Advertisement

النظرات 003


المجلد الثالث
البيان
...
البيان:
عرفت فيما مضى من الأيام أديبًا كان من أكبر أدباء هذا البلد المضطلعين باللغة وفنونها، الحافظين للكثير الممتع من منظومها ومنثورها، وكان لا يكتب كلمة في صحيفة ولا ينشر في الناس كتابًا إلا أعجم كتابته وأبهمها وتعمل فيها تعملا يأخذ على القارئ عقله وفهمه فلا يدري أي سبيل يأخذ بين مسالكها وشعابها، وكنت أحسبها غريزة من غرائزه الغالبة عليه الآخذة التخلص منها والنزوع عنها حتى اطلعت لهُ عند بعض أصدقائه على كتاب صغير كان قد أرسله إليه في بعض الشئون الخاصة به وكتبهُ بتلك اللغة السهلة البسيطة التي يسمونها اللغة العادية، فأُعجبت بأسلوبه في كتابه هذا إعجابًا كثيرًا ورأيت أنه أبلغ ما قرأت له في حياتى من كتب ورسائل، وعلمت أن الرجل فصيح بفطرته قادر على الإبانة عن أغراضه ومراميه كأفضل ما يَقتدر مقتدرٌ على ذلك إلا أنه يتكلف الركة والتعقيد في كتابته
(3/3)

تكلفًا ويأخذ نفسه بهما أخذًا، ولو أنه أرسل نفسه على سجيتها فكتب جميع رسائله ومؤلفاته بتلك اللغة الجميلة العذبة التي كتب بها كتابه هذا لكان من أعظم الكتاب شأنًا وأكثرهم نفعًا وأرفعهم صوتًا في عالم الكتابة والأدب، ولكن هكذا قُدر له أن يقضي بنفسه على نفسه حتى مات رحمة الله عليه فماتت بموته نفثاته وآثاره.
وقرأت منذ أيام لأحد الشعراء المتكلفين ديوان شعر فلم أفهم منه غير خطبته النثرية ولم يُعجبني فيه سواها، وما أحسبها أفلتت من يده ولا جاءت على هذه الصورة من الجودة والحسن إلا لأنه أغفل العناية بها والتدقيق في وضعها فأرسلها عفو الخاطر إرسال من يعلم أنه إنما يسئل عن الإجادة في الشعر لا في النثر، وأن الناس سيتغفرون له ضعف الكاتب أمام قوة الشاعر، غير عالم أنه كاتب أفصح الكتاب وأبينهم، ولو شاء لكان شاعرًا من أقدر الشعراء وأفضلهم، وأنه ما أحسن إلا حيث ظن الإساءة ولا أساء إلا حيث ظن الإحسان.
ووالله ما أدري ما الذي يستفيده هؤلاء الكتاب والشعراء من سلوكهم هذا المسلك الوعر الخشن في أساليبهم الكتابية والشعرية وتكلف الإغراب والتعقيد فيها وهم يعلمون أنهم إنما يكتبون لا لأنفسهم وإن الناس خصوصًا في مثل هذا العصر
(3/4)

عصر المدنية والعمل والحركة والنشاط أضنّ بأنفسهم وبأوقاتهم من أن يقفوا الوقفات الطوال أمام بيت من الشعر يعالجون فهمه أو شطر من النثر يعانون كسر صخور ألفاظه عن كوامن معانيه، ولم لا يؤثر أحدهم إن كان يكتب للمنفعة العامة أن يستكثر من سواد المنتفعين بعلمه وفضله أو للشهرة والذكر أن ينتشر له ما يريد من ذلك بين جميع طبقات الأمة عامتها وخاصتها جاهلها وعالمها، وهل الشعر والكتابة إلا أحاديث سائرة يحادث بها الشعراء والكتاب الناس ليفضوا إليهم بخواطر أفكارهم وسوانح آرائهم وخلجات نفوسهم؟ وهل يعني المُتحدث في حديثه شيء سوى أن يعي عنه الناسُ ما يقول وأن يجد بين يديه سامعًا مصغيًا ومقبلًا محتفلًا: وأي فرق بين أن يجلس الرجل إلى جمع من أصدقائه ليقص عليهم بعض القصص أو يفضي إليهم ببعض الآراء فيتلطف في تفهيمهم وإيصال معانيه إلى نفوسهم ويفتن في اجتذاب ميولهم وعواطفهم وبين أن يجلس إلى مكتبه ليبعث إليهم بهذه الأحاديث نفسها من طريق القلم، ولمَ لا يعنيه في الأخرى ما يعنيه في الأولى.
ليس البيان ميدانًا يتبارى فيه اللغويون والحُفاظ أيهم أكثر مادة في اللغة وأوسع اطلاعًا على مفرداتها وتركيبها وأقدر على
(3/5)

استظهار نوادرها وشواذها ومترادفاتها ومتوارداتها، ولا متحفًا لصور الأساليب وأنواع التراكيب، ولا مخزنًا لحقائب المجازات والاستعارات، وغياب الشواهد والأمثال، فتلك أشياء خارجة عن موضوع البيان وجوهره إنما يُعنَى بها المؤلفون والمدونون وأصحاب القواميس والمعاجم وواضعو كتب المترادفات ومصنفو تواريخ اللغة وتواريخ آدابها، أما البيان فهو تصوير المعنى القائم في النفس تصويرًا صادقًا يمثلهُ في ذهن السامع كأنهُ يراهُ ويلمسهُ لا يزيد على ذلك شيئًا، فإن عجز الشاعر أو الكاتب مهما كبر عقله وغزر علمه واحتفل ذهنه عن أن يصل بسامعه إلى هذه الغاية، فهو إن شئت أعلم العلماء، أو أفضل الفُضلاء، أو أذكى الأذكياء، ولكنه ليس بالشاعر ولا بالكاتب.
ما أشبه الجمود اللغوي في هذه البيئة العربية بالجمود الديني، وما أشبه نتيجة الأول بنتيجة الآخر، لم يزل علماء الدين يتشددون فيه ويتنطعون ويقتطعون من هضبته الشماء صخورًا صماء يضعونها عثرة في سبيل المدنية والحضارة حتى صيروه عبئًا ثقيلًا على كواهل الناس وأعناقهم فملّه الكثير منهم وبرموا به وأخذوا يطلبون لأنفسهم الحياة الطيبة من طريق غير طريقه، ولو أنهم لانوا به مع الزمان وصروفه وتمشوا بأوامره ونواهيه مع شئون
(3/6)

المجتمع وأحواله لاستطاع الناس أن يجمعوا بين الأخذ بأسباب دينهم والأخذ بأسباب دنياهم، ولم يزل جماعة اللغويين وعبدة الألفاظ والصور يتشددون في اللغة ويتحذلقون، ويتشبثون بالأساليب القديمة والتراكيب الوحشية ويغالون في محاكاتها واحتذائها، ويأبون على الناس إلا أن يجمدوا معهم حيث جمدوا، وينزلوا على حكمهم فيما أرادوا، ويحاسبون الكاتبين والناطقين حسابًا شديدًا على الكلمة الغريبة والمعنى المبتكر ويقيمون المناحات الشعواء على كل تشبيه لم تعرفه العرب وكل خيال لم يمر بأذهانهم حتى ملّهم الناس وملّوا اللغة معهم فتمردوا عليهم وخلعوا طاعتهم وطلبوا لأنفسهم الحرية اللغوية التامة في جميع مواقفهم وعلائقهم فسقطوا في اللغة العامية في أحاديثهم وشبه العامية في كتاباتهم، وكادت تنقطع الصلة بين الأمة ولغتها لولا أن تداركها الله برحمته فقيض لها هذا الفريق العامل المستنير من شعراء العصر وكتابه الذين عرفوا سر البيان وأدركوا أسلوبًا وسطًا معتدلًا جمعوا فيه بين المُحافظة على اللغة وأوضاعها وأساليبها وبين تمثيل روح العصر وتصوير أسرار الحياة، ولولاهم لبقيت اللغة في أيدي الجامدين فماتت، أو غلبت عليها العامية فاستحالت
(3/7)

قال لي أحد المتكلفين في معرض الاعتذار عن نفسه وقد عتبت عليه في هذا المنهج الخشن الوعر الذي ينهجه في أسلوبه:
أنت تعلم أن الناس في هذا البلد قد ألفوا من طريق خطأ الحس أن ينظروا بعين الإجلال والإعظام إلى كل أسلوب شعري أو كتابي معقد غامض وأن تَفُهت معانيه وهانت أغراضه، وبعين الإزدراء والاحتقار إلى الأساليب السهلة البسيطة وأن اشتملت على أشرف الأغراض وأبرع المعاني، أي أنهم لا يرون السهولة والانسجام حتى يتوهموا التفاهة والسفولة ولا يرون الركاكة والمعاظلة حتى يظنوا الحذق والبراعة وسمو المعاني وشرفها، وهي حالة طبيعية في جميع النفوس البشرية أن تزدري المبذول لها وتستثنى قيمة الممنوع عنها، وليس هذا شأنهم مع أدباء العصر الحاضر فحسب بل مع أدباء كل عصر وجيل، فهم يسمون البُحتري وأبا نواس والشريف الرضي وأمثالهم شعراء الألفاظ، ويسمون المتنبي والمعري وابن الرومي وأشباهم شعراء المعاني، وليس بين الأولين والآخرين فرق في جودة المعاني وشرفها إلا أن الأولين أمطروها على الناس وبعثروها تحت أقدامهم فهانت عليهم، وضن لها الآخرون ووعروا سبيلها فعظمت في أعينهم وجلّت في صدورهم، قال ولقد عرضت السلعتين في سوق الأدب فكتبتُ أتفه المعاني
(3/8)

وأدونها في أخشن الأساليب وأوعرها فنفقت في تلك السوق نفاقًا عظيمًا، وكثر المعجبون بها والمكبرون لها، وكتبت أشرف المعاني وأبرعها في ألطف الأساليب وأعذبها فما أَبَهَ لها إلا القليل من الناس وربما لم يأبه لها أحد، فلم أربد من أن أنتهج لنفسي في الكتابة الخطة التي أعلم أنها أجدر بي وأجدى بي وأدرى عليَّ.
فعجبت لرأيه هذا عجبًا شديدًا وقلت له أما هذا الذي تذكره فإني لا أعرفه إلا لفئة قليلة من المُشتغلين بالأدب فاسدة الذوق لا يعبأ بها عابي، وليس هذا رأي جمهور المُتأدبين بل ولا رأي العامة من أبناء هذه اللغة، وهب أن الأمر كما تقول فالأدب ليس سلعة من السلع التجارية لاهمَّ لصاحبها سوى أن يحتال لنفاقها في سوقها، إنما الأدب فن شريف يجب أن يخلص له المتأدبون بأداء حقه والقيام على خدمته إخلاص المشتغلين ببقية الفنون لفنونهم، والأدباء هم قادرة الجماهير وزعماؤهم فلا يحمل بهم أن ينقادوا للجماهير وينزلوا على حكمهم في جهالاتهم وفساد تصوراتهم، وما زلت به حتى أذعن للرأي الذي رأيته له فحمدت الله على ذلك
(3/9)

ليس من الرأي ولا من المعقول أن ينظم الشعراء الشعر ويكتب الكتاب الرسائل في هذا العصر عصر الحضارة والمدنية وبين هذا الجمهور الذي لا يعرف أكثر من العامية إلا قليلًا باللغة التي كان ينظم بها امرؤ القيس وطرفة والقطامي والخطفى ورؤبة والعجاج ويكتب بها الحجاج وزياد وعبد الملك بن مروان والجاحظ والمعري في عصور العربية الأولي، فليس عصرنا كعصرهم ولا جمهورنا كجمهورهم، وأحسب لو أنهم بعتوا اليوم من أجداثهم لما كان لهم بد من أن ينزلوا إلى عالمنا الذي نعيش فيه ليخاطبونا بما نفهم أو يعودوا إلى مراقدهم من حيث جاءوا.
ليست الأساليب اللغوية دينًا يجب أن نتمسك به ونحرص عليه حرص النفس على الحياة، إنما هي أداة للفهم وطريق إليه لا تزيد على ذلك ولا تنقص شيئًا.
يجب أن نحافظ على اللغة باتباع قوانينها والتمسك بأوضاعها ومميزاتها الخاصة بما ثم نكون أحررًا بعد ذلك في التصور والتخيل واختيار الأسلوب الذي نريد.
يجب أن يشف اللفظ عن المعنى شفوف الكأس الصافية عن الشراب حتى لا يرى الرائي بين يديه سوى عقل الكاتب ونفس الشاعر وحتى لا يكون للمادة اللفظية شأن عنده أكثر
(3/10)

مما يكون للمرآة من الشأن في تمثيل الصور والمخائل.
يجب أن يتمثل المعنى في ذهن المُتكلم قبل أن يتمثل اللفظ حتى إذا حسن الأول أفاض على الثاني جماله ورونقه، فاللفظ لا يجمل حتى يجعل المعنى، بل لا مفهوم للفظ الجميل إلا المعنى الجميل.
لو لم يكن للفصاحة قانون يرجع إليه من يريد معرفتها ومقياس تقاس عليه لوجب أن يكون قانونها العقلي أن يترك القائل في نفس السامع الأثر الذي يريده، فإن عجز عن ذلك فلا أقل من أن يصور له المعنى القائم في نفسه، فإن لم يكن هذا ولا ذاك فاحتراف أي حرفة من الحرف مهما صغر قدرها واتّضح شأنها أعود بالنفع على الأمة وأجدى عليها من حرفة القلم.
لا يبك شاعر بعد اليوم ولا كاتب سقوط حظه في الأمة ولا يقض حياته ناعيًا عليها جهلها وقصورها كلما رآها منقبضة عنه غير حافلة به ولا متطلعة لا يقنعها من قلم الشاعر أن يرن على صفحة القرطاس دون أن يطربها ويملك عواطفها، ولا من قلم الكاتب أن يسود وجه الصحف دون أن ينير لها أذهانها ويغذي عقولها ومداركها، فإن كان لا بد باكيًا فليبك على نفسه ولينع عجزه وقصوره، وليعلم أنه لو استطاع أن يكتب للأمة ما تفهم
(3/11)

لاستطاعت الأمة أن تفهم عنه ما يقول.
إنني لا ألوم على الركاكة والفهامة الأغبياء الذين أظلمت أذهانهم فأظلمت أقلامهم وظلمة القلم أثر من آثار ظلمة العقل، ولا الجاهلين الذين لم يدرسوا قوانين اللغة ولم يمارسوا أدبها ولم يتشبعوا بروح منظومها ومنثورها، ولا العاجزين الذين غلبتهم إحدى اللغات الأجنبية على أمرهم قبل الإلمام بشيء من أدب لغتهم فأصبحوا إذا ترجموا ترجموا ترجمة حرفية ليس فيها مميز واحد من مميزات العربية ولا خاصة من خواصها وإذا كتبوا كتبوا بأسلوب عربيِّ الحروف أعجميِّ كلِّ شيء بعد ذلك، فهؤلاء جميعًا لا حول لنا فيهم ولا حيلة؛ لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا غير ذلك، إنما ألوم المُتأدبين القادرين الذين عرفوا اللغة واطلعوا على أدبها وفهموا سر فصاحتها وأنقم منهم عدولهم عن المحجة البيضاء في البيان إلى الجمجمة والغمغمة فيه وأنعى عليهم نقص القادرين على التمام.
(3/12)

الناشئ الفقي ر 1:
لي ولد وحيد في السابعة من عمره لا أستطيع على حبي إياه وافتتاني به أن أتركهُ من بعدى غنيًّا لأني فقير، وما أنا بآسف على ذلك ولا مُبتئس؛ لأني أرجو بفضل الله وعونه، ورحمته وإحسانه، أن أترك له ثروة من العقل والأدب، هي عندي خير ألف مرة من ثروة الفضة والذهب.
أحب أن ينشأ معتمدًا على نفسه في تحصيل رزقه، وتكوين حياته، لا على أي شيء آخر حتى على الثروة التي يتركها له أبوه، ومن نشأ هذا المنشأ، وألف ألا يأكل إلاّ من الخبز الذي يصنعه بيده نشأ عزوفًا عيوفًا مترفّعًا لا يتطلع إلى ما في يد غيره، ولا يستعذب طعم الصدقة والإحسان.
أحب أن ينشأ رجلًا، ولا سبيل إلى الرجولة إلاَّ من ناحية العمل، وقلّمَا يعمل العامل إلاَّ بسائق من الضرورة ودافع من
__________
1 كتب الكاتب هذه الرسالة جوابًا على سؤال هذا نصه: "أيهما أصلح للإنسان أن يولد فقيرًا أو غنيًا؟ ".
(3/13)

الحاجة، وفرقٌ بين الغني الذي يعمل لتنمية ثروته وتعظيم شأنها شرهًا وفضولًا، وبين الفقير الذي يعمل لتحصيل قوته، وتقويم أود حياته.
أحب أن يعيش فردًا من أفراد هذا المُجتمع الهائل المُعترِك في ميدان الحياة، يصارع العيش ويغالبه، ويزاحم العاملين بمنكبيه، ويفكر ويتروى، ويجرب ويُختبر، ويقارن الأمور بأشباهها ونظائرها، ويستنتج نتائج الأشياء من مقدماتها، ويعثر مرة، وينهض أخرى، ويخطئ حينًا ويصيب أحيانًا، فمن لا يخطئ لا يصيب، ومن لا يعثر لا ينهض، حتى تستقيم لهُ شئون حياته.
ذلك خير لهُ من أن يجلس في شرفة من شُرَفِ قصره مطلًّا على العاملين والمُجاهدين يمتع نظره بمرآهم كأنما يشاهد رواية تمثيلية في أحد ملاعب التمثيل.
أحب أن يمر بجميع الطبقات ويخالط جميع الناس ويذوق مرارة العيش ويشاهد بعينيه بؤس البؤساء، وشقاء الأشقياء، ويسمع بأذنه أنات المتألمين، وزفرات المتوجعين، ليشكر الله على نعمته إن كان خيرًا منهم، ويشاركهم في همومهم وآلامهم إن كان حظهُ في الحياة مثل حظهم، ولتنمو في نفسه عاطفة الرفق والرحمة، فيعطف على الفقير عطف الأخ على الأخ، ويرحم المسكين رحمة الحميم للحميم.
(3/14)

أما الغني الذي لم يذق طعم الفقر في حياته فقلما يشعر بآلام الناس ومصائبهم، أو يعطف على بأسائهم وضرائهم، فإن حاول يومًا أن يمد يده بالمعونة إلى بائس أو منكوب، فعل ذلك متفضلًا ممتنًّا، لا راحمًا ولا متألمًا.
والأمل هو الينبوع الذي تتفجر منه جميع عواطف الخير والإحسان في الأرض، وهو الصلة الكبرى بين أفراد المجتمع الإنساني، والجامعة الوحيدة التي تجمع بين طبقاته وأجناسه، بل هو معنى الإنسانية وروحها وجوهرها، فمن حُرمهُ حُرم كلَّ فضيلة من فضائل النفس، وكلَّ مكرمة من مكرماتها، وأصبح بالصخرة الصلدة الصماء أشبه منه بالإنسان الناطق.
أحب أن يجوع ليجد لذة الشبع، ويظمأ ليستعذب طعم الري، ويتعب ليشعر ببرد الراحة، ويسهر لينام ملء جفونه، أي أنني أحب لهُ السعادة الحقيقية التي لا سعادة في الدنيا سواها.
وما السعادة في الدنيا إلاَّ لمحات كلمحات البرق حينًا بعد حين في ظلمات الشقاء، فمن لا يرى تلك الظُلمات لا يراها، وأشقى الأشقياء أولئك المترفون الناعمون الذين يوافيهم الدهر بجميع لذائذهم ومشتهياتهم، فلا يزالون يُمعنون فيها ويتقلبون في جنباتها حتى يستنفدوها، فيستولى على عقولهم مرض السآمة
(3/15)

والضجر، فيتألمون من الراحة أكثر مما يتألم التَّعِب من التَّعَب، ويقاسون من عذاب الوجود أكثر مما يقاسى المحروم من عذاب الحرمان، وقد تدفعهم تلك الحالة إلى الإلمام بمشتهيات غريبة لا تتفق مع الطبيعة البشرية ولا تدخل تحت حكمها، تفريجًا لكربتهم، وتنفيسًا عن أنفسهم، وما هؤلاء المساكين الذين نراهم سهارى طوال لياليهم في ملاعب القمار ومجالس الشراب ومواقف الرهان إلاَّ جماعة الفارين من سجون السآمة والملل، يعالجون الداء بالداء، ويفرون من الموت إلى الموت.
أحب أن يكون غنيًّا بالمعنى الحقيقي، لا بالمعنى الاصطلاحي، أي أن يكون مُستغنيًا بنفسه عن غيره، لا كثير المال والثراء، وما سُمي المال غني إلا باعتبار أنه وسيلة إلى الغني وطريق إليه، وهو اعتبار خطأ ما في ذلك ريب، فإن أكثر الناس فقرًا إلى المال وأشدهم طعمًا في إحرازه وأعظمهم مُخاطرة بكرامتهم وفضائل نفوسهم في سبيله هم الأغنياء أصحاب المال والثراء، وإن كان في الدنيا شيء يسمى قناعة واعتدالًا فهو من جانب الفقراء المقلين، أكثر منهُ في جانب الأغنياء المُكثرين، ولا يزال المرء يعتبر المال وسيلة إلى الحياة وذريعًة من ذرائعها حتى يكثر في يده فإذا هو في نظره الحياةُ نفسها، يجمعه ولا يدرى ماذا يريد منه، ويعبده
(3/16)

وهو لا يرجو ثوابه، ولا يخشى عقابه، ويستكثر منه وهو على ثقة من نفسه بأنه لا ينتفع بقليله، فضلًا عن كثيره، وإذا بلغ المرء في حالته العقلية إلى درجة أن تنقلب في نظره حقائق الكون وتتغير نواميسه فيرى الرءوس أذنابًا والأذناب رءوسًا، والوسائل غايات، والغايات وسائل، فقل على عقله السلام.
لا أكره أن ينشأ ولدى غنيًّا ولا أحب أن أعرضه لمخاطر الفقر وآفاقه، ولكني أخاف عليه الغنى أكثر مما أخاف عليه الفقر.
أخاف عليه أن يعتد بالمال اعتدادًا كثيرًا، وبقدره فوق قدره، ويعتبره الكمال الإنساني كله، فلا يهتم بإصلاح أخلاقه وتهذيب نفسه وألا يجد من حوله من أصدقائه ومعارفه مرآة يرى فيها هناته وعيوبه؛ لأن عشراء الأغنياء متملقون مداهنون يطوون سيئاتهم، ويزخرفون حسناتهم.
أخاف عليه أن تستحيل نفسه إلى نفس مادية جامدة لا تفهم من شئون الحياة غير المادة ولا تُعنى بشيء سواها، فيصبح رجلًا قاسيًا صلبًا ميت النفس والعواطف لا يرحم بائسًا، ولا يعطف على منكوب، ولا يرثي لأمة، ولا يبكى على وطن، ولا يشترك في شأن من شئون العالم العامة خيرها وشرها، ولا يعنيه ما دام
(3/17)

راضيًا عن نفسه مغتبطًا بحظه أسقطت السماء على الأرض أم بقيت في مكانها.
أخاف عليه أن يحتقر العلوم والفنون والآداب ويزدري المواهب والعقول والفضائل والمزايا، فيصبح عار أمته وشنارها، ووصمتها الخالدة التي لا تزول، ومن أشرب قلبُه حب المال ونزل من نفسه إلى قرارتها لا يحترم غيره ولا يقيم إلا لأربابه وزنًا، ويخيل إليه أن من عداهم من الناس لا قيمة لهم في الحياة بل لا حق لهم في الوجود.
أخاف عليه إن تزوج أن يأبى الزواج إلا من غنية يرى أنها هي التي تليق بمقامه ومنزلته، ومن اشترط الغنى في زوجة قلما يستطيع أن يشترط شيئا سواه، فيسقط في زواجه سقطة يشقى بها طول حياته من حيث لا ينفعه ماله ولا جاهه.
أخاف عليه إن وَلَد ألا يجد بين أوقاته ساعة فراغ يتولى فيها النظر في تهذيب ولده وتربيته، فيتركه صغيرًا في أيدي الخدم وكبيرًا في أيدي عشراء السوء، فيصبح نكبته الكبرى في حياته، وعاره الدائم بعد مماته.
أخاف عليه أن يقضى أيامه ولياليه خائفًا مذعورًا مروَّع القلب مستطار الفؤاد تقتله الخسارة إن خسر، ويصعقه فوت الربح
(3/18)

إن فاته، ويطير بنومه وهدوئه ويذهب براحته وسكونه هبوط الأسعار، ونزول الأسهم، وتقلبات الأسواق، وخسران القضايا، ومنازعات الخصوم، والآفات السماوية، والجوائح الأرضية.
وما حُزنُ الفقير الذي أنفق آخر درهم بيده من حيث لا يعرف له طريقًا إلى سواه على نفسه وعلى مستقبله بأشد من حزن الغني الشحيح على الدرهم الذي نقص من مليونه، أو الذي كان يؤمل أن يتمم به مليونه فلم يُتح له.
وما ليلة البائس المسكين الذي يتصايح أولاده من حوله جوعًا ولا يجد ما يسد به رمقهم بأطول من ليلة الغني الذي يسقط إليه الخبر بأن سلعة قد نفقت، أو أن سهمًا من أسهمه قد نزل.
ولقد رأيت بعيني من جُنّ وهو واقف ينظر إلى قصر من قصوره يحترق، وسمعت كثيرًا من حوادث المُنتحرين والمصعوقين على أثر النكبات المالية والخسائر التجارية التي لا تفقرهم ولا تصل بهم إلى درجة الإملاق، وكلُّ أثرها عندهم أنها تنقلهم إلى منزلة في الغنى أدنى من منزلتهم الأولى.
أخاف عليه أن يصبح واحدًا من أولئك الوارثين المستهترين الذين لا عمل لهم في حياتهم سوى هدم حياتهم بأيديهم وهدم
(3/19)

ما ترك لهم آباؤهم وأجدادهم من مال وجاه، فأندب حظي في قبري وأقرع السنَّ على أن أكن فارقت هذه الحياة ولا مال لي فيها ولا ولد.
وما أزال أذكر حتى الساعة أنني مررت بأحد شوارع القاهرة من بضع سنين فرأيت في مكان واحد منه منظرين مُختلفين متناقضين، رأيت غلامًا من الوارثين جالسًا بإحدى الحانات يمرح في نعمائه، وآخر من المُتشردين نائمًا تحت الرصيف على مقربة منه يضطرب في بأسائه، أما الأول فقد كان جالسًا بين مائدتي شارب وقمار، تسلب الأولى عقله والأخرى ماله، وقد أحاط به جماعة من الخلعاء الماكرين يلعبون بعقله لعب الغلمان بالكرة في ميادينها، يضحكون لنكاته، ويؤمنون على أقواله، ويصدقون أكاذيبه، ويتحركون بحركته، ويسكنون بسكونه، وهو يقهقه بينهم قهقهة المجانين ويصيح صياح الثعالب، أما الثاني فقد كان عاريًا إلا قليلًا، يفتح إحدى عينيه من حين إلى حين كما رنّت في أذنه ضحكات هؤلاء السكارى وضوضاؤهم، ويضم ركبتيه إلى صدره كلما أحس بصوت مركبة مارة بجانبه، وقد يبسط كفه أحيانًا وهو مغمض إن خُيل إليه أن يدًا تمتد إليه بالإحسان، ولا يد هناك ولا إحسان.
(3/20)

رأيت هذين المنظرين الغربيين المتباينين فثارت في نفسي في تلك الساعة عاطفتان مختلفتان، عاطفة البغض والاحتقار للأول، وعاطفة الرحمة والشفقة على الثاني، وقلت في نفسي: لو كان لي ولد وكان لا بد له من أن يكون أحد هذين الغلامين، إما الوارث الجالس فوق الرصيف ينثر الذهب نثرًا، أو المتشرد النائم من تحته يسأل الناس لقمة فلا يجدها، لفضلت أن أراه بين فئة المتشردين، على أن أراه بين جماعة الوارثين، لأني أرجو له في الأولى أن يجد بين الراحمين راحمًا يحسن إليه ويستنقذه من شقائه ويأخذ بيده في طريق الحياة الطيبة الصالحة، أما في الثانية فإني لا أرجو له شيئًا.
إن للرحمة طيشًا كطيش القسوة والشدة، وأطيش الراحمين ذلك الذي يستنفد أيام حياته في جمع الثروة لأولاده دائبًا ليله ونهاره لا يهدأ ولا يفتر من حيث يغفل النظر في شأن تربيتهم وتعليمهم ضنًّا بهم أن يزعج نفوسهم بشيء من تكاليف الحياة وأثقالها، فإذا ذهب لسبيله وخلى بينهم وبين ذلك المال الذي جمعه لهم لا يكون لهم من الشأن فيه أكثر مما يكون لجماعة الحمالين في الأثقال التي يحملونها من مكان إلى آخر، فهم ينقلونه من خزائنه شيئًا فشيئًا إلى خزائن الخمارين والمرابين
(3/21)

والماهرين حتى ينتهى، فإذا فرغوا منه جلسوا في عَرصَاتهم المقفرة جلسة الباكي الحزين، صفُر الأكف، فارغي الجيوب، مطرقي الرءوس، لا حول لهم ولا حيلة، قد أضاعوا حياتهم وحياة آبائهم وأجدادهم، وهدموا في عام واحد أو عامين قرنًا كاملًا مجيدًا من أعلاه إلى أسفله، ولا يعلم إلا الله ماذا يكون شأنهم بعد ذلك.
ولو أن أباهم كان يرحمهم رحمة حقيقية ويشفق عليهم إشفاقًا صحيحًا لرحمهم من هذا المصير المحزن وضن بهم على هذا الميراث المشئوم.
يقولون: إن الفقر يدفع إلى الجرائم والقتل وارتكاب السرقات، وأنا أقول إننا إذا استطعنا أن نفهم الجريمة بمعناها الحقيقي وأن لا ننخدع بصور الألفاظ وألوانها فإن للأغنياء جرائم كجرائم الفقراء بل أشد منها خطرًا وأعظم هولًا، فإن كان بين الفقراء اللصوص والقتلة والعيارون وقاطعو الطريق، فبين الأغنياء المحتالون والمزورون والمغتصبون والخائنون والمداهنون والممالئون وأصحاب المعامل والشركات الذين يغذون أجسامهم بدماء عمالهم، والتجار الذين يسرقون من الأمة في شهر واحد باسم الحرية التجارية مالًا يسرقه منها جميع لصوص البلد وعياروه
(3/22)

في سنة كاملة، والقوام والأصياء الذين يرثون التركات من دون وارثيها، ويأكلون أموال اليتامى والمعتوهين باسم صيانتها والمحافظة عليها، والسماسرة الذين يغتالون الأسواق بأجمعها، والمرابون الذين يختلسون الثروات بأكملها، والسياسيون الذين يسرقون الممالك بحذافيرها.
على أن الجرائم اللصوصية والسرقة والقتل ليست جرائم الفقر بل جرائم الغنى، فلولا شح الأغنياء بأموالهم وكلبهم عليها وحيازتها عن الفقراء لما وجد في الأرض قاتل ولا سارق ولا قاطع طريق، ولا يسرق السارق ولا ينهب الناهب ولا يلص اللص إلا جزءًا من حقه الذي كان يجب أن يكون له لو كان للمال زكاة وللرحمة سبيل إلى الأفئدة والقلوب.
ليفتح الأغنياء المدارس وليبنوا الملاجئ ولينشئوا المصانع والمعامل للعاطلين والمتشردين وليتعهدوا المنكوبين والساقطين في ميدان الحياة بالمساعدة والمعونة، فإن وجدوا بعد ذلك لصوصًا أو قتلة أو مجرمين فليتهموا الفقر ولينعوا عليه جرائمه وآثامه.
لا أريد أن أقول: إن الغنى علة فساد الأخلاق، وأن الفقر علة صلاحها، ولكن الذي أستطيع أن أقوله عن تجربة واستقراء:
(3/23)

إني رأيت كثيرًا من أبناء ناجحين، ولم أر إلاّ قليلًا من أبناء الأغنياء عاملين.
إن العلوم والمعارف والمُخترعات والمُكتشفات، والمدنية الحديثة بأجمعها حسنة من حسنات الفقر، وثمرة من ثمراته، وما المداد الذي كتبت به المُصنفات ودونت به الآثاء إلا دموع البؤس والفاقة، وما الآراء السامية والأفكار الناضجة التي رفعت شأن المدنية الحديثة إلى مستواها الحاضر إلا أبخرة الأدمغة المُحترفة بنيران الهموم والأحزان، وما انفجرت ينابيع الخيالات الشعرية، والتصورات الفنية، إلا من صدوع القلوب الكبيرة، والأفئدة الحزينة، وما أشرقت شموس الذكاء والعقل في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ من ظُلمات إلا كواخ الحقيرة والزوايا المهجورة، وما نبغ النابغون من فلاسفة وعلماء وحكماء وأدباء إلاَّ في مهود الفقر وحجور الإملاق، ولولا الفقر ما كان الغني، ولولا الشقاء ما وجدت السعادة.
إن المُجتمع الإنساني اليوم ميدانُ حرب يعترك فيه الناس ويقتتلون، لا يَرحم أحد أحدًا، ولا يلوى مقبل على مُدبر، يَعْدون ويُسرعون، ويتصادمون ويتخبطون، ويأخذ بعضهم
(3/24)

بتلابيب بعض، كأنهم هاربون من معركة، أو مفلتون من مارستان، ودماء الشرف والفضيلة تسيل على أقدامهم، وتموج موج البحر الزاخر، يغرق فيه من يغرق، وينجو من ينجو.
أتدرون لم سقطت الهيئة الاجتماعية هذا السقوط الهائل الذي لم تصل إلى مثله في دور من أدوار حياتها الماضية؟ ولم هذا الجنون الاجتماعي الثائر في أدمغة الناس خاصتهم وعامتهم، علمائهم وجهلائهم؟ ولم هذه الحروب القائمة، والثورات الدائمة، والنزاع المستمر بين البشر جماعات وأفرادًا، وقبائل وشعوبًا، وممالك ودولًا؟.
لا سبب لذلك سوى شيء واحد، وهو أن الناس يعتقدون اعتقادًا خطأ أن المال أساس السعادة وميزانها الذي توزن به، فهم يسعون إليه لا من أجل القوت وكفاف العيش كما يجب أن يكون، بل من أجل الجمع والادخار، والمال في العالم كمية محدودة لا تكفى لملء جميع الخزائن وتهدئة كافة المطامع، فهم يتخاطفونه ويتناهبونهُ ويتصارعون من حولهِ كما تتصارع الكلاب حول الجيف المطّرحة، ويسمعون عملهم هذا تنازع الحياة أو تنازع البقاء، وما هو بالتنازع ولا التناظر، إنما هو العراك والتناحر، والدم السائل، والعدوان الدائم، والشقاء الخالد.
(3/25)

والعلاج الوحيد لهذه الحال المُخيفة المُزعجة أن يفهم الناس أن لا صلة بين المال وبين السعادة، وأن الإفراط في الطلب شقاء كالتقصير فيه، وأن سعادة العيش وهناء وراحة النفس وسكونها لا تأتي إلاّ من طريق واحد، وهو الاعتدال.
الآن أستطيع غير خاشٍ لومًا ولا عتبًا أن أقضي للناشئ الفقير على الناشئ الغني قضاءً لا مُجاملة فيه ولا محاباة، ومن ذا الذي يُجامل الفقراء ويحابيهم؟ وأن أقول للناشئ الفقير: صبرًا يا بُني وعزاءً؛ فإنك لم تخلق إلاّ العمل، فاعمل واجتهد، ولا تعتمد في حياتك إلا على نفسك، ولا تحصد غير الذي زرعته يدك، فإن لم تجد معلمًا يعلمك فعلم نفسك، والزمن خير مؤدب ومهذب، وإن ضاقت بك المدارس فادرس في مدرسة الكون ففيها علوم الحياة بأجمعها، وإن كنت ممن لا يعدون وظائف الحكومة ومناصبها غنمًا عظيمًا كما يعدها القعدة العاجزون، فها هو ذا فضاء الأرض أمامك فامش فيه وفتش عن قوتك كما تفتش عنه الطيور والقواطع التي ليس لها مثل عقلك وفطنتك، وحيلتك وقوتك، فإن الله لم يخلقك في هذا العالم ولم يبرزك إلى هذا الوجود لتموت فيه جوعًا أو تهلك ظمأ، ولا تصدق ما يقولونه
(3/26)

لك من أن الناشئ الغني أسعد منك حالًا أو أوفر حظًّا وإن راقك منظره وأعجبك ظاهرة، فلكل نفس همومها وآلامها، وهموم الفقر على شدتها أقل هموم الحياة وأهونها.
وحسبك من السعادة في الدنيا ضمير نقي ونفس هادئة وقلب شريف، وأن تعمل بيدك وتترعرع فتغتبط بمرآها اغتباط الزارع بمنظر الخضرة والنماء في الأرض التي فلحها بيده وتعهدها بنفسه وسقاها من عرق جبينه.
(3/27)

قتيلة الجوع:
قرأت في بعض الصحف منذ أيام أن رجال الشرطة عثروا بجثة امرأة في جبل المقطم فظنوها قتيلة أو منتحرة حتى حضر الطبيب ففحص أمرها وقرر أنها ماتت جوعًا.
تلك أول مرة سمعت فيها بمثل هذه الميتة الشنعاء في مصر وهذا أول يوم سَجلتْ فيه يد الدهر في جريدة مصائبنا ورزايانا هذا الشقاء الجديد.
لم تمت هذه المرأة المسكينة في مفازة منقطعة أو بيداء مِجهْل فنفزع في أمرها إلى قضاء الله وقدره كما نفعل في جميع حوادث الكون التي لا حول لنا فيها ولا حيلة بل ماتت بين سمع الناس وبصرهم وفي ملتقى غاديهم برائحهم، ولا بد أنها مرتْ قبل موتها بكثير من المنازل تطرقها فلم تسمع مجيبًا ووقفتْ في طريق كثير من الناس تسألهم المعونة على أمرها فلم تجد من يمد إليها يده بلقمة واحدة تسد بها جوعتها، فما أقسى قلب إنسان، وما أبعد الرحمة من فؤاده، وما أقدره على الوقوف موقف الثبات والصبر أمام مشاهد البؤس ومواقف الشقاء.
(3/28)

لم ذهبت هذه البائسة المسكينة إلى جبل المُقطم في ساعتها الأخيرة؟ لعلها ظنت أن الصخر ألين قلبًا من الإنسان فذهبت إليه تبثه شكواها، أو أن الوحش أقرب منه رحمة فجاءته تستمنحه فضلة طعامه، وأحسبُ لو أن الصخر فهم شكواها لأشكاها1 ولو أن الوحش ألم بسريرة نفسها لرثى لها وحنا عليها؛ لأني لا أعرف مخلوقًا على وجه الأرض يستطيع أن يملك نفسه ودموعه أمام مشهد الجوع وعذابه غير الإنسان.
ألم يلتق بها أحد في طريقها فيرى صفرة وجهها وترقرق مدامعها وذبول جسمها فيعلم أنها جائعة فيرحمها!
ألم يكن لها جار يسمع أنينها في جوف الليل ويرى غدوها ورواحها حائرة ملتاعة في طلب القوت فيكفيها أمره!
أأقفرت البلاد من الخبز والقوت فلا يوجد بين أفراد الأمة جميعها من أصحاب قصورها إلى سكان أكواخها رجل واحد يملك رغيفًا واحدًُا زائدًا عن حاجته فيتصدق به عليها!
اللهم لا هذا ولا ذاك، فالمال والحمد لله كثير والخبز أكثر منه ومواضع الخَلات والحاجات بادية مكشوفة يراها الراءون ويسمع صداها السامعون ولكن الأمة التي ألفت ألا تبذل
__________
1 شكا إليه فأشكاه أي؛ أرضاه وقَبل شكواه.
(3/29)

معروفها إلا في مواقف المُفاخرة والمُكاثرة والتي لا تفهم معنى الإحسان إلا أنه الغل الثقيل الذي يوضع في رقاب الفقراء لاستبعادهم واسترقاقهم لا يمكن أن ينشأ فيها محسن مخلص يحمل بين جنبيه قلبًا رحيمًا.
لقد كان الإحسان في مصر كثيرًا في عصر الاكتتابات والحفلات وفي العهد الذي كانت تسجل فيه حسنات المُحسنين على صفحات الصحف تسجيلًا يشهده ثلاثة عشر مليونًا من الشهود، أما اليوم وقد أصبح كل امرئ موكولًا إلى نفسه ومسئولًا أمام ربه وضميره أن يتفقد جيرته وأصدقاءه وذوي رحمه ويتلمس مواضع خلاتهم وحاجاتهم ليسدها، فهاهم الفقراء يموتون جوعًا بين تلال الرمال وفوق شعاف الجبال من حيث لا راحم ولا مُعين.
لقد كان في استطاعة تلك المرأة المسكينة أن تسرق رغيفًا تتبلغ به أو درهمًا تبتاع به رغيفًا فلم تفعل، وكان في استطاعتها أن تعرض عرضها في تلك السوق التي يعرض فيها أعراضّهن الفتيات الساقطات فلم تفعل؛ لأنها امرأة شريفة تفضل أن تموت بحسرتها على أن تعيش بعارها، فما أعظم جريمة الأمة التي لا يموت فيها جوعًا غير شرفائها وأعفائها.
(3/30)

الأدب الكاذب:
كنا وكان الأدب حالًا قائمة بالنفس صاحبها أن يقدم على شر أو يحدث نفسه به أو يكون عونًا لفاعليه عليه، فإن ساقته إليه شهوة من شهوات النفس أو نزوة من نزوات العقل وجد نفسه عند غشياته من المضض والامتعاض ما ينغصه عليه ويكدر صفوه وهناءه، ثم أصبحنا وإذا الأدب صور ورسوم وحركات وسكنات وإشارات والتفاتات لا دخل لها في جوهر النفس ولا علاقة لها بشعورها ووجدانها، فأحسن الناس عند الناس أدبًا وأكرمهم خلقًا وأشرفهم مذهبًا من يكذبُ على أن يكون كذبه سائغًا مهذبًا، ومن يخلف الوعد على أن يحسن الاعتذار عن إخلافه، ومن يبغض الناس جميعًا بقلبه على أن يحبهم جميعًا بلسانه، ومن يقترف ما شاء من الجرائم والذنوب على أن يتخلص من نتائجها وآثارها، وأفضل عندهم من هؤلاء جميعًا أولئك الذين برعوا في فن "الآداب العالية" أي فن الرياء والنفاق وتفوقوا في استظهار تلك الصور الجامدة التي تَواضع عليها جماعة
(3/31)

"الظرفاء" في التحية والسلام واللقاء والفراق والزيارة والاستزارة والمجالسة والمنادمة وأمثال ذلك مما يرجع العلم به غالبًا إلى صغر النفس وإسفافها أكثر مما يرجع إلى أدبها وكمالها، فكان الناس لا يستنكرون من السيئة إلا لونها فإذا جاءتهم في ثوب غير ثوبها أنسوا بها وسكنوا إليها ولا يعجبهم من الحسنة إلا صورتها فإذا لم تأتهم من الصورة التي تعجبهم وتروقهم عافوها وزهدوا فيها، أي أنهم يفضلون اليد الناعمة التي تحمل خنجرًا على اليد الخشنة التي تحمل بدرة، ويؤثرون كاس البللور المملوءة سُمًّا على كاس الخزف المملوءة ماء زلالا ولقد سمعت بأذني من أخذ يعد لرجل من أصدقائه من السيئات ما لو وزع على الخلق جميعًا للوث صحائفهم ثم ختم كلامه بقوله: وإني على ذلك أحبه وأجله؛ لأنه رجل "ظريف" وأغرب من ذلك كله أنهم وضعوا قوانين أدبية للمغازلة والمعاقرة والمقامرة كأن جميع هذه الأشياء فضائل لا شك فيها وكانت الرذيلة وحدها هي الخروج عن تلك القوانين التي وضعت لها، وما عهدنا ببعيد بذلك القاضي المصري الذي أجمع الناس في مصر على احتقاره وازدرائه حينما علموا أنه تلاعب بأوراق اللعب في أحد أندية القمار وسموه لصًّا دنيئًا والقمار لصوصية من أساسه إلى ذروته.
(3/32)

أعرف في هذا البلد رجلين يجمعهما عمل واحد ومركز واحد، أحدهما خير الناس والآخر شر الناس، وإن كان الناس لا يرون رأي فيهما.
أما الأول فهو رجل قد أخذ نفسه منذ نشأته بمطالعة كتب الأخلاق والآداب ومزاولتها ليله ونهاره فقرأ فيها فصول الصدق والأمانة والعفة والزهد والسماحة والنجدة والمروءة والكرم وقصص السمحاء والأجواد والرحماء والمؤثرين وافتتن بتلك الفضائل افتتانًا شديدًا ثم دخل غمار المجتمع بعد ذلك وقد استقر في نفسه أن الناس قد عرفوا من الأدب مثل ما عرف وفهموا من معناه مثل ما فهم وأخذوا منه بمثل الذي أخذ فغضب في وجه الأشرار وابتسم في وجه الأخيار، والأولون أكثر عددًا وأعظم سلطة وجاهًا، فسمي عند الفريقين شرسًا متوحشًا، وامتدح إحسان المُحسن، وذم إساءة المُسيء، والمحسنون في الدنيا قليلون، فسُمي وقحًا بذيئًا حتى بين المُحسنين، وبذل معروفه للعاجز الخامل ومنعه القادرَ النابه فلم يشعر بمعروفه أحد، فسمي بخيلًا، واعتبر الناس بقيمهم الأدبية لا بمقاديرهم الدنيوية فلقي الأغنياء والأشراف بمثل ما يلقى به العامة والدهماء فسمي متكبرًا، وقال لمن جاءه
(3/33)

يساومه في ذمته إني أحبك ولكني أحب الحق أكثر منك فكثر أعداؤه وقل أصدقاؤه.
أما الثاني فأقل سيئاته أنه لا يفي بوعده يعده ولكنه يحسن الاعتذار عن إخلاف الوعود، فلا يسميه أحد مخلافًا، وما رآه الناس في يوم من يوم من أيامه عاطفًا على بائس أو منكوب ولكنه يبكى لمصاب البائسين والمنكوبين ويستبكى الناس لهم، فعُدَّ من الأجواد السمحاء، وكثيرًا ما أكل أموال اليتامى وأساء الوصاية عليهم ولكنه لا يزال يسمح رءوسهم ويحتضنهم إلى صدره في المجامع والمشاهد كأرحم الرحماء وأشفق المُشفقين، فسُمي الوصي الرحيم، ولا يفتأ ليله ونهاره ينال من أعراض الناس ويستنزل من أقدارهم إلا أنه يخلط جده بالهزل ومرارته بالحلاوة فلم يعرف الناس عنه شيئًا سوى أنه الماجن الظريف.
ذلك هو الأدب الذي أصبح في هذا العصور رأيًّا عامًّا يشترك فيه خاصة الناس وعامّتهم وعقلاؤهم وجهلاؤهم ويعلمه الوالدُ ولدَه والأستاذ تلميذه ويقتتل الناس اقتتالًا شديدًا على انتحاله والتجمل به كما يقتتلون على أعز الأشياء وأنفسها حتى تبدلت الصور وانعكست الحقائق وأصبح الرجل الصادق المُخلص أحرج الناس بصدقه وإخلاصه صدرًا وأضلهم بهما سبيلًا، لا يدرى أيكذب
(3/34)

فيسخط ربه ويرضي الكاذبين، أم يصدق فيرضي نفسه ويسخط الناس أجمعين، ولا يعلم أيهجر هذا العالم إلى عزلة منقطعة يقضي فيها بقية أيام حياته غريبًا شريدًا، أم يبرز للعيون فيموت هَمًّا وكمدًا.
يجب أن يكون أدب النفس أساس أدب الجوارح، وأن يكون أدب الجوارح تابعًا له وأثرًا من آثاره، فإن أبى الناس إلا أن يجعلوا أدب الحركات والسكنات أساس أعمالهم وعلائقهم وميزان قيمهم وأقدارهم فليعلموا أن العالم كله قد استحال إلى مسرح تمثيل وأنهم لا يؤدون فيه غير وظيفة الممثلين الكاذبين.
(3/35)

إيفون الصغيرة 1:
"مترجمة"
ماتت وكأنها لم تمت، ليس على وجهها أثر واحد من آثار الآلام التي قاستها في مرضها، يحسبها الرائي نائمة نومًا هادئًا لذيذًا ويخيل إليه أنه يسمع صوت أنفاسها المترددة، ويرى هبوط صدرها وارتفاعه.
أين صفرة الموت ونحوله، أين آلام النزع وشدائده، أين الغضون التي خلفتها الأوجاع فوق جبينها، والخطوط الزرقاء التي رسمتها حول جفنيها.
__________
1 وهي فتاة صغيرة عثر بها في طفولتها على باب إحدى الكنائس في فرنسا ناظر مدرسة قروية وكان شيخًا كبيرًا مات جميع أولاده وأحفاده وبقى هو من بعدهم وحيدًا مستوحشًا فأنس بها حين وجدها أنسًا شديدًا وسماها "إيفون الصغيرة"؛ لأنه لم يكن يعلم من أمر نسبها شيئًا. فأصبحت سلوته الوحيدة في شيخوخته وعني بتربيتها وتهذيبها حتى بلغت السابعة من عمرها. فأصابها مرض لم يمهلها إلا بضع ليال حتى ذهب بها إلى ربها فرثاها أحد الشعراء الغربيين بهذه القطعة.
(3/36)

لقد مات كل ذلك بموتها فعاد لها رونقها وبهاؤها، وأصبحت كأنما قد خلقت الساعة ولما تنبعث الروح في جسدها.
بهذا الوجه الجميل المشرق كانت جالسة منذ أيام قلائل أمام المدفأة باسمةً مطمئنة تلاعب هرتها، وبهذا الفم الأرجواني القاني كانت تغني أمام قفص عصفورها أنشودة السعادة والحياة وبهاتين اليدين البيضاوين اللينتين كانت تقطف أزهار الربيع وتقدمها هدية إلى أبيها الشيخ.
أما اليوم فقد انقضى ذلك كله؛ لأن حياتها قد انقضت.
آخر كلمة نطقت بها قبل موتها: "سأموت الساعة فأتوني بعصفوري أودعه" فأتوها بقفص عصفورها وعلقوه بقائم سريرها فظلت تنظر إليه باسمة متطلقة، وظل العصفور يلعب ويغرد تغريدًا شجيًّا، وهو لا يعلم أنه ينشد فوق رأسها أنشودة الموت.
وهنا وقف الشيخ الذي تبناها بجانب فراشها واجمًا حزينًا مشرّد اللب ذاهل العقل ومد يده إلى يدها الضعيفة الواهية التي كانت بالأمس عكاز شيخوخته وسند حياته, فأخذها ووضعها على صدره كأنما يريد أن يمد حياتها بتلك البقية الباقية في قلبه من الحياة لتعيش من بعده ولو ساعة واحدة, حتى لا يراها تموت بين يديه، وظل على حالته تلك هنيهة ثم التفت فجأة إلى
(3/37)

أصدقائه وقال لهم: ها هي الحرارة قد بدأت تدب في جسمها شيئًا فشيئًا، فنظروا إليه آسفين محزونين، ثم نكسوا أبصارهم وأسلبوا مدامعهم، فظل يريد بينهم عيونًا حائرة وينتقل بنظراته ههنا وههنا كأنما يسألهم المعونة على أمره، ومن ذا يعين على القدر أو يعترض سهم المنية القاتل دون رميته:
وما هي إلا لحظة قصيرة حتى شعر أن يدها تجذب يده فانتفض وحنا عليها فطوقته بذراعيها الضعيفتين وضمته ضمة كانت فيها نفسها.
إنا لله وإنا إليه راجعون: ماتت إيفون الصغيرة، ماتت الطفلة الوديعة الجميلة، ماتت الفتاة الرزينة الصابرة، في سبيل الله نجم تلألأ في سماء الحياة لحظة ثم هوى، وغصن أزهر في روض المنى ساعة ثم ذوى، وقدح من البلور لم تكد تلمسه الشفاه حتى انكسر، وعقد من اللؤلؤ لم ينتظم في سمطه حتى انتثر.
هذه الغرف التي طالما أنارتها بابتساماتها حتى في الساعة التي تختفي فيها جميع الابتسامات، والحديقة التي كانت تقضي فيها كل يوم بضع ساعات من ليلها أو نهارها تلاعب أطيارها وتقطف أزهارها وتتعهد أشجارها، والمماشي التي كانت تخطر على حصبائها فيصيرها شعاع خديها ياقوتًا ومرجانًا، قد خلت جميعها منها،
(3/38)

وهيهات أن يسعدها الحظ برؤيتها بعد اليوم.
كانت إيفون جميلة الخلق طيبة النفس نقية الضمير تحب الأحياء جميعهم ناطقهم وصامتهم، فلا تبذل من ودها لهرتها المريضة أقل مما تبذل منه لأبيها الشيخ العجوز، ولا تتودد إلى الشيوخ الفانين أصدقاء أبيها وجلسائه أكثر مما تتودد إلى وافد غريب يهبط قريتها للمرة الأولى في حياته، وما علموها قط اختلفت مع فتى أو فتاة من تلاميذ مدرستها؛ لأنها كانت تستهوي الطيب منهم بلطفها وأدبها، والخبيث بعفوها وصفحها، وهي وإن لم تكن تعلم أنها لقيطة ولكن من كان ينظر في عينيها ويرى ذبولهما وانكسارهما ولمعانهما الذي يشبه لمعان الدمع الرقراق يخيل إليه أنها قد أُلهمت ما كتمه الناس عنها وإنها كانت تعلم أنها لا تعيش في بيت أبيها بوصاية جدها كما كانوا يقولون لها بل في بيت محسن كريم لا يعرف من تاريخها ولا من أمر ميلادها شيئًا، وكانت لا تزال تتراءى بين شفتيها ابتسامة حلوة هي الرقية التي كانت تفتح بها أقفال القلوب ثم تنزل فيما تشاء منها المنزلة التي تريدها، ولم تكن ابتسامتها ابتسامة التصنع والتكلف التي يرثها أكثر الفتيات عن أمهاتهن، بل ابتسامة الحب والاخلاص والحنو والعطف.
لذلك عجل الموت إليها؛ لأن سكان السماء لا يستطيعون أن
(3/39)

يعيشوا على ظهر الأرض زمنًا طويلًا.
دقت أجراس الكنيسة تنعاها فلم تسمعها، ولو سمعتْها لاهتزت لها في سريرها شوقًا ولهفة كما كان شأنها في حيلتها، ثم جاءت ساعة الدفن فحملوها على أيديهم ومشوا بها حتى وصلوا إلى الكنيسة فوضعوا نعشها في ركن من أركانها ثم اجتمعوا حولها يودعونها الوداع الأخير، فبكاها الشيوخ الذين كانوا يحبونها ويأنسون بها والفتيان والفتيات من تلاميذ مدرستها، والنساء اللواتي كن يحببنها من أجل حبها أبناءهن، وبكاها أكثر من هؤلاء جميعًا ذلك الشيخ العجوز المسكين؛ لأنها كانت كل دنياه فخسرها في ساعة واحدة.
وظل كثير من الوقوف يرددن ذكراها فيقول أحدهم: طالما رأيتها في هذا الركن نفسه جالسة وحدها وبيدها الكتاب المقدس تتلو آياته، ويقول الآخر: لقد دخلت الكنيسة ليلة فرأيتها هائمة وحدها في الظلام الحالك تحت هذه الأقبية فعجبت لصلاحها وتقواها، وتقول امرأة: لقد عثرت ابنتي يومًا من الأيام في منصرفها من مدرستها ببعض الأحجار عثرة برحت بها فاحتملتها على ظهرها حتى جاءت بها إلى المنزل، وتقول أخرى لقد كنت أراها تمر كل يوم بجارتنا فلانة المسكينة فتعطيها رغيفًا
(3/40)

من طعامها ثم تستمر أدراجها إلى مدرستها.
وهكذا ظل كل منهم يذكر ما يعرف عنها حتى حانت ساعة الدفن فعلت الأصوات بالبكاء ثم غيبوها في قبرها وحثوا عليها التراب، وكان الليل قد أظل المكان بجناحيه وساد فيه سكون موحش رهيب فانصرفوا مطرقين واجمين يقولون: "وارحمتاه لها لقد خرجت من الدنيا غريبة كما وفدت إليها".
(3/41)

الملاعب الهزلية:
كنت آليت على نفسي مذ أعلنت هذه الحرب قبحها الله وقبح كل ما تأتي به ألا أكتب كلمة في صحيفة سيارة في أي شأن من الشئون العامة خيرها وشرها حتى ينقضى أجلها وأن أترك هذا القلم في مرقده هادئًا مطمئنًا مدرجًا في ذلك الكفن الأبيض الرقيق المنسوج من خيط العنكبوت حتى يأتي ذلك اليوم الذي يستطيع فيه أن ينبعث كما يريد لا كما يُراد منه، ولكن نازلًا عظيمًا نزل بهذا المجتمع المصري منذ عامين أو ثلاثة لم أحفل به في مبدئه ولم ألق له بالًا وعددته في النوازل الصغيرة المترددة التي لا تلبث غيومها أن تنعقد في سماء البلد حتى تهب عليها نسمة من نسمات الروح الإلهي فتنقشع، ولكن ها قد مضى العام والعامان والثلاثة وهو باقٍ في مكانه لا يتحول ولا يتحلحل بل تزداد قدمه على الأيام ثباتًا ورسوخًا، وأحسبه سيبقى في مستقبل أيامه أضعاف ما بقى في ماضيها إن لم نُثرْ عليه معشر الكتاب حربًا شعواء تهز جدرانه هزًّا وتدكها دكًّا وتلحق أعاليها بأسافلها.
(3/42)

لذلك كتبت هذه الكلمة غير مبالٍ بتلك الألِيَّة التي كنت آليتها فلعل أصدقائي من أفاضل الكتاب يساعدونني في هذا الشأن الذي إن عجزنا عنه اليوم فما نحن بقادرين عليه غدًا.
نزلت بالأمة المصرية نازلة تلك المقاذر العامة التي يسمونها الملاعب الهزلية وما هي في شيء من الهزل ولا الجد ولا علاقة لها بالتمثيل والتصوير ولا بأي فن من الفنون الأدبية فأقبل عليها الناس إقبالًا عظيمًا، وأغرموا بها غرامًا شديدًا، فليقبلوا عليها ما شاءوا، وليفتتنوا بها ما أرادوا، ولكن فريقًا واحدًا من الأمة هو الذي نضن به على تلك المواطن الساقطة أن تطأها قدمه، أو يظلل رأسه سماؤها؛ لأنا نضن به على كل منقصة في العالم تزري به أو تنال من كرامته.
ذلك الفريق المضنون به وبكرامته هو أنتم معشر الطلبة المصريين أخوتنا وأبناءنا، وعنوان مجدنا وشرفنا وصورة وجودنا وحياتنا، ومناط آمالنا وأمانينا، فائذوا لكاتب من كتابكم وصديق من أصدقائكم أن يحادثكم قليلا في هذا الشأن كما يحادث الأب ولده أو الأخ لا قاسيًا ولا متجبرًا بل عاتبًا متلطفًا، وأمله عظيم أن ينتهي الحديث بينه وبينكم على ما يحب لكم وما يعتقد أنكم تحبون لأنفسكم.
(3/43)

الحق أقول, إن الحياء يكاد يعقد لساني بين أيديكم, فلا أدري كيف أحدثكم، ولا ماذا أقول لكم؟
أأعظكم في أمر أنتم تعلمون من نتائجه وآثاره وسوء عقباه مثل ما أعلم، أو أدعوكم إلى اجتناب سيئة لا أحسب أن بين كباركم وصغاركم من يجهل أنها السيئة العظمى التي لم ترزأ الأمة بمثلها في حاضر تاريخها أو ماضيه، أو أقول لكم: إن هذه الأماكن التي تطؤها أقدامكم إنما هي مقابر المجد والشرف, ومدافن الفضائل والأخلاق، ومصارع الأعراض والحرمات، وهل غاب علم ذلك عن أحد منكم فأعلمكم منه ما لا تعلمون؟
لا يجهل أحد منكم شيئا مما أقول، ولكنه الشباب ما زال يغري الضعيف الذي لا يقوى على احتمال سلطانه وسيطرته بالإقدام على تلك المخاطر المهلكة فيمضي إليها قدما لا يجهل مكان الخطر منها, ولكنه يعجز عن مغالبة نفسه ومثاورتها حتى يتردى فيها وربما كان هذا هو كل الفرق بيني وبينكم.
إنني لا أرى في هذه المجامع التي تفتتنون بها, وتتهافتون عليها حسنة تغتفر سيئة أو جمالا يفي بقبح أو خيرا يعزي عن شر، فتمثيلها سخيف بارد لا يستطيع من أوتي حظا قليلا من الذوق الأدبي أن يصبر نفسه ساعة واحدة على النظر إليه، وملحها
(3/44)

ثقيلة مستبشعة لو نطق بها ناطق في مجتمع من المجتمعات الخاصة ثم قلب نظره في وجوه الجالسين من حوله لرأى في ابتسامات السخرية المترقرقة في شفاههم ما يذيبه حياء وخجلا، وأناشيدها سوقية مبتذلة في موضوعها وصورة أدائها لا يطرب لمثلها إلا أصحاب الأذواق العامية الخشنة الذين يطربون لنشيد الأذكار وطبول الزار وتعداد النائحات في المآتم والمناحات، فماذا بقي فيها من وجوه الحسن بعد ذلك؟
بقي فيها الهزء والسخرية بالطبقات الشريفة العاملة في الأمة كالفلاحين آبائنا وأولياء نعمتنا والشيوخ حفظة ديننا وأئمة لغتنا والمحامين والأطباء والمعلمين أفاضل الأمة وعيونها وغيرهم من طبقات الأمة كالصناع والعمال والأكارين والباعة والمسترزقين.
بل بقي ما هو شر من هذا جميعه، وهو تمثيل الشهوات البدنية والنفسية بجميع ألوانها وضروبها على مشهد من رجالنا ونسائنا وأطفالنا, وتصويرها بتلك الصورة القبيحة التي ترخى على مثلها الستور وتقام من حولها الدعائم والجدران.
فلو أن غريبا وفد إلى هذا البلد وهو لا يعلم من شأنه شيئا, فذهب إلى مكان من تلك الأمكنة ليرى في مرآته صورة الأمة ممثلة في مسارحها الوطنية لقضى عليها للنظرة الأولى بأنها أحط الأمم وأدناها.
(3/45)

ذلك إلى ما يسمعه السامع فيها من ألفاظ السب والشتم وجمل الفحش والهجر التي لا يطرق أذنه مثلها في أي موقف من مواقف حياته أو مشهد من مشاهدها إلا إذا قدر له أن يتغلغل بنفسه يوما من الأيام في تلك الأحياء العامية الساقطة حتى يصل إلى "عرب اليسار" أو "عشش الترجمان" فيسمعها هناك في مشاجرات القرادين, ومهاترات الشحاذين.
ولقد قال لي أحد الأصدقاء الظرفاء مرة: إن شتائم "أم شولح" قد انتقلت إلى بيتي ولا أعرف كيف انتقلت إليه، فإني أسمع الكثير منها يتردد في أفواه الأطفال هازلين، وفي أفواه الخدم جادين.
أتدرون أيها الأصدقاء من هم أولئك القوم الذين يسمون أنفسهم ممثلين، ويسمون ما يهذون به على مسارحهم روايات، والذين يدعونكم معشر المتعلمين الراقين إلى حضور مجامعهم باسم الآداب والفنون؟
لو أن جماعة من الزامرين وآخرين من الطبالين وآخرين من القرادين وجماعات غيرهم من الرمالين والمداحين والصفاعين والبهلوانية والحواة والرقاة وبقية السائلين المستجدين الذين يمرون بأبواب منازلنا كل يوم ضاجين صارخين فلا نلقي لهم بالا, ولا نعيرهم أذنا اتفقوا فيما بينهم على أن يكونوا جماعة واحدة تعمل
(3/46)

يدا واحدة في مكان واحد لكانوا هم بعينهم جوق كشكش والبربري وشرفنطح لا فرق بينهم وبينهم سوى أن أولئك يقفون بأبوابنا ضارعين مبتهلين يقنعون باللقمة ويجتزئون بالشربة, وهؤلاء يأبون إلا أن نقف على أبوابهم ونتعلق بأستارها فلا يفتح لنا حجابهم إلا إذا دفعنا الإتاوة المضروبة علينا.
وألطف كلمة سمعتها في هذا الشأن قول بعض المفكرين: "كان الشر مفرقا في أنحاء البلد, فجمعه الريحاني في مكان واحد".
فهل تسمح لكم نفوسكم أيها الأصدقاء, وأنتم عيون الأمة اليقظة وعقولها المفكرة أن تنخدعوا بألاعيب هؤلاء الخبثاء المحتالين فترفعوهم بأيديكم إلى هذه المرتبة العالية التي لم يخلقوا لها, ولم يمتوا إليها بسبب من أسباب العلم أو الذكاء أو الشرف أو الخلق، وها هم نوابغ الممثلين في أمتكم أشقياء بؤساء لا يكاد يجد أكثرهم بين ظهرانيكم ما يقيمون به أود عيشهم, أو يعينهم على ما هم بسبيله من خدمة الفن والقيام عليه؟
من ذا الذي يذهب لمشاهدة التمثيل الجدي في مسارح أبيض ورشدي وعكاشة وأمثالهم إن كنتم أنتم لا تذهبون إليها؟ ومن هو أولى بها من بعدكم إن قطعتم صلتكم بها؟
أيعجبكم ألا يرى الزائر لتلك المسارح الشريفة حين
(3/47)

يزورها غير العامة والسوقة والأميين والجاهلين, فإذا فتش عنكم في مكان آخر غيرها رآكم مزدحمين في مراقص كشكش والبربري وشرفنطح, راضين عن مقامكم فيها, مغتبطين بسفاسفها وهذياناتها؟
ألا تخشون أن يستنتج مستنتج منهم بعد ذلك وقد راعه هذان المشهدان الغريبان -مشهدكم في الأجواق الهزلية الساقطة ومشهد العامة والسوقة في الأجواق الجدية الشريفة- أن الأمة المصرية أمة غريبة الشأن يفسدها العلم ويصلحها الجهل، أو أن يتطرف متطرف منهم في رأيه فيقول: ليت الأمة عاشت جاهلة عمياء موفورا لها حظها من الأخلاق والآداب, فذلك خير لها من علم يهوي بها في مهواة الشقاء والعار.
لقد رأيت في حياتي صنوف الحيل والكيد وضروب السماجة والوقاحة, فلم أر بين المحتالين والمتوقحين من هو أعظم كيدا, ولا أسمج وجها من هؤلاء القوم.
إنهم يحاولون دائما أن يلبسوا مفاسدهم وشرورهم ثوب الفضيلة والجد, وهو وإن كان ثوبا شفافا ينم عما وراءه إلا أنه يكفيهم للذود عن أنفسهم في مواقف الجدل والمناظرة كما يكفي البرقع الشفاف المرأة المتهتكة للدخول في سلك المتحجبات.
(3/48)

يمثلون الفلاح أقبح تمثيل ولا يتركون مفسدة من المفاسد, ولا رذيلة من الرذائل إلا ويلصقونها به، وينشدون مختلف الأناشيد في السخرية به والهزء بصفاته وأعماله, ثم لا يخجلون أن يقولوا بعد ذلك في بعض تلك الأناشيد: "ما دام بلادنا زراعية، حبوا الفلاح إن كنتوا تحبو وطنكم".
وينتقدون في رواياتهم فساد الرجال وخلاعة النساء, وينقمون على المصري تبديد أمواله في سبيل شهواته وليس للنساء في مسارحهم عمل سوى إغراء الشبان وإغوائهم وإفساد عقولهم وابتزاز أموالهم, خصوصا في الساعة التي تمثل فيها هذه الروايات.
ويهدمون اللغة العربية هدما بهذه اللغة العامية الساقطة التي يكتبون بها رواياتهم وينظمون بها أناشيدهم وينشرونها في كل مكان ويفسدون بها الملكات اللغوية في أذهان المتعلمين, ثم يزعمون بعد ذلك أنهم أنصار اللغة العربية وحماتها, فيقولون بتلك اللهجة العامية الساقطة: "ما لها لغتنا العربيه، آل همجيه، يا دي المصيبه يا دي العار، فشر دي لغة المدنيه، اتمسكوا بها صغار وكبار".
ولا يستحيون أن يجمعوا في نشيد واحد من رواية واحدة
(3/49)

بين قولهم: "دانا أبيع هدومي عشان بوسه، من خدك القشطه يا ملبن، يا حلوة زي البسبوسه، يا مهلبيه تمام واحسن" وبين قولهم: "مصر يحميك ربك، ما تشوفي إلا أيام سعدك" أي: إنهم يصفعون الأمة على وجهها هذه الصفعات المؤلمة, ثم يحاولون أن يترضوها بعد ذلك بترديد كلمات "الوطنية" و"حب وطنك" و"مت في سبيل الأوطان" وأمثالها من الكلمات العذبة الجميلة التي لا معنى لها في أفواههم, إلا أنهم يعتقدون أن المصريين قد بلغوا من الغفلة والبله مبلغا لا يبلغه أطفال المكاتب, ولا سكان المارستانات.
لا أرى لكم معشر الطلبة المصريين أمام هذه النازلة العظمى التي نزلت بنا إلا أن ينتدب فريق من عقلائكم نفسه لنصيحة إخوانه بالامتناع عن الذهاب إلى تلك الملاعب وشرح مضارها وسيئاتها لهم، فإن امتناع فريق منكم يؤثر على فريق آخر, وهكذا حتى يصبح في عرفكم جميعا أن الدخول إلى تلك الأماكن عار يخجل مرتكبه من الظهور به بين أصدقائه, ومعارفه.
نحن في حالة نحتاج فيها إلى أن يعلم الناس عنا في كل مكان أننا أمة أخلاق وآداب, وأن في نفوس أفرادنا من الصفات والمزايا ما يرفعنا إلى مصاف الأمم العظيمة، ومقياس عظمة الأمم في نظر العالم إنما هو بصفاتها ومزاياها قبل أن يكون بأي شيء غير
(3/50)

ذلك، فإن فات آباءنا أن يورثونا خلق العظمة والإباء في عهدهم, فلنتخلق به نحن لنورِّثه أبناءنا من بعدنا.
إنكم لا تذهبون في الحقيقة إلى هذه الأماكن وحدكم, بل يذهب إليها معكم إخوتكم وأخواتكم وبقية أفراد أسركم؛ لأنكم تقصون عليهم عند عودتكم منها ما شاهدتم وتروون لهم ما سمعتم، فكأن سكان البلد جميعا رجالا ونساء, كبارا وصغارا يجتمعون في هذه البؤر الفاسدة في ساعة واحدة، فهل يستطيع أن يتصور متصور خطرا على الأمة وعلى أخلاقها وآدابها أعظم من هذا الخطر؟!
إنني لا أدعوكم إلى الامتناع عن الإلمام بهذه المقاذر العامة من أجل أنفسكم فقط, بل من أجل إخوتكم وأخواتكم اليوم، ومن أجل أبنائكم وأحفادكم غدا، ومن أجل مستقبل الأمة المصرية كلها الذي أعتقد أنه أمانة في أيديكم, ووديعة موكولة إلى كرم نفوسكم, وشرف ضمائركم.
اهدموا هذه الأماكن هدما بالإعراض عنها واحتقارها وازدرائها, ثم قفوا بعد ذلك على أطلالها البالية هاتفين, صائحين صياح الظافر المنتصر, قائلين: ها قد نجت الأمة من خطر عظيم, وها نحن قد قمنا جميعا بالواجب علينا.
(3/51)

الشيخ علي يوسف:
هكذا تقوم القيامة، وهكذا ينفخ الصور، وهكذا تطوى السماء طي السجل للكتاب.
أفيما بين يوم وليلة يصبح هذا الرجل الذي كان ملء الأفئدة والصدور, وملء الأسماع والأبصار، وملء الأرجاء والأجواء، جثة نحيلة ضئيلة مدرجة في كفن, ملحدة في مهوى من باطن الأرض سحيق؟!
ما أعظم الفرق بين الحياة والموت! تغرب الشمس فلا تلبث أن تطلع من مشرقها، وتتراكم السحب من دونها فلا تلبث أن تنفرج عنها حينما تهب عليها الرياح الباردة، وتعرَى الأشجار عن أوراقها ثم تعود إلى جمالها مخضرة نضرة حينما تهب عليها نسمات الربيع، وينام الأحياء في مضاجعهم حتى إذا طلع عليهم الكوكب النهاري وعبثت أشعته بأهداب جفونهم, قاموا من مراقدهم وذهبوا في سبلهم التي خلقوا لها، ويموت الميت فلا ينتظره منتظر، ولا يؤمل أوبته آمل، فكأن ما صار إليه العدم الذي لم يسبقه وجود.
(3/52)

اللهم إنا نعلم أن الموت غاية كل حي، وأن مقاديرك التي تجريها بين عبادك ليست سهاما طائشة ولا نياقا عشواء، وأن زهرة الحياة لا يمكن أن تنبت إلا في التربة التي نبتت فيها أشواك الموت، ولكننا لا نستطيع أن نملك عيوننا من البكاء ولا قلوبنا من الجزع إذا فارقنا عزيز علينا؛ لأن ساحة الصبر التي منحتنا أضيق من أن تسع نازلة البلاء الذي ابتليتنا، فاغفر اللهم لنا حنيننا وبكاءنا على الهلكى والذاهبين.
اللهم إنك تعلم أنا نسير من حياتنا هذه في صحراء محرقة ملتهبة لا نجد فيها ظلا نستظل به ولا أكمة نأوي إليها, وأن الصديق الذي نعثر به في حياتنا هو بمنزلة الدوحة الخضراء التي ننتهي إليها في تلك الصحراء بعد الأين والكلال وطول السير والسرى, فنترامى في ظلالها الوارفة ناعمين هادئين، فإذا هبت ريح عاصفة على تلك الدوحة فاقتلعتها من جذورها وطارت بها في جو السماء, وأصبحنا من بعدها ضاحين بارزين, فإنا لا نجد بدا من البكاء والجزع؛ لأن من الشقاء ما لا يستطاع احتماله ولا يطاق تجرع كأسه.
لقد كان هذا الرجل العزاء الباقي لنا عن كل ذاهب، والنجم المتلألئ الذي كنا نتنوره من حين إلى حين في هذه السماء
(3/53)

المظلمة المدلهمة المقفرة من الكواكب والنجوم، والدوحة الخضراء التي كنا نلوذ بظلالها من لفحات هذه الحياة وزفراتها، فنحن إن بكيناه فإنما نبكي الأمل الذاهب والسعادة الراحلة والحياة الطيبة، ومن هو أولى بالتفجع والبكاء من سعادتنا وآمالنا!
ما كنا نرجو لهذه الأمة غير هذين الرجلين؛ ميت الأمس الشيخ محمد عبده، وميت اليوم الشيخ علي يوسف، فقد كانا لها طودين شامخين رابضين على أكنافها، يمسكها الأول أن تزل بها مزالق المدنية الخالبة فيذهب دينها، ويمسكها الثاني أن تطير بها أحلام السياسة الكاذبة فتذهب جامعتها، واليوم لا نرجو لها من بعدهما أحدا، فويل للأمة في دينها، وويل لها في جامعتها.
العلماء والخطباء والكتاب في هذه الأمة كثير، ولكن الرجال قليل.
إنما ينفع الأمة ويضطلع بخطوبها ويحمل أعباءها على عاتقه الرجل الذي يشعر من نفسه بأنه ينزل منها منزلة رئيس الأسرة من أسرته التي يعلم أنه مأخوذ بالقيام عليها والسعي لها, فيقوم لها بكل ما تريد ويسعى لها سعي الكادح المجد, ويرحم صغيرها ويحنو على كبيرها, ويحتمل مغارمها ويغتفر عبث أطفالها وجهل شيوخها, ويرى لها في كل شأن من شئونها خيرا مما ترى لنفسها، أرضاها
(3/54)

ذلك أم أغضبها، من حيث لا يمن عليها بذلك ولا يطلب عندها جزاء ولا أجرا، بل من حيث لا تعلم ما يلاقي بينه وبين نفسه من آلام الحياة, وما يعالج من شدائدها في سبيلها.
وكذلك كان شأن الشيخ علي يوسف في أمته، فقد مات بموته آخر من بقي لها من الرجال.
لقد كان الذين يعرفونه أقل من الذين يجهلونه؛ لأن الذين ينظرون ببصائرهم أقل من الذين ينظرون بأبصارهم، ولأن الحقيقة الكامنة في سويداء قلبه كانت أعمق مكانا وأدق مسلكا من أن تتناولها النظرة الأولى، ولأنه كان مخلصا متحنثا يعمل في سره أكثر مما يعمل في علانيته، ثم لا يدل بنفسه في كلتا الحالتين على نفسه.
رأيته في حادثة الأزهر في تلك الأيام التي كان يظن فيها كثير من الناس أنه حرب على الأزهر والأزهريين, يقضي كثيرا من لياليه مترددا على أبواب القائمين بالأمر, ضارعا إليهم أن ينيلوا هؤلاء القوم مطالبهم أو بعض ما يريدون, قائلا عنهم ما كان يقوله النبي -صلى الله عليه وسلم- عن فئة حنين: $"اللهم إن تهلك هذه الفئة, فلن تعبد بعد اليوم على ظهر الأرض أبدا" فلا يقف في سبيله إلا حماقة أولئك الذين كان يظن هؤلاء المساكين أنهم أصدقاؤهم, وهم أعدى أعدائهم.
(3/55)

ورأيته يضم إلى كنفه كثيرا من أصدقائه الذين نبا بهم الدهر بعد سقوط دولة عبد الحميد, وتنكر لهم الناس جميعا خصوصا أولئك الذين كانوا يزدلفون إليهم أيام إقبالهم, ويمسحون وجوههم على أعتاب قصورهم، وكان يلاقي في سبيل ذلك من عتب العاتبين عليه ولوم اللائمين له ما لا يستطاع احتماله، فلم يبال بشيء من ذلك.
ورأيت كثيرا من أعدائه الذين كانوا في بعض أيام حياتهم حربا عليه وشقاء له يعودون إلى حظيرته واحدا بعد واحد يستغفرونه فيجلس إليهم, ويتحدث معهم حديث المودة والإخاء كأنما كانوا معه على ميعاد.
وما رأيته في يوم من أيام حياته حاقدا ولا واجدا، ولا منتقما ولا طالبا بثأر ولا ذائدا عن نفسه إلا في الساعة التي يعلم فيها أن قد جد الجد, وأن قد أصبح عرضه وشرفه على خطر، ولم أر سائلا دخل إليه يشكو حاجة من الحاج صادقا كان فيها أم كاذبا, ويسأله المعونة عليها من ماله أو جاهه إلا أعانه عليها ما وجد إلى ذلك سبيلا، رحمة وإشفاقا، لا رياء ونفاقا، وكان يرى الرأي ويرى الناس جميعا غيره فلا يثنيه عنه ثانٍ حتى ينحدر ستر الغيب عن وجه المستقبل, فإذا هو مصيب وإذا الناس جميعا مخطئون.
ففي سبيل الله يا علي ما فقدنا بفقدك، وفي ذمة الله وجواره
(3/56)

تلك الروح الطيبة الطاهرة التي عاشت ما عاشت في هذه الدنيا سرا كامنا بين أحناء ضلوعك, لا يدركه ولا يكتنه باطنها إلا قليل من الناس، فما رآها الناس جميعا رأي العين إلا وهي طائرة في جو السماء إلى ربها، وكذلك شأن هذه الأمة البائسة المحدودة لا ترى رجالها ولا تعرف مكانهم ولا تشعر بعظمتهم إلا وهم ذاهبون إلى قبورهم حيث تنقطع الصلة بينها وبينهم، فمثلنا ومثلهم كمثل صاحب الدار الذي يجهل أن في أرضها كنزا مخبوءا حتى إذا باعها ممن يستخرج ذلك الكنز منها جلس إلى ظل حائطها, يبكي بكاء البائس المحزون.
لقد كنت يا علي مِثل الحقيقة ينتفع الناس بوجودها ولا يفهمونها، بل كنت أفضل من الحقيقة؛ لأن الحقيقة يخدمها أعداؤها وأصدقاؤها، أما أنت فكنت تخدم أصدقاءك وأعداءك، أما الأولون فلأنك كنت تحسن إليهم بجاهك أو بمالك أو برأيك، وأما الآخرون فقد كانوا يقتاتون من تلك القطرات من الدماء التي كانوا يستقطرونها من عرضك وشرفك، فويل للفريقين معا من بعدك، وكنت القطب الذي تدور حوله رحى الأقلام في هذا البلد، فقد كانت وظيفة الكتاب أن يشرحوا آراءك أو يفسروا كلماتك أو يكتنهوا مقاصدك أو يوافقوك أو يخالفوك أو يمدحوك
(3/57)

أو يذموك، فإن كتبوا في شأن من الشئون غير هذا فتروا واستبردوا، فوا ضيعة الأقلام وما أضيق مذاهب الكتاب بعد رحيلك، وكنت العصمة التي تعتصم بها الأمة في مواقف بؤسها وشقائها، ومواطن خطوبها وكروبها، وما أحسب إلا أن الدهر يدخر لها من ذلك في مستقبل أيامها أكثر مما ادخر لها في ماضيها، فما أكثر شقاءها وبلاءها بعد اليوم.
أيها الراحل الكريم, لقد كنت أرجو أن أجد بين جنبي بقية من الصبر أغالب بها هذا الحزن الذي أعالجه فيك حتى يبلى على مدى الأيام كما يبلى الكفن, لولا قدر أبعدني عن موطنك في آخر أيام حياتك فأحرمني جلسة أجلسها بجانب سريرك أسمع فيها آخر كلمة من كلماتك, وأرى آخر نظرة من نظراتك, وحال بيني وبين خطوة أخطوها تحت نعشك أجزيك فيها ببعض ما مشيت لي من الخطوات في حياتك، ووقفة أقفها عند قبرك ساعة دفنك أذرف فيها على تربتك أول دمعة يذرفها الباكون عليك، فلئن بكيت موتك يوما فسأبكي حرماني وداعك أياما طوالا حتى يجمع الله بيني وبينك.
(3/58)

العظمة:
إن رأيت شاعرا من الشعراء أو عالما من العلماء أو نبيلا في قومه أو داعيا في أمته قد انقسم الناس في النظر إليه وتقدير منزلته انقساما عظيما, وانفرجت مسافة الخلف بينهم في شأنه فافتتن بحبه قوم حتى رفعوه إلى رتبة الملك, ودان ببغضه آخرون حتى هبطوا به إلى منزلة الشيطان, فاعلم أنه رجل عظيم.
العظمة أمر وراء العلم والشعر والإمارة والوزارة والثروة والجاه، فالعلماء والشعراء والنبلاء كثيرون والعظماء منهم قليلون، وإنما هي قوة روحية موهوبة غير مكتسبة تملأ نفس صاحبها شعورا بأنه رجل غريب في نفسه ومزاج عقله ونزعات أفكاره وأساليب تفكيره, غير مطبوع على غرار الرجال ولا مقدود على مثالهم ولا داخل في كلية من كلياتهم العامة، فإذا نزلت نفسه من نفسه هذه المنزلة أصبح لا ينظر إلى شيء من الأشياء بعين غير عينه, ولا يسمع بأذن غير أذنه, ولا يمشي في طريق غير الطريق التي مهدها بيده لنفسه, ولا يجعل لعقل من العقول مهما عظم شأنه
(3/59)

وشأن صاحبه سلطانا عليه في رأي أو فكر أو مشايعة لمذهب أو مناصبة لطريقة, بل يرى لشدة ثقته بنفسه وعلمه بضعف ثقة الناس بنفوسهم أن حقا على الناس جميعا أن يستقيدوا له وينزلوا على حكمه ويترسموا مواقع أقدامه في مذاهبه ومراميه, فترى جميع أعماله وآثاره غريبة نادرة بين آثار الناس وأعمالهم، تبهر العيون وتدهش الأنظار وتملأ القلوب هيبة وروعة، فإن كان شاعرا كان مبتكرا في معانيه أو طريقته، أو كاتبا أخذ على النفوس مشاعرها وأهواءها، أو فقيها هدم من المذاهب قديما وبنى جديدا، أو ملكا شغل من صفحات التاريخ ما لم يشغله ملك سواه، أو وزيرا ساس أمته بسياسة جديدة لا عهد لهم بمثلها، أو قائدا ضرب الضربة البكر التي تردد الآفاق صداها.
تلك هي العظمة، وهذا هو الرجل، ومن كان هذا شأنه كان فتنة الناس في خلواتهم ومجتمعاتهم ومعترك أنظارهم وأفهامهم ومثار الخلف والشقاق فيما بينهم في استكناه أمره وتقدير منزلته؛ فيعجب به الذين فطروا على الإعجاب بكل غريب, والافتتان بكل جديد حتى ينتقل بهم الإعجاب به إلى الافتتان بأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته, والإغراق في حبه والمشايعة له والسير بعجائبه وغرائبه في كل صقع ونادٍ، فيقع ذلك من نفوس مناظريه وحاسديه والمتمردين
(3/60)

على عبقريته ونبوغه موقعا غير جميل, فلا يجدون لهم بدا من مقابلة الإغراق في حبه بالإغراق في بغضه على قاعدة المشادة والمعاندة، وهنالك تحتدم المعركة الهائلة بين أنصاره وخصومه فيهاجمه هؤلاء يحاولون استلاب عظمته منه, ويناضل عنه أولئك يريدون استبقاءها في يده وهو واقف بينهم يدير أنظاره فيهم, هانئا مغتبطا لا يحزن ولا يبتئس؛ لأنه يعلم أن جميع هذه الأصوات الصارخة المختلطة حوله إنما هي أبواق شهرته وعظمته.
لا أريد أن أقول: إن الرجل العظيم مصيب في كل ما يرى وما يفعل وما ينتهج لنفسه وللناس من سبل الحياة, فربما كان من هو أضعف منه قوة وأخمل ذكرا أسد منه رأيا وأصدق نظرا، وإنما أريد أن أقول: إن أحدا من الناس لا يستطيع أن يشغل أقلام الكتاب وعقول المفكرين وألسنة الناطقين وقلوب المحبين والمبغضين إلا الرجل العظيم.
أحب عليا قوم حتى كفروا بحبه وأبغضه آخرون حتى كفروا ببغضه، وسمى بعض الناس أبا بكر وعمر شيخي المسلمين وأنكر بعضهم صحبتهما وإخلاصهما، وعاش محيي الدين بن العربي بين فئة تراه قطب الأولياء وأخرى تراه شيخ الملحدين، واغتبط فريق من المسلمين بابن رشد فسموه فيلسوف الإسلام ونقم
(3/61)

عليه فريق فملئوا وجهه بصاقا في المسجد الجامع، وسمى قوم صاحب كتاب الإحياء حجة الإسلام ومزق آخرون كتابه ونثروه في مهاب الريح، وعاش المعري بين رضا الراضين عنه ونقمة الناقمين عليه، يلثم الأولون مواطئ قدميه ويسحبه الآخرون على وجهه في الطرقات العامة، وشرب سقراط كأس السم بين أفواه باسمة شماتة به وعيون دامعة حزنا عليه، وجرت الأقلام بمدح المتنبي تارة فإذا هو سيد الشعراء وبذمه أخرى فإذا هو أكبر المتكلفين، ورفع قوم شكسبير إلى مرتبة الكمال الإنساني فقالوا: نابغة الدهر وهبط به آخرون إلى أدنى منازل الخسة والدناءة فقالوا: المنتحل الكذاب، وافتتن المفتتنون بنابليون الأول فعلوا به إلى رتبة الأنبياء، وتنكر له خصومه وأعداؤه فسلكوه في سلك الحمقى والممرورين، وذاق كل من لوثر وكالفين وجليلو وفولتير ونيتشه وتولستوي كأسي الحب والبغض في حياته وبعد مماته إلى القطرة الأخيرة منهما، وما انقسم الناس في هذا البلد في هذا العصر في شأن رجل من الرجال انقسامهم في شأن جمال الدين ومحمد عبده وسعد زغلول ومصطفى كامل وقاسم أمين.
وما كان واحد من هؤلاء جميعا بالمنزلة التي يرفعه إليها المغرقون في حبه، أو ينزل به إليها الغالون في بغضه، ولكنهم كانوا
(3/62)

قوما عظماء, فانقسم الناس في شأنهم وذهبوا في أمرهم هذه المذاهب البعيدة المترامية، ولا ينقسم الناس هذا الانقسام العظيم إلا في شأن الرجل العظيم.
ليس معنى الوجود في الحياة أن يتخذ المرء لنفسه فيها نفقا يتصل أوله بباب مهده, وآخر بباب لحده ثم ينزلق فيه انزلاقا من حيث لا تراه عين ولا تسمع دبيبه أذن حتى يبلغ نهايته كما تفعل الهوام والحشرات والزاحفات على بطونها من بنات الأرض، وإنما الوجود قرع الأسماع واجتذاب الأنظار وتحريك أوتار القلوب واستثارة الألسنة الصامتة وتحريك الأقلام الراكدة وتأريث نار الحب في نفوس الأخيار وجمرة البغض في قلوب الأشرار، فعظماء الرجال أطول الناس أعمارا وإن قصرت حياتهم، وأعظمهم حظا في الوجود وإن قلت على ظهر الأرض أيامهم.
العظمة كالحقيقة يخدمها أعداؤها وأصدقاؤها، ويحمل أحجار هيكلها على رءوسهم هادموها وبُناتها، فحيث ترى سواد الأعداء فهناك سواد الأصدقاء، وحيث ترى الفريقين مجتمعين في صعيد واحد فاعلم أن العظمة ماثلة على عرشها العظيم فوق أعناقهم جميعا.
العظمة قصر مشيد مرفوع على سارتين منحوتتين من حب
(3/63)

الناس وبغضائهم، فلا يزال ذلك القصر ثابتا في مكانه لا يتزعزع ولا يتحلحل ما بقيتا في مكانهما، فإذا سقطت إحداهما عجزت الأخرى عن الاستقلال به فسقطت بجانب أختها؛ فسقط هو بسقوطهما.
لا يعجبنك أن يتفق الناس جميعا على حبك؛ لأنهم لا يتفقون إلا على حب الرجل الضعيف المهين الذي يتجرد لهم من نفسه وعقله ورأيه ومشاعره, ثم يقعي على ذنبه تحت أقدامهم إقعاء الكلب الذليل يضربونه فيصطبر لهم, ويعبثون به فيبصبص بذنبه طلبا لرضاهم، ويهتفون به فيقترب، ويزجرونه فيزدجر.
ولا يعجبنك أن يتفقوا على بغضك؛ لأنهم لا يتفقون إلا على بغض الخبثاء الأشرار الذين لا يحبون أحدا من الناس, فلا يحبهم من الناس أحد.
وليعجبنك أن يختلفوا في شأنك وينقسموا في أمرك ويذهبوا في النظر إليك وتقدير منزلتك كل مذهب، فتلك آية العظمة وذلك شأن الرجل العظيم.
كن القائد الذي تعترك الجيوش حوله من بين ذائد عنه وعادٍ عليه، ولا تكن الجندي الذي يسفك دمه ليسقي به دوحة العظمة التي ينعم في ظلالها القائد العظيم.
كن الناطق الذي تحمل الريح صوته إلى مشارق الأرض
(3/64)

ومغاربها، ولا تكن الريح التي تختلف إلى آذان الناس بأصوات الناطقين من حيث لا يأبهون لها, ولا يعرفون لها يدها عندهم.
كن النبتة النضرة التي تعتلج ذرات الأرض في سبيل نضرتها ونمائها، ولا تكن الذرة التي تطؤها الأقدام، وتدوسها الحوافر والأخفاف.
كن زعيم الناس إن استطعت، فإن عجزت فكن زعيم نفسك، ولا تطلب العظمة من طريق التشيع للعظماء والتلصق بهم أو مناصبتهم العداء والوقوف في وجههم، فإن فعلت كنت التابع الذليل، وكانوا الزعماء الأعزاء.
(3/65)

حرية الانتقاد:
سألني بعض الأصدقاء عن رأيي في الانتقاد وشروطه وحدوده وآدابه وواجباته، ورأيي فيه ألا شروط له ولا حدود ولا آداب ولا واجبات، وأن لكل كاتب أو قائل الحق في نقد ما يشاء من الكلام، مصيبا كان أم مخطئا، محقا أم مبطلا، صادقا أم كاذبا، مخلصا أم غير مخلص؛ لأن النقد نوع من أنواع الاستحسان والاستهجان، وهما حالتان طبيعيتان للإنسان لا تنفكان عنه من صرخة الوضع إلى أنة النزع، وكل ما هو طبيعي فهو حق لا ريبة فيه ولا مراء، فإن أصاب الناقد في نقده فقد أحسن إلى نفسه وإلى الناس، وإن أخطأ فسيجد من الناس من يدله على موضع الخطأ فيه ويرشده إلى مكان الصواب منه، فلا يزال يتعثر بين الصواب والخطأ حتى يستقيم له الصواب كله.
فإن أبينا عليه أن ينتقد إلا إذا كان كفؤا في علمه, ومخلصا في عمله كما يشترط عليه ذلك أكثر الناس فقد أبينا عليه أن يخط سطرا واحدا في الانتقاد، وقضينا على ذهنه بالجمود والموت،
(3/66)

لأنا لا نعرف لهاتين الصفتين حدودا معينة واضحة، فكل ناقد يزعمهما لنفسه، وكل منتقد عليه يجرد ناقده منهما، ومتى سمح الدهر لعامل من العاملين بالإخلاص المجرد في عمله فيسمح به لجماعة الناقدين!
على أن الناقد الناقم لا تمنعه نقمته من أن يكون مصيبا في بعض ما يقول؛ لأنه لم يأخذ على نفسه عهدا أن يختلق جميع المآخذ التي يأخذها وألا يكتب إلا الباطل والمحال، وإنما هو رجل عياب بالحق وبالباطل فهو يفتش عن السيئات الموجودة حتى يفرغ منها فيلجأ إلى السيئات المختلفة، ولقد كُتب أول نقد في التاريخ بمداد الضغينة والحقد، فقد كانت توجد في عهد اليونان القديم طائفة من الشعراء يجوبون البلاد, ويتغنون بالقصائد الحماسية والأناشيد الوطنية في الأسواق والمجتمعات وبين أيدي الأمراء والعظماء, فيكرمهم الناس ويجلونهم إجلالا عظيما ويجزلون لهم العطايا والهبات فنفس عليهم مكانتهم هذه جماعة من معاصريهم من الذين لا يطوفون في البلاد طوافهم، ولا يحظون عند الملوك والعظماء حظوتهم، فأخذوا يعيبونهم ويكتبون الكتب في نقد حركاتهم وأصواتهم ومعاني أشعارهم وأساليبها، وكان هذا أول عهد العالم بالنقد، والفضل في ذلك للضغينة والحقد، فلرذيلة الحقد
(3/67)

الفضل الأول في وجود الانتقاد, وبزوغ شمسه المنيرة.
كذلك لا يمنع الجاهل جهله من أن يكون رأيه في مثل هذا الموضع رأيا صائبا، لا بل ربما كان شعوره بحسن الكلام وقبحه -متى رزق حظا من سلامة الذوق واستقامة الفهم- أصح من رأي الأديب المتكلف الذي يتعمل النقد تعملا، ويتعمق التعمق كله في التفتيش عن حسنات الكلام وسيئاته حتى يضل عنها، ورب ابتسامة أو تقطيبة يمران بوجه السامع العامي عفوا أنفع للأديب حين يراهما وأعون له على معرفة مكان الحسنة والسيئة من كلامه من مجلد ضخم يكتبه عالم مضطلع بالأدب واللغة في نقد شعره أو نثره، وإذا كان من الواجب على كل شاعر أو كاتب أن ينظم أو يكتب للأمة جميعها خاصتها وعامتها, فلِمَ لا يكون من حق كل فرد من أفرادها متعلما كان أو جاهلا أن يدلي برأيه في استحسان ما يستحسن من كلامه, واستهجان ما يستهجن منه؟
وهل رفع العظماء من رجال الأدب إلى مواقف عظمتهم وسجل لهم أسماءهم في صحف المجد إلا منزلتهم التي نزلوها من نفوس السواد الأعظم من الأمة, والمكانة التي نالوها بين عامتها ودهمائها؟
وبعد, فلا يتبرم بالنقد ولا يضيق به ذرعا إلا الغبي الأبله الذي لا يبالي أن يفهم الناس سيئاته بينهم وبين أنفسهم، ويزعجه كل الإزعاج
(3/68)

أن يتحدثوا بها في مجامعهم، ولا فرق بين فهمهم إياها وحديثهم عنها، أو الجبان المستطار الذي يخاف من الوهم ويفرق من رؤية الأشباح، ولو رجع إلى أناته ورويته لعلم أن النقد إن كان صوابا فقد دله على عيوب نفسه فاتقاها، أو خطأ فلا خوف على سمعته ومكانته منه؛ لأن الناس ليسوا عبيد الناقدين ولا أسراهم، يأمرونهم بالباطل فيذعنون، ويدعونهم إلى المحال فيتبعون، ولئن استطاع أحد أن يخدع أحدا في كل شيء فإنه لا يستطيع أن يخدعه في شعور نفسه بجمال الكلام أو قبحه، ولو أن الأصمعي وأبا عبيدة وأبا زيد والمبرد والجاحظ والقالي وقدامة وابن قتيبة والآمدي وأبا هلال والجرجاني بعثوا في هذا العصر من مراقدهم, وتكلفوا أن يذموا قصيدة يحبها الناس من شعر شوقي مثلا لما كرهوها، أو يمدحوا مقالة يستثقلها الناس من نثر "فلان" لما أحبوها، فالحقيقة موجودة ثابتة لا سبيل للباطل إليها، فهي تختفي حينا أو تتنكر أو تتراءى في ثوب غير ثوبها, ولكنها لا تنمحي ولا تزول.
فلتنطلق ألسنة الناقدين بما شاءت، ولتتسع لها صدور المنتقدين ما استطاعت، فقد حرمنا الحرية في كل شأن من شئون حياتنا فلا أقل من أن نتمتع بحرية النظر والتفكير.
(3/69)

يوم العيد:
أفضل ما سمعت في باب المروءة والإحسان أن امرأة بائسة في باريس وقفت ليلة عيد من الأعياد بحانوت تماثيل يطرقه الناس في تلك الليلة لابتياع اللعب لأطفالهم الصغار, فوقع نظرها على تمثال صغير من المرمر هو آية الآيات في حسنه وجماله, فابتهجت بمرآه ابتهاجا عظيما لا لأنها غريرة بلهاء يستفزها من تلك المناظر الصبيانية ما يستفز الأطفال الصغار, بل لأنها كانت تنظر إليه بعين ولدها الصغير الذي تركته في منزلها, ينتظر عودتها إليه بلعبة العيد كما وعدته، فأخذت تساوم صاحب الحانوت فيه ساعة والرجل يغالي به مغالاة شديدة حتى علمت أن يدها لا تستطيع الوصول إلى ثمنه وأنها لا تستطيع العودة بدونه, فساقتها الضرورة التي لا يقدرها قدرها إلا من حمل بين جنبيه قلبا كقلب الأم وفؤادا مستطارا كفؤادها, إلى أن تمد يدها خفية إلى التمثال فتسرقه من حيث تظن أن الرجل لا يراها ولا يشعر بمكانها، ثم رجعت أدراجها وقلبها يخفق في آن واحد خفقتين
(3/70)

مختلفتين، خفقة الخوف من عاقبة فعلتها، وخفقة السرور بالهدية الجميلة التي ستقدمها بعد لحظات قليلة إلى ولدها، وكان صاحب الحانوت من اليقظة وحدة النظر بحيث لا تفوته معرفة ما يدور حول حانوته, فما برحت مكانها حتى تبعها يترسم مواقع أقدامها حتى عرف منزلها، ثم تركها وشأنها وذهب إلى مخفر الشرطة فجاء منه بجنديين للقبض عليها, وصعدوا جميعا إلى الغرفة التي تسكنها ففاجئوها جالسة بين يدي ولدها تنظر إلى فرحه وابتهاجه بتمثاله نظرات الغبطة والسرور، فهجم الجنديان على الأم فاعتقلاها وهجم الرجل على الولد فانتزع التمثال من يده, فصرح الولد صرخة عظمى لا على التمثال الذي انتزع منه بل على أمه المرتعدة بين يديه، وكانت أول كلمة نطق بها وهو جاثٍ بين يدي الرجل: رحمتك بأمي يا مولاي، وظل يبكي بكاء شديدا، فجمد الرجل أمام هذا المنظر المؤثر وأطرق إطراقا طويلا, وإنه لكذلك إذ دقت أجراس الكنائس مؤذنة بإشراق فجر العيد, فانتفض انتفاضة شديدة وعظم عليه أن يترك هذه الأسرة الصغيرة حزينة منكوبة في اليوم الذي يفرح فيه الناس جميعا، فالتفت إلى الجنديين وقال لهما: إني أخطأت في اتهام هذه المرأة, فإني لا أبيع هذا النوع من التماثيل، فانصرفا لشأنهما، والتفت هو إلى الولد فاستغفره ذنبه إليه وإلى أمه، ثم مشى إلى الأم فاعتذر
(3/71)

إليها عن خشونته وشدته، فشكرت له فضله ومروءته وجبينها يرفضّ عرقا حياء من فعلتها، ولم يفارقهما حتى أسدى إليهما من النعم ما جعل عيدهما أسعد, وأهنأ مما كانا يظنان.
لا تأتي ليلة العيد حتى يطلع في سمائها نجمان مختلفان؛ نجم سعود ونجم نحوس، أما الأول فللسعداء الذين أعدوا لأنفسهم صنوف الأردية والحلل ولأولادهم اللعب والتماثيل ولأضيافهم ألوان المطاعم والمشارب, ثم ناموا ليلتهم نوما هادئا مطمئنا تتطاير فيه الأحلام الجميلة حول أسرتهم تطاير الحمائم البيضاء حول المروج الخضراء، وأما الثاني فللأشقياء الذين يبيتون ليلتهم على مثل جمر الغضى يئنون في فراشهم أنينا يتصدع له القلب, ويذوب له الصخر حزنا على أولادهم الواقفين بين أيديهم يسألونهم بألسنتهم أو بأعينهم ماذا أعدوا لهم في هذا اليوم من ثياب يفاخرون به أندادهم، ولعب جميلة يزينون بها مناضدهم، فيعللونهم بوعود يعلمون أنهم لا يستطيعون الوفاء بها.
فهل لأولئك السعداء أن يمدوا إلى هؤلاء الأشقياء يد البر والمعروف, ويفيضوا عليهم في ذلك اليوم السعيد النزر القليل مما أعطاهم الله ليسجلوا لأنفسهم في باب المروءة والإحسان ما سجل لصاحب حانوت التماثيل!
(3/72)

إن رجلا يؤمن بالله ورسله وآياته وكتبه ويحمل بين جنبيه قلبا يخفق بالرحمة والحنان لا يستطيع أن يملك عينه من البكاء, ولا قلبه من الخفقان عندما يرى في يوم العيد في طريقه إلى معبده أو منصرفه من زياراته طفلة مسكينة بالية الثوب كاسفة البال دامعة العين تحاول أن تتوارى وراء الأسوار والجدران خجلا من أترابها وأندادها أن تقع أنظارهن على بؤسها وفقرها ورثاثة ثوبها وفراغ يدها من مثل ما تمتلئ به أيديهن, فلا يجد بدا من أن يدفع عن نفسه ذلك الألم بالحنو عليها وعلى بؤسها ومتربتها؛ لأنه يعلم أن جميع ما اجتمع له من صنوف السعادة وألوانها لا يوازي ذرة واحدة من السعادة التي يشعر بها في أعماق قلبه عندما يمسح بيده تلك الدمعة المترقرقة في عينيها.
حسب البؤساء من محن الدهر وصروفه أنهم يقضون جميع أيام حياتهم في سجن مظلم من بؤسهم وشقائهم, فلا أقل من أن يتمتعوا برؤية أشعة السعادة في كل عام مرة أو مرتين.
(3/73)

من الشيوخ إلى الشبان:
لا نستطيع أن ننكر عليكم معشر الأبناء أن شبابكم أعظم قوة ونشاطا وأبعد همة وأقوى عزيمة من شيخوختنا، وأن أيدينا الشاحبة المعروقة لا تستطيع أن تصل إلى ما تصل إليه أيديكم الفتية المقتدرة، وأن آراءكم وأفكاركم وجميع تصوراتكم وآمالكم التي تتلون بها شبوبيتكم أكثر حدة وحرارة وأبعد غورا وعمقا من آرائنا وتصوراتنا، ولكن الذي ننكره عليكم ونعتب عليكم فيه أشد العتب هو زرايتكم علينا واحتقاركم لنا ورميكم إيانا بالجمود مرة والخرف أخرى كلما اختلفنا معكم في شأن من الشئون، كما أننا ننعى عليكم كبرياءكم وخيلاءكم واعتدادكم بأنفسكم ذلك الاعتداد العظيم الذي يخيل إليكم معه أن هذه الألوان الجميلة التي تتلون بها حياتكم الحاضرة إنما هي خاصة بكم ووقف عليكم، لم تمر بعصر غير عصركم، ولم يزه بها شباب غير شبابكم، وأنكم أنتم أصحاب الفضل الأول في ابتكارها وافتراع عذرتها، ولو أنكم استطعتم أن تحملوا أنفسكم على الروية والأناة
(3/74)

وأن تنتقلوا بأنظاركم من الحاضر إلى الماضي وإن لم يكن ذلك من طبيعة الشباب ولا من طبيعته لعلمتم أن هذا العهد الذي يمر بكم اليوم والذي تفاخروننا به وتدلون علينا بأحلامه وأمانيه وتصوراته وخيالاته قد مر بنا مثله في زماننا، فقد كان لنا شباب مثل شبابكم نتصور فيه كما تتصورن، ونفكر كما تفكرون، ونردد في أنفسنا وأحاديثنا وكتاباتنا جميع هذه الآراء والأفكار التي ترددونها اليوم حتى انطوى ذلك العهد وزالت معالمه وهدأت على أثره تلك الثورة النفسية الهائلة التي كانت تعترك بين جوانحنا, ودخلنا غمار الحياة الحقيقية حياة الجد والعمل والنظر والتأمل والخبرة والتجربة, فاستطعنا أن نرجع إلى نفوسنا، ونثوب إلى شدنا, وأن نهبط بهدوء وسكون إلى أعماق قلوبنا ونستعرض تلك الآراء والأفكار والأحلام والآمال بإمعان وتدقيق, فاستطعنا أن نميز صالحها من فاسدها، وصادقها من كاذبها، ومعقولها من موهومها، وأن نقلب الأشياء على جميع وجوهها ونرى وجوه الحسن فيها ووجوه القبح ونوازن بين هذه وتلك، فأخذنا بما أربت حسناته على سيئاته، وأطرحنا ما زادت سيئاته على حسناته، فلا فضل لكم في الحقيقة في هذا الذي تزعمون أن لكم الفضل فيه وحدكم من دون الناس جميعا، إنما الفضل للشباب ومزاجه وطبيعته وحدته،
(3/75)

ولا علاقة للعلم والجهل والذكاء والغباوة والتقدم والتأخر بشيء من ذلك، وللشباب خصائص كثيرة وصفات متعددة، وأخص صفاته: قصر النظر وسرعة الحكم والعجز عن إحكام الصلة بين أدوار الزمن الثلاثة: ماضيه وحاضره ومستقبله، فهو لا يستطيع أن يتصور تصورا ثابتا متينا أن الماضي أساس الحاضر ومنبع وجوده، لا يشرق إلا من مطلعه، ولا ينبت إلا في تربته، وأن المستقبل بيد الطبيعة القاسية وقوانينها الصارمة؛ وليس أقرب إليه من أن يتصور أن في استطاعته أن يمحو بيده في لحظة واحدة وجه الكون بأرضه وسمائه ثم يخلقه خلقا جديدا على الصورة التي يريدها ويتصورها، وأن في إمكانه أن يحيل التراب أمواها والأمواه ترابا, وأن يحجب بيده وجه الشمس فلا ينبعث لها شعاع إلا بإرادته, وأن يرغمها متى أراد أن تمزق حجاب الليل وتبرز في سمائه، ولا يزال يتخبط في أمثال هذه التصورات والأحلام التي لا فائدة فيها ولا نتيجة لها حتى تطلع عليه أول طليعة من طلائع الشيخوخة فتهدأ ثورته، وتفتر حدته، ثم لا يلبث أن يسقط جاثيا بين يدي القوة الإلهية والقوى الطبيعية, معترفا بعجزه وقصوره وفراغ يده من كل حول وقوة, هاتفا: إن للكون إلها لا أستطيع محادّته, وللطبيعة سنة لا أستطيع تبديلها.
(3/76)

كنا نفكر كثيرا في شأن المرأة كما تفكرون اليوم، ولا نجد حديثا ألذ ولا أطرب من الحديث عنها، وكنا لشدة إعجابنا بها واهتمامنا العظيم بإرضائها وتدليلها والوقوع من نفسها موقعا جميلا ندافع عنها ضد أنفسنا, ونطلب لها من النفوذ والسيطرة علينا أكثر مما تطلبه لنفسها, ونتمنى بجدع الأنف لو أننا رأيناها متمتعة بالحرية إلى أقصى حدودها, فتتبرج كيف تشاء، وتسفر كما تريد، وتجلس إلى الرجل جنبا لجنب في المجتمعات العامة والخاصة دون أن يعارضها معارض، أو يكدر عليها صفوها مكدر، بل كنا نذهب في مجاملتها ومحاسنتها إلى أكثر من ذلك، فكنا نغتفر لها سيئاتها الأدبية ونسميها سقطات أي: هفوات فردية لا أهمية لها, ونغريها بمحاسبة زوجها حسابا شديدا على خيانته لها ومقابلة فعلاته بمثلها؛ لأننا كنا نقرر لها مبدأ المساواة بينها وبينه ونقول لها: ليس من العدل أن يغضب الزوج من خيانة زوجته إذا كان هو يخونها، وكنا نظن أن هذه الآراء آراء حقيقية راسخة في نفوسنا صادرة من أعماق قلوبنا, ثم علمنا بعد ذلك أننا كنا مخدوعين في أمرها وأنها آراء الشباب وخواطره وألاعيبه ودعاباته وأحلامه وتصوراته، ولا يثقل على الشاب في مفتتح حياته شيء مثل ذلك الحجاب المسبل على وجه المرأة
(3/77)

وذلك الجدار القائم بينها وبينه.
وكنا نبتهج بكل جديد كما تبتهجون، وننفر من كل قديم كما تنفرون، ونعد الأول آية الآيات مهما سخف واستبرد، والثاني نكبة النكبات مهما غلت قيمته وعظم قدره، لا لأننا وازنا بينهما وفاضلنا بين مزاياهما فحكمنا عليهما، بل لأننا كنا قريبي عهد بزمن الطفولة, والطفل سريع الملل كثير السآمة لا يصبر على لعبته أكثر من يوم واحد حتى يملها فيكسرها, ويستبدل منها غيرها.
وكنا مولعين بالتقليد ولعكم به لا نكاد نعرف لأنفسنا صورة خاصة ترتكز عليها أعمالنا في الحياة، بل كانت تمر بنا جميع الصور على اختلاف أنواعها وألوانها, فنلتقطها بأسرع مما يلتقط "القلم" صوره كأن فضاء حياتنا معمل لتجاريب الحياة واختباراتها.
وكان العارف منا بلغة أجنبية لا يلبث أن يفتتن بها وبأصحابها افتتانا شديدا بما حمله على احتقار لغته وتاريخها، فيرتفع عن ذكر رجالها وعظمائها في أحاديثه واستشهاداته ويسخر منهم كلما جرى ذكرهم على لسان أحد غيره, لا لأنه يفهمهم أو يفهم غيرهم, بل لأنه كان بسيطا غريرا يحتقر كل ما في يده ويستعظم كل ما في يد غيره.
ولم نعرف إلا بعد زوال ذلك العهد أننا كنا مخطئين في جميع هذه التصورات والأفكار, وأنها لم تكن عقائد راسخة في نفوسنا
(3/78)

بل أشباحا وصورا تتراءى في سماء حياتنا, فنعجب بها ونستطير فرحا وسرورا بجمال منظرها وبهجة ألوانها, فأصبحنا معتدلين في آرائنا متئدين في أحكامنا، نحب حرية المرأة ولكنا نكره فسقها وفجورها، ونأخذ مواد المدنية والرقي من الأمم المتمدينة ولكنا لا نقلدها، ونحب أدب الغربيين وعلمهم ونعجب بأدبائهم وعلمائهم, ولكنا لا نحتقر من أجل ذلك رجالنا وتاريخنا.
نحن لا نطلب منكم معشر الأبناء وأنتم في ثورة الشباب ونشوته أن تكونوا معتدلين متئدين في أحكامكم وتصوراتكم, أو هادئين في مطامعكم وآمالكم فليس من الرأي أن نطلب عندكم ما لم نكن نطلبه عند أنفسنا، ولكن أمرا واحدا كنا نحرص عليه في عهدنا أشد الحرص هو الذي نطلب إليكم أن تحرصوا عليه مثلنا, وتضنوا به ضنَّنا:
كنا نعتقد مثلكم أننا خير من آبائنا وأجدادنا وأوسع منهم علما وأقوى إدراكا, وربما اعتقدنا في الكثير منهم كما تعتقدون فينا اليوم أنهم جاهلون أو مخرفون أو متأخرون أو جامدون إلا أن ذلك لم يكن يمنعنا من أن نحفظ لهم منزلة الأبوة وكرامتها، فلا نلقبهم بلقب من هذه الألقاب التي تلقبوننا بها, ولا نذكرهم في حضورهم أو غيبتهم بكلمة سوء تنغص عليهم ما قدر لهم أن يقضوه بيننا من
(3/79)

أيام حياتهم، وكان شأننا معهم في برهم وإكرامهم واحترام عقائدهم ومذاهبهم مع اتساع مسافة الخلف بيننا وبينهم شأن خالد بن عبد الله القسري أمير العراق إذ كان مسيحيا فأسلم وحسن إسلامه، وكان أبوه لا يزال على دينه فطلب إليه أن يبني له بيعة في قصره يقوم فيها بأداء واجباته الدينية, فبناها له كما أراد ولم ينع عليه شأنا من شئونه طول أيام حياته حتى ذهب إلى ربه.
ذلك ما نضرع إليكم فيه أن تحفظوه لنا كما حفظناه من قبلكم لآبائنا وأجدادنا، واذكروا أن سيأتي عليكم ذلك اليوم الذي أتى علينا وأنكم ستكرهون فيه أن يعاملكم أبناؤكم وأحفادكم بمثل ما تعاملوننا به اليوم، فاتقوا الله فينا أن يعاملكم أبناؤكم وأحفادكم بمثل ما تعاملوننا به اليوم، فاتقوا الله فينا وفي شيخوختنا, فنحن آباؤكم الذين ولدناكم، وأساتذتكم الذين ربيناكم، ومن أكبر العار عليكم وعلى تاريخكم أن تسبوا أساتذتكم وآباءكم, وأن ترموهم في وجوههم بالجهل والجمود وما هم بجاهلين ولا جامدين، ولكنهم شيوخ عاجزون.
(3/80)

الموتى:
"مترجمة"
دقت أجراس المساء تنعى اليوم الراحل، وتندب جماله الزائل، وأخذت قطعان الماشية تعود من مراعيها إلى حظائرها، ومشى وراءها رعاتها يهشون عليها بعصيهم لا يريدون بها شرا ولا أذى لأنهم يحبونها وتحبهم, بل يخافون عليها الضلال, فهم يهدونها الطريق، ومد الظلام رواقه الأسود على جسم الطبيعة المنبسطة كأنما ظن أنها تنام كما ينام البشر, فهو يقيها برد الليل وغائلته، وساد سكون رهيب في تلك الأنحاء فلا يسمع إلا صوت البلبل يشكر للقمر ما أهدي إلى جناحيه من أشعة متلألئة, ونعيب اليوم يمد صوته بالشكوى إلى الله تعالى في سمائه، وما شكاته إلا أن بعض السائحين يطئون أرضه وينتهكون حرمة خرباته المقدسة، وهنالك تحت ظلال الأشجار الضخمة اليابسة رقد أسلاف سكان تلك المزرعة تحت أعماق الأرض رقدة طويلة, بل أكثر من
(3/81)

طويلة لأنها لا نهاية لها، فلا نسمات الصباح الباردة، ولا تغريد الطيور الصادحة، ولا صياح الديكة، ولا رنين الأجراس، ولا هتاف الرعاة، يوقظهم من رقدتهم هذه.
أسفي عليهم, لقد أمسوا ولا نيران توقد في أكواخهم، ولا زوجات صالحات يذهبن يجئن في تهيئة طعام عشائهم، ولا صبية صغارا يستقبلونهم عند عودتهم ليقبلوهم ويستقبلوا قبلاتهم، أولئك الرقود الهامدون كانوا بالأمس أشداء أقوياء، تمد السنابل أعناقها خاضعة لمناجلهم، ويئن ظهر الأرض وبطنها تحت وطأة محاريثهم، وترتعد جذوع الأشجار الضخمة فرقا من ضربات فئوسهم.
أولئك الوجوم الصامتون كانوا بالأمس فرحين مستبشرين يرقصون ويغنون ويجدون السعادة في كل شيء يحيط بهم، فيطربون لوقع حوافر ماشيتهم على الحصباء كأنما يسمعون قيثارة مطربة، ويجدون في ضجعتهم فوق الأعشاب اليابسة الراحة التي يجدها أصحاب الأسرة فوق مهادهم الوثير، ويشعرون في تناولهم اللقمة الجافة السوداء بعد الجوع باللذة التي يشعر بها الأغنياء عند تناولهم ألوان الطعام الشهي حول موائدهم، ويغترفون بأكفهم الماء من الأنهر والخلجان فيتلذذون بارتشافه كأنما يتناولون صافية
(3/82)

الصهباء في كئوس البلور والذهب.
أولئك الخاملون المغمورون الذين لم تنصب لهم التماثيل، ولم ترفع فوق قبورهم القباب كانوا في حياتهم شرفاء عظماء؛ لأنهم كانوا متحابين متآخين، لا يحسد فقيرهم غنيهم ولا يبغي قويهم على ضعيفهم، ولا يحقدون ولا يغدرون، ولا يخافون شيئا حتى الموت ولا يعبدون إلها إلا الله.
كذلك كانوا بالأمس، واليوم طواهم الرمس، فرحمة الله عليهم يوم كانوا على ظهر الأرض وبعدما أصبحوا في بطنها.
فليجْثُ فوق رمال هذه القبور المبعثرة وبين صفائحها المتهدمة المتساقطة أرباب المطامع في الحياة وطلاب المجد والعظمة, خاشعين مستكينين خافضي رءوسهم إجلالا وإعظاما، وليمسكوا قليلا عن الإدلال بعزهم وجاههم والمكاثرة بفضتهم وذهبهم، وليخفوا في أعماق نفوسهم ابتسامات الهزء والسخرية المترقرقة على شفاههم، وليعلموا أن طريق المجد والعظمة التي يسيرون فيها وإن كانت مخضرة جميلة مفروشة بالأعشاب محفوفة بالأزهار الأريجة, فإنها تؤدي في نهايتها إلى هذا المصير الذي صار إليه هؤلاء المقبورون.
أيها الناعمون في عيشهم، المدلون بعزهم وجاههم، المفتخرون بقوتهم وجمالهم، لا تحتقروا هؤلاء المقبورين المساكين إن رأيتم
(3/83)

أجداثهم مشعثة بالية وقبابهم متهدمة خاوية، ولم تروا أسماءهم منقوشة بأجمل الألوان وأزهاها على صفائح قبورهم، وأصغوا قليلا تسمعوا آيات مدحهم والثناء عليهم ترددها الجداول والغدران والحقول والمروج والطيور المغردة فوق أعالي الأشجار، والسوائم الهائمة على ضفاف الأنهار، فهم أصحاب اليد التي رصعت التاج للملك وصنعت السيف للقائد ونسجت المسوح للراهب وبنت القصور للأمراء وصاغت الحلى للأميرات وغرست العشب للسائمة ووضعت الحب للطائر وهيأت للأحياء جميعهم ناطقهم وصامتهم طعامهم وشرابهم, ودثارهم ومهادهم.
أيها القوم العظماء: لا تخلد التماثيل المنصوبة غير ذكرى ناحتيها, ولا تطمس السطور الذهبية المنقوشة فوق صفائح القبور سطور السيئات التي يخطها التاريخ في صفحاته، ولا تسمع آذان الموت الصماء نغمات الملق المترددة في أناشيد الرثاء.
رب يد تحت هذه الأرض لو أتيح لها الحظ في حياتها لكانت يد العازف الذي يشنف الآذان، أو يد البطل الذي يهز العروش ويزعزع التيجان، أو يد الشاعر الذي يثير الأشجان ويبعث إلى القلوب السرور والأحزان، ورب قلب في هذه الحفائر المظلمة لو عاش في جو غير هذا الجو, وعالم غير هذا العالم لكان قلب ملك
(3/84)

عظيم مملوءا بالآمال العظام، والأماني الجسام، أو قلب زعيم جريء يحاسب الظالمين على ظلمهم، ويذود النوم عن أجفانهم، أو قلب نائب كبير يستهوي ببلاغته القلوب ويسترعي الأسماع، فتدوي له بالتصفيق قاعة مجلس النواب أو قاعة مجلس الشيوخ.
كم من لؤلؤة لم تعثر يد الغواص بها فظلت دفينة بين صدفتيها، وكم من زهرة أريجة لم تتفتح حتى هبت عليها رياح الصحراء المحرقة فأذبلتها، وكم من ماسة وضاءة عجز المعدنون عن استخلاصها من معدنها فانطفأ نورها في منجم الفجم المظلم، وكم من قريحة وقادة لم تصقلها العلوم والتجاريب فعاشت مغفلة مهملة حتى انطفأت، ولو أنها صقلتها لغيرت وجه الكون وبدلت الأرض غير الأرض.
نعم, كان بين هؤلاء القرويين المقبورين من كان له قلب كقلب "همبدن" إلا أن التاريخ لا يعرفه، ومن كان له لسان كلسان "ملتن" إلا أنه لم ينصب له تمثال، ومن كانت له همة كهمة "كرومويل" إلا أنه لم يقد الجيوش، ولكنهم عاشوا في هذه الفلوات المنقطعة عن العلم والحضارة, فدفن الجهل مواهبهم، وأخمد الفقر نار ذكائهم وفهمهم، فمروا بهذه الدنيا لم يشعر بهم أحد، ثم ماتوا ولم يذكرهم أحد.
هنيئا لهم جهلهم وخمولهم، فلو أنهم كانوا عظماء لقضوا أيام
(3/85)

حياتهم يسفكون الدماء ويمزقون الأشلاء ويغتالون حقوق الضعفاء؛ سعيا وراء أغراضهم ومطامعهم، لا بل إنهم كانوا عظماء ولكنهم بريئون من آثام العظمة وجرائمها.
رحمة الله عليهم, لقد ذهبوا ولم يبق لهم من بعدهم مما يدل عليهم سوى حجر قديم ملقى في طريق مقبرتهم, قد كتب عليه بخط سقيم هذا البيت البسيط من الشعر:
أيها المار في هذا المكان احترم تربته ... ولا تطأ بقدميك رفات الموتى
هذا كل ما طمعوا فيه من شئون الحياة بعد موتهم، لم يطلبوا تمثالا يقام لهم، ولا قبة ترفع فوق أضرحتهم، ولا صفحة من صفحات التاريخ تخلد فيها أعمالهم، بل لم يطلبوا طاقة زهر تؤنس مضجعهم، ولا قطرة غيث تبل ثراهم، فما كان أقنعهم وأزهدهم.
(3/86)

الزهرة الذابلة:
ورد إلي من حضرة صاحب التوقيع الكتاب الآتي:
أنا تلميد في السابعة عشرة من عمري تحصلت على شهادة الدراسة الابتدائية ثم تقدمت لامتحان الكفاءة فلم أفلح, غير أني عزمت على الكد للعام المقبل وما دريت ما يخفي الغيب في سره حتى فوجئت بمرض "الحمى" العضال الذي ضعضعني, وما كدت أشفى منه بعد مدة حتى أصابني "الصمم" الكامل فضاعت بذلك آمالي وأظلمت الأرض في وجهي, فرأيت أن أستغيث بك لعلك تسدي إلي جميلك بكلمة تعزية من عندك, وأنا أحق الناس بالعزاء والسلام.
6 يناير سنة 1914 ر. م
لا أستطيع أن أعزيك عن مصابك يا بني, فهو فوق ما يحتمل المتحمل ويطيق الجلد الصبور، ولو أنني حاولت ذلك منك لكذبتك وغششتك، ولكان شأني معك شأن أولئك الهازلين العابثين من المعزين الذين يختلفون ليلهم ونهارهم إلى منازل المنكوبين والمرزوئين
(3/87)

ليقولوا للثاكل ولده: "لقد قدمت بين يديك شفيعا يشفع لك يوم حسابك بين يدي ربك" وللباكي أباه: "ما مات من خلف مثلك" وللباكي أخاه: "إن في الباقي عزاء عن الماضي" وللباكية زوجها: "الشباب غض والرجال كثير" وللفاقد بصره: "حسبك مما فقدت من نور بصرك ما أبقى الله لك من نور بصيرتك" وللمحتضر المشرف: "إن في لقاء الله عوضا عن لقاء الدنيا" ولمن حلت به نكبة مثل نكبتك: "لقد كفاك الله بما ابتلاك سماع أقوال الكذب, وكلمات السوء" كأنما هم يحسبون أن الفواجع والرزايا صفقات تجارية إذا قاس فيها المرء ربحه بخسرانه ووازن بين دخله وخرجه هان عليه هذا لذاك، واغتفر ما فات لما هو آتٍ، ولا يعلمون أن الحزن على الذاهب المفقود إنما هو زفرة من زفرات الحب أو نفثة من نفثات الوفاء, ولا دخل للحساب والمعاوضة في شيء من ذلك، وأن أقسى الآباء قلبا وأصلبهم فؤادا لو ساومه مساوم في فلذة كبده, ووضع تحت قدميه خزائن الأرض والسماء لكان رأيه في ذلك رأي ابن الرومي في قوله:
وما سرني أن بعته بثوابه ... ولو أنه التخليد في جنة الخلد
وأن الأم تبكي وحيدها كما تبكي عاشر عشرة من أولادها، والصديق يبكي فراق صديقه وإن كثر أصدقاؤه في كل محلة يحل
(3/88)

بها, والزوجة تبكي زوجها وإن كان تحت كل نافذة من نوافذ منزلها خطيب يترقبها، وأن البائس المسكين الذي يعيش من دنياه في مثل جحر الضب ضنكا وبؤسا يضن بحياته الضن كله إذا أحس بفراقها وإن علم أنه سينتقل منها إلى جنة عرضها السموات والأرض، فهم في الحقيقة يسخرون من مصائب الناس وأرزائهم ويؤلمون نفوسهم فوق ألمها باحتقار أحزانهم وازدرائها وتصغير شأنها في أعينهم, ويلقون في نفوسهم اليأس من أن يجدوا بجانب قلوبهم قلوبا تحس بإحساسها, وتشعر بشعورها من حيث يظنون أنهم يخففون آلامهم ويأخذونهم بنسيانها.
وأعوذ بالله أن أكون يا بني من الكاذبين في تعزيتك أو الغاشين لك فيها، ولو أردت نفسي على ذلك لما استطعت، وكيف يستطيع أن يعزيك عن مصابك من لا يستطيع أن يعزي نفسه عن مصابه فيك، فلقد ترك كتابك هذا بين جنبي لوعة من الحزن, لا أحسب أنها دون لوعتك التي تعتلج بين جنبيك من الحزن على نفسك، حتى صرت كأني ابتليتُ بما ابتليتَ به وكأن الذي أصابك من البلاء قد أصابني من دونك، فلقد انقطع عنك بفقد سمعك أيها البائس المسكين كل ما كان بينك وبين
(3/89)

الناس جميعا من سبب وصلة، فأصبحت وأنت في دار الأنس والاجتماع وبين ضوضاء الحياة وضجيجها كأنك تعيش من وحشتك وكآبتك في مدينة متحجرة من مدن التاريخ القديم, لا تأنس فيها بأحد ولا يأنس بك فيها أحد، ولا ترى بين يديك إلا نصبا مائلة وتماثيل جامدة:
تحسب العين أنهم جد أحياء ... لهم بينهم إشارة خرس
ولا يرفه عن نفسك في ساعة من ساعات ضيقك وضجرك نغمة غناء، ولا رنة حداء، ولا خرير نهر، ولا تغريد طير، ولا حفيف شجر، ولا زفيف ريح، ولا ثغاء شاة، ولا نقيق ضفدع، ولا صرير جندب، سواء لديك ليلك ونهارك، وصبحك ومساؤك، ويقظتك ومنامك، فإن فررت من وحشتك هذه إلى مجتمع من مجتمعات العامة, فجلست إلى الناس ساعة تتفرج1 فيها مما بك لا تسمع شيئا مما يقولون ولا يعنيهم أن يسمعوا شيئا مما تقول، فإن قلبت نظرك في وجوههم لتتسقط حرفا أو كلمة من حركات شفاههم أو إشارات أيديهم أنكروا عليك نظراتك وسخروا منك في أنفسهم، لا بل ربما صارحوك بكلمتهم التي يضمرونها في أنفسهم من حيث لا تعلم، فإن رأوا منك ذلك ورأوا أنك تقتضب
__________
1 طلب الفرجة والراحة.
(3/90)

الأحاديث بينهم اقتضابا وتذهب منها في أودية غير أوديتهم, وأنك تحدثهم فلا تحسن تقدير صوتك على مقياس أسماعهم فتعلو به عليها أو تنزل به دونها, وأنك تبتسم في موضع التقطيب وتقطب في موضع الابتسام, أصبحوا ينظرون إليك بتلك العين التي ينظرون بها إلى الأطفال الصغار والبله الأغرار، فإن ألممت بسر نظرتهم هذه إليك ألم بك من الحزن والهم ما لا طاقة لمثلك في سنك وضعف منتك باحتمال مثله, وأصبحت ترتاب بكل نظرة تتجه إليك وكل ابتسامة تتراءى لك واعتادك سوء الظن بكل جالس يجلس إليك من أصدقائك وأقربائك وذوي رحمك، بل من أبويك وإخوتك، فلا يكاد يسلم لك صديق أو يصفو لك حميم.
فإن فررت من الناس نجاة بنفسك من لؤمهم وقسوتهم فررت إلى خلوة موحشة قاتمة تتراءى لك فيها خيالات الذكرى المؤلمة كلما وازنت بين حاضرك وماضيك, وقارنت بين ما كنت ترجو لنفسك في أيامك الأولى وما انتهى إليك أمرك في أيامك الأخرى، فلا تنفعك خلوة، ولا يؤنسك اجتماع.
وأخوف ما أخاف عليك إن استمر بك هذا الشأن -ولا أسأل الله لك دوامه- وظللت تنطق ولا تسمع، وتقول ولا تفهم ما يقال، أن تصبح في يوم من أيامك لا سامعا ولا ناطقا،
(3/91)

فالسماع مادة النطق التي يستمد منها قوته وحياته، ومن لا يسمع لا يحسن النطق، ومن لا ينطق لا يحسن التفكير.
وكثير عليك يا بني وأنت زهرة يانعة في روض الشباب, وابتسامة لامعة في ثغر الآمال, وفجر مشرق في سماء الحياة أن تعلو هذه الربوة الزاهرة المخضلة من ربا الحياة, فلا تلبث فيها إلا قليلا حتى يمر بك فارس الدهر فيختطفك من مكانك, ثم يعدو بك عدو الظليم المذعور حتى يلقيك على هذه الصخرة الصماء.
فوا رحمتاه لك يا بني مما بك اليوم ومما يستقبلك به الدهر غدا، فأسأل الله تعالى لك أن يرفع عنك محنتك، أو يمنحك عينا ثرة من الدمع لا ينضب معينها، تسكب منها صباح كل يوم ومساءه سجلا على فؤادك الملتاع فتبرد غلته، وتفثأ لوعته، فالدموع هي الرحمة العامة التي يلجأ إليها المنكوبون والمحزونون يوم لا يجدون لأنفسهم في مذهب من مذاهب الأرض, ولا في شعب من شعاب السماء ناصرا ولا معينا, والسلام عليك من الرائي لك الباكي عليك ورحمة الله.
(3/92)

الوجهاء:
جرى بيني وبين أحد الوجهاء المصريين الحديث الآتي:
الكاتب: ما هذه الطبقة التي تكسو وجهك, فتحجب منه ما يحجب صفحة السماء من السحب السوداء؟
الوجيه: إن بين جنبي هما يعتلج، وكمدا يذهب باللب ويطير بشظايا القلب، ونارا من الحزن متأججة مضطرمة دخانها هذا الذي تراه.
الكاتب: أحق ما تقول وأنت الرجل السعيد بحظه، المغتبط بعيشه؛ قصر غمدان، وخورنق النعمان، وحور وولدان، وظل ظليل، ونسيم عليل، وخزائن تموج بالذهب، موج التنور باللهب، ذلك إلى ما أسبغ الله عليك من صحة البدن، وسلامة الحواس، وأمدك به من الجاه العريض، والكلمة النافذة، والشفاعة المقبولة، فليت شعري ما شكاتك بعد ذلك؟
الوجيه: أشكو الفقر الباطن في الغنى الظاهر، والشقاء المقبل في السعد المدبر، وإني لأرى في السماء غمامة دكناء توشك
(3/93)

أن تنفجر بالصاعقة الكبرى، والكارثة العظمى.
الكاتب: ما كنت أحسب أن الشقاء يمر لك ببال بعدما أعطاك الدهر عهدا مكتوبا بتلك الأحرف الذهبية ألا يسدد سهمه إليك، ولا يدور دورته عليك.
الوجيه: متى كان للدهر عهد يوثق به أو ذمام يعتمد عليه، فالناس في يده كالكرة ذات الألوان في يد الصبي يديرها فترى الأسود في مكان الأبيض والأبيض في موضع الأسود, وكذلك بقية الألوان تعلو أسافلها وتسفل أعاليها، ودورة السعود والنحوس أسرع في عمر الدهر من لمح الطرف، ولفتة الجيد.
الكاتب: هل لك أن تحدثني من أي منفذ نفذ الدهر إليك وما عهدتك شاربا ولا عاهرا، ولا مقامرا ولا مستهترا، وما للدهر مدخل يتسرب منه إلى خزائن الأغنياء غير هذا المدخل؟
الوجيه: أين يذهب بك أيها الصديق، وهل يؤتى الأغنياء في هذا البلد إلا من طريق المجد الباطل والسمعة الكاذبة، وهل يكب العظماء على وجوههم ويلصق بالرغام معاطسهم إلا الشغف بنظرة الأمير، ولفتة الوزير، وزورة المدير، وأنت تعلم أن رجلا مثلي لا يمكن أن يكون له مطمع في المجد الصحيح، فلست بصاحب علم فأفخر به، ولا صاحب قلم فأمت بما يمت به أصحاب
(3/94)

الأقلام من خدمة المجتمع الإنساني وتهذيبه، فلم يبق أمامي غير هذا المجد الكاذب، وهو مجد القربى من الحكام والعمال، ولا سبيل إليه إلا ببذل ثمن غالٍ تقصر عنه خزائن قارون وكنوز ركفلر، وقد أنفقت فوق الطاقة ووراء الفاقة في بناء القصور نزلا للحكام، وغرس البساتين منازه لهم، وإعداد الفرش والآنية الثمينة لمآدبهم وولائمهم، فلما نضب معين الذهب وعيت الأرض أن تثمر فوق ما تثمر لجأت إلى مصرف من المصارف فأثقلني بالديون وأرهقني بالطلب، ففزعت منه إلى آخر، ثم إلى آخر، فكنت كناقش الشوكة بالشوكة، أو غاسل الدم بالدم، ولو كشف لك من أمري ما كشف لي منه لعلمت أن جميع ما كنت أملك من أطيان وعقار، ودور وقصور، لم يبق لي منه إلا تلك الخطوط السوداء المسطورة في جرائد الصبارف، وها أنا ذا اليوم طريد المصارف والغرماء، وغريم القضاءين؛ قضاء الأرض وقضاء السماء.
ذلك كل ما يستفيد الوجيه من وجاهته, قبحها الله وقبح كل ما تأتي به، فلا تحسد الوجيه على مظهره الكاذب وزخرفه الباطل، ولا تنفس عليه بؤسه الكامن وشقاءه الخفي، فهو أتعس خلق الله وأكثرهم هما وأثقلهم مئونة وأخسرهم حاضرا ومستقبلا، يكون عنده من الضياع أو الدور جملة لا تثمر له من المال أكثر مما يسع ترفيه
(3/95)

نفسه وتربية أولاده وصلة رحمه, فيسميه الناس وجيها، والوجاهة كلمة صغيرة معناها في نظر الناس كبير كأنما هي عندهم من جوامع الكلم، فالوجيه في اصطلاحهم هو الرجل الذي يمد لكل غريب نزل بلدته مائدة، ويرضخ بالعطاء لكل عابر سبيل مر بحيه، ويشرك في جميع الجرائد والمجلات وإن كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ويبتاع تذاكر حفلات جميع الجمعيات الخيرية على اختلاف مذاهبها وأنواعها وإن كان لا ينتفع بواحدة منها، ويشترك في جمعية الرفق بالحيوان، وجمعيات الرفق بالإنسان، ويبتاع المؤلفات الحديثة التي يكلفه المدير أو المأمور بابتياعها وإن كان عمدة أو شيخ البلد وكان الكتاب في علم الفلسفة، ولا تتم شروط الوجاهة عنده فيأخذ منها بالحظ الأوفر إلا إذا بذل للحكومة المعونة الكبرى في مشاريعها من بناء المستشفيات والمدارس والكتاتيب, وأمثال تلك الضرائب التي تضربها الحكومة علينا ضرب الجزية على أهل الذمة في سالف الأزمان، والتي لا فرق بينها وبين خراج الأطيان وعشور النخيل وعوائد الأملاك.
الكاتب: إنها تبرعات ومبرات لا إجبار فيها ولا إلزام، فالحكومة لا تشهر عليكم سلاحا، ولا تعد لكم سجنا، وكل ما في الأمر أن رجالها يخطبون فيكم ويدعونكم إلى هذه الأعمال
(3/96)

الصالحة بالحكمة والموعظة الحسنة.
الوجيه: لا أزال أكرر القول, أن رجال الحكومة يضربون علينا ضرائب ليست في شرع ولا قانون، والوجيه في الحقيقة كالعبد في اصطلاح علماء التوحيد مجبور باطنا مختار ظاهرا، أما الظاهر فهو ما ترونه من إقامة المحافل وخطابة الخطباء والتلطف في الطلب وشكر المحسن على إحسانه، وأما الباطن فهو أن الوجيه منا كما علمت مفلس من جميع أنواع المجد إلا مجد الزلفى عند الحكام، والحكام يعرفون ذلك منه فيدخلون عليه من بابه ولا يفتحون له باب القربى منهم إلا على مقدار ما يفتح من أبواب خزائنه بين أيديهم، فمنا من يزوره المدير أو المفتش لأنه وهاب الآلاف، أو المأمور لأنه من أصحاب المئات، ومن لا يزوره أحد منهم ولا ينهض له إذا أقبل ولا يشيعه إذا انصرف لأنه لا يلبي دعوة ولا يحضر مجمعا ولا يكتب رقما في قائمة اكتتاب، فلا يلبث أن يسلس قياده، ويصحب عناده، هذا هو الاستبداد الخفي الذي ترغم الحكومة به أنف الوجهاء من غير أن تشهر عليهم سلاحا أو تعد لهم سجنا، ولكنها تبلغ به في شهر ما كانت تعجز عنه حكومة السجن والكرباج و"الويركو" و"البطانطا"
(3/97)

والعوائد الشخصية في عام، ولقد راجعت صحيفة حسابي في هذا العام عام الأزمة والجدب, فوجدت أني دفعت خراج الأطيان مرة أخرى.
الكاتب: هب أن الأمر صحيح كما تقول, فالحكومة لا تودع هذا المال خزائنها, ولا تقضي به أغراضها, وإنما تنفقه فيما ينفع الأمة في تربيتها وتهذيبها وتقدمها وارتقائها.
الوجيه: ذلك ما يجب أن تنفق عليه الحكومة من خزائنها التي تملؤها من أموال الأمة لهذه الأغراض التي تذكرها، ولكنها تضن بمال هي في حاجة إليه لإصلاح السودان وبناء العمائر وتشييد القصور وترقية كبار الموظفين خصوصا الأجانب منهم وإقرار عيون السياح الأوروبيين بالمناظر البهجة والآثار الجميلة, فلا ترى لها بدا من حمل تلك الحمالات على أعناقنا بلا رحمة ولا شفقة, ولا نظر إلى ما نتكبده في هذا السبيل مما يذيب الشحم، ويعرق العظم، وليتها كانت تتدرج في الطلب وترتشف المال ارتشافا ولا تعبه عبا, فتدرك في ذلك سياسة الحكومات السالفة المعروفة باستبدادها وإرهاقها، فقد حكي عن أحد رؤسائها أنه علم أن أحد المديرين سلب أهالي مديريته المال دفعة واحدة وأنهم ضاقوا به ذرعا فأحضره في مجلسه, وأمر أن تنزع من لحيته
(3/98)

شعرات متفرقة فما أبه لذلك ولا احتفل به, ثم أمر أن تنتزع من رأسه خصلة من الشعر مرة واحدة فصرخ وتألم، فقال له: هكذا يجب أن يكون أخذ الأموال من الرعية متفرقا تحتمله، لا مجتمعا تتألم له.
الكاتب: حسبك من ذلك ثواب الله وأجره على إحسانك, وبذلك المال في سبيله وللآخرة خير وأبقى.
الوجيه: من أين يأتيني الثواب والأجر, وهل يثاب المرء إلا على نيته وإخلاصه في عمله، وإني أعترف لك عني وعن جميع الوجهاء أمثالي بما عرفت من أحوالهم، ومارست من طباعهم، أننا لا نريد من بذل ما نبذل إلا رضا الحاكم والتودد إليه وموافاة رغبته لاستكمال أسباب الوجاهة مرة وقضاء المآرب والحاجات أخرى، ووالله لقد أفسد علينا هؤلاء القوم بخطتهم هذه غرائزنا وسجايانا وعودونا من الرياء في الإحسان والنفاق في المعاملة خطة قست معها قلوبنا، واستحجرت أفئدتنا، حتى إن أحدنا لا يكاد يحسن بالدرهم الواحد إلى جاره الفقير البائس إلا أمام قاض فطن وشهود عدول، وحتى زهد فينا الفقراء ولوت المساكين وجوهها عن أبوابنا، وجفانا ذوو الرحم والأقرباء، وأصبحت قصورنا في نظرهم قبورا يستدرون لها الرحمات، لا يرجون منها
(3/99)

الصدقات، وأقفرت "مضايفنا" إلا من عربدة المطربشين ورطانة المبرنطين، فمن أين لثواب الله أن يعرف طريقنا عافاك الله؟
الكاتب: أتغضبك كلمة الحق إن قلتها لك أيها الصديق؟
الوجيه: قل ما تشاء, فقد ملأ الهم ما بين جوانحي فاستحجر قلبي حتى ما يغضبني حق ولا باطل.
الكاتب: أعجب ما رأيت من أمرك في حديثك معي أنك تعرف الحق وتتنكر له كأنك لا تعرفه، وتمد يدك إلى الصواب ثم تعجز عنه، فقد زعمت أن مجد القربى من أولياء الأمر مجد باطل، ولقد أصبت فيما تقول, فما شأنك به وما نهوضك إليه ومالك واللصوق بأمر أنت تعلم قلة جدواه وسوء مغبته، ولقد كان لك طريق مختصر إلى المجد الصحيح لو كنت أكبر منك همة, وأصح رأيا, وأقوى عزيمة، فمجد الكرم ليس بأقل شأنا من مجد السيف والقلم، ولا أرى أنك كنت تنفق في سبيله إلا بعض ما أنفقت في هذا المجد الكاذب، وما كان يصيبك في الأول من الشقاء ما أصابك في الثاني، فالكريم معان على أمره, مبارك له في عيشه متى صح له معنى الكرم وكانت الرحمة غريزة من غرائزه تسوقه إلى تفقد الضعفاء، ومواساة الفقراء، من حيث لا يبتغي على ذلك أجرا سوى ما وعد الله به المحسنين من
(3/100)

حسن المثوبة والأجر ورفع الذكر في الآخرة والأولى، ولكنكم بخلتم بأموال الأمة عليها واحتجنتموها دونها, وأبت لكم همتكم الضعيفة أن يكون لكم كما لأمثالكم من أغنياء الأمم الأخرى آثار في بناء المدارس والملاجئ والمستشفيات تسمى بأسمائكم وتعد من أعمالكم، فتنالون بها ما تريدون من مجد الدنيا والآخرة، فعاقبكم الله على ذلك بأن سلط عليكم من يعبث بعقولكم، ويلعب بأهوائكم، ويرغمكم على الإحسان إرغاما من حيث يكون له الغنم وعليكم الغرم، فلا ذكرا حصلتم، ولا مالا حفظتم، {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} .
(3/101)

جرجي زيدان:
لا أعلم أين تذهب نفس الإنسان بعد موته، ولا أين مكانها الذي تستقر فيه بعد فراق جسدها، ولا ما هي الصلة التي تبقي بين المرء وبين الحياة الدنيا بعد رحيله عنها، فإن كان صحيحا ما يقولون من أن ساكن القبور يستطيع أن يجد بين صخورها وصفائحها منفذا يشرف منه على هذه الدار فيسره ما ترك وراءه فيها من ذكر جميل وثناء عاطر وسيرة صالحة ومجد باقٍ فإن نصيب جرجي زيدان اليوم من الهناء والغبطة بما ترك في حياته الأولى من جليل الآثار, وصالح الأعمال أوفر الأنصبة وأجزلها.
ما أنعم الله على عبده نعمة أسنى قيمة ولا أغلى جوهرا ولا أحسن أثرا من نعمة الاعتقاد بالجزاء الصالح على العمل الطيب، فهو يعتقد أنه مجزى على عمله مكافأ به, مؤمنا كان أو ملحدا, معترفا بنعيم الآخرة أو منكرا له، فإن كان الأول ساقه إلى العمل الصالح شغفه بجنة الخلد وحورها وولدانها، ولؤلئها ومرجانها، وروحها وريحانها، وإن كان الثاني ساقه إليه شغفه بالذكر الجميل والسيرة
(3/102)

الصالحة والحياة الباقية في ألسنة الأجيال وبطون التواريخ، ولولا هاتان الجنتان جنة المؤمنين وجنة الملحدين ما جد في هذه الحياة جاد, ولا عمل فيها عامل.
إن ميدان الحياة الدنيا أضيق من أن يسع بين غايتيه العمل الصالح والجزاء عليه معا، وكيف يسعهما والمرء لا يكاد يفرغ في حياته من عمله الذي يتوقع عليه الجزاء قبل أن تنطفئ ذبالة حياته وتحترق فحمة شبابه حيث تموت في قلبه لذة العظمة وتنضب في فؤاده شهوة المجد, فإن فرغ منه قبل ذلك لا يترك له حساده ومنافسوه ساعة من ساعات فراغه يستطيع أن يسكن فيها إلى نفسه ليستشعر برد الراحة ولذة الجزاء، فلا بد أن يكون للجزاء حياة أخرى غير هذه الحياة، إما حياة الأجر، أو حياة الذكر.
مات جرجي زيدان فنحن نبكيه جميعا، أما هو فيبتسم لبكائنا ويرى في تفجعنا عليه والتياعنا لفراقه منظرا من أجمل المناظر وأبهاها؛ لأنه يعلم أن هذه الدموع التي ترسلها أجفاننا وراء نعشه أو فوق ضريحه إنما هي ألسنة ناطقة بحبه وإعظامه والاعتراف بفضله والثناء على عمله، وأنها المدد الإلهي النوراني الذي تُكتب به في صحيفة تاريخه البيضاء آيات مجده الخالد وعظمته الباقية، وذلك ما كان يريد أن يكون.
(3/103)

مات جرجي زيدان فبكاه صديقه؛ لأنه كان يحمد وده وإخاءه، وبكاه جاره لأنه كان يجد في جواره لذة الأنس وجمال العشرة, وبكاء معتفيه لأنه كان ينتفع بماله، وبكاه صنيعته لأنه كان ينتفع بجاهه، وبكاه قارئ كتبه لأنه كان يجد فيها من غزارة المادة وجمال الأسلوب وسهولة التناول ما لا يجد السبيل إليه في غيرها، وبكاه قارئ رواياته لأنه كان يجد في خيالها وبراعة تصوراتها عونا له على هموم الحياة وأزرائها، أما أنا فبكيته لأمر فوق ذلك كله.
تطلع الشمس صباح كل يوم من مشرقها على هذه الكائنات؛ ناطقها وصامتها, ساكنها ومتحركها, جامدها وسائلها, فتستمد جميع ذراتها منها مادة حياتها التي تقومها أو صورتها التي تتشكل بها، وتأخذ منها النباتات نماءها والأزهار ألوانها والنار حرارتها والأجسام الحية قوتها والأجسام الجامدة صورتها والأجواء طهارتها ونقاءها، والآفاق جمالها وبهاءها، وكذلك كان جرجي زيدان في سماء هذا البلد.
كان بطلا من أبطال الجد والعمل والهمة والنشاط، يكتب أحسن المجلات ويؤلف أفضل الكتب وينشئ أجمل الروايات, ويناقش ويناضل ويبحث وينقّب ويستنتج ويستنبط, ويجيب السائل ويفيد الطالب في آن واحد، لا يشغله أمر من تلك الأمور عن أمر غيره، ولا يشكو مللا ولا ضجرا ولا يحس بخور ولا فتور،
(3/104)

فكان القدوة الحسنة بين فريق المستنيرين من المصريين، يتعلمون منه أن قليلا من العلم يتعهده صاحبه بالتربية والتنمية ثم يقوم على نشره وإذاعته بين الناس, أنفع له ولأمته من العلم الكثير والعمل القليل.
ولو شئت أن أقول لقلت: إن جرجي زيدان كان رئيس البعثة العلمية السورية التي وفدت إلى مصر في أواخر القرن الماضي, فغيرت وجه العالم المصري تغييرا كليا, وغرست في صحرائه القاحلة المجدبة أغراس الجد والعمل والشجاعة والإقدام والهمة والاستقلال، وعلمت أبناءه كيف يؤلفون ويترجمون وينشئون الجرائد والمجلات وكيف يتخذون من هذا العمل الشريف صناعة يقومون بها حياتهم المادية وحياة أمتهم الأدبية، ويتقون بها مذلة الوقوف على أبواب الدواوين صباح مساء يتكففون رؤساءها, ويسألونهم أن يتخذوهم عبيدا لهم يخدمونهم على موائد عزهم وسعادتهم التي يجلسون عليها، فإما عطفوا عليهم فألقوا إليهم بالنزر القليل الخسيس من فتات تلك الموائد, وإما طردوهم منها كما يطردون الكلاب الجرباء.
وكان شريف النفس بعيد الهمة, متجملا بصفات المؤرخ الحقيقي الذي لا يتعصب ولا يتحيز ولا يداهن ولا يجامل ولا يترك
(3/105)

لعقيدته الدينية مجالا للعبث بجوهر التاريخ وحقائقه، فكتب وهو المسيحي الأرثوذكسي تاريخ الإسلام في كتبه ورواياته كتابة العالم المحقق الذي لا يكتم الحسنة إذا رآها، ولا يشمت بالسيئة إذا عثر بها، فاجتمع بين يديه في مجلس علمه من أبناء الأمة الإسلامية, خواصها وعوامها عربها وعجمها جمع لم يجلس مثله بين يدي عالم من عالم الإسلام, ولا مؤرخ من مؤرخيه في هذا العصر، فأقام بهذا العمل العظيم لهذا الدين القويم حجته أمام أولئك المتعصبين من الأوروبيين الذين لا يثقون في خبر من أخباره ولا في بحث من أبحاثه بحديث شيعته وأبنائه، وكان في تسامحه هذا القدوة الصالحة للمؤرخ يتعلم منه كيف يكتب التاريخ بلسان التاريخ لا بلسان الدين والمثل الأعلى للعالم, يتعلم منه كيف يستطيع أن يتجرد من عواطفه وميول نفسه وخواطر قلبه أمام الأمانة للعلم, والوفاء بحقه.
وكان مستقيما في عمله أمينا في علائقه, لا يكذب ولا يتلون ولا يخيس بعهده ولا ينكث وعده, ولا يكسو بضاعته لونا غير لونها ليزخرفها على الناس ويجمّلها في عيونهم، فتعلم منه العاملون أن الكذب في المعاملة ليس شرطا من شروط الربح, ولا سببا من أسباب النجاح.
وكان واسع الصدر فسيح رقعة الحلم, وقف له في طريق
(3/106)

حياته كما وقف لغيره من قبله ومن بعده فريق المقاطعين في هذا البلد الذين لا ينطقون, ولا يسكتون عن مقاطعة الناطقين, فلبسوا ثوب الانتقاد ليشتموه، وكمنوا وراء أكمة الدين ليرموه فيصموه، وقالوا: إنه شوه وجه التاريخ الإسلامي وعبث بحقائقه، ولم يسألوه من أين نقل ولا كيف استند، بل سألوه لِمَ لم يكتب كما كتبوا، ويستنتج مثلما استنتجوا، كأنما لم يكفهم منه أن يروه بينهم مسيحيا متسامحا حتى أرادوا منه أن يكون مسلما متعصبا يكتب التاريخ بلسان الدين كما يكتبون، وينهج فيه كما ينهجون، فلما لم يجدوه حيث أرادوا رموه بسوء القصد في عمله وخبث النية في مذهبه ولم يستطيعوا أن يروضوا أنفسهم الجامحة على أن يقولوا: إن الرجل باحث مستنتج يخطئ مرة ويصيب أخرى، أو يقولوا: إن له في تاريخ الإسلام حسنات تصغر بجانبها سيئاته فيه فلنغتفر هذه لتلك، وما أحسب أن واحدا منهم يعتقد شيئا مما يقول، ولكنهم كانوا يرون أن الدين سلعة تباع وتشترى وأن سلعته ملك لهم ووقف عليهم, لا يجب أن تعرض في حانوت غير حانوتهم، وكانوا يظنون أن الرجل تاجر مثلهم يريد أن يفتح بجانب حانوتهم الحانوت التي يخافونها فاستوحشوا منه وأنكروا مكانه واستثقلوا ظله، وقالوا مرة: إنه مسيحي لا يؤمَن على الإسلام, ولا على تاريخه كأنما ظنوا
(3/107)

أنه ينقل حوادث التاريخ ووقائعه من العهد القديم أو العهد الجديد، وقالوا أخرى: إنه سوري دخيل, وفد إلى هذا البلد مسترزقا أو متجرا فما هو بمخلص ولا بأمين، وفاتهم عفا الله عنهم أنه إن كان ضيفا فليس من أدب الضيافة ولا من خلال المروءة والكرم أن يمن المضيف على ضيفه بيده عنده وأن يعد عليه لقيماته التي يطعمها على مائدته، وإن كان تاجرا فقد باعهم بهذا النزر الخسيس من متاع الدنيا وزخرفها جوهر عقله وينبوع ذكائه ومادة حياته، فما كانوا من الخاسرين، ولا كان من الرابحين.
ووالله ما أدري كيف تتسع صدورهم للخمار الرومي واللص الإيطالي والقواد الأرمني أن يفتح كل منهم في كل موطئ قدم من مدنهم وقراهم حانة يسلب فيها عقولهم, أو مقمرا يسرق فيه أموالهم, أو ماخورا يهتك فيه أعراضهم فلا يطاردونه ولا يحاربونه ولا يسمونه دخيلا ولا واغلا, ثم يضيقون ذرعا بالعالم الشرقي ينزل أرضهم نزول الديمة الوطفاء بالصحراء المحرقة فيعلمهم العلم ويهذب نفوس أبنائهم ويثقف عقول ناشئتهم ويبعث في نفوس ضعاف العزائم منهم روح الهمة والنشاط والشجاعة والإقدام.
ذلك هو شقاء الأمم، وهذا جواب السائلين عن أسباب سقوطها وانحطاطها.
(3/108)

لم يضق الرجل ذرعا بهذا كله, بل كان شأنه معهم أن كان يعتب عليهم ولا يشتمهم، وينبههم إلى أدب المناظرة وواجباتها ولا يؤنبهم، ويدعوهم إلى اتخاذ كلمة الحق سواء بينه وبينهم ولا يمكر بهم، حتى انقلب عنهم يحمل لواء الفضيلة والحلم وإن كان مخطئا، وانقلبوا عنه يحملون فوق ظهورهم رذيلة التعصب والجهل وسوء الخلق وضيق العطن, وإن كانوا مصيبين.
ولقد وضع بخطته هذه في مناظرة خصومه ومجادلتهم أول حجر في بناء الأخلاق الفاضلة في هذه الأمة, فتعلم منه كثير من أدباء هذا البلد وعلمائه كيف يستطيعون أن يتناظروا ولا يتشاتموا, وأن يتعاونوا على الحقيقة المبهمة فيكشفوا الغطاء عن وجهها دون أن يريقوا في معاركهم قطرة واحدة من دم الفضيلة والشرف، فإن تم لهذه الأمة في مستقبل حياتها حظها من شرف الأخلاق وعلو الهمة ونبالة المقصد في جميع شئونها وأغراضها فلتتذكر دائما أن جرجي زيدان كان أحد الذين أسسوا في أرضها هذه الدولة الفاضلة, دولة الآداب والأخلاق.
نحن لا تعوزنا المؤلفات ولا المترجمات، فالمؤلفون والمترجمون والحمد لله كثيرون، وإنما الذي يعوزنا روح عالية تخفق في سماء هذه الأمة خفوق النجم الزاهر في سمائه, وتشرق في نفوس أبنائها
(3/109)

إشراق الشمس في دارتها, فتبعث العزيمة في قلب العاجر والشجاعة في فؤاد الجبان، وتقوم من الأخلاق معوجها، وتصلح من الآداب فاسدها، وتثبت من العقول مضطربها، وتعلم كل صغير وكبير وقوي وضعيف أن قيمة المرء في حياته أداء واجبه للإنسانية أولا ولأمته ثانيا ولنفسه أخيرا، وأن الحب سعادة الإنسان والبغض شقاؤه وبلاؤه، وأن الفرق بين الدين الخالص والدين المشوب أن الأول يتسع صدره لكل شيء حتى لمخالفيه ومحاربيه، وأن الثاني يضيق صدره بكل شيء حتى بنفسه، وأن الله تعالى أوسع رحمة وأعلى حكمة من أن يسد في وجوه عباده كل طريق للوصول إليه إلا طريق السيف والنار، وأن هذه الأحقاد الدنيئة التي تلتهب في صدور الناس التهابا لا تؤججها في صدورهم الأديان نفسها بل رؤساء الأديان الذين يستخدمونها, ويتجرون بها في أسواق الغباوة والجهل، وأن الذين يقدسون هذه الأحقاد ويباركونها ويعتبرونها جزءا من ماهية الدين ومقوما من مقوماته إنما يقولون من حيث لا يشعرون: إن الإلحاد في العالم والفوضى الدينية فيه وعبادة الشمس والقمر والتراب والحجر أنفع للمجتمع الإنساني, وأحسن عليه عائدة من عبادة الإله المعبود.
ولقد كان جرجي زيدان روحا من تلك الأرواح العالية
(3/110)

تمنيناها برهة من الزمان حتى وجدناها فلم ننعم بها إلا قليلا, ثم فقدناها أحوج ما كنا إليها, فذلك ما يبكينا عليه ويحزننا على فراقه.
الكاتب كالمصور كلاهما ناقل وكلاهما حاكٍ، إلا أن الأول ينقل مشاعر النفس إلى النفس، والثاني ينقل مشاهد الحس إلى الحس.
وكما أن ميزان الفضل في التصوير أن تكون الصورة والأصل كالشيء الواحد، كذلك ميزان الفضل في الكتابة أن يكون المكتوب في الطرس، خيال المكنون في النفس.
بهذه العين التي لا أزال أنظر بها دائما إلى الكتابة والكتاب, وأوازن بها بين أقدارهم ومنازلهم كنت أقرأ ذلك الأسلوب العذب البديع الذي كان يكتب به المرحوم جرجي زيدان كتبه ورواياته, فأتخيله مرآة نقية صافية قد ارتسمت فيها صورة نفس الكاتب جلية واضحة, لا غموض فيها ولا إبهام.
وقليلا ما كنت أجد في نفسي هذا الشعور عند النظر في كتابة كاتب سواه؛ لأن الكاتب إن استطاع أن ينال ثناء الناس وإعجابهم ببلاغة لفظه أو براعة معناه أو سعة خيالة أو قوة حجته
(3/111)

فإنه لا يستطيع أن ينال الثقة من نفوسهم إلا إذا كان من الصادقين المخلصين.
كنت أرى عذوبة نفسه في عذوبة لفظه، وطهارة قلبه في طهارة لسانه، وصفاء ذهنه في وضوح أغراضه ومراميه، وجمال ذوقه في جمال ملاحظاته واستنتاجاته، وكان خير ما يعجبني منه ترفعه عن مجاراة المتكبرين من الكتاب في كبريائهم, ونزوله في كثير من مواقفه إلى منازل العامة ليحدثهم بما يفهمون؛ لأنه كان من كتاب المعاني لا من كتاب الألفاظ، ولأنه كان يؤثر أن يتعلم عنه الجاهلون، على أن يرضى عنه المتحذلقون.
وإن كان الرجل هو الأسلوب كما يقولون, فلا أعلم أحدا في هذا البلد كان أولى بوصف الكاتب من المرحوم جرجي زيدان, فوا رحمتاه له ووا أسفا عليه.
(3/112)

احترام المرأة:
نعم, إن الرجال قوامون على النساء كما يقول الله تعالى في كتابه العزيز, ولكن المرأة عماد الرجل وملاك أمره وسر حياته من صرخة الوضع إلى أنة النزع.
لا يستطيع الأب أن يحمل بين جانحتيه لطفله الصغير عواطف الأم، فهي التي تحوطه بعنايتها ورعايتها، وتظلله بجناح رحمتها وشفقتها، وتسكب قلبها في قلبه حتى يستحيلا إلى قلب واحد يخفق خفوقا واحدا ويشعر بشعور واحد، وهي التي تسهر عليه ليلها وتكلؤه نهارها وتحتمل جميع آلام الحياة وأرزائها في سبيله غير شاكية ولا متبرمة, بل تزداد شغفا به وإيثارا له وضنا بحياته بمقدار ما تبذل من الجهود في سبيل تربيته، ولو شئت أن أقول لقلت: إن سر الحياة الإنسانية وينبوع وجودها وكوكبها الأعلى الذي تنبعث منه جميع أشعتها ينحصر في كلمة واحدة "قلب الأم".
(3/113)

ولا يستطيع الرجل أن يكون رجلا تام الرجولة حتى يجد إلى جانبه زوجة تبعث في نفسه روح الشهامة والهمة وتغرس في قلبه كبرياء المسئولية وعظمتها، وحسب المرء أن يعلم أنه سيد وأن له رعية كبيرة أو صغيرة تضع ثقتها فيه وتستظل بظل حمايته ورعايته وتعتمد في شئون حياتها عليه حتى يشعر بحاجته إلى استكمال جميع صفات السيد ومزاياه في نفسه، فلا يزال يعالج ذلك ويأخذ نفسه به حتى يتم له، وما نصح الرجل بالجد في عمله والاستقامة في شئون حياته وسلوك الجادة في سيره ولا هداه إلى التدبير ومزاياه والاقتصاد وفوائده والسعي وثمراته، ولا دفع به في طريق المغامرة والمخاطرة والدأب والمثابرة مثل دموع الزوجة المنهلة, ويدها الضارعة المبسوطة.
ولا يستطيع الشيخ الفاني في أخريات أيامه أن يجد في قلب ولده الفتى من الحنان والعطف والحب والإيثار ما يجد من ذلك في قلب ابنته الفتاة، فهي التي تمنحه يدها عكازا لشيخوخته وقلبها مستودعا لأسراره وهواجس نفسه، وهي التي تسهر بجانب سرير مرضه ليلها كله تتسمع أنفاسه وتصغي إلى أناته وتحرص الحرص كله على أن تفهم من رعشات يديه ونظرات عينيه حاجاته وأغراضه، فإذا نزل ستار الموت بينها وبينه كانت هي من دون أهله جميعا
(3/114)

الوارثة الوحيدة التي تعد موته نكبة عظمى لا يهونها عليها ولا يخفف من لوعتها في نفسها أنه قد ترك من بعده ميراثا عظيما، وكثيرا ما سمع السامعون في بيت الميت قبل أن يجف تراب قبره أصوات أولاده يتجادلون, ويشتجرون في الساعة التي يجتمع فيها بناته ونساؤه في حجراتهن نائحات باكيات.
وجملة القول أن الحياة مسرات وأحزان، أما مسراتها فنحن مدينون بها للمرأة؛ لأنها مصدرها وينبوعها الذي تتدفق منه، وأما أحزانها فالمرأة هي التي تتولى تحويلها إلى مسرات أو ترويحها عن نفوس أصحابها على الأقل، فنحن مدينون للمرأة بحياتنا كلها.
وأستطيع أن أقول وأنا على ثقة مما أقول: إن الأطفال الذين استطاعوا في هذا العالم أن يعيشوا سعداء معنيا بهم وبتربيتهم وتخريجهم على أيدي أمهاتهم الأرامل الضعيفات, أضعاف الأطفال الذين نالوا هذا الحظ على أيدي آبائهم الأقوياء الأثرياء بعد فقد أمهاتهم، وللرحمة الأمية الفضل العظيم في ذلك.
فليت شعري هل شكرنا للمرأة تلك النعمة التي أسدتها إلينا, وجازيناها بها خيرا؟!
لا؛ لأننا إن منحناها شيئا من عواطف قلوبنا ومشاعر
(3/115)

نفوسنا فإننا لا نمنحها أكثر من عواطف الحب والود، ونضن عليها كل الضن بعاطفة الاحترام والإجلال، وهي إلى نهلة واحدة من موارد الإجلال والإعظام أحوج منها إلى شؤبوب متدفق من سماء الحب والغرام.
قد نحنو عليها ونرحمها، ولكنها رحمة السيد بالعبد لا رحمة الصديق بالصديق، وقد نصفها بالعفة والطهارة، ومعنى ذلك عندنا أنها عفة الخدر والخباء لا عفة النفس والضمير، وقد نهتم بتعليمها وتخريجها لا باعتبار أنها إنسان كامل لها الحق في الوصول إلى ذروة الإنسانية التي تريدها, وفي التمتع بجميع صفاتها وخصائصها، بل لنعهد إليها بوظيفة المربية أو الخادم أو الممرضة, أو لنتخذ منها ملهاة لأنفسنا ونديما لسمرنا ومؤنسا لوحشتنا، أي: إننا ننظر إليها بالعين التي ننظر بها إلى حيواناتنا المنزلية المستأنسة، لا نسدي إليها من النعم, ولا نخلع عليها من الحلل إلا ما ينعكس منظره على مرآة نفوسنا, فيملؤها غبطة وسرورا.
إنها لا تريد شيئا من ذلك، إنها لا تريد أن تكون سريّة الرجل ولا حظيّته ولا أداة لهوه ولعبه, بل صديقته وشريكة حياته.
إنها تفهم معنى الحرية كما يفهمها الرجل, فيجب أن يكون حظها منها مثل حظه.
(3/116)

إنها لم تخلق من أجل الرجل بل من أجل نفسها، فيجب أن يحترمها الرجل لذاتها لا لنفسه.
يجب أن ننفس عنها قليلا من ضائقة سجنها؛ لتفهم أن لها كيانا مستقلا وحياة ذاتية, وأنها مسئولة عن ذنوبها وآثامها أمام نفسها وضميرها, لا أمام الرجل.
يجب أن تعيش في جو الحرية وتستروح رائحته المنعشة الأريجة ليستيقظ ضميرها الذي أخمده السجن والاعتقال من رقدته, ويتولى بنفسه محاسبتها على جميع أعمالها ومراقبة حركاتها وسكناتها، فهو أعظم سلطانا وأقوى يدا من جميع الوازعين والمسيطرين.
يجب أن نحترمها لتتعود احترام نفسها، ومن احترم نفسه فهو أبعد الناس عن الزلات والسقطات.
لا يمكن أن تكون العبودية مصدرا للفضيلة ولا مدرسة لتربية النفوس على الأخلاق الفاضلة والصفات الكريمة إلا إذا صح أن يكون الظلام مصدرا للنور والموت علة في الحياة والعدم سلما إلى الوجود.
كما لا أريد أن تتخلع المرأة وتستهتر وتهيم على رأسها في مجتمعات الرجال وأنديتهم, وتمزق حجاب الصيانة والعفة المسبل
(3/117)

عليها وهو المعنى الذي يفهمه البسطاء من العامة عادة من كلمة الحرية عند إضافتها إلى المرأة، كذلك لا أحب أن تكون مستعمرة ذليلة يسلبها مستعمرها كل مادة من مواد حياتها, ويأخذ عليها كل طريق حتى طريق النظر والتفكير.
وبعد, فإما أن تكون المرأة مساوية للرجل في عقله وإدراكه أو أقل منه، فإن كانت الأولى فليعاشرها معاشرة الصديق للصديق والنظير للنظير، وإن كانت الأخرى فليكن شأنه معها شأن المعلم مع تلميذه والأب مع ابنه، أي: إنه يعلمها ويدربها ويأخذ بيدها حتى يرفعها إلى مستواه الذي هو فيه أو ما يقرب منه؛ ليستطيع أن يجد منها الصديق الوفي والعشير الكريم، والمعلم لا يستعبد تلميذه ولا يستذله، والأب لا يحتقر ابنه ولا يزدريه.
(3/118)

الانتقام:
"مترجمة"
1- قضى المسيو "كابريني" برهة طويلة من أيام حياته سعيدا مغتبطا بزوجة جميلة وثروة صالحة وخلق طيب شريف يحببه إلى الناس جميعا، ثم نكبه الدهر نكبة عظمى ذهبت بماله وبزوجته، فبكاهما ما شاء الله أن يفعل، ثم بلي حزنه كما تبلى جميع الأحزان في قلوب الناس، ولم يجد بدا من أن يعيش لابنته "إيلين" ليتولى تربيتها وإسعادها، فالتحق بمصرف من المصارف المالية بمرتب قليل, ثم لم يزل يبذل جهده في خدمة العمل الذي وُكل إليه حتى أصبح بعد مدة قصيرة وكيلا لذلك المصرف، فكان يعمل فيه سحابة نهاره ثم يعود ليلا إلى منزله فيرى ابنته منهوكة متضعضعة لكثرة ما كانت تبذل من الجهد قي خدمة المنزل ومناظرة شئونه، فرأى أن يتزوج ليخفف عنها بعض متاعبها وآلامها ففعل وكان سيئ الحظ في اختياره, فتزوج من امرأة فاسدة خليعة لا همّ لها في حياتها
(3/119)

سوى ترفيه عيشها وتدليل نفسها والتقلب بين أعطاف شهواتها ولذائذها، فلم ينتفع منها بشيء بل زادت همومه وآلامه وأثقال عيشه، ولكن ماذا يعمل وقد وُضعت السلسلة في عنقه وانتهى الأمر، وأصبحت ابنته بعد أن كانت سيدة بيتها وأميرة نفسها أسيرة في يد امرأة قاسية داهية تسومها أنواع الخسف وصنوف العذاب، فكانت تحتمل ذلك كله بصبر وجلد، وكانت تكتمه أباها كتمانا شديدا ضنا براحته وسكونه، بل كانت تكتم عنه علائق زوجته وصلاتها بمعارفها وأصدقائها؛ رحمة به وإشفاقا عليه.
وكثيرا ما كان يعود إلى منزله في بعض لياليه حاملا بعض دفاتر المصرف في يده ليتمم فيها العمل الذي أعجله الوقت عن إتمامه هناك, فيجلس إلى مكتبه ساهرا ليله مكبا على عمله ذائدا النوم عن عينيه حتى يغلبه على أمره, فينام في مكانه والقلم معلق بين أصابعه في الساعة التي تكون فيها زوجته بين جمع من أصدقائها وصديقاتها, في بعض الملاعب أو الحانات أو المجتمعات الخاصة راقصة لاهية عابثة بجميع الفضائل الإنسانية، فإذا استيقظت ابنته أثناء الليل ورأته على هذه الحالة مشت إليه برفق وهدوء, وجلست على كرسي أمامه واجتذبت إليها الدفتر الذي بين يديه وأتمت فيه العمل من حيث قطعه، ثم توقظه بعد ذلك لينام في فراشه, فيشكر
(3/120)

لها يدها ومعونتها، ثم يسألها سؤال المتمرمر الممتعض: ألم تعد فلانة حتى الآن؟! فتجيبه بالصمت أن لا، فيذهب إلى سريره حاملا بين جنبيه من الهم والألم ما الله به عليم.
وجملة القول أن الرجل كان شقيا منحوسا، يسير من شئون حياته في ظلمة داجية لا ينتهي بصره فيها إلى مدى، ولا يرى في سمائها نجما واحدا يتنوره إلا ذلك النجم الضئيل الذي كان يلمع من حين إلى حين في جبين ابنته الراحمة الشفوقة، فيتنفس أمامه تنفس الراحة ويأذن لفمه أن يبتسم في ضوئه ابتسامة الغبطة والسرور.
فإنه لجالس ذات يوم في غرفة مكتبه من المصرف, إذ دعاه إليه مديره وسلم له ورقة مالية قيمتها خمسة آلاف فرنك ليودعها الخزينة ويسجلها في دفاتر المصرف، فتناولها منه وعاد بها إلى غرفته ووضعها على مكتبه وتناول الدفتر ليقيدها، فما أمسك القلم بيده حتى دخل عليه بواب المصرف وقال له: إن فتاة من هيئتها كيت وكيت واقفة بالباب تسأل عنك, وهي تكتم اسمها وتأبى الدخول, فاضطرب اضطرابا شديدا ومر بخاطره أنها ابنته وأن حادثا عظيما حدث بالمنزل دعاها إلى الحضور إليه، ولم يكن من شأنها أن تحضر
(3/121)

إليه في المصرف قبل اليوم، فترك كل شيء في مكانه وخرج مسرعا ليراها فإذا هي بعينها واقفة تحت جدار المصرف وقفة الحياء والخجل, وإذا بيدها كتاب تحمله إليه من زوجته, فاختطفه منها وقرأه فإذا هي تقول له فيه: إنها تريد أن يرسل إليها في هذه الساعة خمسة آلاف فرنك لتبتاع بها حلة جميلة رأتها في حانوت بعض تجار الملابس, وأنها إن فاتها أن تبتاعها اليوم فربما لا تجدها غدا، فانفرجت شفتاه عن ابتسامة الغيظ والألم وأخذ ابنته ناحية وقال لها: بلغيها أنني لا أملك هذا المبلغ اليوم ولا غدا, وربما لا أستطيع ذلك العام كله، ثم ألقى عليها نظرة العاتب لحضورها إليه في المصرف وكان لا يحب ذلك منها، فأطرقت برأسها ولم تقل شيئا؛ لأنها لا تستطيع أن تقول له: إن زوجته هي التي أرغمتها على ذلك فتزيد همومه هما جديدا، ثم عادت أدراجها.
وكان بين عمال المصرف عامل سيئ الأخلاق, فاسد النفس والضمير, ما زال مذ دخل هذا المكان يرصد الغفلة من مديره أو وكيله عله يتوصل إلى اختلاس شيء من المال لنفسه, فدخل غرفة الوكيل في اللحظة التي خرج فيها لمقابلة ابنته ليقدم إليه بعض الأوراق, فلم يجده ولمح الورقة المالية التي تركها على المكتب فحدثته نفسه باختلاسها, فدار بنظره ههنا وههنا ثم انقض عليها ووضعها
(3/122)

في جيبه ثم خرج متسللا لم يشعر أحد بدخوله ولا بخروجه، وما هي إلا لحظة حتى عاد المسيو "كابريني" وفي يده الكتاب الذي أرسلته إليه زوجته, فمزقه بعض مِزق وألقى به في سلته، ثم ألقى نظره على المكتب فلم ير الورقة المالية حيث تركها, فذُعر ذعرا شديدا وأخذ يفتش عنها في كل مكان فلم يجدها؛ فاشتد حزنه وهمه وأخذ يسأل العمال والخدم عمن دخل غرفته في غيابه فلم يعترف له بذلك أحد ولم يشهد به أحد على أحد، فظل يصرخ صرخات عظيمة تقيم المصرف وتقعده فسمع المدير الضوضاء فحضر ليرى ماذا حدث, فأفضى إليه الرجل بالقصة كما هي لم يكتمه منها شيئا إلا أنه لم يشأ أن يخبره بموضوع الرسالة التي جاءت فيها ابنته ضنا بأسراره البيتية أن يعلمها أحد غيره، فارتاب به الرجل بينه وبين نفسه ولم يكن يعتد عليه بسيئة قبل اليوم ولا يعرف له ماضيا مريبا, ولكنه كان يعلم أنه فقير مقلّ, فظن به الظنون، وقديما كان الفقر ينبوع التهم ومثار الشكوك والريب، ثم تركه في غرفته وخرج إلى العمال والخدم يحادثهم في هذا الشأن علَّه يصل إلى معرفة الحقيقة, فأخبره البواب أن الفتاة التي حضرت إليه كانت تحمل في يدها كتابا, وأنه أخذها جانبا وأسر إليها حديثا لم يسمع منه شيئا، فازداد شكه وارتيابه وعاد إليه فوجده واقفا في مكانه
(3/123)

مذهولا يقلب كفيه, فلم يقل له شيئا وأخذ يدور بعينيه في أنحاء الغرفة ويقلب بيده الأوراق عله يعثر بذلك الكتاب الذي أخبر به البواب فلم يجده، فألقى نظره على السلة فرأى تلك المزق فجمعها فإذا هي الكتاب الذي يريده, فقرأه ثم ألقى على الرجل نظرة شزراء وقال له: إني أتهمك يا مسيو "كابريني" بأنك اختلست تلك الورقة وأرسلتها إلى زوجتك مع ابنتك لتبتاع بها الحلة الجميلة التي أعجبتها، فدهش الرجل دهشة شديدة وورد عليه من الأمر ما طار بلبه وأخذ عليه أنفاسه، فصمت لحظة وبعد لأي استطاع أن يقول له: نعم, إنها أرسلت إلي هذا الكتاب ولكنني لم أحفل به ولم أرسل إليها شيئا, بل رددتها ردا قبيحا لأنني رجل فقير لا أملك هذا المقدار، ولأنني رجل شريف لا أختلسه، فلم يحفل المسيو "لورين" بدفاعه ولم يرث لضراعته واسترحامه، ولم يلبث أن رفع أمره إلى النيابة, فما أتى آخر النهار حتى كان الرجل في السجن وكانت ابنته المسكينة في حال من الهم والحزن تستثير الأشجان وتستذرف العبرات، أما زوجته فلم يكن يهمها في ذلك الموقف شيء سوى السعي للحصول على ثمن الحلة الجميلة من طريق غير هذا الطريق.
لم ينفع الرجل دفاعه عن نفسه, ولا دفاع ابنته عنه, ولا شهادة الذين شهدوا بشرفه واستقامته من جيرانه وأصدقائه؛ لأن المحققين
(3/124)

لا يستطيعون أن يصدقوا أن رجلا عظيما سريا مثل المسيو "لورين" صاحب المصرف المشهور يكذب أو يلفق أو يخطئ في فراسته وتقديره، وأن رجلا فقيرا مقلا مثل المسيو "كابريني" يتعفف عن اختلاس المال الذي يقع تحت يده متى وجد السبيل إلى ذلك، وكثيرا ما ساقت أمثال هذه الأقيسة الفاسدة والنظرات الطائشة الحمقاء الأبرياء والأشراف إلى أعماق السجون, وقضت عليهم وعلى عائلاتهم القضاء الأخير كما قضت على هذا الرجل المسكين اليوم، فإن قاضي التحقيق لم يلبث أن سمع شهادة خصمه عليه وعرف قصة الكتاب الذي أرسلته إليه زوجته حتى اقتنع بإجرامه, وأحاله على محكمة الجنايات.
فاستطير عقل "إيلين" وجن جنونها, فلم تجد بدا من أن تذهب إلى المسيو "لورين" لتستعطفه لأبيها وتضرع إليه أن يساعدها على تبرئته، فذهبت إليه في منزله فاستأذنت عليه ثم دخلت, فدهش دهشة عظمى حين رأى أمامه فتاة رشيقة جميلة, بل هي آية من آيات الحسن والجمال لا عيب فيها إلا أنها نحيلة صفراء متضعضعة وقد يكون الضعف عند بعض الناس حلية من حلى الجمال، فافتتن بها حين رآها إلا أنه أخطأ في الحكم عليها كما أخطأ من قبل في الحكم على أبيها، فظن أنه يستطيع أن يستثمر لنفسه
(3/125)

ضرورتها وحاجتها، فأخذ يحدثها في الشأن الذي جاءت من أجله, ثم ذهب معها في الحديث مذاهب أخرى لم تفهم غرضه منها إلا بعد حين؛ لأنها لم تألف سماع مثلها قبل اليوم، فأخذ وجهها يربدّ شيئا فشيئا ثم انتفضت انتفاضة الليث في غيله وألقت عليه نظرة هائلة لو ألقتها على رجل غيره لصعق في مكانه, ولكنه كان رجلا وقاحا متبلدا فلم يحفل بنظرتها وتقدم نحوها وحاول أن يغلبها على أمرها فدافعت عن نفسها دفاعا شديدا حتى عجزت, فأرادت الفرار من بين يديه فاعترض طريقها فدارت بنظرها في أنحاء الغرفة تتلمس سبيلا إلى الخلاص, فوقع نظرها على مسدس كان فوق مائدته فاختطفته لتهدده به, فانطلقت منه رصاصة خطأ فأصابته في ذراعه فصرخ صرخة عظمى، وما هي إلا لحظات قلائل حتى قبض عليها وسِيقت إلى السجن بتهمة أنها دخلت على المسيو "لورين" في منزله لتسأله أن يساعدها على تبرئة والدها فلم يحفل بها, فأخرجت مسدسا كانت تخفيه في طي ردائها وأطلقته عليه تريد قتله, فلم تصبه إلا في ذراعه.
وقد كان في استطاعة المسيو "لورين" أن يعترف بالحقيقة التي يعرفها حق المعرفة فلم يفعل، ولو فعل لما ضره ذلك شيئا، وما هي إلا أيام قلائل حتى حكمت عليها محكمة الجنايات بالسجن خمس سنين، وكانت قد حكمت على أبيها قبل ذلك بالسجن عامين.
(3/126)

2- دخلت "إيلين" سجن النساء لتقضي فيه المدة المقررة لها, ووضعت في غرفة مع امرأة عجوز ساقطة قضت جزءا عظيما من حياتها في هذا المكان المظلم القاتم حتى ألفته, وجمدت نفسها عليه فلم تعد تحفل بشيء في هذا العالم ولا تفكر إلا في الساعة التي يقدم فيها إليها الطعام فتلتهمه التهاما بشره ولهفة وهي تضحك وتتغنى كأنما هي أبعد الناس عن الهموم والأحزان، فذعرت "إيلين" حين رأتها ذعرا شديدا وانسلت إلى زاوية من زوايا الغرفة فقبعت فيها واستسلمت لهمومها وأحزانها، ولم تدع قطرة من الدمع في عينيها إلا ذرفتها وأبت أن تتناول الطعام الذي قدمه إليها السجان فوضعه بين يديها وتركها وشأنها، فبكت ما شاء الله أن تفعل حتى هدأ بعض ما بها, فعمدت إلى كتاب صغير من كتب الأخلاق كانت لا تزال تحمله في جيبها ما تفارقه فأخرجته وأخذت تتلهى بتقليب صفحاته, فكان أول ما وقع نظرها عليه من كلماته هذه الكلمة: "العفو أشد أنواع الانتقام" فانتفضت عند قراءتها انتفاضا شديدا وعلق نظرها بها ما ينتقل عنها، وأخذت تراجع الحوادث التي مرت بها وتستعرضها واحدة بعد أخرى وتفكر في المظالم التي نالتها ونالت أباها, وما اقترفا ذنبا ولا
(3/127)

جنيا على أحد حتى أوردتْهما هذا المورد من الشقاء، فشعرت بدبيب الشر في نفسها للمرة الأولى في حياتها وظلت تقول في نفسها: إن الذين مرت على ألسنتهم أمثال هذه الكلمات إنما كانوا يعيشون في عصر غير هذا العصر وبين أناس غير هؤلاء الناس، ولو أنهم عاشوا بيننا لكان لهم في العالم وأهليه رأي غير هذا الرأي, ولما اجترءوا على المجازفة بتدوين هذه الأفكار في كتبهم؛ لأن العفو لا يكون انتقاما إلا من أصحاب الضمائر الطيبة الطاهرة التي يقلقها الذنب, ويخجلها العفو والتي تصدر عنها سيئاتها زلات وهفوات، أما الضمائر القاسية المتحجرة التي لا تعبأ بشيء ولا تخجل من شيء فلا يزيدها العفو والصفح إلا تمردا وطغيانا.
وإنها لذاهبة هذه المذاهب المختلفة من خواطرها وأفكارها إذ دنت منها جارتها العجوز تختلس الخطا إليها اختلاسا حتى وقفت وراءها ونظرت في الصفحة التي تنظر فيها, فوقع نظرها على تلك الكلمة التي كانت تنعم النظر فيها, فقهقهت ضاحكة بصوت عالٍ غريب, فارتعدت "إيلين" والتفتت وراءها صارخة: ماذا تريدين يا سيدتي؟ قالت: لا تخافي يا بنيتي ولا تراعي, فما أنا بمجنونة كما ظننت وكما يظن سكان هذه الدار, ولكنني رأيتك مستغرقة في هذا الكتاب لا ترفعين نظرك عنه فجئت لأقول لك: دعي الكتب
(3/128)

وشأنها, لا تحفلي بها ولا تعوّلي على شيء مما فيها؛ فإن أصحابها الذين وضعوها غرباء عن هذا العالم لا يفهمون من شئونه شيئا إلا كما نفهم نحن من شئون عالم الجن أو سكان المريخ، بل هم قوم معتوهون ممرورون قضوا أيام حياتهم في معتزلاتهم الخاصة المملة, التي لا توجد فيها نافذة واحدة تشرف على العالم وما فيه, فملوا وسئموا وأرادوا أن يروحوا عن أنفسهم ويتلهوا بما يسري عنهم مللهم وسآمتهم، فأخذوا يدونون هذه المبادئ التي انتزعوها من جوانب أدمغتهم، لا من طبيعة المجتمع الذي يحيط بهم، ويقررون الآراء التي يستحسنونها ويعجبون بها لا التي تتفق مع طبيعة الكون ومزاجه، فهم ينصحون المجرم أن يقلع عن إجرامه, ثم يخيل إليهم أنه قد أقلع ونزع فيطلبون إلى من أجرم إليه أن يعفو عنه قائلين له: "إن العفو أشد أنواع الانتقام" كأن الفضيلة عندهم هي الحالة الأساسية للنفوس، وكأن الإجرام عرض من أعراضها الطارئة عليها, لا تلبث أن تهب عليه نسمة من نسمات العظة والاعتبار حتى تذهب به، فما أسخف عقولهم وما أقصر أنظارهم وما أبعدهم عن فهم حقائق الحياة وطبائع النفوس، دعي الكتب يا بنيتي لا تنظري فيها، وانزعي عنك همومك وأحزانك، وكلي الطعام الذي
(3/129)

يقدم إليك هانئة مغتبطة, لا تلوي على شيء مما وراءك، فسيأتي قريبا أو بعيدا ذلك اليوم الذي يفتح لك فيه هذا الباب الموصد دونك, فتخرجين إلى الانتقام من الرجل الذي أساء إليك وساقك إلى هذا المكان, وتنالين منه فوق ما نال منك كما سأفعل أنا يوم خروجي بالرجل الذي ساءني وأفسد علي حياتي، فليس العفو أشد أنواع الانتقام كما يقولون بل الانتقام أعظم ملذات الحياة.
فهدأت نفس "إيلين" قليلا واستطاعت أن تتناول شيئا من الطعام الذي قدم إليها، إلا أنها كانت إذا جاء الليل رأت أباها في منامها يقاسي أنواع العذاب وصنوف الآلام في سجنه, فتصبح باكية نادبة لا يهون عليها آلامها بعض التهوين إلا ثرثرة تلك العجوز وهذيانها, حتى نامت ذات ليلة فرأته ميتا على سرير من أسرة مستشفى السجن تحيط بجثته شمعتان مشتعلتان, فاستيقظت فزعة مذعورة تبكي وتنتحب، وما هي إلا هنيهة حتى دخل عليها السجان يدعوها لمقابلة مدير السجن, فذهبت إليه فأبلغها أن أباها توفي الليلة في المستشفى؛ فصعقت صعقة كادت تذهب بنفسها، ثم استفاقت فإذا هي في غرفة سجنها وإذا هي أشد عباد الله بؤسا وأعظمهم شقاء.
(3/130)

3- قضت "إيلين" سنواتها الخمس في سجنها ثم خرجت ورفيقتها العجوز تشيعها إلى الباب وتقول لها: لا تنسي يا بنيتي أن تنتقمي من عدوك الذي أساء إليك وتنكلي به تنكيلا عظيما، وسأتبعك على الأثر عما قريب لأنتقم من عدوي مثلك، وهل لمثلي ومثلك في هذه الحياة الشقية البائسة لذة غير لذة الانتقام؟!
فودعتها وانصرفت لا تعلم أين تذهب, ولا أي طريق تسلك، بل لا تعلم أين تجد قوت يومها أو المضجع الذي تأوي إليه سواد ليلتها, فقد انقطعت صلتها بالعالم كله بعد موت أبويها, ووُسم جبينها بلقب "المجرمة" الذي خرجت به من سجنها.
ولم تزل سائرة ساعات طويلة حتى شعرت بالتعب وأحست بالجوع يعبث بأحشائها, فحدثتها نفسها بالانتحار فرارا من الألم وزهدا في الحياة, وظلت تترجح ساعة بين الأنس بهذا الخاطر والنفور منه حتى غلبها على أمرها, فأخذت طريقها إلى النهر وكانت الليلة داجية مكفهرة تلمع بروقها وتهطل غيومها وتدمدم رعودها وتعصف رياحها, فاستمرت أدراجها حتى إذا لم يبق بينها وبين النهر إلا بضع خطوات سمعت قعقعة مركبة مقبلة نحوها من
(3/131)

بعيد يمزق نور مصباحيها المشتعلين أحشاء الظلمات, فتريثت هنيهة في مكانها حتى مرت المركبة بها فإذا المسيو "لورين" جالسا بين بضع فتيات خليعات, يعابثهن ويداعبهن ويقهقه قهقهة عالية ترن في أجواء الفضاء, فاختبأت وراء شجرة حتى مر ثم برزت من مخبئها تحدث نفسها وتقول: ها هو المجرم سعيد في حياته, مغتبط بعيشة, يتقلب في أعطاف العيش الناعم لا ينغّص عليه عيشه منغص ولا يكدر حياته مكدر، وها أنا ذا البريئة الطاهرة التي لم ألوث يدي في حياتي بجريمة ولم أقترف بيني وبين ضميري إثما, أهيم في هذا الوادي الفسيح على وجهي لا أعرف لي ملجأ ولا مأوى، ولا أعرف سبيلا للعيش ولا مذهبا، ولو عرفت لما استطعت أن أنتفع بمعرفتي؛ لأنني مجرمة قاتلة، ومن ذا يأمن على نفسه أن يتصل بالقتلة المجرمين أو يعطف على بأسائهم وضرئهم؟!
لا لا، لا بد أن أعيش ولا بد أن أنتقم، وما دامت الشرائع الإلهية والقوانين الوضعية قد عجزت عن أن تنتصف للناس من الناس, فلينتصف الناس بأنفسهم لأنفسهم.
وانحدرت من طريق النهر إلى طريق المدينة, وقد ودعت في تلك اللحظة جميع خواطر الخير التي ملأت فضاء نفسها طول
(3/132)

بعيد يمزق نور مصباحيها المشتعلين أحشاء الظلمات, فتريثت هنيهة في مكانها حتى مرت المركبة بها فإذا المسيو "لورين" جالسا بين بضع فتيات خليعات, يعابثهن ويداعبهن ويقهقه قهقهة عالية ترن في أجواء الفضاء, فاختبأت وراء شجرة حتى مر ثم برزت من مخبئها تحدث نفسها وتقول: ها هو المجرم سعيد في حياته, مغتبط بعيشة, يتقلب في أعطاف العيش الناعم لا ينغّص عليه عيشه منغص ولا يكدر حياته مكدر، وها أنا ذا البريئة الطاهرة التي لم ألوث يدي في حياتي بجريمة ولم أقترف بيني وبين ضميري إثما, أهيم في هذا الوادي الفسيح على وجهي لا أعرف لي ملجأ ولا مأوى، ولا أعرف سبيلا للعيش ولا مذهبا، ولو عرفت لما استطعت أن أنتفع بمعرفتي؛ لأنني مجرمة قاتلة، ومن ذا يأمن على نفسه أن يتصل بالقتلة المجرمين أو يعطف على بأسائهم وضرئهم؟!
لا لا، لا بد أن أعيش ولا بد أن أنتقم، وما دامت الشرائع الإلهية والقوانين الوضعية قد عجزت عن أن تنتصف للناس من الناس, فلينتصف الناس بأنفسهم لأنفسهم.
وانحدرت من طريق النهر إلى طريق المدينة, وقد ودعت في تلك اللحظة جميع خواطر الخير التي ملأت فضاء نفسها طول
(3/133)

فإنها لجالسة ذات ليلة في مقصورة من مقاصير بعض الملاعب التمثيلية في جمع من أصدقائها المستهترين بها إذ وقع نظرها على خصمها المسيو "لورين" جالسا في المقصورة المقابلة لها مع إحدى خليلاته, فانتفضت حين رأته وثارت في نفسها ثائرة الغيظ والحنق, وظلت تردد النظر في وجهه طويلا فلمحها وهي تنظر إليه, فأعجبه منظرها البارع الجميل إلا أنه لم يعرفها؛ فقد تغير كل شيء فيها حتى ملامحها وشمائلها، فما انتهى الفصل الأول من الرواية حتى نهض من مكانه مسرعا وذهب يرود حول مقصورتها حتى التقى بأحد أصدقائه وأصدقائها في دهليز المقاصير فسأله عنها, فأخبره أنها السيدة "لوسي" المارسيلية, أجمل فتاة وفدت إلى باريس في هذا العام، فتوسل إليه أن يقدمه إليها ففعل فأحسنت ملتقاه, وقد أضمرت له في نفسها شر ما يضمر عدو لعدوه, وأقبلت عليه تحدثة وتلطف به وتمد له الحبالة التي اعتادت أن تمدها كل يوم لأمثاله، فما لبثت أن وقعت من نفسه وملكت عليه جميع مشاعره، ثم رُفع الستار فاستأذنها وعاد إلى مقصورته وقد حلت من قلبه محلا لم يحله أحد من قبلها.
وفي صباح اليوم الثاني أرسل إليها مع بعض رسله طاقة جميلة من الزهر, قد دس بين أوراقها عقدا بديعا من اللؤلؤ الثمين
(3/134)

فابتهجت به حين رأته, لا لأنها في حاجة إلى العقود والدمالج, بل لأنها علمت أنها قد وضعت يدها على الزمام الذي تقوده به إلى الهلاك، ثم زارها على الأثر وخر جاثيا تحت قدميها مقدما لها قلبه وحياته وكل ما تملك يده، أي: إنه جثا تحت قدمي تلك الفتاة المسكينة التي جثت تحت قدميه منذ سنوات تسأله أن يساعدها على فكاك أبيها من سجنه وتضرع إليه أن يغفر له ذنبه إليه إن كان يعتقد أنه مذنب فلم يفعل، ولو أنه فعل لابتاع بثمن قليل لا يوازي ربع ثمن العقد الذي يقدمه الآن إليها قلبا طاهرا نقيا لم تلوثه الذنوب والآثام ولم تعبث به الأهواء والشهوات, وعاش عيشا طاهرا شريفا مع خير الزوجات وأفضلهن خَلقا وخُلقا، ولكن هكذا قدر لهؤلاء القوم الضعفاء أن يضنوا بالنزر اليسير من أموالهم على ابتياع القلوب الشريفة الطاهرة، فإذا لوثتها الذنوب والآثام وأصبحت نهبا مقسما في أيدي الشهوات بذلوا في سبيل الوصول إليها جميع ما تملك أيديهم حتى شرفهم وحياتهم، فقد ابتاع المسيو "لورين" لخليلته الجديدة قصرا جميلا أثثه أثاثا حسنا ونزل على حكمها في كل ما تريد وتشتهي حتى أنفق عليها في عام واحد كل ما تملك يمينه، ثم اضطر أن يعبث بودائع الناس
(3/135)

المودعة في مصرفه, فمشى في ذلك المزلق المنحدر مدى بعيدا أشرف منه على الخطر العظيم.
وحدث أن فُتحت سوق للحسان في باريس وكانت "لوسي" إحدى النساء اللواتي وقع عليهن الاختيار لبيع الأزهار فيها، وكان تجار تلك السوق أجمل نساء باريس على الإطلاق، فجلست في حانوتها المعد لها وقد أمسكت بيدها زهرة جميلة تعرضها للبيع وتَعِد من يبتاعها منها أن يتناولها بفمه من فمها، فازدحم حولها كثير من الأغنياء يتزايدون في ثمن تلك الزهرة حتى برز رجل من بينهم اسمه "الكونت مارسيال" فعرض فيها خمسمائة فرانك، فقالت: لا أبيعها إلا بألف، فأمسك "الكونت" وأمسك الناس جميعا، وإنهم لكذلك إذ بالمسيو "لورين" يتقدم بهدوء وسكون وفي يده ورقة بألف فرنك فوضعها بين يدي "لوسي" وقال لها: لا يبتاع منك زهرتك يا سيدتي أحد سواي، فوضعتها بين ثناياها فتناولها منها بفمه بأسلوب رقيق حسده عليه مزاحموه جميعا وخاصة "الكونت مارسيال"، فقد انصرف من موقفه هذا وهو يقول: ما رأيت في حياتي صاحب مصرف يذهب في حياته هذا المذهب من البذخ والإسراف, ويبعثر المال بلا حيطة ولا حذر كهذا الرجل، وما أحسب أن ثروته الخاصة تتسع لكل هذا, فلا بد أن يكون لصا دنيئا يسرق ودائع الناس ويبددها، فويل
(3/136)

للمساهمين في مصرفه ورحمة الله على أموالهم جميعا، وكان يتكلم بصوت عالٍ يسمعه الناس جميعهم، وليس بين الأحاديث حديث أسير ولا أذيع من حدوث السوء، فمشت كلماته في المجتمعات العامة والخاصة فاضطرب لها المساهمون وأصحاب الودائع اضطرابا عظيما, ووصل الخبر إلى أعضاء مجلس إدارة المصرف فهالهم الأمر, وأشفقوا على سمعة مصرفهم أن تنال منها هذه الأراجيف فيسقط سقطة لا قيام له من بعدها, فقرروا الاجتماع في يوم معين لمراجعة حسابه وتفقد أمواله، فلما علم ذلك المسيو "لورين" أخذ يزوّر في السندات, ويعبث بدفاتر الحساب طلبا للخلاص من التبعة فلم يجده ذلك شيئا، فقد فهم مجلس الإدارة كل شيء فلم ير بدا من أن يرفع الأمر إلى القضاء ففعل والمسيو "لورين" مستغرق في شهواته ولذاته جاثٍ ليله ونهاره تحت قدمي خليلته لا يشعر بشيء مما يجري حوله, لولا أن أحد أصدقائه من المحامين وقف على الخبر فزاره في منزله ليخبره به فلم يجده, فذهب إلى منزل "لوسي" فوجده فأخبره أن الأمر قد صدر بالقبض عليه, وأنه إن لم يبادر بالسفر في الحال فقد هلك إلى الأبد، فأشار إلى "لوسي" أن تعد له حقيبة ملابسه وأن تهيئ نفسها للسفر معه وهو أعظم الناس ثقة بها وبحبها وإخلاصها، فتظاهرت بالإذعان لأمره والرثاء
(3/137)

لحاله ولكنها لم تلبث أن خرجت من الغرفة حتى هرعت إلى غرفة "التليفون" وبلّغت رئيس الشرطة خبر عزمه على الهرب وأشارت عليه بإرسال من يقبض عليه في الحال، ثم أمرت الخدم بغلق الأبواب والوقوف في وجهه إن أراد الفرار، ثم عادت إليه فسألها هل أعدت كل شيء؟ فنظرت إليه نظرة غريبة لم يفهم معناها, ثم انفجرت ضاحكة بصوت عالٍ فدهش وسألها ما بالها؟ فقالت: لا شيء سوى أنك ستبقى سجينا هنا حتى يأتي رئيس الشرطة للقبض عليك، ثم ألقت عليه نظرة مخيفة هائلة فعجب لأمرها ولم يعلم أمازحة هي أم نزل بها عارض من عوارض الجنون، ونهض من مكانه مسرعا ودنا منها وقال لها: ماذا عرض لك يا "لوسي" فقد طلبت إليك أن تهيئي نفسك للسفر معي, فهل فعلت؟ فقد أزف الوقت ولسنا الآن في موقف مزاح، وأخاف أن تفاجئنا الشرطة الساعة فتفوت الفرصة، فضحكت ضحكة أخرى وقالت: قد بلغتُ رئيس الشرطة أنك عازم على السفر وأشرت عليه أن يبادر بإرسال الجنود إليك، وقد أمرت الخدم بغلق الأبواب دونك حتى لا تتمكن من الهرب قبل حضورهم، فجُن جنونه وقد بدأ الريب يدب في نفسه وإن لم يفهم لما يرى سببا, فركض إلى الباب ليتحقق الأمر بنفسه فوجده مغلقا, فأمرها أن تفتحه
(3/138)

فأبت, فهجم عليها هجمة شديدة وهو يصيح: أين المفتاح أيتها العاهر؟ فقالت: أتريد أن تقتلني كما قتلت أبي بالأمس؟ فلم يفهم معنى كلمتها ووقف في مكانه ذاهلا يقول لها: لم أفهم من أمرك شيئا, ماذا تريدين؟ ومن هو أبوك؟ قالت: هو المسيو "كابريني" وكيل مصرفك بالأمس الذي اتهمته ظلما وعدوانا بالسرقة وأنت تعلم أنه رجل شريف مستقيم, لو علم أن شرب الماء يفسد مروءته ما شربه, فكانت نهاية أمره أن مات في سجنه ميتة الأشقياء البؤساء, لا يعوده من أهله عائد، ولا يحتضنه إلى صدره في ساعته الأخيرة محتضن، ولا يوجد بجانب مضجعه من يسمع منه آخر كلماته.
فاصفر وجه "لورين" وظل جسمه يرتعد ارتعادا شديدا, وأخذ يحدق النظر في وجهها ويتراجع شيئا فشيئا ويقول بصوت مضطرب متقطع: إذن أنت لستِ ... فقاطعته وقالت: نعم لست حبيبتك "لوسي" كما تعتقد, بل عدوتك "إيلين" التي تريد أن تنتقم منك لفجيعتها في أبيها وفي نفسها، أنا "إيلين" التي جثت تحت قدميك منذ ستة أعوام تسألك أن ترحم أباها وترحمها فأبيت إلا أن تساومها في عرضها, فلما ضنت به عليك أردت النكاية بها فاتهمتها بتهمة القتل كذبا وافتراء كما صنعت بأبيها من
(3/139)

قبلها فصدق القضاة الأغبياء دعواك, فحكموا عليها بالسجن خمس سنوات كابدتْ فيها من صنوف العذاب وأنواع الآلام ما لا يستطيع أن يحتمله بشر، ثم خرجتْ من سجنها مصفِرة اليد من كل شيء في العالم، من بيتها وأهلها وكرامتها وشرفها وكل ما تملك يدها، حتى من القوت الذي تقيم به صلبها بياض يومها وسواد ليلها، وكان لا بد لها من المغامرة بنفسها في إحدى الهوتين، إما هوة الموت لترتاح من هموم الحياة وآلامها، أو هوة الفساد لتنتقم لنفسها من عدوها الذي نكبها وأفسد عليها حياتها، فآثرت الانتقام على الموت؛ لأن نفسها الطاهرة الطيبة قد استحالت إلى نفس شريرة حاقدة لا تريد أن تسمح لعدوها أن يبني سعادته على أنقاض شقائها, وأن يفلت من العقوبة التي هي النتيجة الطبيعية لجميع الذنوب والآثام، وها هي قد انتقمت لنفسها وروحت عنها همومها وآلامها.
فنكس رأسه مليا ثم رفعه وقال: إذًا ما أحببتني قط يا "لوسي"؟ قالت: نعم، بل ما اتصلت بك إلا لأسوقك إلى هذا المصير الذي صرت إليه اليوم، أنت الآن متألم جدا، بل لا يوجد في العالم كله ألم مثل الألم الذي يعتلج في أعماق نفسك؛ لأنك فقدت في يوم واحد شرفك وكرامتك ومالك وحريتك وموضوع حبك ووجهة آمالك في حياتك، وهذا ما كنت أريده وأرجوه، وهذه
(3/140)

هي الساعة الوحيدة التي شعرت فيها بلذة العيش, وهنائه من بين جميع ساعات حياتي.
فنظر إليها نظرة متضعضعة دامعة وقال: ما كنت لأحفل بخسران شيء في الحياة لو أنني ربحتك يا "لوسي" أما وقد أصبحت يدي صِفرا منك فلا خير في العيش من بعدك، ثم تهافت على مقعد بجانبه وانفجر باكيا ما تهدأ دموعه ولا يفتر نشيجه حتى حضر الجند فاعتقلوه وساقوه إلى سجنه, وهو صامت واجم لا يرفع طرفه ولا يلتفت وراءه, و"إيلين" تشيعه بنظرات السرور والاغتباط حتى انقطع أثره.
5- نعم, إن الانتقام لذيذ جدا كما يقولون، ولكنه اللذة التي يعقبها الندم والأسف وتأتي على أثرها الحسرات والآلام، وما استطاع منتقم قط أن يزن عمله بميزان العدل والحكمة فتهدأ نفسه ويستريح ضميره بعد فراغه من انتقامه كما تهدأ نفس القاضي العادل بعد صدور حكمه بالعقوبة التي يراها، والفرق بينهما أن القاضي يصدر في رأيه عن نفس هادئة مطمئنة مستمسكة قادرة على الروية والأناة والمقارنة والمقابلة والوزن والتقدير، والمنتقم
(3/141)

يصدر في عمله عن روح هائجة محتدمة لا هم لها إلا أن تلتهم وتستأصل وتأتي على كل ما تستطيع الإتيان عليه، فهو يقضي قضاءه لا ليعاقب المجرم على جريمته، ولا ليدفع عن المجتمع شروره وآثامه، بل ليجرح نفسه ويؤلمها وينال منها أقصى ما يرى أنه كافٍ لشفاء حقده وإطفاء غلته، فيجازي على الشتم بالضرب، وعلى الضرب بالقتل، وعلى القتل بالتشويه والتمثيل، ولا يأبى أن يأخذ البريء بذنب المجرم، والجار بذنب الجار، فالانتقام جريمة كيفما كان الباعث عليه والدافع له، وكل جريمة تترك في نفس صاحبها نصيبا من الألم والحسرة بمقدارها، ما من ذلك بد، ولقد صدق الذي يقول: إن العفو مرارة ساعة ثم السعادة إلى الأبد، وإن الانتقام لذة ساعة ثم الشقاء الدائم الذي لا يفنى.
عادت "إيلين" إلى غرفتها بعد ذهاب "لورين" وكان الليل قد أظلها, فجلست تراجع فهرس حياتها الماضية وتقلب صفحاتها صفحة صفحة, فشعرت بدبيب السآمة والملل في نفسها, وخيل إليها أنها ستعيش بعد اليوم عيشة تافهة مملولة لا طعم لها ولا لذة فيها، ورأت كأن سحابة سوداء من شقاء الحياة وبؤسها تدنو منها شيئا فشيئا، وأخذت تسائل نفسها: هل أصابت فيما فعلت أم أخطأت؟ وهل سعدت بالانتقام أم شقيت؟ وهل كان خيرا لها أن تلقي
(3/142)

بنفسها في عباب الماء عندما فكرت في ذلك يوم خروجها من سجنها, أم تعيش لتضحي عرضها وشرفها وكرامتها في سبيل انتقامها؟ وهل خرجت من المعركة التي خاضتها ظافرة تمام الظفر, أم نالها من الخسران فيها ما يذهب ببهاء ذلك الانتصار الذي انتصرته؟
ولم تزل تسائل نفسها هذه الأسئلة فلا تسمع جوابا يرضيها حتى مضى الليل إلا أقله, فحاولت أن تأوي إلى مضجعها فلم تستطع وأن تسري عن نفسها بعض همومها فأعجزها ما أرادت، فلم تنقض دولة الظلام حتى كانت قد حكمت بنفسها على نفسها أنها مجرمة آثمة، وأنها لم تستفد شيئا من كل ما عملت سوى أنها باعت عرضها بأبخس الأثمان وأدناها، وأنها لم تسئ إلى الرجل الذي أرادت الانتقام منه بقدر ما أساءت إلى نفسها، فعزمت على الالتحاق بأحد المستشفيات الخيرية لتكفر عن ذنبها بخدمة المرضى, ومواساتهم طول حياتها حتى يوافيها أجلها.
6- دخلت المستشفى وأخلصت إلى الله في عملها, فسهرت على المرضى وأحسنت مواساتهم وبذلت في ذلك من الجهد ما يعجز
(3/143)

غيرها عنه, حتى أصبحت مضرب المثل في صلاحها وتقواها ورحمتها وإحسانها.
وكانت المحكمة قد حكمت على المسيو "لورين" بالسجن عامين, فلقي في سجنه من المتاعب والآلام ما لا طاقة لمثله باحتماله, فسقط مريضا لا يحفل به أحد ولا يواسيه مواسٍ حتى اشتد به المرض وأشرف على الهلاك, فنقلوه إلى المستشفى التي كانت تمرض فيها "إيلين" فعرفته حين رأته رغم تغير صورته واستحالة حالته, فلم تستطع أن تملك عينيها من البكاء ثم حنت عليه وأخذت نفسها بتمريضه والعناية به, وهو ذاهل مستغرق لا يشعر بشيء مما حوله حتى استفاق في بعض الأيام, فرآها واقفة بجانب سريره تمد إليه يدها بالدواء, فظل يحدق النظر في وجهها طويلا حتى عرفها فتناهض من مكانه, وأكب على يدها يقبلها ويسألها العفو عن ذنبه إليها, فازداد نشيجها وبكاؤها وقالت له: إنني أنا التي أسأت إليك وأنا التي أطلب منك العفو والصفح، وكأن حياتها الجديدة التي انتقلت إليها حياة الصلاح والبر قد أنستها حياتها الأولى وأكاذيبها وأباطيلها, فلم يبق في قلبها أثر للبغض ولا للحقد، وأصبحت سريرتها سريرة بيضاء نقية لا تجول فيها غير خواطر الخير والإحسان, ولا تنطوي على غير حب الإنسانية وحب الله.
(3/144)

وكذلك ظلت تعالج هذا المسكين بإخلاص لا تضمر مثله الأم لواحدها وتقوم على خدمته ليلها ونهارها, ما تهدأ ولا تفتر, ولكن الداء كان قد تمكن منه فلم يغن عنه العلاج شيئا، وما هي إلا أيام قلائل حتى حضره الموت فجلست بجانبه تعزيه وتواسيه وتلقي في نفسه أن الله قد غفر له جميع سيئاته في حياته بما كابد فيها من العلل والأسقام والهموم والآلام، وأن جوار الله في دار جزائه خير له من جوار هذه الحياة الباطلة الفانية, حتى أسلم روحه بين ذراعيها.
وفي صباح اليوم الثاني رآها الناس سائرة بهدوء وسكون في طريق الدير, وقد لبست مسوحها وسوادها وعلقت صليبها على صدرها حتى بلغته, ففُتح بين يديها بابه العظيم الذي لا يخرج منه داخله إلى الأبد فدخلته, وكان ذلك آخر عهدها بالعالم وما فيه.
(3/145)

الخطبة الصامتة:
لما بلغ أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير نعي أخيه مصعب بن الزبير أمير العراق, صعد المنبر فجلس عليه ثم سكت فجعل لونه يحمر مرة ويصفر أخرى, فقال رجل من قريش لآخر بجانبه: ما له لا يتكلم, فوالله إنه للخطيب اللبيب؟! فقال له الرجل: لعله يريد أن يذكر مقتل سيد العرب فيشتد ذلك عليه, وغير ملوم إن جزع.
ووقف ليلة أمس سعد باشا زغلول في حفلة تأبين أخيه فتحي باشا زغلول وأراد أن يقول كلمة قصيرة يشكر فيها القائمين بتلك الحفلة, فاختنق بالبكاء وارتُج عليه وهو الرجل الجلد الشجاع الذي ما جزع في حياته قط, والخطيب المفوه الذي ما ارتُج عليه مرة في أصعب المواقف وأحرجها وأذهبها بالعقول والألباب، فما أشبه هذا البطل الباكي بذلك البطل الجازع.
وكذلك عظماء الرجال يضنون بدموعهم على نكبات الدهر وأرزائه أنفة وإباء, حتى إذا نزلت بهم كارثة من الكوارث التي
(3/146)

لا أمر فيها إلا لله وحده, لا يستحيون أن يقفوا بين يديه باذلين من شئونهم ما كانوا يضنون به من قبل.
على أن البكاء الذي حال بين سعد باشا وبين كلمته التي أرادها لم يحل بينه وبين أن يكون أفصح القائلين في ذلك الموقف وأنطقهم، فقد خطب الخطباء وأنشد الشعراء من قبله ساعتين كاملتين فكان كل ما كان لكلماتهم من الأثر في النفوس أن كان السامعون يتهامسون فيما بينهم بالإعجاب بفصاحة الفصيح أو نباهة المؤرخ أو بلاغة الشاعر أو إبداع المبدع في معانيه أو إحسان المحسن في إلقائه, حتى وقف هو وأرسل من جفنيه تلك الدمعة الحارة, فبكى الناس جميعا لبكائه؛ كبارا وصغارا, شيوخا وشبانا, وكان مشهدا مؤثرا لم نر مثله في حفلة تأبين قبل اليوم، فكان لتلك الخطبة القصيرة الصامتة المتفجرة من قلب مصدوع مكلوم من الأثر في النفوس ما لم يكن لتلك الخطب الناطقة الطوال.
ليس الذي يبكي صديقا كان يأنس بحديثة, أو عالما كان ينتفع بعلمه, أو كريما كان يستظل بظلال مروءته وكرمه كمثل الذي يبكي شظية طارت من شظايا قلبه.
(3/147)

اللفظ والمعنى:
لم أر فيما رأيت من الآراء في قديم الأدب وحديثه أغرب من رأي أولئك القوم الذين يفرقون في أحكامهم بين اللفظ والمعنى، ويصفون كلا منهما بصفة تختلف عن صفة الآخر، فيقولون: ما أجمل أسلوب هذه القصيدة لولا أن معانيها ساقطة مرذولة، أو ما أبدع معاني هذه القطعة لولا أن أسلوبها قبيح مضطرب، كأنما يخيل إليهم أن اللفظ وعاء, وأن المعنى سائل من السوائل يملأ ذلك الوعاء، فتارة يكون خمرا، وتارة يكون خلا، ويكون حينا صافيا، وأخرى كدرا، والوعاء باقٍ على صورته لا يتغير، وما علموا أنهما متحدان ممتزجان امتزاج الشمس بشعاعها والخمر بنشوتها، فكما لا يجوز أن نقول: ما أجمل الشمس وأقبح شعاعها، ولا ما أعذب الخمرة وأمر نشوتها، كذلك لا يجوز أن نصف اللفظ بالجمال والمعنى بالقبح، أو نعكس ذلك، فليعلم الناشئ المتأدب أنه ليس للفظ كيان مستقل بنفسه، فجماله جمال معناه وقبحه قبحه، وأن القطع الأدبية التي نصف أسلوبها بالجمال إنما
(3/148)

نصف بذلك معانيها وأغراضها، وأن الذين يزعمون من الشعراء أو الكتاب أن أساليبهم الغامضة الركيكة المضطربة تشتمل على معانٍ شريفة عالية كاذبون في زعمهم, أو واهمون.
لا يضطرب اللفظ إلا لأن معناه مضطرب في نفس صاحبه، ولا يغمض إلا لأن معناه غامض في نفسه، ومحال أن يعجز الفاهم عن الإفهام، ولا المتأثر عن التأثير، ولا المقتنع عن الإقناع، وما البيان إلا المرآة التي ترتسم فيها صورة النفس، فحيث تكون النفس جميلة فهو جميل، أو قبيحة فهو قبيح، أو مضيئة فهو مضيء، أو مظلمة فهو مظلم، فإذا استطعنا أن نتصور مرآة تكذب في تمثيل الصورة الماثلة أمامها، استطعنا أن نتصور بيانا يختلف في وصفه عن وصف نفس صاحبه.
يقول القائلون بمذهب التفريق بين اللفظ والمعنى عن مثل هذه القطعة:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على حدب المهارَى رحالنا ... ولم يعلم الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح
(3/149)

إنها جميلة الأسلوب ولكنها تافهة المعنى مرذولته, لا تشتمل على أكثر من الوصف والتصوير, كأنهم لا يعلمون أن التصوير نفسه من أجمل المعاني وأبدعها، بل هو رأس المعاني وسيدها والغاية الأخيرة منها، وقد رسم الشاعر في كلمته هذه صورة واضحة ناطقة للحجيج في حلهم, ومرتحلهم يسمعها السامع بأذنه وكأنه يراها بعينيه، فقد أتى بأجمل المعاني في أجمل الأساليب.
وإن وصفا قصيرا لحركة صغيرة من حركات النفس كقول الشريف:
وتلفتتْ عيني فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب
لخير ألف مرة من قصيدة طويلة مملوءة بالمعاني الغريبة والخواطر المبتكرة التي لا تمثل الحقيقة, ولا تلتئم مع النفس ومزاجها كقصيدة المتنبي التي مطلعها:
"أيطمع في الخيمة العذل".
ويقولون أيضا عن هذا البيت:
أنى يكون أبا البرية آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد
إنه قبيح اللفظ ولكنه جميل المعنى، وهم واهمون فيما يقولون؛ فإن ذلك المعنى الجميل الذي يتوهمونه ليس معنى هذا البيت، بل المعنى الذي خطر على أذهانهم وانبعث في أفئدتهم عند سماعه، فألصقوه به إلصاقا وتوهموه له توهما، أما البيت نفسه فلا معنى له
(3/150)

مطلقا، وهذا شأن جميع المعاني التي يتوهمها متوهموها عند سماع بيت مستغلق أو كلمة غامضة، فهي بأن تكون معاني السامعين، أولى من أن تكون معاني القائلين.
إذا سمعت بيتا من السعر فأطربك أو أحزنك أو أقنعك أو أرضاك أو هاجك وأنت ساكن، أو هدأ روعك وأنت ثائر، أو ترك أي أثر من الآثار في نفسك كما تترك النغمة الموسيقية أثرها في نفس سامعها، فاعلم أنه من بيوت المعاني، وأن هذا الذي تركه في نفسك من الأثر هو روحه ومعناه، وإن مررت ببيت آخر فاستغلق عليك فهمه وثقل عليك ظله وشعرت بجمود نفسك أمامه, وخيل إليك أنك بين يدي جثة هامدة لا روح فيها, فاعلم أنه لا معنى له ولا حياة فيه، فإن وجدت صاحبه واقفا بجانبه يحاول أن يوسوس لك أن وراء هذه الظلمة الحالكة المتكاثفة نورا متوهجا يكمن في طياتها فكذبه وفر بنفسك وأدبك وذوقك منه فرارا لا عودة لك من بعده.
هذا هو الميزان الذي يجب أن تزن به الكلام، ونصيحتي إليك ألا تصدق تعريفا واحدا من تلك التعريفات المتعددة المتناقضة التي يضعها واضعوها من الأدباء لأشعارهم خاصة لا للشعر عامة، واجعل شعور نفسك هو الميزان الذي تزن به ما تسمع،
(3/151)

فكما أنك لا تعتمد على تعريف من تعريفات الجمال ولا تلجأ إلى قانون من قوانينه عند وقوع نظرك على وجه امرأة لمعرفة درجتها من الحسن، كذلك لا تعتمد في استحسان ما تستحسن من الكلام واستهجان ما تستهجن إلا على شعور نفسك, وإلهام حسك.
الشعر نغمة موسيقية قبل كل شيء, ثم يأتي بعد ذلك جمال الوصف وحسن التصوير وتمثيل الحقيقة واستخراج أسرار الكون وتحليل مشاعر النفس وأمثال ذلك من الأغراض والمقاصد على أن تكون تلك النغمة الموسيقية أساسها والروح السارية فيها ليتحقق الفرق بين الشعر والفلسفة، فالفلسفة غذاء العقل برزانتها وهدوئها وحججها وبراهينها، والشعر غذاء النفس برناته ونغماته وأهازيجه ونبراته.
نظم الشعراء الشعر من عهد الجاهلية إلى اليوم فمات جميع ما نظموا, ولم يبق منه إلا البيت الموسيقي الرنان الذي لو لم يغنه مغنيه لغنى وحده، وسيموت شعر جميع الشعراء في هذا العصر ولا يبقى منه في المستقبل إلا كما بقي من الماضي في الحاضر.
(3/152)

الآداب العامة:
يتحدث كثير من الناس عن فئة من المصريين المتعلمين قد ظهروا في هذه الأيام واتخذوا لأنفسهم في حياتهم العامة طريقا غير الطريق اللائقة بهم وبكرامتهم وبمنزلة العلم وشرفه, فأصبحوا متبذلين في شهواتهم، مستهترين في ميولهم، ينتهكون حرمات الأعراض ما شاءوا وشاءت لهم نزعاتهم وأهواؤهم، ويعبثون بها في كل مكان عبث الفاتك الجريء الذي لا يخاف مغبة ولا يخشى عارا، وأهول ما يتحدثون به عنهم في هذا الشأن أنهم يغرون الفتيات الطالبات اللواتي لا يزلن يختلفن إلى مدارسهن أو اللواتي انقطعن عنها منذ عهد قريب إلى منازلهن, وينصبون لهن صنوف الحبائل وأنواع الأشراك لاصطيادهن وإسقاطهن في هوة الإثم والعار، وهذا ما أريد أن أتكلم عنه قليلا.
أصحيح ما يقولون عنكم أيها الفتيان التعسون, أنكم تتخذون صلة العلم التي هي أشرف الصلات وأكرمها صلة فساد بينكم وبين أولئك الفتيات الضعيفات، وأن الحبالة التي تنصبونها لهن
(3/153)

لاصطيادهن إنما هي حبالة القلم الذي هو أفضل أداة للخير, وأعظم وسيلة للفضيلة, وخير واسطة للأدب والكمال؟
أصحيح ما يقولون عنكم, أنكم تكتبون إليهن ليكتبن إليكم, وتهدون إليهن صوركم ليهدين إليكم مثلها, فإذا امتلأت حقائبكم وجيوبكم بصورهن ورسائلهن أخذتم تنشرونها في كل مكان, وتعرضونها في كل معرض, وأخذ بعضكم يفاخر بعضا بكثرة ما يملك منها أو جماله أو رونقه كما يفخر المرء بأفضل المزايا وأشرف الخصال؟
أصحيح أنكم تقفون لهن بكل طريق وتأخذون عليهن كل سبيل وتضايقونهن في مغداهن ومراحهن وحيث ذهبن إلى عمل، أو خرجن لزيارة، أو برزن في مجتمع، فإذا عجزتم عنهن في الطريق أرسلتم وراءهن الرسل في منازلهن يخادعنهن ويخاتلنهن، وربما توسلتم إليهن بأخواتكم وبنات أعمامكم ليسفرن بينكم وبينهن ويداخلنهن مداخلة الأصدقاء حتى يجتذبنهن إلى منازلكم؟
أصحيح أنكم تقضون أكثر لياليكم مكبين على كتابة رسائل الغرام وتهذيبها وتنقيحها, وأكثر أيامكم حوما حول المنازل تنتظرون خدمها الذين اصطنعتموهم لأنفسكم ليحملوا رسائلكم إلى ساكنيها, أو جلوسا على أبوابها بجانب البوابين والحوذيين ترقبون
(3/154)

نوافذها وكواها علّها تنفرج لكم عمن تحبون؟
أصحيح أنكم أصبحتم لا تقنعون في أمر أولئك الفتيات البائسات اللواتي يقعن في مخالبكم بإفساد أخلاقهن حتى تسجلوا عليهن ذلك الفساد تسجيلا موقعا عليه بتوقيعاتهن, مستشهدا عليه بصورهن وخطوطهن لتملكوا عليهن أمرهن بعد ذلك, وتحولوا بينهن وبين التفلت من أيديكم والحياة بعيدا عنكم في جو غير جوكم, وجوار غير جواركم, عذارى أو متزوجات؟
أصحيح أنكم لا تكتفون بإفساد نفوسهن وضمائرهن حتى تفسدوا عليهن عقولهن وصحتهن, فتشركوهن معكم في شرب الخمر وتناول المخدرات سائلها وجامدها, فلا تلبث أن تنتهي حياتهن بما تنتهي به حياة جميع النساء الساقطات اللواتي يلفظن أنفاسهن الأخيرة في أقبية الحانات, أو بين جدران المواخير؟
أصحيح أنكم فقدتم في تلك السبيل التي تسلكونها خلق الرجولة والشهامة, فأصبحتم تتجملون للنساء بأخلاق النساء وتزدلفون إليهن بمثل صفاتهن وشمائلهن, وأصبح الرجل منكم لا هم له في حياته إلا أن يتجمل في ملبسه ويتكسر في مشيته ويرقق من صوته ويلون ابتساماته ونظراته بألوان التضعضع والفتور, ويقضي الساعات الطوال أمام مرآته متعهدا شعره
(3/155)

بالترجيل وبشرته بالتنضير وثناياه بالصقل والجلاء حتى صار ذلك عادة من عاداتكم التي لا تنفك عنكم, وحتى سرى التأنث من أجسامكم إلى نفوسكم فلم يبق فيكم من صفات الرجولة وأخلاقها غير الأسماء والألقاب؟
إن كان حقا ما يقولون كله أو بعضه, فرحمة الله عليكم أيها الفتيان المساكين وسلام على الفضيلة والشرف سلام من لا يرجو عودة, ولا ينتظر إيابا.
إن هذه الفتاة التي تحتقرونها اليوم وتزدرونها, وتعبثون ما شئتم بنفسها وضميرها إنما هي في الغد أم أولادكم وعماد منازلكم ومستودع أعراضكم ومروءاتكم، فانظروا كيف يكون شأنكم معها غدا وكيف يكون مستقبل أولادكم على يدها.
أين تجدون الزوجات الصالحات في مستقبل حياتكم إن أنتم أفسدتم الفتيات اليوم؟ وفي أي جو يعيش أولادكم ويستنشقون نسمات الحياة الطاهرة إن أنتم لوثتم الأجواء جميعها وملأتموها سموما وأكدارا؟
لا تتكون أخلاق الفتاة تكونا صحيحا في طفولتها أو كهولتها أو شيخوختها، بل في عهد شبابها، فإذا سلم لها ذلك العهد سلم لها كل عهد بعد ذلك، فدعوها تجتز هذه المرحلة الوعرة من مراحل
(3/156)

حياتها شريفة طاهرة, تجدوا فيها بعد قليل من الزمان خير زوجة للزوج, وخير أم للولد, وخير سيدة للمنزل.
لا تعجلوا عليها, وانتظروا بها قليلا لتستطيعوا أن تجدوها غدا زوجة طاهرة شريفة في منازلكم بدلا من أن تجدوها فتاة ساقطة مزدراة مطرحة على أعتاب المواخير والحانات.
لا تزعموا بعد اليوم أنكم عاجزون عن العثور بزوجات صالحات شريفات يحفظن لكم أعراضكم, ويحرسن سعادتكم وسعادة منازلكم, فتلك جناية أنفسكم عليكم، وثمرة ما غرست أيديكم، ولو أنكم حفظتم لهن ماضيهن لحفظن لكم حاضركم ومستقبلكم، ولكنكم أفسدتموهن وقتلتم نفوسهن، ففقدتموهن عند حاجتكم إليهن.
إنني لا أفزع في أمركم إلى القانون؛ فالقانون في هذا البلد مدني لا أدبي، ولا إلى الحكومة؛ فالحكومة مشغولة بشأن نفسها عن شأن غيرها، ولا إلى الدين فقد ضعف شأنه في نفوسكم حتى هان أمره عليكم، ولا إلى آبائكم وأولياء أموركم؛ فقد عجزوا عنكم وأصبحوا يبكون مع الباكين عليكم، بل أفزع في أمركم إلى ضمائركم التي هي الأمل الباقي لنا بعد فقد جميع آمالنا فيكم، فأصغوا إلى صوتها ساعة تسمعوا منها هذا الرجاء الذي نرفعه إليكم،
(3/157)

وصوت الضمير أقوى من كل صوت في العالم.
أصغوا إليه تسمعوه يقول لكم: "إن هؤلاء الفتيات اللواتي لا تستحيون أن تمدوا إليهن أعينكم وأيديكم إنما هن أخواتكم الحميمات يجمعكم وإياهن أب واحد وهو النيل, وأم واحدة وهي البلد، وشرف الإخوة هو الملجأ الأمين لأعراض الأخوات".
يجب أن ينفتح قلب الفتاة لأحد من الناس قبل أن ينفتح لزوجها؛ لتستطيع أن تعيش معه سعيدة هانئة لا ينغصها ذكرى الماضي, ولا تختلط في مخيلتها الصور والألوان, ولا أعرف فتاة في هذا البلد بدأت حياتها بغرام قط, فاستطاعت أن تتمتع بعده بحب شريف.
ولا أزال أذكر حتى اليوم حادثة ذلك الفتى الذي أهدت إليه حبيبته رسمها موقعا عليه بتوقيعها, فلما تزوجت وكان لا يحب منها ذلك أراد الانتقام منها فقطع رأس الصورة ووضعها على جسم عار بتلك الطريقة الفنية المعروفة ثم أرسلها مع كتاب وشاية إلى زوجها ليلة عرسها, فما لبثت أن خسرت في لحظة واحدة سمعتها وسعادتها.
وحدثني من أثق به أن كثيرا من الفتيات الفاسدات لا يتزوجن إلا بعد أن يأخذن على أنفسهن عهدا أمام أصدقائهن على
(3/158)

أن يكن لهم بعد الزواج، أي: بعد أن يصبحن مطلقات من قيود العذرة وروابطها، وقلما تتزوج فتاة ذات صلات فاسدة من رجل إلا وردت عليه ليلة البناء بها أو صبيحتها كتب الوشاية بها والسعاية من الأشخاص الذين أحبتهم, وأخلصت إليهم, فانتهى أمرها في حياتها الجديدة بالشقاء والعار.
نحن في حاجة إلى أن نعلم بناتنا؛ لأننا لا نريد أن يعشن جاهلات متأخرات، فتنحوا عن طريقهن أيها الغواة المفسدون ليستطعن أن يختلفن إلى مدارسهن آمنات مطمئنات على أنفسهن وأعراضهن، ولا تزعجوهن بفضولكم وإسفافكم؛ فإننا لم نبعث بهن في تلك السبيل ليفسدن شرفهن وعفتهن، بل ليضفن إلى فضيلة الأدب والكمال فضيلة العقل والعلم.
أفسحوا الطريق لهن وللعاملة الخارجة في طلب رزقها، والأرملة المسترزقة لبنيها، والفقيرة العاجزة عن قضاء حاجتها إلا بنفسها، والذاهبة لصلة رحمها، والسائرة لزيارة قبر فقيدها، ولا تكونوا حجر عثرة في سبيل حرية المرأة وعملها واضطرابها في مذاهب الأرض سعيا وراء رزقها وقضاء حقوقها، فإن أبيتم عليها ذلك فاعترفوا أنكم أعداؤها الألداء المتوحشون؛ لأنكم تأبون
(3/159)

عليها إلا إحدى الخطتين القاتلتين؛ إما الجهل الدائم أو السقوط العظيم.
الفضيلة الفضيلة أيها القوم! فهي العزاء الوحيد لهذه الأمة المسكينة عن جميع آلامها ومصائبها، والأمل الباقي لها إن ضاعت -لا قدر الله- جميع آمالها وأمانيها، والشرف الشرف! فربما جاء يوم لا يبقى لنا فيه شيء سواه.
(3/160)

المؤتمر الإسلامي:
سرني منظر ذلك الرجل1 العظيم والداعي الكريم وهو قادم إلى مصر يتخطى البلدان ويطوي الغبراء طي الكواكب الخضراء، يقوده الأمل ويسوقه الرجاء، وبين جنبيه همة عالية ونفس كبيرة وقلب مشيع وفؤاد في الأفئدة كالنسر في الطير، يحلق في جو الإسلام تحليق من يحاول أن يظلله بجناحيه.
سرني منظره -وإن لم أره- وهو قائم بين جماعة المسلمين يحاول أن يرأب صدعهم، ويلم شعثهم، ويجمع كلمتهم، ويؤلف بين قلوبهم، ويدعو إلى الله تعالى دعوة النبوة الأولى، إلا أن تلك عربية تدعو الأعجمية، وهذه أعجمية تدعو العربية الفصحى.
هنا ذكرت الإسلام ومجده، والإسلام وجنده، والإسلام ودولته، والإسلام وصولته، وذكرت أبا بكر وهو يقاتل أهل
__________
1 كتبت لمناسبة حضور المصلح الإسلامي الشهير إسماعيل بك غصبر نسكي الروسي إلى مصر في سنة 1908 للدعوة إلى مؤتمر إسلامي عام.
(3/161)

الردة ويقول: والله لو منعوني عقال بعير لقاتلتهم عليه، وذكرت عمر وهو واقف في مرابض المدينة في حمارة القيظ يستقبل شبحا أسود يرفعه الآل ويخفضه، ويبديه الأديم ويخفيه، حتى اقترب منه فتبينه, فإذا هو أعرابي قادم من سواد العراق, فجعل يسايره وهو راجل والأعرابي راكب لا يعرفه، وجعل يسأله ما فعل الله بسعد وجنده؟ فيحدثه القادم عن فتح القادسية والمدائن، وما أفاء الله به على المسلمين من عرش كسرى وذخائره وتراث مرازبته ودهاقينه، وعمره لاهٍ عن نفسه سرورا بما سمع, وفرحا بما تم.
وذكرتُ صلاح الدين وهو يقود الجحفل اللجب، والجيش العرمرم، إلى حيث يستنقذ الثغور ويستخلص الأمصار، ويخوض جمرة الحرب المتأججة ليفتدي بنفسه أجساما إن لم تلتهمها النيران فكأن قد، وذكرت محمدا الفاتح وهو يلعب بكرة الأرض لعب الصبي بكرته، ويخترق بسفائن البحر رمال القفر، حتى نزل بالقسطنطينية نزول القضاء من السماء، وسجد في معبد آيا صوفيا سجدة الشكر لله على نعمته وحسن توفيقه، وذكرت صقر قريش وقد طار بمفرده من الشرق إلى الغرب، فأنشأ وحده دولة خضعت لها إفريقيا وبعض أوروبا، وذكرت مع أبطال
(3/162)

الحرب أبطال السلم، فذكرت عمر بن عبد العزيز وعدله، والمأمون وفضله، والغزالي وحكمته، وابن رشد وفلسفته، ومعاوية وسياسته، وعبد الملك وكياسته، وذكرت مدارس بغداد وبخارى والإسكندرية والقاهرة وغرناطة وإشبيلية وقرطبة، وذكرت مترجمي كتب أقليدس وبطليموس وأرسطو، وواضعي علوم الجبر والمقابلة والكيمياء، وذكرت مخترعي البندول والبوصلة "بيت الإبرة" والساعة الدقاقة التي أهداها الرشيد إلى شارلكان ملك فرنسا, ففزع منها سامعوها فزعا شديدا وسموها شيطانا رجيما أو آلة سحرية أو مكيدة عربية، إلى كثير من أمثال هذه الآثار العربية والمفاخر الإسلامية.
ثم ذكرت الإسلام إذ ضربه الدهر بضرباته ورماه بنكباته فأصبح أثرا من الآثار، أو خبرا من الأخبار، وعليلا حار فيه أطباؤه، ومله عواده، وظل متراوحا بين داهيتين، ومترجحا بين غايتين، إما أن يموت موتة أبدية وبالله العياذ، أو يحيا حياة مادية لا حياة أدبية، وينهض جامعة تجارية لا جامعة إسلامية، ما دامت المادة قاعدة الحكومات، وما دامت الحكومات عدوة الأديان، وما دامت الأديان لا تبلغ غايتها إلا في فضاء من الحرية لا يبلغ البصر أطرافه؛ لذلك أحزنني عند سماع خطبة الخطيب
(3/163)

ما يحزن الأشيب من ذكرى الشباب إذا عثر بين أوراقه البالية على رسائل الحب وأناشيد الغرام، وأمضني ما يمض العاشق المفارق، إذا مر بالآثار، وأطلال الديار، فرأى النؤي والأحجار، وموقد النار، ومجال الخيول، ومجر الذيول، فذكر ما كان ناسيا، وهاج من وجده ما كان كامنا، فبكى واستعبر:
وود بجدع الأنف لو عاد عهدها ... وعاد له فيها مصيف ومربع
(3/164)

الجاهليتان:
ليست الجاهلية الأولى بأحوج إلى الإصلاح الديني من الجاهلية الأخرى، بل ربما كانت هذه أحوج من تلك إليه.
كانت الجاهلية الأولى تعبد الأوثان لتقربها إلى الله زلفى، وجاهليتنا تعبد الأحجار والأشجار، والأحياء والأموات، والأبواب والكوى، والقواعد والأعمدة، تبركا أو تقربا، لفظان مترادفان، مختلفان لفظا، متفقان معنى، ومن ظن غير ذلك فقد خدع نفسه.
كانت الجاهلية الأولى متفرقة قبائل وشعوبا، وجاهليتنا متفرقة منازل وبيوتا، بل آحادا وأفرادا، فلا تراحم ولا تواصل، ولا تعارف ولا تعاطف، حتى بين الأخ وأخيه، والأب وبنيه.
كانت جاهليتهم تسفك الدماء في طلاب الأوتار، وجاهليتنا تسفكها في سبيل السرقات وقضاء الشهوات، وكان أفظع ما في جرائمهم وأد البنات، فصار أخف ما في جرائمنا الانتحار، وكان بعضهم يبغي على بعض بسرقة ماله، أو استياق ماشيته، ففعلنا مثل ما فعلوا وفوق ما فعلوا، ثم فضلناهم بعد ذلك بتزوير الأوراق
(3/165)

وتحريف الصكوك وتقليد الأختام والبراعة في النصب والاحتيال، يكاد يستوي في ذلك العالم والجاهل والشريف الهاشمي والفلاح القروي.
وليتنا إذ أخذنا جاهليتهم أخذناها كما هي رذائل وفضائل فيهون على المصلحين أمرها, ولكنا أسأنا الاختيار، فلنا خرافاتهم الدينية وأدواؤهم الاجتماعية، وليس لنا كرمهم ووفاؤهم، وغيرتهم وحميتهم، وعزتهم ومنعتهم، فكيف لا يكون الأمر خطيرا، وكيف لا تكون الجاهلية الأخرى أحوج إلى دعوة كدعوة النبوة من الجاهلية الأولى.
نبئني عن الإسلام أين مستقره ومكانه، وأين مسلكه ومضطربه، وفي أي موطن من المواطن حل ومعهد من المعاهد نزل، أفي الحانات والمواخير التي يغص بها الفضاء، وتئن منها الأرض والسماء، والتي ينتهك فيها المسلمون حرمات دينهم بلا خجل ولا حياء، كأنما هم يشربون الماء الزلال، ويغشون البضع الحلال، ولقد هان عليهم أمر أنفسهم حتى لو وجدوا بينهم من يرى البُقيا في عمله أو التجمل في أمره سموه جبانا جامدا، أو متكلفا باردا، كل ذلك على مرأى ومسمع من الحكومة الإسلامية والمعاهد الدينية والقضاءين الشرعي والنظامي؟
(3/166)

أم في حوانيت الباعة حيث الغش الفاضح والغبن الفاحش، مزخرفا بالأقوال الكاذبة، والأيمان الباطلة؟
أم في مجالس الأحكام حيث للدينار الأحمر السلطان الأكبر على سلطان العدل وسلطان الذمة وسلطان الشرائع، اللهم إلا ما كان من تلك الألواح المكتوب فيها: "العدل أساس الملك" أو {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} ؟
أم في المساجد حيث يعتقد المصلون أنه لو كانت الفترة بين الصلاتين مائة عام وكانت تلك الأعوام مملوءة بالآثام والجرائم، والمفاسد والمظالم، لكفت تلك الحركات التي يسمونها صلوات، ويحسبونها حسنات، لغفران تلك السيئات؟
أم في معاهد الدين حيث يتلقى المتعلمون الدين جسما بلا روح، وعلما بلا عمل، كأنما يتلهون بدراسة إحدى الشرائع الداثرة، أو أحد الأديان الغابرة، وحيث يتلقون كشكولا عجيبا وخلقا غريبا من الأكاذيب والترهات، فلا تكاد تسمع من أفواههم إلا حديثا موضوعا، أو قولا مصنوعا، أو خرافة تاريخية، أو بدعة دينية، وحيث يقضون حياتهم في المناظرات والمجادلات، والتحاسد والتباغض، والتقاطع والتدابر، وهي بعينها الأخلاق والرذائل التي ما جاءت الأديان إلا لمحاربتها والقضاء عليها، فهم يهدمون من حيث
(3/167)

يظنون أنهم يبنون، ويسيئون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا؟
أم في مجالس المتصوفة حيث الألعاب الجمبازية، والحركات البهلوانية، والسرقات باسم العادات، وانتهاك الحرمات بعنوان البركات؟
إن أراد المصلحون لأنفسهم نجاحا, وللإسلام صلاحا فليبدءوا عملهم بتهذيب العقائد الدينية وتربية النشء الحديث تربية إسلامية لا تربية مادية، أي: إنهم يدخلون إلى الإصلاح من باب الدين لا من باب الفلسفة، حتى يجمعوا للمسلمين بين صلاح حالهم ومآلهم، ودنياهم وآخرتهم، وحتى يكون الدين هو الزاجر والمؤدب، والمعلم والمهذب، والإسلام وإن كان دين العقل والفطرة والتهذيب والإصلاح إلا أن الخطر كل الخطر على المسلمين أن يكون في نظرهم تابعا للعقل, وأن يكون العقل هو الحكم بينهم وبينه، والخير كل الخير في أن يكون الدين حاكما، والعقل مفسرا ومبينا، فإذا تم ذلك للمصلحين بالرفق والأناة، والحكمة والسياسة، فقد تم لهم كل شيء، وتم للمسلمين ما يريدونه من الجامعتين الدينية والسياسية، كما تم لهم ذلك في العهد الأول من هذا الباب نفسه وفي هذا الطريق المستقيم، فهل يستطيع
(3/168)

دعاة الإصلاح في الجاهلية الأخرى أن يكونوا كدعاته في الجاهلية الأولى؟ وهل يستطيعون أن يخلصوا لله في عملهم جادين مثابرين, لا تأخذهم فيه هوادة ولا عنه سِنة, وأن لا يرى أحدهم لنفسه على أخيه فضلا إلا بالإيمان والتقوى, وأن يرى كل منهم نفسه بمنزلة المجاهد في سبيل الله يتحمل الأذى ويستسهل الوعر ويحتمل الكريهة لا يجعل لليأس إلى قلبه سبيلا, ولا للهوان على نفسه سلطانا؟
هل يستطيع المصلحون أن يكونوا كذلك ليصلحوا في الآخرين ما أصلح المصلحون في الأولين؟
"لست أدري, ولا المنجم يدري".
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله فاعل
(3/169)

في أكواخ الفقراء:
مترجمة
مضى الليل إلا قليلا والظلام مخيم على الكون بأجمعه والكواكب ملتفعة بأردية السحب ما يستشف منها الناظر بصيصا ولا قبسا، والفضاء بحر خضم مترامي الأرجاء إلا أنه ساكن الصفحة، جامد الحركة، يقصر فيه قاب العين، وتضل في تيهه أشعة النظر حتى عن نفسها، والغيوث منهلة متواصلة تهمي بقوة واحدة وقوام واحد، لا تغزر ولا ترقّ، ولا تلتف خيوطها ولا تختلف نغمتها، كأنما هي شباك, ممتدة بين السماء والأرض، وكوخ السماك "فيليب" جاثم في مجثمه بين الأكواخ المحيطة به لا يرى فيه الداخل غير مصباح ضئيل تجاهد ذبالته جهادا شديدا في تمزيق قطع الظلام المتكاثفة حولها، ومجمرة هامدة قد خبت نارها إلا بقايا جمرات شاحبات قد التفت بأكفانها البيضاء، وأخذت طريقها في مدرجة الفناء، وقد يرى
(3/170)

الناظر على ضوء ذلك المصباح الضئيل بضع شباك ومذاود معلقة بالجدران كأنها الأشباح الماثلة، ومنضدة عارية قد نُشرت فوقها بضعة أوانٍ نحاسية تلمع لمعانا ضعيفا في ذلك الحندس كأنها عيون الجنادب، فإذا دار الواقف بنظره حوله رأى حشية مطرحة على الأرض قد اضطجع فوقها ثلاثة أطفال متلاصقين آخذ بعضهم بأعناق بعض كما تتآخذ الأفراخ في أعشاشها، وكما يضم الخوف الضلوع إلى الضلوع، وعلى مقربة من فراشهم امرأة صفراء شاحبة جاثية على ركبتيها تصلي وتبتهل وتدعو الله تعالى بصوت خافت متهافت أن يرد لها زوجها سالما وكان قد خرج كعادته لصيد السمك من البحر, فلم يعد حتى الساعة.
وإنها لكذلك إذ هبت الزوبعة هبوبا عظيما, فاهتزت لها جوانب الكوخ اهتزازا شديدا وأنَّ لوقعها الأطفال في لفائف أغطيتهم فطار قلبها فزعا ورعبا، وخيل إليها أن هدير الأمواج ودمدمة الرعود وزفيف الرياح وقعقعة السقوف والجدران إنما هي نذر السوء تنذرها بمصير زوجها المسكين في أعماق ذلك الأوقياس العظيم، فظلت تردد بينها وبين نفسها: رب إني بائسة مسكينة لا سند لي ولا عضد، وإن هؤلاء الأطفال الصغار عاجزون لا يستطيعون أن يقوتوا أنفسهم, ولا أن يعتمدوا على
(3/171)

حولهم وحيلتهم في شئون حياتهم، فاحفظ لي ولهم حياة ذلك الرجل المسكين الذي أسلم أمره إليك، وأودع حياته بين يديك، وخرج في طلب الرزق من عندك ليعود به على هذه الأسرة الفقيرة المعدمة, فلم يعد حتى الساعة، ولا ندري ما فعلت به يد الأقدار.
ما أعظم بؤسنا وشقاءنا نساء الصيادين وأولادهم!
إنهم يتركوننا وحدنا في هذه الأكواخ الموحشة ويذهبون لطلب العيش في ذلك التيه العظيم الذي لا نهاية لعمقه ولا حد لاتساعه ولا عاصم من مخاطره، ويحاولون انتزاع رزقهم من بين ماضغي تلك الأمواج الموثبة الفاغرة أفواهها كالذئاب الجائعة تحاول التهام كل ما يدنو منها، ولعل القدر الذي نخشاه عليهم في هذه الساعة قد نزل بهم فلم تغن عنهم شيئا تلك الألواح الخشبية الرقيقة التي يسمونها زوارق، ولعلهم لبثوا ساعات طوالا يصارعون الأمواج وتصارعهم حتى غلبتهم على أمرهم فداروا بأعينهم من حولهم ليفتشوا عن زوارقهم المنقلبة فلم يروا منها إلا بقاياها المتطايرة في أيدي الرياح, فحاولوا أن يسبحوا إليها فأفلتت من أيديهم, فنال منهم العياء فهووا إلى ذلك القاع العميق ليصبحوا فيه طعاما للأسماك التي كانوا يظنون منذ ساعة أنها ستصبح طعاما لهم،
(3/172)

هنالك يأتينا نعيهم فنبكي ونندب ونهرع إلى الشاطئ والهين مدلهين, ونقف أمام ذلك العالم المجهول الغامض صائحين أن رد إلينا أيها الوحش المفترس بعولتنا وأولادنا وأفلاذ أكبادنا, أو تكشف عن نفسك قليلا علنا نرى جثثهم في قاعك، فلا نسمع ملبيا ولا مجيبا.
وهنا هدأت الزوبعة قليلا وخفتت أصوات الرياح, فسكن بعض ما بها ونهضت من مكانها فتناولت المصباح, وفتحت باب الكوخ وقلبت وجهها في أفق السماء لترى كم بقي بينها وبين الصباح، وكان الظلام لم يزل حالكا والمطر لم يزل متدفعا, فمدت يدها بالمصباح أمامها لترى هل من مقبل يتقدم أو شبح يتحرك, فلم يقع نوره إلا على كوخ بعيد منفرد لا نور فيه ولا حركة, فتذكرت حينما وقع عليه نظرها أنه كوخ تلك الأرملة المسكينة "جانت" التي مات زوجها غريقا منذ بضعة شهور وخلف لها أطفالا صغارا تقاسي الآلام الشداد والأهوال العظام في تدبير عيشهم وتقويم أودهم، فمر بخاطرها أن تزورها وتتعرف حالها؛ لأنها كانت تعلم أنها مريضة مدنفة, وأنها كابدت ليلة أمس من دائها عناء عظيما، وأقرب ما تكون النفوس إلى النفوس إذا جمعتها في صعيد واحد هموم الحياة وآلامها، فأخذت طريقها
(3/173)

إلى ذلك الكوخ حتى بلغته, فوقفت على بابه وقرعته مرارا كثيرة فلم يرد عليها أحد, فدفعته ففتح فدخلت رافعة مصباحها بيدها فأنار لها ما حولها, فرأت بين يديها للنظرة الأولى ما أرعد فرائصها, واستوقف دقات قلبها, وأمسك الدم عن جريانه في عروقها.
رأت الكوخ يهتز ويضطرب في أيدي الرياح المتناوحة, ورأت مياه الأمطار تسيل من سقفه الواهي الأخرق فتبلل كل شيء فيه، ورأت فراشا قذرا من القش قد رقدت فوقه الأرملة "جانت" رقدة ساكنة جامدة لا حس فيها ولا حركة، فدنت منها فإذا هي ميتة، وإذا قطرات من الماء تنحدر على جبينها ورأسها وغطائها البالي الممزق، فوقفت أمام هذا المنظر المخيف المرعب ذاهلة مشدوهة, ثم صاحت:
هذه نهاية الفقراء على ظهر الأرض، وهذا مصيرهم الذي يصيرون إليه بعد جهادهم في سبيل الحياة زمنا طويلا.
إنهم يعيشون في هذا العالم مجهولين مغمورين لا يعرفهم أحد, ثم يخرجون منه متسللين متلاوذين لا يشعر بخروجهم أحد حتى أهلوهم وذوو أرحامهم.
ما يدريني أن لا يكون مصيري ومصير أولادي غدا هذا المصير الذي أراه الآن، وقد لا تدخل علينا في تلك الساعة
(3/174)

جارة مثلي ترانا, وترثي لحالنا كما أرثي الآن لحال هؤلاء المساكين.
ثم خلعت رداءها فأسبلته على جثة الميتة ودارت بمصباحها في أنحاء الغرفة, فرأت طفليها الصغيرين نائمين على فراشهما وجها لوجه, وعلى ثغر كل منهما ابتسامة صغيرة كأن شبح الموت الهائم حول مضجعهما لا يخيفهما ولا يزعج سكونهما, ورأت رداء أمهما وكانت تعرفه قبل اليوم مسبلا على جسمهما, فخيل إليها أنها ترى منظر تلك المرأة المسكينة قبل ساعة أو ساعتين وهي تعالج في فراشها سكرات الموت ثم تلتفت من حين إلى حين إلى طفليها النائمين, والمطر يتساقط عليهما والبرد يعبث بأعضائهما فتشفق عليهما وترثي لهما حتى ضاقت بها ساحة الصبر, فخلعت عنها رداءها وهي أحوج ما تكون إليه وألقته عليهما, ثم ألقت بنفسها على فراشها وأسلمت روحها.
وقفت ماري أمام هذه المناظر المؤلمة والريح تئن أنين الوالهين المتسلبين والموج يعج عجيج أجراس الموت وقطرات الماء تنحدر من جبين الميتة إلى خديها الشاحبين كأنما هي تذرف دموع الحزن على فراق ولديها، وكان الفجر قد أخذ يمسح عن وجهه صبغة الظلام ويرسل بعض أشعته في جوانب الكوخ, فأطفأت المصباح الذي بيدها ووضعته جانبا, ثم جثت بجانب الميتة وصلت
(3/175)

لها ما شاء الله أن تفعل, ثم نهضت ومشت إلى مكان الطفلين وانحنت عليهما وحملتهما برفق وسكون وسارت بهما حتى بلغت كوخها, فوضعتهما بجانب طفليها وأسبلت عليهم جميعا رداء واحدا.
ثم جلست بجانبهم تقول بينها وبين نفسها: لا أدري أأصبت فيما فعلت أم أخطأت؟ وإنما أدري أن المرأة التي أودع الله قلبها شعور الأمومة ورحمتها لا تستطيع أن ترى طفلين طريحين على فراشهما في كوخ عارٍ من كل شيء إلا من جثة أمهما ثم تتركهما وشأنهما دون أن تعلم ما مصيرهما بعد ذلك.
إن المنظر الذي رأيته ما كان لا يسمح لي بالتفكير في نتيجة العمل الذي أعمله، فإن تبين لي بعد ذلك أني مخطئة، فليس معنى هذا أني كنت أستطيع تجنب الوقوع في هذا الخطأ؛ لأن قلبي من لحم ودم لا من فولاذ وصوان.
نعم, إن زوجي فقير وإن طفليّ معدمان لا يكادان يشبعان من الخبز, وإن عناءنا في تربية أربعة أطفال سيكون ضعف عنائنا في تربية طفلين، ولكن لا يجوز لنا ضنا براحة أنفسنا أن نترك طفلين صغيرين يموتان على مرأى منا, ومسمع بردا وجوعا.
ذلك ما سأقوله لزوجي عند رجوعه، وما أحسبه قاسيا ولا متوحشا فينقم عليّ فعلتي هذه ويأمرني بإلقائهما خارج الباب.
(3/176)

ثم وقفت عن الكلام فجأة؛ لأنها سمعت صرير الباب وهو يدور على عقبه فارتعدت ثم علمت أنها الريح, فأطرقت برأسها ساعة ذهبت فيها بتصوراتها وأفكارها كل مذهب, فبكت وضحكت، وغضبت ورضيت، وأمّلت ويئست، ورحمت وقست، وحمدت فعلتها وندمت عليها, وأحسنت الظن بزوجها وأساءته به، وظل فؤادها نهبا مقسما في يد الهموم والأفكار حتى شعرت بسواد يتقدم نحوها فاستطير قلبها خوفا ورعبا وانتبهت, فإذا زوجها داخل يحمل شبكته وأعواده على ظهره والماء يقطر منها, فنهضت إليه وعانقته ثم ألقت نظرها على وجهه فأنكرت شحوبه وتضعضعه كما أنكر ذلك من وجهها حين رآها, وسألته: كيف كان حظه الليلة؟ وماذا كان شأنه مع العاصفة؟ فألقى بشباكه وقصبه على الأرض وظل يقول: أما الليلة فكانت مزعجة جدا لم أر في حياتي مثلها، وأما الصيد فها هي يدي صفر منه كما ترين، ولولا رحمة الله بي وبكم لهلكت، وما أنا بآسف على شيء ما دمت أراكم بخير، كيف حال الولدين؟ فارتعشت وقالت: هما بخير، قال: ما لي أراك شاحبة صفراء؟ وكيف قضيت ليلتك؟ فأطرقت برأسها وقالت: قضيتها في خياطة قميصين للولدين، وكنت كلما سمعت
(3/177)

صوت العاصفة وهدير الأمواج خفت عليك، أما الآن فقد زال كل شيء والحمد لله، ثم نظرت إليه وبين شفتيها كلمة تحاول أن تنطق بها فلا تستطيع، ثم استنصرت جلدها وقوتها وقالت: وشيء آخر أحزنني جدا، قال: وما هو؟ قالت: قد علمت الساعة قبل رجوعك بقليل أن جارتنا "جانت" توفيت, وأن ولديها الصغيرين قد أصبحا وحيدين في هذا العالم, لا عائل لهما.
فاضطرب عند سماع هذه الكلمة ونهض من مكانه وتمشى قليلا, ثم ألقى بقبعته المبللة بالماء على سريره وظل يعبث بشعر رأسه فيشده أحيانا, ويمسحه أخرى وهي تتبعه بنظراتها لتقرأ صورة نفسه على وجهه، ثم جلس على المنضدة الممتدة في وسط الكوخ وظل يقول بينه وبين نفسه بصوت ضعيف متهدج:
رب, إني وإن كنت رجلا جاهلا فدما وليس في استطاعتي أن أفهم حكمتك في حرمان هذين الولدين البائسين من أمهما, إلا أنني لا أستطيع أن أنكر وجودهما، ولعل الذين يعلمون أكثر مما أعلم يفهمون من شئونك وتصرفاتك أكثر مما أفهم.
نعم, إنني فقير مسكين, أعيش تحت رحمة المصادفات والاتفاقات, وربما مر علي وعلى أولادي عدة أيام لا نجد
(3/178)

فيها ما نأتدم به, ولكن ماذا أصنع وقلبي يتألم لحال هذين اليتيمين الصغيرين أكثر مما يتألم من الجوع والسغب؟
ثم التفت إلى زوجته, وقال لها: إنني متألم جدا يا مدلين, ويخيل إلي أن روح تلك المرأة المسكينة واقفة الآن أمام هذا الباب تقرعه وتضرع إلينا أن نأخذ ولديها إلينا, ونكفلهما من بعدها، ولكن كيف العمل يا إلهي؟
فقالت: إني أكاد أسمع هذا الصوت الذي تسمعه يا فيليب, وإن ألمي عظيم كألمك.
فصمت هنيهة ثم انتفض انتفاضة شديدة ودنا منها وقال لها: ألم يمت لنا طفلان في العامين الماضيين يا مدلين؟ قالت: بلى، قال: ماذا كنا نصنع لو أنهما بقيا حيين حتى اليوم؟ قالت: لا شيء سوى أننا نفزع إلى الله في أمرهما، قال: فلنفزع إلى الله في أمر هذين الطفلين اليتيمين وكأن ولدينا بقيا حيين حتى اليوم، أو كأنهما بعثا من قبرهما بعد موتهما.
اذهبي إليهما يا مدلين وأحضريهما؛ فربما استيقظا بعد هنيهة من نومهما فرأيا منظر أمهما الميتة في فراشها, فماتا خوفا ورعبا.
اذهبي إليهما واحمليهما برفق وهدوء دون أن توقظيهما
(3/179)

وأضجعيهما على فراش ولدينا, فسيكون منظرهم جميعا غريبا جدا حينما يستيقظون من نومهم وينظر بعضهم في وجوه بعض، وحرام علي النبيذ واللحم بعد اليوم حتى أستطيع أن أقوم بنفقة هذه الأسرة الكبيرة التي أصبحتُ سيدها وعائلها، اذهبي يا مادلين وثقي أن الله سيملأ علينا بيتنا خبزا وفحما ببركة هؤلاء الأطفال الطاهرين.
فتهلّل وجهها بشرا وسرورا, ونهضت من مكانها ومشت إلى مضجع الأطفال فرفعت عنهم الغطاء, ونظرت إلى زوجها صامتة لا تقول شيئا, فما وقع نظر "فيليب" على هذا المنظر الغريب حتى استطير فرحا وسرورا, وهرع إلى زوجته واحتضنها إلى صدره وقال لها: ما أشرف قلبك يا مادلين!
"يا سكان القصور"
ليتكم من سكان الأكواخ؛ لتستطيعوا أن تكونوا من المحسنين.
(3/180)

الشيخ محمد عبده بين العلماء:
ما قام عظيم من العظماء في أمة جاهلة متأخرة يحاول إصلاح ما فسد من أمرها وعلاج ما عضل من دائها والأخذ بضبعيها والإنافة بها على اليفاع والنهوض بها من أرض الجمود والموت إلى سماء الحركة والحياة إلا انقسم أفرادها في شأنه قسمين ضرورة انقسامهم إلى أغبياء وأذكياء؛ ففريق وهو الأكثر عددا وجهلا والأقل إدراكا وفهما أطفأ الله نور عقله وأقام بين بصيرته وبين الحق حجابا كثيفا من الجهل والجمود يعترض نفاذها ويسد سبيلها, فلا يزال نائما فوق قديمه نوم الشحيح على ماله كلما سمع نأمة غريبة وأحس نبأة لم يعرفها من قبل فزع قلبه وطار لبه وصاح صياح الممرور المختبل "قديمي قديمي" فلا يزال قديمه هذا قيدا في رجليه يمنعهما من الحركة والانطلاق, وسدا في أذنيه يحجب عنهما نداء الحق وغشاوة في عينيه لا يرى من دونها غير الظلام المتكاثف
(3/181)

وسلاحا في يديه يحارب به ذلك المصلح الذي يريد به خيرا مما يريد بنفسه, وأنى له بعد أن نال منه قديمه ما نال أن يرى ويسمع فيعلم ما هذا الذي يدعى إليه أخير هو أم شر، وفريق آخر وهو الأقل عددا والأوفر ذكاء وعقلا يدعى إلى الحق فيجيب ويقاد إلى الخير فيتبع, لم تفسده عصبية ولم تقعد به هجمية ولم تضق به بصيرته أن يتبين عند بزوغ فجر الدعوة بياض الحق من سواد الباطل، أولئك هم أعوان المصلح وأنصاره لا يزال الحرب سجالا بينهم وبين أعدائه, حتى يصنع الله لهم فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
وعظيم الأمة الإسلامية ومصلحها اليوم هو سيد العلماء وواحد الأتقياء الأستاذ الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، وما منّ الله على هذه الأمة في كثير من قرونها الماضية كما منّ عليها به اليوم ولا ابتلي عظيم من العظماء في أمته كما ابتلي في هذه الأمة هذا الرجل العظيم الذي نظر إليها نظر الطبيب الحاذق إلى عليله، فرأى بعد ما بين سابقها ولاحقها وانقطاع ما بين حاضرها وماضيها, فعلم أن داءها داء دوي وبلاءها بلاء عظيم, ورأى أجزاء جسمها تتحلل إلى ذرات ثم تتلاشى, ورأى صفرة الموت تجول في وجهها وأغربة الفناء تحلق فوق رأسها
(3/182)

وقد أوشكت أن تملأ الفضاء نعيبا، فلم يكد يملك نفسه من البكاء على أمة ضربها الدهر بضرباته, ورماها وهي محلقة في سماء عزها ومجدها بسهم نفذ ما بين جنبيها فهوت من مدار الأجرام إلى مقر الرغام، تشكو فلا تجد مشتكى، وتستغيث فلا ترى مغيثا ولا معينا، فراعه من أمرها ما راعه وكاد ينقطع خيط الرجاء في قلبه لولا أن وهبه الله نفسا قوية وعزيمة ثابتة وجنانا لا تحوم حوله الأوهام ولا تأخذ منه نكبات الأيام، وأودع ما بين جنبيه قلبا مصوغا من الشفقة والرحمة، فنظر في حال هذه الأمة البائسة نظر العاقل البصير وتلمس موضع دائها وسبب سقوطها, فوجد أن داء أدوائها وعلة عللها إغفالها أمر دينها الذي عرفه سابقوها وعلقوا بحبله فكان سر ارتقائهم وتقدمهم وعلوهم فوق علياء الأكاسرة والقياصرة وامتداد فتوحاتهم في قليل من السنين إلى ما لم تمتد إليه يد من قبل، وأهملته هي فودعها مجدها وفارقها عزها ووصلت إلى حيث تضرب بذلتها الأمثال وحيث أصبحت أكلة الآكلين، ونهبة الطامعين، وعلم -حفظه الله- أنه إن صلح لها دينها صلح لها كل شيء من آخرتها وأولاها, فأخذ نفسه بالدعوة إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة, مخلصا لله في عمله مستعينا بحوله وقوته مصدقا وعده في قوله سبحانه وتعالى:
(3/183)

{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} وقوله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} .
هذا هو الشيخ محمد عبده وهذه هي مقاصده ومذاهبه, فما الذي تنقمون منه أيها العلماء الأعلام كما يلقبكم غوغاؤكم أو كما تلقبون أنفسكم؟ وما هذه الضجة التي سددتم بها منافذ الفضاء؟ وما هذه الثائرة التي طمستم بها وجه السماء؟ وما هذه النار التي تتأجج في صدوركم من البغضاء؟ ومتى كان عهدكم بلعن فرعون وهامان فتلعنوا رجلا هو أصدقكم إيمانا وأثبتكم يقينا وأكرمكم خلقا وأعلاكم همة وأشرفكم نفسا وأعفكم لسانا ويدا وخيركم لنفسه وللناس؟ أنسيتم يوم "هانوتو" يوم وقف أمامه وقوف الشجاع المستبسل يذود عن دينه ودينكم ويناضل دونه حتى قهر قرينه وأطفأ فتنة كادت تحترق في نار شبهاتها ألوف من المسلمين وأنتم صامتون مستسلمون لا تحيرون جوابا؟ أنسيتم كتابه الإسلام والنصرانية الذي انتصف به للإسلام من أعدائه فرضي به الله والمسلمون، وخرست به ألسنة الجاحدين المتخرصين؟ أنسيتم رسالة التوحيد التي أظهر فيها الدين الحنيفي جوهرا خالصا ممحصا من شوائب البدع والخرافات التي شوهتم بها وجهه أنتم وأمثالكم فلما رآها مسيحي أوروبي قال: "إن كان الإسلام كما وصفه الشيخ
(3/184)

محمد عبده في رسالته, فأنا مسلم منذ اليوم لولا أني أخاف أن يكون الرجل قد خدعنا ببلاغته" فقد عرف المسيحي الأعجمي من شأن الرسالة ما لم تعرفوا، وأدرك من فضل صاحبها ما لم تدركوا، ومن قابل بين هذه القصة وقصة رسالة الرد على هانوتو يوم ذهب ناشرها بنسخ منها ليقدمها إلى مشيخة الأزهر, فأبت قبولها بحجة أن كاتبها قد أثم باهتمامه بشأن الرد على رجل من القوم الكافرين رأى منظرا عجيبا ونادرة من أغرب النوادر ما رأى قبلها الراءون ولا سجل مثلها في تواريخ الماضين، أنسيتم مقامه فيكم سنين عدة يعلمكم أخلاق العلماء وما يجب عليهم في عفة أيديهم وطهارة أنفسهم والعلو بأنفسهم عن مواطن الذل والضيم والنبو بها عن مظان الشبه والريب ويرشدكم كيف تؤدون وظيفتكم التي عهد الله بها إليكم والتي هي أوسع ميدانا وأفسح مجالا من جلستكم جلسة الذليل الضارع وراء أعمدتكم الحجرية, تختلفون إليها صباح مساء حتى تموتوا فتموت معكم آثاركم وأعمالكم, فلا أنتم في دنياكم تذكرون, ولا أنتم في أخراكم تؤجرون، ولو أراد الله بكم خيرا لوفقكم إلى اتباع سبيله والاهتداء بهديه والتأدب بآدابه والتخلق بأخلاقه, فهي ملاك السعادة ومناط العزة وملتقى
(3/185)

خيري الدنيا والدين، ولكنها الأقدار يسعد بها أقوام ويشقى بها آخرون, {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} .
إنكم والله ما تنقمون منه زيغا في عقيدة ولا سعيا في فساد كما تزعمون, ولا يعنيكم حرم الربا أم حل, ثبتت الشفاعة أم لم تثبت, قام الدين أم قعد, فنحن أدرى منكم بكم وأعلم بمنزلة الدين والفضيلة من نفوسكم وإنما عز عليكم أن تروا بجانبكم رجلا نبت في تربتكم ودرج من عشكم واستقى من وردكم الذي منه استقيتم ثم ما لبثت الأيام أن دارت دورتها, فإذا هو شمس تتلألأ في سماء المجد والشرف بما وهبه الله من علم واسع وبصيرة نافذة تكاد تخترق حجب الغيب ونفس سماوية محصتها الفضيلة فلم تعلق بها الرذائل, ولا طارت حوله المفاسد والأطماع, وذكر بعيد تردده الأقطار وتتهاداه الأمصار، وجلال تطأطئ له الهامات وتغضي من مهابته الأبصار، وحب مبرح تنعقد عليه قلوب الملايين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإذا أنتم لا تزالون في أرض خمولكم لاصقين بها لصوق الجسد بصدوركم، فثقل جواره عليكم، وألهب منظره نار الغل والحقد في أفئدتكم، حتى لوددتم لو افتديتم أنفسكم من جواره بجوار مالك في الجحيم, وقد فعلتم.
(3/186)

عواطف البنين:
أنا لا أعجب لشيء عجبي لهذا الإنسان الذي يغضب الغضب كله إذا أحس أن مخادعا يخدعه في شأن من شئونه, وهو يخدع نفسه بنفسه في جميع ساعاته ولحظاته.
حضرت تمثيل رواية عواطف البنين في دار التمثيل العربي, وعرفت أن الشيخ سلامة ليس هو الكونت دي موراي وأن الممثلة "ميليا" ليست الكونتس زوجته, وأنها لم تطرد من منزلها ولم تتهم في عرضها ولم يمر بخاطرها الحزن على هجر زوجها أو فراق ابنتها، وعرفت أن الممثلة "متيل" ليست قتاتهما، وأن الهم لم يقسم فؤادها شطرين شطرا لأبيها وشطرا لأمها, ولكنني خدعت نفسي ورثيت لمصاب تلك الأسرة الكريمة وحزنت لحزنها حزنا لم أملك معه دموعي التي طالما غلبتها في أحرج المواقف على أمرها, حتى غلبتني في أهون المواقف على أمري.
إن نفسي أعز عليّ من كل شيء في هذه الحياة، فهيهات أن أخدعها أو أصور لها من الوهم شبحا يحزنها أو خيالا يبكيها،
(3/187)

وإنما خدعني هؤلاء الممثلون البارعون, فقد طاروا بي في فضاء الخيال وما زالوا يأخذون على نظري حتى محوا صورهم الحقيقية من ذاكرتي, فلم أر أمامي غير زوج حزين وزوجة مظلومة وفتاة تبكي على أبويها بكاء الحزين إثر الحزين.
الممثل البارع هو الذي يستطيع أن يتجرد من نفسه, وأن يتقمص شخصا غير شخصه حتى يكاد ينكره عارفوه، وكذلك كان شأن هؤلاء الممثلين في رواية عواطف البنين، فقد أجاد كل منهم تمثيل دوره المحزن المؤثر وبلغ من الإحسان الغاية التي لا غاية وراءها، حتى رأيت العيون شاخصة والأنفاس معلقة والدموع مرسلة, وحتى خيل إلي أني أسمع خفقان القلوب بين الجوانح.
أما الرواية فإنها تشتمل على عبر كثيرة, أذكر منها ما يأتي:
1- لا يستطيع أن يبلغ الإنسان منزلة الوفاء إلا إذا لقي في هذا السبيل شقاء كثيرا, وعذابا أليما.
2- المرائي يبني بيته على شفير هار, فلا يكون بينه وبين الانهيار إلا أن تهب عليه بعض العواصف المجتاحة.
3- إن الذي يلد ولدا في غير مهده يجني عليه جناية كبرى؛ لأنه يرمي به في بحر زاخر لا يقوى على السباحة فيه, ولا يرى حوله من يمد له يدا لنجاته, أو يسوق إليه
(3/188)

زورقا لخلاصه؛ لأنه لا يعرف أحدا ولا يعرفه أحد، فهو إما أن يعيش طريد الهلاك، أو يموت فريسة الأسماك.
4- لو علمت المرأة أن ساعات السرور التي تقضيها مع عشيقها ستنقلب في مستقبل الأيام أعوام حزن عليها وعلى عشيرتها, لما سئمت الوحدة في مضجعها, ولا استوحشت لانفرادها في غرفتها, ولا لذ لها أن تطلب هذا الإنس الكاذب والسرور الموهوم.
هذه عبرة الرواية, وهذا مبلغ تأثيرها في النفوس، فشكرا للكاتب ما كتب وللمعرب ما عرب وللممثل ما مثل.
(3/189)

الرشوة:
كان المرحوم الشيخ محمد عبده يقرأ في مسجد الأزهر درسا عنوانه التفسير, وحقيقته البحث في كل ما يتعلق بالمرء في حياتيه الآخرة والأولى، فكان الرجل في ذلك الدرس مفسرا للقرآن وراويا للحديث ومعلما وواعظا, بل كان كل ما يستطيع امرؤ أن يكون.
ولقد حدثنا فيما كان يرويه لنا في دروسه من وقائعه ومشاهده أنه ركب القطار في إحدى لياليه كعادته إلى بلدته "عين شمس" فلم يستقر به المقام في مجلسه من القطار حتى وقف أمامه شيخ معمم ملتحٍ فسأله ماذا يريد فقال له: أنا يا سيدي من طلاب الامتحان في الأزهر وقد جئتك أطلب إليك أن تساعدني عليه، قال: إن كنت تريد أن أساعدك بمنع الظلم عنك فاعلم أني لا أترك يدا تمتد إليك بظلم، قال: يا سيدي, أنا رجل فقير وإنك لن تجد أحدا هو أحق بالإحسان مني، قال: لو كنت طالب إحسان لما منعتك شيئا مما أقدر عليه, ولكنك على ما أظن
(3/190)

تريد مني أمرا جللا ليس في استطاعتي أن أمنحك إياه, ولو استطعت ما تركت أحدا يمكنك منه، إنك تريد أن أكون شاهد زور في قضيتك هذه وما كانت شهادة الزور في وجه من وجوهها حسنة من الحسنات، إن في الأزهر خمسمائة طالب مثلك يتقدمون للامتحان، فإن منحتك الشهادة من دونهم فأين العدل، وإن منحتكم جميعا فأين الامتحان.
وما وصل الشيخ من حديثه إلى هذا الحد حتى وصل القطار إلى المحطة, فنزل وترك الرجل مكانه فما مشى إلا قليلا حتى شعر بمشيته وراءه, فالتفت إليه وقال له: إنك قد فهمت كل ما يمكنني أن أقوله لك وكفى، فاقترب منه وقال له: إن معي هدية يا سيدى أريد أن أقدمها إليك وأن تتفضل بقبولها، ففهم الشيخ غرضه وأراد العبث به فقال: كم تريد أن تعطيني؟ قال: ثلاثين جنيها، قال: ذلك قليل، قال: سأعطيك ثلاثين أخرى عن صاحب لي يريد منك ما أريده, ورجاؤنا إليك يا مولاي ألا تقسو علينا؛ فنحن قوم فقراء وأنت من القوم المحسنين، وهنا غضب الشيخ غضبته المعروفة ونظر إلى الرجل شزرا وقال: يا شيخ إنني إن احتملت منك كل شيء, فإنني لا أستطيع أن أحتمل من طالب من طلبة الشريعة الإسلامية أن يسمي الرشوة وفساد الذمة إحسانا وكرما، ثم حمل عليه بعصاه وضربه
(3/191)

ضربة ولى من بعدها على عقبه إلى حيث لا مطمع في أوبته.
قص علينا الشيخ -رحمه الله- هذه القصة في درسه, ولم يذكر لنا من شأن الرجل ولا من صفاته ما يدل عليه، ثم أطرق برأسه واستمر على ذلك ساعة خيل لنا فيها أنه يكاتمنا دمعة تترقرق في عينيه, ثم رفع رأسه وأنشأ يتكلم بنغمة محزنة مؤثرة ما تركت في مكامن المحاجر دمعة إلا أسالتها وقال:
لقد خضت غمرات هذه الحياة وما بلغت العشرين, وها أنا قد نيّفت اليوم على الخمسين ولا أعلم أني طمعت في يوم من أيام حياتي في شيء مما زواه الله عني, كما لا أعلم أني نظرت إلى زخرف هذه الحياة وزبرجها نظر المتشهي المتمني الذي يشتد في أثرها عدوا ويقتل نفسه وراءها صبرا، ولقد مرت بي في كثير من أيامي الماضية ساعات كان لي فيها من الدالة على أصحاب هذا المصر وأربابه وذوي الجاه والسلطان فيه ما يملأ بيتي فضة وذهبا, ورحابي عبيدا وخولا لو ابتغيت السبيل إلى ذلك، فعافت كل ذلك نفسي ولا أكتمكم أني كنت أعالج من مجاهدة هذه الشهوات ومدافعتها ما يجب أن يعالجه كل من نشأ منشئي بين قوم شرهين طامعين، وكنت أحسب أن قد انتشر لي بين الناس من الذكر بالعفة والشرف وإباء النفس ما يثلج به صدري
(3/192)

وتطمئن إليه نفسي، فلما رأيت من حال هذا الرجل أمس ما رأيت علمت أنه لا يزال يوجد في الناس من يظن بي ظن السوء, ويتوهم أني من سفلة الناس وجهلائهم الذين لا يطلبون الوظائف إلا ليرتشوا, ولا يرتشون إلا ليظلموا.
لقد مرت على هذه القصة سنون عدة, والله يعلم أني أصبحت لا أسمع بواقعة من وقائع الرشا التي اسودت بها رقعة الارض, واحمر لها وجه السماء إلا ذكرتها فأجم وجوم الحزين المتألم, وأتماسك تماسك المتجلد المتثبت إبقاء على مدامعي أن يستثيرها الحزن فيرسلها, ولله الأمر من قبل ومن بعد.
(3/193)

القضية المصرية من مايو 1921 إلى مارس سنة 1922
العاصفة
...
القضية المصرية: من مايو سنة 1921 إلى مارس سنة 1922
العاصفة:
إن قلبي يرتعد خوفا وفرقا، أسمع قعقعة في جوف السماء فهل هي نذير العاصفة التي يريد الله أن يرسلها علينا؟ أرى الوجوه شاحبة والعيون حائرة والجباه عابسة, فهل شعر الناس بويل مقبل انقبضت له صدورهم, واقشعرت له جلودهم؟
ما هذا المنظر المرعب المخيف؟ ما هذه الضوضاء المرتفعة بالمجادلات والمناقشات في المجتمعات العامة والخاصة؟ ومن هم هؤلاء الذين يتصارعون ويتجاذبون ويبغي بعضهم على بعض؟ إن كانوا مصريين فويل لمصر وأهلها ومستقبل الحياة فيها بعد اليوم، كذلك كان شأن الأمم البائدة في أدوار سقوطها واضمحلالها, وفي ساعة وقوفها على حافة الهوة العميقة.
لقد ظننت في ساعة من ساعات حياتي أنني قد أمنت على مصر أبد الدهر, وكان قلبي يستطير فرحا وسرورا كلما سمعت تلك "الجوقة" الموسيقية الجميلة تتغنى في أرجائها بنغمة واحدة وتوقيع واحد، وكنت أصغي إليها بسرور واغتباط إصغاء العاشق الولهان إلى تغريد الحمائم المترنمة فوق أفنانها، ثم ما لبثت أن شعرت
(3/196)

أن النغمة قد اختلفت، والتوقيع قد اضطرب، فذُعرت وارتعبت ورفعت رأسي فإذا أنا في "بيزنطية" وإذا الناس جميعا في كنيسة أيا صوفيا يتناقشون ويتجادلون جدالا شديدا في مسألة الطبيعة والطبيعتين, وأبواب المدينة تقعقع تحت ضربات معاول العدو, فلا يسمعون لها صوتا.
كنا جميعا وكان الشمل منتظما، وكان كل ما يعزينا عن بؤسنا وشقائنا منظر تلك الوحدة الجميلة التي كنا نشرف على روضتها الزاهرة الغناء من نوافذ سجننا فتهون علينا همومنا وآلامنا، ولم يكن منظر في العالم أجمل ولا أبدع من منظر تلك الدموع الرقراقة التي كانت تتلألأ في عيوننا جميعا؛ لأنها كانت في الحقيقة دموع السرور والاغتباط باتحادنا واتفاقنا, ووحدة كلمتنا وقوة جامعتنا.
لا تزال العاصفة تدوي وتعصف، ولا يزال البناء يضطرب ويهتز، فليت شعري هل يتماسك ويعود إلى سكونه واستقراره؟ أم قدر له السقوط كما قدر لأمثاله من البنى في عهود التاريخ الغابرة؟
ها هو ذا سعد يمسك البناء بيده أن يتداعى ويتهدم, ولكنه قد تعب جدا ونال منه الجهد والنصب لأن الحمل ثقيل, ولأن الهادمين من خصومه المصريين معتزون بالقوة الخارجية وقوتهم لا تفنى، فهل تستطيع الأمة أن تمد يدها إليه وتعينه على عمله الشاق؟
(3/197)

هنالك قوتان هائلتان جدا؛ قوة العدو الخارج مستترة، وقوة العدو الداخل ظاهرة، وهما تعملان معا بنظام واحد وفكرة واحدة لغرض واحد، هو أن تسلمنا أخراهما لأولاهما، فلنتقدم نحوهما بقوة أعظم من قوتهما شأنا وأكبر خطرا وهي قوة العقيدة الراسخة والإيمان الثابت والثقة بالنفس والأمل الواسع والثبات على المبدأ نظفر بهما ونقض عليهما, فلا يبقي لهما عين ولا أثر.
إن الساسة الإنجليز يريدون أن يمزقوا شمل وحدتنا الوطنية التي بذلنا في سبيلها الشيء الكثير من ذات أنفسنا, وذات أيدينا ليستثمروا شقاءنا وآلامنا, فهل نسمح لهم بذلك؟!
لا، فقد أصبحت الأمة غير الأمة والعقول غير العقول والأفهام غير الأفهام، وليست هذه النهضة التي نهضناها اليوم ترديدا لأصوات القائلين، أو تقليدا لحركات الناهضين، أو فصلا تمثيليا، أو لعبة بهلوانية، وإنما هي عقيدة راسخة في النفس رسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين، فليطلبوا لهم مرتزقا غير هذا المرتزق، في سوق غير هذه السوق، فما نحن بسلع تباع وتُشرى، ولا بمأدبة عامة يهوي إليها الغادون والرائحون.
إننا لم نجاهد يوم جاهدنا من أجلهم، بل من أجل وطننا، ولم نغنم في معاركنا التي أدرناها هذه الوحدة الشريفة لنضعها يوم
(3/198)

نظفر بها في أيديهم يمزقون شملها, ويشوهون صورتها, ويلعبون بها لعب الصوالج بالأكر.
محال أن نسمح لهم بها طائعين مختارين، فهي حياتنا وروحنا وأثمن ما تملك أيدينا وخير ما استفدنا من جهادنا، بل كل ما استفدناه منه, وسنذود عنها ذود الأم الرءوم عن واحدها، والعذراء العفيفة عن عرضها، وسنبذل في سبيل استبقائها في أيدينا فوق ما بذلنا في سبيل الحصول عليها.
ليس من السهل علينا ولا مما تحتمله أطواقنا أن يتحدث الناس عنا -وقد بدءوا يتحدثون- أن تلك النهضة التي نهضناها إنما كانت رواية تمثيلية، خلبنا بها عقول المتفرجين ساعة من الزمان، حتى إذا نزل الستار عليها إذا الوجوه الوجوه والصور الصور، وإذا الداء القديم والمرض العضال.
إن الشرق لم يشق بالجهل ولا بالضعف كما يقولون، فلطالما عاش الضعفاء والجهلاء أحرارا مستقلين بفضل اتحادهم وقوة جامعتهم، بل لأنه يوجد في كل شعب من شعوبه أقوام أمثال هؤلاء الأقوام الذين ابتلينا بهم في مصر, خبثاء الأغراض والمقاصد موتى العواطف والمشاعر، لا يتألمون إلا لأنفسهم، ولا يبكون إلا على نقص في أموالهم وثمراتهم.
(3/199)

والشعب المصري أول شعب شرقي نهض نهضة سياسية في هذا العصر ثم مشت الشعوب الشرقية بعد ذلك على أثره، فيجب أن يكون أول شعب يعرف كيف يمحق الدسيسة الكامنة بين أحشائه لتتعلم منه الشعوب الأخرى كيف تمحق الدسائس الكامنة بين أحشائها فيعود بالفخرين، ويلبس التاجين.
إنا لا نريد أن نحارب المنشقين والخارجين، فالقوة التي لا قبل لنا بها من ورائهم تحميهم، ولا أن نجادلهم، فإن لهم تحت جلدة وجوههم ذخيرة من السماجة والصفاقة كافية لإنكار أن الأرض أرض والسماء سماء, وأن هناك فرقا بين لون الليل ولون النهار، بل نريد أن نقي أنفسنا شر دسائسهم ومكائدهم ولا سبيل لنا إلى ذلك إلا إذا أعرضنا عنهم وصنا أنظارنا عن رؤية وجوههم، وأسماعنا عن سماع أصواتهم، كما يتعوذ المتعوذ من الشيطان الرجيم، فإن فعلنا فقد انتصرنا انتصارا عظيما لم نوفق إلى مثله في جميع أدوار تاريخنا من عهد "سيزستريس" حتى اليوم، وإلا فما خلق الله في العالم خلقا أهون على الله, وعلى الناس منا.
(3/200)

حكم القوة:
اكتبوا يا أنصار سعد عرائض الثقة به عشرات ومئات وألوفا وعشرات الألوف, فإن ذلك لا يجديكم نفعا ولا يغني عنكم شيئا؛ لأن القوة أصدرت حكمها بأنكم من أنصار الحكومة وأوليائها. ألفوا الوفود العظيمة من جميع مدنكم وقراكم وعزبكم وكفوركم حتى يبلغ مجموع عددها ثلاثة عشر مليونا وتسعمائة وتسعة وتسعين ألفا, فأنتم جميعا حمقى لا قيمة لكم، ولا عبرة برأيكم، ولا يوجد فيكم عاقل ولا رشيد غير تلك الألف الواحدة التي تخلفت عنكم، وانفصلت عن صفوفكم.
املئوا الأرض صراخا وعويلا بالشكوى من الافتيات عليكم في أمركم الخاص بكم وبمستقبل حياتكم وحياة أولادكم وأحفادكم, فإن رجلا فضوليا من رجالكم لا شأن له ولا قيمة هو الذي عبث بعقولكم وأغراكم بهذا السخط والغضب والصراخ والعويل، ولو أنه ترككم وشأنكم لاستحال بكاؤكم ضحكا وابتهاجا، وخوفكم وقلقكم سكونا وارتياحا، ولأسلمتم بلدكم إلى أعدائكم راضين مغتبطين.
(3/201)

اجمعوا جموعكم الهائلة في أي مكان تريدون, واهتفوا بجميع ما يمر بخواطركم من أمانيكم الوطنية ورغباتكم القومية حتى تبح أصواتكم, وتنشق حلوقكم فأنتم في نظر الساسة الإنجليز لصوص مجرمون ما خرجتم مخرجكم هذا إلا لسرقة الحوانيت ونقب الجدران واختطاف الأمتعة من أيدي المارة وتكدير صفاء الناس والإخلال بالأمن العام.
لا تتركوا وسيلة من الوسائل تعلمون أنها تعبر عن مشاعركم وخوالج نفوسكم إلا واتخذوها وتذرعوا بها, فهي جميعها مظاهر كاذبة ومناظر تمثيلية؛ لأن القوة قد حكمت بذلك، وحكم القوة هو الحكم العادل الشريف الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
هذا هو ما يجري الآن في جو مصر، وهذا ما سيجري في جوها غدا ما بقيت الوزارة في مركزها, أو خلفتها وزارة مثلها.
اقتطعت السياسة الإنجليزية قطعة صغيرة من الضعفاء عن الوفد والأمة وسمتها "الأمة" بعد أن عجزت عن ذلك عامين كاملين، فهي تتعهدها بالعناية والرعاية وتحوطها بالصور والتهاويل تعظيما لشأنها وتفخيما لأمرها, وتصقل في كل يوم صفحتها وتجلوها ليكون لها بريق يخطف الأبصار ويختلب الأنظار, تفعل
(3/202)

ذلك كله لتتخذها تكأة تتكئ عليها في الثقة بالمفاوضين الرسميين اليوم والتصديق على المعاهدة المنتظرة غدا، وما هي إلا رواية واحدة تعرض فصولها على مسرح التمثيل فصلا فصلا, حتى ينزل الستار على الفصل الأخير منها.
أما الأمة نفسها فهي في نظر الصحف الإنجليزية أقلية ضعيفة جدا أو مجموعة خاملة بلهاء لا عقل لها ولا فكر، فإن نطقت فنطقها مصطنع، وإن بكت فبكاؤها مكذوب، وإن احتجت فاحتجاجها عصيان، وإن صاحت فصياحها ثورة، وإن صمتت فصمتها تسليم وإذعان، وإن رفضت أن توقع على صك شقائها فلا قيمة لرفضها أو قبولها؛ لأن الأمة شيء سواها.
آه ماذا نعمل، لقد بحت أصواتنا وحفيت أقدامنا ونضبت محابرنا وجفت أقلامنا في سبيل الشكوى من هذا الحال, فلم نجد راحما ولا معينا حتى من أبناء وطننا الذين يفهمون لغتنا ويدركون شعورنا ويحسنون قراءة البؤس والألم المسطور على جباهنا، كأن العالم كله ألب علينا وكأن قد سدت من دوننا أبواب السماء فلا تصعد شكوى, ولا ينفذ دعاء.
ولقد كنا نستطيع أن نحمل أنفسنا على الرضا بما قدره الله لنا في مستقبل حياتنا لو أن ذلك الذي يراد بنا لا يجري
(3/203)

باسمنا ولا يطبع بطابعنا, فتستمر حجتنا قائمة ما دامت الأرض أرضنا والسماء سماء، ولكن من لنا بالراحة وهدوء النفس واستقرارها, وها هي وفود الثقة بالحكومة تفد إليها من جميع أنحاء البلاد، وها هي عرائض تأييدها ونصرها تملأ دفاترها وسجلاتها, ولا يعلم غيرنا طريقة التوقيع عليها.
وعدتنا الوزارة بالنزول على رأينا في مبدأ تأليفها فلم تفعل، فاقترحنا عليها إشراك وفدنا معنا في العمل فاعتذرت، فطلبنا منها التخلي عن مركزها فأبت، فسألناها عقد الجمعية الوطنية لأخذ رأيها في اختيار المفاوضين الرسميين فامتنعت، فسألناها أن تذهب للمفاوضة باسمها لا باسمنا وألا تجعل ثقتنا بها أساس مفاوضتها فرفضت.
لقد سدت السبل علينا جميعها، وانقطع الرجاء بنا، ولم يبق بين أيدينا إلا رجاء واحد هو أن نمد يد الضراعة إلى إخواننا الخارجين علينا من أعضاء الوفد وغيرهم, قائلين لهم: الرحمة الرحمة أيها الأصدقاء بأنفسكم وبأمتكم, فنحن جميعا أبناء وطن واحد, تقلنا أرض واحدة وتظلنا سماء واحدة, فعودوا إلى صفوفنا وضعوا أيديكم في أيدينا, فلا سبيل لعدونا أن ينال منا قلامة ظفر إن أنتم عدتم إلينا، ولا يوجد
(3/204)

شيء في العالم كله يحول بينه وبين إهلاكنا جميعا إن بقيتم خارجين علينا.
تعالوا إلينا لنسعد معا إن قدرت لنا السعادة في مستقبل حياتنا أو نشقى معا إن كانت الأخرى، بل لنعيش سعداء في كلتا الحالتين، فلا سعادة في الدنيا غير سعادة الحب والسلام، ولا شقاء غير شقاء الانقسام والانشقاق.
إننا لا نتهمكم بخيانة ولا ممالأة؛ لأن الدم المصري لا يحمل بين كراته كرة اللؤم والغدر, ولكنا نعتقد أنكم مخدوعون وأنكم ما أتيتم من ناحية الخيانة والممالأة بل من ناحية السذاجة والبساطة وضعف القلب وغرارة النفس والثقة العمياء بوعود أولئك القوم الذين ما صدقوا في وعد من وعودهم مرة واحدة، ولا عجزوا عن أن يجدوا من يصدقهم في كل مرة يكذبون فيها، فالوعود سلعتهم التي يتجرون فيها، والخلف ربحهم الذي يربحونه منها.
ولو أنكم روأتم في الأمر قليلا ونظرتم إلى المسألة بعيونكم لا بعيونهم, لعلمتم أن لا استقلال هناك ولا شبه استقلال ولا شيء مما يعدوننا به ويمنوننا، وكل ما في الأمر أنهم يريدون وضع الحماية الرومانية موضع الحماية الإنجليزية، وهي التي كان يبسطها الرومان
(3/205)

في تاريخهم القديم على الأمم الضعيفة باسم المحالفة والمعاهدة، أي: إنهم يريدون أن نصدق لهم على الحماية التي بسطوها علينا في سنة 1914 بعد أن عجزوا عن ذلك سبعة أعوام، ونحن لا نريد أن يكون حظنا معهم حظ ذلك الرجل الذي انتزع منه بعض المغتصبين آنية فضية فذهب إليه ليستردها منه, وهدده برفع أمره إلى الشرطة إن لم يفعل، فقال له: لا أعطيك إياها حتى تكتب لي صكا بأن الآنية هدية منك إلي حتى آمن غدرك بي فيما بعد، فكتب له الصك الذي أراد وأعطاه إياه، فاحتفظ بالصك ولم يعطه الآنية.
تعالوا أيها الأصدقاء إلى صفوفنا, ولا تصدقوا أن أعداءنا يعطوننا متفرقين ما يعطوننا مجتمعين، فإن كان لا بد لنا من أن نستمر في مفاوضتهم وكان قد بقي لنا شيء من الأمل فيهم فلنذهب إليهم جميعا صفا واحدا تحت قيادة قائد واحد نلقي إليه قيادنا، ونمنحه نصرنا وتأييدنا، فإن نجحنا فذاك، وإلا فحسبنا من الفخر والشرف أننا أول أمة شرقية قد نجت من حبائل المستعمرين, ومكائدهم.
سيكتب التاريخ صفحاته غدا, والتاريخ لا يجامل ولا يحابي ولا يقبل هوادة ولا عذرا, ولا يصدق كلمة واحدة من هذه
(3/206)

الكلمات التي تعتذرون بها اليوم عن أنفسكم، ولا يستطيع أن يكتب إلا أن الأمة المصرية كانت يدا واحدة وقوة واحدة، ولم يكن بينها وبين نجاحها في قضيتها إلا أيام قلائل فخرجتم من صفوفها فانتقض عليها أمرها وأفلت النصر من يدها، فاحذروا أن يكتب التاريخ عنكم هذه الكلمة المخزية، واتقوا يوما يفتح فيه أولادكم وأحفادكم هذه الصحيفة السوداء من تاريخكم فيطرقون حياء وخجلا حينما يرون أن هذه الأسماء التي يقرءونها إنما هي أسماء آبائهم وأجدادهم.
(3/207)

إلى خصوم سعد باشا:
1- سعد باشا خصم السياسة الإنجليزية في مصر وعدوها الألد ما في ذلك شك ولا ريب، فجميع خصومه السياسيين من المصريين أصدقاء لتلك السياسة وأعوان لها على أمتهم.
هذا الذي أستطيع أن أفهمه ويفهمه الناس جميعا، ولا فرق عندي بين أن توضع في عنقي جامعة أقاد بها إلى دار المارستان لأقضي فيها بقية أيام حياتي, وبين أن أفهم غير ذلك.
فاشتموا يا خصوم سعد سعدا ما شئتم، وتفننوا في النيل من كرامته ما أردتم، فلا معنى لذلك عندنا إلا أنكم آلة صماء في يد السياسة الإنجليزية، تتولون بالنيابة عنها زحزحة العقبة الكبرى التي تعترض طريقها وتعرقل مساعيها، وتقف سدا حائلا دون تنفيذ تلك الفكرة الجهنمية الهائلة، فكرة تسجيل الحماية الإنجليزية على مصر، واحلفوا بالله جهد أيمانكم أنكم وطنيون مخلصون ما خلق الله بين أرضه وسمائه خلقا أطهر قلبا ولا أنقى سريرة ولا أنبل مقصدا منكم، وأنكم لا تريدون بما تفعلون إلا خير الوطن وأهله، وهناء الأمة وسعادتها، فليس
(3/208)

بمغنٍ عنكم عندنا شيئا؛ لأن الوطني لا يحارب الوطني ولا يبتغي له الغوائل، ولا ينصب الحبائل لهدمه وإسقاطه.
دعوى الوطنية كلمة بسيطة تصدر من الفم بسهولة، كما يتنفس المتنفس ويتنهد المتنهد، وقد نطق بها جميع الناس في مصر حتى "سكينة" مجرمة الإسكندرية، فقد زعمت أنها إنما كانت تخدم الوطن بقتل النساء العاهرات ليعتبر بمصرعهنّ الحرائر الشريفات, فلا يسقطن في مثل ما سقطن فيه، فهي دعوى محتاجة دائما إلى برهان، وبرهانها الوحيد الذي نستطيع أن نتعقله بلا تكلف ولا تعمل ولا فلسفة ولا حذلقة هو مجافاة السياسة الإنجليزية والانحراف عنها والتجهم لها وسلوك كل طريق غير طريقها، وما دمتم متفقين معها في اعتبار سعد باشا خصما سياسيا خطرا يجب هدمه وإسقاطه, فأنتم أعوانها وأنصارها ومحال أن تكونوا أعواننا وأنصارنا.
السياسة الإنجليزية تخنق الحرية السياسية في مصر, وتضرب على أيدي الكاتبين وألسنة الناطقين وعقول المفكرين، وتأبى إلا أن تسوق الناس جميعا في طريق السياسة التي ترضاها لنفسها، وسعد باشا يحتج كل يوم على ذلك ويصرخ الصرخات المزعجات التي ترتجف
(3/209)

لها جوانب الأرض وتهتز لها أركان السماء، وأنتم سكوت صامتون، لا تحتجون ولا تغضبون، فهو الوطني المخلص من دونكم.
بيننا وبينكم أمر واحد إن أنتم فعلتموه نلتم ما شئتم من حبنا ورضانا وإكرامنا وإجلالنا، ونزلتم من نفوسنا المنزلة التي ينزلها الوطنيون المخلصون، هو أن تعقدوا اجتماعا عاما تكتبون فيه احتجاجا شديد اللهجة إلى الحكومة الإنجليزية على بقاء الأحكام العرفية في مصر حتى اليوم، وعلى القوانين الاستثنائية وقانون المطبوعات، وتقييد حرية الخطابة والكتابة، ومنع المظاهرات السلمية والاجتماعات السياسية، واعتبار الوطنية جريمة تعاقب عليها المحاكم العسكرية والنظامية، ثم تختمون احتجاجكم بهذه الكلمة: "إنا لا نقبل مفاوضة سياسية تجري بين فريقين؛ أحدهما سجين في سجن مظلم ضيق لا يستطيع التنفس فيه ولا الحركة، والآخر سجان قاسٍ مستبد يجرد على رأسه سيف القوة والقهر, ويملي عليه ما يريد ويشتهي".
هذا هو البرهان الوحيد الذي تستطيعون أن تقنعونا من طريقه بوطنيتكم وإخلاصكم لأمتكم ووطنكم، وأنكم قوم أحرار أباة متشبعون بروح العدل والشرف.
فإن لم تفعلوا فأذنوا لنا -ولنا العذر الواسع في ذلك-
(3/210)

أن نعتبركم أعداءنا وأعداء حريتنا واستقلالنا، وأن نتمسك بالإخلاص للرجل الذي يذود عنا, ويجاهد في سبيلنا, ويحارب ظالمينا.
أتدرون متى نتخلى عن سعد باشا ونخذله ونرتاب في صدقه وإخلاصه؟ يوم ترضى عنه السياسة الإنجليزية، وتذود عنه الصحف الإنجليزية, وتثني عليه الدوائر الإنجليزية، وتدافع عنه القوة الإنجليزية، وتستحيل نفسه إلى نفس إنجليزية يحس بإحساسها ويشعر بشعورها، ويتحرك بحركتها، ويسكن بسكونها، ويوم تضمه الحكومة الإنجليزية إلى صدرها، وتحنو عليه حنو الوالدة المشفقة على طفلها الصغير، معتقدة أن حياتها في حياته، وموتها في موته، وما دام سعد باشا باقيا في صفوفنا لم يفارقنا ولم يتخل عنا، فمن الخبل والسفاهة وسقوط النفس أن نفارقه ونتخلى عنه، فإن عجز عن أن ينفعنا بشيء في قضيتنا فلا أقل من أن يشفي غليلنا بتنغيص ظالمينا، ولا شيء في العالم ألذ للنفوس ولا أشهى إليها من تنغيص الظالمين.
ليست الفضيحة أيها القوم أن يعلم أعضاء مجلس النواب الإنجليزي أن رجال الإدارة المصرية لا إرادة لهم أمام السلطة الإنجليزية وسيطرتها كما تقولون، فليس في العالم كله لا في إنجلترا ولا في غيرها من بلاد العالم من يجهل ذلك أو يستنكره، إنما الفضيحة الكبرى
(3/211)

أن يعلم الناس عنا أن السياسة الإنجليزية قد استطاعت أن تضحك على ذقون فئة من عظماء المصريين ووجوههم، وتتخذ منهم عصا حديدية تضرب بها الوحدة المصرية وتمزقها، وأن جماعة من الذين كانوا يعبدون سعدا بالأمس ويقدسونه قد أصبحوا اليوم يشتمونه وينالون من كرامته لا لشيء سوى أنهم يدورون مع القوة حيث دارت، ويسيرون وراء المصلحة حيث سارت.
أنتم تعلمون أن اليد الإنجليزية الخفية هي التي تدير شئون مصر السياسية والإدارية والقضائية منذ أربعين عاما، وتقهر رجال حكومتها من وزرائها إلى خفرائها على تنفيذ أوامرها والخضوع لسياستها، ولم يطرأ حتى اليوم طارئ جديد يغير هذا النظام ويبدله، ولولا ذلك ما شكونا ولا تألمنا ولا نهضنا لطلب الحرية والاستقلال، بل ولا سافرت البعثة الرسمية في المهمة التي سافرت فيها، وتعلمون أن تلك اليد القاهرة هي التي تولت أمر اغتصاب الثقة بالوزارة الحاضرة, وقهرت رجال الإدارة على الاشتراك معها فيها تمهيدا للاتفاق المنتظر الذي تريد أن تلبسه صورة الرضا والاختيار من أساسه إلى ذروته، كما هو شأنها في سياستها دائما، وكما هي قاعدتها التي تجري عليها في جميع أعمالها.
(3/212)

فدفاعكم عن رجال الإدارة في هذه المسألة إنما هو دفاع عن السياسة الإنجليزية نفسها وتبرئة لذمتها من سوء النية والقصد في إدارة الشئون المصرية ومساعدة لها على أن تجري في مسألة الانتخابات المقبلة للجمعية الوطنية على مثال الطريقة التي جرت عليها بالأمس في مسألة العمال المتطوعين، من حيث لا تعلق بها تهمة، ولا يتجه إليها لوم ولا عتاب، فأنتم لم تغضبوا لرجال الإدارة ولا لسمعة مصر والمصريين كما تزعمون، بل تخافون أن تفشل السياسة الإنجليزية في تنفيذ المعاهدة المنتظرة فتتخلى القوة عنكم فتصبحوا أمام الأمة وجها لوجه, وما أضمرتم بين جوانحكم من البغضاء لسعد باشا لأنه أهان رجال الإدارة أو جرح عواطفهم, بل لأنه الزعيم الوطني الوحيد الذي يستطيع أن يفسد كل سياسة خبيثة يراد بها اغتصاب رضا المصريين واستخذاؤهم لتلك الكارثة العظمى التي تسمونها استقلالا لا شك فيه، ونسميها حماية لا ريب فيها.
ماذا تنقمون من سعد باشا أيها القوم، وأي جناية جناها عليكم في أنفسكم أو في أمتكم فتحملوا له بين جوانحكم هذه الموجدة وهذا البغضاء؟!
ليس سعد باشا هو الذي اغتصب بلادكم واستأسر أوطانكم وأذل أعناقكم وأرغم أنوفكم وخنق الحرية السياسية
(3/213)

في مجامعكم العامة, ومجالسكم الخاصة فما يستطيع أن ينطق ناطق, ولا أن يكتب كاتب إلا إيماء وتعريضا.
ليس سعد باشا هو الذي لعب بعقول فريق من أعضاء الوفد, وأغراهم بالانفصال عن الجامعة الوطنية والخروج عليها ليتوصل بذلك إلى تمزيق شمل الأمة وتفريق وحدتها، وليس هو الذي استثمر بدسائسه ومكائده طمع الطامعين وجبن الجبناء وغباوة الأغبياء ليستعين بهم على خراب وطنه, ودماره.
ليس سعد باشا خصمكم، بل خصومكم أولئك الذين يغرونكم به ويسلطونكم عليه؛ لأنهم يعلمون أن الأمة لا تفلح بغير زعيم، وأن لا زعيم فيها يعنى عناءه ويسد مكانه، فإن ظفروا به فقد ظفروا بالأمة جميعها وحلوا العقدة التي عجزوا عن حلها أربعين عاما، فحولوا سهامكم إلى خصومكم، ووجهوا ضرباتكم إلى المرقب الذي تتساقط منه السهام عليكم.
ارحموا أمتكم ولا تثيروا حفيظتها بإهانة زعيمها ونصيرها الباقي لها بعد تخلي جميع أنصارها وأعوانها عنها، ولا تنتهزوا فرصة ضعفها وعجزها فتدفعوها إلى إحدى السوءتين، إما الغضب الذي ليس من مصلحتها، وإما الذل الذي فوق طاقتها، واذكروا
(3/214)

كيف يكون شأنكم غدا أمام أنفسكم وأمام ضمائركم إن تمت لأعدائكم الغاية التي يرومونها من مصر على أيديكم، لا قدر الله ولا سمح، بل كيف يكون بكاؤكم وعويلكم على وطنكم وبلادكم حينما تستيقظون من رقدتكم, وتستفيقون من سكرتكم, فتعلمون أن العدو قد اقتحم البلد وأنكم أنتم الذين فتحتم له أبوابه بأيديكم.
(3/215)

إلى خصوم سعد باشا:
2- والله لا ندري ما هي دالتكم علينا وصنيعتكم عندنا ونعمتكم التي قلدتم بها أعناقنا فتطلبوا إلينا كل يوم في خطبكم وبياناتكم ورسائلكم وكل ما تهتف به ألسنتكم وأقلامكم أن ننفض من حول سعد باشا ونلتف من حولكم، ونخذله وننصركم، ونفارق طاعته إلى طاعتكم!
لسعد باشا على الأمة ثلاث أيادٍ لا نستطيع أن ننساها مدى الدهر: أنه أسس الوحدة المصرية التي عجزت عنها القرون الثلاثة عشر الماضية، وأنه نقل الفكرة الوطنية من دور الأماني والأحلام إلى دور الجد والعمل، وأنه نشر الدعوة الوطنية في أنحاء العالم كله حتى وجدت فيه مسألة تسمى "المسألة المصرية" إن لم تتحقق فيها الآمال اليوم فغدا، فماذا قدمتم أنتم إلينا من الخدم وقلدتم به أعناقنا من المنن؟!
هبونا كما تزعموننا قوما سذجا بسطاء طائشي العقول
(3/216)

والأحلام لا نستطيع أن نعيش بغير معبود نعبده ونخنع له، أليس من الطبيعي والمعقول أن نفضل عبادة الشمس التي نرى نورها ونشعر بحرارتها ونتمتع بضيائها على عبادة الحشرات التي لا نكاد نشعر بوجودها، ولا نرى لها فائدة في شئون حياتنا؟
من أنتم أيها القوم، وأي شأن لكم عندنا، وما هي الصلة النفسية التي تجمع بيننا وبينكم، وأين مواقفكم التي وقفتموها في خدمة قضيتنا، وأين صحائفكم التي شغلتموها من تاريخ بلادنا، وما الذي يغرنا بكم ويبهرنا من شئونكم لنعبدكم ونستسلم إليكم ونضع في أيديكم قيادنا وقياد حاضرنا ومستقبلنا؟
إنا نعرفكم جميعا بأشخاصكم وأعيانكم, ونعرف جميع ميولكم وأهوائكم والجهة التي تتجهون إليها دائما في شئون حياتكم، والسياسة التي تظاهرونها وتمالئونها مذ برزتم إلى الوجود حتى اليوم، ونعرف أنكم ذلك الفريق الذي يعثر به المستعمر دائما في كل أمة يريد القضاء عليها فيستعين به على أغراضه ومآربه لا أكثر من ذلك ولا أقل، فكيف تطمعون في أن نتخذكم زعماء لنا في سياستنا، بل كيف تطمعون في أن نعدكم مصريين تشتركون معنا في شعورنا وإحساسنا.
(3/217)

سعد باشا يبني الوحدة الوطنية وأنتم تهدمونها، سعد باشا يحارب خصومنا ويناوئهم وأنتم توالونهم وتظاهرونهم، سعد باشا يبكي دما يوم يستشهد شهيد منا في سبيل وطنه وأنتم تشمتون به وتفرحون وتقولون: هذا جزاء المخاطرة والمجازفة، سعد باشا يثير الثائرة كل يوم على الأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية وأنتم ترضون عنها, بل تؤيدونها, بل تشتركون في وضع موادها، سعد باشا يريد أن تتطهر الإدارة المصرية من رذائل الكذب والنفاق والظلم والإرهاق وأنتم تغرونها بارتكاب هذه الرذائل جميعها وتمالئونها عليها وتغضبون وتصخبون كلما شعرتم أن يدا من الأيدي تحاول زحزحة الستار عنها، سعد باشا يصيح في جميع مواقفه ومشاهده يجب أن يكون الشعب حرا مطلقا يختار لنفسه السياسة التي يريدها وأنتم تصيحون يجب أن يساق الشعب إلى السياسة التي تراد منه؛ لأنه شعب جاهل منحط لا يفهم مصلحته ولا يستطيع تقديرها، سعد باشا يصادق الأحرار من أعضاء مجلس النواب الإنجليزي ليستعين بهم على حكومتهم الاستعمارية وأنتم تصادقون أعضاء تلك الحكومة أنفسهم لتستعينوا بهم على استعباد أمتكم وإرهاقها، سعد باشا يربي الأمة على الفضيلة وشرف الخلق ويبث فيها روح الهمة والعزيمة والأنفة والصدق
(3/218)

والصراحة والشرف والإباء, وأنتم تفسدون أخلاقهم وتمزقون أديم آدابها, وتطلبون من القاضي أن يحكم بغير ما يعتقد, ومن الشاهد أن يشهد بغير ما يعلم, ومن الفقيه أن يفتي بما يخالف أحكام دينه وقواعده, ومن الموظف أن يعتمد في رقيه وتقدمه على المداهنة والمداجاة لا على الكفاءة والعمل, ومن التلميذ أن يطرق إلى نجاحه في الامتحان باب "التأييد" والتوقيع لا باب الجد والاجتهاد، ومن الفلاح أن يبيع ذمته وضميره برتبة أو لقب أو قضاء مصلحة مالية, ومن الكاتب أن يحول قلمه الذي وضعته الأمة في يده ليدافع به عنها ويذود عن مصلحتها إلى سهم رائش مسموم يصيب به صميم قلبها، ومن الأمة كلها أن تتجرد من شخصيتها وهويتها وتتحول إلى قطيع من الأغنام يسير به كل راعٍ في الطريق التي يريدها.
سعد باشا يقول فيصدق وما عرفنا له كذبة قط مذ عرفناه واتصلنا به حتى اليوم، وأنتم تطلعون علينا كل يوم بأكذوبة جديدة لا ينتهي العجب منها حتى تتبعها أختها, حتى سقطتم من أعيننا سقطة لم تسقطها طائفة من قبلكم، وحتى قال عنكم بعض أصحاب الرأي من الشيوخ المحنكين: إنكم قد أفسدتم
(3/219)

من أخلاق الأمة في بضعة شهور فوق ما أفسد الاحتلال الإنجليزي منها في أربعين عاما.
فهل من أجل هذا ننفض من حول سعد باشا ونلتف من حولكم، ونخذله وننصركم، وننزع عن رأسه تاج الزعامة لنضعه فوق رءوسكم؟!
إنكم إذن تريدون أن تقرروا أن أرض مصر قد استحالت إلى دار مارستان كبرى يعيش فيها أربعة عشر مليونا من المخبولين, وأن تشهدوا العالم كله على أننا أمة بلهاء ممرورة لا تستحق استقلالا كاملا ولا ناقصا, بل لا تستحق البقاء في هذا الوجود.
ليس لنا أيها القوم زعيم نعبده ونخنع له غير المبدأ، وما ولينا سعدا باشا زعامتنا إلا لأنه ينزل على إرادتنا، وإرادتنا أن لا ينزل على إرادتكم، ولا يأخذ برأيكم، ولا يسير في أي طريق يعلم أنكم تسيرون فيها، وما دام هذا شأنه فمحال أن نغدر به ونخفر ذمته، ومحال أن نخلي بينكم وبينه ونسمح لكم بشفاء غليلكم منه ونحن شهود نسمع ونرى.
عجبا لكم, فيكم العالم والمستنير والفيلسوف والكهل المجرب والشيخ المحنك, فكيف فاتكم جميعا أن تفهموا أن للطبيعة سنة
(3/220)

لا يمكن تحويلها ولا تبديلها، وأن تحويل أمة مستنيرة ذكية عددها أربعة عشر مليونا من الحياة إلى الموت في بضعة شهور ليس بالأمر السهل الهين، وأن نقل الزعامة من يد إلى يد ليس من الأشياء الخاضعة لقانون الحول والقوة, بل لقانون الانتخاب الطبيعي الذي تخضع له الجمعية البشرية منذ أشرقت عليها شمس الحياة حتى اليوم، وأن توجيه النفس الإنسانية من شعور إلى ضده لا يأتي من طريق القوة والقهر, بل من طريق الحجة والإقناع أو من طريق الاستدراج والاستهواء على الأقل.
ما أشد غروركم بأنفسكم أيها القوم! وما أشد احتقاركم لأمتكم! أما غروركم بأنفسكم فلأنكم ظننتم أنكم بإلقاء بعض الخطب وكتابة بعض الرسائل وتدبير بعض المكائد وإنفاق بعض الأموال تستطيعون تحويل الأمة المصرية بأجمعها من حب سعد إلى بغضه، ومن الثقة به إلى الثقة بغيره، ومن التمسك والتشدد في المطالب الوطنية إلى القناعة والتهاون فيها، ومن سوء الظن بالسياسة الإنجليزية إلى حسن الظن بها، ومن السخط على مشروع ملنر إلى الرضا عنه والاغتباط به، بدون استناد إلى حجة ولا برهان، كأن ما تفضون به إلى الناس آيات منزلة لا يأتيها الباطل من بين
(3/221)

يديها ولا من خلفها، وما طمع صاحب الآيات المنزلة نفسه -جل جلاله- أن يؤمن الناس بآياته ويذعنوا لها دون أن يدعمها بالحجة والبرهان، وأما احتقاركم لأمتكم فهو اعتقادكم أنها أمة بسيطة ساذجة تأتي بها كلمة وتذهب بها كلمة وتعلو بها فكرة وتهبط بها أخرى، وكأنما أنتم تقولون في أنفسكم: إن الروح الوطنية التي تختلج في صدرها إنما هي روح صناعية غرستها الحوادث والظروف, فلم لا تنتزعها الحوادث والظروف، وإن الوحدة الوطنية التي تربط بين أجزائها إنما هي وحدة كاذبة موهومة فلم لا نبددها ونمزق شملها، وإن المنزلة التي نالها سعد باشا فيها إنما نالها بالسفسطة والثرثرة فلم لا نسلط عليها السفسطة والثرثرة لتذهبا بها، وما دام هذا مقدار عقلها وتصورها فمن السهل علينا أن نعدها بأننا نحن الذين سننيلها جميع آمالها ومطالبها لتطمئن إلينا حتى إذا حان وقت الوفاء بوعدنا قدمنا لها القيد الحديدي الذي أعددناه لها, وسميناه خلخالا ذهبيا فتصدق وتغتبط وتستطير فرحا وسرورا.
إن كان هذا هو ما تضمرون في أنفسكم, وما أحسبكم تضمرون غيره, فوالله ما احتقر أحد في العالم هذه الأمة احتقاركم لها ولا رأى شعب من الشعوب فيها حتى الشعب الذي
(3/222)

يستعبدها ويستذلها هذا الرأي الذي ترونه، واسمحوا لي أن أقول لكم بعد ذلك: إنه ما دامت أفكاركم وآراؤكم في المجتمع وشئونه والأمم وطبائعها والنفوس ومشاعرها لا يمكن أن تتجاوز هذا القدر الذي وصلت إليه, فليس بينكم رجل واحد يستطيع أن يكون زعيما لأمة أو زعيما لقرية أو زعيما لنفسه.
(3/223)

إلى خصوم سعد باشا:
3- إن كنتم تريدون أن تجردوا سيف القوة والقهر على رءوسنا لتستلوا من بين أشداقنا كلمات الحمد لكم والثناء عليكم, والاعتراف بأنكم أصدق الناس وطنية وأشدهم إخلاصا وأعدلهم حكما وأسدهم رأيا وأبعدهم نظرا, وأنكم خير من يتولى قيادة المسألة المصرية حتى يبلغ بها الغاية المرجوة لها, فلكم ما شئتم وفوق ما شئتم، ولا عار علينا في ذلك؛ ففينا الضعيف والعاجز والمضطر وصاحب الحاجة، ومن قبلكم عالجت محكمة التفتيش في أسبانيا من أهليها مثل ما تعالجون منا اليوم فنطق الموحد بكلمة التثليث، ولبس صاحب العمامة القلنسوة، وعلق حامل المصحف الصليب، ومن قبل ذلك أرغم كثير من أمراء الإسلام العلماء والفقهاء على اتباع المذاهب والنحل التي ينتحلونها, فلم يجدوا بدا من الإذعان لهم والنزول على حكمهم، غير أن لنا عندكم رجاء واحدا لا نضرع إليكم في شيء سواه، وهو أن تعترفوا بالطريقة التي حملتمونا بها على الإذعان والتسليم وألا تكذبوا علينا فتنشروا
(3/224)

في الناس أنكم أقنعتمونا فاقتنعنا، وأقمتم لنا الحجة فسلمنا، وأننا آمنا بكم طائعين مختارين، فتلك النكبة العظمى والرزيئة الكبرى التي لا قبل لنا باحتمالها، وخير لنا أن يتحدث الناس عنا أننا ضعفنا وجبنا بين أيديكم فلم نستطع إلا النزول على حكمكم, والتسليم لكم بما تريدون من أن يقولوا عنا: إننا انخدعنا بكم, وصدقنا أكاذيبكم.
لا نطيق أن يتحدث الناس عنا أننا صدقنا أن أصدقاء الحماية بالأمس أعداؤها اليوم، وأن الذين أغمدوا في صدورنا تلك الخناجر المسمومة قد تحولوا اليوم إلى أطباء راحمين يحاولون انتزاعها منا، وأن الفارين من صفوف الجيش الوطني إلى صفوف جيش العدو ليحاربونا معه ويعينوه علينا وطنيون مخلصون، وأن الذين يرمون الأمة بالجهل والغباوة والانقياد إلى زعمائها انقياد القطيع لراعيه بلا تصور ولا إدراك أصدقاء لها, يعطفون عليها ويتمنون لها الخير والسعادة، وأن اتفاق السياستين سياسة الحكومة المصرية وسياسة الحكومة الإنجليزية في الأقوال والأفعال والشعور والإحساس والميول والرغبات والأساليب والتصورات من باب توارد الخواطر
(3/225)

ووقوع الحافر على الحافر كما يقول البلاغيون، وأن الديموقراطية الصحيحة هي أن تخضع أكثرية الأمة العظمى لأقليتها الضئيلة المتهالكة, فإن لم تفعل فهي المنقسمة والمنشقة والمنحرفة عن سواء السبيل، وأن الزعيم الوطني يجب أن يكون رجلا مجردا من صفات البطولة والنبوغ والشخصية القوية والذكاء الخارق ليصلح لزعامة الأمة وقيادتها، وأنه كان من الواجب على سعد باشا كلما برز إليه رجل من الرجال وقال له: تنح لي عن زعامة الأمة وقيادتها لأتولاها من دونك وأمدني فوق ذلك بقوتك ونفوذك وثقتك لأستطيع أن أنزل من نفوس الأمة المنزلة التي تنزلها, وأتمتع بحبها واحترامها بدلا منك وجب عليه أن يفعل ذلك, فإن أبى فهو مستبدّ جبار لا تقع تبعة انقسام الأمة وتفرقها إلا على رأسه ولا يؤخذ بها أحد سواه، وأن المفاوض الذي لا يمثل إلا فئة قليلة من الشعب لا تجرؤ أن ترفع صوتها إلا بين جدران الحصون وتحت ظلال السيوف أعظم قوة وأكبر نفوذا وأثبت قدما وأقدر على استنزال مفاوضه على حكمه من الزعيم الذي يمثل أربعة عشر مليونا يغضبون لغضبه ويرضون لرضاه، وأن المستر سوان وزملاءه القائلين بنظرية استقلال الأمة وحريتها وحقها المطلق في تقرير مصيرها قوم استعماريون محافظون, تجب مقاطعتهم ومجافاتهم وطردهم
(3/226)

وإهانتهم، وأن اللورد ملنر منظم الحماية الإنجليزية في مصر ومسجلها عليها رجل حر شريف متسامح تجب مواصلته ومفاوضته والحفاوة به، وأن وفود جماعة من أعضاء مجلس النواب الإنجليزي إلى مصر كما يفد إليها السياح الأوروبيون في كل يوم للاطلاع على الحالة السياسية العامة فيها تداخل في شئوننا الداخلية يجب الغضب له والأنفة منه، أما صدور أمر من السلطة العسكرية الإنجليزية بمنع رجل مصري صميم من الانتقال من بلد إلى بلد فهو سائغ مقبول لا رائحة فيه للتداخل مطلقا, ولا خطر منه على استقلال الإدارة المصرية وحريتها، وأن الواجب علينا أن نصبر ونتريث وأن لا نسيء الظن بأعدائنا قبل أن نرى منهم عين الغدر، وأن نسمح لهم بالزحف علينا، ثم باجتياز العقبات التي تعترضهم في طريقهم إلينا, ثم باحتلال القلاع والحصون المشرفة علينا، ثم بتوجيه فوهات مدافعهم إلى منازلنا وبيوتنا، فإذا شرعوا في إلقاء القنابل وقذفها علمنا أنهم يريدون السوء بنا فحاربناهم وقاومناهم، وأن سعدا باشا زعيم الأمة ورئيسها المفدى وموضوع حبها واحترامها وإجلالها وإعظامها ظمآن إلى الرئاسة يتلهف شوقا إليها ويتهالك وجدا عليها، أما عدلي باشا فهو رجل زاهد فيها قالٍ لها ما يحتمل أن يشاك شوكة في سبيلها.
(3/227)

لا نطيق أن يتحدث الناس عنا أننا صدقناكم في شيء من هذا كله, ولو أننا فعلنا لوضعنا في أيديكم مستندا قويا هو أقوى في دلالته على غباوتنا وجهلنا من جميع المستندات التي جمعتموها حتى اليوم لتكون في يد السياسة الإنجليزية أسلحة تحتج بها علينا, وتدفع بها في صدور الذين يزعمون أننا أمة عاقلة رشيدة, نستطيع أن نحكم أنفسنا بأنفسنا.
اصنعوا بنا ما شئتم، وافتنوا في ظلمنا وإرهاقنا ما أردتم، وخذوا من عرائض الثقة والتأييد ما تملئون به غرف وزارة الخارجية الإنجليزية من أرضها إلى سمائها، فتلك إرادة الله التي لا محيص عنها، ولكن إياكم أن تزعموا أننا أعطيناكم من قلوبنا ما أعطيناكم من ألسنتنا، فذلك ما نغضب له كل الغضب وما يملأ صدورنا غيظا وحنقا.
نقسم لكم بالله أننا ما رأينا في حياتنا ولا في تاريخنا الحاضر أو الغابر أطمع ولا أشره منكم! ألم يكفكم مساعدة الدهر لكم ونزوله على حكمكم, وأن القوة الحربية من ورائكم تمدكم بكل ما تقترحون من سلاح وعدة، وأن في استطاعتكم متى شئتم أن تقهرونا على كل ما تريدون دون أن يحاسبكم عليه محاسب أو يراقبكم مراقب حتى أردتم أن تجمعوا إلى متعة الظلم الوحشي الذي تنعمون به متعة السمعة الحسنة, والذكرى الطيبة!
(3/228)

تريدون أن تظلموا فيسمي الناس ظلمكم عدلا، وأن تقتلوا فيقبّل المقتول أيديكم اعترافا بفضلكم، وأن تختلسوا الثقة من الناس اختلاسا فيشكر لكم هؤلاء الناس تفضلكم بقبول الهدية التي قدموها إليكم، وأن تضعوا الأغلال الثقيلة في عنق الأمة فترقص فرحا وسرورا بالعقود اللؤلؤية الجميلة التي قلدتم بها جيدها، وأن تملئوا الجو هواء ثقيلا خانقا فيستنشقه الناس هواء طلقا عليلا، وأن تضعوا على قرص الشمس حجابا كثيفا حتى ما ينبعث منها شعاع واحد, فيبتهج الناظرون بمنظر نورها المتلألئ الساطع.
لقد رمتم مراما لم يرمه أحد من قبلكم، وبلغتم في الأنانية والذاتية الغاية التي لا غاية وراءها، فآه لو استطعتم أن تفهموا وتيسر لكم أن تعلموا أن المستحيل لا يمكن أن يكون ممكنا, والممكن لا يمكن أن يكون مستحيلا, وألا وجود لشيء في العالم غير الحقيقة المجردة!
آه لو فهمتم أن هذه الأمة التي تحتقرونها وتزدرونها وتصفونها بالجهل والغباوة والغرارة والبساطة أمة عظيمة جدا لا مثيل لها بين الأمم في سلامة فطرتها وذكاء قلبها ودقة شعورها وإحساسها وسمو خصائصها ومزاياها, وأن عيبها الوحيد الذي لا عيب فيها سواه
(3/229)

أنكم من أبنائها وسلائلها وأنكم العقبة الكئود التي لا تزال تعثر بها كلما حاولت المضي في طريقها والسعي إلى الغاية التي هيأتها الأقدار لها، ولولاكم ولولا أنكم اليد التي يضربها العدو بها والقنطرة التي يجتازها إليها لما استطاع أن يلمس شعرة من رأسها, ولا أن يخطو خطوة في أرضها, فمتى نفرغ منكم! ومتى يحكم الله بيننا وبينكم!
لا عذر لكم بعد اليوم، فقد قلتم كل شيء وفعلتم كل شيء، واستنفدتم جميع ما وهبكم الله من القوى العقلية والمادية ستة شهور كاملة في سبيل إسقاط سعد باشا فلم تسقطوه, وفي حمل الأمة على التهاون في حقها فلم تستطيعوا، فماذا تنتظرون؟
أمصممون أنتم على الاستمرار في خطتكم هذه إلى النهاية؟ أعازمون على أن تعتبروا الأمة كمية مهملة لا حساب لها، وأن تؤلفوا من هذه الفئة البسيطة المسكينة جمعية وطنية تزعمون أنها الأمة بأجمعها لتصدق لكم على المشروع الإنجليزي المنتظر؟
إن كان هذا هو ما تريدون وما أحسبكم تريدون غير هذا, فاعلموا أن للأمة شأنها المستقل عن شأنكم وشأن مشروعكم وجمعيتكم، وأن ما تعملونه لا ينفعكم ولا ينفع أصدقاءكم، ولا يغني عنكم ولا عنهم شيئا.
(3/230)

إلى خصوم سعد باشا:
4- أتدرون ماذا فعلتم بالأمس في أسيوط وماذا كنتم تريدون أن تفعلوا في كل بلد ينزله سعد باشا في رحلته لو وجدتم إلى ذلك سبيلا؟
إنكم قد وقعتم بأنفسكم على صك اعترافكم بعجزكم وقصوركم وفراغ أيديكم من كل حول وقوة، وإن هذا منتهى ما في وسعكم وكل ما تملك أيمانكم.
أبعد ستة شهور كاملة تكتبون وتخطبون وتدسون وتكيدون وتلفقون وتكذبون وتصادرون حرية الألسنة والأقلام والنظر والتفكير، وتنثرون ذهب المعز، وتجردون سيفه في كل بقعة وأرض؛ لتكوين حزب سياسي عظيم يعضد الإنجليز في سياستهم، ويعين الوزارة على البقاء في مركزها، ويقارع حزب سعد باشا مقارعة البطل للبطل، ينكشف الستار عنكم،
(3/231)

فإذا أنتم رؤساء عصابات، وإذا الحزب الذي كونتموه فئة من اللصوص المجرمين حملة الهراوات والنبابيت، وسكان الأحراش والغابات، يستطيع كل إنسان يأمن جانب الحكومة ويملأ يده منها وإن كان أجبن الجبناء، وأضعف الضعفاء، أن يستعين بمثلهم على مثل ما استعنتم بهم عليه؟
أهذا هو الحزب السياسي العظيم الذي هيأتموه للفصل في القضية المصرية، ورشحتموه لعضوية الجمعية الوطنية التي تتولى البتّ في حاضر مصر ومستقبلها؟
أهذا هو الحزب المفكر العامل الذي يمشي إلى أغراضه السياسية بخطوات هادئة رزينة يعجز عن مثلها الجمهور الأهوج المستطار, الذي تنعون عليه كل يوم طيشه وخفته وجهله ورعونته؟
أما إني لو كنت مكان رئيس الوزارة الذي تزعمون أنكم حماته ودعاته، وأنصار سياسته، وعماد وزارته، لأحسنت تأديبكم على غشكم إياي وخديعتكم لي، حينما زعمتم أنكم رؤساء مطاعون في عشائركم وقبائلكم، وأن في استطاعتكم تكوين حزب سياسي قوي يغمر بقوته وعظمته ونبله وشرفه حزب "الرعاع" الذي كونه سعد باشا, فإذا أنتم لا شيء، وإذا الحزب
(3/232)

الشريف النبيل الذي كونتموه وسميتموه باسمي، ونسبتموه لي، جماعة من قطاع الطرق يترفع عن الاتصال بهم عمدة قرية صغيرة، فضلا عن رئيس حكومة عظيمة!
ما هكذا تساق الأمم أيها البلهاء، ولا هكذا تقاد الشعوب، ولا بمثل هذه الأساليب توجه الأفكار إلى الخطط السياسية، وما سمعنا قط إلا في عرفكم واصطلاحكم أن النبابيت والعصي والخناجر والبنادق وسيلة من وسائل التأثير والإقناع!
حاربوا الرجل بالألسنة والأقلام كما يحاربكم، وقارعوه بالحجة والبرهان كما يقارعكم، وحاجوه بالصراحة والصدق والنبل والشرف كما يحاجّكم، فإن أمكنكم ذلك فذاك، وإلا فلا تلجئوا إلى الضربة الخائنة الغادرة التي يلجأ إليها المبارز الجبان حينما يعجز عن الثبات أمام خصمه، ويشعر بتفوقه عليه.
ما أقساكم وما أغلظ أكبادكم! أمن أجل تقديم مستند بسيط للسياسة الإنجليزية تعتمد عليه في إثبات أن الرجل الذي يفاوضونه اليوم يمثل الأمة المصرية أو أكثريتها، وأن الاتفاق
(3/233)

الذي يعقدونه معه كيفما كان شأنه اتفاق سائغ مشروع, ومن أجل أن يتيسر لوكيل وزارة الخارجية الإنجليزية أن يصرح في مجلس النواب بوجود فتنة في مصر بين حزب زغلول باشا وحزب الحكومة تسفكون دماء أبناء وطنكم, وتقترفون أكبر جريمة تعاقب عليها الشرائع السماوية والأرضية، وتلبسون أنفسكم وأبناءكم وذراريكم العار الذي لا يبلى أبد الدهر!
أليس لكم أولاد تخافون أن ينتقم الله منكم فيهم, ونساء تخشون أن يذرفن الدموع غدا على فلذات أكبادهن بما أذرفتم من دموع أولئك الثكالى المساكين اللواتي فجعتموهن في أولادهن وفلذات أكبادهن؟!
أين هم أولئك العدليون الذين تتحدثون عنهم وتحاولون إقناع السياسة الإنجليزية بوجودهم؟ وفي أي أرض يقطنون وتحت أي سماء يعيشون؟!
أمن أجل بضع شراذم من الضعفاء المخدوعين، وآخرين من المتملقين المداهنين الذين يوجد مثلهم في كل أمة وشعب, والذين يطيرون مع القوة حيث طارت ويقعون معها حيث وقعت ويعضدون كل حكومة حتى حكومة نيرون, تزعمون أن الأمة منقسمة على نفسها, وأنها فريقان: سعديون
وعدليون؟!
(3/234)

لم يتكون حزب سياسي في مصر لعدلي باشا والناس لا يعرفون من أمر الرجل شيئا سوى أن السياسة الإنجليزية اختارته لرئاسة الوزارة والمفاوضة في المسألة المصرية، فإن ذكر ذاكر منهم شيئا من ماضيه لا يذكر له سوى أنه كان عضوا مهما في وزارة الحماية التي ضربت على مصر في سنة 1914, وأنه أول رجل ثغر في جنح الظلام ذلك السد المتين الذي أقامته مصر لمقاطعة لجنة ملنر، وأنه أول رئيس وزارة اجترأت على مفاوضة الإنجليز في المسألة المصرية رغم إرادة الأمة, وإرادة وكلائها.
لِمَ يتكون حزب سياسي لعدلي باشا يتشيع له ويحتد في مناصرته وتأييده ويحمل النبابيت والعصي لمحاربة خصومه قبل أن يحرك يدا أو لسانا في القضية المصرية, وقبل أن يعلم الناس ما هو صانع فيها غدا, أيفي بالوعد الذي وعدهم إياه أم تحول الحوائل بينه وبين الوفاء؟ وهل الثقة إلا نتيجة طبيعية للعمل والإحسان فيه؟
لِمَ يتنكر الناس لسعد باشا ويتحولون من مسالمين له إلى محاربين؟ هل خان الأمانة التي عهدوا بها إليه؟ أم قصر في المطالبة بحقهم، والتعبير عن آمالهم وأمانيهم، أم وعدهم بالنزول على
(3/235)

رغبتهم فقادهم بالسيف والنار إلى النزول على رغبته, أم حول الحرب التي كانت بينهم وبين أعدائهم إلى حرب بينهم وبين أنفسهم؟ أم وضع الكمائم في أفواههم فلا ينطقون، والأغلال في أيديهم فلا يتحركون، أم نغص عليهم حياتهم الاجتماعية، وحول ابتساماتهم إلى دموع، ومسراتهم إلى أحزان وآلام، وآمالهم في الحياة السعيدة إلى يأس وكمد؟
ألم يصدروا قرارهم الإجماعي في أمره يوم احتفلوا بقدومه من أوروبا احتفالا لم يظفر به ملك متوج ولا فاتح كبير، فأي الأحداث أحدث بعد ذلك فيتنكروا له، ويضمروا له البغضاء بين جوانحهم؟
ألم يزل يهتف بالاستقلال التام لبلاده كما كان يهتف به من قبل؟
ألم يزل يقارع الأعداء الغاصبين في حاضره, كما كان يقارعهم في ماضيه؟
ألم يحاولوا خداعه والعبث بضميره واستنزاله عن صلابته وعناده في التمسك بحقوق بلاده, فلم يغتر ولم ينخدع, وآثر أن يستهدف لهذه الحرب الهائلة التي يثيرها عليه أعداؤه وأنصار أعدائه من بني وطنه على أن يفرط في ذرة واحدة من حقوق الوطن المقدسة؟
(3/236)

ألم يكن في استطاعته أن يقبل رئاسة الوزارة حينما عرضوها عليه ليتمتع برؤية رجال الإدارة الذين يتنافسون اليوم في الإساءة إليه, والنيل من كرامته وهم وقوف على بابه يتلقون أوامره, ويطيرون بها في كل مشرق ومغرب, فلم يفعل وفضل أن يكون فردا من أفراد أمته واقفا بجانبها, يتلقى معها اضطهادات الحكومة ونكاياتها, ويشرب معها بالكأس التي تشرب منها على أن يكون آلة في يد السياسة الإنجليزية لقتلها وخنق حريتها؟
أمن أجل هذا يبغضه الناس ويتنكرون له, ولا يقنعون منه بذلك دون أن يحملوا له الهراوات والعصي ليمنعوه من النزول ببلادهم؟
هل تنازلوا عن مطالبهم الوطنية ونفضوا أيديهم منها, فهم ينكرون عليه تمسكه بها وتشدده فيها؟
هل صفت مياه الود بينهم وبين الإنجليز، وحل الحب والوئام بينهما محل البغضاء والشحناء، فهم لا يريدون منه أن يكدر عليهم هذا الصفاء؟
هل كانوا يجاملون فيه "عدلي باشا" يوم أجلوه وأعظموه, وأحلوه ذلك المحل الأعظم من نفوسهم، فلما تنكر له الرجل
(3/237)

وجافاه تنكروا له معه, وغضبوا لغضبته؟
هل كانت وطنيتهم نوبة من نوبات الجنون كما كان يشيع عنهم أعداؤهم, فلما استفاقوا رأوا أن ينتقموا من ذلك الإنسان الذي أثار في نفوسهم تلك العاطفة, وأجّج نارها في صدورهم؟
اللهم لا هذا ولا ذاك، وكل ما في المسألة أن الوزارة تريد البقاء في مركزها، ولا يمكنها البقاء فيه إلا إذا نفذت المشروع الإنجليزي المنتظر، ولا سبيل لها إلى ذلك إلا إذا فضت الأمة من حول سعد باشا وحملتها على الالتفاف حولها وتأييد سياستها، وقد عجزت عن أن تصل إلى ذلك فهي تزعمه وتدعيه, وتمثل هذه الرواية الغريبة التي هي أشبه الأشياء بقصة ذلك الرجل الذي أراد أن يتوسل إلى قلب حبيبته بعمل من أعمال البطولة التي يحبها النساء ويمنحن الرجال عطفهن من أجلها، كأن ينجيها من غرق أو ينقذها من هوة أو يخلصها من أيدي اللصوص, وهو أعجز الناس عن ذلك فاستأجر جماعة من الغوغاء واتفق معهم على تمثيل رواية خلاصتها أنهم يكمنون لها في طريق مرورها تحت جنح الظلام حتى إذا مرت بعربتها هجموا عليها, وتظاهروا بأنهم يريدون قتلها وسلبها, فيمر هو في تلك الساعة
(3/238)

كأنه سائر في طريقه مصادفة واتفاقا, فيهجم عليهم هجمة شديدة تلقي الرعب في قلوبهم, ويطلق عليهم مسدسه المحشو بالرصاص الكاذب, فيخافون منه ويفرون من بين يديه فرار الجؤذر من بين يدي الأسد الرئبال، وقد مثل الرواية كما وضعها وكاد ينجح في تمثيلها لولا أن الفتاة كانت ذكية الفؤاد, فقرأت على وجهه حين دنا منها آية التصنع والتكلف فلم تحفل به, ولم تقدم له كلمة شكر على بطولته وشجاعته, وسارت في طريقها وهي تغرب في الضحك عليه وعلى غرابة تصوراته.
هذه هي المسألة لا أكثر من ذلك ولا أقل.
ما أجرأكم أيها القوم على الله, وعلى الناس أجمعين!
أتكذبون على أربعة عشر مليونا من النفوس أحياء يرزقون, يقولون لكم بألسنتهم وأقلامهم وبجميع ما يعرفون من الطرق والوسائل أنهم أنصار سعد باشا وأعداء السياسة الإنجليزية, فتقولون لهم لا بل أنتم أنصار عدلي باشا وأصدقاء السياسة الإنجليزية؟
أيسيل النيل وشاطئاه بالهاتفين للرجل والمرحبين به والخائضين عباب الماء إلى سفينته, مخاطرين بأنفسهم علهم يرون وجهه, أو يسمعون صوته حتى احتجتم في دفعهم وردهم إلى ضرب
(3/239)

الرصاص وإعمال السيوف ثم تقولون بعد ذلك: إن البلاد تكره سعدا باشا ولا تطيق رؤيته، أترون بأعينكم لمعان السيوف في أيدي رجال البوليس, وتسمعون بآذانكم طلقات بنادقهم, وتشاهدون مطاردتهم الناس وهدمهم الزينات ووضعهم العقبات ثم تقولون بعد ذلك: إن الإدارة كانت على الحياد, وإن حزب عدلي باشا القوي العظيم في أسيوط هو الذي أرغمها على منع سعد باشا من النزول إلى البر؟
دعونا من سياسة الدسائس والمكائد والمواربة والمداجاة والتلفيق والتأويل؛ فهي سياسة عقيمة لا تصلح تربة مصر الطيبة الطاهرة لإنباتها واستثمارها، ودعونا من أساليب المكر والدهاء والخبث والرياء ومن قتل القتيل والسير وراء نعشه، وخنق الحرية والبكاء عليها، والإخلال بالأمن العام باسم حفظه وصيانته، وانتهاك حرمات الناس باسم حمايتها والذود عنها، وأمثال ذلك من الأساليب العتيقة البالية التي ذهبت وانقضى عصرها بانقضاء عصور الجهالة والسذاجة، وخذوا بنا في الحقائق المجردة الواضحة التي لا لبس فيها, ولا إبهام.
ارفعوا الأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية, ودعوا الناس أحرارا يفكرون كيف يريدون ويقولون ما يشاءون مما لا يخرج
(3/240)

عن دائرة القانون والنظام، نصدق أنكم قوم أحرار تقدسون الحرية, وتجلّون شأنها.
تزحزحوا قليلا عن تلك الحائط الأجنبية التي تسندون إليها ظهوركم وتستظلون بظلها وتضربون تحت حمايتها، وليكن النضال بيننا وبينكم وجها لوجه، نصدق أنكم أصحاب رأي وعقيدة، وأنكم إنما تعملون بما توحيه إليكم آراؤكم وأفكاركم.
أشيروا على الوزارة بقطع المفاوضات, وقولوا لها: إن الأمة غير راضية عنها ولا عن نتيجتها، نصدق أنكم تنزلون على إرادة الأمة ورغبتها, وأنكم تحترمون إجماعها وتنزلون على حكمها.
اعترفوا بالحقيقة الواقعة التي تعلمونها وتعلمون أن الناس جميعا يعلمونها، وهي أن حزب الحكومة في مصر حزب مصنوع موضوع لو نفس عنه الخناق قليلا, وتخلى عنه العاملان المهمان ذهب "المعز" وسيفه لحظة واحدة لطار في أجواز الفضاء, ولما بقي منه في مكانه إلا أفراد قلائل لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد أو اليدين, وإن مصر لا يوجد فيها إلا حزب واحد تطارده الحكومة وعمالها وأنصارها, نصدق أنكم قوم صادقون مخلصون لا تقولون إلا ما تعتقدون.
(3/241)

هذه هي السبيل الوحيدة لما تطلبون إلينا من الثقة بكم والاعتماد عليكم, واحترام آرائكم وأفكاركم وإجلال مقاصدكم وغاياتكم, فإن فعلتم فأنتم إخواننا وأصدقاؤنا وأكرم الناس علينا, وإلا فقد علمتم رأينا فيكم وما نحن بظالمين ولا عادين, ونسأل الله لكم الهداية والتوفيق.
(3/242)

إلى خصوم سعد باشا:
5- لو أنكم أيها المنشقون بقيتم تحت لواء زعيمكم لم تفارقوه, ولم تنتقضوا عليه إن لم يكن ذلك من أجله فمن أجل كرامة الأمة وشرفها والإبقاء على وحدتها وجامعتها، ولو أنكم إذ أبيتم إلا أن تفارقوه فارقتموه بهدوء وسكون, لم تثيروا الثائرة عليه, ولم تطعنوا خلقه وشرفه وكرامته تلك الطعنات الداميات التي لا يحتمل وقعها في فؤاده أحقر الناس وأصغرهم في عين نفسه شأنا، ولو أنكم يا أعضاء الوزارة بدلا من أن ترسلوا "رشدي باشا" إليه يوم استعصى عليكم أمره ليؤذنه بالحرب وليقول له: إننا قد قررنا رفض شروطك وإغفال أمرك واطّراحك والاستقلال بالعمل من دونك رغم أنفك وأنف الأمة التي تعتز بها أرسلتموه إلى دار الوكالة البريطانية ليقول لصاحبها: إننا قد عجزنا عن إقناع سعد باشا بالتنازل عن شروطه التي اشترطها للمفاوضة وليس
(3/243)

في استطاعتنا وهو زعيم الأمة وقائدها وقلبها الخفاق أن نخاطر بمجافاته ومناوأته إلا إذا قررنا المخاطرة بوحدة الأمة وجامعتها, وذلك ما لا نرضاه لأنفسنا وما يأباه علينا شرفنا وإخلاصنا, فها هي وزارتكم فخذوها إليكم فهي ونحن وكل ما تملك أيدينا فداء لأمتنا ووطننا، ولو أنكم إذ أبيتم إلا البقاء في مراكزكم وإلا أن تذهبوا إلى المفاوضة رغم إرادة الأمة وإرادة زعيمها ذهبتم باسمكم وحدكم دون أن تفتحوا باب العرائض والوفود, وتداخلوا الأمة في شأن الثقة والتأييد, فإن عدتم لها بالنجاح شكرت لكم فضلكم وأولتكم ودها وثقتها, وإلا فلا يعنيها من فشلكم وإخفاقكم شيء.
لو أن ذلك كله كان لبقيت الأمة طول حياتها في موقفها الجليل العظيم الذي وقفته في أعوامها الثلاثة الماضية موقف الاتحاد والتضامن والقوة والبأس والعزة والشرف, ولظلت سائرة في طريق جهادها الوطني تحت قيادة زعيمها حتى تصل إلى الغاية التي رسمتها لنفسها, أو تموت من دونها.
فأنتم يا خصوم سعد باشا وخصوم الأمة جميعها المسئولون عن ذلك الشمل المبدد, والأديم الممزق, والجامعة التي تشوه وجهها وزال رونقها وبهاؤها, وعن حوادث الإسكندرية وطنطا وأسيوط وجرجا, وجميع المظالم التي نزلت بالوطنيين الأبرياء في الأشهر
(3/244)

السبعة الماضية من قتل وسجن وإعدام وتشريد وتعذيب واضطهاد, وعن تلك النهاية المحزنة الأليمة التي انتهت بها المفاوضة الأخيرة، فاعترفوا بذلك ولا تكتموه الناس عسى أن تجدوا لكم في زوايا بعض القلوب مكانا للرحمة بكم والإشفاق عليكم, ولا تحاولوا إلقاء التبعة على غيركم فتضموا إلى جرائمكم الماضية جريمة العناد والإصرار.
من الذي عهد إليكم بالاشتغال بقضية مصر السياسية، وأين هو المؤتمر الوطني أو الهيئة النيابية أو الجمعية الوطنية التي عهدت إليكم بذلك واختارتكم له؟! ومتى كانت الشئون السياسية ميدانا للتجارب والاختبارات ينزل فيه كل من أراد أن يجرب حذقه ومهارته؟!
إن الأمة لم توكل في قضيتها غير رجل واحد قد اختار بضعة أفراد منكم فيمن اختاره من أصدقائه ومعارفه للاستعانة بهم على عمله, ثم لم يحمد أمرهم حين أحس منهم الغدر به وبالقضية المصرية فعزلهم وعزلتهم الأمة معه, فما هذا التشبث البارد بعضوية الوفد والوكالة عن الأمة والنطق باسمها والمفاوضة عنها والأمة لا تعرفكم ولا تفهمكم, ولا صلة نفسية بينها وبينكم ولم تعتقد في وقت من أوقاتها أنكم وكلاؤها أو نوابها أو أمناؤها على سياستها
(3/245)

حتى أوردتموها بإلحاحكم وفضولكم وسوء سياستكم هذا المورد الوبيل.
لا تلوموا سعدا باشا على فشلكم وإخفاقكم ولوموا أنفسكم، فقد أبلى الرجل البلاء العظيم في نصحكم وتحذيركم, وتنبأ لكم بكل ما وقع لكم اليوم كأنما كان يطالع صحيفة من صحائف الغيب فلم تكترثوا له, ولم تحفلوا بنصحه.
قال لكم: إن المفاوض الإنجليزي لا يحفل ولا يعبأ إلا بمفاوض يعتقد أنه يمثل أمته, وينطق بلسانها نطقا حقيقيا لا تمثيليا, فاتهمتموه بحب الرئاسة والسعي وراء الشخصيات ورميتموه بسوء النية والقصد.
وقال لكم: إن الإنجليز لا يريدون بفتح باب المفاوضة معكم إلا الاستعانة بكم على تمزيق شمل الأمة وتبديد وحدتها, وهي القوة الوحيدة التي تملكها ولا تملك غيرها, وألا خير يرجى من هؤلاء القوم لكم ولا لغيركم, فثرتم في وجهه وسمحتم لأنفسكم أن تسيئوا الظن به ولا تسيئوه بالإنجليز.
وقال لكم: احذروا أن تخطوا خطوة واحدة في طريق المفاوضة قبل أن تستوثقوا لأنفسكم بمرسوم سلطاني يحدد موضوع المفاوضة, ويكون أساسا لها فأنكرتم ذلك عليه, وزعمتم أن
(3/246)

في أيديكم من الوعود المؤكدة, والأقسام المغلظة ما يغنيكم عن هذا الاحتياط والاستيثاق.
وقال لكم: إن الإنجليز يخافون أكثر مما يستحيون, وإنهم لا يعرفون في السياسة مودة ولا إخاء, وإنهم لا يريدون من استبدال مفاوض بمفاوض إلا الهرب من شدة الأول والطمع في لين الثاني, فسفهتم رأيه وزعمتم أنهم قوم ذوو أخلاق كريمة وآداب عالية وعواطف شريفة وأمزجة رقيقة, وأنهم يمنحون الصديق الذي يحاسنهم أضعاف ما يمنحون العدو الذي يخاشنهم.
وقال لكم في نهاية الأمر: لا إرادة لي ولا لكم فيما تقضي به الأمة وما تراه في شأني وشأنكم, فلنتحاكم إليها ولننزل جميعا على حكمها, فأكبرتم ذلك منه وسميتموه رجلا ثائرا متمردا لا يخضع لقانون, ولا نظام.
قال لكم كل شيء، وحذركم من كل شيء، فلم تلومونه اليوم وتلقون تبعة إخفاقكم عليه ولم يملأ بغضه صدوركم حتى يصرفكم عن الالتفات إلى عدوكم الحقيقي الذي لعب بكم وعبث بعقولكم, وكون منكم جيشا جرارا لمحاربة أمتكم وتنغيص عيشها وتكدير صفائها حتى إذا قضى حاجته منكم وفرغ من تمزيق شمل الأمة وصدع وحدتها على أيديكم أدار وجهه عنكم, ونبذكم نبذ النواة
(3/247)

بلا رحمة ولا شفقة، وهذا هو المعنى الحقيقي للمفاوضة التي أجراها على أيديكم, وهذا هو كل الغرض المقصود منها.
ليسأل عدلي باشا اللورد ملنر عن هذه النتيجة المحزنة التي انتهى إليها أمره، فهو الذي خدعه وغشه ومناه الأماني الكاذبة ووقف به على رأس ذلك الطريق الجميل الذي ظن أنه ينتهي به إلى زعامة الأمة وقيادتها، ثم لم يلبث أن خذله وتخلى عنه، بل استقال من وظيفته حتى لا يتقيد بالوعد الذي وعده إياه.
ليسأل المنشقون "عدلي باشا" عن السقطة الأدبية العظمى التي هوت بهم من سماء العزة والشرف إلى حضيض المهانة والضعة, فهو الذي زين لهم الانشقاق على زعيمهم والخلاف عليه, وأغراهم باتخاذ خطة في السياسة غير خطته, ففعلوا فكان ذلك عاقبة أمرهم وخاتمة مطافهم.
ليسأل الوزاريون جميعا المنشقين والوزراء عن خيبة الأمل التي لحقت بهم والصدمة الكبرى التي اصطدمتها آمالهم وأمانيهم, فهم الذين خلبوهم واستهووهم وأطمعوهم في الجوائز والمنح والوظائف والرتب يوم يتم لهم الانتصار على أيديهم, فلا هم أدركوا ما أملوا، ولا هم بقوا في صفوف أمتهم يعملون معها, ويجاهدون في سبيلها.
(3/248)

ليسأل كل منكم صاحبه عن نكبته التي نزلت به, ولا تسألوا سعدا باشا عن شيء ولا تلوموه في أمر, بل اشكروا له فضله عليكم ويده عندكم، فلولاه ولولا جهاده ومعارضته ووقوفه في وجهكم ووجه مشروعكم وقفة الأسد الهصور, لتمت على يدكم الجريمة الكبرى، جريمة تسليم البلد إلى أعدائه، ولسجل التاريخ عليكم في صحائفه أنكم أصحاب تلك الجريمة ومقترفوها.
أفهمتم الآن أن سعدا باشا أصدق منكم نظرا وأعلى رأيا وأنفذ بصيرة في بواطن الأشياء، وأنه ما كان يعارضكم يوم عارضكم حبا في الرئاسة أو سعيا وراء الشخصيات كما كنتم تزعمون، بل حرصا على مصلحة البلد وضنا بخلاصه وإنقاذه.
أفهمتم الآن أنه لو كان نزل على رأيكم وخضع لأوهامكم وأحلامكم, وهذا هو ذنبه الوحيد الذي تأخذونه به, لدفن معكم في الهوة التي دفنتم فيها اليوم, ولم يبق في الأمة من بعده صوت صارخ ينادي بحريتها واستقلالها.
أفهمتم الآن أنه لا يوجد بينكم رجل سياسي واحد يكتنه بواطن السياسة ويستشف أعماقها، ويدير معركتها الإدارة الكافلة بفوز الأمة وانتصارها, أو بإنقاذها من خطر الوقوع
(3/249)

في ربقة الأسر على الأقل، وأنه لو تم على يدكم إسقاط سعد باشا كما كنتم تريدون لطال حزنكم وبكاؤكم يوم تطلبون غيره ليقوم مقامه, ويملأ فراغه فلا تجدون.
ماذا كان يظن أعضاء بعثتكم بأنفسهم يوم ذهبوا للمفاوضة على الصورة التي ذهبوا عليها، وكيف كانوا يتصورون أن المفاوض الإنجليزي يعطيهم الاستقلال تاما أو ناقصا وقد تقدموا إليه بيد فارغة من كل قوة يستطيع المفاوض أن يعتمد عليها في مقارعة خصمه, واستنزاله على حكمه؟
لا يستطيعون أن يقولوا له: إن الأمة قوية مسلحة تستطيع أن تنتصف لنفسها بنفسها إن لم تنصفوها؛ لأنه يعلم كما يعلمون أنها ضعيفة عزلاء لا تحمل من الأسلحة أكثر من عصي "الساحل" ونبابيت "الحواتكة" ولا أن يقولوا: إنها متحدة يدا واحدة وقد يكون الاتحاد قوة تقوم مقام القوة المادية؛ لأنهم قدموا إليه قبل ذلك الوثائق والمستندات الدالة على أنها منقسمة على نفسها, وأنها فريقان: سعديون وعدليون, يقتتلون في كل مكان يلتقون فيه كما كان يفعل البروتستانت والكاثوليك في أيرلندا والمسلمون والوثنيون في الهند، ولا أن يقولوا له: إنها متشددة في مطالبها الوطنية لا تقبل فيها مساومة ولا مهاونة؛ لأنهم قالوا له وأقسموا على ما قالوا:
(3/250)

إن أكثريتها قد انفضت من حول سعد باشا والتفت من حولهم، أي: إنها قد تحولت من خطة التشدد والتطرف إلى خطة القناعة والاعتدال، ولا أن يقولوا له: إنها راقية متمدينة تستطيع أن تحكم نفسها بنفسها؛ لأنه يعلم كيف حصلوا على عرائض الثقة التي قدموها إليه وماذا صنعوا بأمتهم في سبيلها، فماذا يعنيه من أمرهم بعد ذلك؟
لا رعاكم الله أيها القوم، ولا رعى يوما اتصلنا بكم فيه، فقد أفسدتم علينا كل شأن من شئون حياتنا، وهدمتم بحمقكم وخرقكم وسوء رأيكم في لحظة واحدة ذلك البناء الفخم الجميل الذي قضينا في بنائه ثلاثة أعوام كاملة، ولم تقنعوا منا بذلك حتى جئتم اليوم تمنون علينا بأن بعثتكم قد قطعت المفاوضات, وأن لها ولكم الحق في الافتخار بذلك.
مرحى مرحى! ألم تكن المفاوضات مقطوعة من قبل اليوم على يد سعد باشا! فهل كان غرض البعثة من ذهابها أن تقطعها مرة أخرى حتى إذا تم لها ذلك عادت تفخر بنفسها وتفخرون بها, وتدعون الناس إلى الاحتفال بها عند قدومها!
تريدون أن نحتفل بها لنجدد بذلك عصر الجاهلية الأولى, أيام ضراعة الشعوب وذلها ومهانتها واستخذائها وتقبيلها يد ضاربها حين يضربها وشرب نخب انتصاره عليها؟
(3/251)

تريدون أن نحتفل بها ليتحدث الناس عنا أننا قد رضينا بجميع المظالم التي نزلت بنا وأغضينا جفوننا على قذاها، وغفرناها لها لأتفه الأسباب وأهونها, فيطمع فينا كل طامع ويعبث بحقوقنا كل عابث؟!
أتريدون أن نحتفل بها لتبرز لنا كل يوم هيئة جديدة تفتح باب المفاوضة في القضية المصرية ثم تقفله لتتمتع بكلمات الثناء عليها، ومشهد الاحتفال بها، ونحن فيما بين هذا وذاك هلكى ضائعون؟!
أتريدون أن نحتفل بها قبل أن نعلم هل نفضت يدها من المفاوضة إلى الأبد, أو أنها قطعتها اليوم لتصلها غدا، وهل صرفت النظر عن عرض مشروع كرزن على الأمة أم تريد عرضه من طريق غير طريقها، وهل الوزارة مصممة على الاستقالة أم تريد البقاء في مركزها أم تريد أن تنحل لتتألف مرة ثانية بصورة أخرى غير صورتها؛ ليبقى لنا شقاؤنا وبلاؤنا الذي نحن فيه مدى الدهر، وهل برئنا من دائها تمام البرء أم لا تزال بقية منه كامنة في أعماق صدورنا, لا نعلم ما الله صانع بها؟!
وبعد, فأين هي المفاوضة التي تزعمون أنها قامت بها, أو أنها قطعتها أو وصلتها؟!
إنها لم تفعل شيئا سوى أنها تقدمت لأداء الامتحان أمام اللورد
(3/252)

كرزن في القدرة على حمل مشروعه إلى الأمة, وتنفيذه فيها فأخفقت, فعادت أدراجها.
فهل هذا هو الفخر الذي تزعمونه لها وتنحلونها إياه, وتريدون حملنا بالأساليب الإدارية المعهودة على الاحتفال بها من أجله؟!
إن كان تمزيق شمل الأمة وتبديد وحدتها والاستعانة بالقوة الأجنبية على إخضاعها وإذلالها وسفك الدماء البريئة في الساحات والشوارع, وزج الوطنيين المخلصين أفواجا أفواجا في أعماق السجون, وابتياع الذمم والضمائر ومحاولة إفساد الأخلاق القومية في جميع الدوائر والهيئات حتى في المدارس والمعابد والمحاكم, والتفريق بين الوالد وولده والأخ وأخيه والصديق وصديقه والزوج وزوجه, وإفساد سياسة الأمة عليها وإطماع أعدائها فيها, والهبوط بالمفاوضات بعد ذلك كله, وبعد تضحية جميع هذه الضحايا من مشروع ملنر إلى مشروع كرزن مجدا وفخرا يستحق أصحابه الإجلال والإعظام والاحتفاء والاحتفال فرحمة الله على الفضيلة, وليبك الباكون عليها وعلى مصيرها المحزن الأليم.
كونوا أيها القوم كيفما شئتم وأضمروا لنا من النيات ما أردتم, ورتبوا لنا في أذهانكم كل يوم مكيدة جديدة ودسيسة مبتكرة, فمحال أن تنالوا منا منالا أو تصلوا من طريقنا إلى غاية، فسنبني
(3/253)

بعون الله وإسعاده كل ما هدمتم ونصلح كل ما أفسدتم، وسنعيد إلى بين حظيرتنا جميع إخواننا الذين أفسدتموهم علينا, واختطفتموهم من صفوفنا, لا نضعف ولا نفتر ولا نهن ولا نيأس، فما خلقت الأمم إلا للجهاد، ولا لذة للحياة إلا بالعمل، حتى يأتي عليكم ذلك اليوم الذي تقتنعون فيه تمام الإقناع بأن في الأمة رأيا عاما جديا, لا يسمح لرأس معوج يريد أن يرتفع على حسابها وحساب ظلمها, وإساءتها بالبروز من مكمنه وأن لا قوة في مصر غير قوة الشعب, ولا حكم فيها إلا حكمه.
(3/254)

عبرة الدهر:
الآن أمنت على مصر أبد الدهر، وأيقنت أن الباطل ظل زائل لا ثبات له، وأن الحق صخرة عاتية لا تزعزعها العواصف ولا تعبث بها عاديات الأيام.
فقد مرت في غضون الأشهر الفائتة ساعات أعترف أني خفت فيها على الحق أن يغتاله الباطل ويصرعه عندما أشرفتُ على ذاك الميدان الواسع الفسيح -ميدان المعركة السياسية المصرية- ورأيت ذلك الجيش اللجب العرمرم جيش الباطل زاحفا بخيله ورجله, وفي مقدمته القوة الإنجليزية بمدافعها وطياراتها وصواعقها ورجومها, وفي مؤخرته القوة المصرية ببنادقها وسيوفها وسياطها وعصيها, وفي جناحيه الوزارة يحيط بها أنصارها وصنائعها وذوو الحاجة إليها والمنشقون يحيط بهم خدمهم وفلاحوهم, وأجراؤهم وأهلوهم, وذوو أرحامهم, وفيما بين هذا وذلك الكتاب الكاذبون والخطباء الخادعون والدعاة الخبثاء والجواسيس الدهاة والأحكام العرفية والمجالس العسكرية والقوانين الاستثنائية والأكاذيب
(3/255)

والأراجيف والصور والتهاويل وكل ما يمكن أن يسمى قوة يهجم بها هاجم على خصمه ليسلبه في آن واحد قوة جسمه وقوة قلبه وقوة يقينه، وقد ذهبت لذلك الجيش في آفاق السماء جلجلة كجلجلة الرعد القاصف, وانتشر له في جميع الأنحاء بريق يخطف الأبصار ويعشى الأنظار، فالتفتُّ إلى الجانب الآخر من الميدان فرأيت سعدا باشا واقفا في مكانه أعزل لا سلاح معه ولا يحيط به إلا سواد الأمة الأعزل مثله, فانبعثت من صدري صرخة الرعب والخوف, وأيقنت أن الرجل هالك هو وأمته ما في ذلك ريب ولا شك، ثم هجم ذلك الجيش العظيم هجمته الكبرى التي لم يسمع بمثلها في تاريخ هجوم الأقوياء على الضعفاء والتي استمرت سبعة شهور كاملة لا تهدأ ولا تفتر, فثبت الزعيم في مكانه ثباتا غريبا مدهشا وكأنما استحال إلى كرة فولاذية ملساء تتساقط عليها السهام ثم تنزلق عنها, وربما أصابت جسمه بعض الجرحات, ولكن لم يستطع سهم واحد أن ينفذ إلى قلبه, وثبتت الأمة بثباته فلم تهن ولم تضعف، ولم تعبأ ولم تحتفل، ولم تأخذ بلبها الصور والتهاويل، ولم تنل من نفسها الأكاذيب والأراجيف، ولم تعبث بعقيدتها الألسنة الخالبة والأقلام الخادعة، وها هي الأيام قد أخذت تدور دورتها, فانقلب الجيش المهاجم مدافعا والجيش المدافع مهاجما, ولله في خلقه شئون
(3/256)

أنظر إليهم ها هم يتقهقرون، وإن كانوا لا يزالون يضربون، ها هي ألسنة خطبائهم تتلجلج في أفواههم، وأقلام كتابهم تضطرب في أيديهم، ها هي وجوههم قد علتها غبرة الموت وقلوبهم تتنزى بين جوانحهم تنزي الكرة في أيدي ضاربيها، ها هي أصواتهم قد مازجها أنين محزن كأنين المحتضر، وصرخاتهم قد استحالت إلى عواء كعواء الذئاب، ها هم يخلطون ويهذون ويسبون ويشتمون ويصخبون ويحتدمون، أي: إنهم يلجئون إلى السلاح الأخير الذي يلجأ إليه المقهور في ساعته الأخيرة، ها هم يخافون من كل شيء حتى من خطبة يخطبها أزهري في مسجد, أو كلمة يلقيها طالب في متنزه، أو صرخة صرخها صارخ في محفل، ومن همس الهامس في أذن أخيه، ونظرة الناظر في وجه صاحبه، ومن قدوم جماعة من أعضاء مجلس النواب الإنجليزي الأحرار إلى مصر لا يملكون إلا قليلا من الحول والقوة، ومن سفر الزعيم من بلد إلى بلد لا يحمل إلا قلبه, ولا يملك إلا لسانه.
ما بالهم؟! وما الذي دهاهم؟! ومم يخافون والقوة في أيديهم, والأيام مواتية لهم، والدهر نازل على حكمهم؟! نعم، ولكنهم مبطلون، والباطل لا قوة له وإن اجتمعت في يده جميع القوى،
(3/257)

تلك عبرة الدهر التي يجب أن يعتبر بها أولادنا وأحفادنا من بعدنا.
فلتقرءوا يا أبناء الأجيال المقبلة هذه الصفحة المجيدة من تاريخ حياتنا؛ لتعلموا أن رجلا واحدا من أبناء أمتكم تمسك بالحق فاستطاع أن يثبت أمام أقوى قوة في العالم، وأن ثباته أنقذ مصر من أعظم نكبة كان يدخرها لها الدهر في طيات تصاريفه، ولتحنوا رءوسكم أمام هذه الذكرى المجيدة إجلالا لها وإعظاما لشأنها، ولتجعلوها مثلكم الأعلى في مستقبل حياتكم، وعبرتكم البليغة التي تغنيكم عن جميع العظات والعبر.
الآن أمنت على مصر أبد الدهر، فما في العالم قوة تستطيع أن تهاجمها أعظم من هذه القوة، وليس في الإمكان أن تحل بساحتها نكبة أهول من هذه النكبة، وما أحسب إلا أن الله تعالى قد أراد أن يبلوها ويختبرها فامتحنها بهذه المحنة الفادحة؛ ليرى كيف يكون صبرها واحتمالها، وقوة يقينها وإيمانها، فيمنحها من حسن الجزاء على قدر ما تبذل من حسن البلاء، وقد أبلت بلاء لم يبله أحد من قبلها، فلتنتظر الجزاء الأوفى، والمثوبة العظمى، ولتهنأ منذ اليوم بالمستقبل الباهر السعيد.
(3/258)

إلى أعدائنا:
1- نعم, إنكم أقوياء جدا، بل لا توجد قوة في العالم توازي قوتكم، ولكننا على ضعفنا وخلو أيدينا من السلاح والعدة أقوى منكم؛ لأنكم حاربتمونا بسلاح الخديعة والمكر الذي ألفتم أن تنتصروا به على الشعوب الشرقية قرونا عدة فانهزمتم أمامنا، واستطاع هذا الشعب الشرقي الصغير حديث العهد بالسياسة وأساليبها وألاعيبها ومناوراتها أن يدرك خبايا مقاصدكم ومراميكم، وأن يمزق عن وجوهكم ذلك الستر الكثيف الذي كان يجللها، وأن يقول لكم بصوته العالي المرتفع: لا أقبل الخدع والألاعيب، فإما الاستقلال تاما صريحا لا ريبة فيه، أو لا شيء.
إننا أقوى منكم لأنكم لم تستطيعوا أن تخدعونا عن أنفسنا، ولا أن تستنزلونا عن عقيدتنا ويقيننا، أما تلك القوة الميكانيكية التي تهرعون بها في شوارع البلاد وأزقتها، وتملئون بها وجه الأرض وجو السماء، فهي مما لا يفخر به الفاخر ولا يدل به المدل؛ لأنها
(3/259)

شيء، والصفات النفسية والمزايا العقلية شيء آخر.
هل استطعتم بعد مقامكم بيننا أربعين عاما أن تصطنعوا رجلا واحدا من بين هذه الملايين الكثيرة, يحبكم ويخلص لكم؟
هل استطعتم بعد أن سقط ذلك البرقع الكثيف عن وجوهكم, وبدت للناس صفحتكم أن تجدوا ثمانية أشخاص يؤلفون لكم الوزارة التي تريدونها لتستعينوا بها على تنفيذ مشروعكم؟
هل تستطيعون أن تزعموا أنكم على ثقة تامة بإخلاص شخص واحد من هؤلاء الموظفين الكثيرين الذين قضى عليهم سوء حظهم أن يعملوا معكم، ويخضعوا لسلطتكم، حتى الذين غمرتموهم منهم بالنعم، وملأتم عليهم ديارهم رغدا وهناء؟
هل تستطيعون أن تبتاعوا بأموالكم الكثيرة التي لا حد لها قلما مصريا صميما يتولى نشر دعوتكم، وتأييد سياستكم، كما تفعلون في كل مكان حتى في أوروبا وأمريكا؟
إذن أنتم ضعفاء ونحن أقوياء، ولنا أن نفخر بهذه القوة التي نعتمد فيها على شرف أخلاقنا، وعزة نفوسنا، ومتانة عقيدتنا، وشدة إخلاصنا لوطننا، وليس لكم أن تفخروا بتلك القوة التي تعتمدون فيها على السيف والنار كما كان يفعل الهون في أوروبا والمغول في آسيا؛ لأنها أقرب إلى صفات الوحشية وغرائزها، منها إلى روح المدنية ومزاجها.
(3/260)

نعم, إنكم اعتقلتم سعدا باشا، ولكن بعد أن صرع زعماءكم وقادتكم في ميدان السياسة، وأفسد عليكم تلك المؤامرة العظمى التي كانوا يريدون بها اعتقال مصر واستعبادها إلى الأبد، فقد صودر سعد باشا واعتقل، ولكن مصر قد نجت.
في استطاعتكم أن تصبغوا وجه مصر بالدماء، وأن تملئوا بطنها بالأشلاء، ولكن ليس في استطاعتكم أن تتقوا نظرات الاحتقار والازدراء التي نلقيها عليكم حين نراكم، ولا أن تطفئوا نار الحقد والموجدة التي تنبعث من ألسنتنا وصدورنا إلى وجوهكم، ولا أن تنالوا منالا من تلك العقيدة الراسخة في قلوبنا، وهي أنكم أضعف الضعفاء وإن كنتم أقوى الأقوياء، وأن هذه القوة التي تعتمدون عليها وتدلون بها ليست قوة السياسة ولا قوة الفكرة ولا قوة التدبير، وإنما هي قوة الشر والغضب.
اقتلونا ولكن بأيديكم لا بأيدينا، ألفوا الوزارة ولكن من رجالكم لا من رجالنا، املكوا علينا كل شيء إلا قلوبنا وأفئدتنا، احكمونا باسم الأحكام العرفية والأساليب العسكرية، لا باسم القوانين الشرعية والأحكام السماوية والأرضية، افتخروا بأنكم قمعتم الحركة المصرية وأنكم أخفتم الناس وأرهبتموهم، ولكن لا تفخروا بأنكم حللتم مشكلة مصر إلى الأبد.
(3/261)

إنكم لا تحاربوننا من أجل احتلال البلاد فأنتم محتلوها، ولا من أجل الاستيلاء على مواردها وأرزاقها فهي جميعها تحت سلطتكم وسيطرتكم، ولا من أجل إطفاء الثورة وقمعها، فالأمة التي لا سلاح لها لا ثورة فيها، ولكنكم تحاربوننا من أجل إرغامنا على الاعتراف بمركزكم الشرعي في مصر، وما دمتم لم تصلوا إلى هذه الغاية بعد بذلكم ما وهبكم الله من دهاء سياسي وحيلة عقلية في هذا السبيل، فنحن المنتصرون وأنتم المنخذلون.
(3/262)

إلى أعدائنا:
2- ماذا جنى الرجل عليكم فتنفوه إلى أقصى بقعة من بقاع الأرض, وما هو بثائر ولا محارب ولا عرف له الناس موقفا يدعو فيه بدعوة الجاهلية الأولى, أو ينطق فيه بكلمة الدم التي ينطق بها الثائرون في كل شعب وأمة ليستثيروا بها حفائظ النفوس, ويدفعوا بها الرجال إلى مواطن الموت؟!
أين هو الجيش الذي قاده لمحاربتكم، وأين هي الجموع التي سلحها وزحف بها عليكم، وأين هي الثورة التي أشعل نارها، أو الفتنة التي أحيا مواتها، فتعاقبوه هذا العقاب الشديد الذي اعتدتم أن تعاقبوا به زعماء الثورات وقواد المؤامرات؟! لا بل إنكم ما عاقبتم زعماء أعدائكم الذين رووا الأرض بدمائكم، وغطوا وجهها بأشلائكم، ونالوا منكم أشد ما ينال محارب من محاربه بمثل هذا العقاب المؤلم الشديد، وقد كنتم تزعمون ويزعم كثير من الناس لكم أنكم أمة العدل والقانون، وأن الشمس لا تطلع في مدار
(3/263)

من مداراتها على محكمة مثل محكمتكم، وقضاة مثل قضاتكم، وميزان قسط وإنصاف مثل ميزان قسطكم وإنصافكم.
إن الرجل لم يكن جبانا ولا رعديدا، ولا من المغرقين في حب حياتهم أو الضانين بها على مواقف المجد والشرف، ولو شاء أن يشعل نار الثورة في كل مكان وأن يقود الرجال إلى موطن الموت لفعل، ولكنه لم يفعل ولا فكر في شيء من ذلك، لأنه من فريق الدعاة لا من فريق الثوار، ولأنه رجل عاقل حكيم لا يخطو الخطوة الواحدة حتى يقدر لها موضعها، وكانت لهجته الدائمة التي لا تفارقه في جميع مواقفه ومشاهده الدعوة إلى السكون والهدوء والعمل في دائرة القانون والنظام والمطالبة بالحقوق الوطنية بالطرق المشروعة السائغة، أي: إنه كان رجل حجة وبرهان لا رجل نزال وطعان، فلماذا لم تعرفوا له هذا الشعور الطيب الشريف الذي كانت تشتمل عليه سريرة نفسه؟ ولِمَ لم تحترموا فيه تلك العاطفة الطاهرة الكريمة التي كانت تتدفق بين جنبيه شرفا ونبلا، وتسيل رحمة وإحسانا؟
إنكم أقوياء جدا، وما نازعكم في ذلك منازع، وها هي جيوشكم وأساطيلكم وأسلحتكم ودباباتكم وطياراتكم تملأ البحار والقفار، السهول والجبال، والتهائم والنجود، والشوارع والأزقة،
(3/264)

والأجواء والآفاق، فماذا عليكم لو أنكم تركتم الرجل في مكانه هادئا مطمئنا لا تهيجونه ولا تزعجونه، حتى إذا أثار عليكم الثائرة التي تخشونها لجأتم إلى قوتكم فقمعتموها كما تفعلون اليوم وقد قامت لكم الحجة عليه, واعتصمتم في أمره باليقين الذي تطمئن إليه نفوسكم، وتنقطع به حجج المؤاخذين لكم والناقمين عليكم، وإن كانت الأخرى كفيتم أنفسكم وكفيتمونا معكم هذا الشر المستطير بيننا وبينكم، وحقنتم تلك الدماء التي سالت في بطاح الأرض بلا جريرة, ولا سبب!
نؤكد لكم يا قوم أن الأمة المصرية لم تكن آلة في يد سعد باشا يصرفها كيف يشاء كما وهمتم, أو كما أوهمكم ذلك الضعفاء منا، وأن روح الوطنية المنتشرة فيها ليست روحا صناعية كاذبة يحييها وجوده ويميتها نفيه، وأن نفيه إلى أقصى بقعة من بقاع الأرض بل الذهاب به إلى مصير أعظم ويلا وهولا من هذا المصير لا يحل عقدة واحدة من عقد المسألة المصرية، ولا يغير وجها واحدا من وجوهها، ولا ينتقل بها خطوة من مكانها، أي: إنه لا يسمح للمستوزرين بتأليف الوزارة التي يريدونها، ولا براحتهم وهدوئهم فيها إن هم ألفوها، ولا يفسح لأولئك القوم الذين تسمونهم المعتدلين ونسميهم المساكين، مجالا أوسع من المجال الذي يضطربون
(3/265)

فيه، ولا يفتح في جدار الوطنية ثغرة صغيرة تتمكن مكيدة المشروع الكرزوني أو الملنري من الانحدار منها، وأنكم لم تستفيدوا من كل ما عملتم شيئا سوى أنكم ظلمتم الرجل وبؤتم بإثمه، لا أكثر من ذلك ولا أقل.
ماذا جنى سعد باشا عليكم سوى أنه كان يطالبكم بحقه وحق بلاده بالحجة والبرهان، ولا يوجد في تاريخ من تواريخ الأمم القديمة أو الحديثة قانون متمدين أو متوحش يعتبر هذا العمل جريمة يعاقب عليها صاحبها بإزعاجه من مأمنه, وإقصائه عن أرضه, ووضع ذلك السد المنيع بينه وبين جمال الحياة ورونقها.
لِمَ تنتزعونه من سرير نومه قبل أن تنبعث الطير من وكناتها, وتطيرون به إلى ذلك المنفى القصي البعيد الذي لا يعلم إلا الله ما يكون مصيره فيه, وما هو بقاتل ولا سارق ولا مختلس ولا داعٍ إلى ضلالة ولا قائم بفتنة ولا طالب شيئا سوى أن يعيش هو وقومه أحرارا كما تعيش الطيور في أجوائها, والسوائم في مراتعها, والأسماك في دأمائها؟
لِمَ لَمْ ترحموا شيخوخته ومرضه وأنه رجل أعزل ضعيف, لا يملك من القوى غير لسانه الذي يذود به عن وطنه وقومه؟
(3/266)

ومتى كانت الألسنة والأقلام جيوشا وجحافل تنازلها الجيوش والجحافل؟!
لم لم تحاجوه وتقنعوه بحقكم الذي تزعمونه لأنفسكم بدلا من أن تقولوا له: "إما السكوت وإما النفي"؟!
ما أغرب شأنكم أيها القوم وما أعجب تصوراتكم! أفيما بين يوم وليلة تنقلبون معنا من أصدقاء أوفياء تجالسوننا على منضدة واحدة لتفاوضونا على قاعدة الحرية والمساواة والود والإخاء إلى أعداء حاقدين واجدين تسفكون دماءنا وتمزقون أشلاءنا, وتشردون زعماءنا تحت كل نجم وكوكب وموقفنا موقفنا لم يتغير ولم يتبدل سوى أننا وقفنا لحظة أمام المشروع الذي قدمتموه إلينا ننعم النظر فيه, هل هو استقلال حقيقي كما تقولون أم شيء غير ذلك تسمونه استقلالا؟
نقسم لكم بالله لقد جعلتمونا نرتاب فيكم، وفي كل ما تطلع عليه شمسكم، وتفيء عليه ظلالكم، وفي الريح التي تهب من أرضكم، والماء الذي ينحدر من بحركم، بل وفي العلم الذي تشتمل عليه كتبكم، والمحور الذي تدور عليه مدنيتكم، ولقد مرت بنا أيام كنا لا نتمنى على الله فيها شيئا سوى أن نصل في المدنية إلى الذروة التي وصلتم إليها، فقد أصبحنا ولا أبغض إلينا من التشبه بكم،
(3/267)

والتخلق بأخلاقكم، والسير على آثاركم، مخافة أن تصبح مدنيتنا في مستقبل أيامها مدنية وحشية, لا عهد فيها ولا ذمام.
سنأكل الشيح والقيصوم إن عز الطعام إلا من أيديكم، ونلبس الجلود والفراء إن أقفرت الأرض إلا من مصانعكم، ونشرب الملح الأجاج إن أبى العذب الزلال أن ينبع إلا في أرضكم، ونعيش في الظلمة الداجية إن أبت الشمس أن تشرق إلا من آفاقكم، وسنخلع عن أرضنا ثوب الخصوبة والجمال ونلبسها ثوب القحط والجدب لنقطع سبيل مطامعكم فيها، ونكدر عليكم صفاء العيش بين ظلالها وأمواهها، غير شاكين ولا متبرمين، فلا خير في نعمة يكدرها الذل، وبعدا لماء لا يشربه شاربه إلا ممزوجا بدم.
إن في السماء إلها، وإن في الأرض عدلا، وإن العناية الإلهية التي تضم إلى أجنحتها ضعف الضعيف وبؤس البائس ومظلمة المظلوم أرحم من أن لا تحفل بهذه الدموع التي تذرفها الأمة؛ حزنا على شيخها الشهيد المظلوم.
رويدك حتى تنظري عم تنجلي ... غمامة هذا العارض المتألق
(3/268)

إلى سعد باشا: في منفاه
في الساعة التي نزلتَ فيها إلى قاع السفينة "نوراليا" لتفارق هذا العالم كله إلى جزائر "سيشيل" صعد خصومك إلى كراسي مناصبهم فرحين متهللين يهنئ بعضهم بعضا، ويبسم بعضهم إلى بعض، ولا أعلم هل تلك الحمرة الخفيفة التي جالت في وجوههم في تلك الساعة كانت خالصة كلها للسرور والغبطة، أم كان يمازجها شيء للخجل والحياء، ولعلها كانت الثانية، فإني من لا يعتقد أن الضمير الإنساني إذا جمد ينتهي به جموده إلى الموت.
أنت سجين وهم مطلقون، أنت معذب وهم ناعمون، أنت مستوحش منفرد في قفرة جرداء لا أنيس لك فيها ولا سمير إلا بضعة أفراد مثلك مستوحشين منفردين, وهم مؤتنسون بالعيش في قصورهم وبساتينهم وملاعبهم ومسارحهم بين نسائهم وأولادهم وصحبهم وخلانهم، أنت مكتئب حزين يتقاسم قلبك همان؛ هم نفسك وهم قومك، وهم فرحون متهللون، يطفرون ويمرحون،
(3/269)

ويطيرون بأجنحة سرورهم وحبورهم في كل جو وافق، لا يخالط نفسهم هم واحد.
ولكن هل أنت على ذلك شقي؟ وهل هم على ذلك سعداء؟
لا, لقد كان لهم أمنية؛ أن تغيب عنهم فيغيب عنهم اسمك وذكرك، وضوضاؤك وجلبتك، ولكن شيئا من ذلك لم يكن، فالنفوس ثائرة، والقلوب واجدة، والهتاف باسمك يملأ الآفاق والأجواء، والدعاء بثأرك يلاحقهم في كل مكان يسيرون فيه، وعيون الحقد والبغضاء تضرب حولهم نطاقا ناريا لا سبيل لهم إلى التفلت منه والخروج من دائرته، فأنت الحر الطليق، وهم الأسراء المسجونون، ولكنهم يتجلدون ويصابرون.
أنت تعيش من فضيلتك وشرفك، ومن رضاك عن نفسك واغتباطك بأداء واجبك، ومن راحة ضميرك واستقراره، وهدوء نفسك وسكونها، في أرحب من رقعة الأرض وأفسح من ديباجة السماء، وهم يعيشون من وخزات ضمائرهم، وقلق نفوسهم، ووساوس صدورهم، وخوفهم على تلك اللقيمات الملفوظات التي هي كل ما ظفروا به من حياتهم أن تهب عليها عاصفة من العواصف, فتطير بها وتطير بهم معها، ومن شبحك الهائل المخيف الذي لا يفارق مضاجعهم، ولا يبرح يقظتهم ومنامهم،
(3/270)

ولا يزال يتمثل لهم في طعامهم الذي يطعمون، وشرابهم الذي يشربون، وفي جميع ما تمتد إليه عيونهم، وتتصل به أسماعهم، في أضيق من كفة الحابل, وأضنك من عيش السجين.
لا سجن في الدنيا غير سجن النفس، ولا حرية فيها غير حريتها، وليست سعادة المرء بمقدار ما يحيط بجسمه من الفضاء، بل بمقدار ما يحيط بنفسه منه.
فما سجنك الذي تعيش في جوه الموحش المكتئب, وبين جدرانه المتقاربة المتدانية بمانعك من أن تطير بنفسك العالية الخفاقة فيما تشاء من الآفاق والأجواء، وأن تتمتع برؤية هياكل مجدك وعظمتك المقامة لك على ضفاف النيل من طيبة إلى الإسكندرية، وأن تسمع دقات القلوب الخافقة بحبك، وأحاديث النفوس الهاتفة بذكرك.
وما فضاؤهم الرحب الفسيح الذي يحيط بهم بمجدٍ عليهم شيئا إذا حاولوا الحركة والاضطراب فيه؛ لأنهم يعلمون أنهم يعيشون في أمة قد وتروها وآسفوها، وغرسوا الحقد والبغضاء في صدورها، فهم على قوتهم وبأسهم، وعلى ضعفها وتجردها من كل سلاح وعدة، يخشونها ويخافونها، ولا يطيقون أن يحتملوا نظراتها النارية التي تلفح وجوههم، ولا صرخاتها الدموية التي تدوي
(3/271)

في آذانهم، فهم دائما فارّون مطاردون كأنهم بعض المجرمين، لا عمل لهم في حياتهم سوى أن يسائلوا أنفسهم: أين يعيشون؟ وكيف يعيشون؟
إنهم لم يريدوا مطاردة جسمك بل نفسك، ونفسك باقية في مكانها لم تبرحه، ولم يعتقلوك من أجلك، بل من أجل القضاء على الروح الوطنية من بعدك، والروح الوطنية نامية زاهرة تضرب أعراقها في أعماق القلوب، وتهفو ذوائبها في آفاق السماء، ولم ينقموا عليك حياتك ولا وجودك، بل وقوفك في وجه متعتهم بمناصبهم التي هي كيان حياتهم وقوام أمرهم، والتي لا سبيل لهم إلى العيش إلا في ظلها، ولا الحياة إلا في دائرتها، ومناصبهم منغصة مهددة هي هامة اليوم أو غد.
فهم لم يفقدوا إلا وجهك، ولم ينالوا إلا من جسمك، ولم يحصلوا في أيديهم من كل ما عملوا إلا على إثم الجريمة وعارها.
آه يا سيدي لو تيسر لك أن تراهم لرأيت قوما معذبين متألمين, حائرين ذاهلين, لا يهنئون في نوم ولا يقظة، ولا يهدءون في سكون ولا حركة، قد ضاقت بهم الحيل، وتشعبت بهم السبل، وانتشرت عليهم الآراء والأفكار، لا يعلمون ماذا يأخذون وماذا يتركون، لا عمل لهم في حياتهم سوى
(3/272)

أن يسائلوا أنفسهم ليلهم ونهارهم: ألا يستطيع هؤلاء الناس أن يرضوا منهم بدون عودتك، وعودتك موتهم الأحمر وشقاؤهم الأكبر؟
ينثرون الذهب على الناس نثرا ليتألفوهم ويستدنوهم, فيلتقطونه وهم يلعنونهم؛ لأنه مالهم قد أخذوه منهم ثم نثروه عليهم.
يوزعون الرتب والنياشين على الخاملين والمغمورين ليكونوا أعوانهم وأنصارهم بدل الأعوان والأنصار، فيمنحونهم من ألسنتهم ووجوههم ما لا يمنحونهم من قلوبهم وأفئدتهم؛ لأن الحب لا يشترى بالأسماء والألقاب.
يخلعون الوظائف الكبرى والمناصب الخطيرة على صغار الموظفين وأحداثهم ليخلبوهم ويبهروا عقولهم, فلا يصنعون لهم شيئا سوى أن يجاملوهم في مجالسهم ببعض ما يحبون، فإذا خرجوا من عندهم خرجوا هازئين بهم ساخرين.
يبتاعون أقلام فقراء الكتاب وضعفائهم ليكتبوا لهم ما يحط من شأنك ويرفع من شأنهم, فيفعلون كارهين متبرمين؛ لأن القلم لا يجد لذة المراح والجولان إلا في ميدان الصدق والاعتقاد.
(3/273)

يصيحون في الناس بلهجة الخبثاء الماكرين: أبشروا أيها الناس, فقد جئناكم بالاستقلال الذي هو خير لكم من سعد, فيجيبونهم بهدوء وسكون: لو كان صحيحا ما تقولون, لكان سعد أول من يتمتع به لأنه صاحبه.
يحلفون لهم بالله جهد أيمانهم أنهم لا يريدون بهم إلا خيرا, ولا يضمرون لهم إلا ما يحبون فيقولون لهم: ولماذا إذن نفيتم سعدا؟
يحاولون بكل ما يعرفون من الوسائل أن يفصلوا بين قضيتك وقضية مصر, فكأنما يحاولون الفصل بين الشمس وشعاعها, والنار وحرارتها، والمقدمة ونتيجتها.
يصخبون أخيرا ويحتدمون ويقولون: إن التشبث بعودة سعد مسألة شخصية، فتتجاوب الأصداء من كل ناحية: هبوا أن الأمر كما تقولون، وهل تشبثكم بمناصبكم وعضكم عليها بالنواجذ ومخاطرتكم بكل شيء في سبيلها مسألة غير شخصية؟!
فأنت يا مولاي قذى عيونهم، وغصة حياتهم، وشغل قلوبهم وأفئدتهم، والحجة القائمة عليهم أحسنوا أم أساءوا، أعطوا أم منعوا، نفعوا أم أضروا.
ولقد تحدثهم نفوسهم أحيانا بالتخلي عن تلك المناصب
(3/274)

الشقية وتوديعها إلى الأبد سآمة وضجرا، وضيقا وحصرا، ولكن يحول بينهم وبين ذلك علمهم أن الأوان قد فات، وأن الأمة لا تغفر لهم ذنوبهم، ولا تقيل لهم عثراتهم، وأنهم لا يستطيعون أن يجدوا في فضاء الأرض ذات الطول والعرض ظل حصاة يلجئون إليه من نقمة الأمة وغضبها، فلا يجدون لهم بدا من أن يستمروا قابعين وراء تلك الأكمة التي تحميهم وتذود عنهم، وربما كانوا يبكون وراءها دما.
فمثلهم كمثل الفارة من بيت أبيها إلى بيت خليلها، يلحقها الندم، وتضيق بها ساحة العيش، فتود لو رجعت إلى بيتها الأول، ولكنها لا تستطيع.
وكأنهم بحماتهم وقد ملوهم وسئموهم، وضجروا بمكانهم؛ لأنهم ما منحوهم هذه المناصب حبا وإيثارا، أو منة وفضلا، بل ليمهدوا لهم السبيل إلى ذلك الاتفاق الذي يريدونه، ويقوموا لهم بوظيفة تحويل شعور الأمة إلى سياستهم، واقتيادها إلى حظيرتهم، من طريق الكيد والدهاء، لا من طريق القوة والعنف، وقد عجزوا عن ذلك، فلم يبق لهم سبيل إلى البقاء.
وكذلك ينتقم الله لك منهم يا مولاي انتقاما تهتز له أقطار
(3/275)

الأرض، وتضطرب له أكناف السماء، وكذلك يسجل لهم التاريخ في صفحاته من العار والشنار ما سجل لأمثالهم من الخارجين المارقين.
مولاي!
لا الشمس الطالعة من مشرقها صفراء كالذهب تنشر الأضواء في الآفاق, وتعابث بأشعتها اللامعة المتلألئة ذوائب الأشجار وقمم الجبال ورءوس الهضاب, وتبعث الأزهار من أكمامها والطيور من أوكارها.
ولا البدر السائر في سمائه بعظمته وجلاله بين حاشية من كواكبه ونجومه، يمسح بليقته الفضية جبين السماء، ويمزق حجب الظلام عن وجه الغبراء.
ولا الربيع المقبل في أثواب زهوره ورياحينه، ومطارف غدرانه وجداوله، يوشي بساط الأرض بأبدع الألوان وأبهاها، ويملأ الفضاء الرحب بأطيب الروائح وأعبقها.
ولا الطيور الصادحة على أفنانها توقع نغماتها على خرير الماء, وتترجم في توقيعها عن شجو النفوس وحنينها، وخفقان القلوب وأنينها.
ولا أحلام الحياة اللذيذة المنبعثة في النفوس انبعاث الراح في الأجسام، تحيي مواتها، وتثتثير نشوتها، وتهز أعطافها،
(3/276)

وتذيقها حلاوة المنى, ولذة الأمل.
ولا الدنيا وجمالها، ولا الأرض وبهجتها، ولا السماء وزينتها، ولا البحار وروعتها، ولا المروج وخضرتها، ولا الأزهار ونضرتها، بقادرة على أن تنسينا أيامك الغر البواسم التي كانت غرر الدهر وحجوله، وزينة الدنيا وبهجتها، ولا بمستطيعة أن تنزع من بين قلوبنا مرارة الحسرة على فراقك، واللهف إلى لقائك، فمتى يجمع الله بيننا وبينك!
لا أوحشت دارك من شمسها ... ولا خلا غابك من أسده
(3/277)

منتخبات من شعر المؤلف
...
وصف القلم:
يا يراعي لولا يد لك عندي ... عفتُ نظمي في وصفك الأشعارا
يا يراع الأديب لولاك ما أصـ ... ـبح حظ الأديب يشكو العثارا
غير أني أحنو عليك وإن لم ... تك عونا في النائبات وجارا
أنت نعم المعين في الدهر لولا ... أن للدهر همة لا تجارى
يتجلى في النفس شمس نهار ... في دجى الليل تبعث الأنوارا
جمع الله فيه بين نقيضيـ ... ـن فكان الظلام منه نهارا
فهو حينا نار تلظى وحينا ... جنة الخلد تنثر الأزهارا
(3/280)

وتراه ورقاء1 تندب شجوا ... وتراه رقطاء2 تنفث نارا
وتراه مغنيا إن شدا حر ... ك بين الجوانح الأوتارا
وتراه مصورا يرسم الحسـ ... ـن ويغري برسمه الأبصارا
فتخال القرطاس صفحة خد ... وتخال المداد فيه عِذارا
هو جسر تمشي القلوب عليه ... لتلاقي بين القلوب قرارا
صامت تسمع العوالم منه ... أي صوت يناهض الأقدارا
فهو كالكهرباء غامضة الكنـ ... ـه وتبدو بين الورى آثارا
كم أثار اليراع خطبا كمينا ... وأمات اليراع خطبا مثارا
__________
1 الورقاء: الحمامة.
2 الرقطاء: الحية الخبيثة.
(3/281)

قطرات من بين شقيه سالت ... فأسالت من الدما أنهارا
كان غصنا فصار عودا ولكن ... لم يزل بعد يحمل الأثمارا
كان يستمطر السماء فحال الـ ... ـأمر فاستمطر العقول الغزارا
يسعد الناس باليراع ويلقى ... ربه ذلة به وصغارا
وا شقاء الأديب هل وتر1 الدهـ ... ـر فلا زال طالبا منه ثارا
أرفيق المحراث يحيا سعيدا ... ورفيق اليراع يقضي افتقارا
ما جنى ذلك الشقاء ولكن ... قد أراد القضاء أمرا فصارا
ليس للنسر من جناح إذا لم ... يجد النسر في الفضاء مطارا
__________
1 وتره: أصابه بثأر, يقول: كأن الدهر موتور لذلك الأديب, فهو يطالبه بالثأر.
(3/282)

حاسبوه على الذكاء وقالوا ... حسبه صيته البعيد فخارا
أوهموه أن الذكاء ثراء ... فمضى يسحب الذيول اغترارا
يحسب النقد للقصيدة نقدا ... ويرى البيت في القصيدة دارا
ليس بدعا من هائم في خيال ... أن يرى كل أصفر دينارا
إن بين المداد والحظ عهدا ... وذماما لا يلتوي وجوارا
فاللبيب اللبيب من ودع الطر ... س وولى من اليراع فرارا
على لسان عامل فقير:
زاحفتُ أيامي وزاحفنني ... دهرا فلم تنكل ولم أنكل1
__________
1 نكل: نكص وجبن.
(3/283)

لا عزمها واه ولا عزمتي ... تصادم الجندل بالجندل
رمت فلم تبق على مفصل ... لكنها طاشت عن المقتل
وليتها أصمت1 فما أبتغي ... من عيشها إن أنا لم أقتل
لا خير في الصبر على غمرة ... لا يأمل الصابر أن تنجلي
صبرت في البأساء صبر الذي ... قيد إلى القتل فلم يحفل
لا فضل في الصبر لمستسلم ... عي عن الفعل فلم يفعل
عشرون عاما لم تحل حالتي ... ما أشبه الآخر بالأول
أغدو إلى المعمل في شملة2 ... خرقاء لم تكس ولم تشمل
__________
1 أصمى الصيد: رماه فقتله.
2 الشملة: نوع من الأكسية.
(3/284)

كأنها برقع مصرية ... لا تحجب الوجه عن المجتلي
تنم عن جسمي كما نم عن ... نفسي غزير المدمع المرسل
يميل بي الهم مميل النقا ... بين جنوب الريح والشمأل
فمن رآني ظن بي نشوة ... أجل بكأس الحزن لا السلسل
أقضي نهاري مقبلا مدبرا ... كأنني الآلة في المعمل
وصاحب المعمل لا يرتضي ... مني بغير الفادح المثقل
فإن شكوت النزر1 من أجره ... برح بي شتما ولم يجمل
حتى إذا عدت إلى منزلي ... وجدت سوء العيش في المنزل
أرى أيامي يشتكين الطوى ... إلى يتامى جوَّع نحَّل
__________
1 النزر: القليل.
(3/285)

أبيت والأجفان في سهدها ... كأنما شُدَّت إلى يذبل1
بين صغار سهد في الدجى ... يذرون دمع الثاكل المرمل
بين ضعيف الخطو لم يعتمد ... وشاخص في المهد لم يحول2
يدعون أما تتلظى أسى ... حذار يوم الحادث المثكل
ووالدا عيَّ بإسعافهم ... في العيش عي الفارس الأعزل
ما زال ريب الدهر ينتابني ... بالمعضل الفادح فالمعضل
حتى رماني بالتي لم تدع ... إلا بقايا الروح في هيكل3
فها أنا اليوم طريح الضنى ... وليس غير الصبر من معقل
__________
1 جبل معروف.
2 لم يعتمد: أي لم يتكل في مشيه على نفسه, والمحول: الذي بلغ حولا.
3 يريد بها الحمى.
(3/286)

في لفحة الرمضاء لا أتقي ... وهبة النكباء لا أصطلي1
هذا هو البؤس فهل من فتى ... تم له في البؤس ما تم لي
وقال ينعى على جماعة الفوضويين مذهبهم في قتل الملوك, ويشير إلى حادثة الفوضوي الذي وضع منذ سنوات قنبلة في طريق الفونس الثالث عشر ملك أسبانيا وهو عائد من الكنيسة مع عروسه في يوم حفلة قرانه, فأصابت القنبلة خيل المركبة وقتلت بعض الحاشية, ونجا الملك وعروسه وقبض على الفوضوي فقتل:
أيها الفاتك الأثيم رويدا ... كل يوم تكيد للتاج كيدا
لا أرى التاج في البرية إلا ... فلكا دائرا وأخذا وردا
يتخطى الرءوس رأسا فرأسا ... ماشيا في العصور عهدا فعهدا
__________
1 الرمضاء: شدة الحر, والنكباء: الريح الباردة.
(3/287)

فمحال أن يهدم المرء صرحا ... أعجز الدهر بأسه أن يهدا
عبثا تقتل الملوك وعذرا ... لك فيهم لو كنت تحمل حقدا
آفة العقل أن يرى الحمد ذما ... ويرى الخطة الدنيئة حمدا
لا يبالي بالموت من عرف المو ... ت ومن لا يرى من الموت بدا
غير أن الآجال فينا حدود ... كل حي تراه يطلب حدا
أي جفن أجريت منه دموعا ... كان لولاك في السماكين بعدا
أي روع أسكنته في فؤاد ... كان في فادح الحوادث جلدا
ما بكى الفونس خشية بل غراما ... ودموع الغرام أشرف قصدا
إن قلب الجبان يخفق رعبا ... غير قلب المحب يخفق وجدا
(3/288)

كان بين الحياة والموت شبر ... بُدّل النحس في مجاريه سعدا
فرأينا القتيل يعمر قصرا ... وغريم القتيل يعمر لحدا
أنت تقضي والله يقضي بعدل ... في البرايا والله أكبر أيدا1
جمرة أطفأ القضاء لظاها ... فغدا جمرها سلاما وبردا
إن للمالك الكريم قلوبا ... وقفت بينه وبينك سدا
فافتدته فكن خير فداء ... لمليك وكان نعم المفدى
في الوجديات:
سقاها وحيا تربها وابل القطر ... وإن أصبحت قفراء في مهمه قفر
طواها البلى طي الشباب رداءه ... وليس لما يطوي الجديدان2 من نشر
__________
1 الأيد: القوة.
2 الجديدان: الليل والنهار.
(3/289)

مرابض آساد ومأوى أراقم ... تجاور في قيعانها الغيل بالجحر1
يكاد يضل النجم في عرصاتها2 ... ويزورّ عن ظلمائها البدر من ذعر
لقد فعلت أيدي السوافي بنؤيها3 ... وأحجارها ما يفعل الدهر بالحر
وقفت بها في وحشة الليل وقفة ... أثار شجاها كامن الوجد في صدري
ذكرت بها العهد القديم الذي مضى ... ولم يبق منه غير بالٍ من الذكر
وعيشا حسبناه من الحسن روضة ... كساها الحيا منه أفانين من زهر
فأنشأت أبكي والأسى يتبع الأسى ... إلى أن رأيت الصخر يبكي إلى الصخر
وما حيلة المحزون إلا لواعج ... تفيض بها الأحشاء أو عبرة تجري
__________
1 الأراقم: الحميات, والغيل: موضع الأسد.
2 العرصات جمع عرصة, وهي ساحة الدار.
3 السوافي: الرياح, والنؤي: الحفير حول الخباء أو الخيمة يمنع السيل.
(3/290)

وما أنس م الأشياء لا أنس ليلة ... جلاها الدجى قمراء في ساحة القصر
كأن النجوم في أديم سمائها ... سفائن فوضى سابحات على نهر
كأن الثريا في الدجنة طرة1 ... مرصعة الأطراف باللؤلؤ النثر
كأن سهيلا حاسد كلما رأى ... أخا نعمة يرميه بالنظر الشزر2
كأن السها3 حق تعرض باطل ... إليه فألقى دونه مسبل الستر
كأن الدجى فحم سرى في سواده ... من الفجر نار فاستحال إلى جمر
كأن نسيم الفجر في الجو خاطر ... من الشعر يجري في فضاء من الفكر
وفي القصر بين الظل والماء غادة ... تميس بلا سكر وتنأى بلا كبر
__________
1 الطرة: الشعر المقدم في الجبهة.
2 سهيل: نجم معروف بشدة الاحمرار والخفقان.
3 السها: نجم ضعيف.
(3/291)

تريك عيونا ناطقات صوامتا ... فما شئت من خمر وما شئت من سحر
لهوتُ بها حتى قضى الليل نحبه ... وأدرجه المقدار في كفن الفجر
لعمرك ما راحت بلبي صبابة ... ولا نازعتني مهجتي سورة1 الخمر
ولا هاجني وجد ولا رسم منزل ... عفاء ولكن هكذا سنة الشعر
ومن كان ذا نفس كنفسي قريحة ... من الهم لا يُعنى بوصل ولا هجر
كأني ولم أسلخ2 ثلاثين حجة ... ولم يجر يوما خاطر الشيب في شعري
أخو مائة يمشي الهوينا كأنه ... إذا ما مشى في السهل في جبل وعر
إذا شاب قلب المرء شاب رجاؤه ... وشاب هواه وهو في ضحوة العمر
__________
1 سورة الخمر: حدتها.
2 سلخ عامه: أمضاه.
(3/292)

حييت بآمالي قلما كذبنني ... قنعت فلم أحفل بقل ولا كثر
وأصبحت لا أرجو سوى الجرعة التي ... أذوق إذا ما ذقتها راحة القبر
وليست حياة المرء إلا أمانيا ... إذا هي ضاعت فالحياة على الأثر
جزى الله عني اليأس خيرا فإنه ... كفاني ما ألقى من الأمل المر
وراض جماحي للزمان وحكمه ... بما شاء من عدل وما شاء من جور
فما أنا إن ساء الزمان بساخط ... ولا أنا إن سر الزمان بمغتر
وقال في شأن غني من الأغنياء غلبته المدنية الحديثة على بساطته الطبيعية, فابتنى قصرا فخما كان سببا في فساد حاله, وسوء مصيره:
يا صاحب القصر الذي شاده ... فاستنفد المذخور من وجده1
أقمته كالطود في هضبة ... ترد عادي الدهر عن قصده
__________
1 الوجد: الغنى والسعة.
(3/293)

أزرته الأبراج في جوها ... فانتظم الأنجم في عقده
أطلعت فيه كوكبا دانيا ... أغنى عن الشاسع في بعده
قلصت ظل الليل عنه وما ... رعيت حق الله في مده
أنشأت روضا زاهرا حوله ... يعطر الكون شذا نده
ورحت بالرتبة في صدره ... تدل دل الملك في جنده
كأنما الرتبة كل الذي ... ينيله الكوكب من سعده
هب أنه اللوفر1 في حسنه ... أو قصر بوكنهام2 في جده
وهبك روكفيلر3 تحوي الذي ... يضلل الحاسب في عده
فالمال إن أجهده ربه ... فالفقر والعدم مدى جهده
__________
1 اللوفر: قصر في باريس.
2 قصر في لندن.
3 أحد الأغنياء في أمريكا.
(3/294)

والمال كالطائر إن هوّمت ... حراسه طار إلى فنده1
والمجد للمال وكل الذي ... تراه من مجد فمن مجده
هذا شهاب ساطع مشرق ... والليلة الليلاء من بعده
بنيت للبنك فأغنيته ... بجدك المبذول عن جده
بنيت ما لو قدَروا قدرَه ... لقيل هذا الميت في لحده
وأدتَ فيه الأمل المرتجى ... حيا ولم تأس على وأده
أغمدت فيه صارما طالما ... تثلم الدهر على حده
واريتَ فيه ولدا ليته ... قضى قرير العين في مهده
__________
1 هوم: هز رأسه من النعاس, والفند: الجبل.
(3/295)

وليته ما شب في زخرف ... يبكي يد الدهر على رغده
فليس من يأسى على مطلب ... ناء كمن يأسى على فقده
غدرت بالبيت الذي بثك الـ ... ـود فلم تبق على وده
هدمته والمجد ظل له ... فما بقاء الظل من بعده
لكنت من كوخك في نعمة ... تذيب قلب الدهر من حقده
وكان ينتابك مسترفدا ... من بت محتاجا إلى رفده
فاليوم لا القصر كما ترتجي ... منه ولا الكوخ على عهده
واليوم رب القصر يذري دما ... من جفنه آنا ومن كبده
يدعو إليه الموت من بعد ما ... نالت يد الأيام من أيده
(3/296)

واسود ذاك الجون من جلده ... وابيض ذاك الجون من فوده1
هل يعلم الشرقي أن الردى ... سر بصدر الدهر لم يبده
وأنه يفجؤنا بالأسى ... يوما خروج السيف من غمده
وأن هذا الدهر في هزله ... يغر بالكاذب من وعده
فهزله أنفذ من جده ... ورهوه أسرع من وخده2
ويح لمصر ولأبنائها ... مما يريغ3 الدهر من كده
نعيش بالهم ونرضى به ... عيشا ونقضي العمر في نقده
كشارب الكأس يرى عابسا ... منه ولا يقوى على رده
__________
1 الجون: وصف للأبيض والأسود, والفود: ناحية الرأس.
2 الرهو: السير السهل, والوخد: السير السريع.
3 يريغ: يريد.
(3/297)

فإن لمحنا بارقا خاطفا ... لا نسمع القاصف من رعده
نسرع خوض البحر في جزره ... وجزره ينبئ عن مده
والكل ظمآن يرى صادرا ... وما قضى الإربة من ورده
وقال في الحكم:
إذا ما سفيه نالني منه نائل ... من الذم لم يحرج بموقفه صدري
أعود إلى نفسي فإن كان صادقا ... عتبت على نفسي وأصلحت من أمري
وإلا فما ذنبي إلى الناس إن طغى ... هواها فما ترضى بخير ولا شر
وقال يهنئ الشيخ محمد عبده بعودته من إحدى رحلاته في أوروبا:
راح يباري النجم في جده ... وعاد كالسيف إلى غمده
رأى السرى والسهد مهر العلا ... فجد وارتاح إلى سهده
(3/298)

لا يبصر الخطب جليلا ولا ... تلوي به الأهوال عن قصده
مسدد العزم إذا ما مضى ... يحار صرف الدهر في رده
كالسيف يجلوه القراع1 ولا ... يأخذ ضرب الهام من حده
كان لمصر بعد توديعه ... صبابة الصادي إلى ورده
واليوم قد عاد لها كل ما ... ترجو من النعمة في عوده
وافترّ عنه ثغرها مثلما ... يفتر ثغر الروض عن ورده
بدا وقد حفت به هيبة ... كأنما عثمان في برده
ما فيه من عيب سوى أنه ... يحسده الناس على مجده
ما حيلة الحساد في نعمة ... أسبغها الله على عبده
__________
1 القراع: الضراب.
(3/299)

وقال في حادثة عربية وقعت بين أسماء بنت أبي بكر الصديق وولدها أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير حينما حاصره الحجاج في مكة حتى أحرجه, ثم عرض عليه التسليم فاستشار أمه, فأشارت عليه بالاستقتال, فقاتل حتى قتل:
إن أسماء في الورى خير أنثى ... صنعت في الوداع خير صنيع
جاءها ابن الزبير يسحب درعا ... تحت درع منسوجة من نجيع1
قال يا أم قد عييتُ بأمري ... بين أسر مر وقتل فظيع
خانني الصحب والزمان فما لي ... صاحب غير سيفي المطبوع
وأرى نجمي الذي لاح قبلا ... غاب غني ولم يعد لطلوع
بذل القوم لي الأمان فما لي ... غيره إن قبلتُه من شفيع
فأجابت والجفن قفر كأن لم ... يك من قبل موطنا للدموع
__________
1 النجيع: الدم.
(3/300)

واستحالت تلك الدموع بخارا ... صاعدا من فؤادها المصدوع
لا تسلم إلا الحياة وإلا ... هيكلا شأنه وشأن الجذوع
إن موتا في ساحة الحرب خير ... لك من عيش ذلة وخضوع
إن يكن قد أضاعك الناس فاصبر ... وتثبت فالله غير مضيع
مت هماما كما حييت هماما ... واحي في ذكرك المجيد الرفيع
ليس بين الحياة والموت إلا ... كرة في سواد تلك الجموع
ثم قامت تضمه لوداع ... هائل ليس بعده من رجوع
لمست درعه فقالت لعهدي ... بك يابن الزبير غير جزوع
إن بأس القضاء في الناس بأس ... لا يبالي ببأس تلك الدروع
(3/301)

فنضاها عنه وفرّ إلى المو ... ت بدرع من الفخار منيع
وأتى أمه النعي فجادت ... بعد لأي بدمعها الممنوع
وقال في الشيب:
ضحكات الشيب في الشعر ... لم تدع في العيش من وطر
هن رسل الموت سانحة ... قبله والموت في الأثر
يا بياض الشيب ما صنعت ... يدك العسراء بالطرر
أنت ليل الحادثات وإن ... كنت نور الصبح في النظر
ليت سوداء الشباب مضت ... بسواد القلب والبصر
فالصبا كل الحياة فإن ... مر مرت غبطة العمر
وقال على سبيل الفكاهة في شأن كلب اسمه "بيل" وفي لسيده, فطوقه طوقا من الذهب وأوصى له بخمسة آلاف دينار:
(3/302)

ليهنك يا "بيل" الجلال وعزة ... يكاد لها القلب الكسير يطير
ملكت على الزهد الألوف وكلنا ... إلى قطرة مما ملكت فقير
إذا كان هذا الطوق كالتاج قيمة ... فأنت بألقاب الملوك جدير
وما المال إلا آية الجاه في الورى ... فحيث تراه فالمقام خطير
ولو كان بين الجاه والفضل لحمة ... لزالت عروش جمة وقصور
فيا بيل لا تجزع فرب متوج ... شبيهك إلا منبر وسرير
وما أنت في جهل المقادير آية ... فمثلك بين الناطقين كثير
لئن فاتك النطق الفصيح كما ترى ... فسهمك من نطق الفؤاد وفير
وفيت بعهد للصديق وما وفى ... بعهد صديق جرول1 وجرير
__________
1 جرول: لقب الحطيئة الشاعر, وجرير شاعر معروف.
(3/303)

فعش صامتا واقنع بحظك واغتبط ... فما النطق إلا آفة وشرور
ضلال يرى الإنسان فضلا لنفسه ... وساعده في المكرمات قصير
وما المرء إلا صدقه ووفاؤه ... وكل كبير بعد ذاك صغير
وماذا يفيد المرء حسن بيانه ... إذا عيّ بالنطق الفصيح ضمير
مدحتك يا بيل لأني شاعر ... وأنت على حسن الجزاء قدير
ولو كنت تدري ما أقول لقمت لي ... بما لم يقم للمادحين أمير
(3/304)

في الوجديات:
جرى الدمع حتى ليس في الجفن مدمع ... وقاسيت حتى ليس في الصبر مطمع
وما أنا من يبكي ولكنه الهوى ... يريد من الأسد الخضوع فتخضع
فلله قلبي ما أجل اصطباره ... وأثبته والسيف بالسيف يقرع
ولله قلبي ما أقل احتماله ... إذا ما نأى عنه الحبيب المودع
إذا لاح لي سيف من الخطب رعتهُ ... وإن لاح لي سيف من اللحظ أجزع
وأقتاد ليث الغاب والليث مخدر ... ويقتادني الظبي الغرير فأتبع
وليل أضل الفجر فيه طريقه ... فلم يدر لما ضل من أين يطلع
(3/305)

سهرتُ به أرعى الكواكب والكرى ... عصي على الأجفان والدمع طيِّع
أود لو ان الطيف مَنَّ بزورة ... وكيف يزور الطيف من ليس يهجع
لقد عشت دهرا ناعم البال خاليا ... من الهم لا أشكو ولا أتوجع
أروح ولي في معهد الغي مربع ... وأغدو ولي في مسرح اللهو مرتع
فما زلت أبغي الحب حتى وجدته ... فلما أردت القرب كان التمنع
فلم يبق لي عن ذلك الحب مهرب ... ولم يبق لي في ذلك القرب مطمع
كأني في جو الصبابة ريشة ... بأيدي السوافي ما لها الدهر موقع
كأني في بحر الهيام سفينة ... أحاط بها موج الردى المتدفع
(3/306)

كأني في بيداء دهماء مجهل ... تضل رخاء في دجاها وزعزع
فلا أنا فيها واجد من يدلني ... ولا نجمها يبدو ولا البرق يلمع
فمهلا رويدا أيها اللائم الذي ... يجرعني في لومه ما يجرع
نصحت فلم أسمع وقلت فلم أطع ... فما نصح حب لا يطيع ويسمع
فيا حب هذا القول لو كان مجديا ... ويا نعم ذاك النصح لو كان ينفع
قضى الله ألا رأى في الحب لامرئ ... وذاك قضاء نافذ ليس يدفع
مررت على الدار التي خف أهلها ... وطال بلاها فهي قفراء بلقع
معاهد كانت آهلات وكان لي ... مصيف تقضَّى في رباها ومربع
(3/307)

فيا ليت شعري هل يعودنَّ عيشنا ... بمعهدها والشمل بالشمل يجمع
فتُقضى لُبانات وتطفى لواعج ... وتبرد أكباد وتنضب أدمع
فما أنس م الأشياء لا أنس ليلة ... تجشمت فيها الهول والهول مفزع
ولا مؤنس إلا ظلام ووحدة ... ولا مسعد إلا فؤاد مروع
ولا صاحب إلا المطية حولها ... ذئاب تعادي في الفلاة وأضبع
ولا عين إلا النجم ينظر باهتا ... ويعجب لي ماذا بنفسي أصنع
إذا ما تشكت من كلال مطيتي ... وقد كلمتها ألسن السوط تسرع
أسير بها سير السحاب كأنني ... بأذرعها عرض الفدافد أذرع
(3/308)

إلى أن تنورت الخيام ولاح لي ... ضياء بدا من جانب الخدر يسطع
فأقدمت نحو الحي والحي هاجع ... وخضت سواد القوم والقوم صرع
ولا عهد لي من قبل أين خباؤها ... ولكن هداني نشرها المتضوع
فبت وباتت يعلم الله لم يكن ... سوى أذن تصغي وعين تمتع
نخال دوي الريح في الجو واشيا ... بنا وضياء البرق عينا فنفزع
ولا عين إلا خوفنا وارتياعنا ... ولا ناظر يرنو ولا أذن تسمع
وأعذب ورد راقٍ ما كان نيله ... عزيزا وأحلى القرب قرب ممنع
فكانت برغم الدهر أحسن ليلة ... رأيت بعمري بل هي العمر أجمع
(3/309)

وما راعنا إلا هدير حمامة ... على فنن عند الصباح ترجِّع
فقمت ولم تعلق بذيلي ريبة ... ولا كان إلا ما يشاء الترفع
وودعتها والحزن يغلب صبرنا ... وأحشاؤنا من حسرة تتقطع
فقالت أهذا آخر العهد بيننا ... وهل لتلاقينا معاد ومرجع
فقلت ثقي يا فوز بالله إنها ... "سحابة صيف عن قليل تقشع"
وسرتُ وقلبي في الخيام مخلَّفٌ ... ولي نحو قلبي والخيام تطلُّع
حنانيك رفقا أيها الدهر واتئد ... فحسبي ما ألقى وما أتجرع
ورحماك بي فالسيل قد بلغ الزبى ... ولم يبق في قوس التصبر منزع
(3/310)

على أنني أصبحت لا متخوفا ... بلاء ولا إن نالني الرزء أجزع
فقد اعتصمت بالصبر نفسي وفوضت ... إلى الله ما يعطي الزمان ويمنع
(3/311)

بول وفرجيني:
يا بني القفر سلاما عاطرا ... من بني الدنيا عليكم وثناء
وسقى العارض من أكواخكم ... معهد الصدق ومهد الأتقياء
كنتم خير بني الدنيا ومن ... سعدوا فيها وماتوا سعداء
عشتم من فقركم في غبطة ... ومن القلة في عيش رخاء
لا خصام لا مراء بينكم ... لا خداع لا نفاق لا رياء
خلق بر وقلب طاهر ... مثل كأس الخمر معنى وصفاء
(3/312)

ووفاء ثبت الحب به ... وثبات الحب في الناس الوفاء
أصبحت قصتكم معتبرا ... في البرايا وعزاء البؤساء
يجتلي الناظر فيها حكمة ... لم يسطرها يراع الحكماء
حكم لم تقرءوا في كتبها ... غير أن طالعتمو صحف الفضاء
وكتاب الكون فيه صحف ... يقرأ الحكمة فيها العقلاء
إن عيش المرء في وحدته ... خير عيش كافل خير هناء
فالورى شر وهمّ دائم ... وشقاء لا يدانيه شقاء
(3/313)

وفقير لغني حاسد ... وغني يستذل الفقراء
وقوي لضعيف ظالم ... وضعيف من قوي في عناء
في فضاء الأرض منأى عنهم ... ونجاء منهم أي نجاء
إن عيش المرء فيهم ذلة ... وحياة الذل والموت سواء
ليت "فرجيني" أطاعت "بولسا" ... وأنالته مناه في البقاء
ورثت للأدمع اللاتي جرت ... من عيون ما درت كيف البكاء
لم يكن من رأيها فرقته ... ساعة لكنه رأى القضاء
فارقته لم تكن عالمة ... أن يوم الملتقى يوم اللقاء
(3/314)

ما "لفرجيني" وباريس أما
... كان في القفر عن الدنيا غناء
إن هذا المال كأس مزجت ... قطرة الخمرة فيه بدماء
لا ينال المرء منه جرعة ... لم يكن في طيها داء عياء
عرضوا المجد عليها باهرا ... يدهش الألباب حسنا ورُواء
وأروها زخرف الدنيا وما ... راق فيها من نعيم وثراء
فأبته وأبى الحب لها ... نقض ما أبرمه عهد الإخاء
ودعاها الشوق للقفر وما ... ضم من خير إليه وهناء
فغدت أهواؤها طائرة ... بجناح الشوق يزجيها الرجاء
(3/315)

يأمل الإنسان ما يأمله ... وقضاء الله في الكون وراء
ما لهذا الجو أمسى قاتما ... ينذر الناس بويل وبلاء
ما لهذا البحر أضحى مائجا ... كبناء شامخ فوق بناء
وكأن الفلك في أمواجه ... ريشة تحملها كف الهواء
ولفرجيني يد مبسوطة ... بدعاء حين لا يجدي دعاء
لهفي والماء يطفو فوقه ... هيكل الحسن وتمثال الضياء
زهرة في الروض كانت غضة ... تملأ الدنيا جمالا وبهاء
(3/316)

من يراها لا يراها خلقت ... مثل خلق الناس من طين وماء
ظنت البحر سماء فهوت ... لتباري فيه أملاك السماء
هكذا الدنيا وهذا منتهى ... كل حي ما لحي من بقاء
(3/317)

فهرست الجزء الثالث من النظرات:
صفحة
3 البيان
13 الناشئ الفقير
28 قتيلة الجوع
31 الأدب الكاذب
36 إيفون الصغيرة
42 الملاعب الهزلية
52 الشيخ علي يوسف
59 العظمة
66 حرية الانتقاد
70 يوم العيد
74 من الشيوخ إلى الشبان
81 الموتى
87 الزهرة الذابلة
93 الوجهاء
102 جرجي زيدان
113 احترام المرأة
119 الانتقام
146 الخطبة الصامتة
148 اللفظ والمعنى
153 الآداب العامة
161 المؤتمر الإسلامي
165 الجاهليتان
170 في أكواخ الفقراء
181 الشيخ محمد عبده
187 عواطف البنين
190 الرشوة
195 "القضية المصرية"
195 من مايو سنة 1921 إلى مارس سنة 1922
196 العاصفة
201 حكم القوة
208، 216، 224، 231، 243 إلى خصوم سعد باشا
255 عبرة الدهر
259 إلى أعدائنا
263 إلى أعدائنا
269 إلى سعد باشا في منفاه
279 "منتخبات من شعر المؤلف"
280 وصف القلم
283 على لسان عامل فقير
287 الفوضويون
289 في الوجديات
293 القصر والكوخ
298 في الحكم
298 تهنئة
300 أسماء
302 الشيب
302 الكلب بيل
305 في الوجديات
312 بول وفرجين
(3/319)