Advertisement

أمالي ابن الشجري 002


[الجزء الثاني]

المجلس السادس والثلاثون
[مسائل:]
/ يذكر فيه، وفيما يليه المسائل (1) الواردة من الموصل، وهى ثمانى مسائل:

[المسألة:] الأولى:
السؤال عن الراجع إلى «القتال» من خبره، فى قول الشاعر (2):
فأمّا القتال لا قتال لديكم … ولكنّ سيرا فى عراض المواكب
وعن معنى البيت.

[المسألة:] الثانية:
السؤال عن قول الله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ} (3) لم لم يجمع الضمير الذى هو التاء فى {أَرَأَيْتَكُمْ} ولم يثنّ فى أرأيتكما؟

[المسألة:] الثالثة:
السؤال عن حدّ الاسم الذى يسلم من الطّعن.

[المسألة:] الرابعة:
السؤال عن وجه رفع «الشّرّ» ونصبه، ونصب «الماء» ورفعه فى قول الشاعر (4):
_________
(1) حكى السيوطىّ هذه المسائل وأجوبتها-عن ابن الشجريّ-فى الأشباه والنظائر 4/ 131 - 146.
(2) هو الحارث بن خالد المخزومى، وعليه أكثر الناس. وقال القيسى فى إيضاح شواهد الإيضاح ص 129: «هذا البيت للوليد بن نهيك، أحد بنى ربيعة بن مالك. . . ويكنى أبا حزاقة، وينسب للكميت ابن زيد. . .». وهذا البيت مما استفاضت به كتب العربية، وهو فى المقتضب 2/ 69، والشعر ص 64،84، والإيضاح ص 86، وشرحه المقتصد ص 366، والمنصف 3/ 118، وشرح الكافية الشافية ص 1648، والمغنى ص 56، وشرح شواهده ص 177، وشرح أبياته 1/ 369، والخزانة 1/ 452، وغير ذلك كثير تراه فى حواشى المقتصد، وحواشى إيضاح شواهد الإيضاح. وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الثامن والسبعين.
(3) سورة الأنعام 40،47.
(4) يزيد بن الحكم. وسبق الكلام على قصيدته التى منها هذا البيت فى المجلسين السابع والعشرين والذى بعده.
(2/3)

فليت كفافا كان خيرك كلّه … وشرّك عنّى ما ارتوى الماء مرتوى

[المسألة:] الخامسة:
السّؤال عن «مزيّن» تصغير أىّ شيء هو؟

[المسألة:] السادسة:
/ السؤال عن العلّة الموجبة لفتح التاء فى «أرأيتكم» وهو لجماعة

[المسألة:] السابعة:
السؤال عن العامل فى «إذا» من قول الشاعر:
وبعد غد يا لهف نفسى من غد … إذا راح أصحابى ولست برائح (1)

[المسألة:] الثامنة:
السؤال عن تبيين إعراب قول أبى على: «أخطب ما يكون الأمير (2) قائما، وشربى السّويق ملتوتا».

[الجواب:]
[الجواب عن المسألة الأولى:]
بتوفيق الله وحسن تسديده، عن المسألة الأولى:
إنّ الجملة المركبة من «لا» واسمها وخبرها، وقعت خبرا عن القتال، فى قوله:
فأمّا القتال لا قتال لديكم
وهى عارية عن ضمير عائد منها إلى المبتدأ، وإنما جاز ذلك، لأن اسم «لا» نكرة شائعة مستغرقة للجنس المعرّف بالألف واللام، فقتال المنكور مشتمل على القتال الأول، ألا ترى أنك إذا قلت: لا إله إلاّ الله، عمّت لفظة «إله» جميع ما يزعم المبطلون أنه مستحقّ لإطلاق هذه اللفظة عليه، وليس يجرى قولك: لا رجل فى الدار، إذا رفعت، مجرى قولك: لا رجل فى الدار، إذا ركّبت، لأنك إذا قلت:
لا رجل فى الدار، جاز أن تعقبه بقولك: بل رجلان، وبل ثلاثة، ولا يجوز ذلك مع تركيب «لا» لأنك إذا رفعت فإنما نفيت واحدا، وإذا ركّبت فإنما نفيت الجنس
_________
(1) تقدم تخريجه فى المجلس السابق.
(2) سبق تخريجه فى المجلس الحادى عشر.
(2/4)

أجمع، وإذا عرفت هذا فدخول القتال الأول تحت الثانى يقوم مقام عود الضمير إليه، ومثل هذا البيت ما أنشده سيبويه (1):
ألا ليت شعرى هل إلى أم معمر … سبيل فأما الصّبر عنها فلا صبرا
فالصبر من حيث كان معرفة داخل تحت الصبر المنفىّ، لشياعه بالتنكير، ونظير هذا أنّ قولهم: نعم الرجل زيد، فى قول من رفع زيدا بالابتداء، فأراد: /زيد نعم الرجل، يدخل فيه زيد تحت الرجل، لأن المراد بالرجل هاهنا الجنس، فيستغنى المبتدأ بدخوله تحت الخبر عن عائد إليه من الجملة، ويوضّح لك هذا أن قولك: زيد نعم الرجل، كلام مستقلّ، وقولك: زيد قام الرجل، كلام غير مستقلّ، وإن كان قولك: قام الرجل، جملة من فعل وفاعل، كما أن قولك: نعم الرجل كذلك، ولم يستقم قولك: زيد قام الرجل، حتى تقول: إليه أو معه، أو نحو ذلك، لكون الألف واللام فيه لتعريف العهد، فالمراد به واحد بعينه، والرجل فى قولك: زيد نعم الرجل، بمنزلة الإنسان فى قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ} (2) ألا ترى أنه استثنى منه {الَّذِينَ آمَنُوا} والاستثناء من واحد مستحيل، لا يصحّ إذا استثنيت واحدا من واحد، فكيف إذا استثنيت جمعا من واحد، ومثله: {(وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها)} (3) والمراد بالإنسان هاهنا الناس كافة، فلذلك قال: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ}.
_________
(1) الكتاب 1/ 386. والبيت من قصيدة لابن ميادة «الرماح بن أبرد» أورد ابن الشجرى منها خمسة أبيات فى المجلس الثامن والسبعين. وانظرها فى الأغانى 2/ 275،276، وفى شعره ص 134، وتخريجها فى ص 137. وانظر أيضا الجمل المنسوب للخليل ص 37، والمغنى ص 501، وشرح أبياته 7/ 78. والبيت أنشده سيبويه شاهدا على نصب «الصبر» على المفعول لأجله، والتقدير: مهما ذكرت شيئا للصبر، ومن أجله فلا صبر لى. وعلى إنشاد ابن الشجرى يكون «الصبر» مرفوعا على الابتداء، والخبر جملة «لا صبرا» وتقديرها: لا صبر لى. والرابط العموم الذى فى «لا» النافية للجنس.
(2) الآية الثانية والثالثة من سورة العصر، وانظر الزيادة الملحقة بالمجلس الحادى والثلاثين.
(3) سورة الشورى 48.
(2/5)

وإذا كان الاسم المعرّف بالألف واللام نحو الرجل والإنسان، قد استوعب الجنس، فما ظنّك باسم الجنس المنكور المنفىّ فى قوله: «لا قتال لديكم» وقول الآخر: «فأمّا الصبر عنها فلا صبرا» والتنكير والنفى يتناولان من العموم مالا يتناوله التعريف والإيجاب، ألا ترى أن قولهم: ما أتاني من أحد، وقوله تعالى: {ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ} (1) متناول غاية العموم، ولو حاولت أن تقول: أتانى من أحد، كان ذلك داخلا فى باب استحالة الكلام.
ويشبه ما ذكرته من الاستغناء بدخول الاسم المبتدأ فى اسم العموم الذى بعده، عن عود ضمير إليه من الجملة، تكرير الاسم الظاهر مستغنى به عن ذكر المضمر، وذلك إذا أريد تفخيم الأمر وتعظيمه، كقول عديّ بن زيد:
/لا أرى الموت يسبق الموت شيء … نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا (2)
واستغنى بإعادة ذكر الموت عن الهاء، لو قال مع صحّة الوزن: يسبقه، ومثله فى التنزيل: {الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ} (3) {الْقارِعَةُ. مَا الْقارِعَةُ} (4) {وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ} (5) فالحاقّة مبتدأ، وقوله: ما الحاقّة: جملة من مبتدأ وخبر خالية من ضمير يعود على المبتدأ؛ لأن تكرير الظاهر أغنى عن الضمير العائد، فالتقدير:
أىّ شيء الحاقة؛ وكذلك: ما القارعة، وما أصحاب اليمين، التقدير فيهما: أىّ شيء القارعة، وأىّ شيء أصحاب اليمين، كما تقول: زيد رجل أىّ رجل، فاستغنى بتكرير الظاهر عن أن يقال: الحاقّة ما هي، والقارعة ما هي، وأصحاب اليمين ما هم. وإنما حسّن تكرير الاسم الظاهر فى هذا النحو، أنّ (6) تكريره هو الأصل،
_________
(1) سورة الأعراف 80، والعنكبوت 28.
(2) سبق تخريجه فى المجلس الثانى والثلاثين.
(3) أول سورة الحاقة.
(4) أول سورة القارعة.
(5) سورة الواقعة 27.
(6) فى مطبوعة الأمالى والأشباه «لأنّ».
(2/6)

ولكنهم استعملوا المضمرات، فاستغنوا بها عن تكرير المظهرات، إيجازا واختصارا، فلما أرادوا الدلالة على التفخيم، جعلوا تكرير الظاهر أمارة لما أرادوه (1) [من ذلك.
وأما معنى البيت: فإنه أراد] ذمّ الذين خاطبهم فيه، فأراد: ليس عندكم قتال وقت احتياجكم إليه، ولا تحسنونه، وإنما عندكم أن تركبوا الخيل وتسيروا فى المواكب العراض.
وفى البيت حذف اقتضاه إقامة الوزن، لم يسأل عنه صاحب هذه المسائل، وهو حذف الفاء من جواب أمّا، وذلك أن «أمّا» حرف استئناف، وضع لتفصيل الجمل، وحكم الفاء بعده حكم (2) الفعل، فى امتناعها من ملاصقة «أمّا» لأن الفاء إذا اتصلت بالجزاء صارت كحرف من حروفه، فكما لا يلاصق فعل الجزاء فعل الشرط، كذلك الفاء، ألا ترى أن الفاء فى قولك: إن يقم زيد فعمرو يكرمه، قد فصل بينها وبين الشرط زيد، وكذلك إذا قال: إن تقم فعمرو يكرمك، فقد فصل بين الشرط والفاء الضمير المستكنّ فيه، فلما تنزّلت «أمّا» منزلة الفعل الذى هو الشرط لم يجز أن تلاصقه الفاء.
فإن قال قائل: هل يجوز أن تكون هذه الفاء زائدة، فلذلك (3) /جاز حذفها فى الشعر.
قيل: لا تخلو أن تكون عاطفة أو زائدة أو جزاء (4)، فلا يجوز أن تكون عاطفة، لدخولها على خبر المبتدأ، وخبر المبتدأ لا يعطف على المبتدأ، ولا يجوز أن تكون زائدة، لأن الكلام لا يستغنى عنها فى حال السّعة، فلم يبق إلا أن تكون جزاء.
_________
(1) سقط من ه‍، وهو فى الأصل والأشباه.
(2) فى الأشباه: «حكمها بعد الفعل»، وسيتكلم ابن الشجرى عن «أمّا» بالتفصيل فى المجلس الثامن والسبعين.
(3) فى ه‍: «ولذلك». وهو بالفاء فى الأصل والأشباه.
(4) ذكر ابن هشام هذه الاحتمالات الثلاثة دون عزو. راجع المغنى ص 56.
(2/7)

وهى حرف وضع لتفصيل الجمل، وقطع ما قبله عما بعده عن العمل، وأنيب (1) عن جملة الشرط وحرفه، فإذا قلت: أمّا زيد فعاقل، فالمعنى والتقدير عند النحويين: مهما يكن من شيء فزيد عاقل، فاستحقّ بذلك جوابا، وجوابه جملة تلزمها الفاء، إمّا أن تكون مبتدئيّة أو فعليّة، والفعليّة إما أن تكون خبريّة أو أمريّة أو نهييّة.
ولا بدّ أن يفصل بين «أمّا» وبين الفاء فاصل، مبتدأ أو مفعول أو جارّ ومجرور، فالمبتدأ كقولك: أمّا زيد فكريم، وأما بكر فلئيم، والمفعول كقولك: أمّا زيدا فأكرمت، وأما عمرا فأهنت، والجارّ والمجرور، كقولك: أمّا فى زيد فرغبت، وأمّا على بكر فنزلت، ومثال [وقوع (2)] الجملة الأمرية قولك: أما محمدا فأكرم (3)، وأمّا عمرا فأهن، كأنّك قلت: مهما يكن من شيء فأكرم محمدا، ومهما يكن من شيء فأهن عمرا، ومثال النهى قولك: أمّا زيدا فلا تكرم، وأمّا عمرا فلاتهن، ومثله فى التنزيل: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ} (4).
ومثال فصلك بالجارّ والمجرور، فى قولك: أمّا بزيد فامرر، قوله تعالى:
{وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (5).
وإنما لم يجز أن تلاصق «أمّا» الفعل، لأن «أما» لما تنزّلت منزلة الفعل الشّرطى، والفعل لا يلاصق الفعل، امتنعت من ملاصقة الأفعال.
فإن قيل: فقد تقول: زيد كان يزورك، وعمرو ليس يعلم بك، فيلاصق كان وليس، الفعل.
_________
(1) فى ه‍، والأشباه: «وأنيبت».
(2) سقط من ه‍.
(3) فى ه‍: «فأكرمه». وما فى الأصل مثله فى الأشباه.
(4) سورة الضحى 9،10.
(5) آخر سورة الضحى.
(2/8)

فالجواب: أن الضمير المستتر فى كان وليس (1)، فاصل فى التقدير بينهما وبين ما يليهما، وهذا الفاصل يبرز إذا قلت: الزيدان كانا يزورانك، والعمران ليسا يلمّان بك، وكذلك حكم الجمع إذا قلت: كانوا وليسوا، وحكم (2) الفاء حكم/الفعل فى امتناعها من ملاصقة «أمّا» لأن الفاء إذا اتصلت بالجزاء صارت كحرف من حروفه، فكما لا يلاصق الجزاء الشرط، كذلك الفاء، ألا ترى [أنّ (3)] الفاء فى قولك: إن يقم زيد فعمرو يكرمه، قد فصل بينها وبين الشرط زيد، وكذلك إذا قلت: إن تقم فعمرو يكرمك، فقد فصل بين الشرط والفاء الضمير المستكنّ فيه، فلما تنزّلت «أمّا» منزلة الفعل الذى هو الشرط، لم يجز أن تلاصقه الفاء.
فإن قال قائل: هل يجوز أن تكون هذه الفاء زائدة، لحذفها فى الشّعر؟.
قيل: لا يخلو أن تكون عاطفة أو زائدة أو جزاء، فلا يجوز أن تكون عاطفة لدخولها على خبر المبتدأ، وخبر المبتدأ لا يعطف على المبتدأ، ولا يجوز أن تكون زائدة، لأن الكلام لا يستغنى عنها فى حال السّعة، فلم يبق إلا أن تكون جزاء.
وإذا عرفت هذا، فالفاء بعد «أمّا» لازمة؛ لما ذكرت لك من نيابة «أمّا» عن الشرط وحرفه، فإن حذفها الشاعر فللضرورة، كما جاز له حذفها من جواب الشرط، كقول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:
من يفعل الحسنات الله يشكرها … والشرّ بالشرّ عند الله سيّان (4)
كان الوجه أن يقول: فالله، ومثل حذفها من قوله:
_________
(1) يأتى كلام النحاة هنا فى توجيه قول العرب «ليس خلق الله مثله» أو «ليس خلق الله أشعر منه» راجع الكتاب 1/ 70،147، والحلبيات ص 220 والتبصرة 1/ 193، وشرح المفصل 3/ 116، والمغنى ص 58،295.
(2) من هنا إلى قوله: «فلم يبق إلاّ أن تكون جزاء» مكرّر-كما ترى-فى الأصل، وه‍، والأشباه. وقد تقدّم قريبا، ونبّه عليه فى حاشية الأصل، ومطبوع الأشباه.
(3) زيادة ممّا سبق.
(4) تقدم تخريجه فى المجلس الثانى عشر.
(2/9)

فأمّا القتال لا قتال لديكم
حذفها من قول بشر بن أبى خازم (1):
وأمّا بنو عامر بالنّسار … غداة لقوا القوم كانوا نعاما
ومع هذا التشديد فى حذف الفاء من جواب «أمّا» قد جاء حذفها فى التنزيل، ولكنه حذف كلا حذف، وإنما حسّن ذلك حتى جعله كطريق مهيع (2)، حذفها مع ما اتصلت به من القول، لأن القول قد كثر حذفه (3) فى التنزيل، لأنه جار فى/حذفه مجرى المنطوق به، فمن ذلك قوله: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ} (4) أى يقولون سلام عليكم، ومثله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا} (5) أى يقولان (6) ربّنا تقبّل منا، ومثله:
{وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا} (7) والآية التى ورد فيها حذف الفاء قوله: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ} (8) التقدير: فيقال لهم: أكفرتم بعد (9) [إيمانكم] فحذفها هاهنا من أحسن الحذوف، وأجراها فى ميدان البلاغة.
_________
(1) ديوانه ص 190، وتخريجه فيه. وأعاد ابن الشجرى البيت مع آخر فى المجلس الثامن والسبعين.
(2) المهيع، بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء التحتية: الطريق الواسع المنبسط. وميمه زائدة، وهو مفعل من التهيّع، وهو الانبساط.
(3) انظر المجلس التاسع.
(4) سورة الرعد 23،24، وارجع إلى المجلس التاسع
(5) سورة البقرة 127.
(6) فى ه‍: «يقولون». وما فى الأصل مثله فى الأشباه. وذكر ابن الشجرى فى المجلس التاسع أن لفظة «يقولان» جاءت فى صلب الآية فى قراءة عبد الله بن مسعود، رضى الله عنه.
(7) سورة السجدة 12.
(8) سورة آل عمران 106.
(9) زيادة من ه‍، على ما فى الأصل والأشباه. وانظر المجلس التاسع.
(2/10)

والغالب على «أمّا» التكرير، كقوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ} (1) ثم قال: {وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ} ثم قال: {وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ} وقد جاءت غير مكررة فى قوله: {يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاِعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} (2).
واعلم أن «أمّا» لمّا نزّلت منزلة الفعل نصبت، ولكنها لم تنصب المفعول به، لضعفها، وإنما نصبت الظرف الصحيح، كقولك: أمّا اليوم فإنى منطلق، وأمّا عندك فإنى جالس، وتعلّق بها حرف الظرف، فى نحو قولك: أمّا فى الدار فزيد نائم، وإنما لم يجز أن يعمل ما بعد الظرف فى الظرف، لأن ما بعد «إنّ» لا يعمل فيما قبلها، وعلى ذلك يحمل قول أبى على (3): «أمّا على إثر ذلك فإنّى جمعت» ومثله قولك: أمّا فى زيد فإنى رغبت، ففى متعلقة بأمّا نفسها فى قول سيبويه وجميع النحويين، إلا أبا العباس المبرّد، فإنه (4) زعم أن الجارّ متعلق برغبت، وهو قول مباين للصحّة، خارق للإجماع، لما ذكرته لك من أن «إنّ» تقطع ما بعدها عن العمل فيما قبلها، فلذلك أجازوا: زيدا جعفر ضارب، ولم يجيزوا: زيدا إنّ جعفرا ضارب.
/فإن قلت: أمّا زيدا فإنّى ضارب، فهذه المسألة فاسدة فى قول جميع النحويين، لما ذكرته لك من أن «أمّا» لا تنصب المفعول الصريح، وأنّ «إنّ»
_________
(1) سورة الكهف 79،80،82.
(2) سورة النساء 174،175، وللزمخشرىّ كلام جيد، فى علّة عدم تكرير «أمّا» هنا، انظره فى الكشاف 1/ 589، وانظر المغنى ص 57.
(3) من مقدمته فى كتابه الإيضاح ص 5، وانظر البصريات ص 678.
(4) لم أجده فى المقتضب. وانظر ما يأتى فى الصفحة التالية.
(2/11)

لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهو فى مذهب أبى العباس (1) جائز، وفساده واضح.
آخر المجلس ولله الحمد والمنّة.
...
_________
(1) المقتضب 3/ 27، ويرى محققه رحمه الله أن قول المبرّد: «وجملة هذا الباب أن الكلام بعد «أمّا على حالته قبل أن تدخل» يفيد أنه مع النحويين فى عدم جواز: أما زيدا فإنى ضارب». هذا وقد أعاد ابن الشجرى نقده هذا للمبرد، فى المجلس الثامن والسبعين. قال السيوطى فى الهمع 2/ 68: «وقال المبرّد أولا وابن درستويه زيادة على ذلك: وإنّ أيضا يعمل ما بعدها فيما قبلها مع «أما» خاصة، نحو: أما زيدا فإنى ضارب، واختاره ابن مالك. قال أبو حيان: وهذا لم يرد به سماع ولا يقتضيه قياس صحيح. قال: وقد رجع المبرد إلى مذهب سيبويه، فيما حكاه ابن ولاّد عنه. قال الزجاج: رجوعه مكتوب عندى بخطه». وانظر البغداديات ص 333، وكتاب الشعر. ص 64، والمغنى ص 58، وشرح المفصل 9/ 12.
(2/12)

المجلس السابع والثلاثون
[الجواب عن] المسألة الثانية:
أمّا مجىء الفاعل المضمر مفردا فى قوله: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ} وكذلك فى التثنية إذا قلت (1): أرأيتكما، وفى خطاب جماعة النساء إذا قلت: أرأيتكنّ، فإنما أفرد الضمير فى هذا النحو، لأنه لو ثنّي وجمع، فقيل: أرأيتما كما وأ رأيتموكم، وأ رأيتنّكنّ، كان ذلك جمعا بين خطابين، ولا يجوز (2) الجمع بين خطابين، كما لا يجوز الجمع بين استفهامين، ألا ترى أنك إذا قلت:
يا زيد، فقد أخرجته بالنداء من الغيبة إلى الخطاب، لوقوعه موقع الكاف من قولك: أدعوك وأناديك، فلذلك قال الشاعر (3):
يا أيّها الذّكر الذي قد سؤتنى … وفضحتنى وطردت أمّ عياليا
وكان القياس أن يقول: قد ساءنى وفضحنى وطرد، لأن الذى (4) اسم غيبة،
_________
(1) انظر هذا المبحث فى الكتاب 1/ 245، ومعانى القرآن للفراء 1/ 333، وللأخفش ص 274، وللزجاج 2/ 246، ومجالس ثعلب ص 216، وتفسير الطبرى 11/ 352، والمقتضب 3/ 209،277، والحلبيات ص 75، والعسكريات ص 138، وتذكرة أبى حيان ص 283، وص 35 عن العسكريات، والمغنى ص 181 [حرف الكاف]، وانظر حواشى المقتضب والحلبيات. وقال ابن الأثير: «وفى الحديث: أرأيتك وأ رأيتكما وأ رأيتكم. وهى كلمة تقولها العرب عند الاستخبار، بمعنى أخبرنى وأخبرانى وأخبرونى، وتاؤها مفتوحة أبدا» النهاية 2/ 178. وانظر ما يأتى فى المسألة السادسة؛ فإنها متصلة بهذه المسألة الثانية.
(2) عدم جواز الجمع بين خطابين، قاله أبو على فى التذكرة، وحكاه عنه السيوطى فى الأشباه والنظائر 1/ 324.
(3) أبو النجم العجلى، وصرح به ابن الشجرى فى المجلس الموفى السّتين، وهو فى ديوانه ص 236، وتخريجه فى ص 260.
(4) راجع كتاب الشعر ص 399.
(2/13)

ولكنه لما أوقع الذى صفة للذّكر، وقد وصف المنادى بالذكر، جاز له إعادة ضمائر الخطاب إليه، ويوضّح لك هذا أنك تقول: يا غلامى ويا غلامنا ويا غلامهم، ولا تقول:
يا غلامكم، لأنه جمع بين خطابين، خطاب النداء والخطاب بالكاف، فلذلك وحدّوا التاء فى التثنية والجمع، وألزموها الفتح فى الحالين، وفى خطاب المرأة إذا قلت: أرأيتك، لأنهم جرّدوها من الخطاب.
...
(2/14)

[الجواب عن] المسألة الثالثة
أما حدّ الاسم، فإنّ سيبويه (1) حدّ الفعل ولم يحدّ الاسم، لما يعتور حدّ الاسم من/الطّعن، وعوّل على أنه إذا كان الفعل محدودا والحرف محصورا معدودا فما فارقهما فهو اسم.
وحدّ بعض النحويين المتأخرين (2) الاسم، فقال: الاسم كلمة تدلّ على معنى فى نفسها، غير مقترنة بزمان محصّل، وإنما قال: تدلّ على معنى فى نفسها، تحرّزا من الحرف، لأن الحرف يدلّ على معنى فى غيره، وقال: غير مقترنة بزمان، تحرّزا من الفعل، لأن الفعل وضع ليدلّ على الزمان، ووصف الزمان بمحصّل، ليدخل فى الحدّ أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين والمصادر، من حيث كانت هذه الأشياء دالّة على الزمان، لاشتقاق بعضها من الفعل، وهو اسم الفاعل واسم المفعول، واشتقاق الفعل من بعضها، وهو المصدر، إلا أنها تدلّ على زمان مجهول، ألا ترى أنك إذا
_________
(1) الكتاب 1/ 12.
(2) نسب العكبرىّ هذا الحدّ للاسم إلى ابن السرّاج. والذى فى أصول ابن السراج غير هذا، قال فى تعريف الاسم: «الاسم ما دلّ على معنى مفرد، وذلك المعنى يكون شخصا وغير شخص». وبهذه الألفاظ حكاه عنه الزجاجى. انظر مسائل خلافية فى النحو للعكبرى ص 41، والأصول لابن السرّاج 1/ 36، والإيضاح للزجاجى ص 50. ونعم ذكر ابن السراج بعض ألفاظ هذا الحدّ المنسوب إليه، فقال فى الفرق بين الأسماء الظروف والأفعال: «فإذا كانت اللفظة تدلّ على زمان فقط فهى اسم، وإذا دلّت على معنى وزمان محصّل، فهى فعل، وأعنى بالمحصّل: الماضى والحاضر والمستقبل». ولعل من تمام الفائدة أن أشير إلى ما ذكره ابن السرّاج من تعريف الاسم فى كتابه الآخر: الموجز. قال فى ص 27 منه: «فالاسم ما جاز أن تخبر عنه، نحو: عمرو منطلق، ورجل فى الدار». هذا وقد ذكر أبو البركات الأنبارىّ أن النحويّين ذكروا فى الاسم حدودا كثيرة تنيف على سبعين حدّا. أسرار العربية ص 9،10. ويبقى أن أقول: إنى وجدت تعريفا للاسم، يوشك أن يكون هو الذى عزاه ابن الشجرى لبعض المتأخّرين. وهو ما ذكره أبو محمد الصيمرى، من نحاة القرن الرابع، قال فى كتابه التبصرة والتذكرة ص 74: «فحدّ الاسم: لفظ يدلّ على معنى فى نفسه مفرد غير مقترن بزمان محصّل».
(2/15)

قلت: ضربى زيدا شديد، احتمل أن يكون الضرب قد وقع، وأن يكون متوقّعا، وأن يكون حاضرا.
ومما اعترض به على هذا الحدّ قولهم: آتيك مضرب الشّول (1)، ومقدم الحاج، وخفوق النّجم (2)، لدلالة هذه الأسماء على الزمان، مع دلالتها على الحدث الذى هو الضّراب والقدوم والخفقان، فقد دلّت على معنيين.
وأسلم حدود الاسم من الطعن قولنا: الاسم ما دلّ على مسمّى به دلالة الوضع (3).
وإنما قلنا: ما دلّ، ولم نقل: كلمة تدل، لأننا وجدنا من الأسماء ما وضع من كلمتين، كمعدى كرب، وأكثر من كلمتين كأبى عبد الرحمن.
وقلنا: دلالة الوضع، تحرّزا مما دلّ دلالتين، دلالة الوضع ودلالة الاشتقاق، كمضرب الشّول وأخويه، وذلك أنهن وضعن ليدللن على الزمان فقط، ودللن على اسم الحدث، لأنهن اشتققن منه، فلسن كالفعل فى دلالته على الحدث والزمان، لأن الفعل وضع ليدلّ على هذين المعنيين معا.
فقولنا: دلالة الوضع، يزيح عن هذا الحدّ اعتراض من اعترض على الحدّ الأول، بمضرب الشّول وأخويه.
وإذا تأملت/الأسماء كلّها حقّ التأمل، وجدتها لا يخرج شيء منها عن هذا الحدّ، على اختلاف ضروبها، فى الإظهار والإضمار، وما كان واسطة بين المظهر
_________
(1) الشّول: جمع شائلة، وهى من الإبل التى أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر، فخفّ لبنها.
(2) راجع كتاب الشعر صفحات 293،365،369،455.
(3) راجع مسائل خلافية ص 42، فقد قال العكبرى، بعد أن حكى الحدّ المنسوب إلى ابن السرّاج: «وزاد بعضهم فى هذا دلالة الوضع». ولعلّه يريد ابن الشجرى، كما استظهر محقق المسائل، رحمه الله.
(2/16)

والمضمر، وذلك أسماء الاشارة، وعلى تباين الأسماء فى الدلالة على المسمّيات، من الأعيان والأحداث، وما سمّيت به الأفعال، من نحو صه وإيه ورويد وبله وأفّ وهيهات، فالمسمّى بصه: قولك: اسكت، وبإيه: حدّث، وبرويد: أمهل وببله: دع (1)، وبأفّ: أتضجّر، وبهيهات: بعد، وكذلك ما ضمّن معنى الحرف، نحو متى وأين وكم وكيف، فمتى وضع ليدلّ على الأزمنة، وأين على الأمكنة، وكم على الأعداد، وكيف على الأحوال.
وهذه الكلم ونظائرها من نحو من وما وأيّان وأنّى، مما طعن به على الحدّ الأول، لقول قائله: كلمة تدلّ على معنى فى نفسها، فقال الطاعن: إنّ كلّ واحد من هذه الأسماء قد دلّ على الاستفهام أو الشرط، وعلى معنى آخر، كدلالة أين على المكان، وعلى الاستفهام أو الشرط، وكذلك متى ومن وما، فقد دلّ الاسم منها على معنيين، كدلالة الفعل على معنيين، الزمان المعيّن والحدث.
وليس لمعترض أن يعترض بهذا على الحدّ الذى قرّرناه، لأننا قلنا: ما دلّ على مسمّى به دلالة الوضع، ولم نقل: ما دلّ على معنى.
...
_________
(1) سقط من ه‍. وهو فى الأصل والأشباه.
(2/17)

[الجواب عن] المسألة الرابعة
السؤال عن قول الشاعر، وهو يزيد بن الحكم الثّقفىّ:
فليت كفافا كان خيرك كلّه … وشرّك عنى ما ارتوى الماء مرتوى
تعريب هذا البيت قد تقدّم فيما سلف (1) من الأمالى، ولكنّا أعدنا تعريبه هاهنا لزيادة فائدة وإيضاح مشكل، ولكونه فى جملة المسائل الواردة.
فنقول: إن اسم ليت محذوف، وهو ضمير الشأن والحديث، وحذفه مما /لا يسوغ إلا فى الضّرورة، ومثله:
فليت دفعت الهمّ عنّى ساعة … فبتنا على ما خيّلت ناعمى بال (2)
ألا ترى أن «ليت» لا تباشر الأفعال، فلو لم يكن التقدير: فليته، لم تجز ملاصقته للفعل، ومن ذلك قول الآخر (3):
إنّ من لام فى بنى بنت حسّا … ن ألمه وأعصه فى الخطوب
انجزام «ألمه» دلّ على أن «من» شرطية، وإذا كانت شرطية، لم يكن بدّ من الفصل بينها وبين إنّ، لأن أسماء الشرط حكمها حكم أسماء الاستفهام، فى أن
_________
(1) فى المجلس الثامن والعشرين.
(2) لعديّ بن زيد، وسبق تخريجه فى المجلس المذكور.
(3) الأعشى. والبيت فى ديوانه ص 335 برواية: من يلمنى على بنى بنت حسان وعليها يفوت الاستشهاد. والبيت برواية النحويين فى الكتاب 3/ 72، والنكت فى تفسيره ص 737، والحلبيات ص 261، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 138، وضرائر الشعر ص 178، وشرح الجمل 1/ 427،442، والإنصاف ص 180، والبسيط ص 436، والمغنى ص 605، وشرح أبياته 7/ 268، والخزانة 5/ 420، ومواضع أخرى تراه فى فهرسها 12/ 111.
(2/18)

العامل فيها يقع بعدها، كقولك: أيّهم تكرم أكرم، كما تقول إذا استفهمت: أيّهم أكرمت؟ ونظير ذلك قول الآخر:
إنّ من يدخل الكنيسة يوما … يلق فيها جآذرا وظباء (1)
وأنشد سيبويه (2):
ولكنّ من لا يلق أمرا ينوبه … بشكّته ينزل به وهو أعزل
الأعزل: الذى لا سلاح معه، وعلى هذا قول أبى الطيب أحمد بن الحسين:
وما كنت ممّن يدخل العشق قلبه … ولكنّ من يبصر جفونك يعشق (3)
وإذا عرفت هذا، فإن كفافا خبر كان، وخيرك: اسمها، وكله: توكيد له، والجملة التى هى كان واسمها وخبرها: خبر ليت، فالتقدير: ليته، أى ليت الشأن كان خيرك كلّه كفافا عنّى، أى كافّا.
ومن روى: «وشرّك» رفعه بالعطف على قوله: «خيرك» فدخل فى حيّز كان، فكأنه قال: وكان شرّك، فغير أبى علي يقدّر خبر كان المضمر محذوفا، دلّ
_________
(1) نسبه ابن السيّد فى الحلل ص 287 للأخطل، ولم أجده فى ديوانه المطبوع برواية السكّرى، وقال البغدادى بعد أن حكى نسبة ابن السيّد البيت للأخطل: «قد فتشت ديوان الأخطل من رواية السكّرى، فلم أظفر به فيه، ولعله ثابت فى رواية أخرى». الخزانة 1/ 458، وانظر فهارسها، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 140، وشرح المفصل 3/ 115، والمقرب 1/ 109،277، والضرائر ص 178، وشرح الجمل 1/ 442، والبسيط ص 435،913، والمغنى ص 37،589، وشرح أبياته 1/ 185، والهمع 1/ 136.
(2) الكتاب 3/ 73، ونسبه لأمية بن أبى الصّلت، وهو بيت مفرد فى ديوانه ص 250، وتخريجه فيه، وزد عليه: إيضاح شواهد الإيضاح ص 140، والضرائر ص 179، والمغنى ص 292، وشرح أبياته 5/ 201. والشّكّة، بكسر الشين وتشديد الكاف: السّلاح. وقيل: ما يلبس من السّلاح. يقول: من لم يستعدّ لنوائب الزمان قبل نزولها ضعف عن دفعها إذا نزلت به.
(3) ديوانه 2/ 304، والمغنى ص 291،605، وشرح أبياته 5/ 200.
(2/19)

عليه خبر كان المظهر، ويقدّر المحذوف بلفظ المذكور (1)، وهو القياس، ونظير ذلك فى حذف الخبر لدلالة الخبر الآخر عليه، وهما من لفظ واحد، قول الشاعر (2):
/نحن بما عندنا وأنت بما … عندك راض والرأى مختلف
أراد: نحن بما عندنا راضون، فحذفه لدلالة راض عليه، ومثله فى دلالة أحد الخبرين على الآخر، فى التنزيل: {وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} (3) التقدير: والله أحقّ أن يرضوه، ورسوله أحقّ أن يرضوه، ولو كان خبرا عنهما لكان: يرضوهما (4).
فالتقدير على هذا: وكان شرّك كفافا، وهذا على أن يكون «ارتوى» مسندا إلى مرتوى.
وذهب أبو عليّ (5) إلى أن الخبر مرتو، وكان حقّه مرتويا، ولكنه أسكن الياء
_________
(1) حكى البغدادىّ عن الرضيّ وابن الحاجب فى أماليه-ولم أجده فى المطبوع منها-أن «كفافا» خبر عن الخير والشرّ معا. قال ابن الحاجب: «أى ليت خيرك وشرّك بالنسبة إلىّ لا يفضل أحدهما عن الآخر؛ لأن الكفاف هو الذى ليس فيه فضل. يريد: إن شرّك زائد على خيرك، فأنا أتمنّى لو كان غير زائد». ثم عقّب البغدادىّ: «وفيه ردّ على ابن الشجرى، فى زعمه أن كفافا إنما هو خبر خيرك، وخبر شرّك محذوف مدلول عليه بالمذكور».
(2) هو عمرو بن امرئ القيس، جاهلىّ قديم. وهذا بيت دائر فى كتب العربية. انظر الكتاب 1/ 75، ومعانى القرآن للفراء 1/ 434،445،2/ 363،3/ 77، وللأخفش ص 82،330، ومجاز القرآن 1/ 258، وتأويل مشكل القرآن ص 289، والمقتضب 3/ 112،4/ 73، وتفسير الطبرى 14/ 229، والإنصاف ص 95، والمغنى ص 622، وشرح أبياته 7/ 299. وينسب إلى قيس بن الخطيم. انظر زيادات ديوانه ص 173، وقد أعاده ابن الشجرى فى المجلس التالى والسابع والسبعين.
(3) سورة التوبة 62.
(4) وهذا منهى عنه شرعا، أن يجمع بين الله ورسوله فى ضمير واحد. ففى حديث عدى بن حاتم أن رجلا خطب عند النبى صلّى الله عليه وسلم: فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعضهما فقد غوى. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «بئس الخطيب أنت. قل: ومن يعص الله ورسوله»: صحيح مسلم (باب تخفيف الصلاة والخطبة من كتاب الجمعة) ص 594، ومسند أحمد 4/ 256، وتفسير القرطبى 14/ 232 (تفسير الآية 56 من سورة الأحزاب). وانظر كتاب الشعر ص 316 وحواشيه.
(5) نصّ البغدادىّ على أن أبا علىّ ذكره فى التذكرة. الخزانة 10/ 472، وانظر الإيضاح ص 123، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 143، وما سبق فى المجلس الثامن والعشرين.
(2/20)

لإقامة الوزن والقافية، وهو من الضّرورات المستحسنة، لأنه ردّ حالة إلى حالتين، أعنى أن الشاعر حمل حالة النصب على حالة الرفع والجرّ، ومثله قول الآخر (1):
كفى بالنّأى من أسماء كافى
وقوله (2):
يا دار هند عفت إلاّ أثافيها
وحسن الإخبار عن الشّرّ بمرتو، لأن الارتواء يكفّ الشارب عن الشرب، فجاز لذلك تعليق عنّى بمرتوى، كما يتعلّق بكافّ أو كفاف، فكأنه قال: وكان شرّك كافّا عنّى.
ومن قال: «وشرّك» بالنصب، حمله على ليت، ولا يجوز أن يكون محمولا على ليت المذكورة، لأن ضمير الشأن لا يصحّ العطف عليه لو كان ملفوظا به، فكيف وهو محذوف؟ وإذا امتنع حمله على ليت المذكورة، حملته على أخرى مقدّرة، وحسن ذلك، لدلالة المذكورة عليها، كما حسن حذف «كلّ» فيما أورده سيبويه، من قول الشاعر (3):
أكلّ امرئ تحسبين امرأ … ونار توقّد باللّيل نارا
أراد: وكلّ نار، فحذف «كلّ» وأعملها مقدّرة، كما كان يعملها
_________
(1) بشر بن أبى خازم، وسبق تخريجه فى المجلس الرابع.
(2) الحطيئة. وتمام البيت: بين الطّويّ فصارات فواديها ديوانه ص 201، والكتاب 3/ 306، وكتاب الشعر ص 195، وفى حواشيهما فضل تخريج. والأثافى: جمع أثفية، بضم الهمزة، وهى الحجارة تنصب عليها القدور. والطّوىّ: بئر بأعلى مكة. وصارات: جمع صارة، وهى رأس الجبل.
(3) أبو دواد الإيادى، وقيل: عدىّ بن زيد. ديوان الأول ص 353، وزيادات ديوان الثانى ص 199، وزدته تخريجا فى كتاب الشعر ص 44.
(2/21)

لو ظهرت، فكأنه على هذا [المثل (1)] قال: وليت شرّك مرتو عنى، فمرتو فى هذا التقدير على ما يستحقّه من إسكان يائه، لكونه خبرا لليت، وعلى مذهب أبى عليّ فى كون مرتو خبرا لكان/أو لليت، يجوز فى الماء الرفع، ورفعه بتقدير حذف مضاف، أى ما ارتوى أهل الماء، كما جاء: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} (2) أى أهل القرية، و {حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها} (3) أى يضع أهل الحرب أسلحتهم، ومن كلامهم: «صلّى المسجد» (4) أى أهل المسجد، و «ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم» (5) يريدون ماء السماء.
وقد كثر حذف المضاف جدّا، ممّا يشهد فيه ما أبقى على ما ألقى، كقول المرقّش:
ليس على طول الحياة ندم (6)
أراد على فوت طول الحياة، وكقول الأعشى (7):
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
أراد اغتماض ليلة أرمد، وأضاف الاغتماض المقدّر إلى الليلة، كما أضيف المكر
_________
(1) ليس فى ه‍، والأشباه.
(2) سورة يوسف 82.
(3) الآية الرابعة من سورة محمد صلّى الله عليه وسلم.
(4) كتاب الشعر ص 243.
(5) سبق فى المجلس الثامن. وهو فى مجاز القرآن 1/ 186، والمذكر والمؤنث لابن الأنبارى ص 368، واللسان (سما).
(6) تقدم تخريجه فى المجلس الثامن. وانظر لحذف المضاف كتاب الشعر ص 333،367، وفهارسه ص 669، والمغنى ص 623.
(7) ديوانه ص 135، مطلع قصيدته فى مدح النبى صلّى الله عليه وسلم، وتمام البيت فى الديوان: وعادك ما عاد السّليم المسهّدا ويروى: وبتّ كما بات السليم المسهّدا وسيأتى قريبا، وأنشده ابن الشجرى فى المجلس الثالث والثمانين. وانظر المحتسب 2/ 121، والخصائص 3/ 322، وشرح المفصل 10/ 102، والمغنى ص 624، وشرح أبياته 7/ 301، وشرح الشواهد للعينى 3/ 57، والهمع 1/ 188.
(2/22)

إلى الليل والنهار، فى قوله جل وعز: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ} (1) فانتصاب الليلة انتصاب المصدر، لا انتصاب (2) الظرف، وكيف يكون انتصابها انتصاب الظرف مع قوله بعد:
وبتّ كما بات السّليم مسهّدا
وأجاز بعض المتأخرين أن يكون الماء رفعا، بأنه فاعل ارتوى، من غير تقدير مضاف، قال: وجاز وصف الماء بالارتواء للمبالغة، كما جاز وصفه بالعطش لذلك فى قوله (3):
وجبت هجيرا يترك الماء صاديا
ومن نصب الماء متّبعا مذهب أبى على: أراد ما ارتوى الناس الماء، أى من الماء، أضمر الفاعل وحذف الخافض، فوصل الفعل فنصب، كما جاء فى التنزيل:
{وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً} (4) أى من قومه، وجاء فيه حذف الباء من قوله: {إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ} (5) أراد يخوّفكم بأوليائه، ودليل ذلك قوله: {فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ} وجاء حذف «على» من قوله: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ} (6).
ومثل إضمار الفاعل هاهنا ولم يتقدّم ذكر ظاهر يرجع الضمير إليه، ما حكاه سيبويه من قولهم (7): «إذا كان غدا فأتنى»، أى إذا كان ما نحن فيه من الرخاء أو البلاء غدا.
_________
(1) سورة سبأ 33.
(2) هذا قول أبى على، كما ذكر ابن جنى فى الخصائص، والبغدادى فى شرح الأبيات. وقد تبع أبا علىّ فى ذلك السّهيلىّ فى الروض الأنف 1/ 236.
(3) المتنبى، وسبق تخريجه فى المجلس الثامن والعشرين.
(4) سورة الأعراف 155
(5) سورة آل عمران 175، وانظر معانى القرآن للفراء 1/ 248، وللأخفش ص 221، وتأويل مشكل القرآن ص 222، والدر المصون 3/ 493.
(6) سورة البقرة 235.
(7) سبق تخريجه فى المجلس الثالث عشر.
(2/23)

/و «ما» فى قوله: «ما ارتوى» مصدريّة، وأبو طالب (1) العبدىّ لم يعرف فى هذا البيت إلا نصب الماء، ولم يتّجه له إلا إسناد ارتوى إلى مرتو، وذلك أنه قال:
معنى ما ارتوى الماء مرتو: ما شرب الماء شارب.
ثم قال: وأمّا ما ذكره الشيخ أبو على من قوله: وإن حملت العطف على كان، كان «مرتو» فى موضع نصب، وإن حملته على ليت، نصبت قوله:
«وشرّك» ومرتو مرفوع، فكلام لم يفسّره رحمه الله.
ثم قال: ومرّ بى بعد هذا فى تعليقى، كلام للشيخ أبى علىّ، أنا حاكيه على الوجه، وهو أنه أورد البيت، ثم قال بعد ايراده: ليت محمول على إضمار (2) الحديث، وكفافا: خبر كان، فأمّا قوله: «وشرّك عنّى ما ارتوى الماء مرتوى» فقياس من أعمل الثانى أن يكون «شرّك» مرتفعا بالعطف على كان، ومرتو فى موضع نصب، إلا أنه أسكن فى الشعر، مثل:
كفى بالنّأى من أسماء كافى (3)
ومن أعمل الأول نصب «شرّك» بالعطف على ليت، ومرتو فى موضع رفع، لأنه الخبر، وما ارتوى الماء: فى موضع نصب، ظرف، يعمل فيه مرتو، هذا ما ذكره أبو على.
ثم قال العبدىّ: وقد تقدّمت مطالبتى بفاعل ارتوى، وإذا ثبت ما ذكرته، علم أن الأمر على ما قلته، والمعنى عليه لا محالة، انتهى كلام العبدىّ.
_________
(1) هو أحمد بن بكر، أخذ عن السيرافى والرمانى، وصحب أبا على، واعتنى بكتابه «الإيضاح» وشرحه شرحا شافيا كافيا. توفى سنة (406). نزهة الألباء ص 336، وإنباه الرواة 2/ 386، وانظر مقدمة كتاب الشعر ص 7.
(2) فى ه‍: أصاب الحديث.
(3) تقدم قريبا.
(2/24)

وقد مرّ بى كلام لأبى علىّ فى «التذكرة»، يشير فيه إلى ما قاله العبدىّ.
واختيار أبى علىّ ما اختاره فى هذا البيت، من كون «مرتو» خبرا لكان، أو ليت، مع صحة إسناد ارتوى إلى مرتو، معنى وإعرابا، من مراميه البعيدة.
...
(2/25)

[الجواب عن] المسألة الخامسة
وأما «مزيّن» فلفظة تحتمل معنيين، لكلّ واحد منهما وزن غير وزن الآخر، أحدهما أن تكون عبارة عن مكبّر، ووزنه مفعّل، وهو اسم الفاعل من قولك: /زيّن يزيّن فهو مزيّن، كقولك: بيّن يبيّن فهو مبيّن.
والآخر أن تكون عبارة عن مصغّر، وزنه مفيعل، وهو مصغّر مزدان، ومزدان أصله مزتين، مفتعل من الزّينة، فقلبت ياؤه ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فصار إلى مزتان، فكره اجتماع الزاى والتاء، لأنّ الزاى مجهور، والتاء حرف مهموس، فكرهوا التّنافر، فأبدلوا التاء دالا، لأن الدال توافق الزاى فى الجهر، وتقارب التاء فى المخرج، ولما أريد تصغير مزدان، وعدّة حروفه [خمسة (1)] اثنان زائدان، الميم والدال، ووجب (2) أن يردّ إلى أربعة بحذف (3) أحد الزائدين، لم يخل من أن تحذف الميم أو الدال، فكان حذف الدال أولى، لأمرين، أحدهما أن الميم تدلّ على اسم الفاعل، والحرف الدالّ على معنى أولى بالمحافظة عليه، والثانى أن الدال أقرب إلى الطّرف، والطّرف وما قاربه أحقّ بالحذف، ولمّا حذفت الدال بقى مزان، فقيل فى تصغيره: مزيّن، كقولك فى تصغير غراب: غريّب، فالضّمة التى فى المصغّر غير الضمة التى فى المكبّر، كما أن الضّمة التى فى أول بلبل تزول إذا قلت: بليبل.
...
_________
(1) سقط من ه‍.
(2) فى الأشباه «وجب» بواو واحدة، وتبعه ناشر الطبعة الهندية من الأمالى. وهو خطأ.
(3) فى ه‍: فحذف.
(2/26)

[الجواب عن] المسألة السادسة
وأما فتح (1) التاء فى: أرأيتكم وأ رأيتكما وأ رأيتك يا هذه وأ رأيتكّن، فقد علمت أنك إذا قلت: رأيت يا رجل، فتحت التاء، وإذا قلت: رأيت يا فلانة، كسرتها، وإذا خاطبت اثنين أو اثنتين أو جماعة ذكورا أو إناثا، ضممتها، فقلت: رأيتما ورأيتم ورأيتنّ، وقد ثبت واستقر أن التذكير أصل للتأنيث، وأن التوحيد أصل للتثنية والجمع، فلما خصّوا الواحد المذكر المخاطب بفتح التاء، ثم جرّدوا التاء من الخطاب، فانفردت به الكاف فى أرأيتك، وأ رأيتك يا زينب، والكاف وما زيد عليها فى أرأيتكما وأ رأيتكم وأ رأيتكنّ، ألزموا التاء الحركة الأصلية، وذلك لما ذكرته لك من كون الواحد أصلا للاثنين وللجماعة، وكون/المذكّر أصلا للمؤنث، فاعرف هذا واحتفظ به.
_________
(1) انظر ما تقدم فى (المسألة الثانية) فإن هذه متصلة بتلك. وأصل تعليل «فتح التاء» للفراء. راجع الموضع الذى ذكرته هناك من معانى القرآن.
(2/27)

[الجواب عن] المسألة السابعة
وأمّا قول الشاعر:
وبعد غد يا لهف نفسى من غد … إذا راح أصحابى ولست برائح
فالعامل فى الظرف المصدر الذى هو اللهف، وإن جعلت «من» زائدة، على ما كان يراه أبو الحسن الأخفش من زيادتها فى الواجب (1)، وعليه حمل قوله تعالى:
{فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} (2) وقوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ} (3) فالتقدير فى هذا القول: يا لهف نفسى غدا، فإذا قدرت هذا جعلت إذا بدلا من غد، فهذان وجهان واضحان.
ولك وجه ثالث، وهو أن تعمل فى «إذا» معنى الكلام، وذلك أن قوله:
«يا لهف نفسى» لفظه لفظ النداء، ومعناه التوجّع، فإذا حملته على هذا، فالتقدير: أتأسّف وأتوجّع وقت رواح أصحابى وتخلّفى عنهم.
...
_________
(1) فى مطبوعة الأمالى «الموجب» ومثله فى الأشباه. والذى فى الأصل وه‍ مثله فى الأزهية ص 235، ورصف المبانى ص 325، وشرح المفصل 8/ 13، وانظر الشعر صفحات 225،444، 468، ورأى الأخفش هذا ذكره فى معانيه ص 99،254، فى آية البقرة (61) والمائدة (4).
(2) سورة المائدة 4.
(3) سورة النور 30.
(2/28)

[الجواب عن] المسألة الثامنة
قول أبى على: «أخطب (1) ما يكون الأمير قائما» أخطب من باب أفعل الذى هو بعض ما يضاف إليه، كقولك: زيد أكرم الرجال، وحمارك أفره الحمير، والياقوت أفضل الحجارة، فزيد بعض الرجال، والحمار بعض الحمير، والياقوت بعض الحجارة، ولا تقول: الياقوت أفضل الزّجاج، لأنه ليس (2) منه، كما لا تقول: حمارك أحسن الرجال، وإذا ثبت هذا، فإن «ما» التى أضيف إليها «أخطب» مصدريّة زمانية، كالتى فى قوله تعالى: {خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ} (3) أى مدّة دوام السموات، فقوله: أخطب ما يكون الأمير، تقديره: أخطب أوقات كون الأمير، كما قدّرت في الآية مدّة دوام السموات، أو مدد دوام السموات، فقد صار أخطب بإضافته/إلى الأوقات فى التقدير وقتا، لما مثّلته لك من كون أفعل هذا بعضا لما يضاف إليه، وإضافة الخطابة إلى الوقت توسّع وتجوّز، كما وصفوا الليل بالنوم، فى قولهم: نام ليلك، وذلك لكون النوم فيه، قال:
لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى … ونمت وما ليل المطيّ بنائم (4)
ومثله إضافة المكر إلى الليل والنهار فى قوله عز وجل: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ} (5) وإنما حسن إضافة المكر إليهما لوقوعه فيهما، والتقدير: بل مكركم فى الليل والنهار.
_________
(1) تقدم فى المجلس السادس، والحادى عشر. وانظر أيضا الفصول الخمسون ص 188، وتذكرة النحاة ص 654، وشرح الأشمونى 1/ 218 (باب المبتدأ والخبر).
(2) راجع مبحث (أفعل لا يضاف إلاّ إلى ما هو بعضه) فى المقتضب 3/ 38، والأصول 2/ 6، والإيضاح ص 270،271، والشعر صفحات 179،180،182،217، والخصائص 3/ 333.
(3) سورة هود 107،108.
(4) فرغت منه فى المجلس السادس.
(5) سورة سبأ 33.
(2/29)

وإذا عرفت هذا، فأخطب مبتدأ محذوف الخبر، والحال التى هى «قائما» سادّة مسدّ خبره، فالتقدير: أخطب أوقات كون الأمير إذا كان قائما.
ولمّا كان أخطب مضافا إلى الكون لفظا، وإلى الأوقات تقديرا، وقد بيّنت لك أن أفعل هذا بعض لما يضاف إليه، وقد صار فى هذه المسألة وقتا وكونا، فجاز لذلك الإخبار عنه بظرف الزمان، الذى هو إذا الزمانية، وإذا كان «قائما» نصبا على الحال، فكان المقدّرة فى هذا النحو هى التامّة المكتفية بمرفوعها، التى بمعنى حدث ووقع ووجد، ولا يجوز أن تكون الناقصة، لأن الناقصة لا يلزم منصوبها التنكير، والمنصوب هاهنا لا يكون إلا نكرة، فثبت بلزوم التنكير له أنه حال، وإذا ثبت أنه حال، فهو حال من ضمير فاعل مستكنّ فى فعل، موضعه مع مرفوعه جرّ، بإضافة ظرف إليه، عمل فيه اسم فاعل محذوف، وتفسير هذا أن قائما حال من الضمير المستتر فى كان، وكان مع الضمير جملة فى موضع جرّ بإضافة «إذا» إليها، لأن إذا وإذ تلزمهما الإضافة إلى جملة توضّح معنييهما، كما توضّح الصّلة معنى الموصول، ولذلك بنيا، فإذا تضاف، إلى جملة فعلية، لأنها شرطية، والشرط إنما يكون بالفعل، وإذ تضاف إلى جملة الاسم، كما تضاف إلى جملة الفعل، فإذا فى المسألة ظرف أوقع خبرا عن المبتدأ/الذى هو أخطب، والظرف متى وقع خبرا، عمل فيه اسم فاعل محذوف، مرفوض إظهاره، نحو قولك: زيد خلفك، والخروج يوم السبت، فالتقدير: مستقرّ خلفك، وواقع يوم السبت.
فتأمّل جملة الكلام فى هذه المسألة، فقد أبرزت لك غامضها، وكشفت لك مخبوءها.
وأما قوله: «شربى (1) السّويق ملتوتا» فداخل فى هذا الشرح، وأقول: إنّ شربى
_________
(1) يأتى أيضا فى المجلس الحادى والسبعين. ويروى: «أكثر شربى السويق ملتوتا». الأصول 2/ 360،361، والتصريح على التوضيح 1/ 180، وسائر كتب النحو (باب المبتدأ والخبر).
(2/30)

مضاف ومضاف إليه، فشرب مصدر أضيف إلى فاعله، والسويق انتصب بأنه مفعوله، وخبره على ما قرّرته محذوف، سدّت الحال مسدّه، فقولك: ملتوتا كقولك فى المسألة الأولى: قائما، غير أن الظرف المقدّر فى الأولى هو إذا، والمقدّر فى هذه محمول على المعنى، فإن كان الإخبار قبل الشّرب، أردت شربى السويق إذا كان ملتوتا، وإن كان الشرب سابقا للإخبار أردت شربى السويق إذ كان ملتوتا، وبالله التوفيق.
...
(2/31)

المجلس الثامن والثلاثون
يتضمّن فنونا من المعانى والإعراب، فمن ذلك قول مهيار فى مرثية (1):
أحسنت فيك فساءهم تقصيرهم … ذنب المصيب إلى المعين المقصد
معناه مشكل، مفتقر إلى تفسير مستوفى، وذلك أن المعين هو اسم المفعول، من قولهم: عانه: إذا أصابه بعينه، وأصله معيون، كقولك: بعت الثوب فهو مبيع، وأصله مبيوع، فحذفت ضمة الياء، فالتقى ساكنان، الياء والواو، فحذفت إحداهما، على الخلاف بين سيبويه والأخفش، وقد مضى ذكر ذلك فى الأمالى السالفة (2).
والمقصد: هو المقتول، من قولهم: رماه فأقصده: إذا قتله فى مكانه، وفى الكلام تقدير مبتدأ ومضاف محذوفين، كأنه لما تمّت الجملتان اللتان هما أحسنت فيك فساءهم تقصيرهم، ابتدأ بجملة أخرى، فقال: ذنبى إليهم مثل ذنب المصيب /بالعين إلى المصاب، فحذف المبتدأ الذى هو ذنبى، ثم حذف المضاف الذى هو مثل، والمعنى: إن المصيب بالعين لا ذنب له فى الحقيقة، لأن كلّ من أبصر لا يعدّ مذنبا بنظره إلى المستحسنات، ولا يكون أيضا مذنبا إذا استحسن بقلبه كلّ مستحسن ينظر إليه، لأنه لم يقصد بذلك المنظور إليه، وإنما نظره واستحسانه طبع، لا يقدر على تركه، فقال: كذلك أنا جوّدت فى هذا الشعر ووصفك أيّها المرثىّ بطبعى، فساء هؤلاء القوم تقصيرهم عن مثله، وإن كنت لم أقصد بذلك
_________
(1) ديوانه 1/ 252، يرثى الشريف الرضى. والرواية فى الديوان: المغير المعضد.
(2) فى المجلس الحادى والثلاثين.
(2/32)

مساءتهم، فكنت كالعاين الذى ينظر ويستحسن بطبعه، فيصيب بعينه، فهو غير قاصد ضرر المعين، فمن هذا الوجه شبّه نفسه بالعائن، وشبّههم بالمصاب بالعين، ويشبه ذلك قول أبى الطيب أحمد بن الحسين (1):
نلومك يا عليّ لغير ذنب … لأنك قد زريت على العباد
يعنى أنه فعل أفعالا حسنة، لم يفعلها غيره من الناس، فعيبوا بتقصيرهم عن مثلها، فصار بذلك كأنه زار عليهم، يقال: زريت عليه: إذا عبته، وأزريت به:
إذا قصّرت (2) به.
...
_________
(1) ديوانه 1/ 359، يمدح على بن إبراهيم التنوخى.
(2) هذه التفرقة بين «زريت عليه» و «أزريت به» لابن السكّيت، فى إصلاح المنطق ص 234.
(2/33)

مسألة
سئل عمّا تصدّر به كتب الإقرارات، وهو: «أقرّ فلان وأشهد على نفسه» فقيل: أيّ الألفاظ الثلاثة أولى بالاستعمال، أيقرّ ويشهد، أم أقرّ وأشهد، أم أقرّ ويشهد؟ وهل يكون صادقا فى قوله: أقرّ وأشهد على نفسه، وهو لم يشهد؟
فكان الجواب: إن الإقرار والإشهاد يقعان معا فى وقت واحد، لأنه إذا تلفّظ بالإقرار بمحضر من الشاهد، فقد حصل الإشهاد بحصول الإقرار، من غير فصل، ومن قبل أن يثبت الشاهد خطّه، وإنما كتب الشّروطىّ: أقرّ، لأنه حينئذ أقرّ بقلبه ونيّته، فإذا أقرّ عند الشاهد [بلسانه (1)] فقد وقع الإشهاد مع/الإقرار، وإقراره بلسانه أن يقول له الشاهد: أهكذا تقول؟ فيقول: نعم، وإنما آثروا: أقرّ وأشهد، دون يقرّ ويشهد، لأن لفظ الماضى أوكد وأبعد (2) من الشّبهة، من حيث كان دالاّ على إقرار قد وقع، فوقع الإشهاد بوقوعه، والمستقبل يدلّ على إقرار متوقّع، على أن العرب قد أوقعت بعض أمثلة الأفعال موقع بعض، مع حصول العلم بما يقصدونه، فأوقعوا الماضى فى موضع المستقبل، والمستقبل فى موضع الماضى، فمن إيقاع المستقبل فى موضع الماضى، قوله تعالى: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ} (3) أوقع «تقتلون» فى موضع «قتلتم» ومثله: {ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ} (4) المعنى: كما عبد آباؤهم، ومن إيقاع الماضى فى موضع المستقبل قوله تعالى:
{وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ} (5) أراد: ينادى، لأن هذا النداء إنما يكون يوم القيامة، ومثله: {وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي}
_________
(1) سقط من ه‍.
(2) فى ه‍: أوكد بعد الشبهة.
(3) سورة البقرة 91.
(4) سورة هود 109.
(5) سورة الأعراف 50.
(2/34)

{وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ} (1) أراد: وإذا يقول الله، لأنّ هذا القول إنما يوجّه من الله تعالى إلى عيسى بن مريم عليه السلام فى يوم البعث، وممّا جاء من ذلك فى الشّعر قول الطّرمّاح:
وإنّى لآتيكم تشكّر ما مضى … من البرّ واستيجاب ما كان فى غد (2)
أوقع كان فى موضع يكون، وجاء بعكس ذلك قول زياد الأعجم:
فإذا مررت بقبره فاعقر به … كوم الهجان وكلّ طرف سابح (3)
وانضح جوانب قبره بدمائها … فلقد يكون أخادم وذبائح
أراد: فلقد كان.
قال أبو الفتح عثمان (4) بن جنى: قال لى أبو على: سألت يوما أبا بكر، يعنى ابن السرّاج، عن الأفعال؛ يقع بعضها موقع بعض، فقال: كان ينبغى للأفعال كلّها أن تكون مثالا واحدا، لأنها لمعنى واحد، ولكن خولف بين صيغها، لاختلاف أحوال الزمان، فإذا اقترن بالفعل ما يدلّ عليه، من لفظ أو حال/جاز وقوع بعضها فى موقع بعض.
قال أبو الفتح: وهذا كلام من أبى بكر عال سديد (5).
...

بيت
ومن يك باديا ويكن أخاه … أبا الضّحّاك ينتسج الشّمالا (6)
_________
(1) سورة المائدة 116.
(2) فرغت منه فى المجلس السابع. وقوله: «من البرّ» يروى «من الأمس» و «من الودّ».
(3) وهذا أيضا سبق فى المجلس السابع.
(4) فى الخصائص 3/ 331، وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الثانى والستين. وهذا الكلام عن وقوع الأفعال، بعضها موقع بعض، تقدم فى المجلسين: السابع والعاشر.
(5) فى ه‍: «بحال شديد» وتحت الحاء حاء صغيرة، علامة الإهمال. وهو تصحيف، صوابه فى الأصل، هنا، وفى المجلس الثانى والستين، ونضرة الإغريض ص 284، والخزانة 10/ 4، حكاية عن ابن الشجرى. ولم يرد هذا الكلام فى الموضع المذكور من الخصائص.
(6) نسبه السيوطىّ إلى زهير بن مسعود الضبى-جاهلى-مع بيتين منهما ذلك الشاهد السيّار: فخير نحن عند الناس منكم إذا الداعى المثوّب قال يالا -
(2/35)

الهاء فى قوله: «أخاه» عائدة إلى البدو الذى هو ضدّ الحضر، يقال: بدا فلان يبدو بدوا: إذا حلّ فى البرّ (1)، ودلّ على عود الهاء إلى البدو قوله: باديا، كما دلّ السفيه على السّفه، فأضمره القائل:
إذا نهى السفيه جرى إليه … وخالف والسّفيه إلى خلاف (2)
أى جرى إلى السّفه، ومثله قول القطامىّ:
هم الملوك وأبناء الملوك لهم … والآخذون به والسّاسة الأول (3)
أراد: والآخذون بالملك، فأضمره لدلالة الملوك عليه، ومثله فى التنزيل قوله جلّ وعزّ: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ} (4).
_________
= شرح شواهد المغنى ص 595. وهذان البيتان أنشدهما أبو زيد فى نوادره ص 185، ولم يذكر هذا الشاهد الثالث الذى معنا، ونبه على هذا البغدادى فى شرح أبيات المغنى 4/ 328، وأنشده عن ابن الشجرى، فى الخزانة 5/ 228.
(1) هكذا فى الأصل وه‍ «البرّ» مع ضبط الباء بالفتح والراء بالكسر والتشديد، وهو صحيح والبرّيّة من الأرضين بفتح الباء: خلاف الريفية. ويقال للبرّيّة: بادية؛ لأنها ظاهرة بارزة. ويأتى «البرّ» مرادفا «للبدو» جاء فى اللسان: «يقال: أفصح العرب أبرّهم. معناه: أبعدهم فى البرّ والبدو دارا». انظر منه مادة (برر-بدا). وجاء فى الخزانة-نقلا عن ابن الشجرى-الموضع السابق من طبعة شيخنا رحمه الله، وكذلك طبعة بولاق 2/ 384 «البدو». والراجح أنه تصحيف. والذى يؤكده أن السياق جاء فيه هكذا: «إذا حلّ فى البدو دل على عود الهاء» فهذه الواو واو الاستئناف، فلو كانت واو «البدو» لاحتاج إلى واو ثانية فى الفصيح، فقال: «إذا حلّ فى البدو ودلّ. . .» ومثل هذا التصحيف إنما يوقع فيه خداع السّياق.
(2) فرغت منه فى المجلس العاشر.
(3) وهذا مثل سابقه.
(4) سورة آل عمران 180. وجاء فى الأصل وه‍، هنا، وفى الأصل فى المجلسين التاسع والخمسين، والخامس والستين: «تحسبن» بالتاء الفوقية، وهى قراءة حمزة؟؟؟ ده. وقرأ باقى السبعة: يَحْسَبَنَّ بالياء من تحت،، وهذه القراءة هى التى يتجه إليها كلام ابن الشجرى، ومن قبله سيبويه 1/ 391، وجاء بحاشيته: «يقرأ بالتاء والياء، فمن قرأ بالتاء فتقديره: ولا تحسبنّ بخل الذين يبخلون، فحذف البخل، وأقام المضاف إليه مقامه وهو الذين، كما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ومعناه أهل القرية. ومن قرأ بالياء فتقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله البخل هو خيرا لهم. وفى هذه القراءة استشهاد سيبويه، وهي أجود القراءتين فى تقدير النحو؛ وذلك أن الذى يقرأ بالتاء يضمر البخل قبل أن يجرى لفظ يدلّ عليه، والذى يقرأ بالياء يضمر البخل، بعد ما ذكر يبخلون». -
(2/36)

قوله: {هُوَ خَيْراً لَهُمْ} هو: ضمير البخل، والبخل هو المفعول الأول، الذى يقتضيه {يَحْسَبَنَّ} وحسن حذفه لدلالة {يَبْخَلُونَ} عليه، وقوله:
{هُوَ} يسمّى عمادا عند الكوفيين، وفصلا عند البصريين.
ومثل ذلك فى إضمار المصدر الذى دلّ عليه فعله قوله تعالى: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} (1) أى يرض الشّكر، وكذلك أضمر المصدر فى قوله جلّ جلاله: {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً} (2) أى فزادهم قول الناس إيمانا.
ومما قدّر له فاعل من لفظه «بدا» فى قوله تعالى جدّه: {ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ} (3) التقدير: ثم بدا لهم بداء (4)، لا بدّ من تقدير هذا الفاعل، لأن الفعل مطالب بفاعله، ولا يصحّ إسناده إلى {لَيَسْجُنُنَّهُ} لأن إسناد الفعل إلى الفعل مستحيل، ولمّا لم يكن للفعل مندوحة عن إسناده إلى فاعل، أو ما يقوم مقام الفاعل، كالمفعول فى/نحو ضرب زيد، أسند بدا إلى الفاعل الذى أظهره الشاعر فى قوله (5):
لعلك والموعود حقّ لقاؤه … بدا لك فى تلك القلوص بداء
_________
= وقال أبو جعفر النحاس عن قراءة التاء «تحسبن» التى قرأ بها حمزة، إنها بعيدة جدا. إعراب القرآن 1/ 381. وانظر معانى القرآن للفراء 1/ 104،248، وللزجاج 1/ 492،493. وتفسير الطبرى 7/ 431، ونصر قراءة التاء هذه، والسبعة ص 220، والكشف 1/ 366، ومشكل إعراب القرآن 1/ 168، والبحر 3/ 128، وتفسير القرطبى 4/ 290.
(1) سورة الزمر 7.
(2) سورة آل عمران 173.
(3) سورة يوسف 35.
(4) وإلى هذا ذهب المبرد. راجع مشكل إعراب القرآن 1/ 430، والبيان 2/ 41، وتفسير القرطبى 9/ 186، وانظر كتاب الشعر وحواشيه صفحات 225،442،506،507،512.
(5) هو محمد بن بشير الخارجى-نسبة إلى خارجة بن عدوان بن عمرو-من شعراء الدولة الأموية. انظر شعره ص 171، ضمن شعراء أميون، الجزء الثالث، ونسب إلى الشماخ. ملحق ديوانه ص 427، وانظر كتاب الشعر ص 225، ومعجم الشواهد ص 20.
(2/37)

وألسن العرب متداولة [له (1)] فى قولهم: بدا لى فى هذا الأمر بداء، أى تغيّر رأيى عمّا كان عليه، ويقال: فلان ذو بدوات: إذا بدا له الرأى بعد الرأى.
وقوله: «أبا الضحّاك» نصب على النداء، فكأنه قال: ومن يك باديا ويكن أخا البدو، يا أبا الضّحّاك، وجعله أخا البدو، كقولك: يا أخا العرب، ويا أخا الحضر.
وإنما قال: ومن يك باديا، ثم قال: ويكن أخا البدو، لأنه قد يحلّ فى البدو من ليس من أهل البدو، فيسمّى باديا ما دام مقيما فى البدو.
فأما الشّمال فقد جاءت فى العربية على معان، منها اليد الشّمال، ومنها خليقة الإنسان، وجمعها شمائل، يقال: فلان كريم الشمائل، أى كريم الخلائق، قال عنترة (2).
وكما علمت شمائلى وتكرّمى
وقد جمعت اليد الشّمال أيضا على الشّمائل، فى قوله جلّ اسمه: {يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ} (3) وجمعت على الأشمل، فى قول الراجز (4):
يبرى لها عن أيمن وأشمل
يبرى لها: يعرض لها.
والشّمال: وعاء كالكيس يجعل فيه ضرع الشاة، يحفظ به، يقال:
_________
(1) ليس فى ه‍ والخزانة.
(2) ديوانه ص 149، وهو من معلقته الشهيرة، وصدره: وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى
(3) سورة النحل 48.
(4) أبو النجم العجلى. من أرجوزته العالية. انظر الطرائف الأدبية ص 55، والكتاب 1/ 221، 3/ 290،607، والخصائص 2/ 130،3/ 68، والإنصاف ص 406، واللسان (شمل-يمن) وغير ذلك مما تراه فى معجم الشواهد ص 526.
(2/38)

شملت الشاة: أى جعلت لها شمالا، وهذا هو المراد هاهنا.
وينتسج: يفتعل، من قولك: نسجت الثوب، فالمعنى: من يكن من أهل البدو يمارس ما يحتاج إليه الغنم.

بيت
إنّ هند الكريمة الحسناء … وأي من أضمرت لوأى وفاء (1)
إنّ: هاهنا فعل أمر من قولهم: وأيت، أي وعدت، وهو موجّه إلى امرأة، وقد أكّد بالنون الثقيلة، فأصله: إى (2)، كما تقول إذا أمرتها من وفيت: فى بقولك، ومن/وعيت: عى كلامى، ولمّا اتّصل بالنون أوجب ذلك إسقاط الياء، لالتقاء الساكنين، فقيل: إنّ، كما تقول من الوفاء: فنّ بما تقولين.
وأما «هند» فضمّتها بناء، لأنها مناداة، وحذف حرف النداء، كما حذف من قوله تعالى: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} (3)
وقوله: «الكريمة الحسناء» صفتان، ووجه نصبهما أنهما محمولتان على الموضع، لأن المنادى المفرد المعرفة يجوز فى صفته المفردة المعرّفة بالألف واللام، النصب حملا على الموضع، لأن النصب الذى ظهر فى قولك: يا عبد الله، ويا مكرما زيدا، ويا غلاما هلمّ، إذا لم ترد غلاما بعينه، محكوم به على موضع زيد فى قولك:
يا زيد، ويجوز فى صفته الرفع، حملا على اللفظ، لأن ضمّته وإن كانت بناء، تشبه ضمة الإعراب، لاطّرادها فى كل اسم منادى مفرد معرفة، كاطّراد الضمّة فى كلّ
_________
(1) البيت من غير نسبة فى الإفصاح ص 64، والمغنى ص 19،39، وشرح أبياته 1/ 57، ونسب مع ثلاثة أبيات أخر إلى يوسف بن أحمد، أبى يعقوب الدباغ الصقلى-وكان من كبار نحاة المغرب- فى إنباه الرواة 4/ 64، وكذلك نسبه السيوطى مع بيت ثان فى البغية 2/ 356، ولم يذكره فى شرح شواهد المغنى، ونسبه ابن أم قاسم إلى بعض المتأخرين من غير تعيين. الجنى الدانى ص 401.
(2) راجع سر صناعة الإعراب ص 821،829.
(3) سورة يوسف 46.
(2/39)

اسم مبتدأ مسند إليه خبر، فتقول على هذا: يا زيد الطويل، فتصفه بالمرفوع رفعا صريحا، لما ذكرته لك، وإن شئت الطويل، تنصبه، كما نصب جرير صفة عمر، فى قوله يمدح عمر بن عبد العزيز:
يعود الفضل منك على قريش … وتفرج عنهم الكرب الشّدادا (1)
وتبنى المجد يا عمر بن ليلى … وتكفى الممحل السّنة الجمادا
فما كعب بن مامة وابن سعدى … بأجود منك يا عمر الجوادا
كان كعب بن مامة الإيادىّ، وأوس بن حارثة بن لام الطائىّ، وأمّه سعدى، من سادات أجواد العرب فى الجاهلية.
وقوله: «وأي من أضمرت» نصب على المصدر، لأن المعنى: إى وأى من أضمر الوفاء، أى عدى عدة وفيّة.
وهذا البيت والذى قبله من الأبيات المصنوعة لرياضة المبتدئين، لا تزال تداولها ألسن الممتحنين.
وإنما قال: «من أضمرت» فأنّث، لأن «من» لفظة موغلة/فى الإبهام، تقع لشدّة إبهامها على الواحد المذكّر والمؤنّث، وعلى الاثنين، وعلى الجماعة ذكورا، والجماعة إناثا، فعود الضمير إليها مفردا مذكّرا حمل على اللفظ، وعوده مؤنّثا أو مثنّى أو مجموعا، على المعنى، فعلى المعنى قال: «وأي من أضمرت» كأنه قال:
وأي امرأة أضمرت، وجاء على التثنية قول الفرزدق (2):
_________
(1) ديوانه ص 118،120، والبيت الثالث-وهو محلّ الشاهد-أنشده ابن الشجرى فى المجلس الثالث والسبعين، وهو فى المقتضب 4/ 208، والأصول 1/ 369، والجمل ص 154، والتبصرة ص 340، والمغنى ص 19، وشرح أبياته 1/ 63، وغير ذلك مما تراه فى حواشى ما ذكرت.
(2) ديوانه ص 870، وصدر البيت: تعش فإن عاهدتنى لا تخوننى
(2/40)

نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وجاء على الجمع فى التنزيل قوله تعالى: {وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ} (1) وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} (2) وعلى اللفظ قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} (3) وجاء على اللفظ ثم على المعنى قوله: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ} (4) ومثله: {مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (5).
...
_________
= وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الرابع والسبعين، وهو شاهد سيار، تراه فى الكتاب 2/ 416، والمقتضب 2/ 295،3/ 253، وطبقات فحول الشعراء ص 366، والأصول 2/ 397، وتفسير الطبرى 2/ 150، وهو فى غير كتاب. انظر كتاب الشعر ص 315،316، وحواشيه.
(1) سورة الأنبياء 82.
(2) سورة يونس 42، وانظر الكتاب 2/ 40،415.
(3) سورة الأنعام 25.
(4) سورة الأحزاب 31، وانظر شرح القصائد التسع لأبى جعفر النحاس ص 475.
(5) سورة البقرة 62.
(2/41)

فصل
اقتضاه ذكر «إنّ» فى أول البيت المذكور آنفا
اعلم أنّ «إنّ» المكسورة المشدّدة على ضربين: لغويّ وصناعيّ، فمن اللّغوىّ المؤكّدة الداخلة على الجملة، ومنه المستعملة جوابا بمعنى نعم، في نحو قوله:
قالوا غدرت فقلت إنّ وربّما … نال المنى وشفى الغليل الغادر (1)
ومنه قولك: إنّ يا هذا، إذا أمرته بالأنين، ومن ذلك قولك: إنّ ذاهب، تريد: إن أنا ذاهب، فهذه إن النافية التى فى قوله تعالى: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا} (2) أى ما عندكم، خفّفت (3) همزة «أنا» بإلقاء فتحتها على نون «إن» ثم حذفتها فصار «إن نا» ذاهب، فتوالى مثلان متحرّكان، فأسكنت الأوّل وأدغمته.
ومن ضروبها أنهم قالوا: أنّ الماء في الحوض [يؤنّه (4)] أنّا، إذا صبّه، فإن بنيته للمفعول قلت: قد أنّ الماء، وإن كسرت أوّله على قول من كسر أول الفعل المبنيّ للمفعول، من/المضاعف، نحو شددت الحبل، وقددت الجلد، فقال: قد شدّ الحبل وقد الجلد، والأصل: شدد وقدد، فنقلوا الكسرة إلى أوله، وأدغموا المثل فى المثل، كما قالوا فى المعتلّ العين: قيل القول، وغيض الماء، والأصل: قول وغيض -قلت على هذا: إنّ الماء، أى صبّ، ومنه قراءة من كسر فقال: {وَلَوْ رُدُّوا}
_________
(1) البيت من غير نسبة فى إعراب القرآن للنحاس 2/ 344، وتفسير القرطبى 11/ 218 [فى تفسير الآية 63 من سورة طه] وشرح المفصل 3/ 130، وأنشده البغدادى فى الخزانة 11/ 215، وشرح أبيات المغنى 1/ 190، عن ابن الشجرى. ويأتى فى المجلس التالى.
(2) سورة يونس 68.
(3) ذكره ابن هشام فى المغنى ص 24،39، وفيه «فحذفت همزة أنا اعتباطا».
(4) سقط من ه‍.
(2/42)

{لَعادُوا} (1) وهذا الوجه والذى قبله يتجاذبهما اللغوىّ والصناعىّ.
«وإنّ» من قوله:
إنّ هند الكريمة الحسناء
صناعىّ لا غير.
...
_________
(1) سورة الأنعام 28، وقرأ بكسر الراء يحيى بن وثّاب والأعمش. وغيرهما. تفسير القرطبى 6/ 410، والبحر 4/ 104، والإتحاف ص 207.
(2/43)

مسألة
سئلت عن قول فقيه، ناظر فقيها، فقال فى مناظرته: العشر والخراج مئونة فلا يجتمعان، فأنكر مناظره قوله «مئونة»، وقال: يجب أن يقال: مئونتان.
فأجبت بأن ذلك جائز من وجهين، أحدهما أن العشر والخراج ينزّلان منزلة شيء واحد، لاتّفاقهما فى أنهما من الحقوق السّلطانيّة، فجاز أن يخبر عنهما بخبر مفرد، ونظير ذلك قول حسّان (1):
إنّ شرخ الشّباب والشّعر الأس‍ … ود ما لم يعاص كان جنونا
قال: «ما لم يعاص» فأفرد الضمير، وإن كان لاثنين، وذلك لأن كلّ واحد منهما بمنزلة الآخر، فجريا مجرى الواحد، ألا ترى أن شرخ الشباب هو اسوداد الشّعر، ولولا أنهما لاصطحابهما صارا بمنزلة المفرد، كان حقّ الكلام أن يقال:
يعاصيا.
وأشدّ من هذا القول قول القائل (2) يصف رجلا متعرّبا (3) فى فلاة:
أخو الذّئب يعوى والغراب ومن يكن … شريكيه يطمع نفسه شرّ مطمع
جعل الذئب والغراب بمنزلة الواحد، فأعاد إليهما ضميرا مفردا؛ لأنهما (4) كثيرا
_________
(1) ديوانه ص 236، وتخريجه فيه. وزد عليه تأويل مشكل القرآن ص 288، وكتاب الشعر ص 316، وما فى حواشيهما، والمقرب 1/ 235، وشرح الجمل 1/ 247،453.
(2) القائل امرأة تسمّى «غضوب»، وهى من رهط ربيعة بن مالك أخى حنظلة. نوادر أبى زيد ص 371، وكتاب الشعر ص 316، والخصائص 2/ 423، والمحتسب 2/ 180.
(3) فى ه‍: «معربا». والمتعرّب: المقيم مع الأعراب بالبادية.
(4) بعض هذا الكلام لابن جنى، راجع الموضع السابق من المحتسب.
(2/44)

ما يصطحبان فى الوقوع على الجيف، ولولا ذلك كان حقّه أن يقول: ومن/يكونا شريكيه، فهذا أشدّ من الإفراد فى بيت حسّان، لأنه أفرد المضمر فى «يكن» وجاء بالخبر مثنّى، فهذا أحد القولين فى المسألة.
والقول الآخر: أن يكون قوله: «مئونة» خبرا عن العشر وحده، وخبر الخراج محذوف، لدلالة الخبر الأوّل عليه، كأنه قال: العشر مئونة والخراج مئونة، فحذف خبر الثانى، وإن شئت قدّرت خبر الأول محذوفا، كما قال (1):
نحن بما عندنا وأنت بما … عندك راض والرأى مختلف
أراد: نحن بما عندنا راضون، فحذفه لدلالة راض عليه، ومثل ذلك فى حذف أحد الخبرين فى التنزيل قوله: {وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} (2) قال:
يرضوه، ولم يقل: يرضوهما، لأن الضمير عاد إلى أحد المبتدأين، إن شئت أعدته إلى اسم الله تعالى، وإن شئت أعدته إلى رسوله (3) [ومذهب صاحب الكتاب أن الضمير عائد إلى رسوله] لأنه أقرب الاسمين إليه، والخبر عن الله سبحانه محذوف، ويصحّ هذا التقدير فى بيت حسّان، ولا يصحّ فى البيت الآخر، لمجيء الضمير فى «يكن» مفردا، ومجىء الخبر مثنّى، فيصحّ: إنّ شرخ الشباب ما لم يعاص كان جنونا، والشّعر الأسود كذلك، ولا يصح: ومن يكن الذئب شريكيه، فلا يحمل الذئب والغراب إلاّ على الاتّحاد، لكثرة الاصطحاب.
وممّا جاء فى التنزيل نظير المسألة، حذو القذّة (4) بالقذّة، قوله جلّ وعزّ:
_________
(1) تقدم فى المجلس السابق.
(2) سورة التوبة 62، وانظر تعليقى على هذه الآية فى المجلس السابق.
(3) سقط من ه‍. وانظر مذهب سيبويه فى الكتاب 1/ 74، وإن لم يستشهد بالآية الكريمة. وانظر إعراب القرآن للنحاس 2/ 28، وتفسير القرطبى 8/ 193.
(4) القذّة، بضم القاف وتشديد الذال: ريش السّهم. وقذّ الريش: قطع أطرافه وحذفه، على نحو التدوير والتسوية. وفى الحديث: «لتركبنّ سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة» قال ابن الأثير: يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان. النهاية 4/ 28، والمراد: كما تقدّر كلّ واحدة منهما على قدر صاحبتها وتقطع.
(2/45)

{الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا} (1) جاء الخبر مفردا، لاتفاق المال والبنين فى التزيين، كاتّفاق العشر والخراج، فى كونهما حقّين سلطانيّين، وإن شئت كان على حذف أحد الخبرين، وقد جاء فيما شذّ من القراءات (2): «زينتا الحياة» بألف، على التثنية.
...
_________
(1) سورة الكهف 46.
(2) لم أجده فى المحتسب فى شواذّ القراءات، ولا فى مختصر ابن خالويه فى الشّواذّ. وقال القرطبى 10/ 413: ويجوز «زينتا» وهو خبر الابتداء، فى التثنية والإفراد.
(2/46)

مسألة
سئل عن قول الله عز وجل: {ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها /وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ} (1).
فقيل: ما معنى {اِسْتَوى} وكيف كان قول الله لهما، وقولهما له، هل كان كخطاب بعضنا لبعض، وكيف جاء {قالَتا} على التثنية، وكذلك {أَتَيْنا} وجاء {طائِعِينَ} على الجمع، وكيف جاء طائعين دون طائعات، مع تأنيث السماء والأرض؟
الجواب: أن معنى استوى: عمد وقصد (2).
وأما التثنية فى {قالَتا} وفى قوله: {اِئْتِيا} فإنّ الضميرين عادا مثنّيين إلى لفظ السماء والأرض، لأنّ لفظهما لفظ الآحاد، وإن كان معناهما على الجمع، لأن السماء جمع سماوة، كحمام وحمامة، وسحاب وسحابة، ألا ترى أنه قد جاء وصف السحاب بالجمع فى قوله: {وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ} (3) وإن كان قد جاء وصفه (4) بالواحد فى قوله: {وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ} (5) فالسّحاب والحمام والنخل والشجر، وما أشبههنّ مما وقع الفرق بينه وبين واحده بتاء التأنيث، فليست بجموع حقيقية، وإنما هنّ أسماء للجمع، فلذلك يجوز فيها التذكير والتأنيث، كقوله: {أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} (6) و {أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ} (7) ويدلّك على
_________
(1) سورة فصلت 11.
(2) ذكره الشوكانى فى فتح القدير 5/ 507.
(3) سورة الرعد 12. وراجع ما تقدم فى المجلس الثانى عشر، وما يأتى فى المجلس الثانى والسبعين.
(4) فى ه‍: «لفظه». والصواب فى الأصل، هنا وفى المجلس الثانى السبعين.
(5) سورة البقرة 164.
(6) سورة القمر 20.
(7) سورة الحاقة 7.
(2/47)

أن السماء من هذا الباب تقع على جماعة قوله {ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ} (1) وكذلك قوله: {فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ} (2) بعد قوله: {ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ}.
وأما الأرض هاهنا فهى من الآحاد التى استغنى بلفظها عن لفظ الجمع، كقوله تعالى: {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} (3) وكقوله: {وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ} (4) و {فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ} (5) وكقول الشاعر:
كلوا فى نصف بطنكم تعفّوا … فإنّ زمانكم زمن خميص (6)
فالمراد بالأرض هاهنا سبع أرضين، يدلّك على ذلك قوله تعالى: {اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} (7) فالسماء والأرض هاهنا تجريان/مجرى الفرقتين أو الفريقين، تقول: الفرقتان قالتا، والفريقان قالا، ولو قلت: الفرقتان قالوا، كان حسنا، كما قال تعالى: {وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا} (8).
وجاء قوله: {طائِعِينَ} جمعا منصوبا على الحال من السماء والأرض، حملا
_________
(1) سورة البقرة 29.
(2) سورة فصلت 12.
(3) سورة غافر 67، وانظر سورة الحج 5.
(4) سورة التحريم 4.
(5) سورة القمر 54.
(6) غير معروف القائل مع كثرة دورانه فى الكتب، وانظره فى الكتاب 1/ 210، ومعانى القرآن للفراء 1/ 307،2/ 102، وللأخفش ص 231، وللزجاج 5/ 93، والمقتضب 3/ 241، والأصول 1/ 313، وإعراب القرآن للنحاس 3/ 89، وتفسير الطبرى 1/ 361، والصاحبى ص 348، والمحتسب 2/ 87، والكشاف 1/ 164، وشرح المفصل 5/ 8،6/ 21 - 22، وشرح الجمل 1/ 564،2/ 444، وضرائر الشعر ص 252، والبسيط ص 523، والهمع 1/ 50، والخزانة 7/ 537،559، وغير ذلك. وأعاده ابن الشجرى فى المجالس: الثامن والأربعين، والتاسع والأربعين، والسابع والسبعين. والخميص: الجائع. والشاهد فيه ذكر البطن، والمراد البطون. وهو وضع المفرد موضع الجمع.
(7) سورة الطلاق 12.
(8) سورة الحجرات 9، وراجع معانى القرآن للفراء 2/ 220.
(2/48)

على المعنى، كما تقول: جاء الفريقان متسلّحين، وجاء الجيشان متفرّقين.
وأما مجىء الحال أعنى طائعين، بلفظ جمع التذكير، ففيه قولان:
أحدهما: أن الأشياء التى أخبر (1) [الله عنها بأنها خوطبت وخاطبت، كالسماء والأرض، والأشياء التى أخبر] عنها بالسجود، فى قوله: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ} (2) والنملة التى أخبر الله عنها بأنها تكلّمت فقالت: {يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ} (3) والنّمل التى فهمت ذلك الكلام، أجريت كلّها مجرى العقلاء، لأن الخطاب والإجابة عنه مما يختصّ به العقلاء، وكذلك السجود والكلام وفهمه، ممّا يوصف به ذوو العقول، فلذلك قال: طائعين، ولم يقل: طائعات، وقال: {رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ}، ولم يقل: رأيتها لى ساجدات، وقال فى خطاب النملة (4) [للنمل] {اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ} ولم يقل: ادخلن مساكنكنّ لا يحطمنّكنّ.
والقول الآخر فى طائعين: أن المراد أتينا نحن ومن فينا طائعين، والقول الأول أشبه.
وأما قوله: {طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} فطوعا وكرها مصدران، وضعا فى موضع الحال، كقولك: جئته ركضا (5) [أى راكضا] وقتلته صبرا، أى مصبورا، والمصبور المحبوس، قال عنترة:
فصبرت عارفة لذلك حرّة … ترسو إذا نفس الجبان تطلّع (6)
_________
(1) سقط من ه‍.
(2) سورة يوسف 4.
(3) سورة النمل 18.
(4) سقط من ه‍.
(5) وهذا أيضا سقط من ه‍.
(6) تقدم فى المجلس الثانى والعشرين.
(2/49)

أى حبست عن الفرار نفسا حرّة، تثبت إذا تطلّعت أنفس الجبناء، فالتقدير: ائتيا طائعتين أو كارهتين.
وقوله: {طَوْعاً} مصدر طعت طوعا، كقولك: عدت/عودا، ودرت دورا، وهو بمعنى أطعت إطاعة.
وأمّا القول فإن العرب قد تصرّفت فيه على معان، فمنها أنهم نزّلوه بمنزلة الكلام، فعبّروا به عن الصوت والحرف، وفرّق النحويون بينه وبين الكلام، فقالوا:
إن الكلام يتناول المفيد خاصّة، والقول يقع على المفيد وغير المفيد، فهو أعمّ، لأن كلّ كلام قول، وليس كلّ قول كلاما.
ومن معانى القول: أنهم عبّروا به عن حديث النّفس، فقالوا: قلت فى نفسى كذا وكذا، ومن هذا الضّرب فى التنزيل: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ} (1) والكلام لا يكون إلا بحرف وصوت، فلذلك لا يجوز: تكلّمت فى نفسى، كما جاز: قلت فى نفسى.
ومنها: أنهم استعملوه بمعنى الاعتقاد والرأى، فقالوا: هذا قول الخوارج، أى اعتقادهم ورأيهم.
ومنها: أنهم استعملوه بمعنى الحركة والإيماء بالشىء، فقالوا: قال برأسه كذا فنطحنى، وقال بيده كذا فطرف عينه، وقالت النخلة هكذا (2) فمالت، فعبّروا بالقول عن الفعل الذى هو حركة.
وقد أسندوا القول إلى مالا يصحّ منه نطق من (3) الجمادات وغيرها، كقول الراجز:
_________
(1) سورة المجادلة 8.
(2) فى ه‍: «وقالت النخلة كذا تمايلت». وفى شرح الشواهد الكبرى للعينى 1/ 362: «كذا أى مالت». وقد ذكر العينىّ الأقوال الخمسة التى أوردها ابن الشجرى، بألفاظه، ولم ينسبها إليه. وانظر معانى أخرى للقول فى النهاية 4/ 123،124.
(3) فى ه‍: كالجمادات.
(2/50)

امتلأ الحوض وقال قطنى … سلاّ رويدا قد ملأت بطنى (1)
وإنما أراد أن الحوض لما امتلأ فلم تبق فيه سعة لزيادة، عبّر عنه بأنه قال:
قطنى، أى حسبى، فسلّ الماء منى سلاّ رفيقا، فقد ملأت بطنى، وإنما أراد أنه لو كان للحوض عقل وصحّ منه نطق، لقال هذا القول، ومثله قول الآخر:
فقالت له العينان سمعا وطاعة … وحدرتا كالدّرّ لمّا يثقّب (2)
المعنى أنه لما أراد انهمال عينيه بالدمع، فوافق انهمالهما إرادته، عبّر عن ذلك بالقول تشبيها، فكأنه قال لهما: انهملا فقالتا سمعا وطاعة، وكذلك القول/ فى الآية، وهو أن الله جلّ جلاله، عمد إلى السماء وهى دخان، وإلى الأرض وهى زبد، فأراد أن يكوّنهما على غير الوصفين اللذين كانتا عليهما، فتكوّنتا بإرادته، على الوصفين اللذين هما الآن عليهما، فعبّر عن إرادته بأنه قال لهما: ائتيا طوعا أو كرها، وعبّر عن انقيادهما لمشيئته، بأنهما قالتا: أتينا طائعين.
_________
(1) الكامل ص 615، وتفسير الطبرى 2/ 546، والخصائص 1/ 23، واللامات للزجاجى ص 152، ومجالس ثعلب ص 158، والإنصاف ص 130، وشرح المفصل 2/ 131،3/ 125، وشرح الشواهد الكبرى 1/ 361، وشرح الأشمونى 1/ 125، واللسان (قطط-قول) والشطران أعادهما ابن الشجرى فى المجلس التاسع والخمسين. وقول الراجز «ملأت» ضبطت فى بعض الكتب بفتح التاء. وجاء بهامش الكامل عن نسخة مخطوطة منه: «ملأت بضمّ التاء لا غير». وهذه النسخة المخطوطة المرموز لها بالرمز (ى) نسخة قديمة ودقيقة، كتبت سنة (537)، انظر وصفها فى مقدمة تحقيق الكامل ص 22.
(2) الخصائص 1/ 22، واللسان (قول).
(2/51)

المجلس التاسع والثلاثون
اسم الفاعل (1) إذا جرى على غير من هوله
، خبرا أو وصفا، لزمك إبراز ضمير المتكلّم والمخاطب والغائب، مخافة اللّبس، وليس كذلك الفعل؛ لأن ما فى أوائل الأفعال المضارعة، من الزوائد الدالّة على المتكلّمين والمخاطبين والغائبين، وما يتّصل بأواخر الأفعال الماضية، من الضمائر الموضوعة لهؤلاء الفرق الثلاث، يمنع من اللبس، كقولك فى المضارع، إذا عنيت نفسك أو مخاطبا: زيد أكرمه، وجعفر تكاتبه، وفى الماضى: زيد أكرمته، وجعفر كاتبته، ألا ترى أن هذا كلام غير مفتقر إلى إبراز الضمير، الذى هو أنا وأنت، لدلالة حرف المضارعة عليهما، وللاستغناء فى الماضى بتاء المتكلم وتاء المخاطب عنهما، ولو قلت: زيد مكرمه، وجعفر مكاتبه، لم يدلّ مكرمه ومكاتبه على ما دلّ عليه أكرمه وتكاتبه، وأكرمته وكاتبته، فلزمك أن تقول: مكرمه أنا، ومكاتبه أنت، ولو قلت: زيد مكرمى، وجعفر مكاتبك، لم يلزمك إبراز المضمر (2) فيه، لأنه قد جرى خبرا على من هوله، وكذلك تقول: زيد نكرمه، وجعفر أكرمناه، فلا تضطرّ إلى إبراز الضمير، فإن قلت: زيد مكرموه، وجب أن تقول: نحن.
وكذلك قولك: زيد تكرمونه، كلام مستقيم، فإن وضعت فى موضع تكرمونه اسم الفاعل، قلت: مكرموه أنتم.
_________
(1) أصل هذا المبحث عند المبرد فى المقتضب 3/ 93، وعزاه ابن منظور فى اللسان (حقق) لأبى الحسن الأخفش، وقد أفرد له أبو البركات الأنبارى المسألة الثامنة من الإنصاف ص 57، وقد عولج فى غير كتاب. انظر حواشى المقتضب والإنصاف.
(2) فى ه‍: الضمير.
(2/52)

وتقول فى إضمار الغائب: زيد جعفر مكرمه هو، فزيد (1) مبتدأ وجعفر مبتدأ ثان، أخبرت عنه باسم الفاعل، الذى هو مكرمه، /واسم الفاعل لزيد، فلزمك إبراز الضمير، مخافة الالتباس، فإن كان مكرمه لجعفر، لم يلزمك إبراز الضمير، لأنك أخبرت به عمّن هوله.
والفعل فى هذه المسألة بمنزلة اسم الفاعل، تقول: زيد جعفر يكرمه هو، إذا جعلت يكرمه لزيد، وزيد جعفر يكرمه، إذا جعلته لجعفر.
وتقول: هند زيد تكرمه، فلا تبرز ضميرها المستتر فى الفعل، فإن قلت:
هند زيد مكرمته، قلت: هى، فأبرزت ضميرها، كما أبرزت ضمير زيد، فى قولك: زيد جعفر مكرمه هو.
فإن قيل: إنّما أبرزنا المضمر (2) فى قولنا: زيد جعفر مكرمه هو، مخافة اللّبس، وليس فى قولنا: هند زيد مكرمته، لبس، لأن تأنيث اسم الفاعل يشهد بأنه لهند، كما يشهد التأنيث فى قولنا: هند زيد تكرمه.
فالجواب: أنه لما لزمنا إبراز الضمير من اسم الفاعل فيما يخاف فيه اللّبس، أبرزناه فيما لا يخاف اللّبس فيه، ليستمرّ بابه على قياس واحد، ألا ترى أنهم حذفوا الواو من مضارع وعد، لوقوعها بين ياء وكسرة، فقالوا: يعد، ثم حملوا الهمزة والنون والتاء على الياء، فقالوا: أعد ونعد وتعد، وليس فيهنّ مع الكسرة ما فى الياء من الثّقل، ولكنهم أرادوا أن يستمرّ الباب على سنن واحد، ومثل هذا استثقالهم اجتماع الهمزتين فى مضارع أفعل، نحو أكرم وأحسن، كرهوا أن يقولوا: أأكرم، كما قالوا:
_________
(1) فى ه‍: «زيد جعفر مكرمه هو فزيد مبتدأ ثان أخبرت عنه. . .» وأراد مصحح الطبعة الهندية أن يصلحها فجعلها «زيد جعفر مكرمه هو فجعفر مبتدأ ثان. . .» وهو خطأ أيضا.
(2) فى ه‍: الضمير.
(2/53)

أدحرج، فحذفوا الهمزة، فأصاروه إلى أكرم (1)، واعتمدوا حذفها مع بقيّة حروف المضارعة، فقالوا: نكرم وتكرم ويكرم، مع عدم الثّقل الذى كرهوه فى اجتماع الهمزتين.
وتقول فى الوصف باسم الفاعل: مرّ زيد بامرأة مكرم لها هو، ومرّت هند برجل مكرمة له هى، فإن استعملت فى موضعه الفعل قلت: مرّ زيد بامرأة يكرمها، ومرّت هند برجل تكرمه، فلم تحتج إلى إبراز الضمير من الفعل، وتقول فى التثنية: مرّ/الزيدان بامرأتين مكرمين لهما هما، وفى الجمع: مرّ الزيدون بنساء مكرمين لهنّ هم، ومرّت الهندات برجال مكرمات لهم هنّ.
وإذا عرفت هذا، فاعلم أن قول النحويين: أبرزت الضمير، يريدون أخليت اسم الفاعل من المضمر المستكنّ فيه، وأسندته إلى هذا الضمير الملفوظ به، فنزّلته منزلة الفاعل الظاهر، فليست هذه الضمائر كالضمائر المؤكّدة للضمائر المستكنّة، كقولك: زيد منطلق هو، وهند جالسة هى، والهندان جالستان هما، والقوم جالسون هم، والهندات جالسات هنّ، وكذلك حكم الفعل الذى يبرز فاعله، إذا قلت: زيد جعفر يكرمه هو، فجعلت يكرمه لزيد، وذلك لأنك أخبرت به عن غير من هو له، فهو الآن خال من ضمير مستكنّ، واسم المفعول حكمه فى هذا الإضمار حكم اسم الفاعل، تقول: هند زيد محمولة إليه هى، وزيد هند محمول إليها هو.
قال أبو إسحاق الزّجّاج، فى قول الله عز وجل: {إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ} (2): غير منصوبة على الحال، المعنى إلا أن يؤذن لكم غير
_________
(1) هذا من الصحاح (كرم) وانظر المقتضب 2/ 96، وهو باب معروف من الصرف. انظر: كلامهم على الشاهد: فإنه أهل لأن يؤكرما معجم الشواهد ص 531.
(2) سورة الأحزاب 53. وكلام الزجاج فى كتابه معانى القرآن وإعرابه 4/ 234.
(2/54)

منتظرين، قال: «ولا يجوز الخفض فى غير، لأنها إذا كانت نعتا لطعام، لم يكن بدّ من إظهار الفاعل، فلا يجوز إلاّ: غير ناظرين إناه أنتم». أراد أن غيرا مضاف إلى اسم الفاعل، فلو وصف به الطعام أجرى (1) على غير من هو له، فوجب إبراز الضمير الذى فى ناظرين.
ومعنى إناه: نضجه (2) وبلوغه، يقال: أنى يأنى إنى: إذا نضج وبلغ، وقد جاء نظرت بمعنى انتظرت، وهذا منه، ومنه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} (3) أى ينتظرون.
واعلم أن الكوفيين خالفوا البصريين، فى التزام إبراز الضمير إذا جرى على غير من هو له، خبرا أو نعتا، واحتجّوا بقول الأعشى (4):
وإنّ امرأ أسرى إليك ودونه … من الأرض موماة ويهماء سملق
_________
(1) قال مثل هذا الزمخشرى فى الكشاف 3/ 270، وانظر مشكل إعراب القرآن 2/ 200، فقد بسط مكىّ الكلام فيه، والبيان لأبى البركات 2/ 272، والتبيان للعكبرى ص 1060.
(2) بلسان أهل المغرب. قاله الزركشى فى البرهان 1/ 288، وذكر السّيوطى فى كتابه المهذب فيما وقع فى القرآن من المعرب، ص 74 «قال شيذلة فى البرهان: إناه نضجه، بلسان أهل المغرب، وقال أبو القاسم فى لغات القرآن: بلغة البربر». ويرى مكى أن «إناه» مقلوب عن «آن» قال: «إناه ظرف زمان، أى وقته، وهو مقلوب من «آن» الذى بمعنى الحين، قلبت النون قبل الألف، وغيرت الهمزة إلى الكسر، فمعناه: غير ناظرين آنه، أى حينه، ثم قلب وغيّر على ما ذكرنا». وقيل إن «آن» مقلوب عن «أنى»، وردّه بعضهم، جاء فى اللسان «آن الشىء أينا: حان، لغة فى «أنى» وليس بمقلوب عنه لوجود المصدر، وقال: ألمّا يئن لى أن تجلّى عمايتى وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا فجاء باللغتين جميعا». اللسان (أين-أنى) والمصباح (أنى).
(3) سورة الزخرف 66.
(4) ديوانه ص 223، والتصحيف والتحريف ص 306، والموشح ص 72، والإنصاف ص 58، والخزانة 3/ 252،5/ 291، واللسان (حقق). والبيت الثانى، وهو موضع الاستشهاد فى البصريات ص 526، ومقاييس اللغة 2/ 18.
(2/55)

لمحقوقة أن تستجيبى لصوته … وأن تعلمى أنّ المعان موفّق
قالوا: وقد أجرى اسم المفعول، وهو قوله: «لمحقوقة» على اسم إنّ، خبرا، وهو للمرأة (1) المخاطبة.
ودفع أبو علي هذا الاعتراض، بأن قال: ليس فى قوله: «لمحقوقة» ضمير، لأنه مسند إلى المصدر، الذى هو «أن تستجيبى» فالتقدير: لمحقوقة استجابتك، فجعل التأنيث فى قوله: «لمحقوقة» للاستجابة.
والموماة: الأرض التى ليس فيها ماء.
واليهماء: التى لا طريق بها (2)
والسّملق: الأرض المستوية، ويقال أيضا: عجوز سملق: إذا كانت سيّئة الخلق.
... قال أبو علي فى باب تخفيف الهمزة (3): «ولا تخفّف الهمزة إلاّ فى موضع يجوز أن يقع فيه ساكن غير مدغم، إلا أن يكون الساكن الذى بعده (4) الهمزة المخفّفة الألف، نحو هباءة».
_________
(1) بحاشية الأصل: «صوابه: وهو للناقة المخاطبة». وقال البغدادى فى الموضع الأول من الخزانة: «والكاف من إليك مكسورة؛ لأنه خطاب مع ناقته» وحكى فى الموضع الثانى ما ذكره ابن الشجرى، من أن المعنى للمرأة للمخاطبة، لكنه قال فى 5/ 295، بعد أن ذكر للبيت رواية أخرى: وإن امرأ أهداك بينى وبينه فياف تنوفات ويهماء سملق قال: «فالمراد من المرء ممدوحه، والخطاب لناقته المذكورة، وكان ممدوحه أهداها له، فالكلام على هذه الرواية من أوله إلى هنا خطاب لناقته، ومنه يظهر أن المناسب فى الرواية الأولى أيضا كون المراد بالمرء ممدوحه، والخطاب لناقته».
(2) فى النهاية 5/ 304: «اليهماء: الفلاة التى لا يهتدى لطرقها، ولا ماء فيها، ولا علم بها».
(3) فى التكملة ص 36.
(4) فى الأصل: «بعد» بطرح الهاء. والصواب إثباتها، كما فى ه‍، والتكملة.
(2/56)

قلت: قد ألغز فى كلامه هذا، وما وجدت لأحد من مفسّرى كتابه، الذى وسمه بالإيضاح (1)، تفسير هذا الكلام، ولكنهم حادوا عنه إلى تفسير قوله بعد:
«فإنّ الألف احتملت ذلك لزيادة المدّ فيها، واختصاصها بما لا يكون فى الياء والواو، كاختصاصها بالتأسيس، وانفرادها بالرّدف» وأنا بمشيئة الله أكشف لك من غامضه.
فأقول: إن مراده بهذا أنه لا يجوز تخفيف الهمزة بين بين، إلاّ إذا وقعت بعد حرف متحرّك، وذلك فى نحو: سأل ولؤم وسئم (2)، وإنما لم يجز أن تخفّف بين بين إذا وقعت بعد حرف ساكن، فى نحو: يسأل ويلؤم ويزئر (3)، مضارع زأر الأسد، لأنها إذا انفتحت جعلتها بين الهمزة والألف، وإذا انضمّت جعلتها بين/الهمزة والواو الساكنة، وإذا انكسرت جعلتها بين الهمزة والياء الساكنة، ولذلك قال سيبويه (4): ألا ترى أنك لا تتمّ الصّوت هاهنا وتضعّفه، لأنك تقرّبها من الساكن، ولولا ذلك لم يدخل الحرف وهن. انتهى كلامه.
وإذا قرّبتها من الساكن، لم يجز أن تأتى بها بعد حرف ساكن، كما لا يجوز أن تجمع بين ساكنين، فإذا كان الساكن الذى قبل الهمزة ألفا، جاز تخفيفها بعده بين بين، لأن زيادة المدّ الذى فى الألف يقوم مقام الحركة، ولا يكون ذلك فى الواو والياء الساكنتين، فى نحو: مكلوءة (5) وخطيئة، وساغ فى نحو هباءة؛ لأن الألف أمكن منهما فى المدّ، من حيث (6) لا يفارق المدّ، والواو والياء يتحرّك ما قبلهما بحركة
_________
(1) معلوم أن «التكملة» هى الجزء الثانى من «الإيضاح».
(2) راجع سر صناعة الإعراب ص 48.
(3) ويزأر، أيضا، بفتح الهمزة.
(4) الكتاب 3/ 542.
(5) فى المقتضب 1/ 161 «مقروءة».
(6) هذا من كلام ابن جنى. راجع اللسان (ردف). وسعيد ابن الشجرى هذا الكلام والذى بعده فى المجلس الرابع والستين.
(2/57)

لا تجانسهما، فضعف بذلك مدّهما، كالواو فى سوء ونوء، والياء فى شيء وفىء، ولذلك انفردت الألف بوقوعها ردفا فى القصيدة، كقول القائل:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم … واستوثقوا من رتاج الباب والدار (1)
لا يقبس الجار منهم فضل نارهم … ولا تكفّ يد عن حرمة الجار
فلو وضعت فى هذه القافية مع الجار: النّور أو الخير، كان خطا بإجماع العرب، فالواو والياء يجيئان ردفين فى القصيدة، وربّما جاءا فى بيت كقوله (2):
أجارة بيتينا أبوك غيور … وميسور ما يرجى لديك عسير
واختصّت الألف بكونها تأسيسا، وذلك أن يكون بينها وبين الحرف المسمّى رويّا، حرف لقّبه القوافيّون الدّخيل، كالزاى من المنازل، فى قول ذى الرمة: (3)
خليليّ عوجا من صدور الرّواحل … بوعساء حزوى فابكيا فى المنازل
والرّدف: كلّ حرف مدّ قبل الرّوىّ، بغير فصل.
وإنما قال: «ساكن (4) غير مدغم»، تحرّزا من الياء والواو الساكنين، وذلك أن الساكن المدغم يصحّ وقوعه/بعدهما، كقولهم في تحقير أصمّ: أصيم، وفى تفوعل من المدّ: تمودّ (5) الثّوب، فلهما بذلك مزيّة على السّواكن الصّحيحة،
_________
(1) ينسبان إلى دعبل، وإلى غيره. ديوانه ص 177، وتخريجهما فيه، وزد عليه عيون الأخبار 2/ 33، من غير نسبة-وما ذكره العلاّمة الميمنى، رحمه الله، فى السّمط 3/ 35.
(2) أبو نواس. ديوانه ص 98، والعقد الفريد 5/ 333،496. وانظر كتاب الشعر ص 145، والقوافى للتنوخى ص 118.
(3) ديوانه ص 1332، وتخريجه فى ص 2037، والكافى للتبريزى ص 154.
(4) من كلام أبى علىّ السابق.
(5) انظر الكتاب 3/ 418،4/ 438،441، والأصول 3/ 40،410، وسر صناعة الإعراب ص 18، والتبصرة ص 691، ورسالة الملائكة ص 272، وشرح الشافية 3/ 246، والعروض للأخفش ص 121، وقد أعاد ابن الشجرى الكلام على هذه المسألة فى المجلسين السادس والأربعين، والرابع والستين.
(2/58)

وللألف عليهما مزيّة، بوقوع الساكن غير المدغم بعدها، فى قراءة من قرأ {مَحْيايَ وَمَماتِي} (1) بسكون الياء من {مَحْيايَ} وإذا صحّ وقوع الساكن غير المدغم بعدها، فوقوع المدغم أصحّ وأمكن، كقولهم: دابّة وشابّة (2)، فلذلك جاز أن تخفّف الهمزة بعدها بين بين، كما تخفّف بعد الحرف الصّحيح، إذا تحرّك فى نحو ما مثّلته لك من قولهم: سأل ولؤم وسئم، فإذا خفّفتها مفتوحة بعد الألف، جعلتها بين الهمزة والألف، وإذا خفّفتها مضمومة بعدها، جعلتها بين الهمزة والواو الساكنة، وإذا خفّفتها مكسورة بعدها، جعلتها بين الهمزة والياء الساكنة، فالأولى فى نحو: تساءلنا، والثانية فى نحو: التّساؤل، والثالثة فى نحو: المسائل.
وقال سيبويه (3) فى هذا الفصل: واعلم أنه لا يجوز أن تجعل الهمزة بين بين إلاّ فى موضع لو كان فيه ساكن جاز، إلاّ الألف وحدها، لأنك تجيز ذلك فيها، لأن الألف يكون بعدها الساكن.
فقوله: لا يجوز أن تجعل الهمزة بين بين إلاّ فى موضع لو كان فيه ساكن جاز، معناه أنك لا تخفّفها إلا بعد متحرّك، ولا تخفّفها بين بين بعد ساكن، لأن الساكن لا يجتمع مع الساكن، وكذلك لا يجتمع مع ما قرّب إلى الساكن، ثم استثنى الألف من السّواكن، لأن الساكن يقع بعدها، كما يقع بعد المتحرّك.
فاعرف ما ذكرته فى هذا الفصل، فإنه فى كلام أبى عليّ أغمض منه فى كلام سيبويه.
...
_________
(1) سورة الأنعام 162، ورويت هذه القراءة عن نافع، من رواية قالون، وأبى جعفر. السبعة ص 275، والكشف 1/ 459، وزاد المسير 3/ 161، والإتحاف 2/ 40.
(2) راجع الموضع المذكور من سر صناعة الإعراب.
(3) الكتاب 3/ 545،546، باختلاف يسير.
(2/59)

فصل
فى الحذوف الواقعة بالأسماء والأفعال والحروف
فالأسماء التى وقع بها الحذف ثلاثة عشر ضربا، الأول: المبتدأ وخبره.
/والثانى: خبر كان وإنّ ولا، والثالث: المفعول به، والرابع: المضاف، والخامس: الموصوف، والسادس: المنادى، والسابع: المفسّر، والثامن: الضمير العائد إلى الموصول، والتاسع: العائد إلى الموصوف، والعاشر: العائد إلى المبتدأ، والحادى عشر: المضاف إليه فى باب الغايات، والثانى عشر: ياء المتكلّم، والثالث عشر: الاسم الذى ينوب عنه الظّرف، خبرا وصفة وحالا.
فممّا جاء فيه حذف المبتدأ قوله تعالى: {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتاعٌ قَلِيلٌ (1)} (2) [تقديره: تقلّبهم متاع قليل، أو ذاك متاع قليل] ومثله:
{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} (3) أى شأنى صبر جميل، ومثله: {وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ. نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ} (4) التقدير: الحطمة نار الله الموقدة، وجاء الحذف فى قوله تعالى: {طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ} (5) فقيل: تقديره: أمرنا طاعة، واحتجّ صاحب هذا القول بقول الشاعر (6):
فقالت على اسم الله أمرك طاعة … وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد
_________
(1) سورة آل عمران 196،197.
(2) ساقط من ه‍.
(3) سورة يوسف 18.
(4) سورة الهمزة 5،6.
(5) سورة محمد عليه الصلاة والسلام 21
(6) عمر بن أبى ربيعة. ملحقات ديوانه ص 490، والأغانى 1/ 192، والخصائص 2/ 362، والمغنى ص 631، وشرح أبياته 7/ 321، وأيضا 2/ 217، وشرح شواهده ص 110،314، والخزانة 4/ 181.
(2/60)

فقال: قد أظهر الشاعر المبتدأ المحذوف فى الآية.
والقول الآخر: أن قوله: {طاعَةٌ} مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير:
طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما (1).
ويقول القائل: الهلال والله (2)، أى هذا الهلال، وكذلك تقول على التوقّع والانتظار: زيد والله، أى هذا زيد، واسم الإشارة الذى هو «هذا»، كثيرا ما يحذف مبتدأ، لأنّ حذفه كالنطق به، لكثرته على الألسنة، فممّا جاء حذفه فيه فى التنزيل قوله: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ} (3) أى هذا سحر، وقوله:
{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ} (4) أراد: هذا بلاغ، فحذف الذى أظهره فى قوله: {هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ} (5) ومثله: {سُورَةٌ أَنْزَلْناها} (6) أى هذه سورة أنزلناها.
ويقول لك القائل: من عندك؟ فتقول: زيد، أى زيد عندى، فتحذف الخبر، ويقول: من/جاءك؟ فتقول: أخوك، تريد أخوك جاءنى، قال الله سبحانه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ} (7) أى الله خالقنا، وتقول: زيد
_________
(1) ذكر سيبويه القولين. الكتاب 1/ 141،2/ 136، ومعانى القرآن للزجاج 5/ 14، وإعراب القرآن للنحاس 3/ 175، وتفسير القرطبى 16/ 244.
(2) الأصول 1/ 68، وجاء فى معانى القرآن للأخفش ص 80 مصحفا هكذا: «الهلاك والله».
(3) الآية الثانية من سورة القمر.
(4) آخر سورة الأحقاف. وجاء فى الأصل وه‍: «كأن لم يلبثوا إلاّ ساعة من نهار بلاغ» وهو خلط بين آية الأحقاف، والآية (45) من سورة يونس، وتلاوتها: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ وقد جاء صواب الاستشهاد فى الخصائص 2/ 362، والمغنى ص 630، وسياق ابن هشام يؤذن بأنه ينقل عن ابن الشجرى، أو أن الاثنين ينقلان عن مصدر واحد.
(5) الآية الأخيرة من سورة إبراهيم.
(6) أول سورة النور.
(7) سورة الزخرف 87. وقيل إن المحذوف هنا الفعل، بدليل ظهوره فى الآية التاسعة من السورة نفسها: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. وراجع المغنى ص 595،620،632 (الباب الخامس).
(2/61)

أكرمت أباه وجعفر، أردت: وجعفر أكرمت أباه، فحذفت خبر الثانى لدلالة خبر الأول عليه، كما حذف خبر المبتدأ الموصول المعطوف، لدلالة خبر الموصول الأوّل عليه، فى قوله تعالى: {وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ} (1) فقوله: {إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ} جملة شرطيّة، وقعت خبرا للمبتدإ الذى هو {اللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} وقوله:
{وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ} مبتدأ ثان محذوف الخبر، وتقديره: واللائي لم يحضن فعدّتهنّ ثلاثة أشهر.
ومن الأخبار التى ألزموها الحذف، خبر المبتدأ الواقع بعد لولا، فى قولك:
لولا زيد لعاقبتك، تريد: لولا زيد موجود أو حاضر، وإنما ألزموا هذا الخبر الحذف، لطول الكلام بجواب لولا، ومثله حذف الخبر فى قولهم: لعمر الله لأفعلنّ، وليمن الله لأذهبنّ، تريد: لعمر الله المقسم به، وكذلك ليمن الله المحلوف به، ولكنّ قولك: لأفعلنّ ولأذهبنّ، طوّل الكلام، فحسن لذلك حذف الخبر، ومثل هذا سدّ الفاعل مسدّ الخبر فى نحو: أذاهب أخواك؟ فذاهب مبتدأ، ارتفع أخواك به، ارتفاع الفاعل بإسناد الفعل إليه، فى قولك: أيذهب أخواك؟ ولمّا تنزّل اسم الفاعل منزلة الفعل، وارتفع الاسم بعده به، على حدّ ارتفاعه، أغنى ذلك عن تقدير خبر هذا المبتدأ، ولم يصحّ الإخبار عنه لفظا ولا تقديرا، كما لا يصحّ الإخبار عن الفعل.
ومما حذف خبره لدلالة المعنى عليه، المبتدأ الذى هو «أنت» فى قول ذى الرمّة (2):
_________
(1) سورة الطلاق 4.
(2) ديوانه ص 767، وتخريجه فى ص 1992، وانظر كتاب الشعر ص 308، والجمل المنسوب للخليل ص 232،287.
(2/62)

هيا ظبية الوعساء بين جلاجل … وبين النّقا آنت أم أمّ سالم
أراد: أأنت أم أمّ سالم أحسن؟
ومثال حذف (1) خبر كان، أن يقول لك: من كان/فى الدار؟ فتقول:
كان أبوك، فتحذف الظرف، ويقول: من كان قائما؟ فتقول: كان حموك، فتحذف «قائما» وجاء حذف خبر «إنّ» فى قول الأعشى (2):
إنّ محلاّ وإنّ مرتحلا … وإنّ فى السّفر إذ مضوا مهلا
أراد: إنّ لنا محلاّ، وإنّ لنا مرتحلا، وقال الأخطل (3):
سوى أنّ حيّا من قريش تفضّلوا … على الناس أو (4) أنّ الأكارم نهشلا
أراد: أو أنّ الأكارم نهشلا تفضّلوا على الناس، والبيت آخر القصيدة (5).
وقال أبو عبيد (6) فى حديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّ المهاجرين
_________
(1) ممن أجازوا حذف خبر كان، ابن جنى، وبعضهم-ومنهم أبو حيان-يمنع حذفه. راجع الخصائص 2/ 375، والبحر 6/ 143،144، والهمع 1/ 116، وحواشى المقتضب 4/ 118.
(2) هذا بيت دائر فى كتب العربية. وتراه فى ديوان الشاعر ص 233، والكتاب 2/ 141، وكتاب الشعر ص 495، وفى حواشيهما فضل تخريج.
(3) نسب إلى الأخطل أيضا فى مجاز القرآن 2/ 192، والمقتضب 4/ 131، وشرح القصائد السبع لابن الأنبارى ص 56، والتبصرة ص 212، وشرح المفصل 1/ 104، واللسان (نهشل)، وأنشد البيت من غير نسبة فى الخصائص 2/ 374، والمقرب 1/ 109، ولم أجده فى ديوان الأخطل بطبعتيه-تحقيق أنطون صالحانى، وصنعة السكرى. وإن ذكره صالحانى فى ملحق الديوان ص 392، عن اللسان والتاج. وقال البغدادى فى الخزانة 10/ 462: «والبيت نسبه ابن يعيش إلى الأخطل، وله فى ديوانه قصيدة على هذا الوزن والرويّ، ولم أجده فيها. والله أعلم. وكذا نسبه ابن الشجرى فى أماليه إلى الأخطل» انتهى كلام البغدادىّ، وأنت ترى أن نسبة البيت إلى الأخطل قديمة، أقدم من ابن الشجرى، وابن يعيش.
(4) أو هنا بمعنى الواو.
(5) هذا التعقيب للمبرد، وأصله لأبى عبيدة. راجع الموضع السابق من المقتضب والمجاز.
(6) غريب الحديث له 2/ 271، والفائق 1/ 62، والنهاية (أنن) 1/ 77، والبيان والتبيين 2/ 278، وشرح الرضىّ على الكافية 4/ 377، ومقدمة فى النحو، للذكىّ الصقلىّ ص 46.
(2/63)

قالوا: يا رسول الله، إنّ الأنصار قد فضلونا، إنهم آوونا، وفعلوا بنا وفعلوا، فقال:
«ألستم تعرفون ذلك لهم؟ قالوا: بلى (1)، قال: فإنّ ذلك» (2). قوله: «فإنّ ذلك» معناه:
فإن ذلك مكافأة منكم لهم، أى معرفتكم بصنيعهم وإحسانهم مكافأة لهم، وهذا كحديثه الآخر: «من أزلّت إليه نعمة فليكافئ بها فإن لم يجد فليظهر ثناء حسنا» (3) فقوله عليه السلام: «فإن ذلك» يريد به هذا المعنى.
قال أبو عبيد: وهذا اختصار من كلام العرب (4)، يكتفى منه بالضمير، لأنه قد علم ما أراد به قائله.
وروى أن رجلا جاء (5) إلى عمر بن عبد العزيز، فجعل يمتّ بقرابته، فقال عمر: فإنّ ذاك، ثم ذكر له حاجته فقال: لعلّ ذاك. لم يزده على أن قال: فإنّ ذاك، ولعلّ ذاك، أى إنّ ذاك كما قلت، ولعلّ حاجتك أن تقضى، وقال ابن قيس الرّقيّات.
_________
(1) فى غريب أبى عبيد «نعم». وعلى هذا استشهد به السّهيلىّ على جواز وقوع «نعم» موقع «بلى» فى الاستفهام من النفى، لكنه قال: «وهو خلاف ما عليه أكثر العرب». أمالى السّهيلى ص 46.
(2) لم أجده بهذا اللفظ الذى رواه أبو عبيد، ونقله عناه اللغويون والنحاة. وفى معناه حديث أنس رضى الله عنه، الذى رواه أبو داود فى سننه (كتاب الأدب-باب فى شكر المعروف) 4/ 255، والترمذى (أبواب صفة القيامة-باب حدثنا الحسين بن الحسن المروزىّ بمكة) عارضة الأحوذى 9/ 301، والنسائى فى عمل اليوم والليلة (ما يقول لمن صنع إليه معروفا) ص 222 - تحقيق د. فاروق حمادة-مؤسسة الرسالة 1406 ه‍-ومسند أحمد 3/ 200،204. وانظر السير الحثيث إلى الاستشهاد بالحديث ص 523.
(3) وهذا أيضا لم أجده بهذا اللفظ عند غير أبى عبيد. وفى معناه حديث جابر، رضى الله عنه، عن النبىّ صلّى الله عليه وسلم، قال: «من أعطي عطاء فوجد فليجز به، ومن لم يجد فليثن، فإن من أثنى فقد شكر. . .» الحديث. عارضة الأحوذى بشرح صحيح الترمذى (باب ما جاء فى المتشبع بما لم يعط. من كتاب البرّ والصّلة) 8/ 186. وقوله: «أزلّت» أى أسديت إليه وأعطيها. من الزّليل، وهو انتقال الجسم من مكان إلى مكان، فاستعير لانتقال النعمة من المنعم إلى المنعم عليه. يقال: زلّت منه إلى فلان نعمة، وأزلّها إليه. الفائق 2/ 119، والنهاية 2/ 310.
(4) زاد أبو عبيد: وهو من أفصح كلامهم.
(5) هذا الخبر فى الموضع السابق من غريب أبى عبيد، والبيان والتبيين، والمفصل ص 29.
(2/64)

بكرت علىّ عواذلى … يلحيننى وألومهنّه (1)
ويقلن شيب قد علا … ك وقد كبرت فقلت إنّه
أى إنه قد كان ما يقلن. انتهى كلام أبى عبيد.
وأقول: إنّ بعض النحويين (2) جعل «إنّ» فى هذا البيت بمعنى نعم، وجعل الهاء/للسّكت، ومثله فى استعمال «إنّ» بمعنى نعم قول الآخر:
قالوا غدرت فقلت إنّ وربّما … نال المنى وشفى الغليل الغادر (3)
والهاء فى تفسير أبى عبيد ضمير الشأن (4).
وجاء حذف خبر «لا» فى قولهم: لا بأس (5) [يريدون: لا بأس] عليك، وكذلك قولنا: «لا إله إلاّ الله» تقدير الخبر: لا إله لنا، أو فى الوجود إلا الله (6)،
_________
(1) ديوانه ص 66، وتخريجه فيه، وزد عليه: غريب أبى عبيد، وغريب الحديث لابن قتيبة 1/ 537، والجمل المنسوب للخليل ص 133، والأصول 2/ 383، والبغداديات ص 429، والأزهية ص 267، ورصف المبانى ص 119، وفهارسه، والجنى الدانى ص 399، وشرح أبيات المغنى 1/ 188. ويأتى هذا الشعر فى المعاجم، فى مادة (أنن)، وفى كتب التفسير وإعراب القرآن، فى الكلام على قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ الآية (63) من سورة طه. انظر مثلا معانى القرآن وإعرابه للزجاج 3/ 363، وإعراب القرآن للنحاس 2/ 344، وتفسير القرطبى 6/ 247،11/ 218.
(2) هو أبو الحسن الأخفش. قال: «إن بمعنى نعم، والهاء لبيان الحركة، وكانت خطباء قريش تفتتح خطبتها بنعم». راجع الخزانة 11/ 213، والموضع السابق من إعراب القرآن للنحاس. وقال الجوهرى فى الصحاح (أنن): «وأما قول الأخفش إنه بمعنى «نعم» فإنما يريد تأويله، ليس أنه موضوع فى اللغة لذلك. قال: وهذه الهاء أدخلت للسّكوت».
(3) تقدم فى المجلس السابق.
(4) قال البغدادى: «قال ابن الشجرى فى أماليه بعد نقل هذا الكلام عن أبى عبيد: «والهاء فى تفسير أبى عبيد «للشأن» ولم يتعقبه بشىء. ولا يخفى أن ضمير الشأن لا يجوز حذف خبره، بل يجب التصريح بجزأى الجملة من خبره». ثم أفاد البغدادى أن الضمير فى «إنه» راجع إلى القول المفهوم من «يقلن» أى إن قولهنّ كذلك. وهو تقدير ابن هشام فى المغنى ص 38،649.
(5) ساقط من ه‍.
(6) ويكون لفظ الجلالة «الله» تعالى مسمّاه مرفوع بدل من «إله» باعتبار محلّه، وهو الرفع على الابتداء. وقيل: بدل من الضمير المستكنّ فى خبر «لا» المحذوف. وقيل غير ذلك. راجع: معنى لا إله إلاّ الله. لبدر الدين الزركشى ص 73، وحواشى ص 79، وحواشى أوضح المسالك 2/ 30.
(2/65)

وقوله تعالى: {لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ} (1) التقدير: ولا خلّة فيه ولا شفاعة فيه، فحذف خبر الثانية والثالثة، لدلالة الخبر الأوّل [عليهما (2)] وكذلك خبر لا المشبّهة بليس، فى قوله:
من صدّ عن نيرانها … فأنا ابن قيس لا براح (3)
وقد تقدم ذكر ذلك.
فأما حذف المفعول فكثير فى باب إعمال الفعلين، كقولك: أكرمت وأكرمنى زيد، أردت: أكرمت زيدا وأكرمنى زيد، فحذفت مفعول الأول لدلالة فاعل الثانى عليه، وقريب من هذا حذف مفعول الثانى لدلالة مفعول الأول عليه، فى قوله تعالى: {وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ} (4) التقدير: والحافظات فروجهنّ، والذاكرات الله كثيرا.
وممّا حذف لدلالة ما قبله عليه، المنصوب فى قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ} (5) أراد: والسموات غير السموات.
وحذف المفعول يكثر للعلم به، وذلك لاقتضاء الفعل له كقوله:
{ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى} (6) أراد: وما قلاك (7)، وكذلك: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى} أى فآواك، {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى} أى فهداك، {وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى} أى فأغناك.
_________
(1) سورة البقرة 254. وقراءة النصب هذه لابن كثير وأبى عمرو. السبعة ص 187.
(2) ساقط من ه‍.
(3) فرغت منه فى المجلس الحادى والثلاثين.
(4) سورة الأحزاب 35.
(5) سورة ابراهيم 48.
(6) الآية الثالثة من سورة والضحى وما بعدها.
(7) سبق فى المجلس الثامن عشر، أنه من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وذكرت هناك استدراك الزركشىّ على ابن الشجرى، وتصحيحه أنه من باب حذف المفعول، كما ذكر ابن الشجرىّ هنا.
(2/66)

وأما حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فكثير جدّا، وقد قدّمت (1) ذكر طرف منه، وذلك نحو قولهم: «صلّى المسجد»، أى أهل المسجد، ومنه قول/مهلهل بن ربيعة:
نبّئت أن النار بعدك أو قدت … واستبّ بعدك يا كليب المجلس (2)
أراد: استبّ أهل المجلس، ومنه: {وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً} (3) أى إلى أهل مدين، ألا ترى أن الضّمير الذى هو الهاء والميم فى {أَخاهُمْ} لا يعود على {مَدْيَنَ} نفسها، وإنما يعود على أهلها، وقد أظهر هذا المحذوف فى موضع آخر، وهو قوله: {وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} (4) ومنه قول حميد بن ثور (5):
قصائد يستحلى الرّواة نشيدها … ويلهو بها من لاعب الحىّ سامر
يعضّ عليها الشيخ إبهام كفّه … ويخزى بها أحياؤكم والمقابر
أى: وأهل المقابر، ومنه: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها} (6) أى أهل القرية {وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها} أى أصحاب العير {وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ} (7) أى برّ من آمن بالله، وإن شئت قدّرت: ولكنّ ذا البرّ من آمن بالله، ومنه {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ} (8) أى أشهر الحجّ أشهر معلومات، وإن شئت قدّرت: الحجّ حجّ أشهر معلومات، ومن ذلك قول النابغة:
_________
(1) فى المجالس: الثامن، والعاشر، والسابع والثلاثين.
(2) تقدم تخريجه فى المجلس الثامن.
(3) سورة الأعراف 85، وانظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ص 383، ورحم الله مصنّفه رحمة واسعة.
(4) سورة القصص 45.
(5) ديوانه ص 89.
(6) سورة يوسف 82.
(7) سورة البقرة 177.
(8) سورة البقرة 197، وانظر المغنى ص 624 (الباب الخامس).
(2/67)

وقد خفت حتى ما تزيد مخافتى … على وعل فى ذى المطارة عاقل (1)
أى على مخافة وعل، ومنه قول الآخر:
كأنّ خزّا تحته وقزّا … وفرشا محشوّة إوزّا (2)
أى ريش إوزّ، ومثله:
أنا أبو شرفاء منّاع الخفر (3)
أى منّاع ذوات الخفر، يعنى النساء، ومنه قولهم: الليلة الهلال، أى طلوع الهلال، ومن رفع الليلة، أراد الليلة ليلة الهلال، ومثل النصب فى الليلة، النصب فى اليوم وغد، من قولهم (4): «اليوم خمر وغدا أمر» أى اليوم شرب خمر، وغدا حدوث أمر.
/وأمّا حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، فكقولهم: صلاة الأولى (5)، ومسجد الجامع، أى صلاة الساعة الأولى من زوال الشمس، ومسجد الوقت الجامع، أو اليوم الجامع، ومنه {حَقُّ الْيَقِينِ} (6) {وَحَبَّ الْحَصِيدِ} (7) أى حقّ العلم اليقين، وحبّ النبت الحصيد، ومن ذلك دار الآخرة، قال أبو العباس محمد بن يزيد، فى قول الله سبحانه: {وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ} (8) إن المراد: ولدار الساعة
_________
(1) فرغت منه فى المجلس الثامن.
(2) مجالس العلماء للزجاجى ص 316، والسّمط ص 216، والصاهل والشاحج ص 276، واللسان (وزز).
(3) من غير نسبة فى مجالس ثعلب ص 9، واللسان (شرف)، وهو من مقطوعة تنسب لأرطاة ابن سهيّة، ولطفيل الغنوى، ولعمرو بن العاص. راجع السمط ص 299، وديوان الطفيل ص 100.
(4) هو قول امرئ القيس. وتقدم فى المجلس الثامن.
(5) الأصول 2/ 8، والإنصاف ص 437، والفصول الخمسون ص 224.
(6) سورة الواقعة 95.
(7) سورة ق 9.
(8) سورة يوسف 109، والنحل 30، ولم أجد هذا النقل فى كتابى المبرّد: المقتضب والكامل. والكوفيون يجعلون هذا ونحوه من باب إضافة الشىء إلى نفسه. قال الفراء: «وقوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ أضيفت الدار إلى الآخرة، وهى الآخرة، وقد تضيف العرب الشىء إلى نفسه، إذا اختلف لفظه، كقوله: إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ والحقّ هو اليقين» معانى القرآن 2/ 55،56، والإنصاف ص 436، وانظر حواشيه، ومشكل إعراب القرآن 1/ 439.
(2/68)

الآخرة، قال: لأن الساعة مراد بها يوم القيامة، وكذلك قال أبو علىّ الحسن بن أحمد، فى الإيضاح (1)، وخطر لى فى تقدير إضافتها أنّ التقدير: ولدار الحياة الآخرة، وقوّى ذلك عندى قوله: {مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا} (2) وقوله: {وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ} (3) فالحياة الدانية نقيض الحياة الآخرة.
ومن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه قوله: {وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (4) أى دين الأمّة (5) القيّمة، ومثله: {أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ} (6) أى دروعا سابغات.
وجاء حذف المنادى فى قراءة من قرأ: (ألا يا اسجدوا لله (7)) أراد: ألا يا هؤلاء اسجدوا لله، ومثله:
يا لعنة الله والأقوام كلّهم … والصالحين على سمعان من جار (8)
_________
(1) الإيضاح ص 271، وشرحه المقتصد ص 895، وانظر الأصول 2/ 8، ومعانى القرآن وإعرابه للزجاج 3/ 109، وإعراب القرآن للنحاس 2/ 160.
(2) سورة آل عمران 14، وغيرها من آى الكتاب العزيز.
(3) سورة آل عمران 185، والحديد 20.
(4) سورة البينة 5.
(5) أو الملّة القيّمة، كما ذكر فى المجلسين: المتمّ الستين، والرابع والستين.
(6) سورة سبأ 11.
(7) سورة النمل 25، وقراءة تخفيف اللام من «ألا» قرأ بها الكسائىّ، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع، ورويس عن يعقوب، وتروى عن ابن عباس رضى الله عنهما. معانى القرآن للفراء 2/ 290، وللأخفش ص 429، والسبعة ص 480، والكشف 2/ 156، وزاد المسير 6/ 166، والبحر 7/ 68، والإتحاف 2/ 325 وأعاد ابن الشجرى الكلام على هذه القراءة فى المجلس المتمّ الستين. واعتبار المنادى هنا محذوفا، ذهب إليه أبو العباس المبرد، ووافقه ابن فارس فى الصاحبى ص 386، وأنكره ابن جنى، ورأى أن «يا» هنا أخلصت للتنبيه، مجرّدا من النداء. الخصائص 2/ 196،278، 376، وسبقه أبو على، راجع كتاب الشعر ص 66،67.
(8) الكتاب 2/ 219، والكامل ص 1199، والتبصرة ص 360، والإنصاف ص 118، والكشف 2/ 158، وتفسير القرطبى 13/ 186، وشرح الجمل 2/ 111، والمغنى ص 373، وشرح أبياته 6/ 171، وغير ذلك كثير، تراه فى حواشى تلك الكتب. ويأتى فى المجلس الموفى الستّين.
(2/69)

أراد: يا هؤلاء لعنة الله على سمعان، وأنشد سيبويه (1):
ألا يا إنّنى سلم … لأهلك فاقبلى سلمى
أراد: ألا يا هذه.
وحذف المفسّر كقولهم: الكرّ (2) بعشرين، يريدون: بعشرين دينارا، فحذفوا المفسّر للعلم به.
...
_________
(1) لم أجده فى كتاب سيبويه المطبوع-اعتمادا على فهارسه التى صنعها أشياخنا: هارون والنفاخ وعضيمة. وهو فى اللسان (سلم) من غير نسبة، برواية: أنائل إننى سلم لأهلك فاقبلى سلمى ولا شاهد على هذه الرواية.
(2) فى ه‍: «الكن». وجعلها مصحح الطبعة الهندية: «المن». والكرّ، بضم الكاف وتشديد الراء: مكيال لأهل العراق. قال ابن سيده: يكون بالمصرى أربعين إردبا. اللسان (كرر).
(2/70)

المجلس الموفى الأربعين
يتضمّن ما بقي من ذكر حذف الاسم
، وضروبا من ذكر حذف الفعل.
أما حذف الضمير العائد إلى الموصول من صلته، فحسن (1) كثير فى التنزيل، /كقوله: {أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً} (2) و {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} (3) يريد:
بعثه (4)، وخلقته، ومنه قوله تعالى: {اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} (5) حذف «ها» من «كتبها» كما حذف «هم» من قوله: {وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى} (6).
وجاء حذف العائد من جملة الصّفة إلى الموصوف، فى قول جرير:
أبحت حمى تهامة بعد نجد … وما شيء حميت بمستباح (7)
حذف الهاء من «حميته» ومثله للحارث بن كلدة الثّقفىّ:
فما أدرى أغيّرهم تناء … وطول العهد أم مال أصابوا (8)
أراد: أصابوه، وفى التنزيل: {وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} (9)
_________
(1) راجع دراسات لأسلوب القرآن الكريم 3/ 74، ويقول مؤلفه برّد الله مضجعه: «لو تتبعنا أسلوب القرآن لوجدنا أن ذكر عائد الموصول المنصوب قليل جدا بالنسبة لحذفه».
(2) سورة الفرقان 41، وانظر كتاب الشعر ص 387.
(3) سورة المدثر 11.
(4) راجع المجلسين الأول والثالث.
(5) سورة المائدة 21
(6) سورة النمل 59.
(7) سبق فى المجلس الأول.
(8) وهذا مثل سابقه.
(9) سورة البقرة 48،123.
(2/71)

أراد: لا تجزى فيه، فحذف الجارّ والمجرور المقرّين فى قوله تعالى: {وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} (1) والعرب تقول فى أشهر الشتاء (2): «شهر ثرى وشهر ترى وشهر مرعى» فالأول حذفوا منه المضاف، أى شهر ذو ثرى، والثّرى: التراب النّدىّ، والثانى حذفوا منه العائد إلى الموصوف، وحذفوا معه المفعول، أى شهر ترى فيه أطراف العشب، والثالث كالأول، حذفوا منه المضاف، أى شهر ذو مرعى.
وأما حذف الهاء من خبر المبتدأ، فقد جاء وهو ضعيف، قالوا فيما رواه النحويون: زيد ضربت، وجاء فى شعر امرئ القيس:
فلمّا دنوت تسدّيتها … فثوب نسيت وثوب أجرّ (3)
أراد: فثوب نسيته، وثوب أجرّه، ومعنى تسدّيتها: ركبتها، وأنشد سيبويه:
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى … عليّ ذنبا كلّه لم أصنع (4)
أراد: لم أصنعه، وكذلك أنشدوا برفع «كلّ»:
ثلاث كلّهن قتلت عمدا … فأخزى الله رابعة تعود (5)
ومنه قراءة ابن عامر: «وكلّ وعد الله الحسنى» (6) رفع «كلاّ» بتقدير:
وعده الله.
/وإنما ضعف حذف العائد من الخبر، لأنّ الجملة التى تقع خبرا عن المبتدأ
_________
(1) سورة البقرة 281، وراجع المجلس الأول.
(2) سبق تخريجه فى المجلس الرابع عشر.
(3) فرغت منه فى المجلس المذكور.
(4) وهذا تقدم فى المجلس الأول.
(5) تقدم فى المجلس الرابع عشر.
(6) سورة الحديد 10، والكلام على هذه القراءة تقدم فى المجلسين: الأول، والرابع عشر.
(2/72)

إنما هى حديث عنه وأجنبيّة منه، فالعائد منها يعلّقها به، ولكنهم شبّهوها بالجملة التى تقع وصفا، كما شبّهوا جملة الصّفة بجملة الصّلة، من حيث كانت الصفة توضّح الموصوف كما توضّح الصّلة الموصول، إلا أنّ الموصول يلزمه أن يوصل، والموصوف لا يلزمه أن يوصف.
وإنما حسن وكثر حذف العائد من الصّلة، لأنّ الموصول مع صلته بمنزلة اسم مفرد، فالصّلة منه كبعض أجزاء كلمة، فهى كالفاء والراء من جعفر، فإذا قلت:
الذى أكرمه أخوك زيد، فقد تنزّلت أربعة أشياء منزلة اسم مفرد، وهى الذى والفعل وفاعله ومفعوله، وهو الضمير العائد، فآثروا التخفيف بحذف بعض الأربعة (1)، وكان الضمير أولى بالحذف، لأنّ المفعول فضلة، وقد ورد حذفه فى غير الصّلة كثيرا حسنا، كما أريتك آنفا، فى نحو قوله تعالى: {ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى} (2) فكان حذفه من الصّلة لهذه العلّة أقوى من حذفه من الصّفة، وحذفه من الصّفة أقوى من حذفه من الخبر.
وأما حذف ياء المتكلم فحسن، لدلالة الكسرة قبلها عليها، وإنما يكون ذلك فى النداء، لأنّ النداء ممّا يكثر فيه الحذف والتغيير، لكثرة استعماله، ألا ترى أنّ المخبر يقدّم النداء على إخباره، فيقول: يا زيد قد كان كذا، وكذلك المستخبر يقول: يا فلان هل زيد عندك؟ وكذلك الآمر والناهى، فلما كثر النداء فى كلامهم جدّا، كثر التغيير فيه بالحذف تخفيفا، ولذلك اختصّ به الترخيم، فإذا ناديت غلامك فأفصح الأوجه فيه أن تقول (3): يا غلام، فتجتزئ بالكسرة من الياء، ومثله: {يا عِبادِ فَاتَّقُونِ} (4) و {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ} (5) والأصل:
_________
(1) راجع ما تقدم فى المجلسين الأول، والرابع عشر.
(2) سورة والضحى 3.
(3) أصل هذا فى الكتاب 2/ 209، والمقتضب 4/ 245.
(4) سورة الزمر 16.
(5) سورة إبراهيم 36.
(2/73)

يا غلامى، بفتحها، قياسا لها على كاف الخطاب، ومن قال: يا غلامى، بإسكانها، فلأن السكون أخفّ من الحركة الخفيفة، ومن حذفها واجتزأ بالكسرة، جاء بتخفيف/ثان، كما أنّ من قال: يا غلاما، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفا، جاء بتخفيف أكثر من الأول والثانى، فرارا من ثقل الكسرة والياء، إلى خفّة الفتحة والألف، وقد قرئ فى سورة الزّخرف بالأوجه الثلاثة، فتحها وإسكانها وحذفها، من قوله: {يا عِبادِ لا خَوْفٌ} (1).
وأمّا حذف المضاف إليه فى الغايات فمثاله: جئت قبل، وجئت يا فلان بعد، أصله: جئت قبلك، وجئت بعدى، فحذفت المضاف إليه، فاستحقّ الظرف البناء، لأن المحذوف كجزء منه، لأنه يقتضيه، فتنزّل بعد حذفه منزلة بعض كلمة، فأشبه الحرف الذى جاء لمعنى، وبنوه على حركة، لأنهم لما نقلوه من الإعراب إلى البناء، لم يكونوا ليبنوه على أضعف وجوه البناء، فيسوّوا بينه وبين ما بنى فى أصل وضعه، كمن وكم.
ومن قال إن الحركة فى قبل وبعد لالتقاء الساكنين، عورض بما ليس فيه التقاء ساكنين من الغايات، كقولهم: جئت من عل، وابدأ بهذا أوّل، كما قال (2):
لعمرك ما أدرى وإنّى لأوجل … على أيّنا تعدو المنيّة أوّل
وإنما بنوا هذا الضرب على الضمّة دون الفتحة والكسرة، لأنه إنما يعرب
_________
(1) سورة الزخرف 68، وتخريج الأوجه الثلاثة فى السبعة ص 588، والنشر 2/ 370، والإتحاف 2/ 458.
(2) معن بن أوس. ويأتى هذا البيت أيضا شاهدا على أن «أفعل» التفضيل قد يأتى على غير بابه، فيراد به مجرد الوصف، لا المفاضلة. فقوله «لأوجل» معناه: لوجل. وراجع معانى القرآن 2/ 320، والكامل ص 876، والمقتضب 3/ 246، والمنصف 3/ 35، وشرح الحماسة ص 1126، وشرح المفصل 4/ 87،6/ 98، وشذور الذهب ص 103، وأوضح المسالك 3/ 161، وشرح الشواهد الكبرى 3/ 439، وشرح الأشمونى 2/ 268، والخزانة 6/ 505،8/ 244،245،289. وأعاده ابن الشجرى فى المجلس المتم السبعين.
(2/74)

بالنصب والخفض، دون الرفع، فلو بنوه (1) على أحدهما التبست حركة بنائه بحركة إعرابه، وفى التنزيل: {قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا} (2) وفيه {لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} (3) أى من قبل غلبهم ومن بعد غلبهم، فلمّا حذف ما أضيفا إليه بنيا.
فهذان الظّرفان أصل الغايات، وما عداهما من الظروف محمول عليهما، وإنما سمّيت غايات؛ لأن المضاف إليه كان غاية كلامك، كقولك: جئت قبل زيد وبعد محمد، فلما حذفت المضاف إليه صار المضاف غاية كلامك ومنتهاه.
والمضاف من هذا الضّرب يتعرّف بالمضاف إليه/محذوفا، كما كان يتعرّف به مذكورا؛ لأنك تنويه وتقدّره، تقول: جاء زيد قبل جعفر، وجاء خالد بعد، أردت بعده، أى بعد جعفر، فحذفته وأنت تريده، وتقول: جاء القوم وأخوك خلف، ومحمد قدّام، تريد: خلفهم وقدّامهم، أنشد أبو عمر محمد بن عبد الواحد المعروف بالزاهد، قال: أنشدنا (4) [أبو العباس أحمد بن يحيى، قال:
أنشدنا] أبو عبد الله بن الأعرابى:
ألبان إبل تعلّة بن مسافر … ما دام يملكها عليّ حرام (5)
_________
(1) ذكر أبو البركات الانبارى هذا التعليل، ولم يعزه لأحد. أسرار العربية ص 31.
(2) سورة الأعراف 129.
(3) سورة الروم 4.
(4) ساقط من ه‍.
(5) الأبيات فى الكامل ص 82، لرجل من بنى تميم. وأنشدها الجاحظ من غير نسبة فى البيان 3/ 306، والبخلاء ص 197، وكذلك أبو هلال فى ديوان المعانى 2/ 245، والبيت الثالث فى اللسان (حلق) وحوله كلام، انظره فى التنبيهات على أغاليط الرواة ص 97. والبيت الرابع-وهو موضع الشاهد-فى تذكرة النحاة ص 279، وأوضح المسالك 3/ 160، والتصريح 2/ 51، وشرح الأشمونى 2/ 268، وأعاده ابن الشجرى فى المجلس المتم السبعين.
(2/75)

وطعام حجناء بن أوفى مثلها … ما دام يسلك فى البطون طعام (1)
إن الذين يسوغ فى أحلاقهم … زاد يمنّ عليهم للئام
لعن الإله تعلّة بن مسافر … لعنا يشنّ عليه من قدّام
أراد من قدّامه، فلما حذف الهاء بناه.
الحلق: يجمع حلوقا، على القياس، وجمعه على أفعال شاذّ، كزند وأزناد، وفرد وأفراد، وفرخ وأفراخ، قال الأعشى (2):
وزندك أثقب أزنادها
أثقب: من ثقّبت النار، بتشديد القاف: إذا أذكيتها، وقال الحطيئة (3):
ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ … زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
وقد كثر فى فعل: أفعال، وإن كان خارجا عن القياس، فجاء فى حبر:
أحبار، ونطق به التنزيل (4)، وجاء مع ما ذكرناه من زند وفرد وفرخ: أهل وآهال، ولحظ وألحاظ، وسمع وأسماع، واتّسع فى المضاعف، فقيل فى ربّ وجدّ وعمّ ومنّ:
أرباب وأجداد وأعمام وأمنان (5). وأما أفنان فجمع فنن، وهو الغصن، لا جمع فنّ، وفى
_________
(1) يروى: عمران بن أوفى.
(2) ديوانه ص 73، وصدره: وجدت إذا اصطلحوا خيرهم وهو فى الكتاب 3/ 568، والمقتضب 2/ 196، والأصول 2/ 436، والموجز ص 104، والتبصرة ص 642، وشرح المفصل 5/ 16، وشرح الشواهد الكبرى 4/ 526، والتصريح 2/ 303، وشرح الأشمونى 4/ 125.
(3) ديوانه ص 208، والمقتضب 2/ 196، والكامل ص 84،725، والخصائص 3/ 59، والتبصرة ص 642، وشرح المفصل 5/ 16، وشرح الشواهد الكبرى 4/ 524، والتصريح 2/ 302، وشرح الأشمونى 4/ 124.
(4) فى الآيتين 44،63 من سورة المائدة، و 31،34 من سورة التوبة.
(5) انظر أمثلة أخرى فى التنبيهات على أغاليط الرواة ص 97 - 99، والهمع 2/ 174. -
(2/76)

التنزيل: {ذَواتا أَفْنانٍ} (1) وإنما جمعوا الفنّ على القياس، فقالوا: فنون، كصكّ، وصكوك، وبتّ وبتوت، وهو الكساء الغليظ.
وقوله: «يشنّ عليه» أى يصبّ عليه، من قولهم: شننت علىّ الماء.
/وأما حذف الاسم الذى ينوب عنه الظّرف، خبرا وصفة وحالا، فمثال الخبر: زيد خلفك، أى مستقرّ (2) خلفك، وكذلك الرحيل يوم السبت [أى كائن (3) يوم السبت] ومثال الصفة: مررت برجل عند زيد، وبقوم حول جعفر، التقدير:
مستقرّ عند زيد، ومستقرّين حول جعفر، ومثال الحال: مررت بزيد قدّام بكر، أى مستقرّا قدّام بكر، وهذا جعفر خلف محمد، أى كائنا خلف محمد، إذا كانا ماشيين أو راكبين، ومستقرّا خلف محمد، إذا كانا جالسين.
واسم الفاعل فى هذا الموضع ممّا رفضوا إظهاره تخفيفا، وللعلم به، فحذفوه وأنابوا الظرف منابه، وانتقل الضمير الذي فيه إلى الظرف، فتضمّنه الظرف، وحسن العطف عليه والتوكيد له بالضمير المنفصل، تقول: مررت برجل قدامك هو وبكر، وقد أكّده كثيّر بن عبد الرحمن بأجمع، فى قوله:
_________
= وذكر ياقوت فى معجم الأدباء 15/ 26،27 (ترجمة أبى حيان التوحيدى) قال: «وحدّث أبو حيان، قال: قال الصاحب يوما: فعل وأفعال قليل، وزعم النحويّون أنه ما جاء إلاّ زند وأزناد، وفرخ وأفراخ، وفرد وأفراد. فقلت له: أنا أحفظ ثلاثين حرفا، كلّها فعل وأفعال، فقال: هات يا مدّعى، فسردت الحروف، ودللت على مواضعها من الكتب، ثم قلت: ليس للنحوىّ أن يجزم مثل هذا الحكم إلاّ بعد التبحر والسماع الواسع، وليس للتقليد وجه إذا كانت الرواية شائعة، والقياس مطّردا». انتهى كلام أبى حيان. وذكره العلامة الميمنى فى حواشيه على التنبيهات، حكاية عن معجم الأدباء. وقد وجدته فى كتاب أبى حيان: مثالب الوزيرين ص 150.
(1) سورة الرحمن 48.
(2) ذهب الإمام تقى الدين السبكى-المتوفى سنة 756 - إلى أن الجارّ والمجرور والظرف، إذا وقعا خبرا، يكونان خبرا، ولا يقدّر فيهما كائن ولا استقرّ. قال ولده تاج الدين فى طبقات الشافعية 10/ 306: «وقد رأيته معزوّا لأبى بكر بن السرّاج، شيخ أبى علىّ الفارسى». قلت: والذى رأيته فى الأصول لابن السرّاج 1/ 63، غير هذا، فقد قدّر الخبر محذوفا، كسائر النحاة، فقال فى «زيد خلفك»: «كأنك قلت: زيد مستقرّ خلفك
(3) سقط من ه‍.
(2/77)

فإن يك جثمانى بأرض سواكم … فإنّ فؤادى عندك الدّهر أجمع (1)
ليس قبل «أجمع» ما يصحّ أن يحمل عليه إلاّ اسم إنّ، والضمير الذى فى الظرف والدهر، فاسم إنّ والدهر منصوبان، فبقى حمله على المضمر فى قوله:
«عندك» وإنما أضمر فيه لكونه خبرا، فالتقدير: مستقرّ عندك أجمع.
...
_________
(1) سبق فى المجلس الأول.
(2/78)

فصل
أمّا الحذف الواقع بالفعل، فإنه ينقسم إلى ستّة أضرب، الأول: حذفه على شريطة التفسير، والثانى: حذفه مع إن، والثالث: حذفه للدلالة عليه، والرابع:
حذفه مع أمّا، والخامس: حذفه جوابا، والسادس: حذفه اختصارا وإيجازا.
فحذف الفعل على شريطة التفسير (1)، يقع فى سبعة مواضع: الاستفهام والأمر والنهى والشرط والتحضيض والنفى والعطف.
فحذفه فى الاستفهام، كقولك: أزيدا أكرمته، أزيدا مررت به، أزيدا ضربت أخاه؟ / {أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ} (2) فالعوامل فى هذه المنصوبات أفعال مقدّرة قبلها، تفسّرها الأفعال المذكورة بعدها، ولا يجوز أن تنصبها بالتى بعدها، لأن تلك قد تعدّت إلى ما تقتضيه من المفعول، ظاهرا أو مضمرا، فالتقدير:
أأكرمت زيدا أكرمته، أجزت زيدا مررت به، أأهنت زيدا ضربت أخاه، أنتّبع بشرا منّا واحدا نتّبعه؟
وإنما أضمرت جزت، ولم تضمر مررت، لأن مررت لا يتعدّى إلا بالجارّ، فلو أضمرته أضمرت حرف الجرّ، وحرف الجرّ لا يضمر، وأضمرت أهنت فى قولك: أزيدا ضربت أخاه؟ لأن الضرب لم يقع بزيد، وإنما وقعت به الإهانة بضرب أخيه، ومثل تقديرك جزت زيدا، ولم تقدّر مررت، التقدير فى قول جرير (3):
أثعلبة الفوارس أو رياحا … عدلت بهم طهيّة والخشابا
_________
(1) وهو باب الاشتغال.
(2) سورة القمر 24.
(3) ديوانه ص 814، والكتاب 1/ 102،3/ 183 - وفى هذا الموضع الثانى يصحّح العينى إلى 533، والتبصرة ص 335، وفى حواشى الكتاب تخريجات أخرى. والبيت أعاده ابن الشجرى فى المجلس الخامس والسبعين.
(2/79)

مدح فى هذا البيت ثعلبة ورياحا، وذمّ طهيّة والخشاب، فلذلك وصف ثعلبة بالفوارس، فالتقدير إذن: أحقرت ثعلبة؟ ولم يجز إضمار عدلت، لتعدّيه بالباء.
وتقول فى الأمر والنهى: زيدا أكرمه، وعمرا لا تضربه، تقدّر الناصب على ما مثّلته لك، فتقدّر للأول: أكرم، وللثانى: لا تضرب.
ولو رفعت فى هذه المواضع، فقلت: أزيد ضربته؟ وزيد أكرمه، وعمرو لا تضربه، جاز ذلك على ضعف، وإنما ضعف فى الاستفهام، لأن الاستفهام يطلب الفعل، ولو أنك حذفت حرف الاستفهام من قولك: أزيدا ضربته، عمل الابتداء، وضعف النصب، لزوال المقتضى له، كما يضعف الرفع إذا قلت: أزيد ضربته؟
والجملتان الأمريّة والنّهييّة يضعف الإخبار بهما، لأن الخبر حقّه أن يكون محتملا للتصديق والتكذيب (1)
قال أبو علي: قد كنت أستبعد إجازة سيبويه الإخبار بجملتى الأمر والنهى، /حتى مرّ بى قول الشاعر:
إن الذين قتلتم أمس سيّدهم … لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما (2)
_________
(1) حكى الشيخ خالد هذا الكلام عن ابن الشجرىّ، ثم قال: «قاله ابن الشجرى، ونوقش فيه». وقال الشيخ يس فى حاشيته: «وجه المناقشة أن الخبر المحتمل لما ذكر يقابل الإنشاء، أى الكلام الخبرىّ، لا خبر المبتدأ» التصريح وبحاشيته يس 1/ 298.
(2) البيت من غير نسبة فى المغنى ص 585، والتصريح 1/ 298، والهمع 1/ 135، ونسبه البغدادى إلى أبى مكعت. الخزانة 10/ 247،250، وشرح أبيات المغنى 7/ 229. و «أبو مكعت» بضم الميم وسكون الكاف وكسر العين-بوزن محسن-شاعر من بنى أسد، قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأنشده شعرا، وقد اختلف فى اسمه. راجع أسد الغابة 6/ 298، والتاج (كعت).
(2/80)

ومثله قول الآخر (1):
ولو أصابت لقالت وهى صادقة … إنّ الرياضة لا تنصبك للشّيب
ومثال إضمار الفعل بعد حرف الشرط ناصبا، قولك: إن زيدا أكرمته نفعك، تريد: إن أكرمت زيدا، ومثله قول النّمر بن تولب:
لا تجزعى إن منفسا أهلكته … وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعى (2)
ومثال إضماره رافعا، قولك: إن زيد زارنى أحسنت إليه، ومثله فى التنزيل:
{إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ} (3) {وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ} (4) {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ} (5) ولو قلت: إن زيد يزرنى أحسن إليه، فجزمت، جاز ذلك على ضعف (6)، وجاز فى «إن» لأنها أصل الباب، ولا يجوز هذا فى غيرها إلا فى الشعر، كما قال (7):
ومتى واغل ينبهم يحيّو … ه وتعطف عليه كأس السّاقى
الواغل: الذى يدخل على القوم وهم على شرابهم من غير إذن.
وقال آخر (8):
_________
(1) هو الجميح الأسدى، والبيت من قصيدة فى المفضليات ص 34، وانظر كتاب الشعر ص 326، والخزانة 10/ 246، وفى حواشيهما فضل تخريج.
(2) فرغت منه فى المجلس الخامس.
(3) سورة النساء 176.
(4) سورة النساء 128.
(5) سورة التوبة 6.
(6) لأنه لا يجوز أن يفصل بين حرف الجزم وبين الفعل باسم لم يعمل فيه ذلك الفعل. راجع الإنصاف ص 616.
(7) عدىّ بن زيد العبادىّ. ذيل ديوانه ص 156، والكتاب 3/ 113، والمقتضب 2/ 76، والأصول 2/ 232، والتبصرة ص 418، وشرح لامية العرب للزمخشرى ص 31، والإنصاف ص 617، وشرح المفصل 9/ 10، وضرائر الشعر ص 207، والهمع 2/ 59، والخزانة 3/ 46،9/ 37،39.
(8) كعب بن جعيل، أو الحسام بن ضرار الكلبى. الكتاب 3/ 113، والمقتضب 2/ 75، والأصول 2/ 233، والإنصاف ص 618، وشرح المفصل 9/ 10، وضرائر الشعر ص 207، وشرح الشواهد الكبرى 4/ 424،571، والهمع 2/ 59، والخزانة 3/ 47،9/ 38،39،43. والصحاح (صعد). وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الثامن والسبعين، وشرح غريبه هناك.
(2/81)

صعدة نابتة فى حائر … أينما الرّيح تميّلها تمل
وإضمار الماضى بعد إذا الزمانيّة، كقولك: إذا زيد حضر أعطيته، ومثله فى التنزيل: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} (1) و {إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ} (2) وهو كثير، وارتفاعه عند سيبويه بالفعل المقدّر، وأبو الحسن الأخفش يرفع الاسم بعد «إذا» هذه بالابتداء، وهو قول ضعيف (3)، لاقتضاء هذا الظرف جوابا، كما يقتضيه حرف الشرط، ولأنه ينقل الماضى إلى الاستقبال، كقولك: إذا جاء زيد غدا أكرمته، كما تقول: إن جاء زيد غدا، وقد جزموا به فى الشّعر، كقوله (4):
ترفع لى خندف والله يرفع لى … نارا إذا خمدت نيرانهم تقد
وكقول الآخر (5):
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها … خطانا إلى أعدائنا فنضارب
وإنما (6) لم يجزموا به فى حال السّعة، كما جزموا بمتى، لأنه خالف «إن» من حيث شرطوا (7) به فيما لا بدّ من كونه، كقولك: إذا جاء الصيف سافرت، وإذا
_________
(1) أول سورة التكوير.
(2) أول سورة الانفطار.
(3) راجع الإنصاف ص 620.
(4) الفرزدق، والبيت مفرد فى ديوانه ص 216. والكتاب 3/ 62، والمقتضب 2/ 56، والأزمنة والأمكنة 1/ 241، والتبصرة ص 411، وشرح المفصل 7/ 47، وضرائر الشعر ص 298، وشرح الأشمونى 4/ 13، والخزانة 7/ 22.
(5) قيس بن الخطيم. ديوانه ص 41، وتخريجه فى ص 50، وزد عليه: المقتضب 2/ 55، وضرائر الشعر ص 298. وفى رواية البيت ونسبته خلاف، استوفاه البغدادى فى الخزانة 7/ 26، وانظر حماسة ابن الشجرى ص 186.
(6) حكى البغدادى كلام ابن الشجرى هذا، فى الخزانة. وأصل هذه المسألة فى الكتاب 3/ 60، والمقتضب 2/ 56.
(7) فى ه‍: «شرطوا أنه».
(2/82)

انصرم الشتاء قفلت، ولا تقول: إن جاء الصيف، ولا إن انصرم الشتاء، لأن الصيف لا بدّ من مجيئه، والشتاء لا بدّ من انصرامه، وكذا لا تقول: إن جاء شعبان، كما تقول: إذا جاء شعبان، وتقول: إن جاء زيد لقيته، فلا تقطع بمجيئه، فإن قلت: إذا جاء، قطعت بمجيئه، فلما خالفت إذا إن، فيما تقتضيه إن من الإبهام، لم يجزموا بها فى سعة الكلام.
و «لو» من الحروف التى تقتضى الأجوبة، وتختصّ بالفعل، ولكنهم لم يجزموا به، لأنه لا ينقل الماضى إلى الاستقبال، كما تفعل حروف الشرط، تقول: لو زارنى زيد أمس أكرمته، وربّما جزموا به فى الضرورة، قالت امرأة من بنى الحارث بن كعب:
فارسا ما غادروه ملحما … غير زمّيل ولا نكس وكل (1)
لو يشاء طار به ذو ميعة … لاحق الآطال نهد ذو خصل
غير أن البأس منه شيمة … وصروف الدّهر تجرى بالأجل
واقتدى بها فى الجزم (2) [به] أبو الحسن الرضىّ، رضي الله عنه، فقال فى قصيدة، رثى بها أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابىّ:
إنّ الوفاء كما اقترحت فلو تكن … حيّا إذا ما كنت بالمزداد (3)
قولها: «فارسا ما غادروه» نصبت «فارسا» بمضمر فسّره «غادروه»، و «ما» زيادة/والملحم: الذى أحيط به فى الملحمة، وهو الموضع الذى يلتحم فيه المحاربون.
والزّمّيل: الجبان الضّعيف.
_________
(1) سبقت الأبيات فى المجلس الثامن والعشرين.
(2) ليس فى ه‍.
(3) وهذا أيضا تقدم فى المجلس المذكور.
(2/83)

والنّكس من الرجال: الذى لا خير فيه، شبّهوه بالسهم الذى ينكسر فوقه، فيجعل أعلاه (1) أسفله.
ويقال: رجل وكل ووكلة، وهو العاجز الذى يكل أمره إلى غيره.
والميعة: النشاط وأول جرى الفرس.
ولاحق الآطال: ضامر الخواصر، وواحد الآطال: إطل.
والنّهد من الخيل: العظيم المشرف، وقد تقدم ذكر هذه الأبيات فى الأمالى الأول، وذكرت هنا لطول العهد.
وأما «إذا (2)» المكانيّة، فهى حرف استئناف، موضوع للمفاجأة، فجملة الابتداء والخبر تقع بعده، كقولك: خرجت فإذا زيد جالس، المعنى: فهناك زيد جالس، ولما كانت اسما للمكان أخبروا بها عن الأعيان، فقالوا: خرجت فإذا أخوك جالسا، فأخوك مبتدأ، وإذا خبره، ونصبوا بها الحال، كما ينصبون الحال بالظرف، فى قولك: خلفك زيد جالسا.
ومثال إضمار الفعل بعد حرف التحضيض، كقولك: هلاّ زيدا أعطيته، ولولا أخاك أكرمته، ومنه قوله:
تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم … بنى ضوطري لولا الكميّ المقنّعا (3)
أراد: لولا تعدّون الكمىّ، أو لولا تعقرون الكمىّ، وقد تقدّم ذكر هذا البيت.
_________
(1) فى الأصل وه‍: «أسفله أعلاه». وأثبتّه على العكس ممّا تقدّم فى المجلس الثامن والعشرين، ومثله فى اللسان (نكس).
(2) تقدم الكلام عليها مستوفى فى المجلس الحادى والثلاثين.
(3) تقدم فى المجلس الخامس والثلاثين.
(2/84)

وسبيل النفى سبيل الاستفهام، تقول: ما زيدا ضربته، وما زيدا مررت به، وما زيدا ضربت أخاه، تقدّر هاهنا من الأفعال ما قدّرته هناك، قال الشاعر (1):
فلا ذا جلال هبنه لجلاله … ولا ذا ضياع هنّ يتركن للفقر
أراد: فلا هبن ذا جلال، ونصب ذا ضياع، بيتركن، لأنه لم يشغل بالعمل فى غيره، وهذا كقولك: زيدا جعفر يضرب.
وأمّا حذف الفعل فى العطف على شريطة التفسير، فيقتضى أن تكون الجملة /المبدوء (2) بها فعليّة، كقولك: خرج زيد وعمرا كلّمته، ومررت بجعفر وخالدا أهنته، وضربت بكرا ومحمدا أكرمته، ولا تبالى كان الفعل الأول متعدّيا أو غير متعدّ.
وإنما قوى إضمار الفعل إذا بدئ بجملة الفعل، طلبا للتشاكل بين الجملتين، فأضمرت فعلا، لتكون قد عطفت جملة على جملة تشاكلها، فشاكلت بين الكلامين، ولو رفعت فقلت: أكرمت زيدا وخالد أهنته، خالفت بين الجملتين.
فإن كانت الجملة المبدوء بها اسميّة، قوى الرفع، لمشاكلة الثانية للأولى، كقولك: زيد منطلق وخالد ضربته، ومثله فى التنزيل: {وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ.}
{وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ} (3) ولو نصب {الشُّعَراءُ} بتقدير: ويتّبع الغاوون الشّعراء،
_________
(1) هدبة بن خشرم. الكتاب 1/ 145، والتبصرة ص 332، والسّمط ص 639، وشرح المفصل 2/ 37. وفى ترجمة هدبة من الأغانى 21/ 264، والخزانة 9/ 337: فلا تتقى ذا هيبة لجلاله ولا ذا ضياع هنّ يتركن للفقر وعلى هذه الرواية لا شاهد. والبيت مع بيتين فى اللسان (قدر).
(2) فى ه‍: المبتدأ.
(3) سورة الشعراء 223،224.
(2/85)

كان النصب ضعيفا، لتخالف الكلامين، ونقيض ذلك قوّة النصب فى قوله تعالى:
{وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً} (1) وذلك لتقدّم جمل فعليّة، فى قوله عز وجل:
{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ} فلو رفع قارئ ممّن يؤخذ بقراءته فقال: {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ} ساغ الرفع فى العربيّة على ضعف.
وفى قوله تعالى: {فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} (2) قولان: أحدهما أن تنصب {فَرِيقاً} الأول، على أنه مفعول قدّم على ناصبه، لأن {هَدى} لم يشغل عنه بالعمل فى غيره، وتنصب {فَرِيقاً} الثانى بإضمار فعل، فى معنى قوله: {حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} تقديره: وأضلّ فريقا، فعلى هذا القول يكون الوقف على قوله: {كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} (3) والقول الثانى: أن تنصب فريقا وفريقا، على الحال من المضمر فى {تَعُودُونَ} أى تعودون فريقا مهديّا وفريقا مضلاّ، فعلى هذا القول لا يجوز الوقف على {تَعُودُونَ} لتعلق الحال بما قبلها، ويقوّى هذا القول قراءة (4) أبىّ بن كعب: «تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا حقّ عليهم الضّلالة».
/وقوله جلّ وعلا: {يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً} (5) انتصاب (6) {الظّالِمِينَ} فيه بتقدير حذف «يعذّب» لأن قوله: {أَعَدَّ لَهُمْ}
_________
(1) سورة الإسراء 12.
(2) سورة الأعراف 30، وهذان القولان اللذان ذكرهما ابن الشجرى فى توجيه النصب، أوردهما مكى فى مشكل إعراب القرآن 1/ 311، وكأن ابن الشجرى ينقل عنه، أو كأن الاثنين ينقلان عن مصدر واحد. وأغار أبو البركات الأنبارى على ما ذكره الرجلان، دون عزو، كما هو شأنه فى كتابه البيان 1/ 359، وأصل الكلام كله عند الفراء فى معانى القرآن 1/ 376، وأيضا 240، وانظر الكتاب 1/ 89.
(3) سورة الأعراف 29.
(4) راجع معانى القرآن، الموضع السابق. وإيضاح الوقف والابتداء ص 653.
(5) آخر سورة الإنسان.
(6) هذا الذى ذكره ابن الشجرى كلّه عند مكى فى مشكل إعراب القرآن 2/ 443، مع تغيير يسير فى بعض العبارات. والعجب من ابن الشجرى يحمل على مكى ثم يستاق كلامه-
(2/86)

{عَذاباً} يفسّره، من حيث كان إعداد العذاب يؤول إلى التعذيب، ولا يجوز إضمار «أعدّ» لما قدمته لك فى غير موضع، من أن الفعل إذا تعدّى بالخافض، لا يصحّ إضماره.
وفى مصحف ابن مسعود: «وللظّالمين أعدّ لهم» بلام الجر فى {الظّالِمِينَ} على تقدير: وأعدّ للظالمين أعدّ لهم، ويجوز فى العربية (1) رفع {الظّالِمِينَ} بالابتداء، والجملة التى هى {أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً} خبره.
وروى عن الأصمعىّ أنه سمع من يقرأ بذلك، وليس بمعمول به فى القرآن، لأنه مخالف لخطّ المصحف، وللقراءة المجمع عليها.
وأجاز الفرّاء (2) أن يكون الرفع فيه بمنزلة الرفع فى قوله: (3) {وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ} وليس بمثل له، لأنّ قبل قوله: {وَالشُّعَراءُ} جملة من مبتدأ وخبر، وقبل {الظّالِمِينَ} جملة فعلية، فالرفع فى {الشُّعَراءُ} هو الوجه، على ما ذكرته لك، والقرّاء مجمعون على الرفع فيه، والنصب فى {الظّالِمِينَ} هو الوجه.
...
_________
= انظر ما تقدم عن (مصادر ابن الشجرى) ص 149 من الدراسة. وتقدير «يعذّب» ناصبا للظالمين، عزاه ابن الجوزى فى زاد المسير 8/ 442، إلى الزجاج، وهو كذلك فى كتابه معانى القرآن وإعرابه 5/ 336.
(1) وقرئ به فى الشواذّ، قرأ به عبد الله بن الزبير، وأبان بن عثمان. المحتسب 2/ 344، وردّه أبو إسحاق الزجاج، بمخالفته للمصحف، كما ذكر ابن الشجرى؛ ولأن البصريين يختارون فى مثل هذا النصب. قال: «فلا يختارون للقرآن إلاّ أجود الوجوه» راجع الموضع المذكور من كتابه.
(2) معانى القرآن 3/ 220.
(3) سورة الشعراء 224.
(2/87)

المجلس الحادى والأربعون
يتضمّن ما بقى من ذكر النصب على شريطة التفسير
فى العطف
، وما يلى ذلك من الضّروب
اختلف القرّاء فى رفع {الْقَمَرَ} ونصبه، من قوله تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ} (1) فرفعه (2) ابن كثير ونافع وأبو عمرو، فوجه الرفع أن قبله جملة من مبتدأ وخبر، وهى قوله: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي} (3) ووجه النّصب عند أبى على: أنه تقدّمه فعل وفاعل، فالفعل {تَجْرِي} وفاعله الضمير المستكنّ فيه، ولمّا جرى ذكر فعل، حسن إضمار الفعل، قال أبو على: من نصب، فقد حمله سيبويه (4) على: زيدا ضربته، قال: /وهو عربىّ، يعنى أنه قد يجوز إضمار الفعل، وإن لم يتقدّم ذكر فعل، فكأن سيبويه لم يعتدّ بذكر {تَجْرِي} فنصب بعد ذكر الجملة المبتدئية، كما تقول مبتدئا:
زيدا ضربته، فتنصبه وإن لم يتقدّمه فعل.
قال أبو علىّ: ويجوز فى نصبه وجه آخر، وهو أن تحمله على الفعل الذى هو خبر المبتدأ، على ما أجازه سيبويه، من قولك: زيد ضربته وعمرا أكرمته، وهو أن تحمله مرّة على الابتداء، ومرّة على الخبر الذى هو جملة من فعل وفاعل، وهو {تَجْرِي} من قوله: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها} {وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ} انتهى كلام أبى على.
_________
(1) سورة يس 39.
(2) السبعة ص 540، والكشف 2/ 216، والمشكل 2/ 226، والإتحاف 2/ 400.
(3) سورة يس 38.
(4) راجع الكتاب 1/ 88 - 92، ولم يتل سيبويه آيتى سورة يس.
(2/88)

وأقول: إن الرّفع فى هذا الحرف أقوى، لأمرين: أحدهما: تقدّم المبتدأ الذى هو {الشَّمْسُ} على الخبر الذى هو {تَجْرِي} (1) فمراعاة الاسم الذى الفعل فى ضمنه أولى، ألا ترى أنّ سيبويه (2) لم يعتدّ بالفعل الذى هو {تَجْرِي} وحمل نصب {الْقَمَرَ} على قولك: زيدا ضربته.
والثانى: أن «قدّر» يتعدّى إلى مفعول واحد، وقد تعدّى هاهنا إلى مفعولين، الهاء والمنازل، وإنما تعدّى إلى الهاء بتقدير حرف الخفض، أى قدّرنا له منازل (3)، هذا هو المعنى، ألا ترى أنك تقول: قدّرت لزيد دينارا، ولا تقول: قدّرت زيدا دينارا، وإذا كان حق «قدّر» أن يتعدّى بالجار، وكان إضماره مخالفا للقياس، كما أن (4) [إضمار] «مررت» فى قولك: خرج زيد وعمرا مررت به، لا يجوز، وموجب نصب {الْقَمَرَ} عندى ذكر المصدر، الذى هو التقدير فى قوله:
{ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} ألا ترى أن المصدر إذا وقع هذا الموضع، فإنه فى تقدير التحليل إلى أن والفعل، كقوله: {وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ} (5) أى: ولولا أن دفع الله الناس، فكأنه قيل: ذلك أن قدّره العزيز العليم، أى قدّر جريان الشمس لمستقرّ لها، أى إلى مستقرّ لها، ومعنى اللام هاهنا معنى «إلى» كما قال تعالى:
{بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها} (6) أى: إليها، والإشارة بقوله: {ذلِكَ} إلى الجريان الذى/ دلّ عليه {تَجْرِي} وجّهت الإشارة إلى المصدر، الذى دلّ عليه فعله، كما عاد الضمير إلى الشكر، لدلالة فعله عليه، فى قوله تعالى: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} (7).
_________
(1) راجع التصريح 1/ 304.
(2) قدّمت أن سيبويه لم يتل آيتى يس.
(3) فى نصب مَنازِلَ وجهان آخران، ذكرتهما فى حواشى المجلس الثامن والعشرين.
(4) ليس فى ه‍. وتقدم تعليل ذلك فى المجلس السابق.
(5) سورة البقرة 251، والحج 40.
(6) سورة الزلزلة 5.
(7) سورة الزمر 7.
(2/89)

وإذا عرفت هذا، فالناصب للقمر فعل مقدّر، معطوف على الفعل الذى انسبك منه ومن «أن» المصدر الذى هو التقدير، فالقمر داخل بالعطف فى صلة التقدير، فكأنه قال: ذلك أن قدّره العزيز العليم، وقدّر القمر، أى قدّر جريان القمر، ثم استأنف الجملة التى بعده، فقال: قدّرناه منازل، أى قدّرنا له منازل، وحذفت اللام هاهنا كما حذفت من قوله: {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً} (1) أى: ويبغون لها عوجا، فعلى هذا التقدير الذى قدّرته، لا يكون {قَدَّرْناهُ} مفسّرا لناصب القمر، بل يكون جملة مستأنفة، فى استئنافها التخلّص من كون الفعل المفسّر متعدّيا بالجارّ، فتأمّل ما قرّرته فى هذا الفصل فهو ممّا خطر لى.
ومن هذا الضّرب قوله تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ} (2) حسن النصب هاهنا بإضمار {أَغْرَقْنا»} لتقدّم قوله: {اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ} ثم جاء بعدها: {وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ} فأضمر (3) ناصب غير «أغرقنا»، وتقديره: وأهلكنا عادا، ثم جاء: {وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ} فأضمر فعل ثالث، فالتقدير: ووعظنا كلاّ، لأنّ ضرب الأمثال وعظ، ثم جاء: {وَكُلاًّ تَبَّرْنا} فلم يضمر ناصب لكلّ، لأن {تَبَّرْنا} لم يشتغل عن العمل فيه.
وقد ورد فى التنزيل حرف منصوب، نصبه فى الظاهر خارج عن القياس، لأنه لا داعى إلى النصب فيه ظاهرا، والقراء مجتمعون على النصب فيه، وهو {كُلَّ} فى قوله تعالى: {إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ} (4) أجمع البصريون على أنّ
-
_________
(1) سورة إبراهيم 3.
(2) سورة الفرقان 36 - 39.
(3) راجع المشكل 2/ 132، والبيان 2/ 204.
(4) سورة القمر 49، وقرأ أبو السّمّال وحده كُلَّ بالرفع. راجع المحتسب 2/ 300، وتفسير القرطبى 17/ 147، والبحر 8/ 183.
(2/90)

رفعه أجود (1)، لأنه لم يتقدّمه ما يقتضى إضمار ناصب، وقال الكوفيون: نصبه أجود، لأنه قد تقدّمه عامل ناصب، وهو «إنّ» فاقتضى ذلك/إضمار «خلقنا» وقوله:
{خَلَقْناهُ} مفسّر للضمير (2).
ووجدت بعض معربى (3) القرآن مسدّدا ومقويّا لمذهب الكوفيّين، لأن ما ذهبوا إليه يقتضى العموم فى المخلوقات، أنها كلّها لله، من حيث كان التقدير: إنا خلقنا كلّ شيء بقدر، فقوله: {بِقَدَرٍ} متعلّق بخلقنا، ولو رفع {كُلَّ} لكان {خَلَقْناهُ} صفة لشيء، وتعلّق قوله: {بِقَدَرٍ} بمحذوف، لكونه خبرا للمبتدإ، فالتقدير: كلّ شيء مخلوق لنا بقدر، وهذا يقتضى الخصوص فى المخلوقات، وإذا كان {خَلَقْناهُ} مفسّرا للناصب، الذى هو «خلقنا» لم يجز أن يكون وصفا لشيء، لأن الصّفة لا تكون مفسّرة لما قبل الموصوف، فحكمها فى ذلك حكم الصّلة.
وذكر بعض النحويين وجها آخر فى نصب {كُلَّ}، وهو أن يكون منصوبا بخلقناه، على أن تكون الهاء ضمير المصدر، الذى دلّ عليه {خَلَقْناهُ} كما كانت الهاء فى قول الشاعر:
هذا سراقة للقرآن يدرسه … والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب (4)
_________
= و «أبو السّمّال» -بفتح السين وتشديد الميم-واسمه قعنب بن أبى قعنب العدوىّ البصرى. قال عنه ابن الجزرىّ: «له اختيار فى القراءة شاذّ عن العامّة». طبقات القراء 2/ 27.
(1) راجع الكتاب 1/ 148، والتصريح 1/ 303، والموضع السابق من المحتسب.
(2) يعنى المضمر.
(3) ممّن نصر مذهب الكوفيين مكّىّ، فى مشكل إعراب القرآن 2/ 340،341، وانظر مع المراجع السابقة: البيان 2/ 407، والمغنى ص 597، وشرح الأشمونى 2/ 80.
(4) الكتاب 3/ 67، والنكت فى تفسيره ص 732، واستشهد به سيبويه على التقديم والتأخير. فأصله عنده «والمرء ذيب إن يلق الرّشا»، وانظر الحجة لأبى على 2/ 241،375، والأصول 2/ 193 ورسالة الغفران ص 153، والمقرب 1/ 115، والهمع 2/ 33، والخزانة 2/ 3، وفهارسها 12/ 101، وشرح أبيات المغنى 4/ 315، وشرح شواهده ص 587، واللسان (سرق).
(2/91)

ضمير المصدر الذى هو الدرس (1)، فالتقدير: للقرآن يدرس درسا، وكذلك التقدير: إنا كلّ شيء خلقناه خلقا، وهذا القول وإن كان يصح به النصب فى {كُلَّ} فإنه مقتض للعموم فى المخلوقات أنها كلّها لله جلّت عظمته، لأن قوله:
{بِقَدَرٍ} يتعلّق فى هذا الوجه بخلقنا.
_________
= والرّشا، بضم الراء وكسرها: جمع رشوة، مثلثة الراء. وسراقة: رجل من القراء، هجاه الشاعر ووصفه بالرياء وقبول الرشوة والحرص عليها حرص الذئب على فريسته. والبيت أنشده ابن هشام فى المغنى ص 218 بهذه الرواية: هذا سراقة للقرآن يدرسه يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا هكذا رأيته فى المغنى بطبعتيه: طبعة الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد التى أحلت عليها، وطبعة دار الفكر ببيروت (ص 240)، وكذلك جاءت الرواية فى المغنى بحاشية الدسوقى 1/ 313 - طبعة بولاق 1286 ه‍، وبحاشية الأمير 1/ 182، ولم يتعرض له الدسوقى، وقال الأمير: «الذى فى الحماسة: والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب» قلت: لم أجده فى الحماسات التى أعرفها: حماسة أبى تمام والبحترى وابن الشجرى، والبصرية. وهذا العجز الذى جاء فى المغنى: يقطع الليل تسبيحا وقرآنا يأتى مع صدر آخر، هو: ضحّوا بأشمط عنوان السجود به وينسب لحسّان بن ثابت، رضى الله عنه، ولغيره. على ما فى الخزانة 9/ 418، وديوانه 96. والذى أميل إليه-وهو الصواب إن شاء الله-أن ابن هشام لم ينشد إلاّ صدر البيت: هذا سراقة للقرآن يدرسه أما: «يقطع الليل تسبيحا وقرآنا» فهو من الزيادات عليه. والذى يؤكد هذا أن السيوطىّ والبغدادى فى شرحهما على شواهد المغنى، لم يذكرا عنه سوى: هذا سراقة للقرآن يدرسه ثم قالا عقب إنشاد هذا الصدر: تمامه: والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب وهذا كاف فى تصحيح الرواية. والحمد لله على ما وفّق وأعان. ولعلّى أقف على مخطوطة قديمة للمغنى تكون فيصلا وحكما.
(1) هذا تقدير أبى على الفارسى. وإنما لم يجز عود الضمير للقرآن، لئلاّ يلزم تعدّى العامل إلى الضمير وظاهره معا.
(2/92)

وخطر لى فى نصب {كُلَّ} وجه مخالف للوجهين المذكورين، وهو أن يكون قوله: {كُلَّ شَيْءٍ} نصبا على البدل من اسم إنّ، وهو بدل الاشتمال، لأن الله سبحانه محيط بمخلوقاته، فيكون التقدير: إنّ كلّ شيء خلقناه بقدر، فيكون قوله: {خَلَقْناهُ} صفة لشيء، وقوله: {بِقَدَرٍ} متعلّقا بمحذوف، لأنه خبر إنّ.
فإن عورض هذا القول بأنّ ضمير المتكلّم وضمير المخاطب لا يبدل منهما، لأن البدل إنما/يراد به تخصيص المبدل منه، وضمير المتكلّم والمخاطب فى غاية التعريف، فلا حاجة بهما إلى التخصيص.
فالجواب عن هذه المعارضة، بأن الإبدال من ضمير المتكلّم وضمير المخاطب لا يسوغ إذا كان البدل هو المبدل منه، وذلك بدل الشىء من الشىء، وهو هو، ويسمّونه بدل الكلّ، وأمّا بدل الاشتمال وبدل البعض، فيسوغان فى ضمائر المتكلّمين والمخاطبين، لأن بدل الاشتمال وبدل البعض لا يخصّصان المبدل منه، لأنهما ليسا إياه، ألا تراك إذا قلت: إنك كلامك يثقل عليّ، فنصبت «كلامك» لأنك أبدلته من الكاف، كان حسنا، فالتقدير: إن كلامك يثقل علي، وكذلك لو قلت: إنى لأبغضك كلامك، كان مستقيما، وكذلك بدل البعض، كقولك: إنى أحبّك وجهك، تريد أحبّ وجهك، وكذلك إذا قلت:
زيد يحبّنى علمى، أردت: يحبّ علمى، فكلام مستقيم.
وقد جاء فى التنزيل إبدال البعض من ضمير المخاطبين المجرور، وأعيد فى البدل حرف الجر، فى قوله تعالى: {لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ} (1) فقوله: {لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ} بدل (2) من قوله: {لَكُمْ}
_________
(1) سورة الأحزاب 21.
(2) هذا رأى الكوفيين والأخفش، وعليه الزمخشرىّ، ولا يجيزه البصريّون؛ لأن الغائب لا يبدل من المخاطب، وعندهم أن اللام فى لِمَنْ متعلّقة بحسنة. الكشاف 3/ 256، وتفسير القرطبى 14/ 156، والبحر 7/ 222. وانظر البيان 2/ 267، والتبيان ص 1054.
(2/93)

وأعيدت اللام فى البدل، كما أعيدت فى قوله تعالى: {قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} (1) وكذلك أعيدت فى قوله: {لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ} (2) فقوله: {لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} بدل البعض، وقوله: {لِبُيُوتِهِمْ} بدل الاشتمال.
فإن قيل: إنّ بدل الاشتمال حقّه أن يكون الأول مشتملا على الثانى، كقوله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ} (3) فالشهر مشتمل على القتال، وقوله: {لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ} بعكس ذلك، لأن البيوت تشتمل عليهم.
قيل: إن المراد هاهنا اشتمال الملكيّة، ومثل ذلك: سرق زيد ثوبه.
_________
(1) سورة الأعراف 75.
(2) سورة الزخرف 33.
(3) سورة البقرة 217.
(2/94)

فصل
/ قد مضى إضمار الفعل على شريطة التفسير، ويليه إضماره مع «إن» وذلك فى قولهم (1): «الناس مجزيّون بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ» التقدير: إن كان عملهم (2) [خيرا فجزاؤهم خير، وإن كان عملهم] شرّا فجزاؤهم شرّ، ومثله فى إضمار «كان» قول ليلى الأخيلية:
لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف … إن ظالما فيهم وإن مظلوما (3)
أى إن كنت ظالما وإن كنت مظلوما، ومثله قول النعمان بن المنذر، للربيع ابن زياد العبسىّ، من أبيات فى قصّة جرت له مع نفر من بنى عامر بن صعصعة:
_________
(1) هكذا تأتى عبارة ابن الشجرى «قولهم»، وكذلك صنع سائر النحاة، وعبارة سيبويه: «قولك»، ولم يصرّح بإسناده إلى النبى صلّى الله عليه وسلم إلاّ ابن مالك، وذلك قوله: «فمن النثر قول النبىّ صلّى الله عليه وسلم «المرء مجزىّ بعمله إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر» شواهد التوضيح ص 71، وقال محققه رحمه الله: «لم أقف على هذا الحديث» وقال فى شرح الكافية الشافية ص 418: «وفى الحديث» ثم ذكره. . . وقال القليوبى فيما حكاه الصبان عن شيخه: «المرء مجزى بعمله، ليس حديثا وإن صحّ معناه» حاشية الصبان على الأشمونى 1/ 242. وقال شمس الدين السحاوى، فى المقاصد ص 173: «ووقع فى كتب النحاة، كشروح الألفية وتوضيحها» الناس مجزيون بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر»، ذكره فى أثناء الكلام على «الجزاء من جنس العمل» وبيّض لمخرّجه، وحكاه العجلونى فى كشف الخفاء 1/ 332، وقد تكلم عليه كلاما طيبا الدكتور محمود فجال فى كتابه: السّير الحثيث إلى الاستشهاد بالحديث ص 282، وراجع: موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث الشريف ص 72، والحديث النبوىّ الشريف وأثره فى الدراسات اللغوية والنحوية ص 347. ثم انظر من كتب النحاة: الكتاب 1/ 258، وأيضا 3/ 113،149، والأصول 2/ 248، والشعر ص 57، والعضديات ص 149، والخصائص 2/ 63، والمساعد 1/ 272، وشرح المفصل 2/ 97 والإيضاح فى شرح المفصل 1/ 380، والكافية ص 113 وأوضح المسالك 1/ 261، والتصريح 1/ 193، والهمع 1/ 121.
(2) سقط من ه‍.
(3) الكتاب 1/ 261، وأمالى القالى 1/ 248، وشرح الحماسة ص 1609، والجمل المنسوب للخليل ص 111، وشرح الشواهد الكبرى 2/ 47، والتصريح 1/ 193، والهمع 1/ 121. والبيت ينسب لحميد بن ثور. ديوانه ص 130، برواية: لا ظالما أبدا ولا مظلوما -
(2/95)

قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا … فما اعتذارك من شيء إذا قيلا (1)
أى إن كان حقّا وإن كان كذبا، وتقول: افعل هذا وإلا هجرتك (2) [تريد:
وإلا تفعله هجرتك] فتحذف جملة الشرط، وجاء فى شعر للأحوص بن محمد الأنصارى (3):
سلام الله يا مطر عليها … وليس عليك يا مطر السّلام
فإن يكن النكاح أحلّ أنثى … فإنّ نكاحها مطر حرام
فطلّقها فلست لها بكفء … وإلاّ يعل مفرقك الحسام
أراد: وإن لا تطلّقها يعل، وسيبويه (4) يروى: «يا مطر» بالرفع والتنوين، يشبّهه بالمرفوع الذى لا ينصرف، فينوّنه على لفظه اضطرارا كقولك فى الشعر: هذا أحمد يا فتى، وأبو عمرو بن العلاء ومن أخذ أخذه، يردّون المنادى إلى الأصل، فينصبون وينوّنون.
ومثل بيت الأحوص، فى حذف جملة الشرط قول الآخر:
أقيموا بنى النّعمان عنّا صدوركم … وإلاّ تقيموا صاغرين الرّءوسا (5)
التقدير: وإن لا تقيموا صدوركم تقيموا الرءوس.
_________
= وهى الرواية الجيدة، فيما يرى أبو عبيد البكرى. انظر السّمط ص 561. والشاهد أعاده ابن الشجرى فى المجلس الثامن والسبعين، منسوبا لليلى الأخيلية.
(1) الكتاب 1/ 260، والفاخر ص 172، والأغانى 15/ 366،17/ 187، وشرح المفصل 2/ 97،8/ 101، وغير ذلك كثير، تراه فى حواشى كتاب الشعر ص 57، وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الثامن والسبعين.
(2) سقط من ه‍.
(3) ديوانه ص 190، وتخريجه فى ص 319، وزد عليه ما فى كتاب الشعر ص 61، وضرورة الشعر ص 42، والجمل المنسوب للخليل ص 53.
(4) الكتاب 2/ 202، وانظر المقتضب 4/ 214، والخزانة 2/ 150.
(5) فرغت منه فى المجلس الخامس والثلاثين.
(2/96)

/والضّرب الثالث من حذف الفعل، حذفه للدلالة عليه، كقولك إذا كنت محذّرا: الأسد الأسد، وكذلك: الطريق الطريق، تريد: خلّ الطريق، وقد أظهر الشاعر هذا الفعل، فى قوله (1):
خلّ الطّريق لمن يبنى المنار به … وابرز ببرزة حيث اضطرّك القدر
ومثله: النّجاء النّجاء، تريد: انج النّجاء، ولا بدّ من تكرير المنصوب إذا حذفت الفعل، فإن أظهرته لم تكرّره، ولكن تقول: انج النّجاء، وخلّ الطريق، واحذر الأسد، وقد يقوم العطف مقام التكرير، كقولهم: «أهلك واللّيل»، فهذا تقديره فى الإعراب: بادر أهلك (2) وبادر اللّيل، وتقديره فى المعنى: بادر أهلك قبل الليل، ومثله: رأسه والجدار، تقديره فى الإعراب: انطح رأسه والجدار، وفى المعنى: انطح رأسه بالجدار، ومثله فى العطف: {ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها} (3) أى احذروا ناقة الله وسقياها، وفيه تقدير حذف مضافين، أى احذروا عقر ناقة الله، وقطع سقياها، ومنه قول الحطيئة (4):
فإيّاكم وحيّة بطن واد … هموز النّاب ليس لكم بسيّ
قدّره النحويّون: إيّاكم احذروا، كأنه حذّرهم أنفسهم مع الحيّة الذى (5) وصفه، أى احذروا تسويل أنفسكم عداوة حيّة، من صفته كذا وكذا.
_________
(1) جرير. ديوانه ص 211، وتخريجه فى ص 1068، وزد عليه: التصريح 2/ 195، وشرح الأشمونى 3/ 191، و «برزة» هنا: اسم أمّ عمر بن لجأ التيمى. راجع اللسان (برز).
(2) المنصف 1/ 131 - وتكلم عليه ابن جنى كلاما عاليا-والفصول الخمسون ص 195.
(3) سورة الشمس 13.
(4) ديوانه ص 38، والخصائص 3/ 220، والمنصف 2/ 2، وشرح الحماسة للمرزوقى ص 417 وشرح المفصل 2/ 85، والخزانة 5/ 86، واللسان (سوا). ويأتى هذا البيت أيضا شاهدا على جرّ «هموز» على الجوار لقوله «واد» وإلاّ فحقّه النصب؛ لأنه صفة لحيّة.
(5) الحية تذكر وتؤنث. قال الأخطل: إن الفرزدق قد شالت نعامته وعضّه حيّة من قومه ذكر -
(2/97)

والهمز: الكدم والعضّ، والسّيّ: المثل.
ومن هذا الضّرب قولهم فى الدعاء: سقيا لك ورعيا، يريدون: سقاك الله سقيا، ورعاك الله رعيا، وقولهم: لك، يسمّيه النحويون تبيينا، فهو فى تقدير الانقطاع، والتعلّق بمحذوف، أى هذا لك.
ومن المنصوب فى الدّعاء بفعل محذوف، ما حكى عن الحجّاج (1)، أنه قال فى خطبته: «امرأ اتّقى الله، امرأ حاسب نفسه، امرأ أخذ بعنان قلبه فعلم ما يراد به» أراد: رحم الله امرأ، فإن قلت: امرؤ، فهو على تقدير: ليتق (2) الله امرؤ.
ومن هذا الباب، أعنى/باب الدعاء، قولهم للقادم: خير (3) مقدم، يضمرون: قدمت، ويجوز: خير مقدم، أى مقدمك خير مقدم.
وممّا جاء فيه الحذف قولهم: وراءك (4) أوسع لك، وحسبك خيرا لك،
_________
= قال الجوهرىّ: «والحية تكون للذكر والأنثى، وإنما دخلته الهاء لأنه واحد من جنس، كبطة ودجاجة، على أنه قد روى عن العرب: رأيت حيّا على حيّة، أى ذكرا على أنثى». الصحاح (حيا) والمذكر والمؤنث لأبى بكر بن الأنبارى ص 439، ولابن التّسترى ص 66،73.
(1) البيان والتبيين 2/ 173، وعيون الأخبار 2/ 251، والعقد الفريد 4/ 117، وشرح نهج البلاغة 2/ 102، والرواية فى الأولين بالنصب «امرأ»، وفى الأخيرين بالرفع «امرؤ».
(2) يأتى هذا عند النحاة شاهدا مرسلا من كلام العرب، وهو «اتقى الله امرؤ وفعل خيرا يثب عليه». ويروى «فعل خيرا» بطرح الواو. وهو شاهد على مجىء الطلب أو الأمر فى صورة الخبر. انظره فى الكتاب 3/ 100،504، والأصول 2/ 163، والمسائل العسكرية ص 127، وشرح المفصل 7/ 49، والمقرب 1/ 273، والمغنى ص 400، والتصريح 2/ 243، والهمع 2/ 14، وشرح الأشمونى 3/ 311. وانظر نتائج الفكر ص 146. وما سبق فى المجلس الثالث والثلاثين. وذكر الزمخشرى أنهم وضعوا الخبر موضع الإنشاء لقوّة الداعى إلى حصول الأمر، فكأنما حصل ونجز، فهو يخبر عنه. المحاجاة بالمسائل النحوية ص 145 (المسألة 33).
(3) الكتاب 1/ 270، والأصول 2/ 248، والفصول الخمسون ص 196.
(4) سبق فى المجلس الخامس والعشرين، وزد فى تخريجه: التبصرة ص 264، ومجمع الأمثال 2/ 370، والفصول الخمسون ص 195، وشرح المفصل 2/ 28.
(2/98)

التقدير: ارجع وراءك وائت مكانا أوسع لك، فحذفوا الفعلين والموصوف الذى هو المكان، وكذلك حسبك خيرا لك، معناه: اكتف ائت أمرا خيرا لك، وأمّا قوله تعالى: {وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ} (1) ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن التقدير: يكن خيرا، وهذا قول الكسائى (2)، ومن مذهب سيبويه أنّ «كان» لا يجوز إضمارها إلا مع «إن» فيما قدّمته من قولهم: «الناس مجزيّون بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ».
والثانى: أن {خَيْراً} صفة مصدر محذوف، تقديره: انتهوا انتهاء خيرا لكم، وهو قول (3) الفرّاء، وهذا القول ليس فيه زيادة فائدة على ما دلّ عليه {اِنْتَهَوْا} لأن انتهوا يدلّ على الانتهاء بلفظه، فيفيد ما يفيده الانتهاء (4).
والثالث: قول سيبويه (5)، وهو أن التقدير: ائتوا خيرا لكم، وفى هذا التقدير فائدة عظيمة، لأنه نهاهم بقوله: {اِنْتَهَوْا} عن التثليث، وأمرهم بقوله: ائتوا خيرا لكم، بالدخول فى التوحيد، فكأنه قال: انتهوا عن قولكم: آلهتنا ثلاثة، وأتوا خيرا
_________
(1) سورة النساء 171.
(2) وهو قول أبى عبيدة أيضا. وتراه فى مجاز القرآن 1/ 143، وانظر إعراب القرآن للنحاس 1/ 475، وتفسير الطبرى 9/ 413 - 415، ومشكل إعراب القرآن 1/ 214، والبحر 3/ 400.
(3) معانى القرآن 1/ 295، ولم يقله الفراء صراحة، وقد أول محقق المعانى-رحمه الله رحمة واسعة كلام الفراء، تأويلا ينتهى إلى ما ذكره الناقلون عنه. وانظر تعقّب الزجاج الفراء، فى معانى القرآن وإعرابه 2/ 134. ويبقى شيء. وهو أن الفراء إنما ذكر هذا الإعراب فى الآية السابقة، وهى قوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ. ولهذا قال الزجاج: «قال الفراء: انتصب هذا وقوله خَيْراً لَكُمْ لأنه متصل بالأمر. . .» فقوله «هذا» إشارة إلى ما فى الآية (70) والذى بعده من الآية (171) التى أدار عليها الكلام ابن الشجرى.
(4) تعقّب الأخفش الصغير علىّ بن سليمان قول الفراء بمثل ما ذكره ابن الشجرى، قال: هذا خطأ فاحش؛ لأنه يكون المعنى: انتهوا الانتهاء الذى هو خير لكم». إعراب القرآن للنحاس 1/ 476، وتفسير القرطبى 6/ 25.
(5) راجع الكتاب 1/ 282.
(2/99)

لكم، فقولوا: إنما الله إله واحد، فقد أخرجهم بهذا التقدير عن أمر فظيع، وأدخلهم فى أمر حسن جميل، ومنه ما أنشده أبو علي، فى كتابه الذى وسمه بالإيضاح (1):
تروّحي أجدر أن تقيلى … غدا بجنبى بارد ظليل
وفيه على ما ذهب إليه، ولم يذكره فى الإيضاح، خمسة (2) حذوف، لأنه قدّر ائتى مكانا أجدر بأن تقيلى فيه، فحذف الفعل، وحذف المفعول الموصوف الذى /هو مكانا، وحذف الباء التى يتعدّى بها أجدر، وحذف الجارّ من فيه، فصار:
تقيليه، فحذف العائد إلى الموصوف، كما حذف فى قوله سبحانه: {وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} (3) أى لا تجزى فيه، وقال الخليل وسيبويه فى قول عمر ابن أبى ربيعة (4):
فواعديه سرحتى مالك … أو الرّبا بينهما أسهلا
إن التقدير: ائتى مكانا سهلا، وضع أسهل، مكان سهل، كما وضع أفعل
_________
(1) صفحة 184، وأنشده أيضا فى البصريات ص 904، وانظر المقتصد شرح الإيضاح 1/ 649، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 225، والشطران نسبهما القيسىّ لأبى النجم العجلى، وليسا فى ديوانه المطبوع، ونسبهما العينى فى شرح شواهد الكبرى 4/ 36 لأحيحة بن الجلاح، وهما فى ديوانه ص 81، والتخريج فيه، وفى إيضاح شواهد الإيضاح.
(2) هذا من كلام ابن جنى فى المحتسب 1/ 212، وذكره القيسىّ من غير عزو.
(3) سورة البقرة 48،123، وراجع المجلس الأول.
(4) ديوانه ص 349، برواية: وواعديه سدرتى مالك أو ذا الذى بينهما أسهلا والبيت بروايتنا فى الكتاب 1/ 283، والمحتسب 1/ 143، وتفسير الطبرى 9/ 415، والقرطبى 6/ 25، والخزانة 2/ 120، وأشار البغدادى إلى رواية للبيت أوردها صاحب الأغانى يفوت معها الاستشهاد. وهى: سلمى عديه سرحتى مالك أو الرّبا دونهما منزلا قال البغدادى: «ومنزلا إمّا بدل من الرّبا أو حال منه، وسلمى: منادى».
(2/100)

موضع فعيل، فى قوله تعالى: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} (1) أى هيّن.
وما يحذف لدلالة الحال عليه، الفعل (2) [من قولك] إذا رأيت رجلا متوجّها وجهة الحجّ، عليه آثاره: مكة والله، أى يريد مكة، وكذلك قولك إذا سمعت صوت السهم، بعد أن رأيت الرامى يسدّده: القرطاس والله، أى أصاب القرطاس، وكذلك إذا رأيت رجلا فى حال ضرب أو إعطاء، قلت: زيدا، أى اضرب زيدا، أو أعط زيدا.
ومنه النصب على إضمار «أعنى» للمدح، أو للذّمّ، فمن المدح قولك:
جاءنى زيد الفاضل الكريم، تريد أعنى الفاضل الكريم، والذّم قولك: مررت بعمرو الخبيث اللئيم، فمن الذّم قراءة عاصم: {حَمّالَةَ الْحَطَبِ} (3) يريد أعنى أو أذمّ حمّالة الحطب.
قال أبو عليّ: فكأنها كانت اشتهرت بذلك، فجرت عليها الصّفة للذمّ، لا للتخصيص والتخليص من موصوف غيرها، كقوله (4):
ولا الحجّاج عينى بنت ماء … تقلّب طرفها حذر الصّقور
_________
(1) سورة الروم 27، وراجع مجاز القرآن 2/ 121، وتفسير القرطبى 14/ 21، والبحر 7/ 169.
(2) سقط من ه‍.
(3) سورة المسد 4، وقراءة النصب لعاصم، ووافقه ابن محيصن. السبعة ص 700، والكشف 2/ 390، والإتحاف 2/ 636، وانظر الكتاب 2/ 70.
(4) هو إمام بن أقرم النّميرىّ، كما فى البيان والتبيين 1/ 386، قال الجاحظ: «وكان الحجاج جعله على بعض شرط أبان بن مروان، ثم حبسه، فلمّا خرج قال: طليق الله لم يمنن عليه أبو داود وابن أبى كثير ولا الحجاج. . . لأن طير الماء لا يكون أبدا إلاّ منسلق الأجفان. وكان الحجاج أخيفش منسلق الأجفان». والانسلاق: حمره تعترى العين فتقشر منها. خلق الإنسان ص 124. ذكر الشاعر أنه كان سجينا فتحيّل حتى استنقذ نفسه، دون أن يمنّ عليه من حبسه فيطلقه. وشبّه عينى الحجاج عند تقليبه لهما حذرا وجبنا بعينى بنت الماء، وهى ما يصاد من طير الماء، إذا نظرت-
(2/101)

لم يرد وصفه إياه بالجبن، ولكن ذمّه (1) وسبّه، ومن الذمّ قول النابغة (2):
أقارع عوف لا أحاول غيرهم … وجوه كلاب تبتغى من تجادع
ومن المدح قول الخرنق بنت هفّان (3):
/لا يبعدن قومى الذين هم … سمّ العداة وآفة الجزر
النازلين بكلّ معترك … والطّيّبين معاقد الأزر
أرادت: أعنى أو أمدح النازلين والطّيّبين.
ومن المدح فى التنزيل قوله: {وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ} (4) بعد قوله: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا} أراد: وأعنى الصابرين، ومثله: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} (5) وبعده {وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ} ذهب سيبويه (6) إلى أن {الْمُقِيمِينَ} منصوب على المدح، وهو أصحّ ما قيل فيه؛ لأنّ بعض معربى القرآن زعم أن {الْمُقِيمِينَ} مجرور بالعطف على
_________
= إلى الصقور فقلبت حماليقها حذرا منها. وقال الثعالبى: «بنات الماء: هى ما يألف الماء من السمك والطير والضفادع» ثمار القلوب ص 276. وذكر ابن الأثير أنه يقال أيضا: ابن ماء. المرصع ص 307،315، وانظر لهذا الشعر: الكتاب 2/ 73، والكامل ص 930، والجمل المنسوب للخليل ص 64، والحماسة البصرية 2/ 297،298. ويفهم من كلام ابن السّيرافيّ أن «الحجاج» فى هذا الشعر شخص آخر غير «الحجاج بن يوسف الثقفى» انظر شرحه على أبيات سيبويه 2/ 7،8.
(1) فى ه‍: ذمّه به وسبّه. .
(2) ديوانه ص 50، والكتاب 2/ 71، والجمل المنسوب للخليل ص 64، والتبصرة ص 182، والخزانة 2/ 446.
(3) ديوانها ص 29، والتخريج فيه، وزد عليه: معانى القرآن للفراء 1/ 105،453، وللأخفش ص 87،157، والأصول 2/ 40، والبغداديات ص 147، والجمل ص 15، وشرحه البسيط ص 317، والجمل المنسوب للخليل ص 61، والتبصرة ص 182، ونتائج الفكر ص 241 - 248، وأعاد ابن الشجرى صدر البيت الثانى فى المجلس الخامس والسبعين.
(4) سورة البقرة 177.
(5) سورة النساء 162.
(6) الكتاب 2/ 63، وانظر معانى القرآن للفراء 1/ 105، وللزجاج 2/ 130 - 132 - وأنشد بيتى الخرنق-وتفسير الطبرى 9/ 395، والمشكل 1/ 212، والبحر 3/ 395. والكامل ص 931.
(2/102)

الهاء والميم، فى {مِنْهُمْ} من قوله تعالى: {لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ} فالتقدير على هذا القول: منهم ومن المقيمين الصلوة، وزعم آخر أنه معطوف على الكاف من {إِلَيْكَ} فالتقدير: يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلوة، وقال آخر: هو معطوف على الكاف من {قَبْلِكَ} فالتقدير: وما أنزل من قبلك وقبل المقيمين الصلوة.
وقال الكسائىّ: هو مخفوض (1) بالعطف على {ما} من قوله: {بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ} فالمعنى على هذا القول: يؤمنون بالذى أنزل إليك وبالمقيمين الصلوة، وهذا قول بعيد من جهة المعنى، والأقوال الثلاثة فاسدة من جهة الإعراب، وذلك أن الاسم الظاهر لا يسوغ عطفه على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارّ (2)، لأمرين:
أحدهما: أنهم لا يعطفون المجرور إلاّ بإعادة الجارّ، كقولك: مررت بزيد وبك، ولا تقول: بزيد وك، فوجب أن ينزّل عطف الظاهر عليه منزلة عطفه على الظاهر، فيقال: بك وبزيد، كما قيل: بزيد وبك، ولا يقال: بك وزيد، كما لا يقال: بزيد وك، وهذا قول أبى عثمان المازنىّ.
والقول الآخر، وهو قول أبى علىّ: أن الضمير المجرور نحو الكاف فى بك، وفى غلامك، والياء فى بى/وفى غلامى، أشبه التنوين، من حيث صيغ على حرف واحد، كما أن التنوين كذلك، ومن حيث حذفوا ياء المتكلّم فى النداء، فقالوا: يا غلام، و {يا عِبادِ فَاتَّقُونِ} (3) فكان حذفها أكثر من إثباتها، وألزموها الحذف فى نحو: {قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ} (4) بإجماع القرّاء، كما ألزموا التنوين
_________
(1) فى ه‍: مخصوص.
(2) هذا من أصول البصريين المعروفة. راجع مجالس العلماء ص 320، والإنصاف ص 463، والبحر 3/ 157، والهمع 2/ 139، وحواشى الإنصاف، وكتب التفسير، وإعراب القرآن والقراءات عند تفسير الآية الأولى من سورة النساء.
(3) سورة الزمر 16.
(4) سورة آل عمران 47.
(2/103)

الحذف فى قولهم: يا غلام، بالضم، ومن حيث لم يجمعوا بين التنوين فى اسم الفاعل، وبين الضمير المتّصل، فيعدّوا اسم الفاعل إليه، فيقولوا: مكرمنك وضاربنك، كما قالوا فى الظاهر: مكرم زيدا، وضارب عمرا، ولكنهم ألزموه الإضافة، فقالوا: مكرمك وضاربك، كرهوا الجمع بينه وبين التنوين، كما كرهوا الجمع بين خطابين وبين تأنيثين وبين تعريفين، ولذلك امتنع الجرّ فى قوله تعالى:
{إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} (1) فلم يجز فيه إلا النصب، بإضمار فعل دلّ عليه اسم الفاعل، تقديره: وننجّى أهلك، وقد أشبعت القول فى هذه المسألة فيما تقدّم (2).
وقول أبى علىّ: أشبه التنوين لأنه صيغ على حرف واحد، يتوجّه عليه اعتراض، لأنه قد صيغ على أكثر من حرف، كقولهم: بكما وبكم وبكنّ، وكرهوا مع ذلك الجمع بينه وبين التنوين، والقول فى ذلك أنهم كرهوا الجمع بين التنوين وضمير الواحد، ثم حملوا الفرع الذى هو التثنية والجمع، على الأصل الذى هو الواحد.
ومما حذف منه الفعل، وقامت الحال مقامه، قولهم: هنيئا لك قدومك، قال أبو الفتح فى قول أبى الطيّب:
هنيئا لك العيد الذى أنت عيده … وعيد لمن سمّى وضحّى وعيّدا (3)
العيد مرفوع بفعله، وتقديره: ثبت هنيئا لك العيد، فحذف الفعل وقامت الحال مقامه، فرفعت الحال العيد، كما كان الفعل يرفعه.
وقال أبو العلاء المعرّى: هنيئا ينتصب عند قوم على قولهم: ثبت لك هنيئا، وقيل: هو اسم فاعل، وضع موضع/المصدر، كأنه قال: هنأك هناء،
_________
(1) سورة العنكبوت 33.
(2) راجع المجلس المتمّ الثلاثين.
(3) تقدّم فى المجلس الخامس والعشرين.
(2/104)

لأنهم ربّما وضعوا اسم الفاعل موضع المصدر، كما قالت بعض نساء العرب، وهى ترقّص ابنها:
قم قائما قم قائما … لاقيت عبدا نائما (1)
أرادت: قم قياما.
...
_________
(1) الخصائص 3/ 103، وديوان المتنبى بالشرح المنسوب للعكبرى 1/ 285، وشرح الشواهد الكبرى 3/ 184، والهمع 2/ 125. وسبق الشطر الأول فى المجلس الخامس والعشرين ملفقا مع بيت آخر، وتكلمت عليه هناك. وانظر لوضع اسم الفاعل موضع المصدر: كتاب الشعر ص 368.
(2/105)

المجلس الثانى والأربعون
يتضمّن ذكر فصول من إضمار الأفعال
ذكر سيبويه (1)، فى (باب ما ينتصب من المصادر على إضمار الفعل المتروك إظهاره) قولهم: سبحان الله، وعمرك الله، وقعدك الله، فقال: وذلك قولك:
سبحان الله وريحانه، وعمرك الله إلاّ فعلت، وقعدك الله إلاّ فعلت، فكأنه حيث قال: سبحان الله، قال: تسبيحا، وحيث قال: وريحانه، قال: استرزاقا، لأنّ معنى الرّيحان الرزق، فنصب هذا على أسبّح (2) تسبيحا، وأسترزق استرزاقا، وخزل الفعل هاهنا، لأن المصدر بدل من اللفظ بقوله (3) [أسبّحك] وأسترزقك. انتهى كلامه.
وأقول: إن سبحان اسم للتسبيح، كما أنّ الكلام والسلام اسمان للتكليم والتسليم، وجاء سبحان على زنة الغفران والكفران، فى قولهم: «غفرانك اللهمّ لا كفرانك» (4) وجاء الكفران فى قوله تعالى: {فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ} (5) ومثله فى الزّنة،
_________
(1) الكتاب 1/ 322.
(2) فى الكتاب: أسبّح الله تسبيحا، وأسترزق الله استرزاقا، فهذا بمنزلة سبحان الله وريحانه، وخزل الفعل هاهنا لأنه بدل من اللفظ. . .».
(3) سقط من ه‍.
(4) جاء «غفرانك» فى حديث عائشة رضى الله عنها: «أن النبى صلّى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء- الغائط-قال: «غفرانك». عارضة الأحوذى بشرح صحيح الترمذى (باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، من أبواب الطهارة) 1/ 22، ومسند أحمد 6/ 155، وجاء «كفرانك» فى رجز خالد بن الوليد رضى الله عنه حين هدم العزّى: يا عزّ كفرانك لا سبحانك إنى رأيت الله قد أهانك مغازى الواقدى ص 874، وتفسير القرطبى 17/ 100.
(5) سورة الأنبياء 94.
(2/106)

وهو نقيضه فى المعنى، الشّكران، فكما قالوا: كلّمته كلاما، وسلّمت عليه سلاما، فاستعملوهما فى موضع التكليم والتسليم، كما استعمل السّراح فى موضع التّسريح، من قوله تعالى: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً} (1) كذلك استعملوا سبحان فى موضع التسبيح.
قال سيبويه (2): وزعم أبو الخطّاب، يعنى الأخفش الكبير، أنّ سبحان الله براءة الله من السوء، وزعم أن مثله قول الأعشى (3):
أقول لمّا جاءنى فخره … سبحان من علقمة الفاخر
/قال: وإنما ترك التنوين فى سبحان، وترك صرفه، يعنى فى بيت الأعشى، لأنه صار عندهم معرفة.
وأقول: إنه لمّا صار علما للتسبيح، وانضمّ إلى العلميّة الألف والنون الزائدتان، تنزّل منزلة عثمان، فوجب ترك صرفه، وقد قطعوه عن الإضافة، ونوّنوه، لأنهم نكّروه، وذلك فى الشّعر، كقول أميّة بن أبى الصّلت، فيما أنشده سيبويه:
سبحانه ثم سبحانا يعود له … وقبلنا سبّح الجودىّ والجمد (4)
_________
(1) سورة الأحزاب 49.
(2) الكتاب 1/ 324.
(3) ديوانه ص 143 - والموضع السابق من الكتاب-والمقتضب 3/ 218، والبصريات ص 410، والخصائص 2/ 197،435،3/ 32، وتفسير الطبرى 1/ 474، وشرح المفصل 1/ 37، وشرح الكافية الشافية ص 959، والمقرب 1/ 149، والبسيط ص 286، وشرح الجمل 1/ 174، والهمع 1/ 190،2/ 52، والخزانة 3/ 397، وفهارسها 12/ 171، وغير ذلك كثير. وأعاده ابن الشجرى فى المجلس التاسع والستين. هذا وللراغب الأصبهانى تأويل غريب فى البيت، قال فى المفردات ص 221: «قيل: تقديره: سبحان علقمة، على طريق التهكم، فزاد فيه «من» ردّا إلى أصله، وقيل: أراد: سبحان الله من أجل علقمة، فحذف المضاف إليه». وردّه البغدادىّ فى الخزانة.
(4) ملحق ديوان أمية ص 332، وينسب أيضا لورقة بن نوفل، ولزيد بن عمرو بن نفيل، وانظر الكتاب 1/ 326، وشرح الكافية الشافية ص 959، والخزانة 3/ 388، وممّن نسبه إلى ورقة: مصعب فى نسب قريش ص 208. وأعاده ابن الشجرى فى المجلس التاسع والستين منسوبا لأمية. والجودىّ والجمد: جبلان.
(2/107)

وقد عرّفوه بالألف واللام، فى قول الشاعر:
سبحانك اللهمّ ذا السّبحان (1)
و «من» فى بيت الأعشى متعلقة بسبحان، كأنه قال: البراءة من علقمة.
وأما قولهم: عمرك الله، فليس كقولهم: عمر الله، لأنهم قالوا: لعمر الله، وعمر الله، رفعوه مع اللام بالابتداء، وألزموا خبره الحذف، لأن الجواب سدّ مسدّ الخبر، إذا (2) قلت: لعمر الله لأفعلنّ، تريد: لعمر الله قسمى، ونصبوه مع حذف اللام بالفعل المقدّر، وذلك أن الأصل: أقسم بعمر الله، أى ببقائه ودوامه، ثم حذفوا الفعل والجارّ، فنصبوا، كما قالوا: الله لأفعلنّ، والأصل: أقسم بالله، والجواب يلزمه منصوبا كما يلزمه مرفوعا، تقول: عمر الله لاقمت، وعمرك لا ذهبت.
والعمر بمعنى العمر، مصدر قولهم: عمر الرجل يعمر، إذا امتدّ بقاؤه، ولكنهم لم يستعملوا فى القسم إلا المفتوح.
وقولهم: عمرك الله، مخالف لقولهم: عمر الله، من ثلاثة أوجه، أحدها: أن عمرك الله ليس بقسم عند جلّ النحويين، قالوا: والدليل على ذلك أنه لا جواب له، لا ظاهر ولا مقدّر، وإنما هو إخبار بأنك داع للمخاطب بالتعمير، قال عمر بن أبى ربيعة (3):
أيّها المنكح الثّريّا سهيلا … عمرك الله كيف يلتقيان
_________
(1) شرح الكافية الشافية ص 961، والهمع 1/ 190، والخزانة 7/ 243، وحاشية يس على التصريح 1/ 125.
(2) فى ه‍: فإذا.
(3) ملحقات ديوانه ص 503، والأغانى 1/ 209،234، والمقتضب 2/ 329، وأمالى المرتضى 1/ 348، والروض الأنف 2/ 119، وشرح المفصل 9/ 91، واللسان (عمر)، والخزانة 2/ 28، وبحواشيها مراجع أخرى.
(2/108)

والثانى: أنك تنصب عمر الله، نصب المفعول (1) [به] على ما أريتك، وتنصب عمرك الله نصب (2) المصادر، لأنّ سيبويه ذكره مع سبحان الله.
والثالث: أن العمر فى قولك: عمر (3) الله وعمرك يا فلان، بمعنى العمر، وهو فى قولك: عمرك الله، بمعنى التعمير، حذفوا زوائده، ونصبوه بفعل اختزلوه، لأنه صار بدلا من اللفظ بالفعل، فلا يجوز إظهاره معه، والناصب له عمّرتك مشدّدا، أنشد سيبويه للأحوص بن محمد (4):
عمّرتك الله إلاّ ما ذكرت لنا … هل كنت جارتنا أيام ذى سلم
وأنشد، ولم يذكر قائله، وهو لابن أحمر (5):
عمّرتك الله الجليل فإنّنى … ألوى عليك لو ان لبّك يهتدى
وذكر أبو العباس محمد بن يزيد (6) فى قولهم: عمرك الله، أن انتصابه على المصدر، بتقدير: عمّرتك الله تعميرا، على ما قرّره سيبويه، وأجاز فيه أبو العباس أن ينتصب بتقدير حذف الجارّ، لأنه ذكره مع قولهم: يمين الله، وعهد الله، فى قول من نصبهما، وإنما النصب (7) فيهما بتقدير: أقسم بيمين الله، وبعهد الله، فلمّا حذفوا الباء وصل الفعل فعمل، وعلى هذا يكون قولهم: عمرك الله، تقديره: أقسم بعمرك الله، فيكون عمرك الله قسما محذوف الجواب، والمراد بالعمر التّعمير،
_________
(1) زيادة من ه‍.
(2) فى ه‍: بنصب.
(3) فى ه‍: «عمر الله وعمرك الله يا فلان». وجعلها مصحح المطبوعة الهندية «عمر الله يا فلان».
(4) ديوانه ص 199، وتخريجه فى ص 321، والكتاب 1/ 323، والمقتضب 2/ 329، والكامل ص 1445.
(5) ديوانه ص 60، والكتاب والمقتضب، الموضع السابق، والمنصف 3/ 132، والخزانة 2/ 15، واللسان (عمر).
(6) راجع الموضع المذكور من المقتضب والكامل.
(7) فى ه‍: انتصب.
(2/109)

فالمعنى: أقسم بتعميرك الله، أى بإقرارك له بالدّوام والبقاء.
وذكر أبو العباس بعد عمرك الله: قعدك الله لا تقم، فنزّل عمرك الله منزلة قعدك الله، قال: وإن شئت: قعيدك الله، وهذا دليل قاطع على نصبه عنده، بتقدير: أقسم بعمرك الله.
وقال أبو عليّ: عمرك الله، مصدر، استعملوه بحذف الزوائد كقوله (1):
/فإن يبرأ فلم أنفث عليه … وإن يهلك فذلك كان قدرى
أى تقديرى، وأصله بالزيادة: تعميرك الله، ألا ترى أن الفعل لمّا ظهر، كان على فعّلت فى قولك (2):
عمّرتك الله إلاّ ما ذكرت لنا
والأصل فيه: عمّرتك الله تعميرا، مثل تعميرك إياه نفسك، أى سألت الله تعميرك، مثل سؤالك إياه تعمير نفسك، فالتعمير الأول مضاف إلى الفاعل، يعنى الكاف، قال: والاسمان الآخران مفعول بهما، يعنى إياه نفسك، قال: ثم اختصر هذا الكلام، وحذفت زوائد المصدر. انتهى كلامه.
ويجب أن ترعى قلبك ما أقوله فى تفسير قول أبى علىّ، وذلك أن الأصل كما ذكر: عمّرتك الله تعميرا، مثل تعميرك إيّاه نفسك، فحذفوا الفعل والفاعل والمفعولين، فبقى تعميرا مثل تعميرك إياه نفسك، ثم حذفوا الموصوف الذى هو «تعميرا»، وقامت صفته التى هى «مثل» مقامه، فبقى: تعميرك إياه نفسك، ثم حذفوا زوائد المصدر، فبقى: عمرك إياه نفسك، فوضع الظاهر فى موضع المضمر، أعنى وضعوا لفظة «الله» موضع «إياه» فصار: عمرك الله نفسك،
_________
(1) هو يزيد بن سنان. المفضليات ص 71، وتخريجه فيه.
(2) الأولى: «قوله» فهو من قول الأحوص السابق.
(2/110)

فحذفوا المفعول الثانى، فبقى: عمرك الله، وإنما ساغ حذف المفعول الثانى، لكون الفعل متعديا إلى مفعولين، ليس الثانى منهما هو الأوّل، كقولك: أعطيت زيدا درهما.
ومعنى عمّرتك الله: أى سألت الله تعميرك، فلهذا لم يكن قولهم: عمرك الله، قسما فى هذا المذهب، وكان إخبارا بأنك داع للمخاطب بالتعمير. فهذه جملة القول فى مذهب من نصب اسم الله تعالى.
وأمّا من رفع، فقال: عمرك الله، فإنّ أبا الفتح عثمان بن جنّى، قال:
حكى أبو عثمان المازنى: عمرك الله، بالرفع، وله وجه، ولم يذكر أبو الفتح الوجه فيه، وقال أبو عليّ عقيب كلامه، فى عمرك الله: ووجدت فى بعض الكتب:
حكي عن أبى العباس، عن أبى عثمان/أنه سمع أعرابيّا يقول: عمرك الله، قال أبو عليّ: ولا يجيء هذا على تفسير النصب، والمعنى فيه، إن كان ثبتا، أنه أراد:
عمّرك الله تعميرا، فأضاف المصدر إلى المفعول، وذكر الفاعل بعد، كقول الحطيئة (1):
أمن رسم دار مربع ومصيف
انتهى كلامه.
وأقول: إن المصدر المقدّر بأن والفعل المتعدّى، إذا أعمل مضافا، أضيف تارة إلى الفاعل، كقوله تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ} (2) وتارة إلى المفعول، كقول الحطيئة:
أمن رسم دار مربع ومصيف … لعينيك من ماء الشّئون وكيف
_________
(1) ديوانه ص 253، والإيضاح ص 158، وشرحه المقتصد 1/ 559، والإيضاح فى شرح شواهده ص 171، وشرح المفصل 6/ 62، والخزانة 3/ 436، واللسان (رسم).
(2) سورة البقرة 251، والحج 40.
(2/111)

لأنّ الرسم هاهنا مصدر: رسم المطر الدار يرسمها رسما: إذا جعل فيها رسوما، أى آثارا، وهو مضاف إلى المفعول، والمربع: رفع بأنه الفاعل، والمراد به مطر الرّبيع، والمصيف: مطر الصّيف.
ومن فسّر شعر الحطيئة من اللغويين فسّروا الرّسم بالأثر، وفسّروا المربع بأنه المنزل فى الربيع، والمصيف بأنه المنزل فى الصّيف، وذلك فاسد، لأن تقديره: أمن أثر دار منزل فى الربيع ومنزل فى الصيف؟ ثم لا يتّصل عجز البيت بصدره، على هذا التقدير، وتكون «من» في هذا القول للتبعيض، فكأنه قال: أبعض أثر دار منزل فى الربيع، وهى فى قول [بعض] (1) النّحويّين بمعنى لام العلّة، مثلها فى قول الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ} (2) أى لإملاق، وفى قولهم: فعلت ذلك من أجلك، يريدون لأجلك.
والصحيح ما ذهب إليه النحويّون، لأن المعنى: أمن أجل أن أثّر فى دار مطر ربيع ومطر صيف، لعينيك وكيف (3) من ماء الشئون، والشّئون: مجارى الدمع، واحدها: شأن.
ثم نعود إلى القول فيما حكاه المازنىّ، من أنه سمع أعرابيّا يقول: عمرك الله، فأقول: إن أبا الحسن الأخفش قد ذكر هذا الوجه، فى كتابه/الذى سمّاه «الأوسط»، فقال: أصله أسألك بتعميرك الله، أى بأن يعمّرك الله، وحذفت زوائد المصدر، وحذف الفعل الذى هو أسألك، وحذف الجارّ فانتصب المجرور.
وذهب أبو العلاء المعرّىّ فى قولهم: عمرك الله، إلى خلاف ما أجمع عليه أئمّة النحويين، الخليل وسيبويه، وأبو الخطّاب الأخفش الكبير، وأبو الحسن
_________
(1) سقط من ه‍.
(2) سورة الأنعام 151.
(3) وكيف: أى سائل. يقال: وكف المطر والدمع والعين، وكوفا ووكيفا ووكافا: أى سال.
(2/112)

الأخفش الصغير (1)، وأبو عثمان المازنىّ، وأبو عمر الجرمىّ، وأبو العباس محمد بن يزيد، وأبو إسحاق الزجّاج، وأبو بكر بن السرّاج، وأبو علىّ الفارسى، وأبو سعيد السّيرافى، وغير هؤلاء من المتقدّمين والمتأخّرين، فزعم أن العمر مأخوذ من قولهم:
عمرت البيت الحرام: إذا زرته، قال: ومنه اشتقاق الاعتمار والعمرة، ونصب عمرك، من قولهم: عمرك الله، بتقدير: أذكّرك عمرك الله، قال: كأنك قلت: أذكّرك خدمتك الله (2) [لأنّ زيارة البيت خدمة الله] قال: ويحتمل أن يكون قولهم: عمرك، مأخوذا من عمرت الدّيار، من العمارة، أى بعمرك المنازل المشرّفة بذكر الله وبعبادته، ذكر هذا فى تفسيره لقول المتنبى (3):
عمرك الله هل رأيت بدورا … قبلها فى براقع وعقود
وأورده عنه أبو زكريا يحيى بن علي التّبريزيّ، فى تفسيره لشعر أبى الطيب.
وبالجملة إنه تصيّد اشتقاق قولهم: عمرك الله، تارة من الاعتمار، وتارة من العمارة، فخالف قول فحول النحويين المتقدّمين والمتأخّرين، فرارا من غموض معانى (4) أقوالهم فيه، لأنه لم يتّجه له حقيقة ما قالوه، فتمحّل اشتقاقا محالا.
وأمّا قولهم: قعدك أن لا تفعل كذا، وقعيدك أن لا تقوم، وقعدك الله، وقعيدك الله، ففيهما قولان، أحدهما: أنهما مصدران جاءا على الفعل والفعيل،
_________
(1) لا شكّ أنّ ابن الشجرىّ-رحمه الله-قد سها، فقد نقل قريبا عن كتاب «الأوسط» وهو للأخفش الأوسط، سعيد بن مسعدة. راجع إنباه الرواة 2/ 42، وكشف الظنون ص 201. على أن «الأخفش الصغير» وهو على بن سليمان، لا يأتى فى الذّكر قبل المازنى والجرمى والمبرّد، فهؤلاء أسنّ منه، لأنه توفى سنة (315) وقد قرأ على المبرّد. وأيضا فإن أبا عثمان المازنى، وأبا عمر الجرمىّ كانا رفيقين للأخفش الأوسط، وقصّتهما معه فى ألاّ يمكّناه من ادعاء كتاب سيبويه لنفسه، معروفة، فمن المناسب أن يذكر الثلاثة فى نسق واحد.
(2) سقط من ه‍.
(3) ديوانه 1/ 314.
(4) فى ه‍: معنى أقوالهم. . . فتحمل. . .
(2/113)

كالحسّ والحسيس، ومعناهما المراقبة، فانتصابهما بتقدير أقسم، فكأنك قلت:
أقسم بمراقبتك الله، /ولما أضمرت أقسم، عدّيته بنفسه، لأن الفعل إذا كان يتعدّى بالخافض وأضمر، حذف الخافض، فوصل الفعل فنصب، كما قال:
أتيت بعبد الله فى القدّ موثقا … فهلاّ سعيدا ذا الخيانة والغدر (1)
وهذا قليل، لأن القياس أن لا يضمر ما يتعدّى بخافض (2).
والقول الآخر: أنّ معنى القعد والقعيد: الرّقيب الحفيظ، من قوله تعالى:
{عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ} (3) أى رقيب (4) وحفيظ، فقعد وقعيد فى هذا القول، كخلّ وخليل، وندّ ونديد، وشبه وشبيه، وإذا كان كذلك فهما من صفات القديم سبحانه وتعالى، فهو الرّقيب الحفيظ، فإذا قلت: قعدك الله وقعيدك الله، على هذا المعنى (5)، نصبت اسم الله على البدل.
قد انتهى القول فى حذف الفعل، للدلالة عليه، ويليه حذف الفعل مع «أمّا» وهو القسم الرابع.
حذفوا الفعل مع «أمّا» فيما حكاه سيبويه (6) من قولهم: أمّا أنت منطلقا انطلقت معك، وأمّا زيد ذاهبا ذهبت معه، أى لأن كان ذاهبا ذهبت معه، قال عباس بن مرداس:
أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر … فإنّ قومى لم تأكلهم الضّبع (7)
_________
(1) شرح الشواهد الكبرى 4/ 475 - وقال العينى: لم أقف على اسم قائله-وشرح الأشمونى 4/ 51.
(2) تقدم هذا كثيرا، وانظره فى آخر المجلس المتمّ الأربعين.
(3) سورة ق 17.
(4) لم ترد الواو فى ه‍.
(5) ضعّف البغدادىّ هذا، إذ لم يسمع أن هذين اللفظين «قعد وقعيد» من أسماء الله تعالى. الخزانة 10/ 52.
(6) الكتاب 1/ 293، وانظر أيضا 3/ 101،149،332.
(7) فرغت منه فى المجلس الخامس.
(2/114)

قال: فإنما هى «أن» ضمّت إليها «ما» وهى ما التوكيد، ولزمت «ما» كراهية أن يجحفوا بها، لتكون عوضا من ذهاب الفعل، كما كانت الهاء والألف عوضا من ياء الزّنادقة واليمانى.
قوله: وهى «ما» التوكيد، يعنى «ما» التى تزاد مؤكّدة للكلام، إلا أنها هاهنا لازمة، لما ذكره من كونها عوضا.
وقوله: كراهة أن يجحفوا بها، أى بالكلمة التى زيدت معها، لأن «أن» مع «كان» فى تقدير الكون، والكون المقدّر هو الكلمة التى كرهوا أن يجحفوا بها.
وقوله: كما كانت الهاء والألف/عوضا من ياء الزّنادقة واليمانى، أراد أنّ واحد الزّنادقة: زنديق، فقياسه فى الجمع: زناديق، كمناديل، فحذفوا ياء زناديق، وعوّضوا منها هاء التأنيث، وأمّا اليمانى، فالأصل فى النّسب إلى اليمن: يمنيّ، فخفّفوه بأن حذفوا إحدى ياءيه، وعوّضوا منها الألف، فدخل فى باب المنقوص، ومثله قولهم فى النّسب إلى الشام: شآم، وإلى تهامة: تهام، والأصل: تهمىّ كيمنىّ، نسبوا إلى التّهم، ثم عدلوا عنه إلى تهام.
...
(2/115)

فصل
قال سيبويه (1) بعد أن ذكر «أمّا»: ومثل ذلك قولهم: افعل ذا إمّالا، كأنه قال: افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره، ولكنهم حذفوا «ذا» لكثرة استعمالهم إيّاه.
انتهى كلامه.
وأقول: إنّ قولهم: أما أنت منطلقا انطلقت معك، وأمّا زيد ذاهبا ذهبت معه، حذفوا منه «كان» وحدها، وأبقوا اسمها وخبرها، وقولهم: إمّالا، حذفوا فيه كان واسمها وخبرها، على أنّ خبرها جملة، و «إمّا» هى إن الشرطية، مدغمة نونها فى ميم «ما»، وإنما ألزموها «ما» عوضا من كان واسمها وخبرها، وجعلوا «لا» النافية منتهى الكلام، وأهل الإمالة يميلون ألفها، لقوّتها من حيث سدّت مسدّ الفعل وفاعله ومفعوله، أعنى الجملة التى هى خبر كان، كما استجازوا إمالة «بلى» لأنها سدّت مسدّ جواب التقرير، فى نحو: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} (2) وكما استحسنوا إمالة حرف النداء، لنيابته عن أدعو.
ولا يستعملون «إمّا لا» إلاّ بعد كلام دائر بين متكالمين، وسأل أحدهما الآخر أن يفعل شيئا سأله أن يفعله فأبى، فقال له السائل: إن كنت لا تفعل كذا فافعل كذا، وتمثيل ذلك أن يكون سأله الإقامة عنده ثلاثة أيام، فامتنع من ذلك /واعتذر بعذر ما، فقال: إمّا لا فأقم عندى يومين، أى إن كنت لا تقيم ثلاثة أيام فأقم يومين.
_________
(1) الكتاب 1/ 294، وانظر أيضا 2/ 129، والمقتضب 2/ 151، والأصول 2/ 254، والبغداديات ص 309، والنكت على الكتاب ص 357، والإنصاف ص 72، وشرح المفصل 1/ 95، والمغنى ص 312،610،649، وأعاده ابن الشجرى فى المجلسين: السادس والستين، والثامن والستين.
(2) سورة الأعراف 172.
(2/116)

فتأمّل هذا الفصل، فما علمت أنّ أحدا كشفه هذا الكشف (1).
وهذا اللفظ، أعنى «إمّالا» كثيرا ما يدور فى كلام العامّة، فيفتحون همزة «أمّا لا» (2) يميلون ألف لا.
والخامس: حذف الفعل جوابا، فمن ذلك حذفه جوابا للشرط والقسم، ولو ولولا ولمّا وأمّا، وحتى إذا.
فحذفه جوابا للشّرط، كقولك: من كفى شرّ نفسه، فتحذف الجواب، لأنه معلوم، أى كفى شرّا عظيما، وكذلك تقول: أتصير إلىّ؟ فيقول: إن انتظرتنى، يريد: إن انتظرتنى صرت إليك، وحسن حذف الجواب، لأنّ قوله:
أتصير إلىّ؟ دلّ عليه، وفى التنزيل: {ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} (3) أى إن شكرتم وآمنتم لم يعذّبكم، لأن معنى {ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ} أىّ شيء يفعل الله بعذابكم؟ فما هاهنا مخرجها مخرج الاستفهام، ومعنى الكلام التقرير بأنّ العذاب لا يكون للشاكر المؤمن، لأن تعذيب الشاكر المؤمن لا غرض لحكيم فيه، فكيف بمن لا تضرّه المضارّ، ولا تنفعه المنافع، سبحانه وتعالى؟
وأمّا حذف جواب القسم، فقد ورد فى قوله جل اسمه: {ص. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} (4) تقدير الجواب: لقد حقّ الأمر، وقيل: الجواب {كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} (5) والمراد: لكم أهلكنا، فحذف اللام، لأنّ الكلام بينهما طال،
_________
(1) الحقّ أن ابن الشجرى ليس أوّل من كشف معنى «إمّالا» فقد سبقه إليه الليث، كما حكى صاحب اللسان فى «إمّالا» 20/ 357، غير أن لابن الشجرى فضل بسط العبارة. وانظر العين 8/ 351.
(2) هكذا، ولعل الصواب «ويميلون». وقال الجوهرىّ فى الصحاح: «وقد أمالت العرب «لا» إمالة خفيفة، والعوامّ يشبعون إمالتها فتصير ألفها ياء، وهو خطأ». وانظر درّة الغوّاص ص 231.
(3) سورة النساء 147.
(4) أول سورة ص.
(5) الآية الثالثة من السورة. وهذا القول حكاه الفراء وثعلب. معانى القرآن 2/ 397، وزاد المسير 7/ 99.
(2/117)

فصار طوله عوضا منها، كما حذفت من جواب {وَالشَّمْسِ وَضُحاها} (1) وهو قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها} وقيل: إنّ الجواب قوله: {إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ} (2) وهذا قول ضعيف (3) جدّا، لبعد ما بينه وبين القسم، ولأنّ الإشارة بقوله:
{ذلِكَ} متوجّهة إلى ما يكون من التّلاوم والتّخاصم بين أهل النار/يوم القيامة، وذكر تلاومهم متأخّر عن القسم، والذى يقتضيه صواب الكلام أن تعود الإشارة إلى شيء سابق، نحو أن توجب شيئا قد جرى قبل القسم، فتقول: والله لقد فعلت ذلك، فتتوجّه الإشارة إلى ما تقدّم ذكره، أو تنكر شيئا فتقول: والله ما فعلت ذلك.
فالقول الأوّل فى تقدير الجواب هو الوجه.
وقد يجمعون بين القسم والشّرط، فيحذفون جواب أحدهما، لدلالة المذكور على المحذوف، فإن قدّموا القسم حذفوا جواب الشّرط، وإن قدّموا الشّرط حذفوا جواب القسم، فمثال تقديم الشّرط، قولك: إن زرتنى والله أكرمتك، ومثال تقديم القسم، قولك: والله إن زرتنى لأكرمنّك، وقد يدخلون على حرف الشّرط اللام، مزيدة مفتوحة، مؤذنة بالقسم، فيغلّبون بها القسم على الشرط، وإن لم يذكروا القسم، كقولك: لئن زرتنى لأكرمنّك، ومثله فى التنزيل: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ} (4) وأمّا
_________
(1) سورة والشمس 1،9.
(2) سورة ص 64، وهذا القول يعزى إلى الكسائى، كما ذكر ابن الجوزى، فى زاد المسير، ونسبه أبو حيان للكوفيين والزجاج. البحر 7/ 383، وهو كما قال فى معانى القرآن للزجاج 4/ 319، وحكى القول السابق أن الجواب هو قوله تعالى كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ.
(3) سبق إلى هذا التضعيف الفراء، قال فى الموضع السابق من المعانى: «وذلك كلام قد تأخر تأخرا كثيرا عن قوله: وَالْقُرْآنِ وجرت بينهما قصص مختلفة، فلا نجد ذلك مستقيما فى العربية. والله أعلم». وضعّفه ابن الأنبارى أيضا، على ما فى تفسير القرطبى 15/ 144، وانظر المغنى ص 646.
(4) سورة الحشر 12.
(2/118)

قوله تعالى: {وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ. فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ} (1) فإنّ الفاء جواب «أمّا» لأمرين، أحدهما: تقديمها على «إن» والآخر:
أنّ جواب «أمّا» لا يحذف في حال السّعة والاختيار، وجواب «إن» قد يحذف فى الكلام، نحو ما قدّمته، ومنه قوله تعالى: {فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ} (2) أى إن كنتم تؤمنون بالله فردّوه إلى الله والرسول، ونظيره فى الكلام: أنت (3) ظالم إن فعلت، حذفت جواب إن فعلت، لدلالة قولك:
أنت ظالم، عليه.
فإن قيل: قد جاء حذف جواب «أمّا» فى القرآن فى قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} (4).
قيل: إنما جاز ذلك، لأن تقدير الجواب: فيقال لهم: أكفرتم، والقول إذا أضمر (5)، فهو كالمنطوق به.
وممّا سدّ فيه الجواب مسدّ الجوابين، قوله تعالى: / {وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ} (6) قوله: {لَعَذَّبْنَا} سدّ مسدّ الجوابين، جواب لولا، وجواب لو، وكثيرا ما يحذفون جواب «لو» وذلك نحو
_________
(1) سورة الواقعة 90،91، وراجع الكتاب 3/ 79، والمقتضب 2/ 70، والبحر 8/ 216، وتقدم فى الزيادة الملحقة بالمجلس الحادى والثلاثين.
(2) سورة النساء 59.
(3) الكتاب، الموضع السابق، والبغداديات ص 327،459، والخصائص 1/ 283.
(4) سورة آل عمران 106.
(5) راجع معانى القرآن 1/ 228، ودراسات لأسلوب القرآن 1/ 332، وقد تكلم ابن الشجرى على إضمار القول فى المجالس: التاسع، والمتمّ الستين، والثامن والسبعين.
(6) سورة الفتح 25، وتقدم فى المجلس الحادى والثلاثين.
(2/119)

قولك، إذا كنت مخبرا بعظيم أمر شاهدته: لو رأيت الجيش خارجا قد جمع الطّمّ والرّم، تريد: لرأيت شيئا عظيما.
إذا بالغوا فى تكثير الجمع شبّهوه بالطّمّ والرّمّ، فالطّمّ: البحر، والرّمّ:
الثّرى.
وممّا حذف فيه جواب «لو» قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى} (1) ثم قال: {بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً} وتقدير الجواب: لكان هذا القرآن.
وكذلك جواب «لولا» تحذفه بعد قولك لمن توبّخه وتعنّفه: فعلت كذا وفعلت كذا ولولا زيد، تريد: لقابلت فعالك بالعقوبة.
وأمّا حذف جواب «حتّى إذا» فقال أبو إسحاق الزجّاج فى قوله: {حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها} (2): سمعت محمد بن يزيد، يذكر أن الجواب محذوف، وأن المعنى {حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ} (3) سعدوا، فالمعنى فى الجواب: حتى إذا كانت هذه الأشياء
_________
(1) سورة الرعد 31، وانظر معانى القرآن للأخفش ص 136، فى أثناء تفسير الآية (89) من سورة البقرة.
(2) سورة الزمر 73. وكلام أبى إسحاق الزجاج فى كتابه معانى القرآن 4/ 363،364.
(3) لم يصرح المبرد-فى المقتضب 2/ 81 - بهذا الجواب المحذوف، وإنما حكى أوّلا قول من ذهبوا إلى أن الواو زائدة، ثم ذكر أن زيادة الواو غير جائزة عند البصريين، وقال: «فأمّا حذف الخبر فمعروف جيد». وهذا راجع إلى ما حكاه عنه الزجاج؛ والمبرد يعبّر عن حذف الجواب بحذف الخبر، وهو تعبير قديم، يأتى فى كلام أبى عبيدة والأصمعى، نبّه على هذا الشيخ العلامة محمد عبد الخالق عضيمة، برّد الله مضجعه. وانظر معانى القرآن للأخفش ص 125،457، وإعراب القرآن للنحاس 2/ 831، وزاد المسير 7/ 200، وتفسير القرطبى 15/ 285.
(2/120)

صاروا إلى السعادة، وقال أبو إسحاق الزجّاج: وقال قوم (1): الواو مقحمة، والمعنى حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها، وقال: والمعنى عندى {حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ} دخلوها، وحذف الجواب، لأنّ فى الكلام دليلا عليه، انتهى كلام أبى إسحاق.
وأقول: إنّ حذف الأجوبة فى هذه الأشياء أبلغ فى المعنى، ولو قدّر فى موضع دخلوها: فازوا (2)، لكان حسنا، ومثل الآية فى حذف الجواب قول الشاعر:
حتّى إذا قملت بطونكم … ورأيتم أبناءكم شبّوا (3)
/وقلبتم ظهر المجنّ لنا … إنّ اللئيم العاجز الخبّ
تقدير الجواب بعد قوله:
وقلبتم ظهر المجنّ لنا
ظهر عجزكم عنّا، وخبّكم لنا، ودلّك على ذلك قوله: إنّ اللئيم العاجز الخبّ.
_________
(1) الكوفيون وبعض البصريين. راجع معانى القرآن للفراء 1/ 107،108،238، ومجالس ثعلب ص 59، والإنصاف ص 456، والجنى الدانى ص 164، والمغنى ص 362،363. وممّن ذهب إلى زيادة الواو: ابن قتيبة، فى تأويل مشكل القرآن ص 252.
(2) لا أجد فرقا بين هذا التقدير وتقدير المبرّد، الذى حكاه الزجاج، إلاّ أن يكون فى المعنى.
(3) البيتان فى المراجع السابقة، عدا المغنى، وهما أيضا فى معانى القرآن 2/ 51، والمعانى الكبير ص 533، والأزهية ص 245، وشرح القصائد السبع ص 55، ورصف المبانى ص 425، وشرح المفصل 8/ 94، وتذكرة النحاة ص 45، وضرائر الشعر ص 72، والخزانة 11/ 44، وغير ذلك مما تراه فى حواشى تلك الكتب. والبيتان للأسود بن يعفر، فى ديوانه ص 19، والرواية فيه بتقديم البيت الثانى على الأول، مع إقحام بيت بينهما. وانظر تخريجه فى ص 73. و «قمل» هنا بمعنى كثر. يقال: قمل القوم: كثروا. وقملت بطونكم: أى كثرت قبائلكم. ذكره صاحب اللسان، وأنشد البيتين.
(2/121)

وقيل فى البيت كما قيل فى الآية: إن الواو مقحمة، وليس ذلك بشىء، لأن زيادة الواو لم تثبت فى شيء من الكلام الفصيح، وحذف الأجوبة كثير، وأمّا قول الآخر (1):
حتّى إذا أسلكوهم فى قتائدة … شلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا
وهو آخر القصيدة، فإن الجواب هو الفعل المقدّر الناصب للمصدر، أى شلّوهم شلاّ (2).
ومثال حذف جواب «لمّا» أنك تقول: لمّا التقت الأقران، وخرج فلان من الصّفّ، معلما شاهرا سيفه، وجال بين العسكرين، وتسكت، تريد: قاتل وأبلى وبالغ.
وحذف جواب «أمّا» كقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} (3) فعلى ما قدّمته، أى: فيقال لهم: {أَكَفَرْتُمْ} ومثله: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ} (4) أى: فيقال لهم: أفلم تكن آياتى تتلى عليكم؟
...
_________
(1) هو عبد مناف بن ربع الهذلى. شرح أشعار الهذليين ص 675، وتخريجه فى ص 1454، وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الثانى والسبعين.
(2) وعلى هذا التأويل، لا تكون «إذا» فى البيت زائدة، كما ذهب إليه بعضهم. وقد حكى البغدادىّ كلام ابن الشجرى هذا، ثم تعقّبه فى كلام طويل، اشتمل على فوائد جمة، تراها فى الخزانة 7/ 40. وقد شدّد أبو جعفر الطبرى فى إنكار زيادة «إذا» قال فى تفسيره 1/ 440: «وغير جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى فى الكلام».
(3) تقدمت قريبا.
(4) سورة الجاثية 31.
(2/122)

المجلس الثالث والأربعون
يتضمّن ذكر ما حذف من الجمل والأسماء الآحاد، اختصارا
، وهو القسم السادس، ويليه فصول من حذف الحرف. [الحذف (1)] اختصارا من أفصح كلام العرب، لأنّ المحذوف كالمنطوق به، من حيث كان الكلام مقتضيا له، لا يكمل معناه إلا به، فمن ذلك فى التنزيل، الحذف فى قوله: {وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} (2) أراد: فحلق ففدية، فاختصر، ولم يذكر «فحلق» اكتفاء بدلالة قوله: {وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ} عليه، وحذف أيضا «عليه» الذى هو خبر {فَفِدْيَةٌ}، وقد ذكرت ذلك فيما تقدم (3)، وحذف مفعول «حلق» فحقيقة اللفظ:
فمن كان منكم مريضا أو به أذى من/رأسه فحلق رأسه فعليه فدية.
ومثله فى حذف الجملة والعاطف قوله: {فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} (4) أراد: فضربه فانفلق، فلم يذكر فضربه، لأنه حين قال:
{أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ} علم أنه ضربه، ومثله: {فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ} (5) ومثله، وهو أبلغ فى الحذف، لأنّ المحذوف منه جملتان وعاطفان،
_________
(1) ساقط من ه‍.
(2) سورة البقرة 196.
(3) فى المجلس الثالث والثلاثين.
(4) سورة الشعراء 63، وانظر البيان 2/ 214، والبحر 7/ 20.
(5) سورة البقرة 60.
(2/123)

قوله: {فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى} (1) التقدير: فضربوه فحيى، كذلك يحيى الله الموتى.
وممّا حذف منه ثلاث جمل وثلاثة عواطف، قوله تعالى: {وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} (2) ثم قال: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا} وإنما التقدير: فأرسلوه فأتى يوسف فقال له: يوسف أيّها الصّديق.
وممّا حذف منه همزة الاستفهام مع ما دخلت عليه من الكلام، قوله تعالى:
{وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً} (3) جاء فى التفسير، أن المعنى: أهذا أفضل أم من هو قانت؟ فحذف ذلك اكتفاء بالمعرفة بالمعنى، وأنشدوا للأخطل (4):
لمّا رأونا والصّليب طالعا … ومارسرجيس وموتا ناقعا
خلّوا لنا راذان والمزارعا … وحنطة طيسا وكرما يانعا
كأنّما كانوا غرابا واقعا
أراد: فطاروا كأنهم كانوا غرابا، فحذف اللفظ الذى فيه المعنى، لأنه قد علم ما أراد بتشبيههم بالغراب، ولا معنى لتشبيههم به، إلا كون انهزامهم كطيرانه، فحذف الفعل والفاعل مع العاطف، وشبيه بذلك قول جرير (5):
_________
(1) سورة البقرة 73.
(2) سورة يوسف 45،46، وانظر زاد المسير 4/ 231، والبحر، الموضع السابق، وأيضا 5/ 315، وراجع ما تقدم فى المجلس الثالث والعشرين.
(3) سورة الزمر 8،9.
(4) ديوانه ص 129،744. ومارسرجيس: قدّيس مشهور عندهم. والناقع: الدائم، ويقال: سمّ ناقع: أى بالغ قاتل. وراذان: موضع بسواد العراق. والطّيس: الكثير. وأراد بالغراب غربانا، فهو من باب إطلاق المفرد، وإرادة الجمع.
(5) ديوانه ص 880، والنقائض ص 540، وأمالى المرتضى 2/ 72. وقوله «بخور» من الخور، وهو الضعف. ويقال: خار يخور: إذا ضعفت قوّته ووهت.
(2/124)

وردتم على قيس بخور مجاشع … فبؤتم على ساق بطيء جبورها
أراد (1): فبؤتم على ساق مكسورة بطىء/جبورها» كأنه لما كان فى قوله: «بطيء جبورها» دليل على الكسر، اقتصر عليه.
ومما حذف منه ثلاث جمل قول الشّنفرى:
لا تقبرونى إنّ قبرى محرّم … عليكم ولكن خامرى أمّ عامر (2)
أمّ عامر: كنية الضّبع، وكان الرجل إذا أراد أن يصطادها دخل عليها وهى فى مغارها، وهو يقول: خامرى أمّ عامر، ويكرّر هذا القول، ومعنى خامرى:
قاربى، فلا يزال يقول ذلك ويدنو، حتى يضع فى عنقها حبلا، فأراد: لا تدفنونى ولكن دعونى تأكلنى التى يقال لها: خامرى أمّ عامر (3).
ومن حذف هذا الضّرب فى التنزيل أيضا، حذف الجملة فى قوله تعالى:
{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (4) أى: وقيل (5) لى: ولا تكوننّ من المشركين، ومثله فى قصة سليمان والجنّ: {يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً} (6)
_________
(1) هذا الكلام كلّه بحروفه للشريف المرتضى فى الموضع السابق من الأمالى، وكذلك ما قدّره ابن الشجرى فى الشواهد التالية، كله من كلام الشريف.
(2) ديوان الشنفرى (ضمن الطرائف الأدبية ص 36)، وينسب إلى تأبط شرّا. ديوانه ص 243 (القسم الثانى من الشعر المنسوب إليه). وقوله: «لا تقبرونى» فيه الخرم، وهو حذف الفاء من «فعولن». ويروى: «فلا تقبرونى» على التمام.
(3) وانظر تأويلا آخر فى شرح الحماسة للمرزوقى ص 488.
(4) سورة الأنعام 14.
(5) هذا تقدير الأخفش، فى معانيه ص 270، وحكاه عنه ابن الجوزى فى زاد المسير 3/ 11، وهو فى أمالى المرتضى 2/ 71 من غير عزو. وكذلك ذكره العكبرى من غير عزو، ثم قال: «ولو كان معطوفا على ما قبله لقال: وألاّ أكون» التبيان ص 484. وراجع تفسير الطبرى 11/ 285.
(6) سورة سبأ 13.
(2/125)

أى (1): وقيل له: اعملوا آل داود شكرا، فالخطاب له فى اللفظ، وله ولأهل بيته فى المعنى، كما قال تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ} (2) وكما قال: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ} (3) ثم قال: {وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فالخطاب فى هذا ونظائره له ولأمّته.
وهاهنا سؤال، وهو: كيف قال: (اعملوا شكرا) ولم يقل: اشكروا، كما قال: {وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (4) ولم يقل: اعملوا له شكرا، وكما قال:
{وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} (5) ولم يقل: واعملوا لى شكرا، وكلام العرب أن يقولوا:
شكرت لفلان، وشكرت فلانا، ولا يقال: عملت له شكرا، وهذا ممّا سئلت عنه قديما، سألنى عنه بعض أفاضل العجم.
والجواب: أن قوله {شُكْراً} ليس بمفعول (6) [به] وإنما هو مفعول له (7)، ومفعول: {اِعْمَلُوا} /محذوف، والمراد: اعملوا الأعمال الصالحة شكرا على هذه النّعم.
وممّا جاء فيه حذفان، قول أوس بن حجر (8):
حتّى إذا الكلاّب قال لها … كاليوم مطلوبا ولا طلبا
أراد: قال للبقر والكلاب: لم أر كاليوم مطلوبا وطالبا (9)، فحذف النافى
_________
(1) فى ه‍: أى اشكروا وقيل له. . .
(2) أول سورة الطلاق.
(3) أول سورة الأحزاب، والآية الثانية.
(4) سورة العنكبوت 17.
(5) سورة البقرة 152.
(6) زيادة من ه‍.
(7) ووجه ثان عند أبى إسحاق الزجاج: أن يكون منصوبا على المفعول المطلق، على معنى: اشكروا شكرا. ذكره فى معانيه 4/ 247، وحكاه عنه أبو جعفر النحاس، فى إعرابه 2/ 661.
(8) ديوانه ص 3، وتخريجه فى ص 145.
(9) فى مطبوعة الأمالى: «وطلبا». وانظر ما يأتى.
(2/126)

والمنفىّ، اللذين هما «لم أر» فلذلك جاء بحرف النفى مع المعطوف فى قوله:
«ولا طلبا» لأنه عطفه على ما عمل فيه فعل منفىّ، ووضع المصدر الذى هو «طلب» موضع اسم الفاعل الذى هو «طالب» ويجوز أن يكون التقدير: ولا ذا طلب، فهذا حذف، والحذف الآخر: أنهم إذا قالوا: لم أر كاليوم رجلا، فإنهم يريدون: لم أر رجلا كرجل أراه اليوم، فكذلك أراد: لم أر مطلوبا كمطلوب أراه اليوم.
ومن الحذف الطويل فى قول أبى دواد الإيادى (1):
إنّ من شيمتى لبذل تلادى … دون عرضى فإن رضيت فكونى
أراد: فكونى (2) معى على ما أنت عليه، فإن لم ترضى فبينى، فحذف هذا كلّه.
وقال آخر:
إذا قيل سيروا إنّ ليلى لعلّها … جرى دون ليلى مائل القرن أعضب (3)
أراد: لعلها قريبة، فحذف خبر لعلّ، وقد قدّمنا نظائر هذا، والمعنى: إذا قيل: سيروا لعلّ ليلى قريبة، برح لنا ظبى ذو قرن معوجّ وقرن مكسور، فآذن ببعدها. والبارح من الظّباء: الذى يجيء عن ميسرة السائرين، وهم يتطيّرون به، والسانح: الذى يجيء عن يمينهم، وهم يتيمّنون به.
...
_________
(1) ديوانه ص 346، وتخريجه فى ص 345. وقوله: «فى قول أبى دواد» الأولى حذف «فى».
(2) هذا من كلام الشريف المرتضى، ونبهت عليه قريبا.
(3) أمالى المرتضى 2/ 73، وتذكرة النحاة ص 573، والمغنى ص 631، وشرح أبياته 7/ 320. وقوله: «إن ليلى» يريد: قبيلة ليلى، ذكره البغدادىّ.
(2/127)

فصل
ذكر حذف الحرف
الحرف على ضربين: حرف معنى، وحرف من نفس الكلمة.
فمن الحروف/المعنويّة التى وقع بها الحذف، أحرف خافضة، منها اللام، وحذفها مطّرد مع أنّ الشديدة وأن الخفيفة، كقولك: ما جئتك إلا أنّك كريم، تريد: إلاّ لأنك، وكذلك: ما أتيته إلا أن يحسن إلىّ، تريد: إلاّ لأن يحسن.
وممّا حذفوا منه اللام فى الشّعر، قول الأعشى (1):
أبالموت الذى لا بدّ أنّى … ملاق لا أباك تخوّفينى
والوجه: لا أبا لك، كما قال زهير (2):
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش … ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
وإنما ضعف حذف هذه اللام، لأنها فى هذا الكلام معتدّ بها، من وجه، وإن كانت غير معتدّ بها من وجه آخر، فالاعتداد بها، من حيث منعت الاسم، لفصلها بينه وبين المجرور بها، أن يتعرّف بإضافته إليه، فيكون اسم «لا» معرفة،
_________
(1) لم أجده فى ديوانه المطبوع. ونسبه الصيمرى فى التبصرة ص 391 إلى عنترة، وليس في ديوانه المطبوع، وقال القيسىّ فى إيضاح شواهد الإيضاح ص 281: «هذا البيت لعنترة بن شدّاد العبسىّ، فى رواية ابن السّكّيت، ونسب لأبى حية النّميرى»، ولم أجده فى شعر أبى حية المنشور بالعدد الأول من المجلد الرابع من مجلة المورد-1975 م، وهو فى شعره الذى نشره الدكتور يحيى الجبورى ص 177 (نقلا عن حواشى الكامل ص 670). وانظر الكامل أيضا ص 1140. وهذا الشاهد مما استفاضت به كتب العربية، فانظره فى معانى القرآن للأخفش ص 235 والمقتضب 4/ 375، والأصول 1/ 390، واللامات ص 103، والخصائص 1/ 345، والمقتصد ص 811، وشرح المفصل 2/ 105، وشرح الجمل 2/ 277، والمقرب 1/ 192، والشذور ص 328، والهمع 1/ 145، والتصريح 2/ 26، والخزانة 4/ 100،105،107، واللسان (أبى)، وفى حواشى تلك الكتب فضل تخريج.
(2) ديوانه ص 29.
(2/128)

وترك الاعتداد بها، من حيث ثبتت الألف فى «أب» ألا ترى أنّ الألف لا تثبت فى هذا الاسم إلاّ فى الإضافة (1)، نحو: رأيت أباك وأبا زيد، فلولا أنه فى تقدير الإضافة إلى الكاف، فى «لا أبا لك» لم تثبت الألف، وكذلك حكم اللام، فى قولك:
لا غلامى (2) لك، ولا غلامى لزيد، فالاعتداد بها، من حيث منعت «غلامين» التعرّف بالإضافة إلى المعرفة، وترك الاعتداد بها، من حيث حذفت نون «غلامين»، فلو لم يقدّروا إضافتهما لما حذفت النّون.
وممّا حذفت منه اللام قولهم: شكرت لزيد، ونصحت له، هذا هو الأصل فيهما، لأن التنزيل جاء به، فى قوله جلّ اسمه: {وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} (3) وقوله: {أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ} (4) وقوله: {وَأَنْصَحُ لَكُمْ} (5) و {إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ} (6) وجاء حذفها فى كلامهم نظما ونثرا، فمن النّظم قول النابغة (7):
نصحت بنى عوف فلم يتقبّلوا … رسولى ولم تنجح لديهم وسائلى
/وقول آخر:
سأشكر عمرا إن تراخت منيّتى … أيادى لم تمنن وإن هى جلّت (8)
نصب «أيادى» بتقدير حذف الخافض، أراد: على أياد، فلما حذف
_________
(1) قال أبو جعفر النحاس: «ولولا أن اللام زائدة لكان: لا أب لك؛ لأن الألف إنما ثبتت مع الإضافة، والخبر محذوف، والمعنى: لا أبا لك موجود أو بالحضرة» شرح القصائد التسع ص 352. وانظر الكتاب 2/ 276، واللامات ص 99.
(2) انظر ما يأتى فى المجلس التاسع والأربعين.
(3) سورة البقرة 152.
(4) سورة لقمان 14.
(5) سورة الأعراف 62.
(6) سورة التوبة 91.
(7) ديوانه ص 67، ومعانى القرآن 1/ 92، وإصلاح المنطق ص 281، وأدب الكاتب ص 424، وتفسير الطبرى 3/ 212، واللسان (نصح).
(8) ينسب لأبى الأسود الدؤلى، ولعبد الله بن الزّبير-بفتح الزاى-الأسدىّ، وينسب لغيرهما. انظر ملحق ديوان الأول ص 101، والثانى ص 141، وفى هذا تخريج البيت مستقصى.
(2/129)

«على» نصب، ويجوز أن تنصب «أيادى» بدلا من «عمرو» بدل الاشتمال، وتقدّر العائد إلى المبدل منه محذوفا، تريد: أيادى له، وحذفت «له» كما حذف الأعشى الضمير مع الجارّ فى قوله (1):
لقد كان فى حول ثواء ثويته … تقضّى لبانات ويسأم سائم
أراد: ثويته (2) فيه.
ومما عدّوه باللام كال ووزن، فى نحو: كلت لك قفيزين برّا، ووزنت لك منوين عسلا، وجاء حذف هذه اللام فى كثير من كلامهم، كقولك: كلتك البرّ، ووزنتك العسل، وقد يحذفون المفعول الثانى، فيقولون: كلتك ووزنتك، وعليه جاء قوله تعالى: {وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} (3) معناه: كالوا لهم أو وزنوا لهم.
وأخطأ بعض المتأوّلين فى تأويل هذا اللفظ، فزعم (4) أن قوله: «هم» ضمير مرفوع، وكّدت به الواو، كالضمير فى قولك: خرجوا هم، فهم على هذا التأويل عائد على المطفّفين.
_________
(1) ديوانه ص 77، والكتاب 3/ 38، ومعانى القرآن للأخفش ص 64، والمقتضب 1/ 27، 2/ 26،4/ 297، والأصول 2/ 48، والجمل ص 26، والجمل المنسوب للخليل ص 143، والتصحيف والتحريف ص 294، والتبصرة ص 159، ونتائج الفكر ص 317، وشرح المفصل 3/ 65، والمغنى ص 506، وشرح أبياته 7/ 91، وغير ذلك كثير تراه فى حواشى البسيط ص 234،407، وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الثالث والثمانين. و «ثواء» يروى بالرفع والنصب والخفض: فالرفع على أنه اسم كان، والنصب على أنه مفعول مطلق، أو مفعول لأجله. والخفض على أنه بدل من «حول» بدل اشتمال. وقوله «ويسأم» يروى بالرفع والنصب، فالرفع بالعطف على «تقضّى» فيمن رواه فعلا مبنيا للمجهول، والنصب بإضمار «أن» والعطف على «تقضّى» ليعطف المصدر المؤوّل على المصدر الصريح.
(2) هذه الهاء من «ثويته» مفعول مطلق، وهى ضمير الثّواء؛ لأن الجملة صفته، والهاء رابط الصفة. راجع الموضع المذكور من المغنى، وشرح أبياته.
(3) سورة المطففين 3.
(4) ممن ذهب إلى هذا: عيسى بن عمر، وحمزة بن حبيب. راجع إعراب القرآن للنحاس 3/ 649، وتفسير القرطبى 19/ 252، والبحر 8/ 439.
(2/130)

ويدلّك على بطلان هذا القول عدم تصوير الألف بعد الواو، فى {كالُوهُمْ} و {وَزَنُوهُمْ} ولو كان المراد ما ذهب إليه هذا المتأوّل، لم يكن بدّ من (1) إثبات ألف بعد الواو، على ما اتفقت عليه خطوط المصاحف كلّها، فى نحو:
{خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ} (2) و {قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ} (3) وإذا ثبت بهذا فساد قوله، فالضمير الذى هو «هم» منصوب بوصول الفعل إليه، بعد حذف اللام، وهو عائد على {النّاسِ} فى قوله تعالى: {إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ} (4) وهذا أيضا دليل على فساد قوله: إن الضمير مرفوع، ألا ترى أن المعنى: إذا كالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوا/للناس أو وزنوا للناس يخسرون (5).
وممّا حذفوا من الحروف الخافضة «من»، فى قولهم: اخترت الرجال زيدا، يريدون: من الرجال، وجاء فى التنزيل: {وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً} (6) أى من قومه، وقال الفرزدق:
ومنّا الذى اختير الرّجال سماحة … وجودا إذا هبّ الرّياح الزّعازع (7)
فالنصب فى «الرّجال» بوصول الفعل بعد حذف الخافض.
ومما حذفت منه «من» وأعملت محذوفة، قول أبى حيّة النّميرىّ (8):
_________
(1) هذه حجّة أبى إسحاق الزجاج، فى معانيه 5/ 298.
(2) سورة البقرة 243.
(3) سورة البقرة 246، وجاء فى الأصل وه‍: «وقالوا لنبيّهم» وهو تحريف.
(4) سورة المطففين 2.
(5) للزمخشرى كلام شبيه بهذا: انظره فى الكشاف 4/ 230، وتعقّبه أبو حيان فى البحر، الموضع السابق.
(6) سورة الأعراف 155.
(7) فرغت منه فى المجلس الثامن والعشرين.
(8) أثبته الدكتور يحيى الجبورى، فى شعر أبى حيّة ص 167، عن ابن الشجرى فقط. والبيت الأول وحده أنشده أبو علىّ فى كتاب الشعر ص 51، ونسبه لجرير أو غيره، ولم أجده فى ديوان جرير المطبوع. وأنشده ابن عصفور فى الضرائر ص 144، من غير نسبة.
(2/131)

رأين خليسا بعد أحوى تلعّبت (1) … بفوديه سبعون السّنين الكوامل
وأنكرت إعراض الغوانى ورابنى … وأنكرن إعراضى وأقصر باطلى
أراد: من السّنين، فحذفها وأعملها.
وذهب الخليل إلى أن النكرة بعد «كم» فى نحو: كم رجل عندى، تنجرّ على إرادة «من» والدليل على جواز ذلك، كما قال الخليل، قول الأعشى (2):
كم ضاحك من ذا ومن ساخر
أراد: كم من ضاحك، فلذلك عطف عليه بمن، فقال: ومن ساخر.
وبالجملة إنّ إضمار الجارّ وإعماله بغير عوض، ضعيف، وإنما استجازوا إضمار «من» بعد «كم» لأنه قد عرف موضعها، وكثر استعمالها فيه، كما كثر استعمال الباء فى جواب قولهم: كيف أصبحت؟ فقيل ذلك لرؤبة، فقال (3): «خير عافاك الله»، فحذف الباء وأعملها، وسوّغ له ذلك ما ذكرته من كثرة استعمالها مع هذا اللفظ.
ومثل ذلك حذف الباء من اسم الله تعالى، فى القسم، فى لغة من قال:
الله لتفعلنّ، وهو قليل، ولم يستعملوه فى غير هذا الاسم، تعالى مسمّاه، فهو مما اختصّ به، كاختصاصه بالتاء فى القسم، وبقطع همزته فى النّداء، فى إحدى اللّغتين، وبتفخيم لامه (4) إذا تقدمتها ضمّة أو فتحة، وبإلحاق آخره ميما مثقّلة عوضا
_________
(1) فى ه‍: «تغلبت».
(2) ديوانه ص 141، وكتاب الشعر ص 51. والرواية فى الديوان: يا عجب الدهر متى سوّيا كم ضاحك من ذا وكم ساخر وعلى هذه الرواية لا شاهد فى البيت، لأن منزع الشاهد هو من قوله «ومن ساخر» فى رواية أبى على وابن الشجرى، فإنّ ذكر «من» هنا دليل على أنها مرادة قبل «ضاحك» بدليل قول ابن الشجرى الآتى.
(3) سبق تخريجه فى المجلس الثامن والعشرين.
(4) راجع (باب ترقيق اللام وتغليظها) من الكشف 1/ 219، وانظر ما يأتى فى المجلس السابع والأربعين.
(2/132)

من حرف النداء قبله، فى قولهم: اللهمّ، وإنما يكثر فى كلامهم الخفض فى هذا الاسم بهمزة الاستفهام، نائبة عن الواو، /فى قولهم: آلله لتفعلنّ، أصله:
أو الله، فحذفوا الواو وأنابوا الهمزة عنها، فأعملوها عملها، وكذلك أنابوا حرف التنبيه عن الواو، فجرّوا بها فى قولهم: لاها الله ذا، يريدون: لا والله ذا قسمى.
وممّا حذفوا منه الباء، فعاقبها النصب، قولهم: أمرتك الخير، يريدون:
بالخير، قال:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به … فقد تركتك ذا مال وذا نشب (1)
والباء كثيرا ما تحذف فى قولهم: أمرتك أن تفعل كذا، فإذا صرّحوا بالمصدر، قالوا: أمرتك بفعل كذا، وإنما استحسنوا حذف الباء مع «أن» لطول «أن» بصلتها التى هى جملة، فمن حذفها فى التنزيل، حذفها فى قوله تعالى:
{إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ} (2) ومن إثباتها مع المصدر الصريح إثباتها فى قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ} (3).
ومعنى قول أبى حيّة: «رأين خليسا بعد أحوى» الخليس: الشّعر الأشمط (4)، والأجوى: الأسود.
وقوله: «بفوديه» الفودان: شعر جانبى الرأس ممّا يلى الأذنين.
_________
(1) نسبه ابن الشجرى فى المجلس الثامن والستين، لعمرو بن معد يكرب، والبيت ينسب إلى عمرو كما ترى، وإلى خفاف بن ندبة السّلمى، وإلى العباس بن مرداس، وإلى زرعة بن السائب، وإلى أعشى طرود -واسمه إياس بن عامر-راجع ديوان عمرو بن معد يكرب ص 33،35، وديوان خفاف ص 126، وديوان الأعشين (الصبح المنير) ص 284. وانظر الكتاب 1/ 37، والمقتضب 2/ 36، والأصول 1/ 178، وتفسير الطبرى 13/ 145.
(2) سورة النساء 58.
(3) سورة الأعراف 28.
(4) وهو الذى اختلط سواده ببياضه.
(2/133)

وممّا حذف منه حرف الجر، فعاقبه النصب قول المتلمّس (1):
آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه … والحبّ يأكله فى القرية السّوس
أراد: على حبّ العراق.
وممّا حذفوه من الحروف الجارّة، وعوّضوا منه، كما حذفوا واو القسم وعوّضوا منها الهمزة الاستفهامية وحرف التنبيه: ربّ، حذفوها، وعوّضوا منها الواو، كقول القائل (2): «وقرن قد دلفت إليه فى المصاع» وكقوله:
وسبى قد حويته فى المغار
أراد: ربّ قرن، فحذف ربّ، وأدخل الواو، فمن النحويين (3) من قال: إن الواو هى الجارّة، على طريق النيابة، ومنهم/من قال: إن الجرّ بربّ مقدّرة، والقول الأول عند بعض النحويين أجود، قال: لأنك إذا لم تحكم بأن الجرّ للواو، كانت عاطفة، والعاطف لا يقع أوّلا، وإنما يجيء بعد معطوف عليه، وهذه الواو كثيرا ما تقع مبتدأ بها فى الشّعر، كقول رؤبة:
وبلد عامية أعماؤه … كأنّ لون أرضه سماؤه (4)
فلو حكمت بأن الجرّ لربّ، تمحّضت الواو للعطف ابتداء، والعطف لا يقع
_________
(1) ديوانه ص 95، وتخريجه فيه. وانظر أيضا الأصول 1/ 179، والبصريات ص 914، والجمل المنسوب للخليل ص 96، والمغنى صفحات 99،245،590،600، وشرح أبياته 2/ 259. وقوله: «آليت» أى أقسمت وحلفت. وهو بفتح التاء-لا بضمّها كما يأتى فى كثير من الكتب- لأنه يخاطب عمرو بن هند الملك.
(2) هذا والذى بعده من الشواهد التى لم أعرف صوابها ولا تتمّتها.
(3) الكوفيون والمبرّد من البصريين. والرأى الآخر لعامة البصريين. الإنصاف ص 376، والجنى الدانى ص 154، والمغنى ص 361 (حرف الواو)، وتذكرة النحاة ص 8، وراجع المقتضب 2/ 319، 347، وقد ذكر ابن الشجرى هذا الخلاف فى المجلس الثانى والعشرين.
(4) فرغت منه فى المجلس الثانى والعشرين.
(2/134)

ابتداء، وعند آخرين من أئمة النحويّين، منهم أبو (1) على، أن الجرّ بربّ، واستدلّ أبو علىّ بقول الهذلىّ:
فإمّا تعرضنّ أميم عنّى … وتنزعك الوشاة أولو النّياط (2)
فحور قد لهوت بهنّ عين … نواعم فى البرود وفى الرّياط
فالفاء جواب الشّرط، وإذا كانت الفاء جوابا للشرط، حصل انجرار الاسم (3) [بالجارّ] المضمر، ومن الدليل على ذلك أيضا قوله:
بل بلد ملء الفجاج قتمه (4)
«فلو كان الجرّ بالواو، دون ربّ المضمرة، لكان الجرّ فى قوله: «بل بلد» ببل، قال: وهذا لا نعلم أحدا به اعتداد يقوله».
قوله: «أولو النّياط» النّياط: جمع نوطة، والنّوطة: الحقد.
والرّيطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، ولم تكن لفقين، وجمعها: ريط ورياط.
وقول رؤبة: «عامية أعماؤه» أى غير واضحة نواحيه وأقطاره.
وقوله: «كأنّ لون أرضه سماؤه» هو من المقلوب، وفيه تقدير حذف مضاف، وإنما أراد: كأنّ لون سمائه لون أرضه، وذلك لأن القتام لأجل الجدب ارتفع حتى غطّى السماء، فصار لونها كلون الأرض، وقد اتّسع القلب فى كلامهم حتى استعملوه فى غير الشّعر، فقالوا: أدخلت القلنسوة فى رأسى، والخاتم فى
_________
(1) وذكره فى كتاب الشعر ص 50.
(2) وهذا أيضا تقدم فى المجلس المذكور.
(3) ساقط من ه‍.
(4) لرؤبة، وسبق فى المجلس المذكور.
(2/135)

إصبعى، وممّا جاء منه فى الشعر قول الأخطل (1):
مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت … نجران أو بلغت سوءاتهم هجر
قال الأخفش (2): جعل هجر كأنها هى البالغة، وهى المبلوغة فى المعنى.
قوله: «هدّاجون» الهدجان: مشى الشيخ، وهدج الظّليم: إذا مشى فى ارتعاش.
ومن المقلوب قول كعب بن زهير (3):
كأنّ أوب ذراعيها إذا عرقت … وقد تلفّع بالقور العساقيل
القور: جمع قارة، وهى الجبيل الصغير.
والعساقيل: اسم لأوائل السّراب، جاء بلفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه.
والتّلفّع: الاشتمال والتّجلّل، وقال: «تلفّع بالقور العساقيل» وإنما المعنى:
تلفّع القور بالعساقيل.
وقال أبو العباس ثعلب، فى قوله تعالى: {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ}
_________
(1) ديوانه ص 209، برواية: على العيارات هدّاجون قد بلغت نجران أو حدّثت سوءاتهم هجر والبيت برواية النحويين فى معانى القرآن للأخفش ص 134، والمحتسب 2/ 118 والجمل المنسوب للخليل ص 51، والمغنى ص 699، والهمع 1/ 165، وشرح الأشمونى 2/ 71، وغير ذلك كثير مما تراه فى حواشى كتاب الشعر ص 107، وقد أشار أبو تمام إلى الروايتين، فى نقائض جرير والأخطل ص 163. وقوله: «نجران» يأتى بنصب النون ورفعها. والراجح الرفع، على ما حقّقته فى كتاب الشعر.
(2) راجع معانى القرآن، له ص 135، وابن الشجرى يذكر كلام الأخفش بعبارة أبى علىّ فى كتاب الشعر ص 108، إلاّ إن كان النقل من كتاب آخر للأخفش غير المعانى.
(3) ديوانه ص 16، والمغنى ص 696، وشرح أبياته 8/ 119، وشرح قصيدة كعب لابن هشام ص 236 - 241، واللسان (أوب-قور-لفع-عسقل).
(2/136)

{ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ} (1): هذا من المقلوب، وتقديره: اسلكوا فيه سلسلة.
وقال أبو زيد (2): يقال: «إذا طلعت الجوزاء انتصب العود فى الحرباء» يريدون: انتصب الحرباء فى العود، والحرباء: دويبّة تعانق عودا، وتدور مع عين الشمس حيث دارت إلى أن تغيب.
وقال أبو الحسن الأخفش: يقولون: «عرضت الناقة على الحوض، وعرضتها على الماء» يريدون: عرضت الماء عليها، وأنشد الأخفش:
وإن أنت لاقيت فى نجدة … فلا تتهيّبك أن تقدما (3)
قال: أراد: لا تتهيّبها، وقال ابن مقبل (4):
ولا تهيّبنى الموماة أركبها … إذا تجاوبت الأصداء بالسّحر
الأصداء: جمع الصّدى، وهو ذكر البوم، والصّدى: الصّوت الذى يجيبك إذا صحت بقرب جبل.
وأنشدوا فى المقلوب:
كما لففت الثّوب فى الوعاءين (5)
أراد: كما لففت الثّوبين فى الوعاء.
ومما حذفوا منه «إلى» قولهم: دخلت البيت، وذهبت الشام، ولم يستعملوا
_________
(1) سورة الحاقة 32، وما قاله ثعلب سبق إليه الفراء فى المعانى 3/ 182، وروى أيضا عن مقاتل. تفسير القرطبى 18/ 272.
(2) فى نوادره ص 409، وكتاب الشعر ص 105. والحرباء يذكر ويؤنث.
(3) للنمر بن تولب، رضى الله عنه. ديوانه ص 101، وتخريجه فى ص 151، وزد عليه: كتاب الشعر ص 107، وما فى حواشيه. والقصيدة كلها فى مختارات ابن الشجرى ص 66.
(4) ديوانه ص 79، وتخريجه فيه، وزد عليه ما فى كتاب الشعر ص 107، وحواشيه.
(5) كتاب الشعر، الموضع السابق، والمخصص 3/ 122، وضرائر الشعر ص 270، وشرح أبيات المغنى 8/ 116، واللسان (دحس).
(2/137)

ذهبت/بغير «إلى» إلاّ فى الشّام، وليس كذلك دخلت، بل هو مطّرد فى جميع الأمكنة، نحو: دخلت المسجد، ودخلت السّوق، فمذهب سيبويه (1) أن البيت ينتصب بتقدير حذف الخافض، وخالفه فى ذلك أبو عمر الجرمىّ، فزعم أن البيت مفعول به، مثله فى قولك: بنيت البيت، واحتجّ أبو عليّ لمذهب سيبويه، بأنّ نظير دخلت ونقيضه، لا يصلان إلى المفعول إلاّ بالخافض، فنظيره: غرت، ونقيضه خرجت، فلما قالوا: غرت فى البيت، وخرجت من البيت، كان حكم دخلت كحكمهما (2) فى التعدّى بالخافض، ولما عدّوا خرجت بمن، وهى لابتداء الغاية، دلّ على أن دخلت حكمه التعدية بإلى، لأنها لانتهاء الغاية.
واحتجّ أبو علي أيضا بأنّ مصدر دخل، جاء على الفعول، والفعول فى الأغلب إنما يكون للأفعال اللازمة، نحو صعد صعودا، ونزل نزولا، وخرج خروجا، ولغب لغوبا، وشحب لونه شحوبا، وسهم وجهه سهوما، فجعل الدخول دليلا على أنّ دخل فى أصل وضعه مستحقّ للتعدية بالخافض، الذى هو «إلى» وقد تعدّى بفى، كما عدّى بها غرت، فيقال: دخلت فى البيت، كما يقال: دخلت فى هذا الأمر، ومثل ذلك فى التنزيل: {اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} (3).
فإن قيل: إنّ تعديته بفى إنما جاء فى غير الأمكنة.
قيل: وقد جاء فى الأمكنة كقول أعرابيّ أدخل حمّاما:
_________
(1) الكتاب 1/ 35،159. وبيان مذهب سيبويه فى هذه المسألة والردّ عليه، تراه فى حواشى المقتضب 4/ 337، وانظر الأصول 1/ 170،171،2/ 54، وشرح الحماسة ص 1121، واللسان (دخل).
(2) فى الأصل: حكمها.
(3) سورة البقرة 208.
(2/138)

أدخلت فى بيت لهم محندس … قد مرّدوه بالرّخام الأملس (1)
فقلت فى نفسى بالتّوسوس … أدخلت فى النار ولمّا أرمس
محندس: من الحندس، وهو الظّلام.
ومرّدوه: ملّسوه، ومنه الغلام الأمرد، وشجرة مرداء: لا ورق عليها.
...
_________
(1) الحماسة البصرية 2/ 374.
(2/139)

المجلس الرابع والأربعون
/يتضمّن ذكر الحذف، فيما لم نذكره من حروف المعانى
، وحذف حروف من أنفس الكلم، فممّا حذف من حروف المعانى «لا» إذا وقعت جوابا للقسم، كقول امرئ القيس (1):
فقلت يمين الله أبرح قاعدا … ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى
أى لا أبرح، ومثله:
تالله يبقى على الأيّام ذو حيد … بمشمخرّ به الظّيّان والآس (2)
الظّيّان: الياسمين.
وقد جاء حذف «لا» من هذا الضّرب فى التنزيل، فى قوله تعالى: {قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ} (3) أراد: لا تفتأ، أى لا تزال تذكر يوسف {حَتّى تَكُونَ حَرَضاً}
_________
(1) ديوانه ص 32، والكتاب 3/ 503، والمقتضب 2/ 326، والخصائص 2/ 284، والجمل المنسوب للخليل ص 108، والمغنى ص 637، وشرح أبياته 7/ 332، وغير ذلك كثير.
(2) لمالك بن خالد الخناعى، وينسب لأبى ذؤيب، ولأميّة بن أبى عائذ. شرح أشعار الهذليين ص 227،439، وتخريجه فى ص 1398، وزد عليه ما فى كتاب الشعر وحواشيه ص 54. والرواية فى أشعار الهذليين: يا مىّ لا يعجز الأيام ذو حيد ولا شاهد على هذه الرواية. والحيد، بفتح الحاء والياء: مصدر بمنزلة العوج والأود، وهو اعوجاج يكون فى قرن الوعل، وهو التّيس الجبلىّ. وروى بكسر الحاء وفتح الياء، جمع حيد، بفتح وسكون: وهو كلّ نتوء فى القرن أو الجبل. والمشمخر: الجبل العالى. والآس: الريحان، وإنما ذكر هذين إشارة إلى أن الوعل فى خصب، فلا يحتاج إلى أن ينزل إلى السّهل فيصاد.
(3) سورة يوسف 85.
(2/140)

والحرض: الذى أذابه الحزن أو العشق، قال الشاعر (1):
إنّى امرؤ لجّ بى حبّ فأحرضنى … حتّى بليت وحتّى شفّنى السّقم
وقد حذفت اللام من جواب القسم، كما حذفت «لا» وذلك من جواب:
{وَالشَّمْسِ وَضُحاها} (2) وهو قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها} وكذلك حذفها الشاعر من قوله:
وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّه … فرغ وإنّ أخاكم لم يثأر (3)
أراد: لأثأرنّ.
وقوله: «فرغ»، يقال فيه: ذهب دم فلان فرغا، أى باطلا لم يطلب (4) [به].
وقد جاء حذف النون وإبقاء اللام فى قراءة ابن كثير: «لأقسم بيوم»
_________
(1) هو العرجى، كما فى مجاز القرآن 1/ 317، وهو فى ديوانه ص 5، وتخريجه فى حواشى المجاز. وما ذكره ابن الشجرى فى تفسير «الحرض» هو من كلام أبى عبيدة. وراجع زاد المسير 4/ 273.
(2) سورة والشمس 1،9، وتقدّم ذكر هذا الحذف فى المجلس الثانى والأربعين.
(3) البيت لعامر بن الطفيل، من قصيدة دالية فى ديوانه ص 56، وقافيته: «لم يقصد» وهى كذلك فى الأصمعيات ص 216، والمفضليات ص 364، وشرح الحماسة ص 558، والبيت بروايتنا فى كتاب الشعر ص 53، وفى حواشيه التخريج. وأعاده ابن الشجرى فى المجلس السابع والستين. وقتيل مرة: هو أخوه حنظلة بن الطفيل. و «قتيل» يروى بالحركات الثلاث: أما الخفض فعلى أن الواو للقسم، وعليه استشهاد النحويين هنا. وأما النصب فعلى أن الواو عاطفة على محلّ «مالك» المجرور بالباء الزائدة، فى قوله: ولأثأرنّ بمالك وبمالك وأما الرفع فعلى الابتداء، وأثأرنّ: خبره، والعائد محذوف، أى أثأرنّ به، أو أثأرنّه. وقوله: «فرغ» شرحه المصنف. وروى «فرع» بفتح الفاء وسكون الراء، بعدها عين مهملة، أى أنه رأس عال فى الشرف. وقوله فى الرواية الأخرى: «لم يقصد» أى لم يقتل، يقال: أقصدت الرجل: إذا قتلته.
(4) ليس فى ه‍.
(2/141)

«القيامة» (1) وحذف النون هاهنا حسن (2)، لأنّ نون التوكيد تخلّص الفعل للاستقبال، والله تعالى أراد الإقسام فى الحال، كقولك: والله لأخرج، تريد بذلك خروجا أنت فيه، ولو قلت: لأخرجنّ، أردت خروجا متوقّعا.
ومن قرأ {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ} (3) ففى قراءته قولان، أحدهما: أن تكون «لا» مزيدة/كالتى فى قوله تعالى: {لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ} (4) وهو قول أبى على، وقال: فإن قلت: إنّ الحرف الذى يزاد إنّما يزاد وسطا، كزيادة «ما» و «لا» فى قوله: {فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ} (5) و «ممّا خطاياهم» (6) وقوله:
{فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ} (7) [ولا يزاد (8) أولا. فقد قالوا: إن مجاز القرآن مجاز الكلام الواحد والسورة الواحدة، قالوا: والذى يدلّ على ذلك أنه قد يذكر الشىء فى سورة فيجىء جوابه فى سورة أخرى، كقوله: {وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} (9) جاء جوابه فى سورة أخرى: {ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} (10)
_________
(1) أول سورة القيامة. وانظر لهذه القراءة معانى القرآن 3/ 207، والسبعة ص 661، والكشف 2/ 349، والمشكل 2/ 429.
(2) لكن ابن جنى يرى أن حذف النون هنا ضعيف خبيث. المحتسب 2/ 341.
(3) سيتكلم ابن الشجرى على هذه القراءة بإفاضة فى المجلس السابع والستين.
(4) آخر سورة الحديد.
(5) سورة آل عمران 159.
(6) سورة نوح 25. وجاء فى الأصل خَطِيئاتِهِمْ. وفى ه‍ خَطاياهُمْ بوزن «قضاياهم» وهى قراءة أبى عمرو وحده، وقد اخترتها-دون الأولى، وقد قرأ بها السّتّة-لأنها هى التى جاءت فى المجالس: السابع والستين، والثامن والستين، والمتمّ السبعين. وهذا المجلس الأخير جاء فى جزء من الأمالى مقروء على ابن الشجرى. وراجع السبعة ص 653، وإرشاد المبتدى ص 605.
(7) الآية المتمة الأربعين من سورة المعارج.
(8) ما بين الحاصرتين سقط من ه‍-وهو سقط طويل كما ترى-وقد أعاده ابن الشجرى على التمام فى المجلس السابع والستين. وقد رأيته فى كلام أبى على، فى كتابه الحجة 7/ 312 (مصوّرة نسخة مكتبة البلدية بالاسكندرية 3570)، وأصل هذا الكلام عند شيخى أبى علىّ: ابن السرّاج فى الأصول 1/ 401، والزجاج فى معانى القرآن 5/ 251، وانظر أيضا 2/ 137، وانظر إعراب القرآن للنحاس 3/ 551،703 والكشف 2/ 349، والمغنى ص 249 (مبحث لا)، ودراسات لأسلوب القرآن 2/ 577.
(9) سورة الحجر 6.
(10) سورة القلم 2.
(2/142)

فلا فرق إذن على هذا بين قوله: {لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ} وقوله: {فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ}] وبين قوله: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ}، وقد حملت «ما» على الزيادة، مع وقوعها أوّلا فيما أنشده أبو زيد (1):
ما مع أنّك يوم الورد ذو جزر (2) … ضخم الدّسيعة بالسّلمين وكّار
وأنكر بعض النحويين (3) أن تكون «لا» زائدة فى قوله تعالى: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ} قال: لأنّ كون الحرف زائدا يدلّ على اطّراحه، وكونه أوّل الكلام يدلّ على قوّة العناية به، فكيف يكون مطّرحا معنيّا به فى حالة واحدة، وإذا قبح الجمع بين اطّراح الشىء والعناية به، بطل كون «لا» فى هذه الآية زائدة، وجعلناها نافية، ردّا على من جحد البعث، وأنكر القيامة، وقد حكى الله تعالى أقوالهم فى مواضع من كتابه، وكأنه قيل: {لا} ليس الأمر على ما تقوّلتموه، من إنكاركم ليوم القيمة {أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ. وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ} فلا هاهنا جواب لما
_________
(1) فى نوادره ص 237، ونسبه لعبدة بن الطبيب، وهو أيضا فى الحيوان 5/ 263،6/ 86، والهمع 2/ 157، وأنشد منه ابن دريد «بالسّلمين وكّار» فى الاشتقاق ص 35، وأعاده ابن الشجرى فى المجلس السابع والستين.
(2) هكذا «جزر» بتقديم الزاى على الراء، فى هذا المجلس، والمجلس الآخر، وفسّره ابن الشجرى عليه فيما بعد. والذى فى نوادر أبى زيد: «جرز» بتقديم الراء، وقال فى تفسيره: «الجرز: القوّة». والرواية فى الحيوان: «ذو لغط». هذا وقد وجدت بهامش أصل الأمالى، فى المجلس السابع والستين، حاشية، هذا نصّها: «الصواب: ذو جرز، براء مهملة قبل الزاى، وهو. . . الشديد الصّلب. والجرز: القوة، والذى فى هذا الكتاب تصحيف بلا شك، وشرحه يدلّ على. . . للشعر». انتهت الحاشية، ومكان النقط مطموس فى التصوير. ويبقى أن أقول: إنه فى الهمع: «جزر» بتقديم الزاى، وكذلك فى نسخة قديمة متقنة من نوادر أبى زيد، أشار إليها المحقق فى حواشيه، وهى نسخة عاطف افندى، ولي بهذه النسخة أنس، إذ كانت من مستودعات معهد المخطوطات بالقاهرة، وكنت كثير النظر فيها.
(3) منهم الفراء، فى معانى القرآن 3/ 207.
(2/143)

حكى من جحدهم البعث، كما كان قوله تعالى: {ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} جوابا لقولهم: {يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} لأنّ القرآن يجرى مجرى السّورة الواحدة.
ومثل قوله: {ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} جوابا لما قذفوه به من الجنون، مجىء قوله: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا} (1) جوابا لما ورد فى السّورة الأخرى من قول عبد الله بن أبىّ بن سلول، ومن كان معه من المنافقين: {لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} (2).
ومجىء «ما» زائدة فى قول القائل:
ما مع أنك يوم الورد/ذو جزر
من الشاذّ النادر، وقوله: «ذو جزر» الجزر: جمع الجزرة، وهى الشاة المذبوحة.
والدّسيعة، هاهنا: الجفنة، والدّسيعة فى غير هذا: العطيّة الضّخمة، والدّسيعة أيضا: مركّب العنق فى الكاهل.
والسّلم: الدّلو، ووكّار: عدّاء.
وممّا حذفوه من حروف المعانى: الفاء، حذفت من جواب الشرط، فى قول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:
من يفعل الحسنات الله يشكرها … والشّرّ بالشّرّ عند الله سيّان (3)
أراد: فالله يشكرها.
_________
(1) سورة التوبة 74.
(2) سورة المنافقون 8، وانظر أسباب النزول للواحدى ص 251.
(3) تقدّم فى المجلس الثانى عشر.
(2/144)

والفاء العاطفة كثيرا ما تحذف فى الكلام وفى الشعر، وحذفها فى التنزيل كثير، كقوله تعالى: {وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ} (1) المعنى: فقالوا: أتتّخذنا هزوا، فقال: أعوذ بالله، وقال الشاعر:
لمّا رأيت نبطا أنصارا … شمّرت عن ركبتى الإزارا (2)
كنت لهم من النّصارى جارا
أراد: فكنت (3).
وممّا جاء فيه حذف الواو عاطفة قول الحطيئة:
إنّ امرأ رهطه بالشام منزله … برمل يبرين جارا شدّ ما اغتربا (4)
أراد: ومنزله.
وممّا استمرّ فيه حذف الفاء من أوائل آيات متواليات، قوله تعالى: {قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ. قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ. قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ. قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. قالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ. قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ. قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ} (5) جميع هذه الآى، الفاء مرادة في أوائلها.
_________
(1) سورة البقرة 67.
(2) فرغت منه فى المجلس المذكور.
(3) قدّره فى المجلس المذكور على حذف الواو.
(4) وهذا أيضا مثل سابقه.
(5) سورة الشعراء 23 - 31.
(2/145)

/ومن حروف المعانى التى حذفت وقدّرت «قد» فى قوله تعالى: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} (1) أى: وقد اتّبعك الأرذلون، أى أنؤمن لك فى هذه الحال؟ وإنما وجب تقدير «قد» هاهنا لأن الماضى لا يقع فى موضع الحال (2) إلا ومعه «قد» ظاهرة أو مقدّرة، فالظاهرة كقولك: جاء زيد وقد أعيا، أى: معييا، والمقدّرة فى الآية المذكورة، ومثلها قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ} (3) التقدير:
وقد كنتم أمواتا فأحياكم، ومثله: {أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ} (4) قيل: معناه: قد حصرت صدورهم، ويدلّ على ذلك قراءة الحسن ويعقوب الحضرمي (5): {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} وقيل: إن الحال هاهنا محذوفة، و {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} صفتها، والتقدير: جاءوكم قوما حصرت صدورهم، وهو قول الأخفش (6)، وذهب أبو العباس المبرّد (7) إلى أن قوله: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ} دعاء عليهم، على طريقة: {قاتَلَهُمُ اللهُ} (8) و {قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ} (9)
_________
(1) سورة الشعراء 111.
(2) هذا رأى البصريين، والفراء من الكوفيين. راجع معانى القرآن للفراء 1/ 24،282، وللزجاج 2/ 89، والأصول 1/ 254، وشرح مشكل شعر المتنبى ص 35، والإنصاف ص 252، والتبيين ص 386، وزدته تخريجا فى كتاب الشعر ص 56. وهذه المسألة (وقوع الماضى حالا) أعاد ابن الشجرى كلاما عنها فى المجالس: الثانى والخمسين، والرابع والستين، والحادى والسبعين.
(3) سورة البقرة 28.
(4) سورة النساء 90.
(5) إرشاد المبتدى ص 287، والنشر 2/ 251، والإتحاف 1/ 518.
(6) وذكره فى كتابه (المسائل الكبير) كما ذكر أبو على، فى البغداديات ص 245،397، أما فى كتابه معانى القرآن ص 244، فقد تلا القراءتين حَصِرَتْ وحَصِرَتْ. وقال: «ف‍ «حصرة» اسم نصبته على الحال، و «حصرت»: فعلت، وبها نقرأ»، ولم يزد على ذلك شيئا. وسيأتيك فى المجلس الحادى والسبعين، كلام لابن الشجرى ينسب فيه إلى الأخفش جواز وقوع الحال من الماضى بتقدير «قد». والتعليق عليه هناك إن شاء الله.
(7) المقتضب 4/ 124.
(8) سورة التوبة 30، والمنافقون 4.
(9) سورة عبس 17.
(2/146)

ودفع ذلك أبو على (1) وغيره، بقوله تعالى: {أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ} قالوا: لا يجوز أن ندعو عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالهم لقومهم، بل نقول: اللهم ألق بأسهم بينهم.
وأمّا العوامل فى الفعل، فمنها «أن» المصدرية، وهى تنصب مضمرة، كما تنصب مظهرة، ونصبها مضمرة يكون بعد ثلاثة أحرف عاطفة، وحرفين جارّين، فالعاطفة: الفاء والواو وأو، والجارّان: لام الإضافة، وحتّى التى بمعنى إلى.
فالفاء تضمر بعدها «أن» بعد الأمر والنهى والاستفهام، والنفى والتمنيّ والدعاء والعرض.
ووجه إضمار «أن» بعد الفاء إذا وقعت بعد هذه المعانى، أن المراد بها عطف [مصدر على (2)] مصدر متأوّل، لأنك إذا قلت: زرنى فأكرمك، فالتقدير:
لتكن زيارة منك فإكرام منّى، وألزموها الإضمار، لأن المصدر الأول غير مصرّح به، فكرهوا التصريح بالمصدر الثانى، فالفاء هنا/فى التحقيق عاطفة، لا جواب، لأنّ «أن» مع الفعل فى حكم المفرد، والمفرد لا يستقلّ بنفسه، فيكون جوابا، وإنما سمّاها النحويون جوابا، لأنها لو سقطت انجزم الفعل الذى بعدها، بكونه جوابا، إلاّ بعد النفى، وإنما يكون الجزم بعدها، لأنّ الأمر فى قولك: زرنى أكرمك، ناب عن الشرط، من حيث كان الثانى مستحقّا بالأوّل، ومسبّبا عنه، كما يكون الجزاء مستحقّا بالشرط، فلما دخلت على ما هو جواب بمنزلة الجزاء، سمّوها جوابا، ألا ترى أنك إذا أسقطتها قلت: زرنى أكرمك، فجزمت أكرمك، لأن قولك: زرنى، قام مقام قولك: إن تزرنى، وكذلك النهى، تقول: لا تضربه يكرمك، تقديره: إن لا تضربه يكرمك، وإنما قدّرت فيه حرف النّفى، لأن النّهى
_________
(1) الذى فى الإيضاح ص 277 «ولا يجوز أن يكون حَصِرَتْ دعاء» ولم يزد، فهو قد ذكره فى موضع آخر من كتبه التى ليست تحت يدىّ.
(2) ساقط من الأصل.
(2/147)

نفى، وكذلك قولك: هل تزورنى أكرمك؟ أنبت فيه الاستفهام مناب الشرط.
وأمّا الواو فيضمرون «أن» بعدها، إذا أرادوا النّهى عن الجمع بين الشيئين، كقولك: «لا (1) تأكل السّمك وتشرب اللّبن»، أى لا تجمع بينهما، وكذلك يفعلون بعد النفى، كقولهم (2): لا يسعنى شيء ويعجز عنك، أى لا يجتمع فى شيء أن يسعنى وأن يعجز عنك، ومنه قول دريد بن الصّمّة (3):
قتلت بعبد الله خير لداته … ذؤابا فلم أفخر بذاك وأجزعا
أى: فلم يجتمع لى الفخر والجزع.
وإضمارها بعد «أو» إذا أردت بأو: إلاّ أن، كقولك: لألزمنّك أو تفينى بحقّى، تريد: إلاّ أن تفينى.
فإن قيل: فإذا كانت بمعنى إلاّ، فمن أىّ شيء وقع الاستثناء؟
قيل: وقع الاستثناء من الوقت، لأن التقدير: لألزمنّك أبدا إلاّ وقت إيفائك إيّاى بحقّى.
فأمّا إضمارها بعد «حتّى» فتكون «حتى» فيه على معنيين، معنى كى، ومعنى إلى/أن، فإذا كان ما قبلها سببا لما بعدها، فهى بمعنى كى، كقولك: أطع الله حتى يدخلك الجنّة، المعنى: كى يدخلك الجنة، لأن دخول الجنة مسبّب عن
_________
(1) سبق فى المجلس الثالث.
(2) الكتاب 3/ 32،43، والأصول 2/ 154،155، وأيضا 179، والتبصرة ص 400.
(3) الكتاب 3/ 43، والتبصرة ص 401، والأصمعيات ص 111 - وفيها التخريج-وحماسة ابن الشجرى ص 45. وقد روى عجز الشاهد فى الأغانى 10/ 13، بروايتين مختلفتين، يضيع معهما الاستشهاد. الرواية الأولى: ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب والثانية: وخير شباب الناس لو ضمّ أجمعا وانظر ديوان دريد ص 36،131.
(2/148)

الطاعة، وإذا كان ما بعدها غاية لما قبلها، كانت بمعنى إلى أن، كقولك:
لأنتظرنّك حتى تغيب الشّمس، تريد: إلى أن تغيب الشمس، فغيبوبة الشمس غاية لانتظاره له.
فإن كان الفعل بعد «حتى» حالا، رفعته، لأن العوامل لا تعمل فى الفعل الحاضر، وعلى هذا مثّل النحويون رفعه بقولهم: سرت حتّى أدخلها، إذا قلت هذا وأنت فى الدّخول، وكذلك: شربت الإبل حتّى يجيء البعير يجرّ بطنه، ترفع «يجيء»، إن أردت به: يجيء (1) الآن، أو أردت به المضىّ، وتكون حكاية حال قد مضت، وعلى هذا قراءة من قرأ: {وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ} (2) رفعا، معناه: حتى قال.
وأمّا اللام فعلى ضربين: لام كى، ولام الجحد، فلام كى، مثالها قولك:
زرنى لأكرمك، التقدير: لأن أكرمك، والمعنى كي أكرمك، ولو أظهرت «أن» هاهنا كان حسنا، لأنّ اللام فى هذا النحو لام العلّة التى يحسن إظهارها، فى قولك: جئته مخافة شرّه، وفى قول الشاعر:
متى تفخر ببيتك فى معدّ … يقل تصديقك العلماء جير (3)
الأصل: لمخافة شرّه، ولتصديقك، أى يقولون: نعم ليصدّقوك.
ولام الجحد كقولك: ما كان زيد ليكرمك، والتقدير: لأن يكرمك، ولا يجوز إظهار «أن» هاهنا، ومثله فى التنزيل: {وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ} (4) قال علىّ ابن عيسى الرّمّانىّ: هذه لام الجحد، وأصلها لام الإضافة، والفعل بعدها نصب
_________
(1) الكتاب 3/ 18.
(2) سورة البقرة 214. وقراءة الرفع لنافع، وهى قراءة أهل الحجاز، كما ذكر سيبويه فى الكتاب 3/ 25، وانظر السبعة ص 181، ومعانى القرآن للزجاج 1/ 286، وإعراب القرآن للنحاس 1/ 255، والبحر 2/ 140، وقد تكلم أبو زكريا الفراء كلاما عاليا جيدا على «حتى» فى معانى القرآن 1/ 132 - 138.
(3) لم أعرفه، وقد أعاده ابن الشجرى فى المجلس السادس والسبعين.
(4) سورة البقرة 143.
(2/149)

بإضمار «أن» ولا تظهر بعدها «أن» لأن التأويل: ما كان الله مضيعا إيمانكم، فلما كان معناه على التأويل، حمل لفظه على التأويل، من غير تصريح بإظهار «أن» يعنى (1) [أنه] لمّا حمل قوله: {لِيُضِيعَ} فى المعنى، على مضيع، وبهذا الحمل يصحّ معنى الكلام، لزم «أن» /الإضمار، فلم يصرّح بالمصدر، ليتّفق اللفظ والمعنى على التأويل دون التصريح.
وممّا أضمروه من عوامل الأفعال، وأجاز النحويّون ذلك فى الشّعر، لام الأمر، وأنشدوا:
محمد تفد نفسك كلّ نفس … إذا ما خفت من شيء تبالا (2)
قالوا: أراد: لتفد، فاضطرّه الوزن إلى حذف اللام، لأنّ تبقية الجزم يدلّ على أنّ ثمّ جازما، وقال بعضهم: هو خبر يراد به الدعاء، وأصله: تفدى نفسك كلّ نفس، كما قال (3)
ويرحم الله عبدا قال آمينا
وكما جاء فى التنزيل: {يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ} (4) فاحتاج إلى حذف الياء، وإن كان المراد به الخبر، كما حذفت (5) فى التنزيل من {نَبْغِي} فى
_________
(1) ليس فى ه‍.
(2) نسب إلى ثلاثة من الشعراء: أبى طالب عمّ النبىّ صلّى الله عليه وسلم، والأعشى، وحسان رضى الله عنه، كما ذكر البغدادى فى الخزانة 9/ 14، وليس فى ديوان واحد منهم، على ما ذكر شيخنا عبد السلام هارون، رحمه الله، فى حواشى الكتاب 3/ 8، والشاهد أثبته المستشرق رودلف جاير فى ديوان الأعشى (الصبح المنير) ص 252، بيتا مفردا، فى زيادات ديوان الأعشى. وانظر تخريجه فى حواشى كتاب الشعر ص 52.
(3) تقدّم فى المجلس الثالث والثلاثين.
(4) سورة يوسف 92.
(5) فى ه‍: كما حذفت من التنزيل من نبغى نحب قوله. . .
(2/150)

قوله: {ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ} (1) وأنشد أبو بكر محمد بن السّرىّ (2)، هذا البيت، وأنشد معه لمتمّم بن نويرة (3):
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشى … لك الويل حرّ الوجه أويبك من بكى
أراد: أو ليبك، فحذف اللام، قال أبو بكر: وقال أبو العباس (4): لا أرى ذا على ما قالوه، لأنّ عوامل الأفعال لا تضمر، وأضعفها الجازمة، لأنّ الجزم فى الأفعال نظير الخفض فى الأسماء، ولكن بيت متمّم يحمل على المعنى، لأن قوله:
«فاخمشى» فى موضع «فلتخمشى» فعطف (5) «يبك» على المعنى، فكأنه قال:
فلتخمشى أو يبك. وأما البيت الآخر، فليس بمعروف، يعنى قول القائل:
محمد تفد نفسك كلّ نفس
قال أبو بكر (6): «على أنه فى كتاب سيبويه على ما ذكرت لك» يعنى أن سيبويه قدّر فيه إضمار اللام.
قوله: «تبالا» التّبال: الإهلاك، تبلهم الدهر: أفناهم.
...
_________
(1) سورة الكهف 64، وقرأ ابن كثير نَبْغِي بياء فى الوصل والوقف. وقرأ نافع وأبو عمرو، والكسائى، بياء فى الوصل. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة، بحذف الياء فى الحالين. السبعة ص 403، وزاد المسير 5/ 167، والإتحاف 2/ 219. وستأتى مرة أخرى فى المجلس الثالث والخمسين.
(2) ابن السّراج، فى الأصول 2/ 157،174.
(3) ديوانه ص 84، والكتاب 3/ 9، والمقتضب 2/ 132، والتبيين ص 179، وشرح أبيات المغنى 4/ 339، والخزانة 9/ 12، وغير ذلك مما تراه فى حواشى ما ذكرت. والبعوضة: اسم موضع بنجد، قتل فيه مالك أخو الشاعر ورجال من قومه.
(4) المقتضب 2/ 133، والأصول 2/ 175.
(5) الذى فى المقتضب والأصول: «فعطف الثانى على المعنى». وعبارة «فكأنه قال: فلتخمشى أو يبك» تفسير من ابن الشجرى، ولم تأت فى كتابى المبرد وابن السرّاج.
(6) هذا كلام المبرد نفسه فى المقتضب، وحكاه ابن السرّاج.
(2/151)

فصل
فى ذكر (1) [بعض] ما حذف من الحروف التى من أنفس الكلم
، فمن ذلك حروف العلّة، /الألف، والواو، والياء، والهمزة.
فالألف تحذف فى نحو: تخشى وتسعى، إذا لقيتها الواو، فى قولك:
تخشون وتسعون، وإذا لقيتها الياء، فى قولك: أنت تخشين وتسعين، فوزن تخشون: تفعون، وتخشين: تفعين.
وكذلك الواو فى نحو: يدعو ويخلو، تحذف فى قولك: هم يدعون ويخلون، وأنتم تدعون وتخلون، ولا تحذف فى قولك: هنّ يدعون ويخلون، وأنتنّ تدعون وتخلون، لعلّة نذكرها فيما بعد بمشيئة الله. والأصل: يدعوون وتدعوون ويخلوون وتخلوون، فاستثقلوا الضمّة على الواو فأسقطوها، فالتقى واوان ساكنتان، لام الفعل وواو الإضمار، فحذفوا الأولى، فآل وزن الفعل إلى يفعون.
وكذلك تحذف الواو من يدعو ونظائره، إذا قلت: تدعين يا هذه، وكان أصله: تدعوين، فحذفت الكسرة، فلما سكنت الواو، حذفت لسكونها وسكون ياء الإضمار، ثم أبدلت من الضمّة التى قبل الواو كسرة، لتصحّ ياء الضمير، فقيل: تدعين، وزنه تفعين، ومنهم من يشمّ العين الضّمّة.
وكذلك حكم الياء، فى نحو: يقضى ويرمى، إذا قلت: يقضون ويرمون، أصله: يقضيون ويرميون، فحذفت ضمّة الياء، ثم حذفت الياء لسكونها وسكون الواو، وكذلك إذا أسندت الفعل إلى ضمير المؤنّث، أصله: ترميين، فحذفوا الكسرة، ثم حذفوا الياء لسكونها وسكون ياء الإضمار بعدها.
...
_________
(1) ساقط من ه‍.
(2/152)

فصل
فى الفرق بين: هم يدعون، وهنّ يدعون (1).
أمّا هم يدعون، فقد قدّمت أن لام الفعل حذفت لسكونها وسكون واو الإضمار، فوزنه: يفعون، والنون فيه علامة رفع الفعل، يحذفها الجازم والناصب.
والواو فى قولك: هنّ يدعون، لام الفعل، كالجيم من يخرجن، والنون ضمير جمع المؤنّث، تثبت فى الأحوال/الثلاث، ألا تراها ثبتت فى موضع النصب، فى قوله تعالى: {إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ} (2) فيعفون هاهنا: يفعلن.
ونعود إلى ذكر حروف العلّة، فنقول: إنهنّ يحذفن لالتقاء الساكنين، فى نحو: {قَضَى اللهُ} (3) و {قالُوا الْآنَ} (4) و «يقضى الحقّ» (5).
ويحذفن من نحو: يخاف ويقول ويبيع، إذا سكنت اللام للجزم أو الوقف،
_________
(1) انظر الفرق بين هاتين النّونين فى الكتاب 1/ 20، ومعانى القرآن 1/ 155، وكتاب الشعر ص 192، والحلبيات ص 87،88، والدر المصون 2/ 493، وحواشيه. وشذور الذهب ص 61،62 (إعراب الأفعال الخمسة).
(2) سورة البقرة 237.
(3) سورة الأحزاب 36.
(4) سورة البقرة 71.
(5) سورة الأنعام 57، و «يقضى» بالضاد المعجمة هكذا جاءت فى النسختين، وهى قراءة أبى عمرو وحمزة وابن عامر والكسائى. وقرأ يَقُصُّ بالصاد المهملة: ابن كثير ونافع وعاصم. السبعة ص 259، ومعانى القرآن 1/ 337، وتفسير الطبرى 11/ 399، والكشف 1/ 434، والإتحاف 2/ 14. بقى شيء، وهو أن «يقضى» رسمت فى النسختين من الأمالى، هكذا بإثبات الياء، وخقّها الحذف لموافقة الرسم العثمانى، وكأنما جاء ذلك لبيان الأصل قبل الحذف. وقال مكّى فى الكشف: «وأصلها أن يتصل بها ياء؛ لأنه فعل مرفوع، من القضاء، لكنّ الخطّ بغير ياء-يعنى خطّ المصحف-فتكون الياء حذفت لدلالة الكسر عليها». وقال الزجاج فى معانى القرآن 2/ 256: «هذه كتبت هاهنا بغير ياء على اللفظ؛ لأن الياء أسقطت لالتقاء الساكنين، كما كتبوا: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ بغير واو».
(2/153)

فسكونها جزما، فى نحو: لم يخف ولم يقل ولم يبع، وسكونها وقفا، فى نحو: خف وقل وبع.
لمّا اجتمع الساكنان الألف والفاء، فى لم يخاف، والواو واللام فى لم يقول، والياء والعين فى لم يبيع، وجب حذف أحدهما، فكان حرف العلّة أولى بالحذف من وجهين، أحدهما: ضعفه وقوّة الحرف الصحيح، والثانى: أنه إذا حذف دلّت عليه الحركة التى تجانسه.
وأصل المثال الأمرىّ من هذا النحو: أخوف وأقول وابيع، كقولك فى موازيه من الصحيح: اركب، أقتل، اضرب، فنقلت حركة حرف العلة إلى الفاء، فاستغنى عن همزة الوصل بتحريك الفاء، فحذفت فصار حينئذ إلى: خوف وقول وبيع، فحذف حرف العلّة، لما ذكرناه من التقاء الساكنين.
ومما حذفت منه الواو، لوقوعها بين ياء وكسرة: يفعل، المبنىّ ممّا فاؤه واو، كالوعد والوزن، قالوا: يعد ويزن، استثقالا ليوعد ويوزن، هذه علّة حذف الواو من هذا النحو، فإن زالت الكسرة ثبتت الواو، كقولهم فى مضارع وجل ووحل ووسن: يوجل ويوحل ويوسن، ولمّا حذفوا الواو من يفعل، حملوا عليه أفعل ونفعل وتفعل، فقالوا: أعد ونعد وتعد، كراهة أن يختلف الباب، وحملوا عليه أيضا مصدره (1) الذى جاء على فعلة، فأعلّوه بحذف فائه، ونقل كسرتها إلى عينه، فقالوا:
عدة وزنة، وإنما أعلّوه، لانكسار فائه مع اعتلال فعله، ألا ترى أن المصادر تتبع الأفعال، فى صحّتها واعتلالها، وذلك كاعتلال الصّيام والقيام/لاعتلال صام وقام، وصحّة الجوار واللّواذ، فى نحو: {يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً} (2) لصحّة جاور ولاوذ،
_________
(1) أعاد ابن الشجرى الكلام على هذا المبحث فى المجلس السادس والأربعين، وبيانه فى المقتضب 1/ 88، وقد جمع محققه العلاّمة، رحمه الله، قدرا صالحا من المراجع التى عالجت هذا الموضوع، فالإحالة على ما ذكر الشيخ الجليل مما توجبه أمانة العلم. وقد رأيت كثيرا من أهل زماننا يسطون على جهود غيرهم، وينسبونها إلى أنفسهم بغيا وعدوا، وهى آفة نعوذ بالله من شرّها.
(2) سورة النور 63.
(2/154)

وكذلك صحّ عور وحول، حملا على صحّة اعورّ واحولّ، لأنه بمعناه، ثم حمل مصدر فعل على فعله، فى الصّحّة، فقيل: العور والحول، ولم يعلّوا ما جاء من مصدر باب يعد، على مثال فعل، كوعد ووزن، لمباينته لفعله بفتح أوّله.
والجهة مصدر، كالعدة والزّنة، والفعل منه: وجه يجه.
واختلف أهل العربيّة فى الوجهة، من قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها} (1) فمنهم (2) من ذهب إلى أنه مصدر شذّ عن القياس، فجاء مصحّحا، كما صحّ-منبهة على الأصل-قولهم: الخونة والحوكة، واستحوذ، ونحو ذلك.
ومنهم من قال: إن الوجهة اسم غير مصدر، وجاء على أصله فى الصّحّة، من حيث كان اسما للمتوجّه، فالمراد (3) [إذن] بالوجهة القبلة.
اعتراض: فإن قيل: قد وقعت الواو بين ياء وكسرة، فى مثل: يوعد ويوقن ويوجب، وأجمعوا على إقرارها مع وجود الشّرطين.
فالجواب: أنّ يفعل أصله يؤفعل، كقولك فى مضارع دحرج: يدحرج، فالأصل: يؤوعد، ويؤيقن، فحذفوا الهمزة استثقالا، لاجتماعها مع همزه المتكلّم، فلمّا كرهوا أن يقولوا: أأوقن، حذفوها، ثم حملوا على أوقن: يوقن وتوقن ونوقن، ليستمرّ الباب على طريقة واحدة، ولما حذفوا الهمزة من هذا الضّرب، حافظوا على الواو، فلم يحذفوها، لئلاّ يوالوا بين إعلالين: حذف الهمزة وحذف الواو.
...
_________
(1) سورة البقرة 148.
(2) هذا التفصيل لأبى على الفارسى. وهو فى التكملة ص 246، باختلاف العبارة، وكذلك هو فى المنصف 1/ 200، باختلاف العبارة أيضا. وانظر شرح الملوكى فى التصريف ص 341، وتفسير القرطبى 2/ 165.
(3) ليس فى ه‍.
(2/155)

فصل [في أفعال فاءاتها واو:]
وقد جاءت أفعال فاءاتها واو، على مثال فعل يفعل: وهى ورث يرث، ووثق يثق، وولى يلى، وورم الجرح يرم، وورع الرجل يرع: إذا كفّ (1)، وومق يمق مقة: إذا أحبّ، ووفق يفق: من الوفاق بين الشيئين، كالالتحام بينهما، /وورى الزّند يرى، ويقال أيضا: ورى يرى وأورى، كلّ ذلك إذا أظهر نارا.
ومجىء هذه الأفعال على فعل يفعل، شذوذ عن القياس، لأنّ قياس فعل أن يأتى مضارعه على يفعل، مفتوح العين، كقولك: عجل يعجل، وعلم يعلم، وعمل يعمل، وقد ندر من الصّحيح أربعة أحرف، تكلّم بعض العرب بها على وجه القياس، وبعضهم على الشذوذ، وهى حسب يحسب ويحسب، ونعم ينعم وينعم، وبئس يبأس ويبئس، ويئس ييأس وييئس، ولم تأت اللغتان معا، القياسية والشذوذية، فى شيء من المعتلّ الفاء، إلاّ فى ورى الزّند. وورى (2) فأمّا وطئ يطأ، ووسع يسع، فإنما حذفوا الواو من يطأ ويسع، وما بعدها مفتوح، لأنهما فى الأصل يوطئ ويوسع، من حيّز وثق يثق، ولكنهم فتحوا العين منهما، لمكان الحرف الحلقىّ، ألا ترى أنّ فعل الذى قياس مضارعه يفعل، بكسر عينه، إذا كانت العين منه أو اللام حرفا من حروف الحلق الستّة: «الغين والخاء والعين والحاء والهمزة والهاء» جاء المضارع منه على يفعل، كقولهم: جبه يجبه، وجرح يجرح، وسلخ يسلخ، وصنع يصنع، وبدأ يبدأ، ونعت ينعت، وشغل يشغل، وفخر يفخر، ونحر ينحر، ونهض ينهض، وإنما استحسنوا الفتحة فى هذا الضّرب،
_________
(1) فى الأصل وه‍: «خفّ» مضبوطا بفتح الخاء وتشديد الفاء. ولم أجده تفسيرا مقبولا للورع، ولا صلة بين الخفّة والورع. والذى فى كتب اللغة أن الورع هو الكفّ عن المحارم والتحرّج منه. وقد أصلحه مصحح الطبعة الهندية فجعله «خاف». ولم يذكر هذا المعنى صراحة فى المعاجم، على أن له وجها يمكن أن يحمل عليه، فقد قالوا عن الورع إنه الرجل الجبان. وأصل هذه المادة يرجع إلى معنى الكفّ والانقباض. كما ذكر ابن فارس فى المقاييس 6/ 100. ثم انظر أمثلة هذه الأفعال التى جاءت على «فعل يفعل» فى المنصف 1/ 207.
(2) والفتح أكثر، كما ذكر ابن جنى فى المنصف 1/ 207.
(2/156)

لموافقتها لحروف الحلق، ووجه الوفاق بينهما: أن الفتحة من الألف، والألف مخرجها من الحلق.
وقد يجيء الحرف من هذا الضّرب على الأصل (1)، كقولهم: دخل يدخل (2)، وفرغ يفرغ، ونحت ينحت، ونطح ينطح.
وأما يدع، فماضيه فعل، مفتوح العين، وإن لم يتكلّموا به، استغناء عنه بترك، فأصله: يودع، وحذف واوه لاجتماع الشرطين، الياء والكسرة، ثم فتحت عينه لمكان حرف الحلق، ويذر محمول على يدع، لوفاقه له فى المعنى (3)، فلولا حمله عليه كسرت عينه، فقيل: يذر، كقولك: وجب يجب، إذ ليس فيه حرف /حلقىّ، تفتح عينه لأجله.
وحكم المضارع من وهب يهب، ووضع يضع، حكم يدع، فى أنهم حذفوا الواو منهما، لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم فتحوا عينيهما، لمكان الحرف الحلقيّ.
اعتراض: فإن قيل: لم استثقلوا وقوع الواو بين ياء وكسرة، ولم يستثقلوا وقوعها بين ياء وضمّة، فى قولهم: وضؤ يوضؤ، والضمّة أثقل من الكسرة (4)؟
قيل: إن الخروج من ضمّ إلى ضمّ، أسهل عليهم من الخروج من ضمّ إلى كسر، ومن كسر إلى ضمّ، ألا ترى أنه قد جاء فى الأسماء فعل، مثل طنب
_________
(1) راجع المنصف 1/ 208.
(2) فى ه‍: «فزع يفزع» بالزاى والعين المهملة. وما فى الأصل جاء مثله فى الحلبيات ص 122.
(3) ولأن كليهما ليس له ماض ولا مصدر ولا اسم فاعل. راجع المقتضب 3/ 380، والحلبيات ص 122، وفهارسها ص 431، والإنصاف ص 485، وكتاب الشعر ص 164، وما فى حواشيه. وقد أعاده ابن الشجرى فى المجلس السابع والستين.
(4) راجع المنصف 1/ 209، وشرح الشافية 1/ 120.
(2/157)

وعنق، ولم يأت فيها مثال فعل (1)، وإنما جاء هذا البناء فى الفعل المبنىّ للمفعول، وأما الخروج من كسر إلى ضمّ، فلم يأت مثال فعل فى الاسم ولا فى الفعل.
وممّا حذفوه من الواوات، واو الضمير المرفوع والمنصوب والمجرور، فمثال المرفوع: أنتمو (2) فعلتمو، ومثال المنصوب: لقيتهمو وأكرمتهمو، ومثال المجرور:
عليكمو وعليهمو، بكسر الهاء وضمها، فمن حذف هذه الواو أتبعها الضّمة فقال: أنتم فعلتم ولقيتهم وأكرمتهم، وعليكم وعليهم، ولأن بقاء الضمة يجلب الواو. وأجمعوا على حذف الواو فى الوقف، فأما حذف الهمزة، فسأذكره فى فصل مفرد، إن شاء الله تعالى.
...
_________
(1) ابن الشجرىّ يتابع سيبويه، قال فى الكتاب 4/ 244: «واعلم أنه ليس فى الأسماء والصفات فعل، ولا يكون إلاّ فى الفعل». وليس فى الكلام فعل». وانظره أيضا 4/ 174. قلت: ذكر أهل العلم ثلاثة أسماء جاءت على (فعل): دئل: علما لقبيلة، واسم دويبّة. والوعل: لغة فى الوعل، وهو التّيس الجبلىّ. ورئم: اسم الاست. وقيل: إن هذه الأسماء الثلاثة منقولة عن أفعال مبنية للمجهول. راجع ليس فى كلام العرب ص 65، واللسان (دأل-وعل -رأم)، وتصريف الأسماء للشيخ محمد الطنطاوى ص 14 - 16.
(2) فى ه‍: أنتم.
(2/158)

المجلس الخامس والأربعون
يتضمّن ذكر حذف ضروب من الحروف التى من ذوات الكلم.
فمن المحذوفات التى استمرّ حذفها، وكثر فى ضروب من الكلام: التنوين، حذفوه للإضافة فى نحو: غلامك، وغلام عمرو (1)، وجدّة زينب، وحذفوه لمعاقبة لام التعريف له، وحذفوه فى الوقف بعوض، فى نحو: رأيت زيدا، وبغير عوض فى اللّغة العليا، فى نحو: هذا زيد، ومررت بزيد، وأزد السّراة (2) عوّضوا، فقالوا: زيدو، /وبزيدى، وهى لغة رديّة، لثقل الواو والضمّة، والياء والكسرة، ولوقوع الواو وقبلها ضمّة فى آخر اسم معرب، وهو ممّا رفضوه فى كلامهم، ولالتباس الياء في نحو:
مررت بزيدى وبغلامى، بياء المتكلّم.
وحذفوه من الاسم العلم فى النداء كقولك: يا زيد، و {يا نُوحُ اِهْبِطْ} (3) ومن النكرة المقصود قصدها فى نحو: يا غلام هلمّ، و {يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ} (4).
وحذفوه فكان حذفه علما لثقل الاسم، فى نحو رأيت أحمد، ومررت بأحمد {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ} (5) كما جعلوا إثباته علامة لخفّة الاسم، في نحو: ربّ أحمد غيرك أكرمته.
_________
(1) فى الأصل: غلام عمّ جدّة زينب.
(2) راجع الكتاب 4/ 167، والأصول 2/ 372، وإيضاح الوقف والابتداء 1/ 390، والتسهيل ص 328، وشرح المفصل 9/ 70، وشرح الشافية 2/ 274،317، والتصريح 2/ 338، والهمع 2/ 205.
(3) سورة هود 48.
(4) سورة سبأ 10.
(5) سورة الصف 6.
(2/159)

وحذفوه لالتقاء الساكنين، وذلك على ضربين: لازم وغير لازم، فاللازم أن تحذفه لسكونه وسكون الباء من ابن، باجتماع شرائط: منها أن يكون في اسم علم، ومنها أن يكون ابن مضافا إلى علم، ومنها أن يكون ابن صفة للاسم، لا خبرا عنه، ولا تكون الواسطة بين الاسمين إلاّ هذه اللفظة التي هى ابن، وتحذف ألفه من الخط، فإن عدمت إحدى هذه الشرائط وجب إثبات التنوين، فمثال اجتماع شرائط حذفه، قولك: هذا زيد بن جعفر، ورأيت زيد بن جعفر، ومررت بزيد بن جعفر، فإن قلت: زيد ابن جعفر، نوّنت وأثبتّ ألف ابن، لأنّ قولك: «زيد» مبتدأ و «ابن جعفر» خبره، وكذلك إن قلت: مررت بزيد ابن أخيك، نوّنت، لأنك أضفت الاسم إلى غير علم، وكذلك إن قلت: مررت بزيد (1) عمّ جعفر نوّنت، لأنك وصفته بغير ابن.
وإنما حذفوا التنوين فى هذا النحو لكثرة الاستعمال (2)، لأن الإنسان لا يخلو من اسم علم، وهو مع ذلك ابن صاحب اسم علم، ولا بدّ له من الأبوّة، والأبوّة دالّة على البنوّة، وقد يجوز أن يخلو من الأخوّة والعمومة والخؤولة.
ولا يجوز إثبات التنوين مع ما ذكرته من اجتماع هذه الشرائط إلاّ اضطرارا/ كقول الحطيئة (3):
إلاّ يكن مال يثاب فإنّه … سيأتى ثنائى زيدا ابن مهلهل
وأنشد سيبويه (4):
_________
(1) فى ه‍: بزيد جعفر.
(2) راجع الكتاب 3/ 504، والمقتضب 2/ 312، والمراجع التى تأتيك فى تخريج الشعر التالى.
(3) ديوانه ص 84، ومعانى القرآن 1/ 432، والخصائص 2/ 491، وسرّ صناعة الإعراب ص 531، ومختارات ابن الشجرى ص 544، وشرح المفصل 2/ 6، وضرائر الشعر ص 28.
(4) الكتاب 3/ 506، ونسب للأغلب العجلى. وانظر المراجع السابقة-ما عدا المختارات- والمقتضب 2/ 315 والتبصرة ص 728، والجمل المنسوب للخليل ص 218، والمقرب 2/ 18، -
(2/160)

جارية من قيس ابن ثعلبه … تزوّجت شيخا غليظ الرّقبه
ومن نوّن «عزيرا» فى قوله تعالى: {وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ} (1) فلأنه جعل ابنا خبرا لا صفة، والتنوين فى «عزير» للصّرف، لأن مصغّر الثلاثيّ ينصرف وإن كان عجميّا، كما ينصرف مكبّره، وينصرف فى هذه العدّة، وإن كان متحرّك الأوسط، كما ينصرف إذا سكن أوسطه، ولا اختلاف فيه كما اختلف فى نحو: هند ودعد، وكما أجمعوا على منع الصرف، لاجتماع التأنيث والتعريف مع تحرّك الأوسط، فى نحو: لظى وسقر وقدم، إذا سمّيت بها (2) امرأة، فالساكن الأوسط نحو: نوح ولوط، والمتحرّك الأوسط نحو سبك (3) وغزر، اسم تركيّ.
ومن قرأ {عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ} بحذف (4) التنوين احتمل وجهين، أحدهما: أن يكون «عزير» خبر مبتدأ محذوف، و «ابن» صفة، فيجب بذلك حذف التنوين،
_________
= وشرح الجمل 2/ 448، والإيضاح فى شرح المفصل 1/ 269، والمغنى ص 644، وشرح أبياته 7/ 366، والتصريح 2/ 170، والخزانة 2/ 236. والشطر الثانى من هذا الرجز يأتى باختلاف فى الرواية.
(1) سورة التوبة 30.
(2) فى ه‍: «به». والقدم مؤنثة، قال تعالى: فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها سورة النحل 94. وانظر البلغة فى الفرق بين المذكر والمؤنث ص 66، وقد أعاد ابن الشجرى «قدم» هذه، اسم امرأة فى المجلس الرابع والخمسين. وانظر المسائل المنثورة ص 256.
(3) فى ه‍: سبل.
(4) قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة. السبعة ص 313، ومعانى القرآن للفراء 1/ 431، و 3/ 300، وللأخفش ص 329، وللزجاج 2/ 442، وضرورة الشعر ص 104، والعسكريات ص 176، وتفسير الطبرى 14/ 204، وسر صناعة الإعراب ص 532، والكشف 1/ 501، والمشكل 1/ 360. وقد قوّى المفسّرون النحاة قراءة التنوين. فقال الفراء: «والوجه أن ينوّن؛ لأن الكلام ناقص، و (ابن) فى موضع خبر لعزير». وقال الأخفش: «وقد طرح بعضهم التنوين، وذلك رديء؛ لأنه إنما يترك التنوين إذا كان الاسم يستغنى عن الابن». وقال الزجاج: «والوجه إثبات التنوين لأن «ابنا» خبر، وإنما يحذف التنوين فى الصفة، نحو قولك: جاءنى زيد بن عمرو». ثم قال: «ولا اختلاف بين النحويين أن إثبات التنوين أجود».
(2/161)

ويكون المبتدأ فيما قدّره أبو على: صاحبنا أو نسيبنا أو نبيّنا عزير بن الله، والوجه الآخر: أن لا يقدّر مبتدأ بل يكون «عزير» هو المبتدأ، و «ابن» خبره، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، فتتّفق القراءتان على هذا التقدير.
ومن حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ما روى عن أبى عمرو، فى بعض طرقه: {أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ} (1) وحذفه على هذا الوجه متّسع فى الشّعر، كقوله (2):
حميد الذى أمج داره … أخو الخمر ذو الشّيبة الأصلع
وكقول الآخر:
لتجدنّى بالأمير برّا … وبالقناة مدعسا مكرّا
/إذا غطيف السّلميّ فرّا (3)
ومثله:
_________
(1) سورة الإخلاص 1،2، وانظر طريق أبى عمرو هذا فى السبعة ص 701، والبحر 8/ 528، ثم انظر الكتاب 4/ 152، ومعانى القرآن 3/ 300، وسر صناعة الإعراب ص 533، والخزانة 11/ 376.
(2) هو حميد الأمجى، من شعراء الدولة الأموية، كان معاصرا للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز. العقد الفريد 6/ 352، ومعجم ما استعجم ص 190، فى رسم (أمج)، ورسالة الغفران ص 470، ونوادر أبى زيد ص 368، والكامل ص 328، والمقتضب 2/ 313، والعسكريات ص 177، وسرّ صناعة الإعراب ص 535، والإنصاف ص 664، وضرائر الشعر ص 106، والخزانة 11/ 376، واللسان (أمج). وأنشده العلوىّ فى نضرة الإغريض ص 264، فى سياق يؤذن بأنه ينقل عن ابن الشجرى. وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الثانى والستين. و «أمج» بلد من أعراض المدينة. وهذا البيت وقع مع آخرين مجرورين، ففيه إقواء، ووقع مع آخر مرفوع، فلا إقواء فيه. راجع حواشى الكامل.
(3) نوادر أبى زيد ص 321، ومعانى القرآن 1/ 431،3/ 300، وضرورة الشعر ص 103، والجمل المنسوب للخليل ص 217، وسر صناعة الإعراب ص 534، والتبصرة ص 730، وتفسير الطبرى 14/ 205، والقرطبى 8/ 116، والبحر 5/ 31، والإفصاح ص 60، والإنصاف ص 665، ونضرة الإغريض ص 265، واللسان (دعس-دعص-غطف)، وغير ذلك مما تراه فى حواشى تلك الكتب.
(2/162)

حيدة خالى ولقيط وعلى … وحاتم الطائىّ حمّال المئى (1)
وقال عبيد الله بن قيس الرّقيّات (2):
كيف نومى على الفراش ولمّا … تشمل الشّام غارة شعواء
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدى … عن خدام العقيلة العذراء
أراد: وتبدى العقيلة العذراء عن خدام، والخدام: الخلخال، أى ترفع المرأة الكريمة ثوبها للهرب فيبدو خلخالها، والجملة التى هى «تبدى العقيلة» موضعها رفع بالعطف على الجملة التى هى «تذهل الشيخ عن بنيه» وموضع الجملة التى هى «تذهل الشيخ عن بنيه» رفع على النعت لقوله «غارة» والعائد إلى الموصوف من الجملة المعطوفة (3) [محذوف] تقديره: وتبدى العقيلة العذراء لها عن خدام، أى لأجلها. والشّعواء: المتفرّقة.
وممّا حذف منه التنوين لالتقاء الساكنين، قول الآخر (4):
_________
(1) لامرأة من بنى عقيل، وقيل: من بنى عامر، وقيل: ليلى العامرية. النوادر ص 321، والأصول 3/ 329،332، والعسكريات ص 177، وسر صناعة الإعراب ص 534، والخصائص 1/ 311، والمنصف 2/ 68، والجمل المنسوب للخليل ص 218، ودلائل الإعجاز ص 195، والإفصاح ص 60، والإنصاف ص 663، وضرائر الشعر ص 134، والخزانة 7/ 375، وما بعدها، وانظر فهارسه، وشرح شواهد الشافية ص 163، واللسان (مأى)، ونسبه العينى فى شرح الشواهد 4/ 565، إلى قصىّ بن كلاب، وردّه البغدادىّ فى الخزانة 7/ 379.
(2) ديوانه ص 95،96، وتخريجه فيه، وزد عليه: مجالس ثعلب ص 123، والجمل المنسوب إلى الخليل ص 177، وسر صناعة الإعراب ص 535، والمنصف 2/ 231، والإفصاح ص 54، والإنصاف ص 661، وشرح المفصل 9/ 36، وضرائر الشعر ص 105، ونضرة الإغريض ص 265، والخزانة 11/ 377.
(3) ساقط من ه‍.
(4) أبو الأسود الدؤلى. والبيت فى مستدرك ديوانه ص 123، وهو بيت سيّار، وقد استقصيت تخريجه فى كتاب الشعر ص 114، وانظر أيضا ضرورة الشعر ص 103، وضرائر الشعر ص 105، وسر صناعة الإعراب ص 534.
(2/163)

فألفيته غير مستعتب … ولا ذاكر الله إلاّ قليلا
والذى حسّن لقائل هذا البيت حذف التنوين، لالتقاء الساكنين، ونصب اسم الله تعالى، واختيار ذلك على حذف التنوين للإضافة، وجرّ اسم الله: أنه لو أضافه (1) لتعرّف بإضافته إلى المعرفة، ولو فعل ذلك لم يوافق المعطوف المعطوف عليه فى التنكير، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وأعمل اسم الفاعل، فعطف (2) نكرة على نكرة مجرورة، بإضافة «غير» إليها، وانتصاب «غير» على الحال، كانتصاب {ضالِّينَ} فى قوله تعالى: {أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ} (3) فصار فى التقدير: غير مستعتب ولا ذاكر.
/وحكى عن القاضى أبى سعيد السّيرافىّ (4)، أنه قال: حضرت فى مجلس أبى بكر بن دريد، ولم أكن قبل ذلك رأيته، فجلست فى ذيل المجلس، فأنشد أحد الحاضرين بيتين يعزيان إلى آدم عليه السّلام، قالهما لما قتل ابنه قابيل أخاه هابيل، وهما:
تغيّرت البلاد ومن عليها … فوجه الأرض مغبّر قبيح (5)
تغيّر كلّ ذى حسن وطيب … وقلّ بشاشة الوجه المليح
فقال أبو بكر: هذا شعر قد قيل فى صدر الدنيا، وجاء فيه الإقواء،
_________
(1) فى ه‍: أضاف.
(2) حكاه البغدادى عن ابن الشجرى، وذكر أن بعضهم أعرب «ذاكر» بالنصب عطفا على «غير». الخزانة 11/ 382، وانظر حواشى كتاب الشعر.
(3) سورة الصافات 69.
(4) وذكره فى كتابه ضرورة الشعر ص 101،102، باختلاف فى العبارة.
(5) هذان البيتان مما استفاضت بهما كتب العربية، انظر التنبيه على حدوث التصحيف ص 18، والإفصاح ص 61، ورسالة الغفران ص 283، والإنصاف ص 662، ومعجم الأدباء 8/ 186 (فى ترجمة السّيرافى)، ونضرة الإغريض ص 246، وطبقات الشافعية 3/ 140 (فى ترجمة ابن دريد)، والهمع 2/ 156، وغير ذلك كثير.
(2/164)

فقلت: إنّ له وجها يخرجه من الإقواء، فقال: ما هو؟ قلت: نصب «بشاشة» وحذف التنوين منها لالتقاء الساكنين، لا للإضافة، فتكون بهذا التقدير نكرة منتصبة على التمييز، ثم رفع «الوجه» وصفته بإسناد «قلّ» إليه، فيصير اللفظ:
«وقلّ بشاشة الوجه المليح»، والأصل: بشاشتن الوجه المليح (1)، فقال: ارتفع، فرفعنى حتى أقعدنى إلى جنبه.
هذا حكم التنوين.
فأما النّون فقد حذفوها ساكنة ومتحرّكة، فمن حذف الساكنة، حذف نون التوكيد الخفيفة، بعوض وبغير عوض، فحذفها بعوض يكون إذا وقفت عليها فى نحو: يا رجل قوما، ويا زيد اخرجا، أبدلت منها الألف، كما أبدلته من التنوين، فى نحو: رأيت زيدا، وكذلك: {لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ} (2) تقف عند انقطاع نفسك على الألف، ومنه قول الأعشى (3):
وصلّ على حين العشيّات والضّحى … ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا
وقول آخر، فى وصف وطب مملوء لبنا، ملفوف فى غشاء:
يحسبه الجاهل ما لم يعلما … شيخا على كرسيّه معمّما (4)
_________
(1) قال أبو العلاء المعرى: «هذا الوجه الذى قاله أبو سعيد شرّ من إقواء عشر مرّات فى القصيدة الواحدة». وكان أبو العلاء قد ذكر رواية أخرى لا إقواء معها: وغودر فى الثّرى الوجه المليح
(2) سورة العلق 15.
(3) ديوانه ص 137. والبيت فى رواية ابن الشجرى ملفق من بيتين وردا فى الديوان هكذا: وذا النّصب المنصوب لا تنسكنّه ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا وصلّ على حين العشيات والضحى ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا وانظر الكتاب 3/ 510، وسر صناعة الإعراب ص 678، والتبصرة ص 433، والإنصاف ص 657، وشرح المفصل 9/ 39،88،10/ 20، والمغنى ص 372، وشرح أبياته 6/ 162، وغير ذلك كثير. وأعاده ابن الشجرى فى المجلس المتمّ السبعين.
(4) اختلف فى قائله، فقيل: ابن جبابة اللصّ، وقيل غيره. راجع الكتاب 3/ 516، -
(2/165)

أراد يحسبه الجاهل به.
وحذفها بغير عوض، يكون لالتقاء الساكنين، /كقولك: اضرب الغلام، حذفتها لسكونها وسكون اللام، وبقيت الفتحة قبلها دالّة عليها، ولم تحرّكها لالتقاء الساكنين، كما تحرّك التنوين فى اللغة العليا فى نحو: «أحدن الله الصّمد» (1) و (2) «فتيلن انظر» جعلوا (3) لزيادة الاسم مزيّة على زيادة الفعل، فحذفوا زيادة الفرع، وحرّكوا زيادة الأصل، ومثل قولك: اضرب الغلام، فى حذف النون، لدلالة الفتحة عليها، قول الشاعر (4):
ولا تهين الفقير علّك أن … تركع يوما والدّهر قد رفعه
أراد: تهينن، فحذف النون، وبقيت ياء «تهين» لثبات الفتحة بعدها.
_________
= والنوادر ص 164، ومجالس ثعلب ص 552، وسر صناعة الإعراب ص 679، والتبصرة ص 431، والجمل المنسوب إلى الخليل ص 238، والإنصاف ص 653، والمقرب 2/ 74، وشرح المفصل 9/ 42، والخزانة 11/ 409، وفى حواشيها فضل تخريج.
(1) أول سورة الإخلاص.
(2) فى الأصل: «قبيلن»، وفى ه‍: «قبلن» وكل ذلك خطأ. والمراد قوله تعالى: وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً. اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ سورة النساء 49،50.
(3) فى ه‍: «جعلوا الزيادة الاسم على زيادة الفعل». وأراد مصحح الطبعة الهندية إصلاحها فأتلفها وجعلها: «حملوا زيادة الاسم على. . .».
(4) هو الأضبط بن قريع السّعدى، كما فى البيان والتبيين 3/ 341، وحماسة ابن الشجرى ص 473، والتخريج فيهما مستوفى. وانظر أيضا: التبصرة ص 434، والإنصاف ص 221، والمقرب 2/ 18، والمغنى ص 155،642، وشرح أبياته 3/ 379، وشرح المفصل 9/ 43، وشرح شواهد الشافية ص 160. وهذا الشاهد من المنسرح، وأول أجزائه «مستفعلن» وقوله: «ولا تهى» وزنه: متفعلن» حذفت السين بالخبن، وهو جائز فى كلّ «مستفعلن». لكنه روى فى بعض المراجع «لا تهين» بطرح الواو، فيكون وزن التفعيلة الأولى: «تفعلن» فتكون الميم قد حذفت بالخرم، ومثله شاذ، لأن الخرم لا يقع فى غير الوتد المجموع. نبّه عليه البغدادى-رحمه الله-فى شرح أبيات المغنى. هذا وقد روى صدر البيت: «لا تحقرنّ الفقير» و: «ولا تعاد الفقير» وعليهما لا شاهد فيه.
(2/166)

وممّا حذفوا نونه، وعوّضوا منها فى موضعها ألفا، قولهم: «جرنفش» (1) وهو العظيم الجنبين، «وشرنبث» وهو الغليظ الكفّين، قالوا فيهما: جرافش وشرابث.
وكذلك حذفوا النون من قولهم: «شنذارة»، وهو السيّئ الخلق، وعوّضوا منها الهمزة، فقالوا: شئذارة، وحذفوا النون من «قنفخر» وهو الضّخم (2) من الرجال، وعوّضوا منها ألفا، فى غير موضعها، فقالوا: قفاخرىّ.
ومن حذفها اضطرارا حذفها فى قول النّجاشى (3):
فلست بآتيه ولا أستطيعه … ولاك اسقنى إن كان ماؤك ذا فضل
كان حقّها أن يحرّكها، لولا الضرورة.
وممّا حذفوها منه استحسانا، وتشبيها لها بحروف المدّ واللّين لفظة «يكون» (4)]، وذلك إذا سكنت للجزم فى نحو: لم يكن، ولا تكن، كقولك: لم يك جالسا، وكقوله تعالى: {وَإِنْ يَكُ كاذِباً} (5) وكذلك قولك: لا تك فى شكّ، وقوله تعالى:
{وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ} (6) وإنما حذفوها فى هذا الحرف، لكثرة استعماله، كما يحذفون حروف العلّة، فى قولهم: لم يخش ولم يدع ولا ترم، ولم يحذفوها من نظائر هذا الفعل، أعنى ما وازنه ولامه نون، نحو يصون ويهون، فيقولوا: /لم يص نفسه، وذلك لقلة استعماله.
_________
(1) فى الكتاب 4/ 323، والحلبيات ص 377: «جرنفس» بالسين المهملة، وكلاهما صحيح.
(2) وقال ابن الدهان: «قنفخر: فائق فى نوعه». شرح أبنية سيبويه ص 145، وراجع الكتاب 4/ 297،324.
(3) هو قيس بن عمرو بن مالك الحارثىّ كان فاسقا رقيق الإسلام، أقام عليه علىّ كرّم الله وجهه، الحدّ؛ لإفطاره فى رمضان. الشعر والشعراء ص 329. والبيت الشاهد فى الكتاب 1/ 27، وقد استقصيت تخريجه فى كتاب الشعر ص 113، وانظر ضرورة الشعر ص 99،216، والجمل المنسوب للخليل ص 214.
(4) الكتاب 4/ 405، واللسان (كون).
(5) سورة غافر 28.
(6) سورة النحل 127.
(2/167)

وممّا حذفوها منه قولهم، لضرب من الشّجر: «عرنتن» (1) قالوا فيه: عرتن حذفوها منه ثالثة ساكنة، كما حذفوا الألف من «علابط» (2) وهو القطيع الضّخم من الغنم (3)، فقالوا: علبط، قال:
ما راعنى إلاّ رياح هابطا … على البيوت قوطه العلابطا (4)
القوط: القطيع من الغنم، يكون ضخما وغير ضخم، فلذلك وصفه بالعلابط، ونصب العلابط (5) بهابط، لأنّ هبط لازم ومتعدّ، تقول: هبط زيد وهبطته (6).
وممّا حذفت منه النون لالتقاء الساكنين، قوله:
أبلغ أبا دختنوس مألكة … غير الذى قد يقال ملكذب (7)
أراد: من الكذب، ومثله قول الآخر (8):
كأنّهما ملآن لم يتغيّرا … وقد مرّ للدارين من بعدنا عصر
أراد: من الآن.
وأما حذفها متحرّكة، فكحذف نون التثنية والجمع فى الإضافة، كقولك:
_________
(1) راجع الكتاب 4/ 289،297،323،324،405،437، والأصول 3/ 184.
(2) راجع الكتاب 4/ 289،323،437، والأصول 3/ 65،184،410.
(3) وقيل: هو اللبن الثخين، وهو الغليظ. وقيل: الكثير. شرح أبنية سيبويه ص 125.
(4) نوادر أبى زيد ص 475، وفعلت وأفعلت، لأبى حاتم ص 143، والجمهرة 3/ 438، والخصائص 2/ 211، والمنصف 1/ 27، والمحتسب 1/ 92، واللسان (علبط-قوط-لعط-هبط).
(5) الذى فى كتب ابن جنى الثلاثة، واللسان، أن «قوطه» هو المنصوب بهابط، وهو الصحيح.
(6) راجع فعلت وأفعلت، والجمهرة.
(7) فرغت منه فى المجلس الرابع عشر.
(8) أبو صخر الهذلى. شرح أشعار الهذليين ص 956، وتخريجه فى ص 1477، وانظر ضرائر الشعر ص 115.
(2/168)

ضاربا زيد، ومكرمو أخيك، وكحذفها من بني العنبر وبنى الهجيم وبنى الحارث، قالوا: بلعنبر وبلهجيم وبلحارث، وإنّما حذفوها هاهنا لمقاربتها للاّم فى المخرج، لأنهم يستثقلون اجتماع المتقاربين، كما يستثقلون اجتماع المثلين.
وإنما استمرّ هذا الحذف والإبدال فى النون، لما بينها وبين حروف العلة من المشابهة (1)، لأنها إذا سكنت تضمّنت غنّة، كما تتضمّن حروف اللّين مدّا، وهذا تعرفه بأنك إذا أمسكت جانبى طرف أنفك بسبّابتك وإبهامك وتلفّظت بقولك:
من قام، تعذّر عليك إخراج النون، لأنّ مخرجها إذا سكنت من الخياشيم، ولذلك أدغموها فى الواو والياء (2)، من قولك: من وّعدك، ومن يقول ذاك.
وأبدلوها من الواو فى النّسب إلى صنعاء وبهراء، قبيلة يمانية، وإلى سوراء، فقالوا: صنعانيّ وبهرانيّ وسورانيّ.
وجعلوها إعرابا، علما للرفع/فى خمسة أمثلة: تفعلان ويفعلان وتفعلون ويفعلون وتفعلين، كما جعلوا الألف والواو والياء إعرابا في تثنية الأسماء وجمعها.
وجعلوها ضميرا، فى فعلن ويفعلن وافعلن، كما جعلوهنّ ضمائر، فى افعلا وافعلوا وافعلى، وفى تفعلان وتفعلون وتفعلين.
ومن المحذوفات من ذوات الكلم: الياء من المضاعف، فمن ذلك حذفها من المضاعف، الذى جاء على مثال فيعل، نحو سيّد وميّت (3) وهيّن وليّن، وليس فى
_________
(1) أصل هذا الكلام عند ابن جنى فى المنصف 2/ 228، وسرّ صناعة الإعراب ص 438، ثم انظر الكتاب 4/ 434،435 فى صفات الحروف المجهورة.
(2) وهذا عند أبى علىّ، فى العضديات ص 123.
(3) راجع لهذا المبحث الكتاب 4/ 365، والأصول 3/ 262، ورسالة الملائكة ص 170، والتبصرة ص 690، والإنصاف ص 795، والممتع ص 498. وأعاده ابن الشجرى فى المجلسين السادس والخمسين، والحادى والستين.
(2/169)

الكلام فيعل إلاّ معتلّ العين، اختصّ بذلك المعتلّ دون الصحيح، كما اختصّ بمثال فيعلولة، نحو كيّنونة وقيّدودة وصيّرورة، إلا أنهم لم يستعملوا هذا المثال إلا مخفّفا، حذفوا عينه، فقالوا: كان كينونة، وقاد قيدودة، وصار صيرورة، فوزنه الآن:
فيلولة، وكذلك قالوا فى سيّد ونظائره: سيد وميت وهين ولين، كما جاء فى الحديث: «المؤمن هين لين» (1) حذفوا عينه، كما حذفوا عين فيعلولة، فوزن ميت:
فيل، فإذا جمعوه ردّوا عينه فى قولهم: أموات.
وكما اختصّ المعتلّ بفيعل، اختصّ الصحيح بفيعل، نحو صيرف، للمتصرّف فى الأمور، وجيدر للرجل القصير، وغيلم، بالغين المعجمة، للسّلحفاة، والجارية أيضا، وعيلم، للبئر الكثيرة الماء، وللبحر أيضا.
فأما قولهم للملك الذى دون الملك الأعظم: «قيل» فقال فيه ابن السّكّيت (2): القيل: الملك من ملوك حمير، وجمعه: أقيال وأقوال، فمن قال:
أقيال، بناه على لفظ قيل، ومن قال: أقوال، جمعه على الأصل، وأصله من ذوات الواو، وكان أصله: قيّل (3)، فخفّف، مثل سيّد، من ساد يسود.
وأبى قوم (4) من النحويّين هذا القول، وجعلوا للقيل اشتقاقين، بحسب اختلاف جمعه، فذهبوا إلى أنه فعل، من اليائىّ، فيمن (5) قال: أقيال، كقيد وأقياد، واشتقاقه من قولهم: تقيّل فلان أباه: إذا رجع إليه فى الشّبه، وقولهم فى الملك: قيل، معناه أنه أشبه الملك الذى كان قبله، كما أن «تبّعا» معناه: تبع فى الملك/من كان
_________
(1) خرّجته فى المجلس الخامس والثلاثين.
(2) إصلاح المنطق ص 10،11.
(3) فى الإصلاح: «قيلا» أعطاه حقّه من الإعراب.
(4) جاء بهامش الأصل حاشية: «هذا قول أبى على الفارسىّ، فى كتابه المعروف بالتذكرة، ولم يسبق إليه، وهو اشتقاق واضح، ولم ينكر قول ابن السّكّيت، ولكن ترجّح عنده قول نفسه». وقد أشار المرتضى الزّبيدى إلى اختلاف العلماء فى هذا الحرف، ثم قال: «وفيه كلام طويل لابن الشجرىّ وغيره» تاج العروس (قول).
(5) فى ه‍: فمن.
(2/170)

قبله، كما قيل للظّل: تبّع، لأنه يتبع ضوء الشمس، قالوا: ولو كان «قيل» من الواوىّ، كميت، لم يأت فى جمعه إلاّ أقوال، كما لم يأت فى جمع ميت إلا أموات.
وأمّا من جمعه على أقوال، فأصله قيّل، فيعل من القول، والمعنى أنه يقبل قوله ولا يردّ، فهو مثل ميّت وأموات، فوزنه على هذا: فيّل، ردّت عينه فى التكسير.
وأقول: إنّ قول ابن السّكّيت غير بعيد، فيجوز أن يكون أصله فيعل، من القول، فلما خفّفوه، حمله من قال فى جمعه: أقيال، على لفظه، وحمله من قال:
أقوال، على أصله، كما قالوا من الشّوب: مشوب ومشيب، فمن قال: مشيب، حمله على لفظ شيب، ومثله المجفوّ والمجفيّ، وهو من جفوت، قال:
ما أنا بالجافى ولا المجفىّ (1)
حمل المجفيّ على (2) [لفظ] جفى، ولم يطّرد ذلك، فيقولوا من الصّوغ:
مصيغ، كما قالوا من الشّوب: مشيب، ولا قالوا من الغزو: مغزىّ، كما قالوا من الجفوة: مجفىّ، فكذلك قالوا: أقيال، على لفظ قيل، وإن لم يقولوا: أميات، فى جمع ميت.
فأمّا مضاعف الفعل، فمنه ما حذفوا منه أحد المثلين، بغير عوض، ومنه ما وقع الحذف منه بعوض، فالمحذوف بغير عوض: اللام من ظللت، والسين من مسست وأحسست، فقالوا: ظلت ومست وأحست، نقلوا فتحة السين إلى الحاء، ثم حذفوها، قال:
_________
(1) إصلاح المنطق ص 143،185، وأدب الكاتب ص 568،601، والمخصص 13/ 37، واللسان (جفا).
(2) ليس فى ه‍.
(2/171)

سوى أنّ العتاق من المطايا … أحسن به فهنّ إليه شوس (1)
وفى التنزيل: {وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً} (2) ومنهم من يلقى كسرة اللام على الظاء، ثم يحذفها، فيقول: ظلت، وقد قرأ به بعض أصحاب الشواذ (3).
ومما حذف منه أحد المثلين، قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ} (4) حذفت التاء الثانية، من {تَتَنَزَّلُ} وخصّت بالحذف، لأنّ الأولى حرف المضارعة، فهو لمعنى، /والذى لمعنى يحافظ عليه.
و «شوس» (5) [فى البيت] جمع أشوس، وهو الذى ينظر بأحد شقّي عينه تغيّظا.
وأمّا ما حذفوا منه وعوّضوا، فنحو: تظنّنت، قالوا: تظنّيت، فعوّضوا من النون الياء، وقد حكى الفرّاء: قصّيت أظفارى، يريدون: قصصت، وحكى ابن الأعرابىّ: خرجنا نتلعّى، أى نأخذ اللّعاعة، وهى بقلة ناعمة، فى أوّل ما تبدو، وقال الأصمعىّ، فى قولهم: «تسرّيت» أى اتخذت سرّيّة: أصله تسرّرت، من السّرّ الذى هو النكاح، قال امرؤ القيس (6):
ألا زعمت بسباسة اليوم أنّنى … كبرت وأن لا يحسن السّرّ أمثالى
_________
(1) فرغت منه فى المجلس الرابع عشر.
(2) سورة طه 97.
(3) خرّجت هذه القراءة فى المجلس المذكور. وانظر الكتاب 4/ 422.
(4) الآية الرابعة من سورة القدر.
(5) ليس فى ه‍.
(6) ديوانه ص 28، برواية «يحسن اللهو». وجاءت روايتنا فى ص 377، فى ذكر فروق روايات الديوان، وكذلك جاءت الرواية فى معانى القرآن 1/ 153، وتفسير القرطبى 3/ 191 وجاء فى 6/ 248، برواية: «وألاّ يشهد اللهو». والبيت أعاده ابن الشجرى برواية الديوان، فى المجلس الحادى والثمانين.
(2/172)

وقيل فى تفسير قوله تعالى: {وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا} (1) إنه أراد نكاحا، ومن هذا الضّرب قول العجّاج، يمدح عمر بن معمر (2) التّيمىّ:
إذا الكرام ابتدروا الباع بدر … تقضّى البازى إذا البازى كسر
أراد: تقضّض، فأبدل من الضاد ياء، وكسر ما قبلها لتصحّ، يقول: إذا الكرام ابتدروا فعل المكارم، بدرهم وأسرع كانقضاض البازى فى طيرانه، وذلك أسرع ما يكون الطيران، ومعنى كسر: ضمّ جناحيه، ومنه قول الشاعر:
فآليت لا أشريه حتّى يملّنى … بشىء ولا أملاه حتّى يفارقا (3)
أراد: لا أملّه، فردّه إلى أصله، الذى هو أملله، وأبدل من اللام الأخيرة ياء، فصار فى التقدير: أمليه، فانقلبت الياء ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ومعنى لا أشريه: لا أبيعه، وقوله: «بشىء» متعلّق بأشريه.
وقال أبو إسحاق الزجّاج فى قول الله سبحانه: {وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها} (4) معناه: خابت نفس دسّاها الله، أى جعلها قليلة خسيسة، والأصل: دسّسها، ولكنّ الحروف إذا اجتمعت من لفظ واحد، أبدل من آخرها ياء.
_________
(1) سورة البقرة 235.
(2) هذا اختصار فى نسبه، وتمامه: عمر بن عبيد الله بن معمر، كما فى ديوان العجاج ص 3، والشطران فيه ص 28، وبينهما هذا الشطر: دانى جناحيه من الطور فمر والشاهد من الرجز السيّار. انظر مجاز القرآن 2/ 300، وأدب الكاتب ص 487، وأمالى القالى 2/ 171، والعضديات ص 32،207، والخصائص 2/ 90، والمحتسب 1/ 157، وسرّ صناعة الإعراب ص 759، والتبصرة ص 834، وشرح المفصل 10/ 25، وشرح الملوكى ص 250 - ونسب فيه خطأ لرؤبة-والمقرب 2/ 170، وغير ذلك كثير، مما تراه فى معجم الشواهد ص 469.
(3) من غير نسبة فى المخصص 15/ 209، وشرح شواهد الشافية ص 441، وصدره فقط فى العضديات ص 33، برواية: فآليت لا أملاه حتّى يملّنى
(4) الآية العاشرة من سورة والشمس. وكلام الزجاج فى كتابه معانى القرآن 5/ 332.
(2/173)

[قال (1)] وقيل: إن المعنى: قد أفلح من زكّى نفسه/بالعمل الصالح، وخاب من دسّى نفسه بالعمل الطالح.
وقيل فى قوله عز وجل: {ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى} (2) معناه: يتبختر، يقال: جاء يمشى المطيطا، مقصورة، وهى مشية فيها تبختر، وهو أن يلقى يديه ويتكفّأ، وكان الأصل: يتمطّط، فقلبت الطاء الثالثة (3) ياء، كما قالوا فى يتظنّن:
يتظنّى.
وقال أبو إسحاق الزجاج: يتمطّى (4): يلوّى مطاه فى مشيته (5)، والمطا: الظّهر.
وممّا حذفوا منه أحد المثلين قولهم: بخ، ساكن الخاء، وهى كلمة يقولونها للشيء إذا أرادوا (6) مدحه وتفخيمه، ويكرّرونها فى أكثر الاستعمال، قال أعشى همدان:
بين الأشجّ وبين قيس باذخ … بخ بخ لوالده وللمولود (7)
وربّما نوّنوه، فقالوا: بخ، كما قالوا: صه، ويدلّ على أن أصله التشديد، قولهم: حسب بخّ. قال العجاج (8):
فى حسب بخّ وعزّ أقعسا
_________
(1) ساقط من ه‍. وأنبّه هنا إلى سقط فى إعراب القرآن المطبوع، وهو قوله: «وخاب من دسّى نفسه بالعمل الطالح» فلم يرد هذا فى المطبوع، ثم وجدته فى مصورة الكتاب، نسخة الخزانة العامة بالرباط 10/ 144.
(2) سورة القيامة 33.
(3) فى ه‍: الثانية.
(4) الذى فى معانى القرآن للزجاج 5/ 254 «معناه يتبختر، مأخوذ من المطا، وهو الظهر» لم يزد على ذلك.
(5) فى ه‍: مشيه.
(6) فى ه‍: أرادوا به.
(7) الصبح المنير ص 323، والأغانى 6/ 46، وشرح المفصل 4/ 78، وشرح الملوكى ص 433، واللسان (بخخ).
(8) ديوانه ص 134، برواية: وعددا بخّا وعزّا أقعسا -
(2/174)

وقد صرّفوا منه فعلا، فقالوا: بخبخ يبخبخ، إذا لفظ به، كما قالوا: هلّل يهلّل، إذا قال: لا إله إلا الله، وسبّح يسبّح، إذا قال: سبحان الله، وحولق (1) [يحولق] إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ومثله فى حذف أحد مثليه، قولهم فى التضجّر: أفّ، خفّفها بعض العرب، وأسكنوا فاءها، قال أبو الفتح عثمان (2): فيها ثمانى لغات: أفّ وأفّ وأفّ وأفا وأفّ وأفّ وأف، خفيفة، وأفّى ممال، مثل حبلى، ولا يقال: أفّى بالياء، كما تقول العامّة.
وأقول: إن الذى تقوله العامّة جائز فى بعض اللغات، وذلك فى لغة من يقول فى الوقف: أفعى وأعمى وحبلى، يقلبون الألف ياء خالصة، فإذا وصلوا عادوا إلى الألف، ومنهم من يحمل الوصل على الوقف، وهم قليل.
وأفّ: اسم من أسماء الفعل، مسمّاه: أتضجّر، جاء اسما للفعل فى الخبر (3)، كما جاء هيهات اسما لبعد، وشتّان اسما لافترق، فى قولهم: شتّان زيد وعمرو.
ومن قال: أفّ، فكسر، /حرّكه بأصل حركة التقاء الساكنين.
ومن قال: أفّ، ففتح، اختار الفتحة لثقل التضعيف، كما قالوا: ربّ وثمّ.
ومن قال: أفّ، أتبع الضّمّ الضّمّ على لغة من قال: شدّ ومدّ.
ومن نوّنه أراد به التنكير، لأنّ تنوين هذا الضّرب علم للتنكير، كقولهم فى
_________
= والشطر بروايتنا فى الكتاب 3/ 452، والمقتضب 1/ 234، والموضع المذكور من شرح المفصل، وشرح الملوكى.
(1) ساقط من ه‍. ويقال أيضا: «حوقل يحوقل». النهاية 1/ 464، واللسان (حلق).
(2) شرح الملوكى ص 437، وانظر الغربيين 1/ 56، وزاد المسير 5/ 23.
(3) هو فى حديث ابن عباس: «فجاء ينفض ثوبه ويقول «أفّ». مسند أحمد 1/ 331، والنهاية 1/ 55.
(2/175)

الاستزادة من الحديث: إيه، إذا أرادوا: حدّثنى حديثا ما، وإيه (1) [فى الاستزادة] من حديث يعرفه المحدّث والمحدّث، ومثله: صه وصه، ومه ومه، فمن نوّن، فكأنه قال: افعل سكوتا وكفّا، ومن لم ينوّن، فكأنه قال: افعل السكوت والكفّ، وكذلك من قال: أفّ، فنوّن، أراد: أتضجّر تضجّرا (2)، ومن لم ينوّن فهو بمنزلة:
أتضجّر التضجّر المعروف، وقد قرئ بالوجهين، فالتنوين قرأ (3) به مع الكسر نافع وحفص، وقرأه الباقون بغير تنوين، إلاّ أن ابن كثير اختصّ بالفتح، والباقون بالكسر (4).
...
_________
(1) ساقط من ه‍.
(2) فى شرح الملوكى ص 438: «تضجّر امّا»، وسياق ابن يعيش هنا يؤذن بأنه ينقل عن ابن الشجرى، أو أن الاثنين ينقلان عن مصدر واحد.
(3) وذلك فى قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ الإسراء 23، وراجع معانى القرآن 2/ 121، والسبعة ص 379، والكشف 2/ 44، وزاد المسير 5/ 23.
(4) هنا انتهى الجزء الأول من «الأمالى» فى النسخة «ه‍» وكتب الناسخ: «ووافق الفراغ منه فى اليوم المبارك يوم الجمعة خامس يوم من الشهر المحرّم سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، على يد العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن حسين بن على الشهير بالعاملى. . . .».
(2/176)

المجلس السادس والأربعون
يتضمّن الحذف من حروف المعانى المضاعفة، والحذف
/ من اسم (1) المفعول، وغير ذلك، ممّا اقتضاه الكلام.
فممّا حذف منه أحد المثلين من مضاعف الحروف «إنّ» فى قوله تعالى:
{وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ} (2) حذفت النون المتطرّفة، وألغيت «إن»، وقد حذفت نونها وأعملت فى قراءة ابن كثير ونافع وعاصم، فى رواية أبى بكر:
{وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ} (3) وجاء تخفيف المفتوحة الهمزة فى قوله:
{وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ} (4) التقدير: أنّه الحمد لله، فحذفت نونها واسمها كما ترى، وهو ضمير الشأن، ومثله للأعشى (5):
_________
(1) فى ه‍: الاسم.
(2) سورة يس 32. وانظر ما يأتى فى المجلس الثامن والستّين.
(3) سورة هود 111، وانظر الكتاب 2/ 140، والسبعة ص 339، ومعانى القرآن للفراء 2/ 28، وللزجاج 3/ 80، والكشف 1/ 536، والمشكل 1/ 415، وأعاد ابن الشجرى هذا المبحث فى المجلسين الثامن والستين، والتاسع والسبعين. وقرأ ابن كثير ونافع «لما» بتخفيف الميم، وشدّدها عاصم.
(4) الآية العاشرة من سورة يونس.
(5) ديوانه ص 59. والبيت برواية النحويين هذه ملفق من بيتين وردا فى الديوان هكذا: إمّا ترينا حفاة لا نعال لنا إنّا كذلك ما نحفى وننتعل فى فتية كسيوف الهند قد علموا أن ليس يدفع عن ذى الحيلة الحيل وأنشده ابن الشجرى بالروايتين فى المجالس: الثامن والستين، والثامن والسبعين، والتاسع والسبعين. وانظر الكتاب 2/ 137،3/ 74،164،454، والمقتضب 3/ 10، والأصول 1/ 239، والمسائل المنثورة ص 228، وتفسير الطبرى 12/ 444، والتبصرة ص 461، والخزانة 8/ 390، وفى حواشيها فضل تخريج، وانظر فهارسها 12/ 216.
(2/177)

فى فتية كسيوف الهند قد علموا … أن هالك كلّ من يحفى وينتعل
أراد: أنه هالك.
/وممّا حذفوا تضعيفه وألغوه «لكنّ» جعلوها بعد التخفيف عاطفة، إذا لم تكن معها الواو، وذلك نحو: ما قام أخوك لكن أبوك، فإن استدركت بها مجرّدة من العطف، قلت: ولكن، وقد خفّف الشاعر «كأنّ» وأعملها فى الاسم الظاهر، فى قوله:
وصدر مشرق النّحر … كأن ثدييه حقّان (1)
وأنشد بعضهم (2): «ثدياه» رفعا على الابتداء، «وحقّان» الخبر، والجملة من المبتدأ والخبر خبرها، واسمها محذوف، فالتقدير: كأنه ثدياه حقّان.
وأمّا قول الآخر:
كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم (3)
فقد روى «ظبية وظبية وظبية» فمن نصب أعملها فى الظاهر مخفّفة، والجملة التى هى «تعطو» صفة لظبية، والخبر محذوف، والتقدير: كأن ظبية عاطية إلى وارق السّلم هذه المرأة، ومن قال: «ظبية» فرفع، أضمر اسمها، وظبية (4) خبرها،
_________
(1) فرغت منه فى المجلس الحادى والثلاثين.
(2) هو سيبويه، فى الكتاب 2/ 135، وغريب من ابن الشجرى ألاّ يصرّح به، وغريب منه أيضا ألاّ يكون قد عرفه. وانظر الخزانة 10/ 398.
(3) صدره: ويوما توافينا بوجه مقسّم وهو لعلباء بن أرقم اليشكرى من قصيدة فى الأصمعيات ص 157، ونسب إلى ابن صريم اليشكرى -واسمه باغت أو باعث، ونسب إلى غيرهما. راجع الكتاب 2/ 134،3/ 165، والكامل ص 111، والأصول 1/ 245، والبصريات ص 653، والمنصف 3/ 128،265، والتبصرة ص 208، والإنصاف ص 202، وشرح المفصل 8/ 83، والمقرب 1/ 111،2/ 203، والمغنى ص 33، وشرح أبياته 1/ 158،5/ 197، والخزانة 10/ 411 - 413، وانظر فهارسها، وفى حواشيها فضل تخريج.
(4) فى الأصل: فظبية.
(2/178)

فالتقدير: كأنّها ظبية، ومن خفض، فبالكاف، «وأن» زائدة.
وإذا اتصلت إنّ وأنّ ولكنّ وكأنّ، بياء المتكلّم، وصلوها بالنون المسمّاة وقاية، بمعنى أنها تقى الحرف الذى قبلها الكسر، فقالوا: إنّنى وأنّنى ولكنّنى وكأنّنى، وأجروا أواخرهنّ مجرى أواخر الأفعال، من نحو: أكرمنى ويكرمنى، وإنما فعلوا ذلك بالفعل كراهة أن يقولوا: أكرمى ويكرمي، كما قالوا فى الاسم:
مكرمي، لأنهم لما جنّبوا الأفعال الكسر، الذى هو إعراب، جنّبوها الكسر الذى ليس بإعراب، وشبّهوا أواخر باب «إنّ» بأواخر الماضية، في بنائها على الفتح ووقائها الكسر، لأنهم أجروها مجراها فى عمل النصب والرفع.
ومن خفّفهنّ بحذف إحدى النّونات، فقال: إنّى وأنّى ولكنّى وكأنّى، حذف النون الوسطى، لأنها هى التى حذفها قبل أن يتّصلن بالنون الثالثة (1)، وجاء القرآن بإقرارها فى قوله: {إِنَّنِي أَنَا اللهُ} (2) وبحذفها فى قوله: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} (3).
/وممّا حذفوا منه من مضاعف الحروف «ربّ» قال الشاعر (4):
أزهير إن يشب القذال فإنّه … رب هيضل لجب لففت بهيضل
_________
(1) بهامش الأصل: «أجاز أبو علىّ حذف النون الثالثة، فيما رواه عنه ابن جنى فى سرّ الصناعة، وذكره ابن برهان أيضا عنه». انتهت الحاشية. والذى وجدته فى سرّ الصناعة المطبوع ص 549 «الثانية»، وسياقه يدل على صوابها، قال: «فأصله «إننا» ولكن حذفت إحدى النونين من «إنّ» تخفيفا، وينبغى أن تكون الثانية منهما؛ لأنها طرف، فهى أضعف». ولا تعارض بين ما فى حاشية الأصل، وما فى سرّ الصناعة المطبوع؛ لأن كليهما أراد النون الأخيرة، وهى الطرف، غاية ما فى الأمر أن كاتب الحاشية نظر إلى النون الأولى المشددة على أنها نونان. وهى فى سر الصناعة نون واحدة. لكن السيوطى ذكر أن أبا علىّ رجّح حذف النون الوسطى، دون نون الضمير. راجع الأشباه والنظائر 1/ 80، ثم انظر البحر المحبط 1/ 451، 5/ 238، وكتاب دراسات لأسلوب القرآن الكريم 1/ 423، ورحم الله مصنفه رحمة واسعة سابغة.
(2) سورة طه 14.
(3) سورة طه 12.
(4) أبو كبير الهذلى. شرح أشعار الهذليين ص 1070، والتخريج فيه، وفى كتاب الشعر ص 73. وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الثالث والسبعين. و «زهير» هنا ترخيم «زهيرة» وهي ابنته. ويجوز فى الراء الضم والفتح، على ما هو معروف فى إعراب المرخم.
(2/179)

وخفّفه نافع وعاصم، فى رواية حفص، فى قوله تعالى: {رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} (1) الهيضل: الجماعة المتسلّحة، واللّجب: المرتفع الأصوات.
ومما حذفوا لامه من الحروف لاجتماعها مع لام التعريف «على» فيما حكاه سيبويه، من قولهم: «علماء بنو تميم» (2) يريدون: على الماء، فهمزة الوصل سقطت فى الدّرج، وألف «على» سقطت لسكونها وسكون لام الماء، وحذفت لام «على» تخفيفا، وأنشد سيبويه للفرزدق (3):
وما سبق القيسيّ من ضعف حيلة … ولكن طفت علماء غرلة خالد
طفت: قفت (4)، والغرلة: القلفة، ومثله لقطرىّ بن الفجاءة:
غداة طفت علماء بكر بن وائل … وعجنا صدور الخيل نحو تميم (5)
وممّا حذفوا منه إحدى اللاّمين، قولهم: «ويلمّه» الأصل: ويل، لأمّه، فحذفوا تنوينه، وأدغموا اللام التى هى لام الكلمة فى اللام الجارّة، فصار [فى (6)]
_________
(1) سورة الحجر 2، وانظر السبعة ص 366، والكشف 2/ 29، وزاد المسير 4/ 379.
(2) الكتاب 4/ 485، وفيه: «علماء بنو فلان». وكذلك فى الأصول 3/ 434، والعسكريات ص 260، والجمل ص 418.
(3) ديوانه ص 216 - وهو بيت مفرد فيه-وحواشى الكتاب 4/ 485، وهو من زيادات بعض النّسخ من الكتاب، والكامل ص 1228، والمقتضب 1/ 251، والجمل ص 418 - وهو آخر شاهد فيه -وكذلك الفصول الخمسون ص 277، وشرح المفصل 10/ 155، وجاء استطرادا فى الخزانة 7/ 106.
(4) هكذا جاءت الكلمة فى الأصل، وه‍. وجاء بهامش الأصل حاشية بخط قديم، نصّها: «تفسيره طفت بقفت، وهم؛ لأن الطفو علوّ الشىء فوق الماء، وضدّ الرّسوب، والقفو: تتبّع الشىء، إلاّ أنها كلمة تخطئ فيها العامة فى بغداد، يقولون: قفا، أى طفا، فذكرها على عادتهم فيها». انتهت الحاشية. وجاء فى اللسان: طفا الشىء فوق الماء، يطفو طفوا وطفوّا: ظهر وعلا ولم يرسب. وأنبّه هنا إلى أن مصحح الطبعة الهندية من الأمالى غيّر «قفت» إلى «علت» من عند نفسه.
(5) فرغت منه فى المجلس الرابع عشر.
(6) ليس فى ه‍.
(2/180)

التقدير: ويلّ أمّه، ثم حذفوا اللام المدغمة وهمزة «أمّ» فصار: ويلمّه.
وإنما (1) جاز إدغام هذا، وإن كان منفصلا، وكان الحرف الذى قبل الحرف المدغم ساكنا، لكون الساكن حرف لين، فالياء فى قولهم: ويل أمّه، بمنزلة الياء فى قولك: جيب (2) بكر، وقد أدغموا هذا النحو، وكذلك: ثوبّ بشر، وحسن الإدغام فى هذا، مع كونه منفصلا، إذ كانوا قد قالوا فى عبد شمس: هذا عبشّمس (3)، ألقوا حركة الدال على الساكن، الذى هو الباء، ثم أدغموا الدال فى الشين، وإن كان ذلك شاذّا، ولا يحسن مثله فى قولك: قرم (4) موسى، واسم مالك، لأن عبد شمس أكثر استعمالا منه، وهو مع ذلك علم، والأعلام تغيّر كثيرا، إلا أنهم/ لم يلزموا عبد شمس الإدغام، وألزموه ويلمّه، لما ذكرته من كون عبد شمس أكثر استعمالا منه، كما ألزموا المعيدىّ التخفيف، فى نحو: «تسمع بالمعيدىّ لا أن تراه (5)» و «خير من أن تراه» لأنه كثير الاستعمال، والمعيدىّ تصغير معدّىّ.
قال أبو على: إن قيل: ما تنكر من أن تكون «وى» من «ويلمّه» ليس من
_________
(1) هذا كلام أبى علىّ فى الحلبيات ص 44.
(2) فى ه‍: «حبيب». وما فى الأصل مثله فى الكتاب 4/ 440، والأصول 3/ 411، والتكملة ص 275، والموضع المذكور من الحلبيات.
(3) لم يقيّد أبو علىّ، فى الحلبيات، حركة الباء، لكنه نص فى التكملة ص 275، على أنها بالضم، فقال: «فأدغموا الدال فى الشين، وحرّكوا الباء الساكنة بالضمة التى كانت على الدال للإعراب». وانظر اللسان (شمس).
(4) فى الأصل، وه‍: «قوم» بالواو، وكذلك جاء فى الحلبيات-الموضع السابق-وأثبتّه بالراء من عبارة سيبويه فى الكتاب 4/ 446، وابن الشجرى يحكى عنه، كما سيصرّح قريبا. وعبارة سيبويه قاطعة بأنه بالراء. قال: «فلم يقو الإدغام فى هذا كما لم يقو على أن تحرّك الراء فى: قرم موسى». وكذلك جاء بالراء فى التكملة-الموضع المذكور-قال أبو علىّ: «فكان ذلك يكون أكثر من تحريك الساكن من قرم مالك». ويلاحظ أن سيبويه ذكر أيضا «اسم موسى» فى الصفحات 438،442،443،445. ويصلح ما فى ص 443 «قوم مالك» إلى: «قرم». كما ترى. والقرم، بفتح الراء وسكون الراء: الفحل، والقرم من الرجال: السيّد المعظّم. وهو المراد هنا. راجع شرح الجاربردى على الشافية. (مجموعة الشافية) 1/ 333.
(5) تخريجه فى كتاب الشعر ص 403. والمراد بالتخفيف فى هذا المثل تخفيف الدال. وسيأتى.
(2/181)

«ويل» ولكنها التى فى {وَيْكَأَنَّهُ} (1) وفى قول عنترة «ويك (2) عنتر أقدم» فإنّ الدلالة على أنه من «ويل» دون «وى» هذه قول الشاعر (3):
لأمّ الأرض ويل ما أجنّت … غداة أضرّ بالحسن السبيل (4)
[الحسن: موضع] فلما ظهرت اللام فى ويل، لمّا قدّم الشاعر اللامّ الجارّة، كذلك إذا أخّرت اللام، فقيل: ويل لأمّه، هذا معنى كلام أبى علىّ فى هذه المسألة، وفى كلامى بعض لفظه.
وقوله: «وجاز إدغام هذا، وإن كان منفصلا، وكان الحرف الذى قبل الحرف المدغم ساكنا، لكون الساكن حرف لين، فهو مثل: جيب بكر» كلام محتاج إلى تفسير، وذلك أنهم إنما يدغمون المتّصل، إذا سكن ما قبل الحرف المدغم، كإدغامهم استفعل من المضاعف، بعد إلقاء حركة المثل الأول على الساكن قبله، كقولهم فى استعدد، استعدّ، وفى استقرر (5): استقرّ، ولم يجيزوا مثل هذا فى المنفصل، نحو قوله سيبويه: قرم (6) موسى، واسم مالك، وجاز (7) [هذا] فى ويلمّه، لأن الياء إذا سكنت فيها لين، وإن كان ما قبلها مفتوحا، فجاز لذلك وقوع الساكن المدغم بعدها، كما جاز فى قولك: جيب بكر، وانضمّ إلى ذلك كثرة استعمال (8) هذا
_________
(1) سورة القصص 82.
(2) يأتى تخريجه قريبا.
(3) هو عبد الله بن عنمة الضبىّ، يرثى بسطام بن قيس. وقد خرجته فى كتاب الشعر ص 303، وزد عليه: الحلبيات ص 45، والعضديات ص 224، واتفاق المبانى ص 239، وحاشية البغدادى على بانت سعاد 1/ 645.
(4) زيادة من ه‍. وهو موضع فى ديار ضبّة. وقيل: جبل. وقيل: رملة لبنى سعد.
(5) فى ه‍: استفزز: استفزّ.
(6) فى الأصل وه‍: «قوم» بالواو، ونبّهت عليه قريبا.
(7) ليس فى ه‍.
(8) فى ه‍: كثرة الاستعمال لهذا.
(2/182)

الحرف، كما كثر استعمال المعيدىّ، وأصله: معدّىّ (1)، مشدّد الدال، وأمّا مجىء الساكن مدغما بعد الياء المفتوح ما قبلها فى المتّصل، فحسن، كقولهم، فى تحقير أصمّ: أصيم، وفى تحقير مدقّ: مديق (2).
ولمّا جرى ذكر «وى» فى هذه المسألة رأيت إيراد الكلام فيها، وإيضاح معانيها.
/قال المفسّرون فى قول الله تعالى: {وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ} (3) معناه:
ألم تر أنّ الله، ومثل ذلك قوله: {وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ} (3) واختلف فيها اللغويّون، فقال الخليل: إنها «وى» مفصولة من «كأنّ» والمراد بها التنبيه، وإلى هذا ذهب يونس وسيبويه (4) والكسائى، وقال أبو سعيد السّيرافىّ: (5) «وى» كلمة يقولها المتندّم عند إظهار ندامته، ويقولها المندّم لغيره، والمنبّه له، ومعنى كأن الله يبسط الرزق:
التحقيق، وإن كان لفظه لفظ التنبيه، فالتقدير: تنبّه! إنّ الله يبسط الرزق، أى تنبّه لبسط (6) الله الرزق، قال الفرّاء (7): «معناها فى كلام العرب التقرير، كقولك لمن تقرّره: أما ترى إلى صنع الله» فكأنّه قيل: أما ترى أن الله يبسط الرزق!
_________
(1) قال ابن السّكّيت: «وهو تصغير معدّىّ، إلا أنه إذا اجتمعت الياء الشديدة فى الحرف وتشديدة ياء النسبة خفّف الحرف المشدّد مع ياء التصغير» إصلاح المنطق ص 286، وانظر اللسان والتاج (عدد- معد).
(2) راجع ما سبق فى المجلس التاسع والثلاثين.
(3) سورة القصص 82.
(4) الكتاب 2/ 154، وانظر مجاز القرآن 2/ 112، ومعانى القرآن للأخفش ص 434، وتأويل مشكل القرآن ص 526، والعضديات ص 60، والخصائص 3/ 169، وزاد المسير 6/ 246، وتفسير القرطبى 13/ 318، والبحر 7/ 135، ورصف المبانى ص 442، والجنى الدانى ص 352، والمغنى ص 369، وحكى البغدادىّ كلام ابن الشجرى. الخزانة 6/ 422.
(5) فى ه‍: «وهى كلمة. . .» وما فى الأصل مثله فى الخزانة.
(6) فى ه‍: «تنبه يبسط الله الرزق»، والذى فى الأصل مثله فى الخزانة.
(7) معانى القرآن 2/ 312.
(2/183)

وأقول: إنّ كلّ واحد من هذين المذهبين، مذهبى الخليل والفرّاء، وكذلك ما قاله أبو سعيد، من أن التقدير: تنبّه؛ إنّ الله يبسط الرزق. [كلهنّ يخرّج على ما قاله المفسّرون، وأنّ معنى قوله: ويكأنّ الله يبسط الرزق (1).] معناه: ألم تر أنّ الله يبسط الرزق، وشاهد ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} (2) فهذا تنبيه على قدرته، وتقرير بها.
وقال غير هؤلاء من اللغويين: هى ويك، بمعنى (3): ويلك، وحذفت اللام لكثرة استعمال هذه اللفظة فى الكلام، «وأنّ» من قوله: {وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ} مفتوحة، بإضمار اعلم، واحتجّوا بقول عنترة (4):
ولقد شفى نفسى وأبرأ سقمها … قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
فالكاف على هذا القول ضمير، فلها موضع من الإعراب.
وقال آخرون (5): هي وى: اسم للفعل، ومعناها: أتعجّب، كما تقول: وى لم فعلت هذا؟ فالكاف فى هذا الوجه حرف للخطاب، كالكاف فى رويدك، فهى
_________
(1) ما بين الحاصرتين من ه‍، وليس فى الأصل والخزانة.
(2) سورة الحج 63.
(3) وصف أبو إسحاق الزجاج هذا القول بأنه غلط عظيم. راجع معانى القرآن 4/ 156، وأنكره ابن جنى أيضا، فقال: «وهذا يحتاج إلى خبر نبىّ ليقبل» المحتسب 2/ 156، وقد نسب هذا القول للكسائى. راجع الخصائص 3/ 170، والجنى الدانى ص 353، وهو مخالف لما حكاه عنه ابن الشجرى من قبل.
(4) من معلقته المعروفة. راجع شرح القصائد السبع ص 359، وشرح القصائد التسع ص 533، وفيهما كلام كثير حول «ويكأنّ». وانظر الخزانة 6/ 421، وشرح أبيات المغنى 6/ 148.
(5) نسب هذا القول لأبى الحسن الأخفش، على ما فى العضديات والخصائص والجنى الدانى، وليس فى الموضع السابق من معانى القرآن.
(2/184)

دالّة على أن التعجّب موجّه/إلى مخاطب، لا إلى غائب، وانفتحت «أنّ» بتقدير اللام، أى أتعجّب، لأنّ الله يبسط الرزق، وعلى أحد هذين القولين تحمل «وى» فى قول المتنبي (1):
كفّى أرانى ويك لومك ألوما … همّ أقام على فؤاد أنجما
وأقول فى تفسير هذا البيت: إنّ الإنجام من صفات السّحاب، وهو الإقلاع، ونقيضه: الإثجام، لأنه الإقامة والدّوام، يقال: أثجمت السماء: إذا دام مطرها أيّاما، وأنجمت: إذا أقلعت، ولا يقال: أنجم الفؤاد، ولكنه استعار ذلك، ليقابل أقام، ومقابلة الشىء بنقيضه من بديع صناعة الشعر، ويسمّى الطّباق، وحقيقة إنجام فؤاده أن الحبّ أذابه فأذهبه، كما قال (2):
أصبحت من كبدى ومنها معدما
وقد روى عنه أنه قال: لم أقل أنجم، وإنما قلت: أثجم، أى أقام على الهوى فلم يقلع عنه بالملام.
وقوله: «أرانى» أرى: ماض، بمعنى أعلم، فهو منقول من رأى الذى بمعنى علم، المتعدّى إلى مفعولين، ولمّا نقل بالهمزة من رأى المقتضى مفعولين، اقتضى (3) [بالنقل] ثلاثة مفاعيل، فالمفعول الأول الياء، من قوله: «نى» والثانى قوله:
«لومك» والثالث قوله: «ألوما» وفاعله «هم» والمعنى: أعلمنى همّ مقيم على فؤادى أنّ لومك لى أحقّ باللوم منّى، أى أنت فى لومك لى أحقّ بأن تلامى (4).
_________
(1) ديوانه 3/ 27.
(2) من القصيدة نفسها. الديوان 3/ 29، وصدر البيت: إن كان أغناها السّلوّ فإننى
(3) زيادة من ه‍.
(4) هذا تفسير ابن جنى، وتعقّبه الواحدىّ، فقال فى شرحه للديوان ص 17: «وعلى ما قال، ألوم مبنىّ من الملوم، وأفعل لا يبنى من المفعول إلاّ شاذّا» وتأويل البيت فيما يرى الواحدىّ: «يقول=
(2/185)

فإن قيل: كيف يصحّ إسناد الإعلام إلى الهمّ؟
قيل: هذا مجاز، وحقيقة المعنى: علمت بما غلب على فؤادى من الهمّ أنك حقّ باللّوم منّى.
ثم نعود إلى ما نحن بصدده، من ذكر حذف الحروف، التى من أنفس الكلم، وقد تقدّم ذكر الواو التى هى فاء، وحذفها على ضربين بعوض، وبغير عوض، فالمحذوفة بغير عوض، هى المحذوفة في «يعد» وبابه، والمحذوفة بعوض على ضروب، الضّرب الأول: المحذوفة من المصدر المكسور أوّله، مصدر باب «يعد» نحو: العدة والزّنة والثّقة، فأصل هذا الضرب: وعد، ووزن، ووثق، /فأعلّوه بحذف فائه، لأمرين: أحدهما استثقال الكسرة فى الواو، والثانى: أنّ هذه الواو قد أعلّت بالحذف فى الفعل، والمصدر تابع للفعل فى صحّته واعتلاله، والمصدر الأصليّ فى هذا الباب هو الفعل، نحو: الوعد والوزن، والفعل أصل فى المصادر الثلاثية، نحو الضّرب والقتل والمشى والسّعى والغزو والعدو، ألا ترى أنهم إذا أرادوا المرّة الواحدة، جاءوا بها على فعلة، كقولك: خرجت خرجة، ودخلت دخلة، ولا يقولون: خروجة ولا دخولة، فلما خرج المصدر بكسر أوّله عن أصله، سرى إليه الإعلال من فعله، ولمّا أرادوا حذف واوه، نقلوا كسرتها إلى ما بعدها، ثم أسقطوها وهى ساكنة، لئلاّ يسقطوا حرفا وحركة، وفعلوا ذلك أيضا لتدلّ حركة المحذوف عليه، ولما أسقطوها عوّضوا منها تاء التأنيث، كما عوّضوا تاء
العين المحذوفة، من مصدر أفعلت المعتلّ العين، نحو: أقمت وأجبت واعنت وأغثت، لمّا حذفوا العين من أفعلت، وهى واو أقومت وأجوبت وأعونت وأغوثت، حذفوها من مصدره، وكان أصله: إفعال، إقوام وإجواب وإعوان وإغواث، فألقوا
_________
= للعاذلة: كفّى واتركى عذلى، فقد أرانى لومك أبلغ تأثيرا وأشدّ علىّ، همّ مقيم على فؤاد راحل، ذاهب مع الحبيب، وذلك أن المحزون لا يطيق استماع الملام، فهو يقول: لومك أوجع فى هذه الحالة، فكفى ودعي اللوم».
(2/186)

حركة الواو على الساكن قبلها ثم قلبوها ألفا، لتحرّكها فى الأصل، وانفتح (1) ما قبلها الآن، فالتقى فى التقدير ألفان، فحذفوا الأولى، فصار المصدر إلى إقام وإجاب وإعان وإغاث، فعوّضوا من المحذوف تاء التأنيث، فقالوا: إقامة وإجابة وإعانة وإغاثة، وربّما استغنوا عن تاء التأنيث، بإضافة هذا المصدر، فسدّت إضافته مسدّ التعويض، كما جاء فى التنزيل: {وَإِقامَ الصَّلاةِ} (2).
ومصدر استفعل المعتلّ العين، يجرى مجرى هذا المصدر، فى الحذف والتعويض، نحو: استقام استقامة، واستجاب استجابة، واستعان استعانة، واستغاث استغاثة.
ومن الواوات التى حذفوها وعوّضوا منها همزة: كلّ واو وقعت/مضمومة أولا، وذلك على ضربين: لازم وغير لازم، فغير اللازم يكون فى الاسم والفعل، فالاسم نحو: وجوه ووقوف ووعود ووحول، والفعل نحو: وعد ووزن ووقف ووقّت، تقول على طريق الاستحسان: أجوه وأقوف وأعود وأحول، وأعد وأزن وأقف وأقّت، كما قرأ القرّاء: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} (3) وانفرد أبو عمرو بالواو، وقرأ بعض أصحاب الشّواذّ: «إن يدعون من دونه إلاّ أثنا» (4) أراد: وثنا، جمع وثن،
_________
(1) فى ه‍ «وانفتاح». وانظر هذه المسألة فى المنصف 1/ 291.
(2) سورة الأنبياء 73، والنور 37، وآية الأنبياء بفتح الميم وَأَقامَ، وآية النور بكسرها وَأَقامَ وضبطت عليه؛ لأنه الذى جاء فى الأصل. وقال بعضهم: ثلاثة تحذف تاءاتها مضافة عند جميع النّحاة وهى إذا شئت أبو عذرها وليت شعرى وإقام الصلاه أنشدهما الشوكانى فى فتح القدير 4/ 35. وراجع اللسان (شعر-عذر)، والكتاب 4/ 44.
(3) سورة المرسلات 11، وراجع معانى القرآن للفراء 3/ 222، وللزجّاج 5/ 266، والسبعة ص 666، والكشف 2/ 357، وزاد المسير 8/ 447، والإتحاف ص 580.
(4) سورة النساء 117، وراجع الكتاب 3/ 571، ومعانى القرآن للفراء 1/ 288، وللزجاج 2/ 108، والتكملة ص 150، والعضديات ص 97، والمحتسب 1/ 198، وزاد المسير 2/ 202، والبحر 3/ 352.
(2/187)

جمعه على فعل، على سبيل الشذوذ، كقولهم فى جمع أسد: أسد (1).
وإنما أبدل الهمزة من هذه الواو من أبدلها من العرب، لأنهم نزّلوا الضمّة منزلة الواو، فكأنه اجتمع واوان، ففرّوا لذلك إلى الهمزة (2) [وأمّا الإبدال اللازم، فإبدال الهمزة] من الواو المضمومة، إذا وقعت بعدها واو متحرّكة، كقولهم فى تحقير واصل وواعد، وشعر واحف (3)، وسقف واكف (4): أو يصل، وأو يعد، وشعير أو يحف، وسقيف أو يكف، وكذلك تكسير هذا الضرب يوجب (5) ما أوجبه تحقيره من إبدال واوه همزة، تقول: أواصل، وشعور أواحف، وسقوف أواكف، قال الشاعر (6):
ضربت صدرها إلىّ وقالت … يا عديّا لقد وقتك الأواقى
أصله: الوواقى، جمع واقية.
فإن كانت الواو الثانية مدّة، لم يلزمك الإبدال، كقولك فى فوعل، من الوعد (7) (8) [والموافقة] والمواقفة والمواراة: قد ووعد فلان (8) [وقد ووفق فى فعله] وقد ووقف على كذا، وقد ووري الميت، كما جاء فى التنزيل: {ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما} (9) وإنما حسن هذا، لأن الثانية جرت مجرى الألف التي
_________
(1) جمع «فعل» بالتحريك على «فعل» بضم فسكون، من الشاذّ، وإنما قياسه فى القلّة: أفعال، نحو جمل وأجمال، وأسد وآساد-وهو الذى معنا-وفى الكثرة: فعال، نحو جمال وجبال، وفعول، نحو ذكور وأسود. راجع الكتاب 3/ 570، وفهارسه 5/ 290، والتكملة ص 149، والشعر ص 136، وسيعيده ابن الشجرى فى المجلس الثانى والستين.
(2) سقط من ه‍.
(3) أى كثير أسود.
(4) يقال: وكف البيت: أى هطل وقطر، وكذلك السّطح والسّقف.
(5) فى ه‍: يوجب تحقير ما أوجبه تحقيره. . .
(6) مهلهل بن ربيعة. الأغانى 5/ 54، والمقتضب 4/ 214، والعسكريات ص 233، والمنصف 1/ 219، وشرح المفصل 10/ 10، وشرح الملوكى ص 275، وشرح ابن عقيل 2/ 205، (باب النداء)، وشرح الجمل 2/ 84،553، وشذور الذهب ص 112، وشرح الشواهد الكبرى 4/ 211، وانظر رسالة الغفران ص 270، واللسان (وقى).
(7) فى ه‍: «الوعيد». وانظر المنصف 1/ 218.
(8) ساقط من ه‍ فى الموضعين.
(9) سورة الأعراف 20.
(2/188)

انقلبت عنها الواو، فى واعد ووافق وواقف ووارى، فصحّت الأولى فى فوعل، كما تصحّ فى فاعل، ولك أن تقول: أوعد وأورى وأوقف، كما قلت فى وجوه: أجوه.
وكلّ العرب قالوا في مؤنّث الأوّل: أولى، وأصلها: وولى، بزنة فعلى، / لأن مذكّرها أفعل.
فإن كانت الواو الواقعة أوّلا مكسورة، كواو وشاح ووكاف ووسادة (1)، جاز همزها، وهو أقلّ من همز المضمومة، لأنّ الكسرة دون الضّمة فى الثّقل، فمن النحويّين من يقصر ذلك على المسموع، ومنهم من يجعله مقيسا على همز المضمومة، لأنّ الكسرة أخت الضمّة فى الثّقل، ألا ترى أنهم جعلوا حكمها حكم الضمّة، فى استثقالها على ياء المنقوص، ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير: «ثمّ استخرجها من إعاء أخيه» (2).
وقالوا فى مؤنّث أحد: إحدى، فألزموها الهمزة.
فإن كانت مفتوحة، كواو وشل ووحل ووعد، لم يجز همزها، لمباينة الفتحة لأختيها بالخفّة، فلذلك انفردت بالاستعمال فى باب قاض، وفى باب يغزو ويقضى، ولم يأت همزها إلاّ قليلا، وذلك فى قولهم: أحد، وهو من الوحدة، وامرأة أناة، وهى فعلة من الونىّ، لأنّ فى مدح النساء الوصف بالفتور والكسل، وقالوا:
أبلة الطعام، وأصلها وبلة، فعلة من الوبيل، وهو الردىء الوخيم، وقالوا فى تسمية النّساء: أسماء، وهي فعلاء من الوسامة، وقد سمّوا الرجل بذلك، وهو أسماء بن خارجة الفزارىّ، والوسامة: الحسن.
_________
(1) فى ه‍: «وساد» بطرح التاء. وانظر الكتاب 4/ 331، وأدب الكاتب ص 570، والمنصف 1/ 229، وشرح المفصل 10/ 14.
(2) سورة يوسف 76، وانظر المحتسب 1/ 348.
(2/189)

وقال ابن السّكّيت: «يقال (1): والدة وآلدة» وقالوا فى الفعل: أجم، يريدون: وجم، من الوجوم (2).
فإن توسّطت الواو المضمومة، استحسن بعض العرب إبدال الهمزة منها، وذلك فى نحو: أدور، وأنور، منهم من يقول: أدور وأنؤر، وقالوا فى جمع ساق:
أسؤق وسئوق، مثل أسعق وسعوق، وقرأ بعض القراء: {بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ} (3).
فإن انكسرت المتوسطة الواقعة بعد متحرّك، كواو طويل وسويق، لم يجز همزها، وكذلك الواو المضمومة المثقّلة، كواو التخوّف والتقوّل، مجمع على ترك إبدال الهمزة منها، لأن تضعيف الهمزة أثقل من تضعيف الواو.
...
_________
(1) الذى فى إصلاح المنطق ص 160: «ولدة والدة». ذكره فى (باب ما يقال بالهمز مرّة وبالواو أخرى). وانظر المنصف 1/ 196.
(2) بهامش الأصل: الوجوم: حزن فى سكوت.
(3) سورة ص 33. وقراءة الهمز لابن كثير. انظر السبعة ص 553، وزاد المسير 7/ 130. وانظر أيضا السبعة ص 483، والكشف 2/ 161، فى الآية (44) من سورة النمل. وانظر المنصف 1/ 212، 214،284.
(2/190)

فصل
/ قد ذكرت فيما مضى (1) الحذف الواقع باسم المفعول المعتلّ العين، المأخوذ من نحو: خاف وحاز وهاب وباع، وذكرت اختلاف النحويين فى الحرف المحذوف منه، ذكرا مستوفى، غير أنّى ألمّ بذكر ذلك هاهنا تكملة لذكر الحذوف.
فأقول: إنّ أصل اسم المفعول من الخوف: مخووف، ومن الهيبة:
مهيوب، ومذهب الخليل وسيبويه أن الواو الزائد فى نحو: مخووف، هو المحذوف، لكونه زائدا، والزائد أحقّ بالحذف من الأصلىّ، وطريق حذفه أنهم ألقوا ضمّة الواو الأوّل على الساكن الذى قبله، ثم حذفوا الثانى، لالتقائهما ساكنين، فوزن مخوف إذن: مفعل.
وكذلك القول فى ذوات الياء (2) [أنّ ضمّة الياء من] مهيوب ومبيوع ونحوهما، ألقيت على الساكن، ثم حذفت الواو لسكونها وسكون الياء وكسر ما قبل الياء، لئلاّ تنقلب لانضمام ما قبلها واوا، فقيل: مهيب ومبيع، فوزنهما: مفعل.
وقال الأخفش: إنّ الياء لمّا سكنت حذفت لسكونها وسكون الواو، وأبدلت من الضمّة قبلها كسرة، لئلاّ يصير إلى مهوب ومبوع، فتلتبس ذوات الياء بذوات الواو، فوزن مخوف على قوله: مفول، ووزن مهيب: مفيل.
والحجّة للخليل وسيبويه: أنّ واو مفعول أولى بالحذف من عينه، لأن حذف الزائد أولى من حذف الأصلىّ.
وقال الأخفش: إنما حذفت العين وأقررت الزائد، لأنّ الزائد لمعنى، وكلّ حرف لمعنى يقتضى المحافظة عليه، ألا ترى أنّ الياء لما سكنت فى باب قاض، ولقيها
_________
(1) فى المجلس الحادى والثلاثين.
(2) ساقط من ه‍.
(2/191)

التنوين، وجب حذف الياء، وإن كانت لاما، لأن التنوين علم الصّرف، فوجب لذلك إقراره.
/والجواب عن هذا القول: أنّ واو مفعول ليست وحدها هى الدالّة على اسم المفعول، بل هى والميم وضعا لذلك، والميم أقوى منها فى الدّلالة على هذا المعنى، لأنها أول الكلمة، فلما حذفت الواو اجتزئ بدلالة الميم على أنّ الاسم موضوع للمفعول، ويدلّك على أن الميم هى الأصل فى الدلالة على اسم المفعول، انفرادها بهذا المعنى، فى نحو: مكرم ومدحرج ومستخرج.
وقد صحّحوا طرفا من ذوات الياء، فقالوا: ثوب مخيوط، وبرّ مكيول، وفرس معيوب، إلى غير ذلك، ولم يأت (1) [التصحيح] فى شيء من ذوات الواو إلا فى قولهم: مسك مدووف، وثوب مصوون، وحكى قوم حرفين آخرين: فرس مقوود، وقول مقوول، والمعروف فيهنّ الحذف.
انتهى المجلس السادس والأربعون، بعون الله وحسن توفيقه.
...
_________
(1) ساقط من ه‍. وانظر ليس فى كلام العرب ص 115.
(2/192)

المجلس السابع والأربعون
يتضمّن ذكر حذف الهمزة الأصليّة والزائدة
وأقول: ممّا كثر حذفه من الحروف الهمزة، وجاء ذلك فى الاسم والفعل، فحذفوها فاء وعينا ولاما، وزائدة.
فمن حذفها فاء: حذفها من أناس، قالوا فيه: ناس، ووزنه من الفعل عال، وذهب الكسائىّ إلى أن وزنه: فعل مثل باب، وكان أصله فعل: نوس، واستدلّ على هذا بأنّ تحقيره نويس، كبويب، وأنه لو كان أصله فعال، لقيل فى تحقيره: أنيس، كما يقال فى تحقير غراب: غريب.
والصحيح ما ذهب إليه جماعة البصريّين، ووافقهم فيه الفرّاء، لقول العرب:
أناس، وإنما كثر حذف فائه إذا دخل عليه الألف واللام، فلا يكادون يقولون الأناس إلاّ فى ضرورة الشعر كقوله:
إنّ المنايا يطّلع‍ … ن على الأناس الآمنينا (1)
/وإنما قالوا فى تحقيره: نويس، فلم يردّوا فاءه، لأن ردّ المحذوف إنما يلزم فى التحقير للحاجة إليه، كقولك فى تحقير عدة وزنة: وعيدة ووزينة، وفى سه:
ستيهة، وفى أب وأخ: أبىّ وأخىّ، ألا ترى أنك لو لم تردّ المحذوف من عدة، أوقعت ياء التحقير ثالثة بعد الدال، وحرّكتها بالفتح، لوقوع تاء التأنيث بعدها، فصارت الكلمة إلى عدية، بزنة فعلة، كرطبة، وحقيقة زنتها: عليّة، لأن وزن
_________
(1) سبق تخريجه فى المجلس التاسع عشر. وانظر أيضا شرح الملوكى ص 363.
(2/193)

عدة: علة، والياء زائدة للتحقير، فخرجت بذلك عن مثال التحقير، ثم انقلبت الياء ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فصارت إلى عداة، وهذا إفساد مستحكم، لأنّ ياء التحقير لا تمسّها (1) الحركة، كما لا تمسّ ألف التكسير التى فى مثال مفاعل (2)، فكيف تحريكها ثم قلبها ألفا؟ وكذلك لو لم تردّ عين سه، فتقل: ستيهة، لزمك أن تقول: سهية، مثل رطبة، فتحرّك ياء التصغير ثم تقلبها ألفا، وهذا فساد تبعه فساد، وهو إبطال لمثال التحقير، ولو لم تردّ اللام من أب وأخ، وقعت ياء التحقير طرفا، ولزم تحريكها بحركات الإعراب، ثم قلبها ألفا، لانفتاح ما قبلها، فصار إلى أبا وأخا، وليس فى تحقير أناس، إذا لم تردّ المحذوف، شيء يخرج باب التحقير عن قياسه، لأنّ قولنا: ناس، وإن كان بوزن عال، فإنه مماثل لباب، وإن كان باب وزنه فعل، وكذلك (3) تحقيره مماثل لتحقيره، وإن كان نويس وزنه عويل، وبويب وزنه فعيل.
ووافق الكسائىّ من الكوفيين، فى أن ناسا كباب، وأصله نوس، فعل من النّوس، وهو التحرّك: سلمة بن عاصم (4).
ومن ذلك-أعنى حذف الهمزة فاء-حذف همزة «إلاه» حذفوها تخفيفا، كما حذفوا همزة أناس، وهمزة أب، فى قولهم: يا با فلان، فقالوا: لاه أبوك، يريدون:
لله، كما قال (5):
_________
(1) راجع الكتاب 4/ 441، وانظر أيضا 3/ 417. وسيتكلم ابن الشجرى عن مشابهة التصغير لجمع التكسير فى المجلس التالى.
(2) فى ه‍: مفاعيل.
(3) فى ه‍: فكذلك.
(4) راجع كلامه فى المجلس التاسع عشر.
(5) ذو الإصبع العدوانى. من مفضليته الشهيرة. انظرها فى المفضليات ص 160، والشاهد أعاده ابن الشجرى فى المجلس المتم السبعين، وخرّجته فى كتاب الشعر ص 41.
(2/194)

لاه ابن عمّك لا أفضلت فى حسب … عنّى ولا أنت ديّانى فتخزونى
/معنى «تخزونى»: تسوسنى وتقهرنى، ومعنى «عنّى» هاهنا بمعنى عليّ.
والدّيّان: ذو السّياسة.
فلاه فى قوله: «لاه ابن عمّك» أصله: لله، فحذف لام الجر، وأعملها محذوفة، كما أعمل الباء محذوفة فى قولهم: الله لأفعلنّ، وأتبعها فى الحذف لام التعريف، فبقى لاه، بوزن عال، ولا يجوز أن تكون اللام فى قوله: «لاه ابن عمّك» لام الجرّ، وفتحت لمجاورتها للألف، كما زعم بعض (1) النحويين، لأنهم قالوا: لهى أبوك، بمعنى لله أبوك، ففتحوا اللام، ولا مانع لها من الكسر فى «لهى»، لو كانت الجارّة، وإنما يفتحون لام الجرّ مع المضمر، فى نحو: لك ولنا، وفتحوها فى الاستغاثة، إذا دخلت فى اسم المستغاث به، لأنه أشبه الضمير، من حيث كان منادى، والمنادى يحلّ محلّ الكاف من قولك: أدعوك.
فإن قيل: فكيف يتصل الاسم بالاسم، فى قوله: لاه ابن عمّك، بغير واسطة، وإنما يتصل الاسم بالاسم فى نحو: لله زيد، ولأخيك ثوب، بواسطة اللام؟
قيل: إن اللام أوصلت الاسم بالاسم، وهى مقدّرة، كما عملت الجرّ وهى مقدّرة، وكما أوصلت الباء فعل القسم إلى المقسم به، وهى محذوفة، فأصل هذا الاسم الذى هو «الله» تعالى مسمّاه، إله، فى أحد قولى سيبويه (2)، بوزن فعال، ثم
_________
(1) هو أبو العباس المبرد، كما ذكر ابن يعيش فى شرح المفصل 9/ 104، وانظر أيضا 8/ 53، وقد ناقش أبو علىّ هذا الرأى وردّه، لكنه لم يصرح بنسبته إلى المبرد. راجع كتاب الشعر ص 46. ثم انظر الخزانة 7/ 174.
(2) أول من نقل هذا عن سيبويه: أبو إسحاق الزجاج، وذكره فى آخر سورة الحشر، من معانى القرآن 5/ 152، وردّ عليه الفارسىّ فى (الأغفال)، ثم ردّ على الفارسىّ ابن خالويه، فى كلام طويل حكاه البغدادىّ فى الخزانة 10/ 357. -
(2/195)

لاه، بوزن عال، ولمّا حذفوا فاءه عوّضوا منها لام التعريف، فصادفت وهي ساكنة، اللام التى هى عين، وهى متحرّكة، فأدغمت فيها، وبعض العرب يقطعون همزة لام التعريف منه فى النداء، فيقولون: يا الله، ليدلّوا بقطعها على أن الألف واللام فيه عوض من همزة قطع، وخصّوه بشىء لم يسمع فى غيره، وهو تفخيم لامه (1)، تعظيما له وتنويها به، وذلك إذا وقعت بعد ضمّة أو فتحة، كقولك:
يقول الله، وقال الله، ويفعلون ذلك أيضا إذا ابتدءوا به، لأنّ همزة لام التعريف مفتوحة، وهذا التفخيم معدوم فى اللاّت، وما قاربها فى اللفظ، /كالّتى واللاّتى، فإن جيء به بعد كسرة، رقّقوا لامه، لموافقة التّرقيق للكسر.
والذى ذهب إليه سيبويه، من أنّ أصل هذا الاسم: إلاه، قول يونس بن حبيب، وأبى الحسن الأخفش، وعلىّ بن حمزة الكسائىّ، ويحيى بن زياد الفرّاء، وقطرب بن المستنير، وقال بعد وفاقه لهذه الجماعة: وجائز (2) أن يكون أصله: لاه، وأصل لاه: ليه، على وزن فعل، ثم أدخل عليه الألف واللام، فقيل: الله، واستدلّ على ذلك بقول بعض العرب: لهي أبوك، يريدون: لاه أبوك، قال: فتقديره على هذا القول: فعل، والوزن وزن باب ودار، وأنشد للأعشى (3):
_________
= وقد أفاد العلامة الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة-رحمه الله-أن سيبويه ذكر الاشتقاقين: فذكر الاشتقاق الأول، وهو (أله) فى الجزء الأول ص 309، وذكر الاشتقاق الثانى، وهو (لاه) فى الجزء الثانى ص 144. راجع فهارس كتاب سيبويه ص 14 - 15. والموضعان اللذان ذكرهما الشيخ من الكتاب، يقابلان فى طبعة شيخنا عبد السلام هارون-رحمه الله -2/ 195،3/ 498، وانظر الخصائص 2/ 288، وشرح الملوكى ص 356.
(1) راجع المجلس الثالث والأربعين.
(2) لم أجد هذا الكلام فى كتاب سيبويه المطبوع. وانظر التعليق السابق. وقد حكى البغدادىّ كلام سيبويه هذا، عن ابن الشجرى، فى موضعين من الخزانة 2/ 267،7/ 176، وقال فى كلا الموضعين: «البيتان اللذان أوردهما-يعنى ابن الشجرىّ-ليسا فى كتاب سيبويه».
(3) ديوانه ص 283، ومعانى القرآن 1/ 204،2/ 398، وكتاب الشعر ص 41، والعضديات ص 78، وسر صناعة الإعراب ص 430، وشرح ما يقع فيه التصحيف ص 310، وشرح المفصل 1/ 3، وشرح الملوكى ص 361، والهمع 1/ 178، واللسان (أله)، والخزانة، الموضعين السابقين. وفى موضع الشاهد روايات أخرى، انظرها فى معانى القرآن والخزانة.
(2/196)

كحلفة من أبى رياح … يسمعها لاهه الكبار
ولذى الإصبع العدوانىّ: «لاه ابن عمك» البيت. انتهى كلام سيبويه.
وأقول: إنّ الاسم الذى هو «لاه» على هذا القول، تامّ وأصله: ليه، فعل، مثل جبل، فصارت ياؤه ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ومن قال: لهى أبوك، فهو مقلوب من لاه، قدّمت لامه التى هى الهاء، على عينه التى هى الياء، فوزنه فلع، وكان أصله بعد تقديم لامه على عينه: للهى، فحذفوا لام الجرّ ثم لام التعريف، وضمّنوه معنى لام التعريف، فبنوه، كما ضمّنوا معناها أمس، فوجب بناؤه، وحرّكوا الياء لسكون الهاء قبلها، واختاروا لها الفتحة لخفّتها.
فأمّا اشتقاق هذا الاسم، تعالى المسمّى (1) به، فقد قيل فيه غير قول، فمن ذلك قول من قدّمت ذكره من أهل العلم بالعربيّة، أن أصله إلاه، فعال بمعنى مفعول، كأنه مألوه، أى مستحقّ للعبادة، يعبده الخلق ويألهونه، والمصدر الألوهة، والتألّه: التعبّد، قال رؤبة (2):
سبّحن واسترجعن من تألّهى
أى تعبّدى، ومعنى العبادة: الخضوع والتذلّل، من قولهم: طريق معبّد، إذا كان موطوءا مذلّلا، لكثرة السّير (3) فيه، ومنه اشتقاق العبد، لخضوعه وذلّته لمولاه.
وقال الخليل بن أحمد: أصل إلاه: ولاه، من الوله، والوله: الحيرة، فأبدلوا
_________
(1) فى ه‍: تعالى مسمّاه.
(2) ديوانه ص 165، والمحتسب 1/ 256، وشرح المفصل 1/ 3، وشرح الملوكى ص 359، وانظر معجم الشواهد ص 557.
(3) فى ه‍: السّفر.
(2/197)

الواو لانكسارها همزة، كما قالوا فى وشاح ووعاء: إشاح وإعاء، ثم أدخلوا عليه الألف واللام للتعريف، فقالوا: الإلاه، ثم حذفوا همزته بعد إلقاء حركتها على لام التعريف، فصار: اللاه، فاجتمع فيه مثلان متحرّكان، فأسكنوا الأول، وأدغموه فى الثاني، وفخّموا لامه، فقالوا: الله، فكأنّ معناه على هذا المذهب أن يكون الوله من العباد إليه جلّت عظمته.
وقال قطرب وغيره من العلماء بالعربية: إنّ هذا الاسم لكثرة دوره فى الكلام، كثرت فيه اللّغات، فمن العرب من يقول: والله لا أفعل، ومنهم من يقول: لاه لا أفعل، ومنهم من يقول: والله بحذف ألفه، وإسكان هائه، وترك تفخيم لامه، وأنشدوا:
أقبل سيل جاء من أمر الله … يحرد حرد الجنّة المغلّة (1)
يحرد: يقصد.
وأقول: إن حذف ألفه إنما استعمله قائل هذا الرجز للضرورة، وأسكن آخره للوقف (2) عليه، ورقّق لامه، لانكسار ما قبلها، ولو لم يأت فى قافية البيت الثانى «المغلّة» لأمكن أن يقول: جاء من أمر اللاّه، فيثبت ألفه، ويقف على الهاء بالسكون.
_________
(1) نسب هذا الرجز إلى حنظلة بن مصبح، وإلى قطرب، وقيل: انه أنشده فقط، وقيل: إنه صنعه. روى عن أبى حاتم أنه قال: «هذه صنعة من لا أحسن الله ذكره» يعنى قطربا. راجع حواشى الكامل ص 74،610، وانظر رغبة الآمل 1/ 180، ومعانى القرآن 3/ 176، ومجاز القرآن 2/ 266، وإصلاح المنطق ص 47،266، وشرح المفضليات ص 594، وأمالى المقالى 1/ 7، وسرّ صناعة الإعراب ص 721، وزاد المسير 8/ 337، وتفسير القرطبى 5/ 16،18/ 242، وشرح الجمل 2/ 573، وضرائر الشعر ص 132، والخزانة 10/ 356، وحواشى كتاب العربية، ليوهان فك ص 68.
(2) بهامش الأصل حاشية: «قد جاء حذف هذه الألف فى غير الوقف أيضا فى قوله: ألا لا بارك الله فى سهيل إذا ما الله بارك فى الرجال وحمله على الضرورة صواب حسن». وانظر لهذا البيت الخصائص 3/ 134، والمحتسب 1/ 181، وتثقيف اللّسان ص 149، والخزانة 10/ 341،355.
(2/198)

ومن الأسماء المحذوف منها الهمزة، فاء «أبو فلان» إذا نادوه، كقول أبى الأسود الدّؤلىّ (1):
يا با المغيرة ربّ أمر معضل … فرّجته بالمكر منّى والدّها
وأمّا الأفعال التى حذفت الهمزة منها فاء، فمنها قولك إذا أمرت من الأخذ والأكل: خذ وكل، أصلهما أأخذ واأكل، فثقل عليهم اجتماع همزتين فيما يكثر استعماله، فأسقطوا الثانية، فوجب بإسقاطها إسقاط الأولى، لأنها همزة/ وصل، وهمزة الوصل إنما تجتلب توصّلا إلى النطق بالساكن، فإذا سقط الساكن الذى لأجله تجتلب، استغنى عنها.
فأما (2) [قولك] افعل من أمر يأمر، فللعرب فيه مذهبان، منهم من نزّله منزلة خذو كل، فقالوا: مر فلانا بكذا، ومنهم من فرّق بينه وبينهما، لأنه لم يكثر استعماله كثرة استعمالهما، فلمّا فارقهما بكونه أقلّ منهما استعمالا، وكرهوا اجتماع الهمزتين، أبدلوا الثانية لانضمام ما قبلها واوا، فقالوا: أومر، كما فعلوا ذلك فيما قلّ استعماله من هذا الضّرب، نحو أجر الدار يأجرها، وأثر الحديث يأثره، فقالوا:
أوجر دارك، أوثر حديث (3) زيد، فإذا دخل حرف العطف عليه، أجمعوا على إعادة همزته إليه، فقالوا: مر زيدا وأمر عمرا، كما جاء فى التنزيل: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ} (4).
وقد شبّه بعض العرب «ائت» بخذ وكل، وإن لم يكن مثلهما فى الكثرة، فأسقطوا الهمزة التى هى فاء، فاجتمع عليه إسقاط فائه ولامه، فقالوا: ت زيدا،
_________
(1) مستدرك ديوانه ص 134، وكتاب الشعر ص 142،303.
(2) ليس فى ه‍.
(3) فى ه‍: أوثر حديثك.
(4) سورة طه-صلّى الله عليه وسلم-132.
(2/199)

فإذا وقفوا عليه قالوا: ته، فألحقوه هاء السّكت، كما تقول إذا أمرته من ولى: ل عملك، ومن وفى يفى: ف بقولك، فإذا وقفت قلت: له، وفه، وكذلك تكتب هذا الضّرب، أعنى أنك تلحقه فى الخطّ الهاء، لأن الخطّ مبنىّ على الوقف، ألا ترى أنهم يصوّرون التنوين، فى نحو رأيت زيدا، ألفا، لأنهم إذا وقفوا عليه وقفوا بالألف، وكذلك يحذفون الياء من الخطّ فى باب قاض فى الرفع والجر، لأنهم يقفون عليه فى اللغة العليا (1) [بغير ياء] قال الشاعر:
ت لى آل زيد فاندهم لى جماعة … وسل آل زيد أىّ شيء يضيرها (2)
قوله: «فاندهم»: أى فأتهم فى ناديهم، وقوله: «لى» أى لأجلى.
وأمّا حذف الهمزة عينا، فجاء على ضربين، ملتزم وغير ملتزم، فغير الملتزم حذفها بعد إلقاء حركتها على ساكن قبلها، كقولك فى يسأل: يسل، وفى قولك:
اسأل: سل، ألقيت فتحة الهمزة من قولك: اسأل، على السّين، وحذفتها ثم حذفت/همزة الوصل، استغناء عنها بحركة السّين، فهذا حذف قياسيّ، لأنّ استعماله على سبيل الجواز، وكذلك إن كانت الهمزة فاء من كلمة، والساكن قبلها من كلمة، ألقيت حركتها عليه وحذفتها، فقلت فى كم إبلك: كم بلك، ومن أخوك؟ من خوك، وفى قد أفلح: «قد فلح المؤمنون» (3).
فأمّا الحذف الملتزم فيها إذا كانت عينا، فحذف الهمزة من يرى ونرى
_________
(1) سقط من ه‍.
(2) من غير نسبة فى سرّ صناعة الإعراب ص 823، وشرح الملوكى ص 364،368، والهمع 2/ 218، واللسان (أتى). وواضح أن الشاهد فى البيت هو استعمال «ت» فعل أمر من «أتى». وقد جاء فى النسخة ه‍: «لى آل زيد» بإسقاط «ت»، وجعلها ناشر الطبعة الهندية من الأمالى: «له لى». وهو خطأ.
(3) أول سورة المؤمنون. وهذه قراءة ورش. راجع الكشف 1/ 89، وإرشاد المبتدى ص 182، والنشر 1/ 408، والإتحاف 1/ 213 (باب نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها)
(2/200)

ونظائرهما، وهى ترى ونرى ويرى وأرى ونرى وأرى وترى ويرى، كان الأصل فى يرى: يرأى، مثل يرعى، وفي يرى: يرإى، مثل يرعى، فألقوا حركة الهمزة على الراء، ثم حذفوها والتزموا حذفها، والتزامه شاذّ، وحذفوها (1) [أيضا] من ماضى يرى، فقالوا: أرى، وأصله أرإى، مثل أرعى، ومن اسم فاعله، فقالوا: مرى، وأصله مرئى، مثل مرعى، وحذفوها من مثال الأمر المصوغ من رأى، كقولك:
يا زيد ر جعفرا، تريد أبصر جعفرا، وكان الأصل: ار أ، مثل ارع، فألقيت حركة الهمزة على الراء، وحذفت ثم حذفت همزة الوصل، للاستغناء عنها، وهذا جمع بين إعلالين متواليين، حذف الهمزة التى هى عين، وحذف (2) [الألف] المنقلبة عن الياء، التى هى لام فى رأيت، فلم يبق إلاّ الفاء، فقولك: ر جعفرا، مثاله ف جعفرا، فإن أمرت اثنين، رددت اللام، فقلت: ريا، وأصله: ارأيا، مثل ارعيا، فألقيت حركة الهمزة على الراء وحذفتها، ثم حذفت همزة الوصل، فوزن ريا فلا، وإنما رددت اللام هنا، كما رددتها من كلّ فعل معتلّ اللام، أمرت منه اثنين، كقولك من خشيت: اخشيا، ومن دعوت: ادعوا، فإن أمرت رجالا قلت:
روا، وأصله ارأوا، مثل ارعوا، ففعلت من إلقاء حركة الهمزة على الراء، وحذفها بعد الإلقاء، ثم حذف همزة الوصل، للاستغناء عنها، كما فعلت فيما قدّمت ذكره، فوزن روا: فوا، وإنّما لم تردّ اللام هنا، كما تردّها فى نحو: اخشوا، لأن أصله: اخشيوا، /فحذفت ضمّة الياء استثقالا لها على الياء، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ولم تحذف الياء من اخشيا لخفّة الفتحة.
فإن أمرت نساء قلت: رين، وأصله: ارأين، مثل ارعين، ففعلت ما تقدّم ذكره، من إلقاء الحركة، ثم حذف الهمزتين، الهمزة التى هى عين، وهمزة الوصل، فوزن رين: فلن، وإنما رددت اللام هنا كما رددتها فى نحو اخشين، وإنما ثبتت فى اخشين، لسكونها كما سكنت الميم في اعلمن، والباء فى اشربن.
_________
(1) ليس فى ه‍.
(2) مثل سابقه.
(2/201)

(1) [فصل] [في مناداة الاسم المنقوص:]
يقتضيه هذا الفصل، وهو أنك إذا ناديت اسما منقوصا، فللنحويّين فى يائه اختلاف، فمذهب سيبويه (2) إثباتها، لأنها احتمت بالنداء من التنوين، كما احتمت بالألف واللام (3) [وبالإضافة] ومذهب يونس بن حبيب حذفها، فعنده أنّ قولك:
يا قاض، أوجه من قولك: يا قاضى، قال: لأنّ باب النداء باب حذف وتغيير، فهو مما كثر فيه التخفيف، لكثرة استعماله، فلذلك اختصّ به الترخيم، واتّسع فيه حذف ياء الضمير، فى نحو: يا غلام {وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي} (4) اكتفاء بدلالة الكسرة على الياء، ولم يخالف يونس سيبويه (5) في إثبات الياء من اسم الفاعل المصوغ من أرى يرى، إذا نودى، فكلاهما يقول: يا مرى، فيثبتها لئلاّ يجتمع على الاسم حذف عينه وحذف لامه، وقد جاء في هذا التركيب لغيّة، ردّوا فيها اللام، وهى لغة التقديم فيه والتأخير، وذلك قولهم: راء، مثل راع، أخّروا همزته، وقدّموا ياءه، فصارت ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فوزنه: فلع، قال كثيّر (6) عزة، أو غيره:
وكلّ خليل راءنى فهو قائل … من اجلك هذا هامة اليوم أوغد
_________
(1) مكانه فى ه‍ بياض.
(2) إثبات الياء هو اختيار الخليل، حكاه سيبويه، ثم قوّى مذهب يونس الآتى. راجع الكتاب 4/ 184.
(3) ساقط من ه‍، ولم يأت هذا التعليل جميعه فى الكتاب.
(4) سورة هود 89.
(5) هو قول الخليل ويونس، حكاه سيبويه، ولم يقيّدا إثبات الياء فى هذا الموضع بالنداء، بل أطلقاه فى الإخبار. راجع الموضع المذكور من الكتاب.
(6) ديوانه ص 435،436، والكتاب 3/ 467، والكامل ص 806،1295، والحلبيات ص 47، وحماسة ابن الشجرى ص 510، واللسان (رأى). وقوله: هذا هامة اليوم أو غد: أى يموت فى يومه أو فى غده، حزنا وأسفا. وأصل الهامة فيما تزعم الأعراب: طائر يخرج من رأس الميت. النكت فى تفسير كتاب سيبويه ص 938.
(2/202)

فإذا استعملوا مضارعه، ردّوا عينه، فجاءوا به على يفعل، دون يفلع، فقالوا: يرأى، مثل يرعى، وهى من اللّغات القليلة الاستعمال، لقلّة مستعمليها.
وممّا التزموا فيه حذف همزته، وهي عين، كما التزموا حذفها فى يرى/ ونظائره (1) [قولهم] ملك، أصله: ملأك، مفعل من الألوك (2)، وهى الرسالة، فألقوا حركة الهمزة على اللام، ثم حذفوها، واستمرّ ذلك فى استعمالهم إيّاه، ولم يردّوها إلاّ فى الجمع، ولم يأت ردّها فى الأصل الذى هو الواحد إلاّ نادرا فى الشّعر، كقوله:
فلست لإنسىّ ولكن لملأك … تنزّل من جوّ السّماء يصوب (3)
كما جاء فى النادر:
أرى عينىّ ما لم ترأياه … كلانا عالم بالتّرّهات (4)
_________
(1) ليس فى ه‍.
(2) بهامش الأصل حاشية: «قوله «من الألوك» يوجب أن يكون مألك، وإنما يجب أن يكون مقلوبا، ويكون وزنه على القلب: معفل. والكلام فيه يطول» انتهت الحاشية، وقد تكلم ابن الشجرى على الخلاف فى أصل «ملك» بتفصيل فى المجلس الثانى والسبعين.
(3) ينسب هذا الشاهد إلى علقمة الفحل، وإلى متمّم بن نويرة، وينسب إلى غيرهما. راجع ذيل ديوان علقمة ص 118، وتخريجه فى ص 158، وديوان مالك ومتمم ص 87، وانظر الأصول 3/ 339، ومعانى القرآن للزجاج 1/ 112، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 402، وتفسير القرطبى 1/ 263، وأنشده ابن الشجرى فى المجلس الثانى والسبعين.
(4) قائله سراقة البارقى. ديوانه ص 78، ونوادر أبى زيد ص 496، والحلبيات ص 84، وسر صناعة الإعراب ص 77، والخصائص 3/ 153، والمحتسب 1/ 128، والصاهل والشاحج ص 588، وشرح المفصل 9/ 110، وشرح الملوكى ص 370،372، وما يجوز للشاعر فى الضرورة ص 89، والممتع ص 621، والمغنى ص 277، وشرح أبياته 2/ 179،5/ 133،139، وشرح شواهد الشافية ص 322، وطبقات الشافعية 9/ 330، واللسان (رأى)، وغير ذلك. وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الرابع والستين. قال أبو القاسم الزّجاجى فى أماليه ص 88: «أما قوله: «ما لم ترأياه» فإنه ردّه إلى أصله، والعرب لم تستعمل أرى ويرى وترى ونرى إلاّ بإسقاط الهمزة تخفيفا، فأما فى الماضى فالهمزة مثبتة، وكان المازنىّ يقول: الاختيار عندى أن أرويه «لم ترياه» [يعنى بفتح الراء]، لأن الزحاف أيسر من ردّ هذا إلى أصله».
(2/203)

التّرّهة: الباطل من كلّ شيء.
ومما حذفوا عينه وهي همزة، حذفا شاذّا، قولهم فى المئين: المين، وهى لغة رديّة، لأنّ فيها جمعا بين إعلالين متلاصقين: حذف العين وحذف اللام، لأن أصل مائة: مئية (1)، ومثله فى الجمع بين إعلالين، قولهم فى بنى العنبر وبنى الحارث: بلعنبر وبلحارث، فحذفوا النون من «بنى» مع حذف اللام من ابن، ويتبيّن هذا فيما تراه بعد (2)، بمشيئة الله وحسن إعانته.
انتهى المجلس السابع والأربعون بعون الله وحسن توفيقه.
...
_________
(1) راجع اللسان (مأى).
(2) فى المجلس الثانى والخمسين.
(2/204)

المجلس الثامن والأربعون
يتضمّن ذكر حذف الهمزة لاما، وما يتّصل به
قد انقضى ذكر حذف الهمزة عينا، وأمّا حذفها لاما، فقد حذفوها من مصدر سؤته، فقالوا: سواية، بوزن فعاية، وأصله سوائية (1)، فعالية.
وحذفوها من «أشياء» فى قول أبى الحسن الأخفش وقول الفراء (2)، اتّفقا على أن أصلها أشيئاء، بوزن أفعلاء، فحذفت الهمزة التى هى لام، فوزنها الآن: أفعاء، فعورضا بأنّ الواحد مثاله فعل، وليس قياس فعل أن يجمع على أفعلاء، فاحتجّا بقولهم فى جمع سمح: سمحاء (3)، وروى عن الفرّاء أنه قال: أصل شيء شيّئ، كهيّن، وخفّف كما خفّف هيّن، /إلا أنّ شيئا ألزم التخفيف، ولمّا كان أصله
_________
(1) ذكره أبو زيد فى (كتاب مسائية) الملحق بالنوادر ص 565، قال: «يقال: سؤته مساءة ومسائية وسوائية». وانظر الكتاب 4/ 379، والتكملة ص 109، والمنصف 2/ 91،3/ 68، والممتع ص 514،518.
(2) راجع معانى القرآن، له 1/ 321، والكتاب 3/ 564،4/ 380، والمقتضب 1/ 30، وشرح الملوكى ص 373 - 380، ومعانى القرآن للزجاج 2/ 212، وإعراب القرآن للنحاس 1/ 521، والإنصاف ص 812، والمنصف 2/ 94 - 101، والممتع ص 513 - 517، وشرح الشافية 1/ 21 32، والدرّ المصون 4/ 434 - 440، وقد لخّص السّمين الكلام فى هذه المسألة تلخيصا جيدا، واللسان (شيأ).
(3) فى ه‍: «أسمحاء» وهو خطأ، لعل الذى أوقع فيه ما يوهمه السّياق من التنظير بالوزن «أفعلاء». ووجه التنظير كشفه أبو البركات الأنبارى، فقال فى الإنصاف ص 813: «وأما أبو الحسن الأخفش فذهب إلى أنه جمع شيء بالتخيف، وجمع فعل على أفعلاء، كما يجمعونه على فعلاء، فيقولون: سمح وسمحاء، وفعلاء نظير أفعلاء، فكما جاز أن يجيء جمع فعل على فعلاء جاز أن يجيء على أفعلاء لأنه نظيره». وانظر ما يأتى قريبا عن أبى على، ثم انظر اللسان (شيأ-سمح).
(2/205)

فيعل، جمعوه على أفعلاء، كهيّن وأهوناء. وقوله فى شيء: إنّ أصله التثقيل، دعوى لا دليل عليها.
وذكر أبو على فى التكملة (1) مذهب الخليل وسيبويه، في أشياء، ثم قال [وقد قيل (2)] فيه قول آخر، وهو أن يكون أفعلاء، ونظيره سمح وسمحاء (3)، وحذفت الهمزة التى هى لام حذفا، كما حذفت من قولهم: سوائية، حيث قالوا: سواية، ولزم حذفها فى أفعلاء لأمرين، أحدهما تقارب الهمزتين، وإذا كانوا قد حذفوا الهمزة مفردة، فجدير إذا تكرّرت أن يلزم الحذف.
والآخر: أن الكلمة جمع، وقد يستثقل فى الجموع مالا يستثقل فى الآحاد، بدلالة إلزامهم خطايا: القلب، وإبدالهم من الأولى فى ذوائب: الواو، وهذا قول أبى الحسن، فقيل له: فكيف تحقّرها؟ قال: أقول فى تحقيرها: أشيّاء، فقيل له: هلاّ رددت إلى الواحد، فقلت: شييئات، لأن أفعلاء لا يصغّر، فلم يأت بمقنع.
وأقول: إنّ الذى ناظره فى ذلك أبو عثمان المازنىّ، فأراد أن أفعلاء من أمثلة الكثرة، وجموع الكثرة لا تحقّر على ألفاظها، ولكن تحقّر آحادها، ثم يجمع الواحد بالألف والتاء، كقولك فى تحقير دراهم: دريهمات.
ثم قال أبو علىّ بعد قوله، فلم يأت بمقنع: والجواب عن ذلك، أن أفعلاء فى هذا الموضع جاز تصغيرها، وإن لم يجز التصغير فيها فى غير هذا الموضع، لأنها قد صارت بدلا من أفعال، بدلالة استجازتهم إضافة العدد [القليل (4)] إليها، كما
_________
(1) صفحة 109.
(2) ساقط من ه‍. وهو فى التكملة.
(3) حكيت قريبا كلام الأنبارىّ فى بيان هذا التنظير. وقال ابن برّى تعليقا على كلام أبى علىّ هذا: «وهو وهم من أبى على؛ لأنّ شيئا اسم، وسمحا صفة، بمعنى سميح، لأن اسم الفاعل من سمح قياسه سميح، وسميح يجمع على سمحاء، كظريف وظرفاء، ومثله خصم وخصماء؛ لأنه فى معنى خصيم». التنبيه والإيضاح المعروف بحواشى ابن برّى على الصحاح 1/ 22.
(4) زيادة من التكملة.
(2/206)

أضيف إلى أفعال، ويدلّ على كونها بدلا من أفعال، تذكيرهم العدد المضاف إليها، فى قولهم: ثلاثة أشياء، فكما صارت بمنزلة أفعال فى هذا الموضع، بالدلالة التى ذكرت، كذلك يجوز تصغيرها، من حيث جاز تصغير أفعال، ولم يمتنع تصغيرها على اللفظ، من حيث امتنع تصغير هذا الوزن فى غير هذا الموضع، لارتفاع المعنى المانع/من ذلك عن أشياء، وهو أنها صارت بمنزلة أفعال، وإذا كان كذلك لم يجتمع فى الكلمة ما يتدافع من إرادة التقليل والتكثير فى شيء واحد. انتهى كلامه.
وأقول فى تفسير قوله «إنّ أفعلاء فى هذا الموضع صارت بدلا من أفعال»:
يعنى أنه كان القياس فى جمع شيء: أشياء (1)، مصروف، كقولك فى جمع فيء:
أفياء، على أن تكون همزة الجمع هى همزة الواحد، ولكنهم أقاموا أشياء، التى همزتها للتأنيث، مقام أشياء التى وزنها أفعال، واستدلاله فى تجويز تصغير أشياء على لفظها بأنها صارت بدلا من أفعال، بدلالة أنهم أضافوا العدد (2) إليها، وألحقوه الهاء، فقالوا:
ثلاثة أشياء، مما لا تقوم به دلالة، لأنّ أمثلة القلّة وأمثلة الكثرة يشتركن فى ذلك، ألا ترى أنهم يضيفون العدد إلى أبنية الكثرة، إذا عدم بناء القلّة، فيقولون: ثلاثة شسوع (3)، وخمسة دراهم.
وأما إلحاق الهاء فى قولنا: ثلاثة أشياء، وإن كان أشياء مؤنثا، فلأنّ الواحد مذكّر، ألا ترى أنك تقول: ثلاثة أنبياء، وخمسة أصدقاء، وسبعة شعراء، فتلحق الهاء وإن كان لفظ الجمع مؤنّثا، وذلك لأنّ الواحد نبىّ وصديق وشاعر، كما أنّ واحد أشياء: شيء، فأىّ دلالة فى قوله: ويدلّ على كونها بدلا من أفعال، تذكيرهم العدد المضاف إليها فى قولهم: ثلاثة أشياء؟
وأقول: إن الذى يجوز أن يستدلّ به لمذهب الأخفش، أن يقال: إنما جاز
_________
(1) هكذا جاء فى الأصل بالرفع، ووجهه: «أشياء، مصروفا».
(2) سبق أنّ عبارة أبى علىّ «العدد القليل».
(3) الشسوع: جمع شسع، وهو أحد سيور النّعل. وله معان أخرى. وراجع الكتاب 3/ 491، 575، والشعر ص 139، واللسان (شسع).
(2/207)

تصغير أفعلاء على لفظه، وإن كان من أبنية الكثرة، لأنّ وزنه نقص بحذف لامه، فصار أفعاء، فشبّهوه بأفعال، فصغّروه.
وقول أبى علىّ فى أشياء: «إن أصلها أفعلاء، وحذفت الهمزة التى هى لام حذفا، كما حذفت من قولهم: سوائية، ولزم حذفها من أفعلاء لأمرين، أحدهما:
تقارب الهمزتين، وإذا كانوا قد حذفوا الهمزة مفردة، فجدير إذا تكررت أن يلزم الحذف» يعنى أن الهمزتين/فى أشيئاء تقاربتا، حتى لم يكن بينهما فاصل إلا الألف مع خفائها، فهى كلا فاصل، وإذا كانوا قد حذفوا الهمزة المفردة في سوائية، فحذف الهمزة التى وليتها همزة أولى.
وقوله: «ولزم حذفها فى أفعلاء لأمرين» أراد أن يعرّفك بذلك أن حذفها فى سواية، لم يلتزموه، فأحد الأمرين الداعيين إلى حذفها تقارب الهمزتين، ثم قال:
«والآخر أن الكلمة جمع، وقد يستثقل في الجموع مالا يستثقل فى الآحاد، بدلالة إلزامهم خطايا: القلب، وإبدالهم من الأولى فى ذوائب: الواو» يعنى أن الهمزة حذفت فى سوائية، وهو اسم غير جمع، فكان حذفها من أشياء، أجدر، لكونه جمعا، والجمع ثقيل، لأن الجموع فروع على الآحاد، فلذلك التزموا في خطايا قلب همزة خطيئة ياء، وكان أصلها: خطائىء، بهمزتين، مثل خطاعع، الأولى منهما منقلبة عن ياء خطيئة، كما انقلبت ياء صحيفة همزة فى صحائف، والثانية همزة خطيئة، فاستثقلوا اجتماع الهمزتين فى خطائىء، فأبدلوا المتطرّفة ياء، فصار:
خطائى، فاستثقلوا الكسرة فى همزة بعدها ياء، فأبدلوا الكسرة فتحة، إذ كانوا قد قالوا فى المدارى (1): مدارا، فأبدلوا من كسرته فتحة، وهى في حرف صحيح، فكان إبدالها فى حرف علّة واجبا، فصار حينئذ إلى خطاء، فوقعت الهمزة بين ألفين، والهمزة أخت الألف، فتوالت ثلاثة أمثال، فأبدلوا الهمزة ياء.
_________
(1) المدارى: جمع المدرى والمدراة، وهى شيء يعمل من حديد أو خشب، على شكل سنّ من أسنان المشط وأطول منه، يسرّح به الشّعر المتلبّد، ويستعمله من لا مشط له. النهاية 2/ 115.
(2/208)

وأما ذوائب، فأصله: ذأائب، الهمزة الأولى همزة ذؤابة، والثانية بدل من ألف ذؤابة، كما أبدلت ألف رسالة همزة، فى رسائل، فاستثقلوا الجمع بين ثلاثة أمثال فى جمع، فأبدلوا من الأولى الواو.
فأما مذهب الخليل وسيبويه فى (1) [أشياء، فإن أبا على ذكر أشياء بعد ذكر قصباء وطرفاء وحلفاء، فقال (2): وأما الاسم الذى يراد به الجمع عند سيبويه، فقولهم: القصباء والطّرفاء والحلفاء. ثم قال: ومن هذا الباب على قول الخليل وسيبويه] قولهم: أشياء فى جمع شيء، وكان القياس فيه: شيئاء، ليكون فعلاء، كطرفاء، فاستثقلوا تقارب الهمزتين، فأخّروا الأولى التى هى اللام، إلى أوّل الحرف، فصار: أشياء، ووزنه من الفعل: لفعاء، ثم قال: والدلالة/على أنها اسم مفرد، ما روى من تكسيرها على أشاوى، كسّروها كما كسّروا صحراء على صحارى، حيث كانت مثلها فى الإفراد، انتهى كلامه.
وأقول: إن أشياء يتجاذبها أمران: الإفراد والجمع، فالإفراد فى اللفظ، والجمع فى المعنى، كطرفاء وقصباء وحلفاء، هنّ فى اللفظ كصحراء، وفى المعنى جمع طرفة وقصبة وحلفة (3)، بكسر لامها وفتحه على الخلاف، وكذلك أشياء، لفظها لفظ الاسم المفرد، من نحو صحراء، وهي فى المعنى جمع شيء، ودليل [ذلك (4)] ما ذكره أبو علىّ من قولهم فى جمع أشاوى كصحارى، وأصله أشايا، كما تقول العامّة، فأبدلوا الياء واوا، على غير قياس، كإبدالها واوا، فى قولهم: جبيت الخراج جباوة، ودليل آخر، وهو قولهم فى تحقيرها: أشيّاء، كصحيراء، ولو كانت جمعا لفظا ومعنى، وجب أن يقال فى تحقيرها: شييئات، ويدل على أنها فى المعنى جمع،
_________
(1) ما بين الحاصرتين ساقط من ه‍.
(2) التكملة ص 108، وراجع الكتاب 3/ 596.
(3) الثلاثة أسماء نبات.
(4) ساقط من ه‍.
(2/209)

إضافة العدد إليها، فى قولهم: ثلاثة أشياء، ولو كانت اسما مفردا لفظا ومعنى، لم تجز إضافة العدد إليها (1)، ألا ترى أنه لا يجوز: ثلاث صحراء، ولم يأت إضافة العدد إلى مفرد إلاّ إلى مائة، فى قولهم: ثلاث مائة، كما جاء: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ} (2) وكان القياس: ثلاث مئين، أو مئات، كما جاء فى قول الفرزدق (3):
ثلاث مئين للملوك وفى بها … ردائى وجلّت عن وجوه الأهاتم
ومن حذف الهمزة لاما، حذفها فى برءاء، جمع بريء، خالف الفرّاء الرّواة، فى قول الحارث بن حلّزة (4):
أم جنايا بنى عتيق ومن يغ‍ … در فإنّا من حربهم برءاء
فروى: لبراء.
فقولهم فى جمع بريء: برءاء، جاء على التّمام، كظريف وظرفاء، والذى
_________
(1) بعد هذا فى ه‍: «فى قولهم ثلاثة أشياء». وقد سبق.
(2) سورة الكهف 25.
(3) ديوانه ص 853، برواية: فدى لسيوف من تميم وفى بها وعليها يفوت الاستشهاد. والبيت برواية النحويين فى المقتضب 2/ 170، والمقتصد ص 733 وإيضاح شواهد الإيضاح ص 645، والمساعد 2/ 69، وشرح المفصل 6/ 21،23، وشفاء العليل فى إيضاح التسهيل ص 561، وشرح الشواهد الكبرى 4/ 480 - وأشار العينىّ إلى رواية الديوان-والتصريح 2/ 272، وشرح الأشمونى 4/ 65، والخزانة 7/ 370، وأشار البغدادىّ أيضا إلى رواية الديوان. وسيعيد ابن الشجرى البيت الشاهد فى المجلس الثانى والخمسين. والأهاتم: بنو الأهتم بن سنان بن سمى. قيل: غرم ثلاث ديات فرهن بها رداءه، وكانت الدية مائة إبل، والمعنى ثلاثمائة إبل، يقول: وفى بها ردائى حين رهنته بها، وجلّت فعلتى هذا العار عن وجوه الأهاتم. الخزانة 7/ 371، والنقائض ص 371.
(4) من معلقته. شرح القصائد السبع ص 481، وشرح القصائد التسع ص 584، والمحتسب 2/ 319، وشرح الملوكى ص 373،380، وانظر معانى القرآن للفراء فى تفسير قوله تعالى: إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ الآية الرابعة من سورة الممتحنة 3/ 149. وأيضا كتابه المنقوص والممدود ص 47. ثم انظر الكلام على هذا الجمع فى معانى القرآن للزجاج 5/ 157، وإعراب القرآن للنحاس 3/ 413، والبحر المحيط 8/ 254.
(2/210)

رواه الفرّاء مختلف فيه، قيل: أصل براء: برءاء، حذفت لامه استثقالا، / لتقارب الهمزتين فى جمع، فبقى: فعاء، وقيل: هو جمع بريء على غير القياس، جاء على فعال، كما قالوا فى جمع رخل (1) وظئر وتوأم وفرير، وهو ولد البقرة: رخال وظؤار وتؤام وفرار، وقد قيل: إن الفرار واحد كالفرير.
وقال آخرون فى براء: إنه واحد مثل بريء، كخفيف وخفاف، وكبير وكبار وطويل وطوال، وعجيب وعجاب، ووضعه فى موضع الجمع كقول الآخر:
كلوا فى نصف بطنكم تعفّوا … فإنّ زمانكم زمن خميص (2)
ومثله فى التنزيل: {وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ} (3) أوقع ظهير فى موضع ظهراء، كما أوقع رفيق فى موضع رفقاء، فى قوله تبارك اسمه وجلّت عظمته:
{وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً} (4) وقد اتّسع هذا فى فعيل، كظهير ورفيق فى الآيتين، وكنجىّ فى قوله تعالى: {فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} (5) أوقع نجيّا فى موقع أنجية، فى قول الراجز (6):
إنّى إذا ما القوم كانوا أنجيه
_________
(1) الرّخل: الأنثى من أولاد الضأن.
(2) فرغت منه فى المجلس الثامن والثلاثين.
(3) الآية الرابعة من سورة التحريم.
(4) سورة النساء 69.
(5) سورة يوسف 80.
(6) نسبه ابن منظور فى اللسان (نجا) إلى سحيم بن وثيل اليربوعى، وأنشده من غير نسبة فى (روى). وهو كذلك من غير نسبة فى الصحاح (نجا)، ونوادر أبى زيد ص 159، وتفسير غريب القرآن ص 220، ومعانى القرآن للزجاج 3/ 124، والوساطة ص 395، وتهذيب اللغة 11/ 199، ومقاييس اللغة 5/ 399، وشرح الحماسة للمرزوقى ص 656، والأزمنة والأمكنة له 1/ 135، وأساس البلاغة (نجا)، وزاد المسير 4/ 266، وتفسير القرطبى 9/ 241، والبحر 5/ 335، والمغنى ص 648، وشرح أبياته 7/ 231، وقال البغدادىّ: «وهذا الرجز فى غالب كتب اللغة وكتب الأدب، ولم يذكر أحد قائله. والله أعلم».
(2/211)

وكإيقاع كثير فى موضع (1) كثيرين، وقليل فى موضع (2) قليلين، فكثير فى قوله تعالى: {رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً} (3) وقليل فى قوله: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ} (4) فالشكور اسم جنس صيغ على مثال فعول للمبالغة، كالعفوّ والغفور، فالمعنى:
وقليلون من عبادى الشاكرون، وكون اسم الجنس مشتقّا قليل، وإنما يغلب على أسماء الأجناس الجمود، كالدّينار والدّرهم، والقفيز والإردبّ، فى قولهم: «عزّ الدّينار والدرهم (5)، وكثر القفيز والإردب» يريدون: عزّت الدنانير والدّراهم، وكثرت القفزان والأرادب.
ومن ذلك الملك والإنسان، فى قوله تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها} (6) وفى قوله تعالى: {وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها} (7) أراد: والملائكة على جوانبها، وإنا إذا أذقنا الناس، فلذلك قال: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ}.
وممّا جاء من المشتقّ يراد به/الجنس: المفسد والمصلح، فى قوله تعالى:
_________
= ومعنى «كانوا أنجيه» أى صاروا فرقا لما حزبهم من الشّرّ، ودهمهم من الخوف، يتناجون ويتشاورون. ويروى «أنحيه» بالحاء المهملة، أى انتحوا عن عمل يعملونه. التهذيب 5/ 254، واللسان (نحا).
(1) فى ه‍: موقع.
(2) يرى الأستاذ الجليل الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة-رحمه الله وبرّد مضجعه-أن جمع «كثير وقليل» جمع مذكر سالما، مما انفرد به ابن الشجرى، وأنه لم يجد ذلك فى شيء من كتب النحو. وقد عرضت لذلك فى الفقرة (11) من آراء ابن الشجرى النحوية. وانظر كلام ابن الأثير على «كثير وقليل» فى منال الطالب ص 425.
(3) مفتتح سورة النساء.
(4) سورة سبأ 13.
(5) ويقال أيضا: «أهلك الناس الدينار والدرهم» و «كثر الدّرهم والدينار فى أيدى الناس». الكامل ص 795، والأصول 1/ 150، ومعانى القرآن للزجاج 1/ 369،5/ 359، وسرّ صناعة الإعراب ص 15،350.
(6) سورة الحاقة 17.
(7) سورة الشورى 48.
(2/212)

{وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} (1) أى المفسدين من المصلحين، ومنه قول الآخر:
إن تبخلى يا جمل أو تعتلّى … أو تصبحى فى الظاعن المولّى (2)
أراد: فى الظاعنين المولّين.
وأمّا ما حذف من الهمزات المزيدة، فهمزة أفعل، نحو أكرم وأحسن، إذا اجتمعت فى المضارع مع همزة المتكلّم، كقولك: أنا أكرم وأحسن، وقد قدمت ذكر ذلك فى غير موضع.
وقد حذفت الهمزة حذفا مطّردا، زائدة وأصليّة، وذلك إذا وقعت بعد حرف ساكن، فأهل التخفيف يلقون حركتها على الساكن، فالزائدة كهمزة أفعل، نحو أحسن وأكرم، تقول: قد حسنت إليك، وقد كرمتك، كقراءة من قرأ: «قد فلح المؤمنون» (3)، {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ} (4).
فأما الأصليّة فيقع بها الحذف فاء وعينا ولاما، فالفاء كهمزة أب وأرض، تقول:
من بوك؟ وكم رضك جريبا؟ ومثله فى التنزيل: «يريد أن يخرجكم من رضكم» (5) - «وبالآخرة هم يوقنون» (6) ومنه قراءة من قرأ: «عادلّو لى» (7)
_________
(1) سورة البقرة 220.
(2) تقدم فى المجلس الثامن.
(3) أول سورة المؤمنون. وتقدم تخريج هذه القراءة فى المجلس السابق.
(4) سورة آل عمران 110.
(5) سورة الأعراف 110، والشعراء 35، وقد جاءت الآية محرّفة فى كلتا النسختين، ففى الأصل «ليخرجوكم من رضكم»، وفى ه‍ «ليخرجنكم من رضكم».
(6) الآية الرابعة من سورة البقرة.
(7) سورة النجم 50، وهذه قراءة نافع وأبى عمرو، وكذلك قرأ بها أبو جعفر ويعقوب، وقد ضعّفها مكّى، وقال: إن بعضهم عدّها من اللحن، وذكر علّة ذلك. الكشف عن وجوه القراءات 1/ 92، والتبصرة ص 687، وانظر أيضا الخصائص 3/ 91، ومعانى القرآن للفراء 3/ 102، وللزجاج 5/ 77، والنشر 1/ 410، وإرشاد المبتدى ص 573، وشرح الشافية 3/ 51.
(2/213)

الأصل: عادن الأولى، فألقى ضمة أولى، وهى فعلى كحبلى، على لام التعريف، ثم حذفت، فاجتمع متقاربان، النون المسمّاة تنوينا، واللام، فأدغم التنوين فى اللام.
والهمزة التى هى عين، كهمزة يسأل، تقول فى تخفيفها: يسل، ألقيت فتحتها على السين، ثم حذفتها، وتقول إذا أمرت منه: سل، وأصله: اسأل، فلما ألقيت فتحة الهمزة على السين وحذفتها، حذفت همزة الوصل، استغناء عنها، لأن الساكن الذى اجتلبت لأجله قد عدم سكونه، فوزن سل: فل.
وممّا همزته عين: جيأل، وهو اسم علم للضّبع، والحوأب، وهو اسم ماء (1)، /قال الشاعر:
هل هى إلا شربة بالحوأب … فصعّدى من بعدها أو صوّبى (2)
فجيأل: فيعل، وجوأب: فوعل، تقول فيهما إذا خفّفت: جيل، والحوب.
والهمزة التى هى لام، كهمزة المرأة والكمأة، تقول فيهما: المرة والكمة، فوزن مرة وكمة: فعه.
واعلم أنّ هذا النقل ربّما امتنع فى بعض السّواكن، فلم يجز حذف الهمزة، وذلك فى الألف، والواو والياء إذا كانتا بمنزلة الألف فى المدّ والزيادة.
أمّا امتناع الألف، فلأن الألف لا تحتمل الحركة، وذلك فى نحو هباءة، وأما امتناعه فى الواو والياء، إذا كانتا مدّتين زائدتين، فلأنّهما باجتماع هذين الشرطين بمنزلة
_________
(1) قريب من البصرة، على طريق مكة إليها، وله ذكر مشهور فى حديث أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها، ويوم الجمل. معجم ما استعجم ص 472، وتاريخ الطبرى 3/ 264،4/ 456.
(2) إصلاح المنطق ص 146، وتهذيب اللغة 5/ 270، ومعجم ما استعجم-الموضع السابق- ومعجم البلدان 2/ 353، واللسان (حبأ-ها).
(2/214)

الألف، وذلك فى مثل: مقروءة وخطيئة، فلا يحتملان الحركة، كما لا تحتملها الألف، وكذلك ياء التصغير، كقولك فى تحقير أفؤس: أفيئس، لا يصحّ إلقاء حركة الهمزة عليها، لأنها بمنزلة ألف التكسير (1)، فى أفاعل، لا تتحرّك أبدا، كما لا تتحرّك ألف أجادل وأرامل.
فإن كانت الواو والياء أصليّين، كواو يغزو، وياء يرمى، أو للإلحاق، كواو حوأب، وياء جيأل، أو ضميرين، كواو فعلوا، وياء افعلى، كانتا كالحروف الصحيحة، فى جواز إلقاء حركة الهمزة عليهما، تقول فى يغزو أخاه، ويرمى أباه:
يغزو خاه، ويرمى باه، وفى قولك: فلان ذو أمرهم، وعجبت من ذي أمرهم:
ذو مرهم، وذى مرهم، لأن الواو فى قولك «ذو» عين، وتقول فى الحوأب:
الحوب، وفى جيأل: جيل، كما مضى، لأن الواو والياء فيهما للإلحاق، وتقول فى الأمر من الامتثال: امتثلوا مرهم، وامتثلي مرهم.
انتهى المجلس الثامن والأربعون، بعون الله وحسن توفيقه.
...
_________
(1) تقدّم هذا فى المجلس السابق.
(2/215)

المجلس التاسع والأربعون
يتضمّن ذكر حذف الهمزة من «أمّ» فى قوله:
ويلمّ قوم، وتفسير أبيات، وذكر حذف لامات
/فممّا حذفت فيه همزة «أمّ» قول الشاعر:
ويلمّ قوم غدوا عنكم لطيّتهم … لا يكتنون غداة العلّ والنّهل (1)
صدء السّرابيل لا توكا مقانبهم … عجر البطون ولا تطوى على الفضل
يروى: ويلمّ، بكسر اللام، وو يلمّ، بضمّها، والأصل فيه ما قدّمت (2) حكايته عن أبى علىّ، وهو: ويل لأمّ قوم، فحذف التنوين، فالتقى مثلان، لام «ويل» ولام الخفض، فأسكنت الأولى وأدغمت فى الثانية، فصار: ويلّ امّ قوم، مشدد اللام مكسورها، فخفّف بعد حذف الهمزة بحذف إحدى اللامين، فأبو علىّ ومن أخذ أخذه، نصّوا على أنّ المحذوفة اللام المدغمة، فأقرّوا لام الخفض على كسرتها، وآخرون نصّوا على أن المحذوفة لام الخفض، وحرّكوا اللام الباقية بالضمة التى كانت لها فى الأصل.
وقوله: «لطيّتهم» الطّيّة: السفر (3)، وموضع «لطيّتهم» نصب على الحال، أى غدوا عنكم مسافرين.
_________
(1) أنشدهما الشريف المرتضى فى أماليه 2/ 157، من غير نسبة، وفى شرح ابن الشجرى بعض لفظه، وسيشير ابن الشجرى إلى ذلك. والبيتان فى الحماسة البصرية 2/ 301، لأعشى تغلب، واسمه ربيعة ابن نجوان، ولم أجد البيتين فى شعره المنشور فى ديوان الأعشين. (الصبح المنير).
(2) فى المجلس السادس والأربعين. وقد حكى البغدادى كلام ابن الشجرىّ هذا، فى الخزانة 3/ 275،276.
(3) الطّيّة: تكون منزلا، وتكون منتوى، ويقال: مضى لطيّته، أى لوجهه الذى يريده، ولنيّته التى انتواها. اللسان (طوى).
(2/216)

والعلّ: الشّرب (1) الأوّل، والنّهل: الشّرب الثانى.
وقوله «لا يكتنون» أى لا يقول أحدهم مفتخرا عند شرب إبله الأوّل وشربها الثانى: أنا أبو فلان، أراد أنهم ليسوا برعاء يسقون الإبل، وإنما يكتنى ويرتجز على الدّلو السّقاة والرّعاء.
وقد قيل فيه قولان آخران، أحدهما (2) [أنهم] يسامحون شريبهم، ويؤثرونه بالسّقى قبل أموالهم (3)، ولا يصولون عليه فيكتنون، وهذا من كرمهم.
والقول الآخر: أنهم ذوو عزّ ومنعة، فإذا وردت إبلهم ماء أفرج الناس لها عنه، لأنها/قد عرفت، فلا حاجة لأربابها إلى الاكتناء لتعرف.
وقال بعض أهل العلم باللغة، فى قوله: «يكتنون» إنه من قولهم: كتنت يده تكتن، إذا خشنت (4) [من العمل] فقال: ليسوا بأهل مهنة فتكتن أيديهم وتخشن من العمل، بل لهم عبيد يكفونهم ذلك (5)، فوزن يكتنون فى هذا القول:
يفعلون، وفى القول الأول: يفتعون، وأصله يكتنيون، يفتعلون من الكنية، فحذفت ضمّة يائه، ثم حذفت الياء لسكونها وسكون الواو، ثم أبدلت الكسرة قبل الواو ضمّة، لئلا تنقلب الواو ياء.
_________
(1) هكذا فى النسختين. والذى فى كتب اللغة أن «النهل» الشّرب الأول، و «العلل» الشرب الثانى، ومن أقوالهم: سقاه عللا بعد نهل.
(2) ساقط من ه‍. وهو فى أمالى المرتضى.
(3) المراد الإبل. قال ابن الأثير: «المال فى الأصل: ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كلّ ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم». النهاية 4/ 373.
(4) ساقط من ه‍، وهو فى أمالى المرتضى.
(5) بهامش الأصل حاشية: «كأنّ هذا سهو؛ لأن خشونة اليد وصلابتها من العمل، يقال له: الكنب، بالنون والباء، كنبت يده وأكنبت، فأما «كتنت» بالتاء والنون فمعناه الوسخ والدّرن، يتلطخ به الشىء، وهو أثر الدخان».
(2/217)

وقوله: «صدء السّرابيل» السّرابيل: اسم يقع على الدّروع وعلى القمص بذلك جاء التنزيل فى قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} (1) وفى هذا الكلام حذف عاطف ومعطوف، إذ التقدير: تقيكم الحرّ والبرد (2).
ووصفهم بأن دروعهم صدء، لكثرة حملهم السلاح ولبسهم له، وصدء:
جمع أصدأ، كأحمر وحمر.
وقوله: «لا توكا مقانبهم» معناه: لا تشدّ أوعيتهم التى يكون فيها الزاد، واحدها مقنب، كنى بذلك عن إطعامهم الزاد، أى إنهم إذا سافروا لا تشدّ أوعية زادهم، بل يبذلونه لمصاحبيهم.
وقوله: «عجر البطون» من صفة المقانب، والعجر: جمع أعجر، وهو الضّخم، وانتصاب قوله: «عجر البطون» على الحال، وهو من باب: حسن الوجه، أى لا تشدّ أوعية زادهم ضخاما بطونها، أى لا تشدّ وهى مملوءة.
وقوله: «توكا» من الوكاء، وهو السّير الذى يشدّ به رأس القربة، والخيط الذى يشدّ به رأس الجراب ونحوه، وشبّه رسول الله صلّى الله عليه وسلم، العينين فى اليقظة بالوكاء، فى قوله: «العينان وكاء السّه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء (3)» السّه والاست بمعنى (4)، أراد
_________
(1) سورة النحل 81.
(2) ابن الشجرىّ، رحمه الله، مولع بذكر الحذوف فى القرآن الكريم، ولم أجد فيما بين يدىّ من كتب، من ذكر أن فى الآية حذفا، كلّ ما قالوه أنه سبحانه وتعالى لم يذكر «البرد» إمّا لأن الوقاية من الحرّ أهمّ عندهم، وقلّما يهمّهم البرد لكونه يسيرا محتملا، أو أن ما يقى من الحرّ يقى من البرد، فدلّ ذكر الحرّ على البرد. معانى القرآن للفراء 2/ 112، وللزجاج 3/ 215، والكشاف 2/ 423، وزاد المسير 4/ 478، والبحر 5/ 524.
(3) الحديث بهذا اللفظ فى مسند أحمد 4/ 97 (من حديث معاوية رضى الله عنه) وسنن الدارمىّ 1/ 184 (باب الوضوء من النوم)، وحلية الأولياء.5/ 154، ونصب الراية 1/ 46، وغريب الحديث لأبى عبيد 3/ 81.
(4) فى ه‍: بمعنى واحد.
(2/218)

أن العينين شداد الاست، فإذا كان يقظان/حفظت عينه استه، كما يحفظ الوكاء ما فى الوعاء، فإذا نام انحلّ الشّداد.
وقوله: «لا تطوى على الفضل» أراد أنّ أوعية زادهم لا تطوى على ما فضل فيها منه، وجمع فاضل الطّعام على الفضل، لأنّ مثال فاعل من الصفات قد جمع على الفعل فى قول الأعشى (1):
إنّا لأمثالكم يا قومنا قتل
وفى قوله (2):
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا … أو تنزلون فإنّا معشر نزل
جمع قاتلا ونازلا، على قتل ونزل، كما ترى، ورفع قوله: «أو تنزلون» على الاستئناف بتقدير (3): أو أنتم تنزلون.
وذكر أبو عليّ فى قول الله سبحانه: {كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} (4) أن النّزل يجوز أن يكون جمع نازل، فينتصب على الحال من الهاء والميم، من قوله:
{لَهُمْ} أى كانت لهم جنات الفردوس نازلين فيها، ويجوز أن يراد بقوله: {نُزُلاً} الطعام الذى يهيّأ للنّزيل، فيكون فى الكلام تقدير حذف مضاف، أى كانت لهم ثمرات جنات الفردوس نزلا، فعلى هذا ينتصب قوله: {نُزُلاً} بأنه خبر كان.
_________
(1) ديوانه ص 61، وصدر البيت: كلاّ زعمتم بأنا لا نقاتلكم
(2) ديوانه ص 63، والكتاب 3/ 51، والمحتسب 1/ 195، والجمل المنسوب للخليل ص 193، وشرح جمل الزجاجى 1/ 456، والبحر 3/ 336، والمغنى ص 773، وشرح أبياته 8/ 103، والهمع 2/ 60، والخزانة 8/ 552.
(3) هذا تقدير يونس بن حبيب، على ما فى الكتاب، ولا ينصرف هذا التقدير إلى رواية الديوان، فقد جاء صدر البيت فيه: قالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا
(4) سورة الكهف 107.
(2/219)

وقد جاءت لفظة «الفضل» بمعنى آخر، اسما غير جمع، وذلك فى بيت للمتنخّل الهذلى، من قصيدة رثى بها ابنه أثيلة (1) [وكان خرج مع ابن عمّ له، يقال له: ربيعة بن الجحدر غازيين، فأغارا على طوائف من فهم (2) بن عمرو بن قيس عيلان، فقتل أثيلة] وأفلت ربيعة، فقال أبوه فى مرثيته له:
فقد عجبت وما بالدّهر من عجب … أنّى قتلت وأنت الحازم البطل (3)
السّالك الثّغرة اليقظان كالئها … مشى الهلوك عليها الخيعل الفضل
قوله: «أنّى قتلت» أى كيف قتلت؟.
والثّغرة والثّغر بمعنى واحد، وهو موضع المخافة.
وكالئها: حافظها.
والهلوك من النساء: التى تتهالك فى مشيتها، أى تتبختر وتتكسّر، وقيل:
الهلوك: الفاجرة التى تتواقع على الرجال.
والخيعل: القميص الذى لاكمّى له (4)، وقيل: لاكمّي له ولا دخاريص (5).
_________
(1) ما بين الحاصرتين سقط من ه‍، وانظر هذه القصة فى الأغانى 24/ 101.
(2) فى الأصل: «فقيم»، وكذلك فى الخزانة 2/ 286 - طبعة بولاق-نقلا عن ابن الشجرى فيما أرجح، وهو خطأ، أثبتّ صوابه من الأغانى، وجمهرة ابن حزم ص 243، وقد نبّه على هذا الخطأ وأصلحه شيخنا عبد السلام هارون، برّد الله مضجعه، وأصلحه فى نشرته 5/ 7.
(3) شرح أشعار الهذليين ص 1281، وتخريجه فى ص 1518، وزد عليه ما فى حواشى كتاب الشعر ص 434.
(4) فى الخزانة 5/ 11، نقلا عن ابن الشجرى: «الذى ليس له كمّان»، وكأنّ البغدادىّ، رحمه الله، يريد أن يفرّ من حذف النون فى «لاكمّى له»، مع أنهم نصّوا على جوازه، على الإضافة، واعتبار اللام كالمقحمة. راجع الكتاب 2/ 278، والمقتضب 4/ 374، ومقاييس اللغة 2/ 200،253، والمجمل 1/ 296، والغربيين 1/ 312، وقد استعمل الفرزدق هذه اللغة، وذلك قوله يخاطب عمر بن لجأ: ولو كنت مولى العز أو فى ظلاله ظلمت ولكن لا يدى لك بالظّلم ديوانه ص 825. وراجع الكلام على هذه اللام فى المجلس الثالث والأربعين.
(5) هو ما يوصل به البدن ليوسّعه، وقيل: إنه معرّب، أصله فارسى، وهو عند العرب: البنيقة. المعرب ص 143، واللسان (دخرص).
(2/220)

ويقال: امرأة فضل: إذا كان عليها قميص ورداء، وليس عليها إزار ولا سراويل، فأراد بما وصفه به: أنت الذى من شأنه سلوك موضع المخافة، يمشى متمكّنا غير فروق ولا هيوب، /مشى المرأة الفاجرة المتبخترة الفضل، وقال الأعشى فى الفضل:
ومستجيب لصوت الصّنج يسمعه … إذا ترجّع فيه القينة الفضل (1)
فأمّا إعراب البيت، فإن الوجه فى قوله: «السّالك الثّغرة» نصب الثّغرة، كقولك: الضارب الرجل، ويجوز فيها الخفض، كقولك: الضارب الرجل، على التشبيه بالحسن الوجه [كما قالوا: الحسن الوجه (2)] فنصبوا على التشبيه بالضارب الرجل، وإذا نصبت الثّغرة أو خفضتها، أجريت عليها اليقظان وصفا، فنصبته أو جررته، وارتفع به كالئها، كقولك: مررت بالمرأة الحسن وجهها، وجاز ذلك لعود الضمير إلى الموصوف.
وقوله: «مشى الهلوك» إن شئت نصبته بتقدير: يمشى مشى الهلوك، وإن شئت أعملت فيه السالك، لأن السالك يقطع الأرض بالمشى، فيكون من باب (3): تبسّمت وميض البرق، لأنّ تبسّمت بمعنى أومضت، ومثله: إنّى لأبغضه كراهة، وإنى لأشنؤه بغضا، ومثله فى التنزيل: {أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} (4) وقوله:
_________
(1) ديوانه ص 59، واللسان (فضل). وجاء بهامش الأصل: «صوابه تخال الصنج». . وهى رواية الديوان واللسان.
(2) سقط من ه‍.
(3) أى من باب وقوع المصدر موقع المصدر لاتفاقهما فى المعنى، وليسا من لفظ واحد. وقد عرض ابن الشجرى لهذا بالتفصيل فى المجلس التاسع والخمسين.
(4) آخر سورة الطارق. و «رويدا» على هذا التأويل مصدر محذوف الزيادة، والأصل: إروادا. وقيل فى توجيه نصبه: إنه نعت لمصدر محذوف، أى إمهالا رويدا. ووجه ثالث أن يكون منصوبا على الحال، أى أمهلهم غير مستعجل لهم العذاب. التبيان ص 1282، وتفسير القرطبى 20/ 12
(2/221)

{فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً} (1).
وزعم بعض (2) من لا معرفة له بحقائق الإعراب، بل لا معرفة له بجملة الإعراب، أن ارتفاع «الفضل» على المجاورة للمرفوع، فارتكب خطا فاحشا، وإنما الفضل نعت للهلوك على المعنى، لأنها فاعلة من حيث أسند المصدر الذى هو المشى إليها، كقولك: عجبت من ضرب زيد الطويل عمرا، رفعت «الطويل» لأنه وصف لفاعل الضرب، وإن كان مخفوضا فى اللفظ، ولو قلت: عجبت من ضرب زيد الطويل عمرو، فنصبت «الطويل» بأنه نعت لزيد على معناه، من حيث هو مفعول فى المعنى، كان مستقيما، كما عطف الشاعر عليه المنصوب فى قوله:
قد كنت داينت بها حسّانا … مخافة الإفلاس واللّيّانا (3)
ومثل ذلك فى العطف قراءة الحسن: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ /أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ} (4) عطف الملائكة والناس على اسم الله، على المعنى، لأنّ التقدير: عليهم أن لعنهم الله (5).
_________
(1) سورة النور 61، قال مكّىّ فى إعراب «تحية»: مصدر؛ لأن «فسلّموا» معناه: فحيّوا. مشكل إعراب القرآن 2/ 128.
(2) أول من قال ذلك الأصمعىّ، وممن ذهب هذا المذهب: ابن قتيبة. انظر التنبيهات على أغاليط الرواة ص 87، والمعانى الكبير ص 544، والخزانة 5/ 12،101،102، وقد أفاد البغدادىّ أن الرفع على المجاورة لم يثبت عند المحققين، وإنما ذهب إليه بعض ضعفة النحويين. وانظر تذكرة النحاة ص 347.
(3) فرغت منه فى المجلس الحادى والثلاثين.
(4) سورة البقرة 161.
(5) ذهب ابن جنى فى تقدير الرفع إلى غير هذا، قال: «هذا عندنا مرفوع بفعل مضمر يدلّ عليه قوله سبحانه: فَلَعْنَةُ اللهِ أى وتلعنهم الملائكة والناس أجمعون؛ لأنه إذا قال: عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ فكأنه قال: يا عنهم الله» المحتسب 1/ 116، وذكر الدمياطىّ وجها ثالثا، أن يكون مبتدأ حذف خبره، أى: والملائكة والناس يلعنونهم. الإتحاف 1/ 424، وانظر إعراب القرآن للنحاس 1/ 226. وقال أبو زكريا الفراء عن قراءة الحسن هذه: «وهو جائز فى العربية، وإن كان مخالفا للكتاب» أى رسم المصحف. معانى القرآن 1/ 96، وقال أبو إسحاق الزجاج: «وهو جيّد فى العربيّة إلاّ أنى أكرهه لمخالفته المصحف، -
(2/222)

ومثل رفع الفضل على النّعت للهلوك، رفع المظلوم على النعت للمعقّب، فى قول لبيد يصف الحمار والأتان:
يوفى ويرتقب النّجاد كأنه … ذو إربة كلّ المرام يروم (1)
حتّى تهجّر فى الرّواح وهاجها … طلب المعقّب حقّه المظلوم
قوله: يوفى: أى يشرف.
والنّجاد: جمع النّجد، وهو المرتفع من الأرض، أى يشرف على الأماكن المرتفعة كالرّقيب، وهو الرجل الذى يكون ربيئة لقوم، يربض على نشز متجسّسا.
والإربة: الحاجة.
وقوله: «حتّى تهجّر فى الرّواح» أى عجّل رواحه فراح فى الهاجرة.
وهاجها: أى هاج الأتان، طردها وطلبها، مثل طلب الغريم المعقّب حقّه، (2) [فالمعقّب فاعل الطلب، ونصب حقّه لأنه مفعول الطلب، والمظلوم صفة للمعقّب على المعنى، فرفعه لأن التقدير: طلبها مثل أن طلب المعقّب المظلوم حقّه] والمعقّب: الذى يطلب حقّه مرّة بعد مرّة، وهذا تفسير الأصمعىّ، أراد أنه يطلب حقّه طلبا عقيب طلب.
وفى مرثية المتنخّل:
فاذهب فأىّ فتى فى الناس أحرزه … من حتفه ظلم دعج ولا جبل (3)
_________
= والقراءة إنما ينبغى أن يلزم فيها السّنّة، ولزوم السّنّة فيها أيضا أقوى عند أهل العربية؛ لأن الإجماع فى القراءة إنما يقع على الشىء الجيّد البالغ». معانى القرآن 1/ 236، وقد أخذ ابن الشجرى تأويله منه.
(1) سبق تخريجه فى المجلس الحادى والثلاثين.
(2) ما بين الحاصرتين ساقط من ه‍.
(3) شرح أشعار الهذليين ص 1283.
(2/223)

ذهب بقوله: «أىّ فتى» مذهب النفى، أى ليس فى الناس فتى أحرزه من حتفه ظلم، فلذلك عطف عليه بالنفى، فقال: ولا جبل، وهذا كقولك لمن أكرمته فجحد إكرامك له، أو قابله بقبيح: أىّ إنسان يكرمك بعد هذا؟ تريد:
لا يكرمك إنسان. وفيها:
أقول لمّا أتاني الناعيان به … لا يبعد الرّمح ذو النّصلين والرّجل (1)
قوله: «به» أى بنعيّه، فحذفه لدلالة قوله: «الناعيان» عليه.
وقوله: «ذو النّصلين» شبّهه بالرّمح الذى له نصل وزجّ، فسمّى الزّجّ نصلا، وإنما الزّجّ الذى يكون فى أسفل الرمح، فغلّب النّصل على الزّجّ، لأن العمل للنّصل، وإذا كان/للرمح زجّ، كان أمكن للطّعن به.
وقوله: «والرجل» أراد: والرجل فى الشجاعة والعقل (2). وبعد هذا البيت:
ربّاء شمّاء لا يدنو (3) … لقلّتها
إلاّ السّحاب وإلاّ الأوب والسّبل
أراد أنه يكون ربيئة فى قلّة جبل أشمّ شامخ.
والأوب: جماعة (4) النّحل، وقيل: الأوب: الرّيح.
_________
(1) ص 1284.
(2) بهامش الأصل: لعله والفعل.
(3) فى ه‍: «يأوى». وما فى الأصل هو رواية أبى عمرو، كما فى شرح أشعار الهذليين. وقوله «شماء» ضبطت فى الأصل بفتح الهمزة، وهو حقّ الضبط وصوابه، وأحسن الله إلى كاتب هذه النسخة وجزاه خيرا، فقد ضبطت الهمزة بالضم فى شرح أشعار الهذليين، وكثير من مراجع تخريج البيت، وقد علقت عليها فى كتاب الشعر ص 393 بأن «شماء» مخفوض بإضافة «ربّاء» إليه، والفتحة علامة الخفض لأنه لا ينصرف، وهمزته للتأنيث. و «رباء» صيغة مبالغة، وهو الربيئة، العين والطليعة.
(4) فى شرح أشعار الهذليين: الأوب: رجوع النحل. وفى اللسان (أوب): الأوب: النحل، وهو اسم جمع، كأن الواحد آئب. . . وقال أبو حنيفة: سمّيت أوبا لإيابها إلى المباءة، قال: وهى لا تزال فى مسارحها ذاهبة وراجعة، حتى إذا جنح الليل آبت كلّها حتى لا يتخلف منها شيء.
(2/224)

والسّبل: المطر.
ذكر الشريف المرتضى، رضى الله عنه، البيتين اللذين (1) الأول منهما: «ويلمّ قوم» فى كتابه الذى سماه (2) (غرر الفوائد) وبيّن معنييهما، غير أنه لم يستوعب (3) [تفسير] ما فيهما من اللّغة، ولم يتعرّض للإعراب فيهما، ولم يزل قليل الإلمام بهذا الفنّ، وقال فى قوله: «ويلمّ قوم»: هذا من الزّجر المحمود الذى لا يقصد به الشرّ، مثل قولهم: قاتل الله فلانا، ما أشجعه!. وترحه الله، ما أسمحه! ومثله قول آخر:
فويل بها لمن تكون ضجيعه … إذا ما الثّريّا ذبذبت كلّ كوكب (4)
...
_________
(1) فى ه‍: اللذين أول الأول منهما.
(2) غرر الفوائد ودرر القلائد، المعروف بأمالى المرتضى، وقد دللت على موضع الشعر فيه فى أول المجلس.
(3) سقط من ه‍.
(4) البيت من غير نسبة فى كتاب الشعر ص 302، وأمالى المرتضى 2/ 175، وفى حواشيها من نسخة «فويل أمّها». قلت: يقال: ويل له، وويل به. والأخيرة حكاها ثعلب، كما فى اللسان. وقوله «فويل» ضبطها ابن السّكّيت بكسر اللام، على ما حكى أبو علىّ فى كتاب الشعر، قال: «أنشد «ويل» بالكسر، والبناء فيه مثل البناء فى «فداء لك» من حيث كان المراد بكلّ واحد منهما الدعاء». وكشف هذا الكلام فى الصحاح. قال الجوهرىّ: «ومن العرب من يكسر «فداء» بالتنوين إذا جاور لام الجرّ خاصّة، فيقول: فداء لك، لأنه نكرة، يريدون به معنى الدعاء». وتوجيه هذا الكلام كلّه فى الكتاب 3/ 302.
(2/225)

فصل
تردفه فصول فى حذف اللام
اللام أمكن فى الحذف من العين، والكلم المحذوف لاماتها على ضربين، ضرب عوّضوه من محذوفه، وضرب لم يعوّضوه، فالذى لم يعوّضوه على ضربين، مذكر ومؤنّث بالهاء، فالمذكّر سوى اليد (1): دم وغد ويد ودد وأب وأخ وحم وهن وحر وفوك وذو مال.
والمؤنث: شاة وشفة وسنة وأمة وضعة وبرة ولغة وقلة وثبة وظبة وكرة وحمة ومائة وسية وفئة ورئة وعزة وعضة (2) ولثة.
والضّرب الذى عوّضوه على ضربين، ضرب عوّضوه حرفا فى أوّله، وضرب عوّضوه حرفا فى آخره أو أوسطه.
فالذى عوّضوه فى الأوائل، عوّضوه همزة الوصل، وهو: اسم واست وابن وابنة/واثنان واثنتان.
والضرب الآخر عوّضوه التاء، وهو: بنت وأخت وهنت وثنتان وكلتا وكيت وذيت.
فأصل دم عند بعض التصريفيين (3): دمى، ساكن العين، قالوا: لأنّ الأصل فى
_________
(1) يريد أن «اليد» مؤنثة، لكنه ذكرها فى سياق المذكّر لخلوّها من هاء التأنيث. وانظر لتأنيث اليد المذكر والمؤنث لأبى بكر بن الأنبارى ص 275، والبلغة لأبى البركات الأنبارى ص 71.
(2) فى ه‍: وعنة.
(3) وهو مذهب سيبويه والزجاج وابن جنى. انظر الكتاب 3/ 597، ومعانى القرآن 1/ 131، والعضديات ص 215 - 218، والمنصف 2/ 148، وشرح الملوكى ص 409، وشرح بانت سعاد لابن هشام ص 36، وحاشيته للبغدادى 1/ 741، والخزانة 7/ 485، واللسان (دمى).
(2/226)

هذه المنقوصات أن تكون أعينها سواكن، حتى يقوم دليل على الحركة، من حيث كان السّكون هو الأصل، والحركة طارئة، قالوا: وليس ظهور الحركة فى قولنا:
«دميان» دليلا على أن العين متحرّكة فى الأصل، لأنّ الاسم إذا حذفت لامه واستمرّت حركات الإعراب على عينه، ثم أعيدت اللام فى بعض تصاريف الكلمة، ألزموا العين الحركة، لإلفهم الحركة فيها، إذا قالوا: دم ودما وبدم.
وقال من (1) خالف أصحاب هذا القول: أصل دم: دمى، فعل مفتوح العين، لأنّ بعض العرب قلبوا لامه ألفا، فألحقوه بباب رحا، فقالوا: هذا دما (2) وبدما، وأنشدوا:
كأطوم فقدت برغزها … أعقبتها الغبس منه عدما (3)
غفلت ثم أتت تطلبه … فإذا هى بعظام ودما
_________
(1) هو أبو العباس المبرد. المقتضب 1/ 231،3/ 153، وتبعه أبو بكر بن السراج فى الأصول 3/ 323 - وفى المطبوع منه «فعل» بسكون العين، وهو خطأ. هذا ومما ينبغى التنبيه عليه أن عبارة ابن السّراج فى الأصول قد توهم بظاهرها مخالفة للمبرد، وجاءت عبارة ابن هشام فى شرح بانت سعاد مقوية لهذا التوهّم، ممّا جعل البغدادىّ يقول فى حاشيته: «ظاهره أنه ردّ لما ادّعاه المبرد، وليس كذلك، وإنما ردّ دليله فقط». وهكذا يكون فقه النصوص، والبصر بعبارات الأقدمين، والتنبه لمراميهم البعيدة. ورحم الله البغدادىّ رحمة واسعة سابغة.
(2) فى الأصل، والخزانة 7/ 486 - عن ابن الشجرى: «هذا دم ودما»، وأثبتّ ما فى ه‍، وهو الصواب الذى يقتضيه الإلحاق بباب «رحا» والمراد أنه مقصور يعرب بالألف على كلّ حال. والرحى تكتب بالياء والألف، على ما يرى الفراء وابن السّكّيت، وابن ولاّد يرى أنها تكتب بالياء ليس غير. راجع المنقوص والممدود ص 31، وحروف الممدود والمقصور ص 117، والمقصور والممدود ص 46.
(3) مجالس العلماء ص 326، والجمهرة 3/ 484، والمنصف 2/ 148، ورسالة الملائكة ص 164، والمخصص 6/ 93،8/ 38، وشرح المفصل 5/ 84، وشرح الملوكى ص 415، وتذكرة النحاة ص 142، والهمع 1/ 39، والأشباه والنظائر 3/ 40، والخزانة 7/ 491،493، استطرادا- وحاشية البغدادى على شرح بانت سعاد 1/ 744، واللسان (برغز-أطم). وانظر الموضع السابق من العضديات. وقوله: «فإذا هى» يأتى شاهدا على إسكان الياء من «هى» ضرورة-والبيت من بحر الرمل-لأن هذه الياء يلزمها الحركة، وليست كياء «عليه» و «إليه» لأن هذه لا يلزمها الحركة، فيجوز حذفها للاستغناء بالكسرة عنها. قاله القيسىّ فى إيضاح شواهد الإيضاح ص 392. -
(2/227)

وعلى هذه اللغة أنشدوا: «يقطر الدّما» بالياء (1)، فى قوله:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا يقطر الدّما (2)
وقال بعض العرب فى تثنيته: دمان، فلم يردّوا اللام، كما قالوا فى تثنية يد:
يدان، والوجه أن يكون العمل على الأكثر، ولذلك حكى قوم: دموان، والأعرف فيه الياء، وعليه أنشدوا:
فلو أنّا على حجر ذبحنا … جرى الدّميان بالخبر اليقين (3)
_________
= وقوله «ودما» بفتح الدال، وهو موضع الشاهد، ويأتيك فى بعض الكتب «ودما» بكسر الدال. على أن الأصل «ودماء» ثم قصر الممدود. وهى حقّ الرواية عند الأصمعىّ.
(1) يعنى الياء فى «يقطر» ليكون «الدما» فاعلا مرفوعا بضمة مقدّرة لإجرائه مجرى المقصور. ويروى «تقطر» بالتاء، و «نقطر» بالنون، على ما فى مراجع التخريج الآتية.
(2) بيت سيّار، قائله الحصين بن الحمام المرّىّ. البصريات ص 626، والحلبيات ص 8، وشرح الحماسة ص 198، وخلق الإنسان ص 320، وشرح ما يقع فيه التصحيف ص 325، وشرح المفصل 4/ 153،5/ 84، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 393، والجمل المنسوب إلى الخليل ص 220، وتذكرة النحاة ص 142، وشرح الملوكى ص 415 - وفى حواشيه مراجع أخرى-والموضع السابق من العضديات والمنصف والخزانة. والشاهد أعاده ابن الشجرى فى المجلس الثالث والستين.
(3) نسبه ابن الشجرى فى المجلس الثامن والسبعين إلى المثقب العبدىّ. والبيت من مقطوعة، اختلف فى نسبتها اختلافا كثيرا، فرويت للمثقب-كما ترى-ولعلىّ بن بدّال، وللفرزدق، وللأخطل. راجع ديوان المثقب ص 281، وفيه تخريج عال، ورحم الله محققه رحمة واسعة، وانظر أيضا المنصف 2/ 148، والجمل المنسوب للخليل ص 221، والإنصاف ص 357، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 393، وشرح المفصل 4/ 151،5/ 84،6/ 5،9/ 24، وشرح الملوكى ص 409، والمقرب 2/ 44، والممتع ص 624، وحاشية البغدادى على شرح بانت سعاد 1/ 717، وتذكرة النحاة ص 143، والتبصرة ص 599، وأنبّه هنا على أن ابن الشجرى قد ذكر فى المجلس الثامن والسبعين البيت الشاهد المختلف فى نسبته مع بيتين مقطوع بنسبتهما إلى المثقب. وابن الشجرى فيما أنشد ناقل عن الهروى فى الأزهية ص 150. ومعنى البيت: أنه لشدة العداوة بينه وبين من ذكره لا تختلط دماؤهما، فلو ذبحا على حجر لذهب دم هذا يمنة ودم ذاك يسرة، وهذا كقول المتلمس: أحارث إنّا لو تشاط دماؤنا تزيّلن حتى لا يمسّ دم دما وتشاط: تخلط. ويقال بالسين والشين.
(2/228)

قال بعض أهل اللغة: من العرب من يقول: الدم، بالتشديد، كما تلفظ به العامّة (1)، وهى لغة رديئة، وأنشدوا لتأبّط شرّا (2):
حيث التقت بكر وفهم كلّها … والدّمّ يجرى بينهم كالجدول
/والعامّة تفعل مثل هذا فى الفم، ومن العرب من يشدّد الفم أيضا، وإنما يكون ذلك فى الشّعر، كما قال:
يا ليتها قد خرجت من فمّه (3)
الأطوم: البقرة الوحشيّة، والبرغز: ولدها، والغبس: الذّئاب.
وغد، أصله: غدو، وقد نطقوا به، قال (4):
وما الناس إلاّ كالديار وأهلها … بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع
_________
(1) راجع تثقيف اللسان ص 162.
(2) ديوانه ص 194، وفيه «والدهر يجرى بينهم» وليس بشىء؛ لأن مرجع المحقق فيه رسائل أبى العلاء ص 71، والذى فيها «والدّم» كالذى عندنا.
(3) نسب فى اللسان (طسم) إلى العمانى الراجز-وهو محمد بن ذؤيب الفقيمى-ونسب أيضا فى المادّة نفسها إلى جرير، حكاية عن ابن خالويه. وفى (فمم) نسب أيضا إلى العمانى، وأنشد من غير نسبة فى (فوه). والشطر ينسب إلى العجاج. ملحقات ديوانه ص 89، وأورده محقق ديوان جرير فى ذيل الديوان ص 1038، نقلا عن اللسان. وهو من غير نسبة فى إصلاح المنطق ص 84، والمشوف المعلم ص 582، والخصائص 3/ 211، والمحتسب 1/ 79، وسرّ صناعة الإعراب ص 415، وما يجوز للشاعر فى الضرورة ص 177، والمخصص 1/ 137،138،15/ 78، وشرح المفصل 10/ 33، والمقرب 2/ 176، والممتع ص 391، والهمع 1/ 39، والخزانة 4/ 493 - وانظر فهارسها. هذا وقد أفاد محقق سفر السعادة فى ص 59 - أحسن الله إليه-أن الشطر نسب إلى الأقيبل القينى فى العقد الفريد 4/ 423، والأمر على ما قال.
(4) لبيد. ديوانه ص 169، وتخريجه فى 380، وانظر أيضا: التبصرة ص 598،784، وشرح الملوكى ص 394، وحاشية البغدادى على شرح بانت سعاد 1/ 747.
(2/229)

وقال آخر:
لا تقلواها وادلواها دلوا … إنّ مع اليوم أخاه غدوا (1)
قوله: «لا تقلواها» أى لا تعجلا بها فى السّير، ويقال: قلت الناقة براكبها: إذا تقدّمت به، وقلا العير أتنه (2) [قلوا] إذا طردها.
والدّلو: ضرب من السّير السّهل، قال:
لا تعجلا فى السّير وادلواها (3)
ويد، أصلها: يدى لظهور الياء فى تثنيتها، ولقولهم: يديت إليه يدا، أى أسديت إليه نعمة، قال (4):
يديت على ابن حسحاس بن بدر … بأسفل ذى الجذاة (5) يد الكريم
_________
(1) الألفاظ لابن السكيت ص 291، والفاضل ص 19، والمقتضب 2/ 238،3/ 153، وغريب الحديث للخطابى 2/ 244، والمنصف 1/ 64،2/ 149، والصاهل والشاحج ص 394، وشرح الملوكى ص 392،394، والممتع ص 623، وذكر محققه أن البيهقى نسب الشطرين فى المحاسن والمساوئ 2/ 123 إلى رؤبة. وليسا فى ديوانه المطبوع. وفى حواشى المقتضب مراجع أخرى لتخريج الشاهد. والقلو: السّوق الشديد، والدلو: السوق الليّن. يقول: ارفق بها ولا تقتلها اليوم بشدة السّير، فإنك تحتاج إليها غدا. وهذا مما يتمثّل به. انظر جمهرة الأمثال 2/ 284 وحواشيها. وقال التبريزى فى شرح ألفاظ ابن السّكّيت: قوله: إن مع اليوم أخاه» كقولك: إن مع اليوم غدا. المعنى أنه ينبغى أن تدبّر أمرك تدبيرا يصلح لجميع أوقاتك، وتنظر فى عواقب الأمور.
(2) ليس فى ه‍.
(3) مقاييس اللغة 2/ 293، والجمهرة 3/ 164، وغريب الحديث للخطابى 2/ 244، والأساس واللسان (دلا)، ومنال الطالب ص 436.
(4) معقل بن عامر الأسدى، على ما فى حواشى شرح الحماسة ص 193، وانظر معجم ما استعجم ص 287، فى رسم (بيان)، ومعجم البلدان 2/ 38، فى رسم (الجداه)، وشرح المفصل 5/ 84، 10/ 56، وشرح الملوكى ص 413، واللسان (يدى)، والخزانة 7/ 478، حكاية عن ابن الشجرى.
(5) هكذا بالذال المعجمة فى الأصل، وبعض ما ذكرت من مراجع، وفى بعضها الآخر بالدال المهملة، وهو موضع لم يعينه البكرى، وقال ياقوت: موضع فى بلاد غطفان.
(2/230)

فيجوز أن تكون اليد التى هى النعمة مأخوذة من التى هى الجارحة، لأن النعمة تسدى باليد، ويجوز أن تكون الجارحة مأخوذة من النّعمة، لأن اليد نعمة من نعم الله على العبد.
ويدلّ على سكون عينها جمعها على أيد، لأنّ قياس فعل فى جمع القلّة أفعل، كقولهم: أكلب وأكعب وأبحر وأنسر. [فى جمع نسر] (1) وفتح الدال فى التثنية كقوله:
يديان بيضاوان عند محلّم … قد يمنعانك أن تذلّ وتقهرا (2)
لا يدلّ على فتحها فى الواحد، لما ذكرته لك من إجراء هذه المنقوصات على الحركة، إذا أعيدت لاماتها، وذلك لاستمرار حركات الإعراب عليها فى حال نقصها، وكذلك إذا نسبت إليها أعدت المحذوف، وفتحت الدال، /وأبدلت من الياء واوا، كما أبدلت من ياء قاض، فقلت: يدوىّ، هذا قول الخليل وسيبويه فى النّسب إلى هذا الضّرب، وأبو الحسن الأخفش ينسب إليه على زنته الأصلية، فيقول: يدييّ، وفى غد: غدوىّ، وفى حر: حرحىّ، والخليل وسيبويه يقولان:
غدوىّ وحرحىّ (3).
وجمع اليد التى هى الجارحة فى الأكثر على أيد، وقد جاء جمعها على أياد، فى قوله:
_________
(1) ساقط من ه‍.
(2) يروى بثلاثة قواف، هذه التى تراها، و «تضهدا» و «تهضما». مجالس العلماء ص 327، والمنصف 1/ 64،2/ 148، والجمل المنسوب للخليل ص 222، والمخصص 17/ 52، ورسالة الملائكة ص 168، والتبصرة ص 599،783، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 394،799، وشرح المفصل 4/ 151،5/ 83،6/ 5،10/ 56، وشرح الملوكى ص 282،412، والمقرب 2/ 44، وتذكرة النحاة ص 143، وشرح الأشمونى 4/ 119، وشرح شواهد الشافية ص 113، والخزانة 7/ 476. ومحلّم: من ملوك اليمن.
(3) وأجاز سيبويه أيضا: يدىّ، وحرىّ. راجع الكتاب 3/ 358،359.
(2/231)

قطن سخام بأيادى غزّل (1)
سخام: ناعم.
واليد التى هى النّعمة جمعها فى الأكثر الأشهر على الأيادى، وقد جمعوها على الأيدى، وإنما الأيادى جمع (2) الجمع، كقولهم فى جمع أكلب: أكالب.
وقولهم فى تثنيتها: يدان، أكثر من قولهم: يديان، فهذا مضادّ لقولهم:
دمان ودميان.
وقولهم: «دد» أصله: ددن، وهو اللهو واللّعب، وجاء فى الحديث عنه
_________
(1) قبله-وهما في وصف سراب: كأنه بالصّحصحان الأنجل والصحصحان: ما استوى من الأرض. والأنجل: الواسع. والسّخام، بضم السين، وهو هنا: الليّن الناعم والبيتان فى إصلاح المنطق ص 381، والألفاظ ص 671، منسوبين إلى جندل بن المثنى الطّهوىّ، وكذلك فى اللسان (سخم-يدى) عن ابن برّى، ونسبهما الزمخشرى فى الأساس (سخم) لأبى النجم، وليسا فى ديوانه المطبوع بالرياض. وهما من غير نسبة فى كتاب الشعر ص 334، والخصائص 1/ 269، وشرح المفصل 5/ 74، والمقاييس 3/ 145، وروايته: قطن سخامىّ بأيدى غزّل وعليها يفوت الاستشهاد. هذا وقد جاء جمع «اليد» التى هى الجارحة، على «الأيادى» أيضا فى قول عدىّ بن زيد العبادىّ: أنكرت ما تبيّنت فى أيادينا وإشناقها إلى الأعناق وهو من إنشاد أبى الخطاب الأخفش الكبير، فى مجلس مع أبى عمرو بن العلاء. انظره فى مجالس العلماء ص 162، والقصة هناك دالّة على فضل الأخفش وإجلاله لأبى عمرو. وجاءت «الأيادى» أيضا جمعا للجارحة، فيما أنشده أبو زيد لنفيع، شاعر جاهلىّ: أمّا واحدا فكفاك مثلى فمن ليد تطاوحها الأيادى النوادر ص 255
(2) راجع الموضع السابق من شرح المفصل.
(2/232)

صلى الله عليه وآله وسلم: «ما أنا من دد ولا الدّد منّى (1)» وقال عدىّ بن زيد العبادىّ (2):
أيّها القلب تعلّل بددن … إنّ همّى فى سماع وأذن
الأذن: الاستماع، يقال: أذن للحديث يأذن أذنا (3): إذا استمع، وفى المأثور عنه عليه السلام: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبىّ يتغنّى بالقرآن (4)» وقال قعنب بن أمّ صاحب:
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به … وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا (5)
أى استمعوا، وليس الجمع بين السّماع والاستماع فى بيت عدىّ، كالجمع بين النأى والبعد فى قول الحطيئة (6).
_________
(1) غريب الحديث لأبى عبيد 1/ 40، والفائق 1/ 420، والنهاية 2/ 109. ورواه البزار والطبرانى، من حديث أنس ومعاوية، رضى الله عنهما، برواية: «لست من دد ولا الدّد منى» مجمع الزوائد 8/ 228 (باب عصمته صلّى الله عليه وسلم من الباطل) وميزان الاعتدال 4/ 405 (ترجمة يحيى بن محمد بن قيس). وعلل الحديث 2/ 266.
(2) ديوانه ص 172، وتخريجه فيه، والرجز فى الموضع المذكور من غريب الحديث، وأيضا 2/ 139.
(3) بفتح الهمزة والذال، وفعله من باب فرح.
(4) صحيح البخارى (باب من لم يتغن بالقرآن، من كتاب فضائل القرآن 6/ 235، وصحيح. مسلم (باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، من كتاب صلاة المسافرين وقصرها) ص 545، ومسند أحمد 2/ 450، وغريب الحديث لأبى عبيد 2/ 139، وإصلاح غلط المحدثين ص 62، وهو بآخر غريب الحديث للخطابى 3/ 256، وتصحيفات المحدثين 1/ 355، وفى حواشيه فضل تخريج. وانظر الأفعال للسرقسطى 1/ 70، وزاد المعاد 1/ 483.
(5) أمالى المرتضى 1/ 32، ومختارات ابن الشجرى ص 28، وحماسته ص 267، وغير ذلك كثير تراه فى حواشى الحماسة.
(6) ديوانه ص 64، وتخريجه فى ص 346، والصاحبى ص 115، ومعانى القرآن للزجاج 2/ 185 وشرح المفصل 1/ 10،70، وصدره: ألا حبذا هند وأرض بها هند وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الأخير.
(2/233)

وهند أتى من دونها النّأى والبعد
لأن السماع هو القول المسموع، والاستماع فى أصل وضعه هو الإصغاء إلى المسموع.
وأصل أب وأخ وحم وهن: أبو وأخو وحمو وهنو، فعل كقلم، بدلالة جمعهنّ على أفعال: آباء وآخاء وأحماء وأهناء، كأقلام، والدليل على أن المحذوف منهنّ/واو، قولهم: أبوان وأخوان [وحموان (1)] وهنوان وهنوات، فى جمع مؤنّثه، وقد ألحقوا فى بعض اللغات أبا وأخا وحما، بباب عصا، وذلك قليل، كقلّة (2) قولهم:
بدما
وإذا أضافوا هذه الأسماء الأربعة، أعادوا إليهنّ لاماتهنّ، فقالوا: أبوك وأبو زيد، وأخوك وأخو بكر، وحموك وحموهند، وهنوك وهنو خالد. والحم أبو الزوج، وأبو امرأة الرجل، وبعضهم (3) يقصره على أبى الزوج خاصّة، وأنشد:
هى ما كنّتى وتز … عم أنّى لها حم (4)
وفيه لغة ثالثة، رواها الأصمعيّ (5)، وهو: الحمء، مهموز، مثل الكمء.
_________
(1) ساقط من ه‍.
(2) فى ه‍: «كقوله بد ما». وتقدم قريبا معاملة «دما» معاملة المقصور.
(3) روى عن الأصمعىّ، قال: «الأحماء من قبل الزوج، والأختان من قبل المرأة، والصّهر يجمعهما. التهذيب 5/ 272،273،7/ 300 (حمو-ختن)، ومجالس ثعلب ص 143.
(4) شاعر من بنى كنّة، بطن من ثقيف. ويقال له: فقيد ثقيف. والبيت من مقطوعة، فى قصة طريفة تدلّ على فطنة الطبيب العربى الحارث بن كلدة، ذكرها التبريزى فى شرح الحماسة 2/ 81، وتهذيب إصلاح المنطق ص 711. وانظر البيت الشاهد فى الاشتقاق ص 28، والجمهرة 1/ 121، والإبدال والمعاقبة ص 8، وشرح الملوكى ص 396، والتهذيب 5/ 272، واللسان (حما). وجاء فى الأصل، وه‍: «وأزعم». وليس بشىء.
(5) عن الفراء. إصلاح المنطق ص 340.
(2/234)

وقد جاء ترك إعادة اللام من «هنوك» فى بيت الفرزدق (1)، وقد مرّ بامرأة وهو سكران يتواقع، فسخرت منه، فقال:
وأنت (2) … لو باكرت مشمولة
حمراء مثل الفرس الأشقر
رحت وفى رجليك عقّالة (3) … وقد بدا هنك من المئزر
أراد: هنك، فحذف الضمة من المنفصل، تشبيها بالمتصل، فنزّل «هنك» منزلة عضد (4).
فإن أضفتهنّ إلى ياء المتكلم لم تردّ، وقلت: أبى وأخى وحمى، وأجاز
_________
(1) لم أجده فى ديوان الفرزدق المطبوع، وجاء بهامش أصل الأمالى: «صوابه الأقيشر لا الفرزدق، كما فى الأغانى وغيره، وأول الشعر: تقول يا شيخ أما تستحى من شربك الخمر على المكبر» ومثل هذا ذكر البغدادى فى الخزانة 4/ 485، وقد طلبت هذا الشعر فى ترجمة «الأقيشر» من الأغانى 11/ 251 - 276 فلم أجده، ثم وجدته فى ترجمته من مختار الأغانى 7/ 9 - وفى هذا وأمثاله من تراثنا دليل على أنه لا يغنى كتاب عن كتاب-وانظر الشعر فى شرح ابن هشام على بانت سعاد، ص 25، وحاشية البغدادى عليه 1/ 555. وانظر الشاهد فى الكتاب 4/ 203، ومعانى القرآن للأخفش ص 93، وضرورة الشعر ص 120، والبغداديات ص 431، والخصائص 1/ 74،2/ 317،3/ 95، والمحتسب 1/ 110، والتنبيه على حدوث التصحيف ص 77، وشرح المفصل 1/ 48، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 356، وإعراب القرآن المنسوب خطأ للزجاج ص 838، والبحر 1/ 206، وشرح الشواهد الكبرى 4/ 516، والهمع 1/ 54. وقد أنشد ابن عصفور الشاهد فى شرح الجمل 2/ 583، ولم ينسبه، على حين نسبه فى الضرائر ص 95 لابن قيس الرقيّات، ولم أجده فى ديوانه المطبوع.
(2) بهامش الأصل: «صوابه: فقلت لو باكرت». قلت: والذى رواه ابن الشجرى جاء فى بعض ما ذكرت.
(3) بضم العين وتشديد القاف، وهو ظلع وعرج يأخذ فى القوائم. ويروى: وفى رجليك ما فيهما.
(4) أى فى جواز تسكين عينه، فيقال: عضد. وأبو العباس المبرّد ينكر رواية «هنك» هذه، ويروى موضعها: «ذاك من المئزر». قال ابن جنى: «واعتراض أبى العباس فى هذا الموضع إنما هو ردّ للرواية، وتحكّم على السماع بالشهوة، مجرّدة من النّصفة، ونفسه ظلم لا من جعله خصمه. وهذا واضح». الخصائص 1/ 75.
(2/235)

أبو العباس المبرّد: أبىّ وأخىّ وحمىّ، واحتجّ بقول الشاعر (1):
قدر أحلّك ذا المجاز وقد أرى … وأبيّ مالك ذو المجاز بدار
ومنع أبو علىّ من هذا، وقال: إن «أبىّ» فى البيت جمع أب، على لغة من قال فى جمعه: أبون وأبين، وعليه قول الشاعر (2):
فلمّا تبيّنّ أصواتنا … بكين وفدّيننا بالأبينا
وقول الآخر (3):
يدفّنّ البعولة والأبينا
وأما قول الآخر، وهو من أبيات الكتاب (4):
/فقلنا أسلموا إنّا أخوكم … فقد برئت من الإحن الصّدور
_________
(1) هو مؤرّج السّلمىّ، من شعراء الدولة الأموية، وتخريجه فى حواشى كتاب الشعر ص 116، وزد عليه إيضاح شواهد الإيضاح ص 54.
(2) زياد بن واصل، جاهلىّ من بنى سليم. الكتاب 3/ 406، وشرح أبياته 2/ 284، والمقتضب 2/ 174، والخصائص 1/ 346، والمحتسب 1/ 112، وأمالى السهيلى ص 61، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 54، والإكسير فى علم التفسير ص 152 - وفيه تحريف منكر-وشرح المفصل 3/ 37، وشرح الملوكى ص 398، والخزانة 4/ 474، واللسان (أبى).
(3) هو غيلان بن سلمة الثقفى، وهو الذى أسلم وعنده عشر نسوة، فأمره النبىّ صلّى الله عليه وسلم أن يمسك أربعا ويفارق سائرهن. والبيت الشاهد من قصيدة فى الأغانى 13/ 204، برواية: تركن نساءكم فى الدار نوحا يبكّون البعولة والبنينا وانظر التكملة ص 148، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 55،759،764 - ونسبه فى الموضع الثانى إلى الكميت، وليس فى ديوانه المطبوع-وشرح المفصل 3/ 37، واللسان (أبى). وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الثانى والسبعين.
(4) وهكذا نسب البيت إلى الكتاب ابن جنى فى سرّ صناعة الإعراب ص 256، ولم يذكر ذلك فى الخصائص 2/ 422، والخاطريات ص 53،124، ولم يرد فى الكتاب، وقال البغدادى تعليقا على كلام ابن الشجرى: «هذا البيت ليس من شواهد سيبويه». الخزانة 4/ 478،479. والبيت للعباس بن مرداس رضى الله عنه. مجاز القرآن 1/ 79،131،2/ 44،195، وتأويل مشكل القرآن ص 285، والمقتضب 2/ 174، ومجالس العلماء ص 330، والصاحبى ص 348، والسيرة النبوية 2/ 452، وتذكرة النحاة ص 144، واللسان (أخو).
(2/236)

فقيل فيه: إنه وضع الواحد موضع الجمع، كقول آخر (1):
كلوا فى نصف بطنكم تعفّوا … فإنّ زمانكم زمن خميص (2)
وكقول آخر:
قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس (3)
وقيل: إنه جمع أخ، كجمع أب على الأبين، وحذف النون من «أخون» للإضافة، ومن قال: الأبون والأخون، قال فى التثنية: الأبان والأخان، فلم يردّ اللام فى التثنية، كما لم يردّها فى الجمع، فالياء التى قبل ياء المتكلم فى قوله: أبىّ، ياء الجمع التى فى أبين، لا لام أب، فوزن أبىّ: فعىّ، لا فعلى، وعلى هذا الجمع حملت قراءة من قرأ (4): «نعبد إلهك وإله أبيك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق» ليكون بإزاء {آبائِكَ} فى القراءة الأخرى، وقد ذكرت هذا الفصل فيما قدّمته من الأمالى.
_________
(1) فى ه‍ «الآخر» هنا وفى الشاهد التالى.
(2) فرغت منه فى المجلس الثامن والثلاثين.
(3) صدره: تدعوك تيم وتيم فى قرى سبأ وهو لجرير، فى ديوانه ص 130، ومعانى القرآن 1/ 308،2/ 102،290،358، وكتاب الشعر ص 530، وتفسير القرطبى 10/ 112،13/ 181،14/ 283، والخزانة 7/ 537،561، واللسان (ضغبس). وأعاده ابن الشجرى فى المجلس السابع والسبعين.
(4) سورة البقرة 133. وتعزى هذه القراءة إلى ابن عباس والحسن ويحيى بن يعمر-بفتح الميم- والجحدرى وأبى رجاء العطاردى. المحتسب 1/ 112، وتفسير القرطبى 2/ 138، والبحر 1/ 402، والإتحاف 1/ 419. وفى توجيه هذه القراءة وجهان، أحدهما أن يكون أفرد وأراد إبراهيم وحده، وكره أن يجعل «إسماعيل» أبا؛ لأنه عمّ. قال أبو جعفر النحاس: هذا لا يجب؛ لأن العرب تسمّى العمّ أبا. والوجه الثانى: أن يكون «أبيك» جمع مذكر سالما، حذفت نونه للإضافة، وهو ما ذكره ابن الشجرى. وراجع معانى القرآن للفراء 1/ 82، وإعراب القرآن للنحاس 1/ 216، وتفسير الطبرى 3/ 99، وانظر كتاب الشعر ص 189، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 55.
(2/237)

والهن: عبارة عن السّوءة، كما قال الفرزدق:
وقد بدا هنك من المئزر
ويقال: هنا المرأة: إذا غشيها، وقد استعملوه مؤنّثا وجمعوه، فردّوا المحذوف، ولم يردّوا، فقالوا: فى فلان هنات وهنوات، أى خصلات سوء، ولا يقال ذلك فى الخير، قال فى الردّ:
أرى ابن نزار قد جفانى وملّنى … على هنوات شأنها متتايع (1)
التّتايع: التهافت فى الشرّ، وقيل: هو اللّجاج، ولا يكون إلاّ فى الشر، وقال فى ترك الردّ:
ونعم الحيّ كلب غير أنا … لقينا فى جوارهم هنات (2)
وحر: أصله حرح، لقولهم فى تحقيره: حريح، وفى جمعه: أحراح، قال:
وقد أقود جملا ممراحا … ذا قبّة مملوءة أحراحا (3)
_________
(1) الكتاب 3/ 361، والمقتضب 2/ 270، والتكملة ص 163، والعضديات ص 30، والمنصف 3/ 139، وسرّ صناعة الإعراب ص 151،559، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 801، وشرح المفصل 1/ 53،5/ 38،6/ 3،10/ 40،44، وشرح الملوكى ص 299،309،311،314،399، واللسان (هنا). و «متتابع» بالياء التحتية قبل العين-كما يدلّ عليه شرح ابن الشجرى-ويأتى فى كثير من الكتب «متتابع» بالباء الموحدة، وهما روايتان كما ذكر الأعلم. ويأتى هذا الخلاف أيضا فى شعر الأسود بن يعفر: وأتبعت أخراهم طريق ألاهم كما قيل نجم قد خوى متتايع انظر حواشى كتاب الشعر ص 208. والموضع السابق من إيضاح شواهد الإيضاح.
(2) قائله البرج بن مسهر، شرح الحماسة للمرزوقى ص 359، وفى حواشيه تخريجه.
(3) نسبه الجاحظ فى الحيوان 2/ 280، وثابت فى خلق الإنسان ص 294، إلى الفرزدق، وليس فى ديوانه المطبوع. وهو من غير نسبة فى المخصص 2/ 37، وسرّ صناعة الإعراب ص 182، وشرح=
(2/238)

/انتهى المجلس التاسع والأربعون، بعون الله وحسن توفيقه.
_________
= الملوكى ص 431، والممتع ص 627، والمقرب 2/ 201، واللسان (حرح). وجاء فى الأصل بعد ختام هذا المجلس: تم الجزء الأول من أمالى الشريف النقيب ضياء الدين ابن الشجرى، رحمه الله، يتلوه فى الجزء الثانى إن شاء الله: المجلس الموفى الخمسين. وكتب أسعد بن معالى بن إبراهيم بن عبد الله، فى شهور سنة إحدى وثمانين وخمس مائة، حامدا الله تعالى على نعمه، ومصليا على نبيّه محمد النبىّ وعلى آله وأصحابه ومسلما. وحسبنا الله ونعم الوكيل. وبعد ذلك كتب على يسار الورقة: قوبل بأصله المنقول منه، وصحّح بحسب الطاقة. ولله الحمد.
(2/239)

المجلس الموفى الخمسين
يتضمّن ذكر الحذف من قولهم: فوك وذو مال
، وما يتّصل بذلك
قولهم: «فوك» مما ألزموه الإضافة ما دام على هذه القضية؛ لأنهم لو أفردوه سقطت الواو؛ لسكونها وسكون التنوين، فبقى على حرف واحد، وهذا معدوم فى الأسماء الظاهرة، واللام منه هاء، ووزنه فى الأصل (1) فعل، فوه، مثل فوز، بدلالة قولهم فى تحقيره وتكسيره: فويه وأفواه، وفى تصريف الفعل منه: تفوّهت، وحذفوا لامه؛ لأن الهاء حرف خفيّ مهموس، فلذلك استعملوه فى القوافى وصلا، ساكنا ومتحرّكا، فالساكن فى نحو.
وقفت على ربع لميّة ناقتى … فما زلت أبكى عنده وأخاطبه (2)
والمحرّك فى نحو:
عفت الدّيار محلّها فمقامها (3) … وبلد عامية أعماؤه (4)
كما استعملوا الألف والواو والياء وصلا فى نحو:
_________
(1) انظر المقتضب 1/ 239.
(2) لذى الرمة. ديوانه ص 821، وتخريجه فى 1996. وراجع الكافى فى العروض والقوافى ص 152.
(3) تمامه: بمنى تأبّد غولها فرجامها وهو مطلع معلقة لبيد، رضى الله عنه. ديوانه ص 297.
(4) فرغت منه فى المجلس الثانى والعشرين.
(2/240)

أقلّى اللوم عاذل والعتابا (1)
ونحو:
سقيت الغيث أيّتها الخيامو (2)
ونحو:
قفانبك من ذكرى حبيب ومنزلى (3)
_________
(1) تمامه: وقولى إن أصبت لقد أصابا وهو مطلع قصيدة لجرير. ديوانه ص 813، عن النقائض ص 432، وهو بيت سيّار تراه فى غير كتاب، راجع كتاب الشعر ص 14،157، وتفسير أرجوزة أبى نواس ص 100، والأصول 2/ 386، والجمل المنسوب للخليل ص 237، وتأتى قافية هذا البيت على ثلاث صور: لقد أصابا لقد أصاب لقد أصابن على ما هو معروف فى كتب القوافى. وراجع القوافى للأخفش ص 86، وفهارسه، والصاهل والشاحج ص 465.
(2) صدره: متى كان الخيام بذى طلوح وهو مطلع قصيدة لجرير، فى ديوانه ص 278، وتخريجه فى 1073، وزده: القوافى للأخفش ص 119، وفهارسه، والكافى ص 151، وفهارسه، وتفسير أرجوزة أبى نواس ص 99، والمنصف 1/ 224، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 378، وشرح المفصل 9/ 33،78، والتبصرة ص 650، وشرح الجمل 2/ 553، وشرح أبيات المغنى 6/ 141، والموضع السابق من الأصول. وقافية هذا البيت تأتى عند علماء القوافى على ثلاث صور، مثل البيت السابق.
(3) مطلع معلقة امرئ القيس الشهيرة. ديوانه ص 8، والكتاب 4/ 205، والقوافى ص 85، وفهارسه. وكثير من المراجع السابقة. وتمامه: بسقط اللوى بين الدخول فحومل قال شيخنا العلامة أحمد راتب النفاخ فى حواشى القوافى: وإنما استشهد المؤلف والآخرون بصدر البيت والكلام فى القوافى؛ لأن البيت مقفى، تجرى على عروضه أحكام الضرب وما يتصل به من أحكام القافية.
(2/241)

وقد أبدلوها من الياء فقالوا فى دهديت: دهدهت، وأبدلوها من الألف فى قولهم «مهما» أصلها: ماما، فى قول بعض النحويّين (1)، فاستثقلوا تكرير اللفظ بعينه. وقال آخرون: هى مه، زيدت عليها «ما».
وقد أبدلوها من الهمزة فقالوا فى إيّاك: هيّاك، وفى أنرت (2) الثّوب: هنرت.
وعاقبت الواو التى هى لام الكلمة، فى قولهم من السّنة: سانيت مساناة، وسانهت مسانهة.
فلما قويت مشابهتها لحروف الاعتلال حذفوها.
ولمّا بقى الاسم على حرفين، المتطرّف منهما حرف علّة ألزموا/الكلمة الإضافة؛ لأن إفرادها يؤدّى إلى إسقاط حرف العلّة منها.
ولما أرادوا التصرّف فيها بالإفراد، كما تصرّفوا فيها بالإضافة، أبدلوا من الواو الميم لاتّفاقهما فى الخروج من الشّفتين (3)، فقالوا: فم، وفم زيد، وإضافته مع الميم قليلة (4)، وقالوا فى تثنيته: فمان وفموان، فلم يردّوا الهاء كما ردّوها فى فويه وأفواه.
والأوجه فى تثنيته: فمان؛ لأنّ من قال: فموان، جمع بين العوض والمعوّض منه (5).
وكذلك قالوا فى النّسب إليه: فمىّ وفموىّ (6).
_________
(1) يأتى تفصيل ذلك فى آخر المجلس الثامن والستين.
(2) أنرت الثوب: أى جعلت له علما. الإبدال لابن السكيت ص 89، وسرّ صناعة الإعراب ص 554، والممتع ص 399، وشرح الملوكى ص 305.
(3) راجع سرّ صناعة الإعراب ص 414.
(4) راجع العسكريات ص 173.
(5) راجع الأصول 3/ 273، ووصف ابن السراج هذه اللغة بالضعف، والصحاح واللسان (فوه)، والعسكريات ص 183، والبغداديات ص 159، والعضديات ص 36، وسرّ صناعة الإعراب ص 417، والخصائص 1/ 170،3/ 147، ومجالس العلماء ص 327، وما يجوز للشاعر فى الضرورة ص 114.
(6) راجع الكتاب 3/ 366.
(2/242)

وهذا الاسم أحد الأسماء التى جعلوا ما قبل حرف إعرابها تابعا لحرف الإعراب، فقالوا: أبوه وأباه وأبيه؛ وعلّة ذلك أنهم إذا أفردوهنّ أعربوهنّ بالحركات، فقالوا: أب وأبا وأب، والأب والأب والأب، وكذلك الأخ والحم والهن، فلمّا ردّوا إليهنّ حرف العلّة فى الإضافة كرهوا أن يمنعوا الحرف الملاصق لحرف العلّة ما ألفوه فيه من الحركة، وإن كانت الحركة مختلفة فى التقدير، فكانت فى الإفراد إعرابا، وفى الإضافة إتباعا.
وزعم الفرّاء أنّ حركة الإتباع إعراب، وسمّى هذا الضّرب معربا من مكانين. وليس ما قاله بصحيح؛ لأنه لا يجوز الجمع بين إعرابين، كما لا يجوز الجمع بين تعريفين ولا تأنيثين (1).
وعلّة أخرى تحسّن الإتباع فى هذه الأسماء، وذلك أنهم قد استعملوا الإتباع فى الصّحيح، من قولهم: امرؤ وابنم (2)، فقالوا: رأيت امرأ، ومررت بامرئ، وهذا امرؤ، وكذلك ابنم وابنما وابنم، وإذا كانوا قد استحسنوا ذلك فى الحرف الصحيح، فاستحسانهم إيّاه فى المعتلّ أجدر.
ولأبى عليّ كلام فى «فى» أورده فى تكملة الإيضاح، وهو مفتقر إلى كلام يبرزه، وتفسير يوضّحه.
وذلك قوله فى باب إضافة الاسم المنقوص وغير المنقوص/إلى ياء المتكلم:
«تقول: كسرت فاه، ووضعته فى فيه، فإن أضفت الفم إلى الياء قلت: هذا فيّ، وفغرت فيّ، وفى فيّ، فيكون الاسم فى الأحوال الثلاث فى الإضافة إلى الياء
_________
(1) راجع المقتضب 2/ 155، والإنصاف ص 20، والتبيين عن مذاهب النحويين ص 194، وفى حواشيه مراجع أخرى.
(2) انظر الكتاب 2/ 203،3/ 533، وكتاب الشعر ص 167.
(2/243)

على صورة واحدة، لأنّ حركة الحرف الأول منه تتبع حركة الحرف الثانى، مثل امرؤ وابنم وأخ وأب وحم، فيمن قال: حموها، وذو مال، فلما لزم كسر الآخر أتبعته الأول، فلذلك لم يجز كسرت فاى، كما تقول: كسرت فاه (1)» انتهى كلامه.
وأقول: إنما لم يجز كسرت فاى، كما تقول: كسرت عصاى؛ لأنّ هذا الاسم قد عرفت أنه من الأسماء المعتلّة التى يتبع ما قبل حرف إعرابها حرف الإعراب فى حركته، رفعا ونصبا وجرّا كقولك: هذا أبوه، ورأيت أباه، ومررت بأبيه، ونظيرها من الصحيح امرؤ وابنم.
فإذا أضفت هذا الاسم إلى كاف الضمير أو هائه قلت فى الرفع: هذا فوك، وذاك فوه، وكان حقّه أن تقول: فوك وفوه، بضمّتين، ضمّة الواو إعراب، وضمّة الفاء إتباع، كما قلت: هذا ابنم، فضممت النون إتباعا لضمّة الميم، ولكنهم استثقلوا الضمة على واو قبلها ضمّة، فحذفوها، وكذلك كان حقّه فى الجرّ:
ضعه فى فوك وفى فوه، بكسرتين، كسرة الواو إعراب، وكسرة الفاء إتباع، كما أن كسرة النون من قولك: بابنم، إتباع لكسرة الميم، فاستثقلوا الكسرة على واو قبلها كسرة فحذفوها، فصارت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، كما صارت واو ميزان وميقات وميعاد، ياء لوجود الشرطين فيها، سكونها وانكسار ما قبلها، فقلت: ضعه فى فيك وفى فيه.
وكذلك فى حال النصب كان حقّه فوك وفوه، بفتحتين، فتحة الواو إعراب، وفتحة الفاء إتباع، كما أنّ فتحة النون فى قولك: رأيت ابنما إتباع لفتحة الميم، فصارت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فقلت/فاك وفاه.
هذا حكم «في» فى إضافته إلى كاف الضمير وهائه، فإن أضفته إلى ياء الضمير فقد عرفت أنها تقتضى كسر ما قبلها إذا كان حرفا يحتمل الحركة،
_________
(1) التكملة ص 48،49، وفيها: «رأيت فاه». وهذا البحث ذكره أبو علىّ أيضا فى العضديات ص 64،185.
(2/244)

كقولك: هذا غلامى، وضربت غلامى، وإنما قلت: إذا كان حرفا يحتمل الحركة (1) تحرّزا من الألف فى نحو {هِيَ عَصايَ} (2).
وإذا عرفت أنّ ياء الضمير يكسر لها ما قبلها، وأضفت هذا الاسم إليها وقد علمت أن أوله تابع لثانيه فى الحركة، فإنّ حقّه فى الأصل أن تقول فى نصبه:
فغرت فوىّ، بكسرتين، فكسرة الواو هى التى تقتضيها ياء المتكلّم، وكسرة الفاء إتباع، كما أنّ كسرة الميم فى قولك: رأيت ابنمى حدثت لاتصاله بياء المتكلّم، وكسرة النون إتباع، فلما آل فى النصب إلى فوىّ، استثقلوا كسرة فى واو قبلها كسرة، فأسقطوها، أعنى كسرة الواو، فأوجب سكون الواو مع انكسار ما قبلها قلبها ياء، لما ذكرته لك من وجوب قلب الواو ياء باجتماع هذين الشرطين، ولم تكن الواو مدغمة كواو اجلوّاذ، مصدر اجلوّذ السّير: إذا طال، لأنّ إدغامها حماها من القلب، ولمّا صارت الواو ياء ساكنة أدغمت فى ياء الضمير، فقيل: فغرت فيّ، ولم يقولوا: فغرت فاى، كما قالوا: كسرت عصاى، وإن كان أصل عصاى عصوىّ، لأن الصاد فى قولك عصوىّ، غير تابعة حركتها لحركة الواو، كما تتبع حركة الفاء حركة الواو فى هذا الاسم، الذى كان حقّه فى الأصل أن يقال فيه:
فغرت فوىّ. فاعرف الفرق بين فغرت فاك وفغرت فىّ، فقد بالغت فى إظهار إشكاله بتوفيق الله.
فأمّا قول أبى علىّ «وحم فيمن قال: حموها» فإنما قال هذا تحرّزا من قول من قال: هذا حماها، فقصره، ومن قول من قال: حمؤها، فهمزه.
وأمّا «ذو مال» فالمحذوف منه ياء، وأصله ذوى، فعل، بوزن قدم، بدلالة
_________
(1) جاء بعد هذا: «كقولك هذا غلامى وضربت غلامى» وهو مكرّر، كما ترى، وقد ضرب عليه فى الأصل.
(2) سورة طه 18.
(2/245)

أنهم/كسّروه على أفعال، فقالوا: أذواء (1) اليمن، لذى نواس، وذى رعين، وذى يزن، وغيرهم من ملوك اليمن.
وإنما حكموا بأنّ المحذوف منه ياء، لأنّ العين إذا كانت واوا فالحكم بأنّ اللام ياء؛ لأنّ باب لويت أكثر من باب قوّة (2)، ولم يردّوا لامه فى التثنية، كما لم يردّوا لام «فم» فى تثنيته، فلم يقولوا: ذويا مال، كما قالوا: أبوا زيد، وأخوا عمرو، وحموا بكر، ولكنهم ردّوا اللام فى تثنية مؤنّثه، فقالوا: ذواتا مال، كما جاء فى التنزيل: {ذَواتا أَفْنانٍ} (3) و {ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} (4) الأصل فيهما: ذويتا وذويتى، فعلتا، وفعلتى، فصارت الياء التى هى لام ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فقولك:
ذواتا صيد، كقولك: فتاتا زيد، وكذلك ردّوا لامه فى جمع التكسير، فى قولهم:
أذواء اليمن، كما ردّوا لامات أب وأخ وحم وهن وفم، فى قولهم: آباء وآخاء وأحماء وأهناء وأفواه.
وإنّما لزمت الإضافة هذا الاسم، لأنهم إنما صاغوه توصّلا به إلى الوصف بأسماء الأجناس، كالعلم والمال والحسن، لمّا لم يستحسنوا أن يقولوا: رجل مال، وشيخ علم، وامرأة حسن، قالوا: ذو مال، وذو علم، وذات حسن، أى صاحب علم، وصاحبة حسن، فلزمت إضافته لهذا؛ لأنهم لو أفردوه فاتهم ما حاولوه وأرادوه، ولأن إفراده كان يسقط واوه لسكونها وسكون التنوين.
...
_________
(1) ذكرهم ابن الشجرى بالتفصيل فى المجلس السادس والعشرين.
(2) سيشرحه المصنّف قريبا. وانظر له: الحلبيات ص 9، وسرّ صناعة الإعراب ص 578، واللسان (ذو) 20/ 344.
(3) سورة الرحمن 48.
(4) سورة سبأ 16.
(2/246)

فصل [في معنى قولهم: إنّ باب لويت أكثر
من باب قوة:]
سألنى بعض المستفيدين أن أبيّن له معنى قولهم: إنّ باب لويت أكثر من باب قوّة، تبيينا شافيا.
فأجبت بأنّ ما جاءت الواو فيه عينا والياء لاما أكثر ممّا جاءت فيه الواو عينا ولاما، فقولك: لويت مثاله فعلت، وقولك: قوّة مثاله فعلة، فمن باب «قوّة»:
الجوّ: جوّ السماء، وهو الهواء، وجوّ: اسم اليمامة.
والبوّ: جلد حوار يحشى فتعطف عليه الناقة إذا مات ولدها لتدرّ عليه فتحلب.
والكوّة: فى الحائط.
/والحوّة: السّواد.
والصّوّة: واحدة الصّوى، وهى الأعلام من الحجارة، تنصب فى الفلاة ليستدلّ بها.
والصّوّان: حجارة فيها صلابة، مثاله فعلان، ويجوز أن تكون النون فيه أصلا فيكون مثاله فعّال، مأخوذ من الصّون؛ لأن الحجارة تصان الأقدام عن ملابستها، كقولهم فى الاسم العلم: حسّان، يكون فعّالا إذا أخذته من الحسن، فإن غلّبت زيادة الألف والنون فأخذته من الحسّ، وهو القتل فى قوله تعالى: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} (1) كان فعلان.
والهوّة: الوهدة العميقة.
والقوّة: الواحدة من قوى الحبل. والقوّة: ضد الضّعف، ومنه رجل مقو:
_________
(1) سورة آل عمران 152، وراجع ما تقدم حول صرف «حسّان» وعدم صرفه، فى المجلس السادس والعشرين.
(2/247)

إذا كان كثير المال، والمقوى أيضا: المسافر الذى لا زاد معه ولا شيء له، فهو من الأضداد، وقيل: إنما قالوا له: مقو لنزوله فى القواء من الأرض، وهو القفر، ومنه قول الله تعالى فى ذكر النار: {جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ} (1) فمعنى {تَذْكِرَةً} أنها يذكر بها نار الآخرة، ومعنى {وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ} أنّ الذين ينزلون بالقواء يتمتّعون بها، يختبزون ويطبخون ويشتوون ويصطلون ويستضيئون.
والدّوّ: المفازة، وهى الدّوّيّة أيضا.
وأمّا باب «لويت» فمنه: أويت إلى الشيء، وآويت فلانا إليّ.
وثويت فى المكان وأثويت: إذا أقمت فيه، لغتان فاشيتان (2)، فمن أثويت قول الأعشى (3).
أثوى وقصّر ليله ليزوّدا
ومن ثويت فى التنزيل قوله تعالى: {وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} (4) والثّويّة: اسم مكان، والثّويّ: الضيف، وأمّ المثوى: صاحبة المنزل.
وحويت الشىء أحويه، والحويّة: واحدة الحوايا، وهى الأمعاء، والحويّة أيضا: كساء يحوّى حول سنام البعير. والحواء: بيت من وبر، والحوّاء (5): نبت،
_________
(1) سورة الواقعة 73.
(2) هذا قول أبى عبيدة وأبى الخطاب الأخفش الكبير. وأنكر الأصمعىّ «أثوى». راجع فعلت وأفعلت لأبى حاتم ص 176، وللزجاج ص 6، ومجاز القرآن 2/ 107، وتفسير القرطبى 15/ 256.
(3) تمامه: فمضت وأخلف من قتيلة موعدا ديوانه ص 227
(4) سورة القصص 45.
(5) ضبطت فى الأصل بكسر الحاء وتخفيف الواو، وضبطته بالضم والتشديد من القاموس، والنبات للأصمعى ص 14.
(2/248)

كان أصله حوّاى، فقلبت ياؤه همزة لتطرّفها بعد ألف زائدة.
والجوى: داء القلب، لامه ياء، لأنه متى كانت الواو عينا واللام معتلّة حكمت بأن اللام ياء، حتى/يقوم دليل على أن أصل الألف واو، فلو سمّيت بالجوى وثنّيته قلت: جويان.
ومثله فى أن عينه واو، فلا تكون لامه إلاّ ياء، قولهم: خوى المنزل: إذا خلا، وخوى النجم وأخوى: إذا سقط ولم يكن عن سقوطه مطر، وخوّى البعير:
إذا تجافى فى بروكه، وغير ذلك من تركيب (خ وى).
ومثله من باب «لويت»: رويت الحديث أرويه رواية، ورويت على أهلى:
إذا أتيتهم بالماء، والرّويّ: حرف قافية الشّعر اللازم، والرّويّة: الحاجة، والراوية:
الجمل يحمل عليه الماء، ومنه قيل للمزادة: راوية، والأصل أنّ الرّاوية هو البعير، قال:
مشي الرّوايا بالمزاد الأثقل (1)
ورجل راوية للشّعر: أنّثوه للمبالغة فى وصفه، كما قالوا: رجل علاّمة ونسّابة، وكما قالوا فى ضدّه طلبا للمبالغة: رجل لحانّة، ورجل هلباجة جخابة فقاقة، مخفّفان، ولهذه الأسماء ونظائرها فصل تذكر فيه بعد هذا الفصل.
ومن تركيب (زوى) قولهم: زويت الشىء: إذا جمعته، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم «زويت لى الأرض» (2) أى جمعت، ومنه سمّيت زاوية البيت؛ لاجتماعها، ومنه زوى المال عن وارثه.
_________
(1) من أرجوزة أبى النجم العجلى، فى الطرائف الأدبية ص 70، واللسان (ثجل-روى).
(2) سنن ابن ماجة (باب ما يكون من الفتن. من كتاب الفتن) ص 1304، والبداية والنهاية 6/ 270. وروى بلفظ: «إن الله زوى لى الأرض. .» صحيح مسلم (باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض. من كتاب الفتن وأشراط الساعة) ص 2215، وهو من حديث ثوبان رضى الله عنه، وانظر تخريجه فى حواشى غريب الحديث للحربى ص 956،958.
(2/249)

ومن تركيب (ذوى): ذوى العود يذوى: إذا يبس وبقيت فيه ندوّة.
ومن تركيب (س وى) استوى الشىء: اعتدل، وهذا لا يساوى درهما:
أى لا يعادله، وهما على سويّة من هذا الأمر: أى على استواء، ومكان سوى (1): يعلم الدّخول فيه والخروج منه، وقيل: هو النّصف بين مكانين، وسواء الدار: وسطها، ومنه {فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ} (2) وجاء القوم سوى زيد، وسواء زيد، استثناء، واستعملا بمعنى غير، قال (3):
تجانف عن جلّ (4) … اليمامة ناقتى
وما قصدت من أهلها لسوائكا
/أى لغيرك.
والخلّ: الطريق فى الرّمل. ويروى: عن جلّ اليمامة: أى عن جلّ أهل اليمامة.
ومن تركيب (ك وى) كويت الجرح، وكويت الرجل بعينى: إذا أحددت النظر إليه.
ومن تركيب (ل وى) لوى يده يلويها ليّا، ولواه بدينه ليّانا: إذا مطله، ولوى الرّمل: منقطعه، مقصور، ولواء الجيش، ممدود، واللّوى: وجع الجوف، إلى غير ذلك.
ومن تركيب (ن وى) نويت الأمر أنويه، والنّوى: التحوّل من دار إلى دار، ونوى التّمر وغيره.
ومن تركيب (ه‍ وى) الهوى: هوى النّفس، مقصور، والهواء: الفراغ
_________
(1) عقد المصنف ل‍ «سوى» فصلا فى الزيادة التى ألحقت بالمجلس الحادى والثلاثين.
(2) سورة الصافات 55.
(3) فرغت منه فى المجلس الحادى والثلاثين.
(4) جاء فى الأصل بالخاء والجيم، وفوقها «معا». وسيشرحه المصنف بالخاء المعجمة. ولم أجد من ذكر هذه الرواية فى بيت الأعشى.
(2/250)

بين السماء والأرض، ممدود، ومنه قوله تعالى: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ} (1) أى فارغة غير واعية للذّكر، وهوى يهوى: إذا سقط من علو، والهاوية: كلّ مهواة، والهاوية:
اسم من أسماء جهنّم، إلى غير ذلك.
وما جاء من تركيب (ش وى) شويت اللّحم، والشّوى: رذال المال، والشّواة: جلدة الرأس، وجمعها شوى، ومنه قوله تعالى: {نَزّاعَةً لِلشَّوى} (2) والشّوى: القوائم، ومنه: رماه فأشواه: إذا لم يصب له مقتلا، والأصل أنه أصاب بعض قوائمه، والشّوى: الأمر الهيّن، وهذا التركيب واسع.
ومن تركيب (ط وى) طويت الثّوب، وطوى (3): مكان، وأطواء الناقة:
طرائق شحم جنبيها، والطّويّ: البئر المطويّة، والطّاوى: الخالى البطن من الطّعام، والمصدر: الطّوى، وأنشد النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قول عنترة (4):
ولقد أبيت على الطّوى وأظلّه … حتّى أنال به كريم المأكل
/فقال: «كنت أشتهى أن أراه» (5).
_________
(1) سورة إبراهيم 43.
(2) سورة المعارج 16. وضبط فى الأصل نَزّاعَةً بالرفع، وعليه جميع القراء، ولم يقرأ بالنصب إلاّ حفص عن عاصم، وقرأ أبو بكر شعبة بن عياش، عن عاصم بالرفع كسائر القراء. قال أبو إسحاق الزجاج: والقراءة نزاعة [بالرفع]، والقراء عليها، وهى فى النحو أقوى من النصب، وذكر أبو عبيد أنها تجوز فى العربية، وأنه لا يعرف أحدا قرأ بها» معانى القرآن 5/ 221. وانظر السبعة ص 650، والكتاب 2/ 83، ومعانى القرآن للفراء 3/ 185، وللأخفش ص 508، ومشكل إعراب القرآن 2/ 407.
(3) بضم الطاء وكسرها: وهو اسم واد فى أصل الطّور بالشام، وقيل: بل جبل هناك. معجم ما استعجم ص 896، و «طوى» ينوّن ولا ينوّن. فمن نوّنه جعله اسما للمكان غير معدول، مثل حطم وصرد، ومن ترك تنوينه جعله اسما للبقعة، أو جعله معدولا عن «طاء» مثل «عمر» المعدول عن «عامر». معانى القرآن للزجاج 3/ 351، وإعراب القرآن للنحاس 2/ 333.
(4) ديوانه ص 249، وتخريجه فى 348، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 208.
(5) رواية صاحب الأغانى 8/ 243: «ما وصف لى أعرابىّ قطّ فأحببت أن أراه إلاّ عنترة».
(2/251)

قوله: وأظلّه، أراد: وأظلّ عليه (1).
ومن تركيب (ض وى) الضّوى: الهزال، وغلام ضاويّ: مهزول، ووزنه فاعول، وكانت العرب تقول: إذا تقارب نسب الأبوين جاء الولد ضاويا. ومنه قولهم: «استغربوا لا تضووا (2)»، وهذا التركيب متّسع.
_________
(1) فحذف «على» كما حذفها الآخر فى قوله: تحنّ فتبدى ما بها من صبابه وأخفى الذى لولا الأسى لقضانى يريد: لقضى علىّ. الكامل ص 47، والعسكريات ص 192، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 182 وشرح الحماسة للمرزوقى ص 1162، والمغنى ص 142،577.
(2) هذا القول يروى «استغربوا لا تضووا» كما ترى، ويروى: «اغتربوا ولا تضووا» و «اغتربوا لا تضووا» وقد تناقلته برواياته الثلاث كتب الفقه واللغة وغريب الحديث والأدب. وجاء فى كثير منها مسبوقا بعبارة: «وفى الحديث»، أو: «وجاء فى الحديث». أو «ورد به الخبر». وعلى ذلك جاء فى إصلاح المنطق ص 197، والبيان والتبيين 1/ 185، والصحاح (ضوى)، والتهذيب 12/ 95، ومقاييس اللغة 3/ 376، والغربيين (ضوى)، وسمط اللآلى ص 871، والفوائد المحصورة فى شرح المقصورة ص 391، وشرح الحماسة للمرزوقى ص 1761، والفائق 2/ 350، وأساس البلاغة (ضوى). وعبارة ابن الأثير فى النهاية 3/ 106 «وفيه» ومعناها: وفى الحديث، على ما هو معروف فى منهجه. ولم أجد هذا القول فى حديث من أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولا فى أثر من آثار الصحابة والتابعين، رضى الله عنهم أجمعين. وقد أورده ابن قتيبة فى غريب الحديث 3/ 737، مع أحاديث أخرى، وضعها تحت عنوان (أحاديث سمعت أصحاب اللغة يذكرونها لا أعرف أصحابها). ثم ذكره أيضا فى المعانى الكبير ص 503، مسبوقا بعبارة: «وجاء فى الحديث». وقد وجدت مصادر أخرى ذكرت هذا القول دون نسبته إلى الحديث أو الخبر أو الأثر، وجاء فيها مسبوقا بعبارة «ولذلك قالوا» أو: «يقال»، أو «قيل»، أو «قال» دون ذكر القائل، كما ذكر الإمام الحربىّ فى غريب الحديث ص 379. وانظر: الجمهرة 3/ 103، والمجمل 1/ 568، وجمهرة الأمثال 1/ 60، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 209، والمجموع المغيث 3/ 287، والشرح الكبير على المقنع لابن قدامة المقدسى، بأسفل المغنى 7/ 340، وحاشية ديوان جرير ص 662، عن نسخة المتحف البريطانى، وفيها شرح يظن محقق الديوان أنه من صنع ابن السكيت. ومن أصرح ما رأيته من نفى هذا القول عن الحديث والأثر، ما وجدته فى الأشباه والنظائر للخالديّين 1/ 229، قالا: «ومن أمثالهم: اغتربوا لا تضووا». وواضح أن المراد بالأمثال هنا الأقوال الحكيمة، فإنى لم أجده فى كتب الأمثال المعروفة، والذى ذكرته من جمهرة الأمثال للعسكرى، إنما جاء استطرادا فى سياق المثل: «إن بنىّ صبية صيفيّون». =
(2/252)

ومن تركيب (دوى) الدّواء، والدّواة: التى يكتب بها، أصلها دوية.
والدّوي: الرجل الأحمق، وهو كثير.
ومن تركيب (ع وى) عوى الكلب يعوى عواء، وعوّيت عن الرجل تعوية: إذا كذّبت عنه، ورددت على مغتابه، واستعوى الرجل لفيفا من القوم: إذا نعق بهم.
والعواء مقصور وممدود: اسم نجم، وهو مأخوذ من قولهم: عويت يده: إذا لويتها؛ لأنه فى الصّورة نجم ملتو على نجم.
والمعاوية: كلبة تجعل، أى تطلب الذّكر فتعاوى الكلاب، وهى كلبة مجعل.
وروى أنّ شريك بن الأعور الحارثىّ-وكان من أصحاب أمير المؤمنين علىّ
_________
= ويبقى أن أشير إلى أنه قد روى فى معنى هذا القول حديث وأثر. أمّا الحديث فهو ما روى من قوله صلّى الله عليه وسلم: «لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا». وقد قال الحافظ ابن حجر فيه: «هذا الحديث تبع فى إيراده إمام الحرمين والقاضى الحسين، وقال ابن الصلاح: لم أجد له أصلا معتمدا. انتهى. تلخيص الحبير فى تخريج أحاديث الرافعى الكبير ص 291، مطبعة الأنصارى. دهلى-الهند 1307 ه‍، وانظر أيضا المغنى عن حمل الأسفار، للحافظ زين الدين العراقى، بهامش إحياء علوم الدين 2/ 42، طبعة عيسى البابى الحلبى بمصر. وأورده ابن السّبكى ضمن الأحاديث التى لم يجد لها إسنادا فى كتاب الإحياء. طبقات الشافعية 6/ 310 وأورد الفتّنى الهندى هذا الحديث فى تذكرة الموضوعات ص 127، وقال: ليس بمرفوع. وكذلك الشوكانى فى الفوائد المجموعة ص 131. وأمّا الأثر فهو ما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، أنه قال: «يا آل السائب-أو يا بنى السائب، إنكم قد أضويتم فانكحوا فى النزائع» أى الغرائب. راجع الموضع السابق من المغنى عن حمل الأسفار، والمجموع المغيث 3/ 287، والنهاية 5/ 41، والأفعال للسرقسطى 2/ 221، ولابن القطاع 2/ 285. هذا وقد كتب صديقنا الدكتور على أحمد السّالوس، بحثا جيّدا عن (زواج الأقارب بين العلم والدين)، وعرض فيه للنصوص السابقة، وأبطل نسبتها إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم. راجع هذا البحث فى حولية كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر-العدد الخامس 1407 ه‍-1987 م.
(2/253)

عليه السلام-دخل على معاوية، فقال له متعرّضا به: إنّك لشريك، وما لله من شريك، وإنّك لابن الأعور، والصّحيح خير من الأعور، وإنك لدميم سيّئ الخلق، فكيف سدت قومك؟
فقال له: وأنت معاوية، وما معاوية إلاّ كلبة عوت فاستعوت، فسمّيت معاوية، وإنك لابن صخر، والسّهل خير من الصّخر، وإنك لابن حرب، والسّلم خير من الحرب، وإنّك لابن أميّة، وما أميّة إلاّ أمة صغّر بها، فكيف سمّيت أمير المؤمنين؟
فقال معاوية: واحدة بواحدة والبادى أظلم، فأنشأ يقول:
أيشتمنى معاوية بن حرب … وسيفى صارم ومعى لسانى (1)
وحولى من ذوى يمن ليوث … ضراغمة تهشّ إلى الطّعان
فلا تبسط لسانك يا ابن حرب … فإنّك قد بلغت مدى الأمانى
/فإن تك من أميّة فى ذراها … فإنى فى ذرى عبد المدان
وإن تك للشّقاء لنا أميرا … فإنّا لا نقيم على الهوان
فترضّاه معاوية.
قوله: وما أميّة إلاّ أمة صغّر بها: أى حقّرت، وعدّى صغّر بالباء، كما قالوا: ندّدت به: إذا أشعت شتمه، وشتّرت به: إذا تنقّصته وعبته، وكذلك:
صغّرت به: إذا أعلنت تحقيره.
وقوله: استعوت: أى طلبت بعوائها أن تعاويها الكلاب، كما تقول:
استقتل: أى طلب القتل.
...
_________
(1) فرغت منه فى المجلس السابع عشر. وزد فى تخريجه أسرار البلاغة للعاملى ص 330 (منشور مع المخلاة).
(2/254)

المجلس الحادى والخمسون
يتضمّن ذكر ما دخلته الهاء للتكثير والمبالغة فى
الوصف، ثم ما يلى ذلك من ذكر حذف اللاّمات
زادوا الهاء للتكثير والمبالغة فى الوصف، فى قولهم: رجل علاّمة ونسّابة وسأّالة، وراوية للشّعر، وكذلك قولهم: رجل فروقة وملولة وحمولة، دلّت الهاء فيه على كثرة الفرق والملل والاحتمال، وكذلك امرأة فروقة وملولة وحمولة، دخلتهنّ الهاء لما ذكرناه من التكثير والمبالغة، لا للتأنيث، ألا ترى أنهم لم يدخلوا الهاء فى فعول وصفا للمرأة، نحو امرأة صبور وشكور وغدور ولعوب، كما جاء فى التنزيل: {تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً} (1) وامرأة نصوح.
ومثل إدخالهم الهاء للمعنى الذى ذكرته فى قولهم: علاّمة ونسّابة، إدخالهم إيّاها فى قولهم: رجل لحّانة، ورجل هلباجة جخابة فقاقة، مخفّفان، بوزن سحابة.
ومن النحويّين من نصب «كافّة» من قوله تعالى: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ} (2) على الحال من الناس، وجعل اللام بمعنى إلى، كما جاءت بمعناها فى قوله:
{بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها} (3) إليها، كما قال: {وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} (4) وقالوا:
_________
(1) سورة التحريم 8.
(2) سورة سبأ 28، وانظر ما يأتى فى المجلس الحادى والسبعين.
(3) سورة الزلزلة 5.
(4) سورة النحل 68.
(2/255)

هديته إلى الطريق وللطريق، كما قال: {قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} (1) فالمعنى على هذا/القول: وما أرسلناك إلاّ إلى الناس كافّة، فالتأنيث فى قوله «كافّة» للجمع، كما تقول: جاء القوم كافّة، ومثله: {اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} (2) وقال الزجّاج: إن «كافّة» حال من الكاف فى «أرسلناك» ولحقت الهاء «كافّة» للمبالغة فى الوصف بالكفّ، أى أرسلناك كافّا (3) للناس، فاللام فى هذا القول على معناها، وإنما لم يجعل «كافّة» حالا من الناس، لأن حال المجرور لا يتقدّم عليه.
وذهب ثعلب، وهو مذهب الفرّاء، إلى أن الهاء فى قولهم: علاّمة ونسّابة وراوية، للتأنيث لا للمبالغة فى الوصف، وكذلك رجل مجذامة ومطرابة ومعزابة، قال: وذلك إذا مدحوه، كأنهم أرادوا به داهية، وكذلك إذا ذمّوه فقالوا: رجل لحّانة، ورجل هلباجة جخابة فقاقة، كأنهم أرادوا به بهيمة (4).
والذى ذهب إليه البصريون من أن المراد بتأنيث هذه الأوصاف المبالغة فى الوصف، هو الوجه؛ لأنه قد جاء من هذا القبيل ما هو خارج عن معنى الداهية والبهيمة، وذلك نحو قولهم: رجل ملولة ورجل صرورة: للذى لم يحجج قطّ.
ومن منكرى قول الفراء وأحمد بن يحيى أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه فى تصحيحه للكتاب، الذي سماه ثعلب: الفصيح، قال: إنّ الداهية نفسها لم توضع للمدح خاصّة، ولكنها تطلق على الخير والشر إذا جاوز الحدّ فى
_________
(1) سورة يونس 35.
(2) سورة البقرة 208.
(3) لم أجد هذا النقل عن الزجاج فى كتابه معانى القرآن وإعرابه 4/ 254، وإن كان تقديره ينتهي إلى ما حكاه ابن الشجرى عنه من أن «كافّة» حال من الكاف، وذلك قوله: «والمعنى أرسلناك جامعا للناس فى الإنذار والإبلاغ» وتعقّبه أبو حيان بأنه لم يحفظ أن «كفّ» معناه «جمع». البحر المحيط 7/ 281، وانظر الكشاف 3/ 290، والتبيان ص 1069.
(4) فصيح ثعلب ص 75. وانظر إعراب ثلاثين سورة ص 180.
(2/256)

الدّهي، كما قال الله عز وجل: {وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ} (1) قال الشاعر:
وكلّ أناس سوف تدخل بيتهم … دويهية تصفرّ منها الأنامل (2)
يعنى الموت، وتصغيره إيّاها، والمراد بها الموت، تصغير التعظيم، والموت مكروه إلى كلّ نفس، وهو عندها مذموم، وإنما الداهية كقولهم للرجل: راوية، فهى اسم من أسماء الفاعلين الجارية على أفعالها، دخلته تاء التأنيث للمبالغة، وكذاك إذا ذمّوا الرجل بقولهم: لحّانة وهلباجة ونحوهما، على تشبيهه بالبهيمة، فغير صحيح؛ /لأنه ليس فى قولهم: رجل لحّانة شيء من شبه البهيمة؛ لأنّ اللحن مما يتعلّق باللفظ، فهو عن البهيمة بمعزل، وإنما يشبّه الأحمق والجاهل بالبهيمة؛ لأن الجهل والحمق من نقص العقل
وقد وجدنا فى الوزراء الوافرى العقول، المدبّري الممالك من يشوب كلامه لحن مفرط، فهذا ونحوه دليل على أن ما ذهب إليه الفرّاء فى هذا القول ليس بشىء.
وأقول مع هذا: إنه لا يجوز فى وصف القديم سبحانه علاّمة، لا يقال:
علاّمة الغيوب، وإن كانت الهاء فيه لتكثير العلم والمبالغة فى الوصف به؛ لأن هذه الهاء فى الأصل علم للتأنيث، وقد زرى عليهم بقوله: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً} (3) فدلّ على أنه لا يجوز أن يجرى عليه نحو ذلك، ولو أنّك سمّيت بعلاّمة أو فروقة، لم تصرفه للتأنيث والتعريف.
المجذامة من الأدلاّء: الشّديد السّير، القطّاع للأرض، والجذم: القطع.
والمطرابة: الذى يكثر الطّرب.
_________
(1) سورة القمر 46.
(2) فرغت منه فى المجلس الرابع. وقوله: «بيتهم» جاء هكذا فى الأصل بالتاء الفوقية. وهى رواية. والمشهور «بينهم» بالنون. وراجع الديوان ص 257.
(3) سورة النساء 117.
(2/257)

والمعزابة: الذى يطيل العزوب عن أهله، أى يغيب عنهم في الرّعى وغيره.
والهلباجة: الكسلان النّوّام.
والفقاقة: الأحمق المخلّط فى كلامه، وهو الفقفاق أيضا، والعامّة تغلط فتقول: بقباق.
والجخابة: قريب منه فى الحمق، دون التخليط فى الكلام، وكلاهما فعالة بوزن سحابة.
ونعود الآن إلى ذكر ما كنّا فيه من حذف اللامات، فنقول: أصل شاة:
شوهة (1)، ساكنة الواو، لما عرّفتك من أن السكون هو الأصل، فلا يسوغ العدول عنه، والدليل على أن لامها هاء قولهم فى تحقيرها: شويهة، وفى تكسيرها: شياه، وحكى أبو زيد أنهم يقولون: تشوّهت شاة: إذا صاد شاة، وأما قولهم: شاء، فإنه اسم للجمع، ليس بجمع، وقال قوم: أصله شاه، فأبدلوا من الهاء همزة، وهذا /قول مرغوب عنه؛ لأنك إذا حكمت به حكمت بالجمع بين إعلالين متواليين:
قلب واوها ألفا، وإبدال هائها همزة، وهذا لا يسلك به إلاّ طريق الشذوذ.
وجاء ذلك فى قولهم: ماء، أصله: موه، لقولهم فى تحقيره وتكسيره: مويه وأمواه، وصارت واوه ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ثم أبدلت هاؤه همزة، فحمل شاء على أنه اسم للجمع وليس بمشتقّ من شاة، أولى.
وكذلك قولهم: شاوىّ (2) اسم للجمع، غير مأخوذ من لفظ شاة، وإن كان فيه بعض حروفها (3).
_________
(1) انظر هذه المسألة فى الكتاب 3/ 367،460، والمنصف 2/ 144 - 150، والممتع ص 626، وشرح الشافية 2/ 56،57.
(2) هكذا جاء فى الأصل، وليس «شاوىّ» اسم جمع، ولكنه نسبة إلى «شاء»، أو مسمّى به، ولعل الصواب: «شوىّ» أو «أشاوه» فإنّ هذين اسم للجمع. راجع سرّ صناعة الإعراب ص 790، والمنصف 2/ 149، واللسان (شوه).
(3) قال ابن جنى: «كما أنّ «سواسية» جمع سواء من غير لفظه، وإن كان فيه بعض حروفه؛ -
(2/258)

ولمّا حذفوا اللام من شاة، وهى الهاء من شوهة، وجاورت الواو تاء التأنيث، وجب فتحها، وآلت إلى شوة، فانقلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
ومن زعم أن أصلها شوهة، فعلة مفتوحة العين، فليس قوله بشىء؛ لما ذكرته لك، من كون السكون أصلا، فلا يسوغ العدول عن الأصل ما وجد عنه مندوحة.
يدلّ أيضا على أن أصل واوها السكون انقلابها إلى الياء فى شياه، ولو كانت الواو فى الواحد متحرّكة صحّت فى الجمع، كما صحّت واو طويل وقويم، فى طوال وقوام، وانقلابها إلى الياء فى شياه، كانقلاب واو حوض، وواو ثوب، فى حياض وثياب، وذلك أنّ انقلاب الواو ياء فى فعال، إذا لم يكن مصدرا كجوار وحوار، يحتاج إلى خمس شرائط (1)، إحداهنّ: أن يكون هذا المثال جمعا، فإن كان واحدا صحّت الواو فيه، وذلك نحو سوار وخوان.
والثانية: أن تكون الواو فى واحده ساكنة، كواو ثوب وحوض، فإن تحرّكت فى الواحد صحّت فى الجمع، كواو طويل وقويم.
والثالثة: أن تقع بعدها ألف فى الجمع، فإن لم يكن بعدها ألف صحّت، وذلك قولهم فى جمع زوج وجمل عود (2): زوجة وعودة.
والرابعة: أن تكون لامه صحيحة، كلام ثوب وحوض، فإن كانت معتلّة فى الواحد صحّت فى الجمع، كقولهم/فى جمع ريّان وطيّان: رواء وطواء، فعال
_________
= لأن تركيب «سواء» من سين وواو وياء، و «سواسية» من مضاعف الواو، وأصله: س، و، س». المنصف 2/ 145.
(1) راجع لهذه الشرائط سرّ صناعة الإعراب ص 733، والمنصف 1/ 342، والتبصرة ص 824، وشرح المفصل 10/ 23، وشرح الشافية 3/ 138.
(2) بفتح العين، وهو البعير المسنّ.
(2/259)

من الرّىّ والطّوى، وهو خلوّ البطن من الطعام، وقد تقدّم ذكره.
والخامسة: وجود الكسرة قبلها فى الجمع، فإن عدمت الكسرة صحّت كواو أثواب وأحواض.
وإنما اعتلّت الواو في الجمع وصحّت فى الواحد؛ لأن الجمع ثقيل، فقلبوا فيه الحرف الأثقل إلى الأخفّ، وأعلّوها فى الجمع؛ لسكونها فى واحده، لأنّ سكون الحرف يضعفه، ألا ترى أن منهم من يصحّح الواو الزائدة إذا كانت متحرّكة فيقول فى تحقير جدول وقسور: جديول وقسيور، وأجمعوا على قلب واو عجوز فى التحقير، لضعفها بالسكون.
وأما علّة قلبها إلى الياء مع وجود الألف بعدها فى ثياب ونحوه، ولم تقلب فى عودة ونحوه؛ فإنّ الألف أقرب إلى الياء منها إلى الواو، فهى أشبه بها؛ لأن الياء من وسط اللسان، والواو من الشفتين، والألف من الحلق، واعتلّت لوجود الكسرة قبلها؛ لأن الكسرة مجانسة للياء، فاجتذبت الواو إلى الحرف الذى هو مجانسها.
ووجه اعتلال الواو فى ثياب وصحّتها فى رواء، أنّهم قد أعلّوا لام رواء، بقلبها إلى الهمزة، فلو أعلّوا واوه فقالوا: رياء، جمعوا بين إعلالين متواليين، وذلك إنما يكون نادرا.
فإن قيل: فلم أعلّت اللام فى رواء وطواء، دون العين؟
قيل: لضعف اللام بالتطرّف، ألا ترى أنّ من يصحّح عين أسود فى التحقير فيقول: أسيود، لا يقول فى تحقير عروة إلاّ عريّة، فيعلّها لكونها لاما.
هذا الفصل اقتضى ذكره الدّلالة على أنّ شاة أصلها شوهة، ساكنة الواو، وكذلك شفة، أصلها شفهة، مثل جفنة، على ما قرّرناه من الأخذ بالسكون حتى يقوم دليل على الحركة.
وأما الدّلالة على كون لامها هاء، فظهور الهاء فى/التحقير
(2/260)

والتكسير والتصريف، وذلك قولهم: شفيهة وشفاه، وشافهته مشافهة وشفاها.
وسنة أصلها سنوة، فى أشيع اللّغتين (1)، لقولهم فى جمعها: سنوات، وفى تحقيرها: سنيّة، وفى الفعل منها: سانيت مساناة (2).
والياء فى سانيت أصلها الواو، ولكنها لمّا وقعت رابعة صارت إلى الياء، وكذلك سنيّة أصلها سنيوة، فلما اجتمعت مع الياء، والياء ساكنة قلبت ياء، فوجب الإدغام.
وأصلها فى لغة بعض العرب: سنهة، فظهرت الهاء فى تصريف الفعل منها، قالوا: سانهت مسانهة.
وحكى بعض النحويّين فى جمعها: سنهات، وفى تحقيرها: سنيهة.
ويقوّى كون لامها واوا أنها من الأسماء المؤنّثة، التى جمعوها بالواو والنون، عوضا من المحذوف منها، وإنما عوّضوها الجمع بالواو وبالياء، فقالوا: سنون وسنين وثبون وثبين؛ لأن المحذوف من هذه المنقوصات إنما هو فى الأغلب واو أو ياء.
ومنهم من جعل النون فى جمع سنة حرف الإعراب، وألزمها الياء، وأثبت النون فى الإضافة، ورفعها ونصبها وخفضها ونوّنها، تشبيها لها بنون غسلين، فقالوا:
أقمت عنده سنينا، وعجبت من سنين زيد، وأعجبتنى سنينك، قال (3):
دعانى من نجد فإنّ سنينه … لعبن بنا شيبا وشيّبننا مردا
وأما «أمة» فالمحذوف منها واو، فأصلها: أموة (4)، بدلالة ظهور الواو فى
_________
(1) راجع الكتاب 3/ 360،452، وأيضا 4/ 424، والكامل ص 967، ومعانى القرآن للزجاج 1/ 343 [فى تفسير الآية 259 من سورة البقرة]، وسرّ صناعة الإعراب ص 555،613.
(2) يقال: سانيت وعاملته مساناة: أى عاملته بالسّنة، أى بالأجل إلى سنة.
(3) قائله الصّمّة بن عبد الله القشيرىّ. وقد خرّجته فى كتاب الشعر ص 158.
(4) بوزن فعلة، محرّكة العين، نصّ عليه المبرد فى الكامل ص 76.
(2/261)

جمعها الذى جاء على فعلان، قالوا: إموان وإماء، وفى جمع القلّة: آم (1)، قال الشاعر (2):
أمّا الإماء فلا يدعوننى ولدا … إذا ترامى بنو الإموان بالعار
وقال السّليك (3):
يا صاحبيّ ألا لا حيّ بالوادى … إلاّ عبيد وآم بين أذواد
ولم يعوّضوها الجمع بالواو والنون، حملا على نظائرها من هذه المنقوصات المؤنّثة، وعلّل أبو علىّ ذلك بأن قال: «لم يقولوا: إمون، حيث كسّر على ما ردّ الأصل؛ لأن الجمع بالواو والنون إنما كان يلحق عوضا ممّا حذف منها، وأفعل يجرى مجرى المفرد، فكأنّ مفرده لم يلحقه حذف (4)».
وأقول فى تفسير كلامه هذا: إنه أراد أنه العرب لم يقولوا فى جمع أمة: إمون، كما قالوا فى جمع سنة: سنون، وإن كان الحذف قد لحق لام أمة، كما لحق لام سنة، لأنّ لام أمة قد أعيدت فى جمع القلّة الذى هو أفعل، فقالوا: رأيت آميا، وقد جاءت الآمى، وأفعل بمنزلة الواحد فى لحاق التصغير له، كقولهم فى أكلب:
أكيلب، فلم يعوّضوا أمة الجمع بالواو والنون، كما عوّضوا سنة ونظائرها؛ لأن رجوع ما حذف من المفرد إلى جمع بناء القلّة، كرجوعه إلى المفرد.
وأقول: إن هذا التعليل ينفسخ بأن الواو المحذوف من سنة، قد أعيد فى
_________
(1) وزن «آم» أفعل، بضم العين، مثل أكمة وآكم. وانظر الكلام عليه فى اللسان (أما).
(2) القتّال الكلابى. ديوانه ص 55،59، وتخريجه فى ص 109، وزد عليه التكملة للصاغانى 6/ 369، والبيت ملفّق من بيتين بينهما فى الديوان ثلاثة أبيات. وهما: أمّا الإماء فما يدعوننى ولدا إذا تحدّث عن نقضى وإمرارى أنا ابن أسماء أعمامى لها وأبى إذا ترامى بنو الإموان بالعار
(3) الأغانى 20/ 377، وشرح القصائد السبع ص 222، واللسان (أما).
(4) التكملة ص 164.
(2/262)

قولهم: سنوات، وهو جمع قلّة يشبه مفرده، فى أن التصغير يلحقه كما يلحقه.
والوجه عندى في تعليل ذلك أنهم إنما استجازوا أن يقولوا فى جمع سنة:
سنون، ولم يستجيزوا أن يقولوا فى جمع أمة: إمون؛ لأن تأنيث سنة وثبة ونظائرهما غير حقيقى، وتأنيث أمة حقيقيّ، لا فرق بينه وبين تأنيث امرأة، وإذا كانت هند، وتأنيثها غير تأنيث أمة، لخلوّها من علامة تأنيث، أبوا أن يقولوا فى جمعها:
هندون، فكيف يجوز أن يقال فى جمع أمة: إمون، وإذا كان طلحة، وهو اسم رجل، لم يقولوا فى جمعه: طلحتون ولا طلحون، فكيف يجوز فى أمة، وهو اسم واقع على امرأة، فهو مؤنّث لفظا ومعنى، أن يجمعوه بالواو والنون، فيجامع التأنيث الحقيقيّ علامة التذكير؟ ألا ترى أنه يجوز أن يقال: خرج السّنة، ولا يقال: خرج الأمة، إلا فى حال اضطرار مع الفصل، كما قال:
/*لقد ولد الأخيطل أمّ سوء (1) … *
فكلّ ما جمعوه بالواو والنون من المنقوصات المؤنّثة، وغير المنقوصات، كأرض وحرّة، والحرّة: الأرض التى بها حجارة سود، وإنما استجازوا فيه ذلك؛ لأن تأنيثه غير حقيقىّ، ثم إنهم غيّروا فى الجمع لفظ شيء من هذا القبيل، بتغيير حركة أو زيادة حركة، أو زيادة حرف، ليقرب بذلك من جمع التكسير، فالذى غيّروا حركته سنة وقلة وثبة، كسروا أوائلهنّ فى الجمع.
وأما قولهم في جمع أرض: أرضون؛ فلأنهم نزّلوا تاء التأنيث (2) منزلة الحرف الأصلي، ففتحوا عينها فى الجمع، وكان التغيير بفتح أوسطها أحسن من تغيير حركة
_________
(1) تمامه: على باب استها صلب وشام وهو لجرير. ديوانه ص 283، ومعجم الشواهد ص 351، وسيعيده ابن الشجرى فى المجلس المتمّ الستّين.
(2) وذلك لأن «أرض» مؤنثة، فكأنّ فيها هاء مرادة، وكأنّ تقديرها «أرضة». انظر الإحالة الآتية على سرّ صناعة الإعراب.
(2/263)

أولها؛ لأنهم لو جمعوها جمع الأسماء المؤنّثة لقالوا: أرضات (1)، ففتحوا الراء، كما قالوا: جفنات.
وأما قولهم فى جمع حرّة: إحرّون؛ فلأنّ المضاعف يعتلّ، ألا ترى أنهم يفرّون من التضعيف إلى إبدال أحد حرفيه ياء، كقولهم فى تظنّنت وتسرّرت:
تظنّيت وتسرّيت، ويخفّفونه فى القوافى كقول طرفة (2):
ففداء لبنى قيس على … ما أصاب الناس من سرّ وضرّ
ما أقلّت قدمي إنّهم … نعم الساعون في الأمر المبرّ
وشبيه بذلك قولهم: امرؤ وامرأة، ألحقوهما همزة الوصل، وإنما تلحق همزة الوصل عوضا من محذوف (3)، وجاز ذلك فيهما من غير أن يلحقهما حذف؛ لأن الهمزة يلحقها التخفيف، بجعلها بين بين، وبالإبدال منها ساكنة ومتحرّكة، فالساكنة كهمزة كأس وبئر ولؤم، والمتحركة كهمزة جؤن وذئب، جمع جؤنة وذئبة، ويلحقها الحذف لازما وجائزا، فاللازم حذفها من نرى وترى وأخواتهما، إذا قلت: نرى، وترى، والجائز حذفها للتخفيف، فى نحو كم بلك؟ ومن خوك؟ تريد: كم إبلك؟ ومن أخوك؟
فلمّا تعاورها التّليين والإبدال والحذف/تنزّل الاسم الذى هي فيه منزلة الاسم الذى دخله الحذف، فعوّض همزة الوصل.
ومن قال من العرب: إحرّون، فقوله أقيس من قول من قال: حرّون؛ لأنه
_________
(1) سرّ صناعة الإعراب ص 613،614،616.
(2) ديوانه ص 72، وتخريجه فى ص 222، وسيعيده ابن الشجرى فى المجلس المتم الستّين. والمبرّ: اسم فاعل من أبرّ فلان على أصحابه: أى غلبهم، أى هم نعم السّاعون فى الأمر الغالب الذى عجز الناس عن دفعه. وفى الديوان رواية أخرى، فانظرها هناك.
(3) نحو ابن واسم واست، فقد حذفت اللام من الثلاثة، وأصلها: بنو، وسمو، وسته. راجع سر صناعة الإعراب ص 115، والمنصف 1/ 58.
(2/264)

زاد فى أول الكلمة حرفا، حرصا على التغيير، فوافق الحرف المزيد فى أول الجمع الحركة فى أول سنين، كما اتّفق الحرف والحركة فى غير هذا وذلك، كاتّفاق حركة وافقت فتحة العين من قدم، علما لامرأة، والباء من زينب، فى منع الصرف (1)، وكما وافقت فتحة العين من جمزى الألف الخامسة من جمادى فى الحذف، إذا نسبت إليهما فقلت: جمزىّ، كما قلت: جمادىّ، وكما وافق الحرف الحركة فى الحذف للجزم، إذا قلت لم يدع ولم يرم ولم يخش، كما قلت: لم ينطلق.
قال أبو بكر بن دريد: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: لمّا فرغ عليّ صلى الله (2) عليه من حرب الجمل، فرّق على رجال أبلوا، فأصاب الرجل منهم خمس مائة درهم، وكان ممّن أخذ رجل من بنى تميم، فلما خرج إلى صفّين خرج ذلك الرجل معه، فعضّته الحرب، فلمّا رجع إلى الكوفة قالت له ابنته: أين خمس المائة التى أعطيتها؟ فأنشأ يقول (3):
إنّ أباك فرّ يوم صفّين … لمّا رأى عكّا والأشعريّين
وحاتما يستنّ فى الطائيّين … وذا الكلاع سيّد اليمانين (4)
وقيس عيلان الهوازنيّين … قال لنفس السّوء هل تفرّين
لا خمس إلاّ جندل الإحرّين … والخمس قد جشّمنك الأمرّين (5)
_________
(1) سرّ صناعة الإعراب ص 26، وانظر البغداديات ص 488، والمقتضب 3/ 149، وما فى حواشيه.
(2) فى الاشتقاق ص 136 - والنقل منه-: «رضى الله عنه».
(3) هو زيد بن عتاهية التميمى. راجع الوضع السابق من الاشتقاق، والجمهرة 1/ 59،3/ 510، وسرّ صناعة الإعراب ص 617، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 807، وزدته تخريجا فى كتاب الشعر ص 140.
(4) يستنّ: أى يعدو بهمّة ونشاط.
(5) فى الأصل: «أجشمنك» ولا يستقيم به الوزن. وأثبتّ ما فى اللسان (حرر)، وفيه روايتان أخريان. والأمرّين: الشرّ والأمر العظيم، ويقال بكسر الراء وفتحها، على الجمع والتثنية. كما فى التاج. ومعنى قوله: «لا خمس إلاّ جندل الأحرين»: ليس لك اليوم إلاّ الحجارة والخيبة.
(2/265)

جمزا إلى الكوفة من قنّسرين (1)
والضّعة من ذوات الواو، لقولهم فى جمعها: ضعوات، وهى ضرب من الشجر، قال (2):
/متّخذا من ضعوات تولجا
التّولج: السّرب، شبّه ما يجعله الوحشىّ عليه من الشجر ظلّة بالسّرب، وأصله: وولج، فوعل (3) من الولوج، أبدلوا واوه تاء كما أبدلوها تاء فى تراث وتقاة وتجاه وتخمة وتهمة، وفى تالله.
وقيل فى «التّوراة» إن أصلها: ووارة، وكانت وورية، فوعلة، من قولهم:
ورى الزّند: إذا أظهر النار؛ لأن التّوراة نور، فأبدلوا واوها تاء وياءها ألفا.
وتراث أصله وراث، وتجاه: وجاه، فعال من ورث وواجه، وتقاة أصلها وقية، فعلة من وقيت، وكذلك تخمة أصلها وخمة، فعلة من الوخامة، وتهمة من توهّمت، وتكأة من توكّأت، وقالوا: ضربه حتى أتكأه، أصله أوكأه، وقالوا:
تكلان، أصله وكلان، فعلان من توكّلت.
وقال بعض العرب فى تولج: دولج، أبدلوا الدال من التاء، لتقاربهما فى المخرج، كما أبدلوا الدال تاء فى قولهم للناقة الذّلول: تربوت، وأصلها دربوت، فعلوت من الدّربة، وهى العادة، لأنّ الدّلول مدرّب، وقيل: هي فعلوت، من التّراب، للينها وذلّها.
...
_________
(1) الجمز: ضرب من السّير السريع.
(2) جرير: ديوانه ص 187، والعسكريات ص 233، والخصائص 1/ 172، والمنصف 1/ 226،3/ 38، والمخصص 7/ 182، واللسان (ولج ضعا).
(3) انظر سر صناعة الإعراب ص 104،105،146،603، والممتع ص 358،383، وشرح الشافية 3/ 81.
(2/266)

المجلس الثانى والخمسون
يتضمّن ذكر حذف اللامات من الأسماء المؤنّثة بالهاء
، وما يتصل بذلك.
البرة: الحلقة تكون فى أنف البعير، وكلّ حلقة من سوار أو خلخال أو قرط، فهى برة، وجمعها برات وبرى وبرون، وقال بعضهم: برون، فكسر أوّلها، وأصلها بروة، وقد تكلّموا بها.
ولغة: أصلها. لغوة، قيل: اشتقاقها من لغى بالشىء يلغى: إذا لهج به، وردّوا لامها فى التكسير فى قولهم: لغى، ولم يردّوه فى قولهم: لغات، كما ردّوه فى سنوات وعضوات.
والقلة: أصلها قلوة، فعلة، من قولهم: قلوت، أى لعبت بالقلة، وهى الخشيبة التى تسمّى اللاّحة، والخشبة التى تضرب بها تسمّى القاطر. /قالوا فى جمعها: قلات، وجمعها بعضهم بالواو والنون فقالوا: قلون، غيّروا حركة أوّلها، كما قالوا: سنون وثبون، قال سيبويه: وبعضهم يقول: قلون، فلا يغيّر (1).
والثّبة: الجماعة من الناس، وأصلها ثبوة، فعلة من ثبا يثبو: إذا اجتمع وتضامّ، فقيل للجماعة: ثبة، لانضمام بعضها إلى بعض، وليس فى قولهم: ثبّيت (2)، إذا جمعت، دليل على أن لامها ياء، لأنّ الواو إذا وقعت رابعة انقلبت إلى الياء، وقالوا فى جمعها: ثبون وثبات، وفى التنزيل: {فَانْفِرُوا ثُباتٍ} (3) قال الجرمىّ: كان أبو عبيدة
_________
(1) الكتاب 3/ 598.
(2) بتشديد الباء، راجع سرّ الصناعة ص 602،603، واللسان (ثبا).
(3) سورة النساء 71.
(2/267)

إذا سئل عن تفسير «ثبات» قال: جماعات فى تفرقة (1)، وأنشد أبو عمر:
نحن هبطنا بطن والغينا … والخيل تعدو عصبا ثبينا (2)
وبعضهم قال: ثبون، فغيّروا أوّله.
فأما الثّبة التى هى أسفل الحوض، فالمحذوف منها عين (3)، وأصلها ثوبة، فعلة من ثاب يثوب: إذا رجع، وذلك لرجوع الماء إليها.
والظّبة: حدّ السيف، وجمعوها ظبات، وجاء فى شعر الكميت:
يرى الرّاءون بالشّفرات منها … كنار أبى الحباحب والظّبينا (4)
حباحب: رجل كان لا ينتفع بناره لبخله، فنسبت إليه كلّ نار لا ينتفع بها فقيل لما تقدحه حوافر الخيل على الصّفا: نار الحباحب (5)، قال النابغة فى وصف السيوف:
ويوقدن بالصّفّاح نار الحباحب (6)
_________
(1) مجاز القرآن 1/ 132.
(2) الشطران للأغلب العجلىّ. معجم البلدان 4/ 895، فى رسم (والغين)، وذكر أنه اسم واد. والتكملة ص 163، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 800، والمخصص 3/ 120، والشطر الأول فى بلاد العرب ص 35، وجاء فيه منثورا هكذا: «نحن دخلنا جوف والغين».
(3) هذا رأى أبى إسحاق الزجاج. ذكره فى أثناء تفسير الآية السابقة من سورة النساء، من معانى القرآن 2/ 75، واللسان (ثبا)، وردّه أبو علىّ، وذكر أنه من المحذوف اللام. البغداديات ص 531. وانظر سرّ الصناعة ص 602، وأصل كلام الزجاج فى كتاب العين 8/ 248.
(4) المخصص 11/ 28، والصاحبى ص 419، والمقاييس 4/ 474، ومبادئ اللغة ص 61: وضرائر الشعر ص 104، وارتشاف الضرب 3/ 296، وشرح الشواهد الكبرى 4/ 361، والخزانة 7/ 151، واللسان (حبحب-شفر-ظبا).
(5) انظر تفسيره والخلاف فيه، فى الحيوان 4/ 487، وجمهرة الأمثال 1/ 246، والأوائل 1/ 69، وثمار القلوب ص 581، والمرصع ص 136، والعربيّة ليوهان فك ص 43.
(6) ديوانه ص 46، وصدر البيت: تقدّ السّلوقىّ المضاعف نسجه
(2/268)

وجعل الكميت اسمه كنية للضرورة.
وقال القطامىّ، والقطامىّ، بضم القاف وفتحها: الصّقر، وهو لقب غلب عليه، واسمه عمرو بن شتيم التّغلبيّ، من قصيدة، وقد نزل بامرأة من محارب طروقا، فلم تقره، فهجاها وذمّ قيس بن عيلان ببيت فى آخر القصيدة، وهو (1):
ألا إنما نيران قيس إذا شتوا (2) … لطارق ليل مثل نار الحباحب
وأول الأبيات التى هجا بها المحاربيّة:
أخبّرك الأنباء عن أمّ منزل … تضيّفتها بين العذيب وراسب
/الأنباء: الأخبار.
ولا بدّ أنّ الضّيف مخبر أهله … بما قد رآه أو مخبّر صاحب
تلفّعت فى طلّ وريح تلفّنى … وفى طرمساء غير ذات كواكب
تلفّعت: اشتملت بثوب.
وطرمساء: ليلة ظلماء، وقال بعض أهل اللغة: الطّرمساء والطّرفساء والطّرفسان: الظّلمة.
إلى حيزبون توقد النار بعد ما … تلفّعت الظّلماء من كلّ جانب
حيزبون: عجوز فيها بقيّة.
وقوله: تلفّعت الظّلماء، استعار التلفّع للظّلمة.
فما راعها إلاّ بغام مطيّة … تريح بمحسور من الصّوت لاغب
_________
(1) ديوان القطامى ص 46 - 50.
(2) كتبت فى الأصل: «اشتوى» وكتب فوقها «صوابه إذا شتوا». وفى الديوان: «إذا اشتووا».
(2/269)

البغام: صوت الناقة والظّبية، ويقال: ناقة بغوم: تكثر التصويت.
ومحسور: ضعيف.
ولاغب: من اللّغوب، وهو التعب والمشقّة، وفى التنزيل: {وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ} (1).
تقول وقد قرّبت كورى وناقتى … إليك فلا تذعر علىّ ركائبى
الكور: رحل البعير.
وقولها «إليك» أى تنحّ.
والذّعر: الإفزاع.
وجنّت جنونا من دلاث مناخة … ومن رجل عارى الأشاجع شاحب
دلاث: ناقة ماضية، تركب رأسها فى سيرها.
والأشاجع: عروق ظاهر الكفّ.
وشاحب: متغيّر اللّون.
سرى فى جليد الليل حتى كأنّما … تحزّم (2) فى الأطراف شوك العقارب
أى كأنما تحزّم بأطرافه؛ يديه ورجليه، من البرد إبر العقارب.
وردّت سلاما كارها ثم أعرضت … كما انحازت الأفعى مخافة ضارب (3)
_________
(1) سورة ق 38.
(2) هكذا فى الأصل «تحزّم» بالحاء المهملة، وتحتها حاء صغيرة علامة الإهمال، ويدلّ عليه أيضا شرحه. والذى فى الديوان «تخزم» بالخاء المعجمة، وكذلك أنشد صاحب اللسان فى (خزم) شاهدا على: تخزّم الشوك فى رجله: شكّها ودخل فيها.
(3) قبل هذا فى الديوان: فسلّمت والتسليم ليس يسرّها ولكنه حقّ على كلّ جانب فردّت سلاما. . . والجانب هنا: الغريب.
(2/270)

فقلت لها لا تفعلى ذا براكب … أتاك مصيب ما أصاب فذاهب
ولمّا تنازعنا الحديث سألتها … من الحيّ قالت معشر من محارب
/من المشتوين القدّ ممّا تراهم … جياعا وريف الناس ليس بناضب
الرّيف: الخصب، يقال: خصب وخصب، بكسر أوله وفتحه.
والنّاضب: الذاهب، من قولهم: نضب الماء: إذا ذهب، أى يشتوون القدّ (1) فيأكلونه فى زمن الخصب.
فلمّا بدا حرمانها الضّيف لم يكن … عليّ مناخ السّوء ضربة لازب
يقال: ليس هذا الأمر ضربة لازب، أى ليس بثابت، لازم، وقد قالوا:
ضربة لازم.
وقمت إلى مهريّة قد تعوّدت … يداها ورجلاها خبيب المواكب
مهريّة: منسوبة إلى مهرة بن حيدان، بطن من اليمن، يضرب بإبلهم المثل فى الكرم.
والخبب والخبيب: ضرب من العدو.
تخوّد تخويد النّعامة بعد ما … تصوّبت الجوزاء قصد المغارب
التّخويد: ضرب من السّير السّريع.
ألا إنّما نيران قيس إذا شتوا … لطارق ليل مثل نار الحباحب
إذا متّ فانعينى بما أنا أهله … لتغلب إنّ الموت لا بدّ غالبى
وهجا عبد الصّمد بن المعذّل أخاه، فعرّض فى هجوه بذكر هذه العجوز، فقال (2):
_________
(1) القدّ، بفتح القاف: جلد السّخلة، وهى ولد الضأن والمعز.
(2) البيتان الأخيران فى معاهد التنصيص 1/ 182.
(2/271)

لى أخ لا ترى له … سائلا غير خائب
فمرجّيه آمل … للبروق الكواذب
ليت لى منك يا أخى … جارة من محارب
نارها كلّ شتوة … مثل نار الحباحب
قوله: ليت لى منك جارة: أى بدلا منك، ومثله.
كسوناها من الرّيط اليمانى … مسوحا فى بنائقها فضول (1)
أراد: كسونا الإبل بدلا من الرّيط مسوحا. والرّيط: جمع الرّيطة، وهى الملاءة/لا تكون لفقين، وعنى بالمسوح عرقها، شبّهه لاسوداده بالمسوح.
والبنائق: جمع بنيقة، وهى كلّ رقعة فى الثوب كاللّبنة والنّيفق، ومثله فى قول الراعى، يذمّ عمّال الصّدقات:
أخذوا المخاض من الفصيل غلبة … ظلما ويكتب للأمير: أفيلا (2)
المخاض: النّوق الحوامل، واحدتها خلفة.
والفصيل: ولد الناقة الذى فصل عن أمّه.
والأفيل: الصّغير. أراد: أخذوا النّوق الحوامل بدلا من الفصال، ويكتبونها للأمير، أى أمير المؤمنين، إفالا.
وضع الفصيل والأفيل فى موضع الفصال والإفال، على ما ذكرته لك فى
_________
(1) فرغت منه فى المجلس السادس.
(2) ديوانه ص 242، وتخريجه فيه، وزد عليه: التكملة ص 212، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 879، وشرح أبيات المغنى 5/ 325. وقوله: «يكتب» يروى بفتح الياء على البناء للفاعل، أى يكتب الساعى، وهو جامع الصدقات. ويروى بضم الياء على البناء للمفعول-وهى الرواية المشهورة-وعليها يكون نصب «أفيلا» بفعل محذوف، أى ويكتب: أخذنا من فلان أفيلا. قاله البغدادى فى الخزانة 3/ 150. وقال ابن هشام: وانتصاب «أفيلا» على الحكاية؛ لأنهم يكتبون «أدّى فلان أفيلا» المغنى ص 320.
(2/272)

عدّة مواضع من وضع الواحد فى موضع الجماعة، ومن هذا الضّرب قول كثيّر:
وإنّا لنعطى العقل دون دمائنا … ونأبى فلا نستاق من دمنا عقلا (1)
أراد بالعقل الدّية، وإنما سمّيت الدّية عقلا؛ لأنهم كانوا يدون قتلاهم بالإبل، فيعقلونها بفناء أولياء المقتول، فقال: إذا قتلنا أعطينا الدّية دون القصاص، وإذا قتل منّا أبينا إلاّ القصاص، فلا نستاق بدلا من دم قتيلنا إبلا.
ومن هذا الضّرب قول المتنبى (2):
وخيلا تغتذى ريح الموامى … ويكفيها من الماء السّراب
وصف خيل بنى كلاب بأن غذاءها الرّيح وماءها السّراب.
فالتقدير: ويكفيها السّراب بدلا من الماء، أى إذا رأت شبيه لون الماء اكتفت به.
ومما جاء فى التنزيل من هذا الضّرب قوله تعالى: {وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} (3) المعنى: لجعلنا بدلا منكم فى الأرض ملائكة يخلف بعضهم بعضا.
ومثله فى المعنى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} (4).
ونظيره فى إضمار/البدل قوله: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ} (5) أى بدلا من الآخرة، وقال بعض المفسّرين فى قوله تعالى: {فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ}
_________
(1) فرغت منه فى المجلس السادس.
(2) ديوانه 1/ 84.
(3) الآية المتمة الستين من سورة الزخرف.
(4) سورة النساء 133.
(5) سورة التوبة 38.
(2/273)

{بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} (1) وأقول: أىّ علم كان عند المشركين بالله؟ وإنما المعنى: فرحوا بما عندهم بدلا من العلم، أى فرحوا بما عندهم من الباطل، بدلا من الحقّ.
وقال أبو إسحاق الزجّاج: أى هذا العذاب الذى نزل بكم بما كنتم تفرحون بالباطل الذى كان فى أيديكم (2).
فعلى هذا التفسير يكون العلم فى الآية الباطل الذى كان يسمّونه علما، ويعتقدونه حقّا.
... ممّن هجا أخاه أبو (3) المرجّى، خال ابن أبى الجبر، صاحب البطيحة، واجتمعت به، وأنشدنى قوله فيه:
أىّ حرام من الحلال أخى … كأنه الخمرة ابنة العنب (4)
أجاد فى هذا التشبيه، وما أظنّ أنّ أحدا سبقه إليه:
قاتلك الله يا أخيّ لقد … فضحتنا فى قبائل العرب
كأننا الغرّ من قريش سموا … وأنت ما بيننا أبو لهب
_________
(1) سورة غافر 83، وهكذا وقف الكلام، ولم يأت مقول القول الذى يتّجه إليه كلام ابن الشجرى «وأقول. . .». ولعلّ المراد هو ما أثر عن مجاهد من قوله: «إن الكفار الذين فرحوا بما عندهم من العلم قالوا: نحن أعلم منهم، لن نعذّب ولن نبعث» راجع تفسير الطبرى 24/ 58، والقرطبى 15/ 336، والدر المنثور 5/ 358. وانظر تفسير مجاهد ص 584، هذا وقد ذكر ابن الجوزى من معانى «العلم» فى القرآن الكريم: ما يعدّه أربابه علما وإن لم يكن كذلك، ثم تلا الآية الكريمة. نزهة الأعين النواظر ص 453.
(2) معانى القرآن وإعرابه 4/ 378.
(3) ترجم له العماد الأصبهانى باسم (الصارم مرجّى بن بتّاه البطائحى) فى خريدة القصر ص 532 (قسم شعراء العراق-المجلد الثانى من الجزء الرابع). وابن أخته ابن أبى الجبر هو: مهذب الدولة أحمد بن محمد. ترجمته فى الجزء المذكور من الخريدة ص 525.
(4) الأبيات فى الخريدة ص 537.
(2/274)

قوله: «سموا» فى موضع الحال، «وقد» مضمرة فيه، التقدير: كأنّنا الغرّ من قريش سامين، كما أضمرت «قد» (1) فى قوله تعالى: {أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} (2) فالتقدير: حصرى الصّدور.
وروى أن شاعرا توعّد أخاه بالهجاء، فقال له: أتهجوني وأبى أبوك وأمّى أمّك؟ قال: نعم، أقول:
لئيم أتاه اللؤم من عند نفسه … ولم يأته من عند أمّ ولا أب (3)
وقال آخر:
أبوك أب حرّ وأمّك حرّة … وقد يلد الحرّان غير نجيب (4)
فلا يعجبنّ الناس منك ومنهما … فما خبث من فضّة بعجيب
/وهجا الحطيئة أمّه بقوله (5):
تنحّى فاقعدى منّى بعيدا … أراح الله منك العالمينا
أغربالا إذا استودعت سرّا … وكانونا على المتحدّثينا
الكانون من الرجال: الثّقيل على مجالسيه.
وقوله: غربالا وكانونا، منتصبان انتصاب المصادر (6)، فهو ممّا دخله حذف
_________
(1) سبق هذا البحث فى المجلس الرابع والأربعين.
(2) سورة النساء 90.
(3) البيت من غير نسبة فى أمالى القالى 2/ 82، بروايته عن ابن الأعرابى.
(4) البيتان فى ديوان المعانى 1/ 192، ونسبهما أبو هلال إلى حسّان رضى الله عنه، فى هجاء أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب-قبل أن يسلم-رضى الله عنه، وتبع أبا هلال النويرىّ فى نهاية الأرب 3/ 284، ولم أجدهما فى ديوان حسّان المطبوع. وهما من غير نسبة فى الزهرة 2/ 162، والأشباه والنظائر للخالديين 1/ 95، وفى حواشيهما فضل تخريج. وعجز البيت الثانى وحده فى التمثيل والمحاضرة ص 288 من غير نسبة.
(5) ديوانه ص 100، وتخريجه فى ص 350، وهو شعر سيّار.
(6) ذهب ابن السّكّيت إلى أنه منصوب بإضمار الفعل، أراد: أراك غربالا، ومثّل له بقول العرب: «أثعلبا وتفرّ؟» أى: أترى ثعلبا وتفرّ؟ وانظر قول العرب هذا وتوجيهه فى معانى القرآن 2/ 297.
(2/275)

جملتين ومضافين، وما اتصل بذلك، والتقدير: أتخرجين ما تستودعينه من السّرّ إخراج غربال ما فيه، وتثقلين على المتحدّثين ثقل كانون.
وما كنت أظنّ أن أحدا هجا أمّه إلاّ الحطيئة، حتى أنشدنى رجل من عدول واسط، يعرف بابن كردى، أبياتا لأبى المرجّى المذكور آنفا، يهجو بها أمّه، وهى (1):
إنّا إلى الله من عجوز … تأخذها هزّة الغيور
كانت لها دولة وولّت … ودولة الحبّ للغرير
الغرير: الحديث السّنّ، والغرارة: الحداثة.
كأنّما وجهها قميص … قد فرّكوه على حصير
تفترّ عن مبسم غليظ … كأنه مشفر البعير
ما بين ناب لها طويل … وبين أنف لها قصير
وكان هذا الرجل لهجا بالهجو، حتى إنّ مدحه كان شبيها بالهجو.
فمن ذلك أنه مدح الوزير زعيم الدولة محمد بن جهير، رضى الله عنه، بقصيدة، اعتقد أنه قد بالغ فى تجويدها، فقال فيها:
بقيّة فى زمان سوء … صالحة من بنى جهير
فلما سمع الوزير هذا البيت قال لاهيا به: حفظك الله، ما قصّرت!
ونعود إلى ما كنّا آخذين فيه، من ذكر حذف اللامات، فنقول: والكرة:
/المحذوف منها عند المحقّقين لامها، وهى واو، لأن الفعل منها كروت، وأصلها:
كروة، وجمعها كرات وكرون، وزعم قوم أن المحذوف عينها، فحكموا بأن أصلها:
_________
(1) ذكر العماد أن هذه الأبيات فى هجاء زوجة الشاعر، وأورد ثلاثة أبيات فقط، وليس منها مما ذكره ابن الشجرى إلاّ البيت الثالث. خريدة القصر-الجزء السابق ص 538.
(2/276)

كورة، فعلة، من قولهم: كار العمامة على رأسه يكورها، وكوّرها يكوّرها: إذا عبّأ بعضها على بعض، ومن ذلك قوله تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ} (1) أى يجعل هذا على هذا، وهذا على هذا، فقيل لها: كرة لتدوّرها كتدوّر العمامة والكارة.
وحمة العقرب: سمّها، وليست بإبرتها، كما يعتقد العامّة (2)، وأصلها حموة، فعلة، فى لغة من قال: حمو الشمس، وحمية، فى قول من قال: حمى الشمس.
والمحذوف من مائة لامها، وهى ياء، فأصلها مئية، وحكى الأخفش أبو الحسن أنه سمع أعرابيّا يقول: اعطنى مئية، فجاء بها على الأصل، وكذلك أنشدوا:
أدنى عطائهم إيّاي مئيات (3)
والمشهور: مئات ومئون، قال الفرزدق:
ثلاث مئين للملوك وفى بها … ردائى وجلّت عن وجوه الأهاتم (4)
وروى بعض التصريفيّين أنهم حذفوا همزتها فى الجمع، فقالوا فى الجرّ والنصب: مين، وهذا رديء (5)؛ لأنه جمع بين إعلالين متلاصقين: حذف العين وحذف اللام.
_________
(1) سورة الزمر 5.
(2) أدب الكاتب ص 199،378، وتقويم اللسان ص 95.
(3) صدره: فقلت والمرء تخطيه منيّته وقبله الشاهد المعروف: قد كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقة حتى ألمّت بنا يوما ملمّات وينسب إلى تميم بن أبىّ بن مقبل-وليس فى ديوانه المطبوع-وإلى أبى شنبل الأعرابى. إيضاح شواهد الإيضاح ص 516، وتذكرة النحاة ص 508، وشرح الشواهد الكبرى 2/ 376، والهمع 2/ 239، واللسان (ضربج).
(4) تقدّم فى المجلس الثامن والأربعين.
(5) سبق فى المجلس السابع والأربعين.
(2/277)

والسّية: طرف القوس، عينها عند قوم ياء، والنّسب إليها سيوىّ، وجمعها سيات، وقال الجرمىّ: سمعت أبا عبيدة يقول: سئة القوس، مهموزة.
وحكى غيره من البصريين: أسأيت القوس، ويجوز أن يكون المحذوف منها واوا، وليس فى قولهم: أسأيت، دليل على أن المحذوف ياء؛ لأنّ الواو تصير هنا ياء، نحو أغريت وأدنيت، ولكن فيه دلالة على أنّ المحذوف منها لام.
وقالوا: إنّ هذه المنقوصات؛ ما لامه واو أكثر ممّا لامه ياء، فإذا جهلت جنس لام الكلمة/فاحكم بأنها واو، حتى يقوم دليل على خلافه.
والمحذوف من «فئة» واو، وجمعها فئات، وهى من قولهم: فأوت: إذا شققت وفرّقت؛ لأن الفئة كالفرقة، وقالوا: فأوت رأسه بالسيف: إذا فلقته.
ولام الرّئة ياء، لقولهم: رأيته: إذا ضربت (1) رئته، وجمعها رئات، وحكى أبو زيد: رئون، وأنشد:
فغظناهم حتى أتى الغيظ منهم … قلوبا وأكبادا لهم ورئينا (2)
والعزة: الجماعة من الناس، وهى مأخوذة من عزوته إلى كذا، وعزيته:
إذا نسبته إليه، وجمعها عزون، وفى التنزيل: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ} (3) وعضة: واحدة العضاه، وهو شجر من شجر الشّوك، كالطّلح والعوسج، وعضة كسنة، فى كون لامها فى لغة هاء، وفى أخرى واوا، ويقال فى جمعها:
عضوات وعضون، قال:
وعضوات تقطع اللهازما (4)
_________
(1) الملاحن ص 8، والمقتضب 1/ 241.
(2) للأسود بن يعفر. ديوانه ص 63، ونوادر أبى زيد ص 195، واللسان (رأى).
(3) سورة المعارج 37.
(4) الكتاب 3/ 360، والكامل ص 967، والأصول 3/ 321، والبغداديات ص 158،504، والحلبيات ص 346، والعسكريات ص 171، والعضديات ص 32، والخصائص 1/ 172، -
(2/278)

فأصلها فى هذا القول عضوة، وأمّا قوله تعالى: {جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} (1) ففيه قولان: أحدهما: أنه من الواو، لأنه فسّر على أنهم فرّقوه، فكأنهم جعلوه أعضاء، فقال بعضهم: هو شعر، وقال بعضهم: هو سحر، وقال آخرون:
أساطير الأولين.
والقول الثانى: أن الواحدة عضهة، مأخوذة من العضيهة، وهى الكذب.
وأراد الشاعر باللهازم اللهزمتين، وهما ما تحت الأذنين من أعلى اللّحيين، وإنما جمعهما بما حولهما، كقولهم: شابت مفارقه (2)، وبعير ذو عثانين، ومثله.
والزّعفران على ترائبها … شرق به اللّبّات والنّحر (3)
وضع التّرائب فى موضع التّريبة، واللّبّات فى موضع اللّبّة، ويجوز أن يكون جمع لأنه أراد باللهازم لهازم جماعة من الإبل.
واللثة (4): ما انحدر من اللحم على الأسنان، وجمعها لثات ولثى، والمحذوف منها ياء، /قال بعض اللّغويّين: لأنها مأخوذة من اللّثى، وهو ما يخرج من الشجر أبيض كالماء يسقط ويقطر، ويقال: أمة لثياء، إذا كان قبلها يعرق.
قلت: أما اللّثى فلا دلالة فيه على أن المحذوف من اللّثة ياء، وإنما الدليل على ذلك ظهور الياء فى اللّثياء، لأنهم شبّهوها لعرق قبلها بالشجرة التى يسقط منها المسمّى لثى.
...
_________
= والمنصف 1/ 59،3/ 38،127، وسرّ صناعة الإعراب ص 418،548، والمخصص 14/ 7، وشرح المفصل 5/ 38، والممتع ص 625. وهو من إنشاد الأصمعىّ عن أبى مهدية. اللسان (أزم- عضه).
(1) سورة الحجر 91.
(2) راجع المجلس الثامن والعشرين.
(3) فرغت منه فى المجلس الحادى عشر.
(4) هذا أحد قولين، والقول الثانى أن «اللثة» معتلّة العين، والمحذوف منها الواو؛ لأنها من لثت العمامة ألوثها: إذا أدرتها. واللثة محيطة بالأسنان. اللسان (لوث-لثا).
(2/279)

المجلس الثالث والخمسون
يتضمّن ذكر ما لم نذكره من حذف اللامات
، التى عوّضوا منها، وما حذف على طريق الشذوذ من الياءات، التى هى لامات.
فمن الضّرب الأول: الاسم، فالمحذوف منه عند البصريّين (1) لامه، وهى واو واشتقاقه عندهم من السّموّ، لأن المسمّى يرتفع ذكره باسمه فيعرف به، وإذا جهل اسمه كان خاملا، ومن هذا المعنى يقال: فلان له اسم، إذا كان شهيرا، وفيه لغات، أعلاها: اسم؛ لأن التنزيل جاء به، والثانية: سم، مكسور السين، والثالثة: سم، بضمّها، والرابعة: سما، مضموم الأول، مقصور كهدى، ومنهم من يقول: اسم، فيضمّ همزته، وهى قليلة، قال الراجز (2).
باسم الذى فى كلّ سورة سمه
وقال آخر، فضمّ السين وأثبت اللام:
لأحسنها وجها وأكرمها أبا … وأسمحها كفّا وأعلنها سما (3)
_________
(1) هذه إحدى مسائل الخلاف الشهيرة بين البصريّين والكوفيين. انظر لها الإنصاف ص 6، وأسرار العربية ص 4، وائتلاف النصرة ص 27، والتبيين ص 132، وفى حواشيه فضل تخريج للمسألة.
(2) من بنى كلب، كما فى النوادر ص 462، والبيت من غير نسبة فى المقتضب 1/ 229، ومعانى القرآن للزجاج 1/ 39، والأصول 3/ 322، والتنبيهات على أغاليط الرواة ص 340، والصاحبى ص 383، والمنصف 1/ 60، وتفسير أرجوزة أبى نواس ص 202، والمخصص 17/ 135، والإنصاف ص 16، وأسرار العربية ص 8، وتفسير القرطبى 1/ 100، وشرح الجمل 2/ 351، وبعضهم ينسب هذا البيت إلى رؤبة، وقد ردّ هذه النسبة البغدادىّ، فى شرح شواهد الشافية ص 176. وقوله: «سمه» يروى بضم السين، ويروى بكسرها، وهو أقلّ، كما ذكر ابن السرّاج.
(3) النوادر ص 462، والمقتضب 1/ 230، والأصول 3/ 323، والتنبيهات على أغاليط الرواة ص 339، والمنصف 1/ 60، والمخصص 15/ 178، ورسالة الملائكة ص 129، وشرح شواهد الشافية ص 177.
(2/280)

ومثله:
الله أسماك سما مباركا (1)
وقال آخر، فضمّ السين وحذف اللام:
وعامنا أعجبنا مقدّمه … يدعى أبا السّمح وقرضاب سمه (2)
القرضاب: الفقير، وهو القرضوب أيضا
ومثال اسم، فى أصل وضعه: سمو، فعل، مكسور الأول ساكن الثاني، مثل جذع، أو سمو، فعل، مثل قفل، فى لغة من قال: سم، فضمّ السين ولم يفتح الميم، أو سمو، فعل، مثل رطب، فى قول من/فتح ميمه، فصارت واوه ألفا، وجمعوه على أفعال.
فمن كسر أوله، كان كأجذاع وأعدال، ومن ضمّ أوله وحذف واوه فلم يقلبها، كان كأبراد (3) وأقفال، ومن ضمّ أوله وقلب واوه، كان كأرطاب وأرباع، جمع الرّبع، وهو ولد الناقة التى تلده فى الرّبيع.
ومن قال: اسم، فإنه حذف لامه، وأسكن فاءه، واجتلب له همزة الوصل عوضا من المحذوف، كما فعلوا ذلك فى ابن واست ونحوهما.
_________
(1) هو من غير نسبة فى الموضع السابق من التنبيهات، ورسالة الملائكة، وتفسير القرطبى، والإنصاف ص 15، وأسرار العربية ص 9، وأوضح المسالك 1/ 34، ونسبه العينىّ فى شرح الشواهد 1/ 154 لأبى خالد القنانى-بفتح القاف-وأبو خالد هذا من قعد الخوارج، ولم أجدنه شيئا فى «شعر الخوارج». هذا وقد أنشد ابن السّكّيت البيت الشاهد مع بيت بعده، فى إصلاح المنطق ص 134، عن الفراء، بعبارة «قال: وأنشدنى القنانىّ». والقنانىّ هذا هو «أبو محمد»، أستاذ الفراء، وبهذا يظهر تخليط العينىّ، رحمه الله، وانظر حواشى كتاب الشعر ص 410.
(2) المخصص 4/ 140،9/ 123، والمواضع المذكورة من الإصلاح والمنصف ورسالة الملائكة، والإنصاف والأسرار، والقرطبىّ.
(3) جمع برد.
(2/281)

ومن قال: سم وسم، لم يعوّض، كما لم يعوّضوا فى أب وأخ ونحوهما.
وخالف الكوفيّون البصريّين فى اشتقاقه، فزعموا أن المحذوف فاؤه، وأخذوه من السّمة (1)، فوزن سم وسم على قولهم: عل وعل، وكذلك اسم: إعل، وأصله وسم أو وسم، قالوا: لأنّ السّمة العلامة، والاسم علامة تدلّ على المسمّى.
وهذا القول صحيح فى المعنى، فاسد من جهة التصريف (2)، وذلك أنك إذا صغّرته أو كسّرته أو صرّفت منه فعلا، رددت المحذوف منه إلى موضع اللام، ولو كان من السّمة كما زعموا رددت المحذوف إلى موضع الفاء، ألا ترى أنك تقول فى تصغيره: سميّ، وفى تكسيره: أسماء، وفى الفعل منه: سمّيت، ولو كان من السّمة ردّوا المحذوف منه أوّلا، فقالوا: وسيم، وأوسام، ووسمت.
ودليل آخر يسقط ما قالوه، وهو أنك لا تجد فى العربية اسما حذفت فاؤه وعوّض همزة الوصل، وإنما عوّضوا من حذف الفاء تاء التأنيث، فى عدة وزنة وثقة، ونظائرهنّ.
وممّا احتجّوا به على مذهب البصريّين، فى اشتقاقهم الاسم من السّموّ، أنهم قالوا: قد وجدنا من الأسماء أسماء تضع من مسمّياتها كقرد وكلب وجرو، وعوسج وشوك.
_________
(1) الحقّ أن الكوفيين الأوائل لم يقولوا بهذا، وأنهم يتفقون مع البصريين فى أن اشتقاق الاسم من «السموّ». قال أبو القاسم الزجاجى: «أجمع علماء البصريّين، ولا أعلم عن الكوفيين خلافا محصّلا مستندا إلى من يوثق به، أن اشتقاق «اسم» من سموت أسمو: أى علوت، كأنه جعل تنويها بالدلالة على المسمّى لما كان تحته. . . وقد حكى أن بعضهم يذهب إلى أن أصله من «وسمت» كأنه جعل سمة للمسمّى». اشتقاق أسماء الله ص 255. وقد حرّر هذه المسألة تحريرا جيدا الدكتور محمد خير الحلوانى رحمه الله، فى كتابه الجيد: الخلاف النحوى ص 216، وانظر حواشى التبيين عن مذاهب النحويين ص 132.
(2) استاق أبو البركات الأنبارىّ حجج ابن الشجرى هذه. راجع الإنصاف ص 8 وما بعدها، وفى كلامهما معا مشابه من كلام مكىّ فى مشكل إعراب القرآن 1/ 66 - طبعة بغداد.
(2/282)

وليس هذا الذى تعلّقوا به بشىء؛ لأن هذه الأسماء علّقت على أجناس وضيعة، فالوضاعة لاحقة بها من الجنسيّة، لا من جهة الاسميّة، /ألا ترى أنهم قد سمّوا بكلب وكلاب، وعوسجة، وكنّوا بأبى الشّوك، فلم يضع ذلك من المسمّين والمكنّين، وجرى مجرى تسميتهم ببدر وهلال ومطر وأسد.
قيل لعلىّ بن عيسى الرّمّانىّ: لم عوّضوا فى اسم وابن، ولم يعوّضوا فى أب وأخ؟
فقال: كراهة إدخال ألف الوصل على ألف الأصل.
أراد أنهم لو أسكنوا أوّلهما واجتلبوا لهما الهمزة الوصليّة صارت همزتاهما ياءين (1)، لانكسار الهمزة قبلهما فقيل: إيب وإيخ.
وأمّا «است» فأصلها: سته، مفتوحة العين، بزنة قدح، بدلالة جمعها على أفعال كأقداح.
فإن عورض هذا القول بأنها يجوز أن يكون أصلها: سته كعدل، أو سته كبرد، وكلاهما قياسه فى الجمع أفعال.
قيل: لا يجوز ذلك؛ لقولهم فى اللغة الأخرى: سه، ففتح السين فى هذه اللغة مقطوع به على أن أصلها سته، فعل (2).
ووزن سه: فل، ودلّ على أنّ المحذوف منها هاء، ظهور الهاء فى سه، وفى
_________
(1) هذا كلام المبرد. راجع المنصف 1/ 63.
(2) الكتاب 3/ 364، والمقتضب 1/ 232، وحواشيه. وقال الجوهرىّ فى الصحاح (سته). «الاست: العجز، وقد يراد به حلقة الدّبر، وأصلها: سته، على فعل بالتحريك، يدلّ على ذلك أنّ جمعه أستاه، مثل جمل وأجمال، ولا يجوز أن يكون مثل جذع وقفل اللذين يجمعان أيضا على أفعال؛ لأنك إذا رددت الهاء التى هى لام الفعل وحذفت العين قلت: سه، بالفتح. . . وفى الحديث: «العين وكاء السّه» بحذف عين الفعل، ويروى: «وكاء السّت» بحذف لام الفعل». فهذا تفصيل ما أجمله ابن الشجرى. وانظر أيضا شرح المفصل 9/ 134.
(2/283)

جمعها وتصغيرها وما صرّف منها، كقولهم: رجل استه، وستهم، بمعنى استه، وامرأة ستهاء، والميم فى ستهم زائدة (1)، كما زيدت فى زرقم.
ولمّا حذفوا لامها صارت إلى ست، بوزن فع، فأسكنوا فاءها، واجتلبوا لها همزة الوصل تعويضا من محذوفها.
وأما «ابن» فأصله: بنو، فعل، مفتوح العين، بدلالة جمعه على أفعال، كأجبال، فلا يجوز أن يقال: إنّ أصله بنو، بكسر أوّله وسكون ثانيه، بدلالة كسر بائه في بنت، فيكون كقنو (2)، وجمع على أبناء، كأقناء، لأن هذا يبطل بفتح الباء فى بنين وبنات وبنويّ.
/وأكثر النحويّين حكموا بأن المحذوف منه واو، واستدلّوا بظهور الواو فى البنوّة.
وقال آخرون: ليس ظهور الواو فى البنوّة بدليل على أنّ لامه واو؛ لقولهم فى مصدر الفتى: الفتوّة، ولامه ياء، بدلالة ظهور الياء فى فتيان وفتيان وفتيات، قالوا:
وإذا لم يكن فى البنوّة دلالة على الواو، فأصله بنى، فعل من بنيت، لأن الابن مبنىّ على الأب، وهذا قول، وإن كان معظم النحويّين على القول الأول (3).
وأشكل ما فى هذا الاسم قولهم فى جمع مصغّره: أبينون، قال سلمىّ بن ربيعة السّيدىّ:
زعمت تماضر أنّنى إمّا أمت … يسدد أبينوها الأصاغر خلّتى (4)
_________
(1) السّتهم: العظيم الاست، والزّرقم: الأزرق الشديد الزّرقة، وانظر المنصف 1/ 61، وسرّ صناعة الإعراب ص 170،431،604.
(2) القنو: عذق النخل، وهو الكباسة، كالعنقود من العنب. ومثّل الجوهرىّ لهذا البناء بجذع، راجع الصحاح (بنا). وانظر الخصائص 1/ 201، وشرح الشافية 2/ 255.
(3) راجع سرّ صناعة الإعراب ص 150، وشرح الملوكى ص 401، وشرح الشافية 2/ 257، 258، واللسان (بنا).
(4) فرغت منه فى المجلس السابع.
(2/284)

لا يجوز [أن يكون (1)] أبينون جمعا لمصغّر ابن؛ لأنه لو كان كذلك لقيل:
بنيّون، ولا يجوز أن يكون جمعا لمصغّر أبناء، لأنه لو كان كذلك لقيل: أبيناءون، ولو أرادوا هذا لاستغنوا بقولهم: أبيناء عن جمعه بالواو والنون.
وإذا بطل الأول والثانى، فإنّ قولهم «أبينون» جمع لتصغير اسم للجمع، وليس بجمع، ولكنه كنفر ورهط، وهو مما قدّروه ولم ينطقوا به، ومثاله: أبنى مقصور، بوزن أعشى، ثم حقّر فصار إلى أبين، مثل أعيش، ثم جمع فقيل:
أبينون، وأصله: أبينيون، ففعل فيه ما فعل فى القاضون.
وابنة: حكمها حكمه، فى أنّ أصلها بنوة، أو بنية، فى قول من حكم بأن لامه ياء، ولمّا حذفوا لاميهما أسكنوا فائيهما، واجتلبوا لهما همزة الوصل تعويضا لما دخلهما من الحذف.
وأما بنت، فسنذكرها مع نظائرها، إن شاء الله.
والمحذوف من قولهم: «اثنان» ياء، فالواحد أصله ثنى، فعل، من ثنيت، بوزن قلم، لأن الاثنين قد ثني أحدهما على صاحبه.
وحكى سيبويه (2) أنهم قد قالوا فى جمعه: أثناء، فهذا دليل على فتح عينه.
ويجوز أن يكون أصله ثني، كجذع، فأفعال محتمل للمثالين، ولا يجوز أن يقطع على/أن أصله فعل، كجذع، دون فعل، كجبل، استدلالا بكسر الثاء من ثنتان، كما لم يجز أن يحكم بأن أصل ابن: بني، اعتبارا بكسر الباء من بنت.
وأصل مؤنّثه ثنية، كرقبة، أو ثنية، كسدرة، ولمّا حذفت لاماهما أسكنت فاءاهما، وعوّضا منهما همزة الوصل.
...
_________
(1) تكملة مما حكاه البغدادىّ من كلام ابن الشجرى. الخزانة 8/ 35.
(2) الكتاب 3/ 364، وانظر الممتع ص 388.
(2/285)

فصل
فأمّا ما عوّض من لامه التاء
، فمنه «بنت» (1) وقد قدّمنا أن أصلها: بنوة، فحذفوا منها هاء التأنيث، ثم حذفوا الواو أو الياء التى هى لامها، وكسروا أوّلها، وأسكنوا ثانيها، وزادوا التاء فى آخرها، عوضا من لامها، فألحقوها بجذع.
وكذلك «أخت» أصلها: أخوة، فعلة، كبقرة، فحذفوا منها الهاء ثم اللام، وضمّوا أوّلها وأسكنوا ثانيها وعوّضوها التاء من محذوفها، فألحقوها بقفل، فليست التاء فيها وفى بنت كالتاء التى تلحق للتأنيث، فى نحو مرأة وظريفة، لأن هذه يلزم ما قبلها الفتح، فسكون النون من بنت، والخاء من أخت يخرج تاءيهما من أن تكونا من قبيل ما ذكرناه، إلاّ أنهما مع ذلك غير عاريتين من التأنيث بالكليّة، بدلالة قولك فى النّسب إليهما: بنويّ (2) وأخويّ، حذفت التاء منهما كما حذفت تاء التأنيث فى قولك: مكّىّ وكوفىّ، ولو كانت مجرّدة من التأنيث لقيل بنتيّ وأختيّ.
ودليل آخر، وهو أن هذه التاء المزيدة فى بنت وأخت عوضا من محذوفيهما اختصّوا بزيادتها أسماء مؤنّثة، سيأتى ذكر جميعها، فمنها «ثنتان» وحكمها حكم بنت وأخت، فى حذف الهاء منها، ثم حذف لامها وتعويضها منها التاء، إلاّ أن المحذوف منها ياء، فأصلها: ثنية، مثل قصبة، أو ثنية، مثل سدرة، على ما قرّرناه فى مذكّرها.
/وهنت (3) أصلها: هنوة، مفتوحة العين؛ لأن مذكّرها فعل، بدلالة جمعه
_________
(1) الكتاب 4/ 317، وسرّ صناعة الإعراب ص 149،150، والممتع ص 385.
(2) الكتاب 3/ 362.
(3) انظر المراجع المذكورة، وأيضا الكتاب 3/ 364.
(2/286)

على أفعال، فحذفوا منها هاء التأنيث ثم الواو، وأسكنوا ثانيها، وعوّضوها التاء فألحقوها بكعب.
وذهب سيبويه (1) فى «كلتا» إلى أنها فعلى، كذكرى، وأصلها كلوى، فحذفوا واوها وعوّضوها منها التاء، كما فعلوا فى بنت وأخت وهنت، ويدلّ على أن تاءها ليست بأصل، بل بدل من حرف علّة، اعتلال اللام من كلا، ويدلّ على أن لامها واو ما ذكرناه من أن اللام أغلب على الواو.
ودليل آخر، وهو أن تعويض التاء من الواو أكثر من تعويضها من الياء.
وذهب الجرمىّ إلى أنّ وزن كلتا فعتل، وأن التاء على تأنيثها.
ويشهد (2) بفساد هذا القول ثلاثة أشياء.
أحدها: سكون ما قبلها (3).
والثانى: أن تاء التأنيث لا تزاد حشوا.
والثالث: أن مثال فعتل معدوم فى العربيّة.
وأمّا «كيت وذيت (4)» فإنّ العرب استعملت هاتين اللفظتين كناية عن الجمل والحديث الطويل، وألزموهما التكرير، فقالوا: بلغنى كيت وكيت، وكان من الأمر ذيت وذيت.
وفيهما ثلاث لغات: فتح التاء وكسرها وضمّها، والفتح أشهر وأقيس.
_________
(1) الكتاب 3/ 364، وسر صناعة الإعراب ص 151،152، وسياقه يؤذن بأن ابن الشجرى ينقل عنه. وانظر شرح المفصل 1/ 55، وشرح الشافية 2/ 70.
(2) هذا من كلام ابن جنى، راجع الموضع السابق من سرّ الصناعة، والخصائص 1/ 203، وأصل الكلام لأبى على، راجع البصريات ص 793،794، ثم انظر المرتجل ص 67.
(3) والتاء لا تكون علامة تأنيث الواحد إلاّ وقبلها فتحة، نحو طلحة وحمزة، وقائمة وقاعدة، أو تكون قبلها ألف، نحو سعلاة وعزهاة، واللام فى «كلتا» ساكنة كما ترى. ذكره ابن جنى.
(4) الكتاب 3/ 292،363، وسرّ صناعة الإعراب ص 153، والممتع ص 388، وشرح الشافية 1/ 220،222،2/ 69.
(2/287)

وأصلهما: كيّة وذيّة، فأسقطوا منهما الهاء والياء المتحركة، وعوّضوا منها التاء، وقد استعملوا كيّة وذيّة مكرّرتين أيضا مفتوحتين لا غير، وإنما بنوا هاتين اللفظتين لأنهم عبّروا بهما عن الجمل، والجمل مبنيّة.
ألا ترى أنك إذا سمّيت بالجملة حكيتها، كما سمّوا بتأبّط شرّا، وبرق (1) نحره، وشاب قرناها، فلو سمّيت بقولك: يخرج زيد، لقلت: جاء يخرج زيد، ورأيت يخرج زيد، ومررت بيخرج زيد، وكذلك زيد منطلق هذا حكمه، فالجملة مجموعها مبنيّة، وإنما المعرب «يخرج» بانفراده و «زيد» بانفراده.
...
_________
(1) راجع كتاب الشعر ص 12.
(2/288)

/ فصل
ومن حذف اللام على الشذوذ
، ما جاء من حذف الياء اكتفاء بالكسرة، وذلك فى غير الفواصل والقوافى، كقوله:
كفّاك كفّ لا تليق درهما … جودا وأخرى تعط بالسّيف الدّما (1)
قوله: «لا تليق» لا تمسك.
وقال آخر، فحذف الياء من الأيدى:
دوامى الأيد يخبطن السّريحا (2)
السّريح: جلود تنعلها الإبل إذا حفيت، واحدتها: سريحة.
وقال آخر (3):
_________
(1) معانى القرآن 2/ 27،118،3/ 260، وسر صناعة الإعراب ص 519،772، وشرح الجمل 2/ 585، وضرورة الشعر ص 113، وضرائر الشعر ص 121، وفى حواشى هذين فضل تخريج. وانظر كتب التفسير فى سياق شرح الآية (105) من سورة هود: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ.
(2) صدره: فطرت بمنصلى فى يعملات وينسب ليزيد بن الطثرية، وهو فى شعره ص 60 (جمع الدكتور ناصر بن سعد الرشيد)، وينسب لمضرّس بن ربعىّ الأسدى. راجع ضرورة الشعر ص 215، وضرائر الشعر ص 120. والمنصل: السيف. واليعملة: الناقة القوية على العمل.
(3) هو أنس بن العبّاس بن مرداس السّلمىّ. وقيل: أبو عامر جد العبّاس. شرح أبيات سيبويه 1/ 584، وسمط اللآلى 3/ 37، وشرح أبيات المغنى 4/ 343. والبيتان ينسبان أيضا إلى أبى الرّبيس التغلبىّ، فى اللسان (ودى). ويأتى قبلهما هذا الشاهد المعروف: لا نسب اليوم ولا خلّة اتّسع الخرق على الراتق فى إحدى روايتيه، والرواية الشهيرة: «على الراقع». وانظر موضع الشاهد عندنا فى المنصف 2/ 73، والخصائص 2/ 292، والإنصاف ص 388، وشرح الشواهد الكبرى 2/ 351، واللسان (قمر-يدى). هذا ويأتى البيت الأول شاهدا على جواز تأنيث «العاتق». راجع المذكر والمؤنث لابن الأنبارى ص 208، وإصلاح المنطق ص 362، والمخصص 1/ 159،17/ 13، وخلق الإنسان لأبى محمد الحسن ابن أحمد ص 200.
(2/289)

لا صلح بينى فاعلموه ولا … بينكم ما حملت عاتقى
رمحى وما كنّا بنجد وما … قرقر قمر الواد بالشاهق
وقوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ} (1) من هذا الضّرب، وكذلك {ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ} (2) لأنه ليس كقوله: {وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ} (3) إلاّ أن أبا علي (4) شبّه «نبغ» بالفاصلة، قال: لأنه قد تمّ عليه الكلام.
وكذلك حذفوا الياء فى قولهم: «لا أدر» لكثرة استعماله (5).
واختلفوا فى الوقف على الاسم المنقوص (6)، المرفوع والمجرور، إذا كان فيه لام
_________
= وقرقر الطائر قرقرة: صوّت. وقمر-بضم القاف-إما أن يكون جمع أقمر، مثل أحمر وحمر، وإما أن يكون جمع قمرىّ، مثل رومىّ وروم. قاله الجوهرى فى الصحاح (قمر) وأنشد البيتين. والشاهق: الجبل المرتفع.
(1) سورة هود 105، وقد قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائى «يوم يأتى» بإثبات الياء فى الوصل، ويحذفونها فى الوقف، وكان ابن كثير يثبتها فى الوقف أيضا. وباقى السبعة يَوْمَ يَأْتِ بغير ياء، وصلا ووقفا. السبعة لابن مجاهد ص 338، وحجة القراءات ص 348، ومعانى القرآن للفراء 2/ 27، وللزجاج 3/ 77، وإعراب القرآن للنحاس 2/ 111، ثم انظر لهذه الآية والآيات التى بعدها: إيضاح الوقف والابتداء ص 261.
(2) سورة الكهف 64، وذكرت القراءة فيها فى المجلس الرابع والأربعين.
(3) سورة الفجر 4. وقول ابن الشجرى «لأنه ليس كقوله. . .» يريد أن قوله إِذا يَسْرِ رأس آية، وليست كذلك آية سورة الكهف. وانظر السبعة لابن مجاهد ص 683، ومعانى القرآن للزجاج 5/ 321.
(4) البغداديات ص 507، وأيضا البصريات ص 877، والعسكريات ص 204، وقد سبق سيبويه إلى اعتبار نَبْغِ فاصلة. انظر الكتاب 4/ 185، وإيضاح الوقف والابتداء ص 759، والقطع والائتناف ص 449، ومعانى القرآن للزجاج 3/ 300، والمنصف 2/ 74،232، والأصول 2/ 376.
(5) الكتاب 2/ 196،204،4/ 184، ومعانى القرآن للأخفش ص 53، وللزجاج 2/ 53، 3/ 77، والمسائل المنثورة ص 131، والمنصف 2/ 232، والمحتسب 1/ 37، والخاطريات ص 69، والصحاح (درى)، والتهذيب 14/ 156. وراجع ما سبق فى المجلس الحادى والثلاثين.
(6) الكتاب 4/ 183، والأصول 2/ 375، والتكملة ص 21، والتبصرة ص 719.
(2/290)

التعريف، فأثبتها بعضهم، وحذفها آخرون، فالحجّة لمن أثبتها أنّ حرف التعريف حماها من التنوين، فزال حكم التنوين تقديرا، كما زال حكمه لفظا. ومن حذفها شبّهها لسكونها بالحركة، فحذفها كما تحذف الحركة فى الوقف، فى نحو: هذا الرجل، ومررت بالرجل، ألا ترى أنهم قد نزّلوا حروف اللّين فى نحو يدعو ويقضي ويخشى منزلة الحركة، فحذفوهنّ للجزم، كما يحذفون الحركة من الحرف الصحيح.
ونظير حذف هذه الياء إذا سكنت حذف ياء المتكلّم فى الوقف، كقراءة من قرأ: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} و {رَبِّي أَهانَنِ} (1) وكقول الأعشى (2):
ومن شانئ كاسف وجهه … إذا ما انتسبت له أنكرن
والذين حذفوها ممّا فيه الألف واللام فريقان، فريق خالف بين وصله ووقفه، فأثبتها فى الوصل، وحذفها فى الوقف، وفريق حذفها فى الوصل والوقف.
وعلّة حذفها فى الوصل أنهم اجترءوا على حذفها؛ لدلالة الكسرة عليها، كما اجترءوا على حذف ياء المتكلّم لدلالة الكسرة عليها، فى نحو {وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ} (3) وعلى هذه اللغة قالوا: عمرو بن العاص (4)، وحذيفة بن اليمان،
_________
(1) سورة الفجر 15،16. وهذه القراءة عزاها سيبويه إلى أبي عمرو. الكتاب 4/ 186. وقال اليزيدىّ: «كان أبو عمرو يقول: ما أبالى كيف قرأت: بالياء أم بغير الياء فى الوصل، فأمّا فى الوقف فعلى الكتاب». يعنى حذف الياء. السبعة ص 684، والكشف 2/ 374، والتكملة ص 29
(2) ديوانه ص 19، والكتاب 4/ 187، وإيضاح الوقف والابتداء ص 259، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 389، وضرائر الشعر ص 128، وشرح المفصل 9/ 83،86، وفقه اللغة للثعالبى ص 313 والشانئ: المبغض. والكاسف الوجه: المتغير اللون.
(3) سورة البقرة 40.
(4) حكى الحافظ ابن حجر فى ترجمة «العاصى بن وائل السّهمى، والد عمرو» من تبصير المنتبه ص 889، عن النحاس، قال: «سمعت الأخفش يقول: سمعت المبرّد يقول: هو العاصى بالياء، لا يجوز حذفها، وقد لهجت العامة بحذفها. قال النحاس: هذا مخالف لجميع النحاة، يعنى أنه من الأسماء المنقوصة، فيجوز فيه إثبات الياء وحذفها، والمبرد لم يخالف النحويين فى هذا، وإنما زعم أنه سمّى العاصى؛ لأنه اعتصى بالسيف، أى أقام السيف مقام العصا، وليس هو من العصيان كذا حكاه الآمدى عنه». -
(2/291)

والحاف (1) بن قضاعة، وعليها قراءة من قرأ: {دَعْوَةَ الدّاعِ} (2) و {مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ} (3) و {يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ} (4).
واختلفوا فى المنقوص إذا نودي، فسيبويه كان يرى إثبات يائه (5) أوجه؛ لأنها احتمت من التنوين بالبناء، ويونس بن حبيب كان يرى حذفها؛ لأن النداء يكثر فيه الحذف والتغيير، لكثرة استعماله، ولذلك اختصّوه بالترخيم، وقد ذكرت هذا من قبل.
ومما حذفت ياؤه وهى لام: ما باليت به بالة، الأصل: بالية، على فاعلة، كالعافية (6).
وممّا حذفت فيه ألف منقلبة عن ياء منقلبة عن واو، هى لام، قول لبيد (7):
_________
= قال ابن حجر: «وهذا إن مشى فى العاصى بن وائل، لكن لا يطّرد؛ لأن النبىّ صلّى الله عليه وسلم غيّر اسم «العاص بن الأسود، والد عبد الله» فسمّاه مطيعا، فهذا يدلّ على أنه من العصيان. وقال جماعة: لم يسلم من عصاة قريش غيره، فهذا يدلّ لذلك أيضا». وقال النووىّ، فى ترجمة «عمرو بن العاصى» من تهذيب الأسماء واللغات-الجزء الثانى من القسم الأول ص 30 - «والجمهور على كتابة العاصى بالياء، وهو الفصيح عند أهل العربية، ويقع فى كثير من كتب الحديث والفقه أو أكثرها، بحذف الياء، وهى لغة، وقد قرئ فى السبع نحوه، كالكبير المتعال، والداع ونحوهما». وانظر النهاية 3/ 250، وتقدم فى المجلس الخامس عشر
(1) راجع المجلس الخامس عشر.
(2) سورة البقرة 186. وانظر حجة القراءات ص 126، وإرشاد المبتدى ص 256، والإتحاف 1/ 431، والهمع 2/ 206.
(3) سورة القمر 8. وراجع السبعة ص 617.
(4) سورة القمر 6.
(5) وهو اختيار الخليل. الكتاب 4/ 184، والهمع 2/ 205.
(6) الكتاب 4/ 406، والأصول 3/ 344، والمنصف 2/ 236، والممتع ص 583. وفى الحديث الذى رواه البخارىّ أن النبى صلّى الله عليه وسلم قال: «يذهب الصالحون الأوّل فالأوّل، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر، لا يباليهم الله بالة». يقال: حفالة وحثالة، وهو الردىء من كلّ شيء. فتح البارى (باب ذهاب الصالحين، من كتاب الرقاق) 11/ 252، وأعلام الحديث ص 2244، والنهاية 1/ 156.
(7) ديوانه ص 199، وليس فى أصل الديوان، وأثبته محققه عن كتب العربية. وانظر طبقات فحول الشعراء ص 448، وكتاب الكتّاب لابن درستويه ص 104، والبغداديات ص 441، -
(2/292)

وقبيل من لكيز شاهد … رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ
حذف الألف من المعلّى، مع التضعيف، وأصل معلّى: معلّو، مفعّل، من علوت، ثم معلّى، صارت الواو ياء لوقوعها خامسة، ثم معلّى، صارت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، والتضعيف يحذف فى القوافى، كقول طرفة:
أصحوت اليوم أم شاقتك هرّ (1)
وكقول امرئ القيس (2):
إذا ركبوا الخيل واستلأموا … تحرّقت الأرض واليوم قرّ
والألف لا تكون أصلا إلا فى حروف المعانى، وإنما تكون منقلبة أو زائدة، / فى الأسماء والأفعال (3)، وحذفها قليل لخفّتها؛ لأن خروجها من الحلق مع النّفس بغير كلفة، قال الخليل: مخرجها فويق مخرج الهمزة، وتحت مخرج الهاء، وممّا حذفت فيه قول الآخر:
فلست بمدرك مافات منّى … بلهف ولا بليت ولا لو أنّي (4)
أراد: بلهفى، وأكثر ما يجيء حذفها فى الشّعر، ليقوّموا به الوزن، ويصحّحوا به القافية.
...
_________
= 506، والعسكريات ص 203، وسرّ صناعة الإعراب ص 522،728، وضرائر الشعر ص 135، وشرح الجمل 2/ 578، وارتشاف الضرب 1/ 394،3/ 301.
(1) تمامه: ومن الحبّ جنون مستعر ديوانه ص 50، وتخريجه فى ص 217، وانظر لحذف التضعيف فى القوافى: العروض للأخفش ص 118، والقوافى للتنوخى ص 68، وتفسير أرجوزة أبى نواس ص 190، والخصائص 2/ 228،320. وأصل هذا عند أبى على، راجع الشعر ص 141، وانظر الأصول 3/ 448، وضرورة الشعر ص 80، والموضع السابق من شرح الجمل.
(2) ديوانه ص 154، وكتاب الكتّاب لابن درستويه ص 103.
(3) سرّ صناعة الإعراب ص 653.
(4) فرغت منه فى كتاب الشعر ص 282.
(2/293)

المجلس الرابع والخمسون
يتضمّن القول فى حذف ياء المتكلم من أمّ وعمّ
، إذا أضيف إليهما ابن فى النداء. وفى حذف ألفات من كلم شتّى. وفصلا فى الحذف للترخيم.
اختلفت العرب فى قولهم: يا ابن أمّ، ويا ابن عمّ، فمنهم من أثبت الياء، وهو القياس، كقول أبي زبيد الطائىّ (1):
يا ابن أمّى ويا شقيّق نفسي … أنت خلّيتنى لدهر كئود
وكقول الآخر (2):
يا ابن أمّى ولو شهدتك إذ تد … عو تميما وأنت غير مجاب
ومنهم من أبدل من الكسرة فتحة، فقلب الياء ألفا، فقال: يا ابن أمّا، ويا ابن عمّا، وأنشدوا لأبى النّجم العجلىّ (3).
_________
(1) شعره ص 48، برواية: يا ابن حسناء شقّ نفسى يا لجلاح خلّيتنى لدهر شديد ولا شاهد فى ذلك، والبيت بروايتنا فى الكتاب 2/ 213، والمقتضب 4/ 250، ومعانى القرآن للزجاج 2/ 379، والجمل ص 161، وتفسير الطبرى 3/ 129، والتبصرة ص 352، وأوضح المسالك 4/ 40، والقطر ص 226، وغير ذلك كثير، وسيعيده المصنف فى المجلس التاسع والخمسين.
(2) هو غلفاء بن الحارث بن آكل المرار-وهو عم امرئ القيس-من قصيدة يرثى بها أخاه شرحبيل بن الحارث. الوحشيات ص 133، وتفسير الطبرى 13/ 130، وفى حواشيهما فضل تخريج. والبيت الشاهد فى المقتضب 4/ 250، ومعانى القرآن للأخفش ص 311، والبصريات ص 561، والجمل ص 162، ورصف المبانى ص 160، والخزانة 11/ 34، وسيعيده ابن الشجرى فى المجلس الرابع والستين.
(3) ديوانه ص 134، والكتاب 2/ 214، والنوادر ص 180، والمقتضب 4/ 252، والأصول 1/ 342، والبغداديات ص 506، والعسكريات ص 208، والمحتسب 2/ 238، والجمل ص 160، ورصف المبانى ص 235، والخزانة 1/ 364،366، وغير ذلك كثير.
(2/294)

يا ابنة عمّا لا تلومى واهجعى
ومنهم من يحذف الألف ويبقى الفتحة فيقول: يا ابن أمّ، ويا ابن عمّ.
وإنما كان القياس إثبات الياء، دون حذفها؛ لأن حذفها إنما يقوى إذا كان المنادى مضافا إليها كقولك: يا غلام، فيحذفونها كما يحذفون التنوين فى قولهم:
يا غلام، إذا أرادوا غلاما بعينه، فإذا قالوا: يا غلام غلامى، ضعف حذفها؛ لأن الغلام الثاني غير منادى.
وإنما جاز حذفها فى قولهم: يا ابن أمّ ويا ابن عمّ، ولم يكره/كما كره فى قولك: يا غلام غلامى، لأن إضافة ابن إلى هذين الاسمين مما كثر استعماله، فتغيّرا عن أحوال نظائرهما، ألا ترى أن العربيّ يلقى العربيّ الأجنبيّ وهو لا يعرفه، فيقول له يا ابن عمّ، وكذلك يقول من لا نسب بينه وبينه: يا ابن أمّ، كما يقول له: يا أخي.
فأما اختلاف القرّاء فى قوله تعالى، حاكيا عن هارون فى خطابه لموسى عليهما السلام: {يَا بْنَ أُمَّ} (1) فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم:
يا ابن أمّ، بنصب الميم، وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر، وابن عامر وحمزة والكسائىّ:
يا ابن أمّ، بكسر الميم.
فمن فتح الميم احتمل قوله أمرين: أحدهما أنه أراد: يا ابن أمّا، فحذف الألف كما يحذف الياء، إذا قال: يا غلام، وإن كان الغلام منادى والأمّ غير مناداة، ولكن جاز ذلك ولم يكره لما ذكرته من كثرة استعمالهم: يا ابن أمّ، والفتحة فى «ابن» على هذا القول نصبة، كالفتحة فى قولك: يا عبد الله.
_________
(1) سورة طه 94. وانظر السبعة ص 423، وأيضا ص 295، عند الآية (150) من سورة الأعراف، وتلاوتها قالَ اِبْنَ أُمَّ. والكشف 1/ 478، وانظر الموضع المذكور فى التعليق السابق من الكتاب والمقتضب، ومعانى القرآن للفراء 1/ 394، وللزجاج 2/ 378، وشرح الرضى على الكافية 1/ 392، والبحر 4/ 396.
(2/295)

والآخر: أن يكون ركّب ابنا مع أمّ، فجعلهما بمنزلة اسم واحد، كخمسة عشر، ففتحة «ابن» (1) فى هذا القول ليست بنصبة كما كانت فى القول الأول، وإذا كان قوله: «يا ابن أمّ» بمنزلة خمسة عشر، كان فى موضع ضمّ، لأنه جرى مجرى المفرد فى قولك: يا زيد.
ومن قال: يا ابن أمّ، فكسر، احتمل أمرين، أحدهما: أن يكون أضاف ابنا إلى أمّ، وأمّا إلى ياء الضمير، ثم حذف الياء، وكان الوجه إثباتها كإثباتها فى قولك: يا غلام غلامى.
والآخر: أن يكون جعل ابنا مع أمّ اسما واحدا، وأضافه إلى نفسه، كما يقول (2): يا خمسة عشر أقبلوا، أردت: يا خمسة عشرى، فحذفت الياء كما تحذفها من آخر المفرد فتقول: يا غلام.
وقال أبو عثمان المازنىّ فى قراءة من قرأ: {يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ} (3) إنه أراد: /يا أبتا، قال: والدليل على ذلك أن الشاعر قد أظهرها فى قوله (4):
يا أبتا علّك أو عساكا
وممّا حذفوه فوالوا بين إعلالين فى كلمة، الألف من ترى، فى قولهم:
«أصاب الناس جهد ولو تر ما أهل مكة (5)» حذفوا الألف وهى منقلبة عن الياء التى هى لام فى رأيت، بعد حذف الهمزة التى هى العين، وقالوا: أم والله لأفعلنّ، وهذه «ما» المزيدة للتوكيد، ركّبوها مع همزة الاستفهام، واستعملوا مجموعهما على وجهين:
_________
(1) فى الأصل: «ففتحة أم». وصححته من البيان لأبى البركات الأنبارى 1/ 375.
(2) هكذا فى الأصل «يقول» بالياء التحتية. ولعله: «تقول» بالتاء الفوقية.
(3) سورة مريم 44، وهى قراءة ابن عامر، وأبى جعفر. السبعة ص 344 - عند ذكر الآية الرابعة من سورة يوسف-وإرشاد المبتدى ص 377، والنشر 2/ 139،237.
(4) رؤبة بن العجاج. والبيت فى ملحقات ديوانه ص 181، وتخريجه فى كتاب الشعر ص 14، وسيعيده ابن الشجرى فى المجلس السادس والخمسين.
(5) تقدّم فى المجلس الرابع.
(2/296)

أحدهما (1): أن يراد به معنى حقّا، فى قولهم: أما والله لأفعلنّ.
والآخر: أن تكون افتتاحا للكلام، بمنزلة ألا، كقولك: أما إنّ زيدا منطلق، وأكثر ما يحذف ألفها إذا وقع بعدها القسم؛ ليدلّوا على شدّة اتصال الثانى بالأول؛ لأنّ الكلمة إذا بقيت على حرف واحد لم تقم بنفسها، فعلم بحذف ألف «ما» افتقارها إلى الاتصال بالهمزة.
ومن الحروف المركّبة «لولا (2)» فلو معناها امتناع الشىء لامتناع غيره، و «لا» معناها النفى، فلما ركّبوهما بطل معنياهما، ودلّت «لولا» على امتناع الشىء لوجود غيره، واختصّت بالاسم، وعلى التحضيض، واختصت بالفعل.
ومثل ذلك تركيبهم للهمزة مع «لا» فبطل الاستفهام والنفى، ودلّ مجموعهما على ثلاثة معان، الأول: استفتاح الكلام به، كقوله تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ} (3).
والثانى: التمنّى، كقولهم: ألا ماء (4) أشربه.
والثالث: العرض، كقولك: ألا تنزل عندنا تصب من طعامنا؟ جزمت الفعلين على الجواب؛ جواب التمنى وجواب العرض.
ومن الألفات التى حذفوها ألف «تبالى» فى قولهم «لا تبل (5)» حذفوا ياءه أولا
_________
(1) الكتاب 3/ 122، ورصف المبانى ص 180، والجنى الدانى ص 390، وشرح المفصل 8/ 115، وجواهر الأدب ص 416.
(2) ذكر ابن الشجرى شيئا عن «لولا» فى المجلس الخامس والثلاثين، ثم تحدّث عنها بالتفصيل فى المجلس السادس والستين. وانظر المقتضب 3/ 76 وحواشيه.
(3) سورة البقرة 13.
(4) انظر لإعراب «ماء» الكتاب 1/ 227،2/ 307، والأصول 1/ 407، والمسائل المنثورة ص 105. وانظر المجلس السابع والستين.
(5) انظر هذه المسألة فى أدب الكاتب ص 214، وتأويل مشكل القرآن ص 306، وشرح الحماسة ص 1421، والتكملة ص 8، والبصريات ص 251، والبغداديات ص 436، والعسكريات ص 278 - 280، والعضديات ص 124، وسر صناعة الإعراب ص 530،547، والمحتسب 1/ 37 -
(2/297)

للجزم، فقالوا: لا تبال، كقولك: لا ترام، ثم اختصروه لكثرة استعماله، فجزموه جزما ثانيا بإسكان لامه، فسقطت ألفه لالتقاء الساكنين، وقالوا فيه أيضا: لم أبله (1)، كان/قياسه أوّلا: لم أبال، كقولك: لم أرام، فحذفوا كسرة اللام، كما حذفوا ضمّة الإعراب فى نحو أجاب وأعان، فانحذفت الألف لما سكنت اللام، فصار: لم أبل، كقولك: لم أجب، ولم أعن، ثم ألحقوه فى الوقف عليه هاء السّكت، فوجب تحريك لامه؛ لسكونها وسكون الهاء، فحرّكوها بالكسر، لأنه الأصل فى حركة التقاء الساكنين، ولم يردّوا ألف «أبالى» فيقولوا: لم أبا له؛ لأن حركة التقاء الساكنين لا اعتداد بها، من حيث كانت عارضة تزول إذا زال التقاء الساكنين، والحركة العارضة لا يردّ لها المحذوف، ألا ترى أنهم لم يردّوا ألف رمى فى قولهم: رمت المرأة، مع تحرك التاء التى أوجب سكونها حذف الألف، وذلك لما ذكرناه من كون هذه الحركة لا اعتداد بها، لأنك تقول: رمت مرأة، فتزول الكسرة.
وقد اعترض فى دخول هاء السكت فى لم أبله، على اللام وهى ساكنة، وهاء السكت لا تدخل إلاّ على متحرّك لتبيّن حركته، كقولهم فى عمّ ولم: عمّه ولمه وفى كتابى وحسابى: كتابيه وحسابيه، وفى قولهم: اسع وادن: اسعه وادنه، وتدخل على الألف، لأن الألف لخفائها تشبه الحركة، وذلك فى النّدبة.
والجواب عن هذا الاعتراض: أن لام «أبالى» مكسورة كسرا أصليّا، كما ترى، والجازم أوجب حذف الياء منه وحدها، كحذفها فى لم أرام، فحذف الكسرة بعد حذف الياء حذف بغير استحقاق؛ لأنّ علم الجزم فى «أبالى» إنما هو حذف يائه، ولمّا حذفوا الياء ثم أتبعوها الكسرة، كان ذلك جزما بغير جزم، فالجزم
_________
= والأزهية ص 177، وفقه اللغة للثعالبى ص 318، ثم انظر حواشى كتاب الشعر ص 201. وكلام ابن الشجرى فى جملته منتزع من كلام أبى على.
(1) حكاه الخليل. الكتاب 4/ 405.
(2/298)

الثانى غير مستحقّ، وإذا كان إسكان اللام بغير استحقاق، وكانت الكسرة المحذوفة مقدّرة فى اللام، فكأنها موجودة لفظا، وإذا كانت فى تقدير الوجود صارت هاء السكت كأنها دخلت على متحرّك.
وشبيه هذا، وإن كان بعكسه، /تقدير السكون والعمل بمقتضى وجوده، وذلك أن «هلمّ (1)» مركّب من حرف وهو «ها» وفعل وهو «المم» فهمزة الوصل سقطت فى الدّرج، والميم الأولى ألقيت ضمّتها على اللام، ثم أدغمت فى الثانية بعد تحريك الثانية بالفتح، فصار إلى هالمّ، فلم يعتدّوا بضمّة اللام؛ لأنها منقولة إليها من الميم، فنزّلت اللام منزلة الساكن، حيث لم تكن ضمّتها أصليّة، فكأنه التقى ساكنان، فحذفوا ألف حرف التنبيه، الذى هو «ها» لمّا كانت اللام ساكنة تقديرا.
فكما حذفوا هذه الألف لسكون مقدّر، كذلك أدخلوا هاء السكت على «أبل» لحركة مقدّرة، أسقطت بغير حقّ، لأنهم أسقطوها لجزم ثان، فكأنها لذلك موجودة لفظا.
وهذا الجواب عن هذا الاعتراض مما استخرجته.
...
_________
(1) الكتاب 3/ 529، وقد عقد أبو علىّ ل‍ «هلم» مسألة فى كتابه العضديات ص 221 - 225، وانظر أيضا البصريات ص 908، والعسكريات ص 180، وسر صناعة الإعراب ص 234، والممتع ص 659.
(2/299)

فصل
فى الحذف المسمّى ترخيما
هذا الاسم مأخوذ من قولهم: امرأة رخيم الكلام، ويحتمل هذا الوصف معنيين، أحدهما: أن يكون كلامها مرتّلا محذوف الفضول، فيكون موافقا لهذا الحذف المسمّى ترخيما.
والثانى: أن تكون ليّنة الكلام، خفيضة الصوت. ناعمة النّغمة، ومن هذا قولهم للحجر الأملس: رخامة، ولضرب ليّن من النّبت: رخامى، ومنه قولهم:
ألقى فلان على فلان رخمته، أى محبّته وتعطّفه ولين منطقه، فسمّى هذا الحذف ترخيما، لأنه تخفيف اللفظ وتسهيله، قال ذو الرّمّة (1):
لها بشر مثل الحرير ومنطق … رخيم الحواشى لا هراء ولا نزر
الحواشى: الأطراف، فيحتمل أن يريد أن أطراف منطقها محذوفة الفضول، ويحتمل أن يريد أن منطقها ناعم المقاطع، فيوافق هذا قوله: «لها بشر مثل/ الحرير» فتكون بشرتها ومنطقها متّفقين فى اللّين والنّعومة.
والبشرة: ظاهر الجلد.
والهراء: المنطق الفاسد، يقال منه: أهرأ فى منطقه.
وللترخيم شرائط (2)، فالشّريطة الأولى: اختصاصه بالنداء، إلاّ ما شذّ ففارق القياس.
_________
(1) ديوانه ص 577، وكتاب الشعر ص 198، وهو بيت سيّار. وانظره فى قصة لغويّة طريفة، فى الإمتاع والمؤانسة 1/ 22.
(2) الكتاب 2/ 240.
(2/300)

والثانية: كون الاسم علما في الأغلب الأشهر.
والثالثة: كونه مفردا.
والرابعة: كونه رباعيّا فما زاد، إلاّ أن تكون ثالثة تاء التأنيث.
والخامسة: بناؤه على الضمّ بالنداء؛ لأن التغيير يؤنس بالتغيير، فلا يجوز إذن ترخيم المضاف، ولا المضارع للمضاف، وهو العامل فيما بعده الرفع أو النصب، ولا ترخيم النكرة المنصوبة بالنداء، ولا ترخيم المستغاث به؛ لأنه معرب، ولا المندوب؛ لزوال معنى النّدبة، ولا ترخيم مبهم نحو: يا هذا ويا هذه ويا هؤلاء، ولا مضمر، نحو: يا أنتما ويا أنتم؛ لما ذكرناه من اختصاصهم بالترخيم الأعلام فى الأغلب، ولأن المبهم والمضمر ليسا ممّا يغيّره النّداء، قال الشاعر فى نداء الضمير:
يا أقرع بن حابس يا أنتا … أنت الذى طلّقت عام جعتا (1)
وإنما خصّوا النداء بالترخيم، لأنّ النداء معنى كثر استعماله، فاعتمدوا فيه هذا التخفيف، ألا ترى أن المتكلّم يقدّمه إذا أخبر أو استخبر، أو نهى أو أمر، فيقول: يا فلان، عرفت كذا، ويا فلان، هل عرفت كذا؟ ويا فلان، افعل كذا، ويا فلان، لا تفعل كذا، فلما كثر استعماله هذه الكثرة خصّوا ضربا من الأسماء كثير الاستعمال بتخفيف لفظه فيه.
_________
(1) يروى البيت الأول: يا أبجر بن أبجر يا أنتا والبيتان من أرجوزة لسالم بن دارة، يهجو مرّة بن واقع الفزارى. قال البغدادىّ: وقد حرّف البيت الأول على أوجه كما رأيت، وصوابه: يا مرّ يا ابن واقع يا أنتا الخزانة 2/ 140، وانظر النوادر ص 455، وشرح الحماسة للتبريزى 1/ 367، والإيضاح لابن الحاجب 1/ 253، وشرح المفصل 1/ 127،130، والإنصاف ص 325،682، والتبيين ص 441، ولباب الإعراب ص 296، وشرح الجمل 2/ 87،128، والمقرب 1/ 176، وتذكرة النحاة ص 506، وأوضح المسالك 4/ 11، والهمع 1/ 174، وغير ذلك مما تراه فى حواشى تلك الكتب.
(2/301)

وللعرب فيه مذهبان: منهم من حذف آخر الاسم، وترك ما قبله على حركته أو سكونه، إلاّ أن يؤدّى السكون إلى الجمع بين ساكنين فيلزم التحريك، وسترى بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
ومنهم من يحذف ما يحذفه ويضمّ ما قبل المحذوف، إن صحّ فيه الضّمّ، فيجعله اسما قائما بنفسه، كأنه لم يحذف منه شيء.
/والمذهب الأول هو اللغة العليا، ومعظم العرب عليه، وذلك قولك فى حارث: يا حار، ويا حار، وفى جعفر: يا جعف ويا جعف، وفى هرقل: يا هرق، ويا هرق أقبل، ويتّفق المذهبان فى ما قبل آخره ضمّة لفظا، ويختلفان تقديرا، وذلك قولك فى بلبل: يا بلب، فالضمة فى قول من قال: يا حار، ضمّة الأصل، وفيمن قال: يا حار، ضمّة حادثة، كالضمّة فى قولك: يا زيد، وعلى المذهبين ينشدون قول زهير (1):
يا حار لا أرمين منكم بداهية … لم يلقها سوقة قبلى ولا ملك
وقول امرئ القيس (2):
أحار بن عمرو كأنّى خمر
أى كأنّى قد خامرنى شرّ من ذا، وقول حسان (3):
حار بن كعب ألا أحلام تزجركم … عنّا وأنتم من الجوف الجماخير
_________
(1) ديوانه ص 180، والجمل المنسوب للخليل ص 137، والجمل للزجاجى ص 169، والتبصرة ص 367، وشرح المفصل 2/ 22، والهمع 1/ 164، والبيت من شواهد العروض أيضا، راجع العروض لابن جنى ص 35،41، والكافى ص 39، والبارع ص 112. والحارث هنا: هو الحارث بن ورقاء.
(2) ديوانه ص 154، والمقتضب 4/ 234، وتمامه: ويعدو على المرء ما يأتمر
(3) ديوانه ص 219، والكتاب 2/ 73، والمقتضب 4/ 233، والجمل ص 169، والحلل ص 230، وشرح المفصل 2/ 102.
(2/302)

الجوف: جمع أجوف، وهو الذى لا رأى له ولا حزم، وواحد الجماخير:
جمخور، وهو الضعيف العقل، وجاء المذهب الأوجه وحده فى قول الأعشى (1):
كن كالسّموءل إذ طاف الهمام به … فى جحفل كسواد اللّيل جرّار
إذ سامه خطّتى خسف فقال له … مهما تقله فإنى سامع حار
فقال ثكل وغدر أنت بينهما … فاختر وما فيهما حظّ لمختار
ومثله لعمرك ما خشيت على عديّ … سيوف بنى مقيّدة الحمار (2)
ولكنّى خشيت على عديّ … رماح الجنّ أو إيّاك حار
رماح الجنّ: كناية (3) عن الطاعون، ومثله قول النابغة (4):
قالت بنو عامر خالوا بنى أسد … يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام
فصالحونا جميعا إن بدا لكم … ولا تقولوا لنا أمثالها عام
معنى خالوا: فارقوا.
_________
(1) ديوانه ص 179، وقصة هذا الشعر تراها فى طبقات فحول الشعراء ص 279،280، وحار هنا: هو الحارث بن أبى شمر الغسّانى، ويقال: بل الحارث بن ظالم المرّى. الأغانى 9/ 119،22/ 119.
(2) نسب إلى فاختة بنت عدىّ. وقيل: هو شاعر أسدىّ يخاطب الحارث بن أبى شمر الغسّانى. الأغانى 11/ 200، والكتاب 2/ 357، وفيه فضل تخريج، والجمل المنسوب إلى الخليل ص 91، والخاطريات ص 163. ومقيّدة الحمار: هى تماضر، امرأة من كنانة. انظر الحيوان 6/ 219.
(3) شرح هذا فى ثمار القلوب ص 68، وربيع الأبرار 1/ 382، وآكام المرجان فى أحكام الجانّ ص 116، وانظر حواشى سيبويه.
(4) ديوانه ص 82، والكتاب 2/ 252، والبغداديات ص 450، والجمل المنسوب للخليل ص 138، والتبصرة ص 366 - وهذا تخريج البيت الثانى، وسيأتيك تخريج البيت الأول قريبا. و «عامر» هنا: هو عامر بن صعصعة.
(2/303)

وروى عن بعض من لا بصيرة له أنه قال، وقد سمع عليّا عليه السلام، وابن مسعود، ويحيى بن وثّاب والأعمش قرءوا: «ونادوا يا مال ليقض علينا ربّك» (1) فقال: إنّ عند أهل النار لشغلا عن الترخيم! فقال له من سمعه: ويحك! إنّ فى هذا الاختصار من أهل النار لمعنى لا يعرفه إلاّ ذو فطانة، وذلك أنهم لما ذلّت نفوسهم، وتقطّعت أنفاسهم، وخفيت أصواتهم، وضعفت قواهم، ولم تنفع شكواهم، قصرت ألسنتهم عن إتمام الاسم، وعجزوا عمّا يستعمله المالك لقوله، والقادر على التصرّف فى منطقه.
ومن أبيات الكتاب قول أوس بن حجر (2):
تنكّرت منّا بعد معرفة لمى … وبعد التّصابى والشّباب المكرّم
وقول آخر (3):
فقلتم تعال يا يزى بن مخرّم … فقلت لكم إنّى حليف صداء
حذفا السّين والدال من لميس ويزيد، على المذهبين.
واختلف النحويّون فى الثلاثيّ المتحرّك الأوسط، نحو عمر وحسن، فأجاز الكوفيّون والأخفش ترخيمه، لأنّ حركة أوسطه قامت مقام الحرف الرابع، كما قامت حركة القاف من سقر، والظاء من لظى، والدال من قدم (4)، اسم امرأة،
_________
(1) سورة الزخرف 77، وانظر المحتسب 2/ 257 - وبعض كلام ابن الشجرىّ مسلوخ منه نصّا- ومعانى القرآن للزجاج 4/ 420، والصاحبى ص 383، والإنصاف ص 361، وزاد المسير 7/ 329، والإيضاح لابن الحاجب 1/ 295.
(2) ديوانه ص 117، والكتاب 2/ 254، والموضع السابق من الصاحبى.
(3) الكتاب 2/ 253، والخزانة 2/ 378. ويزيد بن مخرّم: من بنى الحارث بن كعب، وهو كما قال المرزبانى: جاهلىّ كثير الشعر. معجم الشعراء ص 479، وهو من أشراف أهل اليمن. النقائض ص 150، وصداء: حىّ من اليمن.
(4) تقدّم فى المجلس الخامس والأربعين. وانظر أيضا البغداديات ص 488.
(2/304)

مقام الحرف الرابع من زينب، فلم ينصرف فى التعريف، ففارق بذلك الثلاثيّ الساكن الأوسط، كهند ودعد.
ولم يجز الخليل وسيبويه (1)، ومن أخذ أخذهما ترخيم هذا النحو؛ لخروجه عن حيّز الأصول، إذ أكثرها خمسة، وأقلّها ثلاثة.
واتفق الجميع على أن الثلاثيّ الساكن الأوسط، كبشر وبكر، لا يجوز ترخيمه لأجل الإجحاف به، لسكون أوسطه، وقلّة عدده.
وأجمعوا على ترخيم العلم الثلاثيّ، كهبة، وثبة/وعزة، لأنّ تاء التأنيث بمنزلة اسم ضمّ إلى اسم، فجرت مجرى الثانى من الاسمين المركّبين، نحو بعلبك ودرابجرد (2)، تقول: ياهب، وياثب، كما لو ناديت بعلبك أو درابجرد، كما نادى النابغة الدار فى قوله:
يا دارميّة بالعلياء فالسّند (3)
فرخّمته، لقلت: يا بعل، ويا دراب، فحذفت العجز، وأبقيت الصّدر.
وإنما نزّلوا تاء التأنيث منزلة الثانى من المركّبين، حتى إنهم استجازوا حذفها وإبقاء الاسم على حرفين؛ لأنّ ما قبلها يلزمه الفتح، كما يلزم الفتح آخر الصّدر، ولأنك إذا نسبت إلى هذا الضّرب حذفت العجز، فقلت: درابىّ، وبعلىّ، كما تحذف تاء التأنيث فى قولك: مكّىّ، وكوفىّ، وإذا حقّرت حقّرت الصّدر، وأبقيت فتحته، فقلت: بعيلبك، كما تبقى الفتحة قبل تاء التأنيث، فى قولك: طليحة، فلا تكسر الحاء كما تكسر فاء جعفر، فى قولك: جعيفر.
_________
(1) الكتاب 2/ 255،256، والإنصاف ص 356، والتبيين ص 456.
(2) بلدة كبيرة عامرة من بلاد فارس.
(3) تقدم تخريجه فى المجلس الخامس والثلاثين.
(2/305)

وإذا عرفت هذا فلك أن تقول: ياثب، كقولك: يا حار، ولك أن تضمّ آخره، كما تقول: يا حار، فإن ناديت شاة علما أو نكرة مقصودا قصدها، قلت على لغة من قال: يا حار، فكسر: يا شا، وعلى اللّغة الأخرى: يا شاه ما أفرهك! تردّ لامها، وقد عرفت أنها هاء بظهورها فى التحقير والتكسير، وإنما وجب ردّ اللام فى لغة من قال: يا حار، لأن أهل هذه اللغة يجعلون المرخّم بمنزلة اسم قائم بنفسه، وليس فى العربية اسم معرب على حرفين، الثانى منهما حرف مدّ ولين.
واعلم أن ترخيم ما فيه تاء التأنيث أكثر من ترخيم غيره، لكثرة ما يلحق تاء التأنيث من التغيير والحذف، والتغيير إبدال الهاء منها فى الوقف، والحذف حذفهم إيّاها فى التكسير، كقولك فى جمع مقدحة: مقادح، وفى جمع فاطمة: فواطم، وكذلك تحذفها فى جمع التأنيث، كقولك: فاطمات ومسلمات، فلها أحكام تخالف فيها غيرها من الحروف، ألا ترى أنك إذا سمّيت بمرجان/ومكّىّ، فرخّمتهما حذفت الألف والنون، وحذفت ياءي النّسب، فقلت: يا مرج، ويا مكّ، لأنهما زائدان، زيدا معا، فإن ألحقتهما تاء التأنيث لم تحذف غيرها؛ لأنها كالاسم المضموم إلى اسم، فقلت: يا مرجان، ويا مكىّ.
ولك فى نداء طلحة وأشباهه، بعد قولك: يا طلحة، ثلاثة أوجه:
الأول: يا طلح، بالترخيم وفتح الحاء، على اللغة المشهورة.
والثانى: يا طلح، بالضم.
والثالث: يا طلحة أقبل، بفتح التاء وإقحامها، وعليه أنشدوا للنابغة (1):
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب … وليل أقاسيه بطىء الكواكب
_________
(1) ديوانه ص 40، والكتاب 2/ 207،277، وإيضاح الوقف والابتداء 1/ 297، والبغداديات ص 501،503، والجمل المنسوب للخليل ص 84، والجمل ص 172، وشرح المفصل 2/ 12،107، والهمع 1/ 185، والخزانة 2/ 321.
(2/306)

فإن قيل: إن المعروف من الإقحام إقحام حرف بين حرفين، كإقحام تيم، بين تيم وعدىّ، فى قوله (1):
يا تيم تيم عدىّ لا أبا لكم … لا يلقينّكم فى سوأة عمر
فى قول من نصب تيما الأول، وكإقحام اللام بين بؤس والجهل، فى قول النابغة:
يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام (2)
أراد: يا بؤس الجهل، بدلالة إسقاط تنوين بؤس، وكذلك حكم اللام فى قول سعد بن مالك (3):
يا بؤس للحرب التى … وضعت أراهط فاستراحوا
وقال أبو العباس محمد بن يزيد (4): إنما قالوا: يا ويح لزيد، ويا بؤس للحرب، فأقحموا اللام توكيدا، لأنها لام الإضافة، ألا ترى أن قولك: المال لزيد، كقولك: مال زيد، فى المعنى، لأن المراد مال لزيد، وكذلك قوله: «يا تيم تيم عدىّ»، أقحم الثانى توكيدا، وكذلك يا طلحة، أراد: يا طلح، فأقحم التاء توكيدا، وأقرّ الفتحة. انتهى كلامه.
_________
(1) جرير. ديوانه ص 212، والكتاب 1/ 53،2/ 205، والكامل ص 1140، والمقتضب 4/ 229، والأصول 1/ 343، والمسائل المنثورة ص 90، والجمل ص 157، والخصائص 1/ 345، وشرح المفصل 2/ 10،105،3/ 21، والمغنى ص 457، وشرح أبياته 7/ 11، والخزانة 2/ 298، وغير ذلك مما تراه فى حواشى المسائل المنثورة. و «عدى» هنا: هو عدىّ بن عبد مناة. و «عمر» هو ابن لجأ التيمىّ.
(2) تقدم قريبا موضعه من ديوان النابغة. وانظر الكتاب 2/ 278، والأصول 1/ 371، والبصريات ص 559، والجمل ص 172، واللامات ص 111، والخصائص 3/ 106، والإنصاف ص 330، وشرح المفصل 3/ 68،5/ 104. وفى البيت شواهد نحوية أخرى تراها فى اللامات للهروى ص 52.
(3) سبق تخريجه فى المجلس الخامس والثلاثين.
(4) راجع ما سبق فى المجلس المذكور.
(2/307)

وأقول: إن الإقحام إذا كان على ما قرّروه، فما الذى أقحمت تاء طلحة بينه وبين الحاء؟
والجواب أن التاء زيدت ساكنة بين حركتها والحاء، ألا ترى أنه يمكنك/أن تقول فى الوقف: يا طلحت، بسكون التاء، كما روى عن العباس عليه السلام، أنه قال فى ندائه المسلمين، لمّا انهزموا يوم حنين: يا أصحاب بيعة الشّجرت، يا أصحاب سورة البقرت، فقال المجيب له منهم: والله ما أحفظ منها آيت (1).
فلما سمع منهم طلحت، صارت التاء بين فتحتها والحاء، وكذلك:
يا أميمت، زيدت التاء بين فتحتها والميم. وهذا من الدّقائق التى نبّه عليها أبو علىّ.
ومن ترخيم هذا الضّرب قول امرئ القيس:
أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل (2)
وقول هدبة بن خشرم (3):
عوجى علينا واربعى يا فاطما
_________
(1) طبقات ابن سعد 2/ 151، والدرر لابن عبد البر ص 239، والمساعد 4/ 322، والهمع 2/ 209، وشرح الأشمونى 2/ 214. والوقف على الهاء بالتاء الساكنة من لغة طيئ. وقرأ بها بعض القراء موافقة لمرسوم المصحف. راجع الكتاب 4/ 167، ومعانى القرآن للأخفش ص 271، والمذكر والمؤنث لابن الأنبارى ص 180، وإيضاح الوقف والابتداء له ص 282، والمقنع فى معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار ص 77، والعسكريات ص 225، وسرّ صناعة الإعراب ص 159،164، والمحتسب 2/ 92، وشرح المفصل 3/ 131، والنشر 2/ 129، والإتحاف 1/ 320، وشرح شواهد الشافية ص 199. وهذه اللغة التى تعزى إلى طيئ من الوقوف على الهاء بالتاء الساكنة، نجدها فى لهجات الحديث العامىّ، فى بعض البلاد العربية. انظر اللهجات العربية فى التراث للدكتور أحمد علم الدين الجندى ص 502.
(2) تمامه: وإن كنت قد أزمعت صرمى فأجملى وهو من معلّقته.
(3) هكذا يتابع ابن الشجرى ما فى الكتاب 2/ 243، والصواب أن الرجز لزيادة بن زيد-
(2/308)

[أراد يا فاطمة فرخّم (1)] وقول الشّماخ (2):
أعائش ما لأهلك لا أراهم … يضيعون السّوام مع المضيع
...
_________
= العذرى، وكان قد خرج هو وهدبة فى ركب من بنى الحارث حجّاجا، ومع هدبة أخته فاطمة، فارتجز زيادة هذا الرجز، فظن هدبة أنه يشبّب بأخته. . . فى قصّة تراها فى الشعر والشعراء ص 691، وأسماء المغتالين (نوادر المخطوطات) 2/ 256، وشرح أبيات سيبويه لابن السيرافى 1/ 461، وشرح الحماسة للتبريزى 2/ 45، والخزانة 9/ 335.
(1) كتب هذا بخط مغربىّ صغير مغاير لخطّ النسخة.
(2) ديوانه ص 219، وتخريجه فى ص 235.
(2/309)

المجلس الخامس والخمسون
يتضمّن ذكر فصول من الحذف للترخيم، وتفسير أبيات من الباب
فصل
إذا كان قبل (1) آخر الاسم واو أو ياء أو ألف حذفته مع الطّرف
، باجتماع أربع شرائط، الأولى: سكون حرف العلّة، الواو والياء.
والثانية: بقاء الاسم بعد الحذف على ثلاثة أحرف، فما زاد.
والثالثة: أن يكون الحرف المعتلّ زائدا، لا أصلا.
والرابعة: أن يكون ما قبل الواو مضموما، وما قبل الياء مكسورا.
فهذه الشرائط مجتمعة فى منصور ومسعود ومحمود وموهوب، وفى عمّار وسلاّم وحمّاد وعبّاد، وفى مسكين ومعطير ومحضير وزحليل، إذا نقلن إلى العلميّة-كما قالوا: مسكين الدارميّ (2) -رخّمن، قالوا: امرأة معطير، أى كثيرة التعطّر، وفرس محضير، أى شديد الحضر، وهو العدو، وزحليل: زلاّقة الصّبيان.
تقول: يا منص ويا مسع ويا محم ويا موه، ويا عمّ ويا سلّ ويا حمّ ويا عبّ، ويا مسك ويا معط/ويا محض ويا زحل، بحذف حرف العلّة، إتباعا للطّرف، وتبقى الفتحة فى عمّار ونظائره، والكسرة فى مسكين ونظائره، على لغة من قال: يا حار، وتضمّها فى اللغة الأخرى.
_________
(1) فى الأصل: «إذا كان آخر الاسم واوا أو ياء أو ألفا. . .» ثم كتب فى الحاشية: «لعله إذا كان قبل آخر الاسم» قلت: وهو الصواب. وأثبته ناشر الطبعة الهندية.
(2) هو ذلك الشاعر الأموىّ المعروف.
(2/310)

وأما ضمّة الصاد فى قولك: يا منص، فتختلف تقديرا، فتكون فى لغة من قال: يا حار، هى الضمّة الأصلية، وفى لغة من قال: يا حار، هى ضمّة حادثة كالضمّة فى قولك: يا زيد، كما أن كسرة الهاء فى قولك: ناقة هجان ككسرة الكاف من كتاب، والكسرة فيها إذا قلت: نوق هجان (1) -وهى البيض الكرام-ككسرة الكاف من كلاب، وكما أن ضمّة الفاء من الفلك فى قوله تعالى: {وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ} (2) غير ضمّة الفاء منه، فى قوله: {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} (3) لأن ضمّة الفاء من {الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} ضمّة الواحد، فى نحو قفل وبرد، وضمّة فائه فى الآية الأخرى ضمّة الجمع من نحو حمر وخضر.
فإن رخّمت مختارا ومنقادا وما أشبههما، مما ألفه أصليّة منقلبة عن ياء عين، أو واو عين، نحو مغتاظ ومعتاد، لم تحذف ألفه كما حذفت ألف حمّاد وعمّار، ألا ترى أن مختارا أصله: مختير مفتعل، أو مختير مفتعل من الاختيار، ومنقادا أصله: منقود، منفعل من القود، فلما لم تكن زائدة أقرّت فقيل: يا مختا، ويا منقا.
وكذلك تبقى حرف العلّة إذا كان يبقى بعد حذفه حرفان، وذلك فى نحو سعيد وجميل وعقيل، وهلال وبلال، وثمود وعجوز، إذا سمّيت به، تقول: يا سعى ويا جمى ويا عقى، ويا هلا ويا بلا ويا ثمو ويا عجو، فى لغة من قال: يا حار، وفى اللغة الأخرى: يا ثمى ويا عجى، لأن المنادى فى هذه اللغة بمنزلة اسم تامّ، على ما عرّفتك، وذلك من حيث لم يكن المحذوف مرادا، وليس فى العربية اسم ظاهر معرب آخره واو قبلها ضمّة، فمتى أدّى إلى ذلك قياس رفضوه، فأبدلوا من ضمّته
_________
(1) راجع كتاب الشعر ص 120، والتكملة صفحات 117،118،154، والحلبيات ص 108، وسرّ صناعة الإعراب ص 612،725، والتبصرة ص 370.
(2) سورة فاطر 12.
(3) سورة الشعراء 119.
(2/311)

كسرة، فصارت واوه ياء، كما فعلوا فى جمع دلو وحقو، [فقالوا: أدل وأحق (1)] وأصلهما: أدلو، وأحقو، كأكلب، وإنما كرهوا/وقوع الواو طرفا بعد ضمّة، فى اسم يضاف تارة وينوّن تارة، وينسب إليه تارة.
فيعتوره التنوين إذا قيل: أدلو، والإضافة إلى ياء المتكلم إذا قيل: أدلوى، والاتصال بياء النّسب إذا قيل: أدلوىّ، فتتوالى فيه أشياء مستثقلة، الضمّة على اللام وبعدها ضمة الواو أو كسرتها مع التنوين، أو ياء المتكلم أو ياء النسب، ولم يستثقلوا ذلك فى الفعل، نحو يغزو، وسرو الرجل يسرو، من السّرو-وهو سخاء فى مروءة-وذلك لأن الفعل لا يلحقه شيء ممّا ذكرناه، وكذلك وقوع الواو المضموم ما قبلها فى آخر المضمر، نحو هو وهمو، وأنتمو، فى لغة من ألحق الميم الواو فى الوصل؛ لأن المضمرات لا يلحقها التنوين، ولا تضاف ولا ينسب إليها، ولا اعتراض بقولهم: أبوك وأخوك ونحوهما، لأن الواو فى هذا الضّرب إنما تثبت غير متطرّفة، ولا يلحقها مع ذلك حركة.
وأما ترخيم الذى قبل آخره واو أو ياء مفتوح ما قبلها، فالتغيير أيضا يلحقه فى لغة من قال: يا حار، بالضم، فمثال ذوات الواو: برذون، وخنّوص، وهو ولد الخنزير، وعجّول، وهو العجل.
ومثال ذوات الياء: غرنيق، وهو طائر، وجمّيز، وهو شيء يشبه التّين، وعلّيق، وهو شجر من الأراك، تقول فى لغة من قال: يا حار: يا برذو، ويا خنّو، ويا عجّو، ويا غرنى ويا جمّي ويا علّي، تدع الواو والياء بحالهما؛ لأن المحذوف مراد وتقول فى اللغة الأخرى: يا برذا، ويا خنّا، ويا عجّا، ويا غرنا (2)، ويا علاّ، تقلب الياء والواو ألفا، لإرادة الحركة فيهما مع انفتاح ما قبلهما.
_________
(1) تكملة لازمة، وانظر كتاب الشعر ص 115 - وحواشيه-والبغداديات ص 120، وسرّ صناعة الإعراب ص 616،671.
(2) نسى هنا: «ويا جمّا».
(2/312)

وأما ما قبل آخره حرف علّة متحرّك، فمثاله: حولايا، وبردرايا، وجرجرايا. وتقول فى ترخيم هذا الضّرب فى قول من قال: يا حار: يا حولاي، ويا بردراي، ويا جرجراي، فلا تحذف الياء لقوّتها بالحركة، ومن قال: يا حار، أبدل الياء همزة لتطرّفها بعد ألف زائدة، فقال: يا حولاء، ويا بردراء، ويا جرجراء.
/فإن كان فى آخر الاسم زائدان، زيدا معا حذفتهما معا، وذلك ينقسم إلى ضروب، أحدها: ما فى آخره الألف والنون الزائدان، كعثمان وعمران وسلمان وحمدان ومروان.
والثانى: ما فى آخره الألف والهمزة المبدلة من ألف التأنيث، كظمياء ولمياء وعفراء وأسماء، التى أصلها وسماء، مأخوذة من الوسامة، وهو الحسن والجمال وليست بأسماء، جمع اسم، لأن هذه زنتها أفعال.
والثالث: ما فى آخره الياءان المزيدتان للنّسب، كزيديّ ومكّيّ، علمين.
والرابع: ما فى آخره الواو والنون المزيدتان للجمع، كزيدون وحمدون.
والخامس: ما فى آخره الألف والتاء المزيدتان لجمع المؤنث، كهندات وصالحات، قال الفرزدق يخاطب مروان بن الحكم:
يا مرو إنّ مطيّتى محبوسة … ترجو الحباء وربّها لم ييأس (1)
وقال آخر (2):
_________
(1) ديوانه ص 482، وروايته: مروان إن مطيّتى محبوسة ولا شاهد فيها. وانظر الكتاب 2/ 257، والجمل المنسوب للخليل ص 138، وجمل الزجاجى ص 172، والتبصرة ص 369، وشرح المفصل 2/ 22، والبيت فى غير كتاب. والحباء، بكسر الحاء: العطيّة.
(2) هو عبد الله بن همّام السّلولىّ، من قصيدة مدح بها عبيد الله بن زياد بن أبيه. أنساب الأشراف -القسم الرابع. الجزء الأول ص 294 - بيروت 1400 ه‍-1979 م. وصدر البيت: أقول لعثمان لا تلحنى -
(2/313)

أفق عثم من بعض تعذالكا
وتقول فى حمراء علما وأسماء: يا حمر ويا أسم، قال:
يا أسم صبرا على ما كان من حدث … إنّ الحوادث ملقى ومنتظر (1)
وقال عمر بن أبى ربيعة (2):
قفى فانظرى يا أسم هل تعرفينه … أهذا المغيرىّ الذى كان يذكر
وتقول فى مكّىّ: يا مكّ ويا مكّ، وفى حمراوىّ اسم رجل أو امرأة:
يا حمراو، فى لغة من قال: يا حار، فلا تحذف إلاّ ياء النّسب، كما لم تحذف من مرجانة ومكّيّة إلا تاء التأنيث، وتقول فى لغة من ضمّ: يا حمراء، تقلب الواو همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة.
وأهل التحقيق من البصريّين يقولون: لو سمّيت بحمراء هذه المرخّمة لصرفتها/فى التنكير، لأنّ همزتها ليست منقلبة عن ألف التأنيث، وإنما هى منقلبة عن واو منقلبة عن همزة منقلبة عن ألف.
ومما استجيز ترخيمه من النّكرات المقصود قصدها كلّ مؤنّث بالتاء، كقولك فى جارية وجالسة: يا جارى هلمّى، ويا جالس قومى، وجاء عليه قوله (3):
_________
= وعثمان هذا: رفيق الشاعر وصاحبه. شرح أبيات المغنى 7/ 262. وجاء فى أصل الأمالى «تعدائكا». وصحّحته من أنساب الأشراف وشرح الأبيات. والتعذال: العذل.
(1) ينسب للبيد-وهو فى ملحقات ديوانه ص 364 - ولأبى زبيد الطائى، وهو فى ملحقات ديوانه ص 151. وانظر الكتاب 2/ 258، والجمل ص 171، والتبصرة ص 369، وحواشيها.
(2) ديوانه ص 93، برواية: قفى فانظرى أسماء هل تعرفينه ولا شاهد على هذه الرواية. وهو بروايتنا فى الجمل ص 171، وشرح المفصل 2/ 22.
(3) العجاج. ديوانه ص 221، والكتاب 2/ 231،241، وشرح المفصل 2/ 16،20، والخزانة 2/ 125.
(2/314)

جارى لا تستنكرى عذيرى … سيرى وإشفاقى على بعيرى
العذير: الأمر الذى يحاوله الإنسان فيعذر فيه، أى لا تستنكرى ما أحاوله معذورا فيه، وقد فسّره بالبيت الثانى، ويقولون: من عذيرى من فلان؟ أى من ينتحى باللائمة عليه، ويعذرنى فى أمره.
ولم يأت ترخيم منكّر (1) قصد قصده إلا ترخيم «صاحب» وذلك لكثرة استعماله، وتشبيهه بالعلم؛ من حيث وهّنه النداء بالبناء، فاستجازوا فيه:
يا صاح، ولا يجوز: يا صاح، لأنّ من يضمّ المنادى يجعله بعد الحذف كاسم قائم بنفسه، لا دلالة فيه على المحذوف، فلم تحتمل النكرة أن يفعل بها هذا، قال امرؤ القيس (2):
أصاح ترى برقا أريك وميضه … كلمع اليدين فى حبىّ مكلّل
الحبيّ: السحاب المشرف.
والمكلّل: الذى بعضه على بعض.
وأما النكرات التى لم يقصد قصدها، فلم يجز ترخيمها لشياعها، وأنها معربة، وكذلك المضاف كقولك: يا جعفر تميم، لم يجز ترخيمه؛ لأنه معرب فى النداء، ولأن المضاف والمضاف إليه كاسم واحد، فآخر المضاف بمنزلة وسط الاسم، ووسط الاسم لا يرخّم، ولا يجوز أنّ يرخّم المضاف إليه؛ لأنه ليس بمنادى.
وأجاز الكوفيون ترخيم المضاف إليه، وأنشدوا شاهدا عليه:
خذوا حذركم يا آل عكرم واذكروا … أواصرنا والرّحم بالغيب تذكر (3)
_________
(1) كتب فى الأصل «مذكر» ثم ضبّب عليها الناسخ، وكتبها بقلمه فى الحاشية: «منكّر» كما ترى. وانظر مسألة ترخيم «صاحب» فى المقتضب 4/ 243، وقد أورد عليها العلاّمة الشيخ عضيمة، رحمه الله، كلاما جيّدا مستقصيا، فانظره.
(2) ديوانه ص 24، وشرح القصائد السبع ص 99، والكتاب 2/ 252، والمقتضب 4/ 234، والإنصاف ص 684، وشرح المفصل 9/ 89. ويروى: «أحار ترى برقا» ترخيم «حارث» و «أعنّى على برق» ولا شاهد فيها.
(3) فرغت منه فى المجلس التاسع عشر.
(2/315)

/رخّم عكرمة، فأجازوا على هذا فى سعة الكلام: يا أبا (1) عرو أقبل، وهذا لا يجيزه البصريّون إلاّ فى الشّعر، ومثله مما أنشده البصريّون:
ألا ما لهذا الدّهر من متعلّل … عن الناس مهما شاء بالناس يفعل (2)
وهذا ردائى عنده يستعيره … ليسلبنى عزّى أمال بن حنظل
أراد: يا مالك بن حنظلة، فرخّم حنظلة، على لغة من قال: يا حار، فجعله اسما قائما بنفسه متصرّفا، فخفضه بعد الترخيم، لخروجه عن النداء.
الآصرة: القرابة، أو إسداء منّة، يقال: ما يعطفنى على فلان آصرة، أى ما يعطفنى عليه قرابة ولا منّة أسداها إليّ، والعرب تقول: فلان يستعير رداء فلان، إذا أراد أن يبقى بعده، وفلان قد استعار رداء أخيه، إذا بقى بعده.
وممّا رخّمته العرب فى غير النداء، فضالة وكلدة، فى قول أوس بن حجر (3):
وفدت أمّى وما قد ولدت … غير مفقود فضال بن كلد
ومنه قول آخر:
أرقّ لأرحام أراها قريبة … لحار بن كعب لا لجرم وراسب (4)
وأنشد أبو العباس المبرّد:
علىّ دماء البدن إن لم تفارقى … أبا حردب ليلا وأصحاب حردب (5)
_________
(1) وجاء فى الشعر فى قول القاتل: أبا عرو لا تبعد فكلّ ابن حرّة سيدعوه داعى موته فيجيب راجع المجلس التاسع عشر.
(2) للأسود بن يعفر. وتقدم فى المجلس المذكور.
(3) ديوانه ص 19، عن ابن الشجرى فقط.
(4) سبق فى المجلس التاسع عشر.
(5) نسبه سيبويه لرجل من بنى مازن. الكتاب 2/ 255، وهو فى شرح أبياته لابن السّيرافى 1/ 528 لمالك بن الريب، وهو مازنيّ. والبيت فى ديوانه-تحقيق الدكتور نورى القيسى-مجلة معهد المخطوطات، الجزء الأول من المجلد الخامس عشر. وأيضا ديوانه ضمن أشعار اللصوص وأخبارهم-للأستاذ عبد المعين الملّوحى ص 260.
(2/316)

قال: والاسم حردبة، فرخّمه على لغة من قال: يا حار، ومنع المبرّد (1) من الترخيم فى غير النداء على لغة من قال: يا حار، بالكسر، وأنشد بيتا أنشده سيبويه مرخّما فيه «أمامة»، على هذا المذهب، وهو:
ألا أضحت حبالكم رماما … وأضحت منك شاسعة أماما (2)
قال: هكذا وضعه سيبويه، ولا وجه له، وإنما الشعر:
وما عهد كعهدك يا أماما
وأنشد المبرّد قول عنترة (3):
يدعون عنتر والرّماح كأنها … أشطان بئر فى لبان الأدهم
بضم الراء وفتحها، ثم قال: وذهب أحد من يقول: «عنتر والرّماح» إلى أن اسمه عنتر فى أصل وضعه، ولم تكن فيه هاء التأنيث، قال: وكذلك يقولون فى قول ذى الرّمّة (4):
ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا … ولا يرى مثلها عجم ولا عرب
_________
= وأبو حردبة: شاعر أموىّ لص، كان من أصحاب مالك بن الريب. أخباره فى الكتاب المذكور ص 19.
(1) لم أجده فى كتب المبرّد، وحكاه البغدادى عن ابن الشجرى. الخزانة 2/ 340.
(2) فرغت منه فى المجلس التاسع عشر.
(3) ديوانه ص 216 - من معلّقته-والكتاب 2/ 246، والمحتسب 1/ 109، وسرّ صناعة الإعراب ص 403، والتبصرة ص 367، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 768، والمغنى ص 414، وشرح أبياته 6/ 266، والهمع 1/ 184، وسيعيده ابن الشجرى فى المجلس الحادى والستّين. والأشطان: الحبال، والمفرد شطن، بالتحريك، واللّبان كسحاب: الصدر، والأدهم: الأسود، وهو فرسه.
(4) ديوانه ص 23، وتخريجه فى ص 1929، والتبصرة ص 367، وارتشاف الضرب 2/ 280. و «ديار» ضبطت فى أصل الأمالى والديوان بضم الراء، لكنّ سيبويه أنشده فى الكتاب 1/ 280 بالنصب، شاهدا على ما ينصب بحذف الفعل، وتقدير الكلام عنده: أذكر ديار مية.
(2/317)

إنه كان مرّة يسمّيها ميّا، ومرّة يسمّيها ميّة (1).
قال: ويجوز أن يكون أجراه فى غير النّداء على: يا حار، ثم صرفه لمّا احتاج إلى صرفه، قال: وهذا الوجه عندى، لأنّ الرواة كلّهم ينشدون:
فيا ميّ ما يدريك أين مناخنا … معرّقة الألحى يمانية سجرا (2)
انتهى كلامه.
وأقول: إنّ من زعم فى روايته «يدعون عنتر والرّماح» أن الأصل: عنتر، فزعمه محال، لقوله (3):
أنا الهجين عنتره … كلّ امرئ يحمى حره
أسوده وأحمره … والشّعرات الواردات مشفره
والوجه عندى: يدعون عنتر، مفتوح الراء، وذلك يحتمل وجهين.
أحدهما: أن يكون منادى مرخّما على لغة من يقول: يا حار، بالكسر، لأنّ الدعاء قول، فكأنه قال: يقولون يا عنتر، وحذف حرف النداء، كما جاء فى التنزيل: {فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي} (4).
والوجه الثانى: أن لا يكون منادى، بل يكون مفعولا، والناصب له يدعون، فى غير النداء، على: يا حار، كما قال أوس بن حجر: «فضال بن كلد» وكما قال الآخر: «لحار بن كعب (5)»
_________
(1) هذا قول يونس، حكاه سيبويه فى الكتاب 2/ 247.
(2) ديوانه ص 1417، وتخريجه فى ص 2044، والتبصرة ص 368، وسيعيده ابن الشجرى قريبا مع شرح غريبه.
(3) ديوانه ص 329،330، وتخريجه فى ص 356.
(4) سورة يوسف 101.
(5) تقدّم هذا والذى قبله قريبا.
(2/318)

وأمّا من قال: يدعون عنتر، بالضم، فرخّم على لغة من قال: يا حار، كما تقول: /يا طلح أقبل.
وأمّا قول ذى الرّمّة: «إذ ميّ تساعفنا» فيحتمل الوجهين اللذين ذكرهما المبرّد.
أحدهما: أنه كان يسمّيها مرّة ميّة، ومرّة ميّا، فيصرف «ميّا» كما يصرفون دعدا، لأنه ثلاثيّ ساكن الأوسط، ويجوز أن يكون مرخّما فى غير النداء، على لغة من قال: يا حار، وصرفه كما صرف الآخر حنظلة، فى قوله: «أمال بن حنظل» وكما قال الآخر:
أبا حردب ليلا وأصحاب حردب (1)
واعلم أن الشاعر إذا اضطرّ إلى الترخيم فى غير النداء، فإنه من الضرورات المستقبحة؛ لأن الترخيم إنما يستحقّه المنادى، وليس كلّ منادى يرخّم، وإذا لم يكن كلّ منادى يرخّم، فغير المنادى بعيد من الترخيم، فمن اضطرّ إليه فجعل الاسم قائما بنفسه، فهو أسهل؛ لأنه كأنه غير مرخّم إذا لم يبق فيه للترخيم دلالة، كقوله:
أبا حردب ليلا وأصحاب حردب
ومن ترك فيه دلالة على الترخيم، فقد أساء؛ لمخالفته للأصول، وإنما يجوز فى الضرورات مراجعة الأصول، كصرف مالا ينصرف، وكقصر الممدود؛ لأن القصر هو الأصل، كما أن الصرف فى الاسم هو الأصل، فإذا رخّمت فى غير النداء على قول من قال: يا حار، بالضم، فهو الأوجه؛ لأن من يقول هذا يجعل الاسم بمنزلة ما لم يحذف منه شيء، فهو لا يريد المحذوف، فهذا أشبه بالخبر، فإذا وقع الحذف
_________
(1) سبق هو والذى قبله قريبا.
(2/319)

منه على لغة من يقول: يا حار، فالمحذوف مراد، فالخبر والنداء يتجاذبانه، فالنداء يجذبه من قبل اللفظ، والخبر يجذبه من جهة المعنى، وسيبويه أجاز ذلك فى الشّعر، على بعده، وأنشد عليه:
وأضحت منك شاسعة أماما (1)
على ما سمعه من العرب، وإن كان بعيدا فى القياس، وفيما أنشده سيبويه أيضا من هذا قوله:
أتانى عن أميّ نثا حديث … وما هو في المغيب بذى حفاظ (2)
وأنشد:
إنّ ابن حارث إن أشتق لرؤيته … أو أمتدحه فإن الناس قد علموا (3)
وأنشد لابن أحمر:
أبو حنش يؤرّقنى وطلق … وعمّار وآونة أثالا (4)
قال: أراد: أثالة
وقال بعض اللغويّين: ليس فى العرب أثالة علما، وإنما هو أثال، سمّى بجبل يقال له: أثال (5).
وقال المبرّد: ذهب سيبويه إلى أنّ أثالا مرخّم، وليس القول عندى كما قال، ولكنه نصبه لأنه مفعول معطوف على ما قبله من الضمير المنصوب.
_________
(1) تقدّم قريبا.
(2) فرغت منه فى المجلس التاسع عشر.
(3) وهذا أيضا فرغت منه فى المجلس المذكور.
(4) وهذا مثل سابقيه.
(5) جبل بنجران، واسم لمواضع أخرى. راجع معجم ما استعجم ص 105.
(2/320)

فهذا القول من المبرّد وفاق لقول من زعم أنه ليس فى العرب أثالة علما، فإن صح هذا فقد بطل كونه مرخّما، وبطل أيضا قول أبى العباس إنه مفعول معطوف على المضمر المنصوب فى قوله: «يؤرقنى» لأن أثالا من الجماعة المؤرّقين لابن أحمر، فلم يرد يؤرّقنى ويؤرّق أثالا، فإنما ذكر عظيم ما يلاقيه لفراق هؤلاء المذكورين من الشوق والسّهر، إن كانوا فارقوه أحياء، أو ما يلاقيه من الهمّ والحزن، إن كانوا فارقوه بالموت، كما قال بعض رواة شعره، ولم يخبر ابن أحمر بما فى قلب أثال، وما يقاسيه من الأرق أوانا بعد أوان، لفراق أبى حنش وطلق وعمّار.
وإذا بطل قول سيبويه، وقول أبى العباس أن أثالا من المؤرّقين، وثبت أنه من المؤرّقين، فانتصابه بفعل مضمر دلّ عليه الكلام، تقديره: وأتذكّر آونة أثالا، وقد مرّ بى أن الأثالة من الشىء بقيّته، إلاّ أنهم نصّوا على أن العرب لم يسمّوا به.
وزعم بعض رواة الشعر وأخبار العرب، أن هؤلاء الأربعة أصيب بهم ابن أحمر.
وقال راوية آخر: ليس الأمر على ما قال؛ لأن فى الشعر الذى فيه هذا البيت ما يدلّ على أنهم فارقوه أحياء، /وذلك قوله:
وأيام المدينة ودّعونا … فلم يدعوا لقائلة مقالا (1)
فأيّة ليلة تأتيك سهوا … فتصبح لا ترى منهم خيالا
ليلة سهو: أى ليّنة ساكنة، وقوله: «أية ليلة» استفهام مراد به النفى، أى ما من ليلة تأتيك ساكنة ليس فيها مانع من الرّقاد إلاّ وأنت ترى فيها خيالاتهم، ثم قال:
أبو حنش يؤرّقنى وطلق … وعمّار وآونة أثالا
_________
(1) سبقت القصيدة بتمامها فى المجلس الحادى والعشرين.
(2/321)

أراهم رفقتى حتى إذا ما … تجافى اللّيل وانخزل انخزالا
تجافى الليل: تقضّى، وانخزل: انقطع.
إذا أنا كالذى يسعى لورد … إلى آل فلم يدرك بلالا
أراد: أراهم فى المنام كأنهم رفقة لى، فإذا تقضّى الليل كنت كساع إلى سراب ظنّه ماء، فلم يدرك ما يبلّ شفته.
ثم مدحهم فقال:
غطارف لا يصدّ الضيف عنهم … إذا ما طلّق البرم العيالا
غطارف: جمع غطريف، وهو السيّد المفتخر، يقال: تغطرف، إذا افتخر، وكان حقّ جمعه غطاريف، فحذف الياء، كما حذفها الآخر من الخلاخيل، فى قوله:
لم يبق إلاّ الغبط والخلاخل (1)
الغبط: جمع غبيط، وهو المحمل، قال (2):
تقول وقد مال الغبيط بنا معا … عقرت بعيرى يا امرأ القيس فانزل
أى لم تدع شدّة السّير إلاّ المحامل والخلاخل، وبالعكس من حذف الياء من لغطاريف والخلاخيل، إثباتها فى الصياريف من قوله:
تنفى يداها الحصى فى كلّ هاجرة … نفى الدّراهم تنقاد الصّياريف (3)
_________
(1) لم أعرفه.
(2) امرؤ القيس، من معلّقته.
(3) فرغت منه فى المجلس الحادى والعشرين.
(2/322)

وقد روى بعضهم: نفي الدّراهيم، وهذا يقوله من يأبى طبعه الزّحاف.
وقوله: / «لا يصدّ الضيف عنهم» أى ينزل بهم الضيف إذا طلّق البرم عياله، وذلك فى سنة الجدب؛ لأن البرم هو الذى لا يدخل مع القوم فى الميسر، فيقامر فى نحر الجزر لشحّه.
أرى ذا شيبة حمّال ثقل … وأبيض مثل صدر السّيف نالا
رجل نال: إذا كان ذا نائل، كقولهم: رجل مال: إذا كان كثير المال، وما جاء من هذا الضّرب فأصله: فعل، نول ومول، ومثله: يوم طان، ويوم راح، أى ذو طين وذو ريح.
وبيض لم يخالطهنّ فحش … نسين وصالنا إلاّ سؤالا
أى تركن وصالنا إلاّ السّؤال عنّا، ومثل نسين بمعنى تركن، قوله تعالى:
{وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} (1) أى ترك، ومثله: {نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ} (2) أى تركوا طاعة الله فتركهم من رحمته.
وجرد يعله الدّاعى إليها … إذا ركب الفوارس أو متالا (3)
يعله إليها: أى يذهب قلبه إليها، يقال: رجل علهان، وامرأة علهى.
وقوله: أو متى لا، أراد: أو متى لم يركبوا، فوضع «لا» فى موضع «لم» وحذف الجملة، ومثل وضعه «لا» فى موضع «لم» قول الآخر (4):
_________
(1) سورة طه 116.
(2) سورة التوبة 67، وراجع المجلسين: الثالث عشر، والتاسع عشر.
(3) رسمت فى الأصل «متى لا» بالياء. وقد نصّ ابن الشجرى فى المجلس الحادى والعشرين على ضرورة كتابتها بالألف «متالا» لعلة صوتيّة ذكرها.
(4) هو شهاب بن العيّف العبدى-جاهلىّ. إصلاح المنطق ص 153، وكتاب من نسب إلى أمه من الشعراء لابن حبيب، (نوادر المخطوطات 1/ 95) ونسبه إلى عمارة بن العيّف، والجمل المنسوب للخليل ص 304، والإنصاف ص 77، وشرح المفصل 1/ 109،8/ 108، والمغنى ص 243، وشرح أبياته 4/ 392،396، والخزانة 10/ 89، ومعجم الشواهد ص 520، وأعاده ابن الشجرى فى المجلس السابع والستين.
(2/323)

لاهمّ إنّ الحارث بن جبله … زنى على أبيه ثمّ قتله
وكان فى جاراته لا عهد له … فأيّ أمر سيّئ لا فعله
أى لم يفعله، ومثله فى التنزيل: {فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} (1) أى فلم يقتحم، وأجود ما يجيء ذلك مكرّرا، كقوله: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى} (2) أى: فلم يصدّق ولم يصلّ، ومنه قول الراجز:
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا … وأيّ عبد لك لا ألمّا (3)
/أى لم يلمّ بالذّنوب.
وقوله: «زنى (4) على أبيه» أى زنا بامرأته.
فهذا ما أدّى إليه بيت عمرو بن أحمر الباهلي، من الفوائد، وإن كان قد تقدّم ذكر هذا البيت فيما أمليته قبل (5).
وأمّا قول عنترة: «أنا الهجين» فالهجين: الذى أبوه عربيّ وأمّه غير عربيّة.
وقوله:
كلّ امرئ يحمى حره
أراد يحمى نساءه، فكنى عن النساء بما لا يكون إلا لهنّ.
وقوله:
أسوده وأحمره
_________
(1) سورة البلد 11.
(2) سورة القيامة 31. وانظر تفسير القرطبى 19/ 113، والبحر 8/ 390، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم 2/ 605.
(3) سبق فى المجلس الثانى والعشرين.
(4) يروى بتخفيف النون وتشديدها، وبيان ذلك يأتيك فى المجلس السابع والستين.
(5) فى المجلس الحادى والعشرين.
(2/324)

أراد سودهنّ وبيضهنّ، لأنهم إذا قالوا: الأسود والأحمر، أرادوا بالأحمر الأبيض، وقال النبيّ عليه السلام: «بعثت إلى الأسود والأحمر (1)».
وأما قول ذى الرّمّة:
أيا ميّ ما يدريك أين مناخنا … معرّقة الألحى يمانية سجرا
فقوله: «مناخنا» معناه: إناختنا، كقولهم: المقام بمعنى الإقامة، والمدخل والمخرج، بمعنى الإدخال والإخراج، كما جاء فى التنزيل: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} (2).
ونصب «معرّقة» بالمصدر الذى هو المناخ.
والألحى: جمع اللّحى (3).
ومعرّقة: من قولهم: عرقت العظم: إذا أخذت ما عليه من اللّحم.
والسّجر: جمع سجور، وهى الحنون من النّوق، يقال: سجرت الناقة:
إذا حنّت إلى ولدها (4) وإلى عطنها الذى ألفته، ويجوز أن تكون السّجر جمع سجراء،
_________
(1) وجدته بتقديم «الأحمر» على «الأسود» فى صحيح مسلم (كتاب المساجد ومواضع الصلاة- الحديث الثالث) ص 370، ومسند أحمد 1/ 250،301،4/ 416،5/ 145،148،162، وسنن الدارمى (باب الغنيمة لا تحلّ لأحد قبلنا، من كتاب السّير) 2/ 224، ومجمع الزوائد (باب نصره صلّى الله عليه وسلم بالريح والرعب، من كتاب المغازى والسير) 6/ 68، و (باب عموم بعثته صلّى الله عليه وسلم، من كتاب علامات النبوّة) 8/ 261.
(2) سورة الإسراء 80.
(3) وهو عظم الحنك، وهو الذى عليه الأسنان، وهو من الإنسان حيث ينبت الشّعر، وهو أعلى وأسفل.
(4) كتبت أوّلا فى الأصل «إذا حنّت إلى وطنها» ثم أصلحت فى الهامش إلى «ولدها» فقط. وهو المأثور عن الأصمعى. راجع اللسان (سجر).
(2/325)

وهى البيضاء التى تخالط بياضها حمرة، ويقال أيضا: عين سجراء، إذا كانت بهذا الوصف.
...
(2/326)

المجلس السادس والخمسون (*)
يتضمّن مسائل الترخيم
، وما يتّصل بها، وما لم تستعمله العرب إلاّ فى النداء.
كنت حدّدت المذهب المختار من مذهبى الترخيم، فقلت: من العرب من يحذف آخر الاسم، ويترك ما قبله على حركته أو سكونه، إلاّ أن يؤدّى/السّكون إلى الجمع بين ساكنين، فيلزم حينئذ التحريك، ووعدت ببيان ذلك.
وبيانه أنك إذا سمّيت بمادّ أو شادّ، وناديته ورخّمته على اللّغة المختارة، التقى بعد حذف الطّرف ساكنان، على أحد الشرطين فى التقاء الساكنين، وهما كون الأول حرف مدّ ولين، والثانى مدغما، فوجب لذلك التحريك، ولا يخلو المدغم أن يكون فى الأصل مكسورا أو مفتوحا أو مضموما، فإن كان أصله الكسر، أعدت إليه كسرته، وإن كان أصله الفتح أو الضمّ، أعدت إليه حركته، فقلت فى شادّ:
يا شاد أقبل، فكسرت الدال؛ لأن أصله شادد، ومثله اسم الفاعل من السّباب، تقول: يا مساب، فإن أردت اسم المفعول منه، قلت: يا مساب، ففتحت الباء، لأن أصله مسابب، فإن سمّيته بتسابّ، مصدر تسابّ القوم، قلت: يا تساب، فضممت، لأن أصله: تسابب.
_________
(*) من هذا المجلس تبدأ نسخة مكتبة الدراسات العليا ببغداد، وقد اخترت لها الرمز (د)، وكذلك تبدأ نسخة الخزانة العامة بالرباط-المغرب الأقصى-وقد رمزت ها بالرمز (ط).
(2/327)

مسألة
إن سمّيت بقاضون ونحوه، فناديته ورخّمته، حذفت الواو والنون، لأنهما زائدان، زيدا معا، وأعدت ياء قاض؛ لأنك إنما حذفتها من قاضون لسكونها بعد حذف حركتها وسكون الواو، فلما حذفت للترخيم الحرف الذى لأجله حذفتها، رددتها، فقلت: يا قاضى (1).
...
_________
(1) راجع الكتاب 2/ 262، والأصول 1/ 363.
(2/328)

مسألة
إن سمّيت بطيلسان، فى لغة من كسر (1) لامه، وفتحها أجود، قلت فى ترخيمه، فى المذهب المختار: يا طيلس تعال، ولا يجوز: يا طيلس، بالضم، لأنك تجعله فى هذه اللغة اسما قائما بنفسه، وليس فى كلامهم فيعل صحيح العين، إنما جاء ذلك فى المعتلّ، كسيّد وميّت وهيّن وليّن، وقد تقدّم ذكر هذا (2).
فإن رخّمته فى لغة من قال: طيلسان، ففتح اللام، جاز ترخيمه على اللغتين؛ لأنّ مثال فيعل متّسع/في الصحيح، كجيدر، وصيرف، وضيغم، وقد تقدّم ذكر هذا أيضا.
فإن سمّيته هيّبان، رخّمته على اللّغة المختارة، فقلت: يا هيّب، ولم يجز:
يا هيّب بالضمّ، لأنه ليس فى الكلام فيعل معتلّ العين، وإنما جاز ذلك فى لغة من قال: يا حار، لأن الألف مرادة، بدلالة الفتحة عليها، وكذلك إن سميته بريهقان، لم يجز ترخيمه على لغة من قال: يا حار، لأنه ليس فى الصحيح ولا المعتلّ اسم على مثال فيعل.
وأجاز أبو سعيد السّيرافىّ: يا طيلس، بكسر اللام، على لغة من ضمّ آخر المرخّم، وإن لم يكن فى الصحيح اسم على فيعل، قال: كما جاز: يا منص، فجىء به على مفع، وليس مثله فى الكلام. وهذا تشبيه فاسد؛ لأنه شبّه مثالا تامّا بمثال ناقص، محذوف اللام، وإنما يشبّه التّامّ بالتامّ، كتشبيه طيلس بحيدر.
الرّيهقان: الزّعفران.
_________
(1) وأنكر الأصمعىّ الكسر. الممتع ص 140، وانظر الكلام على ضبطه فى حواشى المعرّب ص 227. والطيلسان: ثوب يلبس على الكتف. وقيل: ثوب يحيط بالبدن ينسج للبس، خال عن التفصيل والخياطة. وهو يشبه بهذا الوصف فى أيامنا: العباءة.
(2) فى المجلس الخامس والأربعين.
(2/329)

والهيّبان: الجبان، والهيّبان: لغام البعير، والهيّبان: الراعى.
وقد (1) تقدّم أن الجيدر الرجل القصير.
والصّيرف: المتصرّف فى الأمور. والضّيغم: الأسد، أخذوه من الضّغم، وهو العضّ.
...
_________
(1) فى المجلس المذكور. وجاء فى الأصل، هنا وفيما سبق «الحيدر» بالحاء المهملة، وتحتها حاء صغيرة علامة الإهمال، وجاء فى ط، د «الجيدر» بالجيم، وهو الصواب.
(2/330)

مسألة
إن سمّيت بهبيّخ وقنوّر (1)، فرخّمت قلت: يا هبىّ، ويا قنوّ، فحذفت طرفيهما؛ الخاء والراء، فإن ألحقتهما تاء التأنيث قلت فى هبيّخة: يا هبيّخ، وفى قنوّرة: يا قنوّر، حذفت التاء وحدها؛ لأن تاء التأنيث على ما عرّفتك بمنزلة الاسم المضموم إلى الصّدر.
ولا يخلو هبيّخ أن يكون مثاله فعيّل، أو فعيلل، وكذلك قنوّر: فعوّل، أو فعولل، ولا يجوز فيهما فعيلل وفعولل، كسميدع وفدوكس؛ لأنّ الياء والواو لا تكونان أصلا فى بنات الأربعة، إلاّ أن يكون فى الكلمة تضعيف، كصيصية، وفيفاء، ووزوزة، وضوضاء، فثبت أنهما فعيّل وفعوّل (2)، ملحقان بدلهمس وسفرجل.
/الهبيّخ: الوادى العظيم (3)، والهبيّخة: الجارية.
والقنوّر: السيّئ الخلق، وقيل القنوّر: الضّخم، والأول هو الأعرف.
والصّيصية: واحدة الصّياصى، وهى الحصون، والصّيصية: القرن، وصيصية الدّيك معروفة.
والوزوزة: سرعة الوثب، ورجل وزواز: خفيف.
والفيفاء: المفازة (4).
والضّوضاء: الجلبة.
_________
(1) الكتاب 2/ 260،4/ 267، وشرح الشافية 1/ 60.
(2) فى الأصل: «أو فعولل» وكتب بالحاشية «لعله وفعوّل». وقد جاء على الصواب فى ط، د.
(3) وله معان أخرى، انظرها فى شرح أبنية سيبويه ص 161، واللسان (هبخ).
(4) من هنا يبدأ سقط طويل فى النسخة ط، ينتهى فى أثناء المجلس المتم السبعين.
(2/331)

وأصل الفيفاء على هذا القول: فيفاى، كما أن الضّوضاء أصلها: ضوضاو (1).
ومن قال: الفيف، فهمزة الفيفاء (2) للتأنيث، فوزنها فعلاء، وفى القول الأول وزنها فعلال، مصروفة، وكونها مضاعفة أوجه؛ وذلك لقلّة (3) باب سلس وقلق.
والدّلهمس: الأسد، والسّميدع: السيّد، والفدوكس: الشّديد، فى قول ثعلب، وقال أبو زيد: هو الغليظ الجافى، وقد نظمت فيه بيتا لئلاّ يشذّ عن الحفظ، وهو:
فدوكس عن ثعلب شديد (4) … وعن أبى زيد غليظ جافى
...
_________
(1) فى الأصل: «ضوضاء» وكتب بهامشه: «لعله ى» يعنى «ضوضاى». وأثبتّه بالواو من د، وهو الصواب. وراجع سرّ صناعة الإعراب ص 751، حيث ذكر ابن جنى أن أصل ضوضيت-الذى هو فعل الضوضاء-ضوضوت.
(2) راجع الكتاب 4/ 394، والأصول 3/ 252، والشعر ص 177 - وحواشيه-وشرح الشافية 2/ 371.
(3) يعنى ما كانت فاؤه ولامه من جنس واحد. وانظر الكتاب 4/ 401،430، والبصريات ص 824، والحلبيات صفحات 8،138،347، وسرّ صناعة الإعراب صفحات 66،599، 820، والمنصف 1/ 171، والممتع ص 258، وانظر فهارسه.
(4) فى د: «ذو شدّة»، ولا يختلف به بحر الرجز.
(2/332)

مسألة
إن سمّيت بحبلوىّ، لم يجز ترخيمه على لغة من قال: يا حار، بالضمّ، لأنه يلزمك إذا حذفت ياءي النّسب أن تضمّ الواو، فتقلب ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فتقول: يا حبلى، فتصير ألف فعلى منقلبة، وألف فعلى لم تكن قطّ إلاّ زائدة للتأنيث، لا أصل لها.
قال: أبو العباس المبرّد (1): فإن قال قائل: فيكون ألف حبلى هذه لغير التأنيث؛ لأنها ترخيم حبلويّ.
قيل: هذا محال؛ لأن فعلى لم تستعمل لغير التأنيث.
وقوله هذا محتاج إلى تفسير، وذلك أن هذا المثال مخالف لمثال فعلى وفعلى؛ لأنّ هذين المثالين قد جاءت ألفاهما للتأنيث وللإلحاق، فألف علقى وأرطى للإلحاق بسلهب وشرجب، وألف معزى وذفرى للإلحاق بدرهم وهجرع، ودلّ على ذلك شيئان؛ أحدهما صرفهنّ، والآخر: قولهم فى واحدة العلقى والأرطى/علقاة وأرطاة، فلو كانت الألف للتأنيث لم تحلقها تاء التأنيث.
فأمّا مجىء ألفها للتأنيث، ففى نحو الغضبى والشّبعى والشّكوى والدّفلى والشّعرى والذّكرى، والفعلى مباينة لهما؛ فى مجىء ألفيهما للإلحاق؛ لأنه لم يأت مثال فعلل فيكون ألفها للإلحاق به، فخلصت ألف حبلى وأنثى وخنثى وصغرى وكبرى ونظائرهنّ للتأنيث.
فإن قيل: قد جاء عنهم برقع وجخدب وجندب وقعدد وجؤذر.
قيل: إنما روى الفتح فى لامات هذه الأسماء الأخفش أبو الحسن، وأبى سيبويه إلا الضّمّ.
_________
(1) راجع المقتضب 4/ 4،5.
(2/333)

العلقى: شجر، وكذلك الأرطى: شجر من شجر الرّمل يدبغ به.
والهجرع: الكلب الخفيف، والرّجل الطويل الأحمق.
والسّلهب: الفرس الطويل. .
والشّرجب: الرجل الطويل.
والذّفرى: أصل الأذن من خلفها.
والقعدد: أقرب القوم إلى جدّهم، والقعدد أيضا: اللئيم، سمّى بذلك لقعوده عن المكارم.
والجندب: الجراد.
والجخدب: الجرادة الذّكر.
والجؤذر: ولد البقرة الوحشيّة.
...
(2/334)

مسألة
إن سمّيت باسم فى آخره ألف ونون زائدان، قبلهما واو، كقطوان ونزوان، أو ياء، كصميان وغليان، حذفت فى ترخيمه الألف والنون، وتركت الواو والياء على فتحهما، فى اللغة المختارة، فقلت: يا قطو، ويا نزو، ويا صمى، ويا غلى، فلم تغيّره لأن الألف مرادة.
فإن رخّمته على اللغة الأخرى، قلبت الياء والواو ألفين؛ لأنك قدّرت الضمّة فيهما، فجعلتهما منتهى الاسم، فقلت: يا قطا، ويا نزا، ويا صما، ويا غلا.
/القطوان: البطيء فى مشيه، حمار قطوان، أخذ من القطو، وهو تقارب الخطو.
والصّميان: الشّجاع، وقيل: هو الأهوج الشديد الذى لا يهاب.
والنّزوان: مصدر نزا الفحل على الأنثى.
...
(2/335)

مسألة
إن سميّت بترقوة وعرقوة، قلت على لغة من قال: يا حار: يا ترقو، ويا عرقو، فلم تغيّر الواو؛ لأنها، وإن تطرّفت، بمنزلة المتحصّن، لتقدير تاء التأنيث بعدها، من حيث دلّت الفتحة عليها، وتقول على اللغة الأخرى: يا ترقى، ويا عرقى؛ لأنك أردت: يا ترقو، ويا عرقو، بضم الواو، لجعلك المرخّم اسما على حياله، فوجب إبدال الضمّة كسرة، وقلب الواو ياء، كما فعلت فى أدل وقلنس، كراهة لوقوع واو قبلها ضمّة فى آخر اسم مظهر، وقد تقدّم شرح (1) هذا.
فإن سمّيته شقاوة أو نهاية، قلت فى ترخيمه على اللغة العليا: يا شقاو، ويا نهاي، فأقررت الواو والياء، فلم تهمزهما لأنهما فى التقدير غير متطرّفين، وذلك لدلالة الفتحة على تاء التأنيث، وقلت فى ترخيم اللغة الأخرى: يا شقاء، ويا نهاء، فهمزت الواو والياء لتطرّفهما بعد ألف زائدة، كما فعلت ذلك فى كساء ورداء، وهما من الكسوة والرّدية.
التّرقوتان: العظمان المشرفان فى أعلى الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النّحر.
والعرقوة: الخشبة المعروضة على الدّلو.
...
_________
(1) راجع المجلس السابق.
(2/336)

فصل
يتضمّن ما اختصّ به النّداء
فممّا لم يجيء إلاّ فى النّداء: فل، فى قولهم: يا فل أقبل، لم يستعملوه إلاّ مضموما.
قال أبو العباس المبرّد (1): وليس بترخيم فلان، لأنه لو كان ترخيمه لقيل:
يا فلا، كما تقول فى ترخيم حباب وهلال: يا حبا ويا هلا، قال: وممّا يزيد ذلك وضوحا/قولهم فى مؤنّثه: يا فلة أقبلى، قال: وقد جاء فى غير النّداء فذّا فى قوله (2):
فى لجّة أمسك فلانا عن فل
اللّجّة: الجلبة.
وذكر أبو العباس هذا الاسم مع الأسماء الوصفيّة التى جاءت على مثال فعل فى معنى فاعل أو فعيل، وخصّوا بها النّداء إلاّ فى الشذوذ، كقولهم: يا فسق، ويا خبث، فكأنّ أصله عنده فلو، بوزن فسق، فحذفوا الواو وضمّوا اللام فى النداء، كما يضمّون القاف إذا قالوا: يا فسق.
وأقول: إنه، وإن لم يكن أصله فلان، فإنه بمعناه، وإنما استحسنوا ترخيمه، وإن لم يكن علما، لأن هذا الاسم-أعنى فلانا-كناية عن الأعلام، ومن ذلك قولهم: يا هناه، لم يستعملوا هذه اللفظة فى غير النداء، فهى بمنزلة قولهم:
_________
(1) المقتضب 4/ 237.
(2) أبو النجم العجلى، من أرجوزته الشهيرة التى نشرها العلاّمة الميمنىّ الراجكوتى رحمه الله، فى الطرائف الأدبية ص 66. والبيت فى غير كتاب. انظر الكتاب 2/ 248،3/ 452، والمقتضب 4/ 238، والخزانة 2/ 389، وحواشيها. وشرح الجمل 2/ 106 و «لجّة» هنا بفتح اللام، وهى أصوات الناس وجلبتهم. وبعضهم يضبطها بالضم «لجّة»، وهى هنا خطأ. لأن معناها بالضم: معظم. يقال: لجّة الأمر معظمه، وكذلك لجّة الماء معظمه، ولجّة الظلام. وخصّ بعضهم به معظم البحر.
(2/337)

يا نومان ويا ملأمان، يريدون: يا لئيم، فعدلوا عن فعيل إلى مفعلان، للمبالغة فى لؤمه، وكذلك يا مكذبان ويا مخبثان، عدلوهما عن كاذب وخبيث، ولا يقال: هذا هناه، ولا مررت بهناه، وإنما يكنون بهذه الكلمة عن اسم نكرة، كما يكنون بفلان عن الاسم العلم، وهى مع ذلك كلمة ذمّ، قال امرؤ القيس (1):
وقد رابنى قولها يا هنا … ه ويحك ألحقت شرّا بشرّ
فمعنى يا هناه: يا رجل سوء.
واختلف البصريّون فى أصل تركيب هذه الكلمة ووزنها، فذهب بعضهم (2) إلى أن أصلها هناو، فعال من هنوك، فأبدلوا من الواو الهاء.
وقال آخرون: بل أبدلت من الواو الهمزة، لوقوع الواو طرفا بعد ألف زائدة، ثم أبدلت من الهمزة الهاء، كما قالوا فى إيّاك: هيّاك، وهذا عندى هو الصّواب.
وقال قوم منهم: إن الهاء أصليّة، وليست ببدل، وجعلوها من الكلم التى جاءت لامها فى لغة هاء، وفى أخرى واوا، كسنة وعضة.
وقال من رغب عن هذا/المذهب: إن هذا القول ضعيف؛ لأنّ باب «سلس وقلق (3)» قليل فلا يقاس عليه.
وذهب بعضهم إلى أنّ الهاء فى قولهم: يا هناه، هاء السكت، وهذا قول ضعيف جدّا، لأن هاء السكت لا تحرّك فى حال السّعة.
_________
(1) ديوانه ص 160، والجمل ص 163، والمنصف 3/ 139، وسرّ صناعة الإعراب ص 66، 560، ورصف المبانى ص 464، وشرح المفصل 10/ 42،43، والخزانة 1/ 375،7/ 275، وغير ذلك مما تراه فى معجم شواهد العربية ص 136.
(2) انظر الكتاب 2/ 100،198، والمقتضب 4/ 235 - وفى حواشيه تفصيل جيّد-والأصول 1/ 349، وشرح الجمل 2/ 105، وشرح الشافية 3/ 225، والممتع ص 401، ومراجع تخريج الشاهد السابق.
(3) تقدّم الحديث عنه قريبا.
(2/338)

وقال الفراء وغيره من الكوفيّين-وهو مذهب أبى الحسن الأخفش، وأبى زيد الأنصارىّ-: إن الألف والهاء زائدان، ولام الكلمة محذوفة، كما حذفت فى هن وهنة، فوزنها على هذا القول: فعاه، وقد ردّ هذا القول ابن جنى فى الكتاب اللطيف التصريفيّ، الذى سمّاه (الملوكىّ) (1)، ولم يذكر الوجه فى ردّه.
وعلى هذا المذهب تأتى مسائل التثنية والجمع فى المذكّر والمؤنث، والألف والهاء فى كونهما زائدين فيه، كالألف والهاء فى النّدبة، إلا أن هذه الهاء ليست بهاء السّكت لما ذكرناه، فإذا ثنّيت على هذا قلت: يا هنانيه أقبلا، فالألف فى هنانيه علامة التثنية، وصارت ألف هناه بعد نون التثنية ياء، لانكسار النون، ثم انكسرت الهاء لمجاورة الياء، كما انكسرت هاء الضمير فى عليه وإليه، ونحوهما، وتقول فى الجمع: يا هنوناه أقبلوا، فالواو علامة الجمع، وثبتت ألف هناه بعد نون الجمع؛ لانفتاح النون، وبقيت الهاء على ضمّتها.
فإن قيل: كيف جاز جمع هذا الاسم بالواو والنون، وهو بمعنى رجل، ونحن لا نقول: رجلون؟.
فالجواب: أنه إنما جاز ذلك فيه، لأنه فى هذا القول، من الأسماء التى دخلها التغيير بحذف لاماتها، فعوّضوها الجمع بالواو والنون، على حدّ قولهم فى جمع سنة: سنون.
وتقول فى تأنيثه: يا هنتاه أقبلى، كما تقول: يا مرأة، فإذا ثنّيت قلت:
يا هنتانيه أقبلا، صارت الألف التى فى هنتاه ياء، لانكسار نون التثنية قبلها، وانكسرت الهاء، لما تقدّم ذكره من وقوعها بعد الياء الساكنة.
وإذا جمعت/قلت: يا هناتوه أقبلن، فالألف فى هناتوه ألف جمع التأنيث، وانقلبت ألف هنتاه واوا لانضمام التاء قبلها، كما تنضمّ فى قولك: يا ثبات
_________
(1) راجع شرح الملوكى لابن يعيش ص 309.
(2/339)

أقبلن، وانحذفت التاء التى في هنتاه، لمجيء تاء جمع التأنيث بعدها، كما انحذفت تاء مسلمة في مسلمات (1).
ومما خصّوا به النداء، قولهم: اللهمّ (2)، ولم يستعملوا فيه حرف النداء، إلا أن يضطرّ شاعر، كما قال:
إنّى إذا ما حدث ألمّا … أقول يا اللهمّ يا اللهمّا (3)
وإنما لم يجمعوا بين الميم وحرف النداء؛ لأنهم إنما ضمّوا الميم إلى هذا الاسم، تعالى مسمّاه، عوضا من حرف النداء. هذا قول البصريّين، وهو الصّواب، لا ما ذهب إليه يحيى بن زياد الفراء، من قوله: إن هذه الميم مأخوذة من فعل، وأنهم أرادوا: يا الله أمّنا بخير، أى اقصدنا، فخذفوا همزة «أمّ» تخفيفا.
وهذا القول يبطل بما سأذكره لك، فلك أن تقول: يا الله، بقطع الهمزة، ويا الله، بوصلها، ولك أن تقول: اللهمّ، وإنما ثقّلوا الميم، ليعوّضوا حرفين من حرفين.
وقال أبو علىّ فى مذهب الفرّاء: ليس هذا القول بشىء، لقول الله عزّ وجلّ: {وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً} (4) فلو كان المراد: يا الله أمّنا، لأغنى هذا الفعل عن جواب الشرط، وكانت الميم سادّة مسدّ الجواب، كما تقول: يا ربّنا قابل فلانا إن كان باغيا.
_________
(1) فلم يقل: مسلمتات. راجع كتاب الشعر ص 173.
(2) انظر حواشى المقتضب 4/ 239، والإنصاف ص 341، ومراجع تخريج الشاهد الآتى.
(3) البيتان ينسبان لأمية بن أبى الصلت-وليسا فى ديوانه، طبعة بغداد-ولأبى خراش الهذلى، وهما له فى شرح أشعار الهذليين ص 1346، وفيه التخريج. وانظر أيضا نوادر أبى زيد ص 458، وضرورة الشعر ص 128، والبغداديات ص 159، وسرّ صناعة الإعراب ص 419،430، والتبصرة ص 356، والإنصاف ص 341، والتبيين ص 450، وفى حواشى هذه الكتب مراجع أخرى.
(4) سورة الأنفال 32.
(2/340)

وأقول: إن هذه الآية تدفع قول الفرّاء من الوجه الذى ذكره أبو عليّ، وتدفعه أيضا من قبل أن التقدير عنده: يا الله أمّنا بخير، ثم جاء بعد هذا {فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ} فالكلام الآخر ينقض الأوّل، على ما قدّره الفراء.
ودفع أبو عليّ قول الفراء بشىء آخر، وهو أنه قال: لو كان المراد ما قاله، لما حسن: اللهمّ أمّنا بخير، وفى حسنه دليل على أن الميم ليست/مأخوذة من أمّ، إذ لو كانت مأخوذة منه لكان فى الكلام تكرير، ثم قال: والاستدلال بالآية فيه كفاية.
وأقول: إنّ هذا الاسم مخالف للأسماء الأعلام، فى جواز حذف حرف النداء منها، فيجوز: زيد أقبل، كما جاء {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا} (1) ولا يجوز: الله اغفر لى، وإنما لم يجز أن ينادى بغير حرف النداء، لأن أصله: الإلاه، على ما بيّنته لك فيما تقدّم (2)، فإذا (3) قلت: الله اغفر لى، فكأنك قلت: الإله اغفر لى.
وإذا ثبت أنه لا يجوز: الله اغفر لى، حتى تقول: يا الله، أو تقول: اللهمّ، علمت أن الميم عوض من حرف النداء. فهذا دليل قاطع بأن الذى ذهب إليه البصريون هو الصحيح.
وممّا لم يستعملوه إلاّ فى النداء إدخال تاء التأنيث على الأب والأم، تقول:
يا أبت لا تفعل، ويا أمّت لا تفعلى، كما جاء فى التنزيل: {يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ} (4) و {يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ} (5) ولا يجوز الجمع فيهما بين تاء
_________
(1) سورة يوسف 29.
(2) فى المجلس السابع والأربعين.
(3) فى الأصل: وإذا.
(4) سورة مريم 44.
(5) السورة نفسها 43.
(2/341)

التأنيث وياء المتكلم، لا تقول: يا أبتى، ولا يا أمّتى؛ لأن تاء التأنيث فيهما صارت عوضا من الياء (1).
فإن قيل: فقد جاء يا أبتا، ويا أمّتا، وأنشدوا فيه قول الراجز:
يا أبتا علّك أو عساكا (2)
وأنشدوا قول جارية من العرب:
يا أمّتا أبصرنى راكب … يسير فى مسحنفر لا حب (3)
فقمت أحثو التّرب فى وجهه … عمدا وأحمى حوزة الغائب
فقالت أمّها:
الحصن أولى لو تأيّيته … من حثيك التّرب على الراكب (4)
قيل: إنما جاز: يا أبتا ويا أمّتا، ولم يجز: يا أبتى، ويا أمّتى، وإن كانت الألف مبدلة/من الياء؛ لأن إبدال الألف من الياء يخرجهما من صريح الإضافة،
_________
(1) مراجع هذه المسألة فى دراسات لأسلوب القرآن الكريم 3/ 630،631، ورحم الله مؤلفه رحمة واسعة.
(2) فرغت منه فى المجلس الرابع والخمسين.
(3) إصلاح المنطق ص 139،374، وتهذيبه ص 346، والمذكر والمؤنث لابن الأنبارى ص 604، وشرح القصائد السّبع له ص 381، والمحتسب 2/ 239، والمقاييس 2/ 118،137، واللسان (حوز-حصن-أيا)، وشرح الشواهد الكبرى 4/ 226. هذا وقد جاءت هذه الأبيات الثلاثة مع بيت رابع فى ديوان البحترى ص 301،302 عن نسختين مخطوطتين منه. وقد شكّك أبو العلاء فى نسبة الأبيات إلى البحترى، قال: «على أن هذه الأبيات بعيدة من نمط أبى عبادة، وإن كان الشاعر المغزر يجوز أن يأتى بكلّ فن من القول». عبث الوليد ص 63،64 - مطبعة الترقى بدمشق 1936 م.
(4) صار صدر هذا البيت من الأمثال، ويضرب فى ترك ما يشوبه ريبة وإن كان حسن الظاهر. مجمع الأمثال 1/ 210،211 (باب الحاء).
(2/342)

لتغيّر لفظ الياء، ولشبه الألف بألف النّدبة، فكما جاز: وا أبتاه، ووا أمّتاه، جاز: يا أبتا ويا أمّتا.
فإن قيل: فقد قالوا: يا عمّتى، ويا خالتى، فهلاّ جاز ذلك فى يا أبت ويا أمّت.
قيل: إنما جاز ذلك فى العمّة والخالة؛ لأنّ دخول تاء التأنيث فيهما ليس بمختصّ بالنداء، وإذا كان دخولها فيهما غير مختصّ بالنداء، لم تكن التاء فيهما عوضا من الياء، فيكون الجمع بينهما جمعا بين العوض والمعوّض.
ومن قال منهم: يا أبت ويا أمّت، ففتح التاء، أراد: يا أبتا، ويا أمّتا، فحذف الألف اجتزاء بالفتحة.
فإن قيل: كيف دخلت تاء التأنيث على الأب، وهو مذكر؟
قيل: ليس ذلك ببعيد، ألا ترى أنهم قالوا: رجل ربعة، ورجل صرورة، للذى لم يحجّ، وقالوا بعكس هذا: امرأة طالق وحائض، وناقة بازل، ومهرة ضامر، قال (1):
عهدى بها فى الحىّ قد سربلت … بيضاء مثل المهرة الضّامر
وفى الوقف عليهما مذهبان: مذهب البصريّين، الوقف على الهاء، كما يوقف على الهاء، إذا قيل: يا عمّة ويا خاله، وقال الكوفيّون: الوقف عليهما: يا أبت ويا أمّت (2)؛ لأن تاء التأنيث فيهما لمّا كانت عوضا من ياء المتكلم، شبّهوها بتاء الإلحاق (3) فى بنت وأخت.
_________
(1) الأعشى. ديوانه ص 139، والإنصاف ص 778، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 592، وشرح المفصل 5/ 101،6/ 83، والهمع 1/ 107، والقافية فيه: «الطائرة» خطأ.
(2) تقدّم الكلام على الوقف على الهاء، فى أواخر المجلس الرابع والخمسين.
(3) الإلحاق بجذع. راجع المجلس الثالث والخمسين.
(2/343)

وقال البصريّون: هذا لا يلزم؛ لأن التاء فى قولهم: يا أبت، ويا أمّت، مفتوح ما قبلها، كما فتح فى عمّة وخالة، فخالفت بذلك التاء فى بنت وأخت.
قول الجارية:
يسير فى مسحنفر لاحب
أى فى طريق بيّن واضح.
ويقال: حثوت التّراب أحثوه، وحثيته أحثيه.
وقولها: «وأحمى حوزة الغائب». عنت بالغائب فرجها (1).
والحصن (2): العفّة.
وقولها: «لو تأيّيته» معناه: لو تعمّدته، ويروى: لو تريدينه.
...
_________
(1) وقال التبريزى: الغائب: بعلها أو أبوها. راجع الموضع المذكور من تهذيب إصلاح المنطق.
(2) بضم الحاء.
(2/344)

المجلس السابع والخمسون
/يتضمّن ذكر ما عدل عن مثال إلى مثال [للمبالغة (1)] وذكر ما يتّصل بذلك.
إذا أرادوا المبالغة فى الوصف، عدلوا عن بناء إلى بناء أدلّ على المبالغة من الأول، وذلك على ضربين: ضرب استعملوه فى الخبر، وضرب اختصّوا به النّداء.
فعدولهم فى الخبر كعدولهم عن فاعل إلى فعيل، فى قولهم: رحيم وقدير وسميع وخبير وعليم.
وعدولهم عن مفعل إلى فعيل، فى قولهم: بصير، وفى قولهم: سميع، من قول عمرو بن معد يكرب:
أمن ريحانة الدّاعى السّميع … يؤرّقنى وأصحابى هجوع (2)
معناه الداعى المسمع (3).
وعدلوا عن فاعل إلى فعلان، فى قولهم: الرحمن، فالرحمن أبلغ فى الوصف
_________
(1) زيادة من د.
(2) مطلع قصيدة من أشهر شعره. ديوانه ص 128، وتخريجه فى ص 225، وسبق إنشاده فى المجلس العاشر، وأحلت هناك على ديوانه طبعة بغداد. وانظر أيضا تفسير أسماء الله الحسنى، للزجاج ص 43، واشتقاق أسماء الله للزجاجى ص 75.
(3) منع بعضهم أن يكون «سميع» بمعنى «مسمع»، وأن ما ورد من مجىء «فعيل» بمعنى «مفعل» شاذ. راجع ما سبق فى المجلس العاشر، وتهذيب اللغة 2/ 124، والكشاف 1/ 307، فى سياق الآية (117) من سورة البقرة، وروح المعانى للآلوسى 1/ 150،367، ومراجع تخريج بيت عمرو بن معدى كرب.
(2/345)

بالرّحمة من الرّحيم، والرّحيم أبلغ من الراحم، فلشدّة المبالغة فى الرّحمة اختصّ بالرحمن القديم تعالى (1).
ومن ذلك فعول وفعّال، عدلوا إليهما عن فاعل، فى قولهم: غفور وشكور وصبور وضروب، وضرّاب وقتّال وصبّار، كما جاء فى التنزيل: {لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ} (2) ومثله: {عَلاّمُ الْغُيُوبِ} (3).
وقال أبو طالب بن عبد المطلب، فى مدح (4) النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلم:
ضروب بنصل السّيف سوق سمانها … إذا عدموا زادا فإنّك عاقر
ومن ذلك مفعال، كقولهم: مطعان ومطعام، فمطعان معدول عن فاعل، ومطعام عن مفعل، وقالوا: امرأة ميلاد وولود، إذا وصفوها بكثرة الولاد.
ومن ذلك فعل، كفهم وأشر وحذر، والأشر: البطر، وفى التنزيل:
{كَذّابٌ أَشِرٌ} (5) قرن فعلا/بفعّال، وأنشد سيبويه (6):
حذر أمورا لا تضير وآمن … ما ليس منجيه من الأقدار
_________
(1) تفسير أسماء الله الحسنى ص 28، واشتقاق أسماء الله ص 40.
(2) الآية الخامسة من سورة إبراهيم، وغير ذلك من الكتاب العزيز.
(3) سورة المائدة 109، وغير ذلك من الكتاب الحكيم.
(4) شنّع البغدادىّ على ابن الشجرى فى هذا، وذكر أن البيت من قصيدة رثى بها أبو طالب أبا أميّة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان ختنه، زوج أخته عاتكة بنت عبد المطلب. والبيت فى ديوان أبى طالب ص 79، والكتاب 1/ 111، والمقتضب 2/ 114، والأصول 1/ 124، والتبصرة ص 225، والبسيط ص 1056، وشرح الجمل 1/ 560، والخزانة 4/ 242،244، وغير ذلك مما تراه فى حواشى تلك المراجع.
(5) سورة القمر 25.
(6) الكتاب 1/ 113، وقد قيل إن هذا البيت مصنوع، وزعم بعضهم أن أبان بن عبد الحميد اللاحقى الشاعر المعروف ذكر أن سيبويه سأله عن شاهد فى إعمال «فعل» فعمل له هذا البيت. وقد ردّ أهل العلم هذه الرواية وشنّعوا على قائلها. انظر شرح أبيات سيبويه 1/ 409، والنكت فى تفسير-
(2/346)

وممّا اختصّ بالنداء عدولهم عن فاعل وفعيل إلى مفعلان، كقولهم:
يا مكذبان ويا مخبثان ويا ملأمان، يريدون: يا كاذب ويا خبيث ويا لئيم، بالغوا فى وصفه بالكذب والخبث واللّؤم، وقالوا: يا مكرمان، فبالغوا فى وصفه بالكرم.
ومن الأمثلة التى عدلوا إليها فى النّداء: فعل وفعال، كقولهم للرجل: يا فسق ويا خبث ويا غدر ويا لكع، وللمرأة: يا فساق ويا خباث ويا غدار ويا لكاع، ولا يكادون يستعملون شيئا من هذين الضّربين فى غير النداء، إلاّ على سبيل الشذوذ، كقوله (1):
أطوّف ما أطوّف ثم آوى … إلى بيت قعيدته لكاع
وقولهم: يا لكع، معناه: يا لئيم، يقال: لكع الرجل لكاعة، إذا لؤم، وقولهم: بنو اللّكيعة، قيل: اشتقاق هذه اللفظة من اللّكع، وهو الوسخ، وقال رجل للحسن البصرىّ: يا با سعيد، إنّ العامّة تزعم أنك تبغض عليّا، فأكبّ يبكى طويلا، ثم رفع رأسه وقال: والله لقد فارقكم بالأمس رجل كان سهما من مرامى الله على أعدائه، ربّانيّ هذه الأمة، ذو شرفها وفضلها، وذو قرابة من رسول الله صلّى الله عليه وسلم قريبة، لم يكن بالنّومة عن حقّ الله، ولا بالغافل عن أمر الله، ولا بالسّروقة من مال الله، أعطى القرآن عزائمه في ما له وعليه، فأشرف منها على رياض مونقة، وأعلام بيّنة. ذلك علىّ بن أبى طالب يا لكع (2).
قوله: «مونقة» حسنة معجبة.
وجملة الأمر أنّ كلّ واحد من مثالى فعل وفعال ينقسم إلى ثمانية أقسام:
أمّا فعل فيكون اسم جنس، كجرذ ونغر وصرد.
_________
= كتاب سيبويه 1/ 247، والمقتضب 2/ 116، والتبصرة ص 227، وشرح الجمل 1/ 562، والبسيط ص 1058،1059، والخزانة 8/ 169، وحواشى هذه المراجع.
(1) الحطيئة. ديوانه ص 330، وهو بيت سيّار. راجع معجم الشواهد ص 231.
(2) الأخبار الموفّقيات ص 192، والبيان والتبيين 2/ 108، وحلية الأولياء 1/ 84.
(2/347)

ويكون جمعا كغرف وظلم/وحجر.
ويكون مصدرا، كهدى وتقى وسرى.
ويكون صفة كحطم، فى قوله:
قد لفّها اللّيل بسوّاق حطم (1)
ولبد، فى قوله تعالى: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً} (2) اللّبد: الكثير.
والسّواق الحطم: الذى يحطم من شدّة سوقه ما يسوقه، والحطم:
الكسر.
والصّرد: طائر، وكذلك النّغر طائر أصغر من العصفور.
وكان فى حجر أمّ سليم (3) يتيم يكنى أبا عمير، فدخل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يوما عليها فوجده يبكى، فقال: ما باله؟ فقالت: يا رسول الله، طار نغره، فقال عليه السلام يداعبه: «يا أبا عمير، ذهب (4) النّغير».
فهذه الأقسام الأربعة مصروفة، والأربعة الأخر معدولة.
_________
(1) من رجز شهير، زاده شهرة إنشاد الحجّاج له، وقد اختلف فى نسبته، وجاء فى رجز كثير من الرجّاز، والأكثرون على أن قائله رشيد بن رميض العنزىّ-وليس العنبرى-وتحقيق ذلك فى حواشى السّمط ص 729، والكامل صفحات 494،499،1230، والحماسة الشجرية ص 143،144 - ونسبته فيها إلى الأغلب العجلىّ. ثم انظر الكتاب 3/ 223، والمقتضب 1/ 55،3/ 323، وحواشيهما.
(2) الآية السادسة من سورة البلد.
(3) فى الأصل، د «أم سلمة». خطأ. وهى أم سليم بنت ملحان بن خالد. أم مالك بن أنس رضى الله عنه، تزوّجت بعد أبيه مالك: أبا طلحة الأنصارىّ. وقد اختلف فى اسمها اختلافا كثيرا. راجع الاستيعاب ص 1940، وغوامض الأسماء المبهمة ص 491، وسير أعلام النبلاء 2/ 304.
(4) صحيح البخارى (باب الانبساط إلى الناس، وباب الكنية للصبىّ قبل أن يولد للرجل، من كتاب الأدب) 8/ 37،55، وصحيح مسلم (باب تحنيك المولود عند ولادته-الحديث الأخير-من كتاب الآداب) ص 1692، وأخرجه الخطيب البغدادى فى تلخيص المتشابه فى الرسم ص 31، والفائق 4/ 8، والنهاية 5/ 86، وانظر حواشى سير أعلام النبلاء، وتلخيص المتشابه.
(2/348)

فالأول: العلم المعدول عن فاعل، كعمر، وقثم وزحل، عدلوا عمر عن عامر، وقثم عن قاثم، وزحل عن زاحل، فقثم من القثم، وهو الإعطاء، يقال:
قثم له من ماله.
ويقال: زحل عن المكان فهو زاحل، إذا تنحّى عنه متباطئا.
والقسم الثانى: فعل المعدول عن أفعل من كذا، وهو أخر، فأخر جمع أخرى فى قوله تعالى: {وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ} (1) وفى قوله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ} (2) الأصل: من أيّام أخرى، كما قال: {أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى} (3) فأخر معدولة عن آخر من كذا.
ومعنى قولنا: معدولة عن آخر من كذا: أنّ قولك: جاءنى الهندات ونساء أخر، أصله: ونساء آخر منهنّ، كما تقول: جاء الهندات ونساء أفضل منهنّ، لأن الآخر، والأخرى من باب الأفضل والفضلى، والأكبر والكبرى، ولكنه شذّ عن نظائره، فعرّى من الألف واللام، ومن «من».
والقسم الثالث: فعل، فى قولهم: جاء النساء جمع كتع بصع، فجمع معدولة عن جمع، فى قول أبى عثمان المازنىّ؛ لأنه جعل أجمع وجمعاء، من باب أحمر وحمراء، وهذا الباب قياس جمعه: فعل، كحمر وصفر، فعدلوا على قول أبى عثمان جمع المفتوح/العين عن جمع الساكنة عينه.
وخالفه النحويّون فى هذا القول، لمخالفة أجمع لباب أحمر، من حيث قالوا: أجمعون، ولم يقولوا: أحمرون، لم يجمعوه بالواو والنون، كما لم يجمعوا مؤنّثه بالألف والتاء، فجمعاء عندهم كصحراء، فجمعها فى القياس جماعى،
_________
(1) سورة آل عمران 7، وانظر المقتضب 3/ 377.
(2) سورة البقرة 184،185.
(3) الأنعام 19.
(2/349)

كصحارى، فجمع إذا معدولة [عن] (1) جماعى، وإن لم ينطقوا بجماعى.
ولو أنهم قالوا فى جمع جمعاء: جمعاوات، كان قياسا كصحراوات.
فإن قيل: فما العلّة التى انضمّت إلى العدل فى جمع، حتى امتنع من الصرف؟
قيل: هى التّعريف.
فإن قيل: وما وجه التعريف فيه، وليس بعلم ولا مضمر ولا اسم إشارة؟
فالجواب: أن هذه الألفاظ الموضوعة للتوكيد، حقّها الإضافة إلى ضمير غيبة، كالكلّ والنّفس والعين، فى قولك: جاء القوم كلّهم، وجاء زيد نفسه وعينه، وكذلك قولهم: جاء الجيش أجمع، إضافة «أجمع» إلى الضمير مرادة، وكذلك:
جاء القوم أجمعون، وجاءت القبيلة جمعاء، وجاء النساء جمع، التقدير: جاء الجيش أجمعه، والقوم أجمعوهم، والقبيلة جمعاؤها، والنساء جمعهنّ، فحذف المضاف إليه، وبقى التعريف فيهنّ لتقدير إضافتهن إلى الضمير، كما حذف الضمير من كلّ فى قوله تعالى: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ} (2) التقدير: وكلّهم، كما قال:
{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً} (3).
ولإرادة التعريف فيهنّ بتقدير إضافتهنّ إلى الضمير أتبعن المعارف دون النكرات، فلا يجوز: جاء جيش أجمع، ولا قبيلة جمعاء، ولا قوم أجمعون، ولا نساء جمع، فأجمع على هذا حكمه حكم أحمد، ولم ينصرف للتعريف والوزن، وجمعاء كعفراء: اسم امرأة، ولو لم يكن فيها غير همزة التأنيث لامتنعت من
_________
(1) من د.
(2) سورة النمل 87.
(3) سورة مريم 95.
(2/350)

الصّرف؛ لأن التأنيث بالهمزة علّة تقوم مقام علّتين، لكونه تأنيثا لازما، فلزومه يقوم مقام علّة أخرى.
فأما كتع بصع فحكمهما حكم جمع فى تقدير العدل فيهما/وتقدير الإضافة إلى الضمير، فمن النحويّين من قال: إن المراد بهما شدّة التوكيد، فهما تابعان غير مشتقّين، ومنهم من قال: إنّ كتع مأخوذ من قولهم: كتع فلان فى أمره: إذا شمّر فيه، وبصع مأخوذ من قولهم: بصع الماء، إذا سال، وتبصّع عرقه، وقد روى: بضع عرقه وتبضّع، بالضاد المعجمة.
والقسم الرابع من [هذه] (1) الأقسام المعدولة: فعل، المختصّ بالنداء، كقولهم: يا فسق ويا غدر ويا خبث، فهذا مبنىّ معرفة؛ لأنه منادى قصد قصده، فلذلك تقول: يا فسق الخبيث.
وفعال حكمه حكم فعل، فى الانقسام إلى ثمانية أقسام، الأول: كونه اسما مفردا مذكّرا، كغزال وفدان (2)، ومفردا مؤنّثا، كعناق وأتان.
والثانى: كونه وصفا لمذكّر، كجواد وجبان، ولمؤنّث كحصان ورزان.
والثالث: كونه مصدرا، كذهاب وضمان.
والرابع: كونه جمعا (3)، كجراد وبنان وسحاب، وفى التنزيل:
_________
(1) من د.
(2) هكذا فى د، وكانت كذلك فى الأصل، ثم غيّرها قارئ، وجعلها «قذال» والفدان بتخفيف الدال: الذى يجمع أداة الثّورين فى القران للحرث، وهو ما يسمّى فى عاميّة مصر: (النّاف). وقد سبق لابن الشجرى التمثيل به فى المجلس الرابع والعشرين. هذا وقد جاء البناءان: قذال وفدان، فى الكتاب 3/ 602، والتكملة ص 165، وحكى ابن برّى «فدان» عن سيبويه. راجع اللسان (فدن).
(3) هكذا، ولم أر من علماء الصرف من ذكر (فعال) فى أبنية جموع التكسير، والمعروف فى مثل هذا الذى ذكره ابن الشجرى أنه اسم جنس جمعى، وهو الذى يدلّ على أكثر من اثنين ويفرّق بينه-
(2/351)

{وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ} (1).
فهذه الأربعة معربة مصروفة، كما ترى، والأربعة الباقية (2) معدولة مبنيّة، لا خلاف فى بنائهنّ، إلاّ فى القسم الرابع، على ما ستراه، إن شاء الله.
فالأول: فعال المسمّى بها فعل الأمر للمواجه، كنزال ونظار ومناع وحذار وتراك ودراك، هذه معدولة عن انزل وأنظر وامنع واحذر واترك وأدرك، وحكمها فى اللّزوم والتعدّي حكم مسمّياتها، قال ربيعة بن مقروم الضّبّىّ: (3)
فدعوا نزال فكنت أوّل نازل … وعلام أركبه إذا لم أنزل
وقال آخر (4):
حذار من أرماحنا حذار
وقال آخر:
نظار كى أركبها نظار (5)
أراد بقوله: «نظار» أنظر، بفتح الهمزة وكسر الظاء، وليس من نظر
_________
= وبين واحده بالياء كروم ورومىّ، وزنج وزنجيّ، أو بالتاء، كبقرة وبقر، وتمرة وتمر. وهذا ما ذكره المصنّف رحمه الله، فإن مفرد جراد: جرادة، وبنان: بنانة، وسحاب: سحابة. والله أعلم.
(1) سورة الرعد 12.
(2) انظر المقتضب 3/ 368.
(3) فى شعره ضمن (شعراء إسلاميون) ص 269، وتخريجه فى 292، وهو أيضا فى الإنصاف ص 536، وشرح المفصل 4/ 27.
(4) أبو النجم العجلى. ديوانه ص 97، وتخريجه ص 246، وزد عليه ما فى حواشى الكتاب 3/ 271، والمقتضب 3/ 370، وما بنته العرب على فعال ص 32،50.
(5) نسبه سيبويه فى الموضع السابق من الكتاب إلى رؤبة، وليس فى ديوانه المطبوع، وهو لأبيه العجاج فى ديوانه ص 76، وشرح أبيات سيبويه 2/ 308، وانظر المقتضب-الموضع السابق، والكامل ص 589، والإنصاف ص 540.
(2/352)

العين، وإنما المراد به الانتظار، كما جاء فى التنزيل: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} (1) /أي ينتظرون، وكما قال الشاعر يخاطب ميّتا:
هل انت ابن ليلى إن نظرتك رائح … مع الرّكب أو غاد غداة غد معى (2)
أراد: انتظرتك، وقال آخر (3) فى المتعدّى:
تراكها من إبل تراكها … أما ترى الموت لدى أوراكها
أراد: أنّ أوراكها من شدّة السير، كأنّها فى استرخائها قد شارفت الموت، ومثله فى المتعدّى قول الآخر (4):
مناعها من إبل مناعها … أما ترى الموت لدى أرباعها
الأرباع: جمع الرّبع، وهو ولد الناقة الذى تلده فى الرّبيع، والهبع: الذى تلده فى أول الصيف، وجمعه أهباع، كرطب وأرطاب.
وحقّ هذه الأسماء فى الأصل أن تبنى على الوقف (5)؛ لأنها أعلام لأفعال موقوفة، فاحتاجوا إلى تحريكها لالتقاء الساكنين، فحرّكوها بالكسرة، لأمرين:
أحدهما أنّ الكسرة أصل فى حركة التقاء الساكنين، والثانى: أنها أسماء مؤنّثة،
_________
(1) سورة الزخرف 66، وانظر أيضا الآية 18 من سورة محمد عليه الصلاة والسّلام.
(2) سبق فى المجلس التاسع والعشرين.
(3) طفيل بن يزيد الحارثىّ. الكتاب 1/ 241،3/ 271، والمقتضب 3/ 369،4/ 252، والكامل ص 588، والتبصرة ص 251، والجمل المنسوب للخليل ص 183، والخزانة 5/ 160، وغير ذلك مما تراه فى حواشى تلك الكتب. وسيعيده ابن الشجرى فى المجلس التاسع والخمسين.
(4) راجز من بنى بكر بن وائل، وقيل من بنى تميم، كما فى شرح أبيات سيبويه 2/ 298، وما بنته العرب على فعال ص 67، وانظر الكتاب 1/ 242،3/ 270، والمقتضب 3/ 370، والمذكر والمؤنث ص 601، والمخصص 17/ 63، والتبصرة ص 251، والإنصاف ص 537، وشرح المفصل 4/ 51، والخزانة 5/ 161، فى سياقة الشاهد السابق.
(5) أى السّكون. وما يذكره ابن الشجرى هنا مسلوخ من كلام الزجاج فى ما ينصرف ص 72.
(2/353)

والكسرة من علامات التأنيث فى نحو أنت فعلت، و {كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ} (1) وذلك أن الكسرة من الياء، والياء قد استعملت علامة للتأنيث فى قولهم: تفعلين، وهذى أمة الله، ويدلّك على تأنيث هذه الأسماء قول زهير (2):
ولنعم حشو الدّرع أنت إذا … دعيت نزال ولجّ فى الذّعر
وقول زيد الخيل (3):
وقد علمت سلامة أنّ سيفى … كريه كلّما دعيت نزال
وعلّة بناء هذا الضّرب أنه صيغة نابت عن صيغة تضمّنت معنى الحرف، فنزال ناب عن انزل، وانزل ناب عن فعل الأمر المجزوم باللام؛ لأنّ القياس/كان فى أمر المواجه: لتنزل، حملا على قولنا: لينزل، وللمتكلّم: لننزل، كما جاء فى التنزيل: {وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ} (4) ولكنّ الأمر للمواجه كثر استعماله، فاستثقلوا مجىء اللام فيه مع كثرة الاستعمال، فحذفوها مع حرف المضارعة، واجتلبوا للفعل إذا كان ثانيه ساكنا همزة الوصل، وبنوه لتضمّنه معنى اللاّم؛ وربما استعملوه على الأصل، فقد روى عن النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال في بعض مغازيه: «لتأخذوا
_________
(1) سورة مريم 21.
(2) ديوانه ص 89، والكتاب 3/ 271، والمقتضب 3/ 370، والأصول 2/ 132، وما ينصرف ص 75، والمذكر والمؤنث ص 601، والجمل ص 228، والمخصص 17/ 67، وما بنته العرب على فعال ص 87، وغير ذلك كثير مما تراه فى حواشى التبصرة 1/ 252. هذا ويأتى صدر هذا الشاهد فى بعض الكتب: ولأنت أشجع من أسامة إذ وقد ذكر البغدادىّ أن هذا صدر بيت المسيّب بن علس، وعجزه: نقع الصّراخ ولجّ فى الذّعر وهذا ليس فيه دعيت نزال. الخزانة 6/ 318.
(3) شعره ص 194، وتخريجه فى 224 (ضمن شعراء إسلاميون). و «سلامة» هنا هو سلامة بن سعد بن مالك، من بنى أسد. حواشى المقتضب 3/ 371.
(4) سورة العنكبوت 12.
(2/354)

مصافّكم (1)» وجاء فى بعض القراءات: «فبذلك فلتفرحوا» (2).
وزعم الكوفيّون أن فعل الأمر للمواجه مجزوم بتقدير اللام الأمريّة، وهو قول مناف للقياس، وذلك أن الجزم فى الفعل نظير الجرّ فى الاسم، فحرف الجرّ أقوى من حرف الجزم، كما أن الاسم أقوى من الفعل، وحرف الجرّ لا يسوغ إعماله مقدّرا، إلاّ على سبيل الشذوذ (3)، وإذا امتنع هذا فى القوىّ فامتناعه فى الضعيف أجدر.
وممّا يبطل ما قالوه أن الفعل المضارع إنما استحقّ الإعراب لمضارعته للاسم، ووجه مضارعته له بوجود حرف المضارعة فيه، لأنه بذلك يتخصّص بدخول السين أو سوف عليه، بعد شياعه، كما يتعرّف الاسم بالألف واللام بعد تنكّره، ولأنك تقول: إنّ زيدا لينطلق، كما تقول: إن زيدا لمنطلق، فتدخل عليه لام التوكيد، ولا يصحّ دخول هذه اللام على الفعل الأمرىّ، كما لا يصحّ دخولها على الماضى، والماضى أقوى من فعل أمر المواجه، بدلالة الوصف به والشرط به، وبنائه على حركة
_________
(1) الحديث بهذا اللفظ مما يرويه النحاة والمفسرون. ولم أجده فى دواوين السّنّة التى أعرفها. وانظره فى معانى القرآن للفراء 1/ 470، وتفسير القرطبى 8/ 354، واللامات للزجاجى ص 89، والجمل ص 208، والإنصاف ص 525، وأسرار العربية ص 318، ومعانى الحروف المنسوب للرمانى ص 57، ورصف المبانى ص 302، وشرح الكافية الشافية ص 1566، وإحالة محقّقه-فى تخريج الحديث-على مسلم والترمذى وأحمد، إحالة غير صحيحة، فالذى فى هذه الدواوين الثلاثة حديث آخر، جاءت فيه كلمة «مصافّكم» فقط. وهذه من آفات التعويل على المعجم المفهرس وحده دون الرجوع إلى الصحاح والمسانيد. وقد نبّه على هذا الوهم الدكتور محمود فجّال، فى كتابه الجيّد: السّير الحثيث إلى الاستشهاد بالحديث ص 418 - 420، وانظر أيضا حواشى الأشباه والنظائر 1/ 141.
(2) سورة يونس 58، وانظر مع المراجع المذكورة فى تخريج الحديث السابق: معانى القرآن للأخفش ص 345، وتفسير الطبرى 15/ 109، وإيضاح الوقف والابتداء ص 224، والمحتسب 1/ 313، وإعراب ثلاثين سورة ص 43، والمقتضب 2/ 45،131،3/ 272، وحجة القراءات ص 333، وشرح المفصل 7/ 41،61، والبحر المحيط 5/ 172، والنشر 2/ 285. وهذه قراءة رويس عن يعقوب.
(3) جاء هذا فى قول رؤبة وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال: خير والحمد لله. بجرّ «خير». راجع المجلس الثانى والعشرين.
(2/355)

تشبه حركة الإعراب، من حيث لا تلحق آخره هاء السّكت، كما لا تلحق أواخر الأسماء المعربة.
هذا ما جرّه شرح القسم الأول من أقسام فعال، المعدولة عن الفعل، من الفوائد.
/فأمّا القسم الثاني: ففعال التى عدلوها عن المصدر للمبالغة، كما عدلوا فعال عن الفعل لذلك، وذلك قولهم: لا مساس، أى لا مماسّة، وجاء فى بعض القراءات: {فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ} (1) وقال الشاعر:
فقلت امكثى حتّى يسار لعلّنا … نحجّ معا قالت أعاما وقابله (2)
_________
(1) سورة طه 97. وهذه قراءة أبى حيوة. المحتسب 2/ 56، وما بنته العرب على فعال ص 55. وانظر معانى القرآن للفراء 2/ 190، وللزجاج 3/ 375، والمخصص 17/ 64، والصحاح (مسس).
(2) البيت من غير نسبة فى الكتاب 3/ 274، والمذكر والمؤنث ص 603، والمخصص 17/ 64، وما بنته العرب على فعال ص 52، وشرح المفصل 4/ 55. ونسبه ابن السّيرافى لحميد بن ثور، بقافية مضمومة «وقابله»، ثم ذكر مطلع القصيدة وبيتا ثالثا. شرح أبيات سيبويه 2/ 316. وقد أثبته العلاّمة الميمنى رحمه الله فى ديوان حميد بن ثور، برواية: فقلت امكثى حتى يسار لو أننا نحجّ فقالت لى أعام وقابل ديوان حميد بن ثور ص 117، وانظر استدراكات شيخنا عبد السلام هارون، رحمه الله، عليه ص 173. وذكر البغدادىّ أن البيت لحميد الأرقط، قال رضى الله عنه: «وأما البيت الذى أورده سيبويه. . . فقد أورده غفلا غير منسوب، ولم يعزه شرّاح أبياته، وقال ابن السيّد: لا أعرف قائله، وعيّنه ابن هشام اللخمىّ، فقال: هو لحميد الأرقط، يقول لزوجه وكانت قد سألته الحجّ، وكان مقلاّ، فقال لها: امكثى حتى يرزقنا الله مالا نحجّ به، فقالت منكرة لقوله: أأمكث عاما وقابله، أى قابل ذلك العام، والقابل بمعنى المقبل». الخزانة 6/ 338، ورحم الله البغدادىّ، فكم حفظ لنا من علم!. ومعلوم فرق ما بين حميد بن ثور، وحميد الأرقط، فالأول شاعر مخضرم عاش فى الجاهلية، وقضى الشطر الأكبر من حياته فى الإسلام، رضى الله عنه. والثانى شاعر أموىّ، كان معاصرا للحجاج، وسيأتى له شعر فى المجلس الخامس والستين.
(2/356)

عدل يسار عن الميسرة، وقال النابغة (1):
أنّا اقتسمنا خطّتينا بيننا … فحملت برّة واحتملت فجار
الخطّة: الحال الصّعبة، يقال: وقعوا فى خطّة سوء.
وبرّة: اسم علم للبرّ.
وفجار: اسم للفجرة. ومثله جماد اسم للجمود، وحماد اسم للحمد، فى قوله (2):
جماد لها جماد ولا تقولوا … طوال الدّهر ما ذكرت حماد
بالحاء، أراد: قولوا لها جمودا، ولا تقولوا لها حمدا، ومنه قول الآخر:
وذكرت من لبن المحلّق شربة … والخيل تعدو بالصّعيد بداد (3)
_________
(1) ديوانه-صنعة ابن السّكّيت-ص 98، والكتاب 3/ 274، والخصائص 2/ 198 3/ 261،265، والمخصص 17/ 64، وما بنته العرب على فعال ص 45، والخزانة 6/ 327، وانظر حواشيها. وقول النابغة «أنّا» بفتح الهمزة، لأنها مع معموليها فى تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولى «علمت» فى البيت السابق. أعلمت يوم عكاظ إذ جاريتنى تحت العجاج فما خططت غبارى يخاطب زرعة بن عمرو الكلابىّ، وكان قد لقى النابغة بعكاظ وعرض عليه أن يشير على عشيرته أن يغدروا ببنى أسد وينقضوا حلفهم، فأبى النابغة، وجعل خطّته فى الوفاء «برّة» وخطة زرعة لما دعاه إليه من الغدر ونقض الحلف «فجار».
(2) المتلمّس. ديوانه ص 167، وأشبعه محققه-رحمه الله رحمة واسعة-تخريجا. وانظر البيت أيضا فى الأصول 2/ 133، وما ينصرف ص 74، وما بنته العرب على فعال ص 24
(3) نسبه سيبويه إلى الجعدىّ-النابغة-الكتاب 3/ 275، وعنه أثبته ناشر ديوانه ص 241، والصحيح أنه لعوف بن عطيّة بن الخرع التّيمى-جاهلى. انظر شرح أبيات سيبويه 2/ 299، وما ينصرف ص 73، والمذكر والمؤنث ص 602، والإبل للأصمعى ص 133،134، والمخصص 7/ 156، 17/ 64، وما بنته العرب على فعال ص 20، والخزانة 6/ 363، وفى حواشيها مراجع أخرى. وانظر طبقات فحول الشعراء ص 165،166. وقوله «وذكرت» يقرأ بفتح التاء؛ لأنه يردّ على لقيط بن زرارة، فإنه كان هجا عديّا وتيما.
(2/357)

أراد: بددا.
وقوله: من لبن المحلّق: أى من لبن النّعم الذى عليه وسوم كأمثال الحلق.
والقسم الثالث: فعال المعدولة عن الصّفة الغالبة، وذلك أن الصفة والمصدر فى الدلالة على الفعل، بمنزلة اسم الفعل الذى هو نزال، فى دلالته على انزل، وذلك قولهم للضّبع: جعار، اسم لها خاصّة، مأخوذ من الجعر، وهو ذو (1) بطنها، وبطن الذئب والكلب، وخصّوها بهذا الاسم دونهما؛ لكثرة جعرها، قال الشاعر:
فقلت لها عيثى جعار وجرّرى … بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره (2)
عيثى: من العيث، وهو الإفساد.
/ومثل «جعار» فى كونها معدولة عن صفة غالبة، قولهم للمنيّة: حلاق، عدلوها عن الحالقة، كما عدلوا جعار عن الجاعرة، قال (3):
_________
(1) يقال: ألقى الرجل ذا بطنه، كناية عن الرّجيع. والرجيع: هو الرّوث والفضلات. فعيل بمعنى مفعول.
(2) نسبه سيبويه إلى النابغة الجعدى. الكتاب 3/ 273، وهو بيت مفرد فى ديوانه ص 220، وذكر الصاغانىّ إنشاد سيبويه البيت للنابغة الجعدى، ثم قال: «ولم أجده فى شعره». ما بنته العرب على فعال ص 31. والبيت نسبه إلى الجعدىّ أيضا ابن سيده فى المخصص 17/ 64، وعلّق العلاّمة الشنقيطىّ، رحمه الله، على هذه النسبة، فقال: «الصواب أن قائله أبو صالح عبد الله بن خازم الصحابى السّلمىّ» ثم روى رواية عن تاريخ الطبرى تتصل بمسير مصعب إلى عبد الملك، وفيها ذكر «ابن خازم» هذا، وإنشاده البيت. وقد رجعت إلى هذه الرواية فى تاريخ الطبرى 6/ 158، وغاية ما فيها أن ابن خازم تمثّل بالبيت، وهو بيت مفرد، ولا دليل على أنه قائله ومنشئه. وآية ذلك أنه يأتى فى كتب الأمثال غير منسوب: التمثيل والمحاضرة ص 357، ومجمع الأمثال 2/ 14، والمستقصى 2/ 173 - فى شرح المثل «عيثى جعار» وهو يضرب للرجل المفسد. وقد رأيت الفصل فى هذا، عند الإمام الذهبى فى سير أعلام النبلاء 4/ 144، فقد ذكر تلك الرواية، وقال: ثم تمثّل. . . وأورد البيت. وانظر الشاهد أيضا فى المقتضب 3/ 375، وما ينصرف ص 74، وحواشى سيبويه.
(3) الأخزم بن قارب الطائى، أو المقعد بن عمرو. الكتاب 3/ 273، وشرح أبياته 2/ 264، والمقتضب 3/ 372، وما ينصرف ص 74، والمخصص 17/ 64، وما بنته العرب على فعال ص 79، وانظر حواشى الكتاب.
(2/358)

لحقت حلاق بهم على أكسائهم … ضرب الرّقاب ولا يهمّ المغنم
قوله: «ضرب الرّقاب» من إضافة المصدر إلى المفعول، أراد تضرب الرقاب ضربا، ومثله فى التنزيل: {فَضَرْبَ الرِّقابِ} (1) أى فاضربوا الرّقاب ضربا.
ومن إضافة المصدر إلى الفاعل قوله تعالى: {صُنْعَ اللهِ} (2) أى صنع الله صنعا و {وَعْدَ اللهِ حَقًّا} (3) أى وعد الله وعدا حقّا.
الأكساء: جمع كسء، وهو آخر الشىء وعقبه.
وقوله: «ولا يهمّ المغنم» أراد: أنهم إنما قصدوا الأنفس، دون الأموال، وقال مهلهل بن ربيعة:
ما أرجّى بالعيش بعد ندامى … كلّهم قد سقوا بكأس حلاق (4)
وإنما الحالقة نعت غالب، أى غلب على الاسمية، فاختصّ بالمنيّة، ومثله النابغة، هو نعت فى الأصل، وغلب حتى صار اسما، فلذلك حذف الألف واللام منه فى قول الشاعر (5):
_________
(1) الآية الرابعة من سورة محمد عليه الصلاة والسلام.
(2) سورة النمل 88.
(3) سورة النساء 122، ويونس 4.
(4) يأتى أيضا منسوبا لعدىّ بن ربيعة، وهو المهلهل نفسه، وإنما سمّى بذلك لأنه أول من هلهل الشّعر، أى رقّقه، وقيل غير ذلك. انظر رسالة الغفران ص 272، والشاهد فى الكتاب 3/ 274، وشرح أبياته 2/ 242، والمقتضب 3/ 373، وما ينصرف ص 74، والمذكر والمؤنث ص 602، والمخصص 17/ 64، وما بنته العرب على فعال ص 80، وانظر حواشى الكتاب، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 689، والتبصرة ص 564.
(5) مسكين الدارمىّ. ديوانه ص 49، ورواية العجز فيه: عليه صفيح من رخام مرصّع والقصيدة عينيّة. وبمثل روايتنا جاء فى المقتضب 3/ 373، وإن كانت القافية فيه مكسورة «منضّد». وانظر حواشى كتاب الشعر ص 532، وشرح أبيات سيبويه 2/ 225.
(2/359)

ونابغة الجعدىّ بالرّمل بيته … عليه صفيح من تراب منضّد
الصّفيح: الحجارة الرّقاق العراض، وهى الصّفّاح أيضا.
والقسم الرابع: فعال، العلم المعلّق على النساء، المعدول عن مثال فاعلة، نحو حذام (1) وقطام، ورقاش وغلاب، عدلوهنّ عن حاذمة وقاطمة وراقشة وغالبة.
واشتقاق حذام: من الحذم، وله معنيان: القطع، والمشى الخفيف.
وقطام: من القطم، وهو القطع أيضا، أو من القطم (2)، وهو الشّهوة، يقال: فحل قطم، إذا كان يشتهى الضّراب.
ورقاش: من الرّقش، وهو مثل النّقش، ومنه حيّة رقشاء، إذا كانت منقّطة.
وفى فعال هذه لغتان، فأهل الحجاز يبنونه على الكسر، كقوله:
/إذا قالت حذام فصدّقوها … فإنّ القول ما قالت حذام (3)
وكقول النابغة (4):
أتاركة تدلّلها قطام … وضنّا بالتّحيّة والسّلام (5)
_________
(1) ضبطت الميم فى الثلاثة الأمثلة فى الأصل، د، بالفتح والكسر، وكتب فوقها «معا» وسيأتى كلام ابن الشجرىّ عليه.
(2) هذا بالتحريك.
(3) هذا بيت سيّار، وتراه فى غير كتاب. وقائله لجيم بن صعب، أو ديسم بن طارق. انظر ما ينصرف ص 75، والمذكر والمؤنث ص 600، والجمل المنسوب للخليل ص 178، ومجمع الأمثال 2/ 106 (باب القاف)، وما بنته العرب على فعال ص 89، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 692، ومعجم شواهد العربية ص 370.
(4) ديوانه ص 130، بقافية «والكلام». وجاء فى ديوانه ص 158 - رواية ابن السّكّيت: «ويروى «والسّلام «والكلام أجود». والبيت فى المذكر والمؤنث ص 599، والتبصرة ص 565، وشرح المفصل 4/ 64.
(5) أتاركة، يقرأ بالنصب، لأنه هنا موضع المصدر، كما تقول: أقاعدا وقد سار الركب؟ راجع الموضع الأول المذكور من ديوانه، وهو رواية الأصمعىّ من نسخة الأعلم. و «ضنّا» بالفتح والكسر. وأكثر ما رأيته مكسورا.
(2/360)

وبنو تميم يعربونه غير مصروف، فيقولون: هذه قطام، ورأيت قطام، ومررت بقطام.
فإن كان آخر شيء من هذا النوع راء أجمع الفريقان على بنائه، وذلك قولهم: حضار، فى اسم كوكب، وسفار، فى اسم ماء، وإنما جنح بنو تميم إلى بناء هذين الاسمين، فوافقوا أهل الحجاز فى بنائهما؛ لأنّ الإمالة لغة بنى تميم، ولا تصحّ الإمالة فيما آخره راء مضمومة ولا مفتوحة، فعدلوا إلى كسر آخرهما لتصحّ الإمالة فيهما. هذا قول أبى العباس المبرّد.
وقد جاء اسم ثالث آخره راء، وهو وبار، اسم إقليم تسكنه الجنّ، مسخ أهله، وقد أعربه الأعشى، وصرفه للضّرورة فى قوله: (1)
ومرّ دهر على وبار … فهلكت جهرة وبار
وإنما امتنعت الإمالة ممّا آخره راء مضمومة أو مفتوحة؛ لأنّ الراء فيها تكرير، فالحركة تقوم فيها مقام حركتين، فإذا كانت الضمّة فى هذا الحرف تقوم مقام الضمتين، والضّمة من موانع الإمالة، وكذلك الفتحة، رفضوا (2) إمالة ما آخره راء مضمومة أو مفتوحة، كقولك: هذا حمار، وركبت حمارا، وحسنت الإمالة لمّا انكسرت الراء فى نحو: {كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً} (3).
ولأبى العباس فى علّة بناء فعال هذه، مذهب قد أخذ عليه (4)، وهو أنه جعل علّة بنائها اجتماع ثلاثة أسباب من الأسباب الموانع للصّرف، وهى التعريف والتأنيث والعدل، فقال: إنّ التنوين إذا سقط بعلّتين، التعريف والتأنيث، أسقط العدل الحركة
_________
(1) ديوانه ص 281، والكتاب 3/ 279، والمقتضب 3/ 50،376، وحواشيهما.
(2) الكتاب 4/ 136، وانظر الإمالة فى القراءات واللهجات العربية، للدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبى ص 251.
(3) الآية الخامسة من سورة الجمعة.
(4) المقتضب 3/ 374.
(2/361)

التى هى إعراب، فجعل انضمام العدل إلى التعريف والتأنيث موجبا للبناء.
/وقد أبطلوا (1) ما ذهب إليه بقول العرب: أذربيجان، فأعربوها وفيها خمس علل؛ العجمة والتأنيث والتعريف والتركيب والألف والنون.
وقال من أفسد قول أبى العباس: إنّما بنيت فعال هذه، وفعال المعدولة عن المصدر، والمعدولة عن الصّفة الغالبة، حملا على باب نزال؛ لأن المشابهة بينهما من أربعة أوجه:
أحدها: الموازنة، والثانى: العدل، والثالث: التأنيث، والرابع: أنهنّ كلّهنّ أعلام وضعن لمسمّيات [بهنّ] (2).
ولعليّ بن عيسى الرّبعىّ، فى بناء حذام، ونظائرها، علّة لم يسبق إليها، وهى تضمّنهنّ معنى علامة التأنيث التى فى حاذمة وقاطمة وراقشة، فلما عدلن عن اسم مقدّرة فيه تاء التأنيث، وجب بناؤهنّ لتضمّنهنّ معنى الحرف
والقول الذى قدّمناه هو المعمول عليه، ألا ترى أنهم قد عدلوا جماد عن الجمود، وهو خال من تاء التأنيث.
واعلم أنّك إذا سمّيت مذكّرا باسم من باب فعال المبنيّة بنيته، وإن سمّيته باسم من باب قطام، على لغة بنى تميم، منعته الصّرف، كما منعته إياه، وهو متعلّق (3) على امرأة.
...
_________
(1) هذا الوجه من إبطال كلام المبرد، والوجه التالى، من كلام ابن جنى فى الخصائص 1/ 179، 180، وراجع حواشى المقتضب.
(2) زيادة من د.
(3) فى د: معلّق.
(2/362)

المجلس الثامن والخمسون
يتضمّن الكلام فى أصل حركة التقاء الساكنين
[وفرعها (1)] وذكر مسائل (2) استفتيت فيها، بعد ما استفتى المكنّى بأبى نزار (3)، فجاء بخلاف ما عليه أئمّة النحويّين أجمعين، وكذلك خالف العرب قاطبة فى كلمة أجمعوا عليها، وأثبت خطّه بما سنح له من هذيانه، وأثبت بعده خطّه الشيخ أبو منصور موهوب بن أحمد [المعروف بابن الجواليقى (4)].

نسخة الفتوى
ما يقول السّادة النحويّون، أحسن الله توفيقهم فى قول العرب: «يا أيّها الرجل»، /هل ضمّة اللام فيه ضمّة إعراب؟. وهل الألف واللام فيه للتعريف؟ وهل يأمل ومأمول، وما يتصرّف منهما جائز؟ وهل يكون سوى بمعنى غير؟
_________
(1) ليس فى د.
(2) حكاها السّيوطىّ فى الأشباه والنظائر 3/ 150 - 165، عن ابن الشجرى. وكذلك حكى ابن هشام عن ابن الشجرىّ ما يتصل بمأمول. شرح قصيدة بانت سعاد ص 46، ومثله صنع البغدادىّ فى الخزانة 9/ 148 - 152، وما يتصل بسوى. الخزانة 3/ 435 - 437.
(3) هو الحسن بن صافى بن عبد الله بن نزار البغدادىّ الشافعى، عرف بملك النحاة، وهو الذى لقب نفسه بذلك، وكان يسخط على من يخاطبه بغيره. ولد ببغداد سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وتوفى بدمشق سنة ثمان وستين وخمسمائة. وكان بارعا فى النحو، فهمّا ذكيّا فصيحا، إلاّ أنه كان عنده عجب بنفسه وتيه بعلمه، وذكروا من صفته أيضا أنه كان عزيز النفس كريما كثير الأنفة عن المطامع الدّنيّة. إنباه الرواة 1/ 305، وطبقات الشافعية 7/ 63. وانظر مقدمة (ملك النحاة حياته وشعره ومسائله العشر) تحقيق الدكتور حنّا جميل حدّاد.
(4) زيادة من د. والأشباه والنظائر.
(2/363)

نسخة جواب الجاهل المكنّى بأبى نزار
الضمّة فى اللام من قولهم: يا أيّها الرجل، ضمّة بناء، وليست ضمّة إعراب، لأن ضمّة الإعراب لا بدّ لها من عامل يوجبها، ولا عامل هنا يوجب هذه الضمّة.
والألف واللام ليست هاهنا للتعريف؛ لأن التعريف لا يكون إلاّ بين اثنين فى ثالث، والألف واللام هنا فى اسم المخاطب، والصّحيح أنها دخلت بدلا من يا، وأيّ وإن كان منادى فنداؤه لفظيّ، والمنادى على الحقيقة هو الرجل، ولمّا قصدوا تأكيد التنبيه، وقدّروا تكرير حرف النداء، كرهوا التكرير فعوّضوا عن حرف النداء ثانيا «ها» فى أيّها، وثالثا الألف واللام، فالرجل مبنيّ بناء عارضا، كما أنّ قولك:
يا زيد، يعلم منه أنّ الضمة فيه ضمّة بناء عارض.
وأمّا «أمل ويأمل» فلا يجوز؛ لأن الفعل المضارع إذا كان على يفعل، بضم العين، كان بابه أنّ ماضيه على فعل، بفتح العين، وأمل، لم أسمعه فعلا ماضيا.
فإن قيل: نقدّر أنّ يأمل فعل مضارع، ولم يأت ماضيه، كما أنّ يذر ويدع كذلك.
قلت: قد علم أنّ يذر ويدع، على هذه القضيّة جاءا شاذّين، فلو كان معهما كلمة أخرى شاذّة لنقلت (1) نقلهما، ولم يجز أن لا تنقل، وما سمعنا أنّ ذلك ملحق بما ذكرنا. فلا يجوز: يأمل ولا مأمول، إلاّ أن يسمعنى الثّقة أمل، خفيف الميم.
وأمّا «سوى»، فقد نصّ على أنها لا تأتى إلاّ ظرف مكان، وأنّ استعمالها اسما
_________
(1) فى الأصل، ود، وأصل الخزانة: «لم تنقل نقلهما» وهو خطأ، أثبتّ صوابه من الأشباه والنظائر. والعجيب أن هذا الخطأ قد جاء أيضا فى نسختين من الأشباه، مما يدلّ على أنه خطأ قديم.
(2/364)

منصرفا بوجوه الإعراب، بمعنى «غير»، خطأ. وكتب أبو نزار النّحويّ.

/ نسخة جواب الشيخ أبى منصور موهوب بن أحمد
ضمّة اللام من قولك: يا أيّها الرجل وشبهه، ضمّة إعراب، ولا يجوز أن تكون ضمّة بناء، ومن قال ذلك فقد غفل عن الصّواب، وذلك أنّ الواقع عليه النداء «أىّ» المبنىّ على الضمّ لوقوعه موقع الحرف، والرجل، وإن كان مقصودا بالنّداء، فهو صفة «أيّ» فمحال أن يبنى أيضا لأنه مرفوع رفعا صحيحا، ولهذا أجاز فيه أبو عثمان النصب على الموضع (1)، كما يجوز فى يا زيد الظريف، وعلّة رفعه أنه لما استمرّ الضمّ فى كلّ منادى معرفة، أشبه ما أسند إليه الفعل، فأجريت صفته على اللفظ، فرفعت، ومحال أن يدّعى تكرير حرف النداء مكان «ها» ومكان الألف واللام؛ لأن المنادى واحد، وإنما تقدّر الألف واللام بدلا من حرف النداء، فيما عطف بالألف واللام، نحو يا زيد والرجل؛ لأنّ المنادى الثانى غير الأول، فيحتاج أن يقدّر فيه تكرير حرف النداء، فقد صارت الألف واللام هناك كالبدل منه، وليس كذلك يا أيّها الرجل؛ لأنه بمنزلة: يا هذا الرجل، والألف واللام فيه للتعريف.
وأمّا أمل يأمل فهو آمل، والمفعول مأمول، فلا ريب فى جوازه عند العلماء، وقد حكاه الثّقات، منهم الخليل (2) وغيره، والشاهد عليه كثير، قال بعض المعمّرين:
المرء يأمل أن يعي‍ … ش وطول عيش قد يضرّه (3)
وقال الآخر (4):
_________
(1) ذكره الرضىّ فى شرح الكافية 1/ 375.
(2) العين 8/ 347، وفيه الماضى والمضارع فقط.
(3) تنازع هذا البيت ثلاثة: النابغة الذبيانى، والجعدىّ ولبيد، رضى الله عنهما. وهو فى دواوينهم، صفحات 230،191،365، وتخريجه فى حواشى الوحشيات ص 155، والأشباه والنظائر، ومعجم الشواهد ص 169.
(4) الربيع بن ضبع الفزارىّ. أدرك الجاهلية والإسلام، ولم يسلم. وقيل: أسلم. وقالوا: -
(2/365)

ها أنا ذا آمل الخلود وقد … أدرك عقلى ومولدى حجرا
وقال كعب بن زهير (1):
والعفو عند رسول الله مأمول
وقال المتنبى، وهو من العلماء بالعربيّة: «حرموا الذى أملوا (2)».
وأمّا «سوى»، فلم يختلفوا فى أنها تكون بمعنى «غير» وتكون أيضا بمعنى الشىء نفسه، /تقول: رأيت سواك، أي غيرك، وحكى ذلك أبو عبيد عن أبى عبيدة، وقال الأعشى:
وما قصدت من أهلها لسوائكا (3)
أى لغيرك، فهذه بمعنى غير، وهى أيضا غير ظرف، وتقدير الخليل (4) لها بالظّرف فى الاستثناء بمعنى مكان وبدل، لا يخرجها عن أن تكون بمعنى غير، وفيها لغات: إذا فتحت مدّت لا غير، وإذا ضمّت قصرت لا غير، وإذا كسرت جاز المدّ، والقصر أكثر.
وما يحمل المتكلّم بالقول الهراء إلاّ فشوّ الجهل. وكتب موهوب بن أحمد.
_________
= عاش أربعين وثلاثمائة سنة. والبيت الشاهد من قصيدة قالها حين بلغ مائتى سنة وأربعين. المعمرون ص 9، وأمالى المرتضى 1/ 255، والإصابة 2/ 510، والخزانة 7/ 384. وانظر النوادر ص 446، وحواشى المقتضب 3/ 183، والأشباه والنظائر.
(1) ديوانه ص 19، وصدره: نبّئت أن رسول الله أوعدنى
(2) تمامه: حرموا الذى أملوا وأدرك منهم آماله من عاذ بالحرمان ديوانه 4/ 182، وقال شارحه: عاذ: بالذال المعجمة، من قولهم: عذت بالشىء: امتنعت به، ومنه العوذة. ومن روى بالدال المهملة فهو من الرجوع. والحرمان: حرمان الغنيمة، وأن يرجع بالخيبة.
(3) فرغت منه فى المجلس الحادى والثلاثين.
(4) وحكاه عنه سيبويه. الكتاب 2/ 350،4/ 431.
(2/366)

نسخة جوابى
الجواب والله سبحانه الموفّق للصّواب.
إنّ ضمّة اللام فى قولنا: يا أيّها الرجل، ضمّة إعراب؛ لأن ضمّة المنادى المفرد المعرفة، لها باطّرادها منزلة بين منزلتين، فليست كضمّة حيث؛ لأن ضمّة حيث غير مطّردة، وذلك لعدم اطّراد العلّة التى أوجبتها، ولا كضمّة زيد، فى نحو خرج زيد؛ لأن هذه حدثت بعامل لفظىّ، ولو ساغ أن توصف «حيث» لم يجز وصفها بمرفوع حملا على لفظها؛ لأن ضمّتها غير مطّردة، ولا حادثة عن عامل.
ولمّا اطّردت الضمّة فى قولنا: يا زيد، يا عمرو، يا محمد، يا بكر {يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ} (1) {يا نُوحُ اِهْبِطْ} (2) {يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ} (3) وكذلك اطّردت فى النّكرات المقصود قصدها، نحو: يا رجل، يا غلام، يا مرأة {يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ} (4) {يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي} (5) إلى مالا يحصى كثرة، تنزّل الاطّراد فيها منزلة العامل المعنويّ الرافع للمبتدإ، من حيث اطّردت الرّفعة فى كلّ اسم ابتدئ به مجرّدا من عامل لفظىّ، وجيء له بخبر، كقولك: زيد منطلق، عمرو ذاهب، جعفر جالس، محمد صادق، إلى مالا يدركه الإحصاء، فلما استمرّت ضمّة المنادى فى معظم الأسماء، كما استمرّت فى الأسماء المعربة الضمّة الحادثة عن/الابتداء، شبّهتها العرب بضمّة المبتدأ، فأتبعتها ضمّة الإعراب فى صفة المنادى، فى نحو: يا زيد الطويل، وجمع بينهما أيضا أن
_________
(1) سورة هود 81.
(2) السورة نفسها 48.
(3) السورة نفسها 91.
(4) الآية العاشرة من سورة سبأ.
(5) سورة هود 44.
(2/367)

الاطّراد معنى كما أن الابتداء معنى، ومن شأن العرب أن تحمل الشىء على الشىء، مع حصول أدنى تناسب بينهما، حتى إنهم قد حملوا أشياء على نقائضها (1):
ألا ترى أنّهم قد أتبعوا حركة الإعراب حركة البناء فى قراءة من قرأ: {الْحَمْدُ لِلّهِ} (2) بكسر الدال، وكذلك أتبعوا حركة البناء حركة الإعراب في قراءة من قرأ {الْحَمْدُ لِلّهِ} بضم اللام (3)، وكذلك أتبعوا حركة البناء حركة الإعراب فى نحو: يا زيد ابن عمرو، فى قول من فتح الدال من زيد.
وقد كان شافهنى هذا المتعدّى طوره بهذا الهراء الذى ابتدعه، والهذاء الذى اختلقه واخترعه، فقلت له: إنّ ضمّة المنادى لها منزلة بين منزلتين، فقال منكرا لذلك: وما معنى المنزلة بين المنزلتين؟ فجهل معنى هذا القول، ولم يحسّ بأنّ هذا الوصف يتناول أشياء كثيرة من العربية، كهمزة بين بين، التى هى بين الهمزة والألف، أو الهمزة والياء، أو الهمزة والواو، وكألف الإمالة، التى هى بين ألف التفخيم والياء، وكالصاد المشربة صوت الزاى، وكالقاف التى بين القاف الخالصة والكاف.
وأما قوله: إنّ الألف واللام هنا ليست للتعريف؛ لأن التعريف لا يكون إلاّ بين اثنين فى ثالث، والألف واللام هنا فى اسم المخاطب، والصحيح أنها دخلت بدلا من
_________
(1) عالج ابن الشجرى أشياء من الحمل على النقيض فى المجلس الثامن، والمجلس السابع والستّين.
(2) أول فاتحة الكتاب. وكسر الدال إتباع لحركة اللام، وهى قراءة الحسن البصرىّ وزيد بن على. المحتسب 1/ 37، والبحر 1/ 18، والإتحاف 1/ 363.
(3) وهى قراءة أهل البادية، وإبراهيم بن أبى عبلة. وانظر مع المراجع السابقة: معانى القرآن للفراء 1/ 3، وللزجاج 1/ 45، وقد ذكر، رحمه الله، كلاما جيدا فى أن القراءة سنّة واتّباع، وأنه لا تجوز القراءة بكلّ ما يجوز فى الكلام، قال رحمه الله: «فأمّا القرآن فلا يقرأ فيه الْحَمْدُ إلاّ بالرفع؛ لأن السنّة تتّبع فى القرآن، ولا يلتفت فيه إلى غير الرواية الصحيحة التى قد قرأ بها القرّاء المشهورون بالضبط والثّقة» ثم قال: «وقد روى عن قوم من العرب: «الحمد لله» و «الحمد لله» وهذه لغة من لا يلتفت إليه ولا يتشاغل بالرواية عنه. وإنما تشاغلنا نحن برواية هذا الحرف؛ لنحذّر الناس من أن يستعملوه، أو يظنّ جاهل أنه يجوز فى كتاب الله عزّ وجلّ. . . .».
(2/368)

«يا» فقول فاسد، بل الألف واللام هنا لتعريف الحضرة، كالتعريف فى قولك:
جاء هذا الرجل، ولكنها لمّا دخلت على اسم المخاطب صار الحكم للخطاب، من حيث كان قولنا: يا أيّها الرجل، معناه: يا رجل، ولما كان الرجل هو المخاطب فى المعنى، غلب حكم الخطاب، فاكتفى باثنين؛ لأنّ أسماء الخطاب/لا تفتقر فى تعرّفها إلى حضور ثالث، ألا ترى أنّ قولك: خرجت يا هذا، وانطلقت، ولقيتك، وأكرمتك، لا حاجة به إلى ثالث، وليس كلّ وجوه التعريف تقتضى أن تكون بين اثنين فى ثالث، ألا ترى أنّ ضمائر المتكلّمين نحو: أنا خرجت، ونحن ننطلق، لا يوجب تعريفها حضور ثالث.
فقد وضح لك بهذا أنّ قوله: «التعريف لا يكون إلاّ بين اثنين فى ثالث»، كلام ظاهر الفساد؛ لأنه أطلق هذا اللفظ على جميع التّعاريف.
فتأمّل سدّدك الله هذه الفطرة (1) التى عمى عنها هذا الغبىّ، وعمّا صدّرت به، حتى خطّأ بجهله الأئمة المبرّزين فى علم العربيّة، المتقدّمين منهم والمتأخّرين.
ومن شواهد إعراب الرجل، فى قولنا: يا أيّها الرجل، نعته بالمضاف المرفوع، فى قولك: يا أيّها الرجل ذو المال، وعلى ذلك أنشدوا:
يا أيّها الجاهل ذو التّنزّى (2)
فهذا دليل على إعراب «الرجل» قاطع، لأنّ الصفة المضافة فى باب النداء لا يجوز حملها على لفظ المبنيّ، ولا تكون إلاّ منصوبة أبدا، كقولك: يا زيد ذا المال.
وقد عارضته بهذا الدليل الجليّ، الذى تناصرت به الروايات، عن النّحوىّ
_________
(1) فى د، والأشباه والنظائر: الفقرة.
(2) لرؤبة، فى ديوانه ص 63، والكتاب 2/ 192، والمقتضب 4/ 218، وحواشى الأشباه والنظائر. وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الثالث والسبعين. والتنزّي: نزوع الإنسان إلى الشرّ، وهو أيضا: التوثّب.
(2/369)

واللّغوىّ، فزعم أنه لا يرفع هذه الصفة، ولا ينشد إلاّ (1): «ذا التّنزّى»، ولا يعتدّ بإجماع النحويّين واللغويّين، على سماع الرفع فيها عن العرب، فدلّ ذلك على أن هذا العديم الحسّ هو المقصود بالنداء فى قول القائل:
يا أيّها الجاهل ذو التّنزّى
وأما قوله: ولمّا قصدوا تأكيد التنبيه وقدّروا تكرير حرف النداء، كرهوا التكرير، فعوّضوا عن حرف النداء، ثانيا «ها» وثالثا الألف واللام.
فهذا من دعاويه الباطلة؛ لأنه زاعم أن أصل يا أيّها الرجل: يا أىّ يا يا رجل، فعوّضوا من «يا» الثانية «ها»، ومن الثالثة الألف واللام، وليس الأمر على ما قاله وابتدعه من هذا المحال، ولكنّ العرب كرهوا أن يقولوا: يا الرّجل، وما أشبه ذلك، /فيولوا حرف النّداء الألف واللام، فأدخلوا أىّ، فجعلوها وصلة إلى نداء المعارف بالألف واللام، وألزموها حرف التنبيه عوضا لها ممّا منعته من الإضافة.
هذا قول النحويّين، فمن تكلّف غيره بغير دليل فهو مبطل، فلا حاجة بنا إلى أن نقدّر أن الأصل: يا أىّ يا يا رجل، فإنه مع مخالفته لقول الجماعة خلف من القول، يمجّه السمع، وينكره الطبع.
وأمّا قوله فى أمل ويأمل، إنهما لا يجوزان عنده؛ لأنه لم يسمع فى الماضى منهما أمل، خفيف الميم، فليت شعرى ما الذى سمع من اللغة ووعاه حتى أنكر أن يفوته هذا الحرف؟ وإنما ينكر مثل هذا من أنعم النّظر فى كتب اللغة كلّها، ووقف على تركيب «أم ل» فى كتاب العين، للخليل بن أحمد، وكتاب الجمهرة، لأبى بكر بن دريد، والمجمل، لأبى الحسين بن فارس، وديوان الأدب، لأبى إبراهيم الفارابىّ، وكتاب الصّحاح، لأبى نصر إسماعيل بن حمّاد الجوهرىّ النّيسابورىّ، وغير ذلك
_________
(1) العجب من ابن الشجرى، فقد أجاز فى المجلس الثالث والسبعين، رواية النصب هذه «ذا التنزّي» ووجّهها على استئناف نداء.
(2/370)

من كتب اللغة، فإذا وقف على أمهات كتب هذا العلم، التى استوعب كلّ كتاب منها اللغة، أو معظمها، فرأى أن هذا الحرف قد فات أولئك الأعيان، ثم سمع قول كعب بن زهير:
والعفو عند رسول الله مأمول (1)
سلّم لكعب، وأذعن له، صاغرا قميئا. فكيف يقول من لم يتولّج سمعه عشرة أسطر من هذه الكتب التى ذكرتها: لم أسمع أمل، ولا أسلّم أن يقال: مأمول (2)؟
وأمّا قوله: إنه لا يجوز يأمل ولا مأمول، إلاّ أن يسمعنى الثّقة أمل، فقول من لم يعلم بأنهم قالوا: فقير، ولم يقولوا فى ماضيه: فقر (3)، ولم يأت فعله إلاّ بالزيادة، أفتراه ينكر أن يقال: فقير؛ لأن الثّقة لم يسمعه فقر؟ ولعله يجحد أن يكونوا قد نطقوا
_________
(1) تقدّم قريبا.
(2) جاء هنا فى حاشية الأصل كلام ضاع أوله: «وكانا يكبران عن منزلة أبى نزار كبر الأسد عن الثعلب، وكان أبو منصور [يعنى الجواليقى] رحمه الله أخصّ الرجلين باللغة. وقد جاء «أمل» خفيفا ماضيا فى شعر ذى الرمة، كما طلب، وهو قوله [ديوانه ص 1338]: إذا الصيف أجلى عن تشاء من النّوى أملنا اجتماع الحىّ فى صيف قابل ذكر هذا البيت أبو حنيفة الدّينورىّ، فى كتابه فى الأنواء. . . وذكره ابن جنى فى كتابه الخاطريّات [لم أجده فى المطبوع منه] وهو فى ديوان ذى الرمة مشهور، ولا غرو أن لا يحضر الشاهد للإنسان وقت تطلّبه. وقد أفرد ابن جنى فى الخصائص بابا لما يقاس على كلام العرب أنه من كلامها [الخصائص 1/ 357] وأوجب ذلك، وأخبر عن أبى علىّ وأبى عثمان المازنىّ بما يضيق هذا الموضع من إثبات ذلك وتحقيقه. كتبه أبو اليمن الكندى، ومن خطه نقلت. . . وبعد ذلك كلام مقطّع فى وصف أبى نزار وذمّه وذكر مساوئه. هذا وقد حكى البغدادىّ شيئا من حاشية أبى اليمن الكندى هذه، فى الخزانة 9/ 150، وذكر أنها كتبت على هامش الأمالى.
(3) تعقب ابن هشام ابن الشجرىّ فى ذلك فقال: «وقول ابن الشجرىّ إنه لم يسمع فقر، اعتمد فيه على كلام سيبويه والأكثرين، وذكر ابن مالك أن جماعة من أئمة اللغة نقلوا مجىء فقر وفقر، بالضم والكسر، وأن قولهم فى التعجّب: ما أفقره، مبنىّ على ذلك، وليس بشاذّ كما زعموا». ثم أخذ على الجواليقى وابن الشجرى أنهما لم يستدلاّ على مجىء «أمل» بالبيتين المذكورين فى هذه القصيدة. يعنى قصيدة بانت سعاد. والبيتان هما: -
(2/371)

بفقير، وقد ورد به القرآن فى قوله جلّ ثناؤه: {إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (1) وهل إنكار فقير إلا كإنكار مأمول، بل إنكار فقير عنده أوجب، لأنّهم لم يقولوا فى ماضيه إلا افتقر، ومأمول، قد نطقوا بماضيه بغير زيادة.
وأمّا «سوى» (2) فإنّ العرب استعملتها استثناء، وهى فى ذلك منصوبة على الظرف؛ بدلالة أنّ النصب يظهر فيها إذا مدّت، فإذا قلت: أتانى القوم سواك، فكأنك قلت: أتانى القوم مكانك، وكذلك: قد أخذت سواك رجلا، أى مكانك.
واستدل الأخفش على أنها ظرف بوصلهم الاسم الناقص بها، فى نحو: أتانى الذى سواك، والكوفيون (3) يرون استعمالها بمعنى غير.
وأقول: إدخال الجارّ عليها فى قول الأعشى:
وما قصدت من أهلها لسوائكا
يخرجها من الظرفيّة، وإنما استجازت العرب ذلك فيها تشبيها لها بغير، من حيث استعملوها استثناء، وعلى تشبيهها بغير قال أبو الطيب (4):
أرض لها شرف سواها مثلها … لو كان مثلك فى سواها يوجد
رفع «سوى» الأولى بالابتداء، وخفض الثانية بفى، فأخرجهما من
_________
= أرجو وامل أن تدنو مودّتها وما إخال لدينا منك تنويل وقال كلّ خليل كنت آمله لا ألفينّك إنى عنك مشغول شرح قصيدة بانت سعاد ص 46. وانظر لمجيء «فقر وفقر» المساعد على تسهيل الفوائد 2/ 163، والتبصرة ص 266، والأفعال لابن القطاع 2/ 461.
(1) سورة القصص 24.
(2) حكى هذا عن ابن الشجرىّ البغدادىّ فى الخزانة 3/ 435 - 437.
(3) راجع الإنصاف ص 294، والتبيين ص 419، وقد عقد ابن الشجرىّ فصلا ل‍ «سوى» فى الزيادة الملحقة بالمجلس الحادى والثلاثين.
(4) ديوانه 1/ 334.
(2/372)

الظرفيّة، فمن خطّأه فقد خطّأ الأعشى فى قوله: «لسوائكا» ومن خطّأ الأعشى فى لغته التى جبل عليها، وشعره يستشهد به فى كتاب الله تعالى، فقد شهد على نفسه بأنه مدخول العقل، ضارب فى غمرة الجهل.
وليس لهذا المتطاول إلى ما يقصر عنه ذرعه شيء يتعلّق به فى تخطئة العرب ألاّ قول الشاعر (1):
حراجيج ما تنفكّ إلاّ مناخة … على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا
فكلّ فاقرة ينزلها بالعربيّة يزفّ أمامها هذا البيت، معارضا به أشعار الفحول من العرب العاربة، وليس دخول «إلاّ» في هذا البيت خطأ، كما توهّم، لأن بعض النحويّين قدّر في «تنفكّ» التّمام، ونصب «مناخة» على الحال، فتنفكّ هاهنا مثل منفكّين، فى قول الله عز وجل: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} (2) فالمعنى: ما تنفصل عن جهد ومشقّة إلاّ فى حال إناختها على الخسف، ورمى البلد القفر بها، أى تنتقل من شدّة إلى شدّة.
ومن العجب أن هذا الجاهل يقدم على تخطئة سلف النحويّين وخلفهم، وتخطئة الشعراء الجاهليّين والمخضرمين والإسلاميّين، فيعترض على أقوال هؤلاء وأشعار هؤلاء، بكلام ليس له محصول، ولا يؤثر عنه أنه قرأ مصنّفا فى النحو، إلاّ مقدّمة من تأليف عبد القاهر الجرجانىّ، قيل: إنها لا تبلغ أن تكون/فى عشر
_________
(1) ذو الرمة. ديوانه ص 1419، وتخريجه فى 2044، وأيضا: معانى القرآن 3/ 281، والحلبيات ص 273،278، والتبصرة ص 189، وشرح الكافية الشافية ص 421، وضرائر الشعر ص 75، وحواشى المحققين. والحراجيج: جمع حرجوج، وهى الناقة الضامرة من الهزال.
(2) أول سورة البيّنة.
(2/373)

أوراق، وقيل: إنه لا يملك من كتب النحو واللغة ما مقداره عشر أوراق، وهو مع ذلك يردّ بقحته على الخليل وسيبويه. إنها لوصمة اتّسم بها زماننا هذا، لا يبيد عارها، ولا ينقضى شنارها، وإنما طلب بتلفيق هذه الأهواس أن تسطّر فتوى فيثبت خطّه فيها مع خطّ غيره، فيقال: أجاب أبو نزار بكذا، وأجاب غيره بكذا، وقد أدرك لعمر الله مطلوبه، وبلغ مقصوده، ولولا إيجاب حقّ من أوجبت حقّه، والتزمت وفاقه، واحترمت خطابه، لصنت خطّى ولفظى عن مجاورة خطّه ولفظه.
...
(2/374)

فصل
قد تكرّر قولنا إنّ الكسر هو الأصل فى حركة التقاء الساكنين، فإن قيل:
لم كان الكسر هو الأصل، دون الضمّ والفتح؟
فمن ذلك جوابان، أحدهما: أنّ الجرّ لما اختصّ بالاسم، والجزم اختصّ بالفعل، صارا نظيرين، فلما أرادوا أن يحرّكوا المجزوم للقاء ساكن، حرّكوه بأشبه الحركات بالجزم، فقالوا: لم يقم الغلام، ولمّا وجب ذلك فى السكون المسمّى جزما، حملوا عليه السكون المسمّى وقفا، فقالوا: كم المال، كما جاء: {خُذِ الْعَفْوَ} (1) و {قُمِ اللَّيْلَ} (2).
والثانى: أنهم لو حرّكوا المجزوم للقاء الساكن بالضمّ أو الفتح، التبست حركته بالحركة الحادثة عن عامل، ألا ترى أنك لو قلت: لا يخرج الغلام، فكسرت الجيم، أردت أن تنهاه عن الخروج، ولم يكن فى ذلك صدق ولا كذب، ولو قلت: لا يخرج الغلام، فضممت الجيم، كان خبرا منفيّا، واحتمل التصديق والتكذيب، فلولا الفرق بين هذين المعنيين باختلاف الحركة، التبس النهى بالنفى، ونظير ذلك فى التنزيل قوله تعالى، ناهيا: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} (3) فلو ضمّت ذال «يتّخذ» صار المعنى: ليس يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء، وقد علمنا/أنّ بعض المؤمنين اتّخذ بعض الكافرين أولياء، بقوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} (4) ثم قال بعد هذا: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ}.
_________
(1) سورة الأعراف 199.
(2) الآية الثانية من سورة المزمّل.
(3) سورة آل عمران 28.
(4) أول سورة الممتحنة.
(2/375)

ومثل ذلك فى ارتكاب اللّبس، أنك تقول: «لا تأكل السّمك وتشرب اللّبن (1)»، فتكسر الباء إذا أردت أن تنهاه عن أكل هذا وشرب هذا، على كلّ حال، فإن أردت أن تنهاه عن الجمع بينهما فتحت آخر «تشرب» فلو حرّكوا المجزوم للقاء السّاكن بالفتح وقع لبس بين هذين النّهيين، فلما خشوا اللّبس فى هذا ونحوه حرّكوا المجزوم بحركة لا تعرب بها الأفعال، ثم حملوا ما سكونه وقف على ما سكونه جزم.
فإن قيل: لم كسروا المجزوم والموقوف لمّا وقعا فى القوافى المطلقة، كقوله (2):
وكم دهمتنى من خطوب ملمّة … صبرت عليها ثمّ لم أتخشّع
فأدركت ثأرى والذى قد فعلتم … قلائد فى أعناقكم لم تقطّع
وكقول عدىّ بن زيد (3):
إذا أنت لم تنفع صديقك جاهدا … ولم تنك بالبوسى عدوّك فابعد
إذا أنت فاكهت الرّجال فلا تلع … وقل مثل ما قالوا ولا تتزيّد (4)
فعن ذلك جوابان، أحدهما: أنهم لما اضطرّوا إلى تحريك المجروم لإطلاق القافية، لم يخل أن يحرّك بالكسرة أو بإحدى أختيها، فلم يجز أن يحرّك بالضمة ولا الفتحة؛ كراهة أن يلتبس بالمرفوع أو المنصوب، فلما وجب تحريكه بالكسر، حملوا عليه ما سكونه الوقف.
_________
(1) سبق تخريجه فى المجلس الرابع والأربعين.
(2) الأحوص. ديوانه ص 154، ببعض اختلاف فى الرواية لم يمسّ موضع الشاهد، وتخريجه فى ص 260،307،308.
(3) ديوانه ص 105.
(4) يروى: «ولا تتزنّد» بالنون. قال ابن قتيبة: «ولا تتزنّد لا تغضب، يقال للرجل إذا كان سريع الغضب: إنه لمزنّد ومتزنّد أيضا، وروى المفضل: «ولا تتزيد» أى لا تزد على ما قالوا» المعانى الكبير ص 1262، ونوادر أبى زيد ص 576، وجمهرة أشعار العرب ص 510، وسيشرح ابن الشجرى غريب هذا البيت.
(2/376)

والثانى: أنهم لما اضطرّهم إتمام الوزن إلى تحريك المجزوم والموقوف، لا لساكن لقيه، بل لينشأ عن حركته حرف مدّ يتمّ به الوزن، حرّكوه بالحركة/المألوفة فيه إذا لقيه ساكن، فكسروه فنشأت عن الكسرة الياء.
فإذا ثبت بما ذكرته أن الكسر هو الأصل فى حركة التقاء الساكنين، فإنهم قد ينصرفون عن هذا الحكم لعلّة تحسّن الانصراف عنه.
وذلك على أوجه عدّة، أحدها: أن يكون للحرف مزيّة على الحرف، فيحرّك بأقوى الحركات، كتحريك الواو التى هى اسم، فى نحو {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} (1) بالضمّ، وتحريك الواو التى هى حرف، فى نحو {لَوِ اِسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ} (2) بالكسر، وذلك لفضل الاسم على الحرف، وفضل الضمّ على الكسر، من حيث كان الاعتماد فى إبراز الضمّة على عضوين ظاهرين (3).
والثانى: أن يكون الضمّ إتباعا لضمّة متقدّمة، أو لضمّة متأخّرة، فالمتقدمة كضمّة ميم مدّ، وشين شدّ يا هذا، الأصل: امدد، واشدد، فآثر بعضهم الإدغام، فألقى ضمّة الدال الأولى على الساكن الذى قبلها، فالتقت الدالان ساكنتين فى التقدير، فحرّكوا الآخرة بالضمّ إتباعا، وحذفوا همزة الوصل، استغناء عنها بحركة الحرف الذى اجتلبوها لأجله، وهو ساكن.
_________
(1) سورة البقرة 237.
(2) سورة التوبة 42، وراجع الكتاب 4/ 155، والأصول 2/ 370، والبحر 2/ 238،5/ 46.
(3) يريد ضمّ الشفتين. قال ابن سينا: «وأما الواو المصوّتة وأختها الضمة فأظنّ أن مخرجهما مع إطلاق الهواء، مع أدنى تضييق للمخرج وميل به سلس إلى فوق». وقال مرّة أخرى: «والواوان [يريد الواو الكبرى التى هى الحرف، والواو الصغرى التى هى الضمة] مخرجهما مع أدنى مزاحمة وتضييق للشفتين واعتماد فى الإخراج على ما يلى فوق اعتمادا يسيرا». أسباب حدوث الحرف ص 84،126. ويقول الأستاذ الدكتور إبراهيم أنيس، فى الموازنة بين الضم والكسر: «. . . نجد أن الضمة هى التى تحتاج إلى جهد عضوىّ أكثر؛ لأنها تتكون بتحرك أقصى اللسان، فى حين أن الكسرة تتكوّن بتحرّك أدنى اللسان، وتحرّك أدنى اللسان أيسر من تحرّك أقصاه». اللهجات العربية ص 96، وانظر أيضا كتابه الأصوات اللغوية ص 32، 33. وراجع المقتضب 1/ 184، وحواشيه. وشرح المفصل 9/ 128.
(2/377)

وأما الضمّة المتأخّرة التى تتبعها حركة ما قبلها، فنحو ضمّة الراء فى {وَقالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} (1) والظاء فى {وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} (2) وليس الضمّ فى هذا النحو لازما كلزومه فى منذ، وإنما هو شيء استحسنه بعض العرب، والكسر أكثر، كما أن الفتح فى شدّ ومدّ وردّ أكثر، والكسر مستعمل فيه، تقول: ازرر قميصك وزرّه وزرّه وزرّه (3)، وحرّكوا ميم «هلمّ (4)» بالفتح خاصة؛ لأنها كلمة مركّبة، وللمركّب حكم غير حكم المفرد.
والثالث: أن يكون العدول عن الكسر إلى الفتح لكثرة استعمال الحرف، كتحريك نون «من» بالفتحة إذا لقيتها لام التعريف فى نحو: {مِنَ الْقَوْمِ} (5) لكثرة دور لام التعريف فى الكلام، /مع كثرة تصرّف «من» فى المعانى، من حيث جاءت لابتداء الغاية في المكان، وللتبعيض، ولتبيين الجنس، فى نحو {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ} (6) {وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ} (7) وجاءت للتوكيد زائدة فى نحو
_________
(1) سورة يوسف 31. وقراءة الضمّ هذه لابن كثير والكسائى ونافع وابن عامر. السبعة ص 348، والإتحاف 2/ 146، وانظر الكتاب 4/ 153، والأصول 2/ 369، وشرح المفصل 9/ 127، وانظر ظاهرة المماثلة-تقدّما وتأخّرا-فى كتاب اللهجات العربية فى التراث وحواشيه ص 266 - 273.
(2) سورة الأعراف 143، وقراءة ضم النون لغير أبى عمرو وعاصم وحمزة ويعقوب من القراء. الإتحاف 2/ 61.
(3) فصيح ثعلب ص 11، وانظر توجيه الحركات الثلاث فى تصحيح الفصيح 1/ 185، واللسان (زرر)، وقال ابن برّى: هذا عند البصريين غلط، وإنما يجوز إذا كان بغير الهاء، نحو قولهم: زرّ وزرّ وزرّ، فمن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن فتح فلطلب الخفة، ومن ضمّ فعلى الإتباع لضمّة الزاى. فأما إذا اتصل بالهاء التى هى ضمير المذكّر، كقولك: زرّه، فإنه لا يجوز فيه إلاّ الضمّ. . .» إلى آخر ما قال فى كتابه التنبيه والإيضاح 2/ 128. وانظر الكامل ص 438، والمقتضب 1/ 184.
(4) راجع الكلام على «هلمّ» فى المجلس السادس والخمسين.
(5) سورة الأنعام 77، وغير ذلك من الكتاب العزيز.
(6) سورة الحج 30.
(7) سورة الكهف 31.
(2/378)

{وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ} (1) وفارقة بين معنيين، فى نحو: ما جاءنى من رجل، فليست هاهنا لمجرّد الزّيادة، بدلالة قولك: ما جاءنى رجل بل رجلان، فإذا دخلت «من» دلّت على العموم، وقد أنابوها مناب لام العلّة فى نحو: لست أغبّ زيدا من إكرامى له، أى لإكرامى، ومثله {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ} (2) و {مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ} (3).
فلما كثر استعمالها لكثرة تصرّفها فى المعانى (4)، مع كثرة استعمال الألف واللام، اختاروا لها أخفّ الحركات، استثقالا لتوالى كسرتين فيما يكثر استعماله.
فإن ولى نونها ساكن غير لام التعريف، استعملوا الأصل، فكسروا فى نحو: عجبت من ابنك، واسمى أحسن من اسمك، وقد فتحها هاهنا قوم من الفصحاء، فيما حكاه سيبويه (5).
فأمّا نون «عن» فمجمع على كسرها، فى نحو: {عَنِ الْقَوْمِ} (6) وذلك لعدم توالى كسرتين.
والرابع: أن يختاروا الفتحة فرارا من اجتماع ثقلين، وذلك فى المضاعف، نحو ربّ وثمّ، وفيما يجيء بعد واو أو ياء، نحو سوف وحوب وليت وكيف.
والخامس: أن يكون العدول إلى الفتح طلبا للفرق، كفتح نون الجمع، للفرق بينها وبين نون التثنية، في قولك: الزيدان والزيدون، ويفعلان ويفعلون.
_________
(1) سورة البقرة 102.
(2) سورة الأنعام 151.
(3) سورة المائدة 32.
(4) عالج ابن الشجرى معانى «من» فى غير مجلس من الأمالى، ويظهر ذلك فى الفهارس إن شاء الله.
(5) الكتاب 4/ 155.
(6) سورة الأنعام 147، وغير ذلك من الكتاب الحكيم.
(2/379)

فاختلاف الحركة فى هذا النحو للفرق والتعديل، ومعنى التعديل أنّ ثقل الكسرة مع خفّة الألف، وثقل الواو مع خفّة الفتحة تعديل.
قول عدىّ بن زيد.
/إذا أنت فاكهت الرجال فلا تلع
معناه: لا تكذب، والمصدر الولع، بسكون اللام، وفاكهت: مازحت، والفكاهة: المزاح.
وحوب: زجر للإبل.
...
(2/380)

المجلس التاسع والخمسون
أجمع النحويّون البصريون، المتقدّمون والمتأخّرون: عبد الله بن أبى إسحاق الحضرميّ، وعيسى بن عمر الثقفيّ، وأبو عمرو بن العلاء، ويونس بن حبيب، وأبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد، وأبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، سيبويه، وأبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش، وأبو عمر صالح بن إسحاق الجرمىّ، وأبو عثمان بكر بن محمد المازنيّ، وأبو العباس محمد بن يزيد الثّمالىّ، وأبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسيّ، وأبو إسحاق إبراهيم بن السّرىّ الزّجّاج، وأبو بكر محمد بن السّرىّ السّرّاج، وأبو علىّ الحسن بن (1) عبد الغفار الفارسىّ، وأبو الحسن علىّ بن عيسى الرّمّانىّ، وأبو سعيد الحسن بن عبد الله السّيرافىّ.
ومن جاء بعد هذه الطبقة المتأخّرة، كأبى الفتح عثمان بن جنى، وأبى الحسن عليّ بن عيسى الرّبعيّ: أنّ أفعل فى التعجّب، من نحو: ما أكرم عبد الله! فعل، وتابعهم أبو الحسن علىّ بن حمزة الكسائىّ.
وذهب أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء، إلى أنه اسم، وتابعه طائفة من الكوفيين (2).
فممّا احتجّ به الفرّاء وأصحابه قولهم: إنه جامد، والفعل بابه التصرّف،
_________
(1) هكذا فى الأصول، وهو اختصار، فإنه: الحسن بن أحمد بن عبد الغفار.
(2) راجع هذه المسألة فى الكتاب 1/ 72 - وانظر فهارسه 5/ 283 - والمقتضب 4/ 173، والأصول 1/ 98، والإيضاح ص 91، واللمع ص 217، والإنصاف 1/ 126، وأسرار العربية ص 112، والتبيين ص 285، وشرح المفصل 7/ 143، وشرح الكافية 4/ 227. وأنبّه هنا إلى أن أبا البركات الأنبارىّ قد أغار على ابن الشجرى فى هذه المسألة واستعان بشواهده وطريقة حجاجه. وانظر ص 158 من الدراسة.
(2/381)

فالجمود مباين للفعلية، فاستحقّ بمخالفته للأفعال، إلاّ ما شذّ منها، أن يلحق بالأسماء.
الجواب من البصريّين: ليس جموده لأنه اسم، ولكنه فعل سلب التصرّف لأمرين، أحدهما: أنّ واضعى اللغة لمّا لم يصوغوا للتعجّب حرفا يدلّ عليه، / جعلوا له صيغة لا تختلف؛ ليكون ذلك أمارة للمعنى الذى حاولوه، فيدلّ لفظه بلزومه وجها واحدا أنه تضمّن معنى ليس له فى أصله، فلمّا دخل معنى التعجّب على لفظ، متى زال عن هيأته زال المعنى المراد به، وجب أن لا يعدلوا إلى لفظ آخر.
والثانى: أنه إنما لم يصرّف؛ لأن المضارع يحتمل زمانين: الحاضر والمستقبل، وإنما يتعجّب فى الأغلب مما هو موجود ومشاهد، وقد يتعجّب ممّا مضى، ولا يكون التعجّب ممّا لم يقع، فكرهوا استعمال لفظ يحتمل الدلالة على الاستقبال؛ لئلاّ يصير اليقين شكّا، ولمّا كرهوا استعمال المضارع كانوا لاسم الفاعل أكره، لأنه لا يخصّ زمانا، فلذلك لم يقولوا: ما يحسن زيدا، ولا ما محسن زيدا، واستعملوا لفظ الماضى، والمعنى معنى الحال، لأن التعجّب معنى حادث عند رؤية شيء متعجّب منه، أو سماعه.
ويدلّك على أنه ماض فى اللفظ دون المعنى، أنه إذا أريد ما مضى قيل: ما كان أحسن زيدا! فلولا أنه حال فى المعنى لما دخلت «كان» حين أريد المضىّ، فلهاتين العلّتين سلبوه التصرّف، وليس عدم التصرّف بموجب له الاسميّة، بدليل أنّ «ليس وعسى» فعلان غير متصرّفين بإجماع، فعدم التصرّف فى الفعل لعلّة أوجبت له ذلك لا يدخله فى حيّز الاسم.
الجواب من الفرّاء وأصحابه: إنّ «ليس وعسى» لم ينضمّ إلى سلب تصرّفهما
(2/382)

مجىء التصغير فيهما، كما جاء التصغير فى هذه الكلمة، مجيئا مستفيضا فى الشّعر وفى سعة الكلام، كقوله (1):
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا … من هاؤليّائكنّ الضّال والسّمر
وإذا كان التصغير قد اتّسع فى هذه اللفظة، مع ما لزمها من الجمود، /والتصغير من خواصّ الاسم، فليس إلاّ الحكم بأنها اسم، إذ كان قولهم:
يا ما أميلح غزلانا، مع امتناعهم أن يقولوا: ليس وعسيّ، دليلا نافيا عنه الفعليّة، وقاطعا له بالاسميّة.
الجواب من البصريّين: أن التصغير يدخل الأسماء للتحقير، في نحو: رجيل ومريئة، وللتقليل، وذلك فى الجموع نحو: دريهمات وأجيمال، وللتقريب، وذلك في الظّروف من نحو: قبيل المغرب، وبعيد الظهر، ودوين الوادى، ومن نحو قوله (2):
بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
ويدخل للحنوّ والتعطّف، كقول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أصيحابى أصيحابى» (3) ومنه قول أبى زبيد الطائىّ:
_________
(1) نسب للعرجى، وهو من مقطوعة فى ديوانه ص 183، ونسب لذى الرمة وللمجنون ولغيرهما. والكلام على ذلك فى الخزانة 1/ 97،98، وشرح أبيات المغنى 8/ 72، وانظر مع المراجع المذكورة فى التعليق السابق: شرح الجمل 1/ 113،583.
(2) امرؤ القيس. وصدر البيت: وأنت إذا استدبرته سدّ فرجه وهو من معلقته، وسيعيد ابن الشجرى إنشاده فى المجلس الثانى والثمانين.
(3) بهذا اللفظ فى صحيح مسلم (باب إثبات حوض نبيّنا صلّى الله عليه وسلم وصفاته. من كتاب الفضائل) ص 1800، وهو من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه: أن النبىّ صلّى الله عليه وسلم قال: «ليردنّ علىّ الحوض رجال ممّن صاحبنى، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلىّ، اختلجوا دونى، فلأقولنّ: أى ربّ! أصيحابى أصيحابى، فليقالنّ لى: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك» وقوله «اختلجوا» أى اجتذبوا واقتطعوا. والحديث فى مسند أحمد 1/ 453، من حديث عبد الله بن مسعود، رضى الله عنه. وأيضا 5/ 50، من حديث أبى بكرة نفيع ابن الحارث، رضى الله عنه. وانظره من طرق أخرى، وبصيغة التكبير «أصحابى أصحابى» فى جامع الأصول 2/ 436،10/ 101،468، وحواشيه.
(2/383)

يا ابن أمّى ويا شقيّق نفسى … أنت خلّيتنى لدهر كئود (1)
ويدخل للتعظيم، كقول لبيد:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم … دويهية تصفرّ منها الأنامل (2)
يريد الموت، ولا داهية أعظم من الموت، ويدخل للتمدّح، كقول الحباب ابن المنذر الأنصارىّ يوم السّقيفة (3): «أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب».
وليس ضرب من هذه الضّروب إلاّ وهو يتناول الاسم معنى بتناوله إيّاه لفظا، والتصغير اللاحق فعل التعجّب إنما هو لفظيّ فقط، من حيث كان متوجّها فى المعنى إلى المصدر (4) الذى دلّ عليه هذا الفعل بلفظه، من نحو الحسن والملاحة والظّرف، وكأنهم أرادوا تصغير المصدر لفظا، ولكنهم رفضوا ذكر المصدر مع هذا الفعل؛ كراهة أن يقولوا-وقد سلبوه التصرّف-: ما أحسن غزالك حسنا، وما أملحه ملاحة، وما أظرف غلامك ظرفا، لأن الفعل إذا أزيل عن التصرّف لا يؤكّد، لأنه/قد خرج عن مذهب الأفعال، وأشبه بالجمود الحرف.
ولمّا كان الحسن والملاحة والظّرف مصادر الثلاثية، التى استؤنف منها للتعجّب أحسن وأملح وأظرف، وآثروا تصغير المصدر، صغّروا الفعل لفظا، ووجّهوا التصغير إلى المصدر معنى، وساغ تصغير المصدر بتصغير فعله؛ لأنّ الفعل
_________
(1) فرغت منه فى المجلس الرابع والخمسين.
(2) وهذا أيضا فرغت منه فى المجلس الرابع.
(3) البخارى (باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت. من كتاب الحدود) فتح البارى 12/ 145، 152، ومسند أحمد 1/ 56، وغريب الحديث لأبى عبيد 4/ 153، والسيرة النبوية 2/ 659، والإصابة 2/ 10، والبيان والتبيين 3/ 296، والحيوان 1/ 336 - وذكر معه أمثلة من وجوه تصغير الكلام-وشرح الأشمونى 4/ 157، ومجمع الأمثال 1/ 31 (باب الهمزة). وسيشرح ابن الشجرىّ غريب هذا الكلام فى آخر المجلس.
(4) ويرى الخليل أن التصغير فى مثل هذا إنما يتوجّه فى المعنى إلى الموصوف الذى تصفه بالملاحة. الكتاب 3/ 478.
(2/384)

يقوم فى الذكر مقام مصدره، بشهادة أنه دلّ بلفظه عليه، فأضمر فى قوله تعالى:
{وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ} (1) ألا ترى أن «هو» ضمير البخل، وحسن عود الضمير إلى البخل، وإن لم يك مذكورا؛ لدلالة «يبخلون» عليه، وهذا كقوله: «من كذب كان شرّا له» (2)، أى كان الكذب، ومثله قول الشاعر:
إذا نهى السّفيه جرى إليه … وخالف والسّفيه إلى خلاف (3)
يريد: جرى إلى السّفه، ونظائره في التنزيل كثيرة، كقوله تعالى: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} (4) وقوله: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ} (5) أى يرض الشكر، ولكان الإيمان.
فكما أن الضمير يعود إلى المصدر، وإن لم يجر ذكره، استغناء بذكر فعله، كذلك يتوجّه التصغير اللاحق لفظ الفعل إلى مصدره الذى ليس بمذكور، ونظير ذلك إضافتهم أسماء الزمان إلى الفعل. فى نحو: {هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} (6) ونحو:
على حين عاتبت المشيب على الصّبى (7)
على أن الإضافة إلى الفعل مستحيلة؛ لأن الغرض بالإضافة أن تخصّص المضاف فى نحو قولك: راكب حمار، أو تعرّفه، كقولك: صاحب زيد، وقد
_________
(1) سورة آل عمران 180. وراجع ما تقدّم فى المجلس الثامن والثلاثين.
(2) تقدّم فى المجلس الثامن.
(3) فرغت منه فى المجلس العاشر.
(4) الآية السابعة من سورة الزمر.
(5) سورة آل عمران 110.
(6) سورة المائدة 119.
(7) سبق فى المجلس السابع.
(2/385)

ينضمّ إلى كلّ واحد منهما الملكيّة، كقولك: دار امرأة، وفرس خالد، والفعل لا يعرّف ما يضاف إليه، ولا يخصّصه، لأنه فى أعلى مراتب التنكير، والملكيّة فيه تستحيل، وإنما سوّغ لهم إضافة اسم الزمان إلى الفعل أن المراد بإضافته إليه مصدره، من حيث كان ذكر الفعل ينوب مناب ذكر مصدره، فالتقدير: هذا/ يوم نفع الصادقين، وعلى حين معاتبة المشيب.
وخصّوا بهذه الإضافة اسم الزمان، لما بين الزمان والفعل من المناسبة، من حيث اتّفقا فى كونهما عرضين؛ ولأنّ الفعل بنى للزّمان، وأن الزّمان حادث عن حركات الفلك، كما أن الفعل حادث عن حركات الفاعلين، كالقتل يحدث عن حركة القاتل، وكالقراءة والإنشاد والغناء، يحدثن عن حركات اللّسان، فهذه الإضافة لفظيّة، كما أن التصغير اللاحق فعل التعجّب لفظيّ، فلا اعتداد به، كما أنه لا اعتداد بالإضافة إلى الفعل، وإذا كان التصغير إنما لحق هذا الفعل على سبيل العارية، بطل التعلّق به.
وعلى أن هذا التصغير اللفظيّ، لأصحابنا في دخوله فى قولهم: ما أفعله، قولان، أحدهما: أنه دخله حملا على باب أفعل، الذى للمفاضلة، لاشتراك اللفظين فى التفضيل والمبالغة، لأنك لا تقول: ما أكرم زيدا! وزيد فى أول مراتب الكرم، وإنما تقول ذلك عند بلوغه الغاية فى الكرم، كما تقول: زيد أكرم القوم، فتجمع بينه وبينهم فى الكرم، وتفضّله عليهم، فلحصول هذه المضارعة بينهما، جاز «يا ما أميلح غزلانا» كما تقول: غزالك أميلح الغزلان، ولهذه المناسبة بين هذين البابين، حملوا أفعل منك، وهو أفعل القوم، على قولهم: ما أفعله، فجاز فيهما ما جاز فيه، وامتنع منهما ما امتنع منه.
ألا ترى أنهم لم يقولوا من الألوان والعيوب الظاهرة: ما أفعله، نحو: ما أبيضه وما أحوله، وكذلك لم يقولوا: هو أبيض منك، ولا هو أحول القوم، وقالوا:
ما أنصع بياضه، وما أظهر حوله، وحملوا اللّفظين الآخرين عليه، فقالوا: هو أنصع
(2/386)

منك بياضا، وهو أظهر القوم حولا، وكذلك لم يقولوا: هو أحسن منك حسنا، فيؤكّدوه بالمصدر؛ لأنهم لم يقولوا: ما أحسن هندا حسنا، وأجمع/النحويّون أن «جلالة» من قول الشاعر:
أجلّ جلالة وأعزّ فقدا … وأقضى للحقوق وهم قعود (1)
انتصابها على التمييز، وكذلك «لجاجا» فى قول الآخر (2):
ألجّ لجاجا من الخنفساء … وأزهى إذا ما مشى من غراب
وإنما ساغ دخول التصغير فى هذه الألفاظ، وإن كانت موضوعة للتفضيل، والتصغير نقيض التفضيل؛ لأنهم يخصّون بذلك ما صغر ولطف، كغزال وتولب وفصيل وعجّول ومهر وصبىّ، كما خصّوا هذا القبيل بويس (3)، تقول: ما أحيسن هذا الطّفل، وما أميلح هذا الخشف، كما قال أبو الطيّب، وقد استحسن عين باز:
ألا ما أحيسنها مقلة … ولولا الملاحة لم أعجب (4)
فهذا [هو] (5) الذى جوّز دخول التصغير فى هذين البابين.
والقول الثانى لأصحابنا: أن التصغير حسن لحاقه لفعل التعجّب، من حيث ألزم التعجّب طريقة واحدة، فأشبه فعله بذلك الأسماء، فدخله بعض
_________
(1) البيت ثانى ثلاثة أبيات مجهولة القائل، أنشدها القالى فى أماليه 1/ 23، وأبو تمام فى حماسته ص 1600 - بشرح المرزوقى-وأبو بكر الأصفهانى فى الزّهرة 2/ 115.
(2) هو خلف الأحمر، يهجو أحدهم. الحيوان 3/ 500،6/ 469، والدرّة الفاخرة 1/ 214، وحواشيهما.
(3) ويس: كلمة تستعمل فى موضع رأفة واستملاح، كقولك للصبىّ: ويسه، ما أملحه! وفى الحديث: أنه صلّى الله عليه وسلم قال لعمّار: «ويس ابن سميّة» قال ابن الأثير: ويس: كلمة تقال لمن يرحم ويرفق به. النهاية 5/ 235، واللسان.
(4) ديوانه 1/ 147.
(5) زيادة من د.
(2/387)

أحكامها، وحمل الشىء على الشىء فى بعض الأحكام لا يوجب خروجه عن أصله، ألا ترى أن اسم الفاعل محمول على الفعل فى العمل، ولم يخرجه ذلك عن كونه اسما، وكذلك الفعل المضارع أعرب لمضارعته الأسماء، ولم يخرجه إعرابه عن كونه فعلا، وكذلك تصغيرهم فعل التعجّب تشبيها بالاسم، لا يجتذبه إلى الاسمية.
جواب الكوفيّين: قالوا: إذا كنتم تزعمون أن أفعل فى التعجّب لمّا لزم طريقة واحدة فضارع بذلك الاسم، لحقه التصغير، ألزمناكم أن تصغّروا ليس وعسى، لأنهما لزما لفظ المضيّ، فلم يأت لهما مضارع ولا اسم فاعل، ولا اسم مفعول، /وإذا كانوا قد امتنعوا أن يقولوا: ليس وعسيّ، مع قولهم: يا ما أميلح غزلانا، كان قولكم إنّ تصغيره للزومه وجها واحدا مردودا عليكم، وإلاّ فما الفرق بينه وبين ليس وعسى، وحكمه فيما ذكرناه كحكمهما؟
فإن أخلدتم إلى القول الآخر، فقلتم: إنه انضمّ إلى جموده حمله على نظيره، الذى هو أفعل القوم، فجاز فيه التصغير، وليس وعسى، لا نظير لهما من الأسماء يحملان عليه، كما حمل ما أحيسنهم، على قولهم: هو أحيسنهم، فأنتم من مذهبكم أنّ «نعم وبئس» فعلان غير متصرّفين، ومعلوم أنهما للمبالغة فى المدح والذمّ، كما أن التعجّب موضوع للمبالغة فى هذين، فنعم الرجل زيد فى باب المدح مثل ما أكرم زيدا، وبئس الغلام بكر فى باب الذم مثل ما ألأم بكرا، فقد جريا مجراه من وجهين: عدم التصرّف، وأنهما غاية فى المدح والذم، فهلاّ صغّرا كما صغّر.
وأوكد من هذا أنّ مثال أفعل به، كقولك: أكرم به، كلام وضع للتعجّب، فنزّل منزلة ما أفعله فى المعنى، فساغ فيه ما ساغ فى ما أفعله، وامتنع منه ما امتنع منه، وقد وقع الإجماع على أن أفعل فعل مسلوب التصرّف، وهو مضارع لباب أفعل منك، فهلاّ صغّر، كما صغّر أفعل، فى ما أفعله، وهل منع من تصغيره إلاّ كونه فعلا، وهل سوّغ تصغير المثال الآخر إلاّ كونه اسما؟
فإن قلتم: إن لفظ أفعل به، لفظ الأمر، فهو مواز له فى زنته وسكون
(2/388)

آخره، والأمر مخصوص به الفعل، فروعى لفظه، فلم يسغ فيه التصغير، كما ساغ فى أفعل.
فليس ما قلتموه بمقبول، وذلك أنه قد جاء الأمر بالاسم، من نحو: صه وإيه، و {هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ} (1) ودونك زيدا، و:
تراكها من إبل تراكها (2)
وقد جاء فى هذا القبيل ما أريد به الأمر وهو مصغّر، وذلك رويد زيدا: أى أمهله.
وإذا ثبت هذا، ووجدنا التصغير لحق أفعل، دون أفعل، فليس ذلك إلاّ لأنّ/أفعل اسم، ويؤيّد ما ذهبنا إليه تصحيح عينه فى نحو: ما أقومه، وما أبيعه، كما صحّت العين فى الاسم، من نحو: هو أقوم منك، وأنت أبيع منه، فلو أنه فعل كما زعمتم، أعلّت عينه بقلبها ألفا، كما قلبت فى الفعل، من نحو قام وباع، وأقام وأباع، فى قولهم: أباع الشىء، إذا عرّضه للبيع، وإذا كان قد أجرى مجرى الأسماء فى التصحيح، مع ما دخله من الجمود والتصغير، وجب القطع بأنه اسم.
الجواب: أجاب البصريّون عن هذه الإلزامات، وعقّبوا ذلك احتجاجا، فقالوا: أمّا اعتراضكم بليس وعسى، فقد كفيتمونا مئونة الجواب عنه، وسقطت الكلفة فى ذلك؛ بأنهما لا نظير لهما فى الأسماء يحملان عليه، كما حمل ما أفعله على أفعل الذى للمفاضلة، غير أننا لا نقنع بهذا الجواب، بل نطرح حمل أفعل التعجّبيّ على نظيره جانبا.
فنقول: إنّ ليس وعسى، وإن كانا قد شركا فعل التعجّب فى الجمود، فإنهما قد بايناه بشيئين بعداهما من الاسم:
_________
(1) سورة الأنعام 150.
(2) فرغت منه فى المجلس السابع والخمسين.
(2/389)

أحدهما: أنهما يرفعان الظاهر والمضمر، كما ترفعهما الأفعال على تصاريفها، وأفعل فى التعجّب مخالف بابه، بأنه مقصور على رفع الضمير دون الظاهر، فقرب بهذه المخالفة من الاسم الجامد.
والثانى: أنّ ليس وعسى وصلا بضمائر المتكلّمين والمخاطبين والغائبين، من نحو لست ولست وليسوا، وعسيت وعسيت وعسوا، وألزم هذا الفعل ضمير الغيبة، فلم يتعدّه، فلما تصرّفا فى الاتصال بضمائر الأفعال الماضية هذا التصرّف، ولم يختصّا برفع المضمر دون الظاهر، وألزم فى الإضمار وجها واحدا، وهو رفع ضمير الغيبة خاصّة، كان جديرا (1) أن يجرى عليه حكم من أحكام الأسماء دونهما، فلذلك لحقه التصغير، وعلى أنه لما صغّر لفظا توجّه التصغير فى المعنى إلى مصدر من لفظه/فقام تصغيره مقام تصغير مصدره، وليس وعسى لا مصدر لهما يلفظ به فيتنزّل اللفظ بهما منزلة اللفظ به.
وأمّا إلزامكم إيّانا تصغير نعم وبئس، بأنهما عندنا فعلان غير متصرّفين، وهما غاية فى المدح والذم، فكانا فى ذلك بمنزلة التعجّب، فهذا الإلزام مخاتلة منكم، ونحن نلزمكم أن تصغّروا نعم وبئس؛ لأنهما عندكم اسمان، كأفعل فى التعجّب، فهلاّ دخلهما التصغير كما دخله!
فإن قلتم: إنّ ذلك لم يسمع فيهما عن العرب.
قلنا كما قلتم، ثم فرّقنا بينهما وبين أفعل التعجّبيّ بأنهما، وإن كانا جامدين، أشبه منه بالأفعال المتصرّفة، من حيث اتّصل بهما الضمير على حدّ اتّصاله بالفعل المتصرّف، فيما رواه الكسائىّ، من قولهم: نعما رجلين، ونعموا رجالا، ورفعا مع ذلك الظاهر فى نحو: نعم الرجل، وبئس الغلام، والمضمر فى نحو: نعم رجلا زيد، وبئس غلاما أخوك، ثم إنهما اتصلا بتاء التأنيث الساكنة،
_________
(1) فى د: حليقا.
(2/390)

فى نحو: نعمت المرأة، وبئست الخصلة، كما تقول: قامت المرأة، وقبحت الخصلة، وهذا حكم لازم للأفعال الماضية، فلما قربا هذا القرب من الفعل المتصرّف بعدا من الاسم.
وأمّا ما ألزمتموناه من تصغير أفعل به، فليس بواجب، وذلك أن أفعل جاء على مثال الأسماء، من نحو أفكل وأجدل، وعلى مثال نظيره من الصّفات، كأكرم منك وأحسن، فلما اجتمع فيه إلى الجمود مجيئه على بناء الاسم، حسن تصغيره، وأمّا أفعل، فإنه لم يأت له مثال فى الأسماء إلاّ أصبع، لغة مرذولة فى الإصبع، وهى تلى فى الرّداءة إصبعا، بكسر الهمزة وضم الباء، وأشهر اللّغات فيها: إصبع، بكسر الهمزة وفتح الباء، ثم أصبع، بضم الهمزة وفتح الباء، ثم أصبع بضمّهما، ثم إصبع، بكسرهما، ثم أصبع بفتحهما، ثم أصبوع، بضمّ الهمزة، مثل أسلوب.
وإذا لم يأت/له مثال فى الأسماء إلاّ هذا الحرف الشاذّ باعده ذلك من الاسم جدّا، فلم يسغ فيه التصغير.
ألا ترى أن وزن الفعل الذى يغلب عليه أو يخصّه، أحد الأسباب المانعة للصّرف، فإذا كان الاسم يقرب من الفعل بمجيئه على بعض أبنيته حتى يكون ذلك علّة تمنعه التنوين والجرّ، فكذلك (1) الفعل يبعد من الاسم لمخالفته له فى البناء، هذا مع أن لفظه لفظ الأمر.
وقولكم: إنّ الأمر غير مخصوص به الفعل، ليس بشىء، ولا اعتبار بما جاء من الأسماء مضمّنا معنى الأمر، من نحو هلمّ، ورويد، ونزال؛ لأنّها أسماء نابت مناب الأفعال، والغرض فى تسمية الأفعال بها الاختصار، لأنك تقول للواحد والواحدة فما فوق ذلك: رويد، وصه، ولا تتكلّف إبراز ضمير لمّا جاوزت إليه الواحد المذكّر، فى قولك: أمهلا واسكتا، وأمهلوا واسكتوا، وأمهلن واسكتن.
_________
(1) فى الأصل «وكذلك» بالواو، وصوابه بالفاء من د.
(2/391)

وأمّا احتجاجكم بصحّة العين فى نحو: ما أسيره وأطوله، فإنّ التصحيح حصل له من حيث حصل له التصغير، وذلك لحمله على باب أفعل، الذى للمفاضلة، فصحّح كما صحّح، ومن حيث غلب عليه شبه الأسماء، بإلزامه وجها واحدا، وليس الشّبه الغالب على الشىء بمخرجه عن أصله؛ ألا ترى أن الأسماء التى لا تنصرف لمّا غلب عليها شبه الفعل، لكونها ثوانى من جهتين، منعت التنوين والجرّ، كما منعهما الفعل، ولم يخرجها شبهها بالفعل عن أن تكون أسماء، وكذلك تصحيح العين فى نحو: ما أبيع زيدا، وما أجوله فى البلاد، حصل له من طريق قوّة المشابهة بينه وبين الاسم، وغير جائز أن يحكم له بالاسميّة لحصول (1) ذلك فيه، على أن تصحيحه غير مستنكر، لأنه قد وردت أفعال متصرّفة مصحّحة، كقولهم: أغيلت المرأة تغيل، إذا سقت ولدها/الغيل، وأغيمت السماء تغيم، واستنوق الجمل يستنوق، واستتيست الشاة تستتيس، إذا غلب عليها شبه التّيس، واستحوذ يستحوذ، وفى التنزيل: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} (2) و {اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ} (3) وقالوا: أجودت وأطيبت وأطولت، قال:
صددت فأطولت الصّدود وقلّما … وصال على طول الصّدود يدوم (4)
وقالوا من العويل: أعول يعول، وإنما جعلوا التصحيح فى هذه الأفعال منبهة على الأصل، وإذا كان التصحيح قد جاء فى الفعل المتصرّف مع بعده من الاسم، فما ظنّك بما أزيل عن التصرّف.
_________
(1) فى د: بحصول.
(2) سورة النساء 141.
(3) سورة المجادلة 19.
(4) ينسب للمرّار بن سعيد الفقعسىّ الأسدى، ولعمر بن أبى ربيعة، وهو فى ملحق ديوانه ص 502، وتخريجه فى كتاب الشعر ص 91، وضرورة الشعر ص 193، وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الثامن والستين منسوبا للمرّار.
(2/392)

فإن قلتم: إن التصحيح جاء فى هذه الأفعال شاذّا، وتصحيح أفعل فى التعجّب قياسىّ مطّرد.
قلنا: قد جاء التصحيح فى الفعل المتصرّف على غير سبيل الشّذوذ، وذلك كتصحيح عور وحول وصيد، حملا على اعورّ واحولّ واصيدّ، وقد قالوا:
اجتوروا، واعتوروا، حملا على تجاوروا، وتعاوروا، وكذلك (1) حمل ما أطوله وما أسيره، على قولنا: هو أطول منك، وأسير منّى.
وبعد، فلا ينبغى لكم أن تحكموا له بالاسميّة لتصحيحه، لأن أفعل به، قد ورد التصحيح فيه مع الإجماع على أنه فعل، فلم يخرجه قولهم: أبيع به وأطول به، عن كونه فعلا، فكذلك التصحيح فى ما أفعله، لا يخرجه عن الفعليّة.
ومما يبطل ما ذهبتم إليه أنه إذا وصل بياء الضمير صحبتها النون المسمّاة وقاية، كقولك: ما أفرحنى وما أتعبنى، وهذه النون لا تصحب ياء الضّمير إلاّ إذا اتّصلت بالفعل، من نحو أكرمنى ويكرمنى، أو بما شابه الفعل من الحروف من نحو: ليتنى وكأنّنى، ولم يقولوا فى الاسم: غلامنى، ولا فى الصفة: مكرمنى، وإنما اتصلت هذه النون بآخر الفعل لتقى آخره الكسرة (2)، إذ كانت ياء المتكلم تقتضى كسر ما/قبلها، ولمّا منعوا الفعل كسرة الإعراب كانوا أحرى (3) أن يمنعوه كسرة البناء، فاجتلبوا له هذه النون؛ لتكون محلاّ للكسرة، فلو لم يكن أفعل فى التعجّب فعلا لمّا نزّل منزلة الأفعال؛ لاتّصال هذه النون به.
جواب الفرّاء وأصحابه: أمّا قولكم إنّ ليس وعسى من موانع تصغيرهما أنه لا مصدر لهما، يتنزّل تصغيرهما تصغيره، وأفعل فى التعجّب ساغ تصغيره لأنه دالّ
_________
(1) فى د: فكذلك.
(2) فى د: الكسر.
(3) هكذا فى د. وفى الأصل «حرّى» وهما سواء.
(2/393)

بلفظه على مصدر، فقام تصغيره مقام تصغير مصدره، فغير صحيح؛ لأن أفعل فى ما أفعله إن كان فعلا كما تزعمون، فإنه لم يأت له مصدر، كما لم يأت لليس وعسى مصدر، وليس الإحسان والإكرام والإفضال مصادر ما أحسنه وما أكرمه وما أفضله، بدليل أننا نقول: ما أظرفه، وما أملحه، وما أشكره لك، ولا تجد فى كلامهم الإظراف والإملاح والإشكار، فقد وجّهتم التصغير إذا إلى مصدر فعل آخر، وإنما اعتمادكم فى تصغيره على أن التصغير فى المعنى لمصدره، وإذا كان التصغير متوجّها إلى مصدر ليس هو فى الحقيقة له، فسد أكثر ما عوّلتم عليه.
وأمّا احتجاجكم بنون الوقاية فى: ما أفعلنى، فقد وجدنا من الأسماء ما اتّصلت به هذه النون، فيجوز أن يحمل أفعل فى التعجّب عليه، ولا نجعل اتصاله بها مدخلا لها فى حيّز الأفعال، وذلك قولهم: قدنى وقطنى، أى حسبى، قال:
امتلأ الحوض وقال قطنى … سلاّ رويدا قد ملأت بطنى (1)
فقد كسر هذا ما نصصتم عليه من أن هذه النون مقصورة على الأفعال دون الأسماء.
جواب البصريّين، يعقبه احتجاجان: إن كان أفعل فى نحو: ما أظرف زيدا، وما أملح غزالك، وما أشكر زيدا لك، لا مصدر له، على ما يقتضيه القياس من مجىء/مصدره على إفعال، فإن أظرف وأملح وأشكر مبنيّات من ظرف وملح وشكر، فالجميع مأخوذ من الظّرف والملاحة والشّكر، والمصادر تقع فى مواضع المصادر، كوقوع السّراح فى موضع التسريح، فى قوله تعالى: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً} (2) ووقوع التّبتيل فى موضع التّبتّل، فى قوله تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ}
_________
(1) فرغت منه فى المجلس الثامن والثلاثين، وأشرت هناك إلى ضبط تاء «ملأت» بالضم.
(2) سورة الأحزاب 49.
(2/394)

{تَبْتِيلاً} (1) وعلى هذا نقول: اجتوروا تجاورا، فينوب التّجاور مناب الاجتوار، لأن اجتوروا وتجاوروا بمعنى واحد، وقال القطامىّ (2):
وخير الأمر ما استقبلت منه … وليس بأن تتبّعه اتّباعا
ومن هذا الباب قوله تعالى: {وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً} (3) وقال رؤبة (4):
*وقد تطوّيت انطواء الحضب*
فوضع الانطواء موضع التّطوّى، كما وضع الآخر الاتّباع موضع التّتبّع، لأنّ تتبّعت واتّبعت واحد، كما أنّ تطوّيت وانطويت بمعنى، وقال تعالى: «أن يصالحا بينهما صلحا» (5).
فعلى هذه القضيّة توجّه تصغير أملح إلى الملاحة، لأنّ قولك: ما أميلح غزالك معناه: ملح غزالك جدّا، وهذا أسهل من وقوع المصدر عند قوم منّا ومنكم موضع المصدر (6)؛ لاتفاقهما فى المعنى، وليسا من لفظ واحد، كقولهم: إنّى
_________
(1) الآية الثامنة من سورة المزمّل.
(2) ديوانه ص 35، والكتاب 4/ 82، والمقتضب 3/ 205، وأدب الكاتب، الصفحة الأخيرة، والأصول 3/ 134، والخصائص 2/ 309، وشرح المفصل 1/ 111. وتفسير القرطبى 4/ 69، فى تفسير قوله تعالى: وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً آل عمران 37. ومعنى البيت: أن خير الأمر ما قد تدبّرت أوّله فعرفت إلام تؤول عاقبته، وشرّه ما ترك النّظر فى أوله، وتتبّعت أواخره بالنظر. الخزانة 2/ 370.
(3) سورة نوح 17.
(4) فى الأصل، د: «العجاج»، وليس فى ديوانه. وهو من أرجوزة طويلة لابنه رؤبة، يمدح فيها بلال بن أبى بردة. ديوانه ص 16، وخرّجته فى كتاب الشعر ص 477. وسيشرح «الحضب» فى آخر المجلس، وهو بفتح الحاء وكسرها.
(5) سورة النساء 128. و «يصالحا» جاءت هكذا فى الأصل، د، بفتح الياء وتشديد الصاد، وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبى عمرو. السبعة ص 238، وقرأ الباقون «أن يصالحا» بضم الياء وتخفيف الصاد. وقد قوّى أبو جعفر الطبرى القراءة الأولى. راجع تفسيره 9/ 279.
(6) سبق هذا المبحث فى المجلس التاسع والأربعين.
(2/395)

لأبغضه شناءة، وإنّى لأشنؤه بغضا، ودعه تركا رفيقا، و {أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} (1) وتبسّم وميض البرق، ومنه {وَالْعادِياتِ ضَبْحاً} (2) على قول الخليل، قال: يقال فرس ضابح وضابع، إذا كان كثير الجرى، ومنه أيضا:
يعجبه السّخون والبرود … والتّمر حبّا ما له مزيد (3)
وقد جاء ما هو أشدّ من هذا، وهو إعمالهم ما ليس بواقع على الحدث عمل اسم الحدث، لاتفاقهما فى اللفظ، وإن كانا متباينين فى المعنى، وذلك استعمال العطاء موضع الإعطاء فى قوله:
/أكفرا بعد ردّ الموت عنّى … وبعد عطائك المائة الرّتاعا (4)
وقستم عليه أيّها الكوفيّون: عجبت من دهنك الشّعر، بضم الدال، فأجزتم ذلك فى سعة الكلام، فإذا كنتم قد حملتم الدّهن على الدّهن فى العمل، لاتفاق اللفظ مع اختلاف المعنى، فما الذى أنكرتم من حمل أملح فى التصغير على الملاحة، مع اتفاقهما لفظا ومعنى؟
وأمّا معارضتكم بقدنى، فهذه اللفظة من الشاذّ الذى لا معرّج عليه،
_________
(1) آخر سورة الطارق.
(2) أول السورة. وانظر معنى ضَبْحاً وإعرابها فى تفسير القرطبى 20/ 155.
(3) لرؤبة. ملحقات ديوانه ص 172، وشرح المفصل 1/ 112، وتذكرة النحاة ص 521، وشرح الشواهد الكبرى 3/ 45، وشرح الأشمونى 2/ 113. والسّخون، بفتح السين، وهو ما يسخّن من المرق. والبرود بفتح الباء، وهو ما يبرّد منه.
(4) للقطامى. ديوانه ص 37، وانظر كتاب الشعر ص 229،237، وحواشيه، وحواشى طبقات فحول الشعراء ص 537. هذا وقد ذكر ابن عقيل أنّ ابن المصنّف زعم أن «عطاء» مصدر، وأن همزته حذفت تخفيفا، قال ابن عقيل: وهو خلاف ما صرّح به غيره من النحويّين. شرح الألفية 2/ 99. ولم أجد هذا الرأى لابن المصنّف فى ذلك الموضع-وهو عمل المصدر واسم المصدر-فى شرحه على ألفيّة أبيه ص 161، مع استشهاده ببيت القطامىّ على ما استشهد به النحاة.
(2/396)

ولا ملتفت إليه، فهى فى الشّذوذ مثل منى وعنى (1)، وإنما حسن اتصال هذه النون بقد وقط؛ لأنك تقول: قدك من كذا وقطك، أى اكتف، فتأمر بها كما تأمر بالفعل، وإذا كانت من قبيل الشّذوذ، فلا يسوغ أن يحمل المستفيض الشائع على الفذّ النادر، وقد قالوا مع هذا: قدى وقطى، قال نابغة بنى ذبيان (2):
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا ونصفّه (3) فقد
وقال آخر فجمع بين اللّغتين:
قدنى من نصر الخبيبين قدى … ليس الإمام بالشّحيح الملحد (4)
فهل يمكنكم أن تأثروا عن عربىّ أنه يقول: ما أفرحى، كما قالوا: قدى؟ ولعمرى إن ذلك غير ممكن، فهذا دليل على بطلان ما ذهبتم إليه، وفساد ما عوّلتم عليه.
ومن أدلة مذهبنا أننا وجدنا أفعل التعجّبيّ ينصب المعارف والنكرات، ووجدنا أفعل الوصفىّ، كقولك: زيد أكثر منك علما، وأنجب غلاما، لا ينصب إلا النّكرات خاصّة على التمييز، أو على التشبيه بالمفعول، فلو كان أفعل فى قولنا:
_________
(1) شدّدت النون فى الكلمتين، فى الأصل، د. وهو خطأ؛ فإن موضع الشذوذ هنا هو التخفيف، وعدم إلحاق النون المقتضية للتشديد لإدغامها فى النون الأصلية. وعلى ذلك أنشدوا شاهدا على الشذوذ قول القائل: أيها السائل عنهم وعنى لست من قيس ولا قيس منى أوضح المسالك 1/ 118، وانظر علّة اجتلاب النون هنا، فى الكتاب 2/ 370، وسرّ الصناعة ص 550، وانظر أيضا الإنصاف ص 131، وقد استاق كلام ابن الشجرى.
(2) ديوانه ص 24، وهذا بيت دائر فى كتب العربية، وفيه شواهد نحوية أخرى، وسيعيده ابن الشجرى فى المجلس الثامن والستين. وانظر الكتاب 2/ 137، والخزانة 10/ 251، وحواشيهما، وشرح الجمل 1/ 251،622،2/ 13، والجمل المنسوب للخليل ص 94،168.
(3) فى د: «أو نصفه» وأثبتّه بالواو من الأصل، وهى رواية النسختين فى المجلس الثامن والستين. وهما روايتان. راجع الخصائص 2/ 460، والخزانة 10/ 258، وقد عقد أبو البركات الأنبارىّ لذلك مسألة فى الإنصاف ص 479. «هل تأتى أو بمعنى الواو؟».
(4) فرغت منه فى المجلس الثانى.
(2/397)

ما أفعله اسما كما تزعمون، لم ينصب المعارف، ألا ترى أنه لا يجوز: زيد أكثر منك العلم، ولا زيد أعقل منك الغلام، كما يجوز: ما أكثر العلم فيهم، وما أنجب الغلام منهم، وإذ قد ثبت هذا فى أفعل التعجّبيّ، فهو فعل لا محالة.
/ومن أدلّتنا أننا وجدناه مفتوح الآخر، فلولا أنه فعل ماض، لم يكن لبنائه على الفتح وجه، إذ لو كان اسما لارتفع، من حيث وقع خبرا ل‍ «ما» عند الفريقين، إلا الأخفش، و «ما» فى موضع رفع بإجماع، فلو كان اسما لكان خبرا مفردا، ووجب حينئذ رفعه، فلزوم الفتح لآخره يدلّ على أنه فعل ماض، وهو مع فاعله المستتر فيه جملة فى موضع رفع، لوقوعها خبرا للمبتدإ.
جواب الفرّاء وأصحابه، قالوا: قد نصصتم على أن أفعل الوصفىّ لا ينصب إلاّ النكرة خاصّة، وقد وجدنا العرب أعملته فى المعرفة، وورد ذلك فى أشعارهم كقول الحارث بن ظالم (1):
فما قومى بثعلبة بن سعد … ولا بفزارة الشّعر الرّقابا
نصب الرّقاب بالشّعر، والشّعر جمع أشعر، ولا شبهة أن الجمع أضعف فى باب العمل من واحده؛ لأن التكسير يباعده من شبه الفعل، لاستحالة التكسير فى الفعل، وإذا بعد من الفعل بعد من العمل، فنصب الشّعر للرّقاب يفسد ما استدللتم به.
وقال النابغة الذبياني (2):
ونأخذ بعده بذناب عيش … أجبّ الظّهر ليس له سنام (3)
_________
(1) الحارث بن ظالم المرّى. والبيت من قصيدة مفضلية، المفضليات ص 314، والتخريج فيها مستوفى. وانظر الكتاب 1/ 201.
(2) ديوانه ص 232، والكتاب 1/ 196، والمقتضب 2/ 179، والإنصاف ص 134، والتبيين ص 287، والجمل المنسوب للخليل ص 73، وأمالى ابن الحاجب 2/ 157، وأنوار التنزيل للبيضاوى 1/ 189 - ونسب البيت فيه لجرير خطأ-والخزانة 9/ 363، وفى حواشيها فضل تخريج.
(3) والبيت الشاهد سبق مع بيت قبله فى المجلس الثالث.
(2/398)

وقال آخر:
ولقد أغتدى وما صقع الدّي‍ … ك على أدهم أجشّ الصّهيلا (1)
فنصب الصّهيلا بأجشّ، كما نصب النابغة الظّهر بأجبّ.
وأمّا ما احتججتم به من فتح آخره، فليس بحجّة، لأن التعجّب أصله الاستفهام، ففتح آخر أفعل للفرق بين المعنيين، فقولنا: ما أحسن عبد الله! أصله: ما أحسن عبد الله؟ فعدلوا عن الاستفهام إلى التعجّب، فغيّروا أحسن، بفتح آخره، ونصبوا عبد الله، ليفصلوا بين الاستفهام والخبر، هذا لفظ قول (2) الفراء.
/قالوا: ولنا قول آخر، وهو أن يحمل أفعل على أنه اسم بنى فى التعجّب لتضمّنه معنى حرفه؛ لأن التعجّب كان ينبغى أن يجيء له حرف، كما جاء فى الاستفهام والشرط، والنفى والأمر والنهى، والتمنّى والترجّى، والتعريف والتشبيه، والنداء والعطف، والاستثناء والتحضيض؛ وغير ذلك، حروف أدّت المعانى المقصودة والأغراض المطلوبة؛ إلاّ أنهم لم ينطقوا بحرف التعجّب، ولكنّهم ضمّنوا معناه هذا الكلام، فعقل به المعنى الذى كان يؤدّيه الحرف لو نطق به، ونظير ذلك قولكم فى أسماء الإشارة: إنها بنيت لتضمّنها معنى حرف الإشارة، وإن لم ينطق للإشارة بحرف.
أو نقول: إنهم صاغوا للتعجّب حرفا يدلّ عليه، ثم رفضوه، وضمّنوا أفعل معناه، فلما ناب عن الحرف الذي به كان يستفاد التعجّب استحقّ البناء.
الجواب: أمّا بيت الحارث بن ظالم، فقد روى: «الشّعر الرّقابا» كما أوردتم، وروى: «الشّعرى رقابا» ونحن وإن لم ندفع الرّواية الأولى، فالثانية عندنا أوجه؛ لأنها
_________
(1) أسرار العربية ص 199، والموضع المذكور فى التعليق السابق من الإنصاف والتبيين. وصقع الديك: صاح.
(2) هكذا فى النسختين، وهو مستقيم.
(2/399)

أجرى على سنن الاستقامة فى الإعراب، وإذا سلّمنا ما اعترضتم به، فإنه مع وفاقنا عليه لا حجّة لكم فيه؛ لأنه من باب: الحسن الوجه، والحسان الوجوه، وقد قالوا: الحسن الوجه؛ بنصب الوجه، تشبيها بالضارب الرّجل، كما قالوا: الضارب الرجل، بخفض الرجل، تشبيها بالحسن الوجه، وهذا تشبيه لفظىّ، لأنهما فى المعنى متباينان، من حيث كان الوجه فاعلا من طريق المعنى، لأن الحسن له، والرجل مفعول به، لوقوع الضّرب عليه، فما أبعد ما بينهما، إلاّ أن التشبيه يكون تارة لفظيّا وتارة معنويّا.
فليس ما عارضتم به من هذا بمؤثّر فيما احتججنا به، من جهة أن صواب الإعراب خفض الرّقاب من قوله: «الشّعر الرقاب» لأن الإضافة هى الباب فى هذا النوع، إذا كان فى الثانى الألف واللام.
فإن كان/أفعل التعجّبيّ اسما كما زعمتم، فقولوا: ما أكرم الرّجل، بخفض الرجل، وإلاّ فما اعترضتم به ليس بشىء يلجأ إليه.
وأمّا روايتكم قول النابغة: «أجبّ الظّهر» بفتحهما، فقد روى: «أجبّ الظّهر» بخفضهما، وروى: «أجبّ الظّهر» بنصب «أجبّ» ورفع «الظّهر» فالخفض فيهما هو القياس، ومن نصب «الظّهر» قدّر فيه زيادة الألف واللام، ونصبه على التمييز، وهذا مذهبكم فى باب حسن الوجه، ونحن نرى أنه مشبّه بالمفعول.
ومن رفع «الظهر» جعله فاعلا، والتقدير عندنا: أجبّ الظّهر منه، وعندكم أن الألف واللام قامتا مقام العائد، وإذا كان الخفض هو الوجه، والرفع قد روى، فلا دليل لكم إذن فى هذا البيت.
وكذلك قوله: «أجشّ الصّهيلا» الوجه خفض «الصهيل» ولكنه نصبه على التشبيه بالمفعول، أو جعله مميّزا، على أن الألف واللام فيه زيادة، فهو على مذهبكم
(2/400)

نكرة، فكيف يجوز أن تجعلوه لكم دليلا؟ ثم يمكن أن ينشد «أجشّ صهيلا» على طريق الزّحاف، أو أجشّ صهيلا» بالتنوين، فيستقيم وزنا وإعرابا.
وهبوا أنّنا سلّمنا لكم صحّة الإعراب بالنصب فى هذه الأبيات، وأجريناها فى ذلك مجرى ما أكرم الرّجل، فهل تقدرون أن توجدونا أفعل وصفيّا نصب مضمرا أو علما أو اسما من أسماء الإشارة؟
وإذا كان هذا غير ممكن، ووجدنا أفعل فى التعجّب يعمل فى جميع ضروب المعارف، دلّ ذلك على استحالة الاسميّة فيه، وبطل ما لجأتم إليه.
فأمّا قول الفرّاء إنّ أصل ما أحسن عبد الله: ما أحسن عبد الله؟ ففتحوا «أحسن»، ونصبوا «عبد الله» فرقا بين الاستفهام والخبر، فقول لا يقوم عليه برهان إلاّ بوحي من الله عزّ وجل، مع أن الفساد يعتوره، وإذا علم أنه دعوى لا يمكن إقامة الدليل عليها، وجب أن لا نتشاغل بالجواب عنه، غير أننا نبيّن فساده بما قدّمناه/من الحجاج.
فنقول له: بم نصبت «أحسن» وهو مفرد فى محلّ الرفع؟ وبم نصبت «عبد الله» وهو فى محلّ الخفض؟ فجوابه أن يعود إلى ما بدأ به، فيقول: للفرق بين الاستفهام والتعجّب، فنقول له: التفريق بين المعانى لا يوجب إزالة الإعراب عن وجهه، فينصب اسما مرفوعا وآخر مجرورا، فيكون هو نفسه العامل فيهما النّصب، [وعلى أنه يفسد (1)] من وجه آخر، وهو أن التعجّب إخبار، بدلالة دخول الصّدق والكذب فيه، فالاستفهام مباين له، فلا يصحّ أن يكون أصلا له، ولأننا إذا قلنا:
ما أحسن عبد الله، فالتعجّب وقع من جملته، وإذا قلنا: ما أحسن عبد الله؟ فالاستفهام عن بعضه.
فأمّا القول الآخر، وهو تجويزهم أن يكون بنى لتضمّنه معنى حرف
_________
(1) تكملة من د.
(2/401)

التعجّب، وإن لم تنطق العرب للتعجّب بحرف، فلعمرى إنه كان ينبغى أن يصاغ له حرف كما صيغ لغيره من المعانى حروف، أدّى كلّ حرف منها المعنى الذى جاء له، ولكنهم لمّا لم يفعلوا ذلك ضمّنوا «ما» معنى حرفه، فبنوها، كما ضمّنوا «ما» الاستفهامية معنى الهمزة الاستفهامية، وضمّنوا «ما» الشرطية معنى «إن» التى وضعت للشرط، فبنوهما، ولم يكن للكلم الواقعة بعدهما علقة بالبناء، فكذلك ما بعد «ما» التعجبيّة لا يكون له علقة بالبناء.
فبان بذلك أنه فعل ماض، واستحال قول من زعم أنه اسم. وبالله التوفيق.
...
(2/402)

فصل
قول الحباب بن المنذر الأنصارىّ: «أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب» الجذيل: تصغير الجذل، وهو أصل شجرة يغرز فى حائط، فتحتكّ به الجربى من الإبل، فأراد أنه يستشفى برأيه، كما تستشفى الإبل بالاحتكاك بالجذل.
/والعذق بفتح العين: النخلة، والعذق بكسرها: الكباسة، ومراده هاهنا النخلة. وأصل التّرجيب: التعظيم، يقولون: إنّ فلانا لمرجّب، أى معظّم، ومنه اشتقاق «رجب» لأنهم كانوا يعظّمونه، والتّرجيب أيضا: الدّعم، وكانوا إذا مالت النخلة الكريمة رجّبوها، دعموها لئلاّ تسقط.
والأفكل: الرّعدة.
والأجدل: الصّقر.
والحضب (1) فى بيت العجّاج: الحيّة.
والصّيد: داء يصيب البعير فى عنقه فيميلها، ويسيل من أنفه ماء أصفر.
ويقال: أغيلت المرأة، وأغالت: إذا أرضعت ولدها وهى حامل، وذلك مذموم؛ لأنه يضعف المرضع، ويسمّى اللّبن الذى يسقاه: الغيل.
...
_________
(1) بفتح الحاء وكسرها.
(2/403)

المجلس الموفى الستّين
يتضمّن [ذكر (1)] الخلاف فى «نعم وبئس» بين البصريّين وبين الفرّاء
وأصحابه.
أجمع البصريّون من النحويّين على أن «نعم وبئس» فعلان، وتابعهم علىّ بن حمزة الكسائىّ (2).
وقال أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء: هما اسمان (3)، وتابعه أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، وأصحابه، على اسميّتهما، وإن كان لهما لفظ الفعل الماضى، وذلك لأنهما نقلا إلى المدح والذمّ عن النعمة والبؤس اللذين يكون فيهما نعم وبئس فعلين، كقولهم: نعم الرجل: إذا أصاب نعمة، وبئس: إذا أصاب بؤسا.
واحتجّ الفرّاء بقول العرب: ما زيد بنعم الرجل، وبقول حسّان بن ثابت (4):
_________
(1) زيادة من د.
(2) انظر هذه المسألة فى أسرار العربية ص 96، والإنصاف ص 97، والتبيين ص 274، وفى حواشيه وحواشى الإنصاف مراجع أخرى كثيرة. وأذكّر بما قلته فى مسألة التعجب من أن أبا البركات الانبارى قد استاق حجج ابن الشجرى وشواهده.
(3) راجع معانى القرآن 1/ 268،2/ 141، ولم يتأمل بعض طلاب العلم عبارة الفراء، فتوهّم أن الفرّاء يذهب إلى فعلية «نعم وبئس»، ثم تمادى فوهّم ابن الشجرى وأبا البركات الأنبارى فيما نسباه إلى الفراء، ثم نقل نقلا عن «الموفى فى النحو الكوفى» لم يغنه شيئا، وأحال على «التسهيل» لابن مالك، وعبارته واضحة فى أن الفراء يذهب إلى اسمية «نعم وبئس» (الرضى على الكافية-القسم الثانى ص 1106 - رسالة دكتوراه-مخطوطة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض-إعداد يحيى بشير مصرى).
(4) ديوانه ص 35، ورواية العجز فيه: كذى العرف ذا مال كثير ومعدما وانظر الإنصاف ص 97، وأسرار العربية ص 97، وشرح المفصل 7/ 127، والخزانة 9/ 389، استطرادا.
(2/404)

ألست بنعم الجار يؤلف بيته … أخا قلّة أو معدم المال مصرما
وبقول بعض فصحاء العرب: «نعم السّير على بئس العير (1)»، فدخول الباء و «على» عليهما يحقّق لهما الاسميّة.
وقال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشّار الأنبارىّ: سمعت أحمد بن يحيى يحكي/عن سلمة بن عاصم، عن الفرّاء: أن أعرابيّا بشّر بابنة ولدت له، فقيل له: نعم الولد هى! فقال: والله ما هى بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة، فهذا أحد احتجاجاتهم.
وقال أبو بكر بن الأنبارىّ، فى كتابه الذى لقبه «بالواسط»: ممّا يؤيّد قول الفراء قول العرب: «يا نعم المولى ويا نعم النصير» فنداؤهم «نعم» يدلّ على الاسميّة فيها؛ لأن الفعل لا ينادى.
جواب البصريّين: قالوا: ليس فيما أوردوه من دخول حرف الجرّ على «نعم وبئس» حجّة؛ لأنه مقدّرة فيه الحكاية، وقد دخلت الباء فى هذا التقدير على فعل لا شبهة فيه، وذلك فى قول الراجز:
والله ما ليلى بنام صاحبه … ولا مخالط اللّيان جانبه (2)
فيجب (3) أن يحكموا للفعل الذى هو «نام» بالاسميّة لدخول الباء عليه، وليس ذلك من قولهم، وإذا كان الجارّ قد دخل على «نام» وهو فعل بإجماع، فكذلك لا يكون «نعم وبئس» اسمين بدخول الجارّ عليهما، ولولا ما ذكرته لك من تقدير
_________
(1) هذا الشاهد النثرى والذى بعده، تراهما فى مراجع المسألة التى أشرت إليها.
(2) الكامل ص 497، والإنصاف ص 112، وأسرار العربية ص 99، والتبيين ص 279، وشرح المفصل 3/ 62، وشرح الجمل 1/ 220،2/ 589، وقطر الندى ص 30، والخزانة 9/ 388، ومراجع أخرى فى معجم الشواهد ص 444.
(3) فى د: فيلزمهم.
(2/405)

الحكاية فيما تعلّقوا به، وفى البيت الذى أوردته، لم يسغ دخول حرف الجرّ على «نعم وبئس» و «نام» ولكن التقدير: نعم السّير على عير مقول فيه، أو يقال فيه: بئس العير.
وكذلك قول حسّان، التقدير فيه: ألست بجار مقول فيه: نعم الجار، ومثل ذلك التقدير فى البيت الذى ذكرته: ما ليلى بليل مقول فيه: نام صاحبه، ولكنهم حذفوا هذه الموصوفات، وأقاموا أوصافها مقامها، كما حذف الموصوف فى قوله تعالى: {أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ} (1) وقوله: {وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (2) أراد: دروعا سابغات، ودين الأمّة القيّمة، أو الملّة القيّمة، فصار التقدير: نعم السير على مقول فيه: بئس العير، وأ لست بمقول فيه: نعم الجار، وما ليلى بمقول فيه: نام صاحبه، /ثم حذفوا الصّفة التى هى مقول، وأوقعوا المحكيّ بها موقعها؛ لأن القول (3) قد كثر استعماله محذوفا كثرة استعماله مذكورا، فوليت الجملة حرف الجرّ على هذا التقدير، كما وليت المضاف فى قول القائل:
مالك عندى غير سوط وحجر … وغير كبداء شديدة الوتر
جادت بكفّى كان من أرمى البشر (4)
أراد: بكفّى رجل كان من أرمى البشر، فحذف الموصوف بالجملة،
_________
(1) سورة سبأ 11، وحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه ممّا كرّره ابن الشجرى كثيرا، ويظهر ذلك فى الفهارس إن شاء الله.
(2) الآية الخامسة من سورة البيّنة.
(3) يقول أبو علىّ: «حذف القول من حديث البحر، قل ولا حرج». حواشى كتاب الشعر ص 332. وانظر تفسير الطبرى 1/ 139،179،2/ 27، والمغنى ص 632.
(4) هذا شاهد قلّما خلا منه كتاب نحويّ، كما يقول البغدادىّ فى الخزانة 5/ 66، وانظره فى مجالس ثعلب ص 445، والمقتضب 2/ 139، والأصول 2/ 178، والبغداديات صفحات 246،398،568، والخصائص 2/ 367، والمحتسب 2/ 227، وشرح الجمل 1/ 220،2/ 589، والمقرب 1/ 227، وتذكرة النحاة ص 70، والمغنى ص 160، وغير ذلك كثير تراه فى حواشى المحققين. وانظر المجلس 83. وكبداء: يريد قوسا كبداء، وهى التى يملأ الكفّ مقبضها.
(2/406)

وأقامها مقامه، فوقعت الإضافة إلى الفعل لفظا، كما دخل الجارّ عليه فى اللفظ، وهو فى التقدير داخل على غيره.
ونظير ذلك فى وقوع الجملة الاستفهاميّة وصفا فى شعر قديم، والاستفهام ممّا لا يسوغ الوصف به، كما لا يجوز الوصل به، والصّفة محمولة على الصّلة، من حيث كانت الصفة موضّحة للموصوف، كإيضاح الصّلة للموصول، وإنما استحال الوصف بالاستفهام لما فيه من الإبهام، ولكنه وقع صفة مقدّرا فيها الحكاية، فى قول الراجز (1):
أقبلت أسعى معهم وأختبط … حتى إذا جنّ الظّلام المختلط
جاءوا بضيح هل رأيت الذّئب قط
أى يقول من رآه: هل رأيت الذئب قطّ؟ والمعنى: جاءوا بلبن ممذوق أغبر فى لون الذّئب.
والضّيح يضرب لونه إلى الخضرة والطّلسة.
ومثل ذلك إيقاع الآخر الجملة الأمريّة حالا فى قوله:
بئس مقام الشّيخ أمرس أمرس (2)
أراد: بئس مقام الشيخ مقولا له: أمرس أمرس، ذمّ مقاما يقال له ذلك فيه.
_________
(1) قيل إنه العجّاج، ولم يثبت له. راجع حواشى الكامل ص 1054، وانظر المحتسب 2/ 165، وأسرار البلاغة ص 311، والفرق بين الحروف الخمسة ص 306، وشرح ابن عقيل 2/ 199، وشرح الجمل 1/ 193، والمغنى ص 246،585، وشرح أبياته 5/ 5، والخزانة 2/ 109، وحواشيها.
(2) إصلاح المنطق ص 82، ومجالس ثعلب ص 213، والمنصف 3/ 14، وشرح الحماسة ص 1725، والإنصاف ص 116، وشرح الجمل 1/ 263، وارتشاف الضرب 3/ 26، والمساعد 2/ 136، وشفاء العليل فى إيضاح التسهيل ص 591، وانظر حواشى المحققين.
(2/407)

ومعنى أمرس أمرس: أعد أعد الحبل إلى موضعه من البكرة، يقال: مرس الحبل: إذا وقع فى أحد جانبي البكرة، وأمرسته: إذا أعدته إلى مكانه منها.
فقد ترى هذه الأشياء كيف وقعت لسعة اللّغة، فى غير مواقعها، ووليت ما ليس/من شأنها أن تليه، وحسّن ذلك شيئا (1)، ما ذكرته لك من اتّساع إضمار القول، حتى إنه فى الإضمار بمنزلته فى الإظهار، ألا ترى إلى كثرة إضماره فى الكتاب العزيز، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ} (2) أى يقولون: ما نعبد هؤلاء الآلهة إلاّ للقربة إلى الله، وكقوله:
{وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ} (3) أى يقولون ذلك، وكقوله: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ. إِنّا لَمُغْرَمُونَ} (4) أى يقولون: إنّا لمغرمون، أى معذّبون. وتفكّهون: تندمون، وكقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ} (5) أى: فيقال لهم: أكفرتم؟ وكقوله: {وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا} (6) التقدير: يقولون: ربّنا أبصرنا وسمعنا، ومثله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا} (7) أى يقولان ذلك.
فلما اتّسع حذف القول فى كلامهم، استحسنوا إيقاعه على هذه الأشياء محذوفا.
فقد بان لك بما ذكرته، واتّضح بما قررته أن الذى تشبّثوا به من دخول الجارّ
_________
(1) فى د: شيئا ما ما ذكرته. . .
(2) الآية الثالثة من سورة الزمر.
(3) سورة الرعد 23،24.
(4) سورة الواقعة 65،66.
(5) سورة آل عمران 106.
(6) سورة السجدة 12.
(7) سورة البقرة 127.
(2/408)

على «نعم وبئس» ليس بحجّة يستند إليها، ولا يعوّل عليها.
وأمّا احتجاجهم بقول العرب: «يا نعم المولى ويا نعم النصير» فالقول فيه أن المقصود بالنداء محذوف للعلم به، فالتقدير: يا الله نعم المولى ونعم النصير أنت، فحذفوا المنادى، إذ كان حرف النداء دليلا عليه، كما حذفوا حرف النداء لدلالة المنادى عليه فى نحو:
أوفى على الماء كعب ثم قيل له … رد كعب إنّك ورّاد فما وردا (1)
أراد: يا كعب، ومثله فى التنزيل: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا} (2) و {فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي} (3).
ومثل قولهم: «يا نعم المولى» فى إيلاء حرف النّداء الفعل قول ذى الرمة (4):
/ألا يا اسلمى يا دارميّ على البلى … ولا زال منهلاّ بجرعائك القطر
وقول الآخر (5):
ألا يا اسلمى يا هند هند بنى بدر … وإن كان حيّانا عدى آخر الدّهر
أراد: ألا يا هذه اسلمى، ومثله للنّمر بن تولب (6):
*فقالت ألا يا اسمع أجبك بخطّة*
_________
(1) قائله أبو دواد الإيادىّ. ديوانه ص 308، وتخريجه فيه. وقيل: مامة بن عمرو، يرثى ابنه كعبا، الجواد المشهور، فى قصّة تراها فى الكامل ص 300، وجمهرة الأمثال 1/ 95، وشرح أبيات المغنى 1/ 64. وانظر حواشى الكامل.
(2) سورة يوسف 29.
(3) السورة نفسها 101.
(4) ديوانه ص 559، وتخريجه فى ص 1976، وهو بيت سيّار.
(5) الأخطل. ديوانه ص 179، والإنصاف ص 99، وشرح المفصل 2/ 24.
(6) ديوانه ص 41، وروايته: وقالت: ألا فاسمع نعظك بخطبة فقلت سمعنا فانطقى وأصيبى وبمثل رواية ابن الشجرى جاء فى النوادر ص 192، وانظر البيان والتبيين 1/ 408.
(2/409)

وعلى هذا قرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدنيّ، وأبو الحسن علىّ بن حمزة الكسائى: {أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ} (1) على الأمر بالسجود، وخفّفا اللام من «ألا» لأنهما جعلاه استفتاحا، دخل على جملة ندائيّة، فالتقدير: ألا يا هؤلاء اسجدوا، ولكن حذف المنادى لدلالة الكلام عليه، وحذف ألف «يا» من اللفظ لسكون السين، ثم حمل الخطّ على اللفظ، فحذفت الألف خطّا كما حذفت لفظا، فإن وقفت على حرف النداء وقفت «ألا يا» ثم ابتدأت: اسجدوا (2).
فقد علمت بهذه الشواهد أن الذى اعتقدوه من نداء «نعم» ليس بصواب.
وممّا يشهد شهادة قطع بفعليّة «نعم وبئس» اتصالهما بتاء التأنيث الساكنة التى ليس أحد من العرب يقلبها هاء، كما فعلوا ذلك فى تاء غرفة وغزالة وظريفة، إذا وقفوا عليهنّ، وذلك قولهم: نعمت جارية هند، وبئست حاضنة جمل، ألا ترى أن هذه التاء مخصوص بها الماضى لا تتعدّاه، فلا يسوغ الحكم باسميّة ما اتصلت به.
جواب الفرّاء ومن تابعه فى هذه المسألة، يتضمّن اعتراضين واحتجاجات ثلاثة.
قالوا: إنما ولى حرف النداء من الفعل ما كان أمرا لمواجه، أو ما جرى مجرى الأمر، ولم يله فيما علمناه فعل خبريّ، وإنما حسّن حذف المنادى إذا صاحبه الأمر شيئان:
/أحدهما: أن المنادى مخاطب والمأمور مخاطب، والخطاب فى الجملتين الندائيّة والأمريّة يتوجّه إلى واحد، فحذفوا الاسم الأول من الاسمين المخاطبين استغناء بالثانى، والدليل على أن المنادى مخاطب أنك إذا وصفته بالاسم الموصول جاز أن تعيد إلى الموصول ضمير الخطاب، كقول أبى النجم العجلىّ:
_________
(1) سورة النمل 25، وتقدّم تخريج هذه القراءة فى المجلس التاسع والثلاثين.
(2) إيضاح الوقف والابتداء ص 816.
(2/410)

يا أيّها الذّكر الذى قد سؤتنى … وفضحتنى وطردت أمّ عياليا (1)
وكقول الآخر (2):
ألا أيّ هذا المنزل الدارس الذى … كأنّك لم يعهد بك الحيّ عاهد
ونظير ذلك عود ضمير المتكلّم إلى الموصول إذا أوقع الموصول خبرا عن ضمير متكلّم، كقول أمير المؤمنين عليه السلام:
أنا الذى سمّتن أمّى حيدره (3)
فهذا أحد الأمرين اللذين حسن لهما حذف المنادى.
والثانى: أن النداء يصحب فى الأكثر الأغلب الأمر، وما جرى مجراه من الطّلب والنّهى، فلذلك قلّ فى القرآن نداء لا تصحبه جملة أمريّة أو نهييّة، فاتسعت مصاحبته للأمر والنهى جدّا، كقوله: {يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ} (4) و {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ} (5) و {يا عِبادِ فَاتَّقُونِ} (6) {وَيا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} (7) و {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ} (8) و {يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ} (9) و {يا هامانُ اِبْنِ لِي صَرْحاً} (10).
_________
(1) فرغت منه فى المجلس السابع والثلاثين.
(2) ذو الرمة. ديوانه ص 1088، وتخريجه فى 2016، وأيضا المقتضب 4/ 219،259، والمحتسب 2/ 69.
(3) قاله رضى الله عنه يوم خيبر. الدّرر ص 213، وتاريخ الطبرى 3/ 13، وصحيح مسلم (باب غزوة ذى قرد. من كتاب الجهاد والسّير) ص 1441، وأدب الكاتب ص 71، وغريب الحديث لابن قتيبة 2/ 101، وطبقات الشافعية الكبرى 1/ 255، والخزانة 6/ 62، وانظر حواشى المحقّقين. وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الثالث والثمانين. والحيدرة: الأسد. وأورد عليه العلاّمة البغدادىّ كلاما كثيرا.
(4) سورة البقرة 21.
(5) أول سورة الأحزاب.
(6) سورة الزمر 16.
(7) هود 52. والذى فى التلاوة وَيا قَوْمِ لكنّ حذف الواو هنا جائز. ونبّهت عليه كثيرا. راجع حواشى الكتاب 2/ 83، ومنال الطالب ص 468.
(8) أول سورة الحجرات.
(9) الآية السابعة من سورة التحريم.
(10) سورة غافر 36.
(2/411)

وربّما تقدمت جملة الأمر جملة النّداء كقوله: {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} (1) ولمّا جاءت جملة الخبر بعد النداء شفعتها جملة الأمر فى قوله تعالى:
{يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} (2) فلمّا كان النداء والأمر جملتى خطاب تصطحبان أبدا حسن حذف أحد الجزأين من الجملة الأولى للدلالة عليه، فى نحو قوله: «ألا يا اسلمى» وقول الآخر «ألا يا اسمع» وليس كذلك قولهم: «يا نعم المولى» لأن «نعم/المولى» خبر، فلا يسوغ تقدير المنادى فيه محذوفا، كما ساغ ذلك فى نحو: «ألا يا اسمع» و «ألا يا اسلمى» وعلى أن ذا الرّمّة لمّا حذف المنادى من الجملة الأولى ذكره فى جملة النداء الأخرى، فقال: «يا دارمىّ» ليدلّ به على المحذوف، وكذلك قول الآخر: «ألا يا اسلمى يا هند» فليس فيما استشهدتم به حجّة قاطعة.
وأمّا استدلالكم بأن تاء التأنيث التى ليس أحد من العرب يبدل منها فى الوقف هاء، مخصوص بها الماضى من الفعل، فغير مقبول؛ لأنها قد اتّصلت بالحرف فى قولهم: ربّت وثمّت، قال هبيرة بن أبى وهب (3):
ثمّت رحنا كأنّا عارض برد … وقام هام بنى النّجّار يبكيها
وقال آخر (4):
_________
(1) سورة النور 31.
(2) سورة الحج 73.
(3) من قصيدة قالها يوم أحد. وكان من مشركى قريش. السيرة النبوية 2/ 130. والعارض هنا: السحاب، والبرد: الذى فيه برد-وهو الذى ينزل من السحاب شبه الحصى- والهام هنا: جمع هامة، وهى الطائر الذى تزعم العرب أنه يخرج من رأس القتيل. شرح السيرة لأبى ذرّ ص 238.
(4) عبدة بن الطبيب. المفضليات ص 141، والإنصاف ص 106. والجرد: الخيل القصار الشعر. والمسوّمة: المعلمة. وقوله: أعرافهن. . . مناديل، يريد أنهم يمسحون أيديهم من وضر الطعام بأعراف تلك الخيل.
(2/412)

ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة … أعرافهنّ لأيدينا مناديل
وقال آخر (1):
ماوىّ بل ربّتما غارة … شعواء كاللّذعة بالميسم
فقد نقض لحاقها للحرف الأصل الذى بنيتم عليه، فما الذى يبعد أن يكون «نعم وبئس» اسمين، لحقتهما هذه التاء كما لحقت ربّ وثمّ، وكان اتّصالها بالاسم شاذّا، كاتصالها بالحرف، هذا على أن «نعم وبئس» ليست التاء لازمة لهما بوقوع المؤنّث بعدهما، كما تلزم الأفعال الماضية، ألا ترى أن قولك: قام المرأة وجلس الجارية، ممتنع فى سعة الكلام، وقبيح استعماله فى الشّعر مع الفصل، كقوله:
*لقد ولد الأخيطل أمّ سوء* (2)
وكقول الآخر:
إنّ امرأ غرّه منكنّ واحدة … بعدى وبعدك فى الدّنيا لمغرور (3)
وقولنا: نعم المرأة، وبئس الجارية، حسن يقوله أكثر العرب، وهذا دليل على انتقالهما عن الفعلية، بدخولهما فى باب المدح والذمّ، وإنما ألحقهما التاء من/ قال: نعمت الجارية، وبئست الخصلة، مراعاة لأصلهما.
ثم نستدلّ بعد ما قدّمناه على أنهما اسمان بثلاثة أشياء، أحدها: ما جاء عن العرب من قولهم: نعيم الرجل زيد، وليس فى أمثلة الأفعال فعيل، ألبتّة.
_________
(1) ضمرة بن ضمرة النهشلى-جاهلى. النوادر ص 253، والصاهل والشاحج ص 421، والإنصاف ص 105، وشرح المفصل 8/ 31، والخزانة 9/ 384، وانظر حواشيها وفهارسها.
(2) فرغت منه فى المجلس الحادى والخمسين.
(3) الخصائص 2/ 414، والإنصاف ص 174، وشرح الألفية لابن الناظم ص 86، وشذور الذهب ص 174، وانظر معجم الشواهد ص 165
(2/413)

والثانى: أنهما غير متصرّفين، فقد فارقا وباينا، بعدم تصرفهما، الأفعال.
والثالث: أنهما لو كانا على أصلهما من الفعليّة لحسن اقتران الزّمان بهما، كسائر الأفعال، ولما لم يقولوا: نعم الرجل غدا، علم أن مذهب الفعليّة قد زايلهما.
هذا الاستدلال والذى قبله ذكرهما أبو بكر الأنبارىّ فى [كتابه الذى سمّاه] (1) (الواسط).
جواب البصريّين، يتلوه باقى حججهم: أمّا قولكم إنه لم يأت من الفعل ما ولى حرف النداء إلاّ أمر المواجه، فلا فرق بين الفعل الأمرىّ والخبرىّ فى استحالة وقوع كلّ واحد منهما بعد حرف النداء، إلاّ أن يفصل بينهما فى التقدير اسم، فيتوجّه النداء إليه، كما أنّ الفعل غير جائز أن يلى الفعل، إلاّ أن يحجز بينهما فاعل فى النّية، كقولك: زيد ليس يخرج، وعبد الله كان يزورك، فالفعلان متلاصقان لفظا ومنفصلان تقديرا، فليس ما ألزمتمونا من مجىء الخبر بعد حرف النداء بواجب، على أنه قد وليت الجملة الخبريّة حرف النداء، بتقدير حذف المنادى، من قوله:
يا لعنة الله والأقوام كلّهم … والصالحين على سمعان من جار (2)
أراد: يا هؤلاء، لعنة الله على سمعان، فهذا فى كونه جملة خبريّة بمنزلة:
نعم المولى.
ونقول بعد: قد اتّفقنا وإيّاكم على أن الجمل لا تنادى، وأجمعنا على أنّ قولنا: نعم الرجل، جملة، وإن اختلفنا فى نعم، فحكمنا بأنها فعل، وحكمتم بأنها
_________
(1) زيادة من د.
(2) فرغت منه فى المجلس التاسع والثلاثين.
(2/414)

اسم، وإذا كان قولنا: يا زيد منطلق، ممتنعا، فكذلك يمتنع: يا نعم الرجل، إلاّ أن تريد: يا هذا نعم الرجل أنت، على ما قدّرناه فى قولهم: يا نعم المولى.
وإذ قد ثبت هذا (1)، علم أن الذى/ذهبتم إليه لا يستقيم على وجه.
وأمّا قولكم: إن النداء الذى لم تصحبه جملة أمريّة أو نهييّة ليس بمتّسع فى القرآن، فغير صحيح، بل مجىء الجمل الاستفهامية والخبرية مع النداء، يكثر كثرة مجىء الأمر والنهى، كقوله تعالى فى الخبر: {يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} (2) و {يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً} (3) و {يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ} (4) و {يا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً} (5) و {يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ} (6).
وقال فى الاستفهام: {يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ} (7) و {يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ} (8) و {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ} (9) و {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ} (10) فقد تكافأت هذه المعانى فى الكثرة، فليس لبعضها مزيّة على بعض.
وأما اعتراضكم بربّت وثمّت، فمدفوع مردود، لأنّ هذه التاء، وإن كانت للتأنيث، ولم تنقلب فى الوقف (11)، ليست التاء فى نعمت، من حيث كانت
_________
(1) فى د: وإذا ثبت هذا.
(2) سورة الزخرف 68.
(3) الآية الرابعة من سورة يوسف.
(4) الآية المتمّة المائة من السورة نفسها.
(5) سورة هود 64. والذى فى التلاوة وَيا قَوْمِ وقد علّقت قريبا على إسقاط الواو فى مثل هذا.
(6) سورة فاطر 15.
(7) سورة مريم 42.
(8) سورة غافر 41.
(9) الآية الثانية من سورة الصفّ.
(10) أول سورة التحريم.
(11) أى لم تنقلب فى الوقف هاء.
(2/415)

مباينة لها من وجهين، أحدهما: أن التاء التى فى قولك: قامت المرأة، لحقت الفعل لتأنيث الاسم المسند إليه الفعل، وعلى هذا الحدّ لحقت «نعم وبئس»، والتاء التى فى ربّت وثمّت، لحقت لتأنيث الحرف نفسه، لا لتأنيث جزء آخر، وكأنهم آثروا تأنيث شيء من الحروف، كما آثروا ذلك فى الظّروف، فأنّثوا قدّاما وأماما ووراء، ودلّوا على تأنيثهنّ بظهور الهاء فى قوله: «قديديمة التجريب» (1) وفى نحو:
جلست أميمة زيد، وقمت وريّئة (2) أخيك، فهذا فرق.
والفرق الآخر: أن التاء اللاحقة للفعل، أحد أوصافها السكون، والتاء اللاحقة هذين الحرفين، وإن كانت لا تنقلب فى الوقف، ليست موافقة للتاء فى قولك: قامت ونعمت، فى سكونها.
وأمّا اعتراضكم بأن التاء لا تلزم «نعم وبئس» مع وقوع المؤنّث بعدهما، فليس/بصحيح؛ لأنها تلزمهما فى لغة شطر العرب، كلزومها باب قام، فلا فرق عندهم بين نعمت المرأة وقامت المرأة، وإنما استحسن حذفها الذين قالوا: نعم
_________
(1) هو قول القطامى: قديديمة التجريب والحلم إننى أرى غفلات العيش قبل التجارب ديوانه ص 44، والمقتضب 2/ 273،4/ 41، والمذكر والمؤنث للمبرد ص 104، ولابن الأنبارى ص 377، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 519، وشرح المفصل 5/ 128، وشرح الجمل 2/ 379. و «قديديمة» تأتى فى كتب الاستشهاد بضم التاء-وهى آفة انتزاع الشاهد من سياقه-والصواب بالفتح-قال البغدادىّ حكاية عن ابن هشام اللخمىّ: «وقديديمة منصوب على الظرف، والعامل فيه راقهنّ ورقنه، أى أعجبهنّ وأعجبنه قديديمة التجريب والحلم، أى أمام التجريب والحلم. . . وقد يحتمل أن يكون العامل فى قديديمة محذوفا دلّ عليه سياق الكلام، كأنه أراد: تظنّ طيب العيش ولذّته قدّام التجربة والحلم، أى أمام ذلك، ليس الأمر كذلك، إنما يطيب العيش ويحسن قبل التجارب وفى عنفوان الشباب وحين الغفلة، وأما بعد ذلك فلا، فيكون العامل فيها «تظنّ» المقدّر». الخزانة 7/ 89، والبيت المشار إليه هو: صريع غوان راقهنّ ورقنه لدن شبّ حتى شاب سود الذوائب
(2) فى الأصل: «ورياة» وفى د «ورياءة». وكلاهما خطأ. وأثبتّ الصواب من الكتاب 3/ 267، وشرح الشافية 1/ 243، ومراجع تخريج الشاهد السابق.
(2/416)

المرأة، وإن لم يجز عندهم: قام المرأة، إلاّ مع الفصل فى الشّعر؛ لأن المرأة فى قولهم: نعم المرأة، واقعة على الجنس وقوع الإنسان على الناس، فى قوله تعالى:
{وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها} (1) وقوله: {إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً} (2) ألا ترى أنه قال بعد فى الآية الأولى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ} وقال فى الآية الثانية: {إِلاَّ الْمُصَلِّينَ} ولو قلت: قام زيد إلاّ إخوتك، كان محالا؛ لأن حدّ الاستثناء عكس هذا.
وإذا كان ما يرتفع بنعم وبئس واقعا على الفريقين، وكان التقدير فى قولنا: نعم الرجل زيد، وبئس الغلام خالد: زيد محمود فى الرجال، وخالد مذموم فى الغلمان، فمعلوم أن أسماء الأجناس والجموع تذكّر أفعالهما وتؤنّث، كما جاء فى آية {إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ} (3) وفى أخرى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ} (4) وجاء فى وصف اسم الجمع:
{كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} (5)، و {كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ} (6) فذكّر فعل الجمع وأنّث، وذكّرت صفة [اسم (7)] الجنس وأنّثت، فنعم المرأة إذن بمنزلة {وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ} (8) ونعمت المرأة بمنزلة قول الشاعر:
آمت نساء بنى أميّة منهم … وبناتهم بمضيعة أيتام (9)
_________
(1) سورة الشورى 48.
(2) سورة المعارج 19.
(3) سورة آل عمران 45، وانظر 42.
(4) سورة الحجر 30، وسورة ص 73.
(5) سورة القمر 20.
(6) سورة الحاقة 7.
(7) من د.
(8) سورة يوسف 30.
(9) نسبه الجاحظ إلى الكميت. البيان والتبيين 3/ 357، وهو لأبى العباس الأعمى فى الأغانى 16/ 300، ومروج الذهب 3/ 295 (فى أخبار أبى جعفر المنصور)، ونكت الهميان ص 155. وأبو العباس الأعمى: هو السائب بن فرّوخ، كان هجّاء خبيثا، مائلا إلى بنى أميّة مادحا لهم، واستفرغ شعره فى هجاء آل الزبير، غير مصعب؛ لأنه كان يحسن إليه. انظر مع المراجع المذكورة: الأخبار الموفقيات ص 542.
(2/417)

ولهذه العلّة أسقط العلامة فى هذا الباب من أسقطها، وإذا كانوا قد أسقطوها فى حال السّعة من فعل المؤنّث الحقيقىّ، فى قولهم: حضر القاضى اليوم امرأة، فليس بمستنكر سقوطها من فعل المؤنّث الواقع على الجنس، وقد قالوا:
ما قام إلاّ هند، وما خرج إلاّ المرأة، فاختاروا طرح العلامة، فلم يثبتوها إلاّ لضرورة شعر.
فإن قلتم: إنما طرحت العلامة فى هذا، تنبيها على المعنى، لأن التقدير:
ما قام أحد/إلاّ هند، وما خرج أحد إلا المرأة.
قلنا: كذاك هو، ولكنّ اللفظ على أنّ هندا والمرأة غير بدل، وإن كان المعنى على أنهما مبدلتان من «أحد» المقدّر، كما أن اللفظ على أن عرقا، فى قولنا:
تصبّبت عرقا، غير فاعل، والمعنى على أنه فاعل.
فهذا كلّه ممّا يزيل الاستيحاش من قولهم: نعم المرأة، ويدلّ على أن «نعم» لا يكون بحذف العلامة منه منتقلا عن الفعليّة.
وأمّا استدلالكم بقولهم: نعيم الرّجل زيد، فهذا ممّا رواه قطرب وحده (1).
وإذا صحّ ذلك عن العرب، فليس بحجّة لكم، لأن «نعم» أصله نعم، مثل علم، وكلّ ما جاء على مثال فعل وثانيه حرف حلقىّ، فلهم فيه أربعة أوجه، أحدها: استعماله على أصله كفخذ، وقد ضحك.
والثانى: إسكان عينه وإقرار فائه على الفتح، تقول: [فخذ (2)]، وقد ضحك زيد.
_________
(1) المحتسب 1/ 357.
(2) تكملة من د. وانظر هذه اللغات فى الكتاب 4/ 107، وشرح المفصل 7/ 128، وشرح الجمل 1/ 599، وحواشيه.
(2/418)

والثالث: إتباع فائه عينه فى الكسر، تقول: فخذ، وقد ضحك.
والرابع: إسكان عينه بعد كسر فائه، تقول: فخذ، وقد ضحك بكر.
وقرأ بعض القرّاء: «فنعمّا هي» (1) بفتح النون وكسر العين، وقرأ آخرون:
{فَنِعِمّا} بكسرهما، وقرأ يحيى بن وثّاب: {فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ} (2) بفتح النون وسكون العين، وأنشدوا لطرفة:
ففداء لبنى قيس على … ما أصاب الناس من سرّ وضرّ (3)
ما أقلّت قدمى إنّهم … نعم السّاعون فى الأمر المبرّ
وإذا ثبت هذا فالياء فى قولهم: نعيم الرجل، إشباع، كما أشبع الفرزدق كسرة الراء من الصيارف، والهاء من الدراهم، فنشأت عن الكسرة الياء، فى قوله:
/تنفى يداها الحصى في كلّ هاجرة … نفى الدّراهيم تنقاد الصّياريف (4)
وكما أشبع الآخر الضّمّة، فنشأت عنها الواو، فى قوله:
من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور (5)
أراد: فأنظر، وأنشد أبو علىّ وغيره:
_________
(1) سورة البقرة 271. وهذه القراءة لابن عامر وحمزة والكسائىّ، والقراءة التالية لابن كثير، وعاصم فى رواية حفص، ونافع فى رواية ورش. السبعة ص 190.
(2) سورة الرعد 24. وراجع المحتسب 1/ 356، والبحر المحيط 5/ 387، وقد أحسن ابن الشجرىّ، رحمه الله، حين قيّد قراءة ابن وثاب بفتح النون وسكون العين، وكذلك صنع أبو حيان، فإن ابن جنى لم يقيّدها بالعبارة، وكذلك ابن خالويه فى شواذ القراءات ص 66، وضبطت فيه بالقلم، بكسر النون والعين، خطأ. وكذلك ضبطت فى الخزانة 9/ 376، «فنعم» بفتح النون وكسر العين، بضبط القلم.
(3) تقدّم فى المجلس الحادى والخمسين. وانظر الخزانة 9/ 376، وحواشيها.
(4) فرغت منه فى المجلس الحادى والعشرين.
(5) وهذا أيضا تقدّم فى المجلس الحادى والثلاثين (الزيادة الملحقة به).
(2/419)

عيطاء جمّاء العظام عطبول … كأنّ في أنيابها القرنفول (1)
وكما أشبع الآخر الفتحة فنشأت عنها الألف، فى قوله:
وأنت من الغوائل حين ترمى … ومن ذمّ الرجال بمنتزاح (2)
أراد بمنتزح، أى بمكان نازح، فمنتزح مفتعل من النّزوح، ومثله لعنترة (3):
ينباع من ذفرى غضوب جسرة
أراد ينبع، يعنى العرق، فأشبع فتحة الباء.
وأمّا احتجاجكم بعدم التصرّف فى هاتين اللفظتين، وأنّ العرب لم يقرنوا بهما الزمان، فيقولوا: نعم الرجل أمس، ولا نعم الرجل غدا.
فالجواب عن ذلك أنّ امتناعهما من الاقتران بأمس، لكم أن تتعلّقوا به؛ لأنهما عندنا فعلان ماضيان، وأمّا امتناعهما من الاقتران بغد، فغير مستنكر ذلك فى الأفعال الماضية، فما أبعد من الصواب استنكاركم أنّ العرب لم تقل: نعم الرجل غدا، حتى جعلتم ذلك حجّة لكم، وبجح (4) به أبو بكر محمد بن القاسم، فضمّنه
_________
(1) النبات لأبى حنيفة ص 215، والخصائص 3/ 124، والمحتسب 1/ 259، ورسالة الملائكة ص 219، والمخصص 11/ 196، والإنصاف ص 24،749، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 383، وضرائر الشعر ص 35. والعيطاء: الطويلة العنق. والعطبول: المرأة الفتيّة الجميلة العنق.
(2) فرغت منه فى المجلس الثامن عشر.
(3) من معلّقته. ديوانه ص 204، وتمامه باختلاف فى القافية: زيّافة مثل الفنيق المقرم والذّفرى: العظم الذى خلف الأذن. والغضوب من صفة الناقة، ووصفها بذلك لنشاطها. وجسرة: طويلة عظيمة الجسم. وزيّافة: مسرعة السّير. والفنيق: الفحل. والمقرم: الفحل الذى أكرم فنحّى وخلّى عن الركوب، واتّخذ للفحلة فقط. وانظر الشاهد فى الخصائص 3/ 121، والمحتسب 1/ 78،258،278، والإنصاف ص 26، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 743، وضرائر الشعر ص 34، والخزانة 1/ 122،8/ 373.
(4) يقال: بجح بالشىء وبجح به: إذا فرح به وسرّ. جاء فى حديث أم زرع: «وبجّحنى فبجحت». وقال الراعى: وما الفقر من أرض العشيرة ساقا إليك ولكنا بقربك نبجح
(2/420)

كتابه، وإنما امتنع «نعم وبئس» من الدلالة على الزّمان الماضى، وسلبا التصرّف، فلم يصوغوا منهما مضارعا، ولا اشتقّوا من لفظهما اسم فاعل؛ لأن «نعم» موضوع لغاية المدح، «وبئس» موضوع لغاية الذّمّ، فجعلت دلالتهما على الزّمان مقصورة على الآن؛ لأنك إنما تمدح أو تذمّ بما هو موجود فى الممدوح أو المذموم، ولا تمدح ولا تذمّ بما كان فزال، ولا بما سيكون ولم يقع، فلذلك استحال اقترانهما بالزمان الماضى، وبعدا (1) غاية البعد من المستقبل، فلم يبنوا لهما مضارعا؛ لأن المضارع إنما يتكلّف [له (2)] فى بنائه زيادة حروف (3) المضارعة، للحاجة إلى دلالته على الزمان الحاضر أو المستقبل، فإذا كان «نعم وبئس» وهما على لفظ المضىّ قد أفادا الدلالة على الحاضر من الزمان باقتضاء المعنى، وكان المدح والذمّ/بما لم يقع مستحيلين، وجب أن لا يصاغ لهما مضارع؛ لأن الاحتياج إلى اشتقاق المضارع قد سقط، ومن هاهنا وجب أن لا يبنى منهما اسم فاعل؛ لأنّ اسم الفاعل لا يعيّن الزّمان؛ ألا ترى أنك إذا قلت: زيد ضارب جعفر، جاز أن يكون ضربه فى وقت إخبارك، وجاز أن يكون ماضيا، وجاز أن يكون متوقّعا، فلمّا كان عامّا للأزمنة الثلاثة استحال بناؤه منهما.
فقد وضح بهذه الجملة أنّ هذين الفعلين، إنما جمدا بنقلهما (4) إلى معنى لم يكن لهما فى أصل وضعهما، فترك تصريفهما للمعنى المراد بهما، فليس عدم تصرّفهما بدليل على انتقالهما عن الفعليّة.
وإذا كان كذلك علم أنّ ما أخلدتم إليه ليس بدليل يعوّل عليه
_________
(1) فى د. وبعد.
(2) ليس فى د.
(3) فى د: حرف.
(4) فى د: لنقلهما.
(2/421)

هذا على أنّ لنا حجّة ثانية وثالثة ورابعة.
فالثانية: ما رواه الكسائىّ، من اتصال الضمير بهما على حدّ اتصاله بالفعل المتصرّف، وذلك فى قولهم: نعما رجلين، ونعموا رجالا.
والثالثة: بناؤهما على الفتح من غير عارض لهما، فمن ادّعى أنهما اسمان لزمه أن يوضّح العلّة فى فتحهما.
والرابعة: أنهما رافعان ناصبان، يرفعان المعارف، من نحو: {فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} (1) و {بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ} (2) وينصبان النّكرات، من نحو: زيد نعم رجلا و {بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً} (3) فنعم الرجل، بمنزلة كرم الرجل، وفلان بئس رجلا، بمنزلة لؤم رجلا.
فهذه أدلّة كلّها تشهد لهما بانتفاء الاسميّة، ورسوّ قدمهما فى الفعليّة. وبالله التوفيق.
...
_________
(1) سورة الصافات 75.
(2) الآية الخامسة من سورة الجمعة.
(3) سورة الكهف 50.
(2/422)

المجلس الحادى والستّون
ذكر أبو الفرج عليّ بن الحسين الأصفهانيّ، صاحب كتاب الأغانى (1)، حديثا رفعه إلى أبى ظبيان الحمّانىّ، قال: اجتمعت جماعة من الحىّ على شراب، فتغنّى أحدهم بقول حسّان (2):
إنّ التى ناولتني فرددتها … قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
/كلتاهما حلب العصير فعاطنى … بزجاجة أرخاهما للمفصل
فقال رجل منهم: كيف ذكر واحدة بقوله: «إنّ التى ناولتنى فرددتها» ثم قال: «كلتاهما حلب العصير» فجعلها اثنتين، (3) وقال أبو ظبيان: فلم يقل أحد من الجماعة جوابا، فحلف رجل منهم بالطّلاق ثلاثا، إن بات ولم يسأل القاضى عبيد الله بن الحسن (4)، عن تفسير هذا الشّعر.
_________
(1) الأغانى 9/ 288،289.
(2) ديوانه ص 75،76، وتخريجه فيه، وزد عليه: قواعد الشعر ص 65، وإعجاز القرآن ص 100، وذكر الشّعر والحكاية عن ابن الشجرىّ: ابن هشام فى شرحه لقصيدة بانت سعاد ص 22، والبغدادىّ فى حاشيته على هذا الشرح 1/ 493، وكذلك فى الخزانة 4/ 389، والسيوطىّ فى الأشباه والنظائر 3/ 165. وروى الصلاح الصفدىّ هذه الحكاية عن أبى بكر بن الأنبارىّ، ثم حكى عن ابن الشجرى اعتراضه على تأويل القاضى المذكور. وذكر تفسيرا آخر للحريرى. الغيث المسجم فى شرح لامية العجم 1/ 190،191، وقد أورد الحريرىّ الحكاية من طريق ابن الأنبارىّ أيضا فى درّة الغوّاص ص 160 - 162.
(3) هذه الواو ثابتة فى الأصل وحاشية البغدادىّ، وساقطة فى د والأشباه والخزانة.
(4) فى الأصل، د: «الحسين» بالياء، وكذلك فى الأشباه، وأصل الخزانة. وصوابه: «الحسن» كما فى الأغانى والغيث وحاشية البغدادى: وهو القاضى عبيد الله بن الحسن بن الحصين بن أبى الحرّ العنبرىّ. كان من سادات أهل البصرة فقها وعلما، وكان له قدر وشرف. ولد سنة 105، وقيل 106، وتوفى سنة 168. له ترجمة موسّعة جيّدة فى أخبار القضاة 2/ 88 - 123، وانظر تهذيب التهذيب 7/ 7، وقد-
(2/423)

قال: فسقط فى أيدينا ليمينه، ثم أجمعنا على قصد عبيد الله، فحدّثنى بعض أصحابنا السّعديّين قال: فيمّمناه نتخطّى إليه الأحياء، فصادفناه فى مسجده، يصلّى بين العشاءين، فلما سمع حسّنا أوجز فى صلاته، ثم أقبل علينا، فقال: حاجتكم، فبدر رجل منّا كان أحسننا نفثة (1)، فقال: نحن، أعزّ الله القاضى، قوم نزعنا إليك من طريق (2) البصرة، فى حاجة مهمّة، فيها بعض الشىء، فإن أذنت لنا قلنا، فقال: قولوا، فذكر يمين الرجل والشّعر.
فقال: أمّا قوله: «إنّ التى ناولتنى» فإنه يعني الخمر، وقوله: «قتلت» أراد مزجت بالماء، وقوله: «كلتاهما حلب العصير» يعنى الخمر ومزاجها، فالخمر عصير العنب، والماء عصير السّحاب، قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً} (3) انصرفوا إذا شئتم.
وأقول: إنّ هذا التأويل يمنع منه ثلاثة أشياء، أحدها: أنه قال: كلتاهما، وكلتا موضوعة لمؤنّثين، والماء مذكّر، والتذكير أبدا يغلّب على التأنيث، كتغليب القمر على الشمس، فى قول الفرزدق:
لنا قمراها والنّجوم الطّوالع (4)
_________
= نبّه البغدادى على الوهم فى «الحسن» فقال فى حاشيته المذكورة: «والحسن بفتحتين وكذا رواية الحريرى، ووقع فى الشرح تبعا لأمالى ابن الشجرى «الحسين» بزنة المصغر، وهو تحريف من الكتّاب».
(1) هكذا فى الأمالى، وحاشية البغدادىّ، وأصول الخزانة، وغيّره شيخنا عبد السلام هارون، رحمه الله، ليجعله «بقيّة» كما فى الأغانى، وفسّره: البقيّة: الفهم وثقوب الذهن، كما فى قول الله تعالى: أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ وفسّرها محقق الأغانى: أى أحسننا رأيا وفضلا، وإنما سمّى ذلك بقية؛ لأن الرجل يستبقى ممّا يخرجه أجوده وأفضله. قلت: وقوله: «كان أحسننا نفثة» فالنّفث: الإلقاء. وهذا التركيب يراد به سبيل المجاز، كأنه يريد: أحسننا لفظا وإدارة لوجوه الكلام، كما نقول: فلان ريقه حلو.
(2) فى الأغانى: طرف.
(3) سورة النبأ 14.
(4) فرغت منه فى المجلس الثانى.
(2/424)

أراد لنا شمسها وقمرها، وليس للماء اسم آخر مؤنّث فيحمل على المعنى، كما قالوا: «أتته كتابى فاحتقرها» (1) لأن الكتاب فى المعنى صحيفة، وكما قال الشاعر (2):
قامت تبكّيه على قبره … من لى من بعدك يا عامر
تركتنى فى الدار ذا غربة … قد ذلّ من ليس له ناصر
/كان الوجه أن يقول: ذات غربة، وإنما ذكّر لأن المرأة إنسان، فحمل على المعنى.
والثانى: أنه قال: «أرخاهما للمفصل» وأفعل هذا موضوع لمشتركين (3) فى معنى وأحدهما يزيد على الآخر فى الوصف به، كقولك: زيد أفضل الرجلين، فزيد والرجل المضموم إليه مشتركان فى الفضل، إلا أن فضل زيد يزيد على فضل المقرون به، والماء لا يشارك الخمر فى إرخاء المفصل.
والثالث: أنه قال فى الحكاية: «فالخمر عصير العنب» وقول حسان:
«حلب العصير» يمنع من هذا؛ لأنه إذا كان العصير الخمر، والحلب هو الخمر،
_________
(1) تمامه ما حكاه الأصمعىّ، عن أبى عمرو بن العلاء، قال: «سمعت رجلا من اليمن يقول: فلان لغوب، جاءته كتابى فاحتقرها، فقلت له: أتقول: جاءته كتابى! قال: نعم أليس بصحيفة؟». الخصائص 1/ 249،2/ 416، وسرّ الصناعة ص 12، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 449، وضرائر الشعر ص 275، واللسان (كتب-لغب). ونزهة الألباء ص 29 (ترجمة أبى عمرو). وسيأتى فى المجلس الثانى والثمانين. واللغوب هنا: الأحمق، كما جاء فى كلام اليمنىّ نفسه.
(2) امرأة من العرب، كما ذكر أبو بكر بن الأنبارى فى المذكر والمؤنّث ص 151، ونسب فى المحكم (عمر) 2/ 109 إلى الأعشى، مع أن سياقه يوجب أن يكون القائل امرأة. قال ابن سيده: «وإنما أنشدنا البيت الأول لنعلم أن قائل هذا البيت امرأة». هذا إلى أن الشعر لا يوجد فى ديوان الأعشى المطبوع. وممن نسبه إلى أعرابيّة: ابن عبد ربه فى العقد 3/ 259،5/ 390 - وروايته يفوت معها الاستشهاد. وانظر حواشى الموضع الأول. وانظر أيضا: الأصول 3/ 438، والإفصاح ص 68، والإنصاف ص 507، 763، وشرح المفصل 5/ 101، وشرح الجمل 2/ 569، وانظر تخريجا أوفى، فى ضرورة الشعر ص 46، والبلغة فى الفرق بين المذكر والمؤنث ص 65.
(3) فى د، والغيث المسجم فقط: للمشتركين.
(2/425)

فقد أضيفت الخمر إلى نفسها، والشىء لا يضاف إلى نفسه.
والقول فى هذا عندى أنه أراد: كلتا الخمرين، الصّرف والممزوجة، حلب العنب، فناولنى أشدّهما إرخاء للمفصل.
فرّق اللغويّون بين المفصل والمفصل، فقالوا: إنّ المفصل بكسر الميم وفتح الصاد: اللّسان، وهو بفتح الميم وكسر الصاد: واحد مفاصل العظام، وهو فى بيت حسّان يحتمل الوجهين.
... ذكر أبو سعيد السّيرافىّ فى قولهم: «أكلونى البراغيث (1)» ثلاثة أوجه، أحدها: ما قاله سيبويه (2)، وهو أنهم جعلوا الواو علامة تؤذن بالجماعة، وليست ضميرا.
والوجه الثانى: أن تكون البراغيث مبتدأ، وأكلونى خبرا مقدّما، تقديره:
البراغيث أكلونى.
والوجه الثالث: أن تكون الواو فى «أكلونى» ضميرا على شرط التفسير، والبراغيث بدل منه، كقولك: ض