Advertisement

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري 002


ذكر الفراق والوداع والترحل عن الديار والبكاء على الظاعنين
... وأفتتح ذلك بما جاء عنهما من الابتداءات في هذه المعاني، وأبوبها أبواباً، لتصح الموازنة بينهما.

ما قالاه في البكاء على الظاعنين
... قال أبو تمام:
يا بعد غاية دمع العين إذ بعدوا ... هي الصبابة طول الدهر والكمد (1)
هذا أجود ابتداءاته في هذا المعنى، وأبلغها.
وأجود منه وأحلى قول البحتري:
قلب مشوق عناه البث والكمد ... ومقلة تبذل الدمع الذي تجد (2)
قوله: «تبذل الدمع الذي تجد» معنى ما لحسنه نهاية، ولفظ في غاية البراعة والحلاوة.
وقال أبو تمام:
هي فرقة من صاحب لك ماجد ... فغدا إذابة كل دمع جامد (3)
وهذا ابتداء جيد.
(2/5)

وقال البحتري:
رحلوا فأية عبرة لم تسكب ... أسفاً، وأي عزيمة لم تغلب (1)
هذا أيضاً ابتداء جيد حسن.
وقال أيضاً:
أكنت معنفي يوم الرحيل ... وقد لجت دموعي في الهمول (2)
وقال أيضاً: إن سير الخليط يوم استقلا ... كان عوناً للدمع حين تولى (3)
وقال أيضاً:
لم تبلغ الحق، ولم تنصف ... عين رأت بيناً فلم تذرف (4)
وهذه كلها ابتداءات جيدة، عذبة، شهية.
وقال أيضاً:
دع دموعي في ذلك الاشتياق ... تتناجى بذكر يوم الفراق (5)
وهذا بيت رديء، قد عابه «ابن المعتز» وقال: ما أقبح قوله: «في ذلك الاشتياق»، وهي -لعمري- قبيحة، ولا أعرف له مثلها.
(2/6)

ما لأبي تمام في البكاء على النساء المفارقات
... قال أبو تمام:
سرت تستجير الدمع خوف نوى غد ... وعاد قتادًا كل مرقد (1)
قوله: «سرت» يريد أنها سهرت فكأنها قطعت الليل بالسهر، مستجيرة بالدمع، تبكي ليلها أجمع، ولم يرد أنها سارت ليلاً، فجعل سهرها سرى، وفسر ذلك بقوله: «وعاد قتاداً عندها كل مرقد».
وهذا ابتداء ليس من جيد الابتداءات، ولا من رديئها.
وقال أيضاً:
بدلت عبرة من الإيماض ... يوم شدوا الرحال بالأغراض (2)
«الإيماض» أراد تبسمها وبريق (3) ثغرها، جعله مثل وميض البرق.
يريد أنها بدلت من الضحك البكاء لما استعدوا للرحيل.
وهذا بتداء جيد.
وقد عابه «ابن عمار» وغيره لقوله: «الأغراض»، ولحنوه، وقالوا: الأغراض جمع غرض، وفعل لا يجمع على أفعال.
أفما (4) سمعوا بقولهم: فرخ وأفراخ، وفرد وأفراد، وشكل وأشكال، وجفن وأجفان، وعصر وأعصار، وزند وأزناد؟!.
(2/7)

وقول الأعشى:
* وزندك أثقب أزنادها (1) *
وقولهم أيضًا: شرط وأشراط، وقول الله تعالى: «فقد جاء أشراطها» (2) فقد نطقت العرب بهذا الجمع بعينه، قال الراجز في وصف الإبل:
حتى إذا ما قلقت أغراضها ... ونصحت بمائها أعراضها
وقال غيلان بن حريث الربعي:
بكل سام في الزمام نهاض ... خيسة بالذل روض الرواض (3)
في قلص تمطو سفيف: نسيج، والأغراض: جمع غرض، وهو للبعير مثل الحزام للفرس.
وأنشدنا الأخفش لرجل من طيء:
إذا العيس أضحت بالفلاة كأنها ... وقد قلقت أغراضهن جفون
ومثله في الشعر -إذا تتبعته- كثير.
... وقال أبو تمام:
بسطت إليك بنانة أسروعا ... تصف الفراق، ومقلة ينبوعا (5)
وهذا ابتداء ليس بالجيد، ولا بالرديء.
والأسروع: دويبة ناعمة تكون في الرمل تشبه بها أصابع النساء.
(2/8)

وقال أيضاً:
نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض ثقل المغرم (1)
وقال أيضاً:
أظن دموعها سنن الفريد ... وهي سلكاه من نحر وجيد (2)
وهذان ابتداءان جيدان.
... وقال:
ذريني منك سافحة المآقي ... ومن سرعان عبرتك المراق (3)
وهذا قول فيه جفاء.
ووجدت الناس يستحسنون قوله:
خذي عبرات عينك عن زماعي ... وصوني ما أزلت من القناع (4)
زماعه: إزماعه الرحيل، يقال: أزمع يزمع.
وقوله: «وصوني ما أزلت من القناع» لأنها برزت عند الفراق جزعاً، وكشفت القناع.
(2/9)

ومن ابتداآتهما من باب الفراف في معانٍ شتى
... 1 - قال أبو تمام:
سعدت غربة النوى بسعاد ... فهي طوع الإتهام والإنجاد (1)
2 - وقال أيضاً:
ألا صنع البين الذي هو صانع ... فإن تك مجزاعاً فما البين جازع (2)
وهذا ابتداء صالح.
وقال أيضاً:
أصغى إلى البين مغتراً فلا جرما ... أن النوى أسأرت في عقله لمما (3)
قوله: أصغى إلى البين، أي سمع (4) ما أخبروه به من ذكر الفرقة فغير ذلك من عقله، ويريد باللمم: الجنون.
وقد أوضح هذا المعنى في البيت التالي، وهو قوله:
أصمني سرهم أيام فرقتهم ... هل كنت تعرف سراً يورث الصمما
أي صرت لا أفهم شيئاً بعد ذلك السر الذي دلهني، وأطار (5) عقلي، فكأني أصم عن كل قيل.
(2/10)

وهذا المعنى ليس من اختراعاته، وقد ذكرته في سرقاته، وما جاء في معناه لغير واحد من الشعراء.
وقال:
أهلوك أضحوا راحلاً ومقوضا ... ومزمماً يصف النوى ومغرضا (1)
المقوض: الذي يقوض البيوت، ويقتلعها للرحيل (2)، ومزمماً يصف النوى: الذي يزمم الإبل والأزمة، [والمغرض] (3) يشدها بالغرض.
وهو كالحزام للفرس.
وهذا ابتداء صالح.
وقال أيضاً:
تحمل عنه الصبر يوم تحملوا ... وعادت صباه في الصبا وهي شمأل (4)
قال ذلك لأن الصبا: ريح تحبها العرب محبتها للجنوب؛ لأنها ريح لينة عذبة، وقد تجلب المطر في بعض أقطار الأرض كما تجلبه الجنوب، قال امرؤ القيس:
راح تمريه الصبا ثم انتحى ... منه شؤبوب جنوب منفجره (5)
فأراد أن صباه -أي ريحه في الصبا التي كانت تولف له ما يهواه ويحبه مع من يحبه- عادت شمالاً؛ لأن الشمال في أكثر نواحي الأرض لا تولف السحاب؛ بل تمحقه وتشينه، كما قال:
(2/11)

لعمري لئن ريح المودة أصبحت ... شمالاً لقدماً كنت وهي جنوب
وقال أبو تمام:
تصدت وحبل البين مستحصد شزر ... وقد سهل التوديع ما وعر الهجر (1)
تصدت: أي بدت، وظهرت، ومستحصد: شديد الفتل، والشزر (2): الفتل إلى فوق، واليسر: الفتل إلى أسفل.
وقوله: «وقد سهل التوديع ما وعر الهجر» يريد أنها كانت هاجرة فبرزت عند التوديع.
وقال أيضاً:
مالي بعادية الأيام من قبل ... لم يثن كيد النوى كيدي ولا حيلي (3)
وهذا من جيد ابتداآت هذا الباب.
... وقال البحتري:
راجع القلب بثه وخباله ... لخليط زمت لبين جماله (4)
وقال أيضاً:
له الويل من ليل بطاء أواخره ... ووشك نوى حي تزم أباعره (5)
وقال أيضاً:
شط من ساكن الغوير مزاره ... وطوته البلاد فالله جاره (6)
(2/12)

وقال أيضاً:
إذا عرضت أحداج سلمى فنادها ... سقتك روايا المزن صوب عهادها (1)
وقال أيضاً:
تظن شجوني لم تعتلج ... وقد خلج البين من قد خلج (2)
وقال أيضاً:
بمثل لقائها شفي الغليل ... غداة تزايلت تلك الحمول (3)
وقال:
فؤاد بذكر الظاعنين موكل ... ومنزل حي فيه للشوق منزل (4)
وقال أيضاً:
لما وصلت أسماء من حبلنا شكر ... وإن حم بالبين الذي لم نرد قدر (5)
وقال أيضاً:
على الحي سرنا عنهم وأقاموا ... سلام، وهل يدني البعيد سلام؟ (6)
وقال أيضاً:
لأوشك شعب الحي أن يتفرقا ... فيدني الجوى، أو يرجع الحب أو لقا (7)
(2/13)

أي يصير الحب جنوناً، وهذا كقول أبي تمام:
* أسارت في عقله لمما (1) *
وقال: عاد للصب شجوه واكتئابه ... ببعاد الذي يراد اقترابه (2)
وقال أيضاً:
أصدود غلا بها أم دلال ... يوم زمت برامة الأجمال (3)
وهذه كلها ابتداآات جياد، حسان، مختارة المعاني.
وقال أبو تمام:
يوم الفراق لقد خلقت طويلا ... لم تبق لي جلداً، ولا معقولا (4)
فجعل يوم الفراق طويلاً.
... وقال البحتري كأنه يرد هذا المعنى (5) على أبي تمام، وينسب يوم الفراق غلى القصر، وذكر العلة في ذلك فقال:
ولقد تأملت الفراق فلم أجد ... يوم الفراق على امريء بطويل (6)
قصرت مسافته على متزود ... منه لدهر صبابة وعويل
وهذه إنما هي حال من كان محبوبه محجوباً منه، ورؤيته متعذرة عليه قبل يوم الفراق.
(2/14)

وقد بين هذا المعنى بقوله:
إن للبين منة لن تؤدي ... ويداً في تماضر بيضاء (1)
حجبوها حتى بدت لفراق ... كان داء لعاشق ودواء
أضحك البين يوم ذاك وأبكى ... كل ذي صبوة، وسر وساء
فجعلنا الوداع فيه سلامًا ... وجعلنا الفراق فيه لقاء (2)
وهذا مذهب صحيح، ومعنى واضح.
وقال البحتري أيضاً:
ويوم تلاق في فراق شهدته ... بعين إذا نهنهتها دمعت دما (3)
فكيف يكون يوم تلاق طويل؟
وقال في نحوه أيضاً:
إن الفراق جلا لنا عن غادة ... بيضاء تجلو عن شتيت أشنب (4)
ألوت بموعدها القديم وأيأست ... منه بلي بنانه لم تخضب (5)
وقال أيضاً فيما يؤكد هذا المعنى، ويزيده صحة:
من وراء العيون كثبان رمل ... تنثني أفنانهن فنونا (6)
وبود القلوب يوم استقلت ... ظعن الحي أن تكون عيونا (7)
(2/15)

وقد قال بعض الأعراب، أنشدناه الأخفش عن المبرد:
جزى الله يوم البين خيراً؛ فإنه ... أرانا -على علاتها- أم ثابت
تباهي بها الأرض السماء إذا مشت ... عليها وتحي غشية المتماوت (1)
وقال بعض الظرفاء:
من يكن يكره الفراق فإني ... أشتيهه لموضع التسليم (2)
إن في اعتناقة لوداع ... وانتظار اعتناقة لقدوم
وقال البحتري:
ما كفى موقف التفرق حتى ... عاد بالبث موقف الإجتماع (3)
أعناق اللقاء أثلم في الأح ... شاء والقلب، أم عناق الوداع؟
وقال أيضاً:
لم يكن يومنا طويلاً بنعما ... ن ولكن كان البكاء طويلاً (4)
وإنما ذهب أبو تمام في معنى طول يوم الفراق إلى ما يعهده الناس، ويتعارفونه من أن وقت البؤس، وزمان المحنة أبداً طويل، ولعله ما كان مهجوراً قبل يوم الفراق، ولا كانت حاله التي وصفها البحتري.
وعلى أن البحتري قد ذهب إلى مثل ما ذهب إليه أبو تمام فقال:
يا ابنة العامري عما قليل ... يأذن الحي فاعلمي بالرحيل
قد سمعت الغراب يذكر بيناً ... وانصراماً لحبلك الموصول (5)
(2/16)

كيف لي بالسلو لا كيف والبي ... ن نازل بخطب جليل
إن يوم النوى ليوم طويل ... ليس يفنى، ويوم حزن طويل
وإنما قال البحتري هذا لأن من يهواه كان مواصلاً له، وذلك قوله: «وانصراماً لحبلك الموصول».
ولم يقتع بأن قال: «إن يوم النوى ليوم طويل» حتى قال: «ليس يفنى، ويوم حزن طويل».
فلعل أبا تمام كانت هذه حاله أيضاً في مواصلة من فارق، واستطال يوم الفراق لذلك.
... ومن رديء ابتداآت أبي تمام في هذا الباب قوله:
هن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزماً فقدماً أدرك النأي طالبه (1)
وإنما جعله رديئاً قوله: «هن» فابتدأ بالكناية عن النساء، ولم يجر لهن ذكر بعد.
ثم قال: «عوادي يوسف»، ومعناها صوارف، يقال: عداني عنك (2) كذا: أي صرفني، أراد: هن صوارف يوسف، وصواحبه، وصوارف ههنا لفظة ليست قائمة بنفسها؛ لأنه يحتاج أن يعلم صوارفه عن ماذا، واللفظة (3) القائمة بنفسها أن لو قال: «واتن يوسف»، أو «شواغق يوسف»، أو نحو ذلك، وكأنه أراد صوارف يوسف عن تقاه، أو عن هداه، أو عن
(2/17)

صحيح عزمه حتى هم بالمعصية، وإنما يتم معنى الكلمة بمثل هذه الألفاظ ألو وصلها بها.
ثم ألحق بيوسف التنوين، فجاء بثلاثة ألفاظ متوالية كلها رديئة في موضعها.
وتمم البيت بعجز لا يليق بصدره، وهو أردأ معنى من الصدر، وذلك قوله: «فعزماً فقدماً أدرك النأي طالبه».
فتصير جملة معنى البيت: هن صوارف يوسف فاعزم؛ فقديماً أدرك البعد طالبه.
وهذا كلام لا يلائم بعضه بعضاً، ولا يتشابه، وإنما كانت ألفاظه ومعانيه تتشابه لو قال:
هن عوادي يوسف وصواحبه ... فلا يعدونك مطلب أنت طالبه
أو «فلا يعدونك العزم فيما تطالبه»، أي لا يتجاوزك.
أو «فلا تعدلن عن مطلب أنت طالبه»، أي هن صوارف يوسف عن عزمه، فلا تنصرف أنت عن عزمك ومطلبك لعذلهن، ومن أجلهن.
وقد عاب أبا تمام بهذا البيت أبو سعيد الضرير (1) وأبو العميثل الأعرابي (2)، وكانا على خزانة الأدب لعبد الله بن طاهر بخراسان وكان الشاعر إذا قصده، عرض عليهما شعره، فإن كان جيداً عرضاه عليه، أو دعي به فأنشده، وإن كان رديئاً نبذاه، ودفع إلى صاحبه البر على غير
(2/18)

الشعر، فلما قدم أبو تمام على عبد الله قصدهما، ودفع القصيدة إليهما فضماها إلى أشعار الناس، فلما تصفحا الأشعار مرت هذه القصيدة على أيديهما، فلما وقفا على الابتداء طرحاها مع الشعر المنبوذ.
فأبطأ خبرها على أبي تمام فكتب إلى أبي العميثل أبياتًا يعاتبه فيها ويقول:
وأرى الصحيفة قد علتها فترة ... فترت لها الأرواح في الأجسام (1)
ثم لقيهما فقالا له: لم لا تقول ما يفهم؟ فقال: ولم لا تفهمان ما يقال؟
فاستحسن هذا الجواب من أبي تمام.
والرجلان ما عابا إلا معيباً، وما أنكرا إلا منكراً، وكانا من أعلم الناس بالشعر وبكلام العرب.
... مضت ابتداآتهما بذكر الفراق فلنذكر الآن ما جاء عنهما من ذلك وسط الكلام.
(2/19)

البكاء على الظاعنين
قال أبو تمام:
فارقتنا وللمدامع أنوا ... ء سوار على الخدود غواد (1)
كل يوم يسفحن دمعاً طريفاً ... يمتري مزنه شوق تلاد
واقعاً بالخدود والبرد منه ... واقع بالقلوب والأكباد (2)
وهذا في البكاء مذهب حسن جداً، في أجود لفظ واضح سيال.
وقال أيضاً فأحسن كل الإحسان:
رد الجموح الصعب أيسر مطلباً ... من رد دمع قد أصاب مسيلا (3)
وقال البحتري في ضد هذا المعنى:
وقفنا والعيون مشغلات ... يغالب دمعها نظر كليل (4)
نهته رقبة الواشين حتى ... تعلق لا يغيض ولا يسيل
والناس لبيت البحتري، ونحو مذهبه فيه أشد استحساناً؛ لكثرة ما يشاهده مثله.
(2/20)

وقال أبو تمام:
لعمري لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشايع من برد (1)
وأنجدتم من بعد اتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد
قوله: «كما محت وشائع من برد» غلط؛ لأن الوشائع هي: الغزل الملفوف من اللحمة التي تداخل في السدى، فإذا نسج الثوب فليس فيه شيءيسمى «وشيعة» ولا «وشائع».
وقد ذكرت هذا في باب أغاليطه المجموعة (2).
وقد عاب عليه أيضاً قوم قوله: «فيا دمع أنجدني على ساكني نجد» وقالوا: الإنجاد إنما يكون على المحارب، فأي محاربة أو مجاهدة تكون أعظم من مجاهدة المغرم من يهواه، ولا سيما إن كان منوعاً ولم يكن مواتياً؟
وقد أفصح البحتري بأن المحبوب محارب فقال:
هل كنت لولا بينهم متوهماً ... أن امرأً يشجيه بين محارب (3)
فقول أبي تمام: «أنجدني على ساكني نجد» من أحسن كلام، وأحلاه، وأجوده.
... وقال أبو تمام:
وقالوا: أسى عنها، وقد خصم الأسى ... جوانح مشتاق إذا خوصمت لد (4)
(2/21)

وعين إذا نهنهتها عادت الكرى ... ودمع إذا استنجدت أسرابه نجد (1)
وما خلف أجفاني شئون بخيلة ... ولا بين أضلاعي لها حجر صلد (2)
وكم تحت أرواق الصبابة من فتى ... من القوم حر دمعه للهوى عبد
قوله: أسى عنها، أي تأسى عنها، وقد خصم الأسى جوانح مشتاق: أي غلبت التأسي وأبت عليه.
وعين إذا نهنهتها، أي كففتها عن النوم.
وقوله: «تحت أوراق الصبابة» فأرواق إنما هو: جمع روق [وروق] كل شيء: أوله، ولذلك قيل للقرن: روق، ويقال: ألقى عليه أرواقه: أي ثقله، وواحدتها روق، ويقال: ألقت السحابة أرواقها: إذا دامت ولم تقلع.
... وقال أبو تمام أيضاً:
دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة ... فلباه طل الدمع يجري ووابله (3)
بيوم تريك الموت في في صورة النوى ... أواخره من حسرة وأوائله
أراد أن الشوق دعا ناصراً ينصره فلباه الدمع، بمعنى أنه يخف لاعج الشوق، ويطفي حرارته (4)، وهذا إنما هو نصرة للمشتاق على الشوق، والدمع إنما هو حرب للشوق؛ لأنه يثلمه ويتخونه، ويكسر حده، ولو كان ناصراً
(2/22)

له كان يقويه، ويزيد فيه، ألا ترى أنك تقول: قد ذبحني الشوق إليك.
فالشوق عدو المشتاق وحربه، والدمع سلمه؛ لتخفيفه عنه، وهو حرب للشوق، وليس بهذا الخطأ خفاء على أحد، وقد ذكرته في أغاليطه (1).
وأحسن منه قول البحتري:
إن الدموع هي الصبابة فاطرح ... بعض الصبابة تسترح بهمولها (2)
لأن الصبابة -وهي رقة الشوق- تنحل مع الدمع، وتمضي بمضيه، فلذلك جعل الدموع هي الصبابة على السعة، وإنما هي عدو الصبابة كالنار التي هي عدو لما تحرقه، وهي مع ذلك تنفد بنفاده، وتمضي بمضيه، وكالريح إذا بددت الغيم ومحقته، فإنها تذهب بذهابه، وقد قال الشاعر:
أشجاك من ليلتك الطول ... فالدمع من عينيك مهمول؟
وهو إذا أنت تأملته ... حزن على الخدين محلول (3)
لما كان الحزن ينحل ويسيل بسيلان الدمع، جعله حزناً، ولو جعله ناصراً للحزن، أو جعل البحتري الدموع ناصرة للصبابة لكانا جميعاً مخطئين؛ لأن الناصر للشيء لا يمحق الشيء، ولا يفنيه ويذهب به.
ولكن البحتري اتبع أبا تمام في خطته بقوله:
نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع ... تلاحقن في أعقاب وصل تصرما (4)
(2/23)

وقال أبو تمام:
تولوا فولت لوعتي تحشد الأسى ... علي، وجاءت مقلتي وهي تهمل (1)
بذلت لهم مكنون دمعي فإن ونى ... فشوقي على أن لا يجف موكل
وهذا جيد بالغ.
وأجود منه وأحسن قوله:
فكاد شوقي يتلو الدمع منسجماً ... إن كان في الأرض شوق فاض فانسجما (2)
ولم يذهب ههنا إلى نحو ما ذهب إليه البحتري في قوله:
إن الدموع هي الصبابة فاطرح ... بعذ الصبابة تسترح بهمولها (3)
وإنما ذهب إلى أنه بكى لشدة شوقه وغلبته حتى كاد شوقه يفيض بفيض الدمع.
وقال في علي بن الجهم (4):
هي فرقة من صاحب لك ماجد ... فغدا إذابة كل دمع جامد (5)
فافزع إلى ذخر الشئون وعذبه ... فالدمع يذهب بعض جهد الجاهد
وإذا فقدت أخاً فلم تفقد له ... دمعاً ولا صبراً فلست بفاقد
قوله: «يذهب بعض جهد الجاهد» أي بعض جهد الحزن الجاهد، أي جهد الحزن الذي قد جهدك، وهو الجاهد لك.
ولو كان استقام له أن يقول: بعض جهد المجهود لكان أحسن وأليق.
وهذا أغرب وأطرف، وقد جاء أيضاً فاعل بمعنى مفعول: قالوا عيشة راضية
(2/24)

بمعنى مرضية، ولمح باصر، إنما هو مبصر فيه، وأشباه لهذا معروفة، ولكن ليس في كل شيء يقال، وإنما ينبغي أن ننتهي في اللغة إلى حيث انتهوا، ولا نتعداه إلى غيره، فإن اللغة لا يقاس عليها.
وقوله: «فلم يفقد له دمعاً ولا صبراً» من أفحش الخطأ؛ لأن الصابر لا يكون باكياً، والباكي لا يكون صابراً، فقد نسق (1) لفظة على لفظة وهما نعتان متضادان، ولا يجوز أن يكونا مجتمعين، وقد ذكرت هذا مشروحاً في أغاليطه (2).
... وقال البحتري: قد أرتك الدموع يوم تولت ... ظعن الحي ما وراء الدموع (3)
عبرات ملء الجفون مرتها ... حرق للفراق ملء الضلوع
وهذا غاية في جودته وبراعته.
وقال أيضاً:
أضحك البين يوم ذاك وأبكى ... كل ذي صبوة، وسر، وساء (4)
فجعلنا الوداع فيه سلامًا ... وجعلنا الفراق فيه لقاء
ووشت بي إلى الوشاة دموع ال ... عين حتى حبستها أعداء
وهذا من إحسان أبي عبادة المشهور.
(2/25)

وقال أيضاً:
هين ما يقول فيك اللاحي ... بعد إطفاء غلتي والتياحي (1)
كنت أشكو شكوى المعرض فالآ ... ن ألاقي النوى بدمع صراح (2)
وهذا أيضاً غاية في حسنه وجودته.
وقال أبو تمام:
صيرت لي من تباري عبرتي سكناً ... مذ صرت فرداً بلا إلف ولا سكن (3)
حلبت صرف النوى صرف الأسى وحدا ... بالبث في دولة الإغرام والددن (4)
فما وجدت على الأحشاء أبرد من ... دمع على وطنٍ لي في سوى وطني (5)
من ذا يعظم مقدار السرور بمن ... يهوى إذا لم يعظم موقع الحزن (6)
قوله: حدا بالبث: أي ساقه، وأظهره، وأشاعه في دولة الإغرام والددن، والإغرام: جمع غرم مثل: برج وأبراج، وخرج وأخراج، والغرم والغرام بمعنى واحد، والددن: اللعب.
يقول: ساق صرف النوى البث -وهو أشد الحزن- وأظهره في دولة غرامي ولعبي، يقول: إنه قاسى الأسفار والهموم في أيام شبابه ولعبه، ولله در الذي يقول، وأنشدناه الأخفش، وأنشده الموصلي أيضاً:
(2/26)

ولما أراد الحي بيناً ولم يكن ... درى أحد من بين ظمياء فاجع
أبى الدمع أعيان الصحاح وبينت ... مكان ذوي الشجو العيون الدوامع (1)
وأنشد إسحق أيضاً، وأنشده الأخفش عن المبرد:
ولما رأت أن لا سبيل وأنه ... هو البين محنو عليه الأضالع (2)
تهتك عن أستار قلب وأسبلت ... مدامع عين بينها السر ضائع (3)
وأنشد أيضاً:
تكفكف دمعها كف خضيب ... لتخفيه، وهل يخفى المريب؟
وهذا أيضاً حسن.
(2/27)

بكاء النساء المفارقات
قال أبو تمام:
بدلت عبرة من الإيماض ... يوم شدوا الرحال بالأغراض (1)
أعرضت برهة فلما أحست ... بالنوى أعرضت عن الإعراض
غصبتها نحيبها عزمات ... غصبتني تبيتي واغتماضي (2)
نظرت فالتفت منها إلى أح ... لى سواد رأيته في بياض
يوم ولت مريضة اللحظ والجف ... ن وليست دموعها بمراض
قوله: «أعرضت عن الإعراض» ليس باللفظ الجيد، وهو من توليدات المتأخرين، ومثله قول البحتري:
شغل الرقيب وأسعدتنا خلوة ... في هجر هجر واجتناب تجنب (3)
قوله: «غصبتها نحيبها» يريد أن عزماتي استخرجت نحيبها وأظهرته، وقد كانت تخرنه، فكأنها اغتصبتها إياه لما أظهرته.
وقوله: «غصبتني تبيتي» أي تلبثي، أي منعتني عزماتي من التلوم والتلبث، ومن النوم، فكأنها غصبتني ذلك، أي أخذته مني، وأزعجتني للرحلة.
وقال:
بسطت إليك بنانة أسروعا ... تصف الفراق، ومقلة ينبوعا (4)
(2/28)

كادت لعرفان النوى ألفاظها ... من رقة الشكوى تكون دموعا
وهذا معنى حسن لطيف حلو.
والأسروع: واحد الأساريع، وهي دويبة بيضاء تكون في الرمل، تشبه بها الأصابع، وذلك قول امريء القيس:
وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع رمل، أو مساويك إسحل (1)
... وقال أبو تمام أيضاً:
بكته بما أبكته أيام صدرها ... خلي، وما يخلو له من جوى صدر (2)
وقالت أتنسى البدر؟ قلت تجلداً ... إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر
فأذرت جماناً من دموع نظامها ... على النحر إلا أن صائغها الشفر (3)
وما الدمع ثان عزمتي ولو أنها ... سقى خدها من كل عين لها نهر
قوله: «إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر» لم يرد بذلك امرأة أخرى سواها، وإنما جعل هذا القول احتجاجاً عليها، ورداً لكلامها، وليريها أن عزمه في السف صحيح، وأن كلامه لا يثنيه عن وجهه الذي يريده.
وقد بين هذا المعنى وأفصح بقوله: «تجلداً».
وهذه الأبيات صالحة، والمذهب فيها غير مستحلى، ولا مشتهى، وفيها
(2/29)

معنى غامض في الاحتجاج عليها يجوز أن يكون أراده، وقد ذكرته في «جزء» أفردته لغامض معاني أبي تمام.
وقوله: «فأذرت جماناً» فالجمان هو: اللؤلؤ الصغار.
وقوله: «إلا أن صائغها الشفر» فالجمان لا يصاغ، ولكن قد يعمل على هيئته خرز من فضة، وقد سماه هدبة بن خشرم جماناً فقال:
عليهن من صوغ المدينة حلية ... جمان كأجواز الدبا ورفارف (1)
... وقال أيضاً:
أظن دموعها سنن الفريد ... وهي سلكاه من نحر وجيد (2)
لها من لوعة البين التدام ... يعيد بنفسجاً ورد الخدود
والتدام النساء في النياحة إنما هو: ضرب الصدور، واللطم هو: ضرب الخدود، هذا المستعمل المعروف في كلامهم، فاللطم هو الذي يعيد بنفسجاً ورد الخدود لا التدام؛ لأن الالتدام: أن تأخذ المرأة جلداً أو نعلاً فتدق صدرها، وتأخذ النائحة التي هي المساعدة خرقاً (3) تشير بها في النوح إلى صدرها، ويقال لها: المآلي، واحدتها مئلاة (4). فجعل أبو تمام لطم الوجه لدماً، ولعل ذلك يسوغ؛ فإن اللدم هو: دق الشيء على الشيء.
قال تميم بن أبي بن مقبل:
(2/30)

وللفؤاد وجيب تحت أبهره ... لدم الغلام وراء الغيب بالحجر (1)
... وقال أبو تمام:
نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض ثقل المغرم (2)
وصلت دموعاً بالدماء فخذها ... في مثل حاشية الرداء المعلم (3)
ولهت فأظلم كل شيء دونها ... وأضاء منها كل شيء مظلم (4)
وكأن عبرتها عشية ودعت ... مهراقة من ماء وجهي أو دمي
ولهت من الوله، فأظلم كل شيء دونها: أي أظلمت الأشياء في عينيها من شدة الحزن والوله، وأضاء منها كل شيء مظلم: لنور وجهها وبهجتها.
... قال أيضاً:
سرت تستجير الدمع خوف نوى غد ... وعاد قتاداً عندها كل مرقد (5)
وأنقذها من غمرة الموت أنه ... صدود فراق لا صدود تعمد (6)
فأذرى لها الإشفاق دمعاً مورداً ... من الدم يجري فوق خد مورد (7)
هي البدر يغنيها تودد وجهها ... إلى كل من لاقت وإن لم تودد (8)
(2/31)

وهذا من إحسانه المشهور.
وقوله: «دمعاً مورداً من الدم» لفظ حسن، ومعنى ليست له براعة.
والجيد في مثل هذا قول البحتري:
لو ترانا عند الوداع وقد ... ورد سكب الدموع ورد الخدود (1)
يريد أن الدموع إذا مرت على الخدود [وردتها]، وهذا معنى صحيح مشاهد.
وأبو تمام لا يقنع إلا بأن يجعل المرأة باكية عليه دماً! على عادته في الاستقصاء الذي لا حلاوة له، فهلا اقتصر على مثل قول علقمة بن عبدة وأنشده إسحاق الموصلي، وأنشده ثعلب:
تراءت وأستار من البيت دونها ... إلينا وحانت غفلة المتفقد (2)
بعيني مهاة يحدر الشوق منهما ... شريجين شتى: من دموع وإثمد (3)
قال ثعلب: فسرقه «ابن ميادة» فقال:
وما أنس م الأشياء لا أنس قولها ... وأدمعها يحدرن حشو المكاحل (4)
تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيام الشهور الأطاول
قال: فسرقه بعض المحدثين فقال:
خذي عدة للبين إني راحل ... قرى أمل يجديك والله صانع
فسحت بسمطي لؤلؤ خلط إثمد ... على الخد إلا ما تكف الأصابع
... وقال أبو تمام:
خذي عبرات عينك عن زماعي ... وصوني ما أزلت من القناع (5)
(2/32)

أقلي قد أضاق بكاك ذرعي ... وما ضاقت بنازلة ذراعي (1)
أآلفة النحيب كم افتراق ... أظل فكان داعية اجتماع (2)
وليست فرحة الأوبات إلا ... لموقوف على ترح الوداع (3)
تعجب أن رأت جسماً نحيفاً ... كأن المجد يدرك بالصراع (4)
وهذه كلها أبيات جياد صحيحة الألفاظ والمعاني، وقد عابه ابن عمار وغيره بهذا البيت الأخير.
وحدثني أبو علي محمد بن العلاء السجستاني قال: حدثني أبو [محمد] عبد الله بن قتيبة المؤلف، قال: سمعت علي بن هارون الكاتب النصراني يقول: قلت لأبي تمام:
أنشدني أجود شعر قلته، فأنشدني قصيدته: «خذي عبرات عينك» فلما بلغ إلى قوله: «توجع أن رأت» قلت: يخيل إلي أن هذا غلط منك؛ لأن الصراع ليس من النحافة والجسامة في شيء، ولو قلت: كأن المجد يدرك بحرف في معنى الجسامة كنت قد أصبت.
و «علي بن هارون» هذا، وكل من عاب هذا البيت عندي غالط ولم كان الصراع عنده ليس من النحافة والجسامة في شيء، وهل تجد القوة أبداً إلا في العبالة وغلظ الأرواح؟، وهل الضعف أبداً إلا في الدقة والنحافة؟، وهذا هو الأعم الأكثر، وإلا لم صار الفيل يحمل ما لا يحمل الجمل، والجمل يحمل ما لا يحمل البغل، والبغل يحمل ما لا يحمل الحمار.
(2/33)

فأراد أبو تمام أن المجد لا يدرك بالصراع الذي من كان فيه أغلظ وأعبل كان أولى بالغلبة، فهذا هو الأعم الأكثر في هذا الباب.
ولست أنكر أن تكون القوة قد توجد مع الدقة والنحافة كما قال بعضهم:
* إنا على دقتنا صلاب *
فأراد أبو تمام أن المجد لا يدرك بالصراع الذي من كان فيه أغلظ وأعبل، كان أولى بالغلبة، فهذا هو الأعم الأكثر في هذا الباب.
ولست أنكر أن تكون القوة قد توجد مع الدقة والنحافة كما قال بعضهم:
* إنا على دقتنا صلاب *
وأن يكون الخور والرخاوة قد يوجدان مع الغلظ والعبالة في بعض الأشياء، فأما الشجاعة والجرأة فقد توجدان في النحيف الجسم الضعيف، وفي العبل الغليظ.
وهذا إنما يرجع إلى القلب لا إلى الجسم؛ ولعل عامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب وبسطام بن قيس ماكان يقدر كل واحد منهم أن يحمل على كتفه مائة رجل.
فجعل أبو تمام معناه على الوجه الأعم الأكثر، وقد أحسن عندي فيه، ولم يسيء.
... وقال البحتري:
رحلوا فأية عبرة لم تسكب ... أسفاً، وأي عزيمة لم تغلب (1)
قد بين البين المفرق بيننا ... عشق النوى لربيب ذاك الربرب
صدق الغراب لقد رأيت شموسهم ... بالأمس تغرب عن جوانب غرب
لو كنت شاهدنا وما صنع النوى ... بقلوبنا لحسدت من لم يحبب (2)
شغل الرقيب، وأسعدتنا خلوة ... في هجر هجر، واجتناب تجنب
(2/34)

فتلجلجت عبراتها، ثم انبرت ... تصف النوى بلسان دمع معرب (1)
تشكو الفراق إلى قتيل صبابة ... شرق المدامع بالفراق معذب (2)
قوله: «قد بين البين المفرق بيننا»، فالبين: الفراق، يريد قد بين الفراق المفرق بيننا.
وبعض أهل اللغة يقول: «البين» من الأضداد (3) يكون الاتصال، ويكون الافتراق، وليس الأمر كذلك، بل البين: الحد والقطع بين الشيئين، والذي يتميز به (4) الحيزان أحدهما عن الآخر، يقال: وصلت بينهما، وفرقت بينهما، وبعدت (5) بينهما، فيصلح ذلك كله فيه، لأنه الحد، والبرزخ، لا أنه الاتصال، ولا الافتراق، إلا أن الشعراء جعلوه في استعمالهم: الفراق.
فقوله: «قد بين البين»، يريد قد بين الفراق المفرق بيننا.
والنوى: هي النية في انتقال القوم من موضع إلى آخر، فعشق النية لربيب الربرب استعارة ليست بحسنة، غير أن الشعراء المتأخرين قد اصطلحوا على أن جعلوا البين، والفراق، والنوى كالأشخاص، وجعلوها الحائلة بينهم وبين من يهوونه، فهم يستعيرون الأفعال لها، فربما حسنت الاستعارة لها، وربما قبحت، على حسب مواضعها في الإغراق والاقتصاد.
وقوله: «لو كنت شاهدنا» من أبياته المشهورة في الحسن والحلاوة.
وقوله: «في هجر هجر، واجتناب اجتناب» مذهب من مذاهب
(2/35)

المولدين، وقد قدمت القول في أنه غير حسن ولا جميل.
ولم يعتمد البحتري في هذا الباب ذكر بكاء النساء إلا قوله: «وقد ورد سكب الدموع ورد الخدود» وقوله: «فتلجلجت عبراتها» ولكنه وصفهن عند التوديع أحسن وصف وأحلاه فقال:
عجلت إلى فضل الخمار فأثرت ... عذباته بمواضع التقبيل (1)
وتبسمت عند الوداع فأشرقت ... إشراقة عن عارض مصقول
أأخيب عندك لي شافع ... وأرد دونك والشباب رسولي؟
... وقال أيضاً:
أكنت معنفي يوم الرحيل ... وقد لجت دموعي في الهمول؟ (2)
عشية لا الفراق أفاء عزمي ... إلى، ولا اللقاء شفى غليلي
دنت عند الوداع لوشك بين ... دنو الشمس تجنح للأصيل (3)
وقال أيضاً:
إذا ما نهي الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر (4)
ويوم تثنت للوداع وسلمت ... بعينين موصول بلحظهما السحر
توهمتها ألوى باجفانها الكرى ... كرى النوم، أو مالت بأعطافها الخمر
(2/36)

وقال أيضاً:
وأنا الفداء لمرهف غض الصبا ... يوهيه حمل وشاحه وعقوده (1)
قصرت تحيته فجاد بخده ... يوم الوداع لنا، وضن بجيده
ولو استطاع لكان يوم وصاله ... للمستهام مكان يوم صدوده
أراد أنها لما قصرت تحيتها فلم تقدر (2) على السلام أعرضت فرأى خدها، فكأنها جادت لما رأته، وقد ضنت على الحقيقة بجيدها، وهو موضع العناق (3).
...
وقال أيضاً:
ما أرى البين مخلياً من وداع ... أنفس العاشقين حتى تبينا (4)
من وراء العيون كثبان رمل ... تتثنى أفنانهن فنونا (5)
وبود القلوب يوم استقلت ... ظعن الحي لو تكون عيونا
فهذا المذهب الذي سلكه البحتري أولى بالصواب في وصف النساء المفارقات، وأشبه بأحوالهن من مذهب أبي تمام في وصفه إياهن بشدة الجزع، والوله، وبكاء الدم، ولطم الوجه، والإشفاء على الهلكة، وإظهاره التجلد، وقلة الاحتفال بهن، وذلك قوله:
وقالت: أتنسى البدر؟ قلت تجلداً ... إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر (6)
(2/37)

وقال أيضاً:
وما الدمع ثان عزمتي ولو أنه ... سقى خدها من كل عين لها نهر (1)
وقوله:
لها من لوعة البين التدام ... يعيد بنفسجاً ورد الخدود (2)
وقوله:
وصلت دموعاً بالدماء فخذها ... في مثل حاشية الرداء المعلم (3)
ولهت فأظلم كل شيء دونها ... وأضاء منها كل شيء مظلم
ولو كان وصف بهذا زوجته، أو ابنته، لكان معذوراً ولكنه إنما وصف حبائبه؛ لأنه ذكرهن بالجمال والحسن، والزوجات لا يوصفن بذلك.
وما انتهى عمر بن أبي ربيعة الذي كان معشقاً ينذر أشراف النساء النذور في رؤيته ومجالسته من ذكر صبوتهن به إلى مثل هذه الأوصاف، ولا قريب منها، وقد عيب عمر بذلك، واستقبح منه، على أنه قد صدق في أكثر ما قال، ولم يكذب، وأتى بالأخبار على وجوهها، فلم يقنع أبو تمام إلا بالزيادة عليه، والتناهي فيما يخرج عن العادة.
... وقال أبو تمام:
لما استحر الوداع المحض وانصرمت ... أواخر الصبر إلا كاظماً وجما (4)
رأيت أحسن مريء، وأقبحه ... مستعجمين لي التوديع والعنما
(2/38)

استحسن إصبعها (1)، واستقبح إشارتها مودعة، والعنم: شجر (2) له أغصان لطيفة غضة كأنها بنان جارية، والواحدة غنمة.
وهذا خطأ منه أن يستقبح إشارتها بالوداع إليه، أتراه ما سمع قول جرير:
أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامة سقى البشام (3)
فدعا للبشام بالسقيا، لأنها ودعته به فسر بتوديعها.
وأبو تمام إنما استحسن إصبعها، واستقبح إشارتها، فما ظنك بمن استقبح إشارة معشوقة إليه عند توديعه، وهذا يدل على أنه ما عرف شيئاً من هذا ولا شاهده، ولا بلي به.
... وقال في وصف النساء المفارقات أيضاً:
فخت دموعك في إثر الخليط لدن ... خفت من الكثب القضبان والكثب (4)
من كل ممكورة ذاب النعيم لها ... ذوب الغمام فمنهل ومنسكب
أطاعها الحسن، وانحط الشباب على ... فؤادها، وجرت في روحها النسب (5)
لم أنسها وصروف البين تخلجها ... ولا معول إلا الواكف السرب (6)
(2/39)

أدنت نقاباً على الخدين وانتسبت ... للناظرين بقد ليس ينتقب (1)
كانت لنا لعباً نلهو بزخرفه ... وقد ينفس عن جد الفتى اللعب (2)
وهذه أبيات حسان، جيدة المعاني.
وقوله: «أطاعها الحسن» من أبياته التي يسأل الناس عنها، فقوله: «أطاعها الحسن» من قول (3) بشار بن برد:
كما اشتهت خلقت إذا اعتدلت ... تمت تماماً فلا طول ولا قصر
وفي نحوه قول أبي نواس:
تركت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتحب (4)
فانتقت منه طرائقه ... واستزادت فضل ما تهب (5)
قوله: «وانحط الشباب على فؤادها» يريد الذكاء والتيقظ.
وقوله: «وجرت في روحها النسب»، هو أن يقال: خفيفة الروح، وعذبة الروح، ونحو هذا، كذا فسره الشيوخ بعد أن جرى في البيت خوض طويل.
(2/40)

ما ذكره من استيلاء النوى على الأحباب المفارقين
قال أبو تمام:
وفي الكلة الصفراء جؤذر رملة ... غدا مستقلاً، والفراق معادله (1)
تيقنت أن البين أول فاتك ... به مذ رأيت الهجر وهو يغازله
قوله: «الفراق معادله» معنى غير جيد ولا صحيح؛ لأن الفراق هو مفارقة كل واحد من الاثنين صاحبه، فإذا جعل الفراق ماضياً مع أحدهما، وأخلى الآخر منه كان الآخر غير مفارق، وهذا محال، وإنما أوقع أبا تمام فيه أنه جعل الفراق كأنه شخص مسلط على المحبوب، استولى عليه فذهب.
وقد يستعمل مثل هذا ولكن ليس على هذا الوجه.
والاستعارة التي هي أقرب إلى الجواز قوله:
سعدت غربة بسعاد ... فهي طوع الإتهام والإنجاد (2)
وذلك أن النوى إنما هي: نية القوم المفارقين دون من المقيمين.
... وقال البحتري:
قد بين البين المفرق بيننا ... عشق النوى لربيب ذلك الربرب (3)
فنسب العشق إلى النوى على سبيل الاستعارة.
وقال البحتري وهو حسن:
نوين النوى، ثم استجبن لهاتف ... من البين نادى بالفراق فأسمعا (4)
(2/41)

وحاولن كتمان الترحل بالدجى ... فباح بهن المسك لما تضوعا (1)
وأردأ من قول أبي تمام: «والفراق معادله»، وأقبح وأسخف قول أبي تمام:
أترى الفراق يظن أني غافل ... عنه وقد لمست يداه لميسا (2)
ما زلت أسمع الشيوخ من أصحاب أبي تمام المتعصبين (3) له دون من سواهم يقولون: أتره أي شيء أراد أن يصنع بالفراق: يقطع يديه أو رجليه، أو يصلبه على جذع؟
... وقال أبو تمام:
لا أظلم النأي؛ قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا (4)
وهذا معنى جيد حسن.
والقذف: البعيدة.
وقال أيضاً:
دع الفراق فإن الدهر ساعده ... فصار أملك من روحي بجثماني (5)
وهذا في جملة أبياته المشهورة التي لهج الناس بها وهي:
ما اليوم أول توديعي ولا الثاني ... البين أكثر من شوقي وأحزاني (6)
(2/42)

خليفة الخضر من يربع على وطن ... في بلدة فظهور العيس أوطاني (1)
بالشام قومي، وبغداد الهوى، وأنا ... بالرقتين، وبالفسطاط إخواني (2)
وما أظن النوى ترضى بما صنعت ... حتى تبلغ بي أقصى خراسان (3)
قوله: «البين أكثر من شوقي وأحزاني» أي زاد عليها، وغلبها حتى صرت لا أشتاق، ولا أحزن؛ لكثرة ما أفارق.
(2/43)

ذكر الأنفاس والحرق والزفرات عند الفراق
قال أبو تمام:
فلو ترانا وإياهم وموقفنا ... في مأتم البين لاستهلالانا زجل (1)
من حرقة أطلقتها فرقة أسرت ... قلباً، ومن عذل في نحره غزل (2)
قوله: «أطلقتها فرقة» يعني أبرزتها وأظهرتها، وإنما قال: «أطلقتها» من أجل قوله: «أسرت قلباً»؛ ليطابق بين الإطلاق والإسار.
وقوله: «أسرت قلباً» يعني الفرقة، معنى رديء، لأن القلب إنما يأسره ويملكه شدة الحب لا الفراق، فإن لم يك مأسوراً قبل الفراق فما كان هناك حب، فلم خص التوديع (3)؟، وما كان وجه هذا البكاء والاستهلال والزجل، وهذه القصة الفظيعة التي وصف الحال فيها عند مفارقتهم؟
وقد ذكرت هذا مشروحاً في باب أغاليطه (4)
... وقال أبو تمام:
أمر التجلد بالتلدد حرقة ... أمرت جمود دموعه بسجوم (5)
(2/44)

قوله: «أمر التجلد بالتلدد حرقة»، جعل الحرقة آمرة للتجلد بالتلدد.
والحرقة التي يكون معها التلدد تسقط التجلد ألبتة، وتذهب به، وأما أن تجعله متلدداً فإن هذا من أحمق المعاني، وأولاها بالاستحالة، بلى لو قال: إن الفرقة أحالت التجلد إلى التلدد، أو أبدلت من التجلد التلدد لكان ذلك هو السائغ الحسن.
وأرى لفظ أسخف أيضاً من أن جعل الحرقة آمرة، وإنما العادة في مثل هذا أن تكون باعثة، أو جالبة، أو نحو هذا، فأما الأمر فليس هذا موضعه.
... وقال أيضاً:
ومن زفرة تعطى الصبابة حقها ... وتوري زناد الشوق تحت الحشا الصلد (1)
قوله: «من زفرة تعطي الصبابة حقها» معنى جيد حسن.
ولله در البحتري إذ يقول:
باتوا جميعاً، ثم فرق شملهم ... بين كتقويض الجهام المقلع (2)
ووراءهم صعداء أنفاس إذا ... ذكر الفراق أقمن عوج الأضلع (3)
وقال أيضاً:
عبرات ملء الجفون مرتها ... حرق للفراق ملء الضلوع (4)
(2/45)

ومثل قوله: «كتقويض الجهام المقلع» قول أبي تمام:
نوى كانقضاض النجم كانت نتيجة ... من الهزل يوماً إن هزل الهوى جد (1)
فقولهما: كتقويض الجهام، وكانقضاض النجم يريدان السرعة.
والجهام: السحاب الذي قد أراق ماءه فهو سريع الذهاب.
في بيت أبي تمام: لا يليق بآخره؛ لأنه قال: «كانت نتيجته من الهزل» يعني النوى، أي كان ذكرهم للرحيل قولاً عبثاً فنتج ذلك أن حققوا الرحيل، وجدوا فيه، وهذا معنى جيد بالغ؛ ولفظ مستقيم، ولكن أفسده بقوله: «إن هزل الهوى جد»؛ وليس هزل الهوى وجده من هذا المعنى في شيء، وإنما كان وجه الكلام أن يقول: ورب جد نتجه الهزل، أو ورب كبير هاجه صغير.
ولولا أن في سائر النسخ «إن هزل الهوى» لظننته ما قال إلا «هزل النوى» لأنهم أبداً ينغمون بالرحيل ولا يعزمون، فيكون ذلك كالهزل، ثم يجد الجد فيحققون، ويرتحلون، وقد عرفنا مثل هذا مشاهدة في غير شيء.
وقال البحتري:
وكم نافسوا من حرقة إثر فرقة ... تعجب من أنفاسنا وامتدادها (2)
فهذا موضع الحرقة والفرقة.
وأجود من هذا كله ما أنشدناه (3) أبو الحسن: موسى بن سليمان الهمداني
(2/46)

عن أبي دلف: هاشم بن محمد الخزاعي، عن ابن الأعرابي، وحكى عن أبي دلف قال:
دخلت على ابن الأعرابي، وعنده البحتري، قال: فتذاكرنا شعر الرجل، فقال ابن الأعرابي: ما استحسنت له شيئاً إلا قوله:
فلما تبينت المنازل بالحمى ... ولم أقض منها حاجة المتزود
زفرت إليها زفرة لو حشوتها ... سرابيل أبدان الحديد المسرد
لذابت حواشيها وظلت بحرها ... تلين كما لانت لداود باليد
والرجل -العلوي البصري- أشعر من أبي تمام والبحتري في هذا الباب.
(2/47)

زوال الصبر وقلة التجلد
قال أبو تمام:
أتظنني أجد السبيل إلى العزا ... وجد الحمام إذاً إليَّ سبيلا (1)
الصبر أجمل غير أن تلدداً ... في الحب أحرى أن يكون جميلا
وهذا معنى حسن.
وقد قال نحوه في مرثية إدريس بن بدر السامي (2).
وقد كان يدعى لابس الصبر حازماً ... فأصبح يدعى حازماً حين يجزع (3)
أخذ الجميع من قول العتبي:
أضحت بخدي للدموع رسوم ... أسفاً عليك، وفي الفؤاد كلوم
والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم (4)
وقال أبو تمام:
وما أحد طار الفراق بقلبه ... بجلد ولكن الفراق هو الجلد (5)
وهذا معنى سخيف جداً.
ولكن قد أحسن، وألطف، وأجاد في قوله حين قال:
يصبرني أن ضقت ذرعاً بحبه ... ويجزع أن ضاقت عليه خلاخله (6)
(2/48)

وقال أيضاً:
رحل العزاء مع الرحيل كأنما ... أخذت عهودهما عل ميعاد (1)
وكأن أفئدة النوى مصدوعة ... حتى تصدع بالفراق فؤادي
و «أفئدة النوى مصدوعة» يشبه قوله:
وكم أبرزت منكم على قبح خدها ... صروف النوى من مرهف حسن القد (2)
وما أظن أحداً انتهى في الجهل، والعي، واللكنة، وضيق الحيلة في الاستعارة إلى أن جعل لصروف النوى قداً، وأفئدة مصدوعة غير أبي تمام.
... وقال البحتري:
ويأمرني بالصبر من ليس وجده ... كوجدي، ولا إعلان حالي كحاله (3)
فإن أفقد العيش الذي فات باللوى ... فقدماً فقدت الظل عند انتقاله
وهذا -لعمر الله- لفظ ومعنى في غاية الحسن والبراعة.
ومثله قول أبي الشيص:
يصبرني قوم براء من الهوى ... وللصبر تارات أمر من الصبر
... وقال أبو تمام:
تحمل عنه الصبر يوم تحملوا ... وعادت صباه في الصبا وهي شمأل (4)
بيوم كطول الدهر في عرض مثله ... ووجدي من هذا وهذاك أطول
(2/49)

جعل الصبا شمالاً؛ لأن الشمال تفرق، وقد تقدم ذكر هذا في الابتداآت (1).
ثم انظر إلى هذا السخف: كيف جعل للدهر عرضاً على هذا اللفظ الذي كأنه به يمسح أرضاً، أو يذرع ثوباً.
... وقال أبو تمام أيضاً:
لم يعط نازلة الهوى حق الهوى ... دنف أطاف به الهوى فتجلدا (2)
صب تواعدت الهموم فؤاده ... إن أنتم أخلفتموه موعدا
لم تنكرين مع الفراق تلددي ... وبراعة المشتاق أن يتبلدا (3)
وهذا المعنى مأخوذ من قول قيس بن ذريح:
بليغ إذا يشكو إلى غيرها الهوى ... فإن هو لاقاها فغير بليغ
... وقال البحتري
هل أنت مصطبر على مضض الأسى ... إذ كان بينهم ورحلتهم غدا (4)
لا تكذبن؛ فما أمارات النوى ... للصب إلا من أمارات الردى
لؤم بعيني أن يلائمها الكرى ... عن سلوة، وبمائها أن يجمدا
قد أتى هذا البيت الأخير على غرض أبي تمام في بيته الأول.
وأبو تمام في أبياته مع ما فيها من السرق (5) أشعر من البحتري في أبياته.
(2/50)

ما قالاه في قتل الفراق للمفارق وسفك دمه
قال أبو تمام:
قالوا: الرحيل غداً لا شك قلت لهم ... الآن أيقنت أن اسم الحمام غد (1)
كم من دم يعجز الجيش اللهام إذا ... بانوا ستحكم فيه العرمس الأجد (2)
ما لامريء خاض في بحر الهوى عمر ... إلا وللبين منه السهل والجلد
كأنما البين في إلحاحه أبدا ... على النفوس أخ للموت أو ولدا
اللهام: الذي يلتهم كل شيء لكثرته، والعرمس: الناقة الشديدة، وكذلك الأجد: هي الموثقة (3) الخلق.
ولم يك هذا عندي وجه الكلام، بل كان وجهه لما قال: الجيش اللهام أن يقول: الناب الضعيفة، فيهون أمرها، لا الناقة الأجد؛ لأن الناب قد يقطع بها السفر البعيد كما قال (4):
* وقد تقطع الدوية الناب *
وقوله: «ما لامريء خاض في بحر الهوى عمر» قد أساء فيه إساءة ذكرتها فيما ذكرت من أغاليطه (5).
(2/51)

وقال أبو تمام:
لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلا الفراق على النفوس سبيلا (1)
قالوا: الرحيل فما شككت بأنها ... نفسي عن الدنيا تريد رحيلا
إني تأملت النوى فوجدتها ... سيفاً علي مع العدا مسلولا
قد عابه ابن عمار في قوله: «إني تأملت النوى»، وقالوا: مثل هذا الأمر الفظيع الذي مكروهه أبداً مصبوب على الخلق لا تعلم البلية فيه إلا بعد التأمل، وهذا إنكار صحيح، وليس هذا كقول البحتري:
ولقد تأملت الفراق فلم أجد ... يوم الفراق على امريء بطويل (2)
لأن مثل هذا يوجبه التأمل، وقد فسره البحتري، وذكر علته، وكأنه رد لقول أبي تمام: «يوم الفراق لقد خلقت طويلا».
وقد ذكرت ذلك مشروحاً في باب الابتداآت من هذا الباب (3).
... وقال أبو تمام:
أظله البين حتى إنه رجل ... لو مات من شغله بالبين ما علما (4)
أخذ المعنى من قول أبي الشيص:
فكم من ميتة قد مت فيها ... ولكن كان ذاك وما شعرت
(2/52)

وبيت أبي تمام أجود، وقوله: «وما شعرت» لفظ سخيف.
وقال أبو تمام أيضاً:
طلت دماء هريقت عندهن كما ... طلت دماء هدايا مكة الهمل (1)
هانت على كل شيء فهو يسفكها ... حتى المنازل، والأحداج، والإبل
الهمل: وصف لقوله: «دماء هدايا مكة» من همل يهمل، والمصدر هو الهمول، والهمل -ساكنة الميم- فحركها.
وقوله:
هانت على كل شيء فهو يسفكها ... حتى المنازل، والأحداج والإبل (2)
رديء جداً؛ لأنه إذا لم يسفك دماء العاشقين المنازل إذا خلت من أهلها، والإبل إذا سارت بهم (3)؛ فأي شيء يسفكها؟ وهل شيء عند المحبين أعظم من فراق الأحباب حتى يجعل أسباب فراقهم من أهون الأشياء وأقلها في سفك دماهم؟
... وقد قال البحتري:
وقتل المحبين العيون ولم أكن ... أظن الرسوم الدارسات قواتلا (4)
فأحسن، وأجاد وملح، ولم يفصح بتخسيس أمر الرسوم.
(2/53)

وقال أبو تمام:
ضعفت جوانح من أذاقته النوى ... طعم الفراق فذم طعم العلقم (1)
هي ميتة إلا سلامة أهلها ... من خلتين: من الثرى والمأتم (2)
قوله: «ضعفت» دعاء عليها، أي أضعف الله جوانح من أذاقته النوى طعم الفراق فذم طعم العلقم.
والجوانح: هي الأضلاع الصغار في الصدر، التي تلي الفؤاد، الواحدة جانحة، فكأنه يدعو عليها بأن تضعف عن حمل حرارة التشوق، وحرق الفراق (3) إن كان صاحبها قد ذاق طعم الفراق، وعلم مرارته فذم طعم العلقم.
و «ضعفت» كلام ضعيف في هذا الغرض جداً، و «أضعف الله» لو كان استوى له أن يقولها أحسن، وأبلغ من ضعفت.
وعلى أنه كلام لا يشبه بعضه بعضاً، و «حواس» ههنا أحسن وأليق، وأشبه من «جوانح»؛ لأنه ذكر الطعم فكانت الحواس مع الطعم لفظاً يشبه لفظاً، ومعنى يشبه معنى، أو كان يقول لو استوى نظمه: «ضعفت جوانح من أحرقت نار الهوى جوانحه فذم حرارة النار، أو فوجد للنار حرارة».
ومنهم من يجعل «ضعفت» خبراً، أي لقد ضعفت جوانح من ذاق
(2/54)

طعم الفراق فذم طعم العلقم، وليس بشيء، وأظنه لو استوى له ذكر «الحواس» في هذا البيت لما عدل عنه.
وليس هذا البيت من الباب الذي نحن فيه، وإنما أوردته لأصل به البيت الذي بعده، وكلاهما رديء.
...
وقال أبو تمام:
الموت عندي والفرا ... ق كلاهما ما لا يطاق! (1)
يتعاونان على النفو ... س فذا الحمام، وذا السياق
لو لم يكن هذا كذا ... ما قيل: موت أو فراق
وهذه أبياته المشهورة المتداولة في الفراق.
ذكر أبو الحسن: علي بن يحيى المنجم أنه أخذ هذا المعنى من قول النمري (2):
إن المنية والفراق لواحد ... أو توأمان تراضعا بلبان
وليس هو عندي من دقيق المعاني التي يتهم آخر أنه أخذها من أول.
...
ومما غرى الناس به من شعر أبي تمام في هذا المعنى قوله:
البين جرعني نقيع الحنظل ... البين أثكلني وإن لم أثكل (3)
ما حسرتي أن كدت أقضي إنما ... حسرات نفسي أنني لم أفعل
(2/55)

قوله: «أثكلني» أي أثكلني من هويت، بمارقته إياي، وإن لم أثكل على الحقيقة بموته، ويكون أثكلني أي أثكلني أهلي، أي جعلني قد ثكلوني وإن لم أثكل على الحقيقة وهذا سائغ (1)؛ لأنه أراد قتل الحب الذي ليس بإتيان على النفس.
وقوله: «ما حسرتي أن كدت أقضي» أي أهلك، وأتلف، «وإنما حسرات نفسي أنني لم أفعل»، أي لم أقض وأتلف، وهذا لفظ ومعنى في غاية الضعف والاختلال والرداءة (2).
ثم وصل هذا القول بالمعنى الذي كان يفتخر به، وهو قوله:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول (3)
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبداً لأول منزل
وكان أبو تمام يقول: أنا ابن قولي: نقل ... ويذكر البيت (4)، كما كان أبو نواس يقول: أنا ابن (5) قولي:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق (6)
وكما كان مسلم بن الوليد يقول: أنا ابن قولي:
تجود النفس إذ ضن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود (7)
(2/56)

وكما كان دعبل يقول: أنا ابن قولي:
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى (1)
... وقال البحتري:
أما وفتور لحظك يوم أبقى ... تقلبه فتوراً في عظامي (2)
لقد كلفتني كلفاً أعني ... به وشغلتني عما أمامي
سيقتل في المسير إذا رحلنا ... عليل كان يمرض في المقام
وحسبك بهذا حلاوة وحسناً.
ومما أبر (3) فيه على إحسان كل محسن قوله:
أيا سكناً فات الفراق بأنسه ... وحال التعادي دونه والتزيل (4)
بكرهي رضا العذال عني وإنه ... مضى زمن كنت فيه أعذل (5)
فلا تعجبا إن لم يغل جسمي الضنى ... ولم يخترم نفسي الحمام المعجل
فمن قبل بان الفتح عني مودعاً ... وفارقني شفعاً له المتوكل (6)
(2/57)

فما بلغ الدمع الذي كنت أرتجي ... ولا فعل الوجد الذي خلت يفعل
وما كل نيران الجوى تحرق الحشا ... ولا كل أدواء الصبابة تقتل
وقد كان قوم من الرواة يقولون: أجود الشعر أكذبه، ولا والله، ما أجوده إلا أصدقه، إذا كان له من يلخصه هذا التلخيص، ويورده هذا الإيراد على حقيقة الباب (1).
(2/58)

ما قالاه في الغزل من أوصاف النساء
ونعوتهن، وشدة الشوق، والتذكر، والوجد، والغرام
وافتتح هذا الباب بما جاء عنهما من الابتداآت في هذه المعاني، وأبوبها أبواباً؛ لتصح الموازنة بينهما.
ذكر ابتداآتهما بتشبيه النساء بالظباء والبقر
قال أبو تمام:
نوار في صواحبها نوار ... كما فاجاك سرب أو صوار (1)
«نوار» اسم امرأة، «في صواحبها نوار» أي نفور، أي هي نفور في صواحبها، أي مع صواحبها، فجعلن جميعاً نوافر.
«كما فاجاك سرب أو صوار»، فالسرب: الجماعة من الظباء ههنا، والصوار: الجماعة من بقر الوحش، أي فيها وفي صواحبها نفار كما تفاجئك الظباء والبقر فتراهن نوافرعنك.
وإنما ذكر الظباء والبقر جميعاً لأن النساء يشبهن بهن في حسن عيونهن وفي قد تكون بمعنى مع، قال الجعدي:
ولوح ذراعين في بركة ... إلى جؤجؤ رهل المنكب (2)
أي مع بركة.
(2/59)

وصدر هذا البيت ليس بجيد.
وقال:
مهاة النقا لولا الشوى والمآبض ... وإن محض الإعراض لي منك ماحض (1)
الشوى: يريد القوائم، والمآبض: الأرفاغ (2)، والمهاة: البقر.
يقول: أنت مهاة النقا لولا قوائمها فإنها ليست كقوائمك، وكذلك المآبض.
وفي البقر أشياء أخر ليست في الناس منها القرون، والأذناب وسائر خلقها، وما هناك من الشبه غير العيون وإذا مشى النساء شبهن بالبقر.
فلم يمكنه أن يقول: مهاة النقا لولا الشوى، والمآبض، والأظلاف، والقرون، والشعر، والجلد، وغير ذلك مما ليس في الإنسان.
وإذا اقتصر الإنسان على بعض هذه الأشياء أجزأته، وإنما أخطر أبو تمام بباله قول الشاعر:
فعيناك عيناها، وجيدك جيدها ... سوى أن عظم الساق منك دقيق (3)
فلذلك قال: الشوى.
وقوله: «والمآبض» عي منه ولكنه، وأراد القافية.
وقوله: «وإن محض الإعراض لي منك ماحض»، أي أنا أجعلك كمهاة النقا، وأشبهك بها وإن أعرضت عني، وهو معنى ضعيف جداً.
(2/60)

وقد يجوز أن يكون أراد: لولا (1) الشوى والمآبض وأن محض الإعراض لي منك ماحض بفتح أن أي لولا أن محض الإعراض لي منك ماحض، يريد أن مهاة النقا لا تقصده بإعراض، ولا غير إعراض، وهذا أيضاً معنى ضعيف.
... وقال البحتري:
دنا السرب إلا أن هجرا يباعده ... ولاحت لنا أفراده وفرائده (2)
والسرب: القطيع من الظباء، والنساء، والقطا، وهو ههنا: النساء.
وقوله: «لاحت لنا أفراده» أي أفراده في الحسن، جمع فرد.
وفرائده درره، جمع فريدة، وهي الدرة، يريد نساء مفردات في الحسن ونساء كفرائد الدرر.
وبعضهم يجعل الفرائد ههنا: الثغور.
... وقال أيضاً:
عارضننا أصلاً، فقلنا: الربرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب (3)
الربرب: القطيع من بقر الوحش، أي فحسبنا هن من البقر؛ لشبههن بهن من جهة عيونهن.
«حتى أضاء الأقحوان الأشنب» يريد ثغورهن، أي لما ابتسمن علمنا أن لسن بالبقر؛ لأن البقر لا يبسمن، ولا يبدو لهن سن إلا عند التثاؤب، أو الرعي.
(2/61)

ونور الأقحوان من أشبه شيء بالثغر، والأشنب: البارد.
وهذا الابتداء أجود من جميع ما مضى.
... وقد تصرف البحتري في الابتداآت بهذا المعنى تصرفاً حسناً فقال (1):
إن الظباء غداة سفح محجر ... هيجن حر جوى، وفرط تذكر (2)
وقال:
هل فيكم من واقف متفرس ... يعدي على نظر الظباء الأنس (3)
وقال:
يشوقك تخويد الجمال القناعس ... بأمثال غزلان الصريم الكوانس (4)
وقال:
ما لذا الريم لا يرام اقتناصه ... وهو للقرب بين إفراصه (5)
وقال:
توهم ليلى وأظعانها ... ظباء الصريم وغزلانها (6)
وقال:
عند ظباء الرمل أوعينه ... قلب مشوق القلب محزونه (7)
(2/62)

وقال:
رنو ذاك الغزال أو غيده ... مولع ذي الوجد بالذي يجده (1)
وهذا كله من ذكر الظباء، غاية في حسنه، وصحته، وحلاوته، على اختلاف فنونه ومعانيه.
ولست أعرف لأبي تمام غير البيتين الأولين في ذكر البقر.
(2/63)

ابتداآتهما بذكر الثغور
قال أبو تمام:
وثناك إنها إغريض ... ولآل توم، وبرق وميض (1)
وهذا وصف حسن، وزاد حسنه وبهجته أنه جعله يميناً حلف بها.
والإغريض: ما تنشق عنه الطلعة، وهو الضحك أيضاً.
والتوم: حب يعمل من الفضة يشبه بالؤلؤ.
وقد كان يكفيه أن يقول: و [لآل] (2) ولكنه احتاج إلى توم.
... وقال البحتري:
يضحكن عن برد ونور أقاح ... ويشبن ظلم رضابهن براح (3)
وقال أيضاً:
أضواء برق بدا، أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي (4)
وقال أيضاً:
بعينيك ضوء الأقحوان المفلج ... وتفتير عيني فاتر اللحظ أدعج (5)
(2/64)

وقال أيضاً:
تبسم عن واضح ذي أشر ... وتنظر من فاتر ذي حور (1)
شبه أبو تمام في بيته الثغر بثلاثة أشياء: بالإغريض، ولؤلؤ التوم، والبرق.
وشبهه البحتري بالبرد، والأقاحي في صدر البيت، وكلا الصدرين جيد.
ولو كان أبو تمام قال: «وجنى لؤلؤ وبرق وميض» لفضلت بيته.
وجنى لؤلؤ: هو (2) اللؤلؤ الرطب، ولكن قوله: «ولآل توم» ليس بالجيد.
... فاجعلهما في البيتين متكافئين، وسائر أبيات البحتري فضل.
(2/65)

ابتداآتهما بذكر البكاء والدموع
قال أبو تمام:
لو صحح الدمع لي، أو ناصح الكمد ... لقلما صحباك الخد والكبد (1)
وهذا بيت صالح، وليس بالجيد، ولم يستو له أن يقول: العين والكبد؛ لأنهما مؤنثتان فكان يقول: صحبتاك، فجعل مكان العين الخد؛ لأنه مذكر، ولأن كثرة البكاء تؤثر فيه، وتذهب بلحمه، وذهاب العين بالبكاء أخص من ذهاب الخد.
ولو قال: «صحباك العين والكبد» لكان ذلك سائغاً وإن كانتا مؤنثتين؛ لأن هذا يجوز فيما ليس لتأنيثه حقيقة.
ولأبي تمام في باب الفراق والتوديع من الابتداآت بذكر البكاء والدمع، كل شيء جيد نادر، وقد مضى في بابه.
... وقال البحتري:
شوق إليك تفيض منه الأدمع ... وجوى عليك تضيق عنه الأضلع (2)
وهذا من مشهور أبياته في الحسن والجودة.
(2/66)

وقال أيضاً:
يكاد يبدي لسعدي غيب ما أجد ... تحدر من دراك الدمع مطرد (1)
وهذا معنى حلو حسن.
وقال أيضاً:
لأخي عبرة ما تجف ... وغرام يدوي الحشا، ويشف (2)
وقال أيضاً:
تعود عوائد الدمع المراق ... على ما في الصدر من احتراق (3)
وقال أيضاً:
دموع عليها السكب ضربة لازم ... تجدد من عهد الصبا المتقادم (4)
وقال أيضاً:
أدمع قد غرين بالهملان ... وفؤاد قد لج في الخفقان (5)
وقال أيضاً:
بعينك لوعة القلب الرهين ... وفرط تتابع الدمع الهتون (6)
وقال أيضاً:
تذكر محزون، وأنى له الذكرى ... وفاضت بغزر الدمع مقلته العبرى (7)
(2/67)

وقال أيضاً:
بأي أسى تثني الدموع الهوامل ... ويرجى زيال من جوى لا يزايل (1)
وهذه كلها ابتداآات جياد، وأجود منها ومن كل ابتداء في هذا الباب وغيره بذكر البكاء والدمع قوله:
قلب مشوق عناه البث والكمد ... ومقلة تبذل الدمع الذي تجد (2)
وقد ذكرته في باب الفراق (3)، وهذا موضعه.
(2/68)

ابتداآتهما بذكر السهر وطول الليل
ولا أعرف في وسط كلامهما من هذا الباب شيئاً يعتد بمثله كنحو ما جاء في الشعر القديم والمحدث.
وقال أبو تمام:
أفنى، وليلي ليس يفنى آخره ... هاتا موارده فأين مصادره؟ (1)
وهذ ابتداء حسن وكلام حسن سجسج (2)، ومعنى جيد بالغ.
وقد أخذ البحتري معنى هذا الصدر فوقع دونه فقال:
له الويل من ليل بطاء أواخره ... ووشك نوى حي تزم أباعره (3)
وقد ذكرته في ابتداآت باب الفراق (4).
... وقال البحتري:
هو الظلام فلا صبح ولا شفق ... هل يطلق الليل عن عيني فأنطلق (5)
عجز هذا البيت في غاية الصحة والبراعة والحسن والحلاوة، ولكن قوله:
«والظلام فلا صبح» معنى [غير] صحيح؛ لتوقعه الصبح وهو مبطيء متأخر فما وجه قوله: ولا شفق، لأن من كان في الليل فإنما يتوقع الصبح ولا يتوقع الشفق، وأظنه أراد نحن في ظلام ولسنا في أول نهار ولا آخره.
(2/69)

وقال أيضاً:
أبى الليل إلا أن يعود بطوله ... على عاشق نزر المنام قليله (1)
وقال:
ليلي بذي الأثل عناني تطاوله ... أرى به مقبلاً قرناً أنازله (2)
وقال أيضاً:
ترى الليل يقضي عقبة من هزيعه ... أو الصبح يجلو غرة من صديعه (3)
هذه أبيات كلها جيدة المعنى، بارعة اللفظ، حسنة السبك، كثيرة الماء والرونق.
وهذا البيت الأخير أجودها وأبرعها.
وقال أيضاً:
أيها العاتب الذي ليس يرضى ... نم هنيئاً فلست أطعم غمضا (4)
(2/70)

باب آخر من الابتداآت
قال أبو تمام:
متى أنت عن ذهليه الحي ذاهل ... وصدرك منها مدة الدهر آهل (1)
قوله: «ذاهل» أي منصرف، يقال: ذهلت عن الشيء بمعنى انصرفت عنه، فيقول: متى أنت عنها منصرف، وصدرك أبداً منها آهل؟ أي لا تخلو أبداً من قلبك.
وقال البحتري:
ضمان على عينيك أني لا أسلو ... وأن فؤادي من جوى بك لا يخلو (2)
فعجز هذا البيت مثل عجز [بيت] (3) أبي تمام، وهو أجود؛ لتصريحه بذكر الجوى.
وصدرا البيتين (4) مقاربان، وبيت البحتري أجود وأبرع.
وقال البحتري:
هواها على أن الصدود سبيلها ... مقيم بأكناف الحشا ما يزولها (5)
وهذا البيت أيضاً أجود من بيت أبي تمام لفظاً ومعنى.
وقال في نحو هذا:
أأفاق صب من هوى فأفيقا ... أو خان عهداً، أو أطاع شفيقا؟ (6)
(2/71)

وقال أيضاً:
أراد سلواً عن سليمى وعن هند ... فغالبه غي السفاه على الرشد (1)
وقال: سواي مرجى سلوة، أو مريدها ... إذا واقدات الحب حب خمودها (2)
وهذا كله غاية في الحسن والجودة.
وقد تصرف البحتري في باب الوجد والغرام وشدة الحب في ابتداآته تصرفاً حسناً، فمن ذلك قواه:
حاشاك من ذكرى ثنته كئيبا ... وصبابة ملأت حشاه ندوبا (3)
وقال أيضاً:
حقاً أقول: لقد تبلت فؤادي ... وأطلت مدة غيي المتمادي (4)
وقال أيضاً:
ناهيك من حرق أبيت أقاسي ... وجروح حب ما لهن أواس (5)
وقال أيضاً:
أتراك تسمع للحمام الهتف ... شجواً يكون كشجوي المستطرف (6)
وقال أيضاً:
يهون عليها أن أبيت متيماً ... أعالج وجداً في الضمير مكتما (7)
(2/72)

وقال أيضاً:
غرام ما أتيح من الغرام ... وشجو للمحب المستهام (1)
وقال أيضاً:
أنافع عند ليلى فرط حبيها ... ولوعة لي أبديها وأخفيها (2)
وقال أيضاً:
قليل لها أني بها مغرم صب ... وأن لم يقارف غير وجد بها القلب (3)
أراد: قليل لها غرامي بها وصبابتي وإن لم أهو غيرها، ولا وجه لكسر أن الثانية.
فانظر إلى هذا التصرف الحسن، والألفاظ المختلفة في المعاني المتقاربة.
ولا أعرف لأبي تمام في هذا كله شيئاً.
... ومما افتتحه البحتري بالهجر قوله:
نصيبي منك لوم العاذلات ... وهجران أطلت به أذاتي (4)
وقال أيضاً:
شد ما أغريت ظلوم بهجري ... بعد وجدي بها وغلة صدري (5)
(2/73)

وقال أيضاً:
خير يوميك في الهوى واقتباله ... يوم يدنيك من وصاله (1)
وقال أيضاً:
لج هذا الحبيب في هجرانه ... وغدا والصدود أكبر شانه (2)
وقال أيضاً:
لي حبيب قد لج في الهجر جداً ... وأعاد الصدود منه وأبدى (3)
وقال أيضاً:
طاف الوشاة به فصد وأعرضا ... وغلا به هجر أمض وأرمضا (4)
وقال أيضاً:
متى وصل منك ومنك هجر ... وفي ذل، وفيك كبر (5)
... وليس لأبي تمام في هذا النحو شيء إلا قوله:
خشنت عليه أخت بني خشين ... وأنجح فيك قول العاذلين (6)
وهذا بتداء رديء.
(2/74)

ومما جاء في ابتداآته في ذكر العيون
قال البحتري (1):
تريك الذي حدثت عنه من السحر ... بطرف عليل اللحظ مستغرب الفتر (2)
وقال أيضاً:
غال صبري أما سألت بصبري ... ما بعينيك من فتور وسحر (3)
وقال أيضاً:
ما بعيني هذا الغزال الغرير ... من فتون مستجلب من فتور (4)
وقال أيضاً:
ومهتزة الأعطاف نازحة العطف ... منعمة الأطراف فاترة الطرف (5)
وقال أيضاً:
سطا فما يأمنه خله ... أغيد ساجي الطرف معتله (6)
وقال أيضاً:
فتور العيون وإمراضها ... نبو الجنوب وإقضاضها (7)
وهذا كله جيد حسن عذب.
وليس لأبي تمام في معناه شيء.
(2/75)

وقال أيضاً:
لوت بالسلام بناناً خضيباً ... ولحظاً يشوق الفؤاد الطروبا (1)
عهدت بعض الشيوخ يكره قوله: «لوت»، ويقول: كان ينبغي أن يقول: أشارت، أو أومأت، أو نحو هذا، وكان بعضهم يحتج له ويقول: لم يمكنه ذاك في نظم البيت.
والذي أظنه أنا أنه أومأ إليها بالسلام فردت عليه والسلام الأول يشار فيه بمد الإصبع على استقامة، والرد: فمن الناس من يرد بمد الإصبع على استقامة أيضاً، ومنهم من يفتلها ويلويها كأنه يقول بإصبعه: وعليك، فيلويها إذا أراد هذا المعنى، وذلك مما نراه أبداً مشاهدة، ونفعله.
وقد ذكر البحتري لي البنانة في موضع آخر فقال:
إن الفراق جلا لنا عن غادة ... بيضاء تجلو عن شتيت أشنب (2)
ألوت بموعدها القديم، وأيأست ... منه بلي بنانة لم تخضب (3)
فدل هذا على مثل ذاك، وإن كان المعنيان مختلفين في أنها لم تمد إصبعها مشيرة بها على استقامة كما يشير المبتديء بالسلام، وإنما ألوت إصبعها في الإشارة إليه إما يمنة أو شأمة بمعنى تنح عنا، أو اعدل عنا؛ فليس إلى ما التمست سبيل.
وفي البيت سؤال آخر وهو قوله: «لم تخضب» ومن شأنهم أن
(2/76)

يصفوا بنان المرأة بالخضاب نحو قول الشاعر:
ويبدي الحصى منها إذا قذفت به ... من البرد أطراف البنان المخضب
وقول الراعي:
* حمر الأنامل عين طرفها ساج *
ومثله كثير (1)، وعليه مذاهب الناس.
ولا نعلم أحداً شرط في البنان أنه غير مخضوب غير البحتري في هذا البيت، وإنما يذكرون الخضاب أو لا يذكرونه.
وما أظن البحتري قال هذا عياً ولا جزافاً ولا قاله إلا أن البنانة لم تكن مخضوبة، فوصف الحال على مذاهب الناس ومذهبه في وصف الشيء على ما هو؛ لأن هذا إذا أورده على ما هو لم تك فائدة، فأقول:
إنه قد يجوز أن يكون (2) والله أعلم ذهب إلى أحد معنيين:
إما أن يكون خطر بباله عند نظم البيت قول الشاعر:
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين (3)
فقال هو: «وأيأست منه بلي بنانة لم تخضب»؛ لأن المرأة لا عهد لها مخضوبة البنان كانت أو غير مخضوبة؛ ألا ترى إلى قوله بعد هذا:
وأرت العهود الغانيات صبابتي ... آلاً جرى، ووميض برق خلب (4)
(2/77)

فدلك هذا على أنه خطر ذلك البيت بباله فذهب إلى ذلك المعنى.
أي من كان يذم عهد مخضوبة البنان فهذه غير مخضوبة وأنا أذم عهدها أيضاً، فهذا المعنى -إن شاء الله- جيد لائق.
والمعنى الآخر: أن يكون أراد أنها عزفت عن الصبا، وتركت الزينة؛ لأنه قال: «ألوت بموعدها القديم»، فدل على أنه إنما انتجزها موعداً قديماً وأن حالها الآن غير تلك الحال.
وهذا أيضاً وجه قوي دقيق، وكأنه أولى من المعنى الأول بالصواب، والله أعلم.
قوله: «ولحظاً يشوق الفؤاد الطروبا» بالنصب (1) إنما أراد ألوت بالسلام بناناً خضيباً، ولحظت لحظاً يشوق الفؤاد.
(2/78)

ومن ابتداآت البحتري في التشوق
قال:
أقيم على التشوق أم أسير ... وأعدل في الصبابة أم أجور؟ (1)
وقال أيضاً:
شوق له بين الأضالع هاجس ... وتذكر للصدر منه وساوس (2)
وقال أيضاً:
عهد المشوق بوصل الأنس الخرد ... يكاد يشرك نجم الليل في البعد (3)
وقال أيضاً:
لبيت فيك الشوق حين دعاني ... وعصيت نهى الشيب حين نهاني (4)
وقال أيضاً:
أما لعيني كليم الهم تغميض ... أم الكرى عن جفون العين مرحوض (5)
وقال أيضاً:
يبيت له من شوقه ونزاعه ... أحاديث نفس أوشكت من زماعه (6)
أي أسرعت من إزماعه على الرحيل.
(2/79)

وقال أيضاً:
شوق إليك تفيض منه الأدمع ... وجوى عليك تضيق عنه الأضلع (1)
وقد مر هذا البيت في باب البكاء والدمع (2)
... وهذه كلها ابتداآت جياد لفظاً ومعنى.
ولا أعرف لأبي تمام في نحو هذا شيئاً.
(2/80)

وفي ابتداآت البحتري في معان شتى وهي كثيرة
قال:
رأى البرق مجتازاً فبات بلا لب ... وأصباه من ذكر البخيلة ما يصبي (1)
وقال أيضاً:
أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر ... وألام من كمد عليك وأعذر (2)
وقال أيضاً:
يزداد في غي الصبا ولعه ... فكأنما يغريه من يزعه (3)
وقال أيضاً:
بودي لو يهوى العذول ويعشق ... فيعلم أسباب الهوى كيف تعلق (4)
وقال أيضاً:
أجرني من الواشي الذي جار واعتدى ... وغابر حب غار بي ثم أنجدا (5)
وقال أيضاً:
بالله أولى يميناً برة قسما ... ما كان ما زعم الواشي كما زعما (6)
(2/81)

وقال أيضاً:
تغير أوحال عن عهده ... وأضمر غدراً ولم يبده (1)
وقال أيضاً:
جائز في الحكم لو شاء قصد ... أخذ النوم وأعطاني السهد (2)
... مضت الابتداآت بأنواع الغزل.
وأنا أذكر الآن ما جاء عنهما من أوصاف الغزل في وسط الكلام، وأتلقط ذلك من باب الفراق والتوديع، وسائر أبواب التشبيب (3)؛ ليكون كل نوع من أنواع الوصف في باب واحد لا في أبواب متفرقة.
(2/82)

ذكر ما قالاه في الجمال والبهجة وحسن الوجوه وتشبيه النساء بالشموس، والبدور، والنجوم، وغير ذلك
قال أبو تمام:
لحقنا بأخراهم وقد حوم الهوى ... قلوباً طيرها وهي وقع
فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع
نضا ضوؤها صبغ الدجنة وانطوى ... لبهجتها ثوب السماء المجزع (1)
فوالله ما أدري أأحلام نائم ... وتشعب أعشار القلوب وتصدع (2)
وأقرع بالعتبى حمياً عتابها ... وقد تستقيد الراح حين تشعشع؟
وتقفو لي (3) الجدوى بجدوى وإنما ... يروقك بيت الشعر حين يصرع
قوله: «حوم الهوى قلوباً» أي هيجها الشوق وكانت طيرها ساكنة.
يريد أن ظعنهم هيج الشوق بعد سكونه والدار جامعة.
و «ثوب السماء المجزع» يريد طمس نورها نور الكواكب التي هي نقش السماء، كالجزع نقط البياض.
و «يوشع» يريد يوشع بن نون، قيل: إن الشمس ردت له، في قصة تؤثر.
(2/83)

وقوله: «تحيي الهوى» أي بهجرها، و «تميته» بوصلها ونائلها، كما قال جرير:
فلما التقى الحيان ألقيت العصا ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله (1)
أي لما أصيبت مقاتله بالاجتماع.
«وتشعب أعشار الفؤاد» (2) تضمها، وتلائم بينها، وأعشاره: أجزاؤه من قول امريء القيس
* «في أعشار مقتل» *
(3) وإنما قيل أعشار؛ لأن العشرة نهاية في كل شيء من العدد، واحدها عشر، فإنما أراد جميع القلب.
وقوله: «تصدع»، أي تشق، يريد (4) تلائم بين أجزائه مرة، وتفرق مرة أخرى بينها، مثل قوله: «تحيي الهوى وتميته».
وقوله: «وأقرع بالعتبى حميا عتابها»، أي أعتب إذا عاتبت، وأنتهي إلى ما فيه رضاها، فجعل شدة غضبها عند العتاب حميا كحميا الخمر، وهي شدتها، وجعل العتبى التي تكون منه حتى يزول غضبها قرعاً كقرع الخمر بالماء حتى تلين.
وقوله: «وقد تستقيد الراح حين تشعشع»، أي وهي مع أني كسرت غضبها وقمعته يقهرني حبها، ويغلبني سكر هواها، ويملكني كما تستقيد الراح فتصرع بالسكر من يقرعها بالمزاج.
(2/84)

وهذه كلها معان صحيحة مستقيمة، واستعارت لائقة بما استعيرت له.
فأما قوله:
وتقفو لي الجدوى بجدوى وإنما ... يروقك بيت الشعر حين يصرع
فلفظ حسن حلو، ولكنه مثل شيئاً بشيء كان غيره بالتمثيل أليق، وذلك لما قال: «وتقفو لي الجدوى» كان سبيله أن يقول: وإنما يبل الغليل العلل بعد النهل، أو ما كان أشبه هذا وقاربه؛ لأن الجدوى هو نائل المرأة، وليست من حظوظ السمع فيمثل بها بيت الشعر المصرع الذي إنما يروق السمع فقط.
ولست أقول إنه أخطأ، ولكن ليس بالجيد اللائق، والجيد فيه قول البحتري:
فإن تتبع النعمى بنعمى فإنه ... يزين اللآليء في النظام ازدواجها (1)
فجعل اللآليء التي هي فرائد تحصل في اليد والعين والنفس مثالاً لنعمة المنعم وليس للأذن ههنا ولا هناك حظ.
... وقال أبو تمام:
عطفوا الخدود على البدور ووكلوا ... ظلم الستور بنور حور نهد (2)
وثنوا على وشي الخدود صيانة ... وشي البرود بمسجف وممهد (3)
البيت الأول حسن حلو، وأخذ قوله: «وثنوا على وشي الخدود صيانة
(2/85)

وشي البرود» من قول الكميت:
وأدنين البرود على خدود ... يزين الفداغم بالأسيل
أراد بالفداغم: الخدود اللحيمة، أي يزينها بأسالة خدودهن، أو أن يكون أراد بالفداغم المواضع الممتلئة من الجسد بالشحم، فيزين ما كان ممتلئاً بأسالة خدودهن، وهذا غير حسن، والأول أشبه بلفظ البيت.
ومعناه أيضاً غير جيد؛ لأن الخد الأسيل إذا اقترن بالخد اللحيم قبحه وشانه ولم يزنه؛ لبيان فضله عليه، وقد ذكرت هذا في أغاليطه مشروحاً (1).
... وقال أبو تمام:
وفي الخدور مهاً لو أنها شعرت ... به طغت فرحاً، أو ألبست أسفا (2)
لآليء كالنجوم الزهر قد لبست ... أبشارها صدف الإحصان لا الصدفا
من كل خود دعاها البين فابتكرت ... بكراً ولكن غدا هجرانها نصفا (3)
لا أظلم النأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا
غيداء جاد ولي الحسن سنتها ... فصاغها بيديه روضة أنفا (4)
مصقولة سترت عنا ترائبها ... قلباً بريئاً يناغي ناظراً نطفا (5)
(2/86)

(1) قوله: «صدف الإحصان لا الصدفا» ليس بالجيد؛ لأنه قال: قد لبست صدف الإحصان، فأراك أنها لابسته في الحال.
وقوله: «لا الصدفا» ليس له وجه؛ لأن اللؤلؤ قد فارق الصدف وليس هو لابسه في الحال.
والجيد الصحيح المعنى قول البحتري:
إذا نضون شفوف الريط آونة ... قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا (2)
شبه أجسامهن في وقت تجردهن من الثياب، باللؤلؤ في الوقت الذي يقشر عنه الصدف.
والعذر لأبي تمام أن يقال: إنما أراد أنها خلقت لابسة صدف الإحصان لا الصدف، أي ليست كاللؤلؤ الذي خلق في الصدف.
وبيت البحتري أجود.
وقول أبي تمام: «صدف (3) الإحصان» معنى لطيف.
وقوله: «لو شعرت به» أي لو شعرت بشدة وجده طغت فرحاً، أو «ألبست أسفاً على ما فات منه» وهذه طريقة ابن أبي ربيعة التي كانت تليق به، ومع ذلك يعاب بها.
وهذه أبيات متكلفة، وخاصة قوله: «فابتكرت بكراً ولكن غدا هجرانها نصفا» فإنه غير شهي، ولا مريء اللفظ، ولا المعنى.
(2/87)

. ولله در أبي عبادة إذ يقول على هذا الوزن:
وفي الخدور بذور قلما طلعت ... إلا تصرم ضوء البدر أو كسفا
مقسومة بين أرداف مبتلة ... تدعو الهوىن وخصور أرهفت قصفا
قد كنت أشكو تمادي حبها حدثاً ... فالآن أطمع في إنصافها نصفا (1)
أكاد من كلف أعطي الحمام يداً ... إذا الحمام على أغصانه هتفا
ما باشر النار مشبوباً تضرمها ... من لم يضف تحت أحناء الحشا كلفا (2)
أراجع من شبابي قيض مبتذل ... لو أنفقته في لبانات الصبا سرفا
لله أيامنا ما كان أحسنها ... لو أن دهراً تولى ذاهباً وقفا
لا تكذبن فما الدنيا براجعة ... ما فات من لذة الدنيا وما سلفا
... وقال أبو تمام:
ورفيقة اللحظات يعقب رفقها ... بطشاً بمغتر القلوب عنيفا (3)
حزن الصفات روادفاً وسوالفاً ... ومحاجراً ونواظراً وأنوفا (4)
كن البدور الطالعات فأوسعت ... منا أفولاً بالنوى وكسوفا (5)
آرام حي زعزعتهم نية ... تركتك من خمر الفراق نزيفا
كانوا رداء زمانهم فتصدعوا ... فكأنما لبس الزمان الصوفا (6)
(2/88)

وهذه معان جيدة لائقة إلا قوله: «لبس الزمان الصوفا»؛ فإن الناس جميعاً استهجنوه، ولو كان اعتمد إن لا يترك قافية على الفاء إلا أوردها لما كلن ينبغي أن ذكر الصوف وخاصة على هذا الوجه.
... وقال البحتري:
إن في السرب لو يساعفنا السر ... ب شموساً يمشين مشياً وئيدا (1)
يتدافعن بالأكف ويعرض ... ن علينا عوارضاً وخدودا
يتبسمن عن شتيت أراه ... أقحواناً مفصلاً أو فريدا
رحن والليل قد أقام رواقاً ... فأقمن الصباح فيه عمودا
بفتاة مثل المهاة أبت ... أن تصل الوصل، أو تصد الصدودا (2)
ذات حسن لو استزادت من الح ... سن إليه لما أصابت مزيدا
فهي الشمس بهجة، والقصيب ال ... غض ليناً والرئم! طرفاً وجيدا
وحسبك بهذا حسناً، وصحة، وجودة، وخاصة هذا البيت الأخير وما جمع فيه من التشبيه بأبرع لفظ، وأحلى سبك، ولكن أفسده بقوله: «أبت أن تصل الوصل، أو تصد الصدودا»، [وإنما علقه من أبي تمام] (3).
... وقال أبو تمام:
سلبنا غطاء الحسن عن حر أوجه ... تظل للب السالبيها سوالبا (4)
وجوه لو أن الأرض فيها كواكب ... توقد للساري لكانت كواكبا
(2/89)

وهذا معنى قديم متداول، وأحسن ما قيل فيه قول مزاحم العقيلي:
وجوه لو أن المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الصبح ينجلي (1)
وهذا كثير.
وقال البحتري:
كالبدر إلا أنها لا تجتلى ... والشمس إلا أنها لا تغرب (2)
فجاء بمعنى آخر فيه سؤال؛ وذلك أنه لما قال: «كالبدر إلا أنها لا تجتلى» كان هذا من أحسن معنى وألطفه؛ لأن عيون الناس كلهم ترى البدر وتجتليه، وهي لا تراها العيون، ولا تجتلى [ثم قال: «والشمس إلا أنها لا تغرب» وإنما قال لا تجتلى] (3) لأنها (4) محجوبة، وإذا كانت في حجاب فهي في غروب؛ لأن الشمس إذا غربت فإنما تدخل تحت حجاب، فظاهر المعنى: كالبدر إلا أن العيون لا تراها، والشمس إلا أن العيون لا تفقدها، وظاهر هذا (5) القول -كما تراه- متناقض، وأظنه أنه أراد أنها وإن كنت في حجاب فإنه لا يقال غربت تغرب كما يقال للشمس، وإنما يقال لها إذا سافرت: بعدت، واغتربت، وغربت إذا توجهت نحو الغرب.
وقد يقال للرجل اغرب عنا أي ابعد، ولو استعار لها اسم الغروب عن الأرض التي تكون فيها إذا ظعنت عنها إلى أرض أخرى، كان ذلك حسناً جداً، لا سيما وقد جعلها شمساً، كما قال إبراهيم بن العباس الصولي:
وزالت زوال الشمس عن مستقرها ... فمن مخبري في أرض غروبها (6)
(2/90)

وقد يجوز أن يقول قائل: أنه أراد أنها لا تغرب تحت الأرض كما تغرب الشمس، وهذه معاذير ضيقة لأبي عبادة، فإن لم يك قد أخطأ فقد أساء [وإن لم يكن قد أساء فما أحسن] (1)
... وقال أبو تمام:
قالت وقد أعلقت كفي كفها ... حلا وما كل الحلال بطيب (2)
فنعمت من شمس إذا حجبت بدت ... من نورها فكأنها لم تحجب
وهذا معنى حسن، وقد تقدم الناس فيه وأكثروا.
قال قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها ال ... خالق أن لا يكنها سدف (3)
وأجود من هذا قول جرير:
كأنها مزنة غراء رائحة ... أو درة لا يواري ضوءها الصدف (4)
ووصل أبو تمام ذلك بأن قال:
وإذا رنت خلت الظباء ولدنها ... ربعية، واسترضعت في الربرب
إنسية إن حصلت أنسابها ... جنية الأبوين ما لم تنسب
قوله: «ربعية» يريد أنها ولدت في الربيع أول النتاج فهي أحسن ما تكون وأقوى، «واسترضعت في الربرب» والربرب: القطيع من [بقر] (5) كأنه يؤكد حسن عينها.
(2/91)

وقوله:
إنسية إن حصلت أنسابها ... جنية الأبوين ما لم تنسب
فيه سؤال وهو أن يقال: قوله: «جنية الأبوين» هو كقوله: تممية الأبوين، أو قرشية الأبوين، وهذا أصح ما يكون من النسب، فكيف يقول: ما لم تنسب؟، والنسب إلى الجن كالنسب إلى الإنس، فكما تقول: إنسي فكذلك تقول: جني، فكيف يكون ذلك نسباً، وهذا غير نسب.
فالجواب أنه أراد إن حصل نسبها فقيل فلانة بنت فلان من بني فلان علم أنها من الإنس، وإن أبصرها المبصر ولم يسأل عن نسبها ظن أنها من الجن من فرط حسنها الزائد على حسن الإنس المعهود، فإنما قال: «ما لم تنسب» أي ما لم ننسبها (1) إلى آبائها من الإنس، وقال المؤمل بن إميل المحاربي (2):
جنية أو لها جن يعلمها ... رمي القلوب بسهم ماله وتر
وأحسن في هذا كل الإحسان؛ لأن الرمي عن غير وتر ليس من رمي الإنس وقال بشار (3):
إنسية .............. جنية ... أو فوق ذاك أجل قدرا
فجعلها لحسنها فوق الإنس والجن.
وقال حسان:
جنية أرقني حبها ... تذهب صبحاً وترى في المنام (4)
(2/92)

فأما قول الشنفرى:
* فلو جن إنسان من الحسن جنت (1) *
فإني أظنه أراد: لو عرضت الجن لأحد من حسنه عرضت لها، وقد قيل فيه غير شيء، وكله رديء، وليس مثله يذكر.
... وقال أبو تمام:
أين التي كانت إذا شاءت جرى ... من مقلتي دمع يعصفره دم (2)
بيضاء تسري في الظلام فيكتسي ... نوراً وتبدو في الضياء فيظلم (3)
يستعذب الرعديد فيها حتفه ... فتراه وهو المستميت المعلم (4)
مقسومة في الحسن بل هي غاية ... فالحسن فيها والجمال مقسم
ملطومة بالورد أطلق طرفها ... في الخلق فهو مع المنون محكم
قوله: «بيضاء تسري في الظلام فيكتسي نوراً» هو مذهب الناس نحو قول امريء القيس:
تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... [منارة ممسى راهب متبتل] (5)
وقول مزاحم: «صدعن الدجى» وأشباه هذا.
وقوله: «تبدو في الضياء فيظلم» يريد أن نورها يغلب على ضوء
(2/93)

النهار حتى يصير كأنه مظلم، وهذا أيضاً معروف، من قولهم: لو برزت للشمس لكسفتها، والنهار عند نور وجهها ليل، وأشباه هذا.
وقال في موضع آخر:
ولهت فأظلم كل شيء دونها ... وأضاء منها كل شيء مظلم (1)
فقوله: «أظلم كل شيء دونها» ليس من هذا الباب، وإنما أراد أن أمر الفراق أولهها فأظلمت الأشياء في عينها؛ لعظم ما ورد عليها.
وهذا مثل قول الشاعر، وأنشد أبو تمام في الحماسة:
نعى لي أبا المقدام فاسود منظري ... من الأرض واستكت علي المسامع (2)
قوله: و «أضاء منها كل شيء مظلم» مثل قوله: «تبدو في الظلام فيكتسي نوراً».
وقوله: «مقسومة في الحسن» أي محظوظة منه، كأنها قد قسم لها منه، والقسم: النصيب.
وقوله: «ملطومة بالورد» يريد حمرة خدها، فلم يقل: مصفوعة بالقار، ويريد سواد شعرها، ومخبوطة بالشحم يريد امتلاء لجسمها، ومضروبة بالقطن يريد بياضها، إن هذا لأحمق ما يكون من اللفظ، وأسخفه، وأوسخه.
وقد جاء مثل هذا في كلام العرب ولكن على وجه حسن، قال النابغة:
وقذوفة بدخيس اللحم بازلها ... [له صريف صريف القعو بالمسد] (3)
(2/94)

يريد أنها قذفت بالشحم، أي كأنه رمي على جسمها رمياً.
وإنما ذهب أبو تمام إلى قول أبي نواس: «وتلطم الورد بعناب» (1)
وهذه كانت تلطم على الحقيقة في مأتم على ميت بأنامل مخضوبة الأطراف، فجعلها عناباً تلطم به ورداً، فأتى بالظرف كله، والحسن أجمعه، والتشبه على حقيقته.
وجاء أبو تمام بالجهل على وجهه، والحمق بأسره، والخطأ بعينه.
... وقال:
ومقدودة رود تكاد تقدمها ... أصابتها بالعين من حسن القد (2)
تعصفر خديها العيون بحمرة ... إذا وردت كانت وبالاً على الورد
إذا زهدتني في الهوى خيفة الردى ... جلت لي عن وجه يزهد في الزهد
قوله: «من حسن القد» بضم السين، من أقبح لفظة وأهجنها.
ومثل قوله:
* «أعرضت عن الإعراض» * (3)
وهذا إذا سمعه الأعراب ضحكوا منه، بل الجيد قوله:
لولا العيون وتفاح الخدود إذا ... ما كان يحسد أعمى من له بصر (4)
(2/95)

وأول هذه القصيدة:
يا هذه أقصري ما هذه بشر ... ولا الخرائد من أترابها الأخر (1)
خرجن في خضرة كالروض ليس لها ... إلا الحلي على أعناقها زهر
بدرة حفها من حولها درر ... أرضى غرامي فيها دمعي الدرر
صب الشباب عليها وهو مقتبل ... ماء من الحسن ما في صفوه كدر
قوله: «خرجن في خضرة» فإن الخضرة ليست من ألوان ثياب نساء البادية ولا من صبغ نساء الأمصار إلا في الفرط، لا يلبس إلا أن يكون أصل لون الثوب أخضر.
وقد جعل (2) أبو تمام جميع لباس هؤلاء النسوة الأخضر، وشبهه بالروض من أجل تشبيهه الحلي بالزهر، وهو نبت حسن، وغرضه في ذكر الخضرة غرض صحيح إلا أنه غير معروف.
... وقال البحتري:
واخضر موشى البرود وقد بدا ... منهن ديباج الخدود المذهب (3)
ذكر الخضرة لأنه لم يجد لوناً غيرها؛ وذلك أن البياض ليس مما توصف به ثياب النساء، والسواد ثياب الحزن والمصائب، وقد جعل خدودهن ديباجاً مذهباً، والذهب يشتمل على لون الحمرة، والصفرة، والتوريد هو من ألوان الخد، والكحلي لا يلفظ به، والعرب لا تذكره في
(2/96)

الألوان، وكذلك الأزرق لا تستعمله إلا في صفة الماء والصبح، ويقولون: عدو أزرق، أي حديد النظر، وسنان أزرق أي حديده، ولم يبق من الألوان ما يخالف لون الخدود المذهبة كما قال إلا الخضرة، فهذا وجه ذكر البحتري الخضرة؛ لأنه لو قال:
واحمر موشى الخدود وقد بدا ... منهن ديباج الخدود المذهب
لكان مدحاً بلونين متفقين.
... وقال البحتري:
هز منها شرخ الشباب فجالت ... فوق خصر كثير جول الوشاح (1)
وأرتنا خداً يراح له الور ... د ويشتمه جنى التفاح
وشتيتاً يغض من لؤلؤ النظ ... م ويزري على شتيت الأقاحي
فأضاءت تحت الدجنة للشر ... ب وكادت تضيء للمصباح
وأشارت على الغناء بألحا ... ظ مراض من التصابي صحاح
فطربنا لهن قبل المثاني ... وسكرنا منهن قبل الراح
قد تدير الجفون من عدم الأل ... باب ما لا يدور في الأقداح
قوله: «فجالت فوق خصر» كلام حسن.
وقوله: «يراح له الورد» حسن أيضاً.
وقول أبي تمام: «كانت وبالاً على الورد» أحسن منه وألطف، وأشبه بما يستعمل في هذا المعنى.
(2/97)

وقوله: «ويشتمه جنى التفاح» ليس بالجيد، بل هو رديء؛ لأنه لا يدخل في الاستعارة أن يشتم التفاح خدها، ولكنه يحمل على أن لو كان مما يشتم لاشتم خدها، أو لو كان الورد مما يراح لراح له.
و «يراح» أسهل من «يشتم».
وهذا مثل قول [عوف بن عطية] (1) بن الخرع:
لها حافر مثل قعب الوليد ... يتخذ الفأر فيه مغارا (2)
والفأر لا تتخذ في الحافر مغاراً، وإنما قال ذلك لعظم الحافر، ومثله أيضاً قولهم: جاء بجفنة يقعد فيها خمسة، وإنما أراد لو قعدوا فيها لو سعتهم.
وهذا على كل حال أقرب من استعارة البحتري.
وقوله: «وشتيتاً يغض من لؤلؤ النظم» بيت في غاية الجودة، والصحة، والبراعة.
وكذلك قوله: «وكادت تضيء للمصباح» وهو أجود من قول أبي تمام:
«وتبدو في الضياء فيظلم»، وأوضح وأليق، وأشد مبالغة في الضوء.
... وقال (3) البحتري:
وبنفسي مستغرب الحسن فيه ... حيد عن محبه ونفار (4)
فاتر الناظرين ينتسب الور ... د وجنتيه والجلنار (5)
مذنب يكثر التجني فمنه الذ ... نب ظلماً ومني الاعتذار
(2/98)

وهذا من قول المؤمل بن أميل المحاربي:
* وتذنبون فنأتيكم فنعتذر (1) *
وقال البحتري:
وقد نهيت فؤادي لو يطاوعني ... عن ذي دلال غريب الحسن مفرده (2)
عن حب أحوى أسيل الخد أبيضه ... ساجي الجفون كحيل الطرف أسوده
مثل الكثيب تعالى في تراكمه ... مثل القضيب تثنى في تأوده
فجعل الخد ههنا أبيض من أجل قوله: «كحيل الطرف أسوده».
وابيضاض الخد عند كثير من الناس -إذا كان له ماء ورونق- أحسن من احمراره.
وقوله: «أحوى» إنما ذهب به إلى الظبي، وهو الذي في ظهره خط أسود، فقال «أحوى» مكان قوله «ظبي» لو قاله.
وهذا لفظ ومعنى في غاية الحسن.
وقال:
بيضاء أوقد خديها الصبا وسقى ... أجفانها من مدام الراح ساقيها (3)
في حمرة الورد شكل من تلهبها ... وللقضيب نصيب من تثنيها
قوله: «أو قد خديها الصبا» يريد احمرارها، وهذا لفظ حسن ومعنى مستقيم.
(2/99)

وقوله: «وسقى أجفانها من مدام الراح ساقيها» يريد تفتير ألحاظها، وانكسار أجفانها من الغنج، كما تتكسر أجفان السكران.
وهذا كقوله:
تحسبه نشوان إما رنا لل ... فتر من أجفانه وهو صاح (1) والأشهر (2) الأكثر في كلامهم تشبيههم أجفان المحبوب بطرف الوسنان لا بطرف السكران، فذلك نحو قول الشاعر:
وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم (3)
وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم (4)
ويجعلون طرف المحبوب هو الذي يسكر، ويقيمونه مقام الراح، وقد أكثر البحتري من هذا الوصف، وذلك قوله:
أرسلت شغلين: من لفظ محاسنه ... تدوي الصحيح ولحظ يسكر الصاحي (5)
حييت خديك بل حييت من طرب ... ورداً بورد وتفاحاً بتفاح
[وقوله:
قد تدير الجفون من عدم الأل ... باب ما لا يدور في الأقداح] (6)
(2/100)

وقوله:
وما أسكرتني الراح لكن أعانها ... علي بعينيه الغداة ومديرها (1)
وقوله:
سقاني بكأسيه وعينيه قادراً ... بألحاظه دون المدام على سكري (2)
وقوله:
مسكري إن شربت منه بعيني ... أرجوان من خمر خديه صرف (3)
ولو قال: «خندريس من خمر عينيه» كان ذلك صحيحاً مستقيماً، ولكن «أرجوان من خمر خديه» أحسن وألطف.
ولما قيل: «بيضاء أوقد خديها الصبا» كان يجب أن يقول: في حمرة الورد شكل من تلهبها، فلم يقل، ونسب التلهب إليها، وإن كان للخدين، وذلك من أجل قوله:
* وللقضيب نصيب من تثنيها *
ويجوز أن يكون ذهب بقوله من تلهبها إلى تلهب نار الخدين؛ لأنه قد دل عليها بالإيقاد.
... وقال أبو تمام في حمرة الخد:
إن في خيمهم لمطعمة الحج ... لين والمتن متن خوط وريق (4)
وكأن الجريال شيب بماء الد ... ر في خدها بماء العقيق
(2/101)

كذا رواية هذا البيت: «شيب بماء الدر في خدها (1) بماء العقيق» [وهو الصحيح] (2).
والجريال: اللون الأحمر، وأراه أراد لون الخمر، كما قال الأعشى:
«سلبتها جريالها» (3)، أي حمرتها، وقد سئل عن هذا فقال:
شربتها حمراء وبلتها بيضاء!.
واستقامة اللفظ أن يكون أراد: وكأن الجريال بماء العقيق شيب بماء الدر في خدها، كما قال في نحو هذا اللفظ:
وأخلاق كأن المسك فيها ... بصفو الراح بالنطف العذاب (4)
فإن كان هذا أراد فقد كان ماء العقيق يغني عن الجريال؛ لأن الدر والعقيق جوهران، واختلاط مائهما على الاستعارة حتى يشبه الخد المورد سائغ.
وإن كان أراد بالجريال الخمر نفسها كما قال الشاعر:
* وتكلمت بلسانها الجريال *
فإن الخمرة بحمرة لونها مستغنية عن ماء (5) العقيق؛ لأنها أنصع وأحسن.
وهو أيضاً جمع بين شيئين لا يتشابهان:
(2/102)

والعادة الجارية في مثل هذا أن يقال: كأن خدها الخمر والماء، أو كأنها في خدها الخمر والماء، فأما الخمر ممزوجة أو مشوبة بماء العقيق فإنه خطل من القول.
... وقال أبو تمام:
رود أصابتها النوى في خرد ... كانت بدور دجنة وشموسا (1)
وكأنما أهدى شقائقه إلى ... وجناتهن ضحى أبو قابوسا
بيضاً يدرن عيونهن إلى الصبا ... فكأنهن بها يدرن كؤوسا (2)
وهذه أبيات صالحة.
ثم جن بعد هذا فقال:
لولا حداثتها وأني لا أرى ... عرشاً لها لظننتها بلقيسا (3)
فأي شيء يزيد على هذه الحماقة.
... وقال البحتري:
سفرت كما سفر الربيع الطلق عن ... ورد يرقرقه الضحى مصقول (4)
(2/103)

وتبسمت عن لؤلؤ في رصفه ... برد يرد حشاشة المتبول
أي شيء يزيدك على هذا الإحسان (1)؟
وأجود من هذا وأحلى قول كثير:
ويوم الخيل قد سفرت وكفت ... رداء العصب عن رتل براد (2)
وعن نجلاء تدفع في بياض ... إذا دمعت وتنظر في سواد (3)
وعن متكاوس في العقص جثل ... أثيث النبت ذي غدر جعاد
متكاوس: شعر كثير قد ركب بعضه بعضاً.
(2/104)

* ما لاقاه في وصف الثغور
وقال أبو تمام:
وثنياك إنها إغريض ... ولآل توم وبرق وميض (1)
وأقاح منور في بطاح ... هزه في الصباح روض أريض
وارتكاض الكرى بعينيك في النو ... مفنوناً وما لعيني غموض (2)
لتكاءدنني غمار من الأح ... داث لم أدر أيهن أخوض
وهذه لعمر الله يمين في غاية الحسن [والحلاوة] (3) والملاحة.
وقوله: «وأقاح منور في بطاح» كلام مستقيم، والبطاح: ما اطمأن من الأرض وانهبط (4) والندى، والعشب فيه أبقى، ورياض الحزن أحسن، فأما قول الأعشى:
* ما روضة من رياض الحزن معشبة (5) *
فإن الحزن ههنا: موضع كانت أبل الملوك ترعي فيه على ما ذكر.
وقوله: «هزة في الصباح روض أريض» ليس بالجيد اللائق؛ لأن الأقاحي هي من الروض، والروض أنما يهزه ويحركه الندى، والنسيم لا أن يهز بعضه بعضاً.
(2/105)

والأبيض (1): هو المتمكن في موضعه، الجيد النبات.
... وقال البحتري:
لها غرائب دل ما يزال لها ... على الغرام به حث وتحريض (2)
تفاح خد إذا احمرت محاسنه ... مقبل بخفي اللحظ معضوض
وواضحات تريك الدر متسقاً ... كأنهن إذا استغربن إغريض (3)
لو كان يكفيك علم الشيء تجهله ... فقد كفاك من التصريح تعريض (4)
فقوله: «تريك الدر متسقاً» أحسن، وأصح من قول أبي تمام:
«ولآل توم» غير أن أبا تمام شبه الثغر في بيته بثلاثة أشياء وقد فعل البحتري ذلك فقال:
بات نديماً لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح (5)
كأنما يضحك عن لؤلؤ ... منظم أو برد أو أقاح
فشبه الثغر بثلاثة أشياء، وشرط في اللؤلؤ أنه منظم، كما قال في البيت الآخر:
«تريك (6) الدر متسقاً»، حتى استوى التشبيه بالإغريض.
(2/106)

وقد شبه الثغر بالبرد والأقاحي في مصراع فقال:
يضحكن عن برد ونور أقاح ... ويشبن ظلم رضابهن براح (1)
ووصله ببيت هو في حسنه وحلاوته فقال:
وإذا برزن من الخدور سفرن عن ... هميك: من ورد ومن تفاح
وقد شبه البحتري أيضاً بياض ثغر المرأة بالبرق، وبضوء المصاح فقال:
أضوء برق بدا أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي (2)
ثم قال بعده:
ويرجع الليل مبيضاً إذا ضحكت ... عن أبيض خضل السمطين لماح (3)
وهذا أحسن كلام، وأصحه، وأحلاه.
ولكن البديع في تشبيه الثغر بالبرق قول العديل بن الفرخ العجلي:
ضحكت فقلت غمامة برقت لنا ... بشعاب مكة برقها لا يبرح (4)
فشرط أن برقها مقيم لا يبرح، وهذ ألطف ما يكون من المعاني وأحسنها.
وقد أحسن البحتري كل الإحسن في قوله:
وشتيتاً يغض من لؤلؤ النظ ... م ويزري على شتيت الأقاحي (5)
(2/107)

ومن إحسانه المشهور لفظاً ومعنى قوله:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدر حسناً ولاقطه (1)
فمن لؤلؤ تبديه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه (2)
والعرب تشبه الثغر باللؤلؤ ... والإغريض وهو ما (3) يتشقق
عنه الطلع من النخل، والأقاحي، وهو أشبهها بالثغر هيئة، وشكلاً، وبياضاً، وتفلجاً، وتشبهه بالبرد، وبشوك السيال، وهو شجر، ولا يريدون اللون، وإنما يريدون الشكل والتفرق، قال الأعشى:
باكرتها الأغراب في سنة النو ... م فتجري خلال شوك السيال (4)
الأغراب: أقداح الفضة باكرتها وفيها الخمر وقد قال أبو تمام:
وعلى العيس خرد يتبسم ... ن عن الأشنب الشتيت البراد (5)
كان شوك السيال حسناً فأضحى ... دونه للفراق شوك القتاد (6)
فالبراد: هو البارد، والأشنب أيضاً: البارد، والشنب: البرد، وإنما جمع بينهما لاختلاف اللفظ.
وقال أبو تمام:
ولو تبسم عجنا الطرف في برد ... وفي أقاح سقته الخمر والضرب (7)
من شكله الدر في رصف النظام ومن ... صفاته الفتنتان: الظلم والشنب
(2/108)

قوله: «وفي أقاح الخمر والضرب» معنى حسن جداً، ولائق بالمعنى.
والظلم: ماء الأسنان، والشنب: بردها.
وتزعم الرواة أن أحسن ما قيل في وصف الثغر قول بشر بن أبي خازم (1):
يفلجن الشفاه عن أقحوان ... جلاه غب سارية قطار (2)
وهذا -لعمري- يستحق التقديم والتفضيل وليس بدونه قول النابغة:
كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي (3)
بل قول النابغة أجمع للمعنى؛ لأن قوله: «كالأقحوان غداة غب سمائه» بإزاء قول بشر: «جلاه غب سارية قطار».
وقول النابغة: «جفت أعاليه وأسفله ندي» زيادة حسنة.
ولكن بيت بشر أبرع؛ لأنه مستغن بنفسه، وبيت النابغة متعلق على البيت الذي قبله.
(2/109)

* ما قالاه في وصف القدود، والخصور، والأخصاف، وثقل الأرداف، وحسن المشي
قال أبو تمام:
ومقدودة رود تكاد تقدها ... إصابتها بالعين من حسن القد (1)
تعصفر خديها العيون بحمرة ... إذا وردت كانت وبالاً على الورد (2)
وقال:
وخوطية شمسية رشئية ... مهفهفة الأعلى ردا ح المحقب (3)
تصدع شمل القلب من كل وجهة ... وتشعبه بالبث من كل مشعب
بمختتل ساج من الطرف أحور ... ومقتتل صاف من الثغر أشنب
من المعطيات الحسن والمؤتياته ... مجلببة أو فاضلاً لم تجلبب
وهذه معان حسنة وقول حلو.
والرداح: العظيمة العجز.
وقوله: تصدع شمل القلب، وتشعبه بمعنى واحد، ولولا قوله: «بالبث» لصلح أن يكون تشعبه: تضم أجزاءه، وتلائم بينها، لأن من الأضداد (4): يكون جمعت وفرقت، فكأن المعنى حينئذ: تصدع شمل
(2/110)

القلب أي تفرقه إذا شاءت، وتشعبه أي تضمه وتجمعه، كما قال في موضع آخر:
وعهدي بها تحي الهوى وتميته ... وتشعب أعشار الفؤاد وتصدع (1)
أي تحي الهوى بهجرها، وتميته بوصلها.
وقوله: «ساج» أي يختل بنظره، ومقتتل صاف، يريد قتل الحب؛ يقال: اقتتله الحب، واقتتلته الجن، كأنه اعتمد ازدواج اللفظين بقوله: مختتل، ومقتتل.
وقوله: «مجلببة» من الجلباب وهو: الخمار، وقد يكون أيضاً الثوب.
«أو فاضلاً لم تجلببب»، والفاضل: هي المتفضلة في ثوب واحد، وهو الذي تلبسه (2) المرأة للبذلة والاعتمال.
... وقال:
من كل ضاحكة الترائب أرهفت ... إرهاف خوط البانة المياس (3)
بدر أطاعت فيك بادرة النوى ... خطأ وشمس أولعت بشماس (4)
وإذا مشت تركت بصدرك ضعف ما ... بحليها من كثرة الوسواس (5)
والخطء: ما يعتمده الإنسان، والخطأ: ما لا يعتمده (6).
(2/111)

وقوله: «ضاحكة الترائب»: يريد ما على صدرها من الحلي، والترائب: عظام الصدر.
وقال:
إن في خيمهم لمطعمة الحج ... لين والمتن متن خوط وريق (1)
وهي لا عقد ودها ساعة البي ... ن ولا عقد خصرها بوثيق
قوله: «مطعمة الحجلين»، والحجل، الخلخال، والمطعم: المرزوق من الطعم، جعل امتلاء لحم ساقها طعماً لخلخالها؛ لأنه يعض به.
وقوله: «وهي لا عقد ودها ساعة البين [أراد: ولا عقد ودها ساعة البين] بوثيق، ولا عقد خصرها بوثيق عل كل حال، ولكنه أخبر عنها (2) خبراً واحداً، ونسق بأحدهما على الآخر صار الظرف، وهو ساعة البين، على ظاهر اللفظ، كأنه يضمهما (3) معاً، فيكون عقد خصرها غير وثيق أيضاً في ساعة البين، وهو قبيح على جوازه وسوغه.
...
وقال البحتري:
وفيهن مشغول به الطرف هارب ... بعينيه لحظ المحب المخالس (4)
يخبر عن عصن من البان مائد ... إذا اهتز في ضرب من الدل مائس
وهذا نمط البحتري الحلو، وإنما قال: «هارب بعينيه»، فخصهما
(2/112)

دون غيرهما؛ لأن الحسن (1) إنما هو في العين، علاقة الحب إنما تكون عند النظر إلى العين (2).
وقال:
وقد بان فيهم غصن بان إذا بدا ... ثوى مخبراً عن مثله أو مثاله (3)
يسوءك ألا عطف عند انعطافه ... ويشجيك ألا عدل عند اعتداله (4)
كأنه أراد بالمثل الشيء نفسه، والمثال: الشبه، أي ثوى مخبراً عن غصن بان مثله، أو شبهه، إلى هذا ذهب.
وقال:
أعطيت بسطة على الناس حتى ... هي صنف في الحسن والناس صنف (5)
اعتدال يميل منه انخناث ... وتثن فيه الفخامة لطف (6)
نعمة الغصن إن تأود عطف ... منه عن هزة تماسك عطف (7)
مسكري إن سقيت منه بعيني ... أرجوان من خمر خديه صرف (8)
وهذا من أحسانه المشهور.
(2/113)

وقال:
لما مشين بذي الأراك تشابهت ... أعطاف قضبان به وقدود (1)
في حلتي حبر وروض فالتقى ... وشيان: وشي ربي ووشي برود
وسفرن فمتلأت عيون راقها ... وردان: ورد جنى، وورد خدود (2)
وضحكن فاغترب الأقاحي من ند ... غض وسلسال الرضاب برود (3)
وهذا أيضاً من إحسانه المعروف.
وقوله «فاغترب» يريد الضحك، والمستعمل استغرب في الضحك إذا اشتد فيه، وأغرب أيضاً، قال ذو الرمة:
فما يغربون الضحك إلا تبسماً ... ولا ينسبون القول إلا تناجيا (4)
ولم أسمع في الضحك اغترب، إنما ذلك من الغربة والبعد، فقوله: «اغترب الأقاحي من ند غض» يريد النور نفسه، «وسلسال الرضاب» يعني الثغور، كأنه جعلهما جميعاً من الأقاحي، وفصله فقال: من ند غض، ومن سلسال الرضاب، وسلسال الرضاب هو ند غض أيضاً، إلا أنه جعل الفرق بينهما أن هذا أندى، وأجرى من ذاك.
وأظن المستغرب في الضحك إنما أخذ من غروب الأسنان إذا بدت كلها في الضحك، وهي أطرافها، وغرب كل شيء: حده.
أو أن يكون استغرب في الضحك أي امتلأ ضحكاً من قولهم: أغربت
(2/114)

السقاء إذا ملأته، قال بشر بن أبي خازم:
وكأن ظعنهم غداة تحملوا ... سفن تكفأ في خليج مغرب (1)
وسبيل هذا البيت أن يلحق في «باب الثغور».
وقوله: «فالتقى وردان: ورد جنى، وورد خدود» إن كان أراد هذا الورد المعروف فمن أين بذي الأراك ورد؟، إلا أن يريد بعض الأنواع (2)، والحمر من الأنوار فإنها كثيرة، وإياها -إن شاء الله- أراد.
ومن عجيب ما أورده في حسن القد قوله:
تهتز مثل اهتزاز الغصن أتعبه ... مرور غيث من الوسمي سحاح (3)
وقال:
بيضاء يعطيك القضيب قوامها ... ويريك عينيها الغزال الأحور (4)
تمشي فتحكم في القلوب بدلها ... وتميس في برد الشباب فتخطر (5)
وتميل من لين الصبا فيقيمها ... قد يؤنث تارة ويذكر
وقال:
هل الذلفاء مخبرتي أهجراً ... أرادت بالتجنب، أم دلالاً؟ (6)
ذكرت بها قضيب البان لما ... غدت تختال في الحسن اختيالا
تشاكله انعطافاً واهتزازاً ... وتحيكه قواماً واعتدالا
(2/115)

وهذا ما لا يكاد يسمع أحلى ولا أعذب ولا أبرع منه.
وقال:
ألام على هوى ظمياء ظلماً ... وقلبي في يدي ظمياء عان (1)
إذا انصرفت أضاءت شمس دجن ... ومال من التعطف غصن بان
قوله: «أضاءت شمس دجن» أي إذا انصرفت مولية بوجهها كان ضوؤها كضوء الشمس من تحت الدجن، وهو إلباس الغم الأفق، وهذا أحسن ما يكون من المعنى (2) وألطفه، أي إذا غاب وجهها حين تولى فأنا منها أيضاً في ضياء كضياء (3) الشمس من تحت الدجن.
وقال أبو تمام:
أدنت نقاباً على الخدين وانتسبت ... للناظرين بقد ليس ينتقب (4)
وهذا حسن جداً.
وقال أبو تمام:
ليالي أضللت العزاء وجولت ... بعقلك آرام الخدور الخواذل (5)
من الهيف لو أن الخلاخل صبرت ... لها وشحاً جالت (6) عليها الخلاخل
منها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا تلك ذوابل
(2/116)

قوله: «جولت» من أجل قوله: «الخواذل» وهن (1) اللواتي تخلفن من جملة السرب على أولادهن، فأراد أن يطابق بين «الجولان» و «التأخر» وهو طباق غير جيد، ولا لائق.
وقوله: «من الهيف لو أن الخلاخل صيرت لها وشحاً» من أقبح الخطأ وأفحشه، لأن الخلخال لا يكون في موضع الوشاح؛ لأن الوشاح: ما تتقلده المرأة من سير، أو خيط فيه خرزاً، أو حلياً من فضة أو غيرها، تتزين به فيكون منها في موضع حمائل السيف من الرجل، والخلخال لا يكون في هذا الموضع إلا إذا مسخها الله، وأقمأها.
[(2) وقد أخطأ في البيت الثاني أيضاً فقال: «قنا الخط إلا أن تلك ذوابل» وإنما قيل للرماح: «ذوابل» للينها وتثنيتها، فنفى ذلك عن قيود النساء التي من أكمل أوصافها التثني واللين والانعطاف، كما قال تميم بن أبي بن مقبل]:
يهززن للمشي أوصالاً منعمة ... هز الجنوب ضحى عيدان يبرينا (3)
أو كاهتزاز رديني تداوله ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا
وقد ذكرت هذا مشروحاً في أغاليطه (4).
ولله در أبي عبادة إذ يقول:
غدت قضبان أسحلة عليها ... لفرط الجدل أو شحة تجول (5)
(2/117)

يقوم من تثنيها اعتدال ... تكاد تقول من هيف نحول (1)
مشين على خمائل ذي طلوح ... وقد ضاقت بما فيها من الحجول
فقلت: أزيد من سقم فؤادي ... وهل يزداد من قتل قتيل (2)
فهذا -والله- هو الشعر، لا تعليلات أبي تمام بطباقه وتجنيسه، وفرط تقعره، وكثرة أحالاته، وما زلت أسمع الشيوخ يفضلون هذا البيت الأخير على كل ما سمعوه في الغزل.
وهذه القصيدة من قلائده، وفيها يقول قبل هذه الأبيات:
بعيدة مطلب وجماد نيل ... فها هي لا تنال ولا تنيل
إذا خطرت تأرج جانباها ... كما خطرت على الروض القبول
ويحسن دلها والموت فيه ... وقد يستحسن السيف الصقيل
... وقال أبو تمام:
وناضرة الصبا حين اسبكرت ... طلاع المرط والدرع اليدي (3)
تشكى الأين من نصف سريع ... إذا قامت ومن نصف بطي
وهذا ما لا مدفع لجودته وحسنه، وكأنه صفوة خاطر أبي تمام، إذا كان بجمامه يأتي به وبأمثاله، فإذا أعيا وكل زماناً رمى بالأوساخ والأقذار والغثاء.
(2/118)

وقوله: «طلاع المرط» أي تملأ الملحفة تماماً وكمالاً، كأنها تطلع عليها، أي تعلوه، والدرع: القميص التام، واليدي: الواسع.
... وقال البحتري:
نواصع كسيوف الصقل مشعلة ... ضوءاً ومرهفة في الجدل إرهافا (1)
إذا نضون شفوف الريط آونة ... قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا
كأنهن وقد قربن من طرفي ... ضدين في الحسن تثقيلاً وإخطافا (2)
رددن ما خففت منه الخصور إلى ... ما في المآزر فاسثقلن أردافا
وحسبك بهذا حسن لفظ، وحلاوة نظم، وصحة معنى.
وألطف من قوله: «قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا» قول أبي تمام:
لآليء كالنجوم قد لبست ... أبشارها صدف الإحصان لا الصدفا (3)
وبيت البحتري أبرع وأحلى.
وقال البحتري أيضاً:
غدت أترابها ينهضن هوناً ... لثقل من روادفها الثقال (4)
مشين ضحى بأقدام لطاف ... وسوق في خلاخلها خدال
إذا اجتبن الحلي رأيت بياضاً ... أوانس كاللآليء في اللآليء (5)
(2/119)

وقال:
أطاع لها دل غرير، وواضح ... شتيت وقد مرهف وشوى خدل (1)
وألحاظ عين ما علقن بفارغ ... فحلينه حتى يكون له شغل (2)
وهذا من مشهور أبي عبادة.
[وقال أبو تمام] (3):
ومن جيد غيداء التثني كأنما ... أتتك بليتيها من الرشإ الفرد (4)
كأن عليها كل عقد ملاحة ... وحسناً وإن أمست وأضحت بلا عقد
ومن نظرة بين السجوف عليلة ... ومحتضن شخت ومبتسم برد (5)
ومن فاحم جعد ومن كفل نهد ... ومن قمر سعد ومن نائل ثمد (6)
محاسن ما زالت مساو من النوى ... تغطي عليها أو مستاو من الصد
شخت: دقيق يتمكن الذراع من احتضانه، كأنه ينفي عنها ضخم البطن وموضع (7) [الكشح] ويستحب فيها الضمر.
(2/120)

* ما قالاه في: شدة الحب، والوجد، والتشوق، والغرام، والحزن، وانتجاز المواعيد، وإخلافها، ونحو ذلك:
...

في الحزن والوجد
قال أبو تمام:
حزن غداة الحزن هاج غليله ... في أبرق الحنان منك حنين (1)
سمة الصبابة زفرة أو عبرة ... متكفل بهما حشأ وشئون
لولا التفجع لادعى هضب الحمى ... وصفا المشقر أنه محزون
وهذا المعنى غاية في حسنه وجودته، وإنما حذا على قول الأحوص:
إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبا ... فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا (2)
ولكنه عبر عنه بعبارة (3) أغرب فيها حتى صار كأنه ليس ذلك المعنى وهو هو بعينه.
والعزهاة: الذي قد عزف عن اللهو والصبا.
(2/121)

وقال البحتري:
زعم الزاعمون أن الذي يه ... وى مراض العيون غير رشيد (1)
كذب الزاعمون قد يحسن الح ... ب بمن ليس قلبه من حديد
وقال:
ولو أن الجبال فقدن إلفا ... لأوشك جامد منها يذوب (2)
وقال:
حقاً أقول لقد تبلت فؤادي ... وأطلت مدة غيي المتمادي (3)
بجوى مقيم لو علمت غليله ... لوجدته غير الهوى المعتاد
والحب سكر للنفوس يسرني ... سهر العوائد عنه والعواد (4)
وهذا معنى آخر حسن جداً.
وقد قال أبو تمام:
به علة صماء للبين لم تصخ ... لبرء ولم توجب عيادة عائد (5)
ومعنى البحتري أجود وأحلى.
وقال أيضاً:
بل ما أود بأنني أفرقت من ... وجد ولا أني بردت غليلي (6)
وأعد برئي من هواك ضمانة ... والبرء أكبر حاجة المخبول (7)
(2/122)

وفي الشوق والصبابة:
قال أبو تمام:
لا شوق ما لم منه بالَّتي ... هجرتك وجداً كالأباء المحرق (1)
يغلي إذا لم يضطرم ويري إذا ... لم يحتدم ويغص إن لم يشرق
قوله: ما لم تصل منه أي من الشوق، وجداً: أي من الوجد.
كالأباء المحرق: أي فتكون إذا مليت (2) به كالأباء المحرق من الوجد.
وقوله: «يغلي إذا لم يضطرم»، كأنه جعل الاضطرام أشد من الغلي، والغلي هو اضطرام أيضاً.
«ويري» معناه يحرق، والاحتدام: شدة الحر، ويقال: وجدت للحر حدمة.
يقول: هو يحرق وإن لم يشتد حره.
«ويغص إن لم يشرق»، فنزل من الغليان، والاضطرام، والورى، والاحتدام إلى الغصص، والشرق، وليس ذلك بخطأ ولا هو بالجيد، ولا الحلو، ولا الشهي.
... وقال البحتري:
وحرض شوقي خاطر الريح إذ سرى ... وبرق بدا من جانب الغرب لامع (3)
(2/123)

وما ذاك أن الشوق يدنو بنازح ... ولا أنني في وصل علوة طامع
خلا أن وجداً ما يغب ولوعة ... إذا اضطرمت فاضت عليها المدامع (1)
وهذه طريقة البحتري التي يخبر فيها بالشيء على ما هو فيعفي (2) على كل بديع واستعارة إذا اعتمدها؛ وذلك لحسن عبارته وتلخيصه.
وقوله: «خاطر الريح»: من الخطران كما قال في موضع آخر:
* كما خطرت على الروض القبول (3) *
وقال:
شوق إليك تفيض منه الأدمع ... وجوى عليك تضيق عنه الأضلع (4)
وهوى تجدده الليالي كلما ... قدمت وترجعه السنون فيرجع
وقال:
هل أنت من حر الصبابة منقذي ... أو أنت من شكوى الصبابة عائدي (5)؟
شوق تلبس بالفؤاد دخيله ... والشوق يسرع في الفؤاد الواجد
ومما أحسن فيه البحتري وأغرب قوله في شدة الحب وتمكنه:
غير حب لسليمى لم يزد ... فيه إسعاف ولم ينقصه ضن (6)
ثبتت تحت الحشا آخية ... منه لا ينزعها المهر الأرن (7)
(2/124)

وقد بالغ أيضاً الذي يقول:
أحبك ما لو كان بين قبائل ... من الناس أعداء لجر التصافيا (1)
وأبلغ من هذا كله وأجود قول الأعشى:
كفى بالذي تولينه لو تجنبا ... شفاء لسقم بعد ما كان أشيبا (2)
ولكنما كانت توابع حبها ... توالى ربعي السقاب فأصبحا
فتم على معشوقه لا يزيدها ... إليه بلاء السوء إلا تحببا
وكان حماد الراوية يتعجب من قوله: «فتم على معشوقه»، ويقول: هذا (3) -والله- غاية العشق، ونهاية الإحسان في النسيب.
يقول: كفى بالذي توليه من البعد والقطيعة شفاء له من سقم الحب لو تجنب، ولكنه لا يقدر على ذلك.
وقوله: «توابع حبها» أي ما تتابع وتوالي من حبها كتوالي الربعي، وهو: السقب الذي نتج في أول الربيع، ينتقل من سن إلى سن حتى قوي ومرن، وانقاد (4)، جعل هذا مثلاً لزيادة حبه شيئاً فشيئاً حتى تمكن، فذلك معنى قوله قوله: «توالي».
وقد روى «تأول ربعي» من حال إلى حال، من آل يئول.
وقال أبو حية النميري في هذا المعنى، وجاء به أكشف وأبين وأحسن مما جاء به الأعشى فقال:
لا منكر لقبيح منك أعرفه ... إني أراه -إذا أرضاك- إحسانا
أحدث النفس مسرورا بذكركم ... حتى كأن الذي قد كان ما كانا
(2/125)

ومن هذا أخذ أبو الشيص -والله أعلم- قوله:
وأهنتني فأهنت نفسي عامداً ... ما من يهون عليك ممن أكرم (1)
ولكنه تناهى في التذلل فأحسن المعنى كل الإحسان، ولكن الحر الكريم الأنف: «كثير بن عبد الرحمن» إذ يقول:
ولما رأت وجدي بها وتبينت ... صبابة حران الصبابة صاد
أدلت بصبر عندها وجلادة ... وتحسب أن الناس غير جلاد
فيا عز صادي القلب حتى يودني ... فؤادك أو ردي علي فؤادي (2)
وكان هذا مما ينشده أبو العباس ثعلب كثيراً ويستحسنه، ذكر ذلك الأخفش.
وقوله: «صادي القلب» أي داريه، والمصاداة: المداراة.
وقال كثير أيضاً وأحسن كل الإحسان:
وكنت ألوم الجازعين على البكا ... فكيف ألوم الجازعين وأجزع
ولي كبد قد برحت بي مريضة ... إذا سمتها الهجران ظلت تصدع
وأظن أبا الشيص أخذ بقوله:
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... [إذ كان حظي منك حظي منهم] (3)
من قول كثير:
مجاورة قوماً عدى لي صدورهم ... ألا حبذا من حبها من تجاور
(2/126)

وقد أحسن أيضاً الإحسان كله الذي يقول:
ولما بدا لي منك ميل مع العدا ... علي ولم يحدث سواك بديل (1)
صددت كما صد الرمي تطاولت ... به مدة الأيام وهو قتيل
... وقال أبو تمام يذكر الوعد وإخلافه:
وفي الكلة الوردية اللون جوذر ... من العين ورد الخد ورد المجاسد (2)
غدت مغتدى الغصبى وأوصت خيالها ... بحران نضو العيس نضو الخرائد
وقالت نكاح الحب يفسد شكله ... وكم نكحوا حباً وليس بفاسد
سآوي بهذا القلب من لوعة ... إلى ثغب من نطفة اليأس بارد
وهذه أبيات سخيفة المعاني، قد أتى فيها بكل قبح وفحش، لأنه قال:
رمته بخلف بعدما عاش حقبة ... له رسفان في قيود المواعد
وبعد ذلك بين بأن الوعد كان مباضعة، وأنه لما حقق المطالبة غضبت، وذلك قوله: «غدت مغتدى الغضبى».
وقوله: «وقالت: نكاح الحب يفسد شكله»، فقال هو: «وكم نكحوا حباً وليس بفاسد»، فاحتجت عليه، واحتج عليها.
وهذه خصومة ومناظرة على ذلك الباب شديدة مستقصاة ما أظن أحداً سبقه إلى مثلها.
(2/127)

وقوله بعد هذا:
سآوي بهذا القلب من لوعة الهوى ... إلى ثغب من نطفة اليأس بارد (1)
هو أيضاً غضب منه لمنعها إياه مما التمس، ومثل هذا إنما يفصح به الشاعر إذا هزل ومجن، وإنما وصل هذه الأبيات بما افتتحه من قوله:
قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد ... وإن هي لم تسمع لنشدان ناشد
لقد أطرق الربع المحيل لفقدهم ... وبينهم إطراق ثكلان فاقد (2)
وأبقوا لضيق الهم والحزن منهم ... قرى من جوى سار وطيف معاود (3)
سقته ذعافاً عادة الدهر فيهم ... وسم الليالي فوق سم الأساود
به علة صماء للبين الم تصخ ... لبرء ولم توجب عيادة عائد
ومن يقف على المعاهد، ويصف ما به من الهم، والحزن، والجوى، وأن عادة الدهر فيهم سقته الذعاف -وهو السم- وأن به علة للبين صماء لم تصخ لبرء: أي لم تصغ إليه، ولم تقرب منه فإنه لا يقول بعد ذلك كله: إنه كان التمس من المرأة الفاحشة، وناظرها (4) عليها، وغضب من منعها إياه، وهذا غاية ما يكون من السخف والحمق.
فإن قيل: إن المعاهد التي وقف عليها لم تك معاهد هذه المرأة ذات الكلة الوردية اللون، وإن هذه إنما كانت معه في الرفاق وهم سائرون، فاستوقفهم لتجديد عهد بديار كان فيها أحباب أول.
(2/128)

قيل: هذا غلط من التأويل؛ لأنه قال: «به علة صماء للبين لم تصخ لبرء»، فأوجب بهذا القول أن حبه باق غير منصرم.
وإذا كان لم يبرأ حبه من امرأة أولى، فكيف يقف صحبه على معاهدها وفيهم امرأة أخرى يهواها، وقد طالبها سنة، وهي تعده، وذكر أنها أوصت خيالها [به] (1)، وأنه حران هذا محال، لم يكن الحب إلا لهذه المرأة ذات الكلة [رحم الله غفلته].
وقوله: «نضو العيس» لطول السفر، و «نضو الخرائد»، يعني الخيالات.
ولله در أبي عبادة إذ يقول:
لو تسعفين وما سألت مشقة ... لعدلت حر جوى ببرد رضاب (2)
ولئن شكوت ظماي إنك للتي ... قدماً من السراب شرابي (3)
وعتبت من حبيك حتى إنني ... أخشى ملامك أن أبثك ما بي (4)
وقال البحتري:
إذا راجعت وصلاً على طول هجرة ... تراجعت شيئاً من بلاي إلى سقمي (5)
وقد زعمت أن سوف تنحج ما وأت ... وظني بها الإخلاف في ذلك الزعم (6)
خليلي ما لي لا شفاء من الجوى ... ولا نعم مرجوة النجح من نعم (7)
(2/129)

وقال:
بنفسي من تنأى ويدنو ادكارها ... ويبذل عنها طيفها وتمانع (1)
خليلي أبلاني هوى متلون ... له شيمة تأبى وأخرى تطاوع
وهذا لعمري حسن، وأحسن منه قول كثير لأنه تمنى الحال التي وصفها البحتري فقال:
والله ما يدري غريم لويته ... أيشتد إن لاقاك أم يتضرع (2)
بخلت فكان البخل منك سجية ... فليتك ذو لونين يعطي ويمنع
وقال [البحتري] (3):
ماذا على الأيام لو سمحت لنا ... بثواء أيام لديك قلائل (4)
فأويت للقلب المعنى المبتلى ... بهواك والبدن الضئيل الناحل
وقال أيضاً:
فداؤك ما أبقيت مني فإنه ... حشاشة حب في نحول عظام (5)
صلي مغرماً قد واتر الشوق دمعه ... سجاماً على الخدين بعد سجام (6)
فليس الذي حللته بمحلل ... وليس الذي حرمته بحرام
(2/130)

وقال:
وددت وهل نفس امريء بمليمة ... إذا هي لم تعط الهوى من ودادها (1)
لو أن سليمى أسمحت أو لو أنه ... أعير فؤادي سلوة من فؤادها (2)
وقال:
أين الغزال المستعير من النقا ... كفلاً ومن نور الأقاحي مبسما (3)
ظمئت جوانحنا إليه وريها ... في ذلك اللعس الممنع واللمى (4)
متعتب منم حيث لا متعتب ... إن لم يجد جرماً علي تجرما (5)
ألف الصدود فلو يمر خياله ... بالصب في سنة الكرى ما سلما
وقال:
أرى ثقة الراجي مواصلة المها ... تكاءدها أو آدها شك خائف (6)
كأن الذي يكذبنه نحب ناذر ... يقضين منه أو ألية حالف (7)
فليت لبانات المحب رددن في ... جوانحه أو كن عند مساعف
وهذا حسن جداً.
وقال:
إذا قربت فهجر منك يبعدني ... وإن بعدت فوصل منك يدنيني (8)
(2/131)

تصرم الدهر لا جود فيطعمني ... فيما لديك ولا يأس فيسليني
فلست أعجب من عصيان قلبك لي ... يوماً إذا كان قلبي فيك يعصيني (1)
وهذا إحسانه المشهور، ويقال: إنه أخذه من قول الخليع:
أتطمع أن يطيعك قلب سعدى ... وتزعم أن قلبك قد عصاكا
وما أحسن ما قال بشار:
وإذا قلنا لها جودي لنا ... خرجت بالصمت من لا ونعم (2)
... وقال أبو تمام في النائل النزر القليل ماهو فوق كل حسن وحلاوة:
تأبى على التصريد إلا نائلاً ... إلا يكن ماء قراحاً يمذق (3)
نزراً كما استكرهت عائر نفحة ... من فأرة المسك التي لم تفتق (4)
... وقد تصرف البحتري في جملة معاني هذا الباب تصرفاً كثيراً حسناً.
ومن ذلك قوله:
ظلمتني تجنباً وصدودا ... غير مرتاعة الجنان لظلمي (5)
(2/132)

ويسير عند القتول إذا ما ... أثمت في أن تبوء بإثمي (1)
أجد النار تستعار من النا ... ر وينشا من سقم عينيك سقمي
وقوله:
لو شئت عدت إلى التناصف في الهوى ... وبذلت من مكنونه ما أبذل (2)
أحنو عليك وفي فؤادي لوعة ... وأصد عنك ووجه ودي مقبل (3)
وإذا هممت بوصل غيرك ردني ... وله إليك وشافع لك أول (4)
وأعز ثم أذل ذلة عاشق ... والحب فيه تعزز وتذلل
وقوله:
وبي ظمأ لا يملك الماء دفعه ... إلى نهلة من ريقها الخصر العذب (5)
تزودت منها نظرة لم تجد بها ... وقد يؤخذ العلق الممنع بالغصب
وما كان حظ العين في ذاك مذهبي ... ولكن رأيت العين باباً إلى القلب
أعيذك أن تمنى بشكوى صبابة ... وإن أكسبتنا منك عطفاً على الصب (6)
ويجزنني أن تعرفي الحب بالجوى ... وإن نفعتنا فيك معرفة الحب (7)
وقوله:
نظرت وكم نظرت فأصدتني ... فجاءات البدور على الغصون (8)
(2/133)

وربة نظرة أقلعت عنها ... بسكر في التصابي أو جنون
فيا لله ما تلقى القلوب ال ... هوائم من جنايات العيون
وقد يئس العواذل من فؤاد ... لجوج في غوايته حرون
وقوله:
قال بطلاً وأفال الرأي من ... لم يقل إن المنايا في الحدق (1)
إن تكن محتسباً من قد ثوى ... لحمام فاحتسب من قد عشق
يملأ الواشي جناني ذعراً ... ويعنيني الحديث المختلق (2)
حبها أو فرقا من هجرها ... وصريح الذل حب أو فرق
قوله: «يعنيني الحديث المختلق» من أحسن المعاني وأحلاها، وأجراها في عادات كل عاشق فأراد يعنيني اختلاف الحديث، وهو اختراصه أي ينصبني، ويحزنني؛ لشدة حبي لها، وخوفي من هجرها.
والألف في قوله: «أو» في البيت مقحمة في الموضعين؛ وإنما أراد حبها وفرق هجرها، وصريح الذل حب وفرق، ولم يرد بإدخال الألف أحدهما وقال آخر في نحو هذا:
تكذبني في الحب سلمى وليس لي ... شهود وأنى بالشهود على صدقي
سوى ذوب جسمي وانتكاث بشاشتي ... وروعة قلبي بالأباطيل والحق
[قوله: «روعة قلبي بالأباطيل والحق»] (3) نحو قول البحتري:
* ويعنيني الحديث المختلق *
(2/134)

وهذا البيت حسن التقسيم.
كان بعض شيوخ الأدب تعجبه (1) التقسيمات في الشعر، وكان مما يعجبه قول عباس بن الأحنف:
وصالكم هجر وحبكم قلى ... وعطفكم صد وسلمكم حرب (2)
ويقول: هذا أحسن من تقسيمات إقليدس.
وقال أبو العباس ثعلب: سمعت «سيد العلماء» يستحسنه، يعني ابن الأعرابي (3).
ونحو هذا ما أنشده المبرد لأعرابي، وليس هو عندي من كلام الأعراب، وهو بكلام المولدين أشبه:
وأدنو فتقصيني وأبعد طالباً ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي (4)
وشكواي تؤذيها وصبري يسرها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي (4)
(2/135)

وقال البحتري:
ولي هفوات باعثات لي الجوى ... يعرضني من برحه للمتالف (1)
كأن العيون الفتنات تعاونت ... على ترة عند العيون الذوارف (2)
وقوله:
وإذا كسرن جفونهن نظرن من ... مرضي يشفك سحرهن صحاح (3)
تظمأ إليهن القلوب وقد ترى ... فيهن ري الحائم الملتاح (4)
والحب سقم للصحيح إذا غلا ... فيه المحب ونشوة للصاحي (5)
بكر العذول فكف غرب بطالتي ... وبدا المشيب فرد غرب جماحي
قد آن أن أعصي الغواية إذ نضا ... صبغ الشباب وأن أطيع اللاحي
وقوله:
جنوني إلى سعدى وسعدى خلية ... وصغوي إلى سعدى وسعدى تجنب (6)
إذ لبست كانت جمال لباسها ... وتسلب قلب المجتلي حين تسلب (7)
وسميتها من خشية الناس زينباً ... وكم سترت حباً عن الناس زينب (8)
(2/136)

غضارة دنيا شاكلت بفنونها ... معاقبة الدنيا التي تتقلب
وجنة خلد عذبتنا بدلها ... وما خلت أنا في الجنان نعذب (1)
وهذا البيت يزيد على إحسان كل محسن في الغزل (2)
... ولا خفاء بفضل أبي عبادة على أبي تمام في هذا الباب.
(2/137)

* ما قيل في ائتلاف المحبين
قال البحتري:
وجدت نفسك من نفسي بمنزلة ... هي المصافاة بين الماء والراح (1)
وهذا حسن جداً وأظنه أخذه من قول بشار:
وإذ نلتقي خلف العيون كأننا ... سلاف عقار بالنقاخ مشوب (2)
أخذه أيضاً من قول ابن أبي عيينة (3) فقال:
ذاك إذ روحها وروحي مزاجا ... ن كأصفى خمر بأعذب ماء (4)
وقول البحتري أيضاً أجود من البيتين، وأخذه عباس بن الأحنف فقال:
ما أنس لا أنس يمناها معطفة ... على فؤادي ويسرها على راسي (5)
وقولها: ليته ثوب على جسدي ... أوليتني كنت سربالاً لعباس
أو ليته كان لي خمراً وكنت له ... من ماء مزن فكنا الدهر في كاس
(2/138)

وأخذه علي بن الجهم وجعله في العناق [فقال] (1):
وبيتنا على رغم الحسود كأننا ... خليطان من ماء الغمامة والخمر (2)
وأجود من هذا كله وأحلى وألطف معنى قول بشار:
لقد كان ما بيني زمانًا وبينها ... كما بين ريح المسك والعنبر الورد (3)
وقال عبد الصمد بن المعذل في العناق والاختلاط:
كأنني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد (4)
فلو ترانا في قميص الدجى ... حسبتنا في جسد واحد
وهذا أحسن من بيتي العباس الأولين.
وقال البحتري:
ولم أنس ليلتنا في العنا ... ق لف الصبا بقضيب قضيبا (5)
وما زلت أسمع أهل العلم بالشعر يقولون إن هذا البيت أجود ما قيل في العناق؛ لأنه أصاب حقيقة التشبيه بأجود لفظ، وأحسن نظم.
ومثله قول آخر وجدته في الأناشيد، ولست أدري أيهما أخذ من صاحبه:
وضم لا ينهنه واعتناق ... كما التف القضيب على القضيب (6)
(2/139)

وبيت البحتري أجود سبكاً، وأحلى لفظاً؛ لقوله: «لف الصبا»؛ لأن القضيب إنما يلتف بالقضيب بالريح.
وقد قال بشار في نحو هذا، وأظن هذين منه أخذا:
إنني أشتهي لقاءك والل ... ه فماذا عليك من لقياني (1)
قد تلف الرياح غصناً من البا ... ن إلى مثله فيلتقيان
وقال علي بن الجهم في وكيد الالتزام:
سقى الله ليلاً ضمنا بعد هجعة ... وأدنى فؤاداً من فؤاد معذب (2)
فبتنا جميعاً لو تراق زجاجة ... من الراح فيما بيننا لم تسرب
وهذا أيضاً حسن لفظاً ومعنى.
... وأحسن ما قيل في المضاجعة قول امريء القيس/
تقول وقد جردتها من ثيابها ... كما رعت مكحولاً من العين أتلعا (3)
وجدك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
فبتنا نذود الوحش عنا كأننا ... قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا
تجافى عن المأثور بيني وبينها ... وتدني علي السابري المضلعا
إذا أخذتها هزة الروع أمسكت ... بمنكب مقدام على الهول أروعا
وهذا لاشيء أجود منه ولا أحلى ولا أبرع وقد أخبر بالأمر على ما كان.
(2/140)

وقد أحسن أيضاً عبد بني الحسحاس في قوله:
وبتنا وسادانا إلى علجانة ... وحقف تهاداه الرياح تهاديا (1)
فما زال بردي طيباً من ثيابها ... إلى الحول حتى أنهج البرد باليا (2)
... ولست أعرف لأبي تمام في هذا الباب شيئاً.
(2/141)

* باب في نوح الحمام
قال أبو تمام:
أتضعضعت عبرات عينك أن دعت ... ورقاء حين تضعضع الإظلام (1)
لا تنشجن لها فإن بكاءها ... ضحك وإن بكاءك استغرام
هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام (2)
قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» أي وهت، وانحل نظامها.
وقوله: «حين تضعضع الإظلام»: أي حين تقوض غلا أقله.
والنشيج: البكاء.
وههنا معارضات ومعارضات عورض بها أبو تمام في هذه الأبيات، وهي أن قيل:
قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» إنكار على نفسه البكاء من أجل دعاء حمامة، كأنه يخسس (3) أمرها، فما وجه قوله: «فإنهن حمام» فسهل أمرها أولاً، ثم أعظمه هذا التعظيم آخراً، هذا عين المناقضة.
ثم من ذا رآه قتله بكاء الحمام (3) حتى يجعلهن حماما؟ وزعم أن بكاءها ضحك، والحمام إنما ينوح لفقد إلفه وفراخه فيطيل الترنم والنوح، فكيف يكون ذلك ضحكاً أو كالضحك؟
(2/142)

فقيل للمعارضين: وأي دليل في [قوله] (1): «أتضعضعت عبرات عينك أن (2) دعت ورقاء» على أنه خسس (3) أمر الورقاء وهي الحمامة، وحقره حتى يكون قوله: فإنهن (4) حمام نقضاً لهذا المعنى.
فقالوا: هذا مذهب من مذاهب العرب معروف في تهوين أمر الحمامة، وتعنيف من يبكي لبكائها، ومن ذلك قول البحتري بن عزافر الحرشي:
أإن غردت يوماً بواد حمامة ... بكيت ولم يعذرك بالجهل عاذر
فقوله: «أإن غردت حمامة بكيت» تهوين لأمر الحمامة في تغريدها، أي ذلك لا يوجب البكاء، وهذه الألف تسمى ألف التوبيخ.
ونحوه قول ابن الدمينة:
أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على غصن غض النبات من الرند (5)
بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن ... جليداً وأبديت الذي لم تكن تبدي
فقال: «بكيت كما يبكي الوليد» يعني الصبي.
ومقله قول الأحوص:
أأن نادى هديلاً يوم فلج ... مع الإشراف في فنن حمام
ظللت كأن دمعك در سلك ... هوى نسقاً وأسلمه النظام
ونحوه قول آخر من بني قشير وأنشده أبو حاتم:
أتجزع أن ورق الحمام تغردا ... بكى شجوه أو جاوب اليوم هدهدا (6)
(2/143)

ومثله في أشعارهم كثير (1) موجود.
وإلى هذا المعنى ذهب أبو تمام في قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» كأنه يوبخ نفسه على البكاء من أجل بكاء حمامة، ولما قال: «فإنهن حمام»، كانت هذه مناقضة ظاهرة.
وهذه (2) -لعمري- معارضة، غير أن أبا تمام قد يجوز أن لا يكون اعتمد تهوين أمر الحمامة كما اعتمد هؤلاء الشعراء، وأن يكون توبيخه (3) لنفسه على هذا الوجه، بل إنما أراد: لا تبك لبكاء الحمام، فإنك لم تسمعه دائماً يغرد، فإن كنت كلما سمعته بكيت وحزنت طال بكاؤك وحزنك وذلك كما قال الآخر (4):
أأن زم أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أأنت حزين؟
وقد عيب هذا الشاعر في هذا (5) المعنى، وقيل: إذا كان هذا لا يحزن فأي شيء يحزن؟
ولا شك في أن ظاهر هذا القول قبيح؛ لمخالفته ما في عادات الناس، إلا أني أظن هذا الشاعر ما ذهب في هذا القول إلى تهوين هذه الأشياء وتحقيرها، وإنما أراد أن مثل هذا يقع دائماً، فإن (6) كان كلما شاهدته ورأيته حزنت، طال حزنك.
(2/144)

وقد قال مرة النهدي:
أأن سجعت في بطن واد حمامة ... تجاوب أخرى ماء عينيك غاسق (1)
كأنك لم تسمع بكاء حمامة ... بليل ولم يحزنك إلف مفارق
ولم تر مشغوفاً بشيء تحبه ... سواك ولم يعشق كعشقك عاشق (2)
فقال: «أأن سجعت» يوبخ نفسه على البكاء لبكاء حمامة، ولم يذهب في ذلك إلى تخسيس أمرها، بل إلى ما قد دل عليه [قوله] (3): «كأنك لم تسمع بكاء حمامة»، أي قد حزنت لذلك (4) كثيراً، وبليت للحزن على مفارقة الإلف دائماً، ورأيت من حاله كحالك أبداً، فينبغي أن تقصر.
فكذلك هؤلاء الشعراء في الأبيات المتقدمة جائز أن لا يكونوا هونوا أمر الحمامة، إن كانوا اعتمدوه، على أنه هين عندهم وعلى (5) الحقيقة إنما ذهبوا في ذلك إلى أن يردعوا نفوسهم عن البكاء، فغير منكر ممن أراد أن يردع نفسه عن شيء أن يهون السبب الجالب لذلك (6) الشيء ويحقره، وإن كان عظيماً.
غير أن أبا تمام أوقع التوبيخ على نفسه كما فعلوا، وذهبوا إلى تهوين أمر الحمامة، وذهب هو إلى تعظيمه في قوله: «فإنهن حمام»، فقوافقهم في التوبيخ، وخالفهم في المعنى، كقائل قال لرجل: أمثلك يسامي عمرا؟
(2/145)

ويقول له قائل آخر كهذا القول سواء، ويكون أحدهما مصغراً [له] (1) عن مساماة عمرو، والآخر مكبراً معظماً، فيستويان في اللفظ، ويختلفان في المعنى.
وقد تقدم الناس أبا تمام في مثل قوله: «فإنهن حمام»، وقد ذكروا أن تغريد الحمام يبلي، ويميت، ويقتل، وهو المذهب الأعم الأكثر فمن ذلك قول «نصيب»:
محلاة طوق كان من غير شربة ... بمال ولم تغرم له جعل درهم
أموت لتبكاها أسى إن عولتي ... ووجدي بسعدى جوه غير منجم (2)
وقال [آخر] (3):
ألا يا حمامات اللوى عدن عودة ... فإني إلى أصواتكن حزين (4)
فعدن فلما عدن كدن يمنني ... وكدت بأحزاني لهن أبين
[وقال آخر:
وهيجتني فاهتجت للشوق والصبا ... مطوقة خطباء عال رنينها
تموت لها نفس الحزين صبابة ... إذا ما دعت وهناً وغنت غنونها] (5)
(2/146)

وقال [آخر]:
ألا يا حمام الشعب من غيضة اللوى ... ردي الماء لا تؤخذ عليك الكظائم (1)
حمائم قد أبلتني وقتلنني ... كأن لم يهم قبلي من الناس هائم
وذكر هذا أنهن (2) أبلينه وقتلنه فما وجه الإنكار على أبي تمام قوله: «فإنهن حمام»؟.
فإن قيل: إنما أراد هؤلاء الشعراء إماتة الحب، وقتل الحب الذي هو التذليل والتتيم، ولم يريدوا القتل الذي هو الإتيان على النفس، ولا الموت الوحي [والحمام] (3) ليس من هذا في شيء؛ وإنما قدر الموت المقدور، وقضاؤه المحتوم، يقال: قد حم الأمر إذا قضى وقدر، قال «الراعي»:
* وما حم من قدر يقدر (4) *
قيل: إذا استعمل الموت على المجاز فقضاء الموت، وقدره أيضاً يستعمل على المجاز؛ لأنك إذا قلت على المجاز: في هذا الأمر إذا ارتكبته قتلى، أو موتى قلت أيضاً على المجاز: في هذا الأمر حمامي، وقد ذكر الحمام على الوجه كما ذكر الموت والقتل، فقال [الفزاري:
* وأوردني يوم العذيب حمامي *
ولم يمت يوم العذيب، ومثله كثير موجود] (5).
وأما إنكارهم قوله (6): «فإن بكاءها ضحك» وقولهم: إن الحمامة
(2/147)

تغرد لفقد إلفها وفرخها، وتكثر النوح عليهما، فكيف يكون ذلك ضحكاً؟
فالجواب عن هذا: أن ذلك التغريد قد يسمع منها وإلفها معها، وتفعله وهي في عشها مع فرخها، والمشاهدة لهذا أكثر وأعم، ويسمى ذلك التغريد نوحاً؛ ألا ترى إلى قول الشاعر:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك مياد ففيم تنوح (1)
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح
ولهذا قال ورد بن الجعد:
أحقاً يا حمامة بطن واد ... بأنك في بكائك تصدقينا (2)
غلبتك في البكاء بأن ليلي ... أواصله وأنك تهجعينا (3)
وأني إن بكيت بكيت حقاً ... وأنك في بكائك تكذبينا (4)
فمن ههنا قال أبو تمام: «لا تنشجن لها فإن بكاءها ضحك»، أي ليس هناك بكاء على الحقيقة، ولا حزن على الصحة، وإنما يشجوك تغريدها لأن لها تلحيناً وترجيعاً كأنه صوت نائح؛ ومن أجل ذلك ادعت الأعراب أن فرخ حمام كان على عهد نوح يقال له (5) الهديل صاده بعذ جوارح الطير، فيزعمون أنه ما من حمامة إلا وهي تبكي عليه، وهذا من خرافات الأعراب، وإنما قالوا ذلك لما رأو الحمام على كل حال يغرد هذا التغريد
(2/148)

الشجي فسموه نوحاً وبكاءاً [واحتراقاً] (1) واخترعوا له هذا الحديث، وذكروه في أشعارهم (2).
فمن ذلك قول الكميت:
وما من تهتفين له بنصر ... بأقرب جابة لك من هديل (3)
وقال نصيب:
فقلت: أتبكي ذات طوق تذكرت ... هديلاً وقد أودى وما كان تبع (4)
أي أودي قبل تبع.
وقال نصيب أيضاً:
هتوف الضحى ورقاء يذكرك الهوى ... بكاها هديلاً شجوه حين تهتف.
وقوله: شجوه أي بشجوه.
وقال آخر:
أيبكي هديلاً بالعشي وبالضحى ... على الطلح قمري الحمام المغرد
وقال آخر:
إني تكرني سلمى مطوقة ... تدعو هديلاً على أفنان أغصان
ومثل هذا كثير في أشعارهم جداً، ولا يكادون يخرجون في نوح الحمام عن أن يجعلوه على الفرخ القديم، أو على إلف مارق؛ وذلك لرقة
(2/149)

تغريدها، وشدة تشوق من يسمع ذلك إلى إلفه، قال رجل من بني نهشل:
أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه ... [وأصبر عنها إنني لصبور (1)
وقال جميل] (2):
أيبكي حمام الأيك من أجل إلفه ... وأصبر مالي عن بثينة من صبر
وقال آخر:
ألا يا حمام الأيك مالك باكياً ... أفارقت إلفاً أم جفاك حبيب (3)
ومع هذا فقد جعلوا تغريدها أيضاً غناء، لأن من الغناء ما يشجوك فيحزنك، ومنه ما يشرك فيطربك، ولهذا ما جعلوا (4) نوح الحمام تفجعاً، وسموه غناءً، وبكاء في حال واحدة، ومنه قول الأحوص:
أهاج لك الصبابة أن تغنت ... نطوقة على فنن بكور
تفجع فوق غصن من أراك ... وتحت لبانها فنن نضير
فجعل غناءها تغجعاً.
وقال علي بن عميرة الجرمي:
لقد هاج ذكري أم عمرو حمامة ... بنعمان غنتنا غناء مرجعا
بكت ساق حر بالمراويح وانتحت ... بها الريح في واد أراض وأمرعا (5)
فقال غنتنا ثم قال: بكت ساق حر، فجعل غناءها بكاءً.
(2/150)

وقال آخر:
تغنت برأد من ضحاها فأسمعت ... أخا طرب قد أسلمته عواذله (1)
إذا سجعت كرت بجرس كأنه ... وتحوب ثكلى زايلت من تزايله (2)
فجعل بكاءها كتحوب (3) ثكلى.
وقال النابغة:
بكاء حمامة تدعو هديلاً ... مفجعة على فنن تغني (4)
فجعلها باكية، مفجعة، مغنية.
وقال نصيب:
لقد كدت تبكي أن تغنت حمامة ... على رأدة الأفنان ناعمة الأصل
تهز بها الريح الضعيفة غصنها ... مراراً فتدني فرعه ثم تستعلي
بهاتفة لا تبرح الدهر والهاً ... على إثر إلف أو تنوح على شكل
فقال: تغنت، ثم جعلها والهاً، ونائحة على شكل، أي على شبه ومثل.
وقال نصيب:
وقد هاجني للشوق نوح حمامة ... هتوف الضحى هاجت حماماً فغردا
طروب غدت من حيث بانت فباكرت ... بعولتها غصناً من الأثل أغيدا
تغنت عليه ذات شجو مرنة ... بصوت يشوق المستهام المصيدا
فقال: هاجني نوح حمامة، ثم قال: تغنت.
(2/151)

وقال نصيب أيضاً:
لعلك باك أن تغنت حمامة ... يميد بها غصن من الريح مائل
من الورق يدعوها إلى شجوها الضحى ... فتبكي وتبكي حين تدنو الأصائل
فجعلها باكية مغنية.
ومثله قول ابن ميادة:
يذكرنيها أن تغنت حمائم ... لهن على خضر العضاه عويل
تجاوبن في حد النهار بعولة ... وأخرى توافي الشمس كل أصيل
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أدم الظباء به ترنم سنحا ... وبكاء نائحة به تترنم (1)
غنت على فنن فأسعد شجوها ... ورق أجبن كما استجاب المأتم (2)
وقال رجل من بني نضر بن معاوية:
أهاج لك الأحزان نوح حمامة ... تغنت بليل في ذرى ناعم نضر
فقال: نوح حمامة، ثم قال: تغنت.
وقال سعد بن الجراح بن سفيان بن صامت الحارثي:
وحمامة أوفت بأخضر ناعم ... تبكي على غصن من الأغصان
عرف الحمام لها الغناء فرنمت ... فاعتادني نكس من الأحران
(2/152)

وقال حميد بن ثور:
فأوفت على غصن ضحياً فلم تدع ... لباكية في شجوها متلوما (1)
تغني إذا غنت بأجزاع بيشة ... أو الرخم من تثليث أو يبنما (2)
وقال أبو شيبة الجرمي:
ألا قاتل الله الحمامة غدوة ... على الغصن ماذا هيجت حين غنت (3)
تعلت على الأفنان في تلع الضحا ... فهاجت حزيناً بالبكاء وولت
وقال يزيد بن عمار الهلالي:
وذات فرخين غنت في مسوقة ... عجماء معربة ما ضرها العجم
بكت فأبكت مريض القلب ذا شجن ... وليس لها دمع فينسجم
وقال أبو مخلد الراسبي:
ولكنها لم تذر دمعاً وقد بكت ... وعينك تذري الدمع سحاً شئونها
وقال رجل من ولد سالم بن مالك الثقفي:
ويوم اللوى أجرى دموعك إذ دعت ... حمائم في فيء الأراك صوائح (4)
حوائم ما تذري الدموع إذا بكت وهن بأسرار الدموع بوائح
(2/153)

وقال حرب بن الحكم بن المنذر بن الجارود:
وقبلي أبكى كل من كان باكياً ... هتوف البواكي والديار البلاقع (1)
بواك على الأطلال من كل جانب ... نوائح ما تخضل منها المدامع (2)
وقال علي بن عمرة الجرمي:
هتوف الضحى معروفة اللحن لم تزل ... تقود الهوى مهدى لنا ونقودها (3)
جزوع جمود العين دائمة البكا ... وكيف بكا ذي مقلة وجمودها
مطوقة لم يضرب القين فضة ... عليها ولم يعطل من الحلي جيدها (4)
فهذا ما عليه العرب وغيرهم في أن الحمام وغيره من الطير لا دموع لها.
وقال رباح العقيلي فجعل لها دموعاً وذلك سهو منه أو جهل، وأنشده أبو حاتم:
وما هاج لي إلا عشية واسط ... حمائم غيطان الأراك وقوع
تجاوبن في أطلال أفنان أثلة ... بمغرورقات فيضهن دموع (5)
وإني لأرعى السر من أم عاصم ... ولست لعهد صالح بمضيع
فقال: «بمغرورقات تفيض (6) منهن الدموع».
(2/154)

وقال آخر:
فعدن بقرقار الهدير كأنما ... شربن حمياً أو بهن جنون (1)
فلم تر عيني قبلهن حمائماً ... بكين فلم تقطر لهن جفون
وهذا قد أفصح -كما ترى- بأن كل حمام رآه يبكي قبل هذه الحمائم رأى له دموعاً، وهذا محض الجهل، وأظنه أراد أن يقول:
فلم تر عيني قبلهن بواكيا، فقال حمائماً كما قال جهم بن خلف:
فلم أر باكية مثلها ... تبكي ودمعتها ما ترى (2)
لم يرد باكية من الحمام، ولا من الطير، وإنما أراد بكاية من الإنس مفجعة مثل هذه الحمامة، والله أعلم.
وهذا الفصل ليس من الاحتجاج لأبي تمام في أبياته، وقد كان يجوز أن أتعداه، وأقتصر (3) أيضاً على بعض الشواهد التي تقدمته، ولكن وجدت ذلك متمماً للباب فأوردته.
... وقال أبو تمام:
لئن أرقأ الدمع العيون وقد جرى ... لقد رويت منه خدود نواعم (4)
كما كاد ينسى عهد ظمياء باللوى ... ولكن أملته عليه الحمائم (6)
(2/155)

بعثن الهوى في قلب من ليس هائماً ... فقل في فؤاد رعنه وهو هائم
لها نغم ليست دموعاً فإن جرت ... مضت حيث لا تمضي الدموع السواجم
قوله: «لئن أرقأ الدمع العيون وقد جرى»، يريد لئن قطعت العيون التي ترقبني دمعي وقد جرى، أي حال جريه، لقد رويت منه خدود أحبابي.
وهذه حال مفهومة معلومة قلما يخلو منها أحد وهو أن يدور الدمع في مآقه، ويستحي أن يرى باكياً، فيكف العبرة ويردها.
ولم يوضح المعنى ويلخصه.
والجيد النادر، واللفظ الحسن، والعبارة الصحيحة قول البحتري:
نهته رقبة الواشين حتى ... تعلق ما يغيض وما يسيل
ومثل هذا لا يكون مسروقاً؛ لأنه جار على عادات الناس، مشاهد معلوم، وما علمت أحداً نظمه نظم البحتري.
والجيد الحسن أيضاً لفظاً ومعنى قوله (2):
ما لخضر ينحن في قضب الخضر ... على كل صاحب مفقود (3)
عاطلات بل حاليات يردد ... ن الشجا في قلائد وعقود
زدنني صبوة وذكرنني عه ... داً قديماً من ناقض للعهود
ما يريد الحمام في كل واد ... من عميد صب بغير عميد
كلما أخمدت له نار شوق ... هجنها بالبكاء والتغريد
(2/156)

قوله: «عاطلات بل حاليات»، يريد أطواق الحمام، هو لها [شبيه] (1) بالحلي، وهن منه عواطل.
وما قال أحد في هذا المعنى أحسن ولا أبرع ولا أحلى من قول أمية ابن أبي الصلت في حمامة نوح:
فلما فرشوا الآيات صاغو ... لها طوقاً كما عقد السخاب (2)
تورثه إذا ماتت بنيها ... وإن تقتل فليس لها استلاب
وقول البحتري: «يرددن الشجا في قلائد وعقود» حسن؛ لأن الباكية الحزينة ذات الشجو لا تلبس الحلي، وإن كان عليها تسلبت منه.
وأحسن منه قول الآخر:
مطوقة تبكي ولم أر باكياً ... بدا ما بدا من شجوها لم تسلب
أخذه ابن الرومي فقال:
لو تستطيع تسلبت من طوقها ... لو كان منتحلاً من الأطواق
وقال البحتري:
وورق تداعى بالبكاء بعثن لي ... كمين أسى بين الحشا والحيازم (3)
وصلت بدمعي نوحهن وإنما ... بكيت لشجوي لا لشجو الحمائم
وهذا أيضاً جيد حسن.
... ولست أعرف لهما في ذكر الحمام غير هذا (4).
(2/157)

* باب في وصفهما للأيام التي خلت، والأزمان التي حمداها، والتذكر لها، والأسى عليها ويتصل بذلك شيء من ذكر النساء وأوصافهن
وأذكر أولاً ابتداآتهما في هذا الباب.
قال أبو تمام:
أأيامنا ما كنت إلا مواهبا ... وكنت بإسعاف الحبيب حبائبا (2)
وقال:
أحسن بأيام العقيق وأطيب ... والعيش في أظلالهن المعجب (3)
وقال البحتري:
ليالينا بين اللوى فزرود ... مضيت حميدات الفعال فعودي (4)
بيت أبي تمام الأول أجود من الأبيات الثلاثة.
ولفظ البحتري لا زيادة على حسنه وجودته.
(2/158)

* ما جاء عنهما في وسط كلامهما من هذا الباب
قال أبو تمام:
أأيامنا ما كنت إلا مواهبا ... وكنت بإسعاف الحبيب حبائبا (1)
سنغرب تجديداً لعهدك في البكا ... فما كنت في الأيام إلا غرائبا
ومعترك للشوق أهدى به الهوى ... إلى ذي الهوى نجل العيون ربائبا
كواعب زارت في ليال قصيرة ... تخيان لي من حسنهن كواعبا
قوله: «ومعترك للشوق» يريد موضعاً زاره فيه الكواعب اللاتي ذكرهن؛ فإن ذلك الموضع يسقط فيه الشوق فلأن يكون معتركاً للوصل أولى، والعذر له أن يقال: إنه إنما كان معتركاً للشوق بعد تلك الحال التي تقصت فهو أبداً مشتاق إلى ذلك الموضع إذا ذكر له.
وقال:
أحسن بأيام العقيق وأطيب ... والعيش في أظلالهن المعجب
ومصيفهن المستظل بظله ... سرب المها، وربيعهن الصيب
أصل كبرد العصب نيط إلى ضحى ... عبق بريحان الرياض مطيب (2)
(2/159)

وظلالهن المشرقات بخرد ... بيض كواعب غامضات الأكعب (1)
وهذا لعمري حسن معجب.
وقال أيضاً أبو تمام:
ولقد أراك فهل أراك بغبطة ... والعيش غض والزمان غلام (2)
أعوام وصل كان ينسي طولها ... ذكر النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أعقبت ... بجوى أسى فكأنها أعوام (3)
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
فقوله: «كان ينسي طولها ذكر النوى»، أي إنا كنا نذكر الفراق فنبادر السرور واللذات فكان ذلك يقصر من طولها، وأيام السرور على كل حال قصار، اعترض فيها خوف الزوال أو لم يعترض.
وهذا من مشهور إحسان أبي تمام لفظاً ومعنى.
... وقال البحتري:
عيش لنا بالأبرقين تأيدت ... أيامه وتجددت ذكراه (4)
والعيش ما فارقته فذكرته ... لهفاً وليس العيش ما تنساه
وهذا إحسان يزيد على كل إحسان.
(2/160)

وقال البحتري:
سقى الله أخلاقاً من الدهر رطبة ... سقتنا الجوى إذ أبرق الحزن أبرق (1)
ليال سرقناها من الدهر بعدما ... أضاء بمصباح من الشيب مفرق (2)
تداويت من ليلى بليلى فما شفى ... بماء الزبى من بات بالماء يشرق (3)
وهذا من أحسن معنى وأحلاه، وقوله: «إذ أبرق الحزن أبرق»، أي كما عدناه، لا كما هو في الوقت من الخراب.
وقوله: «تداويت من ليلى بليلى» أي فلم (4) أبرأ من الداء كما أن من شرق بالماء لم يدفع شرقه الماء ولو تناهى في الكثرة حتى يبلغ الزبى وهو من قولهم: بلغ الماء الزبى (5): جمع زبية، وهي حفرة تحفر للأسد في أعلى ما يمكن من المواضع فلهذا ضرب [بها] (6) المثل في كثرة الماء فقيل: بلغ الماء الزبى.
فالشرق بالماء لا يزيله الماء كما قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري (7)
فقال البحتري ليؤكد ذلك بقاء حبه، أي لا يكون برئي من حبها أن تداوي منها بها كما لا يدفع الماء شرق من شرق بالماء.
(2/161)

وقال البحتري:
فسقى الغضا والنازليه وإن هم ... شبوه بين جوانح وقلوب (1)
وقصار أيام به سرقت لنا ... حسناتها من كاشح ورقيب (2)
خضراً تساقطها الصبا فكأنها ... ورق يساقطه اهتزاز قضيب (3)
كانت فنون بطالة فتقطعت ... عن هجر غانية ووخط مشيب
فقوله: «خضر تساقطها الصبا» معنى في غاية الحسن، وتمثيل في نهاية اللطف.
... ومن حلو معانيه، ومشهور إحسانه قوله:
بعض هذا العتاب والتفنيد ليس ذم الوفاء بالمحمود (4)
ما بكينا على زرود ولكن ... نا بكينا أيامنا في زرود
وقال أيضاً:
ليالينا بين اللوى فمحجر ... سقيت الحيا من صيب المزن ممطر (5)
مضى بك وصل الغانيات ونشوة الش ... باب ومعروف الهوى المتنكر
فإن أتذكر حسن ما فات لم أجد ... رجوعاً لما فارقته بالتذكر
نضوت الأسى عني اصطباراً وربما ... أسيت فكم أصبر ولم أتصبر
(2/162)

وقال أيضاً:
عهد لعلوة باللوى قد أشكلا ... ما كان أحسن مبتداه وأجملا (1)
أنسى ليالينا هناك وقد حلا ... من لهونا في ظلها ما قد حلا (2)
عيش غرير لو ملكت لما مضى ... رداً إذاً لرددته مستقبلا
قوله: «عيش غرير» أي رقيق ناعم، قال جرير:
بيض ترببها النعيم وخالطت ... عيشاً كحاشية الفرند غريرا (3)
الفرند: الحرير، والفرند: ماء السيف والحاشية: جانب الثوب، وإنما أراد الفرند نفسه.
... وقال أبو تمام:
ليالينا بالرقتين وأهلها ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد (4)
سحاب متى على النبت ذيله ... فلا رجل ينبو عليه ولا جعد (5)
ضربت لها بطن الزمان وظهره ... فلم ألق من أيامها عوضاً بعد
قوله: «العهد والعهد والعهد»، فالعهد جمع عهدة، وجمع عهد: عهاد، وهو المطر يأتي إثر مطر، فأراد سقي العهد الذي عهدناك هذا المطر (6) بأسره: أوله، ووسطه، وآخره، وأراد سقتك العهاد كلها، ومثله قوله:
(2/163)

* سقى عهد الصبا سيل العهاد (1) *
وهذا مستقيم، والأول ليس بالجيد.
وقد فسر هذا قوم بما يبعد عن المعنى، ولا يليق به، وخلطوا فيه (2).
قال أبو تمام:
سلام ترجف الأحشاء منه ... على الحسن بن وهب والعراق (3)
على البلد الحبيب إلي غوراً ... ونجداً والأخ العذب المذاق (4)
ليالي نحن في وسنات عيش ... كأن الدهر عنها في وثاق
وأياماً لنا وله ولداناً ... غنينا في حواشيها الرقاق (5)
كأن العهد عن عفر لدينا ... وإن كان التلاقي عن تلاق (6)
وهذا كلام حلو عذب.
وقوله: «سلام ترجف الأحشاء منه»، لأنه فارق العراق وهو كاره، فسلم سلام مودع متأسف، شديد النفس للشوق والأسف؛ فلذلك قال: «ترجف الأحشاء منه».
(2/164)

بيت أبي تمام النادر في هذا الباب قوله:
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام (1)
وبيت البحتري قوله:
والعيش ما فارقته فذكرته ... لهفاً وليس ما تنساه (2)
وبيت أبي تمام أسير، وبيت البحتري ألطف معنى.
... وهما في سائر ما مر لهما في هذا الباب متكافئان.
... ومن حلو كلام البحتري في معنى الأيام قوله:
ما أحسن الأيام إلا أنها ... يا صاحبي إذا مضت لم ترجع (3)
وأحلى منه وأبدع قول أبي حية النميري:
إذ الأيام مقبلة إلينا ... وظل أراكه الدنيا ظليل (4)
... وفي هذا الباب لأبي تمام إساءة في قصيدته التي أولها:
* أما إنه لولا اللوى ومعاهده *
وذلك قوله:
فيا مشهداً يستهزم البين باسمه ... إذا عد أيام الهوى ومشاهده
ويا ليلة لو يعرف الدهر طيبها ... لصيرها ثغراً تناغى مراصده
(2/165)

وهذا من أقبح ما يكون من الكلام، وأهجن (1) ما يكون من المعاني، وأبعد ما تكلفه أهل الاستعارة من الأغراض.
يقول: ولو علم الدهر طيب هذه الليلة لجعلها ثغراً له مراصد.
والمراصد: مواضع الحرس.
وقوله: تناغى، يريد حراس المراصد، يخاطب بعضهم بعضا، وينذر واحد آخر، وأصل المناغاة: الكلام الرخيم الخفي، مثل مناغاة الصبي.
وربما فعل ذلك أهل المراصد المتقاربة: يوحي بعضهم إلى بعض، وينبه بعضهم بعضاً على ما يتخوفونه ويتوقعونه، يقول: فلو علم الدهر طيب هذه الليلة لجعلها ثغراً يحرسه من أن تلحقه آفة أو جائحة تزيله وتبطله.
وهذا مما ينبغي أن تسمعه وتضحك منه، كما أن جيده يسمع ويعجب منه، ومن أجل هذا التفاوت العظيم في شعره تفاوت الناس في التعصب له والتعصب عليه، فما ينبغي أن يقبح إحسانه (2)، ولا أن تحسن إساءاته.
(2/166)

* ما جاء عنهما في طروق الخيال
هذا باب الفضل فيه للبحتري على أبي تمام، وما زلت أسمع الشيوخ من أهل العلم بالشعر يقولون؛ هو أشعر الناس والخاص ال ... والخيال (1)
ولم يأت عن أبي تمام فيه إلا أبيات يسيرة منها قوله في قصيدة:
زار الخيال لها لا بل أزاركه ... فكر إذا نام الناس لم ينم (2)
ظبي تقنصه لما نصبت له ... من آخر الليل أشراكاً من الحلم (3)
ثم اغتدى وبنا من ذكره سقم ... باق وإن كان معسولاً من السقم
قوله: «زار الخيال لها بل أزاركه» ليس بالجيد؛ لأنه إذا أزاره (4) الفكر فقد زار فما وجه الاستدراك؟، فكأنه أراد أن الخيال لم يعتمد الزيارة، وإنما أزاره (4) الفكر، ومثله قام زيد، لا بل أقمته، وكأن قائل هذا يريد ما اعتمد زيد القيام بل أقمته أنا (5) ويروى: «إذا نام فكر الخلو».
وقوله: «لم ينم»، لم يرد حقيقة النوم، وإنما أراد لم يسكن، ولم يفتر، كما يقال (6): فلان لا ينام عن هذا الأمر، أي لا يفتر عنه، ولا يقصر.
(2/167)

وقوله: «من آخر الليل»، ولم يقل من أول الليل، يريد أنه لا ينام بالليل، وأنه يسهره، وأنه يهوم في آخره تهويماً فيطرقه الخيال في ذلك الوقت.
وقوله: «وإن كان معسولاً من السقم»، أي وإن كان حلواً من الأسقام، أي كأنه ممزوج بالعسل، ويرويه قوم:/ «وإن كان مغسولاً من السقم» وليس بشيء.
وهذه أبيات حسان، وغرض صحيح.
... وقال أبو تمام أيضاً:
عادك الزور ليلة الرعل من رم ... لة بين الحمى وبين المطالي (1)
نم فما زارك الخيال ولكن ... نك بالفكر زرت طيف الخيال
وقد أكثر أصحاب أبي تمام الفخر بهذا البيت، والتنويه بذكره، وأفرطوا في استحسانه، وقالوا (2): كشف عن العلة في طروق الخيال، وبين عن المعنى.
والبيت حسن، وإنما أخذ معناه من قول جران العود:
أهلاً بطيفك من زور أتاك به ... حديث نفسك عنه وهو مشغول (3)
فقوله: وهو مشغول، أي إنه لم يزرك على الحقيقة، فبنى من هذا قوله: «ما زارك الخيال» وبنى من قوله: «أتاك به حديث نفسك» ولكنك
(2/168)

بالفكر زرت طيف الخيال، فالمعنى كله لجران، وإنما غير أبو تمام اللفظ (1) وقد قال الكميت:
فلما انتهبت وجدت الخيال ... أماني نفسي وأفكارها
أي وجدت الخيال أنا الجالب له بأماني وهذا ذلك المعنى بعينه.
وقد أورد أبو تمام المعنى على حذو ما قاله جران سواء فقال:
استزارته فكرتي في المنام ... فأتاني في خفية واكتتام (2)
تذكر أن فكرته أتته بالطيف زائراً كما قال جران: «أتاك به حديث نفسك».
ووصل أبو تمام بيته بأن قال:
الليالي أحفى بقلبي إذا ما ... جرحته النوى من الأيام (3)
يا لها زورة تنزهت الأر ... واح فيها سراً من الأجسام (4)
مجلس لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنا في دعوة الأحلام
ليس لهذه الأبيات حلاوة، ولا عليها طلاوة (5).
... وقال أبو تمام:
حمتنا الطيف من أم الوليد ... خطوب شيبت رأس الوليد (6)
(2/169)

رآنا مشعري أرق وحزن ... وبغيته لدى الركب الهجود (1)
سهاد يرجحن الطرف منه ... ويولع كل طيف بالصدود
يرجحن: أي يتثاقل في حركته كالمعنى في سيره المثقل إذا عدل يمنة وشأمة مثل السحابة المرجحنة لكثرة مائها، وإنما يريد ثقل أجفانه عند النظر من طول السهر.
ولا أعرف لأبي تمام في طروق الخيال غير ما ذكرته.
... فأما البحتري فإنه أولع بذكر الخيال فقال فيه، وأكثر، وأجاد، وأبدع، وتصرف في معان لم يأت أحد بمثلها، وقد استفتح قصائد كثيرة بذكر الخيال؛ لشدة شغفه به، فأحسن في ابتداآته كلها،/ وزاد على الإحسان، فمن ذلك قوله:
أمنك تأوب الطيف الطروب ... حبيب جاء يهدى من حبيب (2)
وقوله:
أجدك ما ينفك يسري لزينبا ... خيال إذا آب الظلام تأوبا (3)
وقوله:
قد كان طيفك مرة يغرى بي ... يعتاد ركبي طارقاً وركابي (4)
(2/170)

وقوله:
طيف ألم فحيا عند مشهده ... قد كان يشفي المعنى من تلدده (1)
وقوله:
مثالك من طيف الخيال المعاود ... ألم بنا من أفقه المتباعد (2)
وقوله:
عجباً لطيف خيالك المتعاهد ... ولوصلك المتقارب المتباعد (3)
وقوله:
قل للخيال إذا أردت فعاود ... تدني المسافة من هوى متباعد (4)
وقوله:
هجرت وطيف خيالها لم يهجر ... ونأت بحاجة مغرم لم يقصر (5)
وقوله:
/ ألمت وهل إلمامها لك نافع ... وزارت خيالاً والعيون هواجع (6)
وقوله:
بت أبدي وجداً وأكتم وجداً ... من خيال قد بات لي منك يهدي (7)
وقوله:
برح بي الطيف الذي يسري ... وزادني سكراً إلى سكر (8)
(2/171)

وقوله:
سرى من خيال المالكية! ما سرى ... فتيم ذا القلب المعنى وأسهرا (1)
وقوله:
يهدي الخيال لنا ذكرى إذا طافا ... وافى يخادعنا والصبح قد وافى (2)
وقوله:
مرحباً بالخيال منك المطيف ... في شموس لم تتصل بكسوف (3)
وقوله:
أما الخيال فإنه لم يطرق ... إلا بعقب تشوف وتشوق (4)
وقوله:
هذا الحبيب فمرحباً فمرحباً بخياله ... أنى اهتدى والليل في سرباله (5)
/ وقوله:
خيال ملم أو حبيب مسلم ... وبرق مجلى أو حريق مضرم (6)
وقوله:
أأراك الحبيب خاطر وهم ... أم أزارتكه أضاليل حلم (7)
(2/172)

وقوله:
خيال يعتريني في المنام ... لسكرى اللحظ فاتنه الكلام (1)
وقوله:
طيف تأوب من سعدى فحياني ... أهواه وهو بعيد النوم يهواني (2)
وقوله:
طيف لعلوة ما ينفك يأتيني ... يصبو إلي على خلف فيصبيني (3)
وقوله:
طيف الخيال ألم من عدوائه ... وبعيد موضع أرضه وسمائه (4)
وقوله:
أحبب إلي بطيف سعدى الآتي ... وطروقه في أكثر الأوقات (5)
وقوله:
/ خيال ماوية المطيف ... أرق عيناً لها وكيف (6)
وقوله:
أرج لريا طلة رياه ... لا يبعد الطيف الذي أهداه (7)
(2/173)

وما أحسن ما قال مسلم بن الوليد:
طيف الخيال حمدنا منك إلماما ... داويت سقماً وقد هيجت أسقاما (1)
مضت الابتداآت
... وهذا ماجاء عن البحتري من وصف الخيال في وسط الكلام، قال:
فلا وصل إلا أن طيف خيالها ... بنا تحت جؤشوش من الليل أسفع (2)
ألمت بنا بعد الهدو فسامحت ... بوصل متى تطلبه في الجد تمنع (3)
وما برحت حتى مضى الليل فانقضى ... وأعجلها داعي الصباح الملمع (4)
فولت كأن البين يخلج شخصها ... أوان تولت من حشاي وأضلعي (5)
ورب لقاء لم يؤمل وفرقة ... لأسماء لم تحزر ولم تتوقع (6)
أسر بقرب من ملم مسلم ... وأشجى بيبن من حبيب مودع
وكائن لنا بعد النوى من تفرق ... تزجيه أحلام الكرى وتجمع (7)
ومن لوعة تعتاد في إثر لوعة ... ومن أدمع ترفض في إثر أدمع
/ فانظر إلى هذه العبارة الحسنة، وإخباره إياك بالشيء على ما كان.
(2/174)

ونحو ذلك في الحسن والصحة قوله:
وإني وإن ضنت علي بودها ... لأرتاح منها للخيال المؤرق (1)
يعز على الواشين لو يعلمونها ... ليال لنا نزدار فيها ونلتقي
فكم غلة للشوق أطفات حرها ... بطيف متى يطرق دجى الليل يطرق
أضم عليه جفن عيني تعلقاً ... به عند إجلاء النعاس المرنق
فقوله: «أضم عليه جفن عيني تعلقاً» من أحسن كلام، وأصح معنى وأصدقه وأكثره، وكثيراً ما ينال أكثر الناس ذلك عند إجلاء النوم، وابتداء اليقظة إذا كان في رؤيا يلذها.
وقال أيضاً:
أجدك ما ينفك يسري لزينبا ... خيال إذا آب الظلام تأوبا (2)
سرى من أعالي الشام يجلبه الكرى ... هبوب نسيم الروض تجلبه الصبا
وما زارني إلا ولهت صبابة ... إليه وإلا قلت أهلاً ومرحبا (3)
وليلتنا بالجزع بات مساعفاً ... يريني أناة الخطو ناعمة الصبا
أضرت بضوء البدر والبدر طالع ... وقامت مقام البدر لما تغيبا
قوله: «إذا آب الظلام تأوبا»، آب أي رجع، وتأوب (4): تراجع.
يعني أن الطيف إذا عاد الظلام عاد، وليس ذلك من التأويب الذي هو سير النهار كله.
(2/175)

وقوله: «سرى من أعالي الشام» بيت في غاية الحسن والحلاوة.
... وقال:
أما راعك الحي الحلال بهجرهم ... وهم لك غدواً بالتفرق أروع (1)
بلى وخيال من أثيلة كلما ... تأوهت من وجد تعرض يطمع
إذا زورة منه تقضت مع الكرى ... تنبهت من وجد له أتفزع (2)
ترى مقلتي ما لا ترى في لقائه ... وتسمع أذني منه ما ليس تسمع (3)
ويكفيك من حق تخيل باطل ... ترد به نفس اللهيف فترجع
ولست أقول في هذا إلا ما كان البحتري يقوله، وحدثنا به أبو علي محمد بن العلاء السجستاني: إنه كان إذا شرب وسكر أنشد مثل هذه الأبيات وأشباهها من شعره، وقال: ألا تسمعون؟ ألا تعجبون؟.
... وقال:
أخيال عزة كيف زرت وعندنا ... أرق يشرد بالخيال الزائر (4)
طيف ألم بنا ونحن بمهمه ... قفر يشق على الملم الخاطر (5)
حتى إذا تزعوا الدجى وتسربلوا ... من نور هلهلة الصباح النائر (6)
(2/176)

ورنوا إلى شعب الرحال بأعين ... يكسرن من نظر النعاس الفاتر (1)
أهوى فأسعف بالتحية خلسة ... والشمس تلمع في جناح الطائر
/ سرنا وأنت مقيمة ولربما ... كان المقيم علاقة للسائر
وهذا -والله- الكلام العربي، والمذهب الذي يبعد على غيره أن يأتي بمثله.
وقال:
إذا ما الكرى إلي خياله ... شفى قربه التبريح أو نقع الصدى
إذا انتزعه من يدي انتباهة ... عددت حبيباً راح مني أو غدا (2)
ولم أر مثلينا ولا مثل شأننا ... نعذب أيقاظاً وننعم هجدا
وقال:
أقامت على الجهران ما إن تجوزه ... وخالفها بالوصل طيف لها يسري (3)
فكم في الدجى من فرحة بلقائها ... وكم ترحة بالبين منها لدى الفجر
إذا الليل أعطانا من الوصل بلغة ... ثنتنا تباشير الصباح إلى الهجر (4)
ولم أنس إسعاف الكرى بدنوها ... وزورتها بعد الهدو وما تدري
وقال:
إن ريا لم تسق ريا من الوص ... ل ولم تدرما جوى العشاق (5)
(2/177)

بعثت طيفها إلي ودوني ... وخد شهرين للمهاري العتاق
زار وهناً من الشام فحيا ... مستهاماً صبا بأعلى العراق
فقضى ما قضى وعاد إليها ... والدجى في برودها الأخلاق
/ قد أخذنا من التلاقي بحظ ... والتلاقي في النوم عدل التلاقي
وهذا حسن جداً.
وألطف وأحسن وأحلى قوله:
وزائر زار من أعقته ... يميل وزناً بأنسه ذعره (1)
كأنه جاء منجزاً عدة ... وبت في الراقبين أنتظره
لم أنسه موشكاً على وجل ... مدامجاً للحديث يختصره (2)
كأنما الكاشحون قد خرصوا ... مكانه أو أتاهم خبره (3)
وقال:
تدرين كم زورة مشكورة ... من زائر وهب الخطير وما درى (4)
غاب الوشاة فبات يسهل مطلب ... لو يشهدون طريقه لتوعرا
كان الكرى حظ العيون ولم أخل ... برق الغرام يسوقه حتى جرى (5)
قامت تمنيني الوصال لتبتلي ... جذلي وحاجة أكمة أن يبصرا (6)
(2/178)

منيتنا عللاً وما أنهلتنا ... والوقت ليس يحيل حتى يشهرا
تالله لم أر مذ رأيت كليلتي ... في العلث إلا ليلتي في عكبرا
أهوى الظلام وأن أملاه وقد ... حدر الصباح نقابه أو أسفرا
وهذا لعمري هو القول الذي لو ورده الظمآن لروي؛ لكثرة مائه (1).
وقال:
بت أيدي وجداً وأكتم وجداً ... لخيال قد بات لي منك يهدى (2)
أقسم الظن فيه أني تخطى الر ... رمل من عالج وأني تهدى
خطأ ما أزارناه طروقاً ... أم توخيه للزيارة عمدا (3)
لا تخيب البلاد تخطر فيها ... رسل الشوق من خيالات سعدى
وعدتنا فما وفت بوصال ... ووفت حين أو عدت أن تصدا (4)
قرب الطيف منتواها فأصبح ... ت حديثاً بناقض العهد عهدا (5)
قوله: «لا تخيب البلاد تخطر فيها» بيت حسن جداً؛ جعل الخيالات للشوق.
وقال في قصيدته التي أولها:
* بان عهد الصبا وباقي جديده (6) *
(2/179)

منك طيف ألم والأفق ملآ ... ن من الفجر واعتراض عموده (1)
زائر أشرقت لرؤيته أغ ... وار أرض العراق بعد نجوده (2)
أرب النفس كله ومتاع ال ** عين في حده وفي توريده
معطياً من وصاله في كرى النو ... م الذي كان معطياً من صدوده (3)
يقظات المحب ساعات بؤسا ... ه ونعماء عيشه في هجوده (4)
/ وقال:
وما انفك داعي البين حتى تزايلت ... قباب بناها حاضر وخيام (5)
عشية ما بي عن شبيث ترحل ... فأمضى ولالي في شبيث مقام (6)
فما نلتقي إلا على حلم هاجد ... يحل لنا جدواك وهو حرام (7)
إذا ما تباذلنا النفائس خلتنا ... من الجد أيقاظاً ونحن نيام
وهذا قول ليس بينه وبين القلب حجاب.
وقال:
أرجم في ليلي الظنون وأرتجي ... أوائل حب أخلفتني أوائله (8)
وليلة هومنا على العيس أرسلت ... بطيف خيال يشبه الحق باطله
فلولا بياض الصبح طال تشبثي ... بعطفي غزال بت وهناً أغازله
(2/180)

وكم من يد لليل عندي حميدة ... وللصبح من خطب تذم غوائله
وهذا كله إنما حسن هذا الحسن وقبلته النفوس لأنه اعتمد أن يخبر بالأمر على ما هو، مع حسن عبارته وبراعة نسجه وجودة تلخيصه، ومتخير ألفاظه.
وقد ذهب البحتري مذهباً آخر، وأحسن فيه كل الإحسان، وهو أن شبه الزائر الذي زاره بالخيال؛ لشدة فرحه، وخوفه أن لا يكون له حقيقة.
وقال في قصيدته التي أولها:
* بودي لو يهوى العذول ويعشق (1) *
وزور أتاني طارقاً فحسبته ... خيالاً من آخر الليل يطرق (2)
أقسم فيه الظن: طوراً مكذباً ... به أنه حق وطوراً أصدق
أخاف وأرجو بطل ظني وصدقه ... فلله شكي حين أرجو وأفرق
وقد ضمنا وشك التلاقي ولفنا ... عناق على أعناقنا ثم ضيق
فلم تر إلا مخبراً عن صبابة ... بشكوى وإلا عبرة تتدفق (3)
فاحسن بنا والدمع بالدمع واشج ... تمازجه والخد بالخد ملصق (4)
ومن قبل قبل التشاكي وبعده ... نكاد بها من شدة اللثم نشرق (5)
فلو فهم الناس التلاقي وحسنه ... لحبب من أجل التلاقي التفرق
(2/181)

وقال في نحو هذا:
حبيب سرى في خفية وعلى ذعر ... يجوب الدجى حتى التقينا على قدر (1)
تشككت فيه من سرور وخلته ... خيالاً أتى في النوم من طيفه يسري
وأفرطت من وجد به فدرى بنا ... على ساعة الهجران من لم يكن يدري (2)
وقال:
أما معين على الشوق الذي غريت ... به الجوانح والبين الذي أفدا (3)
/ كيف اللقاء وقد أضحت مخيمة ... بالشام لا كثباً منها ولا صددا (4)
تهاجر أمم لا وصل يخلطه ... إلا تزاور طيفينا إذا هجدا
وقد يزير الكرى من لا زيارته ... قصد ويدني الهوى من بعد من بعدا (5)
بتنا على رقبة الواشين مكتنفى ... صبابة نتعاطى البث والكمدا
إما سألت بشخصينا هناك فقد ... غابا وأما خيالانا فقد شهدا
ولم يعدني لها طيف فيفجؤني ... إلا على أبرح الوجد الذي عهدا
لو كان قال: «إلا تزاور طيفينا إذا هجدنا» كان عندي أجود فكأن المعنى إذا هجدت رأيتها في النوم فكأن نفسي ونفسها اجتمعتا، وكذلك إذا هجدت ترى مثل ما رأيت، ويكون طيفينا محمولاً على معنى نفينا؛ لأن (6) النفس هي التي ترى ما ترى في النوم، وهي التي تمثل أيضاً ما تتمثله في اليقظة.
(2/182)

وقد يسوغ مع هذا أيضاً قوله: «إذا هجدا» أن يريد النفسين؛ لأن نفس الإنسان هي التي تنام كما قال الله عز وجل: «والتي لم تمت في منامها» (1) فهذا سائغ (2) ولكن الغلط وقع عليه في قوله:
هجرتنا يقظى وكادت على عا ... دتها في الصدود تهجر وسنى (3)
إنما أراد طيفها، وهو يرى طيفها في نومه يقظى كانت أو نائمة.
وقال:
/ طيف تأوب من سعدى فحياني ... أهواه وهو بعيد النوم يهواني (4)
فيا لها زورة يشفى الغليل بها ... لو أنها جلبت يقظى ليقظان
مهزوزة إن مشت لم تلف هزتها ... في الخيزران ولم توجد مع البان
يدني الكرى شخصها مني ويوقظني ... وجد فيبعد عني شخصها الداني (5)
وقال:
أما الخيال فإنه لم يطرق ... إلا بعقب تشوف وتشوق (6)
قد زار من بعد فنهنه من جوى ... ضرم وسكن من فؤاد مقلق (7)
ولربما كان الكرى سكناً لها ... بعد الفراق إلى اللقاء فنلتقي (8)
(2/183)

وقال:
مثالك من طيف الخيال المعاود ... ألم بنا من أفقه المتباعد (1)
يحيي هجوداً منتشين من الكرى ... وما نفع إهداء السلام لهاجد
إذا هي مالت للعناق تقطعت ... تعطف أملود من البان مائد
إذا وصلتنا لم تصل عن تعمد ... وإن هجرت أبدت لنا هجر عامد
وقال [من قصيدته التي أولها]:
* قالت: الشيب أتى قلت: أجل (2) *
خطرت في النوم منها خطرة ... خطرة البرق بدا ثم اضمحل (3)
أي زور لك لو قصداً سرى ... وملم منك لو حقاً فعل
يتراءى والكرى في مقلتي ... فإذا فارقها النوم بطل
وقال [من قصيدته التي أولها]:
* شدما أغريت ظلوم بهجري (4) *
طرقتنا وفي الخيالات سقم ... أم بكر فأسعفت أم بكر (5)
في بدو من الشباب عليها ... ورق من جديدها المسبكر (6)
كملت أربع لها بعد عشر ... ومدى البدر أربع بعد عشر
(2/184)

خلفت جارها بحزوي وباتت ... بين سحرى شروى الضجيع ونحري
لو درت ما أتت لمنت بنجح ... لم يكذب ونائل غير نزر (1)
وقال:
قل للخيال إذا أردت فعاود ... تدني المسافة من هوى متباعد (2)
فلأنت في نفسي وإن عنيتني ... وبعثت لي الأشجان أحلى وافد
باتت بأحلام النيام تغرني ... رود التثني كالقضيب المائد
ضاهت بحلتها تلهب خدها ... حتى غدت في أرجوان جاسد
وقال:
بعينيك إعوالي وطول شهيقي ... وإخفاق عيني من كرى وخفوق (3)
على أن تهويماً إذا عارض أطبى ... سرى طارق في غير وقت طروق (4)
سرى جائحاً للخرق يخشى ولم يكن ... ملياً بإسراء وجوب خروق
فبات يعاطيني على رقبة العدا ... ويمزج ريقاً من جناه بريقي
وبت أهاب المسك منه وأتقي ... رداع عبير صابك وخلوق (5)
أرى كذب الأحلام صدقاً وكم صغت ... إلى خبر أذناي غير صدوق
وما كان من حق وبطل فقد شفى ... حرارة متبول وخبل ومشوق
وحسبك بهذا حسناً وحلاوة.
(2/185)

وقال:
أحبب إلي بطيف سعدى الآتي ... وطروقه في أعجب الأوقات (1)
أني اهتديت لمحرمين تصوبوا ... لسفوح مكة من ربى عرفات
ذكرتنا عهد الشآم وعيشنا ... بين القنان السود والهضبات (2)
إذ أنت شكل مخالف وموافق ... والدهر فيك ممانع وموات
لولا مكاثرة الخطوب ونحتها ... من جانبيَّ لكنت من حاجاتي (3)
...
وما علمت أحداً من القدماء قال في طروق الخيال أحسن من قول قيس بن الخطيم، قال:
أني سربت وكنت غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب (4)
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه ... في النوم غير مصرد محسوب
/ ثم جاء البحتري فأبر على قيس وكل أحد ولم أستقص ههنا كل ما قاله فيه لكثرته.
وما أحسن ما قال عدي بن الرقاع:
يصطاد يقظان الرجال حديثها ... وتطير بهجتها بروح الحالم
(2/186)

وقال البحتري:
إذا نسيت هوى ليلى أشاد به ... طيف سرى في سواد الليل إذ جنحا
دنا إلي على بعد فأرقني ... حتى تبلج ضوء الصبح فاتضحا
عجبت منه تخطي القاع من إضم ... وجاوز الرمل من خبث وما برحا
قال: «تخطى القطاع من إضم وجاوز الرمل من خبث» فكيف يقولك وما برحا؟
أراد ما برح على الحقيقة.
فإن قيل: هي لم تبرح على الحقيقة فأما خيالها إذا طرق وهي بعيدة نائية فقد برح.
قيل: خيالها إنما هو صورتها التي تتصور في النفس، والصورة أيضاً غير نازحة على الحقيقة، فقولهم: طرق الخيال، وزار الخيال مجاز.
ويجوز أن يكون قوله: «وما برحا» أي ما برحت هي وجعل خيالها بدلاً، ووضعه في موضعها؛ لأنه هي، الا ترى إلى قول جرير:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام (2)
قيل: إنه أراد خيالها فوضعها في موضعه؛ لأن خيالها ليس هو شيئاً غير صورتها.
/ وقد استجفى الناس قوله: «فارجعي بسلام»، وإنما قال هذا لأنه عاتب عليها، ألا ترى إلى قوله بعدا هذا:
(2/187)

لو كان عهدك كالذي عاهدتنا ... لوصلت ذاك فكان غير رمام (1)
أو لم يمنعه طرده الخيال أن قال بعد هذا:
تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدر من متون غمام
وهذا وإن كان الناس قد تقدموه بتشبيه الثغر بالبرد فإن هذا لفظ وسبك في غاية الجودة والحلاوة والبراعة.
...
وأول من طرد الخيال طرفة فقال:
فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل (2)
وهذا أعذر من جرير لأنه قال: «فإني واصل حبل من وصل»، فدل على أن الحنظلية هجرته وواصله غيرها فطرد خيالها.
...
وقد دعا الأعشى على الخيال فقال:
هذا النهار بدا لها من أمرها ... ما بالها بالليل زال زوالها (3)
أي أزاله كزواله.
وما أظن جريراً، ولا الأعشى قبله كرها الخيال على الحقيقة، وإنما أرادا أن زيارته في غير وقتها شاغلة لنا عن حالنا التي نحن عليها.
(2/188)

وقال البحتري:
/ أمنك تأوب الطيف الطروب ... حبيب جاء يهدى من جبيب (1)
تخطي رقبة الواشين وهناً ... وبعد مسافة الخرق المحبوب (2)
يكاذبني وأصدقه وداداً ... ومن كلف مصادقة الكذوب
(2/189)

* ما قالاه في الشيب والشباب ووصف الكبر والعزوف عن الصبا، ونحو ذلك
... وأفتتح هذا الباب بما لهما من ابتداآت القصائد في نحو معانيه.
قال أبو تمام:
نسج المشيب له لفاعاً مغذفا ... يققاً فقنع مذوريه ونصفا (1)
قوله: «لفاعاً» يريد لباساً، يقال: لفع المشيب رأسه: إذا شمله وعلاه.
والمغدوف: المسبل، يقال: أغدفت الستر إذا أسبلته، ومذرواه ها هنا: فودا، ومذروا كل شيء: ناحيتاه وقد استعملا كثيراً في أطراف الأليتين حتى صارا كالاسم لهما.
وقوله: «نصفا» أي قنع جانبي رأسه حتى بلغ النصف منه.
وقد قيل: إنما أراد بقوله: «نصفا» النصيفا، وهو قناع لطيف؛ يكون مثل نصف القناع الكبير، وقد ذكره النابغة فقال:
* سقط النصيف ولم ترد إسقاطه (2) *
فإن ذلك لا وجه له (3) بعد ذكر القناع، وإنما أراد أبو تمام ما أراده الآخر بقوله:
/ أصبح الشيب في المفارق شاعا ... واكتسى الرأس من مشيب قناعا
فالمعنى مكتف بقوله: «قنع مذرويه»، وقوله: «نصفا» أي بلغ نصف رأسه.
(2/190)

وقال أبو تمام:
يضحكن من أسف الشباب المدبر ... يبكين من ضحكات شيب مقمر (1)
وهذا بيت رديء، وما سمعت بضحك من الأسف إلا في هذا البيت، وكأنه أراد قول الآخر:
* وشر الشدائد ما يضحك *
فلم تهتد لمثل هذا الصواب.
وقوله: «من ضحكات شيب مقمر» ليس بالجيد أيضاً، ولو كان ذكر الليل على الاستعارة لحسن أن يقول مقمر؛ لأنه كان يجعل سواد الشعر ليلاً، وبياضه بالمشيب إقماره، لأن قائلاً لو قال: أقمر ليل رأسك، كان من أصح الكلام وأحسنه، وإن لم يذكر الليل أيضاً حتى يقول: قد أقمر عارضاك، أو فؤادك لكان حسناً مستقيماً، وهو دون الأول في الحسن؛ وذلك أنه قد علم أنهما كانا مظلمين فاستنارا (2)
وسقى الله البحتري الغيث إذ يقول:
ليال سرقناها من الدهر بعد ما ... أضاء بإصباح من الشيب مفرق (3)
وإنما أراد أبو تمام قول دعبل:
* ضحك المشيب برأسه فبكى (4) *
فأفسد المعنى.
(2/191)

وقال:
أبدت أسى أن رأتني مخلس القصب ... وآل ما كان من عجب إلى عجب (1)
/ يقال: رأس مخلس، وخليس: إذا اختلط به الشيب، والقصب: هي خصلة الشعر.
«وآل ما كان من عجب إلى عجب»، أي عجب ومحبة، «وإلى عجب» أي عجب من شيء.
وقال في العزوف عن الصبا:
أبى: فلا شنباً يهوى ولا فلجا ... ولا احوراراً يراعيه ولا دعجا (2)
وهذان ابتداآن صالحان.
... وللبحتري في هذا الباب ابتداآت كثيرة تصرف فيها أحسن تصرف، وافتن فيها أحلى افتنان، وذلك قوله:
أبعد المشيب المنتضى في الذوائب ... أحاول لطف الود عند الكواعب (3)
وقال:
رأت وخط شيب في عذارى فصدت ... ولم تنظرني من جوى قد أجدت (4)
وقوله:
غلس الشيب أو تعجل ورده ... واستعار الشباب من لا يرده (5)
(2/192)

وقوله:
أما الشباب فقد سبقت بغضه ... وحططت رحلك مسرعاً من نقضه (1)
وقوله:
ترك الشباب للابسيه وبيضا ... ونضا من الستين عنه ما نضا (2)
/ وقوله:
لابس من شبيبة أم ناض ... ومليح من شيبة أم راض (3)
وقوله:
شرخ الشباب أخو الصبا وأليفه ... والشيب تزجيه الهوى وخفوفه (4)
وقوله:
ها هو الشيب لائماً فأفيقي ... واتركيه إن كان غير مفيق (5)
وقوله:
قالت الشيب أتى قلت أجل ... سبق الوقت ضراراً وعجل (6)
وقوله:
تقضى الصبا إلا تلوم راحل ... وأغنى المشيب عن ملام العواذل (7)
(2/193)

أكان الصبا إلا خبالاً مسلما ... أقام كرجع الطرف ثم تصرما (1)
وقوله:
لا جديد الصبا ولا ريعانه ... راجع بعدما تقضى زمانه (2)
وقوله:
/ بان عهد الصبا وباقي جديده ... بين أعوان طالب ووجوده (3)
وقوله:
خطته فلم تحفل به الأعين الوطف ... وكان الصبا إلفاً فودعه الإلف
وقال في العزوف عن الصبا:
إليك ما أنا عن لهو ولا طرب ... منيت مني بقلب غير منقلب (4)
وقال:
أطاع عاذله في الحب إذ نصحا ... وكان نشوان من سكر الصبا فصحا (5)
وقال:
في الشيب زجر له لو كان ينزجر ... وواعظ منه لولا أنه حجر (6)
(2/194)

وقال:
أنزاعاً في الحب بعد نزوع ... وذهاباً في الغي بعد رجوع (1)
وقال:
لأية حال أعلن الوجد كاتمه ... وأقصر عن داعي الصبابة لائمه (2)
وقال:
إني تركت الصبا عمداً فلم أكد ... من غير شيب ولا عذل ولا فند (3)
... / وهذا باب أبر فيه البحتري على أبي تمام.
قوله: «أبعد المشيب المنتضى» (4) ويقال: نضا الحناء عن اليد ينضو، ونضا ثوبه عنه ينضوه، أي نزعه، وانتضى السيف: انتزعه من غمده، فجعل الشيب منتضى في الذوائب أي مشهوراً فيها على الاستعارة، كأنه جعله سيفاً سل في رأسه.
وأجود من هذا قوله:
وددت بياض السيف يوم لقينني ... مكان بياضر الشيب كان لمفرقي (5)
(2/195)

* ما جاء عنهما في وسط كلاهما من ذكر الشيب والشباب ووصف الشيب وذمه
قال أبو تمام:
غدا الهم مختطاً بفودي خطة ... طريق الردى منها إلى الموت مهيع (1)
هو الزور والمعاشر يجتوي ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقع
ونحن نرجيه على الكره والرضا ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع (2)
وهذه كلها معان جيدة صحيحة مستقيمة.
... وقال:
شعلة في المفارق استودعتني ... في صميم الأحشاء حزناً صميما (3)
يستشير الهموم ما اكتن منها ... صعداً وهي تستشير الهموما (4)
/ غرة مرة ألا إنما كن ... ت أغرا أيام كنت بهيما (5)
(2/196)

رقة في الحياة تدعى جلالاً ... مثلما سمي اللديغ سليما (1)
حلمتني زعمتم وأراني ... قبل هذا التحليم كنت حليما (2)
وهذه كلها أيضاً أبيات جيدة، والأغراض فيها (3) حسنة مستقيمة.
وقوله: «تستشير الهموم ما اكتن منها» يريد أنها لم بدت حزنت، واهتممت، فصار اهتمامي يزيد فيها، لأن الهم -على كل حال- يشيب.
وقوله: «وهي تستشير الهموما» قول صحيح أيضاً؛ لأنه كلما بدا
منها شيء زاد همه، فالهم يجلبها، وهي تجلب الهم.
وأخذ البحتري قوله:
غرة مرة ألا إنما كن ... ت أغرا أيام كنت بهيما!
فقال:
عجبت لتفويف القذال وإنما ... تفويفه لو كان غير مفوف (4)
... وقال البحتري:
وكنت أرجي في الشباب شفاعة ... وكيف لباغي حاجة بشفيعه (5)
(2/197)

مشيب كبث السر عي بجمله ... محدثه أو ضاق صدر مذيعه (1)
تلاحق حتى كاد يأتي بطيئه ... لحث الليالي قبل أتي سريعه
وهذا أيضاً في وصف الشيب حسن جداً.
وقال البحتري:
ردي علي الصبا إن كنت فاعلة ... إن الصبا ليس من شأني ولا أربي (2)
جاوزت حد الشباب النضر ملتفتاً ... إلى بنات الردى تركضن في طلبي (3)
والشيب مهرب من جارى منيته ... ولا نجاء له في ذلك الهرب
والمرء لو كان الشعرى له وطناً ... صبت عليه صروف الدهر من كثب
وقال:
لابش من شبيبة ام ناض ... ومليح من شيبة أم راض (5)
وإذا ما امتعضت من ولع الشيب برأسي لم يثن ذاك امتعاضي (6)
ليس يرضى عن الزمان ... مرو ... فيه إلا عن غفلة أو تغاض
باكرت لمتي وناكرت منها ... سوء هذي الأبدال والأعواض (7)
شعرات أقصهن ويرجع ... ن رجوع السهام في الأغراض
وأبت تركي الغديات والآ ... صال حتى خضبت بالمقراض (8)
(2/198)

غير نفع إلا التعلل من شخ ... ص عدو لم يعده إبغاضي
ورواء المشيب كالبخض في عي ... ني فقل فيه في العيون المراض (1)
طبت نفساً عن الشباب وماسو ... ود من صبغ برده الفضفاض
فهل الحادثات يابن عويف ... تاركاتي ولبس هذا البياض
/ وهذا هو الذي يأخذ بمجامع القلب، ويستولي على النفس، ومن حذق الشاعر أن يصور لك الأشياء بصورها، ويعبر عنها بألفاظها المستعملة فيها واللائقة بها، وذلك مذهب البحتري وصناعته؛ ولهذا ما كثر الماء والرونق في شعره، وقالوا لشعره ديباجة وما قيل ذلك في شعر أحد من المتأخرين غيره.
... وقال:
وما أنس لا أنس عهد الشبا ... ب وعلوة إذ عيرتني الكبر (2)
وقوله: «ما أنس لا أنس» جزم: لأنه شرط وجزاء.
كواكب شوق علقن الصبا ... فقللن من حسنه ما كثر (3)
وإني وجدت فلا تكذبن ... سواد الهوى في بياض الشعر
ولا بد من ترك أحدى اثنتي ... ن إما الشباب وإما العمر
(2/199)

قوله:
ولا بد من ترك أحدى اثنتي ... ن إما الشباب وإما العمر
عليه في هذا البيت معارضة، وهو أن يقال: إن من مات شاباً فقد فارق الشباب، وهو مفارق للعمر لا محالة، فهو أيضاً تارك لهما جميعاً، وقوله: إما الشباب وإما العمر لا يوجب إلا أحدهما.
والعذر للبحتري أن يقال: إن من مات شاباً فإنما فارق الشباب وحده؛ لأنه لم يعمر فيكون مفارقاً للعمر، ألا تراهم يقولون: فلان عمر: إذا أسن وفلان لم يعمر: إذا مات شاباً أو هو في حدود الشباب، ومن شاب وعمر ثم مات لم يكن مفارقاً للشباب في حال موته [لأنه قد قطع أيام الشباب وتقدمت مفارقته له، وإنما يكون في حال موته] (1) مفارقاً للعمر وحده، فإلى هذا ذهب البحتري، وهو صحيح، ولم يرد بالعمر ههنا: الكبر، كما قال زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطيء يعمر فيهرم (2)
ومثله قول آخر:
من لم يمت عبطة يمت هرماً ... للموت كأس والمرء ذائقها (3)
(2/200)

هذا أجود من بيت زهير ومن بيت البحتري؛ لأنه جمع المعنيين في المصراع الأول، وهو مستغن عن المصراع الثاني.
... ولولا قوله:
«مشيب كبث السر».
و «فهل الحادثات يابن عويف» لفضلت أبا تمام عليه، ولكني أجعلهما متكافئين.
(2/201)

* كره النساء للمشيب
قال أبو تمام:
ألم تر آرام الظباء كأنما ... رأت بي سيد الرمل والصبح أدرع
لئن جزع الوحشي منها لرؤيتي ... لإنسها من شيب رأسي أجزع (1)
وهذا غاية في حسنه وصحة معناه.
قوله: «سيد الرمل» يريد الذئب، وقوله: «والصبح أدرع» أي أوله مختلط بسواد الليل، يريد وقت طلوع الفجر، وكل ما اسود أوله، وابيض آخره فهو أدرع، وشاة درعاء للتي اسود رأسها وعنقها، وسائرها أبيض.
وإنما قال ذلك لأن الضباء تخاف الذئب في ذلك الوقت، لأن لونه يخفى فيه لغبشته، فلا تكاد تراه حتى يخالطها، وهو الوقت الذي تنتشر (2) فيه الظباء، وتخرج من كنسها لطلب المرعى (3)، والغنم يخرجها أهلها بعد هذا الوقت.
... وقال أبو تمام:
لعب البين بالمفارق بل جد ... دفابكى تماضراً ولعوبا (4)
(2/202)

خضبت خدها إلى لؤلؤ العق ... د دماً أن رأت شواتي خضيبا
كل داء يرجى الدواء له ... إلا الفظيعين ميتة ومشيبا
يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا (1)
ولئن عبن ما رأين لقد أن ... كرن مستنكراً وعبن معيبا
أو تصدعن عن قلى لكفى بالش ... يب بيني وبينهن حسيبا
لو رأى الله أن للشيب فضلاً ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا
وهذا البيت الأخير من شعره الجيد المشهور.
ومن يتعصب عليه يقول: إنه ناقض في هذه الأبيات، لقوله: «فأبكى تماضراً ولعوبا» وقوله: «خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد دماً» ثم قال: يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا
وقوله: «ولئن عبن ما رأين».
وقالوا كيف يبكين دماً على مشيبه ثم يعبنه؟
وليس ها هنا تناقض؛ لأن الشيب إنما أبكى تماضراً ولعوباً أسفاً على شبابه، والحسان اللواتي عبنه غير هاتين المرأتين، فيكون من أشفق عليه من الشيب منهن وأسف على شبابه بكى، كما قال الأخطل:
لما رأت بدل الشباب بكت له ... إن المشيب لأرذل الأبدال (2)
ولم تك هذه حال من عابه (3) وهو مستقيم صحيح (4)
(2/203)

وقول الأخطل: بكت له أي الشباب، ولكن أبا تمام لم يرض أن يقول بكت فيكون أمراً قريباً مشبهاً، حتى قال: «بكت الدم» على مذهبه في الخروج عن الحد في كل شيء.
... وقال:
راحت غواني الحي عنك غوانيا ... يلبسن نأياً تارة وصدودا (1)
من كل سابغة الشباب إذا بدت ... تركت عميد القريتين عميدا (2)
أرببن بالمرد الغطارف بدناً ... غيداً ألفنهم لداناً غيدا
أحلى الرجال من النساء مواقعاً ... من كان أشبههم بهن خدودا
قوله: «أرببن بالمرد» هو من أرب بالشيء إذا لزمه وأقام عليه، يقال: أرب به، وألب إذا لزمه، يريد أنهن أرببن (3) هوى المرد، وأقمن عليه.
ورواه قوم «أرببن بالمرد»، من الربا الذي معناه الزيادة يقال (4): قد أربى الرجل إذا زاد، فيقول: «أربين بالمرد أي زدن علينا بهم، أي جعلن المرد زيادة اخترنها علينا (5) فما يقبل الرجل الزيادة في الشيء
(2/204)

الذي يعطاه فاضلاً من حقه، ويرغب يقال: قد أربى، فإلى هذا ذهب من قال: أربين، لا إلى قولهم: أنا أربأ بك عن كذا، لأن هذا مهموز معناه: أنا أرتفع بك، أو أرفعك عن كذا، من الربيئة والارتباء وهو الذي يصعد لأصحابه إلى شرف عال فيرصد أعداءهم (1) إذا قصدوهم فيراهم من بعد فينذرهم بهم، فكأنه قوله: «أربين بالمرد» أي أخذن المرد رباً علينا لما فيهم من الزيادة التي اخترن (2) علينا وتركننا.
والمعنى الأول أقرب لفظاً.
وعلى أي الوجهين كانت اللفظة فهي غير حسنة، ولا لائقة، ولا هذا الموضع موضعها بالباء كانت أم بالياء.
وقيل: أخذ قوله (3): «أحلى الرجال من النساء مواقعاً؛ من قول الأعشى:
وأرى الغواني لا يواصلن أمراً ... فقد الشباب وقد يصلن الأمردا (4)
وقال منصور النمري:
كرهن من الشيب الذي لو رأينه ... بهن رأيت الطرف عنهن أزورا (5)
ونحو هذا قول آخر:
أرى شيب الرجال من الغواني ... بموقع شيبهن من الرجال (6)
(2/205)

وقال البحتري:
تعيب الغانيات علي شيبي ... ومن لي أن أمتع بالمعيب (1)
ووجدي بالشباب وإن تقضى ... حميداً دون وجدي بالمشيب
وهذا من فاخر هذا الباب وعجيب مذاهبه، ومن إحسان أبي عبادة المشهور.
... وقال البحتري أيضاً:
أعداوة كانت فمن عجب الهوى ... أن يصطفي فيه العدو حبيبا (2)
أم وصلة صرفت فعادت هجرة ... أن عاد ريعان الشباب مشيبا
أرأيته من بعد جثل فاحم ... جون المفارق بالنهار خضيبا (3)
فعجبت من حالين خالف منهما ... ريب الزمان وما رأيت عجيبا
إن الزمان إذا تتابع خطوه ... سبق الطلوب وأدرك المطلوبا
قوله: «جون المفارق»، والجون ها هنا: الأبيض؛ فلذلك قال: «بالنهار خضيبا» وخضاب البياض غير معروف ولا جرت بمثله عادة، وإنما الخضاب بالسواد والصفرة، وذلك أن الخضاب إنما هو صبغ، والبياض ليس بصبغ ولكن هو المصبوغ، والبحتري إنما جعله خضاباً لأنه لون حدث بعد لون قبله فلهذا ما جعله كالخضاب.
(2/206)

وقال:
رأت فلتات الشيب فابتسمت لها ... وقالت: نجوم لو طلعن بأسعد (1)
أعاتك ما كان الشباب مقربي ... إليك فألحى الشيب إذ كان مبعدي
تزيدين هجراً كلما ازددت لوعة ... طلاباً لأن أردى فها أنا ذا ردي (2)
متى أدرك العيش الذي فات آنفاً ... إذا كان يومي فيك أحسن من غدي (3)
وهذا معنى في غاية الحسن والحلاوة.
وقوله: «فابتسمت لها»، يريد استهزأت، وبهذا [جرت عادة النساء أن يضحكن من المشيب ويستهزئن لا أن] يبكين كما قال أبو تمام ولم يقنع إلا ببكاء الدم (5).
وقال البحتري:
عنت كبدي قسوة منك ما إن ... تزال تجدد فيها ندوبا (6)
وحملت عندك ذنب المشي ... ب حتى كأني ابتدعت المشيبا
ومن يطلع شرف الأربعين ... يلاق من الشيب زوراً غريبا (7)
عهدي بالشيوخ من أهل العلم بالشعر إذا تذاكروا ما قيل في الشيب لا يقدمون على قوله:
* وحملت عندك ذنب المشيب *
(2/207)

وقال:
وقد دعانت ناهياً فأسمعني ... وخط على الرأس مخلس شعره (1)
صغر قدري في الغانيات وما ... ضغر صباً تصغيره كبره
وقال:
أيثني الشباب أم ما تولى ... منه في الدهر دولة ما تعود (2)
لا أرى العيش والمفارق بيضٌ ... أسوة العيش والمفارق سود (3)
وأعد الشقي جداً ولو أع ... طي غنماً حتى يقال سعيد
من عدته العيون وانصرفت عن ... ه التفاتاً إلى سواهد الخدود
وقال:
راعني ما يروع من وافد الشي ... ب طروقاً ورابني ما يريب (4)
شعرات سود إذا حلن بيضاً ... حال عن وصلة المحب الحبيب (5)
مر بعد السواد ما كان يحلو ... مجتناه من عيشنا ويطيب (6)
وقال:
أجدك ما وصل الغواني بمطمع ... ولا القلب من رق الغواني بمعتق (7)
وددت بياض السيف يوم لقينني ... مكان بياض الشيب كان بمفرقي (8)
(2/208)

وقال:
عمر الغواني لقد بين من كثب ... هضيمة في محب غير محبوب (1)
إذا مددن إلى أغراضه سبباً ... وقين من كرهه الشبان بالشيب
وقال:
خلياه وجدة اللهو مادا ... م رداء الشباب غضاً جديدا (2)
إن أيامه من البيض بيض ... ما رأين المفارق السود سودا
وقال:
قدك مني فما جوى السقم إلا ... في ضلوع على جورى الحب تحنى (3)
لو رأت حادث الخضاب لأنت ... وأرنت من احمرار اليرنا (4)
كلف البيض بالمعمر قدراً ... حين يكلفن والمصغر سنا (5)
يتشاغفن بالغرير المسمى ... من تصاب دون الجليل المكنى
وقال:
ترك السواد للابسيه وبيضا ... ونضا من الستين عنه ما نضا (6)
وشآه أغيد في تصرف لحظه ... مرض أعل به القلوب وأمرضا
وكأنه وجد الصبا وجديده ... ديناً دنا ميقاته أن يقتضى (7)
(2/209)

أسيان أثرى من جوى وصبابة ... وأساف من وصف الحسان وأنفضا (1)
شآه: سبقه أغيد الشباب الناعم، وغلبه على ود الحسان.
وأساف الرجل إذا ذهب ما في يده فافتقر، وكذلك أنفض (2).
وقال:
أخي إن الصبا استمر به ... سير الليالي فأنهجت برده (3)
تصد عني الحسان مبعدة ... إذ أنا لا قربه ولا صدده (4)
شيب على المفرقين بارضه ... يكثرني أن أبينه عدده
تطلب عندي الشباب ظالمة ... بعيد خمسين حين لا تجده (5)
لا عجب إن مللت خلتنا ... فافتقد الوصل منك مفتقده
من يتطاول على مطاولة العي ... ش تقعقع من ملة عمده
أنهجت برده: يريد بروده، وفعل لا يجمع على فعل.
والبارض: أول ما يطلع من النبات وهو غض، يريد أن أوائل الشيب قد زادت عليه في الكثرة حتى لا يقدر على عددها بعد أن كان يعد الشعرات البيض في أول طلوع الشيب.
(2/210)

وقوله: «تقعقع من ملة عمده» أي عظامه يجيء لها صوت إذا قام أو قعد من الكبر والضعف (1).
وقوله: «من ملة»: أي من تملى العيش، يريد طوله ودوامه، ومنه تمليت حبيك (2).
وأخذ قوله (3):
تطلب عندي الشباب ظالمة ... بعيد خمسين حين لا تجده (4)
من قول بشار:
يا منظراً حسناً رأيته ... من وجه جارية فديته
لمعت إلي تسومني ... شرخ الشباب وقد طويته (5)
(2/211)

* نزول الشيب قبل حينه
قال أبو تمام:
أبدت أسى أن رأتني مخلس القصب ... وآل ما كان من عجب إلى عجب (1)
ست وعشرون تدعوني فأتبعها ... إلى المشيب فلم تظلم ولم تحب (2)
فلا يؤرقك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب (3)
يقال: رأس مخلس وخليس: إذا اختلط به الشيب.
والقصب جمع قصبة وهي خصلة الشعر، «وآل ما كان من عجب» بي ومحبة «إلى عجب» أي تعجب من شيبي.
وقال:
شاب رأسي وما رأيت مشيب ال ... رأس إلا من فضل شيب الفؤاد (4)
وكذاك القلوب في كل بؤس ... ونعيم طلائع الأجساد
طال إنكاري البياض وإن عم ... رت شيئاً أنكرت لون السواد
زارني شخصه بطلعة ضيم ... عمرت مجلسي من العواد
نال رأسي من ثغرة الهم لما ... لم ينله من ثغرة الميلاد
(2/212)

فالأبيات الثلاثة الأولى من فلسفته الحسنة الصحيحة المستقيمة، ومن مشهور أحسانه، وقد عابه قوم بقوله: «شيب الفؤاد»، وليس عندي بعيب؛ لأنه لما كان الجالب للشيب القلب المهموم نسب الشيب إليه على الاستعارة، وقد أحسن عندي، ولم يسيء (1).
وقوله: «عمرت مجلسي من العواد» معنى لا حقيقة له؛ لأنا ما رأينا ولا سمعنا أحداً جاءه عواد يعودونه من الشيب، ولا أن أحداً أمرضه الشيب، ولا عزاه المعزون عن الشباب (2).
وقال ابن حازم الباهلي:
أليس عجيباً بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه (3)
فمن بين باك له موجع ... وبين معز مغذ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشباب ... فليس يعزيه خلق عليه
(2/213)

فأحب أبو تمام أن يخرج عن عادات بني آدم، ويكون أمة وحده.
وقوله: «نال رأسي من ثغرة الهم. . .» بيت رديء، بعيد المعنى.
ولكنه يقرب ويتخلص إذا وقع التأني للعبارة عنه، فأقول: إن الثغرة هي: الفرجة والثلمة تكون في الشيء؛ ولذلك سمي كل بلد جاور عدواً ثغرا، كأن معناه أنه مكشوف للعدو فلذلك قيل: قد سد الثغر بالرجال، وأصله -والله أعلم- من ثغر الإنسان؛ لأنه أول ما يقابلك من أسنانه، وأول ما يظهر عند الكلام، وأول ما يسقط فيرى موضعه مثلوماً، فشبه الثغر الذي هو البلد به، وقالوا: قد أثغر الصبي واثغر، وسميت تلك الثغرة فرجة في موضع السن وفي كل موضع منفرج، ومنه ثغرة النحر.
فأراد بقوله: «نال رأسي من ثغرة الهم»، أي وجد الشيب من الهم فرجة دخل على رأسي منها، جاء به على مذهبه في الاستعارة، والهم يشيب لا محالة.
وقوله: «لما لم ينله من ثغرة الميلاد»، يذهب في ثغرة الميلاد إلى الوقت الذي يهجم عليه (1) فيه الشيب من عمره؛ لأنه يجد السبيل في ذلك الوقت إلى الحلول برأسه، فجعله ثغرة حينئذ، فيقول: إن المشيب حل برأسه من جهة همومه وأحزانه لما لم يبلغ السن الذي يوجب حلوله به من جهة كبره (2).
وكان وجه الكلام أن يقول: من ثغرة الكبر، أو من ثغرة السن، لا من ثغرة الميلا (3).
(2/214)

وكان يجب أيضاً أن يقول: حل برأسي، أو نزل (1)؛ فإن هذه اللفظة هي المستعملة في مثل هذا دون قوله: «نال»، كأنه يجعل الشيب لم يزل يترصده، ويتطلب فرصة منه ينتهزها في الدخول عليه وذلك لبعده كان عن الأفراح والمسار (2)، وكثرة أحزانه وهمومه، وليس لثغرة الصبي وهو إثغاره إذا سقط سنه ها هنا وجه؛ لأن الإنسان قد يشيب وهو حديث السن فأما في ذلك الوقت فلا.
... وقال:
نسج المشيب له قناعاً مفدفا ... يققاً فقنع مذرويه ونصفا (3)
نظر الزمان إليه قطع دونه ... نظر الشفيق تحسراً وتلهفا
ما اسود حتى ابيض كالكرم الذي ... لم يأن حتى جيء كيما يقطفا
لما تفونت الخطوب سوادها ... ببياضها عبثت به فتفوفا
ما كان يخطر قبل ذا في فكرة ... في البدر قبل تمامه أن يكسفا
قوله: نظر الزمان إليه، أي نظره بالشيب قطع دونه نظر الشفيق عن أن ينظر إليه فيتحسر عليه ويتلهف، وإنما أراد «قطع دونه» خفيفة فثقلها ليستوي له الوزن، وقد يجوز أن يكون أراد التثقيل، أي أن الشفيق الذي كان يديم النظر إليه ويواصله إعجاباً به صار لا يملأ طرفه لما شاب
(2/215)

تحسراً وتأسفاً، كلما نظر إليه أعرض عنه إعراض آسف عليه، لا إعراض بغضة وشناءة، فجعل ذلك الإعراض عنه في أوقاته تقطيعاً للنظر إليه.
وقوله: «ما اسود حتى ابيض»، يريد سرعة مشيبه.
وقوله: «كالكرم الذي لم يأن جتى جيء كيما يقطفا» (1) كلام في غاية القبح والغثاثة والبرد (2)، كأنه جعل مجيء القاطف إلى الكرم الذي لم يدرك ليقطفه كحلول الشيب برأسه قبل أوانه ليفنى عمره.
وقوله: «لما تفرقت الخطوب سوادها ببياضها»، أذى لما اختلفت عليه بالخير والشر فوفت رأسه أي خلطت سواده ببياض الشيب.
وقوله: «ما كان (3) يخطر قبل ذا في فكرة. . .» بيت لفظه ومعناه في غاية الاضطراب والسخافة (4).
...
وقال البحتري:
أقول للمتي إذ أسرعت بي ... إلى الشيب اخسري فيه وخيبي (5)
مخالفة بضرب بعد ضرب ... وما أنا واختلافات الضروب (6)
وكان جديدها فيها غريباً ... فصار قديمها حق الغريب (7)
(2/216)

قوله: وكان جديدها فيها غريباً من قول أبي تمام:
طال إنكاري البياض وإن عم ... رت شيئاً أنكرت لون السواد (1)
وبيت أبي تمام أجود.
وقول البحتري: «مخالفة بضرب بعد ضرب» في غاية الحسن والصحة والبراعة.
... وقال البحتري:
هل أنت صارف شيبة إن غلست ... في الوقت أو عجلت عن الميعاد (2)
جاءت مقدمة أمام طوالع ... هذي تراوحني وتلك تغادي
وأخو الغبينة تاجر في لمة ... يشري جديد بياضها بسواد
لا تكذبن فما الصبا بمخلف ... لهواً ولا زمن الصبا بمعاد (3)
وأرى الشباب على غضارة حسنه ... وجماله عدداً من الأعداد
قوله: «يشري» أي يبيع «جديد بياضها بسواد» يريد الخضاب؛ لأنه قال: «لا تكذبن فما الصبا بمخلف» (4).
(2/217)

وقوله: «عدداً من الأعداد»، أي عدداً قليلاً يسيراً (1).
وقال:
ما كان شوقي ببدع يوم ذاك ولا ... دمعي بأول دمع في الهوى سفحا (2)
ولمة كنت مشغوفاً بجدتها ... فما عفا الشيب لي عنها ولا صفحا
وهذا من إحسانه المشهور:
ووجدت في ديوان أبي تمام في الخضاب، وهو يشبه كلامه، وأظنه منحولا (3):
فإن يكن المشيب طرا علينا ... وأودى بالبشاشة والشباب
فإني لست أدفعه بشيء ... يكون عليه أثقل من خضاب
أراد بأن ذاك وذا عذاب ... فينتقم العذاب من العذاب (4)
... وقال البحتري:
لو رأت حادث الخضاب لأنت ... وأرنت من احمرار اليرنا (5)
وقال:
قالت الشيب أتى قلت أجل ... سبق الوقت ضراراً وعجل (6)
(2/218)

ومع الشيب على علاته ... مهلة للمرء حيناً والغزل (1)
خليت أن التصابي خرق ... بعد خمسين ومن يسمع يخل
وقال:
تزيدني الأيام مغبوط عيشة ... فينقضي نقص الليالي مرورها (2)
وألحقني بالشيب في عقر داره ... مناقل في عرض الشباب أسيرها
مضت لي سواد الليل أولى بطالتي ... فدعني يصاحب وخط شيبي أخيرها (3)
يقول: إذا زادتني الأيام شيئاً من غبطة العيش اجتمعت مع الليالي على انتقاصه، أي ارتجاعه، والمناقل: جمع منقلة، وهي المرحلة من مراحل السفر (4).
وعقر الدار، وعقرها -بالفتح والضم- أصلها.
وهذا من بارع لفظه وفصيحه وبليغه.
... ومن هذا الباب، ويصلح أن يثبت في الباب الذي بعده قول آخر:
نزل المشيب بعارضي ... ي وضقت ذرعاً بالمشيب
وبكيت إذ رحل الشبا ... ب بكا المحب على الحبيب
(2/219)

داء عياء ليس مم ... ما ما أشتكيه إلى الطبيب
ما للمشيب بكيت ل ... كن خشية الأجل القريب
... وما أحسن ما قال عمرو بن المبارك الخزاعي في هذا:
من لأذني بملام ... ولكفي بمدام
رق عظم الجهل مني ... وانحنى متن عرامي
وتمشى السيف من شيب ... بي إلى شيبي التوام
نظمك الدر إلى الدر ... رة في سلك النظام
ومما لا شيء أجود منه في معناه قول الآخر، ولا تشينه شهرته:
ألقى عصاه وأرخى من عمامته ... وقال ضيف فقلت الشيب قال أجل (1)
فقلت أخطأت دار الحي قال لقد ... تمتلك الأربعون الوفر ثم نزل (2)
فما شجيت بشيء ما شجيت به ... كأنما اعتم منه مفرقي بحبل
... وقد تصرف البحتري في هذا الباب تصرفاً حسناً.
ولولا قول أبي تمام: «فلا يؤرقك إيماض القتير به».
وقوله: «شاب رأسي»، والبيتان بعده لفضلت البحتري عليه في افتنانه، وبراعة لفظه، وسلامة، لكني أجعلهما متكافئين.
(2/220)

* البكاء على الشباب والتعزي عنه والعزوف عن الصبا
قال أبو تمام:
أصبحت روضة الشباب هشيما ... وغدت ريحه البليل سموما (1)
وقال البحتري:
خلق العيش في المشيب وإن كا ... ن نضيراً وفي الشباب جديده (2)
ليت أن الأيام قام عليها ... من إذا ما انقضى زمان يعيده
ولو أن البقاء يختار فينا ... كان ما تهدم الليالي تشيده
شيبتني الخطوب إلا بقايا ... من شباب لم يبق إلا شريده (3)
لا تنقب عن الصبا فخليق ... إن طلبناه أن يعز وجوده (4)
وهذا من الحلاوة والحسن على ما تراه.
وقال وقد مضت في باب آخر (5):
أيثني الشباب أم ما تولى ... منه في الدهر دولة ما تعود
لا أرى العيش والمفارق بيض ... أسوة العيش والمفارق سود
ومن جيد هذا الباب قول كثير:
وكان الصبا خدن الشباب فأصبحا ... وقد تركاني في مغانيهما وحدي
(2/221)

فوالله ما أدري أطائف جنة ... تأوبني أم لم يجد أحد وجدي
... وقال البحتري:
أواخر العيش أخبار مكررة ... وأقرب العيش من لهو أوائله (1)
يجري الشباب إذا ما تم تكملة ... والشيء ينفده نقصاً تكامله (2)
ويعقب المرء برءاً من صبابته ... تجرم العام يمضي ثم قابله (2)
إن فر من عنت الأيتم حازمها ... فالحزم فرك ممن لا تقاتله (4)
وإن أراب صديقي في الوداد فكم ... أمسيت أحذر ما أصبحت آمله
وقال:
أما الشباب فقد فنيت بغضه ... وحططت رحلك مسرعاً عن نقضه (5)
وأقام مشتاق وأقصر عاذل ... أرضاه فيك الشيب إذ لم ترضه (6)
شعر صحبت الدهر حتى جازني ... مسوده الأقصى إلى مبيضه (7)
فعلى الصبا الآن السلام ولوعة ... تثني عليه الدمع في مرفضه (8)
وليقن تفاح الخدود فلست من ... تقبيله عزلاً ولا من غضه (9)
أي فعليه السلام وعليه لوعة.
(2/222)

وقال:
وصال سقاني الخبل صرفاً ولم يكن ... ليبلغ ما أدت عقابيله الهجر (1)
وباقي شباب في مشيب مغلب ... عليه اختناء اليوم يكثره الشهر (2)
وليس طليقاً من يروح أو غدا ... يسوم التصابي والمشيب له أسر
تطاوحني العصران في رحويهما ... يسيبني عصر ويقلعني عصر (3)
متاع من الدنيا استبد بجدتي ... وأعظم جرم الدهر أن يمتع الدهر (4)
قوله: «وصال سقاني الخيل صرفاً»، يريد أنه لما جاده المشيب حزن على الوصل، وأسف أسفاً شديداً؛ لأنه ليس يجد له مثل ما كان، ولأن محبوبه إن واصل واصل تكلفا، وإن (5) ذلك لا بقاء له، وإنه ذاهب حتى إن عقابيله -وهي أواخره وبقاياه- لو كان مكانها الهجر لما بلغ من خبله ما بلغت.
وقوله: «مغلب عليه اختناء اليوم»، فالاختناء: الانخزال والتهيب من الشيء، والخشوع له، يريد كاختناء اليوم إذا كاثره الشهر فكثره؛ لأن يوماً لا يكون كشهر في المكاثرة والمفاخرة (6).
وقال:
تقضى الصبا إلا تلوم راحل ... وأغنى المشيب عن ملام العوذل (7)
وتأبى صروف الدهر سوداً شخوصها ... على البيض أن يحظين منه بطائل
(2/223)

يحاولن عندي صبوة وإخالني ... على شغل مما يحاولن شاغل
رمي رزايا صائبات كأنني ... لما أشتكي منها رمي جنادل
وقال:
في الشيب زجر له كان ينزجر ... وواعظ منه لولا أنه حجر (1)
ابيض ما اسود من فوديه وارتجعت ... جلية الصبح ما قد أغفل السحر
وللفتى مهلة في العيش واسعة ... ما لم يمت في نواحي رأسه الشعر (2)
قوله: «ارتجعت جلية الصبح ما قد أغفل السحر» قريب من قوله:
تزيدني الأيام مغبوط عيشة ... فتنقضي نقص الليالي مرورها (3)
وقال:
أيا صاحبي إما أردت صحابتي ... فكن مقصراً أو مغرماً مثل مقصر (4)
فإني إن أزمع غدواً لطيتي ... أغلس وإن أجمع رواحاً أهجر
وما يقرب الطيف الملم ركائبي ... ولا يعتريني الشوق من حيث يعتري
سقينا جنى السلوان أم شغل الهوى ... علينا بنو العشرين من كل معشر
وما قيل في هذا الباب كقول ابن حازم (5) الباهلي، ومنصور النمري.
(2/224)

قال بن حازم:
عهد الشباب لقد أبقيت لي حزناً ... ما جد ذكرك إلا جد لي ثكل (1)
لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل (2)
يكفيك بالشيب ذنباً عند غانية ... وبالشباب شفيعاً أيها الرجل (3)
وقال منصور:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شباباً ليس يرتجع (4)
بان الشباب وفاتني بشرته ... صروف دهر وأيام لها خدع
ما كدت أوفي شبابي كنه غرته ... حتى انقضت فإذا الدنيا له تبع
وأنشد إسحق الموصلي:
لعمري لئن حلئت عن منهل الصبا ... لقد كنت وراداً لمشربه العذب (5)
ليالي أمشي بين بردي لاهياً ... أميس كغصن البانة الناعم الرطب
سلام على سير القلاص منه بقية ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب
(2/225)

* الاعتذار من الشيب
قال البحتري:
رب عيش لنا برامة رطب ... وليال فيها طوال قصار (1)
قبل أن يقبل فالمشيب وتبدو ... هفوات الشباب في إدبار (2)
كل عذر من كل ذنب ولكن ... أعوز العذر من بياض العذار
كان حلواً هذا الهوى وأراه ... صار مراً والسكر قبل الخمار (3)
قوله: «كل عذر من كل ذنب» مقبول ونافع ناجع سوى العذر من الشيب، أو كل عذر من كل ذنب موجود ممكن، غير العذر من الشيب، فإنه غير موجود (4) وهذا أليق وأشبه.
وقال:
وحملت عندك ذنب المشي ... ب حتى كأنني ابتدعت المشيبا (5)
(2/226)

* مدح الشيب والتعزي عنه
قال البحتري:
عيرتني المشيب وهي بدته ... في عذارى بالصد والاجتناب (1)
لا تريه عاراً فما هو بالشي ... ب ولكنه جلاء الشباب
وبياض البازي أصدق حسناً ... لو تأملت من سواد الغراب (2)
قوله: «بدته»، أراد بدأته فترك الهمز، يقال: بدأت بالأمر، وأبدأته.
وقوله: «ولكنه جلاء الشباب» من معانيه التي تستحسن.
... وقال أبو تمام:
أبدت أسى إذ رأتني مخلس القصب ... وعاد ما كان من عجب إلى عجب (3)
ست وعشرون تدعوني وأتبعها ... إلى المشيب ولم تظلم ولم تجب (4)
فلا يؤرقك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب
وقد مرت في باب «نزول الشيب قبل حينه» (5).
(2/227)

وقوله: «فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب» أحسن من قول البحتري:
«جلاء الشباب»، وأجود وأبرع وأصح معنى.
... وقال البحتري:
ها هو الشيب لائماً فأفيقي ... واتركيه إن كان غير مفيق (1)
فلقد كف من عناء المعنى ... وتلافى من اشتياق المشوق
عذلتنا في عشقها أم عمرو ... هل سمعتم بالعاذل المعشوق
ورأت لمة ألم بها الشي ... ب فريعت من ظلمة في شروق
ولعمري لولا الأقاصي لأبصر ... ت أنيق الرياض غير أنيق (2)
وسواد العيون لو لم يكمل ... ببياض ما كان بالمرموق (3)
ومزاج الصهباء بالماء أملى ... بصبوح مستحسن وغبوق
أي ليل يبهى بغير نجوم ... أو سحاب يندى بغير بروق
هذا إنما يخرجه الشاعر وأشباهه مخرج النادرة فيستحسن.
وأخذ قوله: «أي ليل يبهى بغير نجوم» من قول الآخر:
أشيب ولم أقض الشباب حقوقه ... ولم يمض من عهد الشباب قديم (4)
(2/228)

تفاريق شيب في السواد لوامع ... وما خير ليل ليس فيه نجوم (1)
وقال آخر في مدح الشيب:
لا يرعك المشيب يا ابنة عبد الله فالشيب حلية ووقار (2).
إنما تحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلالها الأنوار
... وما أحسن ما قال امرؤ القيس، وأجوده وأصحه في التعزي عن المشيب:
ألا إن بعد العدم للمرء قنوة ... وبعد المشيب طول عمر وملبسا (3)
وقال آخر، ومن هذا أخذ هو وغيره:
والشيب إن يحلل فإن وراءه ... عمراً يكون خلاله متنفس (4)
(2/229)

* ذكر الكبر وشكوى الدهر وتغير الحال
قال أبو تمام (1):
. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال البحتري:
فإن ستاً وستون استقلت ... فلا كرت بطلعتها الخطوب (2)
لقد سر الأعادي في أني ... برأس العين محزون كئيب
وأني اليوم عن وطني شريد ... وشبت دون بغيتي الحروب (3)
على حين استتم الوهن عظمي ... وأعطي في ما احتكم المشيب
وقد يرد المناهل من يحلا ... على ظمإ ويغنم من يخيب
وأيسر فائت خلفاً سريعاً ... رقاب المال يرزوها الكسوب
فمن ذا يسأل البجلي عما ... يذم من اختياري أو يعيب
يعنفني على بغتات عزمي ... وكنت ولا يعنفني الأريب
وقد أكدى الصواب علي حتى ... وددت بأن شانئي المصيب
لعل أخاك يرقب أن تطاطي ... له مني النوائب إذ تنوب (4)
فأين النفس ذات العزم عما ... تسكع فيه والصدر الرحيب (5)
(2/230)

وقال:
سيثلج صدري اليأس واليأس منهل ... متى تغترف منه الجوانح تثلج (1)
قنعت على كره وطأطأت ناظري ... إلى رنق مطروق من العيش حشرج
ولجلجت في قولي وكنت متى أقل ... بمسمعة في مجمع لا ألجلج
يظن العدى أني فنيت وإنما ... هي السن في برد من الشيب منهج
نضوت الصبا نضو الرداء وساءني ... مضي أخي أنس متى يمض لا يجي
مضى جعفر والفتح بين مرمل ... وبين ضجيع بالدماء مضرج
أأطلب أنصاراً على الدهر بعدما ... ثوى منهما في الترب أوسي وخزرجي
أولئك ساداتي الذين برأيهم ... حلبت أفاويق الربيع المثجج
مضوا أمماً قصداً وخلفت بعدهم ... أخاطب بالتأمير والي منبج
وهذا من إحسانه المشهور.
وقال:
ومعيري بالدهر يعلم في غد ... أن الحصاد وراء كل نبات (2)
أبني إني قد نضوت بطالتي ... فتحسرت وصحوت من سكراتي
نظرت إلي الأربعون فأصرخت ... شيبي وهزت للحنو قناتي
وأرى لدات أبي تتابع كثرهم ... فمضوا وكر الدهر نحو لداتي
ومن الأقارب من يسر بميتتي ... سفهاً وعز حياتهم بحياتي
(2/231)

وقال:
علقت فودعت التصابي وإنما ... تصرم لهو المرء أن يكمل العقل (1)
أرى الحلم بؤسي في المعيشة للفتى ... ولا عيش إلا ما جباك به الجهل
وهذا إحسان البحتري الذي لا يفي ببراعة معناه شيء.
(2/232)

* باب في ذكر الزمان، وذكر ظلمه واعوجاجه، وتعذر الرزق على ذوي الحزم والفهم، وتيسره لذوي الجهل والعجز، وفي التعزي والصبر والقناعة، وما قالاه في ضد ذلك من بعد الهمة، والنهوض في طلب الرزق، والسير على الإبل، وقطع الفيافي، وفي مواعظ وآداب
وأفتتح هذا الباب بأبيات الابتداآت في نحو هذه المعاني.
ولا أعرف لأبي تمام في شيء من هذا شعراً:
ووجدت للبحتيري في ذم هذه الأبيات:
لا الدهر مستنفد ولا عجبة ... تسومنا الخسف كله نوبه (1)
...
وقال (2):
من قائل للزمان ما أربه ... في خلق منه قد خلا عجبه (3)
وقال:
مع الدهر ظلم ليس يقطع دائبة ... وحكم أبت إلا اعوجاجاً جوانبه (4)
(2/233)

وقال (1):
إساءة دهر برحت بي نوائبه ... وخطب زمان بالكلام أخاطبه (2)
وقال:
تخل من الأطماع إما تخلت ... وول صروف الدهر ما قد تولت (3)
وقال:
اعجب لظلم زماننا المتواتر ... ولأول مما يريك وآخر (4)
وقال:
نوازل دهر أيهن أنازل ... بعزمي أم من أيهن أوائل (5)
وقال:
ليس الزمان بمعتب فزريني ... ألقى تجهم خطبه بجبيني (6)
وقال:
نسعى وأيسر هذا السعي يكفينا ... لولا تكلفنا ما ليس يعنينا
وقال:
صنت نفسي عما يدنس نفسي ... وترفعت عن جدا كل جبس (7)
وقال في النهوض لطلب الرزق:
أشرق أم أغرب يا سعيد ... وأنقص من زماعي أم أزيد (8)
(2/234)

* ما قالاه من هذه المعاني في وسط الكلام في ذم الزمان ومجاهدته والصبر على نوبه
قال أبو تمام:
أسيء على دهري الثناء فقد قضى ... علي بجور صرفه المتتابع (1)
أيرضخنا رضخ النوى وهو مصمت ... ويأكلنا أكل الدبا وهو جائع (2)
وإني إذا ألقى بربعي رحله ... لأزعره في سربه وهو راتع (3)
أخو منزل الهم الذي لو بغى القرى ... لدى حاتم لم يقره وهو طائع (4)
إذا شرعت فيه الليالي بنكبة ... تمزقن عنه وهو في الصبر دارع (5)
[له همم ما إن تزال سيوفها ... قواطع لو كانت لهن مقاطع]
قد روى: «ويأكلنا أكل الدبا وهو جائع» وهو عندي أشبه وأصح إن شاء الله، و «يأكلنا أكل الربا» لأن الربا يأكل النعم، ويمحق المال.
وقوله: «لو كانت لهن مقاطع»: أي شيء يقطعه.
(2/235)

وقال:
لقد ساسنا هذا الزمان سياسة ... سدى لم يسسها قط عبد مجدع (1)
تروح علينا كل يوم وتغتدي ... خطوب كأن الدهر منهن يصرع
حلت نطف منها لنكس وذو الحجا ... يداف له سم من العيش منقع
قد عاب الناس عليه قوله: «كأن الدهر منهن يصرع» وهو -لعمري- قبيح.
وقال:
كم فتى للزمان وقد ... ألقى مقاليده إليه القبيض (2)
لوذعي يهلل المشرفي ال ... عضب عنه والزاعبي النحيض (3)
أتأرتني الأيام بالنظر الشز ... ر وكانت وطرفها لي غضيض
كيف يمسي برأس علياء ممس ... وجناح السمو منه مهيض (4)
همة تنطح النجوم وجد ... آلف للحضيض فهو حضيض
قوله: «أتأرتني الأيام» أي أدامت نظرها إلي؛ يقال: أتأرت إليه النظر: إذا أحددته.
والقبيض: اسم لجلة (5) الخلق، واللوذعي الحديد الفؤاد.
(2/236)

والمشرفي: السيف منسوب إلى المشارف، قرى تعمل فيها السيوف.
والنحيض: الذي قد ذهب نحضه أي (1) لحمه، وإنما يعني سنان الرمح أنه قد دقق وحدد.
والزاعبي: الرمح، قيل: هو منسوب إلى رجل كان يقوم الرماح يقال له زاعب، وقال قوم زاعب: موضع لا تعرف حقيقته، ويقال: التزعب: السرعة والنشاط فيجوز أن يكون قيل زاعبي لحركته وتثنية.
... وقال البحتري:
وما جزع الجزوع من الليالي ... بمحرزه ولا جلد الجليد (2)
جحدنت سهمة الحدثان فينا ... لو أن الحق يبطل بالجحود (3)
فيا ويح الحوادث كيف تعطي ... شقي القوم من حظ السعيد (4)
وكيف تجوز إن حكمت بحكم ... فتحمل للغوي على الرشيد (5)
وما براحت صروف الدهر حتى ... أرتنا الأسد قتلى للقرود
وهذا مما مزيد على حسنه وجودته لفظاً ومعنى.
وقال:
يغتر بالدهر ذو الإضاعة والدهر عدو مطلوبة إحنة (6)
(2/237)

في زمن رنقت حوادثه ... أشبه شيء بحادث زمنه
رضيت من سيء الزمان بأن ... يعشره غير زائد حسنه
رنقت حوادثه: دنت ورفرفت كما يرنق النسر.
وهذا أيضاً حسن.
وقال:
أرانا عناة في يد الدهر نشتكي ... تأكد عقد من عراه وثيق (1)
وليس طليق اليوم إن رجعت له ... صروف الليالي في غد بطليق (2)
تفاوتت الأيام فينا فأفرطت ... بظمآن باد لوحه وغريق
وكنت إذا ما الحادثات أصببني ... بهايضة صم العظام دقوق
شمخت فلم أبد اختشاعاً لشامت ... ولم أبتعث شكوى لغير شقيق (3)
أرى كل مؤذ عاجزاً عن أذيتي ... إذا هو لم ينصر علي بموق
فقد ترى هذه الفصاحة والبلاغة، والألفاظ الحلوة المتمكنة، والمعاني القريبة العجيبة.
وأجود من قوله: «وكنت إذا ما الحادثات أصببني. . .» والبيت بعده قول العكوك (4):
ألا رب هم يمنع النوم دونه ... أقام كقبض الراحتين على الجمر (5)
(2/238)

بسطت له وجهي لأكبت حاسداً ... وأبديت عن ناب ضحوك وعن ثغر
وشوق كأطراف الأسنة في الحشا ... ملكت عليه طاعة الدمع أن يجري
... وقال البحتري:
أطل جفوة وتهوين شأنها ... فما العاقل المغرور فيها بعاقل (1)
يرجي الخلود معشر ضل رأيهم ... ودون الذي يرجون غول الغوائل
وليس الأماني في البقاء وإن مضت ... بها عادة إلا أحاديث باطل
إذا ما حريز القوم بات وماله ... من الله واق فهو بادي المقاتل
وما المفلتون أجمل الدهر فيهم ... بأكثر من أعداد من في الحبائل
يسار بنا قصد المنون وإننا ... لنشغف أحياناً بطي المراحل
عجالاً عن الدنيا بأسرع سعينا ... إلى آجل منها شبيه بعاجل (2)
أواخر من عيش إذا ما امتحنتها ... تأملت أمثالاً لها في الأوائل
وما عامك الماضي وإن أفرطت به ... عجائبه إلا أخو عام قابل
غفلنا عن الأيام أطول غفلة ... وما خوفها المخشي عنا بغافل (3)
تغلغل رواد الفناء ونقبت ... دواعي المنون عن جواد وباخل
وقال:
إذا عاجل الدنيا ألم بمفرح ... فمن خلفه فجع سيتلوه آجل (4)
وكانت حياة الحي سوقاً إلى الردى ... وأيامه دون الممات مراحل (5)
(2/239)

وما لبث من يغدو وفي كل لحظة ... له أجل في مدة العمر قاتل
وللمرء يوم لا محالة ما له ... غد وسط عام ماله الدهر قابل
كفانا اعترافاً بالفناء ورقبة ... لمكروهه أن ليس للخلد آمل
... وقال:
أناه أيها الفلك المدار ... أنهب ما تطوف أم خيار (1)
ستفنى مثل ما تفنى وتبلى ... كما تبلى فيدرك منك ثار
تناب النائبات إذا تناهت ... ويدمر في تصرفه الدمار
وما أهل المنازل غير ركب ... مناياهم رواح وابتكار
لنا في الدهر آمال طوال ... ترجيها وأعمار قصار (2)
وقال:
أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد ... لها ومتى حدثت نفسك فاصدق
أرى علل الأشياء شتى ولا أرى الت ... تجمع إلا علة للتفرق
أرى العيش ظلاً توشك الشمس نقله ... فكس في ابتغاء العيش كيسك أومق (3)
أرى الدهر غولاً للنفوس وإنما ... يقي الله في بعض المواطن من يقي
ولم أر كالدنيا حليلة وامق ... مب متى تحسن بعينيه تطلق
تراها عياناً وهي صنعة واحد ... فتحسبها صنعي لطيف وأخرق (4)
(2/240)

فانظر أشعار أهل الزهد وتأملها، هل ترى فيها من هذا النحو شيئاً؟ هيهات؛ هذا مذهب يتقدم كل مذهب.
وقال:
أرى غفلة الأيام إعطاء مانع ... نصيبك أحياناً وحلم سفيه (1)
إذا ما نسبت الحادثات وجدتها ... بنات الزمان أرضعت لبنيه (2)
متى أرت الدنيا نباهة خامل ... فلا تنتظر إلا خمول نبيه
وقال:
أغشى الخطوب فإما جئن مأربتي ... فيما أسير أو أحكمن تأديبي (3)
إن تلتمس تمر أخلاف الخطوب وإن ... تلبث مع الدهر تسمع بالأعاجيب (4)
... وما أحسن ما قال ابن عيينة:
ما راح يوم على حي ولا ابتكرا ... إلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا
ولا أتت ساعة في الدهر فاننصرمت ... حتى تؤثر في قوم لها أثرا
إن الليالي والأيام أنفسها ... عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا
أنشد المبرد هذه الأبيات (5)، وذكر أن الطائي أخذ هذا المعنى وجمعه في ألفاظ يسيرة فقال:
عمري لقد نصح الزمان وإنه ... لمن العجائب ناصح لا يشفق
(2/241)

أراد أن قوله: «عمري لقد نصح الزمان» من قوله: «إلا رأي عبرة فيه إن اعتبرا»، كأنه أراد أن ما يأتي فيه من العبر كأنه نصح (1) منه وتنبيه.
وكذلك قوله: «ولا أتت ساعة» وقوله: «إن الليالي والأيام»، فجعل هذا كله كنصح (2) من الزمان لما يريناه من العبر.
قال أبو العباس: وزاد عليه بقوله: «ناصح لا يشفق» (3).
وما قاله الناس في هذا المعنى أكثر من أن يحتاج الطائي إلى أن يأخذه من وهذه الأبيات.
(2/242)

* في المواعظ والآداب
وقال البحتري:
متى تستزد فضلاً من العمر تغترف ... بسجليك من شهد الخطوب وصابها (1)
تشذبنا الدنيا باخفض سعيها ... وغول الأفاعي بلة من لعابها
يسر بعمران الديار مضلل ... وعمرانها مستأنف من خرابها
ولم أرتض الدنيا أوان مجيئها ... فكيف ارتضائيها أوان ذهابها
أقول لمكذوب عن الدهر راغ عن ... تخير آراء الحجا وانتخابها (2)
سيرديك أو يتويك أنك محبس ... إلى شقة يبليك بعد ما بها (3)
فهذا والله الوعظ الذي لو سمعه أبو العتاهية لضلت مقاليده.
وقوله: «محبس» أي موقوف إلى أن تصير إلى هذه الشقة، من قولك: احتبست (4) فرساً في سبيل الله، واحتبست داراً، أي وقفت داراً، فأما حبست، فإن ذاك من حبست الرجل في الحبس، وحبسته عن طريقه، ونحو هذا.
(2/243)

* في الصبر والقناعة
قال أبو تمام:
عندي من الأيام ما لو أنه ... أضحى بشارب مرقد ما غمضا (1)
لا تطلبن الرزق بعد شماسه ... فترومه سبعاً إذا ما غيضا
ما عوض الصبر امرؤ إلا رأى ... ما فاته دون الذي قد عوضا
«شارب مرقد» مثل غير جيد ولا حسن، ولا زال الناس يعيبونه.
وقال:
لا تأخذيني بالزمان فليس لي ... تبعاً ولست على الزمان كفيلا (2)
من زاحف الأيام ثم عبا لها ... غير القناعة لم يزل مفلولا
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
لو جاز سلطان القنوع وحكمه ... في الخلق ما كان القليل قليلا (3)
الرزق لا تكمد عليه فإنه ... يأتي ولم تبعث إليه رسولا (4)
يريد من لم يقنع وكان أبداً يتمنى لم يزل مهزولا.
(2/244)

وقوله: «لو جاز سلطان القنوع»، وهو يريد القناعة؛ لأن المتأخرين في هذا الموضع يستعملون القنوع.
«ما كان القليل قليلا» أي لو كان حكم القناعة جائزاً نافذاً في الخلق، أي لو قنع الخلق ما كان القليل قليلا، أي ما كان أحد يستقل القليل، بل كان عنده بالقناعة كثيراً، أفصح بمدح القناعة فقال:
الرزق لا تكمد عليه فإنه ... يأتي ولم تبعث إليه رسولا
وإنما أخذ هذا من قول عروة بن أذينة:
أسعى إليه فيعييني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني (1)
ثم نقض أبو تمام هذا كله بأن قال في إثر هذا البيت بغير فاصلة تفصل بينهما يصف الناقة وقطعه الفلاة إلى الممدوح، فقال:
لله درك أي معبر قفرة ... لا توحش ابن البيضة الإجفيلا
بنت الفضاء متى تخد بك لا تدع ... في الصدر منك على الفلاة غليلا (2)
أو ما تراها لا تراها هزة ... تشأى العيون ذوالقاً وذميلا (3)
لو كان كلفها عبيد حاجة ... يوماً لزنى شدقماً وجديلا (4)
«ابن البيضة»: الظليم، والإجفيل: السريع الانجفال يعني الذهاب يقول: لا توحشه هذه الناقة لكثرة قطعها الفيافي وإلف الظلمان (5) لها.
(2/245)

ودل على أنه الظليم بقوله: «ابن البيضة» ولو كان جرى له ذكر لما كان لذكر البيضة معنى، إذ كل ظليم فهو ابن البيضة.
وقوله: «أو ما تراها هزة» أي من سرعة مرها واهتزازها في سيرها لا تكاد ترى صورتها.
تشأى العيون: تسبقها، ذوالقاً: جمع ذليقة، والذلاقة: السرعة والمضاء.
ويروى: «دوالقاً» بالدال غير معجمة، وجمع دالقة، والدالق: الخارج، يقال: سيف دالق إذا كان خارجاً من غمده.
وكان ينبغي أن يقول: تشأى العيون اندلاقاً وذميلاً، أو ذلاقة معجمة الذال وذميلاً؛ لأن قوله: «وذميلاً» لا يكون منسوقاً على ذوالق، وأظنه جعل الذميل منسوقاً على هزة.
والذميل ها هنا رديء؛ لأنه ضرب من سير الإبل لين، وهو يصف السرعة.
وعبيد: يعني البيطار الذي ذكره الأعشى في شعره، فقال يصف ناقة (1):
لم تعطف على حوار ولم يق ... طع عبيد عروقها من خمال (2)
وكان يعالج الإبل، أي لو كلفها عبيد حاجة، أي سيراً عليها لحاجة «لزنأ شدقماً وجديلا» وهما فحلان من فحول العرب النجيبة المذكورة، لما يرى من سرعتها ونجابتها.
(2/246)

وهذا غاية ما يكون من سخف المعنى وركاكته؛ لأن زنأ من ألفاظ الجهال والصبيان، وإنما أراد لو سار عليها عبيد، هذا العالم بأمر الإبل، في بعض حاجة لصغر عنده، أو لهانن عليه أمر شدقم وجديل، فلم يهتد بلفظ من هذا النحو فقال: «لزنأ شدقماً وجديلا» أتراه كان يقول لهما: يا زانيين، أو يا بني الزانيين، إن هذا من حماقات الطائي المحكمة، وسخفه العجيب مع ما في أبياته هذه من نقض المعنى الذي ذكره في الأبيات قبلها من الحث على القناعة، والقعود عن الحركة والاضطراب.
... وقال البحتري:
لعمرك كيف نرصف ما عدانا ... من الدنيا ونسخط ما يجينا (1)
عنانا ما عساه يزول عنا ... وأنصبنا تكلف ما كفينا (2)
يقيض للحريص الغيظ بحتاً ... وتتجه الحظوظ لمن قضينا
وما هو كائن وإن استطلنا ... إليه النهج يوشك أن يكونا
فلا تغرر من الأيام وانظر ... إلى أقسامها عمن زوينا (3)
وقال:
نسعى وأيسر هذا السعي يكفينا ... لولا تكلفنا ما ليس يعنينا
نروض أنفسنا أقصى رياضتها ... على مواتاة دهر لا يواتينا
فليت مسلفنا الأعمار أنظرنا ... مجاملاً فتأتي في تقاضينا
وهذا كله لا مزيد على حسنه وصحته وحلاوته.
(2/247)

وقال:
ضيق العذر في الضراعة أنا ... لو قنعنا بقسومنا لكفانا (1)
ما لنا نعبد العباد إذا كا ... ن إلى الله فقرنا وغنانا
وقال:
لو أنني أوفي التجارب حقها ... فيما أرت لرجوت ما أخشاه (2)
والشيء تمنعه تكون بفوته ... أجدى من الشيء الذي تعطاه
خفض أسى عما شآك طلابه ... ما كل شائم بارق يسقاه
وقال:
وكيف تعاطي الراح والرأس مخلس ... مشيباً وشرب الراح من بعد جعفر (3)
قنعت وجانبت المطامع لابساً ... لباس محب للنزاهة مؤثر
وأيأسني علمي بألا تقدمي ... مفيدي ولا مزر بحظي تأخري (4)
ولو فاتني المقدور مما أرومه ... بسعي لأدركت الذي لم يقدر
وقال:
أجدك ما تنفك تشكو قضية ... ترد إلى حكم من الدهر جائر (5)
ينال الفتى ما لم يؤمل وربما ... أتاحت له الأقدار ما لم يحاذر (6)
وهذا في غاية الحسن والصحة والبراعة، وإنما أخذه والله أعلم من قول أبي العتاهية:
(2/248)

قد يسلم المرء مما قد يحاذره ... وقد يصير إلى المكروه بالحذر (1)
وأخذه أبو العتاهية من قول الآخر:
وحذرت من أمر فمر بجانبي ... متنكباً ولقيت ما لم أحذر
... وقال البحتري:
إن تجرب بني الزمان تجدهم ... إخوة فيه للشفار الكليلة (2)
والفتى كادح لفعلة دهر ... يرتضيها أو عشية مملولة (3)
خائف آمل لصرف الليالي ... والليالي مخوفة مأموله
راح أهل الآداب فيها قليلاً ... وحظوظ الأقسام فيها قليلة (4)
فعليك الرضا بما رضيته ... لك هذي المطالب المجفوله (5)
لن تنال المزور عنك بتدبي ... ر ولن تصعد السماء بحيله (6)
إذا ما اعتبرت ظاهر حالي ... كان أمراً من الأمور الجليله (7)
كم تكرهت غب أمر فكانت ... نعمة الله فيه عندي جميله (8)
ليس إلا فضل العزيمة تمضي ... ها وإلا المطية المرحوله
وهذا كلام يجري من رقته وحسنه.
(2/249)

قوله: «فعليك الرضا» مدح للقناعة، ولم يحث على القعود عن المطالب، وإنما أراد عليك الرضا بما رضيته لك مطالبك، هذه الماطالب التي أنت بسبيلها، ولن تقدر على نيل ما ازور عنك ولذلك قال:
ليس إلا فضل العزيمة تمضي ... ها وإلا المطية المرحوله
وعلى أنه قال:
كم تكرهت غب أمر فكانت ... نعمة الله فيه عندي جميله
يجوز أن يكون أراد غب أمر من تجشم الأسفار، وبعد المطالب، فأحمدت عاقبته فحسن أن يقول: «ليس إلا فضل العزيمة».
وأبو تمام صريح بذكر القعود عن المطلب بقوله:
الرزق لا تكمد عليه فإنه ... يأتي ولم تبعث إليه رسولا
فكان ذكره للناقة والرحيل عليها مناقضة ظاهرة قبيحة في أبيات متصل بعضها ببعض.
... وقال البحتري:
تطلب الأكثر في الدنيا وقد ... تبلغ الحاجة فيها بالأقل (1)
وقال:
أسيف إذا أسففت أدنوا لمطمع ... خف وأراني مثرياً يوم أقنع (2)
إذا شئت حاز الحظ دونك واهن ... ونازعك الأقسام عبد مجدع
(2/250)

أجدك ما المكروه إلا ارتقابه ... وأبرح مما حل ما يتوقع
وقد تتناهى الأسد من دون صيدها ... شباعاً وتغشى صيدها وهي جوع (1)
قوله: «أسيف إذا أسففت» يقال: أساف الرجل يسيف: إذا ذهب ماله.
يقول: إنه (2) يفتقر إذا دنا لمطمع، ويستغني إذا قنع.
وقوله: «وقد تتناهى الأسد من دون صيدها شباعاً» يمدح القناعة، وأن من سبيل الإنسان إذا وجد البلغة اكتفى إلى أن يحتاج.
وقال:
حلي سعاد غروض العيس أو سيري ... وأنجدي في التماس الحظ أو غوري (3)
كل الذي نترجاه ونأمله ... مضمن في ضرورات المقادير
فما يقرب تقديمي شواسعها ... ولا يباعد ما أدنين تأخيري
تغدو الكلاب ولا فضل يعد لها ... سوى الذي بان من نقص الخنازير
... وقال أبو تمام:
ما يحسم العقل والدنيا تساس به ... ما يحسم الصبر في الأحداث والنوب (4)
الصبر كاس وبطن الكف عارية ... والعقل عار إذا لم يكس بالنشب
كم ذقت في الدهرين من عسر ومن يسر ... وفي بني الدهر من رأس ومن ذنب
(2/251)

بأي وخد قلاص واجتناب فلا ... إدراك رزق إذا مالج في الهرب (1)
ذكر أنه لا يحسم العقل ما يحسم الصبر، والصبر على شدة الزمان وأحداثه لا يكاد يقع إلا بالعقل، وكل الأخلاق الشريفة فبالعقل تكون.
وقوله: «الصبر كاس وبطن الكف عارية» من حماقاته في الطباق يريد أن الصبر مجانب لخلو اليد، وأنا ضد الفقر والعدم؛ لأن الفقر والعدم لا يكون معهما صبر، (2) فجعل كاسياً من أجل ذكر بطن الكف بالعري، ثم جعل العقل أيضاً عارياً إذا لم يكن مكسواً بالنشب، وكسوة الصبر والعقل استعارة تتجاوز كل فحش.
وأعجب من هذا ذوقه الرأس والذنب في بني الدهر، وما علمنا أحداً ذاق ذنب غيره ولا رأسه (3).
وأراد بالذوق الاختبار، واستعمله في أقبح موضع وأشنعه.
ولا خفاء بفضل البحتري في هذا الباب على أبي تمام.
(2/252)

* ذم ذوي الغنى على البخل، وذكر مساعدة الدهر لذوي الجهل وتحامله على أهل الفضل والعقل
قال أبو تمام:
مضى الأملاك وانقرضوا وأمسى ... سراة وهم تجار (1)
وقوفاً في ظلال الذم تحمى ... دراهمهم ولا يحمى الذمار (2)
فلو ذهبت سنات الدهر عنه ... وألقي عن مناكبه الدثار
لعدل قسمة الأرزاق فينا ... ولكن دهرنا هذا حمار
قوله: «وألقي عن مناكبه الدثار» لفظ رديء، وليس من المعنى الذي قصده في شيء، وصدر البيت لائق بالمعنى فلو كان أتبعه بما يكون في معناه بأن يقول: فلو ذهبت سنان الدهر عنه، واستيقظ من رقدته، أو انتبه من نومته، أو انكشف الغطاء عن وجهه، لكان المعنى يمضي مستقيماً، وقد ذكرته فيما مضى من أغاليطه مشروحاً (3).
وقال: وهو من إحسانه المشهور:
سأوطيء أهل العسكر اليوم عسكرا ... من الذنب محاءً لتلك المعالم (4)
ومالي من ذنب إلى الدهر خلته ... سوى أملي إياكم للعظائم (5)
وإني ما حورفت في طلب الغنى ... ولكنكم حورفتم في المكارم
(2/253)

ومن جيد معانيه في هذا النحو قوله:
إن شئت أن يسود ظنك كله ... فاجله في هذا السواد الأعظم (1)
وقال:
ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ... ويكدي الفتى في دهره وهو عالم (2)
ولو كانت الأقسام تجري على الحجا ... هلكن إذاً من جهلهن البهائم (3)
وهذا معنى ما على صحته وحسنه من مزيد.
وقال:
وما القفر بالبيد القواء بل التي ... نبت بي وفيها ساكنوها هي القفر (4)
ومن قامر الأيام عن ثمراتها ... فأحج بها أن تنجلي ولها القمر (5)
وهذا أيضاً جيد بالغ، ومن إحسانه المشهور، ثم وصله بأن قال:
فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي ... أساء ففي سوء القضاء لي العذر
قضاء الذي ما زال في يده الغنى ... ثنى غرب آمالي وفي يدي الفقر
رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطي ... من الأمر ما فيه رضا من له الأمر
وأشجيت آمالي بصبر حلون لي ... عواقبه والصبر مثل اسمه صبر (6)
(2/254)

قوله: «فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي أساء» يريد شخوصه إلى مصر؛ لأنها كانت عنده أحسن مطالبه فأخفق فيها، فذمها بأن قال:
وما القفر بالبيد القواء بل التي ... نبت بي وفيها ساكنوها هي القفر
وقوله: «رضيت وهل أرضى» من أغاليطه وإحالاته في المعاني، وإنما كان ينبغي أن يقول: «رضيت وكيف لا أرضى» وقوم يحتجون بأنه (1) قال: رضيت وقد أرضى، على ما فسر به قول الله عز وجل: «هل أتى على الإنسان حين من الدهر» بأن قالوا معناه: قد أتى على الإنسان.
وقد ذهب إلى هذا قوم في «قد» إذا وليت الفعل الماضي، أما وليت المستقبل فإنها تكون بمعنى «ربما» وتخرج عن هذا التأويل.
وأكثر أهل العربية، وجميع أهل اللغة يقولون: المعنى: ألم يأت على الإنسان، بمعنى التقرير والتوبيخ، ويدفعون أن تكون «هل» بمعنى «قد»؛ لأن ذلك لم في كلام العرب.
وقد بينت هذا في الجزء الذي جمعت فيه أغاليط أبي تمام من هذا الكتاب (2).
وقال:
وحادثات أعاجيب خساً وزكا ... ما الدهر في فعلها إلا أبو العجب (3)
يملكن قود الكماة المعلمين لها ... ويستقدن لفرسان على القصب (4)
الخسا: الفرد، والزكا: الزوج، وفرسان القصب: يعني الصبيان.
(2/255)

وهذه ألفاظ في غاية الخلوقة والسخافة، ولو قال: ويستقدن لأهل الجبن والرعب، أو الرهب كان أحسن وتعمل (1):
وقال فيها:
في كل يوم صواقيري مفللة ... تستنبط الصفر لي من معدن الذهب (2)
ما كنت كالسائل الأيام مجتهداً ... عن ليلة القدر في شعبان أو رجب
أي ما التمست إلا من حيث يجب الالتماس، ولكني خبت.
بل سافع بنواصي الأمر مشتمل ... على قواصيه في بدئي وفي عقبي (3)
بغربة كاغتراب الجود إن برقت ... بأوبة ودقت بالخلف والكذب
إذا عمدت لشأو خلت أني قد ... أدركته أدركتني حرفة العرب (4)
قوله: «سافع بنواصي الأمر» من قوله: جل اسمه: «لنسفعاً بالناصية» والسفع بالشيء هو أن يؤخذ ويجذب جذباً فيه عنف.
وكان ينبغي أن يقول: بنواصي الحزم أو العزم، فأما الأمر فإنه (5). . .
وقوله:
بغربة كاغتراب الجود إن برقت ... بأوبة ودقت بالخلف والكذب
فشبه غيابه بغيبة (6) الجود الذي يقال يقدم ولا يقدم، يؤكد بهذا عدم الجود، وأنه كلما طمع فيه من أحد كان بعيداً كالغائب الذي يقال:
يقدم ثم لا يقدم.
(2/256)

ودقت من الودق، وهو قطر المطر.
يقول هذا وهو قد قدم (1) من غيباته إلا أنه جعل نفسه كمن لم يقدم؛ لأنه قدم بالخيبة؛ فلذلك قال بعد هذا:
ما آب من آب لم يظفر بحاجته ... ولم يغب طالب للنجح لم يخب
وهذا تعسف، والخرس أحسن منه.
وقوله: «إن برقت بأوبة» يعني الغيبة، واستعارة البرق لا تحسن إلا باستعارة (2) السحاب معه، وكان الجيد أن يقول: برقت سحابها بأوبة، لو استقام له.
وقوله: «أدركتني حرفة العرب» معنى ما قاله غيره، ولا جعل أحد العرب محارفين سواه، ودليل عدم حرفتهم ما هو إلا أنهم قهروا الأمم حتى صار الملك فيهم، وهم على تلك العزة الجاهلية إلى هذا الوقت.
وما زال الناس ينكرون هذا المعنى عليه ويعيبونه ولو كان قال: «حرفة الأدب» كان أولى بالصواب، وبما يستعمله الناس، ولأنه أديب غير مدفوع، وليس في القصيدة أيضاً ذكر للأدب.
وقد رواه قوم الأدب إنكاراً لذكر العرب ها هنا، وغيره في عدة من النسخ القديمة، والذي في نسخة أبي سعيد السكري، وأبي العلاء محمد بن العلاء وغيرهما: «العرب».
وإنما ذاك لشدة عشقه بالعربية، وأن يقال طائي.
(2/257)

وقد أنكره عليه ابن عمار وغيره، وهذا دليل على أنه ما قال إلا حرفة العرب.
... وقال البحتري:
أوجلتني بعد أمن غرتي ... واغترار الأم يستدعي الوجل (1)
لم أوهم نعمتي تغدر بي ... غدرة الظل سجا ثم انتقل
زمن تلعب بي أحداثه ... لعب النكباء بالرمح الخطل (2)
وأرى العدم فلا تحفل به ... عقبة تقضى وكلما يندمل
أكبرت نفسي وقدماً أكبرت ... أن تلقى النيل من كف الأشل (3)
ومن المعروف مر مقر ... يلفظ الطاعم منه ما أكل (4)
نطلب الأكثر في الدنيا وقد ... نبلغ الحاجة فيها بالأقل (5)
وهذا من إحسان أبي عبادة المتداول.
وقال:
تغاضى رجال عن المكرمات ... وقد مثلت نصب أعيانها (6)
ولم تلتفت لوجوب الحقوق ... وواجبها خلق آذانها
فتحت يدي ثاني العطف عن ... كذوب المودة خوانها
وقد علمت خلتي أنني ... أفارقها عند هجرانها
(2/258)

وقال:
وعيرتني سجال العدم جاهلة ... والنبع عريان ما في فرعه ثمر (1)
وما الفقير الذي عيرت آونة ... بل الزمان إلى الأحرار يفتقر (2)
عزى عن الحظ أن العجز يدركه ... وهون العسر علمي في من اليسر
لم تبق من جل هذا الناس باقية ... ينالها الوهم إلا هذه الصور (3)
جهل وبخل وحسب المجد واحدة ... من تين حتى يعفى خلفه الأثر (4)
إذا محاسني اللاتي أدل بها ... كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
على نحت القوافي من معادنها ... وما علي إذا لم تفهم البقر (5)
ذكر علي بن يحيى المنجم عن شيوخه أن هذا البيت للمخيم (6) الراسبي، أحد الشعراء في دولة الرشيد، وكان صحب محمد منصور بن زياد فكسب معه مالاً عظيماً، ثم صحب محمد بن يحيى بن خالد البرمكي بعد موت ابن منصور (7) فلم يحمده فهجاه.
وأخذ بيت بأسره قبيح لأبي عبادة، ومثله لا يضطر إلى هذا.
وقد كان علي بن يحيى انحرف عن (8) البحتري لأن البحتري هجاه بأمر المتوكل بأبيات ليس مثلها يضر، ولكنه ذكر صورته فقال:
(2/259)

كل أخلاق علي ترتضيها وتذمه (1)
هو قرد حين يبدو غير أنا لا نكمه
مقلتاه وحجاباه وشدقاه وخطمه
فضحك المتوكل حتى استلقى وبلغ علي بن يحيى فعاب (2) هذا على البحتري لما حدث بينهما من التباعد.
إلا أني لم أرهم ينكرون استعارة البيت الذي يجري مجرى المثل إذا جاء موضعه، إلا أن يكون في شوارد الأمثال التي لا يكاد يعرف قائلوها.
وقال:
أضيع في معشر وكم بلد ... يعد عود الكباء من حطبه (3)
لن ينصر المجد حق نصرته ... إلا المكين المكان من رتبه (4)
يخدع عن عرضه البخيل ولا ... يخدع وهو الغني عن نشبه (5)
أوثق من يصطفى عراه وإن ... حل بعيداً من حل في حسبه (6)
لا يصرم المحدث الكهام ولو ... أخلصه الهالكي من جربه (7)
ننسى أيادي الزمان فينا فما ... نذكر ممن دهرنا سوى نوبه
(2/260)

وقال:
أيذهب هذا الدهر لم ير موضعي ... ولم يدر ما مقدار حلي ولا عقدي (1)
ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدد ... يبيع ثمينات المكارم والحمد (2)
سوائر شعر جامع بدد العلى ... تعلقن من قبلي وأتعبن من بعدي
يقدر فيها صانع متعمل ... لأحكامها تقدير داود في السرد (3)
خيلي لو في المرخ أقدح إذ أبى ... رجال مؤتاتي إذن لخبا زندي (4)
وما عارضتني كدية دون مدحهم ... فكيف أرني دون معروفهم أكدي
أأضرب أكباد المطايا إليهم ... مطالبة مني وحاجاتهم عندي؟
وهذا صدق أبي عبادة عن نفسه، وما كان له بد من أن ينفث، وما قال قولاً هو أصدق من هذا.
وقال:
وما جهلت فلا تجهل محاجزتي ... لصاحب الباب يرمي عنه صاحبه (5)
الأرض أوسع من دار ألظ بها ... والناس أكثر من خل أحاربه (6)
أعاتب المرء فيما جاء واحدة ... ثم السلام عليه لا أعاتبه
(2/261)

ولو أخفت لئيم القوم جنبني ... أذاته وصديق الكلب ضاربه
ولن تعين امرأ يوماً وسائله ... ما لم تعنه على حر ضرائبه (1)
وقال:
لنا في كل يوم أصدقاء ... تعود عداً وحالات تحول (2)
وقد تعفو الظنون بمن يرجى ... فتخلف مثل ما تعفو الطلول
وما فقد الجميل لقرب عهد ... فنسأل عنه بل نسي الجميل
ويلوم سائل البخلاء حرصاً ... وإسفافاً كما لوم البخيل (3)
وقال:
لم ألق مقدوراً على استحقاقه ... في الحظ إما ناقصاً أو زائدا (4)
وعجبت للمحدود يحرم ناصباً ... كلفاً وللمجدود يغنم قاعدا
وتفاوت الأرزاق فيما بينهم ... لا يأتلين نوازلاً وصواعدا
ما خطب من حرم الإرادة وادعاً ... خطب الذي حرم الإرادة جاهدا (5)
وهذا كله في غاية الجودة والحسن والصحة والبراعة والحلاوة.
... فأقول في الموازنة بينهما: إنهما (6) أحسنا جميعاً في هذا الباب وأجادا، وأجعلهما متكافئين مع ما فيه لأبي تمام من الإساءة.
(2/262)

* ما قالاه في طلب الرزق والنهوض إليه
قال أبو تمام:
سيبتعث الركاب وراكبيها ... فتى كالسيف هجعته غرار (1)
أطل على كلى الآفاق حتى ... كأن الأرض في عينيه دار (2)
غرار: قليل، وهذا البيت حسن جداً، ولو كان في مدح خليفة ضبط الدنيا، وأحسن سياستها، ومراعاة كل ناحية منها، كان أحسن وأليق.
وإنما سرق المعنى من قول منصور النمري يمدح الرشيد:
وعين محيط بالبرية طرفها ... سواء عليه قربها وبعيدها
وقال:
سلي هل عمرت القفر وهو سباسب ... وغادرت ربعي من ركابي سباسبا (3)
تغربت حتى لم أجد ذكر مشرق ... وشرقت حتى قد نسيت المغاربا (4)
(2/263)

خطوب إذا لاقيتهن رددنني ... جريحاً كأني قد لقيت الكتائبا (1)
ومن لم يسلم للنوائب أصبحت ... خلائقه طراً عليه نوائبا
وقد يكهم السيف المسمى منية ... وقد يرجع المرء المظفر خائبا
فآفة ذا أن لا يصادف صارماً ... وآفة ذا أن لا يصادف ضاربا (2)
قوله: «فآفة ذا أن لا يصادف صارماً» ليس بالجيد؛ لأن الشجاع المظفر قد يقطع السيف الكهام في يده، ألا ترى إلى قول البحتري:
وما السيف إلا بز غاد لزينة ... إذا لم يكن أمضى من السيف حامله (3)
وكان الأجود له أن يقول: فآفة ذا أن لا يصادف مغنماً، أو مضرباً.
يعني المرء المظفر، وآفة ذا أن لا يصادف ضارباً، يعني السيف، لأنه قد جعل آفته في أن صار كهاماً أي أنه لم يجد ضارباً يضرب به، ولم يذهب إلى نحو قول الفرزدق:
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحياناً مناط القلائد (4)
لأن هذا معنى آخر.
... وقال أبو تمام:
وأخرى لحتني حين لم أتبع الهوى ... قيادي ولم ينقض زماعي ناقض (5)
أرادت بأن يحوي الرغيبات وادع ... وهل يفرس الليث الطلى وهو رابض
وهذا بيت الباب كله، فإنه لا يمر فيه أجود منه، ولا أليق، ولا أحسن.
(2/264)

وعلى أنه معنى مأخوذ من مثل للأسد: قيل له: أم أنت غليظ الرقبة؟ فقال: لا ألزم خدري وأتكل في فريستي على غيري.
وقد سمعت فيه شعراً أيضاً منظوماً، ولكن أبا تمام أحسن العبارة عن المعنى جداً.
... وقال:
إن خيراً مما رأيت من الصف ... ح عن النائبات والإغماض (1)
غربة تقتدي قيس ب ... ن زهير والحارث بن مضاض
غرضي نكبتين ما فتلا رأ ... ياً فخاخاً عليه نكث انتقاض (2)
من أبن البيوت أصبح في ثو ... ب من العيش ليس بالفضفاض
والفتى من تعرفته الليالي ... والفيافي كالحية النضناض (3)
صلتان أعداؤه حيث حلوا ... في حديث من ذكره مستفاض (4)
كل يوم له بصرف الليالي ... فتكة مثل فتكة البراض
أبن البيوت: أقام بها ولزمها، والفضفاض: الواسع، والحية النضناض: هو الخفيف الكثير الحركة.
وقد عيب عليه قوله: «مستفاض»، وقالوا: إنما هو مستفيض، وقيل: إنه أراد مستفاض فيه، وليس ذلك بشيء (5).
(2/265)

وقد قاله البحتري أيضاً في قصيدته التي على هذا الوزن:
أفرطت لوثة ابن أيوب والشا ... ئع من ذكر أفنه المستفاض (1)
وقد نطق بها غير واحد من المتأخرين، وهي رديئة.
وذكرها الطرماح على غير هذا الوجه، فقال يصف حمار وحش:
ويظل المليء يوفي على القر ... ن عذوباً كالحرضة المستفاض (2)
القرن: الجيل، عذوقاً: رافعاً رأسه لا يذوق شيئاً.
شبهه بالحرضة، وهو رجل يجيء به أصحاب الميسر، رذل من الرجال ساقط، ويشدون عينه، ويدفعون إليه القداح فيفيض بها لهم، فقيل له: المستفاض؛ لأنه جعله مفيضاً، والإفاضة بالقداح هي أن يدفعها دفعة واحدة من الربابة إلى قدام، فيخرج من مخرجها الضيق قدح واحد، ويقوم الرقيب فيأخذه، وينظر: فإن كان لاظ له رده إلى الربابة، وقال للحرضة: أعد الجلجلة والإفاضة، وإن كان السهم من ذوات الحظوظ دفعه إلى صاحبه وقال له: اعتزل، فإن كان الفذ أخذ نصيباً واحداً وهو عشر الجزور، وإن كان غيره أخذ على قدر أنصبائه.
ولقيس بن زهير، والحارث بن مضاض في اغترابهما حديث وكذلك للبراض في فتكته، وأنا أذكر بجميع ذلك بعد الفراغ من [هذا] (3) الباب بإذن الله.
(2/266)

وقال أبو تمام:
أعاذلتنا ما أخشن الليل مركباً ... وأخشن منه في الملمات راكبه (1)
دعيني وأهوال الزمان أعانها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه (2)
ألم تعلمي أن الزماع على السرى ... أخو النجح عند النائبات وصاحبه؟! (3)
دعيني على أخلاقي الصم التي ... هي الوفر أو سرب ترن نوادبه (4)
فإن الحسام الهندواني إنما ... خشونته ما لم تفلل مضاربه
وقلقل نأي من خراسان جأشها ... فقلت اطمئني أنضر الروض عازبه (5)
وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه
وحسبك بهذا كله جودة وحسناً.
وهذا البيت الأخير إنما أخذ معناه من قول الشاعر، وأنشده في الحماسة:
فكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون (6)
(2/267)

وقال أبو تمام وسبيله أن يقدم في أول الباب؛ لأنه من إحسانه المشهور:
ولكنني لم أحو وفراً مجمعاً ... ففزت به إلا بشمل مبدد (1)
ولم تعطني الأيام نوماً مسكناً ... ألذ به إلا بنوم مشرد
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت ملاحة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
قوله: «لم أحو وفراً مجمعاً. . . إلا بشمل مبدد» يريد أنه لم يحو ذلك إلا في الغربة مع مفارقة وطنه وأحبابه، وأنه لم ينم نوماً ساكناً إلا بعد نوم مشرد في الأسفار، وهذا مبني على قول عروة بن الورد:
* ولم تدر أني للمقام أطوف * (2)
وقوله: «فإني رأيت الشمس». . . مسروق من قول الكميت:
* ولو لم تغب شمس النهار لملت *
وقال أبو تمام:
هن البجاري أيا بجير ... أهدى لها الأبؤس الغوير (3)
يوم مقام على وفاز ... وسائر الدهر فيه سير
في ثبة إن سرن جن ... أو يمموا شقة فطير
قد ضج من فعلهم جديل ... بنسله واشتكى غرير
هذا عبيد وذا زياد ... وذا لبيد وذا زهير
يا لك من همة وعزم ... لو أنه في عصاك سير
(2/268)

رب قليل جداً كثير ... كم مطر بدؤه مطير
صبراً على النائبات صبراً ... ما صنع الله فهو خير
فهذه معان مستقيمة صحيحة، ونسج جيد، ولفظ حسن إلا قوله: «هن البجاري يا بجير»، فإنه لفظ متعسف مستكره، والبجاري: جمع بجرية وهو ما يمر بالإنسان (1) من البجر والمصائب، من قوله عليه السلام: «أشكو إلى الله عجري وبجري» فالبجر: جمع بجرة.
ثم قال: «أهدى لها الأبؤس الغوير»، وهذا هو المثل: «عسى الغوير أبؤسا» (2).
يقول: جاءها البؤس من حيث لم تعلم أن هناك بؤساً، (3) والبجاري هي البؤس أنفسها، فكان ينبغي أن يقول: أهدى لي الأبؤس الغوير، لا أهدى لها.
وإن كان أراد أهدى لها يعني نفسه، ولم يجر لها ذكر فهو رديء.
... وقال البحتري:
وأحب آفاق البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب (4)
كم مشرقي قد نقلت نواله ... فجعلته لي عدة في المغرب
(2/269)

وقال:
أمسي زميلاً للظلام وأغتدي ... ردفاً على كفل الصباح الأشهب (1)
فأكون طوراً مشرفاً للمشرق ال ... أقصى وطوراً مغرباً للمغرب (2)
وإذا الزمان كساك حلة معدم ... فالبس لها حلل النوى وتغرب
ولقد أبيت مع الكواكب راكباً ... أعجازها بعزيمة كالكواكب
والليل في لون الغراب كأنه ... هو في حلوكته وإن لم ينعب
حتى تبدى الصبح من جنباته ... كالماء يلمع من خلال الطحلب (3)
والعيش تنصل من دجاه كما انجلى ... صبغ الشباب عن القذال الأشيب (4)
وهذا من إحسان أبي عبادة الذي يتقدم عل كل إحسان في معناه.
وما قيل في وضوح الصبح أجود ولا أطلف معنى، ولا أبرع من قوله: «كالماء يلمع من خلال الطحلب».
وقوله: «فأكون طوراً مشرقاً للمشرق الأقصى» أجود من قول أبي تمام:
«تغربت حتى لم أجد ذكر مشرق»؛ لأنه يجوز أن لا يكون سمع (5) أهل بلد يذكرون المشرق، وليسوا جهالاً به.
(2/270)

وقوله: «حتى نسيت المغاربا»، يجوز أن ينساها فلا يذكرها، وأن ينسى أباه فلا يذكره، وليس ماله بروي (1)، لأن غرضه فيه معروف، ولكن قول البحتري أجود.
وقال البحتري:
أشرق أم أغرب يا سعيد ... وأنقص من زماعي أم أزيد (2)
عدتني عن نصيبين العوادي ... فحظي أبله فيها بليد (3)
أرى الحرمان أبعده قريب ... بها والنجح أقربه بعيد
تقاذف بي بلاد عن بلاد ... كأني بينها خبر شرود (4)
قوله: «خبر شرود»، معنى غريب طريف.
وقال:
وإن اغتراب المرء في غير بغية ... يطالبها من حيف دهر يطالبه (5)
فليس بمعذور إذا رد سربه ... عليه بأن تعيا عليه مذاهبه
ويعطيه مرجو العواقب مسرعاً ... إليه ركوب الأمر تخشى عواقبه
أرجي وما نقع الرجاء إذا التقت ... مناحس أمر مجحف ومعاطبه
ومما يعني النفس كل عنائها ... توقعها الصنع البعيد تقاربه (6)
وهذا البيت يصلح أن يكون في باب الصبر والقناعة، ومعناه من أتقن المعاني وأحسنها.
(2/271)

وقال:
عست الإضافة أن تنال بها ... سعة ونكل ضارباً شبعه (1)
والفسل تسلبه عزيمته ... أدنى وجود كفاية تسعه
لا يلبث الممنوع تطلبه ... حتى يثوب إليك ممتنعه
والنيل دين تسترق به ... فارتد لرقك عند من تضعه (2)
قوله: «نكل ضارباً شبعه»، أي أقعده حتى نكل عن المطلب.
... وقال:
أسير إذ كنت في طول المقام بها ... أكدي لعلي أجدي عند مرتحلي (3)
وربما حرم الغازون غنمهم ... في الغزو ثم أصابوا الغنم في قفل (4)
شرق وغرب فعهد العاهدين لما ... طالبت في ذملان الأينق الذمل (5)
ولا تقل أمم شتى ولا نسق ... فالأرض من تربة والناس من رجل (6)
قوله: «ولا تقل أمم شتى ولا نسق» أي لا يصدنك عن السفرأن تقول: كيف ألاقي أمماً متفرقين متباعدين، غير مقترنين، ولا متسقين، وأترك أهلي وبلدي، فإن تربة الأرض واحدة، والناس أبناء رجل واحد.
وصدر هذا البيت رديء، وعجزه في غاية الحسن والبراعة.
(2/272)

ولولا أن محاسن أبي تمام في هذا الباب هي أبياته الأربعة والجميع من معانيها مسروقة لفضلته على البحتري إلا في بيت الطحلب فإنه معنى ما علمت أحداً سبق إليه، ولا قيل في وضوح الصبح أبرع منه، فأجعلهما متكافئين.
(2/273)

* ومما ذكرا فيه سرى الإبل
قال أبو تمام:
لا تذيلن صغير همك وانظر ... كم بذي الأثل دوحة من قضيب (1)
رب خفض تحت السرى وغناء ... من عناء ونضرة من شحوب
فاسأل العيس ما لديها وألف ... بين أشباحها وبين السهوب (2)
وقال:
فتى النكبات من يأوي إذا ما ... قطفن به إلى خلق وساع (3)
يثير عجاجة في كل ثغر ... يهيم بها عدي بن الرقاع
أبن مع السباع الماء حتى ... لخالته السباع من السباع
فلب الحزم إن حاولت يوماً ... بأن تسطيع غير المستطاع (4)
فلم ترحل كناجية المهاري ... ولم تركب همومك كالزماع
قوله: «قطفن» أي أبطأ في الانصراف والانكشاف عنه، وتثاقلن في المضي، مأخوذ من قولهم: دابة قطوف، وهو الذي يقصر خطوه فيبطيء ذهابه.
(2/274)

يقول: فإنه مع هذه الحال يأوي إلى خلق واسع، وصبر على المحن حتى تنكشف.
وقوله: «يثير عجاجة في كل ثغر» أي يطأ كل بلدة مخوفة، وتثير مطيته غبار كل بقعة، ونسب العجاجة إلى عدي بن الرقاع لأن عدياً وصف العير والأتان وما يثيرانه من الغبار في السهل من الأرض، فإذا صارا إلى الحزن لم يوجد لها فيه نقع، فشبهه بملاءة ينشرانها مرة، ويطويانها أخرى فقال:
يتعاوران من الغبار ملاءة ... سوداء داجية هما نسجاها (1)
تطوى إذا علوا مكاناً ناشراً ... وإذا السنابك أسهلت نشراها
وهذا من تشبيهات العرب الموصوفة، فجعل أبو تمام عدياً ممن هام بهذه العجاجة، أتى بوصفها إعجاباً بها، وأن ناقته أيضاً تثير عجاجة في كل ناحية كهذه العجاجة.
وهذا تمحل منه لمعنى غير لائق بما هو بسبيله من ذكره سيره؛ لأنه إن كان أراد أنه أيضاً يثير النقع في السهل، ولا يثيره في الحزن فكل سار فيهما هذه حاله، فما وجه ذكره عجاجة عدي، وإنما حسن من عدي، وصح التشبيه لأن الحمار إذا طلب الأتان فليس يجريان على استقامة بل تراهما بيناهما في الحزن صارا إلى السهل، ثم يعودان إلى الحزن، فتراهما مسهلين ومحزنين لجولانهما، فترى عجاجتهما تثور حيناً، وتلبد حيناً، فصح التشبيه وحسن، والمسافر إنما يمر على سنن واحد فليس يكاد يخرج من سهل إلى حزن؛ ومن حزن إلى سهل في وقت واحد تدركه
(2/275)

منه العيون فيكون الغبار مشبهاً لملاءة تنشر وتطوى، وإنما يقع ذلك في أوقات متراخية يسقط معها هذا المعنى.
... وقال أبو تمام:
وركب يساقون الركاب زجاجة ... من السير لم تقصد لها كف قاطب (1)
فقد أكلت منها الغوارب بالسرى ... وصارت لها أشباحهم كالغوارب (2)
يرى بالكعاب الرود طلعة ثائر ... وبالعرمس الوجناء غرة آيب (3)
كأن به ضغناً على كل جانب ... من الأرض أو شوقاً إلى كل جانب
قوله: «لم تقصد لها كف قاطب» أي سيراً لا يلين ولا يفتر، كما تقطب الراح أن تمزج وتكسر بالماء وتلين.
وقال:
فاطلب هدوءاً بالتقلل واستثر ... بالعيس من تحت السهاد هجودا (4)
من كل معطية على علل السرى ... وخداً يبيت النوم منه شريدا (5)
(2/276)

يخدي بمنصلت يظل إذا ونى ... ضرباؤه حلساً لها وقتودا (1)
جعل الدجى جملاً وودع راضياً ... بالهون يتخذ القعود قعودا (2)
وقال:
ورأيت ضيف الهم لا يرضى قرى ... إلا مداخلة القفار دلاثا (3)
شجعاء جرتها الذميل تلوكه ... أصلاً إذا راح الغضا حثحاثا (5)
مداخلة القفار: موثقة الخلق.
والدلاث: السريعة، والمندلث: المسرع، يقال: اندلث اندلاثاً.
و «شجعاء جرتها الذميل» (6) مثل، أي إذا اجترت الإبل العلف من بطونها ولاكته فليس لهذه الناقة جرة إلا الذميل وهو ضرب من السير
(2/277)

كما قال في وصف الخيل:
* تعليقها الإسراج والإلجام * (1)
جعل ذلك مكان الشعير في المخالي إذا علقت عليها.
يقول: إذا ونت الركاب وغرثت، أي احتاجت إلى العلف، فإن هذه الناقة لاقتدارها على السير وصبرها على (2) الرمل تلوك الذميل كأنه طعامها.
وهذه القطع كلها جياد صحيحة المعاني والألفاظ.
... وقال:
سأخرق الخرق يابن خرقاء كال ... هيق إذا ما استجم من نجده (3)
مقابل في الجديل صلب القرا ... لوحك من عجبه إلى كنده
تامكه نهده مداخله ... ملمومه محزله أجده
«ابن خرقاء»: يريد بعيراً.
والهيق: الظليم، شبهه به لنشاطه وسرعته.
والنجد: العرق، أي هو كالهيق في هذه الحال التي يقدر فيها فتوره.
مقابل: كريم الآباء والأمهات، وفي الجديل: وهو فحل كريم.
لوحك: شد ووثق، والكتد: ما يتصل بالحارك من العنق.
(2/278)

والتامك: المرتفع، وكذلك النهد (1).
والملموم: الذي قد استوى لحمه وشحمه من سنمه، ولم يبق له عظم شاخص.
والمحزئل: المرتفع، احزأل أي ارتفع في السير.
وهذه معان صحيحة، ولكن النسج لا حلاوة له، ولا طلاوة عليه.
... وقال:
وإلى جناب أبي الحسين تشنعت ... بزمامها كالمصعب المخطوم (2)
جاءتك من معج خوانق في الرى ... وعوارف بالمعلم المأموم
من كل ناجية كأن أديمها ... حيصت ظهارته بجلد أطوم
تثني ملاطيها إذا ما استكرهت ... سعدانة كإدارة القرزوم
طلبتك من نسل الجديل وشدقم ... كوم عقائل من عقائل كوم
ينسين أصوات الحداة ونبرها ... طرباً لأصوات الصدى والبوم
فأصبن بحر نداك غير مصرد ... ورداً وأم نداك غير عقيم
لما وردن حياض سيبك طلحا ... خيمن ثم شربن شرب الهيم
قوله: «تشنعت»: أي أخذت أهبتها للسير، وشمرت، من قولهم: تشنع الفارس، إذا لبس سلاحه.
(2/279)

ومعج: جمع معجة، والمعج: التغلب في الجري، يقال: مر الحمار يمعج معجاً، إذا جرى في كل وجه بسرعة، وحمار معاج.
والخوانق: جمع خنوق، وهي الناقة التي تضرب بيدها في السير من نشاطها وفيه بعض الميل.
والمعلم: الطريق، والمأموم: الذي يؤتم، عارفة بالطريق الذي يجب أن تؤمه لطول دأبها، وكثرة سيرها في الطرق المختلفة.
وقوله: «حبصت» خيطت بجلد أطوم، يقال: إن الأطوم: السلحفاء البحري الذي يجعل من جلده الذبل (1)، ويشبه جلد البعير الأملس به، ويقال: الأطوم: سمكة في البحر غليظة، وقيل بل هي بقرة يتخذ من جلدها الخفاف للحمالين، قال الشماخ يصف الناقة:
وجلدها من أطوم ما يؤيسه ... طلح كضاحية الصيداء مهزول (2)
قيل في تفسيره: الأطوم: سمكة بحرية تخصف الخفاف والنعال بجلدها.
ويؤيسه: يذلله، والتأييس: التذليل.
والطلح: والقراد ها هنا، والطلح: الضئيل المهزول.
والصيداء: حصى، والصيدان (3): حجارة.
وضاحية: ما ضحا للشمس منها وظهر.
وقال الأخفش في تفسير هذا البيت: الأطوم: طي البئر بالصخر الأسود، ويقال: الأطوم: الصدف.
وقوله: «تثنى ملاطيها» أي تباعد بينهما.
وملاطاها: وعضداها.
(2/280)

سعدانة: والسعدانة من البعير: هي البلدة (1)، أي تباعد بين عضديها كركرة (2)، أو بلدة مستديرة كإدارة الفرزوم، وهي الخشبة المدورة التي يحذو عليها الحذاء (3)، وذلك محمود في الإبل أن يتباعد عضد البعير من زوره في السير.
والكوم: العظام الأسنمة، واحدتها كوماء.
وقوله:
ينسين أصوات الحداة ونبرها ... طرباً لأصوات الصدى والبوم (4)
أي ألفت صوت الصدى والبوم لكثرة سيرها في الفيافي، حتى صارت تطرب لذلك وتنسى أصوات الحداة.
وهذا من مبالغاته البعيدة الباطلة.
ولو قال: إلفاً لأصوات الصدى كان أشبه بالصواب قليلاً من الطرب.
وهذه أبيات صالحة على ما فيها من التكلف.
... وقال:
الهم والعيس والليل التمام معاً ... ثلاثة أبداً يقرن في قرن (5)
حوباً حلاً قاسميني الهم يا ابنته ... فقد خلقت لغير الحوض والعطن (6)
(2/281)

قوله: «حوباً حلا» زجر من زجر الإبل (1)، كأنه زجر ناقته، وقال لها: قاسميني الهم يا ابنته: يا بنت الهم، سيري وانطلقي فقد خلقت لغير الحوض والعطن، أي خلقت لقطع الأسفار لا للإقامة.
ولفظ هذا الأخير رديء، ونسجه قبيح.
وأخذ البحتري معنى الأول فقال:
يا خليلي بالسواجير من ودب ... ن معن وبختر بن عتود (2)
أطلبا ثالثاً سواي فإني ... رابع العيس والدجى والبيد
... وقال البحتري:
بنات العيد تعتاد الفيافي ... إذا شئنا استمر بها الذميل (3)
وما طرفا زمان المرء إلا ... مقام يرتضيه أو رحيل
وقال:
وإذا ما تنكرت لي بلاد ... أو خليل فإنني بالخيار (4)
وخدان القلاص حولاً إذا قا ... بلن حولاً من أنجم الأسحار
يترقرقن كالسراب وقد خض ... ن غماراً من السراب الجاري (5)
كالقسي المعطفات بل الأس ... هم مبرية بل الأوتار (6)
وهذا من أوصاف الإبل إذا أضمرها السير وهي في غاية الحسن والصحة والحلاوة في اللفظ والنسج.
(2/282)

ومثله في الجودة والحسن قوله:
وهي العيس دهرها في ارتحال ... من حلول أو فرقة من جميع (1)
رب مرت مرت تجاذب قطري ... ه سراباً كالمنهل المشروع (2)
وسرى تنتحيه بالوخد حتى ... تصدع الليل عن بياض الصديع
كالبري في البرى ويحسبن أحيا ... ناً نسوعاً مجدولة من نسوع (3)
وقال:
سوف أعطي السلو والصبر ما أم ... نع من طارف الهوى أو تليد (4)
بالمهارى يلبسن لوناً جديداً ... مستفاداً في كل وقت جديد
فهي طول النهار بيض وطول ال ... ليل في أقمص من الليل سود
طالبات في الغوث غوثاً سكوباً ... وحميداً في آل عبد الحميد
وهذا كل جيد بالغن وعذب حلو، ومعان لطيفة لائقة.
... وقد أجاد كل واحد منهما وصف إبله على الطريقة التي قصدها واعتمدها، وإن كانت معاني البحتري فيما ذهب إليه من الضمر حلوة جداً.
... فأقول: إنهما في البابين متكافئين.
(2/283)

. ولأبي تمام في وصف الإبل أشياء رديئة لم أكتبها، وفيها قصيدة يصف فيها ناقة حج عليها رديئة جداً أولها:
لعلك ذاكر الطلل القديم ... وموف بالعهود على الرسوم (1)
له فيها ألفاظ مختلفة، ومعان من معاني السوق، وقد تقدم في الباب (2) قوله:
وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن يتم صدوره ... وليس عليهم أن يتم عواقبه
في أبيات ما هي (3) من ذلك الباب، ثم قال بعدها ما هو من هذا الباب في وصف الإبل، وسبيلها أن تثبت في هذا الباب في أوله:
على كل موار الملاط تهدمت ... عريكته العلياء وانضم حالبه (4)
رعته الفيافي بعدما كان حقبة ... رعاها وماء الروض ينهل ساكبه
فأضحى الفلا قد جد في بري نحضه ... وكان زماناً قبل ذاك يلاعبه
فكم جزع واد جب ذروة غارب ... ومن قبل كانت أتمكته مذانبه
قوله: «موار الملاط» فالملاط: عضد البعير، وموار: يريد حركته في السير.
وعريكته العلياء: يعني سنامه، تهدمت من طول السفر، وكذا انضم حالبه (5).
(2/284)

وقوله: «يلاعبه»: لفظة ضعيفة المعنى، وإنما جاء بها من أجل قوله: جد في بري نحضه؛ ليطابق بين الجد واللعب.
أي إن الفلا جد في أخذ لحمه في سيرنا هذا السير، فجعل مكان هذا القول: «وكان زماناً قبل ذاك يلاعبه» على مذهبه في عشق الطباق الذي لا بد له من أن يأتي به وإن حصل المعنى ضعيفاً ركيكاً، وربما كان محالاً.
وقوله: «أتمكنه» أي أسمنت تامكه، وهو سنامه.
والمذانب: مجاري الماء، وهي أبداً معشبة.
... ولئن كانا جميعاً أحسنا في هذا الباب فما وصفا مطيهما بالسرعة وصف مسلم بن الوليد إذ يقول:
إلى الأمام تهادانا بأرحلنا ... خلق من الريح في أشياخ ظلمان (1)
كأن إفلاتها والفجر يأخذها ... أفلات صادرة عن صوت مرنان (2)
تنساب في الليل لا ترعى لهاجسة ... كأنني راكب في رأس ثعبان (3)
(2/285)

وقد أفرط الذي يقول، وقد أحسن في إفراطه:
مروح برجليها إذا هي هجرت ... ويمنعها من أن تطير زمامها
وقال الشماخ:
* تكاد تطير من رأي القطيع (1) *
وقال الحطيئة:
وإن نظرت يوماً بموخر عينها ... إلى علم بالغور قلت له ابعد (2)
(2/286)

* باب الشحوب والتغير من الأسفار
قال أبو تمام:
نظرت إليه فما استتمت لحظها ... حتى تمنت أنها لم تنظر (1)
ورأت شحوباً رابها في وجهه ... ماذا يريبك من جواد مضمر (2)
غرض الحوادث لا تزال ملمة ... ترميه عن شزر بأم حبوكر (3)
سدكت به الأقدار حتى إنها ... لتكاد تفجؤه بما لم يقدر (4)
وهذا ما لا غاية وراءه في الحسن والصحة والبراعة.
قوله: «سدكت به الأقدار»، أي لزمته، وغريت به.
وقال البحتري نحو هذا البيت الأخير ولكن على وجه آخر وأحسن وأجلى، قال:
ولو فاتني المقدور مما أرومه ... بسعي لأدركت الذي لم يقدر (5)
... وقال أبو تمام:
نكرت فتى ألوى بنضرة وجهه ... وبمائه نكد الخطوب ولومها (6)
(2/287)

لا تنكري شيمي فإني زائدي ... حزماً حضار النائبات وشيمها (1)
فلقبل أظهر صقل سيف أثره ... فبدا وهذبت القلوب همومها
والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها
حضار النائبات: بيضها، وشيمها: سودها، يريد أنه يزيد في حزمه ومعرفته بالأمور ما يقاسيه من الخير والشر.
وقال:
لا يطرد الهم إلا الهم من رجل ... مقلقل لبنات القفرة النعب (2)
لا تنكري منه تحديداً تجلله ... فالسيف لا يزدري إن كان ذا شطب (3)
وهذا كله جيد بالغ حسن نادر.
... وقال البحتري:
ما تنكر الحسناء من متوغل ... في الليل يخلط أينه بسهوده (4)
قد لوحت منه السهوب وأثرت ... في يمنتيه وعنسه وقتوده
فلفضة السيف المحلى حسنه ... متقلداً ومضاؤه لحديده
تم الباب
... وهذا ما قلت أذكره في آخر الباب من حال قيس بن زهير، والحارث بن مضاض، والبراض.
(2/288)

فأما قيس بن زهير العبسي فإن بني بدر الفزاريين قتلوا أخاه مالكاً فنشبت الحرب بين عبس وذبيان ابني (1) بغيض.
وكان سبب ذلك رهان داحس والغبراء فقتل قيس حذيفة بن بدر وحمل ابن بدر وغيرهما، ودامت (2) الحرب بينهما دهراً طويلاً حتى كادوا يفنون.
وتشاءمت العرب بقيس، وكان سيداً حكيماً حليماً، فقال: لا أقيم ببلاد قتلت بها سادات قومي ولم أحلم، ولم أقرب، ولم أصلح فقال:
تعلم أن خير الناس ميتاً ... على جفر الهباءة ما يريم (3)
ولولا ظلمه ما زلت أبكي ... عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم
أظن الحلم دل على قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم
ثم خرج ضارباً في البلاد على وجهه متخلياً من كل أهل ومال، وصار إلى بعض نواحي عمان فهلك هناك وله في هلاكه خبر، فهذه غربة قيس.
... وأما غربة الحارث بن مضاض الجرهمي فإنه كان سيد جرهم في زمانه، وكان إلى قومه حجابة بيت الله الحرام بمكة فغلبتهم عليه خزاعة، فخرجوا وتفرقوا في البلاد.
(2/289)

وفي ذلك يقول الحارث:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر (1)
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
ويقال: بل قائل هذه الأبيات بكر بن غالب بن الحارث بن مضاض.
... فأما فتكة البراض، فهو براض بن قيس بن رافع الكناني، أحد بني مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس، وتكته كانت بعروة (2) الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب، وكانت من أجله وقعة «الفجار العظمى» (3).
وسبب ذلك أن البراض وكان رجلاً شريراً فاتكاً صار إلى النعمان بن المنذر، ولما حضر الموسم جهز اللطيمة إلى سوق عكاظ، وهي من كل المتاع، ولا يقال لها لطيمة إلا إذا كان فيها مسك وطيب، فقال النعمان: من يجيزها؟، قال البراض: أنا أجيزها على قومي بني كنانة (قال: وعلى العرب أجمعين) (4) قال البراض: وعلى بني كنانة.
قال: نعم، على العرب والعجم، وعلى الجن والإنس، فسار فيها عروة، وأتبعه البراض حتى إذا كان بذي طلال قريباً من خيبر حمل عليه فقتله، وكانت الحرب.
(2/290)

باب
مضت أنواع النسيب (1) كلها، وهذا باب أرسم فيه (2) الأبواب التي خرجا فيها من النسيب إلى المديح.
اعلم أنهما جميعاً قد تعملا في بعض قصائدهما النسيب، وصلا به النسيب بالمديح، وأعرضا في كثير من أشعارهما عن هذا المعنى، وابتدآ بالمدح منقطعاً عما قبله، وكلا الوجهين قد فعله شعراء الجاهلية والإسلام، وكانوا كثيراً ما يقولون إذا فرغوا من النسيب وأرادوا المدح أو غيره من الأغراض: «فدع ذا»، فتجنبها المتأخرون واستقبحوها، وكذلك قولهم: «فعد عن ذا» وهي عندهم أحسن.
فمما قطعه أبو تمام مما قبله:
هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام (3)
ثم خرج إلى المدح فقال:
الله أكبر جاء أكبر من جرت ... فتعثرت في كنهه الأوهام
وقال:
حلمتني زعمتم وأراني ... قبل هذا التحليم كنت حليما (4)
(2/291)

ثم قال:
من رأى بارقاً سرى صامتياً ... جاد نجداً سهولها والحزونا
وقال:
أوما رأت بردى من نسج الصبا ... ورأت خضاب الله وهو خضابي (1)
ثم قال:
لا جود في الأقوام يعلم ما خلا ... جوداً حليفاً في بني عتاب
وقال:
لو رأى الله أن في الشيب فضلاً ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا (2)
ثم قال:
كل يوم تبدي صروف الليالي ... خلفاً من أبي سعيد غريبا (3)
وقال:
كأن له ديناً على كل مشرق ... من الأرض أو ثأراً لدى كل مغرب (4)
ثم قال:
رأيت لعياش خلاق لم تكن ... لتكمل إلا في الباب المهذب
وقال:
حلت نطف منها لنكس وذو الحجا ... يداف له سم من العيش منقع (5)
(2/292)

ثم قال:
لقد آسف الأعداء مجد ابن يوسف ... وذو النقص في الدنيا بذي الفصل مولع
وقال:
فلم ترحل كناجية المهارى ... ولم تركب همومك كالزماع (1)
ثم قال:
بمهدي بن أصرم عاد عودي ... إلى إيراقه وامتد بارعي
... ومن ذلك قول البحتري:
توهمتها ألوى بأجفانها الكرى ... كرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر (2)
ثم قال:
لعمرك ما الدنيا بناقصة الجدا ... إذا بقي الفتح بن خاقان والقطر
وقال:
ومن يطلع شرف الأربعين ... يلاق من الشيب زوراً غريبا (3)
ثم قال:
بلونا ضرائب من قد ترى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا
وقال:
تأبى رباه أن تجيب ولم يكن ... مستخبر ليجيب حتى يفهما (4)
(2/293)

ثم قال:
الله جار بني المدبر كلما ... ذكر المكارم ما أعف وأكرما (1)
وقال:
وكم من يد لليل عندي جميلة ... وللصبح من خطب تذم غوائله (2)
ثم قال:
وقد قلت للمعلي إلى المجد طرفه ... دع المجد فالفتح بن خاقان شاغله (3)
وقال في وصف الغيث:
فصاغ ما صاغ من حلي ومن حلل ... ما يمتع العين من وشي وديباج (4)
ثم قال:
إلى علي بني الفياض بلغني ... سراي من حيث لا يسرى وإدلاجي (5)
وقال:
ما كان هجرك مكروهاً أحاذره ... ولا وصالك معروفاً أرجيه (6)
ثم قال:
بنو ثوابة أقمار إذا طلعت ... لم يلبث الليل أن ينجاب داجيه
(2/294)

وقال:
أميل بقلبي عنك ثم أرده ... وأعذر نفسي فيك ثم ألومها (1)
ثم قال:
إذا المهتدي بالله عدت خلاله ... حسبت سماء كاثرتك نجومها (2)
وقال:
وهل هي إلا لوعة مستسرة ... يذيب الحشا والقلب وجداً غليلها (3)
ثم قال:
ولولا معالي أحمد بن محمد ... لأضحت ديار الحمد وحشاً طلولها (4)
فهذا الجنس من الخروج إلى المدح هو الأعم في أشعارهما.
... وأما الوجه الذي يجعلون (5) له سبباً يصل النسيب بالمدح فعلى معاني شتى: منها الخروج بذكر وصف الإبل والمهامه إلى الممدوح، وهذا المعنى عام كثير في أشعار الناس.
فمن ذلك قول أبي تمام:
يصبرني إن ضقت ذرعاً بحبه ... ويجزع أن ضاقت عليه خلاخله (6)
(2/295)

ثم خرج إلى مدح المعتصم فقال:
إليك أمير المؤمنين وقد أتى ... عليها الملا أدماثه وجراوله (1)
نصرن السرى بالوخد في كل صحصح ... وبالسهد الموصول والنوم خاذله (2)
رواحلنا قد بزنا الهم أمرها ... إلى أن حسبنا أنهن رواحله
إذا خلع الليل النهار رأيتها ... بإرقالها في كل وجه تقابله (3)
إلى قطب الدنيا الذي لو بمدحه ... مدحت بني الدنيا كفتهم فضائله
الملا -المقصور-: المتسع من الأرض.
والأدماث: جمع دمث وهي الأرض اللينة.
والجراول: جمع جرول، وهي الأرض الخشنة ذات الحجارة.
ومنه قول أبي تمام أيضاً:
اليوم يسليك عن طيف ألم وعن ... بلى الرسوم بلاء الأينق الرسم (4)
من القلاص اللواتي في حقائبها ... بضاعة غير مزجاة من الكلم
إذا بلغنا أبا كلثوم اتصلت ... تلك المنى وأخذن الحاج من أمم
ومن ذلك قوله:
سيبتعث الركاب وراكبيها ... فتى كالسيف هجعته غرار (5)
(2/296)

أطل على طلى الآفاق حتى ... كأن الأرض في عينيه دار (1)
تؤم أبا الحسين وكان قدماً ... فتى أعمار موعده قصار
وقوله:
وبساط كأنما الآل فيه ... وعليه سحق الملاء الرحيض (2)
يصبح الداعري ذو المرة المر ... جم فيه كأنه مأبوض (3)
قد فضضنا من بيده خاتم الخو ... ف وما كل خاتم مفضوض
بالمهارى يجلن فيه وقد جا ... لت على مستماتهن الغروض (4)
جازعات سود المهامه تهدي ... ها وجوه لمكرماتك بيض (5)
وقوله:
فاطلب هدواً بالتقلل واستثر ... بالعيس من تحت السهاد هجودا (6)
من كل معطية على علل السرى ... وخداً يبيت النوم منه شريدا
تخدي بمنصلت يظل إذا ونى ... ضرباؤه حلساً لها وقتودا
(2/297)

جعل الدجى ستراً وودع راضياً ... بالهون يتخد القعود قعودا (1)
طلبت ربيع الممهى لها ... ووردن ظل رواقه الممدودا (2)
قوله: «فاطلب هدواً في التقلل» من قول عروة بن الورد:
* ولم تدر أني للمقام أطوف *
وقوله: «الممهى لها» أي الذي أكثرت مياهه، ويروى «الممهى» لها أي الذي يكثر لها الماء، وليس يريد الماء بعينه، وإنما يريد الخصب والسعة لأنه بالماء يكون.
وهذا الخروج كله جيد بالغ.
وله على هذا الوجه خروجات رديئة ومتوسطة لم أذكرها، ومنها قوله:
دع عنك هذا إذا انتقلت إلى ال ... مدح وشب سهله بمقتضبه (3)
فالسهل: ما يأتيه به خاطره عفواً من غير فكر ولا طلب.
والمقتضب ما يقتطعه خاطره اقتطاعاً بالفكر والتعب، ويقال: ناقة قضيب، وهي التي ريضت ولم تذل كل الذل للحمل والركوب.
فأما قول البحتري لإبراهيم بن المدبر (4) في عتاب حلو:
دع ذا وأخبرني بشأن صديقنا ... بشر وهل يرضى لبشر شان (5)
(2/298)

فإن «دع» ها هنا حسنة وليست مثلها في الخروج من النسيب إلى المدح.
ثم قال أبو تمام هو قوله: «دع عنك هذا»:
لست من العيس أو أكلفها ... وخداً يداوي المريض من وصبه (1)
إلى المصفى مجداً أبي الحسن ان ... صعن انصياع الكدري في قربه (2)
قوله: «يداوي المريض»، يعني المريض في حاله لا في جسمه؛ لأنه يدنيه من الغنى.
والانصياع: الانحراف في السير من النشاط والسرعة، والكدري القطا.
يعني إذا جنحت في الطيران وانحرفت نشيطة مسرعة.
... ومن هذا الباب قول البحتري:
فالعيس ترمي بأيديها على عجل ... في مهمه مثل ظهر الترس رحراح (3)
نهدي إلى الفتح والنعمى بذاك له ... مدحاً يقصر عنه كل مدح (4)
وقوله:
سيحمل همي عن قريب وهمتي ... قرى كل ذيال جلال جلنفع (5)
(2/299)

يناهبن أجواز الفيافي بأرجل ... عجال إلى طي الفيافي وأذرع (1)
متى تبلغ الفتح بن خاقان لا تنخ ... بضنك ولا تفزع إلى غير مفزع
الجلنفع: المتناهي في سنه وقوته (2).
«يناهبن أجواز الفيافي. . .» بيت في غاية الحسن، وجودة اللفظ.
وقول البحتري أيضاً:
ولقد تعسفت الأمور وصاحبي ... حزم يلف حزونها بسهولها (3)
ونشرت أردية الصبا وطويتها ... بالعيس بين وجيفها وذميلها (4)
شامت بروق سحابة قرشية ... غرقت صروف الدهر بين سيولها (5)
وقوله:
وإذا استصعبت مقادة أمر ... سهلتها أيدي المهارى القود (6)
حاملات وفد الثناء إلى أب ... لج صب إلى ثناء الوفود
علقوا من محمد خير حبل ... لرواق الخلافة الممدود (7)
وقوله:
تشكى الوجى والليل ملتبس الدجى ... غريرية الأنساب مرت بقيعها (8)
(2/300)

ولست بزوار الملوك على الونى ... لئن لم تجل أغراضها ونسوعها (1)
تؤم القصور البيض من أرض بابل ... بحيث تلاقى غردها وبديعها (2)
إذا أشرف البرج المطل رمينه ... بأبصار خوص قد أرنت قطوعها (3)
يضيء لها قصد السرى لمعانه ... إذا اسود من ظلماء ليل هزيعها
نزور أمير المؤمنين ودونه ... سهوب البلاد رحبها ووسيعها
وهذه ألفاظ ومعان في غاية الصحة والحسن، وكثرة الماء.
وقوله: «عريرية» منسوبة إلى فحل من فحول الإبل مذكور يقال له: غرير، وغردها بديعها: قصران.
... وقال في ابن المدبر:
إنني لاجيء إلى عزمات ... معديات على طريق الهموم (4)
يتلاعبن بالفيافي ويودي ... ن بنقي المسومات الكوم (5)
الترامي بعد الوجيف إذا استؤ ... نف خرق والوخد بعد الرسيم (6)
كل مهزوزة المقذين تلقى ... روحة الجاب خلفها والظليم (7)
(2/301)

جنحا كالسمام يحملن ركباً ... طلحا من ضئولة وسهوم (1)
ما لهم عرجة وإن نأت الشق ... قة دون الأغر إبراهيم (2)
قوله: «مهزوزة المقذين»، فالمقذان: أصول الأذنين، وإنما يريد حركة رأسها عند السير، وما أكثر ما تصف العرب ذلك.
وقوله: «تلقى روحة الجأب» إذا سارت مع حمار الوحش، والظليم، وهو ذكر النعام، فوصلت غدوة وصلا بعدها عشياً، يصفها بالسرعة والقوة على السير.
والسمام (3): جنس من الطير.
وجنح يجنح في طيرانه، أي يميل من النشاط على أحد جناحيه وكذلك تفعل كرائم (4) الإبل تتصرف في سيرها.
وقوله:
قد أقذف العيس في ليل كأن له ... وشياً من النور أو أرضاً من العشب (5)
حتى إذا ما انجلت أخزاه عن أفق ... مضمخ بالصباح الورد مختضب
أوردت صادية الآمال فانصرفت ... عني بها وأخذت النجح من كثب (6)
(2/302)

هاتيك أخلاق إسماعيل في تعب ... من العلا والعلا منهن في تعب (1)
أراد أوردت (2) صادية الآمال بها أي بالعيس فانصرف عني (3) الآمال الصادية، وهي العطاش، وأخذت النجح من كثب، أي من قرب.
وقوله: «في ليل كأن له وشياً من النور» أي في ليل شديد الظلمة، فإذا اشتدت ظلمته أشرقت كواكبه ما صغر منها وما كبر، وأحسن ما تكون السماء إذا كانت هذه حالها.
وإلى هذا المعنى ذهب ذو الرمة في قوله:
وليل كجلباب العروس أدرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد (4)
أراد الحلي الذي على جلبابها، شبه الليل به في حسن نجومه، وإنما يريد أنه ادرع ليلاً شديد الظلمة، مضيء الكواكب.
... وفي شدة ظلمة الليل يقول البحتري أيضاً:
والليل في صبغ الغراب كأنما ... هو في حلوكته وإن لم يتعب (5)
حتى تجلى الصبح من جنباته ... كالماء يلمع في خلال الطحلب (6)
وهذا معنى ما سمعت في شعر قديم ولا محدث أحسن ولا أروع منه.
(2/303)

ثم قال:
والعيس تنصل من دجاه كما انجلى ... صبغ الشباب عن القذال الأشيب (1)
ثم قال:
والعيس تنصل من دجاه كما انجلى ... صبغ الشباب عن القذال الأشيب (1)
يطلبن مجتمع العلا من وائل ... في ذلك الأصل الزكي الطيب (2)
... وقال البحتري:
سوف أعطي السلو والصبر ما أم ... نع من طارف الهوى وتليد (3)
بالمهارى يلبسن ثوباً جديداً ... مستفاداً في كل وقت جديد
فهي طول النهار بيض وطول ال ... ليل في أقمص من الليل سود
طالبات في الغيث غيثاً سكوباً ... وحميداً في آل عبد الحميد (4)
وقال محمد بن علي القمي:
لقد علمت عيدية العيس أنني ... أهب إذا نام الهدان وأعنق (5)
خرجنا بها في البيض بيضاً لم نر الد ... دآديء إلا وهي منهن أمحق (6)
هشمن إلى ابن الهاشمية أوجها ... عوابس للظلماء ما تتطلق (7)
قوله: «خرجنا بها في البيض»، يريد في الليالي البيض، وهي التي يكون القمر فيها طالعاً من أولها إلى آخرها.
وقوله: «بيضاً»: يريد الآدم من الإبل، وهو الأبيض، فإن خالطته
(2/304)

حمرة فهو أصهب، وأظنه قال ها هنا بيضاً أراد حسنها وصفاء ألوانها وسمنها.
والدآدي: هي الليالي في آخر الشهر، وهي مظلمة.
أي لم نصل إليها حتى هزلت مطايانا، وصارت أمحق منها، وإنما جعل الدآدي ممحقة لأنها آخر الشهر (1).
والهدان: الرجل البليد الذي ترضيه بالكلمة فيرضى.
... وقال:
وأرى المطايا لا قصور بها ... عن ليل سامراء تدرعه (2)
يطلبن عند فتى ربيعة ما ... عند الربيع تخايلت بقعه
قوله: «تخايلت»، أي صارت مخيلة للنبات، ظاهراً ذلك فيها، أو أن يريد صارت كالخيلان من النبات.
وقال:
كالبرى في البرى ويحسبن أحيا ... ناً نسوعاً مجدولة في النسوع (3)
أبلغتنا محمداً فحمدنا ... حسن ذاك المرئي والمسموع (4)
وقال:
وما ثنى مستهاماً عن صبابته ... مثل الزماع ووجد العرمس الأجد (5)
(2/305)

إلى أبي نهشل ظلت ركائبنا ... يحدن من بلد ناء إلى بلد (1)
إلى فتى مشرق الأخلاق لو سبكت ... أخلاقه من شعاع الشمس لم تزد
وقد جعل البحتري مكان الناقة ها هنا فرساً فقال في مدح الشاه بن ميكال:
فتناس من لم ترج رجعة وده ... ووصاله فتعز عن ذكراه (2)
بمجنب رحب الفروج مشذب ... نابي القذال حديدة أذناه (3)
ضافي السبيب مقلص لم تنخزل ... منه القطاة ولم تخنه شظاه (4)
صافي الأديم كأن غرة وجهه ... فلق الصباح انجاب عنه دجاه
يجري إذا جرت الجياد على الونى ... فيبذ أولى جريها أخراه
يدنيك من ملك أغر سميذع ... يدنيك من أقصى مناه رضاه (5)
... وقد خرج أبو تمام من المدح بوصف الخيل أيضاً فقال:
حذوناها الوجى والأين حتى ... تجاوزت الركوع إلى السجود (6)
إذا خرجت من الغمرات قلنا ... خرجت حبائساً إن لم تعودي
(2/306)

فكم من سؤدد أمكنت منه ... برمته على أن لم تسودي
أهانك للطراد ولم تهوني ... عليه وللقياد أبو سعيد (1)
... وقد جعل البحتري أيضاً السفينة بمكان الناقة فقال:
ورمت بنا سمت العراق أيانق ... سحم الخدود لغامهن الطحلب (2)
من كل طائرة بخمس خوافق ... دعج كما ذعر الظليم المهذب (3)
يحملن كل مفرق في همة ... فضل يضيق لها الفضاء السبسب (4)
ركبوا الفرات وأملوا ... نشوان يبدع في السماح ويغرب (5)
قوله: أيانق جمع أينق، وهو جمع ناقة.
وهذا من المقلوب الذي جاء في كلامهم؛ لأن النون من شأنها أن تتقدم الياء، فلو جاء على الاستقامة لكان أنيق (6) وأنايق، وهذا مثل ملك وملائكة، والأصل مألك ومآلكة.
وقوله: «سحم الخدود»، يريد سواد القار.
ولغامهن الطحلب: يريد الخضرة التي تتعلق بالسفن من طول المكث في الماء.
وقوله: «خمس خوافق» يريد أربعة مجاديف، وسكان، أو قائم الشراع.
ودعج: سواد القار أيضاً.
(2/307)

وقوله: «كما ذعر الظليم» يريد سرعة السفن، وانبعاثها كما ينبعث الظليم ويجفل إذا فزع.
والإهذاب: السرعة.
وقوله يحملن كل مفرق أي متقسم في همة فضل أي همة واحدة يضيق لها الفضاء لعظمها وسعتها.
والفضل: الثوب الواحد الذي يقتصر (1) عليه الرجل والمرأة ويبتذله للأعمال قال امرؤ القيس:
* لم تنتطق عن تفضل (2) *
وأظن البحتري أراد بقوله: «فضل» أي همة واحدة (3) وجهوها (4) إليك دون من سواك، وجعلها عظيمة على قدر الممدوح، أي اتسعت الهمة فيك وعظمت؛ قد تقسمته وصار لا فضل فيه لغيرها.
وهذه أبيات حسان.
(2/308)

وقد قال أبو تمام في السفينة والمسير فيها إلى الممدوح في قصيدة أولها:
دنف بكى آيات ربع مدنف ... لولا نسيم ترابه لم يعرف (1)
أبياتاً رديئة جداً لم أكتبها (2).
والجيد النادر في وصف السفينة قول بشار يذكر مسيره إلى المهدي:
وعذراء لا تجري بلحم ولا دم ... قليلة شكوى الأين ملجمة الدبر (3)
إذا طعنت فيها القبول تشمصت ... بفرسانها لا في وعوث ولا وعر (4)
وإن قصدت مرت على متنصب ... رأيت نفوس القوم من جريها تجري (6)
سمونا إلى المهدي قصداً وإنما ... قطعنا بها أمواج بحر إلى بحر (7)
فبلغ سيبويه قوله: «نينان البحور» فأنكر ذلك، وزعم أن العرب لا تجمع النون -وهو الحوت- وعلى نينان، فبلغ ذلك بشاراً، فقال: ويحه: أما يقول: حوت وحيتان، وغول وغيلان، فكذلك نون
(2/309)

ونينان، وتوعد سيبويه ولدغه فكف سيبويه عن تتبع شعره، واحتج بشيء منه تقرباً إليه، واستكفافاً لشره.
... وللبحتري في الخروج إلى المديح بذكر الإبل غير شيء لو استقصيته، وأتيت بجميع ما لأبي تمام فيه لطال الباب، وما تركت لهما إلا وسطاً ليس بجيد ولا رديء.
... ولا خفاء بفضل البحتري في سائر ما أوردته على أبي تمام.
(2/310)

وهذا وجه آخر من الخروج وخروجهما إلى المديح بمخاطبة النساء
فمن ذلك قول (1) أبي تمام:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي (2)
وتنظري خبب الركاب يحثها ... محيي القريض إلى مميت المال
وهذا معنى لطيف حسن.
... ومنه قول البحتري:
ولم أنسها عند الوداع ونثرها ... سوابق دمع أعجلت أن تنظما (3)
وقالت هل الفتح بن خاقان معقب ... رضا فيعود الشمل منا ملاما
وقوله:
قامت تودعني عجلى وقد بدرت ... سوابق من توأم الدمع تجريها (4)
واستنكرت ظعني عنها فقلت لها ... إلى الخليفة أنضى العيس منضيها (5)
وما أكثر ما يستعمل الشعراء في خروجهم (6) إلى المدح هذا الوجه.
(2/311)

ومن جيد ذلك قول جرير:
تعزت أم حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوي لقاح (1)
تعلل وهي ساغبة بنيها ... بأنفاس من الشبم القراح (2)
سأمتاح البحور فجنبيني ... أذاة اللوم وانتظري امتياحي
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
(2/312)

وربما خرجا إلى المدح بيمين يحلفان بها
ومن ذلك قول أبي تمام:
حلفت برب البيض تدمى نحورها ... ورب القنا المنآد والمقتصد (1)
لقد كف سيف الصامتي محمد ... تباريح ثأر الصامتي محمد (2)
فالبيض: هي الأدم من الإبل، يقال: بعير آدم إذا كان أبيض.
وقوله: «تباريح ثأر» أراد أن سيفه كف تباريح ثأره، أي كف ما برح به من الثأر حتى أدركه.
ومن ذلك قوله:
لا والذي عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم (3)
ما زلت عن سنن الضمير ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم (4)
... ومن ذلك قول البحتري:
حلفت بما حجت قريش وحجبت ... وحاز المصلى والحطيم وزمزم (5)
(2/313)

وأهل منى إذا جاوزوا الخيف من منى ... وهم عصب شتى محل ومحرم (1)
يلهون من حيث ابتدا الصبح يرتقي ... سناه إلى حيث انتهى الليل يظلم (2)
لقد جشم الفتح بن خاقان خطة ... من المجد لا يسطيعها المتجشم
ومن ذلك قوله: وشمائل الحسن بن وهب إنها ... في المجد ذات شمائل وجنائب (3)
ليقصرن لجاج شوق غالب ... وليقصرن لجاج دمع ساكب (4)
... وهما في هذا الباب متكافئان.
(2/314)

وربما خرجا إلى المديح بذكر الغيث ومباراته
فمن ذلك قول أبي تمام:
أيها الغيث حي أهلاً بمغدا ... ك وعند السرى وحين يئوب (1)
لأبي جعفر خلائق تحكي ... هن قد يشبه النجيب النجيب
وهذا ليس بالشهي، ولا الحلو العذب.
والجيد النادر قول البحتري:
أقول لثجاج الغمام وقد سرى ... بمحتفل الشؤبوب صاب فعمما (2)
أقل وأكثر لست تبلغ غاية ... تبين بها حتى تضارع هيثما (3)
وأجود من هذا وأحلى وأبلغ قوله يمدح المتوكل:
قد قلت للغيث الركام ولج في ... إبراقه وألح في إرعاده (4)
لا تعرضن لجعفر متشبهاً ... بندى يديه فلست من أنداده
ومن الجيد النادر في هذا الباب أيضاً قوله:
رباع تردت في الرياض مجودة ... بكل جديد الماء عذب الموارد (5)
(2/315)

إذا راوحتها مزنة بكرت لها ... شآبيب مجتاز عليها وقاصد (1)
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد
وقال:
سقيت رباك بكل نوء جاعل ... من وبله حقاً لها معلوما (2)
فلو أنني أعطيت فيهن المنى ... لسقيتهن بكف إبراهيما (3)
بسحابة غراء متئمة إذا ... كان الجهام من السحاب عقيما (4)
فقوله: «سقيت رباك» بيت ليس بالبارع لفظاً ولا معنى، وما بعده جيد حلو.
وإنما خص الجهام لأنه الذي قد كان فيه ماء فأراقه، ومثله لا يكون عقيماً، جعله كالمرأة الوالد.
وقال أبو تمام في هذا المعنى أيضاً:
شجاً في الحشا ترداده ليس يفتر ... به ضمن آمالي وإني لمفطر (5)
حلفت بمستن المنى تسترشها ... سحابة كف بالرغائب تمطر
إذا درجت فيه الصبا كفكفت لها ... وقام يباريها أبو الفضل جعفر (6)
وهذه ألفاظ ومعان ونسج في غاية الرداءة والهجانة، والبعد من البلاغة والبراعة، على ما فيها من التعقيد واتفاق المعاني.
فقوله: «حلفت» يعني نفسه.
(2/316)

و «مستن المنى»: المحل الذي يستن فيه المنى، أي يطرد، يذهب ويجيء ويكثر، يريد محل الممدوح وساحته.
وقوله: «يسترشها» إنما أراد يسترش سحابة كف فقال: «يسترشها» فقدم الكناية، وجعل «سحابة كف» بدلاً من الهاء والألف.
يقول: حللت بمحل تستن فيه المنى، وتطلب رشاش سحابة كف.
وقوله: «إذا درجت فيه الصبا» يريد في مستن المنى، كفكفت لها أي للسحابة.
وكفكفت: أي دنت وقربت.
و «قام يباريها» أي يباري الصبا بسحابة كفه أبو الفضل جعفر.
وهذان البيتان لا يتصلان بالبيت الأول، وإنما كان وجه الكلام أن يقول: شجاً في الحشا كان ترداده ليس يفتر، وكانت آمالي به صائمة، فحللت بمستن منى من حاله وصفته، حتى يتصل الكلام بعضه ببعض.
والحذف والاختصار في كلام العرب موجود، ولكن ليس في مثل هذا.
... ومن هذا الباب، وفيه بعض الغموض، قوله:
إن الذي خلق الخلائق قاتها ... أقواتها لتصرف الأحراس (1)
فالأرض معروف السماء قرى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباس
يريد أن الله تعالى، جعل أقوات عباده من وجوه مختلفة على قدر أزمانها.
والأحراس: الدهور، واحدها حرس.
(2/317)

يقول: فالأرض إنما تحيا بما تقريها السماء من الغيث، وبنو الرجاء لهم بنو العباس، أي بنو الرجاء بنو العباس لهم، أي لهم عصمة، كما يقال: الله لك، أي معين ومغيث.
ويجوز أن يكون أبو تمام ذهب في ذكر الأرض والغيث ها هنا (1) وجعل بني العباس رجاء الناس لذلك؛ لأن الناس في أيام عمر بن الخطاب رحمة الله عليه احتبس عنهم المطر فأخذ عمر بضبع العباس وقال: اللهم إن هذا عم نبيك، اللهم اسقنا غيثك، فما برح الناس حتى وافاهم المطر، فلعل أبا تمام ذهب إلى هذا المعنى، والله أعلم.
والبيتان رديئان نسجاً ولفظاً.
ولا محالة أن البحتري أيضاً في هذا الباب يتقدم أبا تمام.
(2/318)

وهذا وجه آخر في خروجهما إلى المدح وهو وصف الرياح، وتشبيه أخلاق الممدوح بها
فمن ذلك قول أبي تمام:
من فاقع غض النبات كأنه ... دور يشقق قبل ثم يزعفر (1)
صنع الذي لولا بدائع صنعه ... ما عاد أصفر بعد إذ هو أخضر
خلق أطال من الربيع كأنه ... خلق الإمام وهديه المتيسر
فقوله: «خلق أطل كأنه خلق الإمام» معنى صحيح.
«وهديه المتيسر» فالهدي: سمته ودله وشكله، و «المتيسر» قافية رديئة جداً.
... ومثله قول البحتري:
ويريك الأحباب يوم تلاق ... باعتناق الحوذان والأقحوان (2)
صاغ منها الربيع شكلاً لأخلا ... ق حسين ذي الجود والإحسان (3)
وهذا أيضاً خروج ليست له قوة لفظ ولا حلاوة فيه ولا معنى.
(2/319)

وهذا وجه آخر من خروجهما إلى المدح
منه قول أبي تمام:
صب الفراق علينا صب من كثب ... عليه إسحاق يوم الروع منتقما (1)
وهذا خروج حسن (2)
وقال أيضاً:
فليبلغ الفتيان عني مألكاً ... أني متى يتثلموا أتهدم (3)
ولتعلم الأيام أني فتها ... بأبي الحسين محمد بن الهيثم
قوله: «مألكاً»: جمع مألكة، وهي الرسالة، ونصبها على الحال.
وقال أبو تمام أيضاً:
وعاذل هاج لي باللوم مأربة ... باتت عليها هموم الصدر تصطخب (4)
لما أطال ارتجال العذل قلت له ... الحزم يثني خطوب الدهر لا الخطب
لم يجتمع قط في مصر ولا طرف ... محمد بن أبي مروان والنوب (5)
قوله: «الحزم يثني خطوب الدهر» ليس بواجب قاطع على كل حال، ولو كان ذلك كذلك لما رأيت حازماً قط يصيبه خطب من الدهر يكرهه، ولكنه لما كان الحزم قد يفعل ذلك صلح أن يذكره.
(2/320)

وقال أبو تمام:
يا أيهذا السائلي أنا شارح ... لك غائبي حتى كأنك حاضره (1)
إني ونصراً والرضا بجواره ... كالبحر لا يبغي سواه مجاوره
ما إن يخاف الخذل من أيامه ... أحد تيقن أن نصراً ناصره
قوله: «أنا شارح لك غائبي» لست أراه شرح شيئاً، وإنما ذكر أن رضاه بجوار نصر كالبحر لا يبغي سواه مجاوره، وهذا خبر مختصر؛ والشرح لا يكون في نصف البيت.
فأما قوله: «ما إن يخاف الخذل» فليس يتعلق بقوله: «أنا شارح لك غائبي حتى كأنك حاضره».
وقد أخبر البحتري بخبر حسن هو أولى بالشرح من أبي تمام فقال:
ومن غرائب ما تأتي الخطوب به ... في أول من صروف الدهر أوتال (2)
أحدوثة عجب أنبيك عن خبري ... فيها وعن خبر الشاه بن ميكال
فررت منه حياء من قصوري عن ... جزاء ما زاد في جاهي وفي مالي (3)
لو لم أعوضه شكراً عن تطوله ... إذ لم أقابله إفضالاً بإفضال (4)
وقد ذكر هذا المعنى في غير موضع، وإنما أذكره في أبوابه إذا جاءت بإذن الله.
... وقال البحتري:
لعمر أبي الأيام ما جار حكمها ... علي ولا أعطيته ثنى مقودي (5)
(2/321)

وكيف أخاف الحادثات وصرفها ... علي ودوني أحمد بن محمد (1)
وقال:
فإن أراب صديقي في الوداد فكم ... أمسيت أحذر ما قد كنت آمله (2)
يكفيك من عدة في الدهر تجعلها ... ذخراً سماع أبي بكر ونائله (3)
وقال:
لا أمدح المرء أقصى ما يجود به ... نيل يكسر من حافات جلمود
حسبي بأحمد إحساناً يبلغني ... مدى الغنى وبفعل منه محمود
قوله: «وبفعل منه محمود»، يريد معونته إياه على أموره، وبذله جاهه له:
ومن طريف خروج البحتري وعجيبه قوله:
إذا الرجال اعتمت أجوادهم ... فاسم إلى الأشرف ما فالأشرف (4)
ادفع بأمثال أبي غالب ... عادية العدم أو استعفف
ومن جيد ذلك ونادره أيضاً قوله:
يرجو البخيل اغتراري أو مخادعتي ... حتى أسوق إليه المدح مجاناً
لأكسون بني الفياض من مدحي ... ما بات منه لئيم الناس عريانا
وهذا في غاية الحسن.
(2/322)

وقال:
هل الشباب ملم بي فراجعة ... أيامه لي في أعقاب أيامي (1)
لو أنه نائل غمر يجاد به ... لقد تطلبته عند ابن بسطام
وهذا أيضاً خروج حسن طريف.
ومن جيد خروجه (2) أيضاً قوله:
لتسرين قوافي الشعر معجلة ... ما بين سيره المثلى وشرده (3)
جوازياً حسناً من حسن أنعمه ... وعن بواديه في الجدوى وعوده (4)
... ومن طريفات الخروج أيضاً قول أبي تمام:
تداو من شوقك الأقصى بما فعلت ... خيل ابن يوسف والأبطال تطرد (5)
ذاك السرور الذي آلت بشاشته ... أن لا يجاورها في مهجة كمد
وهذا -لعمري- معنى في غاية الحسن والحلاوة.
وقال أبو تمام:
تواترت نكبات العسر ترشقني ... بكل صائبة عن قوس عضبان (6)
مدت عنان رجائي فاستقدت لها ... حتى رمتني في بحر ابن حسان (7)
(2/323)

بحر من الجود يرمي موجه زبداً ... حبابه الودق مقرون بعقيان (1)
وهذا من لفظ العوام وأشعار الصبيان.
ومن رديء خروجه أيضاً قوله:
ودع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التوديع منصرفا (2)
يجاهد الشوق طوراً ثم يجذبه ... جهاده القوافي في أبي دلفا (3)
وقد أصلحه الناس: «مجاهدات القوافي»، وبقي ما لا يمكن إصلاحه وهو قبح قوله: «يجذبه»، فإنها لفظة بشعة.
ومجاهدته للقوافي أيضاً معنى رديء، وإنما كان ينبغي أن يقول:
إن الشعر ييسر فيه، وتطرد قوافيه بمدحه لكثرة فضائله، ويأتي فيه عفواً، ولا يتعذر، كما قال:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل (4)
... ومن رديء خروجه (5) أيضاً قوله:
يعجبن مني أن سمحت بمهجتي ... وكذاك أعجب من سماحة جعفر (6)
ملك إذا الحاجات لذن بحقوه ... صافحن كف نواله المتيسر
فلم عجب من سماحة جعفر؟، وإنما العجب من سماحة البخلاء، فأما
(2/324)

الكرماء الذين من عاداتهم البذل فما وجه التعجب من سماحتهم؟
وليس في البيت الثاني ما يوجب التعجب، وإنما ذكر فيه أن نواله متيسر، وهو بيت رديء.
... ومن رديء خروجه (1) أيضاً لفظاً ومعنى قوله:
يقول أناس في جبيناء عاينوا ... عمارة رحلي من طريف وتالد (2)
أأظهرت كنزاً أم صبحت بغارة ... ذوي غرة حاميهم غير شاهد (3)
فقلت لهم لاذا وذاك ديدني ... ولكنني أقبلت من عند خالد
وهذا من معاني العوام أن يقولوا لمن رأوا حاله قد حسنت على من أغرت أو أي كنز وجدت، وما ظننت مثل هذا ينظم في شعر.
وقوله: «أقبلت من عند خالد» كلام الفارغ، وإنما كان ينبغي لمن ابتلاه الله بهذا المعنى أن يقول في جوابهم: نعم كنز خالد، وأغار على ندى خالد، ولكنه -لعمري- بين المعنى في البيت الثاني، وعرفهم سبب عمارة رحله بأن قال:
جذبت نداه غدوة السبت جذبة ... فخر صريعاً بين أيدي القصائد
وهذا وأبيه معنى متناه في برده وغثاثته وركاكته، ولشتيمة الممدوح عندي بالزنى أحسن وأجمل من جذب نداه حتى يخر صريعاً!!!
ولو لم يعلمنا أن ذلك كان غدوة السبت كيف كان يتم برد المعنى.
و «حبيناء»: اسم موضع، في غاية القبح والهجانة، فإنهم وإن كانوا
(2/325)

قالوا ما قالوا له في هذا الموضع فإنه لم يكن مضطراً إلى ذكره، كما أنه لم يك مضطراً إلى ذكر غدوة السبت.
ومن سبيل الشاعر أن لا يذكر إلا ما حسن من أسماء المواضع، وأن يعتمد أسماء المواضع الغريبة المتكررة في أشعار الفصحاء؛ ألا ترى أن الفرزدق أنكر على مالك بن أسماء بن خارجة وقد أنشده:
* حبذا ليلتي بتل بونا (1) *
فقال: وأفسدت أبياتك بذكر بوناً، فقال له: ففي: «بوناً» كان ذلك، قال: وإن كان.
... ومن خروجه الرديء قوله (2):
يد الشكوى أتتك على البريد ... تمد بها القصائد من نشيد (3)
تقلب بينها أملاً جديداً ... تدرع حلتي طمع جديد
شكوت إلى الزمان نحول جسمي ... فأرشدني إلى عبد الحميد
فقوله: «تقلب بينها» يعني القصائد.
وقوله: «أملاً جديداً حلتي طمع جديد» (4) لفظ رديء جداً؛ لأن معنى الطمع والأمل والرجاء معنى واحد في مقاصد الناس واستعمالهم،
(2/326)

تقول: أنا آمل من الله تعالى الفرج، كما تقول: أطمع وأرجو، وإنما ينسق بعضها على بعض لاختلاف اللفظ.
وتقول: قد انقطع من فلان الطمع، وانقطع الأمل، وانقطع الرجاء.
وكذلك خاب.
فإن كان بين هذه الألفاظ فرق في أصل وضع الكلام [فقد أجريت] (1) مجرى واحداً فلا فائدة إذاً في قوله: «أملاً جديداً تدرع حلتي طمع جديد».
ولو كان قال: تدرع حلتي عزم جديد كان أولى بالصواب، إن شاء الله.
قوله:
شكوت إلى الزمان نحول جسمي ... فأرشدني إلى عبد الحميد
لو كان عبد الحميد طبيباً كان يكون معنى البيت مستقيماً؛ لأن الرجل المعتر (2) الطالب الجدوى لا يشكو نحول جسمه إلى ممدوحه الذي يلتمس الفضل منه، وإنما يشكو إليه اختلال الحال، وقصور اليد، فأما أن يشكو إليه نحول الجسم فإن ذلك غاية الخناعة (3) والنذالة والانحطاط في المسألة.
إنه (4) يخبره بشدة جوعه وأن ذلك هو الذي أذاب لحمه، وهذا لا يقوله شاعر على هذا الوجه، بل إنما يذكر المص بوجه (5) حسن، ولفظ معتاد.
ونحول الجسم فإنما يشتكي إلى الحبيب إذا كان من غلة أو عشق.
(2/327)

ولو كان قال: شكوت إلى الزمان قصور حال، كان أشبه من نحول الجسم الذي قد يكون من أشياء كثيرة.
أو لو كان هجر حبيب وما لحقه من الضنى والسقم لصلح أن يجعل شكواه إلى الممدوح كما قال أبو نواس:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواكم لعل الفضل يجمع بيننا (1)
فقال الفضل: جعلني قواده، وإنما أراد أبو نواس لعل الفضل يثيبني بما أصل به إلى الاجتماع معكم.
...
وهذا الباب في الخروج من النسيب إلى المديح مما لا خفاء بفضل البحتري فيه على أبي تمام.
(2/328)

وللمتأخرين خروجات ظريفة حلوة نادرة
فمن ذلك قول ابن وهيب:
ربما أبيت معانقي قمر ... للحسن فيه مخايل تضح (1)
نثر الجمان على محاسنه ... بدعاً وأذهب همه الفرح (2)
يختال في ودق الشباب به ... مرح وداؤك أنه مرح (3)
ما زال يلثمني مراشفه ... ويعلني الإبريق والقدح (4)
حتى استرد الليل خلعته ... ونشا خلال سواده وضح
وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح (5)
وحسبك بهذاحسناً يزيد عل كل ما تقدم للطائيين.
... ومن المذاهب الطريفة في باب الخروج قول بكر بن النطاح الحنفي في قصيدة يمدح فيها مالكاً الخزاعي:
عرضت عليها ما أرادت من المنى ... لترضى فقالت قم جئني بكوكب (6)
(2/329)

فقلت لها هذا التعنت كله ... كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب
فلو أنني أصبحت في جود خالد ... وعزته ما نال ذلك مطلبي (1)
فتى شقيت آماله بسماحه ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب
... ونحوه قول الخليع (2) في كلمة يمدح فيها عاصماً الغساني:
أقول ونفسي بين شوق وحسرة ... وقد شخصت عيني ودمعي على خدي (3)
أريحي بقتل من تركت فؤاده ... بلحظته بين التأسف والجهد
فقالت عذاب بالهوى قبل ميتة ... وموت إذا أقرحت قلبك من بعدي
لقد فطنت بالجود فطنة عاصم ... لصنع الأيادي الغر في طلب الحمد
وهذا يسميه قوم الاستطراد، وهو حسن جداً.
(2/330)

* باب المديح
أول ما أبدأ به من مدائحهما ذكر السؤدد والمجد وعلو القدر، ثم ما يخص الخلفاء من ذلك دون غيرهم: من (1) ذكر الخلافة وما يتصرف عليه القول من معانيها.
وذكر الملك والدولة.
وذكر ما يخص أهل بيت النبوة من المدح دون من سواهم: من ذلك ذكر طاعتهم، والمحبة لهم، والمعرفة لحقهم.
وذكر الآلة التي كانت للنبي عليه السلام فصارت إليهم.
وذكر الآثار بالحرم، وذكر علو القدر وعظم الفضل.
وذكر تأييد الدين وتقوية أمره.
وذكر الرأفة والرحمة، وذكر إفاضة العدل وإقامة الحق.
وذكر سداد الرأي وحسن السياسة والتدبير والاضطلاع بالأمور والحلم والعقل.
وذكر الجلال والجمال والبهاء والجهارة والهيبة.
وذكر كرم الأخلاق ولينها.
وذكر ما ينبغي أن يمدح به الخلفاء من الجود والكرم.
وذكر ما ينبغي أن يمدحوا به من الشجاعة والبأس.
(2/331)

* أمر الخلافة وما يتصرف عليه القول من معانيها
قال أبو تمام في المعتصم:
إن الخليفة حين يظلم حادث ... عين الهدى وله الخلافة محجر (1)
كثرت به حركاتها ولقد ترى ... من فترة وكأنها تتفكر (2)
ما زلت أعلم أن عقد مرامها ... في كفه مذ خليت تتخير (3)
قوله: «كثرت به حركتها»، يريد به ظهور الأمر والنهي والتدبير والسياسة.
ويريد بالفترة ما كان من إهمال هذه الأشياء، و «كأنها تتفكر» لفظ ليس بالحلو ولا الشهي ها هنا.
وقال فيه:
فلاذت بحقويه الخلافة والتقت ... على خدرها أرماحه ومناصله (4)
أتته معداً قد أتاها كأنها ... ولا شك كانت قبل ذاك تراسله
فالبيت الأول جيد بالغ.
والبيت الثاني في غاية السخف والرداءة؛ لأنه جعل الخلافة قد أتته، وجعله قد أتاها، وكان ينبغي أن يقتصر إتيانه، أو إتيانها إياه وهو أجود.
(2/332)

فأما أن يجمع بين الحالين فما وجهه وكان ينبغي أن يعلمنا لما توجه كل واحد إلى صاحبه: أين التقيا؟ أفي منتصف الطريف؟
وقصد هذا الرجل الإغراب في الألفاظ والمعاني؛ ومن ها هنا فيسد أكثر شعره.
وقوله (1): «ولا شك» من سخيف الألفاظ وسفسافها، وهي حشو رديء، وليس بالبيت إليه حاجة.
... والجيد النادر في هذا قول البحتري في المهدي بالله:
بارك الله للخليفة في المل ... ك الذي حازه له المقدار (2)
رتبة من خلافة الله قد طا ... لت بها رقبة له وانتظار
طلبته فقراً إليه وما كا ... ن به ساعة إليها افتقار (3)
ومثله في الجودة قوله فيه:
سرت تتبغاه الخلافة رغبة ... إليه بأوفى قصدها واعتمادها (4)
فما علقته خبط عاشية الدجى ... ولكنها اختارته بعد ارتيادها
فهذه هي المعاني الصحيحة، واللفظ المستقيم، والسبك الرصين.
وما أحسن ما قال «سلم الخاسر» في المهدي:
هبطت إليك من السماء خلافة ... دفعت إليك زمامها وقيادها
(2/333)

ومثل قول البحتري قول الحطيئة:
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقى إليك مقاليد النهي البشر (1)
ما آثروك بها إذ قدموك لها ... لكن بك استأثروا إن كانت الأثر (2)
وقال ابن هرمة في المنصور:
وما الناس أعطوك الخلافة عنوة ... ولكنه من يعله الله يستعلي
ومن ذلك في الجودة قول البحتري:
اليوم أطلع للخلافة سعدها ... وأضاء فيها بدرها المتهلل (3)
لبست جلالة جعفر فكأنها ... سحر تجلله النهار المقبل (4)
جاءته طائعة ولم يهزز لها ... رمح ولم يشهر عليها منصل (5)
أنى وإن كانت تعلت نحوه ... من قبل أن يقع الفضاء فتعقل (6)
حتى أتته يقودها استحقاقه ... ويسوقها حظ إليه مقبل (7)
ويروى: «ويسوقها حظ إليه مكمل».
و «تصنع» كانت ها هنا أحسن من «تعقل» فجاء بتعقل من أجل القافية.
... وقال أبو تمام في الواثق:
إن الخلافة أصبحت حجراتها ... ضربت على ضخم الهموم همام (8)
(2/334)

ضخم الهموم: يريد ضخم الهمة لا الهم الذي يراد به الحزن، وهذا لفظ هجين في هذا الموضع.
لا قدح في عود الخلافة بعدما ... متت إليك بحرمة وذمام (1)
هيهات تلك قلادة الله التي ... ما كان يتركها بغير نظام
إرث النبي وجمرة الملك التي ... لم تخل لهب بكم وضرام (2)
مذخورة أحرزتها بحكومة ... لله تشدخ أرؤس الحكام (3)
وقال أبو تمام في الواثق أيضاً:
جعل الخلافة فيه رب قوله ... سبحانه للشيء كن فيكون (4)
ولقد رايناها له بقلوبنا ... وظهور دونه وبطون (5)
ولذلك قيل من الظنون جلية ... صدق وفي بعض القلوب عيون (6)
ولقد علمنا مذ ترعرع أنه ... لأمين رب العالمين أمين
قوله: «جعل الخلافة فيه رب» بيت في غاية الركاكة والرداءة؛ لأن مثل هذا إنما يقال في الأمر العجب الذي لم يكن يقدر ولا يتوقع.
ولا يظن أن مثله يكون، فيقال إذا وقع ذلك: قدرة قادر، وفعل من لا يعجزه أمر، ومن يقول للشيء: كن فيكون، فأما الأمور التي لا يتعجب منها، ولا تستغرب، والعادات جارية بها وبما يشبهها فلا يقال فيها
(2/335)

مثل هذا، وإنما يسبح الله تعالى، وتذكر قدرته على تكوين الأشياء لو جاءوا بأبي العبر (1) أو بجحا فجعلوه خليفة.
فأما الواثق فما وجه تسبيح أبي تمام في أن أفضت إليه الخلافة وأبوه خليفة وهو المعتصم، وجده خليفة وهو الرشيد، وجد أبيه خليفة وهو المنصور، وأخو جده خليفة وهو الهادي، وأخو جد جده خليفة وهو السفاح، وعماه خليفتان: الأمين والمأمون؟ ثمانية خلفاء هو تاسعهم (2) وقد عدد أبو تمام منهم خمسة في البيت فقال:
يسمو بك السفاح والمنصور ال ... مهدي والمعصوم والمأمون (3)
وذكر الرشيد قبل هذا بأبيات، وشبه الواثق به قال:
[وجدوا جناب الملك أخضر] واجتلوا ... هارون فيه كأنه هارون
فما وجه التعجب من خلافة من كانت هذه صورته؟
وقوله: «ولقد رأيناها له بقلوبنا» وقوله: «ولذاك قيل من الظنون جلية صدق» فهذه كهانة عجيبة من أبي تمام في الواثق لم يفطن لها غيره.
وعلى أن هذين البيتين رجيدان في نظمهما ولفظهما، ولكنه وضع المعاني في غير مواضعها.
وقوله: «لأمين رب العالمين أمين» يعني محمداً صلى الله عليه وسلم.
(2/336)

وقد أصاب أبو الجنوب مروان بن أبي حفصة في هذا المعنى إذ يقول للأمين:
إن الخلافة قد تبين نورها ... للناظرين على جبين محمد
إني لأعلم أنه لخليفة ... إن بيعة عقدت وإن لم تعقد
وما أحسن ما قال الحسين بن الضحاك (1) الباهلي في المأمون أيضاً:
رأى الله عبد الله خير لداته ... فملكه والله أعلم بالعبد (2)
... وقال البحتري في المتوكل وزاد على الإحسان:
الله آثر بالخلافة جعفراً ... ورآه ناصرها الذي لا يخذل (3)
هي أفضل الرتب التي جعلت له ... دون البرية وهو منها أفضل (4)
وقال فيه:
إن الخلافة لما اهتز منبرها ... بجعفر أعطيت أقصى أمانيها (5)
أبدى التواضع لما نالها رعة ... عنها ونالته فاختالت به تيها (6)
وهذا هو المعنى الحلو، والمدح الذي يليق بالخلفاء.
(2/337)

وقال في المهدي:
زاد في بهجة الخلافة نوراً ... فهو شمس للناس وهي نهار (1)
وأجار الدنيا من الحيف والخو ... ف فهل يشكر المجير المجار
وقال في المتوكل:
عادت بحقويك الخلافة إنها ... قسم لأفضل هاشم فالأفضل (2)
وتمنعت في ظل عزك واغتدت ... في خير منزلة وأحصن معقل (3)
أخذ قوله: «عادت بحقويلك (4) الخلافة» من قول أبي تمام:
عادت بحقويك الخلافة والتقت ... على خدرها أرماحه ومناصله (5)
وقال في المعتز:
حامل من خلافة الله ما يع ... جز عنه ذو الأيد والإضطلاع (6)
مستقل بالثقل منها رحيب ال ... صدر نهضاً بها رحيب الباع
وقال في المتوكل:
وقد سر في أن الخلافة فيكم ... مخيمة ما إن يخاف انتقالها (7)
لكم إرثها والحق منها ولم يكن ... لغيركم إلا اسمها وانتحالها
وقال فيه:
وأرى الخلافة وهي أعظم رتبة ... حقاً لكم ووراثة ما تنزع (8)
(2/338)

أعطاكموها الله عن علم بكم ... والله يعطي من يشاء ويمنع
وقال في المعتز:
أغر من الأملاك إما رأيته ... رأيت أبا إسحق والقرم جعفرا (1)
تقدم في حق الخلافة سهمه ... إذا رد عنها غيره فتأخرا (2)
ويصبح معروفاً له الفضل دونهم ... وما يتدعاه الأباعد منكرا (3)
وقال في المتوكل:
فضل الخلائف بالخلافة واقف ... في الرتبة العليا وفضلك أفضل (4)
أوفيت عاشرهم فإن نسبوا إلى كرم وإحسان فأنت الأول (5)
وهذا غاية في مدح الخلفاء.
وقال في المتوكل أيضاً بفضله على الخلفاء وأحسن كل الإحسان:
وما الخلفاء لو جاروك يوماً ... بمعتلقيك رأياً واعتزاما (6)
ألست أعمهم جوداً وأزكا ... هم عوداً وأمضاهم حساما؟
ولو جمع الأئمة في مقام ... تكون به لكنت لهم إماما
ولست أعرف لأبي تمام في الخلافة غير ما قدمته.
(2/339)

* ومن مدح الخلفاء ذكر الملك والدولة
قال أبو تمام في المعتصم:
بالقائم الثامن اطأدت ... قواعد الملك ممتداً هل الطول (1)
بيمن معتصم بالله لا أود ... بالملك مذ ضم قطريه ولا خلل (2)
قوله: «ممتداً له الطول» والطول: الحبل ولا وجه له ها هنا، وليس يريد قواعد الملك ممتداً أزمانه، ولا يصلح في الحال ها هنا، لأن الفعل وهو اطأدت لا يكون عاملاً فيها، لا تقول: قد استقر البناء طويلاً زمانه؛ لأن استقراره ليس هو من طول مدته في شيء، وإنما تقول: قد استقر البناء جيداً عمله، ومتقناً أساسه، أو وثيقاً صنعته، أو أن تقول: طويلاً شرفه أو علوه، وإلى هذا أذهب كأنه أراد واطأدت قواعد الملك ممتداً له الطول أي رسا أصله، وعلا فرعه، كما قال البحتري في المعتز بالله:
بك اشتد عظم الملك فيهم فأصبحت ... تقر رواسيه وتعلو مراتبه (3)
فجعل موضع تعلو مراتبه: «ممتداً له الطول»، وهذا غير حسن ولا لائق، بلى، لو قال: «فليمدد له الطول» على الدعاء كان سائغاً، إلا أن الطول ها هنا عل كل حال غير جيد؛ لأنها لفظة مشتركة (4).
(2/340)

وقال أبو تمام في نحوه:
بيمن أبي إسحق طالت يد الهدى ... وقامت قناة الملك واشتد كاهله (1)
وهذا بيت جيد، وقد قال قبله:. . .؟ «وأضحى قد شق بازله» (2)
وكان أحدهما يغني عن الآخر.
... وقال البحتري في المعتز:
أقام قناة الملك بعد اعوجاجها ... وأربى على شغب العدو المشاغب (3)
وقال البحتري:
ملك حصنت عزيمته المل ... ك فأضحت له معاناً وردءاً (4)
وقال في تعظيم الملك في المتوكل:
ملك كملك سليمان الذي خضعت ... له البرية قاصيها ودانيها (5)
... وأجود من هذا قول أبي تمام في المأمون:
في دولة لحظ الزمان شعاعها ... فارتد منقلباً بعيني أرمد (6)
(2/341)

من كان مولده تقدم قبلها ... أو بعدها فكأنه لم يولد (1)
وهذا من أجود ما يقال في مدح دولة وأبلغه.
... فأبو تمام في هذا الباب على إساءته في الأبيات المتقدمة أشعر من البحتري.
(2/342)

* مما يخص أهل بيت النبوة من المدح دون غيرهم ذكر طاعتهم، والمحبة لهم والمعرفة لحقهم
فمن ذلك قول البحتري في المتوكل:
مخالف أمركم لله عاص ... ومنكر حقكم لاق أثاما (1)
وليس بمسلم من لم يقدم ... ولا يتكم ولو صلى وصاما
وفيه قوله:
نصلي وإتمام الصلاة اعتقادنا ... بأنك عند الله خير إمام (2)
وفيه قوله:
فضل الله جعفراً بخصال ... جعلت حبه على الناس فرضاً (3)
وفي المعتز بالله قوله:
من أبى حبكم فليس من الل ... ه ولو صام ألف عام وصلى (4)
وقال فيه:
قضى الله للمعتز بالله أنه ... هو القائم العدل الرشيد الموفق (5)
محبته فرض من الله واجب ... وعصيانه سخط من الله موبق
(2/343)

وقوله في المهدي (1):
أقرت له بالفضل أمة أحمد ... فدان له معوجها وقويمها (2)
ولو جحدته ذلك الحق لم تكن ... لتبرح إلا والنجوم رجومها
... ولست أعرف لأبي تمام في هذه المعاني شيئاً.
(2/344)

* ذكر الآلة التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فصارت إليهم
قال البحتري في المتوكل:
عليك ثياب المصطفى ووقاره ... وأنت به أولى إذا حصحص الأمر (1)
عمامته وسيفه ورداؤه ... وسيماه والهدى المشاكل والنجر
وقال فيه:
يتولى النبي ما تتولا ... ه ويرضى من سيرة ما تسير (2)
حزت ميراثه بحق مبين ... كل حق سواه إفك وزور
فلك السيف والعمامة والخا ... تم والبرد والعصا والسرير
وقال في المهدي بالله:
إمام إذا أمضى الأمور تتابعت ... على سنن من قصدها وسدادها (3)
متى يتعمم بالسحاب تلث على ... كفيء لها محتاز إرث اسودادها (4)
وإن يتقلد ذا الفقار يضف إلى ... شجاع قريش في الوغى وجوادها
وقال في المعتز:
وقد ترك العباس عندك وابنه ... علا طلن مرمى النجم حتى تحيرا (5)
هما ورثاك ذا الفقار وصيرا ... إليك القضيب والرداء المحبرا
(2/345)

وأي سناء لست أهلاً لفضله ... وأولى به من كل حي وأجدرا
وأنت ابن من أسقى الحجيج على الظما ... وناشد في المحل السحاب فأمطرا
... وقال أبو تمام في نحو هذا يمدح الواثق:
قوم غدا الميراث مضروباً لهم ... سور عليه من القران حصين (1)
فيهم سكينة ربهم وكتابه ... وإمامتاه واسمه المخزون
فالسكينة وزنها فعلية، من السكون وهو الوقار، وهذه لفظة لا تلائم البيت كل الملاءمة؛ لأنه لا وجه لأن يقول فيهم: وقار ربهم، لا سيما وقد قال: كتابة وإمامتاه واسمه المخزون، فالوقار ليس من هذه الأشياء في شيء (2).
والسكينة التي في قوله عز وجل: «أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم» (3)، وقد قيل في تفسيرها: إنها حيوان له وجه مثل وجه الإنسان وقيل: لها رأس مثل رأس الهرة وله جناحان، وقيل: بل هي ريح هفافة، وقيل: هي شيء من أمر الله عز وجل (4) فإن كان هذه أراد فما كان ينبغي أن يدعي للقوم (5) ما لا يدعونه لأنفسهم.
وقوله: وإمامتاه يعني النبوة والخلافة.
«واسمه المخزون» يعني اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به جل وعز أجاب.
(2/346)

* ومن المجد والشرف في مدح الخلفاء ذكر الآثار بالحرم
نحو قول البحتري في المعتز:
لكم زمزم وأفنية الكع ... بة والحجر والصفا والمصلى (1)
وقوله في المتوكل:
نعد لك السقاية والمصلى ... وأركان البنية والمقاما (2)
مكارم قد وزنت بها ثبيرا ... فلم يرجح وطلت بها شماما (3)
وقوله في المتوكل:
لكم كل بطحاء بمكة إذ غدا ... لغيركم ظهرانها وجبالها (4)
وأنتم بنو عم النبي محمد ... يمين قريش إذ سواكم شمالها (5)
وقال فيه:
شرفاً بني العباس إن أباكم ... عمم النبي وعيصه المتفرغ (6)
إن الفضيلة للذي استسقى به ... عمر وشفع إذ غدا يستشفع
من ذا يساجلكم وحوض محمد ... بسقاية العباس فيكم يشفع
(2/347)

وقال في المعتز:
إمام هدى تأوي به مكرماته ... إلى مرتع من بطن مكة أفيح (1)
له شرف البيت الحرام وفخره ... وزمزم والركن العتيق الممسح
أراد شرف زمزم.
(2/348)

* ومن باب السؤدد والشرف ذكر علو القدر وعظيم الفضل
قال أبو تمام:
الله أكبر جاء أكبر من جرت ... فتعثرت في كنهه الأوهام (1)
من لا يحيط الواصفون بقدره ... حتى يقولوا قدره إلهام
قوله: «الله أكبر»، يقول فيما أظنه عند قدوم المأمون من خراسان، أي الله أكبر من كل أحد، قد جاء أكبر من جرت فتعثرت في كنهه الأوهام.
وكنه الشيء: غاية صفته.
وقوله: «حتى يقولوا قدره إلهام» من جنونه؛ لأن الإلهام هو ما يلقيه الله، عز وجل، في قلب الإنسان حتى يعرفه بغير تعرف، ويعلمه من غير تعلم، فيقول: لا يحاط بقدره إلا أن يكون ذلك إلهاماً من الله، جل وعز، فيعرف.
وقدر كل شيء: هو مبلغه، فيقول: سرنا قدر ميل، وقدر فرسخ، وأخذت منه قدر عشرين درهماً، أي مبلغ عشرين.
وإنما سمع الناس يقولون هذا أمر لا يقدر قدره، وسمع قول الله عز وجل: «وما قدروا الله حق قدره» (2)، قيل في التفسير: ما عرفوه حق معرفته، فأراد أن ينجو بقدر المأمون هذا النحو فأخرجه بهذه العبارة المستكرهة.
يريد أن قدره لا يعرف إلا بالإلهام من الله جل جلاله.
(2/349)

وقد كان يكفي من هذا العويص الذي جاء به أن يقول كما قال البحتري في المتوكل:
وأنت أمين الله بالموضع الذي ... أبي الله أن يسمو إلى قدره قدر (1)
فجعل قدره فوق قدر كل ذي قدر، ومثل هذا لا يقال إلا لخليفة أو لأفضل الناس من أهل بيت النبوة.
وقد أفرط البحتري في مدح إبراهيم بن المدبر، وإن كان لم يصرح في تفضيل قدره، وذلك قوله:
دنوت تواضعاً وعلوت قدراً ... فشأنك انحدار وارتفاع (2)
كذاك الشمس يبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشعاع
وما قيل في التواضع ألطف من هذا ولا أحسن، ولو مدح خليفة بالتواضع لما وجد شيئاً يليق به غير هذا الوصف أو معناه.
... وقال أبو تمام في المعتصم مادة (؟) فضل على فضله كل أحد من الناس.
إلى قطب الدنيا الذي لو بفضله ... مدحت بني الدنيا كفتهم فضائله (3)
وهذا تفضيل في غاية الاستقصاء والجودة والحسن والصحة، ولا يقال مثله إلا لخليفة من أفضل الخلفاء؛ لقوله: مدحت بني الدنيا.
(2/350)

ومثله في الجودة بل يزيد عليه قول البحتري في المتوكل:
يابن عم النبي حقاً، ويا أز ... كى قريش نفساً وديناً وعرضاً (1)
بنت بالفضل والعلو فأصبح ... ت سماء وأصبح الناس أرضا
ولو قال قائل مثل هذا لغير خليفة لكان قد تجشم أعظم الخطأ إذ ليس أحد من الناس يطالبه بأن يمدحه هذا المدح، ولا أن يفضله هذا التفضيل.
وقال البحتري أيضاً في المهدي (2):
أقرت له بالفضل أمة أحمد ... فدان له معوجها وقويمها (3)
والتفضيل الحسن الذي لا غلو فيه وكأن قائله قد غلا قول البحتري أيضاً في أبي ليلى الحارث بن عبد العزيز بن دلف:
يبين بالفضل أقوام فيفضلهم ... موحد بغريب الذكر منفرد (4)
توحد القمر الساري بشهرته ... وأنجم الليل نثر حوله بدد
ومثله في الحسن قوله في الفتح:
ولما جرى في المجد والقوم خلفه ... تغول أقصى جهدهم وهو وادع (5)
وهل يتكافا الناس شتى خلالهم ... وما تتكافا في اليدين الأصابع
(2/351)

وهذا كله عجيب في معانيه ولكنهما في معانيهما حذو على قول معن بن أوس:
وما بلغت كف امريء متطاول ... يد المجد إلا حيث ما نلت أطول (1)
وما بلغ المهدون في القول مدحة ... ولو أكثروا إلا الذي فيك أفضل (2)
(2/352)

* ومن باب المجد والسؤدد
قول أبي تمام في المأمون:
هدمت مساعيه وابتنت ... خطط المكارم في عراض الفرقد (1)
سبقت خطى الأيام عمرياتها ... ومضت فصارت مسنداً للمسند
ما زال يمتحق العلا ويروضها ... حتى اتقته بكيمياء السؤدد (2)
قوله: «سبقت خطى الأيام» أي طاولت الدهر في البقاء، فجعل مطاولتها للدهر سيراً مع الدهر، فلذلك قال: «سبقت خطى الأيام» «عمرياتها»: واحدة عمرية، منسوبة إلى العمر.
وقوله: «ومضت فصارت مسنداً للمسند» فالمسند: الدهر، أي صارت دهراً للدهر.
وهذا من كلام أهل الوسواس والخطرات وأصحاب السوداء.
وقوله: «بكيمياء السؤدد» مما أنكروه عليه.
وقد أتى به بكر بن النطاح في موضعه فقال:
مدح ابن عيسى قاسم فاشدد به ... كلتا يديك الكيمياء الأعظم (3)
لو لم يكن في الدهر إلا درهم ... ومدحته لأتاك ذاك الدرهم
(2/353)

وقال البحتري في المهتدي:
وللمهتدي بالله مجد لو ارتقت ... إليه النجوم رفعة ما تهدت (1)
وهذا أبلغ من قول أبي تمام: «وابتنت خطط المكارم في عراض الفرقد» (2)
... ولهما في السؤدد والمجد والشرف في مدح سائر الناس ما أذكره من بعد تأييد الدين وتقوية أمره.
وواجب أن يمدح الخليفة بهذا المعنى.
... قال أبو تمام في مدح المعتصم:
بمعتصم قد عصمت به ... عرا الدين والتفت عليه وسائله (3)
وهذا كان يصلح أن يقال لمن له نباهة وديانة وقول بحق، ولكن خصصه بالخليفة قوله: «والتفت عليه وسائله».
وقال في الواثق:
بهارون عز الدين واشتد ركنه ... ودانت دوانيه وقرب شاسعه (4)
... وقال البحتري في المتوكل:
خلق الله جعفراً قيم الدن ... يا سدادًا وقيم الدين رشداً (5)
(2/354)

فاختص هذا القول بالخليفة؛ لأنه جعله قيماً على الدين والدنيا، ولا يجوز أن يقال هذا لغير خليفة إلا أن يكون نائباً عنه.
وقال مثل ذلك في المعتز بالله:
لقد حمل الخلافة مستقل ... بها وبحقه فيها المبين (1)
يسوس الدين والدنيا برأي ... رضاً لله في دنيا ودين
وقال عبد الله بن السمط بن مروان في المأمون:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاً ... بالدين والناس في الدنيا مشاغيل (2)
فلم يهش له، فشكى ذلك عبد الله، فقيل له: ما زدت على أن جعلته عجوزاً في محرابها ومعها سبحتها.
فألا قلت كما قال جرير في عمر بن عبد العزيز (3):
فلا هو الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله (4)
وقال ابن هرمة:
فرغت لدين الله ترفع وهيه ... وما بك عن كسب المحامد من شغل
فحذا حذو قول جرير.
وقال البحتري أيضاً في المتوكل مما لا يقال لخليفة إلا أن يفرط مفرط فيقوله لغيره:
(2/355)

حلفت بمن أدعوه رباً ومن له ... صلاتي ونسكي خالصاً وصيامي (1)
لقد حطت دين الله خير خياطة ... وقمت بأمر الله خير قيام
وقال البحتري في المتوكل:
علم الله كيف أنت فأعطا ... ك المحل الرفيع من سلطانه (2)
جعل الدين في ضمانك والدن ... يا فعش سالماً لنا في ضمانه
وهذا لا يكون إلا لخليفة.
وقال في المعتز بالله:
ما زال يكلأ ديننا ويحوطه ... بالمشرفية والوشيج الذبل (3)
وهذا يصلح أن يقال لبعض ولاة الثغور وغيرهم من الولاة يخص الخليفة.
وليس ذلك بعيب في مدح الخلفاء، ولكن إذا كان مما يخص الخليفة دون غيره كان ذلك أمدح له.
والعيب على الشاعر أن يمدح غير الخليفة بما لا يستحقه إلا الخليفة.
وقال في المهتدي بالله مما يختص بالخليفة:
هنتك أمير المؤمنين مواهب ... من الله مشكور لديك جسيمها (4)
وتأييد دين الله إذ رد أمره ... إليك فروي في الأمور عليمها
فخصصه قوله: «وتأييد دين الله إذ رد أمره إليك».
(2/356)

وقال أبو تمام في تقوية الإسلام:
أمسى بك الإسلام بدراً بعدما ... محقت بشاشته محاق هلال (1)
أكملت منه كل كل نقص بعدما ... نقصته أيدي الكفر بعد كمال (2)
ألبسته أيامك الغر التي ... أيام غيرك عندهن ليال
إنما قال: «أمسى» ولم يقل أضحى من أجل قوله: «بدراً»؛ لأن البدر لا ضوء له في الضحى.
وهذا يصلح أن يقال لوزير ولوالي الثغور، وإن كان في غاية الجودة.
وقال البحتري في المتوكل:
يا كالي الإسلام في غفلاته ... ومقيم نهجي حجه وجهاده (3)
وقال أبو تمام في مديح محمد بن عبد الملك:
إن الخليفة قد عزت بدولته ... دعائم الدين فليعزز به الأدب (4)
ودعائم الدين قد توصف بأنها ثبتت، وتمكنت، وأقامت، وتوطدت، فهذا هو اللفظ المستعمل فيها، ألا ترى أنها إذا وصفت بضد هذا الوصف قيل: وهت، وسقطت، وخرت، ولا يقال: ذلت، وإنما قال: «عزت» من أجل قوله: «فليعزز به الأدب» وهذا وإن لم يكن خطأ فليس بالجيد؛ لأنه لفظ موضوع في غير موضعه.
(2/357)

وقال أبو تمام في إسحاق بن إبراهيم المصعبي:
ترضى السيوف به في الروع منتصراً ... ويعضب الدين والدنيا إذا غضبا (1)
وهذا مدح لا يليق إلا بأفضل الخلفاء، وسبيل الشاعر أن يتفقد مثل هذا؛ فقد جرت به على قوم من الشعراء سلكوا دون هذا المسلك مكاره، وكان الحرمان أحسن أحوالهم التي عادوا بها.
ونحو هذا قوله في محمد بن يوسف:
حياتك للدنيا حياة ظليلة ... وفقدك للدنيا فناء مواشك (2)
وهذا عموم؛ لذكره الدنيا ولا يصلح أن يكون إلا لخليفة، أو من ينفد في أكثر بلاد الله أمره.
وهذا متجاوز لقدر محمد بن يوسف، وفي الممادح التي ترضى الممدوحين متسع.
... وهو في هذا الباب أشعر من البحتري.
(2/358)

* ومما يجب في مدح الخلفاء، كانت تلك حالهم أو لم تكن، ذكر التقى والورع
قال أبو تمام في المأمون:
يتجنب الآثام ثم يخافها ... فكأنما حسناته آثام (1)
هذا وصف لطاعة الله حسن مستقصى، ولكنه ألم بمعنى قول أبي العتاهية:
يعتد بإحسان كل محسن ... إليه بعد إساءة كان منه (؟)
وعكس أبو تمام المعنى:
لم تنتقصني إذا أسأت وزدتني ... حتى كأن إساءتي إحساني
بيت أبي تمام هذا من بيت أبي العتاهية (2).
... وقال البحتري في المهتدي بالله:
مزايد نفس في تقى الله لم تدع ... له غاية في جدها واجتهادها (3)
وما نقلت منه الخلافة شيمة ... وقد مكنته عنوة من قيادها (4)
ولا مالت الدنيا به حين أشرقت ... له في تناهي حسنها واحتشادها
(2/359)

وقال في المعتمد:
ملك تحييه الملوك ودونه ... سيما التقى وتخشع الزهاد (1)
متهجد يخفي الصلاة وقد أبى ... إخفاءها أثر السجود البادي (2)
وقال في المهدي (3):
فضل الأنام أرومة محمودة ... وتقى وأنعم في الأنام وافضلا (4)
وقال في المعتز بالله:
يتقبل المعتز فضل جدوده ... بخلال محمود الخلال موفق (5)
ويظل يخشى في الإله ويتقى ... فيه كما يخشى الإله ويتقى (6)
... ومع وصف الخليفة بالتقى والورع يجب أن يوصف بالرأفة والرحمة.
قال أبو تمام في المعتصم:
رعى الله فيه للرعية رأفة ... تزايله الدنيا وليست تزايله (7)
فأضحى وقد فاضت إليه قلوبهم ... ورحمته فيهم تفيض ونائله (8)
فقوله: «فاضت إليه قلوبهم» ليس بالجيد؛ لأن هذه لفظة غير مستعملة في مثل هذا، وإنما قال ذلك من أجل قوله: «ورحمته فيهم تفيض».
(2/360)

وقال في الواثق:
فغدوا وقد وثقوا برأفة واثق ... بالله طائره لهم ميمون (1)
... وقال البحتري في المتوكل:
يحببه عند الرعية أنه ... يذبب عن أعراضهم ويحامي (2)
وأن له عطفاً عليهم ورأفة ... وفضل أياد بالعطاء جسام (3)
... وليس لأحدهما فضل في هذا الباب على صاحبه.
(2/361)

* ما قالاه في الجمال والجلال والهيبة والبهاء والجهارة
قال أبو تمام:
إنا غدونا واثقين بواثق ... بالله شمس ضحى وبدر تمام (1)
ثم قال بعد في القصيدة:
ما أحسب البدر المنير إذا بدا ... بدراً بأضوأ منك في الأوهام (2)
قوله: «في الأوهام» قد عيب به، وقيل لم يجعله مضيئاً في العين، وجعله مضيئاً في الأوهام، والذي ذهب إليه أبو تمام معنى صحيح؛ لأن وجه الإنسان لا يكون أضوأ من البدر، فجعله أضوأ منه في الصدور وفي النفوس، يريد الجلال والهيبة.
وأجود من هذا قول محمد بن وهيب:
تعظمه الأوهام قبل عيانه ... ويصدر عنه الطرف والطرف حاسر
وأحسن من قول ابن (3) وهيب قول الأحوص:
تراهم خضع الأبصار هيبته ... كما استكان لضوء الشارق الرمد
... وقال أبو تمام في خالد بن يزيد بن مزيد:
كالبدر حسناً وقد يعاوده ... عبوس ليث العرين في عبده (4)
(2/362)

كالسيف يعطيك ملء عينيك من ... فرنده تارة ومن ربده (1)
وهذا غاية في حسنه وصحته وبراعته.
وقال جعفر الخياط:
فتى في يديه البأس يضحك والندى ... وفي سرحه بدر وليث غضنفر (2)
وهذا مأخوذ من قول مسلم بن الوليد:
تمضي المنايا كما تمضي أسنته ... كأن في سرحه بدراً وضرغاما (3)
وقد أحسن محمد بن وهيب كل الإحسان في قوله:
وكأن ضوء جبينه قمر ... وكأن سائر خلقه أسد
... وقال أبو تمام في خالد بن يزيد بن مزيد:
وقد كان مما يضيء السري ... ر والبهو يملؤه بالبهاء (4)
مضى خالد بن يزيد بن مز ... يد قمر الليل شمس الضحاء
وهذا يمر في المراثي.
... وقال البحتري في المهتدي بالله:
زاد في بهجة الخلافة نوراً ... فهو شمس النهار وهي نهار (5)
طلعة تملأ القلوب ووجه ... خشعت دون ضوئه الأبصار
(2/363)

ذكروا الهدى من أبيك وقالوا ... هو ذاك السيما وذاك النجار (1)
وعليهم سكينة لك إلا ... مد أيد يوماً بها ويشار
بهتوا حيرة وصمتاً فلو قي ... ل أحيروا مقالة ما أحاروا (2)
وقليل إن أكبروك لك الهي ... بة ممن رآك والإكبار
وقال في المتوكل لما خرج لصلاة العيد:
وافتن فيك الناظرون فإصبع ... يوماً إليك بها وعين تنظر (3)
يجدون رؤيتك التي فازوا بها ... من أنعم الله التي لا تكفر
ذكروا بطلعتك النبي فهللوا ... لما طلعت من الصفوف وكبروا
حتى انتهيت إلى المصلى لابساً ... نور الهدى يبدو عليك ويظهر
ومشيت مشية خاشع متواضع ... لله لا يزهو ولا يتكبر (4)
ولو أن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وسعه لمضى إليك المنبر (5)
وقال فيه لما دخل عليه وفد الروم:
وأيت وفد الروم بعد عنادهم ... عرفوا فضائلك التي لا تجهل (6)
لحظوك أول لحظة فاستصغروا ... من كان يعظم فيهم ويبجل
ورأوك وضاح الجبين كما يرى ... قمر السماء السعد ساعة يكمل (7)
(2/364)

نظروا إليك فقدسوا لو أهم ... نظقوا الفصيح لكبروا ولهللوا
حضروا السماط فكلما راموا القرى ... مالت بأيديهم عقول ذهل
تهوي أكفهم إلى أفواههم ... فتجور عن قصد السبيل وتعدل (1)
متحيرين فباهت متعجب ... مما يرى أو ناظر متأمل (2)
ويود قومهم الأولي بعثوهم ... لو ضمهم بالأمس ذاك المحفل (3)
قد نافس الغيب الحضور على الذي ... شهدوا وقد حسد الرسول المرسل
قوله: «باهت»، من بهت يبهت وقد قيلت وهي رديئة والجيد بهت يبهت.
وقال في المعتز:
يبهت الوفد في أسرة وجه ... ساطع الضوء مستنير الشعاع (4)
وقال فيه:
إذا نظر الوفود إليه فقالوا ... أبدر الليل أم شمس النهار (5)
وأجود من هذا قول ابن هرمة:
لا يرفعون إليه الطرف خشيته ... لا خوف بأس ولكن خوف أجلال
وأجود من هذا قول طريح الثقفي:
يعروهم أفكل لديك كما ... قفقف تحت الدجنة الصرد (6)
لا خوف ظلم ولا قلى خلق ... لكن خلال كساكه الصمد
(2/365)

وأصل الباب كله قول الحزين الكناني:
يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم (1)
... وقال في المتوكل:
اليوم أطلع للخلافة سعدها ... وأضاء فيها بدرها المتهلل (2)
لبست جلالة جعفر فكأنها ... سحر تجلله النهار المقبل (3)
وقال في المعتز ويذكر الزو (4):
ولم أر كالمعتز إذ راح موفياً ... عليه بوجه لاح في الرونق النضر (5)
ملياً بأن يجلو الظلام بغرة ... تخضع إكباراً لها غرة الفجر
إذا اهتز غب الأريحية والندى ... وأسفر في ضوء الطلاقة والبشر (6)
(2/366)

وقابله بدر السماء بحسنه ... فبدر على بدر وبحر على بحر
رأيت بهاء الملك مجتمعاً له ... وديباجة الدنيا ومكرمة الدهر
وقال فيه:
ملك يملأ العيون بهاء ... حين يبدو في تاجه المعقود (1)
والخلفاء وملوك الإسلام لا يلبسون التيجان، وأظنها كانت يتخذها الأحداث منهم فيلبسونها في خلواتهم، ومع نسائهم، ومن لا يحتشمونه من ندمائهم، فأما القلانس المعممة التي ترصع بالجوهر فلا شك فيها، ومن ذكر تيجان الخلفاء من الشعراء فلعله رأى على رؤسهم هذا الجنس، فقد قال البحتري أيضاً في المهتدي ينفي عنه لبس التاج:
لسجادة السجاد أحسن منظراً ... من التاج في أحجاره وأتقادها (2)
وقال في المعتز:
كأنما التاج إذا ما علا ... غرته بالدور الزهر (3)
كواكب الفكة في أفقها ... دنت فحفت غرة البدر (4)
وقد تقدم من إنكار عبد الملك بن مروان على ابن الرقيات قوله:
* يعتدل التاج فوق مفرقه *
(2/367)

فأما الجلال والبهاء والهيبة وسائر ما مضى من ذلك في هذا الباب فإنه واجب في مدح الخلفاء والملوك والعظماء؛ لأنه من الأوصاف التي تخصهم، ويحسن موقع ذكرها عندهم.
وكذلك جمال الوجه وحسنه مما يجب المدح به؛ فإن الوجه الجميل يزيد في الهيبة، ويتيمن به العرب؛ لأنه يدل على الخصال المحمودة، كما أن قبح الوجه والدمامة يسقط الهيبة، ويدل على الخصال المذمومة، وذلك ما تكرهه العرب، وتتشاءم به؛ لأن أول ما تلقاه من الإنسان وتعاينه وجهه.
ألا ترى إلى قول البحتري:
أغر كبارق الغيث المرجى ... يحبب في الأباعد والأداني (1)
تخاضعت الوجوه لحسن وجه ... يدل على خلائقه الحسان
وقال في مثل ذلك:
حسن الوجه والرواء وكم د ... ل على سؤدد الشريف رواؤه (2)
ماء وجه إذا تبلج أعطا ... ك أماناً من نبوة الدهر ماؤه
يتعالى ضياؤه فيجلى ... طخية الحادث المضب ضياؤه (3)
... وقد غلط بعض المتأخرين في هذا الباب ممن ألف في نقد الشعر كتاباً غلطاً فاحشاً (4)، فذكر أن المدح بالحسن والجمال، والذم بالقبح والدمامة ليس بمدح على الحقيقة، ولاذم على الصحة، وخطأ كل من يمدح
(2/368)

بهذا أو يذم بذاك، فعدل بهذا المعنى عن مذاهب الأمم كلها عربيها وعجميها، وأسقط أكثر مدح العرب وهجائها، وقد بينت قبح غلطه في تبييناً شافياً مستقصى في كتاب منفرد (1).
... وقال البحتري يمدح المعتز ويذكر ابنه عبد الله:
عليه من المعتز بالله بهجة ... أضاءت فلو يسري بها الركب لاهتدى (2)
يروق العيون الناظرات بطلعة ... من الحسن لو وافى بها البدر ما عدا (3)
تأمل أمين الله فرط جلالة ... رائعة تبدو عليه إذا بدا
وقد تصرف البحتري في المدح بالجمال والهيبة والجلال تصرفاً كثيراً في غير مدح الخلفاء، فقال في الفضل بن إسماعيل الهاشمي:
لا تطلبن له الشبيه فإنه ... قمر التأمل مزنة التأميل (4)
وقال في الفتح بن خاقان:
تكشف الليل من لألاء غرته ... عن بدر داجيه أو شمس إصباح (5)
وقال يمدحه:
ويبتدر الراءون منه إذا بدا ... سنا قمر من سدة الملك مطلع (6)
(2/369)

يقومون من بعد إذا بصروا به ... لأبلج من نور الجلالة أروع (1)
ويدعون بالأسماء مثنى وموحداً ... إذا حضروا باب الرواق المرفع (2)
إذا سار كف اللحظ عن كل مبصر ... سواه وغض الصوت عن كل مسمع (3)
فلست ترى إلا إفاضة شاخص ... إليه بعين أو مشير بإصبع
الإفاضة: الدفع، يريد أنه يدفع ببصره إليه، وينحو به نحوه.
والإفاضة في الكلام أن يدفعوا أيضاً القول، ويبعثوا الكلام، وهذه هيبة وجلال ما وراءها غاية، وكان المتوكل أولى بهذا الوصف من الفتح وإن كان الفتح أوفر وأهيب.
... وقال البحتري في دخوله إلى الفتح:
ولما حضرنا سدة الإذن أخرت ... رجال عن الباب الذي أنا داخله (4)
فأفضيت ممن ثقرب إلى ذي مهابة ... أقابل بدر الأفق حين أقابله
فسلمت واعتاقت جناني هيبة ... تنازعني القول الذي أنا قائله
فلما تأملت الطلاقة وانثنى ... إلي ببشر آنستني مخايله
دنوت فقبلت الندى في يد امريء ... جميل محياه سباط أنامله (5)
صفت مثلما تصفوا المدام خلاله ... ورقت كما رق النسيم شمائله (6)
هكذا لعمري تمدح الملوك.
(2/370)

وقال فيه:
مهيب تعظم العلماء منه ... جلالة أروع واري الزناد (1)
يؤدون التحية من بعيد ... إلى قمر من الإيوان باد
قيام في المراب أو قعود ... سكون من أناة واتئاد
فليس اللحظ بالمكرور شزراً ... ولا الحديث بمستعاد (2)
... وقال فيه أيضاً لما دخلت إليه بنو تغلب بعدما أصلح بينهم حتى سكنت حربهم، يقول ذلك في قصيدته المنصفة:
تراءوك من أقصى السماط فقصروا ... خطاهم وقد جازوا الستور وهم عجل (3)
إذا قلبوا أبصارهم من مهابة ... ومالوا بلحظ خلت أنهم قبل (4)
وهذا من فاخر المدح ومصيب الوصف.
وفي اقتصاص مثل هذه الأحوال التي تشاهد يظهر (5) حذق الشاعر وبراعته.
والله الموفق.
(2/371)