعد واحد منها وجه شبه- اللهم إلا إذا قصد إليه المتكلم واعتبره وجها للشبه بين الطرفين لغرض ما "كالتقريع" مثلا، كأن ترى إنسانا يقسو على حيوان ضعيف، ويحمله مالا يطيق، فتقول له: "هذا مثلك فارحمه" تريدك مثلك في الحيوانية، أو الجسدية، فيكون لهذا الوجه حينئذ مزيد اختصاص، من حيث أنه قصد إليه بالذات لهذا الغرض.
والتشبيه باعتبار الوجه تقسيمات عدة:
القسم الأول:
ينقسم التشبيه بهذا الاعتبار إلى قسمين -تحقيقي، وتخييلي:
فالتحقيقي: ما يكون وجه الشبه فيه قائما بالطرفين حقيقة كقول الشاعر يصف فرسا أدهم بسرعة الجرى:
وأدهم كالغراب سواد لون ... يطير مع الرياح ولا جناح
فوجه الشبه بين الطرفين "السواد" وهو قائم بالطرفين على وجه الحقيقة، والتخييلي: ما لا يكون الوجه فيه قائما بالطرفين، أو بأحدهما إلا تخيلا، بمعنى: أن يثبته الخيال، يجعله غير المحقق محققا- فمثال ما فيه الوجه
(5/30)

متخيل في أحد الطرفين قولك: له سيرة كنفح الطيب"، و"أخلاق كأريج المسك" فقد شاع وصف كل من السيرة والأخلاق بالطيب مبالغة، حتى تخيل أنهما من ذوات الرائحة الطيبة -فوجه الشبه، وهو "الرائحة الطيبة" متخيل في المشبه في المثالين- من هذا القبيل قول القاضي التنوخي:
رب ليل قطعته بصدود ... وفراق ماكان فيه وداع
موحس كالثقيل تقذى به العين ... وتأبى حديثه الأسماع
وكأن النجوم بين دجاه ... سنن لاح بينهن ابتداع1
والشاهد في البيت الأخير. فإن وجه الشبه فيه بين النجوم والسنن هو: الهيئة الحاصلة من اجتماع أشياء بيض مشرقة، في جوانب شيء مظلم، وهذه الهيئة غير موجودة في المشبه به على وجه التحقيق- ضرورة أن "الإشراق" لكونه حسيا- لا تتصف به السنة لكونها أمرا عقليا- وأن الإظلام لكونه حسيا أيضا لا تتصف به البدعة لأنها أمر عقلي كذلك- فوجه الشبه إذن غير متحقق في المشبه به إلا على طريق التخيل والتوهم، بافتراض غير الحاصل حاصلا.
ومثل قول التنوخي قول الشاعر السابق:
وأرض كأخلاق الكريم قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا
__________
1 "الدجى" جمع دجية وهي القطعة من الليل، والضمير في "دجاه" الليل وروى: "بين دجاها" فيكون الضمير للنجوم، وإضافة لأدنى ملابسة، "والابتداع" البدعة، وهي الأمر الذي ادعى أنه مأمور شرعا، وهو ليس كذلك- غير أن في عبارة الشاعر قلبا لأنه جعل -في جانب المشبه- النجوم بين الدجى، فكان من الواجب أن يجعل -في جانب المشبه به- السنن بين الابتداع لتصح المقابلة، ولعل النكتة في هذا القلب: الإشارة إلى كثرة السنن في زمانه وأن البدع بالقياس إليها كانت قليلة.
(5/31)

فإن الأخلاق لما كانت توصف بالسعة والضيق تشبيها لها بالأماكن الواسعة، أو الضيقة، تخيل أنها شيء له سعة فشبهت الأرض الرحبة بها كما في البيت، ومن هذا القبيل قول أبي طارق الرقى:
ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق1
يصف الشاعر نفسه بالوفاء، وأنه لا ينسى حبيبه، حتى في أحلك الأوقات، وأشد الأزمات، ووجه الشبه بين الطرفين هو السواد -غير أنه متخيل المشبه به كالذي قبله وذلك لشيوع وصف أوقات المكاره بالسواد توسعا: فقالوا أسود النهار في عيني، وأظلمت الدنيا في وجهي- حتى تخيل أن يوم النوى من الأشياء ذوات اللون الأسود، فشبه الظلام به، كما شبه بفؤاد من لم يعشق تظرفا، فإن الغزل يدعى قسوة من لم يعشق- ولهذا يقولون: ويل للشجى من الخلى، والقلب القاسي يوصف بالسواد توسعا. ومنه أيضا قول الشاعر:
يا من له شعر كحظئ أسود ... جسمي نحيل من فراقك أصفر
فوجه الشبه بين الشعر والحظ هو السواد، وليس موجودا في المشبه به حقيقة بل تخيلا كما ترى- فإذا قيل في البيت المذكور: "يا من له حظ كحظي أسود" كان مثالا لما يكون فيه الوجه متخيلا في الطرفين.
هذا: وقد تقدم أن تشبيه المحسوس بالمعقول لا يجوز إلا إذا تخيلنا المعقول محسوسا، وافترضناه أصلا في وجه الشبه، يقاس به المشبه مبالغة، وإذن فلا بد هنا أن نتخيل غير المتلون أصلا للمتلون الحقيقي، فنتخيل "السنن" في بيت التنوخي أصلا في البياض، والبدع أصلا في السواد حتى يصح القياس- كما نتخيل في بيت أبي طارق كلا من "يوم النوى، وفؤاد من لم يعشق، أصلا في السواد كذلك.
__________
1 في هذا البيت تشبيه جمع لاتحاد المشبه، وتعدد المشبه به.
(5/32)

أثر وجوب اشتراك الطرفين في وجه الشبه:
مما تقدم في تعريف وجه الشبه، وتقسيمه إلى تحقيقي، وتخييلي: يتبين أن لابد من وجوده في الطرفين -تحقيقا، أو تخيلا- فإذا لم يوجد في الطرفين على إحدى هاتين الصفتين لم يصح جعله وجه شبه- وإذن لا يصح أن يكون وجه الشبه في قولهم: "النحو في الكلام كالملح في الطعام": كون القليل مصلحا، والكثير مفسدا، لأن "المشبه، وهو "النحو، لا يشترك مع المشبه به المذكور في هذا المعنى أصلا إذ لا يحتمل النحو قلة ولا كثرة بل هو عبارة عن أن تراعي قواعده وأحكامه: مع رفع الفاعل ونصب المفعول، وغير ذلك فإن تحقق ذلك في الكلام كان صالحا، وإلا كان فاسدا بخلاف المشبه به فإنه يحتمل القلة والكثرة، والقليل منه مصلح، والكثير مفسد -وحينئذ لا يصح جعل المعنى المذكور وجه شبه، لعدم وجوده في كلا الطرفين- لا تحقيقا، ولا تخيلا.
أما ما يصلح وجه شبه بينهم فهو: الصلاح إذا استعملا، والفساد إذا أهملا وهذا المعنى -لا شك- موجود في الطرفين على السواء.
تنبيه:
قد يكون وجه الشبه في أحد الطرفين حقيقيا، وفي الآخر ادعائيا كما يقال في الجبان: "هو أسد" وفي البخيل: "هو حاتم" -فوجه الشبه، بين الطرفين في الأول "الشجاعة"، وفي الثاني "الجود"، وليس من شك، أن الشجاعة في الجبان والجود في البخيل كلاهما إدعائي لا حقيقي، فمثل هذا الكلام -في ظاهره- غير صحيح لأن وجه الشبه -كما قلنا- لابد أن يكون معنى مشتركا بين الطرفين. والطرفان في المثال الأول لم يشتركا في معنى "الشجاعة" لانعدامه في الجبان- كما لم يشتركا في معنى "الجود" في المثال الثاني لانعدامه في البخيل، فلا مندوحة إذا من توجيه يصح به مثل هذا التشبيه.
(5/33)

وتوجيه ذلك: أن ينزل التضاد به الطرفين المتضادين منزلة التناسب بينهما، وأن يبرز الخسيس في صورة الشريف، فيجعل "الجبن" مثلا بمنزلة الشجاعة "والبخل" وبهذا التأويل صح أن يكون الوجه في الأول "الشجاعةط وفي الثاني "الجود" ووضح حينئذ اشتراك الطرفين في الوجه -ويسمى هذا النوع امن التشبيه: "تشبيه التضاد".
غير أنه: لابد -لتنزيل التضاد منزلة التناسب- من غرض صحيح يدعو إليه، وإلا كان الكلام ضربا من الهذيان، وذلك الغرض هو: التهكم والسخرية، أو التظرف والتمليح1 وبغير ذلك لا يتم التنزيل المذكور، ولا يعتبر.
أم ما قيل: من أن وجه الشبه في نحو هذين المثالين "هو التضاد" أي كون كل منهم مضادا للآخر، لأنه المعنى المشترك بين الطرفين، فهو قول لا يعدو صماخ الأذن، إذ من المعلوم بداهة: أن كلا من المتضادين مضاد للآخر ومقابل له -كما في قولنا: السواد كالبياض في التضاد، وكقولنا: العدم كالوجود في التقابل.. وهكذا، ومثل هذا التشبيه من لغو القول، ينبغي أن يبرأ منه كلام البليغ.
على أنه لو كان الأمر كذلك لم يكن للتهكم، أو للتظرف معنى إذ لا تهكم أو تظرف في أن يشبه أحد المتضادين بالآخر في معنى التضاد لأن هذا لا يعدو الواقع الملموس، وإنما يكون التهكم أو التظرف، حيث يدعى للجبان "شجاعة" والبخيل "جود" بعد تنزيل التضاد بين الطرفين منزلة التناسب -كما رأيت أهـ.
__________
1 يفرق بينهما بحسب القرائن فإن كان المتكلم يهدف إلى السخرية والاستهزاء فتهكم. وإن كان متظرفا فتملح.
(5/34)

اختبار وتمرين
مدخل
...
اختبار وتمرين:
1- عرف وجه الشبه، وهل كل معنى قائم بالطرفين يصح جعله موضع اشتراك علل لما تقول، مع التمثيل.
2- افرق بين التشبيه التحقيقي، واتلتخييلي، ومثل لكل، وهل من قبيل التشبيه التخييلي قولهم: النحو في الكلام كالمحل في الطعام، في أن القليل مصلح، والكثير مفسد؟ ولماذ؟
3- بين وجه الشبه، ونوع قيامه بكل من الطرفين. من حيث تحققه، أو تخيله، أو إدعاؤه فيما يأتي بعد:
1 ثوب المخلص كقلبه
2 باقل كسحبان
3 الحياة كسحابة صيف
4 فانهض بنار إلى فحم كأنهما
في العين ظلم وانصاف قد اتفقا
جواب التمرين:
1- وجه الشبه البياض، وهو في المشبه حقيقي، وفي المشبه به تخييلي فإن القلوب ليست من ذوات الألوان، وجعل القلب مشبها به لاعتباره أصلا في البياض مبالغة.
2- وجه الشبه الفصاحة، وهو في المشبه إدعائي، وفي المشبه به حقيقي بتنزيل التضاد بين الطرفين منزلة التناسب، وجعل العي بمثابة الفصاحة تهكما أو تظرفا.
3- وجه الشبه عدم الثبات وهو قائم بالطرفين حقيقة، فالتشبيه إذا حقيقي.
4- وجه الشبه هيئة اجتماع بياض بسواد. إذ قد شبه الشاعر النار والفحم مجتمعين، بالعدل والظلم مجتمعين كذلك في الهيئة المذكورة. وهي قائمة بالمشبه حقيقة، وبالمشبه به تخيلا، بعد اعتباره أصلا في هذه الهيئة تقاس به مبالغة، فهو تشبيه تخييلي.
(5/35)

التقسيم الثاني:
ينقسم التشبيه باعتبار وحدة الوجه، وتعدده ثلاثة أقسام:
الأول: ما يكون وجه الشبه فيه شيئا واحدا، أي ما يعد في العرف واحدا، وهو مالا تركب فيه، ولا تعدد "كالحمرة" في قولك: خده كالورد "وكالخشونة" في قولك: له بشرة كجلد القنفذ، وكالهداية، في قولك: العلماء العاملون كالنجوم، فوجه الشبه في هذه المثل شيء واحد -كما رأيت.
الثاني: ما يكون الوجه فيه منزلا الواحد، وهو ما يكون مركبا من متعدد تركيبا اعتباريا: بأن يقصد إلى عدة أمور لشيئين، فتنزع منها هيئة تعمهما، بحيث لا يصلح واحد منها على انفراده وجه شبه، بحيث لو سقط أحدها لم يتم التشبيه -كما في جميع الهيئات المتخيلة على نحو ما في بيت بشار بن برد:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فإن وجه الشبه فيه -مجموع الهيئة المتنزعة من تساقط أجرام مشرقة، مستطيلة الأشكال، متناثرة في جوانب شيء مظلم -ولا يصح في الذوق البلاغي جعل واحد من هذه الأشياء وجه شبه على حدة، لأن القصد- كما قلنا- إلى تشبيه الطرفين في الهيئة المجتمعة -كما لا يصح إسقاط واحد منها- في اعتبار المتكلم. لصيرورة الهيئة وحدة متضامة الأجزاء- ومثل بيت بشار قول الآخر:
ولاحت الشمس تحكى عند م طلعها ... مرآة تبر بدت في كف مرتعش1
__________
1 يريد أن يشبه الشمس عند البزوغ بمرآة من تبر وفي يدر عشاء ووجه الشبههو الهيئة الحاصلة من الاستدارة والحركة السريعة المتصلة مع تموج الإشراق غير أن الطرفين هنا مفردان: الشمس والمرآة" مع مراعاة القيود المذكورة إذ أن الهيئة المذكورة لا تتحقق بدون هذه القيود وتقييد الطرفين لا يخرجهما عن أفرادهما، بخلاف بيت بشار فإن الطرفين فيه مركبان فالمشبه مركب من النقع مثارا فوق الرءوس ومن السيوف المتلاحمة اللامعة في أثنائه- والمشبه به مركب من الليل ومن النجوم المتهاوية في رواية المختلف.
(5/36)

وإنما نزل هذا القسم منزلة الواحد، لأن الوجه فيه مركب من أشياء تضامت وتلاصقت حتى صارت كالشيءالواحد لا يقبل التجزئة، وإنما لم يكن واحدا حقيقة لتركبه من جملة أمور، ولا تركب في الواحد.
وإنما وصف يكون تركيبه اعتباريا ليخرج ما كان مركبا من متعدد تركيبا حقيقيا، كالحقيقة الإنسانية المركبة من الحيوانية والناطقية في مثل قولك: محمد كعلي في "الإنسانية" فإن هذا الوجه من قبيل الواحد، لا من قبيل المنزل منزلته، لأنه مركب من جزءين صارا بهذا التركيب شيئا واحدا في الخارج، قائما بذاته- بخلاف الوجه المركب تركيبا اعتباريا كما في نحو بيت "بشار" فإن الأشياء التي تكونت الوجه المركب تركيبا اعتباريا كما في نحو بيت "بشار" فإن الأشياء التي تكونت منها الهيئة السباقة لا يلتئم من مجموعها حقيقة واحدة قائمة بذاتها، وإنما هي امرأة اعتباري رعاه المتكلم من اجتماع أمور انتزعها العقل من الطرفين.
ولو أننا اعتبرن المركب الحقيقي في موضوع المسألة لكان أمثال قولك: "محمد كعلي" من كل تشبيه إنسان بآخر: من قبيل تشبيه مركب بمثله إذ أن كلا من الطرفين مركب من حيوانية، وناطقية، ولا قائل بذلك.
الثالث: ما يكون وجه الشبه فيه متعدد أي مكونا من عدة أمور، جعل كل منها وجه شبه على حدة، كما في قولك: هذه الفاكهة كالتي أكلناها أمس في الطعم، واللون والرائحة- وكما في قولك محمد كأخيه في الطول والرشاقة والوسامة- ومثله في الكرم والحلم والذكاء- فوجه الشبه في هذه المثل أمور متعددة، كل منها يصلح أن يكون وجه شبه على انفراده إذ ليس القصد إلى تشبيه الطرفين في الهيئة المركبة من هذه الأمور، فليس لهذه الأمور مجتمعة هيئة يقصد إليها، بل الغرض: التشبيه في كل واحد منها.
تنبيهان:
الأول: مما تقدم يعلم أن الفرق بين الوجه المركب من عدة أشياء، والمتعدد: هو أن المركب منظور فيه إلى مجموع الأشياء، والهيئة المركبة منها-
(5/37)

بحيث صارت وحدة لا تتجزأ -وبحيث لو حذف أحد هذه الأشياء اختل التشبيه- كما في بيت "بشار" فإن وجه الشبه -كما علمت- مجموع الأمور السابقة، وهي سقوط أجرام مشرقة، مستطيلة الأشكال، متناثرة في جوانب شيء مظلم، فلو حذف من هذه المجموعة واحد منها "كالأشراق" أو "الاستطالة" لم يتم التشبيه بني الطرفين -ذلك: أنالغرض: تشبيه الطرفين في هذه الهيئة التركيبة المتضامة الأجزاء.
أما الوجه المتعدد فإن المنظور فيه إلى أمور متعددة، بقصد جعل كل منها على انفراده وجه شبه -عكس الأول- بحيث لو حذف أحدها، أو قهم، أو أخر لم يختل التشبيه، ولم يتغير حال الباقي في إفادة ما كان يفيده قبل الحذف أو قبل التقديم والتأخير- كما في المثال السابق: في تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم، والرائحة واللون فإنك لو حذفت "اللون" مثلا أو الرائحة أو الطعم وقدمت أحدها على الآخر لم يختل التبشبيه إذ ليس الغرض: أن يجعل وجه الشبه مجموع هذه الأمور فليس لمجموعها -كما قلنا- هيئة خاصة، يقصد إليها- بل المراد: جعل كل واحد منها وجه شبه، من غير أن يتقيد أحدهما بالآخر.
ويتبين لك الفرق بينهما جليا في قول الشاعر:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت1
شبه الشاعر حال من ظهر له شيء هو في غاية الحاجة إليه، وقد علق به رجاء÷ ثم ما لبث أن فوجئ بفقدانه، بذهابه غلى حيث لا عودة له، ولا رجاء منه -شبه ذلك بحال قوم عطاش. عرضت لهم غمامة، هم أشد ما يكونون حاجة إليها، وما أن رجوها أن تمطرهم حتى انقشعت عنهم، وذهبت، وتركتهم
__________
1 "كما أبرقت" الكاف للتشبيه "وما" مصدرية، "وأبرقت بمعنى ظهرت وعرضت -وفي الأساس: أبرقت لي فلانة إذا تحسنت وازينت، فهو من باب الحذف والاتصال، والأصل: أبرقت لقوم، "وأقشعت" بمعنى أقلعت، وذهبت.
(5/38)

في حيرة اليائس- ووجه الشبه: الهيئة الحاصلة من الشيء يكون أوله مطمعا مغريا، متصلا بنهاية مخيبة مؤيسة.
فأنت ترى أن الوجه منتزع من أمرين متصلين: ابتداء مطمع، وانتهاء مؤيس والشطر الأول من البيت المذكور إنما تضمن الأمر الأول، إذ معناه: أن الغمامة ظهرت لقوم يرجون الماء لشدة حاجتهم إليه، فقد أطمعتهم أول الأمر حين عرضت لهم -أما الأمر الثاني، وهو الانتهاء المؤيس فقد تكفل به الشطر الثاني، إذ معناه: أن الغمامة خذلتهم، وتولت عنهم حين التمسوها، فكانت الحال نهاية مؤيسة.
إذا علمت هذا -علمت أنه لا يتأتى انتزاع وجه الشبه من الشطر الأول فقط لأن الوجه -كما عرفت- مركب من الأمرين معا، فلابد أن ينزع من الشطرين جميعا، ولو اقتصر فيه على الشطر الأول لاختل التشبيه لعدم وفاء هذا الشطر بالمعنى المراد.
وهذا بخلاف التشبيه المتعدد كما في المثال السابق في تشبيه فاكهة بأخرى فإن القصة فيه -كما عرفت- إلى الأشياء الثلاثة من الطعم، والرائحة، واللون، بحيث لو ترك أحدها لم يتغير حال الباقي في إفادة معناه.
الثاني: اعلم أنه إذا كان وجه الشبه مركبا وجب أن يكون الطرفان مركبين أو مقيدين، أو أحدهما مركبا، والآخر مقيدا، ولو تقريرا- ذلك أن وجه الشبه قائم بالطرفين، متنزع منهما. وليس معقولا أن تقوم هيئة مركبة من عدة أمور بشيء واحد، أو أن تنتزع منه، فوجه الشبه في بيت بشار مثلا هو الهيئة المركبة من الأمور السابق ذكرها. وتلك الهيئة لا يمكن أن تقوم بشيء واحد، ولا أن تنتزع منه -كذلك وجه الشبه في قول الشاعر:
إني وتزييني بمدحي معشرا ... كمعلق درا على خنزير
هو صورة من يضع الشيء في موضع لا يصلح له، وليس له أهل، وهذا المعنى التركيبي لا يمكن أن يقوم بأحد الطرفين مجردا عما لوحظ فيه من قيد- كذلك وجه
(5/39)

الشبه في تشبيه الشمس بالمرآة في يد شلاء. هو الهيئة السابق ذكرها- وأحد الطرفين وهو "الشمس"- وإن أفرد لفظا- مقيد معنى بجملة قيود، هي الإشراق المتموج، والحركة السريعة المتصلة، والاستدارة- ولهذا صح أن يكون منزعا للهيئة المذكورة.
اختبار:
1- فرق بين الوجه المركب "والمتعدد" ووضح ذلك بالأمثلة توضيحا تاما، واذكر لم كان المركب منزلا منزلة الواحد، ولم يكن واحدا حقيقة.
2- قالوا: إذا كان وجه الشبه مركبا فالطرفان- إما مركبان: أو مقيدان أو مختلفان. ولا يصح أن يكون كلاهما، أو أحدهما مفردا صرفا- علل لهذه القاعدة موضحا بالمثال.
3- أيت بتشبيهات أربعة فيها الوجه مركب -إما من طرفين مركبين كذلك، أو مفردين مقيدين، أو أحدهما أو أحدهما مركب، والآخر مقيد.
4- علمت أن التشبيه في بيت بشار من قبيل المركب، فهل يصح تحويله إلى تشبيه متعدد، فيشبه النقع المثار بالليل، وتشبه السيوف اللامعة بالكواكب- علل لما تقول:
5- علام استشهدوا بقول الشاعر:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت
(5/40)

التقسيم الثالث:
ينقسم التشبيه باعتبار حسية الوج، وعقليته إلى ثلاثة أقسام:
1- ما يكون وجه الشبه فيه حسيا، أي مدركا بالحس الظاهر- مفردا كان، أو مركبا، أو متعددا.
فالمفرد الحسي "كالأشراق" في قولك: له وجه كالقمر" و"كالملاسة"
(5/40)

في قولك: "له خد كصفحة المرمر"، و"كالطيب" في قولك: "له عرف كريح العنبر"- إلىآخر ما تقدم من الأمثلة في الأمور الحسية.
والمركب الحسي: يكون طرفاه مركبين، أو مفردين مقيدين، أو مختلفين.
فالمركب الحسي ذو الطرفين المركبين: كما في بيت بشار: كأن مثار النقع الخ. فإن وجه الشبه فيه -على ما سبق- هو الهيئة الحاصلة من تساقط أجرام مشرقة، مستطيلة، مناسبة المقادير متناثرة في جوانب شيء مظلم؟ وهذه الهيئة حسية، تدرك أجزاؤها بحاسة البصر. والطرفان مركبان -كما ترى- إذ لم يقصد: تشبيه النقع بالليل، أو السيوف بالكواكب، بل المقصود: تشبيه الهيئة بالهيئة- كما سبق بيانه- وكما في بيت أبي طارق:
وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
فإن وجه الشبه فيه: الهيئة الحاصلة من أجرام متأنقة، مستديرة صغار المقادير في مرأى العين متناثرة على سطح جسم أزرق. صافي الزرقة- وهذه الهيئة أيضا حسية، تدرك أجزاؤها بحاسة البصر- والطرفان مركبان إذ المقصود: تشبيه هيئة النجوم اللوامع في أديم السماء: بهيئة الدرر المنثورة على بساط أزرق- وليس الغرض كما علمت: تشبيه الدرر بالنجوم، أو السماء بالبساط الأزرق.
والمركب الحسي ذو الطرفين المقيدين كما في قول الشاعر:
وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا1
__________
1 "الثريا" اسم المجموعة النجوم متقاربة على وضع خاص، "الملاحية" بضم الميم وتخفيف اللام وقد تشدد كما هنا. عنب أبيض في حبه طول، ومعنى "نور" تفتح نوره، والمراد: أدرك نضجه. وإضافة عنقود إلى ملاحية بيانية، وقوله كما ترى يريد به، أن التشبيه حسب مرأى العين، لا بحسب الواقع فالكاف فيه بمعنى "علي".
(5/41)

فإن وجه الشبه فيه: هيئة اجتماع صور بيض، مستديرة، صغار المقادير -في مرأى العين، على وضع خاص1 وهذه الهيئة حسية- والطرفان هنا: "الثريا والعنقود" مفردان، روعى في كل منهما قيد خاص- ففي الأول روعي كونه في وقت الصبح، وروعي في الثاني كونه عنقود ملاحية، حين تفتح نوره، أي أدرك ونضج.
والمركب الحسي ذو الطرفين المختلفين -أفرادا وتركيبا- كما في قول الصنوبري:
وكأن محمر الشقيق إذ تصوب أو تصعد ... أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد
فإن وجه الشبه فيه هيئة الأجرام الحمر، المنشورة على رءوس أجرام مستطيلة خضر، وهيه الهيئة حسية، تدرك أجزاؤها بحاسة البصر -والمشبه- كما ترى- مفرد لأنه اسم لمسمى واحد هو "الشقيق" لكن روعي فيه قيوده، من الاحمرار، والتوصب، والتصعد- والمشبه به مركب لأنه مجموع أمرين- الأعلام الياقوتية والرماح الزبرجدية. فالقصد فيه هيئة اجتماع هذين الأمرين- وكما في عكسه من قول أبي تمام:
يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر
فوجه الشبه هنا: هيئة اختلاط شيء أسود بشيء أبيض مشرق، وهذا الوجه مما يدرك بحاسة البصر -والمشبه مركب من النهار المشمس، وزهر الربا إذ القصد
__________
1 أي لاهي منضمة شديدة الانضمام، ولاهي بعيدة شديدة البعد.
(5/42)

فيه إلى هيئة اجتماعهما -والمشبه به مفرد، وهو "الليل" المقيد بالوصف المذكور، إذ التقدير، فكأنما هو ليل مقمر.
المتعدد الحسي: هو ما تقدم في تشبيه فاكهة بأخرى، في الطعم والرائحة، واللون، فوجه الشبه كل واحد من هذه الثلاثة، وجميعها حسي، يدرك الأول منها بحاسة الذوق، والثاني بحاسة الشم، والثالث بحاسة البصر.
لكن قد يقال: أن وجه الشبه هو المعنى الذي يشترك فيه الطرفان فينبغي إذا أن يكون كليا ليتأتى فيه معنى الاشتراك- والحسي هو المدرك بإحدى الحواس، فلابد من وجوده في جسم معين خارجا، حتى يتأنى إداركه بالحاسة، "كالحمرة" القائمة بالخد أو الورد، ومثل هذا لا يكون إلا جزئيا والجزئي لا يتأنى فيه الاشتراك إذ يمتنع أن يوجد بعينه في محلين، وإذا فلا يصح أن يكون وجه الشبه حسيا.
ويجاب: بأن لا نزاع في أن وجه الشبه لا يكون إلا كليا ضرورة اشتراك الطرفين فيه، فوجه الشبه في نوح قولك: "خده كالورد" مطلق الحمرة وهو معنى كلي لا يدركه إلا العقل، ولا مدخل للحواس فيه- غير أن الموصف بالحسية إنما هو جزئيات هذا الكلي، كحمرة خد معين، أو حمرة ورد معين. وحينئذ فاطلاق وصف الحسية على وجه الشبه فيه نوع تسامح، من اطلاق ما للجزئي على الكلي.
2- ما يكون وجه الشبه فيه عقليا، أي مدركا بالعقل- واحدا كان، أو مركبا أو متعددا- وهو أعم من التشبيه بالوجه الحسي- على ما سيأتي.
فالوجه الواحد العقلي طرفاه: إما عقليان، أو حسيان، أو مختلفان.
فالواحد العقلي طرفاه: إما عقليان، أو حسيان، أو مختلفان.
فالواحد العقلي ذو الطرفين العقليين "كالعراء عن الفائدة" في تشبيه وجود الشيء العديم النفع بعدمه "وكعظم الفائدة" في تشبيه العلم بالحياة.
(5/43)

والواحد العقلي ذو الطرفين الحسيين، "كالهداية" في قول النبي صلى الله عليه وسلم "أصحابي كالنجوم: بأيهم اقتديتم اهتديتم" و"كالإقدام" في تشبيه الرجل كالأسد، فالطرفان في المثالين حسيان.
والواحد العقلي ذو الطرفين المختلفين حسا وعقلا "كالهداية" في تشبيه العلم بالنور، فالمشبه عقلي، والمشبه به حسي -وكاستطابة النفس" في تشبيه العطر بالخلق الكريم، فالمشبه حسي يدرك بحاسة الشم، والمشبه به عقلي- والوجه في جميع ما ذكر عقلي- كما ترى.
والمركب العقلي كما في قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} شبه حال اليهود المتنزعة من حملهم التوراة، بمعنى تكليفهم العمل بها، وكون المحمول مستودع العلم النافع لهم، وعدم حملهم لها، بمعنىعدم العمل بموجبها، والانتفاع بما فيها، مع تحملهم ما طلب إليهم، مما يثقل عليهم، ويشق على نفوسهم -شبه هذه الحال: بحال الحمار المتنزعة من حمله أوعية العلوم، ويشق على نفوسهم -شبه هذه الحال: بحال الحمار المتنزعة من حمله أوعية العلوم، وعدم انتفاعه بما يحمل، مع معاناته مشاق الحمل- ووجه الشبه بين الحالين "صورة الحرمان من الانتفاع بأبلغ نافع، مع معاناة الكد في استصحابه"- وهذه الهيئة عقلية، انتزعت من عدة أمور عقلية كذلك- غير أن الحمل في جانب "الحمار" حسي لأن المراد به: الحمل علىالظهر -بخلافه- في جانب "اليهود" فغن المراد به التكليف والطلب وكون بعض الأمور المتنزع منها حسيا لا يؤثر في عقلية الوجه- ومنه قول الشاعر:
والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار1
شبه حال من أصابته شدة، فالتجأ إلى عمرو، طمعا في الاحتماء به، فإذا عمرو أشد خطرا مما وقع فيه -شبه هذه الحال بحال من لدغته الرمضاء، ففزع
__________
1 "الرمضاء" الأرض ذات الحرارة الشديدة من الرمض بالتحريك وهو شدة وقع أشعة الشمس على الرمل.
(5/44)

إلى ما هو أشد لذعة، وأنكى ألما، وهو النار -ووجه الشبه: الصورة المتزعة من الفرار من الضار والالتجاء إلى ما هو أضر عنه، طمعا في الانتفاع به، وهما -كذلك -أمران- عقليان.
والمتعدد العقلي: كما في تشبيه طائر بالغراب في حدة النظر، وكمال الحذر، واخفاء السفاد1، فوجه الشبه كل واحد من هذه الثلاثة، وجميعها مما لا يدرك بغير العقل- وكما في تشبيه إنسان بآخر في شجاعته وحلمه، وإيمانه.
3- ما يكون وجه الشبه فيه مختلفا، بعضه حسي، وبعضه عقلي- كما في وجه الشبه المتعدد، كأن تشبه رجلا بآخر في طوله وجسامته، وحلمه، وشهامته، فوجه الشبه كل واحد من هذه الأربعة -غير أن الأولين منها حسيان، والآخرين عقليان- ومثله ما تراه في تشبيه إنسان مشرق الوجه بالشمس في حسن الطلعة، ونباهة الشأن، فالأول منهما حين والآخر عقلي.
تنبيهان:
الأول: اعلم: أن الوجه المختلف -حسا وعقلا- كما يكون في المتعدد كما مثلنا- يكون في المركب المنزل منزلة الواحد، باعتبار الأجزاء التي تركب منها كما في تشبيه الحسناء الوضيعة الأصل: بخضراء الدمن2 في حسن المنظر، مع سوء المخبر، فإن وجه الشبه مجموع الأمرين المذكورين وأحدهما حسي، والآخر عقلي- غير أن علماء البيان يعتبرون المركب من حسي وعقلي من قبيل العقلي، بتغليب العقل على الحس لاتساع أفقه، إذ يدرك المحسوسات والمعقولات- بخلاف الحواس فلا تدرك غير ما يقع تحت الحس- فالمركب حينئذ إما حسي فقط، أو عقلي فقط كما هو
__________
1 "السفاد" بكسر العين نزو الطائر الذكر على أنثاه.
2 هي شجرة تنبت في معاطن الإبل والدواب تكون ناضرة بهيجة ولكن لا ثمر فيها.
(5/45)

الشأن في الوجه المفرد -أما الوجه المتعدد ففيه الأنواع الثلاثة كما عرفت.
اتلثاني: مما تقدم من الأمثلة تعلم: أن الوجه متى كان حسيا- مفردا كان أو مركبا، أو متعددا، أو كان بعضه حسيا كما في المتعدد- وجب أن يكون الطرفان حسيين أيضا- وذلك لسببين:
أحدهما: أنه لابد من قيام وجه الشبه بالطرفين تحقيقا لمعنى التشارك بينهما والحسي لا يقوم بغير حسي: "فالبياضط مثلا مما يدرك بحاسة البصر فلو جعل مشتركا بين شيئين وجب أن يكونا من المبصريات، حتى يتأتى قيام البياض بهما- كذلك "الملاسة" مما يدرك بحاسة اللمس، فلو جعلت موضع اشتراك بين شيئين. وجب أن يكون من الملموسات، حتى يتأتى قيام الملاسة بهما -وهكذا يقال في سائر المحسات.
ثانيهما: أنه لابد من إدراك الوجه في الطرفين ليتحقق لنا التشارك فيه، والحواس لا تدرك غير المحسات- فحاسة البصر لا تدرك إلا ما كان مبصرا، وحاسة اللمس لا تدرك إلا ما كان ملموسا ... فحاسة البصر لا تدرك إلا ما كان مبصرا، وحاسة اللمس لا تدرك إلا ما كان ملموسا ... وهكذا، ومحال أن تدرك هذه الحواس شيئا من المعقولات، فلا تبصر العين معنى "الكرم"، ولا تلمس اليد معنى الشجاعة، ولا تشم الأنف معنى الحلم، وما إلى ذلك من الأمور العقلية.
كذلك الحال إذا كان بعض الوجه حسيا، وبعضه عقليا كما في الوجه المتعدد -فلابد من قيام كل واحد من ذلك المتعدد بالطرفين، وإدراكه فيهما -كما قلنا- ليتحقق معنى التشارك، ويمتنع بداهة قيام الحسي بالعقلي، أو إدراكه فيه- كما بينا.
أما الوجه العقلي، فيصح على ما تقدم- أن يكون طرفاه عقليين، أو حسيين أومختلفين- فالعقليان كأن تشبه وجود الجاهل بعدمه في الخلو من الفائدة- والحسيان كأن تشبه قوي البأس بالجبل في الثبات- والمختلفان كأن تشبه السيرة
(5/46)

الحميدة بأريج المسك في ارتياح النفس لهما -أو العكس كأن تشبه أريج المسك بالسيرة الحميدة في المعنى المذكور- فارطفان في هذه المثل ما بين عقليين أو حسيين أو مختلفين، ووجه الشبه في الجميع عقلي- كما رأيت.
وإنما صح هذا التعميم في الوجه العقلي لجواز قيام المعقول بالمحسوس، كقيام معنى الفصاحة، "بسحبان"، وكقيام معنى الشاعرية "بحسان" -ولجواز أن يدرك العقل أمرا معقولا في شيء محسوس لادراك معنى "الشجاعة" في عنترة، وكادراك معنى "البخل" في مادر ومعنى "العي" في باقل- ومن هنا قالوا: أن التشبيه بالوجه العقلي أعم من التشبيه بالوجه الحسي- وقد عرفت وجهه.
صورة من بديع الوجه المركب الحسي:
الوجه المركب الحسي صور بديعة -وذلك: أنه قد ينتزع الوجه المذكور من هيئة حركة الجسم، أو من هيئة سكونه- والأول ضربان:
1- أن يراعي مع الحركة شيء من أوصاف الجسم كالشكل واللون بحيث ينتزع الوجه من الأمرين جميعا: حركة الجسم، وشيء من أوصافه كما في قول الشاعر:
"والشمس كالمرآة في كف الأشل".
فإن وجه الشبه -على ما سبق- هو الهيئة المنتزعة من الحركة المتصلة مع الاستدارة، والإشراق المتموج المضطرب، بسبب حركة الجسم المذكورة فأنت تراه قد اعتبر مع حركة الجسم شيئا من أوصافه كاستدراته، وأنه ذو شعاع براق متموج، حتى أحدث هذا المنظر العجيب في مرأى العين: من انبساط تارة، وانقبضا أخرى- وأنك لو أنعمت النظر في الشمس لتبينت جرمه مؤديا هذه الهيئة، كما
(5/47)

تؤديها المرآة في كف الأشل1- ومثله قول الوزير المهلبي:
والشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب
كأنها بوتقه أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب2
فإن البوتقة إذا أحميت، وذاب فيها الذهب تشكل بشكلها في الاستدارة، وأخذ يتحرك بجملته تلك الحركة العجيبة، فيخيل إليك: أنه ينبسط حتى يوشك أن يفيض من جوانبها لما في طبعه من النعومة، ثم تراه كأنه يعود إلى الانقباض لما بين أجزائه من التماسك والاتصال، ولو نظرت إلى الشمس عند مطلعها لرأيت جرمها على هيئة ما يشاهد في البوتقة المذاب فيها لاذهب- فقد اعتبر هنا كذلك مع حركة الجسم المذكورة وصفه من حيث استدارته، وإشراقه، وقد انتزع الوجه من مجموع الأمرين كالذي قبله.
2- ألايراعي مع الحركة شيء من أوصاف الجسم، فيكون الوجه متتزعا من حركة الجسم وحدها، وولابد لهذاالضرب من وجود حركات كثيرة للجسم غلى جهات مختلفة3 ليتحقق معنى التركيب في الوجه كما في قول ابن المعتز يصف البرق:
__________
1 غير أننا نعلم أن الحركة السريعة في الشمس أمر خيالي لأنا نقطع بأن حركة الشمس ليست على ما نتخيل، وأولا هذا التخيل لرؤيت كالثابتة -بخلاف الحال في المرآة في كفي الأشل فإن الحركة المتصلة فيها أمر حقيقي.
2 "البوتقة" وعاء خاص يذاب فيه الذهب أو الفضة.
3 خرج بذلك حركة الرحى والسهم فلا تركيب فيها لأنها في اتجاه واحد -على أن إذا روعي مع هذه الحركة وصف الجسم من حيث استدارته واستقامته، وانتزع الوجه من المجموع كان مركبا.
(5/48)

وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا1
فالمشبه "البرق"، والمشبه به "المصحف"، ووجه الشبه: هيئة مجموع الحركات المختلفة باختلاف الجهات- غير أن هذه الهيئة تحقيقية في المصحف، تخييلية في البرق، إذ لا انفتاح ولا انطباق فيه حقيقة، وإنما هو ظهور يعقبه خفاء، والعكس- إلا أنه يحكي في هذه الحالة: المصحف يفتحه القارئ تارة، ويطبقه أخرى، فهو -كما ترى- لم يعتبر في هذه الهيئة المنتزعة شيئا من أوصاف الجسم. وإنما راعى فقط تلك الحركات المختلفة النواحي عند انفتاح المصحف وانطباقه، وعند ظهور البرق واختفائه- ومثله تمام قول الشاعر:
والسحب تلعب بالبروق كأنها ... قار على عجل يقلب مصحفا
هذا -وكلما كان التفاوت في الجهات التي تتحرك أبعاض الجسم إليها أشد كان التركيب في هيئة المتحرك أكثر.
ومن لطيف ذلك قول الأعشى يصف السفين في البحر، تتقاذفها الأمواج، فتضطرب وتتحرك إلى جهات مختلفة:
تقص السفين بجانبيه كما ... يثب الرباح خلاله كرع2
شبه الشاعر: هيئة حركات السفينة حين تتقاذفها الأمواج، فترتفع بها تارة، وتنخفض أخرى، وتضطرب في جهات مختلفة -بهيئة حركات الفصيل في وثباته، فإن له حينئذ حركات متفاوتة، تصير لها أعضاؤه في جهات مختلفة من تسفل وتصعد، على غير نظام وترتيب، وفي سرعة خاطفة، بحيث لا يتبينه الطرف مرتفعا حتى يراه
__________
1 "قار" بحذف الهمزة "والفاء" في قوله "فانطباقا" لتعليل التشبيه المستفاد من "كأن" ولبيان وجه الشبه بين البرق والمصحف.
2 "تقص" أي تثب في وزنه ومعناه و"الرباح" بضم الراء وتخفيف الباء الموحدة وفيها تشديد كرمان ومعناه الناقة، و"الكرع" بالفتح ماء السماء.
(5/49)

متسفلا -ووجه الشبه مجموع تلك الحركات المختلفة، والشاعر -كما تراه- لم يراع في هذه الهيئة شيئا من أوصاف الجسم، وإنما نظر فقط إلى هيئة تلك الحركات في اختلافها وتفاوتها.
ومن اللطيف في هذا المعنى أيضا قول الشاعر يصف روضة:
حفت بسرو كالقيان تلحفت ... خضر الحرير على قوام معتدل
فكأنهما والريح تخطر بينها ... تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل1
تخيل الشاعر هذا النبات، والريح تعبث به، فتميل بعضه إلى بعض، ثم لا يلبث أن يعود إلى طبيعته من الاعتدال -تخيله كأنه جماعة الأحبة تريد أن تتعانق ثم لا تلبث أن يدركها الحياء، فيحول دون هذا العناق، وهو تخيل غاية في البداعة
- والشاهد فيه: أن وجه الشبه في البيت الثاني منتزع من هيئة حركة التهيؤ للدنو بغية العناق. وحركة الرجوع سريعا إلى أصل الافتراق، وتكررها مرة بعد أخرى دون ماعاة شيء آخر من أوصاف الجسم:
ومن هذا الضرب قول امرئ القيس:
مر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل2
يقول: إن هذا الفرس لفرط ما فيه من قوة الدفع، وسرعة الانعطاف
__________
1 "السرو" شجر له رواء ليس له ثمر، "القيان" جمع قينة وهي الجارية -مغنية كانت أو غير مغنية، و"التحلف" اتخاذ الشيء لحافا، و"القوام" القامة.
2 "مكر مفر" صيغتا مبالغة من السكر والفرو "الجلمو هو الصخر فالإضافة بيانية "حطه السيل" قذف به، و"من عل" أي من فوق
(5/50)

في إقباله وإدباره -أشبه الأشياء بجلمود صخر دفعه السيل من مكان عال. والحجر بطبعه يطلب جهة السفل، فإذا ما قذفته قوة دافعة، كان له عند سقوطه حركات سريعة، مختلفة الجهات.
والثاني: وهو ن ينتزع الوجه المركب الحسي من هيئة سكون الجسم -ضربان كذلك.
1- أن يراعي مع هيئة السكون شيء من أوصاف الجسم، فيكون الوجه منزعا من مجموع الأمري: سكون الجسم، وشيء من أوصافه كما في قول الشاعر يصف مصلوبا:
كأنه عاشق قد مد صفحته ... يود الوداع إلى توديع مرتحل
أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطيه من الكامل1
فوجه الشبه -في البيت الأول- متنزع من هيئة سكون عنق المطلوب وصفحته ويديه حالا امتدادها، مع اصفرار الوجه- فقد روعي مع هيئة السكون المذكورة: اصفرار اللون بالموت، وهو من أوصاف الجسم، وتلك هي حال العاشق الماد عنقه، وصفحته، ويديه مفتوحتين عند توديع معشوقه -ووجه الشبه- في البيت الثاني- منتزع من هيئة السكون السابقة، مع اصفرار الوجه أيضا واسترخاء الجسم- فقد اعتبر مع هيئة السكون المذكورة وصفان من أوصاف الجسم: اصفرار اللون، والاسترخاء، وتلك هي حال القائم من النعاس متمطيا، مواصلا تمطيه، لما به من لوثة الكسل.
__________
1 "الصفحة" باطن الكف أو جانب الوجه، والمراد أحد الأمرين، و"اللوثة" بضم اللام: الاسترخاء والتمطي، وهو ما يحدث عادة عقب الانتباه من النوم: مد الجسم وإطالته.
(5/51)

2- ألا يراعي مع هيئة السكون شيء من أوصاف الجسم، فيكون الوجه منتزعا من هيئة السكون وحده -ولا بد في الضرب أيضا من تعدد أفراد هيئة السكون ليتحقق معنى التركيب في الوجه كما في قول المتنبي يصف كلب صيد حال جلوسه
يقعي جلوس البدوى المصطلى ... بأربع مجدولة لم تجدل1
فوجه الشبه منتزع من هيئة مواقع الأعضاء في إقعاء الكلب، وفي جلسة البدوى المصطلى إذ يكون لكل عضو في الإقعاء، وفي الجلوس للاصطلاء موقع خاص، وللمجموع هيئة خاصة مؤلفة من تلك المواقع، ولم يراع في انتزاع الوجه شيء وراء ذلك من أوصاف الجسم- كما ترى- ومنه قول ابن الرومي يصف مصلوبا:
كأن له في الجو حبلا يبوعه ... إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل2
فإن وجه الشبه أيضا منتزع من هيئة مواقع الأعضاء في المصلوب، وفيمن صعد إلى مكان، يقيس بباعه حبلا أثر حبل، دون أن يراعي شيء من أوصاف الجسم.
اختبار:
1- مثل لتشبيهين يكون وجه الشبه في أحدهما مفردا حسيا وفي الآخر مفردا عقليا.
__________
1 "يقعي" من الإقعاء وهو الجلوس على الإليتين، "والمصطلي" المستدفئ بالنار، وقوله: "بأربع" يريد يديه ورجليه ومجدولة" محكمة الخلق، "ولم تجدل" أي لم يجدلها إنسان، والغرض: مدح الكاتب بشدة الحرص.
2 "يبوعه" يقيسه بالباع، وقوله: "إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل" نظير قول الشاعر السابق: "مواصل لنمطيه من الكسل" في الدلالة على استدامه المشبه بالمصلوب لأنه إذا كان يبوع حبلا بعد حبل من غير توقف لم يقبض باعه ولم يرسل يده، وفي ذلك بقاء للمشبه بالمصلوب.
(5/52)

2- قد يكون وجه الشبه مركبا حسيا، فما أنواع طرفي التشبيه حينئذ؟ مثل لما تقول، ثم مثل لتشبهين يكون وجه الشبه فيهما عقليا- مركبا ومتعددا أخرى.
3- كيف صح جعل "الحمرة" مثلا وجه شبه في نحو قولك: كالورد مع أن الحمرة هنا معنى جزئي، ووجه الشبه ينبغي أن يكون كليا ليتأنى الاشتراك فيه. وضح ما تقول ومثل.
4- من أي قبيل يكون الوجه المركب من حسي وعقلي كما في تشبيه الحسناء الوضيعة الأصل بخضراء الدمن- أمن قبيل العقل أم الحسي؟ علل ملا تقول:
5- لم أوجبوا في الوجه الحسي أن يكون الطرفان فإن حسيين، ولماذا عمموا في الوجه العقلي، مثل في توجيهك بما يوضح المقام.
6- للوجه المركب الحسي أنواع طريقة، أيت من كل نوع بمثال، مع بيان الوجه والطرفين.
(5/53)

التقسيم الرابع:
ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضا إلى قسمين- تمثيل، وغير تمثيل.
فالتمثيل -عند جمهور البيانيين ما كان وجه الشبه فيه هيئة مننتزعة من عدة أمور اثنين فما فوق- حسيا كان ذلك الوجه، أو غير حسي.
فالحسي: ما مر من تشبيه مثار النقع، مع الأسياف، بليل تتهاوى كواكبه- وتشبيه الثريا، بعنقود الملاحية حين نور- وتشبيه الشمس، بالمرآة في كف الأشل- وتشبيه البدر في كبد السماء، بدرهم ملقى على ديباجته زرقاء- وغير ذلك من كل ما فيه الوجه صورة منتزعة من أمور حسية.
(5/53)

وغير الحسي: ما سبق في تشبيه حال اليهود بحال الحمار. فإن وجه الشبه -كما سبق- هيئة الحرمان من الانتفاع بأبلغ نافع، مع معاناة المشاق في تحمله، وهي صورة مركبة من أمور عقلية -كما ترى- ومثله ما تقدم من تشبيه المستجير بعمرو بالمستجير بالنار، فإن وجه الشبه -كما سلف- هيئة مركبة من أمرين لا يقعان تحت حس: هما الفرار من الضار، والالتجاء إلى ما أشد ضررا، طمعا في الانتفاع به- من ذلك قول المعتز الخليفة العباسي:
اصبر على مضض الحسو ... د فغن صبرك قاتله
فالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله
فقد شبه الشاعر حال الحسودن وقد قتله كمدا صبر الممدوح عليه, وعدم جزعه لما يناله من أذى: بحال النار، يأكل بعضها بعضا إذا لم تجد وقودا- ووجه الشبه: إسراع الفناء لانقطاع ما فيه مدد البقاء، وهو -كما ترى- أمر عقلين منتزع من أمور عقلية، لا تدخل تحت حس:
ومنه قول صالح بن عبد القدوس:
وإن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مونقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه
شبه حال من تؤدبه وقت الصبا، فيثمر فيه التأديب- بحال العود يسقى في غرسه، في إبان سقيه، فيورق، وينضر- ووجه الشبه: الوصول إلى الغاية المرجوة، باستصلاح الشيء وتعهده بالرعاية في الوقت المناسب، وهو- كذلك أمر عقلي منتزع من أمور عقلية1.
__________
1 كون وجه الشبه حسيا أو عقليا إنما هو باعتبار مادته المنتزع هو منها وإلا فإن الهيئة المنتزعة أمر اعتباري دائما إذ لا وجود له خارجا.
(5/54)

وغير التمثيل: ما لم يكن وجه الشبه فيه هيئة منتزعة من متعدد: بأن كان أمرا واحدا، أو أمور متعددة، كل منها قائم بذاته.
فالأول: كما تقول: "زلة القلم كزلة القدم في الضرر"، و"العلماء الأتقياء كنجوم السماء في الهداية" وعزيمة الحازم كالسيف الصارم في المضاء، ونحو ذلك: مما يكون وجه الشبه فيه شيئا واحدا، لا تركيب فيه ولا تعدد.
والثاني: كما في تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم، والرائحة، واللون، فإن وجه الشبه كل واحد من هذه الثلاثة، لا هيئة مركبة منها.
هذا هو مذهب جمهور البيانيين، فهم -كما عرفت- لا يفرقون في تشبيه التمثيل بين الحسي، وغير الحسي- فالمدار عندهم على أن يكون الوجه هيئة منتزعة من عدة أمور، أيا كان نوعها.
(5/55)

التقسيم الخامس:
ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضا إلى قسمين: مفصل ومجمل:
فالمفصل: ما صرح فيه بوجه الشبه على صورته الخاصة1، وهي أن يذكر مجرورا بفي، أو منصوبا على التمييز على معنى "في".
فالأول كما في قول ابن الرومي:
يا شبيه البدر في الحسن وفي بعد المنال ... جد فقد تنفجر الصخرة بالماء الزلال
__________
1 بهذا يخرج نحو قولهم: فلان كسحبان يفصح في كلامه، ويده كالبحر تفيض، وألفاظه كالدر فيها حسن فليس ذلك من قبيل المفصل لعدم ذكر الوجه على طريقته من كونه مجرورا بفي أو منصوبا على التمييز -كما مثلنا.
(5/55)

والثاني كما في قول أبي بكر الخالدي:
يا شبيه البدر حسنا ... وضياء ومنالا
وشبيه الغصن لينا ... وقواما واعتدالا
أنت مثل الورد لونا ... ونسيما وملالا
فكل هذه المثل من التشبيه المفصل للتصريح فيها بالوجه على نحو ما رأيت: من كونه مجرورا بفي، أو منصوبا على التمييز.
ومن قبيل: التشبيه المفصل ما ذكر فيه ما يستتبع الوجه ويستلزمه كقولهم في تشبيه الكلام السهل، الخفيف على السمع: ألفاظه كالعسل في الحلاوة، أو كالماء في السلاسة، أو كالنسيم في الرقة، فوجه الشبه في الحقيقة لازم الحلاوة، وهو "ميل الطبع، ولازم السلاسة والرقة، وهو "إفادة النفس نشاطا وروحا"- ذلك لأنه المعنى المشترك بين الطرفين- وكقولهم في تشبيه الحجة الواضحة: حجة كالشمس في الإشراق، أو كالصبح في الإسفار، فوجه الشبه في الواقع لازم الإشراق أو الأسفار، وهو "إزالة الحجاب" لأنه المعنى المشترك.
على أنه يجوز أن كيون ما ذكرنا من قبيل ما ذكر فيه الوجه بذاته، لا بما يستلزمه -غاية الأمر أنه متحقق في أحد الطرفين، متخيل في الآخر "فالحلاوة" مثلا هي وجه الشبه بين الكلم العذب والعسل. إلا أنها متحققة في العسل، متخيلة في الألفاظ ... وهكذا يقال في باقي الأمثلة- وقد سبق تقسيم التشبيه باعتبار الوجه إلى تحقيقي وتخييلي، وهذا الرأي عندي أوجه، تقليلا للأقسام بالقدر المستطاع.
والمجمل: ما لم يصرح فيه بوجه الشبه على صورته السابقة- وهو- باعتبار ذلك قسمان:
الأول: ما يكون وجهه ظاهرا، يستوي في إدراكه العامة، والخاصة كما في قولك: شعر عند كالفحم، وقدها كالغصن، ووجهها كالبدر. فأوجه الشبه
(5/56)

في هذه المثل غير مصرح بها، ولكنها -مع ذلك- من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى إعمال فكر.
الثاني: ما يكون وجهه خفيا، ولا يدرك ببديهة النظر، بل يحتاج إلى تأمل وتعمل- مثاله: ما روى أن فاطمة بنت لخرشب1 الأنمارية سئلت عن بنيها الأربعة2: أيهم أفضل، فقالت: "هم كالحلقة المفرغة، لا يدري أين طرفاها" تريد: هم في تناسبهم في الشرف والشجاعة، وعدم تفاوتهم فيهما، بحيث يمتنع تعيين أحدهم فاضلا. وأحدهم مفضولا، كالحلقة المتصلة الجوانب، فإن أجزاء متناسبة، يمتنتع تعيين بعضها طرفا، وبعضها وسطا -فوجه الشبه بين الطرفينن هوالتناسب الكلي الخالي عن التفاوت، وهو غير مصرح به في الكلام ولكن أشعر به قولها: "لايدري أين طرفاها" -غير أنه في "المشبه" تناسب في الشرف، وفي "المشبه به" تناسب في صورة الأجزاء، وهو -كما ترى- خفي دقيق، فوق متناول مدارك العامةن ولا يدركه بسهولة إلا من ارتفع منهم إلى طبقة الخاصة.
تنبيه:
من قول فاطمة السابق يتضح: أن التشبيه المجمل لا يخرجه عن إجماله: أن يذكر لأحد الطرفين وصف مشعر بوجه الشبه، فإن قولها: "لا يدري أين طرفاها" وصف للحلقة المفرغة التي هي المشبه به، ولا يصلح أن يكون وجه شبه، لأنه وصف خاص بالحلقة، والوجه إنما يكون وصفا مشتركا بين الطرفين على صورته الخاصة كما عرفت، ولكنه -مع ذلك- مشعر بوجه الشبه الذي هو
__________
1 بضم الخاء والشين.
2 هم ربيع الكامل، وعمارة الوهاب، وقيس الحفاظن وأنس الفوارس: سئلت أيهم أفضل؟ فقالت: عمارة، ثم بدا لها غير هذا فقالت: لا بل فلان، ثم بدا لا غير هذا فقالت: لا بل فلان، ثم قالت في حيرة: ثكلتهم إنعلمت أيهم أفضل هم كالحلقة.. إلخ.
(5/57)

"التناسب الكلي" إذ يفهم من عدم دراية الطرفين: معنى التناسب الخالي عن التفاوت ومثله قول النابغة:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
فإن وجه الشبه بين الطرفين: هيئة الشيء العظيم، يتلاشى أمامه الشيء الحقيرن وقوله: "إذا طلعت لم يبد منهن كوكب"، وصف خاص بالمشبه به، مشعر بالمعنى المذكور ومثله كذلك قول زياد الأعجم:
فإنا وما تلقى لنا أن هجوتنا1 ... كالبحر مهما تلق في البحر يغرق
يشبه زياد حال قومه، إذ يرميهم المخاطب بالنقيصة، فلا يضرهم ذلك، ولا يظهر فيهم أثر نقص لخطورة شأنهم- يشبه حالهم هذه: بحال البحر العظيم، لا يتأثر بما يلقى فيه من أقذاء ووجه الشبه: هيئة الأمر الخطير، لا ينال منه الحقير، وقوله: "مهما تلقى في البحر يغرق" وصف للمشبه به مشعر بهذا الوجه.
وقد يكون الوصف المشعر بالوجه خاصا بالمشبه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم "أصحابي كالنجوم، بأيهم أقتديتم أهتديتم"، فوجه الشبه في الحديث: "الهداية"، وقد أشعر به قوله: "بأيهم أقتديتم أهتديتم" وهو وصف خاص بالمشبه.
وقد يوصف كل من الطرفين بوصف مشعر بالوجه كما في قول أبي تمام:
صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عني وعاوده فلم يخب
__________
1 "أن هجرتنا" بفتح همزة "أن" على تقدير بأن هجوتنا أي بسبب هجائك لنا.
(5/58)

كالغيث إن جئته وأفاك ريقه ... وإن ترحلت عنه لج في الطلب1
وصف الشاعر الممدوح الذي هو المتشبه بأن عطاياه مغدقة سابغة عليه -أعرض عنه، أو أقبل عليه، ثم وصف الغيث الذي هو المشبه به بأنه يصيب الإنسان- طلبه أو تجنبه- ووجه الشبه: "مطلق الإفاضة في الحالين"2، والوصفان المذكوران مشعران به.
وصفوة القول: أن التشبيه المجمل: هو مالم يذكر فيه وجه الشبه- ظاهرا كان ذلك الوجه أو خفيا- كما بينا- وأن وصف أحد الطرفين، أو كليهما بما يشعر بالوجه -كما رأيت- لا يتنافى مع الإجمال لأن المدار في كون التشبيه مجملا على ألا يذكر وجه الشبه ذاته، ولا ما يستلزمه اهـ.
اختبار:
1- افرق بين التشبيه المفصل والمجمل، ثم اذكر نوعي المجمل، ومثل لكل نوع.
2- من أي قبيل قولهم في تشبيه الكلام الغث: هو كالمعلقم في مرارته، وجه ما تقول.
3- من أي قسمي التشبيه قولك: هو كالغيث، ينتظم خيره البلاد، وكالبدر يهدي ضوؤه المدلجين3 علل لما تقول.
4- أيت بتشبيهين من عندك، تذكر في أحدهما وصفا للمشبه مشعرا بالوجه،
__________
1 "صدفت عنه" أعرضت، وبابه ضرب، ومعنى "لم تصدف مواهبه": لم تنقطع عطاياه، ومعنى "عاوده ظني فلم يخب": عاودته بعد إعراضي عنه طلبا لمعروفه وطمعا في أن يصلني رغم إعراضي عنه فكان عند ظني به -وإذن فنسية المعاودة إلى الظن فيها تجوز، والريق بتشديد الياء المكسورة هو من كل شيء أفضله، "ولج في الطب" ألخ فيه وألحف.
2 أي حالتي الإعراض والإقبال.
3 المدلجون هم السائرون ليلا.
(5/59)

وفي الثاني وصفا المشبه به كذلك، مع بيان نوع التشبيه فيهما من حيث الإجمال والتفصيل.
(5/60)

التقسيم السادس:
ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضا إلى قسمين -قريب مبتذل، وبعيد غريب- ومعنى "قريب": أنه في متناول العامة وغيرهم، ومعنى "مبتذل". أنه متداول بين الناس، ومن هذا التفسير يعلم معنى البعيد الغريب الآتي.
فالقريب المبتذل: ما ينتقل فيه الدهن من المشبه إلى المشبه به، من غير تأمل ونظر، بسبب وضوح وجه الشبه فيهماكتشبيه حسناء الوجه بالقمر، وكتشبيه حسالصوت بالبلبل، وتشبيه الجرئ بالأسد، والكريم بالغيث -فكل واحد من هذه التشبيهات قريب: في متناول العامة، مبتدل: يكثر تداوله لسهولة انتقال الذهن فيه من المشبه إلى به، بسبب وضوح الوجه بين الطرفين: ذلك: أن المشبه به في كل ما ذكرنا أعرف الأشياء بالمعنى الذي عقد له التشبيه.
أسباب وضوح وجه الشبه ثلاثة:
أ- أن يكون الوجه شيئا واحدا، لا تعدد فيه، ولا تفصيل كالأمثلة السابقة، فإن وجه الشبه في كل منها واحد، وإدراك الشيء الواحد لا يحتاج لغير ملاحظة واحدة، لهذا كان التشبيه قريبا مبتذلا لانتقال الذهن فيه إلى المشبه به، دون تأمل.
ب- أن يكون في وجه الشبه شيء من التفصيلن يحتاج إلى تعدد الملاحظة -غير أنه يكثر حضور صورة المشبه به في الذهن عند استحضار صورة المشبه لما بين الصورتين من شدة التناسب- كأن تشبه العنب بالبرقوق في حجمه، وشكله، ولونه ففي الوجه تفصيل ما، إذ لوحظ فيه هذه الأمور الثلاثة: الحجم. والشكل. واللون. وهذا يقتضي شيئا من غرابة
(5/60)

التشبيه وبعده -لكن عارض ذلك ما يقتضي قربه وابتذاله، وهو سرعة حضور صورة "البرقوق" في الذهن عند استحضار صورة "العنب" لما بينهما من شدة التجانس المقتضى لسرعة الانتقال، فلا أثر للتفصيل في وجه الشبه مع قوة هذا التجاس.
جـ- أن يكون في الوجه شيء من التفصيل كسابقه، يحتاج إلى تعدد الملاحظة- غير أنه يكثر حضور صورة المشبه به في الذهن مطلقا، أي لا يقيد استحضار صورة المشبه، وذلك لكثرة مشاهدة صورة المشبه به، وتكررها على الحس- فإن المشاهد كثيرا ما يكثر خطورة بالبال عادة. وبذلك يسهل الانتقال إليه عند إرادة التشبيه- ومن هنا كان التشبيه قريبا مبتدلا، كما في تشبيه إنسان جميل: بالقمر في الرفعة والهداية- وكتشبيه المرآة المجلوة: بالشمس في "الاستدارة والاستنارة-" ففي وجه الشبه- في المثالين- شيء من التفصيل، إذ لوحظ في كل منهما أمران- "الرفعة والهداية" في الأول، والاستدارة والاستنارة "في الثاني- وهذا يقتضي شيئا من غرابة التشبيه وبعده- لكن عارض ذلك ما جعله قريبا مبتذلا. وهو سرعة حضور صورة المشبه به في الذهن لكثرة النظر إليها ومشاهدتها وليس من شك: أن صورتي الشمس والقمر مما يتوارد على النظر كثيرا.
والبعيد الغريب: ما لا ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به إلا بعد إعمال فكر وطول تأمل، بسبب خفاء وجه الشبه فيهما.
وأسباب خفاء وجه الشبه ثلاثة أيضا:
أ- أن يكون في وجه الشبه تفصيل يحتاج إلى كثرة الملاحظات والاعتبارات كما في شبيه الهيئات بعضها ببعض.. كتشبيه هيئة الخال على الخد بالشقيق في قول الشاعر:
لا تعجبوا من خاله في خده ... كل الشقيق بنقطة سوداء1
__________
1 "الخال" شامة في البدن يضرب لونها إلى السواد، وقد توجد على صفحة الخد، والشقيق زهر معروف.
(5/61)

فوجه الشبه بين الطرفين هو الهيئة الحاصلة من وجود نقطة مستديرة سوداء، في وسط رقعة مبسوطة حمراء، وفيه من كثرة التفصيل والاعتبارات ما لا يقع في نفس مريد التشبيه إلا بعد روية ونظر -وكغير ذلك مما تقدم في تشبيه هيئة بأخرى، مما لا يقوم بنفس المتكلم إلا بعد أن يتأمل ويتعمل.
ب- أن يندر حضور صورة المشبه به في الذهن عند استحضار صورة المشبه لبعد التناسب بين الصورتين كما في تشبيه القمر بالعرجون في قوله تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ 1 الْقَدِيمِ} فصورة العرجون في ذتها غير نادرة الحضور في الذهن- ولكنها تندر عند استحضار صورة القمر للبون الشاسع بين الصورتين- فإن القمر مسكنه في السماءن والعرجون في الأرض، والقمر مثال العلو والهداية، والعرجون شيء تافه لا يؤبه له، والقمر من قبيل الكواكب، والعرجون من فصيلة النبات، فشتان ما بين الصورتين، وناء ما بين الطرفين.
من ذلك تشبيه صورة أزهار البنفسج، وهي على سيقانها، بصورة النار في أطراف الكبريت أول شبوبها في قول الشاعر:
ولا زوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت2
__________
1 هو سباطة البلح إذا يبست انحنت وتقوست أشبه شيء بتقوس الهلال.
2 "اللازوردية" بكسر الزاي وفتح الواو وسكون الراء وصف لأزهار النبفسج وهي نسبة إلى الحجر المسمى باللازورد لكونها على لونه فهي نسبة تشبيهية. "وتزهر" من الزهو وهو الكبر، وفي نسبة الكبر إلى البنفسج تجوز "وحمر اليواقيت" من إضافة الصفة للموصوف أي اليواقيت الحمر "وفوق قامات" حال من اسم كأن، "وضعفن بها" انحنين بها لأن ساق البنفسج إذا طالت انحنت لدقتها فكأنها ضعفت عن حمل هذا الزهر، وأوائل النار أي بدء اشتعالها، وإنما قيدت بذلك لأن النار في هذه الحال يضرب لونها إلى الزرقة الشبيهة بلون البنفسج.
(5/62)

فكان المناسب للشاعر أن يشبه صورة أزهار البنفسج وهي على سيقانها، بما ينسابها من الأزهار، إذ هو الذي يتبارد إلى الذهن، عند استحضار صورة البنفسج، ولكنه شبهها بصورة النار المذكورة، وهي -في ذاتها- غير نادرة الحضور في الذهن، إذا أنها في متناول عامة الناس، واقعة بين أيديهم وأرجلهم- ولكنها تندر عند استحضار صورة النفسج المذكور، لما بين الصورتين من عدم التجاس، وبعد الموطن- فهذا زهر ندى لطيف، وذاك لهب حار عنيف. وهذا يسكن الخمائل، وذاك يستوطن المنازل، فبعد ما بين الطرفين.
جـ- أن يندر حضور صورة المشبه به في الذهن مطلقا، أي لا يقيد حضور صورة المشبه فيه -وذلك لأمور منها:
1- أن يكون المشبه به وهميا، أي من اختراع الوهم، كما في اتشبيه النصال الزرق المسنونة، بأنياب الأعوال في قول الشاعر: "ومسنونو زرق كأنياب اإوال" فإن أنياب الغوال مما لاو وجود له في غغير الوهم.
2- أن يكون المشبه به مركبا خياليان أي من نسج الخيال، كصورةأعلام من ياقوت، منشورة على رماح من زبرجد، في قو لاشاعر السابق، وماشاكله من الهيئات المركبة.
3- أن يندر تكرار المشبة به على الحس، كصورة المرآة في كف الأشل، فقد ينقضي عمر الإنسا، ولا يتفق له أن يرى مرآة في سد شلاهن وفي هذا سبب آخر لغرابة الوجه، هو كثرة التفصي فيه.
معتى التفصيل في الوجه:
اعلم: أن المراد بالتفصيل في وجه الشبه: ما فيه من كثرة الاعتبارات والملاحظات: بأن ينظر فيه إلى أكثر من وصف لشيء واحد، أو لأكثر
(5/63)

متعددا كان ذلك الوجه، أو مركبا اعتباريا- وكملا كثر التفصيل في الوالمج كان التشبيه أدخل في باب الغراب، وأبعد عن الابتذال، وكان أدق نسجا وأجمل وقعا، كما تراه في قوله تعالى: "إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلنا" الآية. فقد حوت من كمال الدقة، وكثرة التفصيل ما يبهر العقول.
أوجه التفصيل:
يقع التفصيل في وجه الشبه علىوجوه كثيرة، أحراها بالقبول وأولداها بالعتبار. صورتان.
الأولى: أني ؤخذ بعض الأوصافن ويترك بعضها: من كل تشبيه فيه دقة تحتاجغلى مزيد نظر، وفضل ملاحظة- كما في قول امرئ القيس:
حمتل درينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان1
شبه الشاعر سنان الرمح بهلهب ذي سنا، فاعتبر في كل منهماشكله المرخويط الدقيق الطرف، وزرقته السافية، وبريقه، ثم قصد أن ينفي الدخان عن السنا تحقيقا للتشبيه إذ ليس في رأس السنان ما يشبه الدخان- وتحقيق التشبيه على هذه الصورة لا يواتيك ببديهة النظر، بل تراك تحتال له، وتدبر أمره- ومثله قول الشاعر:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب2
__________
1 "الرديني" الرمح منسوبا إلى "ردينة" وهي امرأة اشتهرت بتقويم الرماح "وسنا اللهبط ضوؤه- يشبه سنانه بضوء الهلب.
2 قال الأصمعي- الظبي والبقرة الوحشية إذا كانا حيين فعيونها كلها سوداء فإذا ماتا بدا بياضها فأشبهت الجزع، وهو خرز يماني فيه سواد وبياض تشبه به الأعين، والأرحل جمع رحل وهو مركب للبعير.
(5/64)

والشاهد فيه أن الشاعر: نفى التثقيب عن الجزع تحقيقا للتشبيه، وبيانا لتساوي الطرفين في وجه الشبه، لأن الجزع إذا كان مثقبا خالف العيون في الشكل بعض المخالفة، إذ لا ثقوب فيها.
والثانية: أن تؤخذ جميع الأطراف: بأن يعتبر وجودها جميعها في وجه الشبه كما مر نحو قول الشاعر:
وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا
فقد اعتبر في كل من الطرفين: الشكل، والمقدار، واللون، والوضع الخاص- ومثله سائر التشبيهات السابقة.
ومن ابلغ الاستقصاء في التفصيل وعجيبه قوول ابن المعتز:
كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نطير غرابا ذا قوادم جون1
شبه هيئة ظلام الليل، يبدو في ثناياه ضوء الصبح: بهيئة غراب أسود اللون، ذي قوادمن بيض، وإنما روعي أن تكون قوادمه بيضاء لأن تلك القطع م الظلام تقع في حواشيها أطياف من نور، يتخيل منها في مرأى العين شكل قوادم بيض لطائر أسود قائتم السواد، وسر الروعة والجمال في هذه التشبيه: أنهجعل ضوء الصبح -لقوة ظهوره، ودفعه للظلام- كأنه يحفز الدجى، ويستعجلها، ولا يرضى منها أن تتمهل في حركتها، ولما راعى ذلك في التشبيه ابتداء راعاه آخر؟، حيث قال: "نطير غرابا" ليفيد معنى لاسرعة- لأن الطائر إذا كان حاطا في مكان، فأزعج وأطير منه كان ذلك -لا محالة- أسرع لطيرانه، وأدعى لأن يمعن في الطيران، إلى حيث لاتراه العيون- بخلاف ما إذا طار عن اختيار، فقد يجوز أن يبطئ في طيرانه، وليس هذا المعنى مرادا.
__________
1 "القودام" أوائل ريش الطائر، "والجون" بالضم جمع جون بالفتح يطلق على الأبيض والأسود، والمراد هنا الأبيض.
(5/65)

تنبيهان:
الأول: اعلم أن التشبيه البليغ1 هو ما كان بعيدا غريبا2 كما في تشبيهات الهيئات المنتزعة من أمور متعددة على ما عرفت- سواء كان الوجه مركبا من أمور كثيرة أو لا، وسواء ذكرت الأداء أو لا. لما هو مركوز في الطباع: من أن الشيء إذا نيل بعد احتيال له ومعاناة التوسل إليه. كان نيله أحلى، وموقعه في النفس ألذ وأشهى- ولهذا ضرب المثل لكل ما لطف موقعه، ودق موضعه ببرد الماء على الظمأ. قال القطامي:
وهن ينبذن من قول يصبن به ... وقع الماء من ذي الغلة الصادي3
قالوا: وما أشبه هذا الضرب بالجوهر في الصدق، لا يبرز إليك إلا أن تشقه عنه، أو بالجيب المتحجب، لا يريك وجهه حتى تستأذن، وقديما قالوا:
وزاده كلفا4 في الحب أن منعت ... رحب شيء غلى الإنسان ما منعا
أما إطلاق البليغ على التشبيه المحذوف منه الأداة إطلاقا شائعا، فهو اصطلاح لبعضهم، وإلا فهو يسمى "تشبيها مؤكدا" لما فيه من دعوى اتحاد الطرفين، مجمل أحدهما على الآخر. على ما سيأتي:
__________
1 المراد بالبليغ هنا: ما يتخاطب به الخواص من البلغاء لما فيه من دقة التركيب ولطف المعنى.
2 قد يقال أن الغرابة منشؤها خفاء الوجه -كما علمت فكيف يكون خفاؤه سببا في بلاغة التشبيه مع أنهه تقدم أن عدم ظهور المعنى ضرب من التعقيد، وهو ينافي البلاغة،- ويجاب بأن الخفاء الموجب للتعقيد ما كان منشؤه سوء التركيب، أما هنا فمنشؤه لطف المعنى ودقته.
3 "ينبذن" يرمين" والغلة" حرارة العطش "والصادي" العطشانز
4 هو بالتحريك شدة الولع بالشيء.
(5/66)

الثاني: قد يتصرف الحاذق بصنعة الكلام في التشبيه المبتذل، بما يجعله غريبا ممتنعا، لا ترتقي إليه مدارك العامة- كما في قو لاملتنبي، من قصيدة يمدح بهاهارون ابن عبد العزيز الأدراجي:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء
يريد الشاعر: أن يشبه وجه الممدوح بالشمس في الإشراق. ومثل هذا التشبيه مطروق مبتذل، يستوي فيه العامة الخاصة لوضوح وجه الشبه، وعدم توقفه على نظر- غير أن حديث "الحياء"، وما فيه من الدقة والحسن: من حيث إفادته: المبالغة في وصف الممدوح بوضاءة الوجه، وأنه أعظم إشراقا من الشمس أخرج التشبيه عن ابتذاله، وكساه صورة رائعة، تستوقف النظر، وتستثير الإعجاب- ذلك: أنه نزل الشمس منزلة من يرى ويستحي، فادعى أنها حين تلقى وجه الممدوح لا تلقاه إلا بوجه منزوع منه الحياء، أي وكان ينبغي حين إذ تلقاه أن تتوارى منه خجلا، ومثل هذا التصرف يقتضي أن يكون وجه الممدوح أكمل وأتم إشراقا من الشمس- وشبيه بقول المتنبي قول الآخر:
إن السحاب إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها1
لا شك أن تشبيه الندى بالسحاب في الفيض مبتذل، في متناول العامة، لكن حديث الاستحياء، وتنزيل السحاب منزلة من ينظر ويستحي خرج بهذا التشبيه عن ابتذاله إلى مستوى رفيع، على نحو ما قلنا في البيت السابق.
ومن ذلك قول رشيد الدين:
عزماته مثل النجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثاقبات أقول2
__________
1 "قاسته بما فيها" أي شبهته، ويريد بما فيها: المطر.
2 "عزماته" جمع عزمة، وهي التصميم في الغرادةن و"ثواقبا" حال من النجوم وهي النوافذ في الظلمات بإشراقها، وسمي لمعان النجوم ثقوبا لظهورها من وراء الظلمة وكأنها ثقبتا "والأفول" الغروب: وجواب الشرط محذوف تقديره لكانت عزماته مثلها
(5/67)

ذلك: أن تشبيه العزم بالنجم في الثقوبن وهو النفوذ: قريب مبتذل لوضوح وجه الشبه، وعدم حاجته إلى توقف- لكن وصف الأفول، وعروضه للثاقبات، دون العزمات، وما في ذلك من الدلالة على أن المشبه أتم من المشبه بهن في وجه الشبه، أبرز التشبيه في صورة ممتنعة، وكساه خيالا رائعا- ويسمى هذا النوع:
التشبيه المشروط: أي المقيد بشرط. كأن تقول هذا الشيء كهذا الشيء لو كان على صفة كذا، أو لولا أنه على صفه كذا.
والتقييد: بالشرط إما أن يكون في المشبه به، أو في المشبه، أو في كليها- والشرط إما أن يكون وجوديا أو عدميا1.
فمثال تقييد المشبه به. ما سبق في تشبيه العزمات بالنجوم في قول الشاعر السابق، فقد قيد المشبه به بعدم الأقول، إذ لا يتم التشبيه بدونه، وكأنه يقول: عزماته مثل النجوم لولا ما يعرض لها من أفول -وكقولك: وجه فلان كالمش لولا ما يعتريها من كسوف، أوم ثل مالقمر لولا ما يعرض له من خسوف.
ومثال تقييد المشبه قول البديع السابق:
يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والبدر لو لم يغب والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد2 والبحر لو عذبا
فالمشبه به هو الممدوح، وقد شبه به كل من صوب الغيث، والبرد والشمس والبحر مقرونا كل مها بقيد أولاه لتم التشبيه.
ومثال تقييد الطرفين معا قولك: عباس في علمه بالأمور- إذا كان يقظا كعلى في علمه بها- إذا كان غافلا.
__________
1 المراد بالعدمي: ما دخل عليه حرف النفي.
2 بالبناء للمفعول.
(5/68)

ومن هذا النوع: ما يسمى: تشبيه التفضيل، وهو أن يشبه المتكلم شيئا بشيء ثم يرجع فيفضل المشبه على المشبه به كما في قول اشاعر:
حسبت جماله بدرا منيرا ... وأين البدر من ذاك الجمال؟
وكقول الآخر:
من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شكلين1
أنت إذ جدت ضاحك أبدا ... وهو إذا جاد دامع العين
ومنه نوع: يطلقون عليه: تشبيه التشكيك كما في قول الشاعر:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكن أم ليلى من البشر2
فقد وضع الشاعر نفسه موضع من أشكل عليه الأمر، فلم يدر من أي الجنسين ليلاهن مبالغة في دعوى المساواة- إلى غير ذلبك من أنواع التصرف في التشبيه المبتذل بما يخرجه عن ابتذاله، ويكسوه ثوبا من الجمال، ويبرزه في حالة رائعة من الحسن تستثير إعجابك.
ومن روائع التشبيه قول البحتري يصف امرأة:
في طلعة البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثنيها2
يقول: إن ما نراه في طلعة البدر من روعة وجمال، وما نشاهده في الغصن من تكسر وانثناه- كلاهما بعض ما وهبته هذه المرأة، من آيات الحسن والبهاء ومنه قول ابن بابك.
__________
1 "الجدوى" العطاء. "2 القاع" الأرض المستوية.
3 "القضيب" الغصن، "والتثمي"التميل.
(5/69)

ألا يا رياض الحزن من أبرق الحمى ... نسيمك مسروق وصفك منتحل
حكيت أبا سعد فنشرك نشره ... ولكن له صدق الهوى ولك الملل1
ومن أبدع ما قيل في هذا الباب، قول ابن نبانة في وصف فرس أبلق أغر:
وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه
شبه أولا جبين الفرس بالصبح في البيضا والإشراق، ثم شبه ثانيا قوائم الفرس بالصبح في هذا المعنى، وهما تشبيهان -كما ترى- من النوع الساذج المبتذل- غير أن حيث لطم الصبح للجبين اعتداء. ثم خوض الفرس في أحشاء الصبح انتقاما جعلهما من الممتنع، البعيد المنال -والتشبيه في كلهيما ضمني- ذلك: أن لطمة الصبح لجبين الفرس تركت فيه أثر البياض- كما علق هذا الأثر بقوائم الفرس، حينما خاض في أحشاء الصبح- وهذا يفيد تشبيه كل من جبين الفرس وقوائمه بالصبح في بياضه وإشراقه، ولكن في معرض ساحر خلاب.
اختبار:
1- من أي أنواع التشبيه قول الشاعر:
وكأن النجوم بين دجاه ... سنن لاح بينهن ابتداع
ثم بين وجه الشبه فيه، وكيف صح تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين
__________
1 "الحزن" بفتح الحاء وسكون الزاء ما غلظ من الأرضن "والأبرق" مثله، مع مايقع فيه من حجارة، ورمل وطين، "منتحل" اسم مفعول من انتحل كذا، ادعاه لنفسه، وهو لغيره، و"النشر" الرائحة الطيبة، "والملل" السأم- يريد: أنه سريع الزوال.
(5/70)

الابتداع، مع أن تشبيه المحسوس بالمعقول قلب للأوضاع، وهل لذلك من نكتة؟
2- شاع قولهم في الجبان: هو أسد، وفي العي هو سحبان، فما وجه الشبه بين الطرفين وجه ما تقول واشرحه شرحا وافيا- وهلا كان وجه الشبه هو "التضاد- علل لما تقول تعليلا واضحا:
3- من أي أنواع التشبيه قول الشاعر:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوه أقشعت وتجلت
وهلا صح انتزاع الوجه من الشطر الأول من البيت؟ وجه ما تقول.
4- بين الفرق بين التشبيه القريب المبتذل، والبعيد الغريب، مع بيان سبب قرب الأول، وابتذاله÷ وسبب بعد الثاني وغرابته، مع التمثيل، ثم بين من أي الأنواع التشبيه البليغ وجه ما تقول.
5- بين معنى التفصيل في الوجه، وأشهر أنواع التفصيل فيه، مع التمثيل، ومع بيان وجه التصرف البلاغي في قول الشاعر:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارها ... إلا بوجه ليس فيه حياء
تمرينات منوعة:
1- بين وجه الشبه: ونوع قيامه بكل من الطرفين من حيث تحققه، أو تخيله، أو ادعاؤهه فيمايأتي: قلب التقى كثوبه الناصع. باقل كسحبان. الحياة كسحابة صيف
- قال الشاعر:
فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا
(5/71)

2- أيت بتشبيهات أربعة فيها الوجه مركب -إما مع طرفين مركبين كذلك، أو مفردين مقيدين، أو مختلفين.
3- مثل لتشبيهين مبتذلين، تصرف فيهما بما أخرجهما إلى الغرابة، ثم بين نوع هذين التشبيهين من حيث التركيب والإفراد.
4- مثل لما يأتي: تشبيه مركب الوجه انتزعت أجزاؤه من حركة الجسم دون وصفه. تشبيه تمثيل على رأي الجمهور، تشبيه بعيد، وآخر مبتذل، تشبيه مركب الوجه، انتزعت أجزاؤه من سكون الجسم وحده، تشبيه وجهه مركب خيالي في أحد طرفيه، تشبيه مشروط.
5- بين نوع التشبيه في البيت الآتي من حيث تفصيله وإجماله:
كشفي مقص تجمعتما ... على غير شيء سوى التفرقة
6- كون من الألفاظ الآتية تشبيهات مفصلة، وأخرى مجملة: الماء الزلال نسيم الرياضن ضوء القمر. شباة الحسام. الزهرة الباسمة. السيل الدافق.
7- بين طرفي التشبيه ووجه الشبه فيما يأتي من الأبيات:
وكأن الهلال نون لجين ... رسمت في صحيفة زرقاء
وما الموت إلا سارق دق شخصه ... يصول بلا كف ويسعى بلا رجل
كأن سواد الليل والفجر ضاحك ... يلوح ويخفى أسود يتبسم
فسواد رأسك والبياض كأنه ... ليل تدب نجومه وتسير
(5/72)

مبحث أدوات التشبيه
مدخل
...
مبحث أداة التشبيه:
الأداة لفظ يدل على معنى التشبيه كالكاف1 قال تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} ونحو: "عزمة محمد كالسيف مضاء، وطبعه كالنسيم لطفا".
ومثل الكاف: كل ما يفيد معنى المماثلة -حرفا كان، أو اسما، أو فعلا كلفظ "كأن" حرفا، نحو قوله: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَة} و"كمثل وشبه" اسمين نحو قول الشاعر:
والوجه مثل الصبح مبيض ... والفرع شبه الليل مسود
صنوان لما استجمعا حسنا ... والضد يظهر حسنه الضد
وكالفعل الدال على معنى التشبيه -ماضيا كان أو مضارعا، كماثل يماثل، وشابه يشابه، وحاكى يحاكي- وكالوصف المشتق المفيد لهذا المعنى، كمماثل ومشابه، ومحاك. تقول: سعدي ما ثلت البدر إشراقا، وبشرتها تماثل الحرير نعومة، ومحمد حاكي السحاب فيضا، وهو يحاكي النجم علوا- وتقول: ليلى مماثلة البدر في بهائه، ومشاهبة الغصن في تثنيه، ومحاكية الحرير في ملاسته2- ومن أدوات التشبيه "سيان وسوءا"- تقول: خالد والأسد سيان، ووجهه والبدر سواء.
والأصل في الكاف: ونحوها من كل ما يدخل على المفرد كمثل، وشبه ونحو: أن يليها المشبه به كما مثلنا- وقد يليها غير المشبه به بشرطين:
__________
1 هي الأصل في الدلالة على التشبيه.
2 قال بعضهم إن المتبادر أن هذه المشتقات تفيد الإخبار بمعناها، فقولك محمد يشابه عمرا أو مشابه عمرا أو محاكيه إخبار بالمشابهة كما تقول: محمد يقوم أو قائم وليس هناك أداة داخلة على المشبه به. فعدما من أدوات التشبيه لا يخلو عن مسامحة.
(5/73)

1- أن يكون المشبه به هيئة منتزعة من أمور، لم يعبر عنه بمفرد دال عليها كلفظ "مثل" أو لفظ "حال"1.
2 أن يذكر بعد الكاف ونحوها بعض هذه الأمور التي انتزعت منها تلك الهيئة- مثال ذلك قول الله سبحانه: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} - فليس الغرض: تشبيه حال الدنيا "بالماء" حتى تكون الآية مما ولي فيه المشبه به كاف التشبيه. بل المراد. تشبيه حال الدنيا في نضارتها وغضارتها، وما يعقب ذلك من زوال متاعها، وامحاء ما أضفى عليها من بهجة وبهاء- بحال النبات يغذيه الماء فيخضر وينضر، ثم يورق ويزهر، ثم لا يلبث أن تنطفئ نضرته، وتذبل زهتره، ويتحول النبات النضر البيه إلى هشيم تذروه الرياح كأن لم تكن- ووجه الشبه: مجموع الهيئة الحاصلة من حسن، وبهجة وبهاء، يتلوها تلف، واضمحلال، وفناء -فأنت ترى أن المشبه به لم يل الكاف كما هو الأصل فيها، إذا لا يتأتى فيه ذلك، لأن المعتبر فيه الهيئة الحاصلة من مجموع اكلام المذكور بعد الكاف، دون أن يعبر عنها بمفرد داله عليها- لكن وليها شيء له تعلق بهذه الهيئة، وهو "الماء" إذ هو أحد أجزائها كما هو الشرط.
والأصل في "كأن" الدالة على التشبيه: أن يليها المشبه -عكس الكاف وأخوانها- يقول الله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} فضمير النسوة هو المشبه، وما بعده هو المشبه به، ويقول الشاعر:
وكأن الهلال نون لجين ... رسمت في صحيفة زرقاء
ومثل كأن في هذا الحكم كل ماله معمولان من الأفعال، أو الأسماء المشقة المفيدة لمعنى المماثلة.
وتقول: "مائل، أو يمائل خالدا أسدا، وحاكى، أو يحاكي شوقي
__________
1 كما في قوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} الآية فقد دخلت الكاف على المشبه به وهو لفظ "مثل" الدال على المشبه به المذكور.
(5/74)

أبا الطيب وشابه أو يشابه محمد حاتما -فالذي ولي الأفعال في هذه المثل هو المشبه.
وتقول خالد مائل، أو يمائل الأسد، وشوقي حاكي، أو يحاكي أبا الطيب، ومحمد شابه أو يشابه حاتما- وتقول خالد مماثل الأسد، وشوقي محاك أبا الطيب وعلى مشابه حاتما- فالضمائر المستكنة في هذه الأفعال، أو الصفات هي المشبهات، وقد وليتها لأنها فواعل، والفاعل مرتبته التقدم على المفعول- وقد يجري الكلام على خلاف الأصل لقيام قرينة نحو: شابه أسدا على" فيقدم المشبه به لفظا لا معنى.
تنبيهان:
الأول: ما تقدم من كون "كأن" أداة دالة على التشبيه هو الأكثر استعمالا، وقد تستعمل "كأن" عند الظن بثبوت الخبر، من غير قصد إلى التشبيه- سواء كان جامدا، أو مشقا، نحو كأن محمدًا أخوك، وكأنه شجاع.
الثان: قال بعض البيانيين: قد يقوم مقام الأداء في الدلالة على التشبيه فعل غير ما تقدم من الأفعال المشتقة من الممائلة والمشابهة، كما تقول: "أقدم القائد، فوجدته أسدا، وسمعت واعظا، فحسبته سحبان وائل"- غير أن الفعل في المثال الأول يستعمل، حيث يدعى، كمال المماثلة بين الطرفين لأن "وجد" من أفعال اليقين: وأن الفعل في المثال الثاني يستعمل، حين يدعى: ضعف المشابهة بين الطرفين لأن "حسب" ليس فيها أكثر من الإدراك على وجه الظن والرجحان، دون التحقق والتيقن.
ولكن الحق: أن لا دلالة الفعل بنوعيه على التشبيه: بل إن الدال عليه هو عدم صحة الحمل، فنحن نجزم: أن "الأسد" مثلا لا يصح حمله على القائد لتباين الحقيقتين، وأن المعنى لا يستقيم إلا على تقدير أداة التشبيه -سواء
(5/75)

ذكر الفعل أولا -غير أن معنى التشبيه مع "وجد" أقوى منه مع "حسب" لدلالة الأول التيقن، دون الثاني- وإذا فالمثالان المذكوران من التشبيه المؤكد وهو ما حذفت منه الأداة على ما سيأتي:
(5/76)

تقسيم التشبيه باعتباره الأداة
...
تقسيم التشبيه باعتبار الأداة:
ينقسم التشبيه بهذا الاعتبار إلى قسمين- مرسل، ومؤكد:
فالمرسل: ذكرت فيه أداة التشبيه لفظا أو تقديرا- فمثال الأول قوله تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} وقولك: ناقضو العهود كالأفاعي، وقولك: الساعي بلا طائل كالناقش على الماء- وقول المعري:
تحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعادله سبك
ومثال ما قدرت فيه الأداة قولك: سجعه سجع الحمام، ووشيه وشى الطاووس إذا قدرت في نفسك: أنه على معنى "الكاف" وأن المشبه مثل المشبه به. لاعينه- وسمى مرسلا لإرساله عن التأكيد، أي خلوه منه.
والمؤكد: ما تركت فيه الأداة لفظا وتقديرا، أي ترك التصريح بها، وتنوسيت في نظم الكلام أيضا إشعارا -من حيث الظاهر- بأن المشبه هو المشبه به عينه مبالغة، كما تقول: وجهه النهار، وطبعه النسيم، وألفاظه الدر، وعزمه السيف قال المتنبي:
أين أزمعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الربا وأنت الغمام
فتترك ذكر الأداء، ولا تقدرها في نفسك، ادعاء منك: أن المشبه هو المشبه به نفسه، لا شيء سواه -ومنه قوله تعالى: "وهي تمر مر السحاب"، يريد -والله أعلم- أن الجبال يوم القيامة، بعد النفخة الأولى تسير في الهواء كالسحاب، تسوقه الرياح، فهو تشبيه مؤكد، تركت فيه الأداة، وتنوسي تقديرها. ليكون المعنى: أن مرور الجبال يوم القيامة هو
(5/76)

مرور السحاب بعينه، وهذا المعنى هو ما ينبغي أن يفهم تصويرا للحالة التي ستكون -وإليك قول الحماسي، يصف قوما بالكرم والشجاعة:
هم البحور عطاء حين تسألم ... وفي اللقاء إذا تلقى بهم يهم1
ولو فرض تقدير الأداة فيما ذكرنا من أمثلة التشبيه المؤكد لكان من قبيل التشبيه المرسل، وإذا فكل مثال تركت فيه الأداة يحتمل أن يكون من قبيل التشبيه المؤكد إذا لم تقدر فيه الأداة- وأن يكون من التشبيه المرسل إن قدرت الأداة، مالم تقم قرينة على المراد.
ومن التشبيه المؤكد: ما أضيف فيه المشبه به إلى المشبه2 بعد حذف الأداة، وتقديم المشبه به على المشبه ك ما تقول: "فلان يسترشد بسراج رأيك"، وليس فلان رداء العافية"3- ومنه قول الشاعر: يصف اعتدال الريح وقت الأصيل:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء4
شبه الشاعر الماء بالفضة في بياضها وصفائها، ثم أضاف المشبه به غلى المشبه بعد حذف الأداء، وتناسبها- كما ذكرنا- ومنه كذلك قول الشريف الرضي، يستمطر الرحمة على قبور الموتى:
__________
1 "البهم" بضم الباء واحده بهمة، وهو الشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى لخطورته وقوة بأسه.
2 والإضافة حينئذ بيانية تقتضي الاتحاد في المفهوم.
3 شبه الرأي بالسراج في الاهتداء به كما شبه العافية باللباس في الاشتمال، ثم قدم المشبه به وأضيف إلى المشبه.
4 "تعبث بالغضون" تحركها وتميلها، و"قد جرى" بمعنى ظهر، و"الأصيل" هو الوقت ما بين العصر والغروب، ويعد من أطيب الأوقات، "وذهبه" صفرته بسبب شعاع الشمس وإطلاق الذهب عليه استعارة، و"اللجين الفضة.
(5/77)

أرسى النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل المزن في أجدائكم تضع1
شبه الشاعر المزن الممتلئة بالماء: بالحوامل من الحيوان، ثم أضاف المشبه به إلى المشبه كسابقه، وفي التعبير بقوله: "تضع" مع قوله: حوامل "المزن" براعة بارعة في مراعاة التناسب- ومنه قول الشاعر السابق:
أقحوان معانق لشقيق ... كثغور تعض ورد الخدود
شبه الشاعر الورد بالخدود في حمرته، ثم أضاف المشبه به للمشبه- وسمي التشبيه المتروك فيه الأداء، مؤكدا" لأنه أكد وقرر بدعوى اتحاد الطرفين بحيث، لا يتميز أحدهما عن الآخر في شيء.
اختبار:
1- عرف أداة التشبيه، ومثل من عندك بأداتين من أدواته، يكون وجه الشبه في أحد المثالين حسيا، وفي الآخر عقليا.
2- بين أي الطرفين يلي التشبيه، وما حكم "كأن" التشبيهية في هذا الحكم مثل لما تقول، وهل مما يلي فيه المشبه به كاف التشبيه قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ} الآية؟ وأين المشبه في نحو قولك، خالد مائل الأسد "وخالد مماثل الأسد" بالإضافة.
3- بين الخلاف فيما تستعمل فيه "كأن" مع التمثيل، وهل من قبيل أداة التشبيه، فعلا الوجدان والحسبان، في نحو قولهم، زرت عليا فوجدته بحرا، وسمعته فحسبته قسا؟ ما الفرق بين الفعلين.
__________
1 "أرسى النسيم بواديكم"، بمعنى استقر بها، يصفه بلطف الجو واعتداله، و"المزن" أراد بها السحاب، "والأجداث" جمع بالتحريك القبر، و"تضع بمعنى تهمي وتهطل، وعبر بالوضع مراعاة التناسب وهو محسن بديعي.
(5/78)

4- قسم التشبيه باعتبار "الأداء" وعرف كل قسم مع التمثيل، واذكر من أي القسمين قول الشاعر:
ورد الخدود ورمان النهود وأغصان القدود وتصيد السادة الصيدا
5- من أي قسمي التشبيه -المرسل والمؤكد- قولهم: صوته مزمار دواد، وما علة التسمية في كل من القسمين؟
(5/79)

تمرينات منوعة:
1- بين أركان التشبيه في الأبيات الآتية، مع بيان نوعه، من حيث التأكيد والإرسال:
1-
وجيش كمثل الليل هولا وهيبة ... وإن زانة ما فيه من أنجم زهر
2-
فوجهك كالنار في ضوئها ... وقلبي كالنار في حرها
3-
إذا ما الرعد زمجر خلت أسدا ... غضابا في السحاب لها زئير
4-
فعلت بنا فعل السماء بأرضه ... خلع الأمير وحقه لم نقضه1
5-
إذا الدولة استكفت به في ملمة ... كفاها فكان السيف والكف والقلبا2
2- انثر الأبيات الآتية، مستعملا أداة تشبيه، غير التي استعملها الشاعر،
__________
1 يقول زانتنا خلع الأمير بوشيها وحسنها كما زينت السماء أرضه بمختلف النبات، ولم نقض حق الثناء عليه.
2 "استكفت" اسنعانت، "والملمة" النازلة يريد. إذا استعانت الدولة به كان سيفا على أعدائها وكان الكف التي تبطش بها، والقلب الذي تجترئ به على اقتحام الأهوال.
(5/79)

مع بيان نوع التشبيه، من حيث الإرسال والتأكيد، ومع بيان وجه الشبه.
قال ابن المعتز:
انظر إلى حسن هلال بدا ... يهتك من أنواره الخدسا
كمنجل قد صبغ من فضة ... يحصد من زهر الدجى نرجسا
وقال:
والنجم في الليل البهيم تخاله ... عينا تخالس غفلة الرقباء
والصبح من تحت الظلام كأنه ... شيب بدا في لمة سوداء
3- اجعل كل كلمة مما يأتي مشبهات، في تشبيه تأتي به، وبين الوجه فيها، مع التنويع في الأداء: اللحظة، الشيب. الكملة النافذة. الحق. القلب. الطرف الناعس. الرئم الأغن.
4- اجعل من الكلمات الآتية مشبهات بها، وخالف بين الأداء في كل منها مع بيان الوجه: السيف القاطع. الصبح الأبلج. النار اللاقحة. الجبل الأشم. الماء الزلال. البحر الخضم.
5- اجعل كل صفة من الصفات الآتية وجه شبه، في تشبيه تأتي به، مع بيان الطرفين: البهاء. الدمامة. السرعة. الصفاء. الصمود. الكدر. القسوة الهداية.
6- اجعل كل كلمتين مناسبتين طرفي تشبيه، تكونه. مع بيان وجه الشبه في كل تشبيه: الدرع. النسر. الماء. الثغر. الطائرة. اللؤلؤ. الحجة. الليل. الشمس القمر.
(5/80)

جواب التمرين الأول:
تمرينات منوعة:
1- بين طرف التشبيه ونوعه باعتبار الأداة - فيما يأتي:
1-
الخل كمالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء يخفيها مع الكدر
2-
وصبغ شقائق النعمان يحكي ... يواقيتًا نظمن على اقتران1
3-
كأن سواد الليل والفجر ضاحك ... يلوح ويخفي أسود يبتسم
4-
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع
5-
له خال على صفحات خد ... كنقطة عنبر في صحن مرمر
6-
كم نعمة مرت بنا وكأنها ... فرس يهرول أو نسيم سار
__________
1 "الصبغ" اللون: "وشقائق النعمان" زهر أحمر يشوبه نقط سود، واليواقيت مفرده ياقوته وهي جوهر نفيس صلب شفاف و"نظمن على اقتران" أي اجتمعن في سلك واحد على مقارنة ومماثلة.
(5/81)

2- بين طرفي التشبيه ونوعه باعتبار الأداء فيما يأتي من الأبيات:
داوت تواضعا وعلوت مجدا ... فشأناك انخفاض وارتفاع
كذاك الشمس يبعد أن تسامي ... ويدنو للضوء منا والشعاع
لي جار كلانه أليوم في الشكل ... وأما في عجبه فقرات
هو كالماء إن أردت له قبضان ... وإن رمت موردا فسراب
(5/82)

مراتب التشبيه:
للتشبيه باعتبار الوجه والأداة -ذكرا، أو تركا- مراتب ثلاث، تتفاوت قوة وضعفا.
فالأولى -وهي عليا المراتب- ما ترك فيها الوجه والأداة جميعا كما يقول الشاعر:
عزماتهم قضب وفيض أكفهم ... سحب وبيض وجوههم أقمار
(5/82)

فكل من هذه الشبيهات الثلاثة في البيت، يفيد من قوة المبالغة مالا يفيده غيره مما سنذكره بعد.
وجه ذلك: أنه مشتمل على معنى الاتحاد من الطرفين، من وجهين:
الأول: أن ترك الوجه يفيد، بحسب الظاهر. عموم جهة الإلحاق1 أي أن المشبه في التشبيهات المذكورة، يماثل المشبه به في كافة صفاته إذ لا ترجيح لبعض الأوصاف على بعض، عند ترك التصريح بالوجه- فالتشبيه الأخير مثلا من البيت، يفيد مماثلة الوجوه البيض، للأقمار في كافة صفاتها من البياض والإشراق، والاستدارة ما إلى ذلك من أوصاف القمر، من غير ترجيح لبعض الأوصاف، وهذا من غير شك يقوى معنى الاتحاد بين الطرفين، وهو مناط المبالغة- بخلاف ما لو ذكر الوجه لفظ، أو تقديرا: فقيل: "وجوهم أقمار في الإشراق" مثلا، فإنه يفيد: أن الوجوه تماثل الأقمار في وصف "الأشراق فقط، دون سائر الصفات فتضعف بذلك دعوى الاتحاد.
الثاني: أن ترك الأداة يفيد -بحسب الظاهر أيضا: أن المشبه به في المثال المذكور محمودل على المشبه2، والحمل يقتضي اتحادهما معنى، أي أن يكون المشبه هو المشبه به عينه، وليس شيئا سواه، وإلا ما صح الحمل فيهما لامتناع حمل أحد المتباينين على الآخر- بخلاف ما لو ذكرت الأداة لفظا، أو تقديرا، فقيل مثلا: وجوههم كالأقمار، فإنه يفيد أن "الوجوه" غير "الأقمار" وهذا يضعف دعوى الاتحاد بين الطرفين.
فترك الوجه والأداة إذن، يفيد معنى الاتحاد بين الطرفين من جهتين -كما بينا-
__________
1 إنما كانت إفادته العموم بحسب لأن الوجه في الحقيقة وصف خاص قصد اشتراك الطرفين فيه "كالمضاء" مثلا في التشبيه الأول من البيت "بين العزمات والقضب" التي هي السيوف.
2 إنما كان بحسب الظاهر أيضا لأنه في الحقيقة لا حمل بين حقيقتين مختلفتين، وإنما هو تشبيه أحدهما بالآخر.
(5/83)

لهذا كان التشبيه عند تركهما في المرتبة الأولى1.
والمرتبة الثانية -وهي الوسطى- ما ترك فيها ذكر أحدهما- الوجه أو الأداة- كما تقول في المثال المذكور: "وجوههم كالأقمار" أو "وجوههم أقمار في الإشراق" فقد ترك "الوجه" في الأول، "والأداء" في الثاني- وإنما كان التشبيه في هاتين الصورتين في المرتبة الوسطى لاشتماله على معنى الاتحاد بين الطرفين من جهة واحدة، أي من جهة عموم الإلحاق كما في صورة ترك الوجه، أو من جهة حمل أحد الطرفين على الآخر -كما في صورة ترك الأداة.
غير أنه قيل: إن الصورة الثانية، وهي ما ترك فيها الأداة، دون الوجه أقوى مبالغة من الصورة التي ترك وجه الشبه، دون الأداة لظهور حمل أحد الطرفين على الآخر، المقتضى للتماثل التام بينهما -بخلاف الصورة الأولى التي ترك فيها الوجه، فإن عموم جهة التمثيل، مع وجود ما يقتضي التباين، وهو "الأداء"ن يضعف دعوى الاتحاد- فضلا عن أن المتروك يحتمل الخصوص.
والمرتبة- وهي المرتبة الدنيا: ما ذكر فيها الوجه والأداة جميعا، عكس الأولى كما تقول: "وجوهم كالأقمار في الإشراق"- وإنما كانت هذه المرتبة دنيا المراتب الثلاث، لخلو التشبيه فيها عن دعوى الاتحاد التي هي مناط المبالغة فيه.
تنبيه:
اعلم: أن وصف التشبه بالعلو، أو التوسط، أو الانحطاط فرع عن تحققه، وهو إنما يتحقق بالطرفين، فلا بد إذن من ذكرهما -أما المشبه به فلأنه الأصل المقيس به -وأما المشبه فلأنه الفرع المقيس- غير أنه يجوز ترك المشبه لفظا
__________
1 إنما عبر بالترك في جانب حذف الوجه والأداة لأن معناه: عدم الذكر لفظا وتقديرا وهذا هو المراد لأن مدار المبالغة على دعوى الاتحاد، وهي لا تجامع التقدير في نظم الكلام.
(5/84)

فقط إذا دلت عليه قرينة -كأن يكون بينك وبين مخاطبك مذاكرة في شأن إنسان معين، فتقول له: وما شأنه؟ فيقول: "بحر" على تقدير: "هو بحر" فلا يذكر المشبه لدلالة الكلام السابق عليه -لكن لابد من تقديره في نظم الكلام، وإلا كان استعارة لا تشبيها -على ما سيأتي اهـ.
اختبار:
تمرينات منوعة:
1- بين أركان التشبيه، في البيتين الآتيين:
كأن فجاج الأرض وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل1
إن السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع
2- تكلم عن كل ما يتعلق بالتشبيه في البيت الآتي:
العلم في الصدر مثل الشمس في الفلك ... والعقل للمرء مثل التاج للملك
3- بين وجه الشبه، ونوع التشبيه باعتباره في البيتين الآتيين:
ما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يوافي تمام الشهر ثم يغيب
طلق شديد البأس راحته ... كالبحر فيه النفع والضرر
4- بين ما في هذه الأبيات "من تشبيه" مع بيان نوعه:
1-
نشرت إلى غدائرا من شعرها ... حذر الكواشح والعدو الموبق
__________
1 كفة الحابل، بضم الكاف شبكة الصياد.
(5/85)

فكأنني وكأنها وكأنه ... صبحان باتا تحت ليل مطبق1
2-
لدى نرجس غضن القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيون
3-
أقحوان معانق لشقيق ... كثغور تعض ورد الخدود
4-
لا تحسبوا أن رقصي بينكم طربا ... فالطير يرقص مذبوحا من الألم
5-
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام
جواب التمرين الرابع:
1- شبه هيئة اجتماعه بها وقد انسدل الشعر عليهما: بهيئة اجتماع صبحين انضويا تحت ليل حالك. ووجه الشبه: هيئة الشيء الأسود ينطي على شيئين يخالفانه لونا، وهو تشبيه تمثيل لجريانه في الهيئات، ومجمل لعدم التصريح بالوجه، وغريب لخفاء الوجه، لما فيه من الدقة التركيبية.
2- شبه النرجس، وهو مفرد حسي بالعيون، وهو مفرد حسي كذلك ووجه الشبه ما في كل من بياض يتوسطه سواد، وهو مجمل لعدم ذكر الوجه.
3- شبه هيئة الأقحوان، وهو يعانق الشقيق: بهيئة الثغور تعض الخدود، ووجه الشبه هيئة شيء ذي بياض يخالط شيئا يضرب لونه إلى الحمرة، وهو تشبيه تمثيل لجريانه في الهيئات، ومجمل لعدم التصريح بالوجه، وغريب
__________
1 "الكواشح" جمع كاشح، هو الذي يضمر لك العداوة، وقد جمع على كواشح كفارس وفوارس، و"الموبق" الملك و"الليل المطبق" شديد الظلام.
(5/86)

لخفاء الوجه -وفي "ورد الخدود" تشبيه مؤكد من إضافة المشبه به المشبه.
4- شبه هيئة المتألم يضطرب من شدة الألم. بهيئة الحيوان الذبيح يضطرب كالراقص لشدة ما يعانيه من آلام الذبح، ووجه الشبه هيئة المتألم المضطرب، وهو تشبيه تمثيل، ومجمل غريبن والتشبيه فيه ضمني لا صريح.
5- شبه حال من بغداد الهوان فيقبله، ولا يتألم له: بحال ميت يوخز بالأسنة فلا يحس ألما، ولا يشكو وجعا ووجه الشبه عدم التأثر مما ينبغي التأثر منه. وهو تشبيه تمثيل. ومجمل غريب، والتشبيه أيضا ضمني، أخذ مضمون الكلام.
(5/87)

مبحث الحقيقة والمجاز
مدخل
...
مبحث الحقيقة والمجاز 1:
اعلم: أن المقصود الأصلي من علم البيان هو "المجاز" إذ هو الذي يتأتى فيه اختلاف الطرق في وضوح الدلالة على المعنى المراد -أما الحقيقة فلا يتأتى فيها ذلك لأنها إنما وضعت لشيء بعينه لتستعمل فيه، فإن كان السامع عالما بالوضع فلا تفاوت، وإلا لم يفهم شيئا أصلا لتوقف الفهم على العلم بالوضع.
غير أنه لماكانت الحقيقة بمثابة الأصل2 للمجاز: من حيث إن الاستعمال في غير ما وضع له اللفظ فرع الاستعمال فيما وضع له: جرت العادة بالبحث عن الحقيقة أولا. وإليك بيان:
__________
1 قد يقيدان باللغويين لإخراج الحقيقة والمجاز العقليين، والأكثر عدم التقييد لأنهما عند الإطلاق لا ينصرفان لغير اللغويين- بخلاف الحقيقة والمجاز العقليين فقد اصطلحوا على وجوب تقيدهما بهذا القيد.
2 إنما قتلنا ذلك إشارة إلى أنها ليست أصلا للمجاز حقيقةن وإلا كان لكل مجاز حقيقة وليس كذلك فإن لفظ "الرحمن" قد استعمل من أول الأمر في "المنعم" مجازا، ولم يسبق له استعمال في المعنى الحقيقي الذي هو رقيق القلب فهو إذا مجاز لم يتفرع عن حقيقة.
(5/87)

الحقيقة:
تعريفها: هي -في إصطلاح البيانيين1- الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح التخاطب، أي في الاصطلاح الذي جرى به التخاطب "كالأسد" إذا استعمل في الحيوان المفترس، فهو حقيقة لاستعماله فيما وضع له في كافة الاصطلاحات، "وكالصلاة" إذا استعملها المتكلم بعرف الشرع في "الأركان الخاصة"،- فهي أيضا حيقيقة لاستعمالها فيما وضعت له في اصطلاح أهل الشرع -و"كالصلاة" أيضا إذا استعملها المتكلم بعرف اللغة في "الدعاء" فهي كذلك حقيقة لاستعمالها فيما وضعت له في اصطلاح أرباب اللغة وهكذا.
واعلم: أن بالتعريف قيودا ثلاثة:
1- المستعملة.
2- فيما وضعت له.
3 في اصطلاح التخاطب -وقد جئ بهذه القيود للاحتراز.
أما القيد الأول: قد احترز به عن الكملة قبل الاستعمال، فلا تسمى حقيقة ولا مجازا- لأن الاستعمال هو الذي يعين المعنى المراد من اللفظ.
وأما القيد الثاني: فقد احترز به عن شيئين:
1- الغلط اللساني1، وهو ما استعمل في غير ما وضع له غلطا، كأن تقول
__________
1 وهي في اللغة وصف على زنة "فعيل" إما بمعنى فاعل من حق الشيء إذا ثبت فهو حقيق أي ثابت قال تعالى: {لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون" أي لقد ثبت القول- وإما بمعنى مفعول من حققت الشيء إذا أثبته، فهو حقيق أي مثبت، ثم نقل هذا اللفظ في اصطلاحهم من الوصفية بمعنييها إلى الكلمة المستعملة فيما وضعت له، والتاء فيه للدلالة على نقل الكلمة من الوصفية إلى الإسمية، وليست التاء للتأنيث بدليل صحة أن يقال: هذا اللفظ حقيقة ولو كانت للتأنيث ما صح أن يقال ذلك.
2 أما لاغظ القلبي فهو حقيقة أن كان الاستعمال فيما وضع له بحسب زعم المتكلم ولو أخطأ في قصده كمن قال في شأن حجر رآه عن بعد، هذا طائر معتقدا أنه حيوان ذو جناح
(5/88)

لآخر: ناولني هذا الحجب مشيرا إلى كتاب -فمثل هذا لا يسمى "حقيقة" لاستعماله في غير وضع له. ولا يسمى "مجازًا" لعدم وجود علاقة بين معنين الحجر والكتاب.
2- المجاز، وهو ما استعمل في غير ما وضع له في سائر الاصطلاحات "كالأسد" المستعمل في الرجل الجرئ، من قولك: "على الفرس أسد".
وأما القيد الثالث: فقد احترز به عن الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح آخر. غير الاصطلاح الذي جرى به التخاطب "كالصلاة" إذا استعملها المتكلم بعرف الشرع في "الدعاء"- فليست حقيقة لعدم استعمالها فيما وضعت له في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب، وهو الشرع، وإن استعملت فيما وضعت له في اصطلاح أهل اللغة -و"كالصلاة" أيضا إذا استعملها المتكلم بعرف اللغة في الأركان الخاصة -فليست حقيقة لعدم استعمالها فيما وضعت له في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب، وهو "اللغة" وإن استعملت فيما وضعت له في اصطلاح أهل الشرع.
وإذن فالمدار في الحقيقة على أن تكون الكلمة مستعملة فيما وضعت له عند أهل الاصطلاح الذي جرى به التخاطب بالكلمة المذكورة- وإذا فرغنا من بيان معنى الحقيقة فإليك بيان:
المجاز:
تعريفه -هو- في الاصطلاح1- يختلف معناه باختلافه- إفرادا وتركيبا.
__________
1 وهو في اللغة مصدر ميمي على زنة مفعل بمعنى الجواز والتعدية نقل إلى الكلمة المستعملة في غير ما وضعت به باعتبار أنا جائزة مكانها الأصلي، فيكون المصدر بمعنى اسم الفاعل- أو باعتبار أنها مجوز بها مكانها الأصلي فيكون المصدر بمعنى اسم المفعول- وقيل: هو في اللغة مصدر ميمي بمعنى مكان الجوز والتعدية فهو من جاز المكان سلكه إلى كذا ثم نقل إلى الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له.
(5/89)

فالمجاز المفرد: هو الكلمة المستعملة، في غير ما وضعت له، في اصطلاح التخاطب، لعلاقة بين المعنى الموضوعة له، والمعنى المستعملة فيه، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الموضوع له اللفظ.
والعلاقة: هي المناسبة الخاصة بين المعنى الأصلي، الموضوع له اللفظ، والمعنى المقصود منه- ولابد منها لصحة النقل من المعنى الأصلي إلى المعنى المراد.
والقرينة: هي الأمر الذي يجعله المتكلم دليلا على أنه أراد باللفظ غير المعنى الموضوع له -مثال ذلك لفظ "أسد" المستعمل في الجرئ، في نحو قولك: "على الفرس أسد"، ولفظ "الغيث" المستعمل في "النبات" في نحو قولك: "رعت الماشية الغيث"، ولفظ "الصلاة" المستعمل عند أهل الشرع في الدعاء- فكل من هذه الألفاظ "مجاز مفرد". لأنه كلمة مستعملة في غير المعنى الموضوعة له في اصطلاح التخاطب- والعلاقة بين المعنيين في الأول: مشابهة الرجل للأسد في الجرأة، وفي الثاني: سببية الغيث للنبات، وفي الثالث: الكلية والجزيئة، إذا أن الصلاة كل للدعاء، وهو جزء منها- والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي قولك في المثال الأول: "على الفرس" إذ الحلول فوق الفرس ليس من شأن الحيوان المفترس والقرينة في الثاني قولك: "رعت" إذ أن الغيث لا يرعى- والقرينة في الثالث حالية، وهي كون المستعمل اللفظ "الصلاة" من أرباب الشرع.
وفي هذا التعريف قيود خمسة: 1- المستعملة
2- في غير ما وضعت له
3- في اصطلاح التخاطب
4- لعلاقة
5- مع قرينة مانعة.
أما القيد الأول: فقد احترز به عن الكلمة قبل الاستعمال، "فلا تسمى حقيقة" "كما لا تسمى مجازا"- على ما ذكرنا في تعريف الحقيقة.
(5/90)

وأما القيد الثاني: "فقد احترز به عن الحقيقة، وهي الكلمة المستعملة فيما وضعت له "كالأسد" المستعمل في الحيوان المعروف.
وأما القيد الثالث: فقد احترز به عن الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح آخر، غير الاصطلاح الذي وقع به التخاطب "كالصلاة" التي استعملها المتكلم بعرف الشرع في الأركان الخاصة. فليست بمجاز لعدم استعمالها في غير ما وضعت له في اصطلاح أهل الشرع، وإن استعملت في غير ما وضعت له-في اصطلاح أهل اللغة- "وكالصلاة" أيضا إذا استعملها المتكلم بعرف اللغة في "الدعاء"، فليست مجازا كذلك لعدم استعمالها في غير ما وضعت له في اصطلاح أهل الفقة، وإن استعملت في غير ما وضعت في اصطلاح الشرع.
فالمدار: في المجاز حينئذ على أن تكون الكلمة مستعملة في غير ما وضعت له في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب بالكلمة المنطوق بها.
وأما القيد الرابع: فقد احترز به عن الغلط اللساني1. وهو ما استعمل في غير ما وضع له لعلاقة بين المعنيين، من غير تعمد لهذا الاستعمال- كما إذا أشار متكلم إلى حجر، وأراد أن يقول لآخر: خذ هذا الحجر، فسبقه لسانه، فقال: خذ هذا الكتاب- فمثل هذا لا يسمى "مجازا" لأنه- وإن استعمل فيه اللفظ في غير ما وضع له- لا علاقة فيه بين المعنيين.
__________
1 أما الغلط في الاعتقاد -فإن استعمل اللفظ في معناه بحسب اعتقاد المتكلم كأن يقول: انظر إلى هذا الأسد معتقدا أنه الحيوان المعروف فإذا هو فرس- فهو حقيقة لاستعماله في معناه الأصلي حسب اعتقاده وإن لم يصب- وإن استعمل اللفظ في غير معناه الأصلي بحسب اعتقاده كأن يقول: انظر إلى هذا "الأسد" مشيرا إلى حجرا معتقدا أنه رجل شجاع كان مجازا لأنه، مستعمل في غير الحقيقي لعلاقة وإن لم يصب في إثبات العلاقة في المشار إليه- وهذا صح الأقوال، إذا المعول عليه الاعتقاد.
(5/91)

ومن هنا يعلم: أن لابد للمجاز من علاقة1، وهي -كما قلنا- مناسبة خاصة بين المعنى الحقيقي، والمعنى المجازي كالمشابهة "أو السببية"، أو الكلية والجزئية- على ما سبق بيانه- غير أنه لا يكفي في المجاز مجرد وجود العلاقة بين المعنيين، بل لابد من اعتبارها وملاحظتها2.
وأما القيد الخامس: فقد احترز به عن الكناية، بناء على القول بأنها واسطة، لا هي حقيقة، ولا مجاز3 فهي اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، مع قرينة غير مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، بحيث تجوز إرادته، مع المعنى الكنائي4.
اختبار:
1- عرف الحقيقة في الاصطلاح، وهل التاء فيها لإفادة معنى التأنيث بين ذلك مع بيان القيود الواردة في التعريف ومحترز كل قيد، مع التمثيل لكل ما تذكرز
2- عرف المجاز في الاصطلاح، وبين القيود الواردة في تعريفه، ومحترز كل قيد، مع التمثيل.
3- بين في مثال من عندك معنى العلاقة والقرينة- وهل يكفي مجرد وجود
__________
1 سميت علاقة لأنه بسببها يتعلق المعنى الثاني بالأول، ويرتبط به فينتقل الذهن حينئذ من المعنى الأول إلى الثاني.
2 المعتبر في العلاقة: نوعها لاشخصها، ولهذا جاز إنشاء المجاز في كلم المولدين فإذا استعمل العرب علاقة خاصة بين معنيين جاز لنا أن نستعمل الربط بينها شيئا آخر غير الذي استعملوه، ولو كان المعتبر شخص العلاقة لتوقف استعمال اللفظ في معناه المجازي على النقل عن العرب، وليس كذلك.
3 أما أنها ليست حقيقة فلأن الحقيقة -كما سبق- اللفظ المستعمل فيما وضع له والكناية ليست كذلك وأما أنها ليست مجازا، فلأنه اشترط فيه القرينة المانعة من إرادة الحقيقة والكناية أيضا ليست كذلك.
4 المراد بجواز إرادة المعنى الحقيقي ألا ينصب المتكلم قرينة على انتقائه- وليس المراد: أن يوجد الحقيقي معها دائما فإنك إذا قلت مثلا: فلان طويل النجاد كناية عن طول قامته صح ذلك وإن لم يكن له نجاد- اللهم إلا إذا قصد المتكلم جعل علم المخاطب بأن لا نجاد له قرينة على عدم إرادة المعنى الحقيقي فإنه حينئذ يكون مجازا لا كناية.
(5/92)

93- العلاقة، وهل المعتبر فيها نوعها وشخصها، وجه لكل ما تقول، مع التمثيل.
(5/93)

تقسيم المجاز المفرد:
قلنا فيما سبق- أن المجاز لا بد له من علاقة تصحح التجوز، وهي- كماسبق: المناسبة الخاصة بين المعنيين- الحقيقي، والمجازي.
وهو ينقسم -باعتبار هذه العلاقة- إلى مجاز مرسل، واستعارة.
فإن كان العلاقة بين المعنيين غير المشابهة- سمي اللفظ مجازا مرسلا، كلفظ "النبات" المستعمل في "الغيث" في نحو قولك: "أمطرت السماء نباتا" فإن العلاقة بين النبات والغيث السببية، إذ أن النبات مسبب عن الغيث.
وإن كانت العلاقة بين المعنيين "المشابهة" سمي اللفظ، "استعارة" كلفظ "القمر" المستعمل في الإنسان الجميل، في نحو قولك "بين بردية القمر" فإن العلاقة بين معنى القمر، والإنسان الجميل، الإنسان المذكور للقمر في الوضاءة والإشراق -وإليك بيان:
(5/93)

المجاز المرسل:
وهو ما كانت العلاقة فيه بين المعنيين غير المشابهة -والعلاقة فيه على أنواع شتى- وهاك أشهرها، وأكثرها استعمالا:
1- السببية كما تقول: "رعت الماشية الغيث"، فليس المراد "بالغيث" معناه الحقيقي بقرينة: قولك: رعت" إذ أن الغيث لا يرعى. فالمراد به إذن: "النبات" فلفظ "الغيث" حيئذ مجاز مرسل، علاقته السببية، لأن الغيث سبب في النبات- ومثله قولك: "جلت يدك عندي" "وعمت أياديك الوردى"- فليس المراد: "باليد" في المثالين: معناها الحقيقي الذي هو "الجارحة" بقرينة قوله: "جلت" في المثال الأول، "وعمت" في الثاني، إذ لا معنى لعظم اليد، بمعنى الجارحة، كما أن لا معنى لعمومها -وإنما المراد بها: "النعمة" فاليد في المثالين مجاز مرسل، علاقته السببيه، لأن اليد سبب في وصول النعمة إلى مستحقيها- ومنه قول أبي الطيب المتنبي:
(5/93)

له أياد على سابغة ... أعد منها ولا أعددها
يقول: إن الممدوح على نعما شاملة، يعد وجودي منها، ولا أستطيع حصرها ومثال ذلك أيضان قوله تعالى: "يد الله فوق أيديهم" فليس المراد "باليد":معناها الحقيقي، بقرينة استحالة أن لله يدا، ولأنه لا معنى لكون اليد بمعنى "الجارحة، فوقديد أخرى، بل المراد بها: القدرة على معنى: قدرة الله لا تدانيها قدرة-فلفظ اليد في الآية إذن مجاز مرسل، علاقته السببية، لأن أكثر ما يظهر سلطان القدرة في اليد، إذ بها البطش، والضرب، والقطع والدفع، وغير ذلك مما يعتبر أثرا من آثار القدرة.
2- المسببية: كما في قولك: "أمطرت السماء نباتا"، فليس المراد "بالنبات" معناه الحقيقي، بقرينة قوله: "أمطرت"، إذ أن النبات لا يمطر، وإنما المراد به "الغيث"، فالنبات إذن مجاز مرسل، علاقته المسببية، إذ أن النبات مسبب عن الغيث- ومثله قوله تعالى: {يُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا} أي ماء، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} يريد: مالاحراما فقد عبر في الآية الأولى عن الماء بالرزق، وعبر في الثانية عن المال الحرام، "بالنار مجازا مرسلا، علاقته المسببية، إذا أن الرزق في الأولى مسبب عن الماء، والنار في الثانية مسببة عن أكل المال الحرام، والقرينة في الأولى قوله: "ينزل من السماء لأن أرزاق الناس لا تنزل بذاتها من السماء، والقرينة في الثانية قوله: "يأكلون في بطونهم" لأن النار لا تؤكل في البطون.
3- اللازمية1 كما تقول: "بزغ الضوء" فليس المراد: المعنى الحقيقي للضوء بقرينة لفظ "البزوغ" لأنه وصف لجرم الشمس لا للضوء، "فالضوء" إذن مجاز مرسل يراد به "الشمس" علاقته اللازمية، لأن الضوء لازم للشمس يلزم من وجود الشمس وجود الضوء- ومثله: قولك "نظرت إلى الحرارة فليس المراد بالحرارة: معناه الحقيقي، بقرينة "نظرت" لأن الحرارة لا ترى
__________
1 ليس المراد باللزوم عدم الاحتكاك بل المراد به مطلق ارتباط.
(5/94)

بالباصرة، وإنما المراد: النار، ففي "الحرارة" مجاز مرسل علاقته اللازمية، لأن الحرارة توجد حتما عند وجود النار.
4- الملزومية كما تقول: "دخلت الشمس من الكوة"1، فليس المراد من الشمس: المعنى الحقيقي الذي هو الجرم المعروف، بقرينة قوله: "دخلت"، إذ ليس الدخول من صفات الجرم المذكور، وإنما المعنى الحقيقي للشمس ملزوم للضوء، يوجد حتما عند وجودها- ومثله قولك: "ملأت الشمس الغرفة" تريد ملأ الضوء، بقرينة "ملأت".
5- الكلية كما في قوله تعالى: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ} فليس المراد بالأصابع: معناها الحقيقي، بقرينة استحالة إدخال الأصبع كلها في الأذن عادة، وإذن فالمراد بها "الأنامل" التي هي أطراف الأصابع، "فالأصابع" حينئذ مجاز مرسل، علاقته الكلية، إذ أن الأصابع كل للأنامل- ومثله قولك: "أكلت نبات الأرض، وشربت ماء النيل". فقد أطلق اسم الكل، وهو "النبات أو الماء"، وأريد الجزء، بقرينة "أكلت" في الأول "وشربت" في الثاني لاستحالة أكل الكل، أو شربه.
6- الجزئية كما في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} فليس المراد بالرقبة: الجزء الخاص بها فقط، بدليل "التحرير"، لأنه إنما يكون للذات كلها، لا لجزء منها، إذ أن العنق لا يتجزأ- وإنما المراد بها: الذات كلها، فالرقبة إذن مجاز مرسل، علاقته الجزئية، لأن الرقبة جزء من العبد- ومثله قول الشاعر:
كما بعثنا الجيش حرا ... را وأرسلنا العيونا
فليس المراد بالعيون: حقيقتها بقرينة "أرسلنا" لاستحالة إرسال العيون
__________
1 "الكوة" بفتح الكاف وقد تضم، الفتحة في الحائط.
(5/95)

وحدها، وإذن فقد عبر بالعيون عن الجواسيس مجازا مرسلا، علاقته الجزئية، لأن العين جزء من الجاسوس-ومثله كذلك إطلاق القافية على القصيدة، في قول معن بن أوس المزني1 في ابن أخته:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد2 ساعده رماني
وكم علمته نظم القواقي ... فلما قال قافية هجاني
الشاهد في البيت الثاني حيث عبر بالقافية، وأراد: القصدية، بقرينة لفظ "قال" لأن معناه: "نظم"، والنظم إنما يكون للقصائد كما لا يخفى- فلفظ قافية" إذن مجاز مرسل، علاقته الجزئية، إذا أن القافية جزء من القصيدة.
غير أنه يشترط لعلاقة الجزئية- غالبا- أحد أمور ثلاثة:
الأول: أن يكون انتفاء الجزء مستلزما لانتفاء الكل كما في إطلاق الرقبة على الذات، في المثال الأول، إذ ليس من شك: أن إتلاف الرقبة إعدام الذات، فلا يصح حينئذ: إطلاق اليد، أو الرجل، أو الأنف على الذات، مجازا مرسلا علاقته الجزئية، لأنها أجزاء لا يستلزم انتفاؤها انتفاء الذات عادة، ولا نتوقف عليها حياتها.
الثاني: أن يكون للجزء مزيد اختصاص بالمعنى المقصود من الكل، كما في إطلاق العين على الرقيب "في المثال الثاني" فإن المعنى المقصود من الرقيب: هو الاطلاع والتجسس، ولا شك أن للعين مزيد اختصاص في تحقيق هذا الغرض، إذ بانعدامها لا يتحقق معنى الرقابة -فإطلاق "اليد" مثلا على الرقيب مجازا مرسلا لا يجوز، إذ ليس لها مزيد اختصاص بالمعنى المراد من الرقيب.
__________
1 هو شاعر مخضرم يجيد القول في باب الحكم، وفي الشعر الخلقي.
2 يروى بالسين المهملة من التسديد في الرأي الإصابة فيه.
(5/96)

الثالث: أن يكون الجزء أشرف بقية الأجزاء كما في إطلاق القافية على القصيدة في "المثال الثالث" إذ لا ريب أن القافية هي الأساس الذي تبنى عليه القصيدة، فهي إذن أشرف التفاعيل، وأولاها بالاعتبار فلا يجوز إطلاق أي جزء آخر من أجزاء البيت على القصيدة مجازا مرسلا. إذ ليس له من الاعتبار ما للقافية، وقد علمت أن هذه الشروط في الحالة الغالبة.
7- الحالية: كما في قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} فليس المراد بالنعيم: معناه الحقيقي الذي هو "معنى المتعة" بقرينة الظرفية، إذ لا معنى لا يحل الإنسان في معنى من المعاني، وإنما المراد به: مكان النعيم أي "الجنة "وإذن فإطلاق النعيم على مكانه مجاز مرسل علاقته الحالية، إذ النعيم حال في الجنة -ومثله قوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ، أي خذوا لباسكم، فعبر عن اللباس بالزينة مجازا مرسلا" علاقته الحالية، لحلول الزينة في اللباس- والقرينة قوله: "خذوا، لأن الزينة لا تؤخذ- ومنه قوله الشاعر:
ألما على معنى وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا بعد مربع1
يريد: ألما على فبر معن، أي أنزلا به- أطلق اللفظ وأراد المكان، إذ لا معنى لأن يحل إنسان بآخر، خصوصا إذا كان معدوما كما هنا.
8- المحلية: كما في قوله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَه} 2 فليس المراد من النادي: معناه الحقيقي الذي هو مكان الاجتماع لقرينة قوله: "فليدع" لاستحالة دعاء الأمكنة وإنما المراد: أهل النادي، وهم نصراؤه وعشيرته- ففي "ناديه" مجاز مرسل علاقته المحلية، إذ أن النادي محل لأهله يجتمعون فيه- ومثله قوله سبحانه: "واسأل أهل القرية" أي أهلها، ففيه كسابقه مجاز مرسل، علاقته المحلية، إذا أن القرية محل ساكنيها وقرينته استحالة سؤال الأماكن والأبنية- ومنه قولهم: أمليت القلم من الدواة، أي
__________
1 "الغوادي" جمع غادية وهي السحابة تمر غدوة، والمربع المنزل والأحسن أن تكون اسما مأخوذا من أربعة والمعنى: سقتك الغوادي أربعة أيام متوالية أثر أربعة أخرى والغرض الدعاء بكثرة السقيا للقبر.
2 نادى القوم مجتمعهم كالمنتدى.
(5/97)

من المداد، أطلق اسم المحل وأريد الحال، بقرينة "أمليت"،- ومنه "الصرف المعهد" تريد: طلابه ... وهكذا وكل هذه الأمثلة، وما يماثلها مبني على أحد احتمالين1.
9- الآلية كما في قوله تعالى: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ} فليس المراد باللسان: معناه الحقيقي الذي هو الجارحة.. بقرينة استحالة بقاء هذه الجارحة فمن يأتي من الأمم بعد، وإنما المراد به: الذكر الصادق، والثناء العاطر، ففي اللسان مجاز مرسل، علاقته الآلية، لأن اللسان بمعنا الحقيقي آلة وواسطة الذكر الحسن- ومثل الآية قول الشاعر: "أتاني لسان منك لا أستسيغه، أي ذكر لا يسر، أطلق عليه اللسان لأنه آلته- ومنه قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} ، وقوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِك} - عبر باللسان في الآيتين عن اللغة لأنه آلتها.
10- اعتبار ما كان كما في قوله تعالى: {وَآَتُوا الْيَتَامَى 2 أَمْوَالَهُمْ} فليس المراد باليتامى: المعنى الحقيقي، بدليل الأمر بدفع الأموال إليهم، بتمكينهم منها بالتصرف فيها: إذ أن ذلك لا يكون إلا بعد البلوغ، حتى يحسنوا التصرف فيما يدفع إليهم من مال مورثيهم، وإذن فالمراد باليتامى: البالغون منهم، وحينئذ فإطلاق اليتامى على البالغين الراشدين مجاز مرسل، علاقته اعتبار ما كان- ومنه قولهم: أكلنا قمحا وشربنا بناء ولبسنا قطنا" ونحو ذلك مما يكون التعبير فيه باعتبار ما كان.
11- اعتبار ما يكون كما في قوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} - فليس المراد من الخمر: معناها الحقيقي- بدليل ذكر "العصر" لأن الخمر عصير، والعصير لا يعصر، وإنما يريد: عنبا يئول عصيره إلى خمر- وإذن ففي لفظ "خمر" مجاز مرسل، علاقته "اعتبار ما يكون"، أي ما يئول إليه العنب من الاختمار- ومثله قوله
__________
1 والاحتمال الآخر أن يكون من قبيل المجاز بالحذف على تقدير مضاف، وحينئذ لا يكون في الكلام تجوز في المعنى.
2 جميع يتيم، وهو من الإنسان صغير فقد أباه، ومن الحيوان رضيع فقد أمه.
(5/98)

تعالى: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} أي وليدا، يئول أمره إلى هذه الحالة- بقرينة قوله: "ولا يلدوا" إذ لا يمكن أن يكون فاجرا في فجر ولادته.
12- المجاوزة كما في إطلاق لفظ "الرواية" على القربة في قولهم: "خلت الرواية من الماء" يريدون: خلت القربة- ومعنى الرواية في الصل: الدابة يستقى عليها، فليس المراد من الراوية حينئذ: المعنى الحقيقي الذي هو الدابة، بدليل قوله: "خلت" لأن الذي يخلو من الماء إنما هو الوعاء لا الحيوان، وإذن فالمراد به: القربة مجازا مرسلا، علاقته المجاورة الدابة للقربة عند الحمل.
ومنه قول الشاعر:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
يريد: شككت بالرمح جسمه أي طعنته -فليس المراد من "الثياب" معناها الحقيقي، بقرينة قوله: "شككت"، إذ المراد بالشك: الطعن، وهو إنما يكون في الأجسام، لا في الثياب، فهو إذن مجاز مرسل علاقته المجاورة التامة وأي مجاورة أتم من الثياب للجسم؟ - ومما علاقته المجاورة: إطلاق اللفظ على المعنى، أو العكس، في نحو قولك: "فهمت اللفظ" وتريد: معناه، أو "قرأت المعنى" وتريد: اللفظ، وذلك لشدة الربط بين الدال والمدلول- ومنه إطلاق الظن على العلم، أو العكس لتقاربهما في المعنى. فهما متجاوران.
13- التقييد والإطلاق: هو أن يكون الشيء مقيدا فيطلق عن قيده كما في إطلاق "المشفر" على شفة الإنسان، في نحو قولك: "مشفر زيد يسيل دما" تريد: شفته- "فالمشفر" في الأصل للبعير خاصة، ثم أطلق عن هذا القيد، وأريد منه: مطلق شفة، فصح إطلاقه على شفة زيد، باعتبارها أحد أفراد هذا المطلق، فيكون مجازا مرسلا علاقته التقييد والإطلاق -ومثله إطلاق "المرسن" على أنف الإنسان- فالمرسن- في
(5/99)

الأصل: أنف الحيوان، إذ هو موضع الرسن منه/ ثم أطلق عن قيده، وأريد منه: مطلق أنف، فصح أطلاقه على أنف الإنسان، باعتباره أحد أفراد هذا المطلق، فهو -كذلك- مجاز مرسل علاقته التقييد والإطلاق.
هذا: ويصح في مثل هذين المثالين: أن تكون العلاقة المشابهة، وحيئنذ يكون اللفظ "استعارة" بأن شبه شفة فلان مثلا بمشفر البعير في الغلظ والتدلي، ثم يستعار لها لفظ "المشفر"- ومثل هذا يقال في "المرسن" فاللفظ الواحد قد يكون مجزا مرسلا واستعارة باعتبارين فغن اعتبرت العلاقة غير المشاهبة كان اللفظ مجازا مرسلا، وإن اعتبرت العلاقة المشاهبة كان اللفظ استعارة- والعبرة بقصد المتكلم وإرادته، فإن لم يعلم قصده: بأن لم تقم قرينة عليه احتمل اللفظ الأمرين.
إلى غير ذلك من علاقات المجاز المرسل، فهي لا تقف عند هذا العدد، وإنما أحصينا لك أشهرها، وأكثرها استعمالا.
وسمي مجازا مرسلا لأنه أرسل، أي أطلق عن التقيد بعلاقة واحدة، بل له علاقات عدة- كما رأيت- أو لأنه أرسل عن دعوى الاتحاد المعتبرة في الاستعارة إذ ليست العلاقة فيه بين المعنين المشابهة حتى يدعى اتحددهما- وإنما لم يسم "استعارة" مع أن اللفظ فيه منقول ومستعار من معناه الأصلي إلى المعنى المراد كما في الاستعارة- لأن هذه التسمية مجرد اصطلاح، قصد به: التفرقة بين نوعين من المجاز مختلفي العلاقة.
تشبيهان:
الأول: اعلم أن القصد من العلاقة في المجازر المرسل: أن يتحقق ارتباط بين الشيئين على أي وجه- فإطلاق الدال على لمدلول مثلا في قولك: "فمهت اللفظ" تريد: معناه هو مجاز مرسل، علاقه يصح أن تكون "المجاورة" على ما سبق- باعتبار أن الدال مجاور للمدلول- ويجوز أن تكون العلاقة المحلية، على اعتبار أن الدال محل للمدلول إذ الألفاظ -كما يقولون- قوالب للمعاني- وإطلاق الثياب على الجسم في قول الشاعر المتقدم: "فشككت" بالرمح الأصم ثيابه" ... مجاز مرسل،
(5/100)

يصح أن تكون علاقته "المجاورة" على اعتبار أن الثياب لاصقة بلابسها، فهي مجاورة له مجاورة تامة- ويجوز أن تكون العلاقة "المحلية" باعتبار أن الثياب محل للابسها- وإذن فنوع العلاقة ليس وقفا على ما ذكرنا، وإنما يرشد إليها الذوق، ويدلك عليها فهم الكلام.
الثاني: مما تقدم يعلم أن المراعي في علاقات المجاز المرسل: جانب المعنى المنقول عنه اللفظ، فإن كان المنقول عنه سببا في المنقول إليه كانت العلاقة السببية، وإن كان مسببا كانت العلاقة المسببي.. وهكذا. فالعلاقة في نحو: "رعينا الغيث" "السببية" لأن المعنى المنقول عنه لفظ "الغيث" سبب في المعنى المنقول إليه الذي هو "النبات" والعلاقة في نحو "أمطرت السماء نباتا" المسببية لأن المعنى المنقول عنه لفظ "النبات" مسبب عن المعنى المنقول إليه، وهو "الغيث".
وإنما روعي في العلاقة: جانب المعنى المنقول عنه اللفظ، لأنه الأصل، فهو أولى بالمراعاة، وهذا الرأي أرجح الآراء.
اختبار:
1- بأي اعتبار ينقسم المجاز المفرد إلى مجاز مرسل واستعارة؟ وضح ذلك بالمثال.
2- عرف المجازر المرسل ومثل له من إنشائك بثلاثة أمثلة مختلفة العلاقات، مع بيان علاقة كل، وقرينته -وما علاقة المجاز في قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} ؟
3- بين علة تسميته مرسلا، ولم لم يسم استعارة، مع أن اللفظ فيه مستعار- كما في الاستعارة- من معناه الأصلي إلى معنى آخر؟
تمرينات منوعة:
1- بين المجاز المرسل ووضح علاقته وقرينته في الآبيات الآتية:
1- وكنت إذا كلفت أتتك عديمة
ترجى نوالا من سحابك بلت
(5/101)

2-
بلادي وإن جارت على عزيزة ... وقومي وإن ضنوا على كرام
3-
فهمت الكتاب أبر الكتب ... فسمعا لأمر أمير العرب
4-
وما من يد إلا يد الله فوقها ... ولا ظالم إلا سبيلي بظالم
5-
رأيتك محض الحلم في محض قدرة ... ولو شئت كان الحلم منك الهمند1
2- بين علاقات المجاز المرسل في الأمثلة الآتية:
بثت الحكومة الأمن في ربوع البلاد من الناس من يأكل القمح، ومنهم من يأكل اذرة والشعير. قرر المجلس الأعلى كذا. أقمنا في هناءة ورفاية. {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا} ، أرانا الله وجوهكم في خير.
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا ... بأنني خير من تسعى له قدم
3- حول ما يأتي إلى مجاز مرسل، مع بيان العلاقة والقرينة:
غرست بذور الورد في البستان، كذاك يعادي أهل العلم من هو جاهل. قام سكان البلاد وقعدوا لهذا النبأ. تجري الرياح بما لا تشتهي وبابين السفن. حكم قاض المحكمة بكذا. شربنا عصير العنب.
4- رد المجاز المرسل إلى حقيقته فيما يأتي من أمثلة:
"وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه"، ومن قتل قتيلا فله سلبه. ألقى القائد كلمة في الجنود. طحنت خبزا. أكلت دم القتيل.
__________
1 "المحض" الخالص، و"الهند" السيف الهندي والمراد به الحرب، يقول: رأيتك خالص الحلم في قدرة لايشوبها عجز ولو شئت أن تجعل الحرب مكان الحلم لفعلت.
(5/102)

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
تسيل إلى حد الظباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل
جواب التمرين الأول:
1- في "كف" مجاز مرسل علاقته الجزئية "إذ أن المراد بالكف الشخص نفسه، وهي جزء منه، والقرينة قوله: "أتتك" لاستحالة الإتيان من الكف وحدها.
2- في "بلادي" مجاز مرسل علاقته "المحلية" إذ أن المراد: سكان البلاد التي هي محل لهم- والقرينة قوله: "وإن جارت على" لاستحالة صدور الجور من الأماكن والأبنية.
3- في "الكتاب" بمعنى المكتوب "مجاز مرسل" علاقته المحلية إذ أن المراد: المعاني، والمكتوب محل لها والقرينة قوله: "فهمت" لأن الفهم إنما يكون للمعاني لا للنقوش- ويصح أن تكون العلاقة "المجاورة" لأن المكتوب دال على معناه، والدال والمدلول متجاوران.
4- في "يد" مجاز مرسل علاقته السببية إذ أن المراد بها القوة: بقرينة قوله: ألا يد الله فوقها، إذ لا معنى لوضع "يد" بمعنى الجارحة، فوق أخرى -فضلا عن أن الله سبحانه لا يد له.
5- في "المهند" مجاز مرسل علاقته الآلية إذ أن المراد: الحرب، والمهند آلتها التي تدور بها رحاها، وتشتعل نارها.
(5/103)

الاستعارة
مدخل
...
الاستعارة:
تعريفها: هي اللفظ المستعمل في غير المعنى الذي وضع له، لعلاقة المشابهة، مع
قرينة مانعة من أن يكون المراد: المعنى الأصلي1 كماتراه في قول زهير بن أبي سلمى:
لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم2
يريد: أنا عند أسد، أي رجل جرئ مقدام شبهة بالأسد في الجرأة، ثم استعار له اللفظ- ومثله قول المتنبي، وقد قابله الممدوح وعاتقه:
ولم أر قبلي من مشى البحر نحوه ... ولا رجلا قامت تعانقه الأسد
يشبه ممدوحه بالبحر في الكرم، وبالأسد في الجرأة، ثم استعار له لفظيهما.
طريقة إجرائها: أن يقال في نحو هذين المثالين: شبه الرجل الكريم بالبحر في الفيض، ثم تنوسى التشبيه، وادعى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، وداخل في جنسه مبالغة، ثم استعير لفظ المشبه به، وهو "البحر" للمشبه. وأطلق عليه باعتباره أحد أفراد "البحر"- ويقال له في المثال الثاني: شبه الرجل الجرئ بالأسد في الجرأة والإقدام، ثم تنوسى التشبيه، إلى آخر ما ذكرنا في المثال الأول- وهكذا يقال في كل استعارة.
أركان الاستعارة: هي- كما يؤخذ من التعريف بالمعنى المصدري- ثلاثة:
__________
1 هذا التعريف بالمعنى الاسمي، وهو المشهور، وقد تطلق بالمعنى المصدري، وهو فعل المتكلم، فيقال هي استعمال اللفظ في غير المعنى الخ- ومن هنا صح الاشتقاق فيقال المشبه به مستعار منه، والمشبه مستعار له واللفظ مستعار والمتكلم مستعير.
2 شاكي السلاح تامه "ومقذف" بصيغة اسم المفعول أي المقذوف باللحم، أو المقذوف به في المعارك، و"اللبد" على زنة عنب: الشعر المتكاثف على نصف الأسد الأعلى.
(5/103)

1- المستعار منه، وهو ذات المشبه به "كالحيوان المفترس" في المثال المتقدم؛ لأن اللفظ الموضوع له، وهو "أسد" أخذ منه، وأعطي لغيره, فهو كالإنسان يستعار ثوبه لآخر.
2- المستعار له, وهو ذات المشبه، "كالرجل الجريء" لأن اللفظ الذي لغيره أعطي له, فهو كالإنسان، يستعار له الثوب من صاحبه.
3- المستعار كلفظ "أسد" لأنه أتى به من صاحبه، واستعير لغيره، كاللباس المستعار من صاحبه للابسه - وثلاثتها هي أركان الاستعارة1.
وهي: إما تحقيقية، أو تخييلية، أو مكنية، وسيأتي البحث في الأخيرتين.
والتحقيقية: ما يكون المعنى المنقول إليه اللفظ محققا حسا، أو عقلا. أي: مما يدرك بالحس، أو مما يقره العقل، ويثبته. "فالأول" كما في بيت زهير، أو المتنبي، فإن المعنى المنقول إليه لفظ "أسد" أو لفظ "بحر" وهو الرجل الجريء أو الكريم محقق حسا. أي: مدرك بإحدى الحواس، "والثاني" كما في قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} يريد: من الضلال إلى الهدى، فقد استعير الظلمات "للضلال"، والنور "للهدى"، وكلاهما أمر محقق عقلا، أي: يقره العقل، ولا يسعه أن ينفيه.
الاستعارة مجاز لغوي:
اعلم أن جمهور البيانيين على أنها مجاز لغوي، أي: لفظ مستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة. فالتصرف فيها إنما هو في نقل اللفظ من معناه الموضوع له في اللغة، إلى معنى آخر, والدليل على ذلك:
__________
1 من هذا البيان يعلم أن التشبيه إنما يكون في المعاني، وأما الاستعارة ففي الألفاظ. ثم إن بيان الأركان بما ذكر مبني على أن المراد بالاستعارة: المعنى المصدري ليصح الاشتقاق حينئذ أما الاستعارة بالمعنى الاسمي، وهو اللفظ المستعار فلا يتأتى فيه ذلك، إذ لا يشتق من اسم المفعول.
(5/105)

إن اللفظ المستعار موضوع -في اللغة- للمشبه به لا للمشبه، ولمعنى أعم من المشبه والمشبه به. فلفظ "أسد" مثلا من قولنا: "رأيت أسدا على فرس" موضوع -في اللغة- للحيوان المعروف، لا للرجل الجريء وهو ظاهر. ولا لمعنى أعم منه، ومن ذلك الحيوان "كالحيوان الجريء" رجلا كان أو أسدا، إذ لو كان موضوعا لمطلق حيوان جريء لكان إطلاقه على كل منهما: "حقيقة" باعتبارهما من أفراد هذا المطلق، وليس الواقع كذلك, وإذا ثبت أنه لم يوضع لواحد منهما، نقال عن أئمة اللغة -كان استعماله في المشبه إطلاقا للفظ على غير ما وضع له- وهذا هو معنى المجاز اللغوي.
الاستعارة تفارق الكذب:
تفارق الاستعارة الكذب من جهتين:
الأولى: أن الاستعارة مبنية على التأويل، وهو دعوى دخول المشبه في جنس المشبه به, وجعله أحد أفراده مبالغة, فيقدر: أن الأسد، مثلا في نحو قولنا "على الفرس أسد" موضوع لفردين: متعارف، وهو الحيوان المعروف، وغير متعارف، وهو الرج الجريء. أما الكذب فلا تأويل فيه؛ لأن الكاذب يتعمد الكذب. ومثل هذا لا يتأول في كلامه.
الثانية: الاستعارة لا بد فيها من نصب قرينة دالة على إرادة خلاف الظاهر من اللفظ، مانعة من إرادة المعنى الحقيقي له. أما الكذب فلا تنصب فيه قرينة على إرادة غير الظاهر، بل إن قائله ليبذل كل جهده لترويج ظاهره، وإظهار صحة باطله1.
__________
1 محل ذلك إذا كان الكاذب يعرف أن كلامه لا يطابق الواقع وقد قصد إظهار صحته، وأنه مطابق، لا أنه لم يقصد ذلك، واعتقد صحته.
(5/106)

الاستعارة في علم الشخص:
اعلم: أن الاستعارة لا تصح في علم الشخص -ذلك: أن معناه جزئي لتشخصه وتعينه خارجا، فتصوره يمنع من وقوع الاشتراك فيه- فلفظ "محمد" مثلا لا يصح جعله "استعارة" لشخص آخر بينه وبين "محمد" مشابهة في شيء، إذ هي تقتضي: ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، باعتباره أحد أفراده -كما عرفت، وهذا يقتضي: عموم المشبه به، و"محمد" المذكور لا عموم فيه، إذ لا يحتمل غير مسماه الذي وضع له- اللهم إلا إذا عرف بوصف، واشهر به "كحاتم" مثلا، فإنه علم على الطائي المعروف1, ولكنه اشتهر بالجود، وذاع صيته فيه، حتى صار بحيث إذا أطلق لفظ "حاتم" فهم منه معنى الجود، وحينئذ يصح جعله كليا باعتبار هذا الوصف. فإذا شبه إنسان بحاتم في الجود وجب أن يتأول في "حاتم" فيجعل كأنه موضوع للجواد مطلقا، وهو -كما ترى- معنى كلي يشمل حاتما الطائي وغيره من أجاويد الناس، ويكون شأنه في ذلك شأن "أسد": من حيث دلالته على العموم، فيصح حينئذ: أن تشبه آية ذات كريمة "بحاتم" ثم يستعار لها لفظه، باعتبارها أحد أفراده ادعاء، فيقال: "رأيت اليوم حاتما يعطف على البائسين"، ويراد محمد الكريم مثلا، والقرينة حالية, هي العلم بعدم وجود شخص حاتم الطائي لانقراضه.
وهكذا يتأول في كل عام شخص اشتهر بنوع من الوصف، وبهذا التأويل يصح جعله استعارة "كمادر"2 المشتهر بالبخل "وقس"3 المشتهر بالفصاحة
__________
1 هو ابن عبد الله بن سعد المضروب به المثل في الجود.
2 هو رجل من بني هلال وهو المضروب به المثل في البخل. قيل: سمي "مادرا" لأنه سقى إبلا له من حوض ولما رويت الإبل بقي في أسفل الحوض بقية ماء فسلح فيها ومدر الماء أي: خلط بعضه ببعض مخافة أن يستقي من حوضه أحد.
3 هو قس بن ساعدة الأيادي أحد خطباء العرب الأعلام في العصر الجاهلي، وقد ضرب به المثل في الفصاحة.
(5/107)

"وباقل"1 المشتهر بالعي، وغيرهم.
اختبار:
1- عرف الاستعارة، وبين معنى كونها تحقيقية حسا أو عقلا، مع التمثيل، ومن أي نوع قولنا: اللهم جنبنا الطريق المعوج؟ علل لما تقول.
2- بين وجه كون الاستعارة مجازا لغويا، اشرح ذلك شرحا تاما، مع التمثيل.
3- كيف صح إجراء الاستعارة في علم الشخص، مع أن مدلوله جزئي, والاستعارة إنما تعتمد التشبيه والادعاء، وذلك يقتضي عموم المشبه به، بين ذلك بوضوح مع التمثيل.
4- بم تفارق الاستعارة الكذب، مع أن كلا منهما لا يطابق الواقع.
تمرينات منوعة:
1- مثل لما يأتي: استعارة معناها متحقق عقلا. استعارة مدلولها الوضعي شخصي، مع إجراء الاستعارة فيه.
2- قال الشاعر:
لا تعجبوا من بلي غلالته ... قد زر أزراره على القمر
وضح الاستعارة فيه بإجرائها إجراء تفصيليا.
3- أي التعبير أبلغ: خالد أسد، أم أقبل الأسد، والمراد خالد، بين وجه الأبلغية فيما تختار.
__________
1 هو رجل من إياد كان شديد العي في النطق حتى كان مضرب المثل فيه, اتفق له أنه اشترى ظبيا بأحد عشر درهما، فقيل له: بكم اشتريته؟ ففتح كفيه, وفرق بين أصابعه وأخرج لسانه ليشير بذلك إلى العدد المذكور فانفلت الظبي منه، فضرب به المثل في الفهامة والعي.
(5/108)

تقسيم الاستعارة:
للاستعارة تقسيمات شتى تختلف باختلاف الاعتبارات.
تقسيمها باعتبار الطرفين:
تنقسم الاستعارة باعتبار اجتماع طرفيها، وعدم اجتماعهما إلى وفاقية وعنادية.
فالوفاقية: ما يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد لما بين الطرفين من الوفاق كما في قولك: "فلان أحيته الموعظة" أي: هدته -شبهت الهداية بمعنى الدلالة على الطريق القويم "بالإحياء" بمعنى جعل الشيء حيا، بجامع ما يترتب على كل من الفوائد، ثم استعير- بعد تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به, لفظ "الإحياء" للهداية، ثم اشتق من الإحياء: "أحيا" بمعنى "هدى" على ما سيأتي بيانه في الاستعارة التبعية. "والحياة والهداية" مما يتأتى اجتماعهما في شيء, وإذن فاستعارة "الإحياء للهداية" وفاقية.
والعنادية: ما لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد، لما بين الطرفين من التعاند كاستعارة اسم المعدوم للموجود عديم الفائدة، في نحو قولك: "رأيت ميتا يتحدث" تريد: جاهلا1؛ استعير لفظ "الميت" للجاهل، بعد التشبيه والادعاء, على ما ذكرنا في المثال قبله. "والجهل والموت" مما لا يجتمعان في شيء واحد إذ إن الميت لا يوصف بالجهل، فهي إذن استعارة عنادية, ومنه قول الشاعر:
فلم أر وجها ضاحكا قبل وجهها ... ولم أر قبلي ميتا يتكلم
ومثله استعارة اسم الموجود للمعدوم ذي الآثار الخالدة2 إذ يمتنع بداهة اجتماع الوجود والعدم في شيء واحد.
__________
1 فهو مشارك للمعدوم في عدم الجدوى منه, ومثل الجاهل العاجز فالعجز والجهل يحط كلاهما من قدر الإنسان الحي.
2 فيكون مشاركا للموجود في ذلك.
(5/109)

وقد اجتمعت الوفاقية، والعنادية في قول الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} ، على معنى: أو من كان ضالا فهديناه، فقد استعير في الأول: "الميت الضال"، وهما لا يجتمعان، إذ لا يوصف الميت بالضلال فالاستعارة عنادية, واستعير ثانيا "الإحياء للهداية" -كما سبق- "والحياة والهداية" مما يجتمعان، فالاستعارة وفائية, ومن العنادية تتفرع الاستعارتان:
التهكمية والتمليحية:
وهما ما نزل فيهما التضاد، أو التناقض منزلة التناسب، واستعمل اللفظ في ضد معناه، أو في نقيضه، إبرازا للخسيس في صورة الشريف، قصدا إلى الهزء والسخرية، أو التمليح والتظرف -على سبق بيانه في باب التشبيه- وذلك كأن يطلق لفظ "الكريم" على البخيل، وكإطلاق لفظ "أسد" على الجبان في نحو قولك: "زارني اليوم كريم" تريد رجلا بخيلا، ونحو قولك: "رأيت أسدا على فرس" تريد رجلا جبانا, فقد نزل أولا "البخل" منزلة الكرم، ونزل ثانيا "الجبن" منزلة الشجاعة -على ما سبق- في بحث التشبيه، ثم شبه البخيل بالكريم، والجبان بالأسد، ووجه الشبه في الأول: "الجود" وفي الثاني "الشجاعة" وإن كان الجود في البخيل، والشجاعة في الجبان تنزيليين ثم استعير لفظ الكريم للبخيل, واسم الأسد للجبان.
ثم إن كان الغرض الحامل على استعمال اللفظ في ضد معناه: التهكم والهزء بالمقول فيه كانت الاستعارة "تهكمية"، وإن كان القصد الحامل: بسط السامعين، وإزالة السآمة عنهم، بتصوير القبيح في صورة الحسن، كانت الاستعارة "تمليحية"، ولا يخفى عدم تأتي اجتماع "البخل والكرم" أو "الجبن والشجاعة" في شيء واحد، فكلتاهما إذن من قبل الاستعارة العنادية.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} نزل التضاد بين التبشير
(5/110)

والإنذار منزلة التناسب بينهما، ثم شبه الإنذار بالتبشير في إدخال السرور إلى النفس، وإن كان تنزيليا في المشبه، ثم استعير اسم البشارة للإنذار بعد تناسي التشبيه والادعاء، ثم اشتق من البشارة بمعنى الإنذار "بشر" بمعنى "أنذر" على سبيل الاستعارة التهكمية؛ وهي عنادية لأن التبشير والإنذار مما لا يجتمعان في شيء واحد, ومثله كذلك قوله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} نزل التضاد بين "الهداية" التي هي الدلالة بلطف، وبين الأخذ بمجامع الشيء بقهر وعنف منزلة التناسب، ثم شبه الأخذ العنيف بالهداية، بجامع ما يترتب على كل من الخير، وإن كان تنزيليا في المشبه، ثم استعير لفظ "الهداية" للآخذ بالقسر والعنف، واشتق منه: "اهدوهم" بمعنى: جروهم بشدة وعنف على سبيل الاستعارة التهكمية، وهي عنادية لعدم تأتي اجتماع اللطف والعنف في شيء واحد، وهكذا.
تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع:
الجامع: هو ما قصد اجتماع الطرفين فيه، وهو ما يسمى في التشبيه: وجه شبه، وإنما سمي جامعا لأنه جمع المشبه مع أفراد المشبه به تحت مفهومه، وأدخله في جنسه ادعاء. وهو لا بد أن يكون في المستعار منه أقوى؛ لأن الاستعارة مبنية على المبالغة في التشبيه، والمبالغة فيه تستوجب إلحاق المشبه بما هو أكمل منه في وجه المشبه -بخلاف الحال في التشبيه- كما علمت.
وللاستعارة باعتبار الجامع تقسيمان:
التقسيم الأول:
تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار قسمين: داخلة، وغير داخلة.
فالداخلة: ما يكون الجامع فيها داخلا في مفهوم الطرفين, المستعار له والمستعار منه: بأن يكون جزءًا من مفهوميهما كما في قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا}
(5/111)

أي: فرقناهم: شبه تفريق الجماعة: بالتقطيع، بجامع "إزالة الاجتماع في كل"، ثم استعير لفظ التقطيع للتفريق، ثم اشتق منه "قطع" بمعنى فرق, والجامع المذكور داخل في مفهوم التقطيع إذ إنه موضوع لإزالة الاجتماع في الأشياء المتماسكة، وداخل كذلك في مفهوم تفريق الجماعة؛ لأنه موضوع لإزالة الاجتماع في الأشياء غير المتماسكة. وبديهي أن إزالة الاجتماع في التقطيع أشد وأقوى كما هو الشرط في الجامع.
وغير الداخلة: ما يكون الجامع فيها غير داخل في مفهوم الطرفين، بأن كان خارجا عن مفهوم كل منهما، أو كان داخلا في مفهوم المستعار له دون المستعار منه، أو العكس.
فالأول: كما في قولك: "رأيت دررا في السماء"، و"أبصرت شمسا داخل غرفة، ووردت بحرا يعطي" فالجامع في الأول التألق واللمعان وفي الثاني الوضاءة والإشراق، وفي الثالث الإفاضة، وكلها عوارض غير داخلة في مفهومي الطرفين.
والثاني: كما في الحديث "خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه: كلما سمع هيعة طار إليها" 1 شبه العدو الذي هو قطع المسافة بسرعة في الأرض. بالطيران الذي هو قطع المسافة في الهواء بالجناح، ثم استعير الطيران للعدو، ثم اشتق من الطيران "طار" بمعنى عدا -والجامع بينهما قطع المسافة بسرعة وهو داخل في مفهوم العدو، دون الطيران، فليست السرعة داخلة في مفهومه، إنما هي لازمة له في الأكثر. ومثله قول امرأة من بني الحرث ترثي قتيلا:
__________
1 "العنان" بكسر العين اللجام، و"الهيعة" الصيحة يفزع منها من هاع يهيع إذ جبن يقول: خير الناس رجل مستعد للجهاد في سبيل الله كلما سمع صيحة الحب والدعوة لها أسرع إليها وخاض غمارها.
(5/112)

لو يشا طار بها ذو ميعة ... لاحق الآطال نهد ذو خصل1
تقول: لو أنه أراد النجاة لفاز بها، فقد كان تحته فرس قوي، جلد، ولكنه آثر أن يموت كريما على أن يحيا هزيلا بتحمله عار الهزيمة. والشاهد في استعارة الطيران للعدو على نحو ما تقدم.
والثالث: كاستعارة العدو للطيران عكس ما قبله.
التقسيم الثاني:
تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع أيضا قسمين: عامية، خاصية.
فالعامية: وهي المبتذلة, ما وضح فيها الجامع، بحيث يدركه العامة كإطلاق "الأسد" على الرجل الجريء، فإن الجامع، وهو الجرأة، أمر واضح، في متناول مدارك عامة الناس لاشتهار الأسد بها. وسميت مبتذلة لكونها في طوق كل إنسان.
والخاصية: وهي الغريبة: ما لا يدرك الجامع فيها إلا من ارتفع عن طبقة العامة، كما في قول يزيد بن مسلمة يصف فرسا له، بأنه مؤدب إذا نزل عنه. وألقى عنانه في قربوس سرجه، لا يبرح مكانه حتى يعود:
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر2
__________
1 الميعة نشاط الشباب، و"الآطال" جمع أطل بكسرة أو بكسرتين الخاصرة, ولاحق الآطال ضامرها وهو من دواعي النشاط وخفة الحركة، و"النهد" بفتح النون الفرس الجميل الجسم و"الخصل" جمع خصلة، وهي اللفيقة من الشعر، أي: ذوي شعر متدل.
2 "احتبى" من الاحتباء وهو أن يشد الرجل ركبتيه إلى بطنه بنحو ثوب يمتد من جانبيه إلى ظهره، و"القربوس" بفتح القاف والراء مقدم السرج، و"العنان" بكسر العين اللجام، و"الشكيم" الحديدة المعترضة في فم الفرس، و"علكها" لاكها ومضغها، وقد أراد بالزائر نفسه.
(5/113)

فقد شبه هيئة العنان في موقعه من قربوس السرج. بهيئة الثوب في موقعه من ركبتي المحتبي ثم استعار لفظ "الاحتباء" لهذه الهيئة1, فهذه الاستعارة غريبة لما في الجامع من كثرة الاعتبارات الموجبة لصعوبة إدراكه، وبعده عن الأذهان, فضلا عن كونها على نمط غير مألوف. لا يقع في كلامهم إلا نادرا, ذلك أن الانتقال إلى معنى "الاحتباء" وهو ألا يجمع الرجل ركبتيه منضمتين إلى بطنه بنحو ثوب ممتد من الركبتين إلى الظهر عند استحضار إلقاء العنان على القربوس، في غاية الندرة، لما بين المعنيين من البعد2.
وقد يكون منشأ الغرابة: ما فيها من طرافة، ولطف مأخذ كما في قول طفيل الغنوي:
وجعلت كوري فوق ناجبة ... يقتات شحم سنامها الرحل3
يقول: إن شحم سنام الناقة تضاءل وضمر لطول عهد الرحل به، وكأن الرحل كان يقتات منه. يصف نفسه بكسرة الأسفار. والشاهد فيه: أنه استعار "الاقتيات" لإذابة شحم السنام -ولا شك أن في التعبير بالاقتيات في جانب الشحم- وهو مما يقتات به نوع لطف وطرافة، يشعر به صاحب الذوق البلاغي، ومما زاده طرافة ولطفا إسناده إلى "الرحل" إسنادا مجازيا، من إسناد الفعل إلى سببه.
وقد يتصرف في الاستعارة العامية بما يخرجها من الابتذال إلى الغرابة: بأن يضم إليها تجوز لطيف، اقتضته الحال، كما في قول كثير عزة:
__________
1 لأن جمع القربوس مضموما إلى فم الفرس, بالعنان ممتدا من القربوس إلى جانبي الفم يشبه هيئة الاحتباء, وهو جمع ركبتي المحتبي منضمتين إلى بطنه بنحو ثوب ممتد من الركبتين إلى الظهر.
2 إذ إن أحدهما من وادي الركوب، والآخر من وادي العقود.
3 "الكور" بضم الكاف رحل البعير، والناجبة الناقة السريعة، والاقتيات اتخاذ القوت، والسنام الجزء المرتفع من ظهر الناقة.
(5/114)

ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دهم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح1
يقول: لما فرغنا من أداء النسك، وقضينا أيام منى، واستلمنا الأركان، وشددنا الرحال، ومضى الناس, لا ينظر الغادي منهم الرائح، شوقا للعودة إلى أوطانهم, ابتدأنا في الحديث آخذين بأطرافه وفنونه، شأن الرفاق في السفر، قد شملتهم الغبطة، لما وفقوا إليه من أداء الفريضة, بينما سارت المطي في الأباطح سيرا حثيثا، في لين وسلاسة، أشبه الأشياء بسيلان الماء.
وهذه الأبيات الثلاثة, مع ما فيها من روعة المطلع، وعذوبة الجرس, لا ترى فيها معنى دقيقا, ولا تصويرا أنيقا، سوى ما تراه في الشطر الثاني من البيت الأخير، حيث شبه سير المطي في الأباطح سيرا حثيثا، في لين وسلاسة: بسيلان الماء فيها، ثم استعير سيلان الماء للسير اللين السلس، واشتق منه: "سالت" بمعنى: سارت حثيثا في لين وسلاسة -والجامع بين الطرفين سرعة السير مع سلاسة فهذه الاستعارة- كما ترى, عامية يدركها الخاصة والعامة. غير أنه تصرف فيها بما جعلها غريبة، لا يدركها إلا الخواص.
ذلك أنه: بعد أن استعير فعل السيلان لسير الإبل الحثيث السلس، حتى أفاد كأن سيولا جرت في تلك الأباطح. أسند بعد ذلك الفعل المستعار، وهو "سالت"
__________
1 الشاهد في البيت الأخير "والأطراف" جمع طرف بكسر الطاء بمعى الكريم، والمراد كرائم الأحاديث أو جمع طرف بالتحريك بمعنى الناحية، والمراد فنون الأحاديث و"الأباطح" وهو مسيل الماء فبه دقائق الحصا.
(5/115)

إلى الأباطح، دون المطي الذي كان حقه أن يسند الفعل إليه، فأفاد هذا الإسناد، أن الأباطح امتلأت بالإبل إلى حد يخيل للناظر. أن الأباطح هي التي تسيل, إذ إن نسبة فعل الحال إلى المحال، تشعر بشيوع الحال في المحل، وكأن كل مكان من هذه الأباطح سائر. ومما زاد الاستعارة دقة وغرابة: أنه أدخل الأعناق في السير، إذ جرها بباء الملابسة، المقتضية لملابسة الفعل لها؛ لأن السرعة والبطء يظهران -غالبا- في أعناق الإبل: وإذن فقد أضاف الشاعر إلى الاستعارة المذكورة مجازا عقليا آخر, فالأول مصرح به وهو إسناد الفعل إلى الأباطح, والثاني مقدر، وهو إسناده إلى الأعناق؛ لأن الواقع: أن الدابة تستعين في سيرها بهز الأعناق، فكأن الأعناق أيضا تسير. ومثل بيت كثير تماما، قول ابن المعتز:
سالت عليه شعاب1 الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير
يقول: تسارع إليه أنصاره ملبين بوجوه مشرقة متهللة, حين دعاهم إليه. يريد أنه مطاع في حبه، لا يدعوهم لخطب جلل إلا أتوا إليه مسرعين متزاحمين حتى كأنهم السيل ينحدر من كل جانب، فيطفح به الوادي. وقد تصرف في البيت على غرار ما قبله، مما جعل الاستعارة تمتنع بعد ابتذال، وتعتز بعد ضعة.
تقسيم الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع:
تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار ستة أقسام -ذلك: أن المستعار منه، والمستعار له، إما حسيان، أو عقليان. أو المستعار منه حسي. والمستعار له عقلي أو العكس. والجامع في الثلاثة الأخيرة عقلي لا غير, لما سبق في مبحث التشبيه:
__________
1 جمع شعب بكسر الشين، وهو الطريق في الجبل.
(5/116)

من أن وجه الشبه وهو المسمى هنا بالجامع, لا بد أن يقوم بالطرفين, فإذا كان كلاهما، أو أحدهما عقليا, وجب أن يكون الجامع عقليا؛ لأن الحسي لا يقوم بغير حسي -كما علمت- أما القسم الأول, وهو ما كان الطرفان فيه حسيين فصوره ثلاث؛ لأن الجامع حينئذ- إما حسي أو عقلي، أو مختلف, وبذلك تكون الأقسام ستة, وهاكها:
1- استعارة محسوس لمحسوس، والجامع حسي كما في قوله تعالى: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا 1 لَهُ خُوَارٌ} فالمستعار منه ولد البقرة, والمستعار له الحيوان المخلوق من حلي القبط التي سبكتها نار السامري2 عندما ألقى فيها التربة التي أخذها من موطئ فرس جبريل عليه السلام3, والطرفان حسيان -كما ترى- والجامع حسي كذلك، وهو الشكل والخوار، فإن ذلك الحيوان كان على شكل ولد البقرة، وله صوت كصوته.
ومثله قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} . فالمستعار منه حركة الماء على الوجه الخاص، والمستعار له الحركة والاختلاط الناشئان عن الحيرة والارتباك، والجامع بينهما ما يشاهد في كل: من الحركة الشديدة والاضطراب، والجميع حسي4, كما ترى.
__________
1 أي: بدنا ذا لحم ودم، وقد نصب بدلا من عجل، و"له خوار" أي: له صوت البقر, شبه الصورة التي سبكتها نار السامري بابن البقرة بجامع الشكل والصورة ثم استعير: لفظ المشبه به وهو العجل للمشبه الذي هو الصورة المسبوكة من النار، وقرينة الاستعارة قوله: {جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} إذ لا يقال للبقر الحقيقي. أنه جسد له صوت البقر.
2 هو موسى السامري وكان رجلا حدادا في زمن موسى عليه السلام.
3 لهذه المسألة قصة ليس هنا محلها.
4 شبه تزاحمهم وتدافعهم بتلاطم الأمواج بجامع ما يشاهد، في كل من الاضطراب ثم استعير لفظ المشبه به وهو تلاطم الأمواج للمشبه الذي هو التزاحم والتدافع، ثم اشتق منه "يموج"، بمعنى يتزاحم ويتدافع.
(5/117)

من ذلك قول الشاعر:
بكت لؤلؤًا رطبا ففاضت مدامعي ... عقيقا فصار الكل في نحرها عقدا
فقد استعار اللؤلؤ للدمع، بجامع الصفاء والتألق، والجميع حسي كذلك.
2- استعارة محسوس لمحسوس والجامع عقلي كما في قوله تعالى: {وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} والشاهد في "نسلخ" فالمستعار منه كشط الجلد، وسلخه عن الشاة ونحوها, والمستعار له إزالة ضوء النهار وانتزاعه عن مكان الليل, كلاهما حسي1, والجامع بينهما عقلي وهو ترتب أمر على آخر, ففي المستعار منه ترتب ظهور اللحم على سلخ الجلد، وفي المستعار له ترتب على ظهور ظلمة الليل على محو ضوء النهار2, ولهذا صح قوله بعد: {فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} لأن الواقع عقيب إزالة الضوء هو الإظلام.
3- استعارة محسوس لمحسوس، والجامع مختلف, بعضه حسي، وبعضه عقلي كما في قولك: "رأيت بدرا يتحدث" تريد إنسانا كالبدر في حسن الطلعة، ونباهة الشأن. فالأول حسي، والآخر عقلي.
4- استعارة معقول لمعقول كما تقول: "أحيتني الموعظة" على معنى: هدتني, فالمستعار منه "الإحياء" والمستعار له الهداية، وكلاهما عقلي, والجامع بينهما: ما يترتب على كل من الفوائد، وهو عقلي كذلك.
5- استعارة محسوس لمعقول كما في قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ
__________
1 أي: باعتبار متعلقيهما، "الجلد والضوء" وإلا فإن كلا من كشط الجلد, وإزالة الضوء أمر عقلي لأنهما معنيان مصدريان، والمعنى المصدر لا وجود له خارجا، فلا يكون محسوسا.
2 بيان ذلك أن الظلمة هي الأصل والنور طارئ عليها يسيرها بضوئه, فإذا غربت الشمس فقد سلخ النهار عن الليل, كما يسلخ الجلد عن الشاة، فظهور الظلمة بعد ذهاب ضوء النهار بمثابة ظهور المسلوخ بعد سلخ إهابه عنه.
(5/118)

النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} فالمستعار منه "الظلمات والنور، وهما حسيان، والمستعار له "الضلال والهدى" وهما عقليان، والجامع في الأول عدم الاهتداء، وفي الثاني الاهتداء، وهما عقليان أيضا، والاستعارة فيهما لا تحتاج إلى بيان.
6- استعارة معقول لمحسوس كما في قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} أي: لما كثر الماء, فالمستعار منه التكبر والتعالي، وهو عقلي، والمستعار له كثرة الماء، وهو حسي والجامع بينهما الخروج عن حد الاعتدال1، وهو عقلي, ومثله قوله تعالى: {فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} أي: شديدة، حتى جاوزت الحد, استعار "العتو" وهو عقلي لشدة الريح المفسدة، وهي حسية باعتبار متعلقها2, والجامع عقلي، وهو مجاوزة الحد.
تقسيم الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار:
تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار إلى قسمين: أصلية وتبعية.
فالأصلية: ما كان اللفظ المستعار فيها اسم جنس غير مشتق والمراد به: ما يصدق على كثيرين, سواء كان صدقه على الكثيرين حقيقة, أو تأويلا, وسواء كان اسم عين, أو ذات كالأسد، أو اسم معنى كالضرب والقتل.
فمثال اسم الجنس الحقيقي، وهو اسم عين لفظ "بحر" من نحو قولك: "رأيت بحرا يتحدث" تريد: رجلا عالما فحلا, فقد استعير لفظ "بحر" للرجل
__________
1 شبه كثرة الماء كثرة جاوزت الحد بالتكبر المعبر عنه بالطغيان، ثم استعير اسم المشبه به وهو الطغيان للمشبه الذي هو كثرة الماء، ثم اشتق من الطغيان "طغى" بمعنى كثر كثرة جاوزت الحد وهكذا يقال في أشباه ذلك من كل ما كان فيه لفظ المشبه به مشتقا كما سيأتي بيانه بعد.
2 أي: لا باعتبار ذاتها إذ هي معنى مصدري والمعاني المصدرية كما قلنا لا وجود لها خارجا, وإجراء الاستعارة فيها أن يقال: شبه الريح في هبوبها بالعتو والقسوة، ثم استعيد "العتو" لشدة هبوب الريح، ثم اشتق منه "عاتية" بمعنى شديدة
(5/119)

العالم استعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار اسم جنس حقيقة.
ومثال اسم الجنس التأويلي, وهو اسم عين أيضا لفظ "سحبان" ونحوه: من كل علم اشتهر مدلوله بنوع من الوصف، كما تقول: "رأيت سحبان يخطب" تريد رجلا فصيحا مفوها، استعير فيه كذلك لفظ "سحبان للرجل الفصيح استعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار اسم جنس تأويلا1.
ومثال اسم الجنس: وهو اسم معنى قولك: "آلمني قتل علي أخاه"، تريد: إذلاله. فقد استعير فيه "القتل" للإذلال استعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار، وهو "القتل" اسم جنس معنى, وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبه الإذلال بالقتل بجامع شدة الألم، ثم استعير لفظ "القتل" لمعنى الإذلال. وهكذا يقال في أمثال ذلك.
وسمي هذا القسم: استعارة أصلية، نسبة إلى الأصل, بمعنى الكثير الغالب -ولا شك أنها أكثر وجودا في الكلام من التبعية الآتية بعد- أو نسبة إلى الأصل بمعنى ما أنبني عليه غيره، ولا ريب أنها أصل للتبعية لبنائها عليه, على ما سيأتي بيانه قريبا.
والتبعية: ما كان اللفظ المستعار فيها فعلا، أو اسما مشتقا، أو حرفا.
وإليك بيان كل.
الاستعارة في الفعل:
الفعل له "مادة" هي حروفه الدالة على الحدث, وله "صيغة" وهي الهيئة الدالة على الزمان، كما في صيغتي الماضي والمضارع, والاستعارة في الفعل، باعتبار مادته: غيرها باعتبار صيغته.
__________
1 تقدم معنى التأويل فيه.
(5/120)

فمثالها في الفعل، باعتبار مادته قولك: "نطقت حالك بكذا"، أي: دلت- فالنطق- كما هو معلوم- وصف للإنسان لا للحال، وإنما توصف الحال بالدلالة.
وتقرير الاستعارة فيه أن يقال: شبهت الدلالة الواضحة بالنطق في إيضاح المعنى، ثم ادعى "مبالغة" أن الدلالة داخلة في نطاق النطق. وفرد من أفراده، ثم استعير النطق للدلالة الواضحة، فصار النطق بمعنى الدلالة الواضحة1، ثم اشتق من النطق بهذا المعنى: "نطقت" بمعنى "دلت" على سبيل الاستعارة التبعية.. وقس على هذا.
ومثالها في الفعل، باعتبار صيغته قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} فمن المعلوم أن أمر الله لم يأت بعد، وإنما سيأتي بدليل قوله: "فلا تستعجلوه, فكان سياق الكلام أن يقال: "يأتي أمر الله" بصيغة المضارع، لكنه عبر بصيغة الماضي تجوزا.
وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبه الإتيان في المستقبل بالإتيان في الماضي في تحقق الوقوع، ثم ادعى أن الإتيان في المستقبل داخل في جنس الإتيان في الماضي، ثم استعير لفظ "الإتيان في الماضي" للإتيان في المستقبل، فصار الإتيان في الماضي، بمعنى الإتيان في المستقبل، ثم اشتق من الإتيان بهذا المعنى، "أتى" بمعنى "يأتي" على سبيل الاستعارة التبعية, وهكذا يقال في أمثال ما ذكر.
وكما تستعمل: صيغة الماضي في المستقبل -كما مثلنا- تستعمل صيغة المضارع في الماضي كما في قوله تعالى حكاية لقول إبراهيم عليه السلام لولده إسماعيل: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} . فالرؤيا المذكورة وقعت -لا محالة- فكان سياق الكلام أن يقال: إني رأيت في المنام.
__________
1 وإن أطلق النطق على الدلالة لا باعتبار التشبيه بل باعتبار أن الدلالة لازمة له كان مجازا مرسلا وقد عرفت فيما سبق: أنه لا امتناع في أن يكون اللفظ الواحد بالنسبة للمعنى الواحد استعارة ومجازا مرسلا باعتبار العلاقتين كما تقدم في المشفر والمرسن.
(5/121)

لكنه عبر بصيغة المضارع تجوزا، قصدا إلى استحضار تلك الصورة العجيبة، هي صورة أب، يهم بذبح ابنه، دون ذنب جناه.
الاستعارة في المشتقات:
مثالها في اسم الفاعل قولك: "جليل أعمالك ناطق بكمالك" أي: دال عليه ففي "ناطق" استعارة تبعية. وإجراؤها أن يقال فيها على غرار ما قيل في نطقت الحال بكذا، غير أن المشتق من النطق هنا: "ناطق" بمعنى دال, ومثله قولك: "حكم على قاتلك بالسجن" أي: ضاربك ضربا أليما، وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شب الضرب الأليم، بالقتل: بجامع الألم الأليم، ثم استعير بعد التشبيه والادعاء لفظ "القتل" للضرب الأليم، فصار "القتل" بمعنى الضرب الأليم، ثم اشتق من القتل بهذا المعنى، "قاتل" بمعنى ضارب ضربا مبرحا، على سبيل الاستعارة التبعية.
ومثالها في اسم المفعول قولك: "رفع مقتولك أمره إلى الحاكم": تريد مضروبك ضربا أليما, وإجراء الاستعارة فيه على نحو ما تقدم, غير أن المشتق هنا اسم مفعول.
ومثالها في أفعل التفضيل قول الشاعر العربي:
ولئن نطقت بشكر برك مفصحا ... فلسان حالي بالشكاية أنطق
شبهت الدلالة بالنطق، على نحو ما سبق ثم اشتق من النطق بمعنى الدلالة "أنطق" اسم تفضيل بمعنى "أدل" على سبيل الاستعارة التبعية، وهكذا يقال في سائر المشتقات، فليس يعوزك القياس.
وإنما كانت الاستعارة في الفعل وفي سائر المشتقات "تبعية" لجريانها فيها تبعا لجريانها في مصادرها كما رأيت, فتشبيه الدلالة بالنطق مثلا يتبعه تشبيه "دل" "بنطق" واستعارة النطق للدلالة، يتبعه استعارة "نطق لدل", ذلك أن الفعل
(5/122)

مشتق من المصدر، فكل تصرف يجري في المصدر يجري نظيره في الفعل، وفي سائر المشتقات.
وإنما اعتبر التشبيه والاستعارة في المصدر قبل اعتبارهما في الفعل، وفي سائر المشتقات؛ لأن المصدر هو المعنى القائم بالذات، فهو المقصود الجدير بأن يعتبر فيه التشبيه والاستعارة أولا هذا هو التحقيق.
الاستعارة في الحرف:
مثالها قوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} .
اعلم أن لام العلة موضوعة لترتيب ما بعدها على ما قبلها: ترتب العلة على المعلول كما تقول "جئت إلى مصر لأرتشف العلم من مناهلها" فإن ارتشاف العلم مترتب على المجيء، وعلة باعثة عليه.
إذا علمت هذا علمت أن "اللام" في الآية المذكورة مستعملة في غير ما وضعت له؛ لأن ما بعدها -وإن كان مترتبا على ما قبلها- ليس علة باعثة, ذلك أن آل فرعون لم يلتقطوا موسى ليكون لهم عدوا وحزنا، وإنما التقطوه ليكون لهم حبيبا، يملأ رحباهم بهجة وسرورا.
ومذهب الجمهور في إجراء الاستعارة في مثل هذا: أنهم يعقدون التشبيه في متعلق معنى الحرف1، فيقولون في الآية المذكورة: شبه مطلق ترتب علة واقعية "كالعداوة والحزن" على الالتقاط, بمطلق ترتب علة حقيقية عليه "كالمحبة والسرور" بجامع مطلق ترتب شيء على شيء، فسرى التشبيه من الكليين إلى جزئياتهما، ثم استعيرت
__________
1 المراد بمتعلق معنى الحرف: المعنى الكلي الذي يستلزمه المعنى الجزئي للحرف فلفظ "في" مثلا موضوع لمعنى جزئي هو الظرفية الخاصة في قولك الماء في الكوز، وهذا المعنى الجزئي يتعلق بمعنى كلي هو مطلق ظرفية شيء في شيء، ومعنى تعلقه به: استلزامه له إذ الخاص يستلزم العام, ولام العلة كذلك موضوعة لمعنى جزئي هو ترتيب علة خاصة على معلول خاص كما في نحو جئت لأتلقى العلم. وهذا المعنى الجزئي يتعلق بمعنى كلي هو مطلق ترتيب شيء على شيء وهكذا.
(5/123)

-بناء على التشبيه الحاصل بالسراية- "اللام" الموضوعة لجزئي من جزئيات المشبه به1 لجزئي من جزئيات المشبه2 على سبيل الاستعارة التبعية.
ومثل الآية المذكورة قولهم: "محمود في غبطة" فإن لفظ "في" موضوعة لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين كما تقول: "الماء في الجرة" فالحرف المذكور إذن مستعمل في غير ما وضع له؛ لأن مجروره لا يصلح للظرفية الحقيقية وإجراء الاستعارة فيه على مذهبهم أن يقال: شبه مطلق تلبس شيء لا يصلح للظرفية "كالغبطة" في المثال المذكور بشيء آخر, فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، ثم استعير لفظ "في" من أحد جزئيات المشبه به لأحد جزئيات المشبه، على سبيل الاستعارة التبعية ... وهكذا.
وصفوة القول: في الاستعارة التبعية: أن يقال: إن كانت الاستعارة في الفعل أو شبهه، بقدر التشبيه أولا في معنى المصدر. ثم ينقل المصدر إلى غير معناه الأصلي، ثم يشتق منه ما وقعت الاستعارة فيه: من فعل أو وصف، فتكون الاستعارة فيهما حينئذ تابعة للاستعارة في المصدر بلا خلاف.
وإن كانت الاستعارة في الحرف، فعلى مذهب الجمهور، في الرأي الراجح منه، يقدر التشبيه، "أولا" في متعلق معنى الحرف, ثم يقدر "ثانيا" من طريق السراية, في جزئية, ثم يستعار الحرف للمعنى المراد، فتكون الاستعارة في الحرف حينئذ تابعة لتشبيهين: أحدهما في متعلق معنى الحرف، والثاني في جزئيه, ولا يعوزك بعد هذا تطبيق الاستعارة على ما يعرض عليك من أمثلة في المشتقات أو الحروف.
__________
1 هو ترتب المحبة والسرور المتعلقين بموسى عليه السلام على الالتقاط.
2 هو ترتب العداوة والحزن المتعلقين أيضا بموسى عليه السلام على الالتقاط.
(5/124)

قرينة التبعية:
هي: في الفعل وسائر المشتقات مرجعها -غالبا- إلى:
1- الفاعل: بأن يكون إسناد الفعل إليه غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بالفعل: معنى يناسب الفاعل كما في قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} ونحو: "نطقت الحال بكذا" فالطغيان بمعناه الحقيقي يستحيل صدوره من الماء, كما أن النطق بمعناه الأصلي لا يتأتى صدوره من "الحال" إذ هما من شئون الإنسان، فدل ذلك على أن المراد "بالطغيان". معنى يصح إسناده إلى الماء، وهو الكثرة التي جاوزت الحد, وأن المراد: "بالنطق": ما يصح نسبته إلى "الحال"، وهو الدلالة الواضحة, ففي كل من "طغى ونطق" استعارة تبعية، قرينتها "الماء" في الأول و"الحال" في الثاني، وكلاهما فاعل:
2- نائب الفاعل: بأن يكون إسناد الفعل إليه غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بالفعل معنى يناسب نائب الفاعل كما في قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} فالضرب وهو نصب الشيء من شأن الخيام، لا من شأن الذلة والمسكنة: إذ هما أمران معنويان، فدل ذلك على أن المراد "بالضرب" معنى يناسبهما، وهو "الحكم" ويكون المعنى حينئذ: حكم عليهم بالذلة والمسكنة, ففي "ضرب" حينئذ استعارة تبعية، قرينتها لفظا "الذلة"، "والمسكنة", وكلاهما نائب فاعل1.
3- المفعول بأن يكون تسلط العامل عليه غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد منه: معنى يناسب المفعول. من ذلك قول ابن المعتز يمدح والده:
جمع الحق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السماحا
__________
1 شبه الحكم على الشيء بنصب الخيام عليه بجامع الاشتمال في كل، ثم استعير ضرب الخيام للحكم، واشتق منه، "ضرب" بمعنى حكم على سبيل الاستعارة التبعية.
(5/125)

"فالقتل والإحياء" بمعناهما الحقيقي لا يقعان إلا على ذي روح، "والبخل والسماح" ليسا من ذوات الروح، فدل ذلك على أن المراد "بالقتل": معنى يناسب البخل، وهو الإزالة، وأن المراد "بالإحياء": معنى يناسب الجود، وهو "الإكثار"، وكأنه يقول: أزال البخل، وأكثر السماح1 ففي كل من "قتل" وأحيا" استعارة تبعية. قرينتها "البخل" في الأول و"السماح" في الثاني وكلاهما مفعول. وقد تكون القرينة المفعول الثاني، كما في قول القطامي من قصيدة:
نقريهمو لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كان زراد2
يقول: "نطعنهم طعنات نافذات، تقد الدروع، وتشق الضلوع, والشاهد: قوله: "نقريهمو" فهو استعارة تبعية تهكمية، قرينتها قوله: "لهذميات" وهو المفعول الثاني "لنقري", ذلك أن "القرى" في الأصل: تقديم الطعام للضيف, فلا يصح إيقاعه بهذا المعنى على "اللهذميات" التي هي الطعنات النافذات، أو الأسنة الماضيات, فعلم: أن المراد "بالقرى" معنى يناسب هذه الطعنات أو الأسنة، وهذا المعنى هو تقديمها إلى الأعداء عند اللقا وكأنه يقول: نقدم إليهم لهذميات نقد بها ... إلخ.
وقد تكون القرينة المفعولين معا، كما في قول الحريري:
__________
1 شبه أولا إزالة البخل بالقتل بجامع ما يترتب على كل من العدم، ثم استعير القتل للإزالة واشتق منه قتل بمعنى أزال وشبه ثانيا الإكثار من الشيء بإحيائه بجامع شيوع المنفعة، ثم استعير "الإحياء" للإكثار، واشتق من "الإحياء" بمعنى الإكثار "أحيا" بمعنى أكثر على سبيل الاستعارة في الموضوعين.
2 "نقريهمو" من القرى على زنة "إلى"، وهو تقديم الطعام إلى الضيف، و"اللهذميات" جمع لهذمية وهي الطعنة الواسعة نسبة إلى لهذم وهو السنان القاطع. و"القد" القطع و"خاط" بمعنى قدر على التضمين ولهذا عدى "بعلي"، و"الزراد" صانع الزرد بفتح الراء وهو الدرع, شبه تقديم الطعنات أو الأسنة عند اللقاء بالقرى بجامع أن كلا تقديم ما يصل من خارج إلى داخل، ثم استعير القرى لتقديم الطعنات أو الأسنة على سبيل الاستعارة التبعية.
(5/126)

وأقرى المسامع أما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا1
يصف نفسه بسحر البيان وعذوبة المنطق، فيقول: وأقدم إلى المسامع بيانا يكبح بسحره وعذوبته جماح النفوس الصوادف, والشاهد قوله: "وأقرى المسامع بيانا" فإن في "أقرى" استعارة تبعية، قرينتها تعلق القرى بكل من "المسامع والبيان" ذلك أن "القرى" كما قدمنا -تقديم الطعام إلى الضيف، فلا يصح إيقاعه بهذا المعنى على المسامع والبيان، فعلم من هذا: أن المراد به: معنى يناسبهما، وهو التقديم والإلقاء.
4- المجرور بأن يكون تعلق الفعل بالمجرور غير مناسب، فيدل ذلك على أن المراد به: معنى يناسب ذلك المجرور- كما في قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم} فالتبشير إخبار بما يسر, فلا يناسب تعلقه "بالعذاب" فيعلم من هذا أن المراد بالتبشير: معنى يناسب العذاب، وهو الإنذار، أي: الإخبار بما يسيء, وإذن ففي قوله: "بشرهم" استعار تبعية تهكمية، قرينتها مجرور الحرف2, ومثهل قوله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} فإن الهداية هي الدلالة بلطف، وهذا المعنى لا يناسب تعلقه "بالجحيم" فالمراد إذن معنى يناسبه: وهو الجر بعنف لا هوادة فيه، وإذن ففي قوله: "فاهدوهم" استعارة تبعية تهكمية كذلك, قرينتها مجرور الحرف كسابقتها.
وقد تكون القرينة غير ما ذكرنا كما في قوله تعالى: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} على أن يكون "مرقد" اسم مكان، بمعنى القبر، ليكون استعارة تبعية, شبه الموت بالرقود: بجامع فقد الإحساس، ثم استعير لفظ "الرقود" لمعنى "الموت"، ثم اشتق منه "مرقد" اسم مكان، بمعنى مكان الموت أي: القبر، على سبيل الاستعارة
__________
1 "أقرى" مضارع قرى, و"الحرون" من الخيل ما لا ينقاد لصاحبه والشموس مثله يقال: حرن الفرس وشمس إذ منع ظهره.
2 نزل التضاد بين التبشير والإنذار منزلة التناسب بينهما, على ما سبق في باب التشبيه، ثم شبه الإنذار بالتبشير في أن كلا إخبار بما يسر، ثم استعير التبشير للإنذار، واشتق منه "بشر" بمعنى أنذر على سبيل الاستعارة التبعية التهكمية.
(5/127)

التبعية, والقرينة كون هذا الكلام صادرا من الموتى يوم البعث، مع ضميمة قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} وكما تقولون: قتلت عمرا "إذا ضربته ضربا موجعا" فإن القرينة فيه على أن المراد بالقتل: الضرب الأليم حالية.
تقسيم الاستعارة باعتبار الملائم:
تنقسم الاستعارة باعتبار ذكر الملائم لأحد الطرفين، وعدم ذكره إلى مرشحة، ومجردة، ومطلقة.
فالمرشحة: ما قرنت بما يلائم المستعار منه، وهو المشبه به, سواء كان ذلك الملائم صفة نحوية، أو معنوية، أو كان تفريعا1.
فمثال الترشيح بالصفة النحوية، قولك: "رأيت أسدا حاد الأظفار، متنقش اللبدة، رهب الزئير", وقولك: "رأيت بحرا بعيد الغور، لا ساحل له", فقد استعير في الأول "الأسد" للرجل الجريء، ثم وصف المستعار منه بما يلائمه: من حدة الأظفار، وانتفاش اللبدة، ورهبة الزئير ترشيحا للاستعارة, واستعير في الثاني "البحر" للعالم الجليل، ثم وصف المستعار منه بما يلائمه: من بعد الغور، وانتفاء الساحل ترشيحا للاستعارة كذلك- وكلا الترشيحين وصف نحوي- والقرينة في المثالين حالية.
ومثال الترشيح بالصفة المعنوية قول الشاعر:
ينازعني "ردائي" عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمر بن بكر
__________
1 الفارق بين الصفة والتفريع أن: الملائم إن كان من بقية الكلام الذي فيه الاستعارة فهو صفة، وإن كان كلاما مستقلا جيء به بعد الكلام الذي فيه الاستعارة مبنيا عليه كان تفريعا, والعبرة بالاعتبار والقصد، فنحو قولك: "رأيت أسدا يرمي" يصح أن يكون صفة وأن يكون تفريعا.
(5/128)

لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر1
يقول: ينازعني عبد عمرو سيفي الذي أقي به نفسي وعرضي، ثم التفت قائلا: تمهل فسأقسم بيني وبينك، فأحتفظ لنفسي بقائمه الذي بيدي، وأعطيك أنت صدره، فهو يهدده بالقتل, والشاهد فيه: أنه استعار الرداء للسيف, تشبيه السيف به، في أن كلا وقاية حفظ. فالرداء يحفظ السوأة، والسيف يحفظ الحمى، ثم وصف الرداء الذي هو المستعار منه بما يلائمه من الاعتبار، إذ هو لف الرأس بنحو ثوب ترشيحا للاستعارة -والقرينة حالية كذلك.
ومثال الترشيح بالتفريع قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} 2, استعير الاشتراء للاختيار والإيثار، ثم فرع عليه ما يلائم المستعار منه، وهو "نفي الربح في التجارة" ترشيحا للاستعارة, وقرينتها ثبوت الاشتراء بمعناه الحقيقي.
ويسمى هذا القسم "استعارة مرشحة" لأن الترشيح معناه: التقوية، وذكر ملائم المشبه به يبعدها عن الحقيقة، ويقوي فيها دعوى الاتحاد التي هي مبنى الاستعارة.
والمجردة: ما قرنت بما يلائم المستعار له، وهو المشبه, سواء كان الملائم صفة نحوية، أو معنوية، أو تفريعا.
فمثال التجريد بالصفة النحوية، قول أبي عبادة البحتري:
__________
1 "رويدك" اسم فعل بمعنى أمهل، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، "ودونك" اسم فعل بمعنى خذ، والاعتجار لف الرأس بنحو ثوب، وأراد بالشطر الذي ملكت يمينه: قاتم سيفه، وبالشطر الآخر: صدر السيف.
2 شبه إيثار الباطل على الحق بالاشتراء بجامع استبدال شيء مرغوب عنه بشيء مرغوب فيه، ثم استعير الاشتراء للإيثار، ثم اشتق من الاشتراء بمعنى الإيثار اشتروا بمعنى "آثروه" واختاروا استعارة تبعية.
(5/129)

يؤدون التحية من بعيد ... إلى قمر من الإيوان باد1
استعار القمر للإنسان الجميل، ثم وصف المستعار له بما يلائمه: من كونه مطلا من الإيوان تجريدا للاستعارة, وقرينتها قوله: يؤدون التحية من بعيد "والتجريد وصف نحوي, كما ترى.
ومثال التجريد بالصفة المعنوية قول كثير عزة:
غمر الرداء ذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال2
يقول: إنه كثير العطاء واسع البذل، إذا ابتسم لطالبي معروفه تمكنت رقاب المال من أيديهم، وتعذر انفكاكها، كالرهن الحبيس في يد المرتهن، وقد عجز الراهن عن استرداده, والشاهد فيه: استعارة الرداء للعطاء بعد تشبيه العطاء به في أن كلا وقاية حفظ وصيانة, فالمال يصون العرض، والرداء يصون السوأة، ثم وصف المستعار له الذي هو "العطاء" بما يلائمه "وهو الغمر"3 تجريدا للاستعارة، وهو -كما ترى- وصف معنوي وقرينتها تتمة الكلام: من تبسم الممدوح، وحبس رقاب أمواله في أيدي العفاة.
ومثال التجريد بالتفريع قولهم: "رأيت غضنفرا في حومة الوغى، فلجأت إلى ظل رمحه" استعير الغضنفر للرجل المقدام بقرينة قوله: "في حومة الوغى" ثم فرع عليه بما يلائم المستعار له: من اللجوء إلى ظل رمحه تجريدا للاستعارة.
..
__________
1 "الإيوان" اسم لبناء ضخم ومنه إيوان كسرى.
2 "الغمر" في الأصل الماء الكثير, واستعمل هنا بمعنى كثير العطاء مجازا، ومن هنا يعلم أن لا مائع من أن يكون الملائم متجوزا فيه. وفي قوله "تبسم ضاحكا" وصف للممدوح بالبشر والطلاقة وذلك
أمارة الارتياح للبذل، وقوله: "غلقت" من غلق الرهن في يد المرتهن إذا لم يقدر الراهن على فكه لعجزه عن أداء الدين. و"الضحكة" بفتح الضاد وسكون الحاء المرة من الضحك، ويريد برقاق المال: أصوله.
3 هذا إذا كان من غمر الماء إذا كثر, أما إذا كان من قولهم: ثوب غامر أي: واسع فضفاض فهو ترشيح.
(5/130)

وسمي هذ القسم: "استعارة مجردة" لتجردها عما يقوي فيها دعوى الاتحاد، ولا شك أن ذكر ما يلائم المستعار له يقربها من المعنى الحقيقي، ويضعف فيها دعوى الاتحاد بين الطرفين. وقد اجتمع الترشيح والتجريد في قول الشاعر:
رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلدي وهو القلب جارح
استعار السهم للنظر بجامع شدة التأثير، وريشه، ترشيح لأنه من ملائمات المستعار منه ومن قولهم: راش السهم إذا ألصق عليه الريش، ليكون أحكم في الرماية "والكحل" تجريد لأنه من ملائمات المستعار له, وبهذا الاعتبار تكون قرينة الاستعارة حالية, فإذا اعتبر "الكحل" قرينة كان "ريشه" ترشيحا، واعتبرت الاستعارة حينئذ مرشحة.
ومما ينبغي أن يعلم: أن اعتبار الترشيح والتجريد، إنما يكون بعد تمام الاستعارة وهي إنما تتم باستيفاء قرينتها, فقولك مثلا: "رأيت سحابا يعطي" استعارة، لا ترشيح فيها ولا تجريد لعدم اقترانها بما يلائم أحد الطرفين, وأما قولك: "يعطي" فهو قرينة الاستعارة، فلا يعتبر تجريدا وإن كان من ملائمات المستعار له، ولو أن القرينة في هذا المثال حالية، لكان قولك: "يعطي" تجريدا للاستعارة لملاءمته للمستعار له.
والمطلقة: ما لم تقترن بشيء من ملائمات أحد الطرفين، كما تقول: "ظمئي إلى لقائك شديد"، استعير الظمأ للشوق، بقرينة قولك: إلى لقائك، فالاستعارة مطلقة لعدم اقترانها بشيء يلائم أحد الطرفين.
وسمي هذا القسم: "استعارة مطلقة" لإطلاقها عن التقييد بما يلائم أحد طرفي الاستعارة, كما رأيت.
قالوا: ومن قبيل المطلقة: ما اجتمع فيه ترشيح وتجريد وتساويا؛ لأنهما باجتماعهما يتعارضان فيتساقطان، وكأن لا ترشيح ولا تجريد، كما في قول الشاعر السابق: "رمتني بسهم ريشه" إلخ، على اعتبار أن القرينة فيه حالية, فإذا زاد أحدهما على الآخر رجح جانبه.
(5/131)

موازنة بين الاستعارات الثلاث:
الاستعارة المرشحة كما قلنا: ما ذكر فيها ما يلائم المستعار منه "أي: المشبه به", وهذا مما يزيد الاستعارة قوة مبالغة, ذلك أن مبنى الاستعارة كما علمت على تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه هو المشبه به عينه، لا شيء سواه, والترشيح الذي هو ذكر ملائم المشبه به: إمعان في هذا التناسي وغلو في دعوى الاتحاد، وكأن ليس هناك استعارة، بل ولا تشبيه، حتى إنك لتجد الشاعر أو الناثر, يمعن في إنكارهما، ويخيل للسامع: أن الأمر محمول على حقيقته، لا تجوز فيه. ألا ترى إلى قول أبي تمام:
ويصعد حتى يظن الجهول1 ... بأن له حاجة في السماء
استعار لفظ "الصعود" الذي هو العلو الحسي المكاني: لعلو المرتبة، ثم بنى كلامه على أنه صعود حسي حقيقة، إمعانا منه في تناسي التشبيه، وفي إنكار أن هناك استعارة فذكر ما يلائم الصعود الحسي: من ظن الجهول بحقائق الأشياء: أن له حاجة ينشدها في السماء, ولولا أنه قصد أن يتناسى الاستعارة, ويصر على إنكارها إصرارا، وأنه جعل الممدوح صاعدا في السماء صعودا حسيا مشاهدا -ما كان لهذا الكلام وجه- ومثله قول أبي الطيب السابق:
ولم أر قبلي من مشى البحر نحوه ... ولا رجلا قامت تعانقه الأسد
فنفيه أن يرى "البحر" يمشي إلى إنسان "وأن يرى الأسود تعانق رجلا مبني على أنه أراد: المعنى الحقيقي لهما مبالغة, إذ لم يعهد أن يسعى البحر نحو إنسان، أو أن تعانقه الأسود, فكل ذلك بمني على الإمعان في تناسي التشبيه، والغلو في إنكار الاستعارة, يؤيد ذلك قول ابن العميد يصف غلاما قام يظلله من حر الشمس.
__________
1 إن في التعبير "بالجهول" فضل مبالغة في المدح لما فيه من الإشارة إلى أن هذا الوصف إنما هو في ظن الجهول لنقصان عقله, أما العاقل فيعرف أن لا حاجة له في السماء لاتصافه بسائر الكمالات, فإفراطه في العلو إنما هو لمجرد التعالي على الأنداد.
(5/132)

قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز علي من نفسي
قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس1
وقول الشاعر السابق2:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر3
ففي الأول: استعار "الشمس" للإنسان ذي الوجه المشرق, وفي الثاني استعار "القمر" لهذا الإنسان, ثم تناسى التشبيه، وتناسى الاستعارة، وبنى الكلام على أن الشمس والقمر حقيقيان, ولولا أن ابن العميد ادعى لغلامه معنى الشمس الحقيقية: لما كان للتعجب معنى، إذ ليس بدعا أن يظل إنسان حسن الوجه إنسانا آخر، ويقيه بشخصه وهج الشمس, كذلك لولا أن أبا الحسن جعل صاحبه قمرا حقيقيا: لما كان ثم وجه للنهي عن التعجب من الكتان إنما يسرع إليه البلى حين يلابس القمر الحقيقي -كما يقولون- لا حين يلابس إنسانا بلغ الغاية في الحسن.
وإذا كان هذا شأن المرشحة كانت جديرة أن تحتل المكان الأول بين أختيها.
ويلي المرشحة في القوة: الاستعارة "المطلقة": إذ هي التي لا يذكر فيها شيء يلائم أحد الطرفين -كما عرفت، فهي- وإن خلت مما يقوي تناسي التشبيه، ويدعم دعوى الاتحاد: من ذكر ما يلائم المشبه به ليس فيها ما ينافيهما: من
__________
1 ضمن التظليل معنى المنع فعداه "بمن" أي: تمنعني من حر الشمس، وأنث الفعل مراعاة لتأنيث اللفظ.
2 هو الشريف أبو الحسن يتصل نسبه بعلي بن أبي طالب وهو شاعر مفلق.
3 البلى "الفناء" والغلالة بكسر الغين شعار يلبس تحت الثوب، و"زر" بمعنى شد.
(5/133)

ذكر ما يلائم المشبه -وإذا كان هذا حالها- كانت خليفة أن تحتل مكانا وسطا بين أختيها.
ومن هنا يبدو واضحا: أن الاستعارة المجردة في المرتبة الدنيا لاشتمالها على ما يلائم المشبه، إذ هو يتعارض مع ما تقتضيه الاستعارة: من تناسي التشبيه، ودعوى الاتحاد، قضاء لحق المبالغة.
اختبار:
1- عرف كلا من الاستعارة الوفاقية والعنادية ومثل لكل، مع إجراء الاستعارة فيما تمثل به. ومن أي قبيل قولهم: كان ميتا فأحييناه.
2- أجر الاستعارة في قولهم: قابلني اليوم قس بن ساعدة، يريدون: "رجلا عييا" وبم تسمي هذا النوع من الاستعارة؟
3- عرف الجامع وافرق بينه وبين وجه الشبه في التشبيه. ثم قسم الاستعارة باعتباره، وعرف كل قسم، ثم أجر الاستعارة في الحديث الشريف: "خير الناس ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها" ومن أي القسمين هذه الاستعارة.
4- عرف الاستعارة الخاصة، ومثل لها, مع بيان موضع الغرابة فيهما.
5- ما وجه غرابة استعارة "سيلان الماء لسير الإبل" في قول الشاعر: "وسالت بأعناق المطي الأباطح"، مع ما نراه من سذاجتها؟
6- قسم الاستعارة باعتبار حسية الطرفين وعقليتهما، ومثل لكل بمثال، ومن أي قبيل قوله تعالى: {فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} ؟
7- قسم الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار، وعرف كل قسم، ومثل له، وكيف صحت الاستعارة في نحو: زارني اليوم بأقل، تريد رجلا عييا، مع اشتراط أن يكون المستعار منه كليا، ثم أجر الاستعارة في نحو: "قتل على خصمه". أي: أذله، مع بيان نوع الاستعارة في المثال.
(5/134)

8- بين وجه كون الاستعارة في المشتقات تبعية، ووضح ذلك في مثال، ثم بين نوع الاستعارة، مع إجرائها في قولهم: فلان في بسطة من العيش, مع بيان علة تسميتها تبعية في الحرف.
9- بين مناط قرينة التبعية، مع التمثيل، ومع بيان قرينة الاستعارة في قوله: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} .
10- قسم الاستعارة باعتبار ذكر الملائم، وعرف كل قسم، ومثل له مع بيان علة التسمية في كل منها، وهل من التجريد لفظ "يتصدق" من نحو: رأيت بحرا يتصدق؟
11- كيف كانت المرشحة أبلغ من أختيها، وأي الأختين أبلغ من الأخرى، وجه ما تقول مع التمثيل.
تمرينات منوعة:
1- أجر الاستعارة وبين نوعها وقرينتها فيما يأتي: نزلت على حاتم، تريد: رجلا بخيلا، فبشرهم بعذاب أليم. اشتعل الرأس شيبا، يقول الشاعر يصف تشتيت المهزومين:
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة ... كما نثرت فوق العروس الدراهم
2- بين في الاستعارات الآتية: الطرفين والجامع بينهما:
تلك آية بينة تخرج متدبرها من العمى إلى الإبصار، دخلنا حديقة فرشقتنا ألحاظها، وابتسمت لقدومنا ثغورها، يابن القمرين أقبل: تعلمت الكرم من سحاب لا يكف، ومعين لا ينضب.
فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد
3- بين في التشبيهات الآتية وجه الشبه، ثم حولها إلى استعارات مبينا نوع كل استعارة وقرينتها: في هذه الخميلة أزهار كأنها الكواكب، وفوق الأغصان كروان
(5/135)

تحاكي القيان. سكبت دمعا كحبات الجمان:
قوم إذا نهضوا لنجدة صارخ ... ركبوا الجياد كأنهم رياح
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
له خال على صفحات خد ... كنقطة عنبر في صحن مرمر
4- مثل لما يأتي استعارة عنادية تهكمية، استعارة داخلية طرفاها عقليان. استعارة خاصية، مع بيان وجه الغرابة فيها, استعارة أحد طرفيها حسي والآخر عقلي، استعارة تبعية قرينتها المفعول. استعارة مجردة، وأخرى مرشحة بوصف معنوي.
5- علام استشهد بما يأتي؟ فبشرهم بعذاب أليم.
نقريهم لهذميات نقد بها
ما كان خاط عليهم كل زراد
{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} .
جمع الحق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السماحا
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... علقت لضحكته رقاب المال
(5/136)

المجاز المركب:
قلنا -فيما سبق- أن المجاز على نوعين: مفرد ومركب، وقد فرغنا من الكلام في المفرد، وهاك بيان المجاز المركب.
تعريفه: هو ما ذهب إليه أعلام البيان, اللفظ المركب المستعمل فيما شبه بمعناه الأصل، تشبيه تمثيل مبالغة.
ومقتضى هذا التعريف: أن المجاز المركب عندهم لا يجري في غير الاستعارة, غير أن القياس لا يمنع أن يجري في غيرها، كالجمل الخبرية المقصود بها: معنى إنشائي كما في قول الشاعر:
مضت الليالي البيض في زمن الصبا ... وأتى المشيب بكل يوم أسود
وإذن فمقتضى القياس: أن يعرف المجاز المركب: بأنه اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي. مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي -وهو- باعتبار هذه العلاقة نوعان:
1- مجاز مركب علاقته المشابهة, ويسمى: "تمثيلا"1، واستعارة تمثيلية.
2- مجاز مركب علاقته غير المشابهة, ويسمى مجازا مركبا مرسلا.
__________
1 إذا أطلق لفظ التمثيل انصرف إلى الاستعارة التمثيلية، فإذا أريد التشبيه ذو الوجه المركب قيل تشبيه التمثيل، أو تشبيه تمثيلي.
(5/137)

الاستعارة التمثيلية:
هي اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. كما تقدم في التشبيهات المركبة، أي: في الهيئات المنتزعة من أمور متعددة، إذا استعير فيها لفظ المشبه به للمشبه.
(5/137)

كما تقول وأنت تنظر إلى الشمس. أرى مرآة في يد شلاء، تريد هذا الجرم الخاص, فقد شبهت هيئة الشمس السابق ذكرها: بهيئة المرآة في كف أشل، بجامع الهيئة الحاصلة في كل، ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه، على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة الحالية.
وكما تخبر عن إنسان يحاول أمرا لا يحصل منه على غاية: "رأيت من يرقم على الماء"، فهذا المركب غير مستعمل في معناه الوضعي، إذ إن المحدث عنه لا يرقم على الماء ولكن حاله وهو يعالج أمرا لا نتيجة له: تشبه حال من يرقم على الماء فصح استعمال هذا المركب في الرجل المذكور لتشابه الحالين.
من ذلك ما كتبه الوليد بن يزيد، حين بويع بالخلافة إلى مروان بن محمد وقد بلغه توقفه عن البيعة له: "أما بعد: فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى1" وحقيقة الكلام: إني أراك متحيرا في أمرك، مترددا فيه, وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت هيئة تردده في قبول البيعة بين الإقدام والإحجام بهيئة رجل قام ليذهب إلى جهة, فتارة يعقد النية على الذهاب فيقدم رجلا، وتارة يعدل، فيؤخرها ثانيا. والجامع: الهيئة الحاصلة بين إقدام تارة، وإحجام أخرى, ثم استعير المركب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية, والقرينة حالية، إذ إن المتردد المذكور لا يقدم رجلا ولا يؤخرها فحاله على غير ما يدل عليه التركيب وضعا.
وكما نقول فيمن يعمل الحيلة، فيرفق بصاحبه، ويلاطفه حتى يميله إلى ما يريد: "ما زال يفتل له في الذروة والغراب، حتى بلغ منه ما أراد", فقد شبه حاله معه: بحال من يأتي للبعير الحرون، فيحكه، ويفتل له الشعر في ذروته وغاربه،
__________
1 قوله: "تقدم رجلا" أي: تارة، ومفعول، ومفعول، "تؤخر" محذوف أي: تلك الرجل المقدمة وقوله: "أخرى صفة لتارة" المحذوفة أي: تارة أخرى, وأصل الكلام إني أراك تقدم رجلا تارة، وتؤخرها تارة أخرى, وتتمة الكلام. فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام.
(5/138)

حتى يسكن ويستأنس, فكل هذا وأشباهه يسمى. تمثيلا، أو استعارة تمثيلية.
وإنما سميت الاستعارة في المركب "تمثيلا"لجريان التشبيه فيه بين الهيئات المنتزعة من متعدد، كما في الأمثلة المذكورة، فمعنى التمثيل فيه واضح لكثرة ما اعتبر فيه مما أوجب غرابته, وإذا فشت الاستعارة التمثيلية، وشاع استعمالها باقية على هيئتها. أطلقوا عليها لفظ:
المثل:
وهو استعارة تمثيلية شاع استعمالها, ويراعى فيه المعنى الذي ورد فيه أولا، فيخاطب به المفرد، والمثنى، والجمع, مذكرا أو مؤنثا، من غير تغيير في العبارة الواردة؛ لأنه -كما قلنا- استعارة تمثيلية، والاستعارة يجب أن تكون لفظ المشبه به المستعمل في المشبه كما في مثال "المتردد" فقد ورد في شخص معين، ثم شاع استعماله حتى صار مثلا يضرب لكل متحير في أمره -مفردا كان أو غير مفرد- مذكرا أو مؤنثا. فيقال لكل واحد مما ذكر: أراك تقدم رجلا إلخ. فينطق به كما ورد.
ومثل المثل المذكور قولهم: "الصيف ضيعت اللبن" بكسر تاء الفاعل إذ قد ورد في امرأة فرطت في أمر، ثم طلبته بعد فوات فرصته، ثم شاع استعماله وذاع، حتى صار مثلا يضرب لكل من طلب أمرا، بعد التفريط فيه، وبعد فوات وقته. ومثله قولهم: "اليد لا تصفق وحدها" وهو مثل يضرب لمن يحاول أمرا وحده، فيعجز عنه، تشبيها له بمن يحاول أن يصفق بيد واحدة, وكقولهم: "تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن" لمن يعرض له أمر لا يشتهيه، تشبيها له بربان السفينة، تزجيها الرياح إلى غير الوجهة التي يريدها, وهكذا يقال في جميع الأمثال السائرة نثرا ونظما.
المجاز المركب المرسل1:
هذا هو القسم الثاني من قسمي المجاز المركب.
__________
1 أطلق عليه هذا الاسم قياسا على المجاز المفرد.
(5/139)

وهو اللفظ المركب في غير ما وضع له لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة, كما في الجمل المستعملة في معان لم توضع لها، كالتحسر في قول الشاعر:
ذهب الصبا وتولت الأيام ... فعلى الصبا وعلى الزمان سلام
فالبيت مستعمل في معنى التحسر على ذهاب الشباب، وتصرم أيامه العذاب، والعلاقة فيه اللزوم، إذ يلزم من الإخبار بفوات الشباب، وانقضاء أيامه النضرات: التحسر والأسى على فواته، بقرينة قوله فعلى الصبا ... إلخ -هكذا قيل- وقيل: إن المعاني المقصودة مستفادة من طريق التلويح والإشارة، واللفظ مستعملا فيها، وهذا الرأي هو ما ارتاح له, وإذا فرغنا من بحث الاستعارة التحقيقية، فهاك:
(5/140)

الاستعارة المكنية 1:
تعريفها: اختلف فيه -فذهب الخطيب إلى أنها التشبيه المضمر في النفس، المدلول عليه بإثبات لازم المشبه به للمشبه, فالتشبيه فيها غير مصرح بشيء من أركانه سوى المشبه- والدليل على التشبيه حينئذ إثبات ذلك اللازم المختص بالمشبه به للمشبه2 كما في قول الشاعر:
وإذا العناية لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
يقول: إذا قدر لك أن تكون ملحوظا بعناية الله، فلن يمسك ضر، وكنت بمأمن من كل سوء, والشاهد في لفظ "العناية" فإن فيه استعارةبالكناية, يقال في إجرائها على هذا المذهب: شبهت العناية بإنسان تشبيها مضمرا في النفس، ثم تنوسي التشبيه، وادعي أن المشبه من أفراد المشبه به، ثم أثبت لازم المشبه به وهو "العيون" للمشبه الذي هو "العناية" قصدا إلى المبالغة.
__________
1 وتسمى الاستعارة بالكناية.
2 لأن إثبات لازم الشيء لغيره يدل على أن ذلك الغير مشبه بذلك الشيء ومنزل منزلته، وإلا ما صح أن يثبت له لازمه.
(5/140)

ومثله قول الحجاج في خطبته المشهورة: إني لأرى رءوسا قد أينعت. وحان قطافها إلخ, ففي "رءوسا" استعارة بالكنابة, شبه فيها الرءوس بالثمرات تشبيها مضمرا في النفس، ثم تنوسي التشبيه -على ما سبق- في البيت قبله، ثم ثبت لازم المشبه به، وهو قوله: "أينعت" للمشبه مبالغة، وقوله: "حان قطافها" ترشيح للاستعارة, وعلى هذا القياس.
وعلى هذا المذهب خرجت الاستعارة عن أن تكون من أفراد المجاز اللغوي؛ لأنه: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، فهو من عوارض الألفاظ, والاستعارة المكنية على هذا المذهب: هي التشبيه المضمر في النفس، وهو فعل من أفعال المتكلم، وإذن فإطلاق الاستعارة عليها -في رأي الخطيب- مجرد تسمية خالية عن المناسبة1, وأما إطلاق لفظ المكنية عليها فواضح، إذ لم يصرح فيها بالتشبيه، وإنما كنى عنه بذكر لازم المشبه به، وإثباته للمشبه.
أما تعريفها -عند الجمهور- فهي لفظ المشبه به، المستعار في النفس للمشبه، والمحذوف المدلول عليه بشيء من لوازمه كما في قول الشاعر السابق، فقد استعير فيه بعد التشبيه لفظ "الإنسان" للعناية. ثم قدر في النفس حذف الشبه به، ودل عليه بذكر بعض خواصه، وهو "العيون" على سبيل الاستعارة بالكناية، ثم أثبت ذلك اللازم للمشبه.
وسميت مكنية -على هذا المذهب- لعدم التصريح فيها بالمشبه به، والكناية عنه بذكر بعض خواصه, أما تسميتها "استعارة", على هذا الرأي فأمرها واضح؛ لأنها عندهم: اللفظ المستعار، فهي من أفراد المجاز اللغوي, بخلافها على رأي الخطيب على ما سبق.
__________
1 التمس بعضهم وجها لهذه التسمية هو: أن هذا التشبيه المضمر أشبه الاستعارة من حيث إن فيه ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به. ذلك أنه لما أثبت اللازم للمشبه دل ذلك على أن مريد التشبيه ادعي دخوله في جنس المشبه به حتى استحق خواصه والادعاء المذكور من شأن الاستعارة.
(5/141)

قرينة المكنية: هي عند الخطيب والجمهور: إثبات لازم المشبه به للمشبه كإثبات العيون للعناية في قول الشاعر السابق، وكإثبات الأظفار "للمنية" في قولهم: "أنشبت المنية أظفارها بفلان"، وهذا الإثبات يسمى عند الطرفين: استعارة تخييلية. أما أنه استعارة فلأن اللازم المذكور استعير للمشبه، وأثبت له، بمعنى أنه نقل عما يناسبه، واستعمل مع ما شبه بما يناسبه, وأما أنه "تخييلي" فلأن ذلك اللازم، لما نقل وأثبت: خيل للسامع أن المشبه من جنس المشبه به.
ومن هنا يعلم: أن الخطيب يخالف الجمهور في المكنية على ما سبق، ويتفق معهم في قرينتها، إذ هي -عند الطرفين- إثبات لازم المشبه به للمشبه.
ومما ذكرنا يتبين لك أمور ثلاثة:
الأول: أن قرينة المكنية استعارة تخييلية دائما، إذ هي -كما علمت- إثبات لازم المشبه به للمشبه، وهذا الإثبات يسمى عند الفريقين "تخييلا" وقد علمت وجهه.
الثاني: أن المكنية لا تنفك عن التخييلية؛ لأن التخييلية قرينتها، ولا بد للاستعارة من قرينة فهما إذن متلازمتان، لا توجد إحداهما بدون الأخرى.
الثالث: أن طرفي الاستعارة التخييلية مستعملان في معنييهما الحقيقيين "فالعيون والعناية" في البيت السابق، كلاهما مستعمل في المعنى الذي وضع له, والتجوز إنما هو في إثبات العيون للعناية، إذ إن العناية لا عيون لها، فهو إذن إثبات الشيء لغير ما هو له، كما في المجاز العقلي في نحو: أنبت الربيع الزرع، فإن كلا من "الإنبات والربيع" مستعمل في المعنى الذي وضع له، والتجوز إنما هو في إسناد الإنبات إلى الربيع، وإنباته له.
ثم إن اللازم المراد إثباته للمشبه -منه ما يكون به كما وجه المشبه في المشبه به- ومنه ما يكون به قوامه ووجوده فالأول كما في بيت الهذلي:
(5/142)

وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع1
يقول: إذا حان الأجل عجزت عنده الحيل، إذ لا مرد لقضاء الله, شبه الشاعر في نفسه المنية بالسبع في "الاغتيال" ثم تناسى التشبيه -على ما سبق- ثم أثبت لازم المشبه به للمشبه -ويقال- على رأي القوم بعد إجراء التشبيه: ثم استعير لفظ المشبه به، ثم حذف ورمز له بشيء من لوازمه، وأثبت للمشبه, والشاهد فيه: أن "الاغتيال" الذي هو وجه الشبه، يمكن حصوله بغير "الأظفار" "كالأنياب" مثلا غير أنه بالأظفار يكمل ويتم, والثاني كما في قول الشاعر السابق:
ولئن نطقت بشكر برك مفصحا ... فلسان حالي بالشكاية أنطق
يقول: إن نطقت بشكرك ليد لك علي، فإنني لأنطق بالشكاية منك؛ لأن ضرك أكثر من نفعك, والشاهد: أن وجه الشبه بين الحال، والإنسان المتكلم هو "الدلالة الواضحة"، وهي لا تتحقق بدون اللسان.
__________
1 "التميمة" خرزة تجعل معاذة وتعلق بأعناق الصبيان صونا لهم عن العين أو الجن في زعمهم.
(5/143)

فصل في شرائط حسن الاستعارة:
لا تقع الاستعارة موقعها من الحسن والقبول، إلا إذا توفرت الأمور الآتية بعد:
1- رعاية جهات حسن التشبيه، أي: مراعاة أسباب حسنه؛ لأنها مبنية عليه فهي تابعة له في الحسن والقبح, فإن حسن حسنت، وإن قبح قبحت.
فمن جهات حسن التشبيه: أن يكون التشبيه وافيا بالغرض منه, فإن كان الغرض مثلا: تزيين المشبه كوجه أسود، فشبه بمقلة الظبي ذات السواد الجميل، ثم
(5/143)

استعير له لفظها حسنت الاستعارة لوفاء التشبيه بالغرض فإذا شبه الوجه الأسود بالفحم لإفادة معنى التزيين، ثم استعير له لفظه لم تحسن الاستعارة لعدم حسن التشبيه، إذ لم يف بالغرض المقصود.
ومن جهات حسن التشبيه: أن يكون وجه الشبه غير مبتذل: بأن يكون غريبا لطيفا, إما لكثرة ما فيه من التفصيل، أو لكونه نادر الحضور في الذهن لعزة وجوده, كما في تشبيه الشمس بمرآة في كف الأشل، أو تشبيه فحم فيه جمر موقد ببحر من المسك موجه الذهب- فإذا استعير لفظ المشبه به للمشبه في المثالين حسنت الاستعارة فيهما، لحسن التشبيه، لما فيه من الدقة بكثرة الاعتبارات في الأول، ولندور حضور صورة المشبه به في الذهن في الثاني, أما استعارة لفظ "الشمس"، للإنسان ذي الوجه المشرق، أو استعارة الورد للخد ذي اللون الأحمر، فليست بذات حسن، لفوات الحسن في التشبيه، بسبب ابتذاله، لوضوح الوجه فيه.
ويستثنى من جهات حسن التشبيه شيء واحد، تحسن فيه الاستعارة، وإن لم يحسن التشبيه, وهو أن يقوى الشبه بين الطرفين جدا، حتى إنه ليخيل لك أنهما متحدان, كالشبه بين العلم والنور, أو بين الشبهة والظلمة, ففي هذين المثالين تحسن الاستعارة فتقول: "في قلبي نور" أي: علم, ولا يحسن التشبيه، فلا تقول: "في قلبي علم كالنور"، وتقول: "في قلبي ظلمة" أي: شبهة, ولا يحسن أن تقول: في قلبي شبهة كالظلمة.
وإنما قبح التشبيه فيما ذكرنا لقوة الشبه بين الطرفين، حتى كأنهما شيء واحد، فإجراء التشبيه بينهما بمثابة تشبيه الشيء بنفسه، وحسنت فيه الاستعارة لاختفاء شبح التشبيه لفظا.
2- أن يزداد بعدها عن الحقيقة بالترشيح، ولذلك كانت الاستعارة المرشحة أكثر قبولا، وألذ طعما في ذوق البلغاء من أختيها: المجردة، والمطلقة.
(5/144)

3- ألا يشتم فيها رائحة التشبيه لفظا1. بألا يذكر في الكلام لفظ يدل على المشبه كما تقول: "زارنا قمر في منزلنا" فليس في العبارة لفظ صريح يفصح عن المشبه, بخلاف قول الشاعر السابق:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر
فإن استعارة "القمر" للإنسان الجميل قليلة الحسن, كما يقولون2 لما فيها من إشمام رائحة التشبيه، بسبب ذكر لفظ دال على المشبه، وهو الضمير في "غلالته"، أو في "أزراره"، وهذا يتنافى مع ما ترمي إليه الاستعارة من تناسي التشبيه، ودعوى اتحاد الطرفين.
ومما ينبغي أن يعلم هنا: أن المراد بإشمام التشبيه المشروط نفيه في حسن الاستعارة: ما لا يخرج به الكلام عن نطاق الاستعارة، كما في البيت المذكور ونحوه: مما يذكر فيه المشبه على وجه لا ينبئ عن التشبيه, بخلاف ما لو ذكر فيه المشبه على وجه ينبئ عن التشبيه نحو: "خالد أسد" من كل ما لا يصح فيه الحمل إلا على تقدير التشبيه، أو صرح فيه بوجه الشبه، أو الأداة، فإن مثل هذا الإشمام مبطل للاستعارة، فنفيه شرط لصحتها، لا لحسنها.
4- ألا يكون وجه الشبه خفيا جدا، بحيث لا يدرك بغير تأمل. وإذن فلا يحسن استعارة لفظ "أسد" للرجل الأبخر، وهو ذو الفم المنتن، لخفاء وجه الشبه، إذ إن انتقال الذهن من معنى "الأسد" إلى الرجل: إنما يكون باعتبار المعنى المشهور في الأسد، وهو الجرأة، لا البخر، فاستعار لفظ "الأسد" للأبخر، حينئذ يعد إلغازا وتعمية في المراد, ذلك: أن من شروط حسن الاستعارة- كما عرفت-
__________
1 إنما شرطوا ذلك في اللفظ؛ لأن التشبيه معنى لا بد منه في كل استعارة بواسطة القرينة؛ لأن الاستعارة لفظ أطلق على المشبه بمعونة القرينة، فلا يمكن نفي إشمام التشبيه لفظا ومعنى؛ لأن المعنى على التشبيه قطعا.
2 في نفسي مما يقولون شيء، فإني لأشعر بروعة هذه الاستعارة تملأ جوانب نفسي كلما قرأت هذا البيت أو سمعته.
(5/145)

عدم إشمامها رائحة التشبيه، وذلك مما يبعدها عن الحقيقة، فإذا انضم إلى ذلك خفاء وجه الشبه ازدادت بعدا، فخفيت على الفهم، وصارت إلغازا, ومن هنا يعلم: أن التشبيه أعم محلا، إذ كل ما يتأتى فيه الاستعارة يتأتى فيه التشبيه، من غير عكس لجواز أن يكون وجه الشبه غير جلي، فتصير الاستعارة إلغازا كما في المثال المذكور.
هذا: والاستعارة التمثيلية كالتحقيقية في أن حسنها يكون بما ذكرنا من الأمور السابقة، إذ لا فارق بينهما إلا من حيث الإفراد والتركيب, والمكنية كذلك حسنها برعاية جهات حسن التشبيه, والتخييلية قرينة المكنية -كما علمت- فحسنها حينئذ تابع لحسن المكنية.
(5/146)

فصل في المجاز بالحذف والزيادة:
اعلم أن لفظ "مجاز" كما يطلق على الكلمة المنقولة من معناها الأصلي إلى غيره ما سبق، يطلق أيضا على الكلمة المنقولة من حكم إعرابها الأصلي إلى غيره بسبب حذف لفظ أو زيادة.
فالأول كما في قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} ، {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ، فكل من لفظي "ربك والقرية" مجاز بالحذف1 إذ ليس الكلام محمولا على ظاهره، لاستحالة مجيء الرب سبحانه في الآية الأولى، وللقطع بأن المراد: سؤال أهل القرية، لا سؤال الأبنية في الثانية, وأصل الكلام: وجاء أمر ربك، واسأل أهل القرية، فهما في الأصل مجروران بالإضافة ثم نقلا عن هذا الحكم الإعرابي، بسبب حذف المضاف، وجعل الأول مرفوعا على الفاعلية، والثاني منصوبا على المفعولية.
والثاني كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} على القول بزيادة الكاف، فقوله: {كَمِثْلِهِ} مجاز بالزيادة، أي: زيادة الكاف؛ لأن المقصود نفي أن يكون شيء مثل الله
__________
1 ويحتمل أن يكون من قبيل المجاز المرسل من إطلاق اسم السبب على المسبب في الأولى، وإطلاق اسم الحال على المحل في الثانية.
(5/146)

سبحانه، لا نفي أن يكون مثل مثله، إذ لا مثل له، حتى ينفي عن ذلك المثل من يكون مثله, فالحكم الإعرابي "لمثل" حينئذ هو النصب؛ لأنه خبر "ليس" ثم نقل عن هذا الحكم، وجعل مجرورا بسبب زيادة الكاف.
من هذا البيان يتضح: أن الموصوف بالمجاز في هذا النوع, هو الكلمة التي تغير إعرابها، كما في الأمثلة المذكورة، خلافا لما ذهب إليه السكاكي.
فإن كان الحذف أو الزيادة لا يوجب تغييرا في الإعراب، فلا توصف الكلمة بالمجاز, مثال ذلك في الحذف قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} ، فإن أصله: أو كمثل ذوي صيب، فحذف "ذوي" لدلالة قوله: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} عليه، ضرورة أن هذه الضمائر لا بد لها من مرجع, وحذف "مثل" لما دل عليه عطفه على قوله: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} .
ومثال الزيادة قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} وقوله: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} ففي مثل هذين المثالين لا توصف الكلمة، "بالمجاز" لعدم تغيير إعرابها, كما رأيت.
(5/147)

أسئلة وتطبيق على المجاز المركب بقسميه
1- عرف المجاز المركب، وقسمه، ومثل لكل قسم.
2- عرف الاستعارة التمثيلية، وبين وجه تسميتها بهذا الاسم، ومتى تسمى "مثلا", مثل لما تقول.
3- بين أنواع المجاز فيما يأتي: مع السبط في الإجابة:
1-
تصرمت منا أويقات الصبا ... ولم نجد من الشيب مهربا
(5/147)

2-
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها ... عند التقلب في أنيابها العطب
3-
وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب
4-
وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد
5-
من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع
6-
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم
7-
وليس يصح في الأدهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
4- أجر الاستعارة التمثيلية فيما يأتي:
1- أتطلب أثرا بعد عين؟ فيمن ترك الشيء ثم طلبه بعد ذهابه.
2- أسمع جعجعة ولا أرى طحنا, فيمن يعد ولا يفي.
3- أرى خالا1، ولا أرى مطرا, لكثير المال، لا يصاب منه خير.
4- تجوع الحرة، ولا تأكل بثدييها, لمن يصرف نفسه عن خسيس المكاسب.
5- يقول الشاعر:
ترى الفتيان كالنخل ... وما يدريك ما الدخل؟
يضرب لذي المنظر الحسن، ولا خير فيه.
6- رجع بخفي حنين, لمن يعمل عملا، فيخيب فيه.
__________
1 المراد به السحاب.
(5/148)

7- رمية من غير رام, لمن يصدر منه فعل حسن ليس له أهلا.
8- عند الصباح يحمد القوم السرى, لمن تحمل المشقة رجاء الراحة.
9-
بالملح نصلح ما نخشى تغيره ... فكيف بالملح إن حلت به الغير
يضرب لمن فسدت حاله، ممن هو قدوة لغيره كرجال العلم والدين.
10- وعند جهينة الخبر اليقين, لمن يعرف الشيء على وجهه, ومثله: على الخبير وقعت.
جواب السؤال الثالث:
1- في البيت مجاز مرسل مركب من استعمال الخبر في معنى التحسر، علاقته اللزوم، إذ إن الأخبار بتصرم أوقات الصبا يستلزم التحسر على ذهابها، والقرينة حالية, أو أن معنى التحسر مستفاد من طريق التلويح والإشارة.
2- في البيت استعارة تمثيلية: شبه هيئة من يغر الناس ويخدعهم بلينه الظاهري، ثم يعود، فيؤذيهم, بهيئة الأفاعي اللينة الملمس، الشديدة الأذى بجامع هيئة شيء لين المجس، ناعم الملمس، ينطوي على شيء ضار، شديد الضرر، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه.
3- في البيت استعارة تمثيلية, شبه هيئة من علا قومه: بحيث لا يباريه أحد مهما أجهد نفسه: بهيئة الشمس، لا ضريب لها من الكواكب، وإن أجهدت نفسك في البحث عنه، بجامع هيئة الشيء يعلو فيفوق غيره, بحيث لا يطمع في محاكاته، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه.
4- في البيت مجاز مرسل مركب علاقته اللزوم: من استعمال الخبر في معنى
(5/149)

التحسر على فقدان الخلان, أو أن معنى التحسر مستفاد من طريق التلويح والإشارة على ما يبدو لي.
5- في البيت استعارة تمثيلية: شبهت هيئة من علت منزلته إلى حيث لا يتأثر بشيء بهيئة من سكن فوق الشمس: بجامع هيئة الشيء يسمو حتى لا يؤثر فيه، ولا يصل إليه شيء، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه.
6- في البيت مجاز مرسل مركب علاقته الملزومية، إذ إن الاستفهام عن مضمون مثل هذا الكلام يستلزم إنكاره -والقرينة حالية- ويصح أن يكون استعارة تمثيلية، يقال في إجرائها: شبه هيئة من لا يفرق بين الخير والشر، والضار والنافع، ولم يهتد إلى الصواب بعقله: بهيئة من لا يفرق بين النور والظلمة لخلل في بصره.
7- في البيت استعارة تمثيلية: شبه حال من لا يعترف بالفضل لذويه، رغم وضوحه وشهرته, بحال من يحتاج إلى دليل على وجود النهار، بجامع هيئة من يجهل جهلا مطبقا، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه والقرينة حالية.
اختبار:
5- عرف الاستعارة المكنية على المذهبين، ومثل لها، مع إجرائها فيما تمثل به على الرأيين، ثم بين علة تسميتها مكنية على كلا المذهبين:
6- يقولون إن قرينة المكنية استعارة تخييلية، وأنهما متلازمتان، بين علة هذه التسمية، ووجه هذا التلازم.
7- بين نوع طرفي الاستعارة التخييلية، في مثال من عندك.
8- اذكر بالإجمال الأسباب الموجبة لحسن الاستعارة مع التمثيل.
9- ما السر في قبح التشبيه في نحو: في قلبي علم كالنور، وما السر في حسن الاستعارة فيه، وما علة كون الاستعارة في قول الشاعر: قد زر أزراره على القمر، وفي نحو رأيت أسدا، أي: أبحر، قليلة الحسن, اشرح ذلك شرحا وافيا.
(5/150)

مبحث الكناية
مدخل
...
مبحث الكناية:
تعريفها: هي -في اللغة- أن تتكلم بالشيء، وتريد غيره, وهي مصدر كنيت عن كذا بكذا، إذا تركت التصريح به, وبابه رمى يرمي، وورد كنوت بكذا عن كذا، من باب دعا يدعو، وقد أنشد الجوهري:
وإني لأكنو عن قدور1 بغيرها ... وأعرب أحيانا بها وأصارح
والأول أفصح، بدليل قولهم في المصدر: "كناية" ولم يسمع كناوة.
وهي -في الاصطلاح- لفظ أطلق، وأريد به: لازم معناه الحقيقي, مع جواز إرادة هذا المعنى، مع المعنى المراد.
ففي التعريف قيدان:
1- إرادة لازم2 المعنى الحقيقي.
2- جواز إرادة هذا المعنى، مع المعنى الكنائي.
وبالقيد الأول: يخرج اللفظ الذي أريد به معناه الحقيقي، وهو الحقيقة الصرفة كالأسد، مرادا به, الحيوان المفترس.
وبالقيد الثاني يخرج المجاز، إذ لا يجوز فيه إرادة المعنى الحقيقي، مع المعنى المجازي لاشتراطنا في قرينته: أن تكون مانعة من إرادة المعنى الحقيقي. كما تقول: "كلمني أسد" فلا يجوز هنا أن يراد: الحيوان المفترس؛ لأن فيه قرينة تمنع من ذلك، هي قوله: "كلمني" إذ إن الكلام من شأن الإنسان، لا من شأن الأسود, وهذا هو مدار الفرق بين الكناية والمجاز.
ومن هنا يعلم: أن الكناية واسطة بين الحقيقة والمجاز، فهي ليست حقيقة.
__________
1 بفتح القاف اسم امرأة.
2 المراد باللزوم: مطلق ارتباط ولو بعرف لا الزوم العقلي.
(5/151)

اللفظ لم يرد به معناه الحقيقي، بل أريد به لازمه, وليست مجازا؛ لأن المجاز لا بد له -كما قلنا- من قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي -بخلاف الكناية- مثالها قول الشاعر:
طويل نجاد السيف شهم كأنما ... يصول -إذا استخدمته بقبيل1
ففي قوله: "طويل نجاد السيف" كناية عن طول القامة, فالمعنى الحقيقي لهذا اللفظ هو أن نجاده طويلة، وليس هذا مرادا، إنما المراد: لازم هذا المعنى، وهو أنه طويل القامة، إذ يلزم -عادة- من طول النجاد: أن تكون القامة طويلة, ويصح مع هذا إرادة المعنى الحقيقي أيضا: بأن يراد المعنيان جميعا, طول النجاد وطول القمة، وإن كان المقصود بالذات: المعنى الكنائي, ومثله قوله: "فلان نظيف اليد" كناية عن نزاهته فالمعنى الحقيقي للفظ: هو أن يده نقية من الأقذار، ولكنه ليس مردا، بل المقصود لازم هذا المعنى، وهو أنه نزيه، لا يفعل ما يلوث شرفه، وتجوز إرادة المعنيين -كما عرفت- ومثله أيضا قولهم: "فلانة نئوم الضحى" كناية عن أنها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها، ويقوم بشئونها، فالمعنى الحقيقي للفظ: أن المرأة كثيرة النوم إلى الضحى. وليس هذا مرادا، إنما المقصود: ما يلزم هذا المعنى، وهو أنها من ذوات الترف والنعمة، عندها من يقوم بتدبير أمرها، وإصلاح شأنها, وتجوز إرادة المعنيين معا....وهكذا.
تنبيه:
ليس بلازم في الكناية: أن يكون المعنى الحقيقي للفظ المكني به متحققا في الواقع، إذ يصح أن تقول: "فلان طويل النجاد" كناية عن طول قامته، وإن لم يكن له نجاد، بل تصح الكناية، حتى مع استحالة المعنى الحقيقي كما في قولهم:
__________
1 "النجاد" ما يقع على العاتق من حمائل السيف، وفيه إشعار بأن الممدوح من أرباب السيف و"القبيل" الجماعة, شبه الممدوح، وهو مفرد بالجمع في القوة والمنعة.
(5/152)

"المجد بين برديه" و"الكرم تحت ردائه" كناية عن إثبات المجد والكرم للممدوح، فإن المعنى الحقيقي لكل من العبارتين، وهو: حلول المجد بين البردين، وحلول الكرم تحت الرداء مستحيل الحصول، إذ إن الحلول الحسي بين الأشياء أو تحتها من شأن الأجسام، لا المعاني, وكما في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كناية عن الاستيلاء والسيطرة، فالمعنى الحقيقي للاستواء هو الجلوس. وهذا المعنى مستحيل على الله سبحانه.
ومن هذا البيان يتبين: أن الشرط في الكناية جواز إرادة المعنى الحقيقي، لا إرادته، لامتناع إرادته فيما ذكرنا.
(5/153)

أقسام الكناية:
تنقسم الكناية باعتبار المعنى المكني عنه إلى ثلاثة أقسام:
1- كناية يطلب بها صفة1.
2- كناية يطلب بها موصوف.
3- كناية يطلب بها نسبة صفة إلى موصوف.
فالأولى: وهي المطلوب بها صفة, ضابطها: أن يصرح بالموصوف وبالنسبة إليه، ولا يصرح بالصفة المطلوب نسبتها وإثباتها، ولكن يذكر مكانها صفة تستلزمها كما في المثال السابق: "فلان طويل النجاد" كناية عن طول قامته، فقد صرح فيه بالموصوف، وهو "فلان" وصرح بالنسبة إليه، وهي "إسناد طويل النجاد إليه" ولم يصرح بالصفة المطلوب نسبتها، وهي طول القامة، ولكن ذكر مكانها صفة أخرى تستلزمها، هي طول النجاد, ومثله قولنا السابق: "فلانة نئوم الضحى" كناية عن أنها مترفة من ذوات اليسار. فقد صرح بالموصوف، وهو "فلانة"، وصرح بالنسبة إليها وهي إسناد نوم الضحى إليها، ولم يصرح بالصفة المطلوب نسبتها، وهي كونها مترفة منعمة, لكن ذكر مكانها صفة تستلزمها، هي النوم إلى الضحى
__________
1 المراد بالصفة: المعنى القائم بالغير كطول القامة، والكرم، لا خصوص النعت النحوي.
(5/153)

إذ يلزم من النوم إلى ضحوة النهار: أن يكون هناك من يتولى شئونها، فهي إذن من ذوات النعمة والترف. وهكذا.
وهذه الكناية ضربان: قريبة، وبعيدة.
فالقريبة: ما ينتقل الذهن فيها من المعنى الأصلي إلى المعنى المقصود بلا واسطة بين المعنى المنتقل عنه، والمنتقل إليه كما في المثال السابق: "فلان طويل النجاد" فإن المطلوب بهذا القول، صفة هي طول القامة -كما بينا- وليس بين طول النجاد، وطول القامة واسطة- وسميت "قريبة" لقصر زمن إدراك المقصود منها، بسبب انتفاء الواسطة.
وهي نوعان: واضحة، وخفية.
فالواضحة: ما يفهم منها المقصود لأول وهلة لوضوح اللزوم بين المعنى المكني به والمكني عنه كما تقدم في نحو: "فلان طويل النجاد" فإن طول القامة يفهم من طول النجاد، بلا حاجة إلى تأمل، لوضوح اللزوم بين المعنيين ومثله قول العرب: "فلانة بعيدة مهوى القرط" فمهوى القرط هو المسافة بين شحمة الأذن إلى الكتف، وطول هذه المسافة يفهم منه: أن العنق طويل، بلا حاجة إلى تأمل. لوضوح اللزوم بين طول المسافة المذكورة، وطول العنق يقول الشاعر:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر1
يريد، طويلة الجيد، وهو من محاسن الصفات في المرأة, يدعو على نفسه بالتقاعس والعجز عن الأخذ بالثأر من المعتدين، وبأخذ الدية بدل الدم, إن لم يتزوج على امرأته بأخرى، موصوفة بهذه الصفات.
__________
1 "راعه" أخافه وأفزعه و"الضرة" بفتح الضاد إحدى الزوجين أو الزوجات و"القرط" بضم القاف- ما يعلق في شحمتي الأذن، وقوله: "بعيدة مهوى القرط" كناية عن طول عنقها، و"النشر" الرائحة.
(5/154)

والخفية: ما لا يفهم منها المقصود إلا بعد شيء من التأمل والتفكير لخفاء اللزوم بين المعنى المكني به والمكني عنه, كما تراه في قولهم: "فلان عريض القفا، أو كبير الرأس" كناية عن أنه بليد أبله، فإن عرض القفا بإفراط، أو كبر الرأس كذلك مما يستدل به -في العادة- على البلادة والبلاهة, كما يقولون، وفي العكس دليل الذكاء والنباهة, ألا ترى إلى قول طرفة بن العبد:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد1
فالخشاش صغير الرأس، وقد جعله دليلا على توقد الذهن، إلا أن فهم ذلك منه، أو من عكسه، يتوقف على إعمال فكر وروية؛ لأن اللزوم بين المعنيين، فيه نوع خفاء لا يدركه كل أحد.
والبعيدة: ما ينتقل الذهن فيها من المعنى الأصلي إلى المقصود بواسطة, كما تراه في قولهم: "فلان كثير الرماد" كناية عن أنه سمح جواد: فالمطلوب بهذه الكناية صفة هي "الجود" وبين كثرة الرماد، وصفة الجود وسائط عدة، لا بد من مراعاتها للوصول إلى هذه الصفة، فينتقل الذهن أولا من كثرة الرماد إلى كثرة الإحراق، إلى كثرة الطبخ، ثم إلى كثرة الأكلة، ومنها إلى كثرة الأضياف، ومنها إلى صفة الجود, ومثله قول الشاعر:
وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل2
فقد كنى عن جوده، وكثرة قراه للأضياف، بجبن الكلب، وهزال الفصيل, إذ ينتقل للذهن من جبن الكلب عن الهرير في وجه من يدنو من دار صاحبه إلى استمرار ما يوجب نباحه, وهو اتصال مشاهدته وجوها إثر وجوه، ثم ينتقل من
__________
1 "الرجل الضرب" الخفيف اللحم.
2 "الفصيل" ولد الناقة.
(5/155)

هذا إلى كون صاحبه مقصد الداني والقاصي، ومن هذا إلى أنه يقري الأضياف، ومنه إلى صفة الجود, كذلك ينتقل الذهن من هزال الفصيل إلى فقد أمه بنحرها1 ومنه إلى قوة الداعي إلى نحرها لكمال عناية العرب بالنوق، لا سيما المتليات2 منها، ومنه ينتقل الذهن إلى إعدادها للطبخ، ومنه إلى أنه مضياف كريم, ومن هذا النوع قول نصيب:
وكلبك آنس بالزائرين ... من الأم بابنتها الزائرة3
وبيان الكناية فيه: أن استئناس الكلب بالزائرين عنوان معرفته بهم؛ لأن الكلب إنما يأنس بمن يعرف، ومعرفته بهم دليل اتصال مشاهدته إياهم ليل نهار، وهذا دليل على أن دار الممدوح محط الرحال، وملتقى الآمال، وهذا يدل على ما أراده الشاعر، من وفور إحسان الممدوح، وسعة جوده. وقد بعدت المسافة بين أنس الكلب بالزائرين، وكرم الممدوح -على ما رأيت- وكون الكلب آنس من الأم مبالغة في استثنائه بالزوار, وهو يستتبع المبالغة في وصف الممدوح بالكرم, ونظير ذلك مع زيادة لطف قول الآخر:
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم4
فإن حب الكلب للضيف حتى إنه ليكاد يكلمه دليل شدة معرفته به، وهذا دليل كثرة مشاهداته إياه لكثرة تردده على الدار، وذلك دليل وفرة الجود في المزور, ومثله قوله الشاعر:
لا أمتع العوذ بالفصال ... ولا أبتاع إلا قريبة الأجل5
__________
1 أو إلى أخذ اللبن منها، إلى تقديمه للضيفان.
2 "المتليات" هي التي تلاها ولدها أي: تبعها.
3 "آنس" اسم تفضيل سهلت همزته.
4 الضمير في "يكاد" عائد على الكلب.
5 "العوذ" بضم العين جمع عائذة، وهي الناقة الحديثة النتاج و"الفصال" جمع فصيل ولد الناقة.
(5/156)

ذلك: أن حرمان العوذ من أن ترى فصالها، وتمتع بها، دليل على أنه ينحر فصالها، ولا يبقيها، وهذا دليل كثرة القرى الدالة على وفرة الجود ابتياعه لما قرب أجلها، دليل أنها لا تبيت عنده حية، ومعنى هذا: أنه ينحرها, وهذا دليل كثرة القرى الدالة على الجود.
فكل هذه الأمثلة من الكنايات البعيدة، لوجود الواسطة بين المعنى المكني به والمكني عنه، المقتضي لبعد زمن إدراك المقصور منها.
والثانية: وهي الكناية المطلوب بها موصوف ضابطها: أن يصرح بالصفة وبالنسبة، ولا يصرح بالموصوف المطلوب النسبة إليه، ولكن بذكر مكانه أو صفته أو أوصاف تختص به، وتدل عليه، كما في قولك "فلان صفا لي مجمع لبه" كناية عن قلبه، فقد صرح في هذه الكناية بالصفة وهي "مجمع اللب"، وبالنسبة وهي إسناد الصفاء إليها, ولم يصرح بالموصوف المطلوب نسبة الصفاء إليه، وهو القلب، لكن ذكر مكانه وصف خاص به، وهو كونه "مجمع اللب"، فإن القلب -كم يقولون- موضع العقل والتفكير.
وهذه الكناية أيضا نوعان:
الأول: ما تكون الكناية فيه معنى واحدا, كما في المثال السابق "صفا لي مجمع ليه"، فإن مجمع اللب المكني به عن القلب معنى واحد -كما ترى- وكما في قول الشاعر:
الضاربين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان1
يصف الشاعر قومه بالبسالة, وحسن البلاء في الحروب، وأن سيوفهم لا تعرف
__________
1 "الأبيض" السيف، و"المخذم" على زنة منبر القاطع، "والأضغان" جمع ضغن وهو الحقد وكل من الضاربين، والطاعنين منصوب على المدح بقدرتهم على النكاية والفتك بأعدائهم.
(5/157)

غير المقاتل جفا, كنى بمجامع الأضغان عن القلوب، وهي معنى واحد: إذ المراد بوحدة المعنى هنا: ألا يكون من أجناس مختلفة وإن كان مثنى أو جمعا, وكون القلب مجمع الضغن وصف خاص به، فلا يحل الضغن في غيره, وقد صرح في هذه الكناية بالصفة، وهي كون القلوب مجامع الأضغان، وبالنسبة الإيقاعية، وهي إيقاع الطعن على هذه المجامع، ولم يصرح بالموصوف المطلوب نسبة إيقاع الطعن عليه، وهو القلوب، ولكن ذكر مكانها وصف خاص بها هو كونها مجامع الأضغان. ومثله قول البحتري من قصيدة يذكر فيها فتكه بذئب:
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد1
يقول: أتبعت طعنة بطعنة، أخفيت بها شباة السيف في القلب الذي هو موطن لكل من هذه الأمور الثلاثة, وذلك وصف خاص به، فصح أن تكون كناية, وإنما لم يكن هنا مجموع معان مختلفة؛ لأنها ثلاث كنايات، لا كناية واحدة لاستقلال كل واحد منها بإفادة المقصود.
والثاني: ما تكون الكناية فيه مجموع معان مختلفة، ضم بعضها إلى بعض، فتكون جملتها مختصة بالموصوف، فيتوصل بذكرها إليه, كما يقال في الكناية عن الأسد: روعنا حي، منتفش اللبدة، رهيب الزئير، وكما يقال في الكناية عن الغراب: راعنا مخلوق حديد البصر، شديد الحذر، خفي السفاد، فالكناية في كل من هذين المثالين مجموع هذه الأوصاف، وهو في الأول وصف خاص بالأسد، لا يوجد في سواه، وفي الثاني وصف خاص بالغراب, ومنه قوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُر} 2 فهو كناية يراد بها موصوف، هو "السفينة" لأن مجموع الأمرين, الألواح والدسر، مشدودا أحدهما إلى الآخر: وصف خاص بالسفينة.
__________
1 "النصل" حديدة السيف.
2 جمع دسار بكسر الدال وهو خيط من ليف تشد به ألواح السفن.
(5/158)

الثالثة: وهي المطلوب بها نسبة -إثباتا أو نفيا- ضابطها أن يصرح بالموصوف وبالصفة ولا يصرح بالنسبة بينهما، ولكن يذكر مكانها نسبة أخرى تستلزمها- مثالها- في الإثبات- قولهم: "المجد بين ثوبيه، والكرم ملء ردائه" كناية عن إثبات المجد والكرم له، فقد صرح في هاتين الكنايتين بالموصوف وهو مدلول الضمير وصرح بالصفة، وهي المجد أو الكرم، ولكن لم يصرح بنسبة المجد أو الكرم إليه، وإنما ذكر مكانها نسبة أخرى، هي نسبة المجد إلى ثوبيه، أو نسبة الكرم إلى ردائه إثباتا. وهي تستلزم نسبة المجد أو الكرم إلى الممدوح: من حيث وجود المجد بين ثوبيه المحيطين به. أو كون الكرم ملء ردائه الخاص به، مع استحالة قيام المجد أو الكرم بنفسه، ووجوب قيامه بمحل صالح له, ومنه قول زياد الأعجم:
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج1
كنى عن إثبات هذه الثلاثة للممدوح، بإثباتها لقبة ضربت عليه، فقد صرح بالموصوف وهو "ابن الحشرج" وصرح بالصفة وهي مجموع هذه الأمور المذكورة: من السماحة والمروءة والندى، ولكن لم يصرح بنسبتها إلى الممدوح، وإنما ذكر مكانها نسبة أخرى تستلزمها، هي نسبتها إلى قبة ضربت عليه؛ لأنه إذا أثبت الشيء في مكان الرجل وحيزه، فقد أثبت له، لما قلنا من استحالة قيام الوصف بنفسه، ووجوب قيامه بمحل صالح له, ومثال الكناية المذكورة في النفي قول الشنفرى الأزدى، يصف امرأة بالعفة والنزاهة:
يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت
كنى بالمصراع الأول عن نفي اللوم عنها, فقد صرح بالموصوف، وهو مدلول
__________
1 ابن الحشرج هو عبد الله بن الحشرج كان أميرا على نيسابور يدل على ذلك قوله: في قبة إذ يفهم منه أن الممدوح ممن تضرب لهم القباب وذلك عنوان السيادة.
(5/159)

الضمير في "بيتها" أي: المرأة، وصرح بالصفة، وهي اللوم المنفي في قوله: بمنجاة من اللوم، ولم يصرح بنسبة نفي اللوم عنها، ولكن ذكر مكانها نسبة أخرى، هي نفي اللوم عن بيت يحتويها. وهذا يستلزم نفي اللوم عنها، وعبر بلفظ "يبيت" دون "يظل" لمزيد اختصاص الليل بأفعال الفحش، وارتكاب المآثم. ومثله قولهم: "مثلك لا يبخل" كناية عن نفي البخل عن المخاطب على أبلغ وجه؛ لأنه إذا نفى البخل عمن هو على أخص صفاته، فقد نفى عنه بالطريق الأولى, وهو أبلغ من قولهم: "أنت لا تبخل" "لأنها دعوى غير مدللة -بخلاف الأول- ونظيره قولهم: "العرب لا تخفر الذمم" فهو أبلغ من قولك" أنت لا تخفر الذمم".
خاتمة:
أطبق علماء هذا الفن على المجاز أبلغ1 من الحقيقة وأن الكناية أبلغ من التصريح وأن الاستعارة أبلغ من التشبيه، والمجاز المرسل والكناية.
أما وجه الأبلغية في المجاز والكناية؛ فلأن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم2 فهو كدعوى الشيء ببينة3، ذلك أنك حين تقول متجوزا: "رأيت أسدا على المنبر" إنما تريد أن تقول: رأيت رجلا مقداما على المنبر، وهذه دعوى قام عليها دليلها، هو
__________
1 المراد بالأبلغية هنا: الأفضلية في الحسن والقبول.
2 أي: فلا يفهم المعنى المراد منهما من اللفظ نفسه بل بواسطة الانتقال من الملزوم إلى اللازم، فلا يفهم معنى "الشجاع" من ذات قولك: رأيت أسدا على فرس، بل بواسطة الانتقال من معنى الحيوان المفترس إلى لازمه، وهو الجرأة, كذلك لا يفهم معنى "طول القامة" من ذات قولك: فلان طويل النجاد، بل بواسطة الانتقال من طول النجاد إلى لازمة الذي هو طول القامة.
3 وجه كونها كالدعوى المشفوعة ببينة. أن تقرر الملزوم يستلزم تقرر اللازم لامتناع انفكاك الملزوم عن اللازم فصار تقرر الملزوم مشعرا باللازم.
(5/160)

إثبات معنى الأسدية له، إذ يلزم من كونه أسدا: أن يكون مقداما جريئا، للزوم الإقدام والجرأة للأسد, وأنك حين تقول مكنيا: "محمد طويل النجاد" إنما تريد أن تقول: محمد طويل القامة، وهي أيضا دعوى قام عليها دليلها هو اتصافه بطول النجاد، إذ يلزم من كونه طويل النجاد: أن تكون قامته طويلة, وكأنك قلت في الأولى: رأيت مقداما على المنبر لأنه أسد، وقلت في الثاني: محمد طويل القامة؛ لأنه طويل النجاد.
أما الحقيقة في نحو: "رأيت رجلا مقداما على المنبر" والتصريح في نحو: "محمد طويل القامة" فدعويان لم يقم عليهما دليل، وما كان مؤيدا بدليل أبلغ وآكد مما لم يدعم بدليل، يثبت أن المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة والتصريح.
ووجه أبلغية الاستعارة على التشبيه: هو أن الاستعارة نوع من المجاز، مبني على دعوى اتحاد المشبه والمشبه به، والتشبيه نوع من الحقيقة، وقد أثبتنا أن المجاز أبلغ من الحقيقة.
ووجه أبلغية الاستعارة على المجاز المرسل: ما فيها من دعوى الاتحاد لفظا ومعنى, أما لفظا فلإطلاق لفظ المشبه به على المشبه, وأما معنى فلإدخال المشبه في جنس المشبه به، واعتباره أحد أفراده, بخلاف المجاز المرسل نحو: "امطرت السماء نباتا" فإن فيه دعوى الاتحاد لفظا فقط: من حيث إطلاق اللفظ على المعنى, وأما الاتحاد في المعنى فغير موجود فيه. إذ ليس بين المعنيين "كالماء والنبات" في المثال المذكور تشابه ما، حتى يدعى اتحادهما.
ووجه أبلغية الاستعارة على الكناية من وجهين:
الأول: أن في الاستعارة جمعا بين كناية واستعارة: من حيث إن فيها انتقالا من الملزوم "كالأسد" إلى اللازم "كالشجاع", كما ينتقل في الكناية من "طول
(5/161)

النجاد" مثلا إلى "طول القامة"، ومن حيث إن فيها استعمال اللفظ. في غير المعنى الموضوع له لعلاقة المشابهة.
الثاني: أن الاستعارة مجاز قطعا, بخلاف الكناية ففي مجازيتها خلاف بين علماء البلاغة مبسوط في محله.
تنبيه:
ليس معنى الأبلغية في هذه الثلاثة: أنها تفيد زيادة في أصل المعنى، لا يفيدها غيرها, إنما المراد: أنها تفيد تأكيدا لإثبات المعنى، لا يوجد في سواها، فليست فضيلة قولنا: "رأيت قمرا" على قولنا: "رأيت وجها لا يقل عن القمر في إشراقه وبهائه": من حيث إن الأول أفاد زيادة في مساواة الوجه المقمر في إشراقه لم يفدها الثاني، إذ إن التركيبين في إفادة هذا المعنى سواء, إنما ميزة الأول على الثاني: من حيث إن الأول أفاد تأكيدا وتقديرا لإثبات معنى المساواة، دون الثاني, لما في التركيب الأول من دعوى الاتحاد، والتعبير عن المشبه بلفظ المشبه به, ودلالة دعوى الاتحاد على معنى المساواة -كما في التركيب الأول- أبلغ من التنصيص على المساواة, كما في التركيب الثاني.
كذلك: ليست فضيلة قولنا: "محمد طويل النجاد" على قولنا: محمد طويل القامة: من حيث إن التركيب الأول أفاد زيادة في معنى الطول لم يفدها الثاني، فإن التركيبين في ذلك سواء, إنما فضل الأول على الثاني من ناحية أن الأول أفاد تأكيدا وتقريرا لإثبات معنى الطول، دون الثاني، لما في التركيب الأول من الدعوى المستندة إلى الدليل كما بينا سابقا, ودلالة دعوى الشيء مؤيدة بدليل, كما في التركيب الأول: أبلغ من التنصيص عليه غفلا عن الدليل كما في التركيب الثاني, يدرك ذلك ذو الذوق السليم.
هذا. والاستعارة التمثيلية أبلغ أنواع الاستعارة؛ لأنها إنما تكون في الهيئات
(5/162)

المنتزعة من أمور متعددة، فهي كثيرة الاعتبارات والملاحظات، لا يوفق فيها إلا من أوتي حسن روية، وبعد نظر, ويليها في الأبلغية، الاستعارة المكنية لاشتمالها على المجاز العقلي في قرينتها, أما التصريحية ففي المرتبة الثالثة.
اختبار:
1- عرف الكناية لغة واصطلاحا، وبين ما احترز عنه في التعريف وهل هي من قبيل الحقيقة، أو من قبيل المجاز، بين ذلك بوضوح مع التمثيل.
2- بين مناط الفرق بينها وبين المجاز وكيف صحت الكناية في قولهم: المجد بين برديه، والكرم تحت ردائه، مع استحالة حصول المعنى الحقيقي.
3- اذكر أقسام الكناية باعتبار المكني عنه، وضابط كل منها، مع التمثيل لكل ما تذكر، ومع تقسيم الكناية المطلوب بها صفة, وتصريف كل قسم, والتمثيل له.
4- إلام تنوع الكناية المطلوب بها موصوف؟ مثل لكل نوع، ثم بين نوع الكناية في البيت الآتي:
ودبت له في موضع الحلم علة ... لها كالصلال الرقش شر دبيب1
تمرينات منوعة:
1- ائت من مأثور الكلام بكنايات ثلاث مختلفة الأغراض، مع بيان المعنى الكنائي في كل منها.
__________
1 "الصلال" جمع صل بكسر الصاد ضرب من الحيات لا نجاة من لدغه، و"الرقش" جمع رقشاء، وهي حية ذات نقط سود في بياض.
(5/163)

2- روي أن امرأة وقفت على قيس بن سعد، فقالت: أشكو إليك قلة الفأر في بيتي، فقال: ما أحسن ما روت عن حاجتها، املئوا بيتها خبزا، وسمنا.
ويروى: أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك، فقالت: يا أمير المؤمنين: مشت جرذان بيتي على العصى، فقال لها: ألطفت في السؤال، لا جرم. لأردنها تثب وثب الفهود, وملأ بيتها حبا.
بين ما في هذين الخبرين: من المعنى الكنائي، مع بيان نوع الكناية فيهما، وهل هما من نوع واحد أو مختلفان.
قال الشاعر:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
يريد أخذت دية: في هذا البيت مجاز وكناية، وضح كلا منهما وبين نوعه.
4- ضع يدك على موضع الكناية، وبين نوعها، واشرحه شرحا وافيا فيما يأتي:
1-
لا يرفع الضيف عينا في منازلنا ... إلا إلى ضاحك منا ومبتسم
2-
لا ينزل المجد إلا في منازلنا ... كالنوم ليس له مأوى سوى المقل1
3-
وإذا الكريم أضاع مطلب أنفه2 ... أو عرسه لكريهة لم يغضب
__________
1 "المقل" جمع مقلة، وهي حدقة العين.
2 "مطلب أنفه" يريد الفرج, ومعنى البيت أن الرجل الذي لا يغار على عرض أمه أو امرأته ولا يحمي حماه لا يغضب بعد ذلك من شيء؛ لأنهما محك الغيرة ومثارها.
(5/164)

4-
ولما شربناها ودب دبيبها ... إلى مواطن الأسرار قلت لها قفي1
5-
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير
6- فلان يفترش الثرى، ويتوسد الجنادل.
7- فلان ملء إهابه الكرم، وحشر ردائه الفضيلة.
__________
1 الضمير في شربناها للخمر.
(5/165)

الفهرس:
الموضوع الصفحة
مقدمة 3
علم البيان 5
مبحث التشبيه 7
منزلة التشبيه من علم البيان 8
تعريف التشبيه 12
أركان التشبيه 16
مباحث التشبيه 17
اختبار 25
تمرينات منوعة 26
مبحث وجه الشبه 30
اختبار وتمرين 34
التقسيم الثاني 36
التقسيم الثالث 37
اختبار 40
المركب الحسي 41
المتعدد الحسي 43
المتعدد العقلي 45
اختبار 52
(5/166)

الموضوع الصفحة
التقسيم الرابع 53
التقسيم الخامس 55
اختبار 59
التقسيم السادس
وأسباب وضوح وجه الشبه 60
معنى التفصيل في الوجه 63
أوجه التفصيل 64
التشبيه المشروط 68
اختبار 70
تمرينات منوعة 71
أدوات التشبيه 73
تقسيم التشبيه باعتبار الأداة 76
اختبار 78
تمرينات منوعة 79
تمرينات منوعة 81
مراتب التشبيه 82
اختبار 85
مبحث الحقيقة والمجاز 78
اختبار 92
تقسيم المجاز المفرد 93
المجاز المرسل 93
اختبار 101
الاستعارة 103
اختبار 108
(5/167)

الموضوع الصفحة
تقسيم الاستعارة 109
قرينة التبعية 125
اختبار 134
المجاز المركب 137
الاستعارة التمثيلية 137
المثل 139
المجاز المركب 139
الاستعارة المكنية 140
فصل في شرائط حسن الاستعارة 143
فصل في المجاز بالحذف 146
أسئلة وتطبيقات 147
مبحث الكناية 151
أقسام الكناية 153
اختبار 163
(5/168)