Advertisement

النقد الأدبي ومدارسه الحديثة 002


تصدير
عندما أصدرنا القسم الأول من هذا الكتاب القيم قبل عام وبعض العام، لم نكن نتوقع له هذا الترحاب الذي قوبل به. إذ أوشكت طبعته الأولى على النفاد بعد أن أصبح عمدة النقاد وأساتذة الأدب والطلاب في معظم الأقطار العربية. وها نحن اليوم نقدم القسم الثاني والأخير منه، راجين أن يسد ثغرة في المكتبة العربية، بعد أن لمسنا حاجة الدارسين إلى الكتب النقدية الجادة.
لقد أخذ علينا بعض الزملاء غموض العبارة في بعض المواضع، وليتهم قبل أن يحاسبونا على ذلك، أن يرجعوا إلى الأصل ليشهدوا بأنفسهم ما فيه من تركيز وحشد، غير مألوفين في الكتب العربية. ولا عجب في ذلك فالمؤلف يكتب لفئة خاصة من القراء، يفترض أنها على مستوى عال من الثقافة الأدبية والإنسانية. أما قراؤنا، فالقلة منهم هي التي تمتلك ناحية هذه الثقافة أو بعضها، والكثرة ما تزال تعيش على أوليات الدراسات النقدية. ولم تكن هذه الحقيقة لتصرفنا عن الإقدام على ترجمة هذا الكتاب، فنحن نعيش اليوم في مرحلة بناء اجتماعي، الأدب ركن هام من أركانها، وعلينا أن نسهم فيها، كل بما توفر له من إمكانات.
أن الكتابة النقدية صعبة عسيرة في ذاتها. وطريقة المؤلف في هذا الكتاب تمتاز عن غيرها من طرائق المؤلفين بالتركيز والشمول والإسراف
(2/1)

في التحليل. ولذا كانت الترجمة عملية شاقة مضنية، تجشمناها لأننا كنا دائماً نضع نصب أعيننا الهدف الذي نعمل له فيما نؤلف وفيما نترجم، ألا وهو تيسير الدراسة النقدية الجادة، لهذا الجيل المتطلع إلى الثقافة الأصيلة العميقة. ولذا ترانا نعمد إلى الشرح والتعليق في مواضع أخرى، ونوجز هنا ونبسط هناك لكي لا تفوتنا الغاية التي من أجلها أقدمنا على ترجمة هذا الكتاب.
ونحن بعد لا ندعي أننا وضعنا الكتاب في الصورة المثلى التي نرتجيها له، إذ الترجمة مجال للاجتهاد شأنها شأن غيرها من أنواع النشاط الإنساني. وقد يظهر بين القراء والمختصين، من يستطيع أن يترجم عبارة هنا أو فقرة هناك، ترجمة خيراً من هذه الترجمة. ولن يؤرقنا هذا، ولن يصرفنا عن الهدف وبحسبنا أننا فتحنا بهذا الجهد نافذة جديدة على الأدب الغربي، نرجو أن يستشرف منها قراؤنا آفاقاً خصبة غنية، تمدهم بالعون والتسديد في هذه المرحلة الحضارية التي نمر بها.
المترجمان
(2/2)

المسهمون في إخراج هذا الكتاب
المؤلف: ستانلي أدغار هايمن: ولد سنة 1919 في بروكلين (نيويورك) . وتخرج سنة 1940 من جامعة سيراكوز. ومنذ ذلك التاريخ وهو يعمل محرراً في مجلة النيويوركي The NewYorker، ويسهم في تحرير المجلات الأخرى بأبحاثه ومقالاته. وقد أصدر سنة 1956 كتابه الثاني " العملية النقدية " The Critical Performance وهو يدرس الأدب، والأدب الشعبي في كلية بننجتون.
المترجمان: الدكتور إحسان عباس: من مواليد فلسطين سنة 1920. تخرج من الكلية العربية في القدس، ودرس الأدب في بعض المدارس الثانوية في فلسطين، ثم التحق بالجامعة المصرية، وتخرج منها بشهادة الدكتوراه من قسم اللغة العربية سنة 1954. وقد أصدر عدداً من الكتب، منها: " كتاب الشعر " لأرسطو (ترجمة) و " خريدة القصر وجريدة العصر " للعماد الأصفهاني (تحقيق بالاشتراك مع المرحوم الأستاذ أحمد أمين والدكتور شوقي ضيف) و " رسائل أبن حزم " (تحقيق) ، و " الحسن البصري " و " فن الشعر "، و " فن السيرة " " وأبو حيان التوحيدي " و " الشعر العربي في المهجر " (بالاشتراك مع الدكتور محمد يوسف نجم) و " الشريف الرضي "، و " التقريب لحد المنطق والمدخل إليه " (تحقيق) ، و " دراسات في الأدب العربي " (بالاشتراك) و " العرب في صقلية ". وهو الآن أحد أساتذة الأدب العربي بجامعة الخرطوم.
(2/1)

الدكتور محمد يوسف نجم: ولد في فلسطين سنة 1925. تخرج من الكلية العربية في القدس. ودرس الأدب العربي في الجامعة الأميركية ببيروت (حتى سنة 1948) . والتحق بالجامعة المصرية سنة 1949، وتخرج منها بشهادة الدكتوراه من قسم اللغة العربية سنة 1954. وقد أصدر بعض الكتب، منها: " القصة في الأدب العربي الحديث "، و " والمسرحية في الأدب العربي الحديث " و " ديوان الزهاوي " (نشر وتحقيق) و " فن القصة "، و " فن المقالة "، و " الشعر العربي في المهجر " (بالاشتراك مع الدكتور إحسان عباس) و " ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات " (تحقيق وشرح) و " ديوان أوس بن حجر " (تحقيق وشرح) ، و " شعراء عباسيون " (إعادة تحقيق وترجمة) ، و " دراسات في الأدب العربي " (بالاشتراك) ، و " رسائل الشريف الرضي والصابئ " (نشر وتحقيق) . وهو الآن أستاذ مشارك للأدب العربي بجامعة بيروت الأميركية.
(2/2)

الفصل الثامن
رتشارد ب بلاكمور
وثمن الجهد المبذول في النقد
بلاكمور ناقد ينزع إلى أن يسلط على كل أثر أدبي ما يتطلبه من وسائل نقدية خاصة، حتى كاد أن يستغل، في الحين بعد الحين، كل ما وصفناه من مناهج نقدية في هذا الكتاب، ولذلك كان من العسير علينا ان نخصص له " نهجاً " مفرداً يتميز به دون سواه. على انه وان لم يتميز بأسلوب نقدي متفرد، فأن لديه مسلكاً عقلياً متفرداً، اعني قدرته على البحث المضني الذي لابد منه للنقد المعاصر، وقد نعد هذا الاكباب الجاهد في التقصي أكبر إسهام يشارك به بلاكمور في ذلك الميدان. ولقد قال مرة في فصل من كتابه " مزدوجات " The Double Agent: إن من يقرأ شعر بوند فلابد له من ان يعرف " الإشارات الكلاسيكية والتاريخية "، ولابد لمن يقرأ اليوت من التعرف إلى " الأفكار والمعتقدات ونظم المشاعر " التي إليها يلمح ويمي، أما من شاء أن يقرأ ولاس ستيفنز " فانه محتاج إلى المعجم فحسب ". وإذا أخذت هذا القول على وجهه الحرفي وطبقته على بلاكمور وجدته يتعلم التاريخ ليفهم شعر بوند
(2/9)

ويدرس اللاهوت ليقرأ اليوت، ويلازم المعجم وهو يقرأ ستيفنز.
وللكلمات عند بلاكمور أهمية خاصة، فهو الناقد الوحيد من بين النقاد الأحياء الذي لا يتردد في أن يسمي القاموس " صرح الكشوف الوثابة " وهو في الوقت نفسه الناقد الوحيد بين النقاد الأحياء الذي لا يتردد في أن يقول ما قاله عن منزلة الكلمات في الفصل الذي كتبه عن ملفل في كتابه " ثمن العظمة " The Expense of Greatness؛ هنالك قال بلاكمور:
" لابد من أن تكون الكلمات وطرق ترتيبها وتواشجها هي المصدر الأكبر المباشر لكل ما تضمنه الفنون المكتوبة أو المحكية من تأثير؛ فالكلمات هي التي تلد المعاني، والمعاني محمولة فيها قبل أن تبدأ آلام المخاض. واستعمال الكلمات عند الفنان يمثل مغامرة في سبيل الكشف؛ والخيال وثاب وهو يجوس بين الكلمات التي يمارسها؟ غير أن المغامرة في حقيقة الكلمات تسعفنا على شيء ابعد من حقيقتها بمعنى إننا نستطيع من خلالها أن نميز صور حقيقتها الموقفة من صورها الأخرى المخفقة، ونستطيع أن نقيس أنواع الحقيقة التي حاولناها ومدى قوتها، بل نستطيع أن نحدس، على وجه ما، أحوال العرف والمعتقد الضروريين لإيجادها وانبثاقها.
وملفل مثل بارع على مثل هذه التجربة. إذ ليس علينا عند قراءته إلا ان نصل بين حقيقة اللغة التي أشرنا إليها وبين القول المفترض المقدر - أن نصل بينهما وصل مبدأ بفكرة - لنرى من أين جاءت القوة للثاني. وليس علينا إلا أن نصل بين مبدأ اللغة وبين قرائن العرف التي قد تعدل منها بزيادة أو نقص لنفهم كيف وفق ملفل حيث وفق، أو لنعتذر عن تقصيره وقفزاته في محاولاته ليقبض على ناصية الحقيقة العظيمة
(2/10)

المستديمة التي تقدمها الكلمات العظيمة، وما ذلك إلا لأن ملفل قد تعود أن يستعمل الكلمات على نحو عظيم ".
ومن نتيجة هذا الانتحاء الشديد نحو الكلمات أصبح قسط كبير من بحث بلاكمور لفظياً. حتى انه لما أخذ يدرس كمنجز، مثلا، أعلن أن غايته إنما هي دراسة لغة كمنجز ليتخذ منها هادياً يهديه إلى " نوع المعنى الذي يؤديه استعماله للكلمات "، ومضى في هذا السبيل فجمع قائمة بالكلمات التي يكثر ترددها عند كمجنز، ولحظ أن كلمة " زهرة " من بينها أحبها إلى نفسه، وعد المواطن التي وردت فيها هذه الكلمة، ونبه إلى تعدد القرائن التي تستعمل فيها، واستنتج أن كلمة (زهرة " هي الكلمة المسيطرة على نفس كمنجز وخياله. ومن هذا التحليل اللغوي وغيره حدد طبيعة شعر كمنجز وأسهب في تبيان شأنه وقيمته.
أما تحليله لشعر ولاس ستيفنز في كتابه " مزدوجات " فإنه يبدؤه بعد الكلمات النادرة أو " الثمينة " الغالية التي يكثر منها، ثم يذهب إلى المعجم فيستخرج منه معانيها (مثلا: أسيان: معناها حزين أو مبتئس وهي مشتقة من أسي وهكذا) . ثم يقرأ الكلمات حسب وقوعها في قرائنها، ويخرج من كل ذلك بتفسير للقصيدة وبنظرية عن طبيعة فن ستيفنز. وفي الكتاب نفسه يحاول أن يفسر جملة معترضة غامضة لهارت كرين، وفي الكتاب نفسه يحاول أن يفسر جملة معترضة غامضة لهارت كرين، فيفزع إلى القاموس، ويعجز عن أن يجد لها معنى مقنعاً، ويقرر أن الشاعر لو استعمل العكس لأصاب، ومع ذلك فإنه ينتهي من ذلك إلى نظرية عن النقص في تركيب الجمل وعن الكلمات الطائشة غير المحددة التي تسبب إخفاق كرين، وإخفاقه هو في فهمه.
ويمضي بلاكمور في هذا الاستقصاء اللفظي في كتابه " ثمن العظمة " حتى أنه حين يتحدث هنالك عن إملي ديكنسون يعلن أن عبقريتها تتجلى " في الكلمات التي تستعملها وفي الطريقة التي تضع فيها الكلمات "
(2/11)

ويستمر قائلا بعد أن يقتبس إحدى عباراتها " دعنا نتساءل باحثين: ما الذي في الكلمات يصنع شعراً من مجموعها " ثم يذهب في تحليلات لغوية مستفيضة، فيعد المرات التي استعملت فيها لفظة " فسفور " وقرائنها، ويتتبع المصادر التي استمدت منها ألفاظها، ومن تلك المصادر أساطير الفروسية وشيكسبير وسكوت والتوراة والأناشيد الدينية وغيرها، ويحلل موارد التشبيهات والاستعارات في فقرة فذة (ومنها خياطة الملابس والقانون، والأحجار الكريمة والحرب الأهلية والتجارة البحرية والجغرافيا واللاهوت التجريدي؟ الخ) وأخيراً يتتبع مختلف الاستعمالات التي ترد فيها اثنتان من أحب الكلمات إليها وهما: " قطيفة " و " أرجوان " (وفي تحليله اللفظة الثانية كشف عن جهله بأن الرومان كانوا يستعملون كلمة " أرجوان " للدلالة على النبل والشرف) . ولما راجع شعر لورا رايدنغ لحظ كيف تسيطر عليها الكلمات المنفية المسلوبة (غير محب، غير ناعم، لا حياة؟) حتى أن بعض الصفحات لتحوي خمس عشرة صورة من صور السلب، وإذن فأن " الآنسة رايدنغ هي ربة النفي التي تضع في قبضتها: ليس ولا وغير ولم ولن؟ ".
وقد يقول من يسمع هذه الأمثلة: كل ناقد يقوم يبحث مشبه لهذا، فينقب في المعجم عن معاني الكلمات الغريبة، ويحسب تردد الكلمات والقرائن، وإن بلاكمور لم يزد على أن صرح بهذا العمل وأعلنه في نقده على نحو مفضوح بينما غيره يخفيه ولا يعلنه. وهذا حق إلى حد قليل جداً. بل إذا نظرنا إلى ما حققه بلاكمور قلنا أن هذا القول ليس حقاً أبداً، ولو كان حقاً لكان ذلك خيراً للنقد وأبقى. ذلك لأن بلاكمور متفرد بين النقاد في اعتقاده أن الشاعر لا يلقي للقارئ الجاد - أو للناقد - إلا ما هو معقول وأنه غير مشتط أبداً مهما كلفه في البحث عن المعاني التي يضمنها شعره فإذا كان الناقد لا يعرف فليذهب إلى حيث يجد المعرفة
(2/12)

وليحاول دائماً أن يتعلم. كل شيء تستطيع أن تفهمه بعون من الأضواء الخارجية، وقلما تجد شيئاً لا تستطيع أن تسلط عليه تلك الأضواء، ولذلك يكثر بلاكمور من لفظتي " مسئولية " و " ثمن " (ثمن الاستشهاد، ثمن العظمة) مؤكداً ما يجب أن يبذله المرء من جهد وما يدفعه من ثمن. ولقد حدد في إحدى مقالاته كيف يكفل الكاتب لما يكتبه أقصى حدود المسئولية، وحدد جهد النقد مستعيراً تشبيهات من أحوال الكد البدني، فقال في ذلك المقال الذي أختار له هذا العنوان الساخر: " مضجع دمث للنقاد "؟ قال:
" على الكاتب أن يقدر أنه يؤدي أشد الأعمال النقدية مشقة وعسراً، مما يقع في حيز استطاعته، فكأنه يحاول أن يبقي نفسه في موقف المنذعر، كأنه يقف موقف من ستستطيره الشياطين؛ كأنه لن يتعود أبداً على تصريف قواه التخيلية وموارده الشعورية، ولا يحب في الوقت نفسه أن يهبط من قيمتها، ومع ذلك فعليه وهو في هذه الحال من التوقف المعلق أن يحكم ويحسم في حقيقة المهمة الموكولة إليه. بهذا المعنى يكون إنشاء قصيدة عظيمة عملا من النقد الصارم، وقراءتها عملا آخر مقارباً لذلك، وبهذا المعنى أيضاً يسمى العمل النقدي عملا خلاقاً، ويكون توسيعاً لمدى المشاركة سواء أقام به الشاعر أو الناقد أو القارئ الجاد، وعندئذ يكون جهد النقد هو ثمن العظمة، ويكون الربح في معنى الاضطلاع الذي قام به الفرد في كل أدوار هذا الجهد ".
وأكثر النقاد في أيامنا هذه يعتقدون أن حسهم النقدي ومعرفتهم أمران متساويان، فهم يقرأون القصيدة قراءة مجهدة ولكنهم لا يعتقدون أن القصيدة تتطلب منهم أن يقرأوا ما عداها، فإذا شئنا أن نقدر قيمة ما يضطلع به بلاكمور ومدى تفرده فيه فما علينا إلا أن نقارن بين جهده في نقد بعض الآثار الأدبية التي تتطلب المعرفة الواسعة وبين جهود الناقدين
(2/13)

الآخرين. وحينئذ نجد أنه لا يدانيه أحد في التحليل اللغوي، ولقد كتبت - مثلا، مقالات لا تحصى عن كمنجز ولكن أحداً ولكن أحداً سواه لم يعن نفسه أمر حصر معجمه. ودع هذا وقارن ما كتبه بلاكمور عن عزرا بوند في كتابه " مزدوجات " بما كتبه ألان تيت في " مقالات محافظة في الشعر والأفكار " Reactionary Essays on Poetry and Ideas وكلا المقالين كان مراجعتين لأناشيد بوند، نشر الأول منهما في " الكلب والنقير " ونشر الثاني في " الأمة " Nation.
ويبدأ تيت مقاله بالحديث عن الجهل وقفة الاكتراث، ثم قال في أول جملة له بعد الاقتباس: " المرء لا يعرف من هو هذا المسمى سير لورنتيوس، ولا يقطع بأن معرفته به أو جهله له سيان. غير أن المرء يرتاح إلى ما يتميز به علم بوند الغريب الغامض من سعة وأنفساح، وهو علم لا يكاد ينهض به رجل واحد. وإذا قرأ الواحد منا آثاره ظل غير واثق من المسافة والزمن والتاريخ ".
ويمضي بعد ذلك تيت ليكشف عن " سر الشكل الشعري " لدى بوند فيبدو له أنه ليس إلا " محادثة " وأن الأناشيد ليست إلا حديثاً طائشاً مشتتاً، وهذا هو ما تدور عليه تلك القصائد. حتى إذا أفضى تيت بهذه الجامعة من جوامع كلمه، ذهب يحلل النشيد الأول، وحين مر به قول بوند " المكان الذي سبق أن ذكرته كركه الساحرة " علق عليه بقوله: " أي مكان كان " وأخيراً أدى ما لا يعد دراسة بحال، وأصدر بياناً يعلن فيه إلى الحاجة إلى الدراسة فقال: " ولا ريب في أن الأناشيد الثلاثين تكفي لتشغل وقت المرء في دراسة جميلة لا تنقطع - فإذا عينا سنة لكل نشيد فمعنى ذلك أن يستغرق المرء في دراستها ثلاثين عاماً، وأن يقرأ الثلاثين كلها في بضعة أسابيع من أجل نغمتها ". وفي هذا بلغ النقد منتهى التخاذل.
(2/14)

أما بلاكمور فإن مراجعته للأناشيد كانت على النقيض من هذا تماماً. فقد قرر أولا أن الشعر في الأناشيد ليس إلا حجاباً يسميه بوند: " Persona "، فهو يذهب إلى جذور هذه الكلمة اللاتينية، ثم ينفق اثنتي عشرة صفحة في دراسة أثرين كاملين من آثار بوند هما " هيو سلوين موبرلي " و " مراسيم الطاعة لسكستوس بروبرتيوس " ويتخذ منهما مفتاحين للأناشيد، ويحلل القصيدة الأولى بشيء من الاسهاب، ويترجم بيتاً اقتبسه بوند عن الإغريقية، ويفسر ما فيه من إشارات إلى كابانيوس الملحد الذي رماه جوبتر بالصاعقة، ويحشد العبارات التي أخذها بوند من الشاعر اللاتيني بروبرتيوس (19 ق. م) وأدرجها في القصيدة الثانية، ويقارن بين النص اللاتيني وترجمة بوند، وبين ترجمة بوند وترجمة بتلر الحرفية التي نشرتها مكتبة لوب، مقارنة مسهبة بعض الشيء. ثم ينفق اثنتي عشرة صفحة أخرى في تلخيص الموضوعات الكبرى التي احتوتها الأناشيد، ويقول في أثناء ذلك:
" إما أن يكتفي القارئ بقراءة الأناشيد نفسها، كأنها شيء مسترسل يوضح نفسه بنفسه، وإما أن يفتش عن المادة التي استغلها بوند نفسه أو عما يستطيع استكشافه منها؟ غير أن الفكر الحي النشيط لا يقف دائماً عند حدود الظن، مهما يكن الظن مقنعاً، أن كان في مقدوره ان يحصل على اليقين ".
ويعني هذا أن بلاكمور حين فسر الإشارات الواردة في الأناشيد عن عائلة مالاتستا، اطلع على أربعة كتب عن تلك العائلة وقرأها، وكانت ثلاثة منها بالإيطالية، والرابع منها لم ينشر بعد. وأخيراً يأخذ في تفسير القصائد وتقويمها بعد هذا التحليل الشامل المستوفي.
وهذا خير مثل على ما يتمتع به منهج بلاكمور من قوة إذا قارناه بجهل أكثر النقاد المعاصرين وضحالتهم وتراخيهم وتكاسلهم، وإذا كان
(2/15)

تيت مظلوماً في هذه المقارنة، فما ذلك إلا لأننا أفردناه بالذكر دون سائر الناقدين، ولكن تيت ليس بدعاً بينهم بل من الممكن ان تنسحي هذه المقارنة على كثيرين سواه. ولقد يستطيع المرء أن يقارن الفصل الذي كتبه بلاكمور عن الشاعر ييتس في كتابه " ثمن العظمة " بما كتبه بورا عن الشاعر نفسه - بتذوق وإدراك - في كتابه " ميراث الرمزية "، The Heritage. كلا الناقدين حلل " العودة الثانية " غلا أن دراسة بلاكمور للمبنى الصوفي القائم وراء تلك القصيدة، بالاعتماد على كتاب " الرؤيا " ليتس وعلى غيره من الكتب، لتمنح دراسة بلاكمور متسعاً من الفهم والإدراك يفتقر إليه بورا الذي كان يجهل ذلك المبنى الصوفي ولا يكترث بالبحث عنه. أو قد نقارن بين ما كتبه بلاكمور عن ت. إ. لورنس في كتابه " ثمن العظمة " وبين المراجعات التي نشرها مارك فان دورن في مجلة " الامة " ثم ضمنها كتابه " القارئ لنفسه ". وهذه مقارنة عادلة لان فان دورن يلح على ان لا يعرف الناقد شيئاً وأن يكتفي بقول اقل القليل. وكل ما قاله فان دورن عن لورنس انه " معقد إلى درجة المستحيل، وإلى حد لا يطاق " وانه قد يفسر ذات يوم. أما بلاكمور فأنه جلس في هدوء يحاول أن يفسره، فدرس في أثناء ذلك رسائله بعناية وذهب إلى مكتبة الكونغرس في واشنطن ليقرأ النسخة الوحيدة من كتاب آخر للورنس عنوانه: " دار الضرب " The Mint، وهو الكتاب الثاني المسموح به في أمريكة وعندما استعمل هذا الكتاب ورسائل لورنس أدى المهمة التي أحجم عنها فأن دورن وهي كشف معنى ما (أن لم نقل كشف المعنى) في " أعمدة الحكمة السبعة) .
بل أننا أحياناً لا تحتاج إلى استجلاب هذه المقارنة بين بلاكمور وغيره من النقاد، لأنه هو نفسه أحياناً يثيرها. فمثلا: عندما تحدث عن قصيدة " أربعاء الرماد " لاليوت في كتابه " مزدوجات " عنف ناقداً
(2/16)

ذكياً مثل ادموند ولسن (ومن مواطن الضعف في بلاكمور شدة مجاملته لزملائه) لأنه نقد القصيدة وهو يجهل مدلوها المسيحي، فاخطأ في قراءتها حين رأى فيها مثاراً للضعف لا للقوة. ولذلك فسر بلاكمور المعنى لالديني لذلك اليوم المسمى " أربعاء الرماد " ومبدأ نكران الذات والاتضاع في المسيحية، والتعاليم المسيحية في العبارة التي اقتبسها اليوت من دانتي، وهلم جرا؛ وكلها أمور لا غنى عنها لفهم القصيدة. فإما إن بلاكمور كان يعرف هذه الأشياء وإما انه كان يجهلها فبحث عنها حتى عرفها؛ أما ولسن فلم يكن يعرفها، ولم يكلف نفسه البحث عنها. ووجد بلاكمور لقاء الجهد المبذول، وجد قراءة دقيقة رصينة ركينة، وجد لقاء ما اضطلع به وهو يؤدي واجبه، وبذلك تجنب الخطأ الجاهل الذي اختاره ولسن. وهذا هو ما يحرزه بلاكمور غالباً فيما يبذله من جهد، وهو كفاء بالكلف التي يقدمها. ولقد يفيد النقاد أمثال تيت وبورا (بورا في هذا الموقف فحسب) وفان دورن وولسن إذا هم تفكروا ليلا في أسطورة النملة والجندب.
2
- إن بلاكمور، مثل اليوت، لم يؤلف كتباً في النقد وإنما نشر عدداً من المقالات والمراجعات، ثم ضم اثنتي عشرة منها في كتابه " مزدوجات " 1935، وجمع ثلاث عشرة أخرى في " ثمن العظمة " 1940، ومنذ ذلك الحين نشر من المقالات والمراجعات ما لا يقل عن اثنتي عشرة أيضاً، ولذلك فقد يسعفنا الحظ بكتاب ثالث له. وقد قضى بلاكمور عدداً من السنوات وهو يعمل في إنجاز سيرة نقدية عن هنري آدمز، ومنها نتف ظهرت في المجلات؛ وأعلن مرة أنه يعد دراسة عن هنري جيمس، وليس له سوى ما تقدم إلا ثلاثة دواوين شعرية
(2/17)

وعديد من " الكراسات " الصغيرة ذات القيمة المؤقتة العارضة. وحتى يصدر كتابه عن آدمز وكتابه عن جيمس ومجموعة ثالثة من مقالاته يظل كتاب " مزدوجات " خير مثل يستحق منا القول المفصل.
ومفتاح هذا الكتاب في عنوانه الفرعي: " مقالات في البيان والتبيان " ولعل بلاكمور ان يكون أدق قارئ متفرد في النقد الأمريكي وإذا علق على قصيدة فلا يبذه في ذلك إلا وليم امبسون بانجلترة، ولذلك فان أكثر كتابه شرح وتوضيح للنصوص. وقد أشرنا من قبل إلى دراسته للغة كمنجز وأناشيد بوند، وشعر ستيفنز، وهارت كرين، وفي هذه جميعاً خير طراز من الشرح لعدد من القصائد الصعبة، وكذلك هي دراسته لماريان مور والآخرين. ولعل خير مثل مركز من هذه الدراسة هو القسم الثاني من مقالته " أعتاب جديدة، وتشريحات جديدة " وعنوانه الفرعي " ملاحظ على نص من هارت كرين ". وهذا القسم كله شرح مستفيض لا مدخل فيه لغموض، لمقطوعة ذات أبيات أربعة عنوانها: " حانة " ولسبعة أبيات من قصيدة " دموع المسيح ". ومن الأمثلة النموذجية في ذلك الشرح ما كتبه بلاكمور حول بيت من القصيدة الثانية جاء فيه: " الناصري والعينان اللتان كأنهما الحراق (1) ".
ومن الوسائل التي يعتمد عليها بلاكمور في الشرح والتفسير أن يضيف
__________
(1) الحراق Tinder مادة صوفية ناعمة تستعمل في إيراء النار بالقدح وهي تذكر بالكلمة tender فكأن الشاعر - حسبما يرى بلاكمور - قد اختارها عمداً للدلالة على ما يجاورها من ناحية صوتية، والحراق يستعل بسرعة فالصورة ملائمة لحال العينين، ويقول كرين أيضاً في القصيدة " أن القمر يرسل البنزين النقي "، والبنزين سائل محلل مطهر، وقد رمز به إلى ضوء القمر فناسب المقام، كما أن صوت الكلمة مناسب لنغمة Nazarine (الناصري) - هذا ما قاله بلاكمور وقد أشرنا إليه هنا لان ترجمته بدقة تعد متعذرة.
(2/18)

المادة المركبة أو قل أن يفهرسها، ثم يصبح لهذا التصنيف قيمة ذاتية مستقلة. وهذا يصدق على عرضه للموضوعات الكبرى - موجزة - في أناشيد بوند، وهو يصدق كثيراً على مقال له في " مزدوجات " كتبه عن فواتح جيمس ونشره في " الكلب والنفير " وجعله مقدمة لفواتح جيمس عندما نشرت بعنوان " فن القصة " The Art of the Novel. وهنا يضع بلاكمور ما يسميه " فهرستاً انتقائياً أو ثبتاً مؤقتاً " يدرج فيه المسائل الكبرى والموضوعات الهامة التي يتحدث عنها وبدل على مواضعها ثم يفعل ذلك نفسه في الموضوعات الصغرى. ومن ذلك كله ينتهي إلى فهرست نقدي مكون من عشرين صفحة لكل الأمور المتعلقة بفن القصة عند جيمس، وهي بالغة القيمة للمبتدئ الذي يريد أن يقرأ فواتح جيمس، وللمختص الذي يحاول أن يستمد شيئاً من الفواتح في بحثه، كما أن فارس بلاكمور هي في ذاتها عمل نقدي أيضاً.
وبما أن بلاكمور شاعر فانه ينفق كثيراً من جهده في نقد الشعر، ولذلك جاء ما يقارب ثلثي كتاب " مزدوجات " في نقد هذا الفن؛ وليس من الغريب إذن أن يتحول إلى الحديث عن أمور عامة في الشعر حين لا يجد أثراً شعرياً معيناً لينقده. ومما تجدر ملاحظته انه قلما يحلل النثر أو يكتب في مسائل النثر وفنيته، وإذا راجعت ما كتبه في النثر وجدته يتعلق بمشكلات متصلة بالمتفنن نفسه كدراسته عن ت. إ. لورنس وملفل، أو بالأفكار وبخاصة الأخلاقية منها كدراسته عن دستويفسكي وآدمز. غير انه أيضاً لم يكتب شيئاً في النظرية الشعرية، وإنما ينشا حديثه عن فنية الشعر من مسائل ومشكلات محددة باعيانها، فهو يتحدث عن القافية حين يعرض لشعر ماريان مور وطريقة استعمالها للتقفية، وهو يتحدث عن الصور والاستعارات حين يقارن بين ستيفنز وبوند واليوت في مقاله عن الأول منهم ويتحدث عن الشكل الشعري عرضاً إذ يتصدى
(2/19)

للحديث عن لورنس، ويشير عابراً إلى أمور الإيقاع والأوزان، ولم يكرس كثيراً من انتباهه للعروض لأنه يعده حشواً في فنية الشعر.
وإذا قارن بين استعارا ستيفنز واستعارات غيره من الشعراء ابرز وسيلة أخرى من الوسائل الكبرى التي يستغلها في " مزدوجات " وهي المقارنة بين القصائد وبين الشعراء. فمثلا يتوصل بلاكمور إلى رأيه في طبيعة ترجمة بوند لأشعار بروبرتيوس بمقارنة الترجمة بالأصل اللاتيني خطوة خطوة، لا بالحديث عنها تجريداً. ويقارن بين بوند واليوت وستيفنز، فيجد أن خيال ستيفنز غير معتمد على البصر مثل بوند ولا هو درامي مثل خيال اليوت ولكنه خيال خطابي؛ وهذا التصنيف هو الأساس الذي نقوم عليه مقالته. ويوضح في مقاله عن لورنس ما يسميه " هستيريا " لورنس وذلك بمقارنة موقفه بموقف اليوت الذي تدل عباراته على " هستيريا منضبطية ". ويثبت نقص الإحساس لدى كرين بان يحشد حوله مقتبسات من دانتي وشيكسبير وبودلير وييتس وستيفنز؛ ولكن بلاكمور لم يوغل في المقارنة إيغال اليوت الذي ينقلها أحياناً إلى شيء بعيد عما ينتقده، ويظل يبعد بها في استحضار أمثلة متشعبة حتى تتلاشى صلتها بالشيء المنقود، ويقتصد بلاكمور في المقارنات، وقد يسهب في تبيانها ولكنها في كل حال تخدم غاياته خدمة جلى.
وليس في كتاب " مزدوجات " استمداد علني من اكبر منبعين يستمد منهما النقد المعاصر اعني علم التحليل النفسي والماركسية، وأن كان فيه تأثير خفي لهما. وينتج هذا من إحدى فرضيات منهج بلاكمور وهي فرضية استمدها من اليوت في دور مبكر ووضحها في دراسة له عن اليوت نشرها عام 1928 في " الكلب والنفير "؛ ومؤدى هذه الفرضية أن النقد يجب أن يتناول الأدب من حيث هو أدب، لا من حيث يمثل أي شيء آخر. حتى حين يستمد بلاكمور علناً من علم النفس، كأن يتحدث
(2/20)

عن المرض الهستيري عند لورنس، تجده يستخدم سيكولوجيا أدبية في طابعها، فهو يصر على أنه لا يشخص مرض لورنس ولكنه يرى ان " الحقيقة في شعره وفي نثره الأخير؟ ذات طابع هستيري ". أما النقد الاجتماعي فابرز موطن استخدامه فيه بلاكمور هو حديثه عن " عودة المنفي " لمالكوم كولي 1934 وعن كتاب اليوت " بحثاًً عن آلهة غريبة " وفيه يقول: " أراني من وجهة سياسية اتفق مع كولي " ثم يقول:
إذا اخترت اتجاهاً سياسياً ووجهت فكرك لتصل من ذلك الاختيار إلى نتيجة أصيلة فليس يستتبع هذا أن اتجاهك السياسي سيؤثر تأثيراً مباشراً فيما تكتبه إن كنت كاتباً. وليس مما يستتبع هذا أنك قد كشفت عن ضرورة سياسية واتخذتها شعاراً لك، عن كنت ناقداً. أن الكاتب أو الفنان، في أي ميدان، هو مرآة مستقلة لمجريات الحياة التي تستغرقه، ما دامت له إرادة في أي شان من الشئون، وهو يخلق عن طريق الإبداء والتمثيل والنقل، وليس يتغير من أسلحته إلا السخرية التي يتمتع بها ذكاؤه، والتي يسلطها على الحقير والبليد؟ وقد ينفق أن تكون معتقدات الكاتب السياسية أساسية في فنه، حين تظهر فيه بقوة ضمنية لا جهرية، كقوة الدم على العودة في العروق، وربما لم يتفق لها أن تكون كذلك. ويجب على الفنان أن يحتفظ لنفسه بحقه في أن يعرض ما يراه وما يحس به من المشكلات الإنسانية، والشيء الوحيد الذي قد نتطلبه منه هو أن لا يعرض ما لا يراه ولا يحس به بل ما يعتقده لأسباب سياسية أو غير سياسية.
وينتهي بلاكمور من هذا إلى أن كولي واليوت قد اريانا طرقاً " تحسن منزلتنا كمواطنين " غير أن الغاية القصوى هي أن يضيفا " إلى
(2/21)

منزلة استقلالنا كفنانين ". وقد تنبه بلاكمور إلى أنه جار على النقد الاجتماعي حين تنكر له باسم " النقد السياسي " أي حين ابصر منه أسوأ احواله؛ ولذلك تجده يلح على ان هذه المعايير الاجتماعية تظل صحيحة ركينة ما دام يحددها برصانة ناس مثل كولي، أما أمثال غرانفل هكس وهوراس غرغوري فأنهم دائماً يسيئون استغلالها وتمثيلها. (ومن سقطات بلاكمور في هذا المقام أن يقول: " عن كانت بيرز بلاومان Piers Plowman تعالج الصراع الطبقي، فان حكايات كانتربري لم تعالج شيئاً من ذلك ". ولا مرية في أن حكايات كانتربري أدل على الصراع الطبقي من غالبية الآثار الأدبية لأنها تصور في افتتاحها انهيار الإقطاع بين الفارس وتابعه، وتتطرق إلى الفوارق الطبقية الحادة في أكثر الحكايات. ما أكثر الأمثلة التي قد يختارها بلاكمور، وكم كان من الأسلم له لو انه اختار قصيدة " قبلاي خان " أو ما أشبهها) .
ولنقل شيئاً في السخرية عند بلاكمور فان استعماله لها في كتاب " مزدوجات " غزير واسع. وتصبح لديه في أحد طرفيها نوعاً من الفكاهة (كان يقول: هذه تهمة حادة لكنها لا تجرح) وهي في الطرف الثاني تحفظ شكي حذر مترامي الأطراف. وفي الفصل الأخير من كتابه يسوي بينها وبين الفكر الحر فيقول:
توجد، لحسن الحظ، نماذج من التفكير الطليق البارئ من التقعيد؛ دعنا نتجه بأفكارنا كالمتأملين لنكحل أنظارنا بأنوار أفلاطون - في مرحلته الأولى - وبأنوار مونتين - في كل مراحل حياته -. أليس الحافز الحي والخصب في حواريات أفلاطون ومقالات مونتين إنما مردهما إلى عدم التقعيد و " الترسيم "؟ أليس أن أفلاطون - في عهده الأول - يمسك بالأفكار المتصارعة في توازن متبادل، ويقدمها لنا في
(2/22)

عراك وتطور ولا يحكم بالنصر لأحدها غلا في النهاية؟ أليس أن مونتين يفسح المجال دائماً لفكرة أخرى، ويهيئ دائماً مكانا ثالثا لسخرية مؤقتة تفصل في النزاع بين الفكرتين؟ أليست الأشكال التي ينشئها كل من الرجلين قائمة على السخرية لأنها دائما تفضح الازدواج في كل فكرة، في أعمق اعماقها، فهي تدل عليها كأنها تعرضها للاتهام الذاتي، وتبرزها في معمعان الحياة لا محصورة في البحث الحيوي، يصبح حين نستعيره ونزاوج بينه وبين حاجاتنا هو المسلك العقلي الوحيد لتكثير المبادئ وضروب " التقنيات " المتغطرسة التي تملأ أوعية التفكير النقدي لدينا.
أما إن كان المفكرون والفنانون اقل شاناً من أفلاطون ومونتين، أو كانوا مثلهما عظمة لكن آثارهم أدنى منزلة، فها هنا يضيف بلاكمور قائلا: " علينا أثناء القراءة والنقد ان نضيف الشك والسخرية من لدنا ". وقد يضيف بلاكمور نفسه هذه السخرية في كتاب " مزدوجات " على نحو حذر من التجريب؛ وإليك هذه الأمثلة:
" ليس من العسير أن نطبق هذه القسمة على كرين إذا قمنا بها تجريبا دون أن نتطلب منها أن تكون مثمرة، أو أن تكون هي القول الفصل ".
" يجب ألا نوغل في استقواء النظير لان قيمته غنما تكمن في عدم انطباقه انطباقاً كاملاً ".
" أن هذه العبارات التي نريد بها تمييز هذا من ذاك إنما هي خاضعة للتصحيح والتسديد ".
ومثل هذا المسلك الحذر التجريبي غير الحاسم يجذب إليه القارئ
(2/23)

بأكثر مما يستطيعه النقد في العادة، ولا ريب في أن بلاكمور يحسب دائماً حساب قرائه. وهو يتوقع ان يكون القارئ ذا فكر مدرب على تقبل الشعر أو انه " سينظر ويقرأ كأنما هو ذو فكر مدرب "، وهو يقر أن غاية النقد هي التذوق ولكنه يضيف إلى ذلك قوله في عبارة مونقة تشبه في حوكها أسلوب جيمس: " إلا أن التذوق نفسه يستطيع أن يكون ذا معايير يقيس بها صحته ورصانته، ولابد له، لكي يكون مكتملاً، من أن يدل على فهم " دائم " لغاية هي النتيجة الضرورية، بل هي الثمرة الصحيحة، لما فيه من صحة ورصانة ". وللنقد مهمتان - أولاهما - حسبما يحددها بلاكمور - هي " توسيع الافلة للخصائص الذاتية " والثانية هي الحكم على منسوب الأداء، أي بعبارة أخرى: مهمة النقد أن يحلل وان يقوم. وفي الأول يلح بلاكمور على أن يقود النقد القارئ دائماً إلى الأثر الفني؛ وهو يكتب ويقتبس دائماً اعتقاداً منه أن تحليله سيحول نظر القارئ إلى جزئيات القصيدة، لا انه يكتب للقارئ شيئاً مفهوماً يقوم مقامها ويغنيه عنها. وفي الثانية تجده يلح على أن يقرأ القارئ بفكره لا بعينه، وان يجرب الشكل والمحتوى، وان يحب الشعر من حيث هو شعر، وان يتقدم من القصيدة أما بزاد من المعرفة الواسعة أو بقدرة على بذل الجهد والصبر المصني. أي أن القارئ الذي يتصوره بلاكمور قريب الشبه من القارئ المثالي للشعر، وهو شاعر آخر أو ناقد مثل بلاكمور نفسه. ولا ريب في أن بلاكمور يدرك ندرة مثل هذا القارئ بين القراء الذين يمثلون جمهوره القلي، ولكنه مع ذلك قد يرفض ان يتنازل عن موقفه من اجل الكثرة الغالبة.
ولا يدرك وحدة كتاب " مزدوجات " إلا قارئ يحسن ترتيب المقدمات، هذا على الرغم من أن الكتاب مجموعة من المقالات العارضة والمراجعات. وهو يحوي قطعاً كبرى مثل دراسته لكمنجز وبوند وستيفنز
(2/24)

وكرين ود. هـ. لورنس وماريان مور وكتابات اليوت بعد أن تحول كاثوليكياً، وفواتح جيمس، والنقد الأدبي المعاصر، وإلى جانب هذه قطع صغيرة ثلاث. هي مراجعة لكولي واليوت معاً، ومراجعة لكتاب " الموروث العظيم " من تأليف غرانفل هكس، ومراجعة لبعض كتب كتبت عن صموئيل يتلر، وكل هذه الثلاث نشرت في " الكلب والنفير ". فإذا كانت القطع الكبرى توضح الواحدة في كتاب بلاكمور إيجاباً فالقطع الصغيرة توضحها سلباً، لأنها تدل على ما لا يرتضيه في حيز تلك الوحدة، فهو لا يرتضي المعايير المسيحية التي يستغلها اليوت والراديكالية التي يستعملها كولي والتشويه المتحيز لدى هكس والتور والتعنت لدى بتلر، وكلها معايير خارجة عن مجال المقاييس الأدبية. أما الوحدة الإيجابية فإنها كامنة في غموض العنوان " مزدوجات " لان بلاكمور لم يفصح بتلك المزدوجات في كتابه، ولكنها تتبلج لفكر القارئ تدريجاً. فالشعر مزدوج اثنيني لأنه يتكون من شكل ومحتوى، ومن عادة محسوسة وقوة تخيلية؛ والنقد مزدوج لأنه يتضمن التحليل والتذوق، وألفة الخصائص الذاتية وتقويم الأداء؛ والشعر والنقد معاً مزدوجان لأنهما يعينان " البيان والتبيان " وكل اثنتين من مصطلحات النقد مزدوجان: الشكل والمحتوى، المبنى والنسيج، الكاتب والقارئ، الثابت والمتحرك، الموروث والثورة، التعبير والنقل، ومن تواشيح هذه جميعاً ينشا شيء ثالث هو القصيدة أو المقالة أو هو في هذا الحال كاتب بلاكمور. ومن غموض العنوان يختبئ وراء القسمة الازدواجية فيه مصطلح ثالث واجهه بلاكمور من بعد علناً فتحولت مزدوجاته الثنائية إلى ثلاثيات.
3
- ليس لبلاكمور منهج محدد مرسوم وغنما لديه مزاج من الخصائص والتقريرات ولذلك لا يمكن أن نورد لطريقته تاريخاً ونسباً بعيداً، وإنما
(2/25)

نستطيع أن نذكر نسبها القريب، أعني أن نذكر الأشخاص الذين يستعد منهم ويستوحي بعض آرائهم. لكن هذه مسألة معقدة لأنه إذا استثنينا ولسن ثابت كان بلاكمور اشد النقاد الأحياء استمداداً وانتقاء. أما ثابت فقد استمد واعترف بأنه يستمد من كل ناقد إنجليزي معاصر على وجه التقريب ابتداء من مري وريد حتى الآنستين سبيرجن وبودكين. وعلى النحو نفسه نرى بلاكمور قد استغل كل ناقد حديث مشهور في كل من إنجلترة وأميركة وان باين نايت في مقدار الرفض والغربلة والتعديل لما يستمده.
وإذا ذكرنا الاستمداد في حال بلاكمور بدأنا بذكر اليوت، لان بلاكمور نشأ في أول عهده على تبجيله وتقدير نقده وقد كتب عنه أولى مقالاته النقدية في " الكلب والنفير " فأثنى عليه هنالك لأنه - أي اليوت - " يلتزم بالحقائق فيما ينقده من حيث صلتها بالأدب، وبه وحده " ومن ثم فأنه " نسيج وحده لا في الحاضر فحسب بل في الماضي؛ ففيه شيء من آرنولد وبعض من كولردج وقليل من دريدن وبين الحين والحين شيء من الدكتور جونسون، إلا أن اهتمامه بدريدن من بينهم هو الاهتمام المخلص الجامع ". وهذا غير صحيح طبعاً، ولكن من الممتع أن نرى بلاكمور يضع هذه القائمة من الاسماء، وهو في سن الثالثة والعشرين، يوم كان يعتقد انه يستمد نقده من مذهب اليوت في النقد. ثم استكشف بلاكمور أهمية هنري جيمس وفواتحه النقدية، يوم كتب عنه بين 1928، 1930 فقال أنه " اعظم أرباب الأقلام الأمريكيين وأكثرهم تنظيماً ولعلي اعتقد انه أشدهم إنسانية ". وقد أشبعت مقالات جيمس رغبته في النقد الفني، ولما درس الفواتح قال فيها: " إنها أكفأ نقد أدبي بل اعتقد إنها افصح وأصل قطعة من النقد الأدبي وجدت أبداً "، ولا يدانيها إلا مقالات أخرى لجيمس. ولعل نقد جيمس كان العامل الأكبر في تحديد
(2/26)

نقد بلاكمور وتشكيله، في الاتجاه المجازي وتطبيق الإحساس والإلحاح على القيمة الرفيعة للفن بل في الأسلوب نفسه (انظر فيما تقدم جملة وصفت بأنها تشبه إنشاء جيمس، وغيرها كثير يستخرجه القارئ عفواً دون تعمد أو بحث) . ولم يفارق بلاكمور أستاذه مفارقة واضحة غلا في الموضوع، لأنه سلط تحليله على الشعر لا على النثر، ونقد آثار غيره لا آثاره نفسه، حتى لنقول: أن نقد بلاكمور هو نقد جيمس نفسه مطبقاً في مجالات أخرى.
ولا ننس تأثيرات أخرى عدا تأثير جيمس. وفي أولها وربما كان أهمها تأثير اليوت في الفكرة والأسلوب: فمثلا يفرق بلاكمور بين العاطفة في الشاعر والعاطفة في القصيدة وهي تفرقة مستمدة من اليوت. وفي بعض جمله تلمح أسلوب اليوت أيضاً وهو أسلوب جيمس نفسه، مع تكثير من المعترضات والتردد وتبسيط للتراكيب، حتى أن هذا الأسلوب ليوحي إليك (ويضلل بما يوحيه أحياناً) بان التعبير الموجز المبسط يحتوي أفكاراً معقدة دقيقة. وقد استغل بلاكمون كثيراً مما يتميز به اليوت وما يردده من مبادئ وتأثر بأسلوبه، فوضع نفسه في صف الآخذين من نقده بل انه في السنوات الأخيرة تحول مثل اليوت إلى النص على النواحي الأخلاقية. وقد شغلت باله عبارة اليوت: " الضجر والرعب والمجد " الكامنة وراء الجمال والقبح، فاقتبسها - على الأقل - أربع مرات حسبما أحصيت. ولقد بدأ بلاكمور بالثناء على اليوت سنة 1928 حين وصفه في " الكلب والنفير " " بخصوة مشذبة الحواشي في أفكاره ". وفي سنة 1944 نشر مقالا عنه بمجلة Partisan فأعلن أنه يوافقه في كثير من معتقده الذي تحدث عنه في " ملاحظ نحو تعريف الحضارة "، ويخالفه مخالفة حادة فيما جمجمت به آراؤه هنالك دون تصريح. ولذلك يمكن أن نقول أن موقف بلاكمور من اليوت كان ثابتاً لا تردد فيه، ومجمل هذا
(2/27)

الموقف أنه يعترف بما يوافقه فيه وما يخالفه، وأنه يفيد من الآراء التي يتقبلها ويرفض ما عدا ذلك.
وهنالك تأثير آخر تمثله بلاكمور وخالفه أساساً، وذلك هو تأثير الأستاذ يرفنج بابت. فقد بدأ بلاكمور بمقال عنيف عن النزعة الإنسانية (1930) هاجم فيه بابت وأصحاب تلك النزعة بحدة حادة ووصفهم " بالعجرفية والعمى والجهل الجائر " ولم يجد لديهم شيئاً يستحق الثناء. ثم كتب مقالا أخر عن " النزعة الإنسانية والخيال الرمزي أو تعليقات على قراءة بابت من جديد " نشره في خريف 1941 بمجلة الجنوب، فعزا فيه قصور بابت إلى انه يمر " بالنموذجي " في الحياة عابراً، ولا يعير " القوى الخفية الأرضية " اهتماماً، وهذا كله من صور " التحلل في الخيال المسيحي ".
ثم يتحول بلاكمور عن مجرد الرفض لمبادئ بابت إلى قبولها مع توسيع لها وتعدليل فيها فيقول: " علينا أن نهتم بالبناء لا بالهدم "، علينا أن نعيد الاهتمام بالقوى الأرضية وان نعيد الخيال المسيحي، ولكن بلاكمور يسمي هذا الخيال باسم دينوي هو " الخيال الرمزي "، وكأن بلاكمور عاد يؤمن بالنزعة الإنسانية مضيفاً إليها هذا الذي يسميه " الخيال الرمزي "، ولذلك استمد المصطلح الخلقي عند بابت مثل: نظام - تناسب - اعتدال، وجعل من هذه الاصطلاحات معياراً جمالياً يعيش به الشكل الشعري وأضاف إليها اصطلاح " الأرضي ". ولقد كان اتصال بلاكمور بهارفرد، وإن لم يدرسوا فيها، ذا أثر فيه، وكان بابي ذا يد في هذا الأثر، ومن بين النقاد اللذين تلقوا تأثير بابت نجد اثنين لا يقبلانه محض قبول ولا يرفضانه محض رفض وإنما يستمدان منه ما يلائم حاجاتهما، وهما بلاكمور وفرنسيس فرغسون.
أن تأثير بلاكمور بكل من جيمس وأليوت وبابت وسانتيانا أيضاً في
(2/28)

فكرته عن " الجوهر " قد أصاب النزعة النقدية لديه وطريقته في ممارسة النقد. أما من الناحية " التقنية) فإنه تأثر بصف آخر من النقاد المعاصرين فيهم رتشاردز وأليسون وكنث بيرك. وقد أستمد بلاكمور الشيء الكثير من رتشاردز (حتى كتب عنه يقول: ليس ينجو ناقد أدبي من تأثيره) . ويبدو أنه يجله غاية الإجلال ولكنه يبدي تحفظات حادة إزاء الميل العلمي في نقد رتشاردز. ولما كتب في " مزدوجات " فصلاً عن ماريان مور، تعرض لذكر رتشاردز، وكان تقبله لتأثيره حينئذ على أشده، فقال فيه أنه خير ناقد معد للحكم والحسم، وقال في موضع آخر: إن كتاب " آراء منكيوس في العقل " خلاب جذاب لكنه غرار، أما " معنى المعنى " فإنه صورة لبضع مئات من الكلمات الفقيرة وقد جعلها المؤلف منبعاً للعلم الشفوي.
ثم قال فيه: " إنه ناقد معجب " " لا ينازعه أحد في حبه للشعر ومعرفته به "، ثم لامه لأنه جعل نفسه ضحية للمشكلات الأدبية العملية التي تمتد وتمتد ولا تقف عند حد، ولأنه على وجه الجملة يحاول أن يحول النقد الأدبي إلى علم اللغويات ويسلم بلاكمور بان مثل هذا العمل شيء هام، ثم يضيف إلى ذلك قوله:
ولكني أريد لهذا النقد أن يواجه دائماً - وهو مستغرق في مهمته - أمثلة من الشعر، وإنما أريده كذلك، من أجل أن يساعد عملياً في تذوق اللغة في ذلك الشعر - في تذوق استعمالاتها ومعانيها وقيمتها. وأريد منه أن يساعدني في أن يحقق لي ما يساعد السيد رتشاردز في تحقيقه، وهو يقرا الشعر من أجل الشعر ذاته؛ مهما يكن ذلك الشيء الذي أتطلبه منه.
ولب الخصومة بين بلاكمور ورتشاردز يتمثل في قوله: " الشعر هو
(2/29)

معنى المعنى " وذلك ما قاله في مقال له بعنوان " اللغة من حيث هي إشارات " نشر بمجلة Accent في صيف 1943.
أما ما بينه وبين أمبسون تلميذ رتشاردز فإنه محض وفاق، لان امبسون يؤدي في النقد ما يتطلبه بلاكمور بدقة، اعني انه يسلط نظريات رتشاردز على النصوص الشعرية. ويبدو ان بلاكمور لم يتأثر بالكتاب الثاني الذي كتبه امبسون عن " الرعوي " أما كتاب " سبعة نماذج من الغموض " فكان ذا أثر كبير فيه. حتى أن ما كتبه في " مزدوجات " عن ستيفنز وكرين ليس إلا كشوفاً امبسونية في الغموض، أي تفريعات لا تنتهي من مضمونات الصور والألفاظ الشعرية. ويبدو أنه يشارك امبسون الإيمان بان الغموض في الشعر سر تأثيره، على شريطة ان يكون غموضاً منضبطاً محدداً. ومما يصور تأثره بامبسون قوله في مقال " اللغة من حيث هي إشارات ": " عن كلمة من كلمات شيكسبير تهجى على نحو ما في إحدى النسخ ثم على نحو آخر في موضع آخر ثم على نحو ثالث في موضع ثالث لتحمل في ذاتها المعاني التي توحي بها التهجئات الثلاث وتزيد إليها معنى رابعاً أي انه مثل امبسون يضرب بقراءات العلماء لنصوص شيكسبير عرض الحائط. وفي مقال له عن ييتس يتبع أيضاً هذه الطريقة الامبسونية فيستغرق في تحليل معاني كلمة Profane حسبما يستعملها ييتس في إحدى قصائده.
وإذا تجاوزنا النقاد المعاصرين وجدنا تأثر بلاكمور بالناقد كولردج ضئيلاً، ولكنه يدخر اكبر إجلال لأقرب المعاصرين شبهاً بكولردج اعني الناقد كنث بيرك، وكثيراً ما أعلن انضواءه تحت راية هذا الناقد، وقد اقتبس منه عدة مرات في " مزدوجات " أثناء تحدثه عن ماريان مور، مستملحاً آراءه وأن لم يبرأ من مقاومته لها. ثم هو يضعه في صف مع بيرس لاشتراكهما في " النشاط والتميز الواضح في التأملات "
(2/30)

ويضيف قوله: " كلاهما يبعث الحيوية والنشاط في المرء وأن لم يكن يؤمن بالصدق فيما يقولان "، ويشكو بلاكمور من كنث بيرك كواه من رتشاردز: يستغل رتشاردز الأدب محطاً لفلسفة القيم ويستغل بيرك الأدب لفلسفة الإمكان الخلقي، ويقول: إن موطن الضعف في طريقة بيرك أنها قد تستغل على السواء في دراسة شيكسبير وداشيل هامت أو ماري كورلي، وتؤتي نفس الثمرات في كل آن (أهذا ذم للطريقة أو مدح لها؟ أليس هذا دليلا على قوتها؟ لقد أقر بيرك بهذه التهمة منذ عهدئذ) . وحكمه النهائي على طريقة بيرك إنها لا تستغرق كل الأدب - وذلك عيب طريقة رتشاردز أيضاً - ولكن إذا استعملها ناس حذرون مقتصدون مثل بيرك جعلوا منها طريقة مثمرة سديدة.
وفي " ثمن العظمة " يستمر بلاكمور في الاقتراب من بيرك مستغلا مبادئه ومناهجه مثل فكرته عن الشكل الضمني، ومصطلحاته الخاصة مثل " التحول الدنيوي " بل مستمداً منه مقتبسات من تعليقاته وملاحظه. وفي خريف 1939 نشر بلاكمور مقالة عن آدمز في مجلة الجنوب، فحشد لبيرك أقصى ما لديه من ثناء وجعله صنواً لمونتين في السخرية فقال:
أضف الصراحة والحذلقة إلى الخيال، فإذا كان المزيج الذي تصنعه متناسباً نتج لك خيال حر، رجراج وثاب يستطيع أن ينعكس انعكاساً دائماً مباشراً على المجتمع المتحرك دون ان تعيقه عن ذلك سرعة الحركة أو الطاقة والاتجاه. ووجود صاحب هذا الخيال أمر نادر، ولكنه أن وجد كان متقدماً على عصره بل هو في الحق متقدم على كل عصر وإن وجدت أمثلته من الماضي السحيق. مونتين في بعض أحواله كذلك. وقد يصبح أندريه جيد واحداً من هذا الفريق. أما في بلدنا
(2/31)

فلعل بيرك هو ذلك الرجل إلا حين تستولي عليه " الحمية والعصبية ".
ولما كتب بلاكمور مقاله " اللغة من حيث هي إشارات " أعتمد على آراء بيرك وأقتبس منه كثيراً، وفي ذلك المقال حاول أن يحدد العلاقة بين نقده ونقد بيرك فقال:
عن طريق الخيال أوجدت مقدمةً كتلك التي اهتدى إليها بيرك من الزاوية العقلية، أعني أن لغة الشعر قد تعتبر عملا رمزياً. وهذا هو الفرق بيني وبين السيد بيرك: إنه هو معني بإقامة المناهج لتحليل الأعمال التي يعبر عنها الرمز أما أنا فأوثر أن أهتم بالرمز المختلق. وهو يستكشف أحجية اللغة حين تتحول رمزية وأنا أحاول من خلال الأمثلة المتنوعة المتدرجة أن أرى كيف يمنح الرمز للأعمال في اللغة حقيقة شعرية. فالسيد بيرك يشرع وأنا أقضي، أما الذي يتولى التنفيذ فهو في مرحلة واقعة بيننا.
وقد استمد بلاكمور علناً من عدد آخر من النقاد فيهم أيفور ونترز وجون كرو رانسوم. وأثنى بلاكمور على ونترز في مجلة شعر، (تشرين الثاني: 1940) وأدرج ما كتبه عنه في كتابه " ثمن العظمة " فاستحسن هنالك نفاذ بصره في النواحي الخلقية " وألفته للمادة والشكل في الشعر والنثر الفني " وغير ذلك من فضائله. وقد استمد منه " بدعة الشكل المعبر "، أي ان الفكرة حسن تتحول إلى كلمات فقد انتحلت خير شكل مناسب لها، وان خير ما يعبر عن التفكك سياق شكلي مفكك وهكذا، وقد استغل بلاكمور هذه النظرية في كتابيه، ومن حولها ركز نقده لشعر د. هـ. لورنس، واستغلها أيضاً ليحطم أدباء مثل توماس وولف وكارك
(2/32)

ساندبرغ، ومن هم أعلى شاناً من هذين.
ولم يستعر من رانسوم إلا اصطلاح " المبنى - النسيج " واستعمله على نحو تجريبي. وفي الوقت نفسه تأثر رانسوم، بل كل مدرسة الجنوب وبخاصة ألان تيت وكلينث بروكس بآراء بلاكمور، وكلهم يقتبس منه ويعترف له بالمقدرة بل أن رانسوم يقدم اسمه في كتابه " النقد الجديد " ويعتبره النموذج الكامل للناقد الجديد، لأنه انتقائي أصيل معاً. وهو يسبغ عليه في مراجعاته ومقالاته صنوف الإطراء. والحق أن بلاكمور، بموقفه الانتقائي قد اثر في كل النقاد المعاصرين على وجه التقريب وبخاصة النقاد الشبان، حتى بيرك نفسه أثر فيه وتأثر به.
- 4 -
ما دام بذل الجهد الجاهد هو ما يميز طريقة بلاكمور في النقد فلنتقدم من اتجاهات نقدية أخرى تعتمد على الكد والجهد، من اجل المقارنة. ولنقرر بادئ ذي بدء أن اغلبها أدنى حظأً من طريقته جهداً وكداً حتى تكاد لا توازيها ابداً، وأكثرها يقع في باب الدراسة المختصة، وما كان من هذا الباب فقد عالجناه في فصل سابق (1) ، غير أن بعضها يستحق أن يذكر في هذا المقام لأنه فردي الطابع غريب الصبغة. وإذا ذكرنا كلمة " غريب الصبغة " ذهب الظن سريعاً إلى عزرا بوند وطريقته في النقد. أما فكرة بوند في النقد فإنها جد متواضعة، فالنقد لديه هو ان يقف المرء عند رف كتبه ويدل صديقه أي شيء يقرؤه، ولكن بوند في وقفته عند رف الكتب يلقي جهداً عظيماً وهو يبدي رأيه لصديقه وقد حدد خمسة أنواع من النقد في " اجعلوه جديدا ": Make It New، وهي:
__________
(1) انظر الفصل السابع من هذا الكتاب.
(2/33)

1 - النقد عن طريق المساجلة والمحادثة فهو يبدأ من محض الثرثرة والسفسطة المنطقية والتشغيب ووصف النزعات ويتدرج إلى تسجيل محدد واضح للاتجاهات وإلى محاولة لتقرير المبادئ العامة.
2 - النقد بالترجمة.
3 - النقد بالتدريب على محاكاة أسلوب عصر ما.
4 - النقد عن طريق الموسيقى؟ وهذا معناه على التحديد ترتيب كلمات الشاعر في وضع جديد؟ وهو أكثر أنواع النقد حدة باستثناء النوع الخامس.
5 - النقد في صورة خلق أدبي جديد، فمثلا نقد سنيكا في " آغون " لاليوت أشد حيوية وأقوى من مقالة اليوت عن سنيكا نفسه.
وليس في الأنواع الخمسة ما يسمى نقداً، من حيث المتعارف، إلا النوع الأول، أما سائرها، وكلها مما حاوله بوند، فليست تقوم مقام النقد الناشئ عن المساجلة والحديث أو تتفوق عليه وإنما هي تكملة له تتطلب جهداً.
وقد صدر بوند أول كتبه " روح الرومانس " قبل الأخذ في التفسير والتحليل التذوقي بمقدمة حدث فيها ترجمات جديدة لقدر صالح من المادة ابتداء من دانتي حتى السيد. وفي هذا الكتاب نفسه استغل النوع الأثير لديه من النقد وهي المحاكاة الساخرة، فحاكى فيها تنفج وتمان وانتفاخه ليبرز في ذلك أخطاءه. وقال بوند في كتابه " أبجدية القراءة " ABC of Reading إنه عجز عن أن يترجم كاتولس وفيون ولذلك وضع شعرهما وضعاً موسيقياً جديداً. ومن أنواع النقد التي يؤثرها بوند " المختارات الشعرية " ولذلك كرس نصف كتابه " أبجدية القراءة " للاختيار الصحيح
(2/34)

من الشعر، ويسمي بوند نفسه: " آلة شديدة الإرهاف " ولكنه في الواقع دارس فاشل حتى أن النقد الذي يقوم به أحياناً يشبه الدراسة الأدبية التقليدية؛ ومن أمثلة ذلك مقالة له عن " كفلكنتي " في كتابه " اجعلوه جديداًً " وهي تحتوي على دراسة مطولة مستفيضة لنص قصيدة واحدة، وتتبع لمصادرها ومآتيها، وعلى ترجمات عديدة وتصحيحات في النص وغير ذلك فإذا أضفت إليها محاكاته الساخرة وتعديله لموسيقى الشاعر فإنها تمثل كل طريقته النقدية القائمة على الكد وبذل الاجهد كما أنها تدل أيضاً على مدى ما يعانيه النقد المعاصر من هنأت وسقطات وعلى مدى ما تحققه الدراسة الجاهدة المزودة بالمعرفة والنصب. (لا مجال هنا للتساؤل: اكان بوند مخطئاً في أحكامه على كفلكنتي، فليست ثمة طريقة تكفل الصواب الخالص) .
وراندولف بورن ناقد آخر من فريق العاملين الجاهدين. حتى أنه كان يعتقد أن مراجعة كتاب ما يجب أن تقوم " على بحث مستقل وفكرة مركزية " لا أن تكون حديثاً خفيفاً عن الكتاب؛ وكذلك هي المراجعات التي كتبها بورن؛ كمراجعته لكتاب " وادي الديمقراطية " لمردث نيكلسون، فقد اتخذنا لتصوير فكر الغرب الأوسط وحال أمريكة كما أن حديثه عن الكاردينال نيومان كان تفسيراً لمعتقداته آرائه الدينية. وهكذا هو في كل مراجعاته، يتخذها مجالاً لدراسة الآراء والنظريات المتصلة بأشخاص من يراجع مؤلفاتهم. وللتمثيل على مبدأه نقول: من شاء أن يراجع كتاباً عن حياة نابوليون فعليه أن يدرس بنفسه هذه الحياة ويستخلص أحكامه الذاتية ثم يواجهها بما توصل إليه المؤلف، وهذه ويستخلص أحكامه الذاتية ثم يواجهها بما توصل إليه المؤلف، وهذه خطة ليست دائماً عملية ولكنك إن عارضتها بالمراجعات الخفيفة المستعجلة وجدتها بالغة القيمة.
كتب دلمور شفارتز مقالا بمجلة شعر، تشرين الثاني 1938 عن طريقة
(2/35)

بلاكمور في النقد، قال فيه:
قد يقدر المرء، تقديراً فحسب، أن بلاكمور، سواء درس في هارفارد أو لم يدرس، قد أثرت فيه دراسات أساتذتها الفيلولوجية وتحقيقاتهم للنصوص في شعر شوسر وغيره من قدامى الشعراء، وعلى أي حال فإن منهجه أصيل في الحدود التي يمتد إليها ومن الدلالة بمكان أن يحلل الناقد ولاس ستيفنز كأنما هو شوسري اسكتلندي من أبناء القرن الخامس عشر.
وإذا استبعد أن يكون بلاكمور قد احتذى دراسات هارفارد في نقده ولكن سواء فعل ذلك أو لم يفعل فان هذه الطريقة الهارفاردية قد انتحلها عدد من أساتذة الأدب الشبان بهارفارد نفسها ومنهم: ماثيسون وثيودور سبنسر وهاري ليفن. أما سبنسر وليفن فقد أفادا من وجود مخطوطة من كتاب جويس " صورة الفنان في شبابه " بمكتبة الكلية بهارفارد (حققها سبنسر ونشرها باسم " ستيفن بطلا ") فقارنا بينها وبين صورة مخطوطة أخرى من الكتاب نفسه، مقارنة تفصيلية ونشرا نتائج بحثها، فنشر الأول بحثه في مجلة الجنوب، واستغل الثاني بحثه في دراسته الأكاديمية الغريبة عن جيمس جويس.
وقد انتفع ماثيسون أيضاً بمصادر مكتبة هارفارد، فقد قدم أحد أقرباء هنري جيمس إلى تلك الجامعة مذكرات هنري جيمس وملاحظه التي لم تنشر وتبلغ ما يزيد على 150 ألف كلمة، فكانت تلك المقيدات مصدراً هاماً استغله ماثيسون في كتابه: " هنري جيمس: المظهر الأعظم " (كما أنه حقق تلك المقيدات ونشرها بالاشتراك مع كنث ك. مردوك) . كذلك استغل جهوده وجهود تلامذته في دراسة مقارنة لنسختين من رواية " صورة سيدة ". وراجع جيمس ثلاثة من قصصه الأولى فعدل فيها
(2/36)

وغير منها حين دفعها لتطبع في نيويورك، فتفحصها النقاد عاجلين، ولكن ماثيسون تناولها منظماً وطبق عليها خير نقد دراسي مؤيد بقوة الخيال، ومن العسير ان نجد مثل خيراً من هذا المثل على ما يستطيع أن يفيده النقد من الجهد والداب المستقصي.
ومن النقاد الآخذين بالكد ج. ولسون نايت دون أن يوشح نقده بالتخصص الدراسي لأنه يقوم به على نحو عفوي غير عامد. وقد قام نقد نايت لشيكسبي على بحث استقصائي لم يمارسه ناقد آخر، ذلك انه جعل كل ما انتجه شيكسبير يدور على محورين: واحد يمكن ان نسميه " عاصفة " والآخر يمكن أن ندعوه " موسيقى ". فكل ما يتصل بالشتاء عاصفة وكل ما يتصل بالصيف موسيقى، وكل وحوش البحر (مثل كالبيان) عاصفة وكل الأشياء المجنحة (مثل آربل) موسيقى، والأوغاد قوى عاصفية والأبطال قوى موسيقية، والألفاظ التي هي مثل " وقر في السمع " و " صرخات " من باب العاصفة والشخصيات مثل هاملت واوفيليا موسيقى شذت نغمتها؛ بل أن الحيوانات فريقان أيضاً فمنها حيوانات موسيقية ومنها حيوانات عاصفية. وتبلغ هذه الدراسة ذروتها في " العاصفة الشيكسبيرية " حي جد نايت أن هذه القسمة موجودة في الخرافة والأسطورة وعند الأدباء ابتداء من ملفل حتى اليوت، وقد تبدو الفكرة سمجة في هذا المجمل ولكنها ناجحة من الناحية النقدية، وإذا تناول القارئ كتب نايت وهو يدير هذه الفكرة، فكرة التعارض بين العاصفة والموسيقى، فإنه يحصل على عدد كبير من صور البصيرة النافذة الأصيلة.
وحين كان هـ. ل. منكن يعمل في النقد، كان يوغل مستقصياً في بحثه ليقيم فكرة أو يثبت نقطة، وقد بلغ من جهده أن ذكر أن الطبعات الأولى من قصص كونراد كات تدر على صاحبها دخلا كبيراً أثناء حياته، وذيل على هذا القول بحاشية جمع فيها أسعار ستة عشر كتاباً من فهارس
(2/37)

باعة الكتب على مدى ثلاث سنوات مختلفة. وكان يقرأ بعض كتب لأدباء متخلفين ويتفحص أساليبهم كلمة كلمة، عارضاً تفاهاتهم واحدة بعد أخرى.
ومالكولم كولي أيضاً مغرم بهذا النوع الشاذ من التدقيق، فقد يكتب في إحدى مراجعاته قائمة بالوظائف التي كان يشغلها الشعراء أثناء الحرب أو قد يقطع سياق مراجعته لكتاب عن احتلا الألمان لفرنسة ليقص كيف مات سنت بول رو أو إذا راجع كتاباً من تأليف كويستلر توقف ليقص حكايات ساخرة عن اللاجئين. ولا يعرف أحد من أين يستمد كولي مادته ولكنها صحيحة موثقة لا تبدو نابية في نقده. وقد كتب أيضاً في تاريخ الحضارة، ولكن كثيراً من مقالاته التي كتبها للصحف أخباري في طابعه مثل: " كيف كان الأدباء الأميركيون يكسبون رزقهم بين 1940 - 1946 " ومثل " الأدب الأمريكي أثناء الحرب وغيرها " وقد اعجله الجمع عن استغلا هذه المقالات نقدياً.
وقد نستطيع أن نضيف إلى القائمة أسماء وجهوداً أخرى، فتفسيرات ادموند ولسن محوطة بالجهد، ممهدة للنقد، وكذلك أيضاً هي الشروح والتوضيحات التي ألف منها ستيوارت جلبرت كتابه عن قصة " عولس " لجيمس جويس. ومن هذه البابة أيضاً ما أداه رتشاردز في كتابه " النقد التطبيقي " (انظر الفصل المخصص لدراسة رتشاردز) . وفي هذا الحقل من النقد طرفان يقف عند أحدهما رجل مثل بلاكمور ينفق جهداً مضنياً في استقصاء لفظة " زهرة " في شعر منجز ثم يستنج ما يريد استنتاجه من ذلك، وعلى الطرف الثاني شخص مثل كارولاين سبيرجن، يحشد مادة ضخمة قيمة ثم يعجز عن أن يستخلص منها استنتاجات نقدية. ونحن نعجب بالفريق الأول ونغرى بعمل الفريق الثاني لأنه يقدم لنا مادة صالحة للاستنتاج والحكم.
(2/38)

5 - خصائص بلاكمور الذاتية وهذا الذي يؤديه في النقد أمران متلائمان متسقان. ولا أدري ما الذي حال بينه وبين الانتساب إلى كلية ولكني اقدر انه وجد فرص التعلم في خارج المعاهد العلمية العالية خيراً له (مثل كنث بيرك فإنه لم ينه دراسته الجامعية) وعلى أي حال فهو عالم مطلع، تشمل معرفته الفن المعماري والنحت والرسم والرقص والتمثيل والموسيقى ويستطيع أن يفيد من هذه المعرفة في النقد مثلما تدل مقالته " اللغة من حيث هي إشارات " فهناك يسهب في الحديث عن تنوع الإشارات في هذه الفنون. وقد أقر أنه لا يعرف الألمانية ولكنه، فيما يظهر، يعرف الإغريقية واللاتينية والإيطالية والفرنسية بشيء من الطلاقة. وهو يستعمل المجازات العلمية في نقده، ولابد انه درس الطبيعيات وأحرز فيها معرفة مفيدة له حين شاء أن يدرس هنري آدمز لا ليستطيع متابعة هنري آدمز في أفكاره الفيزيائية بل ليقول: لو أن آدمز درس الطبيعيات الجديدية لما اهتم أن يستعمل العلم ليرمز إلى الوحدة والقانون ومن اجل أن يفقه آراء آدمز درس التاريخ أيضاً والسياسة والاقتصاد وفي إحدى محاضراته عن بروكس آدمز سنة 1946 اقتبس من كثير من المؤرخين من ثوسيديد وفيكو حتى اكتون وتويني.
وفي السنوات القليلة الماضية كان بلاكمور يقيم في برنستون أولا عضواً في معهد الدراسات العليا ثم محاضراً في برنامج الفنون الإبداعية تحت رئاسة ألان تيت. وهو الآن ملتحق مقيم بقسم الكتابة الإبداعية. ويظهر أن عدم انتسابه إلى كلية جعله يهتم جدياً بالتعليم الحر، وقد أتيح لي أن اقرأ له تقديراً عن هذا الموضوع رفعه إلى جامعة برنستون فبدا لي أنه من ألمع الأمثلة التي قرأتها في النظرة التربوية ومن أشدها اقناعاً، وفي هذا التقرير يعالج أمر التعليم الحر كأنه يعالج قضية نقدية ويسلط عليها ما يمكن أن
(2/39)

يدعوه " الخيال الرمزي " وغير ذلك من فنون المعارف.
وهو إلى جانب النقد شاعر له ثلاثة دواوين وهي:
أ - من مسرات جوردان 1937 From Jordan " s Delight.
ب - العالم الثاني 1942The Second World.
ج - الأوروبي الطيب 1947 The Good European.
وليس مما يتفق وحدود هذا الفصل أن نتحدث في شعره إلا أن نلحظ، ما دمنا نتحدث عن نقده، ان شعره ينزع إلى أن يكون مخلصاً أخلاقياً ساخراً متافيزيقياً بعض الشيء، تقليدياً في الشكل، انتقائياً نوعاً ما، أعنى انه وإن كان أصيلا في أسلوبه ففيه تستبين مؤثرات مستمدة من بيتس واليوت وتيت. وهو شاعر مقل حتى ان ديوانه الثاني لا يحتوي غلا تسع قصائد نظمت في مدى خمس سنوات، وقد لا يدل هذا على فقر في الهام أو ضحالة في المقدرة، وإنما قد يكون دليلا على التحرز وحب الكمال والتثبت، وهذا هو شانه في الدراسة والنقد، فقد أعلن أن بسبيل تأليف كتاب عن هنري أدمز؛ ومضت حقبة كاملة من الزمن دون أن يصدر الكتاب.
وبعد ان صدر بلاكمور كتابه " ثمن العظمة " 1940 نشر اثنتي عشرة مقالة كبرى وعدداً من المراجعات وهي تكفي لكتاب ثالث وتزيد، ومن الحق أن يسمى هذا الكتاب المرتقب " الخيال الرمزي " ومن تلك المقالات ثلاث تدور حول هنري آدمز وهي قطع من الكتاب المزمع إنجازه أو إضافات منبثقة عنه. ومنها ثماني قطع تلتزم بدراسة النصوص على وجه محدد وهي تشبه نقداته السابقة للنصوص وهذه هي:
(1) بين الأسطورة والفلسفة - قطع من ييتس، نشرت بمجلة الجنوب العدد الخاص بييتس، شتاء 1942 دراسة دقيقة لبضع من قصائد ييتس.
(2/40)

(2) النبع المقدس - وهي تقسير لأحد كتب جيمس، أساء الناس فهمه، في مجلة كينيون خريف 1942 تفسير له على أساس من قصص جيمس المتعلقة بالأشباح.
(3) ثورة الطيبة - الأبله عند دستويفسكي بمجلة Accent خريف 1942 دراسة اشتقاقية لكلمة ابله، ودراسة للتخطيطات الثمانية التي رسمها دستويفسكي للكتاب.
(4) الجريمة والعقاب - دراسة في قصة دستويفسكي، بمجلة Chimera شتاء 1943 كشف أخلاقي.
(5) انجذاب صاف - مراجعة لكتابين من تأليف ولاس ستيفنز بمجلة Partisam، أيار - حزيران 1943 تتبع للمعاني المجازية عند ستيفنز.
(6) In the Country of the Blue دراسة تبين كيف يعالج جيمس أمر العلاقة بين الفنان والمجتمع؛ في العدد الخاص بجيمس من مجلة كينيون خريف 1943 مقارنة بين معالجة جيمس لهذا الموضوع وبين ما يفعله جويس وجيد مثله.
(7) ملحوظة عن عزرا بوند، إعادة نظر في شعر بوند؛ بمجلة شعر، أيلول 1946 تبين صلة شعر بوند بشعر بروبرتيوس والموسيقى.
(8) اليهودي يبحث عن ابنه: دراسة لعولس في Virginia Quarterly Review شتاء 1948 دراسة لكتاب على أساس من الرمز الديني.
أما سائر مقالاته الكبرى وهي خمس فقد كانت كلها جديدة في منحاها فهي تدور حول مشكلات أدبية عامة لم يباشر القول فيها في كتبه السابقة أو لم يطنب في استيفائها، وهذه هي:
(2/41)

1 - " عادت الفوضى "، بمجلة الجنوب، ربيع 1941.
2 - " النزعة الإنسانية والخيال الرمزي - ملاحظ في قراءة أيرفنج بابت من جديد "؛ بمجلة الجنوب، خريف 1941.
3 - " اللغة من حيث هي إشارات "، بمجلة Accent، صيف 1943.
4 - " اقتصاديات الكاتب الأمريكي - ملاحظ أولية "؛ بمجلة سيواني، ربيع 1945.
5 - " ملاحظ في أربع مقولات نقدية "؛ بمجلة سيواني، خريف 1946.
وسأتحدث فيما بعد عن المبادئ النقدية الجمالية الجديدة التي تتضمنها هذه المقالات، حين أجمل القول في آراء بلاكمور، أما في هذا المقام فيكفي أن أقول إنها على تنوع موضوعاتها تتناول موضوعاً واحداً هو: " قيمة الفن ". فالأولى منها حديث عن مجموعة سخيفة من المقالات في الحضارة والثقافة الأمريكية قدمتها الجمعية الفلسفية الأمريكية، والثانية عن بابت، والثالثة محاضرة في برنستون، والرابعة عرض يستغل فيه الإحصائيات عن تجارة التأليف بأمريكة، والخامسة محاولة لتصنيف الوسائل الأدبية.
وهناك مراجعات صغيرة مقنعة تحمل طابع المقالات الكبيرة بعضها يتناول الشعر وفي إحداها يخفق بلاكمور في إدراك ما لشعر روبرت لوول من قيمة، وبعضها محاولات في تقويم بعض الجهود النقدية وتوضيحها، وهي تفضح ضعف بلاكمور في نقد زملائه النقاد، ففيها مجاملة لبعضهم وتطارح على إرضاء آخرين.
وقد يبدو من هذا العرض إن جهود بلاكمور مبددة في نواحي متباعدة، ولكن برغم هذا المظهر فإنها ذاهبة في سياق لأنها كلها تحوم حول مبدأين حافظ عليهما من أول عهده بالنقد حتى النهاية وهما: النقد ببذل الجهد، والقيمة العالية للفن.
على إن المناسبات هي التي كانت تستثير جهود بلاكمور وتحفزه إلى
(2/42)

العمل، فإذا طلب إليه أن يكتب مقالة استجاب إلى ذلك، ومقالتاه عن هاردي وييتس كتبتا للعددين المخصصين من مجلة الجنوب لهذين الأديبين، كما إن مقالته عن جيمس أعدت لتنشر في العدد الخاص بجيمس من مجلة كينيون، ومقالته الأولى عن النزعة الإنسانية كتبت لتنشر في العدد الخاص بجيمس من مجلة كينيون، ومقالته الأولى عن النزعة الإنسانية كتبت لتنشر في مجموعة خاصة بدراسة عيوب هذا المذهب. وهناك عدد آخر من المقالات كتبت استجابة لبعض المناسبات أو بطلب من القائمين على تحرير الصحف. واستجوبته صحيفة Partisan في مرتين، أجاب في الأولى عن سبعة أسئلة في الأدب الأمريكي 1939 وعلق على مقال لأليوت في الثانية، 1944. وانتهز الفرصة في المرة الأولى ليرسم مخططاً لمبادئه النقدية، وانتهز الفرصة في المرة الثانية ليكشف عن المضمونات الاجتماعية واللاهوتية في تلك المبادئ كأنما كان يتم استجواباته الأولى رغم مضي خمس سنوات عليها. أما حين طلب إليه أن يكتب في النزعة الإنسانية فقد أنتهز الفرصة ليحطم أصحاب تلك النزعة بالنص على مبدأيه الكبيرين وهما: إن اتساع المعرفة في أي موضوع أمر ضروري، وإن كل فن ونقد صحيح فلا بد من أن يتوفر لهما نفاذ البصيرة وقوة الخيال والنظام.
ولم يتورط بلاكمور في المجادلات العنيفة إلا قليلا، ولم يكن في هذا القليل يهاجم الأشخاص، ولكنه كان دائماً يوجه هجومه إلى الأفكار والمبادئ. ويبدو أنه ينفر من غمز الأشخاص أو من التباري في الهراش والنطاح مما يسميه الناس مجادلات أدبية. ومرة راجع بلاكمور بمجلة " الأمة " 1936 روبرت فروست، فانبرى برنارد دي فوتو للرد عليه لأنه من أتباع فروست ورماه بالحمق، فلم يرد عليه بلاكمور، فيما أعرف. وقد هاجمه هوارد ممفورد جونز سنة 1941 هجوماً ألطف فلم يرد عليه أيضاً فيما أعلم. واندفع إلى مهاجمته مشتطاً متحانقاً كل من الفرد كازين وهاري ليفين فما أعلم أنه رد عليهما. وصف غرانفل هكس نقده بأنه
(2/43)

" يشبه مراوغات اللاعبين الماهرين " فراجع بلامكور كتابه " الموروث العظيم " بمجلة " الكلب والنفير " (وأدرج المراجعة من بعد في كتابه " مزدوجات ") وتوصل في تلك المراجعة إلى تحطيم جميل كامل حين بين الفكرة الأساسية في الماركسية ومدى إصابة هكس في تطبيقها، وأقتبس في آخر المراجعة جملة هكس التي قالها فيه بسخرية بارعة ودون تعليق.
ولقد بين بلاكمور أن ناقداً ديالكتياً آخر لو تناول الماركسية معتمداً على الاستقصاء في جمع مواده العلمية لوجد فيها نظاماً اقتصاديا رصيناً، ولكن هكس فقير في إطلاعه على الأدب الأمريكي. وفي أثناء المراجعة نقد مواطن الضعف في النقد الماركسي بحدة، وكما هي عادته أكد القيم التي لا يفتأ يعمل على أساسها وهي التكثير والشك والفهم التخيلي لموقف الإنسان.
ولو أردنا أن نستعير تشبيهاً نوضح به نقد بلاكمور لقلنا: إنه يشبه صورة الساحر على المسرح وهو يقطع امرأة نصفين. ويخيل للمشاهد أثناء ذلك إنها قطعت حقاً، ثم إذا بها تنهض بعد قليل كاملة سليمة لم يصبها أذى وهي تنحني للرد على تحية الجماهير. يقول بلاكمور: " أن التحليل في هذه المواطن لا يعمق الحز والقطع بل إنه لا يقطع أبداً؛ إنه يجيز الخصائص والجزئيات فحسب، ولابد من أن ترى الخصائص والجزيئات مرة أخرى في أماكنها الطبيعية قبل أن يؤتي الجهد ثمراته ". ثم يبين التشبيه على نحو أوضح في موضع آخر فيقول:
" أي شيء هو هذا (النقد) إلا أنه تجزئة، لا لكي تحنط هذه البقايا المجزأة، بل لكي نفهم عقلياً حركة الأجزاء والعلاقة فيما بينها في الجسم الحي الذي نحبه. فمثل هذه التجزئة إذن خيالية، تدركها العين والفكر وحدهما، ولكنها تجلي معرفتنا دوم أن تحدث في ذلك الجسم
(2/44)

خدشاً واحداً ".
وهو يؤكد أن النقد وإن كان كحد الموسى فإنه على التحقيق لا يمس الشعر نفسه بسوء، ومن الطريف أن نجد هذا التشبيه نفسه - أعني التجزئة التي لا تفصل في الحقيقة جزءاً من جزء - موجوداً عند برادلي في مقدمته على كتاب " المأساة الشيكسبيرية ". وبما أن بلاكمور يعتقد أن التقطيع خيالي لا حسي مادي فإنه يستمد تصوراته عن النقد من النور لا من عملية القطع. فالنقد عنده " تنوير ". ويقول: دعنا نكحل أبصارنا بأنوار أفلاطون؟ الخ. أو يقول: وبذا يصبح الموضوع الشعري " متجلياً " أو هذه الكلمة " تجلو " أو هذه العبارة " تنير " وهلم جرا.
ولبلاكمور مقالة واحدة في " عمل الناقد " مدرجة في كتابه " مزدوجات "، غير أنه تحدث عن النقد في مواضع كثيرة من كتاباته. وإذا جمعت أقواله معاً وجدتها ترتكز حول مبدأ نقدي واحد، محوره تشبيه التجزئة الخيالية، وتشبيه النور، والنص على الثمن والمسئولية والسخرية والخيال والصناعة الفنية. وقال في تعريف النقد: " أنه حديث رسمي يقوله أحد " الهواة " وأكد " إن كل مباشرة عقلية فإنها صالحة للأدب ومن الممكن أن نسميها نقداً إذا هي تركزت حول أي نقطة من الأثر الأدبي نفسه ". غير أنه أضاف منبهاً: " أن نقد النقاد يذهب بنا في شعاب كثيرة وينتهي كل منا حيث بدأ، إلى تقبيل بقرتنا المحبوبة دونما أدنى شهوة لذلك " ويزيد إلى ذلك قوله:
بعض النقاد يخلقون عملا فنياً جديداً، وبعضهم علماء نفسيون وبعضهم متصوفة وآخرون سياسيون ومصلحون وثمة قليل من الفلاسفة ومن النقاد الأدبيين. ومن الممكن للمرء أن يكتب عن الفن من جميع هذه الزوايا ولكن لا نسمي ما يكتب نقداً إلا أن صدر عن آخر فريقين - الفلاسفة ونقاد
(2/45)

الأدب -؟ وليس بين أنواع النقد الدخيلة والأدب إلا علاقة إحصائية أو مورفولوجية، كالعلاقة بين صنعة العاج ولعبة الشطرنج.
وأحياناً يكون بلاكمور شديد التواضع في نظرته إلى مهمة النقد كأن يقول: " نستطيع أن نفصل جانباً بعض الأفكار التي نسميها أساسية وإن كنا نعني أن فصلها وتنحيها أمر ممكن فحسب ". أو يقول:
بقي ما يحتاجه النقد الأدبي من جهد أعني جمع الحقائق المتصلة بالآثار الأدبية والتعليق على ما في تلك الآثار من تدبير وصنعة فنية وتقنيات، وهذا هو الجهد الذي يستحق أن يبذل ما دام يدخل القارئ إلى حومة تلك الآثار.
وعلى الرغم من هذا التواضع فإن قواعده عن " الناقد الجيد " لا تزال تدلنا على الصعوبة والندرة في إجادة التطبيق وعلى مقدار ما يعتقده في تلك القواعد من قيمة وأهمية أصيلة في تطبيقها على الفنون حتى على أعظمها؛ ولذلك يقول:
الناقد الجيد يجنب نقده أن يصبح متحيزاً أو نابعاً من غرائزه، كما أن جهد فهمه دائماً محدد لا طائش، محدد ذو نوعية كالفن الذي يحاول فحصه وتفهمه؟ وهو يلحظ الحقائق ويبتهج لإدراك الفروق وتمييزها، ويجب أن يبقى ما يتفحصه تحت أضواء موضحة، سهلا لمن يحب أن يباشره من بعده، لكن دون تغيير في حقيقته وذاته.
ولقد كان بلاكمور يلح دائماً على عظم قيمة الفن ولكنه في إنتاجه الأخير قد أوغل في هذا الموضوع حتى كأنه أصبح يتخذ الفن ديناً دنيوياً مثل جيمس أو جويس. ولو سمعت أحداً يقول: " في الفن كل القيم "
(2/46)

لما كان ذلك إلا جيمس أو بلاكمور، وتكون القيم في الفن - حسب رأيهما - على ضربين: في أن الفن يعبر عن القيم وفي أن الفن هو نفسه تلك القيم. وجاءت مع هذا التقديس للفن نزعة جديدة نحو الفن تكاد تكون صوفية، أعني أن كل ما يقوله كتاب من الكتب الأدبية يصبح لدى بلاكمور حرفياً، حدث كل ما فيه من أحداث، فالتقى فيه فلان بفلان على التحقيق، أي تصبح للكتاب حياة مستقلة وإرادة ذاتية، وهو يتحدث عن هذا الكتاب أو عن تلك القصيدة كأنما يتحدث عن شيء دبت فيه الحياة وأصبح له كيان ووجود.
وصاحب هذا الإيمان إيمان آخر بالثلاثيات بعد المزدوجات الثنائية؛ كان بلاكمور من قبل يكثر من ذكر الثنائيات كأن يقول: " رأيي في هذا الأثر الفني مزدوج ثنائي؛ (0فائدة هذا النوع من الإقبال على الدراسة مزدوجة " فلما كتب عن دستويفسكي تحولت المزدوجات إلى ثلاثيات: ففي الصفحة الأولى من مقاله عن " الأبله " تجده يقول: " في هذا الكتاب الكامل إذن مسرحية ثنائية لا بل ثلاثية، ثم يختم مقاله بالحديث عن الكتاب في مناسيب ثلاثة: العقلي والسردي والتخيلي. وفي الفقرة الأولى من مقاله عن " الجريمة والعقاب " يعلن أن للقصة " ثلاثة أنواع من المغزى " ولابد للقارئ من أن يعيد بناء الثلاثة من طريق التحليل. ثم هو يلمح في مراجعته عن ولاس ستيفنز أن لدى ستيفنز ثالوثاً يتمثل في اتخاذ ثلاث مراحل، وفي احتواء كل دورة من شعره على ثلاثة أبيات ولذلك يقول:
الثالوث هو الشكل الوحيد المقبول من الوحدة. وأنا اعتقد أن ضروب المهارة في الخيال، التي بها تدخل الأفكار والأستبصارات والأعمال في نطاق الشعر، فإنها تؤتي خير ثمراتها إذا اختارت موضوعاً أو فكرة مثلثة. ذلك لأن التثنية
(2/47)

غير كافية إلا إذا تمخضت عن ثالث. فالحرب والسلام يحتاجان مظهراً ثالثاً مثلما يحتاج السائل والثلج بخاراً، مثلما تحتاج الجنة والنار مكاناً ثالثاً يسمى " الأعراف ". من الازدواج يجيء التولد، وهذه هي طبيعة العقل الخلاق.
أما المصطلح الذي أخذ يكثر من استعماله في تلك المرحلة، فإنه يضم كفتي " الخيال " و " الخيال الرمزي "؛ أما " العقل " فقد أحتل منزلة دنيا. فمثلا يقول: الوحدة عند بيتس وحدة " تخيلية " نتجت عن " قوة تخيلية عظيمة قادرة على التعميم " أو: الخيال وأعني به خيال الفنان يعلو على المخاوف والمغريات " أو: " الخيال لا العقل حسنة من حسنات الفهم " العقل يأثم والخيال يكفر الآثام؛ " حركات العقل عارضة متقطعة " أما الخيال " فهو مستمر وهو إرادة الأشياء "؛ والفنان يخلق قيماً أخلاقية " من الواقعي بعون من الخيال ". و " الخيال في النهاية هو المقنع الوحيد " وهلم جراً؛ وهذه أمثلة منتزعة من مقالات عديدة مختلفة.
ويتصل بفكرته عن الخيال، نقده لبابت وأصحاب النزعة الإنسانية؛ فأخطاؤهم في رأيه تنشأ من " انحلال الخيال المسيحي، ومن خلو الخيال الرمزي الديني من أي وصف " وإن ذلك لا علاج له إلا باتخاذ " الخيال الرمزي " فهو يمثل " النعمة الكبرى " وإذا شئنا استبقاء النزعة الإنسانية وجب أن نمزج بين عناصرها وهذا الخيال الرمزي. بل أن بلاكمور يقترح في المناهج التي تقرر في برنستون أن تكون قادرة على أن توجد في الطلبة " تكاملا تخيلياً ". وقال في محاضرة له عن بروكس آدمز: إن بروكس قد نضج لأنه تحول من القانون التاريخي المطلق وصرامته إلى قوة تخيلية مدركة للتاريخ إدراكاً عاماً كلياً. وفي مقاله " ملاحظ في أربع مقولات في النقد " تجده جعل رابعة المقولات وأسماها، هي " الخيال الرمزي "، وإن " الرمز " هو الذي يستشف من " الواقعي " فهو
(2/48)

" الحقيقي " بلا جدال. وفي ذلك يقول:
الكتابة التي تستمد كيانها وتظل أبداً وتقف عند ذلك الحد يمكن أن تسمى تجربة في نطاق الواقع. اما الكتابة التي تخلق أي توجد شيئاً وراء الحد الذي بلغته الكتابة الأولى فقد تسمى رمزاً. هي رمز لا بنسبة ما قيل وما قرر، وإنما بنسبة ما لم يقل وما لم يمكن قوله، أو بنسبة ما وراء الحدود التي بلغتها الكتابة الأولى من كون ذي استقلال وكيان ذاتي. فالرمز هو أدق معنى ممكن. إذا نظرنا إلى العامل الذي حرك الكلمات وما أحدثته هذه الكلمات حينما تحركت. والرمز لا يرمز لشيء معروف من قبل ولكن لشيء يوجده الكشف ويكاد ينكشف. وإذا رمز الرمز إلى شيء سوى استمراره الذاتي فهو يرمز إلى ما في دخيلة القارئ لكي يمكنه من أن يميزه ويجلي به تجربته، مثلما أن المعنى الذي يشير إليه الرمز يجلي المسارب في إحساس القارئ بنفسه، في تلك اللحظة نفسها.
هذا هو إذن بلاكمور: يقدر الفن والخيال الرمزي تقديراً رفيعاً حتى يكاد يكون صوفياً في موقفه، وبوحي من مضمونات هذا الموقف نستطيع أن نلخص ما أداه بلاكمور في النقد وأن نقدره فنقول: إن نقده في إحدى ناحيتيه غال ثمين، تعاظمي، لا مساس له بالحياة، أي هو بعبارة أخرى: " نقد هواة " ومن السهل علينا أن نجد الشواهد على تهمة " الهواية " في هذا النقد. أما تعاظمه المتعالي فيتبدى لنا من قوله مثلاً: إن حضارتنا الشعبية قد نجحت في أن تنتج أدباً بلا مقاييس وأن أمريكة تعاني لأنه " ليس فيها طبقة مسيطرة في المجتمع تستطيع أن تضع للفهم الجمالي والتعبير عن الحياة الإنسانية قيمة رفيعة " وأن " سير الجماهير
(2/49)

نحو الديموقراطية إذا أستمر مريره على هذا المنوال فإنه سيجعل رغبة الفنان وأهتمامه أمراً غير محتمل أو غير شامل أو بعيداً لا وصول إليه ". بل أن ميله إلى مجرد التجربة وتردد المرتاب الحذر ليجعل نقده مبرماً مضجراً كأن يقول مثلا: " تحاول هذه المقالة أن تقترب من هرمان ملفل بحذر وتتأتى إلى ذلك متسللة من وراء موقفه المتثبت الواثق - أي شيء كان ذلك الموقف - في الأدب الأمريكي - أي شيء كان ذلك المسمى أدباً أمريكياً ". ودقته تبلغ حد التعسف المرهق حين لا يتحدث مثلا عن أفلاطون بل عن أفلاطون في " مرحلته الأولى " ولا عن فواتح هنري جيمس بل عن " فواتحه النقدية " ولا عن قصائد توماس هاردي بل عن " مقطعاته وقصائده القصيرة " ولا عن شعر ييتس بل عن " آخر ما أنتجه من شعر ". ويقول في فاتحة كلامه عن آخر ما أنتجه ييتس من شعر: " آخر ما أنتجه ييتس شعر عظيم حقاً في نوعه، متنوع كثيراً في نوعه أيضاً، فهو يستحق دراسة خاصة ولكنها لن تكون الدراسة الوحيدة، وكذلك لن تكون هي الدراسة الكاملة ".
وإعجابه بالمرهف يصده أحياناً عن أن يتذوق ما لم يكن نصيبه من الإرهاف بالغاً، كعجزه عن أن يتذوق بعض النواحي في ملفل، فهو يجتاز تلك النواحي بقوله: إنه يفضل جيمس، وكعجزه عن أن يستسيغ شعر وليم كارلوس وليمز. وإذا حاكى هو جيمس في إسلوبه لم يستطع أن ينتحل قوة أسلوب جيمس وحذاقته بل يحاكي جمله المتقطعة المترددة فيتعب القارئ بالمعترضات وكثرة الفواصل. وهو يعيد أحياناً كتابة ما ينقده من شعر بدلا من أن يحلله. وآخر مظهر من مظاهر " الهواية " عنده إنه لم يؤلف كتاباً في النقد، واكتفى بكتابة المراجعات والمقالات التي تثيرها المناسبات.
ولكن عيوب بلاكمور تقابلها حسنات ترجح بها - وتلك هي الناحية
(2/50)

الثانية - فما يرجح بالتعاظم المتعالي إصراره على المسؤولية الاجتماعية لدى الفنان والمهمة الاجتماعية التي يؤديها كل من الفن والنقد. ويقابل " غلاء " نقده ذلك التواضع العاري الذي عبر عنه أجلى تعبير في قوله: " أعتقد إن قلة جمهوري إنما ترجع إلى نقائصي في الأسلوب والإحساس والأفق، ولست أجد من حقي أن أشكو أو أتذمر من هذا الوضع ". وهو يقول في موضع آخر:
علينا أن نغامر بحذر في استعمال أي مبدأ قد يبدو مناسباً أو مسعفاً في تجاوز الفجوات، ولست أنص على الحذر إلا في الاستعمال فإنه يجب أن يكون مؤقتاً تأملياً درامياً. وإن ثمرة التواضع لا تأتي إلا بعد سلسلة طويلة من اعتياده؛ والدعوة إلى التواضع معناها عدم النفور من الإقرار بالجهل.
ولا يوازي هذا التردد وعدم الحسم إلا ثقته الحاسمة في القيمة المطلقة للفن والخيال الإنساني، ولذلك تسمعه يقول في نفس المقال الذي اقتبسنا منه العبارة السابقة:
إن الفنون تخدم غايات تقع وراء تلك الفنون، وهي غايات الأشياء التي تحكيها أو تعبر عنها حين تحكيها أو تعبر عنها بمعزل عن التيار الكبير الذي يمنح تلك الفنون نظامها ومعناها وقيمتها. فإذا أنكر منكر تلك الغايات فكأنما أنكر أن المنشار مجعول لقطع الخشب، وإنه يجب ن يظل معلقاً لئلا ينقص النشر من قدره.
ويمتاز بلاكمور وأمبسون بأنهما أكثر قراء الشعر تدقيقاً، وإنهما قد تخصصا في هذه الناحية تخصصاً خرج إلى الغلو وجاوز طوره (وهذا قد يرجح بالهواية عند بلاكمور) وإن أستاذيهما - بيرك ورتشاردز - قد
(2/51)

شغلا نفسيهما بالتفريعات الناجمة عن نظرياتهما حتى عجزا عن أن يوليا النصوص الشعرية قسطاً صالحاً من وقتهما. أما شغف بلاكمور بالمرهف فإنه يوازيه ميل متزايد عنده إلى قبول ما هو غير مرهف كاستساغته التدني عند دستويفسكي والخشونة لدي ييتس وهذان يعدلان الذوق المرهف لدى كل من جيمس وآدمز. بل من صور الابتعاد عن المرهف تحول السخرية عند بلاكمور إلى نوع من الفكاهة في أحدث ما أنتجه. قابل بين هذه الدعابة الأكاديمية المجتلبة:
" ها هنا لا يصرخ السيد منسون قائلا مهابهاراتا ولا حتى مهابراكادبرا؛ أنه يكبح نفسه عن ذلك ويلتزم بصرخات أقل رنيناً لأنه يتحدث عن النقاد فيقول بابت! آرنولد آرنولد!.. " (1930) .
وبين قوله وهو هزل عميق:
" إلا أن السيد كيدر يسير في وجهة مخالفة، فهو يسقط الفلسفة من حسابه إهمالا ليس إلا، لأنه لم يمارسها. وانك لتشعر وأنت تقرؤه أن لو ذكره بها أحد في دور مبكر، يوم كان يستجمع معارفه وثقافته، لملأ بها أوراقه وصحفه ".
أو قوله في نقد الصور المرفقة بطبعة " الملاح القديم ":
" إنك لا ترى إلا رؤوسها كأنها مثل غطاء الرادياتور الممثل بالنحت في عام 1934 أو صور المنفيين العائدين. أما طائر البطروس فهو مستعجل ليتحول إلى بطة جالسة وقد افلح في ذلك. "
هذا وان نظم الشعر قد جعل بلاكمور يحاول أن يعيد كتابة القصيدة بدلاً من أن ينقدها، ولكنه أفاده أيضاً إذ منحه ذوقاً لا يكاد يخطئ (باستثناء هنات قليلة) ولذلك تجده حينما راجع تسعة شعراء سنة 1937
(2/52)

استخرج من بينهم بذوقه الثاقب كلاً من أيكن وستيفنز ونفى هسمان وماسترز وساندبرغ وبروكوش وغيرهم، ثم عمد إلى الاثنين اللذين فضلهما واستخرج من شعرهما أفضله وأجوده. كذلك فأن الشعر منحه القدرة أو قل الشجاعة على أن يميز في الأدباء العظام أمثال ييتس ودستويفسكي " ما يملأون به الفراغ "، أي يتركون القلم يكتب رجاء أن ينبثق شيء حسن. أما اتهامه بأنه لم يكتب كتباً فالرد عليه ان يقال: ان كتابيه اللذين أصدرهما منظمان يلتفتان حول وحدة ملموسة في الفكرة والتطبيق وهما متكاملان كأي كتاب تعده عظيماً في النقد.
ثم نستطيع ان نقول في الجملة أن " الهواية " لم تتلبس به، وانه ابتعد عنها قدر ما يبتعد عنها اخلص المتخصصين ولقد قال في مقاله عن " عمل الناقد ":
إن طريقتي إن صح أن أدعوها كذلك لا تلم بكل شيء بل تترك القارئ وفي يده القصيدة وأمامه عمل يؤديه بنفسه، وكل ما صنعته أني حاولت أن اقدم إليه القصيدة من حيث صلتها بهذه الطريقة التي رسمتها والتي اقتصدت فيها ومنحتها شيئاً من التعويض. وأنني لأتوقع أن ترد طريقتي هذه لمن يستعملها ما اقصده وتعوض عليه ما فقده.
وهذا مقياس لطريقته النقدية جيد متواضع يجعلنا نقول في الحكم عليه، على أساس من هذا المقياس: انه ألم بكل ما يمكن أن يلم به، وحقق كل ما يمكن ان يحققه ناقد يجمع العلم الواسع والكد المضني والألمعية التخيلية والشرف المتواضع. وأننا في قولنا هذا كله لا ندعي إننا نكافئه تعويضاً، او أنه كان يجب علينا أن نقتصد في الثناء.
(2/53)

الفصل التاسع
وليم إمبسون
والنقد النوعي
أن أبسط طريقة يعرف بها التدرج الذي جرى فيه نقد إمبسون هي أن يقال فيه: أنه انتقل من عناية أولية بما يسميه جون كرو رانسوم " نسيج " إلى عناية أولية بما يسميه رانسوم نفسه " بناء ". ووضع القضية بهذا الشكل قد لا يوافق رانسوم الذي كان اتهامه الرئيسي لإمبسون عندما عالج آثاره في كتابه " النقد الجديد " هو إن إمبسون مغرق في عنايته بالنسيج، غير إن رانسوم لم يتحدث إلا عن كتاب واحد لإمبسون هو " سبعة نماذج من الغموض " بينما تم انتقال إمبسون الذي نشير إليه في كتابه الثاني " بعض صور من الأدب الرعوي "، وبهذا الكتاب الجديد انتقل إمبسون إلى حومة " البناء " وتغلغل في مشتملات مصطلح " رعوي ". ومع إن هذا الكتاب أقل راوء وإسهاباً في نواحي الغموض وتفرعات المعاني من كتابه الأول، فإني أود أن أفرده، على الأقل للغاية التي يعقد لأجلها هذا الفصل، وأعتبره أكبر إسهام قدمه في النقد الحديث.
إن ظهور كتاب " سبعة نماذج من الغموض " عام 1930 لشاب في
(2/54)

عقده الثالث لم يسمع به أحد، كان حدثاً نقدياً كبيراً، برغم قلة النسخ التي طبعت منه. فقد تجرأ الكتاب على معالجة ما كان دائماً يعد نقيصة في الشعر، أي عدم الدقة في المعنى، وعده فضيلة الشعر الكبرى، وأعلن إن الغموض قد يقع في سبعة أصناف، ومضى يصنفها (مع إن عنوانه يشمل صنفاً ثامناً ساخراً، وطريقة تصنيفه توحي بأنواع أخرى لا حصر لها) . وأنكى من ذلك كله إنه درس الشعر بطريقة لم ينتهجها شخص من قبل. حقاً إن إمبسون حينما افترض إن الغموض هو لب الشعر لم يكن يقرر مبدأ جديداً. فمنذ القرن الثالث أو الرابع قبل الميلاد كتب ديمتريوس الذي لا نعرف عنه شيئاً يقول في كتابه " في الأسلوب " On Style: " مثلما تجمع الوحوش أطرافها حين تريد أن تنقض، فعلى اللغة كذلك أن تستجمع نفسها، كما لو كانت حضباً منطوياً، لتذخر في ذاتها قوة ". وليست هناك مسافة بعيدة بين " اللغة المستجمعة " في رأي ديمتريوس وبين قول إمبسون " أي ارتباط بين العلة والنتيجة، مهما يكن ضئيلاً، يضفي ظلاً على التعبير المباشر "، ويعود ما بين القولين من فرق إلى تصميم إمبسون على أن يستكشف أنواع هذا " الاستجماع " الملتف وضروبه، فهو يقول:
إذن فقد يكون للكلمة الواحدة عديد من المعاني المتمايزة، وعديد من المعاني المرتبط أحدهما بالآخر، وعديد من المعاني التي يحتاج واحدها إلى الآخر ليكمله، أو عديد من المعاني تتحد معاً حتى إن الكلمة تعني علاقة واحدة أو سياقاً واحداً؛ وهذا مساق يستمر مطرداً. " فالغموض " معناه إنك لا تحسم حسماً فيما تعنيه، أو تقصد إلى أن تعني أشياء عديدة، وفيه احتمال إنك تعني واحداً أو آخر من شيئين، أو تعني كليهما معاً وإن الحقيقة الواحدة ذات معاني عدة.
(2/55)

فالغموض عند إمبسون نوع من " السخرية المسرحية " يحيط في أحد طرفيه بكل ما في المأساة من كمال، ويدل في الطرف الثاني على نقص الصنعة الروائية الرديئة. وهو يقر بأن " هذه الأساليب قد تستعمل لاتهام الشاعر بأنه يحمل آراء مختلطة، لا لمدح التركيب في نظام فكره " ثم يعلن عن المعيار الذي يصلح للتمييز بين أنواع الغموض الجيدة والرديئة فيقول:
يكون الغموض محترماً ما دام يسند تعقيد الفكر أو لطافته أو اكتنازه، أو ما دام ندحة يستغلها الأديب ليقول بسرعة ما قد فهمه القارئ. ثم هو لا يستحق الاحترام إن كان وليد ضعف أو ضحالة في الفكر ويبهم الأمر دون داع؟ أو عندما لا تتوقف قيمة العبارة على ذلك الغموض بل يكون مجرد وسيلة لتوجيه المادة وتصريفها وذلك إن كان القارئ لا يفهم الأفكار التي اختلطت، وأنطبع لديه شيء من عدم الاتساق.
وعلى رغم ذلك يرى إمبسون إن الغموض يحتشد على وجه التدقيق في مراكز أعظم التأثير الشعري، ويولد صفة يسميها هو " التوتر " وقد نسميها الهزة الشعرية نفسها، يقول:
أكثر أنواع الغموض التي وقفت عندها هنا تبدو لي جميلة. وأعتقد إني بالكشف عن طبيعة الغموض قد كشفت بالأمثلة المضروبة عن طبيعة القوى التي هي كفاء بأن تربط جوانبه وتضم عناصره، وأحب أن أقول هنا - من ثم - إن مثل هذه القوى المتصورة تصوراً مبهماً ضرورية لقيام الكيان الكلي للقصيدة، وإنها لا يمكن أن تفسر عند الحديث عن الغموض بأنها مكملة له. غير أن الحديث عن الغموض
(2/56)

قد يوضح شيئاً كثيراً عنها، وأقول بخاصة أنه إن كان هناك تضاد فإنه يستتبع توتراً وكلما زاد التضاد كبر التوتر، فإن لم يكن ثمة تضاد فلا بد من طريقة أخرى تنقل التوتر وتكفل وجوده.
فليس الغموض، إذن - مرضياً بذاته، ولا هو تفنناً يطلب لذاته، بل لابد له من أن ينشأ في كل حال من وقائع الأحوال الخاصة، وأن يجد ما يبرر وجوده من تلك الوقائع أيضاً. فهو على هذا شيء قد يبرر وجوده أهم المواقف وأكثرها إمتاعاً.
أما " النماذج السبعة " نفسها فإنها - على تفاوتها - تحكمية محض. يقول إمبسون: " إن هذه النماذج السبعة التي اقترحها، لا تعد في نظري هيكلاً مناسباً فحسب، بل إني أهدف بها إلى أن أصور مراحل من الفوضى الراقية المنطقية ". غير أنها لم تتجه فحسب من البساطة إلى التركيب بل من خصب شعري قليل إلى خصب وافر - وهذا شيء لم يعلق عليه إمبسون أبداً -. وتلك النماذج لا معنى لها حين تقف بمعزل عن القرينة، ولا يدرجها إمبسون في ثبت واحد ولكني في سبيل أن أعطي فكرة عن السياق، سأحاول أن أنتزعها من قرائنها، وأورد تعريفات إمبسون وحدها " هنالك سرد لها مختلف بعض الشيء عما هو هنا، موجود في كتاب " النقد الجديد ": 119، 120 لكرو رانسوم "، وهذه هي النماذج السبعة:
1 - حين تكون الكلمة أو التركيب أو المبنى النحوي مؤثراً من عدة أوجه دفعة واحدة مع أنه لا يعطيه إلا حقيقة واحدة.
2 - حين يجمع معنيان أو أكثر إلى المعنى الواحد الذي عناه المؤلف.
3 - حين يستطاع تقديم فكرتين في كلمة واحدة وفي وقت
(2/57)

معاً ولا يربط بين الفكرتين إلا كونهما متناسبتين في النص.
4 - حين لا يتفق معنيان أو أكثر لعبارة واحدة ولكنهما يجتمعان ليكونا حالة عقلية أكثر تعقيداً عند المؤلف.
5 - حين يستكشف المؤلف فكرته أثناء الكتابة أو لا يستطيع أن يحيط بها في فكره دفعة واحدة، حتى أنه قد يكون هناك - مثلاً - تشبيه لا ينطبق على شيء ما تمام الانطباق، ولكنه يقع في موقف وسط بين شيئين عندما ينتقل المؤلف من أحد الشيئين إلى الآخر.
6 - حين لا تفيد العبارة شيئاً أما للتكرار أو للتضاد أو لعدم تناسب العبارات، فيضطر القارئ أن يخترع عبارات من عنده وهي قابلة أيضاً للتضارب فيما بينها.
7 - حين يكون معنيا للكلمة، أي قيمتا الغموض، وهما المعنيين المتضادين اللذين تحددهما القرينة فتكون النتيجة الكلية هي أن يكشف عن انقسام أساسي في عقل الكاتب.
وإمبسون مدين لرتشاردز أستاذه في كامبردج بفرضين أساسيين يقومان من وراء كتابه " سبعة نماذج من الغموض ". وأولهما أن الشعر في أساسه - أن لم يكن فيه كلياً - معان تنقل، والثاني أن معانيه معرضة للتحليل، شأنها في ذلك شأن أي مظهر آخر من مظاهر التجربة الإنسانية أو كما يقول إمبسون: " أن الأسباب التي تجعل بيت الشعر يعطي متعة فيما أعتقد، هي نفس الأسباب القائمة في أي شيء آخر، وأن المرء ليستطيع تقليب تلك الأسباب وإعمال فكره فيها ". (وهذا بالطبع في جوهره تعبير عن مبدأ دنيوي في " الاستمرار ") . وإذا كان رتشاردز يقف وراء الفرضين الكبيرين في ذلك الكتاب، فإن التطبيق كله فيه يتجه إلى شيكسبير، ذلك لأن هذا الأديب أعلى من تمرس بالغموض، لا لأن
(2/58)

أفكاره مضطربة ونصوص رواياته مختلطة - كما يعتقد بعض الدارسين - بل لأن فكره وفنه يتميزان بالقوة والتركيب، فيقرأ إمبسون سطراً لشيكسبير قراءة حرفية تماماً بعرضه على كل مستند ممكن قائم وراء كل سطر آخر خطه، ملاحظاً " كمية العمل الذي قد يؤديه قارئ شيكسبير من أجله، وكيف إن سائر آثاره قد تعين القارئ على أن يستخرج أفانين من أي جزء فيها ". وهو أيضاً في الوقت نفسه يقرأ السطر مستعيناً بمجموعة ضخمة من الإشارات الأدبية والأخبار التاريخية والبيوغرافية المختزنة في عقله. وهذا مثل نموذجي يكثر اقتباسه يفسر نوع المجاز في بيت من سوناتة جاء فيه: " مرابع الترتيل العارية المهدمة، حيث كانت تغني العصافير العذبة حتى وقت متأخر " فيقول امبسون في تعليقه:
أن المقارنة رصينة صحيحة، لان أمكنة الترتيل المهدمة في الدير هي الأمكنة المخصصة للغناء، لأنها تحوي مقاعد يجلس فيها المرتلون صفوفاً ولأنها مصنوعة من خشب، وهي محفورة في عقد متداخلة وما أشبه، وقد كانت تحاط بمبنى ساتر مشكل في شكل غابة، ويلون بزجاج ملون، ورسوم كالازاهير والأوراق، ثم هي الآن قد هجرها الجميع، إلا الجدران الداكنة الملونة بلون الجو الشتائي، ثم لأن السحر الفاتر النرجسي الذي يوحي به الغلمان المرتلون يتناسب وشعور شيكسبير نحو الموضوعات التي تتناولها اغانيه، زد على ذلك أسباباً اجتماعية وتاريخية (" أواه لقد نسي الحصان، لعبتنا المفضلة " وقطع البيورتانيون الأعمدة المكللة بالزهور التي تنصب في أول أيار) ؛ من الصعب أن نتتبعها اليوم، ونتحقق من مقاديرها. فهذه الاسباب، وأسابا أخرى تربط هذا التشبيه بموضعه من السوناتة، لابد لها من ان تتضافر
(2/59)

لتمنح البيت جماله. وهناك نوع من الغموض فيه، لانا لا نعرف أي هذه الأسباب يجب ان يعلق بالذهن قبل غيره.
لقد وقفنا من قبل عند العلاقة بين طريقة إمبسون والدراسة الشيكسبيرية التقليدية (في الفصل الخاص بكارولاين سبيرجن) ولكن تجليتها في هذا المقام تتسق وهذا الفصل: ففي شرحه للنوع الثاني من الغموض أي وجود معنيين يقصدهما المؤلف (أي ما يسمى التورية المقصودة) يعترف فجأة انه استمد أكثر قراءته المعتقدة - الامبسونية على وجه الخصوص - لنصوص شيكسبير، في ذلك الفصل، من نسخة آردن، فهي القراءات التقليدية التي قال بها الدارسون، وقد استخرجها بطريقة غريبة فحيث يقول الدارس " إما هذا؟ أو " محاولا أن يضع أخرى لدارس آخر إلى جنب قراءته، يجيء امبسون فيقول " كلا هذين؟ و " أي يجد كلا المعنيين أو كل المعاني المتجادل حولها مشمولة بحق في النص. أما الكلمات الشيكسبيرية الغريبة التي قال الدارسون إنها تحريفات مطبعية لا بد لها من تصويب، فإن لامبسون حولها ثلاثة فروض، الأول: أن شيكسبير صحح مخطوطاته وراجعها (على رغم انف كل من همنج وكوندل) فانبهمت قراءتها على الطابع؛ والثاني: انه عمداً كتب كلمة لا معنى لها تقع بين كلمات عديدة لها معانيها، مثلما يفعل جويس في " يقظة فينيغان " ليبعث القارئ على التفكير في الكلمات جميعاً. والثالث: أنه أبداً لم يمح ولم يرمج على شيء كتبه، فكان يضع الكلمة المقاربة بدلا من ان يتوقف فيتبدد فكره، مؤملا أن يعثر على الكلمة الملائمة ذات يوم.
ويزعم امبسون أن دراسي شيكسبير، على خلاف هذه الفروض وعلى خلاف لأي " فكرة عن كيف كان يكون ذلك العقل الفذ أثناء العمل " يرفضون كل ما ليس بواضح، ويدعون انه خطأ مطبعي. ومن ثم يحيلون كثرة المعنى عنده والغموض فيه، إلى معنى واحد بسيط
(2/60)

ويتضاءل بذلك شيكسبير. أو يعتمد الدارسون نسخة شيكسبير الأصيلة " المسودة الأولى " حيث كتب على الورق أو زور في ذهنه كلاماً ويصفونه بأنه بسيط واضح جداً، أو يتجه الدارس منهم إلى " أن يستمد من ذلك المنبع قصيدة صغيرة يدبجها بنفسه ". أي أن امبسون يعتقد أن المشكلات المحيرة في شعر شكسبير إنما هي - بوجه أو بآخر - توريات مقصودة وأنواع من الغموض، وان الدارسين قد انهمكوا - بوجه أو بآخر - في إلغائها والقضاء عليها (1) . (أن الاقتراح الوحيد الذي أستطيع تقديمه لأي قارئ يرى هذه الأفكار مجتلبة من بعيد أو تافهة هو أن يقرأ جدل امبسون مع التحليل المسهب المشفوع بست من الصور المقنعة) .
ولعل التحليل المتعلق بشيكسبير هو أكثر شيء ألقاً في الكتاب ولكن ربما كان أقيم ما فيه، في النهاية، ملحظ واحد ينبئ عن الطريقة " النوعية "
__________
(1) هنالك تعبير نموذجي عن الحيرة المتبرمة التي يواجه بها الدارس الغموض الشعري المتعمد، موجود في تعليقات روبرت بردجز على الطبعة التي حققها من شعر صديقه هوبكنز. يقول بردجز:
ها هنا إذن مصدر آخر للإبهام عند الشاعر وهو انه حين يهدف إلى التركيز يغفل الحاجة إلى العناية بكيفية وضع الكلمات الغامضة من حيث العلاقات النحوية. فاللغة الإنجليزية تكتظ بكلمات لا يتغير شكلها عن كانت اسماً أو صفة أو فعلا، ومثل هذه الكلمة يجب إلا توضع أبدا وضعاً يؤدي إلى الشك في أي نوع هي من الكلام، لأن مثل هذا الغموض أو هذا الشك الموقت يحطم قوة الجملة. أما شاعرنا هذا فإنه لا يغفل فحسب أمر هذه الصحة الضرورية بل يبدو انه يرحب بها ويبحث عن التأثير الفني في الفوضى الناجمة عن ذلك، وأحيانا يرتب الألفاظ ترتيباً يجعل القارئ، وهو يبحث عن الفعل، يجد أن لديه اثنتين أو ثلاثاً من الكلمات الغامضة ذات المقطع الواحد وان عليه أن يختار إحداها فيقع في شك حول أيها هي الأصح لتعطيه المعنى الذي يفضله، ثم بعد أن يقع اختياره على إحداها يظل لديه كلمات ذات مقطع واحد لا يديري في أي مكان من الجملة يضعها. وشاعرنا أيضا لا يحس بالإيحاءات المتنافرة التي تسببها الكلمات العديدة ذات الأصوات المتشابهة فيثير أنواعا أخرى من الغموض والإبهام وذلك بضغطه على معاني هذه الكلمات التعسة.
(2/61)

التي انتهجها امبسون أخيرا. فانه في تحليله سداسية (1) مزدوجة لسدني، يلحظ ان القوافي الست التي قد أعيدت كل واحدة منها ثلاث عشرة مرة في القصيدة هي " لب لباب الموقف الشعري ". " وعند هذه الكلمات فحسب توقف كل من كلايوس وستريفون في صيحاتهما، فان هذه الكلمات تحيط عالمهما ". والذي يعنيه امبسون هو أن شكل " السداسية " نفسه، بدلا من أن يكون شكلا صعباً ثابتاً يفصل الشاعر المحتوى على قدره كما هي الحال في نقد رانسوم، هو لب المحتوى على التحقيق، وان الشكل هو النزوع نحو الموت في صورة تعبير. " فهذا الشكل لا اتجاه له ولا زخم، وإنما هو يدق أبدا على نفس الأبواب دونما جدوى بعويل ونغمة ذات وتيرة واحدة، واقفة لا تتحرك، مهما يكن التنويع في موسيقاه خصباً ". ولو تقدم امبسون خطوة واحدة لاقترح أن يطلق اسم " سداسية " على أي قصيدة مكتوبة في أي شكل، وتعالج المأساة برضى رواقي أو بنواح غير محتوم. (أي هو نواح على نقيض ما في المرثاة لأنه هنالك محتوم) وهذا هو، على التدقيق، ما كان لكتابه الثاني أن يحققه في الشعر " الرعوي ".
وفي كتاب " سبعة نماذج من الغموض " عدد من أمور أخرى قيمة. وأوضحها انه، صفحة اثر صفحة، يحتوي بحق أدق تمرس بالشعر
__________
(1) السداسية: قصيدة من ست دورات أو مقطوعات في كل واحدة ستة اسطر، وهي غالباً غير مقفاة وإنما تعاد فيها الكلمات التي وردت في أواخر أبيات المقطوعة الأولى على النحو التالي:
1 - أب ج د هـ
و2 - وأ هـ ب د ج
3 - ج ود أب هـ
4 - هـ ج ب وأ د
5 - د هـ أج وب
6 - ب د وهـ ج أ
(2/62)

وبقراءته، وأشده إمعانا وإسهابا فيما خطته يد إنسان، أي يحتوي على نثل جذاب عجيب لا يكاد ينتهي للمشتملات والإمكانات اللغوية، وليس لدينا مجال كاف لاقتباسه طويلة طولا يكشف عن الميزة الصحيحة للكتاب ولكن الفقرة التي تقدمت عن " مرابع الرتتيل العارية المهدمة " توحي بنسبة الإسهاب في التحليل لبيت كامل أو مقطوعة أو قصيدة. وهذه القراءات لا تعتمد، فحسب، تناول تهمة " الغموض " ونشرها راية ينضوي تحتها كل ما يحتاج قراءة دقيقة، واتخاذها موضوعاً يستحق الثناء بل تعتمد أيضاً على قبول كل ما رفضه الآخرون في البيت كله. وإذا كان هناك من سر خاص بإمبسون فذلك هو تحويله السالب إلى موجب كأنما يقول عند كل موقف: " طيب، لا بأس. هكذا هي؟ وهذا أحسن ". فإمبسون يضم إلى صدره خباثة شيكسبير الخاصة أي التورية أو المواربة اللفظية، ويعتبرها مركزاً للمعنى لا تبدداً فيه، ويعشق الخطأ المطبعي، فهو في نظره ذكي دال، لأنه يوحي بمعان خبيثة مدفونة، وهو يرضى أن يقبل تهمة الشذوذ الجنسي التي رمي بها شيكسبير ويقفز منها تواً إلى إنشاء علاقة بينها وبين ميله للتورية: " لذة مؤنثة في الانقياد إلى سحر اللغة المنيم ". وهو يواجه، بصراحة، التصوير الحسي المروع في الشعر الديني الميتافيزيقي - مثل الذي قاله كراشو عن طهارة القديسة تريزا في تلك الصورة الدفينة عن الجماع أو صورته التي قال فيها أم جرح المسيح حلمة دامية " لابد للأم العذراء أن ترضع - عندها - الابن "، ودراسته لهذا التصوير مثل جميل على النوع السابع من الغموض.
ويتقل إمبسون، لأغراض سقراطية المنزع، جميع التهم التي يمكن أن توجه إلى طريقته، فيقول في موضع من كتابه: " إن عادة البحث عن الغموض تقود بسرعة إلى الهلاس، مثلما تمرن نفسك على أن تسمع دائماً
(2/63)

ساعة تدق "، ويقول في موضع آخر: " أن الأحجية الأدبية متعبة، وهذه المعاني لا تستحق أن تنقب عنها إلا أن كانت مبثوثة ذائبة في تضاعيف القصيدة؛ وقد يقول كثير من الناس أنها لا يمكن أن تذوب، وأن السوناتة اللطيفة الرشيقة يجب أن لا تقتضينا هذا القدر من الشرح، مهما يكن حظها من الإشارات والمشاعر التي قد يكون شيكسبير - أن صح هذا كله - أودعها فيها، دون أن يستطيع توضيح ما في ذهنه بدقة ".
(وجوابه على هذا النقد النظري الذكي العاقل هو أن يقول " وقد يعترض المرء،؟ وقد يعتذر المرء؟ وقد يقال بقوة وجرأة؟ ". أما الاتهام الكبير الآخر وهو أن التحليل يشوه الجمال (أنظر موقف بلاكمور في مواجهة مجاز يصور امرأة تنشر نصفين، فإنه مواجهة للشيء نفسه) فإن إمبسون يقره بغلظة وجفاء حين يقول:
أن النقاد، وهم في هذه المسألة " كالكلاب العاوية "، نوعان: فريق يفتأون ما في أنفسهم يتشمم زهرة الجمال، وفريق أكثر نهماً من الأولين وهم الذين يجرحونها بكثرة التقليب. ولا بد لي من أن أعترف بأنني أطمح إلى أن أعد في الفريق الثاني، فإن الجمال المصمت الذي لا يجد تفسيراً وتعليلا يثير أعصابي ويدفعني إلى تجريحه وتخديشه بالتقليب، وقد يصح القول بأن جذور الجمال يجب أن لا تدنس، ولكني أرى أنه لمن العجرفية أن يظن الناقد المتذوق أنه يستطيع ذلك، بقليل من التجميش، إن شاء ذلك ".
وقد باين إمبسون بصراحة طريق الناقد " المتذوق " وتميز نقداً " تحليلياً "، وأحياناً يكتب كأنما يعتبر نفسه، على الحقيقة، النوع الثاني من الكلاب، أعمى عن التذوق، وعن اللامحدود في الشعر، ومن ذلك أنه يفتخر في أحد المواضع بأنه استطاع أن يحول شيئاً " سحرياً " بالتحليل
(2/64)

إلى شيء " محسوس ". وعلى رغم هذا كله فإن إمبسون قد حدد فرضيات طريقته بأوضح مما فعل أي ناقد آخر - على وجه الإجمال - وهذه الفرضيات تهدف في النهاية إلى التذوق، غير أنه تذوق يتم من خلال الفهم، كتب يقول:
حين أنحل التحليل كل هذه الخصائص أبدو وكأنما سلكت نفسي في الدائرة " العلمية " من دوائر النقد الأدبي وبالتفسيرات " السيكولوجية " لكل شيء، وبالأعمدة التي تتحدث عن معامل الحساسية عند القراء. وبين النقاد نوع من النظام الحزبي آخذ بالتكون. وسيقال في النقاد الذين لا يعتقدون مبدأ الصدق وحده ولا مبدأ الجمال وحده أنهم متقلبون متنقلون، أما الخير، فذلك العضو الثالث في تلك " الثلاثية " المتماسكة، فإنه لم يعد يقرن إلا بالصدق، حتى أنه لم يتوقع من الجماليين أن يظهروا قلة اكتراث بالمبادئ التي يؤسسون عليها في الحقيقة (أو هذا ما يجب أن يفترضه المرء) حياتهم.
وفي الوقت نفسه نجده صريحاً واضحاً حول المدى التجريبي وحول المحدودية النهائية، التي تشتمل عليها طريقته، يقول:
حين يرغب الناقد في تطبيق التحليل الكلامي على الشعر فإن موقفه يشبه موقف العالم الذي يرغب في أن يطبق مبدأ الحتمية على الكون، فقد لا يكون مبدؤه منطبقاً في كل ناحية، ثم هب أنه أنطبق تماماً فإنه لا يفسر كل شيء، ولكنه لابد له من افتراض صحة انطباقه، حيث يعمل، ما دام يريد أن يؤدي عملا، وأن يفسر به ما يحاول أن يفسره.
ولا يدرك إلى أي مدى يبدو المبدأ صواباً - منطبقاً تماماً - وإلى أي مدى يساعد في التفسير، إلا قارئ كتاب " سبعة نماذج من الغموض ".
أما الكتاب الثاني " بعض صور من الأدب الرعوي " (وقد نشر في
(2/65)

هذا البلد سنة 1938 بعنوان " الشعر الإنجليزي الرعوي ") فقد ظهر بإنجلترة عام 1935، ولما كنا سنتحدث عنه بشيء من الإسهاب فيما يلي، فأنا لا نحتاج هنا إلا أن نلحظ أنه استمرار لجميع مظاهر " النماذج السبعة " وأنه مضى طلقاً بعده في القراءة الدقيقة لنواحي الغموض وزاد عدداً من التحسينات والتوثيقات. وقد تركز هذا الكتاب الثاني على " النوع " أي على نوع من الشعر سماه إمبسون " الرعوي "، واستخلصه من مظاهره الاسلوبية، وجعله شكلا وحوله إلى منحى شعري موجود في أنواع من الأدب شديدة التباين فيما بينها وحسبك بهذا موقفاً ساخراً معقداً. وبذلك حطم إمبسون الضدين النقديين الباليين، وهما " الشكل " و " المضمون " حتى في شكلهما المصطنع التقليدي من أجل غايات تحليلية، وانتحى في مكانهما نحواً نقدياً ينكر أن الاثنين كيانان منفصلان، وعالج ما اعتاد الناس تسميته " شكلا " على انه محتوىي، والعكس بالعكس. وقد كان منهاجه جشطالتياً، دون أن يقرر ذلك، في نظرته إلى كل القصيدة، أما المصطلح " رعوي " فقد استعمله مبدأ عضوياً دينامياً، ومد في مفهوم " الغموض " ووسعه حتى أصبح آلية نقدية يعالج بها الأثر الفني كله، لا مواطن الالتواء فيه.
ومنذ أن كتب إمبسون " بعض صور من الأدب الرعوي " انشغل بما لا أحده، فلم يظهر له أو عنه شيء من عندئذ، على الأقل في أميركة (1) .
__________
(1) حوالي عام 1936 نشر إمبسون وجورج غاريت كراسة تباع بشلن عنوانها " جولة حول شيكسبير " Shakespeare Survey ولم أستطع أن أرى نسخة منها إلا بعد أن طبع هذا الفصل على الآلة الكاتبة، وكل ما أستطيع إثباته هنا هو أن الكراسة تحوي مقالين لامعين لإمبسون وهما " خير سياسة " دراسة لعطيل من خلال نواحي الغموض المبثوثة هنا وهناك في كلمة " شريف " والثاني " كلب تيمون " وهو كشف عن الصور المتصلة بالكلب في رواية " تيمون الأثيني " وهو نقد للتبسيطات المغرقة التي اعتمدتها الآنسة سبيرجن. ومعهما فذلكة متحذلقة - وربما تعيسة - لغاريت، عنوانها " بروسبيرو ذلك المقامر النصاب " تبين أن بروسبيرو هو وغد رواية " العاصفة ".
(2/66)

وفي سنة 1937 كتب مراجعات في مجلة " كريتريون "، من بينها مراجعة عن رتشاردز وانهمك في جدل أدبي مرير على صفحات مجلة " شعر " (شيكاغو) مع جيوفري جرجسون محرر مجلة " الشعر الجديد " - كتب جرجسون " رسالة لندنية " ينقد فيها موت النشاط الأدبي الإنجليزي حينئذ فكتب إمبسون " رسالة لندنية " يجيبه، وينقد موت أدراك الأدب عند جرجسون، فرد عليه هذا بسيل من السب والقدح وأنهى إمبسون الجدل بتحقير عام صبه على جرجسون، ولم يكن في ذلك الجدل ما يسهم بشيء من النقد. ثم سافر إمبسون بعد ذلك في وقت ما من عام 1937 إلى الصين ليدرس هنالك (وكان في اليابان سنة 1933) وبقي في الشرق سنتين فلما نشبت الحرب عام 1939 رجع إلى إنجلترة وتلبث قليلا في الولايات المتحدة.
وكان إمبسون طوال كل هذا الوقت يجرب أن يبرز في شعره الامتداد الساخر للأنواع الشكلية، شبيهاً لما صنعه في النوع " الرعوي ". وأول مجلد شعري له كان يحتوي استعمالين " جادين " لشكل القصيدة الريفية (1) Villanelle يتفاوتان في نجاحهما. وفي مجلة كريتريون، عدد أيار (مايو) 1937 نشر قصيدة ريفية ناجحة تماماً عنونها فيما بعد بأسم " تواريخ مفقودة " وفيها اختلط الشكل الوتيري الجافي - كما هي الحال في " سداسية " سدني - بالفكرة الفلسفية التي يراد التعبير عنها. وفي أميركة استمر إمبسون على منحاه نفسه في النقد. فحاول في مراجعة كتبها عن كتاب " الشعر الحديث والاتباعية " لكلينث بروكس ونشرها في مجلة " شعر " عدد كانون الأول (ديسمبر) 1939 أن يحول أشد المصطلحات ابتذالا مثل: شعر الدعاوة - الشعر العاطفي - الشعر السامي، إلى أنواع
__________
(1) هذا النوع من القصائد الريفية يحوي تسعة عشر بيتاً في قافيتين وينقسم في خمس مقطوعات كل مقطوعة من ثلاثة أبيات ثم قفل من أربعة.
(2/67)

متمايزة ركينة مقترحاً مظاهر للبناء، محدداً نوع الوظيفة التي تلحق بكل نوع.
وفي كانون الثاني (يناير) 1940 ألقى إمبسون محاضرة في ييل عن " فوائد الإنجليزية الأساسية للنقد " (1) فطور بذلك مظهراً جديداً لطريقة ريشاردز في النقد، ثم وسع فكرته هذه في حديث أذاعه، وجعل عنوانه " الإنجليزية الأساسية وودرزورث " وطبعه في مجلة " كينيون "، عدد الخريف عام 1940، وفي هذا المقال اقترح أن تتخذ " الإنجليزية الأساسية " التي كان يعمل فيها مع اوغدن ورتشاردز (قام بوضع ترجمات أساسية للسلسلة أوغدن) وسيلة لنقد الشعر. وقد سلم بان الشعر لا يمكن ان يكتب بالإنجليزية الأساسية لان واحداً من متطلبات الشعر ان تكون الأفعال مركبة، واقترح عوضاً عن ذلك ان يقرا الشعر بعون من الإنجليزية الأساسية. (قدم رتشاردز من قبل اقتراحاً مماثلاً لقراءة النثر في " التفسير في التعليم ") . فالقارئ يترجم القصيدة إلى اللغة الأساسية وبلك يحطمها وهو ينثرها، وفي سياق هذه المحاولة لترجمة الكلمات المعقدة في معنى واحد واضح، يزيح القارئ " الغطاء "، ويرى لم جاء " الوجه الأساسي خطأ " ويستكشف المجموعة المركبة من الأفكار الكامنة وراء ما يبدو انه مشاعر بسيطة. ويوضح إمبسون هذه الخطة بمثل من وردزورث مثلما كتبه هذا الشاعر أولا ثم كيف أعاد كتابته وذلك بنثره إلى لغة أساسية وتحليله. أما التحليل فإنه غاية في الخمول وعدم والتمييز، ومثله يستقل من إمبسون، فالنقاط فيه ساذجة ويبدو انه يقترح أن يستعمل اللغة الأساسية كأسلوب ميكانيكي لتؤدي ما يعمله عقل الناقد أوتوماتيكياً بالقراءة، دون أساليب ميكانيكية. ولا ينجح
__________
(1) سيأتي الحديث عن الإنجليزية الأساسية في الفصل التالي الخاص برتشاردز.
(2/68)

إمبسون في الكشف عن أية حاجة أخرى إلى اللغة الأساسية في نقد الشعر أكثر من حاجة هذا النقد إلى الآرامية والقطلانية، لان ترجمة قصيدة ما في إحدى هاتين اللغتين، أو في أية لغة أخرى، قد يؤدي المهمة نفسها بقدر مشابه من الإتقان.
وفي سنوات الحرب كان إمبسون يعمل في القسم الصيني من محطة الإذاعة البريطانية، واختفى تماماً من عالم الطباعة، على الأقل في أميركة. ثم ظهرت له مراجعات عدة خلال عامي 1946، 1947 في مجلة " الشعب) ، وقد صنعها قبل ان يعود ليدرس في الصين. وأول مراجعة تناولت " كريستوفر مارلو " Christopher Marlowe لبول هـ. كوتشر، وليس فيها من شيء إلا مقاومة رأي كوتشر، وهو رأي طريف، في مارلو صدع فيه بالحقيقة القائلة: ان مارلو هو " الرجل الذي عسا على الفاشية " (تعبير لرادك قاله في سيلين وكان إمبسون مغرماً به دائماً) ، وقال فيه أن " الحقيقة الأساسية المتعلقة بآثار مارلو " هي أن نلحظ أن مناظر الرعب، وهي الذرى في رواياته، إنما هي عقوبات مسرحية لإثمي مارلو نفسه، يعني الكفر بالله والشذوذ الجنسي. وكانت مراجعته الثانية للطبعة الأميركية من قصة " المسخ " Metamorphosis لكافكا أكثر ضحالة وما زاد فيها على ان كال السباب للمقدمة وللتوضيحات وسماها " متعنتة " وصرح بان القصة " لكمة على الفك " (الأميركي قد يقول " في الفك ") وعد فيها تذبذبات كافكا وأخطاءه السخيفة. أما المراجعة الثالثة عن " كتابات مختارة " لديلان توماس فقد تحدث فيها عن شعر توماس بمصطلح غامض، وبعد جهد كشف عن المعاني الكامنة في سطر واحد، وأما الرابعة فأنها فقرة واحدة لحظ فيها أن شعر روبرت غريفرس قوي الأسر خفيف معاً. وتؤيد مراجعاته في مجلة " الشعب " ظناً يحيك في صدر كل من يقرا كتبه، وهو أن المراجعة
(2/69)

القصيرة ليست المجال الصالح لإمبسون الذي يبدو انه يريد دائماً متسعاً يجول فيه ويصول (1) .
2
- أن خير عبارة نفتتح بها تحليل كتاب " بعض صور من الأدب الروي " لهي تصريح إمبسون المدهش في الفصل الأول بأن كتابه هذا
__________
(1) في تاريخ متأخر من عام 1947 ظهرت الطبعة المنقحة التي طال انتظارها من كتاب " سبعة نماذج من الغموض " وإذا بها لسوء الحظ مخيبة للآمال بعض الشيء. لقد أضيفت إليها حقاً أشياء قيمة وخاصة مقدمة للطبعة الجديدة تفسر الغايات التي من اجلها كتب الكتاب وترد عنه بإسهاب ما تلقاه من نقد، وأسقطت منه " نتف قليلة من التحليل " اعتبرت تافهة او نابية، مثل " النوادر التي تبدو لي الآن مملة "؛ وذيلت الهوامش بإشرات إلى مصادر المقتبسات، وربطت القرائن معاً، وأضيفت ملخصات للفصول وفهرست للكتاب وصححت الأخطاء وزيديت تعليقات في الهوامش تفسر الرأي أو توسع من نطاقه. ويرجح بكل هذه التغييرات جميعاً تلك التعديلات التي تشمل تعليقات هامشية ينحي فيها باللائمة على نفسه متمسكاً بما قد كان يجب ان يقوله في الكتاب أو موضحاً فكرة له ماثلة إلى المحافظة مثل: " كان من غبائي أن؟ " " وهذا حمق صدر عني " " ويبدو إنني أخطأت وجه الرأي " " وسبب القبح " " وأنا الآن اعتقد أن هذا المثل تكشف عن سراب خادع "، وما أشبه ذلك. ويعلق إمبسون: " دهشت عندما تبين لي ان ما أؤثر تغييره قليل "، والحق ان التغييرات الهامة في موقفه لم تجر إلا في تضييق مفهوم " غموض " فبعد ان كان هذا المصطلح يعني " ما يضيف ظلالا للتعبير النثري المباشر " أصبح يعني " ما يفسح مجالا لأصداء متناوبة تثيرها القطعة الواحدة "، ثم أستقوى عنده الميل إلى القول بان غموض النصوص الشيكسبيرية قد يكون في الحق خطا مطبعياً. وأشد ما يزعج في هذه الطبعة الثانية هو النغمة الجديدة التي تعكس روح المحافظة الوقور وهي اعتذارات مؤلف تجاوز عهد طيشه وخفته بحقبة مقدارها سبعة عشر عاماً (يقتبس إمبسون في المقدمة تعليقة لماكس بيربوم راجع فيها واحداً من كتبه الأولى وكيف انه " حاول أن يتذكر كم يكون مبلغ غضبه حين كتبها لو أن شيخاً متقعراً هو الذي أجرى عليها التصحيحات وكم يكون مبلغ ثقته في أن ذلك المرء نفسه مخطئ "، ولكن النادرة كانت من الحدة بحيث تبتعد على أن تكون مضحكة) ، وان الطبعة المنقحة من كتاب " سبعة نماذج من الغموض " لتعد من بعض وجوهها تحسيناً فعلياً إذا قيست بالطبعة الأولى فقد تحسن فيها الأسلوب كثيراً وأصبحت أكثر وضوحاً (وربما كان هذا من تمرس إمبسون بالإنجليزية الأساسية) والاطلاع فيها أوسع والحوار الجدلي فيها أقوى وقد تكون أرصن من وجه عام ولكن لا ريب في أن هناك شيئاً هاماً قد ضاع منها.
(2/70)

محسوب في علم الاجتماع. ويقول في تحديد هدفه: " لعل القضايا التي أثيرها هي المدهشة لا العادية، وإذا علقت بمثل من الأمثلة تتبعته استطراداً دونما اهتمام بوحدة الكتاب، حقاً انه ليس كتاباً خالصاً لعلم الإجتماع، وهذه حقيقة لا تسمح لكثير من المشاعر الاجتماعية الهامة ان تجد طريقها إلى الأدب ". والتعبير الهام هنا هو " المشاعر الاجتماعية " لان الكتاب وقف على التبصر في النزعات من وجهة نظر تاريخية نسبية، وكيف تجد التعبير عنها في أنواع من ذلك البناء التركيبي الذي يسميه " رعوي " في جانبي شكله ومضمونه. وهو بحث عن " الأشكال الثابتة التي تكمن وراء المظاهر التاريخية المتغيرة " كما يقول كلينث بروكس. وهذا الشكل الثابت أي الرعوي هو فلسفة ونزعة اجتماعية أو شعور وغموض ساخر وموضوع للدعاوى وخطة أسلوبية كل هذه جميعاً في وقت معاً؛ والحق أنه لابد ان يكون ممثلا لكل هذه الأمور مجتمعة أو يصبح شيئاً كلا شيء؛ والكلمة التي تنفك تلتحم بكلمة رعوي فهي لفظة " بسيط " إذا يعرف إمبسون الرعوي في أحد المواطن: " بأنه ناس بسطاء يعبرون عن مشاعر قوية في لغة محررة موشاة " وفي موطن آخر يقول أنه " ثناء على البساطة " وفي ثالث يقول " هو إحالة المركب إلى بسيط ". ويعرف الجوهر المتضاد في الرعوي بقوله " أن يحكم على الشيء المرهف بالأساسي وان تستقاد القوة من الضعف، ويلحظ الميل الاجتماعي في الوحدة، وتتعلم خير الأخلاق من الحياة البسيطة " ويقول في موضع آخر: " إذا اخترت فرداً هاماً من طبقة ما فالنتيجة ملحمية بطولية. وإذا اخترت فرداً عادياً فالنتيجة رعوية ".
وهذا النوع الرعوي الذي اهتدى إليه إمبسون هو في الأساس هو مذهب البساطة أي هو شيء في الأدب يشبه ماري أنطوانيت ووصيفاتها وهن يتواثبن على المروج الخضر لابسات ثياب الراعيات، ولابد أنه اهتدى
(2/71)

إلى هذه الفكرة من خلال عملية تجريدية، إذا لحظ إن الجو الريفي والغنم والمروج الخضر في الشعر الذي يسمونه - تقليدياً - رعوياً، ما هي إلا زخارف سطحية وأن ما تشترك فيه الأشكال المتنوعة من هذا الشعر إنما هو في أساسه نزعة اجتماعية فحسب. ولم يتبق عليه من موقفه هذا إلا خطوة واحدة يلحظ منها أن الأمثلة الأدبية الأخرى البعيدة عن الأمثلة الرعوية إنما هي طرق للتعبير عن هذه النزعة نفسها أيضاً فيضيفها بذلك إلى الأشكال الرعوية وبعض هذه الأشكال الأخرى تميز العصور الأخرى بما في ذلك عصرنا.
فالقصيدة الرعوية ليست إذن قصيدة عن الرعاة ولكنها قصيدة تحاكي الأناشيد الرعوية القديمة التي كانت تدور حول الرعاة. وليست الفصول السبعة في الكتاب (أي غرام هذا الذي يحمله امبسون لهذا العدد الباطني؟) (1) إلا سبع صور من الشعر الرعوي وأولها، وهو أكثرها إثارة للقارئ الذي امتلأت بالأفكار التقليدية، يتحدث عن الأدب البروليتاري. ولدى امبسون فكرة غير متناسبة نسجها من ذهنه عن البروليتاري فاستعملها في هذا الفصل ليجعل منها صورة الراعي الممجد ليحدد السخرية الكامنة في طبيعة هذا النوع من الشعر الرعوي. أما الصور الست الأخرى من الشعر الرعوي فإنها أقل بقليل استثارة لدهشة القارئ وتتحدث عن الحبكة الثانوية في المسرحية ذات الحبكة المزدوجة وعن " سوناتة " لشيكسبير تدور حول الأرستقراطية وعن قصيدة لمارفل عنوانها " الحديقة " وعن " الفردوس المفقود " و " اوبرا الشحاذ " و " أليس في أرض العجائب " (الطفل في صورة راع) . وبعد الفصل الأول يري الكتاب، وهو يتغلغل تاريخياً خلال الأدب الإنكليزي في إنطلاقات متفاوتة،
__________
(1) أي العدد سبعة، وهو داخل في مقدسات الأمم، بشكل لافت للنظر.
(2/72)

التغييرات التي انطبعت على الفكرة الرعوية خلال القرون فشملت أولا ترديداً للقصة الملحمية في الدراما على مستوى غير عال، وسمحت بدخول المتناقضات الساخرة في السوناتة الشيكسبيرية، واستعملها مارفل ليقرر التضاد، وتحولت عند ملتن إلى صورة لاهوتية " طهارة الإنسان والطبيعة " ومسحها غاي بمسحة مدنية، واستعملها لويس كارول أناء لتسريب المشاعر الجنسية الشاغلة.
وهذا كله طبعاً يشير إلى تدرج اجتماعي؛ ويتكئ إمبسون بشدة على علم الاجتماع وخاصة النظريات الماركسية ليوضح الأصول الاجتماعية ووظيفة كل نظرية منها. وأهم ممارسة في هذا التحليل هي الفصل الذي كتبه عن " الأدب البروليتاري " وهو فصل ينكر في الوقت نفسه كثيراً مما يسمى أدباً بروليتارياً رآه امبسون، ويضع مبادئ صلبة لأدب بروليتاري مستمداً من النظريات الفعالة في الحضارة الرأسمالية وأخرى قد تزدهر في الحضارة الاشتراكية. ثم يصنف في الوقت نفسه المظاهر البارزة لعدد من الآثار الأدبية حسب النظرة الطبقية فيسمي الانيادة نفخة سياسية من اجل أغسطس (مقتبساً ذلك عن بوب) ويرى أن مرثاة غراي (ههنا فقرة مدهشة) تحتوي على " أيديولوجية " برجوازية ويستمر في تبيان القاعدة الطبقية للقصص الخرافية وأغاني الحدود وآثار لويس فردنند سيلين. والحق أن امبسون يستعمل التحليل الطبقي خلال الكتاب كله ملاحظاً أن الفكاهة الساخرة وسيلة يستدرج بها المرء لكي يتقبل أن يكون محكوماً وان الرواية تحتوي حبكة بطولية وحبكة رعوية ثانوية لكي تدل " على علاقة صحيحة جميلة بين الأغنياء والفقراء "؛ وان المعارضات الساخرة تقوم بدور التسريب الاجتماعي، وتخلص الجماهير من الدوافع التي تدفعها إلى المقاومة الشديدة. (فهي إذن وسيلة لتجريد النقد من قوته سواء ما كان منه اجتماعياً أو فنياً وليست وسيلة للنقد) وهلم جراً.
(2/73)

ولم يذكر ماركس إلا مرة واحدة في الكتاب وذلك عند ذكر الإشارات إلى المال في " أوبرا الشحاذ " وان تلك الإشارات إنما هي احتقار للمال كتلك التي وردت في " تيمون " وقد حلل هذه الثانية " بلذة فائقة ". ومع هذا فإن الكتاب ضمناً ماركسي في مجموعه وهو شيء لم يلحظه إلا كنث بيرك فيما يبدو إذ تنبه إلى ان " الاتكاء على الماركسية قد منح كتابه أفقاً جديداً " وقال في تقديره له " وقد يطول نظر المرء في كتابات اشد النقاد الماركسيين اعتداداً بأنفسهم قبل أن يجد مثل هذا التحليل الماركسي العميق للأدب " (من الممتع أن نلحظ أن إليك وست وهو الناقد الماركسي الوحيد الذي يبدو انه وجه عناية لمؤلف امبسون يقتبس باستحسان عوامل التغيير الاجتماعي التي يجدها كامنة وراء " مرابع الترتيل العارية المهدمة " ويهمل كل ما عداها من العوامل) .
كذلك فإن كتاب " بعض صور من الأدب الرعوي " يتوغل في استغلال فرويد والتحليل النفسي أكثر من كتاب " سبعة نماذج من الغموض " ومركز الدائرة في هذا الاتجاه هو الفصل الذي كتبه عن " أليس في بلاد العجائب " ولعله انجح تحليل فرويدي مختصر للأدب خط فلم كاتب حتى اليوم. ويشير امبسون إلى أن النقاد فيما يبدو قد تجنبوا الجاد " لأليس " خوفاً من ان يقودهم ذلك حتماً إلى التورط في شعاب التحليل النفسي وان النتائج بعد ذلك ستكون محرجة. إلا أن دودجسون (1) نفسه كان فيما يظهر على وعي بمعاني الكتاب لأنه قال لممثلة كانت تؤدي دور (ملكة القلوب " بان دورها رمز " للشهوة الحيوانية الجامحة " كما تراها عينا طفلة لا تبص فيهما الرغبة الجنسية. ويقول امبسون: " أن الكتب تدور بصراحة حول النمو حتى انه ليس كشفاً ضخماً أن نترجمها بالمصطلح
__________
(1) هو مؤلف القصص عن " أليس) ، وأسمه المستعار هو " لويس كارول ".
(2/74)

الفرويدي؛ ولعل هذه الترجمة هي الوسيلة المثلى لتفسير الكاتب الكلاسيكي حتى حين تكون صدمة للمؤلف؟ وسأستعمل التحليل النفسي حيث يبدو مناسباً ". ثم يمضي في تحليله مظهراً أن الكاتب تمثل تنوعاً من الأنموذج الرعوي حين يكون خفيفاً موصلا بالطفولة عصبياً. أما ذلك الأنموذج فهو " الطفل يصبح قاضياً " أو الطفل المحسود لأنه عادم الرغبة الجنسية (إذ أن دودجسون عادل بين تطور الجنس والموت) وإليك نموذجين صغيرين من تحليل أمبسون المطول يدلان على طريقته:
إذا أراد المرء أن يجعل قصة الحلم الذي تشققت منه " بلاد العجائب " يبدو فرويدياً فما عليه إلا أن يقصه. سقطة، خلال شق عميق، في أسرار الأرض - الام الكبرى - تنتج نفساً جديدية محصورة تعجب من هي وماذا سيكون موقفها في العالم، وكيف تستطيع أن تخرج من مأزقها. أما المكان الذي وجدت نفسها فيه، فهو بهو طويل داني السقف، وهو جزء من قصر " ملكة القلوب " (وهذه لمسة لبيقة) ، لا تستطيع أن تبرحه إلى الهواء الطلق والينابيع، إلا من خلال ثقب مخيف من شدة ضيقه. وتحدث لها في ذلك المكان تغييرات غريبة من جراء الطريقة التي تغتذي بها، ولكنها حين تكبر تعجز عن الخروج، فإذا صغرت لم يؤذن لها بذلك، لسبب واحد: وهو إنها لا تملك مفتاحاً لأنها بنت صغيرة. أن الموضوع الكابوسي عن آلام الولادة أي حين تنمو، وتكبر عن مدى الغرفة، وتكاد فيها تتحطم وتختنق، لا يستعمل فحسب في هذا الموضوع من القصة، بل يكرر بصورة أشد إيلاماً بعد أن يبدو لنا إنها خرجت، غذ يرسلها الأرنب بفظاظة إلى بيته، ثم يقدم لها نوع من الطعام يجعلها تنمو ثانية. وحين
(2/75)

يرسمها دودجسون وقد تشنجت عضلاتها في الغرفة وإحدى قدميها مرتفعة فوق المدخنة، وهي تركل بها الشيء البغيض الذي يحاول النزول (تأخذ قلمه حين يكون أحد المحلفين) (1) فإنها تمثل وضع الجنين بأوضح مما يمثله الرسم الذي صنعه لها تنيل (2) ؟
أن الكمال الرمزي في تجربة " أليس " هام فيما اعتقده لأنها تمر بجميع المراحل فهي أب في نزولها الشق، جنين في قاعه، ولا تستطيع ان تولد إلا حين تصبح أما وتفرز غرسها (3) وسواء أكان ذهنه على وعي بترجمة هذه المراحل في القصة أم لم يكن فأن لديه المشاعر التي تناسبها وتتجاوب معها فان رغبته في ان يحشر كل الشؤون الجنسية في الطفلة وهي أقل المخلوقات الإنسانية حظاً من الجنس، ويجعل الجنس منها في الموطن الأمين - أن رغبته تلك كانت جزءاً هاماً من سحر هذه المراحل في نفسه، فهو يتخيل نفسه هذه الطفلة (مع هذه الخصائص المريحة فيها) بعض الشيء، ويتخيل نفسه أباها من وجه آخر (هذه الخصائص معاً تجعلها أباً) وكذلك يتخيل نفسه من ناحية ثالثة حبيبها - ليمكنها ان تكون أماً - ولكنها بالطبع ماهرة منعزلة إلى درجة تمكنها من ان تعمل كل شيء لأجل نفسها.
والنظرات النفسية التحليلية موزعة في جميع الكتاب، بالإضافة إلى هذا الفصل، فيتناول امبسون القراءة النفسية التي أجراها إرنست جونز على هاملت ويوضح إنها تشير إلى وجود حبكة مزدوجة، ويستعير اصطلاح
__________
(1) هذا شيء يتصل بقصة أليس إذ أن الشيء الغريب الممقوت في بعض أجزاء القصة يبدو لها واحداً من المحلفين.
(2) هو الرسام الذي صنع رسوماً موضحة لقصة " أليس ".
(3) أي ما يسمونه في حال الولادة " ماء الرأس ".
(2/76)

جونز " تجزئة " - أي تجزئة الشخصية الواحدة في عدة شخصيات وكل واحدة تمثل مظهراً واحداً من الشخصية المجزاة - ويتخذه مبدأ أدبياً عاماً منفصلا عن عقدة أوديب. ويحلل صورة الشكس والشذوذ الجنسي المرتبطين معاً عند شيكسبير ومارلو، وإيحاءات اللواط والزنا بالمحرمات التي يلون بها دريدن الحب الطبيعي في رواياته، وهكذا. وقد كشف أمبسون في كتاب " سبعة نماذج من الغموض " عن معرفة واسعة بفرويد ولكنه لم يزد على أن يدور حول مصطلحات مثل " النقل " و " الخلط " ليصنف العمليات الأدبية. وليس في " بعض صور من الأدب الرعوي " إلا إشارتان مباشرتان لفرويد إحداهما في بحث نظريته عن عقل الجماعة والأخرى تتصل بالعلاقة بين الموت والجنس في التورية التي تكمن في كلمة " يموت " die حسبما يستعملها كتاب عصر اليزابث. ولكن الكتاب أكثر من سابقه اطلاعاً على النظرات الفرويدية. وكلا الاتجاه الفرويدي والاستطلاعات الماركسية في الكتاب لم يعترف بها النقاد المحافظون فمثلا لم يذكر امبسون أبداً في كتاب هوفمان (الفرويدية والفكر الأدبي " " Freudianism and the Literary Mind " وهو بمثابة فهرست شامل للأدب الذي استغل آراء فرويد.
وبالإضافة إلى ماركس وفرويد يفيد إمبسون من اثنين آخرين من عظماء القرن التاسع عشر وجهها العقل الحديث وهما دارون وفريزر، فلديه تحليل فذ للدارونية التي تتضمنها " أليس "، إذ وجد أن الكتاب " يمسرح " المبدأ القائل بان علم تطور الفرد يجمل علم تاريخ الجنس وانه أيضاً يعلق تعليقات منحرفة على المشتملات الخلقية والسياسية الموجودة في مبدأ بقاء الأصلح. أما " الغصن الذهبي " فانه ذو أثر واضح خلال الكتاب كالذي قلناه عن أثر فرويد، فان إمبسون يعتبر العامل في الأدب البروليتاري شخصية مذهبية أسطورية أي يعتبر بطل القرابين ألهاً محتضراً
(2/77)

ويقارن بينه وبين الأنموذج الاضحوي المشرقي عند فريزر، وهو يلائم الاشتراكية أكثر، أعني الإنسان الذي يشارك الطبيعة في الطهر والبراءة. ويبدو أيضاً أن " بعض صور من الأدب الرعوي " متأثرا كثيراً بمدرسة كمبردج أي بجماعة المشتغلين بالانثروبولوجيا من دراسي الكلاسيكيات (تأثير معقول في رجل كان يوماً منتسباً إلى كمبردج) مع أن الكتاب الوحيد الذي يتحدث عنه امبسون على التعيين من كتبهم هو " من الدين إلى الفلسفة " لكورنفورد. يضاف إلى هذه القاعدة المنظمة لنقده - وهي تشتمل علم النفس والاجتماع والانثروبولوجيا واللغويات - استمداده من رصيد هائل من معارف عويصة نسبياً وتمتد من ميدان الطبيعيات الذرية إلى الفلسفة واللاهوت من اجل المجازات والأمثلة.
ولا يرتكز هذا الكتاب حول شيكسبير كما هو واضح في حال الكتاب السابق، ولكن شيكسبير يظل خير مجال تنجح فيه طريقة إمبسون؛ فهو يلحظ أنواع الغموض، ويقترح أن شيكسبير أبي أن يحسم بين المعاني الممكنة عامداً، ويستكشف الحبكة المزدوجة في رواية " ترويلوس وكريسيدا "، وفي القسم الأول من " هنري الرابع "، ويحلل بتطويل كثير سوناتة لشيكسبير، وأخيراً يسلط الروايات والسوناتات بعضها على بعض ليفيد من أضوائها الموضحة بالتبادل. ولعل واسطة عقد الكتاب هي تحليله للسوناتة رقم 94 " أولئك الذين لديهم القدرة على الأذى ثم لا يفعلون " وهي خير عرض للقراءة الدقيقة التي يؤثرها إمبسون، سطراً سطراً. ويعلن في الفقرة الأولى من هذا التحليل، ساخراً، أن السوناتة تهيء " 4096 حركة من حركات الفكر مع إمكانات أخرى " وإنه فحسب يستطيع ان ينظر في عدد قليل من المعاني الممكنة التي تبدو هامة. ثم يتقدم لقراءة القصيدة قراءة جد مسهبة لم تنلها قبلها قصيدة غنائية، فيما أقدره، ناثراً لما فيها من نزعات، مستكشفاً صلتها بأفكار بالغة
(2/78)

التباين، كالمسيحية والميكافلية مخمناً المركز الاجتماعي ل و. هـ (1) . مترجماً الإمكانات في جميع الكلمات الرئيسية، مختتما خيراً بحل نثري مدهش لما فيها من سخرية مركبة، إذ يقول:
أنا اطري لك المحقرات التي تعجب بها؛ يا ذا المكايد الصغير، فهذه هي الطريقة التي يحاول الآخرون أن يخدعوك بها متملقين، غير أن الذي يخدعك حقاً هو سماحتك الصغيرة وإن كانت لا تبدو إلا في ثوب الفسوق. ومن الحكمة أن تكون فائزاً أما أولا فلأن تلهبك يجاوز الحد، وأما ثانياً فلأن غلظة كبدك جرعتني القذى، غير إنني أستطيع أن أعفو كلما تذكرت الحديث الذي جرى في خلوتنا. ولا بد لي من أن أطري لك أخطاءك عينها، وأنانيتك على التعيين لأنك الآن فحسب تستطيع أن تربها حتى تنمو وبذلك تعيش مطمئناً. غير إن هذه الضرورة أشد أخواتها خطراً، فالناس طماحون بأبصارهم إلى سقطتك وانتكاستك شأنهم في ذلك مع كل عظيم. والحق أنه لا يستطيع أحد أن يعلو على مستوى الحياة المبتذلة، مثلما علوت وتوقلت الذرى، دون أن ينحط بنفس النسبة ويقع تحت مستواها. لقد جعلت هذه النصيحة حقيقة لدى نفسي، لأني لا أستطيع أن أنبذها احتقاراً، من أجلك، وما أنا واثق من شيء إلا من أنك علق نفيس يحفه الخطر.
وطبيعي إن هذا الشيء لا يرضي دارسي شيكسبير مثلما لا يرضيهم تقييمه لأعمالهم في كتاب " سبعة نماذج ". وليست علاقات إمبسون بالدراسة
__________
(1) لا يعرف اسمه على التحقيق وهو الذي كتب شيكسبير أغانيه من اجله.
(2/79)

والدارسين من العلاقات الطيبة. فإن الطبعة الجديدة ذات القراءات المتعددة من سوناتات شيكسبير ترى تعليقاته انحرافات غريبة، وذكر كلينث بروكس في دراسته لنقد إمبسون بمجلة أكسنت، صيف 1944، وهو بمعرض التعليق على إحدى أخطائه الساطعة - ذكر أن جيوفري تلوتسون قد لفت الانتباه إلى عديد من زلاته الدراسية ورداءة اقتباسه. ولحظ ليفز كذلك أنه يسيء الاقتباس والترميم. ويستطيع أي واحد أن يعثر على ثغرة عند إمبسون - أما الثغرة التي أراها أنا فهي جهله الصريح بأن المسرحية في عهد إليزابث كانت تقرأ على المسرح بأسرع مما نقرؤها اليوم لا بأبطأ - ولكن كل الثغرات تافهة لا يؤبه بها. وقد يخطئ إمبسون وهو مسرع غير إن عمله - بمعنى شامل - دراسة عارية عن الخطأ - من ناحيتي النص والتاريخ - ومن طراز رفيع. ومن الغريب أنه يمنح النصوص الدراسية احترامه الفائق ولكنه يرى فيها نوعاً من شعر رفيع غير صائب ولعل هذا أشد إساءة للدارسين من الرفض الصريح لما يعملونه. ومن ألمع الفصول وأحفلها بالذكاء في كتاب " بعض صور من الأدب الرعوي " فصل عنوانه " ملتن وبنتلي " يتناول فيه " الفردوس المفقود " من خلال التصحيحات النصية، والقراءات الواردة في طبعات بنتلي وخصمه زخاري بيرس، وهو يضرب بقراءاتهما مثلا على تركيز الأهمية، دون أن يفهماها، وهذا بعينه هو الطريقة التي يقدم بها هنري جيمس في قصصه معنى جيداً، بسرده شخص غير فاهم لما يقول.
وهناك جانب كبير من الكتاب لم يزد على أن يكون استمراراً لتتبع تفريعات الغموض، مع إن إمبسون يحاول أن يتجنب استعمال هذه الكلمة، ومن وقفاته النموذجية في هذا الكتاب عثوره على تعليقة في طبعة إكسفورد من ديوان مارفل، تبرز " معنى مزدوجاً متعارضاً "، ورد في دوبيت من قصيدة " الحديقة " ثم يعلق على ذلك بأن هذا الغموض نفسه (الذي
(2/80)

يسميه " المعنى المزدوج " أو " وقفة الترجيح ") يتخلل كل عبارة أخرى في القصيدة. وأحياناً تتجاوز ضروب الغموض مدى القصيدة وناظمها، وإذا بها تصيب سواد قلب التعبير الاجتماعي بالكلمات، كالتعليق الذي كتبه إمبسون على المصطلح الفكتوري " رهيف " delicate إذ قال: " إن العبارتين العميقتين المشمولتين في هذه اللفظة بما احتشد فيها من معاني هما: (أ) " لا تستطيع أن تجعل امرأة ما مرهفة إلا إذا أمرضتها، وأغمض من ذلك ". (ب) إنها تشتهي لأنها كالجثة ".
وكثيراً ما يحصل إمبسون على دقائق المعاني، كما يفعل بلاكمور، نتيجة للجهد الكبير، لا بخفقة من خفقات الإلهام، من ذلك أنه يستخرج كلمة " الخضر " من شعر مارفل، ويدرس كيف استعملت، ويعين قرينة الأفكار المتداعية المترابطة، قبل أن يمضي للكشف عن نواحي الغموض في الخضرة، وأحياناً أخرى يقدم لنا عنقوداً من المعاني، دون أن يذكر مصادرها، وقلما يعرف القارئ على وجه الدقة كم من المعاني التي أوردها إمبسون كان مقبولا عهدئذ على نحو موضوعي، وكم هي المعاني التي كانت من ابتكاره، وفي خير الأحوال يختلط هذان الصنفان، فتكشف بصيرة إمبسون عن معنى قديم منسي، أو تكون مقنعة إلى حد أن تجعل المرء يعتقد أن الرأي الذاتي الذي عرضه هو حتماً المعنى الصالح موضوعياً لكل زمان. وتفسيره لعادة استحضار الحمقى في الأعراس، في عصر إليزابث مثل نموذجي على هذا، حين يقول:
إن الفصل الهزلي الذي يتخلل الحفلة التنكرية في الأعراس العظيمة وهو يعتبر في مستوى أدنى من المستوى الإنساني، كان يقوم مقام الحمق الذي ينتج عن الفوضى، ليظهر إن الزواج شيء ضروري، فبدلا من أن يسخر الجمهور بالعروسين، يسخر منهما الممثلون في هذا الفصل فيؤدي وظيفة الجمهور
(2/81)

لكي يهدئ من شغف الحاضرين بالسخرية، وليدل على أ، الزواج أقوى من أن تضر به السخرية (كانت السخرية تدور على أن العروسين غير مخلصين أو بريئين؟ الخ) .
وهذا في أسطر هو ملخص طريقة إمبسون في كتابه " صور من الأدب الرعوي ": المعرفة والاستطلاع الاجتماعي والسيكولوجي؛ التأكيد الأنثروبولوجي على أن الشعائر هي المحور، الوقوف بين بين إزاء الدراسة فلا قبولها تماماً ولا رفضها بتاتاً، حضور معنى الغموض والتركيب، ووجود المعاني المختلفة في مستويات مختلفة ومشتملات لا حصر لها؛ الاتهام الفكري بالوضوح في كل شيء، القراءة الدقيقة والداب الكثير، تجميع المادة المدروسة؛ الميل دائما للتعميم من المنهج الشكلي إلى نوع يضم الشكل والمحتوى؛ المعية الاستبصار وصوابه في النهاية. فلعل الرجل العروس في عصر اليزابث لم يكن يستطيع أن يفسر لم كانت حفلة عرسه تضم ناساً حمقى ولكنه المرء يشعر حتماً أنه قد يوافق على تفسير إمبسون لو سمعه (أما خصم هذه الطريقة فقد يقول في جوابه: هذا صحيح ولكن الشخص الوحيد الذي يملك أن يفضي إليه بهذه الحقيقة هو أحد أولئك الحمقى) .
3
- استمد امبسون كتابه الثاني من موروث في النقد النوعي، غير أنه ليس موروثاً قديم الأصول، بل ينبع، في قليل أو كثير، من أدب القرن الثامن عشر الإنجليزي (وان كانت بواكير منه اقدم من ذلك تعود إلى بن جونسون وإلى فكرة دريدن عن المسرحية " الملحمية " وإلى غير هذين) وقد لحظ غمبسون أصوله المتصلة بالنوع " الرعوي "، وربما كانت هي التي أوحت إليه بالكتاب، وذلك حين قال في الفصل الذي كتبه عن " أوبرا الشحاذ " أن سويفت ألمح إلى غاي بأنه يستطيع أن
(2/82)

يكتب أدباً رعوياً يصور به نيوغيت (1) . غير أن إشارة غمبسون هذه غامضة قد توحي لسامعها بان غاي ربما كان يظن انه حقق ذلك؛ لكن القصة الحقيقية كما رواها بوب في " أحداث سبنس " Spence " s Anecdotes تدل على خلاف ذلك، قال بوب:
" كان الدكتور سويفت قد اقترح ذات مرة على المستر غاي ان قطعة رعوية عن نيوغيت قد تكون شيئاً مستطرفاً، ومال غاي إلى أن يجرب ذلك بض الوقت، ولكنه فيما بعد أن من الخير لو انه كتب رواية هزلية حسب الخطة نفسها، وهذا هو الذي أوجد " أوبرا الشحاذ " فبدأ بها؛ ولما ذكرها لسويفت، لم يرتح الدكتور كثيراً لهذا المشروع ".
إذن كان اسويفت هو أول من خطا خطوة في تجريد الموضوع حين رأى أن المنظر الرعوي الأدبي قد يتخذ مجاله في نيوغيت، ولكن غاي قام بالخطوة الثانية، وربما لا شعورياً، من الاقتراح الذي سمعه، فكتب هزلية عن نيوغيت، رعوية في أساسها، بينا برهن لسويفت أنه عاجز عن متابعته. غير أن الخطوة الأخيرة وهي التحدث عن نوع " رعوي " يعبر عن نزعة رعوية لم تتحقق إلا حين كتب هازلت " محاضرات في الشعراء الإنجليز " (1918) Lecturts on the Eng. Poets حيث قال:
" الرعويات الجيدة التي في لغتنا قليلة فعاداتنا ليست أركادية (2) ، ومناخ بلادنا ليس ربيعاً، وعصرنا ليس ذهبياً، وليس لدينا أدباء رعويون يساوون ثيوقريطس، ولا مناظر جميلة كمناظر كلود لورين، وخير ما في " يومية الراعي " التي كتبها سبنسر أسطورتان هما: قصة الأم هبرد وقصة لسنديانة والعليقة، وثانيتهما قطعة فذة من الخطابة كالخطب
__________
(1) حي من أحياء لندن.
(2) نسبة إلى أركاديا في بلاد اليونان وبها يتغنى الشعراء الرعويون.
(2/83)

الفصيحة التي تلقى في مجلس الشيوخ. وقد خلف كل من براون، الذي تلا سبنسر، ووذرز قصائد رمزية ممتعة من هذا النوع؛ أما قصائد بوب فإنها مليئة بزخرف غث وتصنع رث حتى كأنما هي صورة أمير من أمراء المملكة كان يجلس لرسام يرسمه، وبيده محجن وعلى رأسه قبعة منتصبة، وهو يبتسم في هيئة تافهة جوفاء آخذة بحظها من الطبيعة والزيف. وأما اركاديا التي كتبها السير فيليب سدني فإنها اثر خالد للقدرة المنحرفة، لا تظهر فيها صورة فذة في جمالها، كصورة " الغلام الراعي، الذي يسترسل في تنغيم شبابته وكأنه لا يريد ان يكبر " غلا مرة في كل مائة صفحة من صفحات الفوليو، فهي مغمورة تحت أكوام من السفسطة الملتوية والأناقة المدرسية، وليست هي أبداً مشبهة لصورة نيكولاس بوسين التي يصور فيها بعض الرعاة يتجولون صبح يوم من أيام الربيع، ويبلغون قبراً نصب عليه هذا الشاهد " أنا أيضاً كنت اركادياً ". ولعل خير اثر رعوي في لغتنا هو القصيدة النثرية " الصياد الكامل " لوالتون، فذلك الأثر المشهور ذو جمال ومتعة رومانتيكية، يساويان ما فيه من بساطة، وينجمان عنها. ففي وصف الكاتب للشص تحس بتقواه وإنسانية تفكيره؟ فهو يمنحك الشعور بالهواء الطلق ونحن نمشي معه على طول الطريق المغبر، أو نستريح عند ضفة النهر تحت الشجرة الظليلة، وحين نراقب الصيد ذا الزعانف نستشعر بجمال ما يسميه هو: " صبر الصيادين الشرفاء الفقراء وبساطتهم ".
هذا شيء قريب الشبه من استعمال إمبسون لمصطلح " رعوي "، وقد انتقل فيه الشكل تجريداً، واصبح نزعة من النزعات، وبقي لجورج براندز حين كتب " التيارات الرئيسية في أدب القرن التاسع عشر " Main Currents of Nineteenth Literature في الدنيمارك سنة 1870 وما بعدها ان يخطو الخطوة النهائية الموصلة إلى الاستعمال الذي
(2/84)

أوجده امبسون، وأن يرى في البروليتاريين النبلاء عند جورج صاند أفكاراً وآراء رعوية (دون ان يستعمل هذا المصطلح استعمالا مباشراً) .
وهناك مصطلح لنوع من الأدب أشيع استعمالا من رعوي وهو " قوطي "، بدا أيضاً في القرن الثامن عشر، عند اسكندر بوب، فقد كتب يقول في شيكسبير: " على الرغم من كل أخطائه وعلى الرغم من كل ما في مسرحياته من شذوذ، فقد ينظر المرء إلى آثاره بمقارنتها مع آثار أكثر منها نظاماً وصقلا كما ينظر إلى قطعة قديمة عظيمة من الفن القوطي إزاء مبنى نظيف جديد " وقد استمر الأسقف هيرد ووربرتون يستعملان هذا المصطلح النوعي " قوطي ". ووسع الدكتور جونسون في درجة مدلوله حتى شمل شيكسبير، فتحدث مثلا عن " أساطيره القوطية الغيبية ". وقد استعمل لفظ (قوطي " كمصطلح أدبي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر منتقلا بالتدريج في ثلاث مراحل: وصف تحقير ووصف استحسان، وبينهما مرحلة حيادية لا إلى هذا ولا إلى ذاك. وخلال النصف القرن الأخير أكثر منه الدارسون والنقاد الألمان ومن أشباهه إكثاراً غريباً. وفي آخر القرن الماضي بدأ مؤرخ الفن ألويس ريل البندقي هذه الحركة (التي نظمنها اليوم اشبنجلرية) بتسمية كل شيء يشبه في الأسلوب الفن الروماني المتأخر: " روماني متأخر " أو " رومانسك " مهما يكن شكله أو زمنه. وفي أول عقد من هذا القرن أتم فلهلهم فورنجر أفكار ريل وأن كان اختيار ان يتخصص في النوع المسمى " قوطي " ومنذ ذلك الحين وسع علماء آخرون مثل كارلنجر وفايسباخ وفلفلين في الأنواع حتى شملت أيضاً الكلاسيكي ووليد النهضة والباروقي والروكوكو (1) ووجد النقد الألماني الحديث صوراً من الباروقي في شعراء الإنجليز في القرن السابع عشر على تفاوت فيما بينهم مثل
__________
(1) إذا ذكر الروكوكو في الشعر عنى به ما أنشئ منه في بلاط السلطة المطلقة، ومن يحاكيها من البرجوازيين، وهو غزلي شهوي يعني بالمسائل الأخلاقية من الزاوية الجمالية فحسب.
(2/85)

دن وملتن ودريدن، كما وجدوا صوراً من الروكوكو عند الشعراء الإنجليز أبناء القرن الثامن عشر؟ الخ.
وهناك نقد الماني أرصن في استعمال الأنواع وهو أقرب وشيجة بطريقة إمبسون، أشار إليه ولتر باتر في كتابه " استساغة " Appreciation فقد لحظ ان " روميو وجوليت " تضم ثلاثة أشكال أدبية - وهي السوناتة والأغنية الغجرية واغنية العرس - تحت شكل أكبر هو الرواية نفسها " والوقوع على هذه الفكرة من أيادي النقد الألماني ". ومهما يكن هذا النقد الألماني الذي يشير إليه باتر، فان هذا النقد قد حقق مهمة إمبسونية كاملة، غذ انه جرد الطبيعة الأساسية والنزعة في كل من السوناتة والأغنية الغجرية واغنية العرس من خصائصها الشكلية السطحية واستعملها بنوعيتها طرقاً أو عوامل في المسرحية.
ولعل أكثر أشكال النقد النوعي طموحاً هو ما قام به فردنند برونتيير الناقد الفرنسي والمؤرخ الأدبي. فمنذ كتابه " تطور الأنواع الأدبية " (1890) حتى دراسته لبزاك (1906) ، على الأقل، كان كل عله وقفاً على جهد عملاقي واحد ان لم نقل وحشي: وهو ان يكتب شيئاً في الأدب مساوياً " لأصل الأنواع " الذي كتبه دارون تتطور فيه الأشكال الأدبية من البساطة إلى التركيب، فتتولد وتتفرع وتتحول ثم تصل كمال النضج وتموت بينا الأشكال الناشئة الجافية، إذا أحسن تكييفها، تبقى بعدها وتخلفها. وعلى يديه يصبح الشكل الأدبي عضوانياً يتطور بغرابة بمعزل عن صاحبه بل يتحكم، حقيقة، في مصير نفسه إذ تعتمد قيمة الأديب حينئذ على حسن جده في أن يدرك زماناً يتيسر له فيه نضج شكل ولغة ويصبحان في متناول يده.
ولو أن الذي قام بهذه الدارونية الأدبية رجل اقل كفاءة لتمخضت عن بلاهة، ولكنها أنتجت نقداً جيداً لا يخطئه التقدير، وما ذلك إلا
(2/86)

لأنها لطفت بإطلاع بروتنيير الواسع، وإحساسه المرهف، وذوقه السليم، وإدراكه ان تعميماته، في الجملة، مجازية لا علمية. وحين يعرف برونتيير " الكلاسيكي " مثلا بأنه ذلك النوع من الأدب الذي يتم وجوده حين تنضج في وقت معاً لغة شعب وشكل أدبه واستقلاله الأدبي وحين يؤكد أن النثر الأدبي قد يكون " كلاسيكياً " ومع ذلك يظل هزيلاً غير أصيل - حينئذ يكون برونتيير منهمكاً في نقد نوعي مضاد لنقد امبسون. فبينا يخلق إمبسون " نوعاً " بانتزاعه نزعة ثابتة أصيلة من أشكال قد كيفها التاريخ، يعرف برونتيير " النوع " بأنه شكل نهائي لا يتطور إلا تحت شروط تاريخية ثابتة أصيلة. وكلا الرأيين تاريخيان دينامييان ولكن رأى برونتيير يتميز بأنه لاحق بنظرية التطور الغائية وليدة القرن التاسع عشر وأنه يرى في النوع عضوانية مصمتة تغير من شكلها كلما طورت حولها مستتبعات قوية. أما رأي إمبسون فانه وليد القرن العشرين وقد غابت عنه الغائية واصبح النوع يتغير فيه بتغير الشكل، ولا غاية فيه وراء ذلك. وإمبسون لا يستطيع ان يرضي تماماً إلا الفكر الحديث ولكنا من صميم أفئدتنا نستحسن " جنات " برونتيير المحبوبة المنظمة بينا نحن ننكرها عليه ولا نرضى بها.
فإذا تجاوزنا إمبسون والأثر الصغير المستمد من كتابيه وجدنا ان كل النقد النوعي المعاصر - تقريباً - استعمل النوع ليتحاشى التحليل، أي هو نوع من إلقاء الشيء في زاوية الإهمال. وهذا النقد النوعي في أردأ أحواله يشمل المراجعات السهلة، والاستعمال الآلي الأجوف لكلمات مثل " رومانتيكي " و " كلاسيكي " و " واقعي " و " رمزي " وهو في خير أحواله أو، على الأقل، في وضعه المحترم، موروث غريب فيما كان لولاه تاريخاً أدبياً قيماً يمكن ان نسميه " العناوين الرفيعة " ويبدو أن هذا قد ابتدأه براندز بكتابه " التيارات الرئيسية في أدب القرن
(2/87)

التاسع عشر " فقد لجا براندز إلى هذا النقد النوعي في الفصل الخامس أي في الجزء الذي يدور حول الجماعة يعجز براندز عن دراستها، أعني الأدباء الإنجليز في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وتخلق عناوين فصوله تمييزات نوعية تحكمية مثل " الطبيعة " و " الإنسانية الجمهورية " و " والطبيعي الراديكالية " و " الواقعية الكوميدية والتراجيدية " وهكذا، وتحاول الفصول هذه ان تلصق تحت العناوين مضمامين، فلا تصيب إلا نجاحاً ضئيلاً.
والتقط بارنغتون هذا العيب ومزجه بمظاهر مفيدة أستمدها من براندز فإذا كتابه " التيارات الرئيسية في الفكر الأميركي " وإذا بعض عناوين فصوله مثل " الحر الداعي إلى قسمة الأرض " و " الحر الذي يدعو لحرية الأرقاء " و " الحر البيورتاني " و " النقد المثالي " و " الاقتصادي المثالي " و " الحاكم المثالي " - إذا بها جميعاً تنساق في تحكم مشابه بهذه القسمة النوعية. وأكبر وارث لهذه التركة في الأيام الأخيرة هو هاري سلوخور، فقد وضع في كتابه الأول " ثلاثة من أساليب الإنسان الحديث " Three Ways of Modern Man ثلاثة أنواع هي: الاشتراكية الإقطاعية والحرية البرجوازية والنزعة الإنسانية الاشتراكية. أما في آخر كتبه " لا صوت يضيع بالكلية " No Voice is Wholly Lost فقد تشعب هذا الميل عنده وتولد عنه عناوين نوعية جوفاء مثل الحرية البوهيمية والنفي العالمي والصلب الدنيوي والاستنقاذ الجمالي والاستعلاء الأرستقراطي والاستعلاء الديموقراطي والفاشية الفاوستية واليهودية الروحية والذاتية البوهيمية.
وأخيراً تبقى طريقة إمبسون كما عالجتها الأيدي الأخرى فقبل أن يقرأ كنث بيرك " بعض صور من الأدب الرعوي " - فيما يظهر - وضع تخطيط كتابه " نزعات نحو التاريخ " Attitudes Towards History وهو توسيع مشابه للأنواع الشعرية ومنها - الملحمة والمأساة والملهاة والفكاهة
(2/88)

والمرثاة والهجائية والمعارضة المجونية والشعر التعليمي - ويقول في كتابه أن " الشعر الرعوي " الذي أفرده إمبسون يقع، فيما يبدو " في منطقة بين الفكاهة والمرثاة ومعه عناصر هامة من الشعر الملحمي ". وفي هذه الفقرة نفسها يكتب تعليقة في الحاشية ذات إيحاء باهر ورد فيها إن قصيدة " ليسداس " (1) ليست تدور حول أدورد كنج بل حول ملتن، في سنتي 1638، 1639. وفي خلال العشرين السنة التالية كرس ملتن كل جهوده للنثر الجدلي، باستثناء سوناتة عارضة.
فهذه التواريخ، إذا شفعنا بها مضمون القصيدة، قد تبرر اعتقادنا أن " ليسداس " كانت رمز موت لنفسه الشاعرة وقد تلتها فترة انتقال (أي فترة " التطرح في الأسفار ") ثم ركز نفسه على الكتابة بالنثر، وفي خلال فترة النثر أخفى " الملكة التي كان إخفاؤها أخا الموت " باستثناء تلك السوناتة التي كانت وليدة مناسبة.
ومنذ أيام الدراسة كان ملتن قد رسم لنفسه أن يكتب قصيدة واسعة المجال وتشبثت به هذه الفكرة فلم تغادره أبداً، وفي حدة اشتغاله بإصدار النشرات السياسية ظل يتلمس الموضوع المناسب (وفي إحدى الساعات صمم أن يكتب عن هبوط آدم) ؛ وفي " ليسداس " يعترف إنه يحمل نفسه الميتة معلقة وأنه لابد أن ينبعث حياً ذات يوم. وبعد مراسيم الخشوع الجنائزية التي يبثها فيما يستنفره من مواكب الأزهار يضيف هذا القفل الشعري:
" كفكفوا غرب الدموع، أيها الرعاة المحزونون، كفكفوا غرب الدموع لأن لسيداس، مبعث أساكم، لم يمت،
__________
(1) أسم ورد عند ثيوقريطس شاعر الرعاة، وأتخذه ملتن كناية عن صديقه أدورد كنج الذي مات غرقاً.
(2/89)

وإن كان الثبج المائي قد احتضنه؛
كذلك تغرق ذكاء في قرارة الماء
ثم تنتفض ويذر قرنها المتدلي
وتصفف ذوائب نورها، وتتوهج ببريق ذهبها الجديد
على صفحة أفق الصباح
وكذلك ليسداس؟ "
وبقي الشاعر حيا على الرغم منازعة الموت له، وعند عودة الملكية بعد زوالها في أيام كرومول ينتعش حياً، ويفي بعهده على نفسه بكتابة " الفردوس المفقود " وإن عاد إلى رحم الشعر كواحد من ذوي " الأفواه الخرس " التي تحدث عنها في قصيدة " ليسداس ".
ترى أتقبل هذه اللفتة من بيرك الأستاذ ليونارد براون بجامعة سرقوسة أو سبقه إليها أو أوحى بها إلى الناقد الاميركي؟ مهما يكن وجه المسالة، فان براون صرف في العقد الرابع من هذا القرن بعض الوقت وهو يدرس ليسداس وثلاثاً أخر من المرائي الإنجليزية الرعوية الكبرى وهي أدونيس لشللي، والذكرة لتنيسون، وترسيس لآرنولد، ولكنه لم ينشر تلك الدراسة. وقد وقع على الكشف الفذ حين أعلن أن المرثاة في كل حالة تتحدث عن الموت الرمزي للشاعر، متمصاً صديقه، وهو في تمنيه الحياة لصديقه كان يعلن عن الولادة الفنية الجديدة لنفسه، في صعيد آخر. وقد انتزع براون " المرثاة " وجعلها عاملا مشتركاً - كما انتزع إمبسون " الشعر الرعوي " (1) - أي جعلها نوعاً أدبياً جوهره الموت
__________
(1) إن " المرثاة كما يراها براون، شعيرة للموت والولادة الجديدة اقرب إلى الأصل وإلى جوهر الشيء الذي صدرت عنه كلتاهما أي الرعوية البابلية الرثائية (كما يمثلها النواح على تموز) من اصطلاح " رعوي " عند إمبسون فإنه يظل على تركيبه ممثلا لنزعة، ويقلل من القدرة التطهيرية للشعيرة المتضمنة فيه.
(2/90)

الرمزي والولادة الجديدة اللاحقة للموت في مرحلة انتقالية عند الشاعر حتى أننا لنستطيع أن نطبق هذه الفكرة على آثار متباينة الأشكال مثل " الجبل السحري " Magic Mountain لتوماس مان و " العاصفة " لشيكسبير ومن المؤسف أن الأستاذ براون لم يشأ نشر دراسته هذه عن المرثاة وهي خير دراسة مسهبة في باب النقد النوعي يمكن أن تنافس ما حققه إمبسون في " الشعر الرعوي " - فيما أعلم - وقد كانت أذن تكون طليعة وحافزاً لعدد من الدراسات الإمبسونية المشابهة عند النقاد؛ وإذن كانت تصقل وتفيد في بحثها عن القيمة والجوهر أنواعاً أدبياً أدركها البلى مثل ملحمة وأغنية، وأغنية عرس.
4
- إحدى المشكلات التي تثيرها هذه الطرافة الظاهرة في نقد إمبسون هي علاقته بسائر النقد والنقاد. وتقوم اقرب الصلات طبعاً بين نقده ونقد رتشاردز الذي كان أستاذه بكلية ماجدالن بكمبردج والذي أوحى غليه بكتاب " سبعة نماذج من الغموض " عن لم يكن مصدر وحيه في كل أثاره. كتب رانسوم يقول: " التلميذ اللامع شهادة حدسية لأستاذ لامع، ولقد كانت شهرة رتشاردز تتأثل لو انه لم يصنع شيئاً إلا بأن كان مصدر وحي لامبسون ". وقد خط إمبسون اعترافه بدينه لأستاذه، مرتين على الأقل مرة في " سبعة نماذج من الغموض " فكتب في كلمة التصدير يقول: " ان المستر إ. أ. رتشاردز وكان حينئذ الأستاذ المشرف على القسم الأول من امتحان الشهادة الإنجليزية، قد طلب إلي ان أكتب هذه المقالة وأخبرني عن أمور كثيرة أدرجها فيها فديني له كبير بمقدار ما يكبر الناس هذا العمل "؛ ومرة في " بعض صور من الأدب الرعوي " حيث كتب في فاتحة الفصل عن " حديثة مارفل ": " تهيأت
(2/91)

لدارسة هذه القصيدة حين استمعت إلى حديث جديد للدكتور رتشاردز عن جدل فلسفي في آراء منكيوس ". وفي كلا الكتابين تجده يقتبس اقتباساً كثيراً من آثار رتشاردز.
وكل كتاباته، بمعنى أوسع، قد أوحى بها رتشاردز على التعيين من حيث أن كل ما كتبه إنما هو تطبيق لنظريات رتشاردز عن طبيعة المعنى والتفسير الشعري، كما أن المبدأين الأساسين لكتابيه " الغموض " و " الأدب الرعوي) متضمنان جميعاً في كتاب " معنى المعنى " وقد اعتمد في دراسته. أساساً مبدا الاستمرار الذي تقدم الحديث عنه، مستمداً له من رتشاردز، اعني أن التجربة الشعرية تجربة إنسانية كأي تجربة أخرى ويمكن دراستها بمقارنتها إلى غيرها، واستمد غمبسون من رتشاردز أيضاً العقلانية التي تجعله يؤمن ان أي شيء في النهاية يمكن إخضاعه للتحليل، والطبيعة التي تجعله يفضل شيئاً " محسوساً " على شيء " سحري ". زد إلى ذلك انه مدين لرتشاردز بالاتجاه الفيزيولوجي الذي يقوده ليبحث النثر وإيقاع الشعر بنسبة دقات القلب في " سبعة نماذج "؛ مدين له أيضاً بالاهتمام بإجراء الاستقبالي من عملية الإيصال والنقل التي تتمخض لديه عن اختتامه حديثه في " أوبرا الشحاذ " بعدد من ردود الفعل لدى الجمهور، وهي ردود فعل مركبة نظرية ساخرة. كذلك فهو مدين له بعنايته بالإنجليزية الأساسية وبرغبته في الشرق (وربما أوحى بهذا دراسات رتشاردز الشرقية والتعليم في الصين وكتاب عن منكيوس) بل مدين له بالنغمة التعليمية وبعقيدته في الكلمات ذات المقطع الواحد وهو يتردى فيهما بين الحين والحين (" إن الفكرة، التي ترى أن دس حقائق إضافية حول وجهة نظر ما تجعل الأسطر أبعث على الإمتاع، لهي مجرد خطأ ") .
ومع هذا فأن إمبسون ليس دائماً في موقف المتلقي لتأثير أستاذه بل
(2/92)

له هو تأثر كبير فيه. يقول رتشارد ابرهارت الذي زامل إمبسون في دراسته على رتشاردز بكمبردج، في مقال نشره بمجلة اكسنت، صيف 1944، عنوانه " شعر إمبسون ":
ألهب تلميذ رتشاردز خيال أستاذه وفهم الأستاذ قيمة تلميذه، على التو. ومع أن الدين في ارتباط هذين المجدالنيين منذ سنة 1927 هو دين إمبسون لأستاذه؟ فإن الأستاذ استغل الإرهاف في عقل التلميذ، وكان من الحكمة بحيث رأى في بوادر نقد إمبسون ملحقاً طيباً لنقده، وأن اختلفت غايتاهما.
وكتب رتشاردز تعليقة عن إمبسون نشرت في ربيع سنة 1940 من مجلة فوريوزو Furioso يفسر بها منهج محاضرة إمبسون في ييل عن كيفية تكون " سبعة نماذج "، وإذا حسبنا حساب تواضع رتشاردز نفسه في هذه الكلمة، بقي فيها ما شهد بان خطة إمبسون في تأليف كتابه كانت أكثر استقلالا مما صورته كلمة التصدير. يقول رتشاردز:
كسب وليم إمبسون شهرته أول الأمر بكتابه سبعة نماذج من الغموض، وهو كتاب ظهر للوجود على النحو الآتي تقريباً: كان مؤلفه يدرس الرياضيات بكمبردج ثم تحول في عامه الأخير لدراسة الإنجليزية، ولما كان منتسباً لمجدالن فقد قيض لي ذلك أن أكون أستاذاً مشرفاً على دراساته. ويبدو انه قرا من الأدب الإنجليزي أكثر مما قرأت، وأنه قرأ ما قراه حديثاً وخيراً مني، فكاد الأمر ينعكس بيني وبينه، ويصبح هو المشرف على دراساتي لا أنا. وفي زيارته الثالثة لي، احضر معه " لعبة " التفسير التي كانت لورا رايدنغ وروبرت غريفز يلعبانها بذلك الشكل غير المرقم من سوناتة
(2/93)

مطلعها " ان تبديد الروح في حماة العار " فاخذ إمبسون تلك القطعة كما يأخذ الحاوي قبعته، واستخرج منها حشداً لا يحصى عدده من الأرانب الحية، وحين انتهى من ذلك قال: " إنك تستطيع ان تصنع الشيء نفسه بأي شعر، أليس كذلك؟ ". وكان هذا مبعوث العناية الإلهية لأستاذ مشرف على الدراسات، فقلت له " خير لك ان تقوم بذلك أنت. الكاتبة على الورق. وهل أحاسب لو استمر في ذلك؟ أبداً وفي الأسبوع التالي مثل أمامي يتأبط إضبارة سميكة من الورق المطبوع على الآلة الكاتبة بخط لا يكاد يقرأ - أي 30 ألف كلمة أو نحوها من الكتاب، وهي لب موضوعه. لست أذكر أي نقد أدبي آخر كتب من يومئذ، وكان ذا أثر نافذ متميز كهذا النقد. عن قرأت منه كثيراً على دفعة واحدة ظننت انك شرعت تلتقط زكاماً حاداً فاقرأ قليلا بعناية، وقد تتغير عادتك في القراءة - إلى احسن، فيما اعتقده.
أما بقية تعليقة رتشاردز فتتحدث عن شعر إمبسون، وتحده بأنه: " حديث حافل، مصبوب بأعجوبة في أكثر القوالب الشكلية ثباتاً " و " ميتافيزيقي في جذوره " ويقر بان ذلك الشعر في بعض الفترات " انماث في الاستعارات الواهمة المحشودة المرصوفة حتى اصبح لغزاً ". أما اليوم فأنه فيما يقول " عاد - كما يبدو مرة أخرى إلى أول الشوط ليبدأ سيره على الجادة ". ويقدم لنا رتشاردز، كي يقرر لدينا التنبه إلى المعنى الباطني العميق في شعر إمبسون، خبراً آخر بالغ القيمه ذلك هو تذكره قولة إمبسون " ان في " أليس " أشياء تلقي الرعب في روع فرويد "، والشيء الغريب ان تشاردز فيما يبدو يهتم بشعر إمبسون
(2/94)

حقاً، اكثر من اهتمامه بنقده، وهذا الملحظ يجب ألا يوحي بان شعره لا يكفل تقديراً بالغ الرفعة. ويخبرنا ابرهارت ان رتشاردز، " الذي قد يغتفر له محاباة أستاذ عالم نحو تلميذ عالم " يظن أن إمبسون خير شاعر بين جميع معاصريه، ومما يؤكد هذا أن رتشاردز في كتبه لا يزيد على أن يشير إلى نقد إمبسون أو يقتبس منه باختصار - فيما أعلم - ولكنه في مرات عديدة يستطرد إلى مدح شعره في إطراء بالغ. ففي كتابه " رأي كولردج في الخيال " يضعه في مكانين مع ييتس وأودن واليوت وهوبكنز ولورنس؛ وفي " كيف نقرأ صفحة " How to Read a Page يقتبس رباعية من قصيدة إمبسون " الشجاعة تعني الهرب " من ديوان " العاصفة المحتشدة " The Gathering Storm ويعلق عليها بقوله: " شاعر حديث - لديه ما يقوله أكثر مما لدى الآخرين، وهو يكونه مؤلف " سبعة نماذج من الغموض " على معرفة - أكثر من سواه - بما يقوله وبكيفية ما يقول - يعبر عن مشكلة كل أديب بصراحة نادرة محببة في هذه الأبيات "، ثم يزود هذا بصفحتين من التعليق في الحاشية. ومن الغريب أن هيو ر. والبول نفسه، وهو أحد تلامذة رتشاردز، يشير إلى إمبسون في كتابه " سمانتيات " Semantics لا على إنه ناقد بل يضعه في قائمة الشعراء المحدثين الذين يعدهم " شخصيات عذبة خصبة " (مع إنه يستعمل عبارة من " سبعة نماذج " في الملحق للتمرين على القراءة) .
وقد ألمح رتشاردز في تعليقته عن تكون " سبعة نماذج " إلى المصدر الثاني الذي يعد إمبسون مديناً له في طريقته ذلك هو لورا رايدنغ وروبرت رتشاردز: " وأنا استمد هذه الطريقة التي أستعملها من تحليل الآنسة لورا رايدنغ والمستر روبرت غريفز لسوناتة شيكسبير ومطلعها:
أن تبديد الروح في حماة العار.
(2/95)

في كتابيهما " جولة حول التجديديه الحديثة في الشعر " A Survey of Modernist Poetry والإشارة هنا تنصرف إلى الحديث المسهب عن السوناتة رقم 129 عند الحديث عن قصيدة لكمنجز، وقد بين كل من الآنسة رايدنغ وغريفز أن تهجئة شيكسبير وترقيمه في نسخة " الربع " إنما صدرت عن وعي وإنها مليئة بالمعنى مثل تهجئة كمنجز وترقيمه، وأن الناشرين الذين نقلوا نص السوناتة إلى التهجئة الحديثة وأعادوا ترقيمها قد بسطوا كل ما فيها من غموض او معان " متشابكة " الحبك وجعلوا كل إمكاناتها واحدة لا مكثرة. ولا ريب في أن تحليلهما للقصيدة عمل جميل، أهل لان يدفع بإمبسون قدماً، أما بقية الكتاب فليست بذاك، وليست كفاء بمستوى النقد الجيد حتى في نظر القراء حينئذ (1927) . وبهدف المؤلفان فيه إلى التمجيد والدفاع عن اليوت وكمنجز والآنسة سيتول والآنسة شتاين باعتبارهم منائر " للنزعة التجديدية " ويوغلان كثيراً في إبراز فكرتهما حتى إنهما يقومان بأعمال هرقلية بطولية، كأن يعيدا كتابة شعر كمنجز على نحو تقليدي ويعرفان الطريقة اللغوية عند الآنسة شتاين بمصطلح فلسفي. وذوقاهما تحكميان قلقان فهما يحتقران ستيفنز والدكتور وليمز ويعدانهما " تجديديين " زائفين ويثنيان على ماريان مور، ولكنهما يضعان آثارها في صف " الحقائق النثرية المألوفة ". ويسيئان قراءة اليوت إساءة صارخة، فيتخذان تحليل الطلبة الجامعيين المعروف، بنثر قصيدة " اليباب " شاهداً عليها، ويعتبرانه صورة للحقارة الحديثة في مقابل الرومانسية في عصر اليزابث ويخطئان فهم السر في كثير من الإشارات والحبكات الساخرة التي تقدم لنا " برنانك مع بايدكر " و " بلايشتاين وفي فمه سيجار " (وأن أهل البندقية في ربان مجدهم كانوا ذوي حضارة تجارية كاليهود تماماً) وعلى العموم يبين المؤلفان إنهما لا يعبآن بان يعرفا ما يجهلانه، وهو وفير
(2/96)

(هاهنا أيضاً نترك هذه الأصول لنقاد يعتزون بالكشف عن هذه الإشارات أكثر منا " " أهذا هو؟ أو.. " " أننا نعترف بأننا لا نعني.. الخ ") . وواضح ان إمبسون استخلص زبدة ما لديهما.
وقد زعم كلينث بروكس في دراسته لنقد إمبسون أننا قد " نرجع بالطريقة [الإمبسونية] خطوات أخرى إلى الوراء "، فنراها في تحليل ييتس ذي الطابع " الامبسوني " لقول بيرنز " القمر الشاحب يغرب " ونراها في قراءة كولردج لمقطوعة من " فينوس وأدونيس ". وهذا نوعاً ما مغالاة في تقدير تعليقة ييتس، وهي أقرب إلى تأكيد استحالة التحلي، لا النص على التحلي - سواء كان هذا إمبسونياً أو غير ذلك. قال ييتس في " رمزية الشعر " 1900:
ليست هناك أبيات ذات جمال حزين كهذين البيتين لبيرنز:
القمر الشاحب يغرب خلف الموجه البيضاء
والزمان يغرب بي والهفتاه!
فهذان البيتان رمزيان تماماً. انتزع منهما شحوب القمر وبياض الموجة - وعلاقة هذين بغروب الزمان دقيقة يعز على الفكر إدراكها - فإذا بك تنزع منهما جمالها؛ ولكن إذا اجتمعت هذه العناصر كلها معاً: القمر والموجة والشحوب والبياض وغروب الزمان والصيحة الحزينة الأخيرة " والهفتاه " فإنها تثير عاطفة يعجز عن أن يثيرها أي نظام آخر من الألوان والأصوات والأشكال.
أما تحليل كولردج فإنه إمبسوني حقاً وقد يعد سلفاً لطريقته فيتناول كولردج المقطوعة الآتية:
بلطف لطيف أخذت يده بيدها:
زنبقة مزمومة في سجن من الجليد
(2/97)

أو عاج في طوق من المرمر
فيا لصديق أبيض يطوق مثل هذا العدو الأبيض.
ويتخذها مثالا " للوهم " ويقارنها بالمثنوية الآتية من القصيدة:
تأمل! كغيم لامع ينقض من السماء.
كذلك هو ينساب في الليل إمام عيني فينوس.
ويحللها مثالا على " الخيال ". وفي كلا النصين يحاول كولردج ان يعرف بعضاً من المعاني والإمكانات الكثيرة التي تجعل هذين الأنموذجين من الصورة أمراً لا ينسى (قراءته لهما يمكن الحصول عليها في " بقايا أدبية " وهي موسعة مدروسة في كتاب " رأى كولردج في الخيال " لرتشاردز) .
ومما يستحق أن ننوه به علاقة إمبسون بعديد من النقاد الأميركيين، وأغرب العلاقات هي التي تربطه بكنث بيرك؛ فإني فيما أعرفه من آثاره لم أجده أبداً ذكر بيرك أو واحداً من كتبه ومع ذلك، فأما أنه قرأ بيرك وتشرب أثره دون أن يذكره، أو أن توارد خاطريهما أمر فذ، فالفكرة الأساسية في " بعض صور من الشعر الرعوي) تكاد تكون كلها تمريناً على تطبيق نظرة من أشد نظرات بيرك تفرداً وذكاء أي " رؤية التناسب في اللامتناسب "، وما يزال إمبسون يعبث بمثل هذه التورية التي جعلها بيرك من اختراعاته الخاصة (التورية foil - soil في فصل عن " الحبكة المزدوجة " أوضح أمثلتها) . ولنقد إمبسون، بوجه عام، طابع " بيركي " لا يستطاع تعيينه عند نقطة معينة.
أما بيرك فانه من ناحيته يشير كثيراً إلى إمبسون باستحسان. وفي كتابه " نزعات نحو التاريخ " يضع " بعض صور من الأدب الرعوي " في صف مع كتاب رتشاردز " مبادئ النقد الأدبي " وكتاب الآنسة سبيرجن " الصور عند شيكسبير " ويعدها جميعاً " أهم إسهامات للنقد الأدبي في إنجلترة المعاصرة " ويتحدث عن فكرته وقيمته في عدة صفحات.
(2/98)

وفي الملحق على كتابه " فلسفة الشكل الأدبي " أدرج مراجعتيه الحافلتين بالتقدير لكتاب " بعض صور؟ " وكان قد نشر أولاهما عن الطبعة الإنجليزية بمجلة " شعر " والثانية بمجلة " الجمهورية الجديدة " عند ظهور الطبعة الأميركية. وكلتاهما ثناء جهير على الكتاب وهما تعرفان نواحي القصور فيه على إنها مقصودة للإيحاء لا وليدة المنهج المرسوم، وتزيدان إلى تعليقات هوامشه لا إلى عرضه الموثق، وتنتهيان إلى أن يسلك بيرك نفسه فيمن يوافقون إمبسون في صور التشابه الأدبي الأساسي لا في صور الاختلاف. وأخيراً يفيد بيرك في كتابه " نحو الدوافع " إفادة خاطفة من فكرتي إمبسون في " الأدب الرعوي " و " الغموض "، ويعترف بذلك في الحالين. وخلاصة ما هنالك في تصوير هذه العلاقة ان يقال: غمبسون مدين لبيرك أو يتوارد خاطراهما، وبيرك يتقبل أفكار إمبسون باستحسان ويفيد منها شيئاً.
أما أكبر تأثير لامبسون فيظهر عند ناقدين أميركيين آخرين وهما جون كرو رانسوم وكلينث بروكس. فقد كتب رانسوم عنه بإسهاب اكثر مما كتب أي ناقد آخر، وخصص له الجزء الأخير، ومقداره ثلاثون صفحة من فصله عن رتشاردز في كتاب " النقد الجديد ". وكتابته عنه. " أنني لاعتقد انه احفل الدراسات التي طبعت خيالا، وأن إمبسون أدق قارئ أحرزه الشعر، وأغزره مادة ". ويقول في موضع آخر: " أظن أن كتابات كهذه، مضاء وصبراً وتسلسلاً، ولا يقيد رانسوم هذا الثناء إلا بقوله: إن إمبسون يصرف همته في المقام الأول إلى " المحتوى العرفاني " لا إلى الشاعر في الشعر حتى إننا لنخشى أن تكون قراءاته مجاوزة لطورها قليلا، وأن لديه خيالا زاخراً (ويقول رانسوم أن ذلك خير من الخيال الفقير) وأن نقده حتى اليوم يحوم حول القصيدة، أي
(2/99)

أنه يتجه نحو إبراز " النسيج " أكثر من " البناء ". ومع هذا فإن رانسوم يختتم كل هذا بقوله:
يبدو أنه ليس من المستحيل علينا أن نحصل على قراءات دقيقة من علاقات النسيج والبناء التي وجدها الشعراء حقاً تحقق الغرض في الماضي، وخير ناقد موهوب في العالم لأداء هذه المهمة أداء جيداً هو، فيما اعتقد، المستر وليم إمبسون، دارس أنواع الغموض. فقد كانت دراساته، حتى اليوم، ممارسة جانبية قيمة، محايدة قليلا لمشكلات النقد الكبرى غير أنه ربما كانت لديه عبقرية بعيدة الشأو لتقييم ذلك الشيء الذي لا تدركه الحواس ونسميه " الموقف " الشعري. نعم لدينا نقاد آخرون لا ننقصهم أقدارهم، غير أن دراساتهم ليست كدراساته نفاسة وقيمة.
ويمكن فهم هذه الاستشكالات التي يثيرها رانسوم، بل يمكن التقليل من شانها، فيما أعتقد إذا نحن تذكرنا أن ما كتبه عن إمبسون في كتابه - وإن كان قد نشره سنة 1941 - لا يتناول إلا " سبعة نماذج من الغموض " وأنه، ولابد، كتب قبل ظهور " بعض صور من الأدب الرعوي " وفي هذا الثاني تحول إمبسون، على التعيين، (عن كان فهمي للمصطلحات صحيحاً) إلى المشكلات التي يسميها رانسوم " البناء، وعلاقات البناء والنسيج، كما أتجه إلى قراءات أقل انطلاقاً من سابقتها، بعض الشيء.
وفي الوقت نفسه يشير رانسوم في حديثه عن إمبسون إلى أن هذا الناقد " لم ينته من موضوع " الغموض، وأنه يثير القارئ إلى أن يصنع لنفسه تصنيفاً لأنواع الغموض. وفي خلال القطعة كلها يندفع رانسوم ليعمل بدقة تصنيفه الخاص، فيستخلص: النوع: " المقيد أو الخبري "
(2/100)

والنوع " المعلق أو المؤقت " و " الغموض النظري المحض في استعمال المجاز " أي النماذج المزيدة: 8، 9، 10 (وأقول على سبيل التعليق الساخر على هذا الموقف بان الإشارة الوحيدة التي أشار إمبسون بها إلى رانسوم، فيما أعلمه، هي نوع من الحديث الهازئ المستخف، في قطعة له عن كلينث بروكس، تناول به قصيدة لرانسوم تدور حول طفلة ماتت دجاجتها المدللة) .
أما العلاقة بين إمبسون وكلينث بروكس فقد كانت، على الاقل، متبادلة لا من جانب واحد. فان الكتاب المقرر " كيف نفهم الشعر " تأليف بروكس وورن يشير إشارات كثيرة إلى إمبسون. ويعترف بروكس في مقدمة أول كتاب نقدي له " الشعر الحديث والاتباعية " المنشور سنة 1939 انه " يستعير " من إمبسون (ومن اليوت وتيت ويبتس ورانسوم وبلاكمور ورتشاردز وغيرهم) كما إنه في المتن يقتبس من فكرته " اللامعة " عن الحبكة الثانوية في روايات عصر اليزابث وعن " أوبرا الشحاذ " ويذكر ما كتبه عن " الفردوس المفقود ". فلما ظهر هذا الكتاب راجعه إمبسون في مجلة " شعر "، كانون الأول (ديسمبر) 1939، ومع أنه رد التحية بمثلها فوصف الكتاب بأنه " لامع "، إلا أنه أنفق أكثر وقته في إعلان مخالفاته للمؤلف: فهو على خلاف بروكس لا ينفي الدعاية من الأدب، ولا ينفي العلم، وأنه قد يعلن الحرب أيضاً على أكثر الموقف العام في الكتاب، كما يعلنها على كثير من الأحكام فيه بأعيانها. ولما كتب بروكس، سنة 1944، دراسة في مجلة " اكسنت " لنقد إمبسون، تحمس فيها كثيراً، وأن كانت تمس بلطف زلات إمبسون العلمية وعقلانية و " نزعته الذاتية " (وسنتحدث عن هذه الثالثة فيما يلي) حتى أنه ختمها بهذا المديح:
في هذا الوقت الذي تنذر فيه دراسة الأدب بالانحراف نحو علم الاجتماع، ويتنبأ فيه العارفون علناً بموت الدراسات
(2/101)

الكلاسيكية، من المستحيل علينا أن نغالي في تقدير أهمية هذا النوع من النقد الذي يظل إمبسون ألمع القائمين بشأنه. فليس هو حقاً الأديب القديم الطراز الذي يسحرنا فيجعلنا نؤمن على دراسته المريحة باقتباسه من لام وبعد ذلك يلقي علينا عند الانتهاء اقتباسه من هازلت. ومن ناحية ثانية ليس هو حقاً مجرد شاب لامع يحمل كيساً مليئاً بالأدوات السيكولوجية. إنما هو ناقد من أقدر نقادنا وأرصنهم، ودراساته حافلة بنتائج ثورية إذا هي طبقت في تعليم كل الأدب، ثورية إذا اعتبرنا مستقبل التاريخ الأدبي.
ومنذ السنوات الأخيرة من العقد الرابع من هذا القرن أخذ بروكس يستغل مبادئ إمبسون في مراجعاته (في إحدى المرات تحدث عن " أشعار مجموعة " لروبرت فروست، مثلا على " الشعر الرعوي ") . وفي احدث كتبه " الزهرية المحكمة الصنع " أستمد من إمبسون خلال هذا الكتاب، مركزاً نظرته الجديدية في " التناقض " على فكرة " الغموض "، معلناً الحرب، في الوقت نفسه، على قراءة إمبسون الاجتماعية للجواهر والأزهار التي تتورد غير منظورة في " مرثاة " غراي، متهماً له بأنه يقتسر من القرينة تفسيراً سياسياً (وهو اعتراض ألمع غليه منذ سنة 1938 في " كيف نفهم الشعر " حيث طبع قراءة إمبسون للمقطوعة وشفعها بهذا الواجب الثقيل المطلوب من التلاميذ تحقيقه: " انقد تحليل إمبسون من حيث علاقته بالقصيدة كلها ") ثم راجع إمبسون هذا الكتاب في مجلة " سيواني " عدد الخريف 1947 وأعلن عن مخالفاته له، ودافع عن موقفه من كيتس " قصيدة في زهرية إغريقية " ورد عليه بروكس في العدد نفسه. ولا يستطيع أحد أن يتكهن إلى أين ينتهي هذا الجدل في النهاية.
(2/102)

وقد أشرنا من قبل إلى أثر إمبسون في بلاكمور وإلى اقتباس مود بودكين عنه، وسنتحدث عن علاقته بجماعة مجلة Scrutiny، أما فيما عدا ذلك فنقول أن إمبسون كان واسع الأثر ولكنه لم ينقد إلا نقداً ضئيلا فأثنى هربرت ريد على " تحليله اللامع " للغموض، وأشار إليه آلان تيت باقتضاب، وكذلك فعل روبرت بن ورن. واستمد آرثر ميزنر من استطلاعات إمبسون لمدة عشر سنوات، على الأقل، دون ان يفهمها جيداً، أو هكذا تدل مراجعته للشعر الرعوي الإنجليزي في مجلة " بارتزان " عدد كانون الأول (ديسمبر) 1937 حيث أثنى على إمبسون بأعلى ألفاظ المديح وأعلن ان كل شيء تقريباً ابتداء من " الجبل السحري " حتى " مالي وما ليس لي " To Have and To Have Not إنما هو أدب رعوي بالمعنى الذي يقول به المستر إمبسون. وقد أدى راندل جرل تحليلا إمبسونياً لامعاً عنوانه " نصوص من هيمان " Texts From Housman في مجلة " كينيون " عدد الصيف 1939، ولكنه لم يتحدث عن آثار إمبسون فيما اعلم. وأثنى لوول على إمبسون، وعده أحد خير خمسة من شعراء الإنجليز الأحياء، (والآخرون هم توماس واودن ومكنيس وغريفز) . وقدم له توماس نفسه مديحاً ساخراً كشاعر، نصف قصيدته الريفية " رجاء إلى ليدا " وعنوانها الفرعي " برسم الولاء لوليم إمبسون " أما وليم يورك تندال فقد أثنى على شعر إمبسون في كتابه " القوى في الأدب الإنجليزي الحديث " وليس لديه ما يقوله في نقده إلا أنه يبلغ درجة الطريقة القديمة من " تفسير النصوص "، وانه كتب بطريقة غير جذابة، كما كتب نقد رتشاردز.
وأدرج اسمه هربرت مللر في كتابه " العلم والنقد " Science and Criticism بين جماعة من النقاد المحدثين لا يبارون في " التحليل الحاد اللبيق " ويشير إليه إشارة أو اثنتين، ولكنه لا يتحدث عن نقده. وقد تقدم القول
(2/103)

بأن دارسي شيكسبير ونقاده قد أجمعوا على مؤامرة من الصمت ليخملوا انتاجه، مثلما فعل أيضاً، على نحو أقل، الذين كتبوا في الشعر الميتافيزيقي، وهو مجال أدى فيه إمبسون بعضاً من أكثر أستقصاءاته المعية (1) . وأشد هجومين حادين على إنتاجه فيما أعلم ورد أولهما، وذلك شيء يلفت النظر حقاً، في كتاب هنري بير " الآباء ونقادهم ". حيث وصفه، في أحد المواضع هو ورشاردز بأنهما يستخرجان " فئراناً " متناهية في صغرها " وفي موضع آخر بأنهما " يغريان المراهقين وقتياً "، وورد ثاني الهجومين في كتاب " على أصول وطنية " On Native Grounds لالفرد كازين، الناقد الأثير عند بير، فتحدث هنالك عن إمبسون بتحقير، وقرنه ببلاكمور وبيرك، وقال عنه أنه " مساح للمجازات " يكتب " ألغازاً تثير دهشته الذاتية " (مما يلفت الانتباه أن بير وكازين اللذين يتمتعان بإدراك متعثر فاشل في العادة، قد أصابا حين جمعا خير نقاد معاصرين في صعيد واحد، لكي يخصاهم بالهجوم) .
أما ما قاله جيوفري جرجسون في إمبسون حين تجادلا على صفحات مجلة " شعر ": أن امبسون " نموذج لذي نظريات جامد وشاعر يلفق شعره بالسرقة من غيره " يكتب " مادة متضائلة تافهة لا تقرأ، حتى أنها لا تستأهل الإهانة أو الهجوم " - أما هذا فقد يعزى إلى ما يسوق إليه الجدل من جدة وضيق في الخلق، ولا يمثل بالضرورة رأياً موزوناً في تقدير نقده. وأخيراً فأن اقتراح فيليب ويلرايت ان يوضع المصطلح السمانتي " كثرة الدلالات " Plurisignation مكان كلمة " غموض " - ذكر ذلك في مقال له عنوانه " في سمانتيات الشعر " بمجلة " كينيون " سيف 1940 - وكذلك استعمال مارغريت شلوش " غموض إمبسون " تمريناً
__________
(1) لا تزال صلة إمبسون بالشعر الميتافيزيقي قائمة وقد كتب بحثاً مسهباً عن دن في مجلة " كينيون " عدد الصيف 1957.
(2/104)

لفصل من الفصول في ملحق بكتابها " هبة الألسن " The Gift of Tongues فأن هذين يمثلان بدء انسجام الدارسين مع إمبسون، انسجاماً قد يمتد فيشمل المعتنين بالقراءات المتعددة لنصوص شيكسبير.
5
- بقيت مشكلة واحدة عامة تتعلق بنقد إمبسون وتحتاج معالجة: وهي مشكلة طبيعة القراءة الدقيقة ومشتملاتها. أما من ناحية تقليدية، فقد كانت القراءة الدقيقة حقاً للكاتب الذي يدرس صنعة أدبية، أو الأستاذ الذي يعلمها. وقد كانت الدراسة المسهبة حقيقة في الحالة الأولى نادرة، وقد تكون نتيجة لاستقصاء الكاتب لصنعته نفسها، كما فعل هنري جيمس في المقدمات (وكما فعل هارت كرين وتيت في الأيام الأخيرة بالكتابة عن شعرهما) ، وقد تكون نتيجة لبحث صديق، مثل دراسة بلزاك المشهورة وعنوانها " دراسة للمسيو بيل " (وفيها انساق إلى النقد الفني وأقترح تحسينات على The Charterhouse of Parma بعد تلخيص متأن متدرج للحبكة في خمس وخمسين صفحة، أو قد تكون وليدة عقل موغل في التحليل، كالشيء الذي نراه في دراسات كولردج لشيكسبير. أما القراءة الدقيقة التي يؤديها أستاذ، فلدينا منها نماذج تتراوح بين أرفع أنواع الدراسة، وبين آثار جوزف ورن بيش، في مثل كتابه " النظرة إلى النثر الأميركي " The Outlook for American Prose خاصة، إذ يدرس فيه الأدب المعاصر بعين النحوي الضيقة، ويعيد " مصححاً " كتابة عبارات لأدباء مثل جون ديوي، كأنها موضوعات إنشائية يكتبها طلبة. (كان خيراً لبيش لو أنه انفق الوقت في مراجعة كتبه، وتصحيح أسلوبه، واستبعاد عبارات مثل: " Equine Excrementa " و " in a family way " وتغيير " Lester Jeeter " إلى " Jeeter Lester " حيثما وقعت) .
(2/105)

ومهما يكن من شيء فإن إحدى مظاهر النقد الحديث، على وجه الدقة هي هذه القراءة الفنية الدقيقة، لا من حيث إنها مظهر للعلم أو لحرفة التعليم، بل من حيث إنها طريقة عامة من التحليل النقدي. فقد أدخلها رتشاردز في النقد الحديث، مثلما أدخل أشياء كثيرة. ولكن بما أنه شغل نفسه بأمور أخرى فإن ما أنتجه من القراءة المسهبة حقاً لا يعدو أمثلة قليلة. ويصدق الشيء نفسه، مع اختلاف في نوع الاهتمامات الصارفة، على كنث بيرك، وظل من نصيب إمبسون وبلاكمور إنشاء مقدار من الدراسة الدقيقة المسهبة على أساس مبادئهما. وقد كتبت جماعة الجنوب التي تلتف حول رانسوم عدداً لا يحصى من البيانات، تلح فيه لا على إن القراءة الدقيقة الفنية للنصوص عمل هام للنقد، فحسب، بل على إنها العمل الوحيد المشروع له. على أن رانسوم وتبت قد حققا منه نسبياً شيئاً ضئيلا لأنهما، على شاكلة رتشاردز وبيرك، مشغولان بالمشكلات النقدية العامة، وأحدهما بعيد عن ميدان الأدب، أما كلينث بروكس وروبرت بن ورن، فقد بدءا إنتاج مقدار من الدراسات المسهبة، اعتماداً على مبادئ الجماعة، ولكن بعض ما أنتجاه ليس مسهباً، على التحقيق، وهذا قد يفسر إعجاب جماعة الجنوب بكل من إمبسون وبلاكمور فإنهما دون أن يكتبا بيانات قد أخذا أهبتهما للعمل وأنتجا ما أنتجاه.
وهناك مدرسة من النقاد موفقة في تخصصها بالقراءة الدقيقة للنصوص، وهي جماعة كمبردج القائمة حول مجلة " Scrutiny " بإنجلترة ولا تعرف بأميركة إلا قليلا وقد أنضم إليها إمبسون بعض الوقت (فصله عن حديقة مارفل في كتاب " بعض الصور " نشر أولا فيها) . وقد صدر عن هذه الجماعة أمضى قراءة دقيقة في عصرنا ممزوجة بمقررات اجتماعية ذات قيمة حقيقية وشمل ذلك ما كتب في المجلة نفسها (وما كتب في سابقتها
(2/106)

" حولية الآداب الحديثة " The Calendar of Modern Letters التي استمرا من 1925 - 1927 ومنها استخرج ليفز مختارات سماها نحو مقاييس نقدية Toward Standard of Criticism) كما شمل مؤلفات ف. ر. ليفز ومؤلفات ك. د. ليفز ول. ك. نايتس ومجموعة مختارة عنوانها " Determinations " وكان ف. ر. ليفز أحد محرري المجلة وزعيم الجماعة. وقد أخرج للناس قسطاً وافراً من النقد الجليل الفائدة، نقداً في خير أحواله حين يكون فنياً أو تفسيرياً، وبخاصة إذا تناول المحدثين في كتابه " اتجاهات جديدة في الشعر الإنجليزي " New Bearings in English Poetry وأحياناً أخرى يفسد بالعيوب التي تصحب النقد الاجتماعي أي الميل إلى وسم هذا الأديب أو ذاك بمصطلحات مثل " هرب " و " أنصرافية " أو أتباع طريقة بروكس في بتر الأدباء الذين لا يرضونه اجتماعياً، مثل ييتس وهنري جيمس، أو الأخذ بعقلانية القرن الثامن عشر التي تستعمل مصطلح " شعائري " بنوع خاص للتحقير، أو استعمال أسلوب تعليمي مغرق يدعو الناس إلى اعتناق الشعر. وقد وضع ف. ر. ليفز نصب عينه في كتابه " نظرة جديدة في القيم " Revaluation - وهو كتاب ظهر تباعاً في المجلة على شكل سلسلة من إعادة النظر والتقدير للأدب - أن يراجع تاريخ الشعر الإنجليزي، ليبرز بوضوح " قوة اللمح الساخر " الميافيزيقية (أو ما يسميه بيرك " رؤية التناسب في اللامتناسب ") جاعلا منها الموروث الصحيح وهي محاولة سبقه إليها اليوت بطريقة غير رسمية (مع انه ناقض اليوت الذي أعلى من درين، وخفض من شان بوب، فعكس ليفز ذلك) . وتبعه فيها كلينث بروكس (وحل المشكلة بان أقصى كلا من بوب ودريدن من الموروث) .
أما ك. د. ليفز المختصة بباب القصص في المجلة فقد كتبت في " القصص وجمهور القراء " Fiction and the Reading Public دراسة أدبية اجتماعية
(2/107)

بالغة القيمة عن انحدار الذوق العام في انجلترة منذ 1600 مستعملة طريقة تصفها بما تستحقه حين تسميها " انثروبولوجية ". وقد قامت هي وليفز الآنف الذكر بهجمات حادة على الماركسية في العشر السنوات الأخيرة مع إنهما مدينتان لها بطريقة تناولهما للأمور الاجتماعية. أما ل. ك. نايتس (1) وهو أحد محرري المجلة فربما كان ألمع محلل للنصوص بين الجماعة وقد حاول أن يطبق - تصريحاً لا ضمناً - الأفكار الماركسية على الأدب في كتابه: " الدراما والمجتمع في عصر جونسون " Drama and Society in the Age of Jonson والكتاب فيما يستوعبه فكرة لامعة، ويشعرك بأنه من النوع الذي لو عاش كودول لكتبه، ففيه بحث " في العلاقة بين النشاط الاقتصادي والثقافة العامة " بالكشف عن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في إنجلترة أيام إليزابث واليعاقبة بإسهاب، ثم دراسة الدراما بعرضها على نماذج من تلك الأحوال. أما في التطبيق، فإن الكتاب مخفق لعدة أسباب أولها: إن نايتس لا يطبق نظريات ماركسية، على التحقيق، (وإن كان كتابه يقتبس من كل ماركسي ابتداء من ماركس وإنجلز حتى ت. أز جاكسون ورالف فوكس) وإنما يطبق حتمية تاوني الاقتصادية الأكثر بساطة من الماركسية. وثانيها إن كتابه لا صلب له، وينقسم بحدة في الوسط إلى كتابين أحدهما: خلاصة اقتصادية اجتماعية جيدة والثاني: مجموعة من النقد الأدبي التحليلي الممتاز، دون أن تقوم بين الاثنين أدنى صلة. وثالثها، ولعل هذا هو العامل الأساسي الكامن وراء الأخطاء الاخرى، إن نايتس، على أنه يقتبس باستحسان مبدأ ماركس " إن الكيان الاجتماعي للناس هو الذي يتحكم في وعيهم "، فإنه يعجز عن أن يفهم ما عناه ماركس، ويخطئ في إدراك سر هذه العملية، وإذا إدراكه له يجيء على هذا النوع من التبسيط المضحك: الكيان
__________
(1) ورد هذا الاسم خطأ في الجزء الأول على الشكل التالي: نايت.
(2/108)

الاجتماعي للناس الذي يتحكم في آرائهم ونزعاتهم. فلا تجده يعالج الانعكاسات العميقة للمجتمع في المبنى الروائي وأنواع الصراع في المسرحيات، بل يعتم بما تقوله الشخصيات عن المجتمع والمال والتملك، أي يهتم بالصفحة الاجتماعية من تعليقاتهم لا بطبائعهم. وينهي نايتس كتابه بمختارات من الخطب " تضم فكرة العصر ورأيه " وتعكس " مظاهر هامة من الموقف الاجتماعي " أو تقدم " توضيحاً لحياة هذه الفترة ".
أما كتابه الثاني " كشوف " Explorations وهو مجموعة من المقالات " عن أدب القرن السابع عشر من الدرجة الأولى " فإنه عملية رصينة من التكامل الاجتماعي - الأدبي. وفيه يقوم بعمل قيم بالإلحاح على أن الإدراك الجشطالتي للاستجابة العاطفية المركبة، كلها عند القارئ يجب أن تكون نقطة البدء في النقد، لا تلك التجريدات النقدية التقليدية من مثل " شخصية " و " حبكة ". وهو ينص على أهمية العمل الأدبي من حيث هو وحدة يراد استقصاء نواحيها وعلى ضرورة ابتداء كل بحث من الزاوية الفنية، وعلى قلة جدوى الكشف عن العلاقة بين الفنان والمجتمع (وما يزال يعتبرها موضوعاً أساسياً في النقد) من أي زاوية سوى أسلوبه الفني وإحساسه. وعلى الرغم من روعة هذه المبادئ النقدية يجيء الكتاب أحياناً مخيباً الآمال، ذلك لأن نايتس يرث عن ف. ر. ليفز فكرة " الهرب " (فيخبرنا إن هاملت تراجعي هارب وما يجد هاملت استجابة في نفوسنا إلا لأننا انهزاميون أيضاً) وورث عنه عجزه عن أن يتذوق تماماً أدباء مثل ييتس وجيمس، وأضاف إلى هذا الذي ورثه قصوراً من ذاته، وبخاصة إحجامه عن أن يسير بأي نقطة من البحث إلى نهايتها البعيدة لئلا تشوه كلية العمل نفسه. ومع كل هذا فإنه في خير أحواله - أي حين يتمخض التحليل الاجتماعي الأصيل عن دراسة نصية مسهبة لإحساس شعري معين، كما في مقاله عن
(2/109)

جورج هربرت - ينتج نقداً لا ينزل عن مستوى أجمل ما لدينا من نقد، إلا قليلا.
وتستمد جماعة مجلة Scrutiny أخيراً من رتشاردز كما تستمد من اليوت، وهي مدينة على طول الدرب كثيراً لإمبسون. فقد تابع ف. ر. ليف أنواع الغموض بإصرار، واعترف بفضل إمبسون واقترح أن كتابه " يجب أن يقابل باحترام "، وفي ختامه كتاب " اتجاهات جديدة في الشعر الإنكليزي "، وجد أن قصائد إمبسون " الفذة " وقصائد رونالد بوترال هي " الاتجاهات الجديدة " الوحيدة التي تستحق البحث منذ اليوت وبوند. وقد أفاد نايتس أيضاً من إمبسون وبخاصة في كتابه هربرت وتصيد أنواع الغموض (يفضل أن يتجافى عن هذه اللفظة، ويستعمل بدلها " التراكيب الجانحة " أو " تذكر شيئين في وقت معاً ") وأفاد، على وجه العموم، كثيراً من طريقه إمبسون في القراءة. وفي الوقت نفسه تراه قد نقد طريقة إمبسون بشدة من زاويته الجشطالتية زاعما إن إمبسون يحصل على معانيه الغزيرة بالتركيز على جزء من القصيدة واعتبار إمكانات ذلك الجزء بمعزل عما عداها، ناسياً أن القصيدة كل قد ألغيت فيه بالضرورة اكثر تلك الإمكانات. وهذه تهمة رصينة قوية من وجه ولكنها تبدو، على الجملة، استعمالاً لمبدأ " العضوانية " للحد من المعاني، لا لتظهر التنظيم والروابط المتبادلة ذات العمق العظيم والتركيب في المعنى. (قد وجه ليفز هذه التهمة نفسها ضد كل من إمبسون ورتشاردز في " التعليم والجامعة " Education The University) .
ونشأت في الوقت نفسه مدرسة نقدية معاصرة، تجعل مذهبها الرئيسي رفض القراءة بتاتاً، وكان البيان الناطق باسم هذه الجماعة هو " العقل الأدبي " 1931 لماكس إيستمان، فقد هاجم فيه كل الأدب بأنه " كلام لا ضابط له " (" الآراء الغامضة القلقة المتناقضة في هذه الآداب
(2/110)

الإنسانية ") . وتبجح معتزاً بأنه اخفق كقارئ (تهاتف قائلا: انفق جويس اشهراً على استخراج أسماء خمسمائة نهر في جزء Anna Livia Plurablelle من كتاب " يقظة فينيغان " أما ماكس ايستمان فلم يستطع أن يجد إلا ثلاثة انهر ونصف ". وقد وضح الكتاب، بعامة، أن مشكلة ايستمان الوحيدة هي مقته للشعر، وعجزه أو إباؤه من أن يقرأه بذكاء، وانه رفع هذه المشكلة إلى مستوى طريقة نقدية. وهناك كتب أخرى تنهج هذا المنهاج، منها بإنجلترة كتاب " الإحساس والشعر " Sense Poetry لجون سبارو وكتاب " تدهور المثال الرومانتيكي وسقوطه " The Decline and Fall of the Romantic Ideal للوكاس (ف. ل.) وكلاهما يشققان فنوناً من القول معناها ان الشعر الذي لا يفهمه كل من سبارو ولوكاس لا يمكن أن يعني شيئاً في الحقيقة. ومنها بأميركة " القارئ لنفسه " تأليف مارك فان دورن وهو بيان يدعو إلى القراءة سطحياً، جهد المستطاع، فهو بهذا يمثل " القارئ لنفسه " وكتاب ج. دونالد آدمز " شكل الكتب التي ستظهر " وهو انتصار كامل للعجز النقدي حتى إنه يجعل ماكس أيستمان يبدو أديباً إذا قارناه به. غير إن هذه الجماعة تكاد لا تستحق هذا الحديث.
وشعر إمبسون هو أحد العوامل التي تؤثر في نقده وقد نشر منه " قصائد " Poems 1935 " والعاصفة المحتشدة " 1940، وهو شعر رصين هام، حتى ولو لم يقدره المرء تقدير رتشاردز له، كما إنه شبيه بنقده: ساخر وكثيراً ما يكون عريض الفكاهة متعلقاً بالشكل، وهو ميتافيزيقي بكل معاني الكلمة، من معنى " جذر " كما يستعمله رتشاردز إلى المضمونات العامة التي تدل علها لفظة " Quirky " [أي المراوغة والتهرب والتلاعب] . وهو ذو ارتباط بنقده لأنه يستعمل شكلا نوعياً كالأشعار الريفية التي سبقت الإشارة إليها، ولأنه يعتمد في مبناه على
(2/111)

البيت الواحد، ولأنه يتلمس التورية وأنواع الغموض. وليس هذا كله فحسب بل هو وثيق الصلة بنقده، خاصة في تلك الملاحظة النثرية التي يكمله بها، قائلا في " تعليقة على التعليقات " في " العاصفة المحتشدة ": " كثير من الناس (مثلي) يفضلون قراءة الشعر ممزوجاً بالنثر فلذلك ما يعينك على المضي ذلك لأن الرسوم الشعرية قد تجافت عن الحياة العادية، فإذا كان لديك جسر من النثر فإنه يجعل الوصول إلى قراءة الشعر أمراً طبيعياً ". وهذه التعليقات نقد إمبسوني زاخر، وتفسيرات للقصائد من ناحية، وتوسيع في مداها من ناحية أخرى، وتجيء مساوية لها من ناحية ثالثة. ويتحدث إمبسون بتواضع عن " قلة كفاءته في الكتابة " ويبين أن في القصائد " نوعاً من متعة الألغاز " وإن الملاحظات نغمة " كالأجوبة على لغز الكلمات المتقاطعة " ولكنه في الحقيقة ينسب لشعره من الغموض أكثر مما فيه. وبخاصة المجلد الثاني الذي يضم عدداً من القصائد السياسية في موضوعات صينية وترجمات يبدو إنها من اليابانية، ومعرضة ساخرة لاودن جائرة، وقصائد بعناوين مثل " انطباعات من أنيتا لوس " فكل هذا الجزء تقريباً ليس في الصعوبة مثل كثير من الشعر الحديث، دونه في الجودة.
وهناك تهمة غريبة توجه أحياناً إلى إمبسون وعلينا أن نواجهها حين نحاول كلمة إجمالية عن فضله في النقد، وتلك هي إنه انطباعي في نقده أي إنه يستجيب للقصيدة بكتابة قصيدة جديدة عنها، ليس لها بالقصيدة الأولى من علاقة إلا علاقة الدافع الذي هو استجابة. والمظهر المضحك في هذه التهمة هو إن إمبسون في كتابه " بعض صور من الأدب الرعوي " يقتبس قول ناقد مراجع، كتب عن مؤلفه السابق وأتهمه حينئذ بالموضوعية، أي " بمعالجة القصائد على إنها ظواهر طبيعية لا أمور يحكم عليها العقل " بينما يتهمه كلينث بروكس في دراسته لنقده
(2/112)

بأنه " ذاتي "، مؤكداً أن " نظام التصنيف لأنواع الغموض سيكولوجي، لأن الأنواع تزحل عن مواضعها كلما غيرنا القارئ أو كلما تحسن القارئ نفسه، فإنها لا تصف خصائص ثابتة في القصيدة (أي في القصيدة التي يقرأها القارئ المثالي قراءة " صحيحة ") " ومن الواضح إن التهمة التي يوجهها المراجع الأول المجهول، صحيحة من حيث إمبسون يعالج قصائد حقاً على إنها ظواهر طبيعية، لها وجودها المستقل عن حكم العقل (أي إنه مادي فلسفي) واتهام بروكس له أيضاً صحيح فإن المعايير التي يستعملها إمبسون نسبية ذاتية من حيث إنه يعالج القصيدة من زاويتين، زاوية امرئ يكتب وآخر يقرأ، أي يصنع ما يصنعه الناس الواقعيون في هذا العالم، لا تجريدات بروكس الأفلاطونية اللامحدودة الهامدة التي يسميها " الخصائص الثابتة " " القراءة الصحيحة " و " القارئ المثالي " فإمبسون، بعبارة أخرى، موضوعي أو ظواهري في الفلسفة، ذاتي أو نسبي في النقد، يتخذ الإنسان مقياساً في كلا الحالين. وهذا لا يجعله انطباعياً إلا من حيث إن المادية لا تقبل مبدأ لينين في الحقيقة الموضوعية المطلقة، وإن القصيدة عنده هي ما يمكن أن يحصل عليه، وليس هو انطباعياً لأنه يريد أن يهرب من وجه القصيدة ويأوي إلى شخصيته الشاعرة، وذلك المعنى للنقد الانطباعي الشكلي الذي يمارسه أناتول فرانس وجول ليميتر.
وهذا يؤدي بنا مباشرة إلى المشكلة الأساسية حول طريقة إمبسون: أي عامل معوق يحول بينها وبين التفرع إلى ما لا نهاية حتى تصبح كل ثقافة المرء، بالتالي تفسيراً لسطر أو كلمة؟ إن إمبسون أحياناً ذو ميل إلى أن يبعد في تقديره، ويعثر على أنواع من الغموض في كل مكان، وأن يوسع تعريف " رعوي " حتى يصبح كل أثر فني " رعوياً " وأن يكوم المعاني حتى تكاد تحطم صلب القصيدة. فإين يضع الحدود وعلى أي
(2/113)

أساس؟ يقترح بروكس، بلباقة، أن يكون المعيار ما يسميه كولردج " الذوق السليم " وهذا ما يفسره ويدافع عنه رتشاردز في فصل بهذا الاسم من كتابه " رأي كولردج في الخيال "، ويقول:
كلمة " الذوق السليم " ذات صوت مشئوم أحياناً إذ يظن إنها لفظة السر في النقد. إنها راية ينضوي تحتها كل نوع من البلادة ويقاتل من أجلها كل نوع من التحيز. حتى كولردج الذي يكون غالباً أسوة في الذوق السليم في النقد، ليس بعاجز، في بعض الساعات القليلة، عن ان يستعمل ألوانها ليتقدم باعتراضات واعتذارات مؤسسة على قراءة ذاهلة ليس فيها عناية ولا قدرة على الاستجابة ولا على الإمداد.
ومع هذا، يضيف رتشاردز، إنها المعيار الوحيد لدينا لتطبيق النظرية: " في أي نظرية لا يوجد مقياس فارق للخير، وعلينا ان نستعملها كما نستعمل المجهر لا كما نستعمل آلة الفرز أو المنخل. فإنها لا تستطيع ان تنوب عنا في الاختيار ولكنا لا نستطيع أن نختار دونها، وحياتنا بعينها اختيار ".
وعلى الجملة: كل طريقة أو فكرة نقدية بما في ذلك فكرتا إمبسون " الغموض " و " الرعوي " إنما هي امتداد للإنسان أي أداة لا غير، وعلى الإنسان أن يستعملها ويوجهها، وعلى حسب هذا المحك نجد الرجل الواقف من خلف مبدأي إمبسون، أي إمبسون نفسه رصيناً كأي ناقد آخر، وإذا استثنينا بعض الشذوذ. حكمنا أن استعماله لمبدأ خصب تر لامع إلى أقصى حد، وأنه في الوقت نفسه مغلوب النفس بالاهتمام العميق بالقصيدة نفسها و " بالذوق السليم " أساساً. ومن الصعب أن نتكهن بما سيعلمه من بعد، وان المرء ليرجو أن يكف عن تطبيق الإنجليزية الأساسية ولا يشغل كل وقته بها فأنها عامل معوق من نوع آخر أقل قيمة
(2/114)

بالنسبة له إذ أنها تتمخض عن تنظيم لقلة الإنتاج في النقد أكثر من ان تكون تنظيماً لإنتاج وافر غزير. ويرى بروكس أن كتاب " بعض صور من الأدب الرعوي " " يوحي ضمناً بان أثني عشر كتاباً على الأقل ستصدر بعده ". وليس من حقنا أن نتطلب أن تكون هذه الكتب المنتظرة احسن من كتابه الثاني، بمقدار ما تفوق الثاني على الأول، أو كما تفوق الأول على كثير مما نتسامح فنعده نقداً. ومع إقرارنا بأنه لا حق لنا في أن نتطلب ذلك، فلدينا من الأسباب ما يجعلنا نتوقع ذلك. إن الغموض المحير لدى إمبسون هو أن إنتاجه يصبح لدينا بالتدريج أقل غموضاً، ومن علائم النصر في طريقته النوعية انه يتجنب بتوفيق كل نوع نضعه نحن في طريقه.
(2/115)

الفصل العاشر
ايفور ارمسترونغ رتشاردز
والنقد بالتفسير
لا يكاد المرء يقترب من ايفور آرمترونغ رتشاردز إلا وهو يحس برهبة عظمى، فان اطلاعه في كل مجال من مجالات المعرفة واسع مترامي الأطراف، وتميزه في ستة ميادين، بجانب ميدان النقد، فذ ساطع، والألمعية والحذاقة في كتبه الأولى - على الأقل - رائعة، حتى ان دراسة سريعة له في بضعة آلاف من الكلمات لمحتوم عليها أن تكون سطحية مضحكة، وأن " معنى المعنى " وحده بما فيه من مشكلات الخدع " الصوتية " و " والثنوية " (1) ؛ وان ما يحويه من
__________
(1) يعني المؤلفان بهذه الخدع العناصر التي تجعل المعاني في الكلمات غير محدودة كتعدد الإيحاءات الصوتية للكلمة الواحدة، أما الخدع العناصرية فهي التي تحملها المصطلحات العامة مثل الفضيلة، الحرية، الديمقراطية، السلم، المجد. وأما النوع الثالث فهو المصطلح الذي يحمل دلالتين معاً مثل " معرفة " فإنها تشير إلى ما هو معروف كما قد تشير إلى عملية التعرف به " وجمال " قد تعني خصائص الشيء الجميل كما تعني التأثيرات العاطفية الناجمة عن تلك الخصائص انظر " معنى المعنى " 1330 134.
(2/116)

" مثيرات " و " متخلفات " و " متطفلات " و " متبديات " (1) لابد وأن يصرف المعلق الارتجالي عنه. غير إنه من المستحيل أن يعالج النقد الحديث دون التحدث عن رتشاردز لأنه هو قالقه، بالمعنى الحرفي. فإن ما نسميه نقداً حديثاً بدأ عام 1924 عندما نشر كتاب " مبادئ النقد الأدبي " حيث يقول رتشاردز عن التجارب الجمالية:
سأجهد الجهد كله لأدل على أنها جد مشبهة لكثير من التجارب الأخرى وأنها تختلف، في المقام الاول، بالعلاقات القائمة بين محتوياتها، وأنها ليست إلا تطوراً للتجارب العادية وأنها من ثم تصبح أدق منها وارهف تنظيما، إلا أنها ليست بحال تجارب جديدة مغايرة للتجارب العادية. وحين ننظر إلى صورة، أو نقرأ قصيدة، أو نصغي إلى الموسيقى، لا نفعل شيئاً مبايناً تماماً لما نفعله ونحن ذاهبون إلى بهو التصاوير، أو لما فعلناه حين لبسنا ملابسنا صباحاً؛ نعم أن الطريقة التي تأدت بها التجربة إلى أنفسنا مختلفة، كما أن التجربة نفسها أكثر تعقيداً، وإذا وفقنا فيها فأنها تكون أكثر وحدة، غير أن فعاليتنا ليست في أساسها من نوع مخالف أبداً.
وإذ يخصص الكلام في الشعر، تجده يقول:
ليس لعالم الشعر، بأي معنى، واقع مخالف لسائر ما في العالم، وليست له قوانينه الخاصة، ولا خصائص مستمدة
__________
(1) كل هذه المصطلحات تشير إلى أنواع من الكلمات:
فالمثيرات هي الكلمات التي تثير عواطف محيرة والمتخلفات لكثرة الإشارات المترابطة، والمتطفلات هي الكلمات التي يطلقها المتكلم حول موضوع لم يسيطر عليه تماماً، والمتبديات كلمات تشبه الرطانة أو الأصوات الفارغة في حقيقة دلالاتها (انظر معنى المعنى ص: 136 وما بعدها) .
(2/117)

من دنيا أخرى غير هذه، فانه مصنوع من تجارب هي من نفس أنواع التجارب التي تتأدى إلينا بطرق أخرى. وكل قصيدة، على وجه التحديد، قطعة محدودة من التجربة، قطعة يدركها الوهن، بشدة أو بخفة، إذا تطفلت عليها عناصر غريبة، لأنها منظمة تنظيماً أعلى وأشد إرهافاً من التجارب العادية التي تتأدى إلينا من الشوارع أو البطاح، فهي تجربة هشة ناعمة ولكنها اكثر التجارب قبولا للنقل والإيصال.
وبهذين المصطلحين اعني " التجربة " و " النقل الإيصال "، تحول رتشاردز بالنقد الادبي، وبهما كتب تعريفه المشهور للقصيدة في كتابه، وهو التعريف الوحيد الذي يبقى متماسكاً إذا أنت سمته تطبيقاً، فيما أعلم (1) .
هذه هي الطريقة الوحيدة العملية، في الحقيقة، لتعريف قصيدة، وأن بدت غريبة معقدة: وذلك أن نقول أن القصيدة مجموعة من التجارب التي لا تختلف في أي من خصائصها إلا بمقدار معلوم، يتفاوت تبعاً لكل من هذه الخصائص، عن تجربة معينة نتخذها معياراً لسائر التجارب. وقد نجد هذا المعيار في تجربة الشاعر عندما يأخذ بتأمل ما أكمل خلقه وأبدعه.
وقد كرس رتشاردز كل إنتاجه للكشف عن كيفية توصيل هذه التجارب للقارئ، أي أنه على التحديد خصص جهده للكشف عما يحصل عليه القارئ، أي لتوضيح العلاقة بين الجمهور والقصيدة لا العلاقة بين الشاعر والقصيدة. وقد سمى هذا الميدان ذات يوم " تفسير الدلالات " وأخيراً سماه " ريطوريقا " واليوم عاد إلى تسميته " تفسيراً ". وكل
__________
(1) انظر كتاب مبادئ النقد الأدبي: 226 - 227 ويقر رتشاردز هنا بأن هناك صعوبات أيضاً مثل ذلك أن لا يكون الشاعر نفسه راضياً عما أبدعه.
(2/118)

كتاب من كتبه قد جال مجاله في ميدان من ميادين دراسة التفسير باستمرار ثابت باهر، وتتخلل كتبه غاية مزدوجة هي تفهمنا كيف تتم عملية النقل الفني، وكيف نجعلها تتم على وجه احسن.
وأول كتب رتشاردز هو " أسس علم الجمال " The Foundation of Aesthetics وقد نشره عام 1922 بالاشتراك مع اوغدن العالم النفسي، وجيمس دود وهو حجة في الفنون. ويستعرض المؤلفون في ما يقل عن مائة صفحة كل ما ورد في النظريات الجمالية بحثاً عن طبيعة " الجمال " وبعد أن يتأملوا كل التعريفات الرئيسية يطلعون بتعريفهم الخاص الذي يقول: إن الجمال تجربة أو حال في الجمهور وانه ليس " شيئاً " غامضاًً كاملا في العمل الفني نفسه كان يقدم للناس فكرة أصبحت مدار اهتمامه في كل مؤلفاته. وحين تتبع هذه الفكرة من طريق المقارنات للحدود الكثيرة والتحليلات للمصطلحات، كان يتقدم بما اتخذه منهجه الرئيسي من بعد.
وفي السنة التالية نشر رتشاردز وأوغدن مؤلفهما العظيم " معنى المعنى " وكما تتبعا في " أسس علم الجمال " فكرة " الجمال " خلال التعريفات الكثيرة تتبعا في " معنى المعنى " فكرة " المعنى " نفسها، وكانا يحاولان ان يقيما شيئاً شبيهاً بالنظرية عن طبيعة الرموز وتفسيرها وعلماً لطريقة الإيصال اللغوي يمكن تطبيقه من بعد على الفن. وكانت أداتهما الكبرى في هذا العمل هي السيكولوجيا الانتقالية مستمدين من كل مدرسة نفسية حديثة تقريباً. أما " التقنية " الكبرى التي استغلاها فهي التعريفات الكثيرة ثم انتهيا إلى ما سمياه علم الرمزية التي اصبح سواهما يسميها من بعد: السمانتيات الحديثة. وقد طور المؤلفان مصطلحاً لبحث الرموز وطريقة تفسيرها مستعملين اصطلاحي " راموزات " و " مرموزات " وبحثا العلاقة بين العمليات الفكرية والتفسير، وحددا قوانين التفكير، وكشفا عن طبيعة
(2/119)

" الحد " و " المعنى " واختبرا مدى نجاح هذه الطريقة في الأفكار الجمالية عن الجمال (معيدين شيئاً مما قالاه من قبل) وفي أمثلة من الأفكار الفلسفية، وأخيراً سلطا كل ذلك على الشعر. وقد استدعى هذا العمل التفرقة بين المعنى " الرمزي " للعلم (أو ما كان يسمى من قبل نثراً) وبين المعنى " الباعثي " أو " الإثاري " للشعر (وهذا امتداد لما سماه مل " الدال " و " الضمني ") .
لقد اتخذ أوغدن ورتشاردز من " معنى المعنى " قنطرة للفكر في أي مجال، وجعلا كل كتبهما من بعده وكأنها ملاحق عليه أو توسعات له، ووضحا في مقدمات الطبعات التالية من هذا الكتاب معقد العلاقة بينه وبين كتبهما الأخرى. أما كتاب رتشاردز " مبادئ النقد الأدبي " (1924) فانه " يحاول أن يتخذ نفس الأساس النقدي الذي حاول أن يقيمه في " معنى المعنى " أساساً في قدرة اللغة على الإثارة " وأما " العلم والشعر " (1926) Science and Poetry فأنه يبحث " مكانة الأدب ومستقبله في حضارتنا " (أي انه يحقق إيجاد العلاقة بين الوظائف الرمزية والاثارية للغة) ويجيء " النقد التطبيق " (1929) " تطبيقاً تعليمياً للفصل العاشر " وهو الفصل الذي يبحث في المواقف الرمزية بما في ذلك العجز عن التفسير ومواطن الاضطراب فيه. ويعالج كتاب " آراء منشيوس في العقل " (1932) " الصعوبات التي تعثر بها المترجم ويكشف عن وسائل التعريف المتعدد " وهذا ما يوضحه كتاب " القواعد الأساسية في التفكير " (1933) . أما كتاب " رأي كولردج في الخيال " (1935) فانه " يقدم تقديراً جديداً لنظرية كولردج في ضوء تقييم مناسب للغة الاثارية " ويستطيع القارئ على هذا النحو ان يضع كتب رتشاردز في مواضعها فيرى في " فلسفة البلاغة " The Philosophy of Rhetoric ما يوضح " سوء الفهم وطرق علاجه " وهذا شيء يحققه أيضاً كتاب " الأساسي في التعليم بين
(2/120)

الشرق والغرب ". Basic in Teaching: East and Weat (1935) ويحقق كذلك كتابه " الأمم والسلام " Nations and Peace (1947) ولكن في مجال آخر. أما " التفسير في التعليم " (1938) فأنه " كالنقد التطبيقي " " تطبيق تعليمي للفصل العاشر " يجري في هذه المرة " كالنقد التطبيقي " " تطبيق تعليمي للفصل العاشر " يجري في هذه المرة على النثر. ويكشف كل من " كيف نقرأ صفحة " وطبعة رتشاردز من " جمهورية أفلاطون " (كلاهما نشر سنة 1942) عن التعريف المتعدد في اللغة الأساسية بمعالجة نص من أفلاطون، وهلم جراً.
وتترتب كتب أوغدن على هذا النحو نفسه فيقدم لنا كتاب " معنى السيكولوجيا " (1926) الذي أعيد طبعه سنة 1929 بعنوان " أبجدية السيكولوجيا " " مقدمة عامة للمشاكل السيكولوجية في دراسة اللغة " وأما " الإنجليزية الأساسية " (1930) فانه " تلمس للمبادئ العامة في الدلالات ولأثرها في قضية إيجاد لغة علمية عالمية، ومجهود تحليلي لاكتشاف قواعد للغة يمكن بها ضبط الترجمة من نظام رمزي إلى نظام رمزي آخر " كما أن طبعة اوغدن لكتاب " نظرية بنثام عن أنواع الأدب التخيلي " Bentham " s Theory of Fictions (1932) " قد ركز فيها الانتباه على مساهمة مهملة في هذا الموضوع " (أي موضوع الدلالات وتفسيرها) وهذا هو الموضوع الذي عالجه أيضاً في " جرمي بنثام " Jeremy Bentham (أيضاً) . وما كتاب " مقاومة " Opposition (1932) إلا " تحليل لمظهر من مظاهر التعريف، ذي أهمية خاصة في التبسيط اللغوي " وعلى هذا النحو، فيما أعتقد، يمكن أن نعتبر كتب أوغدن المبكرة كشوفاً ابتدائية لهذه المشكلة أما تلك الكتب فهي: (أ) " مشكلة مذهب الاستمرار " The Problem of The Continuation School (1914) كتبه بالاشتراك مع ر. هـ. بست (ب) " بين خصب الإنتاج والحضارة " Fecudity Versus Civilization (1916) بالاشتراك مع أدلين مور
(2/121)

(ج) " انسجام الألوان " Colour Harmony (1926) بالاشتراك مع جيمس وود.
وفي الوقت نفسه لم تقف كتب رتشاردز عند توضيح مظاهر من نظرية تفسير الدلالات بل إنها أدت خدمات جلى فيما يتعلق بالبحث الأدبي على وجه الحديد؛ فأول كتاب ألفه مستقلا وهو " مبادئ النقد الأدبي " أوجد النقد الأدبي الحديث كما تقدم القول، وما يزال بعد عقدين من الزمان نصاً نقدياً هاماً مستمر التأثير. ولما تحدث عنه دافيد ديشز في كتابه " الكتب التي غيرت عقولنا " Books That Changed Our Minds وصفه بأنه طليعة الكتب في تطبيق علم النفس على الشكل، واسبغ عليه كنث بيرك حمده وإطراءه لهذا السبب نفسه، وهو يعتبر بعامة أهم كتاب ألفه رتشاردز وأكثر كتبه تعلقاً بالأصول من حيث ما حواه من مصطلح نظري وفلسفي (أما بحسب مفهوماتنا في هذا البحث فأنه يتضاءل إزاء " النقد التطبيق ") . وقد حاول رتشاردز في هذا الكتاب، بالإضافة إلى أنه عرف الشعر تجريبياً ونص على قابليته للبحث من أساسه، أن يجعل من النقد " علماً تطبيقياً " ذا وظيفة مزدوجة هي: تحليل كل من التجارب التفسيرية والتقييمية وفي الوقت نفسه اضطلع بمهمة تجاوز فيها حد العلم، تلك هي إنشاء معايير تقيمية، مصرحاً أن " من ينصب نفسه ناقداً فكأنما ينصب نفسه حكماً على القيم " محدداً خصائص الناقد " الجيد " في ثلاث:
أن يكون حاذقاً جرب حالة الفكر المرتبطة بالعمل الفني أثناء حكمه دون ان تشط به نزواته الذاتية. ثانياً لابد له من ان يكون قادراً على تمييز تجربة من أخرى من حيث مظاهرها الأقل سطحية. ثالثاً لابد من أن يكون حكماً رصيناً على القيم.
(2/122)

كل هذه المعايير تشير نحو موضوعية علمية، ولكنها أيضاً تشير، بنفس القوة، إلى خصائص ذاتية خالصة، أي إلى تلك الثقة الذاتية الغريبة التي ندعوها " الذوق ". ولما شاء رتشاردز أن يجلو خصائصه الذاتية، كما يوضح طريقته الموضوعية، ارفق بكتابه ملحقاً درس فيه بإيجاز عدداً من قصائد اليوت. وهذا الملحق وان كان سطحياً، فأنه مع ذلك ثاقب دقيق مشمول بسعة الاطلاع (مثلا يستخرج فيه رتشاردز إشارات من قصيدة بيربانك وبلايشتاين أكثر مما استطاع النقاد أن يلحظوه فيها بعد عقدين من الزمان) . ومع ذلك فان في كتاب " مبادئ النقد الأدبي " عدداً من العيوب. فمن أقيم الأشياء في الكتاب - مثلا - تأكيده أن (الدوافع لا يمكن تلقيها إلا أن كانت تخدم حاجة عضوانية " (وهذا عندما يطبق على الأدب معناه أن الأديب لا يشير إلى شيء ولا يقتبس شيئاً إلا أن يكون ذلك معبراً عنه) . غير أن رتشاردز يتقدم لتحطيم مبدأه هذا بحماقة، مقرراً أن النقد القائم على التحليل النفسي لا يستطيع ان يدرك ميزة قصيدة " قبلاي خان " لأن " باعثها الحقيقي " هو " الفردوس المفقود " وقراءات أخرى ثقفها كولردج - وهذا مثال من فرض يتخذ برهاناً، وهو في حاجة إلى إثبات، غير أن مثله ليس كثيراً عند رتشاردز. وفي الوقت نفسه يسيء رتشاردز قراءة قصيدة أخرى لكوردج وهي " الملاح القديم " واجداً أن " خلقيتها " " أمر دخيل "، مع إنها لب شعائر التكفير في القصيدة (1) . وأخيراً فان اللوحة المدهشة التي تشير إلى الجهاز العصبي على الصفحة 116 وتصور الطريق التي يمارس بها العقل الصور في بيت من الشعر تخلق آثاراً مضحكة مباينة تماماً لأهداف
__________
(1) يشير هنا إلى الموضوع قصيدة " الملاح القديم " وكيف أن الربان قتل طائراً كان يتبع السفينة فهدأت الريح، وحل النحس، وكان " التكفير " فيها هو شعور الربان نفسه بشبح الذنب يلاحقه أنى اتجه، ثم موت البحارة واحداً بعد آخر.
(2/123)

رتشاردز وفيها جور على جديته عامة وكان من الخير لو أسقطها.
أما كتاب رتشاردز التالي " العلم والشعر " فانه مجموعة من سبع مقالات قصيرة وهو استمرار للبحث في هذه المشكلات جميعاً وفيه يطور رتشاردز فكرة " السؤال الكاذب " و " التقرير الكاذب " من اجل البوح الباعثي في الشعر. ويقدم فكرة اقرب إلى أن تكون طفولية وهي " وسائل الهرب " المهيأة للشاعر أي طرق " التملص من المصاعب " وهي الفكرة التي أمعن النقد الماركسي في استغلالها دون ملل. ويستمر رتشاردز في الوقت نفسه في بحوثه المحددة عن الشعر مخصصاً الفصل الأخير لنقد هادي ودي لأمير وييتس ولورنس، وهذه البحوث - كما جرت العادة - مرهفة مشمولة بسعة الإدراك رغم ما فيها من تهوين كثير لشأن ييتس، الأمر الذي اعتذر عنه رتشاردز بحاشية في الطيعة الثانية سنة 1935. (وألغى أيضاً قوله السابق بان اليوت " قد فصل كلياً بين شعره وكل المعتقدات " وأضاف ملحقاً وضح فيه ما يعنيه بكلمة معتقدات) .
وكان الهدف من كتاب " النقد التطبيقي " أن يكون " كشافا " إلى " مبادئ النقد الأدبي " ليظهر نقائص التفسير التي حاول كتاب المبادئ أن يصححها. وسنتحدث عنه بإسهاب فيما يلي:
ثم كان الكاتبان النقديان التاليان " آراء منشيوس في العقل " و " رأي كولردج في الخيال " تطويراً وتوسيعاً لمشكلات معينة. فأما الأول وعنوانه الفرعي " تجارب في التعريف المتعدد " فانه يكشف عن آراء منشيوس السيكاوجية وعن طرق المعنى عند الصينيين، وعن اللغة الصينية ومشكلة الترجمة منها إلى الإنجليزية، جاعلا من هذه كلها سلسلة من المشكلات المترابطة في التفسير المكثر. ويبدأ رتشاردز كتابه على الصفحة الأولى باثنتي عشرة قراءة متناوبة لسطرين من منشيوس، ثم يتقدم للكشف عن طبيعة القراءات المكثرة وعن خصائص اللغة الصينية بعامة مميزاً
(2/124)

ما كان منها نتيجة للثقافة، ويختبر نظرياته على عبارة لهربرت ريد ثم ينتهي إلى منطوق في التعرف المتعدد، ويوضحه بجداول مصنفة في القراءات المكثرة للأمور الآتية: " الجمال " و " المعرفة " و " الصدق " و " النظام ".
أما في كتاب " رأي كولردج في الخيال " فانه يحاول كشفا آخر في التعريف المتعدد وذلك بالغوص هذه المرة في معاني كلمة " خيال " المنتزعة من فكرة كولردج، ويحدد هدفه بأنه غربلة لتأملات كولردج واستخلاص فرضيات يمكن الاستفادة منها، وانه يرجو أن " يطور هذه الفرضيات إلى وسائل متضافرة في البحث يحق لها أن تدعي علما " وان طريقته بعامة هي التحليل والتجريب لا التقييم (وذلك ما أصبح لديه " إقناعا " أو " شعيرة " من شعائر المشاركة) . أما الخصيصة المميزة لنقد القرن العشرين كما يراها رتشاردز في الكتاب فهي العجز عن القراءة. فالعودة إلى كولردج في هذا الأمر، على الأقل، شيء يستحق الترحيب. وفي الوقت نفسه يمضي في الكشف عن مصادر الخطأ في القراءة بردها إلى الإرجاع المخزونة وإلى حسبان الملفوظات الاثارية ملفوظات رمزية وهكذا، غير انه تخلى عن اصطلاحات انحدت دلالتها المعنوية ضمنا إلى ما هو أسوأ مثل " التقرير الكاذب ".
كان " رأي كولردج " خامس خمسة من كتب رتشاردز النقدية العظيمة وآخرها استحقاقاً لصفة العظمة لان ما بعده وهو " فلسفة البلاغة " المنشور عام 1936 مخيب للآمال كثيراً، إذ ليس هو غلا سلسلة من المحاضرات ألقيت بكلية برنمور على طريقة من التبسيط والتقريب. فقد أصبح رتشاردز يسمي ميدانه " بلاغة " أي " دراسة سوء الفهم وطرق علاجه " او " كيف تؤدي الكلمات عملها " ويقترح في هذا الكتاب نظرية في النسبية اللفظية لو انه دفع بها خطوة أخرى لجعل كل النقد مستحيلا ثم ينقض على نفسه كل دراساته السيكولوجية الأولى المتعلقة بالأجهزة
(2/125)

العصبية. وأكبر إسهام في الكتاب، عن لم يكن الإسهام الوحيد فيه، هو البحث في المجاز وهو تحليل شامل يطور اصطلاحين جديدين هما " المحمول " و " الحامل ". والكتاب في مجمله هو الدلالة العامة الأولى على تحول اهتمام رتشاردز من النقل في مناسيبه العليا الممكنة، أي في نقد الشعر، إلى النقل في مناسبيه الجماهيرية الدنيا، أي في الإنجليزية الأساسية. (صدر هذا الكتاب بعد كتابين في سلسلة Psyche - Miniatures عن الإنجليزية الأساسية) .
وبعد سنتين صدر " التفسير في التعليم " فكان شاهداً على أن الإنجليزية الأساسية لم تستطع أن تسلب رتشاردز كل اهتمامه النقدية، ولكنها كانت الهبة الأخيرة التي نشأت عن دروسه في النقد التطبيقي بكمبردج واتخذها ملحقاً لكتابه السابق. وتقول مقدمة رتشاردز ان الكتاب تطوير أكمل لكتاب " فلسفة البلاغة " من حيث أنه يحاول أن ينعش ويصقل الثالوث القديم: ثالوث البلاغة والنحو والمنطق؛ وكثير من هذا الكتاب مكتوب بالنغمة اللاعقلانية الجديدة: " علينا أن نتقبل الحقائق الأساسية دون أن نتطلب لها توضيحاً ". أما الثالثوث فيجب أن نعتبره " فنونا لا علوماً " وأما القراءة فأنها مليئة " بأمور لا يمكن قياسها ولا تقنينها " ومهما يكن من شيء فأن الكتاب ما يزال يجري على الأصول السابقة مع إلحاح مستمر على " التجريب " وقد حصل رتشاردز على معلوماته لهذا الكتاب باستعمال الطريقة التجريبية " العرفية " في أحد الفصول، وهي الطريقة التي أجراها في " النقد التطبيقي "؛ غلا أنه في هذه المرة كان يجري التطبيق على النثر التفسيري؛ وهو يلحظ تصليحات وتحسينات في الطريقة استوحاها تجريبياً، ويتحدث عن بعض المضامين والإمكانات والأخطار الكبرى في الطريقة، ومما لم يكن لديه المعلومات عنه ليتحدث عنه في كتبه السابقة. ثم أن رتشاردز يدرك لأول مرة انه إن شاء أن يعالج جوانب
(2/126)

الضعف في التفسير معالجة كاملة فعليه ان ينحرف نحو دراسة " علم الخصائص " فينفق في ذلك فصلا مقدراً قدر الفروق الإنسانية الحقة التي تنجم عن أسباب اجتماعية مضفياً تلك الخصائص الإنسانية على قرائه الذين كانوا من قبل وليدي الفروض العارضة أو المتوهمة.
أما الضعف الوحيد الكبير في الكتاب فهو إيمانه الجديد في التعليم أيمانا يشبه الاعتقاد في الإكسير، وأن التعليم خير طريقة لحل المشكلات الكبرى، وتبدو اقتراحاته في الكتاب غير متناسبة كالاقتراح الأدلري الذي سخر منه كريستوفر كودول دون شفقة (اقترح لتصفية المشكلات العالمية إنشاء كرسي للبيداغوجيا العلاجية "، وبعد ان تحدث رتشاردز عن عجز عام في القراءة والتفسير يسود مجتمعنا قال: " حبذا لو أن الصحف خصصت بعض انهرها - وجعلتها تحت إشراف خاص - لرسائل تردها في هذا الموضوع من المدرسين وشجعت في أعمدة أخبارها على دراستها دراسة نقدية ".
وفي أثناء ذلك كان اهتمامه بالإنجليزية الأساسية يتزايد خلال العقد الرابع من هذا القرن؛ غير أن فكرة الإنجليزية الأساسية أقدم من ذلك إذ ألمع إليها كل من أوغدن ورتشاردز نتيجة لبحوثهما في " معنى المعنى " حين اكتشفا أن هنالك كلمات سياسية معينة تتردد في تعريفاتهما، الفنية بعد الفنية، وتحقق لديهما أن عدداً قليلا من الكلمات الأساسية قد يكفي للتعبير عن أي فكرة. وقد عمل اوغدن عشر سنوات في تطوير هذه الفكرة. وفي سنة 1929 نشر أول جريدة أساسية من الكلمات في سلسلة Psyche وتلا ذلك كتب أخرى تحدد اللغة ووسائلها. وفي سنة 1933 كتب رتشاردز: " القواعد الأساسية في التفكير " بالإنجليزية الأساسية، ليبين قدرة اللغة على أن توضح مسالة معقدة، وهي المنطق في هذا المقام.
ثم نشر في سنة 1935 كتيباً اكثر طموحاً هو " الأساسي في التعليم
(2/127)

بين الشرق والغرب " وصرح فيه بأن هناك أزمة ثقافية معاصرة وعجز عاماً في النقل الفني وضمنه تجربة رتشاردز نفسه لهذا العجز بشكله المتطرف في الصين ثم خصص سائر الكتاب لمناقشة استعمال الإنجليزية الأساسية علاجاً للغة ودفاعاً عنها ضد من يهاجمونها. وخير ما يمكن قوله في هذا الكتاب هو أن المشكلة التي يضعها رتشاردز، اعني ما يشبه أن يكون تدهوراً في حضارتنا، ليست كالمكلة التي يحلها، اعني كيف نحسن القراءة في المدارس. ومنذ عام 1938 وقف كل مؤلفاته على الإنجليزية الاساسية، في المقام الأول، وعمل في أميركة منذ 1939 حيث الحاجة إلى ذلك أمس. ثم نشر سنة 1942 طبعة موجزة من " جمهورية أفلاطون " باللغة الأساسية وجعل " كيف نقرا صفحة " تعليقات على حواشيها. أما هذا الكتاب الثاني وهو في ظاهره عمل نقدي، فانه في الحقيقة يعتمد الإنجليزية الأساسية حلا للمشكلة التعليمية كما أن كتابة " مائة كلمة عظيمة " رد على مشروع " مائة كتاب عظيم " الذي تضطلع به شركة مورتمر أدلر وسكوت بوخانان. أما من حيث الأسلوب فانه يعتمد التبسيط شأنه في ذلك شأن " فلسفة البلاغة " غير أنه يحرص على أن يكون غامضاً بشكل مرهق، وذلك لأن رتشاردز يستعمل فيه سبعة أنواع من علامات الاقتباس على الكلمات؛ وقد وضع مشكلات التعريف المتعدد أو الترجمة في اللغة الأساسية موحيا بجعلها الترياق الشافي مثلما فعل في كتابيه " القواعد الأساسية في التفكير " و " الأساسي في التعليم " وفي النهاية أي عندما تحول الكتاب إلى فلسفة أفلاطونية مبسطة، أنهاه رتشاردز برجاء أخير من اجل التعليم واللغة الأساسية والفكر ونشر في سنة 1943 كتابا اقل طموحا وأكثر " دغرية " في التبشير بمذهبه، وذلك هو كتاب " الإنكليزية الأساسية وفوائدها " ومنذ عندئذ، مضى في حملته فنشر " كتاب الجيب في الإنجليزية الأساسية " ويتألف كله من رموز تعليمية
(2/128)

منظورة ثم نر مقدمة لكتاب " ذخيرة الجيب " لروجيه. ولما نشر سنة 1947 كتابه " الأمم والسلام " كان قد بلغ نوعا من الاوج وكل هذا الكتاب تقريباً بالإنجليزية الأساسية (فيه 365 كلمة مأخوذة من جريدة الكلمات الأساسية و 25 مما سواها) موضح بالصور البسيطة، وهو دعوة إلى استئصال الحرب بطريقتين: الحكومة العالمية والإنجليزية الأساسية متضافرتين.
وقد كتب رتشاردز بضع مقالات لكنها كانت دائماً تتجه اتجاه كتبه، أما مقاله عن قصيدة هوبكنز " العقاب " الذي نشره في Dial أيلول (سبتمبر) 1926 والذي وصفه ف. ر. ليفز بأنه " أول نقد نابه كتب عن هوبكنز " فانه استمرار لبحثه في النصوص الشعرية المعينة في كتابه " العلم والشعر "، وفي هذا المقال وصف هوبكنز بأنه " اغمض ناظمي الشعر في الإنجليزي " وحلل القصيدة بشيء من الإسهاب مع إشارة إلى قصائد غنائية أخرى اصعب منها، من شعر هوبكنز نفسه، ليوضح طريقته التي يطبقها لتفسير الشعر الغامض المعقد خاصة. وفي كانون الأول (ديسمبر) 1927 نشر بمجلة Forum مقالا عنوانه " كيف نفهم فورستر " وهو بحث في نصوص نثرية سلط فيه رتشاردز تحليله على العلاقة المعقدة بين نظرات فورستر وموضوعاته وإقبال الناس عليه، وبين وسائله القصصية. أما مقال " خمسة عشر بيتاً من لاندور " بمجلة كريتريون، نيسان (أبريل) 1933 فأنه تجربة أخرى في النقد التطبيقي إلا أنه يوجه المشكلة نحو نقائص التعليم وبذلك يكون جسراً يصل بين كتاب " النقد التطبيقي " وكتاب " التفسير في التعليم ".
وأما " تفاعل الألفاظ " فأنه محاضرة ألقيت في برنستون عام 1941 ونشرت في " لغة الشعر " الذي نشره ألان تيت سنة 1942، وهو آخر مقال، فيما اعلم، تناول فيه رتشاردز نقد الشعر على وجه الخصوص
(2/129)

وهو في الدرجة الأولى قراءة مقارنة مسهبة لمرثاة كتبها دريدن وأخرى كتبها دن فأظهرت عوار الأولى، وقد كشف رتشاردز عن كل سحره القديم، وهو يستعرض، باسهاب، مواطن الضعف في قصيدة دريدين بمقارنتها بما في قصيدة دن من خدع وإبهام، ولا يقلل من هذا السحر أن كان استنتاجه الأخير أن علينا جميعاً ان نكون " ارسطوطاليسيين افلاطونيين ". وابتعد عن نصوص الشعر في رسالتين حديثتين نشرتا بمجلة بارتزان: أولاهما (في عدد تموز - آب 1943) تعليق على الجدل الذي ثار حول " الهبوط العصبي "، والثانية (صيف 1944) عن مقال لاليوت في الثقافة؛ أما الأولى فتترجح، بعون من مجاز قسري موسع، بين دين غيبي وعلم طبيعي، وأما الثانية فأنها إسهام في أمور التعليم، وتقول إن التعليم " محاولة إدراك النظام الخلقي والفكري " وهو بهذا يهيئ لنا الخلاص الأبدي.
بعد استعراض هذا الإنتاج المحير الذي استمر ربع قرن من الزمان قد يكون من الممتع ان نتساءل ما هي حرفة رتشاردز أو ما هو ميدانه؟ لقد نصب نفسه في " أسس علم الجمال " جماليا، وفي " معنى المعنى " فيلسوفاً للمعرفة و " عالماً في الرموز " أو " سمانيتاً " - وهما الاصطلاحان اللذان يستعملهما بالتناوب؛ وكان في كل ما كتبه نفسانياً، يسمي نفسه " حيادياً " فيستمد بحماسة ودون تحيز من السيكلوجيا الفيزيولوجية والعصبية والسلوكية وسيكلوجية بافلوف في الإرجاع المنضبطة ومن التحليل النفسي ومذهب الجشطالت، ويهتدم ويتلقف من كل عالم سيكولوجي آخر ذي نظرية أو تجربة، كما يعتمد ملاحظه التجريبية الخاصة. وفي السنوات الأخيرة هاجم السيكولوجيا التربوية (وربما السيكولوجيا عامة) بأنها " رطانة " وأنها " مرض الغرام بالتجريد " وإذا اتخذنا " كيف نقرأ صفحة " شاهداً، وجدنا انه ربما كان مستعداً ليعيد سيكولوجيته - كفرع
(2/130)

من الفروع - إلى جذع الفلسفة المحطم، حيث انتزعها وليم جيمس في الأصل. زد إلى هذا أن رتشاردز كان دائماً معلماً وشيئاً من عالم بالصينيات ومنطقياً وذا نظريات تربوية ولغوياً، وكان منذ عقد مضى اعظم ناقد محترف، واهم من يطبق النقد عملياً، ولعله أول شخص، بعد بيكون، يتخذ كل المعرفة مجالا، ويجعل ميدانه كل العقل الإنساني.
2
- أن ما حققه " النقد التطبيقي " في منحاه لبالغ القيمة حتى انه تكاد لا تبطل العمل به أية نقائص تنشأ من بعد، فقد كان فاتحة نقد موضوعي وأول محاولة منظمة لإيقاف نسج النظريات حول ما يتلقاه الناس أو ما يجدونه حين يقرأون قصيدة ما. ولم تكن غايته النهائية شيئاً أدنى من التحسين العام للقراءة، وبالتالي التحسين العام للتذوق الأدبي. يقول رتشاردز (1) :
قد يبدو محض مبالغة أن يقال أن الغاية الأولى والوحيدة في كل المحاولات النقدية، أي في كل التفسير والاستساغة والنصح والمدح والقدح، هي التحسين في النقل والإيصال لكن الأمر كذلك عملياً. إذ الحقيقة أن الجهاز الكلي في القواعد والمبادئ النقدية إنما هو وسلية لبلوغ نقل اجمل وأدق وأحكم؛ نعم أن للنقد جانباً تقيمياً، فبعد أن نحل تماماً مشكلة النقل، وعندما نصل تماماً إلى التجربة، أي إلى الحال العقلية المرتبطة بالقصيدة، يتبقى علينا أن نحكم عليها، أي أن نقرر قيمتها، ولكن المسالة تسوى نفسها دائماً على وجه التقريب، أو قل
__________
(1) راجع كتاب " النقد التطبيقي ": 11.
(2/131)

أن طبيعتنا الداخلية وطبيعة العالم الذي نعيش فيه هي التي تقرر لنا ذلك، وأذن تكون محاولتنا الكبرى هي ان نصل الحالة العقلية المرتبطة بالقصيدة ثم نرصد ما يحدث:
أما الأهداف المحدودة في الكتاب كما يصوغها رتشاردز في الفقرة الأولى من مقدمته فإنها ثلاثة:
أولا أن يقدم نوعاً جديداً من الاستدلال لأولئك المهتمين بحال الثقافة المعاصرة سواء أكانوا نقاداً أو فلاسفة أو معلمين أو سيكولوجيين أو أي رجال يحدوهم إلى ذلك حب الاستطلاع. ثانياً: أن يهيئ وسيلة جديدة لأولئك الذين يرغبون في أن يكشفوا لانفسهم عما يفكرون فيه وما يحسون به نحو الشعر (والأمور المشابهة) ولم يحبونه أو يكرهونه. ثالثاً: أن يعد الطريق لمناهج تربوية اكفأ من التي نستعملها لتطوير الأحكام والقدرة على فهم ما نسمع ونقرأ.
أما الغرض الأول ففيه طبعاً مشمولات واسعة الذيوع حول الشعر والنقد وأما عن الهدف الثاني فقد قال رتشاردز (1) :
أن هدفي الثاني أشد طموحاً ويحتاج مزيداً من تفسير فهو يمثل جزءا من محاولة عامة لتعديل طرقنا في أشكال معينة من البحث، فهناك موضوعات يمكن البحث فيها بمصطلح من الحقائق الثابتة والفروض الدقيقة، ومن أمثلة هذا النوع: الرياضيات والطبيعيات والعلوم الوصفية. وهناك موضوعات أخرى يمكن معالجتها بالقواعد المجربة وبالعرف المألوف عامة: كالأشياء الحسية في التجارة والقانون والتنظيم وأعمال الشرطة.
__________
(1) كتاب " النقد التطبيقي " صك 5 وما بعدها.
(2/132)

وبين هؤلاء وهؤلاء يقع " قدر " هائل " من المشكلات والفروض والرموز والأخيلة والميول والمعتقدات، وهنا مجال الآراء العارضة والتخمينات المتفائلة؛ هنا باختصار يقع كل عالم الرأي المجرد والنزاع حول مسائل الشعور. وينضوي في هذا العالم كل شيء يهتم به الإنسان المتحضر، أكثر اهتمام؛ ولا أريد ان اخطر بالذهن إلا فلسفة الأخلاق والميتافيزيقا والآداب والدين وعلم الجمال والجدل الذي يدور حول الحرية والقومية والعدالة والحب والحق والايمان، وان نعرف كيف نوضح هذه الأمور ونبسطها. ويقف الشعر في هذا العالم، كمادة للبحث، " دخيلا " مرموقاً يتركز حوله الاهتمام، وهو كذلك بطبيعته وبأنموذج البحث الذي جرى العرف على ربطه به. ومن ثم فانه صالح بوجه بارز، كي يكون " طعماً " لكل من شاء أن يتصيد الآراء الراهنة والاستجابات في هذا الميدان المتوسط، من أجل فحصها ومقارنتها، ومن أجل دفع معرفتنا قدماً فيما يسمى التاريخ الطبيعي للآراء والمشاعر الإنسانية.
أن الذي كان يستشرفه رتشاردز، بعبارة أخرى، ليس شيئاً اقل من توسيع منطقة العلم، بما فيها من معلومات موضوعية جمعت تجريبياً، حتى يتخلل ميدان الشعر، وما يضارعه من مناطق الجدل. وقد كان رتشاردز يرجو " بحمل هذه الناحية العلمية إلى مجال أيدلوجية مقارنة " ان يقترح وسائل بداغوجية محسنة تساعد على تحقيق هدفه الثالث. زد إلى هذا أن رتشاردز وجد أن عمله ينطوي على مشمولات تتجه وجهة رابعة، اعني تطوير نقد يتناول ما يجد قبولا في النفوس، وقد أشار إلى هذا بسخرية، بالرغم مما فيه أساساً، من مشتملات جادة، حين
(2/133)

كتب يقول: " وعرضاً أقول أن هناك ضوءاً غريباً يلقي على منابع ارتياح النفوس لتلقي الشعر. والحق أني لست بارئاً من خشية أن تكون مجهوداتي ذات عون للشعراء الشباب (وغيرهم) حين يشاءون أن يزيدوا في مقدار ما يبيعونه من مؤلفاتهم. فأن وضع قواعد " لهذا القبول العام " يبدو شيئاً ممكناً تحقيقه ".
أما ما حققه رتشاردز نفسه مما كان يستشرفه فشيء بسيط واه في ذاته. ففي خلال حقبة من الزمان طبع قصائد، اغفل ذكر ناظميها، وحاول بعض المحاولة أن يخفي العصور التي قبلت فيها، وذلك بكتابتها حسب التهجئة الحديثة، عن تلامذته في كمبردج، وقد تسلسلت القصائد من شيكسبير حتى إلا ويلر ويلكوكس، ووزعت في مجموعات رباعية مختلطة، وطلب إلى الطلاب، وأكثرهم جامعيون يقرأون الإنجليزية لنيل درجة الشرف، أن يقراوا القصائد في أوقات الفراغ بعناية عدد ما يشاؤون من مرات، وأن يعلقوا عليها. وقد عرف رتشاردز القراءة الواحدة بأنها أي عدد من النظر والتصفح في جلسة واحدة، وطلب إلى الطلاب أن يسجلوا عدد القراءات مع تعليقاتهم، وبما أن بعض الطلاب قراوا اثنتي عشرة مرة أو اكثر، ولا تكاد تجد واحداً قرا قصيدة اقل من أربع مرات، فانه من الواضح أن القصائد قرئت كثيراً وبإمعان. وعند نهاية أسبوع جمع رتشاردز تعليقاتهم التي يسميها " بروتوكولات " أو مسودات، وتحدث عنها القصائد في حجرة الدراسة " ولم يكن إرجاع المسودات إجبارياً، ولذلك يمكن أن يقال عن ال 60./. الذين فعلوا ذلك إنما كانت تحدوهم رغبة حقيقة " (1) ، وقد اتخذت الحيطة لابقاء القصائد مجهولة النسبة، وحذر رتشاردز في ملاحظاته من أن
__________
(1) ذلك ما قاله رتشاردز نفسه في مقدمته، انظر ص5 من الكتاب المذكور.
(2/134)

يحاول التأثير في المجموعة لصالح القصيدة أو ضدها أو أن يلمح بشيء إلا أن القصائد أميل إلى أن تكون خليطاً.
ويمثل " النقد التطبيقي " وعنوانه الفرعي " دراسة في الحكم الأدبي " شيئاً من هذه المادة بعد أن فرزت ونظمت. أما القسم الأول من الكتاب فانه تمهيدي، يفسر التجربة ويتحدث عن مشكلاتها المتعددة والثاني وهو الأطول يقدم نماذج من المسودات لثلاث عشرة قصيدة، ومعها القصائد، ولكل قصيدة فصل خاص مقسم حسب الاستجابة التي نجمت عن المسودات. ويتألف الرابع من خلاصة وإرشادات تحبيذية، وأربعة فهارس أضيفت: أحدها ملاحظ إضافية والثاني يجمع جدولاً للقبول النسبي الذي لاقته القصائد، والثالث يذكر أسماء أصحابها (حتى أن القارئ الذي كان يختبر نفسه على هذا النحو نفسه، يجد السر في النهاية منكشفاً) والرابع تترتب فيه القصائد على الطريقة التي قدمت بها في الأصل للطلبة. أما القصائد الثلاث عشرة المدروسة فإنها تتراوح بين عدد يمكن ان تعتبر " طيباً " مثل " السوناتة السابعة المقدسة " لدن (هبي على أركان الارضين المتخيلة) وقصيدة هوبكنز " الربيع والخريف: إلى طفل صغير " وبين قصائد لفيليب جيمس بيلي وج. د. بليو وولفرد رولاند تشايلد ورجل يسمى " وودباين ولي ".
وطريقة رتشاردز في كتابه هي أن يطبع القصيدة ثم يطبع أنواع الاستجابة لها ثم يشتق الأحكام العامة. وتجيء قراءاته اللامعة للقصائد خلال الإيحاءات وبطريقة عارضة. ولإيجاد تمييز أساسي في " مسودات " القراء يستعمل كلمة " تقرير " للملفوظات التي تكمن أهميتها فيما تعكسه من العمليات العقلية عند الأدباء. ويؤكد رتشاردز للقارئ أن المسودات التي يعرضها لم تجر فيها يد التلاعب حتى عن التهجئة والترقيم تركا دون تغيير حيث بدا ذلك
(2/135)

هاماً (عن الخط كما يقول رتشاردز له أهميته ولكنه لا يملك طريقة لعرضه) وانه ليس ضمن التعليقات والتفسيرات التي ينقلها شيء مختلق (شك قد يثور حقاً نظراً لأن بعض التعليقات تكاد لا تحظى بالتصديق) . وهو يؤكد أنه اختار مادة المسودات بموضوعية وإنصاف، ما أمكنه ذلك، إلا أنه هون بعض الشيء من نسبة المادة التي لا تستند إلى رأي.
ومهما يكن من شيء، فان ما تكشفه المسودات، لعله أن يكون أكبر صورة مروعة، وثقت بالشواهد العديدة، وقدمت أبداً لتصور القراءة العامة للشعر. ولعل أكبر شيء مخيف حصل عليه رتشاردز هو الشهادة على أن تلامذته (وربما أنطبق هذا على كل القراء والشعراء إلا قلة ممتازة منهم) يعتمدون إطلاقاً على ما يوحي به اسم الأديب وعلى إحساسهم بموضع ذلك الاسم في سجل الخالدين، ويتخذونه عكازاً لاحكامهم وقد كادوا في كل حالة أن يكونوا عاجزين عن الحدس بالمؤلف دون ان يعرفوا باسمه، وإذا حزروا اخطاوا التخمين ثم مضوا في تقييم ذاتي مؤسس على ذلك التخمين الخاطئ. وقد ظهر إنهم جميعاً يعكسون كل الأحكام المقبولة في مجال القيم الشعرية بآرائهم المخلصة مع أنهم لا يعرفون اسم صاحب القصيدة.. وخوفاً من أن تصبح هذه الحقيقة محطاً للتهوين من شأن الأحكام المقبولة فأن بلاهة ملاحظهم وعجزهم الصريح عن أن يقرأوا أو يلحظوا أبسط الحقائق المادية وأشدها وضوحاً تبينان أن الخطأ هو خطأهم.
ويلخص رتشاردز الصعوبات الكبرى التي تكشف عنها المسودات، ولعل خير طريقة تؤدي معنى لمادته أن ننثر تلخيصه هذا ثم أن نعرض بعض المسودات النموذجية التي تظهر بعض الأخطاء. وقد وجد الصعوبات الكبرى عشراً:
أ - العجز عن فهم المعنى الواضح للشعر أو تفسير معناه
(2/136)

النثري القابل للحل.
ب - الصعوبات في الفهم الحسي للشكل.
ج - الصعوبات المتصلة بالصور المنظورة.
د - أمور غير متناسبة في الذاكرة وخاصة ذكريات ذاتية أو خواطر مرتبطة على نحو خاطئ.
هـ - إرجاع مخزونة استدعتها القصيدة وحركتها.
و العاطفية (أو الضعف العاطفي) .
ز - الكبت، وهو معكوس العنصر السابق.
ح - اللياذ بالمبادئ.
ط - الفروض " المسبقة " ذات الصبغة الفنية.
ي - الأفكار " المسبقة " العامة النقدية.
ولنعرض أولا بضع نماذج من المسودات والشذرات عن سوناتة دن، فلعلها ابرز قصيدة في كل هذه " الطبخة "، فيسميها أحد القراء مقطوعة عاجزاً عن أي يتبين إنها سوناتة، ويرى ثان، مأخوذاً برجع مخزون نحو مادتها، أن لها وزن الترانيم ويقول فيها:
لقم من الالفاظ، لا تجد أي قبول. ترنيمة جيدة - في الحقيقة، وهذا ما يدل عليه وزنها.
روحها الدينية مرهقة لامرئ لا يؤمن بالتوبة على هذا النحو. وثمة قارئ لم يستطع أن يصنع فيها شيئاً:
أعترف تواً بأنني لا أستطيع أن اعرف عم يدور كل هذا الصخب فإن القصيدة محيرة تماماً، وما فيها من ضمائر عديدة وأحوال، تبهم الفكرة إن كانت فيها فكرة محدودة.
ويرى قارئ آخر أن في " أركان الأرضين المتخيلة " " إيهاماً جميلاً ". ويكتب آخر مدافعاً:
(2/137)

من الصعب على المرء أن يشرك الشاعر نزعته، إذ مع أن إخلاصه أمر واضح، فان وسائله الفنية رديئة، غير أن الأبيات على الرغم من ذلك تعبر عن إيمان بسيط في نفس رجل ساذج جداً. وينساق تلميذ في قطعة من ترجمة ذاتية فيقول:
بعد أن أخفقت في أن أكتب سوناتة اصبح لدي إعجاب شاذ بمن يكتبون هذا اللون من الشعر، ولو لم يكن الأمر كذلك لحسبتني في النهاية أقول إن هذه السوناتة رديئة.
ويقول آخر " القوافي غير مستوية "، وآخر يقول: " إنها تبطئ وتتعثر عندما تقترب من نهاياتها ". وثالث يقول: " أحسست أن الكاتب قد صوب سهمه نحو هدف عال فقصر دون بلوغه ". ويعلق شخص متحمس لتقطيع الأوزان بقوله:
تبدو لي القصيدة سوناتة متعفنة مكتوبة على البحر الأيامبي الخماسي، المناسب لمزاج الشاعر؛ ولم أستطيع أن أجد التفاعيل الخمس المعتادة في كل بيت على رغم من إلحاحي ودقي للطاولة بأصابعي، فان التفعيلات كثيراً ما تكون غير أيامبية، وفي البيت الواحد أحياناً أربعة مقاطع منبورة، وأحياناً ستة، أما في التركيب فأن القصيدة تشبه أن تكون قرزمة طالب في أول عهده بالشعر، وأسوأ ما فيها الأبيات 5 و 6و 7. أما الفكرة فتبدو وجيهة حقاً.
ويناقض قارئ آخر هذا الرأي بقوله: " أنا لا آبه بالمعنى فأني تكفيني موسيقي القصيدة ". وينقدها أحد الطلبة بقوله: " ليس فيها صور ". وينفيها طالب إطلاقاً بقوله: " إن أول نقطة في هذه السوناتة وهي فيما تبدو أوضح فيها، إنها كان من الممكن أن تكتب نثراً ويكون تأثيرها مساوياً للشعر أن لم يزد عليه ".
(2/138)

وقد أصابت قصيدة دن 30 مسودة مشايعة لها و42 مضادة و 28 ليس فيها آراء. وللمقارنة ننظر في القصيدة التي أحرزت اكثر عدد من المشايعين (54) وأقل عدد من المنكرين (31) (أما الخمسة عشر الباقية فإنها عارية عن الآراء) وهي قصيدة " الهيكل " لبليو (1) من مجموعة: " Parentalia and Other Poems " ومطلعها:
بين الأشجار السامقة الخاشعة
سأخر على ركبتي
فلن أجد هذا اليوم
مكاناً كهذا ملائماً للتعبد
وتستمر القصيدة في خمس مقطوعات على هذه الشاكلة. وقد اغفل بعض القراء القصيدة وتعلقو بالجدل الديني، وهذا مثال على ذلك:
" لا أحب أن اسمع الناس يتمجدون بتعبدهم؛ لقد كان ألفرد دي فيني يرى ان الصلاة جبن، ومع أني لا أتطرف تطرفه فأني اعتقد ان من الجفاء أن نحشر التواجد الديني في حلق هذا العصر الشكي وهو لا يسيغه ".
وأبان ناقد آخر عن مثل جميل من الأمور غير المتناسبة في الذاكرة، فقال: " حين قرأت البيت الثالث عنت على بالي صورة حيوية، صورة اللاعب وقد انفرد بالكرة، من خط دفاع واه، ثم مضى قدماً نحو الخط لا يثنيه شيء) .
وقد أحب اكثر القراء هذه القصيدة، وهذه تعليقات نموذجية تقدم بعض الأسباب المميزة التي حكمت لها بالأفضلية:
1 - أن الأفكار الكامنة في هذه الأبيات لتشارف الكمال فالتعبير عن العاطفة حاد لذ كالعواطف نفسها؟ وأرى إنها تعبر عن أفكاري.
__________
(1) هي القصيدة السابعة حسب ترتيب رتشاردز، أنظر ص 92 من كتاب " النقد التطبيقي ".
(2/139)

2 - أظن إنها قصيدة جميلة جداً في الحقيقة، فأنا أحب الوزن، وأحب جو كل شيء هنالك، وهي تعطينا صورة فخمة للغابة، وللمشاعر المتدينة التي تشربها الشاعر حين رأى ما يصوره؛ إنها نقل جميل لشعور جميل.
3 - أن الإيقاع ليبدو مناسباً لتدرج الفكرة تماماً.
4 - جو من السلام والخشوع العميق، ينقل القارئ إلى عالم آخر، أنقى وانصع من هذا العالم.
5 - لقد نجح الشاعر في جعل رغبته في العبادة مشاعاً بين الناس؟ إنها لقصيدة لطيفة.
6 - إنها لواسطة العقد بين القصائد الأربع، فهي تخلق لنا جواً مهيباً هادئاً خاشعاً من غابة الصنوبر، فنتذكر كم ثارت فينا أفكار مشابهة بعثتها رؤية الهدوء الخاشع في الأشجار، حين نقف أمامها مأخوذين بعظمتها مشدوهين بابهتها، وهي قصيدة هادئة، جميلة بما في موسيقاها من رخامة وعذوبة.
إن الشيء المرعب حقيقة في " النقد التطبيقي " يتجلى لنا حين ندرك أن كتاب المسودات ليسوا قارئين نموذجيين للشعر ولكنهم بخاصة قراء ممتازون فمنهم أساتذة مرجوون للغد، وأدباء، بل شعراء يقرأون تحت ظروف تكاد تكون مثالية (مع الإقرار ببعض نواحي القصور إذ ليس لديهم مرجع يعتمدونه ولا نبراس يشع عليهم من إنتاج كامل، ولا لديهم أي تلميح عما يسميه رتشاردز " اصل " القصيدة) . ويقول رتشاردز مبدياً اسفه:
من مقارنات استطعت أن أجريها بين هذه المسودات ومسودات أخرى حصلت عليها من نماذج أخرى من القراء، أرى انه ليس ثمة ما يدعو للظن بان مقياساً عالياً من الفراسة النقدية قد يكون من
(2/140)

السهل إيجاده في ظل ظروفنا الثقافية الراهنة. لا ريب أننا لو استطعنا جمع الجمعية الملكية للأدب أو الأكاديمية من أجل تجارب كهذه فقد نتوقع انسجاماً أكثر في التعليقات، أو على الأقل في الأسلوب، ومحاكمة اكثر حذراً فيما يتصل بأخطار الاختبار، أما في الأمور الأساسية، فقد تحدث مفاجآت لم نكن نتوقعها. ويقول في الخلاصة عند نهاية الكتاب حاكياً عن كتاب المسودات:
هؤلاء هم ثمرة أكثر أنواع التعليم كلفاً ونفقة، باستثناء القليل منهم، واحب أن أقول مرة أخرى، مؤكداً، أنه ليس ثمة ما يدعو إلى الظن بان هناك أية مجموعة مشابهة لهم، في أي مكان في العالم، تستطيع أن تظهر مقدرة أعلى من مقدرتهم في قراءة الشعر. أن أبناء الجامعات الأخرى وبناتها الذين قد يظنون غير ذلك، مدعوون للقيام بمثل هذه الشواهد التجريبية التي يجمعونها تحت ظروف مشابهة، إلا أن المدرس المجرب أي مدرس تحاشى من أن يحول كل تلميذ لديه إلى حاك يردد آراءه. ولنسأل بصراحة: كم واحداً فينا مقتنع بأنه قد كان ينتج ما هو احسن مما أنتجوه، تحت تلك الظروف نفسها؟ ونقر بان تجربة رتشاردز في " النقد التطبيقي " كانت تحسساً أولا نحو وسائل المختبر وأنها غير متكاملة ومن السهل تسليط النقد عليها، وهو نفسه قد لحظ في الكتاب نفسه عدداً من الأمور أغفلها وكان يمكنه غلا يفعل ذلك: ومنها مشروعات مثل أن يدرس تنوع الأحكام عند القراء (أو ما يسميه " علم الخصائص ") وأن يتتبع الارتباطات بين قبول نوع من القصائد والصد عن نوع آخر. وهو يلحظ أن بعض التنوع قد
(2/141)

يكون ناشئاً عن التعب ويرى أن أسبوعاً واحداً قد لا يكفي لقراءة أربع قصائد قصيرة " مع أن هذا الرأي قد يبدو سخيفاً عند السادة المتصدرين في دنيا المناهج التعليمية، الذين يظنون أن كل الأدب الإنجليزي يمكن أن يطالع بإمعان، مع الفائدة المحققة، في عالم واحد! ". ويقترح رتشاردز في (التفسير في التعليم " توسعات أخرى لهذه الطريقة تشمل مواجهات لكتاب المسودات، ودراسة ما يسطبونه في مسوداتهم لكي نصل إلى عمليات التفكير عندهم، وهلم جراً. ويحضر في الذهن عدد من الإمكانات الأخرى لتصحيح الطريقة وتوسيعها فمنها في باب " علم الخصائص "، تبيان الروابط التي تربط القارئ بمدى محصوله الثقافي وتعليمه الأول، وبتجربة له سابقة في قراءة الشعر، وبطول المسودة، وبالمزايا الشخصية العامة؛ وفي باب التجريب العلمي: بالتدريجات العددية وبالمقارنة بين مسودات هؤلاء القراء ومسودات قراء اخبروا بأسماء الشعراء، وهنالك كتابتها من أجل الحصول على نتائج مختلفة أو أن نكتبها حسب تهجئة قديمة أو حسب تهجئة حديثة إلى غير ذلك من إمكانات تجريبية لا حصر لها. وأخيراً كان من الممكن الحصول على نتائج مخالفة لو أننا طلبنا إلى الطلاب أن يكتبوا فقط عن قصائد يحبونها.
ولعل اخطر تقص في الكتاب نقيصة أدركها رتشاردز وحاول أن يدافع عنها وهي الضحالة السيكولوجية، كتب يقول:
أنا تواق لان أواجه الاعتراض الذي قد يتقدم به بعض السيكولوجيين، أو خيرهم - حيثما وقع - وهو أن المسودات ليست تعطينا شهادة وافية بحيث نتمكن من أن نستخلص دوافع الكتاب وان البحث كله من ثم سطحي. إلا أن أولية كل بحث لابد من أن تكون سطحية، وإيجاد شيء صالح للبحث
(2/142)

بعد أن كان بعيداً والتوصل غليه من الصعوبات الكبرى في علم النفس. وأنا اعتقد أن الحسنة الكبرى لهذه التجربة هي أنها تحقق هذا الأمر. ولو إنني شئت أن اسبر أعماق اللاشعور عند هؤلاء الكتاب حيث أنا مؤمن بأنني أستطيع أن أجد الدوافع الحقيقية لما يحبونه ويكرهونه، إذن لخططت شيئاً يشبه أن يكون فرعاً من الوسائل التي تستعمل في علم التحليل النفسي لتحقيق هذا الغرض. ولكن كان من الواضح أن تقدماً قليلا قد يحقق لو إننا تعمقنا كثيراً ومهما يكن من شيء فحتى هذا الاختبار على حالة هذه قد أثار مادة غريبة كافية.
وحتى حين نسلم بعدالة هذا التفسير الذي يقوله رتشاردز نرى انه من المؤسف أن التعمق لم يكن ممكناً بحال لأنه كان خليقاً أن يبدد التفاؤل السهل، من اقتراحاته التي وضعها في سبيل إصلاح التعليم.
والشيء الوحيد الذي قد يسمح لقارئ هذا الكتاب بان يحتفظ برشده وببعض الأمل في مستقبل الشعر هو النغمة المرافقة الثابتة التي نتلمسها في قراءات رتشاردز الدقيقة اللامعة. وهو لا يواجهنا بهذه القراءات مباشرة ولكنه يجعلها بعامة، متضمنة، خلال الإشارة إلى تقريرات تجعل القارئ يحس عند النهاية بان مبنى الكتاب قائم على نوع من العملية الجدلية الحوارية. ورتشاردز على وعي تام بهذا المبنى الروائي لكتابه إذ يقول: " سأتقدم قصيدة اثر قصيدة، سامحاً للرأي المخالف الكامن عند اصطدام الآراء، وللذوق والاعتدال، بان توجه هذا العمل ". وفي حالات قليلة نجده يتقدم بنماذج من قراءاته ليوضح نقاطاً لم يستطع معالجتها كتاب المسودات، وتجيء قراءاته كوشائع النور خلال الضباب الكثيف. ومن الأمثلة النادرة تعليقه على بيت من إحدى القصائد:
(2/143)

" يا أنسجة فولاذية سخيفة [نسجتها] الشمس ":
" O، frail steel tissues of the Sun " إذ يقول:
Tissue - ولنبدأ بالاسم - كلمة ذات معنيين أولهما " ثوب من الفولاذ " قياساً على " ثوب من الذهب " أو " ثوب من الفضة " والصفة الفاترة المعدنية اللاعضوية في النسيج هي التي ربما كانت هامة. وثانيهما " رقيق ناعم شبيه بالشفاف " مثل الورق الرقيق.
Steel: مجاز من النوع الحسي، وهو النوع الثاني عند ارسطوطاليس أي عند الانتقال من الفصل إلى النوع، فالفولاذ نوع خاص من معدن قوي يستعمل للدلالة على أية مادة قوية تستطيع أن تمسك وتجمع أجسام السحائي الممتدة. أما الإيحاء المستمد من لون " الفولاذ " فانه مناسب للمقام.
Frail: ترديد يصور مبلغ رقة " النسيج " والشفافية وما يوشك ان يتمزق أيضاً لوهبه.
Of The Sun: توازي قولك " الذي نسجته دودة القز " أي نسيج من [لعاب] الشمس.
ان القيمة الهائلة في كتاب " النقد التطبيقي " لهي كلياً في المعلومات التي صورت لنا كيف يقرأ الشعر ناس تظن فيهم الكفاءة لذلك، ثم كيف يضع رتشاردز قراءاته الخاصة في وجه قراءاتهم بعد أن يوسعها ويعممها. وهو، من وجه أو آخر، يقر بقلة جدوى الاستحسانات في آخر كتابه، وقلة جدوى كل نوع من التقريظ والاستحسان. ويقترح الكتاب تحسيناً من خلال التعليم، أي بزيارة التجريب في الجامعة. ويجعل التفسير موضوعا يدرس، وبخلق " كرسي لصور الدلالات " شبيه بكرسي أدلر في " البيداغوجيا العلاجية ". ولكن المثل اللاتيني يقول: " من ذا
(2/144)

الذي يحمي الحماة؟ " - وأقول: من ذا الذي يعلم المعلمين. فان رتشاردز يدرك أن كتاب المسودات هؤلاء هم حتماً الذين سيعلمون الشعر في الجبل التالي، ومن غير المحتمل أن يتغيروا أساساً بهذا الاختبار، أو بالكتاب نفسه، أو بكل كتبه مجتمعة. أن الحياة لتثبت، باستمرار ووضوح، أن العجز العام لاختبار الآثار الفنية، بذكاء ونقد، يمتد فيشمل المحترفين في ميدانهم نفسه كما يشمل آخرين نفترض فيهم الكفاية.
أما في مسالة الاعتماد على سمعة الشاعر ودرجته في الحكم فان هنري بير في كتابه " الأدباء ونقادهم " يقدم لنا بعض القصص الممتعة، فيسرد قصة نموذجية عن حفلة موسيقية بباريس أقامها ليزت سنة 1837 وفيها ثلاثية لبيتهوفن وواحدة لبكسيس، وتبادل اسما الموسيقيين في البرنامج، سهواً فصفق الجمهور، وأكثره من المثقفين والعارفين بالموسيقى، تصفيقاً صاخباً لقطع بكسيس واستمع إلى قطعة بيتهوفن بقلة اكتراث، أو بما هو أسوأ من ذلك، وعلق ليزت على ذلك بقوله:
" عندما عزفت ثلاثية بيتهوفن في الموضع الذي كان مخصصا في الأصل لبكسيس، وجدت عارية من الإلهام عادية مملة، حتى ان كثيراً من المستمعين غادر القاعة معلنا أن جرأة المسيو بكسيس في تقديم موسيقاه غلة جمهور كان يستمع قبل لحظات إلى إحدى روائع بيتهوفن إنما هي وقاحة صرف ".
وأضاف ليزت يقول ان قطعة بكسيس لم تكن، فحسب، عادية. بل كانت تختلف في أسلوبها اختلافاً بيناً عن موسيقى بيتهوفن.
ومجمل القول أن كل ما يستطيع أن يفعله كتاب مثل " النقد التطبيقي " في طريق علاج الموقف الذي يعرضه هو انه يبرز موضع القراءة اللبيقة الدقيقة، في غابة متكاثفة من القصور وقلة الكفاية العامة. أما العزاء الأكبر فهو في أن هذه القراءة نتاج جهد الجماعة، لا الفرد، إلى حد ما، وإنها تشبه حقيقة ولدت من اجتماع عدة اخطاء، ونستطيع أن نفترض
(2/145)

بأن قراءات رتشاردز لا تجيء، فحسب من خلال هذه المسودات ولكنها أيضاً مستوحاة مسهبة موجهة بهذه المسودات نفسها، إلى حد ما، وأنها لا تفترق عن وسائله في مؤلفاته الأخرى من حيث أنها وليدة التكاثر والانتقاء. وواضح انه ليست هناك قراءة " صحيحة " لقصيدة. وغنما هناك قراءات جيدة وأخرى رديئة، وأن الجيدة تنشا من بين قراءات رديئة كثيرة. وهنا يتضح أن الفضل العظيم لكتاب " النقد التطبيقي "، ولكل مؤلفات رتشاردز بعامة، في النقد الأدبي الحديث، هو في الدرجة الأولى فضل في الطريقة وعلم المناهج أكثر منه في المبادئ أو في اقتراح الإصلاح. ذلك انه بإيجاده اقتراباً من الظروف التجريبية يحقق لأول مرة وصفاً موضوعياً لكيفية قراءة الشعر على الحقيقة، ويركز جهد النقد على ميدان قل خوضه فيه، اعني ميدان النقل أو التفسير الشعري أو علاقة القارئ بالقصيدة. وحين يوجد اقتراباً ما من الظروف الجماعية فأنه يحقق إيجاد وسيلة صالحة لتحسين القراءة وتحسين تلك العلاقة.
3
- لطالما عني النقد الأدبي، على شكل متقطع أو مستمد من الحدس، شأنه في ذلك شأن الوسائل الحديثة الأخرى، بدور القارئ أو الجمهور في عملية النقل الفني. فقد وضع كل من أفلاطون وأرسطوطاليس القواعد العامة، عن رد الفعل عند الجمهور، في مبدأيهما النفسيين الاجتماعيين المتعارضين، فقال الأول أن الفن مثير ضار للعواطف، وقال الثاني أنه عامل يساعد في تطهير العواطف؛ ولكن لم يحاول واحد منهما أن يدرس جمهوراً ورد الفعل عنده، نحو آثار فنية معينة. وقد طور لونجينوس بوضوح في كتابه " في الرائع " بالاستعمال اللغوي تلك التفرقة التي سماها مل من بعد " الدال " و " الضمني " حيث كتب لونجينوس (ترجمة
(2/146)

ريس روبرتس) يقول: " ثم أنك ولا بد على وعي بان الصورة تخدم غرضاً عند الخطباء، وغرضاً آخر عند الشعراء، وأن سبيل الصورة الشعرية أن تأسر، وسبيل الخطابية الوصف الحي ". وهذه تفرقة أساسية لكل دراسة تتناول التجربة الفنية عند الجمهور، ولكن لونجينوس وقف بها عند هذا الحد ولم يتجاوزه. نعم إنه يقترح من بعد في الكتاب نفسه عدداً من الوسائل التي تنتج تأثيراً في الجمهور؛ وحديثه بخاصة عن " الالتفات " في مخاطبة الجمهور نموذجي حقاً. وبعد أن يقتبس سطراً من هيرودوتس، يتحدث فيه عن أعمال البطل في ضمير المخاطب لا الغائب، يقول:
أتبصر، يا صديقي، كيف يقودك في الخيال خلال ذلك العالم ويجعلك ترى ما تسمع. وكل هذه الأحوال من الخطاب المباشر تضع السامع في قلب المشهد، وهكذا هو الحال حين يبدو انك تتحدث لا إلى الجماء الغفير، بل إلى فرد واحد.
" ولكنك يا تيديدس - ما كنت تعرفه، ذلك الذي قاتل البطل في سبيله " (الإلياذة 5: 85)
أنك ستجعل سامعك أكثر استثارة وتنبهاً، مفعماً بالمشاركة الحيوية، إذا أبقيته مستيقظاً بكلمات تخاطبه بها.
ولعل أول اعتراف رسمي بالحاجة إلى دراسة الجمهور دراسة نفسية إنما كانت في القرن الثامن عشر، وبلغت ذروتها في مقال إدمند بيرك " في الرائع والجميل "؛ يقول جون مورلي:
كان ذلك توسيعاً قوياً للمبدأ الذي وضحه أديسون، قبل زمن غير بعيد، في تردد واستحياء، وهو أن نقاد الفن يفتشون عن المبادئ الفنية في غير موضعها الصحيح، ما داموا يقصرون تفتيشهم على القصائد والصور والحفر والتماثيل والمباني
(2/147)

بدلا من أن ينظموا أولا العواطف والقابليات الإنسانية، التي يلوذ بها الفن. وكانت معالجة أديسون عابرة أدبية صرفاً، أما بيرك فانه عالج موضوعه بجسارة على أساس من السيكولوجيا العلمية التي كانت في متناوله حينئذ. وأن الاقتراب من هذا المبدأ من الناحية السيكولوجية معناه أحداث تقدم واضح فذ في طريقة البحث الذي أضطلع به.
أن بيرك حين أخذ يستقري الفن في مجال الجمهور كان يطبق عملياً نظرة نمت خلال القرن الثامن عشر وهي أن النقد يفيد إذا قلل الفروض وأكثر من المعلومات. ولقد كتب جونسون في " الجواب " يقول: " أن من مهمة النقد أن يقيم مبادئ، لكي ينقل الرأي إلى دائرة المعرفة ". وفي القرن التالي أضاف كولردج مظهراً علمياً آخر وهو " التجريب "، وكأنما كان في " السيرة الأدبية " يردد صدى جونسون (حين قال أن غاية النقد أن يقيم " مبادئ الكتابة ") . وقد لحظ كولردج نقطة أسهب رتشاردز من بعد في إبرازها في " النقد التطبيقي " وهي التباين الواسع وعدم الثبات أساساً في استجابة الجمهور للشعر (هي عند كولردج الاستجابة للأناشيد الغنائية Lyrical Ballads من نظم وردزورث) ، فكتب يقول:
أنا مغرى بأن اعتقد أن هذا التقرير لا يشذ كثيراً عن الصواب اعتماداً على الحقيقة الملحوظة التالية التي أستطيع أن أقررها حسب معرفتي وهي أن مثل هذا الحكم العام قد قال به أشخاص متباينون كل على قصيدة غير الأخرى. ومن بين هؤلاء الذين اغلي من تقدير صراحتهم وحكمهم أتذكر بوضوح ستة، عبرت اعتراضاتهم عن هذا المغزى نفسه، مقرين في الوقت نفسه أن كثيراً من القصائد قد منحهم متعة
(2/148)

عظيمة. ومن الطريف، وأن بدا غريباً حقاً، أن ما عده أحدهم ممقوتاً عده الآخر أبياته المفضلة. وأنا حقاً مقتنع بيني وبين نفسي إنه لو أمكن أن تطبق هذه التجربة على هذه المجلدات مثلما تم في القصة المشهورة عن الصورة، لكانت النتيجة مماثلة، وإذن لرؤيت الأجزاء التي نثرت عليها البقع السود أمس، بيضاء ناصعة في اليوم التالي.
وحين كان كولردج يضع القاعدة النظرية التي قد تتطور إلى التجريب الموضوعي على القارئ، أنتج دي كونسي عدداً من الدراسات المتميزة بقوة الاستبطان والاستبصار، عن رد الفعل عند القارئ، وخير أمثلتها المعروفة مقال له عنوانه " في قرع الباب في ما كبث " وهو ما سينمو من بعد ليكون أبحاثاً نفسية تحليلية في الميدان نفسه. وفي هذا المقال بدأ دي كونسي بمشكلة عدم التناسب الذي لا يجد له تفسيراً في الاستجابات التي كان يثيرها دق الباب في نفسه (وهي بالدقة نفس المشكلة التي ابتدأ منها آرنست جونز بحوثه في هاملت بعد قرن من الزمان) . يقول دي كونسي:
منذ أيام طفولتي أحست دائما بحيرة عظيمة إزاء إحدى النقاط في ما كبث، وهي أن قرع الذي يتلو مقتل دنكان يثير أثراً في مشاعري لا أستطيع الإفصاح عنه. وكانت النتيجة أن ألقى هذا على حادث القتل رهبة خاصة وعمقا في الخشوع. ومع ذلك فمهما حاولت بإصرار أن يحيط فهمي هذا الأمر، فإني لم أستطع أن أرى لم يحدث لدي مثل هذا الأثر.
وبعد أن يجري متتبعا البحث الاستبطاني، يخرج بجواب (أما القول بأنه ليس الجواب الصحيح وأن أجوبة أخرى مرضية قد وجدت منذ
(2/149)

عهدئذ فلا يقلل من رجاحة ما توصل إليه دي كونسي من طريق منهجه في البحث) .
وخلال القرن التاسع عشر تطور الموروث المنحدر عن كولردج إلى اختبارات تجريبية عامة في مجالات كانت تعد من قبل حرما مقدسا للظن والتخمين. ومن نماذج ذلك اختبار جالتون لتأثير الصلاة، وأن كان هذا مثلا مضحكا (لقد أشار إليه رتشاردز مراراً باستحسان) ، فقد قرر جالتون، وهو محق فيما قرره، أن الصلوات التي تقام من أجل حياة الحكام وأطفال القسس أكثر من التي تقام لغيرهم، وفحص الإحصاءات عن مدى أعمارهم (فوجد أنها قد تكون في متوسطها اقصر من غيرها، ولكن ذلك لا يؤيد الظن بأن الصلاة ضارة) .
أما الآراء التي تعرف في القارة الأوربية باسم " علم الجمال الإنجليزية " وهي الجماليات الفيزيولوجية عند كل من هربرت سبنسر وغرانت ألن والتي تؤسس التجربة الجمالية فيها على رد فعل جسماني، فقد تطورت في ألمانيا أساسا إلى مدرسة علماء الجمال التجريبيين، ومؤسسها غوستاف فخنر، بدأ بالاختبار التجريبي على فرضية ادولف زايسنغ القائلة بان أقسام " القطاع الذهبي " (وفيها أن نسبة الوحدة الصغرى إلى الكبرى كنسبة الكبرى إلى الكل) تمتع إلى حد الإملال. أما تجاربه المؤيدة لهذه الفرضية والتي تحدث عنها في كتابه " علم الجمال التجريبي " Experimental Aesthetics فأنها قدمت للناس الطريقة التجريبية، بما فيها من نص على الكم، وخلقت بعامة معالجة عن طريق المختبر لدراسة رد الفعل عند الجمهور. ثم أن فون هلمهولتز في كتابه " احساسات النغم " Sensations of Tone أقسام علم جمال الموسيقى على أساس قوي من الطبيعيات والفيزيولوجيا. غير إن محاولات بعض الباحثين أمثال إ. ف. بريك وإيوالد هرنغ ثم من بعدهم ممن أجروا نفس التجارب على التأثيرات الممتعة للألوان ومجموعاتها لم
(2/150)

يحرزوا مثل ذلك النجاح. (مع إننا يمكن أن نفترض إننا في النهاية سيكون لدينا حتماً طبيعيات انسجام الألوان مقنعة كافية في معالجة الصور الكبرى، كفاية طبيعيات الصوت الموسيقي في مجال المؤلفات الموسيقية الكبرى) . وقد رسم فلهلم فندت تلميذ فخنر في كتابه " علم النفس الفيزيولوجي " Physiological Psychology الخطوط الكبرى للتطور المقبل في علم الجمال التجريبي، وقد تعترض أن هذا الاتجاه (مثلما يحاوله الجشطالتيون فيما يحتمل) يكمن الأمل الذي نحمله في أنفسنا للحصول على مجموعة من المعلومات العلمية عن ردود العقل عند الجمهور، ولعله علم الجمال الموضوعي الوحيد الأصيل الذي قد نبلغه ذات يوم، هذا على الرغم من ضروب من الإهمال في المعالجة كالحديث الدارج عن ردود فعل " أحشائية " نحو الصور وجنون " عرض الذات ".
ومثل هذه الحركة تطور في فرنسا على مدى أضيق. ففي 1888 نشر أميل هنكن " النقد العلمي " La Critique Scientifique فأسس به علم " السيكولوجيا الجمالية "، وعرف الأدب بأنه " مجموعة رموز مكتوبة يقصد منها أن تنتج عواطف غير فعالة "، ثم طور جهازاً مدهشاً من المصطلحات ونظم التصنيف، استمده من العلوم الطبيعية، من أجل أن يعالج الأثر الفني، على أنه أولا تعبير عن مؤلفه، وثانياً من حيث أثره في القارئ، وقد كانت أهدافه وأساليبه رصينة إلا أنها، نوعاً ما، نشأت قبل أوانها، غير أن النتائج التي حصلها في تطبيق المبنى على الأدب في مجلدين بعنوان " دراسات في النقد العلمي " Etudes de Critique Scientifique في السنتين التاليتين لم تكن ناجحة تماماً. وواضح إن كثيرا مما أداه هنكن يعد سلفاً لما أداه رتشاردز، وكان له اثر عظيم في نقاد يذهبون مذهب التحليل النفسي مثل شارل بودوان. بل يبدو انه أثر في أناس لم يكن تأثير النقد العلمي ليبلغهم مثل ريميه دي غورمونت فهذا الناقد على الرغم
(2/151)

من الاتجاه الجمالي الخالص في نظرياته، قد استمد كثيراً من كل من الطبيعيات والفيزيولوجيا، وكان على وشك أن يكتب ذات يوم كتاباً اسمه " عالم الكلمات " The World of Words " ليجزم أن كان للكلمات معنى - أي قيمة ثابتة) وهذا ما يوحي كأنه ذو علاقة " بمعنى المعنى " في القصد، على أقل تقدير.
وتناول عدد من النقاد المعاصرين - إلى جانب رتشاردز - واحداً أو آخر من مظاهر هذا الموروث، أما محاولين أشكالا من تجاريب المختبر في ميدان النقد، أو دارسين لعملية النقل وردود الفعل عند القراء، بعون من وسائل فنية أخرى. وقد تقدم البحث (انظر الفصل عن مود بودكين) في تجارب مود بودكين في الاستبطان عند القارئ وحديثها عن الاستجابات الاستبطانية عند نفسها، وفي تجارب الدكتور ورتام عن استبطان الأديب. ولعل أكثر تجربة على طريقة تجارب المختبر، مدهشة في عالم الأدب، قام بها سيكولوجي من جامعة كولومبيا اسمه فردريك ليمان ويلز وكتبت في " محفوظات السيكولوجيا " Archives of Psychology آب (أغسطس) 1907 بعنوان " دراسة إحصائية في الجدارة الأدبية " فقد جمع الأستاذ ويلز عشرة من الطلبة الخريجين في الأدب الإنجليزي بكولومبيا وسألهم أن يرتبوا عشرة أدباء أميركيين حسب جدارتهم - وهم: بريانت وكوبر وإمرسون وهوثورن وهولمز وآيرفنج ولونجفلو ولوول وبو وثورو - على أساس عشر صفات وهي: السحر والوضوح والرخامة والصق والقوة والخيال والأصالة والتناسب والتعاطف والسلامة، وعلى حسب ترتيبهم قدر المنازل الأدبي الأميركية، فكان الترتيب: هوثورن في المنزلة الأولى ويليه بالترتيب: بو وإمرسون ولوول ولونجفلو وآيرفنغ وبربانت وثورو وهولمز وكوبر.
وقد مضت كلية المعلمين بكولومبيا قدماً بموروث التجريب والقياس
(2/152)

الأدبي، دون أن تساوي ويلز في تفرده وشذوذه؛ ونذكر هنا بضعة أمثلة من الكتب الكثيرة التي الفت في هذا المضمار ومنها مونوغراف أصدرها الآن ابوت وم. ر. ترابو سنة 1922 قبل صدور " النقد التطبيقي " بعنوان " مقياس القدرة في الحكم على الشعر " A Measure of Ability to Judge Poetry؛ وتتألف تجربتهما - وهي متفردة في براعتها - من إعطاء كل واحد من المختبرين، قصيدة مع ثلاث صور نثرية على النحو الآتي: واحدة مشمولة بالعاطفية، وواحدة مطبوعة بطابع نثري بعيد عن الشعر، وثالثة تعمد ناثرها أن يضع فيها أخطاء، ثم عمل جداول من المفاضلة التي اجروها، وجاءت هذه قائمة إلى حد ما. وقد قام مورتمر أدلر في أطروحته للدكتوراه بتجربة شبيهة بهذه مستعملا موسيقى كان قد هجنها في عينيه، بطرق لبيقة، موسيقي محترف. ونشرت هيلين هارتلي سنة 1930 سجلا عن تجربة أخرى على هذه الخطوط نفسها في مونوغراف عنوانه: " تجارب في القراءة التفسيرية للشعر من أجل مدرسي الإنجليزية ".
وفي سنة 1931 ظهر بالألمانية كتاب " بناء علم اجتماع للذوق الأدبي " The Sociology of Literary Taste للفن ل. شكلنغ ونشر بالإنجليزية سنة 1944 وهو محاولة في نوع آخر من المعالجة العلمية. وهذا الكتاب موجز جداً وهو أكثر بقليل من تاريخ أدبي مختصر يعمم القول في تغير الدرجة الاجتماعية للفنان ومعايير الفن والذوق في العصور الحديثة. وقد يوحي ببعض خطوط البحث التي تجعل من الممكن حقاً إيجاد علم اجتماع للذوق الأدبي لأن فيه دراسة تفصيلية للتغيرات في الجرائد والمجلات، " وبحثاً في آراء جماعات خاصة ومهن خاصة " واختباراً للإحصاءات عن بيع الكتب بما في ذلك أرقام عن إعادة الطبع لنماذج الأدب القديم، واستطلاع لشؤون الإعارة في المكتبات ونوادي الكتب والجماعات القارئة. وقد هيأ شكلنغ مثل هذه الدراسة أو السلسلة من الدراسات في خياله، على نحو
(2/153)

غير علمي، ثم أعلن عما " تدل عليه " والحق أن كتابه ليس أكثر من مخطط لعلم مقترح، وهو مفيد وأن كان نزراً يسيراً؛ وبعض استبصاراته وحدسياته فذة إطلاقاً، غير أن شكلنغ لا يملك مجموعات من المعلومات، ولا سجلات تجريبية تسنده في عمله، فان كان قد صدر مؤلف في هذا المجال منذ عهدئذ فلا علم لي به (دون أحتقاب زخارف علم الاجتماع قامت السيدة ليفز بدراسة للذوق الأدبي أعلى شأناً، معتمدة كثيراً على رتشاردز، في كتابها " القصص والجمهور القارئ ".)
وهناك محاولة معاصرة أخرى لدراسة مظاهر النقل في الأدب علمياً وميدانها هو حقل السمانتيات الواسع (علم أسسه في شكله الحديث رتشاردز وأوغدن) ، وتظهر على شكل خاص في الجهود الطامحة عند أصحاب المنطق الوضعي، وهي جماعة يصر رانسوم وتيت وويلرايت على أنها تحمل أفكار رتشاردز الأولى حتى تبلغ بها نتائجها المتضمنة، وان لم يكن ذلك عن رضى رتشاردز. ويتزعم هؤلاء المناطقة الوضعيين كل من رودلف كرمب وشارلس و. موريس وهم بسبيل خلق " موسوعة أممية في العلم الموحد " متسلسلة (أي يحاولون كما يقول رتشاردز ان " يحوروا بالمنطق إلى القواعد الأساسية للغة كاملة ") وقد طوروا " سمانتيات " في ميدان " لغات الدلالات والرموز " الأرحب، أي العلم الشامل للدلالات وتفسير الدلالات. وطبيعة هذا العلم ومشتملاته بعامة خارجة عن حدود أهدافنا في هذا الكتاب، وعلى أية حال أكاد لا أجدني كفؤاً لشرحها، ولكني أقول أن مؤلفي هذه الموسوعات الجديدة، في سياق محاولتهم أن يستغرقوا ويشكلوا المعرفة الإنسانية من جديد، قد وقفوا حتماً ضد الشعر وقد ألمع آرثر ميزنر، بظرف لا يخلو من جور، إلى أن مشتملات بحث موريس في " الدلالة الجمالية " في كتابه " أسس نظرية الدلالات " Foundations of the Theory of Sign إنما هي معالجة للشعر على انه
(2/154)

" نوع لطيف من الجنون " ثم حاول موريس في مقالين آخرين متأخرين وهما: " علم الجمال ونظرية الدلالات " المنشور في مجلة " العلم الموحد " Journal of Unified Science العدد الثامن 1 - 3 و " العلم والفن والتقنولوجيا " المنشور بمجلة كينيون خريف 1939 - حاول موريس فيهما ان يوجد زاوية يمكن للشعر أن يأوي إليها شرعاً. ويذهب موريس إلى أن المقال الجمالي هو شكل أولي من المقال، وأنه يتضمن، في المقام الأول، الوظيفية التركيبية للغة، وإنه مخصص أولا وقبل كل شيء " لإبراز القيم بشكل حيوي " ثم " ما دام الأثر الفني إيقونة [صورة] لا تقرياً، فالمقال الجمالي غير قاصر على الدلالات التي يمكن التأكد من صدقها ". أي انه لا يدرس إلا من طريق الثبات الداخلي لا من طريق الدلالة. ويبدو أن هذا الموقف لا يتغير في كتابه الأخير " الدلالات واللغة والسلوك " Signs، Language an Behaviour ويبدو أن كرنب أيضاً لم يراجع موقفه الذي اتخذه عام 1934، في كتابه " الفلسفة والتركيب المنطقي " Philosophy and Logical Syntax، وذهب فيه إلى ان الشعر الغنائي مضارع للضحك، أي أنه شكل من التعبير العاطفي. ولما كان المناطقة الوضعيون حتى اليوم قد تركوا أمثلة معينة في المقال الجمالي دون أن يدرسوها، فليس لنا إلا ان ننتظر بصبر، لنرى المشتملات النقدية في هذه النظرة الممتعة. أما السمانتيون الذين يدرسون المسائل العامة تحت توجيه كورزبسكي فيبدو انهم، من الناحية الأخرى، قد اسقطوا الشعر عموماً من كيان دراستهم، مع أن كورزبسكي يلحظ في أحد المواضع في كتابه " العلم والرشد " Science and Sanity أن الشعر قد " ينقل من القيم الخالدة اكثر مما يستطيعه مجلد كامل من التحليل العلمي ".
فإذا مضينا في عرض الشعر موضوعياً توصلنا إلى الآلية بمفهومها الحرفي، وهي أيضا موجودة، فقد أشار عدد من النقاد، ومن بينهم
(2/155)

عزرا بوند، إشارات غريبة إلى آلة اخترعها الحبر روسيلو لقياس فترات الأصوات المنطوقة. وسواء أكانت هذه الآلة هي " الكيموغراف "، وهي آلة للغاية نفسها تستعمل في مختبر الصوتيات بالكلية الجامعية بلندن، او لم تكن، فأمر لا أدريه. وعلى أية حال لا معرفة لي بأي مؤلف منشور، مؤسس على آلة روسيلو ولكني اعلم أن إ. أ. زوتنشاين وهو أستاذ كلاسيكيات نشر " ما الإيقاع؟ " What is Rhythm سنة 1925 على أساس النتائج التي استنبطها من الكيموغراف، وتشمل فهرستا يعطي نتائج كمية توصل إليها في قياس تجريبي للمقاطع، وكان يعمل بالاشتراك مع علماء في الأصوات محترفين. ونظريات الأستاذ روزنشاين مشتقة تجريبياً من هذه النتائج وهو يقدم التعريف التالي أساساً لعلم موضوعي في الأوزان إذ يقول " الإيقاع هو خاصية التتابع لأحداث، في زمان، تنتج في عقل المشاهد انطباعاً عن التناسب بين فترات الأحداث الكثيرة أو مجموعات الأحداث، التي تتألف منها المتوالية المتسلسلة ". وقد نقد رتشاردز هذا التعريف نقداً معقولا في ملحق على " النقد التطبيق " من حيث أن زوتنشاين قد عالج هذه العناصر وكأنها أمور في النظم نفسه لا أنها أعمال في الإنسان الذي يقرأ النظم أو الذي يلقيه أمام الكيموغراف، ومن حيث أنه أدرك انه ظواهر سيكولوجية لا طبيعية ثم لم يعالجها المعالجة الكافية لشيء سيكولوجي، فيوضح كيف إنها مرتبطة ارتباطاً لا انفصام له، المعنى الشعري. وعلى الرغم من هذا الميل الميسر لمعالجة كل شيء مسجل على الآلة، وكأنه في النتيجة موضوعي، وقيامه ممكن تماماً، فان كفاءة الكيموغراف وما شابهه من آلات لدراسة الأوزان كما هي في حالي الشعر والنثر، تبدو أساسية جداً (1) .
__________
(1) في مجال آخر نجد المضياع طليعة في القياسات الآلية لرد الفعل عند الجمهور بمبتدعات مثل الأوريميتر أو آلة قياس الصوت Gag Meter، Program Analyzer، Reactocasterومن كان من القراء ذا صبر على تعلم هذه لتسجيل وإحصاء وتقييم الاستجابات الدقيقة عند المستمعين لتجاربهم الجمالية فانه يحال إلى مقال بقلم توماس وايدسايد في الموضوع منشور بمجلة " الجمهورية الجدية " أيار (مايو) 1947.
(2/156)

بقيت وسيلة أخيرة لدراسة رد الفعل عند القراء تستحق الذكر لأنها على الطرف الثاني من الكيموغراف وهي حدس جورج اورول اللبيق الذاتي عن الثقافة الشعبية، في مقالين نشرهما في " ديكنز ودالي وغيرهما " Dickens، Dali Others وهما " أسبوعيات الأولاد " و " فن دونالد مكجل ". ويطور أورول وسيلة من الحدس الصرف لدراسة الآثار الاجتماعية لكل من المجلات التافهة المخصصة للمراهقين والبطائق الهزلية. وطريقته تكاد تكون عكساً مباشراً لطريقة رتشاردز؛ كلا الرجلين مهتم بآثار العمل الفني في القارئ، ولكن رتشاردز يتجه بالتالي نحو القارئ، ويتجه أورول إلى الأثر الفني. ويبدأ أورول في " أسبوعيات الأولاد " بالحديث عن محتويات الدكان الصغير الذي يملكه بائع الصحف في أي مدينة إنجليزية كبرى ويلحظ أن " محتويات هذه الدكاكين لعلها خير شيء قريب المتناول لبيان ما يشعر به جمهور الشعب الإنجليزي وما يفكرون فيه " ثم يركز الحديث على " أسبوعيات " الأولاد التي تباع ببنسين و " المصورات المفزعة " ذات البنس ويؤرخ لها ويتحدث عن توزيعها وآثرها وعن محتوياتها بإسهاب، ويطلق يده في الاقتباس. ثم يصنع تخمينات بارعة عن القراء وحياتهم وعقولهم، وما تصنعه المجلات من أجلهم، وما الدوافع والحاجات التي ترضيها لديهم، لكي تكفل لنفسها انتشاراً وقبولاً، كل ذلك بدراسة متأنية لأعمدة المراسلات والإعلانات والمحتويات الأصيلة للمجلات. ويجد عالماً كاملاً من الأوهام ويستكشف مضموناتها الاجتماعية والسياسية بتفصيل، والقطعة حقاً مؤيدة بالوثائق بعناية واسعة الاطلاع، وهي دراسة جد قيمة سيكولوجية اجتماعية لنموذج من الأدب التجاري كما ينظر إليه من زاوية القارئ.
(2/157)

وتشبهها في هذا مقالته " فن دونالد مكجل " وان كانت دراسة - اقل طموحاً - للبطائق الهزلية؛ ويصنع فيها أورول جداول بموضوعات البطاقات ثم يدرس النزعات الاجتماعية وانعكاسات الواقع الاجتماعي وراءها. ومن الصعب أن نقول اعتماداً على هاتين القطعتين الممتازتين أن كان هذا المنحى النقدي يمكن أن يطبق على الأدب الرفيع والفن ولكن لا ريب في أنه قيم في هذا المجال الأدنى الذي اختاره اورول.
4
- يبدو أن رتشاردز قد وجه التفاتاً ضئيلا إلى من سبقه في الموروث التجريب ودراسة الجمهور، ويبدو أن بحوثه، حتى حين تعيد في أساسها دراسات سابقة، لا تكترث بالسوابق وإنما هي تولدت عن منطق التطور في تأليفه. إذن فان دينه المعين الذي استمده واعياً عامداً، يعود إلى عدد قليل من المفكرين السابقين، وأكثرهم نسبياً فلاسفة متفردون في آرائهم أو أدباء متفلسفون، وأهم هؤلاء صمويل تيلور كولردج، فتأثيره في رتشاردز مثل ساطع على لقاء فكرين عبر قرن من الزمان وعلاقتهما شاملة معقدة، دقيقة أحياناً إلى حد أن تغرينا هنا بالمرور بها عابرين، ولكن على أية حال هنالك كتاب ممتاز يوضحها، أعني كتاب رتشاردز " رأي كولردج في الخيال "؛ وتطور كتب رتشاردز من حيث علاقته بكولردج يشبه أن يكون سجلا لقصة حب، ففي أول كتابه " أسس علم الجمال " لا يذكر كولردج إلا باقتباس رأي له " صوفي " في الجمال، بشيء من الاحتقار، وفي " معنى المعنى " لا يبدو كولردج غلا صاحب تقرير، بعيد التحليق، عن الفن. أما في " المبادئ " فبعد عدد من المرات يذكر فيها شعر كولردج يروع القارئ فجأة حين يجد إشارة إلى " الفصل الرابع عشر " في " السيرة الأدبية ": " تلك الحجرة المفعمة بحكمة مهملة والتي تحتوي الماعات نحو نظرية شعرية
(2/158)

أكثر من سائر ما كتب في ذلك الموضوع "؛ وخلال باقي الكتاب يلتقط رتشاردز " لمحات لا تقدر بثمن " " لمحات مضوئة " وما أشبه من " السيرة الذاتية " وبخاصة فكرة كولردج عن الخيال وهي " اعظم يد لكولردج في النظرية النقدية " و " من الصعب أن نضيف إليها شيئاً ". وفي الوقت نفسه يؤكد رتشاردز أخذه بأسباب الحيطة فيقول:
أن لام وكولردج - كناقدين - بعيدان جداً عن أن يعدا عاديين؛ ومع ذلك فهما ذوا خصب شاذ في كثرة ما يوحيان به؛ واستجابتهما كثيراً ما تكون خاطئة، حتى حين تكون ذات طابع الهامي؛ وفي مثل هذه الأحوال لا نتخذهما مقاييس نسعى لبلوغها، ولا نحاول أن نرى باعينهما، بل نتخذهما بدلا من ذلك وسيلة تؤدي بنا إلى طرق مباينة في معالجة الآثار الفنية التي تميزا واغربا معاً في معالجتها.
ثم تطور في كتب رتشاردز اللاحقة احترام متزايد لكولردج (بلغ حداً ما جاء في الاقتباسة السابقة) مع استغلال متزايد لآرائه. فيبدأ كتاب " القواعد الأساسية في التفكير " وينتهي باقتباسات من كولردج. حتى إذا كان كتاب " رأي كولردج في الخيال " وهو دراسته المطولة عن هذا الناقد، كان تقدير رتشاردز قد ارتفع إلى حد أن يرى في كولردج مؤسس " علم تطور معاني الكلمات " وعبقرية شاسعة الأبعاد حتى لو أن أفكاره في الشعر والتفسير واللغة والعقل، " استخلصت " ووسعت وترجمت إلى مصطلح حديث ولو انه " أعيد تفسير " آرائه الميتافيزيقية إذن لهان قسم كبير من مصاعب رتشاردز ومصاعبنا. وفي الكتب التالية اصبح يقتبس من كولردج وكأنه " المعلم الأول " نفسه. وقد زعم رانسوم في كتابه " النقد الجديد " أن كولردج " الناصح الأمين " لرتشاردز قد " تمثل " رتشاردز " مثلما يقال عن الصينيين انهم يتمثلون
(2/159)

الفاتحين " لا العكس، فحوله من المنطق الوضعي إلى إيمان بالوظيفة العرفانية للشعر، وهكذا. وربما كان الاصوب أن يقال أن رتشاردز حين ابتعد عن فلسفته الوضعية الصارمة الأولى وجد أن كولردج عن لسانه ينطق.
ولعل المصدر العظيم الوحيد بعد كولردج لأفكار رتشاردز هو جرمي بنثام وقد يكون هذا من اثر ارغدن الذي كتب كتاباً واحداً عاماً عن بنثام وحقق نظريته في الأدب التخيلي ولكن لعل الاشبه برتشاردز انه انجذب شخصيا إلى بانثام لامرين أولا لكون بنثام رائداً في التحليل اللغوي وثانياً لان الفلسفة النفعية قريبة الشبه من نظرية رتشاردز السيكولوجية في القيم، كما يوضح ذلك رتشاردز نفسه في " المبادئ ". ويسمي رتشاردز نفسه في " رأي كولردج في الخيال "، " بنثامي " الاتجاه ويقوم بمحاولة بارعة، متتبعاً مقال جون ستيوارت مل " مقال عن كولردج " ليوفق بين الفلسفتين، ويعيد تفسير مثالية كولردج من زاوية مادية بنثام محاولا ان يجد كما المح مل " حاجة طبيعي أو شيئاً تحتاجه الطبيعة الانسانية، بحيث يكون هذا المبدأ، الذي هو محط البحث، مناسباً لإشباعه ". وينقل رتشاردز عن مل قوله:
من استطاع أن يحكم مبادئ الاثنين ويجمع بين أساليبهما تملك ناصية الفلسفة الإنجليزية كلها في عصره. كان كولردج يقول ان كل شخص فأما أن يولد أفلاطونيا أو أرسطوطاليسياً؛ وقد نؤكد القول، على طريق المشابهة، بأن كل إنجليزي في العصر الحاضر هو في حقيقته، إما أن يكون بنثامياً أو كولردجياً، وانه يؤمن بآراء في الأحداث الإنسانية لا تثبت صحتها بالبرهان غلا على أساس من مبادئ بنثام أو كولردج.
(2/160)

ثم يضيف قوله:
إن ما قاله مل لا يزال صائباً وإن كنا نستطيع أن نغير التسمية فنقول " إما أن يولد مادياً أو مثالياً " وقد تجد من يقول أن هذين النموذجين لنظرتين تبدوان متعارضتين، يكمل أحدهما الآخر، أي أنهما في تاريخ الفكر كان أحدهما يعتمد على الآخر، حتى أن موت أحدهما كان يؤدي إلى موت الثاني لعجزه عن التمثل وحده. وأنه مثلما أن الزفير ليس إلا وجهاً واحداً من شقي عملية النفس، فكذلك هاتان الفلسفتان في عدائهما الأزلي هما عملية من النقد الذاتي ضرورية بشقيها. ولكن بما أن التخلي عنهما معاً معناه العقم عن تأدية أية نظرة أو فكرة فان التعارض يستدعي اختياراً موقتاً فيما بينهما. فأنا اكتب كمادي يحاول أن يفسر لكم منطوقات مثالي متطرف، أما انتم، فمهما يكن مذهبكم، بالفطرة أو اكتساباً، ارسطوطاليسيين كنتم أو افلاطونيين، بنثاميين أوكولردجيين، ماديين أو مثاليين، فعليكم أن تعيدوا تفسير ملاحظي بدوركم مرة أخرى.
وهناك مفكران آخران طبعاً أثرهما أساساً على رتشاردز وان لم يشر إليهما إلا قليلا منذ " معنى المعنى " وهما الفيلسوف الأميركي المهمل شارلس ساندرز بيرس والأنثروبولوجي برونسلاف مالينووسكي. ففي " معنى المعنى " يلحظ المؤلفان انه كان في مقدور بيرس أن يحل قبلهما مشكلة المعنى لو لم يصده " الفقر " عن ذلك، ويلخصان في الملحق ما استغنى رتشاردز عن مصطلحات بيرس في تصنيفه للدلالات، ولكنه استفاد كثيراً من التفكير الكامن وراءها (كما فعل بعض أصحاب المنطق
(2/161)

الوضعي أيضاً، الذين استعاروا مع هذا شيئاً من المصطلحات) ، وعرف بيرس في " القواعد الأساسية في التفكير " بأنه " حجة عظيم جداً ".
وأقتبس المؤلفان في " معنى المعنى " أيضاً من مؤلف مالينووسكي عن السحر الكلامي بين قبائل التروبرياند وجعلا ذيلا لكتابهما مقالة لمالينوسكي في " مشكلة المعنى في اللغات البدائية " وكتبا عنها هذا التوضيح (1) .
المؤلفان مدينان للدكتور مالينووسكي ديناً جد خاص، فعودته إلى إنجلترة بينا كان كتابهما في المطبعة، مكنتهما من أن يستمعا بتأملاته التي قضى فيها السنين الطوال كمشتغل في الاثنولوجيا، في المنطقة الصعبة الواقعة بين اللغويات والسكولوجيا. هذا وأن جمعه المتفرد بين التجربة العملية وتمكنه التام من المبادئ النظرية، يجعل موافقته على كثير من النتائج الثورية التي توصلا إليها مشجعاً بوجه خاص. أما الإسهام الذي جاد به قلمه وأرفق بالكتاب ذير عليه فسوف يكون، حسبما يشعر المؤلفان، قيماً لا للأثنولوجيين، فحسب، بل لكل من لديه اهتمام حي بالكلمات وأوجهها.
ومقالة مالينووسكي نفسها وثيقة بعيدة الشان وكان لإحدى الأفكار التي قدمتها أعني " المشاركة الاجتماعية " Phatic Communion (أي ذلك المظهر من اللغة الذي لا يتميز بشيء إلا أنه يشد أواصر العلاقة بين
__________
(1) ذكرا ذلك في تصديرهما على كتاب " معنى المعنى " ص:9.
(2/162)

المتكلم والسامع) (1) أثراً بعيد المدى. حتى إن الرأي النقدي الذي عرضه رتشاردز في " رأي كولردج في الخيال " ناظراً إلى أن التقييم النقدي هو في أوسع حدوده " مشاركة اجتماعية " ليس إلا فكرة مالينووسكي في صورة جديدة من السبك.
أما العلاقة بين رتشاردز وديوي فأنها تمثل مشكلة واقعية، فهو يقتبس من ديوي - عابراً - مرة اخرى، حسبما يتأدى إليه علمي، في " معنى المعنى " ويذكره باحتقار في " الأساسي في التعليم " ولم يقدم أي اعتراف يدل انه على معرفة بمؤلفات ديوي وآرائه (وإذا كان غير عارف به فذلك شاهد مخزن أخر على ميل عند اكثر المقروئين من النقاد الإنجليز - وكودول مثل آخر - ميل الاستخفاف بالفكر الأميركي المتميز) . أما اوغدن من الناحية الأخرى فقد كان جاداً في الاقتباس من ديوي منذ عهد مبكر يعود إلى عام 1926 في " معنى السيكولوجيا " ومن المشكوك فيه إلى حد بعيد ان يكون رتشاردز قد جانب الاحتكاك بأفكار ديوي، وهو الذي عاش سنوات في اميركة، وله اهتمام خاص بالفلسفة، كما أن ديوي ألقى حينئذ محاضرات جفورد في ادنبره. وعلى أية حال فقد تقدم القول بان اكبر إسهام أساسي لرتشاردز في كتاب " مبادئ النقد "، أي النظرة التي أحدثت ثورة نقدية وبها بدأت الحركة الجديدة، وهي ان التجربة الجمالية مثل أية تجربة إنسانية أخرى - إنما هي إعادة - في قالب جديد - لنظرة تميز بها ديوي في الفكر الحديث. فمنذ سنة 1903
__________
(1) يعني مالينووسكي بهذا إن شخصاً ما قد يتحدث إلى آخر في نوع من الثرثرة ويوافق على هذا بداهة ويرفض ذاك ويقضي بآراء خاصة عن حياته وتجاربه والآخر مستمع له ينتظر دوره حتى يقول شيئاً في هذا المضمار، وهذا يرضي المتكلم ويشبع عنده رغبة خاصة، بدائياً كان أم غير بدائي، ففي مثل هذه المواقف يتم الترابط الاجتماعي بين اثنين بمجرد تبادل الكلمات. ولكن أحقا إن الكلمات في هذه المشاركة الاجتماعية ذات معان، ينكر مالينووسكي هذا ويقول: في هذه الحالة تؤدي الكلمات مهمة اجتماعية ولكنها ليست نتيجة تأمل فكري ولا تثير تأملا فكرياً عند السامع.
(2/163)

غزا ديوي بكتابه " دراسات في النظرية المنطقية " Studies in Logical Theory عالم النشاط الفكري، بما ذلك في ميدان الجماليات، بالمبدأ العلمي الأساسي، مبدأ " الاستمرار " إذ قال:
هذه النظرة لا تعرف تمييزاً ثابتاً بين القيم التجريبية للحياة غير التأملية، وأشد أعمال العقل العقلاني تجريدية. وهي لا تعرف فجوة ثابتة لتفصل بين أعلى تحليقات النظرية وانضباط جزئيات البناء والسلوك العملي، بل هي تمضي، حسب المناسبة والفرصة التي تهيئها إحدى اللحظات، من نزعة الحب والكفاح والعمل إلى نزعة التفكير والعكس بالعكس. وتغير محتوياتها أو مادتها ما فيها من تقيم ذهاباً وإياباً من حالة صناعية أو نفعية إلى حالة جمالية أو أخلاقية أو عاطفية أما المبدأ الأساسي فيها فهو الاستمرار في التجربة واستمرار التجربة.
(ذهب ديوي في كتابه " المنطق - نظرية البحث " المنشور سنة 1938 إلى أن بيرس قد سبقه إلى لفت الانتباه " نحو مبدا استمرار البحث " ولكن أين ذكر بيرس هذا؟ الكشف عن هذا يحتاج إلى مستكشف أجراً مني ليعرف موضعه في كتابات بيرس، ولا يستبعد يكون رتشاردز قد عثر عليه عند بيرس، فقصر مسافة التأثير الصادر عن ديوي) .
أما الأثر الرئيس في رتشاردز فهو أثر زميله شارلس كاي ارغدن (مثل هذا الأثر يخلق رابطة معقدة لأنه يصعب علينا بأي حال أن تعرف من أيهما يتجه الأثر) أما أوغدن فأنه سيكولوجي - أو كان ذلك - ذو أثر عظيم واطلاع متنوع قل أن يتحلى به أحد في هذه البلاد، وهو مثل رتشاردز أحد العقول " الموسوعية " الكبرى، وأما مذهبه السيكولوجي
(2/164)

كما يدل عليه " معنى السيكولوجيا " (أو " أبجدية السيكولوجيا ") - فأنه " حيادي " توسطي يقوم على التركيب الانتقائي الكثير من أكثر النظريات والمعلومات الحديثة فائدة وجدوى. وكثير من كتاباته تركيبي تمهيدي على هذه الطريقة وكان رئيس تحرير " للمكتبة الأممية في السيكولوجيا والفلسفة والمنهج العلمي " المشهورة، وهي التي جعلت بعضاً من خير الكتب التي تمثل كل المذاهب في هذه الميادين وغيرها في متناول القراء وتضمنت مؤلفات هامة في النقد الأدبي، ثم أشرف في الوقت نفسه على سلسلة " تاريخ الحضارة " المسماة (النفس - مجلة سنوية للسيكولوجيا العامة والتطبيقية " وعلى منشورات " دار النفس " المبسطة Psyche Mineatures وهي سلسلة رخيصة (تباع الواحدة بشلنين ونصف) قيمة من الكتيبات شبيهة بالكتب الكبرى التي تصدر عن " المكتبة الأممية "، سلسلة اختصت في سنواتها الأولى بالطب وفي سنواتها الأخيرة بالكتب التي تتصل بالإنجليزية الأساسية. ومن هذه الأربعة هيأ أوغدن، بسعة خيال وعدم تحيز، ميدانا لكل نظرة جادة علمية أو مشارفة للعلم. وفي الوقت ذاته كتب أثني عشر كتاباً أما منفرداً أو بالاشتراك، بما في ذلك تاريخ موجز للعالم، بالتعاون مع إ. هـ. كارتر، ونشره في سلسلة " كلاسيكيات نلسون ". وظلت له دائماً رغبته الحية في الأدب، وبخاصة في جيمس جويس (كتب أوغدن مقدمة لقطعة من " يقظة فينيغان " نشرت بعنوان " حكايات تحكى عن سام وساءون "، وترجم Anna Livia Plurabelle إلى الإنجليزية في مجلة " فترة الانتقال " Transition) وهو مؤسس ومحرر مجلة كمبردج Cambridge Magazine التي يسميها رتشاردز " أكثر المجلات الأسبوعية إثارة بإنجلترة، في أيامها " ويخبرنا رتشاردز أيضاً في " الإنجليزية الأساسية وفوائدها " إن أوغدن " رجل أعمال حيوي وله مناحي متعددة ليس هناك أحد يعرفها أكثر منه " وإنه " خبير في نطاق واسع " وإنه " ذو
(2/165)

قريحة مشهور حق الشهرة بحدة خطراته الذهنية ومغالاتها وإحالتها ". فلا عجب إذن من أن هذا العلامة حين سلط علمه ومواهبه المتنوعة على الطبعة الجديدة من " الموسوعة البريطانية " عام 1925 في مراجعة كتبها في Saturday Review of Literature قد استطاع أن يمزقها صفحة إثر صفحة.
وبينا كان أوغدن منهمكاً في صور هذا النشاط منذ سنة 1920 فصاعداً، وجه طاقته الرئيسية، في الوقت نفسه، إلى الإنجليزية الأساسية وبين عامي 1920 - 1929 أي منذ أن أدرك هو ورتشاردز إمكانات قاموس إنجليزي محدود أثناء كتابتهما للتعريفات في " معنى المعنى " حتى نشر أوغدن أول جريدة بالكلمات الأساسية في " Psyche " استطاع أن يوجد المبنى النظري للغة، وان يختار ألفاظ معجمه. وفي سنة 1930 نشر في كتاب " الإنجليزية الأساسية " كل هذا الهيكل، مجرباً بضعة تغييرات على جريدة الكلمات الأولى. وحقق خلال العقد الرابع من القرن " المعجم الأساسي "، ونشر من خلال معهده الاورتولوجي بلندن سلسلة من الكلاسيكيات مترجمة في الإنجليزية الأساسية، تشمل، مادة متباينة كالتوراة و " الجمال الأسود " Black Beauty ونشر مؤلفات مختلفة تدعو للإنجليزية الأساسية وتشيعها وتوسعها مثل " الإنجليزية الأساسية الأشد لمعاناً " Brighter Basic و " الإنجليزية الأساسية للأمور العملية " Basic For Business و " الفلك الأساسي " A Basic Astronomy وغيرها. وقد كان رتشاردز زميلا له في أكثر هذه المؤلفات وإن كان رتشاردز يميز أوغدن بأنه وحده في " كيف نقرأ صفحة " وضع المشكلة وقام بالبحوث وأبتكر اللغة. وفي كل ما اشتركا فيه ابتداء من " أسس علم الجمال " حتى آخر مؤلف في الإنجليزية الأساسية، على مدى ربع قرن، ليست ثمة طريقة تنبئنا أي الأفكار والمقررات، أو أي أجزاء من المادة، قد صدرت عن هذا
(2/166)

أو ذاك. وقد نفترض دون شاهد حقيقي أن أوغدن أثر في رتشاردز فوجهه نحو السيكولوجيا وبنثام والإنجليزية الأساسية، وإن رتشاردز أثر في أوغدن فوجهه نحو الأدب وكولردج والإنجليزية الأساسية في التعليم. أما الاستنتاج المحسوس الوحيد الذي قد يبلغه المرء في دراسته لرتشاردز فهو إن إسهام رتشاردز في النقد كان يكون غير ما هو وربما كان أقل لو لم يلتق بأوغدن، وإن كان من المستحيل علينا أن نقول أين كان يختلف وكم كان يقل.
أما تأثير رتشاردز في الآخرين فمشكلة اسهل بكثير، إذ انه في ميدان النقد قد أثر في كل واحد وقد تحدثنا قبل عن دوره في خلق النقد الحديث. ومن أول من أولوه عناية وقرأوه قراءة متعاطفة، في هذا اللبد، ووقعوا تحت تأثيره، الشاعر كونراد ايكن الذي قرر نفس التقرير الثوري الوارد في " مبادئ النقد الأدبي "، وذلك في كتابه " شيكات " قبل رتشاردز بخمس سنوات " 1919) وهو ناقد لو قيض له جمهور مماثل وتأثير ووثائق لكان هو الذي ابتدأ حركة النقد الحديث، بلا ريب؛ أما كتابه " شكيات " فعنوانه الفرعي " ملاحظ على الشعر المعاصر " ويتألف من سلسلة من قطع نشرت في المجلات عن شعراء بأعيانهم في الغالب، وفيه يقول ايكن في كتابات فرويد (وكان على معرفة دقيقة مبكرة به، أن الشعر بعد كل هذا نتاج أنساني خالص، وانه من ثم لابد من أن يلعب دوراً محدداً في الحاجات الوظيفية الحيوانية عند الإنسان ". ثم يقول في موضع آخر قولا أكمل مما تقدم " ألن نتعلم أبداً انه ليس حول الشعر شيء غيبي أو فوق الطبيعي، وأنه نتاج طبيعي عضوي ذو وظائف يمكن الكشف عنها وانه محط التحليل؟ وقد يكون من المؤسف أن يترك نقادنا وشعراؤنا هذه المهمة للعلماء بدلا من أن يباشروها
(2/167)

هم أنفسهم ". فلما ظهر " مبادئ " رتشاردز سنة 1924 راجعه ايكن بحماسة، وهو ذو إحساس نادر المثال بأهميته، وقد اثر ذلك في رتشاردز فيما يظهر حتى انه عندما ظهرت الطبعة الثانية سنة 1936 زودت بملحقين، وكان أولهما - " في القيم " - نقاشاً " لمراجع صديق هو المستر كونراد ايكن " وهي الإلتفاتة الوحيدة التي وجهها رتشاردز نحو أي من زملائه النقاد بأميركة.
وأما أثر رتشاردز في تلميذه ومريده الأكبر، وليم إمبسون وفي ر. ب. بلاكمور فقد تحدثنا عنه فيما سبق (انظر الفصلين الخاصين بهما) . وكان تأثيره الآخر الكبير في كنث بيرك إذ أثر فيه إلى حد بالغ بمصادره الأساسية اعني بنثام وبيرس وكولردج لكن منذ ظهور " مبادئ النقد " اصبح اكثر التأثير هو انحياز بيرك ليعمل كل ما يخالف فيه رتشاردز ويهاجم بيرك في كتابه " مقولة مضادة " Counter Statement رفض رتشاردز - دون أن يذكر اسمه - للمثل الأفلاطونية، واعتبارها مصطلحاً لفظياً لا يشير إلى حقائق. أما في كتابه التالي " الثبات والتغير " Permanence and Change فيقر بدينه المعين لكتاب " معنى المعنى " ويقتبس من كتاب " آراء منشيوس في العقل " ليعزز نقطة يتحدث عنها ويخطئ بإسهاب فكرة رتشاردز في " التقرير الكاذب " في كتاباه " العلم والشعر " (ويقتبس من كتاب " المبادئ " ما يقوي وجهة نظره) ويستعمل آراء رتشاردز، بعامة، نقطة اندفاع ينطلق منها إلى ملحوظاته الخاصة. وكذلك يهاجم في كتابه " نزعات نحو التاريخ " كتاب رتشاردز " فلسفة البلاغة " من حيث إنه أستخف فيه بقدر " العنصر " والوظيفة الاجتماعية للكلمات، مقتبساً من كتاب آخر لرتشاردز ما يقوي به حجته أيضاً. وفي كتابيه: " فلسفة الشكل الأدبي " و " نحو الدوافع " يقتبس عدداً من استبصارات رتشاردز، وينتقد بحدة كتاب " كيف نقرأ صفحة "
(2/168)

في فصل عنوانه: " الاصطلاحات الخمسة الكبرى " ويتهمه بأنه يفتقر إلى أي نوع من " اللب ".
وأما الكتاب الذي أثر في بيرك، في الدرجة الأولى، وهو يقتبس منه باستمرار، وكثيراً ما قال فيه أنه أحد كتابين أو أحد الثلاثة الكتب التي تعد اخصب مؤلفات حديثة كتبت عن الادب، فذلك هو " مبادئ النقد الأدبي "، إذ منه استقى عدداً من أفكاره وخاصة فكرته عن العمل البدائي الملازم للنزعات. وأهم نقد لبيرك على رتشاردز هو، بعامة، ميله للتهوين من شان العناصر " الرمزية " و " الواقعية " في اللغة والفن، وهي الخصائص التي يسميها بيرك " الحلم " و " اللوحة " في ثالوثه المكون من الحلم والصلاة واللوحة بينا هو بخاصة ينص على قيمة " الصلاة " أو عناصر النقل. وموقفه هذا أدى عملياً إلى توزيع للجهد مؤثر، وذلك إن بيرك نفسه نزع بخاصة إلى النص على العناصر الواقعية والرمزية وميز الأخيرة منهما بالاهتمام حتى أن الرجلين اللذين " فيما اعتقده على الأقل) هما اعظم ناقدين أدبيين معاصرين، قد تخصصا على الترتيب في الفن من حيث هو نقل وفي الفن من حيث هو تعبير وتركا ما بينهما خلاء كراحة اليد.
وهناك ناقد آخر تأثر رتشاردز يستحق أن نتحدث عنه، وهو مجهول في هذه البلاد؛ ذلك هو جورج هـ. و. رايلاندز وهو مثل إمبسون متخرج في كمبردج، ونشر كتاب " الكلمات والشعر " سنة 1928 توسيعاً لمبحثه الذي قدمه لنيل الشهادة. واثر رتشاردز فيه بارز ملحوظ وان لم يذكر في الكتاب إلا مرة واحدة من حيث انه حرم على كلمة " جميل " أن تدخل حمى النقد، وأذن فأن رايلاندز فيما اقدر تلميذ آخر من تلامذة رتشاردز. وكتابه " الكلمات والشعر " دراسة للعبارة الشعرية كمظهر من مظاهر الأسلوب يكشف القسم الأول منه الطبيعة العامة للعبارة الشعرية
(2/169)

ويدرس الثاني استعمالات شيكسبير بإسهاب. وكل ما فيه من فرضيات عامة فإنما هي " رتشاردية " حتى في قوله انه " يستعمل المجهر " في دراسة الشعر، وان النقد " تمزيق للدمية " وطريقته تنزع إلى أن تكون سبقاً لامبسون باكتشافها المحدود لنواحي الغموض. والكتاب مثير موح بقدر غير بسيط، وقد سبق إلى الكشف عن عدد من الوسائل الفنية التي توسعت من بعده: ومنها فهرسة بلاكمور لاستعمال الكلمة وتتبع سبيرجن للصور واستكشاف بيرك للموسيقية المتناسبة. أما إذا نظرنا إليه نظرتنا إلى عمل تام مصقول فأنا نجده شذرات مخيبة للأمل لا يقارن بمؤلفات إمبسون أو رتشاردز نفسه وهو شاهد قيم، مع ذلك، على أن الغرس النقدي الذي غرسه رتشاردز إذا ركز على النص آتى أكله في أي مجال من البحث اختاره باحث، وانه إذا كان مجاله شيكسبير بخاصة أثمر من المادة دائماً ما عجزت الدراسة التقليدية عن جنيه واستثماره.
ويكاد كل ناقد معاصر بإنجلترة أن يكون قد قبس قبسة من أثر رتشاردز، وقد نحتاج أن نشير إلى شيء من هذه المؤثرات بالإضافة إلى ما ذكراناه عن كل من إمبسون ورايلاندز. فهناك ت. س. اليوت وهو يخالف رتشاردز بعامة، ولكنه قد قبل بعض آرائه ومنها نظرته إلى عدم مناسبة " المعتقد " للشعر، وقد علق في حاشية مقاله عن " دانتي " تعليقه طويلة في كتاب " مقالات مختارة "، عبر فيها عن موافقته المعدلة على هذه النظرة كما عبر عن مخالفته المعدلة لفكرة " التقرير الكاذب " في " العلم والشعر ". وخصص في كتابه " فائدة الشعر وفائدة النقد " فصلا عنوانه مقراً أثناء ذلك بقيمته العظيمة لأنه كان في الدرجة الأولى، باحثاً في " سوء الفهم المنظم ". وتقبل هربت ريد، وهو في موقفه الرومانتيكي المباين يحارب القيم التي وجدها رتشاردز في الشعر، كثيراً من أفكاره
(2/170)

واستطلاعاته بأعيانها. وتأثره ف. ر. ليفز كسائر عصبة Scrutiny إلى حد كبير، وأثرت فيه مؤلفاته حتى إنه في كتبه الأولى يقتبس منه، ويستغل آراءه، ويثني عليه دائماً ولا يعبر عن أية مخالفة له. غير إن مراجعته على " رأي كولردج في الخيال " المنشورة في Scrutiny آذار (مارس) 1935 هجمة مريرة على رتشاردز، لهربه الاجتماعي والسياسي في نقده؛ ومنذ ذلك الحين تحرر ليفز من سحر رتشاردز إلى حد ما (1) .
أما ل. ك. نايتس وهو من عصبة Scrutiny أيضاً فلم يبعد في تسلقه هذا الغصن بل أحس إنه لا حاجة له أن يتسلقه واستمر يقطف من ثمراته، أعني يقتبس من رتشاردز، ويستغل آراءه بهدوء، دون أن يرتهن أساساً يقيمه. ويعترف ستيفن سبند في المقدمة عن كتابه " العنصر الهدام " The Destructive Element إنه استوحاه (واقتبس عنوانه) من تعليقه لرتشاردز على إليوت، وفي البحث الذي هو لب الكتاب في العلاقة بين الشعر والمعتقد، يعود بين الحين والحين إلى اهتصار نتف من آراء رتشاردز. وتقر إلزي إليزابث فير التي بدأت كتابها " شعر جرارد مانلي هوبكنز " حين كانت طالبة بكمبردج، " بمساعدة رتشاردز وتشجيعه "، وتقتبس منه ومن إمبسون على نطاق واسع.
ولقد انصفه وهاجمه على التوالي اثنان من النقاد الإنجليز الذين يقطنون اميركة اليوم، وهما دافيد ديشز واريك بنتلي وكلاهما مدين كثيراً لمؤلفات رتشاردز الأولى؛ فانصفه ديشز في مقال له حماسي تحدث فيه عن ميزته وأثره في كتابة " الكتب التي غيرت عقولنا " وهاجمه بنتلي هجوماً جائراً
__________
(1) كتب ليفز " التعليم والجامعة " ونشره عام 1943 وبعد أن حذر فيه من كتاب إمبسون " المختلط غير المستوي إلى حد بالغ " أي كتاب " سبعة نماذج من الغموض " وصف كتاب رتشاردز بأنه " نص مختلط آخر من النوع المثير المضلل الذي قد يقع حتماً في يد الطالب ومن الفائدة إن يعان على أن ينظر فيه بعيين الناقد ".
(2/171)

جاز حد الاعتدال في " مجلة جبال روكي " شتاء 1944. غير أن أحد هجوم تلقاه رتشاردز، عدا سورة بنتلي، صدر عن الناقد الإنجليزي الماركسي اللامع إليك وست، إذ خصص فصلاً في كتابه " الأزمة والنقد " Crisis and Criticism ليثبت أن كتابات رتشاردز قد أفسدها بمحاولته أن ينتزع الشعر من العمل الاجتماعي وان قراءاته للشعر مكبوحة " بأردأ أنواع الإرجاع المخزونة " يعني روح المحافظة الاجتماعية. (من الممتع ان نلحظ أن النقاد الماركسيين الشياي، مترسمين خطى كودول، يدعون اليوم إلى التقارب بينهم وبين رتشاردز. كتب شاعر شاب اسمه هوبرت نيكلسون إلى مجلة " عصرنا " Our Time أيار (مايو) 1944 يهاجم بلاهة ف. ج. كلينجدر، وقال ان الماركسيين يحسنون صنعاً لو زادوا من التفاتهم إلى آراء رتشاردز عن طبيعة التجربة الفنية وقيمها، ويبدو أن عدداً من المسهمين في مجلة Modern Quarterly قد اخذوا بنصيحته) . ولعل الناقد البريطاني المعاصر الوحيد - من المشهورين - الذي لم يتأثر في الحقيقة بآراء رتشاردز هو ج. ولسون نايت، الناقد الانتقائي المتحمس لمذهبه فانه لم يذكره إلا مرة، عابراً، حسبما أعلم. (قد يفسر هذا الموقف قول رتشاردز مرة في نايت أنه مثل على من يبني نظريات محكمة على أسس خادعة) .
وكان تأثيره رتشاردز على النقاد الأميركيين، إلى جانب بيرك وبلاكمور وايكن شاملا. فيعترف ف. أ. ماثيسون في كتابه " ما حققه ت. س. اليوت " بفضل خاص لرتشاردز (ولادموند ولسن!!) " في الإثارة والتحدي خلال السنوات الأخيرة الماضية " وكتابه حافل باستطلاعات رتشاردز مستمدة بخاصة من " النقد التطبيقي " الذي يسميه ماثيسون " أنضج حديث له عن الشعر والمعتقد ". وفي " النهضة الأميركية " American Renaissance يمضي ماثيسون في استغلاله له ولغيره من كتب
(2/172)

رتشاردز وتلقت كل جماعة الجنوب تأثير آراء رتشاردز بقوة، فيعتمدها كلينث بروكس خلال كتابه " الشعر الحديث والاتباعية " ويزيد اعتماده لها في " الزهرية المحكمة صنع " ويستغلها ورن في دراسته عن كولردج وفي غيرها. أما رانسوم وتيت اللذان أكثرا الكتابة عن رتشاردز (كتب عنه رانسوم في مقال له في The World " s Body وفصلا طويلا في " النقد الجديد " وكتب تيت عنه في مقالاين في " العقل في جنون ") فقد اتفقا على مهاجمة انحيازه المبكر إلى المنطق الوضعي، بقوة وعنف، بينا تقبلا بحماسة كثيراً من مناهجه ونتائجه (استعمل تيت في هجومه ألفاظاً مثل " يخدع ") .
وما كتاب " القصص الحديث " Modern Fiction لهربرت مللر إلا تطبيقاً ضحلاً لبعض أفكار رتشاردز الواردة في كتابيه " معنى المعنى "، و " المبادئ "؛ إلا أن المؤلف أيضاً مروع من اصطلاح " التقرير الكاذب " (من بين كل النقاد الذين أفادوا من رتشاردز ومن مؤلفاته الأخيرة أيضاً لم يستطع ان يزدرد هذا المصطلح دون غصص إلا كلينث بروكس وف. ر. ليفز) ويكبح مللر من جما الاعتماد على رتشاردز في كتابه " العلم والنقد " وان كان اعتماده ما يزال أساسياً، ويثني على رتشاردز على وجه العموم، بحماسة بينا يتهمه، على التعيين، بضيق شديد في السيكولوجيا وبإغفال القرائن الاجتماعية في الشعر و " بفقدان المضاء والإيحاء " في مؤلفاته المتأخرة. ويفيد ليونل ترلنغ في كتابه " ماثيو آرنولد " من رتشاردز كما يفيد من كل مظهر - تقريباً - من مظاهر النقد الحديث، في حذر بالغ، حتى إننا حين نجده يتحدث عن مصطلح " التقرير الكاذب "، مثلاً، يستحيل علينا أن نقول انه يقبله أو ينكره، ويقتبس في كتابه " إ. م. فورستر " E.M. Forester بعض تقريرات رتشاردز عن فورستر،، دون أي تحديد لموقفه منها.
(2/173)

وقد أفاد مارك شورر إفادة جوهرية مشمولة بالإدراك من رتشاردز وبخاصة في كتبه الثلاثة: " العلم والشعر " و " كولردج " و " وليم بليك ". وقد نضيف إلى هذا الثبت زيادات لا حد لها، ومن النقاد الأميركيين الكبار واحد يشبه نايت في إنجلترة من حيث انه لم يتأثر برتشاردز مطلقاً، ذلك هو أيفور ونترز.
أن الصورة العامة التي تبرز من وراء ذلك كله هي صورة رتشاردز مؤثراً في كل ناقد جاد معاصر - على وجه التقريب - ونكاد لا نجد فيهم واحداً، إلا أن يكون مريداً مأخوذاً بسحر أستاذه مثل إمبسون، يرافقه موافقة مطلقة، بل أكثرهم يهاجمه بمرارة من اجل مسائل محددة أو عامة. والناس فريقان في الأنظار إليه فأما الدوائر الشعبية - في أحد الطرفين - فترى فيه امرءاً " صعب المكسر " (يذكر هو في " فلسفة البلاغة " كيف وصله سيل من رسائل الإعجاب من ملتاثين لا شبهة في لوثتهم حول كتابه " معنى المعنى ") وهو في أقصى الطرف الثاني أي في نظر خير نقادنا مصدر كثير من الاستطلاعات العظمى والأخطاء الفذة. ولكن يبدو انه من غير المعقول أن يقول رتشاردز بهذا القدر من الأثمار ثم يكون خاطئاً بالقدر الذي يحسبونه؛ والرجال الذين استغلوا مصطلحاته ورسائله الفنية وهم يعتقدون انهم في الوقت نفسه يستطيعون أن يطرحوا أفكاره عن الأدب جانباً، إنما هم ضحايا مغالطة منطقية، ذلك لان مصطلحاته ووسائله الفنية هي نفسها أفكاره عن الادب، وشجرة التفاح الخاوية لا تستطيع أن تعطي ثمراً صالحاً كهذا الذي اعطته، فيما يبدو.
بقيت بضعة مظاهر من إنتاج رتشاردز في حاجة إلى جلاء. وأبعدها عن مجال التكهن اهتمامه الكبير بالشرق، فقد كان أستاذاً زائراً بجامعة شنج هوا في بكين، بالصين خلال سنتي 1929، 1930 يدرس الإنجليزية الأساسية ويدرس الفكر الصيني، ويعمل في إنجاز كتابه عن منشيوس
(2/174)

ثم كان في بكين مرة أخرى عام 1937. وفيما بين هذه التواريخ كان مسؤولا، فيما يبدو، عن إغراء إمبسون بالتعليم في الشرق. وقد اهتم رتشاردز كثيراً بالفكر الصيني، وبخاصة فلسفة كونفوشيوس، منذ البدء. ويسجل اليوت في " فائدة الشعر وفائدة النقد " ان كونفوشيوس نجح في الجمع بين زملاء غير متجانسين ويقول:
مما يستحق أن انوه به عابراً أن المستر رتشاردز يشارك في اهتمامه بالفلسفة الصينية كلا من عزرا بوند والمرحوم أيرفنج بايت. هذا وان البحث في محط اهتمام مشترك بين ثلاثة مفكرين، يبدون غير متقاربين، أمر يستحق الجهد فيما اعتقد. وهذا مظهر يشير، على الأقل، إلى محاولة انتزاع النفس من الموروث المسيحي، ويبدو لي أن بين أفكار هؤلاء الرجال الثلاثة تشابها طريفاً.
وأول كتاب من كتب رتشاردز " أسس علم الجمال " يفتتح ويختتم باقتباسات من " تشنج يونج " أي مبدأ التوازن والانسجام، وهذه الاقتباسات هي في الحقيقة عظم نظريات المؤلف ومحور الكتاب. واقتبس رتشاردز في كتبه التالية من كونفوشيوس ومنشيوس وتشوانج تزو وغيرهم بانتظام، وعالج في كتابه " آراء منشيوس في العقل " - بطبيعة الحال - الفكر الصيني على نطاق واسع وأرفق بالكتاب ملحقاً من أربع وأربعين صفحة مكتوبة بالحروف الأصلية. لكن إلى أي مدى يبدو لديه الفكر الصيني هاماً؟ يمكن أن نتصور ذلك من إحدى رسالاته إلى مجلة " بارتزان "، وهي في مقدار صفحة ونصف صفحة وقد صدرها بعبارة مقتبسة من تشوانج تزو ولعلها الرسالة الوحيدة التي نشرتها مجلة أميركية مصدرة على هذا النحو.
وقد يلحظ المرء عابراً، دون أن يغوص متعمقاً الأسباب في تعلق
(2/175)

رتشاردز بالفكر الصيني، أن اعتدال الفكر الصيني واتزانه قد يكونان سبباً وجيهاً في اجتذاب مفكر وقف جهده على التوفيق بين أرسطوطاليس وأفلاطون، وبنثام وكولردج، والمادية والمثالية، والواقعية والظاهرية، والوضعية واللاوضعية، والطبيعية وما وراء الطبيعية (وهو نفسه قد أقر مرة أثر مرة انه يقوم بهذا العمل) .
أن هذا الإخلاص للتوفيق بين المتناقضات الجدلية وللمبدأ المبين في " النقد التطبيقي " حيث تنبثق الحقيقة من بين الأخطاء المتعارضة هو الذي صنع طريقة رتشاردز المتميزة، تلك الطريقة التي يسميها أحياناً كثيرة باسم التعريف المتعدد، والترجمة المتعددة، والتفسير المتعدد (ونسميها نحن " المعنى المكثر ") . وكل كتاب من كتبه يمثل " مائدة) فكرية تجلس إليها كثير من الآراء المتعارضة. فأما " أسس الجمال " فيرتكز على فهرسة مصنفة مفسرة لكل تعريف قيم من تعريفات " الجمال ". وأما " معنى المعنى " فيعيد في أساسه هذا الشكل المفهرس من التصنيف ويقوم بنفس المهمة حول كلمة " معنى " كما يوجد كل مصطلح ضروري عن طريق التعريف المتعدد، في ترجمة من الإنجليزية إلى الإنجليزية. ويعتمد " مبادئ النقد الأدبي " بقوة على جمع تعريفات الآخرين للمسائل التي يبحثها رتشاردز، ومنها يستنبط تعريفه، فثلما فعل في تعريفه المشهور " للقصيدة ". ويورد " آراء منشيوس في العقل " تفسيرات متعددة لعبارات مستمدة من منشيوس حتى هربرت ريد، ويجمع القرارات المتعددة لمصطلحات مثل " جمال " و " معرفة " و " صدق " و " نظام "، ويقوم " رأي كولردج في الخيال " بأداء الشيء نفسه في كلمة " خيال ".
وكل كتبه، بما في ذلك مؤلفاته في الإنجليزية الأساسية، ترتكز على التمييزات المتعددة أو التعريفات للكلمات الرئيسية بالإنجليزية الأساسية، فمثلا ليس " التفسير في التعليم " مشبهاً " للنقد التطبيقي " من حيث انه " مائدة "
(2/176)

للمسودات فحسب، بل أن رتشاردز نفسه يملؤه بالترجمات المتعددة لجمل تبدو بسيطة. وقد يلحظ المرء هذه الظاهرة نفسها في شكل أوضح وهو غرام رتشاردز في استعمال المقتبسات التصديرية (هذا المظهر مبالغ فيه بعض الشيء في الرسالة التي كتبها إلى مجلة بارتزان) فكتاب " معنى المعنى " يبتدئ بإحدى عشرة اقتباسه تصديرية على الصفحة المواجهة للصفحة الأولى. وكل فصل يفتتح باقتباستين أخريين أو بثلاث. ويكاد كل فصل في كل كتاب ألفه يكون مفتتحاً باقتباسه جديدة أو اثنتين أو ثلاث وينتج عن هذا كله أن يحوي الكتاب من كتبه مجموعة مختارة من أفكار هذا أو ذاك. وإذا أدرك المرء أن هذا، على وجه الدقة، هو ما عمله أوغدن بانتظام من اجل الفكر الحديث - على الأقل - في السيكولوجيا التركيبية وفي " المكتبة الأممية للسيكولوجيا والفلسفة والمنهج العلمي " وفي سلسلة " تاريخ الحضارة " وفي مجلة " نفس " وفي النشرات النفسية المبسطة Psyche Miniatures وفي مكتبة الإنجليزية الأساسية وفي غير هذه كلها - إذا أدرك المرء ذلك كله أحس بمعنى توحيد الجهود بين الرجلين وأثره في الإكثار من المقتبسات التي تتسرب من خلال " المنفذ الضيق " - نسبياً - في الإنجليزية الأساسية. لقد كان دستور كل من رتشاردز وأوغدن، دائماً هو: من صراع الأفكار المتضاربة تنبثق الحقيقة. وهذا الدستور مقنع أكثر من أن يقال: من صراع الأفكار المتضاربة تنبثق الحقيقة إذا كانت تترجم بسهولة في 850 كلمة عظيمة.
وهذا يقودنا إلى مشكلة انشغاله بالإنجليزية الأساسية، وهو ناقد أدبي. ولنقل دون تذرع باللطف: يبدو انه ليس ثمة من وجه للتوفيق بين الاثنين، فإذا استمر يعمل بالإنجليزية الأساسية طرح النقد جانباً، وتنازل عن مكانته، مكانة خير نقادنا الأحياء. ويبدو أن مبدأ الإنجليزية الأساسية في النقد، كما لحظنا في الفصل السبق من إمبسون، سطحي
(2/177)

في خير أحواله؛ وهو خداع في شر أحواله، وهو حتى في يدي رتشاردز وإمبسون عقيم لم ينجب استبصارات نقدية ذات قيمة خاصة. وقد أقر إمبسون - متكرهاً - أن الشعر لا يمكن أن يكتب بالإنجليزية الأساسية لأنه بحاجة إلى أفعال مركبة، وبالمثل يمكننا أن نقول أن النقد بحاجة أيضاً إلى أفعال مركبة. الفن " عمل " جدلي ديالكتيكي كما عرف كل امرئ منذ أرسطوطاليس حتى رتشاردز، والنقد أيضاً " عمل " جدلي ديالكتيكي كما عرف كل امرئ منذ أرسطوطاليس حتى رتشاردز، حتى أن رتشاردز بخاصة قد كرس كل مؤلفاته لتأثيل هذه الحقيقة. و " الأعمال " أفعال وتحتاج أفعالا لتصفها وتخبر عنها، أما الإنجليزية الأساسية من الناحية الأخرى فإنها لغة الأسماء، لغة " الحالات " أو " المواقف " تحمل فيها الأسماء كل المعاني، ويحاول المعبر بها أن يقتر في استعمال الأفعال ما أمكنه (نستطيع أن نرى الآن أن بذور هذا الصراع كانت موجودة منذ ان صدر " أسس علم الجمال " وبعد أن عرف أوغدن ورتشاردز الجمال في مصطلح التجربة كله بأنه توازن عضوي " للأعمال " الضمنية انتهيا إلى انه يؤدي إلى " حال " من التوازن العضوي) ولما تطور هذا الميل الجديد في مرحلة الإنجليزية الأساسية كان مصحوباً بانتقالة من أرسطوطاليس إلى إفلاطون، من العمل الواقعي إلى الحال المثالية ومن ثم أيضاً انتقلا من الأخذ بتقييم أرسطوطاليس للشعر إلى تقييم أفلاطون. هل أدرك رتشاردز أي شيء من هذا، من المستحيل لينا أن نعرف مدى ذلك؛ نعم انه خطا خطوة ملموسة واحدة على الأقل لإنهاء هذا الصراع، وتلك الخطوة هي أنه قضى حقبة من الزمن تخلى فيها عن كتابة أي نقد أدبي، ولم ينحرف عن هذه الخطة إلا مرتين صغيرتين.
وتبقى لرتشاردز مهنة التعليم وكانت من قبل غلافاً في إنتاجه فأصبحت
(2/178)

لباً. كان " خلاصنا " من قبل في يد الشعر، فاصبح اليوم في عهدة " التعليم " " اعظم الجهود الإنسانية ". كان " معنى المعنى " يصوب إلى مهنة التعليم نظرة قاصمة، مهيئاً مادة تجعل افراد هذه المهنة " يفكرون " (كان بمعنى من المعاني نكتة " عملية " طالما أحتبسها الأستاذ في صدره حتى طبقها على تلامذته) أما " التفسير في التعليم " فانه إسهام في " مكتبة أصول التدريس " وهناك نوع من الكتابة غير موجودة في تلك المكتبة "؛ يقول رتشاردز:
أنه هو ذلك الوصف الذي قد يتناول بصراحة ونزاهة طرق الأساتذة في تصحيح إنشاء طلبتهم ومناقشتهم فيه، ويفصل في التفسير الذي يقدمانه حول تلك التصحيحات؛ ولو انك قارنت المجلات التربوية الفنية بالمجلات التي تتحدث عن طب الأسنان، في هذه الناحية، لوجدت الأولى هزيلة رديئة. ذلك لأنها تزخر بالتفسيرات المكرورة للمبادئ، ولكن أين نستطيع ان نجد تاريخ القضية الذي يفصل العلاج الموصوف لفقرة مضطربة؟ ان طبيب الإنسان قادر على أن يدل زملاءه كيف يعالج سناً متعفنة، أما المدرس فانه فيما يبدو لا يرضى أن يعترف في إسهاب، بكيفية نقده لمقال رديء. ذلك لأنه إن فعل ذلك، أثار من حوله تعليقات قد تكون مربكة، ولكن الرجل المؤمن بمبدأه لا يجفل من ذلك. والمعلومات التي قد تنتج من تنظيم دراسة الاضطرابات الهامة وسوء الفهم - بحيث تصبح مظاهر منظمة في الأدب المحترف، كما ينظم وصف الإجراءات في المجلات المتصلة بطب الأسنان، - أقول أن تلك المعلومات قد تحدث ثورة في التطبيق. وإذا تم هذا، صح لنا حينئذ ان نفيد من أخطاء بعضنا البعض، مثلما كان
(2/179)

أطباء الأسنان - وما زالوا - يفيدون.
حقاً عن هذا نوع من الانحدار نزل فيه رتشاردز من ناقد جرئ يريد " أن يبعث في الشعر إنعاشاً عاماً " إلى رجل يقارن، الطرق " الهامة " التي تستعمل في تثبيت سن متعفنة. ثم مضى ينزل في سلمه الجديد، بعد ما تغير ميزانه حتماً، فإذا به ينتهي في النهاية إلى رجل يسهم (1940) في المونوغرافات التربوية عن " القراءة وتطور الطالب " أو ينافس مورتمر أدلر، والتفاهة التي تسمى " مائة كتاب عظيم " و " كيف نقرا كتاباً " How To Read a Book (وقد زينت هذه قراءة كتابه نفسه، مع تحفظ واحد هو انه لم يدلنا " كيف نقرا كتاباً ") فيقدم في الرد على هذه التفاهة، تفاهة جديدة سماها " مائة كلمة عظيمة " و " كيف تقرا صفحة " (وهو يوحي بان " وصفات " عصبة أدلر قد لا تتعمق جذور المشكلة) .
أن رتشاردز ذو نصيب من سعة الإطلاع هائل يكاد لا يساويه فيه احد، فليس هو فحسب ملماً بالأثني عشر ميداناً التي أشرنا إليها قبلا، وجعلها ملكاً له، بل انه يكاد أن يكون قد غزا كل مجال آخر من مجالات المعرفة. ولنمثل على ذلك بنقطة صغرى فنقول أنه ليس كفئاً فحسب ليقتبس من الطبيعيات النظرية بثقة نفسية، ولكنه قادر أيضا على أن يقتبس " المادية والنقد التجريبي " بنفس تلك الثقة. غير إن اتساع معرفته قد تمخض، في الوقت نفسه، عن عجز يحول بينه وبين أن يتمسك بوجهة من وجهات النظر في وقت ما، ذلك لأن نسبية الفكرة التي ترى أن كل وجهة نظر فهي صحيحة نوعاً ما، تستتبع حتماً إن أية وجهة نظر لا يمكن أن تكون تماماً صحيحة.
وقد كان لدى رتشاردز دائماً نوع من التهاون الغريب الولوع نحو الأفكار (وهو هذا المظهر من التهاون الذي قد يحشي هوامش " معنى
(2/180)

المعنى " " بحكايات احتقارية " عن الذوق المشبوه) وهذا بمعناه الواسع عدم تقدير للمسؤولية الاجتماعية لا تلمسه ولا تلطفه المسؤولية الاجتماعية، بل تكريس الجهود التي نراها في تهيئة الثقافة والحكومة العالمية والسلم للعالم، وذلك بوقف حياته كلها على التعليم والإنجليزية الأساسية. فبهذا المعنى الواسع يصبح " الإكسير " الشافي الذي يصور أقصى المسؤولية لا مسؤولا لأنه في الحقيقة يحتقر هذا العالم الكبير المعقد إذ يفترض يمكن أن يعالج " بدواء " واحد.
أما الشعر الذي كان طريق " خلاصنا " فلم يكن ذلك النوع من الإكسير عند رتشاردز، لأنه يتضمن كل تعقيدات العالم ومتناقضاته، وكانت مهمة الناقد، أن يزيد، من خلال الحب والجهد. القدرة العامة على تحقيق التجربة الشعرية في شكلها الكامل لا أن يبسطها أو أن يترجمها ميسراً. وقد ظل رتشاردز حتى في أشد أحواله تعلقاً لالعلم، المثل الأعلى للرجل الذي نجته خصائصه الشخصية من صرامة طريقته نفسها (ظاهرة إنجليزية يمثلها على نحو اقل كل من مود بودكين وكودول) فكانت النتيجة النهائية من كل آلية معنى المعنى "، كما تقدم القول، إعادة الأحوال والظروف " التي يمكن في ظلها إنعاش الشعر " وهدف كتاب " المبادئ " إلى شعر أحسن، وتجربة أحسن، يجعل الشعر " اقدر "، وبتعميق المتعة فيه " في مناسيب كثيرة ". وألح كتاب " العلم والشعر " على " معرفة حارة بالشعر " فتلك هي ما يحتاجه الناقد بالإضافة " إلى قدرته على تحليل سيكولوجي هادئ ". ولما طبعت مجلة فوريوزو (ربيع 1940) رسالة من رتشاردز إلى تلميذه السابق رتشاردز إبرهارت عن قصيدة لإبرهارت عنوانها " تأمل " كانت تلك الرسالة نقداً بانياً فنياً مباشراً، من النوع الذي قد يكتبه شاعر لآخر، وهي مليئة بمعرفة " حارة " في الشعر واهتمام بالغ به. أما الانطباع الذي قد تتركه محاضرة
(2/181)

برنستون " تفاعل الكلمات " في نفس القارئ (وهي آخر نقد نصي لرتشاردز يتناول قصيدة، فيما أعلن) فهو إلى أي درجة كانت " الذكرى السنوية الأولى " للشاعر دن عجيبة مدهشة بالغة القيمة في نفس رتشاردز.
أن الذين نقدوا رتشاردز بحدة (إلا القليل النادر منهم) قد كانوا ينهون نقدهم دائماً بتقديرهم بكفاءاته الشخصية ودقة إحساسه بالشعر. فكتب بلاكمور يقول: " ناقد محبوب لا ينافسه أحد في حبه للشعر ومعرفته به ". ويقول تيت: " أما قواه العقلية الكبرى وعلمه واحتفاله بالشعر - وهو احتفال معوق بعض الشيء، وأن كان متميزاً اليوم مثلما كان قبل خمسة عشر عاماً - إنها كلها خصائص من النزاهة الفكرية التي قلما تقع عليها في أي عصر ". وينتهي هربرت مللر إلى هذا القول: " كانت النزعة الكبرى في تفكيره أن يقيم بين الفن والرغبات الكبرى الأخرى علاقة حية، ويحقق بذلك حرية أكثر وكمالا أزيد في الحياة ". أما آرثر ميزنر فانه يقول عنه في سياق هجومه الحاد (المجلة الجنوبية، خريف 1939) : " لقد حاول المستر رتشاردز، كأي امرئ في عصرنا يبذل من الجهد ما وسعه، أن يثير نحو الشعر رغبة واضحة نبيلة ". وينتهي إلى قوله: " أن المستر رتشاردز في خير أحواله عزيز القرين ". ومن ثم ترى ان هناك إطراء عاماً للرجل نفسه، مثلما وجدنا استفادة عامة من نقده وهجوماً عاماً على أفكاره. ومن المجمع عليه أن شخصيته وذكاءه وإحساسه وظرفه، أمور قد خلصت نقده من أي خطر واجهه، وكل ما نرجوه أن تنجيه الآن من آخر الأخطار وأشدها ضرراً، اعني التضحية بالنقد من اجل " الإكسير " الذي يخلص العالم، وإذا عجزت تلك الخصائص، وإذا لم يعد رتشاردز إلى نقد الأدب، فما يزال لدينا في كتبه الأولى إنتاج يضاهي اجمل ما أنتجه عصرنا، وإنتاج آخر يخطف البصر، فائضاً عنه. وهذان الاثنان ليسا في خطر.
(2/182)

الفصل الحادي عشر
كنث بيرك
والنقد المتصل بالعمل الرمزي
1
- كان كنث بيرك يصر أحياناً على أن الكتاب جملة واحدة امتدت واستطالت، فان صح هذا كانت الطريقة النقدية تهيئة للمادة التي تتناول تلك الجملة. وفي الحق أن لدى بيرك عدداً من الجمل أي لديه عدد من الطرق النقدية في كل كتاب من كتبه ولكنا لو اخترنا جملة واحدة منها نحدد بها طريقته لكانت هي قولة: إن الأدب عمل رمزي: كلمتان اثنتان تطور بينهما فكان في البدء يؤكد " الرمز " وكان في أواخر أيامه يؤكد " العمل " وقد استعان بما قيض له من غنى وخصب على أن يستغل كل " الحيل " النقدية، فأما أن نجعله ممثلا لكل مظهر من مظاهر النقد الحديث وأما أن نحده إعتسافاً باتجاه واحد فنتخذه ممثلا للتعبير الرمزي الذي كان خير ميادينه وفيه بز من عداه من النقاد فلم يدرك أحد منهم شأوه. ولقد كتاب ذات يوم مقالا بعنوان " مشكلة القيمة الذاتية " ثم جعله ملحقاً بكتابه " نحو الدوافع " وفيه يقول دون حيطة أو تهيب: " بدأت الحديث عن
(2/183)

ثلاثة ميادين هي: النحو والبلاغة والرمز وأنا أرى إن النقد الحديث ربما لم يستطع ان يقدم شيئاً جديداً حياً لدارس الأدب إلا في الميدان الثالث ". بيد أن هذا القول غير صحيح - وأن استغل معنى الحيوية في عبارته هذه - ويشهد كتابه على عدم صحته، ولكن مهما يكن من شيء فهو يشير إلى الجدة المدهشة التي تبدت في دراساته للعمل الرمزي حتى أن من يقرؤه لأول مرة يحس إحساس من استكشف أرضاً جديدة لم يكن رآها من قبل خلف منزله.
وأول كتاب نقدي أصدره بيرك سنة 1931، عنوانه " مقولة مضادة " Counter Statement وفيه وضع أكثر المبادئ والاتجاهات التي طورها من بعد وسماها " مضادة " لأنها كانت حينئذ (وما تزال) تمثل رأي الأقلية. وهذا الكتاب مجموعة من المقالات: بعضها مما نشره في المجلات ثم أعاد فيه النظر، وهي بعامة تتناول مشكلات أدبية عامة وتشتمل المنهج السياسي المتضمن في مبادئه النقدية، وتدور حول أدباء بأعيانهم وهم فلوبير وباتر ودي غورمونت ومان وجيد. ولا يزال مبدأ " العمل الرمزي " فيها في بدايته إلا أن بيرك دائم التلميح غليه كأن يقول: أن اهتمام جيد بالشذوذ الجنسي جعله من السياسيين الأحرار لأنه درب لديه إحساسه بالمفارقة والتفرد. أما غورمونت فان مجاوزته الحد فيما يكتب غنما نجمت عن عزلته وكونه مصاباً بالجذام. ويقول أيضاً: أن كاتب السيرة يستقطب مشكلاته الذاتية حين يختار أن يكتب عن نابوليون، وهلم جرا. كذلك فان بيرك يلمح إلى بعض الطرق والوسائل التي سيطورها من بعد في دراسة العمل الرمزي ومن أبرز تلك الطريق جمع الصور في قرائنها، كأن يلحظ كيف تعبر كلمة " المستقبل " عند شيكسبير عن نذر الشر - أي توحي بقرائن سيئة - بينا هي توحي بالثقة عند براوننج، وكيف تكون كلمة " العفريت " عند كيتس موحية بالغلبة والسيطرة بينا هي عند
(2/184)

تنيسون مقترنة بالأمان وانعدام الأذى.
غير أن اهتمام الكتاب متوفر على البلاغة، واصطلاحاته متوجهة إلى التفرقة بينها وبين النحو: فهناك التفرقة بين " خطابي " و " واقعي "، وبين " سيكولوجية الشكل " و (سيكولوجية الخبر " وهكذا. ولست تجد في الكتاب حديثاً صريحاً عن " الرمز " بل أن بيرك ليقول ان الفن ليس تجربة وإنما هو شيء مضاف إلى التجربة، وحين يقول ذلك يؤكد مبدأ معارضاً لمبدأ العمل الرمزي، لكنه حين يعود فيهاجم العلية القاتصادية، يعود فيضع نواة المبدأ الثاني هذا - مبدأ العمل الرمزي - فيقول:
" إن الفن أو الأفكار فيه " تعكس " موقفاً ما لأنها - بمعنى من المعاني - تعالج موقفاً ما. فإذا حل امرؤ مشكلة لم يجز لنا ان نقول إن حله لها " مسبب " عن تلك المشكلة. نعم إن المشكلة نفسها قد تحدد طبيعة حله ذاك، ولكنها تستغلق على الحل إلى الأبد إلا إن " أضاف " شيئاً إلى الحل. ومثل ذلك يقال في طرق المشاعر أو طرق النظر التي يستغلها المفكر أو الفنان في معالجة موقف ما. فان كلا منهما يستغل مجموعة من الألفاظ ويكشفان عن رموز يحاولان من خلالها الإحاطة بالموقف، ويظهران نحو الموقف نزعات تكيف أنواعاً من العمل، وكل هذه الأمور ليست " مسببة " عن الموقف الذي يضطلعان بمعالجته ".
ماذا هنا في هذه العبارة سوى الإيمان بان الآثار الفنية " خطط عسكرية " للإحاطة بالمواقف المختلفة - أي أنها عمل رمزي.
ولهذا الكتاب الذي نتحدث عنه أهمية أخرى سوى إشادته بدور البلاغة في الفن وتلميحه إلى الرمز، وتلك هي انه يدافع عن الشعر ضد من ينتقصونه على نحو لم يضطلع به سدني وشللي لان خصومهما المتنقصين للشعر كانوا اقل حذاقة ودراية. عشر صفحات كاملات يدبجها بيرك ليميز أخلاقياً بين توماس ومان وأندريه جيد ثم ينتهي من ذلك إلى
(2/185)

تحكيم الحد الفاصل بينهما استهانة بقيمته. ويسود صفحات أخرى يظهر فيها من خلال النغمة الساخرة الغايات التي يراها مرامي للحياة الفاضلة.
ذلك هو الكتاب الأول. أما الكتاب الثاني فعنوانه الرئيسي هو " الثبات والتغير " وعنوانه الفرعي: " تشريح للغايات ". وقد ظهر عام 1935، وهو أقل كتبه حظاً من الصبغة الأدبية. ومن العسير أن ننسبه إلى فرع من فروع الأدب والعلم: أتراه سيكولوجيا اجتماعية او تاريخياً اجتماعياً أو فلسفة أو اتجاهاً أخلاقياً أو نزعة دنيوية أو ماذا؟ فهو يدور حول " الغايات " أو " الدوافع " المستكنة خلف " النزعات " أو " الخطط ". وهو مؤلف من أقسام ثلاثة: عنوان القسم الأول منها " في التفسير " ويشمل نقداً لمجالات من الحياة لا من الفن، وعنوان الثاني " منظورات من خلال التباين "، وهو كشف عن الطبيعة المجازية للنزعات والخطط وعن مراتب المعاني. والثالث هو " أسس التبسيط " وهو منهج نقدي وضعه بيرك ليوضح الفوضى التي تعرض لها في القسمين السابقين، ويضع لها حداً. فهو إذن كتاب عن المجتمع والعلائق الاجتماعية ولكن محوره " الإنسان الفنان " ولذلك فهو يعالج المشكلات الاجتماعية بمصطلح نقدي شعري فكان الجملة التي أبتدأ بها حتى امتدت واستطالت هي " كل الأحياء نقاد " وكأن القسم الأخير منه يعود فيقول: " كل الناس شعراء ". وفي القسم الثاني منه تعرض بيرك لكل ما يريد أن يقوله عن العمل الرمزي فنبه إلى أن قطع شجرة سامقة - وهو موضوع من احب الموضوعات إلى نفسه - قد يكون تعبيراً رمزياً عن قتل الأب. وان نوبات الدوار الحادة التي كانت تهاجم دارون - مثلها مثل عمى جويس - قد تكون تعبيراً رمزياً عن العذاب النفسي على ما في كتابه من " زندقة " وأن عمالا مثل تسلق الجبال ومصارعة الثيران وبناء الإمبراطوريات كلها تحتوي عناصر رمزية أساسية، وأن مذهب مكدوغل النفسي القائم على:
(2/186)

التكامل - والانفصام إذا ما قسته إلى طبيعة تكوين الإمبراطورية البريطانية بدا لك تمثيلا لها، ومن ثم فأنه مذهب ناجع في علاج المرضى من البريطانيين. وعلى الرغم من هذه التفسيرات الرمزية في الكتاب تجد أن بيرك لم يفارق بعد القول بان الآثار الفنية " خطط عسكرية " بل أن الكتاب لينحو إلى أن يستعمل لفظة خطة بمعنى " حيلة ".
غير أن أهم مبدأ يدور عليه هذا الكتاب هو مبدأ " المنظورات من خلال التباين " وتفسير هذا ان ترى شيئاً ما من خلال شيء آخر ليس هو الأول، وهذا هو المجاز - أو هذه هي العلاقة المجازية - يقول بيرك:
ما دامت وثائق العلوم تتراكم على مر الزمن أليس من حقنا ان نرى كل آثار البحث العلمي بل كل المذاهب العلمية ترديداً مثابراً لمجاز خصب غني - مهما تتعدد تشعباته -. ألم نعتبر حيواناً وثالثة لبنة سياسية أو اقتصادية ثم قلنا انه آلة، وهكذا اتخذنا مثل هذا المجاز بل اتخذنا مئات المجازات رمزاً لصف لا ينتهي من المعلومات والتعميمات.
ويقول بيرك انه لحظ نقل هذه العلاقات المجازية أولا عند نيتشه ثم عند تلميذه اشببنجلر إذ وجدهما يحوران مصطلحاً من قرينته الطبيعية إلى قرينة أخرى، فيتضح مفهومه ولكنه يكون مع ذلك تحويراً جريئاً، كالحديث عما يسمى " التقشف والتبرر العربي " أو ما يسميه اليوت " الروح الرياضية المنحلة " أو ما يسميه فبلن " العجز المدرب ". ويمط بيرك من هذا المصطلح في كتابه أثناء التطبيق حتى ليشمل لديه مبادئ مثل " الولادة الجديدة " وهي العمل الرمزي الأكبر في كتبه الأخيرة، فيقول:
" حين نقيم مجموعة من المعاني الجديدة نرى في الفن نوعاً آخر من
(2/187)

التقاعس والتراجع، ذلك أن الفنان يعود فجأة فيراجع ذكريات شبابه لان هذه الذكريات تجمع في ذاتها عنصري الألفة والغرابة، وربما كانت لحظات هذه الولادة موجودة عند كل إنسان، فهي زاوية جديدة من الرؤى ينجلي لديه فيها ما كان منسياً ويصبح مفيداً ملائماً ومن ثم يعود فيحيا في ذاكرته. ومن ثم ارى أن الولادة الجديدة والنظر من خلال التباين أمران مترادفان لأنهما يمثلان عملية من التحول أو الانبعاث ".
وفي كتاب " الثبات والتغير " أيضاً قسط واف من البحث الأدبي العام أما الإشارات الأدبية الخاصة فإنها تكاد تكون عارضة، لا ترد إلا للتمثيل أو المقايسة، ولا يدور حولها بحث مستفيض. فمثلا يشير بيرك إشارة عارضة إلى رمز الجبل عند نيتشه في " الجبل السحري "، ويلمع إلماعاً إلى بعض ما يستخدمه شيكسبير من وسائل أسلوبية، وإلى أن همنغواي يعمد عمداً إلى وصف العرف بأسلوب جين أوستن الرقيق المرهف ويشير أيضاً إلى عدم جدوى التعاويذ والرقى التي يطلقها كل من سويفت ونيتشه ليطردا " العفاريت " التي تسيطر على نفسيهما، ويلمح إلى موضوع " الهوة الفاغرة " الذي يتردد عند كل من اليوت وملتن وهارت كرين وينبه إلى سعي لورنس لإقامة " البناء الكوني الأخلاقي ". ولا يقتبس بيرك شيئاً من نثر أو شعر اللهم إلا اقتباساً من قصة عنوانها " الأصحاب " من تأليف أدوين سيفر ومن عجب انه يقف عند هذه القصة الاجتماعية ويناقشها في شيء من الإسهاب.
وحسبنا هذا التعريف بالكتاب الثاني. أما الكتاب الثالث فعنوانه " نزعات نحو التاريخ " Attitudes Towards History - وقد نشر عام 1937 وهو احفل كتبه بمصطلح العمل الرمزي وسنتحدث عنه فيما يلي بشيء من الإسهاب. ويليه من حيث الزمن كتاب رابع عنوانه " فلسفة الشكل الأدبي " The Philosophy of Literary Form وقد ظهر في عام
(2/188)

1941 - وعنوانه الفرعي " دراسات في العمل الرمزي " وقد نعده ملحقاً للكتاب الثالث يوضح مبادئه النظرية ويضعها في مجال التطبيق العملي. وإذا استثنينا منه المقال الذي يحمل عنوان الكتاب نفسه، فانه لا يعدو ان يكون مجموعة من المقالات والمراجعات التي نشرها صاحبها في حقبة سابقة. أما الوشيجة التي تربط بين تلك المقالات فهي دورانها جميعاً " حول العمل اللغوي أو الرمزي أو الأدبي ومحاولتها إيجاد طرق أدق لتحديد مثل ذلك العمل " وبعبارة أعم " تحديد العمل الأدبي المفرد بعون من نظرية تفسر العمل الأدبي العام ". ولا تزال همة بيرك معلقة بما يسميه " الخطط) أو " النزعات ". إلا أن هناك تطوراً في طبيعة المجاز الذي يستعمله فقد كان يقول في الكتاب الأول أن " الإنسان خطابي " وقال في الثاني: (الإنسان فنان " وفي الثالث " الإنسان ذو رموز " في الرابع: " الإنسان محارب ". وأول صفحة في كتابه الرابع هذا تحاول أن تفرق بين ما يسمى " خططاً " وما يسمى " مواقف " وقد جاء فيها:
" أريد بادئ ذي بدء لا فرق بين " الخطط " و " المواقف " لأني أرى الشعر (والشعر هنا كل اتجاه تخيلي أو نقدي) اتخاذا لمختلف الخطط من اجل الإطاحة بشتى المواقف. وتلك الخطط هي التي تعين قيمة المواقف وتسمي بناءها وتعدد عناصرها البارزة. وهي حين تسميها أو تعددها تنطوي على نزعة ما نحوها.
وهذه النظرة لا تلمنا بأي وجه إلى الذاتية الشخصية أو التاريخية، ذلك لأن المواقف أمور واقعية والخطط التي تعالجها تتضمن محتوى عاماً، ومهما تتداخل المواقف بين فرد وفرد وبين حقبة تاريخية وأخرى فذلك لا يؤثر على طبيعة الخطط نفسها لأنها تتمتع بعمومية تجعلها صالحة لكل فرد وكل زمان ".
(2/189)

وفي ذلك الكتاب مقال عنوانه " الأدب حين يكون عدة للعيش "، وهو يتضمن محاولة لتحديد النقد الاجتماعي - أي النقد المعتمد على علم الاجتماع - وفيه يقترح بيرك أن يصنف الآثار الفنية حسب مصطلح الخطط الأساسية التي يجدها في الأمثال: فهي " خطط لاختيار الأعداء والأصدقاء، والتجنب العين - عين الحسود - وللتطهر والتكفير وللتقديس وللتبصر والانتقام وللوعظ والإنذار ولهذا أو ذاك من التعليمات والأوامر ".
وهذه الخطط وغيرها هي الأعمال الرمزية الأساسية في الفن، ويعرف بيرك العمل الرمزي بأنه " رقص النزعات والميول " ويحاول أن يميز بعناية بين هذا العمل الرمزي وما هو عمل " واقعي "، فيقول:
ثمة فرق - فرق جوهري - بين بناء بيت وكتابة قصيدة عن بناء بيت، ثمة فرق بين كتابة قصيدة عن إنجاب الأطفال، وإنجاب الأطفال، فهناك أعمال عملية واقعية وهناك أعمال رمزية، (وفي هذين الطرفين المتباعدين يتضح الفرق بينها دون عناء، ولكنا يجب ألا نغفل عن هذا الفرق في المنطقة المتوسطة حيث تتخذ بعض الأمور العملية لنفسها عنصراً رمزياً كأن يشتري شخص شيئاً لا ليستعمله فحسب بل ليكون ما اشتراه شاهداً على انتسابه إلى طبقة اجتماعية معينة) .
ويصنف بيرك العمل الرمزي في ثلاث مراتب: المرتبة الأولى هي الجسدية أو البيولوجية وتشمل نطاقاً واسعاً يمتد من الأرق إلى التجربة الحسية الكاملة التي يمارسها المرء نحو قصيدة ما كالإحساس بالظمأ عند قراءة قصيدة " الملاح القديم "؛ والمرتبة الثانية هي الشخصية أو العائلية وتتضمن العلاقات بالأبوين وغيرهما من الأشخاص الأقرباء؛ والمرتبة الثالثة هي مرتبة المجرد كالانضواء القائم حول رمز الولادة الجديدة. غير إن مصطلح " رمز " هذا موشح بالغموض ولذلك يقترح بيرك أن يضع
(2/190)

بدله لفظة " تعدادي " أو إحصائي بمعنى إن النظرة الإحصائية لعدد من الصور أو لعدد من الآثار تكشف عما فيها من قيمة رمزية بينما يكون الأثر الواحد أو الصورة الواحدة شيئاً " عملياً " لا رمزياً. فإذا درسنا مجموعة من الصور المتداعية أو المتكاتفة، تبينا من ورائها مبنى الدوافع وهي فعالة فيها. وفي آخر هذا المقال نفسه يعدد بيرك الوسائل السريعة التي تعين على دراسة الخطط الشعرية التي يستعملها في كتابه كله. وتشمل هذه الوسائل فيما تشمل " أفراد الخطة الدرامية " والحصول على " المعادلات " المكملة لها في الأثر الفني؛ والتنبه " للنقاط الحساسة " أو " اللحظات الفاصلة " وبخاصة البدء والختام والحل والتعسر وضعف الدوافع والقوة في التنظيم الدرامي؛ وإدراك صور " المخاض " أو الولادة الجديدة، وأخيراً إيجاد " الميزة الفارقة " التي تسم كل عمل رمزي في الأدب بسماته المتفردة.
ويستحدث بيرك في كتابه " فلسفة الشكل الأدبي " مصطلحات جديدة أهمها ما يدور حول مبدأ " القوة " حيث يربط بين كل أنواع القوى في مختلف الميادين حتى ليستطيع كل مصطلح منها أن يقدم للآخر خدمة رمزية. ومن أهمها أيضاً تسمية العناصر الثلاثة في الفن، وهذه العناصر هي: الحلم الذي يمثل العوامل الرمزية؛ والصلاة التي تمثل العوامل الخطابية؛ والمخطط أو عوامل التقويم الواقعي (وربما كان هذا العنصر موافقاً لما يسميه العنصر النحوي) . ومن خلال المصطلح الذي يدور حول " القدوة " استطاع بيرك أن يتنقل من الميدان الأدبي إلى الميدان غير الأدبي مستغلا العمل الرمزي حتى إن المرء - حسب تعبيره ليستطيع: " أن يتزوج أو يغتصب بفن السياسة، ويعلن الحرب بالجدال، ويتفوق عقلياً على غيره إذا استطاع الحصول على مميزات اجتماعية، ويحل ويربط بالمعرفة، ويبرز عضلاته بدخله الاقتصادي؟ الخ "، أما في تلوث الحلم والصلاة والمصور
(2/191)

فإنه يستطيع أن يقيم التوازن بين الرمزي والخطابي والنحوي حين يعالج أي أثر فني.
ثم يغفل بيرك كيف يكون الأثر الفني مؤثراً في القارئ أو كيف يكون معبراً عن منشئه ويكتفي بالنظر إليه في ذاته، في ماهيته، في كيفية تكونه، أي يتجه إلى استغلال وسائل التحليل النحوي دون ما عداها. ومن أمثلة هذا النوع دراسة له عنوانها " في موسيقية الشعر " وفيها كشف حاذق للآثار الصوتية في الشعر، كشف لا يتنبه له الناس ولا يلحظونه ويتضمن أشياء مثل الإشباع والتصغير والتفريغ النوعي وما أشبه. وأكمل قطعة يوردها بيرك مثلا على تحليل كتاب مفرد هي القطعة التي حلل فيها كتابه " كفاحي " Mein Kampf لهتلر وبنى تحليله هذا على ثالوث: المخطط والحلم والصلاة، وقد أبان هنالك بمصطلح نحوي خالص إلى أي حد كان ذلك الكتاب يعكس وقائع الحال في ألمانية وفي الموقف الدولي، ووضع بمصطلح رمزي إلى أي حد كان هذا الكتاب هو قصيدة هتلر الشريرة الكبرى، ووضح بمصطلح بلاغي إلى أي مدى وبأي أسلوب خلب هذا الكتاب الشعب الألماني حتى إنه تحول بالعمل الرمزي الذي كان يخيل لهتلر إنه سيسيطر على العالم إلى شيء كاد أن يكون واقعياً. ويكشف بيرك عن العلاقات بين هذه المصطلحات وبين كيف إن العامل الرمزي عند هتلر - مثل اتخاذه اليهود كبش الفداء - دخل في صميم هذا الأثر ومن ثم أحدث عند القارئ عملاً رمزياً وإنه خلبه حتى استطاع أن " يتحول " به إلى هذا المعتقد. ويمضي بيرك الفاهم لطبيعة هتلر في هذا حتى يعود المشكلة من صعيدها الرمزي إلى صعيدها الواقعي.
وهذا الذي تقدم مثل من تطبيقه الذي يتمرس بأدب غير صالح، غير إن أكثر دراساته الأخرى تعالج أدباً خالصاً، وليست دراساته الأدبية هنا عارضة وإنما هي من صميم غاياته. فهو يحلل أدب كولردج
(2/192)

مسهباً، بوجه خاص، في تحليل قصيدة " الملاح القديم " متخذاً منها شعيرة درامية ذات أهمية كبرى، ويحلل " ربات الغضب " لأسخيلوس بتفصيل ليصور نوع المعنى الشعري الذي يناقض به المعنى " السمانتي "؛ وهو يدرس بلاغة أياجو متمثلا فيها صورة كاريكاتورية للفن الروائي مثلما يتمثل في بلاغة أنطونيو انتصاراً بارعا لهذا الفن. ثم يعالج قصتين معاصرتين إحداهما " الراكب المدلج " Night Rider من تأليف روبرت بن ورن والثانية " عناقيد الغضب " The Grapes of Wrath لجون شتاينبك ليمثل بهما على الوسائل التحليلية السريعة التي يسميها هو " البصمات "؛ ثم هو يحلل الأدباء ابتداء من هوميرس ولكريتس حتى فلوبير ولويس كارول في سبيل الكشف عن مشكلات نقدية أخرى ثم يجعل للكاتب ملحقاً يضمنه مراجعات ليوضح بعض تطبيقه النقدي في مجال القصص والشعر والرواية، بل والرسوم، في هذا العصر.
وآخر كتبه هو " نحو الدوافع) ، صدر عام 1945 وهو أول ثلاثة كتب تتناول العلاقات الإنسانية ويسمى الثاني منها " بلاغة الدوافع " كما يسمى الثالث " رمزية الدوافع " وغاية هذه المجموعة هي الكشف الشامل عن الدوافع الإنسانية وعن أشكال الفكر والتعبير التي تقوم من حول تلك الدوافع وعن غاياتها القصوى التي تتلخص في تخليص العالم من الحرب أي الوصول من طريق الفهم والتفاهم إلى إقصاء كل أنواع الصراع. ومفتاح هذه الدراسة هو " الدراما " أو " النزعة الدرامية "، والمصطلح الذي يستعمله في التحليل هو مصطلح الدراما ويشمل الأركان الروائية الخمسة أي: الفصل والمشهد والممثل والمكان والغاية. أما " النحو " الذي يشمل في المقدمة بضع مئات من الكلمات، تزايدت من بعد حتى بلغت مائتي ألف كلمة - أما ذلك النحو فانه وقوف عند العلاقات الداخلية القائمة بين هذه الاصطلاحات الخمسة و " إمكان تحولها وتنقلها، والمدى الذي
(2/193)

تستطيع فيه أن تتبادل فيما بينها أو تتجمع مترابطة "، حسبما تتمثل فيما يقال عن الدوافع الإنسانية وبخاصة في مجالات المبادئ " اللاهوتية والميتافيزيقية والتشريعية ". أما البلاغي الخطابي فيعالج أثر القول في الجمهور ويستمد مادته من المقامات البرلمانية والسياسية ومنافسات المحررين وأساليب البيع والمزايدة وأحداث " المناوشات الاجتماعية "، أما الرمزية فيتناول مظاهر التعبير النفسي ويستمد مادته من " أشكال الفن وأساليبه ".
وليس من أهداف هذا الموضوع بل ليس في طوقي أنا أن اعرض معالجة بيرك لكبريات النظريات الفلسفية التي استحدثها الإنسان، وحسبي أن أقول هنا أن غايته لم تكن استخلاصاً لخير ما في تلك النظرات أو دفاعاً عنها بل كانت تشيخصاً لها أو " وضعاً " لها في مواضعها، ليستمد من كل فلسفة مفتاحها. كتب يقول: " ليست غايتي في هذا العصر أن ألخص الفلسفات القديمة أو أتحدث عنها ولكني أحاول أن أجد مصطلحات تعد مفاتيح لها جميعاً ". وكانت محاولته في أن يضعها جديداً تتطلب منه أن يبحث عن المجاز الذي يفتح أمامه سر كل نوع من أنواع الفلسفة فافتتح كتابه بالمجاز الذي يفضي إلى مسالة الخلق " الله خالق) ، وانتهى إلى الدساتير السياسية (الإنسان مشرع) بينا كان عظم الكتاب يدور حول الدراما باعتبارها مفتاحاً (أي الإنسان ممثل، وهذا خير من المجاز القديم الذي كان يقول فيه: الإنسان محارب) . وباتخاذه الدراما مفتاحاً فلسفياً استطاع بيرك أن يدرس الأحوال الإنسانية من أتفه صورها حتى يبلغ أقصاها في دراما الخلق والتكوين.
ولم يتهيب بيرك اتساع الفكر الفلسفي بل ذهب يستمد مادته التحليلية من جميع المصادر حتى انه لم يتورع ان يستشهد بذكريات من سلوكه الفردي فهو يذكر مثلا كيف قرأ سانتيانا ورأى في المنام انه سائح يلبس الملابس البيض على شاطئ المتوسطة، ولم يستكبر ان ينقل ظنونه والخطرات اللاشعورية التي كانت تعتريه، وأن يقتبس ملاحظ وأسئلة
(2/194)

وأحلاماً مما كان يطالعه به أطفاله ليوضح مشكلات الفلاسفة. وكثيراً ما كان يوضح اللفظة بالنظر في أصلها القديم وجذرها.
وبالرغم من أن كتابه هذا مخصص " لوضع " الفلسفات في مواضعها فانه ضمنه قدراً مدهشاً من الحديث عن الأدب وبدأه وختمه بالحديث عن إبسن، فتناول في أوله مسرحية " عدو الشعب " لإبسن وحلل في آخره " بير غنت ". وفي سياق الكتاب اقتبس أمثلة من شعر بوب ووردزوث، وأدب كودول وهمنجوي ورتشارد رايت، ودرس حوار " الفيدروس " ليصور قيمة الديالكتيك.
وبعد أن صدر كتاب " فلسفة الشكل الأدبي " أنتقده رانسوم وأبدى ارتيابه في أن تكون الطريقة المسرحية صالحة لتناول الشعر الغنائي. وتلقى بيرك هذا التحدي فحلل قصيدة شللي " أغنية إلى الريح الغربية " وقصيدة وردزورث " على جسر وستمنستر " وألحق بالكتاب ثلاث ملاحق ليصور كيف يمكن تطبيق الطريقة المسرحية على الشكل الغنائي فكان الملحق الأول " مشكلة القيمة الذاتية " وفيه حديث عام على استغلال الطريقة المسرحية في تحليل القصائد الغنائية، والملحق الثاني هو " الدوافع والموضوعات في شعر ماريان مور " وقد طبق فيه مبادئ تلك الطريقة على مجموعة معينة من القصائد الغنائية. أما الملحق الثالث فعنوانه العمل الرمزي في قصيدة لكيتس وفيه عرض لتطور العمل في قصيدة عنوانها " قصيدة في زهرية إغريقية " وهي خير تطبيق مسهب لطريقة بيرك ".
وفي كتاب " نحو الدوافع " بعض القراءات البلاغية والرمزية، فمن أمثلة القراءات البلاغية الخطابية قولهم أن المشرعين يختارون خطة التردد - كتردد هاملت - فيبحثون ويبحثون لكي يتهربوا من الوصول إلى أحكام حاسمة. وإن المنصات السياسية قد تحلل خير تحليل على الصعيد الخطابي لأنها لا تعبأ كثيراً بالنحو. أما الإشارات إلى النواحي الرمزية فمنها قوله:
(2/195)

إن نظريات فلسفة القوة قد تستوحى من " مشكلات الفرد نفسه حين يحس بالفحولة ". وإن رواية " قتل في الكاتدرائية " شعيرة من شعائر التطهير؛ وإن قصيدة سهراب ورستم التي نظمها آرنولد تعكس الوضع المألوف فتجعل الابن يموت بسيف أبه (لأسباب لا تخفى موجودة في ابن توماس آرنولد نفسه) . وأن تساؤل هيوم حول مسألة " النسب " وهو يهاجم مبدأ العلية وإن العقم في ما يستعمله بنثام من ألفاظ إنما يدلان على نظريات " عازبين "؛ وإن فلسفة الذرائعية وما شابهها من فلسفات تتضمن عقدة الميل إلى الأم. أما الفلسفات الغائية فتمثل المرأة الشهوية الناضجة. وإن الانتقال من الشعر إلى النثر في كتاب ما قد يمثل الانتقال من الدور الأمومي إلى الدور العائلي وهكذا.
وقد نشر بيرك بعض المقالات ولم يكن يشد فيها عن مقاله في كتبه. وفي المقالات التي كتبها قبل 1941 يعيد بعض ما قاله في أمكنة أخرى. إلى مقالة واحدة عن السريانية. وهنالك مراجعات لم يجمعها وهي تتناول النقاد على اختلاف طبقاتهم ومن أهمها مراجعة دراستين صدرتا عن كولردج 1939 وفيها استغل بيرك قراءاته الرمزية لكي يظهر التفاهة في تينك الدراستين، وقد هاجم شذوذ كل من كافكا وكيركجرد ورأى إنهما يمثلان " مرحلة المراهقة التي تعيش على جلد عميرة " و " الثورة على الأب " وقال إن هذا شيء تافه إذا قارناه بما لدى كولردج من عمل رمزي.
وله مقالات وقطع أخرى نشرت بعد ذلك منها " طبيعة ثقافتنا " وقد نشرنا في ربيع 1941 بمجلة Southern Review ومقالة أخرى 1942 في المجلة نفسها بعنوان " فعالية الدوافع عند ييتس " وفيها تحليل للشعر الغنائي بطريقة درامية. أما أحدث مراجعاته فإنها تدور حول النقد المعاصر فهو يراجع كتب رانسوم وتيت وورن وغيرهم مع بعض الالتفات إلى المؤلفات التاريخية واللغوية والفلسفية.
(2/196)

2 - قد يتوهم من يسمع عنوان " نزعات نحو التاريخ " (937) أن موضوعه الأساسي هو التاريخ، ولكن الأمر ليس كذلك، بل الأدب هو محور ما فيه، إذ هو دراسة للنزعات الأدبية من حيث هي عمل رمزي أو شعائري. أما كلمة " التاريخ " في العنوان فلا تشير إلا إلى موضع الأدب في المجتمع ولا تدل إلا على تداخل العلاقات في نزعات الأدب نحو " تحول التاريخ " والسياسية والاقتصاد. وتنقسم تلك النزعات في فئتين: نزعات القبول ونزعات الرفض، ومنها ينبثق شيء ثالث يجمع بين خير ما في كليهما، وهذا ما يسميه بيرك: " الهزلي) ، فأما فئة القبول فإنها " سنية المنزع " وتضم كل الفلسفات التي على شاكلة فلسفة وليم جيمس ووتمان وامرسون، والأشكال الأدبية مثل الملحمة والمأساة والمهزلة والشعر الغنائي والأشكال الشعائرية التي يرتكز حول مبدأ " الخوف من الزنا بالمحرمات " والخصاء الرمزي. وأما فئة الرفض فإنها " إلحادية المنزع " وتضم فلسفات مثل فلسفة ميكافللي وماركس ونيتشه، والأشكال الأدبية مثل المرثية والنقد التهكمي والمحاكاة الساخرة والتهجين الساخر والأشكال الشعائرية التي ترتكز حول عقدة " الثورة على الأب ". وأما الفئة التي هي بين بين - أي فئة " الهزلي " فإنها تتضمن تشابك العواطف المتناقضة المتصارعة، وهذه لا تكون خالصة للفئة الأولى ولا تكون خالصة للفئة الثانية. يقول بيرك:
" إن الشكل " الهزلي " ليتجنب كل هذه الصعوبات ويرينا كيف ان كل عمل تزدوج فيه المادة والتجريدية والخيال والمحسوسات المجسدة والتضحية والأثرة، وهو أيضاً يهف إحساسنا حي يصبح بعض هذه العناصر متمدداً متضخماً على حساب بعضها الآخر الذي يذهب منكمشاً متقلصاً. ولا ريب في انه حين يتوازن اثر البيئة يتوازن جانباً هذه العناصر المتضاربة ".
(2/197)

غير إن إطلاق كلمة " الهزلي " على ازدواج ذينك النوعين من النزعات - أو اتحاد القبول والرفض - قد ضلل كثيراً من القراء لان كلمة هزلي تلتبس لديهم بالرواية " الهزلية ". وإنما أوحى إلى بيرك باستعمال هذا المصطلح انه موقف هزلي حقاً حين تجتمع عناصر القبول والرفض في عالم مقسوم إلى فئتين: إحداهما مجموعة مخلوبة بقول: نعم، والأخرى محمومة مخلوبة بقول: لا، وقد كان في مقدور بيرك أن يتنازل عن هذا المصطلح ويتخذ مصطلحاً غيره ولكنه آثره لجرسه، فيما يقول. وأياً كان مصدر هذا المصطلح فانه يمثل القيم التي يؤمن بها بيرك، ويبدو انه لا يشمل فحسب ما هو تهكمي أو إنساني النزعة أو شكي وإنما يشمل أيضاً ما يتمخض عنه مخاض الأمور الدرامية والديالكتيكية.
وتحت هذا الفئات الثلاث من تلك العناصر، مبدأ واحد هو ما يسميه العمل الرمزي وهو العمل الذي يؤديه الإنسان لان له لذة في أدائه على ذلك النحو. وتتركز تلك الأعمال الرمزية في التبريك وتغيير الهوية والولادة الجديدة والتطهير وما أشبه من طقوس سحرية. ويقول بيرك:
" مبدأنا الأساسي هو إصرارنا على أن الرمزية قد تعالج على إنها نوع من التسمية الشعائرية أو تغيير الهوية. أي أن الإنسان بها يكيف نفسه ليتلاءم مع أحداث متلائمة - قائمة فعلا - أو يغير في نفسه ليتكيف مع أحداث جديدة تفرضها عليه الضرورة، دعنا نوضح هذا على نحو آخر فنقول:
أن شعائر التغير أو التطهير تتركز حول ثلاثة أنواع من الصور هي: التطهر بالثلج والنار والتحلل. أما الثلج فيرمز إلى الخصاء والعقم، وأما النار فتوحي بالخوف من " الزنا بالمحرمات " وأما التحلل فيدور حول انبثاق البذرة مرة أخرى من العفونة والسباخ؟ وقد نلحظ أيضاً رمزين للمنظور القائم وهما الجبل والهوة (وقد يختلط هذان أحياناً برموز الجسور
(2/198)

والعبور والترحل والطيران) ويتضمن الجبل عناصر من الزنا بالمحرمات لأنه يرمز أحياناً إلى الأم كما يرمز الثلج على الجبل إلى العنة وإنها عقاب ينزل بمن يقترف ذلك الإثم. وكذلك هو رمز الهوة فإنها تجمع بين الرحم والشرج، والثاني يجمع كل عناصر التطهر عن طريق التحلل والتعفن ".
إذن فعلى هذا ينزع كل عمل فني إلى أن يكون شعيرة موت أو ولادة جديدة مع تغيير في الهوية، وهو تنظيم على هذا النحو أو ذاك بحسب ما يقلبه الفنان أو يرفضه من رموز التسلط. وبهذا الفهم يحلل بيرك ما لا يحصر من الأعمال الأدبية، ومن أكثرها توضيحاً لمبدأه هذا تحليلاته للرموز في أدب توماس مان (وكان مان من احب الأدباء إلى نفسه في كل مراحل حياته) . مثال ذلك انه يرى في " الجبل السحري " شعيرة ولادة جديدة، ويرى هانز كاستروب مهيئاً للعودة إلى المجتمع في النهاية بعد ان قضى سبع سنوات على جبل الأمومة وكان عقابه على ذلك الخصاء الرمزي والموت والولادة الجديدة، إذ قدر له وجود جديد في منظر الثلج - وهذه هي الشعيرة التي عاش فيها مان نفسه وانتحل وجوداً جديداً فاصبح من مشايعي القضية الألمانية في الحرب العالمية الأولى بعد أن كان مسالماً حر الاتجاه. أما " موت في البندقية " و " ماريو والساحر " فإنهما شعيرتان من شعائر الفداء والتطهر لنفس مان الفنان؛ ففي القصة الأولى كان عقاب الأثم الشهواني الذي يمثله آشنباخ هو الموت وفي الثانية قسم مان وجود الفنان شطرين شطر يمثله سيبولا وهو الفنان الردئ، شهوي ومجرم ورمز فاشي وعقابه الموت، وشطر يمثله سارد القصة وهو الفنان الطيب وقد تخلص من الإجرام بسبب موت سيبولا، ولذلك سحره القاص في النهاية مبرأ من العقاب. وأما القصص التي تتناول " يوسف " فإنها ولادة جديدة في الهوة كما إن " الجبل السحري " كان رمز ولادة جديدة على الجبل. وفي هذه القصص انتقل مان إلى جماعية أرحب من
(2/199)

القومية الألمانية السابقة وتطهر من إجرامية الفنان وتخلص منها فاحتقب إجرامية أوسع وهي ازدواج الجنس عند النبي صاحب الفيض والإمداد، ومن هذه النزعة تخلص أيضاً في النهاية.
ويجمل بيرك رأيه في طبيعة الشعائر الأدبية عند الأديب بقوله:
إن تغيير الهوية، وهو العمل الذي يجعل من الأديب شخصاً آخر، ويحفظ له ذاته في الوقت نفسه يمنحه تعقيداً كثيراً في الأحداث، أي يجعله يراها كذلك حتى إنه ليرى " الخبايا التي في الزوايا " ويوشحه بشيء من استكناه الغيب ويمنحه قوة البصيرة، ولا يعنينا هنا أن تكون بصيرته هنا على صواب أو خطأ وإنما الذي يعنينا إنها موجودة هنالك. وهذه البصيرة إما أن تجعله أحكم مما هو أو أشد حمقاً ولكنها في الحالتين تمثل القاعدة التي تنبني عليها فروع عمله وتشعباته ولذلك ترى إن يوسف في قصص مان لم يكن مهيأ النفس للنبوة - أي لارتفاع درجة البصيرة والكهانة عنده - إلا بعد أن ولد من جديد في الهوة.
والولادة الجديدة تعني التكيف للتواؤم مع المجتمع لأنها شعيرة تمكن الشاعر من أن يقبل الضرورات التي خلقتها في طريقه مشكلات العرب والتشاريع. وفي الولادة الجديدة عنصر من التراجع يسبق الانبثاق، وهذا التراجع يشمل معنى عودة الجنين إلى الرحم، و " الثورة الأولى " التي أحدثها الجنين حين أحس أن كهفه أصبح له سجنا ومن ثم فإنك حين تختبر هذه الشعيرة تجد رموزاً مثل " الهوة " ممثلة للعودة إلى الرحم والعودة من الرحم.
وهذا يشمل أيضاً الرهبة والخوف من " الزنا بالمحرمات " لأن الذي كبر في السن يستطيع أن يعود إلى أمه عودة المحب لا عودة طفل لم يخبر بعد النواحي الجنسية؛ وهو أيضاً يشمل الشذوذ الجنسي، رمزياً كان ذلك الشذوذ أو حقيقياً، لأنه يمثل ثورة على " قطبي " العلاقة بين الأب
(2/200)

والأم، ولأن طرح نير الرموز المتعلقة بالتسلط يساوي الذبح الرمزي للأب؛ وكذلك يشمل أيضاً رمزية الخصاء ومشمولات من العنة عقاباً على الأثم الرمزي؛ وقد تشمل العنة أيضاً شيئاً من صور " الخنثوية " لتغير في الهوية أحدثته تلك الشعيرة. والأشكال الأدبية نفسها أعمال رمزية فالتراجيديا شعيرة من شعائر التكفير والفكاهة شعيرة لتخفف من عبء الموقف والهجاء تفريغ لرذائل اللذات على " كبش فداء " ثم التضحية به للتخلص منها. بل إن الأديب ليعبر عن نفسه رمزياً بما يختاره من موضوع فيعبر عن عمق التعاطف في نفسه حين يقتبس من أدباء آخرين ولو كان هو يهاجم، وهو يكتب ما " يسند وجوده ". بل أن أشد المظاهر مسحة عقيلة تتضمن عناصر رمزية كالذي يلحظه بيرك في فلسفة هيوم وبنثام وإنما فلسفة " عازبين " أو قوله إن جهود باستير في التعقيم تتضمن رموزاً من التطهر والخصاء. بل إن أسوأ أي الآثار الأدبية وأتفهها تتضمن مثل تلك العناصر الرمزية فتنبئ عن الحقيقة رغماً عن أنف كاتبيها. ويقول بيرك، كأنما يردد فيما يقوله رأى بليك في ملتن وأن ملتن كان من حزب الشيطان حسبما صوره في الفردوس المفقود - يقول:
قد يعلن الكاتب إنه يساند هذا الرأي أو ذاك فإذا قرأت آثاره وجدته يعلي من شأن العاندين المعادين لذلك الرأي يصورهم بأحسن مما يصور معتنقيه. وهنا تمكن حقيقة موقفه في ذاك الرأي.
ويقول في موضع آخر:
إذا عددنا مجموعات الصور وجمعناها معاً اهتدينا إلى العناصر الهامة المختفية في اللجج الرمزية، وعندئذ استطعنا أن نكشف عن " الموقف الحقيقي " للمؤلف، حيث يفتضح الكذب ولا ينطلي على أحد. فإذا جعل الكاتب شخصياته الفاضلة
(2/201)

بليدة وصور شخصياته الشريرة بقوة فإن فنه قد انحاز إلى جانب الأشرار بالرغم من " موقفه المزور " الذي يعلنه على الناس. وإذا تحدث كاتب عن " المجد " واستخدم في ذلك صور " الدمار " حكمنا إن موضوعه الحق هو " الدمار ".
كيف نهتدي إلى الكشف عن العمل الرمزي في آثار هذا الفنان أو ذاك؟ يقول بيرك:
نهتدي إلى ذلك بطريقتين: الأولى، أن نختبر النظام الداخلي ونرى السياق فيه، وأي تابع لأي متبوع بذلك نكشف عن محتوى الرمز بكشفنا عن الوظيفة التي يؤديها وذلك يكون بالتحليل المجاري كأن نلحظ طبيعة الصور التي يستعملها الأديب؛ والثانية: أن نفسر المضمون الرمزي في أحد الكتب بمقارنته إلى الرموز المشابهة في كتب أخرى.
وأوضح الدلائل الهادية هي مجموعات الصور أو الرموز وبخاصة في التداعي، الذي يقود حتماً من صورة إلى أخرى - وهذا يشبه ما فعلته كارولاين سبيرجن في دراسة شيكسبير وما قام به آرمسترونغ في دراسة في هذا الميدان نفسه - وقد يلج الإنسان إلى ربط الرموز على خط غير مستقيم، وهناك أمور هامة لابد من ممارستها، منها عناوين المؤلف، فقد لحظ بيرك مثلاً أن هويسمان حين انتقل من المذهب الطبيعي إلى الكاثوليكي كانت كل عناوينه أثناء اعتناق المذهب الأول والثاني " أسماء ". أما عناوين كتبه في فترة الانتقال فكانت " حروف جر ". ومن الأمور الهامة أيضاً البدء والختام، وتوقف الاستمرار على نهج واحد كالانتقال من الشعر إلى النثر أو عدم استيفاء المجاز أو عدم استيفاء المادة نفسها بل إن التوريات والعلاقات الصوتية ذات أهمية رمزية [كالذي يجد في كلمة حضرموت إيحاء بمعنى الموت فلا يسافر إليها] . بل يغالي
(2/202)

بيرك في هذا فيرى في ترديد حرف مثل " م " معاني، ويرى في ترديد حرف مثل " ك " معاني أخرى وهكذا سائر الحروف. ثم أن التاريخ نفسه هام في الهداية إلى العمل الرمزي ولذلك يتحدث بيرك عن تنقل شيكسبير من مجموعة صور إلى أخرى ويحاول أن يقرن ذلك إلى نقطة تحول في التاريخ نفسه.
وفي آخر الكتاب ثبت بالمصطلحات التي استعملها بيرك وتفسير لها. وقد عمد عمداً إلى وضعها حيث وضعها لأنه يرى أن الترتيب المعجمي معكوس فلابد لك لكي تدرك معاني الكلمات التي تبدأ بالهمز من إدراك معاني الكلمات التي تبدأ بالحروف المتأخرة، ولذلك فهو لا يعرف مصطلحاته إلا بعد ان يجريها في الاستعمال. ويقول في هذا:
" لقد رأيت في هذا المقام ان أدع للقارئ ان يلتقط ما استطاع التقاطه من معاني المصطلحات، فأجريتها في الاستعمال لتكشف هي بذاتها عما أردته لها. أي إنني أريد لها أن تشف وتوحي وان تزداد دلالة على المعنى كلما كثرت صفحات الكتاب، ولذلك عمدت إلى وضعها في قرائن مختلفة. ومن ثم أخرى التعريفات حتى النهاية لان كل مصطلح حينئذ قد ينكشف لعيني القارئ من خلا معرفته للمصطلحات كلها على ذلك النحو المتدرج ".
وهذا عمل إليه بيرك كثيراً أي أنه يضع معجماً من المصطلحات ويلحقه بكل كتاب من كتبه ليجمل فيه فحوى ذلك الكتاب إذ أنه يعتقد أن آراءه مصطلحات. وقد وضع في كتابه " التغير والثبات " معجماً يضم كل الأفكار والمبادئ التي استحدثها حتى عام 1937 مثل: الهوية. طقوس الولادة الجديدة، الصلاة الدنيوية، التجريد، العناقيد، الجوهر. الصور. حياة الخير. مشكلة الشر. المنظور من خلال التباين. ومن هذا ترى ان بعضها رمزي وبعضها مصطلح نقدي وبعضها يعبر عن نظرات اجتماعية
(2/203)

ومنها ما هو عام لا يحد بصفة واحدة. وليس لدينا من طريقة نعرض بها هذه المصطلحات أو نلخصها وخير ما يستطيعه القارئ ان يرجع إليها مصحوبة بقرائنها في كتبه. ولنمثل على مصطلح واحد منها هو مصطلح " الطائفة ": يقول بيرك:
" أن من يهديهم خطر التعقب والإحراج والمطاردة يردون على هذا الخطر بتكوين تجمع جديد، ويمدهم تعاونهم بقاعدة جديدة يتمركزون فيها، ومنها يهجمون على أعدائهم ليسرقوا منهم رموز السلطة المقررة. والطائفة مهددة دائماً بالتقسيم السلبي ما دامت تعيش على عناصر الرفض. وقد وضح ترولتش الدور الذي لعبه تعلم القراءة والكتابة في الطائفية لان الطائفية تفكير " عصبة محدودة " ولا يتم لها التعبير الكامل عن ذاتها إلا حين تنضم إليها مثيلاتها. أما انتشار القراءة والكتابة فأنه خلق عصبة جديدة ذات تفكير جديد لان المرء يجمع " عصبة " من خلال القراءة ولو كان أفرادها موزعين في كل أرجاء المعمورة وفي كل فترات التاريخ. وقد كان القرن التاسع عشر زاخراً بعصب الطائفية من فئتي الماديين والروحانيين وكانت هنالك أيضاً عصائب النظم العلمية، وكان الرجل يكيف ذاته بالانتساب إلى عصبة أو أخرى من تلك العصائب المتعاونة على أهداف غامضة غير محددة ".
وبين المصطلحات والأمثلة عند بيرك فرق واضح. فمصطلحاته تذهب في التجريد إلى حد بعيد حتى إنها تعجز عن أن تطيف بالسلوك الأدبي أو الاجتماعي، أما أمثلته فإنها دائماً أدبية، وهي مستمدة من القديم والحديث على السواء.
وكتاب " نزعات نحو التاريخ " مهتم كثيراً بتصنيف النزعات ووضع مصطلحات - أو معجم - للدوافع، أي انه مهتم بالمادة الأدبية والبلاغية الجدلية ويعتمد في المادة البلاغية الجدلية على بنثام وماركس وبيرس وفبلن
(2/204)

ومالينووسكي. وقد وضح بيرك في الوقت نفسه انه ليس هناك أي تقرير عن الدوافع إلا وهو نفسه عمل رمزي، ولذلك مضى في الكتاب يتحدث كيف ان نظرياته ومصطلحاته تعبر عنه أيضاً بطريقة رمزية فقال إن شغفه بالحديث عن البيروقراطية إنما يصدر عنه لان فيه ترديداً لاسمه - بيرك -. وعد ألفاظاً كثيرة يؤثرها لأنها تبدأ بحرف P -[الشعر] متكأه للرفض بل يراه مرادفاً لمبدأ الرفض. وينبه إلى شغفه بكلمة " تحول " وأنها تعبير رمزي عن معاني التغير والأثم والموت والشهوة. وهو يؤمن أن اتخاذه تعبير " المنظور من خلال التباين " يرمز إلى الخصاء الرمزي بل يرى بيرك أيضاً معاني رمزية في الألقاب التي اسبغها على أطفاله، ويقول:
حقاً أن مثل هذه الأمور ترسل إشعاعاتها في اتجاهات عدة؟ فنحن نستطيع أن نعتبر المبادئ النقدية رموزاً؟
وقد استغل بيرك دوافعه وتجاربه الماضية واعمل فيها النظر الممعن فلحظ في " الثبات والتغير " كيف غضب وهو طفل حين سمع أن الأسود من فصيلة القطط لأنه كان يظنها أنقى واكبر نوعاً من الكلاب، واتخذ في (فلسفة الشكل الأدبي " اسماً لإحدى شخصيات قصصه وكان ذلك الاسم يذكر بكلمة نابية. وهذه حيلة بل خدعة نقدية استعملها بيرك، اعني انه بالكشف عن المعاني الدقيقة في آثاره وكتاباته يستطيع أن يزاول هذا نفسه في آثار غيره دون ان يتهم بمجاوزة الحد، بل يجد عمله ما يبرره ويقويه. ولا ريب في أن بيرك لا يبرهن على شيء جازماً فهو يوحي ولا يقرر، ومع الزمن تصبح كشوفه قيمة لأنها استبصار ونفاذ في آثار هذا أو ذاك من الشعراء والنقاد ولكنها لا تصلح أن تتخذ مقياساً عاماً. ويقول بيرك في الحديث عما وراء دوافعه الذاتية هو من عوامل وتيارات:
(2/205)

" كأنما نحن نبيح الناس أن يسلطوا العيون على المكنونات ليثيروها من مكامنها؟ ونحن نؤمن أن آثار كل امرئ يمكن جلاء مخبآتها أن اشتملت إخلاصاً في التنظيم؟ بل أنا لنرضى ان نكشف عن ما فيها إذا تقدم إلينا صاحبها وقال لنا أتحداكم لأن كتاباتي ليست غلا محض هراء ببغاوي. وأقول: ان كل شخص يستطيع أن ينتحل الزيف والدعوى في الظاهر. أما في أعماق صدره فليس ثمة مسرب للكذب لأن الفيلسوف أو الأديب الغارق في حومة الموضوع لابد له من تنظيم تعبيره عنه، ولا بد لتعبيره ذاك من أن يحتقب هذه العمليات النفسية، ذلك حتم لا مفر منه إلا أن كان للأديب جسم من نوع آخر يخالف أجسام الناس الآخرين فان شاء فيلسوف أو ناقد مستنير أن يتحدانا وزعم ان ما ينشئه لا يتموج من تحته تيار، قلنا له رضينا ان ندلك عليه وأخذنا في تتبع المعالم والدلالات ".
وما أظن أحداً تحدى بيرك في هذه الناحية ولذلك فنحن قد خسرنا البرهان الذي يقنع المتشكك، وحصلنا على البرهان السلبي الذي يقدمه إحجام المحجمين عن التحدي.
3
- في أساليب بيرك إثارة وطرافة ولكن لا يحسبن أحد أن دراسة الأدب من طريق العمل الرمزي حديثة خالصة، فهي ذات أصول قديمة. فمثلا موقف أفلاطون من الشعر وانه يحدث أثراً سيئاً في الجمهور، يعتمد في معظمه على العمل الرمزي في ذلك الجمهور. ويقول أفلاطون في الجمهورية على لسان سقراط: " في المصائب نشعر بجوع طبيعي ونرغب في أن نتخلص من أحزاننا بالبكاء والنواح، وهذا الشعور الذي قد نضبطه عند المصائب يغذيه الشعراء ويثيرونه ". أما أرسطوطاليس فانه مفترع هذا
(2/206)

اللون من النقد أيضاً فقد أكد قيمة العمل في المسرحية ونص في كتاب الشعر على ان " السعادة والشقاء ليسا حالين موجودين معنا وإنما هما شكلان من أشكال الفعالية وأن كون المرء خيراً يتمثل في أنه يعمل خيراً " وبذلك جلنا أرسطوطاليس نرى في الشفقة والخوف عملين رمزيين في الجمهور لا حالتين من حالاته، يستثيرهما العمل الرمزي في المسرحية. وقد شارف كولردج حدود هذا الاتجاه أيضاً حتى ان قصيدته " الملاح القديم " و " قبلاي خان " عملان رمزيان كاملان، ولم يتعد كولردج وقفته عند الحد وربما كان ذلك ناجماً عن بعض كبحه لنفسه عن الإيغال فيه إلا انه في الحق قد وضع القاعدة النظرية لهذا المذهب حين تحدث عن المجالات العقلية اللاشعورية. وقد لحظ في " محاضرات عن شيكسبير " أن العناوين والمشاهد الأولى في روايات شيكسبير ذات أهمية متميزة، ولكنه يعزو أهميتها إلى التفنن الواعي لا إلى عمليات اللاشعور. وقد مضى رسكن في هذا الاتجاه شوطاً آخر حين حلل المعاني المستكنة في أسماء الشخصيات عند شيكسبير على نحو مشبه لطريقة بيرك، وهو يقول في هذه الناحية:
أما عن الأسماء التي يستعملها فإني سأتحدث من بعد حديثاً مسهباً. ولكني اقرر هنا أنها مزيج من عدة لغات، وقد سبق أن استبانت معاني ثلاثة منها؛ فمثلا: دزديمونه اسم يعني في الأصل " الحظ التعس " وعطيل يعني " الحريص " فيما اعتقد وكل ما في الرواية من نكبات ومآس ناجم من تعنته الحريص، وأوفيليا، معناه " التفاني في الخدمة "؟ أما هاملت فربما اقترن اسمه بكلمة Homely الدالة لى الحياة البيتية، إذ تقوم فكرة المسرحية على الإخلال بواجبات الحياة البيتية وعلاقات الأسرة؛ وأما تاتيانا فأنها مشتقة من لفظة تعني " الكلمة "؛ والاسمان بنديك وباتريس مأخوذان من
(2/207)

لفظتين تعنيان " مبارك وبركة " واياجو ربما كانت مأخوذة من يعقوب [ياجوب] أي الذي يخلف ويعقب.
وهناك ملاحظ منثورة عن العمل الرمزي تنبه لها دارسو الطبيعة الإنسانية في الماضي ولنذكر بعضها على سبيل التمثيل العابر: لحظ غوته؟ حسبما يقول اكرمان - أن مواهب النساء تخمد بعد الزواج وإنجاب الأطفال وهذا مما قد يحمل على الظن بأن آثارهن الفنية غنما هي نوع من تسامي الدوافع الجنسية أو دوافع الأمومة (أي عمل رمزي) . وفي مطلع هذا القرن أصر برونتير في مقال عنوانه " فلسفة موليير " على أن طرطوف يمثل روح الصراع والتحدي، كما انه يرمز إلى العداء المستعلن (أي انه عمل ورمز معاً) . ولحظ برنارد شو في " جوهر الابسنية " أن اقتباس الكاتب من الكتاب المقدس يشير إلى عدم ارتياحه لهذه الأمور الموشحة بالتوثيق (فهو عمل رفض من خلا المغالاة في القبول والتوثيق) . ومنذ أن ظهر فرويد أصبحت هذه الملاحظ أموراً عادية مألوفة وأخذ المحللون يعنون دائماً بمشكلات العمل الرمزي. فمثلا ذهب اريك فروم إلى ان المبادئ الدينية والسياسية تعبيرات رمزية عن مبنى الشخصية عند من يعتنقونها.
وقد سبق أن اهتدى كثير من الكتاب إلى بعض الأفكار والمبادئ التي يقول بها بيرك. فمثلا اهتدى تولستوي في كتابه " ما الفن " إلى ما سماه " نزع الملكية سيكولوجياً " وهذا ما سماه بيرك: " تحويل الملكية " يقول تولستوي: (أما في الدين فأن الطبقات العليا في العصور الوسطى وجدت نفسها في موقف كالذي كان عليه المثقفون الرومانيون قبل ان تظهر المسيحية أي أنهم لم يعودوا يؤمنون بدين الجماهير ولكنهم لم يكن لديهم معتقدات الكنيسة البالية التي كانت قد فقدت
(2/208)

معناها في نفوسهم ". ولدى بيرك ما يسميه " الإحراج والمضايقة " وشبيه بهذه الفكرة قول تولستوي: ان مبدأ الكنيسة نظام متكامل حتى إنك لا تستطيع تغييره أو تصحيحه إلا وتحطمه جملة ". وايرفنج بابت سبق بيرك في كتاب " روسو والرومانتيكية " إلى أن " تحويل الملكية نفسياً " يؤدي إلى حركات من السلبية والشيطانية والبريونية. وتوصل رتشاردز إلى الكشف عن جانب من العمل الرمزي في بعض الدوافع مع ان اهتمامه موجه إلى قدرة بالغة على النقل والتوصيل لا على التعبير؛ يقول رتشاردز في كتابه " رأي كولردج في الخيال ".
أن الأساطير العظيمة ليست أوهاماً بل هي منطوق النفس الإنسانية كلها وهي من ثم لا يحيط بها التأمل ولا نأتي على كل ما فيها وهي ليست متعة أو معاذاً للهرب حتى يتطلبها من يتطلبها للراحة والفرار من حقائق الحياة القاسية ولكنها هي تلك الحقائق القاسية نفسها معروضة ممثلة، هي الإدراك الرمزي لتلك الحقائق ومحاولة لخلق الانسجام فيما بينها وتقبلها بالرضى. ومن خلال تلك الأساطير تستجمع إرادتنا وتتوحد قوانا وينضبط نمونا ومن خلالها أيضاً يتزن كياننا المضطرب ويلتئم وجودنا المشعث. وبهذه الأساطير يطمئن التناقض وينسجم النشاز في الأشياء ومن خلالها حصلنا على التكامل الذي يجعل منا أناساً " متمدنين ".
وأخيراً أشير إلى قولة لورنس " أن المرء ليسكب أدواءه في الكتب " وهي عبارة تشير إلى ما يسمى العمل الرمزي في آثار الفنانين على مر العصور.
أم بيرك لا يعتمد في مذهبه الذي اختاره على من سبقه في حقل
(2/209)

العمل الرمزي باستثناء كولردج وغنما يعتمد في ذلك على مجموعة من الفلاسفة والمتفلسفين يشبهونه شبهاً غريباً في منحاهم الشاذ المتفرد: وهؤلاء هم أهم من يستمد منهم:
1 - جرمي بنثام الذي ذكره هازلت في كتابه " روح العصر " وإذا قرأت ما كتبه هازلت عنه وجدته ينطبق على بيرك نفسه - إذا شئت أن تهاجمه لا ان تترفق في الحكم عليه - حتى لتقول إنهما في المصطلح الفلسفي الشاذ الذي يشتمل على حدة وعلى معنى بعيد يتمنى المرء لو استطاع أن يفقهه. وقد رأينا كيف أن بنثام حاز إعجاب رتشاردز ايضاً، مثلما حاز إعجاب بيرك الذي يعده مؤسساً للدراسة اللغوية الجادة، ويضعه في كتابه " الثبات والغير " على مستوى دارون ويقول أن كلا منهما قد تقسم في " آلاف من الذوات والنفوس ". غير انه لا يؤمن بمذهب بنثام الذي يرمي إلى تجريد اللغة من المجاز للتخلص من الشعر والخطابة ويرى في هذا المذهب رمزاً عن الخصاء. إما المذهب النفعي اللاديني الذي قال به بنثام فأن بيرك يعده مذهباً دينياً دنيوياً أو نوعاً آخر من نظرية " القاعدة الذهبية ". ويعد تحليلات بنثام للكلام وتصنيف أنواعه كشفا بالغ القيمة مفيداً إن أنت حذفت منه فكرة التخلص من المجاز. ويصرخ في كتاب " النزعات " بان " خير ما في بنثام وماركس وفبلن هو الهزلية الرفيعة " ويعزو إلى بنثام الفضل في تجريد الأمور من الحواشي والمبالغات، حتى عن كثيراً من المتطفلين لم يصنعوا شيئاً سوى التحلق حول مائدته العبقرية. ويستغل بيرك آراء بنثام في كتابه " نحو الدوافع " عدة مرات، غير أنه في الكتاب ذاته ينصب لتجريد نفسه بعض آرائه التي يجرد فيها آراء الناس من الحواشي والتافه والمغرق ويصف آراء بنثام بأنها " رمز خصاء لرجل عازب " ويفسر تلك الآراء تفسيراً رمزياً مستمداً من بنثام نفسه، ويقول ان تلك الآراء منبثقة من طفولة بنثام الذي يخاف الأشباح خوفاً شاذاً فلما كبر أصبح يخاف " عملية التخيل " في اللغة.
2 - كولردج: وبينه وبين بيرك شبه قوي جداً ولا يستطيع أحد
(2/210)

أن يقرأ كتابات كولردج وبخاصة " السيرة الأدبية " دون أن يفطن إلى هذه المشابه في الأفكار والأساليب وفي الشذوذات أيضاً. وقد أعجب بيرك بكولردج وكتاباته من حيث هما دراسة للعمل الرمزي ولذلك فان نواة مقالته " فلسفة الشكل الأدبي) غنما هي تحليل لقصيدة " الملاح القديم " كما أن إحساس كولردج بدقائق الجرس جعله يقتبسه كثيراً لإثبات فكرته عن موسيقية الشعر، كما ان اهتمام كولردج بالنواحي اللغوية جعل بيرك يكثر من اقتباس آرائه. وقد عده بيرك بين " اعظم النقاد في أدب العالم ". وهو في نظره يقف على النقيض من بنثام، لأنه لا يحط من قيم الأمور او يعمد إلى إظهار ما فيها من زيف وإنما يتجه إلى الرفع من شانها، ويرى في المصالح المادية خطوة أولية نحو المصالح العلوية. وقد ذكر بيرك في إحدى مقالاته بأنه يعد كلمة عن طريقة كولردج ولكن تلك الكلمة لم تر النور، فيما يبدو، أو لعلها دخلت في غمار المحاضرات التي ألقاها عن كولردج في صيف 1938 بجامعة شيكاغو. وقد نبه في تلك المحاضرات إلى ما في موضوعه من مشكلات وإلى ما يمكن أن يجنبه من يتمرس به من ثمرات، فقال:
أحاول في هذه الآونة ان أقوم بتحليل لكتابات كولردج لأبرز فيها العمل الرمزي ولكن فكره المعقد يجعل عملية الفرز والتصنيف عسرة؟ غير أن هذه المحاولة تستاهل ما يبذل فيها من جهد لان من يحاولها يستطيع أن يستعمل أمرين هامين: الأول: أن كولردج كان كثير التقييد فخلف لنا سجلا كاملا يعين على دراسته وكان يستعمل نفس الصور في قصائده ونقده الأدبي ورسائله السياسية والدينية ورسائله الاخوانية ومحاضراته وتقييداته التاملية. ومن ثم كانت لدينا جسور ننتقل عليها من مجال إلى آخر لأن الصورة لديه تمكنا من أن
(2/211)

ندرك نفسيته عن طريق موضوعي أو تشريحي. وأما الثاني: فان لديه مع ذلك الفكر المعقد تيسيراً يسهل الدراسة، وأنا أشير بهذا إلى إدمانه المكيفات.
ولم يكن الحديث عن كولردج احب الموضوعات إلى بريك فحسب، بل كان هو الراية التي ينضوي تحتها. ولذلك اعتبر كولردج خالقاً موجداً للسريالية، في مقال كتبه عن هذا المذهب، وذهب إلى أن قصيدة " قبلاي خان " ابرز أثر سريالي، وإلى أن تفرقة كولردج بين الخيال والوهم هي أساس ذلك المذهب، وأكد أن بدعة كيركجرد وكافكا يجب أن تسمى بدعة كولردج. وفي مقاله " مشكلة القيمة الذاتية " تناول التهمة التي يرددها الأرسطوطاليسيون المحدثون من النقاد ضد خصومهم حين يصفونهم بأنهم كولردجيون أي أفلاطونيون أي ينظرون إلى الشعر بطريقة استنتاجية لا استقرائية - تناول بيرك هذا الاتهام فوقف في صفه وقال إن الأرسطوطاليسيين المحدثين في أحسن أحوالهم النقدية وأقيم دراساتهم، كولردجيون في حقيقتهم.
3 - ثورشتين فبلن الأميركي الوحيد بين هؤلاء الثلاثة. ويستقل بيرك عن رتشاردز في الاعتماد على هذا المفكر. إلا إن أثر فبلن فيما يبدو آخذ بالتلاشي، إذ يعتمد بيرك في " الثبات والتغير " على مبدأ فبلن: (العجز المدرب " اعتماداً قوياً ويتخذه المجاز الذي يفهم الأشياء من خلاله ويمط فيه حتى يجعل منه ظاهرة اجتماعية وسيكولوجية وأدبية كالذي يسميه الجشطالتيون " الجشطالت الردئ ". ولفبلن نظرية اقتصادية عبر عنها بكتابه " نظرية الطبقة الفارغة " وهي نظرية جعلته موضع التقدير الكثير إلا من الاقتصاديين أنفسهم، ويقف بيرك أيضاً من هذا الكتاب في صف الاقتصاديين، فلا يقول فيه ما يقوله الآخرون " انه اعظم إسهام في ميدان الفكر ". ويفضل على النظرية السابقة نظرية أخرى لفبلن هي:
(2/212)

" نظرية العمل "، ويرى فيها خير تحليل لفلسفة الرأسمالية. ويفيد بيرك من مبادئ أخرى لفبلن ويستغلها في كتابه " الثبات والتغير " وبخاصة فكرة فبلن التي ترمي إلى رفض الثنوية المانوية ووضع الغرائز المتعارضة في مكانها ثم يقل اعتماد بيرك على فبلن في " نزعات نحو التاريخ " إلا أنه يلحظ ان فبلن يمثل " الهزلية الرفيعة " مثل ماركس وبنثام، ويقتبس مصطلحه " العجز المرتب " ويحوله إلى ما يسميه " التباين المرتب ". ويعود في " فلسفة الشكل الأدبي " فيكثر الاقتباس من فبلن إلا أنه لا يقتبس منه إلا آراء في الميدان الاجتماعي، ولم يعد فبلن في نظر بيرك ناقداً مجازياً لكل حضارتنا، ثم يسكت عنه في " نحو الدوافع " فلا يشير إليه أبداً.
4 - 5 -: وهناك اثنان من المفكرين اعتمد عليهما بيرك بعض اعتماد وهما ستورات مل وبيرس، وبينهما وبين بيرك بعض المشابه، وقد أشار بلاكمور إلى شبه بيرك بالثاني في تفرد التأمل الفكري عند كليهما، لا في المصطلح.
وبالجملة: استمد بيرك من كثير من المفكرين. وهو من تلك القلة التي أدت في النقد من كتاب لفجوي " السلسلة العظمى للحدوث "، كما انه أفاد جيمس وديوي وبرغسون ومن عدد غيرهم من المحدثين. ولا تتجاوز استفادته من أحدهم - أحياناً - اخذ فكرة أو اثنتين يجمع بينهما بيرك مهاجماً أو متناقصاً، وأخيراً كان أرسطوطاليس في آخر كتبه هو المؤثر الأكبر في فكره، فهو أستاذه الذي اعترف له بتلك الأستاذية ولم يعترف بها لأحد قبله.
أولئك هم الذين اثروا في بيرك فمن هم الذين تأثروا به في النقد المعاصر؟ تستطيع القول انه مثل رتشاردز ذو اثر شامل - على الأقل
(2/213)

في اميركة - أما الرجال الذين يعملون متأثرين به من الأميركيين فهم بلاكمور ومالكولم كولي وفرنسيسي فرغسون وهاري سلوشور. وقد تحدثنا من قبل عن علاقة الأول به. أما كولي فانه لم ينشر كتاباً في النقد ولكنه يزمع اصدرا كتاب عن الأدب الأميركي من مجموعة من المقالات ظهرت في المجلات ويبدو أن الكتاب سيكون هاماً ضخماً. أما القطع التي نشرها في المجلات خلال الحقبتين الماضيتين فقد أفاد فيها كثيراً من مبادئ واصطلاحاته واستطلاعاته، وحولها إلى ما يفيده في غاياته وبسطها بعض التبسيط وطبقها على أدباء لم يعن بهم بيرك. كما أن الدراسات التمهيدية التي قام بها عن همنجوي وفولكنر لإحدى دور النشر تعد دراسات من الطراز الأول في مجال العمل الرمزي، وهما أول فحص جاد يطبق على كل من الأديبين المذكورين.
وأما فرغسون فهو أيضاً مثل كولي، مشغول في هذه الأيام بكتابة أول كتاب له في النقد بعد سنوات كثيرة قضاها وهو ينشر في المجلات غير أنه تأثر بآراء بيرك أخيراً وتحول بهذه الآراء لخدمة غاياته. فمثلا تناول مصطلح (ناقد مسرحي " وحط منه حتى اصبح يعني مراجعاً شبه متعلم يراجع الروايات ويكتب عنها للجرائد إلا أن فرغسون أمضى حقبتين وهو ناقد مسرحي أصيل، ناقد للأدب المسرحي وللتمثيل، وهو خير ناقد لهذين في أميركة. ولنقده ثلاثة اتجاهات الأول: مبدأ جمالي أخلاقي يرى الفن غاية فهو - أي الفن - لا يهتم بالعلاقات الخارجية وهو شيء يستساغ ويقاس وينظم وهذا المبدأ مستمد من الكلاسيكيين المحدثين وذوي النزعة الإنسانية المحدثة ومن نقاد اتباعيين مثل ماريتان وبندا وفرناندز وبابت واليوت ومن كلاسيكيين قدماء مثل دانتي. وبهذا المبدأ كشف فرغسون عن زيف الزائفين وفجاجة غير الناضجين من يوجين أونيل حتى سلدن ردمان، (يرى فرغسون ان المحدثين يمسخون الروح ويحطون
(2/214)

الخلق ولكن هذه النظرة التحقيرية لم تحل بينه وبين تقدير أدباء غير كلاسيكيين مثل لورنس) . الثاني: اتجاه مستمد من الدراما الإغريقية الشعائرية كما فسرها أرسطوطاليس، وبلغ بها سوفوكليس درجة الكمال في " أوديب الملك "، وهو يطبق هذا الاتجاه على الدراما الحديثة الرصينة من ابسن وتشيخوف حتى لوركا وكوكتو. الثالث: تطبيق الاتجاه الثاني الدرامي على الأدب غير الدرامي وهذا اتجاه قد عبر عنه بمجلة " الكلب والنفير " عدد تموز - أيلول 1933 عندما راجع كتاباً لبولسلافسكي عنوانه " التمثيل: اول دروس ستة " فاقترح اتخاذ المقاييس الدرامية لدراسة الشعر الغنائي. ثم طبق هذا المبدأ في عدد آخر من تلك المجلة خاص بدراسة جيمس، حين تناول دراسة العناصر المسرحية في قصيدة " القعب الذهبي ". وهذا الاتجاه هو الذي ربط بين فرغسون وبيرك، وبما أن بيرك انتهى في مذهبه إلى تحكيم النقد المسرحي وإلى العناصر المسرحية الخمسة فقد استمد فرغسون كثيراً من مبادئه مثل فكرة الثالوث المكون من " الغاية والعاطفة والإدراك " وهي المراحل الثلاث الكبرى في الدراما الشعائرية، وجعلها فرغسون حجر الزاوية في نقده. وراجع فرغسون أيضاً كتاب " نحو الدوافع " وكانت خير مراجعة له، وفيها أعلن من خلال الثناء عن اتفاقهما في كثير من الأمور واختلافهما في مجالات محدودة. ومما خالفه فيه موقفه من الواقعية في روايات القرون الوسطى، فقد استخف بيرك بهذه الواقعية برحي من نظرته العقلانية الخالصة. ويزمع فرغسون إصدار كتاب في النقد، أتيح لي قراءة بعض فصوله المخطوطة ومنها فصل ظهر بمجلة كينيون ربيع 1947 ويشمل الكتاب دراسة للمسرحية بعد شيكسبير من حيث هي تطور جزئي لمبدأ " الغاية " أو " العاطفة " أو " الإدراك " لا من حيث هي شعائرية كما كانت في حال سوفوكليس، وتشهد هذه الدراسة على أنه سيكون للكتاب شأن أدبي هام.
(2/215)

وأكثر من ذكرتهم تأثراً ببيرك واستمداداً لآرائه هو هاري سلوخور، فقد جمع هذا الناقد بين آراء ماركس وفرويد والجشطالتية مثلما جمع بيرك بين التكامل الاجتماعي النفساني، غلا أن سلوخور يتكئ أكثر من بيرك على الماركسية والموروث الفلسفي الألماني. وقبل ان يدر بالإنجليزية كتابه الأول بعنوان: " ثلاث طرق أمام الإنسان الحديث " Three Ways of Modern Man سنة 1937 (اصدر بالألمانية أول كتاب له بعنوان رتشاردز ديهمل ولكني لم أقرأه) كان قد اطلع على مصطلح بيرك ووجد فيه معواناً على التعبير عن أفكاره. وقد ظهر الكتاب مصدراً بكلمة من بيرك وهو ينم عن كثير من مصطلحات بيرك ومبادئه واستطلاعاته ومقتبسات منه. إلا أن سلوخور يتجه فيه إلى إبراز دور القصة الطويلة في التعبير عن " أيديولوجيات " فلسفية، وهذا يخالف اتجاه بيرك إلى إبراز العمل الرمزي الفردي. ويعتمد سلوخور على ثالوث مكون من الشيوعية الإقطاعية والحرية البرجوازية والنزعة الإنسانية الاجتماعية ثم يسمي هذا ثالوث: الوحدانية والثنوية والجدلية بل يسميه أحياناً الأب والابن والروح والقدس. أما الكتاب الثاني الذي أصدره سلوخور فعنوانه " قصة يوسف لتوماس مان " (1938) وهو يشبه مؤلفات بيرك في انه تحليل مطول لأثر فني مفرد معقد وتحليله على غير صعيد واحد وترجمته إلى معجمات متعددة، غير ان سلوخور لا يفارق فيه النص على الأيديولوجية الجماعية، وأكثر كتبه طموحاً هو ثالثها وعنوانه " لا صوت يضيع بالكلية " No Voice is Wholly Lost (1945) وهو محاولة للنظر في كل الأدب المعاصر بدلا من دراسة بضعة نصوص تفصيلاً. وفي الكتاب بصر نافذ ولكن استطلاعات المؤلف غير متكاملة لان الميدان الذي يجوبه رحب مترامي الأطراف كما أن معالجته للأميركيين المعاصرين ضعيفة فهو يضع البراذين من أمثال شتاينبك إلى جانب مارلو ومان والثقلاء المجوفين مثل ولف
(2/216)

إلى جانب كافكا وريلكه وربما نزع إلى التهوين من شأن أدباء كبار أمثال همنجوي وفولكنر، ومن ثم كان كتابه في جملته مخيباً للآمال. غير أن توسيعه وتطبيقه لاصطلاحات بيرك، في مجال نغاير، يدل على سداد وتوفيق وهو على وجه العموم مطلع جيد الإدراك ذو أسلوب ومنهج مرسوم، ولديه من العدة ما يعينه على أن يبلغ شأواً طيباً إذا هو تخلى عن النظرة العامة العابرة وذهب يعمق نظرته في الأغوار.
وهناك شخص لعله آخر من يقدر فيه التأثر بآراء بيرك، وهو أيفور ونترز الذي كان من اقدم من استمدوا من آراء بيرك وطبقوها، وقد أشار ونترز إلى هذا في كتابه الأول " البدائية والانحطاط " الذي ظهر عام 1937، فقال في فاتحة الكتاب بنغمته الفذة المميزة:
استعملت مصطلح بيرك حيث وجدت إلى ذلك سبيلا واعترفت بذلك لكي أتجنب تكثير المصطلحات. وقد بدأت تحليلات الأمور البلاغية في نفس التاريخ الذي بدأ فيه بيرك غير أني تخليت عن هذا الاتجاه، واستمر هو فيه، لأني لم أكن أراه اتجاهاً مثمراً. ثم عدت إلى هذا النهج حين استكشفت سر القيمة البلاغية وإمكان خلق مبادئ جمالية تقوم على مثل هذا التحليل. والفرق بيني وبين بيرك غني نجحت في هذا السبيل واخفق هو، وسيجد القارئ في كتابي هذا صورة النزاع القائم بيننا.
ومضى ونترز في هذا الكتاب يفيد من مصطلح بيرك الموجود في كتابه " مقولة مضادة " وكان اشد المصطلحات اجتذاباً له هو " التقدم الكيفي " المستعمل للدلالة على نوع من المبنى الشعري ولكن اقتباس المصطلح وطرح الأفكار التي يعبر عنها محاولة مقضي عليها بالإخفاق، ولذلك كف عنها ونترز وخلق لنفسه معجماً آخر.
(2/217)

ولقد أقر ونترز بدينه لبيرك وهو ينازعه وهو ينازعه ويخاصمه ومع ذلك فانه أكرم خلقاً من بعض النقاد الآخرين - أمثال أدموند ولسن وفيليب راو - الذين استمدوا مبادئ بيرك ولم يعترفوا له بالفضل. وهناك كثيرون من الشعراء والنقاد بانجلترة منهم فرنسيسسكارف وكرستوفر هل يعرفون آثار بيرك أو اهتدوا مستقلين إلى كثير من مبادئ العمل الرمزي التي اهتدى إليها. ويكاد كل ناقد في أميركة أن يكون متأثراً به، فاستمد منه رانسوم وتيت وورن وبروكس واثنوا عليه ثناء جزيلا بينما كانوا يخالفونه في الاتجاه كما أن بيرك اعتمد على استطلاعاتهم ومدحهم واشتباك مع رانسوم من بينهم في جدل أدبي مسهب طويل. ولما درس ورن قصيدة " الملاح القديم " استفاد من آراء بيرك في هذه القصيدة ومن المبنى العام لطريقته بينا نازعه بشدة حول آرائه في تناول كولردج للمكيفات ومشكلاته الزوجية. وقد راجع بيرك كتاب ورن هذا في مقال نشره بمجلة شعر في نيسان 1947 فأثنى على دراسة ورن وقال إنها ذات " قيمة فذة " ثم ذهب يقاوم الآراء المخالفة فيها متجهاً الاتجاه " الشخصي " الذي عابه عليه ورن في مقاله ملحاً عليه أكثر من ذي قبل واصلاً به كل كتابات كولردج الأخرى.
وهناك راندل جرل وقد كتب دراسة تحليلية واحدة - على الأقل - تحمل طابع بيرك، وعنوانها " التغير في النزعات والبلاغة في شعر أودن " ونشرها في المجلة الجنوبية، خريف 1941 وصرح في فاتحتها قائلا: " لقد استعرت عدة اصطلاحات من كتاب بالغ الجودة اعني كتاب " نزعات نحو التاريخ " لكنث بيرك، وأحب ان اعترف بذلك في هذا المقام ". وقد طبق جرل تلك الاصطلاحات بلباقة في الكشف عن العمل الرمزي والبلاغي في شعر أودن. كما أن دلمور شفارتز وعدداً من الشعراء الشبان أفادوا من بيرك في نقدهم، واستغلت موريل روكيزر مبادئه في شعرها
(2/218)

واعترفت بان قصيدتها " النكباء " استمدت بعض مادتها من تاب " نزعات ". أما هربت مللر فأنه من أشدهم اتكاء على مبادئ بيرك في كتابه " القصص الحديث " وفي كتابه " العلم والنقد " بل يعتمد عليه أكثر من اعتماده على آراء رتشاردز ومبادئه، ويصف بيرك بقوله: " لعل أحد ناقد في اميركة اليوم ". ويستطيع القارئ أن يتمثل مدى تأثير بيرك في اميركة إذا طالع كتب مختلف النقاد ووجد كيف يعترفون بالفضل له، على نحو أو آخر. وفي القائمة عدا من ذكرنا أسماءهم: فيليب ويلرايت ونيوتن آرفن وآرثر ميزنر وليوتل ترلنج ودافيد ديشز وجون سويني وجوزف وارن بيتش ورالف السون ومورتن دوين زابل وكثير غيرهم.
أما النقد الذي ووجه به جهد بيرك نفسه فيدل على حقيقة محزنة كما هو الأمر في حال رتشاردز لان كثيراً من الذين أفادوا منه تأثروا به هاجموه بعنف، وقد كان له شرف تلقي الهجوم ممن تخصصوا في الهجوم على خير النقاد المعاصرين - ومن هؤلاء الذين وقفوا همتهم على هذه الناحية هنري بير والفرد كازين ودونالد آدمز ومن لف لفهم. وأشدهم مرارة في هجومه هو سدني هوك في مقال نشره بمجلة بارتزان، فقد وصف بيرك بأنه " يقدم العذر دون أخطاء ستالين وأنه رجل ضعيف ذو موهبة صغيرة ". ورد عليه بيرك في عدد كانون الثاني 1938 من تلك المجلة وقصر همه على اقتباس الفصول التي شوهها هوك فرد عليه هوك في العدد نفسه مشيراً إلى أن التشويه في هذا المقام كان أمراً لازماً. ويناقض هؤلاء دارسون يتعاطفون مع بيرك كتبوا عنه سلسلة من الدراسات الجيدة منهم غورهام منسون واوستن ورن ووضعه هـ. ب باركس في مصاف جيمس وديوي ونيتشه وبرغسون واليوت وقال آخر: من الشاق أن يحيط المرء في مقال صغير بذلك الشمول في كتابات بيرك.
(2/219)

وبين هذين الطرفين نقاد لم يفلح أحد منهم في أن يتجاوز التعليق على مظهر واحد في كتاب من كتب بيرك كأن يكون المراجع سمانتياً أو لغوياً أو نفسياً أو فيلسوفاً أو ناقداً أو عالماً اجتماعياً أو مراجعاً بسيطاً حائراً، فهو يختار المظهر الذي يناسبه في مؤلف بيرك وبيدي فيه رأياً.
4
- كان السر في اختلاف المراجعين والناشرين حول الميدان الذي يعمل فيه بيرك يكمن في أنه لا ميدان له، حتى لقد تسمع في السنوات الأخيرة من يرددون القول بأنه ليس ناقداً أدبياً وإنما هو عالم سمانتي أو نفساني اجتماعي أو فيلسوف وأدق من هذا أن يقال: إنه ليس ناقداً أدبياً فحسب وإنما هو هذا الناقد والسمانتي والنفساني الاجتماعي والفيلسوف وغير ذلك، وقد أبان في بعض مقالاته كيف أن ميداناً واحداً ليس كفاء بمشكلة التركيب العامة التي تتضافر فيها جهود شتى الميادين، إذ يقول:
ولو أن امرأ قدم " تركيباً " يؤلف به بين الميادين التي تشملها الأنظمة المتنوعة، فأي الأنظمة تلك كفاء بتقويم ذلك التركيب؟ إن كل تخصص يكتسب قيمته من توجهه نحو التنوع فكيف يمكن لنا أن نحكم تخصصاً واحداً ليعكس لنا " توحداً " بين المتنوعات أو لنضع الأمر وضعاً آخر فنقول: لو أراد امرؤ أن يكتب عن التواشج بين عشرة تخصصات، لكان يكتب عن شيء يقع خارج نطاقها جميعاً.
ولقد كانت الغاية القصوى في نقد بيرك هي ذلك التأليف التركيبي لكل نظام أو مجموعة من المعرفة يمكنها أن تلقي ضوءاً على الادب، وجمعها معاً في إطار نقدي متناسب. وقد وقف بيرك يقاوم كل نظرة محافظة أو متدينة تنادي بإقصاء هذه الأداة النقدية أو تلك وتقول إنها " نابية " غير ملائمة، حتى قال: " إن المثل الأعلى من النقد حسب ما
(2/220)

اعتقده هو استغلال كل ما يمكن استغلاله ". وكتب يدافع عن استغلال معلومات من سيرة الشاعر لفهم شعره فقال: " يجب علينا أن نستغل كل معرفة نستطيع الحصول عليها " ومضى يوضح هذا الرأي فقال:
النقد لعبة وهي خير ما يمكن أن يشهد حين يقصر المرء نفسه على الوحدة الفنية ويتحدث عنها وعن حركاتها مثلما يتحدث المذيع عن لعبة الكرة أو مشهد المصارعة. وأنا اقر بان هذه الاصطلاحات الخارجية قد تتدخل في اتساق النقد نفسه من حيث هو لعبة بالمعنى المتقدم. غير أن التحليل اللغوي قد هيأ إمكانات جديدة للربط بين النتاج والمنتج، ولهذا كله أثره في أمور الحضارة والسلوك بعامة حتى إننا يجب إلا نسمح للعرف النقدي او للمثل العليا في النقد بان تتدخل في تطورها.
ويرى بيرك ان النقد الحديث شيء يشبه العلم الذي كان قبل عهد بيكون حسبما وصفه تين في كتابه " تاريخ الأدب الإنجليزي " إذ يقول:
ما دام العلم قد قصر جهوده على إرضاء حب الاستطلاع وفتح آفاق جديدة من التأمل فانه كان في مقدوره في أي لحظة ان يتحول إلى تجريد ميتافيزيقي، وكان يكفيه ان يتجاوز التجربة، فتجاوزها وتعلق بالكلمات الكبرى والماهيات واشتقاق الجزئي من الكلي والعلية الكبرى، فلم يعد بحاجة إلى براهين كاملة بل أصبحت تغنيه أنصاف البراهين ولم يعد في أساسه يهتم بإقامة حقيقة وإنما يهتم بالحصول على رأي.
ومضى بيرك يحاول مثل بيكون أن ينشئ تكاملا بين فروع المعرفة الإنسانية ليخلق من ذلك كياناً نقدياً فعالا يمكن الإفادة منه في التطبيق. وفي سياق تلك المحاولة سلط السيكولوجيا على الأدب فاكتشف انه لابد له
(2/221)

من التوفيق بين المدارس السيكولوجية المتصارعة وتركيبها جميعاً في سيكولوجية ثابتة فتبين له أنه لابد من ان يخلق تكاملا بين فروع علم الاجتماع ثم يؤلف بين السيكولوجيا وعلم الاجتماع فيما يسمى السيكولوجيا الاجتماعية، ثم يضيف إلى هذا التركيب اللغويات والسمانتيات ويضيف في النهاية الفلسفات واللاهوتيات وفي النهاية يسلط هذا التركيب الهائل على قصيدة من القصائد. وكانت غايته التي بر عنها في ختام " الثابت والتغير " هي: " ان يدل على علاقة تكاملية قائمة بين المظاهر الحضارية المتنوعة التي يظنها الناس منعزلة بعضها عن بعض ". وكان أظهر جانب في محاولة بيرك، مهمته الضرورية في التوفيق بين ماركس وفرويد أي بين الاقتصاد وعلم النفس. ولذلك قدم لنا " نظرية للعمليات النفسية التي تتساوق والعمليات الاقتصادية " أو أقترح التوفيق بين ماركس وفرويد على أساس مبدأ سماه " رموز التسلط " أو عدد مكيافللي وهوبز وفولتير وبنثام وماركس وفلبن " أعظم مكونين للتحليل النفسي الاقتصادي ".
وقد استمد بيرك من الماركسية كثيراً في كتبه بينا كان ينتقد بسائطها الميكانيكية في كتابه " مقولة مضادة " ويتجه كل تحليله في أبعاد اجتماعية إلا قليلا. وهو يرى في ماركس " درامياً عظيماً وشاعراً كبيراً بليغاً استطاع أن يكتب " البيان الشيوعي "، تلك " القطعة الرائعة ". وقد استمد بيرك أيضاً بحماسة من مدارس اجتماعية أخرى فأفاد من فلسفة اشبنجلر التشاؤمية ومن علم النفس الاجتماعي الفلسفي كما يتمثل عند جورج هربرت ميد.
أما علم النفس عند بيرك فيتجه إلى الوجهة التكاملية التأملية أي هو من نوع ما يسميه رتشاردز " وسطي "، ومن أهم أعمدته علم التحليل النفسي شرط ان لا يكون فردياً خالصاً بل مما يصطبغ بصبغة اجتماعية لأن أصحاب الاتجاه الفردي يخطئون في طريقة النص على العمل الرمزي.
(2/222)

وقد اخذ بيرك قدراً كبيراً من النظرية الفرويدية والمصطلح الفرويدي منذ أول كتاب أصدره واتخذ المصطلحات الفرويدية مصطلحات ثابتة للمبادئ النقدية مثل " التعويض " و " النقل " و " الضبط " كما انه كتب مقالين طويلين في تبيان قيمة التحليل النفسي أحدهما في " الثبات والتغير " والثاني في " فلسفة الشكل الأدبي ". ويحاول المقال الأول أن " يجعل " من المعالجة النفسية نوعاً من " التحول " بالفرد عن حالته الراهنة؛ ويحاول الثاني ان يطبق النظرية على الأدب أي أنه يبين للقارئ " إلى أي حد يستطيع الناقد الأدبي أن يستفيد من فرويد وما الذي يجب أن يضيفه من مادة ليست موجودة عند فرويد ". وينتهي بيرك في هذا المقال إلى القول بان آليات الحلم من مثل " التركيز " و " النقل المكاني " هي نفس الآليات التي تتم في الشعر، ويتخذ منها مفاتيح في التحليل الشعري، ويقول أن علم التحليل النفسي ذو قيمة بالغة في تحليل " القصيدة " من حيث هي حلم. بل يبعد أكثر من ذلك فيقول:
أرى أننا في سبيل تحقيق غايات النقد الأدبي محتاجون إلى ما هو أكثر من البناء الذي أقامه فرويد، أولا: لإقامة التناسب بدلا من الانحياز إلى ناحية وثانياً لإيجاد الرمز الأمومي في مقابل الرمز الأبوي الذي يؤكده فرويد وثالثاً لنرى في القصيدة صلاة ومخططاً وهو شيء زائد بيرك عند حد الإفادة من فرويد بلى يستمد من تلامذته المنشقين عنه مثل يونج وأدلر ومكدوغل ورفرز وشتكل ورانك. ويخالف الاثنين الأخيرين فيفضل التداعي الحر عند فرويد على ما يسميه شتكل تعسفاً " سطور الحلم " ويرفض فكرة رانك عن مبدأ " رغبة الموت " ويفضل عليها فكرة " الموت والولادة الجديدة " في فهمه للفن. وهو في الوقت نفسه يعتقد أن فرويد مثل ماركس
(2/223)

جبار شاعر تراجيدي عظيم يستحق من الإنسانية الاحترام الخالد لعمق خياله ومهارته المنهجية، ولأنه عن طريق خياله ومهارته قد وضعنا وجهاً لوجه أمام التيارات الخفية.
كذلك يفيد بيرك من المذهب الجشطالتي، مع إنه يرى في آثار علماء هذا المذهب امتداداً لمذهب السلوكيين أمثال واتسن وبافلوف، لا أنها مفارقة لمذهب السلوكيين وخروج عليه، ومن ثم فهو أقرب إلى التجريبيين من الجشطالتيين مثل كوهلر وكوفكا بعيد من النظريين مثل فرتايمر. وقد كانت محاولاته في خلق التكامل بين فروع السيكولوجيا تنقلا بين معجم السلوكيين والجشطالتيين والفرويديين وترجمة من هذا المذهب إلى ذاك ليوجد بين المصطلحات اتفاقاً. وتستطيع ان تقول أن مذهبه النفسي جشطالتي في هيكله العام مع إضافات كثيرة مستمدة من فرويد. وقد أفاد في الوقت نفسه من شتى فروع السيكولوجيا وأستعان بنظرية يانش في " الصور الأبدية " وتجارب شرنغتون على الحيوانات وتجارب باجت في عالم الأطفال، وقد أطلع على كتاب لهذا الأخير عنوانه " اللغة والفكر عند الطفل " وكان يعده بالغ الأهمية.
وكانت روحه النقدية أقوى فيما يستمده من أصحاب النظريات اللغوية وإن نزع أيضاً في هذا الميدان إلى خلق التكامل بين عدة مذاهب. غير إن هناك نظرية لغوية واحدة تقبلها دون نقد. وهي التي تقول إن الإشارات هي اصل الكلام - نظرية نادى بها سير رتشاردز باجت فحولها بيرك إلى القول بان الإشارات هي جوهر الكلام. واستغلها أول مرة في كتاب " نزعات ". وقد هاجمته مارغريت شلوش وبعض فقهاء اللغة لأنه أخذ بنظرية لا تفترق شيئاً عن " المثل الأفلاطونية " ولا تحقق غاية منها فدافع بيرك عن نظرية باجت هذه في " فلسفة الشكل الأدبي " وقال أنها ليست نظرية في فقه اللغة بل النظرية في فن الشعر.
(2/224)

أما السمانتيات الحديثة فان بيرك لم يطف بها إلا لماماً وقد كتب في " فلسفة الشكل الأدبي " مقالا بعنوان " المعنى السمانتي والشعري " فوضح فيه أن ميدان السمانتيات قاحل لا يحتوي على مصطلح " توفيقي ". ويرى بيرك أن مثله الأعلى كالمثل الأعلى عند السمانتيين هو " تطهير الحرب " ولكنه يحقق هذه الغاية بالتفتيش عن " مصطلحات تفصح عن المواقف التي قد ينشأ عندها الغموض " لا بتقصي المصطلحات التي تتجنب الغموض كما يفعلون هم. وقد قال في " نحو الدوافع " - وهو كتاب كتب في سنوات الحرب -:
وهكذا قد يتوجه فكر المرء نحو " تطهير الحرب " لا من أجل أن تستأصل الحرب من كل نظام تكمن فيه الدوافع نحو العراك - كما هو حال نظام الإنسان نفسه - بل من أجل أن ترهف الحرب إلى حد أن تصبح سلاماً، هو السلام الحق لا ما نسميه اليوم سلاماً.
ويستمد بيرك أيضاً عدداً من المبادئ والاستطلاعات من مدرستين سمانتيتين هما مدرسة كورزبسكي وأتباعه ومدرسة كرناب وموريس وإن لم يسلم لعلماء هاتين المدرستين بكل آرائهم. غير إنه إذا أستمد من أوغدن ورتشاردز أخذ آراءهما بكل تسليم، وعلى النقيض من ذلك موقفه من ثورمان آرنولد وستوارت تشيز فإنه يهاجمهما بعنف ويأبى أن يسلم لهما برأي. اللهم إلا مرة واحدة أثنى فيها على ثورمان لتفرقته بين " الحكومة السياسية " و " حكومة العمل ".
وفي الأيام الأخيرة أضاف بيرك إلى هذا " المركب " المؤلف من العلوم الاجتماعية والنفسية واللغوية والسمانتية وبعض العلم الطبيعي والبيولوجي - أضاف شيئاً من الفلسفات واللاهوتيات. وقد كان في البدء بعيداً عن نطاق الفلسفة حتى إنه يستعمل صور " المساومة " في " نحو الدوافع " أثناء
(2/225)

حديثه عن الفلاسفة فيقول: " هذه نقطة تستحق المساومة فيها والمماكسة إن شئت أن تساوم أو تماكس لأنك إن مررت بها عابراً دون أن تثير التساؤل من حولها فإنك تتيح لكانت فرصة كبيرة ". ويبدو إن بيرك " أصفق " في هذه المساومة أخيراً وتنازل عن تأبيه وأخذ يستمد كثيراً من توما الإكويني وأوغسطين ومن عدد آخر من القديسين ومن الفلاسفة ابتداء من أفلاطون وأرسطو حتى ني تشه وبرغسون وسانتيانا وكون لنفسه فلسفة ميتافيزيقية، حددها بمصطلح وضعي كان من قبل ينكره. كما أخذ لنفسه نوعاً من اللاهوت استغل فيه المصطلحات التي تدور حول الألوهية لا حول الآلهة لأن الآلهة في رأيه " أسماء للدوافع أو لمجموعات من الدوافع " يشترك فيها جماعة من الناس ولكل إنسان أن يعبد الله " حسب المجاز الذي يناسبه " وفي الجملة فإن بيرك قد أتخذ آلهته من المجازات والاصطلاحات والكلمات، حتى إنه حين يشير إلى الكتاب لمقدس فإنه يعني " المعجم ".
وهناك فكرة واحدة حقق فيها بيرك التكامل التام من بين هذه الاتجاهات جميعاً وتلك هي فكرته في " المسرحة " وهي ناجمة من كل أثر سابق ومن كل الأساليب والطرق التي نشبت فيها من قبل. وقد كتب في " المصطلحات الخمسة الكبرى " يقول إن " المسرحة " اصطلاح ليس من وضعنا وكل ما ندعيه لأنفسنا إننا نظرنا إلى المسألة بشيء من الاستغراب أكثر من ذي قبل حتى طلع التأمل ببعض الثمرات. وبدلا من أن نقول " الحياة رواية مسرحها هذا الكون " ونمضي عن هذا القول عابرين وقفنا عنده نتأمله طويلا، تأملا شاقا مضنياً ". وإن من يقرأ كتب بيرك بالترتيب يجد فكرة " المسرحة " قد تطورت عنده بالتدريج، من مبادئ معينة، إذ بدأ بيرك يرى إن هناك انقساماً دائماً في المبادئ المتناقضة ثم أخذ بالفكرة التي ترى إن النزعات " أعمال "
(2/226)

أولية، ثم إلى القول بالديالكتيك في جميع مراحل التأليف عنده وأحياناً كان بيرك يسوي بين هذه جميعاً ولكنك إن نظرت إليها بالترتيب وجدت فيها تطوراً وتعميقاً ينتهي بالمسرحة. وقد تعد هذه المسرحة - إلى حد ما - الديالكتيك المثالي عند كولردج وهجل، ولكنك إن أبعدت في فهمها وجدتها هي الديالكتيك العقلي عند " سيجموند فرويد ذلك الديالكتيكي المحدث العظيم " (تذكر أن بيرك قال في موضع آخر إن فرويد ليس ديالكتيكياً بالمعنى الصحيح) فإذا جمع بيرك بيم ماركس وفرويد تجاوز حدود الديالكتيك إلى ما يسميه هو المسرحة، وهو يحاول التوحيد بين ماركس وفرويد والجمع بينهما تحت شعار واحد وهو نظرية الدراما لأن فرويد يقدم لنا مادة المسرحية الفردية وماركس يقدم لنا مادة المسرحية القائمة على المشكلة الكبرى والأولى يتمثل فيها الصراع الفردي والثانية يتمثل فيها الصراع الجماعي. وإذا أمعنت النظر كرة أخرى وجدت مسرحة بيرك هي الديالكتيك السقراطي أي شفف سقراط بالتعريفات في محاوراته وذلك هو أيضاً ما ورثه أرسطوطاليس من أستاذه.
وإذا نظرنا من الزاوية الفلسفية وجدنا مسرحة بيرك مشتقة كلها من أرسطوطاليس ومن الواقعية الأرسطوطاليسية التي تتجلى عند مفكرين مثل توما الأكويني في نظرياتهم عن " العمل " (1) . أما في المصطلح الأدبي فيبدو إنه متأثر بمقدمات هنري جيمس وقد أطلع عليها بيرك في دور مبكر حتى
__________
(1) هناك كاتب فذ متقن البحث من تأليف سكوت بوخاتان عنوانه " الشعر والرياضيات " 1929 ولعل لهذا الكتاب أثراً في توجه بيرك نحو فكرة " المسرحة " وإذا كان بيرك قد أطلع على هذا الكتاب فإنه استوحى منه بعض المجازات من مثل: الإنسان آلة - الإنسان حيوان الخ؟ ذلك لأن الكتاب المذكور معالجة للأدب التخيلي من خلال المجازات الرياضية ومعالجة للرياضيات والعلوم من حيث هي تعبير عصري يشبه الدراما التراجيدية اليونانية في عصرها.
(2/227)

إنه حين نشر مقالا عن جيمس في المجلة الجنوبية شتاء 1942 كتب يقول: " إن ما نقرؤه من مقدمات هنري جيمس هو فكرة مسرحية فهنالك يقدم جيمس لنا تحليلا لدوافع القصص بمصطلحات يستعملها المسرحي ". وفي مقالة " الدوافع والموضوعات في شعر ماريان مور " المنشور بمجلة Accent ربيع 1942 استعمل لأول مرة هذه المصطلحات الثلاثة: " الفعل " و " المشهد " و " الفاعل " وقال فيها: " إنها المصطلحات التي تدور عليها فلسفة المسرحية المشمولة في مقدمات هنري جيمس ". ثم يعود فيشير إلى هنري جيمس في مقال آخر ويقول:
إن مقدمات هنري جيمس في جملتها لتصور مدى أوسع من هذا في استعمال المتلائمات " المسرحية " وكثير من ملاحظه يتعلق بأمر العلاقة بين الفاعل والمشهد. وكثير غيرها يتعلق بفكر المؤلف من حيث هو مصدر للعمل أي العلاقة بين الفاعل والفعل وكثير منها يدور حول مجرد العلاقات الداخلية القائمة بين العمل والمشهد والفاعل في أية قصة معطاة غير إنه في المقدمات يعالج القصة بمصطلح مسرحي، عامداً وعلى نحو منظم.
وهذا بعينه هو الإلحاح على جعل " الدراما الشعائرية " موثلاً تنضوي تحته كل أفكار بيرك وتتلاءم معه حتى نظرية باجت في أن الكلام إشارات تتلاءم وهذه النظرة الشاملة. ويقول بيرك: " بما أن الأحداث الإنسانية درامية. فالحديث عن الأحداث الإنسانية يصبح نقداً درامياً ". وهذه الدراما الشعائرية ذات مراحل ثلاثة هي الغاية فالعاطفة فالإدراك ويقول بيرك: " من فعل الفاعل تنجم العاطفة ومن معاناة العاطفة تنشأ معرفته للفعل الذي يؤديه وهي معرفة تستعلي إلى حد ما فوق فعله ".
وعلى هذا تقوم شعيرة " العمل الرمزي " على أساس من شعيرة
(2/228)

جماعية قديمة. وشعيرة العمل الرمزي هي البديل الذي قدمه المجتمع الحديث في مقام الشعيرة الجماعية. حتى أن اشتداد الناحية الجنسية ليعد بهذا المعنى رقصة شوة فردية تحل محل الراقصة الشهوية القبلية التي تلاشت. ومن ثم اعتمد قسط كبير من مسرحة بيرك على الانثروبولوجيا وعلم أصول السلالات " الانثولوجيا ". وقد كتب رانسوم يصف مذهبه فقال: " يبدأ بيرك بأن يعد الشاعر طبيباً والقصيدة دواء. وهو مرهف الحس على بقايا الشعائر: كالحرام والعناصر الفتيشية، واطلاق الأسماء وما أشبه ". والحق أن بيرك عني كثيراً بسلوك الجماعات البدائية مستمداً على نطاق واسع تعميمات علماء نظريين مثل فريزر وتقريرات علماء تجريبيين مثل مالينووسكي. وقد أعجب بكتاب " الغصن الذهبي " لفريزر وقال إنه " هزلي " وهي أرفع كلمة تقريظ يستعملها وإنما استحق الكتاب ثناءه لأنه " يدلنا على طقوس التطهر السحري عند الشعوب البدائية وبهذا يقدم لنا التلميحات الضرورية التي تعيننا على كشف عمليات مشابهة في أعمال الشعوب المتحضرة التي انقطعت صلتها بالشعائر ". ولا أعرف أن بيرك أشار إشارة مباشرة إلى مدرسة كمبردج أعني إلى أولئك الدارسين الذين طبقوا نظريات فريزر في الكشف عن نماذج الشعائر الدرامية القديمة الكامنة في أساس الفن والفكر الإغريقي أمثال مري وجين هاريسون وكورتفورد وكوك؟ الخ. ويبدو إنه لم يقرأ شيئاً مما كتبوه ولكن كثيراً من آرائه وبخاصة في كتاب " البطل " لراجلان وتحدث عن استحسانه له، وكان لا يرى بأساً في تسمية نقده " النقد الشعبي " وهذا قد يشير " لى معرفته بآراء فلاسفة تلك المدرسة أو يدل على توارد عجيب في التفكير.
ويحتاج مصطلح بيرك منا بعض التوقف والتقدير. وهو مكثر من
(2/229)

تفريع المصطلحات مثل بنثام وبيرس وفبلن، وقد عبر بيرس بسخرية عن رأي بيرك ووصفها بالصرامة المتعبة، وقد جاء فيها:
من طبيعة العلم أنه لابد له من معجم فني معترف به، مؤلف من كلمات لا تجذب المتهاونين من المفكرين لاستعمالها ومن طبيعته أيضاً إنه بحاجة إلى كلمات جديدة كلما جد فيه مبدأ من المبادئ على أن تصاغ في نهج مسلم به مشروع. ومن الهام الحيوي للعلم أن كل من يضع فكرة جديدة وجب عليه أن يأخذ على عاتقه اختراع سلسلة من الكلمات المنفرة للتعبير عنها، وأني لأرجو أن تفكر بجد في المظهر الأخلاقي لوضع المصطلحات.
ولم يكن من مبدأ بيرك أن يخترع كلمات جديدة دائماً كما كان يفعل بيرس بل إنه كان مثل فبلن يبعث الحياة في الكلمات القديمة أو يعيد تحديدها حيث أمكنه ذلك. (يخبرنا رتشاردز إن المشرعين الصينيين يستحسنون أن يعاقب بالموت كل من يخترع مصطلحات جديدة (، وفي استعمال الكلمات القديمة لتعبر عن معنى دقيق جديد خسارة وربح معاً. أما الربح فقد لحظه جوبير الذي كان يلح على استعمال الكلمات الشائعة اليومية حتى في موضوع مثل الميتافيزيقا إذ قال: بذلك يتجلى للناس ما يفكرون فيه بمصطلحاتهم وبذلك يوحي الأديب لهم بأنه يوفق بين الحياة ومصالحها. وأما الخسارة فقد لحظها كولردج الذي صنع كثيراً من الألفاظ إذ قال:
" في مثل هذا المجال العلمي ليس أمام المعلم المرشد إلا أحد طريقين: إما أن يستعمل الكلمات القديمة بمعاني جديدة كما يفعل لنايوس وواضعوا المصطلح
(2/230)

الكيميائي. وأنا أفضل الطريقة الثانية لأن الجولة الأولى تستنزف جهداً مضاعفاً من الفكر، في عمل واحد، لأن على القارئ أن يتعلم المعنى الجديد، وأن ينسي نفسه المعنى القديم الذي ألفه وهي عملية عسيرة محيرة، فإذا كره أحد الطريقة الثانية وتجنبها تجنباً للتصافح فإني أرى التفاصح أقل كلفة من الطريقة الأولى ".
وقد سلم بيرك بأنه " إن كان في مقدورنا أن نستعيد مصطلحاً غير ملائم قد مات دون أن ينكر لموته أسباب كافية فإن بعثه إلى الحياة يحمل شراً أقل من الشر الذي يصاحب الصياغة المخترعة ". ولذلك فإن بيرك يكسب عدداً من القيم الحقة كلما استعمل الكلمات المألوفة بشيء من التحوير في المعنى أو أعاد لها المعنى الذي مات ولم يكن مألوفاً. أما أن الناس لا يرون في كلمة " هزلي " نفس المعنى الذي يراه ولا يرون في " الصلاة " ذلك المعنى الذي يريده فذلك هو المسؤول عن الاضطراب الذي يقع فيه قراؤه وربما كان هو السبب أيضاً في قلة من يقبل عليه من جمهور.
غير إن مصطلح بيرك من الناحية الأخرى كان يتدرج دائماً نحو مزيد من الوضوح وكل مجموعة خالفة فيه تتطور من مجموعة سالفة حتى إن الحماسي المسرحي: الفعل والمشهد والفاعل والأداة والغاية قد يرضي جوبير نفسه لأنه مستمد من الكلام الشائع المألوف. ويقول بيرك:
" يجب أن تكون غايتنا دائماً هي أن نسير بمصطلحنا نحو الكمال لأن المصطلح الملائم يتضمن تنبيهات وتحذيرات ملائمة، ومما هو أساسي في المبنى المصطلح حاجته لى التركيب أو المرونة لا أعني التركيب الناشئ من تعدد المصطلحات وإنما أعني تركيباً منذ البدء فيها ".
وقد كانت فكرة " المسرحة " وما يدور حولها من مصطلح من المجازات التي ثابر عليها بيرك من البداية إلى النهاية وطورها بالتدريج
(2/231)

ولما كتب " فلسفة الشكل الأدبي " عام 1941 كان قد وضع مصطلحين من خماسي الدراما وهما الفعل والمشهد؛ وفي بعض هوامش ذلك الكتاب شرح المصطلحات الخمسة ونبه إلى أنه سيتناولها من بعد بالتفصيل، وفي الوقت نفسه نشر مقاله " المعنى السمانتي والشعري " وميز فيه المثل الأعلى الشعري وقال إنه تغلغل في الدراما لا دوران حولها، وقال في مقال آخر: " إن العلاقات الإنسانية يجب أن تحلل بالنظر إلى الإرشادات التي استبانت بعد دراسة الدراما ".
وهناك مصطلح آخر - مجاز - حافظ عليه بيرك أيضاً في كل كتبه وذلك هو استغلاله اصطلاحات العمل وشئون المال للتعبير عن أمور غير مالية، وهي خطة يشاركه فيها ثورو. وفي هذا المجال استعمل بيرك ألفاظاً مثل: الاستثمار وتعميم الخسائر " والتجيير " والحطيطة وغيرها في أمور الفن والفكر، وقد قال في الدفاع عن هذه الطريقة: " إن المصطلح الرأسمالي فذ لأنه يبسط العمليات الاجتماعية على شرط أن تضيف إليه البند الهزلي ". ويسمى بيرك طريقته هذه " تأملية - مالية " في مقال كتبه بالمجلة الجنوبية ربيع 1941 ويضيف إلى ذلك هذه العبارة التأسفية:
" إنني استعمل هذا المصطلح المزدوج المعنى " Speculative " (1) وأنا على وعي بازدواج معناه لأني حين أسمي نفسي " Speculator " أعتقد اعتقاداً تاماً إنني أوضح قيمة اجتماعية تأثرت بهذا الازدواج مع إنني يجب واأسفاه أن أتحدث كأنني شخص ليس له مجال في هذا الموضوع، شخص لا ينال المعرفة فيه إلا حين يشرحها له المختصون أصحاب الشأن، شخص يملك المال في عقله [أي التأمل] لا المال الذي في كيسه ".
__________
(1) هذه الكلمة تحمل معنى " التأمل " ومعنى الدخول في المضاربات المالية.
(2/232)

أما المصطلح الخماسي الدرامي الذي أوجده بيرك فهو ثمرة لمجموعات من الثنائيات والثلاثيات التي حاولها قبله كثيرون. وبه أراد أن يوجد مصطلحاً شاملا يطبق على أي مجال. وهو كما وضح بيرك نفسه ذو صلة بالعلل الأربع التي سماها أرسطوطاليس: الصورية والمادية والفاعلة والغائية: وفي مقابلها وضع بيرك - على التوالي - الفعل والمشهد والفاعل والغاية على أن تكون الخامسة وهي " الأداة " داخلة في العلة الغائية. وكذلك سوى بيرك بين خماسيه والعناصر الست التي ذكرها أرسطوطاليس في المأساة وهي: العقدة الفعل، والشخصية الفاعل، والفكرة الغاية، والموسيقى والكلام الأداة، والمنظر المشهد. وقد أوجد بن جونسون بعد ارسطوطاليس ثالوثاً مكوناً من القصيدة والشعر والشاعر وهذه الثلاثة تقابل الأداة والفعل والفاعل عند بيرك. أما ثنائية لسنج في اللاوكون: أي " الأشخاص - والأعمال " فإنها تقابل المشهد والفعل عند بيرك. وأما ثالوث أمرسون المكون من العلة والعمل والنتيجة أو ما يسميه بلغة الشعر جوبتر وبلوتو ونبتون ويسميه باسم الثالوث المسيحي أو ما يسميه: العارف والفاعل والقاتل - هذا الثالوث يقابل الغاية والفعل والمشهد أو الفاعل عند بيرك؛ ولدى آرنست فنولوزا في مقال عنوانه " الكتابة الصيني من حيث هي وسيلة لنقل الشعر " - لديه ثالوث مكون من الفاعل والفعل والغاية وهو مقارب لخماسي بيرك.
وهناك مظهر هام عند بيرك لم يقدر حق قدره أعني العلاقة بين القصيدة والجمهور أو ما يسميه بيرك " البلاغي " أو " الخطابي "، وقد خصصه الناس متعسفين برتشاردز وعدوه ميدانه المطلق. غير إن بيرك عني به أيضاً عنايته بالعمل الرمزي بل زادت عنايته به على العمل
(2/233)

الرمزي في كتابيه " مقولة مضادة " و " الثبات والتغير ". وفي " فلسفة الشكل الأدبي " يقترح بيرك علاقة بين الشاعر والقصيدة وبين القصيدة والجمهور - علاقة تمزج العمل البلاغي بالعمل الرمزي في الجمهور فيقول:
إن ما يؤديه العمل الفني للفنان نفسه من أمور ليست هي نفس الأشياء التي يؤديها ذلك العمل لنا لأن هناك فرقاً بين القصيدة مكتوبة والقصيدة مسموعة. وبعض هذه الأمور مشترك بيننا وبين الفنان نفسه وبعضها غير مشترك.
ولكن هذا هو رأيي: إذا جربنا ن نكشف عما تؤديه القصيدة للشاعر استطعنا أن نكشف مجموعات من التعميمات التي تدلنا على ما تؤديه القصيدة لكل إنسان أيضاً فإذا تذكرنا هذه الأمور أصبحت لدينا دلالات تمكننا من تحليل نوع " الحدث " الذي تحتويه القصيدة وبتحليل هذا النوع المذكور نستطيع أن نكشف عن مبنى العمل الفني نفسه.
إذن فإن القصيدة تؤدي شيئاً للشاعر وقرئه وهذا الذي يبثه الشاعر في القراء هو " البلاغي " أو هو " النقل " وإنما يسمى بهذا الاسم تمييزاً له عن " التعبير " ويسميه بيرك " الصلاة " حيث يتحدث عن ثالوثه: الحلم والصلاة والمخطط وأحياناً يسميه " اختيار الإشارة " ليصور نزعة الشاعر وهو يحاول أن " يغري النزعات الأخرى ويجتذبها " فالقصيدة على هذا عمل رمزي من الشاعر ولكنها تتخذ لها مبنى ولذلك تمكننا نحن معشر القراء من أن نعيد وجودها وبذلك تكون القراءة نفسها تمثيلا للشعائر الرمزية.
وقد درس بيرك هذا الجانب التأثيري " البلاغي " في مقالين مسهبين، أدرجهما في " فلسفة الشكل الأدبي " أحدهما عنوانه " أنطونيو يدافع عن الرواية " وهو حديث ذاتي (مونولوج) طويل يوجهه أنطونيو إلى الجمهور
(2/234)

ليشرح لهم وسائل شيكسبير كما تتمثل في خطاب التأبين عند مقتل قيصر والثاني عنوانه " ترجمة المحاكمة " من (رواية الليلة الثانية عشرة) وهو تفسير آخر أقل شأناً منه الأول يوجهه الدوق. وقد عد بيرك هاتين الدراستين تفسيراً للعلاقة القائمة بين القارئ والكاتب والأصح أن تعدا دراستين للعلاقة بين القارئ والقصيدة. أما دراسته الأتم فهي " بلاغي معركة هتلر ". وهي حقاً دراسة للعلاقة بين القارئ والكاتب لأنها تتناول تعبير هتلر الرمزي في الكتاب والعمل الرمزي عند الجمهور الذي يقرؤه والعلاقة البلاغية بين الاثنين. وهذه الدراسة توحد بين الخاص والعام وبين الدراسة النفسية الموجهة لتعمق ما تستطيع بلاغة التعبير نقله إلى الجمهور.
ويحاول بيرك في " مقولة مضادة " أن يطور فكرة البلاغة أولا بالتمييز بين المعالجة الشخصية والنغمية ثم بين الواقعي والخطابي؟ ثم بالتمييز بين المعالجة الشخصية والنغمية ثم بين الواقعي والخطابي؟ ثم بالتمييز بين سيكولوجية الخبر وسيكولوجية الشكل، أما الشكل فإنه " سيكولوجية الجمهور " أي " هـ إثارة الشهوة إلى الاستماع في فكر المستمع وإشباع تلك الشهوة أو هو إثارة الرغبات وإرضاؤها " - وهذا يساوي ما يسميه " البلاغة " وليس ذلك كله إلا الأدب التأثيري.
ويتسع مبدأ " العمل الرمزي " عند بيرك وفكرة " البلاغة " حتى يشمل كل التوافه من كل نوع حتى إن بيرك ليستمد أمثلته من السينما ومن الأحاجي التي تقدمها الإذاعة ومن أخبار تنقلها إحدى الجرائد من الجمعية العامة للصناع عن كل ما هب ودب. وهذه الأمور كلها أنواع من الشعر مليئة بالعناصر الرمزية والبلاغية وإن كان شعراً رديئاً فإنه شعر رديء ذو أهمية حية في حياتنا وحين يغمس بيرك نفسه في هذه " البؤرة " الرخيصة يتبدى لنا كأنما هو ملك يضحي بنفسه من أجل أن تنمو مزروعات القبيلة.
(2/235)

5 - لقد عرضنا فيما تقدم رأي بيرك في المواقف والخطط والنزعات والدوافع والعمل الرمزي والغايات، فلنقل كلمة في الأمور حسبما تنطبق عليه لا على غيره.
1 - ولنبدأ الحديث عن آثاره خارج المجال النقدي الحق، وهذه الآثار نوعان:
(أ) القصص: وقد نشر بيرك مجموعتين هما " الثيران البيض " وهي مجموعة من القصص القصيرة، عام 1924 و " نحو حياة أفضل " وهي سلسلة من الرسائل أو الخطب عام 1932 وكلا الكتابين دقيق معقد غامض رصين الأسلوب جزل، والأول يتدرج من قصص واقعية إلى قصص محيرة برموزها وخطابتها وكأنها " مقولة مضادة " تعلي من شأن الأسلوب الخطابي حين كان هذا الأسلوب مشنوءاً محتقراً. وأما الثاني فهو عودة إلى أساليب " ديوانية " في الكتابة ولا يهتم بالحبكة إلا اهتماماً عارضاً ولكنه يهتم كثيراً بما يسميه بيرك " الأقطاب الستة " وهي " الندب والحبور والترجي والتحذير والتقرير والتعزير ". ولم يكسب هذان الكاتبان رواجاً وقل من قرأهما أو أعترف بهما ولكنهما أثرا في بعض الكتاب وأثنى عليهما وليم كارلوس وليمز وهاجمهما أيفور ونترز وقال إنهما " أبلد من قصص تاكري " والثاني منهما يتراءى لي من خير القصص في عصرنا. وهما من حيث صلتهما بنقده يعكسان كثيراً من أفكاره ويطبقان كثيراً من نظرياته ويعملان على " وضع " الدوافع الإنسانية مواضعها من زاوية جديدة. وقد كتبهما مطبقاً فكرته البلاغية ولكنهما من بعد أعاناه كثيراً
(2/236)

في التعريف بالعمل الرمزي والتمثيل عليه.
(ب) المراجعات والترجمات والقصائد: تعلم بيرك كثيراً من المراجعة. وكان موضوع المراجعة في هذا العام مثلا يصبح مرجعاً لمراجعة تالية في العام التالي وقد أبعد عن نطاق الأدب التخيلي في مراجعته فوسع من آفاق إنتاجه وكان يستخرج الأفكار النقدية من مشكلات تنشأ من مراجعاته وكثيراً ما أدرج تلك المراجعات في خلال أعماله النقدية، وقد كتب بيرك أيضاً نقداً في الموسيقى ونقداً في التصوير وفي كتابه " مقولة مضادة " إشارات إلى النواحي الموسيقية والتصويرية، كما إنه ترجم كثيراً من الألمانية من ذلك أقاصيص لتوماس مان وكتابات من اشبلنجر واشتتزلر واميل لدفغ وغيرهم ونشر عدداً من القصائد أكثرها طليق من الوزن خطابي الأسلوب ينص على السخرية والنقد الاجتماعي ولكنها لم تجمع في كتاب.
2 - آراؤه الاجتماعية: توجد هذه الآراء في شعره، وعلى نحو أغمض في نقده وكلها معقدة غامضة. وأبرز العناصر فيها مقته للتقنولوجيا والحضارة الآلية ومذهب " الكفاءة " و " المستوى العالي من المعيشة " وما أشبه، ولذلك قاوم هذه الاتجاهات في كتبه منذ البداية حتى النهاية. وقال: " إن المبدأ الجمالي يحاول أن يحط من القيم الموجودة في الاتجاه العملي ويحاول بالذكاء أبالخيال أن يحدث اضطراباً في القانون القائم في العمل التجاري والتنافسي الصناعي وبطولة الحرب الاقتصادية ويعمد إلى أن يزعزع أعمدة الصناعة ". هذا هو ما قاله في البيان الجمالي الذي نشره في " مقولة مضادة " ثم استمر يعتنق هذا في ختام كتابه " الثبات والتغير " وعنف لديه هذا الإيمان في " فلسفة الشكل
(2/237)

الأدبي " فوصف البناء الاقتصادي بأنه مهين يدفعنا إلى عمل أمور مهينة. وجعله تشاؤمه يرى إننا مقبلون على " فصل سياسي عابس مكفهر " وإنه لا ينقذنا منه إلا الدعوة إلى التكامل الذاتي. ثم تخف مرارة هذه النظرة الاجتماعية في كتاب " نحو الدوافع " ويقل فيها التشاؤم ولكنه لا يزال يعادي الاتجاه نحو الآلة والمستوى العالي من العيش (1) ، والمصاعب الهائلة التي يقع الناس تحت وطأتها من أجل الحصول على فوائد تقنولوجية ولا يقول ثمة أن النظام الصناعي والدافع المالي " مهينان " بل يقول إنهما " اليمان قاسيان " ويستشف أملاً ما حين يقول:
حين يسيطر على سياسة المجتمع الكذابون والأغبياء والجشعون فإن فلسفات التقشف المادي قد تبعث في نفوسنا بعض العزاء لأنها تذكرنا أن تلك المواد عينها التي تتكون منها مدينتنا أو التي نبتت مدينتنا فيها لن نسمح للكذب والغباء والجشع أن تسيطر على النفوس حين يسيطر بعض الناس أن وجدوا إلى ذلك سبيلا.
ويقترح بيرك في النهاية أن يأخذ الناس بشيء من " الزهد الرواقي " لأن الناس لن يقفوا عن تطوير التقنولوجيا سواء أكان ذلك لخيرهم أو لشرهم.
وفي هذه النزعة نغمتان افترقتا بعد زمن. الأولى رفض الآلة والتقنولوجيا والتصنيع في كل مجتمع، ويقاوم بيرك هذه الأمور بالتقليل من " شد الأحزمة " والتقليل من الحركة والتكثير من العمل وتكييف الكفاءات مع حال البيئة. وهذا هو أشد آرائه رجعية ويشاركه فيه أمثال
__________
(1) نشر بيرك مقالا سنة 1947 بعنوان " الطريقة الأميركية " فوصف الحضارة الأميركية بأنها مشتقة من ذلك المبدأ التعميمي " المستوى العالي من العيش " الذي أنتج مبادئ فلسفية وجمالية تعبيراً عنه أو رد فعل له.
(2/238)

ثورو وأتباع جفرسون وهذا ما دعا هنري بمفورد باركس أن يقول " كم كا يتمنى لو عاش في الصين في أيام كونفوشيوس " وهذه النغمة في أقصى الطرفين تمثل كرهاً للعلم نفسه، وصدق المراجع الذي قال إن بيرك، كالعجائز في مجتمع يكره التشريح، ينزع إلى أن يرى العلماء التجريبيين " ساديين يتلذذون بتعذيب الفيران ". أما الطرف الثاني فإنه قد يجد خيراً في التقنولوجيا بل يدافع عنها ضد عالم آثار اسمه كدر في مقالة له عنوانها " طابع حضارتنا " واجداً أن القيم الحقة فيها - وإن كانت سلبية - تخفف من فساد المحاصيل والأوبئة والكوارث الطبيعية الأخرى وفي الوسط بين الطرفين يعيش هو - جاعلا من حياته مثلا - جامعاً بين البسيط والبطيء والحياة الزراعية والتقنولوجيا اللازمة له من عربة وقطار ونفق لتوصله إلى المكتبة العامة في نيويورك.
أما النغمة الأخرى في نزعته الاجتماعية فليست هي اعتراضه على التصنيع في ذاته بل على مظاهر معينة في النظام الرأسمالي. فهو في " الثبات والتغير " يؤمن بالشيوعية ويقترح مادية ديالكتيكية معدلة تسمى " بيولوجيا ديالكتيكية " وحياة " شاعرية " منهجية تتحقق من خلال المجتمع الشيعي ومن وراء فاقه وهو يقول: إن الشيوعية " هي الحركة الوحيدة المنظمة المنسجمة التي تعمد لإخضاع العبقرية التقنولوجية للغايات الانسانية " وهي تستقطب كل الكلمات التي تبدأ بحرف " C " مثل: Co - operation، Communication، Communion، Collectivism، Communicant. ويستكشف في " نزعات نحو التاريخ " أن الجماعية أمر لا معدى عنه ولكنه يقترح الشيوعية الجماعية مضيفاً إليها بعض التحسينات " الهزلية " ثم تبدى في مقال " الحياة الطيبة " أن مثله الاجتماعي الأعلى هو العالم الكونفوشي. وظل يشير من بعد باستحسان إلى المادية الديالكتيكية ولكنه ابتعد عنها كثيراً في كتبه الأخيرة ولم يعد يسمي مثله الاجتماعي الأعلى
(2/239)

- وهو زراعي لا مركزي - باسم شيوعي.
3 - أفكاره في النقد وعلاقتها بآرائه في الحياة: مرتبطان ارتباطاً لا انفصام له. وهو يضعهما على صعيد واحد من التجريد حتى إنهما يتلاحمان. ومفتاح آرائه في النقد: " كل الأحياء نقاد " ويمثل على هذا بسمك السلمون فانه يصبح ناقداً بعد أن ينشرط فكه ويصبح قادراً على التمييز بين العم والطعام. والناقد في رأيه ناقد للحياة مثلما هو عند ماثيو آرنولد ومهمته ان يقدم مؤثرات مضادة ما استطاع إلى ذلك سبيلا وان يوجد التكامل بين النقد التقني والنقد الاجتماعي وأن يختبر الأشياء دون تهيب والشاعر ساحر " منوم " ومهمة النقد هي رفع العقيرة لإيقاظ النائم ومهما يكن من أمر الشعر فالنقد في خير أحواله " هزلي ".
وهذه النظرة ليست تحقيراً للشعر لان بيرك يؤمن أن الشعر قريب إلى القيم المركزية في وجودنا إيماناً لم يفارقه أبداً، سواء أكان الشعر غنائياً أو فلسفياً أو منهجاً من منهاج العيش. وهو يرى الشعر عدة للعيش يريحنا ويحمينا ويزودنا بالسلاح. وهو في الوقت نفسه يؤكد الإحساس الشعري أو ما يسميه بلاكمور " الخيال الرمزي " ويراه المظهر النقدي الذي لا مظهر وراءه، ويقول:
ينشأ الاعتراض حين يزور فلاسفة العلم وينكرون ان المقدرة العلمية تتطلب صنواً مناقضاً يسمى أحياناً البصيرة أو الخيال أو البداهة أو الإلهام؟ ومع أن المرء يستطيع أن يجزئ العمل الفني في عناصر عدة ويصل بالاختبار إلى تفرقة عادلة حقة بين تلك العناصر فان الطريقة العلمية لتعجز عن ان تواجه هذه العناصر في حال " التركيب " لا في حال التجزئة.
وهناك عنصر هام في منهج بيرك هو العنصر الموجود في التهكم أي الفكاهة أو ما يسميه " الهزلي " فهو يقول في تعريف الفكاهة: " إنها
(2/240)

" الصبغة الإنسانية " التي تمكننا من قبول معضلاتنا. ويعرف التهكم بأنه: " الصنعة " التي تنشأ عن إحساس برابطة بيننا وبين العدو. أما " الهزلي " فانه النزعة " الخيرة " السمحة التي تشمل التناقض الناشئ من ازدواج القبول والرفض والأخذ والإعطاء. وهذه الأمور في أساسها مظاهر لشيء واحد وهي معاص تمثل نزعة التشكك والمحافظة " والتخلي عن السير قبل الوصول إلى نهاية الشوط " والمناقضة والخصم. فالحياة الخيرة لا تكون في نظر بيرك خيرة بل هي هزلية تهكمية وربما كانت أيضاً مضحكة - حياة لا توصف بالجلال والعزة. ولقد قال بيرك في إحدى مقالاته الأولى:
" العزة النفسية؟ أجل يبدو أن هناك توقاناً في النفوس للعزة النفسية بل هناك إثارة من مظهر هستيري شاذ في هذه الحاجة إلى العزة. ان العزة من صفات المغلوب فالمرء يغادر الغرفة حفاظاً على عزته لان كان مقهوراً أما المنتصر فانه يستطيع ان يمرح ويهارش الآخرين. فالعزة أذن محاولة ذاتية لتصحيح الوضع أما من الناحية الموضوعية فأنها لا تنطوي على شيء من الدماثة، وهي ظاهرة غير بيولوجية فأن العزيز لا يستطيع ان يهرب إذا قابله الأسد غير أن المرء يواجه الحقائق - مواجهة موضوعية - دون عزة ويضحي المرء بسلطته حين يسأل ما هي الحطة التي يريد ان يوقعه فيها هذا الشيء الخارجي. العزة بطليموسية وفقدانها كوبرنيكي. لقد قال أحدهم: أن تطور الإنسان في أوروبا قد افقده عزته النفسية بمقدار ما منحه من السيطرة على الطبيعة ".
4 - أسلوبه الكتابي في النقد: لقد كان الجمهور الذي يقرا بيرك قليلا دائماً وان كان يزداد مع الزمن وقد راج كتابه " نحو الدوافع " رواجاً دل على نجاح واعتراف عام، يناله بعض الفنانين - ومارتا غراهام مثل آخر - الذين يستعصي فهم التكامل في آثارهم - ينالونه في أواخر حياتهم
(2/241)

بعد أن ينزاح من أمامهم جيل رائج الكتب، قصير عمر الشهرة. أما السبب في عدم إقبال القراء عليه أو عزهم عن قراءته فانه يرجع إلى تهمة " الغموض " أو " الرطانة " التي يستعملها. ولقد قال في " مقولة مضادة " دون أن يهدف إلى الدفاع عن نفسه: " هناك أشكال من البراعة كالتعقيد والحذاقة والعمق والصرامة في الأسلوب تحدد من رواج الكتاب حتى يصبح كأنما هو كتاب في الرياضيات العالية ". والحق في كتابة بيرك في ذاتها واضحة مستقيمة غير ملتوية أما الغموض فمرجعه إلى المبادئ والمصطلحات حتى أن كرو رانسوم أقصى ناقديه لم ينكر عليه أبداً جمال الأسلوب الأدبي. أما اتهامه بالرطانة فانه اتهام صائب لأنه منجذب أحياناً إلى الأسلوب الفلسفي الألماني ويدافع عن " تسمياته المحيرة " ويعدها " نوعاً من الشعر " وهو يقترب من رطانة تلك الفلسفة في مصلحات استعملها مثل المبدأ الملثوسي الجديد - المنظورات من خلال التباين، وهكذا.
وليبرك أيضاً انتحاءات أسلوبية مزعجة لقرائه منها استعماله الكلمات حسب المعاني التي يريدها، ووضعها بين معقفين " " وتذييل متنه بالشرح والتعليق وقد تكاثرت هذه التعليقات في كتبه على شكل قوس فكانت قليلة في " مقولة مضادة " وكثرت في " الثبات والتغير " وازدادت في " النزعات " وعادت تقل في " فلسفة الشكل الأدبي " وانعدمت في " نحو الدوافع ". وقد بلغت التعليقات بقدر المتن في " النزعات " وتوازت معه توازي الخاص والعام، والعارض والعمد، والإيحائي والساطع. وقد نثر في الحواشي إيحاءات بأشياء لم يسعفه الزمن على مزاولتها مما قد يحتاج " فيلقاً " من النقاد يعملون فيه طوال حياتهم. كذلك فان إدراج مادة في الحاشية مغايرة للمادة التي في المتن تصيب القارئ بالشيزوفرانيا، ولعل هذا الازدواج نفسه يوحي بانفصام في عقل بيرك نفسه لكنه استطاع أن
(2/242)

يتغلب عليه مع الزمن. وأخيراً يبدو أن أسلوب بيرك مبني على التكرار الكثير كان يقرر الشيء نفسه ثلاث مرات مستعملاً وجهاً من المجاز في كل مرة، بدلا من ان يقرر الشيء مرة واحدة وينتهي منه. وهو يمزج بين المجازات بخبث ومكر.
ومن المظاهر البارزة في أسلوب بيرك اعتماده الكثير على النادرة والتورية والتلاعب اللفظي غير أن نوادره الموفقة رائعة لأنها تحتوي فكاهة ساخرة لاذعة. وللتورية مكانة أهم في كتاباته، فهو يضع فيها لب ما يريد أن يقوله وتوريات بيرك مثل توريات شيكسبير مجازات خاطفة أو تعقيدات إمبسونية أو منظورات من خلال التباين يقويها بشغفه في الاشتقاق ومعرفته بدلالات اللغة في المقامات المختلفة بما في ذلك دلالتها في المقام السيكولوجي.
ومظهر آخر في أسلوب بيرك زاد اهتمامه به في الكتب الأخيرة، وذلك هو عدم تورعه عن استعمال الألفاظ المكشوفة والفحش. فهو يرى ضرورة المهادنة بين " التراب " و " السماد " ويسمي إنتاج فرويد " تفسيراً للبراز " ويسمي الرواقية " استعلاء فوق الغائط " ويقول في رواية إليوت " حادثة قتل في الكاتدرائية " أنها " معبد فوق مرحاض " وفي كتاب " نحو الدوافع " يفسر ما يسميه " الثالوث الشيطاني " أي العلاقة بين المنوي والبولي والبرازي (1) .
5 - ما هي حصيلة إنتاج بيرك؟ يبدو أنه إنتاج مشعث مترام الأطراف لا يدور حول مركز ولكنه خصب شديد الإيحاء واري الزناد والدليل على هذا انك تستطيع أن تحول كلام بيرك إلى أمثال سائرة مثل قوله: أميركة بلد يتمت فيه الموت بسمعة سيئة - انك لم تقارف
__________
(1) لقد استطيع ان أجد هنا تفسيراً آخر لاهتمام بيرك بالمواد السينمائية والإذاعية وما ينشر في الصحف - استطيع ان أقول انها مظهر آخر من مظاهر هذا الشغف بالنواحي المفحشة المكشوفة.
(2/243)

الإفساد - لكل إنسان الحق في ان يعبد الله على حسب مجازه - مت مثلما يموت الزنبار المشوه - لقد قدم هذا الرجل خيراً للمظلومين ثم جعلهم ظالمين؛ وهكذا.
ومع كل ذلك نستطيع أن نقول أن إنتاج بيرك دقيق التنظيم وأن منهجه النقدي شامل شمولا عجيباً بل هو اشمل منهج تسلطه على قصيدة بمفردها. وكلما سلط بيرك واتباعه هذه الطريقة على قصيدة إثر قصيدة توقعنا أخصب فترة من فترات النقد لا تدانيها فترة أخرى. وكم يتمنى المرء لو أن بيرك تناول بالدراسة المسهبة قصة مثل " موبي ديك " إذن لحصلنا على ثروة لا حد لها في مجال التحليل. وهنا اعتراض قد يثور تواً وهو: هب ان القصيدة تحطمت تحت وطأة هذه " المدفعية " الضخمة من النقد. في مثل هذا الموقف نظل نحسن الظن بميل بيرك إلى التواضع والروح الفكاهية التهكمية التي تكف يده في الوقت المناسب عن الإطاحة والتشفي.
وقد هاجم بلاكمور طريقة بيرك واتهمها بأنها قد تطبق؟ على شيكسبير وداشيل هامت وماري كوريللي على السواء وتثمر بنفس المقدار ورد بيرك في " فلسفة الشكل الأدبي " على هذه التهمة فسلم بها أولا ثم قال: " إنك لا تستطيع أن تفصل بين شيكسبير وماري كوريللي الأبعد أن تضعهما أولا جنباً إلى جنب. قرر النوع ثم قرر الفصل. - كلاهما أديب، هذا هو النوع، أما الذي يحدد مجال كل منهما فهو الفصل - أي الخصائص الفارقة ". وهذا هو الذي نستفيده من نقد بيرك - هو الفصل - ومن دراستنا للنماذج التي يعرضها في تطبيق منهجه نستطع ان نطمئن إلى أن هنا نقداً لا يدانيه نقد آخر في القوة والصفاء والعمق وألمعية الإدراك.
(2/244)

خاتمة
هل يمكن إيجاد مذهب نقدي متكامل
1 - الناقد المثالي
لو كان في مقداورنا، وهذا مجرد افتراض، أن نصنع ناقداً حديثاً مثالياً لما كانت طريقته إلا تركيباً لكل طرق والأساليب العملية التي استغلها رفاقه الأحياء، وإذن لاستعار من جميع تلك الوسائل المتضاربة المتنافسة، وركب منها خلقاً سوياً لا تشويه فيه، فوازن التقصير في جانب بالمغالاة في آخر، وحد من الإغراق بمثله حتى يتم له التعادل، واستبقى العناصر الملائمة لتحقيق غاياته. وإذن لأخذ ادموند ولسن مهمة التفسير او التوضيح لمحتوى الأثر الفني، وأضاف إلى ذلك الاهتمام بالقيم الشعرية والشكلية التي قد يجدها في بعض النقد التفسيري عند عزرا بوند؛ واستعار من إيفور ونترز الاهتمام بالتقويم والحكم المقارن وشجاعة ونترز إزاء الآراء التقليدية في أحكامه لا تلك الأحكام نفسها، واستغل اهتمام اليوت بان يخلق للأدب موروثاً، ونحا في طبيعة الموروث نحو بارنغتون - مثلا - وأفاد من موقف اليوت الذي يجمع بين الشعر والنقد في يده. أما من فان ويك بروكس فان ناقدنا المثالي قد يستمد
(2/245)

الطريقة القائمة على كتابة السيرة والاهتمام بالجو الثقافي العام من حول الأديب، وسيكون من نصيب كونستانس رورك أن تسهم بالنص على الفولكلور المتصل بالأثر الفني وبتأكيدها أن هذا النوع من الموروث متعلق بالشكل لا بالمحتوى وانه تجريدي لا واقعي. وسيدخل في هذا " المركب " طريقة مود بودكين في التحليل النفسي موشحة بنظريات وأساليب جشطالتية وفرويدية وغير ذلك من فروع المعرفة النفسية؛ وسنضاف إليه أيضاً طريقة كودول الماركسية ملطفة بآراء بليخانوف في النسبية التاريخية وسيحشد فيه اهتمام أليك وست بالنصوص المعينة مشفوعاً بكثير من الكشوف المستمدة من سائر العلوم الاجتماعية.
وسيختار ناقدنا المثالي التخصص الواعي الذي تميزت به كارولاين سبيرجن، ذاهباً إلى أعماق ذلك ذهاب جون لفنغستون لويس، مكبراً النتائج بحماسة مندفعة تشبه حماسة ج. ولسون نايت، متوفراً على إيجاد عناقيد الصور متخذاً منها وحدة شعرية ذات مغزى شعري هام كما يفعل آرمسترونغ. وسيستمد من بلاكمور أسلوبه الجاد في البحث واهتمامه باللغة والألفاظ وتأكيده أهمية الفن والخيال الرمزي؛ وسيعينه وليم امبسون في الكشف عن أنواع الغموض ويمده بطريقته الفذة الدقيقة في قراءة النصوص وباهتمامه العام بقيمة الأشكال الأدبية. وسيستعير ناقدنا المثالي من رتشاردز الاهتمام بأمر النقل والتوصيل ووسائل التفسير والمذهب التجريبي؛ وسيستمد من كنث بيرك العناية بالعمل الرمزي والشكل الدرامي وطريقة الاستبطان والكشف. وثمة نقاد آخرون قد يضيفون بعض العناصر إلى هذا " المركب " فتضيف إليه جين هاريسون الأنثروبولوجيا الشعائرية، وتمده مارغريت شلوش باللغويات، ويتحفه هربرت ريد بالتنبه الحادب على كل اتجاه فكري جديد وعلى كل فنان ناشيء، وتمده عصبة Scrutiny باهتمامها الموزون بكلية الأثر الفني، ويعطيه ماثيسون شيئاً من تردده بين الناحية
(2/246)

الاجتماعية والجمالية، ويمنحه فرنسيس فرغسون طريقته في النظر إلى الدراما الشعائرية، ويمده تروي باستغلاله للأسطورة الشعائرية. أما جون كرو رانسوم وآلان تيت وكلينث بروكس وروبرت بن ورن فانهم يزودونه بالتركيز على البناء الشعري؛ وسيمده آخرون بأشياء أخر. وبالجملة سيكون هذا الناقد المثالي أرسطوطاليسيياً محدثاً يستقرئ من الآثار الشعرية أحكاماً، وسيكون كولردجياً محدثاً يستنتج ما يريد من الأفكار الفلسفية.
فإذا أخذ ناقدنا المثالي كل ذلك، طرح في الوقت نفسه كل تافه محدود غير ملائم من أعمال أولئك النقاد واستصفى النواحي الموضوعية لديهم بعد أن ينزع عنها ما يحيطها من مظاهر ضعفهم ومماحكاتهم وفرديتهم. وإذن فلا شان له بسطحية ولسن واستغلاله لأفكار سبقه إليها غيره وقلة صبره على الشكل الشعري؛ ولا حاجة به إلى خلقية ونترز المتسلطة أو تعسفه في الحكم دون علة واضحة أو سوء طبعه أو كثرة أخطائه. وهو في غنى عما يحيط اتباعية إليوت من تحيز مذهبي وسياسي، وإذا استمد طبيعة التكامل بين النقد والشعر عند إليوت فلا ريب في انه سيحرص على استقلال النقد وتكامله وسيرفض افتراضات بروكس " المسبقة " واحتقاره بالأدب الخالق ولن يستعمل طريقته كما يستعملها صاحبها بمطها أو تقصيرها حسب مقتضيات الحال ولن يتخذ من دراسة الشخص عذراً للهرب من دراسة آثاره أو ليجعلها ملحة شهية وحسب. فإذا انتحل طريقة الآنسة رورك تجافى عن سطحيتها وتزود بعلم أوسع من علمها، وإذا مارس طريقة الآنسة بودكين تجنب نزعتها الدينية الصوفية واطرح ما تجنبته هي من مذهب يونج في شئون التميز العرقي والدموي كما نفى عن نفسه تحيز كودول ضد التحليل النفسي وضد الشعر نفسه ونفى عنه التعلق بالطبقية والحتمية وإيثار التعميمات على دراسة نصوص بأعيانها، واستعمل مبادئ فرويد وماركس بحدة ومضاء كحدتهما ومضائهما لا
(2/247)

بكلال وفتور ككلال اتباعهما وفتورهم. وسيكون ناقدنا المثالي على وعي حاد بنقائص التخصص وأين يقف التخصص من النقد وأين ينماث فيه، فيحايد إحجام الآنسة سبيرجن عن تتبع النتائج واستقصائها ويتجنب صوفيتها الذاتية. غير انه لن يجد كثيراً مما يرفضه في مذهب بلاكمور وإمبسون ورتشاردز وبيرك ولكنه قد يتقدم دون أي أثر عالق به من فجاجة الأول ودون الإغراق المضني لدى الثاني ودون ذلك المسرب المقفل الذي يسميه الثالث " الإنجليزية الأساسية " ودون الوقوف السابق لأوانه في وجه التقدم عند الرابع. أما حين يستمد من النقاد الآخرين فسوف يسير على الخطة نفسها من رفض وطرح ولكنه سيطرح اكثر مما يأخذ في كثير من الأحوال، بل أن كل من ارسطوطاليس وكولردج لن يفيا بحاجاته تمام الوفاء.
وهذا التكامل المثالي الذي نريد أن ننشأ منه طريقة نقدية سامية لا يتم بطرح كل العناصر الجيدة في قدر واحدة وخلطها معاً كيفما اتفق ولكنه عمل يشبه البناء على أن يتم حسب خطة منظمة ذات أساس وذات هيكل مرسوم. فما هو ذلك الأساس أو ما هو ذلك الهيكل؟ أشد المبادئ حماسة لإنجاز هذه المهمة هي الماركسية التي يلح المدافعون عنها على القول بأن المادية الديالكتيكية إطار متكامل يستطيع أن يختص ويستغل أحدث ضروب التقدم في كل ميادين المعرفة وهي في الحقيقة لابد أن تفعل ذلك لتستمر في تأدية مهمتها. وهذا بلا ريب كان يصدق على ماركس وإنجلز اللذين كانا يستمدان بحماسة من رصيد غزير من المعرفة في كل علم، وكانا ينتحلان تطورات جديدة بمرونة بالغة، حتى قال إنجلز: " لدى كل كشف بارز هام في ميدان العلم الطبيعي كان على المادية دائماً أن تغير من شكلها "، وهذا إلى حد أيضاً يصدق على كودول الذي يؤكد في مقدمة كتابه " الوهم والحقيقة ": " إن الطبيعيات
(2/248)

والأنثروبولوجيا والتاريخ والبيولوجيا والفلسفة وعلم النفس كلها نتاج الهيئة الاجتماعية، ومن ثم فإن علم الاجتماع الرصين يمكن ناقد الفنون من ن يستعمل معايير مستمدة من كل هذه الحقول والميادين، دون أن يتردد في حومة التخير والانتقاء، أو يخلط بين الفن وعلم النفس والسياسيات ". غير إن الماركسيين المتأخرين باستثناء قلة منهم مثل كودول يفتقرون إلى المرونة والدقة اللتين كان يتمتع بهما كل من ماركس وإنجلز كما يفتقرون إلى مثل علمهما وألمعيتهما، حتى إن الماركسية لا تصلح من الناحية العملية لتكون نظاماً تكاملياً يحتضن كل مظاهر التقدم. ولعل أكثر المفكرين الماركسيين المعاصرين سيقذفون معظم طريقتنا النقدية المثالية هذه من أقرب نافذة لأنها في نظرهم سقط تافه " منحط " من المتاع.
وهناك طرق فردية أخرى يمكنها أن تحتضن بعض الأساليب والمذاهب الأخرى ولكنها إن كانت علوماً أو شبيهة بالعلوم كالسيلوجيا والأنثروبولوجيا أو كانت ميادين متميزة محددة كميدان التخصص أو دراسة السير - إن كانت هذه أو تلك فإنها إذا احتضنت غيرها من المذاهب وتجاوزت محيطها الخاص بها فقدت طابعها المميز لها. ومن الواضح إذن إن الأساس للتكامل النقدي المثالي لابد من أن يكون فكرة أدبية أو فلسفية (حتى الماركسية حين تتقدم لتقوم بتحقيق هذا التكامل لا تتقدم من حيث هي نزعة اجتماعية بل من حيث هي نظرة فلسفية) . وقد نلحظ بعض الأسس التي تصلح لذلك التكامل التركيبي دون أن نطمح بأبصارنا إلى حل هذه المشكلة، فأحد تلك الأسس قد يكون هو " مبدأ العضوانية " أي إن الذات الإنسانية وحدة عضوية، وهو مبدأ رتشاردز في " استمرار التجربة " وتحت جناح هذه الفكرة يمكن أن ينضوي جميع هذه الأساليب النقدية وتتوحد لأنها جميعاً تعالج جوانب متصلة من السلوك الإنساني، أي تعالج: الإنسان شاعراً والإنسان قارئاً والإنسان في أسرته
(2/249)

والإنسان في المجتمع والإنسان وهو ينقل مشاعره لإنسان آخر وهكذا وقد نجعل أحد تلك الأسس " الفعالية الاجتماعية " التي تنظم مختلف الأساليب النقدية من حيث هي مظاهر متصل بعضها ببعض في جماعات مختلفة، أو قد نتخذ " درامية " بيرك أساساً فنستغل دعائمها الخمس، ونطبقها على الأساليب المتنوعة مستغلين دعامة دون أخرى حسب المقام، كأنما بينها صراع أو تعاون كصراع الشخصيات وتعاونها في داخل الرواية. أو قد نوسع فكرة " الغموض " عند إمبسون أو نستغل فكرة " الجهد الجاهد " عند بلاكمور ونعادل بينها وبين " استغل كل ما يمكن استغلاله " وهي فكرة بيرك.
وناقدنا المثالي هذا لن يكتفي بأن يستغل كل الطرق المثمرة في النقد الحديث ويقيمها على أساس منظم ولكنه سيحتقب كل المقدرة وكل ضروب الكفاءة الكامنة وراء تلك الطرق، فتكون لديه كفاءة ذاتية فذة وعلم واسع كاف في كل هذه الميادين، وقدرة على انتحال الوضع الملائم كلما تغير الموقف، وليس على ناقدنا المثالي أن يؤدي أكثر مما يؤديه الناقد العملي فحسب بل عليه أكثر منه وان يتجاوزه مدى وبعداً وكياناً (وان يكتب خيراً منه بطبيعة الحال) . ولقد كان تصنيف النقاد في هذا الكتاب قائماً على أساس من الطرق النقدية نفسها، فإذا ميزناهم من حيث المجال التخصيصي قلنا: بلاكمور هو المتخصص في الكلمات وسبيرجن في الصور وإمبسون في الأشكال وبيرك في كلية الأثر الفني وهكذا، أما لو ميزناهم من زاوية المعرفة فإننا نقول: اليوت هو الذي يعرف الأدب إذا كان له حظ من القدم، وكودول هو الذي يعرف العلم الحديث، وبروكس هو الذي يعرف الأدباء الصغار في عصره، والآنسة بودكين هي التي تعرف الآداب القديمة وهكذا؛ فلو شئنا ان نصفهم حسب خلائقهم فقلنا: إمبسون قارئ حاذق، وبيرك
(2/250)

صاحب ومضات الذكاء، ورتشاردز معلم صبور، وبلاكمور والآنسة سبيرجن عاملان مجتهدان (كل في ميدانه) .
أما المشكلة الأخيرة التي لابد لناقدنا المثالي من أن يواجهها - وهي اشد المشكلات هيمنة - فإنها تتلخص في أن طريقة من الطرق التي طورها النقاد المحدثون لا تزال في مرحلة أولية من الكشف ولابد لمنشئي هذه الطرق من أن يتبينوا ذات يوم انهم لم يفعلوا شيئاً أكثر من خدش السطح الخارجي وأن أعمارهم لن تمكنهم من الذهاب وراء ذلك. غير أن كل طريقة يمكن امتداها إلى ما لا نهاية؛ وليس لناقدنا المثالي الهجام أن يستعمل تلك الطرق فحسب بل عليه أن ينمي كل واحدة منها تنمية بالغة فيحل مشكلات كل طريقة ويسوي بينها وبين نتائجها؛ وعليه أن يقوم بذلك كله وحده أيضا. وكل ناقد حديث من نقادنا يحتاج تلامذة ومدرسة تستمر في تطبيق طريقته وتوسيعها ولكن أن كان الطلبة لامعين خلاقين فالمشكلة انهم حتماً يشتقون لنفسهم طرقاً جديدة، مثلما فعل امبسون تلميذ رتشاردز، ويتطلبون تلامذة لانفسهم (فان لم يكونوا لامعين خلاقين فالمشكلة واضحة) . ونجد أن بلاكمور وفرغسون وسلوخور وكولي يطبقون جميعاً طريقة بيرك على مشكلات ونصوص أدبية أخرى وسيعدون تلامذة أكفاء بمقدار ما يبدونه من أصالة وخلق في ميدان النقد لا بالمقدار اتباعهم لأستاذهم وإذن فان الناس لا يستعملون نفس الطريقة بكل ما لها من أهداف وبكل ما فيها من طاقات غلا في العالم الذي يعيش فيه ناقدنا المثالي. أما في العالم الواقعي للنقد فذلك شيء لا نطيقه ولا نريده.
دعنا نجمل ما بسطناه: سيمد ناقدنا المثالي طريقته المتكاملة كلها على مدى ما تبلغه الطرق النقدية الحديثة كل على حدتها، فيؤدي في الأثر الأدبي كل ما يمكن تأديته: فإذا تحدث عن قصيدة غنائية قصيرة كتب
(2/251)

عدة مجلدات، وإذا تناول أثراً طويلا كالقصيدة المطولة أو المسرحية أو القصة انفق عمراً في درسها ولكن ناقدنا المثالي غير محدود العمر فدعنا نستغل صبره لنقيد بعض الأشياء التي يتناولها في القصيدة: سيحدثنا عم هي القصيدة أي يترجم لنا محتواها قدر الإمكان (وإذا قدرنا الإيجاز في العمل الفني عرفنا أن ترجمته إلى لغة النثر أكبر بكثير من العمل نفسه) وسيردها إلى مصادرها ومشابهاتها في آداب قديمة ويوجد لها مكاناً في الموروث الأدبي ويقارن بإسهاب بينها وبين آثار معاصرة وسابقة داخلة في الموروث أو خارجة عنه، ويحللها تحليلا وافياً بنسبة ما يتوفر لديه من أخبار عن صاحبها. فيصل بينها وبين ما يعرف من فكره وحياته وشخصيته وأسرته وما يهواه وما له من علاقات زوجية، وما يهتم به، وطفولته وعلاقاته الاجتماعية ومظهره الجسماني وعاداته. وسيجد مصادرها الشعبية ومثيلاتها ويبحث عن اعتماد صاحبها على الموروث الشعبي وما في نسيج القصيدة من تعابير شعبية وخصائص شعبية، ويكشف عن استقطابها العميق في نماذج من الشعائر البدائية المتأبدة ويفسرها نفسياً من حيث هي تعبير عن اعمق رغبات صاحبها ومخاوفه تحت مصطلح العقدة والكبت والتسامي والتعويض، وسيرى فيها تعبيراً عن " نموذج أعلى " يمثل التجربة الجماعية وتعبيراً عن ظواهر سلوكية أو عصبية أو غددية، وتعبيراً عن شخصية مؤلفها وكيانه الخلقي في سلك الجماعة، وسيصل بينها وبين أنواع من التعبير لدى البدائيين والعصابيين والأطفال والحيوانات وسيكتشف نظامها من خلال عناقيد الصور المتصلة اتصال تداعي الخواطر لا شعورياً ومن خلال مبناها الذي يمثل شعيرة نفسية ومن خلال الكليات الجشطاليتية المتصلة بكليتها ومن علاقاتها بكليات أخرى.
وسيفسر القصيدة من حيث إنها مظهر اجتماعي، تنعكس فيه طبقة صاحبها ومنزلته الاجتماعية وحرفته ويحللها بالنظر إلى العلاقات الإنتاجية في
(2/252)

عصره وبيئته وجو الأفكار التي تعيش ثمة، وجو الأفكار التي تتجاوز العلاقات الإنتاجية فتتقدم عنها أو تتأخر وسيتحدث عن النزعات الاجتماعية والسياسية التي تدعو القصيدة لها أو تقررها أو تشمل عليها وسيسلط عليها كل معدات التخصص الكبيرة أو يستغل كل ما أدي في هذا المجال، ويتابع النتائج بشجاعة غير المتخصص وخياله وسيكتشف على أوسع مدى ممكن ألفاظها والغموض في المعاني والعلاقات بين الألفاظ الهامة وصورها ورموزها وكل إيحاءاتها الملائمة وشكلها أو أشكالها ومهمة تلك الأشكال وآثارها، وما فيها من ضروب الجرس والبناء الإيقاعي وغير ذلك من التأثيرات الموسيقية وطبيعة الحركة والتناسق فيها وكل العلاقات الداخلية لكل ما تقدم من مظاهر، وسيدرس كل الأمور الواقعة خارج القصيدة مما يشير غليه القصيدة ويفسرها على ضوء تلك الأمور، وسيكتشف النزعة الموجهة - مفتاح القصيدة - الناشئة عن العلاقات المتداخلة بين الشكل والمحتوى ويلحظ مشتملات ذلك ويتحدث عن القصيدة مجرياً المقارنة بينها وبين تعبيرات أدبية معاصرة وسابقة من نفس نمطها إلا أنها وجدت على نحو آخر. وسيبحث ناقدنا المثالي المشكلة التي تدور حول ماهية الشيء الذي تحاول القصيدة نقله، كيف تنقله ولمن تنقله، مستغلا كل مصدر من الخبر ليجد ما هو ذلك الشيء الذي عمدت القصيدة إلى نقله ويختبر كل وسيلة فنية في الصنعة حتى لو أدى به ذلك إلى اختبارات المعمل ليرى حقاً ما هو الشيء الذي تنقله في واقع الأمر إلى نفوس أفراد مختلفين وإلى جماعات في أزمنة مختلفة، وسيكتشف مشكلة العمل الرمزي في القصيدة، ماذا أدت رمزياً للشاعر وماذا تؤدي رمزياً للقارئ وما العلاقة بين هذين العملين، وكيف تقوم بمهمتها داخل المبنى الرمزي الكبير الذي يمثل تطور كتابة الشاعر، داخل مبنى رمزي أكبر يمثل عصراً أدبياً كاملا. وقد يتحدث عن عديد
(2/253)

من مشكلات أخرى تشملها القصيدة، عديدة حتى إنها لتعز على الحصر وتشمل مسائل فلسفية وأخلاقية كالمعتقدات والأفكار التي تعكسها القصيدة والقيم التي تؤكدها وعلاقتها بالمعتقدات والقيم لدى القارئ وعلاقاتها بالقرائن الحضارية كما تشمل أمورا صعيرة مثل عنوان القصيدة أو بعض ملامح الكتابة والتهجئة والترقيم. وسيضع القصيدة في مكانها من آثار صاحبها من كل زاوية (ولذلك عليه ان يعرف كل ما ألفه صاحبها) ، ويواجه مشكلة الظروف التي ولدت فيها القصيدة ويتحدث عن الملامح المتفردة في أسلوبها وما تعكسه من فكر وشخصية عكساً متفرداً. وفي النهاية يعمد ناقدنا المثالي فيقدر القصيدة من الناحية الذاتية على أساس من كل ما وصفناه، ويقوم أجزاءها من الناحية الجمالية من حيث علاقتها بالغاية والمجال وقوة الغاية نفسها، ودرجة استكمالها لعناصرها، ويضع قيمتها إزاء قيم مثيلاتها مما نظمه صاحبها نفسه أو نظمه غيره، ويقدر ميزتها في الحال وفي الاستقبال ومقدار سيرورتها ويحدد جانب التقريظ وجانب الذم وإذا شاء فان له أن يقدم نصيحة حول القصيدة للقارئ أو للشاعر. وإذا شاء أيضاً فله أن يتحدث عن معلوماته التي جمعها وآرائه التي كونها من حيث علاقتها بالمعلومات والآراء لدى غيره من النقاد مثاليين كانوا أو غير ذلك. وبعد ذلك يحق له أن يمسح العرق عن جبينه ويتنفس الصعداء ويتقدم لمعالجة قصيدة أخرى.
2 - الناقد الواقعي
إن صورة ناقدنا المثالي هذه شقشقة لسانية فحسب ولكنها شقشقة مفيدة فيها سمو المثل الأفلاطونية واستحالتها معاً، فلنحطم هذه الصورة ولنعد إلى عالم الحقائق ومجال الإمكانات العملية التي هي في طوق الفرد
(2/254)

من بني الإنسان؛ ونحن إنما نريد طريقة متكاملة فلنقل أن قسطاً صالحاً كبيراً من التكامل ممكن وإنه في طوق إنسان واحد أن يستعمل عدداً من الطرق والمذاهب. خذ مثلاً كنث بيرك، تجد أن هذا النقد قد أدى بين الحين والحين كل " الأدوار " التي يشملها النقد الحديث كما أدى إلى جانبها عدداً من الأشياء الأخرى المتصلة بها، وقد كان نصيب رتشاردز وإمبسون وبلاكمور أقل من ذلك لأنهم لم يكثروا من التركيب بين الطرق النقدية، وجنحوا وبخاصة بلاكمور إلى أداء شيء واحد في وقت واحد حسبما يتطلبه الأثر الذي ينقدونه، وهؤلاء هم خيرة نقادنا، وقد كان التكامل في أعمالهم موفقاً ناجحاً ولكنهم حادوا عن التكامل الكلي النظري الذي يحتاج جهوداً لا حد لها، وكانت قاعدتهم في ذلك: 1) ألا يتابعوا باستقصاء كل وسيلة من وسائلهم إلى آخرها وإنما يتابعونها إلى حد ما يقفون عنده إذ يجدونها توحي بإمكانات جديدة وراء ذلك، 2) وأن يلحوا على تلك الوسائل التي تبدو مثمرة في معالجة أثر معين دون غيرها، ويهملوا أو يقللوا من شأن الوسائل الأخرى - مؤقتاً - لأنها أقل ثمرة ولكنه قد يستغلون ما أهملوه أو قللوا من شأنه في مناسبة أخرى. غير أن خيرة نقادنا هؤلاء لم يستطيعوا حتى في ضمن هذه الحدود أن يجدوا ندحة في الزمان والمكان تمكنه من أن يتعمقوا حسبما يرغبون لأن باعهم في العلم والمعرفة مهما اتسع لا في بما يريدون، وسيغدوا من العسير في المستقبل أن يتقن الناقد كل فرع من فروع المعرفة يفيد في ميدان النقد الأدبي بل انه سيغدو حتماً أمراً مستحيلا، وستنمو العلوم الاجتماعية نمواً كبيراً في عاجل الأيام أو آجلها حتى أن دراسة فرع واحد منها تستنزف العمر كله إذا أريد تسليطها على النقد الأدبي ولن يبقى لدى الناقد إلا وقت قليل للتعرف على الأدب نفسه، ولا ريب في أن الناقد البيكوني الذي يحيط بكل أنواع المعارف هو الأثير المفضل
(2/255)

لدينا، غير أن الناقد البيكوني لا يستطيع أن يعيش في عصر يدق فيه التخصص على مر الأيام.
إذن فلنقل أن الناقد المتخصص هو الذي يستطيع أن يستغل طريقة واحدة مطورة موسعة. ولكن نقادنا المعاصرين لا يشأون شأو النقاد البيكونيين، ونحن نحس أن ضيق التخصص لديهم يجعلهم مشوهين للأدب لا سداد في أيديهم. وهم أحد اثنين في الغالب: محدود الآفاق يستطيع أن يؤدي شيئاً واحداً أداء جيداً ويعجز عما عداه مثل أدموند ولسن في التفسير وفان ويك بروكس في كتاب التراجم؛ أو متخصص في ميدان خارج عن ميدان الأدب مثل تخصص مود بودكين في التحليل النفسي وكودول في الماركسية والآنسة رورك في أمور الفولكلور. ومثل هؤلاء النقاد الذين يحسنون طريقة واحدة مطورة يفيدون أشد الإفادة في حالين، أما حين يتخصصون في الأدب الذي تلائمه طريقتهم ومعارفهم كتخصص مدرسة كمبردج في دراسة الأدب الإغريقي، لأن الصلة بين هذا الأدب وبين التفسيرات الشعائرية وثيقة قوية؛ وأما حين يتخصصون في تلك الجوانب من الآداب التي أن سلطوا عليها مبادئهم وأفكارهم وضحتها وجلتها كما يفعل النقاد النفسيون والماركسيون (أو كما يجب أن يفعلوا) .
غير أن هذين النوعين من التخصص النقدي في حاجة إلى شيء آخر ليجعلهما مثمرين، وهذا الشيء هو العمل التعاوني في النقد أو سمه النقد الجماعي، وهذا هو الأمل الذي داعب اليوت في عهد مبكر، فعبر عنه في مقال " تجربة في النقد " بمجلة Bookman، تشرين الثاني 1929 إذ قال أنه " تعاون النقاد ذوي الدربة المختلفة ثم قيام أناس لا هم مختصون ولا هواة باستخلاص ما يسهمون به وتكديسه وتصنيفه ". وقد نسمي هذا النقد الجماعي باسم " مأدبة " Symposium وهي لفظة لا تزال تحمل في تركيبها حروف " أد ب " مهما تبتعد إيحاءاتها. ولدينا أمثلة من هذه
(2/256)

" الموائد " النقدية في كتب نشرت بعضها قام به متخصصون وبعضها يتناول موضوعات خاصة ومنها ما يدور حول بلد أو فترة من الفترات ومنها ما يتعلق بشخص واحد في عيد ذكراه، ومنها عدد من أعداد إحدى المجلات يخصص لدراسة أديب واحد أو يخصص لدراسة أثر واحد لأحد الأدباء، وهناك " المآدب " الغنية الحافلة و " المآدب " الفقيرة الخادعة.
واكبر خطأ يعتور هذه الأنواع جميعاً وبخاصة الأخيرة منها أنها لا تحفل بالتخصص الكافي ذلك لأن اختيار الناقدين المسهمين في مثل هذه المجموعات إنما يكون عرضاً واتفاقاً فيجيء التداخل في مقالاتهم ولا تتمثل فيها جميع المذاهب ووجهات النظر وفي بعض الحالات تجدهم يحاولون أن يحشدوا في المجموعة كل ما يمكن حشده فلا يلتقي النقاد حول الموضوع نفسه أبداً فتفقد المجموعة قيمتها الحقيقية، إذ ليست قيمتها في اختلاف المادة وغنما في اختلاف أساليب التناول للمادة نفسها. فالمجموعة الناجحة نجاحاً تاماً هي التي تتضافر فيها أقلام المتخصصين، على نحو مخطط منظم، ثم بأن ينشئوا خطوط تخصصهم على أساس من الطريقة لا الموضوع. وفي الوقت نفسه تشجع مثل هذه المجموعة المسهمين فيها على اقتسام العمل وتوزيعه لان كل واحد يلتزم الاتجاه النقدي الذي يسير فيه فيؤدي شيئاً واحداً دون ما عداه. حقاً أنها قد تجعل النقاد المحدثين اشد تحيزاً ومحدودية وتخصصاً وأقل اكتمالا ولكنهم يكسبون في جانب العمق ويعوض أحدهم ما لدى الآخر من نقص فيتوفر لدى المهمة النقدية فضائل المجال الوسيع والاكتمال وهي فضائل لا يقوم بها واحد من النقاد إلا تلبست به السطحية.
هل يمكن أن يتحقق هذا عملياً؟ نعم في ناحيتين: أولا: المجلة فإنها قد تخصص بعض أعدادها لدراسة شخص واحد أو موضوع واحد، ولو
(2/257)

سلمنا بان التنظيم والتخطيط شيئان مثاليان فأن نقص المجلات أنها لا تستطيع أن تسيطر على هذا الأمر سيطرة تامة لان بصحابها لا يستطيعون أن يضمنوا اكتتاب كل ناقد، فهم يرضون بما يحصلون عليه وهم لا يستطيعون أن يفرضوا حدوداً صارمة في الموضوع أو الطريقة على النقاد المحترفين الذين قد يخرجون عن تلك الحدود استطراداً، وليس لديهم المال الذي يغرون به الناقد على التزام الحدود، ثم أنهم لا يعرفون على وجه الدقة مَن من النقاد يحسن هذا خيراً من سواه، وهم مقيدون بالقدر الذي يتقبله قراؤهم من النقد وهم أحياناً يملأون الفراغ ليخرجوا بمجموع كامل وإذن فالحاجة ملحة إلى مجلة جديدة تسمي نفسها " الناقد " أو " مأدبة " النقاد تكرس نفسها لدراسة جماعية حول رجل أو كتاب أو قصيدة في كل عدد وتحصل على نقاد مختصين وتدرب بعض النقاد وتفوز بإيجاد نقاد مستقلين يوجهون أعمالهم لخدمة أغراضها، وقراء يحبونها، فمثل هذه المجلة يحل بعض المشكلات ويبقي بعضها الآخر دون حل (1) .
وثانياً: هناك الجامعات التي تملك المال والرجال لتحقيق مثل هذا الهدف وهي معتادة لشئون التخصص من كل نوع. أما هل تقبل الجامعات أن تشغل نفسها بنشاط كالنقد على شكل مجلة أو سلسلة من الكتب أو حتى بتنظيم دراسة الأدب فيها على هذا النحو فذلك شيء آخر. ومن الدلالات المشجعة في هذا المجال نشر مطبعة برتسون لعدة سلاسل من البحوث في الأدب والعلوم الإنسانية منها: " غاية الفنان " و " غاية الناقد " و " لغة الشعر " وكل نشرة منها مجموعة طبية تعاون على إخراجها أربعة أو خمسة من الثقات المختصين. ومن المشجعات أيضاً ما
__________
(1) خير مثل موجود وأقربه إلى النوع المثالي الذي نتطلبه هنا هو مجلة Scrutiny إذ فيها مجموعة من المواهب المتعاونة. غير أن مجالها محدود وهي تهتم بإصدار أعداد خاصة في المسائل التربوية والثقافية اكثر من اهتمامها بتخصيص أعداد للأدباء والآثار الأدبية.
(2/258)

قام به المعهد الإنجليزي من إنفاق على محاولة في النقد التعاوني الجماعي، ففي خلال أسبوع من أيلول 1941 عقد فصل دراسي بجامعة كولمبية تحت إشراف نورمان هولمز بيرسون الأستاذ في ييل وتحدث فيه أربعة من النقاد إشراف نورمان هولمز يرسون الأستاذ في ييل وتحدث فيه أربعة من النقاد كل لمدة ساعة عن قصيدة واحدة في أربعة أيام متعاقبة وهم هوراس غرغوري وليونل ترلنج وكلينث بروكس وفردريك بوتل (ودعي ناقد خامس هو مورتن داون زابل فلم يستطيع الحضور) وكانت القصيدة هي Ode on Intimations of Immortality لوردزورث وكان الحاضرون مائة أو نحوها ولم أكن أنا شاهد تلك المحاضرات ولكني اقدر أن الإخفاق كان نصيب هذه المحاولة لضيق في مجال الموضوع مستنتجاً ذلك مما كتبه عن هذه المحاضرات دونالد ستوفر في رسالة بعث بها إلى مجلة كينيون، شتاء 1942. ومن المشجعات أيضاً على نطاق أوسع وجود عدد من أساتذة الجامعات الأميركية ومنهم الأستاذ ليونارد براون بجامعة سرقوسة وهو الذي تتلمذ عليه المؤلف) يدرسون طلبة الآداب في المراحل العليا على طريقة " المأدبة " فيعالج كل تلميذ موضوعه مدة طويلة من الزمن من زاوية مختلفة وعلى نهج مخالف ثم ينظم الأستاذ ما صنعه تلامذته ويجمعه. وليس يخطر لي مجال آخر سوى المجلات والجامعات لتحقيق هذه الفكرة. نعم هناك الراديو والأحاديث التي قد تدور فيه حول موضوع معين ولكن الجماهير تميل إلى التبسيط فيخرج أمثال هذه البرامج ضحلة تافهة.
ومن الآمال الكبرى التي تعلق على النقد التعاوني الجماعي انه سيعد لمباشرة الآثار المعقدة التي لم يوفق الفرد الناقد في معالجتها وأبرز أمثلتها موبي ديك. وقد قال ماثيسون في مقدمته على كتاب " النهضة الأميركية ": " لم أر عن موبي ديك شيئاً مطبوعاً ذا حظ من النفاذ والإسهاب "، وهذا اقل من الحقيقة بكثير إذ كان من حقه أن يقول انه ليس لدينا عن هذه القصة إلا ما هو سطحي محدود. وبنسبة اقل يصدق هذا الحكم على كل
(2/259)

الآثار الأدبية العظيمة، فكل النقد من حولها متخلف.
وكل الأعمال الأدبية العظيمة وكل الروائع في الأثر الأدبي العظيم وكل الأدب الحديث الجاد - كل هذه ذات مستويات متعددة، ولذلك يجب أن يكون لدينا نقد متعدد المستويات ليستطيع معالجتها، وهذا معناه ان الناقد الذي يتمرس بأي اثر منها مستعملاً أي معجم من الألفاظ لابد من أن يعود لنا بمعنى يمكن نثره وبسطه بعون من ذلك المعجم، وقد ازداد إدراك هذه الحقيقة في أيامنا هذه سماها شارل بودوان " التوازي المتكثر " وسماها رتشاردز " التعريف المتكثر " أو " التفسير المتكثر " وهي موضوع كل ما كتبه رتشادرز، وسماها بيرك " العلية المتكثرة "، وقال إنها " مجموعة من الدوائر المنداحة تبدأ من أخص الخصوص وتبلغ حتى المبادئ المطلقة في العلاقات ". ويعمل إرك فورم على هذا المبدأ نفسه وهو يفسر كافكا بمصطلح نفسي واجتماعي وديني مثلما يحاول هاري سلوخور أن يقرأ مان وغيره بمصطلح نفسي واجتماعي وفلسفي، وكذل يحاول تروي الشيء نفسه وهو يقرأ بعض الأدباء قراءات ميثولوجية ونفسية واجتماعية، مثلما يحاول أيضاً أن يستعيد " المستويات الأربعة " للمعنى، وهي مما لدى أهل القرون الوسطى، ومثله في ذلك أيضاً جاك لندسي في قراءاته الماركسية والنفسية والانثروبولوجية، وغير هؤلاء كثيرون يباشرون الأثر الفني على مستويات متعددة ويقرأونه قراءات متكثرة.
وسواء أسميت هذا النوع من النقد مجمعاً أو مكثراً أو متعدد المستويات فمن الواضح انه لا يفتأ يزاد قيمة وأهمية. وقد نسميه إذا شئنا " النقد الاستمراري " ونترك مجالاً لكل مستوى ممكن ان ينضوي تحته سواء أكان مستوى فردياً ذاتياً أو اجتماعياً موضوعياً غير ذاتي (وهذان هما الطرفان المتباعدان لمختلف المستويات) ، فإذا أضفنا إلى ذلك اللاوعي
(2/260)

الجماعي الذي يقول به يونج ربطنا بين طرفي هذا الاستمرار ربطاً دائرياً. فمثلا نتخذ رمز اليوت في " اليباب " رمزاً للعمق البعيد والتركيب الشديد. ونقرأ هذه القصيدة على أي مستوى مستغلين أي معجم: ففي المستوى القريب يراها الفرويدي رمزاً للخصاء والعنة، وعلى مستوى أعلى يراها النفسيون بعد فرويد رمزاً للخوف من العقم الفني، وفي المستوى العادي للحياة اليومية يراها من يكتبون التراجم مثل بروكس رمزاً لأليوت نفسه قبل أن يتحول للمذهب الكاثوليكي، وعلى مستوى اجتماعي أعلى يراها ناقد مثل بارنغتون رمزاً لحياة الفنان الخاوية، أو صورة من حيرة الطبقة العليا؛ ويراها اليوت نفسه ممثلة للادينية الطاغية على هذا العصر، أما في المستوى التاريخي الواسع فإن الماركسي يبصر فيها انحطاط الرأسمالية؛ ويراها الآخذ بمصطلحات يونج الرمز الشعائري الأعلى للولادة الجديدة. كذلك هي أيضاً حال رمز مينهير بيبركورن في " الجبل السحري " من تأليف مان فإنه قد يرمز لأشياء كثيرة ابتداء من الأب الأوديبي خلال الشخصية المنافسة القوية إلى رب الزرع. ثم إن فكرة هتلر عن الوحدة الألمانية في " كفاحي " قد ترمز إلى أمور كثيرة أيضاً أدناها الأم الأوديبية وآخرها أحداث تاريخية مثل ابتلاع النمسة وتشيكوسلوفاكية وغير ذلك. ففي الرمز أو الأثر ذي العمق معان كثيرة بعدد ما يستطيع النقاد أن يجدوه من مستويات أو معجمات يعبرون بها.
ولهذا النقد المتعدد الجوانب والمستويات فائدة أخرى نوضحها على النحو التالي: إن النقد الإيطالي قد أهمل جانب الملهاة ذات يوم، وإن النقد الذي يتناول عصر اليزابث، قد تغافل عن شيكسبير والدراما الاليزابيثية في وقت من الأوقات، هذان مثلان اثنان فقط وهما نقد يوحيان للناقد أننا أيضاً نهمل بالمثل آثاراً أدبية وأشكالا أدبية كاملة وأن
(2/261)

ما نهمله قد يكون أعظم قيمة مما نعالجه، ويدرك الناقد فزع شديد لهذه الحقيقة ثم ينظر إلى السينما والقصة البوليسية والمذياع والكتاب الهزلي وهي الميادين التي تصلح لهذا الشكل الفني الذي توهم إغفاله، فيخف فزعه ويتسهل جزعه إلا أن لهذا الفزع مغزاه، فإن الذي يزعج طمأنينة الناقد هو اتساع مسؤوليته وضخامتها فهو وحده، ولا عون له إلا معرفته الحارس الوحيد للفن وأبوابه السحرية. فماذا يفعل الناقد التعاوني الجماعي؟ إنه لا ينشئ قراءات ومعاني متعددة فحسب ولكنه أيضاً يكسب لها جميعاً جمهوراً محباً لتلقيها قادراً على محاكمتها، أي أنه يكثر المعاني والقراءات وفي الوقت نفسه يجعلها محطاً للجدل والحوار وتتعاورها الأفكار المتعددة ومن تعدد الأفكار بل من كثرة الأخطاء ينبثق الصدق وهذا شيء قد أدركه العقلاء منذ عهد أفلاطون وحوارياته. فتركيب هذه الطريقة النقدية ليس تكثيراً بسيطاً أو تعدداً في الجوانب أو خلطاً فوضوياً وإنما هو صراع ديالكتيكي أصيل ومن هذا ينبثق الصواب وتتبلج الحقيقة. وقد نحصل على هذا التركيب لدى ناقد واحد أو في جماعة من النقاد ولكن يجب أن نحصل عليه على نحو حال. أما " نحصل " هذه بصيغة الجمع فإنها تعني العالم كله، إذ حيثما كانت الحقيقة ممكنة الظهور فنحن جميعاً نقاد بالضرورة.
(2/262)