Advertisement

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري 003

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري
لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي
ت: 370 ه
(3/1)

صفحة فارغة
(3/2)

بسم الله الرحمن الرحيم

* ما قالاه في الجمال والجلال والهيبة والبهاء والجهارة
قال أبو تمام:
إنا غدونا واثقين بواثق ... بالله شمس ضحى وبدر تمام
ثم قال بعد في القصيدة:
ما أحسب البدر المنير إذا بدا ... بدراً بأضوأ منك في الأوهام
قوله: «في الأوهام» قد عيب به، وقيل لم يجعله مضيئًا في العين، وجعله مضيئًا في الأوهام، والذي ذهب إليه أبو تمام معنى صحيح؛ لأن وجه الإنسان لا يكون أضوأ منه في الصدور وفي النفوس، يريد الجلالة والهيبة.
وأجود من هذا قول محمد بن وهيب:
تعظمه الأوهام قبل عيانه ... ويصدر عنه الطرف والطرف حاسر
وأحسن من قول ابن وهيب قول الأحوص:
تراهم خضع الأبصار هيبته ... كما استكان لضوء الشارق الرمد
وقال أبوتمام في خالد بن يزيد بن مزيد:
(3/3)

وقال أبو تمام في خالد بن يزيد بن مزيد:
كالبدر حسناً وقد يعاوده ... عبوس ليث العرين في عبده
كالسيف يعطيك ملء عينيك من ... فرنده تارة ومن ربده
وهذا غاية في حسنه وصحته وبراعته.
وقال في جعفر الخياط:
فتى في يديه البأس يضحك والندى ... وفي سرجه بدر وليث غضنفر
وهذا مأخوذ من قول مسلم بن الوليد:
تمضي المنايا كما تمضي أسنته ... كأن في سرجه بدرًا وضرغاما
وقد أحسن محمد بن وهيب كل الإحسان في قوله:
وكأن ضوء جبينه قمر ... وكأن سائر خلقه أسد
وقال أبو تمام في خالد بن يزيد بن مزيد:
وقد كان مما يضيء السري ... ر والبهو يملؤه بالبهاء
مضى خالد بن يزيد بن مز ... يد قمر الليل شمس الضحاء
وهذا يمر في «المراثي».
وقال البحتري في المهتدي بالله:
زاد في بهجة الخلافة نورًا ... فهو شمس النهار وهي نهار
(3/4)

طلعة تملأ القلوب ووجه ... خشعت دون ضوئه الأبصار
ذكروا الهدى من أبيك وقالوا ... هو ذاك السيما وذاك النجار
وعليهم سكينة لك إلا ... مد أيد يومًا بها ويشار
بهتوا حيرة وصمتًا فلو قي ... ل أحيروا مقالة ما أحاروا
وقليل إن أكبروك لك الهي ... بة ممن رآك والإكبار
وقال في المتوكل لما خرج لصلاة العيد:
وافتن فيك الناظرون فإصبع ... يومًا إليك بها وعين تنظر
يجدون رؤيتك التي فازوا بها ... من أنعم الله التي لا تكفر
ذكروا بطلعتك النبي فهللوا ... لما طلعت من الصفوف وكبروا
حتى انتهيت إلى المصلى لابسًا ... نور الهدى يبدو عليك ويظهر
ومشيت مشية خاشع متواضع ... لله لا يزهو ولا يتكبر
ولو أن مشتاقًا تكلف فوق ما ... في وسعه لمضى إليك المنبر
وقال فيه لما دخل عليه وفد الروم:
ورأيت وفد الروم بعد عنادهم ... عرفوا فضائلك التي لا تجهل
لحظوك أول لحظة فاستصغروا ... من كان يعظم فيهم ويبجل
ورأوك وضاح الجبين كما يرى ... قمرالسماء السعد ساعة يكمل
نظروا إليك فقدسوا ولو أنهم ... نطقوا الفصيح لكبروا ولهللوا
(3/5)

حضروا السماط فكلما رامو القرى ... مالت بأيديهم عقول ذهل
تهوي أكفهم إلى أفواههم ... فتجور عن قصد السبيل وتعدل
متحيرين فباهت متعجب ... مما يرى أو ناظر متأمل
ويود قومهم الألي بعثوهم ... لو ضمهم بالأمس ذاك المحفل
قد نافس الغيب الحضور على الذي ... شهدوا وقد حسد الرسول المرسل
قوله: «باهت»، من بهت يبهت وقد قيلت، وهي رديئة، والجيد بهت يبهت.
وقال في المعتز:
يبهت الوفد في أسرة وجه ... ساطع الضوء مستنير الشعاع
وقال فيه:
إذا نظر الوفود إليه قالوا ... أبدر الليل أم شمس النهار
وأجود من هذا قول ابن هرمة:
لا يرفعون إليه الطرف خشيته ... لا خوف بأسٍ ولكن خوف إجلال
وأجود من هذا قول طريح الثقفي:
يعروهم أفكل لديك كما ... قفقف تحت الدجنة الصرد
لا خوف ظلم ولا قلى خلق ... لكن جلال كساكه الصمد
(3/6)

وأصل الباب كله قول الحزين الكناني:
يغضي حياءً من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
وقال في المتوكل:
اليوم أطلع للخلافة سعدها ... وأضاء فيها بدرها المتهلل
لبست جلالة جعفر فكأنها ... سحر تجلله النهار المقبل
وقال في المعتز ويذكر الزو:
ولم أر كالمعتز إذ راح موفيًا ... عليه بوجه لاح في الرونق النضر
مليًا بأن يجلو الظلام بغرة ... تخاضع إكبارًا لها غرة الفجر
إذا اهتز غب الأريحية والندى ... وأسفر في ضوء الطلاقة والبشر
(3/7)

وقابله بدر السماء بحسنه ... فبدر على بدر وبحر على بحر
رأيت بهاء الملك مجتمعًا له ... وديباجة الدنيا ومكرمة الدهر
وقال فيه:
ملك يملأ العيون بهاء ... حين يبدو في تاجه المعقود
والخلفاء وملوك الإسلام لا يلبسون التيجان، وأظنها كانت يتخذها الأحداث منهم فيلبسونها في خلواتهم، ومع نسائهم، ومن لا يحتشمونه من ندمائهم، فأما القلانس المعممة التي ترصع بالجوهر فلا شك فيها. ومن ذكر تيجان الخلفاء من الشعراء فلعله رأى على رؤسهم هذا الجنس، فقد قال البحتري أيضًا في المهتدي ينفي عنه لبس التاج:
لسجادة السجاد أحسن منظرًا ... من التاج في أحجاره واتقادها
وقال في المعتز:
كأنما التاج إذا ما علا ... غرته بالدرر الزهر
كوكب الفكة في أفقها ... دنت فحفت غرة البدر
وقد تقدم من إنكار عبد الملك بن مروان على ابن الرقيات قوله:
* يعتدل التاج فوق مفرقه *
(3/8)

فأما الجلال، والبهاء، وسائر ما مضى من ذلك في هذا الباب، فإنه واجب في مدح الخلفاء والملوك والعظماء؛ لأنه من الأوصاف التي تخصهم، ويحسن موقع ذكرها عندهم، وكذلك جمال الوجه وحسنه مما يجب المدح به؛ فإن الوجه الجميل يزيد في الهيبة، ويتيمن به العرب؛ لأنه يدل على الخصال المحمودة، كما أن قبح الوجه والدمامة يسقط الهيبة، ويدل على الخصال المذمومة، وذلك ما تكرههه العرب، وتتشاءم به؛ لأن أول ما تلقاه من الإنسان وتعاينه وجهه، ألا ترى إلى قول البحتري:
أغر كبارق الغيث المرجى ... يحبب في الأباعد والأداني
تخاضعت الوجوه لحسن وجه ... يدل على خلائقه الحسان
وقال في مثل ذلك:
حسن الوجه والرواء وكم د ... ل على سؤدد الشريف رواؤه
ماء وجه إذا تبلج أعطا ... ك أمانًا من نبوة الدهر ماؤه
يتعالى ضياؤه فيجلي ... طخية الحادث المضب ضياؤه
وقد غلط بعض المتأخرين في هذا الباب - ممن ألف في «نقد الشعر» كتابًا- غلطاً فاحشاً، فذكر أن المدح بالحسن والجمال، والذم بالقبح والدمامة ليس بمدح على الحقيقة، ولا ذم على الصحة، وخطأ كل من يمدح بهذا أو يذم بذاك،
(3/9)

فعدل بهذا المعنى عن مذاهب الأمم كلها عربيها وعجميّها، وأسقط أكثر مدح العرب وهجائها، وقد بينت قبح غلطه في هذا تبيينًا شافيًا مستقصى في كتاب منفرد.
وقال البحتري يمدح المعتز ويذكر ابنه عبد الله:
عليه من المعتز بالله بهجة ... أضاءت فلو يسري بها الركب لاهتدى
يروق العيون الناظرات بطلعة ... من الحسن لو وافى بها البدر ما عدا
تأمل أمين الله فرط جلالة ... وأبهة تبدو عليه إذا بدا
... وقد تصرف البحتري في المدح بالجمال والهيبة والجلال تصرفًا كثيرًا في غير مدح الخلفاء، فقال في الفضل بن إسماعيل الهاشمي:
لا تطلبن له الشبيه فإنه ... قمر التأمل مزنة التأميل
وقال في الفتح بن خاقان:
تكشف الليل من لألاء غرته ... عن بدر داجية أو شمس إصباح
وقال يمدحه:
ويبتدر الراءون منه إذا بدا ... سنا قمر من سدة الملك مطلع
(3/10)

يقومون من بعد إذا بصروا به ... لأبلج من نور الجلالة أروع
ويدعون بالأسماء مثنى وموحدًا ... إذا حضروا باب الرواق المرفع
إذا سار كف اللحظ عن كل مبصر ... سواه وغض الصوت عن كل مسمع
فلست ترى إلا إفاضة شاخص ... إليه بعين أو مشير بإصبع
الإفاضة: الدفع، يريد أنه يدفع ببصره إليه وينجو به نحوه.
والإفاضة في الكلام: أن يدفعوا أيضًا القول، ويبعثوا الكلام، وهذه هيبة وجلال ما وراءهما غاية.
وكان المتوكل أولى بهذا الوصف من الفتح أوقر وأهيب.
وقال البحتري في دخوله إلى الفتح:
ولما حضرنا سدة الإذن أخرت ... رجال عن الباب الذي أنا داخله
فأفضيت من قرب إلى ذي مهابة ... أقابل بدر الأفق حين أقابله
فسلمت وأعتاقت جناني هيبة ... تنازعني القول الذي أنا قائله
فلما تأملت الطلاقة وأنثنى ... إلى ببشر آنستني مخايله
دنوت فقبلت الندى في يد امريء ... جميل محياه سباط أنامله
صفت مثل ما تصفو المدام خلاله ... ورقت كما رق النسيم شمائله
هكذا - لعمري- تمدح الملوك.
(3/11)

وقال فيه:
مهيب يعظم العلماء منه ... جلالة أروع واري الزناد
يؤدون التحية من بعيد ... إلى قمر من الإيوان باد
قيام في المراتب أو قعود ... سكون من أناة واتئاد
فليس اللحظ بالمكرر شزرًا ... إليه ولا الحديث بمستعاد
وقال فيه أيضاً لما دخلت إليه بنو تغلب بعدما أصلح بينهم حتى سكنت حربهم، يقول ذلك في قصيدته المنصفة:
تراءوك من أقصى السماط فقصروا ... خطاهم وقد جازوا الستور وهم عجل
إذا قلبوا أبصارهم من مهابة ... ومالوا بلحظ خلت أنهم قبل
وهذا من فاخر المدح، ومصيب الوصفن وفي اقتصاص مثل هذه الأحوال التي تشاهد يظهر حذق الشاعر وبراعته.
(3/12)

وقال البحتري في الفتح:
تلفت فوق العالمين فطالهم ... تشوف بسام إلى الوفد قاعد
جهير الخطاب يخفض القوم عنده ... معاريض قول كالرياح الرواكد
يخصون بالتبجيل أطولهم يدًا ... وأظهرهم أكرومة في المشاهد
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... إلى الفضل حتى قيس ألف بواحد
وقال في عبيد الله بن عبد الله بن طاهر حين قدم بغداد:
وتعطف أثناء السرداق حوله ... على قمر تنجاب عنه سدولها
إذا القوم قاموا يرقبون بدوه ... بدا حسن الأخلاق فيهم جميلها
(3/13)

كأنهم عند استلام ركابه ... غضائب عند البيت حان قفولها
إذا ازدحموا قدامه ووراءه ... مشوا مشية يأبى الأناة عجولها
وقال أبو عمرو والمفضل: كثير أشعر الناس في وصف الهيبة إذ يقول:
شهدت ابن ليلى في مواطن قد خلت ... يزيد بها ذا الحلم حلمًا حضورها
فلا هاجرات القول يورثن عنده ... ولا كلمات النصح ملقى مشيرها
ترى القوم يخفون المواعظ عنده ... وينذرهم عور الكلام نذيرها
وقد أحسن ذو الرمة كل الإحسان إذ يقول في مدح بلال بن أبي بردة:
من آل أبي موسى ترى القوم حوله ... كأنهم الخربان أبصرن بازيا
مرمين من ليث عليه مهابة ... تفادى الأسود الغلب منه تفاديا
فما يغربون الضحك إلا تبسمًا ... ولا ينسبون القول إلا تناجيا
لدى ملك يعلو الرجال بضوئه ... كما بهر البدر النجوم السواريا
ولا الفحش فيه يرهبون ولا الخنا ... عليهم ولكن هيبة هي ما هيا
(3/14)

«المرم»: الساكت المطرق، وقوله: «يغربون» من أغرب في الضحك واستغرب إذا أكثر، و «وينسبون»: يتكلمون كلامًا خفيًا، وهذا مثل قول كثير:
ترى القوم يخفون المواعظ عنده
وليس هذا ولا قول كثير بأجود ولا أبلغ من قول البحتري في الفتح بن خاقان.
وقال أبو العتاهية في الهادي:
يضطرب الخوف والرجاء إذا ... حرك موسى القضيب أو فكر
وإنما حذاه على قول ابن هرمة في المنصور:
له لحظات عن حفافي سريره ... إذا كرها منها عقاب ونائل
(3/15)

* إفاضة العدل وإقامة الحق:
«...... ؟» بما قالوه في الخلفاء.
وقال أبو تمام في المأمون:
يأ أيها الملك الهمام وعدله ... ملك عليه في القضاء همام
ما زال حكم الله يشرق وجهه ... في الأرض مذ نيطت بك الأحكام
قوله: «يشرق في الأرض» عموم يليق بالخليفة، ولكن لا يقبح أن يوصف به وزير أو من يقوم مقامه، لأن الخليفة ينوط أمر الأحكام وغير الأحكام به.
وقوله: «وعدله ملك» ليس بمنكر أن يجعل العدل ملكًا على الحقيقة إذا كان يتدبر بإفاضته واستعماله، فلم يقنع بهذه الاستعارة حتى جعل العدل ملكاً همامًا من أجل قوله: «يا أيها الملك الهمام»، على مذهبه في رديء الاستعارة.
والهمام: ذو الهمة البعيدة، ويقال: الذي إذا همَّ بشي أمضاه ولم يتعذر عليه.
والجيد النادر في إفاضة العدل قول منصور:
لقد شمل البرية منه عدل ... سيجعله أئمتهم مثالا
يقدم عفوه وإذا استخفوا ... نكال عقوبة مطل النكالا
وقال أبو تمام في المعتصم:
جلا ظلمات الظلم عن وجهه أمة ... أضاء لها من كوكب الحق آفله
(3/16)

وقام فقام العدل في كل بلدة ... خطيباً وأضحى الملك قد شق بازله
وجرد سيف الحق حتى كأنه ... من السل موذ جفنه وحمائله
البيت الأول والثاني جيدان في مدح الخلفاء، وقوله في البيت الثالث: «من السل» لفظ غير جيد ولا متمكن.
وقال أيضًا المعتصم:
سكن الزمان فلا يد مذمومة ... للحادث ولا سوام يذعر
في الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن النبات الغض سرج تزهر
البيت الاول في غاية الجودة، والثاني في غاية الركاكة لأنه من ألفاظ العوام.
وقال البحتري في المتوكل:
تحسنت الدنيا بعدلك فاغتدت ... وآفاقها بيض وأكنافها خضر
هنيئًا لأهل الشام أنك سائر ... إليهم مسير الشمس يتبعها القطر
وهذا في غاية الحسن والحلاوة، وقال فيه:
أظهر العدل فاستنارت به الأر ... ض وعم البلاد غورًا ونجدا
وهذا عموم لا يحسن أن يقال إلا لخليفة، أو ولي عهد أو وزير.
وقال في المتوكل:
ما ضيع الله في بدو ولا حضر ... رعية أنت بالإحسان راعيها
وأمة كان قبح الجور يسخطها ... دهرًا فأصبح حسن العدل يرضيها
(3/17)

وقال في المعتز:
إمام هدى عم البرية عدله ... فأضحى لديه آمنًا كل راهب
وردت وما كانت ترد بعدله ... ظلامات قوم مظلمات المطالب
وقال في المهتدي:
ملي بنصر الحق والحق واحد ... إذا عصبة يومًا لظلم تصدت
وتأييده حكم الهدى بخشونة ... من الجد لو مرت على الصخر خدت
وهذا في غاية الجودة إلا أنه خال من العموم، ويصلح أن يمدح به قاض وغيره من الولاة.
وقال فيه:
بالمهتدي بالله والهادي به ... أرست قواعد ديننا فتأثلا
ورث النبي سجية مرضية ... وطريقة قصداً وقولاً فيصلا
فإذا قضى في المشكلات ترادفت ... حكم تريك الوحي كيف ينزلا
وقال فيه:
أسفت لأقوام ملكت بعيدهم ... وكانت دجت أيامهم فاسوأدت
(3/18)

مضوا لم يروا من حسن عدلك منظرًا ... ولم يلبسوا نعماك حين استنجدت
ولم يعلموا أن المكارم أبديت ... جذاعًا ولا أن المظالم ردت
وقال فيه:
أرى حوزة الإسلام حين وليتها ... تخرم باغيها وحيط حريمها
تدارك مظلوم الرعية حقه ... وخلى له وجه الطريق ظلومها
وقال في المعتمد:
بلغ احتياطك وفد كل قبيلة ... وأغاث عدلك أهل كل بلاد
وقال في المعتز:
أقام منار الحق حتى اهتدت به ... وأبصرها من لم يكن قط مبصرا
وعادت على الدنيا عوائد فضله ... فأقبل منها كل ما كان مدبرا
وهذا كله في غاية الجودة والصحة والاستقامة، وهو عموم لا يكون إلا من خليفة، أو من يقوم مقامه.
وقال في المتوكل:
عرفتنا سنن النبي وهديه ... وقضيت فينا بالكتاب المنزل
لولا قوله: «وهديه» كان يصلح أن يكون مدحاً لقاض أو فقيه، إلا أن يسرف مسرف.
(3/19)

وقال فيه:
إمام يراه الله أولى عباده ... بحق وأهداهم لقصد سبيله
خليفته في أرضه ووليه الم ... رضي لديه وابن عم رسوله
ترى الأرض تسقى غيثها بمروره ... عليها وتكسى نبتها بنزوله
وقال فيه:
أو ما ترى حسن الزمان وما بدا ... وأعاد في أيامه المتوكل
أشرقن حتى كاد يقتبس الدجى ... ورطبن حتى كاد يجري الجندل
فهذا ما يليق بالخلفاء من ذكر العدل وإقامة الحق وصلاح الأمور، والبحتري فيما أورده من ذلك كله أشعر من أبي تمام.
ومما قالاه من ذلك في سائر الناس، قال أبو تمام في محمد بن عبد الملك:
أرى ابن أبي مروان أما لقاؤه ... فدان وأما حكمه فهو عادل
وقال في إبراهيم بن الخصيب:
ما لأهل الشام أن يكفروا بع ... دك فيهم نعماء أهل العراق
فلقد صار أفقهم بأيادي ... ك حديثًا لسائر الآفاق
(3/20)

نزل العدل حيث شاءوا وأضحى ال ... جور والظلم عنهم في وثاق
كل يوم تزيدهم منك عدلاً ... ونوالاً كذاك جري العتاق
هذه الأبيات كلها رديئة، وقوله: «كذاك جري العتاق»؛ لأن الخيل العتاق إذا استزدتها في الجري زادتك، وليس بالمعنى الحلو ها هنا.
وقال البحتري في صاعد بن مخلد:
فكيف وجدتم عدله وقد التقت ... مساوية شاء البلاد وسيدها
فإن تخرج الأيام مذخور حسنها ... فقد آن أن يبدي النضارة عودها
وهذا غاية في حسنه وحلاوته.
وقال في أبي الصقر:
تقرى جنوب الأرض جودًا ونائلاً ... وطبق عدلاً حزنها وسهولها
ولو سيقت الدنيا إليه بأسرها ... ولم يتلها حمد لعاف قبولها
وقال في أبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل:
إن العواصم قد عصمن بأبيض ... ماض كصدر الأبيض المسلول
(3/21)

أعطى الضعيف من القوي ورد من ... نفس الوحيد ومنة المخذول
عز الذليل وقد رآك تشد من ... وطء على عنق العزيز ثقيل
رعت الرعية مرتعًا بك مونقًا ... وثنت بظل في ذراك ظليل
أعطيتها حكم الصبي وزدتها ... في الرفد إذ زادتك في التأميل
وقال في إبراهيم بن المدبر:
نافر الجأش لا تقر حشاه ... أو تؤدى ظلامة المظلوم
وهذا كله جيد نادر فوق ما قاله أبو تمام.
(3/22)

* سداد الرأي والتدبير والاضطلاع بالأمور وحسن الكفاءة وإمضاء العزائم
قال أبو تمام في المعتصم:
فكر إذا راضه راض الأمور به ... رأى تفنن عنه الريث والعجل
أراد أن الرأي يروض الأمور بالفكر، وقوله: «تفنن عنه الريث والعجل» أي تشعب منه، وصار أفناناً، يقول: يريث في حال إذا كان الريث أولى، ويعجل في حال إذا كانت العجلة أحزم، فالريث والعجل يصدران جميعًا عنه، وهذا بيت غير جيد ولا شهي.
وقال في المأمون:
وأرى الأمور المشكلات تمزقت ... ظلماتها عن رأيك المتوقد
عن مثل نصل السيف إلا أنه ... مذ سل أول سلة لم يغمد
فبسطت أزهرها بوجه أزهر ... وقبضت أربدها بوجه أربد
له في هذا البيت إساءة قد ذكرتها في أغاليطه.
ولله در أبي عبادة إذ يقول في المهتدي بالله:
(3/23)

وقد علم الأقوام أن صريمة ... إذا اختلفت شورى النجي استبدت
متى وقدت في مظلم الأمر ضوأت ... وإن ضربت في جانب الخطب قدت
وقوله فيه:
له عزمة ما استبطأ الملك نجحها ... ولا استعتب الإسلام ورى زنادها
إذا شوهدت بالرأي بان اختيارها ... وإن غاب ذو الرأي اكتفت بانفرادها
وقال ابن هرمة في المنصور:
ولا ينتجى الأدنون فيما يحاول
وتبعه أبو العتاهية فقال:
إذا هم لم يشركه في الأمر غيره ... وكان بما يأتي أطب وأبصرا
وقوله في المعتمد:
تبعت بنو العباس هدي محمد ... ثبت البصيرة في المحجة هاد
وكأنهم لما اقتفوا منهاجه ... تبعوا ضياء الكوكب الوقاد
وقوله:
متيقظ عصمت بوادر حكمه ... بعرى من الرأي الأصيل شداد
كالسيف في ذات الإله وقد يرى ... كرمًا كفرع النبعة المياد
(3/24)

وقوله في المهتدي:
تثني بوادره الأناة وإنما ... سارت عزيمته فكانت جحفلا
وقال أبو تمام:
وعزائماً في الروع معتصمية ... ميمونة الإدبار والإقبال
فتعمق الوزراء يطفو فوقها ... طفو القذى وتعقب العذال
والسيف ما لم يلف فيه صيقل ... من سنخه لم ينتفع بصقال
ما كان ينبغي أن يجعل العزائم إدباراً، لأنها لفظة قبيحة ولا يصح لها أيضًا معنى في هذا الموضع، وخاصة وقد قال: «في الروع»، إلا أن يتأول أن يكون أراد قولهم: فلان يضرب الأمر ظهرًا لبطن ويقبل بالرأي ويدبر، يريد أنه يصرفه ويقلبه، وبين اللفظتين فرق كبير، وما كانت ها هنا ضرورة إلى هذا اللفظ الرديء، لأن في سائر الألفاظ والمعاني مندوحة، و «تعقب العذال» رديء أيضاً، لأن الخليفة يجل أن يقدم أحد على عذله، وقوله: «فتعمق الوزراء يطفو فوقها» في غاية الحسن والجودة والحلاوة.
وقال أبو تمام:
ترى الحادث المستعجم الخطب معجماً ... لديه ومشكولاً إذا كان مشكلا
(3/25)

وهذا من أشعار المعلمين ومعانيهم؛ لأنه أراد بقوله «معجما» أي: منقوطاً؛ و «مشكولا» أراد الشكل.
والبحتري في هذا الباب أشعر من أبي تمام ألفاظاً ومعاني، وليس لأبي تمام فيه إلا قوله: «يطفو فوقها طفو القذى».
(3/26)

* في مراعاة أمر الدنيا والإضطلاع بالأمور وحسن الكفاءة:
وهو قريب المعنى من الباب الذي قبله، يقول البحتري في مدح المعتز بالله:
به تعدل الدنيا إذا مال قصدها ... ويحسن صنع الدهر والدهر أخرق
وقال فيه:
مدبر دنيا أمسكت يقظاته ... بآفاقها القصوى وما طر شاربه
وقال في المتوكل:
وله وإن غدت البلاد عريضة ... طرف بأطراف البلاد موكل
وأجود من هذا قول أبي تمام يعني نفسه في اغترابه:
أطل على طلى الآفاق حتى ... كأن الأرض في عينيه دار
(3/27)

وهذا المعنى حسن جدًا، ولكنه ليس له، وإنما سمع منصورًا النمري يقول في الرشيد:
وعين محيط بالبرية طرفها ... سواء عليه قربها وبعيدها
فحذاء عليه، غير أن قوله: «كأن الأرض في عينيه دار» في غاية الحسن والحلاوة.
وقال البحتري في عبيد الله بن يحيى بن خاقان:
طرف مطل على الآفاق يكلأها ... بناظر لم ينم عنها ولم ينم
وبيت منصور أجود من هذا، وبيت أبي تمام أجود من بيت منصور، وإن كان منه أخذ، وما قاله الناس في السياسة أحسن من قول محمد بن وهيب:
وكأن ضوء جبينه قمر ... بدر وسائر خلقه أسد
وكأنه روح تدبرنا ... حركاته وكأننا جسد
ونحوه قول أبي العتاهية:
أمين الله أمنك خير أمن ... عليك من التقى فيه لباس
تساس من السماء بكل بر ... وأنت به تسوس كما تساس
كأن الخلق ركب فيه روح ... له جسد وأنت عليه راس
(3/28)

وقال علي بن جبلة في حميد بن عبد الحميد:
يفتق ما يرتق أعداؤه ... وما لما يفتق من آس
فالناس جسم وإمام الهدى ... رأس وأنت العين في الرأس
وقال أبو تمام في محمد بن عبد الملك:
ردء الخلافة في الجلي إذا نزلت ... وقيم الملك لا الواني ولا النصب
جفن يعاف لذيذ النوم نافره ... شحاً عليه وقلب حولها يجب
طليعة رأيه من دون بيضتها ... كما انتمى رابيء في الغزو منتصب
حتى إذا ما انتضى التدبير ثاب له ... جيش يصارع عنه ماله لجب
شعارها اسمك إن عدت محاسنها ... إذا اسم حاسدك الأدنى لها لقب
وزير حق ووالي شرطة ورحا ... ديوان ملك وشيعي ومحتسب
كالأرحبي المذكي سيره المرطى ... والوخد والملع والتقريب والخبب
عود تساجله أيامه فبها ... من مسه وبه من مسها جلب
قوله: «كما انتمى رابيء»: ارتفع إلى رأس جبل، وانتمت أي: ارتفعت، ومنه انتمى في النسب إلى بني فلان، أي ارتفع، و «الرابيء» الذي يربأ للقوم كأنه يرتفع إلى موضع عال، وليس هو من «الربوة» لأن تلك غير مهموزة، يفعل ذلك يرقب للقوم أمر العدو، والرابيء لا ينتصب وإنما ينام على بطنه
(3/29)

أو يستلقي على جنبه ليخفى شخصه؛ لأنه إن قام أدركته العين من بعد كما قال الهذلي:
أقمت بريدها يومًا طويلاً ... ولم أشرف بها مثل الخيال
ولم يشخص بها بصري ولكن ... دنوت تحدر الماء الزلال
فإن كان حذا على قول متقدم فالصواب هو هذا، إلا أن يكون أراد: نصب نفسه لذلك، أي: أعدها، ولم يرد الانتصاب.
و «الأرحبي» من الإبل منسوب إلى «أرحب» حي من همدان تنسب إليهم النجائب، و «المذكي» الذي قد انتهى في سنة وقوته، و «المرطى»: عدو الخيل فوق التقريب ودون الإلهاب، و «الوخذ» الاهتزاز في السير، مثل وخد النعام.
و «الملع» من سير الإبل السريع، و «التقريب» من عدو الخيل معروف، و «الخبب» دونه.
وليس التقريب من عدو الإبل، وهو عندي في هذا الموضع مخطيء، وقد يكون التقريب لأجناس من الحيوان ولا يكون من الإبل، فإنا ما رأينا قط بعيراً يقرب تقريب الفرس، و «المرطى» من عدو الخيل، ولم أره في أوصاف الإبل.
(3/30)

وقوله: «شعارها اسمك» يعني الخلافة، والشعار هو العلامة التي تخص الشيء، أخذ من الشعار وهو الثوب يصل شعر الجسد، وقسمة البيت رديئة على مذهبه في الطباق، لأن الشعار طباقه الدثار، واللقب طباقه الاسم، وكان ينبغي أن يقول: إذا اسم حاسدك الأدنى لها دثار، وذلك أن الشعار أخص بالجسد من الدثار، ولو استوى له أن يقوله كان أيضاً في غاية الرداءة، لأن الدثار يعلو على الشعار ويغطيه، وليس بجيد أن يعلو لقب حاسده على اسمه، وإنما يعني هذا الحاسد المعروف بأبي الوزير وكان قد اختص بالواثق، ولطفت منزلته عنده جداً، حتى كان ربما عرض عليه الكتب، وكان عدو محمد بن عبد الملك، فيقول: شعار الخلافة اسمك، لأنك الوزير، وذلك أبو الوزير لقب، فلهذا قال:
وزير حق ووالي شرطة ورحا ... ديوان ملك وشيعي ومحتسب
فجعله الوزير حقاً، وأنه ينظر في الأمور كلها، ليعلم أنها إليه، وأنه القيم بها، وهذا بيت من مدح الوزراء في غاية الركاكة والسخف، وقبح المعاني والألفاظ، ومن الذي يشك في أن الوزير إليه النظر في هذه الأشياء، وكأنه أراد أنه يعانيها بنفسه، من غير واسطة، ليدل على كفاءته.
وجعله «رحا ديوان ملك»، و «الرحا» ها هنا في غاية القبح، وأراد أنه هو الذي يدبر أمور الديوان دون الكتاب، فجعله هو الذي يدور، ولم يقنع حتى جعله رحا، وإنما المستعمل من الاستعارة لمثل هذا المعنى: قطب الرحا لا الرحا، لأن المدار على القطب.
وقد جعل البحتري «رحى» في موضع أشبه بالصواب من هذا الموضع فقال:
(3/31)

لله أنت رحا هيجاء مشعلة ... إذا القنا من صبابات الطلى رعفا
ثم قال أبو تمام: «وشيعي»، منسوب إلى شيعة ولد العباس، وكان لهم في كل ديوان رجل من الشيعة، يخزن الديوان ويحفظ الحساب، فجعل الوزير أيضاً خازناً، وكان ينبغي أن يجري عليها أيضاً للخزن جراية!، ثم ختم البيت «بالمحتسب»، وما علمنا أحدًا مدح وزيرًا فجعله والي شرطة ولا محتسباً ولا خازناً، وقد كان يكفيه من ذلك كله أن يقول إنه ينظر في كبارها نحو ما قال البحتري في أبي نوح عيسى بن ابراهيم:
يؤيد الملك منهم نصح مجتهد ... لله يسرع بالتقوى ويتئد
مباشر لصغار الأمر لا سلس ... سهل ولا عسر التنفيذ منعقد
ولا يؤخر شغل اليوم يذخره ... إلى غد إن يوم الأعجزين غد
وقال البحتري في الفتح بن خاقان:
تحمل أعباء المعالي بأسرها ... إذا خط منها مغرم عاد مغرم وقام بما لو قام رضوى ببعضه ... هوى الهضب من أركان رضوى الململم مدبر ملك أي رأييه صارعوا ... به الخطب رد الخطب يدمى ويكلم
أمد الرجال لبثة حين يرتئي ... وأسرعهم إمضاءة حين يعزم
بتسديده تلغى الأمور وتجتبى ... وتنقض أسباب الخطوب وتبرم
(3/32)

وما أحسن ما قال منصور النمري في حسن الكفاءة وسرعة إمضاء الأمور:
وليس لأعباء الأمور إذا عرت ... بمكترث لكن لهن صبور
يرى ساكن الأوصال باسط وجهه ... يريك الهوينا والأمور تطير
وقال آخر -أظنه أشجع السلمي-:
بديهته مثل تفكيره ... إذا رمته فهو مستجمع
وقال البحتري في ابن بسطام:
بتدبير مأمون على الأمر رأيه ... ذكير وأمضى المرهفات ذكيرها تحاط قواصي الملك فيه وتسكن ال ... خلافة ملقاة إليه أمورها وذو هاجس لا يحجب الغيب دونه ... تريه بطون المشكلات ظهورها وقال أبو تمام في محمد بن عبد الملك:
هززت أمير المؤمنين محمدًا ... فكان ردينيًا وأبيض منصلا
فما إن تبالي إذ تجهز رأيه ... إلى ناكث ألا تجهز جحفلا
(3/33)

ترى شخصه وسط الخلافة هضبة ... وخطبته دون الخلافة فيصلا
وما هضبتا رضوى ولا ركن معنق ... ولا الطود من قدس ولا انف يذبلا
بأثقل منه وطأة يوم يغتدي ... فيلقى وراء الملك نحرًا وكلكلا
وهذا جيد بالغ، إلا أن قول البحتري في الرأي «رد الخطب يدمى ويكلم»
أجود من قوله «ألا تجهز جحفلا»، وقوله «هوى الهضب من أركان رضوى الململم» أجود من قوله «بأثقل منه وطأة» وإن كان هذا قد جمع عدة جبال، ولكن قوله «فيلقي وراء الملك نحرًا وكلكلا» حسن جدًا. وقال أبو تمام في محمد بن عبد الملك:
وأنت شهاب في الملمات ثاقب ... وسيف إذا ماهزك الحق قاصل
من البيض لم تنض الأكف كنصله ... ولا حملت مثلا إليه الحمائل
مورث نار والإمام يشبها ... وقائل فصل والخليفة فاعل
وإنك إن صد الزمان بوجهه ... لطلق ومن دون الخلافة باسل
قوله: «مؤرث نار»، بنى البيت على معنى له وجه جيد، ولكن عكسه
أجود وأبلغ وأعرق، وذلك أنه قال: «مؤرث نار والإمام يسبها»، «فمؤرث» موقد، و «يشبها» يرفع لهبها، فجعله مبتدئاً، والخليفة متمماً، وكذلك قوله: «وقائل فصل والخليفة فاعل» وكان الأحسن أن يكون الخليفة المبتديء بتأريث النار وهو الذي يشب،
(3/34)

والخليفة القائل، وهو الذي يفعل؛ لأن القائل هو الآمر، والفاعل هو المأمور، ولكنه بنى الأمر على أن الخليفة يعمل على رأيه، فصار الخليفة مأمورًا عليه، ولو سمع الخليفة لأنكره وعاقب من أجله.
وقال البحتري يخاطب صالحاً مولى المهتدي بالله:
إن الخليفة ليس ينظر بالذي ... طالبت إلا أن تقول فيفعلا
وليس هذا من قول أبي تمام في شيء، إنما استشفع البحتري إلى المهتدي
بصالح، فقال إن الخليفة ينتظر أن يسأله في أمري فيفعل ما يقول، فأبو تمام أطلق القول عموماً في الأمور كلها، وأن وزيره يقول وأن الخليفة يفعل.
وقوله:
وإنك إن صد الزمان بوجهه ... لطلق ومن دون الخلافة باسل
بيت غير جيد القسمة، لأن الصدود بالوجه لا يكون مقابلته طلاقة الوجه، و «الباسل» هو الشديد، والبسالة الشدة، ولذلك قيل للشجاع باسل، فذهب أبو تمام إلى أن الطلاقة في الوجه أن يكون منبسطاً مسفراً، والبسالة الشدة، فجعلها في موضع النقيض كما قال ابن هرمة:
كريم له وجهان وجه لذي الرضا ... أسيل ووجه في الكريهة باسل
والجيد النادر قول البحتري في محمد بن عبد الملك:
(3/35)

علقوا من «محمد» خير حبل ... لرواق الخلافة الممدود
لم يخن ربها ولم يعمل التد ... بير في حل تاجها المعقود
مصلتاً بينها وبين الأعادي ... حد رأي يفل حد الحديد
صارم العزم حاضر الحزم ساري ال ... فكر ثبت المقال صلب العود
وقال البحتري في الحسن بن مخلد:
وزرالخلافة حين يعضل حادث ... وشهابها في المظلمات الواقد
المذهب الأمم الذي عرفت له ... فيه الفضائل والطريق القاصد
ولي الأمور بنفسه ومحلها ... متقارب ومرامها متباعد
إن غار فهو من النباهة منجد ... أو غاب فهو من المهابة شاهد
فقد اغتدى المعوج وهو مقوم ... بيديه واستوفى الصلاح الفاسد
أوفى فأغشاك الصباح بضوئه ... وجرى فغرقك الفرات الذائد
وهذا هو القول الذي لو عصرته لانعصر، لكثرة مائه ورونقه.
وقوله:
«وشهابها -في المظلمات- الواقد»
مثل قول أبي تمام:
«وأنت شهاب في الملمات ثاقب»، وليس هذا بمأخوذ من ذاك، لأن المعنى مشترك وليس من خاص المعاني الذي يأخذها واحد عن آخر.
وقال البحتري في عبيد الله بن يحيى بن خاقان:
(3/36)

وكم لعبيد الله من يوم سؤدد ... يجلي طخا الأيام ضوء شعاعه
وكم بحثوه عن طباع تكرم ... يرد الزمان صاغرًا عن طباعه
سل الوزراء عن تقدم شأوه ... وعن فوته من بينهم وانقطاعه
وهل وازنوه عند جد حقيقة ... بمثقاله أو كايلوه بصاعه
زعيم بفتح الأمر عند انغلاقه ... عليهم ورتق الفتق عند اتساعه
علا رأيه مرمى العقول فلم تكن ... لتنصفه في بعده وارتفاعه
وقارب حتى أطمع الغمر نفسه ... مكاذبة في ختله واختداعه
تضيع صروف الدهر في بعد همه ... وتتوى الخطوب في اتساع ذراعه
وتعلم أعباء الخلافة أنها ... وإن ثقلت موجودة في اضطلاعه
وما طاولته محنة من ملمة ... فينزع إلا باعها دون باعه
رعى الله من تلقى الرعية أنسها ... إلى ذبه من دونها ودفاعه
فهل تريد زيادة في مدح وزير على هذا حسناً، وبلاغة وحلاوة معان؟!
وإذ قد انتهيت إلى هذا الموضع من الأبيات، فأذكر ما بعدها من اعتذار البحتري، وذلك قوله:
تصرعت حولاً بالعراق مجرماً ... مدافعة مني ليوم وداعه
أأنساك بعد الهول ثم ائصرافه ... وبعد وقوع الكره ثم اندفاعه
إذا نسى الله اطيافي ببيته ... ووفد الحجيج حاشد في اجتماعه
ووالله لاحدثت نفسي بمنعم ... سواك ولا عنيتها باتباعه
ولو بعت يوماً منك بالدهر كله ... لفكرت دهراً ثانياً في ارتجاعه
(3/37)

وقال فيه:
الدهر يضحك عن بشاشة بشره ... والعيش يرطب من نضارة عوده
ونصيحة السلطان موقع طرفه ... ونجي فكرته وحلم هجوده
إن أوقف الكتاب أمر مشكل ... في حيرة رجعوا إلى تسديده
والحزم يذهب غير ملتاث إلى ... تصويبه في الرأي أو تصعيده
أوفى على ظلم الشكوك فشقها ... كالصبح يضرب في الدجى بعموده
وهذا هو القول الذي لو قدحت منه النار لأورى.
وقال في أبي الحسن بن عبد الملك بن صالح:
أفنى «أبو الحسن» المحاسن منعماً ... بخلائق للقطر بعض شكولها
وإذا الأمور تصعبت شبهاتها ... سبقت رياضته إلى تذليلها
عرف المصادر قبل حين ورودها ... ومواقع البدهات قبل حلولها
وهذا مثل قول الآخر:
مطل على الأشياء حتى كأنما ... له من وراء الغيب مقلة شاهد
يرى عاقبات الأمر والأمر مقبل ... كأن له في اليوم عيناً على غد
(3/38)

وحسبك بهذا حسناً، وهو ألطف من معنى البحتري.
وقال آخر:
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه
وقال آخر:
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يرى بصواب الرأي ماهو واقع
ورواه المبرد:
يرى فلتات الرأى والرأي واثق ... كأن له في اليوم عيناً على غد
وقال البحتري في أبي العباس أحمد بن الموفق:
وإن «أبا العباس» من تم رايه ... ومن شهرت آثاره ومناقبه
يريناك لا نرتاب فيك إذا بدا ... يؤديك نصًا نجره وضرائبه
وقد شحذت منه حداثة سنه ... شهامة غطريف حداد مخالبه
إذا المرء لم تبدهك بالحزم كله ... قريحته لم تغن عنك تجاربه
(3/39)

* بلاغة الوزراء وحسن عبارتهم ووصف القلم
وإذ قد ذكرت كفاية الوزراء واضطلاعهم بالأمور، فأذكر ها هنا شيئاً من بلاغتهم، وحسن عبارتهم ووصف القلم.
قال أبو تمام في سليمان بن وهب:
ما على الوشج الرواتك من عت ... ب إذا ما أتت أبا أيوب
حول لا فعاله مرتع الذم (م) ... ولا عرضه مراح العيوب
سرح قوله إذا ما استمرت ... عقدة العي في لسان الخطيب
وقال في الحسن بن وهب:
(3/40)

لصدور الأقلام أمضى بكفي ... ك إذا شئت من سهام نبال
بمصفى فرندها النير الوش ... ي وحدثان عهدها بالصقال
نطف تثلج امرءًا وهو حرًا ... ن ببرد من المعاني زلال
وتناغي الهوى وتنساب في الرو ... ح بسحر من البيان حلال
يشرع الذهن والمسامع فيها ... في صفايا أمثالها أمثالي
يريد أمثاله من الشعر الذي يقوله.
وقال فيه:
ولقد سمعتك والكلام لآليء ... توم وبكر في النظام وثيب
فكأن قساً في عكاظ يخطب ... وكأن ليلى الأخيلية تندب
وكثير عزة يوم بين ينسب وابن المقفع في اليتيمة يسهب
تكسو الوقار وتستخف موقراً ... طوراً وتبكي سامعين وتطرب
قوله: «بكر في النظام» يريد مالم يسبق إليه، و «ثيب» يريد الألفاظ والمعاني قد تقدم الناس فيها واستعملوها، والبيتان بعد هذا رديئان جداً، وما ندبة ليلى الأخيلية من النساء وغيرها، والرجال أندب منها؟!، وكان ينبغي أن يفضله على ابن المقفع وغيره إلا أن يشبهه به، وكذلك ذكره «لكثير» ركاكة وضيق حيلة. وقال فيه حين ورد عليه كتابه:
(3/41)

لقد جلى كتابك كل بث ... جو وأصاب شاكلة الرمي
فضضت ختامه فتبلجت لي ... غرائبه عن الخبر الجلي
وكان أغض في عيني وأندى ... على كبدي من الزهر الجني
وأحسن موقعًا مني وعندي ... من البشرى أتت بعد النعي
وضمن صدره مالم يضمن ... صدور الغانيات من الحلي
وكائن فيه من معنى خطير ... وكائن فيه من لفظ بهي
وكم أفصحت عن بر جليل ... به ووأيت من وأي سني
فأطلق من عقالي في الأماني ** ومن عقل القوافي والمطي
فيا ثلج الفؤاد وكان رضفًا ... ويا شبعي برونقه وري
لئن غربتها في الأرض بكراً ... لقد زفت إلى سمع كفي
بيان لم ترثه تراث دعوى ... ولم تنبطه من حسي بكي
وهذه أبيات مضطربة، وليس فيها جيد إلا قوله: «ويا شبعي برونقه وري» وقال فيه:
فأجل القذى عن مقلتي بأسطر ... يكشفن من كربات باك بالي
سود يبيضن الوجوه بمصطفى ... تلك النوادر منك والأمثال
(3/42)

واحثث أناملك السوابغ كلها ... حتى يجول هناك كل مجال
فى بطن قرطاس رخيص ضمنت ... أحشاوه غرر الكلام الغالي
وهذا البيت الأخير جيد، والباقي صالح.
وقال في ابن الصالح الهاشمي:
لقمان صمتاً وحكمة فإذا ... قال لقطنا الجمان من خطبه
ولله در أبي معاذ بشار بن برد إذ يقول على هذا الروي:
لله ما قد حواه منطقه ... من لؤلؤ لا ينام عن طلبه
يخرج من فيه في الندى كما ... يخرج ضوء السراج في لهبه
وما أحسن ما قال أبو عبادة البحتري في الحسن بن وهب أيضًا:
وإذا استهل «أبو علي» في الندى ... جاء الغمام المستهل بسكبه
وإذا احتبى في عقدة من حلمه ... يوماً رأيت متالعًا في هضبه
وإذا تألق في الندي كلامه ال ... مصقول خلت لسانه من عضبه
وإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجى من كتبه
(3/43)

باللفظ يقرب فهمه في بعده ... منا ويبعد نيله فى قربه
حكم فسائحها خلال بنانه ... متدفق وقليبها فى قلبه
كالروض مؤتلقًا بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه
أو كالبرود تخيرت لمتوج ... من خاله أو وشيه أو عصبه
وكأنها والسمع معقود بها ... شخص الحبيب بدا لعين محبه
قوله: «دجت أقلامه» يريد إذا أخذت المداد.
قوله: «باللفظ يقرب فهمه في بعده منا» أي: يقرب فهمه منا لحسن بيانه وتلخيصه، «في بعده» أي: في دقة معانيه.
«ويبعد نيله في قربه» أي: ويبعد أن ينال أحد، أي: يأتي بمثله، «في قربه» يريد أنه مطمع ممتنع، إذا سمعه سامع ظن أنه قريب عليه، وأنه يأتي بمثله، وهو منه بعيد.
وقوله: «فسائحها» أي ما يسيح منها فيجري، أي يتدفق ذلك خلال بنانه.
وقوله: «كالروض مؤتلقاً بحمرة نوره وبياض زهرته»، قد أنكر ذلك على البحتري بعض أهل اللغة وذكر أن النور هو الأبيض خاصة، وأن الزهر هو الأصفر لا محالة، وإنما يضمهما إذا قلت: أنوار وأزهار، فيدخل في هذا اللفظ سائر الألوان.
وقد قال -لعمري- قوم من أهل اللغة -منهم ابن الأعرابي وغيره- إن النور هو الأبيض والزهر هو الأصفر، فما يصنع إذًا بقول حميد بن ثور:
(3/44)

كأن على أشداقه نور حنوة ... إذا هو مد الجيد منه ليطعما
يصف فرخ الحمامة، وصفرة أشداقها، ويشبهها بزهر الحنوة، وهو أصفر شديد الصفرة، فقال: «نور حنوة»، ولم يقل: «زهر حنوة».
وقال الأعشى:
وشمول تحسب العين إذا ... صفقت وردتها نور الذبح
«والذبح» نبت، ونوره أحمر شديد الحمرة، ويروى «الذبح».
وقال أبو النجم:
فالروض قد نور في حوائه ... نورًا تحار الشمس في حمرائه
مكللاً بالنور من صفرائه
فجعل الأحمر والأصفر نورًا، وقد ذكرت هذا مشروحًا في الجزء الذي بينت فيه معايب البحتري، وذكرت ما عيب عليه مما هو عيب صحيح وما ادعى عليه مما ليس بعيب.
وقال البحتري في محمد بن عبد الملك الزيات:
(3/45)

لتفننت في الكتابة حتى ... عطل الناس فن عبد الحميد
في نظام من البلاغة ماشك ... امرؤ أنه نظام فريد
وبديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديد
مشرق في جوانب السمع مايخ ... لقه عوده على المستعيد
ما أعيرت منه بطون القراطي ... س وما حملت ظهور البريد
حجج تخرس الألد بألفا ... ظ فرادى كالجوهر المعدود
ومعان لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختيارًا ... وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المراد البعيد
كالعذراى غدون في الحلل الصف ... ر أو رحن في الخطوط السود
وقد وصف أبو تمام القلم فقال في مديح محمد بن عبد الملك:
لك القلم الأعلى الذي بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل
له الخلوات اللاء لولا نجيها ... لما احتفلت للملك تلك المحافل
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل
له ريقة طل ولكن وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وافرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل
أطاعته أطراف القنا وتقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل
(3/46)

وقد رفدته الخنصران وشددت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل
رأيت جليلاً شأنه وهو مرهف ... ضناً وسمينا خطبه وهو ناحل
وما وصف الناس القلم بأجود ولا أبرع، ولا أصح معان وألطف من هذا الوصف
وقد كان الناس يستحسنون قول المقنع الكندي:
قلم كخرطوم الحمامة ماثل ... مستحفظ للعلم من علامه
يسم الحروف إذا تشابه أيها ... لبيانها بالنقط من إعجامه
يحفى فيقضم من شعيرة أنفه ... كقلامة الأظفور من مقلامه
وبأنفه شق تلاءم فاستوى ... سقي المداد فزاد في تلآمه
مستعجم وهو الفصيح بكل ما ... نطق الرجال به على استعجامه
وهجاه قاف ثم لام بعدها ... ميم معلقة بأسفل لامه
وهذه الأبيات في قصيدة يمدح فيها الوليد بن يزيد، ولا تبلغ في الجودة أبيات
أبي تمام، ولا تعشرها.
وما سمعت فيه وصفاً أردأ ولا أقبح من أبيات منسوبة إلى البحتري وهي لوهب ابن شاذان الهمداني، رواها أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب
(3/47)

«الورقة» ووصف وهباً هذا بشدة التكلف وقال:
وعريان من خلفه مكتس ... يسير من الوشي في يلمق
يحذف في الرأس شابورة ... تسيل على ذروة المفرق
فعمر في البحر مستأنساً ... فلم ير يبساً ولم يغرق
وناصب في البر شمس الهجير ... فما لوحته ولم يفرق
إذا أنت مشيته راكباً ... تسمع منك ولم يخرق
يقيم بغريبه غرب البلاد ... وينهى ويأمر في المشرق
إذا ما استقام سقى غيره ... من الثمد الآجن الأورق
وأطرق ثم جرى ماضياً ... على فكرة الساكن المطرق
فكم من طليق له موثق ... وكم من وثيق له مطلق
يسوق إلى المطبق الناكثي ... ن ومثواه في مطبق الخندق
(3/48)

* العفو والحلم
ويوصف الخليفة بالعفو والحلم، وذلك موجود في سائر الناس، وينبغي أن يتوصل إلى لفظ تكون للخليفة فيه مزيه على غيره.
قال أبو تمام:
وكم ناكث للعهد قد نكثت به ... أمانيه واستخذى لحقك باطله
فأمكنته من رمة العفو رأفة ... ومغفرة إذ أمكنتك مقاتله
وحاط له الإقرار بالذنب روحه ... وجثمانه إذ لم تحطه قنابله
وهذا لعمري حسن، ولكنه يصلح أن يوصف به غير خليفة.
وقال / البحتري في المتوكل:
وله وراء المذنبين ودونهم ... عفو كظل المزنة الممدود
قوله: «كظل المزنة الممدود» لفظ ومعنى ما لحسنه نهاية، وكأنه أليق بالخلفاء من غيرهم، من أجل جعله عفوًا يعلوهم ويظلهم، كما تعلو المزنة وتظل.
وقال بعده في الأناة والحلم:
وأناة مقتدر تكفكف بأسه ... وقفات حلم كالجبال عتيد
(3/49)

وقال في المعتز:
بحلم كأن الأرض منه توقرت ... وجود كأن البحر منه تفجرا
وهذا حلم عظيم في البيتين، وجود في هذا البيت هو أعظم.
وقال أيضاً في المتوكل:
أكرم الناس شيمة وأتم الن ... اس حلماً وأكثر الناس رفدا
ففضل حلمه على حلوم الناس.
ولم يرض أبو تمام أن يجعل الحلم رزيناً ثقيلاً على مذاهب الناس كلهم عربهم وعجمهم، ولكن جعله رقيقاً، قال:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيك ما ماريت في أنه برد
فجعله كالبرد، والبرد لا يوصف بالرقة، وكان ينبغي أن يجعله كالهوء!!.
وقال البحتري في المعتز:
وعفوت عفوًا عم أمة أحمد ... في الغرب من أوطانهم والمشرق
ولقد رددت على الأنام عقولهم ... بهلاك سلطان الرقيق الأحمق
وقال فى المعتز:
وأبيض من آل النبي إذا احتبى ... لساعة عفو فالنفوس مواهبه
تغمد بالصفح الذنوب وأسمحت ... سجاياه في أعدائه وضرائبه
(3/50)

قوله: «فالنفوس مواهبه» لفظ ومعنى في غاية الحسن والحلاوة، ولكنه
يصلح أن يقال لخليفة وغير خليفة إذا كان عظيمًا مسلطاً.
وينبغي للشاعر أن ينظر أغلب خلال الخير على الممدوح فيمدحه، ويكرره
في أوصافه ويردده.
ومن أشهر فضائل المأمون وأحبها إليه أن يذكر بها الحلم والعفو، ومما يؤثر
عنه أنه قال:
«أنا ألذ العفو حتى أخاف ألا أوجر عليه، ولو علم الناس مقدار محبتي للعفو لتقربوا إلي بالذنوب».
وقد مدحه أبو تمام بقصيدتين فما وصفه فيهما بعفو ولا حلم، إلا ماذكره
من منه على أسرى الروم، لما أتوه بهم، في غزاته، وذلك قوله:
/ لما رأيتهم تساق ملوكهم ... حزقاً إليك كأنهم أنعام
جرحى إلى جرحى كأن جلودهم ... يطلى بها الشيان والعلام
متساقطي ورق الثياب كأنهم ... دانوا فأحدث فيهم الإحرام
أكرمت سيفك غربه وذبابه ... عنهم وحق لسيفك الإكرام
فرددت حد الموت وهو مركب ... في حده فارتد وهو زؤام
والمن على هؤلاء الأسرى المثخنين من الروم يلزم المأمون، ولا يسوغ له الدين تجاوزه إلى غيره، لأن الله عز وجل قال:
(3/51)

«فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق
فإما منًا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها».
وقوله في القصيدة الأخرى:
فانتاش مصر من اللتيا والتي ... بتجاوز وتعطف وتغمد
وهذا كان منه على سبيل السياسة والإصلاح والضرورة، وليس هذا مما يعتد
به المأمون في فضائل الحلم، ولا لأبي تمام في مدحه به، وإنما يعتد به المأمون في سياسته وحسن تدبيره، وما أحسن ما قال فيه محمد بن عبد الملك الفقعسي:
أمير المؤمنين عفوت حتى كأن الناس ليس لهم ذنوب
وقال فيه عبد الله بن أبي السمط:
عفوت حتى تمنينا الذنوب كما ... أعطيت حتى لقلنا إنه سوف
أخذ هذا من قول أبي دهبل:
مازلت في العفو للذنوب وإط ... لاق لعان بجرمه غلق
حتى تمنى البراة أنهم ... عندك أمسوا في القد والحلق
(3/52)

ونحوه قول الآخر في المأمون:
صفوح عن الإجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما
وقال البحتري في المتوكل:
ملك إذا عاذ المسيء بعفوه ... غفر الإساءة قادر لا يعجل
وعفا كما صفح السحاب ورعده ... قصف وبارقه حريق مشعل
وهذا نسج في غاية الحسن وتمثيل يروق سامعه، ولكنه غير معروف، ولا معتاد أن يشبه عفو القادر عن إساءة المسيء بإمساك السحاب عن المطر، وهذا إنما يصلح أن يكون تمثيلاً لصفحه عن ذنب المذنب، والإمساك عن عقوبته، فإن قيل إن الوعيد والتهدد قد يرضعان في معنى الرعد والبرق وذلك جائز فى كلام العرب، وكثير في أشعارها، ومنه قول الشاعر:
فابرق بأرضك مابدا لك وارعد
(3/53)

وقول الكميت:
أرعد وأبرق يا يزي ** د فما وعيدك لي بضائر
فإلى هذا ذهب البحتري في أن جعل البرق والرعد بإزاء الوعيد والتهدد، قيل: ليس في البيت الأول إفصاح بذكر تهدد ولا وعيد، ولا كل من أراد العقوبة يفصح بالتهدد، وخاصة الملوك والعظماء، ألا ترى إلى قوله:
«قادر لا يعجل»
وبعد، فإن صفح الممدوح إنما هو عن إيقاع المكروه، وصفح السحاب إنما هو عن إسبال المطر، وهذا تشبيه الشيء بضده، فإن قيل: فإن الغيث قد يضر ضرراً عظيماً، إذا جاء في غير حينه، وقد يكون معه الصواعق والغرق وذهاب النفوس، قيل: الأشياء إنما تحمل على الأغلب الأكثر، دون الأخص الأقل، الذي إنما يقع في الفرط.
والغيث إذا أتى فإنه حياة الأرض على كل، وفي أكثر الأمر، وإن ضر، فإن ضرره لا يبين في عظم منفعته والمصلحة بمكانه، وخاصة مواطن العرب، ومحاضرهم ومباديها، التي عليه فيها يعولون، وبه يحيون، وبه يخصبون، فإساءة البحتري عندي في هذا ظاهرة، ألا ترى أنه لو كان في وصف الحرمان فقال:
ملك رأيت البشر منه مبشراً ... بنوال كف تستهل وتمطل
فأبى كما امتنع السحاب ورعده ... قصف وبارقه حريق يشعل
لكانت هذه الألفاط من أليق شيء بهذا المعنى، وأصحها فيه؟
(3/54)

وقال فى المغتز:
إذا استعرضته بخفي لحظ ... رضيت مهزة السيف الحسام
غفور بعد مقدرة إذا ما ... ترجح بين عفو وانتقام
وقال مروان الأصغر في المتوكل:
ملك يسبق العقوبة بالعف ... و ويعطي الجزيل قبل السؤال
وقال مروان الأكبر:
لله يغضب رغبة ومخافة ... وبه يكون إذا رضيت رضاكا
يضحي عدوك خائفاً فإذا رأى ... أن قد قدرت على العقاب رجاكا وقال البحتري في المعتمد:
يعفو بعفو الله عنه تحرياً ... والعفو خير خلائق الأمجاد
وقال في المتوكل لما عفا عن أهل حمص:
/ أريتهم إذ ذاك قدرة قادر ... وعفو محب للسلامة مستبق
(3/55)

ولو شئت طاحوا بالسيوف وبالقنا ... وباللهذميات المذربة الزرق
وإن ولاء المعتقين من الردى ... يفوق ولاء المعتقين من الرق
وقال بشار في المهدي:
إذا ما أساءوا مرة عاد حلمه ... عليهم وإن عادوا له كان أحلما
وهذا أيضًا جيد.
فهذا ماوجدته مما قالاه في الخلفاء، وقد أساءا في هذا الباب وأحسنا، فأجعلهما متكافئين. ومن قولهما في الوزراء والأمراء والكتاب وغيرهم، قال البحتري في الحسن بن مخلد: عفو به كبت العدو ولم أجد ... كالعفو غيظ به العدو الحاسد
حتى لكان الصفح أثقل محملاً ... مما تخوفه المسيء العامد
وهذا حسن جداً، ولكنه أخذه من قول أبي تمام يفخر بقومه:
إذا أسروا لم يأسر البغي عفوهم ... ولم يمس عان فيهم وهو كانع
إذا أطلقوا عنه جوامع غله ... تيقن أن المن أيضاً جوامع
«كانع» محتاج خاضع.
(3/56)

وقال البحتري في معناه:
وثنى العداة إليه عفو لو دنى ... لثنتهم غصباً إليه سيوفه
نعم إذا ابتل الحسود بسيبها ... أحيته بالإفضال وهي حتوفه
ومثله قول البحتري في أبي سعيد:
أسال لكم عفوًا رأيتم ذنوبكم ... غثاء عليه وهو ملء المذانب
وفي عفوه لو تعلمون عقوبة ... تقعقع في الأعناق إن لم يعاقب
قوله: «أسال لكم عفوًا» إلى آخر البيت، استعارة وتجنيس في غاية الحسن والصحة والحلاوة، وهذا كله من قول الشاعر: وللكف عن شتم اللئيم تكرماً ... أضر له من شتمه حين يشتم
وقال أبو تمام في مالك بن طوق:
لم يألكم مالك صفحاً ومغفرة ... لو كان ينفخ قين الحي في فحم
أخرجتموه بكره من سجيته ... والنار قد تنتضى من ناضر السلم
(3/57)

هذا ما لحسنه وجودته وصحته نهاية، وهو من مشهور إحسانه، لأنه
«؟» بين الشجر شديد ولا يقدح منه نار، ويقال: لا نار فيه، وكأن هذا البيت ليس من الباب.
وقال في عبد الله بن طاهر:
ليالي لم يقعد لسيفك أن يرى ... هو الموت إلا أن عفوك غالبه
/ وقال أبو تمام أيضًا في ابن أبي دؤاد يصف رجال قومه:
إذا سيفه أضحى على الهام حاكماً ... غدا العفو منه وهو في السيف حاكم
وقال البحتري في علي بن مر:
نهيت حساده عنه وقلت لهم ... السيل بالليل لا يبقي ولا يذر
كفوا وإلا كففتم مضمري أسف ... إذا تنمر في إقدامه النمر
واللوم أن تدخلوا في حد سخطته ... علمًا بأن سوف يعفو حين يقتدر
وهذا من إحسان أبي عبادة المشهور.
وقال في محمد بن عبد الله بن طاهر:
ولم ير يومًا قادرًا غير صافح ... ولا صافحاً عن زلة وهو قادر
(3/58)

وهذا تقسيم حسن لطيف، منه قول ابن هرمة:
وليس بمعطي العفو من غير قدرة ... ويعفو إذا ما أمكنته المقاتل
وأجود من هذا قول زهير:
وذي خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلمي وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
وقال البحتري:
لا يكفهر إذا انحاز الوقار به ... ولا تطيش نواحيه إذا مزحا
خفت إلى السؤدد المجفو نهضته ... ولو يوازن رضوى حلمه رجحا
وقال في عبد الله بن يحيى بن خاقان:
مقامات حلم ما يوازن قدرها ... وساعات جود ما يطاع عذولها
وقال في الحسن بن وهب:
وإذا احتبى في عقدة من حلمه ... يوماً رأيت متالعاً في هضبه
وهذا كله جيد.
(3/59)

وقال في ابن بسطام:
له نبعة في العز طالت فروعها ... وطاب ثراها واطمأنت أصولها
فلو وزنت أركان رضوى ويذبل ... وقدس بها في الحلم خف ثقيلها
وقال:
وسواء مقاوم الحلم منه ... ورعان الريان أرست هضابه
لو كان قول أبي تمام:
«اخرجتموه بكره من سجيته»
من هذا الباب، لفضلته على البحتري، ولكني أجعلهما متكافئين، لأن قول أبي تمام:
«تيقن أن المن أيضًا جوامع»
ليس من اختراعاته كما ذكرت.
(3/60)

* كرم الأخلاق ولينها
ومن ذلك قول أبي تمام في أبي سعيد:
لقد آسف الأعداء مجد ابن يوسف ... وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع أخذت بحبلٍ منه لما لويته ... على مرر الأيام ظلت تقطع
هو السيل إن واجهته انقدت طوعه ... وتقتاده من جانبيه فيتبع
ومثله قول البحتري في الفتح بن خاقان:
حرون إذا عاززته في ملمة ... فإن جئته من جانب الذل أصحبا
وهذا من المعاني المشتركة، وليس من المخصوصة التي لا يقع فيها اتفاق.
وقد أحسن أبو تمام كل الإحسان في قوله في الأفشين:
لانت مهزته فعز وإنما ... يشتد بأس الرمح حين يلين
وترى الكريم يعز حين يهون ... وترى اللئيم يهون حين يهون
(3/61)

وقال في أبي سعيد:
قطب الخشونة والليان بنفسه ... فغدا جليلاً في القلوب لطفيا
وقد أحسن أبو الشيص في قوله:
كريم يغض الطرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دوان
وكالسيف إن لاينته لان مسه ... وحداه إن خاشنته خشنان
وقال آخر:
إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
وقال أبو تمام أيضًا في عمر بن طوق:
الجد شيمته وفيه فكاهة ... سجح ولاجد لمن لم يلعب
شرس ويتبع ذاك لين خليقة ... لا خير في الصهباء مالم تقطب
وهذا معنى في غاية الحسن، وتمثيل في غاية الصحة.
(3/62)

وقال أبو تمام في أبي دلف:
جم التواضع والدنيا بسؤدده ... تكدد تهتز من أطرافها صلفا
جعل «الصلف» ها هنا بمعنى: التيه، وهذا مذهب العوام، وقد غري به الشعراء المحدثون، فأما العرب فإن «الصلف» في كلامها: «البغض» من الرجل والمرأة، يقال: قد صلفت المرأة عند زوجها، إذا لم يحببها، وصلفت هي، إذا لم تحببه، فهو صلف، وهي صلفة، كما قال جرير:
إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام
وقال البحتري في التواضع، يخاطب ابن المدبر:
دنوت تواضعًا وعلوت قدرًا ... فشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشعاع
وهذا لا شيءء يفوقه حسناً وصحة ومبالغة، وهو بتواضع الخلفاء أشبه منه بتواضع من سواهم، وأظنه أخذ المعنى من قول بشار:
أو كبدر السماء غير قريب ... حين يوفى والضوء فيه اقتراب
/ وبيت البحتري أجود.
وقال في حسن الأخلاق:
صفت مثلما تصفو المدام خلاله ... ورقت كما رق النسيم شمائله
(3/63)

وقال في أبي سعيد:
واستمطروا في المحل منك خلائقاً ... أصفى وأعذب من زلال الماء
وقال البحتري في أبي نهشل بن حميد:
إلى أبي نهشل ظلت ركائبنا ... يخدن من بلد ناء إلى بلد
إلى فتى مشرق الأخلاق لوسبكت ... أخلاقه من شعاع الشمس لم تزد
وقال أبو تمام في الحسن بن وهب:
ضم الفتاء إلى الفتوة برده ... وسقاه وسمي الشباب الصيب
وصفا كما اعتدل الشباب وإنه ... في ذاك من صبغ الحياء لمشرب
تلقى السعود بوجهه وتحبه ... وعليك مسحة بغضة فتحبب
وقال البحتري في محمد بن يحيى:
كل يوم تسن مجدًا جديدًا ... بفعالٍ في المكرمات بديع
أدب لم تصبه ظلمة جهل ... فهو كالشمس عند وقت الطلوع
(3/64)

ورجال جاروا خلائقك الغر (م) ... وليست يلامق من دروع
وليالي الخريف خضر ولكن ... رغبتنا عنها ليالي الربيع
وإن كل هذا جيد إلا قوله:
«وليست يلامق من دروع»
فإنه تمثيل من قلت حيلته.
وقال في إبراهيم بن الحسن بن سهل:
خلق أتيت بفضله وسنائه ... طبعاً فجاء كأنه مصنوع وحديث مجد عنك أفرط حسنه ... حتى ظننا أنه موضوع وقال أبو تمام في أبي الحسين محمد بن الهيثم:
فلا يغبب محلك كل يوم ... من الأيام ألطاف السحاب
فثم الجود مشدود الأواخي ... وثم المجد مضروب القباب وأخلاق كأن المسك فيها ... بصفو الراح بالنطف العذاب وقال في الحسن بن وهب:
لمكاسر الحسن بن وهب أطيب ... وأمر في حنك الحسود وأعذب
وله إذا خلق التخلق أو نبا ... خلق كروض الحزن أو هو أطيب
(3/65)

ضربت به أفق الثناء ضرائب ... كالمسك يفتق بالندى ويطيب
يستنبط الروح اللطيف نسيمها ... أرجًا وتوكل بالضمير وتشرب
ويقال: فلان طيب المكسر، وطيب المكاسر، إذا كان كريم الأخلاق / سهلها.
ورياض الحزن، إنما يوصف بالحسن، ورياض الخفض والأغواط أخصب.
وقوله:
«يستنبط الروح اللطيف نسيمها»
مثل يؤكد به ذكاء طيب أخلاقه، وهي ضرائبه وأن يسير الروح ولطيفه يهيج نسيم أرجها.
وقال أبو تمام في الحسن بن وهب:
واجد بالخليل من برحاء الش ... وق وجدان غيره بالحبيب
آمن الجيب والضلوع إذا ما ... أصبح الغش وهو درع القلوب
لا كمصفيهم إذا حضروا الود ... ولاح قضبانهم بالمغيب
يتغطى عنهم ولكنه تن ... صل أخلاقه نصول المشيب
وقال أبو تمام في محمد بن حسان الضبي:
بمحمد صار الزمان محمدًا ... عندي وأعتب بعد سوء فعاله
(3/66)

بمروق الأخلاق لو عاشرته ... لرأيت وجهك في جميع خصاله
أبدًا يفيد خلائقًا من ظرفه ... ورغائبًا من جوده ونواله
وقال البحتري في أبي أيوب بن أخت أبي الوزير:
سر وإعلان تسوي منهما ... نفس تضيء وهمة تتوقد
فكأن مجلسه المحبب محفل ... وكأن خلوته الخفية مشهد
وتواضع لولا التكرم عاقه ... عنه علو لم ينله الفرقد
وشبيبة فيها النهى فإذا بدت ... لذوي التوسم فهي شيب أسود
قوله:
«فكأن مجلسه المحبب محفل. . .»
مثل قول ابن مطير:
يعف ويستحيي إذا كان خاليًا ... كما كان لو أضحى عليه رقيب
وهذا معنى متداول.
وقال:
صاف أمثال أحمد بن علي ... تعترف فضله على من تصافي
أريحي إما يوافق من ته ... وى وإما يكفيك حرب الخلاف
(3/67)

وفي نحو هذا يقول في أبي العباس عبد الله بن المعتز بالله وفي مدح المعتز:
ورأيت عبدالله في السن التي ... تعد الكبير بدهره المتطاول
قمر تؤمله الموالي للتي ... يقضي بها المأمول حق الآمل
يرجون فيه نجابة شهدت بها ... فيه عدول شواهد ودلائل
ومذاهب في المكرمات بمثلها ... يتبين المفضول سبق الفاضل
حدث يوقره الحجى فكأنما ... أخذ الوقار من المشيب الشامل
وقال في المعتز:
ضرب كنصل السيف أرهف حده ... وأضاء لامع مائه المترقرق
/ ومهذب الأخلاق يعطفه الندى ... عطف الجنوب من القضيب المورق
طلق فإن أبدى العبوس تطأطأت ... شوس الرجال وخفضت في المنطق
وقال في الفتح:
غرائب أخلاق هي الروض جاده ... ملث العزالى ذو رباب وهيدب
فكم عحبت من ناظر متأمل ... وكم خبرت من سامع متعجب
وقد زادها إفراط حسن جوارها ... خلائق أصفار من المجد خيب
وحسن دراري الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من الليل غيهب
(3/68)

وهذا حسن جدًا. وقال:
رضيت منك بأخلاق قد امتزجت ... بالمكرمات امتزاج الروح بالبدن
وزدتني رغبة في عقد ودك إذ ... شفعت ذاك الندى بالفهم والفطن
من يصبه سكن ممن يحب ومن ... يهوى فمالك غير المجد من سكن
هذا باب فضل أبي تمام فيه على البحتري ظاهر ومعلوم.
(3/69)

صفحة فارغة [في المطبوع]
(3/70)

* باب ما ينبغي أن يمدح فيه الخلفاء من الجود والكرم
وقد أفردت لذلك كتابًا مفردًا يتلو هذا الكتاب، ولكن لما كان هذا الكتاب قد اشتمل على أكثر أنواع مدائح الخلفاء، وجب أن أذكر معها ما مدحاهم به من الجود والكرم، ثم إني أقدم قبل ذلك مقدمة فأقول:
إن هذه خلة من أدون الخلال التي يمدح بها الخلفاء، لأن من ملك الدنيا لم يك منكرًا منه العطاء والبذل، إذ كانت رغبات الناس جميعًا إليه، وكان إخراج المال واجبًا عليه، ثم إن الجود، وإن كانت خلة شريفة، فليست كسائر الخلال الشريفة التي قد تقدمت في هذا الجزء، لأن تلك لا تكون إلا في الأعيان من الناس، والجود قد يشارك الخلفاء وعظماء الملوك فيه أدون الناس طبقة، حتى الحائك والحجام.
فينبغي للشاعر أن يتأتى لمدح الخليفة بالجود بما يخرجه عن أن يكون
له فيه مشبه أو نظير، فإن قول أبي تمام في المعتصم:
تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله
(3/71)

وهو أبرع بيت له في وصف الجود، يصلح أن يمدح به بعض السوقة، إذا
كان متخرقاً في البذل، مسرفًا في إتلاف المال.
وسبيل مدح الخليفة أن يكون دالاً على الخليفة بمعناه نحو قول البحتري:
إذا غبت عن أرض ويممت غيرها ... فقد غاب عنها شمسها وهلالها
غدت بك آفاق البلاد خصيبة ... وهل تمحل الدنيا وأنت ثمالها؟
/ فجعله ثمال الدنيا، والثمال: الغياث.
وقوله فيه أيضًا:
قد قلت للغيث الركام ولج في ... إبراقه وألح في إرعاده
لا تعرضن لجعفر متشبهًا ... بندى يديه فلست من أنداده
الله شرفه وأعلى ذكره ... ورآه غيث عباده وبلاده
فجعله غيث العباد والبلاد.
وقوله في المعتز:
ياجمال الدنيا سناء ومجدًا ... وثمال الدنيا عطاء وبذلاً
ثم جعل صدر هذا البيت عجزه في قصيدة أخرى فقال:
يا ثمال الدنيا عطاء وبذلاً ... وجمال الدنيا سناء ومجدا
وهذا لا يقال إلا لخليفة.
وكذلك قوله:
(3/72)

أكرم الناس شيمة وأتم الن ... اس خلقاً وأكثر الناس رفدا
وحكى القطر بل أبر على القط ... ر بكف على البرية تندى
وقوله:
بثثت فينا عطاء زاد فى عدد ال ... عليا ونوه باسم الجود تنويها
ما زال بحرًا لعافينا فكيف وقد ... قابلتنا ولك الدنيا وما فيها
أعطاكها الله عن حق رآك له ... أهلاً وأنت بحق الله تعطيها
وقوله فى المعتز:
وماحسنت نواحي الأرض حتى ... ملكت السهل منها والجبالا
بوجه يملأ الدنيا ضياء ... وكف تملأ الدنيا نوالا
وقال في المتوكل:
يا ابن عم النبي لا زال للدن ... يا ثمال من راحتيك غزير
أي محل عرا فكفك غيث ... أو ظلام دجا فوجهك نور
ولله در أبي معاذ إذ يقول:
إذا جلس المهدي عمت فضوله ... علينا كما عم الضياء من البدر
فهذا هو المدح الذي لا يليق إلا بخليفة، فإن مدح مادح بمثل هذا غير خليفة، فما ترك للخليفة شيئاً.
(3/73)

فأما قول أبي تمام في المعتصم:
مدى العفاة فلم تحلل به قدم ... إلا ترحل عنها العثر والزلل
وقوله فيه:
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله
فهي في غاية الحسن والصحة والحلاوة والبراعة، وليس بمدح يخص الخلفاء
دون غيرهم، ولا أقول إن ذلك عيب في المدح، ولكن ما يخص أجود وأليق.
فأما قوله في المأمون:
من شرد الإعدام عن أوطاننا ... بالبذل حتى استطرف الإعدام
وتكفل الأيتام عن آبائهم ... حتى وددنا أننا أيتام
وقوله:
سخطت لهاه على جداه سخطة ... فاسترفدت أقصى رضا المسترفد
وقوله:
لو يعلم العافون كم لك في الندى ... من لذة وقريحة لم تحمد
(3/74)

فليس ذلك بجيد، ولا محمود من الوصف، وقد ذكرت ما فيه في كتاب
«الجود والكرم» في مواضعه.
والبحتري في هذا أشعر من أبي تمام.
(3/75)

* الشجاعة والبأس
فأما الشجاعة فليس ذلك من الخلال التي تعتمد في مدح الخلفاء، إلا أن
يكون خليفة قد عرف بها وشهر به، وكانت به مواقف فيه، لأن الملوك والعظماء ترفع أقدارهم عن أن يجعل الشاعر غرضه بالبأس والجود، فإن اعتمد ذلك شاعر، فسبيله أن يجعله في تضاعيف الخلال التي هي بالملك أخص، ألا ترى إلى قول البحتري في أبي الحسن بن عبد الملك بن صالح الهاشمي:
وكأنك العباس نبل خليقة ... وعلو هم في بني العباس
لو جل خلق قط عن أكرومة ... تثنى جللت عن الندى والباس
وإنما قال هذا، لأن الندى والبأس موجود في ساسة دواب عبيدهم، فضلاً عنهم.
فمن حكم الشاعر إن ذكر البأس أن يتأتى له كما تأتى البحتري في الجود،
بما أبان به الخليفة من غيره.
(3/76)

وكاد أبو تمام يظفر بهذا المعنى في مدح المعتصم لولا أنه أفسده فقال:
من البأس والمعروف والجود والتقى ... عيال عليه رزقهن شمائله
فجعل البأس مع هذه الحال عيالاً عليه، وجعل شمائله -وهي أخلاقه- رزقاً لها، وهذه استعارة في غاية القبح والشناعة، وإنما سمع قول جرير في يزيد بن معاوية:
الحزم والجود والإيمان قد نزلوا ... على يزيد أمين الله فاحتفلوا
فحذا حذوه، وما أظن لجرير بيتاً في المدح أردأ من هذا البيت، وهو خير
من بيت أبي تمام.
وإنما أراد جرير أن يجعل ليزيد في وصفه بالحزم والإيمان مزية على غيره من
أجل الخلافة فكان المعنى جيداً واللفظ رديئاً لأنه قال: «نزلوا واحتلفوا»، وهذا فعل ما يعقل، ولو كان استوى له أن يقول «نزلت واحتلفت»، كان ذلك أليق وأحسن، ولكن لما كان الاحتلاف لا يكون إلا لما يعقل، حمل الفعل عليه.
(3/77)

وأجود من هذا وذاك قول دعبل، ومن جرير أخذ إلا أنه أورده على أحسن
وجه وألطفه، فقال:
تنافس فيه الحزم والبأس والتقى ... وبذل الندى حتى اصطحبن ضرائرا
وقد أساء أيضًا سلم الخاسر في قوله:
جمع الخلافة والشج ... اعة والسماحة في نظام
وما ذكر السماحة مع الخلافة؟ وأظنه قال ذلك من شح المنصور.
والجيد قوله:
إمام هدى في راحتيه مع الهدى ... مقادير تجري من نحوس وأسعد
وقال سلم أيضًا:
أقام الندى والبأس في كل منزل ... أقام به فضل بن يحيى بن خالد
وقال مسكين الدارمي في يزيد بن معاوية:
فتى ماله في البأس والمجد والندى ... وبذل اللهى في العالمين نظير
(3/78)

ففضله بهذه الخلال على العالمين.
وقال أبو تمام في مدح المعتصم:
ومشهد بين حكم الذل منقطع ... صاليه أو بحبال الموت متصل
جليت والموت مبدحر صفحته ... وقد تفرعن في أفعاله الأجل
وهذا مدح يصلح أن يكون لكل بادي بأس ونجدة، كائناً من كان من الناس، والبيتان جميعًا رديئان، فالأول رديء من جهة الاعراب، والثاني من جهة المعنى، فقوله: «بين حكم الذل»، لو كان لحكم الذل أشياء متفرقة لصلحت فيها بين، غير أن حكم الذل والذل بمنزلة واحدة، وكذلك حكم العز والعز، فكما لا يقال: «بين العز» فكذلك لا يقال: «بين حكم العز» حتى يقال هذا، وكذلك لأن بين إنما هي وسط بين شيئين، وقد بينت هذا فيما قدمت ذكره من أغاليطه واستقصيته.
وقوله:
«وقد تفرعن في أفعاله الأجل»
معنى في غاية الركاكة والسخف، وهو من ألفاظ العامة، وما زال الناس يعيبونه به، ويقولون: اشتق للأجل الذي هو مطل على كل النفوس فعلا من اسم فرعون وقد أتى الأجل على نفس فرعون، وعلى نفس كل فرعون كان في الدنيا.
(3/79)

وقال في مدح الواثق:
ليث إذاخفق اللواء رأيته ... يعلو قرا الهيجاء وهي زبون
لحياضها متورد ولخطبها ... متعمد ولثديها ملبون
وهذا يصلح أن يمدح به كل أحد.
وقوله: «ولخطبها متعمد» لفظ ومعنى سخيفان، وإنما جاء به من أجل
قوله: «لحياضها متورد».
وقال البحتري في المتوكل:
وإذا ما تشنعت حومة الحر ... ب وكان المقام بالقوم دحضا
غشي الدارعين ضربًا هذاذي ... ك وطعنًا يوزع الخيل وخضا
وقد يكذب الشاعر للممدوح، ولا مثل هذا الكذب للمتوكل.
وقد أحسن -لعمري- سلم الخاسر كل الإحسان في قوله يمدح المهدي:
أعذرت إذ أنذرت كل مخالف ... نار الخليفة أن يكون رمادها
فإن هذا ما وراء حسنه وصحته شيء.
ومما عيب على أبي تمام في مدح المعتصم قوله:
(3/80)

إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
وقالوا كان ينبغي أن يفضله على جميع هؤلاء، فقالوا: قال أبو تمام لما أنكر ذلك عليه:
لا تنكري ضربي له من دونه ... مثلاً شروداً في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس
«المشكاة»: الكةة، يقال بلسان الحبشة، و «النبراس»: المصباح.
وقد اعترض عليه أيضًا في هذين البيتين، وقيل أنه قصر في البيت الأول، بأن ذكر الندى والبأس، وترك الحلم والذكاء، وكان يجب أن يذكرها أجمع، ولا يسميها، فقيل لمن أنكر هذا: فلو كنت أنت مكانه، كيف كنت تقول؟، فقال: كنت أقول:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... غايات أمثال جرت لأناس
أو: «مضت لأناس».
وهذا -لعمري- مستقيم أن لو قيل، ولكن لم يستقم لأبي تمام أن يجمع الوجوه الأربعة في هذا البيت كما جمعها في البيت الأول، فأقتصر على اثنين منهما، وقد علم أن المعنى يضمهما جميعاً.
والقبيح قول جرير:
كانت حنيفة أثلاثاً فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها
(3/81)

فقيل لرجل من بني حنيفة: فمن أي الأثلاث أنت؟، فقال: من الثلثالملغي.
وقد يكون من الضرورات في الشعر ما يكون بعضه أحسن من بعض.
وقيل في البيت الثاني في قوله:
«فالله قد ضرب الأقل لنوره»
إن نوره إنما هو نور هداه، الذي يهدي به من في السماوات والأرض، ولذلك قال: «يهدي الله لنوره من يشاء» أي: بنور هداه، وليس يحيط الخلق بهذا النور ولا بقدره معرفة، ولا بالمثل الذي ضربه عز وجل له، فمن أين علم أبو تمام أن أحدهما أقل من الآخر؟، وذلك أنه جل اسمه قال:
«مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري»
ثم قال:
«يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية».
أي: ليست بضاحية بارزة للشمس، تشرق عليها ولا تكاد تغيب عنها.
«ولا غربية»، أي: ولا مقنوءة، والمقنوءة: الأرض المنحرفة عن الشمس بساتر يسترها، فتغيب عنها بسرعة، ولا تأخذ بحظها منها، يريد اعتدال موضع الشجرة ليخلص الزيت من ثمرتها ويصفو، وهذا كله قد يوجد في الشجر.
(3/82)

ثم قال:
«يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار».
ولم يعرف الخلق ولا شاهدوا زجاجة كأنها كوكب دري ولا زيتاً يكاد يضيء وإن لم تمسسه نار.
ثم قال: «نور على نور»، وهذا الوصف كله إنما أراد عز وجل به تعظيم أمر نور المصباح، الذي جعله مثلاً لنور هداه، فإنا وإن لم نعرف حقيقته، فقد دلنا تبارك اسمه على أنه نور عظيم القدر، فكيف يجوز أن يجعله أقل من نور الهدى، والله تبارك اسمه قد جعله مثله؟.
فإن قيل: قد يشبه الشيء من بعض جهاته لا من جهاته كلها، قيل: ليس النور إلا جهة واحدة، وهي الضياء فقط.
وأظن أبا تمام ذهب إلى أن «مثل نوره» إلى نور وجهه، فإن كان ذهب إلى هذا فهو غلط منه، ولا أعرف له عذرًا يتوجه، فإن قيل: بل العذر له متوجه، وهو أن نوراً يملأ السماوات والأرض أكثر وأعظم من نورٍ تضمه مشكاة، وهي الكوة غير النافذة، قيل: لم يرد جل جلاله بذكر المشكاة تقليل أمر الضوء، وأنه على قدر المشكاة، وإنما أراد جل اسمه أن يؤكد شدة النور وعظمه، لأنه إذا كان في شيء يضمه كان أغلب وأشد لضيائه منه إذا كان ضاحياً منتشرا، وهذا معلوم، ومعرفته قائمة في النفوس.
(3/83)

وقال بعض المفسرين: أراد جل وعز: مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة فيها مصباح، وهو أثبت في العقول وأولى بالصواب، وأبعد من أن يحيط العلم بأن أحد النورين أقل من الآخر، لأنه تشبيه صحيح، وقد نطقت بذلك العرب، قال الطحن الحرمازي يصف عيني الأسد:
قالب حملاقين مثل الوقبين
أو مثل مصباحين في مشكاتين
«الحملاق» جوانب العين من داخل، و «الوقب» النقرة في الحجر وقال أبو زبيد الطائي:
كأن عينيه مشكاتين في حجر ... قيضا اقتياضًا بأطراف المناقير
(3/84)

* تمام باب السؤدد والشرف
وهذا ما قلت إني أذكره من تمام باب السؤدد والشرف، بعدما ذكرته من
ذلك في مدائح الخلفاء.
قال أبو تمام في مالك بن طوق:
لتغلب سؤدد طالت منابته ... في منتهى قلل منها وفي قمم
مجد رعى تلعات الدهر وهو فتى ... حتى غدا الدهر يمشي مشية الهرم
التلاع: مجاري الماء من ارتفاع إلى انخفاض، والخفض منها كثير العشب، وقلل: جمع قلة، وقمم: جمع قمة، وهما رأس الجبل.
ولو قال: «حتى هرم الدهر»، كانت استعارة محتملة، كما قال البحتري:
هرم الزمان وعزهم لم يهرم
(3/85)

وكما قال الأخطل:
عمرت شباب الدهر لا يستطيعهم ... أفالآن لما أصبح الدهر فانيا؟
فما وجه قوله: «يمشي»؟، كأنه لا يجوز أن يعلم أنه هرم، حتى يرى ماشيًا مرتعشاً.
وقال معن بن أوس المرني:
تعللت إذ دهري فتى بوصالها ... فقد عصلت أنياب دهر وعردا
فإنما أراد نفسه لا الدهر، كما قال:
نهارك يقظان وليلك نائم
والاستعارة الحسنة في هذا قول النابغة:
علوت معدًا نائلاً ونكاية ... فأنت لغيث الحمد أول زائد
وقال في أبي سعيد:
طلب المجد يورث المرء خبلاً ... وهموماً تقضقض الحيزوما
فتراه وهو الخلي شجياً ... وتراه وهو الصحيح سقيما
(3/86)

تجد المجد في البرية منشو ... راً وتلقاه عنده منظوما
ولهته العلى فليس تعد ال ... بؤس بؤساً ولا النعيم نعيما
وتشديد «الشجي» خطأ.
وهذه الأبيات من صحيح المعاني، ومتقنها، وإنما احتذى فيه حذو لقيط الإيادي في قصيدته المشهورة، وقد ذكرتها في سرقاته.
(3/87)

وقال في محمد بن الهيثم:
خدم العلى فخدمنه وهي التي ... لا تخدم الأقوام مالم تخدم
وإذا انتمى في قلة من سؤدد ... قالت له الأخرى بلغت تقدم
ماضر أروع يرتقي في همة ... روعاء يرتقي في سلم
قوله: «قالت له الأخرى: بلغت»، أي: بلغت تلك، فتقدم إلي، ولولا
هذا لكانت مناقضة، لأنه إذا بلغ، فإلى أين يتقدم؟، ويجوز أن يكون: قد بلغت، فما تنتظر؟.
وقوله: «ألا يرتقي في سلم»، ليس بمبالغة إذ لا قدر لعلو السلم، ولو كان قال: ألا يرتقي في طود أو جبل كان أبلغ، ولكنه إنما ذكر السلم، لأنه آلة الصعود المستعملة، وقد قال تعالى: «أم لهم سلم يستمعون فيه».
وقال زهير: ولو نال أسباب السماء بسلم
وقد ذكر البحتري «السلم» فوضعه في موضعه، فقال فى خضر بن أحمد التغلبي:
والعلا سلم مراقيه خطا ... ب أبي عامر إلى مسعوده
(3/88)

يعني حدوده، فهذا هو الوجه الحسن في معنى «السلم».
وقال كثير في عبد العزيز بن مروان:
إلى حسب عال بني المرء قبله ... أبوه له فيه معاريج سلم
وهذا أيضًا معنى صحيح حسن.
والجيد في هذا المعنى قول أبي تمام في أبي دلف: محاسن من مجد متى تقرنوا بها ... محاسن أقوام تكن كالمعايب
معال تمادت في العلو كأنها ... تطالب ثأرًا عند بعض الكواكب
وقال في خالد بن يزيد بن مزيد:
وما زال يقرع تلك العلى ... مع النجم مرتدياً بالعماء
ويصعد حتى لظن الجهو ... ل أن له منزلاً في السماء
«العماء» السحاب الرقيق، وأين هو من النجم؟، إن بينهما لبوناً بعيدًا، ولفظ «العماء» قبيح أيضًا.
(3/89)

وقد أتى البحتري بما هو أبلغ من هذا فقال:
لمحمد بن علي الشرف الذي ... لا يلحظ الجوزاء إلا من عل
ثم أفسد المعنى، بأن حط الممدوح عن هذه الرتبة إلى ماهو دونها فقال:
عال على نظر الحسود كأنما ... جذبته أفراد النجوم بأحبل
فبين أن ينظر إلى الجوزاء من عل، وبين أن تكلف النجوم أن تمده بالحبال،
فرق كبير.
والعذر له في هذا أن يقال: إن البيت الأول أراد به شرفه، والبيت الثاني أراد
به نفسه.
ثم جاء بعده ببيت في غاية الجودة، ولكنه أساء من حيث أجاد، لأنه عرض
نفسه لغضب كل سيد شريف ماجد، من خليفة إلى ما هو دونه، وهو قوله:
أو مارأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول
فلما سمع هذا البيت بعض من له فهم من الخلفاء والملوك وكبار الأمراء -وهو
في القصيدة المعشوقة، التي يصف فيها الفرس والسيف، وهي من أشهر شعره، والناس أكثر لها رواية، وقد ذكر دعبل منها في «كتاب الشعراء» الذي ألفه عدة أبيأت- كان بوده أن يقول له: اذهب فالتمس الجدوى من الموضع الذي ألقى المجد فيه رحله، ولم يتحول عنه.
(3/90)

وقال البحتري:
لبني مخلد على كل حي ... أثر من عطائهم ليس يعفو
مجدهم فوق مجد من يتعاطى ... سعيهم والسماء للأرض سقف وهذا-لعمري- حسن جدًا، ومثله قول عمارة بن عقيل:
هم الأفق فوق الناس والناس تحتهم ... وآل عبيد الله فيه كواكبه وأجود من هذا قول التياح بن مالك البجلي:
لكل أناس بلدة يسكنونها ... وأنتم سماء فوقها ونجومها
وقال في ابن ثوابة:
يفوت احتفال القوم أول عفوه ... وقد بلغوا أو جاوزوا آخر الجهد
مخفضة أقدارهم تحت قدره ... كما انخفضت سفلى تهامة عن نجد
ومثل قول أبي تمام:
.......... قالت له الأخرى بلغت تقدم
قوله أيضًا في أبي دلف:
إذا ارتقى طود مجد ظل في نصب ... أو يرتقي من سواه ذروة شعفا
جم التواضع والدنيا بسؤدده ... تكاد تهتز من أطرافها صلفا
(3/91)

وهذا أحسن جدًا، رقد ذكرته فيما قبل هذا الباب، وذكرت معنى «الصلف».
ثم قال بعد هذا وأساء وقبح:
لو لم تفت مسن المجد من زمن ... بالبأس والجود كان المجد قد خرفا
وهذا مما عابه به الناس كلهم.
وأقبح من هذا ما قاله في محمد بن المستهل:
أبوك شقيق لم يزل وهو للندى ... شقيق وللملهوف حرز ومعقل
أفاد من العليا كنوزًا لو أنها ... صوامت مال مادرى أين تجعل
كان يجعلها حيث تجعل كنوز الأموال تحت الأرض، وسقاط الشعراء
لا يرضون لأنفسهم بمثل هذا، وأظنه سمع قول كثير:
ولو أن حبي أم ذي الودع كله ... لأهلك مال لم تسعه المسارح
أراد: لو أن حبى يأ أم ذي الودع كله مال، أي: إبل، «لم تسعه المسارح»، أي: المواضع التي تسرح فيها، وهذا معنى لا حلاوة فيه، فنقله أبو تمام إلى المعالي والمجد، وجاء به على أقبح لفظ وأهجنه وأسخفه، ثم أتى بعد ذلك ببيت جيد، إلا أن فيه لفظة هي حشو، وليست حشوًا على مذهبه وذلك قوله:
فحسب امريء أنت أمرء آخر له ... وحسبك فخرًا أنه لك أول
فقال: «أنت امرؤ»، و «امرؤ» مستغنى عنها.
وقال البحتري في وصف محمد بن يوسف:
(3/92)

أغر إذا عدت مناقب فعله ... توهمت أن الحق منهن باطل
وإن جاءنا يحكي أباه فلم تزل ... له من أبيه شيمة وشمائل
هما شرع في المكرمات فهذه ... أواخر أخلاق وتلك أوائل
وقال البحتري في الفتح بن خاقان، يذكر ابنه:
ومليت عيشًا من أبي الفتح إنه ... سليل العلا والسؤدد المترافد
متى ما تشد مجدًا تجده بهمة ... تقيل فيها ماجداً بعد ماجد
وإن يطلب مسعاة مجد بعيدة ... ينلها بجد أريحي ووالد
كما مدت الكف المضاف بنانها ... إلى عضد في المكرمات وساعد
يسرك في هدي إلى الرشد ذاهب ... ويرضيك في هم إلى النجم صاعد
وقال البحتري:
يبين بالفضل أقوام فيفضلهم ... موحد بغريب الذكر منفرد
توحد القمر الساري بشهرته ... وأنجم الليل نثر حوله بدد
أحيت خلال أبي ليلى أبا دلف ... ومثله أوجد الأقوام ما افتقدوا
وقوله: «أوجد الأقوام ما افتقدوا» في غاية الحسن والحلاوة.
وقول أبي تمام في أبي سعيد:
وبالهضب من أبرشتويم ودروذ ... علت بك أطراف القنا فاعل وازدد
أفادتك فيها المرهفات مآثرًا ... تعمر عمر الدهر إن لم تخلد
(3/93)

وهذا هو المدح الشريف، الذي لا يدفع حسنه وجودته.
وقال فيه:
فأفخر فما من سماء للعلى رفعت ... إلا وأفعالك الحسنى لها عمد
وقال في محمد بن حسان الضبي:
إذا نوى الدهر أن يودي بتالده ... لم يستعن غير كفيه بأعوان
لو أن إجماعنا في فضل سؤدده ... في الدين لم يختلف في الأمة اثنان
وقال في خالد بن يزيد بن مزيد:
طلبت ربيع ربيعة الممهي لها ... ووردن ظل ربيعة الممدودا
ذهليها مريها مطريها ... يمنى يديها خالد بن يزيدا
بكريها علويها صعبيها ال ... حصنى شيبانيها الصنديدا
نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورًا ومن فلق الصباح عمودا
عريان لا يخبو دليل من عمى ... فيه ولا يبغي عليه شهودا
شرف على أولي الزمان وإنما ... خلق المناسب ما يكون جديدا
لو لم تكن من نبعة نجدية ... علوية لظننت عودك عودا
قوله: «الممهى لها» أي: الذي هو غياثها، يقال: قد أماه وأمهى، إذا أكثر من سقي الماء، وقوله: «عريان» يعني النسب مكشوفًا لا ستر عليه،
(3/94)

وقوله: «لا يخبو» أي: لا يخبو نوره «دليلاً»، أي: لا يخبو في حال دلالته على نفسه.
«من عمى فيه» أي: من ظلمة أو شك «ولا تبغي عليه شهودا».
وهذا بيت رديء، وما كانت به إليه حاجة مع قوله: «نسب كأن عليه من شمس الضحى نورا»، وهذا أجود بيت فيها، وأجود ما وصف به النسب الشريف، وسائر الأبيات رديء، ولا طائل فيه.
وقوله: «لظننت عودك عودا» من عثاراته.
وقال في عبد الله بن طاهر:
سما للعلى من جانبيها كليهما ... سمو عباب الماء جاشت غواربه
قوله: «من جانبيها كليهما» لم يفدنا «بكليهما» فائدة، لأن أحدًا لم يكن يظن أنه سما لها من جانب واحد.
والتوكيد -لعمري- غير منكر ولكنه يكون في موضع أحسن منه في غيره ولو قال:
سما للعلى حتى علا ذروة العلى
لكان هذا أشبه بمذهبه، وأظن أنه أخذ هذا من قول امريء القيس:
سمو حباب الماء حالاً على حال
(3/95)

ولكن الجيد النادر قوله في خالد بن يزيد أبياتًا جيدة:
هصور المعالي لا يزيد أذاله ... ولا مزيد ولا شريك ولا الصلب
ولا مرتا ذهل ولا الحصن غاله ... ولا كف شأويه على ولا صعب
مضوا وهم أوتاد نجد وأرضها ... يرون عظاما كلما عظم الخطب
وما كان بين الهضب فرق وبينهم ... سوى أنهم زالوا ولم يزل الهضب
لهم نسب كالفجر ما فيه مسلك ... خفي ولا واد عنود ولا شعب
هو الإضحيان الطلق رفت فروعه ... وطال الثرى من أصله وزكا الترب
فيا وشل الدنيا بشيبان لا تغض ... يا كوكب الدنيا بشيبان لا تخبو
فما دب إلا في بيوتهم الندى ... ولم ترب إلا في حجورهم الحرب
أولاك بنو الأحساب لولا فعالهم ... درجن فلم يوجد لمكرمة عقب
جعلت نظام المكرمات فلم تدر ... رحى سؤدد إلا وأنت لها قطب
إذا افتخرت يومًا ربيعة أقبلت ... مجنبتي مجد وأنت لها قلب
يجف الثرى منها وتربك لين ... وينبو بها ماء الغمام وما تنبو
لو لم يقل أبو تمام غير هذه القصيدة لكان بها شاعرًا محسنًا مقدمًا.
/ قوله: «واد عنود»، فالعنود ها هنا: المعوج، العادل عن الوضوح، وقد
(3/96)

عند فلان عن الحق: عدل، والمعاندة: أن تعدل عنه، ويعدل عنك، والعنود من الإبل: الذي لا يخالطها، إنما هو أبدًا في ناحية منها.
و «الشعب»: كل فرجة بين جبلين، يريد أنه نسب عال على كل شيء، وظاهر غير باطن.
و «الإضحيان»: المضيء الشديد البياض.
و «الطلق»: يقال: ليلة طلقة إذا كانت مقمرة، عن يعقوب، وقال غيره
إذا لم يكن فيها ريح ولا شيء مؤذ.
و «رفت فروعه» لمعت من غضاضتها وحسنها.
قوله: «فيا وشل الدنيا» فالوشل الماء القليل، وما قطر من شيء فهو وشل، وقد عيب بهذا، وقيل: ما كان ينبغي أن يجعله وشلاً، بل كان يجب أن يجعله بحرًا.
وما ذهب عندي في هذا إلا إلى مذهب صحيح، لأن العرب تجعل النطفة الماء الكثير، والماء القليل، ويقولون: وصلنا إلى هذه النطفة، يعنون البحر، وإنما ذلك تقليل على وجه التكثير والتعظيم، ومثل هذا كثير شائع في كلامهم، فأخرج أبو تمام الوشل ها هنا مخرج التعظيم، والله أعلم، لأنه يعلم أن الوشل الماء القليل، وذلك قوله في بابك:
بحر من المكروه عب عبابه ... ولقد يرى وشلاً من الأوشال
(3/97)

وقد أساء عندي في قوله:
فما دب إلا في بيوتهم الندى
كإساءة البحتري في قوله:
أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول
وأعظم إساءة منه أبو تمام، لأنه إنما ذكر الندى وهو طائي، فأي شيء ترك لحاتم، ودع ما سواه، وفي المدح متسع لمن يريد المبالغة والإغراق، ولا يخص واحدًا بفضيلة دون الناس جميعاً.
وقال في عمر بن طوق:
لكن بنو طوق وطوق قبلهم ... شادوا المعالي بالبناء الأغلب
فستخرب الدنيا وأبنية العلى ... وقبابهم جدد بها لم تخرب
رفعت بأيام الطعان وغشيت ... رقراق لون للسماحة مذهب
يا طالباً مسعاتهم لينالها ... هيهات منك غبار ذاك الموكب
أنت المعنى بالغواني تبتغي ... أقصى مودتها برأس أشيب
وطيء الخطوب وكف من غلوائها ... عمر بن طوق نجم أهل المغرب
ملتف أعراق الوشيج إذا انتمى ... يوم الفخار ثري ترب المنصب
في معدن الشرف الذي من حليه ... سبكت مكارم تغلب ابنة تغلب
قال: «تغلب» لأنها اسم القبيلة، وهي ابنة تغلب، الذي نسبت إليه.
/ وقال البحتري في أبي الخطاب الطائي:
(3/98)

وصلت بنو عمران يوم فخاره ... بمناقب طائية الأنساب
قوم يضيمون الجبال وقد رست ... أعلامها برجاحة الألباب سحبوا حواشي الأتحمى وإنما ... وشي البرود على أسود الغاب نزلوا من الجبلين حيث تعلقت ... غر السحائب من ربى وهضاب
مستمسكين باولية سؤدد ... وبمنصب في أسودان لباب يستحدثون مكارمًا قد أحسروا ... فيها نفوسهم من الإتعاب فكأنما سبقوا إلى قدم العلا ... في الغوث أوغلبوا على الأحساب
«أسودان» هو: نبهان بن عمرو بن غوث بن طيء.
وقال البحتري في أبي الحسن بن عبد الملك بن صالح:
أخذوا النبوة والخلافة فانثنوا ... بالمكرمات كثيرها وقليلها
لو سارت الأيام في مسعاتهم ... لتنالها لتعطفت في طولها
وقال في ابن بسطام:
أخ لي متى استعطفته أو جفوته ... فنفسي إلى نفسي أظل أمورها
إذا ما بدا أخلى المعالي دخيلها ... وأنسى صغير المكرمات كبيرها
إذا ذكرت أسلافه وتشوهرت ... أماكنها قلت النجوم قبورها
(3/99)

وما المجد في أنباء جردان إذ رسا ... بعارية ينوى ارتجاعًا معيرها
إذا ماتت الأرض ابتدوها كأنما ... إليهم حياها أو عليهم نشورها
ودون علاهم للمسامين برزخ ... إذا كلفته العير طال مسيرها
«البرزخ» ها هنا: ما بين السماء والأرض، كل ما حجز بين الشيئين فهو برزخ، وناهيك بهذا مدحا، وحسبك بهذا الشرف شرفًا.
والبحتري أحذق الناس بمدح أشراف العجم، وذكر مناقبهم، ومن ذلك
ما قال حين مدح أحمد بن علي:
صاف أمثال أحمد بن علي ... تعترف فضله على من تصافي
أريحي إما يوافق ما ته ... وى وإما يكفيك شر الخلاف
همة ترذل الدنايا ونفس ... شرفت أن تهم بالإشراف
وعلا في الصبهبذين وددنا ... أنها في الزيود والأعواف
قدمته قوادم الريش منهم ... حين خاست بآخرين الخوافي
رهط سابور ذي الجنود وطلا ... ب مساعي سابور ذي الأكتاف
عمروا يخلفون باطل ما ظن (م) ... العدى بالثقاف قبل الوقاف
/ إن بلوناك كنت واحد آحا ... د لهم كثرة على الآلاف
(3/100)

وهذا حسن جداً.
وقال في بني الفياض:
يرذل البحر في بحور بني الفي (م) اض إذ جشن بالنوال ففضنا
واسطو سؤدد فليس ينادو (م) ن إلى المجد من هناك وهناً
نزلوا ربوة العراق ارتياداً ... أي أرض أشف ذاكراً وأسنى
بين دير العاقول مرتبع يش ... رف محتله إلى دير قنى
حيث بات الزيتون من فوقه النخ ... ل عليه ورق الحمام تغنى
ما المساعي إلا المكارم ترتا ... د وإلا مصانع المجد تبنى
وقال في بني الجراح:
لأخبرنك عن بني الجراح ... وعتادهم من سؤدد وسماح
ومكانهم من فارس حيث التقت ... غرر الجياد تعان بالأوضاح
من بيت مكرمة وعز أرومة ... بسل على المتغلبين لقاح
ورثوا الكتابة والفروسة قبلها ... عن كل أبيض منهم وضاح
بصدور أقلام ترد إليهم ... شرف الرياسة أو صدور رماح
وقال في أحمد بن محمد:
أعدد ود أبي نصر ونصرته ... لشكة الدهر من ناب وأظفور
(3/101)

تنازعته ملوك العجم وارثة ... عن شمر يرعش فخراً جد مذكور
مردد من قديم في نباهتهم ... كالمشتري لم يكن مستحدث النور
وقال:
ليهنيء بني يزداد أن أكفهم ... خلائف أنواء السحاب الرواجس
ذوي الحسب الزاكي المنيف علوه ... على الناس والبيت القديم القدامس
إذا ركبوا زادوا المواكب بهجة ... وإن جلسوا كانوا صدور المجالس
ينو الأبحر المسجورة الفيض والظبا ال ... قواضب عتقاً والأسود العنابس
لهم منتمى في هاشم بولائهم ... يوازي علاهم في أرومة فارس
وأقلام كتاب إذا ما نضضتها ... إلى نشب كانت رماح فوارس
يرون لعبد الله فضل مهابة ... تطاطيء لحظ الأبلج المتشاوس
يخلي الرجال مجده لا تلومه ... وهم نابهو الأخطار شم المعاطس
ولم أر مثل الفضل ضنت بغيره ... وعادت به النفس الحسود المنافس
لا كالعطايا يشرف النجم ما بنت ... وهن منال للأكف اللوامس
أبا صالح إن المحامد تلتقي ... بساحة رحب من فنائك آنس
(3/102)

بحيث الثرى رطب يرف نباته ... رفيفاً وعهد الدهر ليس بخائس
فداؤك أبناء الخمول إذا هم ... ألامو وأرباب الخلال الخسائس
وإن كنت قد أخرت ذكر معونتي ... وألغيت رسمي في الرسوم الدوارس
وقال:
ينولنا حمولة من بعيد ... ويحرمنا رجال من قريب
سحاب الجود منهل العزالى ... وريح منه صادقة الهبوب
له في مارج النار انتساب ... بأمات نقيات الجيوب
سراة الإنس والجنان أدت ... إلى جوذرز نجدتها وبيب
تطول لها الأعاجم حين يثنى ... وتعرفها القبائل للشعوب
وقال البحتري في مدح العجم:
ما للمكارم ما تريد سوى أبي ... يعقوب إسحاق بن إسماعيل
وإلى أبي سهل بن نوبخت انتهى ... ما كان من غرر لها وحجول
نسب كما اطردت كعوب مثقف ... لدن يزيدك بسطة في الطول
يفضي إلى بيب بن جوذرز الي ... شهر المكارم بعد طول خمول
(3/103)

الوارثين من السرير سراته ... عن رب كل تحية مأمول
والضاربين بسهمة معروفة ... في التاج ذي الشرفات والإكليل
وهذا حسن جدًا.
وقال في بني نوبخت:
وإذا أبو الفضل استعار سجية ... للمكرهات فمن أبي يعقوب
لا يحتذي خلق القصي ولا يرى ... متشبهًا في سؤدد بغريب
يمضي عزيمته ويوقد رأيه ... عزمات جوذرز وسورة بيب
شرف تتابع كابرًا عن كابر ... كالرمح أنبوبًا على أنبوب
وقد قال بشار نحو هذا:
خلقوا قادة فكانوا سواء ... ككعوب القناة تحت السنان
فهم خمسة كخمس من الدي ... ن كفلنا بهن للديان
وهذا هو المعنى الحلو، لا قول أبي تمام:
«كثلاثة القدر»
(3/104)

«ثلاثة كثلاثة»
وأظن البحتري على هذا حذا قوله:
في فتية طلبوا غبارك إنه ... رهج ترفع عن طريق السؤدد
كالرمح فيه بضع عشرة فقرة ... منقادة تحت السنان الأصيد
وقد أتى بشار بهذأ المعنى في أوصاف النسأء فقال:
ويك إن النساء بيضاً وأدمًا ... صبغة مثل صبغة الأتراب
/ ككعوب القناة مشتبهات ... وكأن الرباب أخت الرباب
وقأل البحتري في نحو هذا:
وإذا رأيت شمائل ابني صاعد ... أدت إليك شمائل ابني مخلد
كالفرقدين إذا تأمل ناظز ... لم يعل موضع فرقد عن فرقد
وقال في صاعد بن مخلد:
(3/105)

عقيد المعالي ماونت في طلابه ... لتعلقه ولا ونى في طلابها
إذا طمع الساعون أن يلحقوا به ... تمهل قاب العين أو فوت قابها
إذا ما تراءته العشيرة طالعًا ... عليها جلت ظلماءها بشهابها
وإن أنهضته كافئاً في ملمة ... من الدهر سلت نصلها من قرابها
إذا اضطحبت آلاؤه غطت الربى ... وحسن اللآلي زائد في اصطحابها
جاء بهذا على القلب، وإنما هو: واصطحاب اللآلي زائد في حسنها.
وقال في إسماعيل بن بلبل:
صغرت مقادير الرجال وقاربوا ... في السعي حتى ما ترى لك حاسدا
لو نافسوك لخالسوك من الندى ... ما يصلحون به الزمان الفاسدا
تأبى الألوف على الألوف ترى لها ... تبعاً وتتبع الألوف الواحدا
قعدوا وأين قيام من قد طلنه ... شرفات ما تبني ذرى وقواعدا
ولقد برعت على الملوك محلة ... علوًا وأفنية يرقن الرائدا
ومددت تطلب الذي لم يطلبوا ... كفًا تناولك السماء وساعدا
وهذا -لعمري- مدح يعلو كل مدح، قوله «شرفات ما تبني» أي:
طالته الشرفة، وطالته القواعد أيضاً.
قال في إسماعيل أيضاً:
ومكرمة جلى أبو الصقر طامحاً ... إليها كما جلى طريدته الصقر
(3/106)

تجاوزها المغمور لا ينثني لها ... بعطف وينحو نحوها النابه الغمر
وقال في ابن المدبر:
وما زالت العيس المراسيل تنتحي ... فيقضنى إلى آل المدبر حاجها
أناس قديم المكرمات وجدتها ... لهم وسرير العجم فيهم وتاجها
إذا خيموا في الدار ضاقت رباعها ... وإن ركبوا في الأرض ثار عجاجها
مليون أن تسقى الديار غياثها ... بأوجههم حتى تسيل فجاجها
ثم اعتد لإبراهيم بما لا شيء أحسن منه فقال -ليس من الباب-:
يد لك عندي قد أبر ضياؤها ... على الشمس حتى كاد يخبو سراجها
فإن تتبع النعمى بنعمى فإنه ... لزين اللآلي في النظام ازدواجها
وللبحتري افتنان في ذكر السؤدد والمجد والشرف، وملح كثيرة معجبة،
فمن ذلك قوله في أبي جعفر الطائي:
معطى من المجد مزداد برغبته ... يجري على سنن منه وأسلوب
كالعين منهومة في الحسن تتبعه ... والأنف يطلب أقصى غاية الطيب
وقال في إسحاق بن كنداج:
(3/107)

شرف تزيد بالعراق إلى الذي ... عهدوه بالبيضاء أو ببلنجرا
مثل الهلال بدا فلم يبرح به ... صوغ الليالي فيه حتى أقمرا
قوله: «صوغ الليالي» من أحسن لفظة، وأوقعها في أحسن موضع يليق
بها.
وقال في محمد بن حميد:
أبني حميد طال مجدمحمد ... لما تطاولتم لبعد مناله
ولكم وإن لا تلحقون بشأوه ... شرف تظل الشمس تحت ظلاله
لا تحسدوه فضل رتبته التي ... أعيت عليكم وافعلوا كفعاله
متنقل من سؤدد في سؤدد ... مثل الهلال جرى إلى استكماله
وقال في أبي عامر الخضر بن أحمد التغلبي:
واغر يرفعه أبوه وكم ... لكريم قوم من أب يضعه
إن سرك استيفاء سؤدده ... بالرأي تبحثه وتنتزعه
فانظر بعينك أية لحقت ... ضوء الغزالة أين منقطعه
وحسبك بهذا حسناً وحلاوة.
ومن أعجب ما أتى به في هذا الباب قوله في علي بن مر:
(3/108)

ومصعد في هضاب المجد طالعها ... كأنه لسكون الجأش منحدر
مازال يسبق حتى قال حاسده ... له طريق إلى العلياء مختصر
وقال أبو تمام في عمر بن عبد العزيز الطائي:
لله در بني عبد العزيز فكم ... أردوا عزيز عدى في خده صعر
تتلى وصايا المعالي بين أظهرهم ... حتى لقد ظن قوم أمنها سور
بل ليت شعري من هاتا مآثره ... ماذا الذي ببلوغ القوم ينتظر
وهذا أيضًا جيد حسن.
وقال البحتري:
لا تنظرن إلى الفياض من صغر ... في السن وانظر إلى المجد الذي شادا
إن النجوم نجوم الليل أصغرها ... في العين أذهبها في الجو إصعادا
وقال في الطائي أبي جعفر:
بلغ السيادة في بدو شبابه ... إن السواد مظنة للسؤدد
في كل يوم رتبة يزدادها ... ومشارف النقصان من لم يزدد
/ وقال:
(3/109)

فتى لم ينكبه الشباب عن الحجى ... ولم ينس عهد اللهو والشيب شاغله
إذا سؤدد دانى له مد همه ... إلى سؤدد نائي المحل يزاوله
توقع أن يحتلها درج العلا ... كما انتظرت أوب الهلال منازله
وكم عدة للمجد بادر فوتها ... وعاثر حمد أعلقته حبائله
وقال في إبراهيم بن الحسن بن سهل:
يفديك قوم ليس يوجد منهم ... في الحمد مرئي ولا مسموع
خدعوا عن الشرف المقيم تظنياً ... منهم بأن الواهب المخدوع
باتت خلائقهم على أموالهم ... وكأنهن جواشن ودروع
قنعوا بميسور الفعال وأوهموا ... أن المكارم عفة وقنوع
كلا وكل مقصر متجهور ... عند الحطيم طوافه أسبوع
لا يبلغ العلياء غير متيم ... ببلوغها يعصي لها ويطيع
وقال:
أو ماترون الشامتين أمامكم ... ووراءكم من مضمر أو مظهر
من غير ذنب جئتموه سوى علا ... زهر لجدكم الأغر الأزهر
فكأنما شرف الشريف إذا انتمى ... جرم جناه إلى الوضيع الأصغر
وقال البحتري في إسماعيل بن بلبل، وهو من بني شيبان:
(3/110)

سيجبر كسرى المصقليون إنهم ... بهم تدفع الجلى ويجتبر الكسر
فما تتعاطى ما ينالونه يد ... ولا يتقضى ماينيلونه شكر
إذا اتجروا في سؤدد وتزايدوا ... فأنفق ما أبضعت عندهم الشعر
يجازي القوافي بالأيادي مبرة ... تضاعيفها عن كل واحدة عشر
وما سود الأقوام مثل عمارة ... إذا نسي الأقوام شاع لهم ذكر
تجنب سواهم للعلا واتباعها ... بسعي وعرس حيث أدركك الفجر
وقال في الهيثم بن عثمان الغنوي:
لا يقتل الحساد أنفسهم فقد ... هتك الصباح دجى الهزيع المظلم
غنيت غنى بالذرى من مجدها ... وقبائل بين الحصى والمنسم
فقفوا على أحسابكم وهبوطها ... ودعوا العلو فإنه في الأنجم
وقال فيها:
ولقد جريت إلى المعالي سابقاً ... وأخذت حظ الأول المتقدم
وكبا عدوك حين رامك للتي ... تخشى فقلنا لليدين والفم
(3/111)

كذا والله يكون المدح، فليقل الشاعر، أو فليمسك.
وقال أبو تمام في بني حميد:
عهدي بهم تستنير الأرض إن نزلوا ... فيها وتجتمع الدنيا إذا اجتمعوا ويضحك الدهر منهم عن غطارفة ... كأن أيامهم من حسنها جمع
وقال أبو تمام:
إذا أكدت سوام الشعر أضحت ... عطاياه وهن لها مراعي
سعى فاستنزل الشرف اقتسارًا ... ولولا السعي لم تكن المساعي
وما في الأرض أنصح للمعالي ... إذا دوجين من جود مطاعقوله:
«سعى فاستنزل الشرف اقتسارًا»
ليس بالمعنى الجيد، بل هو عندي هجاء مصرح، لأنه إذا استنزل الشرف
فقد صار غير شريف، لأنك إذا ذممت رجلاً شريف الآباء، كان أبلغ ما تذمه به أن تقول: قد حط شرفه، ووضع من قدره وشرفه، وقد بينت هذا في أغاليطه مشروحًا مستقصى.
(3/112)

وقوله:
وما في الأرض أنصح للمعالي ... إذا دوجين من جود مطاع
فياويحه، بلغ به عشق الاستعارة إلى نصح المعالي ومداجاتها، سوأة له.
وقد غضب ديك الجن على الدهر، وذكر أنه لا ينصحه، ولست أدري
أيهما تبع صاحبه في هذا الجنون المحض فقال:
لا جرد الدهر لي كفًا تعاقدني ... عقدًا من النصح إلا وهو منقوض
ولا بسطت يدًا للدهر أنصحه ... ما عشت إلا بنصح فيه تمريض
قد سود الدهر ما كانت تبيضه ... من الأيادي لدى السود والبيض
وقال أبو تمام -ويكتب في أول الباب-:
لآل وهب أكف كلما اجتديت ... فعلن في المحل مالا تفعل الديم
قوم تراهم غيارى دون مجدهم ... حتى كأن المعالي عندهم حرم
وهذا من مختار معانيه.
(3/113)

وقال:
يكاد نداه يتركه عديمًا ... إذا هطلت يداه على عديم
تراه يذب عن حرم المعالي ... فتحسبه يدافع عن حريم
وهذا أيضًا مثل الأول في الجودة أو قريب منه.
(3/114)

* باب في الحسد
قال أبو تمام:
مخامري حسد ماضر غيرهم ... كأنما هو في أبدانهم مرض
وقال:
هم حسدوه لا ملومين مجده ... وما حاسد في المكرمات بحاسد
/ وقال:
واعذر حسودك فيما قد خصصت به ... إن العلى حسن في مثلها الحسد
وقال:
ممتليء الصدر والجوانح من ... رحمة مملوئهن من حسده
وقال:
وإذا سرحت الطرف حول قبابه ... لم تلق إلا نعمة وحسودا
(3/115)

وقال:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
لولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النعمى على المحسود
وهذا غاية في حسنه وحلاوته وصحة تمثيله، وهو إحسانه المشهور.
وقال:
مشمر ما يكل في طلب ال ... علياء والحاسدون في طلبه
أعلاهم دونه وأسبقهم ال ... إلى العلى واطيء على عقبه
وقال:
أحب مدانيه إليه مكاشح ... ينافسه في سؤدد ويماجده
محا حقده عند التيقن أنه ... على المجد يومًا لا على المال حاسده
وقال البحتري:
نعم الله عنده وعليه ... علل ما يبل منها حسوده
(3/116)

وقال:
مكارم هن الغيظ بات غليله ... يضرم في صدر الحسود المكابد
ولن تستبين الدهر موضع نعمة ... أذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
وهذا من قول أبي تمام.
وقال:
حاد عن مجدك المسامي وأمعن ... ت علواً فصد عنك الحسود
وقال:
يئس الحاسدون منك وما مج ... دك مما يرجوه ظن الحسود
وقال:
ويرد غرب مساجليك إذا غلوا ... سعي أطلت به عناء الحاسد
جهدوا على أن يلحقوك وأفحش ال ... حرمان يقدر للحريص الجاهد
وهذا حسن جداً.
وقال:
نعم إذا ابتل الحسود بسيبها ... أحيته بالإفضال وهي حتوفه
(3/117)

وقال:
وملأت أحشاء الحسود بلابلاً ... فارتد يحسد فيك من لم يحسد
وقال في البيعة التي أخذها المتوكل لولاة عهوده:
فنيت أحاديث النفوس بذكرها ... وأفاق كل منافس وحسود
واليأس إحدى الراحتين ولن ترى ... تعبًا كظن الخائب المكدود
وقال في مدح ابن طاهر:
ومرضى من الحساد قد كان شفهم ... توقع هذا الأمر قبل وقوعه
وما عذرهم في أن تغل صدورهم ... على ناشر الإحسان فيهم مشيعه؟ لئن شهر السلطان أمضى سيوفه ... ورشح عود الملك أزكى فروعه فلا عجب أن يطلب السيل نهجه ... وأن يستقيم المشتري من رجوعه
وهذا لاشيء أحسن منه.
وقال:
وكم لك في الناس من حاسد ... وفي الحسد النزر حظ الحسود
وقال:
وكم أنافت من الأبناء مأثرة ... مشهورة تدع الآباء حسادا
وقال:
(3/118)

شغل الحاسدين أن لم يبيتوا ... قط من همه ولا أشغاله
فاضحاً سعيهم إذا ما تعاطوا ... سعيه فحش نقصهم عن كماله
وقال:
صغرت مقادير الرجال وقاربوا ... في السعي حتى ما ترى لك حاسدا
لو نافسوك لخالسوك من الندى ... ما يصلحون به الزمان الفاسدا
وقال:
أبني حميد طال مجد محمد ... لما تطاولتم لبعد مناله
ولكم وإن لا تلحقون بشأوه ... شرف تظل الشمس تحت ظلاله
لا تحسدوه فضل رتبته التي ... أعيت عليكم وافعلوا كفعاله
وقال:
لا يقتل الحساد أنفسهم فقد ... هتك الصباح دجى الهزيع المظلم
وكبا عدوك حين رام بك التي ... تخشى فقلنا لليدين وللفم
وقال:
محسد بخلال فيه فاضلة ... وليس تفترق النعماء والحسد
وقال:
محسد وكأن المكرمات أبت ... أن توجد الدهر إلا عند محسود
(3/119)

وقال:
خلائق ما تنفك توقف حاسدًا ... له نفس في إثرها متراجع
ولن ينقل الحساد مجدك بعدما ... تمكن رضوى واطمأن متالع
وقال:
بفضيلة في النفس توجد عنده ... بفضائل الآباء والأجداد
ومحلة تعلو فتسقط دونها ... همم العدى ونفاسة الحساد
وقال:
هبل الحسود لقد تكلف خطة ... تبدي الخزاية في وجوه الحسد
لؤمت خلائقهم فكذب سعيهم ... عن سعي فرد في المكارم أوحد
وقال:
يئس الحاسدون منك وكانوا ... أسفاً ينظرون نحوك حولا
ورأوا أنهم إذا وصلوا تل ... ك المساعي بالفكر ذابوا نحولا
فثنوا عنك أعيناً وقلوباً ... لم يردوا إلا خسيراً كليلا
وكفاني على الذي يوجد الفض ... ل لديه بالحاسدين دليلا
(3/120)

قد تصرفا في هذا الباب تصرفاً حسناً، غير أني أفضل أبا تمام لقوله:
«وإذا أراد الله نشر فضيلة»
لأنه معنى متناه في حسنه وحلاوة لفظه.
(3/121)

* الجود والكرم:
هذا باب يعول عليه الشعراء في المديح، لأن الجود قد يكون في الملك والسوقة، والشريف والدون.
وأنا الآن أميز في هذا الكتاب أنواع الجود والكرم، وأنتزع من القصائد الأبيات المتجانسة، وأبوبها أبواباً، وأوازن بينها، ليصح القول، ويلوح التفضيل، فأبتديء بما قالاه:
في الرجاء والتأميل،
- وفي الوعد وإنجازه،
- وفي الابتداء بالعطاء،
- وفي البشر عند السؤال،
- وفي الإكثار من العطاء،
- والقصد والإسراف،
- وتعجيل العطاء،
- ومتابعة العطاء،
- وتشبيه جود الجواد بالسحاب والغيث والأنواء، وبالبحر،
(3/122)

- وفي خبط الجواد بنائله من غير تمييز،
- وفي عذل الجواد على الجود،
- وفي تعجرف الجواد على ماله حتى يتلفه،
- ودفع جود الجواد وعطاياه لنوائب الدهر،
- وإعطاء الجواد حتى لا يجد من يعطيه،
- وفي التذاذ الجواد بالجود،
- وإغناء الجواد للسائلين حتى يكونوا مسئولين،
- واكتساب الشرف بعطاء الجواد،
- وفي اعتذار الجواد بعد العطاء والاعتذار له،
- وفي إخفاء الجواد لنائله،
- وفي شفاعة الجواد إلى غيره مع مايجود به،
- وفي ما استنه الكريم للناس من الكرم حتى اقتدوا به،
- وفي نوادر من باب الجود،
- وفي الاعتداد بنعم الممدوحين،
- وفي الشكر والثناء.
(3/123)

* الرجاء والتأميل
قال أبو تمام:
رجاؤك للباغي الغنى عاجل الغنى ... وأول يوم من لقائك آجله
هذا بيت في غاية الحسن والحلاوة، يقول:
عاجل الغنى لمن يبتغيه عندك هو رجاوة إياك، وآجل الغنى هو أن يلقاك،
أي ليس يتأخر الغنى عنه بعد لقائك.
ونحو صدر هذا البيت قول البحتري:
ما فقدنا الإعدام حتى مددنا ... أملاً نحو سيبك الموجود
صدر بيت أبي تمام أجود وأبلغ وأجمع من بيت البحتري بأسره.
وقال أبو تمام:
رأيت رجائي فيك وحدك همة ... ولكنه في سائر الناس مطمع
(3/124)

أخذه البحتري فقال:
ثنى أملي فاختاره عن معاشر ... يبيتون والآمال فيهم مطامع
وقال أبو تمام:
ملك إذا خاض المسامع ذكره ... خف الرجاء إليه وهو ركين
وقال:
أمل من الآمال أحكم فتله ... فكأنه مرس من الأمراس
وقال أبو تمام أيضًا:
ترد الظنون به على تصديقها ... ويحكم الآمال في الأموال
وقال البحتري:
غمر النوال إذا الآمال أكذبها ... مثال نيل من الأقوام ضحضاح
بيت أبي تمام ألطف معنى في تحكيمه الآمال في الأموال، وبيت البحتري اكثر ماء ورونقًا.
وقال أبو تمام:
إذا أخذته هزة المجد غيرت ... عطاياه أسماء الأماني الكواذب
(3/125)

يرى أقبح الأشياء أوبة آمل ... كسته يد المأمول حلة خائب
وأحسن من نور يفتحه الندى ... بياض العطايا في سواد المطالب
«بياض العطايا في سواد المطالب»، إنما نقله من قول الأخطل:
رأين بياضًا في سواد كأنه ... بياض العطايا في سواد المطالب
/ ذكره ابن أبي طاهر في سرقاته، إلا أن قول أبي تمام:
«.... من نرر يفتحه الندى» في غاية الحلاوة.
وقوله: ...... غيرت ... عطاياه أسماء الأماني الكواذب
فالأماني هي الأكاذيب، أي أعطى أصحاب الأماني ما يتمنونه من الأباطيل فصارت حقائق وزال عنها اسم الأماني.
وقال البحتري:
جلا أوجه الآمال حتى أضاءها ... هلال عليه بهجة وقبول
وهذا في غاية الحسن.
وقال البحتري أيضًا في صحة الأمل:
حيث لا تتلى المعاذير ولا ... يطأ اليأس على عقب الأمل
(3/126)

وهذا «نمط» من مشهور إحسانه.
وقال:
موسر من خلائق تتراءى ... من ضروب الربيع أو أشكاله
يتضرعن للرجاء دنو ال ... غيم والودق خارج من خلاله
«يتصرعن للرجاء» أي: ينحططن إليه، ويدنون منه، وهذا تمثيل حسن جدًا، ومعنى غريب لطيف.
وقال أبو تمام:
رددت المنى خضرًا تثنى غصونها ... علينا وأطلقت الرجاء المكبلا
وهذا البيت في غاية الجودة لفظاً ومعنى، وإطلاقه للرجاء المكبل في غاية الحسن.
وقال أبو تمام:
أهببت لي ريح الرجاء فأقدمت ... هممي بها حتى استبحن همومي
فقوله: «أقدمت هممي» من الإقدام بها، أي: بريح الرجاء، أي: تجاسرت هممي بها، فأقدمت حتى استباحت همومي، وهذا بيت ليس بجيد السبك.
(3/127)

وقال أبو تمام في ابن أبي دؤاد:
أنت جبت الظلام عن سبل الآ ... مال إذ ضل كل هاد وحاد
فكان المغذ فيها مقيم ... وكأن الساري عليهن غاد
وضياء الآمال أفسح في الطر ... ف وفي القلب من ضياء البلاد
وهذا جيد بالغ.
وقال البحتري:
وإني لأرجو والرجاء وسيلة ... على بن يحيى للتي هي أعظم
فأحسن في قوله: «والرجاء وسيلة» وألطف، وأظنه سمع قول أبي الشيص:
بحسب الذي يرجو نداك ذريعة ... إذا لم يكن إلا الرجاء له سبب
وقال أبو نواس في مثله:
رجوك في قصدهم وأملوا ... وللرجاء حرمة لا تجهل
وبيت البحتري أجود من هذين البيتين، وهذا باب الفضل فيه لأبي تمام على البحتري، لأنه تصرف في معاني الرجاء أكثر من تصرف البحتري وفي كل ذاك أحسن وأجاد.
(3/128)

* ما قالاه في الوعد وإنجازه
وقال:
قوم إذا وعدوا أو أوعدوا غمروا ... صدقاً ذوائب ما قالوا بما فعلوا
قوله: «ذوائب ما قالوا»، فذوائب كل شيء أعلاه، يريد أن أفعالهم زادت على وعدهم ووعيدهم حتى غمرتها.
وقال:
فلويت بالموعود أعناق الورى ... وحطمت بالإنجاز ظهر الموعد
حطم ظهر الموعد استعارة قبيحة جدًا، والمعنى أيضًا رديء، لأن إنجاز
الوعد هو تصحيحه وتحقيقه، وبذلك جرت العادة، أن يقال: قد صح وعد فلان، وتحقق ما قال، فجعل أبو تمام في موضع صحة الوعد حطم ظهره، وهذا إنما يكون إذا أخلف الوعد وكذب، ألا ترى أنهم يقولون: قد مرض فلان وعده وعلله ووعد وعداً مريضًا، فإذا أخلف وعده فقد أماته، فالإخلاف هو الذي يحطم
(3/129)

ظهر الوعد لا الإنجاز، فلا خفاء بفساد ما ذهب إليه، وكان ينبغي أن يقول: وحطمت بالإنجاز ظهر المال، لأن الوعد كان يصح ويسلم حينئذ، والمال يتلف.
وقال:
إذا وعد انهلت يداه فأهدتا ... لك النجح محمولاً على كاهل الوعد
وكاهل الوعد إذا حمل النجح فمن سبيله أن يكون صحيحًا مسلماً، لا أن
يكون محطومًا كما قال في البيت الأول، وهذه استعارة في البيت صحيحة، وإن كان كاهل الوعد قبيحًا.
ومثل ذلك في الفساد قوله:
إذا ما رحى دارت أدرت سماحة ... رحى كل انجاز على كل موعد
وهذا إتلاف الوعد وإبطاله، وإنما ذهب إلى أن الإنجاز إذا وقع بطل الوعد،
وليس الأمر كذلك، لأن الوعد ليس بضد للإنجاز، فإذا وقع بطل الوعد، وليس هذا بضد ذاك، بل الوعد الصادق طرف للإنجاز، وسبب من أسبابه، فإذا وقع الإنجاز فهو تمام الوعد، وتصحيح له، وتحقيق وتصديق، فهو بهذا غالط، والمعنى الصحيح قوله:
أبلهم ريقاً وكفاً لسائل ... وأنضرهم وعدًا إذا صوح الوعد
(3/130)

فتصويح الوعد هو أن يخلفه الواعد، فيبطل، ولا يصح، و «صوح النبت» إذا جف.
ومثله في الصحة قوله:
تزكو مواعده إذا وعد امريء ... أنساك أحلام الكرى الأضغاثا
فهذا هو الصحيح، أن يكون الوعد يزكو، لا أن يبطل ويذهب، ولله در إبراهيم بن هرمة إذ يقول:
يسبق بالفعل ظن سائله ... ويقتل الريث عنده العجل
فهذه الاستعارة الصحيحة، أن يقتل العجل الإبطاء، لا أن يقتل الإنجاز الوعد، فأما قوله:
نؤم أبا الحسين وكان قدماً ... فتى أعمار موعده قصار
وقول البحتري:
وجعلت فعلك تلو قولك قاصراً ... عمر العدو به وعمر الموعد
فإنر عمر الموعد مدة وقته، فإذا أنجز صار مالاً، فنفاد وقته ليس بمبطل له، بل ذلك نقله من حال إلى حال أخرى.
(3/131)

ألا ترى إلى البحتري كيف كشف عن المعنى، وجاءك بالأمر من فصه فقال:
يوليك صدر اليوم قاصية الغنى ... بمواهب قد كان أمس مواعدا
فبطلان الموعد هو بطلان للشيء الذي الموعد واقع عليه.
ثم أتبع هذا البيت بأن قال:
سوم السحائب ما بدأن بوارقاً ... في عارض إلا انثنين رواعدا
فالعارض: السحاب، وجعل البوارق مثالاً للمواعيد وجعل الرواعد التي هي البوارق على الحقيقة وحالهما واحدة، مثالاً للغيث، الذي هو العطايا فالرواعد ليست بمبطلة للبوارق، بل هي هي، لأن تلك نور يحدثه ازدحام السحاب واصطكاكه، والرعد صوت ذلك الازدحام، فالبرق يرى أولاً، والرعد يسمع ثانياً، وذلك لأن العين أسبق إلى الإبصار من الأذن إلى الاستماع، لأن العين ترى الشيء في موقعه، والأذن لا تسمع الصوت إلا إذا وصل إليها.
وقال البحتري:
والوعد كالورق النضير تأودت ... فيه الغصون ونجحه أن يثمرا
فشبهها بالمواعد التي تحول مواهب، وهذا أحسن ما يكون من التمثيل وأصحه، وأقام الرواعد مقام المواهب، لأنه قد يكون برق لا مطر فيه، ولا يكاد يكون رعد إلا ومعه الغيث، ثم إن التشبيه إنما صح بأن كان الرعد بعد البرق.
(3/132)

وما أحسن ما قال خلف بن خليفة الأقطع:
مواعيدهم فعل إذا ما تكلموا ... بتلك التي إن سميت وجب الفعل
يعني قولهم «نعم» فجل الوعد هو الفهل نفسه لصحته وصدقه، وقد مثل البحتري المواعيد أيضاً، وكيف تحول العطاء تمثيلاً آخر حسناً، فقال:
وشكرت منك مواهباً مشكورة ... لو سرن في فلك لكن نجوما
ومواعداً لو كن شيئاً ظاهراً ... تفضي إليه العين كان غيوما
لأن الغيم يصير مطراً، كما أن الوعد يصير عطاء، فأبو تمام فيما ذهب إليه غالط، لأنه وضع الاستعارة في غير موضعها.
وقال:
لو كان في عاجل من آجل بدل ... لكان في وعده من رفده بدل
له رياض ندى لم يكد زهرتها ... خلف ولم تتبختر بينها العلل
وهذا غلط أيضاً؛ لأن العاجل أفضل من الآجل، فكيف لا يكون بدلاً منه، وقد قيل -وجرى مثلاً-:
«والنفس مولعة بحب العاجل»
(3/133)

وكان ينبغي أن يقول:
«لو كان في عاجل قول بدل من آجل فعل»
وإلى هذا ذهب، غير أن الصواب لا يقبل إذا كان مطوياً في القلب، ومخبوءاً تحت الإضمار، حتى يخرج إلى الوجود.
ألا ترى إلى البحتري لما جاء بهذا المعنى كيف أورده على غاية الصحة والسلامة فقال:
لو قيل كفى امرأ من كثير ... لاكتفينا بقوله من فعاله
وحسبك بقوله:
«لم تتبختر بينها العلل»
قبحاً.
وقال أبو تمام:
تحن عداته إثر التقاضي ... وتنتنج مثلما نتج العشار
وهذا بيت رديء المعنى، لأنه جعل الممدوح ممن يقتضى، وأن عداته تحن، والحنين لا يكون إلا بعد حبس ومنع، وقال:
«وتنتج مثلما نتج العشار»
والعشار من الإبل: الحوامل، التي قد أتى لحملها عشرة أشهر، والواحدة عشراء، فلا يزال ذلك اسمها إلى أن تضع، وبعد ما تضع، فأراد أن عداته تنتج لا محالة، كما أن العشار تنتج لا محالة.
(3/134)

وإنما خص العشار دون غيرها من الحوامل لعظم قدر الإبل عندهم، وأنها معولهم في الخصب والجدب، وعلى كل حال فقوله:
«وتنتج مثلما نتج العشار»
ليس بجيد ولا حسن، لأنه لم يدلل به على سرعة، بل هو إلى الدلالة على إبطائه أقرب.
والجيد له في هذا الباب قوله في أبي دلف:
يقول هو الذي ليس الوفاء له ... عزماً وينجز إنجاز الذي حلفا
وهذا في غاية الحسن.
وقال البحتري:
يجن إلى المعروف حتى ينيله ... كما حن إلف مستهام إلى إلف
ويقلق حتى ينجز الوعد مثل ما ... يجافي الذي يمشي على رمض الرضف
وهذا جيد حسن لطيف.
وقال:
مواهب أعداد الأماني وخلفها ... عدات يكاد العود منهن يورق
فذكر أنه إذا أعطى وعد، والوعد بعد العطية أحسن من الوعد قبل العطية، لأن تلك عطية واحدة وهذه عطيتان، وفرحتان، وذلك دليل على جود الجواد وربه لعطاياه، ومتابعته إياها.
(3/135)

ومثل هذا قول أبي النضر جهم بن عبد الملك في الفضل بن يحيى:
يفعل الناس إذا ما وعدوا ... وإذا ما فعل الفضل وعد
وقال البحتري:
يمضي المنايا دراكاً ثم يتبعها ... بيض العطايا ولم يوعد ولم يعد
وقد مدح البحتري الوعد وفضل العطاء بعده على ما يأتي من غير وعد، وشبهه تشبيهاً يفوق كل حسن وصحة، فقال:
أحب انتظارات المواعيد والتي ... تجيء اختلاساً لا يدوم سرورها
وإن جمام الماء يزداد نفعها ... إذا صك أسماع العطاش خريرها
فسقط الآن الشك في أن البحتر -في هذا الباب- أشعر من أبي تمام.
(3/136)

* وفي الابتداء بالعطاء من غير سؤال
قال أبو تمام:
يأخذ الزائرين قسراً ولو كف (م) دعاهم إليه واد خصيب وهذا معنى جيد بالغ,
وقال:
فأضحت عطاياه نوازع شرداً ... تسائل في الآفاق عن كل سائل
وهذا تضعيف للمعنى شديد، وكيف تكون عطاياه نوازع شرداً خالية من معطى، وهل هذا شيء يعقل، وتقوم في النفس صحته؟.
فإن قيل: فهذه استعارة ومبالغة، قيل: الاستعارة التي فيها بعض الغلو لا تنكر، ولكن لكل جنس من المعاني سبيل في الاستعارة، وقد عدهت وجرى بها
(3/137)

الاستعمال، ولم تجر عادة الاستعارة في مال الجواد أن يقول المال: هل من طالب؟، هل من سائل، ثم أن يشرد في الآفاق يلتمس من يأخذه، وإنما العادة فيه أن يكون كارهاً لأن يبذل، خائفاً أن يمحق، لأنه يقال: فلان قد أتلف ماله، وقد محقه، فالاستعارة فيه أن يجعل المال شاكياً من التمحيق، وضاجاً من كثرة البذل، كما قال هو في باب من بعد:
قاسى المضير على التلاد كأنما ... يغدو على تفريق مال مذنب
وكما قال:
يلقى بها حر التلاد وعبده ... عند السؤال مصارعاً وحتوفا
وكما قال:
غادرت فيها ما ملكت قتيلا
وكما قال أبو نواس:
بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح
فعيب بقوله: «بح» أنه إفراط في الاستعارة وغلو، وكذلك جرت العادة في غير المال أن يقال للرجل الكثير الاستعمال للماء: قد ضجت منك دجلة، والبحر على وجل، ونحو هذا مما هو على أفواه الناس، وذلك لأن كلما وقع الثلم والمحق لا تكون الاستعارة له إلا الخوف من ذلك، والكره له، كما أنه لو كان سبباً يعقل لما اختار أن يتلف ويستهلك.
(3/138)

والاستعارة الصحيحة في هذا قوله:
تكاد مغانيه تهش عراصها ... فتركب من شوق إلى كل راكب
لأن مغانيه لو كانت تعقل لهشت لسؤاله، وعفاته، كاهتشاشه هو إذ في احتشادهم فيها جمال له ولها معه.
وأصلح معنى هذا البيت أيضاً وجوده قوله: «تكاد»، فإنما تمثل الجمادات أبداً بما يعقل، فتحمل الاستعارة على ما يجوز فيه، ويليق به، ألا ترى إلى قوله في وصف سحابة:
لو سمعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب
وذلك لما له فيها من المصلحة، وكذلك قول البحتري:
ولو أن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
وذلك لما له في أن يرقاه من الجمال.
فالمال ما وجه شهوته لأن يمحق ويتلف حتى يجعله شارداً في البلاد يلتمس من يأخذه؟ فإن قيل:
(3/139)

فما الذي ينكر من الشاعر أن يغرب ويبدع، ويأتي بما لم يسبق إليه؟، قيل: ليس بمنكر أن يفعل ذلك إذا سلك الطرق المعهودة في ذلك المعنى، وأن يتفرع لها، ولا يخرج عنها، ويأتي فيها بكل ما يسنح له من المبالغة والإغراب، كما قال أبو نواس:
بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصح
فلم يقتصر على المعهود في هذا، بأن يقول: قد شكا المال، وكم يشكوك المال، حتى يجعل له صوتاً قد بح من كثرة ما يصيح فعلى هذا الوجه يكون الإغراب والإبداع، ولو قال أبو نواس: قد بح صوت المال مما يصيح، ويلتمس من يأخذه، لقلنا له: قد هجوت ممدوحك -أصلحك الله- أقبح هجاء.
والسليم الصحيح قول البحتري:
أعطيت سائلك المحسد سؤله ... وطلبت بالمعروف غير الطالب
وأظن أبا تمام سمع قول أبي العتاهية:
وإنا إذا ما تركنا النوال ... فلم نبغه فيه يبتدينا
وإن نحن لم نبغ معروفه ... فمعروفه أبداً يبتغينا
وإنما أراد أبو العتاهية: أنه يبتغينا لمعروفه، لا أن المعروف بنفصل عنه، ويشرد في طلبنا والتماسنا، وقد أحسن أبو العتاهية.
(3/140)

وقال ابن أذينة:
أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لم يعنيني
وإنما أراد يأتيني الله به، وعلى هذا الوجه قال دعبل:
والرزق أكثر لي مني له تطلبا
أي أن الله -جل وعز- يأتيني به، فكأنه يطلبني.
وقد حذا هو حذو قول ابن أذينة، فقال:
الرزق لا تكمد عليه فإنه ... يأتي ولم تبعث إليه رسولا
فهذه طريقة الاستعارة في هذا المعنى.
وقال أبو تمام أيضاً في الابتداء بالعطاء:
ورأيتني فسألت نفسك سيبها ... لي ثم جدت وما انتظرت سؤالي
كالغيث ليس له أريد غمامه ... أو لم يرد بد من التهطال
(3/141)

وهذا معنى في غاية الجودة، إلا أنه كان ينبغي أن يجعل الغيث في موضع الغمام، والغمام في موضع الغيث، لأن الذي يراد ليس هو الغمام، وإنما هو الغيث، ولو قال:
كالغيم ليس له أردنا غيثه ... أم لم نرد بد من التهطال
أو «كالمزن» فإنهما لفظة أحسن من الغيم كان عندي أصح وأجود، وقوله:
ثم جدت وما انتظرت سؤالي
معنى قد ابتذلته الشعراء، وتقدمت فيه، ألا ترى إلى قول أبي العتاهية:
فلم نبغه فبه يبتدينا
وقال مسلم بن الوليد:
أخ لي يعطيني إذا ما سألته ... ولو لم أعرض بالسؤال ابتدانيا
وأجود من كل جيد في هذا قول سلم الخاسر:
أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال
وقال أبو تمام أيضاً:
أسائل نصر لا تسله فإنه ... أحن إلى الإرفاد منك إلى الرفد
وهذا جيد بالغ، وهو قريب من قول مروان بن أبي حفصة:
لمعن بما يعطي من الذي ... بما نال من معروفه يتمول
(3/142)

وبيت أبي تمام أجود، وأجود منهما قول البحتري:
يحن إلى الإرفاد حتى ينيله ... كما حن إلف مستهام إلى إلف
وإنما أخذه من قول أبي تمام:
ما زال بالمعروف وهو متيم
وقال البحتري على الوجه الأول المبتذل:
جاد حتى أفنى السؤال فلما ... باد السؤال جاد ابتداء
ونحوه قوله:
حليف ندى إن سيل فاضت جمامه ... وذو كرم إن لم يسل يتبرع
وقال:
رطب الغمام إذا ما استمطرت يده ... جاءت مواهبه قبل المواعيد
وقال:
وثقت بنعماه ولم تجتمع بها ... يدي ورأيت النجح قبل سؤاله
(3/143)

وقوله: «لم تجتمع بها يدي» أي: لم أضم عليها يدي بعد، ثم مثله أحسن تمثيل فقال:
وتعلم أن السيف يكفيك حده ... مكاثرة الأقران قبل استلاله
وقال:
كان ابتداؤك بالعطاء عطية ... أخرى وبذلك للجسيم جسيما
وأجود من هذا كله قول مسلم:
أعطى فما تنفك تنزع همة ... أملاً إليه من المحل الأبعد
سبقت مواهبه مني مرتادها ... واستحدثت همماً لمن لم يرتد
وقال البحتري في ابن بسطام:
وبديهة من طوله لم ترتقب ... وفاك مبتدئاً بها إنعامه
كالسيل أصبح في ذراك أتيه ... والجو مصح ما يحس غمامه
وهذا أيضاً تمثيل في غاية الحسن والصحة والحلاوة.
ومثله قول السمط بن مروان بن أبي حفصة:
لعمري لنعم الغيث غيث أصابنا ... ببغداد من أرض الجزيرة وابله
فكنا كحي صبح الغيث أهله ... ولم تنتجع أظعانه وحمائله
(3/144)

ذكر ثعلب عن ابن سلام قال: قال أبو الغراف: سرق هذا المعنى من قول نهشل بن حري، وقد بعث إليه كثير بن الصلت الكندي -وهو قاضي عثمان على المدينة، ونهشل بالبصرة- بكسوة ومال، فقال نهشل:
جزى الله خيراً والجزاء بكفه ... بني الصلت إخوان السماحة والمجد
أتاني وأهلي بالعراق نداهم ... كما أرفض غيث من تهامة في نجد
فما يتغير من بلاد وأهلها ... فما غير الإسلام مجدكم بعدي
البحتري في هذا الباب عندي أشعر من أبي تمام لكثرة تصرفه فيه، ولما تضمنه من إساءة أبي تمام.
(3/145)

* ما وصفا به البشر عند السؤال وحسن اللقاء
قال أبو تمام:
ومرحب بالزائرين وبشره ... يغنيك عن أهل لديه ومرحب
وقال:
إذا قال أهلاً مرحباً نبعت لهم ... مياه الندى من تحب أهل ومرحب
وقال:
وجدناك أندى من رجال أناملاً ... وأحسن في الحاجات وجهاً وأجملا
تضيء إذا اسود الزمان وبعضهم ... يرى الموت أن ينهل أو يتهللا
أي: يرى انهلال الموت أو يتهللا، أي: انصباب الموت أو أن يتهلل، يعني الطلاقة والبشر.
(3/146)

وقال:
وإذا المواهب أظلمت ألبستها ... بشراً كبارقة الحسام المخذم
أعطيت ما لم تعطه ولو انقضى ... حسن اللقاء حرمت ما لم تحرم
فقوله: أعطيت ما لم تعطه، يعني: البشر، لأنه ليس بعطاء على الحقيقة، ولو لم تفعل لحرمت ما لم تحرم، أي: لحرمت منه ما لا يسمى حرماناً على الصحة، أو أن يكون أراد: ولو انقضى حسن اللقاء كنت قد حرمت العطاء الذي لم يحرمه أي: كنت كأنك لم تعطه لسوء لقائك.
وما ترك زهير في البشر إحساناً لقائل مع قوله:
تراه إذا ماجئته متهللاً ... كأنك معطيه الذي أنت سائله
وقد قدح فيه مالاً يضره، وهو أن قيل: إنه قد حط من همته، ووضع منه إذ جعله يفرح بعطية يعطاها، وكان أن يجعل الدنيا تصغر عنده أن لو سيقت إليه.
وما قاله زهير غير مانع أن يكون صاحبه بهذا الوصف، بل ما قاله يوجب لصاحبه هذا الوصف، أن يكون بشره وطلاقة وجهه في إعطاء ما يعطي، وأخذ ما يأخذ على حال واحدة، وقد أخذه الكميت فقال:
يلقى أبانا على عسر وميسرة ... كأن مستوهبيه المال هم وهبوا
(3/147)

وقد تصرف البحتري في وصف البشر تصرفاً كثيراً حسناً، فقال:
أريحي إذا تهلل للجو ... د أضاءت طلاقة وقبول
وقال:
لو أن كفك لم تجد لمؤمل ... لكفاه عاجل وجهك المتهلل
ولو أن مجدك لم يكن متقادماً ... أغناك آخر سؤدد عن أول
وقال:
وتبسماتك للعطاء كأنها ... زهر الربيع خلال روض معشب
قوله: «تبسماتك»، جمع التبسم، هو مصدر، والمصادر لا تجمع كما لا يقال: تعجبت تعجبات، وتقدمت تقدمات، فكذلك لا يقال تبسمات.
وقال:
وأبيض وضاح إذا ما تغيمت ... يداه تجلى وجهه فتقشعا
ترى ولع السؤال يكسو جبينه ... إذا قطب المسئول بشراً مولعا
وهذا أحسن من قول مسلم بن الوليد:
لا يضحك الدهر إلا حين تسأله ... ولا يعبس إلا حين لا يسل
(3/148)

وقال البحتري:
ووجه رق ماء الجود فيه ... على العرنين والخد الأسيل
يريك تألق المعروف فيه ... شعاع الشمس في السيف الصقيل
هذا من قول أبي تمام:
بشراً كبارقة الحسام المخذم
فوكده بذكر شعاع الشمس.
وقال:
مشرق للندى ومن حسب السي ... ف لمستله ضياء حديده
ضحكات في إثرهن العطايا ... وبروق السحاب قبل رعوده
وهذا مثل ما تقدم من قوله:
سوم السحائب ما بدأن بوارقاً ... في عارض إلا انثنين رواعدا
قوله: «ما بدأن»: يريد السحائب، يقال: بدأت الشيء وأبدأته وذلك عن أكثر أهل اللغة غير الأصمعي، فإنه قال: لا يقال: بدأت الشيء، وإنما يقال: أبدأته.
وقال:
أزهر والروض لا يروقك أو ... يحكي مصابيح ليله زهره
(3/149)

يخيل حتى ترى النجاح على ... ظاهر بشر متينة بشره
والغيم محبوكة طرائقه ... أحجى من الصحو يبتغي مطره
وما لا نهاية لحسنه قوله:
شيمة حرة وظاهر بشر ... راح من خلفه السماح يشف
وأعجب من هذا وألطف قوله:
يشرق بشراً وهو في مغرم ... لو مني البدر به ربده
ضوء لو أن الفلك ازداد في ... أنجمه فيه لما أنفده
وقال:
تنبي طلاقة وجهه عن جوده ... فتكاد تلقى النجح قبل لقائه
وضياء وجه لو تأمله امرؤ ... صادي الجوانح لارتوى من مائه
وهذا معنى حسن لطيف، والعطشان لا يرويه النظر إلى الماء، وإنما يرويه أن يكرع فيه، فأراد البحتري أن تأمل وجهه يروي العطشان، على المبالغة، من كلام الناس أن يقولوا: هذا وجه يشبع الجائع ويروي الظمآن، يريدون من حسنه.
وقال:
كانت بشاشتك الأولى التي ابتدأت ... بالبشر ثم اقتبلنا بعدها النعما
كالمزنة استؤنفت أولى مخيلتها ... ثم استهلت بغزر تابع الديما
(3/150)

وهذا أيضاً تمثيل جيد بالغ مصيب.
وقال في إسماعيل بن بلبل:
مضيء ينوب البشر عن ضحكاته ... ولا ريب في أن العبوس هو العسر
ولو ضمن المعروف طي صحيفة ... يطان عليه كان عنوانها البشر
وهذا من باب فضل البحتري فيه على أبي تمام ظاهر لصحة تمثيلاته وكثرة افتنانه.
(3/151)

* وفي الإكثار من العطاء
قال أبو تمام:
لهى تستثير القلب لولا اتصاله ... بحسن دفاع الله وسوس قائله
وقال:
كم نفحة لك لم فيحفظ تعجرفها ... لصامت المال لا إلا ولا ذمما
مواهب لو تولى عدها هرم ... لم يحصها هرم حتى يرى هرما
يعني هرم بن سنان المري، الذي مدحه زهير وكان من الأجواد، وقال أبو تمام:
إذا شئت أن تحصي فواضل كفه ... فكن كاتباً أو فاتخذ لك كاتبا
وهذا من معاني العوام، وضعفه المعلمين.
وقال في أبي الغريب يحيى بن عبد الله:
لولا تناهي كل مخلوق لقد ... خلنا نوالك ليس بالمتناهي
(3/152)

وليس هذا الجنس من الإغراق جيداً ولا حسناً.
وقال أبو تمام:
ولله أنهار من الناس شقها ... ليشرع فيها كل مقو وواجد
المقوي: الذي قد فني زاده، والواجد: الغني.
ولا يقال: أنهار من الناس شقها إلا من لم يسمع بمدح المادح، ولا بكلام العرب قط، وإنما المستعمل في هذا أن يقال: كالبحر، وكالسيل، وكالفرات، فأما نهر مشقوق فمن أقبح لفظ وأوضعه.
وإنما قال كعب بن معدان الأشقري:
براك الله يوم براك بحراً ... ففجر منك أنهاراً غزارا
بنيك السابقين إلى المعالي ... إذا ما أعظم الناس الخطارا
لأنه جعل المهلب بحراً، وجعل بنيه أنهاراً مفجرة منه فحسن ذلك ولم يقبح.
وقال أبو تمام:
كأن أمواله والبذل يمحقها ... نهب تعسفه التبذير أو نفل
وهذا بيت جيد المعنى، وأجود منه قول البحتري:
(3/153)

تحسب في وفره يداه يدي ... عدوه أو لغيره نشبه
مال إذا الحمد منه عيض غدا ... منهبه غانماً ومنتهبه
قوله:
تحسب في وفره بداه يدي ... عدوه .......................
يشبه قول أبي تمام:
وإن خفرت أموال قوم أكفهم ... من النيل والجدوى فكفاه مقطع
وهذا من قبيح المعاني:
وقال أبو تمام:
من رأى بارقاً سرى صامتياً ... جاد نجداً سهولها والحزوما
فسقى طيئاً وكلباً وذودا ... ن وقيساً ووائلاً وتميما
لن ينال العلى خصوصاً من الأق ... وام من لم يكن نداه عموما
وهذا جيد بالغ في العموم والكثرة.
وقال أيضاً في كثرة العطاء:
يقول الحاسدون إذا انصرفنا ... لقد قطعوا طريقاً أو أغاروا
(3/154)

وحسبك بهذا قبحاً وركاكة، وكان يجب أن يتبعه ببيت آخر يذكر فيه أنهم هربوا لئلا يؤخذوا فيعاقبوا عقوبة قطاع الطرق!.
ومن هذا الباب قوله:
سخطت لهاه على جداه سخطة ... فاسترفدت أقصى رضى المسترفد
«فاللها» جمع «لهوة»، وهي: العطية، وأصلها ما تلقيه في فم الرحا من الحب، كأنك جعلته طعمة للرحى، فشبهت العطية به، والجدوى هي العطية أيضاً، فكيف يسخط عطاياه؟، هذا عين الخطأ، ولو قال: «سخطت يداه على جداه» كان قولاً حسناً مستقيماً.
وقد جاء بهذا المعنى في موضع آخر وأتى به على الصواب فقال:
ما التقى وفره ونائله مذ ... كان إلا ووفره المغلوب
قال: والوفر هو المال الكثير، والنائل: هو المال الذي يعطيه، وهو قطعة يقتطعها من وفره، وهو مذهب للوفر ومفنيه، كما قال زهير:
أخو ثقة، لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
وقد أحسن البحتري في هذا الباب كل الإحسان وذلك قوله في الكثرة والعموم:
وأنفق في العلياء حتى حسبته ... من الدهر يعطي أو من الدهر ينفق
(3/155)

عطاء كضوء الشمس غمر فمغرب ... يكون سواء سناه ومشرق
وقال في قصيدة أخرى:
مواهب أعداد الأماني وخلفها ... عدات يكاد العود منهن يورق
قوله: «أعداد الأماني» في غاية الحسن والصحة.
وقال:
لم يحص عدة ما توليه من حسن ... وسيد النيل ما لم يحصه العدد
وقال:
مواهب ضربت في كل ذي عدم ... بثروة وأماحت كل ممتاح
وقال:
كلما جاءت الليالي بإحسا ... ن فبادي إحسانها إحسانه
جمل من لهى يشككن في القو ... م أهم مجتدوه أم خزانة؟
وقال في مثله:
أعطيتني حتى حسبت جزيل ما ... أعطيته وديعة لم توهب
(3/156)

وإنما أخذ هذا المعنى من قول الفرزذق:
أعطاني المال حتى قلت يودعني ... أو قلت أودع مالاً قد رآه لنا
وبيت البحتري أجود من هذا لفظاً وسبكاً.
وقال:
تجاوز غايات العقول رغائب ... يكاد بها لولا العيان تكذب
وقال في أبي نهشل:
وعطاياك في الفضول عداد الر ... مل من عالج وكيف الحقوق
ظل فيها البعيد مثل القريب ال ... مجتبى والعدو مثل الصديق
كحبي الغمام جاد فروي ... كل واد من البلاد ونيق
وهذه معان مختلفة، وكلها في غاية الجودة والصحة، ولا خفاء بفضل البحتري -في هذا الباب أيضاً- على أبي تمام.
(3/157)

* في ذكر القصد والإسراف
قال أبو تمام:
قصد الخلائق إلا في ندى ووغى ... كلاهما سبة ما لم يكن سرفا
وكان ينبغي أن يقول: ما لم يكونا سرفا، وكأنه تأول ما لم يكن ذاك، أو حمله على قولهم «كلاهما فارس إذا ركب، وفارسان إذا ركبا» لأن كلا تصلح ها هنا للإفراد والتثنية.
وقال البحتري:
ولا إسراف غير الجود فيه ... وسائره لهدي واقتصاد
فذكر السرف في الجود وحده، وأبو تمام السرف في الندى والوغى
(3/158)

جميعاً، وأراد بالسرف في الوغى القتل، فبيته أجمع للمعاني، وبيت البحتري أحسن سبكاً وأجود لفظاً.
وقال البحتري:
كرم دعتك به القبائل مسرفاً ... ما مسرف في المكرمات بمسرف
فأما قول أبي تمام:
له خلق نهى القرآن عنه ... وذاك عطاؤه السرف البدار
ولم يك ذاك إصراراً ولكن ... تمادت في سجيتها البحار
فمما لا يفي بجودته وحسنه شيء، ولكن جاء به بعد بيت لو خرس كان خيراً له من أن يأتي بمثله، وهو قوله:
يقول الحاسدون إذا انصرفنا ... لقد قطعوا طريقاً أو أغاروا
وقد مضى ذكره، وأبو تمام في هذا الباب أشعر.
(3/159)

* ذكر تعجيل العطاء
لم أر أبا تمام جرد القول في هذا الباب، ولا أتى فيه بشيء يعتد به، ووجدته قال في محمد بن عبد الملك الزيات:
فما يلحظ العافي جداك مؤملاً ... سوى لحظة حتى يؤوب مؤملا
وقال البحتري:
عجل بالذي تنيل يداه ... إن بطء النوال من تنكيده
كاد ممتاحه لسابق جدوا ... ه يكون الإصدار قبل وروده
وهذا معنى حسن لطيف وإنما ساغ ذلك لقوله: «كاد».
وقال:
إذا قال وعداً أو وعيداً تسرعت ... مكارم تثني آجل الأمر عاجلا
(3/160)

ومن المكارم تحقيق الوعيد وتعجيله أيضاً كالوعد، ولذلك ضمهما معاً.
ومثله قوله:
إن يقل واعداً تواف إلى النج ... ح يداه في صفقة ولسانه
ضامن للتي تراد لديه ... قلق الفكر أو يصيح ضمانه
وقال:
حيث لا تدفع الحقوق المعاذي ... ر ولا يسبق العطاء السؤال
وأجود من هذا قول ابن هرمة:
يسبق بالفعل ظن سائله ... ويقتل الريث عنده العجل
وقال البحتري:
وقد أعجز العذال أن يتداركوا ... لهى تشبق الألحاظ قبل ارتدادها
وهذا نهاية في السرعة والتعجل.
وقال:
كم قد عجلت إلى النعماء تصنعها ... مبادراً وبخيل القوم متئد
وقد أبر البحتري في هذا الباب على أبي تمام.
(3/161)

* ذكر متابعة العطاء
قال أبو تمام:
كلما زرته وجدت لديه ... نشباً ظاعناً ومجداً مقيما
وتوأم الندى يري الكرم الفل ... تة في أكثر المواطن لوما
وهذا معنى صحيح حسن.
وقال:
إذا كانت النعمى سلوباً من امريء ... غدت من خليجي كفه وهي متبع
السلوب: التي لا ولد لها، والمتبع: التي يتبعها ولدها.
(3/162)

وقال:
ولتعلم الأيام أني فتها ... بأبي الحسين محمد بن الهيثم
بأغر ليس بتوأم ويمينه ... تغدو وتطرق فالفعال التوأم
كلف برب الحمد يزعم أنه ... لم يبتدأ عرف إذا لم يتمم
وقال أيضاً:
وصنيعة لك ثيب أهديتها ... وهي الكعاب لعائذ بك مصرم
حلت محل البكر من معطى وقد ... زفت من المعطي زفاف الأيم
قوله: «وصنيعة لك ثيب أهديتها» يريد: أنك قد صنعت مثلها فليست بكر صنائعك، أي ليست أول ما صنعت، ولما لم تكن بكراً جعلها ثيباً، وقال: «وهي الكعاب لعائذ بك»، قام الكعاب ها هنا مقام البكر، أي هي ثيب عندك وبكر عند من تعطيه.
(3/163)

والكعاب هي التي قد كعب ثديها، وقد تكون بكراً وتكون ثيباً قد افترعت، فليست بضد الثيب في الحقيقة، ولكنه أقامها مقامها، لقوله: «حلت محل البكر من معطى».
وقوله: «وقد زفت من المعطى زفاف الأيم» يريد بالأيم الثيب، والأيم هي التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيباً.
وقد بينت هذا في أغاليطه وأوضحته.
وقال في موضع آخر يذكر الصنيعة:
وليست بالعوان العنس عندي ... ولا هي منك بالبكر الكعاب
قوله: «ليست بالعوان العنس عندي» يريد لجلالتها، وأنه ما أسدي إليه مثلها، وأراد أن يقول «العانس» فقال «العنس» إنما هي الناقة التي قد انتهت في قوتها وشدتها وشبابها، وقد ذكرت هذا في أغاليطه أيضاً.
وقال أبو تمام في الحسن بن وهب:
جمعت لنا فرق الأماني منكم ... بأبر من روح الحياة وأوصل
فصنيعة في يومها وصنيعة ... قد أحولت وصنيعة لم تحول
كالمزن من ماضي الرباب ومقبل ... منتظر ومخيم متهلل
(3/164)

قوله: «وصنيعة قد أحولت، وصنيعة لم تحول» لا يشبه أحوال الأمطار في قرب بعضها من بعض، ولكن قوله: «بأبرمن روح الحياة وأوصل» حسن جداً.
والصحيح المعنى في هذا قول البحتري:
لي منه في كل يوم نوال ... لم تنله كدورة الترنيق
عنده أول وعندي ثان ... من نداه وثالث في الطريق
وإن كنت لا أحب لفظة «الطريق» فإنها من ألفاظ العوام.
وقد أحسن البحتري أيضاً في متابعة العطاء كل الإحسان، فمن ذلك قوله:
إلى فتى يتبع النعمى نظائرها ... كالبحر يتبع أمواجاً بأمواج
وقوله:
فإن تتبع النعمى بنعمى فإنه ... يزين الآلي في النظام ازدواجها
وقوله:
إذا كرت الآمال فيه تتابعت ... مواهب مكرور الأيادي معادها
(3/165)

وأحسن من كل حسن قوله:
يكر نواله عللاً علينا ... كرور الكأس أترعها المدير
وقال البحتري أيضاً في أحمد بن محمد بن بسطام:
تتابع منه كل يوم مواهب ... تفوت ارتداد الطرف سبقاً عجولها
إذا كرها بالبر منه أعادها ... على النهج محمود السجايا جميلها
وقال:
بلغت يداه إلى التي لم أحتسب ... وثنى لأخرى فهو باد عائد
هو واحد في المكرمات وإنما ... يكفيك عادية الزمان الواحد
والبحتري في هذا كله أشعر من أبي تمام.
(3/166)

* وفي تشبيه جود الجواد بالسحاب والغيث والأنواء
قال أبو تمام:
مواهب جدن الأرض حتى كأنما ... أخذن بآداب السحاب الهواطل
وهذا حسن جداً.
وقال:
نشأت من يمينه نفحات ... ما عليها ألا تكون غيوما
والبيت الأول أجود.
وقال:
جرى حاتم في حلبة منه لو جرى ... بها القطر شأواً قيل أيهما القطر
فهذا تشبيه بالسحاب.
وأكثر ما جاء عنه تفضيل جود الجواد على السحاب فمن ذلك قوله:
في قلة كثر السماك وإن غدا ... هطلاً وعفو يديه جهد المرزم
(3/167)

السماك سماكان: الأعزل والرامح، وهما كوكبان من نجوم برج الأسد ونوء الأسد من أغزر الأنواء، والمرزم أحد كوكبي ذراعي الأسد وقال ابن هرمة:
جواد تبارى المرزمين شماله ... وتحقر أنواء الربيع يمينها
قول أبي تمام أبلغ، وهذا أحسن لفظاً وأبرع.
وقوله:
غيث حوى كرم الطبائع دهره ... والغيث يكرم مرة ويلوم
وهذا غاية في الحسن والصحة.
وقال في مثله:
كرمت راحتاه في أزمات ... كان فيها صوب الغمام لئيما
وقال:
ولا أرى ديمة أنفى لنائبة ... منه على أن ذاكراً طار للديم
وقال:
له كرم لو كان في الماء لم يغض ... وفي البرق ما شام امرؤ برق خلب
(3/168)

وقال:
إن غاض ماء المزن وفضت وإن قست ... كبد الزمان على منت رؤوفا
وقال:
يفيض سماحة والمزن مكد ... ويقطع والحسام العضب ناب
وقال:
إذا وعد انهلت يداه فأهدتا ... لك النجح محمولاً كاهل الوعد
دلوحان تفتر المكارم عنهما ... كما الغيث مفتر عن البرق والرعد
قوله: «دلوحان» من السحاب والدوالح، وهي المثقلة بالماء.
«تفتر المكارم عنهما» تبدو وتظهر.
«كما الغيث مفتر عن البرق والرعد» أقام راحتيه مقام البرق والرعد، وأن الغيث يفتر عنهما.
هذا على ظاهر لفظ أبي تمام، وهو عندي من المقلوب، لأن حقيقة الافترار الانكشاف، ومنه قولهم: فررت الدابة، أي: كشفت جحفلته لأنظر إلى
(3/169)

سنه وقد فر فلان عن ذكاء، وفر عن عقل أي كشف، فوجه الكلام: دلوحان يفتران عن المكارم، أي ينكشفان وينفتحان عن الغيث، وهو عندي من المقلوب الحسن السائغ الجائز مثله للمتأخرين، لأن اليدين إذا انفتحتا وانكشفتا عن المكارم فإن المكارم أيضاً قد انكشفت، وكذلك البرق والرعد إذا انفتحا وانكشفا عن الغيث، فإن الغيث قد انكشف واتضح.
وقال البحتري في هذا المعنى:
لعمرك ما الدنيا بناقصة الجدا ... إذا بقي الفتح بن خاقان والقطر
وقال:
وجرى جوده رسيلاً لجود ال ... غيث من غاية فجاءا سواء
وقال:
فهو غيث والغيث محتفل الود ... ق وبحر والبحر طامي العباب
فهذا شرط في غاية الجودة والقوة ولكن قول أبي تمام:
يفيض سماحة والمزن مكد ... ويقطع والحسام العضب نابي
ألطف معنى.
وقد فضل البحتري جود الجواد على السحاب والغيث وتصرف في ذلك وافتن افتناناً
(3/170)

عجيباً فقال:
ليس السحاب ببالغ فيه الرضى ... فأقول إن نداه صوب سحاب
وقال:
إن أنا شبهته بالغيث في مدحي ... ضضت منه وكنت المادح الهاجي
وقال:
فلو ذارعت أخلاقه الغيث حافلاً ... لحاجزها باع من الغيث ضيق
وقال:
كرمت وكان القطر أنأى مسافة ... وأضيق باعاً من نداك وأقصرا
وقال:
وأكبر أن أشبه جود فتح ... بماء غمامة أو سيل واد
وقال:
ويحمل إسماعيل عنا ابن بلبل ... من المحل عبئاً ليس يحمله القطر
بغزر يد منه تقول تعلمت ... يد الغيث منها أم تقيلها البحر
(3/171)

وقال:
إن قصرت همم العافين جاش لهم ... جحاف أغلب في حافاته الزبد
عفو من الجود لم تكذب مخيلته ... يقصر القطر عنه وهو مجتهد
فقوله: «يقصر القطر عنه وهو مجتهد» مثل قول أبي تمام:
في قلة كثر السماك وإن غدا ... هطلاً وعفو يديه جهد المرزم
وبيت أبي تمام هذا أجود.
وقال البحتري:
قد قلت للغيم الركام ولج في ... إبراقه وألح في إرعاده
لا تعرضن لجعفر متشبهاً ... بندى يديه فلست من أنداده
وقال:
أقول لثجاج الغمام وقد سرى ... بمحتفل الشؤبوب صاب فعمما
أقل وأكثر لست تبلغ غاية ... تبين بها حتى تضارع هيثما
وقال:
تراح الغوادي أن تشاهد عنده ... شبائهها من سيبه وشكولها
(3/172)

بقيت وكأين جئت باديء نعمة ... يقل السحاب أن يجيء رسيلها
وقال:
أعطيت حتى تركت الريح حاسرة ... وجدت حتى كأن الغيث لم يجد
هذا من قولهم: فلان يباري الريح جوداً، فيقال: أي جود للريح حتى يباريها الجواد، فإنما المعنى أنه يباري هبوبها، فيعطي أبداً ما هبت، كما نذر لبيد أن يطعم ما هبت الصبا وخبره في هذا مشهور.
ويجوز أن يكون ذهب إلى أن الأمطار لا تكون إلا الرياح، ولا يجمع السحاب ويأتي بالغيث إلا الريح، والأول أليق وأشبه لقوله: «تركت الريح حاسرة» أي: معيبة.
وقال:
ورأيت يوم نداك أشرق بهجة ... واهتز أطرافاً ورق نسيما
ورأيت يوم الغيث في طلمائه ... جهماً محياه أغم بهيما
(3/173)

ويخص أرضاً دون أرض جوده ... وسحاب جودك في العفاة عموما
فهذا كله تفضيل لجود الجواد على الغيث.
وقد شبهه بالغيث أحسن تشبيه فقال:
يعطي على الغضب المتعتع والرضا ... وعلى التهلل والعبوس والأربد
كالغيث يسقي الخابطين بأبيض ... من غيمه وبأحمر وبأسود
وأحسن من هذا وأجمع قوله:
يجود على الطلاب سحاً وديمة ... وهطلاً وإرهاماً ووبلاً وريقا
فجاء بستة أنواع من نعوت الغيث في بيت واحد.
و «السح» شدة انصباب المطر، و «الديمة» المطر الدائم في سكون و «الهطل» فوق ذلك، و «الإرهام» من أرهمت السماء وهي الرهمة: المطر الضعيف الدائم، و «الوبل» من الوابل وهو المطر الشديد الضخم القطر، و «الريق» من تريق الماء وهو تردده على وجه الأرض من الضحضاح ونحوه، وإذا انصب الماء قلت راق يريق، ويقال أرقته أنا إراقة وهرقته، ويقال راق السراب
(3/174)

يريق إذا تضحضح فوق الأرض، والريق من كل شيء أفضله، ريق الشراب وريق المطر.
فأقول الآن في الموازنة بينها: إنه لولا قول أبي تمام:
والغيث يكرم مرة ويلوم
وقوله:
كان فيها صوب الغمام لئيما
لفضلت البحتري عليه، ولكني أجعلهما متكافئين.
(3/175)

* وفي تشبيه جود الجواد بالبحر
قال أبو تمام:
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحته
وهو معنى في غاية الجودة والصحة، وإنما حذاه على قول مسلم:
هو البحر يغشى سرة الأرض فيضه ... وتدرك أطراف البلاد سواحله
وغير معناه.
وقال:
يمين محمد بحر خضم ... طموح الموج مجنون العباب
وقال:
بحر يطم على العفاة فإن تهج ... ريح السؤال بموجه يغلولب
والشؤل ما حبلت تدفق رسلها ... وتجف درتها إذا لم تحلب
(3/176)

أراد أن هذا الممدوح يجود ويوسع، فإن سئل أعطى وأكثر وزاد، وذكر أن الشؤل ليست هذه حالها، وأن ألبانها تتدفق إذا حلبت، وتنقطع إذا لم تحلب، ففضل جوده على لبن الشول، وإنما كان ينبغي أن يفضل جوده على الغيث كما قال:
والغيث يكرم مرة ويلوم
أو على البحر حسب ما يأتي في هذا الباب، ولكنه ذكر الشؤل، لأن ألبانها غياث العرب وغناها، ومعولها ولهذا ما قال في المواعيد:
وتنتج مثلما نتج العشار
وإنما أخذ قوله:
وتجف درتها إذا لم تحلب
من قول بشار:
والدر يقطعه جفاء الحالب
وهذا كله جيد بالغ
(3/177)

ولم يمر بي له تفضيل جود الجواد على البحر، ولكن البحتري يقول في المعتز:
ملك تدين له الملوك وتقتدي ... لجج البحار بسيبه المتدفق
وقال فيه:
لم أر كالمعتز في حلمه ال ... وافي وفي نائله الغمر
يستصغر البحر إذا استمطرت ... يد له تربي على البحر
وأجود من هذا قول قعنب بن أم صاحب:
قالوا الفرات وما أرضى به شبهاً ... ولن يقوم بجاري سيبك النهر
يسقي من الأرض جنباً لا يجاوزه ... وسائر الأرض منه يابس صفر
(3/178)

وقد تقدم الناس في هذا وأكثروا، وكل هذا إفراط حسن مستحلى لا ينفر منه الطبع، ولكن الرديء المطرح المرذول عند أهل العلم بصناعة الشعر ما أنشده المبرد لبعضهم:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحة لو أن معشار جودها ... على البر صار البر أندى من البحر
ولو أن خلق الله في مسك فارس ... وبارزه كان الخلي من العمر
وقال البحتري في ذلك:
إذا قرن البحر الخضم بأنعم ال ... خليفة كاد البحر فيهن يغرق
وقال:
فات الرجال وفي الرجال تفاوت ... بخصائص الأخلاق والآداب
فكأنما البحر استجاش يمينه ... فقضى بها أرباً من الآراب
وقال:
وفي جوده بالبحر والبحر لو رمى ... إلى ساعة من جوده ما وفى بها
وقال:
ألست ترى مد الفرات كأنه ... جبال شرورى جئن في البحر عوما؟
(3/179)

ولم يك من عاداته غير أنه ... رأى شيمة من جاره فتعلما
وقال في المعتز:
بحلم كأن الأرض منه توقرت ... وجود كأن البحر منه تفجرا
ولا خفاء بفضل البحتري في هذا الباب على أبي تمام.
(3/180)

* ومن خبط الجواد بنائله من غير تمييز ولا تأمل لإيقاع الصنيعة فيم موقعها
قال أبو تمام:
إذا ما غدا أغدى كريمة ماله ... هدياً ولو زفت لألأم خاطب
وهذا وأبيك الكرم المحض.
وقال:
فتى جوده طبع فليس بحافل ... أفي الجور كان الجود منه أم القصد
وهذا أيضاً غاية الكرم.
وقال البحتري:
تغطرس جود لم يملكه وقفة ... فيختار منها للصنيعة موضعا
(3/181)

وهذا أيضاً جيد.
وقال البحتري:
ماض على عزمه في الجود لو وهب ال ... باب يوم لقاء البيض ما ندما
وهذا أجود الناس وأجهلهم.
وقال أبو تمام في المعتصم:
عطاء لو اسطاع الذي يستميحه ... لأصبح من بين الورى وهو عاذله
وقال فيه يصف مذاهبه في عزائمه:
وعزائماً في الروع معتصمية ... ميمونة الإدبار والإقبال
فتعمق الوزراء يطفو فوقها ... طفو القذى وتعقب العذال
وهذا ليس بالجيد، ومن هذا الذي يعذل الخليفة على أمر يعزم عليه، إنما يشير ويذكر صواباً إن كان عنده، فأما أن يعذل فلا.
وقال البحتري في المهتدي:
وقد أعجز العذال أن يتداركوا ... لهى تسبق الألحاظ قبل ارتدادها
والذي هو في غاية القبح قول البحتري في المعتز:
لا العذل يردعه ولا ال ... تعنيف عن كرم يصده
(3/182)

فجعل الخليفة ممن يعذل ويعنف على الكرم.
وقول أبي تمام:
ميمونة الإدبار والإقبال
لفظ غير جيد، من أجل لفظة «الإدبار» كأنه أراد أن يقول: ميمونة البدء والعود، والكر والرجوع أو التصرف، فقال: «الإدبار» من أجل قوله «الإقبال».
وقال أبو تمام:
أمهدياً لحيت على نوال ... لقد حكت الملام لغير واع
وقال:
لا ملبس ماله من دون سائل ... ستراً ولا منصب المعروف للعذل
قوله: «ولا منصب المعروف للعذل»، أي: لا يجعله نصيباً للعذل، ويمنع من الإعطاء.
(3/183)

وقال البحتري:
له بدع في الجود تدعو عذوله ... عليها إلى استحسانها فيساعده
وقال أيضاً:
ملوم على بذل التلاد مفند ... ولا مجد إلا للملوم المفند
وقال:
أشهرت ليل عواذل لولا لهى ... تصفى كرائمها لبتن هواجدا
يسقين منك الغيظ دون معاشر ... يسقون بالذم الزلال الباردا
وإذا وسمنك والبخيل بنبزة ... كنت المضلل والبخيل الراشدا
وقال:
وإذا ما رياح جودك هبت ... صار قول العذال فيها هباء
وقال:
إذا جاد أغضى العاذلون وكفهم ... قديم مساعيه التي تتقيل
ومن ذا يلوم البحر إن بات ذاخراً ... يفيض وصوب المزن إن راح يهطل
وهذا غاية في الحسن والبراعة، وإنما أخذه من قول الشاعر المعروف
(3/184)

بأبي الأسد في الفيض:
ولائمة لامتك يا فيض في الندى ... فقلت لها لن يقدح اللوم في البحر
أرادت لتثني الفيض عن عادة الندى ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر
بيت البحتري الثاني أجمع، وبيت أبي الأسد الثاني أبرع، والبحتري في هذا الباب، أشعر من أبي تمام.
(3/185)

* تعجرف الجواد على ماله وإتلافه إياه
قال أبو تمام:
كأن أمواله والبذل يمحقها ... نهب تعسفه التبذير أو نفل
وقال:
جزى الله كفاً ملؤها من سعادة ... سرت في هلاك المال والمال نائم
قوله: «ملؤها من سعادة» من أحسن لفظة وأبرعها.
وقال:
كم وقعة لك في المكارم ضخمة ... غادرت فيها ما ملكت قتيلا
«ضخمة» لفظة غير جيدة في هذا الموضع ولا لائقة، وإنما جعلها في موضع «عظيمة».
(3/186)

وقوله: «في المكارم» أي في سبيل المكارم، كما تقول: في الله، أي في سبيل الله.
وقال:
وإن خفرت أموال قوم أكفهم ... من النيل والجدوى فكفاه مقطع
وهذا البيت مما عهدت الشيوخ يضحكون منه، وقد أتى البحتري بمثل قوله: «فكفاه مقطع»، ولكنه جاء به حسناً فقال:
تحسب في وفرة يداه يدي ... عدوه أو لغيره نشبه
وقال أبو تمام:
فالمال أني ملت ليس بسالم ... من بطش كفك مصلحاً أو مفسدا
وقال:
يلقى بها حر التلاد وعبده ... عند السؤال مصارعاً وحتوفا
وقال:
كم نفحة لك لم يحفظ تعجرفها ... لصامت المال إلا ولا ذمما
(3/187)

وقال:
ملكت ماله المعالي فما تل ... لقاه إلا فريسة للحقوق
يقظ وهو أكثر الناس إغضا ... ء على نائل له مسروق
فقوله: «فريسة للحقوق» كلام حسن حلو.
وقوله: «على نائل مسروق»، معنى ليس بالجيد بل هو رديء، لأن نائله هو ما ينيله، فكيف يكون مسروقاً منه؟!، وهل يكون الهجو إلا هكذا: أن يجعل نائله مأخوذاً منه على وجه السرقة؟.
وإنما اعتمد المطابقة لما وصفه بالتيقظ جعله ممن يسرق منه، إذ كان من شأن المتيقظ ألا يغفل حتى يستمر عليه السرق، وكان يصح هذا المعنى لو قال:
«على مال له مسروق» حتى يكون يعطي ماله اختياراً لجوده، ويغضي إذا سرق منه لمكروه، وقد ذكرت في أغاليطه على هذا الشرح.
وقال البحتري في هذا الباب:
فكم لك في الأموال من يوم وقعة ... طويل من الأهوال فيه عويلها
(3/188)

ومثل هذا قول أبي نواس:
بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح
وما زال الناس يعيبون قوله: «بح».
وقال البحتري أيضاً:
ويحكم في ذخائره نداه ... كما حكم العزيز على الذليل
وأحسن من كل حسن قوله:
يتفادى من نداه تالد ... لو ترقى للثريا ما وأل
وهذا أجود من أبيات أبي تمام كلها.
وقال:
غريب المكرمات ترى لديه ... رقاب المال تهتضم اهتضاما
إذا وهب البدور رأيت وجهاً ... يخال لحسنه البدر التماما
وقال في محمد بن عبد الملك:
ما فقدنا الإعدام حتى مددنا ... أملاً نحو سيبك الممدود
سؤدد يصطفي ونيل يرجى ... وثناء يحيا ومال يودي
(3/189)

* دفع جود الجواد وعطاياه لنوائب الدهر
قال أبو تمام:
مشت الخطوب القهقري لما رأت ... خببي إليك مؤكداً برسيم
فزعت إلى التوديع غير لوبث ... لما فزعت إليك بالتسليم
والدهر ألأم من شرقت بلومه ... إلا إذا أشرقته بكريم
وهذا البيت الأخير من الاستعارة القبيحة.
وقوله:
صدمت مواهبه صدمة ... شغبت على شغب الزمان الأنكد
وحسبك ب «صدمت» لفظة هجينة قبيحة.
وقال:
أي مداو للمحل نائله ... وهانيء للزمان من جربه
إن جد رد الخطوب تدمى وإن ... يمزح فجد العطاء في لعبه
(3/190)

قوله:
«وهانيء للزمان من جربه»
هي الاستعارة الجيدة الحسنة، وكان ينبغي أن يقول:
«وإن يلعب فجد العطاء في لعبه»
وأبلغ وأجود من هذا قول البحتري:
وادع يلعب بالدهر إذا ... جد في أكرومة قلت هزل
وقال أبو تمام وأحسن:
برقت بوارق من يمينك غادرت ... وضحاً بوجه الخطب وهو بهيم
ضربت أنوف المحل حتى أقلعت ... والعدم تحت غمامها معدوم
وقال:
أوطأت أرض البخل فيها غارة ... تركت حزون الحادثات سهولا
وهذا كله جيد.
وقال:
ألا لا يمد الدهر كفاً بسيء ... إلى مجتدي نصر فتقطع من الزند
وهذا من مضاحيك شعره التي تشبه شعر أبي العبر.
(3/191)

وقال البحتري:
شامت بروق سحابة قرشية ... غرقت صروف الدهر بين سيولها
وقال:
كريم لا يزال له عطاء ... يغير سنة السنة الجماد
وقال:
إن ترم آلاؤه في الدهر عن وتر ... تكن لها نوب الأيام أهدافا
وهذا بيت حسن جداً.
وقال:
ودع الخطوب فإنه يكفيها ... من حيث واجهها أبو الخطاب
خرق إذا بلغ الزمان فناءه ... نكصت عواقبه على الأعقاب
وقال:
قمر من الفتيان أبيض صادع ... لدجى الزمان الفاحم الغربيب
أعيا خطوب الدهر حتى كفها ... والدهر سلك حوادث وخطوب
قوله: «سلك حوادث» من أحسن لفظ وأعذبه.
هما عندي في الباب متكافئان، على ما لأبي تمام من الإساءة.
(3/192)

* وفي إعطاء الجواد حتى لا يجد من يعطيه
قال أبو تمام:
فنول حتى لم يجد من ينيله ... وحارب حتى لم يجد من يجاربه
وقد قال أبو نواس:
وأطعم حتى ما بمكة آكل
قال علي بن جبلة وأظن أبا تمام أخذ منه:
أعطيت حتى لم تجد لك سائلاً ... وبدأت إذ قطع العفاة سؤالها
ومثله سواء قول البحتري ومنه أخذ فيما أظن:
جاد حتى أفنى السؤال فلما ... باد منا السؤال جاد ابتداء
(3/193)

وعلى أن هذا كله عندي من المعاني المشتركة، التي ليس بمنكر أن تتفق الخواطر فيها لأنها خلائق الأجود مشاهدة، وما شوهد وصف واتفق عليه.
وقال أبو تمام أيضاً:
تلافى نداك المجتدين فأصبحوا ... ولم يبق مذخور ولم يبق مجتد
وقال البحتري:
إذا قيل قد فنى السائلو ... ن قالت عطاياه هل من مزيد
صاحب أبي تمام أكرم، لأنه لم يبق مذخوراً.
وقوله: «قالت عطاياه هل من مزيد»، فالعطايا هي ما يعطيه فيخرج عن يده إلى المجتدين، فكيف قالت: هل من مزيد؟؟، وإنما وجه الكلام لو ساغ له الوزن أن يقول: قالت مكارمه هل من طالب؟، هل من ملتمس؟، وهذا عندي في الخطايا شبيه بقول أبي تمام:
وأضحت عطاياه نوازع شرداً ... تسائل في الآفاق عن كل سائل
وقال البحتري:
بث اللهى في المعتفين فلم يدع ... في الأرض مجتدياً ولا مسترفدا
(3/194)

المجتدي هو المسترفد، وقد وكد الأول بالثاني لاختلاف اللفظين، ولو كان بينهما خلاف كان أجود في المعنى، ولا يجوز أن يكون مسترفداً بفتح الفاء، أي شيئاً يرفد، لأن ذلك في الأرض كثير وليس يملكه، ويحين أن يقال على المبالغة: لم يدع في الأرض مسترفداً إلا أغناه، يريد مسترفداً له.
وقال البحتري:
أعطيت حتى لم تجد لك سائلاً ... وعلوت حتى لم تجد لك مصعدا
وقال أبو تمام في نحو هذا:
وإذا حللت به أنالك جهده ... ووجدت فوق الجهد منه مزيدا
وقال البحتري:
جاد حتى لو استزيد من الجو ... د لما كان عنده من مزيد
وكلاهما قد ذهب مذهباً جيداً محموداً.
(3/195)

* في التذاذ الجواد بالجود
قال أبو تمام في المأمون:
لو يعلم العافون كم لك في الندى ... من لذة وقريحة لم تحمد
أي: من لذة واقتراح، أي: ابتداع واستخراج.
وهذا عندي غلط منه، لأن هذا الوصف الذي وصفه به، داعيه إلى أن يتناهى الحامد له في الحمد ويجتهد في الثناء، لا أن يدع حمده، وإنما ذهب إلى أن الإنسان إنما يحمد على الشيء الذي يتكلفه ويتجشمه ويتحمل المشقة فيه لا على الشيء الذي له بواعث شهوة وشدة صبابة إليه وميل إلى فعله، ومن كان غرامه بالجود هذا الغرام، فعلى قدر ذلك يجب أن يحمد ويمدح، وقد
(3/196)

ذكرت هذا في أغاليطه على هذا الشرح.
فأما قول البحتري:
ولقد أبدت الحمد حتى لو بنت ... كفاك مجداً ثانياً لم يحمد
فمذهب صحيح، يريد أنك قد أفنيت أوصاف المحامد، فإن جئت بنوع من المكارم تبني بها مجداً آخر لم يقدر من يحمدك أو يثني عليك على أكثر مما قدم.
وقال البحتري:
يلذ الأريحية للعطايا ... كما لذت لشاربها الشمول
وهذا حسن حلو.
ووجدت في التعليقات أن بشاراً أخذ قوله في عقبة بن سلم:
ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء
(3/197)

من قول القائل:
يلذ عطاء الراغبين إذا غدوا ... كما لذ أنفاس العروس مشوق
وهذا كله أجود من قول أبي تمام.
(3/198)

* إغناء الجواد للسائلين حتى يكونوا مسئولين
وقال أبو تمام:
تندى عفاتك للعفاة وتغتدي ... رفقاً إلى زوارك الزوار
وقال:
فما يلحظ العافي جداك مؤملاً ... سوى لحظة حتى يؤوب مؤملاً
وقال:
فكم لحظة أعطيتها لابن نكبة ... فأصبح منها ذا عقاب ونائل
وقال:
وكنت أخا الإعدام لسنا لعلة ... فكم بك بعد العدم أغنيت معدما
(3/199)

وإذ أنا ممنون على ومنعم ... فأصحبت من خضراء نعماك منعما
وأنشد ابن أبي طاهر لأبي تمام:
وأني لأرجو عاجلاً أن تردني ... مواهبه بحراً ترجى مواهبي
وذكر أنه أخذه من قول دعبل:
إن جاءه مرتغباً سائل ... آلت إليه رغبة السائل
فسائر أبياته على هذا محذوة.
وقال البحتري في مثل ذلك:
ألحقتني برجال كنت أتبعهم ... وأطلب الرفد منهم إن هم رفدوا
فالآن أجدي كما كانت سراتهم ... تجدي وأحمد إفضالاً كما حمدوا
مقسماً نشبي في عصبتي طلب ... فعصبته صدرت وعصبة ترد
(3/200)

وقال:
كرم الأمير بن الأمير فأقبل ال ... مجدي إليه وهو عاف مجتد
وقال:
أما أياديك عندي فهي واضحة ... ما أن تزال يد منها تسوق يدا
ألازمي الكفر إن لم أجزها كملاً ... أم لاحقي العجز إن لم أحصها عددا
أصبحت أجدي على العافين مبتدئاً ... منها وما كانت إلا مستميح جدا
ومن يبت منك مطوياً على أمل ... فلن يلام على إعطاء ما وجدا
وهذا في غاية الحسن.
وقال:
من شاكر عني الخليفة في الذي ... أولاه من طول ومن إحسان
حتى لقد أفضلت من أفضاله ... ورأيت نهج الجود حين أراني
ملأت يداه يدي وشرد جوده ... بخلي فأفقرني كما أغناني
ووثقت بالخلف الجميل معجلاً ... منه فأعطيت الذي أعطاني
أخذ هذا من قول ابن الخياط المكي:
(3/201)

لمست بكفي كفه ابتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذووا الغنى ... أفدت وأعداني ففرقت ما عندي
هما عندي في هذا الباب متكافئان، لأنهما أخذا المعنى الذي ركباه من غيرهما.
(3/202)

* ذكر الشرف في العطاء
قال أبو تمام في أبي دلف:
تدعى عطاياه وفراً وهي إن شهرت ... كانت فخاراً لمن يعفوه مؤتنفا
ما زلت منتظراً أعجوبة زمناً ... حتى رأيت سؤالاً يجتني شرفا
وهذا معنى حسن جداً.
وإنما أخذه من قول أمية بن أبي الصلت:
(3/203)

عطاؤك زين لامريء إن حبوته ... بخير وما كل العطاء يزين
وقال أبو تمام:
لا يكرم النائل المعطى وإن أخذت ... به الرغائب حتى يكرم الطلب
وقال البحتري ومنه أخذ:
علمتني الطلب الشريف وربما ... كنت الوضيع من اتضاع مطالبي
وقال:
عالي النوال أنالني بنواله ... شرفاً أطل على النجوم منيفه
أي اليدين أجل عندي نعمة ... إغناؤه إياي أم تشريفه
(3/204)

وقال:
وإذا اجتداه المجتدون فإنه ... يهب العلا في نيله الموهوب
شهرت عطاياه فصرن قبائلاً ... لقبائل من زوره وشعوب
كم حزن من ذكر لغفل خامل ... وبنين من حسب لغير حسيب
قول أبي تمام:
حتى رأيت سؤالاً يجتني شرفا
خير من هذا كله، وإن كان المعنى مسروقاً.
وقال أبو تمام في ضد ما تقدم:
فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي ... أساء ففي سوء القضاء لي العذر
حذا حذو قول عباس بن الأحنف:
وما كان مثلي يعتريك رجاؤه ... ولكن أساءت شيمة من فتى محض
(3/205)

وقال البحتري:
لمتني أن رميت في غير مرمى ... وعزيز علي تضييع سهمي
إن أكن خبت في شؤال بخيل ... فبكرهي ذاك السؤال ورغمي
وهذا جيد بالغ.
وأبو تمام أشعر في قوله: «يجتني شرفا» وإن كان المعنى مأخوذاً.
(3/206)

* ما قالاه في شفاعة الجواد
قال أبو تمام:
أنضرت أيكتي عطاياك حتى ... صار ساقاً عودي وكان قضيبا
ممطر لي بالجاه والمال ما أل ... قاك إلا مستوهباً أو وهوبا
وإذا ما أردت كنت رشاء ... وإذا ما أردت كنت قليبا
وهذا معنى في غاية الحسن وتمثيل في غاية الصحة.
وقال:
فلقيت بين يديك حلو عطائه ... ولقيت بين يدي مر سؤاله
وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله
وهذا حسن جداً.
ولدعبل مثل معنى البيت الأول وأظن أبا تمام عليه حذا وذلك قوله:
(3/207)

شفيعك فاشكر في الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
فأما معنى البيت الثاني فمبتذل متداول، يجري في العادات وفي كلام الناس، إلا أن أبا تمام أحسن العبارة عنه فصار مثلا.
وقال البحتري:
وكريم غدا فأعلف كفي ... مستميحاً في نعمة من كريم
حاز حمدي وللرياح اللواتي ... تجلب الغيث مثل حمد الغيوم
وأصحاب السرقات يقولون: هذا مأخوذ من قول أبي تمام:
«وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة»
وليس الأمر كذلك، لأن هذا المعنى مشترك بين الناس، وليس باختراع لأبي تمام، لأنك دوماً تسمع القائل يقول لمن بلغ حاجته بشفاعته: ما أعتد هذا إلا من مالك، أو من الله ثم منك، فليس لأبي تمام فيه أكثر من أن عبر عنه عبارة حسنة مكشوفة، فصارت مثلاً، والمعنى جار في العادات فجاء به البحتري ومثله بمثال أبدع فيه فأغرب، وهو قوله:
حاز حمدي وللرياح اللواتي ... تجلب الغيث مثل حمد الغيوم
(3/208)

فلو كان أبو تمام أورد هذا المعنى، كان البحتري سارقاً منه لا محالة.
وقال البحتري:
يشفعني فيما يعز وجوده ... ويمهد لي عند الرجال ويشفع
سرى الغيث يروي غرزه حيث ينبري ... وتتبعه أكلاؤه حين يقلع
وهذا أيضاً تمثيل في غاية الحسن والصحة، وهو نحو قول ابن مطير:
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
وعلى هذا الحذو أيضاً حذا البحتري في وصف قصيدته فقال:
فقد أتتك القوافي غب فائدة ... كما تفتح غب الوابل الزهر
وقال البحتري:
لم يأت جودك سابقاً في سؤدد ... إلا وجاهك للعفاة رديفه
غيثان إن حدب تتابع أقبلا ... وهما ربيع مؤمل وخريفه
(3/209)

وقال البحتري أيضاً:
أبا عيسى وأنت المرؤ تعلو ... له النفس الشريفة والقبيل
وفرتك لا هوى بك في وفور ... إذا ما حان من حق نزول
ولكن جاه ذي خطر شريف ... أراه وهو من جود بديل
وقال في المهتدي وابنه العباس:
وإني أرتجيك وأرتجيه ... لديك لنائل بك مستفاد
وأقرب ما يكون النجح يوماً ... إذا شفع الوجيه إلى الجواد
وقال في حمولة:
خطبنا إليه قوله غب فعله ... ومن يفعل المعروف فهو يقول
وما عائد من جاهه بعد جوده ... بمبعده من أن ينال جزيل
(3/210)

أراني حقيقاً أن أؤول إلى الغنى ... إذا كانت الشورى إليك تؤول
وقال:
وهبت لنا العناية بعدما قد ... نراها عند أقوام تباع
ولم يحظر علينا الجاه حتى ... جرت عنه المذانب والتلاع
ففعلك إن سئلت لنا مطيع ... وقولك إن سألت لنا مطاع
وقال:
ولما التمست جاهه جاء تالياً ... لمستسلف من سبق موهوب ماله
ولست خليقاً بانتفاع ترومه ... بقول امريء لم تنتفع بفعاله
وقال:
ظننت به التي سرت صديقي ... فكان الظن قادم اليقين
وكنت إليه في وعد شفيعي ... فصرت إليه في نجح ضميني
وما ولي المكارم مثل خرق ... أغر يرى المواعد كالديون
وقال:
راسنا أمس جاهه وثنى اليو ... م لنا بالرياش أجمع ماله
كان معروفه المقدم قولاً ... فقفا القول من قريب فعاله
(3/211)

قد تصرف البحتري في هذا الباب تصرفاً جميلاً، وأحسن كل الإحسان في قوله:
«إذا شفع الوجيه إلى الجواد»
ولولا قول أبي تمام:
«فلقيت بين يديك حلو عطائه»
لفضلته على أبي تمام، ولكني أجعلهما متكافئين.
(3/212)

* ذكر ما استنه الكريم في الناس من الكرم
قال أبو تمام:
أيقظت نوام الكرام بحادث ... لنداك أظهر كنز كل كريم
ولقد نكون ولا كريم نناله ... حتى نخوض إليه ألف لئيم
وسنن بالمحمود من أثر الندى ... سنناً شفت من دهرنا المذموم
وسم الورى بخصاصة فوسمته ... بسماحة على الخرطوم
وهذه معان جياد.
وقال:
أوليس عمرو سن للناس الندى ... حتى اشتهينا أن نصيب بخيلا
(3/213)

وما زال الناس يستقبحون هذا اللفظ والمعنى، وإنما سمع أبا نواس قال:
سن للناس الندى فندوا ... فكأن البخل لم يكن
فأخذه وأفسده بشهواته أن يصيب بخيلاً
وقال:
أرى الناس منهاج الندى بعدما عفت ... مهايعه المثلى ومحت لواحبه
ففي كل شرق للبلاد ومغرب ... مواهب ليست منه وهي مواهبه
وهذا معنى حسن جداً، ومثله قول البحتري:
رغبت قوماً في السماح وأين هم ... إن ساجلوك من السماك الأعزل
ساموك من حسد فأفضل منهم ... غير الجواد وجاد غير المفضل
فبذلت فينا ما بذلت سماحة ... وتكرماً وبذلت ما لم تبذل
قوله: «وجاد غير المفضل»، أي: صار جواداً من لم يقدر على الإفضال، وقوله: «وبذلت ما لم تبذل» أي: لما ساماك حسادك فسمحوا وبذلوا، كان ذلك البذل كأنه منك، وإن لم تكن بذلته على الحقيقة، فهذا معنى قول أبي تمام:
ففي كل شرق في البلاد ومغرب ... مواهب ليست منه وهي مواهبه
(3/214)

وقال البحتري:
كم سري تقيل السرو عنهم ... واشتباه الأفعال عدوى وإلف!
وقال:
أقام به في منتهى كل سؤدد ... فعال أقام الناس دون مناله
فإن قصرت أكفاؤه عن محله ... فإن يمين المرء فوق شماله
وما أحسن ما قال دعبل:
علم الجري في السماحة حتى ... قد جرى في السماح كل بليد
رأيه للخطوب والسيف للمض ... رب وقف والمال للتبديد
هما في هذا الباب متكافئان، لأنهما ركبا معنى قد تقدم الناس فيه، وهو من المعاني المشتركة.
(3/215)

* في اعتذار الجواد بعد العطاء
قال أبو تمام:
له كرم لو كان في الماء لم يغض ... وفي البرق ما شام امرؤ برق خلب
أخو أزمات بذله بذل محسن ... إلينا ولكن عذره عذر مذنب
أزمات: شدائد وجدب.
وقال:
يعطي عطاء المحسن الخضل الندي ... عفواً ويعتذر اعتذار المذنب
هذا من قول دعبل:
فتى يعتفيك بإنعامه ... كما تعتفيك يد الطالب
ويعطيك معتذراً فوق ما ... تؤمله رغبة الراغب
فتحوى مواهبه جمة ... وأنت بمنزلة الواهب
(3/216)

وهذا من قول زهير:
كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وأما البحتري فإنه قال في الطائي:
أيد الأعباء لو حمله ... سائلو القوم ثبيراً لحمل
ساحة إن يعتمدها يعترف ... ناشد السؤدد فيها ما أضل
حيث لا تبلى المعاذير ولا ... يطأ اليأس على عقب الأمل
ولكن لم يرد البحتري بالمعاذير، الاعتذار الذي يقع مع العطاء على نحو ما ذهب إليه أبو تمام، ولكن قوله:
أيد الأعداء لو حمله ... سائلو القوم ثبيراً لحمل
ينفي عنه الاعتذار على كل حال.
وكلاهما أحسن، وأبو تمام فيما ذهب إليه أشعر.
(3/217)

صفحة فارغة [في المطبوع]
(3/218)

وها هنا باب آخر في الاعتذار للجواد من تأخر عطائه
قال أبو تمام:
على أي أحوال مضيت فشاكر ... لما كان من بر الأمير وعاذر
فإن صدق البرق الذي شمت عارضاً ... فلا عجب من أن تجود المواطر
وإن عاقت الأسباب فالبحر ربما ... تمنع منه جانب وهو زاخر
وهذا مثل قول أبي ذفافة المصري، أحد شعراء البرامكة:
أنت الربيع الذي تحيا الأنام به ... كل يعيش بفضل منك مقسوم
وما السحاب إذا ما انجاب عن بلد ... وحان ميقاته فيه بمذموم
إن جدت فالجود أمر قد عرفت به ... وإن تجافيت لم تنسب إلى لوم
(3/219)

وهذا حسن جداً، وأظن أبا تمام عليه حذا.
وقد تقدم ابن هرمة في هذا المعنى، فقال في المنصور:
يجود إذا ما صادف الجود حقه ... ويبخل أحياناً فيعذر بالبخل
وقال المتوكل لعبد الأعلى بن حماد النرسي: إني أريد أن أبرك فيمنعني من ذلك النسيان، فقال: أحسن الله يا أمير المؤمنين عن هذه النية جزاءك، ألا أنشدك في هذا المعنى؟، قال: هات، فأنشده:
لأشكرنك معروفاً هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إذ لم يجره قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
وقال عمارة بن عقيل في خالد بن يزيد:
(3/220)

أأترك إن قلت دراهم خالد ... زيارته إني إذاً للئيم
وقد يسلع المرء اللئيم اصطناعه ... ويعتل نقد المرء وهو كريم
«يسلع» أي: تكثر سلعته.
وقال أبو تمام:
وكنت أعلم علماً لا كفاء له ... أن ليس كل قطار ينبت العشبا
وربما عدلت كف الكريم عن ال ... قوم الحضور ونالت معشراً غيبا
وقال البحتري:
وما منع الفتح بن خاقان نيله ... ولكنها الأقدار تعطي وتحرم
سحاب خطاني جوده وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم
وبدر أضاء الأرض شرقاً ومغرباً ... وموضع رجلي منه أسود مظلم
أأشكو نداه بعدما وسع الورى ... ومن ذا يذم الغيث إلا المذمم
هما في هذا الباب أيضاً متكافئان، لأن المعنى الذي ركباه مشترك.
(3/221)

* ذكر كتمان الجواد لنائله
قال أبو تمام في الفضل بن صالح الهاشمي:
سميدع يتغطى من صنائعه ... كما تغطت رجال من فضائحها
وفأرة المسك لا يخفي تضوغها ... طول الحجاب ولا يزري بفائحها
وهذا غاية في الحسن والحلاوة.
وقال في ابن الهيثم:
عرف غدا ضرباً نحيفاً عنده ... شكر الرجال وإنه لجسيم
أخفيته فخفيته وطويته ... فنشرته والشخص منه عميم
(3/222)

جود مشيت به الضراء تواضعاً ... وعظمت عن ذكراه وهو عظيم
وهذا جيد بالغ.
«والضراء» ما واراك من شجر أو غيره، يقال: هو يمشي الضراء أي يستر ما يفعله ولا يجاهر به، يريد أنه يفعل الجميل في ستر ليكون أبعد من الامتنان.
وقال في مالك بن طوق:
وصنيعة لك قد كتمت جزيلها ... فأبى تضوعها الذي لا يكتم
مجد تلوح حجوله وفضيلة ... لك سافر والحق لا يتلثم
وهذا معنى لا يسمع ألطف ولا أحسن منه.
وقد قال دعبل:
إذا انتقموا أعلنوا أمرهم ... وإن أنعموا أنعموا باكتتام
تقوم القعود إذا أقبلوا ... وتقعد هيبتهم بالقيام
وهذا لعمري حسن، وأحسن منه قوله:
(3/223)

يهوى اقترابك كل طالب حاجة ... كرماً كما يهوى الطبيب المدنف
وإذا صنعت صنيعة أنسيتها ... وذكرت موعدك الذي لا يخلف
ولهج الناس بقول الخريمي، وأعرضوا عما سواه وهو يستحق، وذلك قوله:
زاد معروفك عندي عظماً ... أنه عندك مستور حقير
تناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير
وقال منقذ الهلالي:
فإن إحياءها إماتتها ... وإن منا بها يكدرها
وقال أبو البصير جهم بن عبد الملك أظنه السواق مولى المهالبة:
أمواله بين أخلائه ... وفي الوغى كالأسد العادي
يكتم ما يفعل من جوده ... وقد حدا في جوده الحادي
(3/224)

وقال أبو قابوس النصراني:
رأيت يحيى أتم الله نعمته ... عليه يأتي الذي لم يأته أحد
ينسى الذي كان من معروفه أبداً ... إلى الرجال ولا ينسى الذي يعد
(3/225)

* نوادر من باب الجود
بيت أبي تمام في الجود قوله:
تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله
وبيت البحتري:
لا يتعب النائل المبذول همته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر
وهذان المعنيان لا غاية وراءهما في الحسن وقد وقعت فيهما جميعاً معارضة من أهل الإعنات، فقيل في بيت أبي تمام: إن الجواد لا يعطي ما يعطيه من يده، وإن كان في يده شيء يعطيه فلن يكون مبسوط الكف به لأن الكف حينئذ تكون فارغة، وإنما يبسطها للسلام والمصافحة، لا لأن يعطي شيئاً فيها
(3/226)

وهذا معارضة في غاية الفساد، إنما ذهب أبو تمام إلى المعنى المشهور المعتاد في استعمال الناس أن يقولوا: فلان مبسوط اليد بالمكارم، وسبط الأنامل بالخيرات، ويقولون في البخيل: شنج الأصابع، وجعد الكف عن الخير، وهذا أكثر في كلامهم من أن يحتاج عليه إلى استشهاد.
وإنما أخرج أبو تمام المعنى على هذه العادة وحذا حذو مسلم بن الوليد في قوله:
لا يستطيع يزيد من طبيعته ... عن المروءة والمعروف إحجاما
إلا أنه كشف المعنى، وأحسن العبارة عنه، فصار أولى به.
وقيل في بيت البحتري: وكيف لا يتعب عين الناظر؟ وأنت ترى الإنسان أبداً يكب على شيء يعمله فتسدر عينه، وخاصة الكاتب المكب على الكتابة، أو الناظر فيها، وهذا أبداً ترى كل أحد يشكوه، وترى الإنسان يعمل طرفه في النظر إلى الشيء البعيد فيسدر ناظره حتى لا يرى شيئاً، فهل هذا كله إلا من إتعاب العين بالنظر، وأنت أبداً تقول للمديم الدراسة للكتب: لا تتعب
(3/227)

عينك وارفق بها، وروح عنها ونحو هذا.
وهذه أيضاً معارضة في غاية الفساد، لأن البحتري لم يذهب إلى استعمال العين وكذها في النظر إلى الشيء الواحد، لأن ذلك إخراج لها عن عادتها الطبيعية، كالكلام الذي إذا أخرجته عن العادة الطبيعية إلى أن ترفع به الصوت من غناء أو حداء، أو خطبة طويلة أتعبت جميع الآلات من الحلق ومجاري النفس والفكين، وإلا فالكلام الذي تستعمله في عاداتك غير متعب، لأنك لست تحمل على الطبيعة، إنما تتركها فيه وعادتها، وذلك غير متعب لها، وكذلك اليد والرجل وسائر الأعضاء، وجناح الطائر مثله، وإذا أتعبت اليد بأن تحمل الشيء الثقيل، وأتعبت الرجل بالمشي الطويل، فقد حكلت على الحركة الطبيعية وأخرجتها عن عادتها، وللطائر أيضاً في طيرانه حدود محمودة في استعمال جناحيه، ومواقيت موقتة، فإن لم يسقط للاستراحة، أسقطه التعب والكد، فهذا كله أنت تراه مشاهدة، فإنما ذهب البحتري إلى أن عين الناظر لا يتعبها النظر الطبيعي، الذي جعل الباري تبارك وتعالى له مبلغاً وقدراً فيها ليستدرك الناظر به معرفة ما يشاهد من الأشياء.
(3/228)

وهذان البيتان بيتا الطائيين في الجود.
وقال بكر بن النطاح الحنفي:
ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
وقد قال مسلم بن الوليد:
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وهذا البيت هو بيت مسلم في الجود الذي يفتخر له به، وبيت بكر أجود من هذا لقوله:
«ولو لم يكن في كفه غير روحه»
ولقوله:
«.... فليتق الله سائله»
وهذا لعمري إفراط حسن.
وبيتا الطائيين أجود معنى وألطف، لأنهما لم يخرجا عن طريقة الجود والكرم، وهذان البيتان خارجان عنهما.
(3/229)

* ومن نوادر باب الجود
قول أبي تمام في توجهه إلى عبد الله بن طاهر:
يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطى المهرية القود
أمطلع الشمس تبغي أن يؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الجود
وهذا ما لا نهاية لحسنه، ولكنه نقل هذا المعنى من قول ابن هرمة في وصف امرأة:
تبدت لنا كالشمس يوم طلوعها ... بلون غني الجلد عن أثر الورس
فلما ارتجعت الطرف قلت لصاحبي ... على مرية ما ها هنا مطلع الشمس
(3/230)

فحول المعنى إلى ذكر الجود.
وقال البحتري في معنى آخر:
دان على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضريب
كالبدر أفرط في العلو وضوؤه ... للعصبة السارين جد قريب
وهذا أيضاً غاية في حسنه ومعناه، وبيتا أبي تمام ألطف معنى.
وقال أبو تمام:
رأى البخيل من كل فظيعاً فعافه ... على أنه منه أمر وأفظع
وكل كسوف في الدراري شنعة ... ولكنه في البدر والشمس أشنع
قوله: «على أنه منه»، أي: على أن البخل من أبي سعيد أمر وأفظع منه من غيره.
وقوله: «وكل كسوف في الدراري شنعة» يريد بالدراري: النجوم المضيئة
(3/231)

وكسوفها ليس مما يظهر لعيون الناس، لأن كسوف الكواكب إنما هو أن يحصل سمته كوكب في فلك هو أسفل من فلكه فيستره، فذاك كسوفه، ولا يتفقده ولا يعرفه إلا المنجمون، فليست فيه شنعة، لأن الشنعة ما عمت رؤيته فجعل أبو تمام كسوف الكواكب شنعة وجعل كسوف الشمس والبدر أشنع وقد أحسن ولم يسيء.
وللبحتري شيء يقارب هذا المعنى، ولكن ليس مثله في الجودة وهو قوله:
فرق بين الناس في نجرهم ... ما يعظم العبد له سيده
وأنجم الأفق نظام خلا ... ما خالفت أنحسه وأسعده
لم أحفل الأشباح حتى أرى ... بيان ما تأتي به الأفئدة
(3/232)

وهذا شبيه بقول نصيب الأصغر:
وإذا جهلت من امريء أعراقه ... وقديمه فانظر إلى ما يصنع
وهذا معنى شائع.
وقال نابغة بني شيبان:
لا تحمدن امرأ حتى تجربه ... ولا تذمنه من غير تجريب
وقال آخر:
إِني امرؤ قلما أثني على أحد ... حتى أرى بعض ما يأتي وما يذر
لا تحمدن امرأ حتى تجربه ... ولا تذمن من لم يبله الخبر
وقد أحسن بشار في قوله:
ولولا الذي زعموا لم أكن ... لأحمد ريحانة قبل شم
(3/233)

وأظن أول من نظم هذا المعنى الأعشى في قوله:
فجئتك مرتاد ما خبروا ... ولولا الذي خبروا لم ترن
وقال آخر:
أبل من شئت تقله ... عن قليل لفعله
(3/234)

* ومن نوادر باب الجود
قول أبي تمام في محمد بن الهيثم
لدى ملك من أيكة الجود لم يزل ... على كبد المعروف من فعله برد
وداني الجدا تأتي عطاياه عل ... ومنصبه وعر مطالعه جرد
فقد نزل المرتاد منه بماجد ... مواهبه غور وسؤدده نجد
به أسلم المعروف بالشام بعدما ... ثوى منذ أودى خالد وهو مرتد
فقال: «داني الجدا» ثم قال «تأتي عطاياه من عل» و «الجدا»: هو العطاء الذي يعطيه، وهذا من عويصاته التي يتجنب مثلها الحذاق، وهو مشغوف بها وكأنه يريد: أن عطاياه دانية من يد المتناول، وأنها تأتي من عل لعلو قدره،
(3/235)

أو أراد أنها تأتي كما يأتي السيل من ارتفاع إلى هبوط، فيكون أغزر لها وأسرع، وكأن المعنى الأول أقوى، لأنه قد كرره وأكده بقوله:
«مواهبه غور وسؤدده نجد»
وبقوله:
ومنصبه وعر مطالعه جرد
أي: جداه دان قريب ممن يريده، ومنصبه بعيد المرام ممن يريد التعلق به أو المساواة له، فمطالعه جرد: جمع أجرد، أي ملس لا يتعلق بها شيء، كما يقال: «تقدم إليه المتناول» والمعنيان لا يتشاكلان كل التشاكل؛ لأن العطايا ليست من المنصب في شيء، وإنما كان ينبغي أن يقول: وداني الجدا تأتي عطاياه من يد هي مع الثريا، أو من راحة هي فوق النجم، حتى تكون عطاياه دانية مع علو يده، لأن العطايا منها تأتي، وعنها تصدر، فيشبه شيء شيئاً، وتصح المقابلة، أو أن يجعل الممدوح دانياً ممن يريده، دمثاً متواضعاً سهلاً، ويجعل منصبه رفيعاً وعراً صعباً، حتى يكون المعنى أنه رفيع القدر على تواضعه، كما قال البحتري:
دنوت تواضعاً وعلوت قدراً ... فشأناك انخفاض وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامي ... ويدنو الضوء منها والشعاع
(3/236)

فأما أن تجعل عطاياه دانية مع علو قدره ورفيع منصبه، فكذا يجب أن تكون، وليس هذا ببديع، ولا بمعنى مفيد، لأنه ليس بطباق، ثم أنا ما علمنا أن للمعروف كبداً، وأنه كان مرتداً فأسلم، إلا من هذه الأبيات، فأما قوله:
«..... ............. وإن قست ... * كبد الزمان علي كنت رؤوفا»
فإن استعارة الكبد ها هنا ليست بقبيحة كقبح استعارة الكبد للمعروف، لأن المعروف لا يوصف بالقسوة ولا بالشدة كما وصف الزمان، فلما وصف الزمان بالشدة والصعوبة، لم ينكر أن يجعل له على الاستعارة كبداً قاسية، فعلى هذه السبيل وما أشبهها تحسن الاستعارة وتقبح، وقوله: «منذ أودى خالد وهو مرتد» يريد خالد بن يزيد بن مزيد.
وقال في خالد بن يزيد أيضاً:
ظل عفاة يحب زائره ... حب الكبير الصغير من ولده
(3/237)

إذا أناخو ببابه أخذوا ... حكميهم من لسانه ويده
آثرني إذ جعلته لجأ ... كل امريء لا جيء إلى سنده
إيثار شزر القوى يرى جسد ال ... معروف أولى بالطب من جسده
فقد أفدنا من الأبيات الأول أن المعروف كبداً، وأنه كان مرتداً فأسلم، وأفدنا من هذه الأبيات أن جسده مما يجب أن يتطبب له، وأن الممدوح يرى أنه أولى بالطب من جسد نفسه.
وقال:
وقددت من شيم كأن سيورها ... يقددن من شيم السحاب المرزم
شهرت فما تنفك توقع باسمها ... من قبل معناها بعدم المعدم
(3/238)

وهذا من فلسفته التي يخرج العبارة عنها خروجاً صحيحاً، يريد أن المعدم إذا ملك وفكر في كريم أخلاقك، ذهب عنه البؤس والفقر قبل عطائك لثقته بالغنى من جهتك.
وقال:
لا شمسه حرة تشوى الوجوه بها ... يوماً ولا ظله عنها بمنتقل
تحول أمواله عن عهدها أبداً ... ولم يزل قط عن عهد ولم يحل
وهذا معنى ليس بالجيد، وظاهره أن أمواله أبداً تنتقل عن يده وأن كونها في يده عهد بينها وبينه، وليس بممدوح من جعل هو وماله متعاهدين، وكأنه أراد أن أمواله تحول عن عهد العاهد لها من اجتماعها عنده، ووفورهما لديه، لأنه يفرقها، ولم يحل هو قط عن عهد عليه من كرم ولا غيره.
والجيد الحسن الذي لا يتطرق عليه التأول في هذا المعنى قول البحتري:
إما تنقلت العهود فإنه ... ثبت على عهد الندى وذمامه
معاهدة الندى إنما هي بذل المال.
ومثله في الجودة قول دعبل:
(3/239)

والجود يعلم أني منذ أن عاهدني ... ما خنته وقت ميسوري ومعسوري
وقال البحتري في معاقدة الجواد والجود:
إن القناني وإن الندى ... تربا اصطحاب وأخيا لده
تعاهدا حلفاً على وفر ذي ... وفر إذا جمعه بدده
فالفعل فوت القول إن فاض في ... عارفة والجود فوت الجده
وهذا معنى حسن حلو، وقد تقدم الناس فيه، فقال موسى شهوات في سعيد بن خالد بن أسيد:
عقيد الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لم يرض الندى بعقيد
فأخذت هذا المعنى بعينه أخت الوليد بن طريف فقالت:
(3/240)

حليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لم يرض الندى بحليف
وأظن الأعشى أول سابق إلى هذا المعنى بقوله:
تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق
قيل في «أسحم داج» أنه أراد: تقاسما في ظلمة الرحم، أي: تحالفا هناك وتعاقدا، لأنهما أخوان، وقيل «أسحم داج» الرماد، لأن العرب كانت تحلف به وبالنار.
وقال حبيب بن شوذب المدني في السري بن عبد الله الهاشمي:
فك السري عن الندى أغلاله ... فجرى وكان مكبلاً مغلولا
وتعاقدا العقد الوثيق وأشهدا ... من كل قوم مسلمين عدولا
فوفى الندى لك بالذي عاقدته ... ووفى السري فما يريد بديلا
(3/241)

فهذا لم يرض بالحلف والعقد حتى أوقع بينهما شهادة قوم مسلمين عدول، فويحه، ألا قال: «وأشهدا ملك السماء وأشهدا جبريلا»؟!، لأن الإنسان قد يقول فيما يعقده على نفسه: أشهد الله وملائكته على كذا، وهذا النحو إنما يخرجه الشعراء مخرج النادرة، وهو غير حسن ولا جميل.
وقد قال حبيب بن شوذب هذا وهو حسن، وإن كان قد غلا في الاستعارة:
أنت أنف الجود إن فارقته ... عطس الجود بأنف مصطلم
ومثل قوله:
فك السري عن الندى أغلاله ... فجرى وكان مكبلاً مغلولا
قول بكر بن النطاح الحنفي:
أبا دلف إن السماحة لم تزل ... مغللة تشكو إلى الله غلها
فبشرها ربي بميلاد قاسم ... وأرسل جبريلاً إليها فحلها
(3/242)

وهذا ليس بغلو ولا استعارة قبيحة.
ومما أخرج مخرج النادرة قول ابن المولى:
رشت الندى ولقد تكسر ريشه ... فعلا الندى فوق البلاد فطارا
ونحو هذا ما أنشده الأخفش لبعضهم، وهو من باب الهجاء:
لأضربن رجائي ألف مقرعة ... غداً وأصلب آمالي على خشبه
إذ منياني قوماً لا حراك بهم ... وإن سمعت لهم في دورهم جلبه
وهذه نوادر من الشعراء مضحكات.
(3/243)

* ومن نوادر باب الجود
ويصلح أن يكون في باب «تعجرف الجواد على ماله»، قول البحتري:
غريب السجايا ما تزال عقولنا ... مدلهة في خلة من خلاله
إذا معشر صانوا السماح تعسفت ... به همة مجنونة في ابتذاله
قوله: «إذا معشر صانوا السماح» معنى رديء، لأن البخيل ليس من أهل السماح، فيكون له سماح يصونه، وسواء عليه قال: صانوا السخاء، أو صانوا الجود أو صانوا الكرم، فإن هذا كله لا يملك البخلاء منه شيئاً، وهو منهم بعيد، فكيف يصونونه؟، فإن قيل: إنما أقام السماح مقام الشيء يسمح به، وفي مجازات العرب ما هو أبعد من هذا، قيل: البحتري لا يسوغ له مثل ذلك ولا يجوز له، لأنه متأخر، لا سيما وليست ها هنا ضرورة؛ لأنه قد كان يمكنه أن
(3/244)

يقول: «صانوا الثراء» مكان «السماح»، [وينبغي أن يلحق هذا بمساوئه].
ومن هذا الباب قول البحتري أيضاً:
يا ابن عبد المليك الحم ... د وقوف بين الندى والجود
ما فقدنا الإعدام حتى مددنا ... سبباً نحو سيبك الموجود
سؤدد يصطفى ونيل يرجى ... وثناء يحيا ومال يودي
ويصلح أن يكون في باب الرجاء والأمل.
قوله: «ملكك الحمد وقوف» إن كان أراد: وقوف قوم بين الندى والجود، أي: ليس لهم فيهما حظ، فقد أقام النعت مقام المنعوت، والمعنى رديء، جعل الممدوح لم يملك الحمد إلا لما بخل هؤلاء، فلم يكن لهم في الجود حظ، فكأنهم هم الذين ملكوه الحمد، أي: إنما حمد لما أضيفت أفعاله إلى
(3/245)

أفعال البخلاء، وهذا إلى الذم أقرب منه إلى المدح.
وكأنه أراد «ملكك الحمد وقوف»، أي: وقوفك بين الندى والجود، أي: إنك لا تقف إلا بينهما، كأنه مقيم بينهما لا يفارقهما، كما يقال: أنا مقيم بين أمرك ونهيك، وواقف عند طاعتك.
وقوله: «بين الندى والجود» ليس بالجيد، لأن الندى هو الجود والجود هو الندى، يقال: فلان يتندى على إخوانه ويتجود عليهم، ويقال: هو ذو ندى، كما يقال: هو ذو جود.
و «بين» ها هنا ليست قوية المعنى، لأنها ليست كالواو التي تنسق بالكلمة على الكلمة الأخرى التي هي في معناها، مثل النأي والبعد، والسر والنجوى، بل يوجب أن تكون إحدى الكلمتين غير الأخرى، وكأن البحتري ذهب إلى أن الندى سجيته في الكرم والبذل، وأن الجود العطاء، وهو محتمل وينبغي أن يلحق هذا أيضاً بمساوئه.
ومن نوادر باب الجود قول أبي تمام:
نعم الفتى عمر في كل نائبة ... نابت وقل له نعم الفتى عمر
يعطي ويحمد من يأتيه يحمده ... فشكره عوض وماله هدر
(3/246)

وهذا نهاية في حسنه وصحته، ولست أعرف للبحتري مثل هذا المعنى، ولكنه قال:
فهو يعطي جزلاً ويثني عليه ... ثم يعطي على الثناء جزاء
وهذا مذهب آخر، وذلك ألطف وأجود في معناه.
ومن نوادر باب الجود أيضاً قول أبي تمام في أبي الغريب يحيى بن عبد الله القمي:
عرفنا الجود فيك وما عرضنا ... لسجل من نداك ولا ذنوب
ولكن دارة القمر استتمت ... فدلتنا على مطر قريب
وقال البحتري:
معول أمل ترجى نسيئة ... ويصبح منسوها مليين بالنقد
وقد دفعوا بخل الزمان بجوده ... ولا طب حتى يدفع الضد بالضد
ومن نوادر باب الجود قول أبي تمام:
من شرد الإعدام عن أوطانه ... بالبذل حتى استطرف الإعدام
أخذ «تشريد الإعدام» -والله أعلم- من قول الأعشى:
هم يطردون الفقر عن جارهم ... حتى يرى كالغصن الناضر
(3/247)

إلا أن أبا تمام شرد الإعدام عن أوطانه، والأعشى طرد الفقر عن جار القوم.
وما زال الناس يعيبون قوله: «حتى استطرف الإعدام».
وقال أبو تمام:
غريم للملم به وحاشا ... نداه م مماطلة الغريم
هذا حذاه على قول بشار:
كأن لهم ديناً عليه وما لهم ... سوى جود كفيه عليه حقوق
وقال البحتري:
وما ولي المكارم مثل خرق ... أغر يرى المواعد كالديون
وقال أبو تمام:
وترى تسحبنا عليه كأننا ... جئناه نطلب عنده ميراثا
وهذا حسن جداً.
وقال أبو تمام:
ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي
(3/248)

وقال البحتري:
إلى غمر في ماله تستخفه ... صغار الحقوق وهو عود مجرب
وهذا من قول دعبل:
تخال أحياناً به غفلة ... من كرم النفس وما أعلمه!
وقال أبو دلامة في المنصور:
وأخدع خليفتنا بمسألة ... إن الخليفة للسؤال منخدع
وقال آخر:
مجرب لا ترى الأعداء تخدعه ... ولو يخادعه السؤال لانخدعا
وقال أبو تمام:
وما إن زال في جرم بن عمرو ... كريم من بني عبد الكريم
(3/249)

يكاد نداه يتركه عديماً ... إذا هطلت يداه على عديم
تراه عن حرم المعالي ... فتحسبه يدافع عن حريم
أحق الناس بالكرم امرؤ لم ... يزل يأوي إلى أصل كريم
أحلهم الندى سطة المعالي ... إذا نزل البخيل على التخوم
إذا نزل النزيع بهم قروه ... رياض الود من أنف جميم
فلو أبصرتهم والزائريهم ... لما مزت البعيد من الحميم
أخذ هذا المعنى من قول محمد بن بشير الخارجي:
وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيهما ذوو الأرحام
وقد ذكرته في سرقاته المجموعة.
ومن نوادر باب الجود قول أبي تمام:
شافهت أسباب الغنى بمحمد ... حتى ظننت بأنها تتكلم
(3/250)

قد تيمت منه القوافي بامريء ... ما زال بالمعروف وهو متيم
يحلو ويعذب إن زمان ناله ... بغنى وتلتاث الخطوب فيكرم
تلقاه إن طرق الزمان بمغرم ... شرهاً إليه كأنما هو مغنم
لا يحسب الإقلال عدماً بل يرى ... أن المقل من المروءة معدم
وهذا مدح شريف.
وأبو تمام في هذه الأبواب من النوادر أكثر تصرفاً وأشعر من البحتري.
(3/251)

* ذكر اعتداد المداح بنعم الممدوحين
قد مر في هذه الأبواب من هذا الجنس غير شيء مما وجدته لائقاً بموضعه فأثبته فيه، وهذا باب مفرد في ذلك.
قال أبو تمام:
وكم لك عندي من يد مستهلة ... علي ولا كفران مني ولا جحد
يد تستزل الدهر من نفحاتها ... ويخضر من معروفها الأفق الورد
وهذا حسن جداً.
وقال البحتري:
يد لك عندي قد أبر ضياؤها ... على الشمس حتى كاد يخبو سراجها
فإن تتبع النعمى بنعمى فإنه ... يزين اللآلي في النظام ازدواجها
(3/252)

وكنت إذا مارست عندك حاجة ... على نكد الأيام هان علاجها
وهذا أيضاً حسن جداً.
وقال البحتري أيضاً:
أما أياديك عندي فهي واضحة ... ما إن تزال يد منها تسوق يدا
ألازمي الكفر إن لم أجزها كملاً ... أم لاحقي العجز إن لم أحصها عددا
لم لا أمد يدي حتى أنال بها ... مدى النجوم إذا ما كنت لي عضدا
وقال أيضاً:
كم من يد لك لم أكن أشري بها ... ربعي صوب الديمة السحاح
إن سدت فيها المنعمين فإنني ... بالشكر عنها سيد المداح
وقال أبو تمام في كف الدهر ونوائبه:
لقيت صروف الدهر عني تابعاً ... لأمر العلى واخترت شكري على عذري
وأوليتني في النائبات صنائعاً ... كأن أياديها فجرن من البحر
فعلمتني أن ألبس الحمد أهله ... وذكرتني ما قد نسيت من الشكر
قوله: «وذكرتني ما قد نسيت من الشكر» حسن جداً، يريد عهدي
(3/253)

بإحسان المحسنين إلي ممن كنت أشكره بعيد، فنسيت الشكر حتى أحسنت إلي فذكرته بشكري إياك.
وقال أبو تمام في نحوه:
حبيب بغيض عند راميك عن قلى ... وسيف على شانيك ليس له غمد
وكم أمطرته نكبة ثم فرجت ... ولله في تفريجها ولك الحمد
وقد كان دهراً للحوادث مضغة ... فأضحت جميعاً وهي عن لحمه درد
تصارعه لولاك كل ملمة ... ويعدو عليه الدهر من حيث لا يعدو
وقال في نحوه:
جعلت حطاماً منكب الدهر إذ نوى ... زحامي لما أن جعلتك منكبي
وما ضيق أقطار البلاد أضافني ... إليك ولكن مذهبي فيك مذهبي
فقومت لي ما اعوج من قصد همتي ... وبيضت لي ما اسود من وجه مطلبي
وقال أبو تمام في كف الدهر نوائبه وقمعها:
نبذت إليه همتي فكأنما ... نبذت به نجماً على الدهر ثاقبا
وكنت امرأ ألقى الزمان مسالماً ... فآليت لا ألقاه إلا محاربا
وهذا جيد حسن.
(3/254)

وقال في نحوه وهو أحسن من كل حسن وأجود من كل جيد:
بمهدي من أصرم عاد عودي ... إلى إيراقه وامتد باعي
أطال يدي على الأيام حتى ... جزيت صروفها صاعاً بصاع
وهذا عين هذا الباب كله.
وقال:
قرب الدهر من يدي وأكنت ... يده من سمائم العدم حالي
لهذا أضحى ثنائي طريقاً ... عامراً بينه وبين الليالي
وهذا عين هذا الباب كله في الرداءة والسخف؛ لأن قوله: «وأكنت يده من سمائم العدم حالي» استعارة ما رواء قبحها غاية.
وقال البحتري:
(3/255)

وإن ابن دينار ثنى وجه همتي ... إلى الخلق الفضفاض والنائل النهب
فلم أمل إلا من مودته يدي ... ولا قلت إلا من مواهبه حسبي
لقيت به حد الزمان ففله ... وقد يثلم العضب المهند في العضب
وقال:
ألنت لي الأيام من بعد قسوة ... وعاتبت لي الدهر المسيء فأعتبا
وألبستني النعمى التي غيرت أخي ... على فأمسى نازح الود أجنبا
وقال في ضد البيت الأخير:
وعرفت ودك في تعصب شيعتي ... ووجوه إخواني وعطف أقاربي
وقال:
وآليت لا أنسى بلوغي بك العلى ... على كره شتى من شهود وغيب
ودفعي بك الأعداء عني وإنما ... دفعت بركن من شروري ومنكب
(3/256)

وقال:
تداركني الإحسان منك ومسني ... على حاجة ذاك الجدا والتطول
ودافعت عني حين لا الفتح يبتغي ... لدفع الذي أخشى ولا المتوكل
وقال:
أأنساك بعد الهول ثم انصرافه ... وبعد وقوع الكره ثم اندفاعه
إذاً نسي الله اطيافي ببيته ... ووفد الحجيج حاشد في اجتماعه
وقال أبو تمام:
أبديت لي عن جلدة الماء الذي ... قد كنت أعرفه كثير الطحلب
ووردت بي بحبوحة الوادي ولو ... طاوعتني لوقفت عند المذنب
وبرقت لي برق اليقين وطالما ... أمسيت مرتقباً لبرق الخلب
(3/257)

فجعلت لي مندوحة من بعدما ... أكدى على تصرفي وتقلبي
والحر يسلبه جميل عزائه ... ضيق المحل فكيف ضيق المذهب
هيهات تأبى أن تضل بي السرى ... في بلدة فيها كوكبي
وهذا كله جيد بالغ.
وقال أبو تمام في الاستغناء بالممدوح عمن سواه:
فتى أحيت يداه بعد يأس ... لنا الميتين من كرم وجود
لبست سواه أقواماً فكانوا ... كما أغنى التيمم بالصعيد
وقال في مثل ذلك:
غنيت عمن سواه وحولت ... عجاف ركابي من سعيد إلى سعد
تجلى به رشدي وأثرت به يدي ... وفاض به ثمدي وأورى به زندي
وما زال منشوراً علي نواله ... وعندي حتى قد بقيت بلا عند
قوله: «قد بقيت بلا عند» من كلام السقاط ورذال العوام.
(3/258)

وقال البحتري في نحو هذا:
وأغنيتني عن معشر كنت برهة ... أكافحهم عن نيلهم وأقارع
فلست أبالي جاد بالبذل باذل ... على راغب أو ضن بالخير مانع
وقال في نحوه:
نفسي فداؤك طالما أغنيتني ... فكفيتني عن هذه الأشباح
خلق ممثلة بغير خلائق ... ترضى وأبدان بلا أرواح
وقال في نحوه:
لله دركما من سيدي زمن ... أجريتما من معاليه إلى أمد
وجدت عندكما الجدوى ميسرة ... أوان لا أحد يجدي على أحد
وقد تطلبت جهدي ثالثاً لكما ... عند الليالي فلم تفعل ولم تكد
وقال:
ورجال جاروا خلائقك العز ... وليست يلامق من دروع
(3/259)

وليالي الخريف خضر ولكن ... زهدتنا عنها ليالي الربيع
قوله: «وليست يلامق من دروع» تشبيه قبيح جداً، وغير لائق بالمعنى، وكان ينبغي -لما ذكر المجاراة- أن يقول: وليس البطيء مثل السريع، ونحو هذا، أو لو كان جعل صدر البيت «ورجال ظننتهم جنناً دوني»، لصلح أن يقول «وليست يلامق دروع» فتصح القسمة، لأن «اليلامق» جمع «يلمق»، وهو القباء المحشو، ولا يرد ما يرد الدرع التي هي أحصن الجنن، إذ لو ساعدت القافية لما ذكر الغر حتى يقول: وليس الأغر مثل البهيم، لكان هذا من أصح تقسيم.
والبحتري أحذق الناس بالتقسيمات والمقابلات، ولست أدري كيف تسامح في مثل هذا، وإذا لم تساعد القافية، فاطراح البيت من الشعر واستئناف آخر أولى بالصواب، وأشبه بمذاهب الحذاق من الشعراء.
وقال أبو تمام في نحو آخر:
(3/260)

وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي
مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد
هذا من قول أبي نواس:
وإن جرت الألفاظ منا بمدحة ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
وإنما أخذ أبو نواس هذا من قول كثير:
متى ما أقل في آخر الدهر مدحة ... فما هي إلا لابن ليلى المكرم
وما أحسن ما اعتذر ابن هرمة، وليس هو هذا المعنى بعينه، وذلك قوله:
فإن أك قد هفوت إلى أمير ... فعن غير التطوع والسماح
ولكن سقطة عيبت علينا ... وبعض القول يذهب في الرياح
وقال أبو تمام:
أعطيتني دية القتيل وليس لي ... عقل ولا حق عليك قديم
إلا ندى كالدين حل قضاؤه ... إن الكريم لمتفيه غريم
وقال:
(3/261)

صدفت عنه فلم تصدف مودته ... عني وعاوده ظني فلم يخب
كالغيث إن جئته وافاك ريقه ... وإن تحملت عنه كان في الطلب
وهذا في غاية الحسن والصحة والحلاوة.
وقال:
كل شعب كنتم به آل وهب ... فهو شعبي وشعب كل أديب
لم أزل بارد الجوانح مذ خض ... خضت دلوي في ماء ذاك القليب
بنتم بالمكروه دوني وأصبح ... ت الشريك المختار في المحبوب
ثم لم أدع من بعيد لدى الإذ ... ن ولم أثن عنكم من قريب
كل يوم تزخرفون فنائي ... بحباء فرد وبر غريب
إن قلبي لكم لكالكبد الحر ... ى وقلبي لغيركم كالقلوب
وهذا الاعتداد عندي الذي لا يفي بحسنه وغرابته شيء.
وقال:
أبا سعيد ما وصفي بمتهم ... على الثناء وما شكري بمخترم
(3/262)

لئن جحدتك ما أوليت من حسن ... إني لفي اللؤم أحظى منك في الكرم
أنسى ابتسامتك والألوان كاسفة ... تبسم البرق في داج من الظلم
كذا أخوك الندى لو أنه بشر ... لم يلف طرفة عين غير مبتسم
رددت رونق وجهي في صحيفته ... رد الصقال بهاء الصارم الخذم
وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي
وقال البحتري:
أأكفرك النعماء عندي وقد نمت ... على نمو الفجر والفجر ساطع
وأنت الذي أعزرتني بعد ذلتي ... فلا القول مخفوض ولا الطرف خاشع
وقال:
أراك بعين المكتسي ورق الغنى ... بآلائك اللاتي يعددها الشعر
ويعجبني فقري إليك ولم أكن ... ليعجبني لولا محبتك الفقر
ووالله ما ضاعت أياد أتيتها ... إلي ولا أزرى بمعروفك الكفر
ومالي عذر في جحودك نعمة ... ولو كان لي عذر لما حسن العذر
(3/263)

وقال:
أعطيتني حتى حسبت جزيل ما ... أعطيتنيه وديعة لم توهب
فشبعت من بر لديك ونائل ... ورويت من أهل لديك ومرحب
أخذه من قول الرزدق:
أعطاني المال حتى قلت يودعني ... أو قلت أودع مالاً قد رآه لنا
وبيت البحتري أجود.
وقال:
إني هجرتك إذ هجرتك وحشة ... لا العود يذهبها ولا الإبداء
أخجلتني بندى يديك وسودت ... ما بيننا تلك اليد البيذاء
وقطعتني بالجود حتى إنني ... متخوف ألا يكون لقاء
صلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجب وبر راح وهو جفاء
ليواصلنك ركب شعر سائر ... يرويه فيك لحسنه الأعداء
حتى يتم لك الثناء مخلداً ... أبداً كما تمت لي النعماء
فتظل تحسدك الملوك الصيد بي ... وأظل يحسدني بك الشعراء
وهذا أيضاً حسن حلو في معناه.
(3/264)

وقريب منه قول مروان الاصغر -وهو ابن أبي الجنوب- في المتوكل:
وأمسك ندى كفيك عني ولا تزد ... فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا
وقال البحتري -وموضعها مع الأبيات في أول الباب-:
لابس منك نعمة لا أرى الإخ ... لاف إلا في حالة لها بخليق
إن تقل زينة فحلية عقيا ... ن وإن خفة ففص عقيق
هي أغلت قدري وأمضت لساني ... وأشاعت باسمي وبلت ريقي
ولست أعرف للبحتري معنى رثاً ولفظاً غثاً إلا قوله: «فص عقيق».
وأبو تمام في هذا الباب أشعر من البحتري.
(3/265)

صفحة فارغة [في المطبوع]
(3/266)

* وهذا باب فيما نطقا به من الشكر والحمد
والباب الذي رسمته وترجمته قبل هذا بالاعدادهو صريح الشكر، وفي هذا الباب إفصاح بلفظ الشكر والحمد.
قال أبو تمام في الحسن بن وهب:
يهب النائل الجزيل ويعطي ... إن مطلنا بالشكر بعد المطال
لفظ «المطل بالشكر» ها هنا حلوة جداً.
وقال في ابن الهيثم:
أقول ببعض ما أسديت عندي ... وما أطلبتني قبل الطلاب
ولو أني استطعت لقام عني ... بشكرك من مشي فوق التراب
إذاً شكرتك مذحج حيث كانت ... بنو ديانها وبنو الضباب
(3/267)

وجئتك في قضاعة قد أطافت ... بركني عامر وبني جناب
ولاستنجدت حنظلة وعمراً ... ولم أعدل بسعد والرباب
هذه لام التوكيد.
ولاسترفدت من قيس ذراها ... بني بدر وصيد بني كلاب
ولاحتفلت ربيعة لي جميعاً ... بأيام كأيام الكلاب
وأشفي من صميم الشكر نفسي ... وترك الشكر أثقل للرقاب
وقال في مدح الحسن بن وهب:
والحمد شهد لا ترى مشتاره ... يجنيه إلا من نقيع الحنظل
غل لحامله ويحسبه الذي ... لم يوه عاتقه خفيف المحمل
(3/268)

وقال:
أثنيت إذ كان الثناء حبالة ... شركاً يصاد به الكريم المنعم
ووفيت إن من الوفاء تجارة ... وشكرت إن الشكر حرث مطعم
وقال البحتري:
يميل وزن القوافي بالنوال ولو ... راح النوال وفي ميزانه أحد
والشكر أن يخبر الوراد سائلهم ... عن فضل مختبر العد الذي وردوا
وقال أبو تمام في ابن المعتصم:
والحمد برد جمال اختالت به ... غرر الفعال وليس برد لباس
وكأن بينهما رضاع الثدي من ... فرط التصافي أو رضاع الكاس
وقال في أبي عبد الله حفص بن عمر الأزدي:
وما كنت ذا فقر إلى صلب ماله ... وما كان حفص بالفقير إلى حمدي
ولكن رأي شكري قلادة سؤدد ... فصاغ لها سلكاً بهياً من الرفد
«السلك» هو الخيط نفسه، وذلك لا يصاغ، ولو قال: «فصاغ عقداً» كان أحسن.
فما فاتني ما عنده من حبائه ... ولا فاته من فاخر الشعر ما عندي
(3/269)

وقال أبو تمام في ابن أبي ربعي:
ما من جميل من الدنيا ولا حسن ... إلا وأكثره في ذلك الخلق
يا منة لك لولا ما أخففها ... به من الشكر لم تحمل ولم تطق
بالله أدفع عني ثقل فادحها ... فإنني خائف منها على عنقي
وقال البحتري في يوسف بن محمد:
وما اخترت داراً غير دارك من قلى ... وأين ترى قصدي ومن دوني البحر
سأشكر لا أني أجازيك نعمة ... بأخرى ولكن كي يقال له شكر
وأذكر أيامي لديك وحسنها ... وآخر ما يبقي من الذاهب الذكر
وقال البحتري:
بنعمتكم يا آل سهل تسهلت ... عليَّ نواحي دهري المتوعر
شكرتكم حتى استكان عدوكم ... ومن يول ما أوليتموني يشكر
ألست ابنكم دون البنيين وأنتم ... أحباء أهلي دون معن وبحتر
(3/270)

وقال في أبراهيم بن حسن بن سهل:
جئناك نحمل ألفاظاً مدبجة ... كأنما وشيها من يمنة اليمن
نهدي القريض إلى رب القريض معاً ... كحامل العضب يهديه إلى عدن
من كل زهراء كالنوار مشرقة ... أبقى على الزمن الباقي من الزمن
شكر امريء ظل مشغولاً بشكرك عن ... فرط البكاء على الأطلال والدمن
أي: هي شكر.
وقال في عبد الله بن يحيى بن خاقان أخي عبيد الله:
نفسي فداء أبي محمد الذي ... ما زلت أحمد في ذراه مكاني
خل بلغت برأيه شرف العلى ... وأخ غنيت به عن الإخوان
والله يجزيك الذي لم يجزه ... شكري ولم يبلغ مداه لساني
وقال في الفضل بن إسماعيل الهاشمي:
مستأثر بالمكرمات تلومه ... فيها خلائق حاسد وبخيل
ومتى عرضت لشكره فالبرح من ... نيل على ثبج الثناء ثقيل
(3/271)

وقال في إسماعيل بن بلبل:
هاتيك أخلاق إسماعيل في تعب ... من العلا والعلا منهن في تعب
أتعبت شكري فأضحى منك في نصب ... أقصر فما لي في جدواك من أرب
لا أقبل الدهر نيلاً لا يقوم به ... شكري ولو كان مسديه إلي أبي
لما سألتك وافاني نداك على ... أضعاف ظني فلم أظفر ولم أخب
وقد أحسن البحتري في هذا كل الإحسان.
وقد قال دعبل في خلاف هذا المعنى، وكلاهما في غاية الحسن فقال يمدح قوماً:
لا يقبلون الشكر ما لم ينعموا ... نعمى يكون لها الثناء تبيعا
وقال أبو تمام وينقل إلى الباب الذي قبله:
ومن الرزية أن شكري صامت ... عما فعلت وأن برك ناطق
تأتي الصنيعة منك ثم أسرها ... إني إذاً ليد الكريم لسارق
ويروى: لندى الكريم لسارق.
(3/272)

وقال في مثله:
للنار نار الشوق في كبد الفتى ... والبين أوقدها هوى مسموم
خير له من أن يخامر صدره ... وحشاه معروف امريء مكتوم
سرق الصنيعة واستمر بلعنة ... يدعو عليه النائل المظلوم
أأقنع المعروف وهو كأنه ... قمر الدجى إني إذاً للئيم
مثر من المال الذي ملكتني ... أعناقه ومن الوفاء عديم
فأروح في بردين لم يسحبهما ... قبلي فتى وهما الغنى واللوم
وأبو تمام في هذا الباب أيضاً ألطف من البحتري.
(3/273)

* كتاب البأس والنجدة
فأول ما أبدأ به من ذلك:
- وصف الجيش وكثافته وعظمه.
- وفي الرأي والتدبير.
- وفي صفة الحرب.
- وفي وصف رجال الحرب.
- وفي تشبيه الأبطال بالسباع.
- وفي وصف السيوف والرماح.
- وفي وصف الدروع والجنن.
- وفي وصف الخيل في الحرب.
- وفي المسير إلى أرض العدو والنزول.
- وفذ كر الظفر والفتوح.
- وفي ذكر من انهزم ونجا بحشاشته ومن أسر.
- ذكر الصلب على الجذوع وحمل الرؤوس.
- ذكر الحرب في البحر.
- ذكر حرب ذوي الأرحام والحض على الصلح والصفح.
(3/274)

* ما قالاه في وصف الجيش وكثافته
قال أبو تمام:
مثعنجر لجب ترى سلافة ... ولهم بمنخرف الفضاء زحام
ملأ الملا عصباً فكاد بأن يرى ... لا خلف فيه ولا له قدام
«مثعنجر»، يقال: اثعنجرت العين دمعاً، واثعنجر دمعها، وهو انصباب الدمع وتتابعه، واثعنجر السحاب بالمطر، واثعنجر المطر، وقول امريء القيس:
«وجفنة مثعنجرة»
أي: مملوءة تفيض إهالة.
و «السلاف»: المتقدمون، و «لجب»، أراد: كثير الأصوات.
(3/275)

وقوله: «ملأ الملا عصبا»: فالملا -مقصور- ما اتسع من الأرض، أراد أن الجيش قد ملأه لكثرته، وهذل معنى قد تداولته العرب وتقدمت فيه الشعراء، وجودوه، قال أوس بن حجر:
ترى الأرض منا بالفضاء مريضة ... معضلة بجيش عرمرم
قوله: «معضلة» من قولهم: عضلت المرأة عند الولادة، إذا نشب ولدها في بطنها، وعسر خروجه، يؤكد بذلك كثرة الجيش، وأن الأرض الغضاء قد ضاقت به، ومن هذا قولهم: قد أعضل الأمر، وأمر معضل، أي: عسير ضيق.
و «العرمرم» الكثير.
وتبع النابغة أوساً في هذا فقال:
مجر يظل به الفضاء معضلاً ... يذر الإكام كأنهن صحاري
فأورد النابغة معنى بيت أوس في صدر بيته، وزاد عليه في العجز بقوله:
«يذر الإكام كأنهن صحاري»
أي: يهدمها ويطحنها بحوافر الخيل حتى تلحق بالأرض.
(3/276)

ومثل هذا قول زيد الخيل:
بجمع تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجداً للحوافر
أي: تدقها الحوافر بكثرتها، وتكبها إلى الأرض، وبيت النابغة أجود البيتين، لأنه تضمن المعنيين جميعاً، واقتصر أبو تمام على وصف الكثرة في بيته بمعنيين مختلفين، كأنه اتبع أوساً، إلا أن قوله:
ولهم بمنخرق الفضاء زحام
لفظ حسن.
وقد حذا البحتري على قوله:
يذر الإكام كأنهن صحاري
فقال:
إذا سار في ابني مالك قلق الحصى ... على جبل يغشى الجبال فتقلق
عفاريت هيجاء كأن خميسهم ... به حين تلقاه الكتائب أولق
(3/277)

فقوله: «يغشى الجبال فتقلق» أي: يحطمها بكثرته، ويجوز أن يريد بقوله: «يغشى الجبال» أي: جيوشاً فيقضها، والأول أشبه.
وقال البحتري في كثافة الجيش وكثرته:
لما أتاك يقود جيشاً أرعناً ... يمشي عليه كثافة وجموعا
يريد انضمام الخيل والرجالة، بعضهم إلى بعض، بكثرتهم حتى يمشي الماشي عليهم، وإنما نحا نحو قول قيس بن الخطيم:
لو أنك تلقي حنظلاً فوق بيضنا ... تدحرج عن ذي سامة المتقارب
وقول قيس أحسن وأجود وأبرع.
وقوله: «عن ذي سامة» أي: على ذي سامة، والسام: خطوط في البيض يجري فيها ماء الذهب.
وقد أخذ ابن الرومي معناه، ولفظه أيضاً فقال:
فلو حصبتهم بالفلاة سحابة ... لظل عليهم حصباً يتدحرج
وليس في قصيدته أجود من هذا البيت.
(3/278)

وفي كثافة الجيش واجتماعه يقول أبو نواس:
أمام خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قنا وجياد
«الجياد» الخيل، ولو كان قال:
........... ليس فيه خصاصة ... كثوب محوك ..............
كان ثوب أحسن من قميص.
وقالت امرأة من بني سليم في كثرة الجيش وانتشاره:
وكان إذا ما أورد الخيل بيشة ... إلى جنب أشراج أناخ فألجما
وأرسلها رهواً رعالاً كأنها ... جراد زهته ريح نجد فأتهما
وأحسن من كل حسن في عظم الجيش وكثرته، قول مالك بن الريب المازني:
(3/279)

بجيش لغام يشغل الأرض جمعه ... على الطير حتى ما يجدن منازلاً
وقال أبو تمام في صفة الجيش:
بأرشق إذ سالت عليهم غمامة ... جرت بالعوالي والعتاق الشوازب
قوله: «سالت» و «جرت» معناهما واحد، وقد كان تكفي أحدى اللفظتين من الأخرى، وليس بعيب.
وقال البحتري:
إذا انشعبت في جانبيه غمامة ... إلى بلد كانت دماً متدفقا
وأجود من غمامتي أبي تمام والبحتري قول عبد الله بن عمرو بن العاص:
غداة أتى أهل العراق كأنهم ... من البحر لج موجه متراكب
وجئنا إليهم في الحديد كأننا ... سحاب خريف زعزعته الجنائب
وقال البحتري:
بجمع ترى فيه النهار قبيلة ... إذا سار فيه والظلام قبائلا
أراد: أنك ترى النهار قبيلة الجيش لعظمه، وترى الظلام
(3/280)

قبائلاً، كأنه جعل الظلام مختلف الأحوال في الظلمة يشتد اسوداده، ويخف، بحسب اختلاف أحوال تعرض لليل ريح أو غمام، أو تجلى قمر، غيوبه، وأنت ترى الليل على هذه الأحوال أبداً، والنهار حاله حال واحدة، لا يقبض البصر فيه شيء في حال صحو ولا غمام، فهذا معنى -إن شاء الله- يليق بالصواب، أو يقاربه.
ووجه آخر أن الليل لا يقبض الطرف دفعة واحدة بل شيئاً فشيئاً،
حتى يشتد سواده إلى أن يمضي ثلثه، وتلك فحمة الليل، ثم يتجلى إلى ظلمة هي أرق، ويقال بل العين تألف سواد الليل إذا امتد هذا الوقت، فتقوى على إدراك ما لم تكن تدركه عند هجوم الظلمة، وهي قريبة العهد بالضوء، وهذا قول غير مدفوع الصحة، ثم إنهم يقولون في مجيء الليل: جهمة بعد جهمة، حتى إن بعضهم يقول أنه يرى الظلام يتحرك عند انحساره ولهذا قال امرؤ القيس:
«وليل كموج البحر ...»
وقال:
فقلت له ام تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
وقال البحتري:
في خميس كأنما طرقوا من ... ه بليل أو صبحوا بنهار
وهذا حسن، والبحتري متبع في هذا وغير مبتدع.
(3/281)

وقال ضوء بن اللجلاج الذهلي:
بأرعن جرار كأن زهاءه ... دجى الليل ألقى جانبيه فعسكرا
وبيت البحتري أبرع، لأنه جمع فيه الليل والنهار بأحسن لفظ.
وقال أحمر بن شجاع الكلبي:
بجأواء تعشى الناظرين كأنها ... دجى الليل بل هي من دجى الليل أكثر
وهذا إفراط حسن.
وقال أبو نخيلة في وصف كتيبة يشبهها بالليل:
طود جناباه القنان الحلك
منها الدجوجي ومنها الأرمك
ذا الليل إلا أنها تحرك
(3/282)

وهذا إحسان أبي نخيلة المشهور الذي يفوق كل إحسان، وفي كثرة الجيش وعظمه يقول النابغة الجعدي:
بأرعن مثل الطود يحسب أنهم ... وقوف لأمر والركاب تهملج
وهذا أيضاً من الجيد المشهور، وهو ضد معنى أبي نخيلة، وكلاهما بديع في معناه.
وأنشد إسحاق الموصلي:
كأنهم ليل إذا استنفروا ... أو لجة ليس لها ساحل
وقد أحسن النجاشي أيضاً في قوله:
فمن ير صفينا غداة تلاقينا ... يقل جبلا جيلان ينتطحان
قتلنا وأفنينا وما كل ما ترى ... بكف المذري تأكل الرحيان
(3/283)

وأجود من كل جيد قول مهلهل:
كأنا غدوة وبني أبينا ... بجنب عنيزة رحيا مدير
وقال البحتري:
جو أذا ركز القنا في أرضه ... أيقنت أن الغاب غاب أسود
وفي لمعان أضاء فيه رأي العدا ... براً تألق فيه بحر حديد
وفي لمعان الحديد يوقل البحتري أيضاً:
جافي المضاجع لا بنفك في لجب ... يكاد يقمر من لألائه القمر
وهذا -لعمري- معنى حسن، وأحسن منه وأصح معنى قول الأخنس بن شهاب التغلبي:
وجأواء تعشي الناظرين كأنها ... إذا ما بدت قرن من الشمس طالع
وقد قال المتأخرون في وصف السلاح ولمعان الحديد ما يفوق كل حسن وصحة، ومن ذلك قول سلم الخاسر:
وكتائب تعشي العيون إذا جرى ... ماء الحديد عليهم الرجراج
(3/284)

وتفرقت زرق الأسنة فيهم ... تسقي المنايا ما لهن مزاج
نزلت نجوم الليل فوق رؤسهم ... ولكل رأس كوكب وهاج
وحسبك بهذا حسناً وحلاوة.
وقال مسلم:
في عسكر تشرق الأرض الفضاء به ... كالليل أنجمه القضبان والأسل
وقال العتابي:
تبني سنابكها من فوق أرؤسهم ... سقفاً كواكبه البيض المباتير
أراد بالسقف: الغبار، وذهب إلى قول بشار.
جعلنا سماء فوقنا بنجومها ... سيوفاً ونقعاً يقبض الطرف أقتما
أو إلى قوله الذي لا يدانيه معنى ولا يتعلق به هو:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
(3/285)

ولو قال: ليل تضيء كواكبه، أو تلوح كواكبه، أو تنير، لكان أيضاً قولاً مستقيماً، فلما قال: تهاوى كواكبه، استوفى المعنى بأسره، وانتهى إلى غاية التشبيه، وكمال الوصف.
وقال محمد بن وهيب:
وأرعن فيه للسوابغ لجة ... وسقف سماء أنشأته الحوافر
له فلك فوق الأسنة دائر ... ونقع المنايا مستطير وثائر
ولولا أن قصدي الإجمال والاختصار، لأوردت في هذا الباب من أوصاف الجيوش والكتائب أكثر مما أوردته، وفيما ذكرته مقنع لك في أن الطائيين قد قصرا عن جميع معانيه، ولم يبدعا في الباب إبداعاً يتقدمان به غيرهما، ولا يساويانه، ومن شأن المتأخر أن يزيد على من تقدم، أو لا يعرض للمعنى.
(3/286)

* ما قالاه في الرأي والتدبير في الحرب والمكر والخديعة والحزم وإمضاء العزم
قال أبو تمام في أبي دلف:
ويوم أرشق والهيجاء قد رشقت ... من المنية رشقاً وابلاً قصفا
فكان شخصك في إغفالها علماً ... وكان رأيك في ظلمائها سدفا
«وابل» شبهه بالمطر، والوابل: الشديد.
وقوله: «في إغفالها» أي: المواضع الخالية من الفرسان وأهل الحماية، أو: في المواضع التي يخفى فيها الفرسان أنفسهم لشدة الأمر.
وقوله: «وكان رأيك في ظلمائها سدفا» والسدف: اختلاط الضوء بالظلمة، ولهذا يذكر في الأضداد، فيجعل مرة الضوء، ومرة الظلمة، ولو جعل رأيه كالنهار، كان أجود على مذهبه، ولكن قد يستعمل في هذا أن يقال: قد وضح هذا الأمر كالفجر، وقد بان كالفجر، والسدف: هو وقت الفجر وبعده أيضاً، ولكن الفجر في هذا أجود من السدف وأحسن.
(3/287)

وقال في أبي سعيد:
وصليب القناة والرأي والإس ... لام سائل بذاك عنه الصليبا
حية الليل يشمس الحزم فيه ... حين فاءت شمس النهار الغروبا
قوله: «صليب القناة» يريد رمحه، وليس يريد صليه وظهره، ولو كان أراد ذلك لما كان مدحاً.
و «صليب الرأي» جائز سائغ، و «صليب الإسلام» فيه قبح لأنه غير مستعمل، ولكن المنسوق قد يحمل على نسق عليه، إذا كان مقارباً له.
وقوله: «يشمس الحزم فيه» أي: يضيء ويستنير، كأنه يريد أنه يظهر صوابه.
وقوله: «حين فاءت شمس النهار غروبا» أي: يشرق حزمه حتى يضيء لنوره الليل.
وقال في هذه القصيدة:
سكن الكيد فيهم إن من أع ... ظم إرب ألا يسمى أريبا
(3/288)

مكرهم عنده فصيح وإن هم ... خاطبوا مكره رأوه جليبا
قوله: «سكن الكيد فيهم» أي: أخفاه، و «سكن» لا ينوب مناب «أخفى» ولا يستعمل أيضاً في هذا الموضع.
ثم قال: «إن من أعظم إرب ألا يسمى أريبا» و «الإرب»: الدهاء، يريد أنه لما أخفى كيده، فقالوا: لا كيد له، فقال: إن من أعظم إرب، أي: من أعظم دهاء ألا يسمى داهياً، أي: إن من أعظم دهائه أن يخفى كيده فلا يظنوا به الدهاء.
ثم قال: «مكرهم عنده فصيح» أي: ظاهر بين.
«وإن هم خاطبوا مكره رأوه جليبا» يريد: أعجمياً مجلوباً، فجعل المكر يخاطب، وجعله أعجمياً، ودل على عجمته بالجلب، وما أظن أبالعبر لو تعمل للسخف كان ينتهي إلى هذا الحد.
وقال في أبي سعيد:
كادت تحل طلاهم من جماجمهم ... لو لم يحلوا ببذل الحكم ما عقدوا
لكن بذلت لهم رأى ابن محصنة ... يخاله السيف سيفاً حين يجتهد
قوله: «يخاله السيف سيفاً» من إغراقه المعروف الذي لا حلاوة له ولا تحصيل فيه.
(3/289)

وقال البحتري في علي بن مر:
إذا ارتقى في أعالي الرأي لاح له ... ما في الغيوب التي تخفى فتستتر
توسط الدهر أحوالاً فلا صغر ... عن الخطوب التي تعرو ولا كبر
كالرمح أذرعه عشر وواحدة ... فليس يزري به طول ولا قصر
مجرب طالما أشجت عزائمه ... ذوي الحجا وهو غر بينهم غمر
آراؤه اليوم أسياف مهندة ... وكان كالسيف إذ آراؤه زبر
قوله: «آراؤه اليوم أسياف مهندة» أي: ماضية، لأنه قد كمل في عقله وتجاربه، فكان في نفسه كالسيف، «إذ آراؤه زبر»، أي: لم تطبع، يريد: لم يستكمل، يقول: أنه اليوم يمضي الأمور بآرائه بحنكته وتجربته، وكان قبل الحنكة والتجربة يمضيها بمباشرته إياها بنفسه بشجاعته وإقدامه.
وقال أبو تمام في عمر بن عبد العزيز الطائي:
نعم الفتى عمر في كل نائبة ... نابت وقل له نعم الفتى عمر
مجرد سيف رأى من عزيمته ... للدهر صيقله الإطراق والفكر
عضباً إذا سله في وجه نائبة ... جاءت إليه صروف الدهر تعتذر
يريد: مجرد للدهر سيف رأي، وهذه مبالغة في غاية الحسن والجودة والحلاوة.
(3/290)

وقال البحتري في أبي سعيد:
يببت وراء الناطلوق ورأيه ... يجز بأقصى السيسجان المفاصلا
إذا اسود فيه الشك كان كواكباً ... وإن سار فيه الخطب كان حبائلا
«الناطلوق»: ببلد الروم، و «السيسجان»: من بلاد المشرق، أظنه من «سجستان»، أراد أنه إذا كان غازياً، فإنه لا يغفل ما بعد عنه من الأمور التي وكلت إليه، وعول فيها على رأيه، وهذا معنى حسن جداً.
وقال في أبي سعيد، يذكر كيده وتدبيره في الظفر ببقراط بن أشوط:
بتدبيرك الميمون أغلق كيده ... عليه وكلت سمره وبواتره
وطيك سراً لو تكلف طيه ... دجى الليل عنا لم تسعه ضمائره
وهذا هو التدبير والكيد الصحيح، لا قول أبي تمام:
«سكن الكيد فيهم»
وقوله:
«مكرهم عنده فصيح»
(3/291)

وقال في أبي سعيد:
في عارض يدق الردى ألهبته ... بصواعق العزمات والآراء
العارض: السحاب، وإنما يريد الجيش.
«يدق الردى»: يذري الردى ويمطره، من الودق: وهو القطر إذا أرسله السحاب، والوديقة: شدة الحر، لدنو الشمس من سمت الرؤوس.
وقال:
عزمات يضئن داجية الخط ... ب وإن كن من وراء حجاب
يتوقدن والكواكب مطفا ... ة ويقطعن والسيوف نواب
وقال البحتري:
حتى إذا كادت مصابيح الدجى ... تخبو وكاد ممرة يتقضب
ضرب الجبال بمثلها من رأيه ... غصبان يطعن بالحمام ويضرب
وقال في أبي سعيد:
ثم فرقت من كتائب آرا ... ئك جنداً لا ياخذون عطاء
بين ضرب يفرج الهام أنصا ... فاً وطعن يفرج الغماء
(3/292)

ويود العدو لو تضعف الجي ... ش عليهم وتصرف الآراء
وقال في الخضر بن أحمد التغلبي:
مستشار في المعضلات إذا ما ار ... تفع الخطب عن نداء وليده
ومصيب مفاصل الرأي إن حا ... رب كانت آراؤه من جنوده
قومت عزمه الأصالة والرم ... ح يقيم الثقاف من تأويده
وأجود من هذا كله وأشبهه بوصف الرأي قول أبي تمام في مدح أبي دلف:
وقد علم الأفشين وهو الذي به ... يصان رداء الملك عن كل جانب
بأنك لما استحنك الأمر واكتسى ... أهابي تسفي في وجوه التجارب
تجللته بالرأي حتى أريته ... به ملء عينيه مكان العواقب
بأرشق إذ سالت عليهم غمامة ... جرت بالعوالي والعتاق الشوازب
نصلت له سيفين رأياً ومنصلاً ... وكل كنجم في الدجنة ثاقب
وكنت متى تهزر لخطب تغشه ... ضرائب أمضى من رقاق المضارب
وهذا أحسان يجب أن يعفى لأبي تمام من أجله عن كل إساءة.
وقد سلك البحتري هذه السبيل فقال:
(3/293)

إلى صامتي الكيد لو لم يكن له ... قريحة كيد لاكتفى بالتجارب
عليم بما خلف العواقب إن سرت ... رويته فضلاً بما في العواقب
وصيقل آراء يبيت يكرها ... ويشحذها شحذ المدى للنوائب
تحرق تحريق الصواعق ألهبت ... برعد وتنقض انقضاض الكواكب
وهذا -لعمري- جيد بالغ، ولكنه يقصر عن قول أبي تمام.
والذي هو في غاية الجودة، قوله في أبي نهشل بن حميد:
إذا ما رمى بالرأي خلف أبيه ... من الأمر يوماً أدركته مكائده
له فكر بين الغيوب إذا انتهى ... إلى مقفل منها فهن مقالده
صواعق آراء لو انقض بعضها ... على يذبل لانقض أو ذاب جامده
وحسبك بهذا جودة.
وقال البحتري أيضاً في «الفتح» وهو من فاخر كلامه:
بعيد مقيل السر لا يدرك التي ... يحاولها منه الأريب المخادع
ومكتتم التدبير ليس بظاهر ... على طرفه الرأي الذي هو تابع
ولا يعلم الأعداء من فرط عزمه ... متى هو مصبوب عليهم فواقع
(3/294)

خلائق ما تنفك توقف حاسداً ... له نفس في إثرها متراجع
ولن ينقل الحساد مجدك بعدما ... تمكن رضوى واطمأن متالع
وقال أبو تمام في أبي سعيد:
يقظان أحصدت التجارب عقده ... شزراً وثقف حزمه تثقيفا
واستل من آرائه الشعل التي ... لو أنهن طبعن كن سيوفا
كهل الأناة فتى الشذاة إذا غدا ... للروع كان القشعم الغطريفا
وقد أحسن البحتري في هذا الباب إحساناً كثيراً إلا أن أبا تمام فيه عندي عندي أشعر منه.
(3/295)

* ما قالاه في وصف الحرب
قال أبو تمام:
في معرك أما الحمام فمطر ... في هبوتيه والكماة صيام
والضرب يقعد كل قرم كتيبة ... شرس الضريبة والحتوف قيام
ففصمت عروة جمعهم فيه وقد ... جعلت تفصم من عراها الهام
«الهبوة»: الغبرة، وجعلها هبوبتين، يريد غبرة هؤلاء وهؤلاء في الكر والرجوع، وقد يجوز أن يكون أراد هبوة واحدة فثناها مرتين، و «الضريبة» الخلق والطبيعة.
وقال في مدح أبي سعيد:
ويوم يظل العز يحفظ وسطه ... بسمر العوالي والنفوس تضيع
مصيف من الهيجا ومن جاحم الوغى ... ولكنه من وابل الدمع مربع
(3/296)

«المصيف»: هو الموضع الذي يصيفون فيه، و «المربع»: منزلهم الربيع ووقت المطر والخصب.
وقال أبو تمام:
ومشهد بين حكم الذل منقطع ... صاليه أو بحمام الموت متصل
ضنك إذا خرست أبطاله نطقت ... فيه الصوارم والخطية الذبل
لا يطمع المرء أن يجتاب ظلمته ... بالقول ما لم يكن جسراً له العمل
قوله: «بين حكم الذل» رديء، لأن حكم الذل ليس يراد به أشياء متفرقة، فيصلح فيها بين، لأن حكم الذل، والذل بمنزلة، وكذلك حكم العز والعز وحكم الظلم والظلم، وحكم العدل والعدل، وقد بينت هذا في باب أغاليطه، وهو الجزء الثاني من جملة «كتاب الموازنة» ز
وليس هذا من اللحون التي يتجاوز في مثلها، مثل تسكين ما يجب أن يكون منصوباً، أو تحريك ما يجب أن يكون ساكناً ونحو ذلك، لأن هذا فساد في اللفظ، وذلك فساد في اللفظ والمعنى، وكان ينبغي أن يقول: ومشهد بين حكم الذل وحكم العز، لأنه قد قال: «منقطع صاليه» يريد فراره عن الحرب، «أو بحبال الموت متصل»، الذي لا يبرح مكانه حتى يقتل أو يظفر.
(3/297)

ثم قال:
جليت والموت مبد حر صفحته ... وقد تفرعن في أفعاله الأجل
وقد عابه الناس بهذا، وقالوا: اشتق للأجل -الذي هو مطل على النفوس- فعلاً من اسم فرعون، وقد أتى الأجل على نفس فرعون، وعلى كل فرعون، وقد أتى الأجل على نفس فرعون، وعلى كل فرعون، كان على وجه الأرض.
وقال:
وإذا كان عارض الموت سحا ... خضلاً بالردى أجش هزيما
في ضرام من الوغى واشتعال ... يحسب الجو منهما محموما
«عارض الموت»: سحاب الموت، «أجش»: ذو رعد، وقوله: «يحسب الجو منهما محموما» مما أنكره الناس عليه، وإنما ذهب إلى نحو قول امريء القيس:
إذا ركبوا الخيل واستلاموا ... تحرقت الأرض واليوم قر
وهذا هو الوضف الذي لا شيء يفوقه، فجعل أبو تمام الجو محموماً.
وقال في أبي سعيد:
في موقف وقف الموت الذعاف به ... والمجد يوجد والأرواح تفتقد
(3/298)

وقال البحتري:
وقد كان التراب جنادلا
أراد أن الجيش طحن الصخر بحوافر الخيل لكثرته، حتى صارت تراباً، وإنما ألم بقول زيد الخيل:
ومجر تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجداً للحوافر
وقوله: «وقد كان التراب جنادلا»، يريد: وقد كان تراب الفلا أيضاً جنادل، فصيرته حوافر خيلنا تراباً قبل هذا الوقت، أو أن يكون أراد: فاغتدى جندل الفلاة تراباً، بعد أن كان جنادل، أي بعد أن كان بالأمس جنادل، وهذا أشبه من المعنى الأول، لأن ذاك يوجب أن لم يكن للفلا أصلاً تراب البتة.
وقال أيضاً في موضع آخر في وصف وقعة أوقعها أبو سعيد أيضاً بالروم:
وهدة يوم لابن يوسف أسمعت ... من الروم من بين الصفا والأخاشب
أنكر الناس على مهلهل قوله:
فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور
(3/299)

وقيل كان بين الوقعة وبين حجر -وهي قصبة اليمامة- مسيرة عشرة أيام، وعلى أنه قال «فلولا الريح»، فجاءنا البحتري بما طم على قول مهلهل، فزعم أن هذه الوقعة بالروم أسمعت أهل مكة، و «الأخاشب»: جبال مكة، وقد اعتذر له بأن قيل: إنه أراد خبرها إلى أهل مكة، وكذا أراد لا محالة.
ومن إفراط البحتري قوله في أحمد بن محمد بن بسطام:
وكم لك في الأموال من يوم وقعة ... طويل من الأهوال فيه عويلها
ومن صولة في يوم بؤس على العدا ... يهال فؤاد الدهر حين تصولها
قوله: «يهال فؤاد الدهر» مثل قول أبي تمام:
........... لسمعنا ... لقلوب الأيام منك وجيبا
جعل هذا للدهر فؤاد يهال، كما جعل ذلك للأيام قلوباً تجب.
وقال البحتري في مدح إسحاق بن إبراهيم:
ووقفت مشكور المكان كريمه ... والبيض تطفو غب الغبار وترسب
ما إن ترى إلا توقد كوكب ... من قونس قد غاب فيه كوكب
فمجدل ومرمل وموسد ... ومضرج ومضمخ ومخضب
(3/300)

سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا
وفي نحو قوله:
والبيض تطفو في الغبار وترسب
قوله:
في مقام تخر في ضنكه البي ... ض على البيض ركعاً وسجودا
وقال أبو تمام في إسحق بن إبراهيم -أظنه في حرب الخرمية-:
وقائع أشرقت منهن جمع ... إلى خيفي مني والموقفين
ثوى في المشرقين لها ضجاج ... أطار قلوب أهل المغربين
قوله: «أشرقت منهن جمع» أي: أضاءت، من الإشراق والحسن، لما جاءت الأخبار والبشائر بذلك، وقوله: «أطار قلوب أهل المغربين» لما سمعوا بذلك خوفاً، وهذا كله يستقيم على الوجه الذي أراده البحتري.
(3/301)

وقال البحتري:
ربما كنت للأوانس زيراً ... مستهاماً بكل بيضاء رود
كم جمعت الرحيق والريق منها ... وكلانا قتيل صنج وعود
وكلانا قد أحدث الراح فيه ... زهو عيسى بن خالد بن الوليد
فارس يضرب القوانس بالسي ... ف إذا ما التقت جبال الحديد
وقال البحتري أيضاً:
معاقلهم سمر القنا وعتادهم ... شريجان أسياف وقمص حديد
إذا غمرات الموت أدجت تكشفت ... بهم عن أسود زوحفت بأسود
هم أخدوا نار العدو وأوقدوا ... من الحرب ناراً غير ذات خمود
بشهباء من ماء الحديد كأنها ... جبال شرورى أضرمت بوقود
تريك إذا ما الحرب غامت سماؤها ... نجوم صعاد في سماء صعيد
وهذا حجة في أن الصعيد هو التراب في الآية.
(3/302)

وقال أبو تمام:
والحرب تركب رأسها في مشهد ... عدل السفيه به بألف حليم
في ساعة لو أن لقاناً بها ... وهو الحكيم لكان غير حكيم
جثمت طيور الموت في أوكارها ... فتركن طير العقل غير جثوم
البيتان الأولان في غاية الجودة وصحة المعنى.
قوله: «جثمت طيور الموت في أوكارها» بيت رديء القسمة رديء المعنى، لأنه جعل طير الموت في أوكارها جثوماً ساكنة لا ينفرها شيء، وطير العقل غير جثوم، يعني أنها قد نفرت فطارت، يريد طيران عقولهم من شدة الروع، وما كان ينبغي أن يجعل طير الموت جثوماً في أوكارها، وإنما كان الوجه أن يجعلها جاثمة على رؤوسهم، أو وقعاً عليهم، فأما أن تكون في أوكارها، فإنها في السلم وفي الأمن في أوكارها أيضاً، وطير العقل ليس بضد لطير الموت، وإنما هي ضد لطير الجهل، وطير الحياة هي الضد لطير الموت، وهذا المعنى الذي ركبه عندي خطأ، وقد بينته فيما قدمت ذكره من أغاليطه.
وقد أساء أبو تمام في هذا الباب إساءات كثيرة، والبحتري فيه عندي أشعر منه.
(3/303)

* ذكر وصف رجال الحرب
قال أبو تمام:
مسترسلين إلى الحتوف كأنما ... بين الحتوف وبينهم أرحام
هذا معنى ليس بالجيد، لأن الاسترسال قد يكون إلى ذوي الأرحام وقد لا يكون، وهل العداوة والشقاق والضغائن إلا بين ذوي الأرحام.
والجيد النادر في هذا قول البحتري:
تسرع حتى قال من شهد الوغى ... لقاء أعاد أم لقاء حبائب
ومثله في الجودة بل أوكد منه قوله أيضاً.
يمشون تحت ظبا السيوف إلى الوغى ... مشي العطاش إلى برود المشرب
ثم قال بعد هذا ما هو أحسن من كل حسن، وأصح من كل صحة، وهو قوله:
يتراكمون على الأسنة في الوغى ... كالصبح فاض على نجوم الغيهب
(3/304)

فإن كان سمع قول سلم الخاسر:
كأنه والقنا دوان ... يوم على ليلة مغير
فعليه -والله أعلم- حذا، ولا أدري أيهما أحلى وأبرع.
وقال بشار:
إذا الحرب قامت بهم شمروا ... وكأنوا أسنة خرصانها
وهذا أيضاً حلو في معناه.
وأجود منه وأحلى قول البردخت الضبي:
وأشجع من أبي شبلين ورد ... وأنفذ في الكريهة من سنان
وقال البحتري:
وعصائب يتهافتون إذا ارتمى ... بهم الوغى في جاحم الهيجاء
مثل اليراع بدت له نار وقد ... لفته ظلمة ليلة ليلاء
وهذا أصح في المعنى وأشبه من كل ما مضى.
وقال أبو تمام:
حن إلى الموت حتى ظن جاهله ... بأنه حن مشتاقاً إلى وطن
(3/305)

وقد جاء البحتري بالوطن في موضع هو أليق به من هذا الموضع، فقال:
تسمو إلى حلل العلياء أنفسهم ... كأن أنفسهم يطلبن أوطانا
وذلك لذكره حلل العلياء.
وقد أتى به أيضاً في موضع ليس بجيد فيه، وذلك:
ألفوا الفراق كأنه وطن لهم ... لا يقربون إليه حتى يبعدوا
وقال أبو تمام:
ركوب بأثباج المتالف عالم ... بأن المعالي بينهن المهالك
مطل على الروح المنيع كأنه ... لصرف المنايا في النفوس مشارك
وهذا من معانيه الجياد، جعله شريكاً للمنايا في القدرة على النفوس، وأبلغ من هذا وأوكد وأليق قوله:
لقيتهم والمنايا غير دافعة ... لما أمرت به والملتقى كبد
وقال البحتري في نحوه، ومنه -والله أعلم- أخذ:
إذا التهبت في لحظ عينيه غضبة ... رأيت المنايا في النفوس تؤامره
(3/306)

فجعل المنايا مطيعة له، تفعل ما يأمرها به، فإن كانا جميعاً سمعا قول سلم الخاسر:
كأن المنايا عاملات برأيه ... إذا اختلفت أرماحه ومناصله
فمنه أخذا، أو أخذه أبو تمام فأخذه البحتري منه.
ومثله قول دعبل:
وترى المنايا تحت ظل لوائه ... طوع القواضب والوشج الذبل
وقد تجاوز سلم هذا المعنى إلى إفراط فقال:
تخشى المنايا حد صولته ... والجود عند عطائه بخل
فجعل المنايا تخشى حد صولته، وجعل الجود بخلا لعظم ما يعطى وينبل.
وما أحسن عنترة في قوله:
إن المنايا لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
وقال أبو تمام:
وسائل عن أبي حفص فقلت له ... أمسك عنانك عنه إنه القدر
جعله ها هنا القدر، أراد أنه يدفع البؤس ويصرفه، وينفي العسر والفقر، لأنه قال بعد هذا:
(3/307)

فتى تراه فتنفي العسر غرته ... نفياً وينبع من أسرارها اليسر
فوضع القدر ها هنا بحيث أراد أنه جالب للخير واليمن والغنى، وليس يليق القدر بهذا الموضع، ولو كان ذكره في حرب، وأنه منصب على النفوس انصباب القدر الذي لا مرد له، كان ذلك أليق وأشبه، كما قال البحتري:
ضرب الجبال بمثلها من رأيه ... غضبان يطعن بالحمام ويضرب
أوفى فظنوا أنه القدر الذي ... سمعوا به فمصدق ومكذب
ولكنه قد قال في موضع آخر وأجاد وأحسن:
بأسمح من غر الغمام سماحة ... وأشجع من صرف الزمان وأنجد
ففضله في السماحة على غر الغمام، وفي البأس على صرف الزمان.
قال أبو تمام:
رآه العلج مقتحماً عليه ... كما اقتحم الفناء على الخلود
أخذه من قول مسلم بن الوليد:
موف على مهج في يوم ذي رهج ** كأنه أجل يسعى إلى أمل
وقد أحسن كل الإحسان الذي يقول:
سريع اختلاس الروح يغدو فلا يرى ... به الباسل العادي إليه بباسل
(3/308)

كأن له عيناً إلى كل مهجة ... تطالع أو علماً بطرق المقاتل
وقال أبو تمام:
تناول الفوت أيدي الموت قادرة ... إذا تناول سيفاً منهم بطل
قوله: «تناول الفوت ...» عويص من عويصاته، وهو أيضاً محال، وإنما سمع قول سعد بن مالك:
هيهات حال الموت دو ... ن الفوت وانتضى السلاح
«فالفوت» هو النجاة، أي: حال الموت دون النجاة، وهذا صحيح مستقيم، فقال: «تناول الفوت أيدي الموت» وهذا محال، لأن النجاة لا تتناولها يد الموت ولا تصل إليها، وإلا لم تكن نجاة، وقد ذكرت هذا فيما قدمت ذكره من أغاليطه.
وقال أبو تمام:
بادي المحيا لأطراف الرماح فما ... يرى بغير الدم المعبوط ملتئما
يضحي على المجد مأموناً إذا اشتجرت ... سمر القنا وعلى الأرواح متهما
وهذا غاية في الحسن والصحة، ثم قال بعده:
قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من شدة التعبيس مبتسما
(3/309)

وإنما سمع قول عنترة:
لما رآني قد نزلت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسم
فوصفه بشدة الجزع لما أقبل نحوه، وذلك من أوصاف الجبناء لا الأبطال، وكذلك قوله:
قد قلصت شفتاه من حفيظته
من قول عنترة:
إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
وهذا إنما يكون من الهول والشدة، فجعله أبو تمام من الحفيظة، وهي الغضب، وقد تعرض هذه الحال للغضبان، غير أنها تذكر عند الشدة والجهد والروع، فهذا موضعها المعروف الذي تستعمل فيه من الشعر.
وقد قال ابن هرمة:
كريم له وجهان وجه لذي الرضا ... أسيل ووجه للكريهة باسل
والوجه الأحسن قول أبي تمام:
كالليث ليث الغاب إلا أن ذا ... في الروع بسام وذاك شتيم
وقال البحتري:
ضحوك إلى الأبطال وهو يروعهم ... وللسيف حد حين يسطو ورونق
(3/310)

حياة وموت واحد منتهاهما ... كذلك غمر الماء يروي ويغرق
وهذا لا شيء أحسن منه ولا ألطف.
وقال الفرزدق:
إذا التقت الأبطال أبصرت لونه ... مضيئاً وأعناق الكماة خضوع
وكان ينبغي أن يقول: «وألوان الكماة كاسفة».
وأخذ المعنى منه مروان بن أبي حفصة وصحح قسمته فقال:
تمضي أسنته ويسفر وجهه ... في الروع عند تغير الألوان
وقال البحتري:
تبسم وقطوب في ندى ووغى ... كالبرق والرعد وسط العارض البرد
وهذا بيت رديء المعنى على ما أذكره، لأنه شبه تبسمه عند العطاء بالبرق، وهذا معنى صحيح مستقيم؛ لأن التبسم يلوح معه الثغر كما يلوح البرق، وإذا كان في وقت العطاء فإن العطاء يتبعه، كما أن الغيث يتبع البرق في أكثر أحواله.
وشبه القطوب بالرعد، وإنما كان ينبغي أن يشبهه بالمرئيات لا بالمسموعات، والرعد إنما يوضع في موضع التهدد والوعيد.
والقطوب أيضاً في الوغى لا يدل على شجاعة الشجاع، لأن الجبان أيضاً في الحرب مقطب مكلح، فليس القطوبة في هذه الحالة مدحاً، كالتبسم في حال
(3/311)

العطايا، لأن هذا دليل الكرم وذاك ليس بدليل على الشجاعة، بل دليل الشجاعة التبسم في الحرب كما قال:
ضحوك إلى الأبطال وهو يروعهم
وكما قال أبو تمام:
إلا أن ذا في الروع بسام وذاك شتيم
وقد قال بشار:
إذا ما تردى عابساً فاض سيفه ... دماء ويعطي ماله إن تبسما
قوله: «إذا ما ترى» أي: تقلد السيف، وقوله: «عابساً» أي: من الغضب، والمحارب لا ينكر منه الغضب، والغضبان يعبس وهو آمن، فليس ها هنا بمدح، وأما تقليص الشفة فأكثر ما يعرض من شدة الفزع، وخاصة في الحرب.
قال أبو تمام:
لفظ لأخلاق التجار وإنهم ... لغد بما ادخروا له لتجار
ومجربون سقاهم من بأسه ... فإذا لقوا فكأنهم أغمار
أخذ معنى البيت الأول من قول الشاعر:
يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالطعان هم تجار
(3/312)

ولكنه ذهب إلى غرض آخر فأفسد المعنى، وأخذ معنى البيت الثاني قول قطري بن الفجاءة، وعكسه وكلا المعنيين جيد، وبيت قطري أبرع وأجود لأنه قابل بين المعنيين في نصف بيت، وذلك قوله:
ثم انثنيت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام
وذهب البحتري أيضاً في هذا الشعر إلى ما ذهب إليه أبو تمام حين عكس بيت قطري ابن الفجاءة فقال:
مالك له في كل يوم كريهة ... إقدام غر واعتزام مجرب
وقد أتى أبو تمام بمعنى قطري بعينه فقال في أبي سعيد:
كهل الأناة فتى الشذاة إذا غدا ... للحرب كان القشعم الغطريفا
وقال أبو تمام وقد ذكر الخيل:
يحملن كل مدجج سمر القنا ... بإهابه أولى من السربال
خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا ... كالحسن شيب لمغرم بدلال
فقوله:
سمر القنا بإهابه أولى من السربال
(3/313)

إنما سمع قول عنترة:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
فظن أن عنترة أراد الثياب نفسها، وإنما أراد الرجل نفسه لا الثياب كما قال الأغلب:
أوجب حجاً في ثياب دسم
أي: في نفس كثيرة الخطايا والذنوب، فكنى عن النفس بالثياب، وعن وعن الثياب الدسم، وهو يريد الوسخ، ومثل هذا موجود في كلامهم، وقد قيل:
«وثيابك فطهر» أي: نفسك في بعض تفسير الآية، وقال أبو تمام:
............. سمر القنا ... بإهابه أولى من السربال
مظهراً لمخالفة عنترة إلى ما هو أولى عنده، ولم يعلم ما ذهب إليه عنترة، وقد بين المعنى أبو محجن الثقفي فقال:
وما رمت حتى خرقوا برماحهم ... ثيابي وجادت بالدماء الأباجل
(3/314)

وما أحسن ما قال منصور النمري:
ترى الخيل يوم الروع يظمأن تحته ... وتروى القنا في كفه والمناصل
حلال لأطراف الأسنة نحره ... حرام عليها متنه والكواهل
وقد قيل: «فشككت بالرمح الأصم ثيابه»، أي: درعه.
وقوله: «خلط الشجاعة بالحياء»، من قول ليلى الأخيلية:
فتى هو أحيا من فتاة حيية ... وأشجع من ليث بخفان خادر
ولكنه مثله بمثال في غاية الحلاوة والحسن على ظاهره، وهو قوله: «كالحسن شيب لمغرم بدلال»، فجعل الحسن بإزاء الحياء، لأن الحياء يعصفر الوجه الجميل فيزيده حسناً، وجعل الدلالة بإزاء الشجاعة، ولو قال: «كالحسن شيب لمغرم بقسوة»، حتى تكون القسوة بإزاء الشجاعة، أو «بسطو عليه»، أو «بظلم» أو «تعد»، كان أكشف للمعنى، ولكن لفظة الدلال مع الحسن من أليق شيء بشيء، على أن المدل يقسو ويتعدى ويظلم، فلا أرى شيئاً أحسن من الدلال في هذا الموضع.
وقال أبو تمام:
إذا كانت الأنفاس جمراً لدى الوغى ... وضاقت ثياب القوم وهي فضافض
(3/315)

بحيث القلوب الساكنات خوافق ... وماء الوجوه الأريحيات غائض
فأنت الذي تستنطق الحرب باسمه ... إذا جاض عن حد الأسنة جائض
إذا قبض النقع العيون سمالها ... همام على جمر الحفيظة قابض
قوله: «وأنت الذي تستنطق الحرب باسمه»، ليست قسمته مع عجز البيت قسمة مؤتلفة على ظاهر اللفظ، وإنما يأتلف المعنى على التأول، وكان اللفظ يحسن في القسمة لو قال: «وأنت الذي تستنطق الحرب باسمه، إذا كان اسم غيرك يخرسها ولا ينطقها» وإنما يريد: يوريها ويشعلها، أو أن يقول:
وأنت الذي يغشى الأسنة مقدماً ... إذا جاض عن حد المنية جائض
والقسمة الصحيحة في هذا قول البحتري:
إذا خرس الأبطال في حمس الوغى ... علت فوق أصوات الحديد زماجره
وسائر أبيات أبي تمام في غاية الجودة والصحة.
وقال البحتري:
غمام حياً ما تستريح بروقه ... وعارض موت ما تفيل رواعده
(3/316)

تظل العطايا والمنايا قرائناً ... لعاف يرجيه وغاو يعانده
إذا فترقت أسيافه وسط جحفل ... تفرق عنه هامه وسواعده
وهذا غاية في الحسن والصحة، ولو كان أبو تمام القائل لهذا لقال: «إذا اجتمعت أسيافه وسط جحفل» ليكون الاجتماع والتفرق طباقاً، والبحتري لا يقصد هذا في كل الأحوال، إنما قصده أن يجيد اللفظ والسبك.
وقال:
مزقت أنفسهم بقلب واحد ... جمعت قواصيه وقلب أوحد
في فتية طلبوا غبارك إنه ... رهج ترفع عن طريق السؤدد
كالرمح فيه بضع عشرة فقرة ... منقادة تحت السنان الأصيد
وهذا في غاية الحسن والجودة، وتشبيه في غاية القرب والحلاوة.
وقال:
نعم المفرق من أعناق مأسدة ... قد التقت بصفيح الهند تجتلد
وهذا بيت حلو المعنى جداً.
وقال أبو تمام في أبي سعيد:
وفي أبرشتويم وهضبتها ... طلعت على الخلافة بالسعود
(3/317)

بضرب ترقص الأحشاء منه ... وتبطل مهجة البطل النجيد
وبيت البيات بعقد جأش ... أشد قوى من الحجر الصلود
رأو ليث الغريفة وهو ملق ... ذراعيه جميعاً في الوصيد
عليماً أن سيرفل في المعالي ... إذا ما بات يرفل في الحديد
قوله: «يرفل في المعالي» استعارة قبيحة، لأنه يحط المعالي حتى يجرها على الأرض، فتصير حينئذ غير معال، ولو استوى له أن يقول: يرفل في السؤدد، أو في المجد، كان أقل قبحاً، ومثل هذا قوله:
سعى فاستنزل الشرف اقتساراً ... ولولا السعي لم تكن المساعي
وليس ينبغي للشاعر -إذا لم يساعده الوزن- أن يعذر نفسه، ويركب المحال.
وقال أبو تمام في مدح ابن أبي دؤاد:
يفرج منهم الغمرات بيض ... جلاد تحت قسطلة الجلاد
لهم جهل السباع إذا المنايا ... تمشت في القنا وحلوم عاد
قوله: «بيض جلاد» يعني: رجالاً لا سيوفاً، لأن السيوف لا توصف بالجلاد، وهذا في غاية الجودة والرصانة، يقال: جلد وجلاد مثل كلب وكلاب.
(3/318)

وقال في عبد الله بن طاهر:
ويا أيها الساري اسر غير محاذر ... جنان ظلام أو ردى أنت هائبه
فقد بث عبد الله خوف انتقامه ... على الليل حتى ما تدب عقاربه
وهذا غاية في النجدة والبأس وعظم الهيبة.
وما وصف أحد الشجاع في الحرب بأبلغ من قول زهير:
ليس بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
والقتال لا يكون بأكثر من هذه الأحوال، فجمعها في بيت واحد، وهذه براعة لا يقدر عليها الطائيان ولا أمثالهما، ولم أرهما وصفا أحوال الطعن والضرب، فإن الناس قد تقدموا في هذا الباب بما بالغوا فيه واستقصوا، ومن ذلك قول قيس بن الخطيم:
يرى قائم من دونها ما وراءها
وقول قيس بن الخطيم أيضاً:
(3/319)

أتتك المنايا من بلاد بعيدة ... بمنخرق السربال عبل المناكب
أخي العرف والنكراء يعدل دفه ... بأبيض سقاط وراء الضرائب
وقال النمر:
تكاد تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي
وقال آخر:
وفارس جللته ضربة ... فبان عن منكبه الكاهل
فصار ما بينهما رهوة ... يمشي بها الرامح والنابل
وقال الفرزدق:
ولولا الحياء زدت رأسك هزمة ... إذا سبرت ظلت جوانبها تغلي
بعيدة ما بين الصدوع كأنها ... ركية لقمان الشبيهة بالدحل
(3/320)

ومثل هذا كثير.
وقال البحتري في أبي مسلم الكجي:
إذا ارتد يوم الحرب ليلاً رددته ... نهاراً بلألاء السيوف الصوارم
وإن غلت الأرواح أرخصت سوقها ... هنالك في سوق من الموت قائم
بضرب يشيد المجد في كل موقف ... ويسرع في هدم الطلى والجماجم
فتصرف وجه المجد أبيض مشرقاً ... بوجه من الهيجاء أغبر قاتم
وهذا جيد حسن لفظه ومعناه.
وأقول في الموازنة بينهما: أنهما جميعاً قد أحسنا في هذا الباب وأساءا، ولكني أفضل أبا تمام على البحتري لقول أبي تمام:
لهم جهل السباع إذا المنايا ... تمشت في القنا وحلوم عاد
(3/321)

* ذكر تشبيه الأبطال بالسباع
قال أبو تمام:
آساد موت مخدرات مالها ... إلا الصوارم والقنا آجام
وقال البحتري:
حشدت حولها سباع الموالي ... والعوالي غاب لتلك السباع
«الموالي» في ذلك الوقت: الأتراك، وهي لا تعمل بالرماح وكذلك الخزر والسغد فيما أظن.
وقال أبو تمام في مثل ذلك:
أسد العرين إذا ما الروع صبحها ... أو صبحته ولكن غابها الأسل
كأنه أراد إذا أغير عليها أو أغارت هي.
(3/322)

وقال:
يا يوم أرشق كنت رشق منية ... للخرمية صائب الآجال
أسرى بنو الإسلام فيه وأدلجوا ... بقلوب أسد في صدور رجال
«أسرى» من السرى، وهو السير بالليل، و «الإدلاج» أيضاً بالليل، وإنما أراد: «الإدلاج» بالتشديد .....
(3/323)

* في وصف السيوف والرماح
وقال أبو الهول الحميري:
أخضر اللون بين حديه ماء ... من ذعاف تميس فيه المنون
فإذا ما سللته بهر الشم ... س ضياء فلم تكد تستبين
يستطير الأبصار كالقبس المش ... عل لا تستقر فيه العيون
وكأن المنون نيطت إليه ... فهو من كل جانبيه منون
...................................... [وما]
يبهر الشمس ويزيد عليها في النور لا يشبه بالقبس المشعل، ثم قال: «ما تستقر فيه العيون»، والقبس المشعل تستقر فيه العيون، ولا تنبو عنه، ولا يعشها ضوؤه، وقال: «المنون» ثم كرر القافية فقال «منون» بغير ألف ولام، وهذا جائز في القوافي، ولكن الأحسن إذا بعد ما بين القافيتين.
(3/324)

ومن المستحسن المختار في وصف السيف قول إسحاق بن خلف البهراني:
ألقى بجانب خصره ... أمضى من الأجل المتاح
وكأنما ذر الهبا ... ء عليه أنفاس الرياح
ولكن الذي وصف السيف وأبر فيه على كل محسن ممن تقدم وتأخر البحتري في قوله لمحمد بن علي القمي يستهديه سيفاً.
قد جدت بالطرف الجواد فثنه ... لأخيك من أدد أبيك بنمصل
يتناول الروح البعيد مناله ... عفواً ويفتح في القضاء المقفل
بإنارة في كل خطب مظلم ... وهداية في كل نفس مجهل
ماض وإن لم تمضه يد فارس ... بطل ومصقول وإن لم يصقل
يغشى الوغى فالترس ليس بجنة ... من حده والدرع ليس بمعقل
مصغ إلى حكم الردى فإذا مضى ... لم يلتفت وإذا قضى لم يعدل
متوقد يبري بأول ضربة ... ما أدركت ولو أنها في يذبل
وإذا أصاب فكل شيء مقتل ... وإذا أصيب فما له من مقتل
وكأنما سود النمال وحمرها ... دبت بأيد في قراه وأرجل
وكأن شاهره إذا استضوى به الز ... حفان يعصى بالسماك الأعزل
حملت حمائله القديمة بقلة ... مذ عهد عاد غضة لم تذبل
(3/325)

قوله: «حملت حمائله القديمة بقلة» من وحي الشعر، وقوله: «وكأنما سود النمال وحمرها» من قول أوس بن حجر:
كأن مدب النمل يتبع الربى ... كفى بالذي أتلو وأنعت منصلا
فقد بان فضل البحتري في هذا الباب على أبي تمام، وبهذه الأبيات على كل أحد في وصف السيف.
وأحسن ما قيل في وصف رمح قول مسكين الدارمي، ويروى لسالم بن قحفان:
جماجمنا عند اللقاء تراسنا ... إلى الموت نمشي ليس فينا تجانف
بكل رديني كأن كعوبه ... قطا نسق مستورد الماء صائف
كأن هلالاً لاح فوق قناته ... جلا القين عنه والقتام الحراجف
له مثل حلقوم النعامة حية ... ومثل القدامى شافه لك شائف
كأنه أراد أن يقول: جلا القين عنه والحراجف القتام، يقال: ريح حرجف إذا كانت عاصفة شديدة، فقلب اللفظ.
(3/326)

والقين لا وجه له ها هنا مع الحراجف، لأنه إنما يصف الهلال الذي شبه السنان به، وأن الحراجف جلت عنه القتام حتى أضاء واستبان، والقين إنما جلا السنان لا الهلال.
(3/327)

* ما قالاه في وصف الدروع
قال أبو تمام:
تخذوا الحديد من الحديد معاقلاً ... سكانها الأرواح والأجسام
هذا كلام رائق وليس له مفتش، لأن المعاقل كلها لو كانت من صخر لصحت الفائدة وكان يقول: «تخذوا الحديد معاقلاً إذ كانت معال غيرهم الحجارة والشيد»، فيكون فضلهم على غيرهم إذ كانت معاقلهم من حديد ومعاقل غيرهم من الأبنية، ولو قال: «تخذوا الحديد من الحديد معاقلاً»، وتمم البيت بمعنى آخر لما كان ذلك منكراً، إذ ليست المعاقل والحصون من حديد.
ولما قال: «سكانها الأرواح والأجسام» لم يفدنا بهذا الكلام كبير فائدة، إذ المعاقل من أي جنس كانت لا يكون سكانها إلا الأرواح والأجسام.
(3/328)

والجيد النادر، والمعنى الصحيح في هذا قول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي:
ولا لاقياً كعب بن عمرو يقودها ... أبو دهثم نسج الحديد ثيابها
فجعل الحديد ثياباً وهي الدروع، ولا تسمى ثياباً، فأغرب بهذا اللفظ وأحسن، ولو قال: «نسج الحديد لباسها» لما كانت له غرابة، وإنما أراد: قد ألفوها فصارت لهم كالثياب، لا كلفة عليهم فيها، ونحوه قول جرير:
تردينا المحامل قد علمتم ... بذي لجب وكسوتنا الحديد
قوله: «تردينا المحامل» أي: جعلنا محامل السيوف على عواتقنا في موضع الأردية، وقد أحسن جداً.
ومثل هذا قول البحتري:
يهول العدى جده في ادخا ... ر قمص الحديد وأبدانه
فجعل الدروع قمصاً.
وقال في مثل هذا.
معاقلهم سمر القنا وعتادهم ... شريجان أسياف وقمص حديد
وأحسن من هذا كله وألطف قول البحتري:
(3/329)

ملوك يعدون الرماح مخاصراً ... إذا زعزعوها والدروع غلائلاً
يقول: لا كلفة عليهم من حمل الرماح، وأنها في أكفهم مثل المخاصر، وهي القضبان لخفتها عليهم، واعتيادهم لحملها، ولا ثقل عليهم من لبس الدروع، وأنها عليهم كالغلائل على الأبدان، وأنها ترفة لباسهم، كما أن الغلائل من ترف اللباس، فهذا هو البديع المفيد.
وكذلك قول البحتري:
ولم يدرع وشيء الحديد فيلتقي ... على شابك شاك حديد أظافره
فجعل الدروع كالوشي الذي يزين به.
وقال البحتري:
يمشون في زعف كأن متونها ... في كل معركة متون نهاء
بيض تسيل على الكماة فضولها ... سيل السراب بقفرة بيداء
وإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكب في ماء
وهذا من إحسانه المشهور.
قوله: «سيل السراب» يريد إضاءة الدروع ولمعانها، شبهها بالسراب، لأنه يطرد كاطراد الماء، وشبه الأسنة فيه بالكواكب المرئية في الماء، وأظنه والله
(3/330)

أعلم قول سلم الخاسر:
قوم إذا لبسوا الحديد كأنه ... جاري السراب بقفرة ضحضاح
فقال: «سيل السراب بقفرة بيداء».
وقد قال قيس بن حوط التيمي:
إذا غدونا علينا كل سابغة ... كأنها من زلال الماء تطرد
فأحسن وأجاد، وأجود منه وأغرب لفظاص قول أنس بن الديان الحارثي:
وألبس في الروع فضفاضة ... كماء الغدير إذا نمنما
وقال ذواد بن الرقراق العقيلي:
وفرسان الحفاظ بكل ثغر ... إذا ما الريح زعزعت العقابا
كأن متونهن تظل تكسى ... شعاع الشمس أو ذهباً مذابا
وقال سالم بن قحطان العنبري -وتروى لمسكين الدارمي-:
تهش لعرفان الدروع جلودنا ... إذا جاء يوم مظلم الشر كاسف
فريح الصدا المسود أطيب عندنا ... من المسك ذافته أكف ذوائف
تعلق في مثل السواري سيوفنا ... وما بينها والكعب غوط نفانف
(3/331)

وهذا كله جيد نادر.
وأنشد المفضل لجذع بن عمرو الشيباني:
كالجن يمشون في الحديد فما ... تبصر إلا الأطراف والمقلا
وهذا يفوق كل حسن وصحة.
وقال:
علينا دلاص من تراث محرق ... كمثل السماء زينتها نجومها
وأين الطائيان من هذه المعاني وهذه المذاهب.
وقال محمد بن عبد الملك بن صالح الهاشمي الحلبي:
نهنهت أولاها بضرب صائب ... هبر كما عط الرداء المعلم
وعلي سابغة كأن قتيرها ... سلخ كسانيه الشجاع الأرقم
وشبه الدرع بجلد حية، وهذا أحسن تشبيه وأصحه وألطفه، في أبرع لفظ، وأجود سبك، وإنما أخذ المعنى من قول أخر وأنشده ثعلب:
(3/332)

ونثرة تهزأ بالنصال ... كأنها من خلع الهلال
وقال: الهلال: الحية.
(3/333)

* ذكر وصف القوانس والبيض
قال أبو تمام:
بالمصعبين الذين كأنهم ... آساد أغيال وجن صريم
مثل البدور تضيء إلا أنها ... قد قلنست من بيضهم بنجوم
ويروى: «قد قنست» من القونس، وهذا لفظ ومعنى سخيفان، وأظنه سمع قول سلم الخاسر:
نزلت نجوم الليل فوق رؤوسهم ... فلكل رأس كوكب وهاج
وقال أبو تمام:
كأنهم وقلنس البيض فوقهم ... يوم الهياج بدور قلنست شهبا
وهذا أسخف وأوضع من بيته الأول، ولله در أبي لبيد القرشي إذ يقول:
(3/334)

إذا لبسوا القوانس ثم جاءوا ... كأمثال الكواكب حين تجري
وقال أبو تمام:
مصيف من الهيجا ومن جاحم الوغى ... ولكنه من وابل الدم مربع
عبوس كسا أبطاله كل قونس ... يرى المرء منه وهو أقرع أنزع
قوله: «وهو أقرع أنزع» كما يقال: هذا الشراب حلو حامض، أي قد جمع الطعمين، أي: يرى المرء وهو أقرع وهو أيضاً أنزع، وإلى هذا ذهب والله أعلم، وفيه معارضة، وهو أنه لا يكون من أجل البيضة أقرع، وإنما يكون من أجلها أنزع فقط، اللهم إلا أن يقيم البيضة مقام الشعر، وذلك في غاية البعد، ولو كانت الرواية: «يرى المرء فيه» مكان «منه» «وهو أقرع أنزع» كان المعنى صحيحاً، ولو كانت القافية منصوبة لكان المعنى أصح من كل صحيح، أي: يرى المرء الذي هو أقرع أنزع.
ولله در أبي عبادة إذ يقول:
قوم إذا قيل النجباء فما لهم ... غير الحفائظ والردى من مهرب
حص التريك رؤوسهم فرؤوسهم ... في مثل لألاء التريك المذهب
(3/335)

وقوله:
جليته بشعاع رأس رده ... لبس الترائك للهياج صليعا
غير أن هذا ليس وصفاً للبيض.
وما أحسن ما قال قتادة بن سلمة الحنفي:
ومعي أسود من حنيفة في الوغى ... للبيض فوق رؤوسهم تسويم
قوم إذا لبسوا الحديد كأنهم ... في البيض والحلق الدلاص نجوم
وقال خداش بن زهير:
وكتيبة بيضاء يبرق بيضها ... مثل السماء تزينت بنجوم
خالطتها بمهند ذي رونق ... وأصم مطرد الكعوب قويم
(3/336)

* ذكر وصف الرايات
قال أبو تمام فب حرب بابك، ويذكر رايات الأفشين:
وقد ظللت عقبان راياته ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل
أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل
وهذا معنى قد تداولته العرب في الجاهلية والإسلام، وقد ذكرته في سرقاته وكل ما قيل فيه.
وقال في مدح أبي سعيد:
فتح الله في اللواء لك الخا ... فق يوم الاثنين فتحاً عظيما
حومته ريح الجنوب ولن يح ... مد صيد العقاب حتى تحوما
قوله: «ولن يحمد صيد العقاب حتى يحوما»، لأنها إذا حامت أبصرت الطرائد فانقضت عليها.
(3/337)

وقال البحتري:
تصوت فوقهم حزق العوالي ... وغاب الخط مهزوز العلوب
كنخل سميحة استعلى ركيب ... تكفيها الرياح على ركيب
فهذا هو التشبيه الصحيح والمعنى المستقيم.
وقال أبو تمام:
نعم لواء الخميس أبت به ... يوم خميس عالي الضحى أفده
خلت عقاباً بيضاء في حجرا ... ت الملك طارت منه وفي سدده
فشاغب الجو وهو مسكنه ... وقاتل الريح وهي من مدده
ومر تهفو ذؤابتاه على ... أسمر متن يوم الوغى جسده
مارنه لدنه مثقفه ... عراصه في الأكف مطرده
تخفق أثناؤه على ملك ... يرى طراد الأبطال من طرده
نال بعاري القنا ولابسه ... مجداً تبيت الجوزاء من أمده
يعلم أن ليس للعلى لقم ... نهج إذا لم يطأ على قصده
(3/338)

وهذا شعر في غاية الاضطراب ورداءة المعاني وسوء التأليف.
قوله: «على أسمر متن» أراد: أسمر المتن، كما يقال: مررت بأحول عين وأصفر وجه، أي: بأحول العين وأصفر الوجه، وليس في هذه الأبيات بيت جيد إلا قوله:
«فشاغب الجو وهو مسكنه»
وقوله:
«يرى طراد الأبطال من طرده»
وحذا حذو قول أبي نواس:
تعد عين الوحش من أقواتها
وأخذه أبو نواس من قول أبي النجم:
تعد عانات اللوى من مالها
(3/339)

* ذكر وصف الخيل في الحرب
قال أبو تمام:
واكتست ضمر الجياد المذاكي ... من لباس الهيجا دماً وحميما
في مكر تلوكها الحرب فيه ... وهي مقورة تلوك الشكيما
وهذا معنى قبيح جداً، أن جعل الحرب تلوك الخيل من أجل قوله: «تلوك»، و «تلوك الشكيما» ها هنا أيضاً خطأ، لأن الخيل لا تلوك الشكيم في المكر وحرمة الحرب، وإنما تفعل ذلك إذا كانت واقفة، وقد ذكرت هذا في أغاليطه في المعاني وأوضحته.
و «المقورة»: الضامرة.
وأما قول أبي حزابة التميمي.
خاض الردى في العدى قدماً بمنصله ... والخيل تعلك ثن الموت باللجم
(3/340)

فإنما قال: «ثن الموت»، مثلاً، والثن: هو حطام النبات اليابس، ولم يرد أنها تعلك اللجم على الحقيقة.
وقال أنس بن الديان:
أقود الجياد إلى عامر ... علائك لجم تمج الدما
ولم يقل أنها تفعل هذا في حال كرها.
وقال أبو تمام:
تقاسمنا بها الجرد المذاكي ... سجال الكره والداب البعيد
فنمسي في السوابغ محكمات ... وتمسي في السروج وفي اللبود
حذوناها الوجي والأين حتى ... تجاوزت الركوع إلى السجود
إذا خرجت من الغمرات قلنا ... خرجت حبائساً إن لم تعودي
فكم من سؤدد أمكنت منه ... برمته على أن لم تسودي
أهانك للطراد ولم تهوني ... عليه وللقياد أبو سعيد
بلاك وكنت أرشيه المعالي ... وبرد مسافة الأمد البعيد
(3/341)

وهذا وصف حسن، ومعان جيدة حلوة.
قوله: «أهانك للطراد» معنى صحيح، و «للقياد» أظنه يريد إذا قيدت بين يدي من يهبها له، ويحمله عليها، أي: يهون عليه أن يطارد عليها فيتبعها وينصبها، ويهون عليه أن يهبها، وإلا فليس بها هوان أن تقاد بين يدي أبي سعيد، بل قود الخيل إذا تعبت والجنائب بين يدي الملوك من إكرامها لا من هوانها.
وقال البحتري:
فلم أر مثل الخيل أبقى على السرى ... ولا مثلنا أحنى عليها وأشفقا
وما الحسن إلا أن تراها مغيرة ... تجاذبنا حبلاً من الصبح أبرقا
فكم من عظيم أدركته صدورها ... فبات غنياً ثم أصبح مملقا
وأوحشها من يوسف حمل يوسف ... عليها المعالي جامعاً ومفرقا
إذا أفلتت من سملق بنفوسها ... أعاد عليها رائدا المجد سملقا
قوله: «تجاذبنا حبلاً من الصبح أبرقا» غاية في حسنه وحلاوته.
وقوله: «حمل يوسف عليها المعالي جامعاً ومفرقا» أي: وأوحشها منه كده إياها في طلب المعالي، بأن يغير فيجمع الأموال ويفرقها.
وقال:
عابسات حملن يوماً عبوساً ... لأناس عن خطبه غافلينا
(3/342)

زرن بالدارعين أهل البقلا ... ر وأجلوا عن صاغري صاغرينا
قد طواهن طيهن الفيافي ... واكتسبن الوجيف حتى عرينا
كوعول الهضاب رحن وما يم ... لكن إلا صم الرماح قرونا
جلنا في يابس التراب فما رم ... ن طعاناً حتى وطئن الطينا
«البقلار» و «صاغري» من بلاد الروم، و «الوجيف»: ضرب من السير، وجعله كسوة للخيل على مذهب أبي تمام الرديء في الاستعارة، وإنما قال: «اكتسين» من أجل قوله: «عرين» يريد: عرين من اللحم من طول السير.
وقوله:
كوعول الهضاب رحن وما يم ... لكن إلا صم الرماح قرونا
من أحسن تشبيه وألطفه، شبه الخيل بوعول الهضاب، لأنه قطع بها جبال الروم، وجعل قرونها الرماح، وإنما سمع الحجاج بن علاط السلمي:
ترى غابة الخطي فوق متونهم ... كما أشرقت فوق الصوار قرونها
(3/343)

واحتذى عليه كثير فقال:
وهم يضربون الصف حتى يثبتوا ... وهم يرجعون الخيل جما قرونها
أراد أنهم يطعنون بالرماح حتى تكسر، وقرون الخيل: الرماح، كذا فسره يعقوب.
وقوله: «حتى يثبتوا» أي: أمرهم وملكهم، وقوله: «يثبتوا» من قولهم: رجل مثبت، أي مثخن بالجراح ومثبت من المرض.
وقال البحتري:
وأزرت الخيول قبر امريء القي ... س سراعاً فعدن عنه بطاء
وجلبت الحسان حواً وحوراً ... آنسات حتى أغرت النساء
(3/344)

* ذكر المسير إلى أرض العدو والنزول عليها والظفر والفتوح
قال أبو تمام:
لقد انصعت والشتاء له وج ... ه تراه الكماة جهماً قطوبا
طاعناً منحر الشمال متيحاً ... لبلاد العدو موتاً جنوبا
أخذ البحتري المعنى فقال:
ورمى بثغرته الثغور فسدها ... طلق اليدين مؤملاً مرهوبا
بالسيف أرسله الخليقة مصلتاً ... والموت هب من العراق هبوبا
بيت البحتري أحسن وأجود لذكره الهبوب، وبيت أبي تمام أجمع لذكره الشمال مع الجنوب.
ثم وصف أبو تمام شدة الزمان من البرد فقال:
في ليال تكاد تبقي بحد الش ... مس من ريحها البليل شحوبا
(3/345)

سبرات إذا الحروب أنيخت ... هاج صنبرها فكانت حروبا
فضربت الشتاء في أخدعيه ... ضربة غادرته عوداً ركوبا
وهذا من استعاراته القبيحة المعروفة.
وقال في ضد قوله: «فضربت الشتاء في أخدعيه» في مدح أبي سعيد:
كرمت غزوتاك بالأمس والخي ... ل دقاق والخطب غير دقيق
كم أفادت من أرض قرة من قر ... ة عين وربرب موموق
ثم آبت وأبت خوف الغمام ال ... فظ ذا فكرة وقلب خفوق
لا تبالي بوارق البيض والسم ... ر ولكن باليت لمع البروق
تشنأ الغيث وهو جد حبيب ... رب حزم في بغضة الموموق
لم تخوف ضر العدو ولا بغ ... ياً ولكن تخاف ضر الصديق
وقال البحتري:
إذ مضى مجلباً يقعقع في الدر ... ب زئيراً ينس الكلاب العواء
يوم حاضت من خوفه ربة الرو ... م صباحاً وراسلته مساء
حين أبدت إليك خرشنة العل ... يا من الثلج هامة شمطاء
(3/346)

ما نهاك الشتاء عنها وفي صد ... رك نار للحقد تنهي الشتاء
قوله: «خرشنة العليا» هي خرشنة واحدة، وإنما قال: «العليا» أراد: التي هي عالية.
وقوله: «وفي صدرك نار الحقد تنهي الشتاء» أحسن من «فضربت الشتاء في أخدعيه»، وخلاف قوله:
لا تبالي بوارق المسر والبي ... ض ولكن باليت لمع البروق
وقال أبو تمام:
أوقدت من دون الخليج لأهلها ... ناراً لها خلف الخليج شرار
إلا تكن حصرت فقد أضحى ... من خوف قارعة الحصار حصار
فهناك نار وغى تشب وها هنا ... جيش له لجب وثم مغار
خشعوا لصولتك التي هي عندهم ... كالموت يأتي ليس فيه عار
وهذا في غاية الجودة والصحة والسلامة.
وقال بعد هذا:
غادرت أرضهم بخيلك في الوغى ... فكأن أمنعها لها مضمار
«لها»: للخيل مضمار، وهو الميدان الذي تجري فيه وتضمر.
فأقمت فيها وادعاً متمهلاً ... حتى ظنناً أنها لك دار
(3/347)

وهذا معنى حسن لطيف، وأحسن منه وأجود وأحلى قول البحتري:
ووصلت أرض الروم وصل كثير ... أطلال عزة في لوى تيماء
في كل يوم قد نتجت منية ... لحماتها من حربك العشراء
وقال أبو تمام في فتح عمورية:
يا يوم وقعة عمورية انصرفت ... منك المنى حفلاً معسولة الحلب
أبقيت جد بني الإسلام في صعد ... والمشركين ودار الشرك في صيب
أم لهم لو رجوا أن تفتدي جعلوا ... فداءها كل أم منهم وأب
وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها ... كسرى وصدت صدوداً عن أبي كرب
بكر فما افترعتها كف حادثة ... ولا ترقت إليها همة النوب
من عهد إسكندر أو قبل ذلك قد ... شابت نواصي الليالي وهي لم تشب
حتى إذا مخض الله السنين لها ... مخض البخيلة كانت زبدة الحقب
أتتهم الكربة السوداء كاربة ... منها وكان اسمها فراجة الكرب
جرى لها الحال برحا يوم أنقرة ... إذ غودرت وحشة الساحات والرحب
لما رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب
(3/348)

قوله: «مخض البخيلة»، لأنها تستقصي مخض البخيلة حتى لا يبقى شيء من الزبد إلا استخرجته.
وقوله: «الكربة السوداء» من أجل الرايات السود، «كاربة منها» يريد من عمورية، «كاربة» أي: غاشية لها ودانية منها، يقال: قد كرب أن يفعل كذا، أي: دنا وقرب.
«وكان اسمها فراجة الكرب» أي: الكربة السوداء، يريد الرايات السود،
و «فراجة الكرب»: لأنها فرجت الكربة من الدولة الأموية لما خرجت من خراسان.
ثم وصف الحريق فقال:
تركت فيها بهيم الليل وهو ضحى ... يشله وسطها صبح من اللهب
حتى كأن جلابيب الدجى رغبت ... عن لونها وكأن الشمس لم تغب
ضوء من النار والظلماء عاكفة ... وظلمة من دخان في ضحى شحب
فالشمس طالعة من ذا وقد أفلت ... والشمس واجبة من ذا ولم تجب
وإنما حذا في هذا كله حذو قول النابغة يصف يوم حرب:
تبدو كواكبه والشمس طالعة ... لا النور نور ولا الإظلام إظلام
ثم قال:
تكشف الدهر تصريح الغمام لها ... عن يوم هيجاء منها طاهر جنب
(3/349)

ما ربع مية معموراً يطيف به ... غيلان أبهى ربى من ربعها الخرب
ولا الخدود وقد أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظر من خدها الترب
سماجة غنيت منا العيون بها ... عن كل حسن بدا أو منظر عجب
وحسن منقلب تبقى عواقبه ... جاءت بشاشته من سوء منقلب
وقوله: «ما ربع مية معموراً يطيف به غيلان» إنما استحسنه غيلان وحده ويكون بهياً عنده لا عند الناس، وكأنه أراد: أبهى ربى عندنا من ربع مية عند غيلان، والمعنى غير جيد، وإنما كان ينبغي أن يشبهه بشيء له بهاء على كل حال عند كل أحد على العموم، لكن البحتري ذكر كثيراً وأطلال عزة فوضع القول في موضعه الذي يليق به فقال:
ووصلت أرض الروم وصل كثير ... أطلال عزة في لوى تيماء
وهذا في غاية الحسن والصحة، يصلح أن يكون مثالاً لكل شيء أدام الملازمة لشيء.
وقال البحتري:
رمى الروم بالغزو الذي ما تتابعت ... نوافذه إلا أصبن المقاتلا
(3/350)

غزاهم فأفناهم ولم يقتصر بهم ... على العام حتى جدد الغزو قابلا
رويدك أنظرهم لتنتجع الربى ... منورة أو تحلب الخلف حافلا
فقد عرت بالغارات في وهداتهم ... ولياً ووسمياً رذاذاً ووابلا
وسقت الذي فوق المعاقل منهم ... فلم يبق إلا أن تسوق المعاقلا
فهذه هي الطريقة العربية والبلاغة المتقنة.
وقال:
حوى كل ما دون الخليج ولم يدع ... فؤاداً بما دون الخليج معلقا
قليل السرور بالكثير يناله ... فتحسبه وهو المظفر مخفقا
ومحترس من أين رمت اغتراره ... وجدت له سهماً إليك مفوقا
وهذا حزم وتيقظ لا غاية وراءهما، ولفظ وعبارة عن معنى لا شيء أوضح منه.
ومثل قوله: «.... وهو المظفر مخفقا» قوله في أبي سعيد:
يرجى التقى من هديه واعتلاله ... سكينة مغلوب وأوبة غالب
(3/351)

* ذكر من انهزم ونجا بحشاشته ومن أسر
قال أبو تمام يعني بابك الخرمي:
ونجا ابن خائنة البعولة لو نجا ... بمهفهف الكشحين والآطال
ترك الأحبة سالياً لا ناسياً ... عذر النسي خلاف عذر السال
هتكت عجاجته القنا عن وامق ... أهدى الطعان له خليقة قال
وقال فيه:
عشية صد البابكي عن القنا ... صدود المقالي لا صدود المجامل
تحدر من لهبيه يرجو غنيمة ... بساحة لا الواني ولا المتخاذل
فكان كشاة الرمل قيضه الردى ... لقانصه من قبل نصب الحبائل
وهذا وما قبله جيد بالغ.
(3/352)

وقال:
عدا الليل فيها عن معاوية الردى ... وما شك ريب الدهر في أنه ردي
لعمري لقد حررت يوم لقيته ... لو أن القضاء وحده لم يبرد
وفي أرشق الهيجاء والخيل ترتمي ... بأبطالها في جاحم متوقد
عططت على رغم العدا عزم بابك ... بصبرك عط الأتحمي المعضد
فإن لا يكن ولى بشلو مقدد ... هناك فقد ولى بعزم مقدد
قوله: «لو أن القضاء وحده لم يبرد» من معانيه التي كان الشيوخ يضحكون منها.
وقوله: «وفي أرشق الهيجاء» أراد: في هيجاء أرشق فجاء به على القلب، أي: في حرب أرشق، «عططت»: شققت، والأتحمي: ضرب من الثياب.
وقال:
وقد كانت الأرماح أبصرن قلبه ... فأرمدها ستر القضاء الممدد
والستر الممدود من كل شيء إنما يحجب العين عن أن تنظر إلى ما وراءه، فأما أن يرمدها فلا، لكنه ذهب إلى أن الأرمد لا يبصر.
(3/353)

وقال:
وكان هو الجلد القوي فسلبته ... بحسن الجلاد المحض حسن التجلد
لعمري لقد غادرت حسي فؤاده ... قريب رشاء للقنا سهل مورد
فكان بعيد القعر من كل ماتح ... فغادرته يسقس ويشرب باليد
وهذا غاية في حسنه وصحته وحلاوته وغرابته.
وقال:
إلا تنل منويل أطراف القنا ... أو تثن عنه البيض وهي حرائر
فلقد تمنى أن كل مدينة ... جبل أصم وكل حصن غار
فانظر بعين شجاعة فلتنظرن ... أن المقام بحيث كنت فرار
هيهات جاذبك الأعنة باسل ... يعطي الشجاعة كل من تختار
فمضى لو أن النار دونك خاضها ... بالسيف إلا أن تكون النار
وقال يمدح الأفشين:
لاقاك بابك وهو يزأر فانثنى ... وزئيره قد عاد وهو أنين
لما رأى علميك ولى هارباً ... ولكفره طرف عليه سخين
ولى ولم يظلم وهل ظلم امرؤ ... حث النجاء وخلفه التنين
(3/354)

طعن التلهف قلبه ففؤاده ... من غير طعنة فارس مطعون
ورجا بلاد الروم واستعصى به ... أجل أصم عن النجاء حرون
هيهات لم يعلم بأنك لو ثوى ... بالصين لم تبعد عليك الصين
وهذا كله معنى ولفظاً لا مطعن في الصحة والاستقامة والحسن والجودة.
وقال:
إن ينج منك أبو نصر فعن قدر ... تنجو الرجال ولكن سله كيف نجا
وهذا بيته المشهور الذي يستحسن من أجل إجماله وتركه أن يشرح.
وقد أحسن البحتري في قوله:
إن ينج منهزماً ركضاً فقد وطئت ... منه الرماح صليفي كاهل وقفا
وقال أبو تمام:
ولى معاوية عنهم وقد أخذت ... فيه القنا فأبى المقدار والأمد
نجاك في الروع ما نجى سميك في ... صفين والخيل بالفرسان تنجرد
(3/355)

إن تنفلت وأنوف الموت راغمة ... فاذهب فأنت طليق الركض يا لبد
وقال فيها:
تركت منهم سبيل النار سابلة ... في كل يوم إليها عصبة ترد
كأن بابك بالبذين بعدهم ... نؤي أقام خلاف الحي أو وتد
وقال:
لما رأى الحرب رأي العين توفلس ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب
غدا يصرف بالأموال جزيتها ... فعره البحر ذو التيار والحدب
لم ينفق الذهب المربي بكثرته ... على الحصى وبه فقر إلى الذهب
إن الأسود أسود الغيل همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
ولى وقد ألجم الخطى منطقه ... بسكتة تحتها الأحشاء في صخب
أحذى قرابينه صرف الردى ومضى ... يحتث أنضى مطاياه من الهرب
وهذا إحسانه المعروف الذي لا شيء يفوقه.
(3/356)

وقال:
رآه العلج مقتحماً عليه ... كما اقتحم الفناء على الخلود
فمر ولو يجاري الريح خيلت ... لديه الريح ترسف في القيود
قوله:
كما اقتحم الفناء على الخلود
من قول مسلم بن الوليد:
كأنه أجل يسعى إلى أمل
وقوله:
.................... خيلت ... لديه الريح ترسف في القيود
في غاية الجودة
وقال في مدح إسحاق بن إبراهيم:
سماهم البطر الأسد الغضاب فلم ... تهجع سيوفك حتى صيروا نعما
ولت شياطينهم عن حد ملحمة ... كانت نجوم القنا فيها لهم رجما
وما وراء هذا البيت غاية في حسنه وحلاوته وصحة معناه، ولست أدري أيهما أجود في معناه أهو أم قول البحتري:
(3/357)

قمر يكر على الكماة بكوكب
وقال في مدح خالد بن يزيد بن مزيد:
ولما رأى توفيل راياتك التي ... إذا ما اتلأبت لا يقاومها الصلب
تولى ولم يأل الردى في اتباعه ... كأن الردى في قصده هائم صب
غدا خائفاً يستنجد مذعناً ... عليك فلا رسل ثنتك ولا كتب
وما الأسد الضرغام يوماً بتارك ... صريمته إن أن أو بصبص الكلب
فمر ونار الكرب تلفح قلبه ... وما الروح إلا أن يخامره الكرب
مضى مدبراً شطر الدبور ونفسه ... على نفسه من سوء ظن بها إلب
جفا الشرق حتى ظن من كان جاهلاً ... بدين النصارى أن قبلته الغرب
وحسبك بهذا جودة.
وقال البحتري في هذا الباب:
أشلى على منويل أطراف القنا ... فنجا عتيق عتيقه جرداء
ولو أنه أبطى لهن هنيهة ... لصدرن عنه وهن غير ظماء
(3/358)

فلئن تبقاه القضاء لوقته ... فلقد عممت جنوده بفناء
أثكلته أشياعه وتركته ... للموت مرتقباً صباح مساء
حتى لو ارتشف الحديد أذابه ... بالوقد من أنفاسه الصعداء
وقال:
وما كان بقراط بن آشوط عنده ... بأول عبد أوبقته جرائره
وقد شاغب الإسلام خمسين حجة ... فلا الخوف ناهيه ولا الحلم زاجره
ولم يرض من جرزان حرزاً يجيره ... ولا في جبال الروم ريداً يجاوره
فجاء مجيء العير قادته حيرة ... إلى أهرت الشدقين تدمى أظافره
ومن كان في استسلامه لائماً له ... فإني على ما كان من ذاك عاذره
ولم يبق بطريق له مثل جرمه ... بأران إلا عازب اللب طائره
كسرتهم كسر الزجاجة بعده ... ومن يجبر الوهي الذي أنت كاسره
فإن يك هذا أول النقص فيهم ... وكنت لهم جاراً فما هو آخره
وهذا في غاية الحسن والصحة والسلامة.
وقوله:
فجاء مجيء العير قادته حيرة
(3/359)

مثل قول أبي تمام:
فكان كشاة الرمل قيضه الردى
والبيتان جميعاً جيدان ومعناهما مشترك جار في العادات وليس مثله مسروقاً.
وقال:
ولقد عزلت أبا أمية لو وعت ... أذناه ذاك العذل والتأنيبا
قصد الهدى بالمعضلات يكيده ... ودعا إلى إضلاله فأجيبا
حتى تقنص في أظافر ضيغم ... ملأت هماهمه القلوب وجيبا
ونهيت بقراط بن حمزة لو نهى ... أملاً كبارقة الجهام كذوبا
ظن الظنون صواعداً فرددته ... خزيان يحمل منكباً منكوبا
متقسم الأحشاء ينفض روعه ... قلباً كأنبوب اليراع نخيبا
وهذا كله جيد بالغ لفظاً ومعنى وسبكاً.
وقال:
ولما رأى الأكراد برق سنانه ... تمج دماً منهم فوبل وريق
تولوا فهام بالفرار معير ... دهوراً وهام بالسيوف ملفق
(3/360)

وهذا كما ترى غاية في حسنه وغرابته.
وقال:
وزر فروج المرهفات على بني ... زرارة واختاروا عليه السلاسلا
وأصلح منهم كل من كان فاسداً ... وقوم منهم كل من كان مائلا
وأصعد موسى في السماء فلم يجد ... بها مهرباً منه فأقبل نازلا
ولم تستطع بدليس تمنع ربها ... من الأسد المزجي إليها القنابلا
لأذكرته بالرمح ما كان ناسياً ... وعلمته بالسيف ما كان جاهلا
أحطت به قهراً فلما ملكته ... أحطت به منا عليه ونائلا
ولو لم تناهضه وأبصر ما ... تنيل من الجدوى لجاءك سائلا
وهذا هو الإحسان الذي لا يتعلق به إحسان، غير أن قوله: «وزر فروج المرهفات» استعارة رديئة وتجنيس قبيح يشبه تجنيسات أبي تمام الرديئة.
وقال:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا
ولو أنهم ركبوا الكواكب لم يكن ... ينجيهم من أخذ بأسك مهرب
«ركبوا الكواكب» لأنه لا تفي بحركة سيرها حركة.
(3/361)

وما أحسن ما قال عبد العزى بن وديعة المزني:
كأن سيوفنا فينا وفيهم ... سحاب يستهل ويستطير
كأنهم وقد ولوا جراد ... بذي لجب تهوره الدبور
(3/362)

* ذكر الصلب على الجذوع وحمل الرؤوس
قال أبو تمام:
لما قضى رمضان فيه قضاؤه ... شالت به الأيام في شوال
أهدى لمتن الجذع متنيه كذا ... من عاف متن الأسمر العسال
لا كعب أسفل موضعاً من كعبه ... مع أنه عن كل كعب عال
سام كأن العز يجذب صبعه ... وسموه من ذلة وسفال
متفرغ أبداً وليس بفارغ ... من لا سبيل له إلى الإشغال
هذا كله من مشهور إحسانه وبارع قوله.
وقوله: «متفرغ أبداً .......» من الفلسفة العجيبة، وهو البيت الذي كان الكندي يعجب به.
(3/363)

وقال فيه:
ولقد شفى الأحشاء من برحائها ... أن صار بابك جار مازيار
ثانيه هو كبد السماء ولم يكن ... لاثنين ثان إذ هما في الغار
وكأنما انتبذا لكيما يطويا ... عن ناطس خبراً من الأخبار
سود اللباس كأنما نسجت لهم ... أيدي السموم مدارعاً من قار
بكروا وأسروا في متون ضوامر ... قيدت لهم من مربط النجار
لا يبرحون ومن رآهم خالهم ... أبداً على سفر من الأسفار
قوله: «.... لم يكن لاثنين ثان إذ هما في الغار» من لحونه القبيحة، وقد ذكرته في جملة ما ذكرته من أغاليطه في المعاني.
وأما ناطس فلست أدري ما أراد به وأظنه عظيماً من عظماء أهل الشرك ممن كان تجب طاعته، كأنما أتاهما خبر فهما يتقاوضانه ويطويانه، وقد كنت سمعت فيه شيئاً أظنه هذا.
(3/364)

وقوله:
لا يبرحون ومن رآهم خالهم ... أبداً على سفر من الأسفار
مأخوذ من قول آخر وأنشده ثعلب:
قام ولما يستعن بساقه ... آلف مثواه على فراقه
وقال البحتري في صلب بابك يخاطب أبا سعيد:
ما زلت تقرع باب بابك بالقنا ... وتزوره في غارة شعواء
حتى أخذت بنصل سيفك عنوة ... منه الذي أعيا على الخلفاء
أخليت منه البذ وهي قراره ... ونصبته علماً بسامراء
لم يبق منه خوف بأسك مطعماً ... للطير في عود ولا إبداء
فتراه مطروداً على أعواده ... مثل اطراد كواكب الجوزاء
مستشرقاً للشمس ممتداً لها ... في أخريات الجذع كالحرباء
قوله: «بسامراء» من لحونه القبيحة، وإنما ذهب إلى أن جعلها اسماً واحداً كما تلفظ به العامة، وإنما هي: «سر من رأى».
وقوله: «مطرداً على أعواده» أي: يلوح، لأن الشمس صيرته كما ترى الكواكب، كأنها تتحرك، تطرد: أي يطرد ضوءها بعضه بعضاً، كأن الضوء يتدافع، وخص كواكب الجوزاء لأنها كهيئة الإنسان المصلوب.
(3/365)

وقوله: «في أخريات الجذع كالحرباء» ما زلت أسمع الشيوخ من أهل العلم بالشعر يقولون إنه ما شبه المصلوب بأصح من هذا التشبيه ولا أقرب ولا أحسن لفظاً ولا أشبه بكلام العرب.
وأما ما تقدم من قول أبي تمام فإنه حكمة متقنة وفلسفة تفوق كل فلسفة وتتقدم معاني الناس في الرقة واللطافة.
وقال البحتري في قوم أخذوا ومعهم صليب لهم فصلبوا:
وما صليب ابن آشوط بأمنع من ... صليب برجان إذ خلوه وانجفلوا
أمسى يرد حريق الشمس جانبه ... عن بابك وهو في الباقين يشتعل
كأنهم ركبوا في الحرب وهو لهم ... بند فما لف مذ أوفى ولا نزلوا
تفاوتوا بين مرفوع ومنخفض ... على مراتب ما قالوا وما فعلوا
رد الهجير لحاهم بعد شعلتها ... سوداً فعادوا شباباً بعدما اكتهلوا
وهذا مرعى ولا كالسعدان.
وقال:
قوم ترى أرماحهم يوم الوغى ... مشغوفة بمواطن الكتمان
(3/366)

يتسربلون أسنة وصفائحاً ... والموت بين صفيحة وسنان
قوم إذا شهدوا الكريهة صيروا ... كمم الرماح جماجم الأقران
فهذا مأخوذ من قول مسلم:
يغشي السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذبل
وأخذه أبو تمام فأساء الأخذ وقبح لفظاً ومعنى، وسلك وجهاً آخر فقال:
بدلت أرؤسهم يوم الكريهة من ... قنا الظهور قنا الخطي مدعما
وإنما ألم مسلم بن الوليد بقول جرير:
كأن رؤوس القوم فوق رماحنا ... غداة الوغى تيجان كسرى وقيصرا
وقال آخر:
سخطت جماجمهم على أجسادهم ... فتبدلت منها صدور رماح
ما واجهتك عقاب حرب مرة ... إلا كسرت جناحها بجناح
(3/367)

* ذكر الحرب في البحر
قال البحتري في أحمد بن دينار في الحرب التي تولاها في البحر:
ولما تولى البحر والجود صنوه ... غدا البحر من أخلاقه بين أبحر
أضاف إلى التدبير فضل شجاعة ... ولا عزم إلا للشجاع المدبر
إذا شجروه بالرماح تكسرت ... عواملها في صدر ليث غضنفر
غدوت على الميمون صبحاً وإنما ... غدا المركب الميمون تحت المظفر
أطل بعطفيه ومر كأنما ... تشوف من هادي حصان مشهر
إذا زمجر النوتي فوق علاته ... رأيت خطيباً في ذوابة منبر
يغضون دون الاشتيام عيونهم ... وقوف السماط للعظيم المؤمر
إذا عصفت فيه الجنوب اعتلى لها ... جناحا عقاب في السماء محجر
(3/368)

إذا ما انكفى في هبوة النار خلته ... تلفع في أثناء برد محبر
وحولك ركابون للهول عاقروا ... كؤوس الردى من دارعين وحسر
تميل المنايا حيث مالت أكفهم ... إذا أصلتوا حد الحديد المذكر
إذا رشقوا بالنار لم يك رشقهم ... ليقلع إلا عن شواء مقتر
صدمت بهم صهب العثانين دونهم ... ضراب كإيقاد اللظى المتسعر
يسوقون أسطولاً كأن سفينه ... سحائب صيف من جهام وممطر
كأن ضجيج البحر بين رماحهم ... إذا اختلفت ترجيع عود مزمجر
يقارب من زحفيهم فكأنما ... يؤلف من أعناق وحش منفر
فما رمت حتى أجلت الحرب عن طلى ... مقطعة فيهم وهام مطير
على حين لا نقع تطوحه الصبا ... ولا أرض تلفى للصريع المقطر
وكنت ابن كسرى قبل ذاك وبعده ... ملياً بأن توهي صفاة ابن قيصر
جدحت له الموت الذعاف فعافه ... وطار على ألواح شطب مشمر
مضى وهو مولى الريح يشكر فضلها ... عليه ومن يول الصنيعة يشكر
وهذا من أحسان أبي عبادة المشهور الذي يفوق كل إحسان.
وليس لأبي تمام في حرب البحر شيء.
(3/369)

* ما قالاه في حرب ذوي الأرحام والحض على صلحهم والصفح عنهم
قال أبو تمام في مالك بن طوق:
لو أن دهراً رد رجع جواب
يا مالك ابن المالكين ولم تزل ... تدعى ليومي نائل وعقاب
لم ترم ذا رحم ببائقة ولا ... كلفت قومك من وراء حجاب
للجود باب في الأنام ولم تزل ... كفاك مفتاحاً لذاك الباب
ورأيت قومك والإساءة منهم ... جرحى بظفر للزمان وناب
هم صيروا تلك البروق صواعقاً ... فيهم وذاك العفو سوط عذاب
وأقل أسامة جرمها واصفح لها ... عنه وهب ما كان للوهاب
رفدوك في يوم الكلاب وشققوا ... فيه المزاد بجحفل غلاب
(3/370)

وهم بعين أباغ راشوا للوغى ... سهميك عند الحارث الحراب
وليالي الثرثار والحشاك قد ... جلبوا الجياد لوحق الأقراب
فمضت كهولهم ودبر أمرهم ... أحداثهم تدبير غير صواب
لا رقة الحضر اللطيف غذتهم ... وتباعدوا عن فطنة الأعراب
وإذا كشفتهم وجدت لديهم ... كرم النفوس وقلة الآداب
أسبل عليهم ستر عفوك مفضلاً ... وانفح لهم من نائل بذناب
لك في رسول الله أعظم أسوة ... وأجلها في سنة وكتاب
أعطى المؤلفة القلوب رضاهم ... كملاً ورد أخايذ الأحزاب
والجعفريون استقلت ظعنهم ... عن قومهم وهم نجوم كلاب
حتى إذا أخذ الفراق بقسطه ... منهم وشط بهم عن الأحباب
ورأوا بلاد الله قد لفظتهم ... أكنافها رجعوا إلى جواب
فأتوا كريم الخيم مثلك صافحاً ... عن ذكر أحقاد مضت وضباب
ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي
فاضمم قواصيهم إليك فإنه ... لا يزخر الوادي بغير شعاب
والسهم بالريش اللؤام ولن ترى ... بيتاً بلا عمد ولا أطناب
(3/371)

وهذه من قصائد أبي تمام التي يرضاها أضداده لتركه التصنع فيها بطلب الطباق والتجنيس والاستعارات إلا أبياتاً يسيرة نسيبها.
وقال أبو تمام في مالك بن طوق:
مهلاً بني عمرو بن غنم إنكم ... هدف الأسنة والقنا يتحطم
وستذكرون غداً صنائع مالك ... إن جل خطب أو تدوفع مغرم
إن تذهبوا عن مالك أو تجهلوا ... نعماه فالرحم الضعيفة تعلم
هي تلك مشكاة بكم لو تشتكي ... مظلومة لو أنها تتظلم
كانت لكم أخلاقه معسولة ... فتركتموه وهي ملح علقم
فقسا لتزدجروا ومن يك حازماً ... فليقس أحياناً على من يرحم
أعزز عليه إذا ابتأستم بعده ... وتذكرت بالأمس تلك الأنعم
ووجدتم قيظ الأذى ورميتم ... بعيونكم أين الربيع المرهم
وندمتم ولو استطاع على جوى ... أحشائكم لوقاكم أن تندموا
قوله: «هي مشكاة بكم» أي: مشكاة منك يقال: أشكيته إذا شكا إليك فزدته مما كان شكاه، وأشكيته: إذا نزعت عما شكاه، وهي من الأضداد وهي ها هنا: لو أ، ها تشتكي لزدتموها.
وقوله: «لوقاكم أن تندموا» كأنه لفظ موضوع في غير موضعه، لأن ندمهم إنما هو عقوقهم له، والندم إنما هو رجوع واستبصار، فكيف يقيهم من رجوعهم واستبصارهم، فإن قيل: إنما أراد: يقيهم الأمر الذي ندموا عليه لا أن
(3/372)

يقيهم الندم، قيل فالذي ندموا عليه هو العقوق، فكيف يقيهم العقوق، ووجه هذا عندي أنه أراد: لوقاكم غم الندم ولوعته، وقد يكون أراد: لوقاكم الأمر الذي تدفعون إليه فيكون سبب ندمكم، فوضع الندم موضع سبب الندم.
وقال أيضاً في مالك بن طوق:
سلم على الربع من سلمى بذي سلم
مهلاً بني مالك لا تجلبن إلى ... حي الأراقم دؤلول ابنة الرقم
فأي حقد أثرتم من مكامنه ... وأي عوصاء جشمتم بني جشم
لم يألكم مالك صفحاً ومغفرة ... لو كان ينفخ قين الحي في فحم
لا بالمعاود ولعاً في دمائكم ... ولا إلى لحم خلق منكم قرم
أخرجتموه بكره من سجيته ... والنار قد تنتضي من ناضر السلم
أوطأتموه على جمر العقوق ولو ... لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم
قد انثنى والمنايا في أسنته ... وقد أقام حياراكم على اللقم
جذلان من ظفر حران إن رجعت ... أظفاره منكم مخضوبة بدم
ديم يكفكف منه كل بائقة ... ورحمة رفرفت منه على الرحم
«الدؤلول»: الأمر الشديد العظيم، أراد به أبو تمام الداهية، و «العوصاء»: الأمر المعتاص الشديد، و «السلم»: شجر شديد الصلابة
(3/373)

لا يكاد تقدح منه النار، و «اللقم»: جادة الطريق، وإنما أراد أقامهم على الهدى وأراهم إياه.
وقوله: «دين يكفكف منه كل بائقة» يقال: كفكفت الشيء عن الشيء إذا رددته عنه، مثل «كففته»، ويكون: «يكفكف عنه كل بائقة» بدفع، أي: تقف وتحجم مثل قوله:
إذا درجت فيه الصبا كفكفت لها ... وقام يباريها أبو الفضل جعفر
وليس في هذه القصيدة بيت جيد عليه طلاوة إلا قوله:
أخرجتموه بكره من سجيته ... والنار قد تنتضي من ناضر السلم
فإنه من مشهور إحسانه ونادر معانيه، والبيت الذي بعده أيضاً جيد بالغ.
وما أحسن ما قال شماس بن أوس الطهوي:
فإلا تصل رحم ابن عمرو بن مرثد ... يعلمك وصل الرحم عضب مجرب
وقال حميد بن أبي شحاذ الضبي:
(3/374)

فقضينا قضاءنا من بني عب ... س وقد يقتل الشقيق الشقيق
هم بنو أمنا فجرينا الده ... ر ففي أهب بيننا تمزيق
وقال القطامي:
لم تر قوماً هم شر لإخوانهم ... منا عشية يجري بالدم الوادي
تفريقهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد
وحسبك بهذا جودة.
ولله در أبي عبادة إذ يقول لبني الحارث بن كعب في قصيدة يمدح بها علي بن مر:
أقيموا بني الديان من سفهائكم ... فقد طال عن قصد السبيل مجيدها
أما آن أن ينهى عن الجهل والخنا ... قيام المنايا فيكم وقعودها
قرابتكم لا تظلموها فتبعثوا ... عليكم صدوراً ما تموت حقودها
لها الحسب الزاكي الذي تعرفونه ... وفيكم طريفات العلا وتليدها
فلا تسألوها عن قديم تراثها ... فعسجدها مما أفاد حديدها
ذوو النخلات الخضر من بطن حائل ... وفي فلج خطبانها وهبيدها
وأهل سفوح من شمائل تكتسي ... بهم أرجاً حتى يشم صعيدها
ينامون عن أكفانهم ولديهم ... من الله نعمى ما ينام حسودها
(3/375)

مقاماتهم أركان رضوى ويذبل ... وأيديهم بأس الليالي وجودها
أبا خالد ما جاور الله نعمة ... بمثلك إلا كان حتماً خلودها
وجدنا خلال الخير عندك كلها ... ولو طلبت في الغيث عز وجودها
فقد جزعت جلد ولولاك لم يكن ... ليجزع من صرف الزمان جليدها
فأولهم نعمى فكل صنيعة ... رأيناك تبديها فأنت تعيدها
قرابتك الأدنين من حيث تنتمي ... وجيرتك الداني إليك بعيدها
أتهدم جرفيها وطودك طودها ... وتنحت فرعيها وعودك عودها
وتنهض بالأبطال تفني عديدها ... وسؤلك في أن التراب عديدها
إليك وقود النار عند ابتدائها ... وليس إذا تمت إليك خمودها
فأقصر ففي الإقصار بقيا فإنها ... مكارم حيي يعرب تستفيدها
ودونك فاختر في قبائل مذحج ... أتقرها عن أمرها أم تسودها
قوله: «وأهل سفوح» فسفوح: موضع، «من شمائل»، أي: وفي أهل سفوح شمائل، أي: أخلاق، و «من» زائدة، «تكتسي أرجا» أي: تكتسي سفوح بأهلها أرجاً، «حتى يشم صعيدها» أي: ترابها، وهذا هو اللفظ الجزل والمعنى الفحل والنظم الرصين والطبع السلس والمذهب العجب.
ومثله في الجودة والرصانة والحلاوة قوله في القصيدة التي يمدح فيها المتوكل ويذكر حرب تغلب وإصلاح الفتح بينهم:
(3/376)

أسيت لأخوالي ربيعة إذ عفت ... مصايفها فيها وأقوت ربوعها
بكرهي أن باتت خلاء ديارها ... ووحشاً مغانيها وشتى جميعها
وأمست تساقي الموت من بعدما غدت ... شروباً تساقي الراح رفهاً شروعها
«الرفه»: أن ترد الإبل الماء كل يوم.
إذا افترقوا عن وقعة جمعتهم ... لأخرى دماء ما يطل نجيعها
تذم الفتاة الرود شيمة بعلها ... إذا بات دون الثأر وهو ضجيعها
حمية شغب جاهلي وعزة ... كليبية أعيا الرجال خضوعها
وفرسان هيجاء تجيش صدورها ... بأحقادها حتى تضيق دروعها
تقتل من وتر أعز نفوسها ... عليها بأيد ما تكاد تطيعها
إذا احتربت يوماً ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها
شواجر أرماح تقطع بينها ... شواجر أرحام ملوم قطوعها
ولولا أمير المؤمنين وطوله ... لعادت جنوب والدماء دروعها
ولاصطلمت جرثومة تغلبية ... به استبقت أغصانها وفروعها
رفعت بضبعي تغلب ابنة وائل ... وقد يئست أن يستقل صريعها
وكنت أمين الله مولى حياتها ... ومولاك فتح يومذاك شفيعها
فألفهم من بعد ما شردتهم ... حفائض أخلاق بطيء رجوعها
(3/377)

وأبصر غاويها المحجة فاهتدى ... وأقصر غاليها ودانى شسوعها
وأمضى قضاء بينها فتحاجزت ... ومخفوضها راض به ورفيعها
فقد ركزت سمر الرماح وأغمدت ... رقاق الظبا مجفوها وصنيعها
أتتك وقد ثابت إليها حلومها ... وباعدها عما كرهت نزوعها
فقرت قلوب كان جماً وجيبها ... ونامت عيون كان نزراً هجوعها
تعيد وتبدي من ثناء كأنه ... سبائب روض الحزن جاد ربيعها
تصد حياء أن تراك بأوجه ... أتى الذنب عاصيها مطيعها
ولا عذر إلا أن حلم حليمها ... يسفه في شر جناه خليعها
بقيت فكم أبقيت بالعفو محسناً ... على تغلب حتى استمر ظليعها
ومشفقة تخشى حماماً على ابنها ... لأول هيجاء تلاقى جموعها
ربطت بصلح القوم نافر جأشها ... فقر حشاها واطمأنت ضلوعها
وقال البحتري في هذه الحرب بعينها، ويذكر ما كان من الفتح في صلح بينهم، وهي من المنصفات، وقد بينت عن فضل البحتري وعربيته وطريقته التي ليس لشاعر من المتأخرين، وهي تبر على كل ما قالوه في وصف حرب، وهي القصيدة التي أولها:
ضمان على عينيك أني لا أسلو
(3/378)

بني تغلب أعزز علي بأن أرى ... دياركم أمست وليس بها أهل
خلت بلد من ساكنيها وأوحشت ... مرابع من سنجار يهمي بها الوبل
وأزعج أهل المحلبيات ناجز ... من الحرب ما فيه خداع ولا هزل
وأقوت من القمقام أعراض مارد ... فما ضمنت تلك الأعقة والرمل
أفي كل يوم فرقة من جميعكم ... تبيد ودار من مجامعكم تخلو
مصارع بغي تابع الظلم بينها ... بساعة عز كان آخره الذل
إذا ما التقوا يوم الهياج تحاجزوا ... وللموت فيما بينهم قسمة عدل
غدوا عصبتي ورد سجالها الردى ... ففي هذه سجل وفي هذه سجل
إذا كان قرض من دم عند معشر ... فلا خلف في أن يؤدي ولا مطل
كفي من الأحياء لاقى كفيه ... ومثل من الأقران زاحفه مثل
إذا ما أخ جر الرماح انبرى له ... أخ لا بليد في الطعان ولا وغل
تحضهم البيض الرقاق وضمر ... عتاق وأحساب بها يدرك التبل
وما الموت إلا أن تشاهد ساعة ... فوارسهم في ما قط وهم رجل
بطعن يكب الدارعين دراكه ... وضرب كما ترغو المخزمة البزل
يهال الغلام الغر ثم يرده ... على الهول من مكروهها الأشيب الكهل
(3/379)

تجافى أمير المؤمنين عن التي ... علمتم وللجانين في مثلها الثكل
وعاد عليكم منعماً بفواضل ... أتت وأمير المؤمنين لها أهل
وكانت يد الفتح بن خاقان عندكم ... يد الغيث عند الأرض أجهدها المحل
ولولاه طلت بالعقوق دماؤكم ... فلا قود يطعى الأذل ولا عقل
تلافيت يا فتح الأراقم بعدما ... سقاهم بأوحى سمه الأرقم الصل
وهبت لها بالسلم باقي نفوسهم ... وقد شارفوا أن يستتمهم القتل
أتوك وفود الشكر يثنون بالذي ... تقدم من نعماك عندهم قبل
فلم أر يوماً كان أكثر سؤدداً ... من اليوم ضمتهم إلى بابك السبل
تاءوك من أقصى السماط فقصروا ... خطاهم وقد جازوا الستور وهم عجل
ولما قضوا صدر السلام تهافتوا ... على يد بسام سجيته البذل
إذا قلبوا أبصارهم من مهابة ... ومالوا بلحظ خلت أنهم قبل
قوله: «وأقوت من القمقام أعراض مارد .....» «فالقمقام»: العدد الكثير، و «الأعراض» جمع عرض، وعرض كل شيء ناحيته، ويجوز أن يكون أراد بالأعراض: جمع عرض، والعرض: الجبل، و «مارد»: يريد بلاد ماردين،
(3/380)

ولماردين جبال فيها حصون، و «الأعقة»: جمع عقيق، فجمعه بما أحواله [؟]، وكذلك «الرمل» ها هنا: موضع.
وقوله: «فرقة من جميعكم ....» أي: من كلا الحزبين، و «دار من مجامعكم ...» أي: من محافلكم واجتماعكم.
وقوله: «سجالهما الردى ...» فالسجال: المساجلة وهو من السجل، والسجل: الدلو وذلك أن يتبارى الساقيان بسجليهما في الاستقاء، فيستقي هذا سجلاً وهذا سجلاً، فجعله مثلاً ها هنا، أي: لكل واحد منهما قسط من الردى.
وللبحتري قصيدة أخرى في حرب بني الأعمام، منصفة، هي مثل القصيدة التي مضت، أو تزيد عليها في الجودة والبراعة، يمدح فيها أبا المعمر الهيثم بن عبد الله التغلبي ويذكر حروب بني تغلب أيضاً، أولها:
أمنك تأوب الطيف الطروب
أما «لربيعة الفرس» انتهاء ... عن الزلزال فيها والحروب
لكل قبيلة خيل تداعى ... إلى خيل معاودة الركوب
كدأب بني المعمر حين زاروا ... بني عمرو بمصمية شعوب
تبالوا صادق الأحساب حتى ... نفوا خور الضعيف عن الصليب
(3/381)

صريح الخيل والأبطال أغنى ... عن الهجنات والخطأ المشوب
وكانوا رقعوا أيام سلم ... على تلك القوادح والندوب
إذا ما الجرح دم على فساد ... تبين فيه تفريط الطبيب
رزية هالك جلبت رزايا ... وخطب بات يكشف عن خطوب
يشق الجيب ثم يجيء أمر ... يصغر فيه تشقيق الجيوب
وقبر عن أيامهن برقعيد ... إذا ما ناحرت أفق الجنوب
يسح ترابه أبداً عليها ... عهاداً من مراق دم حبيب
إذا سكبت سماء ثم أجلت ... ثنت بسماء مغدقة سكوب
ولم أر للتراث بعدن عهداً ... كسل المشرفية من قريب
تصوت فيهم حزق العوالي ... وغاب الخط مهزوز العلوب
كنخل سميحة استعلى ركيب ... تكفيه الرياح على ركيب
فمن يسمع وغى الأخوين يذعر ... لصك من قراعهما عجيب
تخمط تغلب الغلباء ألقت ... على الثرثار برداً والرحوب
زعيماً خطة ورداً حماماً ... ورودهما حيا الماء الشروب
إذا آد البلاء تحملاه ... على دفي موقعة ركوب
إذا قسم التقدم لم يرجح ... نصيب في الرجال على نصيب
(3/382)

على أن الكبير يزاد فضلاً ... كفضل الرمح زيد من الكعوب
فهل لابني عدي من نصيح ... يرد شريد حملهما الغريب
أخاف عليهما إمرار مرعى ... من الكلأ الذي علفاه موبي
وأعلم أن حربهما خبال ... على الداعي إليها والمجيب
كما أسرى القطا لبيات عمرو ... وسال لهلكه وادي قضيب
وفي حرب العشيرة مؤيدات ... تضعضع تالد العز المهيب
لعل أبا المعرم يتليها ... ببعد الهم والصدر الرحيب
فكم من سؤدد قد بات يعطي ... عطية مكثر منه مطيب
فهذه طريقة الشعراء الفحول من مذهب لا يحسنه إلا الفصحاء المطبوعون من الأعراب، ولا يتجه لمثله مسلم ولا أبو نواس فضلاً عن أبي تمام.
قوله: «بمصمية ...» فمصمية: داهية، يقال: «رماه فأصماه» إذا قتله مكانه، و «رماه فأنماه»، إذا أصاب الصيد فتحامل وغاب عن عين الرامي، و «رماه فأشواه»، إذا أصاب الشوى وهو الأطراف غير المقاتل و «الشعوب»: التي تشعب أي تفرق.
(3/383)

وقوله: «تبالوا صادق الأحساب» تفاعلوا، من البلوى، وهي الاختبار حتى نفوا الضعاف وأبقوا الشداد.
«إذا م الجرح دم» أي عولج حتى اندم، امتلأ والتحم.
«إذا ما ناحرت أفق الجنوب»، أي: كانت في نحرها، أي: تلقاء هبوبها، «عهاداً» أي: شيئاً بعد شيء، مثل عهاد المطر.
وقوله: «مهزوز العلوب»: يريد عوامل الرماح، وهي صدورها، والعلوب: من قولهم: رمح معلب، وهو الذي يشد موضع السنان منه بالعلباء، وهي عصبة العنق من البعير.
و «سميحة»: موضع كثير النخيل، «استعلى ركيب» أي: نخيل مركوب، عليه حمله كالراكب، أو يريد بالركيب الذي قد غرس سطراً بإزاء سطر.
وقوله: «أسرى القطا لبيات «عمرو»»: له خبر، وكذلك «وادي قضيب».
وقال أيضاً:
لا دمنة بلوى خبث ولا طلل
بني زرارة نصح ماله ثمن ... يرجى لديكم وقول كله عذل
وإنما هلكت من قبلكم أرم ... لأنهم نصحوا دهراً فما قبلوا
(3/384)

مستعصمين مع الأروى كأنكم ... لا تعلمون بأن العصم لا تئل
أنذرتكم عارضاً تدمى مخايله ... القطرة الفذ منه عارض هطل
هذا ابن يوسف في سرعان ذي لجب ... فيه الظبا والقنا والخيل والحيل
غزاكم بقلوب مالها خلل ... من خلفها وسيوف مالها خلل
ولاكم البغي ثم انساب نحوكم ... بالمشرفية وهي الثكل والهبل
وانحاز مثل انحياز الطود يتبعه ... رأي يصغر فيه الحادث الجلل
الله الله كفوا إن خصمكم ... أبو سعيد وضرب الأرؤس الجدل
تغنموا الصلح إن الحرب توعدكم ... يوماً يعود به صفين والجمل
الآن والعذر مبسوط لمعتذر ... والأمر مستقبل والعفو مقتبل
ولا يغرنكم منه تبذله ... بالإذن حتى استوى الأرباب والخول
فإن يكن ظاهراً فالشمس ظاهرة ... أو كان مبتذلاً فالركن مبتذل
طال الرواء في رأس فحلكم ... لا يسهل الصعب حتى يقصر الطول
(3/385)

لا بجذب الوطن المأمول عزمته ... ولا الغزال الذي في طرفه كحل
مسافر ومطاياه محللة ... غروضها ومقيم وهو مرتحل
يهش للغزو حتى شك عسكره ... فيه فقالوا أغزو ذاك أم قفل
(3/386)

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري
لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي
ت: 370 ه
دراسة وتحقيق الدكتور/
عبد الله حمد محارب

الجزء الثالث - القسم الثاني
الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة
الطبعة الأولى 1410 ه - 1990 م
(3/386)

ما قالاه في أوصاف الخيل
قال أبو تمام:
جرت له أسماء حبل الشموس
وامدد عناني بوأي ضلعه ... تذرع والعذرة فيه تنوس
أقاتل الهم بإيجافه ... فإن حرب الهم حرب ضروس
إذا المذاكي خطبت نقعه ... فحظها منه اللفاء الخسيس
موضح ليس بذي رجلة ... أشأم والأرجل منها بسوس
فكل لون فليكن ما خلا ال ... أشهب فالأشهب لون لبيس
ومجفر لم يصطلم كشحه ... فالضمر المفرط فيها رسيس
(3/387)

إن زار ميداناً شأى أهله ... أو نادياً قام إليه الجلوس
ترى رزان القوم قد أسمحت ... أعينهم في حسنه وهي شوس
كأنما لاح لهم بارق ... في المحل أو زفت إليهم عروس
سام إذا استعرضته زانه ... أعلى رطيب وقرار يبيس
فإن خدا يرتجل المشي فال ... مركب في إحسانه والخميس
كأنما خامره أولق ... أو غازلت هامته الخندريس
عوذه الحاسد بخلاً به ... ورفرفت خوفاً عليه النفوس
ومثله ذو العنق السبط قد ... أمطيته والكفل المرمريس
غادرته وهو على سؤدد ... وقف وفي سبل المعالي حبيس
قوله: «فامدد عناني بوأي» أي: اجعل لي عناناً أمده، «بوأي» على وزن: وغاً، وهو الحديد الشديد، «ضلعه تذرع» أي: تتسع، والذراعة السعة، كأنه مأخوذ من الذرع، يريد أن ضلعه واسعة تامة تهمى فإنه، منتفخ الجنبين، ويروى «يعذر» أي: يوسع، و «العذرة»: الشعر الذي في قفا الفرس، ويستحب أن يكون له تمام وسباطة وتفرق، كما قال امرؤ القيس:
لها عذر كقرون النسا ... ء ركبن في يوم ريح وصر
وقوله: «تنوس» أي: تتحرك وتضطرب وإذا كانت قصيرة لم يكن لها تحرك، و «المذاكي» من الخيل التي قد جاوزت القروح بثلاث سنين، واحدها
(3/388)

مذك، وهو جمع على غير قياس، وجمعها الصحيح: مذكيات، وهي مسان الخيل، و «اللفاء الخسيس» ... [؟].
و «الموضح»: الذي به أوضاح، والأوضاح البياض في أطرافه، وقوله: «ليس بذي رجلة» أي ليس بأرجل، والأرجل: الذي تحجيله في رجل واحدة دون سائر قوائمه، وقال: «بسوس»، لأنه يتشاءم به، والبسوس المرأة التي رمى كليب وائل ضرع ناقتها، وكانت في جوار جساس، فقتله جساس فكانت حرب بكر وتغلب من أجلها، فضرب بها المثل في الشؤم، وليست للبسوس ها هنا حلاوة في الموضع ولا طلاوة.
وكذلك قوله: «فالشهبة لون لبيش»، والأشهب من مراكب الملوك، يقال: شهب الخيل ملوكها.
ولا وجه لقوله: «لون لبيس»، ولا علمت أحداً نعت الشهبة بها النعت، لأن اللبيس هو الذي قد استعمل فأخلق واتسخ، ومن أين جعله خلقاً او دنساً بل هو من أحد ألوان الخيل وأنصعها، لا سيما إن كان أسود العرف والذنب، فإن ذاك من مراكب الخلفاء والجبابرة، وإنما يقال في الأشهب أنه ليس من سراع الخيل، ولا مما يجري في الحلبة لقلة صبره ورقته، لأن البياض عندهم رقة وترفة، وكذلك الأبلق ما شبق قط في حلبة من أجل ما فيه من البياض، فهذا عيب الشهبة عند أهل البادية، فما وجه قوله: «لبيس».
وقوله: «لم يصطلم كشحه» أي: لم يصطلمه الضمر حتى يذهب به،
(3/389)

والكشح هو الخاصرة، ويستحب فيها أن تكون ضامرة، فيقول: إن الضمر المفرط فيها -يعني الخيل- رسيس، يريد علة وسقما، ويقال: به رسيس من مرض، المعنى صحيح واللفظ والنظم رديئان جداً.
وقوله: «والكفل المرمريس»، يريد انملاسه، استواءه، والجساة في عنق الفرس، والكزازة من أعيب عيوبه، والسباطة ضد ذلك، فلهذا قال: «ذو العنق السبط»، والمرمريس من الألفاظ الوحشية الغريبة التي يدخلها في شعره مع ألفاظ لا تشبهها ولا تليق بها.
وليس في هذه الأبيات من أوصاف الخيل معنى لطيف ولا مستحسن.
وقوله: «أعلى رطيب وقرار يبيس»، فقد تقدم الناس فيه، وأوردوه نظماً ونثراً، فهو متبع.
وقوله: «قام إليه الجلوس» و «زفت إليهم عروس» و «رفرفت عليه النفوس»، فإن قوماً يستحسنونه وليس من أوصاف الخيل في شيء ولا طائل فيه.
وقوله: «أسمحت أعينهم في حسنه وهي شوس»، فالأشوس هو الذي بنظر بمؤخر عينه من الكبر، فيقول: ترى العيون التي لا تملأ طرفها من الشيء كبراً، وإنما تخرز في النظر، قد أسمحت في النظر إليه من حسنه.
وقال في قصيدة يمدح فيها الحسن بن وهب:
يا برق طالع منزلاً بالأبرق
(3/390)

ما مقرب يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق
بحوافرحفر وصلب صلب ... وأشاعر شعر وخلق أخلق
وبشعلة نبذ كأن فليلها ... في صهوتيه بدو شيب المفرق
ذو أولق تحت العجاج وإنما ... من صحة إفراط ذاك الأولق
تغرى العيون به ويفلق شاعر ... في نعته عفواً وليس بمفلق
بمصعد من حسنه ومصوب ... ومجمع من نعته ومفرق
صلتان يبسط إن ردى أو عدا ... في الأرض باعاً منه ليس بضيق
وتطرق الغلواء منه إذا عدا ... والكبرياء له بغير مطرق
أهدى كناراً جده فيما مضى ... للسيل واستصفى أباة اليلبق
مسود شطر مثل ما اسود الدجى ... مبيض شطر كابيضاض المهرق
قد سالت الأوضاح سيل قرارة ... فيه فمفترق عليه وملتقى
وكأن فارسه يصرف إذ بدا ... في متنه ابنا للصباح الأبلق
صافي الأديم كأنما ألبسته ... من سندس برداً ومن إستبرق
إمليسه إمليده لو علقت ... في صهوتيه العين لم تتعلق
يرقى وما هو بالسليم ويغتدي ... دون السلاح سلاح أروع مملق
في مطلب أو مهرب أو رغبة ... أو رهبة أو مركب أو فيلق
(3/391)

قوله: «من صلف» يريد الكبر والتيه، وهذا مذهب العامة في هذه اللفظة، فأما العرب فإنها لا تستعمله على هذا المعنى، وإنما تقول: صلفت المرأة عند بعلها، إذا لم تحظ عنده، وصلف الرجل كذلك إذا كانت زوجته تكرهه، قال جرير:
إني أواصل من أردت وصاله ... بجبال لا صلف ولا لوام
والصلف: لالذي لا خير عنده، ومثل يضرب: «رب صلف تحت الراعدة» يعني رعداً بلا مطر، فهذا معنى الصلف في كلامهم، وعلى هذا فقد ذم أبو تمام الفرس ولم يمدحه.
و «التلهوق»: لا أعرفه إلا لطف المداراة والحيلة وإظهار الخضوع بالقول وغيره حتى تبلغ الحاجة، ويدل على ذلك قول الأغلب العجلي يصف مداراة رجل امرأة حتى نال منها ما أراد:
فلم يزل بالحلف النجي ... لها وبالتلهوق الخفي
أن قد خلونا بفضاء قي
(3/392)

وقد ذكر أبو عبيد في كتاب «الغريب المصنف» في أول نوادر الأسماء، وما أرى أبا تمام في وضع هاتين اللفظتين في هذا الموضع إلا غالطاً.
وأطن أن أبا تمام عثر بقول أبي نواس يصف فلاة قطعها على ناقة:
كلفتها أجداً تخال بها ... مرحاً من الخيلاء أو صلفا
وأبو نواس قال: «تخال بها» فجاء به على التشبيه، فجعله أبو تمام حقيقة فقال: «ملآن من صلف به وتلهوق» فالخيل قد توصف بالكبر، وكذلك الإبل، وإنما يراد به قوة نفوسها، وإما الصلف الذي معناه البغض ويوضع في موضع التيه فليس مما يوصف به.
وقوله: «بحوافر حفر» في نهاية الهجانة والركاكة، يريد أنه حافر للأرض، والجمع حفر مثل صابر وصبر، وإنما قال الشاعر:
ترى الأكم منها سجداً للحوافر
(3/393)

يريد كثرة الخيل، وأنها تطحن الأكم إذا سارت عليها، وإنما ذهب إلى ما ذكرته العرب من أوصاف الخيل في عددها، وما تثيره من العجاج، ونحو قول متمم بن نويرة:
لتبك خليلي مالكاً كل شطبة ... تثير غباراً كالدواخن أكدرا
وقال طفيل:
إذا استعجلت بالركض سد فروجها ... غبار تهاداه السنابك أصهب
وهذا يحسن إذا ذكر جري الفرس، فاستعملوه على هذا الوجه وبنحو هذا اللفظ، وذلك من أوصافهم للشيء على ما هو، وإذا أرادوا المبالغة ذموا هذا الوجه، كما قال امرؤ القيس:
مسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن الغبار بالكديد المركل
وقال البحتري على هذا الوجه وأحسن كل الإحسان:
خفت مواقع وطئه فلو أنه ... يجري برملة عالج لم يرهج
(3/394)

فهذه الطريقة أحسن، وتلك الطريقة أعم في أشعارهم وأكثر، وأما «حوافر حفر» ففي غاية القباحة، كذلك «صلب صلب» يريد صلابته.
وقوله: «أشاعر شعر» معنى صحيح، لأن «الأشاعر»: ما حول الحافر من الشعر، ويستحب أن يكون وافياً، و «خلق أخلق» أيضاً كلام عدل، لأنه أراد إملاسه واستواءه، والخلاقة أيضاً حسن، وإنما طرحه في تخليط الصدر صحة هذا العجز؛ لأنه أراد أن يجعل ألفاظ هذا البيت كلها متجانسة، وما أفسد شعره وأحال أكثر معانيه وخبله غير عشقه للطباق والتجنيس.
وقوله: «وبشعلة نبذ كأن فليلها» يريد ما تفرق منها في صهوتيه، والصهوة موضع اللبد، وهو مقعد الفارس، وذلك الموضع أبداً ينحت شعره ويبيض لغمز السرج إياه، وأنت تراه في الخيل كلها على اختلاف شياتها، وليس هو بالبياض المحمود، ولا هي شعلة، ولا البياض في ذلك الموضع أن لو كان خلقة حسناً ولا جميلاً، وهذا من أقبح الأوصاف وأهجنها، وأبعدها عن الصواب.
والشعلة والشعل إنما هي بياض في الذنب والناصية وهو من عيوب الخيل، وهو في الناصية الشعل والسعف، ولا يكون الشعل في الصهوة، لا يقال: فرس أشعل إلا للذي في عرض ذنبه، أو ناحية من ناصيته بياض.
وقد أخذ البحتري هذا منه، فأتى به على غاية ما يكون من الحلاوة والحسن فقال:
وبشعلة كالشيب مر بمفرقي ... غزل لها عن شيبه بغرامه
(3/395)

وأراد: «لهى» فقال: «لها» على لفظ طيء، فجعل الشعل في موضعه، لأنه أراد الناصية، إلا أنه أخرجه مخرج المدح، وهو عيب في الخيل، لأنه فرس حمله عليه محمد بن يوسف، فأراد أن يعلمه أن ذلك حسن غير معيب
(3/396)

وقوله: «مسود شطر ومبيض شطر»، فشطر الشيء، ناحيته وجانبه، قال الله تعالى: «فول وجهك شطر المسجد الحرام» أي ناحيته وقد يراد بالشطر نصف الشيء، فيقال: قد شاطرتك مالي، أي: قد ناصفتك، فهذا هو الأكثر الأعم فيما يستعملون، وذلك من أقبح شيات الأبلق على ظاهر المعنى، ولم يرده، وإنما أراد بالشطر ها هنا: البعض، أو الجزء، أي: مسود جزء ومبيض جزء، فجاء بالشطر، والجيد النادر في هذا قول البحتري:
أو أبلق يلقى العيون إذا بدا ... من كل لون معجب بنموذج
وقد كان جعله في أول الأبيات أشعل بقوله: «وشعلة نبذ»، ثم جعله ها هنا أبلق، فهذا الفرس هو الأشعل الأبلق، على مذهب أبي تمام في هذا التشبيه ولا ينكر مثل هذا من ابتداعاته.
وقوله: «قد سالت الأوضاح»، و «الأوضاح»: بياض أطراف الفرس وقوله: «فمفترق عليه وملتقى» لا أعرفه وجهه إلا أن يكون أراد من بياض التحجيل ما لا يستدير على وظيفة وإنما يحيط ببعضه ومنه ما يحيط به كله
(3/397)

فسمى ذاك «مفترقاً» وسمى هذا «ملتقيا»، وها وصف ما سمع بمثله، ولا أظن أحداً نطق به، لأنه في غاية القباحة، وما دعاه إلى مفترق وملتق إلا إعواز الكلام، وحاجته إلى تمام البيت.
وقوله: قد سالت الأوضاح سيل قرارة، سيلاً استقر في موضعه، كما قال: «ولكل سائلة تسيل قرار»
أي موضع تستقر فيه، فيريد: كأن البياض في أطرافه سيل سال واستقر في موضعه.
وقوله:
وكأن فارسه يصرف إذ بدا ... في متنه ابناً للصباح الأبلق
فهذا الذي ينبغي أن تسمعه وتضحك منه.
وقوله: «... من سندس برداً ومن إستبرق»
فالسندس على ما يقال: دقيق الديباج، والإستبرق: غليظه، ويقال: السندس هو الحرير الأخضر، وإنما أراد صفاء لونه، وأن نصوعه كنصوع الديباج، ولم يرد هذا اللون.
وقوله: «إمليسه» يريد إملاسه واستواءه، وكذلك «إمليده»، والأملود من القضبان: الحسن الاستواء والإملاس.
وقوله: «لو علقت في صهوتيه العين لم تتعلق» يريد أنها تلمع وترف من صفائها، فلا يتمكن الناظر من إثبات النظر إليها.
(3/398)

وقوله:
أهدى كناراً جده فيما مضى ... للسيل واستصفى أباة اليلبق
فهو مما يتعلق بخبر وفيه معنى غامض قد ذكرته فيما أفردته من تفسير غامض معانيه.
(3/399)

وليس في هذه الأبيات بيت جيد إلا قوله:
«بمصعد من حسنه ومصوب»
وقوله:
«وتطرق الغلواء منه إذا عدا»
وما بقي مما لم أذكره صالح المعنى، على ما فيه من التكلف.
وقال يمدح مالك بن طوق:
قالت وعي النساء كالحرس
هل يرجعن غير جانب فرساً ... ذو سبب في ربيعة الفرس
كأنني بي قد زرت ساحتها ... بمسمح في قياده سلس
أحمر منها مثل السبيكة أو ... أحوى به كاللمى أو اللعس
أو أدهم فيه كمته أمم ... كأنه قطعة من الغلس
مبتل متن وصهوتين إلى ... حوافر صلب له ملس
فهو على الروع والحلائب ذو ... أعلى مندى وأسفل يبس
يكثر أن يستحم في الحر وال ... قر حميماً في النجس
(3/400)

مخلق وجهه على الشبق تخ ... ليق عروس الإبناء للعرس
حر له سورة لدى السوط والز ... جر وعند العنان والمرس
فهو يسر الرواض بالنزق الس ... اكن منه واللين والشرس
صهصلق في الصهيل تحسبه ... أشرج حلقومه على جرس
تقتل عشراً من النعام به ... بواحد الشد واحد النفس
قوله: «كأنني بي» من أقبح ألفاظ العوام وأسخفها، وقوله: «أحمر منها» يريد الخيل، ولا شيء أقبح من قوله: «منها»، وليست به إليها حاجة، وقوله: «أحوى»: فالحوة حمرة تضرب إلى السواد، وهي من الألوان التي تستحبها، وقوله: «كاللمى أو اللعس»، واللمى: هو سواد اللثة، ويدل
على طيب الفم، وبه قيل للمرأة لمياء، و «اللعس» سواد يعلو شفة المرأة البيضاء وقد جعله العجاج في الجسد كله، إذا كان بياضاً ناصعاً تعلوه أدمة خفيفة، قال:
وبشر مع البياض العسا
فجعله أبو تمام في ألوان الخيل، وقد كان في «أحوى» كفاية، لأنه اللون المعروف من ألوان الخيل، وهذا كله إنما يأتي به لشدة محبته للإغراب.
(3/401)

وقوله: «أو أدهم فيه كمتة أمم» فالأمم: القصد، أي كمتته مقتصدة يسيرة، ولهذا يقال في تفسير الأمم مرة يقال: قصد، ومرة: قريب، وهذا من ألوان الخيل يقال له: أدهم، على ما ذكره أبو عبيدة، وهو أهون الدهم سواداً، وتراه تعلوه حمرة، ويقال للأنثى: جونة، وللجميع جون وإنما يقال: أدهم جون، ولا يقال: أدهم فيه كمتة، وقوله: «كأنه قطعة من الغلس» أي: هو أدهم تعلوه حمرة يسيرة، كما أن الغلس هو اختلاط الظلمة بضياء النهار، وذلك الوقت لا حمرة فيه، وإنما هو بياض الفجر يعترض الأفق، فإذا جاءت الحمرة فليس ذلك بغلس، بل ذلك حمرة الشمس وأول النهار، وقد تبعه البحتري في هذا المعنى فقال في وصف لون الفرس بالحمرة:
صبغة الأفق بين آخر ليل ... منقض شأنه وأول فجر
ولا حمرة بين آخر الليل، وأول الفجر، لأن أول الفجر الزرقة ثم البياض، وإذا جاءت الحمرة فذلك لطلوع الشمس، وهو أول النهار، وهذا الوصف منهما جميعاً عندي إلى الخطأ أقرب منه إلى الصواب.
وقوله:
يكثر أن يستحم في الحر وال ... قر حميماً يزيد في النجس
(3/402)

يريد أنه إذا جرى في أي أوقات الزمان من حر كان أو من برد أرسل العرق، وذلك مما يحمد في الخيل، ويكره منها الذي يبطيء عرقه أو يقل، وقوله: «يزيد في النجس» من إبداعاته القبيحة، أي: ليس استحمامه مما يؤدي إلى طهارة ونظافة، بل ذاك يزيد في النجس، يريد النجاسة، وليست هناك نجاسة، وإنما أراد: يزيد في الوسخ الذي يتعلق به من الغبار وغيره، فجعل مكان الوسخ النجس من أجل القافية فقبح كل القبيح، ومن أوصاف جياد الخيل ودلائل العتق فيها طيب رائحة العرق، وقال أبو النجم:
كأن مسكاً علة معللة ... في ناصح الماء الذي يشلشله
قوله: «مخلق وجهه على السبق» معنى عامي وبيت سخيف، وقال: «عروس الإبناء»، ولم يقل: «البناء»، لأن البناء مصدر الباني على أهله، فإذا صنع غيره له أمر البناء فقد أبناه، كما يبني الباني البيت، فإذا أعانه غيره، أو أمكنه من بنائه فقد أبناه، كما قال الشاعر:
لو وصل الغيث أبنين أمرأً ... كانت له قبة سحق بجاد
«أبنين أمرأً» يعني الخيل إذا أغارت ألحقت الغنى بالفقير.
(3/403)

وقوله: «حر له سورة» أي: حر الطينة، كريم الأصل، لا يصبر على الهوان، فله عند السوط والزجر سورة، لا كالكودن الذي إذا ضرب لم يحرك منه الضرب كبير تحريك، وقوله: «عند العنان» أي له سورة، أي: انبعاث وحركة عند السوط والزجر وعند تحريك النعان، وإنما أراد قول امريء القيس:
فللزجر ألهوب وللساق درة ... وللسوط منه وقع أهوج منعب
وبقي قوله: «والمرس» وهو مما يسأل عنه، وإنما جعل المرس -وهو المعقود- تبعاً للعنان إذا حركه، لأن الفرش يلجم ومقوده عليه، كذلك تفعل العرب والصعاليك.
وقوله: «يسر الرواض بالنزق الساكن» الزاي من «النزق» مكسورة أي: سكن وإذا نوقوه نزق، وكذلك «اللين والشرس» ويروى «اللين الشرس» مثل «النزق الساكن».
و «الصهصلق» الصافي من الأصوات الحاد، وقوله: «تقتل عشراً من النعام به» أي: إذا أرسلته إلى عشر نعامات أقصعها، وقوله: «بواحد الشد» أي:
(3/404)

بالطلق الواحد، لا بتكرير العدو، وقوله: «واحد النفس» أي: بشد واحد، ونفس واحد، لا بتكرير الأنفاس الموجبة للبهر والتعب.
وقال في قصيدة يمدح فيها الحسن بن وهب:
هل أثر من ديارهم دعس
نعم متاع الدنيا حباك به ... أروع لا جيدر ولا جبس
أصفر منها كأنه محة ال ... بيضة صاف كأنه عجس
هاديه جذع من الأراك وما ... خلف الصلا منه صخرة جلس
يكاد يجري الجادي من ماء عط ... فيه ويجني من متنه الورس
هذب في جنسه ونال المدى ... بنفسه فهو وحده جنس
أحرز آباؤه الفضيلة مذ ... تفرست في عروقها الفرس
ليس بديعاً منه ولا عجباً ... أن تطرق الماء ورده خمس
يترك ما مر مذ قبيل به ... كأن أدنى عهد به الأمس
وهو إذا ما ناجاه فارسه ... يفهم عنه ما تفهم الإنس
(3/405)

وهو ولما تهبط ثنيته ... لا الربع في نقعه ولا السدس
وهو إذا ما رنا بمقلته ... كانت سخاماً كأنها نقس
وهو إذا ما أعرت غرته ... عينيك لاحت كأنها برس
ضمخ من لونه فجاء كأن ... قد كسفت في أديمه الشمس
كل ثمين من الثناء به ... غير ثنائي فإنه بخس
قوله: «أصفر منها» مثل قوله في القصيدة التي قبلها: «أحمر منها»، يريد من الخيل، وهي في هذا الموضع عي قبيح، ولكنه تزيد على كل لكنة، و «العجس» والمعجس من القوس مقبض الرامي.
وقوله: «هاديه جذع من الأراك» غلط، لأن عيدان الأراك لا تسمى جذوعاً، ولا تعظم حتى تكون في امتلاء الجذوع، ولا استوائها ولا قريباً منها، و «الصلا» الظهر، و «الصخرة الجلس» يعني كفله، شبهه بالصخرة، لشدة لحمه وصلابته، أراد أن ينفي عنه الرخاوة، وقوله: «جلس» يريد متمكنة في موضعها.
و «الجادي» الزعفران، و «الورس» هو العصفر وهو الحص.
(3/406)

وقوله: «ورده خمس» أي ليس عجيبا أن يصبح السير، ويطرق الماء، أي: يأتيه طروقاً، أي مساء، وورده خمس، أي: لا يوصل إليه في المسير إلا في اليوم الخامس، فيسير هو في يوم واحد، لأنه ليس في ذكر الطروق فائدة إلا إذا كان السير من أول نهار ذلك اليوم، وإلا فالكودن والحمير قد تطرق ذلك الماء بعد سير أيام ولذلك قال:
يترك ما مر مذ قبيل به ... كأن أدنى عهد به الأمس
وإنما أراد السرعة.
وقوله: «لا الربع في نقعه ولا السدس» فالربع أراد جمع رباع، والسدس جمع سديس، وأراد الربع والسدس، فسكن عين الفعل، والرباعي من الخيل الذي قد سقطت رباعيته في السنة الرابعة، وفي السنة الخامسة هو قارح، وليس السديس من أوصاف الخيل، وإنما ذلك في الإبل، وهذا غلط منه إن كان أراد الخيل، وإن كان أراد الرباعي من الإبل، وهو الذي يلقى رباعيته في السنة السادسة، والسديس هو الذي يلقى السن التي بعد الرباعية في السنة التاسعة لا يلحقان نقعه -أي غباره- فذلك سائغ، أي أن الإبل لا تلحقه في الجري أو في السير.
ووجدت في في أكثر النسخ العتق:
وهو إذا ما أعرت عذرته ... عينيك لاحت كأنها بري
و «العرس» من الفرس هي خصلة الشعر التي على قفاه، وليس بياض ذلك الشعر بمحمود، بل هو عندي عيب، كما أن بياض الناصية عيب ويسمى: السعف، وه من عيوب الخيل، وما أظنه قال إلا «غرته».
(3/407)

فهذا ما وجدت له من وصف الخيل في هذه القصائد الأربع، وليس له طبع في وصف الخيل يدل على ذلك قلة معرفته بها، وملابسته لها.
وقد قال البحتري وأحسن كل الإحسان:
مالت نواحي عرفه فكأنها ... عذبات أثل مال تحت حمامه
واسود ثم صفت لعيني ناظر ... جنباته فأضاء في إظلامه
ومقد الأذنين يحسب أنه ... بهما يرى الشخص الذي لأمامه
يختال في استعراضه ويكب في اس ... تدباره ويشب في استقدامه
وإذا التقى الثفر القصير وراءه ... فالطول حظ عنانه وحزامه
وكأن فارسه وراء قذاله ... ردف فلست تراه من قدامه
لانت معاطفه فخيل أنه ... للخيزران مناسب بعظامه
في شعلة كالشيب مر بمفرقي ... غزل لها عن شيبه بغرامه
ومردد بين القوافي يجتني ... ما شاء من ألف القريض ولامه
وكأن صهلته إذا استعلى بها ... رعد تقعقع في ازدحام غمامه
مثل الغراب بدا يباري صحبه ... بسواد نقبته وحسن قوامه
أو كالعقاب نقض من عليائه ... في باقر الصمان أو أرامه
لا شيء أجود منه غير فتى غدا ... من جوده الأوفى ومن إنعامه
(3/408)

أرسلته ملء العيون مسلماً ... منها لشهوتها لطول دوامه
وكأن كل عجيبة موصولة ... بتقسم اللحظات في أقسامه
والطرف أجلب زائر لمؤونة ... ما لم تزره بسرجه ولجامه
قوله: «ومقدم الأذنين» بكسر الدال، يريد أن ينصبهما، وإذا فعل ذلك فإلى قدامه ينصبهما، وإنما يفعل الفرس ذلك لأنه يصغي بها فيسمع الشيء على بعد، يقال: «أسمع من فرس»، وكلما أنس شيئاً أو خاف من شيء عرفت ذلك من نصبه أذنيه وتقديمه إياهما.
وقوله: «يختال في استعراضه» أي: إذا استعرضته فرأيته من عرضه رأيت خيلاءه، وقوله: «ويكب في استدباره» أي: إذا رأيته مستدبراً رأيته كالمكب لارتفاع كفله، وقوله: «ويش في استقدامه» أي: إذا رأيته من مقدمه مقبلاً كأنه قد شب لإشراف رأسه وعنقه، وهذا أوضح وأحسن ما يكون من أوصاف الخيل، وذلك كما قال ابن قيصر -وكان أعلم الناس بالخيل-: خير الخيل ما إذا استقبلته أقعى، وإذا استدبرته جبي، وإذا استعرضته استوى.
والمقعي: يرفع مقدمه ويخفض مؤخره، والمجبى: الذي يرفع مؤخره ويخفض مقدمه، وهذا وصف البحتري بعينه.
(3/409)

وقوله: «وإذا التقى الثفر القصير وراءه»، إنما جعله قصيراً ليدل على قصر ظهر الفرس، وذلك هو المحمود في الظهر، والطول مذموم فيه، وقوله: «فالطول حظ عنانه وحزامه»، لأن العنان إنما يطول لطول عنق الفرس، وكلام طالت عنق الفرس كان أعتق له وأكرم وأسرع إذا عدا، وإذا طال الحزام فإنما هو لانتفاخ جوفه، وذلك هو المحمود وضده الهضم، فوصفه في هذا البيت بطول العنق وانتفاخ الجنين وقصر الظهر فأحسن كل الإحسان، وأتى من الوصف بالصواب كله في أجود لفظ وأحسن نسج.
وقوله: «وكان راكبه وراء قذاله ردف» أي: وكأن راكبه ردف وراء قذاله، أي تحسبه رديفاً لإشراف رأسه وعنقه، فلست تراه من قدامه.
وقوله: «وبشعلة كالشيب ...» أحسن فيه كل الإحسان لأنه يصف فرساً أدهم، فأراد أن شعلته شعرات بيض يسيرة في دهمته، كما يبتديء الشيب بمفرقي الرجل الغزل فيلهى عنه، ولا يزيله بخضاب وغيره لاشتغاله بلهوه وغرامه، وهذا أحسن وأصح وأليق ما يكون من الأوصاف في مثل هذا المعنى لا قول أبي تمام:
وبشعلة نبذ كأن فليلها ... ي صهوتيه بدو شيب المفرق
وهو يصف فرساً أبلق.
وقوله: «للخيزران مناسب لعظامه» تشبيه في غاية الصحة والاستقامة.
وقوله: «مثل الغراب» يريد سواده واستواءه، يعني الغراب الأسود.
(3/410)

وقوله: «أو كالعقاب من عليائه» رديء، لأن العقاب أنثى، قال: امرؤ القيس: عقاب تدلت من شماريخ ثهلان
وقد ذكرها وعلة الجرمي فقال:
عقاب تدلي عند تيمن كاسر
وأظنه أخرج كاسراً مخرج، جارية بالغ وطاهر، أي ذات بلوغ وطهر، وناقة ضامر ونازع إلى وطنها، كما يقال للجمل عاقر، وعانس للرجل والمرأة، وقوله: «في باقر الصمان أو أرامه» يريد بقر الصمان، و «الصمان» موضع و «الأرام» الظباء البيض الخالصة البياض، والأدم أيضاً البيض إلا أنها تعلوها كدرة فيها غبرة، واحدها رئم، أي انقضت على البقر أو أولاد البقر والظباء شبه الفرس إذا عدا بها في تلك الحال.
(3/411)

وقوله:
لا شيء أجود منه غير فتى غدا ... من جوده ......................
أي: غير فتى الفرس من جوده، أي من بعض جوده وإنعامه.
وقوله: «أرسلته» أي: أرسلته إلي، لأنه حمله عليه، «ملء العيون» لأنها لا تقلع عن النظر إليه، يقال: هو يملأ العين والقلب، أي يملأهما حسناً و «مسلماً منها» أي من العيون لا يصاب بها لشهوتها لنقائه وسلامته، وذلك أن أكثر الإصابة بالعين إنما يقع من الحاسد والمبغض بإدارة النظر إلى الشيء.
وقوله: «وكأن كل عجيبة» من أوصافه، «موصولة بتقسم اللحظات» أي: يتفرقها في أقسامه، أي في أجزائه وأعضائه.
وهذه القصيدة من إحسانه المشهور.
وقال البحتري أيضاً في قصيدته التي على الجيم يمدح أبا نهشل بن حميد ويستهديه فرساً:
فأعن على غزو العدو بمنطو ... أحشاؤه طي الكتاب المدرج
إما بأشقر ساطع أغشى الوغى ... منه بمثل الكوكب المتأجج
متسربل شية طلت أعطافه ... بدم فما تلقاه غير مضرج
أو أدهم صافي السواد كأنه ... تحت الكمى مظهر بيرندج
ضرم يهيج السوط من شؤبوبه ... هيج الجنائب من حريق العرفج
خفت مواقع وطئه فلو أنه ... يجري برملة عالج لم يرهج
(3/412)

أو أشهب يقق يضيء وراءه ... كفل كمتن اللجة المترجرج
تخفى الحجول وما بلغن لبانه ... في أبيض متألق كالمدلج
أوفى بعرف أسود متغربب ... فيما يليه وحافر فيروزجي
أو أبلق يلقى العيون إذا بدا ... من كل لون معجب بنموذج
جذلان تحسده الجياد إذا مشى ... عننا بأحسن حلة لم تنسج
أرمى به شوك القنا وأورده ... كالسمع أثر فيه شوك العوسج
وأقب نهد للصواهل شطره ... يوم الفخار وشطره للشحج
خرق يتيه على أبيه ويدعى ... عصبية لبنى الضبيب وأعوج
مثل المذرع جاء بين عمومة ... في غافق وخؤولة للخزرج
لا ديزج يصف الرماد ولم أجد ... حالاً تخسس من وراء الديزج
وعريض أعلى المتن لو عليته ... بالزئبق المنهال لم يترجرج
خاضت قوائمه الوثيق بناؤها ... أمواج تحنيب بهن مدرج
ولأنت أبعد في السماحة همة ... من أن تضن بمركب أو مسرج
قوله: «فما تلقاه غير مضرج»، لأن الضرج الحمرة.
وقوله: «مظهر بيرندج» هي لفظة فارسية، وأظنه جلداً أسود، وقوله: «كمتن اللجة ...» إذا ترجرج لحمه.
(3/413)

وقوله: «تخفى الحجول ...» يريد أن بياض قوائمه ليس هو من أجل بياض شهبته، فهي خافية فيه لا تتبين، أي لو أن هناك تحجيلاً في أصل خلقته، ولو اتصل بياضه حتى يصل إلى لبانه، لخفي في شدة بياض شهبته، كأنه يؤكد نقاء بياضه، فقوله: «متألق كالدملج» لفظ ومعنى في غاية الحسن وصحة التشبيهن وكذلك قوله: «حافر فيروزجي»، لأنه إذا كان ذلك ذلك لونه دل على شدته.
وقوله: «إذا مشى عننا» أي اعتراضاً، كما يعن الماشي، أي يعرض حتى تراه.
وقوله: «أرمى به شوك القنا ...» إلى أخر البيت، من أحسن كلام وأفصحه وأبرعه وأشبهه بكلام الأوائل، وعلى أنها طريقته التي لا يكاد يزول عنها إلا غالطاً.
«وأقب نهد» يريد بغلاً مشرفاً، «للصواهل» يريد الخيل، و «الشحج» الحمير.
«خرق يتيه على أبيه» أي يترفع عنه، «ويدعي عصبية لبني «الضبيب» وأعوج»، «فالضبيب» فرس مشهور من خيل طيء، «وأعوج» فرس، وهما أعوجان، فالأعوج الأكبر من خيل «غنى» والأعوج الأصغر «لبني هلال».
وقوله: «خرق» يريد أخرق، كما يقال أحمق وحمق أي: هو أخرق في سيره، والخرق الجهل، كأنه الذي يخبط بيده في سيره من النشاط، فيقال: ناقة خرقاء كذلك لنجاتها، قال الشاعر يصف ناقة:
فهي صناع الرجل خرقاء اليد
(3/414)

يصف ناقة تخبط السير خبطاً من نشاطها، والرجل لما كانت تابعة لليد جعلها صناعاً لاتباعها، وجعل اليد مخصوصة بالخرق لأنها المبتدئة.
وقوله: «مثل المذرع» فالمذرع الكريم الأم الوضيع الأب، و «غافق» حي من أحياء اليمن، أظنهم من الأزد، وهو مأخوذ من الغفق، وهو الهجوم على الشيء، كأنه يخسس أمر غافق ويعظم أمر الخزرج.
وقوله: «خاضت قوائمه الوثيق بناؤها ...» قد شرحته في جزء أخرجت فيه الغامض من معانيه، فاطلبه هناك.
وهذا من مشهور إحسان البحتري في نعت الخيل.
وقال في قصيدة يخاطب فيها محمد بن عبد الله بن طاهر:
غرام ما أتيح من الغرام
أراجعتي يداك بأعوجي ... كقدح النبع في الريش اللوام
بأدهم كالظلام أغر يجلو ... بغرته دياجير الظلام
تقدم في العنان فمد منه ... وضبر فاستزاد من الحزام
ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام
وما حسن بأن تهديه فذا ... سليب السرج منزوع اللجام
(3/415)

فأتمم ما مننت به وأنعم ... فما المعروف إلا بالتمام
وقال يخاطب أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد:
إما ألم فبعد طول تجنب
هل أنت مبلغي التي أغدو لها ... بمقلص السربال أحمر مذهب
لو يوقد المصباح منه لسامحت ... بضيائه شية كوهي الكوكب
إما أغر تشق غرته الدجى ... أو أرثم كالضاحك المستغرب
متقارب الأقطار يملأ حسنه ... لحظات عين الناظر المتعجب
وأجل سيبك أن تكون قناعتي ... منه بأشقر ساطع أو أشهب
وإذا التقى شعري وجودك يسراً الن ... يل الجزيل وثنيا بالمركب
قوله: «مقلص السربال» يريد أن قوائمه معروقة عارية من اللحم، فكأنه قد جعل لحمه كسوة لا تصل إلى قوائمه، فكان بذلك مقلص السربال، وكان بعض الشيوخ يقول: إنما عنى فرساً خلوقياً مجيباً، فبياض التجبيب إلى ركبه، فذلك هو تقليص السربال.
(3/416)

وقوله: «كوهي الكوكب» قد مضى تفسيره عند تفسير قوله تعالى في وصف الخمر:
من كميت تقولها وهي نجم ... ضوأ الليل أو مجاجة شمس
وقوله: «إما أغر» والغرة من الفرس: فوق الدرهم، والقرحة: قدر الدرهم، والأرثم: إذا كانت بجحفلته العليا بياض، وذلك مما يستحسن، فإن كان البياض بالسفلي فهو ألمظ وقوله: «كالضاحك المستغرب» تشبيه لطيف حسن.
وقوله: «متقارب الأقطار» لفظ ومعنى ما لحسنها نهاية.
وقوله: «وأجل سيبك» كأنه استعفى من الأشهب، والأشقر، ولم يكره كل أشقر وأشهب، وإنما عنى دابتين كانتا عند أبي صالح بأعيانهما، أشقر وأشهب، واقترح عليه غيرهما.
وقال يمدح محمد بن علي القمي، ويصف فرساً حمله عليه، ويستهديه سيفاً:
وأغر في الزمن البهيم محجل ... قد رحت منه على أغر محجل
كالهيكل المبني إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل
وافى الضلوع يشد عقد حزامه ... يوم اللقاء على معم مخول
(3/417)

أخواله للرستمين بفارس ... وجدوده للتبعين بموكل
يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت ... صيداً وينتصب انتصاب الأجدل
تتوهم الجوزاء في أرساغه ... والبدر فوق جبينه المتهلل
متوجس برقيقتين كأنما ... يريان من ورق عليه موصل
ذئب كما سحب الرداء يذب عن ... عرف وعرف كالقناع المسبل
ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوماً خلائق حمدويه الأحول
جذلان ينفض عذرة في غرة ... يقق تسيل حجولها في جندل
كالرائح النشوان أكثر مشيه ... عرضاً على السنن البعيد الأطول
ذهب الأعالي حين تذهب مقلة ... فيه بناظرها حديد الأسفل
صافي الأديم كأنما عنبيت له ... لصفاء نقبته مداوس صيقل
وكأنما نفضت عليه صبغها ... صهباء للبردان أو قطربل
لبي القنوء مزعفراً ومعصفراً ... يدمى فراح كأنه في خيعل
وتخاله كسي الخدود نواعماً ... مهما تواصلها بلحظ تحجل
وتراه يسطع في الغبار لهيبه ... لوناً وشداً كالحريق المشعل
وتظن ريعان الشباب يروعه ... من جنة أو نشوة أو أفكل
هزج الصهيل كأن في حيزومه ... نبرات معبد في الثقيل الأول
ملك العيون فإن بدا أعطينه ... نظر المحب إلى الحبيب المقبل
(3/418)

قوله: «وينتصب انتصاب الأجدل» يريد الصقر وليس بأحسن تصرفاً من الغراب، ولكن لما شبهه في هويه بالعقاب، شبهه في انتصابه بالأجدل.
وقوله: «متوجس» أي: مستمع، والفرس كثير التوجس بأذنيه وبعيد الاستماع، يقال: أسمع من فرس، وقوله: «برقيقتين»، لأنه يستحب في الأذن الانتصاب والرقة، وقوله: «كأنما تريان» أي كأنما تظنان من ورق موصل عليه لرقتها وكثرة حركتهما.
وقوله: «ذنب كما سحب الرداء» قد ذكرته في أغاليطه، و «عرف كالقناع المسبل» معنى حسن صحيح.
وقوله: «ما إن يعاف قذى ولو أوردته ....» معنى في غاية البراعة والصحة والجودة، لأنه يستحب من الفرس أن يأكل من كل ما وجد ويشرب من كل شيء، ولا يعاف الأقذار والأوساخ في مأكله ولا مشربه.
(3/419)

وقوله: «يتفض عذرة في غرة» فالعذرة: شعر قفاه، وهي ها هنا خصلة شعر ناصيته، وكل خصلة من الشعر عذرة.
وقوله: «ذهب الأعالي»، لأنه يصف فرساً خلوقياً، و «حديد الأسفل»، وهذه قسمة في غاية الحسن والصحة.
وقد كرر ذكر شية الفرس في ثلاثة أبيات أخر متوالية، وليس هذا من أفعاله، فقال:
وكأنما نفضت عليه صبغها ....
وقال:
لبس القنوء مزعفراً ومعصفرا ...
وقال:
وتخاله كسي الخدود نواعماً ...
والشعراء أهل الشره، يفعلون هذا، ومثله في بلاغته وبراعته كان يكفيه من هذه الأبيات بيت واحد.
و «الخيعل» القميص الذي لا كمي له، وهو ليس من لباس النساء، والمرأة أبداً تصبغه بالزعفران والعصفر مع شيء من الطيب فتطرحها على جسدها تتطيب به، فإذا رتفع بياض التحجيل عن أوظفة الفرس حتى يكون مجبباً أو فوق التجبيب كانت شيته كالقميص الذي لا كم له.
وقوله: «وتراه يسطع في الغبار لهيبه لوناً وشدا ....» معنى حسن جداً.
(3/420)

وقوله: «وتظن ريعان الشباب ...» أي: قوة الشباب تفزعه، أي تحسب قوة ذاك من جنة أو نشوة أو أفكل، يريد بذلك كله قلقه وكثرة حركته، أي ليس له معها استقرار من نشاطه وعزة نفسه.
ويعاب عليه: «نبرات معبد الثقيل الأول» فلم يصرف معبداً، والمتأخرون لا يعرون من اللحن، وقد قال أبو تمام:
صلتان يبسط إن ردى أو إن غدا ... في الأرض باعاً منه ليس بضيق
ولهما لحون في مواضع أخر.
وهذه القطعة أيضاً من مشهور إحسانه، وعجيب أوصافه.
ومما يتجاوز كل صحة وحسن وحلاوة قوله يمدح المتوكل على الله ويصف خيل الحلبة، وقد ألبس السودان الذين يجرونها ألوان الحرير:
يا حسن مبدى الخيل في بكورها ... تلوح كالأنجم في ديجورها
جاءت وقد أبدع من تشهيرها ... مصور من أحسن تصويرها
(3/421)

تحمل غرباناً على ظهورها ... في السرق المنقوش من حريرها
إن حاذروا النبوة من نفورها ... أهووا بأيديهم إلى نحورها
كأنها والحبل في صدورها ... أجادل تنقض في سيورها
مرت تباري الريح في مرورها ... ترى الرجال شرفاً لسورها
والشمس قد غاب ضياء نورها ... في الرهج الساطع من تنويرها
حتى إذا أصغت إلى بدورها ... وهطلت تنصب في حدورها
تصوب الطير إلى وكورها ... أعطي فضل السبق من جمهورها
من فضل الأمة في أمورها ... في فضلها وبذلها وخيرها
جعفر الذائد عن ثغورها ... تبهى به وهو على سريرها
خليفة وفق في تدبيرها
ومثل هذا الجنس من الألفاظ والمعاني لا يأتي بها إلا عربي اللفظ عربي المعرفة بما ينثر وينظم.
وقال يخاطب عبد الرحمن بن خاقان:
أضحت بمرو الشاهجان منادحي
(3/422)

إني أقول ولا أقول معرضاً ... في ذكر مكرمة بعبثة مازح
أي: إني أقول وما أعرض بذكر المكارم مازحاً لأنبهك، أي على نائل تنيله، بل أقول على سبيل الحقيقة:
ماذا ترى في مدمج عبل الشوى ... من نسل أعوج كالشهاب اللائح
لا تربه الجذع الذي يعتاقه ... وهن الكلال وليس كل القارح
عنق كقائمة القليب تعطفت ... أوداً ورأس مثل قعب المائح
يختال في شية يموج ضياؤها ... موج القتير على الكمي الرامح
لو يكرع الظمآن فيها لم يمل ... طرفاً إلى الماء الزلال السائح
أهديته لتروح أبيض واضحاً ... منه على جذلان أبيض واضح
فتكون أول سنة مأثورة ... أن يقبل الممدوح رفد المادح
إذا فني الماء من البئر وبقي ما لا تخرجه الدلو، نزل المائح وله قعب فيجمع فيه الماء ثم يصبه إلى الدلو حتى يملأها.
وقوله: «موج القتير» والقتير مسامير الدروع، ويقال رؤوس المسامير، وإنما يريد الدرع نفسها، ولم يخص الرامح ها هنا بقوله لأن فيه علة في هذا الموضع ليس للسيف، ولو كانت القافية على الفاء حتى يقول: «الكمي السائف» لكان أيضاً صحيحاً مستقيماً، وإن كان لفظ «الرامح» أحسن وأكثر في الاستعمال.
(3/423)

وهذا أليق الأوصاف وأحسن المذاهب في نعوت الخيل.
وقال البحتري في قصيدة أولها:
شد ما أغريت «ظلوم» بهجري
أي شيء ترى يكون وقد كث ... رت فيه قصر الكميت وقصري
متعة العين من حلاوة مرعى ... ورضى النفس من وثاقة أسر
حذفت من فضوله صحة العت ... ق فأدته كالجديل الممر
يتعالى به التدفق سيلاً ... كانكفات السري أسرع يجري
أو تقدي الشجاع بادر ينضو ... مزقاً من قميصه المتفري
فهو يعطيك من تضرم شد ... نهيه العين من تضرم جمر
شية تخدع العيون ترى أن ... عليه منها سحالة تبر
صبغة الأفق عند آخر ليل ... منقض شأنه وأول فجر
علك ابن الحصان تزداد في غي ... ظ أعادي بالحصان الطمر
فالجواد الأغر مثلك لا يم ... نع مثلي من الجواد الأغر
قوله: «قصر الكميت وقصري» من قولهم: قصارك أن تفعل كذا، وقصرك أن تفعل كذا، أي: غاية أمرك الذي يزول معها طولك فتصير بها قصيراً.
(3/424)

كذا، فهو من القصر مأخوذ، كأنه أراد: أي شيء ترى يكون وقد كثرت في مسألتك الكميث انتهاء أمري وأمره حتى يقصر القول، ويقل ويسقط التكثير وترديد المسألة.
وقوله: «من حلاوة مرعى» يريد ما ترعاه العين، إذا كررت النظر إليه ورددته فيه، جعل ذلك مرعى للعين.
و «السري»: النهر ليس بالكبير العريض.
«أو تقدي الشجاع» يريد الحية، وتقديه: انصلاته في الجري وسرعته، «ينضو»: ينزع، «مزقاً»: قطعاً متمزقة من جلده، وذلك أن الحية إذا أراد أن يسلخ، وهو أن يرمي بجلدته كما ينسل الطائر إذا رمى بريشه سعى سعياً شديداً حتى يسلخها.
وقوله: «وهو يعطيك من تضرم شد» أي: يعطيك من تضرم عدوه، كما أعطى عينك لهباً من «تضرم جمر» يريد حمرة لونه التي كانت نهاية العين في الاحمرار، وهذا تمثيل حسن جداً.
وقوله: «صبغة الأفق بين آخر ليل» قد تقدم القول فيه.
وهذا منقول من يعلم أمر الخيل ويدري كيف يصفها وهذا باب البحتري فيه أشعر من أبي تمام وغيره من شعراء أهل زمانه، وإن كان العكوك قد أتى في قصيدته التي على الباء بكل معنى جيد، ولكن ليس فيها حلاوة ألفاظ البحتري ومعانيه.
(3/425)

وقد أحسن غير العكوك في وصفها ولكن في البيتين والثلاثة من القصيدة نحو قول مسلم بن الوليد:
وغيث من الوسمي جاد على الحمى ... فأبرز عن نور الأقاحي المكلل
غدوت عليه في مسارب وحشه ... بذي ميعة والشمس لم تترجل
نتجناه عن ريح وبرق فأسبلا ... شآبيبه كالعارض المتهلل
وقال ابن النطاح:
كميت كأن الريح حشو عظامه ... على أنه من جرية الماء أطلق
يشبه بالسيف الصقيل صريمة ... وجوهره من جوهر السيف أعتق
قوله: «كأن الريح حشو عظامه» حسن جداً، وفرس البحتري أسرع، لأنه قال:
جاري الجياد فطار عن أوهامها ... سبقاً وكاد يطير من أوهامه
وقال:
مرت تباري الريح في مرورها ... تصوب الطير إلى وكورها
فطيران الطير السريع أسرع من مر الريح.
ولم يأت أبو تمام في السرعة بشيء يعتد به، ولا في غيرها من الوصف.
(3/426)

* ما قالاه في الفخر
قال أبو تمام:
ألا صنع البين الذي هو صانع
وعاو عوى والمجد بيني وبينه ... له حاجز دوني وركن مدفع
ترقت مناه طود عز لو ارتقت ... به الريح فتراً لا نثنت وهي ظالع
أنا ابن الذين استرضع الجود فيهم ... وسمي منهم وهو كهل ويافع
سما بي أوس في السماء وحاتم ... وزيد القنا والأثرمان ورافع
وكأن إياس ما إياس وعارق ... وحارثة أوفى الورى والأصامع
(3/427)

نجوم طوالع جبال فورارع ... غيوث هوامع سيول دوافع
مضوا وكأن المكرمات لديهم ... لكثرة ما أوصوا بهن شرائع
فأي يد في المجد مدت فلم تكن ... لها راحة من جودهم وأصابع
هم استودعوا المعروف محفوظ مالنا ... فضاع وما ضاعت لدينا الودائع
بهاليل لو عاينت فضل أكفهم ... لأيقنت أن الرزق في الأرض واسع
إذا خفقت بالبذل أرواح جودهم ... حداها الندى واستنشقتها المطامع
رياح كريح العنبر المحض في الندى ... ولكنها يوم اللقاء زعازع
إذا طيء لم تطو منشور بأسها ... فأنف الذي يهدي لها السخط جاذع
هي السم ما ينفك في كل بلدة ... تسيل به أرماحهم وهو ناقع
أصارت لهم أرض العدو قطائعاً ... نفوس لحد المرهفات قواطع
بكل فتى ما شاب من روع وقعة ... ولكنه قد شبن منه الوقائع
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر ... أغارت عليهم فاحتوته الصنائع
فتعطي الذي تعطيهم الخيل والقنا ... أكف لإرث المكرمات موانع
هم قوموا درء الشآم وأيقظوا ... بنجد عيون الحرب وهي هواجع
إذا أسروا لم يأسر البغي عفوهم ... ولم يمس عان فيهم وهو كانع
إذا أطلقوا عنه جوامع غله ... تيقن أن المن أيضاً جوامع
(3/428)

إذا صارعوا عن مفخر قام دونهم ... وخلفهم بالجد جد مصارع
علوا بجنوب موجدات كأنها ... جنوب فيول ما لهن مضاجع
كشفت قناع الشعر عن حر وجهه ... وطيرته عن وكره وهو واقع
بغر يراها من يراها بسمعه ... ويدنو إليها ذو الحجى وهو شاسع
يود وداداً أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت شوقاً إليها مسامع
وهذا كله جيد بالغ، ومعان صحيحة، وأغراض حسنة مستقيمة، وليس فيها بيت رديء إلا قوله: «إذا خفقت بالبذل».
وقوله: «سما بي أوس» يريد أوس بن حارثة بن لام، و «زيد القنا» يريد زيد الخيل، وقوله: «إياس» يعني إياس بن عامر الثعلبي، وثعلبة هو جرم بن عمرو بن الغوث بن طيء، أو يريد أوس بن قبيصة الطائي، و «عارق» هو قيس بن جروة بن سيف بن وائلة بن عمرو الطائي، وقيل له «عارق» لقوله في عمرو بن هند:
لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم ... لأنتحين للعظم ذو أنت عارقه
وقال أيضاً يفخر:
تصدت وحبل البين مستحصد شزر
(3/429)

أبى لي نجر الغوث أن أرأم التي ... أسب بها والنجر يشبهه النجر
وهل خاب من جذماه في ضن طيء ... عدي العديين القلمس أو عمرو
لنا غرر زيدية أددية ... إذا نجمت ذلت لها الأنجم الزهر
لنا جوهر لو خالط الأرض أصبحت ... وبطنانها منه وظهرانها تبر
جديلة والغوث اللذان إليهما ... صغت أذن للمجد ليس بها وقر
مقاماتنا وقف على العلم والحجا ... فأمردنا كهل وأشيبنا حبر
ألنا الأكف بالعطاء فجاوزت ... مدى اللين إلا أن أعراضنا صخر
كأن عطايانا يناسبن من أتى ... ولا نسب يدنيه منا ولا صهر
إذا زينة الدنيا من المال أعرضت ... فأزين منها عندنا الحمد والشكر
وكور اليتامى في السنين فمن نبا ... بفرخ له وكر فنحن له وكر
أبى قدرنا في الجود إلا نباهة ... فليس لمال عندنا أبداً قدر
لينجح بجود من أراد فإنه ... عوان لهذا الناس وهو لنا بكر
جرى حاتم في حلبة منه لو جرى ... بها القطر شأواً قيل أيهما القطر
فتى ذخر الدنيا أناس ولم يزل ... لها باذلاً فانظر لمن بقي الذخر
فمن شاء فليفخر بما شاء من ندى ... فليس لحي غيرنا ذلك الفخر
(3/430)

جمعنا العلى بالجود بعد افتراقها ... إلينا كما الأيام يجمعها الشهر
بنجدتنا ألقت بنجد بعاعها ... سحاب المنايا وهي مظلمة كدر
بكل كمي نحره غرض القنا ... إذا اضطرب الأحشاء وانتفخ السحر
فأعجب به يهدي إلى الموت نحره ... وأعجب منه كيف يبقى له نحر
يشيعه أبناء موت على الوغى ... يشيعهم صبر يشيعه نصر
كماة إذا ظل الكماة بمعرك ... وأرماحهم حمر وألوانهم صفر
بخيل لزيد الخيل منها فوارس ... إذا نطقوا في مجلس خرس الدهر
على كل طرف يحسر الطرف سابح ... وسابحة لكن سباحتها الحضر
طوى بطنها الأساد حتى لو أنها ... بدت لك ما شككت في أنه ظهر
ضبيبية ما إن تحدث نفسها ... بما خلفها ما دام قدامها وتر
فإن ذمت الأعداء سوء صنيعها ... فليس يؤدي شكرها الذئب والنسر
بها عرفت أقدارها بعد جهلها ... بأقدارها قيس بن عيلان والفزر
وتغلب لاقت غالباً كل غالب ... وبكر فألفت حربنا بازلاً بكر
وأنت خبير كيف أبقت سويفنا ... بني أسد إن كان ينفعك الخبر
وقسمتنا الضيزى بنجد وأهلها ... لنا خطوة في عرضها ولهم فتر
مساع يضل الشعر في طرق وصفها ... فما يهتدي إلا لأصغرها الشعر
(3/431)

وهذه القصيدة فيها جيد نادر، وفيها رديء ساقط، وفيها ألفاظ وضعها في غير موضعها، فمن ذلك قوله: «لنا غرر زيدية أددية إذا نجمت» وليس هذا موضع «نجمت»، إنما هو موضع «ذكرت»، لأن الشيء يذكر وقتاً بعد وقت، وإذا نجم الشيء فليس ينجم وقتاً بعد وقت، يقال: قد نجم خارجي في موضع كذا وكذا، وقد نجم في بلد كذا مذهب رديء، أي ظهر، وقد نجم قرن الظبي، إذا طلع، ونجمت سن الصبي، فما معنى «لنا غرر إذا نجمت» وهي قد نجمت وفرغ الله من نجومها؟، و «ذكرت» كان أولى بهذا الموضع، وإنما يقال «نجمت» من أجل قوله «الأنجم» ليتجانس اللفظ، وإنما يحسن التجنيس إذا حسنت وصحت المعاني.
وقوله: «لنا جوهر ...» بيت رديء سخيف، وزاد في سخفه قوله: «منه»، لأن «منه» إنما يوجب أن يكون من جوهرنا، وهو ليس يريد: لنا جوهر لو خالط الأرض أصبحت وبطانتها من جوهرنا، وإنما كان ينبغي أن يقول: لنا جوهر وظهرانها تبر، لأن هذا الجوهر غير ذلك الجوهر، وإنما قاسه به، فإذا قال: «وبطنانها منه» فقد رد الكناية إلى الجوهر الأول وسقط أن يكون في ذلك فائدة، وهو إنما أراد لفظ الجوهر ولم يراع المعنى فجاء به رديئاً.
وقوله: «وكور اليتامى في السنين ...» بيت ركيك جداً بارد المعنى سخيف عامي.
وقوله:
«كماة إذا ظل الكماة بمعرك ... وأرماحهم حمر ....»
(3/432)

أي: هم كماة وأرماحهم حمر إذا ظل الكماة بمعرك وألوانهم صفر، أي: رماح هؤلاء حمر من الطعن وألوان الكماة صفر من الروع، والبيت رديء وليس بجيد التأليف.
وقوله: «لكن سباحتها الحضر» تفسير سخيف أحمق، ومن شك في أن سباحتها الحضر، وهل يظن أحد أن سباحتها غير الحضر.
وقوله: «ما شككت أنه ظهر» معنى أقبح من كل قبيح.
وكذلك: «ما إن تحدث نفسها» من أرذل لفظ وأدونه، وفيها غير بيت سخيف، وأكثرها جيد نادر.
و «الإساد»: سير الليل، و «التأويب»: سير النهار.
و «الفزر» سعد بن زيد مناة بن تميم.
وقوله: «وتغلب لاقت غالباً كل غالب» يريد غالب بن ...
وقال البحتري يفخر:
إنما الغي أن تكون رشيدا
إن قومي قوم الشريف قديماً ... وحديثاً أبوة وجدودا
فإذا ما عددت يحيى وعمرا ... وأباناً وعامراً ووليدا
(3/433)

وعبيدا ومسهرا وجديا ... وتدولاً وبحتراً وعتودا
لم أدع من مناقب المجد ما يم ... نع من هم أن يكون مجيدا
ذهبت طيء بسابقة المج ... د على العالمين بأساً وجودا
معشر أمسكت حلومهم الأر ... ض وكادت من عزهم أن تميدا
نزلوا كاهل الحجاز فأضحى ... لهم ساكنوه طراً عبيدا
منزلاً قارعوا عليه العمالي ... ق وعاداً في عزها وثمودا
وإذا قوت وائل وتميم ... كان إذ ذاك حنظلاً وهبيدا
ظل ولداننا يغادون نخلاً ... مؤتياً أكله وطلحا نضيدا
بلد ينبت المعالي فما يث ... غر الطفل فيه حتى يسودا
وليوث من طيء وغيوث ... لهم المجد طارفاً وتليدا
فإذا المحل جاء جاءوا سيولا ... وإذا النقع ثار ثاروا أسودا
يحسن الذكر عنهم والأحادي ... * ث إذا حدث الحديد الحديدا
في مقام تخر في ضنكه البي ... ض على البيض ركعاً وسجودا
يفرجون الوغى إذا ما أثار ال ... ضرب من مصمت الحديد صعيدا
بوجوه تعشي العيون ضياء ... أو سيوف تعشي الشموس وقودا
عدلوا الهضب من تهامة أحلا ... ماً ثقالاً ورمل نجد عديدا
(3/434)

ملكوا الأرض قبل أن تملك الأر ... ض وقادوا في حافتيها الجنودا
وجروا عند مولد الدهر في السؤ ... دد والمكرمات شأوا بعيدا
بمساع منظومة ألبستهن ... الليالي قلائداً وعقودا
عبد شمس شمس العريب أبونا ... ملك الناس واصطفاهم عبيدا
وطيء السهل والحزونة بالأب ... طال شعثاً والخيل قباً وقودا
وأبو الأنجم التي لا تني تج ... ري على الناس أنحساً وسعودا
نحن أبناء يعرب أعرب النا ... س لساناً وأنضر الناس عودا
وكأن الإله قال لنا في ال ... حرب كونوا حجارة أو حديدا
قوله: «من هم أن يكون مجيدا» أي: لم أدع من مناقب المجد شيئاً يمنع من هم بالمجد أن يبلغ المجد لخلوه منه وفوته إياه، أي: إذا ذكرت هؤلاء وفيهم الخلال التي تجمع المجد كله، ولم أدع خلة للحسن ليس فيهم، مما يمنع الماجد أن يكون مجيداً بفقده إياها.
و «الهبيد» ثمر الحنظل، و «الطلح» يقال هو الموز، وإياه عنى ها هنا.
وقوله: «عند مولد الدهر» تعد وإسراف في المبالغة، ولكنه غير قبيح لحسن لفظه.
وقد استعمل الإيطاء في هذه القصيدة فأتى بقوله: «عبيدا» في موضعين، وهذا يجري من المطبوعين من قلة التفقد.
(3/435)

وأقول في الموازنة بينهما: إن وازنت بين معانيهما خاصة فيما افتخرا به، كان أبو تمام أشعر، لأنه أبرع وأفصح وأسلم ألفاظاً وأحكم، وأبو تمام على كل حال في قصيدته العينية أشعر، لأن ألفاظها وسبكها غير مقصرين.
ومما أجاد فيه البحتري وأحسن كل الإحسان قوله يمدح بني مخلد:
بني مخلد كفوا تدفق جودكم ... ولا تبخسونا حظنا في المكارم
ولا تنصروا مجدي قنان ومالك ... بأن تذهبوا منا بسمعة حاتم
وكان لنا اسم الجود حتى جعلتم ... تغضون منا بالخلال الكرائم
وشيبني ألا أزال مجرراً ... سرابيل سآل كثير المغارم
وما خطري دون الغنى إن بلغته ... سؤالاً ولا عرضي نظير الدراهم
ومن عربي شعره، وفاخر كلامه الدال على بدويته وحلاوة طبعه قوله في نحو هذا المعنى لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
تزاجر هذا الناس عني تقية ... فما بال هذا الطاهري وبالي
يساجلني حتى كأن ليس بحتر ... أبي وابن همام بن مرة خالي
أخي وابن عمي سابقتني خصاله ... إلى شرف أو سابقته خصالي
(3/436)

بنو الحارث الحراب يغشون نصره ... بكل جهير في السلاح طوال
أولئك قوم أنت كفء سراتهم ... وشراؤهم في سؤدد ومعال
ديارهم بالغوطتين وداركم ... بعسفان يغدو برها وغزال
لهم ورق الزيتون غضاً وعندكم ... شريجان من أثل يرف وضال
تراك مسامي الغداة ففائتي ... بجملة شعري وهو جملة حالي
قوله: «يغدو برها وغزال» فغزال: هضبة مرتفعة ويقال: ثنية غزال بنواحي عسفان.
يقول: إن كنت نظيري في النسب والشرف والمحل والبلد، فإنك لا تتقدمني في الشعر، الذي هو جملة ما أفتخر عليك به، فسلك أحسن مسلك بأبرع لفظ ومعنى.
وقال:
أحبب إلي بطيف سعدى الآتي
ومن الأقارب من يسر بميتتي ... سفهاً وعز حياتهم بحياتي
(3/437)

إن أبق أو أهلك فقد نلت التي ... ملأت صدور أصادقي وعداتي
وغنيت ندمان الخلائق نابهاً ... ذكرى وناعمة بهم نشواتي
وشفعت في الأمر الجليل إليهم ... بعد الجليل فأنجحوا طلباتي
وصنعت في العرب الصنائع عندهم ... من رفد طلاب وفك عناة
يجري ليدخل في غبار تسرعي ... من رفد طلاب وفك عناة
ويذيمني من لو ضغمت قبيلة ... يوم الفخار لطار في لهواتي
جدي الذي رفع الأذان بمنبج ... وأقام فيها قبلة الصلوات
فالآن إذ ناصيت أعنان العلا ... ورقيت فيها أرفع الدرجات
وأي أبو حيان قائد طيء ... للروم تحت لوائه المنصات
وولي فتح الجسر إذ أغرى بهم ... عمرو وفاعل تلكم الفعلات
وخؤولتي فالحوفزان وحاتم ... والخالدان الرافدان حماتي
إذ لم يكن شرف المناكح يشترى ... بالمال في اللأواء والزبات
(3/438)

* ما قالاه في التوجع من العلل والنكبات والتهاني على السلامة منها
قال أبو تمام:
أبا القاسم المحمود إن ذكر الحمد ... وقيت رزايا ما يروح وما يبدو
وطابت بلاد أنت فيها فأصبحت ... ومربعها غور ومصطفاها نجد
فإن تك قد نالتها أطراف وعكة ... فلا عجب أن يوعك الأسد الورد
سلمت وإن كانت لك الدعوة اسمها ... وكان الذي يحظى بإنجاحها المجد
فقد أصبحت من صفرة ووجوهها ... وراياتها سيان غماً بك الأزد
بنا لا بك الشكوى فليس بضائر ... إذا صح نصل السيف ما لقي الغمد
وهذه أبيات مضطربة الألفاظ والمعاني.
(3/439)

وأحسن من هذا وأبرع قول أبي الشمر الغساني وهو العلاء بن عاصم:
فإن تك حمى الربع شفك وردها ... فعقباك منها أن يطول لك العمر
وقيناك لو نعطى الهوى فيك والمنى ... فكانت لنا الشكوى وكان لك الأجر
وأجود منها وألطف معنى قول محمد المعروف بالبيدق، شاعر رشيدي كان الرشيد يستحسن إنشاده، يقول في عمرو بن مسعدة:
قالوا أبو الفضل معتا فقلت لهم ... نفسي فداء له من كل محذور
يا ليت علته بي ثم إن له ... أجر العليل وأني غير مأجور
وأول من قال هذا أظن الأخطل في يزيد بن معاوية:
ونعود سيدنا وسيد غيرنا ... ليت التشكي كان بالعواد
(3/440)

لو كان يقبل فدية لفديته ... بأناملي وبطارفي وتلادي
وقال أبو تمام:
لا عيش أو يتحامى جسمك الوصب ... فتنجلي بك عن أخوانك النوب
لعاً أبا جعبر واسلم فقد سلمت ... بك المروءة واستعلى بك الحسب
إنا جهلنا فخلناك اعتللت ولا ... والله ما عتل إلا الظرف والأدب
وقال في خروج أبي دلف من علة:
قد شرد الصبح هذا الليل عن أفقه ... وسوغ الدهر ما قد كان من شرقه
سيقت إلى الخلق في النيروز عافية ... بها شفاههم جديد الدهر من خلقه
يا رب مصطبح بالبث معتبق ... صحا ومشتجر ليلاً ومرتفقه
لما اكتسى القاسم البرد الأنيق غدا ... على السرور فأعداه على حرقه
الله جلاه من كرب ومن وصب ... كاد السماح يذوق الموت من فرقه
لم يبق ذو كرم إلا وجامعة ... ثقيلة قد حناها الدهر في عنقه
أجناك من ثمرات البرء أينعها ... رب كساك الأثيث النضر من ورقه
حتى يقال لقد أضحى أبو دلف ... وخلقه قد طغا حسناً على خلقه
(3/441)

وهذا كله رديء لفظاً ومعنى إلا قوله: «أجناك من ثمرات البرء أينعها ...».
وقال البحتري في إبراهيم بن المدبر:
بأنفسنا لا بالطوارف والتلد ... نقيك الذي تخفي من الشكو أو تبدي
بنا معشر الأخوان ما بك من أذى ... فإن أشفقوا مما أقول فبي وحدي
ظللنا نعود المجد من وعكك الذي ... وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد
ولم ننصف الليث اقتسمنا نواله ... ولم نقتسم حماه إذ أقبلت تردي
ولست ترى شوك القتادة خائفاً ... رياح السموم الأخذات من الرند
ولا الذئب محموماً وإن طال عمره ... ألا إنما الحمى على الأسد الورد
وحرت على الأيدي مجسة كفه ... كذلك موج البحر ملتهب الوقد
بدت صفرة في لونه إن حمدهم ... من الدر ما اصفرت نواحيه في العقد
قوله: «قلنا: اعتل عضو من المجد» إنما أخذ المعنى من قول أبي تمام في الأبيات المتقدمة: «وكان الذي يحظى بإنجاحها المجد».
وقوله: «ألا إنما الحمى على الأسد الورد» من قول أبي تمام: «فلا عجب أن يوعك الأسد الورد» ولعمري أن هذا معنى مشترك يتداوله الناس، ولكن لما أخذ ذلك المعنى الأول ذكر به هذا وأورده معه.
(3/442)

وأبيات البحتري على كل حال أبرع وأجود.
وقد عابه أبو العباس بن نعمان من حيث ظن أن الأبيات لأبي تمام بقوله:
............ إن حمدهم ... من الدرما اصفرت نواحيه في العقد
وقال: ما حمد الناس ذلك قط، وما المحمود من الدر إلا الأبيض النقي البياض.
ولم يرد البحتري الصفرة المعيبة، وإنما أراد الصفار الذي يخرج الدرة عن أن تكون ناشفة اللون، ولهذا قال الناس: لون دري، يراد صفاؤه وحسنه، وأنه ليس ببياض ناشف فإن ذلك مكروه في الألوان.
وقال البحتري:
(3/443)

إن ترج نيل عبيد الله لم تخب ... أو ترم في غرض من سيبه تصب
ذاك أخ أفتديه أن يحس أذى ... بالنفس عما توقاه وبالنشب
إن كان من فارس في بيت سؤددها ... وكنت من طيء في البيت والحسب
فلم يضرنا تنائي المنصبين وقد ... رحنا نسيبين في خلق وفي أدب
إذا تساجلت الأخلاق واقتربت ... دنت مسافة بين العجم والعرب
اسلم ولا زلت في ستر من النوب ... وعش حميداً على الأيام والحقب
وليهنك البرء مما كنت تألمه ... والأجر في عقب ذاك الشكو والوصب
أوحشت مذ غبت قوماً كنت أنسهم ... إذا شهدتهم فاشهد ولا تغب
وإن فصدت ابتغاء البرء من سقم ... فقد أرقت دماً يشفي من الكلب
وهذه أبيات جياد حسان المعنى.
وقال في أبي نوح عيسى بن إبراهيم:
نغتد أنحسنا بعزك أسعدا ... ونسر فيك بما يساء به العدا
فاسلم أبا نوح فإنك إنما ... تهوى السلامة كي تجود وتحمدا
وهنتك عافية الأمير فإنه ... قد راح مجتمع العزيمة واغتدى
(3/444)

في نعمة هي للمكارم والعلى ... وسلامة هي للسماحة والندى
لما تشابهت الرجال حكيته ... مجداً أطل على النجوم وسؤددا
ومرضتما وفقاً فكان دعاؤنا ... أن تبقيا وتكون أنفسنا الفدا
لك عادة ألا تزال شريكه ... فيما عناه مساعفاً ومساعدا
لو يستطيع وقاك عادية الضنى ... أو تستطيع وقيته صرف الردى
والنفس واحدة وإن أصبحتما ... شخصين غارا في السماح وأنجدا
روح تدبر منكما حركاتها ... بدنين ذا عبداً وهذا سيدا
هذا المعنى هو ما قاله ابن وهيب:
فكأنه روح تدبرنا ... حركاته وكأننا جسد
وقال في أبي نوح -وكان الأسد غشيهم ليلاً، وأظنه جزع فمرض-:
الله جارك مكلوءاً وممتنعا ... من الحوادث حتى ينفذ الأبد
إذا اعتللت ذممنا العيش هو ند ... طلق الجوانب صاف ظله رغد
لو أن أنفسنا اسطاعت وقيت بها ... حتى تكون بها الشكوى التي تجد
ما أنصف الأسد العادي مخاتله ... والراح تسري وجنح الليل محتشد
ولو يلاقيك صبحاً مصحراً لرأى ... صريمة ينثني عن مثلها الأسد
لصده عنك عزم صارم ويد ... طويلة وحسام صارم يقد
(3/445)

وهذا مما لا يفي بحسنه وصحته وحلاوته شيء.
وقال في الفتح بن خاقان يهنئه بسلامته من الغرق:
بعدوك الحدث الجليل الواقع ... ولمن يكايدك الحمام الفاجع
قلنا لعاً لما عثرت ولا تزل ... نوب الليالي وهي عنك رواجع
ولربما عثر الجواد وشأوه ... متقدم ونبا الحسام القاطع
لن يظفر الأعداء منك بزلة ... والله دونك حاجز ومدافع
أحدى الحوداث شارفتك فردها ... دفع الإله وصنعه المتتابع
دلت على رأي الإمام وأنه ... قلق الضمير لما أصابك جازع
هل غاية الوجد المبرح غير أن ... يعلو نشيج أو تفيض مدامع
وفضيلة لك أن منيت بمثلها ... فنجوت متئداً وقلبك جامع
ما حال لون عند ذاك ولا هفا ... عزم ولا راع الجوانح رائع
حتى برزت لنا وجأشك ساكن ... من نجدة وضياء وجهك ساطع
خبر يسوء الحاسدين إذا بدا ... وأعاد فيه محدث أو سامع
وحسبك بهذا جودة وحسناً.
وقال يهنيء المتوكل بسلامة الفتح من الغرق:
هنتك أمير المؤمنين عطية ... من الله يزكو نيلها ويطيب
يد الله في فتح لديك جميلة ... وإنعامه فيه عليك عجيب
(3/446)

وليك دون الأولياء محبة ... ومولاك والمولى الصريح نسيب
وعبدك أحظته لديك نصيحة ... وأرضاك منه مشهد ومغيب
رمته صروف النائبات فأخطأت ... كذا الدهر يخطي مرة ويصيب
ولم أنسه يطفو ويرسب تارة ... ويظهر للرائين قم يغيب
دعا باسمك المنصور والموج غامر ... لدعوته والموت منه قريب
ولم أنسه يطفو ويرسب تارة ... ويظهر للرائين ثم بغيب
دعا باسمك المنصور والموج غامر ... لدعوته والموج منه قريب
وأقسم لو يدعوك والخيل حوله ... لفرجها عنه أغر نجيب
فلولا دفاع الله دامت على البكا ... عيون ولجت في الغرام قلوب
فجاء على يأس وقد كادت القوى ... وبشرى أتت بعد النعي تؤوب
ثنت من تباريح الغليل ونهنهت ... مدامع ما ترقا لهن غروب
بقيت أمير المؤمنين فإنما ... بقاؤك حسن للزمان وطيب
ولا كان للمكروه نحوك مذهب ... ولا لصروف الدهر فيك نصيب
وقال في مثله من قصيدة:
لقد كان يوم النهر يوم عظيمة ... ألمت ونعماء جرى بهما النهر
أجزت عليه عابراً فتشاغبت ... أواذيه لما طغا فوقها البحر
وزالت أواخي الجسر وانهدمت به ... قواعده العظمى وما ظلم الجسر
تحمل حلماً مثل قدس وهمة ... كرضوى وقدراً ليس يعدله قدر
فلولا دفاع الله عنك ومنه ... عليك وفضل من مواهبه غمر
(3/447)

لأظلمت الدنيا ولانقض حسنها ... ولانحت من أفنانها الورق الخضر
ولما رأيت الخطب ضنكاً سبيله ... وقد عظم المكروه واستفظع الأمر
صرمت فلم تقعد بعزمك حيرة ال ... مروع ولم يسدد مذاهبك الذعر
وما كان ذاك الهول إلا غيابة ... بدا طالعاً من تحت ظلمتها البدر
فإن ننس نعمى الله فيك فحظنا ... أضعنا وإن نشكر فقد وجب الشكر
وقال أبو تمام في علة نالت أحمد بن أبي دؤاد:
لا نالك العثر من دهر ولا الزلل ... ولا يكن للعلا في فقدك الثكل
لا تعلل إنما بالمكرمات إذا ... أنت اعتللت ترى الأوجاع والعلل
تضاءل الجود مذ مدت إليك يد ... من بعض أيدي الردى واستأسد البخل
لم يبق في صدر راجي حاجة أمل ... إلا وقد ذاب سقماً ذلك الأمل
بينا كذلك والدنيا على خطر ... والعرف فيك إلى الرحمن يبتهل
وأعين الناس تعطي فوق ما سئلت ... عليك والصبر يعطي دون ما يسل
حبا بك الله من لولاك لانبعثت ... فيه الليالي ومنها الوخد والرمل
سقم أتيح له برء فذعذعه ... والرمح يناد حيناً ثم يعتدل
(3/448)

وحال لون فرد الله نضرته ... والنجم يخمد شيئاً ثم يشتعل
وكسب أجر ولم تعمل له وبلى ... وعك المقيم على توحيده عمل
الأربعة الأبيات الأول جياد، والباقية رديئة مضطربة الألفاظ والمعاني، والنجم لا يوصف بالخمود، وما رأينا نجماً قط خمد، وإنما تستره هبوة أو غمامة، فيقال: غاب واستتر ولا يقال خمد.
وقال في مرض إلياس بن أسد -يكتب في أول الباب-:
إلياس كن في أمان الله والذمم ... ذا مهجة عن ملمات الأذى حرم
سلامة لك لا تهتاج نضرتها ... ودعدعاً ولعاً في النعل والقدم
الله أنقذ منها علة عرضاً ... لم تنح أظفارها إلا على الكرم
تكشفت هبوات الثغر مذ كشفت ... آلاء ربك ما استشعرت من سقم
فإن يكن وصب عانيت سورته ... فالورد حلف لليث الغابة الأضم
إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نجد ولم يعبأن بالرتم
بنات نعش ونعش لا كسوف لها ... والشمس والبدر منه الدهر في الرقم
(3/449)

والحادثات عدو الأكرمين فما ... تعتام إلا امرأً يشفى من القرم
فليهنك الأجر والنعمى التي سبغت ... حتى جلت صدأ الصمصامة الخذم
قد ينعم الله بالبلوى وقد عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
وهذه أبيات جياد، وهذا البيت الأخير في غاية الحسن والحلاوة، وإنما حذا على قول أبي العتاهية في قوله:
كم نعمة لا يستقل بشكرها ... لله في طي المكاره كامنه
إلا أنه أحسن كل الإحسان في أن جاء بالزيادة التي هي عكس المعنى الأول، فصار البيت مقسوماً قسمين نادرين.
قوله: «دعدعا، ولعا» لفظ يقال العاثر إذا عثر: قم قم وانتعش، ولو قال هذا رؤبة بن العجاج لاستثقل منه فكيف أبو تمام.
وقال:
أعقبك الله صحة البدن ... ما هتف الهاتفات في غصن
كيف وجدت الدواء أوجدك الل ... ه شفاء به مدى الزمن
لا نزع الله منك صالحة ... أبليتها م بلائك الحسن
وهذا لعمري جيد.
(3/450)

وقال البحتري في محمد بن علي القمي لما خرج من الحبس:
لشهر ربيع نعمة ما يفي بها ... ثناء ولو قمنا بأضعافها نثني
غداة غدا من سجنه البحر مطلقاً ... وما خلت أن البحر يحظر في سجن
وليست له إلا السماح جناية ... إذا أخذ الجاني ببعض الذي يجني
تقلقل منه في الحديد عزيمة ... يكل الحديد عن جوانبها الخشن
فما فل ريب الدهر من ذلك الشبا ... ولا زعزع المكروه من ذلك الركن
ولما بدا صبح اليقين وكشفت ... به الظلمة الطخياء من شبه الظن
تجلى لنا من سجنه وهو خارج ... خروج شعاع الشمس من جانب الدجن
يفيض كما فاض الغمام تتابعت ... شآبيبه بالهطل منا وبالهتن
محمد عش للمكرمات التي اصطفت ... يداك وللمجد الرفيع الذي تبني
فكم من يد بيضاء منك بلا يد ... ومن منة زهراء منك بلا من
«بلا يد» أي: بلا يد كانت إليك.
وقال في أبي أيوب:
لتهنك النعمة المخضر جانبها ... من بعد ما اصفر في أرجائها العشب
قد كان أعطي منها حاسد حنق ... سؤلاً ونيب فيها كاشح كلب
فمن دموع عيون قلما دمعت ... ومن وجيب قلوب قلما تجب
(3/451)

عافوك خصك مكروه فعمهم ... ثم انجلى فتجلت أوجه شحب
بحسن رأي أمير المؤمنين وما ... لصاعد وهو موصول به سبب
ما كان إلا مكافاة وتكرمة ... ذاك الرضى وامتحاناً ذلك الغضب
وربما كان مكروه الأمور إلى ... محبوبها سبباً ما مثله سبب
هذي مخايل برق خلفه مطر ... جود ووري زناد خلفه لهب
وأزرق الفجر يأتي قبل أبيضه ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب
وقال في حبس أبي سعيد محمد بن يوسف:
جعلنا فداك الدهر ليس بمنفك ... من الحادث المشكو والنازل المشكي
وما هذه الأسباب إلا منازل ... فمن منزل رحب ومن منزل ضنك
وقد هذبتك النائبات وإنما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك
وما أنت بالمهزوز جأشاً على الأذى ... ولا المتفري الجلدتين على الدعك
على أنه قد ضيم في حبسك الهدى ... وأضحى بها الإسلام في قبضة الشرك
أما في نبي الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوساً على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك
وهذا من إحسانه المشهور.
وكان سبب حبسه أنه كوتب بأن يدعو على منابر الثغور التي يليها لسعيد
(3/452)

ابن الحاجب، حاجب المتوكل، وكان المتوكل أراد أن ينوه باسمه، ويرفع من قدره، فامتنع أبو سعيد، وروجع فامتنع، فأنفذ إليه نقيب، وتقدم إليه بأن يخاطبه بإقامة الدعوة لسعيد، فإن فعل وإلا حمله مقيداً، فلم يفعل، وقدم رجله فقيده النقيب وحمله، فلما قرب من سر من رأى سلمه سعيد بن الحاجب إلى كاتب له نصراني، فحفر له جباً وحبسه فيه فبقي على تلك الحال برهة.
ثم إن المتوكل أخبر أن جارية له رومية جاءها رسول من أهلها ببلد الروم، فأحضرها وسألها وداعبها، وقال: كيف بلادك؟ قالت: أعمر بلاد مذ قتل محمد بن يوسف الثغري، فبكى المتوكل بكاءً عظيماً، وجزع جزعاً شديداً، وأمر بإحضار سعيد، فلما بصر به، قال: يا ابن الفاعلة، نفيت من قرابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لئن كان سقط من رأس محمد بن يوسف شعرة لأضربن عنقك وعنق كل من يقال له سعيد، أين محمد بن يوسف؟ ويلك!، قال: عندي يا أمير المؤمنين حي يرزق ما شيك بشوكة، قال: جئني به الساعة على حال رضي لا على حال سخط، وأذن للقواد وأهل الدولة، وقال لهم: لا جزاكم الله عني وعن الإسلام خيراً، أما كان فيكم من يذكرني بأمر محمد بن يوسف؟، أما تعلمون له علماً؟، فقال له بغا: كيف لا نعلم؟!، وهو في يدي أبي الخير النصراني، كاتب سعيد بن
(3/453)

الحاجب، يلعب به كما يلعب السنور بالفأرة، وأنت أمرت أن لا تذكر به لاشتداد غضبك عليه، فلم يقدم أحد على إذكارك، فقال: لا يبقى منكم أحد إلا يلقاه.
فتوجه الناس كلهم نحوه، وأخرج من الجب فلم يبصر شيئاً لما عاين الضوء، وجعل الأمراء يسلمون عليه فلا يعرفهم حتى يعرفوه أنفسهم، فأدخل الحمام وصب على رأسه الماء الفاتر وعولج ساعة حتى ألف الضوء.
وتوجه الناس وهو معهم إلى دار الخلافة، فوقف على دابته بباب العامة، فقيل له: ادخل، فقال: قد كانت لي مرتبة أنزل عندها، ثم سخط علي، فلست أدري أي مرتبة أرتب، فوصل الناس إلى المتوكل، وهو يتشوفه، فقيل: إنه لا يدري أي مرتبة يرتب، ولا أين ينزل عن دابته، فقال: على بساطي هذا، فدخل مرتباً في أجل المراتب وله مع المتوكل في هذا المعنى خطاب، ثم ولاه الثغور، وزاده إلى ما كان في يده أمصاراً كثيرة.
وقال البحتري فيه وهو في حبس أبي الخير النصراني كاتب سعيد:
يا ضيعة الدنيا وضيعة أهلها ... والمسلمين وضيعة الإسلام
طلبت دخول الشرك في دار الهدى ... بين المداد وألسن الأقلام
هذا ابن يوسف في يدي أعدائه ... يجزى على الأيام بالأيام
نامت بنو العباس عنه ولم تكن ... عنه أمية لو رعت بنيام
ويقال: إن هذه الأبيات بلغت المتوكل فرضي عنه، والسبب هو الأول.
ومما لا يفي بحسنه وصحته وجودته وحلاوته شيء قوله في علة اعتلها الفتح
(3/454)

في القصيدة التي أولها:
أكنت معنفي يوم الرحيل
ولما اعتل أصبحت المعالي ... محبسة على خطر مهول
فكائن فض من دمع غزير ... وأضرم من جوى كمد دخيل
ألم تر للنوائب كيف تسمو ... إلى أهل النوافل والفضول
وكيف تروم ذا الشرف المعلى ... وتخطو صاحب القدر الضئيل
وما تنفك أحداث الليالي ... تميل على النباهة للخمول
فلو أن الحوادث ساعدتني ... وأعطتني صروف الدهر سولي
كفاك الله ما تخشى وغطى ... عليك بظل نعمته الظليل
فلم أر مثل علتك استفاضت ... بإعلان الصبابة والعويل
وكم بدأت وثنت من مبيت ... على رمض وجافت من مقيل
وقد كان الصحيح أشد شكوى ... غداتئذ من الدنف العليل
محاذرة على الفضل المرجى ... وإشفاقاً على المجد الأثيل
وعلماً أنهم يردون بحراً ... بجودك غير موجود البديل
(3/455)

ولو أن الذي رهبوا وخافوا ... إذا ذهب النوال من المنيل
إذاً لغدى السماح بلا حليف ... له وجرى الغمام بلا رسيل
تعافى في الكثير وأنت باق ... لنا أبداً وتوعظ بالقليل
(3/456)

* ما قالاه في المراثي
قد جرت العادة في كل باب أن تعتبر فيه الابتداءات، فيجب أن أقدم ابتداءات هذا الباب.
قال أبو تمام:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... وليس لعين لم يفض ماؤها عذر
قد عابه قوم من متقدمي الشيوخ بهذا، وقالوا: قوله «كذا» إشارة إلى مجهول غير معروف، وقالوا: كان ينبغي أن يقول كما قال البحتري:
انظر إلى العلياء كيف تضام ... ومآتم الأحساب كيف تقام
فأوضح المعنى بقوله: «ومآتم الأحساب كيف تقام»، وليس هذا العجز بمبين عن معنى صدره كما ذكروا، وإنما هو قسم منسوق على قسم آخر، له معنى غير معناه، فقوله: «انظر إلى العلياء كيف تضام» مثل قول أبي تمام:
«كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر».
(3/457)

وإنما نظر كل واحد منهما إلى الجيوب تشقق والستور تهتك، والأعلام تمزق، والرماح تكسر، فإن مثل هذا يفعل عند هلاك السادة من الأمراء وغيرهم، والخيل أنما تعقر عند قبورهم وأشباه هذا، فلما عاين هذان الشاعران من الأمر ما عيناه هذا: «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»، وقال ذاك: «انظر إلى العلياء كيف تضام»، ونظر البحتري إلى كثرة النساء، وعظم أقدارهن، وانهتاكهن، وما يفعلن بأنفسهن، فأتم البيت بأن قال: «ومآتم الأحساب كيف تقام»، لأن المآتم هي اجتماع النساء في الفجائع، ومساعدة بعضهن، فما على أحدهما فيما قاله مطعن.
وقال أبو تمام:
أصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
وهذا معنى حسن جداً، وليس يريد بالصمم انسداد السمع، وإنما يريد أن الناعي أذهل عن كل شيء وحير، حتى صار الإنسان يخبر بالشيء فلا يفهم ما يقال لعظم ما ورد، فجعل ذلك صمماً، وإنما أخذ هذا من قول محياة بنت طليق أحدى بني تيم الله بن ثعلبة:
نعى ابني محل صوت ناع أصمني ... فلا آب محبوراً بريد نعاهما
(3/458)

وقبلها ما قال النابغة:
وخبرت خير الناس أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع
وقد قاله غير النابغة:
وقال أبو تمام:
أي القلوب عليكم ليس ينصدع ... وأي نوم عليكم ليس يمتنع
وهذا ابتداء حسن حلو.
وقال:
ما زالت الأيام تخبر سائلاً ... أن سوف تفجع مسهلاً أو عاقلا
أراد تفجع مسهلاً أو عاقلا، فأقحم الألف، وهي تدخل مع الواو أبداً، وهو ابتداء حسن.
وقال:
أي ندى بين الثرى والجبوب ... وسؤدد لدن ورأي صليب
(3/459)

عجز هذا البيت رديء لقوله: «وسؤدد لدن» فإنها لفظة قبيحة في هذا الموضع، وإنما أراد الطباق، واللدن أيضاً يكون صليباً، لأن الرمح يوصف باللدونة، واللدونة فيه تثنية، وتلك صلابته وتثنيته، وإن لم يكن متثنياً أسرع الكسر إليه، وقد قال أبو تمام:
................. وإنما ... يشتد بأس الرمح حين يلين
والصلابة في الرأي والسؤدد بمنزلة واحدة، اللهم إلا أن يكون ذهب إلى أن رأيه صليب لا ينثني عن جهته وسداده، وأن سؤدده ينعطف وينثني وأراد به نفسه، وهذا كله رديء، ولفظ موضوع في غير موضعه، وما سمعنا في نثر ولا نظم بسؤدد لدن، وإنما يقال: سؤدد أول وقديم ومكين وعال ونبيه ورفيع، ويقال: رأي وثيق، ورأي محصد، ورأي سديد ومصيب.
وقال:
ما للدموع تروم كل مرام ... والجفن ثاكل هجعة ومنام
وهذا ابتداء جيد بالغ.
وقال:
جوى ساور الأحشاء والقلب واغله ... ودمع يضيم العين والجفن هامله
(3/460)

وقال:
بأبي وغير أبي وذاك قليل ... ثاو عليه ثرى النباح مهيل
وهذان ابتداءان صالحان.
وقال:
لنمنا وصرف الدهر ليس بنائم ... خزمنا له قسراً بغير خزائم
وهذا ابتداء رديء كز اللفظ والمعنى.
وقال:
دموع أجابت داعي الحزن همع ... توصل منا عن قلوب تقطع
وقال:
اليوم أدرج زيد الخيل في كفن ... وانحل معقود دمع الأعين الهتن
وهذان ابتداءان صالحان.
وقال:
ريب دهر أصم دون العتاب ... مرصد بالأوجال والأوصاب
(3/461)

وهذا ابتداء ليس بجيد ولا رديء.
وقال:
نعاء إلى كل حي نعاء ... فتى العرب احتل ربع الفناء
كأنه يقول لنفسه: انع إلى كل حي انع، وهي لفظة عربية مستعملة ولكنها غير حلوة إذا ابتديء بها، وقد ابتدأ بها الكميت فقال:
نعاء جذاماً غير موت ولا قتل
أي: انع جذاماً، وكثيراً ما يقتدي به أبو تمام.
وقال:
بكى شجوه قلب بكته فواجعه ... وإنسان عين ليس ترقا مدامعه
يريد الأحداث التي فجعته رحمة له، أو لعله قال: فجائعه وذلك أبعد في الاستعارة وأقبح، وهذا رديء.
وقال:
داب عيني البكاء والحزن دابي ... فدعيني وقيت مابي لما بي
وهذا من ألفاظ الصوفية ومعانيهم المخلقة.
(3/462)

وقال:
لو صحح الدمع لي أو ناصح الكمد ... لقلما صحباك الخد والكبد
وهذا ابتداء رديء لقوله: «أو ناصح الكمد».
وقال:
أعيدي النوح معولة أعيدي ... وزيدي من بكائك ثم زيدي
وهذا من ألفاظ النوائح.
وقال:
يا دهر قداك وقلما يغني قدي ... وأراك عشر الظمء مر المورد
قوله: «عشر الظمء» العشر: أن تعطش الإبل، ولا تورد الماء إلا بعد عشر، يقول: فإذا أوردت كان موردك مراً غير عذب، وهذه استعارة قبيحة جداً.
فذلك ثمانية عشر بيتاً ليس فيها جيد إلا الأربعة التي ذكرتها.
وله مقطعات لا يعتد بمثلها، وليس فيها جيد إلا مقطوعتان، منهما قوله:
محمد بن حمد أخلقت رممه ... أريق ماء المعالي مذ أريق دمه
وإراقة ماء المعالي قبيح جداً، ولم يستو له لضيق الحيلة في النظم أن يقول: دم المعالي، لأن ذاك أشبه بازدواج ألفاظه وأجود.
(3/463)

ومنهما قوله:
جفوف البلى أسرعت في الغصن الرطب ... وخطب الردى والموت أبرحت من خطب
وهذا -لعمري- ابتداء حسن جيد.
وقد نحل أبو تمام قصائد أخر رديئة جداً، وهي ثابتة في نسخة أبي علي محمد بن العلاء، ولم أذكر منها شيئاً.
وهذه ابتداءات البحتري:
قال:
انظر إلى العلياء كيف تضام ... ومآتم الأحساب كيف تقام
وقال:
بأي أسى تثني الدموع الهوامل ... ويرجى زيال من جوى لا يزايل
وقال:
أقول لعنس كالعلاة أمون ... مضبرة في نسعة ووضين
وقال:
(3/464)

محل على القاطول أخلق داثرة ... وعادت صروف الدهر وهي تساوره
وقال:
أراني متى أبغ الصبابة أقدر ... وإن أطلب الأشجان لا تتعذر
وقال:
عذيري من صرف الليالي الغوادر ... ووقع رزايا كالسيوف البواتر
وقال:
أفي مستهلات الدموع السوافح ... إذا جدن برء من جوى في الجوانح
وقال:
تقضى الصبا إلا تلوم راحل ... وأغنى المشيب عن ملام العواذل
وهذه القصيدة ليست مرثية بأسرها، وإنما المرثية بعض أبياتها فلهذا ابتدأ هذا الابتداء.
وقال:
أقصر حميد لا عزاء لمغرم ... ولا قصر عن دمع ولو كان من دم
(3/465)

وقال:
ملامك أنه عهد قريب ... ورزء ما عفت منه الندوب
وقال:
أعجب من الغيث كيف ارفض فانقشعا ... وصالح العيش كيف اعتيق فارتجعا
وقال:
لأية حال أعلن الوجد كاتمه ... وأقصر عن داعي الصبابة لائمه
وقال:
غروب دمع من الأجفان تنهمل ... وحرقة بغليل الحزن تشتعل
فذلك ثلاثة عشر ابتداء كلها جيد حسن إلا قوله:
«وإن أطلب الأشجان لا تتعذر»
فإن الأشجان جمع شجن، والشجن: الحاجة المهمة، وهذا ضد ما ذهب
إليه، وكأنه -والله أعلم- أراد: «وإن أطلب الأشجاء» جمع شجا، من: شجيت بالشيء أشجى شجاً، فتكون: متى أبلغ الصبابة -وهي رقة الشوق- أقدر عليها، لأنها موجودة معي، وإن أطلب ما أشجى به ويحزنني لا يتعذر أيضاً، فيكون المعنى: أنه صب أبداً، وحزين أبداً، ولم يقصد إلى قسمين مختلفين، وما أظنه قال إلا «الأشجاء» -والله أعلم- فألحقت النون، وإلا فمثل البحتري لا يذهب عليه فرق ما بين الشجى والشجن.
(3/466)

أو أن يكون أراد: «وإن أطلب الأشجان تتعذر»، وجاء بقوله «لا» زائدة، فإنها تزاد كثيراً، والمعنى طرحها، قال أبو النجم:
فما ألوم البيض ألا تسخرا
أراد: أن تسخر.
وقال العجاج:
في بئر لا حور سرى وما شعر
أراد: في بئر هلاك، وأصل الحور: النقصان، وقد قال الله تعالى: «لئلا يعلم أهل الكتاب» أي: ليعلم، و «قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك» أي: أن تسجد.
فهذه ابتداءتهما في سائر مراثيهما، فأما الموازنة بين الجملتين فإن ابتداءات البحتري أجود من ابتداءات أبي تمام، لما في ابتداءات أبي تمام من التخليط الذي قد ذكرته، وسلامة ابتداءات البحتري من مثل ذلك.
فأما الموازنة بين معاني الأبيات، فليس بين معانيهما اتفاق إلا في صدر
(3/467)

البيتين الأولين على ما وصفته، ثم ما ذكراه من أمر البكاء والدمع، فإن أبا تمام قال:
«وليس لعين لم يفض ماؤها عذر»
وقال البحتري:
«ولا قصر من دمع ولو كان من دم»
وكلاهما جيد في معناه.
وقال أبو تمامك
«دموع أجابت داعي الحزن همع»
وقال البحتري:
«بأي أسى تثني الدموع الهوامل»
والمعنيان مختلفان، وكلاهما جيد حسن.
وقال أبو تمام:
«ما للدموع تروم كل مرام»
وقال البحتري:
«غروب دمع من الأجفان تنهمل»
وكلاهما صالح، ووباقي ما قاله أبو تمام في الدمع رديء
وقال البحتري:
أفي مستهلات الدموع السوافح ... إذا جدن برء من جوى في الجوانح
وهذا حلو حسن، فأجعلهما في هذه المعاني خاصة متكافئين، وجملة أبيات البحتري أفضل الجملتين.
(3/468)

* الموازنة بعد الابتداءات من الأبيات
اعلم أن تأبين الميت كمدح الحي، لا فرق بينهما إلا ما يفترق بذلك من ذكر التوجع وأنواعه، فلا يمكن الموازنة بين قصيدة وقصيدة، كما لم يمكن ذلك في قصائد المدح، لأن القصيدة الواحدة تتضمن من المعاني ما ليس في القصيدة الأخرى، ولو اعتمدنا أن نعرف أيهما أشعر في جملة مراثيه حتى نثبت قصائدهما بأسرها في هذا الباب لم يخلص لأبي تمام إلا قصيدتان، وهما:
«كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»
وقوله:
«ما زالت الأيام تخبر سائلا»
ومقطوعتان تقومان مقام قصيدة وهما:
«أصم بك الناعي وإن كان أسمعا»
وقوله:
«أي القلوب عليكم ليس ينصدع»
فإنه برز في القصائد وأحسن وأجاد لفظاً ومعنى وسبكاً، حتى كأنها من بحر غير بحره، ومن معدن سوى معدنه، وكان يظهر تقصيره في باقي
(3/469)

قصائده وهي أربع عشرة قصيدة، لأن الجيد فيها إنما هو لمع قليلة بين الرديء الساقط، ورداءته إما في معناه أو لفظه أو نسجه أو تأليفه، وقد تقدم ذكر جميعها في باب الابتداءات، فكان كثرة رديئه يشين قليل جيده ويزري به، وكان يظهر فضل البحتري في قصائده، وهي ثلاث عشرة قصيدة، لأن كلها جيدة، لا يكاد يختل من القصيدة شيء البتة إن شاء الله، إلا أن تكون القصيدة التي أولها:
«لأية حال أعلن الزجد كاتمه»
فإن فيها بيتاً أو بيتين، فكنا لو فعلنا ذلك نحكم بفضل جملة قصائد البحتري على جملة قصائد أبي تمام.
ولو اطرحنا رديء أبي تمام كله من جميع قصائده وتلطنت جيده منها وأضفنا إلى القصائد الأربع اللواتي قدمت ذكرها، ووزاناً بالجميع قصائد البحتري حتى نكون قد وازناً جيداً بجيد، كما يختار أصحاب أبي تمام، لأنهم أبداً يقولون: فدعوا رديئه وخذوا جيده، كان في ذلك ظلم للبحتري قبيح، وتعد ظاهر معلوم، لأن المتخير المتنقى الذي قد نفي رديئه، وبقيت عيونه وفاخره لا يقاس جملة على جهته إن كان نقياً من الدرن، لأن النقاوة لها أبداً فضلها، ولكن الموازنة تكون بين جملة وجملة، واختيار واختيار، والمنصفون من أصحاب أبي تمام يمثلون القصيدة من شعر البحتري بعقد فيه خرز وأنواع جوهر سوى الدر، ويقولون: أي العقدين أثمن؟، فقيل لهم: بل قولوا: أي العقدين أحسن، وأيهما أولى بأن يكون على صدر الجارية الكعاب، هذا إن سلم لكم انفراد أبي تمام من شريف المعاني بما ليس للبحتري مثله، ولكن ليس بمنكر أن يكون
(3/470)

لأبي تمام لطيفة ليس للبحتري مثلها من ذلك الجنس، كما أن للبحتري أيضاً معاني لطيفة ليس لأبي تمام مثلها من جنسها، وقد مر مثل هذا كثيراً فيما تقدم من أبواب هذه الموازنة، ومثل ذلك أيضاً موجود في أشعار القدماء، أن ترى الشاعر قد سخر له معنى أو معان لا يوجد مثلها من جنسها في شعر من هو أعلى طبقة منه، فلا يقدم عليه من أجلها، لأن التقدمة لا تكون بالمعاني وحدها، وإنما ينظر إلى بحر الشاعر وجنس شعره وبلاغته وقدرته وتمكن خاطره واستواء طريقته، فإن أحببت أن تمتحن ذلك فأثبت مراثي الطائيين كلها في الباب وتأمل الجميع، فإن الأمر يظهر لك ظهوراً بيناً واضحاً، ولا تكن مراعاتك مقصورة على تأمل المعاني دون سواها، فإن رداءة الكلام منظومه ومنثوره ليست من أجل رداءة المعنى فقط، بل يكون أيضاً من أجل رديء اللفظ، وقبيح النظم وسوء التأليف، وإن يقترن البيت بما لا يليق بموضعه، ألم تسمع بعض الشعراء وقد قال لابنه وكان أيضاً شاكراً: أنا أشعر منك؟، قال: بم ذاك؟، فقال أنا أقول البيت وأخاه وأنت تقول البيت وابن عمه.
واعلم أن رديء اللفظ يكون على وجهين: إما أن تكون اللفظة من ألفاظ العوام سخيفة في نفسها، أو جيدة قد وضعت في غير موضعها فصارت رديئة في ذلك الموضع خاصة، فإن كانت لك بلاغة وبجوهر الكلام خبرة تعرف هذا إذا مر بك من النظم والنثر لا محالة، وإن كنت بمعزل عن ذلك فلست تقدر أبداً على
(3/471)

تمييز ما بين الجيد والرديء، فاترك هذا الباب لأهله، ولا تداخلهم فيه.
ولما كانت طريقة الشاعر وجنس شعره على ما وصفته لا تبين إلا لطائفة من الناس، وهم ذوو البلاغة، وأهل الأطباع النقية، والقرائح السليمة، وكان من سواهم يعلم ولا لهم جملته حتى تقع الموازنة فيه بين بيت وبيت، ومعنى ومعنى، وجب أن أعدل في المراثي أيضاً إلى انتزاع الأبيات المتفقة من المعاني من قصائدهما، وأنواعهما أنواعاً، وأوازن بين أبيات كل نوع على حسب ما فعلت في الأبواب السابقة المتقدمة م هذا الكتاب، حتى يظهر الفضل في المعاني خاصة، وبالله أستعين.
(3/472)

* أنواع المعاني
عموم الفجيعة وجلالة الرزء.
- البكاء على الفقيد.
- زوال الصبر عن المفجوع.
- ذم الدهر والأيام لاخترامها الفقيد.
- تولي العيش وذهابه وتغير الأشياء لفقده.
- تخطي المنايا إلى الأشرف فالأشرف والأفضل فالأفضل.
- ذكر السؤدد والمجد والعلى وبكائهما على الميت وقبحهما بعده.
- ذكر انقطاع الرجاء والأمل من الطالبين وقعودهم عن الطلب.
- ذكر سقوط الحزن وخفة المصائب بعد الفقيد.
- ذكر شماتة الأعداء والحساد وتهديد القاتلين.
- ذكر صبر المقتول واختياره القتل على الفرار.
- ذكر تحقير القاتل وتهوين أمره.
- ذكر القبور والدعاء لها بالسقيا وتشييع الميت.
- وذكر النعش والكفن.
- الذكر الجميل وحسن الحديث بعد الفقيد.
- ذكر تعديد مناقب الميت بعده.
- ذكر من يخلف الميت ويسد مسده.
- مرثية الصغار.
(3/473)

* ذكر عموم الفجيعة وجلالة الرزء
قال أبو تمام:
لئن ألبست في المصيبة طيء ... لما عريت منه تميم ولا بكر
كذلك لا ننفك نفقد هالكاً ... يشاركنا في فقده البدو والحضر
وهذان بيتان جيدان.
وقال:
لقد فجعت عتابه وزهيره ... وتغلبه أخرى الليالي ووائله
وكان لهم غيثاً وعلماً فمعدم ... فيسأله أو باحث فيسأله
(3/474)

وهذا البيت الأول في غاية الجودة والبراعة، لأنه عم بالفجيعة عموماً حسناً، والبيت الثاني من أشعار المعلمين، وقد قرن الغيث بالعلم، وهما لا يتجانسان.
وقال البحتري:
ورزيئة حمل الخليفة شطرها ... والمسلمون وشطرها الإسلام
وهذا عموم حسن.
وقال:
أما وأبي كهلان يوم مصابه ... لقد ثقلت بالرزء منها الكواهل
رأوا شمسهم في يومهم وهي ظلمة ... وبدرهم في ليلهم وهو آفل
فشاموا سيوفاً ما لهن مضارب ... وألقوا رماحاً ما لهن عوامل
وهذا غاية في حسنه وصحته.
وقال أبو تمام:
كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر
وهذا معنى حسن جداً، ولكنه أخذه من قول مريم بنت طارق:
كنا كأنجم ليل بيننا قمر ... يجلو الدجى فهوى من بيننا القمر
(3/475)

أو من قول جرير يرثي الوليد بن عبد الملك:
يا عين جودي بدمع هاجه الذكر ... فما لدمعك بعد اليوم مدخر
إن الخليفة قد وارى شمائله ... غبراء ملحودة في جولها زور
أمسى بنوه وقد جلت مصيبتهم ... مثل النجوم هوى من بينها القمر
«الجول، والجال»: جانب البئر.
وأحسن من هذا كله قول ديك الجن:
عداك أبا العباس ما منه عديت ... وأعقب تأليف القرابة تشتيت
فناؤك أبقانا بغير بقية ... كأنا جمعنا ثم قيل لنا موتوا
(3/476)

* ذكر البكاء على الميت
قال أبو تمام:
فلم أر يوماً كان أشبه ساعة ... بيوم من اليوم الذي فيه ودعا
مصيف أفاض الحزن فيه جداولاً ... من الدمع حتى خلته صار مربعا
ووالله لا تقضي العيون الذي له ... عليها ولو صارت مع الدمع أدمعا
قوله: «.... كان أشبه ساعة بيوم» يريد: كانت ساعاته كأيام، يريد طول اليوم من شدة الوجع والحزن.
وقال:
اليوم أدرج زيد الخيل في كفن ... وانحل معقود دمع الأعين الهتن
هذا بيت رديء لقوله: «وانحل معقود ...»، فجعل الدمع معقوداً، والاستعارة غير منكرة إلا إذا وقعت في غير موضعها الذي يليق بها، ولو كان
(3/477)

قال: «الأعين الجمد» كان أولى لو كانت القافية على الدال، لأن «الأعين الهتن» لا يكون دمعها الآن معقوداً، وذاك أجود.
ومثل هذا قوله:
«أذيلت مصونات الدموع السواكب»
ولو قال: «الجوامد» لكن أليق بالمعنى، ولكنه أراد التي هي الآن.
وقال البحتري في يوسف بن محمد بن يوسف:
أعاذلتي ما الدمع من فرط صبوة ... ولا من تنائي خلة فذريني
ولا تسألي عما بكيت فإنه ... على ماء عيني جاد ماء جفوني
(3/478)

قوله: «على ماء عيني جاد ماء جفوني» من قولهم: لؤلؤة كثيرة الماء، أي: الصفاء والضياء والرونق، وكذلك «ثوب كثير الماء»، ولو عدل إلى اللفظة المستعملة، فقال: «نور عيني» لكان أوضح، وأظنه عدل عنها لأنها من كلام العوام، وأراد أن يجمع بين «ماء» و «ماء» في قوله: «ماء عيني وماء جفوني» على مذهب أبي تمام.
وقال حذواً على قول أبي تمام: «ولو صارت مع الدنيا أدمعا»:
ودمع متى أسكبه لا أخش لائماً ... ولو أنني مما تفيض هزائمه
قوله: «ولو أنني مما تفيض هزائمه» أي: لو أفاضتني، أي: أجرتني هزائمه معها، فقصر عن أبي تمام وأساء وقبح.
وقال:
ألام إذا ذكرتك واستهلت ... غروب العين تتبعها غروب
ولو أن الجبال فقدن إلفاً ... لأوشك جامد منها يذوب
وقال:
تولى سحاب الجود ترقا سجومه ... وجاء سحاب الدمع تدمى سواجمه
(3/479)

وقال:
سلام الله والسقيا سجالاً ... على تلك الضرائح واللحود
رزايا من شيوخ الأزد ألقت ... علينا ظل موهنة هدود
نصك لها الجباه إذا احتشمنا ... حياء الناس من لطم الخدود
مباك نستزيد الدمع منها ... وما للدمع فيها من مزيد
وهذا كله جيد بالغ ولكن لا يفي بقول أبي تمام:
ووالله لا تقضي العيون له ... عليها ولو صارت مع الدمع أدمعا
(3/480)

* ذكر ذم الدهر والأيام بعد الميت وذم الدنيا
قال أبو تمام:
لئن أبغض الدهر الخؤون لفقده ... لعهدي به ممن يحب له الدهر
وقال:
لئن غدرت في الروع أيامه به ... فما زالت الأيام شيمتها الغدر
وقال:
فول شاء هذا الدهر أقصر شره ... كما قصرت عنا لهاه ونائله
سنشكوه إعلاناً وسراً ونية ... شكية من لا يستطيع يقاتله
هذا كله من أشعار صبيان المكاتب وألفاظهم، وكيف جسر على شكية الدهر إعلاناً، فأما شكواه سراً فمن ذا الذي سكن إليه ووثق به حتى شكاه إليه، ولله در أبي عبادة إذ يقول:
(3/481)

أجدك ما تنفك نشكو قضية ... ترد إلى حكم من الدهر جائر
ينال الفتى ما لم يؤمل وربما ... أتاحت له الأقدار ما لم يحاذر
وقال أبو تمام:
إن ريب الزمان يحسن أن يه ... دي الرزايا إلى ذوي الأحساب
فلهذا يجف بعد اخضرار ... قبل روض الوهاد روض الروابي
وهذا أيضاً من ألفاظه الركيكة السوقية، وعاداته السخيفة العامية، لأن من ألفاظ العوام أبداً أن يقولوا: يا فلان أنت تحسن أن تأخذ، ولا تحسن أن تعطي، وتحسن أن تعق، ولا تحسن أن تبر، وربما جاء اللفظ في موضعه فلم يقبح، فجاء به أبو تمام في أقبح موضع، وما كانت به حاجة إلى «يحسن» ولو قال:
إن ريب الزمان يهدي المنايا ... والرزايا إلى ذوي الأحساب
فتكون المنايا مهداة إلى من أصيب، والرزايا إلى قومه، أو غير المنايا، فإن الألفاظ كثيرة، ولو قال: «إن ريب الزمان لن يني يهدي الرزايا» أو «إن ريب الزمان مجتهد يهدي الرزايا»، ولو قال: «فتراها تجف بعد اخضرار» لكان أحسن من قوله: «فلهذا»، لأنا قد منا نعلم ما يريد بالتمثيل من غير إشارة هجينة.
وقال البحتري:
ما كنت أحسب أن عزك يرتقي ... بالنائبات ولا حماك يرام
قدر عدت فيه الحوادث قدرها ... وتجاوزت أقدارها الأيام
(3/482)

وقال:
عجبت لهذا الدهر أفنى محمداً ... وكان الذي يسطو به ويصاول
مضى فمضى مجد تليد وسؤدد ... وأودى فأودى منه بأس ونائل
وكان سراج الأرض والأرض مظلم ... قراها وحلي الدهر فالدهر عاطل
وهذا لعمري حسن.
ونحو هذا قول أبي تمام:
فتى سلبته الخيل وهو حمى لها ... وبزته نار الحرب وهو لها جمر
وإنما أخذ المعنى من قول مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة:
ألم تعجب له أن المنايا ... فتكن به وهن له جنود
(3/483)

* ذكر تخطي المنايا عن الميت والعجر عن دفعها
قال أبو تمام:
ما زالت الأيام تخبر سائلاً ... أن سوف تفجع مسهلاً أو عاقلا
إن المنون إذا استمر مريرها ... كانت لها جنن الأنام مقاتلا
ما إن ترى شيئاً لشيء محيياً ... حتى تلاقيه لآخر قاتلا
من ذاك أجهد أن أراه فلا أرى ... حقاً سوى الدنيا تسمى باطلا
«فالمسهل»: الذي يأوي السهل، و «العاقل» الذي يأوي المعاقل، وهي الجبال.
وقوله: «من ذاك أجهد أن أراه» من سخيف ألفاظ العوام، وليس من ألفاظ الشعراء، وهو ها هنا يشبه قوله: «فلهذا يجف بعد اخضرار ...».
وقال:
وفاجع موت لا عدواً يخافه ... فيبقي ولا يلقى صديقاً يجامله
(3/484)

وأي أخي عزاء أو جبرية ... ينابذه أو أي قرن يناضله
إذا ما جرى مجرى دم المرء حكمه ... وبثت على طرق النفوس حبائله
قوله: «وفاجع موت لا عدو يخافه» من كلام النوائح وتعديدهم وليس من كلام الشعراء، أفتراه لم يسمع قول يحيى بن زياد الحارثي:
دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا
ولله در الفرزذق إذ يقول في بشر بن مروان:
ولو أن قوماً قاتلوا الموت قبلنا ... بشيء لقاتلنا المنية عن بشر
وقال أبو الخطار الكلبي وأحسن كل الإحسان:
ولو كانت الموتى تباع اشتريته ... بكفي وما استثنيت منها أناملي
(3/485)

وقال أبو تمام:
هدمت صروف الدهر أرفع حائط ... ضربت دعائمه على الإسلام
دخلت على ملك الملوك رواقه ... وتسربت لمقوم القوام
وهذان بيتان جيدان.
وقال البحتري لمحمد بن عبد الله بن طاهر يرثي أخاه وعمه:
أزال حجاب الملك عنه رزية ... تهجم أخياس الأسود الخوادر
مسلطة لم يتئر من وقوعها ... بساع ولم ينجد عليها بناصر
يؤسي الأداني عنه أن ليس عندهم ... نكير سوى سكب الدموع البوادر
وهذا جيد بالغ.
(3/486)

* ذكر ثكل المعالي والمجد والجود والبأس وبكائها على الميت
قال أبو تمام:
يعزون عن ثاو تعزى به العلى ... ويبكي عليه البأس والجود والشعر
وهذه استعارة حسنة لائقة.
وقال:
فمن مبلغ عني ربيعة أنه ... تقشع طل الجود عنها ووابله
وأن الحجى منها استطارت صدوعه ... وأن الندى منها أصيبت مقاتله
وهذا أيضاً جيد بالغ.
وقال:
إذا فقد المفقود من آل مالك ... تقطع قلبي رحمة للمكارم
(3/487)

وتقطع قلبه رحمة للمكارم ركاكة ما سبق إليها، وحماقة لا ينافس عليها، ولكن الجيد النادر قوله:
ألا إن في ظفر المنية مهجة ... تظل لها عين العلى وهي تدمع
هي النفس إن تبك المكارم فقدها ... فمن بين أحشاء المكارم تنزع
قوله: «فمن بين أحشاء المكارم تنزع» استعارة تفوق كل حسن وحلاوة.
وقال:
فمالنا اليوم وما للعلى ... من بعده غير الأسى والنحيب
ونحيب العلى غلو في الاستعارة، والجيد المستقيم في هذا قول البحتري:
فتى أقفرت منه المعالي ولم تكن ... لتقفر ممن بان إلا المنازل
وثاو بكته المكرمات وإنما ... تبكي على الثاوي النساء الثواكل
وقد غلا في الاستعارات غلواً قبيحاً، والرديء لا يؤتم به، ولا يحتذى عليه.
وقد يأتي غلو غير مستهجن لحسن تأليفه وحلاوة العبارة، وذلك نحو قول ابن مطير في معن بن زائدة:
(3/488)

ولما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا
بكى الجود لما مات معن فلم يدع ... لعينيه لما أن بكى الجود مدمعا
وقال حبيب بن شوذب المدني:
أنت أنف الجود إن فارقته ... عطس الجود بأنف مصطلم
وقال الفرزذق -وليس من باب الغلو-:
فإلا تكن هند بكته فقد بكت ... عليه الثريا في كواكبها الزهر
وقال ميسرة أبو الدرداء في معاوية:
فهاتيك الكواكب وهي خرس ... ينحن على معاوية الشآمي
ونادى الفرقدان بنات نعش ... يبشرن الثريا بالإمام
نعته الريح للآفاق حتى ... بكته الأرض رافعة الخدام
وهذا كله جيد إلا قوله: «رافعة الخدام» فإنه من الغلو، وكل ما ذكرته العرب من بكاء الأشياء على الميت، فإنما ذلك يقوم مقام النفوس عند عظم المصاب وجليل الرزء، أن الأشياء قد حالت عن صورها وتغيرت عن حالاتها، ولذلك قال أوس بن حجر:
(3/489)

ألم تكسف الشمس شمس النهار ... مع النجم للقمر الواجب
وقال النابغة:
بكى حارث الجولان من هلك ربه ... وحوران منه خاشع متضائل
وقال أبو قطيفة لما أخرج ابن الزبير بني أمية من الحجاز:
بكى أحد إذ فارق اليوم أهله
وقال جزء بن ضرار في عثمان بن عفان:
أبعد قتيل بالمدينة أصبحت ... له الأرض تهتز العضاه بأسؤق
(3/490)

«العضاه» جمع عضة، وهي كل شجرة ذات شوك، و «أسؤق» جمع ساق.
ومثله قول أخت الوليد بن طريف:
أيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تحزن على ابن طريف
ولهذا قال أبو تمام:
لبدلت الأشياء حتى لخلتها ... ستثني غروب الشمس من حيث تطلع
وقال البحتري:
حالت يد الأشياء عن حالاتها ... فالحزن حل والعزاء حرام
وقال أيضاً:
لعاد النهار الضوء جوناً كأنما ... تجلله من مصمت الليل فاحمه
مصاب كأن الجو يمنى بعظمه ... فما ينجلي في ناظر العين قاتمه
ونرجع الاستعارة، قال أبو تمام:
أإدريس ضاع المجد بعدك كله ... ورأي الذي يرجوه بعدك أضيع
(3/491)

وأصبحت الأحزان لا لمبرة ... تسلم شزراً والمعالي تودع
وتسليم الأحزان شزراً من كلام الطومي.
وقال البحتري:
سكن العلى أودي فهن ثواكل ... وأبو العفاة ثوى فهم أيتام
«الأيتام» ها هنا أشبه من قول أبي تمام:
وتكفل الأيتام عن آبائهم ... حتى وددنا أننا أيتام
وإنما أخذ أبو تمام هذا من قول أبي دهبل:
ما زلت في العفو للذنوب وإط ... لاق لعان بجرمه غلق
حتى تمنى البراة أنهم ... عندك أمسوا في القد والحلق
(3/492)

* ذكر الخيل والسلاح وقبحهما بعد الميت وبكائهما عليه
قال أبو تمام:
وقد كانت البيض المباتير في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بتر
يريد بقوله: «بتر» أي ليست لها أيد تصلها وتضرب بها
وقال:
لئن عم ثكلاً كل شيء مصابه ... لقد خص أطراف السيوف الصوارم
وقال:
للسيف بعدك حرقة وعويل ... وعليك للمجد التليد غليل
وحرقة السيف استعارة فيها استقصاء، ولو قال: بكى السيف، أو: ليبك السيف، لكانت استعارة مألوفة معتادة.
وقد قال ابن هرمة:
(3/493)

تبكي السيوف إذا فقدن أكفنا ... جزعاً وتعلمنا الرفاق بحورا
فاستقصى بقوله: «جزعاً».
وقال كعب بن سعد الغنوي:
لتبك أرماح شهدن بك الوغى ... فأبن ولم تخضب لهن كعوب
وقال الخزيمي:
وإن مصاليت السيوف تضاءلت ... وسمر القنا أصبحت وهي خشع
وقال البحتري:
ستبكيه عين لا ترى الجود بعده ... إذا غاض منها هامل عاد هامل
وتعلم جرد الخيل أن ليس فارس ... سواه وسمر الخط أن ليس حامل
(3/494)

جعل للخيل والرماح علماً، وقد تقدم الناس في مثل هذا، قال النابغة:
والخيل تعلم أنا في تجاولنا ... يوم الحفاظ أولو بأس وإنعام
وقال ابن هرمة:
وقد علم المعروف أنك خدنه ... ويعلم هذا الجوع أنك قاتله
وقال مسلم بن الوليد:
سخنت أعين الجياد عليه ... وكبا بعده القنا والصفيح
ويحها أدرت على من تنوح ... أقريح فؤادها أم صحيح
جبل أطبقوا عليه بجرجا ... ن ضريحاً ماذا أجن ضريح
وهذا أجود من كل ما مضى.
(3/495)

* ذكر انقطاع الرجاء والأمل من الطالبين وتركهم للرحيل والطلب
قال أبو تمام:
توفيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السفر السفر
ألا في سبيل الله من عطلت له ... فجاج سبيل الله وانثغر الثغر
أخذ هذا المعنى من قول مسلم بن الوليد:
نفضت بك الأيام أحلاس المنى ... واسترجعت نزاعها الأمصار
وقال البحتري في مثل ذلك:
خبر ثنى ركب الركاب فلم يدع ... للركب وجه ترحل فأقاموا
وقال أبو تمام:
أظلمت الآمال من بعده ... وعريت من كل حسن وطيب
(3/496)

كانت خدود صقلت برهة ... فاليوم صارت مألفاً للشحوب
فيا ويحه! ضاقت المعاني والاستعارات الحسنة حتى جعل للآمال خدوداً وصقولة وشاحبة.
قال عبد الله بن أبي الشيص في هذا المعنى -وأظن أباه إنما كني لأنه كان شيص الشعراء في وقته، وكأن يقفو مذهب أبي تمام-:
قد هدمت قبة آمالي ... واجتث فرع الشرف العالي
لا رحلة بعد أبي جعفر ... أيقن بالراحة أجمالي
فذكر أن قبة آماله قد انهدمت، ولا ينكر لعبد الله مثل هذه الاستعارة، فليس أبو العذافر بأشعر منه إذ يقول:
باض الهوى في فؤادي ... وفرخ التذكار
ولا الذي يقول -وأنشده أبو العنبس-:
(3/497)

ضرام الحب عشعش في فؤادي ... وحضن فوقه طير البعاد
وأنبذت الهوى في دن قلبي ... فعربدت الهموم على فؤادي
فيا ويح الطائي! أما كفاه من هذا المعنى ما حذاه على حذو مسلم حتى جاء بهذا التخليط؟!.
ولله در مسلم بن الوليد إذ قال في الفضل بن سهل ذي الرياستين:
ثوى وثوب عيس الفلاة مناخة ... بكل سبيل ما لهن سبيل
خليلي ما لي في سرخس تئية ... على جدث فيه السماح قتيل
وقال مروان بن أبي حفصة:
أقمنا بالمدينة بعد معن ... مقاماً ما نرد به زيالا
وقلنا أين نذهب بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوال
(3/498)

وهذا وإن كان غاية في مرثية الميت، فهو خطأ من جهة الشعر، لأن مروان دخل على المهدي في جملة الشعراء فقال له: ألست القائل في معن:
وقد ذهب النوال فلا نوالا؟
اذهب فلا شيء لك عندنا، وحجب مروان عنه برهة من الزمان حتى عمل هذه القصيدة:
طرقتك زائرة فحي خيالها
وتلطف في الوصول فأنشده فحظي منه بما لم يحظ به شاعر قط ولا من غيره.
وقد سبق النابغة إلى هذا المعنى فقال:
فإن يهلك النعمان تعر مطية ... وتخبأ في جوف العياب قطوعها
وقال البحتري في نحو هذا:
من يعتفي بهمته ومن ... يحدو إليه المعتم المعتام
وقال:
(3/499)

أسفي عليك لآسف بين القنا ... أسوان تعذل خيله وتلام
ولمجتد رجعت يداه بلا جدًا ... أعيا عليه البذل والإنعام
وقال:
ستبكيه عين لاترى الجود بعده ... إذا فاض منها هامل عاد هامل
وهذا معنى كثيرًا ما تذكره العرب وتكرره في مراثيها، ومن ذلك قول أوس بن حجر:
ليبكك الشرب والمدامة وال ... فتيان طرًا وطامع طمعا
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبًا جدعا
(3/500)

* ذكر ذهاب الحزن على الهالك بعده
قال البحتري:
دع الموت يغتل من أراد فإنه ... ثوى اليوم من تخشى عليه الغوائل
ولم يبق مرهوب يخاف شذاته ... ولا مفضل ترجى لديه الفواضل
قوله: «دع الموت يغتل من أراد» من قول ليلى الأخيلية:
فآليت أبكي بعد توبة هالكًا ... وأحفل من غالت صروف المقادر
وأنشد الطائي في الحماسة:
فأقسمت لاآسى على إثر هالك ... قدي الآن من وجد على هالك قدي
(3/501)

وقال العجير السلولي:
ألا ليمت من شاء بعدك إنما ... عليك من الأقدار كان حذاريا
وقال مطيع بن إياس في يحيى بن زياد:
أقول للموت حين بادهني ... والموت نزالة على البهم
لو قد تدبرت من فجعت به ... قرعت سنًا عليه من ندم
فاذهب بمن شئت إذ ذهبت به ... مابعد يحيى للرزء من ألم
وقال ابن المقفع:
(3/502)

لئن كنت قد خلفتنا وتركتنا ... ذوي خلة ما في انسداد لها طمع
لقد جر نفعًا فقدنا لك أننا ... أمنَّا على كل الرزايا من الجزع
وقال مروان في معن:
لقد عزى ربيعة أن يومًا ... عليها مثل يومك لا يعود
وقال البحتري:
تنكر العيش حتى صار أكدره ... يأتي نظامًا ويأتي صفوه لمعا
وآنست من خطوب الدهر كثرتها ... فليس يرتاع من خطب إذا وقعا
(3/503)

* ذكر الكفن والنعش وتشييعه وترك الميت في حفرته والإنصراف عنه
قال أبو تمام:
ثوى في الثرى من كان يحيى به الثرى ... ويغمر صرف الدهر نائله الغمر
مضى طاهر الأثواب لم تبق بقعة ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
قوله: «إلا اشتهت أنها قبر» من ألفاظه الموضوعة في غير مواضعها، وما زال الناس يستنكرونها، لأنه في موضع «ودت»، وأنت لاتقول: «أشتهي أني قدرت»،وإنما تقول: «أود أني قدرت»، ولله در مروان بن أبي حفصة إذ يقول في مرثية المهدي:
(3/504)

لما استبان ببطن مكة هلكه ... حن التراب إليه من بطحائها
وفيها يقول:
لو خلدت بعد الإمام محمد ... نفس لما فرحت بطول بقائها
وقال التيمي في منصور بن زياد:
أما القبور فإنهن أوانس ... بجوار قبرك والديار قبور
وقال عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي:
إني لأرباب القبور لغابط ... لسكنى سعيد وسط أهل المقابر
وقال أبو تمام:
راحت وفود الأرض عن قبره ... فارغة الأيدي ملاء القلوب
قد علمت ما رزئت إنما ... يعرف فقد الشمس بعد المغيب
(3/505)

وهذا جيد حسن، ونحوه قول البحتري:
فاذهب كما ذهبت بساطع نورها ... شمس النهار وأعقب الإظلام
وقال أبو تمام:
غدوا في زوايا نعشه وكأنما ... قريش يوم مات مجمع
وما أنس سعي الجود خلف سريره ... بأكسف بال يستقيم ويظلع
وتكبيره خمسًا عليه معالنًا ... وإن كان تكبير المصلين أربع
وما كنت أدري يعلم الله قبلها ... بأن الندى في أهله يتشيع
قوله: «وكأنما قريش قريش يوم مات مجمع» من أحسن معنى وأجوده وأبرعه.
وأما سائر الأبيات فقد اختزل أبو تمام عن معانيها مساعدة، وحلف أيضاً بعلم الله أنه يصدق ولا يرد قوله، فليس محله محل من يخترع مثل هذا الحديث الطويل كله كذبًا إن شاء الله!!؟.
(3/506)

وقال البحتري:
سلا حقبة عن صاحب الجيش إنه ... أقام بظهر الكرخ والجيش راحل
أعاقته عن ذاك العوائق أم عدت ... عليه العدى أم أعلقته الحبائل
وقال:
عجبت لأيد غيبته فلم تصر ... رمائم في حيث استقرت رمائمه
أما وأبي النعش الخفيف لقد حوت ... مآخيره ثقل العلى ومقادمه
وهذا كله جيد.
(3/507)

* تعديد آياديه وذكر محاسنه
قال أبوتمام:
وما كان يدري مجتدى يسر كفه ... إذا ما استهلت أنه خلق العسر
وما كان إلا مال من قل ماله ... وذخرًا لمن أمسى وليس له ذخر
فتى كان عذب الروح لا من غضاضة ... ولكن كبرًا أن يقال به كبر
وحسبك بهذا حسنًا وحلاوة.
وقال ذو الرمة:
تعز ضعاف الناس عزة نفسه ... وتقطع أنف الكبرياء عن الكبر
وبيت أبي تمام أجود.
وقال أبو تمام:
فتى سيط حب المكرمات بلحمه ... وخامره حب السماح وباطله
(3/508)

فتى جاءه مقداره وبنى العلى ... يداه وعشر المكرمات أنامله
جعل يديه أبنية العلى، وإنما كان يجب أن يجعل يديه تبنيان العلى، على ما ماجرت به عادات الشعراء في مثل هذا، غير أنه أراد المبالغة، فجعل يديه أنفسهما أبنية العلى، وهذا من شدة تقعره.
وأراد أن يقول: «والمكرمات عشر أنامله» وهي معروفة، فقال: «عشر المكرمات» فجعل المكرمات عشرًا، وحصرها بهذا العدد، وأنها أنامله، والمكرمات غير محصية العدد، وهذا قلة حيلة في اللفظ والنظم.
وقال البحتري:
أحقًا بأن الليث بعد ابتزاره ... نفوس العدى من شاسع ومجاور
مخل بتصريف الأعنة تارك ... لقاء الزخوف واقتياد العساكر
ومنصرف عن المكارم والعلا ... وقد شرعت فوت العيون النواظر
كأن لم ينف نجد المعالي ولم تغر ... سراياه في أرض العدو المغاور
ولم يتبسم للعطايا فتنبري ... مواهب أمثال الغيوث البواكر
ولم يدرع وشي الحديد فيلتقي ... على شائك الأنياب شاكي الأظافر
على ملك ما انفك شمس أسرة ... تعار به ضوءًا وبدر منابر
وقال:
ولي هدى سفر إلى الموت سائر ... وقائد زحف للخطوب مقاتل
(3/509)

يؤمل للخير الكثير إذا نبت ... خلائق أصحاب الخيور القلائل
إذا طلعت منه شذاة على العدى ... أرت أن بغث الطير صيد الأجادل
زعيم بني مكيال حيث تكاملوا ... وكان ابتداء النقص فرط التكامل
وقال أبو تمام في خالد بن يزيد بن مزيد:
تذكرت خضرة ذاك الزمان ... لديه وضجة ذاك الفناء
وزواره للعطايا حضور ... كأن حضورهم للعطاء
ومما لا يفي بحسنه وحلاوته وصحته شيء قول حسين بن مطير في معن:
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
(3/510)

* ذكر القبور وأوصافها والدعاء بالسقيا لها
قال أبو تمام:
سقي الغيث غيثاً وارت الأرض شخصه ... وإن لم يكن فيه سحاب ولا قطر
وكيف احتمالي للسحاب صنيعة ... بإسقائها قبرًا وفي لحده البحر
ذكر ابن أبي طاهر أن قوله: «سقى الغيث غيثاً» من قول شقيق ابن السليك العامري:
«سقاك الغيث إنك كنت غيثاً»
وقوله: «وكيف احتمالي للسحاب صنيعة»، يشبه قول آخر- ولست أدري أيهما أقدم؟ أهو أم الطائي-؟ -:
(3/511)

ما كنت أحسب أن بحرًا زاخرًا ... عم البرية كلها إرواء
أضحى دفيناً في ذراع واحد ... من بعد ما ملك الفضاء فضاء
وقال:
للحد أبي نصر تحية مزنة ... إذا هي حيت ممعرًا عاد ممرعا
«الممعر» من الأرض: الذي قد ذهب نباته، وذلك من المعر، وهو سقوط الشعر.
وقال:
يا حفرة المعصوم تربك مودع ... ماء الحياة وقاتل الإعدام
إن الصفائح منك قد نضدت على ... ملقى عظام لو علمت عظام
وهذا جيد حسن.
وقال:
وما يوم زرت اللحد يومك وحده ... علينا ولكن يوم عمرو وحاتم
فكم ملحد في يوم ذلك غانم ... وكم منبر في يوم ذلك غارم
وقال:
بني مالك قد نبهت خامل الثرى ... قبور لكم مستشرفات المعالم
(3/512)

رواكد قيس الكف من متناول ... وفيها على لا ترتقى بالسلالم
وهذا إحسانه المشهور، ولكنه أفسده بأن قال:
قضيتم حقوق الأرض منكم بأعظم ... عظام قضت دهرًا حقوق المقاوم
يريد: حقوق المقامات التي قاموها على الأرض، وإنما كان يجب أن يجعله اعتدادًا للأرض، لأنها ثبتت أقدامهم في تلك المقاوم، حتى يكون دفنهم فيها قضاء لحقها، لا أن تكون هذه العظام قضت حق الأرض بثباتها، فإن هذا لاشيء للأرض فيه، ولا يعود عليها منه جمال إذا أحسنوا، ولا قبح إذا أساءوا.
وقال:
أطفأ اللحد والثرى لبك المس ... رج في وقت ظلمة الألباب
وتبدلت منزلاً ظاهر الجد ... ب يسمى مقطع الأسباب
وهذا رديء جدًا.
وقال:
لا يبعد الله ملحودًا أقام به ... شخص الحجى وسقاه الواحد الصمد
يا صاحب القبر دعوى غير متئب ... إن قال أودى الندى والبدر والأسد
وهذا يرجع إلى قول مسلم:
كأن في سرجه بدرًا وضرغاما
(3/513)

وقال البحتري:
يا صاحب الجدث المقيم بمنزل ... ما للأنيس بحجرتيه مقام
قبر تكسر فوقه سمر القنا ... من لوعة وتشقق الأعلام
ملآن من كرم وليس يضره ... مر السحاب عليه وهو جهام
بي لابغيري حفرة محفورة ... لك في ثراها رمة وعظام
قوله: «ملآن من كرم» بيت في غاية الحسن، وإنما هو محذو على قول
أبي تمام:
«وكيف احتمالي للسحاب صنيعة»
وإن كان قد عدل عن المعنى عدولاً لطيفاً.
وقال:
سقى الله قبرًا لو يشاء ترابه ... إذا سقيت منه الغيوم الهواطل
نأى ربه عنا وأعرض دونه ... على كرهنا عرض الثرى والجنادل
حيا الأرض ألقت فوقه الأرض ثقلها ... وهول الأعادي فوقه الترب هائل
قوله: «لويشاء ترابه» إسراف عظيم كأنه إسراف أبي تمام، وليس هو مأخوذاً من قول أبي تمام: «وكيف احتمالي ....».
وقال البحتري:
وما اشتد خطب الدهر إلا ألانه ... حميد بني عبد الحميد الأكارم
(3/514)

أسود يفر الموت منهم مهابة ... إذا فر منه كل أروع صارم
مصارعهم حول العلا وقبورهم ... مجامع أوصال النسور الحوائم
وقال:
فلله قبر في خراسان أدركت ... نواحيه أقطار العلا والمآثر
تطار عراقيب الجياد إزاءه ... وتسقى صبابات الدماء الموائر
جرى دونه العصران تسفي ترابها ... عليه أعاصير الرياح الخواطر
سقى جوده جود الغمام ومن رأى ... حياً ماطراً تسقيه ديمة ماطر
قوله:
......................... ومن رأى ... حياً ماطرًا تسقيه ديمة ماطر
من قول أبي تمام:
وكيف احتمالي للسحاب صنيعة
وقال في أولاد حميد:
أحب بنوك المكرمات ففرقت ... جماعتهم في كل دهياء صيلم
تدانت مناياهم بهم وتباعدت ... مضاجعهم عن تربك المتنسم
(3/515)

فكل لهم قبر غريب ببلدة ... فمن منجد نائي الضريح ومتهم
قبور بأطراف الثغور كأنما ... مواقعها منها مواقع أنجم
وهذا غاية في حسنه وبراعته.
وقال:
لمصيبة بأبي عبيد أردفت ... بأبي حميد بعده ومبشر
ولو أنهم من هضب أعفر ثلموا ... لتتابعت قطعاً ذوائب أعفر
كانوا ثلاثة أبحر أفضى بهم ... ولع المنون إلى ثلاثة أقبر
وهذا أيضاً من إحسانه المشهور.
وقال في غلامه قيصر:
وكنت وتربه يحثى عليه ... كنضو الداء أيأسه الطبيب
أأنسى من يذكرنيه ألا ... نديد ينوب عنه ولا ضريب
(3/516)

وأترك للثرى من كنت أخشى ... عليه العين تؤمن أو تريب
وأصفح للثرى عن حر وجه ... غنيت يروعني فيه الشحوب
ضجيج مسندين بكفر توثى ... خفوت مثل ما خفت الشروب
هجود لم يسل بهم حفي ... ولم تقلب لضجعتهم جنوب
تغلق دورهم عنهم عشاء ... وقد عزوا بها زمناً وهيبوا
سقى الله الجزيرة لا لشيء ... سوى أن يرتوي ذاك القليب
ملظ بالطريق فليس يصغي ... لأنجية الطريق ولا يجيب
وما كانت لتبعد عنه عين ... سفوح الجفن لو أني قريب
وهذا عجب في حسنه ورقته.
وقوله «سقى الله الجزيرة ....»، مثل قول النمر بن تولب:
فو لله ما أسقي الديار لحبها ... ولكنني أسقيك حار بن تولب
وقال أبو تمام في جارية رثاها:
(3/517)

لقد نزلت ضنكًا من الأرض ضيقًا ... ولو كان رحب الذرع ما كان بالرحب
وكيف أرجى القرب وهي بعيدة ... فقد نقلت بعدي عن البعد والقرب
لها منزل بين الثرى وعهدتها ... لها منزل بين الجوانح والقلب
وهذا أيضاً حسن لطيف.
وقال محرز بن مكعبر:
لأم الأرض ويل ما أجنت ... بحيث أضر بالحسن السبيل
فهذا عدل عن الدعاء لحفرته بالسقيا، إلى أن جعل لها الويل.
(3/518)

* ذكر شماتة الأعداء والحساد وتهديد القاتلين
قال أبو تمام في بني حميد:
بود أعدائهم لوأنهم قتلوا ... وأنهم صنعوا مثل الذي صنعوا
فيم الشماتة إعلاناً لأسد وغى ... إفناهم الصبر إذ أبقاكم الجزع
وهذا المعنى ليس باختراع لأبي تمام، وإنما أخذه من قول السموأل:
يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وليس للبحتري في هذا المعنى شيء، وله يقول في أبي سعيد:
وبرغم أنفي أن أراك موسدًا ... يد هالك والشامتون قيام
وهذا معنى آخر حسن.
(3/519)

* ذكر من يخلف الميت بعده وينوب منابه
قال أبو تمام في مرثية المعتصم:
إنا غدونا واثقين بواثق ... بالله شمس الضحى وبدر تمام
لله أي حياة انبعث لنا ... يوم الخميس وبعد أي حمام
أودى بخير إمام اضطربت به ... شعب الرجال وقام خير إمام
تلك الرزية لا رزية مثلها ... والقسم ليس كسائر الأقسام
إن أصبحت هضبات قدس أزالها ... قدر فما زالت هضاب شمام
ما إن رأى الأقوام شمسًا قبلها ... أفلت فلم تعقبهم بظلام
وهذا - لعمري- مستوفي الحسن.
(3/520)

وقال:
رأى فيهم ريش الجناح إذا مضت ... قوادم منه بشرت بقوادم
وقال يرثي المعتصم ويهنيء الواثق:
لناع نعى بدرًا ثوى قبر ملحد ... بدا بعده بدر أضاءت مطالعه
وما مات من أبقى بعد موته ... إمامًا هدانا نهجه وشرائعه
لئن بكت الدنيا لثامن ملكها ... فقد ضحكت إذ قام بالملك تاسعه
وقال البحتري:
لا تبعدن وكيف يقرب نازل ... بالغيب تفنى دونه الأعوام
ولقد كفاك المكرمات مهذب ... يرضيك منه النقض والإبرام
حزت العلا سبقاً وصلَّى ثانيًا ... ثم استوت من بعده الأقدام
وقال:
فقدناك فقدان الحياة وأقبلت ... تلاحظنا خزرًا إلينا القبائل
ولولا ابنك المرجو فينا لأصبحت ... أعالي الربى منا وهن أسافل
رددنا إليك الأمر طوعًا ولم نقل ... له في الذي يأتيه ما أنت فاعل
(3/521)

تخطَّى إليه الرزء من كل وجهة ... حريم ندى لا تختطيه العواذل
قوله: «فقدناك فقدان الحياة» من قول أخت الوليد بن طريف:
فقدناك فقدان الحياة وليتنا ... فديناك من دهمائنا بألوف
وقال دعبل فأحسن كل الإحسان:
وداعك مثل وداع الحياة ... وفقدك مثل افتقاد الديم
عليك السلام فكم من وفاء ... نفارق منك وكم من كرم
وقال:
على أنه لا مرتجى كمحمد ... ولا سلف في الذاهبين كطاهر
سحابا عطاء من مقيم ومقلع ... ونجما ضياء من منيف وغائر
وقال البحتري يرثي قوماً من أهله ويذكر أباه:
أبعد مبشر وأبي عبيد ... ومعيوف المكارم والمعالي
وبعد أبي أبي العطاف أرجو ... وفاء الدهر أو عهد الليالي
شيوخ بني عبيد أسلموني ... إلى ربع من الأكفاء خال
ورثت سيوفهم ومضوا كرامًا ... وما نفع السيوف بلا رجال
(3/522)

* ذكر صبر المقتول على القتل واختياره إياه على الفرار وتأثيره الجميل قبل أن يصاب
قال أبوتمام:
فتى مات بين الطعن والضرب ميتة ... تقوم مقام النصر إذ فاته النصر
وما مات حتى مات مضرب سيفه ... من الضرب واعتلت عليه القنا السمر
وقد كان فوت الموت سهلاً فرده ... إليه الحفاظ المر والخلق الوعر
ونفس تعاف العار حتى كأنما ... هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر
فأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من دون أخمصك الحشر
وهذا غاية في حسنه وحلاوته وإنما أخذه من قول عبد يغوث:
(3/523)

ولو شئت نجتني من الخيل نهدة ... ترى خلفها الحو الجياد تواليا
ولكنني أحمي ذمار أبيكم ... وكان الرماح يختطفن المحاميا
وقالت أم الصريح الكندية:
ولو أنهم فروا لكانوا أعزة ... ولكن رأوا صبرا على الموت أكرما
وأبيات أبي تمام أجود، وكذا سبيل المتأخر إذا أخذ المعنى.
وقال:
فتى كان شربًا للعفاة ومرتعا ... فأصبح للهندية البيض مرتعا
فتى كلما ازداد الشجاع من الردى ... مفرًا غداة المأزق ارتاد مصرعا
إذا ساء يوم في الكريهة منظرًا ... تصلاه علماً أن سيحسن مسمعا
وما كنت إلا السيف لاقى ضريبة ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا
وهذا البيت ليحيى بن زياد الحارثي، وهو أنشده في الحماسة.
(3/524)

ومثله قول البعيث:
وإنا لنعطي المشرفية حقها ... فتقطع في أيماننا وتقطع
وقال بن هرمة:
أوفى به الدهر من أحداثه شرفًا ... والسيف يمضي مرارًا ثم ينقصد
وقال:
ولي الحماة فأضحى عند سورته ... مع الحفيظة كالمشدود في قرن
حنَّ إلى الموت حتى ظن جاهله ... بأنه حن مشتاقاً إلى وطن
رأى المنايا حبالات النفوس فلم ... يسكن سوى الميتة العليا إلى سكن
لو لم يمت بين أطراف الرماح إذًا ... لمات إذ لم يمت من شدة الحزن
وقال:
ينتجعون المنايا في منابتها ... ولم تكن قبلهم في الدهر تنتجع
(3/525)

كأنما بهم من حبها شره ... إذا هم انغمسوا في الروع أو جشعوا
وقال البحتري:
رأى الموت رأي العين لا ستر دونه ... وما موت شك مثل موت يقين
وقيل انج من ظلمائها فأبت به ... سجية شكس في اللقاء حرون
ولما استخفوا للنجاة أبت له ... جوانب ثبت للسيوف ركين
وقى كتفيه والرماح شوارع ... بثغرة نحر واضح وجبين
وقال في بني حميد:
ولما رأو بعض الحياة مذلة ... عليهم وعز الموت غير محرم
أبوا أن يذوقوا العيش والذم واقع ... عليهم وماتوا ميتة لم تذمم
حتوف أصابتها الحتوف وأسهم ... من الموت كر الموت فيها بأسهم
ولو أنصفت نبهان ما طلبت بهم ... سوى المجد إن المجد خطه مغرم
دعاها الردى بعد الردى فتتابعت ... تتابع منبت الفريد المنظم
قوله: «ما طلبت بهم سوى المجد» معنى حلو جدًا، أي لولا طلب المجد والمحافظة عليه، ماصبروا للقتل ولنجوا.
(3/526)

وقوله: «تتابع منبت الفريد المنظم» حلو أيضاً حسن.
وقوله: «حتوف أصابتها الحتوف» محذو على قول يحي بن زياد الذي ذكرته، أو قول أبي قابوس النصراني:
وما أبصرت قبلك يا ابن يحيى ... حساماً فله السيف الحسام
وأحسن من هذا كله قول ليلى الأخيلية:
إن يقتلوك فقد قتلت سراتهم ... والليث أكرم مايكون قتيلا
(3/527)

* ذكر تحقيق القاتل وتهوين أمره وتعظيم أمر المقتول وتهديد القاتل
قال أبوتمام:
من لم يعاين أبا نصر وقاتله ... فما رأى ضبعًا في شدقها سبع
أخذ هذا المعنى على ما حكى ابن المنجِّم، من قول طريح الثقفي:
فلله عيناً من رأى قط حادثاً ... كفرس الكلاب الأسد يوم المشلَّل
وقال عبد الرحمن بن الحكم في قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد الأشدق:
(3/528)

كأن بني مروان إذ يقتلونه ... بغاث من الطير اجتمعن على صقر
وقال البحتري:
ولا عجب للأسد إن ظفرت بها ... كلاب الأعادي من فصيح وأعجم
فحربة وحشيٍّ سقت حمزة الردى ... وموت علي من حسام ابن ملجم
وقال:
فيا ويح الحوادث كيف تعطي ... شقيَّ القوم من حظ السعيد
وكيف تجور إذ همت بحكم ... فتحمل للغوي على الرشيد
وما برحت صروف الدهر حتى ... أرتنا الأسد قتلى للقرود
وما عندي أنَّ أحدًا من هؤلاء أخذ من آخر، لأنه من المعاني المشتركة الجارية في عادات الناس.
وقال الحارث بن النمر التنوخي:
وقد تنقل الأيام حالات أهلها ... فتعدوا على أسد الرجال الثعالب
(3/529)

* ذكر تأسف من لم يشهد المقتول فيحميه أو يموت دونه
قال البحتري في يوسف بن محمد بن يوسف:
خلا أملي من يوسف بن محمد ... وأوحش فكري بعده وظنوني
وكان يدي شلت ونفسي تخونت ... ودنياي بانت يوم بان وديني
فوا أسفي ألا أكون شهدته ... فجاست شمالي عنده ويميني
وألا لقيت الموت أحمر دونه ... كما كان يلقى الموت أحمر دوني
(3/530)

* مراثي الصغار
قال أبو تمام في ابني عبد الله بن طاهر:
لله أية لوعة ظلنا بها ... تركت بكيات العيون هواملا
مجد تأوب طارقاً حتى إذا ... قلنا أقام الدهر أصبح آفلا
نجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا
إن الفجيعة بالرياض نواضرًا ... لأجل منها بالرياض ذوابلا
لو ينشآن لكان هذا غارباً ... للمكرمات وكان هذا كاهلا
لهفاً على تلك الشواهد فيهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا
لغدا سكونهما حجًى وضياهما ... كرماً وتلك الأريحية نائلا
(3/531)

ولأعقب النجم المرذ بديمة ... ولعاد ذاك الطل جودًا وابلا
إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدرًا كاملا
وهذا ما لا شيء أحسن منه، ولا ألطف ولا أبرع لفظاً ومعنى.
قوله:
أمهلت حتى تكون شمائلا
أخذه من قول الفرزدق في امرأة له توفيت حاملا:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث إليه البواكيا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو أن المنايا أنسأته لياليا
وقال أبو تمام:
يا شهاباً خبا لآل عبيد الل ... ه أعزز بفقده من شهاب
زهرة غضة تفتح عنه ال ... مجد في منبت أنيق الجناب
خلق كالمدام أو كرضاب ال ... مسك أو كالعبير أو كالملاب
أنزلته الأيام عن ظهرها من ... بعد إثبات رجله في الركاب
البيت الثاني في غاية الحسن والحلاوة، وهذا الأخير في غاية الرداءة والسخافة.
وتأتي بعد هذا جهالات وحماقات منها:
(3/532)

فهو غض الإباء والرأي غض ال ... حزم غض النوال غض الشباب
وحسبك بهذا رقاعة ورعونة وسخفا.
وقال:
حين ارتوى الماء وافترت شبيبته ... عن مضحك للمعالي ثغره برد
فجعل للمعالي ثغرًا، وجعله بردًا.
وقال البحتري يرثي غلامًا صغيرًا لابن بسطام مغنياً:
يقولون لم يكبر فيشتد حزنه ... وكان الهوى يحلى لأصغر أصغر
وأعتد إبهامي أشد أصابعي ... ولم يتحمل خاتمي مثل خنصري
رثى هذا الغلام كما يليق بالغلمان، لا كما يرثي أولاد السادة، يقول فيها:
يشيد بحاجات النفوس إذا اعتزى ... إلى ابن سريج أو حكى ابن محرر
لنعم شريك الكأس في لب ذي الحجى ... إذا استهلكته بين ناي ومزهر
(3/533)

ومغتال طول الليل حتى يقيمنا ... على ساطع من طرة الفجر أحمر
غرير متى تخلط به النفس تبتهج ... له ومتى يقرن به العيش يقصر
إذا ما تراءته العيون تحدثت ... بكل مسر من هواها ومضمر
أسيت لمولاه على حسن مسمع ... خليق بشغل السامعين ومنظر
مضيء تظل العين تصبغ خده ... متى تثن فيه نظرة يتعصفر
كأن النجوم الزهر أدته خالصًا ... لزهرة صبح قد تعلت ومشتري
(3/534)

* الذكر للميت وطيب الأحاديث بعده
قال أبو تمام:
فتى ينفح الأقوام من طيب ذكره ... ثناء كأن العنبر الورد شامله
وقال:
إلا تكن صدرت عن منظر حسن ... منه فقد صدرت عن مسمع حسن
وقال:
وقمنا فقلنا بعد ما أودع الثرى ... له ما يقال في السحابة تقلع
(3/535)

* ذكر الحجاب والشفاعة والاستبطاء والتنجز
وقال بشار:
تعطي العزيرة درها فإذا أبت ... كانت ملامتها على الحلاب
يقول: أنت من المهدي بمنزلة الحالب من الناقة الغزيرة، التي إذا لم يوصل إلى درها فليس ذلك من قبلها، وإنما هو من منع الحالب منها.
وقال أبو تمام وذكر الحجاب:
ومحجب حاولته فوجدته ... نجماً عن الركب العفاة شسوعا
لما عدمت نواله أعدمته ... شعري فرحنا معدمين جميعا
(3/536)

وهذا غاية في حسنه وصحته وهو من مشهور إحسانه.
وقال البحتري في قريب من هذا المعنى:
ومؤمر صارعته عن عرفه ... فوجدت قدس معمماً بعمائه
جدة يذود البخل عن أطرافها ... كالبحر يدفع ملحه عن مائه
أعطى القليل وذاك مبلغ قدره ... ثم استرد فذاك مبلغ رائه
خطب المديح فقلت خل طريقه ... ليجوز عنك فلست من أكفائه
وقال أبو تمام:
صبرًا على المطل ما لم يتله الكذب ... فللخطوب إذا سامحتها نوب
يأيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملاً ... إن السماء ترجى حين تحتجب
هذا معنى عابه به أبو العباس المبرد على ما حكاه عنه الفزاري، وقال: الذي يرجى هو الحجاب نفسه، وإنما أخذ هذا من قول مسلم بن الوليد:
كذلك الغيث يرجى في تحجبه ... حتى يرى مسبلاً عن وابل المطر
(3/537)

وقول أبي تمام أقرب إلى الصحة من قول مسلم، وقد ذكرت ما في البيتين جميعاً في باب سرقات أبي تمام.
(3/538)

وقال البحتري في هذا المعنى:
عجباً منه ما انطوى سيبه عن ... ا بعوق أني طواه حجابه
لم يكن نيله الجزيل وقد رم ... ناه صعباً فكيف يصعب بابه
خاب من خاب عن طلاقة بشر ... ضوأ الحادث المضب شهابه
وأحسن ما قيل في رفع الحجاب قول الفرزدق:
ولو شاء بشر كان من دون بابه ... طماطم سود أو صقالبة حمر
ولكن بشرًا سهل الإذن للتي ... يكون لبشر عندها الحمد والشكر
يرى بارزًا للناس بشر كأنه ... إذا راح في أثوابه القمر البدر
وقال أبو تمام:
ولي همة تمضي العصور وإنها ... كعهدك من أيام مصر لحامل
(3/539)

ولو حاردت شول عذرت لقاحها ... ولكن حرمت الدر والضرع حافل
وقال منقذ بن هلال في غير هذا المعنى:
علام أرى من مرور الغيو ... ث حولي وأحرم أمطارها
وقال البحتري:
وما منع الفتح بن خاقان نيله ... ولكنها الأقدار تعطي وتحرم
سحاب خطاني جوده وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم
وبدر أضاء الأرض شرقاً ومغرباً ... وموضع رجلي منه أسود مظلم!
أأشكو نداه بعدما وسع الورى ... ومن ذا يذم الغيث إلا مذمم!
وقال آخر:
وما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له خلق من الناس عاذر
وقال أبو تمام يستشفع:
كيف الشكاية للزمان وصرفه ... وندى الأمير وأنت من أيامه
هذا سحاب أنت سقت ثقاله ... وعليك بعد الله صوب غمامه
(3/540)

إن ابتداء العرف مجد باسق ... والمجد كل المجد في استتمامه
هذا الهلال يروق أبصار الورى ... حسناً وليس كحسنه لتمامه
وقال:
بأي نجوم وجهك يستضاء ... أبا حسن وشيمتك الإباء؟
أتترك حاجتي عرض التواني ... وأنت الدلو فيها والرشاء؟!
تألف آل إدريس بن بدر ... فتسبيب العطاء هو العطاء
وهذا معنى حسن ثم أفسده بقوله:
وخذهم بالرقى إن المهاري ... يهيجها على السير الحداء
فإما جاد مني الشعر فيهم ... وإما جاد منك الكيمياء
«الكيمياء» في هذا الموضع ليس يقبح كقبحه في قوله:
كيمياء السؤدد
(3/541)

وقال البحتري في المهتدى وابنه العباس:
وإني أرتجيك وأرتجيه ... لديك لنائل بك مستفاد
وأقرب ما يكون النجح يوماً ... إذا شفع الوجيه إلى الجواد
وهذا إحسان أبي عبادة الذي يتمثل به.
وقال:
أبا عيسى وأنت المرء يعلو ... له النفس الشريفة والقبيل
وفرتك لا هوى لك في وفور ... إذا ما كان من حق نزول
ولكن جاه ذي خطر شريف ... أراه وهو من حق بديل
إذا ما القول عاد لنا بطول ... فقبض من فعالك ما تقول
وقال:
خطبنا إليه قوله غب فعله ... ومن يفعل المعروف فهو يقول
وما عائد من جاهه بعد جوده ... بمبعده من أن ينال جزيل
(3/542)

أراني حقيقاً أن أؤول إلى الغنى ... إذا كانت الشورى إليك تؤول
وهذا كله جيد بالغ.
ولهما في «كتاب الجود والكرم» باب أفردته في الشفاعة، ولكن ذاك وصف لما كان من شفاعة الجواد، وهذا سؤال للجواد أن يشفع.
وقال البحتري وذكر الشفاعة في وجه آخر:
أبعد إعطائك الجزيل وإي ... مان مرج من سوء منقلبه
أبغي شفيعاً إليك أو سبباً ... عندك في الناس أستزيدك به؟
والظلم أن يبتغي الفتى سبباً ... يجعله وصلة إلى سببه!
ولأبي تمام في الاستبطاء والتنجز أشياء رديئة قبيحة منها قوله:
أبا بشر قد استفتحت أمرًا ... وقد أتممته إلا قليلا
فأصبح وهو جبار وعهدي ... به مذ أشهر يدعى فسيلا
ومنها قوله:
قد لان أكثر ما أريد وبعضه ... خشن وإني بالنجاح لواثق
في الروض قراض وفي سيل الربى ... كدر وفي بعض الغيوث صواعق
وغير هذا من السخف الذي لم أكتبه.
(3/543)

وقال أبو تمام:
إذا ما الحاجة انبعثت يداها ... جعلت المنع منك لها عقالا
وأين قصائد لي فيك تأبى ... وتأنف أن أهان وأن أذالا؟
من السحر الحلال لمجتنيه ... ولم أر قبلها سحرًا حلالا
فالبيت الأول جيد، والثاني رديء، ومعنى الثالث متداول على الأفواه وجار في العادات.
وقال البحتري يخاطب الحسن بن مخلد:
أمطلقي من يد السيبي أنت فقد ... كلت لديه ركاب الطالب الطلح
(3/544)

* العتاب والوعيد والتهدد والذم المجمل والهجاء
* العتاب
قال أبو تمام في محمد بن عبد الملك الزيات:
سأقطع أمطاء المطايا برحلة ... إلى الوطن الغربي هجرًا وموصلا
إلى الرحم الدنيا التي قد أجفها ... عقوقي عست أسبابها أن تبللا
قبيل وأهل لم ألاق مشوقهم ... لوشك النوى إلا فواقاً كلا ولا
كأنهم كانوا لخفة وقعتي ... معارف لي أو منزلاً كان منزلا
وأصرف وجهي عن بلاد غدا بها ... لساني معقولًا وقلبي مقفلا
وجد بها قوم سواي فصادفوا ... بها الصنع أعشى والزمان مغفلا
(3/545)

كلاب أغارت في فريسة ضيغم ... طروقاً وهام أطعمت صيد أجدلا
وإن صريح الحزم والرأي لامريء ... إذا بلغته الشمس أن يتحولا
لعمري لئن أوجدتني في تقلبي ... مآلاً لقد أفقدتني منك موئلا
وإن عفت أمرًا مدبر الوجه إنني ... لأترك حظاً في فنائك مقبلا
وإن كنت أخطو ساحة المحل إنني ... لأترك روضاً من جداك وجدولا
فمرني بأمر أحوذي فإنني ... رأيت العدا أثروا وأصبحت مرملا
فسيان عندي صادفوا لي مطمعاً ... أعاب به أو صادفوا لي مقتلا
ووالله لا أنفك أهدى شواردًا ... إليك يحملن الثناء المنخلا
تخال به بردًا عليك محبرًا ... وتحبسه عقدًا عليك مفصلا
ألذ من الشكوى وأطيب نفحة ... من المسك مفتوقًا وأيسر محملا
أخف على قلب وأثقل قيمة ... وأقصر في سمع الجليس وأطولا
ويزهى له قوم ولم يمدحوا به ... إذا مثل الراوي به أو تمثلا
على أن إفراط الحياء استمالني ... إليهم ولم أعدل بعرضي معدلا
فثقلت بالتخفيف عنك وبعضهم ... يخفف في الحاجات حتى يثقلا
وهذه قصيدته المشهور إحسانه فيها.
(3/546)

قوله: «وإن عفت أمراً مدبر الوجه»، هو من العيافة والزجر، كما يخرج العائف في طلب الرزق فيتعفف الطير ويزجر، وربما صادف خيرًا في وجهه، وربما أخفق، وللعرب في هذا مذاهب مأثورة.
ومنه قول الأعشى:
ما يعيف اليوم في الطير الروح
أي: الرائحة، يقال: رائح وروح، مثل: غائب وغيب.
وقوله: «فواقًا كلا ولا» أي: الاستراحة بهذا المقدار، قول القائل: «لا لا». وفي التنزيل: «مالها من فواق» قيل: من استراحة وهذا من أبي تمام عذب حسن، استعمل فيه حسن الأدب.
والجيد الحسن الحلو لفظًا ومعنى قول الآخر:
قد يبلغ المشتاق موضع شوقه ... سرى البحتريات البعيد كلالها
تركت سواد الشك وانحزت طالبًا ... بياض الثريا حيث مال ذبالها
وقال أبو تمام يعاتب على التعبيس والقطوب:
(3/547)

عجبًا لعمري أن وجهك معرض ... عني وأنت بوجه ودك مقبل؟!
بر بدأت به ودار بابها ... للخلق مفتوح ووجه مقفل
أو لا ترى أن الطلاقة جنة ... من سوء ما تجني الظنون ومعقل؟!
حلي الصنيعة أن يكون لربها ... لفظ له زجل وطرف قلقل
ومودة مطوية منشورة ... فيها إلى إنجاحها متعلل
إن تعط وجهًا كاسفًا من تحته ... كرم وطيب خليقة ما تدخل
فلرب سارية عليك مطيرة ... قد جاء عارضها وما يتهلل
وهذا تمثيل في غاية الحسن والصحة، والأبيات كلها جياد.
قوله: «مطوية» أي: مصونة محفوظة، و «منشورة»: مطهرة مبذولة «فيها إلى إنجاح الصنيعة متعلل». وقوله: «ما تدخل» لفظة غير جيدة ها هنا كأنه أراد ما يدخل عليها ما يفسدها.
وقال في نحوه:
ليس يدري إلا اللطيف الخبير ... أي شئ يطوى عليه الضمير!
ويقولون إنك المرء بالغي ... ب محام على الصديق نصور
(3/548)

وإذا جئت زائرًا حجبت وج ... هك عني كآبة وبسور
فتطلق من العناية إن ال ... بشر في أكثر الأمور بشير
إنما البشر روضة فإذا كا ... ن وبر فروضة وغدير
فاقسم اللحظ بيننا إن في اللح ... ظ لعنوان ما تجن الضمير!
وله أشياء رديئة لم أكتبها.
وقال البحتري:
على أي أمر مشكل أتلوم ... أقيم فأثوي أو أهم فأعزم؟
ولو أنصفتني سر من راء لم أكن ... إلى العيس من إيطانها أتظلم
لقد خاب فيها ناطق وهو جاهد ... وأعطي منها وادع وهو مفحم
فلو وصلتني بالإمام ذريعة ... درى الناس أي الطالبين يحكم
أعاتب إخواني ولست ألومهم ... مكافحة إن اللئيم الملوم
وكنت أرجي والرجاء وسيلة ... علي بن يحيى للتي هي أعظم
مشاكلة الآداب تصرف ناظري ... إليه وود بيننا متقدم
وهزته للمجد حتى كأنما ... تثنى به الخطي فيها المقوم
أبا حسن ما كان عدلك دونهم ... لواحدة إلا لأنك تفهم
وما أنت بالثاني عناناً عن العلا ... ولا أنا بالخل الذي يتجرم
خلا أن بابًا ربما التاث دونه ... ووجهاً طليقاً ربما يتجهم
(3/549)

وإني لنكس إن ثقلت عن العلا ... وكنت خفيف الشخص إذ أنا معدم
سأحمل نفسي عنك حمل مجامل ... وأكرمها إن كانت النفس تكرم
وأبعد حتى تعرض الأرض بيننا ... ويمسي التلاقي وهو غيب مرجم
عليك السلام أقصر الوصل فانطوى ... وأجمع توديعاً أخوك المسلم
وإلا تساعدني الليالي فربما ... تأخر في الحظ الرئيس المقدم
وما منع الفتح بن خاقان نيله ... ولكنها الأقدار تعطي وتحرم
سحاب خطاني جوده وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم
وبدر أضاء الأرض شرقاً ومغرباً ... وموضع رجلي منه أسود مظلم
أأشكوا نداه بعدما وسع الورى؟ ... ومن ذا يذم الغيث إلا مذمم!
وهذا من إحسان أبي عبادة المشهور.
وقال:
رأيت خير الأيام قل فعن ... د الله أخرى الأيام نحتسبه
واستؤنف الظلم في الصديق فهل ... حر يبيع الإنصاف أو يهبه
عندي ممض من الهناء إذا ... عريض قوم أحكه جربه
ولي من اثنين واحد أبدًا ... عرض عزيز الرجال أو سلبه
وخير ما اخترت أو تخير لي ... رضا شريف يسوءني غضبه
وصاحب ذاهب بخلته ... ولي بها وانثنيت أطلبه
يرصد لي إن وصلته ملل ال ... جافي وأشتاق حين أجتنبه
(3/550)

فلست أدري أبعد شقته ... أشق رزءًا علي أم صقبه
تاركته ناصرًا هواه على ... هواي فيه حتى انقضى أربه
هجر أخي لوعة يرى جلدًا ... وهو مريض الحشا لها وصبه
فاضل بين الأخوان عسري وعن ... ظلماء ليل تفاضلت شهبه
وعدتي للهموم إن طرقت ... توخيد هذا المطي أو خببه
ساقت بنا نكبة مذممة ... فينا ودهر رخيصة نوبه
فهل لضيف العراق من صفد ... عندعميد العراق يرتقبه
ومستسرين في الخمول بلو ... ناهم فذم الحرام مكتسبه
كانوا كشوك القتاد يسخط را ... عيه ويأبى رضاه محتطبه
لا أحفل المرء أو تقدمه ... شتى خصال أشفها أدبه
ولست أعتد للفتى حسباً ... حتى يرى في فعاله حسبه
وقال:
دعاني إلى قول الخنا واستماعه ... أبو نهشل بعد القرابة والحلف
وأخطرني للشامتين ولم أكن ... لأشتم إلا بالتكذيب والقرف
(3/551)

فلا ثلموا مجدي ولا فتلوا يدي ... ولا ضعضعوا ركني ولا زعزعوا كهفي
وهل هضبات ابنى شمام بوارح ... إذا عصفت هوج الجنائب بالعصف
رجعت إلى حلمي وإن شئتُ شردت ... نوافذ تمضي في الدلاصية الزغف
ولما تنادينا فررتُ من الخنا ... بأشياخ صدق لم يفروا من الزحف
جمعت قوى عزمي ووجهتُ همَّتي ... فسرت ومثلي سار عن خطة الخسف
وإني مليء إن ثنيت ركائبي ... بديمومة تسفي بها الريح ما تسفي
تركتك للقوم الذين تركتني ... لهم وسلا الإلف المشوق عن الإلف
وقال:
يراقب صول الوغد حين يهزه اق ... تدار وصول الحر حين يضام
وأعلم ما كل الرجال مشيع ... ولا كل أسياف الرجال حسام
أدين بألا تستحل أمانة ... لحر وألا يستباح ذمام
وأترك عرض المرء لو شئت كان لي ... وللذم فيه مسرح ومسام
(3/552)

وكيف أذود الخسف عمن تطوله ... يدي وأسام الخسف حيث أسام؟
فتالله أرضى في العراق إقامة ... وفي الأرض للسفر المغذ شآم
شذاتي من نحو الصديق كليلة ال ... مُدى وزياراتي الصديق لمام
ولست بغاشي القوم إلا ذؤابة ... ولا بابهم إلا عليه زحام
أي: لا أغشى إلا أبواب الملوك الأشراف.
وقال:
هل ابن حمدون مردود إلى كرمٍ ... عهدته مرة عند ابن حمدون
أخ شكرت له نعمى أخي ثقة ... زكت لديَّ ومنا غير ممنون
طاف الوشاة به بعدي وغيَّره ... معاشر كلهم بالسوء يعنيني
أصبحت أرفعه حمدًا ويخفضني ... ذماً وأمدحه طورًا ويهجوني
وكاد محتفلًا بالسوء يهدمني ... وكان من قبل بالإحسان يبنيني
تدعو اللئام إلى شتمي ومنقصتي ... بئس الحباه على مدحيك تحبوني!
أين الوداد الذي قد كنت تمنحني ... أين الصفاء الذي قد كنت تصفيني؟
إن كان ذنب فأهل الصفح أنت وإن ... لم آت ذنبًا ففيم الذم يعروني؟!
(3/553)

بني زراراء ما أزرى بكم حسب ... دونٌ وما الحسب العادي بالدون
تلك الجماجم تنميكم أوائلها ... إلى الذوائب منها والعرانين
فخر الدهاقين مأثور وجدكم ... من قبل دهقن أبناء الدهاقين
إني أعدكم رهطي وأجعلكم ... أحقَّ بالصون من عرضي ومن ديني
وقال:
قد قلت لابن الشلمغان وقد بدا ... من ظلمه لي ما أمض وأرمضا
ما زال لي من عزمتي وصريمتي ... سند يثبت وطأتي أن تدحضا
لا تنكرن من جار بيتك إن طوى ... أطناب جانب بيته أو قوضا
فالأرض واسعة لنقله راغب ... عمن تنقل وده وتنقضا
لا تهتبل إغضائتي إذ كنت قد ... أغضيت مشتملًا على جمر الغضا
لست الذي إن عارضته ملمة ... ألقى إلى حكم الزمان وفوضا
لا يستفزني الطفيف ولا أرى ... تبعًا لبارق خلَّب إن أومضا
(3/554)

وقال في الفتح بن خاقان:
فديناك من أي خطب عرا ... ونائبة أوشكت أن تنوبا
وإن كان رأيك قد حال فيَّ ... فلقيتني بعد بشر قطوبا
وخيبت آمالي النازعا ... ت إليك وما حقها أن تخيبا
يَريني الشيء تأتي به ... وأكبر قدرك أن أستريبا
وأكره أن أتمادى على ... سبيل اغترار فألقى شعوبا
أكذب ظني بأن قد سخط ... ت وما كنت أعهد ظني كذوبا
ولو لم تكن ساخطاً لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا
ولا بد من لومة أنتحي ... عليك بها مخطئاً أو مصيبا
أيصبح وردي في ساحتي ... ك طرقاً ومرعاي محلًا جديبا
أبيع الأحبة بيع السوام ... وآسى عليهم حبيباً حبيبا
ففي كل يوم لنا موقف ... يشقق فيه الوداع الجيوبا
وما كان سخطك إلا الفراق ... أفاض العيون وأشجى القلوبا
ولو كنت أعرف ذنبًا لما ... تخالجني الشك في أن أتوبا
سأصبر حتى ألاقي رضا ... ك إما بعيدًا وإما قريبا
أراقب رأيك حتى يصح ... وأنظر عطفك حتى يثوبا
(3/555)

وقال في أبي الفضل الحسن بن سهل:
فداؤك نفسي دون أهلي ومعشري ... ومبداي من علو الشآم ومحضري
فكم شعب جود يصغر البحر عنده ... توردته من سيبك المتفجر!
وكم أمل في ساحتيك غرسته ... فمن مورق زاكي النبات ومثمر!
فلا يهنيء الواشين إفساد بيننا ... بأسهمهم من بالغ ومقصر
تقدمت في الهجران حتى تأخرت ... حظوظي في الإحسان كل التأخر
ولولاك ما رمت القطيعة بعدما ... وقفت عليها وقفة المتحير
لأسمعتني في ظلمة الهجر دعوة ... سرت بي على وقت من العفو مقمر
أتيت بمعروف من الصفح بعدما ... أتيت بمذموم من الغدر منكر
وكنت إذا استبطأت ودك زرته ... بتفويف شعر كالرداء المحبر
عتاب بأطراف القوافي كأنه ... طعان بأطراف القنا المتكسر
فأجلو به وجه الإخاء وأجتلي ... حياء كصبغ الأرجوان المعصفر
(3/556)

قوله: «ولولاك ما رمت القطيعة»، أي: كنت سبب قطيعتي لك، لأنك رددت الغلام علي فشغلت به عنك، فتأخرت حظوظي منك، وشرح هذا المعنى في باقي القصيدة.
وقال في إبراهيم بن حسن بن سهل:
أإبراهيم دعوة مستعيد ... لرأي منك محمود فقيد
تجلى بشرك الأمسي عنا ... تجلى جانب الظل المديد
وفي عينيك ترجمة أراها ... تدل على الضغائن والحقود
وأخلاق عهدت اللين منها ... غدت وكأنها زبر الحديد
وأظلم بيننا ما كان أضوا ... على اللحظات من فلق العمود
أميل إليك عن ود قريب ... فتبعدني على النسب البعيد
فما ذنبي بأن كان ابن عمي ... سواك وكان عودك غير عودي!
لئن بعدت عراقك عن شآمي ... كما بعدت جدودك عن جدودي
فلم نيتي عنك اختيارًا ... وكان الله أولى بالعبيد
(3/557)

ويصنع في معاندتي لقوم ... وبعض الصنع من سبب بعيد
أما استحييت من مدح سوار ... بوصفك في التهائم والنجود؟!
تود بأنها لك فيَّ عجبًا ... بجوهرها المفصل في النشيد
بنت لك معقلًا في الشعر ثبتًا ... وأبقت منك ذكرًا في القصيد
وتبدهني إذا ما الكاس دارت ... بنزقات تجيء على البريد
عرابد تطرق الجلساء منها ... علي كأنها خطب الوفود
ومعترضين إن عظمت أمرًا ... بهم شهدوا عليَّ وهم شهودي
ومالي قوة تنهاك عني ... ولا آوي إلى ركن شديد
سوى شعل يخاف الحر منها ... لهيبًا غير مرجو الخمود
ولو أني أشاء وأنت تربي ... عليَّ لثرت ثورة مستفيد
ظلمت أخًا لو التمس انتصارًا ... غزاك من القوافي في جنود
وقد عاقدتني بخلاف هذا ... وقال الله أوفوا بالعقود
أتوب إليك من ثقة بحر ... طريف في الأخوة أو تليد
وأشكر نعمة لك باطلاعي ... على أن الوفاء اليوم مود
سأرحل عاتبًا ويكون رحلي ... على غير التهدد والوعيد
وأحفظ منك ماضيعت مني ... على رغم المكاشح والحسود
(3/558)

رأيت الحزم في صدر سريع ... إذا استوبأت عاقبة الورود
وكنت إذا الصديق رأى وصالي ... مناجزة رجعت إلى الصدود
وقال لما ارتجع إقطاعه:
أمرتجع مني حباء خلائف ... توليت تسيير المديح لهم وحدي؟!
ولم يشتهر إلا الذي قلت فيهم ... وإن رفدوا قومًا وزادوا على الرفد
فإن أخذ الإيغار أخذ صريمة ... ودارت على الإقطاع دائرة الرد
ولم يغن توكيد السجلات والذي ... تناصر فيها من ضمان ومن عقد
فردوا القوافي السائرات التي خلت ... وما كسبتكم من سناء ومن حمد
وشرخ شباب قد نضوت جديده ... إليكم كما ينضو الفتى سمل البرد
وما أنا والتقسيط إذ تكتبونني ... ويكتب قبلي جلة القوم أو بعدي
(3/559)

سبيلي أن أعطي الذي تطلبونه ... وحكمي أن يجدى علي ولا أجدي
صحبت رجالًا أطلب المال عندهم ... فكيف يكون المال يطلب من عندي!
وقال:
أتغضب أن تعاتب بالقوافي ... وفيها المجد والشرف الحسيب؟
وكم من آمل هجوى ليحظى ... بذكرٍ منه يصعد أو يصوب؟!
فكيف بسير متنخلات ... تجوب من الفيافي ما تجوب
ينافس سامع فيها أباه ... إذا جعلت بسؤدده تهيب
بلغن الأرض لم يلغبن فيها ... وبعض الشعر يدركه اللغوب
فإلا تحسب الحسنات منها ... لصاحبها فلا تحص الذنوب
أتوب من الإساءة إن ألمت ... وأعرف من يسيء فلا يتوب
وقال يعاتب الحسن بن وهب:
إسمع مديحي في كعب وما وصلت ... كعب فثم ثناء ماله ثمن
(3/560)

حق من الشعر ملوي بواجبه ... فلا سليمان يقضيه ولا الحسن
أأعجزتكم مكافاتي به ولكم ... مصر فما خلفها فالسند فاليمن؟
أللخلافة أستبقي الرجاء فلن ... يعطى الخلافة نجران ولا عدن
هل في مسامعكم عن دعوتي صمم ... أم في نواظركم عن خلتي وسن؟
إن أرمكم تك من بعضي لكم شعل ... تهوي إليكم ومن بعضي لكم جنن
أو أجر في الحلبة الأولى بلا صفد ... تولونه فهو الخسران والغبن
لأغمدن لساني جانبًا أبدًا ... عن تين فيكم فلا سوء ولا حسن
وحسبنا الله لا تقذي عيونكم ... روح يمانية أنتم لها بدن
رددت نفسي على نفسي وقلت لها ... بنو أبيك فما الأحقاد والإحن؟
وهذا عتاب لا شيء أليق منه ولا أحسن.
وقال:
وكيف أنظر مختارًا إلى بلد ... يكون يأسي أعلى فيه من أملي؟
جاء الولي فبل الأرض ريِّقه ... وغلتي منك ما أفضت إلى بلل
وقد سألت فما أعطيت مرغبة ... وكان حقي أن أعطى ولم أسل
أرمي بظني فلا أعدو به خطأ ... فأعجب لأخطاء رام من بني ثعل
(3/561)

يريد قول امريء القيس:
«رب رام من بني ثعل»
وكانوا رماة.
وقال في أبي نهشل بن حميد:
أبا نهشل للحادث النكر إن عرا ... وللدهر ذي الخطب المبرح والصرف
كرمت فما دررت نيلك عندنا ... بمن ولا خلفت وعدك بالخلف
وما الهجر مني عن قلى غير أنها ... مجاراة أوغاد نفضت بها كفي
فلم صرت في جدواك أسوة واحد ... وقد نبت في تفويف مدحك عن ألف؟
وإني لأستبقي ودادك للتي ... تلم وأرضى منك دون الذي يكفي
وأسالك النصف احتجازًا وربما ... أبيت فلم أسمح لغيرك بالنصف
وكم لك عندي من يد صامتية ... يقل لها شكري ويعيا بها وصفي
فلا تجعل المعروف رقاً فإننا ... خلقنا نجوماً ليس يملكن بالعرف
(3/562)

* الوعد والتهدد
قال البحتري:
مالي يخوفني من ليس يعرفني ... بالناس والناس أحرى أن يخافوني
إذا عقدت على قوم مشنعة ... فليكثروا القول في عيبي وتهجيني
وقد برئت إلى العريض من فكر ... مبيرة ولسان غير مضمون
ولست منبريًا بالجهل أجعله ... صناعة ما وجدت الحلم يكفيني
إني وإن كنت مرهوبًا لعادية ... أرمي عدوي بها في الفرط والحين
لذو وفاء لأهل الود مدخر ... عندي وغيب على الإخوان مأمون
وقال:
قعقعت للبخلاء أذعر جأشهم ... ونذيرة من نابل أن ينبضا
وكفاك من حنش الصريم تهددا ... إن مد فضل لسانه أو نضنضا
(3/563)

وقال:
أروم انتصارًا ثم يثني عزيمتي ... تقاي التي تعتاقني وتحرجي
هما حجزا شغبي وكفَّا شكيمتي ... ولم أتوعر في وسيقة منهج
ولم أسر في أعراض قوم أعزة ... سرى النار شبت في ألاء وعرفج
وقد يُتقي قتل الحليم إذا رأى ... ضرورة مدلول على القتل محرج
تهضمني من لو أشاء اهتضامه ... لأدركه تحت الخمول تولجي
ومن عادتي والعجز من غير عادتي ... متى لا أرح من حضرة الذل أدلج
وقال:
ومن العجائب تهمتي لك بعدما ... كنت الصفي لديَّ والخلصانا
وتوقعي منك الإساءة جاهدًا ... والعدل أن أتوقع الإحسانا
وكما يسرك لين مسي راضيًا ... فكذاك فاخش خشونتي غضبانا
وقال في الحارثي:
أخاعلة سار الإخاء فأوضعا ... وأوشك باقي الود أن يتقطعا
(3/564)

بدأت وبادي الظلم أظلم فانتحى ... بك القول شأوًا رد منك وأسرعا
وما أنا بالظمآن منك إلى التي ... أرى بين قطريها لجنبك مصرعا
أغار على ما بيننا أن يناله ... لسان عدو لم يجد منك مطمعا
وآنف للديان أن ترتمي به ... غضاب قوافي الشعر خمساً وأربعا
وكم حفرة في غور نجران أشفقت ... ضلوعي على أصدائها أن تروعا
ملكت عنان الهجر أن يبلغ المدى ... ونهنهت قول الهجر أن يتسرعا
فإن تدعني للشر أسرع وإن تهب ... بصلحي فقد أبقيت للصلح موضعا
وقال:
مالي أرى القوم لا يخشون عاديتي ... وقد أشاد بها صبحي وإظلامي
يتلو عقوقي عقوق الوالدين غدا ... عزًا ويكرم عرض الحر إ كرامي
أما العداة فقد آلو على صغر ... وهم طرائد تسييري وإحكامي
ولو هدوا لصواب الرأي أقنعهم ... من وابلي في غداة الشر إرهامي
(3/565)

وقال:
يود العدى أني سلكت سبيلهم ... وأين بناء المعليات من الهدم؟
وهل يمكن الأعداء وضع فضيلة ... وقد رفعت للناظرين مع النجم؟
وقال في إسماعيل بن شهاب:
هل للندى عدل فيغدو منصفًا ... من فعل إسماعيله بن شهابه
العارض الثجاج في أخلاقه ... والروضة الزهراء في آدابه
أزرى به من غدوة بصديقه ... وعقوقه لأخيه ما أزرى به
في كل يوم وقفة بفنائه ... تخزي الشريف وردة عن بابه
إسمع لغضبان تثبت ساعة ... فبذاك قبل هجائه بعتابه
تالله يسهر في مديحك ليلة ... متململًا وتنام دون ثوابه
يقظان ينتخب الكلام كأنه ... جيش لديه يريد أن يلقى به
فأتى به كالسيف رقرق صيقل ... ما بين قائم سيفه وذبابه
وحجبته حتى توهم أنه ... هاج أتاك بشتمه وسبابه
وإذا الفتى صحب التباعد واكتسى ... كبرًا علي فلست من أصحابه
ولرب مغر لي بعرضك زادني ... غيظاً بجيئة قوله وذهابه
لولا الصفاء وذمة أعطيتها ... حق الوفاء قضيت من آرابه
(3/566)

وليس لأبي تمام تهديد ولا هجاء يعتد به، ومن تهديده قوله:
أظن عندك أقواماً وأحسبهم ... لم يأتلوا في ما عدوا وما ركضوا
لولا صيانة عرضي وانتظار غد ... والكظم حتم عليَّ الدهر مفترض
لما فككت رقاب الشعر عن فكري ... ولا رقابهم إلا وهم حيض
وأمثال هذا مما لم أكتبه لرداءته.
والبحتري شديد التهديد والوعيد كما رأيت، فإذا هجا قصَّر، وأبو تمام في هجائه أشد تقصيرًا.
(3/567)

* الذم المجمل لغير مذكور
قال أبو تمام:
غاب والله أحمد فأصابت ... ني له قطعة من الأحزان
وتخلفت عنده في أناس ... ألبسوني صبرًا على الحدثان
ما لنور الربيع في غير حسن ... ما لهم من تغير الألوان
أنكرتهم نفسي وما ذلك الإن ... كار إلا من شدة العرفان
كثرة الصفر يمنة وشمالًا ... أضعفت في نفاسة العقيان
قوله: «قطعة من الأحزان» ضرورة من قلت حيلته في الألفاظ.
وقد قال البحتري في معنى هذا البيت ما هو أجود وأحسن وألطف معنى، وذلك قوله:
غرائب أخلاق هي الروض جاده ... ملث العزالى ذو رباب وهيدب
(3/568)

وقد زادها إفراط حسن جوارحها ... خلائق أصفار من المجد خيب
وحسن داري الكواكب أن ترى ... طوالع من داج من الليل غيهب
وقال أبو تمام:
أخو ثقة نأى فبقيت لما ... نأى غرضاً لإخوان السلام
ذوي الهمم الهوامد والأكف ال ... جوامد والمروات النيام
يظل عليك أصفحهم حقودًا ... لرؤيا إن رآها في المنام
ومن شر المياه إذا استمحيت ... أواجنها على طول المقام
وقال البحتري:
وخلفني الزمان على أناس ... وجوههم وأيديهم حديد
لهم حلل حسن فهن بيض ... وأفعال سمجن فهن سود
وأخلاق البغال فكل يوم ... يعن لبعضهم خلق جديد
وأكثر ما لسائلهم لديهم ... إذا ما جاء قولهم تعود
ووعد ليس يعرف من عبوس ان ... قباضهم أوعد أم وعيد؟
أناس لو تأملهم لبيد ... بكى الخلف الذي يشكو لبيد
(3/569)

ألا ليت المقادير لم تقدر ... ولم تكن الأحاظي والجدود
فأنظر أينا يضحي ويمسي ... له هذي المراكب والعبيد
فلو كان الغنى حظاً كريماً ... لأخطأه النصارى واليهود
ولكن الزمان زمان سوء ... سجال الأمر يفعل يفعل ما يريد
فأسعده على قوم نحوس ... وأنحسه على قوم سعود
وقال:
سألت عن أصدقاء الصدق مؤتنفاً ... وقد ترى عدمي منهم وإقلالي
أشيم منهم بروق الخلبات فهل ... شخص يبلغنا عن بارق الخال؟
والناس كالشجر البادي تفاوته ... وقد ترى بعد بين النبع والضال
وقال:
يا أحمد بن محمد نضب الندى ... من كف كل أخي ندى يا أحمد
أشكوا إليك أناملًا ما تنطوي ... يبساً وأخلاقاً تقصفها اليد
وأنا لبيد عند آخر دمعة ... يصف الصبابة والمكارم أربد
(3/570)

الناس حولك روضة ما ترتعى ... ريا النبات ومنهل ما يورد
جدة ولا جود وطالب بغية ... في الباخلين وبغية لا توجد
تركوا العلا وهم يرون مكانها ... ودعا اللجين قلوبهم والعسجد
فتماحكوا في البخل حتى خلته ... ديناً يدان به الإله ويعبد
أرضيهم قولًا ولا يرضونني ... فعلًا وتلك قضية لا تقصد
فأذم فيهم ما يذم وربما ... سامحتهم فحمدت مالا يحمد
(3/571)

* الهجاء
ليس للطائيين هجاء يعتد به إلا القليل، من ذلك قول البحتري:
ومؤمر صارعته عن عرفه ... فوجدت قدس معممًا بعمائه
جدة يذود البخل عن أطرافها ... كالبحر يدفع ملحه عن مائه
أعطى القليل وذاك مبلغ قدره ... ثم استرد وذاك مبلغ رائه
ما كان من أخذي غداة رددته ... في وجهه إذ كان من إعطائه
وقد انتمى فانظر إلى أخلاقه ... صفحاً ولا تنظر إلى آبائه
خطب المديح فقلت خل طريقه ... ليجوز عنك فلست من أكفائه!
وللبحتري قصيدته المشهورة في ابن أبي قماش، سلك فيها ذلك المسلك وسبيلها أن تكتب ها هنا، وهي:
(3/572)

مرَّت على عزمها ولم تقف ... مبدية للشنان والشنف
ركنت فيها إلى الهدايا ولم ... تحذر عليها حرائر التحف
وقد رأت وجه من تراسله ... فانحرفت عنك شر منحرف
وكان حقاً عليك أن تعرف ال ... مكتوم من سر صدرها الكلف
ألست بالسند هند ذا بصر ... إلا تفق حاسبيه تنتصف
وقد بحثت العلوم أجمع واس ... تظهرت حفظاً مقالة السلف
بما تعاطيت في الغيوب وما ... أوتيت من حكمة ومن لطف
ما اقتص واليس في الفضاء وجا ... بان وما سيرا من النتف
وما حكاه ذروثيوس وبط ... لميوس من واضح لهم وخفي
فكيف أخطأت يا أخي ولم ... تنزع إلى ما سطرت في الصحف؟
هلا زجرت الطير العلى وتع ... * يفت المها أو نظرت في الكتف؟
حملتها والفراق محتشد ... لراكب منكما ومرتدف
(3/573)

ورحتما والنحوس تخبر عن ... شأن من الرائحين مختلف
أما أرتك النجوم أنكما ... في حالتي بائت ومنصرف؟
وما رأيت المريخ قد حاسد ال ... زهرة في الحد منه والشرف
تخبر في ذاك أن زائرة ... تشفي مزورًا من لاعج الدنف
من أين أغفلت ذا وأنت على ال ... تتقويم والزيج جد معتكف
رذلت في هذه الصناعة أم ... أكديت أم رمتها مع الخرف؟
لم تخط باب الدهيلز منصرفاً ... إلا وخلخالها مع الشنف
فأين حلم الفتى وذمته ... وأين قول العجوز لاتخف؟
ما أخون الناس للعهود وما ... أشد إقدامهم على الحلف!
تصبوا إلى مثله إذا نظرت ... فيك إلى جيفة من الجيف
يسرني أن تساء فيها وأن ... تفجع منها بالروضة الأنف
قد خبروها قيام شيخك في ال ... حمام فاستعبرت من الأسف
وأعلموها بأن كنيته ... أبو قماش الحمام والكنف
وخبروها بالدستبان وبالص ... ن فكادت تشفي على التلف
وقد تبينت ذاك في الكمد ال ... بادي عليها والواكف الذرف
(3/574)

وزهدها في الدنو منك فما ... تعطيك إلا بالتعس والعنف
أنت كما قد علمت مضطرب ال ... هيئة والقد ظاهر الجلف
والسن قد بينت فناءك في ... شدق على ما ضيعك منخسف
وجه لعين القسمين يقطعه ... أنف طويل محدد الطرف
ورتة تحت غنة قذرت ... من هالك الراء دامر الألف
كأن في فيه لقمة عقلت ... لسانه فالتوى على جنف
محرك رأسه توهمه ... قد قام من عطسة على شرف
سماجة في العيون فاحشة ... خلفت في حملها أبا خلف
تروم وصل المها وأنت كذا ... هذا لعمري من أسرف السرف!
وقال يهجو يعقوب بن الفرج الجهبذ بحلب:
تظن شجوني لم تعتلج ... وقد خلج البين من قد خلج
أشارت بعينين مكحولتي ... ن من السحر إذ ودعت والدعج
عناق وداع أجال اعترا ... ض دمعي في دمعها فامتزج
فهل وصل ساعتنا منسيء ... صدود شهور خلت أو حجج
(3/575)

وما كان صدك إلا الدلا ... وإلا الملال وإلا الغنج
فإن تك قد دخلت بيننا ... مهامه للآل فيها لجج
فكم روضة بفناء الربي ... ع يضاحكها البرق من كل فج
تأيا قويق لتدويرها ... فنكب عن قصدها وانعرج
إذا هزت الريح أغصانها ... تعانق نوارها وازدوج
لقيناك فيها فخايلتها ... بلين التكفي وطيب الأرج
سقى حلباً حلب مسبل ... من الغيث يهمي بها أو يثج
وإن حال من دون حقي فلم ... يسلمه يعقوبها ابن الفرج
أيتلف يعقوب مالي لدي ... ه ويعقوب متئد لم يهج!
وإني ملي بأن لا يسر ... بما نال مني ولا يبتهج
إذا شد عروة زناره ... على سلحة ضخمة وانتفج
توهم أني لا أستطي ... ع مساءة أغثر بادي الهوج
ومن أين يكثر أنصاره ... فيأتي الأحج له فالأحج
وزوجته قد عسا بظرها ... على كبرة وابنه قد علج؟
وألا تورع عما جنى ... علي الخبيث وألا حرج؟
أبا يوسف سمج ما أتي ... ت وما يك مثلك يأتي السمج
(3/576)

وشر المسيئين ذو نبوة ... إذا ليم فيها تمادى ولج
هلم إلى الصدق نسري إلي ... * ه بحجتنا فيه أو ندلج
ونعتمد الحق حتى يصح ... لنا مظلم الأمر أو ينبلج
وفي موقف ما لنا بعده ... تنازع نجوى ولا معتلج
فمن أبرأ الحكم فيه نجا ... ومن ألحج الحكم فيه لحج
وإن لم يكن شاهد يرتضى ... وراؤك في الحكم مود مضج
وأنت فلا حالف بالعتا ... ق ولا حالف في الطلاق الحرج
فهل تتقيل جرم القسو ... س وتقطع من إلهم ما وشج؟
وتضرط في لحية الجاثلي ... ق إذا خار في سفر شعيا وعج
وتزعم أن الذين ابتدوا ... علوم النصارى رعاع همج
بأنك لم تتو مالي ولم ... تطلب علي عويض الحجج
فإن كنت أدهنت أو خنت أو ... لهجت بظلمي فيمن لهج
فخالفت مريم في دينها ... وفارقت ناموسها المنتهج
وخرقت غفورها كافرًا ... بمن غزل الثوب أو من نسج
وأعظمت ما أعظمته اليهو ... د تصلي لقبلتهم أو تحج
(3/577)

ونكت عجوزك حتى ترد ... في رحمها داخلاً ما خرج
وهدمت بيعة ما سرجس ... وأطفأت نيرانها والسرج
وأوقدت ناقوسها والصلي ... ب تحت عشائك حتى نضج
وبكرت تخرأ في المذبح ال ... كبير وتلطخ تلك الدرج
وزلت من الله في لعنة ... تقيم عليك فلا تنزعج
وأير طماس إذا ما أشظ ... في صدع إمرأتك المنعرج
يمين متى ما استحل امرؤ ... تجشمها عند قاض فلج
وقال أبو تمام في عياش بن لهيعة:
أعياش ارع أو لا ترع حقي ... وصل أو لا تصل أبداً وسيلي
أمثلك يرتجى لولا تنائي ... أموري والتياثي في حويلي
رجاء حل من عرصات قلبي ... محل البحل من قلب البخيل
ورأى هز حسن الظن مني ... جرى ماءاه في عرضي وطولي
فأجدى موقفي بنداك جدوى ... وقوف الصب بالطلل المحيل
وأعكفت المنى في ذات صدري ... عكوف اللحظ في الخد الأسيل
(3/578)

وكنت أعز عزاً من قنوع ... فعوضه صفوح عن جهول
فصرت أذل من معنى دقيق ... به فقر إلى ذهن جليل
فما أدري عماي عن ارتيادي ... دهاني أم عماك عن الجميل؟
متى طابت جنى وزكت فروعٌ ... إذا كانت خبيثات الأصول
ندبتك للجميل وأنت لغو ... ظلمتك لست من أهل الجميل
رويدك إن لومك سوف يجلي ... لك الظلمات عن حزن طويل
وهذا كله رديء إلا هذه الأبيات الأربعة الأخيره، والقصيدة أيضًا كلها رديئة، وقد ذكرت غلطه في قوله:
وكنت أعز عزًا من قنوع
في أغاليطه.
ولولا أن هذا من مشهور هجائه، لألغيت ذكره مع غيره.
ولأبي تمام قصيدته الطويلة التي أولها:
«الدار ناطقة وليست تنطق»
(3/579)

يهجو فيها رجلاً نال من بني عبد الكريم كلها رديئة، يقول فيها:
أإلى بني عبد الكريم تشاوست ... عيناك ويبك خلف من تتفوق؟
قوم تراهم حين يطرق حادث ... يسمون للخطب الجليل فيطرق
بيض إذا اسود الزمان توضحوا ... فيه فغودر وهو منهم أبلق
هيهات غالك أن تنال مآثري ... إست بها سعة وباع ضيق
وتنقل من معشر في معشر ... فكأن أمك أو أباك الزئبق
أفعشت حتى عبتهم قل لي متى ... فرزنت سرعة ما أرى يا يبذق
فهذا أجود ما في هذه القصيدة من الهجاء، وقد ترى كيف جعل الزمان أبلق وجاء بالزئبق والفرزان، وله أهاج يضحك من رداءتها.
وله أرجوزة صالحة يقول فيها:
وملك في كبره ونبله ... وسوقة في قوله وفعله
بذلت مدحي فيه باغي بذله ... فجد حبل أملي من أصله
(3/580)

من بعد ما استبعدني بمطله ... ثم اغتدى معتذرًا بجهله
ذا عنق في المجد لم يحله ... يعجب من تعجبي من بخله
يلحظني في جده وهزله ... لحظ الأسير حلقات كبله
حتى كأني جئته بعزله ... يا واحدًا منفردًا بعدله
ألبسته النعمى فلا تمله ... ما أضيع الجفن بغير نصله
والشعر ما لم يك عند أهله
وقال البحتري:
لسانك أحلى من جنى الشهد موعدًا ... وكفك بالمعروف أضيق من قفل
تمنى الذي يأتيك إذا انتهى ... إلى أمد ناولته طرف الحبل
وقال:
مدحت أبا الخشين للخير ضلة ... أؤمل منه فضل من ماله فضل
مدحت امرأ لو كان بالغيب ما به ... لما بل وجه الأرض من مزنة وبل
(3/581)

لئيم الجدود والفعال فما له ... أب داخل في الأكرمين ولا فعل
له همة لو فرق الله شملها ... على الناس لم يجمع لمكرمة شمل
له حسب لو كان للشمس لم تنر ... وللماء لم يعذب وللنجم لم يعل
وهذا أهجأ بيت سمعت به له على تقصير البحتري في الهجاء، والبحتري على كل حال أهجأ من أبي تمام.
وقال أبو تمام يهجو عياش بن لهيعة:
النار والعار والمكروه والعطب ... والقتل والصلب والمران والخشب
أحلى وأعذب من سيب تجود به ... ولن تجود به يا كلب يا كلب!
بني لهيعة ما بالي وبالكم ... وفي البلاد مناديح ومضطرب؟
لجاجة بي فيكم ليس يشبهها ... إلا لجاجتكم في أنكم عرب!
عياش مالك في أكرومة أرب ... ولا لأكرومة في ساقط أرب
يا أكثر الناس وعداً حشوه خلف ... وأكثر الناس قولاً حشوه كذب
ظللت تنتهب الدنيا وزخرفها ... وظل عرضك عرض السوء ينتهب
قوله: «النار والعار» من أبياته المشهورة التي يضحك منها، وإنما أراد بقوله: «المران والخشب» أنه تمنى أن يضرب بهما، كأنه اختار ذلك على نائل الذي مدحه، ودعته الضرورة إلى أن جمع بين «المران والخشب»، وكان أحدهما يكفي من الآخر.
(3/582)

والمران من الخشب الصلب الشديد، ومنه تنحت الزانات والرماح القصار، وله اهتزاز وتثن كالقنا، والضرب بهما وبالأرز والسلم- وهما أيضًا من الخشب الصلب- أشد من الضرب بغيرهما، وإنما ذهب إلى أن يطعن بالمران ويضرب بالخشب، ومن تمنى النار والقتل والصلب لا ينحط بعد هذا إلى
الضرب بالخشب، وكان ينبغي أن يجعل مكان المران والخشب والتنكيل والسلب، أو الحرب أو غيرهما فإن الكلام كثير.
وقد جمع هذا البيت من قبح الألفاظ، وقبح المعاني، وقبح الضرورة ما لا شيء أشنع منه وكأنه من كلام خالد الحداد.
(3/583)

صفحة فارغة
(3/584)

* الاعتذار
قال أبو تمام يعتذر إلى ابن أبي دؤاد:
أتاني عائر الأنباء تسري ... عقاربه بداهية نآد
نثا خبر كأن القلب أمسى ... يجر به على شوك القتاد
كأن الشمس جللها كسوف ... أو استترت برجل من جراد
بأني نلت من مصر وخبت ... إليك شكيتي خبب الجواد
وما ربع القطيعة لي بربع ... ولا وادي الأذى مني بواد
وأين يجور عن قصد لساني ... وقلبي رائح برضاك غاد!
ومما كانت الحكماء قالت ... لسان المرء من خدم الفؤاد
وقدمًا كنت معسول الأماني ... ومأدوم القوافي بالسداد
(3/585)

لقد جازيت بالإحسان سوءاً ... إذا وصبغت عرفك بالسواد
وصرت أسوق عير اللؤم حتى ... أنخت الكفر في دار الجهاد
وليست رغوتي من فوق مذق ... ولا جمري كمين في الرماد
وغيري يأكل المعروف سحتاً ... وتشحب عنده بيض الأيادي
تثبت إن قولاً كان زوراً ... أتى النعمان قبلك عن زياد
إليك بعثت أبكار القوافي ... يليها سائق عجل وحادي
تنصل ربها من غير جرم ... إليك سوى النصيحة والوداد
ومن يأذن إلى الواشين تسلق ... مسامعه بألسنة حداد
قوله: «تسري عقاربه»، ليس هذا موضع سرى العقارب، لأنه لا يقال: هذا خبر تسري عقاربه، ولا أتاني خبر سرت عقاربه إلي، لأن الأخبار الرديئة التي يوردها المورد ويبلغها المبلغ هي العقارب أنفسها، وإنما يقال: تسري عقارب زيد إلي، وذلك إذا كان شراً، وليس الخبر العائر الذي ذكره من الشر في شيء.
وقوله: «صبغت عرفك بالسواد» مما عابه أبو العباس بن عمار وليس بخطأ، ولا هو حسن.
(3/586)

وقال يعتذر إلى موسى بن إبراهيم:
أموسى بن إبراهيم دعوة خامس ... به ظمأ التثريب لا ظمأ الورد
جليد على عتب الخطوات إذا التوت ... وليس على عتب الأخلاء بالجلد
أتاني مع الركبان ظن ظننته ... لففت له رأسي حياء من المجد
لقد نكب الغدر الوفاء بساحتي ... إذًا وسرحت الذم في مسرح الحمد
وهتكت بالقول الخنا حرمة العلى ... وأسلكت حر الشعر في مسلك العبد
نسيت إذًا كم من يد لك شاكلت ... يد القرب أعدت مستهامًا على البعد
ومن زمن ألبستنيه كأنه ... إذا ذكرت أيامه زمن الورد
وأنك أحكمت الذي بين فكرتي ... وبين القوافي من ذمام ومن عقد
وكيف وما أخللت بعدك بالحجا ... وأنت فلم تخلل بمكرمة بعدي؟
أسربل هجر القول من لو هجوته ... إذًا لهجاني عنه معروفه عندي؟
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي ومتى ما لمته لمته وحدي
ولو لم يزعني عنك غيرك وازع ... لأعديتني بالحلم إن العلى تعدي
أبى ذاك أني لست أعرف دائمًا ... على سؤدد حتى يدوم على العهد
وإني رأيت الوشم في خلق الفتى ... هو الوشم لا ما كان في الشعر والجلد
(3/587)

أرد يدي عن عرض حر ومنطقي ... وأملؤها من لبدة الأسد الورد
فإن يك جرم عن أو تك هفوة ... على خطأ مني فعذري على عمد
وهذا هو الاعتذار الذي يسل كل سخيمة، ويمحو كل خطيئة.
وما سمعت في الاعتذار أجود ولا ألطف ولا أحلى من قول القتال الكلابي:
جنيت وكنتم كهفي عليكم ... وقد تحنى اليمين على الشمال
وإنما أخذ أبو تمام قوله:
أسربل هجر القول من لو هجوته ... إذاً لهجاني عنه معروفه عندي
(3/588)

من قول الخارجي الذي سامه قطري قتال الحجاج فامتنع عليه؛ لأن الحجاج من عليه.
وقال:
أأقاتل الحجاج في سلطانه ... بيد تقر بأنها مولاته
إني إذًا لأخو الدناءة والذي ... عفت على إحسانه جهلاته
ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصف واحتجت له فعلاته؟
وله في الاعتذار أشياء رديئة منها:
شعبي وشعب عبيد الله ملتئم
لم أكتبها لرداءتها.
وقال البحتري:
(3/589)

ولم أنسها عند الوداع ونثرها ... سوابق دمع أعجلت أن تنظما
وقالت هل الفتح بن خاقان معقب ... رضى فيعود الشمل منا ملأما؟
خليلي كفا اللوم في فيض عبرة ... أبى الوجد إلا أن تفيض وتسجما
ولا تعجبا من فجعة البين إنني ... وجدت الهوى طعمين شهداً وعلقما
عذيري من الأيام رنقت مشربي ... ولقينني نحساً من الطير أشأما
وأكسبني سخط امريء بت موهناً ... أرى سخطه ليلاً مع الليل مظلما
تبلج عن بعض الرضا وانطوى على ... بقية عتب شارفت أن تصرما
إذا قلت يوماً قد تجاوز حدها ... تلبث في أعقابها وتلوما
وأصيد إن نازعته اللحظ رده ... كليلاً وإن راجعته القول جمجما
ثناه العدى عني فأصبح معرضاً ... وأوهمه الواشون حتى توهما
وقد كان سهلاً واضحاً فتوعرت ... رباه وطلقاً ضاحكاً فتجهما
أمتخذ مني الإساءة محسن ... ومنتقم مني امرؤ كان منعما؟
ومكتسب في الملامة ماجد ... يرى الحمد غنماً والملامة مغرما
يخوفني من سوء رأيك معشر ... ولا خوف إلا أن تجور وتظلما
أعيذك أن أخشاك من غير حادث ... تبين أو جرم إليك تقدما
ألست الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما؟
ثناء كأن الروض منه منوراً ... ربى وكأن الوشي منه مسهما
(3/590)

ولو أنني وقرت شعري وقاره ... وأجللت مدحي فيك أن يتهضما
لأكبرت أن أومي إليك بإصبع ... تضرع أو أدني لمعذرة فما
وكان الذي يأتي به الدهر هيناً ... علي ولو كان الحمام المقدما
ولكنني أعلى محلك أن أرى ... مدلًا وأستحييك أن أتعظما
أعد نظرًا فيما تسخطت هل ترى ... مقالًا دنياً أو فعالًامذمما؟
رأيت العراق ناكرتني وأقسمت ... علي صروف الدهر أن أتشأما
وكان رجائي ان أؤوب مملكاً ... فصار رجائي أن أؤوب مسلما
وما مانع مما توهمت غير أن ... تذكر بعض الأنس أو تتندما
وأكبر ظني أنك المرء لم تكن ... تحلل بالظن الذمام المحرما
حياء فلم يذهب بي الغي مذهباً ... بعيدًا ولم أركب من الأمر معظما
ولم أعرف الأمر الذي سؤتني له ... فأقتل نفسي حسرة وتندما
ولو كان ما خبرته أو ظننته ... لما كان غروًا أن ألوم وتكرما
أذكرك العهد الذي ليس سؤددًا ... تناسيه والود الصحيح المسلما
وما حمل الركبان شرقًا ومغربًا ... وأنجد في أعلى البلاد وأتهما
أقر بما لم أجنه متنصلًا ... إليك على أني إخالك ألوما
(3/591)

لي الذنب معروفاً وإن كنت جاهلاً ... به النعمى علي وأنعما
ومثلك إن أبدى الفعال أعاده ... وإن صنع المعروف زاد وتمما
وهذا من إحسانه المعروف الذي فوق كل إحسان.
وقال:
أقول ليعقوب بن أحمد والندى ... يروم به العوصاء ليس ترام
تكاليف فعل لو على الأرض ثقله ... شكا يذبل ما نابه وشمام
لأظلم ما بيني وبينك مضحياً ... وللظلم بين الخلتين ظلام
أأذكر أيام المصافاة بعدما ... تجرم عام بعدهن وعام
ندمت على أمر مضى لم يشربه ... نصيح ولم يجمع قواه نظام
وقد خبروا أن الندامة توبة ... يصلى بها أن تقتنى ويصام
وإن جحودي سوء ظن بمنعم ... وعدي معاذيري عليه خصام
وقد شملت بشراً لأوس صنيعة ... بما أمرت سعدى وورث لام
(3/592)

فإن تمتثلها فالمكارم خطة ... لكم تابع في نهجها وإمام
ولو شئتم أن تستشيروا استثرتم ... عجالًا ولكن الكرام كرام
يكر علي اللوم فيكم ولابس ... من اللوم من لا يستفيق يلام
يجرح أقوال الوشاة فريصتي ... وأكثر أقوال الوشاة سهام
ترى ألسنًا أصمتن بالعي أن هفا ... بي اللب مصنوعًا لهن كلام
لعل غيابات السخائم تنجلي ... ومعوج ما تخفي الصدور يقام
ولما نبت بي الأرض عدت إليكم ... أمت بحبل الود وهو رمام
وقد يُهتدى بالنجم يسفل سمته ... ويروى بماء الجفر وهو ذمام
وما كل ما بلِّغتم صدق قائل ... وفي البعض إزراء عليَّ وذام
ولا عذر إلا أن بدء إساءة ... لها من زيادات الوشاة تمام
وهذا اعتذاره الذي برز فيه على كل اعتذار، وأوفى على كل إحسان.
وله بعد هذا اعتذارات جياد إن أوردتها بعد هذا سقط فضلها وأظلم نورها، منها قوله في عبدون:
من عطاء الإله بلَّغت نفسي ... صونها ثم من عطاء ابن عمي
(3/593)

كلما قلت أيبس المحل عودي ... وليتني غمامة منه تهمي
فله من مدائحي حكمه الأو ... في ولي من نواله الغمر حكمي
كل مشهورة يؤلف فيها ... بين درية الكواكب نظمي
أينما قام منشد لاح نجم ... متلال منها على إثر نجم
وجهول رمى لديه مكاني ... قلت أقصر ما كل رام بمصم
وإذا ما العريض والى أذاتي ... كان خرطومه خليقاً بوسمي
في بني الحارث بن كعب بن عمرو ... سيد الناس بين عرب وعجم
بأبي أنت عاتباً وقليل ... لك مني أبي فداء وأمي!
لمتني أن رميت في غير مرمى ... وعزيز علي تضييع سهمي
إن أكن خبت في سؤال بخيل ... فبكرهي ذاك السؤال ورغمي
والذي حطني إلى أن بلغت ال ... ماء ما كان من ترفع همي
وإبائي على مملك أرضي ... ما تولاه من عطائي وشكمي
ثم حالت حال تكلفني قس ... مة حمدي بين الرجال وذمي
وأرى أين موضع الجود منهم ... من مكاني وميز الناس عدمي
فعلام التثريب واللؤم إذ عل ... مك فيما أقوله مثل علمي؟!
وكأن الإعراض عني قضاء ... فاصل عن ألية منك حتم
(3/594)

حين لا ملجأ سواك أرجي ... ه تجهمتني ولست بجهم
وإذا ما سخطت والمخ رار ... رق عن أن يطيق سخطك عظمي
لا تجاوز مقدار سطوك إن لم ... تتطول بالصفح مقدار جرمي
فاحترس من ضياع حلمك في الجف ... وة والإنقباض إن ضاع حلمي
وقال:
طاف الوشاة بها فأحدث ظلمة ... في جوه ووعورة في أرضه
غضبان حمل إحنة لو حملت ... ثبج الصباح لثقلت من نهضه
مهلًا فذاك أخوك ذو ألهيته ... عن لحظه وشغلته عن غمضه
خزيان أكبر أن تظن خيانة ... في بسطه لصديقه أو قبضه
ماذا توهم أن يقول وقوله ... في نفسه ولسانه في عرضه؟
أنبوت عنك بزعمهم ومتى نبا ... في حالة بعض امريء عن بعضه
أنصلت من عود الحياء وبدئه ... وخرجت من طول الوفاء وعرضه
المذحجية بيننا موصولة ... بنوافل الأدب الأصيل وفرضه
وتردد للكأس أحدث حرمة ... أخرى وحقاً ثالثاً لم نقضه
(3/595)

ومن نوادر الاعتذار قول البحتري لإسماعيل بن بلبل، وتدخل في باب الحجاب:
لك الخير من مستبطيء في تأخري ... يرى أنني آثرت هجرته عمدا
متى كنت يا خير الأكارم عائداً ... بلوم على ألا تراني فلم سعدا
وما أصطفى لون الحداد ولا أرى ... لعيني حظاً في الرماد إذا اسودا
لئن كنت نوراً ساطعاً فطريقنا ... إليك على ظلماء داجية جدا
وقال فيه:
وأظلمت حين لبست السو ... د ظلام الدجى لم يسر راكبه
ولما وقفنا بباب الأمير ... وقد رفع الستر أو جانبه
ظللنا نرجم فيك الظنون ... أحاجمه أنت أم حاجبه؟
(3/596)

* باب فيما جاء عنهما في الرياض والأنوار والشراب ومعاطاة الندمان
وما يتصل بذلك ويدخل في معناه
قال أبو تمام:
قد اتئب أربيت في الغلواء
ومعرس للغيث تخفق بينه ... رايات كلِّ دجانة وطفاء
نشرت حدائقه فصرن مآلفاً ... لطرائف الأنواء والأنداء
فسقاه مسك الطل كافور الصبا ... وانحل فيه خيط كل سماء
عني الربيع بروضه فكأنما ... أهدى إليه الوشي من صنعاء
صبحته بسلافة صبحتها ... بسلافة الخلطاء والندماء
بمدامة تغدو المنى لكؤوسها ... خولًا على السراء والضراء
(3/597)

راح إذا ما الراح كن مطيها ... كانت مطايا الشوق في الأحشاء
عنبية ذهبية سبكت لها ... ذهب المعاني صاغة الشعراء
صعبت وراض المزج سيء خلقها ... فتعلمت من حسن خلق الماء
خرقاء تلعب بالعقول حبابها ... كتلعب الأفعال بالأسماء
وضعيفة فإذا أصابت فرصة ... قتلت كذلك قدرة الضعفاء
جهمية الأوصاف إلا أنهم ... قد لقبوها جوهر الأشياء
وكأن بهجتها وبهجة كأسها ... نار ونور قيدا بوعاء
أو درة بيضاء بكر أطبقت ... حبلاً على الياقوتة الحمراء
وقوله: «نشرت حدائقه» أي: حييت، يقال: أنشر الله الموتى فنشروا أي: حيوا، وإنما أراد: أن هذه الحدائق حييت بالغيث الذي تقدم ذكره.
وقوله: «فسقاه مسك الطل كافور الصبا» لأن الصبا ريح طيبة، عذبة تأتي بالمطر، وقد يكون معها ندى، وأضاف الكافور إليها لأنه أليق بالريح لبياضه،
(3/598)

وأضاف المسك إلى الطل لسواده، وأراد بالجميع طيب الرائحة.
وقوله: «وانحل فيه خيط كل سماء» من قولهم: «انحلت عزاليها».
وقوله: «جهمية الأوصاف» قد أكثر الناس في تعاطي تفسيره، وأقرب ما سمعته فيه أن «جهماً» كان يقول: إنه ليس شيء على الحقيقة غير الله تعالى، إذ كل شيء يبطل ويتلاشى غيره، وأن الأشياء كلها أعراض ألفها وخلقها.
وأظن أبا تمام أراد أن الراح لرقتها عرض لا جسم، وهذا مذهب قريب.
وقوله: «قد لقبوها جوهر الأشياء»، هو الذي لم أرهم يصححون له تفسيرًا إلا على الظن، لأنهم ما رأوا أحدًا لقبها هذا اللقب، وقد سمعت من يقول: إنما أراد قدمها، وإن من أسمائها «الخندريس»،و «الخندريس» القديمة،
(3/599)

ولعمري إنها قديمة، ولكن ليست جوهر الأشياء، ولا هي أول لها، وما زلت أسمع الشيوخ يقولون: إن هذا البيت من تخليطه ووساوسه، لأن الشعر إنما يستحسن إذا فهم وهذه الأشياء التي يأتي بها منغلقة، ليست على مذهب الأوائل ولا المتأخرين.
(3/600)

وقوله:
وكأن بهجتها وبهجة كأسها ... نار ونور قيدا بوعاء
شبه الخمر بالنار والزجاج بالنور، وإنما قال: «قيدا بوعاء» لأن النار والنور لا يقومان بأنفسهما، فكأنهما جميعًا جمعا في إناء أمسكهما.
وهذا معنى جيد، وهو مسبوق إليه.
أو درة بيضاء بكر أطبقت ... حبلًا على ياقوتة حمراء
ما زلت أسمعهم يستسخفون لفظه ويستهجنون قوله: «أطبقت حبلًا»
وباقي الأبيات جيد، وليس له في شيء منها معنى مخترع، وإنما اتبع فيها كلها مذاهب الناس.
وقال البحتري:
أخذت ظهور الصالحية زينة ... عجباً من الصفراء والحمراء
(3/601)

نسج الربيع لربعها ديباجة ... من جوهر الأنوار بالأنواء
بكت السماء بها رذاذ دموعها ... فغدت تبسم عن نجوم سماء
في خلة خضراء نمنم وشيها ... حوك الربيع وحلة صفراء
فاشرب على زهر الرياض يشوبه ... زهر الخدود وزهرة الصهباء
من قهوة تنسي الهموم وتبعث ال ... شوق الذي قد ضل في الأحشاء
يخفي الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمة بغير إناء
ولها نسيم كالرياض تنفست ... في أوجه الأرواح والأنداء
وفواقع مثل الدموع ترددت ... في صحن خد الكاعب الحسناء
يسقيكما رشأ يكاد يردها ... سكرى بفترة مقلة حوراء
يسعى بها وبمثلها من طرفه ... عوداً وإبداء على الندماء
وهذا كله لفظ بارع ونسج كثير الماء.
وقد اجتهد أصحاب أبي تمام في إفساد قوله:
يخفي الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمة بغير إناء
وقالوا: لو مليء القدح دبساً أو لبناً أو نحو ذلك لخفي لون الزجاجة، وهذا باطل، وقد بينت فساده فيما تقدم وأوضحته.
والمعنى ليس مما اخترعه البحتري بل إنما أخذه من قول علي بن جبلة.
كأن يد النديم تدير منها ... شعاعاً لا تحيط عليه كاس
(3/602)

أو من قول الآخر:
إنما لقحتنا موسومة ... ضمنت حمراء ترمي بالزبد
وإذا ما بزلت في كأسها ... فهي والكأس معًا شيء أحد
وإنما اعتمد البحتري وهذان الشاعران أن يصفوا يصفوا رقة الخمر ورقة الإناء جميعاً، وإلى هذا ذهب أبو تمام في قوله «نار ونور قيدا بوعاء» فسلك طريقًا آخر، وما ذهب إليه هؤلاء أجود وأحسن، وهو شيء تراه مشاهدة.
وقد أنشد ثعلب قول البحتري هذا في أماليه، وقال: إنه أخذ المعنى من قول الأعشى:
تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطق
وقال: إن هذا البيت أجود ما قيل في وصف الخمر.
وقوله: «تنفست في أوجه الأرواح والأنداء».
وإذا تنفست في أوجه الأرواح والأنداء وعقبت بها، حملتها وأشاعت روائحها.
(3/603)

وقوله: «وفواقع مثل الدموع ترددت» بيت بارع اللفظ حلو المعنى، وقد اجتهد أصحاب أبي تمام أيضاً في إفساده، وقالوا: الدموع لا تردد في الخد كما يتردد الحباب في الكأس، وإنما الدموع تجري وتتابع، وهذه معارضة لا تلزمه، لأن التردد قد يكون الجولان وقد يكون التتابع لأنك تقول: «تتابعت رسلي إليك وترددت، وتواترت كتبي وترددت» وقد يجري الحباب في الكأس إلى جهة واحدة كما يجري الدمع في الخد إلى جهة واحدة، ويقف الدمع في صحن الخد، كما تقف الحباب في صحن الكأس، وما تشبيه هو أليق ولا أحسن من تشبيه حمرة الخمر بحمرة الخد وحمرة الخد بحمرة الخمر، فإذا وصف الحباب فمن أليق التشبيه أن يشبه بالدمع وهذا بيت في غاية الحسن والصحة.
وقوله: «يسقيكها رشأ يردها سكرى» مبالغة حسنة ومعنى في غاية الملاحة.
ولست أفضل أحدهما على الآخر في هاتين القطعتين، بل أجعلهما متكافئين.
وقال أبو تمام:
وقفت بها اللذات في متنفس ... من الغيث يسقي روضة ثرى جعد
وصفراء أحدقنا بها في حدائق ... تجود من الأثمار بالثعد والمعد
(3/604)

بقاعية تجري علينا كؤوسها ... فتبدي الذي نخفي وتخفي الذي نبدي
وقال:
أصب بحميًا كأسها مقتل العذل ... تكن عوضاً إن عنفوك من العذل
وكأس كمعسول الأماني شربتها ... ولكنها أجلت وقد شربت عقلي
إذا عوتبت بالماء كان اعتذارها ... لهيباً كحر النار في الحطب الجزل
إذا هي دبت في الفتى خال جسمه ... لما دب فيه قرية من قرى النمل
إذا ذاقها وهي الحياة رأيته ... يقطب تقطيب المقدم للقتل
إذا اليد نالتها بوتر توقرت ... على ضغنها ثم استقادت من الرجل
تصرع ساقيها بإنصاف شربها ... وصرعهم بالجور في صورة العدل
(3/605)

قوله: «مقتل العذل» و «إن عنفوك من العذل» ليس بجيد، وإن كان جائزاً.
وقوله: «إذا هي دبت في الفتى خال جسمه».
أراد قول الأخطل:
تدب دبيباً في العظام كأنه ... دبيب نمال في نقا يتهلل
فأخذ المعنى فأفسده برديء لفظه.
وقوله:
إذا اليد نالتها بوتر توقرت ... على ضغنها ثم استقادت من الرجل
وهو الجيد من هذه الأبيات.
وقد قال ديك الجن:
تظل بأيدينا نتعتع روحها ... فتأخذ من أقدامنا الراح ثارها
وكانا في عصر واحد، وأصحاب البحتري يقولون: إن أبا تمام هو الأخذ من ديك الجن، وإن ديك الجن كان أتيه وأجن من أن يسرق من أبي تمام، وهذا عندي حكم على الغيب، ولم لا يكون أبو تمام أولى بالتيه من ديك الجن وأبعد من أن يسرق من أهل عصره، وفي الجملة إن بيته أجود من بيت ديك الجن، وإن كان لعجز بيت ديك الجن حلاوة.
(3/606)

وقال أبو تمام:
أفيكم فتى حي فيخبرني عني ... بما شربت مشروبة الراح من ذهني؟
غدت وهي أولى من فؤادي بعزمتي ... ورحت بما في الدن أولى من الدن
لقد تركتني كاسمها وحقيقتي ... مجاز وصبح من يقيني كالظن
هي اختدعتني والغمام ولم أكن ... بأول ما أسلمت عقلي إلى الدجن
إذا اشتعلت في الكأس والطاس نارها ... تقبلتها من راحتي يقق لدن
هراق الصبا في وجنتيه ملاحة ... فتنت بها أيام يوسف في الحسن
إذا نحن أومأنا إليه أدارها ... سلافًا كماء الجفن وهي من الجفن
تورد روح المرء من كل وجهة ... وتدخل منه حيث شاءت بلا إذن
ومسمعنا طفل الأنامل عنده ... لنا كل يوم من قرى العين والأذن
لنا وتر منه إذا ما استحثه ... فصيح ولحن في أمان من اللحن
(3/607)

وفي روضة بيتية صبغت لها ... جداولها نوارها صبغة العهن
ظللت بها في جنة غاب نحسها ... تذكرنا لذاتها جنة العدن
نعمنا بها في بيت أروع ماجد ... من القوم آب للدنية واللعن
فتى شق من عود المحامد عوده ... كما اشتق مسموه له اسماً من الحسن
وهذه أبيات منها جيد حلو، ومنها رديء المعنى واللفظ، قبيح النسج.
فقوله: «وصبح من يقيني كالظن» رديء: من أجل قوله: «وصبح» كأنه أراد أن يقول: «صحيح من يقيني كالظن» فلم يستو له أن يقول: «صحيح»، فجعل مكانه «صبح»، أي: واضح يقيني ونيره كالظن.
وقوله: «هي اختدعتني والغمام» بيت صحيح المعنى رديء اللفظ والنسج.
وكذلك قوله: «إذا اشتعلت في الكاس والطاس» وقد كانت الكاس تكفي من ذكر الطاس، وإن كان هذا يسوغ، ومثله موجود في أشعار الناس.
وقوله: «راحتي يقق لدن» يريد راحتي أبيض ناعم، وأبيض ناعم أجود وأحسن لفظاً من «يقق لدن» وأحلى في هذا الموضع.
وقوله: «هي من الجفن» يريد الكرم، ويقول: هي من الكرم، أي ليست من التمر ولا غيره من الأشربة التي ليست خمراً.
(3/608)

وقوله: «بيتية» يريد أنهم كانوا في دار لها بستان، لا في صحراء؛ لأنه قال: «نعمنا بها في بيت أروع ماجد».
وقوله: «في صبغة العهن» يريد الشقائق، و «العهن» الصوف الأحمر.
وقوله: «آب للدنية واللعن» أي: يأبى أن يأتي من الفعل ما يلعن من أجله.
وقوله: «كما اشتق مسموه له اسمًا من الحسن» يريد أن اسمه حسن.
وليس لأبي تمام في وصف الخمر ومعاطاة الندمان شيء غير ما ذكرته.
والبحتري ملي وفي بهذا الباب وما يتصل به ويدخل في معناه، فمن ذلك قوله:
رويدك إن شانك غير شاني
وكم غلست مدلجاً بصحبي ... على متعصفر الناجود قان
أغادي أرجوان الراح صرفًا ... على تفاح خد أرجواني
إذا مالت يدي بالكأس ردت ... بكف خضيب أطراف البنان
تأمل من خلال الشك فانظر ... بعينيك ما شربت ومن سقاني
تجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إلي من الرحيق الخسرواني
(3/609)

سبوت الإصطباح معشقات ... وأحظاهن سبت المهرجان
أتى يهدي الشتاء على اشتياق ... إليه وصيب الديم الدواني
يحيني بنرجسه ويدني ... مكان الورد ورد الزعفران
ومن أكرومة حث الندامى ... وإعمال المثالث والمثاني
وليس له في هذه الأبيات اختراع، وإنما هي معاني الناس التي قد تداولوها حتى صارت كالمشتركة بينهم.
وقال:
أتراه يظنني أو يراني ... ناسيًا عهده الذي استرعاني؟
ونديم نبهته ودجى اللي ... ل وضوء النهار يعتلجان
قم نبادر به الصيام فقد أق ... بل ذاك الهلال من شعبان
بنت كرم يدنو بها مرهف القد ... غرير الصبا خضيب البنان
أرجوانية تشبه في الكأ ... س بتفاح خده الأرجواني
بات أشهى إلي من سنة النو ... م وأحلى من مفرحات الأماني
(3/610)

وقال:
أقام كل ملث الودق رجاس
هل من سبيل إلى الظهران من حلب ... ونشوة بين ذاك الورد والآس
إذ أقبل الراح والأيام مقبلة ... من أهيف خنث العطفين مياس
أمد كفي لأخذ الكأس من رشأ ... وحاجتي كلها في حامل الكاس
ببرد أنفاسه أشفي الغليل إذا ... دنا فقربها من حر أنفاسي
وقال:
بعمرك تدري أي شأني أعجب
ألا ربما كأس سقاني سلافها ... رهيف التثني واضح الثغر أشنب
إذا أخذت أطرافه من قنوئها ... رأيت اللجين بالمدامة يذهب
كأن بعينيه الذي جاء حاملًا ... بكفيه من ناجودها حين يقطب
لأسرع في عقلي الذي بت موهنًا ... أرى من قريب لا الذي بت أشرب
لدى روضة جاد الربيع نباتها ... بغر الغوادي تستهل وتسكب
إذا أصبح الحوذان من جنباتها ... تفتح وهمت الدنانير تضرب
(3/611)

وقال:
أكان الصبا إلا خيالًا مسلمًا ... أقام كرجع الطرف ثم تصرما
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا ... من الحسن حتى هم أن يتكلما
وقد نبه النوروز في غلس الدجى ... أوائل ورد كن بالأمس نوما
يفتقه برد الندى فكأنه ... ينث حديثاً كان قبل مكتما
ومن شجر رد الربيع لباسه ... عليه كما نشرت وشيًا منمنما
أحل وأبدى للعيون بشاشة ... وكان قذى للعين إذ كان محرما
ورق نسيم الريح حتى حسبتها ... تجيء بأنفاس الأحبة نعما
فما يحبس الراح التي أنت خلها ... وما يمنع الأوتار أن تترنما!؟
وما زلت شمسًا للندامى إذا انتشوا ... وراحوا بدورًا يستحثون أنجما
تكرمت من قبل الكؤوس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن قبل تكرما!
وهذا المعنى الذي أبر البحتري فيه على كل محسن، لأن امرأ القيس قال:
سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر
(3/612)

وقال عنترة:
وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
وما زال من يتعصب على البحتري يجتهد في الطعن على إحسانه في هذا البيت، فإنهم قالوا في قوله: «تكرمت من قبل الكؤوس عليهم»: إن التكرم إنما هو أن يتكلف الكرم، ويتعاطاه وليس من أهله، وكان الأجود أن يقول «كرمت».
وهذا غلط منهم قبيح، إنما التكارم هو أن يظهر الكرم وليس من أهله، وكذلك التحالم والتجاهل والتعاقل وما أشبه ذلك، فأما التكرم معناه: أنه جعل نفسه كريمًا، وأدخلها في الكرم، وذلك مثل تشجعت وتجلدت وتبصرت، ومثل هذا لا يكون الإنسان مذمومًا ولا معيبًا به، بل ممدوحًا، ويستعمل «كرم وتكرم» على وجه واحد، وكذلك شجع وتشجع، وخشع وتخشع.
وقد قال عنترة: «وكما علمت شمائلي وتكرمي» وهذا ما لا ينكره من له علم بكلام العرب، وعلى أن البحتري قد بين هذا وجمع بين هذين الفعلين في بيت وفرق بينهما فقال:
وأرى التكرم في الرجال تكارمًا ... ما لم يكن بمحاتد ومناصب
وقال:
عذيري من نأي غدًا وبعاد
تدارك غي نشوة في لقائها ... ذممت لها حتى الصباح رشادي
(3/613)

وما بلغ النوم المسامح لذة ... سرى أرقي في حينها وسهادي
على باب قنسرين والليل لاطخ ... جوانبه من ظلمة بمداد
كأن القصور البيض في جنباته ... خضبن مشيباً نازلًا بسواد
كأن انخراق الجو غير لونه ... لبوس حديد أو لباس حداد
كأن النجوم المستسرات في الدجى ... سكاك دلاص أو عيون جراد
ولا قمر إلا حشاشة غائر ... كعين طماس رنقت لرقاد
فبتنا وباتت تمزح الكأس بيننا ... بأبيض رقراق الرضاب براد
ولم نقترق حتى بدا الديك هاتفاً ... وقام المنادي بالصلاة ينادي
قوله: «تدارك غيي نشوة» كلام حلو عجب من العجب.
وقوله:
«وما بلغ النوم المسامح لذة ... سرى أرقي في حينها ............»
أي: ما بلغ النوم لذة ذهب أرقي في وقتها، والسرى: مسير الليل، يريد مضى أرقي في حينها، وهذا أيضاً معنى حسن لطيف.
(3/614)

وقد كرر في هذه الأبيات معنى واحدًا في ثلاثة أبيات متوالية، وهذا لم يكن من عادته ومذهبه، ولا عرفت له مثله، وذلك قوله:
........................... والليل لا طخ ... جوانبه من ظلمة بمداد
وقوله:
خضبن مشيباً نازلًا بسواد
وقوله:
لبوس حديد أو لباس حداد
وكان في بيت واحد هذه الثلاثة الأبيات كفاية، ولكنه جاء بهذه الثلاثة المعاني لاختلافها.
وقوله: كعين «طماس»، «فطماس» كان رجلاً صغير العين أخفشها، لا يكاد يقل جفنه وينظر إلا بشدة، وكان البحتري قد أولع بذكره في شعره، وقد ذكره في غير موضع. وما تؤتي «؟» هذه الأبيات من براعة وحسن معنى وفصاحة.
وقال لعبد الله بن الحسين - وكان أهدى أليه نبيذًا -:
خان عهدي معاودًا خون عهدي
ليس برح الغرام ما بت تخفي ... إن برح الغرام ما بت تبدي
(3/615)

صب يسقي فكاد يصبغ ماجا ... ور من حمرتي مدام وخد
وجنى الورد ثالث فسبيلي ... شم ورد طورًا وتقبيل ورد
حسنت ليلة الثلاثاء وابيض ... ت بمسودها يد الدهر عندي
بات أرضى الأحباب عندي وعبد ال ... له أرضى بني الحسين بن سعد
سيد يصرع المكارم في السؤ ... دد بالساعد القوي الأشد
قد أتتنا تلك الهدية والصه ... باء من خير ما تبرعت تهدي
وتركنا لك المراكب من أح ... وى غريب في لونه وسمند
وبني الروم بين أبيض بض ... مشرق لونه وآخر جعد
واقتصرنا على التي فاجأتنا ... وردة عندما استشفت لورد
لبست زرقة الزجاج فجاءت ... ذهبًا يستنير في لازورد
ومن نادر شعر البحتري وفاخر كلامه قوله يخاطب أبا صالح بن عمار الحلبي في أبياته التي أولها:
هذا كتابك فيه الجهل والعنف
(3/616)

مالي وللراح تدعوني لأشربها ... ولي فؤاد بشيء غيرها كلف
إن التزاور فيما بيننا خطر ... والأرض من وطأة البرذون تنخسف
إذا اجتمعنا على يوم الشتاء فلي ... هم بما أنا لاق حين انصرف
أللغدير إذا ضاق الطريق به ... أم للطريق المعمى حين ينعطف
وقلت دجن يريق الماء ريقه ... من كل غادية أجفانها وطف
وكيف يطرب للدجن المقيم إذا ... سحت سحائبه من بيته يكف
لا أقرب الراح أو تجلو السماء لنا ... شمس الربيع وتبهى الروضة الأنف
ويفتق الروض خضرًا من معصفرة ... فيكتسي نوره القاطول والنجف
هناك تجميع شمل كان مفترقاً ... منا وتأليف رأي كان يختلف
وقد قال أبو تمام في هذا المعنى إلا أن البحتري أبر عليه وزاد، وذلك قوله في آل مصعب:
(3/617)

قولا لإبراهيم والفضل الذي ... سكنت مودته جنوب شغافي
منع الزيارة والوصال سحائب ... شم الغوارب جأبة الأكناف
ظلمت بني الحاج النزيع وأنصفت ... عرض البسيطة أيما إنصاف
فأتت بمنفعة الرياض وضرها ... أهل المنازل ألسن الوصاف
فجفوتكم وعلمت في أمثالها ... أن الوصول هو القطوع الجافي
لما استقلت ثرة أخلاقها ... مملوءة الأرجاء والأكناف
وعلمت ما يلقى المزور إذا همت ... من ممطر ذفر وطين خفاف
شهدت لها الأنواء أجمع أنها ... من مزنة لكريمة الأطراف
فكم اغتدت فيها السماء فأنعمت ... للأرض من تحف ومن ألطاف
فكأنني بالروض قد أجلى لنا ... عن حلية من وشية أفواف
(3/618)

وكانني بالشدقمية وسطه ... خضر اللهى والوظف والأخفاف
إن الشتاء على شتامة وجهه ... لهو المفيد طلاقة المصطاف
وقال البحتري:
أناة أيها الفلك المدار
ويوم بالمطيرة أمطرتنا ... سماء صوب وابلها عقار
نزلنا منزل الحسن بن وهب ... وقد درست مغانيه القفار
تلقانا الشتاء به وزرنا ... بنات اللهو إذ قرب المزار
أقمنا أكلنا فيها استلاب ... هناك وشربنا فيها بدار
تنازعنا المدامة وهي صرف ... وأعجلنا الطرائح وهي نار
ولم يك ذاك سخفاً غير أني ... رأيت الشرب سخفهم الوقار
رضينا من عقيد وابن حبر ... بصوت الأثل إذ متع النهار
تزعزعه الشمال إذا توافى ... على أنفاسها قطر صغار
(3/619)

غداة دجنة للغيث فيها ... خلال الروض حج واعتمار
كأن الريح والمطر المناجي ... خواطرها عتاب واعتذار
كأن مدار دجلة حيث جاءت ... بأجمعها هلال أو سوار
ومن جيد شعره وبارع ألفاظه قوله في قصيدته:
توهم ليلى وأظعانها
سرى البرق يلمع في مزنة ... تمد إلى الأرض أشطانها
فلا تسألا باستواء الزما ... ن وقد وافت الشمس ميزانها
شبيبة لهو تلقيتها ... فسايرت بالراح ريعانها
ولا أريحية حتى ترى ... طروب العشيات نشوانها
وليست مداماً إذا أنت لم ... تواصل مع الشرب إدمانها
وكم بالجزيرة من روضة ... تضاحك دجلة ثعبانها
غرائب تخطف لحظ العيون ... وقد جلت الشمس ألوانها
إذا غرد الطير فيها ثنت ... إليك الأغاني ألحانها
(3/620)

تسير العمارات أيسارها ... ويعترض القصر أيمانها
وتحمل دجلة حمل الجموح ... حتى تناطح أركانها
كأن العذارى تمشي بها ... إذا هزت الريح أفنانها
تعانق للقرب شجراؤها ... عناق الأحبة أسكانها
فطوراً تقوم الصبا ... وطوراً تميل أغصانها
جنوحاً تنقل أفياءها ... كما جرت الخيل أرسانها
ومن جيد شعره في الخمر قوله:
قد سقاني ولم يصرد أبو الغو ... ث على العسكرين شربة خلس
من عقار تقولها وهي نجم ... ضوأ الليل أو مجاجة شمس
وتراها إذا أجدت سروراً ... وارتياحاً للشارب المتحسي
أفرغت في الزجاج من كل قلب ... فهي محبوبة إلى كل نفس
قوله: «وهي نجم» من: وهى يهي: أي: ما ينفصل من النجم، يريد ضوء النجم عند انقضاضه، ومن يخالفه يقول: ليس ذلك الضوء من النجم، ولكن قد جرى على الألسن.
(3/621)

وقد ذكر هذه اللفظة في موضع آخر من شعره فقال في وصف فرس أشقر:
لو أوقد المصباح منه لسامحت ... بضيائه شية كوهي الكوكب
وقوله: «أو مجاجة شمس» من نحو هذا، يريد ضوء الشمس، وضوؤها هو الذي تمجه على الأرض.
وقوله: «أفرغت في الزجاج من كل قلب»، من معانيه التي يسألأ عنها، وإنما أراد «وتراها إذا أجدت» بضم التاء، أي: تحسبها أفرغت في الزجاج من كل قلب، أي: كأن القلوب كانت أوعيتها، فمن أجل ذلك صارت محبوبة إلى كل نفس.
وقد قيل: إنما أراد أن الذي يسكبها في الإناء لا يسكبها بتكلف ولا على سبيل ضرورة، ولا عمل كسائر الأعمال التي لا لذة فيها لمن يعملها، لكن يسكبها وهو على أتم شهوة لذلك ومسرة به، والتذاذ له، فكأن قوله: «من كل قلب» أي يفرغها في كأسها من كل قلبه، فهذه كلمة مستعملة، ألا تراهم يقولون: ليس هذا من كل قلبك، في الشيء الذي يظن أن الإنسان قد أبطن غيره.
(3/622)

وهذا من نادر شعره ومشهور إحسانه ومعانيه.
وقال أبو تمام وكتب بها إلى الحسن بن وهب يستهدي منه نبيذا:
جعلت فداك عبد الله عندي ... بعقب البعد منه والبعاد
له لمة من الكتاب بيض ... قضوا حق الزيادة والوداد
وأحسب يومهم إن لم تجدهم ... مصادف دعوة منهم جماد
فكم نوء من الصهباء سار ... وآخر منك بالمعروف غاد
فهذا يستهل على غليلي ... وهذا يستهل على بلادي
ويسقي ذا مذانب كل عرق ... ويترع ذا قرارة كل واد
دعوتهم عليك وكنت ممن ... نعنيه على العقد الجياد
قوله: «البعد والبعاد» جعل البعد منه في موضع هجره، وجعل البعاد الغيبة، وقوم يروونه: «بعقب الصد منه والبعاد» والذي قاله الرجل هو هذا، لأني كذا وجدته في الأصول العتق.
وقوله: «فهذا يستهل على غليلي» أي: يروي عطشي «وهذا يستهل على بلادي» أي على مواطني ومحلي، وقوم يروونه «يستهل على تلادي» وذاك عندي خطأ، لأنه لا يؤدي إلى معنى، إلا أن يعلمنا أن معروف
(3/623)

الممدوح انضاف إلى مال له تالد، وهذا يوجب ألا يكون معروف الممدوح وقع منه موقع حاجة كوقوع الشراب الذي بل غليله، ولأن يكون استهل على بلاده ومحله أولى، وليس هو أيضاً بالجيد ولا الحلو.
وقال البحتري -وكتب بها إلى أحمد بن محمد بن شجاع يستهديه نبيذاً في آخر ليلة من شعبان-:
لك الخير ما مقدار عفوي وما جهدي ... وآل حميد عند آخرهم عندي
تتابعت الطاءان طوس وطيء ... فقل في خراسان وإن شئت في نجد
أتوني بلا وعد وإن لم تجد لهم ... براحهم راحوا جميعاً على وعد
ولم أر خلاً كالنبيذ إذا جفا ... جفاك له خلانه وذوو الود
ومما دهى الفتيان أنهم غدوا ... بآخر شعبان على أول الورد
غداً يحرم الماء القراح وتنتوي ... وجوه من اللذات مشجية الفقد
أعنا على يوم يشيع لهونا ... إلى ليلة فيها له أجل مرد
ولست أعد كم ليلة لك سامحت ... يدي ومجد منك شيد لي مجدي
وما النعمة البيضاء في شركة الغنى ... بل النعمة البيضاء في شركة الحمد
وهذا من جيد الشعر وحلو المعاني.
قوله: «عند آخرهم عندي» أي: عن آخرهم، «وتنتوي وجوه»: هو من النية والنوى، أي: تبعد.
(3/624)

وقوله: «لك الخير» أحسن من قول أبي تمام: «جعلت فداك».
وقال البحتري يخاطب أبا صالح بن عمار الحلبي:
أخي إنه أضعت به رشدي ... ولم أر هزلي في انصرافي ولا جدي
تركتك لما استوقف الدجن ركبه ... علينا وطار القلب خوفاً من الرعد
يجر على الغيث هداب مزنة ... وآخرها فيه وأولها عندي
تعجل عن ميقاته فكأنه ... أبو صالح قد بت منه على وعد
وظلت أقاسي حارثيك بعدما ان ... صرفت فسلني عن معاشرة الجند
(3/625)

له خلق جاسي النواحي كأنني ... أمارس منه هادي الأسد الورد
وهذا من أحسن كلام وأحلى مذهب
وقال يخاطب أبا نوح ويستهديه شراباً:
قربت من الفعل الكريم يداكا ... ودنا على المتطلبين جداكا
فاسلم أبا نوح لتشييد العلا ... وفداك من صرف الزمان عداكا
إبي لأضمر للربيع محبة ... إذ كنت أعتد الربيع أخاكا
وأراك بالعين التي لم تنصرف ... ألحاظها إلا أتى نعماكا
ما للمدام تأخرت عن فتية ... عزموا الصبوح وأملوا جدواكا
بكرت لهم سقيا السحاب وقصرت ... عنهم أوان تعلة سقياكا
ما كان صوب المزن يطمع قبلها ... في أن يجيء نداه قبل نداك
ولديك صهباء كأن نسيمها ... من طيب عرفك أو جميل نثاكا
وكأن بشرك في شعاع كؤوسها ... لما توالت في الأكف دراكا
تجلو برونقها العيون إذا أتت ... رسلاً ونشربها على ذكراكا
يغني النديم عن الغناء حديثنا ... بمحاسن لك لم تكن لسواكا
(3/626)

فقوله: «تجلو برونقها العيون» أي: تجلو أبصارنا كما يقال: النظر إلى كذا يجلو البصر.
وقال:
عدمت النغيل فما أدمره ... وأولى الصديق بأن يهجره
إذا قلت قدمه كيسه ... عراه من النقص ما أخره
دعانا إلى مجلس فاحش ... قبيح بذي اللب أن يحضره
فجاء نبيذ له حامض ... يشق على الكبد المقفره
إذا صب مسوده في الزجا ... ج فكأس النديم به محبره!
تركت مشمس قطربل ... وجرعتنا دقل الدسكره
ومالي أطعتك في شربه ... وما كنت أعهدني ذا شره
وما يعتريني الذي يعتري ... ك بحق السواد من الأبخره
(3/627)

فلأياً عزمنا على الإنصرا ... ف وقد أوجب الوقت أن تحذره
فقمنا على عجل والنجو ... ممولية قد هوت مدبره
وكان الجواز على علة ... وكدنا نبيت في المقطره
ولما نزلت أطل الخما ... ر بحد سماديره المسهره
ولا تسألني عن حالة ... بليت بها صعبة منكره
وليلة سوء أمرت علي ... كليلة شيخك في القوصره
هذا البيت الأخير يدل على أنه النغيل بالنون.
وقال أبو تمام:
قد عرفنا دلائل المنع أو ما ... يشبه المنع في احتباس الرسول
وافتضحنا عند الزبيب بما صح ... لديه من قبح وجه الشمول
فاجأتنا كدراء لم تسي من تس ... نيم جريالها ولا سلسبيل
بعقار لا نشرها نفحة المس ... ك ولا خدها بخد أسيل
(3/628)

وكأن الأنامل اعتصرتها ... بعد كد من ماء وجه البخيل
فهي نزر لو أنها من دموع الص ... ب لم تشف من حر الغليل
لا تهدى سبل العروق ولا تن ... سل من مفصل بغير دليل
احتساباً بذلتها أم تصدق ... ت بها رحمة على ابن السبيل
قد كتبنا لك الأمان فما تس ... أل شيئاً عمر الزمان الطويل
رب معط قد امتحنا نداه ... وعرفنا كثيره بالقليل
فالبحتري اقتص ما جرى عليه، وقوله: «فكأس النديم به محبرة» معنى صالح.
وذم أبي تمام لشرابه أجود وأبلغ، وغرضه فيه أحسن، وقول البحتري:
«وكأس النديم به محبرة» نحو قول ابن الرومي:
لو تراني وفي يدي قدح الدو ... شاب أبضرت بازيار الغراب
وما قال أول ولا آخر في وصف الخمر والندمان كقول أبي نواس فإنه أبر فيه على من قبله، ولم يطمع في اللحاق به من بعده.
(3/629)

وقال البحتري في بعض بني حميد:
خير يوميك في الهوى واقتباله
نعمت كأسه بطيب فقلنا ... أعيت نشر خلة من خلاله
إن فزعنا إليه في الراح أدت ... نا إليها طوعاً سيوب سجالة
نتلقى المدام من جود كف ... يختطيها لنا إلى حر ماله
فتركنا يمينه لجداه ... واستمحنا ناجوده من شماله
وهذا ما لا مزيد عليه في الحسن والحلاوة والبراعة.
وقال يمدح بعض بني مخلد ويطلب منه شراباً:
أرى الله خص بني مخلد ... بأكرم مأثرة للعرب
تضاف الخلافة في دورهم ... فتخبر عن سروهم بالعجب
ملوك لهم عادة في القرى ... تورثها حسب عن حسب
ترى الكأس صافية كاللجي ... ن والخمر صافية كالذهب
(3/630)

وقال في علي بن يحيى الأرمني:
أبلغ أبا حسن بآية جوده ... عندي ونعمته التي لا تجهل
إني بلوت له خلالاً لم يرح ... في مثل أصغرها الغمام المسبل
ماذا نقول فلم تزل ذا همة ... فصل تقول بها الجميل وتفعل
في فتية بكروا علي تطرباً ... من أوجه شتى وفيهم دعبل
وعليك سقياهم لنا إذ لم يكن ... في نوبة إلا عليك معول
وأحق من وسع الندامى جوده ... بالراح من كانت له قطربل
(3/631)

صفحة فارغة
[632]
(3/632)

* باب في وصف الغلمان واستهدائهم
قال أبو تمام -وأهدى إليه الحسن بن وهب غلامًا- في قصيدته التي أولها:
لمكاسر الحسن بن وهب أطيب
قد جاءنا الرشأ الذي أهديته ... خرقاً ولو شئنا لقلنا المركب
لدن البنان له لسان أعجم ... خرس معانيه ووجه معرب
يرنو فيثلم في القلوب بطرفه ... ويعن للنظر الحرون فيصحب
قد صرف الرانون خمرة خده ... وأظنها بالريق منه ستقطب
حمد حبيت به وأجر حلقت ... من دونه عنقاء ليل مغرب
خذه وإن لم ترتجع معروفه ... محض إذا ذكر الرجال مهذب
وانفخ لنا من طيب خيمك نفحة ... إن كانت الأخلاق مما يوهب
(3/633)

وقال البحتري وأهدى إليه محمد بن علي القمي غلاماً، وكان البحتري يواصله فانقطع عنه، فكتب إليه محمد بن علي:
هجرت كأن الوصل أعقب وحشة ... وما خلت وصلاً قبله يعقب الهجرا
فقال البحتري مجيباً له:
فتى مذحج عفواً فتى مذحج غفرا ... لمعتذر جاءت إساءته تترا
ومن يهب النيل الذي سمحت به ... يداك بلا من فلن يمنع العذرا
فإن قلت بي كبر فمثل الذي أرى ... على الناس من نعماك يملؤني كبرا
مواهب لي منها الغنى فمتى التقى ... بساحتها حمد فلي حمدها طرا
تضاف إلى مجدي وتجري إلى يدي ... فأملكها مالاً وأملكها فخرا
أتاني قريض منك يحدوه نائل ... فأنطقني جوداً وأفحمني شعرا
وأكسبني شغلاً عن الوصل شاغلاً ... تعاتبني فيه وتعتده هجرا
فإن كنت مشغوفاً بقربي آنساً ... بشخصي فلم خولتني ذلك البدرا
لئن كان إسعافي به منك قبلها ... وفاء لقد كان انفرادي به غدرا
وما هو إلا درة لم أجد لها ... سوى جودك الأمسي من دونها بحرا
حملت عليه في سبيل فتوة ... هي الثغر دون المجد أو تفضل الثغرا
فأنت تصيب الحمد حيث تلألأت ... كواكبه إن أنت لم تصب الأجرا
(3/634)

وجدت نداك اليوم ألطف موقعاً ... وقد كان لي خلاً فأصبح لي صهرا
فإن أنا لم أشكرك جاهداً ... فلا نلت نعمى بعدها توجب الشكرا
أخذ معنى قوله:
«فأنت تصيب الحمد حيث تلألأت ... كواكبه ...................»
من قول أبي تمام:
حمد حبيت به وأجر حلقت ... من دونه عنقاء ليل مغرب
وبيت أبي تمام أجود.
وقال البحتري يستهدي أبا إسحاق إبراهيم بن المدبر غلاماً:
عمرت أبا إسحاق ما صلح العمر ... ولا انفك مزهواً بأيامك الدهر
لنا كل يوم من عطائك نائل ... وعندك من تقريظنا أبداً نشر
وأنت ندى نحلته حيث لا ندى ... وقطر يرجى جوده حيث لا قطر
على أنني بعد الرضا متسخط ... ومستعتب من خطة سهلها وعر
وقد أوحشتني ردة لم أكن لها ... بأهل ولا عندي بتأويلها خبر
فكم جئت طوع الشوق من بعد غاية ... إلى غير مشتاق وكم ردني بشر
وما باله يأبى دخولي وقد رأى ... خروجي من أبوابكم ويدي صفر
(3/635)

وقد أدرك الأقوام عندك سؤلهم ... وعمهم من سيب أحسانك الكثر
فكيف ترى المحمول كرهاً على الصدى ... وقد صك رجليه بأمواجه البحر
تأت لموتور بدا لك ضغنه ... فإن الحجاب عند ذي خر وتر
وقد زعموا أن ليس يغتصب الفتى ... على عزمه إلا الهدية والسحر
فإن كنت يوماً لا محالة مهدياً ... ففي المهرجان الوقت إن فاتك الفطر
وإن تهد ميخائيل ترسل بتحفة ... تقضى لها العتبى ويغتفر الوزر
غرير تراءاه العيون كأنما ... أضاء لها في عقب داجية فجر
ولو يبتدي في بضع عشرة ليلة ... من الشهر ما شك امرؤ أنه البدر
إذا انصرفت يوماً بعطفيه لفتة ... أو اعترضت من لحظه نظرة شزر
رأيت هوى قلب بطيئاً نزوعه ... وحاجة نفس ليس عن مثلها صبر
ومثلك أعطى مثله لم يضق به ... ذراعاً ولم يحرج به أو له صدر
على أنه قد مر عمر لطيبه ... ومن أعظم الآفات في مثله العمر
غداً تفسد الأيام منه ولم يكن ... بأول صافي الحسن غيره الدهر
ويمنى بحضني لحية مدلهمة ... لخديه منها الويل إن ساقها قدر
تجاف له عنه فإنك واجد ... به ثمناً يغليه في مدحك الشعر
ولا تطلب العلات فيه وترتقي ... إلى حيل فيها لمعتذر عذر
فقد يتغابى المرء في عظم ماله ... ومن تحت ثوبيه المغيرة أو عمرو
(3/636)

ويخرق بالتبذير وهو مجرب ... فلا يتمارى القوم في أنه غمر
ومن لم ير الإيثار لم يشتهر له ... فعال ولم يبعد لسؤدده ذكر
فإن قلت نذر أو يمين تقدمت ... فأي جواد حل في ماله نذر
أتعتده علقاً كريماً فإنما ... مرام كريم القوم أن يكرم الذخر
وإن كنت تهواه وتأبى فراقه ... فقد كان وفر قبله فمضى وفر
وألطف منه في الفؤاد محلة ... ثناء تبقيه القصائد أو شكر
وهذا من إحسان أبي عبادة المشهور.
وقال يخاطب أبا جعفر حميد ويستهديه غلاماً في قصيدة أولها:
أبكاء في الدار بعد الدار
قد مللناك يا غلام فغاد ... بسلام أو رائح أو سار
سرقات مني خصوصاً فهلا ... من عدو أو صاحب أو جار
أنا من ياسر ويسر وفتح ... لست من عامر ولا عمار
لا أريد النظير يخرجه الشت ... م إلى الاحتجاج والإفتخار
وإذا رعته بناحية السو ... ط على الذنب راعني بالفرار
ما بأرض العراق يا قوم حر ... يفتديني من خدمة الأحرار
هل جواد بأبيض من بني الأص ... فر ضخم الجدود محض النجار
(3/637)

لم ترع قومه السرايا ولم يغ ... زهم غير جحفل جرار
أو خميس كأنما طرقوا من ... ه بليل أو صبحوا بنهار
في زهاه أبو سعيد على آ ... ثار خيل قد حاجزته بثار
يتلظى كأنه لصفوف الس ... بي في عسكريه ذو الأذعار
فوق صعف الصغار إن وكل الأم ... ر إليه ودون كيد الكبار
رشأ تخبر القراطق منه ... عن كنار تضيء تحت الكنار
«عن كنار» أي عن جسم يضيء كالنار «تحت الكنار»، أي تحت القباء الذي يلبسه على جسده، أراه بالرومية، وهو اسم للقباء معروف.
لك من ثغره وخديه ما شئ ... ت من الأقحوان والجلنار
أعجمي إلا عجالة لفظ ... عربي تفتح النوار
وكأن الذكاء يبعث منه ... في سواد الأمور شعلة نار
يا أبا جعفر وما أنت بالمد ... عو إلا لكل أمر كبار
شمس شمس وبدر آل حميد ... يوم عد الشموس والأقمار
وفتى طيء وشيخ بني الصا ... مت أهل الأحساب والأخطار
(3/638)

لك من حاتم وأوس وزيد ... إرث أكرومة وإرث فخار
سمح بين برمة أعشار ... تتكفا وجفنة أكسار
وسيوف مطبوعة بالمنايا ... واقعات مواقع الأقدار
تلك أفعالهم على أول الده ... ر وكانوا جداولاً من بحار
أملي فيكم وحقي عليكم ... ورواحي إليكم وابتكاري
واضطرابي في الناس حتى إذا عد ... ت إلى حاجة فأنتم قصاري
ولعمري للجود للناس بالنا ... س سواه بالثوب والدينار
وعزيز إلا لديك بهذا ال ... فج أخذ الغلمان بالأشعار
وهذه ألفاظ ما أظنك سمعت بمثلها، ولا مثل ألفاظها وسبكها وكثرة مائها ورونقها.
وقال البحتري -وهي من مجونه النادر-:
يا أبا جعفر غدونا حديثاً ... في سواجير منبج مستفيضا
عظمت عذرتي إليك وطالت ... فاغفرن ذنبي الطويل العريضا
(3/639)

نك غلامي إذا اتخذت غلاما ... واعف إن المعروف كان قروضا
قطع ابن الغلائلي وداداً ... كان من قبل وصله مفروضا
بت أعطي منه غرائب حسن ... بات من منعها الوفاء مريضا
كفلاً ناعماً وكشحاً لطيفا ... وقواماً لدنا وطرفاً غضيضا
وغناء لمن أراد غناء ... وقريضاً لمن أراد قريضا
من جواد سمح يجمش باللح ... ظ ذكاء ويفهم التعريضا
ومباح فما يحصنه السو ... ر ولو بات دونه معروضا
وإذا ما أردت أن تمنع النا ... س ورود الفرات كنت بغيضا
وقال أبو تمام يخاطب الحسن بن وهب:
أبا علي لصرف الدهر والغير ... ولليالي وللأيام والعبر
أذكرتني أمر داود وكنت فتى ... مصرف القلب في الأهواء والذكر
أعندك الشمس قد راقت محاسنها ... وأنت مشتغل الأحشاء بالقمر
(3/640)

إن أنت لم تترك السير الحثيث إلى ... جآذر الروم أعنقنا إلى الخزر
إن النفور له مني مقر هوى ... يحل مني محل السمع والبصر
فرب أمنع منه جانباً وحمى ... قد بات ليلته مني على حذر
سيرت فيه جنود العزم فانكشفت ... عنه غيابتها عن نيكة هدر
سبحان من سبحته كل جارحة ... ما فيك من طمحان الأير والنظر
أنت المقيم فما تسري رواحله ... وأيره أبداً منه على سفر
وهذا أيضاً جيد حلو.
وقال أبو تمام أيضاً:
كشفتك الأيام يا إنسان ... لا تكن للذي أهنت الهوان
إن تكن قد فضضت بعدي فليست ... بدعة أن يفلق الرمان
نشرتك الكؤوس بعد عفاف ... كنت تطوى من تحته وتصان
أيها السابق المسامح في ال ... لذات والقصف أين ذاك الحران
ما تحداك رائض لك إلا ... قلت بيني وبينك الميدان
كيف أشقى بكم ويسعد غيري ... بهواكم حبي إذن كشخان
(3/641)

وهذا من رديء شعره وبارده المشهور في هذا المعنى.
ولأبي تمام في ذكر المردان وهجائهم وخروج اللحى والنتف ونحو هذه المعاني مقطوعات كثيرة رديئة ليس في ذكرها فائدة.
ومما يدخل في هذا الباب ما قاله البحتري في غلامه نسيم فمن ذلك قوله فيه وقد باعه:
قل للجنوب إذا غدوت فبلغي ... كبدي نسيماً من جناب نسيم
أخدعت عنك وأنت بدر خادع ... لليل من ظلم له وغيوم
كرم الزمان ولمت فيك ولا ترى ... عجباً سوى كرم الزمان ولومي
وظلمت نفسي جاهداً في ظلمها ... فاسمع ندامة ظالم مظلوم
قد زاد يوم البؤس بعدك أنه ... أفضى إلي بعقب يوم نعيم
وأقمت في قلبي وشخصك سائر ... لا تبعدن من سائر ومقيم
لا كان وجدي أين كان وأنت لي ... ملك وعهدي منك غير ذميم
الآن أطمع في هواك وبيننا ... عين الرقيب وباب إبراهيم
(3/642)

وقال:
دعا عبرتي تجري على الجور والقصد ... أظن نسيماً قارف الهجر من بعدي
خلا ناطري من طيفه بعد شخصه ... فيا عجباً للدهر فقداً على فقد
خليلي هل من نظرة توصلانها ... إلى وجنات ينتسبن إلى الورد
وقد يكاد القلب ينقذ دونه ... إذا اهتز في قرب من العين أو بعد
بنفسي حبيب نقلوه عن اسمه ... فبات غريباً في رخاء وفي سعد
ويا حائلاً عن ذلك الاسم لا تحل ... وإن جهد الأعداء عن ذلك العهد
كفى حزناً أنا على الوصل نلتقي ... فواقاً فتثنينا العيون إلى الصد
فلو تمكن الشكوى لخبرك البكا ... حقيقة ما عندي وإن جل ما عندي
هوى لا جميل في بثينة ناله ... بمثل ولا عمرو بن عجلان في هند
غصبتك ممزوجاً بنفسي ولا أرى ... لهم زاجراً ينهى ولا حاكماً يعدي
فوا أسفاً لو قاتل الأسف الجوى ... ولهفي لو أن اللهف في ظالم يجدي
أبا الفضل في تسع وتسعين نعجة ... غنى لك عن ظبي بساحتنا فرد
(3/643)

أتأخذه مني وقد أخذ الجوى ... مأخذه مما أسر وما أبدي
وتخطو إليه صبوتي وصبابتي ... ولم يخطه بثي ولم يعده وجدي
وقلت اسل عنه والجوانح حوله ... وكيف سلو ابن المفرغ عن برد
وقال فيه:
أنسيم هل للدهر وعد صادق ... مما يؤمله المحب الوامق
مالي فقدتك في المنام ولم تزل ... عون المشوق إذا جفاه الشائق
أمنعت أنت من الزيارة رقبة ... منهم فهل منع الخيال الطارق
اليوم جاز بي الهوى مقداره ... في أهله وعلمت أني عاشق
فليهنيء الحسن بن وهب أنه ... يلقى أحبته ونحن نفارق
(3/644)

* باب في وصف الرياض والأنوار والسحائب والأمطار وذكر الأبنية
قال أبو تمام في وصف الزهر:
رقت حواشي الدهر فهي تمرمر ... وغدا الثرى في حليه يتكسر
نزلت مقدمة المصيف حميدة ... ويد الشتاء جديدة لا تكفر
لولا الذي غرس الشتاء بكفه ... لاقى المصيف هشائماً لا تثمر
كم ليلة آسى البلاد بنفسه ... فيها ويوم وبله مثعنجر
مطر تذوق الصحو منه وبعده ... صحو يكاد من الغضارة يمطر
وندى إذا ادهنت به لمم الثرى ... خلت السحاب أتاه وهو معذر
غيثان فالأنواء غيث ظاهر ... لك وجهه والصحو غيث مضمر
أربيعنا في تسع عشرة حجة ... حقاً لهنك للربيع الأزهر
(3/645)

ما كانت الأيام تسلب بهجة ... لو أن حسن الأرض كان يعمر
أو لاترى الأشياء إن هي غيرت ... سمجت وحسن الأرض حين تغير
يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهاراً مشمساً قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر
دنيا معاش للورى حتى إذا ... جلي الربيع فأنما هي منظر
أضحت تصوغ بطونها لظهورها ... نوراً تكاد له القلوب تنور
من كل زاهرة ترقرق بالندى ... فكأنها عين إليه تحدر
تبدو فبحجبها الجميم كأنها ... عذراء تبدو تارة وتخفر
حتى غدت وهداتها ونجادها ... فئتين في حلل الربيع تبخر
(3/646)

مصفرة محمرة فكأنها ... عصب تيمن في الوغى وتمضر
من فاقع غض النبات كأنه ... در يشقق قبل ثم يزعفر
أو ساطع في حمرة فكأن ما ... يدنو إليه من الهواء معصفر
صنع الذي لولا بدائع صنعه ... لم يلف أصفر بعد إذ هو أخضر
قوله: «تذوق الصحو منه» أي: تتبين أنه يقلع ولا يدوم، وأن الصحو يأتي سريعاً في أثره، وقد صحف بعض من فسر شعر أبي تمام في هذه اللفظة فقال: «يروق الصحو منه» مكان «تذوق» وقال أخر: «تذوب الصخر منه».
وقوله:
«أو لا ترى الأشياء إن هي غيرت ... سمجت .................»
وقد فسرت معناه في جملة أبيات من شعره جعلت لتفسيرها جزءاً مفرداً.
(3/647)

وقوله: «فكأنها عين إليه تحدر» مما يسألأ عنه أيضاً أن يكون قدم كناية العين فيها، وأراد بقوله: «من كل زاهرة» يعني النور، وقد ذكره في البيت الذي قبله، فلذلك نكر، فقال: «إليه» أي: فكأن عيناً تتحدر إلى كل زاهرة، يعني عين ماء، وكان وجه الكلام: فكأنه عين إليها، أي: فكأن الندى عين إلى الزاهرة، فقلب فقال: «فكأنها عين إليه»، ومثل هذا القلب لا يسوغ لمثله، وإلى واللام تعتقبان، قال الله تعالى:
«بأن ربك أوحى لها»
(3/648)

وقال في موضع آخر:
«وأوحى ربك إلى النحل»
فإن كان هذا يجوز في كل موضع، فلعله أراد: فكأنها عين، أي: فكأن الزاهرة عين للذي يتحدر.
وهذه أبيات حسان، وتشبيهات وتمثيلات صحيحة، ولكن الصنعة وشدة التكلف ظاهران فيها، وليس لفظها، ولا نسجها بالحلو، والجيد النادر في هذا المعنى قول البحتري:
مثالك من طيف الخيال المعاود
سقى الغيث أكناف الحمى من محلة ... إلى الحقف من رمل النقا المتقاود
ولا زال مخضر من الغيث يانع ... عليه بمحمر من اللون جاسد
شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد
فمن لؤلؤ في الأقحوان مفصل ... على نكت مصفرة كالفرائد
يذكرنا ريا الأحبة كلما ... تنفس في جنح من الليل بارد
كأن جنى الحوذان في رونق الضحى ... دنانير تبر من توأم وفارد
رباع تردت بالرياض مجودة ... بكل جديد الماء عذب الموارد
إذا راوحتها مزنة بكرت لها ... شآبيب مجتاز عليها وقاصد
(3/649)

قوله: «دموع التصابي» التصابي: أن يفعل ما يفعله الصبي وإن لم يكن صبياً من اللهو واللعب والغزل، فقول البحتري: «دموع التصابي» يريد دموع الدلال بدلاً وطلباً لشيء وتشوقاً إليه، لا دموع حزن وثكل ومصيبة، فتمم المعنى وحسنه وكمله بقوله: «دموع التصابي».
والفرائد: جمع فريدة، وهي شذر يصاغ كالخرز من الذهب يفصل به اللؤلؤ في العقد.
وقوله: «جديد الماء» يريد الغيث.
وقال البحتري أيضاً، وليست من فحل كلامه:
أدمع قد غرين بالهملان
ابكيا هذه المغاني التي أخ ... لقها بعد عهدها بالغواني
أسعدا الغيث إذ بكاها وإن كا ... ن خلياً من كل ما تجدان
جاد فيها بمائه واستجدت ... حللاً جمة من الألوان
فهي تهتز بين إفرنده الأخ ... ضر حسناً ووشيه الأرجوان
في سماء من خضرة الروض فيها ... أنجم من شقائق النعمان
واصفرار من لونه وابيضاض ... كاجتماع اللجين والعقيان
وتريك الأحباب يوم تلاق ... باعتناق الحوذان والأقحوان
(3/650)

صاغ منه الربيع شكلاً لأخلا ... ق حسين ذي الجود والإحسان
فكأن الأشجار تعلو رباها ... بنثير الياقوت والمرجان
وكأن الصبا تردد فيها ... بنسيم الكافور والزعفران
هذه أبيات كما تراها في لينها وخنوثتها وشدة تكلفها، ولكن تلك على كل حال أشف.
وقال البحتري:
أحرام أن ينجز الموعود
ذهبت جدة الشتاء ووافا ... نا شبيهاً بك الربيع الجديد
أفق مشرق وجو أضاءت ... في سنا نوره الليالي السود
وكأن الحوذان والأقحوان ال ... غض نظمان لؤلؤ وفريد
قطرات من السحاب وروض ... نثرت وردها عليه الخدود
وليال كسين من رقة الصي ... ف فخيلن أنهن برود
الرياح التي تهب نسيم ... والنجوم التي تطل سعود
ودنا العيد وهو للناس حتى ... يتقضى وأنت للعيد عيد
وهذا من حلو ألفاظه ونسجه، غير أنه أساء في قوله: «فخيلن أنهن برود»، لأن البرود لا توصف بالرقة، وإنما توصف بالمتانة والصفاقة، وإذا وصف الشيء ذو الألوان قيل: كأنه برد، لأن البرد قل ما يكون غزله من نسج لون
(3/651)

واحد، وإنما يكون من ألوان، فإنما علق هذا من قول أبي تمام -الذي أخطأ كل الخطأ- يصف الحلم:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيك ما ماريت في أنه برد
وقد ذكرت هذا في أغاليطه، ولست أدري كيف ذهب مثله على البحتري مع جودة طبعه وكثرة مذاهبه.
وقال أبو تمام:
ألا صنع البين الذي هو صانع
كأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حبيباً فما ترقا لهن مدامع
ربى شفعت ريح الصبا لرياضها ... إلى الغيث حتى جاد وهو هوامع
فبشر الضحى غدواً لهن مضاحك ... وجنب الثرى ليلاً لهن مضاجع
كساك من الأنوار أبيض ناصع ... وأصفر فاقع وأحمر ساطع
والأبيات الثلاثة صالحة، وهذا البيت أتيت به من أجلها، لا طائل فيه.
(3/652)

وقال أيضاً يصف الربيع، وهي أرجوزة رديئة شديدة الاضطراب وجدت في كتاب أبي سعيد السكري هذا القدر:
إن الربيع أثر الزمان
لو كان ذا روح وذا جثمان
لكان بساماً من الفتيان
بوركت من وقت ومن أوان
فالأرض نشوى من ثرى نشوان
تختال في مفوف الألوان
في زاهر كالحدق الرواني
من ناضر وفاقع وقاني
عجبت من ذي فكرة يقظان
رأى جفون زهرة الأفنان
فشك أن كل شيء فان
... كان الغرض في ترتيب الموازنة أن أبدأ بأنواع المناسب التي ذكراها في ابتداء قصائدهما قبل المدح، ولما ذكرت ما كان من وصفهما للخمر والرياض في
(3/653)

القصائد وجب أن أذكر ما كان من الأشعار القائمة بأنفسها في غير قصائد المدح ليكون الباب باباً واحداً.
ومن أليق الأشياء بوصف السحاب وصف الأمطار، وكان الأولى بالتأليف أن يكون قبل ذكر الرياض، وأنا الآن أجعل بابها في هذا الموضع، ليكون كل نوع مع شكله ونظيره.
وقد مضى من ذكر السحائب والأمطار في باب «الدعاء للمنازل والربوع بالسقيا» ما مضى، وهذا الباب طريقه غير ذلك الطريق.
قال أبو تمام:
حماد من نوء له حماد
في ناحرات الشهر لا الدآدي
أطلق من ضيق ومن توادي
فجاء يحدوها فنعم الحادي
سارية مسمحة القياد
مسودة مبيضة الأيادي
(3/654)

سهادة نوامة بالوادي
كثيرة التعريس بالوهاد
نزالة عند رضى العباد
قد جعلت للغيث بالمرصاد
كأنه ضمائر الأغماد
ثم برعد صخب الإرعاد
يسلقها بألسن حداد
لما سرت في حاجة العباد
ولحق الأعجاز بالهوادي
فاختلط السواد بالسواد
أظفرت الثرى بما يغادي
ورويت هاماته الصوادي
كم قد جلت لمقتر عن زاد
وعن رواء سنة جماد
وجلبت من رزقه العتاد
من القلاص الخور والجلاد
(3/655)

والمقربات الصفوة الجياد
ومن حبير اليمنة الأبراد
من أتحميات ومن وراد
هدية من صمد جواد
حتى تحل بالصعيد الثادي
قوله: «حماد» أي: احمدوه من نوء، كما تقول للجماعة: نزال، أي: انزلوا، وكذلك تقول للواحد.
وقوله: «في ناحرات الشهر» يريد الأيام التي هي أوائل الشهر التي نحرته، أي جاءت في نحره، و «الدآدي» الثلاثة الأيام التي هي أواخر الشهر.
و «الثأد» مهموز هو الندى، فجعل «الثأد» في مكان «الثئد»، وخفف وأسقط الهمزة من أجل القافية.
وقال أيضاً:
لم أر عيراً جمة الدؤوب
تواصل التهجير بالتأويب
أبعد من أين ومن لغوب
منها غداة الشارق المهضوب
(3/656)

نجائباً وليس م نجيب
شبابة الأعناق بالعجوب
كالليل أو كاللوب أو كالنوب
منقادة لعارض غربيب
كالشيعة التفت إلى النقيب
أخذه بطاعة الجنوب
ناقضة لمرر الخطوب
تكف غرب الزمن العصيب
محاءة للأزمة اللزوب
محو استلام الركن للذنوب
لما بدت للأرض من قريب
تشوفت لوبله السكوب
تشوف المريض للطبيب
وطرب المحب للحبيب
(3/657)

وفرحة الأديب بالأديب
وخيمت صادقة الشؤبوب
وقام فيها الرعد كالخطيب
وحنت الريح حنين النيب
والشمس ذات شارق محجوب
قد غربت من غير ما غروب
والأرض في ردائها القشيب
في زاهر من نبتها رطيب
بعد اشهباب الثلج والضريب
كالكهل بعد السن والتحنيب
تبدل الشباب بالمشيب
كم آنست من حاجر غريب
وغلبت من الثرى المغلوب
ونفست عن بارض مكروب
(3/658)

وسكنت من نافر الجنوب
وأقنعت من بلد رغيب
تحفظ عهد الغيث بالمغيب
لذيذة الريق مع الصبيب
كأنها تهمي على القلوب
وهذا كله جيد نادر لفظاً ومعنى، وهو من أحسانه المشهور.
وقال أيضاً:
الروض من بين مغبوق وصطبح ... من ريق مكتفلات بالثرى دلح
دهم إذا ضحكت في أرضه طفقت ... عيون نوارها تبكي من الفرح
وقال:
أما ترى ما أصدق الأنواءا
قد أفنت الحجرة واللأواء
فلو عصرت الصخر صار ماءا
(3/659)

من ليلة من وبلها ليلاءا
إن هي عادت ثنية عداءا
أصبحت الأرض بها سماءا
وقال أيضاً:
سارية لم تكتحل بغمض
كدراء ذات هطلان محض
موقرة من خلة وحمض
تمضي وتبقي نعماً لا تمضي
قضت بها السماء حق الأرض
وهذا كله جيد لطيف المعنى.
وقال:
يا سهم للبرق الذي استطارا
(3/660)

بات على رغم الدجى نهارا
حتى إذا ما أنجد الأبصارا
وبلاً جهاراً وندى سرارا
آض لنا ماء وكان نارا
وهذا أيضاً جيد نادر.
وقال البحتري في صفة الغيث:
ذات ارتجاز بحنين الرعد ... مجرورة الذيل صدوق الوعد
مسفوحة الدمع بغير وجد ... لها نسيم كنسيم الورد
ورنة مثل زئير الأسد ... ولمع برق كسيوف الهند
جاءت بها ريح الصبا من نجد ... فانتثرت مثل انتثار العقد
فراحت الأرض بعيش رغد ... من وشي أنوار الربا في برد
كأنما غدراتها في الوهد ... يلعبن من حبابها بالنرد
وهذا الذي أبر البحتري فيه على كل حسن.
(3/661)

وقال أبو تمام -ويجب أن يكتب في أول الباب قبل الرجز-:
ديمة سهلة القياد سكوب ... مستغيث بها الثرى المكروب
لو سعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب
لذ شؤبوبها وطاب فلو تس ... طيع قامت فعانقتها القلوب
فهي ماء يجري وماء يليه ... وسحاب تنشا وأخرى تصوب
كشف الروض رأسه واستسر ال ... محل فيها كما استسر المريب
وإذا الري بعد محل وجرحا ... ن لديها يبرين أو ملحوب
أيها الغيث حي أهلاً بمغدا ... ك وعند السرى وحين تؤوب
وهذه أيضاً معان حسنة وطريقة حلوة ذهب فيها إلى بعض ما ذهب إليه في الأرجوزة التي على الباء، وليس للبحتري في وصف السحاب غير هذه الأرجوزة التي ذكرتها، إلا أن يكون البيت والبيتان متفرقة في القصائد.
ولست أفضل أحدهما على الآخر في هذا الباب، لأنهما جميعاً انتهيا إلى كل غاية وإحسان.
ومما لم يقل فيه أبو تمام شيئاً وصف الأبنية والبرك، وقد قال البحتري في ذلك وأحسن كل الإحسان، وأتى فيه من ذكر الرياض والمياه بما وجب أن يوصل بهذه الأبيات التي تقدمت.
قال البحتري:
(3/662)

حلفت لها بالله يوم التفرق
تلفت من أعلى دمشق ودوننا ... للبنان هضب كالغمام المعلق
إلى الحيرة البيضاء والكرخ بعدما ... ذممت مقامي بين بصرى وجلق
إلى معقلي عزي وداري إقامتي ... وقصد التفاتي بالهوى وتشوقي
مقاصير ملك أقبلت بوجوهها ... على منظر من عرض دجلة مونق
كأن الرياض الحو يكسين حولها ... أفانين من أفواف وشي منمق
إذا الريح هزت نورهن تضوعت ... روائحه من فأر مسك مفتق
كأن القباب البيض والشمس طلقة ... تضاحكها أنصاف بيض مفلق
ومن شرفات في السماء كأنها ... قوادم بيضان الحمام المحلق
وهذا من الحسن والصحة كما تراه.
وقال أيضاً في مدح المعتز:
لما كملت روية وعزيمة ... أعملت رأيك في ابتناء الكامل
وغدوت من بين الملوك موفقاً ... منه لأيمن حلة ومنازل
ذعر الحمام وقد ترنم فوقه ... من منظر خطر المزلة هائل
رفعت لمنخرق الرياح سموكه ... وزهت عجائب حسنه المتخايل
وكأن حيطان الزجاج بجوه ... لجج يمجن على جنوب سواحل
وكأن تفويف الرخام إذا التقى ... تأليفه بالمنظر المتقابل
حبك الغمام رصفن بين منمر ... ومسير ومقارب ومشاكل
(3/663)

لبست من الذهب الصقيل سقوفه ... نوراً يضيء على الظلام الحافل
فترى العيون يجلن في ذي رونق ... متلهب العالي أنيق السافل
وكأنما نشرت على بستانه ... سيراء وشي اليمنة المتواصل
أغنته دجلة أن تلاحق فيضها ... عن صوب منسجم الرباب الهاطل
وتنفست فيه الصبا فتعطفت ... أشجاره من حيل وحوامل
مشى العذارى الغيد رحن عشية ... من بين خالية اليدين وعاطل
وقال في «الصبيح والمليح» قصري المتوكل:
إنما العيش أن تكون الليالي ... مفضلات طولاً على الأيام
قد صفا جانب الهواء ورقت ... لذة الماء في مزاج المدام
واستتم الصبيح في خير وقت ... فهو مغنى أنس ودار مقام
ناظر وجهة المليح فلو ين ... طق حياه معلناً بالسلام
ألبسا بهجة وقابل ذا ذا ... ك فمن ضاحك ومن بسام
كالمحبين لو أطاقا لقاء ... أفرطا في العناق والإلتزام
تنفذ الريح جريها بين قطري ... يه فتكبو من ونية وسآم
(3/664)

مستمد بجدول من عباب ال ... ماء كالأبيض الصقيل الحسام
فإذا ما توسط البركة الخض ... راء ألقت عليه صبغ الرخام
فتراه كأنه ماء بحر ... يخدع العين وهو ماء غمام
والدواليب إذ يدرن ولا نا ... ضح يمشي بهن غير النعام
بدع أنشئت لأولي عباد الل ... ه بالركن والصفا والمقام
إن خير القصور أصبح موهو ... باً بكره العدى لخير الأنام
جاور الجعفري وانحاز شبدا ... ز إليه كالراغب المعتام
حلل من منازل الملك كالأن ... جم يلمعن من سواد الظلام
معجبات تعي الصفات فما تد ... رك إلا بالظن والأوهام
فكأنا نحسها بالأماني ... أو نراها في طارق الأحلام
غرف من بناء دين ودنيا ... يوجب الله فيه أجر الإمام
شوقتنا إلى الجنان فزدنا ... في اجتناب الذنوب والآثام
وقال يصف بركة المتوكل:
ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها
يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها ... والآنسات إذ لاحت مغانيها
تحسبها أنها في فضل زينتها ... تعد واحدة والبحر ثانيها
(3/665)

ما بال دجلة كالغيرى تنافسها ... في الحسن طوراً وأطواراً تباهيها
أما رأت كاليء الإسلام يكلؤها ... من أن تعاب وباني المجد يبنيها
كأن جن سليمان الذين ولوا ... إبداعها وأدقوا في معانيها
فلو تمر بها بلقيس عن عرض ... قالت هي الصرح تمثيلاً وتشبيهاً
تنحط فيها وفود الماء معجلة ... كالخيل خارجة من حبل مجريها
إذا علتها الصبا أبدت لها حبكاً ... مثل الجواشن مصقولاً حواشيها
فرونق الشمس أحياناً يضاحكها ... وريق الغيث أحياناً يباكيها
إذا النجوم تراءت في جوانحها ... ليلاً حسبت سماء ركبت فيها
لا يبلغ السمك المحصور غايتها ... لبعد ما بين قاصيها ودانيها
يعمن فيها بأسواط مجنحة ... كالطير تنقض في جو خوافيها
لهن صحن رحيب في أسافلها ... إذا انحططن وبهو في أعاليها
صور إلى صورة الدلفين يؤنسها ... منه وفاء بعينيه يناجيها
تغني بساتينها القصوى برؤيتها ... عن السحائب منهلاً عزاليها
كأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها
وزادها زينة من بعد زينتها ... أن اسمه يوم يدعى من أساميها
محفوفة برياض لا تزال ترى ... ريش الطواويس تحكيه ويحكيها
فهذا من مشهور إحسان البحتري.
وإذ قد ذكرت الأبنية فمن الواجب أن أثبت في هذا الموضع قصيدته التي
(3/666)

على السين، التي يصف فيها إيوان كسرى، وهي التي أجمع الناس على استحسانها، والاعتراف بالفضل له فيها، وما زلت أسمع أهل العلم بالشعر يقولون أنهم لا يعرفون سينية أجود منها:
صنت نفسي عما يدنس نفسي ... وترفعت عن جداً كل جبس
وتماسكت حين زعزعني الده ... ر التماساً منه لتعسي ونكسي
بلغ من صبابة العيش عندي ... طففتها الأيام تطفيف بخس
وبعيد ما بين وارد رفه ... علل شربه ووارد خمس
وكأن الزمان أصبح محمو ... لاً هواه مع الأخس الأخس
واشترائي العراق خطة غبن ... بعد بيعي الشام بيعة وكس
لا تزرني مزاولاً لاختباري ... عند هذي الجلى فتنكر مسي
وقديماً عهدتني ذا هنات ... آبيات على الدنيات شمس
ولقد رابني نبو ابن عمي ... بعد لين من جانبيه وأنس
فإذا ما جفيت كنت حرياً ... أن أرى غير مصبح حيث أمسي
حضرت رحلي الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي
أتسلي عن الحظوظ وآسى ... لمحل من آل ساسان درس
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
وهم خافضون في ظل عال ... مشرف يحسر العيون ويخسي
(3/667)

مغلق بابه على جبل القب ... ق إلى دارتي خلاط ومكس
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في قفار من البسابس ملس
ومساع لولا المحاباة مني ... لم تطقها مسعاة عبس وعنس
نقل الدهر عهدهن عن الجد ... ة حتى غدون أنضاء ليس
وكأن الإيوان من عدم الأن ... س وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... أحدثت فيه مأتماً بعد عرس
وهو ينبيك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم بلبس
وإذا ما رأيت صورة أنطا ... كية ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنوشر ... وأن يزجي الصفوف تحت الدرفس
وعراك الرجال بين يديه ... في خفوت منه وإغماض جرس
من مشيح يهوي بعامل رمح ... ومليح من السنان بترس
تصف العين أنهم جد أحيا ... ء لهم بينهم إشارة خرس
يعتلي فيهم ارتيابي حتى ... تتقراهم يداي بلمس
قد سقاني ولم يصرد ألو الغو ... ث على العسكرين شربة خلس
من مدام تقولها وهي نجم ... ضوأ الليل أو مجاجة شمس
(3/668)

وتراها إذا أجدت سروراً ... وارتياحاً للشارب المتحسي
أفرغت في الزجاج من كل قلب ... فهي محبوبة إلى كل نفس
فتوهمت أن كسرى أبر وي ... ز معاطي والبلهبذ أنسي
حلم مطبق على الشك عيني ... أم أمان غيرن ظني وحدسي
وكأن الإيوان من عجب الصن ... عة جوب في جنب أرعن جلس
يتظنى من الكآبة إذ يب ... دو لعيني مصبح أو ممسي
مزعجاً بالفراق عن أنس إلف ... عز أو مرهفاً بتطليق عرس
عكست حظه الليالي وبات ال ... مشتري فيه وهو كوكب نحس
فهو يبدي تجلداً وعليه ... كلكل من كلاكل الدهر مرسي
لم يعبه أن بز من بسط الدي ... باج واستل من ستور الدمقس
مشمخر تعلو له شرفات ... رفعت في رءوس رضوى وقدس
لابسات من البياض فما تب ... صر منها إلا سبائخ برس
ليس يدرى أصنع إنس لجن ... سكنوه أم صنع جن لإنس
غير أني أراه يشهد أن لم ... يك بانيه في الملوك بنكس
وكأني أرى المراتب والقو ... م إذا ما بلغت آخر حسي
وكأن الوفود ضاحين حسرى ... من وقوف خلف الزحام وحبس
(3/669)

وكأن القيان وسط المقاصي ... ر يرجعن بين حو ولعس
وكأن اللقاء أول من أم ... س ووشك الفراق أول أمس
وكأن الذي يريد اتباعاً ... طامع في لحاقهم صبح خمس
عمرت للسرور دهراً فصارت ... للتعزي رباعهم والتأسي
فلها أن أعينها بدموع ... موقفات على الصبابة حبس
ذاك عندي وليست الدار داري ... باقتراب منها ولا الجنس جنسي
غير نعمى لأهلها عند أهلي ... غرسوا من زكائها خير غرس
أيدوا ملكنا وشدو قواه ... بكماة تحت السيوف وحمس
وأعانوا على كتائب أريا ... ط بطعن على النحور ودعس
وأراني من بعد أكلف بالأش ... راف طراً من كل سنخ وأس
قوله: «وهي نجم» يريد: سقوط نجم، من وهي الشيء يهي، إذا سقط وانحل، وإنما يعني ضوء النجم إذا انقض، وغيرنا يزعم أن تلك نار في الجو، وليست من النجم، وهذا ضد ما عليه العرب في كلامها ومعانيها، وخلاف الإسلام والقرآن، ونصب «وهي نجم» لأن قوله: «تقولها» بمعنى تظنها.
وقوله: «أو مجاجة شمس» يعني ضوء الشمس وهو مجاجها على الحقيقة، لأنها تمجه على الأرض.
(3/670)

وقوله: «من وقوف الزحام وحبس» يعني: من وقوفهم وحبسهم، فالوقوف والحبس -ها هنا- مصدران وليسا جمعين لواقف وحبيس، لأن جمع حبيس: حبس بالضم، وقد جاء في قوافيه «حبس».
وقوله: «أوشك الفراق أول أمس» يريد بأول أمس، أول نهار أمس، أي: كان اللقاء في مثل أول من أمس، أي: في اليوم الذي قبل أمس، والفراق في صدر يوم أمس، فلا يكون بينهما إلا الليلة بين اليومين، لأنه أراد التقريب بينهما، ولو أراد بأول من أمس ما أراده بأول أمس لم يكن في ذاك فائدة.
وقوله:
وكأن الذي يريد اتباعاً ... طامع في لحاقهم صبح خمس
أي: لا يقدر على لحاقهم وأدراكهم إلا بعد خمس ليال، ضرب «خمس ليال» مثلاً.
(3/671)

* ذكر ما وصفا به قصائدهما
قال أبو تمام:
كشفت قناع الشعر عن حر وجهه ... وطيرته عن وكره وهو واقع
بغر يراها من يراها بسمعه ... ويدنو إليها ذو الحجا وهو شاسع
يود وداداً أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت شوقاً إليها مسامع
وهذا البيت من أحسانه المشهور المعروف.
وقال:
فدونكها لولا ليان نسيبها ... لظلت صلاب الصخر منها تصدع
وقال:
جلامد تخطوها الليالي وإن سرت ... لها موضحات في رؤوس الجلامد
(3/672)

أي تخطوها الليالي ولا تؤثر فيها، «وإن سرت» يعني الليالي، «لها موضحات في رؤوس الجلامد» يريد تأثير الجلامد في الحجارة ولا تؤثر في القصيدة، والموضحات: جمع موضحة، وهي الشجة التي قد أبدت عن العظم.
وقال:
كل يوم نوع يقفيه نوع ... وعروض يتلوه قبل عروض
وقواف قد ضج منها لما استع ... مل فيها المرفوع والمخفوض
المديح الجزيل والشكر والكد ... ومر العتاب والتحريض
وما كان ينبغي أن ينسب مرفوع القوافي ومخفوضها إلى الضجيج في مدح الممدوح، وإن كان مذهباً غير خطأ، والأجود هو المذهب الآخر، وذلك قوله:
يهيجها بذكرك قرن فكر ... إذا حرنت فتسلس في القياد
وقال البحتري:
تطوع القوافي فيكم فكأنها ... تسيل إليكم من علو قصيدها
وكم لي من محبوكة الوشي فيكم ... إذا أنشدت قام امرؤ يستعيدها
(3/673)

وقول أبي تمام: «قد ضج منها المرفوع والمخفوض» ليس بضد لهذا المعنى، لكنه خلاف له، ولأنه لم يرد بضجيج القوافي أنها تعسرت عليه، ولا حزنت، وإنما ذهب إلى أن الاستعمال كثر عليها فملت، وليست من الاستعارة الحلوة.
وقال: «المديح الجزيل والشكر والكد»، فما وجه اقتران الكد بالشكر، وهي لفظة لا تليق بألفاظ البيت، وما أقرب معناها من معنى ضجيج القوافي.
وقال أبو تمام:
قد جاء من وصفك التفسير معتذراً ... بالعجز إن لم يغثني الله والجمل
وقد لبست أمير المؤمنين بها ... حلياً نظاماه بيت سار أو مثل
غريبة تونس الآداب وحشتها ... فما تحل على قوم فترتحل
وقوله: «إن لم يغثني الله والجمل» هو كما يقول القائل: أنا أعجز عن شرح فضائل فلان، وما فيه على التعديد: هو أجود الناس وأدمث الناس، ونحو هذا مما جرت به العادة، وقوله: «والجمل» أي: هذه الجمل التي أجملتها ولكني أجمل لك القول، وأقصره، ولا أطيله.
(3/674)

وقال في تقصير شكره عن الواجب:
فإن يك أربى عفو شكري على ندى ... أناس لقد أربى نداه على جهدي
وقصر قولي عنه من بعد ما أرى ... أقول وأشجى أمة وأنا وحدي
بغيت بشعري فاعتلاه بجده ... فلا يبغ في شعر له أحد بعدي
والبحتري أبداً يسلك هذه الطريقة ولا يكاد يجعل نيل أحد ولا معروفه فوق شكره ومدحه، ولذلك قال:
لأشكرنك إن الشكر نائله ... أبقى على حالة من نائل النشب
وقال في الفتح بن خاقان:
وإني لمحقوق بأن لا يطولني ... نداه إذا ما طلته بالقصائد
يحكن له حوك البرود لزينة ... وينظمن من جدواه نظم القلائد
وحسب أخي النعمى جزاء إذا امتطى ... سوائر من شعر على الدهر خالد
وقال أبو تمام في هذا المعنى:
إن القوافي والمساعي لم تزل ... مثل النظام إذا أصاب فريدا
(3/675)

هي جوهر نثر فإن ألفته ... بالنظم صار قلائداً وعقودا
في كل معترك وكل مقامة ... يأخذن منه ذمة وعهودا
فإذا القصائد لم تكن خفراءها ... لم ترض منها مشهداً مشهودا
من أجل ذلك كانت العرب الألي ... يدعون هذا سؤدداً محدودا
وتند عندهم العلى إلا على ... جعلت لها مرر القصيد قيودا
قوله: «يأخذن منه ذمة وعهودا» يعني المساعي يأخذن من الشعر، «فإذا القصائد لم تكن خفراء المعالي» بأن تضمها وتنظمها «لم ترض منها مشهداً مشهودا» أراد أن يقول: لم يذكر منها مشهد، ولم يرو، ولم يتحدث به، فجعل مكان هذا «لم ترض»، وذلك أن الشعر يقيد المآثر، والحديث عنها منثوراً يقع فيه الزيادة والنقص، ثم ينسى، فهذا هو السؤدد المحدود الذي لم يتفق له من يقيده بالشعر، وقد أوضح هذا المعنى بالبيت الأخير، وكل حسن جميل.
وقال البحتري:
أيذهب هذا الدهر لم ير موضعي ... ولم يدر ما مقدار حلي ولا عقدي
ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدد ... يبيع ثمينات المكارم والحمد
سوائر شعر جامع بدد العلى ... تعلقن من قبلي وأتعبن من بعدي
(3/676)

يقدر فيها صانع متعمل ... لإحكامها تقدير داود في السرد
خليلي لو في المرخ أقدح إذ أبى ... رجال مؤاتاتي إذاً لكبا زندي
وما صادفتني كدية دون مدحهم ... فكيف أراني دون معروفهم أكدي
أأضرب أكباد المطايا إليهم ... مطالبة مني وحاجاتهم عندي
قوله: «سوائر شعر جامع بدد العلى» كما قال أبو تمام:
«إلا على جعلت لها مرر القصيد قيودا»
وقوله: «لو في المرخ ....» فالمرخ أكثر الشجر ناراً، إذا قدح يوري، وفي المثل: «في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار»، أي: استكثر من النار، يقول: لو قدحت فيه لكبا زندي، أي لم يور، يذم زمانه وتعذر الأشياء عليه فيه، وهذا من إحسانه المشهور في وصفه لشعره.
وقال أبو تمام:
كما علم المستشعرون بأنهم ... بطاء عن الشعر الذي أنا قارض
كأني دينار ينادي ألا فتى ... يبارز إذ ناديت من ذا يعارض
فلا تنكروا ذل القوافي فقد رأى ... محرمها أني له الدهر رائض
(3/677)

وهذا مرعى ولا كالسعدان، والبيت الأوسط بيت الركاكة.
وقال أيضاً:
فإن أنا لم يحمدك عني صاغراً ... عدوك فاعلم أنني غير حامد
بسياحة تنساق من غير سائق ... وتنقاد في الآفاق من غير قائد
إذا شردت سلت سخيمة شانيء ... وردت عزوباً من قلوب شوارد
أفادت صديقاً من عدو وغادرت ... أقارب دنياً من رجال أباعد
محببة ما إن تزال ترى لها ... إلى كل أفق وافداً غير وافد
ومحلفة لما ترد أذن سامع ... فتصدر إلا عن يمين وشاهد
قوله: «فإن أنا لم أحمدك عني صاغراً عدوك»، يريد إنشاد العدو للقصيدة لحسنها، ونحو ذلك قول البحتري:
ليواصلنك ركب شعر سائر ... يرويه فيك لحسنه الأعداء
وقوله: «إذا شردت سلت سخيمة شانيء»، و «أفادت صديقاً من عدو»، يعني نفسه بهذا لا الممدوح، لأن جليل المدح يزيد على عداوة العدو وشناءة الشانيء وحسد الحاسد، وإنما يريد سلت سخيمة الشانيء إذا سمع إحساني، وصار العدو لي بذلك صديقاً، وصار الغريب كالقريب، وكالذي مني، وقد بين ذلك بقوله: «محببة».
(3/678)

ونحو هذا قول البحتري:
مكرمة الأسباب فيها وسائل ... إلى غير ما يحبى بها وذرائع
تنال منال الليل في كل وجهة ... وتبقى كما تبقى النجوم الطوالع
وقوله: «تنال منال الليل في كل وجهة» أي في سيرها الآفاق، وهذا لا شيء أبلغ منه ولا ألطف، وأظنه أخطر بباله قول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي
وقال في نحوه:
بلغن الأرض لم يلغبن فيها ... وبعض الشعر يدركه اللغوب
وقال في نحوه:
تبيت أمام الريح منها طليعة ... وغدوتها شهر وروحتها شهر
وقال أبو تمام:
وسيارة في الأرض ليس بنازح ... على وخدها حزن سحيق ولا سهب
تذر ذرور الشمس في كل بلدة ... وتمضي جموحاً ما يرد لها غرب
قوله: «تذر ذرور الشمس» أحسن من كل ما مضى وأجود وألطف.
(3/679)

وقال:
نظمت له شعراً من الشعر تنضب ال ... بحور وما داناه من حليها عقد
تسير مسير الريح مطرفاته ... وما السير منها لا العنيق ولا الوخد
تروح وتغدو بل يراح ويغتدى ... بها وهي حيرى لا تروح ولا تغدو
تقطع آفاق البلاد سوابقاً ... وما ابتل منها لا عذار ولا خد
قوله: «تسير مسير الريح مطرفاته» يعني مطرفات الشعر، أي مستحدثاته.
وقول البحتري:
وقول البحتري: «تبيت أمام الريح منها طليعة» أبلغ من هذا، وقد جعل فروة بن حميضة الأسدي الريح طليعة، فقال يهجو عمارة بن عقيل:
يخشى الرياح بأن تكون طليعة ... أو أن تحل به عقوبة ناذر
وقول البحتري أوكد، لأنه جعل قصيدته طليعة أمام الريح.
وقال أبو تمام:
فما بال وجه الشعر أغبر قاتم ... وأنف العلى من عطلة الشعر راغم
(3/680)

ثم قال بعد بيت واحد:
فقد هز عطفيه القريض توقعاً ... لعدلك مذ ردت إليك المظالم
والذي وجهه أغبر قاتم لا يهز عطفيه، لأن هز العطف لا يكون إلا من المرح والأشر، ولا تكون المناقضة إلا هكذا، وهذا كله إنما يجلبه الشر والاستقصاء لما يكفي منه البلغة.
وقال في قصيدة يعتذر فيها إلى ابن أبي دؤاد:
خذها مثقفة القوافي ربها ... لسوابغ النعماء غير كنود
حذاء تملأ كل إذن حكمة ... وبلاغة وتدر كل وريد
كالطعنة النجلاء من يد ثائر ... بأخيه أو كالضربة الأخدود
كالدر والمرجان ألف نظمه ... بالشذر في عنق الفتاة الرود
كشقيقة البرد المنمنم وشيه ... في أرض مهرة أو بلاد تزيد
يعطى لها البشرى الكريم ويحتبى ... بردائها في المحفل المشهود
بشرى الغني أبي البنات تتابعت ... بشراؤه بالفارس المولود
كرقى الأساود والأراقم طالما ... نزعت حمات سخائم وحقود
(3/681)

والاعتذارات لا تختم بتقريض الشعر، وأن يقول: «خذها» وخاصة هذا الطويل المستقصى المعاني، لأنه في ذلك يقرض اعتذاره لإعجابه به، وهذا قبيح ومجانب للعادات، والأحسن أن يختم الاعتذار بمثل ما ختم به اعتذاره إلى موسى بن إبراهيم، وهو قوله:
فإن يك جرم عن أو تك هفوة ... على خطأ مني فعذري على عمد
وهذا يصلح أن يقال بعد وقوع العذر والرضى، وكذلك قول البحتري خاتماً لاعتذاره إلى الفتح:
ومثلك إن أبدى الفعال أعاده ... وإن صنع المعروف زاد وتمما
وقوله:
ولا عذر إلا أن بدء إساءة ... لها من زيادات الوشاة تمام
ويختم الاعتذار قبل وقوع الصفح بمثل قول أبي تمام:
ومن يأذن إلى الواشين تسلق ... مسامعه بألسنة حداد
وبمثل قول البحتري:
واحترس من ضياع حلمك في الجف ... وة والإنقباض إن ضاع حلمي
ولولا الإطالة لذكرت من خواتم الشعر في الاعتذارات ما يؤكد هذا ويزيد في بيانه.
(3/682)

وقال أبو تمام:
جاءتك من نظم اللسان قلادة ... سمطان فيها اللؤلؤ المكنون
حذيت حذاء الحضرمية أرهفت ... وأجابها التخضير والتلسين
إنسية وحشية كثرت بها ... حركات أهل الأرض وهي سكون
ينبوعها خضل وحلي قريضها ... حلي الهدى ونسجها موضون
أما المعاني فهي أبكار إذا ... فضت ولكن القوافي عون
أحذاكما صنع الضمير يمده ... جفر إذا نضب الكلام معين
ويسيء بالإحسان ظناً لا كمن ... هو بابنه وبشره مفتون
وهذا كله جيد بالغ، ومن إحسانه المشهور، وأجود منه قوله:
نفق المديح ببابه فكسوته ... عقداً من الياقوت غير مثقب
أولى المديح بأن يكون مهذباً ... ما كان منه في أغر مهذب
غربت خلائقه وأغرب واصف ... فيه فأحسن مغرب في مغرب
(3/683)

لما كرمت نطقت فيك بمنطق ... حق فلم آثم ولم أتحوب
ومتى امتدحت سواك كنت متى يضق ... عني له صدق المقالة أكذب
وقال البحتري:
وما عدلت عنك القصائد معدلاً ... ولا تركت فضلاً لغيرك يحسب
ينظم منها لؤلؤ في سلوكه ... ومن عجب تنظيم ما لا يثقب
يسر افتناني معشراً ويسوءهم ... ويخلد ما افتن فيه وأسهب
ولم يبق كر الدهر غير علائق ... من القول ترضي السامعين وتطرب
قوله: «ومن عجب تنظيم ما لا يثقب»، وقول أبي تمام: «غير مثقب» معنى متداول.
وقال أبو تمام:
إذا أنشدت في القوم ظلت كأنها ... مسرة كبر أو تداخلها عجب
مفصلة باللؤلؤ المنتقى لها ... من الشعر إلا أنه اللؤلؤ الرطب
أراد: مفصلة باللؤلؤ من الشعر، أي بلؤلؤ الشعر، لا بلؤلؤ الصدف، ولم يرد المنتقى من الشعر، لأنه يكون مسروقاً من الشعر، وذلك عيب فاحش على الشاعر أن يعترف به.
(3/684)

وقوله: «إلا أنه اللؤلؤ الرطب» أي: محدث من اختراعه، ولم يكن سبق إليه.
وقال البحتري:
لأشكرنك إن الشكر نائله ... أبقى على حالة من نائل النشب
بكل شاهدة للقوم غائبة ... عنهم جميعاً ولم يشهد ولم يغب
مرصوفة باللآلي من نوادرها ... مسبوكة اللفظ والمعنى من الذهب
ولم أحابك في مدح تكذبه ... بالفعل منك وبعض المدح من كذب
قوله: «لم أحابك في مدح تكذبه»، وقول أبي تمام: «وإذا امتدحت سواك ...» معنى قد تداولته الشعراء أيضاً وأكثرت فيه.
وقال أبو تمام:
إليك أثرت من تحت التراقي ... قوافي تستدر بلا عصاب
من القرطات في الآذان تبقى ... بقاء الوحي في الصم الصلاب
عراض الجاه تجزع كل واد ... مكرمة وتفتح كل باب
مضمنة كلال الركب تغني ... غناء الزاد عنهم والركاب
إذا عارضتها في يوم فخر ... مسحت خدود سابقة عراب
تصير بها وهاد القوم هضباً ... وأعلاماً وتثلم في الروابي
(3/685)

قوله: «تستدر بلا عصاب» كما يفعل بالناقة عند الحلب، وهي العصوب، وإنما قيل لها ذلك، لأنها لا تدر حتى يعصب فخذاها.
وقوله: «تصير بها وهاد القوم هضباً» يريد أحسابهم التي لا تذكر وقد نسيت يرفعها الشعر من الانخفاض إلى الارتفاع، وقوله: «وتثلم في الروابي» يعني من جزالة لفظها وصلابته، أو لعله ذهب إلى نحو قوله: «تجزع كل واد» أي تقطع وتشق، وإنما يقطع بها في السير.
وقوله: «من القرطات في الآذان» يريد أن الآذان إذا سمعتها لم تنسها لحسنها، فتكون كأنها قرط في الآذان لا تفارقها، وقوله: «بقاء الوحي في الصم الصلاب» يريد الكتاب في الحجر، وهذا جار في عادات الناس أن يقولوا: مثل النقش في الحجر.
وقول البحتري: «وتبقى كما تبقى النجوم الطوالع» من قولهم: ما طلع نجم، وما لاح كوكب، ونحو هذا.
وقوله: «مسحت وجوه سابقة عراب» من قول تميم بن أبي بن مقبل يصف البيت من شعره:
(3/686)

أغر غريباً يمسح الناس وجهه ... كما تمسح الأيدي الجواد المشهرا
أي: هو من جنس ما يمسح الناس وجهه لحسنه، لا أن هناك له وجه يمسح.
وقال البحتري:
جئناك نحمل ألفاظاً مدبجة ... كأنما وشيها من يمنة اليمن
تهدي القريض إلى رب القريض معاً ... كحامل العصب يهديه إلى عدن
من كل زهراء كالنوار مشرقة ... أبقى من الزمن الباقي من الزمن
قوله: «أبقى من الزمن الباقي من الزمن» من إغراقات أبي تمام، إلا أن هذا ليس بمستكره اللفظ ولا مما ينبو عنه القلب.
وقال البحتري:
تبلى الخطوب وأحداث الزمان ولا ... تبلى القوافي مثولاً والأعاريض
وقال أبو تمام:
فليلقينك حيث كنت قصائد ... فيها لأهل المكرمات مآرب
فكأنما هي في السماع جنادل ... وكأنما هي في القلوب كواكب
(3/687)

وإنما جعلها في السماع جنادل، وفي القلوب كواكب، ففرق بين السمع والقلب في التقسيم وحالهما واحدة، لأن الأشياء تتصور في القلوب ولا تتصور في الأسماع، فجعل جزالة اللفظ للأذن، وحسن المعاني للقلب.
وقال:
أما القوافي فقد حصنت غرتها ... فما يصاب دم منها ولا سلب
منعت إلا من الأكفاء ناكحها ... وكان منك عليها العطف والحدب
ولو عضلت عن الأكفاء أيمها ... ولم يكن لك في أطهارها أرب
كانت بنات نصيب حين ضن بها ... عن الموالي ولم تحفل بها العرب
قد فسر معنى البيت الأول بالثاني بقوله: «فما يصاب دم منها ولا سلب»، لأنه منع القصائد أن تقال إلا في كفء سيد رئيس، فما يصاب دم منها ولا سلب، لأنها إن قيلت في وضيع لئيم، فكأنها مما أصيب فذهب دمع وسلبه، وهذا محذو على قول ابن هرمة:
كأن قصائدي لك فاصطنعني ... كرائم قد عطلن عن النكاح
وقال:
خذها مغربة في الأرض آنسة ... بكل فهم غريب حين تغترب
(3/688)

من كل قافية فيها إذا اجتنيت ... من كل ما يشتهيه الهائم الوصب
الجد والهزل في توشيع لحمتها ... والنبل والسخف والأشجان والطرب
لا يستقي من جفير الكتب رونقها ... ولم تزل تستقي من بحرها الكتب
حسيبة في صميم المدح منصبها ... إذ أكثر الشعر ملقى ما له حسب
قوله: «الجد والهزل في توشيع لحمتها» بيت في غاية الحمق، ومن يمدح وزيراً فلم يضمن قصيدته الهزل والسخف؟، وإن كان هناك ما يدل على هذا فلم نبه عليه واعترف به؟، لعمري إن قوله فيها: وزير حق ووالي شطرة ورحا ... ديوان ملك وشيعي ومحتسب
سخف يزيد على كل سخف.
وقوله:
إن القصائد يممتك شوارداً فتحرمت بنداك قبل تحرمي
ما عرست حتى أتاك بفارس ... ريعانها والغزو قبل المغنم
فجعلت قيمها الضمير ومكنت ... منه فصارت قيما للقيم
خذها فما زالت على استقلالها ... مشغولة بمثقف ومقوم
تدر الفتى من الرجاء وراءها ... وترود في كنف الرجاء القشعم
(3/689)

زهراء أحلى في الفؤاد من المنى ... وألذ من ريق الأحبة في الفم
وهذا البيت من إحسانه المشهور.
وكان محمد بن الهيثم مقيماً بفارس، وأنفذ أبو تمام هذه القصيدة إليه، أظن ذاك قبل مقدمه عليه، فلذلك قال: «حتى أتاك بفارس ريعانها»، وريعان كل شيء أوله، وإنما أراد: حتى أتاك سابقها، أي: حتى أتتك سابقة، وقوله: «والغزو قبل المغنم» لأنه قصده إلى فارس، وقوله: «فجعلت قيمها الضمير» أراد أن يقول: فجعلت قلبك قيمها، يعني بالتأمل والتدبر، «ومكنت منه» بحسن معانيها «فصارت قيماً للقيم» أي على القيم، وهذا من إغراقه المكروه واستعاراته المتعسفة، وقوله: «بمثقف ومقوم» أي: بتثقيف وتقويم، وقوله: «تذر الفتى من الرجاء وراءها» يعني من الرجاء، أي: لا أرجو إلا السادة والعظماء.
وقال أبو تمام:
يا خاطباً مدحي إلي بجوده ... ولقد خطبت قليلة الخطاب
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب
بكراً تورث في الحياة وتنثني ... في السلم وهي كثيرة الأسلاب
ويزيدها مر الليالي جدة ... وتقادم الأيام حسن شباب
قوله: «تورث في الحياة» أي تصير ميراثاً لولد الممدوح وأهله قبل وفاته،
(3/690)

لأن افتخارهم بما فيها من مناقبه في حياته كفخرهم بها بعد وفاته، وقوله: «كثيرة الأسلاب» أي: يؤخذ من معانيها غصباً وسلباً وليس هناك حرب.
وقال أبو تمام:
إليك بعثت أبكار المعاني ... يليها سائق عجل وحادي
جوائر عن ذنابى القوم حيرى ... هوادي بالجماجم والهوادي
شداد الأسر سالمة النواحي ... من الإقواء فيها والسناد
لها في الهاجس القدح المعلى ... وفي كتب القوافي والعماد
منزهة عن السرق المورى ... مكرمة عن المعنى المعاد
قوله: «جوائر عن ذنابى القوم» مثل قوله: «تذر الفتى من الرجاء وراءها».
ولله در أبي عبادة إذ يقول:
ويلؤم سائل البخلاء حرصاً ... وإسرافاً كما لؤم البخيل
(3/691)

«الإسراف» الطمع.
وقول أبي تمام: «لها في الهاجس القدح المعلى»، والهاجس الفكر والخاطر، و «القدح»: السهم من سهام الميسر، و «المعلى»: أكثرها نصيباً، وهذا تمثيل مستقيم، إلا أن قوله: «في كتب القوافي والعماد» ركاكة منه، وأي فضل لقافية هذه القصيدة على سائر القوافي حتى يجعل لها القدح المعلى والعماد؟، إن كان أراد هذه الألف قبل الدال، فإنه لا يقال فيها «عماد»، وإنما يقال لها «الردف»، وأظنه أراد بالعماد إقامة الوزن، وذهب إلى العروض، يقال: عمد وعماد، كما يقال: جمل وجمال، أي: في كتب القوافي والعروض، وهذا اختلال قبيح وعي، وزيادة وصف لم يكن به إليه حاجة ولو أسقط البيت.
وقال:
تلك القوافي قد أتينك نزعاً ... تتجشم التهجير والتغليسا
من كل شاردة تغادر بعدها ... حظ الرجال من القريض خسيسا
وجديدة المعنى إذا معنى التي ... تشقى بها الأسماع كان لبيسا
تلهو بعاجل حسنها وتعدها ... علقاً لأعجاز الزمان نفيسا
من دوحة الكلم التي لم ينفكك ... وقفاً عليك رصينه محبوسا
كالنجم إن سافرت كان مواكباً ... وإذا حططت الرحل كان جليسا
(3/692)

ومعنى هذا البيت من معانيه اللطيفة المشهورة، قوله: «لأعجاز الزمان» أراد بالأعجاز أواخر الزمان، وهذا لفظ وإن كان معناه صحيحاً، فإنه لا يكاد يستعمل بأن يقال: إذا عجز الزمان كذا وكذا، وإنما يقال: إذا كان في آخر الزمان، وإنما قال: أعجاز الزمان، من أجل قوله: «تلهو بعاجل حسنها»، فأراد أن يطابق بين عاجل وآجل، فلم يستو له آجل الزمان، فجعل مكانه أعجاز الزمان، ولو قال: أغبار الزمان، وغبر الزمان: باقي الزمان، كان أحسن من أعجاز الزمان، لأن غابر الأيام لفظ مستعمل حسن، فإذا وقع في موقع المستعمل ما هو في معناه وليس بمستعمل في ذلك قبح وهجن، ولكن ليست لأبي تمام عناية باللفظ كعنايته بالمعاني، فهو إذا جاءه المعنى أورده بأي لفظ استوى له، والبحتري عنايته مصروفة إلى تخير الألفاظ كما يتخير المعاني وذلك قوله:
بمنقوشة نقش الدنانير يبتغي ... لها اللفظ مختاراً كما ينتقى التبر
وقوله:
مرصوفة باللآلي من نوادرها ... مسبوكة اللفظ والمعنى من الذهب
وقال أبو تمام:
إليك أرحنا عازب الشعر بعدما ... تمهل في روض المعاني العجائب
غرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب
ولو كان يفنى الشعر أفنته ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب
(3/693)

ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب
وهذا من أحسانه المعروف المشهور المذكور الذي لا يدفع، وإن كان مبنياً على قول أوس بن حجر:
أقول بما صبت علي غمامتي ... ودهري في حبل العشيرة أحطب
وبيت أبي تمام أجود لفظاً وسبكاً وتلخيصاً للمعنى، وهو أحق به.
وقال أبو تمام:
ووالله لا أنفك أهدي شوارداً ... إليك يحملن الثناء المنخلا
تخال به برداً عليك محبراً ... وتحسبه عقداً عليك مفصلا
ألذ من السلوى وأطيب نفحة ... من المسك مفتوقاً وأيسر محملا
أخف على قلب وأثقل قيمة ... وأقصر في سمع الجليس وأطولا
ويزهى له قوم ولم يمدحوا به ... إذا مثل الراوي به أو تمثلا
وهذا أيضاً من جيد هذا الباب ومشهوره.
وقال:
سوف أكسوك ما يعفي عليك ... من ثناء كالبرد برد الصناع
حسن هاتيك في العيون وهذي ... حسنها في القلوب والأسماع
(3/694)

وقال:
أرى الداليتين على جفاء ... لديك وكل واحدة نضار
إذا ما شعر قوم كان ليلاً ... تبلجتا كما انشق النهار
وهذا غاية في حسنه لفظاً ومعنى لو كان اقتصر عليه ولكنه شره إلى أن قال:
فإن كانت قصائدهم جدوباً ... تلونتا كما ازدوج البهار
أغرتهما وغيرهما محلى ... بجودك والقوافي قد تعار
فقوله: «وإن كانت قصائدهم جدوباً» هو كقوله: «إذا ما شعر قوم كان ليلاً» يريد مظلمة من المعاني، مجدبة منها، وقوله: «تلونتا كما ازدوج البهار» هو معنى قوله: «تبلجتا كما انشق النهار»، وإنما يريد تبلجتا بالمعاني، وكذلك تلونتا، وهذا وإن كان توكيداً للأول، وكان سائغاً جائزاً، فهو منحط المعنى عن الأول انحطاطًا كثيراً، فكأنه إنما شانه ونقصه ولم يزده.
وقال البحتري:
ألست الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
ثناء كأن الروض منه منوراً ... ضحى وكأن الوشي منه مسهما
(3/695)

وقال:
أحسن أبا حسن بالشعر إذ جعلت ... عليك أنجمه بالمدح تنتثر
فقد أتتك القوافي غب فائدة ... كما تفتح غب الوابل الزهر
وهذا ما لا شيء أحسن منه ولا أصح منه.
وقال في مثله:
قد تلافى القريض جودك فارت ... ث لقى مشفياً على الإنقراض
نعم أبدت المصون المغطى ... منه تحت الجفون والإغماض
كالغوادي أظهرن كل خفي ... مستسر في زاهرات الرياض
وقال في نحوه:
إن هذا القريض نبت من القو ... ل يزيد الفعال في إيناعه
وهذا كله غاية في حسنه وصحته.
وقال:
هل يثرين في ابن نصر من تطوله ... قول على ألسن الراوين مقروض
مثل الحلي جلته كف صائغه ... فيه خليطان تذهيب وتفضيض
(3/696)

وأرسلت أفواف القوافي شوافعاً ... إليك وقد يجدي لديك رسولها
زواهر نور ما يجف جنيها ... وأنجم ليل ما يخاف أفولها
وقال:
فله في مدائحي حكمه الأو ... في ولي في نواله الغمر حكمي
كل مشهورة يؤلف منها ... بين درية الكواكب نظمي
أينما قام منشد لاح نجم ... يتلالا منها على إثر نجم
وقال:
إليك القوافي نازعات قواصد ... يسير ضاحي وشيها وينمنم
ومشرقة في النظم غر يزيدها ... بهاء وحسناً أنها لك تنظم
ضوامن للحاجات إما شوافعاً ... مشفعة أو حاكمات تحكم
وكأين غدت لي وهي شعر مسير ... وراحت علي وهي مال مسوم
وهذا معنى في غاية الصحة والاستقامة والحسن.
(3/697)

وقال أبو تمام:
لم تسق بعد الهوى ماء أقل قذى ... كماء قافية يسقيكه فهم
من كل بيت يكاد الميت يفهمه ... حسناً ويعبده القرطاس والقلم
يظل سالكه والفكر مالكه ... كأنه مستهام أو به لمم
مالي ومالك مثل وهي منشدة ... إلا زهير وقد أصغى له هرم
قوله: «كماء قافية يسقيكه فهم»، جعل للقافية ماء يسقى، وجعل فيه قذى إلا أن قذاة أقل قذى من كل ماء الهوى، وجعل للهوى أيضاً ماء قليل القذى، وهذه استعارة في غاية الركاكة والقبح والبعد من صواب الاستعارات، لأن الهوى بأن توصف بكثرة القذى أولى من أن توصف بقلته، وقال: «يسقيكه فهم» فحرك الهاء، وهو يريد فهم قائلها، ولم يرد القافية نفسها، وإنما أراد القصيدة.
وقوله: «يظل سالكه» أي سالك الفهم الذي يسلك في المعنى، والفكر مالكه، «كأنه مستهام» يعني الفهم لكثرة تردده وتسكعه.
وقوله: «من كل بيت يكاد الميت يفهمه»، فالأحياء ما فهمته فهلا عن الموتى؟!
(3/698)

وقال أبو تمام في أبي المغيث:
خذها فما نالها بضر ... موت جرير ولا العيث
وكن كريماً تجد كريماً ... في شكره يا أبا المغيث
حكى أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح أن أبا تمام أنشد أبا المغيث هذه القصيدة وعنده يوسف بن المغيرة القشيري وكان شاعراً عالماً أديباً فقال لأبي المغيث: قد هجاك بقوله: «كن كريماً» وهذا لا يقال لكريم، وإنما يقال للئيم، فهجا أبو تمام يوسف بن المغيرة فقال:
أيوسف جئت بالعجب العجيب ... تركت الناس في أمر مريب
أما لو أن جهلك كان علماً ... إذاً لنفذت في علم الغيوب
سمعت بكل داهبة نآد ... ولم أسمع بزجاج أديب
وغرض أبي تمام في هذا معروف، وإنما أراد: كن كريماً في أمري، ولكن ليس بجيد أن يقول في مدح رجل:
(3/699)

بنان موسى إذا استهلت ... كانت ضروباً من الغيوث
حيث الندى والسدى جميعاً ... وملجأ الخائف الكريث
ثم يقول بعد ذلك: «وكن كريماً»، ولو قال:
واعجل بجود تجد عجولاً ... بشكره ......................
كان أحسن وأجمل، وليس بمنكر أن يقول الشاعر للممدوح: «كن كريماً»، إذا كان ممن يقال لمثله، بعد ألا يكون قدم مدحاً فاخراً يكون هذا نقصاً له.
وقال البحتري:
أيغضب أن يعاتب بالقوافي ... وفيها المجد والشرف الحسيب
وكم من آمل هجوي ليحظى ... بذكر منه يصعد أو يصوب
فكيف بسير متنخلات ... تجوب من الفيافي ما تجوب
ينافس سامع فيها أباه ... إذا جعلت بسؤدده تهيب
فهذا ماوجدته لهما في وصف قصائدهما، فأما أبو تمام فقد مضى له عين نادر وجيد بالغ ورديء سقوط، وقد ذكرت جودة الجيد في موضعه ورداءة الرديء، فأما العين النادر فقوله:
(3/700)

يود وداداً أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت شوقاً إليها مسامع
وقوله:
كالنجم إن سافرت كان مواكباً ... وإذا حططت الرحل كان جليسا
وقوله -وإن كان محذواً على قول أوس بن حجر-:
ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب
وقوله:
زهراء أحلى في القلوب من المنى ... وألذ من ريق الأحبة في الفم
وقوله:
تداركه إن المكرمات أصابع ... وإن حلي الشعر فيها خواتم
وأما البحتري فقد مضى له عين نادر وجيد بالغ ولم يمض له رديء، فأما العين فقوله:
فقد أتتك القوافي غب فائدة ... كما تفتح غب الوابل الزهر
وهذا معنى في غاية الحسن والحلاوة، والبيت أيضاً قائم بنفسه وغير محتاج إلى ما قبله.
وقوله:
كالغوادي أظهرن كل خفي ... مستسر في زاهرات الرياض
وهذا محتاج إلى ما قبله.
(3/701)

وقوله:
وكأين غدت لي وهي شعر مسير ... وراحت علي وهي مال مسوم
فأقول في الموازنة بينهما: إن عيون شعر أبي تمام أجود من عيون شعر البحتري، وهما في جيدهما متساويان، وأطرح إساءات أبي تمام في هذا الباب فلا أعتد بها.
وقد مدحت الأوائل أشعارهما ووصفتها، فقال كعب بن زهير:
فمن للقوافي شابها من يحوكها ... إذا ما ثوى كعب وفوز جرول
يقول فلا يعيى بشيء يقوله ... ومن قائليها من يسيء ويعمل
يقومها حتى تلين متونها ... فيقصر عنها كل ما يتمثل
كفيتك لا تلقى من الناس شاعراً ... تنخل منها مثل ما انتخل
وقال تميم بن أبي بن مقبل:
إذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى ... لها قائلاً بعدي أطب وأشعرا
وأكثر بيتاً شارداً ضربت به ... حزون جبال الشعر حتى تيسرا
أغر غريباً يمسح الناس وجهه ... كما تمسح الأيدي الجواد المشهرا
(3/702)

وقال سويد بن كراع -جاهلي إسلامي-:
أبيت بأبواب القوافي كأنما ... أصادي بها سرباً من الوحش نزعا
أكالئها حتى أعرس بعد ما ... يكون سحيراً أو بعيد فأهجعا
عواصي إلا ما جعلت وراءها ... عصا مربد تغشى نحوراً وأذرعا
أهبت بغر الآبدات فراجعت ... طريقاً أملته القصائد مهيعا
بعيدة شأو لا يكاد يردها ... لها طالب حتى يكل ويظلعا
إذا خفت أن تروى علي رددتها ... وراء التراقي خشية أن تطلعا
وجشمني خوف ابن عفان ردها ... فثقفتها حولاً جريداً ومربعا
وقد كان في نفسي عليها زيادة ... فلم أر إلا أن أطيع وأسمعا
وقال المسيب بن علس:
فلأهدين مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع
ترد المياه فلا تزال غريبة ... في القوم بين تمثل وسماع
(3/703)

قوله: «وسماع» لأنهم كانوا يتغنون في النشيد.
أخذ أبو تمام قوله: «فلأهدين مع الرياح قصيدة» فقال:
تسير مسير الريح مطرفاته ... وما السير منها لا العنيق ولا الوخد
(3/704)