Advertisement

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد معتزلي 002


الجزء الثاني
بسم الله الرّحمن الرّحيم

مجلس آخر 49
تأويل آية [وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [المائدة: 64].
فقال: ما اليد التى إضافتها اليهود إلى الله تعالى، وادّعوا أنها مغلولة؟ وما نرى أنّ عاقلا من اليهود ولا غيرهم يزعم أن لربّه يدا مغلولة، واليهود تتبرأ من أن يكون فيها قائل بذلك؛ وما معنى الدعاء عليهم ب غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [وهو تعالى ممن لا يصحّ أن] (1) يدعو على غيره؟ لأنه تعالى قادر على أن يفعل ما يشاء، وإنما يدعو الداعى بما لا يتمكّن من فعله طلبا له.
الجواب، قلنا: يحتمل أن يكون قوم من اليهود وصفوا الله تعالى بما يقتضي تناهى مقدوره، فجرى ذلك مجرى أن يقولوا: إنّ يده مغلولة، لأنّ عادة الناس جارية بأن يعبّروا بهذه العبارة عن هذا المعنى، فيقولون: يد فلان منقبضة عن كذا، ويده لا تنبسط إلى كذا، إذا أرادوا وصفه بالفقر والقصور، ويشهد بذلك قوله تعالى فى موضع آخر: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [آل عمران: 181]، ثم قال تعالى مكذبا لهم: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ؛ أى أنه ممّن لا يعجزه شيء، وثنّى اليدين تأكيدا للأمر، وتفخيما له؛ ولأنه أبلغ فى المعنى المقصود من أن يقول: بل يده مبسوطة.
وقد قيل أيضا: إن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل، واستبطئوا فضله ورزقه؛ وقيل:
إنهم قالوا على سبيل الاستهزاء: إن إله محمد الّذي أرسله؛ يداه إلى عنقه؛ إذ ليس يوسّع عليه وعلى أصحابه، / فردّ الله قولهم وكذّبهم بقوله: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ، واليد هاهنا الفضل
__________
(1) حاشية ف (من نسخة): «وهو تعالى لا يصح أن».
(2/3)

والنعمة، وذلك معروف فى اللغة، متظاهر فى كلام العرب وأشعارهم.
ويشهد له من الكتاب قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: 69]، ولا معنى لذلك إلّا الأمر بترك إمساك اليد عن النفقة فى الحقوق؛ وترك الإسراف، إلى القصد والتوسط.
ويمكن أن يكون الوجه فى تثنية النعمة من حيث أريد بها نعم الدنيا ونعم الآخرة؛ لأن الكل- وإن كانت نعم الله
تعالى- فمن حيث اختص كلّ واحد من الأمرين بصفة تخالف صفة الآخر صارا كأنهما جنسان أو قبيلان.
ويمكن أيضا [أن يكون بتثنية النعمة] (1) أنه أريد بها النعم الظاهرة والباطنة.
فأما قوله تعالى: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ، ففيه وجوه:
أوّلها: أن يكون ذلك على غير سبيل الدّعاء؛ بل على جهة الإخبار منه عز وجل عن نزول ذلك بهم؛ وفى الكلام ضمير «قد» قبل قوله: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ، وموضع غُلَّتْ نصب على الحال، كأنّه تعالى قال: وقالت اليهود كذا وكذا؛ فى حال ما غلّ الله تعالى أيديهم ولعنهم، أو حكم بذلك فيهم؛ ويسوغ إضمار «قد» هاهنا كما ساغ فى قوله عز وجل: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ. وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ [يوسف: 26، 27] والمعنى: فقد صدقت، وقد كذبت.
وثانيها أن يكون معنى الكلام وقالت اليهود يد الله مغلولة فغلّت أيديهم، أو وغلّت أيديهم، وأضمر تعالى الفاء والواو؛ لأنّ كلامهم تمّ، واستؤنف بعده كلام آخر؛ ومن عادة العرب أن تحذف فيما يجرى مجرى هذا الموضع؛ من ذلك قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً [البقرة: 67] أراد:
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «يكون المراد بتثنيته النعمة».
(2/4)

فقالوا أتتخذنا هزوا، فاضمر تعالى الفاء؛ لتمام كلام موسى عليه السلام، ومنه قول الشاعر:
لمّا رأيت نبطا أنصارا … شمّرت عن ركبتى الإزارا (1)
كنت لها من النّصارى جارا
أراد: «وكنت»، فأضمر الواو.
وثالثها أن يكون القول خرج مخرج الدعاء؛ إلا أن معناه التعليم من الله تعالى لنا والتأديب؛ فكأنه جلّت عظمته وقفنا على الدعاء عليهم، وعلّمنا/ ما ينبغى أن نقول فيهم، كما علّمنا الاستثناء فى غير هذا الموضع بقوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: 27]، وكل ذلك جلىّ واضح، والمنة لله.

تأويل خبر [«لعن الله السّارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده»]
إن سأل سائل عن الخبر الّذي روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «لعن الله السّارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده».
الجواب، قلنا: قد تعلق بهذا الخبر صنفان من الناس؛ فالخوارج تتعلّق به، وتدّعى أنّ القطع يجب فى القليل والكثير؛ وتستشهد على ذلك بظاهر قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: 38]، ويتعلق بهذا الخبر أيضا الملحدة والشّكاك، ويدّعون أنه مناقض للرواية المتضمّنة أنه لا قطع إلّا فى ربع دينار. ونحن نذكر ما فيه:
فأول ما نقوله إنّ الخبر مطعون عند أصحاب الحديث على سنده، وقد حكى ابن قتيبة فى تأويله وجها عن يحيى بن أكثم، طعن عليه وضعّفه، وذكر عن نفسه وجها آخر؛ نحن نذكرهما وما فيهما، ونتبعهما بما نختاره.
__________
(1) حاشية ف: «أهل السواد يقال لهم النبط، لأنهم يستخرجون النبط وهو الماء».
(2/5)

قال ابن قتيبة: كنت حضرت يوما مجلس يحيى بن أكثم بمكة، فرأيته يذهب إلى أنّ البيضة فى هذا الحديث بيضة الحديد التى تغفر الرأس فى الحرب، وأن الحبل من حبال السفن، قال: وكلّ واحد من هذين يبلغ ثمنه دنانير كثيرة؛ قال: ورأيته يعجب بهذا التأويل، ويبدى فيه ويعيد، ويرى أنه قطع به حجة الخصم.
قال ابن قتيبة. وهذا إنما يجوز على من لا معرفة له باللغة ومخارج الكلام، وليس هذا موضع تكثير لما يأخذه السارق فيصرفه إلى بيضة تساوى دنانير؛ وحبل لا يقدر السارق على حمله؛ ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبح الله فلانا! عرّض نفسه للضرر فى عقد جوهر، وتعرّض لعقوبة الغلول فى جراب مسك؛ وإنما العادة فى مثل هذا أن يقال: لعنه الله، تعرّض للقطع فى حبل رثّ، أو إداوة خلق، أو كبّة شعر؛ وكلّ ما كان من ذلك أحقر كان أبلغ.
قال: والوجه فى الحديث أن الله تعالى لما أنزل على رسوله صلى الله عليه وآله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا؛ قال رسول الله صلى عليه وآله: «لعن الله السارق؛ يسرق البيضة/ فتقطع يده»، على ظاهر ما أنزل عليه (1) فى ذلك الوقت، ثمّ أعلمه الله تعالى بعد أن القطع لا يكون إلّا فى ربع دينار فما فوقه، ولم يكن عليه السلام يعلم من حكم الله تعالى إلا ما علّمه الله تعالى، وما كان الله يعرّفه ذلك جملة جملة، بل بيّن (2) شيئا بعد شيء.
قال سيدنا أدام الله علوّه: ووجدت أبا بكر الأنبارىّ يقول: ليس الّذي طعن به ابن قتيبة (3) على تأويل الخبر بشيء؛ قال: لأن البيضة من السلاح ليست علما فى كثرة الثمن ونهاية علوّ القيمة؛ فتجرى مجرى العقد من الجوهر، والجراب من المسك؛ اللّذين هما ربّما ساويا الألوف من الدنانير، والبيضة من الحديد ربّما اشتريت بأقلّ مما يجب فيه القطع، وإنما أراد عليه السلام أنه يكتسب قطع يده بما لا غنى له به، لأن البيضة من السلاح لا يستغنى بها أحد، والجوهر والمسك فى اليسير منهما غنى.
__________
(1) ف: «إليه».
(2) حاشية الأصل (من نسخة): » بل يبين له».
(3) م: «ليس الّذي ذكر ابن قتيبة».
(2/6)

قال سيدنا أدام الله أيامه: والّذي نقوله إن ما طعن به ابن الأنبارىّ على كلام ابن قتيبة متوجّه؛ وليس فى ذكر البيضة والحبل تكثير كما ظنّ؛ فيشبه العقد والجراب من المسك؛ غير أنه يبقى فى ذلك أن يقال: أىّ وجه لتخصيص البيضة والحبل بالذكر، وليس هما النهاية فى التقليل؛ وإن كان كما ذكره ابن الأنبارىّ؛ من أنّ المعنى أنه يسرق ولا يستغنى به؛ فليس ذكر ذلك بأولى من غيره؛ ولا بدّ من ذكر وجه فى ذلك.
وأما تأويل ابن قتيبة فباطل لأن النبي صلى الله عليه وآله لا يجوز أن يقول ما حكاه عند سماع قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ؛ لأن الآية مجملة مفتقرة إلى بيان؛ ولا يجوز أن يحملها أو يصرفها إلى بعض محتملاتها دون بعض بلا دلالة؛ على أنّ أكثر من قال: إن الآية غير مجملة، وأن ظاهر القول يقتضي العموم يذهب إلى أن ما اقتضى تخصيصها بسارق دون سارق لم يتأخر عن حال الخطاب بها؛ فكيف يصحّ ما قاله ابن الأنبارىّ أن الآية تقدمت، ثم تأخر تخصيص السارق؛ ولو كان ذلك كما ظنّ لكان المتأخر ناسخا للآية.
وعلى تأويله هذا يقتضي أن يكون كلّ الخبر منسوخا؛ وإذا أمكن تأويل أخباره عليه السلام على/ ما لا يقتضي رفع أحكامها ونسخها كان أولى.
والأشبه أن يكون المراد بهذا الخبر أنّ السارق يسرق الكثير الجليل، فتقطع يده، ويسرق الحقير القليل فتقطع يده؛ فكأنه تعجيز له، وتضعيف لاختياره، من حيث باع يده بقليل الثمن؛ كما باعها بكثيره.
وقد حكى أهل اللغة أن بيضة القوم وسطهم، وبيضة الدار وسطها، وبيضة السنام شحمته، وبيضة الصّيف معظمه، وبيضة البلد الّذي لا نظير له؛ وإن كان قد يستعمل ذلك فى المدح والذم على سبيل الأضداد، وإذا استعمل فى الذم فمعناه أنّ الموصوف بذلك حقير مهين، كالبيضة التى تفسدها النعامة فتتركها ملقاة لا تلتفت إليها.
فمما جاء من ذلك فى المدح قول أخت عمرو بن عبد ودّ ترثيه، وتذكر قتل أمير المؤمنين
(2/7)

عليه السلام له؛ وقيل إنّ الأبيات لامرأة من العرب؛ غير أخته:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله … لكنت أبكى عليه آخر الأبد (1)
لكنّ قاتله من لا يعاب به (2) … من كان يدعى قديما بيضة البلد (3)
وقال آخر فى المدح:
كانت قريش بيضة فتفلّقت … فالمخّ خالصه (4) لعبد مناف
وقال آخر فى الذمّ.
تأبى قضاعة أن تعرف لكم نسبا … وابنا نزار، فأنتم بيضة البلد (5)
أراد: «أن تعرف» فأسكن.
وقال آخر فى ذلك:
لكنّه حوض من أودى بإخوته … ريب الزّمان فأمسى بيضة البلد (6)
فقد صار معنى البيضة كلّه يعود إلى التفخيم والتعظيم.
وأما الحبل فذكر على سبيل المثل؛ والمراد المبالغة فى التحقير والتقليل؛ كما يقول القائل:
__________
(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «عليها».
(2) حاشية الأصل (من نسخة):
* لكنّ قاتل عمرو لا يعاب به*.
(3) البيتان فى شرح المرزوقى لحماسة أبى تمام: 804 واللسان (بيض).
(4) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «خالصها».
(5) اللسان (بيض)، ونسبه إلى الراعى يهجو ابن الرقاع العاملى وقبله:
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم … يا ابن الرّقاع، ولكن لست من أحد.
(6) من أبيات فى حماسة أبى تمام- بشرح المرزوقى 802 - 804، وفى اللسان (بيض) منسوبة إلى صنان بن عباد اليشكري؛ وقبله:
لما رأى شمط حوضى له ترع … على الحياض أتانى غير ذى لدد
لو كان حوض حمار ما شربت به … إلّا بإذن حمار آخر الأبد.
(2/8)

ما أعطانى فلان عقالا، وما ذهب من فلان عقال، ولا يساوى كذا نقيرا؛ كل ذلك على سبيل المثل والمبالغة فى التقليل؛ وليس الغرض بذكر الحبل الواحد من الحبال على الحقيقة؛ وإذا كان على هذا تأويل الخبر/ زال عنه
المناقضة التى ظنّت؛ وبطلت شبهة الخوارج فى أن القطع يجب فى القليل والكثير.
أخبرنا (1) أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى أبو عبيد الله الحكيمىّ قال حدثنى يموت بن المزرّع قال حدثنى أبو زينب (2) عليّ بن ثابت قال، قال الأصمعىّ: [تصرفت فى الأسباب على باب الرشيد] (3) مؤملا للظّفر (4) به؛ والوصول إليه؛ حتى إنى صرت لبعض حرسه خدينا؛ فإنى فى ليلة قد نثرت السعادة والتوفيق فيها الأرق بين أجفان الرشيد إذ خرج خادم فقال:
أبالحضرة (5) أحد ينشد (6) الشّعر؟ فقلت: الله أكبر! ربّ قيد مضيقة قد حلّه التيسير، فقال لى الخادم: ادخل، فلعلّها أن تكون ليلة تعرّس فى صباحها بالغنى إن فزت بالحظوة عند أمير المؤمنين؛ فدخلت فواجهت الرشيد فى بهوه (7)، والفضل بن يحيى إلى جانبه، فوقف الخادم بى بحيث يسمع التسليم، فسلّمت فردّ السلام ثم قال: يا غلام، أرحه قليلا يفرخ روعه؛ إن كان قد وجد للروعة حسّا، فدنوت قليلا ثم قلت: يا أمير المؤمنين، إضاءة مجدك، وبهاء كرمك، مجيران لمن نظر إليك عن اعتراض أذيّة؛ فقال: ادن، فدنوت، فقال: أشاعر أم راوية؟ فقلت: راوية لكل ذى جدّ وهزل؛ بعد أن يكون محسنا؛ فقال: تالله ما رأيت ادّعاء أعمّ! فقلت: أنا على الميدان، فأطلق من عنانى يا أمير المؤمنين، فقال: «قد أنصف القارة من راماها (8)»؛ ثم قال: ما معنى
__________
(1) روى البغدادى الخبر فى خزانة الأدب 2: 267 - 269؛ عن الغرر.
(2) حاشية ف (من نسخة): «أبو وهب».
(3) ف، حاشية الأصل (من نسخة):
«تصرفت بى الأسباب على باب الرشيد».
(4) د، ونسخة بحاشيتى الأصل، ف: «الظفر».
(5) حاشية الأصل (من نسخة): «أما بالحضرة».
(6) حاشية الأصل (من نسخة): «يحسن».
(7) حاشية الأصل (من نسخة): «بهو».
(8) فى مجمع الأمثال للميدانى (1: 42):
«القارة: قبيلة؛ وهم عضل والديش ابنا الهول بن خزيمة؛ وإنما سموا قارة لاجتماعهم والتفافهم لما أراد الشداخ أن يفرقهم فى بنى كنانة؛ فقال شاعرهم:
دعونا قادة لا تنفرونا … فنجفل مثل إجفال الظّليم
-
(2/9)

هذه الكلمة بدءا؟ قلت: فيها قولان؛ القارة هى الحرّة من الأرض، وزعمت الرواة أن القارة كانت رماة للتبابعة (1)، والملك إذ ذاك أبو حسّان، فواقف (2) عسكره عسكرا للسّغد (3)، فخرج فارس من السّغد، قد وضع سهمه فى كبد قوسه فقال: أين رماة العرب؟ فقالت العرب:
«أنصف القارة من راماها» فقال لى الرشيد: أصبت، ثم قال: أتروى لرؤبة بن العجاج والعجاج شيئا، فقلت: هما شاهدان لك بالقوافى؛ وإن غيّبا عن بصرك بالأشخاص، فأخرج من ثنى فرشه رقعة ثم قال: أنشدنى:
* أرّقنى طارق همّ أرقا (4) *
فمضيت فيها مضىّ الجواد فى متن ميدانه، تهدر بى أشداقى (5)، فلما صرت إلى مديحه لبنى أمية تثنيت لسانى إلى امتداحه للمنصور فى قوله:
__________
وهم رماة الحدق فى الجاهلية، وهم اليوم فى اليمن». وفى اللسان (قور): «زعموا أن رجلين التقيا؛ أحدهما قارىّ والآخر أسدىّ، فقال القارىّ: إن شئت صارعتك وإن شئت راميتك، فقال:
اخترت المراماة؛ فقال القارىّ: قد أنصفتنى؛ وأنشد:
قد أنصف القارة من راماها … إنّا إذا ما فئة نلقاها
* نردّ أولاها على أخراها*
ثم انتزع له سهما، فشك فؤاده». ونقل صاحب اللسان أيضا عن ابن برى: «إنما قيل: «أنصف القارة من رماها» لحرب كانت بين قريش وبين بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكانت القارة مع قريش، فلما التقى الفريقان راماهم الآخرون حين رمتهم القارة، فقيل: قد أنصفكم هؤلاء الذين سادوكم فى العمل الّذي هو صناعتكم، وأراد الشداخ أن يفرق القارة فى قبائل كنانة فأبوا».
(1) حاشية الأصل: «التبابعة ملوك العرب الجاهلية؛ وكانوا يكونون باليمن؛ الواحد تبع».
(2) المواقفة: أن تقف مع غيرك، ويقف معك فى حرب أو خصومة.
(3) حاشية الأصل: «السغد: بين سمرقند وبخارى».
(4) مطلع أرجوزة طويلة لرؤبة، يمدح فيها مروان بن الحكم، وهى فى ديوانه 108 - 115، وبعد هذا البيت:
* وركض غربان غدون نعّقا*.
(5) حاشية الأصل (من نسخة): «تهدر بها أشداقى».
(2/10)

* قلت لزير لم تصله مريمه (1) *
/ فلما رآنى قد عدلت من أرجوزة إلى غيرها قال: أعن حيرة أم عن عمد؟ قلت: عن عمد تركت كذبه إلى صدقه فيما وصف به المنصور من مجده، فقال الفضل: أحسنت بارك الله عليك! مثلك يؤهل لمثل هذا المجلس. فلما أتيت على آخرها قال لى الرشيد: أتروى كلمة عدىّ بن الرقاع:
* عرف الدّيار توهّما فاعتادها (2) *
قلت: نعم، قال: هات، فمضيت فيها حتى إذا صرت إلى وصفه الجمل قال لى الفضل:
ناشدتك الله أن تقطع علينا ما أمتعنا به من السهر فى ليلتنا هذه بصفة جمل أجرب، فقال الرشيد:
اسكت، فالإبل هى التى أخرجتك عن دارك، واستلبت تاج ملكك، ثم ماتت وعملت جلودها سياطا ضربت بها أنت وقومك، فقال الفضل: لقد عوقبت (3) على غير ذنب والحمد لله! فقال الرشيد: أخطأت، الحمد لله على النّعم، ولو قلت: وأستغفر الله لكنت مصيبا، ثم قال لى: امض فى أمرك، فأنشدته حتى إذا بلغت إلى قوله:
* تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه*
استوى جالسا وقال: أتحفظ فى هذا ذكرا؟ قلت: نعم، ذكرت الرواة أنّ الفرزدق قال: كنت فى المجلس وجرير إلى جانبى، فلما ابتدأ عدىّ فى قصيدته قلت لجرير مسرّا إليه: هلمّ نسخر من هذا الشامىّ، فلما ذقنا كلامه يئسنا منه؛ فلما قال:
* تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه*
__________
(1) مطلع أرجوزة أخرى لرؤبة أيضا، وهى فى ديوانه: 149 - 159 وفى حاشية الأصل:
«يقال: هو زير نساء إذا كان يحبهن ويزورهن كثيرا، وأصله: زور، فعل، من الزيارة، ومريم اسم عشيقته».
(2) بقيته:
* من بعد ما درس البلى أبلادها*
وهو مطلع قصيدة فى الطرائف الأدبية 87 - 91.
(3) فى حاشيتى الأصل، ف: «الإشارة بالمعاقبة إلى إسماع الرشيد كلامه الموحش الخشن إياه، وهو يعيره بالعجم ويذكر غلبة العرب الذين هم أصحاب الجمال عليهم، وسلبهم ملكهم».
(2/11)

- وعدىّ كالمستريح- قال جرير: أما تراه يستلب بها مثلا! فقال الفرزدق: يا لكع، إنه يقول:
* قلم أصاب من الدّواة مدادها*
فقال عدىّ:
* قلم أصاب من الدّواة مدادها (1) *
فقال جرير: كان سمعك مخبوءا (2) فى صدره! فقال لى: اسكت شغلنى سبّك عن جيّد الكلام؛ فلما بلغ إلى قوله:
ولقد أراد الله إذ ولّاكها … من أمّة إصلاحها ورشادها (3)
قال الأصمعىّ: فقال لى: ما تراه قال إذ أنشده الشاعر هذا البيت؟ فقلت: قال: كذا أراد الله، فقال الرشيد: ما كان فى جلالته ليقول هذا، أحسبه قال: ما شاء (4) الله! قلت:
وكذا جاءت الرواية، فلما أتيت على آخرها قال لى: أتروى لذى الرّمة شيئا؟ قلت: الأكثر، قال: فماذا أراد بقوله:
/ ممرّ أمرّت متنه أسديّة … ذراعية حلّالة بالمصانع (5)
قلت: وصف حمار وحش، أسمنه بقل روضة تواشجت أصوله، وتشابكت فروعه، عن مطر سحابة كانت بنوء الأسد فى الذّراع من ذلك. فقال الرشيد: أرح، فقد وجدناك ممتعا، وعرفناك محسنا، ثم قال: أجد ملالة ونهض، فأخذ الخادم يصلح عقب النعل فى رجله وكانت عربيّة، فقال الرشيد: عقرتنى يا غلام، فقال الفضل: قاتل الله الأعاجم، أما إنها
__________
(1) حاشية ف: «يصف ظبية تسوق ولدا، فى صوته غنة، ثم شبه رأس قرنه بقلم أصاب طرفه المداد.
وأراد بالروق رأس القرن، وروق كل شيء: أوله».
(2) حاشية الأصل (من نسخة):
«كأن سمعك مخبوء فى قلبه».
(3) حاشية الأصل: «عدىّ قال: «وفسادها»، والأصمعى أنشد: «رشادها».
(4) حاشية الأصل: قوله «ما شاء الله» على الطريقة المعهودة أى ما شاء الله كان، كأنه يشير إلى أن دولته فى مشيئة الله تعالى».
(5) ديوانه: 361، وروايته:
* يمانية حلّت جنوب المضاجع*.
(2/12)

لو كانت سندية لما احتجت إلى هذه الكلفة (1)، فقال الرشيد: هذه نعلى ونعل آبائى، كم تعارض فلا تترك من جواب ممضّ! ثم قال: يا غلام؛ يؤمر صالح الخادم بتعجيل ثلاثين ألف درهم على هذا الرجل فى ليلته ولا يحجب فى المستأنف، فقال الفضل: لولا أنه مجلس أمير المؤمنين ولا يأمر فيه غيره لأمرت لك بمثل ما أمر لك به، وقد أمرت لك به، إلّا ألف درهم، فتلقّ الخادم صباحا.
قال الأصمعىّ: فما صليت من غد إلّا وفى منزلى تسعة وخمسون ألف درهم.
__________
(1) فى خزانة الأدب: «الكلمة».
(2/13)

مجلس آخر 50
تأويل آية [اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: 257].
فقال: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي أنه هو الفاعل للإيمان فيهم؟ لأن النور هاهنا كناية عن الإيمان والطاعات، والظلمة كناية عن الكفر والمعاصى، ولا معنى لذلك غير ما ذكرناه.
وإذا كان مضيفا للإخراج إليه فهو الفاعل لما كانوا به خارجين، وهذا خلاف مذهبكم.
الجواب، قلنا: أما النور والظلمة المذكوران فى الآية فجائز أن يكون المراد بهما الإيمان والكفر، وجائز أيضا أن يراد بهما الجنة والنار، والثواب والعقاب فقد تصحّ الكناية عن الثواب والنعيم فى الجنة بأنه نور، وعن العقاب فى النار بأنه ظلمة، وإذا كان المراد بهما الجنة والنار ساغ إضافة إخراجهم من الظلمات إلى النور إليه تعالى؛ لأنه لا شبهة فى أنه جل وعز هو المدخل للمؤمن الجنة، والعادل به عن طريق النار. والظاهر بما ذكرناه أشبه؛ لأنه يقتضي أنّ المؤمن الّذي ثبت كونه مؤمنا/ يخرج من الظلمة إلى النور؛ فلو حمل على الإيمان والكفر لتناقض المعنى، ولصار تقدير الكلام:
أنه يخرج المؤمن الّذي قد تقدّم كونه مؤمنا من الكفر إلى الإيمان؛ وذلك لا يصحّ.
وإذا كان الكلام يقتضي الاستقبال فى إخراج من قد ثبت كونه مؤمنا كان حمله على دخول الجنة والعدول به عن طريق النار أشبه بالظاهر.
على أنا لو حملنا الكلام على الإيمان والكفر لصحّ، ولم يكن مقتضيا لما توهموه، ويكون وجه إضافة الإخراج
إليه، وإن لم يكن الإيمان من فعله من حيث دلّ وبيّن وأرشد ولطّف وسهّل؛ وقد علمنا أنه لولا هذه الأمور لم يخرج المكلّف من الكفر إلى الإيمان، فيصح
(2/14)

إضافة الإخراج إليه تعالى لكون ما عددناه من جهته. وعلى هذا يصحّ من أحدنا إذا أشار على غيره بدخول بلد من البلدان ورغّبه فى ذلك، وعرّفه ما فيه من الصلاح، أو بمجانبة فعل من الأفعال أن يقول: أنا أدخلت فلانا البلد الفلانىّ؛ وأنا أخرجته من كذا وكذا وأنتشته منه؛ ويكون وجه الإضافة ما ذكرناه من الترغيب، وتقوية الدواعى.
ألا ترى أنه تعالى قد أضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات، إلى الطواغيت، وإن لم يدلّ ذلك على أن الطاغوت هو الفاعل للكفر فى الكفار؛ بل وجه الإضافة ما تقدم؛ لأن الشياطين يغوون ويدعون إلى الكفر، ويزيّنون فعله، فتصح إضافته إليهم من هذا الوجه، والطاغوت هو الشيطان وحزبه، وكلّ عدو لله تعالى صدّ عن طاعته، وأغرى (1) بمعصيته يصحّ إجراء هذه التّسمية عليه؛ فكيف اقتضت الإضافة الأولى أن الإيمان من فعل الله تعالى فى المؤمن، ولم تقتض الإضافة الثانية أنّ الكفر من فعل الشياطين فى الكفار؛ لولا بله المخالفين وغفلتهم!
وبعد، فلو كان الأمر على ما ظنوه لما صار الله تعالى وليّا للمؤمنين، وناصرا لهم على ما اقتضته الآية، والإيمان من فعله تعالى لا من فعلهم؛ ولم كان خاذلا للكفار ومضيفا لولايتهم إلى الطاغوت والكفر من فعله تعالى فيهم؟ ولم فصل بين الكافر والمؤمن فى باب الولاية، وهو المتولى لفعل الأمرين فيهما؟ ومثل هذا لا يذهب على أحد، ولا يعرض عنه إلّا معاند مغالط لنفسه.
***/ أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال: قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ حدثنا أحمد بن حيان قال حدثنا أبو عبد الله بن النطاح قال أخبرنا أبو عبيدة قال، قال عبد الملك بن مسلم:
كتب (2) عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: إنه ليس شيء من لذة الدنيا إلا وقد أصبت منه،
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «أغوى».
(2) القصة فى الأغانى 9: 162 - 165، ووردت مختصرة فى الشعر والشعراء 109 - 110، ونقلها عن ابن قتيبة البغدادى فى الخزانة 1: 288.
(2/15)

ولم يبق لى من لذة الدنيا إلّا مناقلة الإخوان الأحاديث، وقبلك عامر الشعبىّ، فابعث به إلى يحدثنى.
فدعا الحجاج بالشعبىّ، وجهزه وبعث به إليه، وقرّظه وأطراه فى كتابه، فخرج الشعبىّ حتى إذا كان بباب عبد الملك، قال للحاجب: استأذن لى، قال: من أنت؟ قال: عامر الشعبىّ؛ قال: حيّاك الله، ثم نهض فأجلسه على كرسيه،
فلم يلبث أن خرج الحاجب إليه فقال: ادخل، فدخل، قال: فدخلت فإذا عبد الملك جالس على كرسىّ، وبين يديه رجل أبيض الرأس واللحية، على كرسىّ، فسلمت فرد السلام، ثم أومأ إلى بقضيبه، فقعدت عن يساره، ثم أقبل على الّذي بين يديه فقال: ويحك! من أشعر الناس؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين، قال الشعبىّ: فأظلم عليّ ما بينى وبين عبد الملك، ولم أصبر أن قلت: ومن هذا يا أمير المؤمنين الّذي يزعم أنه أشعر الناس! فعجب عبد الملك من عجلتى قبل أن يسألنى عن حالى، ثم قال: هذا الأخطل، قلت: يا أخطل، أشعر منك الّذي يقول:
هذا غلام حسن وجهه … مستقبل الخير سريع التّمام (1)
للحارث الأكبر والحارث ال … أصغر والحارث خير الأنام (2)
خمسة آباء هم ما هم … هم خير من يشرب صوب الغمام
فقال عبد الملك: ردّها عليّ، فرددتها حتى حفظها، فقال الأخطل: من هذا يا أمير المؤمنين؟
فقال: هذا الشعبىّ، قال: صدق والله، النابغة أشعر منى.
قال الشعبىّ: ثم أقبل عليّ عبد الملك فقال. كيف أنت يا شعبىّ؟ قلت: بخير لا زلت
__________
(1) وفى حاشية الأصل (من نسخة): «مقتبل الخير»، أى يستقبل خيره فيما يؤتنف من الأيام.
(2) رواية الأغانى وابن قتيبة:
للحارث الأكبر والحارث الأ … صغر والأعرج خير الأنام
وبعده:
ثمّ لهند ولهند وقد … أسرع فى الخيرات منه إمام.
(2/16)

به، ثم ذهبت لأصنع معاذيرى لما كان من خلافى على الحجّاج مع عبد الرحمن بن محمد الأشعث فقال: مه! فإنا لا نحتاج إلى هذا المنطق، ولا تراه منّا فى قول ولا فعل حتى تفارقنا. ثم أقبل عليّ فقال: ما تقول فى النابغة؟ قلت: يا أمير المؤمنين، قد فضّله عمر بن الخطاب/ فى غير موطن على جميع الشعراء، وذلك أنّه خرج يوما وببابه وفد غطفان، فقال: يا معاشر غطفان، أىّ شعرائكم الّذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة … وليس وراء الله للمرء مذهب (1)
لئن كنت قد بلّغت عنّى خيانة … لمبلغك الواشى أغشّ وأكذب
ولست بمستبق أخا لا تلمّه … على شعث، أىّ الرّجال المهذّب!
قالوا: النابغة، قال: فأيّكم الّذي يقول:
فإنك كاللّيل الّذي هو مدركى … وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع (2)
خطاطيف حجن فى حبال متينة … تمدّ بها أيد إليك نوازع (3)
قالوا: النابغة، قال: أيّكم الّذي يقول:
إلى ابن محرّق أعملت نفسى … وراحلتى وقد هدت العيون (4)
أتيتك عاريا خلقا ثيابى … على خوف تظنّ بى الظّنون
فألفيت الأمانة لم تخنها … كذلك كان نوح لا يخون
قالوا: النابغة، قال: هذا أشعر شعرائكم.
__________
(1) ديوانه 13 - 12، وفى م بعد هذا البيت:
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة … ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
لأنّك شمس والملوك كواكب … إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
ولم يذكر البيتان فى الأصول المخطوطة.
(2) ديوانه: 55.
(3) خطاطيف: جمع خطاف، وهو ما يخرج به الدلو من البئر. وحجن:
معوجة، واحدها أحجن. ونوازع: جواذب.
(4) أصله: «هدأت»، بالهمز.
(2/17)

ثم أقبل عبد الملك على الأخطل فقال: أتحبّ أنّ لك قياضا بشعرك شعر أحد من العرب، أم تحب أنك قلته؟ فقال: لا والله؛ إلّا أنى وددت أنى كنت قلت أبياتا قالها رجل منّا، كان والله مغدف القناع (1)، قليل السّماع، قصير الذراع، قال: وما قال؟ فأنشده:
إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطّلل … وإن بليت، وإن طالت بك الطّيل (2)
ليس الجديد به تبقى بشاشته … إلّا قليلا، ولا ذو خلّة يصل (3)
والعيش لا عيش إلّا ما تقرّبه … عين، ولا حال إلّا سوف تنتقل
إن ترجعى من أبى عثمان منجحة … فقد يهون على المستنجح العمل (4)
/ والنّاس من يلق خيرا قائلون له … ما يشتهى، ولأمّ المخطئ الهبل
قد يدرك المتأنّى بعض حاجته … وقد يكون مع المستعجل الزّلل
قال الشعبىّ: فقلت: قد قال القطامىّ أفضل من هذا، قال: وما قال؟ قلت: قال (5):
طرقت جنوب رحالنا من مطرق … ما كنت أحسبه قريب المعنق (6)
حتى أتيت إلى آخر القصيدة، فقال عبد الملك: ثكلت القطامىّ أمّه! هذا والله الشعر.
قال: فالتفت إلى الأخطل فقال: يا شعبىّ، إنّ لك فنونا فى الأحاديث، وإنّ لنا فنّا واحدا، فإن رأيت ألّا تحملنى على أكتاف قومك، فأدعهم حرضا! قلت: لا أعرض لك
__________
(1) مغدف القناع، أى خامل الذكر.
(2) ديوان القطامى 32، وجمهرة الأشعار 313 - 316، والطيل: جمع طيلة، هى الدهر.
(3) الضمير فى «به»، للدهر فى البيت الّذي قبله، وهو:
كانت منازل منّا قد نحلّ بها … حتى تغيّر دهر خائن خبل.
(4) الخطاب للناقة، ومنجحة: ظافرة. والمستنجح: طالب النجاح.
(5) حاشية الأصل: «القطامى، هو عمير بن شييم بن عمر بن عباد».
(6) اللسان (عنق)، والمعنق: المكان الّذي أعنقت منه؛ أى سرت؛ يقول: لم أظن أنها تقدر على أن تعنق وتسرع من هذا المكان. والعنق: ضرب من السير السريع؛ يقال: عانق وأعنق إذا أسرع.
(2/18)

فى شيء من الشعر أبدا، فأقلنى هذه المرة، قال: من يكفل بك؟ قلت: أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: هو عليّ ألّا يعرض لك أبدا.
ثم قال: يا شعبىّ، أىّ شعراء الجاهلية كان أشعر من النساء؟ قلت: خنساء، قال:
ولم فضّلتها على غيرها؟ قلت: لقولها:
وقائلة- والنّعش قد فات خطوها (1) … لتدركه-: يا لهف نفسى على صخر!
ألا ثكلت أمّ الّذين غدوا به … إلى القبر! ماذا يحملون إلى القبر!
فقال عبد الملك: أشعر منها والله ليلى الأخيلية حيث تقول:
مهفهف الكشح والسّربال منخرق … عنه القميص لسير اللّيل محتقر
لا يأمن النّاس ممساه ومصبحه … فى كلّ فجّ، وإن لم يغز ينتظر (2)
ثم قال: يا شعبىّ، لعله شقّ عليك ما سمعته؟ فقلت: إي والله يا أمير المؤمنين أشدّ المشقّة! إنى لمحدّثك منذ شهرين لم أفدك إلا أبيات النابغة فى الغلام، ثم قال: يا شعبىّ، إنما أعلمناك هذا، لأنّه بلغنى أنّ أهل العراق يتطاولون على أهل الشام ويقولون: إن كانوا غلبونا على الدولة، فلن يغلبونا على العلم والرواية، وأهل الشام أعلم بعلم أهل العراق من أهل العراق؛ ثم ردّد عليّ أبيات ليلى حتى حفظتها، وأذن لى فانصرفت، فكنت أول داخل/ وآخر خارج.
*** قال سيدنا أدام الله تمكينه: والصحيح فى الرواية أن البيتين اللذين رواهما عبد الملك ونسبهما إلى ليلى الأخيلية لأعشى باهلة (3)، يرثى المنتشر بن وهب الباهلىّ (4)، وهذه القصيدة
__________
(1) حاشية الأصل: «الحرض: الّذي أذيب حزنا وهما». والحرض يوصف به المفرد، مذكرا ومؤنثا، والمثنى والجمع بلفظ واحد.
(2) ديوانها: 92.
(3) ذكره الآمدي فى المؤتلف والمختلف ص 14 فقال: «أعشى باهلة يكنى أبا قحفان، جاهلى، واسمه عامر بن الحارث، أحد بنى عامر ابن عوف بن وائل بن معن، ومعن أبو باهلة، وباهلة امرأة من همدان، وهو الشاعر المشهور صاحب القصيدة المرثية فى أخيه لأمه، المنتشر».
(4) هو المنتشر بن وهب بن سلمة بن كراثة بن هلال بن عمرو-
(2/19)

من المراثى المفضّلة المشهورة بالبلاغة والبراعة وهى (1):
إنى أتتنى لسان لا أسرّ بها … من علو لا عجب منها ولا سخر (2)
فظلت مكتئبا حرّان أندبه … وكنت أحذره، لو ينفع الحذر!
فجاشت النّفس لما جاء جمعهم … وراكب جاء من تثليث معتمر (3)
يأتى على الناس لا يلوى على أحد … حتى التقينا، وكانت بيننا مضر (4)
***
إنّ الّذي جئت من تثليث تندبه … منه السماح ومنه النّهى والغير (5)
__________
ابن سلامة؛ كان رئيسا فارسا، وكان رئيس الأبناء يوم أرمام، وهو أحد يومى مضر فى اليمن وكان يوما عظيما. (خزانة الأدب 1: 91).
(1) القصيدة فى الأصمعيات 32 - 34، وأمالى اليزيدى 13 - 18، وجمهرة الأشعار 280 - 283، والكامل- شرح المرصفى 8: 211 - 212، وملحقات ديوان الأعشى 266 - 268، ونقلها صاحب الخزانة عن الغرر فى 1: 91 - 92. وذكر أبو العباس المبرد خبر هذه القصيدة فقال: «كانت العرب تقدم مراثى وتفضلها وترى قائلها بها فوق كل مؤبن؛ وكأنهم يرون ما بعدها من المراثى؛ منها أخذت، وفى كنفها تصلح؛ فمنها قصيدة أعشى بأهلة، ويكنى أبا قحافة التى يرثى بها المنتشر بن وهب الباهلى- وكان أحد رجلي العرب، وهم السعاة السابقون فى سعيهم، وكان من خبره أنه أسر صلاءة بن العنبر الحارثى، فقال: افد نفسك، فأبى فقال: لأقطعنك أنملة أنملة وعضوا عضوا ما لم تفتد نفسك، فجعل يفعل ذلك به حتى قتله. ثم حج من بعد ذلك ذا الخلصة (وهو بيت كانت خثعم تحجه)، فدلت عليه بنو نفيل بن عمرو بن كلاب الحارثيين فقبضوا عليه، فقالوا: لنفعلن بك كما فعلت بصلاءة، ففعلوا ذلك به، فلقى راكب أعشى باهلة، فقال له أعشى باهلة: هل من جائية خبر؟ قال: نعم، أسرت بنو الحارث المنتشر- وكانت بنو الحارث تسمى المنتشر مجدعا- فلما صار فى أيديهم قالوا:
لنقطعنك كما فعلت بصلاءة؛ فقال أعشى باهلة يرثى المنتشر ... ». وأورد القصيدة.
(2) اللسان هنا: الرسالة، وأراد بها نعى المنتشر، ولهذا أنث الفعل. وعلو، يريد من مكان عال، ورواية لمبرد: «من عل» (بالضم)؛ وفى حاشية الأصل: «لا سخر، أى لا أقول ذلك سخرية، وقيل معناه:
ولا سخر بالموت».
(3) جاشت نفسه، أى غثت. وتثليث: موضع بالحجاز قرب مكة؛ ذكره ياقوت واستشهد بالبيت ومعتمر: صفة لراكب؛ وهو بمعنى زائر. وفى حاشية الأصل: «جمعهم، يعنى الذين شهدوا مقتله».
(4) حاشية الأصل (من نسخة): «يأبى على الناس»، وفيها أيضا: «لا يلوى على أحد، أى لم يعرج على أحد حتى أتانى؛ لأنى كنت خلصانه».
(5) أى فقلت للراكب: إن الّذي جئت ... ، وتندبه:
تبكى عليه، يقال: ندب الميت، أى بكى عليه وعدد محاسنه. والغير: اسم من غيرت الشيء فتغير، أقامه مقام الأمر.
(2/20)

تنعى امرأ لا تغبّ الحىّ جفنته … إذا الكواكب أخطأ (1) نوءها المطر (2)
وراحت الشّول مغبرّا مناكبها (3) … شعثا تغيّر منها النّىّ والوبر (4)
وألجأ الكلب موقوع الصّقيع به (5) … وألجأ الحىّ من تنفاحها الحجر (6)
عليه أوّل زاد القوم قد علموا … ثمّ المطىّ إذا ما أرملوا جزر (7)
قد تكظم البزل منه حين تبصره (8) … حتّى تقطّع فى أعناقها الجرر (9)
أخو رغائب يعطيها ويسألها … يأبى الظّلامة منه النّوفل الزّفر (10)
__________
(1) من نسخة مجاشبتى الأصل، ف: «خوّى، وخوّى سقط، من قولك: خوت لدار: خلت أو سقطت، ومعنى خوّى فى البيت: نسب الخىّ إلى
النجوم وهو المحل، يقال: خوت النجوم إذا أمحلت، خيا».
(2) النعى: خبر الموت، قال الأصمعى: كانت العرب إذا مات ميت له قدر، ركب راكب فرسا، وجعل يسير فى الناس ويقول: نعاء فلانا! أى انعه وأظهر خبر وفاته، مبنية على الكسر. ولا يغب، من قولهم: لا يغبنا عطاؤه، أى لا يأتينا يوما دون يوم؛ بل يأتينا كل يوم.
والجفنة: القصعة. وأخطأه كتخطاه: تجاوز. والنوء: سقوط نجم من المنازل فى المغرب مع الفجر وطلوع رقيبة من المشرق، يقابله من ساعته كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوما؛ وهكذا إلى انقضاء السنة، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، يريد أن جفانه لا تنقطع فى الشدة والقحط.
(3) حاشية الأصل: «رواية الأصمعى: «مبامتها» أى مراحها».
(4) الشول: النوق التى خف لبنها وقد أتى عليها سبعة أشهر أو ثمانية من يوم نتاجها، الواحدة شائلة. والنىّ بالفتح: الشحم.
(5) حاشية الأصل (من نسخة):
* وأحجر الكلب موقوع الصّقيع به*
وأحجرته أنا: ألجأته إلى الحجر.
(6) الصقيع: الجليد. وتنفاحه: ضربه، وهو مصدر نفحت الريح إذا هبت باردة؛ يقول: إنه لا ينقطع عن إطعام الطعام فى شدة البرد حينما يضطر الكلب ما بتلبد على شعره من الجليد الأبيض إلى الدخول فى الحجر».
(7) يريد أنه يرتب على نفسه زاد أصحابه أولا، وإذا فنى الزاد نحر لهم. وأرمل الرجل: نفد زاده.
وجزر: قطع، يقال تركهم جزرا للسباع.
(8) حاشية الأصل: فى رواية:
* وتفزع الشّول منه حين يفجؤها*.
(9) كظم البعير كظوما: إذا أمسك عن الجرة، والبزل: جمع بازل؛ وهو الجمل إذا دخل فى التاسعة. والحرر: جمع جرة؛ وهى ما يخرجه البعير للاجترار. يقول: تعودت الإبل أنه يعقر منها، فإذا رأته كظمت على جرتها فزعامته.
(10) الرغيبة: العطاء الكثير. والنوفل: الكبير العطاء.
والزفر: الكثير الناصر والعدد والعدد «ومنه» للتجريد.
(2/21)

لم تر أرضا ولم تسمع بساكنها … إلّا بها من نوادى وقعه أثر (1)
وليس فيه إذا استنظرته عجل … وليس فيه إذا ياسرته عسر
فإن يصبك عدوّ فى مناوأة … يوما، فقد كنت تستعلى وتنتصر
من ليس فى خيره منّ يكدّره … على الصّديق، ولا فى صفوه كدر
أخو شروب، ومكساب إذا عدموا … وفى المخافة منه الجدّ والحذر (2)
مردى حروب، ونور يستضاء به … كما أضاء سواد الظّلمة القمر (3)
/ مهفهف أهضم الكشحين منخرق … عنه القميص لسير اللّيل محتقر (4)
طاوى المصير على العزّاء منجرد … بالقوم ليلة لا ماء ولا شجر (5)
لا يصعب الأمر إلّا ريث يركبه … وكلّ أمر سوى الفحشاء يأتمر
معنى «لا يصعب الأمر» أى لا يجده صعبا-
لا يتأرّى لما فى القدر يرقبه … ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر (6)
__________
(1) نوادى كل شيء: أوله.
(2) شرب: جمع شرب؛ وهو جمع شارب؛ كصحب وصاحب، ومكساب: اسم مبالغة من كاسب، وفى حاشية الأصل: «نسخة ص: أخو حروب».
(3) المردى فى الأصل: حجر يرمى؛ والمعنى:
أنه شجاع يقذف فى الحروب ويرجم فيها؛ وفى حاشية الأصل (من نسخة):
مردى حروب شهاب يستضاء به … كما أضاء سواد الطّخية القمر
والطخية، بالفتح وبضم: الطلمة.
(4) المهفهف: الخميص البطن الدقيق الخصر. والأهضم: المنضم الجنبين. والكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع من الخلف؛ وهو مما تمدح به العرب. ويقال: رجل منخرق السربال؛ إذا طال سفره فشققت ثيابه؛ وهو كناية عن الجلادة وتحمل المشقات.
(5) المصير: جمع مصران، والعزاء: الشدة والجهد؛ والمنجرد: المشمر نشاطا، ومن نسخة بحاشية الأصل: «منصلت». وقوله: «ليلة لا ماء ولا شجر»، أى يرعى. وفى الخزانة بعد هذا البيت:
لا يهتك السّتر عن أنثى يطالعها … ولا يشدّ إلى جاراته النّظر.
(6) لا يتأرى: لا يتحبس ويتلبث؛ يقال: تأرى بالمكان إذا أقام فيه. الشرسوف: طرف الضلع والصفر- فيما يزعم العرب: حية تكون فى البطن إذا جاع الإنسان عضته؛ وقد كذبه النبي عليه السلام بقوله:
«لا عدوى ولا هامة ولا صفر».
(2/22)

لا يغمز السّاق من أين ولا وصب … ولا يزال أمام القوم يقتفر (1)
لا يأمن النّاس ممساه ومصبحه … فى كلّ فجّ، وإن لم يغز ينتظر (2)
تكفيه حزّة فلذ إن ألمّ بها … من الشّواء ويروى شربه الغمر (3)
لا تأمن البازل الكوماء عدوته (4) … ولا الأمون إذا ما اخروّط السّفر (5)
كأنّه بعد صدق الناس أنفسهم … باليأس تلمع من قدّامه البشر (6)
قال المبرّد" لا نعلم بيتا فى يمن النقيبة وبركة الطلعة أبرع من هذا البيت"-
لا يعجل القوم أن تغلى مراجلهم … ويدلج اللّيل حتى يفسح البصر (7)
[عشنا به حقبة حيّا ففارقنا] (8) … كذلك الرّمح ذو النّصلين ينكسر (9)
أصبت فى حرم منّا أخا ثقة … هند بن أسماء، لا يهنى لك الظّفر (10)
! … لو لم تخنه نفيل وهى خائنة … لصبّح القوم ورد ماله صدر (11)
__________
(1) يصف جلده وتحمله للمشاق، والأين: الإعياء، والوصب: الوجع، والاقتفاء: تتبع الآثار.
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «من كل أوب».
(3) الحزة: قطعة من اللحم قطعت طولا؛ والفلذ: كبد البعير والجمع أفلاذ. وألم بها: أصابها. والغمر: قدح صغير لا يروى.
(4) حاشية الأصل: «نسخة ص: «ضربته».
(5) البازل: البعير الّذي فطر نابه بدخوله فى السنة التاسعة، ويقال للناقة أيضا. والكوماء: الناقة العظيمة السنام. والعدوة: التعدى. والأمون:
الناقة الموثقة الخلق، واخروط: امتد.
(6) البشر: جمع بشير، وفى حاشية الأصل: «أى إذا يئس الناس من أمورهم ووطنوا نفوسهم على اليأس فالبشائر تلمع من قدامه».
(7) حتى يفسح البصر، أى يجد متسعا من الصبح؛ وفى حاشية الأصل: «أى هو رابط الجأش عند الفزع، لا يستخفه الفزع فيجعل أصحابه عن الإطباخ».
(8) حاشية الأصل (من نسخة):
* عشنا بذلك دهرا ثم ودّعنا*.
(9) النصلان هما: السنان- وهى الحديدة العليا من الرمح- والزج، وهو الحديدة السفلى: ويقال:
هما الزجان أيضا؛ وهو مثل. وفى حاشية الأصل: «رواية الأصمعى بعد قوله «ينكسر»:
فإن جزعنا فقد هدّت مصابتنا … وإن صبرنا فإنا معشر صبر
والمصابة: المصيبة، والصبر: جمع صبور، مبالغة صابر».
(10) حاشية الأصل: «هند بن أسماء:
من قبيلة نفيل، قاتل المنتشر»، وأراد بالحرم ذا الخلصة.
(11) صبحه: سقاه الصبوح؛ وهو الشرب بالغداة، أراد: أنه كان يقتلهم.
(2/23)

وأقبل (1) الخيل من تثليث مصغية … وضمّ أعينها عوران أو حضر (2)
إمّا سلكت سبيلا كنت سالكها … فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر
قال رحمه الله: وقد رويت هذه القصيدة للدّعجاء أخت المنتشر، وقيل لليلى أخته، ولعل الشبهة الواقعة فى نسبتهما إلى ليلى الأخيلية من هاهنا والصحيح، ما ذكرناه.
*** أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبى عبيدة قال: وفد الأخطل على معاوية فقال: إنى قد امتدحتك بأبيات فاسمعها، فقال: إن كنت شبّهتنى بالحية أو الأسد أو الصّقر فلا حاجة لى فيها؛ وإن كنت قلت فىّ كما قالت الخنساء (3):
وما بلغت كفّ امرئ متناول (4) … به المجد إلّا حيث ما نلت أطول (5)
وما بلغ المهدون فى القول مدحة … وإن صدقوا إلّا الّذي فيك أفضل
فهات، فقال الأخطل: والله لقد أحسنت وقلت بيتين؛ ما هما بدون ما سمعته، وأنشد:
إذا متّ مات العزّ (6) وانقطع الغنى … فلم يبق إلّا من قليل مصرّد (7)
__________
(1) حاشية الأصل: «قبل، بمعنى أقبل، ويعدّى بالألف، تقول: أقبلته أنا جعلته مقبلا، وأقبلته الشيء أى جعلته يلى قبالته؛ يقال: أقبلت الرماح نحو القوم، وأقبلت الإبل أفواه الوادى».
(2) عوران وحضر: موضعان. ف: «خوان»، د، م: «رغوان». وهو يوافق ما فى الخزانة، وفى حاشية الأصل (من نسخة): «روعان»، وفيها أيضا: «فى نسخة ديوانه: رعوان، جوان، خوان»، هذه كلها مواضع».
(3) ديوانها: 481.
(4) م: «متطاول».
(5) رواية اللسان (طول):
* من المجد إلّا والّذي نلت أطول*.
(6) ف: «العرف».
(7) مصرد: مقلل، وفى حاشية الأصل: «أى لم يبق الغنى إلا من قبل عطاء قليل».
(2/24)

وردّت أكفّ الرّاغبين وأمسكوا … من الدّين والدّنيا بخلف مجدّد (1)
فأحسن صلته.
وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد النحوىّ قال أخبرنا أحمد بن يحيى النحوىّ أن ابن الأعرابىّ أنشدهم:
مررنا عليه وهو يكعم كلبه … دع الكلب ينبح؛ إنما الكلب نابح
قوله «يكعم كلبه» - أى يشدّ فاه خوفا أن ينبح فيدل عليه.
وقال آخر:
وتكعم كلب الحىّ من خشية القرى … ونارك كالعذراء من دونها ستر (2)
قال: وقد قال الأخطل:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم … قالوا لأمّهم بولى على النار
قال أبو عبد الله: وسمعت محمد بن يزيد الأزدىّ يقول: هذا من أهجى ما هجى به جرير، لأنه جعل نارهم تطفئها البولة، وجعلهم يأمرون أمهم بالبول استخفافا بها.
__________
(1) حاشية الأصل: «منقطع اللبن، من قولهم: ناقة جداء؛ يقال: ناقة مجددة الأخلاف إذا ضربها الصرار وقطعها، وتجدد ضرع الناقة ذهب لبنه». وفيها أيضا: «لما احتضر عبد الملك بن مروان غشى عليه، ثم أفاق، فسمع امرأة تقول: مات أمير المؤمنين: فتمثل بهذين البيتين».
(2) اللسان (كعم) من غير عزو.
(2/25)

مجلس آخر 51
تأويل آية [رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ]
إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله تعالى: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ؛ [آل
عمران: 8].
أوليس ظاهر الآية يقتضي أنه تعالى يجوز أن يزيغ القلوب عن الإيمان حتى تصحّ مسألته تعالى ألّا يزيغها، ويكون هذا الدعاء مفيدا؟
الجواب، قلنا فى هذه الآية وجوه:
أوّلها أن يكون المراد بالآية: ربنا لا تشدّد علينا المحنة فى التكليف، ولا تشق علينا فيه، فيفضى بنا ذلك إلى زيغ القلوب منّا بعد الهداية؛ وليس يمتنع أن يضيفوا ما يقع من زيغ قلوبهم عند تشديده تعالى عليهم المحنة إليه؛ كما قال عز وجل فى السورة: إنّها (1) زادتهم رجسا إلى رجسهم، وكما قال مخبرا عن نوح عليه السلام: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً؛ [نوح: 6].
فإن قيل: كيف يشدّد عليهم فى المحنة؟
قلنا: بأن يقوّى شهواتهم، لما قبحه فى عقولهم، ونفورهم (2) عن الواجب عليهم، فيكون التكليف عليهم بذلك شاقا، والثواب المستحقّ عليهم عظيما متضاعفا وإنما يحسن أن يجعله شاقا تعريضا لهذه المنزلة.
وثانيها أن يكون ذلك دعاء بالتثبيت لهم على الهداية، وإمدادهم بالألطاف التى معها يستمرّون على الإيمان.
فإن قيل: وكيف يكون مزيغا لقلوبهم بألّا يفعل اللّطف؟
__________
(1) الضمير يعود إلى المحنة؛ والآية فى سورة التوبة: 125: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ.
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «ونقارهم».
(2/26)

قلنا: من حيث كان المعلوم أنه متى قطع إمدادهم بألطافه وتوفيقاته زاغوا وانصرفوا عن الإيمان. ويجرى هذا مجرى قولهم: اللهم لا تسلّط علينا من لا يرحمنا؛ معناه لا تخلّ بيننا وبين من لا يرحمنا فيتسلّط علينا؛ ومثله قول الشاعر:
أتانى ورحلى بالمدينة وقعة … لآل تميم أقعدت كلّ قائم
أراد: قعد لها كل قائم؛ فكأنهم قالوا: لا تخلّ بيننا وبين نفوسنا وتمنعنا ألطافك، فنزيغ ونضلّ.
وثالثها ما أجاب به أبو عليّ الجبائى محمد بن عبد الوهاب، لأنه قال: المراد بالآية ربّنا لا تزغ قلوبنا عن ثوابك ورحمتك. ومعنى هذا السؤال أنهم سألوا الله تعالى أن يلطف لهم فى فعل الإيمان؛ حتى يقيموا عليه ولا يتركوه فى مستقبل عمرهم، فيستحقوا بترك الإيمان أن تزيغ قلوبهم عن الثواب، وأن يفعل بهم بدلا منه العقاب.
فإن قال قائل: فما هذا الثواب الّذي هو فى قلوب المؤمنين؛ حتى زعمتم أنّهم سألوا الله تعالى ألّا يزيغ قلوبهم عنه؟ وأجاب بأنّ من الثواب الّذي فى قلوب المؤمنين ما ذكره الله تعالى من الشرح والسّعة بقوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ؛ [الأنعام: 125]؛ وقوله تعالى لرسوله/ عليه وآله السلام: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: 1] وذكر أن ضدّ هذا الشرح هو الضّيق والحرج اللّذان يفعلان بالكفار عقوبة، قال: ومن ذلك أيضا التطهير الّذي يفعله فى قلوب المؤمنين، وهو الّذي منعه الكافرين، فقال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ؛ [المائدة: 41].
قال: ومن ذلك أيضا كتابته الإيمان فى قلوب المؤمنين، كما قال الله تعالى: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: 22] وضدّ هذه الكتابة هى سمات الكفر التى فى قلوب الكافرين؛ فكأنهم سألوا الله تعالى ألّا يزيغ قلوبهم عن هذا الثواب إلى ضده من العقاب.
(2/27)

ورابعها أن تكون الآية محمولة على الدعاء بألّا يزيغ القلوب عن اليقين والإيمان. ولا يقتضي ذلك أنّه تعالى سئل ما كان لا يجب أن يفعله، وما لولا المسألة لجاز فعله؛ لأنّه غير ممتنع أن يدعوه على سبيل الانقطاع إليه، والافتقار إلى ما عنده بأن يفعل تعالى ما نعلم أنه لا بدّ من أن يفعله، وبألّا يفعل ما نعلم أنه واجب ألّا يفعله؛ إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة؛ كما قال تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه السلام: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ؛ [الشعراء: 87] وكما قال فى تعليمنا ما ندعو به: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ؛ [الأنبياء: 112] وكقوله تعالى: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ؛ [البقرة: 286]، على أحد الأجوبة:
وكل ما ذكرناه واضح بين بحمد الله.
*** قال سيدنا أدام الله تمكينه: وإنى لأستحسن قول الراعى فى وصف الأثافىّ والرماد، فقد (1) طبّق وصفه المفصل، مع جزالة الكلام وقوته واستوائه واطراده:
وأورق مذ عهد ابن عفّان حوله … حواضن ألّاف على غير مشرب
وراد الأعالى أقبلت بنحورها … على راشح ذى شامة متقوّب
كأنّ بقايا لونه فى متونها … بقايا هناء فى قلائص مجرب
الأورق: الرّماد، جعل الأثافىّ له كالحواضن؛ لاحتضانها له واستدارتها حوله.
وأراد بوراد الأعالى أن ألوانها تضرب إلى الحمرة، وخصّ الأعالى؛ لأنها مواضع القدر فلا تكاد/ تسودّ. والراشح: هو الراضع؛ وإنما شبّه الرماد بينهن بفصيل بين أظآر.
والمتقوّب: الّذي قد انحسر أعلاه.
وشبّه ما سوّدت النار منهن بأثر قطران على قلائص جربى. والمجرب: الّذي قد جربت إبله.
ونظير هذا المعنى بعينه، أعنى تشبيه تسويد النار بالهناء قول ذى الرّمة:
__________
(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فلقد».
(2/28)

عفا الزّرق من أطلال ميّة فالدّحل … فأجماد حوضى حيث زاحمها الحبل (1)
سوى أن يرى سوداء من غير خلقة … تخاطأها، وارتثّ جاراتها النّقل (2)
من الرّضمات البيض غيّر لونها … بنات فراض المرخ واليابس الجزل
كجرباء دسّت بالهناء فأفصيت … بأرض خلاء أن تقاربها الإبل
قوله: «سوداء من غير خلقة» يعنى أثفيّة؛ لأن السواد ليس بخلقة بها؛ وإنما سوّدتها النار.
وقوله: تخاطأها النقل، أى تجاوزها فلم تحمل من مكان إلى مكان؛ بل بقيت منفردة.
وارتثّ جاراتها: يعنى بجاراتها؛ أى نقلن عنها الأثافىّ اللواتى كنّ معها. والمرتثّ:
هو المنقول من مكان إلى مكان؛ وأصل ذلك فى الجريح والعليل؛ يقال ارتثّ الرجل ارتثاثا إذا حمل من المعركة وبه رمق. قال النضر بن شميل: معنى ارتثّ صرع. وقال أبو زيد:
هو مأخوذ من قولهم ارتثثنا رثّة القوم إذا جمعوا رديء متاعهم بعد أن يتحملوا من موضعهم؛ وكلا المعنيين يليق ببيت ذى الرّمة؛ لأنه قد يجوز أن يريد [بقوله: «وارتثّ جاراتها»، أى نقلن عنها، ويجوز أن يريد] (3): صرعن وبقيت ثابتة قائمة.
والرّضات: حجارة بيض بعضها على بعض. والفراض: جمع فرض، وهو الحزّ يكون فى الزند وعنى ببنات فراض المرخ شرر النار الخارجة من ذلك الفرض. والمرخ: شجر تتخذ منه الرندة. ومن أمثالهم: «فى كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار (4)»، وهذا المثل يضرب للرجل الكريم الّذي يفضل على القوم ويزيد عليهم؛ فكأن المعنى: كلّ القوم كرام وأكرمهم فلان.
__________
(1) ديوانه: 454. الزرق: أكثبة بالدهناء؛ والدحل وحوضى: موضعان؛ والأجماد: جمع جمد؛ وهى الأرض الغليظة فى صلابة الجبل، ويعنى بالجبل حبل الرمل، وهو رمل مستطيل.
(2) من نسخة بحاشية الأصل: «تخطأها».
(3) ساقط من م.
(4) المثل فى مجمع الأمثال للميدانى (2: 18)؛ قال: استمجد المرخ والعفار؛ أى استكثرا وأخذا من النار ما هو حسبهما؛ شبها بمن يكثر العطاء طلبا للمجد لأنهما يسرعان الورى».
(2/29)

ومعنى «كجرباء دسّت بالهناء» أنه شبه الأثفيّة المفردة بناقة جرباء قد أفردت وأبعدت عن الإبل حتى لا تجربها ولا تعديها. ومعنى دسّت بالهناء، طليت به.
وفى معنى قول الراعى: «وراد الأعالى» شبه من قول الشّماخ بن ضرار:
/ أقامت على ربعيهما جارتا صفا … كميتا الأعالى جونتا مصطلاهما (1)
يعنى «بربعيهما» منزلى الامرأتين (2) اللتين ذكرهما، ويعنى «بجارتا صفا» الأثفيّتين؛ لأنهما مقطوعتان من الصّفا الّذي هو الصّخر. ويمكن فى قوله: «جارتا صفا» وجه آخر هو أحسن من هذا؛ وهو أنّ الأثفيّتين توضعان قريبا من الجبل، لتكون حجارة الجبل ثالثة لهما، وممسكة للقدر معهما؛ ولهذا تقول العرب: رماه بثالثة الأثافىّ؛ أى بالصخرة أو الجبل، وشبه أعلاهما بلون الكميت؛ وهو لون الحجر نفسه؛ لأن النار لم تصل إليه فتسوده (3).
ومصطلاهما جون أى أسود؛ لأنّ النار قد سفعته وسوّدته.
وقال الراعى فى وصف الأثافىّ أيضا:
أذاع بأعلاه، وأبقى شريده … ذرا مجنحات بينهنّ فروج
كأنّ بجزع الدّار لمّا تحمّلوا … سلائب ورقا بينهنّ خديج
أذاع بأعلاه، يعنى الرماد؛ لأن السافى (4) يطيّر ظاهره وما علا منه.
وأبقى شريده، أى بقى (5) لما شرد على السافى فلم يطر.
وذرا لجنحات يعنى الأثافىّ. وذرا كل شيء: جانبه وما استذريت به منه. والمجنحات:
المسبلات منه.
__________
(1) ديوانه 86.
(2) فى حاشيتى الأصل، ف: «منزلتى المرأتين».
(3) حاشية الأصل: ويمكن فى «جارتا صفا» وجه آخر؛ وهو أحسن من هذا؛ وهو أن الأثفيتين توضعان قريبا من الجبل، لتكون حجارة الجبل
ثالثة الأثافى وممسكة للقدر معهما؛ ولهذا يقال: رماه بثالثه الأثافى؛ أى الصخرة أو الجبل».
(4) السافى: الريح التى تسقى التراب.
(5) حاشية الأصل (من نسخة): «يبقى».
(2/30)

والسلائب: جمع سلوب؛ وهى الناقة التى قد سلبت ولدها بموت أو نحر؛ فقد عطفت على حوار آخر.
والخديج: الّذي قد سقط لغير تمام.
والورق: اللواتى ألوانهن كلون الرماد.
وفى معنى قول الراعى: «وأبقى شريده ذرا مجنحات» قول المخبّل السعدىّ:
وأرى لها دارا بأغدرة السيّ … دان لم يدرس لها رسم (1)
إلّا رمادا هامدا دفعت … عنه الرّياح خوالد سحم (2)
إلا هاهنا: بمعنى الواو، فكأنه قال: وأرى رمادا هامدا، ولولا أن «إلّا» هاهنا بمعنى الواو لفسد الكلام ونقض آخره أوّله، لأنه يقول فى آخر البيت: إنّ الخوالد السّحم دفعت عنه الرياح، فكيف يخبر بأنه قد درس، وإنما أراد أنّه باق ثابت، لأنّ الأثافىّ دفعت عنه الرياح فلم يستثنه، إذن هو من جملة ما لم يدرس، بل هو داخل فى جملته.
وللراعى أيضا فى الأثافىّ:
أنخن وهنّ أغفال عليها … فقد ترك الصّلاء بهنّ نارا
/ شبه الأثافىّ بنوق أنخن أغفالا، ليست عليهنّ سمة؛ ثم أخبر أنّ الوقود أثّر فيهن أثرا كالسّمة، والنار السمة، تقول العرب: ما نار بعيرك؟ أى، ما سمته؟ وفى أمثالهم: «نجارها نارها»، أى سمتها تدلّ على كرمها، يضرب ذلك للرجل ترى له ظاهرا حسنا يدلّ على باطن خبره.
__________
(1) من قصيدة فى المفضليات 113 - 118، مطلعها:
ذكر الرباب وذكرها سقم … فصبا وليس لمن صبا حلم
وأغدرة: جمع غدير. والسيدان: أرض لبنى سعد؛ والرسم: الأثر بلا شخص؛ ودروسه: ذهابه؛ يريد: لم يذهب كله.
(2) الخوالد: البواقى، عنى بها الأثافى. بسحم: من السحمة؛ وهو لون يضرب إلى السواد.
(2/31)

وقال عدىّ بن الرّقاع العاملىّ:
إلّا رواكد كلّهنّ قد اصطلى … حمراء أشعل أهلها إيقادها (1)
كانت رواحل للقدور فعرّيت … منهنّ، واستلب الزّمان رمادها
وقال الأسعر الجعفىّ:
إلّا رواكد بينهنّ خصاصة … سفع المناكب، كلّهنّ قد اصطلى (2)
وقال حميد بن ثور:
فتغيّرت إلّا ملاعبها … ومعرّسا من جونة ظهر (3)
عرش الثّقاب لها بدار مقامة … للحىّ بين نظائر وتر
الجونة: القدر: ويقال: قدر ظهر، وقدور ظهور، إذا كانت قديمة (4). وعرش، أى جعل مثل العريش، يعنى الوقود. والثّقاب: ما أثقبت به النار من الوقود. والنظائر: هى الأثافىّ: والوتر: الفرد، وأراد أنها ثلاث.
وقال الكميت بن زيد:
ولن تحيّيك أظآر معطّفة … بالقاع، لا تمك فيها ولا ميل
ليست بعوذ، ولم تعطف على ربع … ولا يهيب بها ذو النيّة الإبل
يعنى الأثافىّ، فشبّه عطفها على الرماد بنوق أظآر قد عطفن على فصيل. والتّمك:
انتصاب السنام. والميل: من صفة السّنام أيضا.
والعائذ من النّوق: التى يتبعها ولدها. والرّبع: الّذي نتج فى أول الربيع. والإهابة:
الدعاء؛ أهاب بإبله إذا دعاها. وذو النية: الّذي قد نوى الرّحيل. الإبل: صاحب الإبل.
__________
(1) الطرائف الأدبية 87 مع اختلاف فى الرواية.
(2) البيت فى أمالى القالى 1: 45 غير منسوب، ونسبه فى اللآلي: 189 للرخيم العبدى، وفى م نسب إلى مالك الجعفى، والبيت ليس فى قصيدة الأسعر التى فى أول الأصمعيات.
(3) ديوانه: 93. المعرس: مكان تعريس القوم فى السفر فى آخر الليل.
(4) فى اللسان: «وقدر ظهر: قديمة؛ كأنها تلقى وراء الظهر لقدمها»، واستشهد بالبيت.
(2/32)

وقال ذو الرّمة:
فلم يبق إلّا أن ترى فى محلّه … رمادا نحت عنه السيول جنادله (1)
/ كأنّ الحمام الورق فى الدّار وقّعت (2) … على حرق بين الظّئور جوازله
شبه الأثافىّ بالحمام الورق؛ وجعلها ظئورا لتعطّفها على الرماد؛ وشبه الرّماد بفرخ حرق قد سقط ريشه. والجوازل: الفراخ. واحدها جوزل.
وقال البعيث:
ألا حييّا الرّبع القواء وسلّما … ورسما كجثمان الحمامة أدهما
قيل إن الحمام هاهنا القطاة؛ وإنه شبّه ألوان الرسوم من الرّماد، وموقد نار، ودمنة، ومجرّ طنب، وما أشبه هذه الأشياء بألوان ريش قطاة.
ومثله لجرير:
كأنّ رسوم الدّار ريش حمامة … محاها البلى واستعجمت أن تكلّما (3)
ولقد أحسن كلّ الإحسان كثيّر فى قوله:
أمن القيلة بالدّخول رسوم … وبحومل طلل يلوح قديم (4)
لعب الرّياح برسمه فأجدّه … جون عواكف فى الرّماد جثوم
سفع الخدود كأنّهنّ وقد مضت … حجج عوائد بينهنّ سقيم
وقيل فى قوله: «فأجدّه جون عواكف» يعنى الأثافىّ، لأن الريح لما كشفت عنها، وظهرت صارت هى كأنها أجدّت الرّسم. ويحتمل وجه آخر، وهو أن يكون معنى «أجدّت» أنّها حمت الرماد الّذي أحاطت به عن لعب الرّياح، فبقى بحاله يستدلّ به المترسم (5)،
__________
(1) ديوانه: 465. نحت: صرفت؛ وفى الديوان: «نفت»، والجنادل: الحجارة.
(2) وقعت: ربضت، وفى الديوان: «جثمت».
(3) ديوانه: 543.
(4) ديوانه 1: 253.
(5) حاشية الأصل (من نسخة): «المتوسم».
(2/33)

فكأن الرياح درست الربع ومحته إلّا ما أجدّته هذه الأثافىّ من الرماد، ومنعت الريح منه، ويجرى ذلك مجرى قول المخبّل:
إلّا رمادا هامدا ... … البيت ...
وقال المرار الفقعسيّ فى الأثافىّ:
أثر الوقود على جوانبها … بخدودهنّ كأنّه لطم
ويقال إن أبا تمام الطائىّ أخذ ذلك فى قوله:
قفوا نعط المنازل من عيون … لها فى الشّوق أحساء غزار (1)
عفت آياتهنّ، وأىّ ربع … يكون له على الزّمن الخيار!
/ أثاف كالخدود لطمن حزنا … ونؤي مثل ما انفصم السّوار
وقد عاب عليه قوله: «لطمن حزنا» بعض من لا معرفة له، وقال: لا فائدة فى قوله «حزنا»، ولذلك فائدة؛ وذلك أنّ لطم الحزن يكون أوجع وأبلغ، فتأثيره أظهر وأبين؛ وقد يكون اللطم لغير الحزن؛ فأما قوله.
* ونؤي مثل ما انفصم السوار*
فمأخوذ من قول الشاعر:
نؤي كما نقص الهلال محاقه (2) … أو مثلما فصم السّوار المعصم
وقد شبّه الناس النّؤى بالسوار والخلخال كثيرا، وبغير ذلك، قال كثيّر:
عرفت لسعدى بعد عشرين حجّة … بها درس نؤي فى المحلّة منحن (3)
قديم كوقف العاج ثبّت حوله … مغارز أوتاد برضم موضّن
__________
(1) ديوانه: 140؛ والرواية فيه: «قفا نعط». وأحساء: جمع حسى؛ وهو الماء تحت الرمل، ينبط بالأيدى.
(2) المحاق، مثلثة: آخر الشهر.
(3) ديوانه: 1: 58.
(2/34)

- الوقف: السوار من الذّبل ومن العاج. والرّضم: صخور عظام. والموضّن: الّذي يعضه فوق بعض.
وقال بشار:
ونؤي كخلخال الفتاة، وصائم … أشجّ على ريب الزمان رقوب (1)
الصائم الأشج: يعنى الوتد؛ وإنما وصفه بأنه صائم لقيامه وثباته، وجعله رقوبا لانفراده، والمرأة الرّقوب والشيخ الرّقوب: الّذي لا يعيش له ولد.
ومن مستحسن ما وصف به النؤى قول أبى تمام:
والنّؤى أهمد شطره فكأنّه … تحت الحوادث حاجب مقرون (2)
وقال المتنبى فى ذلك:
قف على الدّمنتين بالدّوّ من ريّ … اكخال فى وجنة جنب خال (3)
بطول كأنّهنّ نجوم … فى عراص كأنّهنّ ليال
ونؤيّ كأنهنّ عليه … نّ خدام خرس بسوق خدال
الخدام: جمع خدمة (4)؛ وهى الخلخال، وجعلها خرسا لأنها غير قلقة، وشبه ما أحدق به النؤى من الأرض وامتلائها بامتلاء الخلخال، من الساق الخدلة، وهى الممتلئة.
__________
(1) ديوانه: 1: 181.
(2) ديوانه: 328.
(3) ديوانه: 3: 192. الدو: الأرض الواسعة المستوية القفرة؛ وريا: اسم امرأة؛ والمراد:
من ريا، والخال: شامة تخالف لون الوجه. والشامة: تكون فى الوجه والجسم.
(4) الخدمة فى الأصل: سير يشد فى رسغ البعير، وبه سمى الخلخال؛ لأنه ربما كان من سيور، يركب فيه الذهب والفضة.
(2/35)

مجلس آخر 52
تأويل آية [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ. قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ، [البقرة: 67 - 70].
فقال: ما تأويل هذه الآيات؟ وهل البقرة التى نعتت بجميع النعوت هى البقرة المرادة باللفظ الأول والتكليف واحد، أو المراد مختلف والتكليف متغاير؟
الجواب، قلنا: أهل العلم فى تأويل هذه الآية مختلفون بحسب اختلاف أصولهم؛ فمن جوّز تأخير البيان عن وقت
الخطاب يذهب إلى أن التكليف واحد، وأن الأوصاف المتأخرة هى للبقرة المتقدّمة؛ وإنما تأخر البيان، ولما سأل القوم عن الصفات ورد البيان شيئا بعد شيء.
ومن لم يجوّز تأخير البيان يقول: إن التكليف متغاير؛ وإنهم لما قيل لهم: اذبحوا بقرة لم يكن المراد منهم إلا ذبح أىّ بقرة شاءوا، من غير تعيين بصفة، ولو أنهم ذبحوا أىّ بقرة اتفقت لهم كانوا قد امتثلوا الأمر، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح بقرة لا فارض ولا بكر، ولو ذبحوا ما اختصّ بهذه الصفة من أىّ لون كان لأجزأ عنهم، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح بقرة صفراء، فلما لم يفعلوا كلّفوا ذبح ما اختص بالصفات الأخيرة.
(2/36)

ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر، فمنهم من قال فى التكليف الأخير: إنه يجب أن يكون مستوفيا لكل صفة تقدّمت، حتى تكون البقرة مع أنها غير ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث، مسلّمة لا شية فيها، [صفراء فاقع لونها، ولا فارض ولا بكر] (1). ومنهم من قال: إنما يجب أن تكون بالصفة الأخيرة فقط، دون ما تقدم.
وظاهر الكتاب بالقول/ المبنى على جواز تأخير البيان أشبه، وذلك أنه تعالى لما كلّفهم ذبح بقرة قالوا للرسول: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ، فلا يخلو قولهم: ما هِيَ من أين يكون كناية عن البقرة المتقدّم ذكرها، أو عن التى أمروا بها ثانيا؛ على قول من يدّعى ذلك.
وليس يجوز أن يكون (2) سألوا عن صفة غير التى تقدّم ذكرها، لأن الظاهر من قولهم ما هِيَ بعد قوله لهم: اذبحوا بقرة يقتضي أن يكون السؤال عن صفة البقرة المأمور بذبحها؛ ولأنه لا علم لهم بتكليف ذبح بقرة أخرى فيستفهموا عنها؛ وإذا صحّ أن السؤال إنما كان عن صفة البقرة المنكّرة التى أمروا فى الابتداء يذبحها فليس يخلو قوله: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ من أن يكون كناية عن البقرة الأولى، أو عن غيرها، وليس يجوز أن يكون ذلك كناية عن بقرة ثانية، لأن ظاهر قوله: إنّها بقرة من صفتها كذا بعد قولهم: ما هِيَ يقتضي أن يكون كناية متعلقة بما تضمنه سؤالهم، ولأنّ الأمر لو لم يكن على ما ذكرناه لم يكن ذلك جوابا لهم، بل كان يجب أن يكونوا سألوه عن شيء فأجابهم عن غيره، وهذا لا يليق بالنبى عليه السلام.
على أنه لما أراد أن يكلّفهم تكليفا ثانيا عند تفريطهم فى الأول على ما يدعيه من ذهب إلى هذا المذهب قد كان يجب أن يجيبهم عن سؤالهم، وينكر عليهم الاستفهام فى غير موضعه، وتفريطهم فيما أمروا به؛ مما لا حاجة بهم إلى الاستفهام عنه، فيقول فى جواب قولهم: ما هِيَ:
__________
(1) حاشية الأصل: «ش: صفراء فاقعا لونها، ولا فارضا ولا بكرا».
(2) حاشية الأصل (من نسخة): أن يكونوا».
(2/37)

إنما كلّفتم أىّ بقرة شئتم، وما يستحق اسم بقرة، وقد فرّطتم فى ترك الامتثال، وأخطأتم فى الاستفهام، مع وضوح الكلام، إلّا أنكم قد كلّفتم ثانيا كذا وكذا، لأن هذا مما يجب عليه بيانه؛ لإزالة الشك والإبهام واللبس؛ فلما لم يفعل ذلك، وأجاب بالجواب الّذي ظاهره يقتضي التعلّق بالسؤال علم أن الأمر على ما ذكرناه. وهب أنه لم يفعل ذلك فى أول سؤال، كيف لم يفعله مع تكرار الأسئلة والاستفهامات التى لم تقع على هذا المذهب بموقعها؟ ومع تكرر المعصية والتفريط كيف يستحسن أن يكون جميع أجوبته غير متعلّقة بسؤالاتهم؟ لأنهم يسألونه/ عن صفة شيء فيجيبهم بصفة غيره من غير بيان؛ بل على أقوى الوجوه الموجبة لتعلّق الجواب بالسؤال؛ لأنّ قول القائل فى جواب من سأله ما كذا وكذا: إنه بالصفة الفلانية صريح فى أن الهاء كناية عمّا وقع السؤال عنه؛ هذا مع قولهم: إن البقر تشابه علينا، لأنهم لم يقولوا ذلك إلا وقد اعتقدوا أن خطابهم مجمل غير مبين، فلم لم يقل: أىّ تشابه عليكم إذ إنما أمرتم فى الابتداء بأىّ بقرة كانت، وفى الثانى بما اختص باللون المخصوص من أى البقر كان؟
فإن قيل: كيف يجوز أن يأمرهم بذبح بقرة لها جميع الصفات المذكورة إلى آخر الكلام ولا يبين ذلك لهم، وهل هذا إلا تكليف ما لا يطاق!
قلنا: لم يرد منهم أن يذبحوا البقرة فى الثانى من حال الخطاب؛ ولو كانت حال الفعل حاضرة لما جاز أن يتأخر البيان، لأن تأخيره عن وقت الحاجة هو القبيح الّذي لا شبهة فى قبحه، وإنما أراد أن يذبحوها فى المستقبل، فلو لم يستفهموا ويطلبوا البيان لكان قد ورد عليهم عند الحاجة إليه.
فإن قيل: إذا كان الخطاب غير متضمّن لصفة ما أمروا بذبحه، فوجوده كعدمه، وهذا يخرجه من باب الفائدة، ويوجب كونه عبثا!
قلنا: ليس يجب ما ظننتم؛ لأن القول وإن كان لم يفد صفة البقرة بعينها فقد أفاد تكليف ذبح بقرة على سبيل الجملة؛ ولو لم يكن ذلك معلوما قبل هذا الخطاب، لصار مفيدا من حيث ذكرنا،
(2/38)

وخرج من أن يكون وجوده كعدمه. وفوائد الكلام لا يجب أن يدخلها الاقتراح، وليس يخرج الخطاب من تعلّقه ببعض الفوائد كونه غير متعلق بغيرها، وبما هو زيادة عليها.
فإن قيل: ظاهر قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ يدلّ على استبطائهم وذمّهم على التقصير فى امتثال الأمر!
قلنا: ليس ذلك صريح ذمّ، لأن كادُوا للمقاربة، وقد يجوز أن يكون التكليف صعب عليهم لغلاء ثمن البقرة التى
تكاملت لها تلك الصفات، فقد روى أنهم ابتاعوها بملء جلدها ذهبا.
على أن الذمّ يقتضي ظاهره أن يصرف إلى تقصيرهم أو تأخيرهم امتثال الأمر بعد/ البيان التام، لأن قوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ إنما ورد بعد تقدّم البيان التامّ المتكرر، ولا يقتضي ذمّهم على ترك المبادرة فى الأول إلى ذبح بقرة، فليس فيه دلالة على ما يخالف ما ذكرناه.
فإن قيل: لو ثبت تقديرا أن التكليف فى البقرة متغاير، أىّ القولين اللّذين حكيتموهما عن أهل هذا المذهب أصحّ وأشبه؟ قلنا: قول من ذهب إلى أنّ البقرة إنما يجب أن تكون بالصفة الأخيرة فقط، لأن الظاهر به أشبه؛ من حيث إذا ثبت تغاير التكليف: وليس فى قوله: إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ إلى آخر الأوصاف ذكر لما تقدم من الصفات، وهذا التكليف غير الأول، فالواجب اعتبار ما تضمنه لفظه والاقتصار عليه.
فأما «الفارض» فهى المسنّة، وقيل: هى العظيمة الضخمة؛ يقال: غرب فارض، أى ضخم، والغرب الدلو؛ ويقال أيضا: لحية فارضة؛ إذا كانت عظيمة؛ والأشبه بالكلام أن يكون المراد المسنّة.
فأما «البكر» فهى الصغيرة التى لم تلد، فكأنه تعالى قال: تكون غير مسنّة، ولا صغيرة.
(2/39)

والعوان: دون المسنّة وفوق الصغيرة؛ وهى النّصف التى ولدت بطنا أو بطنين؛ يقال:
حرب عوان إذا لم تكن أول حرب وكانت ثانية؛ وإنما جاز أن يقول: بَيْنَ ذلِكَ «وبين» لا يكون إلا مع اثنين أو أكثر؛ لأن لفظة «ذلك» تنوب عن الجمل، تقول: ظننت زيدا قائما، ويقول القائل: قد ظننت ذلك.
ومعنى فاقِعٌ لَوْنُها، أى خالصة الصفرة، وقيل: إن كل ناصع اللون؛ بياضا كان أو غيره فهو فاقع. وقيل: إنه أراد ب «صفراء» هاهنا سوداء.
ومعنى قوله تعالى: لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ أى تكون صعبة لا يذللها العمل فى إثارة الأرض وسقى الزرع.
ومعنى مُسَلَّمَةٌ، مفعلة، من السلامة من العيوب، وقال قوم: مسلّمة من الشّية، أى لا شية فيها تخالف لونها.
وقيل: لا شِيَةَ فِيها، أى لا عيب فيها؛ وقيل: لا وضح، وقيل: لا لون يخالف لون جلدها، والله أعلم بما أراد، وإياه نسأل حسن التوفيق.
*** قال سيدنا أدام الله تمكينه: كنت أظن أن المتنبى قد سبق إلى معنى قوله فى مرثية أخت سيف الدولة:
/ طوى الجزيرة حتّى جاءنى خبر … فزعت فيه بآمالى إلى الكذب (1)
حتّى إذا لم يدع لى صدقه أملا … شرقت بالدّمع حتّى كاد يشرق بى
حتى رأيت هذا المعنى لمسلم بن الوليد الأنصارىّ، وللبحترىّ.
__________
(1) ديوانه 1: 87 - 88. الجزيرة: ما كان من الموصل إلى الفرات؛ وكان الخبر بوفاتها ورد إليه من حلب.
(2/40)

أما الّذي لمسلم فقوله فى قصيدة يرثى بها سهل بن الصباح:
وقف العفاة عليك من متحيّر … وله الرّجاء، وذى غنى يسترجع
ومخادع السّمع النّعىّ ودونه … خطب ألمّ بصادق لا يخدع
وقال البحترى يرثى وصيفا التركيّ:
إذا جدّ ناعيه توهّمت أنه … يكرّر من أخباره قول مازح (1)
وكنت أظن المتنبى قد سبق إلى قوله:
يحلّ القنا يوم الطّعان بعقوتى … فأحرمه عرضى، وأطعمه جلدى (2)
حتى رأيت هذا المعنى واللفظ بعينه لجهم بن شبل الكلابىّ من أهل اليمامة فى قوله:
ثنى قومه عن حدرجان وقد حنا … إلى الموت دامى الصّفحتين كليم (3)
أخو الحرب، أمّا جلده فمجرّح … كليم، وأما عرضه فسليم (4)
وكنت أظنّ البحترى قد سبق إلى معنى قوله فى الفتح بن خاقان:
حملت عليه السّيف، لا عزمك انثنى … ولا يدك ارتدّت، ولا حدّه نبا (5)
حتى وجدت لشاعر متقدم:
طعنت ابن دهمان بنجران طعنة … شققت بها عنه مضاعفة السّرد
فلا الكفّ أوهت بى، ولا الرّمح خاننى، … ولا الأدهم المنعوت حاد عن القصد
***
__________
(1) ديوانه 1: 121.
(2) ديوانه 2: 61. عقوتى؛ أى بقربى.
(3) فى حاشيتى الأصل، ت: «الحدرجان، بالكسر: القصير؛ قال ابن دريد فى كتاب الاشتقاق:
حدرجان: اسم رجل قتله أمير المؤمنين صلوات الله عليه؛ وهو فعللان؛ من قولهم: حدرجت السوط وغيره؛ إذا فتلته فتلا شديدا، ويجوز أن يكون من مقلوب دحرج».
(4) التبيان 2: 61.
(5) ديوانه 1: 56.
(2/41)

قال محمد بن يحيى الصولىّ: وصف الناس صفرة اللون فى العلل؛ فكلّ حكى ذلك وبلا فضيلة إلّا البحترى:
قال أعرابى من أبيات:
جعلت وما عاينت عطرا كأنّما … جرى بين جلدى والعظام خلوق
/ وقال أبو تمام:
لم تشن وجهه المليح ولكن … جعلت ورد وجنتيه بهارا (1)
وقال غيره:
ولم تشن شيئا ولكنّها … بدّلت التّفّاح بالياسمين
وقال بكر بن عيسى:
علة زعفرت مورّد خدّ … كاد من رقة وريّ يفيض
ولأحمد بن يزيد المهلبى:
وقالوا عرت غراء حمى شديدة … فوجنتها منها شديد صفارها
فقلت لهم: هيهات هاتيك روضة … مضى وردها عنا، وجاء بهارها
ولأبى العتاهية:
وكأننى مما تطاول بى … منك السّقام طليت بالورس
وقال ابن المعتز:
وصفّرت علته وجهه … فصار كالدّينار من حقّ (2)
__________
(1) ديوانه: 441.
(2) حاشية الأصل: «كذا فى ديوانه، وحق كلمة عراقية» أى حقيقة، أى هذا الّذي أقوله من جملة الحق، وقبله:
وا بأبي من جئته عائدا … فزادنى عشقا على عشق.
(2/42)

وقال البحترىّ:
بدت صفرة فى لونه إنّ حمدهم … من الدّرّ ما اصفرّت نواحيه فى العقد
وجرّت على الأيدى مجسّة كفّه … كذلك موج البحر ملتهب الوقد
وما الكلب محموما، وإن طال عمره … ولكنّما الحمّى على الأسد الورد
قال سيدنا أدام الله تمكينه: أما تشبيهه صفرة اللون بصفرة الدرّ فهو تشبيه مليح موافق لغرضه؛ إلّا أنه أخطأ فى قوله:
... إنّ حمدهم … من الدّر ما اصفرّت نواحيه فى العقد
لأن ذلك ليس بمحمود بل مذموم؛ ولو شبّه وترك التعليل لكان أجود.
*** وروى أبو العباس أحمد بن فارس المنبجىّ قال حدّثنا أبو أحمد عبيد الله بن يحيى بن البحترىّ قال حدثني أبى قال حدثنى جدّى البحترىّ قال: كنت عند أبى العباس المبرّد، فتذاكرنا شعر عمارة بن عقيل، فقال لى: لقد أحسن عمارة فى قوله لخالد بن يزيد لما وجّه إليه بهذين البيتين:
لم أستطع سيرا لمدحة خالد … فجعلت مدحيه إليه رسولا
/ فليرحلنّ إلى نائل خالد … وليكفينّ رواحلى التّرحيلا
قال البحترىّ: فقلت له: لمروان بن أبى حفصة فى عبد الله بن طاهر- وقد أتاه نائله من الجزيرة ما هو أحسن من هذا- وأنشدته:
لعمرى لنعم الغيث غيث أصابنا … ببغداد من أرض الجزيرة وابله
فكنّا كحىّ صبّح الغيث أهله … ولم ترتحل أظعانه ورواحله
فقال: نعم، هذا أحسن، فقلت له: إن لى فى بنى السّمط- وقد أتانى برّهم من حمص ما لا يتضع عن الجميع وأنشدته:
(2/43)

جزى الله خيرا- والجزاء بكفّه- … بنى السّمط أخدان السّماحة والمجد
هم وصلونى والمهامة بيننا … كما ارفضّ غيث من تهامة فى نجد
فقال: هذا والله أرقّ مما قالا وأحسن.
*** وروى أحمد بن فارس المنبجىّ عن عبيد الله بن يحيى بن البحترىّ قال حدثنا أبى عن جماعة من أهل العلم والأدب، منهم يموت بن المزرّع قال: قلت لأبى عثمان الجاحظ: من أنسب العرب؟ فقال: الّذي يقول:
عجلت إلى فضل الخمار فأثّرت … عذباته بمواضع التّقبيل (1)
وهذا للبحترىّ فى القصيدة التى أوّلها:
* صبّ يخاطب مفحمات طلول (2) *
قال سيدنا: وفى نسيب هذه القصيدة بيت ليس يقصر فى ملاحة الكلام ورشاقته، وأخذه بمجامع القلوب عن البيت الّذي فضله به الجاحظ، وهو:
أأخيب عندك والصّبا لى شافع … وأردّ دونك والشّباب رسولى
وفى مديح هذه القصيدة بيت معروف بفرط الحسن، وهو:
لا تطلبنّ له الشّبيه فإنّه … قمر التأمّل مزنة التأميل
*** وبهذا الإسناد عن يحيى بن البحترىّ قال: انصرفت يوما من مجلس أبى العباس محمد بن يزيد المبرّد/ فقال لى البحترىّ أبى: ما الّذي أفدت يومك هذا من أبى العباس؟ قلت:
أملى عليّ أخبارا حسنة، وأنشدنى أبياتا للحسين بن الضحاك، فقال أبى: أنشدنى الأبيات، فأنشدته:
كأنّى إذا فارقت شخصك ساعة … لفقدك بين العالمين غريب
__________
(1) عذاباته: جوانبه وأهدابه.
(2) ديوانه 2: 205 - 207.
(2/44)

وقد رمت أسباب السّلوّ فخاننى … ضمير عليه من هواك رقيب
أغرّك صفحى عن ذنوب كثيرة … وغضّى على أشياء منك تريب
كأن لم يكن فى النّاس قبلى متيّم … ولم يك فى الدّنيا سواك حبيب
إلى الله أشكو إن شكوت فلم يكن … لشكواى من عطف الحبيب نصيب
فقال: ما أحسن هذا الكلام! وأنشدنى لنفسه:
حبيبى حبيب يكتم النّاس أنّه … لنا حين تلقانا العيون حبيب
يباعدنى فى الملتقى وفؤاده … وإن هو أبدى لى البعاد قريب
ويعرض عنّى والهوى منه مقبل … إذا خاف عينا أو أشار رقيب
فتنطق منّا أعين حين نلتقى … وتخرس منّا ألسن وقلوب
ثم قال: ارويا بنيّ هذين؛ فإنهما من حسن الشّعر وطريفه.
*** روى أحمد بن فارس المنبجيّ عن أبى نصر محمد بن إسحاق النحوىّ قال: سمعت بعض أهل الأدب يقول للزجاج: قد كنت تعرف أبا العباس المبرّد وكبره، وأنه لم يكن يقوم لأحد ولا يتطاول له، وينشد إذا أشرف عليه الرجل:
* ثهلان ذو الهضبات لا يتحلحل (1) *
ولقد رأيته يوما وقد دخل عليه رجل متدرع، فقام إليه أبو العباس فاعتنقه وتنحّى عن موضعه وأجلسه، فجعل الرجل يكفه ويستعفيه من ذلك؛ فلما أكثر من ذلك عليه أنشده أبو العباس:
أتنكر أن أقوم وقد بدا لي … لأكرمه وأعظمه هشام
فلا تنكر مبادرتى إليه … فإنّ لمثله خلق القيام (1)
/ فلما انصرف الرجل سألت عنه فقيل لى هذا البحترىّ.
__________
(1) البيتان والخبر فى طبقات النحويين واللغويين للزبيدى: 114.
(2/45)

مجلس آخر 53
تأويل آية [لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى فى قصة قابيل وهابيل حاكيا عن هابيل: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ؛ [المائدة: 28، 29].
فقال: كيف يجوز أن يخبر عن هابيل- وقد وصفه بالتقوى والطاعة- بأنه يريد أن يبوء أخوه بالإثم؛ وذلك إرادة القبيح، وإرادة القبيح قبيحة عندكم على كل حال؛ ووجه قبحها كونها إرادة لقبيح، وليس قبحها مما يتغير؟
وكيف يصحّ أن يبوء القاتل بإثمه وإثم غيره؟ وهل هذا إلا ما تأبونه من أخذ البريء بجرم السقيم؟
الجواب، قلنا: جواب أهل الحق عن هذه الآية معروف؛ وهو أن هابيل لم يرد من أخيه قبيحا، ولا أراد أن يقتله، وإنما أراد ما خبر الله تعالى عنه من قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ؛ أى إنى أريد أن تبوء بجزاء ما أقدمت عليه من القبيح وعقابه، وليس بقبيح أن يريد نزول العقاب المستحق بمستحقّه. ونظير قوله: «إثمى»؛ مع أن المراد به
عقوبة إثمى؛ الّذي هو قتلى قول القائل لمن يعاقب على ذنب جناه: هذا ما كسبت يداك، والمعنى: هذا جزاء ما كسبت يداك، وكذلك قولهم لمن يدعون عليه: لقّاك الله عملك، وستلقى عملك يوم القيامة، معناه ما ذكرناه.
(2/46)

فإن قيل: كيف يجوز أن يحسن إرادة عقاب غير مستحق لم يقع سببه؛ لأن القتل على هذا القول لم يكن واقعا؟
قلنا: ذلك جائز بشرط وقوع الأمر الّذي يستحقّ به العقاب؛ فهابيل لمّا رأى من أخيه التصميم على قتله، والعزم على إمضاء القبيح فيه، وغلب على ظنه وقوع ذلك جاز أن يريد عقابه؛ بشرط أن يفعل ما همّ به، وعزم عليه.
فأما قوله: بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فالمعنى فيه واضح لأنه أراد بإثمى عقاب قتلك لى وبإثمك أى عقاب المعصية التى أقدمت عليها من قبل؛ فلم يتقبل قربانك لسببها، لأن الله تعالى أخبر عنهما بأنهما: قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما/ وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، وأن العلة فى أن قربان أحدهما لم يتقبل أنه غير متق، وليس يمتنع أن يريد بإثمى ما ذكرناه؛ لأن الإثم مصدر، والمصادر قد تضاف إلى الفاعل والمفعول جميعا، وذلك مستعمل مطرد فى القرآن والشعر والكلام.
فمثال ما أضيف إلى الفاعل قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ؛ [الحج: 40] ومن إضافته إلى المفعول قوله تعالى: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ؛ [فصلت: 51] وقوله تعالى: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ؛ [ص: 24].
ومما جاء فى الشعر من إضافته إلى المفعول ومعه الفاعل قول الشاعر:
أمن رسم دار مربع ومصيف … لعينيك من ماء الشّئون وكيف (1)
__________
(1) البيت للحطيئة، ديوانه: 39؛ وهو مطلع قصيدة يمدح فيها سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص؛ حينما كان واليا على المدينة. الشئون: مجارى الدمع من الرأس إلى العين؛ واحدها شأن، ووكيف:
مصدر وكف، أى سال. وفى حاشية الأصل: » يقول: أأن رسم دارا مربع ومصيف بكيت! والمربع والمصيف واردان مورد المصدر، فلذلك عملا فى رسم دار».
(2/47)

وفى الكلام: يقول القائل: أعجبنى ضرب عمرو خالدا، إذا كان «عمرو» فاعلا، وضرب عمرو خالد إذا كان «عمرو» مفعولا.
وقد ذكر قوم فى الآية وجها آخر؛ وهو أن يكون المراد: إنى أريد زوال أن تبوء بإثمى وإثمك؛ لأنه لم يرد له إلا الخير والرّشد؛ فحذف «الزوال»، وأقام «أن» وما اتصل بها مقامه؛ كما قال تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
بِكُفْرِهِمْ
؛ [البقرة: 93] أراد «حبّ العجل» فحذف «الحب» وأقام «العجل» مقامه، وكما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ؛ [يوسف: 82]، وهذا قول بعيد، لأنه لا دلالة فى الكلام على محذوف، وإنما تستحسن العرب الحذف فى بعض المواضع لاقتضاء الكلام المحذوف ودلالته عليه.
وذكر أيضا وجه آخر وهو أن يكون المعنى: إنى أريد ألّا تبوء بإثمى وإثمك، أى أريد ألّا تقتلنى ولا أقتلك، فحذف «لا» واكتفى بما فى الكلام (1)، كما قال تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا؛ [النساء: 176]، معناه ألّا تضلوا، وكقوله تعالى: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ؛ [النحل: 15]، معناه ألا تميد بكم، وكقول الخنساء:
فأقسمت آسى على هالك … وأسأل نائحة ما لها (2)
أرادت: «لا آسى».
وقال امرؤ القيس:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا … ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى (3)
أراد «لا أبرح».
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): (بباقى الكلام»: .
(2) ديوانها، 202 والرواية هناك:
يد الدّهر آسى على هالك … وأسأل نائحة ما لها.
(3) ديوانه: 58.
(2/48)

وقال عمرو بن كلثوم:
نزلتم منزل الأضياف منّا … فعجّلنا القرى أن تشتمونا (1)
أراد ألّا (2) تشتمونا؛ والشواهد فى هذا كثيرة جدّا.
وهذا الجواب يضعّفه كثير من أهل العربية؛ لأنهم لا يستحسنون إضمار «لا» فى مثل هذا الموضع.
فأما قوله تعالى حاكيا عنه: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ؛ فقال قوم من المفسرين: إن القتل على سبيل الانتصار والمدافعة لم يكن مباحا فى ذلك الوقت؛ وإن الله تعالى أمره بالصبر عليه، وامتحن بذلك، ليكون هو المتولّى للانتصاف.
وقال آخرون: بل المعنى أنك إن بسطت إلى يدك مبتدئا ظالما لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك على وجه الظلم
والابتداء؛ فكأنه نفى عن نفسه القتل القبيح، وهو الواقع على سبيل الظلم.
والظاهر من الكلام بغير ما ذكر من الوجهين أشبه، لأنه تعالى خبّر عنه أنه وإن بسط أخوه إليه يده ليقتله لا يبسط يده ليقتله؛ أى وهو مريد لقتله ومخير (3) إليه؛ لأن هذه اللام بمعنى «كى»، وهى منبئة عن الإرادة والغرض؛ ولا شبهة فى حظر ذلك وقبحه؛ ولأن المدافع إنما تحسن منه المدافعة للظالم طلبا للتخلص (4) من غير أن يقصد إلى قتله أو الإضرار به؛ ومتى قصد ذلك كان فى حكم المبتدئ بالقتل؛ لأنه (5) فاعل القبيح، والعقل شاهد بوجوب التخلص من المضرة بأى وجه يمكن منه؛ بعد أن يكون غير قبيح.
__________
(1) من المعلقة، ص 235 - بشرح التبريزى.
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «لئلا تشتمونا».
(3) حاشية ف (من نسخة): «مختار له».
(4) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «طلبا للنجاة»، م: «طلب التخلص».
(5) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فى أنه».
(2/49)

فإن قيل: فكأنكم تمنعون من حسن امتحان الله تعالى بالصبر على ترك الانتصار والمدافعة وتوجبونهما على كل حال!
قلنا: لا نمنع من ذلك؛ وإنما بيّنا أن الآية غير مقتضية لتحريم المدافعة والانتصاف؛ على ما ذهب إليه قوم؛ لأن قوله: لَأَقْتُلَنَّكَ يقتضي أن يكون البسط لهذا الغرض؛ والمدافعة لا تقتضى ذلك، ولا يحسن من المدافع أن يجرى بها إلى ضرر (1)؛ فلا دلالة فى الآية على تحريم المدافعة، ووجب أن يكون ما ذكرناه أولى بشهادة الظاهر.

تأويل خبر [«لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتمسه النار إلا تحلّة القسم.]
إن سأل سائل عن معنى الخبر الّذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: / «لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتمسه النار إلا تحلّة القسم.
الجواب، قيل له: أما أبو عبيد القاسم بن سلّام فإنه قال: يعنى بتحلّة القسم قوله تعالى:
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا؛ [مريم: 71]، فكأنه قال عليه السلام: لا يرد النار إلا بقدر ما يبرّر الله قسمه.
وأما ابن قتيبة فإنه قال فى تأويل أبى عبيد: هذا مذهب حسن من الاستخراج؛ إن كان هذا قسما.
قال: وفيه مذهب آخر أشبه بكلام العرب ومعانيهم؛ وهو أن العرب إذا أرادوا تقليل مكث الشيء وتقصير مدّته شبهوه بتحلّة القسم؛ وذلك أن يقول الرجل بعد حلفه: إن شاء الله، فيقولون: ما يقيم فلان عندنا إلا تحلّة القسم، وما ينام العليل إلا كتحليل الأليّة، وهو كثير مشهور.
قال ابن أحمر (2) وذكر الريح:
__________
(1) ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «إلى الضرر».
(2) ف: «مزاحم بن أحمر».
(2/50)

إذا عصبت رسما فليس بدائم … به وتد إلا تحلّة مقسم (1)
يقول: لا يثبت الوتد إلّا قليلا كتحلّة القسم، لأن هبوب الريح يقلعه.
وقال آخر (2) يذكر ثورا:
يخفى التّراب بأظلاف ثمانية … فى أربع، مسّهنّ الأرض تحليل (3)
يقول: هو سريع خفيف؛ فقوائمه لا تثبت فى الأرض إلا كتحليل اليمين.
وقال ذو الرّمة:
طوى طيّه فوق الكرى جفن عينه … على رهبات من جنان المحاذر (4)
قليلا كتحليل الألى ثمّ قلّصت … به شيمة روعاء تقليص طائر (5)
والألى: جمع ألوة، وهى اليمين.
قال: ومعنى الخبر على هذا التأويل أن النار لا تسمه إلا قليلا كتحليل اليمين ثم ينجّيه الله منها.
وقال أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ: الصواب قول أبى عبيد، لحجج ثلاث:
منها أن جماعة من كبار أهل العلم فسّروه على تفسير أبى عبيد.
ومنها أنه ادّعى أن النار تمسّ الّذي وقعت منزلته عند الله جليلة، لكن مسّا قليلا، والقليل لا يقع به الألم العظيم؛ وليس صفة الأبرار فى الآخرة صفة من تمسّه النار لا قليلا ولا كثيرا.
__________
(1) حاشية الأصل: «أى ضمته وأحاطت به». وفى ف، ش: «عصفت».
(2) هو عبدة بن الطبيب، من قصيدة له فى المفضليات 135 - 145 (طبعة المعارف).
(3) فى حاشيتى الأصل، ف: «يخفى [بفتح الياء]، أى يظهر ويثير؛ يقال: أخفى إذا ستر، وخفى إذا ظهر». فى أربع: أربع قوائم، فى كل قائمة ظلفان. تحليل: تحلة القسم؛ كأنه أقسم أن يمس الأرض؛ فهو يتحلل من قسمه بأدنى مس.
(4) ديوانه: 264؛ وفى حاشية الأصل: «يصف صاحب سفر أغفى إغفاءة ثم انتبه سريعا».
(5) قلصت؛ أى ارتفعت. والشيمة: الطبيعة. روعاء: حديدة.
(2/51)

ومنها أنّ أبا عبيد لم يحكم على هذا المصاب بولده بمسّ النار، وإنما حكم عليه بالورود، / والورود لا يوجب ألّا يكون من الأبرار؛ لأن «إلّا» معناه الاستثناء المنقطع، فكأنه قال: فتمسّه النار لكن تحلّة اليمين، أى لكن ورود النار لا بدّ منه، فجرى مجرى قول العرب: سار الناس إلا الأثقال، وارتحل العسكر إلّا أهل الخيام، وأنشد الفرّاء:
وسمحة المشى شملال قطعت بها … أرضا يحار بها الهادون ديموما (1)
مهامها وحزونا لا أنيس بها … إلّا الصّوائح والأصداء والبوما (2)
وأنشد الفراء أيضا:
ليس عليك عطش ولا جوع … إلّا الرقاد، والرّقاد ممنوع
فمعنى الحديث: لا يموت للمسلم ثلاثة من الولد فتمسه النار البتة، لكن تحلّة اليمين لا بدّ منها، وتحلّة اليمين الورود، والورود لا يقع فيه مسّ.
وقال أبو بكر: وقد سنح لى فيه قول آخر: وهو أن تكون «إلا» زائدة دخلت للتوكيد، و «تحلّة» اليمين منصوب على الوقت والزمان، ومعنى الخبر: فتمسه النار، وقت تحلّة القسم، و «إلا» زائدة.
قال الفرزدق شاهدا لهذا:
هم القوم إلّا حيث سلّوا سيوفهم … وضحّوا بلحم من محلّ ومحرم (3)
معناه: هم القوم حيث سلّوا سيوفهم، و «إلا» مؤكدة.
وقال الأخطل:
يقطّعن إلّا من فروع يردنها … بمدحة محمود نثاه ونائله (4)
معناه يقطعون من فروع يردنها، والفروع: الواسعة من الأرض.
__________
(1) سمحة المشى: سهلة المشى. والشملال: الناقة السريعة. والديموم والديمومة. الفلاة يدوم السير فيها لبعدها.
(2) لا أنيس بها: لا أحد بها. والضوابح: جمع ضابح، والضباح صوت الثعالب. والأصداء:
جمع صدى، وهو الهامة.
(3) ديوانه 2: 760.
(4) ديوانه: 63 ومن نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «ويقطعن». وفى الديوان:
* إليكم من الأغوار حتى يزرنكم*.
(2/52)

قال سيدنا أدام الله تمكينه: والوجوه المذكورة فى تأويل الخبر كالمتقاربة (1)، إلا أن الوجه الّذي اختص به ابن الأنبارىّ فيه أدنى تعسّف وبعد؛ من حيث جعل «إلّا» زائدة، وذلك كالمستضعف عند جماعة من أهل العربيّة.
وقد تبقّى فى الخبر مسألة، التشاغل بالجواب عنها أولى مما تكلّفه القوم، وهى متوجّهة على كل الوجوه التى ذكروها فى تأويله.
وهو أن يقال: كيف يجوز أن يخبر عليه السلام بأنّ من مات له ثلاثة من الولد لا تمسّه النار إما جملة، أو مقدار تحلة القسم؛ / وهو النهاية فى القلة! أوليس ذلك يوجب أن يكون إغراء بالذنوب لمن هذه حاله! وإذا كان من يموت وله هذا العدد من الأولاد غير خارج عن التكليف، فكيف يصحّ أن يؤمّن من العقاب!
والجواب عن ذلك، أنّا قد علمنا أو لا خروج هذا الخبر مخرج المدحة لمن هذه صفته والتخصيص له والتمييز، ولا مدحة فى مجرد موت الأولاد؛ لأن ذلك لا يرجع إلى فعله، فلا بدّ من أن يكون تقدير الكلام: إنّ النار لا تمسّ المسلم الّذي يموت له ثلاثة أولاد؛ إذا حسن صبره واحتسابه وعزاؤه، ورضاه بما جرى به القضاء عليه؛ لأنه بذلك يستحقّ الثواب والمدح؛ وإذا كان إضمار الصبر والاحتساب لا بدّ منه لم يكن فى القول إغراء؛ لأن كيفية وقوع الصبر والوجه الّذي إذا وقع عليه تفضّل الله سبحانه بغفران ما لعلّه أن يستحقّه من العقاب فى المستقبل وإذا لم يكن معلوما، فلا وجه للاغراء.
وأكثر ما فى هذا الكلام أن يكون القول مرغّبا فى حسن الصبر، وحاثّا عليه رغبة فى الثواب، ورجاء لغفران ما لعلّه أن يستحق فى المستقبل من العقاب؛ وهذا واضح لمن تأمله.
__________
(1) م، «متقاربة».
(2/53)

مجلس آخر 54
تأويل آية [ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً؛ [البقرة: 74].
فقال: ما معنى أَوْ هاهنا؟ أو ظاهرها يفيد الشك الّذي لا يجوز عليه تعالى.
الجواب، قلنا فى ذلك وجوه:
أوّلها أن تكون أَوْ هاهنا للإباحة كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين؛ والق الفقهاء أو المحدّثين، ولم يريدوا الشك؛ بل كأنهم قالوا: هذان الرجلان أهل للمجالسة، وهذان القبيلان أهل للّقاء؛ فإن جالست الحسن فأنت مصيب، وإن جالست ابن سيرين فأنت مصيب، وإن جمعت بينهما فكذلك.
فيكون معنى الآية على هذا: إن قلوب هؤلاء قاسية متجافية عن الرّشد والخير، فإن شبّهتم قسوتها بالحجارة أصبتم، وإن شبّهتموها بما هو أشدّ أصبتم، وإن شبهتموها بالجميع فكذلك.
وعلى هذا يتأوّل قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ؛ [البقرة: 19]، لأن أَوْ لم يرد بها الشكّ بل على نحو الّذي ذكرناه/، من أنكم إن شبهتموهم بالذى استوقد نارا فجائز، وإن شبهتموهم بأصحاب الصيّب فجائز، وإن شبهتموهم بالجميع فكذلك.
وثانيها أن تكون أَوْ دخلت للتفصيل والتمييز، ويكون معنى الآية: إن قلوبهم قست، فبعضها ما هو كالحجارة فى القسوة، وبعضها ما هو أشد قسوة منها.
(2/54)

ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا؛ [البقرة: 135] معناه: وقال بعضهم: كونوا هودا- وهم اليهود- وقال بعضهم: كونوا نصارى وهم النصارى- فدخلت أَوْ للتفصيل.
وكذلك قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ [الأعراف: 4] معناه فجاء بعض أهلها بأسنا بياتا، وجاء بعض أهلها بأسنا فى وقت القيلولة.
وقد يحتمل قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ هذا الوجه أيضا، ويكون المعنى أن بعضهم يشبه الّذي استوقد نارا، وبعضهم يشبه أصحاب الصيب.
وثالثها أن يكون أَوْ دخلت على سبيل الإبهام فيما يرجع إلى المخاطب، وإن كان الله تعالى عالما بذلك غير شاك فيه، لأنه تعالى لم يقصد فى إخبارهم عن ذلك إلا التفصيل؛ بل علم عز وجلّ أن خطابهم بالإجمال أبلغ فى
مصلحتهم، فأخبر تعالى أنّ قسوة قلوب هؤلاء الذين ذمّهم كالحجارة أو أشد قسوة، والمعنى أنها كانت كأحد هذين لا يخرج عنهما.
ويجرى ذلك مجرى قولهم: ما أطعمتك إلا حلوا أو حامضا، فيبهمون على المخاطب ما يعلمون أنه لا فائدة فى تفصيله؛ والمعنى: ما أطعمتك إلا أحد هذين الضّربين.
وكذلك يقول أحدهم: أكلت بسرة أو ثمرة؛ وهو قد علم ما أكل على التفصيل إلا أنه أبهمه على المخاطب، قال لبيد:
تمنّى ابنتاى أن يعيش أبوهما … وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر (1)
أراد: هل أنا إلّا من أحد هذين الجنسين (2)، فسبيلى أن أفنى كما فنيا؛ وإنما حسن ذلك لأن قصده الّذي أجرى إليه، وغرضه الّذي نحاه وهو أن يخبر بكونه ممن يموت ويفنى، ولا يخلّ به إجمال ما أجمل من كلامه، فأضرب عن التفصيل؛ لأنه لا فائدة فيه، ولأنه سواء
__________
(1) ديوانه: 2: 1.
(2) ش «الحيين».
(2/55)

كان من ربيعة أو مضر فموته واجب. وكذلك الآية، لأن الغرض فيها أن يخبر تعالى عن شدة قسوة/ قلوبهم، وأنها مما لا تنثنى لوعظ، ولا تصغى إلى حق، فسواء كانت فى القسوة كالحجارة أو أشد منها، فقد تم ما أجرى إليه من الغرض فى وصفها وذمّها، وصار تفصيل تشبيهها بالحجارة وبما هو أشد قسوة منها كتفصيل كونه من ربيعة أو مضر؛ فى أنه غير محتاج إليه، ولا يقتضيه الغرض فى الكلام.
ورابعها أن تكون أَوْ بمعنى «بل» كقوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (1) [الصافات: 147] معناه: بل يزيدون.
وروى عن ابن عباس فى قوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ؛ قال: كانوا مائة ألف وبضعا وأربعين ألفا. وأنشد الفراء:
بدت مثل قرن الشمس فى رونق الضّحا … وصورتها، أو أنت فى العين أملح (2)
وقد تكون «أم» فى الاستفهام أيضا بمعنى «بل»، كقول القائل: أضربت عبد الله أم أنت رجل متعنت؟ معناه: بل أنت رجل متعنت.
وقال الشاعر:
فو الله ما أدرى أسلمى تغوّلت، … أم النّوم، أم كلّ إلى حبيب!
معناه: بل كلّ.
وقد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال: وكيف يجوز أن يخاطبنا تعالى بلفظة بل؛ وهى تقتضى الاستدراك والنقض للكلام الماضى والإضراب عنه، وليس ذلك بشيء.
أما الاستدراك فإن أريد به الاستفادة أو التذكر لما لم يكن معلوما فليس بصحيح، لأن
__________
(1) فى حاشيتى الأصل، ف: «قال ابن جنى: الغرض فى قوله تعالى: أَوْ يَزِيدُونَ أنهم بحيث يحزرهم الحازر فيقول: هم مائة ألف أو يزيدون، فحكى على موجب الحزر».
(2) ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «وصورتها» بالضم. والمعنى: وصورة الشمس فى العين أملح؛ بل أنت».
(2/56)

أحدنا قد يقول: أعطيته ألفا بل ألفين، وقصدته دفعة بل دفعتين؛ وهو عالم فى ابتداء كلامه بما أخبر به فى الثانى، ولم يتجدد به علم، وإن أريد به الأخذ فى كلام غير الماضى، واستئناف زيادة عليه فهو صحيح؛ ومثله جائز عليه تعالى.
فأما النقض للكلام الماضى فليس بواجب فى كل موضع تستعمل فيه لفظة «بل»، لأن القائل إذا قال: أعطيته ألفا بل ألفين لم ينقض الأول؛ وكيف ينقضه؛ والأول داخل فى الثانى وإنما زاد عليه! وإنما يكون ناقضا للماضى إذا قال: لقيت رجلا بل حمارا؛ وأعطيته درهما بل ثوبا؛ لأن الأول لم يدخل فى الثانى على وجه، وقوله تعالى: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً غير ناقض للأول، لأنها لا تزيد فى القسوة على الحجارة إلا بعد أن تساويها، وإنما/ تزيد المساواة.
وخامسها أن تكون أَوْ بمعنى الواو كقوله: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ؛ [النور: 61]، معناه: وبيوت آبائكم، قال جرير:
نال الخلافة أو كانت له قدرا … كما أتى ربّه موسى على قدر (1)
وقال توبة بن الحمير:
وقد زعمت ليلى بأنّى فاجر … لنفسى تقاها، أو عليها فجورها (2)
وقال جرير أيضا:
أثعلبة الفوارس أم رياحا … عدلت بهم طهيّة والخشابا (3)
أراد: أو رياحا.
__________
(1) ديوانه: 275؛ والبيت من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز؛ مطلعها:
لجّت أمامة فى لومى وما علمت … عرض السماوة روحاتى ولا بكرى.
(2) أمالى القالى: 1: 131.
(3) ديوانه: 66؛ من قصيدته المشهورة التى يذم فيها الراعى؛ ومطلعها:
أقلّى اللوم عاذل والعتابا … وقولى إن أصبت لقد أصابا
-
(2/57)

وقال آخر (1):
فلو كان البكاء يردّ شيئا (2) … بكيت على بجير أو عفاق
على المرأين إذ هلكا جميعا … لشأنهما بشجو واشتياق (3)
أراد على بجير وعفاق.
وقد حكى المفضل بن سلمة هذا الوجه عن قطرب، وطعن عليه بأن قال: ليس شيء يعلم أشدّ قسوة عند المخاطبين من الحجارة، فينسق به عليها (4)؛ وإنما يصح ذلك فى قولهم:
أطعمتك تمرا أو أحلى منه، لأن أحلى منه معلوم.
واختار المفضل الوجه الّذي يتضمن أن أَوْ بمعنى «بل».
وهذا الّذي طعن به المفضّل ليس بشيء، لأنهم وإن لم يشاهدوا أو يعرفوا ما هو أشدّ قسوة من الحجارة فصورة قسوة الحجارة معلومة لهم، ويصحّ أن يتصوروا ما هو أشد قسوة منها، وما له الزيادة عليها؛ لأن قدرا ما إذا عرف صح (5) أن يعرف ما هو أزيد منه أو أنقص،
__________
وهى القصيدة التى تسميها العرب: الفاضحة. والبيت من شواهد الكتاب (1: 52) استشهد به على نصب «ثعلبة»، بإضمار فعل دل عليه ما بعده؛ فكأنه قال: أظلمت ثعلبة، عدلت بهم طهية، ونحوه من التقدير. وأورده أيضا فى (1: 489) شاهدا على دخول «أم» عديلة للألف. وفى حاشية الأصل: «كأنه قال: أأخملت ثعلبة الفوارس فعدلت بهم طهية والخشاب! ».
(1) البيتان فى اللسان (عفق)؛ ونقل عن ابن برى أنهما لمتمم بن نويرة، وعفاق: اسم رجل أكلته باهلة فى قحط أصابهم.
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «ميتا».
(3) رواية اللسان:
هما المرءان إذ ذهبا جميعا … لشأنهما بحزن واشتياق
وذكر أن بسطام بن قيس أغار على بنى يربوع فقتل عفاقا وقتل بجيرا أخاه بعد قتله عفاقا فى العام الأول، وأسر أباهما أبا مليك، ثم أعنقه وشرط عليه ألا يغير عليه؛ قال ابن برى: ويقوى قول من قال إن باهلة أكلته قول الراجز:
إنّ عفاقا أكلته باهله … تمششوا عظامه وكاهله.
(4) حاشية ف: «النسق أن تعطف كلاما على كلام، والنسق الترتيب».
(5) م: «جاز».
(2/58)

لأن الزيادة والنقصان إنما يضافان إلى معلوم معروف، على أن الآية خرجت مخرج المثل، وأراد تعالى بوصف قلوبهم بالزيادة فى القسوة على الحجارة أنها قد انتهت إلى حد لا تلين معه للخير على وجه من الوجوه، وإن كانت الحجارة ربما لانت وانتفع بها، فصارت من هذا الوجه كأنها أشدّ قسوة منها تمثيلا وتشبيها.
فقول المفضل: «ليس يعرفون ما هو أقسى من الحجارة» لا معنى له إذا كان القول على طريق المثل.
وبعد؛ فإن الّذي طعن به على هذا الجواب يعترض على الوجه الّذي اختاره، لأنه إذا اختار أنّ أَوْ فى الآية بمعنى «بل» فكيف جاز بأن يخبرهم بأنّ قلوبهم أشدّ قسوة من الحجارة، وهم لا يعرفون ما هو أقسى من الحجارة! وإذا جاز أن يقول لهم: بل قلوبهم أقسى مما يعرفون من الحجارة جاز أن يخبر عن مثل ذلك بالواو فيقول: قلوبهم كالحجارة التى يعرفون فى القسوة، وهى مع ذلك تزيد عليها.
فإن قال [قائل] (1) كيف يكون أَوْ فى الآية بمعنى الواو، والواو للجمع، وليس يجوز أن تكون قلوبهم كالحجارة، وأشد من الحجارة فى حالة واحدة؛ لأن الشيء إذا كان على صفة لم يجز أن يكون على خلافها!
قلنا: قد أجاب بعضهم عن هذا الاعتراض بأن قال: ليس يمتنع أن تكون قلوبهم كالحجارة فى حال، وأشد من الحجارة فى حال أخرى؛ فيصحّ المعنى، ولا يتنافى، وهذا قريب، ويكون فائدة هذا الجواب أن قلوب هؤلاء فى بعض الأحوال مع القسوة والعدول عن قبول (2) الحق والفكر فيه؛ ربما لانت بعض اللين؛ [وهمّت بالانعطاف، وكادت تصغى إلى الحق فتكون فى هذه الحال كالحجارة التى ربما لانت] (3)، وفى حال أخرى تكون فى نهاية البعد عن الخير (4) والنفور عنه، فتكون فى هذا الحال أشدّ قسوة من الحجارة.
__________
(1) من ف.
(2) م: «تصور».
(3) ساقط من م.
(4) م: «الحق».
(2/59)

على أنه يمكن فى الجواب عن هذا الاعتراض وجه آخر؛ وقد تقدم معناه فى بعض كلامنا، وهو أن قلوبهم لا تكون أشدّ من الحجارة إلا بعد أن يكون فيها قسوة الحجارة؛ لأن القائل إذا قال: فلان أعلم من فلان فقد أخبر أنه زائد عليه فى العلم الّذي اشتركا فيه؛ فلا بدّ من الاشتراك ثم الزيادة، فليس هاهنا تناف على ما ظنّ المعترض، ولا إثبات لصفة ونفيها، فكل هذا واضح (1) بحمد الله.
*** قال سيدنا أدام الله تمكينه: وإنى لأستحسن من الشعر قول الأحوص بن محمد الأنصارىّ:
ومولى سخيف الرّأى رخو تزيده … أناتى، وعفوى (2) جهله عنده ذمّا (3)
دملت، ولولا غيره لأصبته … بشنعاء باق عارها تقر العظما (4)
طوى حسدا ضغنا عليّ كأنّما … أداوى به فى كلّ مجمعة كلما (5)
/ ويجهل أحيانا فلا يستخفّنى … ولا أجهل العتبى إذا راجع الحلما (6)
يصدّ وينأى فى الرّخاء بودّه … ويدعو ويدعونى إذا خشى الهضما
فيفرج عنه أربة الخصم مشهدى … وأدفع عنه عند عثرته الظّلما
الإربة: الدهاء، والإربة: العقدة، وكلا المعنيين يحتمل لفظ البيت-
وكنت امر أعود (7) الفعال تهزّنى … مآثر مجد تالد لم يكن زعما
__________
(1) م: «بين».
(2) ف، حاشية الأصل (من نسخة): «غفرى».
(3) فى حاشيتى الأصل، ف: «أى كلما غفرت جهله زادنى ذما».
(4) دملت: داريت وداجيت؛ ويقال: «ادمل القوم»؛ أى اطوهم على ما فيهم؛ ومنه قول ابن الطيفان:
ومولى كمولى الزّبرقان دملته … كما اندملت ساق يهاض بها الكسر
وتقر العظم: تصدعه وتكسره. وشنعاء، أى قصيدة فى الهجو.
(5) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «أدارى». وبه أى بحطئه، والمجمعة: المجمع.
(6) العتبى: الرضا.
(7) عود الفعال: جليله وعظيمه.
(2/60)

وكنت وشتمى فى أرومة مالك … بسبّى له كالكلب إذ ينبح النجما
ولست بلاق سيّدا ساد مالكا … فتنسبه إلّا أبا لى أو عمّا
ستعلم إن عاديتنى فقع قرقر … أما لا أفدت- لا أبا لك- أو عدما (1)
لقد أبقت الأيّام منّى وحرسها … لأعدائنا ثكلا وحسّادنا رغما (2)
وكانت عروق السّوء أزرت (3) وقصّرت … به أن ينال الحمد فالتمس الذّما
ومن مختار قوله:
إنى إذا خفى اللئام (4) رأيتنى … كالشّمس لا تخفى بكلّ مكان
ما من مصيبة نكبة أمنى بها … إلّا تشرّفنى وتعظم شأنى
وتزول حين تزول عن متخمّط (5) … تخشى بوادره على (6) الأقران
ومن جيد شعره.
خليلان باحا بالهوى فتشاحنت … أقاربها فى وصلها (7) وأقاربه
ألا إنّ أهوى النّاس قربا ورؤية … وريحا إذا ما اللّيل غارت كواكبه
ضجيع دنا منّى جذلت بقربه … فبات يمنّينى وبتّ أعاتبه
وأخبره فى السّرّ بينى وبينه … بأن ليس شيء عند نفسى يقاربه
***
__________
(1) فقع قرقر، أى يا فقع قرقر، والفقع: ضرب من أردأ الكمأة، والقرقر: الأرض الخالية؛ ويشبه به الرجل الذليل؛ يقال: أذل من فقع بقرقر؛ لأن الدواب تنجله بأرضها؛ قال النابغة:
حدّثونى بنى الشّقيقة ما يم … نع فقعا بقرقر أن يزولا.
(2) الحرس: الدهر.
(3) م: «أودت».
(4) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف:
«الرجال».
(5) التخمط: الغضب مع الثورة والجلبة.
(6) البوادر: جمع بادرة وهى ما يبدر من الإنسان عند الشر، وفى ف: «لدى الأقران».
(7) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف:
* أقاربها فى وصله وأقاربه*.
(2/61)

وقد غبّر فى وجه كل من وصف المضاجعة امرؤ القيس حيث يقول (1):
تقول وقد جرّدتها من ثيابها … كما رعت مكحولا من العين أتلعا (2)
وجدّك لو شيء أتانا رسوله … سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا
فبتنا نذود الوحش عنّا كأنّنا … قتيلان لم تعلم لنا النّاس مصرعا (3)
إذا أخذتها هزّة الرّوع أمسكت … بمنكب مقدام على الهول أروعا (4)
وقال على بن الجهم فى وصفه شدة الالتزام:
سقى الله ليلا ضمّنا بعد هجعة … وأدنى فؤادا من فؤاد معذّب (5)
فبتنا جميعا لو تراق زجاجة … من الرّاح فيما بيننا لم تسرّب
ولعبد الصمد بن المعذّل فى هذا المعنى:
كأنّنى عانقت ريحانة … تنفّست فى ليلها البارد (6)
فلو ترانا فى قميص الدّجى … حسبتنا فى جسد واحد
__________
(1) من قصيدة رواها أبو عمرو الشيبانى، وأولها:
جزعت ولم أجزع من البين مجزعا … وغويت قلبا بالكواعب مولعا
وأصبحت ودّعت الصبا غير أننى … أراقب خلّات من العيش أربعا
ولم تذكر فى ديوانه بشرح البطليوسى؛ وهى فى مجموعة أشعار الستة للأعلم ص 79 (مخطوطة المكتبة التيمورية 450 أدب) والأبيات أيضا فى حماسة ابن الشجرى: 195 - 196.
(2) قال الأعلم: «قوله: » كما رعت مكحول المدامع»، أى لما جردتها من ثيابها بدت محاسنها وتبين طول عنقها، كما تبين ذلك من الغزل المروع. والأتلع: الطويل العنق».
(3) بعد هذا البيت فى رواية الأعلم عن أبى عمرو:
تجافى عن المأثور بينى وبينها … وتدنى عليّ السّابرىّ المضلّعا
تجافى: ترفع. والمأثور: السيف الّذي فيه أثر؛ وهو فرند السيف، والسابرىّ: ضرب من الثياب.
والمضلع: الّذي فيه طرائق وشى.
(4) أخذتها هزة الروع: ارتعدت فزعا وهيبة. والمقدام:
الكثير الإقدام على الأهوال. والأروع: المعجب المنظر جمالا وقوة.
(5) ديوانه 95 وحماسة ابن الشجرى: 196.
(6) حماسة ابن الشجرى 196.
(2/62)

ولبشار بن برد:
إنّنى أشتهي لقاءك والل … ه فماذا عليك أن تلقانى
قد تلفّ الرّياح غصنا من الب … ان إلى مثله فيلتقيان
ومثل هذا للبحترىّ:
ولم أنس ليلتنا فى العن … اق لفّ الصّبا بقضيب قضيبا (1)
كما افتنّت الرّيح فى مرّها … فطورا خفوتا، وطورا هبوبا
ولآخر فى مثل هذا بعينه، ولسنا ندرى هل سبق البحترىّ أو تأخر عنه:
وضمّ لا ينهنهه اعتناق … كما التفّ القضيب على القضيب
ولعلى بن الجهم:
وبتنا على رغم الحسود كأنّنا … خليطان من ماء الغمامة والخمر (2)
/ وهذا وإن جعله فى العناق فهو مأخوذ من قول بشار:
وإن نلتقى خلف الغيور كأنّنا … سلاف عقار بالنّقاخ مشوب (3)
والأصل فى هذا قول الأخطل، والناس من بعده على أثره:
من الجازئات الحور مطلب سرّها … كبيض الأنوق المستكنّة فى الوكر (4)
وإنى وإيّاها إذا ما لقيتها … لكالماء من صوب الغمامة والخمر
وقد أخذه أيضا ابن أبى عيينة فقال:
__________
(1) ديوانه 1: 51.
(2) ديوانه 144 وحماسة ابن الشجرى 196، وروايته هناك:
* وبتنا على رغم الوشاة كأنّنا*.
(3) ديوانه 1: 185. والنقاخ: الماء البارد؛ وفى حاشية الأصل: «س: خلف العيون».
(4) ديوانه: 212 الأنوق: الرخمة؛ وفى المثل: «أعزّ من بيض الأنوق»، لأنها تحرزه فلا يكاد يظفر به؛ لأن أوكارها فى رءوس الجبال والأماكن الصعبة.
(2/63)

«1» ذاك إذ روحها وروحى مزاجا … ن كأصفى خمر بأعذب ماء
وأخذه العباس بن الأحنف فقال (1):
ما أنس لا أنس يمناها معطّفة … على فؤادى، ويسراها على راسى (2)
وقولها: ليته ثوب على جسدى … أو ليتنى كنت سربالا لعبّاس (3)
أو ليته كان لى خمرا وكنت له … من ماء مزن، فكنّا الدّهر فى كاس
ومثل هذا للبحترىّ:
وجدت نفسك من نفسى بمنزلة … هى المصافاة بين الماء والرّاح (4)
ولقد أحسن بشار فى قوله:
لقد كان ما بينى زمانا وبينها … كما بين ريح المسك والعنبر الورد
*** أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا أحمد بن محمد المكّى قال حدثنا أبو العيناء قال
__________
(1) ساقط من م.
(2) ديوانه: 90؛ وبعده:
قالت وإنسان ماء العين فى لجج … يكاد ينطق عن كرب ووسواس!
يطفو ويرسو غريقا ما يكفكفه … كفّ، فيا لك من طاف ومن راس.
(3) رواية الديوان:
عبّاس ليتك سربالى على جسدى … أو ليتنى كنت سربالا لعباس
(4) ديوانه: 1: 113؛ وفى حاشية الأصل: وأشد إمعانا منه قوله:
وبتنا جميعا لو تراق زجاجة … من الخمر فيما بيننا لم تسرّب
وقول أبى الجوائز الواسطى رحمه الله:
فاعتنقنا ضمّا يذوب حصى الي … اقوت منه، وتطمّن النهود.
(2/64)

حدثنا العتبىّ عن أبيه قال: سيّر الوليد بن عبد الملك (1) الأحوص إلى دهلك (2)، فكتب الأحوص إلى عمر بن عبد العزيز حين استخلف:
وكيف ترى للنّوم طعما ولذّة … وخالك أمسى موثقا فى الحبائل!
فمن يك أمسى سائلا عن شماتة … ليشمت بى، أو شامتا غير سائل
/ فقد عجمت منّى الحوادث ماجدا … صبورا على غمّاء تلك البلابل
إذا سرّ لم يفرح، وليس لنكبة … ألمّت به بالخاشع المتضايل
فبعث عمر بن عبد العزيز إلى عراك بن مالك، الّذي كان شهد عليه فقال: ما ترى فى هذا البائس؟ فقال عراك: مكانه خير له، فتركه فى موضعه، فلما ولى يزيد بن عبد الملك جلب الأحوص وسيّر عراكا (3).
__________
(1) كذا جاءت الرواية هنا؛ وفى الأغانى 4: 246 (طبعة الدار) أن الأحوص كان ينسب بنساء ذوات أخطار من أهل المدينة ويتغنى فى شعره معبد ومالك، ويشيع ذلك فى الناس، فنهى فلم ينته، فشكى إلى عامل سليمان بن عبد الملك على المدينة، وسألوه الكتاب فيه إليه، ففعل ذلك؛ فكتب سليمان إلى عامله يأمره أن يضربه مائة سوط، ويقيمه على البلس للناس، ثم يصيره إلى دهلك. ففعل ذلك به، فثوى هناك سلطان سليمان بن عبد الملك، ثم ولى عمر بن عبد العزيز فكتب إليه يستأذنه فى القدوم ويمدحه، فأبى أن يأذن له، وكتب فيما كتب إليه به ... ثم أورد الأبيات.
(2) دهلك: جزيرة فى بحر اليمن؛ وهو مرسى بين بلاد اليمن والحبشة.
(3) فى خبر صاحب الأغانى: «فأتى رجال من الأنصار عمر عبد العزيز فكلموه فيه وسألوه أن يقدمه، وقالوا له: قد عرفت نسبه وموضعه وقديمه، وقد أخرج إلى أرض الشرك، فنطلب إليك أن ترده إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودار قومه؛ فقال لهم عمر: فمن الّذي يقول:
فما هو إلا أن أراها فجاءة … فأبهت حتّى ما أكاد أجيب
قالوا: الأحوص. قال: فمن الّذي يقول:
أدور ولولا أن أرى أم جعفر … بأبياتكم مادرت حيث أدور
وما كنت زوّارا ولكنّ ذا الهوى … إذا لم يزر لا بدّ أن سيزور
قالوا: الأحوص، قال فمن الّذي يقول: -
(2/65)

قال سيدنا أدام الله علوه: وإنما كان الأحوص خال عمر بن عبد العزيز من جهة أنّ أمّ عمر هى أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وأمها أنصارية.
فأما قوله «إذا سرّ لم يفرح» فمأخوذ من قول لقيط بن زرارة:
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده، … وليس إن عضّ مكروه به خشعا (1)
وللأحوص:
وببطن مكّة لا أبوح به … قرشيّة غلبت على قلبى
ولو أنّها إذ مرّ موكبها … يوم الكديد أطاعنى صحبى (2)
قلنا لها: حيّيت من شجن … ولركبها: حيّيت من ركب
والشّوق أقتله برؤيتها … قتل الظّما بالبارد العذب
والنّاس إن حلّوا جميعهم … شعبا- سلام، وأنت فى شعب (3)
__________
كأنّ لبنى صبير غادية … أو دمية زيّنت بها البيع
الله بينى وبين قيّمها … يفرّ منّى بها وأتّبع
قالوا: الأحوص، قال: بل الله بينها وبين قيمه. قال: فمن الّذي يقول:
ستبلى لكم فى مضمر القلب والحشا … سريرة حبّ يوم تبلى السّرائر
قالوا: الأحوص. قال: إن الفاسق عنها يومئذ لمشغول، والله لا أرده ما كان لى سلطان. فمكث هناك بقية ولاية عمر وصدرا من ولاية يزيد بن عبد الملك. قال فبينا يزيد وجاريته حبابة ذات ليلة على سطح تغنيه بشعر الأحوص، فقال لها: من يقول هذا الشعر؟ قالت: لا وعينيك ما أدرى- وقد كان ذهب من الليل شطره- فقال: ابعثوا إلى ابن شهاب الزهرى فعسى أن يكون عنده علم من ذلك، فأتى الزهرى فقرع عليه بابه، فخرج مروعا إلى يزيد، فلما صعد إليه قال له يزيد: لا ترع، لم ندعك إلا لخير، اجلس، من يقول هذا الشعر؟ قال: الأحوص بن محمد يا أمير المؤمنين، قال: ما فعل؟ قال: طال حبسه بدهلك قال: قد عجبت لعمر كيف أغفله. ثم أمر بتخلية سبيله ووهب له أربعمائة دينار، فأقبل الزهرى
من ليلته إلى قومه من الأنصار فبشرهم بذلك».
(1) مختارات ابن الشجرى: 5.
(2) حاشية الأصل: «خبر» إن» قوله: «أطاعنى صحبى».
والعائد إلى الاسم الهاء من «موكبها» والتقدير: ولو أنها أطاعنى صحبى إذا مر موكبها يوم الكديد».
(3) حاشية الأصل (من نسخة): «وأنت فى شعب».
(2/66)

لحللت شعبك دون شعبهم … ولكان قربك منهم حسبى (1)
قوله:
* والشوق أقتله برؤيتها*
نظير قول جرير:
فلما التقى الحيّان ألقيت العصا … ومات الهوى لمّا أصيبت مقاتله (2)
__________
(1) فى حاشيتى الأصل، ف: «فى هذه الأبيات:
ثنتان لا أدنو لوصلهما … عرس الخليل وجارة الجنب
أما الخليل فلست خائنه … والجار قد أوصى به ربّى.
(2) ديوانه: 478.
(2/67)

مجلس آخر 55
تأويل آية [وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، [البقرة: 31].
فقال: كيف يأمرهم أن يخبروا بما لا يعلمون، أوليس ذلك أقبح من تكليف ما لا يطاق؛ الّذي تأبونه؛ والّذي جوّز (1) أن يكلّف تعالى مع ارتفاع القدرة لا يجوّزه.
/ الجواب، قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجهان:
أحدهما أنّ ظاهر الآية إن كان أمرا يقتضي التّعلّق بشرط، وهو كونهم صادقين عالمين بأنهم إذا أخبروا عن ذلك صدقوا- فكأنه قال لهم: خبّروا بذلك إن علمتموه؛ ومتى رجعوا إلى نفوسهم فلم يعلموا، فلا تكليف عليهم. وهذا بمنزلة أن يقول القائل لغيره: خبّرنى بكذا وكذا إن كنت تعلمه، أو إن كنت تعلم أنك صادق فيما تخبر به عنه.
فإن قيل: أليس قد قال المفسرون فى قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إنّ المراد به: إن كنتم تعلمون بالعلّة التى من أجلها جعلت فى الأرض خليفة، أو إن كنتم صادقين فى اعتقادكم أنكم تقومون بما أنصب الخليفة له، وتضطلعون به، وتصلحون له؟ .
قلنا: قد قيل كل ذلك، وقيل أيضا ما ذكرناه؛ وإذا كان القول محتملا للأمرين جاز أن يبنى الكلام على كل واحد منهما؛ وهذا الجواب لا يتمّ إلّا لمن يذهب إلى أن الله تعالى يصحّ أن يأمر العبد بشرط قد علم أنه لا يحصل، ولا يحسن أن يريد منه الفعل على هذا
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «ومن يجوّز».
(2/68)

الوجه؛ ومن ذهب إلى جواز ذلك صحّ منه أن يعتمد على هذا الجواب.
فإن قيل: فأىّ فائدة فى أن يأمرهم بأن يخبروا عن ذلك بشرط أن يكونوا صادقين، وهو عالم بأنهم لا يتمكنون من ذلك لفقد علمهم به؟
قلنا: لمن ذهب إلى الأصل الّذي ذكرناه أن يقول: لا يمتنع أن يكون الغرض فى ذلك هو أن ينكشف بإقرارهم وامتناعهم من الإخبار بالأسماء ما أراد تعالى بيانه من استئثاره بعلم الغيب، وانفراده بالاطلاع على وجوه المصالح فى الدين.
فإن قيل: فهذا يرجع إلى الجواب الّذي تذكرونه من بعد؟ قلنا: هو وإن رجع إلى هذا المعنى فبينهما فرق (1) من حيث كان هذا الجواب، على تسليم أنّ الآية تضمنت الأمر والتكليف الحقيقيين.
والجواب الثانى لا نسلّم فيه أنّ القول أمر على الحقيقة، فمن هاهنا افترقا.
والجواب (2) الثانى أن يكون الأمر (3) وإن كان ظاهره ظاهر أمر، فغير أمر على الحقيقة؛ بل المراد به التقرير والتنبيه على مكان الحجة؛ وقد يرد بصورة الأمر ما ليس بأمر، / والقرآن والشعر [وكلام العرب مملوء بذلك] (4).
وتلخيص هذا الجواب أنّ الله تعالى لما قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ؛ [البقرة: 30]؛ أى مطّلع من مصالحكم، وما هو أنفع لكم فى دينكم على ما لا تطّلعون عليه. ثم أراد التنبيه على أنه لا يمتنع أن يكون غير الملائكة- مع أنها تسبح وتقدّس وتطيع ولا تعصى- أولى بالاستخلاف فى الأرض؛ وإن
__________
(1) م: «والوجه الثانى».
(2) د، ف: «بون».
(3) حاشية ف (من نسخة): «القول».
(4) حاشية الأصل (من نسخة): «وأخبار العرب مملوءة بذلك».
(2/69)

كان فى ذريته من يفسد ويسفك الدماء. فعلّم آدم عليه السلام أسماء جميع الأجناس، أو أكثرها (1) ثم قال: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ مقررا لهم ومنبها على ما ذكرناه، ودالا على اختصاص آدم بما لم يخصّوا به. فلما أجابوه بالاعتراف والتسليم إليه علم الغيب الّذي لا يعلمونه، فقال تعالى لهم أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة: 33] منبّها على أنه تعالى هو المنفرد بعلم المصالح فى الدين، وأن الواجب على كل مكلف أن يسلم لأمره، ويعلم أنه لا يختار لعباده إلا ما هو أصلح لهم فى دينهم؛ علموا وجه ذلك أم جهلوه.
وعلى هذا الجواب يكون قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ محمولا على كونهم صادقين فى العلم بوجه المصلحة فى نصب الخليفة، أو فى ظنهم أنهم يقومون بما يقوم به هذا الخليفة، ويكملون له؛ فلولا أن الأمر على ما ذكرناه، وأنّ القول لا يقتضي التكليف لم يكن لقوله تعالى بعد اعترافهم وإقرارهم: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ معنى، لأن التكليف الأول لا يتغير حاله بأن يخبرهم آدم عليه السلام بالأسماء، ولا يكون قوله: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر الآية إلّا مطابقا لما ذكرناه من المعنى؛ دون معنى التكليف؛ فكأنه قال تعالى: إذا كنتم لا تعلمون هذه الأسماء، فأنتم عن علم الغيب أعجز؛ وبأن تسلموا الأمر لمن يعلمه ويدبّر أمركم بحسبه أولى.
فإن قيل: فكيف علمت الملائكة بأن فى ذرية آدم عليه السلام من يفسد فى الأرض، ويسفك الدماء؟ وما طريق علمها بذلك؟ / وإن كانت غير عالمة فكيف يحسن أن تخبر عنه بغير علم!
قلنا: قد قيل إنها لم تخبر وإنما استفهمت؛ فكأنها قالت متعرفة: أتجعل فيها من يفعل كذا وكذا.
__________
(1) م: بعد هذه الكلمة: «وقيل أسماء محمد صلى الله عليه وآله والأئمة من ولده وسلم، وفيه أحاديث مروية».
(2/70)

وقيل: إن الله تعالى أخبرها بأنه سيكون من ذرّية هذا المستخلف من يعصى ويفسد فى الأرض: فقالت على وجه التعرف لما فى هذا التدبير من المصلحة والاستفادة لوجه الحكمة فيه: أتجعل فيها من يفعل كذا وكذا؟
وهذا الجواب الأخير يقتضي أن يكون فى أول الكلام حذف ويكون التقدير: وإذ قال ربّك للملائكة إنّى جاعل فى الأرض خليفة، وإنى عالم أن سيكون من ذريته من يفسد فيها، ويسفك الدماء، فاكتفى عن إيراد هذا المحذوف بقوله تعالى: قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ لأن ذلك دلالة على الأول؛ وإنما حذفه اختصارا.
وفى جملة جميع الكلام اختصار شديد، لأنه تعالى لما حكى عنهم قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ كان فى ضمن هذا الكلام: فنحن على ما نظنه ويظهر لنا من الأمر أولى بذلك لأنا نطيع وغيرنا يعصى.
وقوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ يتضمن أيضا أننى أعلم من مصالح المكلّفين ما لا تعلمونه، وما يكون مخالفا لما تظنونه على ظواهر الأمور.
وفى القرآن من الحذوف العجيبة، والاختصارات الفصيحة ما لا يوجد فى شيء من الكلام؛ فمن ذلك قوله تعالى فى قصة يوسف عليه السلام والناجى من صاحبيه فى السجن عند رؤيا البقر السمان والعجاف: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ؛ [يوسف: 45]، [ففعلوا، فأتى يوسف، فقال له] (1): يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ؛ [يوسف: 46] [ولو بسط الكلام فأورد محذوفه لقال أنا أنبئكم بتأويله، فأرسلون ففعلوا، فأتى يوسف فقال له: يا يوسف أيها الصديق أفتنا (2)].
ومثله قوله فى الأنعام، قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؛ [الأنعام: 14]: أى، وقيل لى: ولا تكونن من المشركين.
__________
(1) ساقط من م.
(2) تكملة من ف.
(2/71)

وكذلك قوله تعالى فى قصة سليمان عليه والسلام: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ، وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ
وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ
إلى قوله: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: 12، 13]، أى وقيل لهم: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً.
وقال جرير:
/ وردتم على قيس بخور مجاشع … فبؤتم على ساق بطيء جبورها (1)
أراد: فبؤتم على ساق مكسورة بطيء جبورها، كأنه لما كان فى قوله: «بطيء جبورها» دليل على الكسر اقتصر عليه.
وقال عنترة:
هل تبلغنّى دارها شدنيّة … لعنت بمحروم الشّراب مصرّم (2)
يعنى ناقته؛ ومعنى «لعنت» دعاء عليها بانقطاع لبنها وجفاف ضرعها، فصار (3) كذلك هذا كله (4)؛ والناقة إذا كانت لا تنتج كان أقوى لها على السير. قال: تأبط شرا- ويروى للشنفرى:
__________
(1) ديوانه: 268؛ وفى حاشية الأصل: «قبله:
ألم تر قيسا حين خارت مجاشع … تجير، وما إن تبتغى من يجيرها
بنى دارم من ردّ خيلا مغيرة … غداة الصّفا لم ينج إلّا عشورها
وردتم .... … البيت
ومجاشع هو مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن عمرو بن تميم» وخور: جمع خوار، والخور:
الضعف، وناقة خوارة، والجمع أيضا خور». من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فبؤتم».
(2) من المعلقة؛ ص 183 - بشرح التبريزى. والشدنية: ناقة نسبت إلى شدن؛ موضع باليمن، وقيل: هو فحل كان باليمن، تنسب إليه الإبل: والمصرم: الّذي أصاب أخلافه شيء فقطعه؛ من صرار أو غيره.
(3) حاشية الأصل (من نسخة): «فصارت».
(4) من نسخة بحاشية الأصل، ف: «فحذف هذا كله».
(2/72)

فلا تدفنونى إنّ دفنى محرّم … عليكم، ولكن خامرى أمّ عامر (1)
لأنه أراد: فلا تدفنونى بل دعونى تأكلنى التى يقال لها: خامرى أم عامر؛ وهى الضّبع.
وقال أوس بن حجر:
حتّى إذا الكلّاب قال لها … كاليوم مطلوبا ولا طلبا (2)
أراد: «لم أر كاليوم»، فحذف.
وقال أبو دؤاد الإيادىّ:
إنّ من شيمتى لبذل تلادى … دون عرضى، فإن رضيت فكونى
أراد: فكونى معى على ما أنت عليه، وإن سخطت فبينى فحذف هذا كلّه.
وقال الآخر:
إذا قيل سيروا إنّ ليلى لعلّها … جرى دون ليلى مائل القرن أعضب (3)
أراد لعلّها قريب، وهذا يتسع؛ وهو أكثر من أن يحيط (4) به قول. والحذف غير الاختصار. وقوم يظنون أنهما واحد؛ وليس كذلك لأن الحذف يتعلق بالألفاظ؛ وهو أن تأتى بلفظ يقتضي غيره ويتعلق به، ولا يستقلّ بنفسه؛ ويكون فى الموجود دلالة على المحذوف، فتقتصر عليه طلبا للاختصار، والاختصار يرجع إلى المعانى وهو أن تأنى بلفظ مفيد لمعان كثيرة لو عبّر عنها بغيره لاحتيج إلى أكثر من ذلك اللفظ، فلا حذف إلا وهو اختصار، وليس كل اختصار حذفا.
__________
(1) شعر الشنفرى 1: 36 (ضمن الطرائف الأدبية للأستاذ عبد العزيز الميمنى)، وانظر تحقيق نسبة البيت هناك والرواية فيه: «أبشرى أم عامر». وأورد بعده:
إذا احتملوا رأسى وفى الرأس أكثرى … وغودر عند الملتقى ثم سائرى
هنالك لا أرجو حياة تسرّنى … سجيس الليالى مبسلا بالجرائر.
(2) ديوانه: 2.
(3) فى حاشيتى الأصل، ف «يعنى به الوحشى من الأوعال».
(4) ف وحاشية الأصل (من نسخة): «نحيط به»، ومن نسخة أيضا بحاشيتى الأصل، ف:
«أن يضبط».
(2/73)

فمثال الحذف قوله: «ولكن خامرى أمّ عامر» ونظائره مما أنشدناه؛ لأن القول غير مستغن بنفسه؛ بل يقتضي كلاما آخر غير أنه لما كان فيه دلالة على ما حذف حسن استعماله.
ومثال الاختصار الّذي ليس بحذف قول الشاعر:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم … قبر ابن مارية الكريم المفضل (1)
أراد أنهم أعزاء مقيمون بدار مملكتهم، لا ينتجعون كالأعراب؛ فاختصر هذا المبسوط فى قوله: «حول قبر أبيهم».
ومثله قول عدىّ بن زيد:
عالم بالذى يريد نقى الصّد … ر وعفّ على جثاه نحور (2)
وفى معنى الاختصار قول أوس بن حجر:
وفتيان صدق لا تخمّ لحامهم … إذا شبّه النّجم الصّوار النّوافرا
فقوله: «لا تخم لحامهم» لفظ مختصر؛ ولو بسطه لقال: إنهم لا يدّخرون اللحم ولا يستبقونه فيخمّ، (3) بل يطعمونه الأضياف والطّرّاق.
ومعنى قوله:
* إذا شبّه النّجم الصّوار النّوافرا*
يعنى فى شدة البرد وكلب الشتاء؛ والثريا تطلع فى هذا الزمان عشاء، كأنها صوار متفرق.
__________
(1) ديوانه: 80؛ وهى مارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة.
(2) اللسان (جثا). وفى حاشيتى الأصل، ف: «قوله «جثاه»: تراب كان يجمع ويجعل عليه حجارة وينحر عليها الأصنام؛ يريد أنه طائع متدين؛ ويروى: على جباه»؛ وهى الحياض. والجابية:
شيء مثل الحوض يجعل فيها الماء للإبل؛ وجمعها الجوابى».
(3) فى حاشيتى الأصل، ف: «خم اللحم يخم»، وأخم يخم: إذا أنتن».
(2/74)

وهذا أيضا أكثر من أن يحصى، وإنما فضّل الكلام الفصيح بعضه على بعض؛ لقوّة حظه من إفادة المعانى الكثيرة بالألفاظ المختصرة.
فأما قوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ بعد ذكر الأسماء التى لا تليق بها هذه الكناية، فالمراد به أنه عرض المسمّيات؛ لأن الكناية لا تليق بالأسماء، ولا بدّ من أن تكون تلك المسميات، أو فيها ما يجوز (1) أن يكنّى عنه بهذه الكناية؛ لأنها لا تستعمل إلّا فى العقلاء ومن يجرى مجراهم.
وقيل إن فى قراءة أبىّ: ثمّ عرضها وفى قراءة عبد الله بن مسعود: ثمّ عرضهنّ وعلى هاتين القراءتين يصلح أن
تكون عبارة عن الأسماء.
وقد يبقى فى هذه الآية سؤال لم نجد أحدا ممّن تكلم فى تفسير القرآن، ولا فى متشابهه ومشكله تعرّض له؛ وهو من مهمّ ما يسأل عنه.
وذلك أن يقال: من أين علمت الملائكة لما خبّرها آدم عليه السلام بتلك الأسماء صحة قوله، ومطابقة الأسماء للمسمّيات؛ وهى لم تكن عالمة بذلك من قبل؛ إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء؛ ولم تعترف بفقد العلم؛ والكلام يقتضي أنّهم لما أنبأهم آدم بالأسماء/ علموا صحتها ومطابقتها للمسميات؛ ولولا ذلك لم يكن لقوله: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ معنى، ولا كانوا مستفيدين بذلك نبوّته وتمييزه واختصاصه بما ليس لهم؛ لأنّ كلّ ذلك إنما يتمّ مع العلم دون غيره.
والجواب أنّه غير ممتنع أن يكون الملائكة فى الأوّل غير عارفين بتلك الأسماء؛ فلما أنبأهم آدم عليه السلام بها فعل الله لهم فى الحال العلم الضرورى بصحتها ومطابقتها للمسميات؛ إما عن طريق أو ابتداء بلا طريق؛ فعلموا بذلك تميّزه (2) واختصاصه؛ وليس لأحد أن يقول:
إن ذلك يؤدى إلى أنهم علموا نبوّته اضطرارا؛ وفى هذا منافاة طريقة التكليف؛ وذلك أنّه ليس فى علمهم بصحة ما أخبر به ضرورة ما يقتضي العلم بالنبوّة ضرورة، بل بعده
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «من يجوز».
(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «تمييزه».
(2/75)

درجات ومراتب لا بدّ من الاستدلال عليها؛ ويجرى هذا مجرى أن يخبر أحدنا نبىّ بما فعل على سبيل التفصيل على وجه يخرق العادة؛ وهو وإن كان عالما بصدق خبره ضرورة لا بدّ له من الاستدلال فيما بعد على نبوّته، لأنّ علمه بصدق خبره ليس هو العلم بنبوّته، لكنه طريق يوصل إليها على ترتيب.
ووجه آخر وهو أنه لا يمتنع أن يكون للملائكة لغات مختلفة، فكلّ قبيل منهم يعرف أسماء الأجناس فى لغته دون لغة غيره، إلّا أن يكون إحاطة عالم واحد لأسماء الأجناس فى جميع لغاتهم خارقة للعادة، فلما أراد الله تعالى التنبيه على نبوّة آدم علّمه جميع تلك الأسماء، فلما أخبرهم بها علّم كل فريق مطابقة ما خبّر به من الأسماء للغته، وهذا لا يحتاج فيه إلى الرجوع إلى غيره، وعلم مطابقته ذلك لباقى اللغات يخبر كل قبيل، ولا شكّ فى أنّ كل قبيل إذا كانوا كثيرة (1)، وخبّروا بشيء يجرى هذا المجرى علم مخبرهم، وإذا أخبر كلّ قبيل صاحبه علم من ذلك فى لغة غيره
ما علمه من لغته.
وهذا الجواب يقتضي أن يكون قوله: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ أى ليخبرنى كلّ قبيل منكم بجميع هذه الأسماء.
وهذان الجوابان جميعا مبنيّان على أن آدم عليه السلام مقدّم له العلم بنبوّته، وأن إخباره بالأسماء كان افتتاح معجزاته (2)، لأنه لو كان نبيا قبل ذلك، وكانوا قد علموا بقدم ظهور معجزات على يده لم يحتج إلى هذين الجوابين معا، لأنهم يعلمون إذا كانت الحال هذه مطابقة الأسماء للمسميات بعد أن لم يعلموا ذلك بقوله الّذي قد أمنوا به فيه غير الصدق، وهذه بيّن لمن تأمله.
*** قال سيدنا أدام الله علوّه: رأيت قوما ممن تكلم على معانى الشعر، يذكرون فى بيت حسان بن ثابت:
__________
(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «كثرة».
(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «افتتاحا لمعجزاته».
(2/76)

لم تفتها شمس النّهار بشيء … غير أنّ الشّباب ليس يدوم (1)
أن المراد به الاعتذار من كبرها وعلوّ سنها، فكأنه قال: «لم تفتها شمس النهار بشيء» غير أنها كبيرة طاعنة فى السن، وعذرها فى ذلك أنّ الشباب ليس يدوم لأمثالها. وهذا الّذي ذكروه ليس بشيء، والأشبه والأولى أن يكون مراد حسّان أنّ شمس النهار لم تفتها بشيء غير أنّ شبابها مما لا يدوم، ولا بدّ من أن يلحقها الهرم الّذي لا يلحق الشمس، ولم يرد أنها فى الحال كذلك، وكيف يريد ما توهموه مع قوله:
يا لقوم (2) هل يقتل المرء مثلى … واهن البطش والعظام سئوم!
شأنها العطر والفراش ويعلو … ها لجين ولؤلؤ منظوم
لو يدبّ الحولىّ من ولد الذّرّ … عليها لأندبتها الكلوم (3)
وهذه الأوصاف لا تليق بمن طعن فى السنّ من النساء، ولا يوصف بمثلها إلّا الصبيان والأحداث.
ومن العجائب أنّ هذا الاستخراج على ركاكته مسند إلى الأصمعىّ، وما أولى من يكون نتيجة تغلغله، وثمرة توصله مثل هذه الثمرة بالإضراب عن استخراج المعانى والبحث عنها!
ومما فسّره أصحاب المعانى على وجه، وهو بغيره أشبه، وأقلّ الأحوال أن يكون محتملا للأمرين، فلا يقصر على أحدهما قول الخنساء:
يا صخر ورّاد ماء قد تناذره … أهل الموارد ما فى ورده عار (4)
/ لأنهم يقولون: مرادها بالبيت ما فى ترك ورده عار، يظنون أنه متى لم يحمل على ذلك لم يكن له فائدة، ولا فيه مدح، ويجرونه مجرى قول المرقّش (5):
__________
(1) ديوانه: 99، والرواية فيه «لم تفقها».
(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «يا لقومى».
(3) أندبتها: أثرت فيها وجرحتها.
(4) ديوانها: 75.
(5) هو المرقش الأكبر، والبيت فى المفضليات: 239 (طبعة المعارف). ووراء هنا بمعنى أمام؛ ومنه قوله تعالى: وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ. وما يعلم: عاقبة عمله؛ أو الهرم والكبر والضعف.
(2/77)

ليس على طول الحياة ندم … ومن وراء المرء ما يعلم
وليس الأمر كما ظنّوه، لأنه يحتمل أن يريد أنه لا عار فى ورده على ظاهر الكلام والفائدة فيه ظاهرة لأن البيت وإن تضمّن ذكر ورود الماء فهو كناية عن ركوب الأمور الصعاب التى من جملتها إيراد الماء غلبة وقهرا، فكأنها قالت: إنك تورد ماء قد تناذره الناس، وتركب أمرا صعبا قد نكل عنه الخلق، ولك بذلك حظ فى الشجاعة والبسالة، ومع ذلك فلا عار عليك فى ركوبه، لأنّه ربما فعل الإنسان فعلا يحوز به أكثر الحظ من الشجاعة وإن لحقه بعض العار، من قطيعة رحم، أو نكث عهد، أو ما جرى هذا المجرى، فكأنها نفت عن فعله وجوه العار.
وليس يجرى ذلك مجرى قول المرقّش:
* ليس على طول الحياة ندم*
لأن البيت متى لم يحمل على أن المراد به: ليس على فوت طول الحياة ندم، لم يفد شيئا، وقد بينا فائدة قول الخنساء إذا كان المراد ما ذكرناه.
(2/78)

مجلس آخر 59
تأويل آية [وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: 45].
قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجوه:
أولها أن يكون المعنى: وسل تبّاع من أرسلنا من قبلك من رسلنا؛ ويجرى ذلك مجرى قولهم: السخاء حاتم، والشعر زهير؛ وهم يريدون السخاء سخاء حاتم، والشعر شعر زهير وأقاموا حاتما مقام السخاء المضاف إليه؛ ومثله قوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [البقرة: 177]، ومثله قول الشاعر:
لهم مجلس صهب السّبال أذلّة … سواسية أحرارها وعبيدها
والمأمور بالسؤال فى ظاهر الكلام النبي عليه وآله السلام؛ وهو فى المعنى لأمته؛ لأنه عليه السلام لا يحتاج إلى السؤال؛ لكنه خوطب خطاب أمته، كما قال تعالى: المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ/ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: 1، 2]، فأفرده الله تعالى بالمخاطبة، ثم رجع إلى خطاب أمته فقال: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: 2]، وفى موضع آخر: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ [الأحزاب: 1] فخاطبه عليه السلام والمعنى لأمته، لأنه بيّن بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [الأحزاب: 2]، وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: 1] فوحّد وجمع فى موضع واحد وذلك للمعنى الّذي ذكرناه.
(2/79)

وقال الكميت:
إلى السّراج المنير أحمد لا … تعدلنى رغبة ولا رهب
عنه إلى غيره ولو رفع النّا … س إلى العيون وارتقبوا
لو قيل أفرطت بل قصدت ولو عن … فنى القائلون، أو ثلبوا
لجّ بتفضيلك اللّسان ولو أك … ثر فيك الضّجاج واللّجب
أنت المصفّى المهذّب المحض فى التش … بيه إن نصّ قومك النسب (1)
فظاهر الخطاب للنبى عليه السلام، والمقصود به أهل بيته عليهم السلام، لأن أحدا من المسلمين لا يمتنع من تفضيله عليه السلام والإطناب فى وصف فضائله ومناقبه؛ ولا يعنّف فى ذلك أحد، وإنما أراد الكميت: وإن أكثر فى أهل بيته وذويه السلام الضجاج واللجب والتقريع والتعنيف، فوجّه القول (2) إليه والمراد غيره، ولذلك وجه صحيح وهو أنّ المراد بموالاتهم والانحياز إليهم والانقطاع إلى حبهم؛ لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو المقصود بذلك أجمع جاز أن يخرج الكميت الكلام هذا المخرج، ويضعه هذا الموضع. وقيل إن المراد بتبّاع الأنبياء الذين أمر بمسألتهم هم مؤمنو أهل الكتاب (3) كعبد الله ابن سلام ونظرائه، وليس يمتنع أن يكون هو عليه السلام المأمور بالمسألة على الحقيقة كما يقتضيه ظاهر الخطاب، وإن لم يكن شاكا فى ذلك، ولامر تابا به.
ويكون الوجه فيه تقرير أهل الكتاب به، وإقامة الحجة عليهم باعترافهم، أو لأنّ بعض مشركى العرب أنكر أن تكون كتب الله تعالى المتقدمة وأنبياؤه الآتون بها دعت إلى التوحيد، فأمر عليه السلام بتقرير أهل الكتاب (4) / بذلك دعت لنزول الشبهة عمن اعترضته.
والجواب الثانى أن يكون السؤال متوجها إليه عليه السلام دون أمته، والمعنى: إذا لقيت
__________
(1) نص: رفع.
(2) فى حاشية الأصل: «نسخة ش: فوجه القول»، بالإضافة.
(3) ف: «أهل الكتب».
(4) من نسخة بحاشية الأصل: «الكتاب».
(2/80)

النبيين فى السماء فاسألهم عن ذلك؛ لأن الرواية قد وردت بأنه صلى الله عليه وآله لقى النبيين فى السماء فسلّم عليهم وأمّهم؛ ولا يكون أمره بالسؤال، لأنه كان شاكا، لأن مثل ذلك لا يجوز عليه الشكّ فيه؛ لكن لبعض المصالح الراجعة إلى الدين؛ إمّا لشيء يخصه عليه السلام، أو يتعلّق ببعض الملائكة الذين يستمعون ما يجرى بينه وبين النبيين من سؤال وجواب.
والجواب الثالث ما أجاب به ابن قتيبة، وهو أن يكون المعنى: وسل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا- يعنى أهل الكتاب. وهذا الجواب- وإن كان يوافق فى المعنى الجواب الأول- فبينهما خلاف فى تقدير الكلام وكيفية تأويله، فلهذا صارا مفترقين.
وقد ردّ على ابن قتيبة هذا الجواب، وقيل إنه أخطأ فى الإعراب؛ لأن لفظة «إليه» لا يصح إضمارها فى هذا الموضع؛ لأنهم لا يجيزون: «الّذي جلست عبد الله»، على معنى «الّذي جلست إليه»، لأن «إليه» حرف منفصل عن الفعل، والمنفصل لا يضمر، فلما كان القائل إذا قال: «الّذي أكرمت إياه عبد الله» لم يجز أن يضمر «إياه»؛ لانفصاله من الفعل كانت لفظة «إليه» منزلته.
وكذلك لا يجوز: «الّذي رغبت محمد»، بمعنى «الّذي رغبت فيه محمد»؛ لأن الإضمار إنما يحسن فى الهاء المتعلقة بالفعل كقولك: «الّذي أكلت طعامك»، و «الّذي لقيت صديقك»، معناهما:
الّذي أكلته ولقيته.
وقال الفراء: إنما حذفت «الهاء» لدلالة الّذي عليها. وقال غيره فى حذفها غير ذلك؛ وكلّ هذا ليس مما تقدم فى
شيء، فصحّ أن جواب ابن قتيبة مستضعف، والمعتمد على ما تقدم.
(2/81)

تأويل خبر [«كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه»]
إن سأل سائل عن معنى ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: «كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه».
قلنا: أمّا أبو عبيد القاسم بن سلّام فإنه قال فى تأويل هذا الخبر: سألت محمد بن الحسن عن تفسيره/ فقال: كان هذا فى أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، ويؤمر المسلمون بالجهاد.
قال أبو عبيد: كأنه يذهب إلى أنه لو كان يولد على الفطرة، ثم مات قبل أن ينصّره أبواه ويهوّداه ما ورّثاه، وكذلك لو ماتا قبله ما ورّثهما، لأنه مسلم وهما كافران؛ وما كان أيضا يجوز أن يسبى، فلما نزلت الفرائض وجرت السّنن بخلاف ذلك علم أنه يولد على دين أبويه.
قال أبو عبيد: وأما عبد الله بن المبارك فإنه قال: هو بمنزلة الحديث الآخر الّذي يتضمّن أنه عليه السلام سئل عن أطفال المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» يذهب إلى أنهم يولدون على ما يصيرون إليه من إسلام أو كفر؛ فمن كان فى علمه تعالى أنه يصير مسلما فإنه يولد على الفطرة، ومن كان فى علمه أنه يموت كافرا ولد على ذلك.
قال أبو عبيد: ومما يشبه هذا الحديث حديثه الآخر أنه قال: «يقول الله عز وجل: إنى خلقت عبيدى جميعا حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وجعلت ما أحللته لهم حراما».
قال أبو عبيدة: يريد بذلك البحائر والسّيّب وغير ذلك مما أحله الله تعالى، فجعلوه حراما.
وأما ابن قتيبة فقال- وقد حكى ما ذكرناه عن أبى عبيد-: لست أرى ما حكاه أبو عبيد عن عبد الله ابن المبارك ومحمد بن الحسن مقنعا لمن أراد أن يعرف معنى الحديث؛ لأنهما لم يزيدا على أن ردّا على ما قال به من أهل القدر.
(2/82)

وتفسير محمد بن الحسن يدلّ على أن الحديث عنده منسوخ، والنسخ لا يكون فى الأخبار، وإنما يكون فى الأمر والنهى؛ قال: ولا يجوز أن يراد به- على تأويل ابن المبارك- بعض المولودين دون بعض؛ لأن مخرجه مخرج العموم. قال: ولا أرى معنى الحديث إلّا ما ذهب إليه حماد بن سلمة؛ فإنه قال فيه: هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم فى أصلاب آبائهم؛ يريد حين مسح الله تعالى ظهر آدم؛ فأخرج منه ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذرّ، وأشهدهم: أَ
لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
؛ [الأعراف: 172]، فأراد عليه السلام أنّ كلّ مولود يولد فى العالم على ذلك العهد وعلى ذلك الإقرار الأول وهو الفطرة.
/ قال سيدنا أدام الله علوّه: وهذا كله تخليط وبعد عن الجواب الصحيح. والصحيح فى تأويله أن قوله عليه السلام: «يولد على الفطرة» يحتمل أمرين:
أحدهما أن تكون الفطرة هاهنا الدين، وتكون «على» بمعنى اللام؛ فكأنه قال: كل مولود يولد للدّين ومن أجل الدين؛ لأن الله تعالى لم يخلق من يبلغه مبلغ المكلّفين إلّا ليعبده فينتفع بعبادته، يشهد بذلك قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ؛ [الذريات: 56]؛ والدليل على أن «على» تقوم مقام اللام ما حكاه يعقوب بن السّكّيت عن أبى زيد عن العرب أنهم يقولون: صف عليّ كذا وكذا حتى أعرفه؛ بمعنى صف لى؛ ويقولون ما أغيظك عليّ! يريدون ما أغيظك لى! والعرب تقيم بعض حروف الصفات مقام بعض فيقولون: سقط الرجل لوجهه؛ يريدون على وجهه، وقال الطّرماح:
كأنّ مخوّاها على ثفناتها … معرّس خمس وقّعت للجناجن (1)
أراد: على الجناجن (2) -
__________
(1) ديوانه: 166 وفى حاشية الأصل: «خوّى البعير إذا تجافى فى بروكه، ومنه خوّى الرجل فى سجوده، وخوت المرأة عند جلوسها على المجمر»، وفيها أيضا: «يعنى أن فجوات هذه الناقة عند البروك تسع خمس أينق بوارك».
(2) الجناجن: عظام الصدر.
(2/83)

وقال عنترة:
شربت بماء الدّحرضين فأصبحت … زوراء تنفر عن حياض الدّيلم (1)
معناه: شربت الناقة من ماء الدّحرضين؛ وهما ماءان؛ يقال لأحدهما: وسيع والآخر دحرض، فغلب الأشهر؛ وهو الدّحرض. وإنما ساغ أن يريد بالفطرة- التى هى الخلقة فى اللغة- الدّين من حيث كان هو المقصود بها، وقد يجرى على الشيء اسم ماله به هذا الضرب من التعلّق والاختصاص؛ وعلى هذا يتأول قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها؛ [الروم: 30] أراد دين الله الّذي خلق الخلق له.
وقوله تعالى: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ؛ [الروم: 30] المراد به أن ما خلق العباد له من العبادة والطاعة ليس مما يتغير ويختلف، حتى يخلق قوما للطاعة، وآخرين للمعصية.
ويجوز أن يريد بذلك الأمر، وإن كان ظاهره الخبر، فكأنه تعالى قال: ولا تبدّلوا ما خلقكم الله له من الدّين والطاعة بأن تعصوا وتخالفوا.
والوجه الآخر فى تأويل الفطرة أن يكون المراد بها الخلقة، وتكون لفظة «على» على ظاهرها/ لم يرد (2) به غيرها، ويكون المعنى: كل مولود يولد على الخلقة الدالة على وحدانية الله تعالى وعبادته والإيمان به، لأنه عز وجل قد صوّر الخلق وخلقهم على وجه يقتضي النظر فيه معرفته والإيمان به؛ وإن لم ينظروا ولم يعرفوا، فكأنه عليه السلام قال: كل مخلوق ومولود فهو يدلّ بخلقه وصورته على عبادة الله تعالى؛ وإن عدل بعضهم فصار يهوديا أو نصاريا.
وهذا الوجه يحتم له أيضا قوله تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.
وإذا ثبت ما ذكرناه فى معنى الفطرة فقوله: «حتى يكون أبواه يهوّدانه وينصرانه» يحتمل وجهين:
__________
(1) من المعلقة ص 186 - بشرح التبريزى. الزوراء: المائلة، والديلم: الأعداء، عن الأصمعى.
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «بها».
(2/84)

أحدهما أنّ من كان يهوديا أو نصرانيا ممن خلقته لعبادتى ودينى؛ فإنما جعله كذلك أبواه، ومن جرى مجراهما ممن أوقع له الشبهة وقلده الضلال عن الدين.
وإنما خص الأبوين لأن الأولاد فى الأكثر ينشئون على مذاهب آبائهم، ويألفون أديانهم وتحلهم؛ ويكون الغرض بالكلام تنزيه الله تعالى عن ضلال العباد وكفرهم، وأنه إنما خلقهم للإيمان فصدهم عنه آباؤهم، أى ومن جرى مجراهم.
والوجه الآخر أن يكون معنى: «يهوّدانه وينصّرانه» أى يلحقانه بأحكامهما، لأنّ أطفال أهل الذمة قد ألحق الشرع أحكامهم بأحكامهم؛ فكأنه عليه السلام قال: لا تتوهموا من حيث لحقت أحكام اليهود والنصارى أطفالهم، أنهم خلقوا لدينهم، بل لم يخلقوا إلا للإيمان والدين الصحيح؛ لكنّ آباءهم هم الذين أدخلوهم فى أحكامهم. وعبّر عن إدخالهم فى أحكامهم بقولهم: «يهوّدانه وينصّرانه»؛ وهذا واضح.
فأما جواب أبى عبيد الّذي حكاه عن محمد بن الحسن فإنا إذا تمكنا من حمل الخبر على وجه نسلم معه من النسخ لم نحتج إلى غيره؛ وإنما توهّم النسخ لاعتقاده أن خلقهم على الفطرة يمنع من إلحاقهم بحكم آبائهم؛ وذلك غير ممتنع.
وأما الجواب الّذي حكاه عن ابن المبارك ففاسد، لأن الله تعالى لا يجوز أن يخلق أحدا للكفر؛ وكيف يخلقه للكفر وهو يأمره بالإيمان ويريده منه، ويعاقبه ويذمه على خلافه!
فأما ما روى عنه/ عليه السلام- وقد سئل عن أطفال المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» - فإنه يحتمل أن يكون عليه السلام سئل عمّن لم يبلغ من أطفال المشركين:
كيف تكون صورته؟ وإلى أىّ شيء تنتهى عاقبته؟ فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، وأراد أن ذلك مستور عنّى؛ ولو كانت المسألة عمّن اخترم طفلا لم يجز أن يكون الجواب ذلك.
(2/85)

وأما ابن قتيبة فإنه رد على أبى عبيد من غير وجه يقتضي الرّد واعترض جواب ابن المبارك، باعتبار العموم والخصوص، وترك أن يفسده من الوجه الّذي يفسد به وهو الّذي ذكرناه، وكيف ننبه على فساده من هذه الجهة، وقد اختار فى تأويل الخبر ما يجرى فى الفساد والاختلال مجرى تأويل ابن المبارك.!
فأما النّسخ فى الأخبار فجائز إذا تضمنت معنى الأمر والنهى؛ ويكون ما دلّ على جواز النسخ فى الأوامر دالا على جواز ذلك فيها؛ وهذا مثل أن يقول: الصلاة واجبة عليكم، ثم يقول بعد زمان: ليست بواجبة، فيستدل بالثانى على نسخ الحكم الأول، كما لو قال عليه السلام:
صلوا، ثم قال: لا تصلوا كان النهى الثانى ناسخا للأول.
فأما الجواب الّذي ذكره ابن قتيبة فقد بينا فساده فيما تقدم (1) من الأمالى عند تأويلنا قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ؛ [الأعراف: 172]؛ وأفسدنا قول من اعتقد أنه مسح ظهر آدم، واستخرج منه الذرّية وأشهدها على نفوسها، وأخذ إقرارها بمعرفته بوجوه من الكلام؛ فلا طائل فى إعادة ذلك.
__________
(1) انظر الجزء الأول ص 28 - 30.
(2/86)

مجلس آخر 57
تأويل آية [فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
؛ [هود: 106 - 108].
فقال: ما معنى الاستثناء هاهنا والمراد الدوام والتأييد؟ ثم ما معنى التمثيل بمدّة السموات والأرض التى تفنى وتنقطع؟
الجواب، / قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجوه:
أولها أن تكون إِلَّا- وإن كان ظاهرها الاستثناء- فالمراد بها الزيادة؛ فكأنه تعالى قال: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من الزيادة لهم على هذا المقدار؛ كما يقول الرجل لغيره: لى عليك ألف دينار إلا الألفين الذين أقرضتكهما وقت كذا وكذا، فالألفان زيادة على الألف بغير شكّ؛ لأن الكثير لا يستثنى من القليل؛ وهذا الجواب يختاره الفرّاء وغيره من المفسرين.
والوجه الثانى أن يكون المعنى: إلّا ما شاء ربّك من كونهم قبل دخول الجنة والنار فى الدنيا؛ وفى البرزخ الّذي هو ما بين الحياة والموت وأحوال المحاسبة والعرض وغير ذلك؛ لأنه تعالى لو قال: خالدين فيها أبدا، ولم يستثن لتوهّم متوهّم أنهم يكونون فى الجنة والنار من لدن نزول الآية، أو من بعد انقطاع التكليف، فصار للاستثناء وجه، وفائدة معقولة.
(2/87)

والوجه الثالث أن تكون إِلَّا بمعنى الواو؛ والتأويل: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، وما شاء ربك من الزيادة. واستشهد على ذلك بقول الشاعر:
وكلّ أخ مفارقه أخوه … لعمر أبيك إلّا الفرقدان (1)
معناه: والفرقدان، ويقول الآخر:
وأرى لها دارا بأغدرة السّ … يّدان لم يدرس لها رسم (2)
إلّا رمادا هامدا دفعت … عنه الرّياح خوالد سحم
والمراد ب «إلا» هاهنا الواو؛ وإلا كان الكلام متناقضا.
والوجه الرابع أن يكون الاستثناء الأول متصلا بقوله: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ؛ وتقدير الكلام: لهم فى النار زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أجناس العذاب الخارجة عن هذين الضربين، ولا يتعلق الاستثناء بالخلود.
فإن قيل: فهبوا أنّ هذا أمكن فى الاستثناء الأول، كيف يمكن فى الثانى؟
قلنا: يحمل الثانى على استثناء المكث فى المحاسبة والموقف، أو غير ذلك مما تقدّم ذكره.
__________
(1) البيت من شواهد سيبويه (الكتاب 1: 371)، ونسبه إلى عمرو بن معديكرب، وأورده شاهدا على نعت «كلّ»، بقوله: «إلا الفرقدان»؛ على تأويل «غير». وفى حاشية الأصل:
قوله «إلا الفرقدان» قيل «إلا» بمعنى غير، والتقدير: غير الفرقدين، ومثله قوله تعالى:
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا أى غير الله.
(2) أغدرة السيدان: موضع وراء كاظمة؛ بين البصرة والبحرين؛ كذا ذكره ياقوت واستشهد بالبيت. والبيتان من قصيدة مفضلية؛ للمخبل السعدى؛ وقبلهما:
ذكر الرّباب وذكرها سقم … فصبا، وليس لمن صبا حلم
وإذا ألمّ خيالها طرفت … عينى، فماء شئونها سجم
كاللؤلؤ المسجور أغفل فى … سلك النّظام فخانه النّظم
وانظر المفضليات 113 - 118 (طبعة المعارف).
(2/88)

/ والوجه الخامس أن يكون الاستثناء غير مؤثر فى النقصان من الخلود؛ وإنما الغرض فيه: أنه لو شاء أن يخرجهم وألّا يخلدهم لفعل، وأن التخليد إنما يكون بمشيئته وإرادته، كما يقول القائل لغيره: والله لأضربنّك إلا أن أرى غير ذلك، وهو لا ينوى إلا ضربه، ومعنى استثنائه هاهنا: أنى لو شئت ألّا أضربك لفعلت وتمكنت؛ غير أنى مجمع على ضربك.
والوجه السادس أن يكون تعليق ذلك بالمشيئة على سبيل التأكيد للخلود، والتبعيد للخروج؛ لأن الله تعالى لا يشاء إلا تخليدهم على ما حكم به، ودلّ عليه؛ ويجرى ذلك مجرى قول العرب: والله لأهجرنّك إلا أن يشيب الغراب، ويبيضّ القار؛ ومعنى ذلك أنى أهجرك أبدا؛ من حيث علّق بشرط معلوم أنه لا يحصل؛ وكذلك معنى الآيتين؛ والمراد بهما أنهم خالدون أبدا؛ لأن الله تعالى لا يشاء أن يقطع خلودهم.
والوجه السابع أن يكون المراد بالذين شقوا من أدخل النار من أهل الإيمان، الذين ضمّوا إلى إيمانهم وطاعتهم المعاصى؛ فقال تعالى: إنهم معاقبون فى النار إلا ما شاء ربك؛ من إخراجهم إلى الجنة، وإيصال ثواب طاعاتهم إليهم.
ويجوز أيضا أن يريد بأهل الشقاء هاهنا جميع الداخلين إلى جهنم؛ ثم استثنى تعالى بقوله:
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ أهل الطاعات منهم، ومن يستحقّ ثوابا لا بدّ أنه يوصل إليه فقال:
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من إخراج بعضهم؛ وهم أهل الثواب.
وأما الذين سعدوا فإنما استثنى من خلودهم أيضا لما ذكرناه؛ لأنّ من نقل من النار إلى الجنة وخلّد فيها لا بدّ من الإخبار عنه بتأبيد خلوده من استثناء ما تقدّم؛ فكأنه تعالى قال: إنهم خالدون فى الجنة ما دامت السموات والأرض؛ إلا ما شاء ربك من الوقت الّذي أدخلهم فيه النار، قبل أن ينقلهم إلى الجنة.
والذين شقوا على هذا الجواب هم الذين سعدوا، وإنما أجرى عليهم كل لفظ فى الحال التى تليق بهم؛ فهم إذا أدخلوا النار وعوقبوا فيها من أهل الشقاء، وإذا نقلوا إلى الجنة من أهل الجنة والسعادة.
(2/89)

وقد ذهب إلى هذا الوجه جماعة من المفسرين كابن عباس وقتادة والضحّاك/ وغيرهم.
وروى بشر بن عمارة عن أبى روق عن الضّحاك عن ابن عباس قال: الذين شقوا ليس فيهم كافر؛ وإنما هم قوم من أهل التوحيد، يدخلون النار بذنوبهم، ثم يتفضّل الله تعالى عليهم فيخرجهم من النار إلى الجنة، فيكونون أشقياء فى حال، سعداء فى حال أخرى.
وأما تعليق الخلود بدوام السموات والأرض؛ فقد قيل فيه: إن ذلك لم يجعل شرطا فى الدوام؛ وإنما علّق به على طريق التبعيد وتأكيد الدوام؛ لأن للعرب فى مثل هذا عادة معروفة خاطبهم الله تعالى عليها؛ لأنهم يقولون: لا أفعل كذا ما لاح كوكب، وما أضاء الفجر، وما اختلف الليل والنهار، وما بلّ بحر صوفة، وما تغنّت حمامة، ونحو ذلك، ومرادهم التأبيد والدوام.
ويجرى كل ما ذكرناه مجرى قولهم: لا أفعل كذا أبدا؛ لأنهم يعتقدون فى جميع ما ذكرناه أنه لا يزول ولا يتغير؛ وعباراتهم إنما يخرجونها بحسب اعتقاداتهم، لا بحسب ما عليه الشيء فى نفسه؛ ألا ترى أن بعضهم لما اعتقد فى الأصنام أن العبادة تحقّ لها سمّاها آلهة بحسب اعتقادهم، وإن لم تكن فى الحقيقة كذلك!
ومما يشهد لمذهبهم الّذي حكيناه قول أبى الجويرية العبدىّ:
ذهب الجود والجنيد جميعا … فعلى الجود والجنيد السلام (1)
أصبحا ثاويين فى قعر مرت (2) … ما تغنّت على الغصون الحمام
وقال الأعشى:
__________
(1) معجم الشعراء للمرزبانى 258، والمختلف والمؤتلف للآمدى 79؛ وذكر بعدها بيتا ثالثا:
لم تزل غاية الكرام فلمّا … متّ مات الندى ومات الكرام
وهو الجنيد بن عبد الرحمن المرى، كان والى خراسان.
(2) المرت: القفر من الأرض؛ وفى المؤتلف:
«بطن مرو». وفى ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «قعر مرو».
(2/90)

ألست منتهيا عن نحت أثلتنا … ولست ضائرها ما أطّت الإبل! (1)
وقال الآخر:
لا أفتأ الدّهر أبكيهم بأربعة … ما اجترّت النّيب أو حنّت إلى بلد (2)
وقال زهير منبئا (3) عن اعتقاده دوام الجبال، وأنها لا تفنى ولا تتغير:
ألا لا أرى على الحوادث باقيا … ولا خالدا إلّا الجبال الرّواسيا (4)
/ فهذا وجه.
وقيل أيضا فى ذلك أنه أراد به الشرط، وعنى بالآية دوام السموات والأرض المبدّلتين؛ لأنه تعالى قال: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ؛ [إبراهيم: 48]، فأعلمنا تعالى أنهما تبدّلان؛ وقد يجوز أن يديمهما بعد التغيير أبدا بلا انقطاع؛ وإنما المنقطع هو دوام السموات والأرض قبل التبديل والفناء.
ويمكن أيضا أن يكون المراد أنهم خالدون بمقدار مدّة السموات والأرض التى يعلم الله تعالى انقطاعها ثم يزيدها الله تعالى على ذلك ويخلّدهم، ويؤيد مقامهم وهذا الوجه يليق بالأجوبة التى تتضمن أن الاستثناء أريد به الزيادة على المقدار المتقدم لا النقصان.
*** قال سيدنا أدام الله تمكينه: وجدت الآمدىّ قد ظلم البحترىّ فى تفسير بيت له مضاف إليه مع ظلمه له فى أشياء كثيرة تأوّلها على خلاف مراد البحترىّ، وحكى قوله:
__________
(1) ديوانه: 46. أثلة كل شيء: أصله؛ ويريد بها هاهنا الحسب؛ يقال: فلان ينحت أثلتنا إذا قال فى حقه قبيحا؛ كذا ذكره صاحب اللسان واستشهد بالبيت. والأطيط: صوت الإبل من ثقل أحمالها.
(2) الجرة: ما تخرجه الإبل من أجوافها، وتعيد مضغه. وفى حاشية الأصل: يعنى بأربعة أحجبة العين؛ كما قال:
يا عين بكّى عند كلّ صباح … جودى بأربعة على الجرّاح.
(3) د، ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «مبينا».
(4) ديوانه: 288.
(2/91)

كالبدر إلّا أنّها لا تجتلى … والشّمس إلّا أنها لا تغرب (1)
ثم قال: " وهذا فيه سؤال؛ لأنه لما قال:
* كالبدر إلا أنها لا تجتلى*
فالمعنى أن عيون الناس كلّهم ترى البدر وتجتليه، وهى لا تراها العيون ولا تجتلى".
ثم قال:
*" والشمس إلا أنها لا تغرب*
وإنما قال: «لا تجتلى» لأنها محجوبة؛ فإذا كانت فى حجاب فهى فى غروب؛ لأن الشمس إذا غربت فإنما تدخل تحت حجاب، فظاهر المعنى: كالبدر إلا أن العيون لا تراها، والشمس إلا أن العيون لا تفقدها". قال: " وهذا القول متناقض كما ترى" قال: " وأظنه أراد أنها وإن كانت فى حجاب فإنه لا يقال لها: غربت تغرب كما يقال للشمس؛ وإنما يقال لها إذا سافرت:
بعدت، واغتربت وغرّبت إذا توجهت نحو الغرب، وقد يقال للرجل اغرب عنا (2)، أى ابعد، ولو استعار لها اسم الغروب عن الأرض التى تكون فيها إذا ظعنت عنها إلى أرض أخرى كان ذلك حسنا جدا، لا سيما وقد جعلها شمسا، كما قال ابراهيم بن العباس الصولىّ:
وزالت زوال الشّمس عن مستقرّها … فمن مخبرى: فى أىّ أرض غروبها؟ (3)
قال: " وقد يجوز أن يقول قائل: إنه أراد: لا تغرب تحت الأرض كما تغرب الشمس؛ وهذه معاذير/ ضيقة، لأبى عبادة فإن لم يكن قد أخطأ فقد أساء".
قال سيدنا أدام الله علوّه: وما المخطئ غير الآمدىّ، ومراد البحترىّ بقوله أوضح من أن يذهب على متأمّل، لأنه أراد بقوله:
* والشمس إلا أنها لا تغرب*
أى أنها لا تصير بحيث يتعذر رؤيتها ويمتنع، كما يتعذر رؤية الشمس على من غربت
__________
(1) ديوانه 1: 62.
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «عنى».
(3) ديوانه: 140 (ضمن مجموعة الطرائف).
(2/92)

عن أفق بلده. والمرأة- وإن احتجبت باختيارها- فإن ذلك ليس بغروب كغروب الشمس؛ لأنها إذا شاءت ظهرت وبرزت للعيون، والشمس إذا غربت فرؤيتها غير ممكنة، ولهذا لا يصحّ أن يقال لمن استظل بدار أو جدار عن الشمس: إنها غربت عنه، وإن كان غير راء لها، لأن رؤيتها ممكنة بزوال ذلك المانع، وكذلك القول فى احتجاب المرأة؛ فلا تناقض فى بيت البحترى على ما ظنه الآمدىّ.
ولبعضهم فى هذا المعنى:
قد قلت للبدر واستعبرت حين بدا … ما فيك يا بدر لى من وجهها خلف
تبدى لنا كلما شئنا محاسنها … وأنت تنقص أحيانا وتنكسف
فمعنى قوله: «فأنت تنقص وتنكسف» جار مجرى غروب الشمس، لأنه فضّلها على البدر من حيث كان بروزها لمبصرها موقوفا على اختيارها، والبدر ينكسف ويغيب على وجه لا تمكن رؤيته، كما فضلها البحترىّ بأنها لا تغرب حتى تصير رؤيتها مستحيلة، والشمس كذلك.
وقد ظلم الآمدىّ البحترىّ فى قوله:
لا العذل يردعه ولا التّعنيف عن كرم يصدّه
قال الآمدىّ" وهذا عندى من أهجى ما مدح به خليفة وأقبحه، ومن ذا يعنّف الخليفة على الكرم أو يصده! إن هذا بالهجو أولى منه بالمدح".
قال سيدنا رضى الله عنه: وللبحترى فى هذا عذر من وجهين:
أحدهما أن يكون الكلام خرج مخرج التقدير؛ فكأنه قال: لو عنّف وعذل لما صدّه ذلك عن الكرم، وإن كان من حق العذل والتعنيف أن يصدّ أو يحجز عن الشيء،
(2/93)

وهذا له نظائر فى القرآن، وفى كلام العرب كثير مشهور، وقد مضى فيما أمليناه شيء من ذلك.
والوجه الآخر أن العذل والتعنيف/ وإن لم يتوّجها إليه فى نفسه فهما موجودان فى الجملة على الإسراف فى البذل والجود بنفائس الأموال، ولم يقل البحترىّ: إن عذله يردعه، أو تعنيفه يصدّه، وإنما قال: «لا العذل يردعه ولا التعنيف يصده»، فكأنه أخبر أن ما يسمعه من عذل العذال على الكرم وتعنيفهم على الجود وإن كان متوجّها إلى غيره فهو غير صادّ له لقوة عزيمته، وشدّة بصيرته.
*** ومما خطأ الآمدىّ فيه البحترىّ وإن كان له فيه عذر صحيح لم يهتد إليه قوله:
ذنب كما سحب الرّداء يذبّ عن … عرف وعرف كالقناع المسبل
قال الآمدىّ: " وهذا خطأ من الوصف لأنّ ذنب الفرس إذا مسّ الأرض كان عيبا فكيف إذا سحبه! وإنما الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض، ولم يمسها كما قال امرؤ القيس:
* يضاف فويق الأرض ليس بأعزل (1) "*
قال" وقد عيب امرؤ القيس بقوله:
لها ذنب مثل ذيل العروس … تسدّ به فرجها من دبر" (2)
قال" وما أرى العيب يلحق امرأ القيس، لأن العروس وإن كانت تسحب أذيالها، وكان ذنب الفرس إذا مس الأرض عيبا فليس بمنكر أن يشبّه به الذنب، وإن لم يبلغ إلى
__________
(1) ديوانه 44، وصدره:
* كميت إذا استدبرته سدّ فرجه*
استدبرته: جئت من ورائه. والضافى: الذنب الطويل الشعر. والأعزل: الّذي يميل ذنبه إلى جانبه، وهو عادة لا خلقة؛ وذلك عيب عندهم.
(2) ديوانه: 13.
(2/94)

أن يمسّ الأرض، لأن الشيء إنما يشبّه الشيء إذا قاربه، أو دنا من معناه، فإذا أشبهه فى أكثر أحواله فقد صحّ التشبيه ولاق به.
وامرؤ القيس لم يقصد أن يشبه طول الذنب بطول ذيل العروس فقط، وإنما أراد السّبوغ والكثرة والكثافة، ألا ترى أنه قال:
* تسدّ به فرجها من دبر*
وقد يكون الذنب طويلا يكاد يمس الأرض ولا يكون كثيفا، ولا يسد فرج الفرس فلما قال: «تسد به فرجها» علمنا أنه أراد الكثافة والسبوغ مع الطول، فإذا أشبه الذنب الذيل من هذه الجهة كان فى الطول قريبا منه، فالتشبيه صحيح، وليس ذلك بموجب للعيب وإنما العيب فى قول البحترى: «ذنب كما سحب الرداء»، فأفصح بأن الفرس يسحب ذنبه.
ومثل قول امرئ القيس قول خداش بن زهير:
/ لها ذنب مثل ذيل الهدىّ … إلى جؤجؤ أيّد الزّافر
والهدىّ: العروس التى تهدى إلى زوجها. والأيّد: الشديد. والزافر: الصّدر، لأنها تزفر منه". قال" فشبه الذنب الطويل السابغ بذيل الهدىّ، وإن لم يبلغ فى الطول إلى أن يمس الأرض"
قال سيدنا أدام الله تمكينه: وللبحترىّ وجه فى العذر يقرب من عذر امرئ القيس فى قوله: «مثل ذيل العروس» غير أن الآمدىّ لم يفطن له؛ وأول ما نقوله: إن الشاعر لا يجب أن يؤخذ عليه فى كلامه التحقيق والتحديد، فإن ذلك متى اعتبر فى الشعر بطل جميعه، وكلام القوم مبنىّ على التجوز والتوسع والإشارات الخفية والإيماء على المعانى تارة من بعد، وأخرى من قرب؛ لأنهم لم يخاطبوا بشعرهم الفلاسفة وأصحاب المنطق؛ وإنما خاطبوا من يعرف أوضاعهم ويفهم أغراضهم.
(2/95)

وإنما أراد البحترىّ بقوله: «ذنب كما سحب الرداء» المبالغة فى وصفه بالطول والسبوغ وأنه قد قارب أن ينسحب، وكاد يمسّ الأرض. ومن شأن العرب أن تجرى على الشيء الوصف الّذي قد كان قد يستحقه، وقرب منه القرب الشديد فيقولون: قد قتل فلانا هوى فلانة، ودلّه (1) عقله؛ وأزال تمييزه وأخرج نفسه، وكل ذلك لم يقع وإنما أرادوا المبالغة وإفادة المقاربة والمشارفة؛ ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى.
ومن شأنهم أيضا إذا أرادوا المبالغة التامة أن يستعملوا مثل هذا؛ فيشبهون الكفل بالكثيب وبالدّعص وبالتلّ، ويشبهون الخصر بوسط الزنبور، وبمدار (2) حلقة الخاتم، ويعدّون هذا غاية المدح وأحسن الوصف، ونحن نعلم أنا لو رأينا من خصره مقدار وسط الزنبور، وكفله كالكثيب العظيم لاستبعدناه واستهجنا صورته لنكارتها وقبحها، وإنما أتوا بألفاظ المبالغة صنعة وتأنقا، لا لتحمل على ظواهرها تحديدا وتحقيقا؛ بل ليفهم منها الغاية المحمودة، والنهاية المستحسنة، ويترك ما وراء ذلك، فإنا نفهم من قولهم: خصرها كخصر الزنبور أنه فى نهاية الدقة المستحسنة فى البشر، ومن قولهم/: كفلها كالكثيب أى أنه فى نهاية الوثارة المحمودة المطلوبة، لا أنه كالتل على التحقيق؛ فهكذا لا ننكر أن يريد البحترى بقوله:
«كما سحب الرداء» أنه فى غاية الطول الممدوح، لا أنه ينجرّ على الأرض الحقيقة، ووكلنا فى تخليص معناه وتفصيله إلى العادة الجارية لنظرائه من الشعراء فى استعمال مثل اللفظ الّذي استعمله؛ وقد قال بعضهم فى ثقل العجيزة:
تمشى فتثقلها روادفها … فكأنها تمشى إلى خلف
وقال المؤمل:
من رأى مثل حبّتى … تشبه البدر إذ بدا
تدخل اليوم ثمّ تد … خل أردافها غدا
وقال ذو الرمة:
ورمل كأوراك العذارى قطعته … وفد جلّلته المظلمات الحنادس
__________
(1) حاشية الأصل: «نسخة ش: ووله».
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «بمقدار».
(2/96)

وهذا كلام لو حمل على ظاهره وحقيقته لكان الموصوف به فى نهاية القبح؛ لأن من يمشى إلى خلف، ومن يدخل كفله بعده لا يكون مستحسنا.
وقال بكر بن النطاح:
فرعاء تسحب من قيام شعرها (1) … وتغيب فيه وهو جثل أسحم
فكأنّها فيه نهار مشرق (2) … وكأنّه ليل عليها مظلم
فوصف شعرها بأنه ينسحب مع قيامها، ونحن نعلم أن طول الشعر- وإن كان مستحسنا- فليس إلى هذا الحد؛ وإنما أراد بقوله: «تسحب شعرها» ما أراده البحترىّ بقوله: «كما سحب الرداء» من المبالغة فى الوصف بالطول المحمود دون المذموم.
__________
(1) م: «فرعها».
(2) م: «ساطع».
(2/97)

مجلس آخر 58
تأويل آية [أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ؛ [مريم: 38].
فقال: ما تأويل هذه الآية؟ فإن كان المراد بها التعجّب من قوة أسماعهم ونفاذ أبصارهم؛ فكيف يطابق ما خبّر به
عنهم فى مواضع كثيرة من الكتاب/ بأنهم لا يبصرون ولا يسمعون وأن على أسماعهم وأبصارهم غشاوة؟ وما معنى قوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ؟ أىّ يوم هو اليوم المشار إليه؟ وما المراد بالضلال المذكور؟ .
الجواب، قلنا: أمّا قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ؛ فهو على مذهب العرب فى التعجّب؛ ويجرى مجرى قولهم: ما أسمعه! وما أبصره! والمراد بذلك الإخبار عن قوة علومهم بالله تعالى فى تلك الحال؛ وأنهم عارفون به على وجه الاعتراض للشبهة عليه؛ وهذا يدلّ على أنّ أهل الآخرة عارفون بالله تعالى ضرورة؛ ولا تنافى بين هذه الآية وبين الآيات التى أخبر عنهم فيها بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون؛ وبأن على أبصارهم غشاوة؛ لأنّ تلك الآيات تناولت أحوال التكليف، وهى الأحوال التى كان الكفار فيها ضلّالا عن الدين، جاهلين بالله تعالى وصفاته. وهذه الآية تناولت يوم القيامة؛ وهو المعنىّ بقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتُونَنا؛ وأحوال يوم القيامة لا بدّ فيها من المعرفة الضرورية. وتجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى:
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: 22].
فأما قوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فيحتمل أن يريد تعالى بقوله: الْيَوْمَ الدّنيا وأحوال التكليف؛ ويكون الضلال المذكور إنما هو الذّهاب عن الدين والعدول عن الحق، فأراد تعالى أنّهم فى الدنيا جاهلون، وفى الآخرة عارفون؛ بحيث لا تنفعهم المعرفة. ويحتمل أن يريد تعالى باليوم يوم القيامة؛ ويعنى تعالى
(2/98)

«بالضلال» العدول عن طريق الجنة ودار الثواب إلى دار العقاب؛ فكأنه تعالى قال: أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا؛ غير أنهم مع معرفتهم هذه وعلمهم يصيرون فى هذا اليوم إلى العقاب؛ ويعدل بهم عن طريق الثواب.
وقد روى معنى هذا التأويل عن جماعة من المفسرين فروى عن الحسن فى قوله تعالى:
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا قال: يقول تعالى: هم يوم القيامة سمعاء بصراء؛ لكن الظالمون اليوم فى الدنيا ليسوا سمعاء وبصراء؛ ولكنهم فى ضلال عن الدين مبين.
وقال قتادة وابن زيد: ذلك والله يوم القيامة؛ سمعوا حين لم ينفع السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم؟ البصر.
وقال أبو مسلم بن بحر فى تأويل هذه الآية كلاما جيدا، قال: " معنى أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ما أسمعهم! وما أبصرهم! وهذا على طريق المبالغة فى الوصف؛ يقول: فهم يوم يأتوننا أى يوم القيامة سمعاء بصراء؛ أى عالمون وهم اليوم فى دار الدنيا فى ضلال مبين، أى جهل واضح". قال:
" وهذه الآية تدلّ على أنّ قوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ، [البقرة: 171] ليس معناه الآفة فى الأذن، والعين والجوارح؛ بل هو أنهم لا يسمعون عن قدرة، ولا يتدبرون ما يسمعون، ولا يعتبرون بما يرون؛ بل هم عن ذلك
غافلون؛ فقد نرى أنّ الله تعالى جعل قوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ مقابلا لقوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، أى ما أسمعهم! وما أبصرهم! فأقام تعالى السمع والبصر مقام الهدى؛ إذ جعله بإزاء الضلال المبين."
وأما أبو على بن عبد الوهاب فإنه اختار فى تأويل هذه الآية غير هذا الوجه، ونحن نحكى كلامه على وجهه، قال: " وعنى بقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ أى أسمعهم وبصّرهم وبيّن لهم أنّهم إذا أتوا مع الناس إلى موضع الجزاء سيكونون فى ضلال عن الجنة وعن الثواب الّذي يناله المؤمنون والظالمون الذين ذكرهم الله هم هؤلاء الذين توعّدهم الله بالعذاب فى ذلك اليوم".
(2/99)

ويجوز أيضا أن يكون عنى بقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ، أى أسمع الناس بهؤلاء الأنبياء وأبصرهم بهم؛ ليعرفوهم ويعرفوا خبرهم، فيؤمنوا بهم، ويقتدوا بأعمالهم.
وأراد بقوله تعالى لكِنِ الظَّالِمُونَ لكن من كفر بهم من الظالمين اليوم؛ وهو يعنى يوم القيامة فى ضلال عن الجنة، وعن نيل الثواب، مبين.
وهذا الموضع من جملة المواضع التى استدركت على أبى على، وينسب فيها إلى الزلل؛ لأن الكلام وإن كان محتملا لما ذكره بعض الاحتمال من بعد، فإن الأولى والأظهر فى معنى ما تقدم ذكره من المبالغة فى وصفهم وقوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ بعد ما تقدّم لا يليق إلا بالمعنى الّذي ذكرناه؛ لا سيما إذا حمل اليوم على أنّ المراد به يوم القيامة؛ على أن أبا عليّ جعل قوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ من صلة قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ وتأوله على أنّ المعنىّ به أعلمهم وبصّرهم/ بأنهم يوم القيامة فى ضلال عن الجنة. والكلام يشهد بأنّ ذلك لا يكون من صلة الأول وأنّ قوله تعالى: لكِنِ استئناف لكلام ثان.
وما يحتاج أبو عليّ إلى هذا؛ بل لو قال على ما اختاره من التأويل أنه أراد أسمعهم وأبصرهم يوم يأتوننا أى ذكّرهم بأهواله، وأعلمهم بما فيه؛ ثم قال مستأنفا. لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ لم يحتج إلى ما ذكره؛ وكان هذا أشبه بالصواب.
فأما الوجه الثانى الّذي ذكره فباطل، لأن قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ إذا تعلّق بالأنبياء الذين ذكرهم الله تعالى بقى قوله يَوْمَ يَأْتُونَنا بلا عامل (1) ومحال أن يكون ظرف لا عامل له؛ فالأقرب والأولى أن يكون على الوجه الأول مفعولا.
ووجدت بعض من اعترض على أبى عليّ يقول رادا عليه: لو كان الأمر على ما ذهب إليه أبو عليّ لوجب أن يقول
تعالى: أسمعهم وأبصرهم بغير باء، وهذا الردّ غير صحيح؛ لأن
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «لا علاقة له بذلك».
(2/100)

الباء فى مثل هذا الموضع غير منكر زيادتها؛ وذلك موجود كثير فى القرآن والشعر؛ قال الله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ؛ [العلق: 96]، عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ؛ [الإنسان: 6]، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم: 25]، تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ؛ [الممتحنة: 1].
وقال الأعشى:
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا
وقال امرؤ القيس:
هصرت بغصن ذى شماريخ ميّال (1)
وأظنّ أبا عليّ إنما أنّسه بهذا الجواب أنه وجد تاليا للآية لفظ أمر؛ وهو قوله تعالى:
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ، فحمل الأول على الثانى؛ والكلام لا تشتبه معانيه من حيث المجاورة؛ بل الواجب أن يوضع كلّ منه حيث يقتضيه معناه.
*** قال: المرتضى وجدت جماعة من أهل الأدب يستبعدون أن يرتج على إنسان فى خطبة أو كلام قصد له، فينبعث منه فى تلك الحال كلام هو أحسن مقصد إليه؛ وأبلغ ممّا أرتج عليه دونه ويقولون: إنّ النسيان لا يكون إلا عن حيرة وضلالة؛ فكيف يجتمع معهما البراعة الثاقبة، والبلاغة المأثورة؛ مع حاجتهما إلى اجتماع الفكرة وحضور (2) الذكر! وينسبون جميع ما يحكى من كلام مستحسن، ولفظ مستغرب (3) عمّن حصر فى خطبة أو فى منطق إلى أنه موضوع مصنوع.
__________
(1) ديوانه: 19؛ وصدره:
* فلما تنازعنا الحديث وأسمحت*
تنازعنا: تعاطينا. أسمحت: لانت وانقادت.؛ ويريد بالشماريخ هاهنا خصائل الشعر؛ وأصل الشمراخ: الغصن.
(2) حاشية ف (من نسخة): «حصول».
(3) حاشية ف (من نسخة): «مستعذب».
(2/101)

/ وليس الّذي استبعدوه وأنكروه ببعيد ولا منكر، لأن النسيان قد يخص شيئا دون شيء، ويتعلّق بجهة دون جهة، وهذا أمر متعارف، فلا ينكر أن ينسى الإنسان شيئا قصده وعزم على الكلام فيه، ويكون مع ذلك ذاكرا لغيره، متكلّما فيه بأبلغ الكلام وأحسنه، بل ربما كان الحصر والذّهاب عن القصد يحميان القريحة، ويوقدان الفكرة، ويبعثان على أحسن الكلام وأبرعه، ليكون ذلك هربا من العىّ وانتفاء من اللّكنة.
ومن أحسن ما روى من الكلام وأبرعه فى حال الحصر والانقطاع عن المقصود من الكلام ما أخبرنى به أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا أبو حاتم.
قال المرزبانىّ: وأخبرنا ابن دريد مرة أخرى قال حدثنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن ابن الكلبىّ قالا: صعد خالد بن عبد الله القسرىّ (1) يوما المنبر بالبصرة فأرتج عليه، فقال: «أيها الناس، إن الكلام- وقال أبو حاتم: إن هذا القول- يجيء أحيانا، ويذهب أحيانا، فيتسبب عند مجيئه سببه، ويعزّ عند عز وبه طلبه، وربما كوبر فأتى، وعولج فأبطأ وقال ابن الكلبى: ربما طلب فأبى، وعولج فقسا- فالتّأتى لمجيئه أصوب من التعاطى لأبيّه». ثم نزل. فما رؤى حصر أبلغ منه.
وقال أبو حاتم: «والتّرك لأبيّه أفضل من التعاطى لمجيئه، وتجاوزه عند تعززه أولى من طلبه عند تنزّحه؛ وقد يختلج من الجريء جنانه، ويرتج على البليغ لسانه»، ثم نزل.
وأخبرنا بهذا الخبر أبو عبيد الله المرزبانىّ على وجه آخر قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطىّ قال: كان خالد بن عبد الله القسرى حين ولّاه هشام بن عبد الملك يكثر الخطب والتبالغ، فقدم واسطا، فصعد المنبر فحاول الخطبة فأرتج عليه، فقال: «أيها الناس، إن هذا الكلام يجيء أحيانا ويعزب أحيانا، فيعز عند عزوبه طلبه؛ ويتسبب عند مجيئه سببه، وربما كوثر فأبى، وعوسر فقسا، والتأتّى لمجيئه أسهل من التعاطى لأبيه؛ وتركه عند تعزّزه (2) أحمد من طلبه
__________
(1) فى حاشيتى الأصل، ف: «القسرىّ: منسوب إلى قسر، وهى قرية من قرى العرب».
(2) ف: «تعذره».
(2/102)

عند تنكّره، فقد يرتج على اللسن لسانه، فلا ينظره القول إذا اتسع، ولا ينشأ إذا امتنع، ومن لم تمكن له الخطوة، فخليق أن تعنّ له النّبوة».
وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة قال حدثنى أبو العباس المنصورىّ قال: صعد أبو العباس السفّاح/ المنبر فأرتج عليه فقال: «أيها الناس، إنما اللسان بضعة من الإنسان، يكلّ إذا كلّ، وينفسح بانفساحه إذا انفسح، ونحن أمراء الكلام، منّا تفرعت فروعه، وعلينا تهدّلت غصونه، ألا وإنّا لا نتكلم هذرا؛ ولا نسكت إلا معتبرين».
ثم نزل.
فبلغ ذلك أبا جعفر فقال: لله هو! لو خطب بمثل ما اعتذر لكان من أخطب الناس.
وهذا الكلام يروى لداود بن على.
وبهذا الإسناد عن محمد بن الصباح عن قثم بن جعفر بن سليمان عن أبيه قال: أراد أبو العباس السفّاح يوما أن يتكلم فى أمر من الأمور بعد ما أفضت الخلافة إليه، وكان فيه حياء مفرط فأرتج عليه، فقال داود بن عليّ بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
إن أمير المؤمنين، الّذي قلّده الله سياسة رعيته عقل من لسانه عند ما تعهّد من بيانه، ولكل مرتق بهر، حتى تنفّسه العادات، فأبشروا بنعمة الله فى صلاح دينكم، ورغد عيشكم».
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال حدثنا عبد الله بن إسحاق بن سلّام قال: صعد عثمان بن عفان المنبر فأرتج عليه فقال: «أيها الناس، سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد عىّ نطقا، وإنكم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال».
وروى محمد بن يزيد النحوىّ هذا الكلام بعينه عن زياد بن يزيد بن أبى سفيان (1) وقد
__________
(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «يزيد بن أبى سفيان»؛ وفيهما أيضا. «يزيد بن أبى سفيان يقال له: يزيد الخير؛ واستعمله أبو بكر على الشام، ثم أقره عمر بعده؛ ومات بالشام وهو عامل عمر فى طاعون عمواس فى سنة ثمانى عشرة؛ فولى عمر أخاه معاوية ما كان يليه، ولا عقب له».
(2/103)

خطب على بعض منابر الشام وإن عمرو بن العاص لما بلغه كلامه قال: هنّ مخرجاتى من الشام؛ استحسانا لكلامه.
وروى محمد بن يزيد النحوىّ قال: بلغنى أن رجلا صعد المنبر أيام يزيد- وكان واليا على قوم- فقال لهم: «أيها الناس، إنى إلّا أكن فارسا طبّا بهذا القرآن فإن معى من أشعار العرب ما أرجو أن يكون خلفا منه، وما أساء القائل
أخو البراجم (1) حيث يقول:
وما عاجلات الطّير يدنين للفتى … رشادا، ولا من ريثهنّ يخيب (2)
وربّ أمور لا تضيرك ضيرة … وللقلب من مخشاتهنّ وجيب (3)
ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه … على حادثات الدّهر حين تنوب (4)
وفى الشّكّ تفريط، وفى الحزم قوّة … ويخطى الفتى فى حدسه ويصيب (5)
/ فقال له رجل من كلب: إنّ هذا المنبر لم ينصب للشعر، بل ليحمد الله عليه ويصلّى على النبي صلّى الله عليه وآله وللقرآن، فقال: أما لو أنشدتكم شعر رجل من كلب لسرّكم، فكتب إلى يزيد بذلك فعزله، وقال: قد كنت أرى أنك جاهل، ولم أحسب أنّ الحمق بلغ بك هذا كلّه، فقال له: أحمق منّى من ولّانى.
__________
(1) الأبيات فى الكامل 3: 201 - بشرح المرصفى؛ ونسبها إلى ضابئ بن الحارث البرجمى؛ وقبلها:
ومن يك أمسى بالمدينة رحله … فإنى وقيار بها لغريب.
(2) رواية الكامل:
وما عاجلات الطّير تدنين من الفتى … نجاحا ولا عن ريبهنّ يخيب
قال المبرد فى شرح البيت: " يقول: إذا لم تعجل له طير سانحة فليس ذلك بمبعد خيرا عنه، ولا إذا أبطأت خاب؛ فعاجلها لا يأتيه بخير، وآجلها لا يدفعه عنه إنما له ما قدّر له؛ والعرب تزجر على السانح وتتبرك به، وتكره البارح وتتشاءم به؛ والسانح ما أراك ميامنه فأمكن الصائد، والبارح ما أراك مياسره فلم يمكن الصائد إلا أن ينحرف له".
(3) المخشاة كالمخشية: مصدر خشية يخشاه، ووجيب القلب:
خفقانه واضطرابه.
(4) حاشية الأصل (من نسخة): «حيث تنوب».
(5) وبعده:
ولست بمستبق صديقا ولا أخا … إذا لم تعدّ الشيء وهو يريب.
(2/104)

وكان يزيد بن المهلب (1) ولى ثابت قطنة بعض قرى خراسان، فصعد المنبر فحصر فنزل وهو يقول:
فإلّا أكن فيكم خطيبا فإننى … بسيفى إذا جدّ الوغى لخطيب
فقيل: لو قلت هذا على المنبر لكنت أخطب الناس؛ فبلغ ذلك حاجب (2) الفيل فقال:
أبا العلاء لقد لاقيت معضلة … يوم العروبة من كرب وتحنيق
أما القرآن فلا تهدى لمحكمه … ولم تسدّد من الدّنيا بتوفيق
لمّا رمتك عيون النّاس هبتهم … وكدت تشرق لمّا قمت بالريق
تلوى اللّسان إذا رمت الكلام به … كما هوى زلق من حالق نيق (3)
وروى أن بعض خلفاء بنى العباس- وأظنه الرشيد- صعد المنبر ليخطب، فسقطت ذبابة على وجهه فطردها، فعادت فحصر وأرتج عليه، فقال: أعوذ بالله السميع العليم: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: 73]، ثم نزل، فاستحسن ذلك منه.
ومما يشاكل هذه الحكاية ما حكاه عمرو بن بحر الجاحظ قال: " كان (4) لنا بالبصرة قاض يقال له عبد الله بن سوّار لم ير الناس حاكما قطّ [ولا زمّيتا] (5)، ولا ركينا (6)، ولا وقورا، ضبط من نفسه، وملك من حركته مثل الّذي ضبط وملك؛ وكان يصلى الغداة
__________
(1) الخبر فى الأغانى 13: 47 - 48.
(2) اسمه حاجب بن دينار المازنى؛ ذكره الجاحظ فى الحيوان 1: 191، والبيتان 2: 183.
(3) د، ف، حاشية الأصل (من نسخة): «من جانبى نيق». ومن نسخة بحاشيتى الأصل، ف أيضا: «من جانب النيق»، والنيق: أعلى الجبل.
(4) الحيوان 3: 343، ونقله الثعالبى فى ثمار القلوب 396 - 397.
(5) زيادة من م؛ وهى توافق ما فى الحيوان والزميت، كسكيت العظيم الوقار.
(6) الركين: الرزين.
(2/105)

فى منزله وهو قريب الدار من مسجده، فيأتى مجلسه، فيحتبى ولا يتّكئ، ولا يزال منتصبا لا يتحرّك له عضو، ولا يلتفت، ولا تحلّ حبوته (1)، ولا يحوّل رجلا عن رجل، ولا يعتمد على أحد شقّيه، حتى كأنه بناء مبنىّ أو صخرة منصوبة؛ فلا يزال كذلك؛ حتى يقوم لصلاة الظهر، ثم يعود إلى مجلسه، فلا يزال كذلك/ حتى يقوم لصلاة العصر، ثم يرجع إلى مجلسه (2)، فلا يزال كذلك حتى يقوم لصلاة المغرب، ثم ربما عاد إلى مجلسه (3)، بل كثيرا ما يكون ذلك إذا بقى عليه من قراءة العهد والشروط والوثائق، ثم يصلى العشاء (4) وينصرف، لم يقم فى تلك الولاية مرة
واحدة إلى الوضوء، ولا احتاج إليه، ولا شرب ماء ولا غيره من الشراب، وكذلك كان شأنه فى طوال الأيام وفى قصارها، وفى صيفها وشتائها، وكان مع ذلك لا يحرّك يدا (5)، ولا يشير برأسه؛ وليس إلا أن يتكلم ثم يوجز؛ ويبلغ بالكلام اليسير المعانى الكثيرة.
فبينما هو ذات يوم كذلك، وأصحابه حوله (6) وفى السّماطين (7) بين يديه إذ سقط على أنفه ذباب، فأطال السكوت والمكث، ثم تحوّل إلى مؤق (8) عينه؛ فرام الصبر فى سقوطه على المؤق وعلى عضّته، ونفاذ خرطومه؛ كما رام الصبر على سقوطه على أنفه، من غير أن يحرّك أرنبته، أو يغضّن وجهه؛ أو يذبّ بإصبعه؛ فلما طال عليه ذلك من الذباب وأوجعه وأحرقه وقصد إلى مكان لا يحتمل التغافل عنه أطبق جفنه الأعلى على جفنه الأسفل فلم ينهض، فدعاه ذلك إلى أن والى بين الإطباق والفتح؛ فتنحى ريثما سكن جفنه.
ثم عاد إلى موقفه (9) ثانيا، أشد من مرته الأولى، فغمس خرطومه فى مكان قد كان أوهاه قبل ذلك، فكان احتماله له أضعف، وعجزه عن الصبر فى الثانية أقوى، فحرّك أجفانه، وزاد
__________
(1) الحبوة، بالفتح وتضم: أن يجمع الرجل بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها.
(2) الحيوان: «لمجلسه».
(3) الحيوان: «إلى محله».
(4) فى ثمار القلوب: «العشاء الأخيرة».
(5) الحيوان: «يده».
(6) م: «حواليه»؛ وهى رواية الحيوان.
(7) السماط: الصف.
(8) المؤق: طرف العين مما يلى الأنف.
(9) د، ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «موقه».
(2/106)

فى شدة الحركة (1) فى تتابع الفتح والإطباق، فتنحّى عنه بقدر ما سكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه، فما زال يلحّ عليه حتى استفرغ جهده (2)، وبلغ مجهوده، فلم يجد بدّا من أن يذبّ عنه بيده، ففعل ذلك وعيون القوم إليه يرمقونه، كأنهم لا يرونه، فتنحى عنه بمقدار ما ردّ يده، وسكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه؛ فألجأه إلى أن ذبّ عن وجهه بطرف كمه، ثم ألجأه إلى أن تابع بين ذلك، وعلم أن ذلك كلّه بعين من حضر من أمنائه وجلسائه، فلما
نظروا إليه قال: أشهد أن الذباب ألجّ (3) من الخنفساء، وأزهى من الغراب، وأستغفر الله فما أكثر من أعجبته نفسه، فأراد الله أن يعرّفه من ضعفه ما كان عنه مستورا. وقد علمت أنى كنت/ عند الناس من أرصن الناس، وقد غلبنى وفضحنى أضعف خلق الله، ثم تلا قول الله تعالى: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ".
__________
(1) الحيوان: «فى فتح العين وتتابع الفتح».
(2) م: «صبره». وهى رواية الحيوان وثمار القلوب.
(3) فى الثمار: «ألح»، بالحاء.
(2/107)

مجلس آخر 59
تأويل آية [وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ، وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ، وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ؛ [البقرة: 49].
فقال: ما تنكرون أن يكون فى هذه الآية دلالة على إضافة الأفعال التى تظهر من العباد إليه تعالى، من وجهين: أحدهما أنه قال بعد ما تقدم من أفعالهم ومعاصيهم: وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ فأضافها إلى نفسه، والثانى أنه أضاف نجاتهم من آل فرعون إليه فقال: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ، ومعلوم أنهم هم الذين ساروا حتى نجوا؛ فيجب أن يكون ذلك السير من فعله على الحقيقة حتى تصح الإضافة.
الجواب، قلنا: أما قوله تعالى: وَفِي ذلِكُمْ فهو إشارة إلى ما تقدّم ذكره من إنجائه لهم من المكروه والعذاب: وقد قال قوم: إنه معطوف على ما تقدّم من قوله تعالى:
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ؛ [البقرة: 47]، والبلاء هاهنا الإحسان والنعمة.
ولا شك فى أن تخليصه لهم من ضروب المكاره التى عددها الله نعمة عليهم وإحسان إليهم؛ والبلاء عند العرب قد يكون حسنا، ويكون شيئا، قال الله تعالى: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً [الأنفال: 17]؛ ويقول الناس فى الرجل إذا أحسن القتال والثبات فى الحرب: قد أبلى فلان، ولفلان بلاء؛ والبلوى أيضا قد يستعمل فى الخير والشر؛ إلا أن
أكثر ما يستعملون البلاء الممدود فى الجميل والخير، والبلوى المقصور فى السوء
(2/108)

والشر، وقال قوم: أصل البلاء فى كلام العرب الاختبار والامتحان، ثم يستعمل فى الخير والشر؛ لأن الاختبار والامتحان قد يكون فى الخير والشر جميعا، كما قال تعالى:
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ؛ [الأعراف: 168]، يعنى اختبرناهم، وكما قال تعالى:
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً؛ [الأنبياء: 35]، فالخير يسمى بلاء، والشر يسمى بلاء؛ غير أن الأكثر فى الشر أن يقال: بلوته أبلوه بلاء، وفى الخير: أبليته أبليه إبلاء وبلاء؛ وقال زهير فى البلاء الّذي هو الخير:
/ جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم … وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو (1)
فجمع بين اللغتين، لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النعمة التى يختبر بها عباده. وكيف يجوز أن يضيف تعالى ما ذكره عن آل فرعون من ذبح الأبناء وغيره إلى نفسه، وهو قد ذمّهم عليه، ووبّخهم! وكيف يكون ذلك من فعله؛ وهو تعالى قد عدّ تخليصهم منه نعمة عليهم! وكان يجب على هذا أن يكون إنما نجاهم من فعله تعالى بفعله، وهذا مستحيل لا يعقل ولا يحصل؛ على أنّه يمكن أن ترد قوله: ذلِكُمْ إلى ما حكاه عن آل فرعون من الأفعال القبيحة؛ ويكون المعنى: فى تخليته بين هؤلاء وبينكم، وتركه منعهم من إيقاع هذه الأفعال بكم بلاء من ربّكم عظيم؛ أى محنة واختبار لكم.
والوجه الأول أقوى وأولى، وعليه جماعة من المفسرين.
وروى أبو بكر الهذلىّ عن الحسن فى قوله تعالى: وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ، قال: نعمة عظيمة؛ إذ أنجاكم من ذلك؛ وقد روى مثل ذلك عن ابن عباس والسّدّيّ ومجاهد وغيرهم.
فأما إضافة النّجاة إليه وإن كانت واقعة بسيرهم وفعلهم؛ فلو دلّ على ما ظنّوه لوجب إذا قلنا: إنّ الرسول أنقذنا من الشّكّ، وأخرجنا من الضلالة إلى الهدى، ونجّانا من الكفر أن يكون فاعلا لأفعالنا.
وكذلك قد يقول أحدنا لغيره: أنا نجيتك من كذا وكذا، واستنقذتك وخلصتك،
__________
(1) ديوانه: 109؛ والرواية فيه: «رأى الله بالإحسان .. »، وهى رواية الأصمعى.
(2/109)

ولا يريد أنّه فعل بنفسه فعله. والمعنى فى ذلك ظاهر؛ لأن ما وقع بتوفيق الله تعالى ودلالته وهدايته ومعونته وألطافه قد يصح إضافته إليه فعلى هذا صحت إضافة النجاة إليه تعالى.
ويمكن أيضا أن يكون مضيفا لها من حيث ثبّط عنهم الأعداء، وشغلهم عن طلبهم؛ وكل هذا يرجع إلى المعونة؛ فتارة تكون بأمر يرجع إليهم، وتارة بأمر يرجع إلى أعدائهم.
فإن قيل: كيف يصحّ أن يقول: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ فيخاطب بذلك من لم يدرك فرعون ولا نجا من شره؟
قلنا: ذلك معروف مشهور فى كلام العرب؛ وله نظائر؛ لأن العربىّ قد يقول مفتخرا على غيره: قتلناكم يوم عكاظ (1) وهزمناكم؛ وإنما يريد أنّ قومى فعلوا ذلك بقومك.
قال الأخطل يهجو جرير بن عطية:
/ ولقد سما لكم الهذيل فنالكم … بإراب حيث يقسّم الأنفالا (2)
فى فيلق يدعو الأراقم لم تكن … فرسانه عزلا ولا أكفالا (3)
ولم يلحق جرير الهذيل؛ ولا أدرك اليوم الّذي ذكره؛ غير أنّه لما كان يوم من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه؛ فكذلك خطاب الله تعالى بالآية إنما توجّه إلى أبناء من نجّى من آل فرعون وأحلافهم. والمعنى: وإذ نجينا آباءكم وأسلافكم؛ والنعمة على السلف نعمة على الخلف.
***
__________
(1) فى حاشيتى الأصل، ف: «عكاظ: سوق للعرب معروفة كانوا يجتمعون فيها فيتفاخرون».
(2) ديوانه 48 وفى حاشيتى الأصل، ف: «الهذيل بن هبيرة التغلبى، وكان غزا بنى رباح يوم إراب؛ وإراب اسم ماء».
(3) الأراقم: قبائل معروفة، والعزل: الضعفاء والأكفال: جمع كفل، وهو الّذي لا يثبت على ظهور الخيل؛ ومثله قول الشاعر:
ما كنت تلقى فى الحروب فوارسى … ميلا إذا ركبوا ولا أكفالا.
(2/110)

قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن أحسن الشعر فى تعوّد الضيافة والأنس بها والاستمرار عليها قول حاتم بن عبد الله الطائى:
إذا ما بخيل القوم هرّت كلابه … وشقّ على الضّيف الغريب عقورها (1)
فإنى جبان الكلب، بيتى موطّا … جواد إذا ما النّفس شحّ ضميرها
وإنّ كلابى مذ أقرّت (2) وعوّدت … قليل على من يعترينا هريرها
أراد بقوله:
* قليل على من يعترينا هريرها*
أنها لا تهرّ جملة؛ ولذلك نظائر كثيرة، ومثله قوله تعالى: فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ؛ [البقرة: 88] ومثل قوله: «فإنى جبان الكلب» معنى ولفظا قول الشاعر:
وما يك فىّ من عيب فإنى … جبان الكلب مهزول الفصيل (3)
وإنما أراد أنى أوثر الضيف بالألبان ففصالى مهازيل.
ومثل اللفظ والمعنى (4) قول أبى وجزة:
وآل الزّبير بنو حرّة … مروا بالسّيوف الصّدور الجنافا (5)
__________
(1) ديوانه: 110؛ والفاضل والمفضول 40 - 41، وفى د، ونسخة بحاشيتى الأصل، ف:
«بخيل الناس»؛ وهى راية الديوان.
(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «أقرت»؛ بالفتح.
(3) كتاب الصناعتين 351. والحيوان 1: 384، والحماسة بشرح المرزوقى 1650 من غير عزو.
(4) من أبيات ستة مذكورة فى الأغانى 12: 252 (طبع دار الكتب المصرية)؛ وكان أبو وجزة متقطعا إلى آل الزبير؛ وإلى عبد الله بن عروة بن الزبير خاصة، وكان يفضل عليه ويقوم بأمره؛ ثم بلغه أن أبا وجزة أتى عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب فمدحه ووصله؛ فاطرحه عبد الله بن عروة، وأمسك يده عنه؛ فلم يزل أبو وجزة يمدح آل الزبير ويستعطف ابن عروة؛ وهو يشيح عنه إلى أن قال فيه هذه الأبيات، فرضى عنه وعاد إلى صلته.
(5) بعده.
سل الجرد عنهم وأيامها … إذا امتعطوا المرهفات الخفافا
امتعطوا: سلوا؛ ومنه ذئب أمعط، منسل من شعره-
(2/111)

يموتون والقتل من دأبهم … ويغشون يوم السّيوف السّيافا (1)
وأجبن من صافر كلبهم … وإن قذفته حصاة أضافا
يقول: أدركوا بسيوفهم ثاراتهم؛ فكأنهم شفوا وغر قلوبهم، وأزالوا ما كان فيها من الأحقاد.
ومعنى «مروا» استخرجوا كما ترى الناقة إذا أردت أن تحلبها لتدرّ. والجانف: المائل.
ثم قال: وإن مات بعضهم على فراشه فإن أكثرهم يموت مقتولا؛ لشجاعتهم وإقدامهم، فلذلك قال: «والقتل من/ دأبهم».
وجعل كلبهم جبانا لكثرة من يغشاهم ويطرقهم من النّزّال والأضياف فقد ألفتهم كلابهم وأنست بهم؛ فهى لا
تنبحهم. وقيل أيضا: إنها لا تهرّ عليهم؛ لأنها تصيب مما ينحر لهم وتشاركهم فيه. ومعنى:
* وإن قذفته حصاة أضافا*
أى أشفق؛ وهذا تأكيد لجبنه؛ ويقال: أضاف الرجل من الأمر إذا أشفق منه.
ومعنى «وأجبن من صافر كلبهم» قد تقدم ذكره فى الأمالى.
ومثله فى المعنى:
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم … لا يسألون عن السّواد المقبل (2)
وقال المرار بن المنقذ العدوىّ:
أعرف الحقّ ولا أنكره … وكلابى أنس غير عقر (3)
__________
(1) رواية الأغانى:
يموتون والقتل داء لهم … ويصلون يوم السّياف السّيافا
وبعده:
إذا فرج القتل عن عيصهم … أبى ذلك العيص إلا التفافا
مطاعيم تحمد أبياتهم … إذا قنّع الشاهقات الطّخافا
قنعت: غطى رأسها. والطخاف: السحاب المرتفع.
(2) البيت لحسان؛ ديوانه 80.
(3) من قصيدة مفضلية (82 - 93، طبعة المعارف).
(2/112)

لا ترى كلبى إلّا آنسا … إن أتى خابط ليل لم يهرّ (1)
كثر النّاس فما ينكرهم … من أسيف يبتغى الخير وحرّ
الأسيف: العبد هاهنا-
وقال آخر:
إلى ماجد لا ينبح الكلب ضيفه … ولا يتأدّاه احتمال المغارم (2)
معنى «يتأداه» يثقله؛ وأراد أن يقول: يتأوّده؛ فقلب.
وقال ابن هرمة:
وإذا أتانا طارق متنوّر … نبحت فدلّته عليّ كلابى (3)
وفرحن إذ أبصرنه فلقينه … يضربنه بشراشر الأذناب (4)
وإنما تفرح به، لأنها قد تعودت إذا نزلت الضيوف أن ينحر لهم فتصيب من قراهم.
ومثله له:
ومستنبح تستكشط الرّيح ثوبه … ليسقط عنه، وهو بالثّوب معصم (5)
عوى فى سواد اللّيل بعد اعتسافه … لينبح كلب، أو ليفزع نوّم (6)
فجاوبه مستسمع الصّوت للقرى … له مع إتيان المهبّين مطعم
__________
(1) خابط ليل: ضيف يسير على غير هدى.
(2) البيت فى اللسان (أود) من غير نسبة.
(3) البيتان فى الخزانة 4: 584.
(4) حاشية الأصل: «شراشر الذنب: ذباذبه؛ وهى ما تدلى من شعر ذنبه»، ويقال: شرشر الكلب؛ إذا ضرب بذنبه.
(5) حماسة أبى تمام- بشرح التبريزى 4 - 136 - 137، والحيوان 1: 377، والفاضل للمبرد 37 - 38، من غير عزو، والخزانة 4: 584. وكشط واستكشط بمعنى، والمعصم: المستمسك بالشيء.
(6) الاعتساف: السير على غير هدى.
(2/113)

يكاد إذا ما أبصر الضّيف مقبلا … يكلّمه من حبّه، وهو أعجم
أراد بقوله: «فجاوبه مستسمع الصوت» أنه جاوبه كلب. والمهبّون: الموقظون له ولأهله وهم/ الأضياف؛ وإنما كان له معهم مطعم، لأنه ينحر لهم ما يصيب منه.
وأراد بقوله:
* يكلّمه من حبّه وهو أعجم*
بصبصته وتحريكه ذنبه.
وأما قوله: «ليفزع نوّم» فإنما أراد ليعين (1) نوم، يقال: فزعت لفلان إذا أعنته (2).
ومعنى «عوى فى سواد الليل» أنّ العرب تزعم أنّ سارى الليل إذا أظلم عليه وادلهمّ فلم يستبن محجة، ولم يدر أين الحلّة وضع وجهه على (3) الأرض، وعوى عواء الكلب لتسمع (4) ذلك الصوت الكلاب إن كان الحىّ قريبا منه
فتجيبه، فيقصد الأبيات. وهذا معنى قوله أيضا: «ومستنبح»، أى ينبح نبح الكلاب (5).
__________
(1) حاشية الأصل، ف (من نسخة): «ليغيث».
(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف:
«أغثته».
(3) ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «مع الأرض».
(4) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «لتستمع».
(5) حاشية الأصل: «مما يناسب هذا الفن قول امرأة من بنى عامر ترثى رجلا:
أيا شجرات الواد من يضمن القرى … إذا لم يكن بالواد عمرو بن عامر
فتى جعفرىّ كان غير ميامن … طريق الندى عنه وغير مياسر
ولكن إليه قصد كلّ محصّب … صبور على مستصعبات الجرائر
ومستنبح تزهى الصّبا عنه ثوبه … تقلّبه الأرواح بين الدياجر
يجاوبه كلبان، والليل مسدف … يكادان يبتدّانه بالشراشر
يكادان من وجد به وتملق … يقولان: أهلا بالمكلّ المسافر
قولها «يبتدانه»، أى يأتيانه من جانبيه يتبصبصان ويقال: السبعان يبتدان الرجل ابتدادا، أى يأتيانه، والرضيعان يبتدان أمهما، ولا تقل: فلانة يبتدها ابنها حتى يكونا اثنين».
(2/114)

وقال الفرزدق:
وداع بلحن الكلب يدعو ودونه … من اللّيل سجفا ظلمة وغيومها (1)
دعا وهو يرجو أن ينبّه إذ دعا … فتى كابن ليلى حين غارت نجومها
ابن ليلى، يعنى أباه غالبا-
بعثت له دهماء ليست بلقحة (2) … تدرّ إذا ما هبّ نحسا عقيمها
معنى «بعثت له دهماء» أى رفعتها على أثافيّها؛ ويعنى بالدهماء القدر. واللّقحة: الناقة؛ وأراد أن قدره تدرّ إذا هبت الريح عقيما لا مطر فيها-
كأنّ المحال (3) الغرّ فى حجراتها … عذارى بدت لمّا أصيب حميمها
أراد أن قطع اللحم لا تستتر منها (4) بشيء؛ كما لا تستتر العذارى اللواتى أصيب حميمهنّ فيظهرن حواسر-
غضوبا كحيزوم النعامة أحمشت … بأجواز خشب زال عنها هشيمها (5)
الأجواز: الأوساط، وأوسط الخشب أصلبه وأبقى نارا-
محضرة لا يجعل السّتر دونها … إذا المرضع العوجاء جال يريمها
البريم: الحقاب (6)؛ وإنما يجول من الهزال والجهد والطوى. والعوجاء: التى قد اعوجّت من الطوى.
وقال الأخطل فى الضيف:
دعانى بصوت واحد فأجابه … مناد بلا صوت، وآخر صيّت (7)
__________
(1) ديوانه: 803؛ والرواية فيه:
وداع بنبح الكلب يدعو ودونه … غياطل من دهماء داج بهيمها.
(2) الديوان: «بناقة».
(3) المحال: القطع.
(4) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فيها».
(5) هذا البيت والّذي يليه لم يذكرا فى الديوان.
(6) الحقاب: شيء محلى تشده المرأة على وسطها.
(7) الخزانة 4: 584.
(2/115)

ذكر ضيفا عوى بالليل والصّدى من الجبل يجيبه؛ فذلك معنى قوله: «بصوت واحد»، وقوله: «فأجابه مناد/ بلا صوت»، يعنى نارا رفعها له فرأى سناها فقصدها، والآخر الصّيت الكلب، لأنه أجاب دعواه.
ومثله:
وسارى ظلام مقفعلّ وهبوة … دعوت بضوء ساطع فاهتدى ليا
يعنى نارا رفعها ليقصده طرّاق الليل. والمقفعلّ: المنتفض (1) من شدة البرد.
وأنشد محمد بن يزيد:
ومستنبح تهوى مساقط رأسه … إلى كلّ شخص فهو للصّوت أصور (2)
حبيب إلى كلب الكرام مناخه … بغيض إلى الكوماء، والكلب أعذر (3)
دعته بغير اسم: هلمّ إلى القرى … فأسرى يبوع الأرض شقراء تزهر
معنى «أصور» مائل؛ أراد أنه يميل رأسه إلى كلّ شخص يتخيل له يظنه إنسانا.
ومعنى: «حبيب إلى قلب الكرام» المعنى الّذي تقدم
ومعنى: «بغيض إلى الكوماء» إلى الناقة لأنها تنحر له.
وقوله: «دعته شقراء بغير اسم» يعنى نارا رأى ضوأها فقصدها؛ فكأنها دعته.
وقال ابن هرمة وقد نزل به ضيف:
فقلت لقينىّ ارفعاها وحرّقا … لعلّ سنا نارى بآخر تهتف (4)
وفى معنى قوله: «بغيض إلى الكوماء» قول بعض الشعراء يمدح رسول الله صلى الله عليه وآله:
وأبيك حيرا إنّ إبل محمّد … عزل تناوح أن تهبّ شمال
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «المتقبض».
(2) حماسة أبى تمام- بشرح المرزوقى 1645.
(3) ف: «أبصر»؛ وهى رواية الحماسة. وفى حاشية الأصل: «أعذر، أى أمعن فى كونه معذورا فى الحب».
(4) القين: الخادم.
(2/116)

وإذا رأين لدى الفناء غريبة … ذرفت لهنّ من الدّموع سجال
وترى لها زمن الشّتاء على الثّرى … رخما، وما تحيا لهنّ فصال
أراد أبيك الخير، فلما طرح الألف واللام نصب. والعزل: التى لا سلاح معها؛ وسلاح الإبل سنامها (1) وأولادها؛ وإنما جعلوا ذلك كالسلاح لها من حيث كان صاحبها إذا رأى سمنها وحسن أجسامها، ورأى أولادها تتبعها نفس بها على الأضياف فامتنع من نحرها، فلما كان ذلك صادّا عن الذبح، ومانعا منه جرى مجرى السلاح لها؛ فكأنه يقول: هذه الإبل وإن كانت ذوات سلاح؛ من حيث كانت شحيمة سمينة فهى كالعزل إذ كان سلاحها لا يغنى عنها شيئا، ولا يمنع من عقرها.
ومعنى: «تناوح» يقابل بعضها بعضا، أى هنّ مدفآت بأسنمتها وأوبارها/ لا تبالى بهبوب الشمال، ولا يدخل بعضها فى بعض من البرد.
وقوله:
* وإذا رأين لدى الفناء غريبة*
أى إذا نزل ضيف فعقل ناقته التى جاء عليها وهى الغريبة علمن أنه سينحر بعضهم لا محالة؛ فلذلك تذرف دموعهن.
وقوله:
وترى لها زمن الشّتاء على الثرى … رخما .....
فقد قيل فيه: إنه أراد به أن يهب فصالهن فتبقى ألبانهن على الأرض كهيئة الرّخم.
وحكى عن ابن عباس أنه قال: الرّخم: قطع العلق من الدم.
وعندى أن المعنى غير هذين جميعا؛ وإنما أراد أنها تنحر وتعقر فتسقط الرّخم على موضع عقرها وبقايا دمائها وأشلائها؛ فهذا معنى قوله، لا ما تقدّم.
__________
(1) د، ف: «سمنها».
(2/117)

وقال آخر فى معنى سلاح الإبل يمدح بنى عوذ بن غالب من عبس (1)؛
جزى الله عنى غالبا خير ما جزى … إذا حدثان الدّهر نابت نوائبه (2)
إذا أخذت بزل المخاض سلاحها … تجرّد فيها متلف المال كاسبه (3)
أراد أن سمنها وحسنها وتمامها لا يمنعنى (4) من عقرها للأضياف.
ومثله:
إذا البقل فى أصلاب شول ابن مسهر … نما لم يزده البقل إلّا تكرّما
إذا أخذت شول البخيل رماحها … دحا برماح الشّول حتّى تحطّما
وقوله: «أخذت رماحها» من المعنى المتقدم.
وقال مسكين الدارمىّ:
فقمت ولم تأخذ إلى رماحها … عشارى، ولم أرجب (5) عراقبها عقرا
لم أرجب: لم أكبر ذلك ولم يعظم عليّ، وسمّى رجب رجبا من ذلك؛ لأنه شهر معظّم.
وقالت ليلى الأخيلية:
__________
(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «قيس».
(2) من أبيات أربعة فى حماسة أبى تمام- بشرح المرزوقى 1666 - 1667؛ وبعده:
فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت … عليّ، وموج قد علتنى غواربه
إذا قلت عودوا عاد كلّ شمردل … أشمّ من الفتيان جزل مواهبه
إذا أخذت ...
(3) البزل: جمع بازل؛ وهو المتناهى قوة وشبابا. والمخاض: النوق الحوامل.
(4) د، ومن نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «يمنعه».
(5) فى حاشيتى الأصل، ف: «ولم أحفل».
(2/118)

ولا تأخذ الكوم الحياد سلاحها … لتوبة فى قرّ الشّتاء الصنابر (1)
ومثله:
لا أخون الصّديق ما حفظ العه … د، ولا تأخذ السّلاح لقاحى
وقال النمر بن تولب:
أزمان لم تأخذ إلى سلاحها … إبلى بجلّتها ولا أبكارها (2)
ابتزّها ألبانها ولحومها … فأهين ذاك لضيفها ولجارها
/ وقال مضرّس بن ربعىّ الأسدىّ:
وما نلعن الأضياف إن نزلوا بنا … ولا يمنع الكوماء منّا نصيرها
ومعنى: «لا نلعنهم»، أى لا نبعدهم، واللعين: البعيد. ونصيرها هاهنا:
ما يمنع من عقرها من حسن وتمام وولد وما جرى مجرى ذلك. والنصير والسلاح فى المعنى واحد.
__________
(1) حماسة ابن الشجرى: 84؛ من أبيات ترثى فيها توبة بن الحمير الخفاجى، ورواية البيت هناك:
ولا تأخذ الكوم المخاض سلاحها … لتوبة فى صرّ الشتاء الصّنابر
والصنابر: جمع صنبر؛ وهو البرد الشديد.
(2) البيت فى اللآلى 632. والجلة: المسان.
(2/119)

مجلس آخر 60
تأويل آية [وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ؛ [الكهف: 23].
فقال: ما تنكرون أن يكون ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون جميع ما نفعله يشاؤه ويريده؟
لأنه لم يخصّ شيئا من شيء؛ وهذا بخلاف مذهبكم. وليس لكم أن تقولوا: إنه خطاب للرسول عليه وآله السلام خاصة؛ وهو لا يفعل إلا ما يشاؤه الله؛ لأنه قد يفعل المباح بلا خلاف؛ ويفعل الصغائر عند أكثركم؛ فلا بد من أن يكون فى أفعاله تعالى ما لا يشاؤه عندكم، ولأنه أيضا تأديب لنا، كما أنه تعليم له عليه السلام؛ ولذلك يحسن منا أن نقول ذلك فيما يفعله.
الجواب، قلنا: تأويل هذه الآية مبنىّ على وجهين:
أحدهما أن نجعل حرف الشرط الّذي هو «إن» متعلقا بما يليه وبما هو متعلّق به فى الظاهر من غير تقدير محذوف؛ ويكون التقدير: ولا تقولن إنك تفعل إلا ما يريد الله.
وهذا الجواب ذكره الفراء، وما رأيته إلا له. ومن العجب تغلغله إلى مثل هذا؛ مع مع أنه لم يكن متظاهرا بالقول بالعدل. وعلى هذا الجواب لا شبهة فى الآية، ولا سؤال للقوم علينا.
وفى هذا الوجه ترجيح (1) لغيره من حيث اتبعنا فيه الظاهر، ولم نقدّر محذوفا، وكلّ جواب مطابق الظاهر ولم يبن على محذوف كان أولى.
__________
(1) فى حاشيتى الأصل، ف: «المعنى أن الله تعالى ينهى أن يقول أحد إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله؛ لأن الله تعالى لا يشاء جميع ما يفعلونه؛ وكأنه تعالى نهاهم عن تعليق أفعالهم بمشيئة الله عز وجل. وهو حسن».
(2/120)

والجواب الآخر أن نجعل «أن» متعلقة بمحذوف؛ ويكون التقدير: ولا تقولن لشيء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن تقول: «إن شاء الله»؛ لأن من عاداتهم إضمار القول فى مثل هذا الموضع، واختصار الكلام إذا طال وكان فى الموجود منه دلالة على المفقود.
وعلى هذا الجواب يحتاج إلى الجواب عما سئلنا عنه، فنقول: هذا تأديب من الله تعالى/ لعباده، وتعليم لهم أن يعلّقوا ما يخبرون به بهذه اللفظة؛ حتى يخرج من حد القطع.
ولا شبهة فى أن ذلك مختصّ بالطاعات، وأنّ الأفعال القبيحة خارجة عنه؛ لأن أحدا من المسلمين لا يستحسن أن يقول: إنى أزنى غدا إن شاء الله، أو أقتل مؤمنا، وكلهم يمنع من ذلك أشدّ المنع؛ فعلم سقوط شبهة من ظن أن الآية عامّة فى جميع الأفعال.
وأما أبو عليّ محمد بن عبد الوهاب فإنه ذكر فى تأويل هذه الآية ما نحن ذاكروه بعينه، قال" إنما عنى بذلك أنّ من كان لا يعلم أنه يبقى إلى غد حيا فلا يجوز أن يقول: إنى سأفعل غدا كذا وكذا، فيطلق الخبر بذلك وهو لا يدرى، لعله سيموت ولا يفعل ما أخبر به؛ لأن هذا الخبر إذا [لم يوجد مخبره على ما أخبر به] (1) فهو كذب؛ وإذا كان المخبر لا يأمن أن لا يوجد مخبره لحدوث أمر من فعل الله نحو الموت أو العجز أو بعض الأمراض، أو لا يحدث (2) ذلك بأن يبدو له هو فى ذلك، فلا يأمن أن يكون خبره كذبا فى معلوم الله عز وجل؛ وإذا لم يأمن ذلك لم يجز أن يخبر به؛ ولا يسلم خبره هذا من الكذب إلا بالاستثناء الّذي ذكره الله تعالى؛ فإذا قال: إنى صائر غدا إلى المسجد إن شاء الله، فاستثنى فى مصيره مشيئة الله أمن أن يكون خبره فى هذا كذبا؛ لأن الله إن شاء أن يلجئه إلى المصير إلى المسجد غدا ألجأه إلى ذلك؛ وكان المصير منه لا محالة؛ فإذا كان ذلك على ما وصفنا لم يكن خبره هذا كذبا؛ وإن لم يوجد منه المصير إلى المسجد؛ لأنه لم يوجد ما استثناه فى ذلك من مشيئة الله تعالى".
__________
(1) د، ومن نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «إذا لم يوجد مخبر على ما أخبر به المخبر».
(2) م: «لا يوجد ذلك».
(2/121)

قال: " وينبغى ألا يستثنى مشيئة دون مشيئة، لأنه إن استثنى فى ذلك مشيئة الله لمصيره إلى المسجد على وجه التعبد، فهو أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا؛ لأن الإنسان قد يترك كثيرا مما يشاؤه الله تعالى منه ويتعبده به، ولو كان استثناء مشيئة الله لأن يبقيه ويقدره ويرفع عنه الموانع كان أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا؛ لأنه قد يجوز ألّا يصير إلى المسجد مع تبقية الله تعالى له قادرا مختارا، فلا يأمن من الكذب فى هذا الخبر دون أن يستثنى المشيئة العامة التى ذكرناها، فإذا دخلت هذه المشيئة فى الاستثناء فقد أمن أن يكون خبره كذبا/ إذا كانت هذه المشيئة متى وجدت وجب أن يدخل المسجد لا محالة".
قال: " وبمثل هذا الاستثناء يزول الحنث عمن حلف فقال: والله لأصيرنّ غدا إلى المسجد إن شاء الله، لأنه إن استثنى على سبيل ما بيّنا لم يجز أن يحنث فى يمينه، ولو خص استثناءه بمشيئة بعينها ثم كانت ولم يدخل معها المسجد حنث فى يمينه".
وقال غير أبى عليّ: إن المشيئة المستثناة هاهنا هى مشيئة المنع والحيلولة؛ فكأنه قال:
إن شاء الله يخلينى ولا يمنعنى.
وفى الناس من قال: القصد بذلك أن يقف الكلام على جهة القطع وإن لم يلزم به ما كان يلزم لولا الاستثناء، ولا ينوى فى ذلك إلجاء ولا غيره؛ وهذا الوجه يحكى عن الحسن البصرىّ.
واعلم إن فى الاستثناء (1) الداخل على الكلام وجوها مختلفة؛ فقد يدخل على الأيمان والطلاق والعتاق وسائر العقود وما يجرى مجراها من الأخبار؛ فإذا دخل ذلك اقتضى التوقيف عن إمضاء الكلام والمنع من لزوم ما يلزم به إزالته عن الوجه الّذي وضع له؛ ولذلك يصير ما تكلّم به كأنه لا حكم له؛ ولذلك يصح على هذا الوجه أن يستثنى فى الماضى فيقول: قد
__________
(1) د، ف: «للاستثناء».
(2/122)

دخلت الدار إن شاء الله، ليخرج بهذا الاستثناء من أن يكون كلامه خبرا قاطعا أو يلزمه حكم.
وإنما لم يصحّ دخوله فى المعاصى على هذا الوجه؛ لأن فيه إظهار الانقطاع (1) إلى الله تعالى؛ والمعاصى لا يصح ذلك فيها؛ وهذا الوجه أحد (2) ما يحتمله تأويل الآية.
وقد يدخل الاستثناء فى الكلام فيراد به اللطف والتسهيل. وهذا الوجه يخصّ الطاعات، ولهذا الوجه جرى قول القائل: لأقضينّ غدا ما عليّ من الدين، ولأصلّينّ غدا إن شاء الله مجرى أن يقول: إنى أفعل ذلك إن لطف الله تعالى فيه وسهّله؛ فعلم أن المقصد واحد، وأنه متى قصد الحالف فيه هذا الوجه لم يجب إذا لم يقع (3) منه هذا الفعل أن يكون حانثا وكاذبا، لأنه إن لم يقع علمنا أنه لم يلطف له (4)، لأنه لا لطف له.
وليس لأحد أن يعترض هذا بأن يقول: الطاعات لا بدّ فيها من لطف؛ وذلك لأنّ فيها ما لا لطف فيه جملة، فارتفاع ما هذه سبيله يكشف عن أنه لا لطف فيه، وهذا الوجه لا يصح أن يقال فى الآية أنه يخص الطاعات؛ والآية/ تتناول كلّ ما لم يكن قبيحا؛ بدلالة إجماع (5) المسلمين على حسن الاستثناء ما تضمنته فى فعل ما لم يكن قبيحا.
وقد يدخل الاستثناء فى الكلام ويراد به التسهيل والإقدار والتخلية والبقاء على ما هي عليه من الأحوال؛ وهذا هو المراد به إذا دخل فى المباحات.
وهذا الوجه يمكن فى الآية إلا أنه يعترضه ما ذكره أبو على مما حكيناه من كلامه.
وقد يذكر استثناء المشيئة أيضا فى الكلام وإن لم يرد به فى شيء مما تقدم؛ بل يكون الغرض إظهار الانقطاع إلى
الله تعالى من غير أن يقصد إلى شيء من الوجوه المتقدمة.
وقد يكون هذا الاستثناء غير معتدّ به فى كونه كاذبا أو صادقا؛ لأنه فى الحكم كأنه
__________
(1) م: «إظهارا للانقطاع».
(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «أجود».
(3) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «وإن لم يقع منه».
(4) حاشية الأصل (من نسخة):
«لم يلطف فيه».
(5) ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «اجتماع».
(2/123)

قال: لأفعلنّ كذا إذا وصلت إلى مرادى مع انقطاعى إلى الله تعالى وإظهارى الحاجة إليه؛ وهذا الوجه أيضا مما يمكن فى تأويل الآية.
ومن تأمل جملة ما ذكرناه من الكلام عرف منه الجواب عن المسألة التى لا يزال يسأل عنها المخالفون من قولهم: لو كان الله تعالى إنما يريد العبادات من الأفعال دون المعاصى لوجب إذا قال من لغيره عليه دين طالبه به: والله لأعطينّك حقّك غدا إن شاء الله أن يكون كاذبا أو حانثا إذا لم يفعل؛ لأن الله تعالى قد شاء ذلك منه عندكم، وإن كان لم يقع؛ فكان يجب أن تلزمه الكفارة؛ وألا يؤثر هذا الاستثناء فى يمينه، ولا يخرجه عن كونه حانثا؛ كما أنه لو قال: والله لأعطينّك حقك غدا إن قدم زيد فقدم ولم يعطه يكون حانثا؛ وفى إلزام هذا الحنث خروج عن إجماع المسلمين، فصار ما أوردناه جامعا لبيان تأويل الآية، وللجواب عن هذه المسألة ونظائرها من المسائل، والحمد لله وحده.
*** قال سيدنا أدام الله تمكينه: تأمّلت ما اشتملت عليه تشبيهات الشعراء فوجدت أكثر ما شبهوا فيه الشيء بالشيء الواحد، أو الشيئين بالشيئين؛ وقد تجاوزوا ذلك إلى تشبيه ثلاثة بثلاثة، وأربعة بأربعة، وهو قليل؛ ولم أجد من تجاوز هذا القدر إلا قطعة مرّت بى لابن المعتز، فإنها تضمنت تشبيه ستة أشياء بستة أشياء.
فأما تشبيه الواحد بالواحد فمثل قول عنترة فى وصف الذباب:
هزجا يحكّ ذراعه بذراعه … قدح المكبّ على الزّناد الأجذم (1)
/ ومثله قول عدى بن الرّقاع:
__________
(1) من المعلقة، ص 182 - بشرح التبريزى. الهزج: السريع الصوت.
(2/124)

تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه … قلم أصاب من الدّواة مدادها (1)
ومثله قول امرئ القيس:
كأنّ عيون الوحش حول قبابنا … وأرحلنا الجزع الّذي لم يثقّب (2)
وقوله:
إذا ما الثّريّا فى السّماء تعرّضت … تعرّض أثناء الوشاح المفصّل (3)
ولذى الرّمة:
وردت اعتسافا والثّريّا كأنّها … على قمّة الرّأس ابن ماء محلّق (4)
وهذا الباب أكثر من أن يحصى.
فأما تشبيه شيئين بشيئين فمثل قول امرئ القيس يصف عقابا:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا … لدى وكرها العنّاب والحشف البالى (5)
وقوله:
وكشح لطيف كالجديل مخصّر … وساق كأنبوب السّقيّ المذلّل (6)
__________
(1) الطرائف الأدبية: 88. وفى حاشية الأصل: «أى تزجى البقرة ولدا فى صوته غنة؛ كأن رأس قرنه قلم قد سود بمداد».
(2) ديوانه 88. الجزع، بالفتح ويكسر: الخرز اليمانىّ.
(3) ديوانه: 27. تعرضت: أبدت عرضها، والأثناء: جمع ثنى؛ وهو ما انثنى من الوشاح، والوشاح: قلائد يضم بعضها إلى بعض؛ تكون من لؤلؤ وجوهر منظومين مخالف بينهما، معطوف أحدهما على الآخر، وتتوشح به المرأة فتشده بين عاتقها وكشحها، والمفصل: المرصع ما بين كل خرزتين منه بلؤلؤة أو ذهب، وتعرض الثريا يكون عند انصبابها للمغيب. وفى طبقات الشعراء: 73: " أنكر قوم قوله: «إذا ما الثريا فى السماء تعرضت»، وقالوا: الثريا لا تتعرض". وقال بعض العلماء: عنى الجوزاء، وقد تفعل العرب بعض ذلك؛ قال زهير:
فتنتج لكم غلمان أشأم، كلّهم … كأحمر عاد، ثم، ترضع فتفطم
يريد أحمر ثمود.
(4) ديوانه: 401.
(5) ديوانه: 70. العناب: ثمر أحمر، والحشف: ما يبس من التمر.
(6) ديوانه: 32. الجديل: زمام يتخذ من سيور فيجئ حسنا لينا يتثنى. والأنبوب البردى؛ وهو الّذي ينبت وسط النخل؛ يشبه به لبياضه. والسقى: النخل المسقى؛ كأنه قال كأنبوب النخل السقى، والمذلل: الّذي سقى وذلل بالماء.
(2/125)

ولبشار:
كأنّ مثار النّقع فوق رءوسهم … وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه (1)
ولآخر:
كأنّ سموّ النّقع والبيض حوله … سماوة ليل أسفرت عن كواكب
وقول أبى نواس:
كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها … حصباء درّ على أرض من الذّهب (2)
ولآخر:
إنّ الشّمول هى التى … جمعت لأهل الودّ شملا (3)
شبّهتها وحبابها … بشقائق يحملن طلّا (4)
ولآخر:
أبصرته والكأس بين فم … منه وبين أنامل خمس
فكأنّها وكأنّ شاربها (5) … قمر يقبّل عارض الشّمس
/ ولآخر:
حتى إذا جليت فى الكأس خلت بها … عقيقة جليت فى قشر بلّور (6)
__________
(1) ديوانه 1: 318. النقع: غبار الحرب.
(2) حاشية الأصل: «أصل السماوة المفازة الواسعة؛ ويعنى به الهواء.».
(3) ديوانه: 243. وفى حاشيتى الأصل، ف: «أخذ على أبى نواس استعماله «فعلى» هذه بلا ألف ولام».
(4) الشمول: الخمر. قال فى اللسان: " لأنها تشمل بريحها الناس؛ وقيل: سمعت بذلك لأن لها عصفة كعصفة الشمال".
(5) الطل: أخف المطر وأضعفه.
(6) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف:
* فكأنّه والكأس فى يده*
جليت، من الجلوة، وبها أى مكانها؛ وفى حاشية الأصل: بلور كتنور، وبلور كسنور، كلاهما صحيح».
(2/126)

تعلى إذا مزجت فى كأسها حببا … كأنّه عرق فى خدّ مخمور
وقال البحترىّ:
شقائق يحملن النّدى فكأنّه … دموع التّصابى فى خدود الخرائد (1)
وقال آخر:
فكأنّ الرّبيع يجلو عروسا … وكأنّا من قطره فى نثار (2)
ولأبى العباس الناشئ:
كأنّ الدّموع على خدّها … بقيّة طلّ على جلنار
وقال ابن الرومى وأحسن:
لو كنت يوم الفراق حاضرنا … وهنّ يطفئن غلّة الوجد (3)
لم تر إلا الدّموع سافحة … تسفح من مقلة على خدّ
كأنّ تلك الدّموع قطر ندى … يقطر من نرجس على ورد (4)
وقال جران العود:
أبيت كأنّ اللّيل أفنان سدرة … عليها سقيط من ندى الطّلّ ينطف (5)
أراقب لمحا من سهيل كأنّه … إذا ما بدا فى آخر اللّيل يطرف
ولابن المعتز:
سقتنى فى ليل شبيه بشعرها … شبيهة خدّيها بغير رقيب
فأمسيت فى ليلين بالشّعر والدّجى … وشمسين من خمر ووجه حبيب (6)
__________
(1) ديوانه 1: 136.
(2) فى حاشيتى الأصل، ف: «شبه ما تناثر عليهم من قطر المطر بالنثار».
(3) ديوانه ورقة 94 (مخطوطة دار الكتب المصرية).
(4) فى ف: «كأن العين» وهو رواية.
(5) ديوانه: 13 - 14.
(6) شرح ديوان المتنبى للعكبرى 1: 260.
(2/127)

وقال المتنبى:
نشرت ثلاث ذوائب من شعرها … فى ليلة فأرت ليالى أربعا (1)
واستقبلت قمر السماء بوجهها … فأرتنى القمرين فى وقت معا (2)
/ فأما تشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء فمثل قول مانى الموسوس:
نشرت غدائر شعرها لتظلّنى … خوف العيون من الوشاة الرّمق
فكأنّه وكأنّها (3) وكأنّنى … صبحان باتا تحت ليل مطبق
ولبعضهم:
روض ورد خلاله نرجس غ … ضّ يحفّان أقحوانا نضيرا
ذا يباهى لنا خدودا، وذا يح … كى عيونا، وذا يضاهى ثغورا
ولآخر فى النرجس:
مداهن تبر بين أوراق فضّة … لها عمد مخروطة من زبرجد
وللبحترىّ فى وصف ضمر المطايا ونحولها:
كالقسىّ المعطّفات بل الأس … هم مبريّة بل الأوتار (4)
ولبعض الطالبيين:
وأنا ابن معتلج البطاح إذا غدا … غيرى وراح على متون ضوامر (5)
__________
(1) ديوانه 1: 260.
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «فى ليل معا».
(3) حاشية الأصل (من نسخة): «فكأنها وكأنه».
(4) ديوانه 2: 24.
(5) حاشية الأصل: «المعتلج: المكان الّذي تختلف فيه الأباطح؛ وأصله من اعتلجت الأمواج إذا التطمت». والبطاح: جمع بطحاء؛ وهى بطاح مكة. وعن ابن الأعرابى: قريش البطاح الذين ينزلون الشعب بين أخشبى مكة.
(2/128)

يفترّ عنّى ركنها وحطيمها … كالجفن يفتح عن سواد النّاظر
كجبالها شرفى، ومثل سهولها … خلقى، ومثل ظبائهنّ مجاورى
وأما تشبيه أربعة بأربعة فمثل قول امرئ القيس:
له أيطلا ظبى، وساقا نعامة … وإرخاء سرحان، وتقريب تتفل (1)
ولآخر:
كفّ تناول راحها بزجاجة (2) … خضراء تقذف بالحباب وتزبد
فالكفّ عاج، والحباب لآلئ، … والرّاح تبر، والإناء زبرجد
ولبعضهم وقد أهدى إليه نرجس وأقحوان وشقائق وآس، فكتب إلى المهدىّ:
لله ما أظرف أخ … لاقك يا بدر الكرم
أهديت ما ناسبنها … حسنا وظرفا ومشمّ
/ فما رأينا مهديا … قبلك فى كلّ الأمم
أهدى العيون والخدو … د والثّغور واللّمم
ولآخر:
أفدى حبيبا له بدائع أو … صاف تعالت عن كلّ ما أصف
كالبدر يعلو، والشّمس تشرق، والغزال يعطو، والغصن ينعطف (3) وللمتنبى:
بدت قمرا، وماست خوط بان، … وفاحت عنبرا، ورنت غزالا (4)
__________
(1) ديوانه: 39. أيطلا الظبى: خاصرتاه؛ وخص الظبى لأنه ضامر. والسرحان: الذئب؛ والإرخاء: نوع من الجرى فيه سهولة. والتتفل: ولد الثعلب. والتقريب: أن يرفع يديه معا ويضعهما معا.
(2) حاشية الأصل: «بزجاجة، الباء للآلة؛ أى بواسطة زجاجة، ويجوز أن تكون الباء للاستصحاب».
(3) حاشية الأصل (من نسخة): «يعطو، أى يتناول ورق الشجر، ويكون الظبى فى تلك الحال أحسن».
(4) ديوانه 3: 224. الخوط: القضيب.
(2/129)

ولآخر:
سفرن بدورا، وانتقبن أهلّة، … ومسن غصونا، والتفتن جآذرا (1)
وأما تشبيه خمسة بخمسة فقول الوأواء الدمشقىّ، وهو أبو الفرج:
وأسبلت لؤلؤا من نرجس، وسقت … وردا، وعضّت على العنّاب بالبرد (2)
وأما تشبيه ستة بستة فلم أجده إلا لابن المعتز فى قوله:
بدر وليل وغصن … وجه وشعر وقد (3)
خمر وورد ودرّ … ريق وثغر وخدّ
__________
(1) شرح العكبرى للمتنبى 2: 224، من غير نسبة.
(2) ديوانه: 84؛ وروايته:
«وأمطرت». وقبله:
قالت، وقد فتكت فينا لواحظها … كم ذا؟ أما لقتيل الحب من قود! .
(3) حاشية الأصل: «تشبيهات ابن المعتز وإن كانت ستة بستة فإنها فى بيتين؛ وأعجب من ذلك وأحسن قول المخزومى:
نقا الرّدف، غصن المنثنى، حيّة الحشا … دجى اللّيل، بدر الوجه، ظبى المقلّد.
(2/130)

مجلس آخر 61
تأويل آية [رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا؛ [البقرة: 286].
فقال: كيف يجوز أن يأمرنا على سبيل العبادة بالدّعاء بذلك، وعندكم أن النسيان من فعله تعالى؟ ولا تكليف على الناسى فى حال نسيانه؛ وهذا يقتضي أحد أمرين: إما أن يكون النسيان من فعل العباد على ما يقوله كثير من الناس، أو نكون متعبدين بمسألته تعالى ما نعلم أنه واقع حاصل؛ لأن مؤاخذة الناسى مأمونة منه تعالى، والقول فى الخطأ إذا أريد به ما وقع سهوا أو عن غير عمد يجرى هذا المجرى.
الجواب، قلنا: قد قيل فى تأويل هذه الآية: إنّ المراد بنسياننا تركنا.
قال أبو عليّ قطرب بن المستنير: معنى النسيان هاهنا الترك؛ كما قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ
نَجِدْ لَهُ عَزْماً
؛ [طه: 115]، فنسى أى ترك؛ ولولا ذلك لم يكن فعله معصية، وكقوله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ؛ [التوبة: 67]، أى تركوا طاعته فتركهم من ثوابه ورحمته. وقد يقول/ الرجل لصاحبه: لا تنسنى من عطيتك، أى لا تتركنى منها، وأنشد ابن عرفة (1):
ولم أك عند الجود للجود قاليا … ولا كنت يوم الرّوع للطّعن ناسيا
أى تاركا.
ومما يمكن أن يكون على ذلك شاهدا قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ؛ [البقرة: 44]، أى تتركون أنفسكم.
__________
(1) حاشية الأصل: «هو نفطويه».
(2/131)

ويمكن فى الآية وجه آخر على أن يحمل النسيان على السّهو وفقد المعلوم؛ ويكون وجه الدعاء بذلك ما قد بيناه فيما تقدم من الأمالى؛ من أنه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى، وإظهار الفقر إلى مسألته والاستعانة به؛ وان كان مأمونا منه المؤاخذة بمثله؛ ويجرى مجرى قوله تعالى فى تعليمنا وتأديبنا: لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ؛ [البقرة: 286]، ومجرى قوله تعالى:
قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ، [الأنبياء: 112]؛ وقوله وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ؛ [الشعراء: 87]؛ وقوله تعالى حاكيا عن الملائكة: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ؛ [غافر: 7].
وهذا الوجه يمكن أيضا فى قوله تعالى: أَوْ أَخْطَأْنا إذا كان الخطأ ما وقع سهوا أو عن غير عمد.
فأما على ما يطابق الوجه الأول فقد يجوز أن يريد تعالى بالخطإ ما يفعل من المعاصى بالتأويل السيّئ وعن جهل بأنها معاص، لأن من قصد شيئا على اعتقاد أنه بصفة، فوقع ما هو بخلاف معتقده يقال: قد أخطأ، فكأنه أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه متعمدين من غير سهو ولا تأويل، ومما أقدموا عليه مخطئين متأولين.
ويمكن أيضا أن يريد ب أَخْطَأْنا هاهنا أذنبنا وفعلنا قبيحا؛ وإن كانوا له متعمدين وبه عالمين، لأن جميع معاصينا لله تعالى قد توصف بأنها خطأ من حيث فارقت الصواب؛ وإن كان فاعلها متعمدا؛ وكأنه تعالى أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه من الواجبات؛ ومما فعلوه من المقبّحات، ليشتمل الكلام على جهتى الذنوب؛ والله أعلم بمراده.
*** أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى محمد بن العباس قال: قال رجل يوما لأبى العباس
(2/132)

محمد بن يزيد النحوىّ: ما أعرف ضادية أحسن من ضادية أبى الشّيص (1) فقال له: كم ضادية حسنة لا تعرفها! ثم أنشده لبشار:
/ غمض الجديد بصاحبيك فغمّضا … وبقيت تطلب فى الحبالة منهضا (2)
وكأنّ قلبى عند كلّ مصيبة … عظم تكرّر صدعه فتهيّضا
وأخ سلوت له، فأذكره أخ … فمضى، وتذكرك الحوادث ما مضى (3)
فاشرب على تلف الأحبّة إنّنا … جزر المنيّة، ظاعنين وخفّضا (4)
ولقد جريت مع الصّبا طلق الصّبا … ثمّ ارعويت فلم أجد لى مركضا (5)
وعلمت ما علم امرؤ فى دهره … فأطعت عذّالى، وأعطيت الرّضا
وصحوت من سكر وكنت موكّلا … أرعى الحمامة والغراب الأبيضا
الحمامة: المرآة، والغراب الأبيض: الشعر الشائب؛ فيقول: كنت كثيرا أتعهد نفسى بالنظر فى المرآة وترطيل (6) الشعر.
وقوله: «والغراب الأبيض» لأن الشعر كان غربيبا أسود؛ من حيث كان شابا ثم ابيض بالشيب-
ما كلّ بارقة تجود بمائها … وكذاك لو صدق الرّبيع لروّضا (7)
__________
(1) مطلعها:
لا تنكرى صدّى ولا إعراضى … ليس المقلّ عن الزّمان براض
وأبيات منها فى حماسة ابن الشجرى 200، 240، واللآلى 338، ونكت الهميان 258، وعيون الأخبار 4: 52.
(2) المختار من شعر بشار ص 25 مع اختلاف فى الرواية وعدد الأبيات. والجديد: الزمان.
(3) رواية المختار:
* وأخ فجعت به وكان مؤمّلا*.
(4) حاشية الأصل: «أى راحلين ومقيمين».
(5) الطلق والشأو والشوط بمعنى؛ يقال:
أجريت الفرس شأوا وطلقا وشوطا؛ إذا أجريته مرة واحدة، وارعويت: أقصرت وأفلعت عما كنت عليه.
(6) ترطيل الشعر: تدهينه وتكسيره.
(7) ف: «فروضا» ويقال: روض الربيع؛ إذا أنبت رياضا.
(2/133)

هكذا أنشده المبرّد، ويحيى بن عليّ، وأنشده ابن الأعرابىّ:
ما كلّ (1) بارقة تجود بمائها … ولربما صدق الرّبيع فروّضا (2)
قد ذقت ألفته، وذقت فراقه … فوجدت ذا عسلا، وذا جمر الغضا
يا ليت شعرى! فيم كان صدوده … أأسأت أم رعد السّحاب وأومضا!
وغير من ذكرنا يرويه: «أم أجم الخلال فأحمضا» - (3).
ويلى عليه، وويلتى من بينه! … كان الّذي قد كان حلما فانقضى
سبحان من كتب الشقاء لذى الهوى … ما كان إلّا كالخضاب فقد نضا
قال المبرّد: وهى طويلة.
وذكر يوسف بن يحيى بن عليّ عن أبيه أنّ أبا نواس أخذ قوله:
جريت مع الصّبا طلق الجموح (4)
من قول بشار:
ولقد جريت مع الصّبا طلق الصّبا
قال سيدنا الشريف المرتضى ذو المجدين/ أدام الله علوّه: ولأبى تمام والبحترىّ على هذا الوزن والقافية وحركة القافية قصيدتان، إن لم يزيدا على ضادية بشار التى استحسنها المبرّد لم يقصرا (5) عنها؛ وأول قصيدة أبى تمام:
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «من كل بارقة».
(2) بين هذا البيت والّذي يليه وردت فى المختار الأبيات التالية؛ وبها يتم المعنى:
ومنيفة شرفا جعلت لها الهوى … إما مكافأة وإما مقرضا
حتى إذا شربت بماء مودّتى … وشربت برد رضابها متبرّضا
قالت لتربيها: اذهبا فتحسّسا … ما باله ترك السلام وأعرضا! .
(3) أجم: كره، وفى حاشية الأصل: «الحلة: ما حلا من النبت، والحمض: ما حمض؛ ولذلك يقال:
الحلة خبز الإبل، والحمض: فاكهتها؛ يقول: لا أعلم سبب فراقه، أإساءة صدرت منى إليه أو ملال بدا له ففارقنى. وضرب الخلة والحمض مثلا
لذلك».
(4) ديوانه: 257، وبقيته:
* وهان عليّ مأثور القبيح*.
(5) حاشية الأصل: (نسخة س): «تقصّرا».
(2/134)

أهلوك أضحوا شاخصا (1) ومقوّضا … ومزمّما يصف النّوى ومغرّضا (2)
إن يدج عيشك أنهم أمّوا اللّوى … فبما إضاؤهم على ذات الأضا (3)
بدّلت من برق الثّغور وبردها … برقا إذا ظعن الأحبة أومضا (4)
يقول فيها:
ما أنصف الشّرخ الّذي بعث الهوى … فقضى عليك بلوعة ثمّ انقضى (5)
عندى من الأيام ما لو أنّه … أضحى بشارب مرقد ما غمّضا (6)
لا تطلبنّ الرّزق بعد شماسه … فترومه سبعا إذا ما غيّضا (7)
ما عوّض الصّبر امرؤ إلّا رأى … ما فاته دون الّذي قد عوّضا
يا أحمد بن أبى دؤاد دعوة … ذلّت بذكرك لى وكانت ريّضا (8)
لمّا انتضيتك للخطوب كفيتها … والسّيف لا يرضيك حتى ينتضى
يقول فيها:
قد كان صوّح نبت كلّ قرارة (9) … حتى تروّح فى نداك فروّضا
أوردتنى العدّ الخسيف وقد أرى … أتبرّض الثّمد البكىّ تبرّضا (10)
وأما قصيدة البحترىّ فأوّلها:
ترك السّواد للابسيه وبيّضا … ونضا من السّتين عنه ما نضا (11)
وشآه (12) أغيد فى تصرّف لحظه … مرض أعلّ به القلوب وأمرضا
__________
(1) حاشية الأصل: فى شعره: «راحلا».
(2) ديوانه: 185، وفى حاشية الأصل: «التقويض:
هدم الخيمة، والتغريض: شد الغرضة؛ وهى التصدير، وهو للرحل بمنزلة الحزام للسرج».
(3) إن يدج: إن يظلم، وفى الديوان: «إن يدج ليلك».
(4) حاشية الأصل: «أى صرت أشيم البرق من ناحيتهم وأتذكرهم».
(5) الشرخ: غرة الشباب، وفى الديوان: «الزمن».
(6) المرقد: دواء إذا شربه الإنسان نام.
(7) شماسه: عصيانه، وغيض السبع: مكث فى الغيضة.
(8) فى الديوان: «بشكرك لى»، وفى حاشية الأصل (من نسخة): «ببرّك».
(9) القرارة: الروضة المنخفضة.
(10) العدّ: الماء الدائم الّذي لا انقطاع لمادته، والخسيف:
البئر التى حفرت فى حجارة فخرج منها ماء كثير. وأتبرض: آخذ قليلا. والثمد والبكىّ: الماء القليل.
(11) ديوانه 2: 70.
(12) شآه: سبقه، وفى حاشية الأصل (من نسخة): «وسباه».
(2/135)

وكأنّه وجد الصّبا وجديده … دينا دنا ميقاته أن يقتضي
أسيان أثرى من جوى وصبابة … وأساف من وصل الحسان وأنفضا (1)
/ كلف يكفكف عبرة مهراقة … أسفا على عهد الشّباب وما انقضى
عدد تكامل للشّباب مجيئه … وإذا مضىّ الشّيء حان فقد مضى
يقول فيها:
قعقعت للبخلاء أذعر جأشهم … ونذيرة من قاصل أن ينتضى (2)
وكفاك من حنش الصّريم تهدّدا … أن مدّ فضل لسانه أو نضنضا (3)
وفيها:
لا تنكرن من جار بيتك أن طوى … أطناب جانب بيته أو قوّضا (4)
فالأرض واسعة لنقلة راغب … عمّن تنقّل ودّه وتنقّضا
لا تهتبل إغضاءتي، إما كنت قد (5) … أغضيت مشتملا على جمر الغضا
لست الّذي إن عارضته ملمّة … أصغى إلى حكم الزّمان وفوّضا
لا يستفزّنى الطّفيف ولا أرى … تبعا لبارق خلّب إن أومضا (6)
أنا من أحبّ تحرّيا وكأننى … فيما أعاين منك (7) ممّن أبغضا
أغببت سيبك كى يجمّ وإنّما … غمد الحسام المشرفىّ لينتضى (8)
__________
(1) الأسيان هنا: الحزين، وأساف الرجل: ذهب ماله، وكذلك أنفض، والمراد هنا أنه ذهب من يده وصل الحسان وميلهن إليه.
(2) القعقعة: صوت السلاح، ونذيرة: إنذار، والقاصل: السيف.
وفى حاشية الأصل (من نسخة): «من نابل أن ينبضا»، أى يحرك وتر قوسه.
(3) حنش الصريم: حية الرمل.
(4) أى ارتحل عنك وسافر.
(5) حاشية الأصل (من نسخة):
* لا تهتبل إغضاءتى إن كنت قد*
وهى رواية الديوان.
(6) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «لبارق خلة».
(7) حاشية الأصل (من نسخة): «فيما أعانى».
(8) أغببت، أخرت، ومنه إغباب الزيارة، وهو أن يزور يوما وبترك يوما. والسيب: العطية، ويجم: يكثر ويجتمع.
(2/136)

وسكتّ إلّا أن أعرّض قائلا … نزرا، وصرّح جهده من عرّضا
*** وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثني يوسف بن يحيى عن أبيه قال: من مختار شعر بشار قوله فى وصف الزمان:
عتبت على الزّمان وأىّ حىّ … من الأحياء أعتبه الزّمان! (1)
وآمنة من الحدثان تزرى … عليّ، وليس من حدث أمان
وليس بزائل يرمى ويرمى … معان مرّة أو مستعان (2)
متى تأب الكرامة من كريم … فمالك عنده إلّا الهوان
وله فى نحوه:
/ يا خليلىّ أصيبا أو ذرا … ليس كلّ البرق يهدى المطرا
لا تكونا كامرئ صاحبته … يترك العين ويبغى الأثرا
ذهب المعروف إلّا ذكره … ربّما أبكى الفتى ما ذكرا
وبقينا فى زمان معضل … يشرب الصّفو، ويبقى الكدراء (3)
قال: وله:
قد أدرك الحاجة ممنوعة … وتولع النّفس بما لا تنال
والهمّ ما امسكته فى الحشا … داء، وبعض الدّاء لا يستقال
فاحتمل الهمّ على عاتق … إن لم تساعفك العلندى الجلال (4)
__________
(1) أعتبه: أرضاه.
(2) حاشية الأصل: «يقول: لا يزال الحى يرمى ويرمى؛ فهو معان ضعيف مرة؛ ومستعان قوى أخرى».
(3) حاشية الأصل: «أى يذهب الدهر الكرام ويبقى اللئام».
(4) العلندى: الجمل القوى، والجلال: العظيم.
(2/137)

قال يحيى: قوله: «عاتق» يعنى الخمر، وهذا مثل قوله:
رحلت عنسا من شراب بابل … فبتّ من عقلى على مراحل (1)
قال سيدنا أدام الله تمكينه: هذا الّذي ذكره يحتمله البيت على استكراه، ويحتمل أيضا أن يريد بالعاتق العضو، ويكون المعنى: إن لم تجد من يحمل عنك همومك ويقوم بأثقالك، ويخفف عنك، فتحمّل ذلك أنت بنفسك، واصبر عليه؛ فكأنّه يأمر نفسه بالتجلّد والتصبر على البأس، وهذا البيت له نظائر كثيرة فى الشعر.
*** وأخبرنا المرزبانىّ قال حدثنا على بن هارون قال حدثنى أبى قال: من بارع شعر بشار قوله يصف جارية مغنية. قال على: وما فى الدنيا شيء لقديم ولا محدث من منثور ولا منظوم فى صفة الغناء واستحسانه مثل هذه الأبيات:
ورائحة، للعين فيها مخيلة … إذا برقت لم تسق بطن صعيد (2)
من المستهلّات الهموم على الفتى … خفا برقها فى عصفر وعقود (3)
حسدت عليها كلّ شيء يمسّها … وما كنت لولا حبّها بحسود
وأصفر مثل الزّعفران شربته … على صوت صفراء التّرائب رود (4)
/ كأنّ أميرا جالسا فى ثيابها … تؤمّل رؤياه عيون وفود
من البيض لم تسرح على أهل ثلّة … سواما، ولم ترفع حداج قعود (5)
__________
(1) فى حاشيتى الأصل، ف: «أوله:
لمّا رأيت الحظّ حظّ الجاهل … ولم أر المغبون غير العاقل
والعنس: الجمل القوى.
(2) المختار من شعر بشار 309، والأغانى 3: 189 (طبع دار الكتب المصرية). الرائحة: السحابة تروح؛ والمخيلة: علامة المطر.
(3) استهل السحاب:
إذا أمطر، وفى الأغانى: «المستهلات السرور»، وخفى البرق: ظهر ولمع، وأراد بالعصفر: الثياب المعصفرة.
(4) رود: ناعمة.
(5) الثلة: قطعة من الغنم، والسوام: الإبل السائمة، والحداج: جمع حدج؛ وهو مركب من مراكب النساء.
(2/138)

تميت به ألبابنا وقلوبنا … مرارا، وتحييهنّ بعد همود
إذا نطقت صحنا، وصاح لنا الصّدى … صياح جنود وجّهت لجنود
ظللنا بذاك الدّيدن اليوم كلّه … كأنا من الفردوس تحت خلود (1)
ولا بأس إلّا أنّنا عند أهلنا … شهود، وما ألبابنا بشهود
قال: وأنشدنى أبى له فى وصف مغنية:
لعمرو أبى زوّارها الصّيد إنّهم … لفى منظر منها وحسن سماع (2)
تصلّى لها آذاننا وعيوننا … إذا ما التقينا والقلوب دواع
وصفراء مثل الخيزرانة لم تعش … ببؤس ولم تركب مطيّة راع
جرى اللؤلؤ المكنون فوق لسانها … لزوّارها من مزهر ويراع (3)
إذا قلّدت أطرافها (4) العود زلزلت … قلوبا دعاها للوساوس داع
كأنّهم فى جنّة قد تلاحقت … محاسنها من روضة ويفاع (5)
يروحون من تغريدها وحديثها … نشاوى، وما تسقيهم بصواع
لعوب بألباب الرّجال، وإن دنت … أطيع التقى، والغىّ غير مطاع
قال على بن هارون: الصّواع: المكيال؛ يقول: إذا غنّت شربوا جزافا بلا كيل ولا مقدار من حسن ما يسمعون.
قال سيدنا أدام الله علوه: هذا خطأ منه؛ وإنما المراد أن غناءها لفرط حسنه (6) وشدة (7) إطرابه ينسيان شرّة الخمر (8)؛ وإن لم يكن هناك شرب بصواع، وهذا يجرى مجرى قول الشاعر:
__________
(1) الديدن: العادة.
(2) المختار من شعر بشار: 314.
(3) هذا البيت ساقط من م. المزهر: العود، واليراع: القصب؛ وأراد به هاهنا المزمار. وفى حاشية الأصل: «هذا البيت يفيد أنها تغنى وتضرب بالمزهر، وقوله: «من مزهر ويراع» إشارة إلى أن كلامهما مختلط الجرس بنقر المزهر واليراع».
(4) رواية المختار: «إذا قلبت أطرافها».
(5) اليفاع: المرتفع من الأرض.
(6) حاشية الأصل (من نسخة): «حسنها».
(7) حاشية الأصل (من نسخة): «سورة إطرابه».
(8) حاشية الأصل: «فى نسخة الشجرى: الهم».
(2/139)

ويوم ظللنا عند أمّ محلّم … نشاوى، ولم نشرب طلاء ولا خمرا
/ وما كان عندى أن أحدا يتوهم فى معنى هذا البيت ما ظنه هذا الرجل.
وأما قوله فى القطعة الأولى:
وأصفر مثل الزّعفران شربته … على صوت صفراء الترائب رود
فيحتمل وجوها ثلاثة:
أولها أن يكون أراد بصفرة ترائبها الكناية عن كثرة تطيّبها وتضمّخها، وأن ترائبها تصفرّ لذلك، كما قال الأعشى:
بيضاء ضحوتها، وصف … راء العشيّة كالعرارة (1)
والعرار: بهار البرّ؛ وإنما أراد أنها تتضمّخ بالعشىّ بالطيب فيصفّرها؛ ومثله لذى الرّمة:
بيضاء فى دعج، كحلاء فى برج، … كأنّها فضّة قد مسّها ذهب (2)
وقيل فى بيت قيس بن الخطيم:
فرأيت مثل الشّمس عند طلوعها … فى الحسن، أو كدنوّها لغروب (3)
وجهان:
أحدهما أنه أراد أنها تتطيّب بالعشىّ فتصفرّ؛ لأن الشمس تغيب صفراء الوجه.
والآخر أراد المبالغة فى الحسن، لأن الشمس أحسن ما تكون فى وقتيها هذين؛ ومن ذلك أيضا قول قيس بن الخطيم:
__________
(1) ديوانه: 111.
(2) ديوانه: 5، والدعج: سواد الحدقة، والبرج: سعة فى بياض العين؛ ورواية الديوان:
* كحلاء فى برج صفراء فى نعج*.
(3) ديوانه 5، وفى حاشيتى الأصل، ف «بعده:
صفراء أعجلها الشباب لداتها … موسومة بالحسن غير قطوب
أى أنها سبقت أقرانها، ومثله قول ابن قيس الرقيات:
لم تلتفت للداتها … فمضت على غلوائها.
(2/140)

* صفراء أعجلها الشّباب لداتها*
ومثله للأعشى:
إذا جرّدت يوما حسبت خميصة … عليها وجريال النّضير الدّلامصا (1)
الخميصة: ثوب ناعم لين؛ شبه به نعمة جسمها. والنّضير: الذهب. والجريال: كلّ صبغ أحمر، وإنما يعنى لون الطّيب عليها. والدّلامص: البرّاق، فهذا وجه.
والوجه الثانى أن يكون أراد بوصفها بالصفرة رقّة لونها؛ فعندهم أنّ المرأة إذا كانت صافية اللون رقيقة ضرب لونها بالعشىّ إلى الصفرة.
قال مهدىّ بن عليّ الأصفهانىّ: قال لى أبى قال لى الجاحظ: زعموا أن المرأة إذا كانت صافية اللون رقيقة يضرب لونها بالغداة إلى البياض وبالعشىّ إلى الصفرة، واحتجّ فى ذلك بقول الراجز:
* قد علمت بيضاء صفراء الأصل*
وزعم أن بيت ذى الرمة/ الّذي أنشدناه من هذا المعنى، وكذلك بيت الأعشى الّذي أنشدناه؛ والأبيات محتملة للأمرين.
فأما الّذي لا يحتمل إلا وجها واحدا فهو قول الشاعر:
وقد خنقتها عبرة فدموعها … على خدّها حمر وفى نحرها صفر
لأنها لا تكون صفرا فى نحرها إلا لأجل الطيب.
فأما قوله «على خدها حمر» فإنما أراد أنها تنصبغ بلون خدّها.
والوجه الثالث أن تكون المرأة كانت صفراء على الحقيقة؛ فإن بشارا كثيرا ما يشبّب بامرأة صفراء، كقوله:
__________
(1) ديوانه: 108.
(2/141)

أصفراء لا أنسى هواك ولا ودّى … ولا ما مضى (1) بينى وبينك من عهد
لقد كان ما بينى زمانا وبينها … كما كان بين المسك والعنبر الورد
أى كما كان بين طيب المسك والعنبر.
وكقوله:
أصفراء كان الودّ منك مباحا … ليالى كان الهجر منك مزاحا
وكان جوارى الحىّ إذ كنت فيهم … قباحا، فلمّا غبت صرن ملاحا
وقد روى:
* ملاحا فلما غبت صرن قباحا*
وقوله: «قباحا فلما غبت» يشبه قول السيد بن محمد الحميرىّ.
وإذا حضرن مع الملاح بمجلس … أبصرتهنّ- وما قبحن- قباحا
فأما قوله: «من البيض لم تسرح سواما» فإنه لا يكون مناقضا لقوله «صفراء»، وإن أراد بالصفرة لونها، لأن البياض هاهنا ليس بعبارة عن اللون؛ وإنما هو عبارة عن نقاء العرض وسلامته من الأدناس؛ والعرب لا تكاد تستعمل بيضاء (2) إلا فى هذا المعنى دون اللون، لأن البياض عندهم البرص، ويقولون فى الأبيض الأحمر، ومنه قول الشاعر:
جاءت به بيضاء تحمله … من عبد شمس صلتة الخدّ
ومثله «بيض الوجوه».
فأما قول بشار فى القطعة الثانية: «صفراء مثل الخيزرانة» فإنه يحتمل ما تقدّم من الوجوه، وإن كان اللون
الحقيقى أخصّ لقوله: «كالخيزرانة»؛ لأن الخيزران يضرب إلى الصّفرة.
__________
(1) حاشية الأصل: «نسخة الشجرى- وكان».
(2) حاشية الأصل (من نسخة):
«البيضاء»، ومن نسخة أخرى: «البياض».
(2/142)

ويحتمل أيضا أن يريد «بصفراء» غير اللون الثابت، ويكون قوله: «كالخيزرانة» أنها مثلها/ فى التثنى والتعطف.
ولقد أحسن جران العود فى قوله فى المعنى الّذي تقدم:
كأنّ سبيكة صفراء صبّت … عليها ثمّ ليث بها الإزار (1)
برود العارضين كأنّ فاها … بعيد النّوم مسك مستثار
__________
(1) رواية البيتين فى ديوانه 45 - 46، والثانى مقدم على الأول:
برود العارضين كأنّ فاها … بعيد النّوم عاتقة عقار
كأنّ سبيكة صفراء شيفت … عليها، ثمّ ليث بها الخمار.
(2/143)

مجلس آخر 62
تأويل آية [اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ؛ [البقرة: 15].
فقال كيف أضاف الاستهزاء إليه تعالى؛ وهو مما لا يجوز فى الحقيقة عليه؟ وكيف خبّر [بأنهم فى الطّغيان والعمه] (1) وذلك بخلاف مذهبكم؟
الجواب، قلنا: فى قوله تعالى اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وجوه:
أولها أن يكون معنى الاستهزاء الّذي أضافه تعالى إلى نفسه تجهيله لهم وتخطئته إياهم فى إقامتهم على الكفر وإصرارهم على الضلال؛ وسمّى الله تعالى ذلك استهزاء مجازا وتشبيها (2)؛ كما يقول القائل: إن فلانا ليستهزأ به
منذ اليوم، إذا فعل فعلا عابه الناس به، وخطّئوه فيه (3) فأقيم عيب الناس على ذلك الفعل، وإزراؤهم على فاعله مقام الاستهزاء به؛ وإنما أقيم مقامه لتقارب ما بينهما فى المعنى؛ لأن الاستهزاء الحقيقى هو ما يقصد به إلى عيب المستهزأ به، والإزراء عليه، وإذا تضمنت التخطئة والتجهيل والتبكيت هذا المعنى جاز أن يجرى عليه اسم الاستهزاء؛ ويشهد بذلك قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها؛ [النساء: 140]؛ ونحن نعلم أن الآيات لا يصحّ عليها الاستهزاء على الحقيقة ولا السخرية؛ وإنما المعنى: إذا سمعتم آيات الله يكفر بها
__________
(1) ف: «بأنه يمدهم فى الطغيان والعمه».
(2) م: «واتساعا».
(3) ساقطة من م.
(2/144)

ويزرى عليها؛ والعرب قد تقيم الشيء مقام ما قاربه فى معناه، فتجرى اسمه عليه؛ قال الشاعر:
كم أناس فى نعيم عمّروا … فى ذرى ملك تعالى فبسق
سكت الدّهر زمانا عنهم … ثمّ أبكاهم دما حين نطق
والسكوت والنطق على الحقيقة لا يجوزان على الدهر؛ وإنما شبّه تركه الحال على ما هى (1) / عليه بالسكوت، وشبه تغييره لها بالنطق. وأنشد الفراء:
إنّ دهرا يلفّ شملى بجمل … لزمان يهمّ بالإحسان
ومثل ذلك فى الاستعارة لتقارب المعنى قوله:
سألتنى بأناس هلكوا … شرب الدّهر عليهم وأكل (2)
وإنما أراد بالأكل والشرب الإفساد لهم، والتغيير لأحوالهم، ومنه قول الآخر:
يقرّ بعينى أن أرى باب دارها … وإن كان باب الدّار يحسبنى جلدا
والجواب الثانى أن يكون معنى الاستهزاء المضاف إليه عز وجلّ أن يستدرجهم ويهلكهم من حيث لا يعلمون ولا يشعرون.
ويروى عن ابن عباس أنه قال فى معنى استدراجه إياهم: إنهم كلّما أحدثوا خطيئة جدّد لهم نعمة؛ وإنما سمّى هذا الفعل استهزاء من حيث غيّب عنهم من الاستدراج إلى الهلاك غير ما أظهر لهم من النعم؛ كما أن المستهزئ منّا،
المخادع لغيره يظهر أمرا؛ ويضمر غيره.
فإن قيل: على هذا الجواب فالمسألة قائمة، وأىّ وجه لأن يستدرجهم بالنعمة إلى الهلاك؟
قلنا: ليس الهلاك هاهنا هو الكفر، وما أشبهه من المعاصى التى يستحقّ بها العقاب؛ وإنما يستدرجهم إلى الضرر والعقاب الّذي استحقوه بما تقدّم من كفرهم؛ ولله تعالى أن يعاقب
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): ما هو عليه».
(2) اللسان (أكل)، ونسبه إلى النابغة الجعدىّ. ومن نسخة بحاشية الأصل، ف: «سألتنى عن أناس».
(2/145)

المستحق بما يشاء أىّ وقت شاء؛ فكأنه تعالى لمّا كفروا وبدّلوا نعمة الله، وعاندوا رسله لم يغيّر نعمه عليهم فى الدنيا؛ بل أبقاها لتكون- متى نزعها عنهم، وأبدلهم بها نقما- الحسرة منهم أعظم، والضرر عليهم أكثر.
فإن قيل: فهذا يؤدّى إلى تجويز أن يكون بعض ما ظاهره ظاهر النعمة على الكفار مما لا يستحق الله به الشكر عليهم.
قلنا: ليس يمتنع هذا فيمن استحقّ العقاب؛ وإنما المنكر أن تكون النعم المبتدأة بهذه الصفة على ما يلزمه مخالفنا، ألا ترى أن الحياة وما جرى مجراها من حفظ التركيب، والصحة لا تعدّ على أهل النار نعمة؛ وإن كانت على أهل الجنة نعما من حيث كان الغرض فيه إيصال العقاب إليهم.
والجواب الثالث أن يكون معنى استهزائه بهم/ أنّه جعل لهم بما أظهروه من موافقة أهل الإيمان ظاهر أحكامهم؛ من نصرة ومناكحة وموارثة ومدافنة، وغير ذلك من الأحكام؛ وإن كان تعالى معدّا لهم فى الآخرة أليم العقاب لما أبطنوه من النفاق، واستسرّوا به من الكفر؛ فكأنه تعالى قال: إن كنتم أيها المنافقون بما تظهرونه للمؤمنين من المتابعة والموافقة، وتبطنونه من النفاق، وتطلعون عليه شياطينكم إذا خلوتم بهم تظنون أنكم مستهزءون؛ فالله تعالى هو المستهزئ بكم من حيث جعل لكم أحكام المؤمنين ظاهرا؛ حتى ظننتم أنّ لكم ما لهم، ثمّ ميّز بينكم فى الآخرة ودار الجزاء؛ من حيث أثاب المخلصين الذين يوافق ظواهرهم بواطنهم، وعاقب المنافقين. وهذا الجواب يقرب معناه من الجواب الثانى؛ وإن كان بينهما خلاف من بعض الوجوه.
والجواب الرابع أن يكون معنى ذلك أن الله هو الّذي يردّ استهزاءكم ومكركم عليكم؛ وأنّ ضرر ما فعلتموه لم يتعدكم؛ ولم يحط بسواكم؛ ونظير ذلك قول القائل: إن فلانا أراد أن يخدعنى فخدعته؛ وقصد إلى أن يمكر بى فمكرت به؛ والمعنى أنّ ضرر خداعه ومكره
(2/146)

عاد إليه ولم يضررنى (1) به.
والجواب الخامس أن يكون المعنى أنه يجازيهم على استهزائهم؛ فسمّى الجزاء على الذنب باسم الذنب؛ والعرب تسمّى الجزاء على الفعل باسمه؛ قال الله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها؛ [الشورى: 40]، وقال تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ؛ [البقرة: 194]، وقال: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ؛ [النحل: 126] والمبتدأ ليس بعقوبة، وقال الشاعر (2):
ألا لا يجهلن أحد علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ومن شأن العرب أن تسمّى الشيء باسم ما يقاربه ويصاحبه، ويشتد اختصاصه وتعلّقه به؛ إذا انكشف المعنى وأمن الإبهام؛ وربما غلّبوا أيضا اسم أحد الشيئين على الآخر لقوة التعلّق بينهما، وشدة الاختصاص فيهما؛ فمثال الأول قولهم للبعير الّذي يحمل المزادة:
راوية، وللمزادة المحمولة على البعير رواية، فسموا البعير باسم ما يحمل عليه؛ قال الشاعر (3):
/ مشى الرّوايا بالمزاد الأثقل
أراد بالروايا الإبل؛ ومن ذلك قولهم: صرعته الكأس واستلبت (4) عقله، قال الشاعر:
وما زالت الكاس تغتالنا … وتذهب بالأوّل الأوّل
والكأس هى ظرف الشراب، والفعل الّذي أضافوه إليها إنما هو مضاف إلى الشراب الّذي يحلّ الكأس إلّا أن [الفراء لا يقول الكأس إلا بما فيه] (5) من الشراب؛ وكأنّ الإناء
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة: «لم يضرنى».
(2) هو عمرو بن كلثوم، والبيت من الملعقة: 238 - بشرح التبريزى.
(3) هو أبو النجم العجلى الراجز؛ والبيت من أرجوزته المشهورة التى أولها:
* الحمد لله الوهوب المجزل*
وهى ضمن الطرائف الأدبية ص 55 - 71؛ وقبله:
* تمشى من الردّة مشى الحفّل*.
(4) حاشية الأصل (من نسخة): «فسلبت».
(5) حاشية الأصل: «نسخة س:
الفراء يقول: الكأس الإناء بما فيه».
(2/147)

الفارغ لا يسمى كأسا، وعلى هذا القول يكون إضافة اختلاس العقل والتصريع وما جرى مجرى ذلك إلى الكأس على وجه الحقيقة؛ لأن الكأس على هذا القول اسم للإناء وما حلّه من الشراب.
ومثال الوجه الثانى ما ذكرناه عنهم من التغليب تغليبهم اسم القمر على الشمس؛ قال الشاعر:
أخذنا بآفاق السّماء عليكم … لنا قمراها والنّجوم الطوالع (1)
أراد: لنا شمسها وقمرها؛ فغلّب.
ومنه قول الآخر:
فقولا لأهل المكّتين: تحاشدوا … وسيروا إلى آطام يثرب والنّخل
أراد بالمكّتين: مكة والمدينة، فغلّب.
وقال الآخر:
فبصرة الأزد منّا والعراق لنا … والموصلان، ومنّا مصر والحرم
أراد بالموصلين الموصل والجزيرة.
وقال الآخر:
نحن سبينا أمّكم مقربا (2) … يوم صبحنا الحيرتين المنون
أراد الحيرة والكوفة، وقال آخر:
إذا اجتمع العمران: عمرو بن عامر … وبدر بن عمر وخلت ذبيان جوّعا (3)
وألقوا مقاليد الأمور إليهم … جميعا، وكانوا كارهين وطوّعا
أراد بالعمرين: رجلين؛ يقال لأحدهما عمرو، وللآخر بدر؛ وقد فسره الشاعر فى البيت.
ومثله:
__________
(1) البيت للفرزدق، ديوانه: 519.
(2) المقرب: المرأة تدنو ولادتها.
(3) البيتان فى المخصص 13: 227.
(2/148)

جزانى الزّهدمان جزاء سوء … وكنت المرء يجزى بالكرامة (1)
/ أراد بالزّهدمين رجلين؛ يقال لأحدهما زهدم، وللآخر كردم، فغلّب.
وكلّ الّذي ذكرناه يقوّى هذا الجواب من جواز التسمية للجزاء على الذنب باسمه، أو تغليبه عليه، للمقاربة والاختصاص التام بين الذنب والجزاء عليه.
والجواب السادس ما روى عن ابن عباس قال: يفتح لهم وهم فى النار باب من الجنة، فيقبلون إليه مسرعين؛ حتى إذا انتهوا إليه سدّ عليهم، فيضحك المؤمنون منهم إذا رأوا الأبواب وقد أغلقت دونهم؛ ولذلك قال عز وجل: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ؛ [المطففين: 34 - 35].
فإن قيل: وأىّ فائدة فى هذا الفعل؟ وما وجه الحكمة فيه؟
قلنا: وجه الحكمة فيه ظاهر؛ لأن ذلك أغلظ فى نفوسهم، وأعظم فى مكروههم؛ وهو ضرب من العقاب الّذي يستحقونه بأفعالهم القبيحة؛ لأن من طمع فى النجاة والخلاص من المكروه، واشتد حرصه على ذلك؛ ثم حيل بينه وبين الفرج وردّ إلى المكروه يكون عذابه أصعب وأغلظ من عذاب من لا طريق للطمع عليه.
فإن قيل: فعلى هذا الجواب، ما الفعل الّذي هو الاستهزاء؟
قلنا: فى ترداده لهم من باب إلى آخر على سبيل التعذيب معنى الاستهزاء؛ من حيث كان إظهارا لما المراد بخلافه؛ وإن لم يكن فيه من معنى الاستهزاء ما يقتضي قبحه من اللهو والعبث وما جرى مجرى ذلك.
والجواب السابع أن يكون ما وقع منه تعالى ليس باستهزاء على الحقيقة؛ لكنّه سماه بذلك ليزدوج اللفظ ويخف على اللسان؛ وللعرب فى ذلك عادة معروفة فى كلامها؛ والشواهد عليه مذكورة مشهورة.
__________
(1) اللسان (زهدم) والمخصص 13: 227، وهو لقيس بن زهير العبسى.
(2/149)

وهذه الوجوه التى ذكرناها فى الآية يمكن أن تذكر فى قوله تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ؛ [الأنفال: 30]؛ وفى قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ؛ [النساء: 142] فليتأمل ذلك.
فأما قوله تعالى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ فيحتمل وجهين:
أحدهما أن يريد: أنى أملى لهم ليؤمنوا ويطيعوا؛ وهم مع ذلك مستمسكون بطغيانهم وعمههم.
والوجه الآخر أن يريد ب يَمُدُّهُمْ أنه يتركهم من فوائده ومنحه/ التى يؤتيها المؤمنين ثوابا لهم، ويمنعها الكافرين عقابا كشرحه لصدورهم، وتنويره لقلوبهم؛ وكل هذا واضح بحمد الله.
*** قال سيدنا أدام الله علوّه: وإنى لأستحسن لبعض الأعراب قوله:
خليلىّ هل يشفى النّفوس من الجوى … بدوّ ذوى الأوطان، لا بل يشوقها! (1)
وتزداد فى قرب إليها صبابة (2) … ويبعد من فرط اشتياق طريقها
وما ينفع الحرّان ذا اللّوح (3) أن يرى … حياض القرى مملوءة لا يذوقها
ولآخر فى تذكر الأوطان والحنين إليها:
ألا قل لدار بين أكثبة الحمى … وذات الغضا: جادت عليك الهواضب!
__________
(1) فى حاشيتى الأصل، ف (من نسخة): «بدو ذرى الأوطان». والبدو: الظهور، من بدا يبدو إذا ظهر.
(2) فى حاشية الأصل: «إليها؛ ضمير الأوطان أو المرأة»، وفيها أيضا: «إذا قلت صبابة [بالنصب] كان «تزداد متعديا»، أى تزداد أنت، وإذا قلت: «صبابة» [بالرفع] «فتزداد» لازم.
(3) اللوح: العطش.
(2/150)

أجدّك لا آتيك إلّا تقلّبت (1) … دموع أضاعت ما حفظت سواكب
ديار تناسمت (2) الهواء بجوّها … وطاوعنى فيها الهوى والحبائب
ليالى؛ لا الهجران محتكم بها … على وصل من أهوى، ولا الظنّ كاذب
وأنشد أبو نصر صاحب الأصمعىّ لأعرابىّ:
ألا ليت شعرى! هل أبيتنّ ليلة … بأسناد (3) نجد، وهى خضر متونها!
وهل أشربنّ الدّهر من ماء مزنة … بحرّة ليلى حيث فاض معينها! (4)
بلاد بها كنّا نحلّ، فأصبحت … خلاء ترعاها مع الأدم عينها
تفيّأت فيها بالشّباب وبالصّبا … تميل بما أهوى عليّ غصونها
وأنشد الأصمعىّ لصدقة بن نافع الغنوىّ:
ألا ليت شعرى هل تحنّنّ ناقتى (5) … بيضاء نجد حيث كان مسيرها! (6)
فتلك بلاد حبّب الله أهلها … إليك، وإن لم يعط نصفا أميرها (7)
بلاد بها أنضيت راحلة الصّبا … ولانت لنا أيّامها وشهورها
/ فقدنا بها الهمّ المكدّر شربه … ودار علينا بالنّعيم سرورها
وأنشد أبو محلّم لسوّار بن المضرّب:
سقى الله اليمامة من بلاد … نوافحها كأرواح الغوانى
__________
(1) ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «تفتت».
(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «تبادرت».
(3) الأسناد: جمع سند؛ وهو الجبل، ومن نسخة بحاشية ف: «بأكناف».
(4) حرة ليلى: موضع لبنى مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، وفى حاشية الأصل (من نسخة):
«حين فاض معينها».
(5) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «هل تخبن ناقتى»، أى تسرعن.
(6) بيضاء نجد: موضع.
(7) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف:
* إليك وإن لم يعط نصفا أسيرها*.
(2/151)

وجوّ زاهر للرّيح فيه … نسيم لا يروع التّرب، وان (1)
بها سقت الشّباب إلى مشيب … يقبّح عندنا حسن الزّمان
وأنشد إبراهيم بن إسحاق الموصلىّ:
ألا يا حبّذا جنبات سلمى … وجاد بأرضها جون السّحاب!
خلعت بها العذار ونلت فيها … مناى بطاعة أو باغتصاب
أسوم بباطلى طلبات لهوى … ويعذرنى بها عصر الشّباب
فكلّ هؤلاء على ما ترى قد أفصحوا بأن سبب حنينهم إلى الأوطان ما لبسوه فيها من ثوب الشباب، واستظلوه من ظلّه، وأنضوه من رواحله، وأنه كان يعذرهم ويحسن قبائحهم.
فعلى أى شيء يغلو الناس فى قول ابن الرومى:
وحبّب أوطان الرّجال إليهم … مآرب قضّاها الشّباب هنالكا (2)
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم … عهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا
ويزعمون أنه سبق إلى ما لم يسبق إليه، وكشف عن هذا المعنى مستورا، ووسم غفلا! وقوله وإن كان جيد المعنى سليم اللفظ، فلم يزد فيه على من تقدم ولا أبدع، بل اتبع؛ ولكن الجيد إذا ورد ممّن يعهد منه الردئ كثر استحسانه؛ وزاد استطرافه.
ولقد أحسن البحترىّ فى قوله فى هذا المعنى:
فسقى الغضى والنّازلية وإن هم … شبّوه بين جوانح وقلوب (3)
وقصار أيّام به سرقت لنا … حسناتها من كاشح ورقيب
خضر تساقطها الصّبا فكأنّها … ورق يساقطه اهراز قضيب
__________
(1) حاشية الأصل: «قوله: «لا يروع الترب»، من أحسن الكلام؛ أى لا يرفع فيغير؛ فكأن هبوبها يسالم التراب ولا يخوفه بأن يرفعه أو يحركه».
(2) ديوانه الورقة 202.
(3) ديوانه 1: 57.
(2/152)

/ كانت فنون بطالة فتقطّعت … عن هجر غانية ووصل مشيب
وأحسن فى قوله:
سقى الله أخلافا من الدّهر رطبة … سقتنا الجوى إذ أبرق الحزن أبرق (1)
ليال سرقناها من الدّهر بعد ما … أضاء بإصباح من الشّيب مفرق
تداويت من ليلى بليلى فما اشتفى … بماء الرّبا من بات بالماء يشرق
ولأبى تمام فى هذا المعنى ما لا يقصر عن إحسان، وهو:
سلام ترجف الأحشاء منه … على الحسن بن وهب والعراق (2)
على البلد الحبيب إلى غورا … ونجدا، والأخ العذب المذاق (3)
ليالى نحن فى وسنات عيش … كأنّ الدّهر عنّا فى وثاق (4)
وأيّام له ولنا لدان … غنينا فى حواشيها الرّفاق
كأنّ العهد عن عفر لدينا … وإن كان التّلاقى عن تلاق (5)
__________
(1) ديوانه 2: 138، وفى ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «أبرق الجسون».
(2) ديوانه 214 - 215.
(3) من نسخة بحاشية الأصل، ت:
* ونجدا والفتى الحلو المذاق*.
(4) فى حاشيتى الأصل، ف: فى شعره:
سنبكى بعده غفلات عيش … كأنّ الدّهر عنها فى وثاق
وأياما له ولنا لدانا … عرينا من حواشيها الرقاق
وفى ف، وحاشية الأصل من نسخة: «له ولنا لذاذ».
(5) فى حاشية الأصل: «لقتيبة عن عفر، أى بعد خمسة عشرة يوما؛ حتى جاوز الليالى العفر، والعرب تسمى الليالى البيض عفرا لبياضها».
(2/153)

مجلس آخر 63
تأويل آية [وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ؛ [البقرة: 36]:
فقال: كيف خاطب آدم وحواء عليهما السلام بخطاب الجمع وهما اثنان؟ وكيف نسب بينهما العداوة؟ وأىّ عداوة كانت بينهما؟
الجواب، قلنا قد ذكر فى هذه الآية وجوه:
أولها أن يكون الخطاب متوجّها إلى آدم وحواء وذرّيتهما، لأن الوالدين يدلان على الذرّية ويتعلق بهما؛ ويقوّى ذلك قوله تعالى حاكيا عن إبراهيم وإسماعيل: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا؛ [البقرة: 128].
وثانيها أن يكون الخطاب لآدم وحواء عليهما السلام ولإبليس اللعين؛ وأن يكون الجميع مشتركين فى الأمر بالهبوط؛ وليس لأحد أن يستبعد هذا الجواب من حيث لم يتقدم لإبليس ذكر فى قوله تعالى: وَيا آدَمُ اسْكُنْ/ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ؛ [البقرة: 35] لأنه وإن لم يخاطب بذلك فقد جرى ذكره فى قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ، [البقرة: 36]؛ فجائز أن يعود الخطاب على الجميع.
وثالثها أن يكون الخطاب متوجها إلى آدم وحواء والحية التى كانت معهما، على ما روى عن كثير من المفسرين؛ وفى هذا الوجه بعد من قبل أن خطاب من لا يفهم الخطاب لا يحسن؛ فلا بد من أن يكون قبيحا؛ اللهم إلا أن يقال: إنه لم يكن هناك قول فى الحقيقة ولا خطاب؛
(2/154)

وإنما كنّى تعالى عن إهباطه لهم بالقول؛ كما يقول أحدنا: قلت: فلقيت الأمير، وقلت: فضربت زيدا، وإنما يخبر عن الفعل دون القول؛ وهذا خلاف الظاهر وإن كان مستعملا.
وفى هذا الوجه بعد من وجه آخر؛ وهو أنه لم يتقدم للحية ذكر فى نصّ القرآن، والكناية عن غير مذكور لا تحسن إلا بحيث لا يقع لبس، ولا يسبق وهم إلى تعلق الكناية بغير مكنّى عنه؛ حتى يكون ذكره كترك ذكره فى البيان عن المعنى المقصود، مثل قوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ؛ [ص: 32]؛ وكُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ؛ [الرحمن: 27] وقول الشاعر:
أماوىّ ما يغنى الثّراء عن الفتى … إذا حشرجت يوما؛ وضاق بها الصّدر (1)
فأما بحيث لا يكون الحال على هذا فالكناية عن غير مذكور قبيحة.
ورابعها أن يكون الخطاب يختصّ آدم وحواء عليهما السلام، وخاطب الاثنين بالجمع على عادة العرب فى ذلك؛ لأن التثنية أول الجمع؛ قال الله تعالى: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ؛ [الأنبياء: 78]، أراد لحكم داود وسليمان عليهما السلام؛ وكان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يتأول قوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ؛ [النساء: 11] على معنى فإن كان له أخوان؛ قال الراعى:
أخليد إنّ أباك ضاف وساده … همّان باتا جنبة ودخيلا (2)
طرقا فتلك هماهمى أقريهما … قلصا لواقح كالقسىّ وحولا
فعبّر بالهماهم وهى جمع عن الهمين؛ وهما اثنان.
فإن قيل: فما معنى الهبوط الّذي أمروا به؟ قلنا: أكثر المفسرين على أن الهبوط هو
__________
(1) البيت لحاتم.
(2) جمهرة الأشعار: 353. وفى حاشيتى الأصل، ف: «خليدة ابنته فرخم، وضافه: نزل به.
جنبه أى ناحية. ودخيلا: داخلا فى الفؤاد. قال ابن الأعرابى: أراد: هما داخل القلب، وآخر قريبا من ذلك؛ كالضيف إذا حل بالقوم فأدخلوه فهو دخيل؛ وإن كان بفنائهم فهو جنبة».
(2/155)

النزول من السماء إلى الأرض/، وليس فى ظاهر القرآن ما يوجب ذلك؛ لأن الهبوط كما يكون النزول من علو إلى سفل فقد يراد به الحلول فى المكان والنزول به؛ قال الله تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ؛ [البقرة: 61]، ويقول القائل من العرب: هبطنا بلد كذا وكذا، يريد حللنا، قال زهير:
ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت … أيدى المطىّ بهم من راكس فلقا (1)
فقد يجوز على هذا أن يريد تعالى بالهبوط [الخروج من المكان وحلول غيره؛ ويحتمل أيضا أن يريد بالهبوط] (2) معنى غير المسافة، بل الانحطاط من منزلة إلى دونها، كما يقولون: قد هبط فلان عن منزلته، ونزل عن مكانه؛ إذا كان على رتبة فانحطّ إلى دونها.
فإن قيل: فما معنى قوله: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ؟ قلنا: أما عداوة إبليس لآدم وذريته فمعروفة مشهورة، وأما عداوة آدم عليه السلام والمؤمنين من ذريته لإبليس فهى واجبة لما يجب على المؤمنين من معاداة الكفار؛ المارقين عن طاعة الله تعالى، المستحقين لمقته وعداوته، وعداوة الحية على الوجه الّذي تضمّن إدخالها فى الخطاب لبنى آدم معروفة؛ ولذلك يحذّرهم منها، ويجنبهم؛ فأما على الوجه الّذي يتضمّن أن الخطاب اختص آدم وحواء دون غيرهما؛ فيجب أن يحمل قوله تعالى: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ على أن المراد به الذرية؛ كأنه قال تعالى: اهْبِطُوا وقد علمت من حال ذريتكم أن بعضكم يعادى بعضا؛ وعلّق الخطاب بهما للاختصاص بين الذرية وبين أصلها.
فإن قيل: أليس ظاهر قوله تعالى: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يقتضي الأمر بالمعاداة، كما أنه أمر بالهبوط، وهذا يوجب أن يكون تعالى آمرا بالقبيح على وجه؛ لأن معاداة إبليس لآدم عليه السلام قبيحة، ومعاداة الكفار من ذريته للمؤمنين منهم كذلك؟
قلنا: ليس يقتضي الظاهر ما ظننتموه؛ وإنما يقتضي أنه أمرهما بالهبوط فى حال عداوة
__________
(1) ديوانه 37. راكس: موضع، والفلق: المكان المطمئن بين ربوتين؛ وهو منصوب على أنه مفعول به؛ قيل: الفلق: الصبح».
(2) ساقط من الأصل، وما أثبته عن ف.
(2/156)

بعضهم بعضا؛ فالأمر مختص بالهبوط، والعداوة تجرى مجرى الحال؛ وهذا له نظائر كثيرة فى كلام العرب. ويجرى مجرى هذه الآية فى أن المراد بها الحال قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ؛ [التوبة: 55] وليس معنى ذلك أنه أراد كفرهم كما أراد تعذيبهم/ وإزهاق نفوسهم؛ بل أراد أن تزهق أنفسهم فى حال كفرهم، وكذلك القول فى الأمر بالهبوط، وهذا بيّن.
*** قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن مستحسن تمدح السادة الكرام قول الشاعر:
ويل أمّ قوم غدوا عنكم لطيّتهم … لا يكتنون غداة العلّ والنّهل
صدء السرابيل لا توكى مقانبهم … عجر البطون، ولا تطوى على الفضل
قوله: «ويل أم قوم» من الزّجر المحمود الّذي لا يقصد به الشر؛ مثل قولهم: قاتل الله فلانا ما أشجعه! وترّحه ما أسمحه! وقد قيل فى قول جميل:
رمى الله فى عينى بثينة بالقذى … وفى الغرّ من أنيابها بالقوادح (1)
إنه أراد هذا المعنى بعينه، وقيل: إنه دعا لها بالهرم وعلوّ السن، لأن الكبير يكثر قذى عينيه وتنهتم أسنانه. وقيل: إنه أراد بعينيها رقيبيها، وبغر أنيابها سادات قومها ووجوههم؛ والأول أشبه بطريقة القوم؛ وإن كان القول محتملا للكل.
فأما قوله:
* لا يكتنون غداة العلّ والنّهل*
فإنما أنهم ليسوا برعاة (2) يسقون الإبل، بل لهم من يخدمهم ويكفيهم ويرعى إبلهم؛
__________
(1) أمالى القالى 2: 109، واللآلى 736، والبيت من شواهد الرضى على الكافية (الخزانة 3: 93). القذى: كل ما وقع فى العينين من شيء يؤذيها كالتراب والعود ونحوها. والغر: جمع أغر وغراء؛ وهو وصف لأسنانها بالبياض. وهو السن. والقوادح: جمع القادح؛ وهو السواد الّذي يظهر فى الأسنان.
(2) ف، حاشية الأصل (من نسخة): «برعاء».
(2/157)

وإنما يكتنى يرتجز على الدّلو السقاة والرعاة؛ وفيه وجه آخر؛ قيل: إنهم يسامحون شريبهم ويؤثرونه بالسّقى قبل أموالهم؛ ولا يصولون عليه ولا يكتنون؛ وهذا من الكرم والتفضّل لا من الضعف.
وقيل أيضا: بل عنى أنهم أعزاء ذوو منعة، إذا وردت إبلهم ماء أفرج الناس لها عنه؛ لأنها قد عرفت فليس يحتاج أربابها إلى الاكتناء والتعرف.
وقد قال قوم فى قوله: «يكتنون»: إنه من قوله كتنت يده تكتن إذا خشنت من العمل؛ فيقول: ليسوا أهل مهنة، فتكتن أيديهم وتخشن من العمل؛ بل لهم عبيد يكفونهم ذلك.
وقوله: «صدء السرابيل» فإنما أراد به طول حملهم للسلاح ولبسهم له. والمقانب:
هى الأوعية التى يكون فيها الزاد؛ فكأنه يقول: إذا سافروا لم يشدّوا الأوعية على ما فيها وأطعموا أهل الرفقة؛ وهذه كناية عن الإطعام وبذل/ الزاد مليحة. وعجر البطون: من صفات المقانب؛ أراد أنها لا توكأ، ولا تطوى على فضل الزاد.
ولبعض شعراء بنى أسد، وأحسن غاية الإحسان:
رأت صرمة (1) لابنى عبيد تمنّعت … من الحقّ لم تؤزل بحقّ إفالها
فقالت: ألا تغذو فصالك هكذا … فقلت: أبت ضيفانها وعيالها
فما حلبت إلّا الثلاثة والثّنى … ولا قيّلت إلّا قريبا مقالها
حدابير من كلّ العيال كأنّها … أناضىّ شقر حلّ عنها جلالها
شكا هذا الشاعر امرأته، وحكى عنها أنها رأت إبلا لجيرانها لم تعط فى حمالة (2)، ولم تعقر فى حق، ولم تحلب لضيف ولا جار؛ فهى سمان. وقوله: «لم تؤزل إفالها» والإفال:
__________
(1) الصرمة: القطعة من الإبل؛ ما بين العشرين إلى الثلاثين، أو إلى الخمسين.
(2) الحمالة: الإبل.
(2/158)

الصّغار، وتؤزل؛ من الأزل وهو الضّيق فى العيش والشدّة؛ فيقول: فصال هؤلاء سمان لم تلق بؤسا؛ لأن ألبان أمهاتها موفورة عليها.
وحكى عن امرأته أنها تقول له: غذّ (1) أنت فصالك هكذا؛ فقال لها: تأبى ذلك الحقوق وعيالها؛ وهم الجيران والضيفان.
ثم أخبر أنه لم يلتفت إلى لومها، وأنّ الإبل ما حلبت بعد مقالتها إلا مرتين أو ثلاث.
ولا قيّلت، من القائلة إلا بقرب البيوت حتى نحرها ووهبها.
والحدابير: المهازيل؛ وإنما يعنى فصاله وهزالها لأجل أنها لا تسقى الألبان؛ وتعقر أمهاتها، وأناضىّ: جمع نضو (2)، فشبه فصاله من هزالها بأنضاء خيل شقر.
وقوله: «حدابير من كل العيال» فيه معنى حسن؛ لأنه أراد أنها من بين جميع العيال:
مهازيل؛ وهذا تأكيد، لأن سبب هزالها هو الإيثار بألبانها؛ واختصّت بالهزال من بين كلّ العيال. والعيال هاهنا هم الجيران والضيفان؛ وإنما جعلهم عيالا لكرمه وأن جوده قد ألزمه مودّتهم؛ فصاروا كأخص عياله.
ومثل ذلك قول الشاعر:
تعيّرنى الحظلان أمّ محلّم (3) … فقلت لها: لا تقذفينى بدائيا (4)
فإنّى رأيت الضّامرين (5) متاعهم … يذمّ ويفنى، فارضخى من وعائيا
فلم تجدينى فى المعيشة عاجزا … ولا حصرما خبّا شديدا وكائيا
الحظلان: الممسكون البخلاء، والحظل الإمساك. وأم محلّم: امرأته. ومعنى قوله:
__________
(1) د، حاشية ف (من نسخة): «اغذ».
(2) حاشية الأصل: «كأنه يجمع نضو أنضاء، ثم يجمع أنضاء أناضىّ؛ فهو جمع الجمع».
(3) فى اللسان: «أم مغلس».
(4) الأبيات فى اللسان (حظل) وعزاها إلى منظور الدبيرى.
(5) رواية اللسان: «الباخلين».
(2/159)

«تعيرنى الحظلان» / أى بالحظلان (1)؛ تقول: ما لك لا تكون مثل هؤلاء الذين يحفظون أموالهم.
والضامرون أيضا: البخلاء؛ فقال لها: رأيت البخلاء يضنّون بما عندهم وهو يفنى ويبقى الذّم، فارضخى من وعائى؛ وهذا مثل؛ أى أعطى الناس مما عندى؛ وهو من قولك:
رضخ له بشيء من عطيته. والحصرم: الممسك؛ تقول العرب حصرم قوسك، أى شدّد وترها.
وقوله:
* فلم تجدينى فى المعيشة عاجزا*
أى أنا صاحب غارات، أفيد وأستفيد وأتلف وأخلف فلا تخافى الفقر-
وقال مسكين الدارمىّ:
أصبحت عاذلتى معتلّة … قرما (2)، أم هى وحمى للصّخب
أصبحت تتفل فى شحم الدّرى … وتظنّ اللّوم درّا ينتهب
لا تلمها إنها من أمّة … ملحها موضوعة فوق الرّكب (3)
يقول: إنها تكثر لومى؛ وكأنها قرمة إلى اللوم، كقرم الأشبال إلى اللحم، وهى وحمى تشتهى الصخب. والوحم: شدة شهوة الطعام عند الحمل.
وشحم الذّرى. الأسنمة؛ وأراد ب «تتفل» فيها أى تعوّذ إبلى لتزيّنها فى عينى؛ وتعظم قدرها، فلا أهب منها ولا أنحر؛ ثم أخبر أن أصلها من الزّنج. والملح: الشحم، وشحم الزّنج (4)
__________
(1) حاشية الأصل: «بل الفصيح أن يقال: عيرته كذا، وعيرته بكذا من كلام؛ العامة قال النابغة:
وعيّرتنى بنو ذبيان خشيته … وهل عليّ بأن أخشاك من عار! .
(2) حاشية الأصل: «فى شعره قرمت».
(3) حاشية الأصل: «أى لا عرق لها فى الكرم».
(4) حاشية الأصل: «أراد أنها ليست بعربية؛ بل زنجية.
(2/160)

يكون على أوراكهم وأكفالهم وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد (1):
أي ابنة عبد الله وابنة مالك … ويا ابنة ذى البرد بن والفرس الورد (2)
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسى له … أكيلا؛ فإنّى لست آكله (3) وحدى
قصيّا كريما، أو قريبا فإنّنى … أخاف مذمّات الأحاديث من بعدى
وإنّى لعبد الضّيف ما دام نازلا … وما من صفاتى غيرها شيمة العبد
قال أبو العباس: استثنى الكرم فى القصيّ البعيد، ولم يستثنه فى القريب؛ لأن أهله جميعا عنده كرام. وأراد بقوله: «عبد الضيف» أنه يخدم الضيف هو بنفسه لا يرضى أن يخدمه عبده.
قال سيدنا أدام الله علوّه: ويشبه ذلك قول المقنّع الكندىّ:
/ وإنّى لعبد الضّيف ما دام نازلا … وما بي سواها خلّة تشبه العبدا (4)
__________
(1) فى الكامل- بشرح المرصفى 5: 145؛ ونسبها إلى قيس بن عاصم المنقرى، وفى حماسة أبى تمام- بشرح التبريزى 4: 205، وعزاها التبريزى إلى حاتم الطائىّ ولم ترد فى ديوانه. وفى الأغانى (12: 144) بسنده: «تزوج قيس بن عاصم المنقرى منفوسة بنت زيد الفوارس الضبى، وأتته فى الليلة الثانية من بنائه بها بطعام فقال: فأين أكيلى؟ فلم تعلم ما يريد؛ فأنشأ يقول .. وأورد الأبيات. قال:
«فأرسلت جارية لها مليحة فطلبت له أكيلا، وأنشأت تقول له:
أبى المرء قيس أن يذوق طعامه … بغير أكيل؛ إنه لكريم!
فبوركت حيا يا أخا الجود والندى … وبوركت ميتا قد حوتك رجوم
(2) أضافها إلى عمها وجدها الأكبرين، لعزتهما بين قبائل العرب؛ وذلك أن زيد الفوارس هو ابن حصين بن ضرار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك، أخى عبد الله بن سعد ابن ضبة. ويريد بذى البردين جد منفوسة من قبل أمها، وهو عامر بن أحيمر بن بهدلة؛ لقب بذلك لما روى أن النعمان أخرج بردى محرق، وقد اجتمعت وفود العرب وقال: ليقم أعز العرب فليلبسهما، فقام عامر، فاتزر بأحدهما وارتدى بالآخر؛ ولم ينازعه أحد ... فى خبر ذكره المرزوقى فى شرح الحماسة 1668.
(3) حاشية الأصل (من نسخة): «آكله»، بضم الكاف واللام.
(4) حماسة أبى تمام بشرح المرزوقى 1180؛ وفى حاشية الأصل (من نسخة):
* وما شيمة لى غيرها تشبه العبدا*.
(2/161)

وإنما اشترط فى كونه عبدا للضيف فى البيت الأول والثانى [ثواءه ونزوله] (1) مؤثرا له؛ ليعلم [أن الخدمة لضيفه لم تكن لضعة قدره] (2)، بل لما يوجبه الكرم من حق الأضياف (3)، وأنه يخرج عن أن يكون مخدوما بخروجه من أن يكون ضيفا. ولو قال: «وإنى لعبد الضيف» ولم يشرط (4) لم يحصل هذا المعنى الجليل.
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): مدة ثوائه ونزوله».
(2) م: أن الخدمة لم تكن لضعة وصغر قدر».
(3) حاشية الأصل (من نسخة): «الإضافة».
(4) م: «يشترط».
(2/162)

مجلس آخر 64
تأويل آية [انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا]
إن سأل سائل فقال: بم تدفعون من خالفكم فى الاستطاعة، وزعم أن المكلّف يؤمر بما لا يقدر عليه ولا يستطيعه إذا تعلق بقوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا؛ [الإسراء: 48] فإن الظاهر من هذه الآية يوجب أنهم غير مستطيعين للأمر الّذي هم غير فاعلين له، وأن القدرة مع الفعل. وإذا تعلق بقوله تعالى:
فى قصة موسى عليه السلام: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً؛ [الكهف: 67]؛ وأنه نفى أن يكون قادرا على الصبر فى حال هو فيها غير صابر؛ وهذا يوجب أنّ القدرة مع الفعل.
وبقوله تعالى: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ؛ [هود: 20].
الجواب، يقال له: أول ما نقوله: إنّ المخالف لنا فى هذا الباب من الاستطاعة لا يصحّ له فيه التعلّق بالسمع؛ لأن مذهبه لا يسلم معه صحة السمع، ولا يتمكن مع المقام عليه من معرفة السمع بأدلته؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأن من جوّز تكليف الله تعالى الكافر الإيمان وهو لا يقدر عليه لا يمكنه العلم بنفى القبائح عن الله عز وجل؛ وإذا لم يمكن ذلك فلا بدّ من أن يلزمه تجويز القبائح فى أفعاله وأخباره؛ ولا يأمن من أن يرسل كذابا، وأن يخبر هو بالكذب- تعالى عن ذلك! فالسمع إن كان كلامه قدح فى حجته تجويز الكذب عليه، وإن كان كلام رسوله قدح فيه ما يلزمه من تجويز تصديق الكذّاب؛ وإنما طرق ذلك تجويز بعض القبائح عليه.
وليس لهم أن يقولوا: إن أمره تعالى الكافر بالإيمان وإن لم يقدر عليه يحسن من حيث أتى الكافر فيه من قبل نفسه؛ لأنه تشاغل بالكفر فترك الإيمان. وإنما كان يبطل تعلّقنا/ بالسمع لو أضفنا ذلك إليه تعالى على وجه يقبح؛ وذلك لأن ما قالوه إذا لم يؤثّر فى كون ما ذكرناه
(2/163)

تكليفا لما لا يطاق لم يؤثر فى نفى ما ألزمناه عنهم؛ لأنه يلزم على ذلك أن يفعل الكذب وسائر القبائح، وتكون حسنة منه بأن يفعلها من وجه لا يقبح منه.
وليس قولهم: إنا لم نضفه إليه من وجه يقبح بشيء يعتمد؛ بل يجرى مجرى قول من جوّز عليه تعالى أن يكذب، ويكون الكذب منه تعالى حسنا؛ ويدّعى مع ذلك صحة معرفة السمع بأن يقول: إننى لم أضف إليه تعالى قبيحا، فيلزمنى إفساد طريقة السمع، فلما كان من ذكرناه لا عذر له فى هذا الكلام لم يكن للمخالف فى الاستطاعة عذر بمثله.
ونعود إلى تأويل الآى؛ أما قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا فليس فيه ذكر للشيء الّذي لا يقدرون عليه، ولا بيان له، وإنما يصح ما قالوه لو بين أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى أمر معين؛ فأما ولم يذكر ذلك فلا متعلّق لهم.
فإن قيل: فقد ذكر تعالى من قبل ضلالهم؛ فيجب أن يكون المراد بقوله: فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى مفارقة الضلال.
قلنا: إنه تعالى كما ذكر الضلال فقد ذكر ضرب المثل؛ فيجوز أن يريد أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من الأمثال وذلك غير مقدور على الحقيقة، ولا مستطاع.
والظاهر بهذا الوجه أولى؛ لأنه تعالى حكى أنهم ضربوا له الأمثال، وجعل ضلالهم وأنهم لا يستطيعون السبيل متعلّقا بما تقدّم ذكره. وظاهر ذلك يوجب رجوع الأمرين جميعا إليه، وأنهم ضلّوا بضرب المثل، وأنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من المثل؛ على أنه تعالى قد أخبر عنهم بأنهم ضلّوا، وظاهر ذلك الإخبار
عن ماضى فعلهم.
فإن كان قوله تعالى: فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا يرجع إليه، فيجب أن يدلّ على أنهم
(2/164)

لا يقدرون على ترك الماضى؛ وهذا مما لا نخالف فيه [وليس فيه ما نأباه] (1) من أنهم لا يقدرون فى المستقبل أو فى الحال على مفارقة الضلال والخروج عنه بعد تركه.
وبعد؛ فإذا لم يكن للآية ظاهر، فلم صاروا بأن يحملوا نفى الاستطاعة على أمر كلّفوه/ أولى منا إذا حملنا ذلك على أمر لم يكلّفوه، أو على أنه أراد الاستثقال والخبر عن عظم المشقة عليهم.
وقد جرت عادة أهل اللغة بأن يقولوا لمن يستثقل شيئا: إنه لا يستطيعه، ولا يقدر عليه، ولا يتمكّن منه؛ ألا ترى أنهم يقولون: فلان لا يستطيع أن يكلّم فلانا، ولا ينظر إليه، وما أشبه ذلك، وإنما غرضهم الاستثقال وشدة الكلفة والمشقة.
فإن قيل: فإذا كان لا ظاهر للآية يشهد بمذهب المخالف، فما المراد بها عندكم؟ .
قلنا: قد ذكر أبو على أن المراد أنهم لا يستطيعون إلى بيان تكذيبه سبيلا، لأنه ضربوا الأمثال؛ ظنا منهم بأن ذلك يبيّن كذبه، فأخبر تعالى أن ذلك غير مستطاع؛ لأنّ تكذيب صادق، وإبطال حق مما لا تتعلق به قدرة، ولا تتناوله استطاعة.
وقد ذكر أبو هاشم أن المراد بالآية أنهم لأجل ضلالهم بضرب المثل وكفرهم لا يستطيعون سبيلا إلى الخير الّذي هو النجاة من العقاب والوصول إلى الثواب.
وليس يمكن على هذا أن يقال: كيف لا يستطيعون سبيلا إلى الخير والهدى، وهم عندكم قادرون على الإيمان والتوبة؟ ومتى فعلوا ذلك استحقوا الثواب؛ لأن المراد أنهم مع التمسك بالضلال والمقام على الكفر لا سبيل لهم إلى خير وهدى؛ وإنما يكون لهم سبيل إلى ذلك بأن يفارقوا ما هم عليه.
وقد يمكن أيضا فى معنى الآية ما تقدّم ذكره من أن المراد بنفى الاستطاعة عنهم أنهم مستثقلون للإيمان؛ وقد يخبر عمن استثقل شيئا بأنه لا يستطيعه على ما تقدم ذكره.
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «وليس مما نأباه».
(2/165)

فأما قوله تعالى فى قصة موسى عليه السلام: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً فظاهره يقتضي أنك لا تستطيع ذلك فى
المستقبل؛ ولا يدلّ على أنه غير مستطيع للصبر فى الحال أن يفعله فى الثانى.
وقد يجوز أن يخرج فى المستقبل من أن يستطيع ما هو فى الحال مستطيع له؛ غير أن الآية تقتضى خلاف ذلك؛ لأنه قد صبر عن المسألة أوقاتا، إن ولم يصبر عنها فى جميع الأوقات، فلم تنتف الاستطاعة للصبر عنه فى جميع الأحوال المستقبلة.
على أن المراد بذلك واضح، وأنه تعالى خبّر عن استثقاله الصبر عن المسألة عما لا يعرف/ ولا يقف عليه؛ لأن مثل ذلك يصعب على النفس؛ ولهذا نجد أحدنا إذا وجد (1) بين يديه ما ينكره ويستبعده تنازعه نفسه إلى المسألة عنه، والبحث عن حقيقته، ويثقل عليه الكفّ عن الفحص عن أمره؛ فلما حدث من صاحب موسى ما يستنكر ظاهره استثقل الصبر عن المسألة عن ذلك.
ويشهد بهذا الوجه قوله تعالى: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً؛ [الكهف: 68]؛ فبيّن تعالى أن العلة فى قلة صبره ما ذكرناه دون غيره، ولو كان على ما ظنوا لوجب أن يقول: وكيف تصبر وأنت غير مطيق للصبر!
فأما قوله تعالى: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ فلا تعلّق لهم بظاهره؛ لأن السمع ليس بمعنى فيكون مقدورا، لأن الإدراك على المذهب الصحيح ليس بمعنى، ولو ثبت أنه معنى على ما يقوله أبو على لكان أيضا غير مقدور للعبد من حيث يختصّ القديم تعالى بالقدرة عليه.
هذا إن أريد بالسمع الإدراك؛ وإن أريد به نفس الحاسة فهى أيضا غير مقدورة للعباد؛ لأن الجواهر وما تخصّ به الحواس من البنية والمعانى ليصحّ به الإدراك مما ينفرد به القديم تعالى فى القدرة عليه. فالظاهر لا حجّة لهم فيه.
__________
(1) ف، حاشية الأصل (من نسخة): «إذا جرى بين يديه».
(2/166)

فإن قالوا: فلعلّ المراد بالسمع كونهم سامعين؛ كأنه تعالى نفى عنهم استطاعة أن يسمعوا.
قلنا: هذا خلاف الظاهر؛ ولو ثبت أن المراد ذلك لحملنا نفى الاستطاعة هاهنا على ما تقدم ذكره من الاستثقال وشدة المشقة، كما يقول القائل: فلان لا يستطيع أن يرانى، ولا يقدر أن يكلّمنى؛ وما أشبه ذلك، وهذا بيّن لمن تأمله.

تأويل خبر [يسار عن معاوية بن الحكم]
إن سأل سائل فقال: ما تأويل ما رواه يسار عن معاوية بن الحكم قال: قلت يا رسول الله، كانت لى جارية كانت ترعى غنما لى، قبل أحد، فذهب الذئب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بنى آدم آسف، كما يأسفون، لكنّنى (1) غضبت
فصككتها صكّة، قال: فعظم ذلك على النبي صلى الله عليه وآله، قال، قلت: يا رسول الله؛ أفلا أعتقها؟ قال: «ائتنى بها»، فأتيته بها فقال لها: «أين الله؟ » فقالت: فى السماء، قال: «من أنا»؟ قالت: أنت رسول الله، فقال عليه السلام: / «أعتقها (2) فإنها مؤمنة».
الجواب، أما قوله: «أنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون» فمعناه أغضب كما يغضبون، قال محمد بن حبيب: الأسف: الغضب، وأنشد للراعى:
فما لحقتنى العيس حتّى وجدتنى … أسيفا على حاديهم المتجرّد
والأسف أيضا الحزن؛ قال ابن الأعرابىّ: الأسف: الحزن، والأسف: الغضب، قال كعب بن زهير:
__________
(1) د، ومن نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «لكننى».
(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فأعتقها».
(2/167)

فى كلّ يوم أرى فيه مبيّنة … تكاد تسقط منّى منّة أسفا (1)
وقوله: «ولكنى غضبت فصككتها» أراد لطمتها، يقال: صكّ جبهته، إذا لطمها بيده؛ قال الله تعالى: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها؛ [الذاريات: 29]؛ وقال بشر بن أبى خازم يصف حمار وحش وأتانا:
فتصكّ محجره إذا ما سافها … وجبينه بحوافر لم تنكب (2)
سافها: أى شمها.
وقولها: «فى السماء»؛ فالسماء هى الارتفاع والعلو، فمعنى ذلك أنّه تعالى عال فى قدرته، عزيز فى سلطانه، لا يبلغ ولا يدرك. ويقال: سما فلان يسمو سموّا، إذا ارتفع شأنه علا أمره، قال الله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ. أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً؛ [الملك: 16، 17] فأخبر بقدرته وسلطانه وعلوّ شأنه ونفاذ أمره.
وقد قيل فى قوله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ غير هذا، وأن المراد: أأمنتم من فى السماء أمره وآياته ورزقه؛ وما جرى مجرى ذلك. وقال أمية بن أبى الصلت شاهدا لما تقدم:
وأشهد أنّ الله لا شيء فوقه … عليّا وأمسى ذكره متعاليا
وقال سليمان بن يزيد العدوىّ:
لك الحمد يا ذا الطّول والملك والغنى … تعاليت محمودا كريما وجازيا
/ علوت على قرب بعزّ وقدرة … وكنت قريبا فى دنوّك عاليا (3)
__________
(1) ديوانه: 70. المنة: القوة؛ وفى حاشيتى الأصل، ف: قبله:
بان الشباب وأمسى الشّيب قد أزفا … ولا أرى لشباب ذاهب خلفا
عاد السواد بياضا فى مفارقه … لا مرحبا ها بذا اللّون الّذي ردفا.
(2) محجر العين: ما دار بها؛ ويقال: نكبت الحجارة خف البعير إذا أصابته وأدمته.
(3) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فى علوك دانيا».
(2/168)

والسماء أيضا سقف البيت، ومنه قوله تعالى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ؛ [الحج: 15].
وقال ابن الأعرابىّ: يقال لأعلى البيت: سماء البيت، وسماوته، وسراته، وصهوته؛ والسماء أيضا: المطر قال الله تعالى: وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً؛ [الأنعام: 6]. ومنه الحديث الّذي رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله مر على صبرة طعام؛ فأدخل عليه السلام يده فيها، فنالت أصابعه بللا؛ فقال: ما هذا يا صاحب البرّ؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال عليه السلام: «أولا جعلته فوق الطّعام، يراه الناس! من غشّ فليس منا». وقال المثقّب العبدىّ:
فلمّا أتانى والسّماء تبلّه … فقلت له: أهلا وسهلا ومرحبا
ويقال أيضا لظهر الفرس: سماء؛ كما يقال فى حوافره: أرض. ولبعضهم فى فرس:
وأحمر كالدّينار، أمّا سماؤه … فخصب، وأما أرضه فمحول (1)
وإنما أراد أنه سمين الأعلى، عريان القوائم ممشوقها؛ وكل معانى السماء التى تتصرف وتتنوع ترجع إلى معنى الارتفاع والعلو والسموّ؛ وإن اختلفت المواضع التى أجريت هذه اللفظة فيها.
وأولى المعانى بالخبر الّذي سئلنا عنه ما قدّمناه من معنى العزة وعلو الشأن والسلطان، وما عدا ذلك من المعانى لا تليق به تعالى؛ لأنّ العلوّ بالمسافة لا يجوز على القديم تعالى الّذي ليس بجسم ولا جوهر ولا حالّ فيهما؛ ولأن الخبر والآية التى تضمنت أيضا ذكر السماء خرجت مخرج المدحة، ولا تمدّح فى العلو بالمسافة؛ وإنما التمدّح بالعلو والشأن والسلطان ونفاذ الأمر؛ ولهذا لا تجد أحدا من العرب مدح غيره فى شعر أو نثر بمثل هذه اللفظة؛ وأراد بها علوّ المسافة؛ بل لا يريدون إلا ما ذكرناه من معنى العلوّ فى الشأن؛ وإنما يظن فى هذا
الموضع خلاف هذا من لا فطنة عنده ولا بصيرة له؛ والحمد لله رب العالمين.
__________
(1) البيت لطفيل الغنوى، وهو فى ملحقات ديوانه 63، واللسان (سما).
(2/169)

مجلس آخر 65
تأويل آية [حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ؛ [هود: 40]:
الجواب، قلنا: أمّا التنور فقد ذكر فى معناه وجوه:
أولها أنّه أراد بالتنوّر وجه الأرض؛ وأنّ الماء نبع وظهر على وجه الأرض وفار؛ وهذا قول عكرمة، وقال ابن عباس مثله، والعرب تسمى وجه الأرض تنوّرا.
وثانيها أن يكون المعنى أن الماء نبع من أعالى الأرض، وفار من الأماكن المرتفعة منها؛ وهذا قول قتادة؛ وروى عنه فى قوله تعالى: وَفارَ التَّنُّورُ؛ قال: ذكر لنا أنه أرفع الأرض وأشرفها.
وثالثها أن يكون المراد ب فارَ التَّنُّورُ أى برز النّور، وظهر الضوء، وتكاثفت حرارة دخول النهار، وتقضّى الليل. وهذا القول يروى عن أمير المؤمنين عليه السلام.
ورابعها أن يكون المراد بالتنوّر الّذي يختبز فيه على الحقيقة؛ وأنه تنور كان لآدم عليه السلام (1). وقال قوم: إن التّنّور كان فى دار نوح عليه السلام بعين وردة (2) من أرض الشام. وقال آخرون: بل كان التنّور فى ناحية الكوفة؛ والّذي (3) روى عنه أن التنّور هو تنور الخبز الحقيقى ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم.
__________
(1) م: «لآدم عليه السلام أبى البشر».
(2) فى حاشيتى الأصل، ف: وردة: اسم امرأة؛ تنسب العين إليها».
(3) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «والذين روى عنهم».
(2/170)

وخامسها أن يكون معنى ذلك: اشتدّ غضب الله تعالى عليهم، وحلّ وقوع نقمته بهم؛ فذكر تعالى التّنّور مثلا لحضور العذاب، كما تقول العرب: قد حمى الوطيس (1)؛ إذا اشتد الحرب، وعظم الخطب. والوطيس هو التّنّور. وتقول العرب أيضا: قد فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم؛ قال الشاعر:
تفور علينا قدرهم فنديمها … ونفثؤها عنّا إذا حميها غلا (2)
أراد بقدرهم حربهم، ومعنى نديمها: نسكّنها، ومن ذلك الحديث المروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن البول فى الماء الدائم؛ يعنى الساكن. ويقال: قد دوّم الطائر فى الهواء، إذا بسط جناحيه وسكنهما ولم بخفق بهما. ونفثؤها، معناه نسكّنها؛ يقال: قد فثأت غضبه عنى، وفثأت الحارّ بالبارد/ إذا كسرته به.
وسادسها أن يكون التنّور الباب الّذي يجتمع فيه ماء السفينة؛ فجعل فوران الماء منه والسفينة (3) على الأرض علما على ما أنذر به من إهلاك قومه؛ وهذا القول يروى عن الحسن.
وأولى الأقوال بالصواب قول من حمل الكلام على التنّور الحقيقى؛ لأنه الحقيقة وما سواه مجاز؛ ولأن الروايات الظاهرة تشهد له؛ وأضعفها وأبعدها من شهادة الأثر قول من حمل ذلك على شدة الغضب واحتداد الأمر تمثيلا وتشبيها؛ لأن حمل الكلام على الحقيقة التى تعضدها الرواية أولى من حمله على المجاز والتوسع مع فقد الرواية.
وأىّ المعانى أريد بالتنوّر فإن الله تعالى جعل فوران الماء منه علما لنبيّه؛ وآية تدلّ على نزول العذاب بقومه؛ لينجو بنفسه وبالمؤمنين.
__________
(1) حاشية الأصل: «روى أن أول من تكلم بحمى الوطيس رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال عليه السلام: «الآن حمى الوطيس».
(2) البيت فى اللسان (فثأ)، ومقاييس اللغة (2: 315) منسوبا إلى النابغة الجعدى.
(3) ضبطت فى الأصل بالفتح والضم معا؛ وفى حاشية الأصل:
«إذا نصبت كان عطفا على «فوران» ويكون «على الأرض» حالا؛ والرفع أولى».
(2/171)

فأما قوله تعالى: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ فقد قيل: المراد به: احمل من كلّ ذكر وأنثى اثنين، وإنه يقال لكل واحد من الذكر والأنثى زوج.
وقال آخرون: الزوجان هاهنا الضربان؛ وقال آخرون: الزوج: اللون؛ وإن كل ضرب يسمى زوجا؛ واستشهدوا ببيت الأعشى (1):
وكلّ زوج من الدّيباج يلبسه … أبو قدامة مجبورا بذاك معا (2)
ومعنى مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ؛ أى من أخبر الله تعالى بعذابه وحلول الهلاك به.
والله أعلم بمراده.

تأويل خبر [«رأيت النبي صلى الله عليه وآله فى المنام وأنا أشكو إليه ما لقيت من الأود واللّدد»]
إن سأل سائل عن الخبر الّذي يرويه شريك بن عمار الدّهني (3) عن أبى صالح الحنفىّ عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وآله فى المنام وأنا أشكو إليه ما لقيت من الأود واللّدد».
الجواب، يقال له: أما الأود فهو الميل، تقول العرب: لأقيمنّ ميلك، وجنفك، وأودك، ودرأك، وضلعك، وصدغك، وظلعك (بالظاء)، وصغوك، وصعرك، وصددك؛ كل هذا بمعنى واحد.
وقال ثعلب: الأود إذا كان من الإنسان فى كلامه ورأيه فهو عوج؛ وإذا كان فى الشيء المنتصب مثل عصا/ وما أشبهها فهو عوج؛ وهذا قول الناس كلّهم إلا أبا عمرو الشيبانىّ؛
__________
(1) ديوانه: 86؛ وفى حاشية الأصل: «قبله:
له أكاليل بالياقوت زيّنها … صواغها، لا ترى عيبا ولا طبعا
يمدح هوذة بن على؛ ولم يلبس التاج معدّى غيره».
(2) حاشية الأصل: «مجبورا؛ من الجبر، وهو الإصلاح». وفى ديوانه: «محبوا»؛ وفى حاشية الأصل (من نسخة): «محبو؛ أى هو محبو».
(3) فى م: «شريك عن عمار الذهنى»؛ وهو تحريف، وبنو دهن: حي من العرب.
(2/172)

فإنه قال: العوج، بالكسر: الاسم، والعوج، بالفتح: المصدر. وقال ثعلب: كأنه مصدر عوج يعوج عوجا؛ ويقال: عصا معوجّة، وعود معوج؛ وليس فى كلامهم معوّج.
وأما اللّدد؛ فقيل: هو الخصومات، وقال ثعلب: يقال رجل ألدّ، وقوم لدّ إذا كانوا شديدى الخصومة؛ ومنه قول الله تعالى: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ؛ [البقرة: 204].
وقال الأموىّ: اللدد: الاعوجاج، والألدّ فى الخصومة: الّذي ليس بمستقيم، أى هو أعوج الخصومة؛ يميل فلا يقوى عليه ولا يستمكن (1) منه، ومن ذلك قولهم: لدّ الصّبىّ، وإنما يلدّ فى شقّ فيه؛ وليس «يلدّ» مستقيما؛ فهو يرجع إلى معنى الميل والاعوجاج. وقال:
فسّر لنا الحكم بن ظهير، فقال: ألدّ الخصام، أى أعوج الخصام، وأنشد أبو السمح لابن مقبل:
لقد طال عن دهماء لدي وعذرتى … وكتمانها أكنى بأمّ فلان
جعلت لجهّال الرّجال مخاضة … ولو شئت قد بيّنتها بلسانى
اللّد: الجدال والخصومة.
وقال أبو عمرو: الألد: الّذي لا يقبل الحق، ويطلب الظلم.
وقوله: «مخاضة» يقول: إنهم يخوضون فى شعرى ويطلبون معانيه، فلا يقفون عليه.
وأنشد أبو السمح:
لا تفتر الكذب القبيح فإنّه … للمرء معيبة وباب لئام
واصدق بقولك حين تنطق؛ إنّه … للصّدق فضل فوق كلّ كلام
وإذا صدقت على الرّجال خصمتهم … والصّدق مقطعة على الظّلام
وإذا رماك غشوم قوم فارمه … بألدّ مشتغر المدى غشّام
لا تعرضنّ على العدوّ وسيلة … واحذر عدوّك عند كلّ مقام
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «يتمكن».
(2/173)

واعلم بأنه ليس يوما نافعا … عند اللّئيم وسائل الأرحام
ما لم يخفك ويلق عندك جانبا … خشنا وتصبحه بكأس سمام
وإذا حللت (1) بمأزق فاكرم به … حتّى تفرّج حلبة الإظلام
/ واصبر على كرب البلاء فإنّه … ليس البلاء على الفتى بلزام
واعلم بأنّك ميّت ومحدّث … عمّا فعلت معاشر الأقوام
معنى قوله «مشتغر المدى»، أى بعيد المدى.
ومعنى قوله:
* لا تعرضنّ على العدوّ وسيلة*
أى لا تقاربه ولا تصانعه ولا يكن بينك وبينه إلا صدق العداوة.
وأنشد أيضا شاهدا لما تقدم:
يا وهب أشبه باطلى وجدّى … أشبهت أخلاقى فأشبه مجدى
* وجدّ لى عند الخصوم اللّدّ*
*** قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن أحسن ما وصف به الثغر قول فضالة بن وكيع البكرىّ:
تبسّم عن حمّ اللّثات كأنّها … حصى برد أو أقحوان كثيب
إذا ارتفعت عن مرقد علّلت به … من اليانع الغورىّ فرع قضيب
قضيب نجاه الرّكب أيام عرّفوا … لها من ذرى مال النّبات خضيب
يعنى من يانع الأراك. ومعنى نجاه، أى قطعه، ومثله استنجاه أيضا، ومال النبات، أى ناعمه وحسنه، يقال: عشب مال ومادّ، سواء، أى ميّاد ناعم.
ومعنى- أيام عرفوا، أى اجتنوه من عرفات، وذكر أنه خضيب بالطيب الّذي بيديها لإدمانها لاستعماله.
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «وإذا حبست».
(2/174)

وقال الأخطل يصف ثغرا:
شتيتا يرتوى الظمآن منه … إذا الجوزاء أجحرت الضّبابا (1)
الشتيت: المفرق المفلّج الّذي ليس بمتراكب-
ومعنى قوله:
* إذا الجوزاء أجحرت الضبابا*
فيه وجهان: أحدهما أنه أراد عند سقوط الجوزاء؛ وذلك فى شدة البرد وطول الليل إذا اتجحرت الضباب من البرد، وتغيرت الأفواه لطول ليل الشتاء؛ يقول: فثغرها حينئذ عذب غير متغيّر.
والوجه الآخر أنه أراد عند طلوع الجوزاء فى شدة الحر إذا انجحرت الضّباب من شدة الحر والقيظ؛ فالظمآن حينئذ أشدّ عطشا وأحرّ غلّه/، فريقها يرويه ويبرد غلّته.
وقال آخر:
فويل بها (2) لمن تكون ضجيعه … إذا ما الثّريّا ذبذبت كلّ كوكب
قوله: «فويل بها» من الزّجر المحمود: مثل قولهم: ويل أمه ما أشجعه! فكأنه يقول: نعم الضجيع هى عند السّحر، إذا تحادرت النجوم للمغيب، كما قال ذو الرّمة:
وأيدى الثّريّا جنّح فى المغارب (3)
__________
(1) حاشية الأصل: «قبله:
أفاطم اعرضي قبل المنايا … كفى بالموت هجرا واجتنابا
برقت بعارضيك ولم تجودى … ولم يك ذاك من نعمى ثوابا
كذلك أخلفتنا أم بشر … على أن قد جلت غرّا عذابا
وانظر الديوان ص 55.
(2) حاشية الأصل: «نسخة س: «فويل أمها».
(3) ديوانه: 55، وصدره:
* ألا طرقت ميّ هيوما بذكرها*.
(2/175)

ومثل قول الآخر:
نعم شعار الفتى إذا برد اللّي … ل سحيرا وقفقف الصّرد (1)
وإنما يعنى أنها فى ذلك الوقت الّذي تتغير فيه الأفواه طيبة الريق عذبته.
وأنشد أبو العباس المبرّد لأم الهيثم:
وعارض كجانب العراق … أنبت برّاقا من البرّاق (2)
يذاق (3) مثل العسل المراق (4)
قال أبو العباس: فى هذا قولان:
أحدهما أنه وصفت ثغرا. وعارضاه: جانباه، والعراق: ما يثنى ثم يخرز كعراق القربة، فأخبرت أنه ليس فيه اعوجاج ولا تراكب ولا نقص.
وقولها:
* أنبت براقا من البرّاق*
أى ما تنبته الأرض إذا مطرت من النّور.
قال المبرّد: والقول الأول عندنا أصح لذكرها العسل.
وأنشد أحمد بن يحيى لتأبط شرا (5):
__________
(1) من القفقفة؛ وهى الرعدة، والصرد: الّذي آلمه الصرد؛ وهو شدة البرد؛ والبيت فى اللسان (قفف)، والكامل- بشرح المرصفى 3: 63، وذكر بعده:
زيّنها الله فى الفؤاد كما … زيّن فى عين والد ولد
وهو أيضا فى كتاب الألفاظ 121، 212؛ وذكر قبله:
ما اكتحلت مقلة برؤيتها … فمسّها الدّهر بعدها رمد
ونسب البيتين إلى عمر بن أبى ربيعة، وهما فى ملحقات ديوانه: 483.
(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «البراق» بكسر الباء.
(3) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «يداف».
(4) حاشية الأصل: «نسخة ش: المذاق».
(5) البيتان فى الأصمعيات: 35، والمخصص: 10: 103، واللسان (صوح).
(2/176)

وشعب كشلّ (1) الثّوب شكس طريقه … مجامع ضوجيه (2) نطاف مخاصر
تعسّفته باللّيل لم يهدنى له … دليل، ولم يحسن له النّعت خابر
قال: يعنى بالشّعب فم جارية. كشلّ الثوب، يعنى كفّ الثوب إذا خاطه الخيّاط.
والشّكس: الضيّق، يصفها بصغر الفم وحسنه ورقّة الشفتين. وضوجاه: جانباه وضوج الوادى/: جانبه؛ ويعنى بالنّطاف: الريق. والمخاصر: الباردة، من الخصر.
وقوله: «لم يهدنى له دليل»؛ أى لم يصل إليه غيرى، كما قال جرير:
ألا ربّ يوم قد شربت بمشرب … شفى الغيم، لم يشرب به أحد قبلى (3)
الغيم والغين: العطش؛ وإنما يعنى ريق جارية.
قال المبرّد وقال آخرون: بل يعنى شعبا من الشّعاب مخوفا ضيّقا، سلكه وحده.
قال أبو العباس: إنما كنى بالشّعب عن فم جارية؛ ثم أخذ فى وصف الشّعب؛ ليكون الأمر أشدّ التباسا.
قال سيدنا أدام الله علوّه: والأشبه أن يكون أراد شعبا حقيقيّا، لأن تأبط شرا كان لصا وصّافا للأهوال التى تمضى به، ويعاينها فى تلصّصه. وكان كثيرا ما يصف تدلّيه من الجبال، وتخلّصه من المضايق، وقطعه المفاوز، وأشباه ذلك؛ والقطعة التى فيها البيتان كلّها تشهد بأن الوصف لشعب لا لفم جارية؛ لأنه يقول بعد قوله: «وشعب
كشلّ الثوب»:
لدن (4) مطلع الشّعرى، قليل أنيسه … كأنّ الطّخا فى جانبيه معاجر (5)
__________
(1) حاشية الأصل. «يقال: شللت الثوب إذا خطته خياطة خفيفة». وفى حاشية الأصل: أيضا «نسخة س: كشك»؛ وهى رواية د، ف، والأصمعيات، واللسان، والمخصص.
(2) كذا فى الأصول؛ وفى حاشية الأصل: «ضوجيه: جانبيه، والضوج: منعطف الوادى».
وفى الأصمعيات واللسان والمخصص: «صوحيه» بالصاد، والصوح: وجه الجبل القائم.
(3) ديوانه: 461.
(4) حاشية الأصل (من نسخة): «لدى».
(5) فى حاشيتى الأصل، ف: «الطخاء، ممدود: السحاب؛ ولعله قصره ضرورة. وإن رويت الطخا بالضم، كان جمع طخية».
(2/177)

به من نجاء الدّلو بيض أقرّها … خبار لصمّ الصخر فيه قراقر (1)
وقرّرن حتّى كنّ للماء منتهى … وغادرهنّ السّيل فيما يغادر
به نطف زرق قليل ترابها … جلا الماء عن أرجائها فهو حائر
وهذه الأوصاف كلّها لا تليق إلا بالشّعب دون غيره؛ وتأوّل ذلك على الفم تأوّل بعيد.
وقد أحسن كثيّر فى قوله يصف ثغرا:
ويوم الحبل قد سفرت وكفّت … رداء العصب عن رتل براد (2)
وعن نجلاء تدمع فى بياض … إذا دمعت وتنظر فى سواد
وعن متكاوس فى العقص جثل … أثيث النبت ذى غدر جعاد (3)
وقال أبو تمام فى هذا المعنى:
/ وعلى العيس خرّد يتبسّم … ن عن الأشنب الشّتيت البراد (4)
كان شوك السيّال حسنا فأضحى … دونه للفراق شوك القتاد (5)
وقال البحترىّ:
وأرتنا خدّا يراح له الور … د، ويشتمه جنى التّفّاح (6)
وشتيتا يغضّ من لؤلؤ النّظ … م، ويزرى على شتيت الأقاحى
فأضاءت تحت الدّجنّة للشّر … ب، وكادت تضيء للمصباح (7)
__________
(1) حاشية الأصل: «يعنى بالدلو النجم، وما يزعمون من كون المطر عند طلوع نجم وسقوط نجم.
والنجاء: جمع نجو، وهو السحاب الّذي هراق ماءه، ويجوز أن يكون المعنى: من مياه النجاء بيض.، فاقتصر على ذكر النجاء؛ لأنها تدل على المياه والحبار: الارض الرخوة».
(2) ديوانه 2: 159، والأغانى 2: 177 - 178، (طبع دار الكتب المصرية). ويقال: ثغر رتل؛ إذا كان حسن التنضيد مستوى النبات. والبراد: البارد.
(3) الشعر المتكاوس: الكثيف المتراكم. والجثل: الكثيف الملتف.
(4) ديوانه: 75.
(5) حاشية الأصل: «السيال: ياسمين البر، وله شوك. تشبه به الأسنان؛ فيقول: كان أسنانها مثل شوك السيال حسنا، فاعترض دونها شوك الفراق».
(6) ديوانه 1: 120.
(7) حاشية الأصل (من نسخة): «كالمصباح».
(2/178)

وقال أيضا:
سفرت كما سفر الرّبيع الطّلق عن … ورد يرقرقه الضّحى مصقول
وتبسّمت عن لؤلؤ فى رصفه … برد يردّ حشاشة المتبول
وقد جمع كلّ ما يوصف به الثّغر فى قوله:
كأنما تضحك عن لؤلؤ … منضّد أو برد أو أقاح (1)
__________
(1) ديوانه: 1: 112.
(2/179)

مجلس آخر 66
تأويل آية [قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ؛ [المائدة: 60].
فقال: ما أنكرتم أن تكون هذه الآية دالة على أنه تعالى جعل الكافر كافرا؛ لأنه أخبر بأنه جعل منهم من عبد الطاغوت؛ كما جعل القردة والخنازير؟ وليس يجعله كافرا إلا بأن خلق كفره! .
الجواب، يقال له (1): قبل أن نتكلّم فى تأويل الآية بما تحتمله من المعانى: [كيف يجوز أن يخبرنا بأنه] (2) جعلهم (3)؛ كفارا وخلق كفرهم! والكلام خرج مخرج الذّم لهم؛ والتوبيخ على كفرهم، والمبالغة فى الإزراء عليهم! وأىّ مدخل لكونه خالقا لكفرهم فى باب ذمّهم! وأىّ نسبة بينه وبين ذلك! بل لا شيء أبلغ فى عذرهم وبراءتهم من أن يكون/ خالقا لما ذمّهم من أجله. وهذا يقتضي أن يكون الكلام متناقضا مستحيل المعنى؛ ونحن نعلم أن أحدا إذا أراد ذمّ غيره، وتوبيخه وتهجينه بمثل هذا الضرب من الكلام إنما يقول:
ألا أخبركم بشرّ الناس وأحقّهم بالذم واللوم! من فعل كذا، وصنع كذا؛ وكان على كذا وكذا؛ فيعدّد من الأحوال والأفعال قبائحها، ولا يجوز أن يدخل فى جملتها ما ليس بقبيح؛ ولا ما هو من فعل الذم ومن جهته؛ حتى يقول فى جملة ذلك: ومن تشاغل بالصّنعة الفلانية التى أسلمها إليه وحمله عليها؛ وإن عقلا يقبل هذه الشبهة لعقل ضعيف سخيف.
__________
(1) حاشية الأصل: «نسخة س: لهم».
(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف:
«كيف يجوز أن يخبر الله تعالى».
(3) م: «يجعلهم».
(2/180)

فإن قيل: أليس قد ذمّهم فى الكلام بأن جعل منهم القردة والخنازير؛ ولا صنع لهم فى ذلك! وكذلك يجوز أن يذمّهم ويجعلهم عابدين للطاغوت؛ وإن كان من فعله!
قيل (1): إنما جعلهم قردة وخنازير عقوبة لهم على أفعالهم وباستحقاقهم، فجرى ذلك مجرى أفعالهم، كما ذمّهم بأن لعنهم وغضب عليهم؛ من حيث استحقّوا ذلك منه بأفعالهم وعبادتهم للطاغوت؛ فإن كان هو خلقها فلا وجه لذمهم بها؛ لأن ذلك مما لا يستحقونه بفعل متقدّم كاللّعن والمسخ.
ثم نعود إلى تأويل الآية فنقول: لا ظاهر للآية يقتضي ما ظنّوه، وأكثر ما تضمنته الإخبار بأنه خلق وجعل من يعبد
الطاغوت كما جعل منهم القردة والخنازير؛ ولا شبهة فى أنه تعالى هو خلق الكافر، وأنه لا خالق له سواه؛ غير أن ذلك لا يوجب أنه خلق كفره وجعله كافرا.
وليس لهم أن يقولوا: كما نستفيد من قوله: جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ أنه جعل ما به كانوا كذلك؛ هكذا نستفيد من قوله: جعل منهم من عبد الطاغوت أنه خلق ما به كان عابدا للطاغوت؛ وذلك إنما استفدنا ما ذكروه من الأول؛ لأنّ الدليل قد دلّ على أنّ ما به يكون القرد قردا والخنزير خنزيرا؛ لا يكون إلّا من فعله.
وليس ما به يكون الكافر كافرا مقصورا على فعله تعالى؛ بل قد دلّ/ الدليل على أنه يتعالى عن فعل ذلك وخلقه، فافترق الأمران.
وفى الآية وجه آخر؛ وهو ألّا يكون قوله تعالى: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ معطوفا على القردة والخنازير؛ بل معطوفا على مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ؛ وتقدير الكلام: من لعنه الله، ومن غضب عليه، ومن عبد الطاغوت، ومن جعل الله منهم القردة والخنازير؛ وهذا هو الواجب؛ لأن عَبَدَ فعل، والفعل لا يعطف على الاسم، فلو عطفناه على القردة والخنازير لكنا قد عطفنا فعلا على اسم، فالأولى عطفه على ما تقدم من الأفعال.
__________
(1) د، ومن نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «قلنا».
(2/181)

وقال قوم: يجوز أن يعطف عَبَدَ الطَّاغُوتَ على الهاء والميم فى مِنْهُمْ؛ فكأنه جعل منهم، وممّن عبد الطاغوت القردة والخنازير؛ وقد يحذف «من» فى الكلام؛ قال الشاعر:
أمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء (1)
أراد: ومن يمدحه وينصره.
فإن قيل: فهبوا هذا التأويل ساغ فى قراءة من قرأ بالفتح، أين أنتم عن قراءة من قرأ وَعَبَدَ بفتح العين وضمّ الباء، وكسر التاء من الطَّاغُوتَ، ومن قرأ عَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم العين والباء، ومن قرأ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم العين والتشديد، ومن قرأ وعبّاد الطّاغوت!
قلنا: المختار من هذه القراءة عند أهل العربية كلّهم القراءة بالفتح، وعليها جميع القراء السبعة؛ إلا حمزة فإنه قرأ؛ عَبَدَ بفتح العين وضم الباء، وباقى القراءات شاذة غير مأخوذ بها.
قال أبو إسحاق الزجاج فى كتابه فى معانى القرآن: " عَبَدَ الطَّاغُوتَ نسق على مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ" قال: " وقد قرئت عَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ وعَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ والّذي أختاره وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ".
" وروى عن ابن مسعود رحمه الله: وعبدوا الطّاغوت فهذا يقوّى: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ" قال: " ومن قرأ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم الباء وخفض الطاغوت فإنه عند بعض أهل العربية ليس بالوجه من جهتين: إحداهما أن «عبد» على وزن «فعل»، وليس هذا من أمثلة الجمع؛ / لأنهم فسّروه خدم الطاغوت. والثانى أن يكون محمولا على «وجعل منهم عبدا للطّاغوت». ثم خرّج لمن قرأ عَبَدَ وجها فقال: إن الاسم بنى على «فعل»؛ كما يقال: رجل حذر أى مبالغ فى الحذر؛ فتأويل عَبَدَ أنّه بلغ الغاية فى طاعة الشيطان". وهذا كلام الزجاج.
وقال أبو على الحسن بن عبد الغفار الفارسىّ محتجا لقراءة حمزة: " ليس عَبَدَ لفظ
__________
(1) البيت لحسان، ديوانه: 9، وروايته: «فمن يهجو ... ».
(2/182)

جمع؛ ألا ترى أنه ليس فى أبنية الجموع شيء على هذا البناء! ولكنه واحد يراد به الكثرة؛ ألا ترى أن فى الأسماء المفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه لفظ الإفراد ومعناه الجمع، كقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها؛ [إبراهيم: 34] وكذلك قوله: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ جاء على «فعل» لأنّ هذا البناء يراد به الكثرة والمبالغة؛ وذلك نحو «يقظ وندس»؛ فهذا كأنّ تقديره أنّه قد ذهب فى عبادة الشيطان والتذلّل له كلّ مذهب".
قال: " وجاء على هذا لأن «عبد» فى الأصل صفة، وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء، واستعمالهم إياه استعمالها لا يزيل عنه كونه صفة؛ ألا ترى أنّ «الأبرق والأبطح» (1) وإن كانا قد استعملا استعمال الأسماء حتى كسّرا هذا النحو عندهم من التكسير فى قولهم: «أبارق وأباطح»؛ فلم يزل عنه حكم الصفة، يدلّك على ذلك تركهم صرفه، كتركهم صرف «أحمر»، ولم يجعلوا ذلك كأفكل وأ يدع (2)؛ وكذلك عَبَدَ وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء لم يخرجه ذلك عن أن يكون صفة، وإذا لم يخرج عن أن يكون صفة لم يمتنع أن يبنى بناء الصفات على «فعل» "
وهذا كلام مفيد فى الاحتجاج لحمزة؛ فإذا صحت قراءة حمزة وعادلت قراءة الباقين المختارة، وصح أيضا سائر ما روى من القراءات التى حكاها السائل كان الوجه الأول الّذي ذكرناه فى الآية يزيل الشبهة فيها.
ويمكن فى الآية وجه آخر على جميع القراءات المختلفة فى عَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ وهو أن يكون المراد بجعل منهم عبد الطاغوت؛ أى نسبه إليهم، وشهد عليه بكونه من جملتهم.
ول «جعل» مواضع قد تكون بمعنى الخلق والفعل؛ كقوله: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ، [الأنعام: 1]؛ / وكقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً؛ [النحل: 81]؛ وهى هاهنا تتعدى إلى مفعول واحد؛ وقد تكون أيضا بمعنى التسمية والشهادة؛ كقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً؛ [الزخرف: 19]؛ وكقول القائل: جعلت البصرة
__________
(1) الأبرق: أرض فيها حجارة سود وبيض، والأبطح: الأرض المنبطحة.
(2) الأفكل: الرعدة، والأيدع: صبغ أحمر؛ وهو المسمى دم الأخوين.
(2/183)

بغداد، وجعلتنى كافرا، وجعلت حسنى قبيحا؛ وما أشبه ذلك؛ فهى هاهنا تتعدى إلى مفعولين.
ول «جعل» مواضع أخر لا حاجة بنا إلى ذكرها؛ فكأنه تعالى قال: ونسب عبد الطاغوت إليهم، وشهد أنهم من جملتهم.
فإن قيل: لو كانت جَعَلَ هاهنا على ما ذكرتم لوجب أن تكون متعدية إلى مفعولين؛ لأنها إذا لم تتعد إلّا إلى مفعول واحد فلا معنى لها إلا الخلق.
قلنا: هذا غلط من متوهّمه؛ لأن جَعَلَ هاهنا متعدية إلى مفعولين، وقوله تعالى:
مِنْهُمْ يقوم مقام المفعول الثانى عند جميع أهل العربية، لأن كلّ جملة تقع فى موضع خبر المبتدأ فهى تحسن أن تقع فى موضع المفعول الثانى؛ كجعلت وظننت وما أشبههما.
وقال الشاعر:
أبا لأراجيز يا ابن اللّؤم توعدنى … وفى الأراجيز خلت اللؤم والخور (1)
وقد فسر هذا على وجهين: أحدهما على الغاء «خلت» من حيث توسطت الكلام؛ فيكون «فى الأراجيز» على هذا فى موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، والوجه الثانى على إعمال «خلت» فيكون «فى الأراجيز» فى موضع نصب من حيث وقع موقع المفعول الثانى. وهذا بيّن لمن تدبره.
قال سيدنا أدام الله علوّه: أنشد ثعلب عن ابن الأعرابىّ:
أما وأبى للصّبر فى كلّ خلّة … أقرّ لعينى من غنى رهن ذلّة
وإنى لأختار الظّما فى مواطن … على بارد عذب وأغنى بغلّة
وأستر ذنب الدّهر حتى كأنّه … صديق، ولا اغتابه عند زلّة
ولست كمن كان ابن أمّى مقترا … فلمّا أفاد المال عاد ابن علّة
فدابرته حتى انقضى الودّ بيننا … ولم أتمطّق من نداه ببلّة
/ وكنت له عند الملمّات عدّة … أسدّ بمالى دونه كلّ خلّة
__________
(1) البيت للعين المنقرى يهجو العجاج؛ وهو من شواهد الكتاب (1: 60).
(2/184)

قال الشريف المرتضى رضى الله عنه: الأولى فى هذه القطعة إطلاقها. الخلّة: الحاجة، والخلّة أيضا: الخصلة. والخلّة، بالضم: المودّة، والخلّة أيضا، بالضم: ما كان خلوا من المرعى.
والخلّة، بالكسر: ما يخرج من الأسنان بالخلال.
والخليل: الحبيب؛ من المودة والمحبة، والخليل أيضا: الفقير؛ وكلا الوجهين قد ذكر فى قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا؛ [النساء: 125]، ومنه حديث ابن مسعود:
«تعلموا القرآن فإنه لا يدرى أحدكم متى يختلّ إليه».
قال أبو العباس ثعلب يكون من شيئين: أحدهما من الخلّة التى هى الحاجة؛ أى متى يحتاج إليه، ويكون من الخلة وهى النبات الحلو؛ ويكون معناه: متى يشتهى ما عنده، مشبّه بالإبل؛ لأنها ترعى الخلّة فإذا ملّتها عدلوا بها إلى الحمض؛ فإذا ملّت الحمض اشتهت الخلّة؛ ومن أمثالهم: «جاءوا مخلّين فلاقوا حمضا»؛ أى جاءوا مشتهين لقتالنا فلاقوا ما كرهوا.
والخلّة أيضا: بنت المخاض والذكر الخلّ؛ ويقال: جسم خلّ إذا كان مهزولا؛ قال الشاعر:
فاسقنيها يا سواد بن عمرو … إنّ جسمى بعد خالى لخلّ (1)
ويقال أيضا: فصيل مخلول إذا شدّ لسانه حتى لا يرضع؛ ويقال: خللته فهو خليل ومخلول؛ ومثله أجررته؛ قال الشاعر:
فلو أنّ قومى أنطقتنى رماحهم … نطقت؛ ولكنّ الرّماح أجرّت (2)
أى لم يعملوا فى الحرب شيئا فكنت أفتخر بهم.
وقوله:
* أقرّ لعينى من غنى رهن ذلّة*
__________
(1) من قصيدة تنسب لتأبط شرا، وقيل إنها لابن أخته خفاف بن نضلة، وقيل للشنفرى، وقيل لخلف الأحمر؛ وأولها:
إنّ بالشّعب الّذي دون سلع … لقتيلا دمه ما يطلّ
وهى فى حماسة أبى تمام- بشرح المرزوقى 827 - 839 وانظر اللآلى: 919.
(2) البيت فى حماسة أبى تمام- بشرح المرزوقى 161؛ من قطعة لعمرو بن معديكرب.
(2/185)

يقول: أختار الصيانة مع الفقر أحبّ إلى من الغنى مع الذلّ؛ ومثله:
إذا كان باب الذّلّ من جانب الغنى … سموت إلى العلياء من جانب الفقر
صبرت وكان الصّبر منّى سجيّة … وحسبك أنّ الله أثنى على الصّبر
وقوله:
وأستر ذنب الدهر حتى كأنه … صديق ...
أراد: أنى لا أشكو ما يمسّنى به الدهر من خصاصة؛ بل أستر ذلك وأظهر التجمّل حتى لا أسوأ الصديق وأسر العدوّ. وهذا المعنى/ أراد بقوله: «ولا اغتابه عند زلّتى».
وقوله:
* فلما أفاد المال عاد ابن علّة*
فالعرب تقول: هم بنو أعيان؛ إذا كان أبوهم واحدا وأمهم واحدة؛ فإذا كان أبوهم واحدا وأمهاتهم شتى قيل أولاد علّات؛ ومنه الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:
«النبيون أولاد علّات»؛ أى أمهاتهم شتّى وأبوهم واحد؛ وكنى الشاعر بذلك عن التباعد والتقاطع والتقالى؛ لأن الأكثر فى بنى العلّات ما ذكرناه.
وقوله: «ودابرته» أى قاطعته.
وقوله:
* ولم أتمطّق من نداه ببلّة*
فالتمطّق يكون بالشفتين، والتلمّظ يكون باللسان، وكنى بذلك عن أنه لم يصب من خيره شيئا؛ وصان نفسه عنه.
(2/186)

مجلس آخر 67
تأويل آية [الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ]
إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ؛ [البقرة: 22].
وما الّذي أثبت لهم العلم به؟ وكيف يطابق وصفهم هاهنا بالعلم لوصفهم بالجهل فى قوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ؛ [الزمر: 64].
الجواب، قلنا: هذه الآية معناها متعلّق بما قبلها؛ لأنه تعالى أمرهم بعبادته، والاعتراف بنعمته؛ ثم عدّد عليهم صنوف النّعم التى ليست إلا من جهته؛ ليستدلّوا بذلك على وجوب عبادته؛ وإن العبادة إنما تجب لأجل النّعم المخصوصة؛ فقال جل من قائل: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً إلى آخر الآية؛ ونبّه فى آخرها على وجوب توحيده والإخلاص له، وألّا يشرك به شيء، بقوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
ومعنى قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً أى يمكن أن تستقرّوا عليها وتفرشوها وتتصرفوا فيها؛ وذلك لا يمكن إلا بأن تكون مبسوطة ساكنة دائمة السكون.
وقد استدل أبو عليّ بذلك، وبقوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً على بطلان ما تقوّله المنجّمون من أن الأرض كريّة الشكل؛ وهذا القدر/ لا يدرك؛ لأنه يكفى فى النعمة علينا أن يكون فيها بسائط ومواضع مسطوحة يمكن التصرّف عليها؛ وليس يجب أن يكون جميعها كذلك؛ ومعلوم ضرورة أن جميع الأرض ليس مسطوحا مبسوطا وإن كان
(2/187)

مواضع التصرّف منها بهذه الصفة، والمنجّمون لا يدفعون أن يكون فى الأرض بسائط وسطوح يتصرّف عليها، ويستقرّ فيها؛ وإنما يذهبون إلى أن بجملتها شكل الكرة.
وليس له أن يقول: قوله: وجَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً يقتضي الإشارة إلى جميع الأرض وجملتها؛ لا إلى مواضع منها، لأن ذلك تدفعه الضرورة من حيث أنا نعلم بالمشاهدة أنّ فيها ما ليس ببساط ولا فراش؛ ولا شبهة فى أن جعله السماء على ما هى عليه من الصّفة ممّا له تعلّق بمنافعنا ومصالحنا. وكذلك إنزاله تعالى منها الماء الّذي هو المطر الّذي تظهر به الثمرات فننتفع بنيلها والاغتذاء بها.
فأما قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً فإن الندّ هو المثل والعدل؛ قال حسان ابن ثابت:
أتهجوه ولست له بندّ … فشرّ كما لخيركما الفداء (1)
فأما قوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فيحتمل وجوها:
أولها أن يريد أنكم تعلمون أنّ الأنداد التى هى الأصنام وما جرى مجراها التى تعبدونها من دون الله تعالى لم ينعم عليكم بهذه النعم التى عدّدها ولا بأمثالها، وأنها لا تضرّ ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر؛ ومعلوم أن المشركين
الذين كانوا يعبدون الأصنام ما كانوا يدّعون ولا تعتقدون أنّ الأصنام خلقت السماء والأرض من دون الله ولا معه تعالى؛ فالوصف لهم هاهنا بالعلم إنما هو لتأكيد الحجة عليهم. ويصح لزومها لهم؛ لأنهم مع العلم بما ذكرناه يكونون أضيق عذرا.
والوجه الثانى أن يكون المراد بقوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أى تعقلون وتميزون، وتعلمون ما تقولون وتفعلون، وتأتون وتذرون، لأنّ من كان بهذه الصفة فقد استوفى شروط التكليف، ولزمته الحجة، وضاق عذره فى التخلّف عن النظر وإصابة الحق.
ونظير ذلك/ قوله تعالى: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ؛ [الزمر: 9] وإِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ؛ [فاطر: 28].
__________
(1) ديوانه: 9.
(2/188)

والوجه الثالث ما قاله بعض المفسرين كمجاهد وغيره أن المراد بذلك أهل الكتابين التوراة والإنجيل خاصة. ومعنى وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أى أنكم تعلمون أنه إله واحد فى التوراة والإنجيل.
فعلى الوجهين الأولين لا تنافى بين هذه الآية وبين قوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ؛ لأنّ علمهم تعلّق بشيء، وجهلهم تعلق بغيره. وعلى الوجه الثالث إذا جعل الآية التى سئلنا عنها مختصة بأهل الكتاب أمكن أن تجعل الآية التى وصفوا فيها بالجهل تتناول غير هؤلاء؛ ممن لم يكن ذا كتاب يجد فيه بيان التوحيد؛ وكلّ هذا واضح بحمد الله.
*** قال سيدنا أدام الله علوّه: ومما يفسّر من الشعر تفاسير مختلفة؛ والقول محتمل للكلّ قول امرئ القيس:
وقد اغتدى ومعى القانصان … وكلّ بمربأة مقتفر (1)
فيدركنا فغم داجن … سميع بصير طلوب نكر
ألصّ الضّروس، حنيّ الضّلوع، … تبوع، أريب، نشيط، أشر
فأنشب أظفاره فى النّسا … فقلت: هبلت! ألا تنتصر!
فكرّ إليه بمبراته … كما خلّ ظهر اللّسان المجر
فظلّ يرنّح فى غيطل … كما يستدير الحمار النّعر
قال ابن السّكّيت: القانصان: الصائدان، والمربأة: الموضع المرتفع يربأ فيه، والمقتفر:
الّذي يقتفر آثار الوحش ويتبعها. وقال غيره: القانصان: البازى والصقر.
والفغم: الكلب الحريص على الصيد؛ يقال: ما أشدّ فغمه! أى ما أشد حرصه! ، قال الأعشى:
__________
(1) ديوانه: 10 - 12.
(2/189)

نؤمّ ديار بنى عامر … وأنت بآل عقيل فغم (1)
أى مولع، والدّاجن: الّذي يألف الصيد، والسميع: الّذي إذا سمع حسّا لم يفته، والبصير: الّذي إذا رأى شيئا من بعد لم يكذبه بصره، والتبوع: الّذي إذا تبع الصيد أدركه ولم يعجز عن لحقوقه/، والنّكر: المنكر الحاذق بالصيد، ويروى «نكر» بالضم.
وقال ابن السكيت وغيره فى قوله:
* فأنشب أظفاره فى النّسا*
أى أنشب الكلب أظفاره فى نسا الثور، والنّسا: عرق فى الفخذ معروف. «فقلت:
هبلت»؛ أى: فقلت للثور: هبلت، ألا تنتصر من الكلب! قالوا: وهذا تهكّم منه بالثور واستهزاء به، والأصل فى التهكّم الوقوع على الشيء؛ يقال: تهكّم البيت إذا وقع بعضه على بعض.
ومعنى:
* فكرّ إليه بمبراته*
قال ابن السكّيت وغيره: معناه: فكرّ الثور إلى الكلب بمبراته؛ أى بقرنه.
ومعنى:
* كما خلّ ظهر اللسان المجرّ*
أى طعنه كما يجرّ الرجل لسان الفصيل، وهو أن يقطع طرف لسانه أو يشقّه حتى لا يقدر على الشرب من خلف أمه، وذلك إذا كبر واستغنى عن الشرب.
ومعنى:
* فظل يرنّح فى غيطل*
أى ظل الكلب يرنّح (2)، أى يميد ويتمايل كالسكران، والغيطل: الشجر الملتف، ويكون أيضا الجلبة والصياح.
__________
(1) ديوانه: 30.
(2) حاشية الأصل: «ترنح: تمايل من السكر وغيره، ورنح عليه، على ما لم يسم على فاعله، إذا استدار».
(2/190)

وقوله:
* كما يستدير الحمار النعر*
فالنّعر: الّذي يدخل فى رأسه ذباب أزرق أو أخضر، فيطح برأسه وينزو، فشبّه الكلب فى اضطرابه ونزوّه بالحمار النّعر، قال ابن مقبل:
ترى النّعرات الزّرق تحت لبانه … أحاد ومثنى أصعقتها صواهله (1)
وقال أحمد بن عبيد: القانصان: الفرس وصاحبه؛ والحجّة أن الفرس تسمى قانصا قول عدىّ بن زيد:
تقنصك الخيل ويصطادك الطّ … ير ولا تنكع لهو القنيص (2)
أى لا تمنع به.
قال: وقوله:
* فأنشب أظفاره فى النّسا*
معناه فأنشب الكلب أظفاره فى نسا الثور، فقلت لصاحب الفرس أو لغلامى الممسك للفرس: هبلت! ألا تدنو إلى الثور فتطعنه فقد أمسكه عليك الكلب! قال: ومحال أن يكون امرؤ القيس أغرى الثور بقتل كلبه؛ لأن امرأ القيس يفخر بالصيد ويصفه فى أكثر شعره بأنه مرزوق منه مظفّر فيه، كقوله:
إذا ما خرجنا قال ولدان أهلنا: … تعالوا إلى أن يأتنا الصّيد نحطب (3)
وكقوله:
مطعم للصّيد ليس له … غيره كسب على كبره (4)
__________
(1) اللسان (نعر).
(2) شعراء النصرانية 470، واللسان (نكع).
(3) خزانة الأدب 2: 197؛ ولم يرد فى ديوانه بشرح البطليوسى.
(4) حاشية الأصل: «أى يطعم الصيد؛ واللام دخلت للتقوية» والبيت فى اللسان (طعم)، وشرح الستة للأعلم ص 56.
(2/191)

فمحال على هذا أن يغرى الثور بقتل كلبه.
قال: وتأويل «ألا تنتصر! » ألا تدنو من الثور! / والدليل على أن «تنتصر» بمعنى «تدنو» قول الراعى:
وأفرغن فى وادى جلاميد بعد ما … علا البيد سافى القيظة المتناصر
أى المتدانى.
وقال مضرّس بن ربعىّ:
فإنّك لا تعطى امرأ حظّ غيره … ولا تملك الشّقّ الّذي الغيث ناصره
أى دان منه.
ومعنى: «ألصّ الضّروس» أى بعض أسنانه ملتصق ببعض.
وحنيّ الضلوع: أى مشرف الضلوع عاليها. ويروى: «حنى الضّلوع» بالنون أى منحنيها. ويقال: إن الضّلوع إذا تقوّست كان أوسع لجوفه وأقوى له؛ ويروى أيضا: «خفىّ الضلوع» أى ضلوعه خفية داخلة فى جنبه.
ومعنى:
* فظلّ يرنّح فى غيطل*
أى ظلّ الثور يرنّح فى غيطل لمّا طعنه صاحب الفرس. وقد يجوز أيضا أن يكون ترنّح الثور لظفر الكلب به، ولأنه أنشب أظفاره فيه؛ وكلّ ذلك محتمل.
ومما يحتمل أيضا على وجوه مختلفة قول امرئ القيس:
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها … لما نسجتها من جنوب وشمأل (1)
قال قوم: معناه لم يدرس رسمها لنسج هاتين الريحين فقط؛ بل لتتابع الرياح والأمطار؛ والدليل على ذلك قوله فى البيت الآخر:
__________
(1) ديوانه: 19.
(2/192)

* فهل عند رسم دارس من معوّل (1) *
وقال آخرون: ومعنى: «لم يعف رسمها» لم يدرس، فالرسم على هذا القول باق غير دارس.
ومعنى قوله فى البيت الآخر: «رسم دارس»، أى فهل عند رسم سيدرس فى المستقبل! وإن كان الساعة موجودا غير دارس!
وقال آخرون فى معنى قوله: «لم يعف» مثل الوجه الثانى؛ أى أنه لم يدرس أثرها لما نسجتها، بل هى بواق ثوابت،
فنحن نحزن لها، ونجزع عند رؤيتها، ولو عفت وامّحت لاسترحنا، وهذا مثل قول ابن أحمر:
ألا ليت المنازل قد بلينا … فلا يبكين ذا شجن حزينا
ومثل قول الآخر:
/ ليت الدّيار التى تبقى لتحزننا … كانت تبين إذا ما أهلها بانوا
وليس قوله:
* فهل عند رسم دارس من معوّل*
نقضا لهذا، إنما هو كقولك: درس كتابك، أى ذهب بعضه وبقى بعض.
وقال أبو بكر العبدىّ: معناه لم يعف رسمها من قلبى، وهو دارس من الموضع، فلم يتناول قوله: «لم يعف رسمها» ما تناوله قوله: «فهل عند رسم دارس» من جميع وجوهه فيتناقض الكلام.
وقال آخرون: أراد بقوله: «لم يعف»، لم يدرس، ثم أكذب نفسه بقوله:
* فهل عند رسم دارس من معوّل*
__________
(1) ديوانه: 21، وأوله:
* وإنّ شفائى عبرة مهراقة*.
(2/193)

كما قال زهير:
قف بالدّيار التى لم يعفها القدم … بلى، وغيّرها الأرواح والدّيم (1)
وكما قال الآخر:
فلا تبعدن يا خير عمرو بن مالك … بلى، إنّ من زار القبور ليبعدا
أراد «ليبعدن»، فأبدل الألف من النون الخفيفة؛ وهذا وجه ضعيف، وبيت زهير ليس يجب فيه ما توهّم من المناقضة والتكذيب؛ لأنه يمكن أن يحمل على ما ذكرناه فى أحد الوجوه المتقدمة؛ من أنه أراد أنّ رسمها لم يعف ولم يبطل كلّه، وإن كان قد غيّرت الدّيم والأرواح بعضه وأثّرت فى بعض.
فأما البيت الثانى فلا حجّة فيه؛ لأنه لم يتضمن إثباتا ونفيا، وإنما دعاء له ألا يبعد، ثم رجع إلى قوله: «بلى» إنه ليبعد من زار القبور، وما يدعى به غير واجب ولا ثابت، فكيف ينافى الإثبات الثانى!
ويمكن فى البيت وجه آخر، وهو أن يكون معنى: «لم يعف رسمها» أى لم يزد ويكثر فيظهر حتى يعرفه المترسّم؛ ويثبته المتأمل، بل هو خاف غير لائح ولا ظاهر. ثم قال من بعد:
* فهل عند رسم دارس من معوّل*
فلم يتناقض الأول؛ لأنه قد أثبت الدروس له فى كلا الموضعين. ولا شبهة فى أن «عفا» من حروف الأضداد التى تستعمل تارة فى الدروس، وأخرى فى الزيادة والكثرة؛ قال الله تعالى:
حَتَّى عَفَوْا؛ [الأعراف: 95]؛ أى كثروا؛ ويقال: قد عفا الشّعر إذا كثر، وقال الشاعر:
__________
(1) ديوانه 145.
(2/194)

ولكنّا نعضّ السّيف منها … بأسوق عافيات اللّحم كوم
/ أراد كثيرات اللحم؛ يقال: قد عفا وبر البعير إذا زاد؛ ويقال: أعفيت الشعر وعفوته إذا كثرته وزدت فيه، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بأن تحفى الشوارب وتعفى اللّحى؛ أى توفر، وهذا الوجه عندى أشبه مما تقدم.
(2/195)

مجلس آخر 68
تأويل آية [يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا؛ [مريم: 28، 29].
فقال: من هارون الّذي نسبت مريم إلى أنها أخته؟ ومعلوم أنها لم تكن أختا لهارون أخى موسى. وما معنى مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، ولفظة «كان» تدلّ على ما مضى (1) وعيسى عليه السلام فى حال قولهم ذلك كان فى المهد؟
الجواب، قلنا: هارون الّذي نسبت إليه مريم قد قيل فيه أقوال:
منها أن هارون المذكور كان رجلا فاسقا مشهورا بالعهر والشرّ وفساد الطريقة، فلما أنكروا ما جاءت به من الولد، وظنوا بها ما هي مبرأة منه نسبوها إلى هذا الرجل تشبيها وتمثيلا؛ وكان تقدير الكلام: يا شبيهة هارون فى فسقه وقبيح فعله؛ وهذا القول يروى عن سعيد بن جبير.
ومنها أن هارون هذا كان أخاها لأبيها دون أمّها؛ وقيل إنه كان أخاها لأبيها وأمها، وكان رجلا معروفا بالصلاح وحسن الطريقة والعبادة والتألّه.
وقيل: إنه لم يكن أخاها على الحقيقة؛ بل كان رجلا صالحا من قومها، وإنه لما مات شيّع جنازته أربعون ألفا، كلّهم يسمّى هارون، من بنى إسرائيل، فلما أنكروا ما ظهر من أمرها قالوا لها: يا أُخْتَ هارُونَ؛ أى يا شبيهته فى الصلاح، ما كان هذا معروفا منك، ولا كان ووالدك ممن يفعل القبيح، ولا تتطرّق عليه الرّيب!
__________
(1) ف: «ما مضى من الزمان».
(2/196)

وعلى قول من قال إنه كان أخاها يكون معنى قولهم: إنك من أهل بيت الصلاح والسداد؛ لأن أباك لم يكن امرأ سوء، ولا كانت أمك بغيّا، وأنت مع ذلك أخت هارون المعروف بالصلاح والعفة، فكيف أتيت بما لا يشبه نسبك، ولا يعرف من مثلك!
ويقوّى هذا القول ما رواه المغيرة بن شعبة قال: لما أرسلنى/ رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أهل نجران قال لى أهلها: أليس نبيّكم يزعم أن هارون أخو موسى، وقد علم الله ما كان بين موسى وعيسى من السنين! فلم أدر ما أردّ عليهم حتى رجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فذكرت ذلك فقال لى: «فهلّا قلت إنهم كانوا يدعون بأنبيائهم والصالحين قبلهم»!
ومنها أن يكون معنى قوله: يا أُخْتَ هارُونَ يا من هى من نسل هارون أخى موسى؛ كما يقال للرجل: يا أخا بنى تميم، ويا أخا بنى فلان.
وذكر مقاتل بن سليمان فى قوله تعالى: يا أُخْتَ هارُونَ [قال: روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «هارون الّذي ذكروه هو هارون أخو موسى عليهما السلام».
قال مقاتل: تأويل] (1) يا أُخْتَ هارُونَ يا من هى من نسل هارون، كما قال تعالى:
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً؛ [الأعراف: 65]، وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً؛ [الأعراف: 73] يعنى بأخيهم أنه من نسلهم وجنسهم.
وكلّ قول من هذه الأقوال قد اختاره قوم من المفسرين.
فأما قوله تعالى: مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا فهو كلام مبنىّ على الشرط والجزاء، مقصود به إليهما؛ والمعنى: من يكن فى المهد صبيا، فكيف نكلّمه! ووضع فى ظاهر اللفظ الماضى موضع المستقبل، لأن الشارط لا يشرط إلا فيما يستقبل، فيقول القائل: إن زرتنى زرتك؛ يريد إن تزرنى أزرك؛ قال الله تعالى: إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ؛ ؛
[الفرقان: 10] يعنى إن يشأ يجعل.
__________
(1) ساقط من الأصل؛ والمثبت عن د، ف.
(2/197)

وقال قطرب: معنى كانَ هاهنا معنى صار؛ فكأن المعنى: وكيف نكلّم من صار فى المهد صبيا، ويشهد بذلك قول زهير:
أجزت إليه حرّة أرحبيّة … وقد كان لون اللّيل مثل الأرندج (1)
وقال غيره: كانَ هاهنا بمعنى خلق ووجد؛ كما قالت العرب: كان الحرّ، وكان البرد؛ أى وجدا وحدثا.
وقال قوم: لفظة كانَ وإن أريد بها الماضى فقد يراد بها الحال والاستقبال؛ كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ؛ [آل عمران: 110]، أى أنتم كذلك، وقوله تعالى: هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [الإسراء: 73] وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً؛ [النساء: 17]؛ وإن كان قد قيل فى هذه الآية الأخيرة غير هذا؛ قيل إن القوم شاهدوا من آثار علمه وحكمته تعالى ما شاهدوا، فأخبرهم أنه لم يزل عليما حكيما، أى فلا تظنّوا أنه استفاد علما وحكمة لم يكن عليهما.
ومما يقوى مذهب/ من وضع لفظة الماضى فى موضع الحال والاستقبال قوله تعالى:
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ [المائدة: 110]، وقوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ؛ [الأعراف: 44]؛ وقولهم فى الدعاء: غفر الله لك، وأطال بقاءك! وما جرى مجرى ذلك.
ومعنى الكلّ يفعل الله ذلك بك؛ إلّا أنه لما أمن اللبس وضع لفظ الماضى فى موضع المستقبل، قال الشاعر:
__________
(1) ديوانه: 323؛ والرواية فيه:
زجرت عليه حرّة أرحبيّة … وقد كان لون الليل مثل اليرندج
الضمير يعود إلى الطريق فى البيت قبله، والحرة: الكريمة، والأرحبية: منسوب إلى أرحب؛ وهو بطن من همدان تنسب إليه النجائب؛ لأنها من نسله. والأرندج واليرندج: السواد، يسود به الخف-
(2/198)

فأدركت من قد كان قبلى ولم أدع … لمن كان بعدى فى القصائد مصعدا (1)
أراد لمن يكون بعدى.
ومما جعلوا فيه المستقبل فى موضع الماضى قول الصّلتان العبدىّ يرثى المغيرة بن المهلّب (2):
قل للقوافل والغزاة (3) إذا غزوا … والباكرين وللمجدّ الرّائح
إنّ الشّجاعة والسّماحة ضمّنا … قبرا بمرو على الطّريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به … كوم الجلاد وكلّ طرف سابح (4)
وانضح جوانب قبره بدمائها … فلقد يكون أخا دم وذبائح
معناه: «فلقد كان كذلك».
__________
(1) د، ف: «الفضائل مصعدا»، وفى حاشيتى الأصل، ف: «أى بلغت درجة من كان قبلى».
(2) فى حاشيتى الأصل، ف: «هذه قصيدة رواها الأصمعى لزياد الأعجم، وتروى للصلتان العبدىّ؛ وهى إحدى المراثى السبع، وقال غيره: هى لزياد الأعجم؛ وهو من عبد القيس، وكان يلقب بالصلتان، وإنما قيل له الأعجم للثغة فى لسانه، ويقال: إنه نشأ فى العجم، وكان من أشعر أهل زمانه؛ وكان اصطفاه المهلب بن أبى صفرة الأزدى؛ فكان زياد يمدحه وأهله، وكان ألثغ، يقول للجرادة «زرادة»، فقال له شاعر:
وما صفراء تدعى أم عوف … كأنّ رجيلتيها منجلان
فقال زياد:
أردت زرادة وأظنّ أخرى … أردت بما أردت به لسانى
وكان يقول: «أنا أقول «السعر»، و «الأرب» تقوم لى، أراد «الشعر»، و «العرب».
والقصيدة فى أمالى اليزيدى 1 - 7.
(3) فى الأمالى: «والغزىّ» كغنى.
(4) الكوم: جمع كوماء؛ وهى الناقة السمينة؛ والجلاد: جمع جلدة؛ وهى أدسم الإبل لبنا.
وفى د: «كوم المطىّ»، وفى الأمالى: «كوم الهجان». والطرف: الأصيل من الخيل. والسابح:
الّذي يجرى بقوة. وفى أمالى اليزيدى: «لما أنشد زياد الأعجم المهلب هذا الموضع من القصيدة قال: أعقرت يا أبا أمامة؟ قال: لا والله، أصلحك الله! قال: ولم؟ قال: لأنى كنت على ابنة الأتان، قال: أما إنك لو عقرت ما بقى بالبصرة طرف عتيق، ولا حمل نجيب إلا شدّ بمربطك أو نيخ بفنائك».
(2/199)

تأويل خبر [«لا عدوى ولا هامة ولا طيرة»]
إن سأل سائل فقال: كيف يطابق ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:
«لا عدوى ولا هامة ولا طيرة» وأنه قيل له: إن النّقبة (1) تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الإبل، فقال عليه السلام:
«فما أعدى الأول؟ » لما روى عنه عليه السلام من قوله: «لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ»، وقوله: «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد»، وأن رجلا مجذوما أتاه ليبايعه بيعة الإسلام فأرسل إليه بالبيعة، وأمره بالانصراف، ولم يأذن له عليه السلام، وروى عنه عليه السلام أنه قال: «الشؤم فى المرأة والدار والدّابة»؛ وظواهر هذه الأخبار متنافية متناقضة فبيّنوا وجه الجمع بينها.
الجواب، قلنا: إن ابن قتيبة قد سأل نفسه عن اختلاف هذه الأخبار، وأجاب عن ذلك بما نذكره على وجهه، ونذكر ما عندنا فيه، فإنه خلّط/ وأتى بما ليس بمرضىّ.
قال: " إنّ لكلّ (2) من هذه الأخبار معنى وموضعا؛ فإذا وضع موضعه زال الاختلاف".
قال: " وللعدوى معنيان:
أحدهما عدوى الجذام، وإنّ المجذوم تشتد رائحته حتى تسقم فى الحال مجالسيه ومؤاكليه، وكذلك المرأة تكون تحت المجذوم فتضاجعه فى شعار واحد، فيوصل إليها الأذى؛ وربما جذمت، وكذلك ولده ينزعون فى الكبر إليه، وكذلك من كان به سلّ ودقّ (3)، والأطباء تأمر بألّا يجالس المسلول والمجذوم؛ ولا يريدون بذلك معنى العدوى؛ وإنما يريدون بذلك تغيّر الرائحة، وأنها قد يسقم فى الحال اشتمامها. والأطباء أبعد الناس من الإيمان بيمن أو شؤم، وكذلك النّقبة تكون بالبعير وهو جرب رطب، فإذا خالط الإبل وحاكّها أوصل إليها بالماء الّذي يسيل منه نحوا مما به؛ فهذا هو المعنى الّذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله:
«لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» ".
__________
(1) النقبة: أول شيء يظهر من الجرب؛ وجمعها نقب. (وانظر نهاية ابن الأثير 4: 168).
(2) تأويل مختلف الأحاديث ص 123 وما بعدها؛ مع اختلاف فى العبارة.
(3) الدق: نوع من الحمى.
(2/200)

قال: " وقد ذهب قوم إلى أنه أراد بذلك ألّا يظن أنّ الّذي نال إبله من ذوات العاهة، فيأثم."
قال: " وليس لهذا عندى وجه؛ لأنا نجد الّذي خبرتك به عيانا» ".
قال: " وأما الجنس الآخر من العدوى فهو الطاعون ينزل ببلد فيخرج منه خوفا من الطاعون، وحكى عن الأصمعىّ عن بعض البصريين أنه هرب من الطاعون، فركب حمارا ومضى بأهله نحو سفوان (1)، فسمع حاديا يحدو خلفه،
وهو يقول:
لن يسبق الله على حمار … ولا على ذى ميعة مطار (2)
أو يأتى الحقّ (3) على مقدار … قد يصبح الله أمام السّارى
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إذا كان بالبلد الّذي أنتم فيه فلا تخرجوا منه».
وقال أيضا: «إذا كان ببلد فلا تدخلوه»؛ يريد بقوله: «لا تخرجوا» من البلد إذا كان فيه.
كأنكم تظنون أن الفرار من قدر الله تعالى ينجيكم؛ ويريد بقوله: «إذا كان ببلد فلا تدخلوه» إن مقامكم بالموضع الّذي لا طاعون فيه أسكن لأنفسكم، وأطيب لعيشكم/". قال: " ومن ذلك المرأة تعرف بالشؤم، والدار، فينال الرجل مكروها أو جائحة فيقول: أعدتنى بشؤمها» ".
قال: " فهذا الّذي قال فيه عليه السلام: «لا عدوى» ".
" فأما الحديث الّذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «الشؤم فى المرأة والدار والدابّة» فإن هذا يتوهّم فيه الغلط على أبى هريرة، وأنه سمع من النبي صلى الله عليه وآله شيئا فلم يعه."
وروى ابن قتيبة خبرا ورفعه إلى أبى حسّان الأعرج أنّ رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدّث عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «إنما الطّيرة فى المرأة والدار والدابة»، فطارت
__________
(1) سفوان: منزل قريب من البصرة.
(2) الميعة: مصدر ماع الفرس إذا جرى.
(3) حاشية الأصل: «نسخة س: الحتف»، وهى رواية ابن قتيبة.
(2/201)

شققا (1) فقالت: كذب والّذي أنزل القرآن على أبى القاسم، من حدث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله! وإنما قال رسول الله: «كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة فى المرأة والدار والدابة»، ثم قرأت: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها؛ [الحديد: 22].
وروى خبرا يرفعه إلى أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال:
يا رسول الله إنا نزلنا دارا فكثر فيها عددنا، وكثر بها أموالنا، ثم تحولنا منها إلى أخرى، فقلّت فيها أموالنا، وقلّ عددنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «ذروها فهى ذميمة».
قال ابن قتيبة: " وهذا ليس ينقض الحديث الأول؛ وإنما أمرهم بالتحوّل منها؛ لأنهم كانوا مقيمين فيها على استثقال
ظلّها، واستيحاش لما نالهم فيها، فأمرهم بالتحوّل منها، وقد جعل الله فى غرائز الناس وتركيبهم استثقال ما نالهم السوء فيه؛ وإن كان لا سبب لهم فى ذلك؛ وحب من جرى على يده الخير لهم وإن لم يردهم به، وبغض من جرى على يده الشر لهم وإن لم يردهم به.
قال سيدنا أدام الله علوه: ما وجدنا ابن قتيبة عمل شيئا أكثر من أنه لما أعجزه تأويل الأخبار التى سأل نفسه عنها، والمطابقة بينها وبين قوله عليه السلام: «لا عدوى ولا طيرة» ادّعى الخصوص فيما ظاهره العموم، وخصّ العدوى بشيء دون آخر؛ وكلاهما سواء، وأورد تأويلا/ يدفعه نص قول النبي صلى الله عليه وآله؛ لأنه عليه السلام لما سئل عن النّقبة تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الإبل قال عليه السلام: «فما أعدى الأول؟ » تكذيبا بعدوى هذه النّقبة وتأثيرها، فاطّرح ابن قتيبة ذلك، وزعم أن الجرب يعدى ويؤثر فى المخالط والمؤاكل، وعوّل فى ذلك على قول الأطباء، وترك قول الرسول صلى الله عليه وآله.
ومن طريف أمره أنه قال: " إن الأطباء ينهون عن مجالسة المسلول والمجذوم؛ ولا يريدون
__________
(1) الشفقة فى الأصل: القطع.
(2/202)

بذلك معنى العدوى، وإنما يريدون تغيّر الرائحة؛ وأنها تسقم من أدمن اشتمامها". وهذا غلط لأن الأطباء إنما تنهى عن ذلك خوفا من العدوى، وسبب العدوى عندهم هو اشتمام الرائحة، وانفصال أجزاء من السقيم إلى الصحيح، وليس إذا كان غير هذا عدوى عند قوم ما يوجب ألّا يكون هذا أيضا من العدوى.
ولما حكى عن غيره تأويلا صحيحا فى قوله عليه السلام. «لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» ادّعى أن العيان يدفع، وأىّ عيان معه! ونحن نجد كثيرا ممن يخالط الجربى فلا يجرب، ونجد إبلا صحاحا تخالط ذوات العاهات فلا يصيبها شيء من أدوائها؛ فكأنه إنما يدّعى أن العيان يدفع قول النبي صلى الله عليه وآله: «فما أعدى الأول»؟
والوجه عندنا فى قول النبي عليه السلام: «لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» أنه عليه السلام إنما نهى عن ذلك؛ وإن لم يكن مؤثرا على الحقيقة؛ لأنّ فاعله كالمدخل الضرر على غيره؛ لأنّ من اعتقد أن ذلك يعدى ويؤثر فأورد على إبله؛ فلا بدّ من أن يلحقه لما تقدم من اعتقاده ضرر وغمّ، ولا بدّ من أن يذم من عامله بذلك؛ فكأنه عليه السلام نهى عن أذى الناس والتعرّض لذمهم.
وقد يجوز أيضا فيه ما حكاه ابن قتيبة عن غيره مما لم يرتضه من أنهم متى ظنوا ذلك اثموا فنهى عليه السلام عن التعرض لما يؤثم.
ولو نقل ابن قتيبة ما قاله عليه السلام فى الطاعون: «إذا كان ببلد فلا تدخلوه»، وأمره لمن شكا إليه ما لحقه فى الدار بالتحوّل عنها إلى هاهنا لكان قد أصاب، لأنه حمل ذلك على أن تجنّب البلد أسكن للنفس وأطيب للعيش؛ / وكذلك الدار، وهذا يمكن فى قوله عليه السلام:
«لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» بعينه.
فأما قوله عليه السلام: «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد»، فليس فيه أنّ ذلك لأجل العدوى؛ وقد يمكن أن يكون لأجل نتن ريحه واستقذاره، ونفور النفس عنه، وأن ذلك ربما دعا إلى تعييره والإزراء عليه. وامتناعه عليه السلام من إدخال المجذوم عليه ليبايعه
(2/203)

يجوز أن يكون الغرض فيه غير العدوى؛ بل بعض الأسباب المانعة التى ذكرنا بعضها.
وأما حديث الطاعون والقول فيه على ما قاله؛ فقد كان سبيله لما عوّل فى عدوى الجذام والجرب على قول الأطباء أن يرجع أيضا إلى أقوالهم فى الطاعون؛ لأنهم يزعمون أنّ الطاعون الّذي يعرض من تغير الأهوية وما جرى مجراها يعدى كعدوى الجرب والجذام، والعيان الّذي ادعاه ليس هو أكثر من وجود من يجرب أو يجذم لمخالطة من كان بهذه الصفة.
وهذا العيان موجود فى الطاعون؛ فإنا نرى عمومه لمن يسكن البلد الّذي يكون فيه، ويطرأ إليه.
فأما الخبر الّذي يتضمّن أن الشؤم فى المرأة والدار والدابة، فالّذى ذكره من الرواية فى معناه يزيل الشبهة به؛ على أنه لو لم يكن هاهنا رواية فى تأويله جاز أن يحمل على أن الّذي يتطير به المتطيّرون، ويدّعون أن الشؤم فيه هو المرأة، والدار، والدابة؛ ولا يكون ذلك إثباتا للطّيرة والشؤم فى هذه الأشياء؛ بل على طريق الإخبار بأنّ الطّيرة الثابتة إنما هى فيها لقوّة أمرها عند أصحاب الطّيرة وما ذكره بعد ذلك فى الدار؛ وأمره عليه السلام بانتقاله عنها تأويل قريب؛ وكان يجب أن يهتدى إليه فيما تقدم. وما التوفيق إلا من عند الله.
(2/204)

مجلس آخر 69
تأويل آية [وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ]
إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ؛ [الشورى: 51].
فقال: أوليس ظاهر هذا الكلام يقتضي جواز الحجاب عليه وأنتم تمنعون من ذلك!
الجواب، / قلنا: ليس فى الآية أكثر من ذكر الحجاب، وليس فيها أنه حجاب له تعالى أو لمحلّ كلامه أو لمن يكلّمه. وإذا لم يكن فى الظاهر شيء من ذلك جاز صرف الحجاب إلى غيره عز وجل؛ مما يجوز أن يكون محجوبا. وقد يجوز أن يريد تعالى بقوله:
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أنه يفعل كلاما فى جسم محتجب على المكلّم، غير معلوم له على سبيل التفصيل، فيسمع المخاطب الكلام ولا يعرف محلّه على طريق التفصيل، فيقال على هذا: هو مكلّم من وراء حجاب.
وروى عن مجاهد فى قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً قال: هو داود أوحى فى صدره فزبر الزّبور، أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ وهو موسى، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا وهو جبريل إلى محمد صلى الله عليه وآله.
فأما الجبّائىّ فإنه ذكر أنّ المراد بالآية: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا مثل ما يكلّم به عباده من الأمر بطاعته، والنهى لهم عن معاصيه، وتنبيهه إيّاهم على ذلك من جهة الخاطر أو المنام، وما أشبه ذلك على سبيل الوحى.
قال: وإنما سمى الله تعالى ذلك وحيا لأنه خاطر وتنبيه، وليس هو كلاما لهم على سبيل الإفصاح، كما يفصح الرجل منّا لصاحبه إذا خاطبه. والوحى فى اللغة إنما هو ما جرى مجرى الإيماء والتنبيه على شيء من غير أن يفصح به؛ فهذا هو معنى ما ذكره الله تعالى فى الآية.
(2/205)

قال: وعنى بقوله: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أن يحجب ذلك الكلام عن جميع خلقه، إلا من يريد أن يكلّمه به؛ نحو كلامه تعالى لموسى عليه السلام، لانه حجب ذلك عن جميع الخلق إلا موسى عليه السلام وحده فى كلامه إياه أولا. فأما كلامه إياه فى المرة الثانية فإنه إنما أسمع ذلك موسى والسبعين الذين كانوا معه، وحجب (1) عن جميع الخلق سواهم. فهذا معنى قوله عز وجل:
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، لأن الكلام هو الّذي كان محجوبا عن الناس.
وقد يقال: إنه تعالى حجب عنهم موضع الكلام الّذي أقام الكلام فيه؛ فلم يكونوا يدرون من أين يسمعونه؛ لأنّ الكلام عرض لا يقوم إلا فى جسم.
ولا يجوز أن يكون أراد بقوله: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أنّ الله تعالى كان مِنْ وَراءِ حِجابٍ/ يكلّم عباده؛ لأن الحجاب لا يجوز إلّا على الأجسام المحدودة.
قال: وعنى بقوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إرساله ملائكته بكتبه وبكلامه إلى أنبيائه عليهم السلام، ليبلّغوا عنه ذلك عباده على سبيل إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وآله، وإنزاله سائر الكتب على أنبيائه.
فهذا أيضا ضرب من الكلام الّذي يكلّم الله تعالى عباده ويأمرهم فيه بطاعته، وينهاهم عن معاصيه؛ من غير أن يكلّمهم على سبيل ما كلم به موسى، وهذا الكلام هو خلاف الوحى الّذي ذكره (2) الله تعالى فى أول الآية لأنه قد أفصح لهم فى هذا الكلام بما أمرهم به ونهاهم عنه.
والوحى الّذي ذكره تعالى فى أول الآية إنّما هو تنبيه وخاطر، وليس فيه إفصاح.
وهذا الّذي ذكره أبو عليّ أيضا سديد، والكلام محتمل لما ذكره.
ويمكن فى الآية وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالحجاب البعد والخفاء، ونفى الظهور. وقد تستعمل العرب لفظة «الحجاب» فيما ذكرناه؛ يقول أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه، واستبطأ فطنته: بينى وبينك حجاب، وتقول للأمر الّذي تستبعده وتستصعب طريقه: بينى وبين هذا الأمر حجب وموانع وسواتر؛ وما جرى مجرى ذلك؛ فيكون
__________
(1) د، حاشية ف (من نسخة): «حجبه».
(2) حاشية الأصل: «ش «ذكر»، بالبناء للمجهول.
(2/206)

معنى الآية: أنّه تعالى لا يكلّم البشر إلّا وحيا؛ بأن يخطر فى قلوبهم، أو بأن ينصب لهم أدلة تدلّهم على ما يريده أو يكرهه منهم؛ فيكون من حيث نصبها للدلالة على ذلك والإرشاد إليه مخاطبا ومكلّما (1) للعباد بما يدلّ عليه. وجعل هذا الخطاب من وراء حجاب من حيث لم يكن مسموعا- كما يسمع الخاطر وقول الرسول- ولا ظاهرا معلوما لكل من أدركه؛ كما أن أقوال الرسل المؤدّين عنه تعالى من الملائكة بهذه الصفة. فصار الحجاب هاهنا كناية عن الخفاء وعبارة عمّا تدلّ عليه الدلالة. وليس لأحد أن يقول: إنّ الّذي تدلّ عليه الأجسام من صفاته تعالى وأحواله ومراده. ولا يقال: إنّه تعالى مكلّم لنا به؛ وذلك أنه غير ممتنع على سبيل التجوّز (2) أن يقال فيما يدلّ عليه الدليل الّذي نصبه الله تعالى ليدل على مراده، ويرشد إليه: إنه مكلّم لنا ومخاطب به؛ / ولا يمتنع المسلمون أن يقولوا: إنه تعالى خاطبنا بما دلّت عليه الأدلة العقلية، وأمرنا بعبادته واجتناب ما كرهه منا، وفعل ما أراده، وهكذا يقولون فيمن فعل فعلا يدل على أمر من الأمور:
قد خاطبنا فلان بما فعل من كذا وكذا، وقال لنا، وأمرنا؛ وزجرنا، وما أشبه ذلك من الألفاظ التى يجرونها على الكلام الحقيقى. وهذا الاستعمال أكثر وأظهر من أن يورد أمثلته ونظائره.
*** قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن مستحسن ما قيل فى الذئب قول أسماء بن خارجة ابن حصن الفزارىّ:
ولقد ألمّ بنا لنقريه … بادى الشّقاء محارف الكسب (3)
يدعو الغنى أن نال علقته … من مطعم غبّا إلى غبّ
__________
(1) د، ف، حاشية الأصل (من نسخة): «أو مكلما».
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «التجويز».
(3) من قصيدة له فى الأصمعيات 9 - 11، مطلعها:
إنّى لسائل كلّ ذى طبّ … ماذا دواء صبابة الصبّ.
(2/207)

وطوى ثميلته وألحقها … بالصّلب بعد لدونة الصّلب
يا ضلّ سعيك ما صنعت بما … جمّعت من شبّ إلى دبّ!
لو كنت ذا لبّ تعيش به … لفعلت فعل المرء ذى اللّبّ
وجمعت صالح ما احترفت وما … جمّمت من نهب إلى نهب
وأظنّه شغبا تدلّ به … فلقد منيت بغاية الشّغب
أو كان غير مناصل نعصى بها … مشحوذة وركائب الرّكب (1)
فاعمد إلى أهل الوقير فما … يخشاك غير مقرمص الزّرب
أحسبتنا ممّن تطيف به … فاخترتنا للأمن والخصب
وبغير معرفة ولا سبب … أنّى، وشعبك ليس من شعبى
لمّا رأى أن ليس نافعه … جدّ تهاون صادق الإرب
وألحّ إلحاحا لحاجته (2) … شكوى الضّرير ومزجر (3) الكلب
بادى التّكلّح يشتكى سغبا … وأنا ابن قاتل شدّة السّغب
/ فرأيت أن قد نلته بأذى … من عذم (4) مثلبة ومن سبّ
ورأيت حقّا أن أضيّفه … إذ أمّ سلمى واتّقى حربى (5)
فوقفت معتاما أزاولها … بمهنّد ذى رونق عضب
فعرضته فى ساق أسمنها … فاجتاز بين الحاذ والكعب
__________
(1) د، ومن نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «إذ كان»؛ ويقال: عصى بالسيف يعصى؛ إذا ضرب، وفى حاشيتى الأصل، ف: «عروض هذا البيت من القطعة سالم، لأنها «متفاعلن»، وأعارض سواه أحذ وضربه أحذ مضمر».
(2) د، ف، حاشية الأصل (من نسخة): «لحاجته».
(3) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «بمزجر الكلب».
(4) العذم: العض؛ ومن نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «من بعد مثلبة»؛ ومن نسخة أخرى:
«من عظم مثلبة».
(5) فى حاشيتى الأصل، ف: «يجوز أن يكون معناه: فرأيت إن عاملته بشيء يؤذينى ويرجع باللوم والسب عليّ، فأعطيته تفاديا من ذلك.
(2/208)

فتركته (1) لعياله جزرا … عمدا وعلّق رحلها صحبى
ذكر ذئبا طرقه ليلا.
وقوله: «محارف الكسب» مثل ضربه، أى لا يبقى له نشب إلا شيء يكتسبه.
وقوله:
* يدعو الغنى أن نال علقته*
أى إن وجد ما يتعلّق به من مطعم.
غبّا: أى بين يومين، فذلك عنده الغنى.
والثّميلة: ما يبقى فى البطن من طعام أو علف، ومعنى طوى ثميلته: ذهب بها، وأراد أنه لم يبق فى بطنه ما يمسكه. واللدونة: اللين، واللدن: اللين، فأراد أنه ألحق بقية طعامه بصلبه بعد أن لان ما صلب منها.
ثم أقبل على الذئب كالعاذل له فقال: ما صنعت بما جمعت من شبّ إلى دبّ! وهذان اسمان للشباب والهرم لا يفردان ولا يلفظ بهما إلا هكذا، والمعنى فيهما: هو منذ كنت شابا حتى أن دببت على العصا، ثم قال: لو كنت ذا لبّ لجمعت ما تصيبه.
ومعنى «احترفت» اكتسبت. ومعنى «من نهب إلى نهب»؛ أى من عدوتك على الغنم إلى العدوة الأخرى.
ثم قال: إن كان تعرّضك لنا شغبا علينا فقد منيت بغاية الشّغب؛ أى هو ينافرك ويقاتلك، وليس هاهنا ما تغير عليه، وإنما معنا «مناصل» أى سيوف مشحوذة، وركائبنا التى نمتطيها؛ فاعمد إلى أهل الوقير، والوقير: القطيع من الغنم، ولا يسمّى ووقيرا إلا إذا كان فيه حمار؛ يقول: فعليك بمواضع الغنم فإنما يخشاك الراعى.
والمقرمص: الّذي يتخذ القرموصة، وأصله المكان الضيّق، وهو هاهنا
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «فتركتها».
(2/209)

حفرة (1) يحتفرها الراعى فى الرمل فى شدة الحر للشاة الكريمة الصفيّة؛ حتى إذا بركت كان ضرعها فى القرموصة.
ومعنى «شعبك ليس من شعبى»، أى لست من جنسى ولا شكلى.
والإرب: الخديعة عند الحاجة
وشكوى الضرير: الّذي قد مسه الضرّ. ومزجر الكلب، أى هو قريب المكان بقدر مزجر الكلب إذا زجرته، أى إذا خسأته.
والسّغب: الجوع؛ وأراد/ بقوله:
* وأنا ابن قاتل شدة السّغب*
أى أنا ابن من كان يقرى ويطعم.
ثم رجع إلى كرمه فقال: ورأيت بعد ما سببته وعضضته بالأذى والعذم أن أضيفه وأقريه لأنه ضيف وإن كان ذئبا، فوقفت أنظر فى ركائبى وأختار أسمنها. والاعتيام: الاختيار؛ وأزاولها: ألابسها (2). والحاذان: حدّا الفخذين اللذين يليان الذنب.
وخبّر أن رحل المطيّة التى عقرها علّقه بعض أصحابه على مطية أخرى.
*** وقال النجاشىّ (3) يذكر ذئبا:
__________
(1) د، وحاشية ف (من نسخة): «حفيرة».
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «ألامسها».
(3) هو قيس بن عمرو بن مالك الحارثى؛ ذكره ابن قتيبة فى الشعراء 288 - 293؛ وفى حاشيتى الأصل، ف: «قال ابن دريد: النجاشىّ: كلمة حبشية يسمون ملوكهم بها؛ كما يسمون كسرى وقيصر.
وقال غيره: النجاشى، بسكون الياء ولا يجوز تشديده قال س: قرأت أنا بخط ابن جنى: النجاشىّ؛ بكسر النون والتشديد وصحح عليه. وفى شعر الفرزدق «والنجاشيا». وانظر الاشتقاق ص 239 والأبيات فى حماسة ابن الشجرى 207، ومعانى ابن قتيبة 207 - 208. وخزانة الادب:
4 - 367.
(2/210)

وماء كلون الغسل قد عاد آجنا … قليل به الأصوات فى بلد محل (1)
وجدت عليه الذّئب يعوى كأنّه … خليع خلا من كلّ مال ومن أهل (2)
فقلت له: يا ذئب هل لك فى فتى … يواسى بلا منّ عليك ولا بخل؟
فقال: هداك الله للرّشد! إنّما … دعوت لما لم يأته سبع قبلى
فلست بآتيه ولا أستطيعه … ولاك اسقنى إن كان ماؤك ذا فضل (3)
فقلت: عليك الحوض إنّى تركته … وفى صغوه فضل القلوص من السّجل (4)
فطرّب يستعوى ذئابا كثيرة … وعدّيت، كلّ من هواه على شغل (5)
*** وروى أن الفرزدق نزل بالغريّين فعراه بأعلى ناره ذئب، فأبصره مقعيا يصيء ومع الفرزدق مسلوخة، فرمى إليه بيد فأكلها، فرمى إليه بما بقى فأكله؛ فلما شبع ولى عنه فقال:
وليلة بتنا بالغريّين ضافنا … على الزّاد موشيّ الذّراعين أطلس (6)
تلمّسنا حتى أتانا ولم يزل … لدن فطمته أمّه يتلمّس
__________
(1) قال البغدادى: «كان النجاشىّ عرض له ذئب فى سفر له، فدعاه إلى طعام وقال له: هل لك ميل فى أخ- يعنى نفسه- يواسيك فى طعامه بغير من ولا بخل؟ فقال له الذئب: قد دعوتنى إلى شيء لم يفعله السباع قبلى من مؤاكلة بنى آدم، وهذا لا يمكننى فعله، ولست بآتيه ولا أستطيعه؛ ولكن إن كان فى مائك الّذي معك فضل عما تحتاج إليه فاسقنى منه. وهذا الكلام وضعه النجاشىّ على لسان ذئب؛ كأنه اعتقد فيه أنه لو كان ممن يعقل أو يتكلم لقال هذا القول. وأشار به إلى تعشقه للفلوات التى لا ماء فيها، فيهتدى الذئب إلى مظانه فيها» والغسل: ما يغسل به من سدر ونحوه، والآجن: الماء المتغير الطعم.
وفى المعانى «كلون البول».
(2) الخليع: الّذي خلعه أهله لجناية وتبرءوا منه.
(3) البيت من شواهد الرضى على أن حذف النون من «لكن» لالتقاء الساكنين ضرورة؛ تشبيها بالتنوين أو بحرف المد واللين من حيث كانت ساكنة. وأورده سيبويه فى باب ضرورة الشعر (الكتاب 1: 9) وقال الأعلم: «حذف النون لالتقاء الساكنين ضرورة لإقامة الوزن؛ وكان وجه الكلام أن يكسر لالتقاء الساكنين، شبهها فى الحذف بحرف المد واللين؛ إذا سكنت وسكن ما بعدها؛ نحو يغزو العدو، ويقضى الحق، ويخشى الله».
(4) الصغو: الجانب المائل؛ وضبطت فى الأصل بالفتح والكسر معا، والسجل: الدلو العظيمة.
(5) التطريب: ترجيع الصوت ومده.
(6) ديوانه: 485، وحماسة ابن الشجرى 208. أطلس: أغبر تعلوه حمرة.
(2/211)

فلو أنّه إذ جاءنا كان دانيا … لألبسته لو أنه يتلبّس (1)
ولكن تنحّى جنبة بعد ما دنا … فكان كقاب القوس أو هو أنفس
فقاسمته نصفين بينى وبينه … بقيّة زاد والرّكائب نعّس (2)
وكان ابن ليلى إذ قرى الذّئب زاده … على طارف الظّلماء لا يتعبّس (3)
***/ ولابن عنقاء الفزارىّ، واسمه قيس بن بجرة- وقيل بجرة بالضم- الأبيات المشهورة فى الذئب:
وأعوج من آل الصّريح كأنّه … بذى الشّثّ سيد آبه الليل جائع (4)
بغى كسبه أطراف ليل كأنّه … وليس به ظلع من الخمص ظالع
فلمّا أتاه (5) الرّزق من كلّ وجهة … جنوب الملا وآيسته المطامع (6)
طوى نفسه طىّ الجرير كأنّه … حوى حيّة فى ربوة، فهو هاجع (7)
فلمّا أصابت متنه الشّمس حكّه … بأعصل، فى أنيابه السّمّ ناقع (8)
__________
(1) ف: «لو أنه كان يلبس»، وهى رواية الديوان وابن الشجرى.
(2) د، ف: «زادى»، وهى رواية الديوان.
(3) د، ف: «طارق الظلماء»؛ وهى رواية الديوان.
(4) الأبيات فى المؤتلف والمختلف: 158، أعوج: فرس والصريح: فحل من خيل العرب؛ وفى حاشيتى الأصل، ف: «ش: آخر الليل»؛ ورواية البيت فى المؤتلف:
ويخطو على صمّ صلاب كأنّه … بذى الشّثّ سيد آخر الليل جائع.
(5) حاشية الأصل (من نسخة): «أباه».
(6) حاشية الأصل: «نسخة ابن الشجرى: «أيأسته».
(7) حاشية الأصل: «حوى حية، أى تحوى حية، وحوى الحية: مقدار استدارتها».
(8) يريد بالأعصل: الناب المعوج.
(2/212)

وفكّك لحييه فلمّا تعاديا … صأى ثمّ أقعى، والبلاد بلاقع (1)
وهمّ بأمر ثمّ أزمع غيره، … وإن ضاق رزق مرّة فهو واسع
وعارض أطراف الصّبا وكأنّه … رجاع غدير هزّه الرّيح رائع (2)
ولآخر فى الذئب:
فقلت: تعلّم أنّنى غير نائم … إلى مستقلّ بالخيانة أنيبا
بعيد المطاف لا يفيد على الغنى … ولا يأتلى ما اسطاع إلّا تكسّبا
معنى «أنيب» غليظ الناب. لا أنام إليه، أى لا أثق به، من ذلك استنمت إلى فلان أى اطمأننت إليه.
ومعنى «لا يفيد على الغنى» أى لا يلتمس مطعما وهو شبعان.
ولحميد بن ثور فى الذئب:
فظلّ يراعى الجيش حتى تغيّبت … حباش، وحالت دونهنّ الأجارع (3)
إذا ما غدا يوما رأيت غيابة (4) … من الطّير ينظرن الّذي هو صانع
خفيف المعا إلّا مصيرا يبلّه … دم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع
هو البعل الدّانى من النّاس كالذى … له صحبة وهو العدوّ المنازع
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقى … بأخرى المنايا، فهو يقظان هاجع
/ وصف ذئبا يتبع الجيش طمعا فى أن يتخلف رجل يثب عليه لأنه من بين السباع لا يرغب
__________
(1) صأى: صاح، وهذا البيت والّذي يليه ينسبان لحميد بن ثور (وانظر ديوانه 105، 106).
(2) رجاع الغدير: ما يتراجع من الماء ويتلفف إذا ضربته الريح. والبيت فى اللسان (رجع).
(3) من قصيدة فى ديوانه 103 - 106، وفى حاشية الأصل (من نسخة): «حناش»، وفى حاشية ف والأصل أيضا: «فى شعره:
* يظلّ يراعى الخنس حيث تيمّمت*
ويعنى الخنس بقر الوحش، الواحد أخنس وخنساء.
(4) الغيابة: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه.
(2/213)

فى القتلى، ولا يكاد يأكل إلا ما فرسه.
وحباش (1): اسم هضبة. وقال بعضهم: وليس بمعروف أن حباش اسم من أسماء الشمس:
وأخبر أن الطير تتبعه لتصيب مما يقتل.
والمصير: المعا. والبعل: الدّهش.
__________
(1) م: «خباش»، بالخاء المعجمة، تحريف.
(2/214)

مجلس آخر 70
تأويل آية [وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ؛ [الأعراف: 143].
وقال: ما تنكرون أن تكون هذه الآية دالة على جواز الرؤية عليه عزّ وجلّ! لأنها لو لم تجز لم يجز أن يسألها موسى عليه السلام؛ كما لا يجوز أن يسأل اتخاذ الصاحبة والولد؛ ولو كانت أيضا الرؤية مستحيلة لم يعلّقها بأمر يصح أن يقع وهو استقرار الجبل. فإذا علمنا صحة استقرار الجبل فى موضعه فيجب أن تكون الرؤية أيضا صحيحة فى حكم ما علّقت به. وقوله تعالى:
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ يقتضي جواز الحجاب عليه تعالى؛ لأن التجلّى والظهور لا يكونان إلا بعد احتجاب واستتار.
الجواب، قلنا: أول ما نقوله إنه ليس فى مسألة الشيء دلالة على صحة وقوعه ولا جوازه؛ لأن السائل يسأل عن الصحيح والمحال، مع العلم وفقد العلم؛ لأغراض مختلفة؛ فلا دلالة فى ظاهر مسألة الرؤية على جوازها.
ولأصحابنا عن هذه المسألة أجوبة:
أوّلها وهو الأولى والأقوى- أن يكون موسى عليه السلام لم يسأل الرؤية لنفسه؛ وإنما سألها لقومه، فقد روى أنهم طلبوا ذلك منه والتمسوه، فأجابهم بأنها لا تجوز عليه تبارك وتعالى؛ فلم يقنعوا بجوابه، وآثروا أن يرد الجواب من قبل ربه تعالى، فوعدهم ذلك، وغلب فى ظنه أن الجواب إذ ورد من جهته جلّ وعزّ كان أحسم للشبهة؛ وأبلغ فى دفعها عنهم، فاختار السبعين الذين حضروا الميقات؛ / ليكون سؤاله
(2/215)

بمحضر منهم، فيعرفوا ما يرد من الجواب، فسأل وأجيب بما يدلّ على أن الرؤية لا تجوز عليه تعالى.
ويقوّى هذا الجواب أشياء، منها قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً؛ [النساء: 153].
ومنها قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ؛ [البقرة: 55].
ومنها قوله تعالى: فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا؛ [الأعراف: 155] لأن إضافة ذلك إلى السفهاء تدلّ على أنه كان بسببهم ومن أجلهم؛ وإنما سألوا ما لا يجوز عليه.
ومنها ذكر الجهرة فى الرؤية، وهى لا تليق إلا برؤية البصر دون العلم؛ وهذا يقوّى أن الطلب لم يكن للعلم الضرورىّ، على ما سنذكره فى الجواب الثانى.
ومنها قوله: أَنْظُرْ إِلَيْكَ لأنا إذا حملنا الآية على طلب الرؤية لقومه أمكن أن يحمل قوله: أَنْظُرْ إِلَيْكَ على حقيقته؛ فإذا حملت الآية على طلب العلم الضرورىّ احتيج إلى حذف فى الكلام، ويصير تقديره: أرنى أنظر إلى الآيات التى عندها أعرفك ضرورة.
ويمكن فى هذا الوجه الأخير خاصة أن يقال: إذا كان المذهب الصحيح عندكم هو أنّ النظر فى الحقيقة غير الرؤية، فكيف يكون قوله: أَنْظُرْ إِلَيْكَ حقيقة فى جواب من حمل الآية على طلب الرؤية لقومه؟
فإن قلتم: لا يمتنع أن يكونوا التمسوا الرؤية التى معها يكون النظر والتحديق إلى الجهة، فسأل على حسب ما التمسوا.
قيل لكم: هذا ينقض فرقكم فى هذا الجواب بين سؤال الرؤية، وبين سؤال جميع
(2/216)

ما يستحيل عليه من الصاحبة والولد؛ وما يقتضي الجسمية بأن تقولوا: الشك فى الرؤية لا يمنع من صحة معرفة السمع، والشك فى جميع ما ذكر يمنع من ذلك؛ لأن الشكّ الّذي لا يمنع من معرفة السمع إنما هو فى الرؤية التى لا يكون معها نظر، ولا تقتضى التشبيه.
فإن قلتم: يحمل/ ذكر النّظر على أن المراد به نفس الرؤية على سبيل المجاز؛ لأنّ من عادة العرب أن يسمّوا الشيء باسم الطريق إليه، وما قاربه وداناه.
قلنا: فكأنّكم عدلتم من مجاز إلى مجاز؛ فلا قوة فى هذا الوجه؛ والوجوه التى ذكرناها فى تقوية هذا الجواب المتقدمة أولى.
وليس لأحد أن يقول: لو كان عليه السلام إنما سأله الرؤية لقومه لم يضف السؤال إلى نفسه فيقول: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ولا كان الجواب مختصا به؛ وهو قوله تعالى: لَنْ تَرانِي، وذلك لأنه غير ممتنع وقوع الإضافة على هذا الوجه؛ مع أن المسألة كانت من أجل الغير؛ إذا كانت هناك دلالة تؤمن من اللبس وتزيل الشبهة.
فلهذا يقول أحدنا إذا شفع فى حاجة غيره للمشفوع له: أسألك أن تفعل بى كذا، وتجيبنى إلى كذا. ويحسن أن يقول المشفوع إليه: قد أجبتك وشفّعتك (1)، وما جرى مجرى ذلك؛ وإنما حسن هذا لأن للسائل فى المسألة غرضا (2)، وإن رجعت إلى الغير فتحقّقه بها وتكلّفه كتكلّفه إذا اختصه ولم يتعدّه.
فإن قيل؛ كيف يجوز منه عليه السلام مع علمه باستحالة الرؤية عليه تعالى أن يسأل فيها لقومه! ولئن جاز ذلك ليجوزنّ أن يسأل لقومه سائر ما يستحيل عليه من كونه جسما، وما أشبهه متى شكّوا فيه.
قلنا: إنما صحّ ما ذكرناه فى الرؤية ولم يصحّ فيما سألت عنه؛ لأن مع الشك فى جواز الرؤية التى لا تقتضى كونه جسما يمكن معرفة السمع، وأنه حكيم صادق فى أخباره، فيصح
__________
(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «أسعفتك».
(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «أغراضا».
(2/217)

أن يعرفوا بالجواب الوارد من جهته تعالى استحالة ما شكّوا فى صحته وجوازه؛ ومع الشك فى كونه جسما لا يصحّ معرفة السمع، فلا يقع بجوابه انتفاع ولا علم.
وقد قال بعض من تكلم فى هذه الآية: قد كان جائزا أن يسأل موسى عليه السلام لقومه ما يعلم استحالته؛ وإن كانت دلالة السمع لا تثبت قبل معرفته؛ متى كان المعلوم أن فى ذلك صلاحا للمكلّفين فى الدين، وإنّ ورود الجواب يكون لطفا لهم فى النظر فى الأدلة، وإصابة الحق منها؛ غير/ أن من أجاب بذلك شرط أن يتبين النبي عليه السلام فى مسألته علمه باستحالة ما سأل عنه، وأن غرضه فى السؤال ورود الجواب ليكون لطفا.
والجواب الثانى فى الآية أن يكون موسى عليه السلام إنما سأل ربّه أن يعلمه نفسه ضرورة بإظهار بعض أعلام الآخرة، التى تضطرّ إلى المعرفة، فتزول عنه الدواعى والشكوك والشبهات، ويستغنى عن الاستدلال، فتخفّ المحنة عليه بذلك؛ كما سأل إبراهيم عليه السلام ربه تعالى أن يريه كيف يحيى الموتى طلبا لتخفيف المحنة، وإن
كان قد عرف ذلك قبل أن يراه؛ والسؤال إن وقع بلفظ الرؤية فإن الرؤية تفيد العلم كما تفيد الإدراك بالبصر، وذلك أظهر من أن يستدل عليه أو يستشهد عليه؛ فقال له جل وعز: لَنْ تَرانِي أى لن تعلمنى على هذا الوجه الّذي التمسته منى، ثم أكّد ذلك بأن أظهر فى الجبل من آياته وعجائبه ما دلّ به على أنّ إظهار ما تقع به المعرفة الضرورية فى الدنيا مع التكليف وبيانه لا يجوز، وأن الحكمة تمنع منه.
والوجه الأول أولى لما ذكرناه من الوجوه؛ ولأنه لا يخلو موسى عليه السلام من أن يكون شاكّا فى أنّ المعرفة الضرورية لا يصح دخولها (1) فى الدنيا أو عالما بذلك. فإن كان شاكا فهذا مما لا يجوز على النبي عليه السلام؛ لأن الشكّ فيما يرجع إلى أصول الديانات وقواعد التكليف لا يجوز عليهم، ولا سيما أن يعلم الله ذلك على حقيقتهم بعض أمتهم، فيزيد عليهم فى المعرفة؛ وهذا أبلغ فى التنفير عنهم من كل شيء يمنع (2) منه فيهم. وإن كان عالما فلا وجه لسؤاله إلا أن
__________
(1) ف: «حصولها».
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «يمتنع منه».
(2/218)

يقال: إنه سال لقومه، فيعود إلى معنى الجواب الأول.
والجواب الثالث فى الآية ما حكى عن بعض من تكلم فى هذه الآية من أهل التوحيد وهو أن قال: يجوز أن يكون موسى عليه السلام/ فى وقت مسألته ذلك كان شاكا فى جواز الرؤية على الله تعالى؛ فسأل عن ذلك ليعلم هل يجوز عليه أم لا. قال: وليس شكّه فى ذلك بمانع من أن يعرف الله تعالى بصفاته، بل يجرى مجرى شكّه فى جواز الرؤية على بعض ما لا يرى من الأعراض فى أنه غير مخلّ بما يحتاج إليه فى معرفته تعالى؛ فلا يمتنع أن يكون غلطه فى ذلك ذنبا صغيرا أو تكون التوبة الواقعة منه لأجل ذلك.
وهذا الجواب يبعد من قبل أن الشك فى جواز الرؤية التى لا تقتضى تشبيها، وإن كان لا يمنع من معرفته تعالى بصفاته فإن الشكّ فى ذلك لا يجوز على الأنبياء من حيث يجوز من بعض من بعثوا إليه أن يعرف ذلك على حقيقته، فيكون النبىّ شاكا فيه وغيره عارفا به؛ مع رجوعه إلى المعرفة بالله تعالى، وما يجوز علينا فلا يجوز عليهم، وهذا أقوى فى التنفير وأزيد على كل ما يوجب أن يجنّبه الأنبياء.
فإن قيل: ففى (1) أىّ شيء كانت توبة موسى عليه السلام على الجوابين المتقدمين؟ .
قلنا: اما من ذهب إلى أن المسألة كانت لقومه فإنه يقول: إنما تاب لأنه أقدم على أن سأل على لسان قومه ما لم
يؤذن له فيه؛ وليس للأنبياء ذلك؛ لأنه لا يؤمن أن يكون الصلاح فى المنع منه، فيكون ترك إجابتهم إليه منفّرا عنهم.
ومن ذهب إلى أنه سأل المعرفة الضرورية يقول: إنه تاب من حيث سأل معرفة لا يقتضيها التكليف. وعلى جميع الأحوال تكون التوبة من ذنب صغير لا يستحق عليه العقاب ولا الذم.
والأولى أن يقال فى توبته عليه السلام: إنه ليس فى الآية ما يقتضي أن تكون التوبة وقعت من المسألة أو من أمر يرجع إليها؛ وقد يجوز أن يكون سأل ذلك؛ إما لذنب صغير تقدم
__________
(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فعن».
(2/219)

تلك الحال، أو تقدم النبوة فلا ترجع إلى المسألة. وقد يجوز أن يكون ما أظهره من التوبة على سبيل الرجوع إلى الله تعالى؛ وإظهار الانقطاع إليه، والتقرب منه، وإن لم يكن هناك ذنب معروف.
وقد يجوز أن يكون الغرض فى ذلك مضافا إلى ما قلناه تعليما وتوفيقا على ما نستعمله وندعو به عند الشدائد ونزول الأهوال، وتنبيه القوم المخطئين خاصة على التوبة مما التمسوه من الرؤية/ المستحيلة عليه تعالى؛ فإن الأنبياء، وإن لم يقع منهم القبيح عندنا فقد يقع من غيرهم؛ ويحتاج من وقع ذلك منه إلى التوبة والاستقالة.
فأما قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فإن التجلّى هاهنا التعريف والإعلام والإظهار لما تقتضى المعرفة، كقولهم: هذا كلام جلىّ أى واضح، وكقول الشاعر:
تجلّى لنا بالمشرفيّة والقنا … وقد كان عن وقع الأسنّة نائيا
أراد أن تدبيره دل عليه حتى علم أنه المدبّر له وإن كان نائيا عن وقع الأسنة، فأقام ما ظهر من دلالة فعله مقام مشاهدته، وعبر عنه بأنه تجلّى منه.
وفى قوله: لِلْجَبَلِ وجهان:
أحدهما أن يكون لأهل الجبل، ومن كان عند الجبل، فحذف؛ كما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82]؛ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ؛ [الدخان: 29]؛
وقد علمنا أنه بما أظهره من الآيات إنما دلّ من كان عند الجبل على أن رؤيته تعالى غير جائزة.
والوجه الآخر أن يكون معنى لِلْجَبَلِ أى بالجبل، فأقام اللام مقام الباء؛ كما قال تعالى:
آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ؛ [الأعراف: 123]؛ أى به؛ وكما يقولون: أخذتك لجرمك وبجرمك.
(2/220)

ولما كانت الآية الدالة على منع ما سئل فيه إنما حلّت الجبل وظهرت فيه جاز أن يضاف التجلى إليه.
وقد استدل بهذه الآية كثير من العلماء الموحّدين على أنه تعالى لا يرى بالأبصار من حيث نفى الرؤية نفيا عاما بقوله تعالى: لَنْ تَرانِي؛ ثم أكّد ذلك بأن علّق الرؤية باستقرار الجبل الّذي علمنا أنه لم يستقرّ. وهذه طريقة للعرب فى تبعيد الشيء؛ لأنهم يعلّقونه بما يعلم أنه لا يكون؛ كقولهم: لا كلمتك ما أضاء الفجر، وطلعت الشمس؛ وكقول الشاعر:
إذا شاب الغراب رجوت أهلى … وصار القار كاللبن الحليب
ومما يجرى هذا المجرى قوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ؛ [الاعراف: 40].
وليس لأحد أن يقول: إذا علّق الرؤية باستقرار الجبل؛ وكان ذلك فى مقدوره، فيجب أن تكون الرؤية معلقة به أيضا فى مقدوره؛ بأنه لو كان الغرض بذلك التبعيد لعلّقه بأمر يستحيل، كما علّق/ دخولهم الجنة بأمر مستحيل؛ من ولوج الجمل فى سمّ الخياط؛ وذلك أن تشبيه الشيء بغيره لا يجب أن يكون من جميع الوجوه؛ ولمّا علّق وقوع الرؤية باستقرار الجبل- وقد علم أنه لا يستقرّ- علم نفى الرؤية. وما عدا ذلك من كون الرؤية مستحيلة وغير مقدورة، واستقرار الجبل بخلافها يخرج عن ما هو الغرض فى التشبيه على أنه إنما علّق تعالى جواز الرؤية باستقرار الجبل فى تلك الحال التى جعله فيها دكّا، وذلك محال لما فيه من اجتماع الضّدين، فجرى مجرى جواز الرؤية فى الاستحالة. وليس يجب فى كل ما علّق بغيره أن يجرى مجراه فى سائر وجوهه؛ حتى إذا كان أحدهما مع انتفائه مستحيلا كان الآخر بمثابته؛ لأن تعلّق دخول الكفار الجنة إنما علّق بولوج الجمل فى سمّ الخياط؛ وولوج الجمل فى سمّ الخياط مستحيل، بل معلوم أن الأول فى المقدور وإن كان لا يحسن والثانى ليس فى المقدور. وهذه الجملة كافية فى تأويل هذه الآية، وبيان ما فيها، والحمد لله.
***
(2/221)

قال سيدنا أدام الله تمكينه: وإنى لأستجيد قول أبى العيص بن حرام بن عبد الله بن قتادة بن جابر بن ربيعة بن كابية (1) المازنىّ رضى الله عنه.
وكم من صاحب قد بان عنّى … رميت بفقده وهو الحبيب (2)
فلم أبد الّذي تحنو ضلوعى … عليه، وإنّنى لأنا الكئيب
مخافة أن يرانى مستكينا … عدوّ أو يساء به قريب
فيشمت كاشح ويظنّ أنّى … جزوع عند نائبة تنوب
فبعدك شدّت الأعداء طرفا … إلى ورابنى دهر مريب
معنى، شدّت الأعداء طرفا، أى نظرت إلى نظرا شديدا (3) فظهر الغضب فى عيونها-
وأنكرت الزّمان وكلّ أهلى … وهرّتنى لغيبتك الكليب
يقال: كلب وكليب مثل عبد وعبيد-
وكنت تقطّع الأبصار دونى … وان وغرت من الغيظ القلوب
ويمنعنى من الأعداء أنّى … وإن رغموا لمخشىّ مهيب
/ فلم أر مثل يومك كان يوما … بدت فيه النّجوم فما تغيب
وليل ما أنام به طويل … كأنّى للنّجوم به رقيب
وما يك جائيا لا بدّ منه … إليك فسوف تجلبه الجلوب
__________
(1) ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «حارثة».
(2) الأبيات فى لباب الآداب 407، 408 مع اختلاف فى الرواية وعدد الأبيات.
(3) ف: «شزرا».
(2/222)

مجلس آخر 71
تأويل آية [وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ؛ [البقرة: 72، 73].
فقال: كيف ذكر تعالى هذا بعد ذكره (1) البقرة والأمر بذبحها؟ وقد كان ينبغى أن يتقدّمه، لأنه إنما أمر بذبح البقرة لينكشف أمر القاتل، فكيف أخّر ذكر السبب عن المسبب، وبنى الكلام بناء يقتضي أنه كان بعده؟
ولم قال: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً، والرواية وردت بأن القاتل كان واحدا؟ وكيف يجوز أن يخاطب الجماعة بالقتل والقاتل بينها واحد! وإلى أىّ شيء وقعت الإشارة بقوله تعالى:
كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى؟ .
الجواب، قيل له: أما قوله تعالى؛ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً ففيه وجهان:
أولهما أن تكون هذه الآية- وإن أخّرت- فهى مقدّمة فى المعنى على الآية التى ذكرت فيها البقرة؛ ويكون التأويل: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها فسألتم موسى فقال: إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، فأخر المقدم وقدم المؤخر؛ ومثل هذا فى القرآن وكلام العرب كثير.
ومثله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً [الكهف: 1، 2].
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «بعد ذكر البقرة».
(2/223)

وقال الشاعر:
إنّ الفرزدق صخرة ملمومة … طالت- فليس تنالها- الأوعالا (1)
أراد: طالت الأوعال فليس تنالها.
ومثله:
طاف الخيال وأين منك لماما! … فارجع لزورك بالسّلام سلاما
أراد: طاف الخيال لماما وأين هو منك!
والوجه الثانى أن يكون وجه تأخير قوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً أنه علّق بما هو متأخر فى الحقيقة، وواقع بعد ذبح البقرة، وهو قوله تعالى: / فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى؛ لأن الأمر بضرب المقتول ببعض البقرة إنما هو بعد الذبح؛ فكأنه تعالى قال: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ولأنكم قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها أمرناكم أن تضربوه ببعضها، لينكشف أمره. فأما إخراج الخطاب مخرج ما يتوجّه إلى الجميع مع أن القاتل واحد فعلى عادة العرب فى خطاب الأبناء بخطاب الآباء والأجداد، وخطاب العشيرة بما يكون من أحدها؛ فيقول أحدهم: فعلت بنو تميم كذا، وقتل بنو فلان فلانا؛ وإن كان القاتل والفاعل واحدا من بين الجماعة؛ ومنه قراءة من قرأ: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة: 111]؛ بتقديم المفعولين على الفاعلين؛ وهو اختيار الكسائى وأبى العباس ثعلب؛ فيقتل بعضهم ويقتلون؛ وهو أبلغ فى وصفهم، وأمدح لهم، لأنهم إذا قاتلوا وقتلوا بعد أن قتل بعضهم كان ذلك أدلّ على شجاعتهم وقلة جزعهم وحسن صبرهم.
وقد قيل: إنه كان القاتلان اثنين، قتلا ابن عم لهما، وإن الخطاب جرى عليهما بلفظ الجمع؛ كما قال تعالى: وَكُنَّا
لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ
[الأنبياء: 79]؛ يريد داود وسليمان
__________
(1) البيت فى شرح شواهد سيبويه للأعلم (2: 356).
(2/224)

عليهما السلام؛ والوجه الأول أولى وأقوى بشهادة الاستعمال الظاهر له، ولأن أكثر أهل العلم أجمعوا على أن القاتل كان واحدا.
ومعنى فَادَّارَأْتُمْ فتدارأتم؛ أى تدافعتم، وألقى بعضكم القتل على بعض؛ يقال: دارأت فلانا إذا دافعته وداريته، إذا لاينته، ودريته إذا ختلته؛ ويقال: ادّرأ القوم إذا تدافعوا.
والهاء فى قوله: فَادَّارَأْتُمْ فِيها تعود إلى النفس، وقيل: إنها تعود على القتلة، أى اختلفتم فى القتلة؛ لأن قَتَلْتُمْ تدل على المصدر؛ والقتلة من المصادر، تدل عليها الأفعال، ورجوع الهاء إلى النفس أولى وأشبه بالظاهر.
فأما قوله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى فالإشارة وقعت به إلى قيام المقتول عند ضربه ببعض أعضاء البقرة؛ لأنه روى أنه قام حيا وأوداجه تشخب دما، فقال: قتلنى فلان!
ونبّه الله تعالى بهذا الكلام وبذكر هذه القصة على جواز ما أنكره مشركو قريش واستبعدوه من البعث وقيام الأموات؛ لأنهم قالوا: أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً؛ [الإسراء: 49]؛ فأخبرهم الله تعالى بأنّ الّذي/ أنكروه واستبعدوه هيّن عليه، غير متعذر فى اتساع قدرته.
وكان مما ضرب تعالى لهم من الأمثال، ونبّههم عليه من الأدلة ذكر المقتول الّذي ضرب ببعض البقرة فقام حيا. وأراد تعالى: أننى إذا كنت قد أحييت هذا المقتول بعد خروجه عن الحياة، ويئس قومه من عوده وانطواء خبر كيفية قتله عنهم، ورددته حيا مخاطبا باسم قاتله؛ فكذلك فاعلموا أن إحياء جميع الأموات عند البعث لا يعجزنى ولا يتعذر عليّ. وهذا بين لمن تأمله.
*** قال سيدنا أدام الله علوّه: ومن الشعر المشهور بالجودة فى ذم الدنيا والتذكير بمصائبها قول
(2/225)

نهشل بن (1) حرّىّ يرثى أخاه مالكا:
ذكرت أخى المخوّل بعد يأس (2) … فهاج عليّ ذكراه اشتياقى
فلا أنسى أخى ما دمت حيّا … وإخوانى بأقرنة العناق (3)
يجرّون الفصال إلى النّدامى … بروض الحزن من كنفى أفاق (4)
ويغلون السّباء إذا أتوه … بضمر الخيل والشّول الحقاق (5)
إذا اتّصلوا وقالوا: يا لغوث! … وراحوا فى المحبّرة الرّقاق (6)
أجابك كلّ أروع شمّرىّ … رخىّ البال منطلق الخناق (7)
أناس صالحون نشأت فيهم … فأودوا بعد إلف واتساق
مضوا لسبيلهم ولبثت عنهم … ولكن لا محالة من لحاق (8)
كذى الإلف الّذي أدلجن عنه … فحنّ ولا يتوق إلى متاق (9)
__________
(1) هو نهشل بن حرىّ بن ضمرة بن ضمرة، شاعر شريف مشهور مخضرم، بقى إلى أيام معاوية، وكان مع على فى حروبه، وقتل أخوه مالك بصفين؛ وهو يومئذ رئيس بنى حنظلة، وكانت رايتهم معه؛ ورثاه نهشل بمراث كثيرة. (وانظر الشعر والشعراء 619 - 621).
(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: رواية أبى محمد الأسود: بعد هدء».
(3) ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «العناق، بفتح العين وكسرها: موضع».
(4) «أفاق: موضع فى بلاد يربوع.
(5) فى حاشيتى الأصل، ف: «السباء فى الأصل: شراء الخمر، وأراد هاهنا نفس الخمر؛ وعلى هذا قول لبيد:
* أغلى السّباء بكلّ ادكن عاتق*
والشول: جمع شائلة؛ وهى الناقة التى خف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها سبعة أشهر من يوم نتاجها، والحقاق: الضوامر، يعنى أنهم يبيعون الخيل والإبل ويشترون بها الخمر.
(6) المحبرة: الثياب المنقشة.
(7) الأروع: الّذي يعجبك حسنه وجماله، والشمرىّ: الماضى فى الأمور؛ وفى حاشية الأصل (من نسخة): «دارمىّ».
(8) حاشية الأصل: «نسخة س:
«لا محالة فى لحاق»، ورواية الأسود «فى لحاقى».
(9) فى حاشيتى الأصل، ف من نسخة:
«كذا الإلف».
(2/226)

أرى الدّنيا ونحن نعيث فيها … مولّية تهيّأ لانطلاق
أعاذل قد بقيت بقاء قيس … وما حىّ على الدّنيا بباق
[هبطت السّيلحين وذات عرق … وأوردت المطىّ على حذاق] (1)
كأنّ الشّيب والأحداث تجرى … إلى نفس الفتى فرسا سباق
فإما الشّيب يدركه وإما … يلاقى حتفه فيما يلاقى
/ فإن تك لمّتى بالشّيب أمست … شميط اللّون واضحة المشاق (2)
فقد أغدو بداجية أرانى … بها المتطلّعات من الرّواق (3)
الداجية: اللمّة السوداء. وأرانى: «أفاعل»، من المراناة-
إلى كأنّهنّ ظباء قفر (4) … برهبى، أو بباعجتى فتاق (5)
يرامضن (6) الحبال لغير وصل … وليس حبال وصلى بالرّماق
وعهد الغانيات كعهد قين … ونت عنه الجعائل مستذاق
القين: الحداد، والجعائل: جمع جعالة وهى أجرته، وأراد أن القين إذ عدم الجعالة رحل ولم يستقرّ فى مكان-
كجلب السّوء يعجب من رآه … ولا يشفى الحوائم من لماق
الجلب: الغيم الّذي لا مطر فيه، والحوائم: العطاش، ولماق: شيء قليل-
فلا يبعد مضائى فى الموامى … وإشرافى العلاية وانصفاقى (7)
__________
(1) ورد هذا البيت فى ف وحاشية الأصل، من رواية الأسود. والسيلحين، وذات عرق، وحذاق: مواضع.
(2) حاشية الأصل: «شبه الشعر بالمشاقة؛ وهى الكتان غير المغزول».
(3) الرواق: الخيمة.
(4) حاشية الأصل (من نسخة): «نفر».
(5) رهبى: موضع. والباعجان: مثنى باعجة؛ وهى متسع الوادى. وفتق: موضع أيضا.
(6) فى حاشيتى الأصل، ف: نسخة س: «يوامضن»، ونسخة الأسود «يوامقن».
(7) العلاية: ما علا من الأرض. والانصفاق: الانصراف.
(2/227)

وغبراء القتام جلوت عنّى (1) … بعجلى الطّرف سالمة المآقى
وقد طوّفت فى الآفاق حتى … سئمت النّصّ بالقلص العتاق (2)
وكم قاسيت من سنة جماد … تعضّ اللّحم ما دون العراق (3)
إذا أفنيتها بدّلت أخرى … أعدّ شهورها عدّ الأواقى
وأفنتني الشّهور وليس تفنى … وتعداد الأهلّة والمحاق
وما سبق الحوادث ليث غاب … يجرّ لعرسه جزر الرّفاق
[كميت تعجز الحلفاء عنه … كبغل المرج حطّ من الزّناق] (4)
[تنازعه الفريسة أم شبل … عبوس الوجه فاحشة العناق]
ولا بطل تفادى الخيل منه … فرار الطّير من برد بعاق (5)
[كريم من خزيمة أو تميم … أغرّ على مساعفة مزاق] (6)
[فذلك لن تخاطأه المنايا … فكيف يقيه طول الدهر واق]
*** وأحسن حارثة بن بدر الغدانىّ فى قوله:
يا كعب ما راح من قوم ولا ابتكروا … إلّا وللموت فى آثارهم حادى
/ يا كعب ما طلعت شمس ولا غربت … إلّا تقرّب آجالا لميعاد
ولأبى العتاهية فى هذا المعنى:
إذا انقطعت عنى من العيش مدّتى … فإنّ بكاء الباكيات قليل (7)
__________
(1) حاشية الأصل: نسخة الأسود «نفضت».
(2) النص: أرفع السير.
(3) العراق: العظام التى يقشر عنها معظم اللحم وتبقى عليه بقية.
(4) فى حاشيتى الأصل، ف: والزنقة: المضيق فى الجبل، وجمعه زناق».
(5) البعاق: المندفع.
(6) تكملة من رواية الأسود فى حاشيتى الأصل، ف. والمساعفة: المساعدة، والمزاق: المسرعة التى تمزق الهواء.
(7) هذه الأبيات فى حماسة ابن الشجرى 142، مع اختلاف فى الترتيب وعدد الأبيات.
(2/228)

سيعرض عن ذكرى وتنسى مودّتى … ويحدث بعدى للخليل خليل
أجلّك قوم حين صرت إلى الغنى … وكلّ غنىّ فى العيون جليل
وليس الغنى إلا غنى زيّن الفتى … عشيّة يقرى أو غداة ينيل
ولم يفتقر يوما وإن كان معدما … جواد ولم يستغن قطّ بخيل
إذا مالت الدّنيا إلى المرء رغّبت … إليه، ومال النّاس حيث يميل
أرى علل الدّنيا عليّ كثيرة … وصاحبها حتى الممات عليل
وإنّى وإن أصبحت بالموت موقنا … فلى أمل دون اليقين طويل (1)
وقد أحسن البحترىّ فى قوله فى هذا المعنى:
أخىّ متى خاصمت نفسك فاحتشد … لها، ومتى حدّثت نفسك فاصدق
أرى علل الأشياء شتّى ولا أرى الت … جمّع إلّا غاية للتّفرّق (2)
أرى العيش ظلّا توشك الشّمس نقله … فكس فى ابتغاء العيش كيسك أومق (3)
أرى الدّهر غولا للنّفوس وإنما … يقى الله فى بعض المواطن من يقى
فلا تتبع الماضى سؤالك لم مضى … وعرّج على الباقى فسائله لم بقى
ولم أر كالدّنيا خليلة صاحب … محبّ متى تحسن بعينيه تعنق (4)
تراها عيانا وهى صنعة واحد … فتحسبها صنعى لطيف وأخرق
وقد قيل إن السبب فى خروج البحترىّ عن بغداد فى آخر أيامه كان هذه الأبيات؛ لأن بعض أعدائه شنّع عليه بأنه ثنوىّ من حيث قال:
* فتحسبها صنعى لطيف وأخرق*
وكانت العامة حينئذ غالبة على البلد، فخاف على نفسه فقال لابنه أبى الغوث: قم يا بنيّ حتى نطفئ عنا هذه الثائرة بخرجة نلمّ فيها ببلدنا؛ فخرج ولم يعد.
__________
(1) لم أعثر على هذه الأبيات فى ديوانه؛ وهى فى مجموعة المعانى 5، 6 مع اختلاف فى الرواية.
(2) ف، وحاشية الأصل (من نسخة)، مجموعة المعانى: «علة للتفرق».
(3) مق، أى تحامق.
(4) مجموعة المعانى، د، ونسخة بحاشيتى الأصل، ف: «تطلق».
(2/229)

وأحسن أيضا غاية الإحسان فى قوله:
أغشى الخطوب فإمّا جئن مأربتى … فيما أسيّر أو أحكمن تأديبى (1)
إن تلتمس أخلاف الخطوب (2) وإن … تلبث مع الدّهر تسمع بالأعاجيب
وفى قوله:
متى تستزد فضلا من العمر تغترف … بسجليك من شهد الخطوب وصابها (3)
تشذّبنا (4) الدّنيا بأخفض سعيها … وغول الأفاعى بلّة من لعابها
يسرّ بعمران الدّيار مضلّل … وعمرانها مستأنف من خرابها
ولم أرتض الدّنيا أوان مجيئها … فكيف ارتضائيها أوان ذهابها!
أفول لمكذوب عن الدّهر زاغ عن … تخيّر آراء الحجى وانتخابها
سيرديك أو يثويك أنّك محلس … إلى شقّة يبكيك بعد مآبها (5)
وهل أنت فى مرموسة طال أخذها … من الأرض إلا حفنة من ترابها (6)
وجدت الآمدىّ يروى فى هذا البيت «أنك محبس» بالباء؛ وتفسير ذلك أنّ المعنى أنك موقوف إلى أن تصير إلى هذا؛ من قولك: أحبست فرسا فى سبيل الله، وأحبست دارا؛ أى أى وقفتها. والرواية المشهورة: «أنك مجلس» باللام؛ والمعنى أنك متهيئ للرحيل ومتخذ حلسا.
والحلس: هو الكساء الّذي يوضع تحت الرحل؛ وهذا أشبه بالمعنى الّذي قصده البحترىّ؛ وأولى بأن يختاره؛ مع دقة طبعه وسلامة ألفاظه.
__________
(1) ديوانه 1: 69.
(2) فى الديوان: «الأمور».
(3) ديوانه: 1: 47، وفى حاشية الأصل (من نسخة): «شهد الأمور».
(4) حاشية الأصل (من نسخة): «تسيرنا».
(5) محلس: مقيم. والشقة: الطريقة.
(6) حاشية الأصل (من نسخة): «حثوة».
(2/230)

مجلس آخر 72
تأويل آية [هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ، فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ/ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ
عَمَّا يُشْرِكُونَ
]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ، فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ/ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ؛ [الأعراف: 189، 190].
فقال: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي جواز الشرك على الأنبياء؛ لأنه لم يتقدم إلا ذكر آدم وحواء عليهما السلام؛ فيجب أن يكون قوله: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما يرجع إليهما.
الجواب، قلنا: كما أنّ ذكر آدم وحواء قد تقدّم، فقد تقدم ذكر غيرهما فى قوله تعالى:
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ، ومعلوم أنّ المراد بذلك جميع ولد آدم، وقد تقدم ذكر ولد آدم فى قوله: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً؛ والمعنى: فلما آتاهما ولدا صالحا، والمراد بهذا الجنس دون الواحد؛ وإن كان اللفظ لفظ واحد؛ والمعنى: فلما آتاهما جنسا من الأولاد صالحين؛ وإذا كان الأمر على ما ذكرناه جاز أن يرجع قوله: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ إلى ولدهما؛ وقد تقدم ذكرهما.
فإن قيل: إنما وجب رده إلى آدم وحواء لأجل التثنية فى الكلام؛ ولم يتقدم ذكر اثنين إلا ذكرهما.
قلنا: إن جعل هذا ترجيحا فى رجوعه إليهما جاز أيضا أن يجعل قوله فى آخر الآية:
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ وجها مقربا لرجوع الكلام إلى جملة الأولاد. ويجوز أن يكون أشير فى التثنية إلى الذكور والإناث من ولد آدم أو إلى جنسين منهم؛ فحسنت التثنية لذلك
(2/231)

على أنه إذا تقدم فى الكلام أمران ثم تلاهما حكم من الأحكام، وعلم بالدليل استحالة تعلّقه بأحد الأمرين وجب ردّه إلى الآخر.
وإذا علمنا أن آدم عليه السلام لا يجوز عليه الشرك لم يجز عود الكلام إليه، فوجب عوده إلى المذكورين من ولده.
وذكر أبو على الجبائىّ ما نحن نورده على وجهه، قال: إنما عنى [الله تعالى بهذا أنه تعالى خلق بنى آدم] (1) من نفس واحدة؛ لأن الإضمار فى قوله تعالى: خَلَقَكُمْ إنما عنى به بنى آدم، والنفس الواحدة التى خلقهم منها هى آدم؛ لأنه خلق حواء من آدم؛ ويقال: إنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاعه (2)؛ فرجعوا جميعا إلى أنهم خلقوا من آدم؛ وبيّن ذلك بقوله: وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها؛ لأنه عنى به أنّه خلق من هذا النفس زوجها، وزوجها هو حواء.
وعنى بقوله: فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً، وحملها (3) هو حبلها منه فى/ ابتداء الحمل؛ لأنه فى ذلك الوقت خفيف
عليها.
وعنى بقوله: فَمَرَّتْ بِهِ أنّ مرورها بهذا الحمل، وتصرّفها به كان عليها سهلا لخفّته؛ فلما كبر الولد فى بطنها ثقل ذلك عليها، فهو معنى قوله: أَثْقَلَتْ؛ وثقل عليها عند ذلك المشى والحركة.
وعنى بقوله: دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما أنهما دعوا عند كبر الولد فى بطنها فقالا: لئن آتيتنا يا ربّ نسلا صالحا لنكوننّ من الشاكرين لنعمتك علينا؛ لأنهما أراد أن يكون لهما أولاد تؤنسهما فى الموضع الّذي كانا فيه؛ لأنهما كانا فردين مستوحشين؛ فكان إذا غاب أحدهما عن الآخر بقى الآخر مستوحشا بلا مؤنس؛ فلما آتاهما نسلا صالحا معافى، وهم الأولاد الذين كانوا يولدون لهما لأن حواء كانت تلد فى كلّ بطن ذكرا وأنثى فيقال: إنها ولدت فى خمسمائة بطن ألف ولد.
__________
(1) حاشية ف (من نسخة): «إنما عنى الله تعالى خلق بنى آدم».
(2) م: «ويقال من طينته».
(3) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «وأن حملها».
(2/232)

وعنى بقوله: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما [أى أن هذا النسل الصالح الّذي هم ذكر وأنثى جعلا له شركاء فيما آتاهما] (1) من نعمة؛ وأضافا تلك النعم إلى الذين اتخذوهم آلهة مع الله عزّ وجلّ من الأصنام والأوثان، ولم يعن بقوله: جَعَلا آدم وحواء عليها السلام؛ لأن آدم لا يجوز عليه الشرك بالله لأنه نبىّ من أنبيائه، ولو جاز الشرك والكفر على الأنبياء لما جاز أن يثق أحدنا بما يؤديه إليه الأنبياء عن الله عز وجل؛ لأن من جاز عليه الكفر جاز عليه الكذب ومن جاز عليه الكذب لم يؤخذ بأخباره؛ فصحّ بهذا أنّ الإضمار فى قوله: جَعَلا إنما يعنى به النسل.
وإنما ذكر ذلك على سبيل التثنية؛ لأنهم كانوا ذكرا وأنثى، فلما كانوا صنفين جاز أن يجعل إخباره عنهما كالإخبار عن الاثنين إذا كانا صنفين.
وقد دلّ على صحة تأويلنا هذا قوله تعالى فى آخر الآية: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، فبيّن عز وجل أنّ الذين جعلوا لله شركاءهم جماعة، فلهذا جعل إضمارهم إضمار الجماعة، فقال: يُشْرِكُونَ؛ مضى كلام أبى عليّ.
وقد قيل فى قوله تعالى: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً مضافا إلى الوجه المتقدم- الّذي هو أنه أراد بالصلاح الاستواء فى الخلقة والاعتدال فى الأعضاء- وجه آخر؛ وهو أنّه لو أراد الصلاح فى الدين لكان الكلام أيضا مستقيما؛ لأن
الصالح فى الدين قد يجوز أن يكفر بعد صلاحه، / فيكون فى حال صالحا، وفى آخر مشركا؛ وهذا لا يتنافى.
وقد استشهد فى جواز الانتقال من خطاب إلى غيره، ومن كناية عن مذكور إلى مذكور سواه؛ ليصحّ ما قلناه من الانتقال من الكناية عن آدم وحوّاء إلى ولدهما بقوله تعالى:
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فانصرف عن مخاطبة الرسول عليه السلام إلى مخاطبة المرسل إليهم، ثم قال: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ، يعنى الرسول عليه السلام، ثم قال: وَتُسَبِّحُوهُ، [الفتح: 9]؛ وهو يعنى مرسل الرسول؛ فالكلام
__________
(1) ساقط من الأصل، والمثبت عن د، ف.
(2/233)

واحد متّصل بعضه ببعض، والخطاب منتقل من واحد إلى غيره؛ ويقول الهذلىّ (1):
يا لهف نفسى كان جدّة خالد … وبياض وجهك للتّراب الأعفر
ولم يقل: وبياض وجهه.
وقال كثيّر:
أسيء بنا، أو أحسنى لا ملومة … لدينا، ولا مقليّة إن تقلت (2)
فخاطب ثمّ ترك الخطاب. وقال آخر:
فدى لك يا فتى وجميع أهلى … وما لى إنّه منه أتانى (3)
ولم يقل: منك أتانى.
ووجدت أبا مسلم محمد بن بحر يحمل هذه الآية على أنّ الخطاب فى جميعها غير متعلّق بحواء وآدم، ويجعل الهاء فى تَغَشَّاها، والكناية فى دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما وآتاهُما صالِحاً راجعتين إلى من أشرك؛ ولم يتعلق بآدم وحواء من الخطاب إلا قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ لأن الإشارة فى قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ إلى الخلق عامة، وكذلك قوله تعالى: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها، ثم خص منها بعضهم كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، فخاطب الجماعة بالتسيير فى البر والبحر، ثم خص راكب البحر بقوله تعالى: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ؛ [يونس: 22] كذلك الآية أخبرت عن جملة البشر؛ وأنهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها، وهما آدم وحواء عليهما السلام ثمّ عاد الذكر إلى الّذي سأل الله تعالى ما سأل؛ فلما أعطاه إياه ادعى الشّركاء فى عطيته.
قال: وجائز أن يكون عنى بقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ المشركين؛ خصوصا إذ كان كلّ بنى آدم مخلوقا
من نفس واحدة وزوجها.
__________
(1) هو أبو كبير، والبيت من قصيدة له فى شعر الهذليين 2: 101.
(2) أمالى القالى 2: 109.
(3) حاشية الأصل: «فدى وفداء كلاهما صحيح، فإذا قلت فدى فهو مقصور من الممدود».
(2/234)

ويجوز أن يكون المعنى فى قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ خلق كلّ واحد منكم من نفس واحدة؛ وهذا يجيء كثيرا فى القرآن وفى كلام العرب؛ قال الله تعالى:
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً؛ [النور: 4] أى فاجلدوا كل واحد ثمانين جلدة.
وقال عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها؛ [الروم: 21] فلكل نفس زوج منها أى من جنسها.
فَلَمَّا تَغَشَّاها، أى تغشّى كلّ نفس زوجها. حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً وهو ماء الفحل.
فَمَرَّتْ بِهِ أى مارت، والمور: التردّد. والمراد تردّد هذا الماء فى رحم هذه الحامل. فَلَمَّا أَثْقَلَتْ أى ثقل حملها؛ أى بمصير ذلك الماء لحما ودما وعظما. دَعَوَا اللَّهَ أى الرجل والمرأة لمّا استبان حمل المرأة فقالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً أى أعطاهما ما سألا من الولد الصالح نسبا ذلك إلى شركاء معه، فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
وقال قوم: معنى جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أى طلبا من الله أمثالا للولد الصالح فشركا بين الطّلبتين وتكون الهاء فى قوله: لَهُ راجعة إلى الصالح لا إلى الله تعالى. ويجرى مجرى قول القائل: طلبت منى درهما فلما أعطيتك أشركته بآخر؛ أى طلبت آخر مضافا إليه.
وعلى هذا الوجه لا يمتنع أن يكونا قوله: جَعَلا والخطاب كله متوجها إلى آدم وحواء عليهما السلام.
(2/235)

مجلس آخر 73
تأويل آية [قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ؛ [الصافات: 95، 96].
فقال: أليس ظاهر هذا القول يقتضي أنه خالق لأعمال العباد، لأن ما هاهنا بمعنى «الّذي»؛ فكأنه قال: خلقكم وخلق أعمالكم.
الجواب، قلنا: قد حمل أهل الحق هذه الآية على أنّ المراد بقوله: وَما تَعْمَلُونَ أى وما تعملون فيه من الحجارة والخشب وغيرهما؛ مما كانوا يتخذونه أصناما/ ويعبدونها.
قالوا: وغير منكر أن يريد بقوله: وَما تَعْمَلُونَ ذلك؛ كما أنه قد أراد ما ذكرناه بقوله:
أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ لأنه لم يرد أنكم تعبدون نحتكم الّذي هو فعل لكم؛ بل أراد ما تفعلون فيه النّحت؛ وكما قال تعالى فى عصا موسى عليه السلام: تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ [الأعراف: 117] وتَلْقَفْ ما صَنَعُوا؛ [طه: 69]؛ وإنما أراد تعالى أنّ العصا تلقف الحبال التى أظهروا سحرهم فيها، وهى التى حلتها صنعتهم وإفكهم؛ فقال: ما صَنَعُوا وما يَأْفِكُونَ وأراد ما صنعوا فيه، وما يأفكون فيه؛ ومثله قوله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ، [سبأ: 13]؛ وإنما أراد المعمول فيه دون العمل؛ [وهذا الاستعمال أيضا سائغ] (1) شائع؛ لأنهم يقولون: هذا الباب عمل النّجار. وفى الخلخال: هذا من عمل الصائغ؛ وإن كانت الأجسام التى أشير إليها ليست أعمالا؛ وإنما عملوا فيها؛ فحسن إجراء هذه العبارة.
فإن قيل: كلّ الّذي ذكرتموه وإن استعمل فعلى وجه المجاز والاتساع؛ لأن العمل فى
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «وهذا فى الاستعمال».
(2/236)

الحقيقة لا يجرى إلا على فعل الفاعل دون ما يفعل فيه؛ وإن استعير فى بعض المواضع.
قلنا: ليس نسلّم لكم أنّ الاستعمال الّذي ذكرناه على سبيل المجاز؛ بل يقول: هو المفهوم الّذي لا يستفاد سواه، لأن القائل إذا قال: هذا الثوب عمل فلان لم يفهم منه إلا أنّه عمل فيه، وما رأينا أحدا قط يقول فى الثوب بدلا من قوله: هذا من عمل فلان: هذا مما حلّه عمل فلان؛ فالأول أولى بأن يكون حقيقة.
وليس ينكر أن يكون الأصل فى الحقيقة ما ذكروه، ثم انتقل بعرف الاستعمال إلى ما ذكرناه؛ وصار أخصّ به، ومما لا يستفاد من الكلام سواه؛ كما انتقلت ألفاظ كثيرة على هذا الحدّ والاعتبار فى المفهوم من الألفاظ إلا ما يستقرّ عليه استعمالها دون ما كانت عليه فى الأصل؛ فوجب أن يكون المفهوم والظاهر من الآية ما ذكرناه.
على أنا لو سلّمنا أن ذلك مجاز لوجب المصير إليه من وجوه:
منها ما يشهد به ظاهر الآية ويقتضيه، ولا يسوغ سواه.
ومنها ما تقتضيه الأدلة القاطعة الخارجة عن الآية؛ فمن ذلك أنه تعالى أخرج الكلام مخرج التهجين لهم، والتوبيخ لأفعالهم والإزراء على مذاهبهم، فقال: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ/ ومتى لم يكن قوله: وَما تَعْمَلُونَ المراد تَعْمَلُونَ فيه؛ ليصير تقدير الكلام: أتعبدون الأصنام التى تنحتونها، والله خلقكم وخلق هذه الأصنام التى تفعلون فيها التخطيط والتصوير؛ لم يكن للكلام معنى، ولا مدخل فى باب التوبيخ. ويصير على ما يذكره المخالف كأنه قال: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ والله خلقكم وخلق عبادتكم؛ فأىّ وجه للتقريع! وهذا إلى أن يكون عذرا أقرب من أن يكون لوما وتوبيخا؛ إذا خلق عبادتهم للأصنام؛ فأىّ وجه للومهم عليها وتقريعهم بها! على أن قوله عز وجلّ: خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ بعد قوله: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ خرج مخرج التعليل للمنع من عبادة غيره تعالى؛ فلا بدّ أن يكون متعلقا بما تقدم من قوله: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ومؤثرا فى المنع من عبادة غير الله. فلو أفاد قوله: ما تَعْمَلُونَ نفس العمل
(2/237)

الّذي هو النحت دون المعمول فيه لكان لا فائدة فى الكلام؛ لأن القوم لم يكونوا يعبدون النحت؛ وإنما كانوا يعبدون محل النحت؛ ولأنه كان لا حظّ فى الكلام للمنع من عبادة الأصنام. وكذلك إن حمل قوله تعالى: ما تَعْمَلُونَ على أعمال أخر ليست نحتهم، ولا هى ما عملوا فيه لكان أظهر فى باب اللغو والعبث والبعد عن التعلق بما تقدم؛ فلم يبق إلا أنه أراد: أنه خلقكم وما تعملون فيه النحت، فكيف تعبدون مخلوقا مثلكم!
فإن قيل: لم زعمتم أنه لو كان الأمر على ما ذكرناه لم يكن للقول الثانى حظّ فى باب المنع من عبادة الأصنام؟ وما تنكرون أن يكون لما ذكرناه وجه فى المنع من ذلك؟ [؛ كما أن ما ذكرتموه] (1) أيضا لو أريد لكان وجها؛ وهو أن من خلقنا وخلق الأفعال فينا لا يكون إلا الإله القديم، الّذي تحقّ له العبادة، وغير القديم- كما يستحيل أن يخلقنا- يستحيل أن يخلق فينا الأفعال على الوجه الّذي يخلقها القديم تعالى؛ فصار لما ذكرناه تأثير.
قلنا: معلوم أن الثانى إذا كان كالتعليل للأول والمؤثر فى المنع من العبادة فلان يتضمن أنكم مخلوقون وما تعبدونه أولى من أن ينصرف إلى ما ذكرتموه ممّا لا يقتضي أكثر من خلقهم دون خلق ما عبدوه؛ وأنه لا شيء أدلّ على/ المنع من عبادة الأصنام من كونها مخلوقة كما أن عابدها مخلوق.
ويشهد لما ذكرناه قوله تعالى فى موضع آخر: أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ؛ [الأعراف: 191، 192] فاحتج تعالى عليهم فى المنع من عبادة الآلهة دونه بأنها مخلوقة لا تخلق شيئا، ولا تدفع عن أنفسها ضرا ولا عنهم؛ وهذا واضح.
على أنه لو ساوى ما ذكروه ما ذكرناه فى التعلّق بالأول لم يسغ حمله على ما ادعوه؛ لأن فيه عذرا لهم فى الفعل
الّذي عنّفوا به وقرّعوا من أجله؛ وقبيح أن يوبخهم بما يعذرهم؛ ويذمّهم بما ينزّههم على ما تقدم.
__________
(1) فى حاشيتى الأصل، ف: نسخة ش «وإن كان ما ذكرتموه».
(2/238)

على أنا لا نسلّم أن من يفعل أفعال العباد ويخلقها يستحق العبادة؛ لأن من جملة أفعالهم القبائح، ومن فعل القبائح لا يكون إلها، ولا تحقّ له العبادة؛ فخرج ما ذكروه من أن يكون مؤثرا بانفراده فى العبادة.
على أن إضافته العمل إليهم بقوله: تَعْمَلُونَ يبطل تأويلهم الآية؛ لأنه لو كان تعالى خالقا له (1) لم يكن عملا لهم؛ لأن العمل إنما يكون لمن يحدثه ويوجده، فكيف يكون عملا لهم والله خلقه! وهذه مناقضة، فثبت بهذا أن الظاهر شاهد لنا أيضا.
على أن قوله: وَما تَعْمَلُونَ يقتضي الاستقبال؛ وكل فعل لم يوجد فهو معدوم.
ومحال أن يقول تعالى: إنى خالق للمعدوم!
فإن قالوا: اللفظ وإن كان للاستقبال فالمراد به المضىّ؛ فكأنه قال: والله خلقكم وما عملتم!
قلنا: هذا عدول منكم عن الظاهر الّذي ادّعيتم أنكم متمسكون به؛ وليس أنتم بأن تعدلوا عنه بأولى منا؛ بل نحن أحق؛ لأنا نعدل عنه لدلالة؛ وأنتم تعدلون بغير حجة.
فإن قالوا: فأنتم أيضا تعدلون عن هذا الظاهر بعينه على تأويلكم، وتحملون لفظ الاستقبال على لفظ الماضى.
قلنا: لا نحتاج نحن فى تأويلنا إلى ذلك؛ لأنا إذا حملنا قوله تعالى: وَما تَعْمَلُونَ على الأصنام المعمول فيها- ومعلوم أن الأصنام موجودة قبل عملهم فيها- فجاز أن يقول تعالى:
إنى خلقتها؛ ولا يجوز أن يقول: إنى خلقت ما سيقع من العمل فى المستقبل.
على أنه تعالى/ لو أراد بذلك أعمالهم؛ لا ما عملوا فيه على ما ادعوه لم يكن فى الظاهر حجة على ما يريدون؛ لأن الخلق هو التقدير والتدبير؛ وليس يمتنع فى اللغة أن يكون الخالق خالقا لفعل غيره إذا قدّره ودبّره؛ ألا ترى أنهم يقولون: خلقت الأديم؛ وإن لم يكن الأديم فعلا لمن يقال
__________
(1) حاشية الأصل: «نسخة ش: «لها».
(2/239)

ذلك فيه! ويكون معنى خلقه لأفعال العباد أنه مقدر لها، ومعرف لنا مقاديرها ومراتبها وما به نستحق عليها من
الجزاء.
وليس يمتنع أن يقال: إنه خالق للأعمال على هذا المعنى إذا ارتفع الإبهام وفهم المراد؛ فهذا كله تقتضيه الآية. ولو لم يكن فى الآية شيء مما ذكرناه مما يوجب العدول عن حمل قوله:
وَما تَعْمَلُونَ على خلق نفس الأعمال لوجب أن نعدل بها عن ذلك، ونحملها على ما ذكرناه بالأدلة العقلية الدّالة على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأعمالنا، وإن تصرفنا محدث بنا، ولا فاعل له سوانا؛ وكل هذا واضح بين (1).
*** قال سيدنا أدام الله علوّه: وإنى لأستحسن لبعض نساء بنى أسد قولها:
ألم ترنا غبّنا ماؤنا … زمانا، فظلنا نكدّ البئارا (2)
فلمّا عدا الماء أوطانه … وجفّ الثّماد فصارت حرارا (3)
وضجّت إلى ربّها فى السّماء (4) … رءوس العضاه تناجى السّرارا
وفتّحت الأرض أفواهها … عجيج الجمال وردن الجفارا (5)
لبسنا لدى عطن ليلة … على اليأس آتابنا والخمارا (6)
وقلنا: اعبروا النّدى حقّه … وصبر الحفاظ، وموتوا حرارا (7)
__________
(1) ف: «واضح بين بحمد الله».
(2) الكد هنا: انتزاع السائل.
(3) الثماد: بقايا الماء فى الحوض والحفر، جمع ثمد. والحرار: جمع حرة، وهى حجارة سوداء.
(4) فى حاشيتى الأصل، ف: «بخط عبد السلام البصرى:
* وعجّت عجيجا إلى ربّها*.
(5) الجفار: جمع جفرة، وهى البئر الواسعة.
(6) الآتاب: جمع إتب؛ وهو برد أو ثوب يؤخذ فيشق فى وسطه، ثم تلقيه المرأة فى عنقها من غير جيب ولا كمين.
(7) موتوا حرارا؛ أى جودوا بأنفسكم. وفى حاشية الأصل: «نسخة س: وجدت بخط المرتضى رضى الله عنه: «فى مجموع أكثره بخط الرضىّ رضى الله عنه: حرار: جمع حرة».
(2/240)

فإنّ النّدى لعسى مرّة … يردّ إلى أهله ما استعارا
فبتنا نوطّن أحشاءنا … أضاء لنا عارض فاستطارا (1)
وأقبل يزحف زحف الكسير … سياق الرعاء البطاء العشارا
/ تننّى وتضحك حافاته … خلال الغمام وتبكى مرارا
كأنّا تضيء لنا حرّة … تشدّ إزارا وتلقى (2) إزارا
فلمّا خشينا بأن لا نجاء … وألّا يكون قرار قرارا
أشار إليه امرؤ فوقه … هلمّ، فأمّ (3) إلى ما أشارا
*** وأنشد أبو هفّان لولّادة المهزميّة (4):
لولا اتّقاء الله قمت بمفخر … لا يبلغ الثّقلان فيه مقامى
بأبوّة فى الجاهليّة سادة … بذّوا العلى أمراء فى الإسلام
جادوا فسادوا مانعين أذاهم … لنداهم، بذل (5) على الأقوام
قد أنجبوا فى السّؤددين (6) وأنجبوا … بنجابة الأخوال والأعمام
قوم إذا سكتوا تكلّم مجدهم … عنهم؛ فأخرس دون كلّ كلام
__________
(1) حاشية الأصل: «نسخة ش «فبينا»، وبخط المرتضى رضى الله عنه: «نوطد أحسابنا».
(2) حاشية الأصل: «بخط عبد السلام: وترخى».
(3) حاشية الأصل: «بخط عبد السلام: فصار».
(4) حاشية الأصل: «قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولى رحمه الله: هو أبو هفان عبد الله بن أحمد المهزمى. وأبو هفان، بكسر الهاء».
(5) بذل: جمع بذول، أى باذلون.
(6) فى حاشيتى الأصل، ف: «أى الأبوة والأمومة».
(2/241)

وقالت امرأة من بنى سعد بن بكر (1):
أيا أخوىّ الملزمىّ ملامة (2) … أعيذ كما (3) بالله من مثل ما بيا
سألتكما بالله إلّا جعلتما (4) … مكان الأذى واللّوم أن تأويا ليا (5)
أيا أمتا حبّ الهلالىّ قاتلى … شطون النّوى يحتلّ عرضا يمانيا (6)
أشمّ كغصن البان جعد مرجّل … شعفت به لو كان شيئا مدانيا (7)
فإن لم أوسّد ساعدى بعد هجعة … غلاما هلاليا فشلّ بنانيا (8)
ثكلت أبى إن كنت ذقت كريقه … لشيء ولا ماء الغمامة غاديا (9)
ولضاحية الهلالية:
ألمّ كبير لمّة ثمّ شمّرت … به جلّة يطلبن برقا يمانيا (10)
/ [ألا ليتنا والنّفس تسكن للمنى … يمانون إن أمسى حبيب يمانيا]
ولها:
وإنّى لأهوى القصد ثمّ يردّنى … عن القصد (11) ميلات الهوى فأميل
__________
(1) الأبيات فى حماسة ابن الشجرى: 156 - 157؛ منسوبة إلى ضاحية الهلالية.
(2) فى ابن الشجرى:
* أيا أخوىّ اللائمىّ على الهوىّ*.
(3) م، وابن الشجرى: «أعندكما».
(4) ابن الشجرى: «لما خلعتما».
(5) أن تأويا لى؛ أى أن ترحمانى.
(6) حاشية الأصل: «أمتا، أى أمى، وشطون، أى هو شطون النوى، والعرض: سفح الجبل، أى بسفح يمان».
(7) حاشية الأصل: «أراد بالجعد السخىّ الكريم، وهو من الأضداد، قال طرفة:
أنا الرّجل الجعد الّذي تعرفونه … خشاش كرأس الحية المتوقد.
(8) حاشية الأصل: «نسخة س: فشلت بنانيا» وهى رواية ابن الشجرى.
(9) فى ابن الشجرى بعد هذا البيت:
وأقسم لو خيّرت بين فراقه … وبين أبى لاخترت أن لا أبا ليا.
(10) فى حاشيتى الأصل، ف: «كبير، رجل، ونسخة س «كثير»، لمة: إلماما، شمرت، أى ذهبن به، والجلة: المسان من الإبل، ويجوز أن يريد بها الجليلة؛ ومن نسخة: «يطرن برقا يمانيا».
(11) القصد: الأمر السوىّ والطريقة المستقيمة.
(2/242)

وما وجد مسجون بصنعاء موثق … بساقيه من حبس الأمير كبول
وما ليل مولى مسلم بجريرة … له بعد ما نام العيون عويل
بأكثر منّى لوعة يوم عجّلوا (1)، … فراق حبيب ما إليه سبيل
ولعمرة (2) بنت العجلان أخت عمرو ذى الكلب بن عجلان الكاهلىّ ترثى أخاها عمرا، وقد كان فى بعض غزواته نائما، فوثب عليه نمران فأكلاه، فوجدت فهم سلاحه، فادّعت قتله (3):
سألت بعمرو أخى صحبه … فأفظعنى حين ردّوا السّؤالا
وقالوا: أتيح له نائما … أعزّ السّباع عليه أحالا (4)
أتيح له نمرا أجبل … فنالا لعمرك منه منالا
فأقسمت (5) يا عمرو لو نبّهاك … إذا نبّها منك أمرا (6) عضالا
[إذن نبها غير رعديدة … ولا طائش رعش حين صالا] (7)
إذا نبّها ليث عرّيسة … مفيتا مفيدا نفوسا ومالا (8)
__________
(1) د، ف، حاشية الأصل (من نسخة): «يوم راعنى».
(2) فى حاشيتى الأصل، ف: «نسخة س: وجدت هذه القصيدة فى دواوين هذيل منسوبة إلى جنوب أخت عمرو»؛ وهى أيضا فى ديوان الهذليين 3: 120 - 123 وخزانة الأدب وزهر الآداب (طبعة الحلبى) 795 - 796؛ وشواهد العينى ... منسوبة إلى الحنوب.
(3) فى ديوان الهذليين عن أبى عبيدة: «كان ذو الكلب يغزو فهما؛ فوضعوا له الرصد على الماء فأخذوه وقتلوه، ثم مروا بأخته جنوب؛ فقالت لهم: ما شأنكم؟ فقالوا: إنا طلبنا أخاك عمرا، فقالت:
لئن طلبتموه لتجدنه منيعا، ولئن أضفتموه لتجدن جنابه مريعا؛ ولئن دعوتموه لتجدنه سريعا. قالوا: فقد أخذناه وقتلناه، وهذا سلبه؛ قالت: لئن سلبتموه لا تجدن ثنته وافية، ولا حجزته جافية، ولا ضالته كافية؛ ولرب ثدى منكم قد افترشه، ونهب قد احتوشه، وضب قد احترشه؛ ثم قالت ترثيه ... » وأورد القصيدة.
(4) أحال: حمل عليه فقتله وأكله.
(5) فى ديوان الهذليين: «فأقسم».
(6) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «داء»؛ وهى رواية ديوان الهذليين.
(7) من ديوان الهذليين.
(8) العريس والعريسة: مأوى الأسد؛ والمفيت: مهلك النفوس.
(2/243)

هزبرا فروسا لاعدائه … هصورا إذا لقى القرن صالا (1)
هما مع تصرّف ريب المنون … من الأرض ركنا ثبيتا أمالا (2)
هما يوم حمّ له يومه … وقال أخو فهم بطلا وفالا (3)
معنى «فال» أخطأ؛ يقال: رجل فائل الرأى-
وقالا (4) قتلناه فى غارة … بآية ما إن ورثنا النّبالا
كأنها تهزأ بهم وتكذبهم؛ أى بعلامة أن قد ورثتم النبال-
فهلّا ومن قبل ريب المنون … فقد كان رجلا وكنتم رجالا
وقد علمت فهم يوم (5) اللّقاء … بأنّهم لك كانوا نفالا (6)
/ كأنهم لم يحسّوا به … فيخلوا النّساء له والحجالا
ولم ينزلوا بمحول (7) السّنين … به فيكونوا عليه عيالا
وقد علم الضّيف والمجتدون … إذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا (8)
وخلّت عن اولادها المرضعات … ولم تر عين لمزن بلالا (9)
بأنّك كنت الرّبيع المغيث … لمن يعتريك وكنت الثّمالا (10)
وخرق تجاوزت مجهوله … بوجناء حرف تشكّى الكلالا (11)
__________
(1) ديوان الهذليين: «لأقرانه». والهزبر: اسم السبع، والفروس: الّذي يدق الأعناق.
(2) الثبيت: الثابت؛ وفى ديوان الهذليين «ركنا عزيزا».
(3) حم: قدر.
(4) حاشية الأصل (من نسخة): «وقالوا».
(5) حاشية الأصل (من نسخة): «عند»، وهى رواية ديوان الهذليين.
(6) نفالا: غنائم.
(7) ديوان الهذليين: «لزبات السنين»، واللزبات: الشدائد.
(8) ديوان الهذليين: «والمرملون». وهبت شمالا؛ أى الريح: .
(9) بلالا، أى بللا.
(10) وفى حاشية الأصل: «يقال: فلان ثمال قومه إذا كان الاعتماد والمعول عليه.
(11) الخرق: الفلاة الواسعة؛ والوجناء: الناقة الشديدة؛ والحرف: الضامر؛ شبهت بحرف الجبل؛ وفى حاشية الأصل (من نسخة):
* وخرق تجاوزت مجهولة*.
(2/244)

فكنت النهارية شمسه … وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا
وخيل سمت لك فرسانها … فولّوا ولم يستقلّوا قبالا (1)
[وحىّ أبحت، وحىّ صبحت … غداة الهياج منايا عجالا] (2)
وكلّ قبيل وإن لم تكن … أردتهم، منك باتوا وجالا (3)
__________
(1) القبال: شسع النعل، تريد شيئا قليلا.
(2) من ديوان الهذليين.
(3) الوجال: المتخوفون.
(2/245)

مجلس آخر 74
تأويل آية [وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؛ [هود: 34].
فقال: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي أنّ نصح النبي صلى الله عليه وآله لم ينفع (1) الكفار الذين أراد الله بهم الكفر والغواية، وهذا بخلاف مذهبكم!
الجواب، قلنا: ليس فى ظاهر الآية ما يقتضيه خلاف مذهبنا؛ لأنه تعالى لم يقل إنه فعل الغواية أو أرادها؛ وإنما أخبر أن نصح (2) النبىّ عليه السلام لا ينفع إن كان الله يريد غوايتهم. ووقوع الإرادة لذلك أو جواز وقوعها لا دلالة عليه فى الظاهر؛ على أن الغواية هاهنا الخيبة وحرمان الثواب؛ ويشهد بصحة ما ذكرناه فى هذه اللفظة قول الشاعر:
فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره … ومن يغو لا يعدم على الغىّ لائما (3)
فكأنه قال: إن كان الله يريد أن يعاقبكم بسوء أعمالكم وكفركم، ويحرمكم ثوابه فليس ينفعكم/ نصحى ما دمتم
مقيمين على ما أنتم عليه؛ إلا أن تقلعوا وتتوبوا.
وقد سمى الله تعالى العقاب غيا، فقال: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: 59]؛ وما قبل هذه الآية يشهد بما ذكرناه؛ وأن القوم استعجلوا عقاب الله تعالى: قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ. وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي ... الآية؛ [هود: 32، 33]؛ فأخبر أن نصحه لا ينفع من يريد الله أن ينزل به العذاب، ولا يغنى عنه شيئا.
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «لا ينفع».
(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف:
«وإنما أخبرنا.
(3) البيت للمرقش الأصغر (المفضليات 247 - طبعة المعارف).
(2/246)

وقال جعفر بن حرب: إن الآية تتعلق بأنه كان فى قوم نوح طائفة تقول بالجبر، فنبّههم الله تعالى بهذا القول على فساد مذهبهم؛ وقال لهم على طريق الإنكار عليهم والتعجب من قولهم: إن كان القول كما تقولون من أن الله يفعل فيكم الكفر والفساد، فما ينفعكم نصحى؛ فلا تطلبوا منى نصحا وأنتم على ذلك لا تنتفعون به؛ وهذا جيد.
وروى عن الحسن البصرىّ فى هذه الآية وجه صالح؛ وهو أنه قال: المعنى فيها إن كان الله يريد أن يعذّبكم فليس ينفعكم نصحى عند نزول العذاب بكم، وإن قبلتموه وآمنتم به؛ لأنّ كان من حكم الله تعالى ألّا يقبل الإيمان عند نزول العذاب؛ وهذا كله واضح فى زوال الشبهة بالآية.
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن مستحسن ما قيل فى صفة المصلوب قول أبى تمام الطائىّ فى قصيدة يمدح بها المعتصم، ويذكر قتل الأفشين وحرقه وصلبه: (1)
ما زال سرّ الكفر بين ضلوعه … حتى اصطلى سرّ الزّناد الوارى (2)
نارا يساور جسمه من حرّها … لهب كما عصفرت شقّ إزار
طارت لها شعل يهدّم لفحها … أركانه هدما بغير غبار
فصّلن منه كلّ مجمع مفصل … وفعلن فاقرة بكلّ فقار (3)
مشبوبة رفعت لأعظم (4) مشرك … ما كان يرفع ضوأها للسّارى
صلّى لها حيّا وكان وقودها … ميتا، ويدخلها مع الكفّار (5)
__________
(1) من قصيدة فى ديوانه: 151 - 155؛ مطلعها:
الحقّ أبلج والسيوف عوار … فحذار من أسد العرين حذار
وكان الأفشين من أكابر قواد المعتصم، وجهه لحرب بابك الخرمىّ؛ فقبض عليه وحمله إلى المعتصم فقطعه وصلبه وانتهى أمر.، ثم علم المعتصم خيانة من الأفشين؛ فقبض عليه وقتله وصلبه على خشبة بابك سنة 226 ه.
(2) سر الزناد: النار المخبوءة فيها.
(3) الفاقرة: الداهية.
(4) حاشية الأصل (من نسخة): «لأعظم»، بضم الظاء.
(5) حاشية الأصل (من نسخة): «الفجار»، وهى رواية الديوان.
(2/247)

/ وكذاك أهل النّار فى الدّنيا هم … يوم القيامة جلّ أهل النار
يا مشهدا صدرت بفرحته إلى … أمصارها القصوى بنو الأمصار
رمقوا أعالى جذعه فكأنما … رمقوا الهلال (1) عشيّة الإفطار
واستنشقوا منه قتارا نشره … من عنبر ذفر ومسك دارى (2)
وتحدّثوا عن هلكه بحديث (3) من … بالبدو عن متتابع الأمطار
قد كان بوّأه الخليفة جانبا … من قلبه حرما على الأقدار
فسقاه ماء الخفض غير مصرّد … وأنامه فى الأمن غير غرار (4)
ولقد شفى الأحشاء من برحائها … أن صار بابك جار مازيار (5)
ثانيه فى كبد السّماء ولم يكن … لاثنين ثان إذ هما فى الغار (6)
وكأنّما انتبذا لكيما يطويا … عن ناطس (7) خبرا من الأخبار
سود اللّباس كأنما نسجت لهم … أيدى السّموم مدارعا من قار
بكروا وأسروا فى متون ضوامر … فبدت لهم من مربط النّجّار
لا يبرحون ومن رآهم خالهم … أبدا على سفر من الأسفار
كادوا النّبوّة والهدى فتقطّعت … أعناقهم فى ذلك المضمار
__________
(1) الديوان: «وجدوا».
(2) القتار: الرائحة، ونشره: فوحانه؛ والذفر: الحاد، والدارى: منسوب إلى دارين؛ وهى فرضة يجلب منها المسك. ومن نسخة بحاشيتى الأصل، ف: واستنشئوا».
(3) ف، وحاشية الأصل (من نسخة)، والديوان: «كحديث».
(4) غرار: قليل.
(5) مازيار: رجل، وضبط فى الأصل بفتح الزاى وكسرها معا.
(6) كذا وردت الرواية فى الأصول؛ وتأويله: ولم يكن كاثنين إذ هما فى الغار ثان؛ أى لم يكن كهذه القضية قضية أخرى. وفى الديوان: «ثانيا إذ هما»، بتسهيل الهمزة، وفى حاشية الأصل:
«أى هو ثان فى الصلب والضلالة لما زيار؛ وليس هو كأبي بكر إذ كان مع النبي عليه السلام فى الغار».
(7) فى حاشيتى الأصل، ف: «ناطس اسم ملك الروم».
(2/248)

وله يذكر صلب بابك:
لمّا قضى رمضان منه قضاءه … شالت به الأيّام فى شوّال (1)
ما زال مغلول العزيمة سادرا … حتى غدا فى القيد والأغلال
مستبسلا للبأس طوقا من دم (2) … لما استبان فظاظة الخلخال
أهدى لمتن الجذع متنيه كذا … من عاف متن الأسمر العسّال (3)
لا كعب أسفل موضعا من كعبه … مع أنّه عن كلّ كعب عال
/ سام كأنّ العزّ يجذب ضبعه … وسموّه من ذلّة وسفال
متفرّغ أبدا وليس بفارغ … من لا سبيل له إلى الأشغال
قال سيدنا أدام الله علوّه: ومن عجيب الأمور أن أبا العباس أحمد بن عبيد الله بن عمار ينشد هذه الأبيات المفرطة فى الحسن فى جملة مقابح أبى تمام، وما خرّجه- بزعمه- من سقطه وغلطه؛ ويقول فى عقبها: ولم يسمع بشعر وصف فيه مصلوب بأغثّ من هذا الوصف، وأين كان عن مثل إبراهيم بن المهدى يصف صلب بابك فى قصيدة يمدح بها المعتصم:
ما زال يعنف بالنّعمى فنفّرها … عنه الغموط، ووافته الأراصيد (4)
حتى علا حيث لا ينحطّ مجتمعا … كما علا أبدا ما أورق العود
يا بقعة ضربت فيها علاوته … وعينه، وذوت أغصانه الميد
بوركت أرضا وأوطانا مباركة … ما عنك فى الأرض للتّقديس تعريد
لو تقدر الأرض حجّتك البلاد فلا … يبقى على الأرض إلّا حجّ جلمود
لم يبك إبليس إلّا حين أبصره … فى زيّه، وهو فوق الفيل مصفود
كناقة النّحر تزهى تحت زينتها … وحدّ شفرتها للنّحر محدود
__________
(1) من قصيدة فى ديوانه 259 - 265 يمدح فيها المعتصم، وأولها:
آلت أمور الشّرك شرّ مآل … وأقرّ بعد تخمّط وصيال.
(2) الديوان
* متلبّسا للموت طوقا من دم*.
(3) العسال: المضطرب.
(4) يعنى القضاء الواقف له بالمرصاد.
(2/249)

ما كان أحسن قول النّاس يومئذ … أيوم بابك هذا أم هو العيد!
صيّرت جثّته جيدا لباسقة … جرداء، والرّأس منه ما له جيد
فآض تلعب هوج العاصفات به … على الطّريق صليبا طرفه عود
كأنّه شلو كبش والهواء له … تنوّر شاوية، والجذع سفّود
وهكذا ينبغى أن يطعن على أبيات أبى تمام من يستجيد هذه الأبيات ويفرط فى تقريظها؛ وليت من جهل شيئا عدل عن الخوض فيه والكلام عليه؛ فكان ذلك وأولى به. وأبيات أبى تمام فى نهاية القوّة وجودة المعانى والألفاظ وسلامة السّبك واطراد/ النسج، وأبيات ابن المهدى مضطربة الألفاظ، مختلفة النسج، متفاوتة الكلام؛ وما فيها شيء يجوز أن يوضع عليه اليد إلا قوله:
حتّى علا حيث لا ينحط مجتمعا … كما علا أبدا ما أورق العود
وبعده البيت الأخير وإن كان بارد الألفاظ.
وقد أحسن مسلم بن الوليد فى قوله:
ما زال يعنف بالنّعمى ويغمطها … حتى استقلّ به عود على عود (1)
نصبته حيث ترتاب الرياح به … وتحسد الطّير فيه أضبع البيد (2)
وللبحترىّ فى هذا المعنى من قصيدة يمدح بها أبا سعيد أو لها:
لا دمنة بلوى خبت ولا طلل … يردّ قولا على ذى لوعة يسل (3)
إن عزّ دمعك فى آي الرّسوم فلم … يصب عليها فعندى أدمع بلل
هل أنت يوما معيرى نظرة فترى … فى رمل يبرين عيرا سيرها رمل!
حثّوا النّوى بحداة ما لها وطن … غير النّوى، وجمال ما لها عقل
__________
(1) ديوانه: 133، يعنف بالتعمى: يسرف ويجاوز حقه فيها، ويغمطها: يكفرها.
(2) قال شارح ديوانه: «ترتاب الرياح، أى تستنكر؛ يريد: إذا خلف أحد على ذلك المكان أتته ريحه قبيحة منه؛ يقول: جعلته فى مكان تبلغه الطير، ولا تبلغه الضبع فتحسد الطير».
(3) ديوانه 2: 214.
(2/250)

يقول فيها:
تحمله البرد من أقصى الثّغور إلى … أدنى العراق سراعا ريثها عجل (1)
بسرّ من راء منكوسا تجاذبه … أيدى الشّمال فضولا كلّها فضل
أمسى يردّ حريق الشمس جانبه … عن بابك، وهى فى الباقين تشتعل
تفاوتوا بين مرفوع ومنخفض … على مراتب ما قالوا وما فعلوا
ردّ الهجير لحاهم بعد شعلتها … سودا، فعادوا شبابا بعد ما اكتهلوا
سما له حابل الآساد فى لمة … من المنايا، فأمسى وهو محتبل
حالى الذّراعين والسّاقين لو صدقت … له المنى لتمنّى أنّها عطل
من تحت مطبق أرض الشّام فى نفر … أسرى يودّون ودّا أنّهم قتلوا
/ غابوا عن الأرض أنأى غيبة وهم … فيها؛ فلا وصل إلّا الكتب والرّسل
وله فى هذا المعنى:
ما زلت تقرع باب بابك بالقنا … وتزوره فى غارة شعواء (2)
حتى أخذت بنصل سيفك عنوة … منه الّذي أعيا على الأمراء
أخليت منه البذّ وهى قراره … ونصبته علما بسامرّاء (3)
لم يبق فيه خوف بأسك مطمعا (4) … للطّير فى عود ولا إبداء
فتراه مطّردا على أعواده … مثل اطراد كواكب الجوزاء
مستشرفا للشّمس منتصبا لها … فى أخريات الجذع كالحرباء
__________
(1) البرد: جمع يريد؛ وفى حاشية الأصل (من نسخة): «تأتى به البرد».
(2) ديوانه 1: 4، من قصيدة يمدح فيها محمد بن يوسف مطلعها:
زعم الغراب منبئ الأنباء … أنّ الأحبّة آذنوا بتناء.
(3) البذّ: كورة بين أذربيجان وأران. وسامراء: لغة فى سرّ من رأى؛ مدينة كانت بين بغداد وتكريت.
(4) ف: «مطعما».
(2/251)

مجلس آخر 75
تأويل آية [شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ؛ [البقرة: 185].
فقال: كيف أخبر تعالى بأنه أنزل فيه القرآن، وقد أنزله فى غيره من الشهور على ما جاءت به الرواية؟ والظاهر يقتضي أنه أنزل الجميع فيه، وما المعنى فى قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ؟ وهل أراد الإقامة والحضور اللذين هما ضدّا (1) الغيبة، أو أراد المشاهدة والإدراك؟ .
الجواب، قلنا: أما قوله تعالى: أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فقد قال قوم: المراد به أنه تعالى أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا فى شهر رمضان، ثم فرق إنزاله على نبيه صلى الله عليه وآله بحسب ما تدعو الحاجة إليه.
وقال آخرون: المراد بقوله أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أنه أنزل فى فرضه وإيجاب صومه على الخلق القرآن؛ فيكون فِيهِ بمعنى فى فرضه، كما يقول القائل: أنزل الله فى الزكاة كذا وكذا، يريد فى فرضها، وأنزل الله فى الخمر كذا وكذا يريد فى تحريمها.
وهذا الجواب إنما هرب متكلّفه من شيء، وظن أنه قد اعتصم بجوابه عنه، وهو بعد ثابت على ما كان عليه؛ لأن
قوله: الْقُرْآنُ إذا كان يقتضي ظاهره إنزال/ جميع القرآن فيجب على هذا الجواب أن يكون قد أنزل فى فرض الصيام جميع القرآن؛ ونحن نعلم أنّ قليلا من القرآن يتضمّن إيجاب صوم شهر رمضان، وأن أكثره خال من ذلك.
فإن قيل: المراد بذلك أنه أنزل فى فرضه شيئا من القرآن، وبعضا منه.
__________
(1) حاشية الأصل: «نسخة ش: «ضد الغيبة».
(2/252)

قيل: فألّا اقتصر على هذا، وحمل الكلام على أنه تعالى أنزل شيئا من القرآن فى شهر رمضان ولم يحتج إلى أن يجعل لفظة فِيهِ بمعنى فى فرضه وإيجاب صومه.
والجواب الصحيح، أن قوله تعالى: الْقُرْآنُ فى هذا الموضع لا يفيد العموم والاستغراق، وإنما يفيد الجنس من غير معنى الاستغراق، فكأنه قال: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ هذا الجنس من الكلام؛ فأىّ شيء نزل منه فى الشهر فقد طابق الظاهر.
وليس لأحد أن يقول: إن الألف واللام هاهنا لا يكونان إلا للعموم والاستغراق؛ لأنا لو سلمنا أن الألف واللام صيغة العموم والصورة المقتضية لاستغراق الجنس لم يجب أن يكون هاهنا بهذه الصفة؛ لأن هذه اللفظة قد تستعمل فى مواضع كثيرة من الكلام ولا يراد بها أكثر من الإشارة إلى الجنس والطبقة من غير استغراق وعموم؛ حتى يكون حمل كلام المتكلم بها على خصوص أو عموم؛ كالناقض لغرضه والمنافى لمراده؛ ألا ترى أن القائل إذا قال:
فلان يأكل اللحم، ويشرب الخمر، وضرب الأمير اليوم اللصوص، وخاطب الجند لم يفهم من كلامه إلا محض الجنس والطبقة من غير معنى خصوص ولا عموم؛ حتى لو قيل له: فلان يأكل جميع اللحم، ويشرب جميع الخمر أو بعضها لكان جوابه: إننى لم أرد عموما ولا خصوصا؛ إنما أريد أنّه يأكل هذا الجنس من الطعام، ويشرب هذا الجنس من الشراب؛ فمن فهم من كلامى العموم أو الخصوص فهو بعيد من فهم مرادى.
وأرى كثيرا من الناس يغلطون فى هذا الموضع، فيظنون أنّ الإشارة إلى الجنس من غير إرادة العموم والاستغراق ليست مفهومة؛ حتى يحملوا قول من قال: أردت الجنس فى كل موضع على العموم؛ وهذا بعيد ممّن يظنه؛ لأنه كما أنّ العموم والخصوص مفهومان/ فى بعض المواضع بهذه الألفاظ فكذلك الإشارة إلى الجنس والطبقة من غير إرادة عموم ولا خصوص مفهومة مميزة؛ وقد ذكرنا أمثلة ذلك.
فأما قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فأكثر المفسرين حملوه على أنّ المراد بمن شهد منكم الشهر من كان مقيما فى بلد غير مسافر. وأبو عليّ حمله على أنّ المراد
(2/253)

به فمن أدرك الشهر وشاهده وبلغ إليه وهو متكامل الشروط فليصمه، ذهب فى معنى شَهِدَ إلى معنى الإدراك والمشاهدة.
وقد طعن قوم على تأويل أبى عليّ وقالوا: ليس يحتمل الكلام إلّا الوجه الأول.
وليس الأمر على ما ظنوه؛ لأن الكلام يحتمل الوجهين معا؛ وإن كان للقول الأول ترجيح ومزية على الثانى من حيث يحتاج فى الثانى من الإضمار إلى أكثر مما يحتاج إليه فى الأول؛ لأن على القول الأول لا يحتاج إلى إضمار الإقامة وارتفاع السفر؛ لأن قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ يقتضي الإقامة؛ وإنما يحتاج إلى إضمار باقى الشروط من الإمكان والبلوغ وغير ذلك.
وفى القول الثانى يحتاج مع كلّ ما أضمرناه فى القول الأول إلى إضمار الإقامة؛ ويكون التقدير: فمن شاهد الشهر وهو مقيم مطيق بالغ إلى سائر الشروط؛ فمن هذا الوجه كان الأول أقوى.
وليس لأحد أن يقول: إن شَهِدَ بنفسه من غير محذوف لا يدلّ على إقامة؛ وذلك أنّ الظاهر من قولهم فى اللغة: فلان شاهد إذا أطلق ولم يضف أفاد الإقامة فى البلد؛ وهو عندهم ضدّ الغائب والمسافر؛ وإن كانوا ربما أضافوا فقالوا: فلان شاهد لكذا، وشهد فلان كذا؛ ولا يريدون هذا المعنى؛ ففى إطلاق شَهِدَ دلالة على الإقامة من غير تقدير محذوف؛ وهذه جملة كافية بحمد الله.
*** قال سيدنا أدام الله علوّه: وجدت أبا العباس بن عمّار يعيب على أبى تمام فى قوله:
لمّا استحرّ الوداع المحض وانصرمت … أواخر الصّبر إلا كاظما وجما (1)
رأيت أحسن مرئىّ وأقبحه … مستجمعين لى: التّوديع والعنما
/ قال أبو العباس: وهذا قد ذمّ مثله على شاعر متقدم؛ وهو أن جمع بين كلمتين احداهما لا تناسب الأخرى؛ وهو قول الكميت:
وقد رأينا بها حورا منعّمة … رودا تكامل فيها الدّلّ والشّنب
__________
(1) ديوانه 302؛ من قصيدة يمدح فيها إسحاق بن إبراهيم المصعبىّ.
(2/254)

فقيل له: أخطأت وباعدت بقولك: «الدّلّ والشّنب»؛ ألا قلت كقول ذى الرّمة:
بيضاء فى شفتيها حوّة لعس … وفى اللّثات وفى أنيابها شنب (1)
قال: فقال الطائىّ:
* مستجمعين لى: التّوديع والعنما*
فجعل المنظر القبيح للتوديع، والتوديع لا يستقبح، وإنما يستقبح عاقبته وهى الفراق، وجعل المنظر الحسن الخضاب؛ وشبهه بالعنم، ولم يذكر الأنامل المخضّبة. وإنما سمع قول المجنون:
ويبدى الحصى منها إذا قذفت به … من البرد أطراف البنان المخضّب (2)
قال: وهذا هو الأصل؛ استعاره الناس من بعد، فقال الشاعر:
النّشر مسك، والوجوه دنا … نير، وأطراف الأكفّ عنم (3)
وأغرب أبو نواس فى قوله:
تبكى فتذرى الدّرّ من طرفها … وتلطم الورد بعنّاب (4)
قال. فلم يحسن هذا العلج أن يستعير شيئا من محاسن القائلين.
قال سيدنا أدام الله علوّه: وهذا غلط من ابن عمار وسفه على أبى تمام؛ لأن الكميت جمع بين شيئين متباعدين؛ وهما الدّل وهو الشكل والحلاوة وحسن الهيئة، والشّنب وهو برد الأسنان، وتطرّق عليه بذلك بعض العيب، وأبو تمام بين شيئين غير متفرّقين (5)، لأن التوديع إنما أشار به إلى ما أشارت إليه بإصبعها من وداعه عند الفراق، وشبّه مع ذلك أصابعها
__________
(1) ديوانه: 5. اللمى سمرة فى الشفة؛ والحوة: حمرة فى الشفتين تضرب إلى السواد.
(2) البيت فى الأغانى 2: 20 (طبع دار الكتب المصرية)، وقبله:
فلم أر ليلى بعد موقف ساعة … بخيف منى ترمى جمار المحصّب.
(3) البيت للمرقش الأكبر (المفضليات: 238، طبعة المعارف).
(4) ديوانه: 361.
(5) حاشية الأصل (من نسخة): «مفترقين».
(2/255)

بالعنم، والعنم نبت أغصانه غضة دقاق شبه الأصابع، وقيل: إن العنم واحدته عنمة؛ وهى العظاية الصغيرة
البيضاء؛ وهى أشبه شيء بالأصابع البيضاء الغضة؛ وهذا حكاه صاحب/ كتاب العين.
وقيل: إن العنم نبت له نور أحمر تشبّه به الأصابع المخضوبة، فوجه حسن قوله: «التوديع والعنم» أنّ التوديع كان بالإصبع التى تشبه العنم، فجمع بينهما بذلك؛ ولا حاجة به إلى ذكر الأنامل المخضّبة على ما ظنّ أبو العباس؛ بل ذكر المشبّه به أحسن وأفصح من أن يقول التوديع والأنامل التى تشبه العنم.
فأما قوله: إن التوديع لا يستقبح؛ وإنما يستقبح عاقبته فخطأ؛ ومطالبة الشاعر بما لا يطالب بمثله الشعراء؛ لأن التوديع إذا كان منذرا بالفراق وبعد الدار وغيبة المحبوب لا محالة إنه مكروه مستقبح.
وقوله: مستقبح عاقبته صحيح، إلا أن ما يعقبه ويثمره لما كان عند حضوره متيقنا مذكورا عاد الإكراه والاستقباح إليه. ونحن نعلم أن الناس يتكرهون ويستقبحون تناول الأشياء الملذة من الأغذية وغيرها إذا علموا ما فى عواقبها من المكروه؛ فإن من تقدّم إليه طعام مسموم وأعلم بذلك يتكرّهه ويستقبح تناوله لما يتوقعه من سوء عاقبته؛ وإن كان ملذا فى الحال؛ ولم نزل الشعراء تذكر كراهتها للوداع وهربها منه. لما يتصور فيه من [ألم الفرقة، وغصص الوحشة] (1). وهذا معروف مشهور، وقد قال فيه أبو تمام:
أآلفة النحيب كم افتراق … أظلّ فكان داعية اجتماع (2)
وليست فرحة الأوبات إلّا … لموقوف على ترح الوداع
فجعل للوداع ترحا يقابل فرح الإياب، وهذا صحيح.
فأما قول جرير:
أتنسى إذ تودّعنا سليمى … بفرع بشامة سقى البشام (3)
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «ألم الفرقة وغصص الاستيحاش».
(2) ديوانه: 193.
(3) ديوانه: 512.
(2/256)

فإنه دعا للبشام- وهو شجر- بالسّقى؛ لأنها ودعته عنده، فسر بتوديعها، وقول الشاعر:
من يكن يكره الفراق فإنى … أشتهيه لموضع التّسليم
إنّ فيه اعتناقة لوداع … وانتظار اعتناقة لقدوم
فمن شأن الشعراء أن يتصرّفوا فى المعانى بحسب أغراضهم وقصودهم، فإذا رأى أحدهم مدح/ شيء قصد إلى
أحسن أوصافه فذكرها، وأشار بها؛ حتى كأنه لا وصف له غير ذلك الوصف الحسن؛ وإذا أراد ذمّه قصد إلى أقبح أحواله فذكرها؛ حتى كأنه لا شيء فيه غير ذلك؛ وكلّ مصيب بحسب قصده.
ولهذا ترى أحدهم يقصد إلى مدح الشيب فيذكر ما فيه من وقار وخشوع، وأن العمر معه أطول، وما أشبه ذلك، ويقصد إلى ذمه فيصف ما فيه من الإدناء إلى الأجل، وأنه آخر الألوان وأبغضها إلى النساء؛ وما أشبه ذلك؛ وهذه سبيلهم فى كل شيء وصفوه؛ ولمدحهم موضعه، ولذمهم موضعه؛ فمن ذمّ الوداع لما فيه من الإنذار بالفراق وبعد الدار قد ذهب مذهبا صحيحا؛ كما أنّ من مدحه لما فيه من القرب من المحبوب والسرور بالنظر إليه- وإن كان يسيرا- قد ذهب أيضا مذهبا صحيحا.
ومن غلط ابن عمار القبيح قوله بعد أن أنشد شعر المجنون، قال: وهذا هو الأصل، ثم استعاره الناس من بعد؛ فقال الشاعر:
النّشر مسك، والوجوه دنا … نير، وأطراف الأكفّ عنم
وهذا الشعر للمرقّش الأكبر؛ وهو والمرقّش الأصغر جميعا كانا على عهد مهلهل بن ربيعة، وشهدا حرب بكر بن وائل، فكيف يكون قول المرقّش الأكبر بعد قول المجنون لولا الغفلة!
(2/257)

مجلس آخر 76
تأويل آية [وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ؛ [البقرة: 53]. فقال: كيف يكون ذلك، والفرقان هو القرآن، ولم يؤت موسى القرآن، وإنما اختصّ به محمد صلى الله عليه وآله؟
الجواب، قلنا: قد ذكر فى ذلك وجوه:
أولها أن يكون الفرقان بمعنى الكتاب المتقدم ذكره؛ وهو التوراة، فلا يكون هاهنا اسما للفرقان المنزل على محمد صلى الله عليه وآله، ويحسن نسقه على الكتاب لمخالفته للفظه؛ كما قال تعالى: الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ؛ [البقرة: 151]، وإن كانت الحكمة مما يتضمنها الكتاب، وكتب الله تعالى كلها فرقان، يفرق بين الحق والباطل، والحلال/ والحرام.
ويستشهد على هذا الوجه بقول طرفة:
فما لى أرانى وابن عمّى مالكا … متى أدن منه ينأ عنّى ويبعد (1)
فنسق «يبعد» على «ينأ» وهو بعينه، وحسّن ذلك اختلاف اللفظين. وقال عدى بن زيد:
وقدّمت الأديم لراهشيه … وألفى قولها كذبا ومينا (2)
والمين الكذب.
وثانيها أن يكون الكتاب عبارة عن التوراة، والفرقان انفراق البحر الّذي أوتيه موسى عليه السلام.
__________
(1) من المعلقة ص 86 - بشرح التبريزى.
(2) حاشية الأصل: «يعنى الزباء وجذيمة، والراهشان: عرقان فى الذراعين، والأديم: النطع، وكانت قد وعدته بأن تتزوجه، ثم غدرت به فقتلته على نطع، وهو الأديم الّذي ذكره».
(2/258)

وثالثها أن يراد بالفرقان الفرق بين الحلال والحرام، والفرق بين موسى وأصحابه المؤمنين وبين فرعون وأصحابه الكافرين؛ لأنّ الله تعالى قد فرق بينهم فى أمور كثيرة؛ منها أنه نجّى هؤلاء وأغرق أولئك.
ورابعها أن يكون الفرقان المراد به القرآن المنزّل على نبينا صلى الله عليه وآله؛ ويكون المعنى فى ذلك: وآتينا موسى التوراة والتصديق والإيمان بالفرقان الّذي هو القرآن؛ لأن موسى عليه السلام كان مؤمنا بمحمد صلى الله عليه وآله وما جاء به، ومبشرا ببعثته. وساغ حذف القبول والإيمان والتصديق وما جرى مجراه وإقامة الفرقان مقامه؛ كما ساغ فى قوله تعالى:
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ؛ [يوسف: 82]، وهو يريد أهل القرية.
وخامسها أن يكون المراد الفرقان القرآن، ويكون تقدير الكلام: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ الّذي هو التوراة، وَآتينا محمدا الْفُرْقانَ، فحذف ما حذف مما يقتضيه الكلام؛ كما حذف الشاعر فى قوله:
تراه كأنّ الله يجدع أنفه … وعينيه إن مولاه كان له وفر (1)
أراد: ويفقأ عينيه؛ لأن الجدع لا يكون بالعين؛ واكتفى ب «يجدع» من «يفقأ».
وقال الشاعر:
تسمع للأحشاء منه لغطا … ولليدين جسأة وبددا
أى وترى لليدين؛ لأنّ الجسأة والبدد (2) لا يسمعان وإنما يريان.
وقال الآخر:
علفتها تبنا وماء باردا … حتّى شتت همّالة عيناها (3)
أراد وسقيتها ماء باردا، فدلّ علفت على سقيت.
__________
(1) البيت فى (الحيوان 6: 40) ونسبه إلى خالد بن الطيفان؛ والرواية فيه:
تراه كأنّ الله يجدع أنفه … وأذنيه إن مولاه ثاب له وفر.
(2) الجسأ: اليبس، والبدد: تباعد ما بين اليدين أو الفخذين.
(3) البيت من شواهد النحاة فى باب المفعول معه على أنه إذا لم يمكن عطف الاسم الواقع بعد الواو على ما قبله تعين النصب على المعية، أو على إضمار فعل يليق به. وهو فى ابن عقيل 1: 524، غير منسوب.
(2/259)

وقال الآخر (1):
يا ليت بعلك قد غدا … متقلّدا سيفا ورمحا
أراد حاملا رمحا.
ووجدت أبا بكر بن الأنبارىّ يقول: إن الاستشهاد بهذه الأبيات لا يجوز على هذا الوجه؛ لأنّ الأبيات اكتفى فيها بذكر فعل عن ذكر فعل غيره، والآية اكتفى فيها باسم دون اسم
والأمر وإن كان على ما قاله فى الاسم والفعل؛ فإن موضع الاستشهاد صحيح؛ لأن الاكتفاء فى الأبيات بفعل عن فعل إنما حسن من حيث دلّ الكلام على المحذوف والمضمر واقتضاه، فحذف تعويلا على أن المراد مفهوم غير ملتبس ولا مشتبه.
وهذا المعنى قائم فى الآية، وإن كان المحذوف اسما؛ لأن اللبس قد زال، والشبهة قد أمنت فى المراد بها؛ فحسن الحذف؛ لأن الفرقان إذا كان اسما للقرآن؛ وكان من المعلوم أن القرآن إنما أنزل على نبينا صلى الله عليه وآله دون موسى عليه السلام استغنى عن ان يقال: وآتينا محمدا الفرقان؛ كما استغنى الشاعر أن يقول: ويفقأ عينيه، وترى لليدين جسأة وبددا، وما شاكل ذلك.
إلا أنه يمكن أن يقال فيما استشهد به فى جميع الأبيات مما لا يمكن أن يقال مثله فى الآية؛ وهو أنّه يقال: لا محذوف، ولا تقدير لفعل مضمر؛ بل الكلام فى كلّ بيت منها محمول على المعنى؛ ومعطوف عليه؛ لأنه لما قال:
* تراه كأنّ الله يجدع ألفه*
وكان معنى الجدع هو الإفساد للعضو والتشويه به عطف على المعنى، فقال: «وعينيه» فكأنه قال: كأنّ الله يجدع أنفه، أى يفسده ويشوّهه، ثم قال: «وعينيه». وكذلك لما كان السامع للغط من الأحشاء عالما به عطف على المعنى فقال: «ولليدين جسأة وبددا»؛ أى أنّه يعلم هذا وذاك معا؛ وكذلك لما كان فى قوله: «علفت» معنى غذيت عطف
عليه الماء؛ لأنه مما
__________
(1) هو عبد الله بن الزبعرى، كما فى حواشى ابن الفوطية على الكامل 189 ليبسك. وانظر حواشى شرح المرزوقى للحماسة 1147.
(2/260)

يغتذى به؛ وكذلك لما كان المتقلّد للسيف حاملا له جاز أن يعطف عليه الرمح المحمول.
وهذا أولى فى الطعن على الاستشهاد بهذه الأبيات مما ذكره ابن الأنبارىّ.
*** أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الكاتب قال أخبرنا محمد بن يحيى الصولىّ قال أخبرنا يحيى بن على بن يحيى/ المنجم قال أخبرنا أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرىّ عن الهيثم بن عدىّ قال: لما دخل خالد بن صفوان الأهتمىّ (1) على هشام بن عبد الملك- وذلك بعد عزله خالد ابن عبد الله القسرىّ- قال: فألفيته جالسا على كرسىّ فى بركة ماؤها إلى الكعبين، فدعا لى بكرسىّ فجلست عليه؛ فقال يا خالد، ربّ خالد جلس مجلسك كان ألوط بقلبى، وأحبّ إلى منك! فقلت: يا أمير المؤمنين؛ إنّ حلمك لا يضيق عنه، فلو صفحت عن جرمه! فقال: يا خالد؛ إنّ خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف؛ ولم يدع لراجع مرجعا، ولا لعودة موضعا. ثم قال: ألا أخبرك عنه يا ابن صفوان! قلت: نعم، قال: إنه ما بدأنى بسؤال حاجة مذ قدم العراق حتى أكون أنا الّذي أبدؤه بها، قال خالد: فذاك أحرى أن ترجع إليه، فقال متمثلا:
إذا انصرفت نفسى عن الشّيء لم تكد … إليه بوجه آخر الدّهر تقبل (2)
ثم قال: حاجتك يا ابن صفوان، قلت: تزيدنى فى عطائى عشرة دنانير، فأطرق ثم قال:
ولم؟ وفيم؟ العبادة أحدثتها فنعينك عليها، أم لبلاء حسن أبليته عند أمير المؤمنين؟
أم لماذا يا ابن صفوان؟ إذا يكثر السؤال، ولا يحتمل ذلك بيت المال. قال: فقلت:
يا أمير المؤمنين؛ وفّقك الله وسدّدك، أنت والله كما قال أخو خزاعة:
إذا المال لم يوجب عليك عطاءه … قرابة قربى، أو صديق توامقه (3)
منعت- وبعض المنع حزم وقوّة- … ولم تفتلتك المال إلّا حقائقه
__________
(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «الأهتم».
(2) البيت لمعن بن أوس، وهو فى الحماسة 1131 - بشرح المرزوقى.
(3) البيتان لكثير؛ وهما فى ديوانه 2: 83، والأغانى 11: 192 (طبعة الدار) وأمالى القالى 2: 88، وتوامقه، توده؛ مفاعلة من الموامقة؛
وتفتلتك، أى يخرجه من يدك وقبضتك.
(2/261)

فلما قدم خالد البصرة، قيل له: ما الّذي حملك على تزيين الإمساك له؟ قال: أحببت أن يمنع غيرى كما منعنى، فيكثر من يلومه.
قال سيدنا أدام الله علوّه: وكان خالد مشهورا بالبلاغة وحسن العبارة.
*** وبالإسناد المتقدم عن المدائنىّ قال: قال حفص بن معاوية بن عمرو الغلابىّ، قلت لخالد: يا أبا صفوان، إنى لأكره أن تموت وأنت من أيسر أهل البصرة فلا يبكيك إلا الإماء، قال: فابغنى امرأة، قلت: صفها لى أطلبها لك، قال: أريد بكرا كثيّب، أو ثيّبا كبكر، / لا ضرعا صغيرة، ولا مسنّة كبيرة؛ لم تقرأ فتجبن (1)، ولم تفتّ (2) فتمجن؛ قد نشأت فى نعمة، وأدركتها خصاصة، فأدّبها الغنى، وأذلّها الفقر، حسبى من جمالها أن تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب؛ وحسبى من حسنها أن تكون واسطة قومها، ترضى منى بالسّنة؛ إن عشت أكرمتها، وإن متّ ورّثتها، لا ترفع رأسها إلى السماء نظرا، ولا تضعه إلى الأرض سقوطا. فقلت: يا أبا صفوان؛ إنّ الناس فى طلب هذه مذ زمان طويل فما يقدرون عليها.
وكان يقول: إن المرأة لو خفّ محملها، وقلّت مئونتها ما ترك اللئام فيها للكرام بيتة ليلة؛ ولكن ثقل محملها، وعظمت مئونتها فاجتباها الكرام، وحاد عنها اللئام.
وكان خالد من أشحّ الناس وأبخلهم؛ كان إذا أخذ جائزة أو غيرها قال للدرهم:
أما والله لطالما أغرت فى البلاد وأنجدت؛ والله لأطيلن ضجعتك، ولأديمنّ صرعتك.
وسأله رجل من بنى تميم فأعطاه دانقا، فقال: يا سبحان الله! أتعطى مثلى دانقا! فقال له: لو أعطاك كلّ رجل من بنى تميم مثل ما أعطيتك لرحت ذا مال عظيم.
وسأله رجل، فأعطاه درهما فاستقلّه، فقال: يا أحمق، أما علمت أنّ الدرهم عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف عشر دية مسلم! وكان يقول: والله ما تطيب نفسى بإنفاق درهم إلا درهما قرعت به باب الجنة، أو درهما اشتريت به موزا.
__________
(1) من نسخة بحاشية ف: «فتحنن»، وانظر عيون الأخبار 4: 5.
(2) حاشية الأصل: «لم تفت من الفتوة».
(2/262)

وقال: لأن يكون لى ابن يحب الخمر أحبّ إلى من أن يكون لى ابن يحبّ اللحم؛ لأنه متى طلب اللحم وجده، والخمر يفقده أحيانا.
وكان يقول: من كان ماله كفافا فليس بغنىّ ولا فقير؛ لأن النائبة إذا نزلت به أجحفت بكفافه؛ ومن كان ماله دون الكفاف فهو فقير، ومن كان ماله فوق الكفاف فهو غنىّ.
وكان يقول: لأن يكون لأحدكم جار يخاف أن ينقب عليه بيته خير من أن يكون له جار من التجار؛ لا يشاء أن يعطيه مالا ويكتب به عليه صكّا إلا فعل.
(2/263)

مجلس آخر 77
تأويل آية [إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ، وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ/ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ، وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ/ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ؛ [الأنعام: 33].
فقال: كيف يخبر عنهم بأنهم لا يكذّبون نبيّه عليه السلام، ومعلوم منهم إظهار التكذيب، والعدول عن الاستجابة والتصديق، وكيف ينفى عنهم التكذيب ثم يقول:
إنهم بآيات الله يجحدون؟ وهل الجحد بآيات الله إلا تكذيب نبيه عليه السلام!
الجواب، قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجوه:
أولها أن يكون إنما نفى تكذيبهم بقلوبهم تدينا واعتقادا، وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب؛ لأنّا نعلم أنه قد كان فى المخالفين له عليه السلام من يعلم صدقه، ولا ينكر بقلبه حقّه؛ وهو مع ذلك معاند؛ فيظهر خلاف ما يبطن، وقد قال تعالى: وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ؛ [البقرة: 146].
ومما يشهد لهذه الوجه من طريق الرواية ما رواه سلّام بن مسكين عن أبى يزيد المدنىّ أن رسول الله صلى الله عليه وآله لقى أبا جهل فصافحه أبو جهل، فقيل له: يا أبا الحكم، أتصافح هذا الصّبيّ؟ فقال: والله إنى لأعلم أنه نبىّ؛ ولكن متى كنا تبعا لبنى عبد مناف! فأنزل الله تعالى الآية.
وفى خبر آخر أن الأخنس بن شريق خلا بأبي جهل، فقال له: يا أبا الحكم، أخبرنى عن محمد صلى الله عليه وآله، أصادق هو أم كاذب! فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيرى وغيرك يسمع كلامنا، فقال له أبو جهل: ويحك! والله إنّ محمدا لصادق، وما كذب
(2/264)

محمد قط؛ ولكن إذا ذهب بنو قصىّ باللواء والحجابة والسّقاية والنّدوة والنبوّة، ماذا يكون لسائر قريش!
والوجه الثانى أن يكون معنى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أى لا يفعلون ذلك بحجة، ولا يتمكون من إبطال ما جئت به ببرهان؛ وإنما يقتصرون على الدعوى الباطلة؛ وهذا فى الاستعمال معروف؛ لأنّ القائل يقول: فلان لا يستطيع أن يكذّبنى ولا يدفع قولى؛ وإنما يريد أنه لا يتمكّن من إقامة دليل على كذبه، وحجة فى دفع قوله؛ وإن كان يتمكن من التكذيب بلسانه وقلبه، فيصير ما يقع من التكذيب من غير حجّة ولا برهان غير معتد به.
وروى عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام أنه قرأ هذه الآية بالتخفيف: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ، ويقول: أنّ المراد بها أنهم/ لا يأتون بحق هو أحقّ من حقك.
وقال محمد بن كعب القرظىّ: معناها لا يبطلون ما فى يديك؛ وكل ذلك يقوّى هذا الوجه؛ وسنبيّن أنّ معنى هذه اللفظة مشدّدة يرجع إلى معناها مخففة.
والوجه الثالث أن يكون معنى الآية أنهم لا يصادفونك ولا يلفونك متقوّلا؛ كما يقولون:
قاتلته فما أجبنته، أى ما وجدته جبانا، وحادثته فما أكذبته؛ أى لم ألفه كاذبا؛ وقال الأعشى:
أثوى وقصّر ليلة ليزوّدا … فمضى وأخلف من قتيلة موعدا (1)
أراد أنه صادف منها خلفا المواعيد، ومثله قولهم: أصممت القوم؛ إذا صادفتهم صما، وأخليت الموضع، إذا صادفته خاليا؛ قال الشاعر:
أبيت مع الحدّاث ليلى فلم أبن … فأخليت فاستجمعت عند خلائيا
أى أصبت مكانا خاليا.
__________
(1) ديوانه: 150.
(2/265)

ومثله لهيمان بن أبى قحافة:
يسنّ أنيابا له لوامجا (1) … أوسعن من أشداقه المضارجا (2)
يعنى ب «أوسعن» أصبن منابت واسعة فنبتن فيها.
وقال عمرو بن براق:
تحالف أقوام عليّ ليسمنوا … وجرّوا عليّ الحرب إذ أنا سائم (3)
يقال: أسمن بنو فلان، إذا رعت إبلهم فصادفوا فيها سمنا.
وقال أبو النجم:
مستأسدا ذبابه فى غيطل … يقلن للرائد أعشبت انزل (4)
أى أصبت مكانا معشبا.
وقال ذو الرّمة:
تريك بياض لبّتها ووجها … كقرن الشّمس أفتق ثمّ زالا (5)
أى وجد فتقا من السحاب.
وليس لأحد أن يجعل هذا الوجه مختصا بالقراءة بالتخفيف دون التشديد؛ لأن فى الوجهين معا يمكن هذا الجواب، لأن «أفعلت» و «فعلت» يجوزان فى هذا الموضع، و «أفعلت» بالتخفيف هو الأصل ثم شدد تأكيدا وإفادة لمعنى التكرار؛ وهذا مثل أكرمت وكرّمت، وأعظمت وعظّمت، وأوصيت ووصّيت، وأبلغت وبلّغت؛ وهو كثير/؛ قال الله تعالى:
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق: 17]؛ إلا أن التخفيف أشبه بهذا الوجه؛ لأن استعمال هذه اللفظة مخففة فى هذا المعنى أكثر.
والوجه الرابع ما حكى الكسائىّ من قوله: إن المراد أنهم لا ينسبونك إلى الكذب فيما أثبت به؛ لأنه كان أمينا صادقا لم يجرّبوا عليه كذبا؛ وإنما كانوا يدفعون ما أتى به، ويدّعون أنه فى نفسه كذب؛ وفى الناس من يقوّى هذا الوجه، وأن القوم كانوا يكذّبون ما أتى به، وإن
__________
(1) اللمج: الأكل.
(2) المضارج: الثياب المشقوقة؛ والبيت فى اللسان (ضرج).
(3) البيت فى الأغانى 21: 114.
(4) الطرائف الأدبية 59.
(5) ديوانه 434.
(2/266)

كانوا يصدقونه فى نفسه بقوله تعالى: وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ؛ وبقوله تعالى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ؛ [الأنعام: 66]؛ ولم يقل: وكذّبك قومك. وكان الكسائىّ يقرأ: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف ونافع من بين
سائر السبعة، والباقون على التشديد؛ ويزعم أنّ بين أكذبه وكذّبه فرقا، وأن معنى أكذب الرجل، أنه جاء بكذب، ومعنى كذّبته أنه كذاب فى كل حديثه. وهذا غلط وليس بين «فعّلت» و «أفعلت» فى هذه الكلمة فرق من طريق المعنى أكثر مما ذكرناه من أنّ التشديد يقتضي التكرار والتأكيد، ومع هذا لا يجوز أن يصدّقوه فى نفسه، ويكذّبوا بما أتى به؛ لأن من المعلوم أنه عليه السلام كان يشهد بصحة ما أتى به وصدقه، وأنه الدين القيم، والحق الّذي لا يجوز العدول عنه؛ فكيف يجوز أن يكون صادقا فى خبره وكان الّذي أتى به فاسدا! بل إن كان صادقا فالذى أتى به حقّ صحيح، وإن كان الّذي أتى به فاسدا؛ فلا بد من أن يكون فى شيء من ذلك كاذبا؛ وهو تأويل من لا يتحقق المعانى.
والوجه الخامس أن يكون المعنى فى قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أن تكذيبك راجع إلى، وعائد عليّ؛ ولست المختص به؛ لأنه رسول فمن كذبه فهو فى الحقيقة مكذّب لله تعالى ورادّ عليه. وهذا كما يقول أحدنا لرسوله: امض فى كذا فمن كذّبك فقد كذبنى، ومن دفعك فقد دفعنى؛ وذلك من الله على سبيل التسلية لنبيه عليه السلام؛ والتعظيم والتغليظ لتكذيبه.
والوجه السادس أن يريد: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ فى الأمر الّذي يوافق فيه تكذيبهم، وإن كذبوك فى غيره.
ويمكن فى الآية وجه سابع، وهو أن يريد تعالى أن جميعهم لا يكذبونك وإن كذّبك بعضهم؛ فهم الظالمون الذين ذكروا فى آخر الآية بأنهم يجحدون بآيات الله؛ وإنما سلّى نبيه عليه السلام بهذا القول وعزّاه؛ فلا ينكر أن يكون موسى عليه السلام لما استوحش من تكذيبهم له وتلقيهم إياه بالرد؛ وظن أنه لا متّبع له منهم، ولا ناصر لدينه فيهم أخبره
(2/267)

الله تعالى بأنّ البعض وإن كذبك فإن فيهم من يصدقك ويتبعك وينتفع بإرشادك وهدايتك؛ وكل هذا واضح والمنة لله.
*** قال سيدنا أدام الله علوّه: ومن جيد الشعر قول مطرود بن كعب الخزاعىّ:
يا أيّها الرّجل المحوّل رحله … ألّا نزلت بآل عبد مناف! (1)
هبلتك أمّك لو نزلت عليهم … ضمنوك من جوع ومن إقراف (2)
الآخذون العهد من آفاقها … والرّاحلون لرحلة الإيلاف
والمطعمون إذا الرّياح تناوحت … ورجال مكّة مسنتون عجاف
والمفضلون إذا المحول ترادفت … والقائلون هلمّ للأضياف
والخالطون غنيّهم بفقيرهم … حتى يكون فقيرهم كالكافي (3)
كانت قريش بيضة فتفلّقت … فالمحّ خالصة لعبد مناف (4)
__________
(1) معجم الشعراء 375، وسيرة ابن هشام 1: 117 (على حاشية روض الأنف)؛ وذكر أنه رثى بها عبد المطلب بن عبد مناف؛ وفى معجم الشعراء: «هلا حللت»، وفى ابن هشام: «هلا سألت عن آل عبد مناف».
(2) قال السهيلىّ فى شرح هذا البيت: «أى منعوك من أن تنكح بناتك أو أخواتك من لئيم؛ فيكون الابن مقرفا للؤم أبيه وكرم أمه؛ فيلحقك وصم من ذلك؛ ونحو منه قول مهلهل:
أنكحها فقدها الأراقم فى … جنب، وكان الحباء من أدم
أى أنكحت لغربتها من غير كفء».
(3) الكافى: الغنىّ الّذي يكفى غيره.
(4) البيت فى اللسان (مح)، والسيرة 1: 94 وابن أبى الحديد 3: 453، والعينى 4: 140 منسوب إلى ابن الزبعرى. والمح: صفرة البيض؛ كالمحة. وخالصة: مصدر؛ وفى حاشية الأصل (من نسخة): «خالصها»؛ وهى رواية اللسان. وزاد فى رواية ابن هشام:
إمّا هلكت- أبا الفعال- فما جرى … من فوق مثلك عقد ذات نطاف
إلّا أبيك أخى المكارم وحده … والفيض مطّلب أبى الأضياف.
(2/268)

أما قوله:
* والراحلون لرحلة الإيلاف*
فكان هاشم صاحب إيلاف قريش للرحلتين وأول من سنهما، فألفوا الرحلتين: فى الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق، وفى الصيف إلى الشام. وفى ذلك يقول ابن الزّبعرى:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه … ورجال مكّة مسنتون عجاف (1)
وهو الّذي سنّ الرّحيل لقومه … رحل الشّتاء ورحلة (2) الأضياف
فأما «المسنتون» فهم الذين أصابتهم السنة المجدبة الشديدة.
وقوله:
* والخالطون غنيّهم بفقيرهم*
من أحسن الكلام وأخصره؛ وإنما أراد أنهم يفضلون على الفقير حتى يعود غنيا/ ذا ثروة.
ولأحمد بن يوسف أبيات على هذا الوزن يمزح بها مع ولد سعيد بن سلم الباهلىّ، وكان لهم صديقا:
أبني سعيد إنّكم من معشر … لا يعرفون كرامة الأضياف (3)
قوم لباهلة بن يعصر إن هم … نسبوا حسبتهم لعبد مناف
قرنوا الغداء إلى العشاء وقرّبوا … زادا لعمر أبيك ليس بكاب
وكأنّنى لمّا حططت إليهم … رحلى نزلت بأبرق العزّاف (4)
بينا كذلك إذ أتى كبراؤهم … يلحون فى التّبذير والإسراف
__________
(1) سيرة ابن هشام 1: 94، والعينى 1: 140، وابن أبى الحديد 3: 453.
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «برحلة».
(3) الأبيات فى معجم البلدان 1: 78، روى عن المبرد أنه عزاها لرجل يهجو بنى سعد بن قتيبة الباهلى.
(4) أبرق العزاف: ماء لبنى أسد بن خزيمة بن مدركة. وفى حاشية الأصل: «مغارة بعينها».
(2/269)

أراد بقوله: «قرنوا الغداء إلى العشاء» من بخلهم واختصارهم فى المطعم؛ ويقال: إنّ هذا الشعر حفظ وصار من أكثر ما يسبّون به ويسبّ قومهم؛ ولرب مزح جرّ جدّا، وعثرة الشعر لا تستقال؛ والشعر يسير بحسب جودته.
ولقد أحسن دعبل بن على فى قوله:
نعونى ولمّا ينعنى غير شامت … وغير عدوّ قد أصيبت مقاتله (1)
يقولون إن ذاق الرّدى مات شعره … وهيهات عمر الشّعر طالت طوائله!
سأقضى ببيت يحمد النّاس أمره … ويكثر من أهل الرّواية حامله
يموت رديّ الشّعر من قبل ربّه … وجيّده يبقى؛ وإن مات قائله (2)
ولآخر فى هذا المعنى (3):
لا تعرضنّ بمزح لامرئ فطن … ما راضه قلبه أجراه فى الثّبت (4)
فربّ قافية بالمزح جارية … مشئومة لم يرد إنماؤها نمت
إنّى إذا قلت بيتا مات قائله … ومن يقال له والبيت لم يمت
__________
(1) الأبيات فى الكامل 4: 111 - بشرح المرصفى، والموشح: 381.
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «إذا مات».
(3) من أبيات فى (الكامل 4: 110 - 111 بشرح المرصفى)؛ ونسبها أيضا لدعبل؛ وأولها:
أحببت قومى ولم أعدل لحبّهم … قالوا: تعصبت جهلا، قول ذى بهت.
(4) الثبت: الدرج؛ وفى حاشية الأصل (من نسخة): «الشفة»؛ وهى رواية الكامل.
(2/270)

مجلس آخر 78
تأويل آية أخرى [ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ/ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ/ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ؛ [الأنعام: 23، 24] وعن قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ؛ [الأنعام: 27، 28].
فقال: كيف يقع من أهل الآخرة نفى الشرك عن أنفسهم، والقسم بالله تعالى عليه وهم كاذبون فى ذلك؛ مع أنهم عندكم فى تلك الحال لا يقع منهم شيء من القبيح لمعرفتهم بالله تعالى ضرورة؛ ولأنهم ملجئون هناك إلى ترك جميع القبائح، وكيف قال من بعد: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فشهد عليهم بالكذب، ثم علّقه بما لا يصح فيه معنى الكذب وهو التمنى؛ لأنهم تمنوا ولم يخبروا!
الجواب، قلنا: أول ما نقوله: إنه ليس فى ظاهر الآية ما يقتضي أن قولهم: ما كُنَّا مُشْرِكِينَ إنما وقع فى الآخرة دون الدنيا؛ وإذا لم يكن ذلك فى الظاهر جاز أن يكون الإخبار يتناول حال الدنيا، وسقطت المسألة؛ وليس لأحد أن يتعلّق فى وقوع ذلك فى الآخرة بقوله تعالى قبل الآية: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: 22]؛ وأنه عقّب ذلك بقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ؛ فيجب أن يكون الجميع مختصا بحال الآخرة؛ لأنه لا يمنع أن تكون الآية تتناول ما يجرى فى الآخرة، ثم تتلوها آية تتناول ما يجرى فى الدنيا؛ لأن مطابقة كل آية لما قبلها فى مثل هذا
(2/271)

غير واجبة، وقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ لا تدلّ أيضا على أن ذلك يكون واقعا بعد ما خبر تعالى عنه فى الآية
الأولى؛ فكأنه تعالى قال على هذا الوجه: إنا نحشرهم فى الآخرة ونقول: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ وما كان فتنتهم وسبب ضلالهم فى الدنيا إلا قولهم:
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.
وقد قيل فى الآية- على تسليم أنّ هذا القول يقع منهم فى الآخرة-: إنّ المراد به أنا ما كنا عند نفوسنا وفى اعتقادنا مشركين؛ بل كنا نعتقد أنا على الحق والهدى، وقوله تعالى من بعد:
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لم يرد هذا الخبر الّذي وقع منهم فى الآخرة؛ بل إنهم كذبوا على أنفسهم فى دار الدنيا بإخبارهم/ أنهم مصيبون محقّون غير مشركين؛ وليس فى الظاهر إلا أنهم كذبوا على أنفسهم من غير تخصيص بوقت؛ فلم يحمل على آخرة دون دنيا.
ولو كان للآية ظاهر يقتضي وقوع ذلك فى الآخرة لحملناه على الدنيا؛ بدلالة أن أهل الآخرة لا يجوز أن يكذبوا لأنهم ملجئون إلى ترك القبيح.
فأما قوله تعالى حاكيا عنهم: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وقوله تعالى: فإنّهم لَكاذِبُونَ فمن الناس من حمل الكلام كله على وجه التمنى؛ فصرف قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ إلى غير الأمر الّذي تمنوه؛ [لأن التمنى لا يصح معه الصدق والكذب] (1)؛ لأنهما إنما يدخلان فى الأخبار المحضة؛ لأن قول القائل: ليت الله رزقنى ولدا؛ وليت فلانا أعطانى مالا أفعل به كذا وكذا لا يكون كذبا ولا صدقا؛ وقع ما تمناه أو لم يقع؛ فيجوز على هذا أن يكون قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ مصروفا إلى حال الدنيا، كأنه تعالى قال: وهم كاذبون فيما يخبرون به عن أنفسهم فى الدنيا من الإضافة واعتقاد الحق؛ أو يريد أنّهم كاذبون أن خبّروا (2) عن أنفسهم أنهم متى ردوا آمنوا ولم يكذبوا؛ وإن كان ما كان مما حكى عنهم من التمنى ليس بخبر.
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة)؛ «لأن التمنى لا يصح فيه معنى الصدق والكذب».
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «أن يخبروا».
(2/272)

وقد يجوز أيضا أن يحمل قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ على غير الكذب الحقيقىّ؛ بل يكون المراد والمعنى أنهم تمنوا ما لا سبيل إليه فكذب (1) أملهم وتمنّيهم؛ وهذا مشهور فى الكلام؛ لأنهم يقولون لمن تمنى ما لا يدرك: كذب أملك، وأكدى رجاؤك؛ وما جرى مجرى ذلك؛ قال الشاعر:
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها … مراغمة ما دام للسّيف قائم
وقال آخر:
كذبتم وبيت الله لا تنكحونها … بنى شاب قرناها تصرّ وتحلب (2)
ولم يرد الكذب فى الأقوال؛ بل فى التمنى والأمل.
وليس لأحد أن يقول: كيف يجوز من أهل الآخرة مع معارفهم الضرورية، وأنهم عالمون بأنّ الرجوع إلى الدنيا لا سبيل إليه أن يتمنوه؛ وذلك أنه غير ممتنع أن يتمنى المتمنّى ما يعلم أنّه لا يحصل ولا يقع؛ ولهذا يتعلّق التمنى للشيء/ بألّا يكون ما قد كان. ولقوّة اختصاص التمنى بما يعلم أنه لا يكون غلط قوم فجعلوا إرادة ما علم المريد أنه لا يكون تمنيا؛ فهذا الّذي ذكرناه وجه فى تأويل الآية.
وفى الناس من يجعل بعض الكلام تمنّيا وبعضه إخبارا، وعلّق تكذيبهم بالخبر دون لَيْتَنا؛ فكان تقدير الآية: يا ليتنا نرد- وهذا هو التمنى- ثم قال من بعد: فإنّا لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فأخبروا بما علم الله تعالى أنهم فيه كاذبون؛ وإن لم يعلموا من أنفسهم مثل ذلك؛ فلهذا كذّبهم الله تعالى. وكل هذا واضح.
*** أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريّان (3) قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزىّ قال حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله العبدىّ قال حدثنا
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «فكذب أملهم» بالتشديد.
(2) البيت فى اللسان (قرن)، وسيبويه 1: 259، 2: 65؛ وشاب قرناها: لقب لامرأة.
(3) حاشية الأصل (من نسخة): «العسكرى».
(2/273)

أبو مسعر (1) - رجل منا من بنى غنم بن عبد القيس- قال: ورد (2) منصور بن سلمة النّمرىّ على البرامكة، وهو شيخ كبير- وكان مروان بن أبى حفصة صديقا لى؛ على أنى كنت أبغضه وأمقته فى الله- فشكا إلى وقال: دخل علينا اليوم رجل أظنه شاميا- وقد تقدمته البرامكة فى الذكر عند الرشيد- فأذن له، فدخل فسلّم وأجاد، فأذن له الرشيد، فجلس. قال:
فأوجست منه خوفا فقلت: يا نفس، أنا حجازىّ نجدى شافهت العرب وشافهتنى، وهذا شامىّ؛ أفتراه أشعر منى! قال: فجعلت أرفو (3) نفسى إلى أن استنشده هارون؛ فإذا هو والله من أفصح الناس، فدخلنى له حسد؛ قال: فأنشده قصيدة تمنيت أنها لي؛ وأنّ عليّ غرما، فقلت له: ما هى؟ قال: أحفظ منها أبياتا، وهى:
أمير المؤمنين إليك خضنا … غمار الموت من بلد شطير
بخوص كالأهلّة جانفات … تميل على السّرى وعلى الهجير
حملن إليك آمالا عظاما … ومثل الصخر والدّرّ النّثير
فقد وقف المديح بمنتهاه … وغايته وصار إلى المصير
إلى من لا تشير إلى سواه … - إذا ذكر النّدى- كفّ المشير
/ قال مروان: فوددت أنه قد أخذ جائزتى وسكت. وعجبت من تخلّصه إلى تلك القوافى.
ثم ذكر ولد أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، فأحسن التخلص، ورأيت هارون يعجب بذلك؛ فقال:
يد لك فى رقاب بنى عليّ … ومنّ ليس بالمنّ اليسير
فإن شكروا فقد أنعمت فيهم … وإلّا فالنّدامة للكفور
مننت على ابن عبد الله يحيى … وكان من الحتوف على شفير
وقد سخطت لسخطتك المنايا … عليه؛ فهى حائمة النّسور
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «أبو مسعود».
(2) الخبر فى الأغانى 12: 16 - 17.
(3) أرفو نفسى: أسكنها من الرعب.
(2/274)

ولو كافأت ما اجترحت يداه … دلفت له بقاصمة الظّهور
ولكن جلّ حلمك واجتباه … على الهفوات عفو من قدير
فعاد كأنّه لم يجن ذنبا … وقد كان اجتنى حسك الصدور
وإنّك حين تبلغهم أذاة … - وإن ظلموا- لمحترق الضّمير
وإن الرشيد قال لما سمع هذا البيت: هذا والله معنى كان فى نفسى؛ وأدخله بيت المال فحكّمه فيه.
عدنا إلى الخبر، قال مروان: وكان هارون يبسم ويكاد يضحك للطف ما سمع؛ ثم أومأ إلى أن أنشد، فأنشدته قصيدتى التى أقول فيها:
خلّوا الطّريق لمعشر عاداتهم … حطم المناكب كلّ يوم زحام (1)
حتى أتيت على آخرها؛ فو الله ما عاج ذلك الرجل/- يعنى النمرىّ- بشعرى، ولا حفل به.
قال: وأنشده منصور يومئذ:
إنّ لهارون إمام الهدى … كنزين من أجر ومن برّ
يريش ما تبرى اللّيالى ولا … تريش أيديهنّ ما يبرى
كأنّما البدر على رحله … ترميك منه مقلتا صقر
قال وأنشده أيضا:
ولمن أضاع لقد عهدتك حافظا … لوصيّة العبّاس بالأخوال
/ قال مروان: وأخلق به أن يغلبنى وأن يعلو عليّ عنده؛ فإنى ما رأيت أحسن من تخلّصه إذا ذكر الطالبيّين (2).
***
__________
(1) بعده فى رواية الأغانى:
ارضوا بما قسم الإله لكم به … ودعوا وراثة كلّ أصيد حام
أنّى يكون وليس ذاك بكائن … لبنى البنات وراثة الأعمام! .
(2) د، ومن نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «إلى ذكر الطالبيين».
(2/275)

أخبرنا المرزبانىّ قال حدثنى أبو عبد الله الحكيمىّ قال حدثنى يموت بن المزرّع قال حدثنى أبو عثمان الجاحظ قال: كان منصور النّمرىّ ينافق الرشيد ويذكر هارون فى شعره؛ ويريه أنّه من وجوه شيعته، وباطنه ومراده بذلك أمير المؤمنين عليه السلام، لقول النبي صلى الله عليه وآله: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى»؛ إلى أن وشى عنده بعض أعدائه- وهو العتّابىّ- فقال: يا أمير المؤمنين، هو والله الّذي يقول:
متى (1) يشفيك دمعك من همول … ويبرد ما بقلبك من غليل!
وأنشده أيضا:
شاء من النّاس راتع هامل … يعلّلون النّفوس بالباطل (2)
ومنصور يصرّح فى هذه القصيدة بالعجائب؛ فوجّه الرشيد برجل من فزارة، وأمره أن يضرب عنق منصور حيث تقع عينه عليه؛ فقدم الرجل رأس عين (3) بعد موت منصور بأيام قلائل.
قال المرزبانىّ: ويصدّق قول الجاحظ أنّ النّمرىّ كان يذكر هارون فى شعره؛ وهو يعنى به أمير المؤمنين عليّا عليه السلام ما أنشدناه (4) محمد بن الحسن بن دريد للنّمرىّ:
آل الرّسول خيار الناس كلّهم … وخير آل رسول الله هارون
رضيت حكمك لا أبغى به بدلا … لأنّ حكمك بالتّوفيق مقرون
*** وروى أنّ أبا عصمة الشيعىّ لما أوقع بأهل ديار ربيعة أوفدت ربيعة وفدا إلى الرشيد، فيهم منصور النّمرىّ؛ فلما صاروا بباب الرشيد أمرهم باختيار من يدخل عليه، فاختاروا عددا بعد عدد، إلى أن اختاروا رجلين؛ النّمرىّ أحدهما؛ ليدخلا ويسألا حوائجهما- وكان
__________
(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «متى ينفك».
(2) الأغانى 12: 19.
(3) رأس عين: من مدن الجزيرة، بين حران ونصيبين.
(4) حاشية الأصل: «نسخة س: ما أنشده».
(2/276)

النّمرىّ مؤدبا، لم يسمع منه شعر قط قبل ذلك، ولا عرف به- فلما مثل هو وصاحبه بين يدى الرشيد قال لهما: قولا ما تريدان، فاندفع النّمرىّ فأنشد:
* ما تنقضى حسرة منّى ولا جزع*
فقال له الرشيد: قل حاجتك وعدّ عن هذا، فقال:
* إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع*
/ وأنشده القصيدة حتى أتى إلى قوله:
ركب من النّمر عاذوا بابن عمّهم … من هاشم إذ ألحّ الأزلم الجذع (1)
متّوا إليك بقربى منك تعرفها … لهم بها فى سنام المجد مطّلع
إنّ المكارم والمعروف أودية … أحلّك الله منها حيث تجتمع (2)
إذا رفعت امرأ فالله رافعه … ومن وضعت من الأقوام متّضع
نفسى فداؤك والأبطال معلمة … يوم الوغى والمنايا بينهم قرع
حتى أتى إلى آخرها؛ فقال: ويحك! قل حاجتك فقال: يا أمير المؤمنين، أخربت الديار، وأخذت الأموال، وهتك الحرم؛ فقال: اكتبوا له بكلّ ما يريد؛ وأمر له بثلاثين ألف درهم، واحتبسه عنده، وشخص أصحابه بالكتب، ولم يزل عنده يقول الشعر فيه حتى استأذنه فى الانصراف فأذن له؛ ثم اتصل بالرشيد قوله:
شاء من النّاس راتع هامل … يعلّلون النّفوس بالباطل
تقتل ذرّيّة النّبيّ ويرجو … ن خلود الجنان للقاتل
ما الشّكّ عندى فى كفر قاتله … لكنّنى قد أشكّ فى الخاذل
فامتعض الرشيد وأنفذ من يقتله؛ فوجده فى بعض الروايات ميتا، وفى أخرى عليلا لما به، فسئل الرسول ألّا يأثم به؛ وأن ينتظر موته، ففعل ولم يبرح حتى توفّى، فعاد بخبر موته إلى هارون.
__________
(1) الأغانى 12: 19. الأزلم الجذع: اسم للدهر.
(2) د، ومن نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «تنتج».
(2/277)

وللنّمرىّ:
لو كنت أخشى معادى حقّ خشيته … لم تسم عينى إلى الدّنيا ولم تنم
لكنّنى عن طلاب الدّين محتبل … والعلم مثل الغنى والجهل كالعدم
يحاولون دخولى فى سوادهم … لقد (1) أطافوا بصدع غير ملتئم
ما يغلبون (2) النّصارى واليهود على … حبّ (3) القلوب ولا العبّاد للصّنم
__________
(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فقد».
(2) حاشية الأصل: «نسخة ش: ما تغلبون».
(3) حاشية الأصل: «نسخة ش: حب»، بفتح الحاء.
(2/278)

مجلس آخر 79
تأويل آية [وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ؛ [التكوير: 8، 9]
فقال: كيف يصحّ أن يسأل من لا ذنب له ولا عقل؟ وأىّ فائدة فى سؤالها عن ذلك؟
وما وجه الحكمة فيه؟ وما الموءودة؟ ومن أىّ شيء اشتقاق هذه اللفظة؟
الجواب، قلنا: أما معنى سُئِلَتْ ففيه وجهان:
أحدهما أن يكون المراد أن قاتلها طولب بالحجة فى قتلها، وسئل عن قتله لها، وبأىّ ذنب كان؛ على سبيل التوبيخ
والتعنيف وإقامة الحجة. فالقتلة هاهنا هم المسئولون على الحقيقة لا المقتولة؛ وإنما المقتولة مسئول عنها. ويجرى هذا مجرى قولهم: سألت حقى، أى طالبت به؛ ومثله قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا؛ [الإسراء: 34]؛ أى مطالبا به مسئولا عنه.
والوجه الآخر أن يكون السؤال توجّه إليها على الحقيقة على سبيل التوبيخ لقائلها، والتقريع له، والتنبيه له على أنّه لا حجة له فى قتلها؛ ويجرى هذا مجرى قوله تعالى لعيسى عليه السلام:
أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ [المائدة: 116]، على طريق التوبيخ لقومه وإقامة الحجة عليهم.
فإن قيل على هذا الوجه: كيف يخاطب ويسأل من لا عقل له ولا فهم!
والجواب، أن فى الناس من زعم أن الغرض بهذا القول إذا كان تبكيت الفاعل وتهجينه
(2/279)

وإدخال الغمّ عليه فى ذلك الوقت على طريق العقاب لم يمتنع أن يقع، وإن لم يكن من الموءودة فهم له؛ لأن الخطاب وإن علّق عليها، وتوجّه إليها فالغرض فى الحقيقة غيرها؛ وهذا يجرى مجرى من ضرب ظالم طفلا من ولده يقول: ولم (1) ضربت؟ وما ذنبك؟ وبأى شيء استحلّ (2) هذا منك؟ وغرضه تبكيت الظالم لا خطاب الطفل. فالأولى أن يقال فى هذا: إن الأطفال وإن كان (3) من جهة العقول لا يجب فى وصولهم إلى الأغراض المستحقة أن يكونوا كاملى العقول؛ كما يجب مثل ذلك فى الوصول إلى الثواب؛ فإنّ الخبر متظاهر، والأمة متفقة على أنهم فى الآخرة، وعند دخولهم الجنان يكونون على/ أكمل الهيئات؛ وأفضل الأحوال؛ وإنّ عقولهم تكون كاملة؛ فعلى هذا يحسن توجّه الخطاب إلى الموءودة؛ لأنها تكون فى تلك الحال ممن تفهم الخطاب وتعقله، وإن كان الغرض فيه التبكيت للقائل، وإقامة الحجة عليه.
وقد روى عن أمير المؤمنين عليه السلام؛ وابن عباس، ويحيى بن يعمر، ومجاهد، ومسلم ابن صبيح، وأبى الضحى؛ ومروان، وأبى صالح، وجابر بن زيد أنهم قرءوا سالت بفتح السين والهمزة وإسكان التاء بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ بإسكان اللام وضم التاء الثانية؛ على أن الموءودة موصوفة بالسؤال، وبالقول بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.
وروى القطعىّ عن سليمان الأعمش عن حفص عن عاصم: قُتِلَتْ بضم التاء الثانية، وفى سُئِلَتْ مثل قراءة الجمهور بضم السين.
وروى عن أبى جعفر المدنى: قُتِلَتْ بالتشديد وإسكان التاء الثانية.
وروى عن بعضهم: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ بفتح الميم والواو.
فأما من قرأ سألت بفتح السين؛ فيمكن فيه الوجهان اللذان ذكرناهما؛ من أن الله تعالى أكملها فى تلك الحال،
وأقدرها على النطق.
__________
(1) حاشية الأصل: «نسخة س: «لم»، بغير واو».
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «استحل» بالبناء للمجهول.
(3) م: «كانوا».
(2/280)

والوجه الآخر أن يكون معنى سألت أى سئل لها وطولب بحقها وانتصف لها من ظالمها؛ فكأنها هى السائلة تجوزا واتساعا. ومن قرأ بفتح السين من سألت ويضم التاء الثانية من قُتِلَتْ فعلى أنها هى المخاطبة بذلك.
ويجوز على هذا الوجه أيضا قُتِلَتْ بإسكان التاء الأخيرة كقراءة الجماعة؛ لأنه إخبار عنها، كما يقال: سأل زيد: بأى ذنب ضرب؛ وبأى ذنب ضربت. ويقوّى هذه القراءة فى سألت ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: «يجيء المقتول ظلما يوم القيامة وأوداجه تشخب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، متعلقا بقاتله يقول: يا رب سل هذا فيم قتلنى»
فأما القراءة المأثورة عن حفص عن عاصم فى ضم التاء الأخيرة من قُتِلَتْ مع ضم السين سُئِلَتْ فمعناها وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ: ما تبغى؟ فقالت: بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ فأضمر قولها. والعرب قد تضمر مثل هذا لدلالة الخطاب عليه، وارتفاع الإشكال عنه؛ مثل قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا؛ أى ويقولان ذلك؛ ونظائره/ فى القرآن كثيرة (1) جدا.
فأما قراءة من قرأ قُتِلَتْ بالتشديد فالمراد به تكرار الفعل بالموءودة هاهنا، وإن كان لفظها لفظ واحدة فالمراد به الجنس، وإرادة التكرار جائزة.
فأما من قرأ المودة بفتح الميم والواو، فعلى أن يكون الرحم والقرابة، وأنه يسأل قاطعها عن سبب قطعها وتضييمها، قال الله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ؛ [محمد: 22].
فأما الموءودة فهى المقتولة صغيرة، وكانت العرب فى الجاهلية تئد البنات بأن يدفنوهنّ أحياء، وهو قوله تعالى: أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ؛ [النحل: 59]؛ وقوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ [الأنعام: 140].
ويقال: إنهم كانوا يفعلون ذلك لأمرين:
__________
(1) ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «كبيرة».
(2/281)

أحدهما أنهم كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات بالله، فهو أحق بها منّا.
والأمر الآخر أنهم كانوا يقتلونهنّ خشية الإملاق، قال الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ؛ [الأنعام: 151].
قال سيدنا أدام الله علوّه: ووجدت أبا عليّ الجبائىّ وغيره يقول: إنما قيل لها موءودة؛ لأنها ثقّلت بالتراب الّذي طرح عليها حتى ماتت. وفى هذا بعض النظر؛ لأنهم يقولون من الموءودة: وأدت أئد وأدا، والفاعل وائد، والفاعلة وائدة، ومن الثّقل يقولون: آدنى الشيء يئودنى؛ إذا أثقلنى، أودا.
وروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن العزل فقال: «ذاك الوأد الخفىّ».
وقد روى عن جماعة من الصحابة كراهية ذلك، وقال قوم فى الخبر الّذي ذكرناه: إنه منسوخ بما روى عنه عليه السلام أنه قيل له: إن اليهود يقولون فى العزل هى الموءودة الصغرى، فقال:
«كذبت يهود، لو أراد الله تعالى أن يخلقه لم يستطع أن يصرفه».
وقد يجوز أن يكون قوله عليه السلام: «ذاك الوأد الخفىّ» على طريق تأكيد الترغيب فى طلب النسل وكراهية العزل؛ لا على أنه محظور محرّم.
*** وصعصعة بن ناجية بن عقال، جدّ الفرزدق بن غالب؛ كان ممن فدى الموءودات فى الجاهلية، ونهى عن قتلهن. ويقال: إنه أحيا ألف موءودة، وقيل دون ذلك.
وقد افتخر الفرزدق بهذا فى قوله:
/ ومنّا الّذي منع الوائدات … وأحيا الوئيد فلم توأد (1)
وفى قوله:
ومنّا الّذي أحيا الوئيد وغالب … وعمرو، ومنّا حاجب والأقارع (2)
__________
(1) ديوانه: 203.
(2) ديوانه: 517.
(2/282)

وفى ذلك يقول أيضا:
أنا ابن عقال وابن ليلى وغالب … وفكّاك أغلال الأسير المكفّر (1)
ليلى: أم غالب، وعقال: هو محمد (2) بن سفيان بن مجاشع، وفكّاك الأغلال: ناجية ابن عقال، والمكفّر: هو الّذي كفّر وكبّل بالحديد-
وكان لنا شيخان ذو القبر منهما … وشيخ أجار النّاس من كلّ مقبر (3)
ذو القبر، غالب وكان يستجار بقبره، والّذي أجار الناس من المقبر وأحيا الوئيدة صعصعة (4) -
على حين لا تحيا البنات وإذ هم … عكوف على الأصنام حول المدوّر (5)
أنا ابن الّذي ردّ المنيّة فضله … وما حسب دافعت عنه بمعور (6)
أبى أحد العينين (7) صعصعة الّذي … متى تخلف الجوزاء والنّجم يمطر
أجار بنات الوائدين ومن يجر … على القبر (8) يعلم أنّه غير مخفر
وفارق ليل من نساء أتت به (9) … تعالج ريحا ليلها غير مقمر
فارق، يعنى امرأة ماخضا؛ شبهها بالفارق من الإبل، وهى الناقة يضربها المخاض فتفارق الإبل، وتمضى على وجهها حتى تضع-
__________
(1) ديوانه: 476 - 477.
(2) حاشية الأصل: «هذا فى نسخة ابن الشجرى»، وفيها (من نسخة): «هو عقال بن محمد ابن سفيان بن مجاشع».
(3) حاشية الأصل: «من كل مقبر، أى الّذي يدفن البنات أحياء ويجعلهم فى القبر».
(4) حاشية الأصل: «فى نسخة الشجرى: حقه: والّذي أجار الناس وأحيا الناس من المقبر وأحيا الوليد صعصعة».
(5) المدور: صنم يدورون حوله.
(6) حاشية الأصل: «المعور: ذو العورة؛ وهو من قوله تعالى: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ؛ أراد أنه حصن لا يتمكن منه أحد».
(7) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «الغيثين»، وهى رواية الديوان.
(8) حاشية الأصل (من نسخة): «على الفقر».
(9) حاشية الأصل (من نسخة): «أبى» وهى رواية الديوان.
(2/283)

فقالت: أجر لى ما ولدت فإننى … أتيتك من هزلى الحمولة مقتر (1)
رأى الأرض منها راحة فرمى بها … إلى جدد (2) منها وفى شرّ محفر
فقال لها: يا مىّ إنى بذمّتى … لبنتك جار من أبيها القنوّر
القنوّر: السيئ الخلق-
*** وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنا محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابىّ عن العباس بن بكار الضبىّ عن أبى بكر الهذلىّ. قال الصولىّ وحدثنا القاسم بن إسماعيل/ عن أبى عثمان المازنىّ عن أبى عبيدة بطرف منه قال: وفد صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق على رسول الله صلى الله عليه وآله فى وفد بنى تميم (3)؛ وكان صعصعة منع الوئيد فى الجاهلية؛ فلم يدع تميما تئد (4) وهو يقدر على ذلك؛ فجاء الإسلام وقد فدى فى بعض الروايات أربعمائة جارية، وفى الرواية الأخرى ثلاثمائة، فقال للنبى صلى الله عليه وآله: بأبى أنت وأمى أوصنى! قال: «أوصيك بأمك وأبيك وأختك وأخيك وأدانيك أدنانيك»، فقال: زدنى يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«احفظ ما بين لحييك ورجليك»؛ ثم قال صلى الله عليه وآله: «ما شيء بلغنى عنك فعلته»؟
فقال: يا رسول الله؛ رأيت الناس يموجون على غير وجه، ولم أدر أين الصواب، غير أنّى علمت أنهم ليسوا عليه، فرأيتهم يئدون بناتهم؛ فعرفت أنّ ربهم عز وجل لم يأمرهم بذلك، فلم أتركهم يئدون، وفديت ما قدرت عليه.
وفى رواية أخرى إن صعصعة لما وفد على النبي صلى الله عليه وآله، سمع قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ؛ [الزلزلة: 7، 8].
قال: حسبى، ما أبالى ألّا أسمع من القرآن غير هذا!
ويقال: إنه اجتمع جرير والفرزدق يوما عند سليمان بن عبد الملك فافتخرا، فقال الفرزدق:
__________
(1) مقتر: قليل المال؛ تعنى زوجها.
(2) د، ومن نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «خدد»؛ وهى رواية الديوان.
(3) ف: «فى وفد من بنى تميم».
(4) حاشية الأصل (من نسخة): «فلم يدع تميما يئد».
(2/284)

أنا ابن محيى الموتى، فقال له سليمان: أنت ابن محيى الموتى! فقال: إن جدى أحيا الموءودة وقد قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً؛ [المائدة: 32]؛ وقد أحيا، جدى اثنتين وتسعين موءودة. فتبسم سليمان وقال: إنك مع شعرك لفقيه.

تأويل خبر [أنه نهى أن يصلّى الرجل وهو زناء]
إن سأل سائل عن معنى الخبر الّذي يروى (1) عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى أن يصلّى الرجل وهو زناء.
الجواب؛ قلنا: الزناء هو الحاقن الّذي قد ضاق ذرعا ببوله؛ يقال: أزنأ الرجل بوله فهو يزنئه إزناء، وزنأ بوله يزنأ زنأ، قال الأخطل:
فإذا دفعت إلى زناء قعرها … غبراء مظلمة من الأحفار (2)
يعنى ضيق القبر، ويقال: لا تأت فلانا فإن منزله زناء، فيجوز أن يكون ضيّقا، ويجوز أن يكون عسر المرتقى؛ وكلاهما يئول إلى المعنى. ويقال: موضع زناء إذا كان ضيّقا صعبا، ومن ذلك قول أبى زبيد (3) يصف أسدا:
/ أبنّ عرّيسة عنّابها أشب … ودون غايته مستورد شرع (4)
__________
(1) ف: «روى».
(2) ديوانه: 81، واللسان (زنأ).
(3) فى حاشيتى الأصل، ف: «ذكر أبو سعيد الضرير، وهو أحمد بن خالد قال: هو أبو زبيد حرملة بن المنذر بن معديكرب بن حنظلة بن النعمان بن حبة بن سعد، وهو من بنى هنىّ». والبيتان فى شعراء النصرانية بعد الإسلام 1: 67 - 68؛ من قصيدة أولها:
من مبلغ قومنا النائين إذ شخصوا … أنّ الفؤاد إليهم شيّق ولع
يصف فيها الأسد.
(4) أبنّ: أقام، والعريسة: مأوى الأسد فى الغياض، وعنابها أشب: أى شجر العناب فيها متداخل، والمستورد: موضع الورود. والشرع: الّذي يشرع فيه؛ يعنى موارد الوحش، وفى ف: «دون غايتها» وفى حاشيتها (من نسخة): «دون غابتها».
(2/285)

شأس الهبوط زناء الحاميين متى … يبشع بواردة يحدث لها فزع (1)
يعنى «بزناء الحاميين» أنه ضيق جانبى الوادى. وقوله: «متى يبشع بواردة»، أى يضيق بجماعة ممن يرده؛ وإنما يحدث لها فزع من الأسد. والشأس: الغليظ؛ يقال: مكان شأس، إذا كان غليظا؛ ومن ذلك قولهم: زنأ فلان فى الجبل إذا كابد الصعود فيه؛ وهو يزنأ فى الجبل.
وروى أبو زيد: " أن (2) قيس بن عاصم المنقرىّ أخذ صبيّا له يرقّصه- وأمّ ذلك الصبىّ منفوسة، وهى بنت زيد
الفوارس بن ضرار الضبىّ، فجعل قيس يقول له:
أشبه أبا أمّك أو أشبه عمل … ولا تكوننّ كهلّوف وكل (3)
يريد عملى. الوكل: الجبان. والهلّوف: الهرم المسنّ، وهو أيضا الكبير اللحية؛ وإنما أراد به هاهنا الجبان-
* وارق إلى الخيرات زنأ فى الجبل (4) *
فأخذته أمه وجعلت ترقصه، وتقول:
أشبه أخى أو أشبهن أباكا … أمّا أبى فلن تنال ذاكا
* تقصر عن مناله (5) يداكا"*
__________
(1) فى حاشيتى الأصل، ف: «قبلهما:
هذا وقوم غضاب قد أبتّهم … على الكلاكل حوضى عندهم ترع
تبادرونى كأنّى فى أكفّهم … حتى إذا ما رأوني خاليا نزعوا
واستحدث القوم أمرا غير ما وهموا … وطار أبصارهم شتى وما وقعوا
كأنما يتفادى أهل أمرهم … من ذى زوائد فى أرساغه فدع
ضرغامة أهرت الشّدقين ذى لبد … كأنه برنسا فى الغاب مدرع
بالثّنى أسفل من حمّاء ليس له … إلا بنيه وإلا أهله شيع
قد أبتهم: أنمتهم وأشخصتهم على صدورهم. وقوله: «حوضى عندهم ترع» أى لم يصنعوا بى شيئا. وقوله: «فى أكفهم» أى ظنوا أنى فى أيديهم فلما رأونى دهشوا ونزعوا عما طمعوا فيه».
(2) النوادر 92 - 93.
(3) البيتان والخبر فى اللسان (زنأ- عمل).
(4) فى اللسان قبل هذا البيت:
* يصبح فى مضجعه قد انجدل*.
(5) فى اللسان: «أن تناله».
(2/286)

مجلس آخر 80
تأويل آية [وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ. فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ.
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ. أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ. عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ
]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ. فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ. أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ. عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ؛ [البلد 10 - 20].
فقال [: ما تأويل هذه الآية؟ وما معنى ما تضمنته] (1).
الجواب، أما ابتداء الآية فتذكير بنعم الله تعالى عليهم، وما أزاح به علتهم فى تكاليفهم، وما تفضّل به عليهم من الآلات التى يتوصلون بها إلى منافعهم، ويستدفعون بها المضارّ عنهم؛ لأن الحاجة ماسّة فى أكثر المنافع الدينية والدنيوية إلى العين للرؤية، واللسان للنطق، والشفتين لحبس الطعام والشراب/ ومسكهما فى الفم والنطق أيضا.
فأما النّجد فى لغة العرب فهو الموضع المرتفع من الأرض، والغور الهابط منها؛ وإنما سمّى الموضع المرتفع من أرض العرب نجدا لارتفاعه.
واختلف أهل التأويل فى المراد بالنجدين، فذهب قوم إلى أنّ المراد بهما طريقا الخير والشرّ؛ وهذا الوجه يروى عن على أمير المؤمنين عليه السلام، وابن مسعود، وعن الحسن وجماعة من المفسرين.
__________
(1) ساقط من الأصل، وما أثبته عن ف.
(2/287)

وروى أنه قيل لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام: إن ناسا (1) يقولون فى قوله: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ: إنهما الثديان، فقال عليه السلام: لا، إنهما الخير والشر.
وروى عن الحسن أنه قال: بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «أيها الناس، إنهما نجدان: نجد الخير ونجد الشر، فما جعل نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير».
وروى عن قوم آخرين أنّ المراد بالنّجدين ثديا الأم.
فإن قيل: كيف يكون طريق الشر مرتفعا كطريق الخير، ومعلوم أنه لا شرف ولا رفعة فى الشر؟
قلنا: يجوز أن يكون إنما سماه نجدا لظهوره وبروزه لمن كلّف اجتنابه؛ ومعلوم أن الطريقتين جميعا باديان ظاهران للمكلفين. ويجوز أيضا أن يكون سمّى طريق الشر نجدا من حيث يحصل فى اجتناب سلوكه والعدول عنه
الشرف والرفعة؛ كما يحصل مثل ذلك فى سلوك طريق الخير؛ لأن الثواب الحاصل فى اجتناب طريق الشر كالثواب فى سلوك طريق الخير.
وقال قوم: إنما أراد بالنجدين أنا بصّرناه وعرفناه ماله وعليه، وهديناه إلى طريق استحقاق الثواب؛ وثنىّ النجدين على عادة العرب فى تثنية الأمرين إذا اتفقا فى بعض الوجوه، وأجرى لفظة أحدهما على الآخر، كما قيل فى الشمس والقمر: القمران، قال الفرزدق:
* لنا قمراها والنّجوم الطّوالع (2) *
ولذلك نظائر كثيرة.
فأما قوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ؛ ففيه وجهان:
أحدهما أن يكون فَلَا بمعنى الجحد وبمنزلة «لم»، أى فلم يقتحم العقبة؛ وأكثر
__________
(1) د، ومن نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «أناسا».
(2) ديوانه: 519؛ صدره:
* أخذنا بآفاق السّماء عليكم*.
(2/288)

ما يستعمل هذا الوجه بتكرير لفظ «لا»؛ كما قال سبحانه: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى؛ [القيامة: 31] أى لم يصدّق ولم يصلّ، وكما قال الحطيئة:
وإن كانت النّعماء فيهم جزوا بها … وإن أنعموا، لا كدّروها ولا كدّوا (1)
وقلّما يستعمل هذا المعنى من غير تكرير لفظ؛ لأنهم لا يقولون: لا جئتنى وزرتنى؛ يريدون: ما جئتنى؛ فإن قالوا: لا جئتنى ولا زرتنى صلح؛ إلا أن فى الآية ما ينوب مناب التكرار ويغنى عنه، وهو قوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ فكأنه قال: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، ولا آمن؛ فمعنى التكرار حاصل.
والوجه الآخر: أن تكون «لا» جارية مجرى الدعاء؛ كقولك: لا نجا ولا سلم، ونحو ذلك.
وقال قوم: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أى فهلّا اقتحم العقبة! أو أفلا اقتحم العقبة! قالوا:
ويدل على ذلك قوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ، ولو كان أراد النفى لم يتصل الكلام.
وهذا الوجه ضعيف جدا، لأن قوله تعالى: فَلَا خال من لفظ الاستفهام، وقبيح حذف حرف الاستفهام فى مثل هذا
الموضع، وقد عيب على عمر بن أبى ربيعة قوله:
ثمّ قالوا: تحبّها؟ قلت: بهرا … عدد القطر والحصى والتراب (2)
فأما الترجيح بأن الكلام لو أريد به النفى لم يتصل فقد بيّنا أنه متصل، مع أنّ المراد به النفى؛ لأن قوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا معطوف على قوله: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، أى فلا اقتحم العقبة، ثم كان من الذين آمنوا. والمعنى أنه ما اقتحم العقبة ولا آمن؛ على ما بينا.
فأما المراد بالعقبة فاختلف فيه، فقال قوم: هى عقبة ملساء فى جهنم، واقتحامها فكّ رقبة.
وروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «إن أمامكم عقبة كئودا لا يجوزها المثقلون (3)، وأنا أريد أن أتخفف لتلك العقبة»: وروى عن ابن عباس أنه قال: هى عقبة كئود فى
__________
(1) ديوانه: 20.
(2) ديوانه: 423 (مطبعة السعادة)، وفى حاشية الأصل (من نسخة):
«عدد الرمل».
(3) حاشية الأصل: «المثقلون [بالفتح] أى أثقلهم الذنوب، والمثقلون [بالكسر] أصحاب الأثقال».
(2/289)

جهنم، وروى أيضا أنه قال: العقبة هى النّار نفسها؛ فعلى الوجه الأول يكون التفسير للعقبة بقوله: فَكُّ رَقَبَةٍ على معنى ما يؤدّى إلى اقتحام هذه العقبة؛ ويكون سببا لجوازها والنجاة منها، لأن فكّ رقبة وما أتى بعد ذلك ليس هو النار نفسها ولا موضعا منها.
وقال آخرون: بل العقبة ما ورد مفسّرا لها من فكّ الرقبة والإطعام فى يوم المسغبة؛ وإنما سمّى ذلك عقبة لصعوبته على النفوس/ ومشقته عليها.
وليس يليق بهذا الوجه الجواب الّذي ذكرناه فى معنى قوله: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وأنه على وجه الدعاء؛ لأن الدعاء لا يحسن إلا بالمستحق له؛ ولا يجوز أن يدعى على أحد بأن لا يقع منه ما كلّف وقوعه، وفكّ الرقبة والإطعام المذكور من الطاعات؛ فكيف يدعى على أحد بأن لا يقع منه! فهذا الوجه يطابق أن تكون الْعَقَبَةَ هى النّار نفسها أو عقبة فيها.
وقد اختلف الناس فى قراءة: فَكُّ رَقَبَةٍ، فقرأ أمير المؤمنين عليه السلام، ومجاهد، وأهل مكة، والحسن، وأبو رجاء العطاردىّ، وأبو عمرو، والكسائىّ: فَكُّ رَقَبَةٍ بفتح الكاف ونصب الرقبة، وقرءوا أو أطعم على الفعل دون الاسم.
وقرأ أهل المدينة، وأهل الشام، وعاصم، وحمزة، ويحيى بن وثاب، ويعقوب الحضرمىّ: فَكُّ بضم الكاف وبخفض رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ على المصدر وتنوين الميم وضمها.
فمن قرأ على الاسم ذهب إلى أن جواب الاسم بالاسم أكثر فى كلام العرب، وأحسن من جوابه بالفعل؛ ألا ترى أن المعنى: ما أدراك ما اقتحام العقبة! هو فكّ رقبة، أو إطعام؛ وذلك هو أحسن من أن يقال: هو فكّ رقبة، أو أطعم.
ومال الفرّاء إلى القراءة بلفظ الفعل، ورجّحها بقوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، لأنه فعل؛ والأولى أن يتبع فعلا. وليس يمتنع أن يفسّر اقتحام العقبة- وإن كان اسما- بفعل؛ يدل على الاسم؛ وهذا مثل قول القائل: ما أدراك ما زيد؟ يقول- مفسرا-: يصنع الخير، ويفعل المعروف، وما أشبه ذلك، فيأتى بالأفعال.
والسغب: الجوع؛ وإنما أراد أنه يطعم فى يوم مجاعة؛ لأن الإطعام فيه أفضل وأكرم.
(2/290)

فأما «مقربة» فمعناه يتيما ذا قربى؛ من قرابة النسب والرّحم؛ وهذا حضّ على تقديم ذى النسب والقربى المحتاجين على الأجانب فى الإفضال.
والمسكين: الفقير الشديد الفقر. والمتربة: مفعلة، من التراب، أى هو لاصق بالأرض من ضرّه وحاجته؛ ويجرى مجرى قولهم فى الفقير: مدقع؛ وهو مأخوذ من الدّقعاء؛ وهى الأرض التى لا شيء فيها.
وقال قوم: ذا مَتْرَبَةٍ أى ذا عيال. والمرحمة: مفعلة من الرحمة؛ وقيل إنه من الرّحم.
وقد يمكن فى مَقْرَبَةٍ أن يكون غير مأخوذ من القرابة والقربى؛ بل هو من القرب، الّذي هو من الخاصرة، فكأن المعنى أنه يطعم من انطوت خاصرته ولصقت من شدة الجوع والضر؛ وهذا أعم فى المعنى من الأول وأشبه بقوله ذا مَتْرَبَةٍ؛ لأن كل ذلك مبالغة فى وصفه بالضّرّ؛ وليس من المبالغة فى الوصف بالضرّ أن يكون قريب النّسب. والله أعلم بمراده.
*** قال سيدنا أدام الله علوّه: ومن طريف المدح ومليحه قول الشاعر:
وكأنّه من وفده عند القرى … لولا مقام المادح المتكلّم
وكأنّه أحد النّدى ببنائه (1) … لولا مقالته أطب للمؤدم (2)
ويقارب ذلك فى المعنى قول محمد بن خارجة:
سهل الفناء إذا حللت ببابه … طلق اليدين مؤدّب الخدّام
وإذا رأيت صديقه وشقيقه … لم تدر: أيّهما أخو الأرحام! (3)
ومثله لأبى الهندىّ:
نزلت على آل المهلّب شاتيا … غريبا عن الأوطان فى زمن المحل (4)
فما زال بى إكرامهم وافتقادهم (5) … وإنعامهم حتى حسبتهم أهلى
__________
(1) حاشية الأصل: «نسخة س: «أحد الندىّ ببابه».
(2) المؤدم: الآكل.
(3) وفى حاشية الأصل (من نسخة): «سهل القياد».
(4) أمالى القالى 1: 41؛ وفى حاشية الأصل (من نسخة): «فى زمن محل».
(5) ف، حاشية الأصل (من نسخة): «واقتفاؤهم».
(2/291)

ولأثال بن الدقعاء يمدح عقبة بن سنان الحارثىّ:
ألم ترنى شكرت أبا سعيد … بنعماه وقد كفر الموالى (1)
ولم أكفر سحائبه اللّواتى … مطرن عليّ واهية العزالى (2)
فمن يك كافرا نعماه يوما … فإنى شاكر أخرى اللّيالى
فتى لم تطلع الشّعرى من افق … ولم تعرض ليمن أو شمال (3)
على ندّ له إن عدّ مجد … ومكرمة وإتلاف لمال
وأصبر فى الحوادث إن ألمّت … وأسعى للمحامد والمعالى
فتى عمّ البريّة بالعطايا … فقد صاروا له أدنى العيال
/ قال: ولآخر (4):
لم أقض من صحبة زيد أربى … فتى إذا أغضبته لم يغضب
موكّل النّفس بحفظ الغيّب … أقصى الفريقين له كالأقرب
فإنه لم يرد أن الضعيف السبب كالقوىّ السبب، وإنما أراد أنه يرعى من غيب الرفيق البعيد الغائب وحقّه ما يرعاه من حق الشاهد الحاضر، وأنه يستوى عنده لكرمه وحسن حفاظه من بعدت داره وقربت معا؛ وهذا بخلاف ما عليه أكثر الناس؛ من مراعاة أمر الحاضر القريب وإهمال حق البعيد (5).
*** (6) هذا آخر مجلس أملاه سيدنا أدام الله علوّه. ثم تشاغل بأمور الحج (7).
الحمد لله رب العالمين وصلواته وسلامه على سيدنا نبيّه محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلّم كثيرا.
__________
(1) الموالى: الأقرباء.
(2) العزالى: جمع عزلاء؛ وهى فى الأصل مصب الماء من الراوية ونحوها.
(3) ف، ومن نسخة بحاشية الأصل:
فتى لم تطلع الشعرى بأفق … ولم تقرض ليمنى أو شمال.
(4) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «وقال آخر».
(5) إلى هنا تنتهى النسخة المرموز لها بكلمة «الأصل».
(6) ف: «هذا آخر مجلس أملاه السيد المرتضى ذو المجدين قدس الله روحه ثم تشاغل بأمور الحج».
(7) ف: «هذا آخر مجلس أملاه السيد المرتضى ذو المجدين قدس الله روحه ثم تشاغل بأمور الحج».
(2/292)

تكملة أمالى المرتضى
(2/293)

بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر (1)

مسألة
قال (2) الشريف الأجلّ المرتضى، علم الهدى، ذو المجدين أبو القاسم عليّ بن الحسين الموسوىّ رضى الله عنه:
إنّه لا يزال المتكلّمون يخالفون النحويّين فى أنّ للفعل ثلاثة أحوال: ماض، وحاضر، ومستقبل. ويقول المتكلّمون: للفعل حالان بغير ثالث؛ لأنّ كلّ معلوم من الأفعال لا يخلو من أن يكون موجودا أو معدوما؛ وبالوجود قد صار ماضيا، والمعدوم هو المنتظر، ولا حال ثالثة.
فلا المتكلّمون يحسنون العبارة عما لحظوه وأرادوه، حتى يزول الخلاف فى المعانى التى هى المهمّ- ولا اعتبار بالعبارات- ولا النحويون يفطنون لإفهام ما قصدوه بلفظ غير مشتبه ولا محتمل؛ فكم من معنى كاد يضيع بسوء العبارة عنه، وقصور الإشارة إليه!
واعلم أن المواضعات مختلفة، والعرف يختلف باختلاف أهله بحسب عاداتهم. وقولنا:
«فعل» فى عرف المتكلمين ليس هو الّذي يعرفه النحويون، لأنّ الفعل فى عرف أهل الكلام هو الذات الحادثة بعد أن
كانت معدومة بقادر، وهذا الحدّ يقتضي أن يكون كلّ موجود من الذوات غير الله تعالى وحده فعلا؛ فزيد فعل، والسماء كذلك، والحرف أيضا- الّذي فرق النحويون بينه وبين الاسم- فعل أيضا، والفعل أيضا على هذا الحدّ فعل؛ لأنّ الحرف صوت يقطّع على وجه مخصوص، والأصوات كلّها أفعال.
__________
(1) ط: «رب يسر ولا تعسر».
(2) هذه الزيادات لم ترد إلا فى ف، ط من الأصول التى اعتمدت عليها؛ والمثبت هنا نص ف، كما أثبت الفروق والحواشى.
(2/295)

غير أنّ المحقّق من عرف القوم أنّ النحويين ما فصلوا بين الاسم والفعل والحرف؛ من حيث نفى الاشتراك فى الحدوث والفعلية؛ بل فصلوا بينها مع اشتراكها فى معنى الفعلية التى يذهب إليها المتكلّمون؛ لما بينها من الفصل فى أحكام أخر؛ يختصّ بها بعضها دون بعض؛ فقالوا: الاسم ما دلّ على معنى لا يقترن بزمان، والفعل ما اقتضى معنى مقترنا بزمان غير مخصوص، والحرف ما خلا من هاتين العلامتين؛ فكأنهم قصدوا إلى ما هو فعل حادث على حدّ المتكلمين؛ فصنّفوه ونوّعوه، وسمّوا بعضه اسما، وبعضه فعلا، وبعضه حرفا؛ لاختلاف الأحكام التى عقلوها؛ فلا لوم فى ذلك عليهم؛ ولا مناظرة فيه معهم، وبالمناظرة الصحيحة تزول الشّبهات، وتنحسم التّبعات.
والّذي يجب تحصيله، والتعويل عليه أنّ الفعل الحادث فى أوّل أحوال وجوده يسمّى فعل الحال؛ فإن تقضّى وعدم صار ماضيا، والفعل المستقبل هو المنتظر المتوقّع الّذي هو الآن معدوم. فإن فرضنا أنّ الفعل الحادث- الّذي فرضنا أنّه متى تقضّى وعدم صار ماضيا- بقى ولم يتقضّ؛ إما على مذهب من يقطع على بقاء الأعراض، أو على مذهب من يتوقّف عن القطع فيها على بقاء أو فناء؛ فالواجب أن يكون استمراره (1) لا يخرجه من استحقاق الوصف بأنه فعل الحال؛ لأنّ من هو عليه لم يتغير الحال التى وجبت له عنه؛ ولا خرج عنها.
ألا ترى أنّا لو فرضنا أنه تقضّى وعدم، وخلفه مثل له لكان ذلك الخالف له يستحقّ الوصف بأنه للحال؛ وكذلك ما قام مقامه؛ وأوجب مثل ما يوجبه، لأنه لا فرق فى التّسمية للجلوس بأنه فعل حال؛ بين أن يكون المفتتح بالحدوث من أجزاء الجلوس بقى واستمرّ؛ وبين أن يكون تجدّد أمثاله؛ والأول باق أو معدوم بعد أن تكون الحالة المخصوصة ما تغيّرت ولا تبدّلت؛ ولا فرق أيضا بين أن يكون ذلك الفعل يوجب حالا مخصوصة كالألوان، أو حكما مخصوصا كالاعتمادات وما أشبهها؛ فى أن الّذي أتت فيه ولم تخرج عنه هو المنعوت بأنه فعل الحال، وما خرجت عنه فهو الماضى.
__________
(1) حاشية ط: «قوله: استمراره، أى الحادث».
(2/296)

فإن قيل: كيف قولكم فيما مضى وتقضّى من الأفعال ووصفتموه بأنه ماض لتقضّيه وعدمه؛ أيجوز أن يكون مستقبلا على وجه من الوجوه، أولا يكون من الأفعال مستقبلا إلّا ما لم يدخل فى الوجود قطّ؟
قلنا: أمّا ما عدم وتقضّى من الأعراض المقطوع على أنها غير باقية فى نفوسها، كالإرادات (1) والأصوات وما أشبه ذلك؛ فلا شبهة فى أنّ الماضى منه لا يصحّ أن يكون مستقبلا من فعل قديم أو محدث.
فأما (2) ما يبقى من أجناس الأعراض عند من قطع على بقائها، أو شكّ فى حالها بين جواز البقاء عليها ونفيه فنحن لا نقدر على إعادته؛ والقديم تعالى قادر على إعادته إلى الوجود؛ فهذا الضّرب من فعله تعالى لا يمتنع تسميته بأنه مستقبل، لأنه متوقّع منتظر.
فأما الجواهر المعدومة فلا شبهة فى أنّها ماضية من حيث عدمت، ومستقبلة من حيث كان وجودها مستأنفا متوقّعا؛ لأنّ الله تعالى لا بدّ من أن يعيد المكلّفين للثواب أو العقاب، والمكلّف إنما هو مؤلّف من الجواهر.
فإن قيل: هذا يقتضي أن يجتمع فى الشيء الواحد أن يكون ماضيا مستقبلا؛ وهذا كالمتناقض.
قلنا: لا تناقض فى ذلك؛ لأن الجوهر الماضى يستحق الوصف بأنه ماض إذا عدم، وكذلك العرض الماضى من أفعال الله تعالى إذا عدم؛ وإن جاز من حيث صحّ وجود ذلك مستأنفا أن يوصف بأنه مستقبل، لأن معنى المستقبل هو المعدوم الّذي يصح وجوده، فلا تنافى بين الأمرين.
ولو ثبت بينهما عرف فى أنّهما لا يجتمعان- وذلك ليس بثابت- لجاز أن يجعل حدّ المستقبل هو المعدوم الّذي يصحّ وجوده مستقبلا؛ من غير أن يكون الوجود حصل (3) له فى حالة من الأحوال؛ فلا يلزم على ذلك أن يجتمع الوصفان فى فعل واحد.
__________
(1) ط: «كالإدراكات».
(2) ط: «وأما».
(3) ط. «مستحصل له».
(2/297)

وقد كنّا قديما أملينا مسألة فى تحقيق الفرق بين الفعل الحال والماضى والمستقبل؛ وهذا التلخيص الّذي ذكرناه هاهنا أشرح وأسبغ منها، وتكلمنا هناك على ما كان أبو عليّ الفارسى اعتمده وعوّل عليه؛ من قوله تعالى: لَهُ ما
بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ
[مريم: 64]، وقول الشاعر:
وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله … ولكنّنى عن علم ما فى غد عم (1)
ومن طريقة أخرى فى اعتبار تأثير الحروف فى الأحوال المختلفة، واستوفينا الكلام على هذه الشبهة؛ فلا طائل فى إعادة ذلك هاهنا؛ والجمع بين المسألتين يغنى عنه، وما التوفيق إلا بالله تعالى.
__________
(1) البيت لزهير بن ابى سلمى، ديوانه: 29.
(2/298)

مسألة
قال رضى الله عنه: لا معنى لقوله تعالى: وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ؛ [يونس: 61] على ما قاله النحويون: إنه للتأكيد؛ لما بيّنا أن التأكيد إذا لم يفد غير ما يفيده المؤكّد لم يصحّ، وقد علمنا بقوله تعالى: مِنْ قُرْآنٍ أنّه من جملة القرآن، فأىّ معنى لقوله مِنْهُ وتكراره!
قال رضى الله عنه: والصحيح أن معنى مِنْهُ أى من أجل الشّأن والقصة، مِنْ قُرْآنٍ؛ فيحمل على الشأن والقصّة ليفيد معنى آخر.
وقال أيضا فى قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا؛ [يونس: 58]؛ قال: لا يجوز أن يحمل قوله: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا على ما تقدم من فضل الله ورحمته؛ ولا معنى له على ما يقوله النحويون إنّه للتأكيد؛ كما لا معنى لقول قائل:
زيد وعمرو لهما؛ يريد زيدا وعمرا؛ فالصحيح أن نقول فى هذا: إن معناه: قل بفضل الله ومعونة الله ورحمته؛ لأنّ معونة الله وفضل الله ورحمته تؤثر فى القول، ويقول: بفضل الله ومعونته يفرح، فيردّ قوله: بِفَضْلِ اللَّهِ إلى القول، أى قل: بفضله ومعونته هذا القول؛ فإنّ بهذا القول ومعونته ورحمته يفرحون؛ فيكون قوله: فَبِذلِكَ راجعا إلى الفرح بالفضل والرحمة؛ حتى يكون قد أفاد كلّ واحد من اللفظين فائدة.
(2/299)

مسألة
رسمت الحضرة العالية الوزيرية؛ أدام الله سلطانها، وأعلى أبدا شأنها ومكانها أن أذكر ما عندى فى إدخال لفظة «كان» فى كونه تعالى عالما فى مواضع كثيرة من القرآن.
وقالت حرس الله عزّها: لفظة «كان» إذا كانت للماضى؛ فكيف دخلت على ما هو ثابت فى الحال ومستمرّ دائم! وما الوجه فى حسن ذلك؟
والجواب المزيل للشّبهة أنّ الكلام قد تدخله الحقيقة والمجاز؛ ويحذف بعضه وإن كان مرادا، ويختصر حتى يفسّر؛ ولو بسط لكان طويلا. وفى هذه الوجوه التى ذكرناها تظهر فصاحته، وتقوى بلاغته؛ وكلّ كلام خلا من مجاز وحذف واختصار واقتصار بعد عن الفصاحة، وخرج عن قانون البلاغة. والأدلّة لا يجوز فيها مجاز، ولا ما يخالف الحقيقة؛ وهى القاضية على الكلام، والتى يجب بناؤه عليها؛ والفروع أبدا تبنى على الأصول.
فإذا ورد عن الله تعالى كلام ظاهره يخالف ما دلّت عليه أدلّة العقول وجب صرفه عن ظاهره- إن كان له ظاهر- وحمله على ما يوافق الأدلة العقلية ويطابقها؛ ولهذا رجعنا فى ظواهر كثيرة من كتاب الله تعالى اقتضى ظاهرها الإجبار أو التشبيه، أو ما لا يجوز عليه تعالى.
ولو سلّمنا تبرّعا وتطوّعا أن دخول «كان» على العلم أو القدرة يقتضي ظاهرها الماضى دون المستقبل لحملنا ذلك على أنّ المراد به الأحوال كلّها؛ لأنّ الأدلة العقلية تقضى على ما يطلق من الكلام، ولا يقضى الكلام على الأدلة.
غير أنّا نبيّن أنّ دخول «كان» على العلم أو القدرة لا يقتضي ظاهرها الاختصاص بالماضى دون المستقبل؛ فإنّ لأهل العربية فى ذلك مذهبا معروفا مشهورا؛ لأن أحدهم يقول: كنت العالم؛ وما كنت إلا عالما، وعليما خبيرا؛ وما كنت إلا الشجاع، وإلا الجواد؛ ويريدون بذلك كلّه الإخبار عن الأحوال كلّها؛ ماضيها وحاضرها ومستقبلها؛ ولا يفهم من كلامهم سوى
(2/300)

ذلك؛ وإذا كانت هذه عبارة عما ذكرناه فصيحة بليغة- والقرآن نزل بأفصح اللغات وأبلغها وأبرعها- وجب حمل لفظة «كان» إذا دخلت فى كونه تعالى عالما وقادرا على ما ذكرنا.
ومما يستشهد به على ذلك قول زياد الأعجم يرثى المغيرة بن المهلّب بن أبى صفرة:
مات المغيرة بعد طول تعرّض … للقتل بين أسنّة وصفائح (1)
ألّا ليالى فوقه بزّاته … يغشى الأسنة فوق نهد قارح! (2)
فإذا مررت بقبره فاعقر به … كوم المطىّ وكلّ طرف سابح (3)
وانضح جوانب قبره بدمائها … فلقد يكون أخا دم وذبائح
فقال فى ميت قد مضى لسبيله: «فلقد يكون»، وإنما أراد: «فلقد كان»، فعبّر بيكون عن «كان»؛ كذلك جاز أن يراد بلفظة «كان» الأحوال المستقبلة.
ووجه آخر وهو أنه تعالى لما أراد أن يخبر عن كونه عالما فى الأحوال كلّها لم يجز أن يقول:
هو عالم فى الحال أو فى المستقبل؛ لأن ذلك لا ينبئ عن كونه عالما فيما مضى؛ فعدل عن ذلك إلى إدخال لفظة: «كان» الدالة على الأزمان الماضية كلها، ومن كان عالما فيما لم يزل من الأحوال فلا بدّ من كونه عالما لنفسه وذاته؛ لأن الصفات الواجبة فيما لم يزل لا تكون إلّا نفسية، والصفات النفسية يجب ثبوتها فى الأحوال كلّها: الماضية والحاضرة والمستقبلة؛ فصار دخول «كان» فى العلم أو القدرة مطابقا للغرض، وموجبا لثبوت هذه الصفة فى جميع هذه الأحوال، وليس كذلك لو علّق العلم بالحال أو المستقبل؛ وهذا وجه جليل الموقع.
ووجه آجر وهو أنا إذا سلّمنا أن لفظة «كان» تختص الماضى ولا تتعدّاه لم يكن فى
__________
(1) من قصيدة عدتها 57 بيتا؛ وهى فى أمالى اليزيدى 1 - 7، وأمالى القالى 3: 8 - 11؛ وأبيات منها فى معجم الأدباء 11: 170 - 171، والشعراء 397.
(2) البزاة: جمع بزة؛ وهى السلاح؛ والنهد من الخيل: الجسيم المشرف. والقارع: الفرس إذا استتم الخامسة ودخل فى السادسة.
(3) الكوم: جمع كوماء؛ وهى الناقة العظيمة السنام. والطرف: الكريم من الخيل والسابح:
الفرس الّذي يسبح بيديه فى سيره.
(2/301)

إدخالها فى العلم إلا أنه تعالى عالم فيما مضى من الأحوال؛ وهو كذلك لا محالة؛ اللهم إلا أن يدّعى أن تعليقها بالماضى يقتضي نفى كونه تعالى عالما فى المستقبل؛ وليس الأمر على ذلك؛ لأن هذا قول بدليل الخطاب؛ وهو غير صحيح على ما بيّنا فى مواضع من كتبنا؛ لأن تعليق الحكم بصفة أو اسم لا يدل على انتفائه مع انتفاء تلك الصفة أو الاسم، وبيّنا أن قوله عليه السلام: «فى سائمة (1) الإبل الزكاة» لا يدل على أن العاملة (2) والمعلوفة (3) لا زكاة فيهما.
وقد يقول القائل: كان زيد عندى بالأمس، وإن كان عنده فى الحال؛ وضربت من غلمانى فلانا، وإن كان قد ضرب سواه، فكأنه تعالى- إذا سلّمنا هذا الأصل الّذي قد بينا أنه غير صحيح- أراد أن يثبت بهذا القول كونه تعالى عالما، فيما لم يزل؛ ووكلنا فى أنه عز وجل عالم فى جميع الأحوال إلى الأدلة العقلية الدالة على ذلك؛ وإلى إخباره تعالى عن كونه عالما فى سائر الأوقات بقوله عز وجل: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام: 101]؛ وما شاكل ذلك من الألفاظ الدالة على الحال والاستقبال
__________
(1) السائمة من الإبل: الراعية؛ يقال: سامت تسوم سوما، وأسمتها أنا.
(2) العاملة: التى تعمل فى الحرث والدياسة.
(3) العلوفة والمعلوفة من الإبل: الناقة التى تعلف للسمن ولا ترسل للرعى.
(2/302)

تأويل آية [أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ، فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ. يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ]
قال رحمه الله: سئلت إملاء تفسير قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ، فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ. يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ؛ [النور: 43، 44].
فأجبت إلى ذلك.
أما قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ فالمراد: ألم تعلم؛ وإن كان هذا اللفظ مشتركا بين الإدراك والعلم؛ وإنما اختصّ هنا بالعلم دون الإدراك؛ لأن إضافة إزجاء السحاب وتأليفه وجميع ما ذكر فى الآية إلى الله تعالى مما لا يستفاد بالإدراك؛ وإنما يعلم بالأدلّة.
فأما قوله تعالى: يُزْجِي سَحاباً فمعناه يسوق؛ ولا بدّ أن يلحظ فى هذا الموضع السّوق الضعيف الرفيق؛ يقال منه: أزجى يزجى إزجاء، وزجّى يزجّى تزجية، إذا ساق؛ ومنه إزجاء الكسير (1) من الإبل إذا سقته سوقا رفيقا حتى يسير؛ ومنه قوله تعالى:
بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ؛ [يوسف: 88] أى مسوقة شيئا بعد شيء على ضعف وقلّة، قال عدىّ بن الرّقاع:
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه … قلم أصاب من الدّواة مدادها (2)
وقال الأعشى:
الواهب المائة الهجان وعبدها … عوذا تزجّى خلفها أطفالها (3)
__________
(1) ط: «الكبير».
(2) الطرائف الأدبية: 88؛ والضمير فى «تزجى» يعود إلى ظبية ترتعى ومعها شادنها وأغنّ: فى صوته غنة؛ وهو الصوت الرخيم يخرج من الخياشيم. والروق هنا:
القرن؛ وإبرته: طرفه المحدد.
(3) ديوانه: 25.
(2/303)

أراد بالعوذ الحديثة النّتاج؛ ومعنى «تزجّى» أى تسوق أطفالها وراءها سوقا رفيقا؛ لأنها تحنّ فتتبع أطفالها؛ وقال مالك بن الرّيب المازنىّ:
ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة … بوادى الغضى أزجى القلاص النّواجيا (1)
والسحاب: جمع سحابة؛ ولهذا قال: يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، أى بين كل سحابة وأخرى، ولو كان هاهنا أيضا اسما للجنس لجاز؛ لأنّ الجنس يوصل بعضه ببعض، ويؤلّف بعضه ببعض؛ وإنما لا يصحّ ذلك فى العين الواحدة.
فأما الرّكام فهو الّذي جعل بعضه فوق بعض؛ ومنه قوله تعالى: سَحابٌ مَرْكُومٌ؛ [الطور: 44]، وقوله تعالى: فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً؛ [الأنفال: 37].
فأما الودق فهو المطر؛ يقال ودق يدق ودقا؛ وكلّ ما قطر منه ماء أو رشح فهو وادق؛ ويقال: استودقت الفرس والأتان إذا حنّت إلى الفحل واستدعت ماءه؛ ويقال أيضا: أو دقت؛ وأتان وديق وودوق؛ إذا أرادت إنزال الفحل الماء فيها.
وخلال الشيء: خروقه وفروجه؛ وقد قرئ: من خلله بغير ألف.
فأما قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فإنّنى وجدت جميع المفسّرين على اختلاف عباراتهم يذهبون إلى أنّه أراد أنّ فى السماء جبالا من برد؛ وفيهم من قال: ما قدره قدر جبال؛ قال: يراد به مقدار جبال من كثرته.
وأبو مسلم بن بحر الأصبهانىّ خاصة انفرد فى هذا الموضع بتأويل طريف؛ وهو أن قال:
" الجبال ما جبل الله من برد، وكلّ جسم شديد مستحجر فهو من الجبال؛ ألم تر إلى قوله تعالى فى خلق الأمم: وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ؛ [الشعراء: 184] والناس يقولون: فلان مجبول على كذا".
ووجدت أبا بكر محمد بن الحسن بن مقسم النحوىّ يقول فى كتابه المعروف بالأنوار:
" وأمّا مِنْ الأولى؛ والثانية فبمعنى حدّ التنزيل؛ ونسبته إلى الموضع الّذي نزّل منه؛ كما
__________
(1) جمهرة الأشعار: 296.
(2/304)

يقال: جئتك بكذا، ومن بلد كذا؛ وأما الثالثة فبمعنى التفسير والتمييز، لأن الجبال تكون أنواعا فى ملك الله تعالى؛
فجاءت مِنْ لتمييز البرد من غيره؛ وتفسير معنى الجبال التى أنزل منها. وقد يصلح فى مثل هذا الموضع من الكلام أن يقال: «من جبال فيها برد» بغير «من»، يترجم برد عن جبال؛ لأنها مخلوقة من برد، كما يقال: الحيوان من لحم ودم، والحيوان لحم ودم؛ ب «من» وبغير «من» ".
ووجدت على بن عيسى الرّمانىّ يقول فى تفسيره: " إن معنى مِنْ الأولى ابتداء الغاية؛ لأن السماء ابتداء الإنزال، والثانية للتبعيض؛ لأن البرد بعض الجبال التى فى السماء، والثالثة لتبيين الجنس؛ لأنّ جنس الجبال جنس البرد".
وهذه التفاسير على اختلافها غير شافية ولا كافية؛ وأنا أبيّن ما فيها من خلل، ثم أذكر ما عندى أنّه الصحيح:
أمّا من جعل فى السماء جبال برد، أو ما مقداره مقدار الجبال- على اختلاف عباراتهم- فيدخل عليه أن يبقى عليه قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ بغير مفعول؛ ولا ما يتعلق به؛ لأنّ تقدير الكلام على هذه التفاسير: وينزّل من جبال برد فى السماء؛ فما الشيء الّذي أنزل به! فما تراه مذكورا فى الآية؛ والكلام كلّه خال منه على هذا التأويل.
فأما أبو مسلم فيلزمه هذا الكلام بعينه، ويلزمه زائدا عليه أنه جعل الجبال اسما للبرد نفسه؛ من حيث كان مجبولا مستحجرا.
وهذا غلط؛ لأن الجبال وإن كانت فى الأصل مشتقة من الجبل والجمع فقد صارت اسما لذى هيئة مخصوصة.
ولهذا لا يسمّى أحد من أهل اللغة كلّ جسم ضمّ بعضه إلى بعض- مع استحجار أو غير استحجار- بأنه جبل، ولا يخصّون بهذا اللفظ إلا أجساما مخصوصة.
وليس يمتنع فى اللغة هذا؛ لأنّ اسم الدابة وإن كان مشتقا فى الأصل من الدبيب؛ فقد صار اسما لبعض ما دبّ، ولا يعم كلّ ما وقع منه الدبيب.
(2/305)

وليس يعترض على هذه التأويلات التى ذكرناها ما يظنّه بعض الناس من أنه لا يجوز أن يكون فى السماء جبال برد، أو ما قدره قدر الجبال من البرد؛ لأن ذلك غير ممتنع ولا مستحيل.
فإن قالوا: كيف لا تهوى تلك الجبال من البرد؟
قلنا: يمسكها الله تعالى، ويسكّنها كما يمسك الأرض والفلك.
وإنما ينكر هذا أصحاب الطبائع، الذين لا يقرّون بالخالق جلّت عظمته، فيذكرون فى سبب وقوف الأرض المركز وهو لا يعقل؛ ولو أثبتوا الصانع جلّت عظمته نسبوا سكون الأرض إليه، واستغنوا عن تكلّف ما لا يعقل ولا يفهم.
والأولى فى تفسير هذا الموضع أن تكون «من» الأولى والثانية لابتداء الغاية، والثالثة زائدة لا حكم لها؛ ويكون تقدير الكلام: وينزّل من جبال فى السماء بردا، فزاد «من» كما يزاد فى قولهم: ما فى الدار من أحد، وكم أعطيتك
من درهم! وما لك عندى من حق؛ وما أشبه ذلك.
وعلامة زيادتها فى هذه المواضع أنك إذا أخرجتها أو ألغيتها كان الكلام مستقلّا لا يتغيّر معناه، وجرى قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ مجرى قول القائل: كم حملت لك من الكوفة من سوقها من ثوب! والمعنى: كم حملت لك من سوق الكوفة ثوبا!
والأولى أن يريد بلفظة السَّماءِ هنا ما علا من الغيم وارتفع فصار سماء لنا؛ لأنّ سماء البيت وسماوته ما ارتفع منه؛ ولأن السحاب لا يكون فى السماء التى هى الفلك للكواكب؛ وإنما هو تحته، وأراد بالجبال التشبيه، لأنّ السحاب المتراكب المتراكم تشبّهه العرب بالجبال والجمال؛ وهذا شائع فى كلامها، كأنّه تعالى قال: وينزّل من السحاب الّذي يشبه الجبال فى تراكمه بردا؛ فقد ظهر على هذا التأويل مفعول صحيح ل ننزل؛ ولا مفعول لهذا الفعل على التأويلات المتقدمة.
(2/306)

فإن قيل: إذا جاز أن تجعلوا مِنْ الأخيرة زائدة حتى يكون المنزّل هو البرد، فألّا جعلتم مِنْ الثانية هى الزائدة، ويكون تقدير الكلام: وننزّل من السماء جبالا من برد!
قلنا: ليس يشبه البرد فى نزوله الجبال على وجه ولا سبب؛ والسّحاب المتراكم يشبه الجبال، وقد جرت عادة العرب بتشبيهه بها، فيجب أن تكون الثانية غير زائدة لما ذكرناه، وتكون الأخيرة زائدة؛ وإلّا بقيتا بلا مفعول؛ ولأنه تعالى قال: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ؛ وهذه كناية عن البرد لا الجبال؛ لأنه لو كنّى عنها لقال: فيصيب بها؛ ولأنّ الجبال على التأويلات التى حكيناها كلّها منزّل منها، لا منزّلة.
فإن قيل: ألّا كان المفعول محذوفا مقدّرا؛ وكأنه قال: وننزّل من جبال برد فى السماء بردا؛ والكلام يقتضيه؟
قلنا: إنما نقدّر مفعولا محذوفا فى الموضع الّذي لا نجد فيه مفعولا ظاهر، وقد بيّنّا أنّ فى الآية مفعولا ظاهرا، فيجب صرف الكلام إليه. على أنّه لا بدّ من مفعول؛ إما ظاهرا وهو الّذي أشرنا إليه، أو محذوفا على ما تضمّنه السؤال؛ لا سيّما وفى الكلام كناية عنه فى قوله: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ، وما رأينا أحدا من المفسّرين لهذه الآية- على اختلافهم وذكر أكثرهم كلّ ما تقتضيه وجوه الإعراب فى آيات القرآن- تعرّض لذكر المفعول، ولا قال: إنه ظاهر ولا مقدّر محذوف يدلّ الكلام عليه. وهذا على كل حال تقصير ظاهر.
فأما قوله تعالى: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ فالمراد به: فيصيب بضرره من يشاء، ويصرف ضرره عمّن يشاء؛ فإنّ العادة جارية بأنّ البرد يصيب أرضا ويتعدّى ما يجاورها ويلاصقها.
(2/307)

فأما قوله تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ فسنا البرق ضوأه، وهو مقصور، وسناء المجد والشرف ممدود، والهاء فى بَرْقِهِ راجعة إلى البرد أو السحاب؛ فقد جرى ذكر كلّ واحد منهما؛ ويجوز إضافة البرق إليهما.
فأما قوله: يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ وقد قرئ يَذْهَبُ بضم الياء؛ فالمراد به أنّ البرق من شدة ضوئه يكاد يذهب بالعيون؛ لأنّ النظر إلى ماله شعاع شديد يضرّ بالعين؛ كعين الشمس وما أشبهها؛ والقراءة بفتح الهاء أجود مع دخول الباء؛ تقول العرب: ذهبت بالشيء؛ فإذا أدخلوا الألف أسقطوا الباء فقالوا: أذهبت الشيء؛ بغير باء.
فأما قوله: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ فإنما أراد أنه يأتى بكلّ واحد منهما بدلا من صاحبه، ومعاقبا له؛ لما فى ذلك من المصلحة والمنفعة.
فأما قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ فإنما أراد بالعبرة العظة والاعتبار، وروى عن الحسن أنه قال: إنما أراد ذوى أبصار القلوب لا العيون؛ لأنّ العين لا تضاف إليها العبرة والعظة.
وقال الكلبىّ: لأولى الأبصار فى الدين. وردّ قوم على الكلبىّ بأن قالوا: لو أراد ذلك لقال: لأولى البصائر، لأنّ الدين يقال: فيه بصيرة لا بصر.
والأولى أن يكون المراد بالأبصار هاهنا العيون، لأن بالعيون ترى هذه العجائب التى عدّدها الله تعالى، ثم يكون الاعتبار والعظة فى القلب بها، ويكون من لا موعظة له ولا اعتبار كأنه لا بصر له؛ من حيث لم ينتفع ببصره، فجعل أولى الأبصار هم أولى الاعتبار من حيث انتفع أولو الاعتبار بأبصارهم، وإن لم ينتفع بها من لا اعتبار عنده؛ وهذا كثير فى القرآن؛ فإنه تعالى جعل الكفار فى مواضع كثيرة صما وبكما وعميا؛ من حيث أشبهوا بإعراضهم عن الفكر والتأمل والاعتبار من لا جوارح له. وهذا بيّن لمن تأمله.
(2/308)

مسألة
اعلم أنّ من عادة العرب الإيجاز والاختصار والحذف طلبا لتقصير الكلام واطّراح فضوله، والاستغناء بقليله عن كثيره؛ ويعدّون ذلك فصاحة وبلاغة. وفى القرآن؛ من هذه الحذوف، والاستغناء بالقليل من الكلام عن الكثير مواضع كثيرة نزلت من الحسن فى أعلى منازله؛ ولو أفردنا لما فى القرآن من الحذوف الغريبة، والاختصارات العجيبة كتابا لكان واجبا.
فمن ظاهر ذلك قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى؛ [الرعد: 31] ولم يأت ل لَوْ جواب فى صريح الكتاب؛ وإنما أراد: لو أن قرآنا سيرت به الجبال لكان هذا. ومثل هذا الحذف ما روى عن النبىّ
صلى الله عليه وآله من قوله: «لو كتب هذا القرآن فى إهاب وطرح فى النار ما أحرقته النار»؛ والمراد: وكانت النار مما لا يحرق جسما لجلالة قدره ما أحرقته؛ فحذف ذلك اختصارا لدلالة الكلام عليه، ومثل هذا قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا؛ [الأحزاب: 72] وتقديره: إن السموات والأرض والجبال لو كنّ مما يأبى ويشفق، وعرضنا عليهنّ الأمانة لأبين وأشفقن. وجعل المعلوم بمنزلة الواقع فقال: عَرَضْنَا من حيث علم أن ذلك المشروط لو وقع شرطه لحصل هو.
وهذا التأويل الّذي استخرجناه أولى مما ذكره المفسّرون من أنه تعالى أراد: عرضنا الأمانة على أهل السموات والأرض؛ لأن أهل السموات والأرض هم الناس والملائكة، فأىّ معنى لقوله وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ وهو يريد الجنس! ومثله قول الشاعر:
* امتلأ الحوض وقال قطنى (1) *
__________
(1) بعده:
* حسبى رويدا قد ملأت بطنى*
والبيت فى مقاييس اللغة 5: 14.
(2/309)

والمعنى امتلأ حتى لو كان ممن يقول لقال ذلك، وهذا أولى فى نفسى من تفسيرهم هذا البيت بأنه ظهرت منه أمارات القول والنطق.
وهذا الّذي أشرنا إليه هو معنى كلّ ما جرى مجرى هذا البيت؛ من قول الشاعر (1):
وأجهشت للتّوباذ حين رأيته … وكبّر للرّحمن حين رآنى (2)
فقلت له: أين الذين عهدتهم … بجنبك فى خفض وطيب زمان!
فقال: مضوا، واستودعونى بلادهم … ومن ذا الّذي يبقى على الحدثان! (3)
ومن المحذوف أيضا قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ؛ [الزمر: 73]؛ ولم يأت لإذا جواب فى طول الكلام، وإنما حسن حذف الجواب الّذي هو: «فدخلوها» لورود ما يقوم مقامه؛ ويدل عليه من قوله تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ؛ [الزمر: 74] وذلك لا يكون إلا بعد الدخول؛ ومثل ذلك قول امرئ القيس:
فلو أنها نفس تموت سويّة … ولكنّها نفس تساقط أنفسا (4)
فحذف جواب، «لو» والجواب هو: «لكان ذلك أروح لها وأخفّ عليها»؛ ومثله قول الهذلىّ (5).
حتى إذا أسلكوهم فى قتائدة … شلّا كما تطرد الجمّالة الشّردا (6)
ومثل هذا كله فى الحذف: إنما أتمنى كذا لو أعطيته؛ وظاهر هذا الكلام كأنه مشروط وكأنه قال: إننى أتمناه إذا أعطيته؛ والأمر بالضّد من ذلك؛ والمعنى: لو أعطيته لبلغت مناى، ولنفعنى؛ وما أشبه ذلك المعنى.
__________
(1) هو المجنون. الأغانى 1: 179.
(2) التوباذ: جبل فى نجد؛ والأبيات أيضا فى معجم البلدان (2: 424) من غير عزو.
(3) بعدها فى معجم البلدان والأغانى:
وإنّى لأبكى اليوم من حذرى غدا … فراقك والحيان مختلفان.
(4) ديوانه: 142؛ وقوله: «تساقط، أى يموت بموتها بشر كثير.
(5) هو عبد مناف بن ربع الهذلى؛ ديوان الهذليين 2: 42.
(6) قتائدة: موضع، والجمالة: أصحاب الجمال. وانظر الجزء الأول ص 3.
(2/310)

والشعر القديم والمحدث مملوء من ذلك، قال البحترىّ:
ولو شئت يوم الجزع بلّ غليله … محبّ بوصل منك لو ينفع الوصل (1)
وإنما أراد: لو ينفع الوصل لنفعنى وبلغنى منيتى؛ وما أشبه ذلك؛ ومثله قوله:
وتعجبت من لوعتى فتبسمت … عن واضحات لو لثمن عذاب
وأنت إذا تأملت ضروب المجازات التى يتصرف فيها أهل اللسان فى منظومهم ومنثورهم وجدتها كلّها مبنية على الحذف والاختصار؛ ولأن قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ؛ [الفجر: 22]؛ وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ؛ [يوسف: 82] مما الحذف فيه ظاهر.
وإنما كان الكلام أبلغ وأفصح؛ لأن كلامه قلّل بحذف بعضه ومعانيه بحالها؛ وكذلك قولهم فى المدح: فلان البدر، والبحر، واللّيث؛ وفى الذم: هو الحمار، والحائط؛ إنما هو مبنىّ على الحذف، لأن المراد هو مشبه ومماثل لما ذكر؛ فأسقط من الكلام ما يقتضي التشبيه؛ لدلالة القول عليه.
فإن قيل: فإذا كانت الفصاحة هى الاختصار، فكيف قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]؛ فزاد الكاف؛ ولا معنى لها إلا الفصاحة؛ فقد صارت الفصاحة بالزيادة كما كانت بالنقصان!
قلنا: دخول الكاف هاهنا ليست على سبيل الزيادة التى لو طرحت لما تغيّر المعنى؛ بل تفيد بدخولها ما لا يستفاد مع خروجها؛ لأنه إذا قال: «ليس مثله شيء» جاز أن يراد من بعض الوجوه، وعلى بعض الأحوال؛ فإذا دخلت الكاف فهم نفى المثل على كل وجه؛ ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: ليس كمثله أحد فى كذا بل على الإطلاق والعموم.
وبمثل هذا الجواب نجيب من يسأل عن قولهم: ما إن فى الدار زيد؛ لأنه لو قال:
ما فى الدار زيد لجاز أن يكون نفيه لكونه فيها على وجه دون وجه؛ فإذا قال: «ما إن» فهم نفى كونه على كل حال؛ وهذا يدلّ على أنها مفيدة غير زائدة.
__________
(1) ديوانه: 2: 163.
(2/311)

ومن قال: إنها دخلت للتوكيد يجب أن يكون مراده ما قصدناه وشرحناه؛ لأن التوكيد متى لم يكن تحته فائدة كان دخوله عبثا.
وهذا الكلام الّذي بسطناه فى تأمّله فوائد كثيرة؛ وكان السبب فيه أن بعض من قرئ عليه كلام حكايته فى وصف كتابين: «ووجدت فيهما من التغلغل والتوصّل إلى مكامن الارتجاف، ومغابن الإسعاف، لا تطرق فجاجها، ولا يفتح رتاجها، ولا يمرّ بشعابها، ولا يلمّ بأبوابها ... »؛ وأطال الكلام، ولم يأت بما يرجع إلى قوله: «من التغلغل» (1).
وهذا من الحذف الّذي حسّنه طول الكلام، ودلالة ما فيه على المحذوف؛ لأنّ التقدير:
ووجدت فيه من التغلغل الكثير؛ فاستغنى عن ذكره بالمفهوم من الكلام؛ كما استغنى بالمحذوف التى ذكرناها فى القرآن والشعر بما فى معنى الكلام، وعدّ ذلك فصاحة وبلاغة. وكم بين أن يفهم المعنى ويلحظ من غير لفظ صريح، وبين أن يأتى فيه لفظ مصرّح فى البلاغة والفصاحة!
وقد كنت أمليت قديما مسألة أوضحت فيها أنّ التأكيد لا بدّ فيه من فائدة، وخطّأت من ذهب إلى خلاف ذلك، وبيّنت أنّ كلّ موضع ادّعى فيه أنّه للتأكيد من غير فائدة مجددة فيه فائدة مفهومة؛ وأن قوله تعالى: فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً؛ [الفرقان: 71] ما ورد هذا المصدر للتأكيد على ما يقوله قوم؛ بل لفائدة مجدّدة؛ لأنه تعالى أراد متابا جميلا مقبولا واقعا فى موقعه، فحذف ذلك اختصارا؛ كما يقول العربىّ الفصيح فى الشعر المستحسن:
هذا هو الشعر، والفرس الممدوح: هذا هو الفرس؛ وإنما حذف الصفة اختصارا؛ والمراد هذا هو الشعر المستحسن، والفرس الكريم؛ ومثله قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً؛ [النساء: 164] إنه أراد الفضل والمدح. وقال قوم: بل سمع كلامه من غير واسطة؛ ولا متحمّل له.
__________
(1) بعد هذه الكلمة فى ف إشارة إلحاق، كتب إلى جانبها كلمة «تبلد»، مقرونة برمز «صح»؛ وليس هنا ما يقتضي إثباتها.
(2/312)

فأما قول القائل: ضربته ضربا، وما أشبه ذلك من ذكر المصادر مع الأفعال وفى ذكر الأفعال من غير ذكر المصادر لدلالتها عليها فله وجهان: أحدهما أن يكون نفى صفة الضرب اختصارا؛ وأراد ضربا شديدا مبرّحا، فحذف؛ أو يكون أراد أنّه باشر الضّرب وتولّاه؛ لا أنّه أمر به؛ فقد يقال: ضربه إذا أمر بضربه؛ ولا يكادون يقولون: ضربه ضربا إذا أمر بضربه، ولم يباشره.
فأما قول العرب: «لأمر ما جدع قصير أنفه»، وقولهم: «لأمر ما يسوّد من يسود»، وادعاء من ادّعى أن «ما» هنا زائدة لا معنى تحتها وإنما دخلت للتأكيد؛ فالأولى غير ما ذكره؛ ومعنى قولهم: لأمر ما كان كذا أنه لأمر لست به عارفا؛ لأنهم لا يكادون يقولون: لأمر ما كان كذا وكذا وأنا به عارف؛ وإن جاز أن يقولوا: لأمر كان كذا وأنا به عارف؛ وإنما قالت الزباء: «لأمر ما جدع قصير أنفه»؛ لأنّها كانت جاهلة بسبب قطع أنفه، وغير عالمة به؛ وهذا يبطل قول من جعلها زائدة بغير فائدة.
فأما قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ؛ [آل عمران: 159] وتقدير قوم أن «ما» هاهنا زائدة فليس الأمر على ما ظنّوه؛ لأن من شأنهم ألا يدخلوا «ما» هاهنا إلا إذا أرادوا الاختصاص وزيادة فائدة على قولهم: فبرحمة من الله لنت لهم؛ لأنّ مع إسقاط «ما» يجوز أن تكون الرحمة سببا للّين وغيرها رقة، ولا يكادون يدخلونها مع «ما» إلا والمراد أنها سببه دون غيرها، فقد أفادت اختصاصا لم يستفد قبل دخولها.
فأما قولهم: «ما إن فى الدار زيد»، فيشبه أن يكون دخولها لفائدة تزيد على قولهم: «ما فى الدار زيد»؛ لأنهم إذا قالوا: «ما فى الدار زيد» جاز أن يريدوا أنّه لا تصرّف له فى الدار ولا تأثير لكونه فيها؛ فكأنه ليس حالّا فيها؛ لأنهم أبدا يقولون: ما فى هذه البلدة أمير؛ ولا لهذا الناس مدبّر؛ يريدون السياسة والتدبير. فإذا قالوا: «ما إن فى الدار زيد»، أو «ما إن للبلد أمير» فلا بدّ أن يريدوا: أنه ليس فيها على الحقيقة من ذكروه؛ وهذا هو معنى قول أهل العربية: إن ذلك للتأكيد؛ ومعنى التأكيد هو الّذي أشرنا إليه؛ لأنّ التأكيد لا يجوز أن يكون لغير فائدة، وأن يكون دخوله كخروجه.
(2/313)

فليقس على ما ذكرناه أمثلته، وليتطلّب لكل شيء ادّعى أنه لمحض التأكيد فائدة قلّت أو كثرت؛ فإنها توجد؛ وليس جهل الطالب لها بها يقتضي فقدها؛ فإن الأدلّة الواضحة قد دلّت على أنّ العرب مع حكمتهم لا يتكلّمون بما لا يفيد؛ وأنّ الكلام الّذي ما وضع فى الأصل إلا لفائدة قليله فى وجوب الفائدة ككثيره؛ فربما ظهرت هذه الفائدة لكل متدبّر،
وربما خفيت.
وأصول أهل العربية مملوءة من هذا؛ فإنّهم يتمحّلون ويتطلّبون العوامل التى لا تظهر فى تمام الكلام؛ ويقدّرون فيها التقديرات البعيدة حراسة للأصول، ونصرة لما دلّ عليه الدليل. ومن تصفّح تمحّلهم للعامل فى الحال إذا عرى الكلام كلّه من تصريح به، وتغلغلهم إلى ضعيف وقوىّ وبعيد وقريب علم أنّ الّذي سلكناه فى تخريج فوائد الحروف الزائدة الداخلة على الكلام، وظن قوم أنها للتأكيد من غير فائدة زائدة، طريق صحيح لا اعتراض عليه.
(2/314)

مسألة
جرى بالحضرة السامية الوزيرية العالية العادلية (1) المنصورة- أدام الله سلطانها، وأعلى أبدا شأنها ومكانها- فى بعض الكلام ما روى عن النبي عليه السلام من قوله: «نية المؤمن خير من عمله».
فقلت: على هذا الخبر سؤال قوىّ؛ وهو أن يقال: إذا كان الفعل إنما يوصف بأنه خير من غيره إذا كان ثوابه أكثر من ثوابه؛ فكيف يجوز أن تكون النية خيرا من العمل؟ ومعلوم أن النية أخفض ثوابا من العمل؛ وأنه لا يجوز إن يلحق ثواب النية بثواب العمل؛ ولهذا قال أبو هاشم: إن العزم لا بدّ أن يكون دون المعزوم عليه فى ثواب وعقاب:
وردّ على أبى عليّ قوله: «إنّ العزم على الكفر لا بدّ أن يكون كفرا؛ والعزم على الكبير يجب أن يكون كبيرا» بأن قال له: لا يجب أن يساوى العزم المعزوم عليه فى ثواب ولا عقاب؛ فإن كان هاهنا دليل سمعىّ يدلّ على أن العزم على الكفر كفر، والعزم على الكبير كبير صرنا إليه؛ إلا أنه لا بدّ مع ذلك من أن يكون عقاب العزم دون عقاب المعزوم عليه؛ وإن اجتمعا فى الكفر والكبير.
ووقع بالحضرة السامية العادلة المنصورة- أدام الله سلطانها- من التقدير لذلك والخوض فيه كلّ دقيق (2) غريب مستفاد؛ وهذه عادتها- حرس الله نعمتها- فى كل فن من فنون العلم والأدب؛ لأنها تنتهى من التحقيق والتدقيق إلى غاية من لا يحسن إلا ذلك الفن؛ ولا يعرف إلا بذلك النوع.
وقال بعض من حضر: قد قيل فى تأويل هذا الخبر وجهان حسنان، فقلت له:
اذكرهما؛ فربما كان الّذي عندى فيه مما استخرجته أحدهما، فقال:
يجوز أن يكون المعنى أن نية المؤمن خير من عمله العارى من نية. فقلت: لفظ
__________
(1) ط، حاشية ف (من نسخة): «العادلة».
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «كل دفين».
(2/315)

«أفعل» لا يدخل إلا بين شيئين قد اشتركا فى الصفة، وزاد أحدهما فيها على الآخر؛ ولهذا لا يقول أحد: إن العسل أحلى من الخلّ؛ ولا إن النبي عليه السلام أفضل من إبليس؛ والعمل إذا عرى من نية لا خير فيه، ولا ثواب عليه؛ فكيف تفضّل النية الجميلة عليه؛ وفيها خير وثواب على كل حال.
قال: والوجه الآخر أن تكون نية المؤمن فى الجميل خير من عمله الّذي هو معصيته.
فقلت: وهذا يبطل أيضا بما بطل به الوجه الأول، لأن المعصية لا خير فيها فيفضل غيرها عليها فيه.
وقالت الحضرة السامية العادلة المنصورة- أدام الله دولتها- تحقيقا لذلك وتصديقا: هذا هجو لنية المؤمن، والكلام موضوع على مدحها وإطرائها، وأىّ فضل فى أن تكون خيرا من المعاصى، وإنما الفضل أن تكون خيرا مما فيه خير!
فسئلت حينئذ ذكر الوجه الّذي عندى فقلت: لا تحمل لفظة «خير» فى الخبر على معنى «أفعل» الّذي هو للتفضيل والترجيح وقد سقطت الشبهة، ويكون معنى الكلام: إن نية المؤمن من جملة الخير من أعماله؛ حتى لا يقدّر مقدّر أن النية لا يدخلها الخير والشر؛ كما يدخل ذلك فى الأعمال. فاستحسن هذا الوجه الّذي لا يحوج إلى التعسّف والتكلّف اللذين يحتاج إليهما إذا جعلنا لفظة «خير» معناها معنى «أفعل»؛ وانقطع الكلام لدخول الوقت السّعيد المختار لدخول البلد ونهوض الحضرة السامية- أدام الله سلطانها- للركوب.
وكان فى نفسى أن أذكر شواهد لهذا الوجه ولواحق يقتضيها الكلام، وخطر بعد ذلك ببالى وجهان سليمان من الطّعن إذا حملنا لفظة الخير فى الخبر على الترجيح والتفضيل؛ وأنا أذكر ذلك:
أمّا شاهد ما استخرجته من التأويل من حمل لفظة «خير» على غير معنى التفضيل والترجيح فكثير؛ وقد ذكرت فى كتابى المعروف «بالغرر» عند كلامى فى قوله تعالى:
(2/316)

وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا؛ [الإسراء: 72] من الكلام على هذا الوجه ما استوفيته (1)، وذكرت قول المتنبى:
ابعد بعدت بياضا لا بياض له … لأنت أسود فى عينى من الظّلم (2)
وأن الألوان لا يتعجب منها بلفظ «أفعل» الموضوع للمبالغة، وكذلك الخلق كلها؛ وإنما يقال: ما أشدّ سواده! وأن معنى البيت ما ذكره أبو الفتح عثمان بن جنّى من أنه أراد:
أنّك أسود من جملة الظّلم؛ كما يقال: حرّ من أحرارا، ولئيم من لئام؛ فيكون الكلام قد تمّ عند قوله: «لأنت أسود». ولو أراد المبالغة لما كان تامّا إلا عند صلة الكلام بقوله: «من الظّلم»؛ واستشهد ابن جنّى أيضا على صحة هذا التأويل بقول الشاعر:
وأبيض من ماء الحديد كأنّه … شهاب بدا واللّيل داج عساكره (3)
كأنه قال: وأبيض كامن من ماء الحديد.
وقلت أنا: قول الشاعر:
يا ليتنى مثلك فى البياض (4) … أبيض من أخت بنى إباض
يمكن حمله على ما حملناه عليه ببيت المتنبى؛ كأنه قال: أبيض من جملة أخت بنى إباض ومن عشيرتها وقومها، ولم يرد المبالغة والتفضيل؛ وهو أحسن من قول أبى العباس المبرّد لما أنشد هذا البيت وضاق ذرعا بتأويله على ما يطابق الأصول الصحيحة أنّ ذلك محمول على الشّذوذ والنّدران.
فإن قيل: كيف تكون نية المؤمن من جملة أعماله على هذا التأويل، والنية لا تسمى عملا فى العرف، وإنما تسمى بالأعمال أفعال الجوارح؛ ولهذا لا يقولون: عملت بقلبى، كما يقولون: عملت بيدى، ولا يصفون أفعال الله تعالى بأنها أعمال؟
قلنا: ليس يمتنع أن تسمى أفعال القلوب بأنها أعمال، وإن قل استعمال ذلك فيها، ألا ترى
__________
(1) المجلس السابع؛ الجزء الأول: 87 - 94.
(2) ديوانه 4: 35.
(3) البيتان 1: 35 من غير عزو.
(4) البيتان فى اللسان (بيض).
(2/317)

أنهم لا يكادون يقولون: فعلت بقلبى؛ كما يقولون: فعلت بجوارحى؛ وإن كانت أفعال القلوب تستحق التسمية بالفعل حقيقة بلا خلاف؛ ولكن لا تسمى أفعال الله تعالى بأنها أعمال؛ لأن هذه اللفظة تختصّ بالفعل الواقع عن قدرة، والقديم تعالى قادر لنفسه؛ كما لا نصفه تعالى بأنه مكتسب لاختصاص هذه اللفظة بمن فعل لجرّ نفع، أو دفع ضرر.
ولو سلّمنا أن اسم العمل يختص بأفعال الجوارح جاز أن يطلق ذلك على النية مجازا واستعارة؛ فباب التجوّز أوسع
من ذلك.
وأما الوجهان اللّذان خطرا ببالى إذا قدرنا أن لفظة «خير» فى الخبر محمولة على الفاضلة؛ فأحدهما أن يكون المراد: نية المؤمن مع عمله خير من عمله العارى من نيّة؛ وهذا مما لا شبهة أنه كذلك.
والوجه الثانى أن يريد: نيّة المؤمن لبعض أعماله قد تكون خيرا من عمل آخر له لا تتناوله هذه النية؛ وهذا صحيح لأن النية لا تجوز أن تكون خيرا من عملها نفسها. وغير منكر أن تكون نيّة بعض الأعمال الشاقة العظيمة الثواب أفضل من عمل آخر ثوابه دون ثوابها؛ حتى لا يظنّ ظان أن ثواب النية لا تجوز أن يساوى أو يزيد على ثواب بعض الأعمال.
وهذان الوجهان فيهما على كل حال ترك لظاهر الخبر لإدخال زيادة ليست فى الظاهر؛ والتأويل الأول إذا حملنا لفظة «خير» على خلاف المبالغة والتفضيل مطابق للظاهر؛ وغير مخالف له؛ وفى هذا كفاية بمشيئة الله.
(2/318)

مسألة
سأل بعض الإخوان وقد خطر بباله عند قراءة شيء من أخبار الأئمة وأدعية السادة عليهم السلام من ذكر اسم الله تعالى الأعظم، وما خصّ به من الفضيلة دون سائر أسماء الله تعالى، وما أعطى من دعا به من سرعة الإجابة؛ مثل آصف بن برخيا وصىّ سليمان عليه السلام ومجيئه بعرش بلقيس من سبأ اليمن إلى بيت المقدس فى أقل من طرفة العين؛ وما نقله الأنبياء والأئمة والصالحون من المعجزات، وعن قول الأئمة عليهم السلام فى أدعيتهم: «اللهم إنى أسألك باسمك الأعظم»، وفيهم من قال: «الأعظم الأعظم» متى زاد على ذلك، ومنهم من قال: «الأكبر الأكبر». قال: فهل ترى أن «الأعظم» غير «الأكبر»، أو «الأعظم الأعظم» غير «الأعظم» مرة واحدة؟ . قال: وإذا قلنا «أعظم» فيجب أن يكون ثمّ «ألطف»، وإذا قلنا «أكبر» يجب أن يكون ثمّ «أصغر»؛ والله يتعالى من أن يكون له اسم ألطف من اسم أو أصغر، إذ كانت أسماؤه تعالى لا تذكر إلّا على معنى واحد؛ ولا يشار بها إلا إليه؛ وقد نطق القرآن بتساويها فى المنزلة، وهى قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [الإسراء: 110]؛ وقال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها؛ [الأعراف: 180]، وقد خير الله تعالى نبيه عليه السلام فى أن يدعوه بأيّها شاء؛ وذكر أنها كلّها حسنى، فلم خصّ الأئمة عليهم السلام أحدها بالتعظيم دون سائرها، والمقصود بها والمراد منها واحد تبارك وتعالى!
فإن قيل له: لأن فيه ما يشاركه فيه المخلوقون: مثل كريم ورحيم وعالم وحاكم وغير ذلك؛ فلهذا كانت رتبة
بعضها فى التعظيم أقل من بعض.
قال: والجواب عن ذلك أنه قد بقى منها عدة أسماء لا يشاركه فيها أحد من المخلوقين، ولا يستحقها سواه مثل الله وإله وسبّوح وقدّوس وما أشبه ذلك؛ مما لا يوصف بها غيره، ولا تليق إلا به عزّ وجل، فلم اختص الاسم الأعظم بأحد هذه دون الأجرام؛ أم هل الاسم الأعظم أو الأكبر شيء غير هذه الأسماء المتعارفة بين العوام (1)!
__________
(1) حاشيتى ف، ط: «فى هذا الكلام بعض التخليط كأنه ليس من تحرير السيد رحمه الله».
(2/319)

مسألة
وسأل غير الأول من الإخوان عن قوله تعالى فى سورة يس: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ؛ [يس: 6].
قال:
إذا كانت آباؤهم لم ينذروا فبأىّ شيء يحتجّ عليهم! وكيف يعاقبهم على عبادة الأصنام وقد قال تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا؛ [الإسراء: 15]! وكيف يصحّ أن تخلو أمة من الأمم من نذير، مع قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: 24]؛ وقوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ [الشعراء: 208] وقد علم أنّهم كانوا أمما لا يحصيها كثرة غيره تعالى، وقرى كثيرة؛ فكيف هذا! وأىّ شيء المراد به ومعلوم أنّ كلامه تعالى لا يتناقض!
قال: فإن قال: إن «ما» التى فى الأمة المتقدمة ليست للنفى بل هى للإثبات، والمعنى فيها: مثل ما أنذر آباؤهم، أو بمعنى الّذي أنذر آباؤهم، أو زائدة؛ لأن الكلام يتم من دونها؛ لتنذر قوما أنذر آباؤهم.
قال: والجواب عن ذلك أنّ هذا تأويل يفسد، من قبل أنّ المعلوم الّذي لا شك فيه ولا إشكال أنّ الله تعالى لم يبعث نبيّا بعد عيسى عليه السلام إلا المبعوث على فترة من الرسل صلى الله عليه؛ لأجل ذلك وصفهم بالغفلة لمّا لم ينذر آباؤهم؛ فثبت بهذا أن «ما» التى فى الآية المتقدمة للنفى دون الإثبات، وأن الأخذ بالمعلوم أولى من المظنون.
قال: فإن قيل إن عيسى عليه السلام قد كان بعث إليهم، وشاعت شريعته فيهم، وانتشرت كلمته، وسار الحواريون بدعوته شرقا وغربا، سهلا وجبلا.
قال: فالجواب عن ذلك إذا سلّمنا أن عيسى عليه السلام بعث إليهم فإنّ الفترة إنما كانت بينه وبين محمد صلى الله عليه وآله، وأن الحواريين لم يمكثوا بعده إلا قليلا، وأنّ الآباء المذكورين بأنهم لم ينذروا هم الأدنون دون الأبعدين.
(2/320)

ولقائل أن يقول: إن عيسى عليه السلام لم يبعث إلا إلى بنى إسرائيل خاصة دون العرب؛ وبذلك نطق القرآن. وله أن يقول: إن الآباء الأبعدين والأدنين فى الآية سواء. والّذي يؤيد ذلك قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ... ؛ [المائدة: 19]؛ الآية (1) إلى آخرها، وقد صحّ بالجملة والتفصيل أنّ الآباء لم ينذروا، وأن «ما» للنفى فى موضعها من الآية دون الإثبات؛ فكيف القول فى الحجة عليهم؟ ولا يحتج محتج بأن العقل هو الحجة عليهم دون الإنذار والرسل؛ لأن العقل حجّة على من أنذر وعلى من لم ينذر؛ وعليه معوّل الفلاسفة فى الاستغناء عن الرسل والأنبياء عليهم السلام.
*** الجواب عن المسألة أن الأولى (2): أن يكون اسم الله تعالى الأعظم خارجا عن هذه الأسماء والصفات التى فى أيدى الناس يناجون الله تعالى بها، ويدعونه ويسألونه؛ لأنّ ذلك الاسم لو كان من جملتها- وقد أجمعوا على أنّ الله تعالى لم يسأل به شيئا إلا أعطاه- لكان يجب فى كل داع بهذه الأسماء والصفات إذا كان الاسم من جملتها أن تجاب دعوته، وتنجح مسألته، وقد علمنا خلاف ذلك، وأنّ أكثر الداعين بهذه الأسماء المسطورة غير مجابين؛ فعلمنا أنّ «الأعظم» ليس من جملتها.
فإذا قيل لنا: فلم خصّ الله تعالى بهذا الاسم قوما دون قوم، ولم يجره مجرى سائر أسمائه؟
فالجواب أنه تابع للمصلحة، وإذا كان المعلوم أن كلّ سائل بذلك الاسم مجاب لا محالة، فمن علم أنّ فى إجابته مفسدة لا يجوز أن يمكّن من ذلك الاسم.
فإذا قيل: فينبغى لمن يسأله تعالى، وقال: بحقّ اسمك الأعظم، اعطنى كذا أن يجاب لا محالة؛ وقد علمنا خلاف ذلك؟ فالجواب أنه غير ممتنع أن تكون الإجابة إنما تكون واجبة عند التصريح والتلفّظ بهذا الاسم دون الكناية عنه.
__________
(1) بقية الآية: أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
(2) انظر ص 319 من هذا الجزء.
(2/321)

فأما تسميته بأنّه أعظم، وأن ذلك يقتضي أن يكون من أسمائه ما ليس بأعظم؛ فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما أن تكون لفظة «أفعل» هنا راجعة إلى باقى أسمائه؛ والوجه الآخر أن ترجع إلى أسماء وصفات غيره.
وبيان الوجه الأول أن معنى «أعظم» هو اختصاصه بفضيلة أن الدّعاء به مجاب، وهذه المزية ليست فى باقى الأسماء؛ فكأنه أعظم منها لاختصاصه برتبة عالية ليست لباقيها.
وأما الوجه الثانى فيكون المعنى أنه أعظم بالإضافة إلى أسمائكم وصفاتكم؛ لأنه ليس لشيء من صفاتنا هذه المزية؛ ولم تجعل هذه المزية لأجل فقد المشاركة فى المعنى؛ فيلزم عليه إله وقديم ورحمن؛ على ما مضى فى السؤال؛ بل لأن الله تعالى خصّ هذا الاسم بهذه المزية لما علم من المصلحة.
فأما إلزامنا أن يكون فى أسمائه تعالى ما هو أصغر فلا يلزم على الجواب الثانى؛ فإذا ألزمنا ذلك على الجواب الأول قلنا: إذا كان قولنا «أعظم» بالإضافة إلى أسمائه تعالى معناه أن له هذه المزية والرتبة، فلا محالة أنه يجب فيما ليس له هذه المزية من أسمائه ألّا يكون الأعظم.
ولا يجوز أن نقول: أصغر وأحقر وما يجرى مجرى ذلك؛ لأنه يوهم المهانة؛ وما لا تجوز فى شيء من أسمائه.
وأما قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها فإنما سمّاها كلها الحسنى؛ وليس يمتنع أن يكون فيما هو حسن تفاضل وتزايد، وكذلك قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا معناه التخيير لنا بين أن ندعوه بأىّ الاسمين شئنا؛ وما يمضى فى ألفاظ الدعاء من أنى أسألك باسمك الأكبر تارة؛ وأخرى بالأعظم، والأشبه أن يراد باللّفظتين معنى واحد.
وأ ما تكرير لفظ «الأعظم» فهو على سبيل التأكيد والتفخيم؛ لا لأن «الأعظم» مرة واحدة غير «الأعظم» مرتين، وبالله التوفيق.
***
(2/322)

والجواب عن المسألة الثانية (1) أنه غير ممتنع عندنا أن يخلو الزمان الطويل والقصير من رسول مبعوث بشريعة؛ وإن كان لا يخلو من إمام؛ ولهذا يقول أصحابنا: إن الإمامة واجبة فى كلّ زمان؛ وليست كذلك النبوة.
والوجه فيه أنّ إرسال الرسول تابع لما يعلمه الله من المصالح للمكلّفين فى الشرائع والعبادات؛ وغير بعيد فى العقل أن يعلم تعالى أنّه لا شيء من الشرائع فيه مصلحة للمكلّفين؛ فلا تجب الرّسالة بل لا تحسن. فأما قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، وقوله: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ وقوله: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ؛ فيجوز أن يكون مخصوصا غير عام؛ ويعنى به من الشرائع والعبادات من ألطافه؛ فإن دلّ دليل قاطع على عموم هذه الظواهر قطعنا لأجله على أن الشرائع من ألطاف المكلّفين؛ وإن كان جائزا فى العقل ألّا يكون الأمر على ذلك.
وقد اختلف أهل التأويل فى تأويل هذه الآية، فقال جماعة: إن لفظة «ما» هاهنا للنفى، والمراد أن آباءهم ما أنذروا، لأنّ المصلحة لم تقتض بعثة رسول إليهم؛ وليس من المعلوم لنا أنّ عيسى عليه السلام كان الحجة على كلّ مكلّف كان بين زمانه وبين زمان نبيّنا عليه السلام.
ويقوّى هذا الجواب إثبات الفترة وأنّه عليه السلام بعث على فترة من الرسل.
وذهب قوم من أهل التأويل إلى أن «ما» فى الآية ليست للنّفى بل للإثبات؛ والمراد:
لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم؛ وهذا أيضا جائز.
ويقوّى هذا الجواب ويضعف الأول أن قوله تعالى: فَهُمْ غافِلُونَ يقتضي الذمّ لهم بالغفلة؛ وذلك يقتضي أنهم أنذروا فغفلوا وأعرضوا. ولا يذمّ بالغفلة من لا سبيل له إلى العلم والتبين.
وفى الناس من حمل قوله تعالى: ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ على النفى، والمراد أنه لم ينذرهم من هو منهم وعلى نسبهم ومن أنفسهم؛ كما قال تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ
__________
(1) انظر ص 320 من هذا الجزء.
(2/323)

أَنْفُسِكُمْ؛ [التوبة: 128] فيكون تلخيص الكلام: لتنذر قوما أنت منهم ما أنذر آباءهم من هو منهم؛ أى من قومهم ومن أنفسهم.
ويمكن فى لفظة «ما» وجه آخر وهو أن يراد بها التنكير؛ كأنه قال: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما وتقف، ثم تبتدئ فتقول: أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ؛ كما يقول القائل: أكلت طعاما ما، ولقيت جماعة ما، ويكون الغرض التنكير والإجمال؛ وليست لفظة «ما» هاهنا زائدة؛ لأن حدّ الزائد أن يكون دخوله فى عدم الفائدة كخروجه؛ وهى هاهنا مفيدة على ما بيّناه.
(2/324)

مسألة
فى الاعتراض على أن من استدلّ بدليل السّحارة على أن العالم ملاء، وما أبطل به ذلك
اعلم أنّ فكرت فيما أجاب به أبو هاشم من يقول: إن العالم ملاء، إذا استدل بالآلة التى تسمّى السّحارة (1) على ذلك؛ وادّعى أن علّة وقوف الماء عن النزول من الثّقب الصغار التى فى أسفلها إذا سددنا رأسها هو منع الهواء بسدّ الرأس من أن يحدث فى مكان الماء. وقول أبى هاشم:
إن العلة فى وقوف الماء عن السيلان إذا سددنا رأس السّحارة بالإصبع أن الهواء يمنع الماء من النزول لضعف ما يخرج من الماء فى الثّقب الصغار؛ فإذا فتحنا الرأس دفع الهواء الماء من أعلى السحارة فقوى الماء على النزول؛ فوجدته غير واضح، لأن الماء فيه اعتمادات سفلا وثقل ونفس الهواء على مذهبنا- وهو الصحيح- لا اعتماد فيه
البتة؛ فكيف تمنع ما لا اعتماد فيه للجسم الّذي فيه اعتماد سفلا عن الهبوط والنزول! وإذا كان الهواء هو المانع من نزول الماء من الثّقب الصغار- ومن مذهب أبى هاشم جواز خلوّ الأماكن من الهواء- فكان يجب أن يجوّز أن يسيل الماء من أسفل السحارة مع سدّ أعلاها بالإصبع؛ بأن يصادف ذلك مكانا خاليا من الهواء الّذي يدّعى أنه مانع من نزول الماء.
فأما تقويته لذلك بذكر الريشة، وأنها تقف فى الهواء فلا تنزل؛ لأن الهواء يمنعها من الهبوط، فأوّل ما فيه أن الريش لخفّته ربما أبطأ نزوله؛ فظنّ أنه واقف؛ وربما كان فى الهواء اعتمادات مختلفة صعدا، فتمنع هذه الاعتمادات التى هى فى خلاف جهة اعتمادات الريشة من النزول.
فأما إذا كانت الريشة فى هواء ساكن لا اعتماد فيه فإن الهواء لا يجوز أن يمنعها من الهبوط.
ومن أطرف الأمور قوله: إن الهواء إذا فتحنا عن رأس السحارة يدافع الماء، ويكون
__________
(1) فى حاشية ف، ط: «إن الآلة المعروفة بالسحارة هى الآلة التى يكون فى رأسها ثقب واحد وفى أسفلها ثقوب كثيرة، إذا ملأناها بالماء ثم سددنا رأسها بالإبهام لم ينزل الماء من الثقب التى فى أسفلها؛ وإذا أزلنا إبهامنا نزل الماء؛ ولا علة لذلك إلا أنها عند سد رأسها بالإبهام منعنا الهواء من أن يخلف فى مكان الماء».
(2/325)

سببا لنزوله من الثقوب؛ لأن الهواء على مذاهبنا لا اعتمادات فيه، فكيف يدافع الماء! ومن قال من الفلاسفة: إن فيه اعتمادات صعدا لا يليق دفع الماء بقوله، لأن تلك الاعتمادات فى غير جهة اعتماد الماء. وأىّ عاقل يخفى عليه أن الهواء الساكن المعتدل لا يجوز أن يدفع الماء من رأس السحّارة!
وبعد، فمع القول بجواز خلوّ الأماكن من الهواء؛ والقطع على ذلك فى بعض الأحوال قد كان يجب أن يجوز أن يفتح رأس السحّارة، ولا يسيل الماء من الثّقب من أسفلها؛ لأن الهواء الّذي ادّعى أنه يدافع الماء من رأسها مفقود.
والّذي يدعيه أبو هاشم من أن السحّارة لو ملئت زئبقا وسدّ رأسها لنزل من الثقوب الصّغار؛ وقوله: إنما كان كذلك لثقل الزّئبق، وأنّ الهواء الّذي يلاقى من تحتها الثقوب الصغار لا يقوى على منعه من النزول؛ كما لا يتم ذلك فى الماء موقوف على التّجربة.
فأما ما جرّبناه فنتكلّم على العلة المفرّقة بين الزّئبق والماء؛ والّذي يجب أن يعتمد فى نقض الاستدلال من القائلين بذلك فى الماء والسحارة أن يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل فى الماء السكون والوقوف مع سدّ رأسها، فلا ينزل من أسفلها، وإذا فتحنا رأسها لم يفعل ذلك السكون فيجرى الماء منها من الثقوب.
وليس ينبغى أن ينكر أصحابنا خاصّة أن يكون هذا بالعادة؛ ونحن كلّنا نقول: إن انجذاب الحديد إلى حجر
المغناطيس إنما هو بالعادة؛ وإلا فالمغناطيس وسائر الأحجار سواء.
وإن بالعادة وقع الشّبع عند تناول الخبز واللحم، وارتفع عند غيرهما، والجنس واحد وما تقوّل جماعتنا إنه بالعادة أكثر من أن يحصى.
وإذا أنكر الفلاسفة الملحدون تعليقنا ذلك بالعادة لجحدهم الصانع؛ دللناهم على الأصل الّذي لمّا جهلوه ضعف ما نقوله فى نفوسهم، فبثبوته يسهل ذلك كلّه.
فإذا قيل لنا: فما طريقه العادة يجوز فيه الاختلاف؛ فجوّزوا أن تكون السحارة فى بعض البلاد التى لا تتصل بنا أخبارها يسيل الماء من أسفلها مع سدّ رأسها، ولا يسيل مع فتحها.
(2/326)

قلنا: نحن نجوّز ذلك، ولا نمنع أن تختلف العادة فيه؛ كما لا نمنع أن يستمرّ فى كلّ بلد؛ وعند كل أحد، ولا يخرج هذا الحكم مع استمراره من أن يكون مستندا إلى العادة؛ ألا ترى أنّ القاطعين على وقوع العلم الضرورى بمخبر الأخبار إذا كان العدد زائدا على أربعة مع استيفاء باقى الشروط لا يجوّزون أن تختلف العادات فى ذلك؛ بل يقطعون على أنّ العادة مستمرة بذلك فى كل موضع.
فإذا قيل له: كيف يتميّز ذلك وهو معتاد مع الاستمرار من الوجوب؟
قال: فإن المستند إلى العادة لا بدّ من أن يختلف على بعض الوجوه؛ ليفارق بذلك الاختلاف الواجب؛ ويتميّز عنه. والخبر الّذي يجب عنده حصول العلم الضرورىّ قد يقع مثله ومن جنسه؛ مع اختلاف بعض هذه الشروط؛ فلا يجب العلم. فلو كان هناك إيجاب لوجب العلم على كل حال، وهذا بعينه قائم فى السحّارة؛ لأنّ الثقوب لو وسّعت لسال الماء على كل حال، ولو كانت هناك طبيعة موجبة لوقوف الماء لم تختلف الحال على بعض الوجوه.
وبعد، فإن علّة أبى هاشم فى وقوف الماء من السحارة عن السيلان- وإن كنّا قد بيّنا بطلانها- لا نجدها فى القدح المعروف بقدح العدل؛ وهو قدح فى وسطه بربخ [مجوّف يبلغ ارتفاعا إلى قريب من أعلاه، وهذا البربخ] (1) نافذ من جهة أسفله، وعلى رأس هذا البربخ فى وسط القدح كالغشاء يحيط به من جوانبه على تجاف عنه؛ وهو من أعلاه مسدود، ومن أسفله مفروج، فإذا طرحنا فى هذا القدح ماء فهو ثابت؛ حتى يبلغ إلى محاذاة رأس البربخ، فإذا زاد عليها ولو باليسير خرج جميع الماء من القدح بأن يصعد من أسفل القدح إلى رأس البربخ حتى ينزل جميعه.
وأصحاب الملاء يدّعون أن العلّة فى صعود الماء إلى فوق رأس ذلك من شأنه هو اضطرار الخلاء؛ وحتى لا يخلو مكان من متمكّن فيه، فما العلّة فى صعود الماء ثم هبوطه على مذهب أبى هاشم؟ وما يعلّل فى السحارة لا يتأتى هاهنا؛ وليس بعد ذلك إلا إسناده إلى العادة، وجريها.
والله ولىّ التوفيق.
__________
(1) البربخ: منفذ الماء ومجراه.
(2/327)

مسألة
سئل رضى الله عنه عن الفرق بين الألثغ والأليغ، فقال: الألثغ الّذي تكون فى لسانه ردّة فى حرف بعينه، كالطاء والسين وما أشبههما من الحروف؛ والأليغ الّذي تكون فى لسانه فى سائر الحروف ردّة.
(2/328)

مسألة
سئل رضى الله عنه عن قول النبي صلى الله عليه وآله: «أعلمكم بنفسه أعلمكم بربّه» ما معناه؟ فقال: معنى هذا الخبر أنّ أحدنا إذا كان عالما بأحوال نفسه وصفاته فلا بدّ أن يكون عالما بأحوال من جعله على هذه الصفات؛ وصيّر له هذه الأحوال والأحكام؛ لأنّ من علم الفرع لا بدّ أن يكون عالما بأصله الّذي يستند إليه، ويتفرّع عليه، وإذا دخل التزايد فى العلم وكان بالفرع أعلم فهو بالأصل أعلم.
وشرح هذه الجملة أنّ من علم نفسه أنّه محدث مصنوع مخلوق مربوب قادر حىّ؛ عالم فلا بدّ من أن يكون عالما بمن جعله على هذه الصفات، وصيّر له هذه الأحوال والأحكام، ولو لاه جلّ اسمه لم يكن على شيء منها؛ فالتزايد والتفاضل فى أحد الأمرين يقتضي التزايد والتفاضل فى الآخر.
ولا يلزم على هذه الجملة أن أحدنا قد يعلم نفسه موجودا وإن لم يكن بالله تعالى عارفا؛ وهو جلّ وعزّ الّذي أوجده، ولولاه لم يكن موجودا، ألا ترى أن الدّهرية يعلمون العالم وما فيه موجودا وإن لم يعلموا أن له موجدا، وكذلك قد يعلم أحدنا كونه قادرا وعالما وحيّا وإن لم يعلم من جعله على هذه الأحوال؛ وذلك أنّا إذا أدخلنا لفظة «أفعل» فقلنا: من كان أعلم بنفسه كان أعلم بربّه، ومن علم نفسه موجودا ولم يعلم موجده وخالقه ليس بأعلم بنفسه؛ وإن قيل هو عالم ولفظة المبالغة تقتضى أنه إذا لم يعلم أن له موجدا ومقدرا ومجيبا فليس بأعلم بنفسه. والّذي يبيّن هذا أنه لا يمتنع فيمن علم قطعة من النّحو أن نقول:
إنه عالم بالنحو، ولا نقول: هو أعلم. إلا إذا كان مستوليا على جميع علومه؛ لا يذهب عليه شيء منها.
وليس يمتنع أن نعكس لفظ هذا الخبر فنقول: أعلمكم بربّه أعلمكم بنفسه؛ لأنه من كان بالله أعلم فلا بدّ من أن
يكون عالما بأنه خالقنا ورازقنا ومحيينا ومميتنا، والجاعل لنا على هذه الأحوال والصفات فمن حيث تعلّق كلّ واحد من الأمرين بصاحبه جاز أن يجعل كلّ واحد من الأمرين تارة فرعا، وتارة أصلا.
(2/329)

مسألة
وسئل رضى الله عنه عن قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ؛ [الروم: 22]. وهل يوجب قوله: وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ أن يكون كلامنا على ظاهر الآية خلقا له تعالى؟ فقال:
فى هذه الشبهة ثلاثة أجوبة:
منها أن معنى اختلاف ألسنتكم، أى اختلاف لغاتكم فى البيان أو الأشكال.
ومنها اختلاف مخارج الكلام من ألسنتكم؛ ككلام الألثغ والأليغ والأرتّ والتّمتام ونحوهم.
ومنها اختلاف ألسنتكم فى خلقها وأشكالها وصيغها، كالطّويل منها والقصير والعريض والدقيق. والله تعالى الموفّق للصواب.
(2/330)

مسألة
قال رضى الله عنه: قد طعن من لا تأمّل له على استدلالنا على أنّ الأفعال الظاهرة فينا من قيام وقعود وأكل وشرب وما جرى مجرى ذلك متعلّقة بنا، وحادثة من جهتنا بوجوب (1) وقوعها بحسب قصودنا وأحوالنا ودواعينا بأن قال:
كيف يجوز أن تدّعوا العلم الضرورىّ بوجوب وقوع أفعالكم بحسب أحوالكم؟
وإنما تشيرون بالوقوع إلى الحدوث.
وإذا كان حدوث هذه الأفعال لا يعلم ضرورة؛ وإنما يعلم بدقيق الاستدلال والنظر، فكيف يجوز أن تعلموا حكم الذات ضرورة، وأنتم تعلمون تلك الذات بدليل؟ والعلم بالذات أصل للعلم بالأحكام؛ ولا يجوز أن يكون العلم بالأصل مستدلّا عليه، والعلم بالفرع ضروريا.
*** والجواب عن ذلك أنّ الوجوب أو الجواز حكم للأحوال الموجبة عن الأفعال التى هى ذوات حادثة؛ ونحن نعلم كون الجسم منتقلا وكائنا فى جهة من الجهات ضرورة؛ وإن كنّا لا نعلم الكون الّذي فيه إلا بدلالة، والوجوب حكم لكونه كائنا، وليس بحكم للكون الّذي هو الذات، فما علمنا على هذا التقرير الأصل والفرع إلا ضرورة، وهذان
العلمان منفصلان عن العلم بالذات الّذي يحتاج فيه إلى الدلالة.
ألا ترى أن الشيوخ نصّوا فى كتبهم على أن المدرك منّا للجوهر يعلم ضرورة عند الإدراك كونه متحيزا، وكونه فى جهة مخصوصة، وكونه موجودا! ونصّوا على أنّ هذه العلوم ضرورية وواقعة عند الإدراك؛ وإن كان الإدراك لا يتناوله إلا كونه متحيّزا دون ما عدا هذه الصفة، فكيف يشكل هذا الّذي ذكرناه، ومعلوم أن نفاة الأعراض من الموحدين والملحدين يعلمون كون الجسم متحركا أو ساكنا، وقريبا أو بعيدا ضرورة، ويعلمون كون أحدنا قائما أو قاعدا، أو آكلا أو شاربا كذلك؛ ويعلمون ما هو واجب من هذه الأحوال أو واجب فى الموضع الّذي تجب فيه، أو يجوز ضرورة.
__________
(1) فى حاشيتى ف، ط: «أى استمرار».
(2/331)

وإن كانوا لا يثبتون المعانى التى هى الأعراض، ولا يعرفونها، فكيف يشكل على متأمّل أن الأحكام التى أشرنا إليها وادّعينا وجوبها على بعض الوجوه ليست أحكاما للمعانى التى لا تعلم إلا بالدلالة وإنما هى أحكام للأحوال المعلومة أيضا ضرورة، وأن ما علمناه ضرورة حكم لأمر نعلمه أيضا ضرورة.
ومن حمل نفسه أن يخالف فى وجوب ما ذكرناه دافع للضرورة؛ لأن العلم بما ذكرناه من أوضح الضرورات. والفرق بين وجوب كون أحدنا آكلا وقد اشتد جوعه وارتفعت الموانع عنه- وهو صحيح سليم- وبين وجوب آكله إذا جاع غيره معلوم ضرورة؛ وآخر ما يبدأ به العقل.
وإذا كان الفرق الّذي ذكرناه معلوما ثبت ما هو مستند إليه من الوجوب عند قوة الدواعى وخلوصها.
والمعارضة على هذه الطريقة بوجوب الشّبع عند الأكل، والسّكر عند شرب الخمر، وما جرى مجرى ذلك غير صحيح، لأنه لا وجوب فى سائر ما ذكرناه، ألا ترى أن فى الناس من يشبع باللّقمة، وفيهم من لا يشبع بأكل العجنة (1)، وكذلك فى السّكر والرّىّ.
ولما استند ذلك إلى العادة جاز أن يختلف بالأشخاص والأحوال، ولما استند ما ذكرناه من الوجوب إلى غير العادة كان مستمرا فى كل شخص، وعلى كل حال، وعلى كل وجه وسبب، فأين أحد الأمرين من الآخر!
__________
(1) العجنة قدر ما يعجن فى مرة.
(2/332)

مسألة فى تفضيل الأنبياء على الملائكة عليهم السلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلّم تسليما.
اعلم أنّه لا طريق من جهة العقل إلى القطع بفضل مكلّف على آخر، لأن الفضل المراعى فى هذا الباب هو زيادة استحقاق الثواب، ولا سبيل إلى معرفة مقادير الثواب من ظواهر فعل الطاعات، لأنّ الطاعتين قد تتساوى فى ظاهر الأمر حالهما، وإن زاد ثواب واحدة على الأخرى زيادة عظيمة، وإذا لم يكن للعقل فى ذلك مجال فالمرجع فيه إلى السّمع، فإن دلّ سمع مقطوع به من ذلك على شيء عوّل عليه، وإلا كان الواجب التوقف عنه، والشكّ فيه.
وليس فى القرآن، ولا فى سمع مقطوع على صحة ما يدلّ على فضل نبىّ على ملك ولا ملك على نبىّ. وسنبيّن أن آية واحدة مما يتعلق به فى تفضيل الأنبياء على الملائكة عليهم السلام يمكن أن يستدل بها على ضرب من الترتيب نذكره.
والمعتمد فى القطع على أن الأنبياء أفضل من الملائكة عليهم السلام على إجماع الشيعة الإمامية على ذلك، فهم لا يختلفون فى هذا، بل يزيدون عليه، ويذهبون إلى أن الأئمة أفضل من الملائكة، عليهم أجمعين السلام. وإجماعهم حجة لأن المعصوم فى جملتهم.
وقد بيّنا فى مواضع من كتبنا كيفية الاستدلال بهذه الطريقة ورتبناه، وأجبنا عن كلّ سؤال يسأل عنه فيها، وبينّا كيف الطريق مع غيبة الإمام إلى العلم بمذاهبه وأقواله، وشرحنا ذلك، فلا معنى للتشاغل به هاهنا.
ويمكن أن يستدلّ على ذلك بأمره تعالى للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام؛ وأنه يقتضي تعظيمه عليهم، وتقديمه وإكرامه، وإذا كان المفضول لا يجوز تعظيمه وتقديمه على الفاضل علمنا أن آدم عليه السلام أفضل من الملائكة، وكل من قال: إن آدم عليه السلام أفضل من الملائكة ذهب إلى أن جميع الأنبياء عليهم السلام أفضل من جميع الملائكة، ولا أحد من الأمة فصل بين الأمرين.
(2/333)

فإن قيل: ومن أين أنّه أمرهم بالسجود على جهة التقديم والتعظيم؟
قلنا: لا يخلو تعبّدهم بالسجود له من أن يكون على سبيل القبلة والجهة من غير أن يقترن به تعظيم وتقديم، أو يكون على ما ذكرناه.
فإن كان الأوّل لم يجز أنفة إبليس من السجود وتكبّره عنه؛ وقوله: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، [الإسراء: 62]. وقوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ؛ [ص: 76].
والقرآن كله ناطق بأن امتناع إبليس من السجود إنما هو لاعتقاده التفضيل به والتكرمة، فلو لم يكن الأمر على هذا لوجب أن يردّه الله تعالى عنه، ويعلمه أنّه ما أمره بالسجود على وجه تعظيمه له ولا تفضيله؛ بل على الوجه الآخر الّذي لا حظّ للتفضيل فيه؛ وما جاز إغفال ذلك، وهو سبب معصية إبليس وضلالته؛ فلما لم يقع ذلك دلّ على أن الأمر بالسجود لم يكن إلا على جهة التفضيل والتعظيم. وكيف يقع شكّ فى أنّ الأمر على ما ذكرناه؛ وكلّ نبىّ أراد تعظيم آدم عليه السلام، ووصفه بما اقتضى الفخر والشرف ونعته بإسجاد الملائكة له؛ وجعل ذلك من أعظم فضائله؛ وهذا مما لا شبهة فيه.
فأمّا اعتماد بعض أصحابنا فى تفضيل الأنبياء على الملائكة على أن المشقة فى طاعة الأنبياء عليهم السلام أكثر وأوفر من حيث كانت لهم شهوات فى القبائح، ونفار عن الواجبات فليس بمعتمد؛ لأنّا نقطع على أنّ مشاق الأنبياء أعظم من مشاقّ الملائكة فى التكليف؛ والشكّ فى مثل ذلك واجب، وليس كلّ شيء لم يظهر لنا ثبوته وجب القطع على انتفائه. ونحن نعلم على الجملة أن الملائكة إذا كانوا مكلّفين فلا بدّ من أن تكون عليهم مشاقّ فى تكليفهم، ولولا ذلك ما استحقوا ثوابا على طاعاتهم. والتكليف إنما يحسن فى كلّ مكلّف تعريضا للثواب؛ ولا يكون التكليف شاقّا عليهم إلا وتكون لهم شهوات فيما حظر عليهم، ونفار عما أوجب.
وإذا كان الأمر على هذا فمن أين يعلم أن مشاقّ الأنبياء عليهم السلام أكثر من
(2/334)

مشاق الملائكة؟ وإذا كانت المشقّة عامّة لتكليف الأمة (1)، ولا طريق إلى القطع على زيادتها فى تكليف بعض، ونقصانها فى تكليف آخرين فالواجب التوقّف والشك.
ونحن الآن نذكر شبه من فضّل الملائكة على الأنبياء عليهم السلام، ونتكلم عليها بعون الله.
فما تعلّقوا به فى ذلك قوله تعالى حكاية عن إبليس مخاطبا لآدم وحواء عليهما السلام:
ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ؛ [الأعراف: 20]، فرغّبهما فى التناول من الشّجرة ليكونا فى منزلة الملائكة، حتى تناولا وعصيا.
وليس يجوز أن يرغب عاقل فى أن يكون على منزلة هى دون منزلته؛ حتى يحمله ذلك على خلاف الله تعالى ومعصيته؛ وهذا يقتضي فضل الملائكة على الأنبياء عليهم السلام.
وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ؛ [النساء: 172]، وتأخير ذكر الملائكة فى مثل هذا الخطاب يقتضي تفضيلهم؛ لأنّ العادة إنما جرت بأن يقال: لن يستنكف الوزير أن يفعل هذا ولا الخليفة، فيقدّم الأدون ويؤخر الأعظم؛ ولم يجز بأن يقال: لن يستنكف الأمير أن يفعل كذا ولا الحارس؛ وهذا
يقتضي تفضيل الملائكة عليهم السلام.
وتعلّقوا بقوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا؛ [الإسراء: 70]؛ قالوا: وليس بعد بنى آدم مخلوق يستعمل فى الخبر عنه لفظة «من» التى لا تستعمل إلا فى العقلاء إلا الجن والملائكة؛ ولمّا لم يقل: «وفضلناهم» على «من» بل قال: عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا علم أنّه إنّما أخرج الملائكة عمّن فضّل بنى آدم عليه؛ لأنّه لا خلاف فى أنّ بنى آدم
__________
(1) حاشية ف (من نسخة): «الجماعة».
(2/335)

أفضل من الجن؛ وإذا كان وضع الخطاب يقتضي مخلوقا لم يفضّل بنو آدم عليهم؛ فلا شبهة فى أنهم الملائكة.
وتعلقوا بقوله تعالى: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ؛ [هود: 31]، فلولا أن حال الملائكة أفضل من حال النبىّ لما قال ذلك.
فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: لم زعمتم أن قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ معناه أن تصيرا وتنقلبا إلى صفة الملائكة؛ فإنّ هذه اللفظة ليست صريحة لما ذكرتم؛ بل أحسن الأحوال أن تكون محتملة له.
وما أنكرتم أن يكون المعنى أنّ المنهىّ عن تناول الشجرة غير كما؛ وأن النهى يختص الملائكة والخالدين دونكما؟ ويجرى ذلك مجرى قول أحدنا لغيره: ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلانا؛ وإنما يعنى أن المنهىّ هو فلان دونك؛ ولم يرد إلا أن تنقلب فتصير فلانا.
ولما كان غرض إبليس إيقاع الشبهة لهما، فمن أوكد الشّبه إيهاما أنهما لم ينهيا وإنّما المنهىّ غيرهما.
ومن وكيد ما تفسد به هذه الشبهة أن يقال: ما أنكرتم أن يكونا رغبا فى أن ينقلا إلى صفة الملائكة وخلقهم كما رغّبهما إبليس فى ذلك! ولا تدلّ هذه الرغبة على أنّ الملائكة أفضل منهما؛ لأنه بالتقلّب إلى خلقة غيره لا ينقلب ولا يتغير بانقلاب الصورة والخلق؛ فإنه إنما يستحق على الأعمال دون الهيئات.
وغير ممتنع أن يكونا رغبا فى أن يصيرا على هيئة الملائكة وصورها؛ وليس ذلك برغبة فى الثواب ولا الفضل؛ فإن الثواب لا يتبع الهيئات والصّور، ألا ترى أنهما رغبا فى أن يكونا من الخالدين؛ وليس الخلود مما يقتضي مزيّة فى ثواب ولا فضلا فيه؛ وإنما هو نفع عاجل؛ فكذلك لا يمتنع أن تكون الرغبة منهما فى أن يصيرا ملكين إنّما كانت على هذا الوجه.
(2/336)

ويمكن أن يقال للمعتزلة خاصة وكلّ من أجاز على الأنبياء الصغائر: ما أنكرتم أن يكونا اعتقدا أن الملك أفضل من النبىّ وغلطا فى ذلك، وكان منهما ذنبا صغيرا؛ لأنّ الصغائر عندكم تجوز على الأنبياء؟ ومن أين لكم إذا اعتقدا أن الملائكة أفضل من الأنبياء، ورغبا فى ذلك أنّ الأمر على ما اعتقداه مع تجويزكم عليهم الذنوب؟
وليس لهم أن يقولوا: إنّ الصغائر إنما تدخل فى أفعال الجوارح دون القلوب؛ لأنّ ذلك تحكّم بغير برهان.
وليس يمتنع على أصولهم أن تدخل الصغائر فى أفعال القلوب والجوارح معا؛ لأنّ حدّ الصغير عندهم ما نقص عقابه عن ثواب طاعات فاعله. وليس يمتنع معنى هذا الحدّ فى أفعال القلوب كما لا يمتنع فى أفعال الجوارح.
ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ما أنكرتم أن يكون هذا القول إنما توجّه إلى قوم اعتقدوا أن الملائكة أفضل من الأنبياء؛ فأخرج الكلام على حسب اعتقادهم، وأخّر ذكر الملائكة لذلك؟ ويجرى هذا القول مجرى قول من قال منا لغيره: لن يستنكف أبى أن يفعل كذا ولا أبوك؛ وإن كان القائل يعتقد أن أباه أفضل؛ وإنما أخرج الكلام على حسب اعتقاد المخاطب لا المخاطب.
ومما يجوز أن يقال أيضا: إنه لا تفاوت فى الفضل بين الأنبياء والملائكة؛ وإن ذهبنا إلى أن الأنبياء أفضل منهم؛ ومع التقارب والتدانى يحسن أن يؤخّر ذكر الأفضل الّذي لا تفاوت بينه وبين غيره فى الفضل؛ وإنما مع التفاوت والتدانى لا يحسن ذاك، ألا ترى أنه يحسن أن يقول القائل: ما يستنكف الأمير فلان من كذا؛ ولا الأمير فلان من كذا؛ وإن كان متساويين، متناظرين أو متقاربين، ولا يحسن أن يقول: ما يستنكف الأمير من كذا ولا الحارس لأجل التفاوت.
وأقوى من هذا أن يقال: إنما أخّر ذكر الملائكة عن ذكر المسيح لأنّ جميع الملائكة
(2/337)

أكثر ثوابا لا محالة من المسيح منفردا؛ وهذا لا يقتضي أن كلّ واحد منهم أفضل من المسيح عليه السلام؛ وإنما الخلاف فى ذلك.
ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله تعالى: عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا أنّا فضّلناهم على من خلقنا وهم كثير؛ ولم يرد التبعيض؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا؛ [البقرة: 41] معناه: لا تشتروا بها ثمنا قليلا، وكلّ ثمن تأخذونه عنها قليل؛ ولم يرد التخصيص والمنع من الثمن القليل خاصة؛ ومثله قول الشاعر:
من أناس ليس فى أخلاقهم … عاجل الفحش ولا سوء الجزع (1)
وإنما أراد نفى الفحش كلّه عن أخلاقهم؛ وإن وصفه بأنه عاجل، ونفى الجزع عنها وإن وصفه بالسّوء؛ وهذا من
غريب البلاغة ودقيقها؛ ونظائره فى الشعر والكلام الفصيح لا تحصر.
وقد كنا أملينا فى تأويل هذه الآية كلاما مفردا استقصيناه وشرحنا هذا الوجه، وأكثرنا من ذكر أمثلته.
ووجه آخر فى تأويل هذه الآية؛ وهو أنّه غير ممتنع أن يكون جميع الملائكة أفضل من جميع بنى آدم؛ وإن كان فى جملة بنى آدم من الأنبياء عليهم السلام من يفضل كلّ واحد منهم على كلّ واحد من الملائكة؛ لأنّ الخلاف إنما هو فى فضل كلّ بنى آدم على كلّ ملك.
وغير ممتنع أن يكون جميع الملائكة فضلاء، يستحقّ كلّ واحد منهم الجزيل الأكثر من الثواب؛ فيزيد ثواب جميعهم على ثواب جميع بنى آدم؛ لأنّ الأفاضل من بنى آدم أقلّ عددا؛ وإن كان فى بنى آدم آحاد؛ كلّ واحد منهم أفضل من كلّ واحد من الملائكة.
ووجه آخر: ومما يمكن أن يقال فى هذه الآية أيضا أنّ مفهوم الآية إذا تؤمّلت
__________
(1) البيت لسويد بن أبى كاهلى اليشكري من قصيدة مفضلية (191 - 202 طبعة المعارف).
(2/338)

يقتضي أنه تعالى لم يرد الفضل الّذي هو زيادة الثواب؛ وإنما أراد النّعم والمنافع الدنياوية؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ؛ والكرامة إنما هى الترفيه وما يجرى مجراه.
ثم قال: وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ؛ ولا شبهة فى أنّ الحمل لهم فى البر والبحر ورزق الطيبات خارج مما يستحقّ به الثواب، ويقتضي التفضيل الّذي وقع إطلاقه فيه. ويجب أن يكون ما عطف عليه من التفضيل داخلا فى هذا الباب، وفى هذا القبيل؛ فإنّه أشبه من أن يكون المراد به غير ما سياق الآية وارد به، ومبنىّ عليه.
وأقل الأحوال أن تكون لفظة فَضَّلْناهُمْ محتملة للأمرين؛ فلا يجوز الاستدلال بها على خلاف ما نذهب إليه.
ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: لا دلالة فى هذه الآية على أنّ حال الملائكة أفضل من حال الأنبياء؛ لأن الغرض فى الكلام إنما هو نفى ما لم يكن عليه؛ لا التفضيل لذلك على ما هو عليه؛ ألا ترى أن أحدنا لو ظنّ أنه على صفة الملائكة- وهو ليس عليها- جاز أن ينفيها عن نفسه بمثل هذا اللفظ؛ وإن كان على أحوال هى أفضل من تلك الحال وأرفع.
وليس يجب إذا انتفى مما تبرّأ منه من علم الغيب، وكون خزائن الله تعالى عنده أن يكون فيه فضل أن يكون ذلك معتمدا فى كل ما يقع النفى له، والتبرؤ منه.
وإذا لم يكن ملكا كما لم يكن عنده خزائن الله تعالى جاز أن ينتفى من الأمرين من غير ملاحظة؛ لأنّ حاله دون
هاتين الحالتين.
ومما يوضّح هذا ويزيل الإشكال فيه أنّه تعالى حكى عنه قوله فى آية أخرى: وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً؛ [هود: 31]، ونحن نعلم أنّ هذه منزلة غير جليلة؛ وهو على كلّ حال أرفع منها وأعلى؛ فما المنكر أن يكون نفى الملكيّة عنه فى أنه لا يقتضي أنّ حاله دون حال الملك بمنزلة نفى هذه المنزلة! والتعلّق بهذه الآية ضعيف جدا؛ وفيما أوردناه كفاية وبالله التوفيق.
(2/339)

تفسير البيت الّذي ذكره السيد بن محمد الحميرىّ (1) فى قصيدته المذهّبة، وهو:
ردّت عليه الشمس لما فاته … وقت الصّلاة وقد دنت للمغرب
قال رضى الله عنه: هذا خبر عن رد الشمس له عليه السلام فى حياة النبىّ صلى الله عليه وآله؛ لأنه روى أن النبىّ صلى الله عليه وآله كان نائما، ورأسه فى حجر أمير المؤمنين عليه السلام؛ فلما حان وقت صلاة العصر كره أن ينهض لأدائها، فيزعج النبىّ صلى الله عليه وآله من نومه، فلما مضى وقتها وانتبه النبي عليه السلام دعا الله تعالى بردّها له فردّها، فصلّى عليه السلام الصلاة فى وقتها.
فإن قيل: هذا يقتضي أن يكون عليه السلام عاصيا بترك الصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أحدهما أنه إنما يكون عاصيا إذا ترك الصلاة بغير عذر، وإزعاج النبىّ عليه السلام وترويعه لا ينكر أن يكون عذرا فى ترك الصلاة.
__________
(1) حاشية ف: «قال الأصمعى: هو السيد بن محمد بن يزيد بن مفرغ الحميرى، واسمه إسماعيل، ويكنى أبا هاشم، والسيد نعت وقع له وهو صبى لذكاء فيه، فقيل: سيكون سيدنا، فوقع النعت به، وإنما سمى أبوه مفرغا لأنه كان خاطر أن يشرب سقاء لبن فشربه، فسمى مفرغ السقاء لتفريغه إياه. وقيل إن مفرغا كان حدادا بالمدينة لا نسب له، وإن امرأة استعملته قفلا، فتشهى عليها لبن كرش، فجاءت به، فشرب منه، فقالت له: أفرغ الباقى فى إناء، فقال لها: ما عندى إناء، وجعل يشرب قليلا قليلا؛ حتى أفناه وفرغ الكرش؛ فقالت له: إنك لمفرغ؛ ولا حاجة بك إلى إناء.
وروى عن الحسن بن على المعروف بالكسلان، قال: قال السيد الحميرى:
ولقد عجبت لقائل لى مرة … علامة فهم من العلماء
سمّاك أهلك سيدا لم يكذبوا … أنت الموفّق سيد الشعراء
ما أنت حين تخصّ آل محمد … بالمدح منك وشاعر بسواء
مدح الملوك ذوى الندى لعطائهم … والمدح منك لهم لغير عطاء.
(2/340)

فإن قيل: الأعذار فى ترك جميع أفعال الصلاة لا تكون إلا بفقد العقل والتمييز، كالنوم والإغماء وما شاكلهما، ولم يكن عليه السلام فى تلك الحال بهذه الصفة؛ فأما الأعذار التى يكون معها العقل والتمييز ثابتين؛ كالزّمانة، والرّباط والقيد، والمرض الشديد، واشتداد القتال؛ فإنما يكون عذرا فى استيفاء أفعال الصلاة، وليس بعذر فى تركها أصلا، فإنّ كلّ معذور ممن ذكرناه يصلّيها على حسب طاقته؛ ولو بالإيماء.
قلنا: غير منكر أن يكون عليه السلام صلّى مومئا وهو جالس؛ لما تعذّر عليه القيام، إشفاقا من إزعاجه صلى الله عليه وآله؛ وعلى هذا تكون فائدة ردّ الشمس ليصلّى مستوفيا لأفعال الصلاة؛ ولتكون أيضا فضيلة له، ودلالة على علوّ شأنه.
والجواب الآخر أن الصّلاة لم تفته بمضىّ جميع وقتها؛ وإنما فاته ما فيه الفضل والمزية من أول وقتها.
ويقوّى هذا الوجه شيئان: أحدهما الرواية الأخرى؛ لأن قوله: «حين تفوته» صريح فى أن الفوت لم يقع؛ وإنما قارب وكاد؛ والأمر الآخر قوله: «وقد دنت للمغرب» يعنى الشمس؛ وهذا أيضا يقتضي أنها لم تغرب وإنما دنت للغروب.
فإن قيل: إذا كانت لم تفته؛ فأىّ معنى للدعاء بردّها حتى يصلّى فى الوقت؛ وهو قد صلّى فيه!
قلنا: الفائدة فى ردّها ليدرك فضيلة الصلاة فى أول وقتها؛ ثم ليكون ذلك دلالة على سموّ مجده، وجلالة قدره فى خرق العادة من أجله.
فإن قيل: إذا كان النبي صلى الله عليه وآله هو الداعى بردّها له؛ فإن العادة انخرقت للنبىّ عليه السلام لا لغيره.
قلنا: إذا كان النبىّ عليه السلام إنما دعا بردّها لأجل أمير المؤمنين عليه السلام، وليدرك ما فاته من فضل الصلاة فشرف انخراق العادة والفضيلة به ينقسم بينهما عليهما السلام.
(2/341)

فإن قيل: كيف يصحّ ردّ الشمس، وأصحاب الهيئة والفلك يقولون إن ذلك محال لا تناله قدرة! وهبه كان جائزا على مذاهب أهل الإسلام، أليس لو ردّت الشمس من وقت الغروب إلى وقت الزوال لكان يجب أن يعلم أهل الشرق والغرب بذلك؛ لأنها تبطئ فى الطلوع على بعض البلاد؛ فيطول ليلهم على وجه خلاف العادة، ويمتد من نهار قوم
آخرين ما لم يكن ممتدا؟
ولا يجوز أن يخفى على أهل البلاد غروبها ثم عودها طالعة بعد الغروب، وكانت الأخبار تنتشر بذلك، ويؤرّخ هذا الحادث العظيم فى التواريخ، ويكون أبهر وأعظم من الطوفان.
قلت: قد دلت الدّلالة الصحيحة الواضحة على أن الفلك وما فيه من شمس وقمر ونجوم غير متحرك لنفسه ولا طبيعة؛ على ما يهذى به القوم؛ وإن الله تعالى هو المحرّك له، والمتصرف باختياره فيه؛ وقد استقصينا (1) الحجج على ذلك فى كثير من كتبنا؛ وليس هذا موضع ذكر.
فأما علم أهل الشرق والغرب والسهل والجبل بذلك على ما مضى فى السؤال فغير واجب؛ لأنا لا نحتاج إلى القول بأنها ردّت من وقت الغروب إلى وقت الزوال وما يقاربه على ما مضى فى السؤال؛ بل نقول: إن وقت الفضل فى صلاة العصر هو ما يلى، بلا فصل زمان أداء المصلّى فرض الظهر أربع ركعات عقيب الزوال؛ وكلّ زمان وإن قصر وقلّ يجاوز هذا الوقت؛ فذلك الفضل فائت فيه. وإذا ردّت الشمس له هذا القدر اليسير الّذي نفرض أنه مقدار ما يؤدّى فيه ركعة واحدة خفى على أهل الشرق والغرب ولم يشعروا به؛ بل هو مما يجوز أن يخفى على من حضر الحال وشاهدها؛ إن لم ينعم النظر والتنقير عنها، فبطل السؤال على جوابنا الثانى المبنى على فوت الفضيلة.
فأما الجواب الآخر المبنىّ على أنها كانت فاتت بغروبها للعذر الّذي ذكرناه فالسؤال أيضا باطل عنه؛ لأنه ليس بين مغيب جميع قرص الشمس فى الزمان، وبين مغيب بعضها وظهور بعضها إلا زمان يسير قصير؛ يخفى فيه رجوع الشمس بعد مغيب جميع قرصها إلى ظهور بعضها على كل قريب وبعيد. ولا يفطن إذا لم يعرف سبب ذلك على وجه خارق للعادة؛ ومن فطن بأن ضوء الشمس غاب، ثم عاد بعضه جوّز أن يكون ذلك لغيم أو حائل.
__________
(1) من نسخة بحاشيتى ط، ف: «استوفينا».
(2/342)

تفسير قول السيد فى هذه القصيدة أيضا:
وعليه قد حبست ببابل مرّة … أخرى، وما حبست لخلق معرب
هذا البيت يتضمن الإخبار عن ردّ الشمس ببابل على أمير المؤمنين عليه السلام؛ والرواية بذلك مشهورة؛ وأنّه عليه السلام لما فاته وقت العصر ردّت له الشمس حتى صلّاها فى وقتها، وخرق العادة هاهنا لا يمكن نسبه إلى غيره عليه السلام؛ كما أمكن ذلك فى أيام النبىّ عليه السلام؛ والصحيح فى فوت الصلاة هاهنا أحد الوجهين اللذين
تقدّم ذكرهما فى ردّ الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وآله، وهو أن فضيلة أول الوقت فاتته لضرب من الشّغل، فردّت عليه الشمس، ليدرك الفضيلة بالصّلاة فى أول الوقت. وقد بيّنا هذا الوجه فى تفسير البيت الّذي أوله: «ردّت عليه الشمس»، وأبطلنا قول من يدّعى أنّ ذلك كان يجب أن يعمّ الخلق فى الآفاق معرفته؛ حتى يدوّنوه ويؤرّخوه.
فأما من ادّعى أن الصلاة فاتته بأن تقضّى جميع وقتها؛ إما لتشاغله بتعبئة عسكره، أو لأن بابل أرض خسف لا يجوز الصلاة عليها فقد أبطل؛ لأنّ الشّغل بتعبئة العسكر لا يكون عذرا فى فوت صلاة فريضة؛ وإن أمير المؤمنين عليه السلام أجلّ قدرا، وأثمن دينا من أن يكون ذلك عذرا له فى فوت فريضة.
وأما أرض الخسف فإنما تكره الصلاة فيها مع الاختيار؛ فإذا لم يتمكن المصلّى من الصّلاة فى غيرها، وخاف فوت الوقت وجب أن يصلّى فيها، وتزول الكراهية.
فأما قول الشاعر: «وعليه قد حبست ببابل» فالمراد ب «حبست» ردّت؛ وإنما كره أن يعيد لفظة الردّ لأنها قد تقدمت.
فإن قيل: «حبست» بمعنى وقفت، ومعناه يخالف معنى «ردّت».
قلنا: المعنيان هاهنا واحد؛ لأنّ الشمس إذا ردّت إلى الموضع الّذي تجاوزته فقد حبست عن السير المعهود وقطع الأماكن المألوفة.
فأما المعرب فهو الناطق الفصيح بحجته؛ يقال: أعرب فلان عن كذا إذا أبان عنه.
(2/343)

مسألة
سئل رضى الله عنه فقيل: ما يقال لمن يدّعى عند إقامة الدليل على حدث الجسم والجوهر والعرض شيئا ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض أحدث الله تعالى الأشياء منه؟ وما الّذي يفسد دعواه غير المطالبة له بالدلالة على صحتها!
الجواب، أول ما نقوله فى هذا الباب إن إحداث شيء من شيء غيره كلام محال ظاهر الفساد؛ لأن المحدث على الحقيقة هو الموجود بعد أن كان معدوما؛ وإذا فرضنا أنه أحدث من غيره فقد جعلناه موجودا فى ذلك الغير؛ فلا يكون محدثا فى الحقيقة؛ ولا موجودا بعد عدم حقيقى؛ فكأنّا قلنا: إنه محدث وليس بمحدث؛ وهذا متناقض.
على أن الجواهر والأجسام إنما حكمنا بحدثها؛ لأنها لم تخل من الأعراض، ولم تتقدم فى الوجود عليها، وما لم يتقدم المحدث فهو محدث مثله.
وإذا كانت الأعراض التى توصّلنا بحدوثها إلى حدوث الأجسام والجواهر محدثة؛ لا من شيء ولا عن هيولى (1) على ما تموّه هؤلاء المفلسفون به؛ فيجب أن تكون الجواهر والأجسام أيضا محدثة على هذا الوجه؛ لأنه إذا وجب أن يساوى ما لم يتقدم المحدث فى حدوثه وجب أيضا أن يساويه فى كيفية حدوثه.
على أنا قد بيّنا أنّ ما أحدث من غيره ليس بمحدث فى الحقيقة، والعرض محدث على الحقيقة، فيجب فيما لم يتقدمه فى الوجود أن يكون محدثا على الحقيقة.
ويبيّن ما ذكرناه أن من أحدث من طين أو شمع صورة فهو غير محدث لها على الحقيقة، وكيف تكون كذلك وهى موجودة الأجزاء فى الطين والشمع؟ وإنما أحدث المصوّر تصويرها وتركيبها والمعانى المخصوصة فيها، وهذا يقتضي أنّ الجواهر والأجسام على مذهب أصحاب الهيولى غير محدثة على الحقيقة؛ وإنما حدث التصوير والتركيب. وإذا كان الدليل على حدوث
__________
(1) حاشية ف: «الهيولى كلمة يونانية يعنون بها مادة لا صورة لها لما يقول أصحاب المعدوم».
(2/344)

جميع الأجسام والجواهر قد دلّ بطل هذا المذهب.
فأما الّذي يدلّ على بطلان قول من أثبت شيئا موجودا ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض من غير جهة المطالبة له بتصحيح دعواه، وتعجيزه عن ذلك فهو أنه لا حكم لذات موجودة ليست بجسم ولا جوهر ولا عرض يعقل؛ ويمكن الإشارة إليه، وما لا حكم له من الذوات والصفات لا يجوز إثباته؛ ولا بدّ من نفيه لأنه يؤدى إلى إثبات ما لا فرق بين إثباته ونفيه؛ وتجويز ذلك يؤدى إلى الجهالات وإلى إثبات ما لا يتناهى من الذوات والصفات.
وقد بيّنا هذه الطريقة فى مواضع من كتبنا؛ لا سيما فى الكتاب الملخّص فى الأصول.
على أنا نقول لمن أثبت الهيولى وادّعى أنه أصل العالم، وأن الأجسام والجواهر منها أحدثت: لا تخلو هذه الذات (1) التى يسميها بالهيولى من أن تكون موجودة أو معدومة؛ وما نريد بالوجود ما تعنونه أنتم بهذه اللفظة؛ لأن الموجود عندكم يكون بالفعل، ويكون بالقوة، ويكون المعدوم عندكم موجودا بالقوة أو فى العلم؛ وإنما نريد بالوجود هذا الّذي نعقله ونعلمه ضرورة عند إدراك الذوات المدركات؛ لأن أحدنا إذا أدرك الجسم متحيّزا علم ضرورة وجوده وثبوته؛ وكذلك القول فى الألوان وما عداها من المدركات.
فإن قال: هى موجودة على تحديدكم (2).
قلنا: فيجب أن تكون متحيّزة؛ لأنها لو لم تكن بهذه الصفة ما حصل منها التحيّز، ألا ترى أنّ الأعراض لما لم تكن
متحيّزة لم يمكن أن يحدث منها التحيز! وإذا أقروا فيها التحيز فهى من جنس الجواهر؛ وبطل القول بأنها ليست بجوهر ووجب لها الحدوث؛ لأنّ دليل حدث الأجسام ينتظمها، ويشتمل عليها؛ فبطل أيضا القول بقدمها ونفى حدوثها.
وإن قالوا: هى معدومة قلنا: إذا كانت معدومة على الحقيقة فما نسومكم إثبات قدم لها ولا
__________
(1) حاشية ف (من نسخة): «الذوات».
(2) من نسخة بحاشيتى ط، ف: «على طريقكم».
(2/345)

حدوث؛ لأن هاتين الصفتين إنما تتعاقبان على الموجود؛ فكأنّكم تقولون: إنّ الله تعالى جعل من هذه الهيولى المعدومة جواهر وأجساما موجودة. وهذه موافقة فى المعنى لأهل الحق؛ القائلين بأن الجواهر فى العدم على صفة تقتضى وجوب التحيّز لها متى وجدت، وأنّ الله تعالى إذا أوجد هذه الجواهر وجب لها فى الوجود التحيّز؛ لما هى عليه فى نفوسها من الصفة فى العدم الموجبة لذلك بشرط الوجود، وأنّ الفاعل إنما يؤثر فى صفة الوجود؛ ولا تأثير له فى الصفة التى كانت عليها الجواهر فى العدم.
على أن هذه الطريقة إذا صاروا إليها تقتضى أنّ لأجناس الأعراض كلّها هيولى؛ لأنّ الدليل قد دلّ على أن للسّواد، ولكل جنس من الأعراض صفة ثابتة فى حال العدم تقتضى كونه على الصفة التى يدرك عليها إن كان مما يدرك فى حال الوجود، وأنّ الفاعل إنما يؤثّر فى إحداثه وإيجاده دون الصفة التى كان عليها فى حال العدم.
والقول فى الأعراض كالقول فى الجواهر فى هذه القضية، ويجب أن يكون للجميع هيولى؛ لأنّ الطريقة واحدة؛ وكلام هؤلاء أبدا غير محصّل ولا مفهوم، وهم يدّعون التحقيق والتحديد، وما أبعدهم من ذلك!
(2/346)

مسألة فى العصمة
ما حقيقة العصمة التى يعتقد وجوبها للأنبياء والأئمة عليهم السلام؟ وهل هى معنى يضطرّ إلى الطاعة ويمنع من المعصية، أو معنى يضامّ الاختيار؟ فإن كان معنى يضطر إلى الطاعة ويمنع من المعصية، فكيف يجوز الحمد والذم لفاعلها! وإن كان معنى يضامّ الاختيار فاذكروه، ودلّوا على صحة مطابقته له، ووجوب اختصاص المذكورين به دون سواهم؛ فقد قال بعض المعتزلة: إن الله تعالى عصم أنبياءه بالشهادة لهم بالاستعصام؛ كما
ضلّل قوما بنفس الشهادة عليهم بالضلال؛ فإن يكن ذلك هو المعتمد أنعم بذكره، ودلّ على صحته وبطلان ما عساه يعلمه من الطعن عليه؛ وإن يكن باطلا دلّ على بطلانه وصحة الوجه المعتمد فيه دون ما سواه.
الجواب، اعلم أنّ العصمة هى اللّطف الّذي يفعله الله تعالى، فيختار العبد عنده الامتناع من فعل القبيح؛ فيقال على هذا: إنّ الله تعالى عصمه بأن فعل له ما اختار عنده العدول عن القبيح؛ ويقال: إن العبد معصوم؛ لأنه اختار عند هذا الدّاعى الّذي فعل له الامتناع من القبيح.
وأصل العصمة فى موضوع اللّغة المنع؛ يقال عصمت فلانا من السوء إذا منعت من حلوله به؛ غير أنّ المتكلّمين أجروا هذه اللفظة على من امتنع باختياره عند اللّطف الّذي يفعله الله تعالى به؛ لأنّه إذا فعل به ما يعلم أنه يمتنع عنده من فعل القبيح فقد منعه من القبيح؛ فأجروا عليه لفظة المانع قهرا وقسرا؛ وأهل اللغة يتعارفون ذلك أيضا ويستعملونه؛ لأنهم يقولون فيمن أشار على غيره برأى فقبله منه مختارا، واحتمى بذلك من ضرر يلحقه، وسوء يناله: إنه حماه من ذلك الضرر، ومنعه وعصمه منه؛ وإن كان ذلك على سبيل الاختيار.
فإن قيل: أفتقولون فيمن لطف له بما اختار عنده الامتناع من فعل واحد قبيح: إنه معصوم؟
(2/347)

قلنا: نقول ذلك مضافا ولا نطلقه؛ فنقول: إنه معصوم من كذا، ولا نطلق فنوهم أنه معصوم من جميع القبائح، ونطلق فى الأنبياء والأئمة عليهم السلام العصمة بلا تقييد؛ لأنّهم عندنا لا يفعلون شيئا من القبائح، بخلاف ما يقوله المعتزلة من نفى الكبائر عنهم دون الصغائر.
فإن قيل: فإذا كان تفسير العصمة ما ذكرتم فألّا عصم الله تعالى جميع المكلّفين، وفعل بهم ما يختارون عنده الامتناع من القبائح؟
قلنا: كلّ من علم الله تعالى أنه له لطفا يختار عنده الامتناع من القبائح؛ فإنه لا بدّ أن يفعل به؛ وإن لم يكن نبيا ولا إماما؛ لأنّ التكليف يقتضي فعل اللّطف على ما دلّ عليه فى مواضع كثيرة؛ غير أنّه لا يمتنع أن يكون فى المكلّفين من ليس فى المعلوم أنّ شيئا متى فعل اختار عنده الامتناع من القبيح؛ فيكون هذا المكلّف لا عصمة له فى المعلوم ولا لطف. وتكليف من لا لطف له يحسن ولا يقبح؛ وإنما القبيح منع اللّطف فيمن له لطف؛ مع ثبوت التكليف.
فأما قول بعضهم: إن العصمة هى الشهادة من الله تعالى بالاستعصام فباطل؛ لأن الشهادة لا تجعل الشيء على ما هو به؛ وإنما تتعلق به على ما هو عليه؛ لأنّ الشهادة هى الخبر، والخبر عن كون الشيء على صفة لا يؤثر فى كونه عليها؛ فنحتاج أولا إلى أن يتقدم لنا العلم بأنّ زيدا معصوم أو معتصم؛ ونوضّح عن معنى ذلك، ثم تكون الشهادة من بعد مطابقة لهذا العلم؛ وهذا بمنزلة من سئل عن حدّ المتحرّك فقال: هو الشهادة بأنه متحرّك؛ أو المعلوم أنه
على هذه الصفة.
وفى هذا البيان كفاية لمن تأمّله.
(2/348)

مسألة
ما القول فى الأخبار الواردة فى عدة كتب من الأصول والفروع بمدح أجناس من الطير والبهائم والمأكولات والأرضين، وذمّ أجناس منها؛ كمدح الحمام والبلبل والقنبر والحجل والدّرّاج وما شاكل ذلك من فصيحات الطير؛ وذمّ الفواخت والرّخم؛ وما يحكى من أنّ كلّ جنس من هذه الأجناس المحمودة ينطق بثناء على الله تعالى وعلى أوليائه، ودعاء لهم، ودعاء على أعدائهم؛ وأن كلّ جنس من هذه الأجناس المذمومة ينطق بضد ذلك من ذم الأولياء عليهم السلام، كذم الجرّىّ (1) وما شاكله من السمك، وما نطق به الجرىّ من أنه مسخ بجحده الولاية، وورود الآثار بتحريمه لذلك؛ وكذم الدّبّ والقرد والفيل وسائر المسوخ المحرّمة؛ وكذم البطّيخة التى كسرها أمير المؤمنين عليه السلام فصادفها مرّة فقال:
«من النار إلى النار»، ورمى بها من يده، ففار من الموضع الّذي سقطت فيه دخان؛ وكذم الأرضين السّبخة، والقول بأنها جحدت الولاية أيضا. وقد جاء فى هذا المعنى ما يطول شرحه؛ وظاهره مناف لما تدل العقول عليه من كون هذه الأجناس مفارقة لقبيل ما يجوز تكليفه، ويسوغ أمره ونهيه.
وفى هذه الأخبار التى أشرنا إليها أن بعض هذه الأجناس يعتقد الحقّ ويدين به، وبعضها يخالفه؛ وهذا كلّه مناف لظاهر ما العقلاء عليه.
ومنها ما يشهد أنّ لهذه الأجناس منطقا مفهوما، وألفاظا تفيد أغراضا، وأنها بمنزلة الأعجمىّ والعربىّ اللذين لا يفهم أحدهما صاحبه، وأنّ شاهد ذلك من قول الله سبحانه فيما حكاه عن سليمان عليه السلام: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ؛ [النمل: 16]. وكلام النملة أيضا مما حكاه سبحانه، وكلام الهدهد واحتجاجه وجوابه وفهمه؛ فلينعم بذكر ما عنده فى ذلك مثابا إن شاء الله.
***
__________
(1) الجرّىّ: ضرب من السماك.
(2/349)

الجواب، وبالله التوفيق:
اعلم أن المعوّل فيما يعتقد على ما تدلّ الأدلة عليه من نفى وإثبات؛ فإذا دلت الأدلّة على أمر من الأمور وجب أن نبنى كلّ وارد من الأخبار إذا كان ظاهره بخلافه عليه؛ ونسوقه إليه، ونطابق بينه وبينه، ونجلّى ظاهرا إن كان له، ونشرط إن كان مطلقا، ونخصّه إن كان عاما، ونفصّله إن كان مجملا؛ ونوفّق بينه وبين الأدلة من كل طريق اقتضى الموافقة وآل إلى المطابقة؛ وإذا كنا نفعل ذلك ولا نحتشمه فى ظواهر القرآن المقطوع على صحته، المعلوم وروده؛ فكيف نتوقّف عن ذلك فى أخبار آحاد لا توجب علما؛ ولا تثمر يقينا! فمتى وردت عليك أخبار فاعرضها على هذه الجملة وابنها عليها؛ وافعل فيها ما حكمت به الأدلة، وأوجبته الحجج العقلية؛ وإن تعذّر فيها بناء وتأويل وتخريج وتنزيل؛ فليس غير الاطراح لها، وترك التعريج عليها؛ ولو اقتصرنا على هذه الجملة لاكتفينا فيمن يتدبّر ويتفكر.
وقد يجوز أن يكون المراد بذمّ هذه الأجناس من الطير أنها ناطقة بضدّ الثناء على الله وبذم أوليائه، ونقص أصفيائه معناه ذمّ متخذيها ومرتبطيها، وأنّ هؤلاء المغرين بمحبّة هذه الأجناس واتخاذها هم الذين ينطقون بضدّ الثناء على الله تعالى، ويذمّون أولياءه وأحبّاءه؛ فأضاف النطق إلى هذه الأجناس، وهو لمتخذيها أو مرتبطيها؛ للتجاوز والتقارب، وعلى سبيل التجوز والاستعارة؛ كما أضاف الله فى القرآن السؤال إلى القرية؛ وإنما هو لأهل القرية، وكما قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً. فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً؛ [الطلاق: 8، 9]؛ وفى هذا كلّه حذوف. وقد أضيف فى الظاهر الفعل إلى من هو فى الحقيقة متعلّق بغيره؛ والقول فى مدح أجناس من الطير، والوصف لها بأنها تنطق بالثناء على الله تعالى والمدح لأوليائه يجرى على هذا المنهاج الّذي نهجناه.
فإن قيل: كيف يستحق مرتبط هذه الأجناس مدحا بارتباطها، ومرتبط بعض آخر ذمّا بارتباطه؛ حتى علّقتم المدح والذم بذلك؟
(2/350)

قلنا: ما جعلنا لارتباط هذه الأجناس حظا فى استحقاق مرتبطيها مدحا ولا ذما؛ وإنما قلنا: إنه غير ممتنع أن تجرى عادة المؤمنين الموالين لأولياء الله تعالى والمعادين لأعدائه بأن يألفوا ارتباط أجناس من الطير. وكذلك تجرى عادة بعض أعداء الله تعالى باتخاذ بعض أجناس الطير؛ فيكون متخذ بعضها ممدوحا؛ لا من أجل اتخاذه؛ لكن لما هو عليه من الاتخاذ الصحيح؛ فيضاف المدح إلى هذه الأجناس وهو لمرتبطيها، والنطق بالتسبيح والدعاء الصحيح إليها وهو لمتخذها تجوزا واتساعا. وكذلك القول فى الذم المقابل للمدح.
فإن قيل: فلم نهى عن اتخاذ بعض هذه الأجناس إذا كان الذم لا يتعلق باتخاذها، وإنما يتعلق ببعض متخذيها
لكفرهم وضلالهم؟
قلنا: يجوز أن يكون فى اتخاذ هذه البهائم المنهىّ عن اتخاذها وارتباطها مفسدة وليس يقبح خلقها فى الأصل لهذا الوجه؛ لأنها خلقت لينتفع بها من سائر وجوه الانتفاع سوى الارتباط والاتخاذ الّذي لا يمنع تعلق المفسدة به.
ويجوز أيضا أن يكون فى اتخاذها هذه الأجناس المنهىّ عنها شؤم وطيرة؛ فللعرب فى ذلك مذهب معروف. ويصح هذا النهى أيضا على مذهب من نفى الطّيرة على التحقيق؛ لأنّ الطّيرة والتشاؤم- وإن كان لا تأثير لهما على التحقيق- فإن النفوس تستشعر ذلك، ويسبق إليها ما يجب على كل حال تجنّبه والتوقى عنه (1)؛ وعلى هذا يحمل معنى قوله عليه السلام: «لا يورد ذو عاهة على مصحّ».
فأما تحريم السمك الجرّىّ وما أشبهه فغير ممتنع لشيء يتعلق بالمفسدة فى تناوله؛ كما نقول فى سائر المحرمات. فأما القول بأن الجرّىّ نطق بأنه مسخ بجحده الولاية فهو مما يضحك منه ويتعجب (2) من قائله، والملتفت إلى مثله.
فأما تحريم الدّب والقرد والفيل فكتحريم كلّ محرّم فى الشريعة، والوجه فى التحريم لا يختلف؛ والقول بأنها ممسوخة إذا تكلّفنا حملناه على أنها كانت على خلق حميدة (3) غير
__________
(1) من نسخة بحاشيتى ف، ط: «منه».
(2) من نسخة بحاشيتى ف، ط: «يعجب».
(3) من نسخة بحاشيتى ف، ط: «جميلة».
(2/351)

منفور عنها، ثم جعلت على هذه الصّورة الشّنيئة على سبيل التنفير عنها، والزيادة فى الصّدّ عن الانتفاع بها؛ لأن بعض الأحياء لا يجوز أن يكون غيره على الحقيقة. والفرق بين كل حيين معلوم ضرورة، فكيف يجوز أن يصير حىّ حيا آخر غيره؟ وإذا أريد بالمسخ هذا فهو باطل، وإن أريد غيره نظرنا فيه.
وأما البطيخة فقد يجوز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام لما ذاقها ونفر عن طعمها؛ وزادت كراهيته لها قال: «من النار وإلى النار»، أى هذا من طعام أهل النار، وما يليق بعذاب أهل النار، كما يقول أحدنا ذلك فيما يستوبئه ويكرهه.
ويجوز أن يكون فوران الدّخان عند الإلقاء لها كان على سبيل التصديق، لقوله عليه السلام:
«من النار إلى النار» وإظهار معجز له.
وأما ذمّ الأرضين السّبخة، والقول بأنها جحدت الولاية؛ فمتى لم يكن محمولا معناه على ما قدمناه من جحد أهل هذه الأرض وسكانها الولاية لم يكن معقولا؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ.
وأما إضافة اعتقاد الحق إلى بعض البهائم واعتقاد الباطل والكفر إلى بعض آخر فمما تخالفه العقول والضرورات؛ لأن هذه البهائم غير عاقلة ولا كاملة ولا مكلّفة، فكيف تعتقد حقا أو باطلا! وإذا ورد أثر فى ظاهره شيء من هذه المحاولات؛ إما اطّرح أو تؤوّل على المعنى الصحيح. وقد نهجنا طريق التأويل، وبيّنا كيف التوصل إليه.
فأما حكايته تعالى عن سليمان عليه السلام: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ فالمراد به أنه علّم ما يفهم به ما ينطق به الطير؛ وتتداعى فى أصواتها وأغراضها ومقاصدها؛ بما يقع منها من صياح؛ على سبيل المعجزة لسليمان عليه السلام.
فأما الحكاية عن النملة بأنها قالت: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ؛ [النمل: 18] فقد يجوز أن يكون المراد به أنه ظهر منها دلالة القول
(2/352)

على هذا المعنى؛ وأشعرت باقى النمل؛ وخوّفتهم من الضرر بالمقام، وأنّ النجاة فى الهرب إلى مساكنها؛ فتكون إضافة القول إليها مجازا واستعارة؛ كما قال الشاعر:
* وشكا إلى بعبرة وتحمحم (1) *
وكما قال الآخر:
* وقالت له العينان سمعا وطاعة*
ويجوز أيضا أن يكون وقع من النملة كلام ذو حروف منظومة- كما يتكلّم أحدنا- يتضمن المعانى المذكورة، ويكون ذلك معجزة لسليمان عليه السلام؛ لأنّ الله تعالى سخّر له الطّير، وأفهمه معانى أصواتها على سبيل المعجزة له. وليس هذا بمنكر؛ فإنّ النطق بمثل هذا الكلام المسموع منّا لا يمتنع وقوعه ممن ليس بمكلّف ولا كامل العقل؛ ألا ترى أنّ المجنون ومن لم يبلغ الكمال من الصبيان قد يتكلّمون بالكلام المتضمّن للأغراض؛ وإن كان التكليف والكمال عنهم زائلين.
والقول فيما حكى عن الهدهد يجرى على الوجهين اللذين ذكرناهما فى النملة؛ فلا حاجة بنا إلى إعادتهما. وأما حكايته أنه قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ؛ [النمل: 21]، وكيف يجوز أن يكون ذلك فى
الهدهد وهو غير مكلّف ولا يستحق مثله العذاب.
فالجواب أن العذاب اسم للضّرر الواقع، وإن لم يكن مستحقا؛ وليس يجرى مجرى العقاب الّذي لا يكون إلّا جزاء على أمر تقدم. وليس بممتنع أن يكون معنى لَأُعَذِّبَنَّهُ أى لأولمنّه، ويكون الله تعالى قد أباحه الإيلام له؛ كما أباحه الذبح لضرب من المصلحة، كما سخّر له الطير يصرّفها فى منافعه وأغراضه؛ وكلّ هذا لا ينكر فى نبىّ مرسل تخرق له العادات؛ وتظهر على يده المعجزات؛ وإنما يشتبه على قوم يظنون أنّ هذه الحكايات تقتضى كون النملة والهدهد مكلّفين؛ وقد بيّنا أنّ الأمر بخلاف ذلك.
__________
(1) لعنترة العبسى، من المعلقة ص 204 - بشرح التبريزى:
* فازورّ من وقع القنا بلبانه*
والتحمحم: صوت مقطع ليس بالصهيل.
(2/353)

تأويل آية [قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً؛ [الأنعام: 151].
وكيف (1) يجوز أن يكون من جملة ما حرّم علينا ألّا نشرك به شيئا؛ والأمر بالعكس من ذلك.
الجواب، قيل له: هذا السؤال (2) سؤال من لا تأمل عنده بموضوع الآية وترتيب خطابها؛ لأنّ التحريم المذكور فيها لا يجوز البتّة على مذهب أهل العربية أن يكون متعلّقا بقوله: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً؛ وإنما هو من صلة الجملة الأولى؛ ولو تعلّق التحريم المذكور بقوله: أَلَّا تُشْرِكُوا لم يخل أن يكون تعلّقه به تعلق الفاعل أو المفعول؛ وكأنه قال: حرّم ألا تشركوا، أو المبتدأ والخبر؛ فكأنه قال: الّذي حرم ربّكم عليكم ألّا تشركوا.
والتعلّق الأول يمنع منه أن لفظة حرم من صلة لفظ ما التى هى بمعنى الّذي؛ فلا تعمل فيما بعدها؛ ألا ترى أنّك إذا قلت: حرّمت كذا، فالتحريم عامل فيما بعده عمل الفعل فى المفعول؛ فإذا قلت: الّذي حرّمت كذا بطل هذا المعنى، ولم يجز أن يكون التحريم متعلّقا بما بعده على معنى الفعلية؛ بل على سبيل المبتدأ والخبر.
ولا يجوز أن يكون فى الآية التعلّق على هذا الوجه؛ لأنّ صدر الكلام يمنع من ذلك؛ ألا ترى أنه تعالى قال: أَتْلُ ما حَرَّمَ ف ما حَرَّمَ منصوب، لأنه مفعول أَتْلُ؛ وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون ما حَرَّمَ مبتدأ حتى يكون أَلَّا تُشْرِكُوا خبرا له.
وإذا بطل التعلّق بين الكلام من كلا الوجهين نظرنا فى قوله تعالى: أَلَّا تُشْرِكُوا ماذا
__________
(1) ط: «فكيف».
(2) من نسخة بحاشيتى ف، ط: «سؤال».
(2/354)

يتعلق به؟ واحتجنا إلى إضمار متعلّق به؛ ولم يجز أن نضمر «حرّم» ألا تشركوا به؛ لأن ذلك واجب غير محرّم؛ فيجب أن يضمر «ما أوصاكم» ألا تشركوا به شيئا، أو «أتل عليكم» ألا تشركوا. والإضمار الأول يشهد له آخر الآية فى قوله تعالى: ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، والإضمار الثانى يشهد له أوّل الآية من قوله تعالى: أَتْلُ وما وصانا به فقد أمرنا به وندبنا إليه.
فإن قيل: فما موضع «أن» من الإعراب؟
قلنا: فى ذلك وجوه ثلاثة:
أحدها الرفع؛ ويكون التقدير: ذلك ألّا تشركوا به شيئا؛ فكأنه مبتدأ وخبر.
والثانى النّصب؛ إما على أوصى ألا تشركوا، أو على اتل ألّا تشركوا.
والثالث ألّا يكون لها موضع، ويكون المعنى: لا تشركوا به شيئا.
فأما موضع تُشْرِكُوا فيمكن فيه وجهان:
النصب ب «أن»؛ والثانى الجزم ب «لا» على جهة النهى.
فإن قيل كيف يعطف النهى فى قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ على الخبر وهو أوصى أَلَّا تُشْرِكُوا.
قلنا: ذلك جائز؛ مثل قوله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؛ [الأنعام: 14]؛ ومثله قول الشاعر:
حج وأوصى بسليمى الأعبدا … ألّا ترى ولا تكلّم أحدا
* ولا يزل شرابها مبرّدا*
فعطف «لا تكلّم» - وهو نهى- على الخبر.
ويمكن فى الآية وجه غير مذكور فيها، والكلام يحتمله؛ وهو أن يكون الكلام قد انقطع عند قوله تعالى: أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ والوقف هاهنا، ثم ابتدأ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً.
(2/355)

وإذا كانت على هذا الوجه احتمل: عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا وجهين:
أحدهما أن يراد به: يلزمكم وواجب عليكم ذلك؛ كما يقال: عليك درهم، وعليك أن تفعل كذا، ثم قال: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، أى أوصى بالوالدين إحسانا.
والوجه الآخر أن يريد الإغراء؛ كما تقول: عليك زيدا، وعليك كذا إذا أمرت بأخذه والبدار إليه.
ولم يبق بعد هذا إلا سؤال واحد؛ وهو أن يقال: كيف يجوز أن يقول تعالى: أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ، ثم يأتى بذكر أشياء غير محرمات حتى تقدروا لها الوصية أو الأمر، وصدر الكلام يقتضي أنّ الّذي يأتى به من بعد لا يكون إلا محرّما؟ ألا ترى أن القائل إذا قال: تعال أتل عليك ما وهبت كذا وكذا، لا بدّ أن يكون ما يعدّده ويذكره من الموهوبات؛ وإلا خرج الكلام من الصحّة.
الجواب عن ذلك أن التحريم لما كان إيجابا وإلزاما أتى ما بعده من المذكورات على المعنى دون اللفظ بذكر الأمور الواجبات والمأمورات للاشتراك فى المعنى. وأيضا فإن فى الإيجاب والإلزام تحريما؛ ألا ترى أنّ الواجب محرم الترك، وكلّ شيء ذكر بعد لفظ التحريم فيه على بعض الوجوه تحريم.
فإن قيل: ألّا حملتم الآية على ما حملها قوم عليه من أن لفظة «لا» زائدة فى قوله: أَلَّا تُشْرِكُوا، فكأنه عز وجل حرّم أن تشركوا به؛ واستشهد على زيادة «لا» بقوله تعالى:
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ؛ [الأعراف: 12]، وبقول الشاعر:
فما ألوم البيض ألا تسخرا … لما رأين الأشمط القفندرا (1)
وبقول الشاعر:
ألا يا لقوم قد أشطّت عواذلى … ويزعمن أن أودى بحقّى باطلى
ويلحيننى فى اللهو إلا أحبّة … وللهو داع دائب غير غافل
__________
(1) القفندر: القبيح المنظر؛ والبيتان فى اللسان (قفندر).
(2/356)

قلنا: قد أنكر كثير من أهل العربية زيادة «لا» فى مثل هذا الموضع، وضعّفوه وحملوا قوله: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ على أنه خارج على المعنى؛ والمراد به: ما دعاك إلى ألا تسجد! ومن أمرك بألّا تسجد! لأن من منع من شيء فقد دعى إلى ألا يفعل.
ومتى حملنا قوله تعالى: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً على أن لفظة «لا» زائدة على تضعيف قوم لذلك فلا بدّ فيما اتصل به هذا الكلام من تقدير فعل آخر؛ وهو قوله تعالى:
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً؛ لأن ذلك لا يجوز أن يكون معطوفا على المحرّم؛ ولا بدّ من إضمار:
«ووصينا بالوالدين إحسانا». وإذا احتجنا إلى هذا الإضمار ولم يغننا عنه ما ارتكبناه من زيادة لفظة «لا»، فالأولى أن نكتفى بهذا الإضمار فى صدر الكلام على حاله من غير إلغاء شيء منه، ونقدر ما تقدّم بيانه؛ فكأنه تعالى وصّى ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا. ويشهد لذلك ويقوّيه آخر الآية.
(2/357)

تأويل آية [وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً؛ [طه: 114]
فقال: ما معنى هذه الآية؟ فإن ظاهرها لا يدلّ على تأويلها.
الجواب، قلنا: قد ذكر المفسّرون فى هذه الآية وجهين نحن نذكرهما، ونوضّح عنهما، ثم نتلوهما بما خطر لنا فيهما زائدا على المسطور.
وأحد ما قيل فى هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا نزل عليه القرآن وسمعه من جبرئيل قرأ عليه السلام معه ما يوحى به إليه من القرآن أولا أولا قبل استتمامه والانتهاء إلى المنزّل منه فى الحال، وقطع الكلام عليها، وإنما كان يفعل النبىّ عليه السلام ذلك حرصا على حفظه وضبطه، وخوفا من نسيان بعضه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ليثبت النبىّ صلى الله عليه وآله فى تلاوة ما يسمعه من القرآن، حتى ينتهى إلى غايته لتعلّق بعض الكلام ببعض.
قالوا: ونظير هذه الآية قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ؛ [القيامة: 16 - 19]؛ فضمن الله تعالى أنه يجمع له عليه السلام حفظ القرآن، ثم يثبّته فى صدره، ليؤدّيه إلى أمّته، وأسقط عنه كلفة الاستعجال بترداد تلاوته، والمسابقة إلى تلاوة كل ما يسمعه منه؛ تخفيفا عنه وترفيها له، وأكدوا ذلك بقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أى إذا انتهينا إلى غاية ما تريد إنزاله فى تلك الحال، فحينئذ اتبع قراءة ذلك وتلاوته، فلم يبق منه ما ينتظر فى الحال نزوله.
والوجه الآخر أنهم قالوا: إنما نهى النبىّ عليه السلام عن تلاوة القرآن على أمته وأداء ما يسمعه منه إليهم، قبل أن يوحى إليه عليه السلام ببيانه، والإيضاح عن معناه وتأويله؛ لأنّ تلاوته على من لا يفهم معناه، ولا يعرف مغزاه لا تحسن.
(2/358)

قالوا: ومعنى قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ المراد به: قبل أن يقضى إليك وحى بيانه، وتفسير معناه؛ لأن لفظة «القضاء» وإن كانت على وجوه معروفة فى اللغة، فهى هاهنا بمعنى الفراغ والانتهاء إلى الغاية؛ كما قال تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ؛ [فصلت: 12].
وكما قال الشاعر:
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة … ومسّح بالأركان من هو ماسح (1)
أى فرغنا من حاجاتنا، وانتهينا إلى غاية الوطر منها.
فأما الجواب الثالث الزائد على ما ذكر فهو أنه غير ممتنع أن يريد: لا تعجل بأن تستدعى من القرآن ما لم يوح إليك به؛ فإن الله تعالى إذا علم مصلحة فى إنزال القرآن عليك أمر بإنزاله، ولم يدّخره عنك؛ لأنه لا يدخر عن عباده الاطّلاع لهم على مصالحهم.
فإن قيل على هذا الوجه: إنه يخالف الظاهر؛ لأنه تعالى قال: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ ولم يقل بطلبه واستدعائه، والظاهر يقتضي أن الاستعجال بنفس القرآن لا بغيره.
قلنا: الأمر على ما ظنه السائل. وعلى الوجوه الثلاثة فى تأويل الآية لا بدّ من تقدير ما ليس فى الظاهر؛ لأن على الوجهين الأولين المذكورين لا بدّ من أن يقدّر: لا تعجل بتلاوة القرآن؛ إما على سبيل الدرس والتحفّظ على ما ذكر فى الوجه الأول، وأن يتلوه على أمّته قبل إنزال البيان. وأىّ فرق فى مخالفة الظّاهر؛ بين أن يقدّر: ولا تعجل بتلاوة القرآن، أو يقدر: لا تعجل بطلب القرآن واستدعاء نزوله؟
فإن قيل: هذا يدلّ على وقوع معصية من النبي عليه السلام فى استدعائه ما لم يكن له أن يستدعيه من القرآن؛ لأنّ النهى لا يكون إلا عن قبيح.
قلنا: النهى لا يكون إلا عن قبيح لا محالة؛ لكن النهى لا يدلّ
__________
(1) البيت ينسب لكثير؛ وانظر الجزء الأول ص ...
(2/359)

على وقوع الفعل المنهىّ عنه؛ لأنه قد ينهى عن الفعل من لم يواقعه قطّ ولا يواقعه، ألا ترى أن النبىّ عليه السلام نهى عن الشّرك وسائر القبائح؛ كما نهينا، ولم يدلّ ذلك على وقوع شيء مما نهى عنه منه!
وهذا أيضا يمكن أن يكون جوابا لمن اعتمد على الوجهين الأولين إذا قيل له: أفوقع منه عليه السلام تلاوة القرآن على أمته قبل نزول بيانه، أو عجل بتكريره على سبيل الدرس كما نهى عنه؟
ويمكن من اعتمد على الوجه الأول فى تأويل الآية أن يقول فى قوله تعالى: لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ وإن كان ظاهره النهى ليس بنهى على الحقيقة؛ وقد يرد ما هو بلفظ النهى وهو غير نهى على التحقيق، كما يرد ما هو بصفة الأمر وليس بأمر؛ وإنما ذلك تخفيف عنه عليه السلام وترفيه، ورفع كلفة المشقة، فقيل له عليه السلام: لا تتكلّف المسابقة إلى تكرير ما ينزل عليك خوفا من أن تنساه؛ فإن الله تعالى يكفيك هذه المئونة، ويعينك عن حفظه وضبطه؛ كما قال تعالى فى الآية الأخرى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ؛ أى جمعه فى حفظك وتأمورك (1).
وبعد؛ فإن الأولى التوقف عن معرفة غاية الكلام التى ينتهى إليها، ويقطع عليها.
والتلاوة لما يرد منه الأوّل فالأول؛ تلاوة لما لا يعرف معناه؛ لتعلق الكلام بعضه ببعض؛ فندب عليه السلام إلى الأول من التوقف على غايته (2).
وأما الوجه الثانى الّذي اعتمد فيه على أنّ النهى إنما هو عن تلاوته على الأمة قبل نزول بيانه؛ فإن كان المعتمد على ذلك يقول: ليس يمتنع أن تكون المصلحة فى التوقّف عن الأداء قبيل البيان؛ فنهى عليه السلام عن ذلك؛ لأنّ المصلحة فى خلافه؛ فهذا جائز لا مطعن فيه؛ وإن كان القصد إلى أنّ الخطاب لا يحسن إلا مع البيان؛ على مذهب من يرى أنّ البيان لا يتأخر عن الخطاب؛ فذلك فاسد، لأنّ الصحيح أن البيان يجوز أن يتأخر عن وقت الخطاب؛ وإنما لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.
__________
(1) التامور: القلب.
(2) حاشية ف: «التوقيف على علته».
(2/360)

وقد بينا الكلام فى هذه المسألة، والأدلّة على صحة ما ذهبنا إليه منها فى مواضع من كتبنا، وتكلمنا على فساد قول من أوجب اقتران البيان بالخطاب.
على أنّ من اعتمد على هذه الطريقة فى هذا الموضع فقد غلط؛ لأنّ الآية تدلّ على أنّ الله تعالى قد خاطب نبيّه عليه السلام بما يحتاج إلى بيان من غير انضمام البيان إليه. وإذا جاز ذلك فى خطابه تعالى لنبيه عليه السلام جاز مثله فى خطاب النبىّ عليه السلام لأمته؛ لأنّ من أبطل تأخير البيان عن زمان الخطاب يوجب ذلك فى كل خطاب.
وليس يمكن أن يدّعى أنه تعالى قد بيّن له؛ لأن تأويلهم يمنع من ذلك؛ لأنه قيل له على هذا الوجه: لا تعجل بتلاوة القرآن على أمّتك قبل أن يقضى إليك وحيه؛ يعنى قبل أن ينزل إليك بيانه؛ فالبيان متأخّر عنه على ذلك الوجه؛ وذلك قبيح على مذهب من منع من تأخير البيان من وقت الخطاب.
والتأويل الّذي ذكرناه زائدا على الوجهين المذكورين يمكن أن تفسّر به الآية الأخرى التى هى قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ، بطلب ما لم ينزل عليك من القرآن؛ فإنّ علينا إنزال ما تقتضى المصلحة إنزاله عليك وجمعه لك؛ وقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، يدلّ ظاهره على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأنّه تعالى أمره: إذا قرأ عليه الملك وأوحى به إليه أن يقرأه، ثم صرّح بأن البيان يأتى بعده؛ فإنّ «ثمّ» لا يكون إلا للتراخى، وما هو مقترن بالشيء لا تستعمل فيه لفظة «ثمّ» ألا ترى أنه لا يقال: أتانى زيد ثم عمرو، وإنما حضرا فى وقت واحد!
(2/361)

مسألة
إن سأل سائل عن قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ؛ [فاطر: 32].
فقال: أىّ معنى لقوله تعالى: أَوْرَثْنَا؟ وما الكتاب المشار إليه؟ وإذا كان الاصطفاء هو الاختيار والاجتباء- وذلك لا يليق إلا بمن هو معصوم مأمون منه القبيح كالأنبياء والأئمة عليهم السلام- فكيف قال بعد ذلك: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، وهنا وصف لا يليق بمن ذكرناه؟
الجواب، إن الّذي يجب اعتماده فى تأويل هذه الآية أن قوله تعالى: فَمِنْهُمْ ترجع الكناية فيه إلى العباد؛ لا إلى الذين اصطفوا؛ وهو أقرب إليه فى الذكر، فكأنه تعالى قال: ومن عبادنا ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات.
فإن قيل: فأىّ فائدة فى وصف العباد بهذه القسمة؟ وكيف عدل عن وصف الذين اصطفاهم، وورّثهم الكتاب؟
قلنا: الوجه فى ذلك ظاهر؛ لأنّه تعالى لما علّق توريث الكتاب بمن اصطفاهم من عباده أراد أن يبيّن وجه الاختصاص؛ وإنما علّق وراثة الكتاب ببعض العباد دون بعض؛ لأنّ فى العباد من هو ظالم لنفسه، ومن هو مقتصد، ومن هو سابق بالخيرات؛ فوجه المطابقة بين الكلام واضح.
ونحن الآن متبعون ما قيل فى تأويل هذه الآية؛ وموضّحون عمّا فيه من صحة أو اختلال.
ذكر أبو عليّ الجبّائى ومن تابعه أنّ المراد بالذين اصطفوا الأنبياء عليهم السلام، والظالم لنفسه من ارتكب الصغيرة منهم؛ وإنما وصف بذلك من حيث فوّت نفسه الثواب الّذي زال عنه بفعل الصغيرة؛ ويؤدّى سائر الواجبات. والسابق إلى الخير هو الّذي استكثر من فعل النوافل؛ وهذا التأويل يفسد من جهة أنّ الدليل قد دلّ على أنّ الأنبياء
(2/362)

عليهم السلام لا يقع منهم شيء من المعاصى والقبائح. وقد أشبعنا الكلام فى ذلك فى كتابنا المعروف «بتنزيه الأنبياء والأئمة» عليهم السلام.
ولو عدلنا عن ذلك لم يجز ما قاله؛ لأنّ قولنا: فلان ظالم لنفسه من أوصاف الذمّ، والذمّ لا يستحقّه فاعل الصغيرة؛ فكيف تجرى عليه أوصاف الذم؟ ولا شبهة فى أن قولنا:
فلان ظالم لنفسه من أوصاف الذم؛ لأنهم يقولون فى كلّ من فعل قبيحا: إنه قد ظلم، من حيث فعل ما يستحقّ به العقاب؛ وكأنه أدخل على نفسه ضررا ما كان يستحقّه، فأشبه بذلك الظالم لغيره.
ولا يجوز أن يوصف فاعل الصغيرة بأنّه ظالم لنفسه من حيث فوّت نفسه الثواب؛ لأنّه إن عنى بذلك الثواب الّذي يبطل بعقاب الصغيرة، فعند أبى عليّ أن الصغيرة ينحبط عقابها بالثواب الكثير؛ من غير أن ينقص من الثواب شيء؛ لأنه لا يذهب إلى الموازنة التى يذهب إليها أبو هاشم، فما فوّتت الصغيرة عنده ثوابا كان مستحقّا له، وإن عنى بتفويت الثواب أنّه لو لم يفعل هذه المعصية لكان يستحقّ على الامتناع منها ثوابا فإنه يفعلها. فهذا يوجب أن يكون الأنبياء عليهم السلام فى كل حال مفوّتين لأنفسهم الثواب بفعل المباحات؛ لأنهم لو فعلوا الطاعات بدلا منها لاستحقّوا الثواب، ولوجب أن يوصفوا على الفائتة بأنهم ظالمون لأنفسهم.
على أنّ وضع الكلام وترتيبه يقتضيان أنّ الظالم لنفسه فى الآية فى موضع ذمّ، لأنه تعالى جعله بإزاء المقتصد، وليس بإزاء المقتصد إلا المسرف المذموم.
فإن قيل: فقد قلتم فى تأويل حكايته تعالى عن آدم وحوّاء عليهما السلام قولهما رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا، [الأعراف: 23]: إنما أراد أنّا نقصناها الثواب الّذي كنا نستحقّه لو فعلنا ما ندبنا إليه من الامتناع من تناول الشجرة.
قلنا: إنما قلنا ذلك هناك، وعدلنا عن الظاهر فى هذه اللفظة لقيام الدليل أن النبىّ عليه السلام لا يواقع المحظور، كبيرا ولا صغيرا من الذنوب. وليس فى الآية التى نحن فى الكلام عليها ضرورة توجب العدول عن الظاهر، بل قد بينا أن ترتيب الكلام ومقابلته
(2/363)

يقتضيان أن لفظة ظالِمٌ لِنَفْسِهِ فى الآية تقتضى الذم، لأنها بإزاء المقتصد.
على أنه غير ممتنع أن تكون لفظة «ظلم» بخلاف لفظة ظالم فى عرف الاستعمال، كما أن عند مخالفنا أن لفظة «آمن» بخلاف لفظة «مؤمن»، لأنهم يصفون صاحب الكبيرة بأنه آمن ولا يسمّونه بأنه مؤمن، ويزعمون أن الانتقال عن الاشتقاق إلى إفادة استحقاق الثواب إنما هو فى مؤمن دون آمن، فلا ينبغى أن ينكروا مثل ذلك فى ظلم
وظالم.
وتأول قوم هذه الآية على أنّ المراد من اختاره الله تعالى للتكليف، وتوريث الكتاب من العقلاء البالغين، ثم قسّمهم الأقسام التى تليق بهم، من غير أن يكون المراد بالآية الأنبياء عليهم السلام.
وهذا الجواب يفسد، لأن الله تعالى يقول: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، ومن اصطفاه الله واختاره واجتباه بالإطلاق لا يكون إلا ممدوحا معظّما، فكيف يكون فيهم من يستحق الذم والعقاب؟ ومن يختار الله تكليفه شيئا مخصوصا لا يقال بالإطلاق إن الله تعالى اصطفاه. والمعتزلة أبدا تنكر على المرجئة تأويلهم قوله تعالى:
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى؛ [الأنبياء: 28]، على أن المراد من ارتضى الشفاعة فيه، ويقولون: من ارتضى شيئا يتعلق به لا يوصف بأنه مرتضى على الإطلاق، فكيف يثبتونه هاهنا.
ووجدت أبا قاسم البلخىّ يقول فى كتابه تفسير القرآن: " إنه تعالى أراد العقلاء البالغين ويجوز أن يكونوا عند الاصطفاء أخيارا أتقياء ثم ظلم بعضهم نفسه؛ فيكون كما قال تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ؛ [المائدة: 54]؛ وهو فى وقت الارتداد غير مؤمن. كذلك يكون فى حال ظلمه نفسه ليس من المصطفين". قال: " ويجوز أيضا أن يكون فيهم من ظلم نفسه ثم تاب وأصلح؛ ويكون قوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، أى منهم من كان قد ظلم نفسه؛ ليس أنه فى هذا الوقت ظالم لها".
هذه ألفاظه بعينها حكيناها عنه؛ وهذا فاسد؛ لأن من كان منهم ظالما فاعلا للقبيح
(2/364)

لا يوصفون على الإطلاق بأن الله تعالى اصطفاهم. فهذا الوصف يقتضي أن تكون الجماعة أخيارا. وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بخلاف هذا؛ لأنّ وصفهم بأنهم آمنوا فى الماضى لا يمنع من الردّة فى المستقبل؛ وقوله تعالى: الَّذِينَ اصْطَفَيْنا يمنع أن يكون فيهم من ليست هذه صفته.
وأما حمل ذلك على من ظلم ثم تاب فهو غير صحيح؛ لأنّ من تاب لا يوصف بعد التوبة بأنه ظالم لنفسه؛ لأن التوبة تمنع من إجراء ألفاظ الذم.
ووجدت بعضهم يتأوّل هذه الآية على أن المراد ب ظالِمٌ لِنَفْسِهِ من جهد نفسه فى العبادة وحمل عليها؛ وقال: هذا يليق بأوصاف الأنبياء عليهم السلام، ولا تمنع النبوّة منه.
وهذا أيضا غير صحيح؛ لأنا قد بينا أن لفظة ظالِمٌ لِنَفْسِهِ يذمّ بها فى التعارف، فكيف تجرى على المدح! ومن هذا الّذي يسمى من جهد نفسه فى العبادة بأنّه ظالم نفسه بالإطلاق!
على أن السابق إلى الخيرات هو المجتهد فى العبادة، الحامل على نفسه فيها، فأىّ معنى للتكرار؟ وهذا تأويل يفسد
القسمة، وهذه الجملة توضّح أن التأويل الصحيح ما قدمناه.
فأما قوله تعالى الْكِتابَ فالظاهر أنه كناية عن القرآن المنزّل على رسول الله صلى الله عليه وآله؛ فقد صارت هذه اللفظة بالإطلاق عبارة عنه؛ ولهذا إذا أطلق القائل فقال:
هذا ينطق به الكتاب، ومحرّم فى الكتاب، وورد فى الكتاب لم يفهم منه إلا ما ذكرناه.
ومعنى أَوْرَثْنَا يعنى علمه وفوائده وأحكامه؛ وليس يليق ذلك بالأنبياء المتقدمين؛ فإنه لا حظّ لهم فى علم هذا الكتاب؛ وإنما يختص بهذه الفائدة نبيّنا عليه السلام والأئمة من ولده عليهم السلام؛ لأنهم المتعبّدون بحفظه وبيانه، والعمل بأحكامه.
وذلك كلّه واضح بحمد الله ومنّه.
(2/365)

تأويل آية [وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ؛ [الزخرف: 86].
الجواب، قلنا: أما الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ فالمراد به ما كان يعتقده المشركون، ويدعونه إلها من دون الله. والهاء فى دُونِهِ راجعة إلى اسم الله تعالى. وتحقيق الكلام:
ولا يملك الذين يدعون إلها وأربابا من دون الله تعالى الشفاعة. ولما كثر استعمال هذه اللفظة فيمن يعبد من دون الله، ويدعى إلها رازقا استحسنوا الحذف لظهور الأمر فى المراد؛ ولهذا حمل محققو المفسّرين قوله تعالى: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ؛ [الفرقان: 77] الآلهة من دونه، وحذف ما يتعلّق بهذا الدعاء فى هذه الآية أشكل من حذفه فى قوله تعالى:
الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ؛ لأنّ قوله جل وعز: مِنْ دُونِهِ قد نبّه وأيقظ على أنّ المراد: من كان يدعى إلها من دونه.
والآية الأخرى لا دليل فيها من لفظها على ما يتعلق به قوله: دُعاؤُكُمْ.
ومعنى أنهم لا يملكون الشفاعة، أى ليس لهم أن يفعلوها ويتصرّفوا فيها؛ لأن معنى المالك ليس هو إلا من كان قادرا على التصرّف فيه؛ وليس لأحد أن يمنعه من ذلك؛ والشفاعة قد بيّنا فى غير موضع من كتبنا أنها لا تستعمل على طريقة الحقيقة إلا فى طلب إسقاط المضارّ؛ وإنما استعملت فى إيصال المنافع تجوّزا فيه واستعارة.
وقيل فى معنى الآية وجهان: أحدهما أنّ المعبودين من عيسى ومن مريم والملائكة وعزير عليهم السلام؛ لا يملك الشفاعة عند الله تعالى [أحد منهم] فى أحد إلا فيمن شهد بالحق، وأقرّ التوحيد، وبجميع ما يجب عليه الإقرار
به.
والوجه الآخر أنّ الذين يدعون من دون الله من البشر والأجسام وجميع المعبودات لا يملك الشفاعة عند الله إلا من شهد بالحق منهم يعنى عيسى وعزيرا والملائكة عليهم السلام؛ لا يملكون
(2/366)

الشفاعة عند الله تعالى إلا إذا كانوا على الحق شاهدين به؛ معترفين بجميعه؛ فإنهم يملكون الشفاعة عند الله؛ وإن كان لا يملكها ما عداهم من المعبودات.
والفرق بين الوجهين أنّ الوجه الأول يرجح الاستثناء فيه إلا من تتناوله الشفاعة؛ وفى الوجه الثانى يرجح الاستثناء إلى الشافع دون المشفوع فيه.
فإن قيل: أى الوجهين أرجح؟
قلنا: الثانى؛ وإنما رجحناه لأن المقصد بالكلام أنّ الذين يدعونهم من دون الله تعالى لا يملكون لهم نفعا؛ كما قال تعالى فى مواضع إنهم لا ينفعونكم، ولا يضرونكم، ولا يرزقونكم؛ ووضع الكلام على نفى منفعة تصل إليهم من جهتهم؛ ولا غرض فى عموم من يشفعون فيه أو خصوصه.
ولما كان فيمن عبدوه من نبىّ أو ملك من يجوز أن يشفع فيمن تحسن الشفاعة له، وجب استثناؤه حتى لا يتوهّم أنّ حكم جميع من عدّده واحد؛ فى أنه لا تصح منه الشفاعة؛ وأنّ من كان تصح منه الشفاعة إنما يشفع فيمن تحسن الشفاعة له ممن لم يكن كافرا ولا جاحدا.
ويترجّح هذا الوجه من جهة أخرى؛ وهى أنا لو جعلنا الاستثناء يرجع إلى من يشفع فيه لكان الكلام يقتضي أنّ جميع من يدعون من دون الله يشفع لكل من شهد بالحق، والأمر بخلاف ذلك؛ لأنه ليس كل من عبدوه من دون الله تعالى تصح منه الشفاعة؛ لأنهم عبدوا الأصنام، وبعض عبد الكواكب والشفاعة لا تصح منها؛ فلا بدّ من أن تخصص الكلام ونقدره هكذا: لا يملك بعض الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا فيمن شهد بالحق؛ فعود الاستثناء إلى الشافعين وأولى؛ حتى يتخصص.
وأيضا فلو عاد الاستثناء إلى المشفوع فيه لوجب أن يكون على غير هذه الصيغة فيقول:
«إلا فيمن شهد بالحق» وإذا قال: «إلا من شهد بالحق» كان ذلك بأن يرجع إلى الشافع أولى؛ لأنه أليق باللفظ، لأنا إذا أردنا أن نستثنى من جماعة لا يشفعون قلنا: هؤلاء
(2/367)

لا يشفعون إلا من كان بصفة كذا؛ وإذا كان الاستثناء ممن يشفع فيه قلنا: لا يشفعون إلا فيمن صفته كذا.
وأيضا فعلى الوجه الأول وقد تقدم عموم ظاهر فى اللفظة يجوز أن يستثنى منه وهو قوله تعالى: الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ وما جرى ذكر المشفوع فيه عموما يستثنى بعض.
فإن قيل: الشفاعة لفظ جنس، يقتضي العموم.
قلنا: قد بينا فى غير موضع أن ألفاظ الجنس لا تقتضى الاستغراق، وضربنا المثل بمن يقول: هذه أيام أكل اللحم، وزمان لبس الجباب، فإنه يقتضي الجنس من غير استغراق.
وإن توهّم خصوص أو عموم فخطؤهما لا يعقل.
فإن قيل: أىّ فائدة فى قوله تعالى وَهُمْ يَعْلَمُونَ وبأى شيء يتعلق علمهم.
قلنا: ليس كلّ من شهد بالحق يكون عالما؛ لأن المقلّد والمبخّت ربما شهد بالحق على وجه لا ينفع؛ وإنّما لا ينفع ذلك مع العلم فكأنه تعالى قال وَهُمْ يَعْلَمُونَ صحة ما شهدوا به.
فإن قيل: إذا كان المستثنى هم الأنبياء والملائكة فهؤلاء لا يشهدون بالحق إلا مع العلم.
قلنا: ذلك صحيح إلا أنّ الاستثناء لما تناول فى اللفظة من كان يصفه، وكان مجرد هذه اللفظة لا ينفع فى المعنى المقصود إلا مشروطا بالعلم وجب اشتراط العلم؛ ليعلم افتقاد تلك الصفة فيمن كانت إليه؛ وهذا واضح.
فإن قيل: هذان الوجهان اللّذان ذكرتموهما، ورجّحتم أحدهما يقتضيان مشاركة نبينا عليه السلام فى الشفاعة للمذنبين؛ ومن مذهب المسلمين أنّه ينفرد بالشفاعة.
قلنا: ليس فيما ذكر تضعيف لهذين الجوابين من وجوه:
أحدها أنّ انفراده عليه السلام بالشفاعة للمذنبين حتى لا يشاركه أحد فيها ليس بمعلوم ولا مقطوع عليه؛ وإنما يرجع فيه إلى أقوال قوم غير محصّلين؛ ألا ترى أنّ عند المسلمين كلّهم إلا عند المعتزلة ومن وافقهم أن للمؤمنين شفاعة بعضهم فى بعض! فكيف يدّعى الاختصاص فى هذه الرتبة!
(2/368)

وثانيها أن المزية المدّعاة لنبينا عليه السلام فى الشفاعة إنما هى على الأنبياء المتقدمين دون الملائكة؛ لأنّه لا خلاف فى أن للملائكة شفاعة، وقد نطق القرآن بذلك فقال:
لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ؛ [الأنبياء: 28]. وإذا كان الأمر على ما ذكرناه فالاستثناء يعود إلى الملائكة عليهم السلام؛ لأنهم من جملة المعبودين، فلا يمنع نفى الشفاعة عن الكل أن يستثنوا لأن لهم شفاعة.
وثالثها أنّ الشفاعة قد تكون إلى الله تعالى وإلى غيره؛ فإن ثبت ما ادّعى من تفرّد نبينا عليه السلام بالشفاعة عند الله تعالى فى مذنبى أمته، جاز أن نثبت الشفاعة لغيره عند غير الله تعالى؛ فكأنه قال: أنتم تعبدون من لا يشفع
فيكم فى الدنيا ولا ينصركم؛ واستثنى من يجوز عليه أن يشفع فى الدنيا.
ورابعها أن يكون المراد بالشفاعة هاهنا النّصرة والمعونة والمنفعة؛ لأن الشفاعة فيمن تتناوله نفع يوصل إليه؛ وإرادة الشفاعة فى الأمة معنى الشفاعة، وهو المنفعة والنّصرة؛ وتقدير الكلام: إنكم تعبدون من لا ينفعكم ولا يضرّكم ولا يعينكم؛ ولما كان فى جملة هؤلاء المعبودين من يصح أن يضرّ وينفع استثنى؛ ليبين أنّ حكمهم مفارق لحكم غيرهم؛ وهذا بيّن لمن تأمله.
(2/369)

مسألة
إن اعترض معترض على ما نقوله من أنّ الاستثناء إنما يخرج من الجمل ما صحّ دخوله فيها؛ وليس بواجب أن يخرج منها ما وجب دخوله؛ بأن يقول: هذا يقتضي حسن أن يقول القائل: جاءنى رجل إلا زيدا؛ لأنّ لفظة «رجل» تصلح أن تقع على زيد وعمرو.
يقال له: من حق الاستثناء فى اللغة العربية أن يدخل على الجمل من الكلام فيخرج منها ما يصلح دخوله على مذهب مخالفنا. ولا يصحّ دخول الاستثناء على ألفاظ الوحدة. ورجل لفظ واحد، وإن وقع فى المعنى على الطويل والقصير، وزيد وعمرو. والاستثناء إنما يخرج من الجمل ما يتناولها لفظها دون معناها؛ فلهذا لم يستحسنوا: جاءنى رجل إلا زيدا؛ وقد يستحسنون فى هذا الموضع ما يجرى مجرى الاستثناء بغير لفظة «إلّا»؛ فيقولون: جاءنى رجل ليس زيدا وليس بزيد، فيخرجون من الكلام ما صحّ تناوله له- وإن لم يسموه استثناء، - ولا استحسنوا لفظة «إلا» إلّا خاصة للاستثناء. ولولا صحة الأصل الّذي ذكرناه لما استحسنوا أن يقولوا: جاءنى رجال إلا زيدا؛ لأنهم أخرجوا بالاستثناء ما تصلح لفظة «رجال» له دون ما تتناوله وجوبا.
فإن قيل: ألّا كان قوله: «جاءنى رجال» للجنس دون ما يدعى من تناوله للثلاثة فصاعدا، فلهذا حسن الاستثناء منه بإلّا. ولفظة «رجل» فى قولهم: جاءنى رجل للجنس!
قلنا: لو كان لفظة «رجال» أريد به جنس الرجال على العموم حسن استثناء النكرة منه، من غير وصف لها، ولا تقريب من المعرفة؛ حتى نقول: جاءنى رجال إلا رجلا؛ لأنه إذا أريد الجنس حسن ذلك لا محالة، كحسنه لو قال جاءنى الرجال (بالألف واللام) إلا رجلا؛ وأجمعوا على أنّ ذلك لا يجوز؛ لأنه غير مفيد. ولو أريد بلفظة «رجال» هاهنا الجنس لكان استثناء الرجل الواحد منها من غير وصف له مفيدا. فأما لفظة «رجل» فى الإثبات كقولهم:
جاءنى رجل، فإنه لا يجوز أن يكون عبارة عن الجنس فى شيء من كلامهم. ولو أرادوا به الجنس لحسن الاستثناء؛
كما يحسن من ألفاظ الجنس؛ وإنما يراد فى بعض المواضع بلفظة «رجل» الجنس إذا كانت فى النفى، مثل قولهم: ما جاءنى رجل، وما ضربت رجلا؛ وهاهنا يجوز أن تستثنى فتقول: إلا زيدا.
(2/370)

مسألة
إن سأل سائل عن معنى قوله تعالى: يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ؛ [البقرة: 54].
فقال: كيف يجوز أن يتعبّدهم بقتل أنفسهم، والعبادة بذلك لا تحسن إلا أن تكون مصلحة لهذا المكلّف فى دينه؛ إما بأن يفعل طاعة أو يمتنع من قبيح؛ وهو بعد الموت قد خرج من كلّ تكليف، فلا يصحّ منه شيء من الأفعال!
الجواب، إن المفسرين قد اختلفت أقوالهم فى هذه الآية.
فمنهم من ذهب إلى أنه تعالى كلّفهم أن يقتلوا أنفسهم القتل الحقيقىّ المعهود.
ومنهم من ذهب إلى أنه تعالى كلّفهم أن يقتل بعضهم بعضا.
ومنهم من حمل الآية على أن المراد بها تكليف الاستسلام للقتل؛ ويقول: إنهم استحقوا بعبادة العجل القتل، فلما تابوا أمرهم الله تعالى بأن يستسلموا لمن يقتلهم؛ كما كلف الله القاتل لغيره أن يستسلم للقود منه.
فأما الوجه الأول فيبطل بما ذكر فى السؤال؛ ولا يجوز أن يكون وجه حسن هذا التكليف المصلحة لغير المقتول؛ لأنّ مصلحة زيد لا تكون وجها فى وجوب الفعل على عمرو؛ ولا يمكن أن يقال: إنّ مصلحة المأمور بقتل نفسه فى نفس الأمر والتكليف قبل أن يقتل نفسه؛ فإن ذلك ربما كان لطفا له فى بعض العبادات؛ وذلك لأن الأمر بما ليس له وجه وجوب أو ندب لا يحسن؛ بل يكون الأمر قبيحا؛ وإذا كان الأمر قبيحا لم يحسّنه أن يكون فيه لطف لبعض المكلّفين؛ بل يمنع منه كما يمنع من أن يلطف لبعض المكلّفين بما هو قبيح فى نفسه؛ فلم يبق بعد إبطال هذا الوجه إلا الوجهان الأخيران؛ من الاستسلام لمن يقتلهم القتل الّذي استحقوه، أو قتل بعضهم بعضا؛ فقد روى أنهم برزوا بأسيافهم؛ واصطفّوا صفين يضرب بعضهم بعضا، فمن قتل منهم كان شهيدا، ومن نجا كان تائبا.
(2/371)

ويمكن فى الآية وجه آخر؛ ما رأينا أحدا من المفسرين سبق إليه؛ وهو إن لم يزد فى القوة على ما ذكروه لم ينقص عنه؛ وهو أن يكون المراد بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أى اجتهدوا فى التوبة ممّا أقدمتم عليه، والندم على ما فات، وإدخال المشاقّ الشديدة عليكم فى ذلك؛ حتى تكادوا أن تكونوا قتلتم أنفسكم؛ وقد يسمّى من فعل ما يقارب
الشيء باسم فاعله. ومذهب أهل اللغة فى ذلك معروف مشهور؛ يقولون: ضرب فلان عبده حتى قتله، وفلان قتله العشق، وأخرج نفسه، وأبطل روحه، وما جرى مجرى ذلك؛ وإنما يريدون المقاربة والمشارفة والمبالغة فى وصف التناهى والشدة؛ فلما أراد تعالى أن يأمرهم بالتناهى والمبالغة فى النّدم على ما فات، وبلوغ الغاية القصوى فيه جاز أن يقول: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ.
فإذا قيل طعنا على هذا الجواب: إنما تسمّى مقاربة القتل قتلا مجازا وتوسّعا، وحمل الكلام على حقيقته أولى!
الجواب، أن الوجهين اللذين ذكرهما المفسرون فى هذه الآية من قتل بعضهم بعضا، والاستسلام للقتل مبنيان أيضا على المجاز؛ وظاهر التنزيل بخلافهما؛ لأن الاستسلام للقتل ليس بقتل على الحقيقة؛ وإنما سمى باسمه من حيث يؤدّى إليه، وكذلك قتل بعضهم بعضا مجاز؛ لأن القاتل غير المقتول؛ وظاهر الآية يقتضي أن القاتل هو المقتول.
وأما استشهادهم فى تقوية هذا الوجه بقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعنى إخوانكم فلا يغنى شيئا؛ لأنّ ذلك مجاز لا محالة؛ وإنما حمل على الإخوان بدليل. والظاهر أن يكون تكليفا لقتل الواحد نفسه، وسلامة على نفسه.
فإن قيل: كيف يجوز أن يستحقّ القتل بعد التوبة من الوجوه التى بها استحق القتل؟
قلنا: غير ممتنع أن يكلّفنا الله تعالى- بعد التوبة من الكفر- القتل امتحانا؛ لا على سبيل العقوبة.
فإن قيل: كيف يصح أن تكون التوبة نفسها قتل أنفسهم؛ والتوبة هى الندم والعزم، وهما غير القتل!
(2/372)

قلنا: الجواب الصحيح عن السؤال أن الفاء فى الآية عاطفة للقتل على التوبة، وليست بمنبئة أن القتل هو التوبة على ما ظنّه بعض من لم يتأمل. وهو جار مجرى قوله: ضربت زيدا فعمرا؛ فالفاء هاهنا عاطفة وقائمة مقام الواو؛ إلا أن لها زيادة على حكم الواو، فإن الفاء تقتضى الجمع الّذي تقتضيه الواو، وتقتضى الترتيب والتعقيب اللذين لا يفهمان من الواو؛ فكأنه تعالى قال: فتوبوا إلى بارئكم واقتلوا أنفسكم؛ فلما أمرهم بالقتل عقيب التوبة؛ أدخل الفاء التى هى علامة على ذلك.
وقد أجاب بعض الناس بأن قال: ما لا تتم التوبة إلا به، ومعه يصحّ أن يسمّى باسمها؛ كما يقال للغاصب إذا عزم على التوبة: إنّ توبتك ردّ ما غصبت؛ وإنما يريد: أن توبتك لا تتم إلا به.
وقد بينا ما يغنى عن ذلك فى الجواب الّذي اخترناه، وهو أولى وأوضح.
(2/373)

مسألة
إن سأل سائل عن قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ؛ [المائدة: 93].
هذه الآية تشاغل المفسّرون بإيضاح الوجوه فى التكرار الّذي تضمّنته؛ وظنوا أنه المشكل منها، وتركوا ما هو أشدّ إشكالا من التكرار؛ وهو أنه تعالى نفى الجناح عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيما يطعمونه بشرط الاتقاء والإيمان وعمل الصالحات. وإذا أريد بالاتقاء تجنّب القبائح والمحارم، كان ذلك شرطا صحيحا فى نفى الجناح؛ إلا أنّ الإيمان وعمل الصالحات ليس بشرط فى نفى الجناح على وجه ولا سبب؛ لأن من جانب القبيح المحظور عليه لم يكن عليه جناح فيما يطعمه، وإن لم يكن مؤمنا، ولا ممن عمل الصالحات، ألا ترى أن المباح إذا وقع من الكافر لا إثم عليه ولا وزر! ووقوعه منه مع كفره فى نفى الإثم كوقوعه من المؤمنين.
والإشكال إنما هو فى اشتراط الإيمان وعمل الصالحات؛ وليس لذلك تأثير معقول فى نفى الجناح.
ونحن نبين ما يحل هذه الشبهة القوية، ونتكلم على التكرار، ولنا فى ذلك طريقان: أحدهما أن نضم إلى المشروط المصرّح بذكره غيره حتى يظهر تأثير ما ذكره من الشروط. أو نجعل ما ولى الاتقاء من الإيمان، وعمل الصالحات ليس بشرط حقيقىّ وإن كان معطوفا على الشرط، وكل ذلك جائز إذا قاد الدليل إليه، وأحوج إلى التعويل عليه.
أما الوجه الأول فبيانه أن يكون تقدير الكلام: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وغيره إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات، لأن الشرط فى نفى الجناح لا بدّ أن يكون له تأثير؛ حتى يكون متى انتفى ثبت الجناح. وقد علمنا أنّ باتّقاء المحارم ينتفى الجناح فيما يطعم، فهو الشرط الّذي لا زيادة عليه. ولما ولى ذكر الاتقاء الإيمان وعمل الصالحات ولا تأثير لهما فى نفى الجناح- وجب أن نقدّر هناك ما تؤثّر هذه الأفعال فى نفى الجناح
(2/374)

عنه، فأشرنا إلى إضمار ما تقدم ذكره حتى يصحّ الشرط، ويطابق المشروط، لأن من اتقى الحرام فيما يطعم لا جناح عليه فيما يطعم؛ لكنه قد يصح أن يثبت عليه الجناح فيما أخلّ به من واجب، وضيّعه من فرض، فإذا شرطنا أنه مع اتقاء القبيح ممّن آمن بالله وبما أوجب عليه الإيمان به، وعمل الصالحات ارتفع الجناح عنه من كلّ وجه.
وليس بمنكر حذف ما قدرناه لدلالة الكلام عليه، فمن عادتهم أن يحذفوا ما يجرى هذا المجرى، وتكون قوة الدّلالة عليه وسوقها إليه مغنيين عن النطق به. وفى القرآن وفصيح كلام العرب وأشعارها أمثلة كثيرة لذلك لا تحصى، فمنه قوله تعالى: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ [البقرة: 53]؛ فقد ذكر فى الآية وجوه؛ من أوضحها أنه تعالى أراد: آتينا موسى الكتاب ومحمدا الفرقان، لأنه لما عطف الفرقان على الكتاب الّذي أوتيه موسى عليه السلام،
وعلمنا أنه لا يليق به- لأن الفرقان ليس مما أوتيه موسى عليه السلام- وجب أن نقدّر ما يطابق ذلك.
ومثله قول الشاعر:
تراه كأنّ الله يجدع أنفه … وعينيه إن مولاه بات له وفر (1)
لما كان الجدع لا يليق بالعين- وإن كانت معطوفة على الأنف الّذي يليق به الجدع- أضمرنا ما يليق بالعين، وهو البخص وما يجرى مجراه.
ومثله:
يا ليت زوجك قد غدا … متقلّدا سيفا ورمحا
ومثله:
* علفتها تبنا وماء باردا (2) *
والإضمار مع قوة الدّلالة أحسن من الإظهار، وأدخل فى البلاغة والفصاحة.
__________
(1) حاشية الأصل (من نسخة): «كان له وفر»، والبيت فى (الحيوان 6: 40)؛ ونسبه إلى خالد بن الطيفان؛ وقد أورده المؤلف فى هذا الجزء ص 259.
(2) بقيته:
* حتى شتت همّالة عيناها*
وهو من شواهد ابن عقيل 1: 524، وقد أورده المؤلف كاملا فى هذا الجزء ص 259.
(2/375)

وأما بيان الوجه الثانى فهو أنا نعدل عن ظاهر الشرط فيما ولى الاتقاء؛ من ذكر الإيمان وعمل الصالحات، ونجعله ليس بشرط وإن كان معطوفا على شرط، لأن العدول عن الظاهر بالأدلّة القاهرة واجب لازم مستعمل فى أكثر القرآن؛ فكأنه تعالى لما أراد أن يبيّن وجوب الإيمان وعمل الصالحات وتأكّد لزومه، عطفه على ما هو واجب لازم من اتقاء المحارم لاشتراكهما فى الوجوب؛ وإن لم يشتركا فى كونهما شرطا فى نفى الجناح فيما يطعم؛ وهذا تفسّح وتوسّع فى البلاغة يحار فيها العقل استحسانا واستغرابا؛ وتعويل على أن المخاطب بذلك على إرساله والعدول عن تفصيله يضع كلّ شيء منه فى موضعه؛ وكم فى القرآن من هذه الغرائب فى الفصاحة والعجائب والحذوف والاختصارات التى لا يتجاسر بليغ ولا فصيح على الإقدام عليها، والمرور بشعبها خوفا من الزلل والخلل!
وأما الجواب عن مشكل التكرار فالوجه فيه على الجملة أن نجعل الأحوال التى يقع فيها الاتقاء والإيمان وعمل الصالحات مختلفة بمضىّ واستقبال، فيزول التكرار، أو نجعل المأمور به من الاتقاء والإيمان وعمل الصالحات مشروطا مخصوصا، يتناول الأوّل غير متناول الثانى، والثانى غير متناول الأول؛ فيزول أيضا بذلك التكرار.
وقد أوّل المفسرون على اختلافهم بكثير من الجملة التى أشرنا هاهنا إليها، وذكروا أن الشرط الأول يتعلّق بالزمان الماضى، والشرط الثانى متعلّق (1) بالدوام على ذلك والاستمرار على فعله، والثالث مختص باتقاء ظلم العباد.
وذكر أبو عليّ الجبائىّ هذا بعينه، واستدلّ على أنّ الاتقاء الثالث يختصّ بظلم العباد بقوله تعالى: وَأَحْسَنُوا، وأن الإحسان إذا كان متعديا وجب أن يكون ما أمروا باتقائه من المعاصى أيضا متعديا؛ وهذا ممن اعتمده من المفسرين مزج؛ لاختلاف الأحوال باختلاف المأمور به؛ وما ينبغى أن يكون كذلك، بل الواجب أن نبطل التكرار. إما من جهة اختلاف الأحوال من غير أن نمزجها باختلاف غيرها؛ أو نعدل عن اختلاف الأحوال فنبطل التكرار من حيث اختلاف المأمور به فى عموم وخصوص.
__________
(1) حاشية ف (من نسخة): «يتعلق».
(2/376)

ولعل أبا عليّ وغيره إنما عدل فى الشرط الثالث عن ذكر الأحوال لمّا ظن أنّه لا يمكن فيه ما أمكن فى الأول والثانى. ونحن نبين أن الأمر بخلاف ما ظنه؛ وهو أنه لا يمتنع أن يحمل الشرط الأول على الماضى من الزمان، والثانى على الحال، والثالث على المنتظر والمستقبل.
وليس لأحد أن يقول: لا واسطة عند المتكلّمين بين الماضى والمستقبل؛ لأنّ الفعل إما أن يكون معدوما فيكون مستقبلا، أو موجودا فيكون ماضيا؛ وإنما يجعل الأحوال ثلاثة النحويون، ولا يرتضى ذلك المتكلمون.
والجواب عن هذا أنّ الصحيح أنه لا واسطة بين العدم والوجود على ما ذكر، غير أن الموجود فى أقرب الزمان لا يمتنع أن نسميه حالا، وبينه وبين الماضى الغابر السالف فرق؛ كما كان كذلك بينه وبين المنتظر.
وأما بيان اختلاف المأمور؛ فأن يحمل الاتقاء الأوّل على اتقاء المعاصى العقلية التى تختصّ المكلّف ولا تتعداه، والإيمان الأول الإيمان بالله تعالى وبما أوجب الإيمان به، والإيمان الثانى الإيمان بقبح هذه المعاصى ووجوب تجنبها، والاتقاء الثالث الاتقاء لما يتعدّى من المعاصى من الظلم والإساءة.
وليس ينبغى أن يفزع فى أن الاتقاء الثالث يختص بمظالم العباد إلى ما اعتمده أبو عليّ من قوله تعالى: وَأَحْسَنُوا
من حيث كان الإحسان إذا كان متعديا فكذلك ما عطف عليه؛ لأن ذلك من ضعيف الاستدلال، لأن قول الله تعالى: وَأَحْسَنُوا ليس بصريح فى أن المراد به الإحسان المتعدّى؛ لأنه غير ممتنع أن يريد به فعل الحسن والمبالغة فيه، وإن اختص الفاعل ولم يتعدّه؛ ألا ترى أنهم يقولون لمن بالغ فى فعل الحسن وتناهى فيه وإن اختصه: أحسنت وأجملت! ثم إن سلّم أن المراد به الإحسان المتعدّى لم يمتنع أن يعطفه وهو متعدّ على فعل لا يتعدى؛ ألا ترى أنه لو صرّح بذلك فقال: اتقوا المعاصى كلّها والقبائح، وأحسنوا إلى غيركم لكان حسنا غير قبيح! وإنما ينبغى أن يفزع فى التخصيص إلى الفرار من التكرار، وحمله على ما يفيد، وذلك يغنى عما تكلّفه أبو عليّ.
(2/377)

فإن قيل: أىّ فائدة فى تخصيص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بنفى الجناح فيما يطعمونه بالشرط المذكور؟ ومن ليس بمؤمن يشاركهم فى هذا الحكم مع ثبوت الشرط!
قلنا: تعليق الحكم بالصفة أو الاسم لا يدلّ على نفيه عمن عدا المسمى أو الموصوف؛ وقد دلّ العلماء على ذلك فى مواضع كثيرة؛ وليس بممتنع على المذهب الصحيح أن يعلّق الحكم باسم أو صفة، ويكون من عدا الموصوف أو المسمى مشاركا فى ذلك الحكم.
وقد قيل: إن السبب فى نزول هذه الآية أنّه لما نزل تحريم الخمر قال المسلمون: كيف بإخواننا الذين تناولوا الخمر قبل نزول تحريمها، وماتوا وهى فى أجوافهم؟ وكيف بإخواننا الطائفين فى أطراف البلاد وهم لا يشعرون بهذا التحريم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية تطييبا لنفوسهم، وإعلاما لهم: أن من يطعم- ما لم يبيّن له تحريمه- لا جناح عليه.
وقيل أيضا: إن الآية وردت فى قوم حرّموا على أنفسهم اللحوم، وسلكوا طريق الترهّب؛ كعثمان بن مظعون وغيره، فبيّن الله سبحانه أن الحلال لا جناح فى تناوله، وإنما يجب التجنّب للمحرّم، وهذه الأسباب لا تبقى معها مسألة عن سبب تخصيص المؤمنين بنفى الجناح.
وكل هذا واضح.
(2/378)

مسألة
سئل رضى الله عنه عن قوله عز وجل فى قصة زكريا عليه السلام: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ؛ [آل عمران: 40].
فكأنه سأل أمرا يستحيل كونه، وقد علمنا لا محالة أن زكرياء يعلم أنّ الله تعالى لا يعجزه ما يريد، فما وجه الكلام؟
فأجاب عن ذلك وقال: إنّه غير ممتنع أن يكون زكرياء عليه السلام لم يسأل الذرية فى حال كبره وهرمه؛ بل قبل هذه الحال، فلما رزقه الله تعالى ولدا على الكبر، ومع كون امرأته عاقرا قال: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ من غير إنكار منه لقدرة الله تعالى على ذلك؛ بل ليرد من الجواب ما يزداد به بصيرة ويقينا.
ويجوز أيضا أن يكون سأل الولد مع الكبر وعقم امرأته، ليفعل الله تعالى ذلك على سبيل الآية له، وخرق العادة من أجله؛ فلما رزقه الله تعالى الولد عجب من ذلك، وأنكره بعض من تضعف بصيرته من أمّته، فقال عليه السلام: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ ليرد من الجواب ما يزول به شكّ غيره؛ فكأنه سأل فى الحقيقة لغيره لا لنفسه؛ ويجرى ذلك مجرى سؤال موسى عليه السلام أن يريه الله تعالى نفسه لما شكّ قومه فى ذلك، فسأل لهم لا لنفسه.
(2/379)

مسألة
وسئل أيضا رضى الله تعالى عنه عن قوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ؛ [البقرة: 49].
فقال: أىّ شيء فى استحياء النساء من سوء العذاب؟ وإنما العذاب فى ذبح الأبناء!
فقال: أمّا قتل الذكور واستبقاء الإناث فهو ضرب من العذاب والإضرار؛ لأنّ الرجال هم الذين يردعون النساء عما يهممن به من الشر، وهو واقع منهن فى الأكثر مع الرّدع؛ فإذا انفردن وقع الشرّ ولا مانع؛ وهذه مضرّة عظيمة.
ووجه آخر وهو أن الراجع إلى قوله: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ هو قتل الأبناء دون استبقاء النساء؛ وإنما ذكر استحياء النساء لشرح كيفية الحال؛ لا لأنّ من جملة العذاب ذلك؛ كما يقول أحدنا: فلان عذبنى بأن أدخلني داره وعليه ثياب فلانية، وضربنى بالمقارع وفلان حاضر؛ وليس كلّ ما ذكره من جملة العذاب؛ وإنما العذاب هو الضرر دون غيره، وذكر الباقى على سبيل الشرح للحال.
ووجه آخر، وهو أنه روى أنهم كانوا يقتلون الأبناء، ويدخلون أيديهم فى فروج النساء لاستخراج الأجنّة من بطون الحوامل؛ فقيل: يستحيون النّساء، اشتقاقا من لفظة الحياء وهو الفرج؛ وهذا عذاب ومثلة، وضرر شديد لا محالة.
(2/380)

مسألة
وسئل أيضا فقيل: أليس قد وعد الله تعالى المؤمنين فى عدّة مواضع من كتابه المجيد بالجنّة والخلود فى النعيم،
فما معنى قول النبىّ عليه السلام: ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف: 9].
فقال: إنه لا يجوز أن يريد النبىّ عليه السلام بقوله: ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ الثواب أو العقاب ودخول الجنة أو النار؛ لأنه عليه السلام عالم بأنّ الجنّة مأواه، والثواب عاقبته، ولا يجوز أن يشكّ فى أنه ليس من أهل النار؛ وإن شك فى ذلك من حال غيره، والمراد بالآية: إنّى لا أدرى ما يفعل بى ولا بكم؛ من المنافع والمضارّ الدنيوية؛ كالصحة والمرض والغنى والفقر والخصب والجدب؛ وهذا المعنى صحيح واضح لا شبهة فيه.
ويجوز أيضا أن يريد أننى لا أدرى ما يحدثه الله تعالى من العبادات، ويأمرنى به وإياكم من الشرعيات، وما ينسخ من الشرائع وما يقرّ منها ويستدام؛ لأن ذلك كلّه مغيّب عنه عليه السلام؛ وهذا يليق بقوله تعالى فى أول الآية: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ؛ وفى آخرها: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ.
(2/381)

مسألة
وسئل أيضا عن قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ؛ [يونس: 94].
كيف يكون النبىّ عليه السلام فى شك مما أوحى إليه؟ وكيف يسأل عن صحة ما أنزل إليه الذين يقرءون الكتاب من قبله وهم اليهود والنصارى المكذّبون له؟
فقال: إن قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ ظاهر الخطاب له عليه السلام، والمعنى لغيره؛ كما قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ؛ [الطلاق: 1] فكأنه قال: فإن كنت أيّها السامع للقرآن فى شكّ ممّا أنزلناه على نبينا؛ فاسأل الذين يقرءون الكتاب.
وليس يمتنع عند من أنعم النظر أن يكون الخطاب متوجّها إلى النبىّ صلى الله عليه وآله، وليس إذا كان الشك لا يجوز عليه لم يحسن أن يقال له: إن شككت فافعل كذا، كما قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ؛ [الزمر: 65]، ومعلوم أن الشرك لا يجوز عليه.
ولا خلاف بين العلماء فى أنّه عليه السلام داخل فى ظاهر آيات الوعيد والوعد، وإن كان لا يجوز أن يقع منه ما يستحق به من العقاب. وإن قيل له: إن أذنبت عوقبت؛ فهكذا لا يمتنع أن يقال له: إن شككت فافعل كذا وكذا؛ وإن كان ممن لا يشك.
ووجدت بعض المفسّرين يجعل (إن) هاهنا بمعنى «ما» التى للجحد، ويكون تقدير الكلام: ما كنت فى شك مما أنزلنا إليك، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؛ [إبراهيم: 11]، أى ما نحن،
وقوله تعالى: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ؛ [فاطر: 23]؛ أى ما أنت إلا نذير، ولا شك ولا شبهة فى أن لفظة إِنْ
(2/382)

قد تكون بمعنى «ما» فى بعض المواضع؛ إلا أنه لا يليق بهذا الموضع أن تكون إِنْ بمعنى «ما»؛ لأنه لا يجوز أن يقول تعالى: ما أنت فى شك مما أنزلنا إليك؛ فاسأل الذين يقرءون الكتاب؛ لأن العالم لا حاجة به إلى المسألة؛ وإنما يحتاج أن يسأل الشاكّ.
غير أنه يمكن نصرة هذا الجواب بأنه تعالى لو أمره بسؤال أهل الكتاب من غير أن ينفى شكّه لأوهم أمره بالسؤال أنه شاكّ فى صدقه، وصحة ما أنزل عليه، فقدّم كلاما يقتضي نفى الشك عنه فيما أنزل عليه، ليعلم أنّ أمره بالسؤال ليزول الشكّ عن غيره، لا عنه.
فأما الذين أمر بمسألتهم فقد قيل إنهم المؤمنون من أهل الكتاب، الراجعون إلى الحق؛ ككعب الأحبار، ومن جرى مجراه ممن أسلم بعد اليهودية، لأن هؤلاء لا يصدقون عمّا شاهدوه فى كتبهم من صفات النبي عليه السلام والبشارة به؛ وإن كان غيرهم ممن أقام على الكفر والباطل لا يصدق عن ذلك.
وقال قوم آخرون: إنّ المراد بالذين يقرءون الكتاب جماعة اليهود، ممن آمن وممن لم يؤمن؛ فإنهم يصدقون عما وجدوه فى كتبهم من البشارة بنبىّ موصوف، يدّعون أنه غيرك، وأنك إذا قابلت بتلك الصفات صفاتك علمت أنت وكلّ من أنصف أن المبشّر بنبوته هو أنت.
وقال آخرون: ما أمره أن يسألهم عن البشارة به؛ لأنهم لا يصدقون عن ذلك؛ بل أمره عليه السلام أن يسألهم عما تقدم ذكره على هذه الآية بغير فصل من قوله تعالى: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ؛ [يونس: 93] ثم قال تعالى:
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ؛ [يونس: 94]، أى فى شك مما تضمنته هذه الآية من النعمة على بنى إسرائيل؛ فما كانت اليهود تجحد ذلك، بل تقرّ به، وتفخر بمكانه.
وهذا الوجه يروى عن الحسن البصرىّ. وكلّ ذلك واضح لمن تأمله.
(2/383)

مسألة
سئل رضى الله عنه فقيل: ما القول فيما يخبر به المنجّمون من وقوع حوادث، ويضيفون ذلك إلى تأثيرات النجوم؟
وما المانع من أن تؤثر الكواكب على حدّ تأثير الشمس الأدمة (1) فينا؟
وإن كان تأثير الكواكب مستحيلا فما المانع من أن تكون التأثيرات من فعل الله تعالى بمجرى العادة عند طلوع هذه الكواكب وانتقالها؟
فلينعم ببيان ذلك؛ فإن الأنفس إليه متشوقة.
وكيف تقول: إن المنجمين حادسون (2)؛ مع أنه لا يفسد من أقوالهم إلا القليل؛ حتى إنهم يخبرون بالكسوف ووقته ومقداره فلا يكون إلا على ما أخبروا به؛ فأىّ فرق بين إخبارهم بحصول هذه التأثيرات فى هذا الجسم، وبين حصول تأثيرها فى أجسامنا؟
الجواب، اعلم أن المنجمين يذهبون إلى أن الكواكب تفعل فى الأرض ومن عليها أفعالا يسندونها إلى طباعها، وما فيهم أحد يذهب إلى أن الله تعالى أجرى العادة؛ بأن يفعل عند قرب بعضها من بعض، أو بعده أفعالا من غير أن يكون للكواكب أنفسها تأثير فى ذلك، ومن ادّعى هذا المذهب الآن منهم فهو قائل بخلاف ما ذهبت القدماء فى ذلك، ومتجمّل بهذا المذهب عند أهل الإسلام، ومتقرب إليهم بإظهاره. وليس هذا بقول لأحد ممن تقدم
وكأن الّذي كان يجوز أن يكون صحيحا- وإن دلّ الدليل على فساده- لا يذهبون إليه؛ وإنما يذهبون إلى المحال الّذي لا يمكن صحته؛ وقد فرغ المتكلّمون من الكلام فى أنّ الكواكب لا يجوز أن تكون فينا فاعلة، وتكلمنا نحن أيضا فى مواضع على ذلك، وبيّنّا بطلان الطبائع التى يهذون بذكرها، وإضافة الأفعال إليها، وبيّنا أن الفاعل لا بدّ أن يكون حيّا قادرا. وقد علمنا أن الكواكب ليست بهذه الصفة، فكيف تفعل وما يصحّح الأفعال مفقود فيها! وقد سطر المتكلمون طرفا كثيرة فى أنها ليست بحية ولا قادرة،
__________
(1) حاشية ف من نسخة: «فى الأدمة».
(2) حادسون: ظانون.
(2/384)

أكثرها معترض. وأشفّ (1) ما قيل فى ذلك أن الحياة معلوم أن الحرارة الشديدة، كحرارة النار تنفيها ولا تثبت معها. ومعلوم أنّ حرارة الشمس أشدّ وأقوى من حرارة النار بكثير؛ لأنّ الّذي يصل إلينا على بعد المسافة من حرارة الشمس بشعاعها يماثل أو يزيد على حرارة النار؛ وما كان بهذه الصفة من الحرارة يستحيل كونه حيّا.
وأقوى من ذلك كلّه فى نفى كون الفلك وما فيه من شمس وقمر وكوكب أحياء السمع والإجماع؛ فإنه لا خلاف بين المسلمين فى ارتفاع الحياة عن الفلك وما يشتمل عليه من الكواكب، وأنها مسخّرة مدبّرة مصرّفة؛ وذلك معلوم من دين رسول الله صلى الله عليه وآله ضرورة؛ وإذا قطعنا على نفى الحياة والقدرة عن الكواكب، فكيف
تكون فاعلة!
وعلى أننا قد سلّمنا لهم استظهارا فى الحجة أنها قادرة؛ قلنا: إن الجسم وإن كان قادرا فإنه لا يجوز أن يفعل فى غيره إلّا على سبيل التوليد؛ ولا بدّ من وصلة بين الفاعل والمفعول فيه، والكواكب غير مماسّة لنا، ولا وصلة بيننا وبينها، فكيف تكون فاعلة فينا! فإن ادّعى أن الوصلة بيننا الهواء؛ فالهواء أوّلا لا يجوز أن يكون آلة فى الحركات الشديدة، وحمل الأثقال؛ ثم لو كان الهواء آلة تحرّكنا بها الكواكب لوجب أن نحسّ بذلك، ونعلم أنّ الهواء يحرّكنا ويصرّفنا؛ كما نعلم فى غيرنا من الأجسام إذا حركناه بآلة يوضع تحريكه لنا بها. على أنّ فى الحوادث الحادثة فينا ما لا تجوز أن يفعل بآلة، ولا يتولّد عن سبب، كالإرادات والاعتقادات وأشياء كثيرة؛ فكيف فعلت الكواكب ذلك فينا وهى لا يصحّ أن تكون مخترعة للأفعال؛ لأن الجسم لا يجوز أن يكون قادرا إلا بقدرة، والقدرة لا تجوز لأمر يرجع إلى نوعها أن تخترع بها الأفعال.
فأما الأدمة فليس تؤثّرها الشمس على الحقيقة فى وجوهنا وأبداننا؛ وإنما الله تعالى هو المؤثر لها وفاعلها بتوسط حرارة الشمس؛ كما أنه تعالى هو المحرق على الحقيقة بحرارة النار، والهاشم لما يهشمه الحجر بثقله، وحرارة الشمس مسوّدة للأجسام من جهة معقولة مفهومة؛ كما أن النار تحرق الأجسام على وجه معقول، فأىّ تأثير للكواكب فينا يجرى هذا المجرى فى
__________
(1) فى حاشية ف: «أشفّ: أفضل».
(2/385)

تمييزه والعلم بصحته، فليشر إليه؛ فإن ذلك لا قدرة عليه. ومما يمكن أن يعتمد فى إبطال أن تكون الكواكب فاعلة فينا ومصرّفة لنا أن ذلك يقتضي سقوط الأمر والنهى والمدح والذمّ عنا، ونكون معذورين فى كلّ إساءة تقع منّا ونجيئها بأيدينا، وغير مشكورين على شيء من الإحسان والإفضال؛ وكلّ شيء نفسد به قول المجبرة؛ فهو مفسد لهذا المذهب.
وأما الوجه الآخر وهو أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل أفعالا مخصوصة عند طلوع كوكب أو غروبه، أو اتصاله أو مفارقته فقد بيّنا أنّ ذلك ليس بمذهب للمنجّمين البتّة؛ وإنما يتجملون الآن بالتظاهر به، وأنه قد كان جائزا أن يجرى الله تعالى العادة بذلك؛ لكن لا طريق إلى العلم بأن ذلك قد وقع وثبت؛ ومن أين لنا بأن الله تعالى [أجرى] العادة بأن يكون زحل أو المريخ إذا كان فى درجة الطالع كان نحسا، وأن المشترى إذا كان كذلك كان سعدا؟ وأىّ سمع مقطوع به جاء بذلك؟ وأىّ نبىّ خبّر به واستفيد من جهته؟
فإن عوّلوا فى ذلك على التجربة بأنا جرّبنا ذلك ومن كان قبلنا فوجدناه على هذه الصفة؛ وإذا لم يكن موجبا وجب أن يكون معتادا.
قلنا: ومن سلّم لكم صحة هذه التجربة وانتظامها واطرادها؟ وقد رأينا خطأكم فيها أكثر من صوابكم، وصدقكم أقلّ من كذبكم! فألّا نسبتم الصحة إذا اتفقت منكم إلى الانفاق الّذي يقع من المخمّن والمرجّم! فقد رأينا من يصيب من هؤلاء أكثر ممن يخطئ، وهو على غير أصل معتمد، ولا قاعدة صحيحة.
فإذا قلتم: سبب خطأ المنجّم ذلك دخل عليه فى أخذ الطالع أو تسيير الكواكب.
قلنا: ولم لا كانت إصابته سببها التخمين! وإنما كان يصح لكم هذا التأويل والتخريج لو كان على صحة أحكام النجوم دليل قاطع هو غير إصابة المنجّم؛ فأما إذا كان دليل صحة الأحكام الإصابة، فألّا كان دليل فسادها الخطأ! فما أحدهما فى المقابلة إلا كصاحبه.
ومما أفحم به القائلون بصحة الأحكام، ولم يتحصل منهم عنه جواب أن قيل لهم فى شيء بعينه: خذوا
(2/386)

الطالع واحكموا؛ هل يؤخذ أو يترك؟ فإن حكموا إما بالأخذ أو الترك خولفوا؛ وفعل خلاف ما خبّروا به.
وقد أعضلتهم هذه المسألة، واعتذروا عنها بأعذار ملفّقة لا يخفى على عاقل سمعها بعدها من الصواب. فقالوا فى هذه المسألة: يجب أن يكتب هذا المبتلى بها ما يريد أن يفعل، أو يخبر به غيره؛ فإنا نخرج ما قد عزم عليه من أحد الأمرين.
وهذا التعليل منهم باطل؛ لأنه إذا كان النظر فى النجوم يدلّ على جميع الكائنات التى من جملتها ما يختاره أحدنا؛ من أخذ هذا الشيء أو تركه، فأىّ فرق بين أن يطوى ذلك فلا يخبر به ولا يكتبه؛ حتى يقول المنجم ما عنده، وبين أن يخبر به ويكتبه قبل ذلك! وإنما فزعوا إلى الكتابة وما يجرى مجراها حتى لا يخالف المنجّم فيما يذكره؛ ويحكم به من أخذ أو ترك.
ولو كانت الأحكام صحيحة؛ وفيها دلالة على الكائنات لوجب أن يعرف المنجم ما اختاره من أحد الأمرين على كل حال.
ولو نزلنا تحت حكمهم؛ وكتبنا ما نريد أن نفعله لما وجدنا إصابتهم فى ذلك إلا أقلّ من خطئهم، ولم يزيدوا فيه على ما يفعله المخمّن المرجّم من نظر فى طالع ولا غارب، ولا رجوع إلى أصل؛ وإلا فالبلوى بيننا وبينكم.
وكان بعض الرؤساء بل الوزراء ممن كان فاضلا فى الأدب والكتابة، ومشغوفا بالنجوم، عاملا عليها قال لى يوما- وقد جرى حديث يتعلق بأحكام النجوم، ورأى من مخائلى التعجب ممن يتشاغل بذلك، ويفنى زمانه به-:
أريد أن أسألك عن شيء فى نفسى، فقلت: سل عما بدا لك، قال: أريد أن تعرفنى: هل بلغ بك التكذيب بأحكام النجوم إلى ألّا تختار يوما لسفر، ولبس ثوب جديد، وتوجّه فى حاجة؟ فقلت: قد بلغت إلى ذلك والحمد لله وزيادة عليه، وما فى دارى تقويم، ولا أنظر فيه، وما رأيت مع ذلك إلا خيرا.
ثم أقبلت عليه فقلت: ندع ما يدلّ على بطلان أحكام النجوم مما يحتاج إلى فكر دقيق، ورويّة طويلة، وهاهنا شيء قريب لا بخفى على أحد ممن علت طبقته فى الفهم، أو انخفضت؛ خبّرنى لو فرضنا جادّة مسلوكة، وطريقا يمشى فيه الناس ليلا ونهارا، وفى محجّته آبار متقاربة
(2/387)

وبين بعضها وبعض طريق يحتاج سالكه إلى تأمّل وتوقّف حتى يتخلص من السقوط فى بعض تلك الآبار؛ هل يجوز أن تكون سلامة من يمشى فى هذا الطريق من العميان كسلامة من يمشى من البصراء؛ وقد فرضنا أنه لا يخلو طرفة عين من المشاة فيه بصراء وعميان؟ وهل يجوز أن يكون عطب البصراء يقارب عطب العميان، وسلامة العميان مقاربة لسلامة البصراء؟
فقال: هذا مما لا يجوز، بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العميان؛ ولا يجوز فى مثل هذا التقارب.
فقلت: إذا كان هذا محالا، فأحيلوا نظيره، وما لا فرق بينه وبينه، وأنتم تجيزون شبيه ما ذكرناه وعديله؛ لأن البصراء هم الذين يعرفون أحكام النجوم، ويميّزون سعدها من نحسها، ويتوقون بهذه المعرفة مضارّ الزمان ويتخطّونها، ويعتمدون منافعه ويقصدونها. ومثال العميان كلّ من لا يحسن تعلّم النجوم، ولا يلتفت إليه من الفهماء والفقهاء وأهل الديانات والعبادات، ثم سائر العوام والأعراب والأكراد؛ وهم أضعاف أضعاف من يراعى عدد النجوم. ومثال الطريق الّذي فيه الآبار الزمان الّذي يمضى عليه الخلق أجمعون. ومثال آباره مصائبه ونوائبه ومحنه.
وقد كان يجب لو صحّ العلم بالنجوم وأحكامها أن تكون سلامة المنجمين أكثر، ومصائبهم أقل؛ لأنهم يتوقون المحن لعلمهم بها قبل كونها، وتكون محن كل من ذكرنا من الطبقات الكثيرة أوفر وأظهر؛ حتى تكون السلامة هى الطريقة الغريبة؛ وقد علمنا خلاف ذلك، وأن السلامة والمحن فى الجميع متقاربة غير متفاوتة.
فقال: ربما اتفق مثل ذلك.
فقلت له: فيجب أن نصدّق من خبّرنا فى ذلك الطريق المسلوك الّذي فرضناه بأن سلامة العميان كسلامة البصراء، ونقول: لعل ذلك اتّفق.
وبعد فإن الاتفاق لا يستمر بل ينقطع؛ وهذا الّذي ذكرناه مستمر غير منقطع. فلم يكن عنده عذر صحيح.
(2/388)

ومما يفسد مذهب المنجمين، ويدل على ما لعلّه يتفق لهم من الإصابة على غير أصل، أنا قد شاهدنا جماعة من الزراقين (1) الذين لا يعرفون شيئا من علم النجوم، ولا نظروا قطّ فى شيء منه، يصيبون فيما يحكمون به إصابات مستطرفة؛ وقد كان المعروف بالشعرانىّ الّذي شاهدناه، وهو لا يحسن أن يأخذ الأصطرلاب للطالع، ولا نظر قطّ فى زيج، بل ولا تقويم؛ غير أنه ذكّى حاضر الجواب، فطن بالزّرق، معروف به، كثير الإصابة وبلوغ الغاية فيما يخرجه من من الأسرار. ولقد اجتمع يوما بين يدىّ جماعة كانوا عندى، وكلّنا قد اعتزمنا جهة نقصدها لبعض الأغراض؛ فسأله أحدنا عما نحن بصدده، فابتدأ من غير أخذ طالع، ولا نظر فى تقويم، فأخبرنا بالجهة التى أردنا قصدها، ثم عدل إلى كل واحد من الجماعة، فأخبره عن كثير من تفصيل أمره وأغراضه، حتى قال لأحدهم: وأنت من بين الجماعة قد وعدك واعد بشيء يوصله إليك، وقلبك به متعلّق؛ وفى كمك شيء مما يدلّ على هذا؛ وقد انقضت حاجتك وانتجزت، وجذب يده (2) إلى كمه، واستخرج ما فيه، فاستحيا ذلك الرجل، ووجم ومنع من الوقوف على ما فى كمه بجهده، فلم ينفعه ذلك، وأعان الحاضرون على إخراج ما فى كمه لما أحسوا بالإصابة من الزرّاق، فأخرج من كمه رقاع كثيرة، فى جملتها صكّ على دار الضرب بصلة من خليفة الوزراء فى ذلك الوقت؛ فعجبنا مما اتفق من إصابته مع بعده من صناعة النجوم.
وكان لنا صديق يقول أبدا: من أدلّ دليل على بطلان أحكام النجوم إصابة الشعرانىّ.
وجرى يوما مع من يتعاطى علم النجوم هذا الحديث فقال: عند المنجمين أن السّبب فى إصابة من لا يعلم شيئا من علم النجوم أنّ مولده وما يتولّاه وتقتضيه كواكبه اقتضى له ذلك.
فقلت له: لعلّ بطليموس، وكل عالم من علماء المنجمين ومصيب فى أحكامه عليها إنما سبب إصابته مولده، وما تقتضيه كواكبه من غير علم ولا فهم؛ فلا يجب أن يستدل بالإصابة على
__________
(1) الزرق: تعليم الشعبذة والحيل (دوزى 1: 587).
(2) ط «ضرب».
(2/389)

العلم إذا كانت تقع من جاهل؛ ويكون سببها المولد؛ وإذا كانت الإصابة بالمواليد فالنظر فى علم النجوم عبث ولعب لا يحتاج إليه؛ لأن المولد إن اقتضى الإصابة أو الخطأ فالتعلّم لا ينفع، وتركه لا يضرّ؛ وهذه علة تسرى إلى كل صنعة حتى يلزم أن يكون كل شاعر مفلق، وصانع حاذق، وناسج للديباج، ومدبّق لا علم له بتلك الصناعة؛
وإنما اتفقت الصنعة بغير علم لما تقتضيه كواكب مولده، وما يلزم على هذا من الجهالات لا يحصى.
واعلم أن التعب بعلم مراكز الكواكب وأبعادها وأشكالها وتسييراتها متى لم تكن ثمرته العلم بالأحكام، والاطلاع على الحوادث قبل كونها لا معنى له ولا غرض فيه؛ لأنه لا فائدة فى أن يعلم ذلك كلّه، وتختص نفس العلم به، وما يجرى الاطلاع على ذلك إذا لم تتعد المعرفة إلى العلم بالأحكام إلا مجرى العالم بعدد الحصى وكيل النوى، ومعرفة أطوار الجبال وأوزانها.
وكما أن العناء فى تعرّف ذلك عبث وسفه لا يجدى نفعا، فكذلك العلم بشكل الفلك وتسييرات كواكبه وأبعادها، والمعرفة بزمان قطع كل كوكب للفلك وتفاصيلها فيه، وما شقى (1) القوم بهذا الشأن وأفنوا أعمارهم إلّا لتقديرهم أنه يفضى إلى معرفة الأحكام؛ فلا تغترّ بقول من يقول منهم: إنا ننظر فى ذلك لشرف نفوسنا بعلم الهيئة ولطيف ما فيها من الأعاجيب؛ فإن ذلك تجمّل منهم، وتقرّب إلى أهل الإسلام، ولولا أن غرضهم معرفة الأحكام لما تعنّوا بشيء من ذلك كلّه، ولا كانت فيه فائدة، ولا منه عائدة.
ومن أدلّ الدليل على بطلان أحكام النجوم أنّا قد علمنا أنّ من جملة معجزات الأنبياء عليهم السلام الإخبار عن الغيوب، وعدّ ذلك خارقا للعادات؛ كإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص؛ ولو كان العلم بما يحدث طريقا نجوميا، لم يكن ما ذكرناه معجزا ولا خارقا للعادة.
وكيف يشتبه على مسلم بطلان أحكام النجوم، وقد أجمع المسلمون قديما وحديثا على تكذيب المنجمين، والشهادة بفساد مذاهبهم وبطلان أحكامهم! ومعلوم من دين الرسول عليه السلام ضرورة التكذيب بما يدّعيه المنجمون، والإزراء عليهم؛ والتعجيز لهم؛ وفى الروايات عنه عليه السلام من ذلك ما لا يحصى كثرة؛ وكذلك عن علماء أهل بيته عليهم السلام وخيار
__________
(1) من نسخة بحاشيتى ف، ط: «سعى».
(2/390)

أصحابه فما زالوا يبرءون من مذاهب المنجمين، ويعدّونها ضلالا ومحالا، وما اشتهر هذه الشهرة فى دين الإسلام كيف يغتر بخلافه منتسب إلى الملة، ومصلّ إلى القبلة!
فأما إصابتهم فى الإخبار عن الكسوفات وما مضى فى أثناء المسألة من طلب الفرق بين ذلك وبين سائر ما يخبرون به من تأثيرات الكواكب فى أجسامنا، فالفرق بين الأمرين أنّ الكسوفات واقترانات الكواكب وانفصالها طريقه الحساب وتسيير الكواكب؛ وله أصول صحيحة، وقواعد سديدة؛ وليس كذلك ما يدّعونه من تأثيرات
الكواكب فى الخير والشر والنفع والضّر؛ ولو لم يكن فى الفرق بين الأمرين إلا الإصابة الدائمة المتصلة فى الكسوفات وما يجرى مجراها، ولا يكاد يبين فيها خطأ البتة، وأن الخطأ المعهود الدائم هو فى الأحكام الباقية؛ حتى إن الصواب هو العزيز فيها، وما يتفق لعلّه فيها من الإصابة قد يتفق من المخمّن أكثر منه. فحمل أحد الأمرين على الآخر بهت وقلة دين.
(2/391)

مسألة فى المنامات
ما القول فى المنامات؟ أصحيحة هى أم باطلة؟ ومن فعل من هى؟ ومن أىّ جنس هى؟ وما وجه صحتها فى الأكثر؟ وما وجه الإنزال عند رؤية المباشرة فى المنام؟ وإن كان فيها صحيح وباطل، فما السبيل إلى تمييز أحدهما من الآخر؟
الجواب؛ اعلم أنّ النائم غير كامل العقل؛ لأن النوم ضرب من السهو، والسهو ينفى العلوم، ولهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة لنقصان عقله، وفقد علومه. وجميع المنامات إنما هى اعتقادات يبتدئ بها النائم فى نفسه، ولا يجوز أن تكون من فعل غيره فيه؛ لأنّ من عداه من المحدثين- كانوا بشرا أو ملائكة أو جنّا- أجسام، والجسم لا يقدر أن يفعل فى غيره اعتقادا ابتداء؛ بل ولا شيئا من الأجناس على هذا الوجه؛ وإنما يفعل ذلك فى نفسه على سبيل الابتداء.
وإنما قلنا: إنه لا يفعل فى غيره جنس الاعتقادات متولّدا لأنّ الّذي يعدّى الفعل من محلّ القدرة إلى غيرها من الأسباب إنما هو الاعتمادات، وليس فى أجناس الاعتمادات ما يولّد الاعتقادات؛ ولهذا لو اعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل، ما تولد فيه شيء من الاعتقادات؛ وقد بيّن ذلك وشرح فى مواضع كثيرة، والقديم تعالى هو القادر على أن يفعل فى قلوبنا ابتداء من غير سبب أجناس الاعتقادات. ولا يجوز أن يفعل فى قلب النائم اعتقادا؛ [لأن أكثر اعتقادات النائم] (1) جهل، وتتناول الشيء على خلاف ما هو به؛ لأنه يعتقد أنه يرى ويمشى، وأنه راكب، وعلى صفات كثيرة؛ وكلّ ذلك على خلاف ما هو به؛ وهو تعالى لا يفعل الجهل؛ فلم يبق إلا أن الاعتقادات كلّها من جهة النائم.
وقد ذكر فى المقالات أن المعروف بصالح قبة كان يذهب إلى أنّ ما يراه النائم فى منامه على الحقيقة؛ وهذا جهل منه أيضا؛ هو جهل السوفسطائية؛ لأن النائم يرى أن رأسه مقطوع
__________
(1) ط: «لأن أكثر الاعتقادات للنائم».
(2/392)

وأنه قد مات، وأنه قد صعد إلى السماء؛ ونحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كله؛ وإذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان فى السراب أنه الماء، وفى المردى (1) إذا كان فى الماء أنه مكسور؛ وهو على الحقيقة صحيح لضرب من الشبهة واللّبس؛ فألّا جاز ذلك فى المنام وهو من الكمال أبعد، وإلى النقص أقرب!
وينبغى أن يقسم ما يتخيل النائم أنه يراه إلى أقسام ثلاثة:
منها ما يكون من غير سبب يقتضيه، ولا داع يدعو إليه اعتقادا مبتدأ.
ومنها ما يكون من وسواس الشيطان، يفعل فى داخل سمعه كلاما خفيا يتضمن أشياء مخصوصة؛ فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنه يراه؛ فقد نجد كثيرا من النّيّام يسمعون حديث من تحدّث بالقرب منهم، فيعتقدون أنهم يرون ذلك الحديث فى منامهم.
ومنها ما يكون سببه، والداعى إليه خاطرا يفعله الله تعالى، أو يأمر بعض الملائكة بفعله.
ومعنى هذا الخاطر أيضا أن يكون كلاما يفعل فى داخل السمع، فيعتقد النائم أيضا أنه ما يتضمّن ذلك الكلام. والمنامات الداعية إلى الخير والصلاح فى الدين يجب أن تكون إلى هذا الوجه مصروفة؛ كما أن ما يقتضي الشر منها الأولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة.
وقد يجوز على هذا فيما يراه النائم فى منامه ثم يصحّ ذلك حتى يراه فى يقظته على حدّ ما يراه فى منامه، وفى كل منام يصحّ تأويله أن يكون سبب صحته أنّ الله تعالى يفعل كلاما فى سمعه لضرب من المصلحة بأنّ شيئا يكون. وقد كان على بعض الصفات، فيعتقد النائم أن الّذي يسمعه هو يراه؛ فإذا صحّ تأويله على ما يراه؛ فما ذكرناه إن لم يكن مما يجوز أن تتفق فيه الصحة اتفاقا؛ فإن فى المنامات ما يجوز أن يصح بالاتفاق، وما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتفاق؛ فهذا الّذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه.
فإن قيل: أليس قد قال أبو عليّ الجبائىّ فى بعض كلامه فى المنامات: إن الطبائع لا تجوز أن تكون مؤثّرة فيها؛ لأن الطبائع لا تجوز على المذاهب الصحيحة أن تؤثر فى شيء، وأنه غير ممتنع مع ذلك أن يكون بعض المآكل يكثر عندها المنامات بالعادة؛ كما أن فيها ما يكثر عنده بالعادة تخييل الإنسان- وهو مستيقظ- ما لا أصل له.
__________
(1) المردى: خشبة يدفع بها الملاح السفينة «المجداف».
(2/393)

قلنا: قد قال ذلك أبو عليّ- وهو خطأ- لأن تأثيرات المآكل بمجرى العادة على المذاهب الصحيحة، إذا لم تكن مضافة إلى الطبائع؛ فهو من فعل الله تعالى؛ فكيف نضيف التخيّل الباطل والاعتقاد الفاسد إلى فعل الله تعالى!
فأما المستيقظ الّذي استشهد به فالكلام فيه والكلام فى النائم واحد، ولا يجوز أن نضيف التخيّل الباطل إلى فعل الله تعالى فى نائم ولا يقظان؛ فأما ما يتخيّل من الفاسد وهو غير نائم؛ فلا بدّ من أن يكون ناقص العقل فى الحال، وفاقدا للتمييز بسهو؛ وما يجرى مجراه، فيبتدئ اعتقادا لا أصل له كما قلنا فى النائم.
فإن قيل: فما قولكم فى منامات الأنبياء عليهم السلام؟ وما السبب فى صحتها؟ حتى عدّ ما يرونه فى المنام، مضاهيا لما يسمعونه من الوحى!
قلنا: الأخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحتها؛ ولا هى ممّا توجب العلم؛ وقد يمكن أن يكون الله تعالى أعلم النبىّ بوحى يسمعه من الملك على الوجه الموجب للعلم: إنى سأريك فى منامك فى وقت كذا ما يجب أن تعمل عليه، فيقطع على صحته من هذا الوجه؛ لا بمجرد رؤيته له فى المنام؛ وعلى هذا الوجه يحمل منام إبراهيم عليه السلام فى ذبح ابنه؛ ولولا ما أشرنا إليه: كيف كان يقطع إبراهيم عليه السلام بأنه متعبّد بذبح ولده!
فإن قيل: فما تأويل ما يروى عنه عليه السلام من قوله: «من رآنى فقد رآنى، فإن الشيطان لا يتخيل بى»، وقد علمنا أن المحق والمبطل والمؤمن والكافر قد يرون النبىّ عليه السلام فى النوم، ويخبر كلّ واحد منهم عنه بضدّ ما يخبر به الآخر؛ فكيف يكون رائيا له فى الحقيقة مع هذا! .
قلنا: هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد، ولا معوّل على مثل ذلك. على أنه يمكن مع تسليم صحته أن يكون المراد به: من رآنى فى اليقظة فقد رآنى على الحقيقة؛ لأن الشيطان لا يتمثل بى لليقظان؛ فقد قيل: إن الشياطين ربما تمثلت بصورة البشر؛ وهذا التأويل أشبه بظاهر ألفاظ الخبر؛ لأنه قال: «من رآنى فقد رآنى»؛ فأثبت غيره رائيا له، ونفسه مرئيّة، وفى النوم لا رائى فى الحقيقة ولا مرئىّ؛ وإنما ذلك فى اليقظة. ولو حملناه على
(2/394)

النوم لكان تقدير الكلام: من اعتقد أنه يرانى فى منامه وإن كان غير راء لى على الحقيقة فهو فى الحكم كأنه قد رآنى؛ وهذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر، وتبديل لصيغته؛ وهذا الّذي رتبناه فى المنامات وقسّمناه أسدّ تحقيقا من كلّ شيء قيل فى أسباب المنامات، وما سطر فى ذلك معروف غير محصّل ولا محقق.
فأما ما يهذى به الفلاسفة فى هذا الباب فهو ممّا يضحك الثكلى؛ لأنهم ينسبون ما صحّ من المنامات لما أعيتهم الحيل فى ذكر سببه إلى أن النّفس اطّلعت على عالمها، فأشرفت على ما يكون.
وهذا الّذي يذهبون إليه فى حقيقة النفس غير مفهوم ولا مضبوط؛ فكيف إذا أضيف إليه الاطلاع على عالمها؟ وما هذا الاطلاع؟ وإلى أى شيء يشيرون بعالم النفس؟ ولم يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطلاع؟ وكل هذا زخرفة، ومخرقة؛ وتهاويل لا يتحصل منها شيء.
وقول صالح قبة- مع أنه تجاهل محض- أقرب إلى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة؛ لأن صالحا ادّعى أن النائم يرى على الحقيقة ما ليس يراه، ولم يشر إلى أمر غير معقول ولا مفهوم؛ بل ادّعى ما ليس بصحيح وإن كان مفهوما؛ وهؤلاء عوّلوا على ما لا يفهم مع الاجتهاد، ولا يعقل مع قوة التأمل والتدبّر؛ فالفرق بينهما واضح.
وأمّا سبب الإنزال فيجب أن يبنى على تحقيق سبب الإنزال فى اليقظة مع الجماع، ليس هو ما يهذى به أصحاب الطبائع؛ لأنا قد بينا فى غير موضع أن قول أصحاب الطبع لا أصل له، وأن الإحالة فيه على سراب لا يتحصّل. وأما سبب الماء فإن الله تعالى أجرى العادة بإخراج الماء من ظهر الرجل عند هذه الحركة المخصوصة؛ وليس يمتنع أن يجرى الله العادة؛ بأن يخرج هذا الماء من الظهر عند اعتقاد النائم أنه يجامع؛ وإن كان هذا الاعتقاد باطلا.
(2/395)

مسألة
سئل رضى الله عنه عن الخبر المنسوب إلى الصادق عليه السلام من أنه قال: «لقد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بين سلمان وأبى ذرّ، ولو اطّلع أبو ذرّ على ما فى قلب سلمان لقتله». وكيف يجوز أن يؤاخى النبىّ عليه السلام بين رجلين، يستحلّ أحدهما إذا اطّلع على ما فى قلب الآخر دمه! وما القول فيمن تأوّل هذا القول وهو «قتله» على أن الهاء راجعة على ما فى قلبه، وأراد: لقتله علما؟ وهل ذلك تأويل جائز أم لا؟ وما القول أيضا فيمن تأوله على غير هذا الوجه فقال: إنّ معنى قوله: «لقتله»؛ أى لكدّ فكره وخاطره كدّا يجهده، وأنه عبّر بالقتل هاهنا على سبيل المبالغة فى تعبيره عن شدة المبالغة والمشقة؛ كما يقول القائل: قتلنى انتظار فلان، ومتّ إلى أن رأيتك، وإلى أن تخلّصت من الشدة التى كنت فيها عدة دفعات؛ وهو يريد الإخبار عن شدة الكلفة والمشقة والمبالغة فى وصفها.
الجواب، وبالله التوفيق؛ إنّ هذا الخبر إذا كان من أخبار الآحاد التى لا توجب علما ولا تثلج صدرا، وكان له ظاهر ينافى المعلوم المقطوع به تأوّلنا ظاهره على ما يطابق الحق ويوافقه إن كان ذلك سهلا، وإلا فالواجب اطراحه وإبطاله. وإذا كان من المعلوم الّذي لا يحيل سلامة سريرة كل واحد من سلمان وأبى ذرّ، ونقاء صدر كل واحد منهما لصاحبه، وأنهما ما كانا من المدغلين فى الدين، ولا المنافقين فلا يجوز مع هذا المعلوم أن يعتقد أنّ الرسول
عليه السلام يشهد بأن كل واحد منهما لو اطلع على ما فى قلب صاحبه لقتله على سبيل الاستحلال لدمه، ويعلم أنه إن كان قال ذاك فله تأويل غير هذا الظاهر الّذي لا يليق بهما.
ومن أجود ما قيل فى تأويله أن الهاء فى قوله: «لقتله» راجعة إلى المطّلع لا إلى المطّلع عليه؛ كأنه أراد: أنه إذا اطّلع على ما فى قلبه، وعلم موافقة باطنه لظاهره، وشدة إخلاصه له اشتد ضنّه ومحبته له، وتمسّكه بمودته ونصرته، فقتله ذلك الضنّ والودّ، بمعنى أنه كاد يقتله، .
كما يقولون: فلان يهوى غيره، وتشتد محبته له حتى إنه قد قتله حبه وأتلف نفسه، وما جرى
(2/396)

مجرى هذا من الألفاظ وتكون فائدة هذا الخبر حسن الثناء من النبىّ عليه السلام على الرجلين، وأنه آخى بينهما وباطنهما كظاهرهما، وسرّهما فى النقاء والصفاء كعلانيتهما؛ حتى لو أنّ أحدهما اطّلع على ما فى قلب الآخر لأعجب به، وكاد يقتله محبة له، وضنّا به؛ وهذا أشبه بمنزلة الرجلين فى نفوسهما وعند النبي عليه السلام، وأليق بأن يكون مدحا وتقريظا؛ وذلك الوجه الآخر يقتضي غاية الذم ونهاية الوصف بالنفاق، وسوء الدخيلة لأن من يظهر جميلا- ولو اطّلع على باطنه لاستحلّ دمه- هو عين المنافق المداهن.
فأما تأويل هذه اللفظة وحملها على العلم فغير مرضىّ، لأن المطلع على ما فى قلب غيره لا يكون إلا عالما بما اطّلع عليه. وأىّ معنى للفظة «قتله» فى هذا الموضع! وهل ذلك إلا تكرير؛ ومما لا فائدة فيه!
فأما حمله على أنه كدّ خاطره، وقسّم فكره فكاد يقتله فممّا المسألة عنه قائمة. ولم يكون مثل كل واحد من هذين الرجلين متى اطّلع على قلب صاحبه كدّ خاطره وأتعب قلبه، حتى كاد يقتله، لولا أنه يطّلع على سوء ومكر! وهذا هو النفاق الّذي ننزّه الرجلين عنه؛ ولا يليق بهما، ولا بالنبى عليه السلام أن يصفهما به.
(2/397)

مسألة
الإجباء فى اللغة العربية هو أن يباع الزرع قبل أن يبدو صلاحه؛ يقال أجبى الرجل يجبى إجباء إذا فعل ذلك، فمعنى ما روى عنه عليه السلام: «من أجبى فقد أربى» أنّ من باع الزرع قبل أن يبدو صلاحه- وقد نهى عن ذلك وحظر عليه- يجرى مجرى من أربى؛ لأنه فاعل لمعصية محظورة عليه؛ وإن لم يكن بيع ما لم يبد صلاحه ربا فى الحقيقة ولا معناه؛ غير أنه جار مجراه فى الحظر والمعصية، وجار مجرى قول القائل: من زنى فقد سرق؛ أى هو عاص مخالف لله تعالى؛ كما أن ذاك بهذه الحال.
(2/398)

مسألة
ما ورد فى القرآن من معاتبات الرسول عليه السلام مع عصمته وطهارته، وكونه الحجة على الخلق أجمعين.
الجواب، أنه إذا ثبت بالدليل عصمة الأنبياء عليهم السلام فكلّ ما ورد فى القرآن مما له ظاهر ينافى العصمة، ويقتضي وقوع الخطأ منهم؛ فلا بدّ من صرف الكلام عن ظاهره، وحمله على ما يليق بأدلة العقول؛ لأن الكلام يدخله الحقيقة والمجاز، ويعدل المتكلم به عن ظاهره.
وأدلة العقول لا يصح فيها ذلك، ألا ترى أن القرآن قد ورد بما لا يجوز على الله تعالى من الحركة والانتقال، كقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]، وقوله تعالى:
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ؛ [البقرة: 210]، ولا بدّ مع وضوح الأدلة على أن الله تعالى ليس بجسم، واستحالة الانتقال عليه، الّذي لا يجوز إلا على الأجسام من تأوّل هذه الظواهر والعدول عما يقتضيه صريح ألفاظها؛ قرب التأويل أو بعد.
ولو جهلنا العلم بالتأويل جملة لم يضرّ ذلك مع التمسك بالأدلة؛ وكان غاية ما فيه ألّا نعلم قصد المتكلم بما أطلقه من كلامه؛ ونعلم إذا كان حكيما أنّ له غرضا صحيحا.
على أن ظواهر الآيات التى خوطب بها النبىّ عليه السلام مما ظاهره كالعتاب؛ منها المقصود به أمته، والخطاب متوجّه إليه؛ ولهذا روى عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن بإياك أعنى واسمعى يا جارة. ويشهد بذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: 1]؛ فخاطب النبىّ عليه السلام، والمراد بذلك جميع الأمة.
ومنها ما يظن أنه عتاب وليس كذلك؛ بل هو تعليم وتأديب؛ ولا محالة أن تأديب النبىّ عليه السلام كان صادرا عن الله تعالى.
والمواعظ له ترادفت فى كل وقت؛ والشروع فى ذكر الآيات والتنبيه على المراد بها يطول؛
(2/399)

غير أن جملة الكلام ما ذكرناه؛ ونذكر بعض ذلك لنبيّن أنّ الكلام فى الجميع على هذا المنهاج.
فمن الآيات قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ؛ [الأحزاب: 37]. وكقوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ؛ [الأنفال: 67]؛ وكقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ؛ [التحريم: 1]. وقوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ؛ [التوبة: 43]؛ إلى مثال هذه الآى.
أما قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ فالقصة فيه مشهورة؛ وهى أنّ العرب كانت تحرّم على نفوسهم نكاح
زوجة من استضافوه إلى نفوسهم بالبنوّة وادّعوه؛ كما يحرّمون أزواج الأبناء فى الحقيقة؛ فلما أراد الله تعالى نسخ ذلك لما علم فيه من المصلحة، أعلم نبيّه قبل طلاق زيد بن حارثة- الّذي كان النبىّ عليه السلام تبناه- زينب بنت جحش زوجته، وأمره بتزويجها إذا فارقها؛ فلما خاصم زيد زوجته عازما على طلاقها، وعظه النبىّ عليه السلام، وكفّه عن ذلك إشفاقا من شكوته عنه؛ مع ما عزم عليه من نكاحها أن يرجف عليه المنافقون؛ ويضيفوا إليه ما قد نزّهه الله تعالى منه عند إخفاء عزمه على تزويجها بعد فراق زيد لها؛ لينته إلى أمر الله تعالى فى ذلك؛ يشهد بصحة ما ذكرناه قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [الأحزاب: 37].
فإن قيل: فالعتاب حاصل؛ لأنه كان ينبغى أن يظهر ما أضمره، ويخشى الله ولا يخشى الناس.
الجواب عن ذلك أنّ إخبار الله تعالى أنه أخفى ما الله مبديه هو خبر محض؛ لا يتعلّق به ذم.
وقوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ، فالشبهة به أيضا ضعيفة؛
(2/400)

لأنه خبّر أنه خشى الناس، والله أحقّ بالخشية، ولم يخبر أنه لم يفعل الأحقّ وعدل إلى الأدون؛ فمن أين حصول العتاب مع الّذي بيّنّاه!
على أن غاية الاقتراح فى هذا أنّه عليه السلام فعل ما غيره أولى منه؛ وليس يكون بترك الأولى عاصيا؛ وإنما يكون تاركا للأفضل. والوجه فى تركه العذر الّذي بينا.
وأما قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ فالعتاب فى الحقيقة متوجّه إلى سواه؛ لأنّ الله تعالى قد صرّح بذلك فى تمام الآية بقوله: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، وقوله: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: 68]. والقصة فى هذه الآية أيضا مشهورة؛ وإنما أضاف الأسرى إلى نبيه عليه السلام بقوله: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى، وإن كان المراد بالخطاب من أسر؛ لأنهم أسروهم، ليكونوا فى يده عليه السلام؛ فهم فى الحقيقة أسراؤه ومضافون إليه؛ وإن لم يأمره بأسرهم.
فأما قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ إذا تؤمّل فى الحقيقة لم يكن فيه عتاب؛ وإنما هو توجّع له عليه السلام؛ يدلّ على ذلك أن تحريم الرجل زوجته أو طلاقه إياها، أو اعتزاله بعض إمائه ليس بقبيح؛ بل هو مباح، وما هو بهذه الصفة لا يستحق الفاعل له عتابا؛ فلما فعل النبىّ عليه السلام ذلك لمرضاة بعض أزواجه، وأدخل المشقة على نفسه بفعله قال الله تعالى له: لم فعلت ذاك؟ وألّا أمسكتها على ما كنت عليه؟ ولم تبتغى مرضاة أزواجك بإدخال المشقة على نفسك؟
هذا هو الظاهر؛ وإذا نزل على اقتراح الخصم فى هذه الآية كان النبىّ عليه السلام قد عدل عن الأولى؛ فكان الإمساك وترك التحريم أفضل، وله أن يحرّم.
ويجرى قوله تعالى له ما قال مجرى قول الواحد منّا لغيره: لم تركت صلاة الليل؟ ولم
(2/401)

تترك صيام ثلاثة أيام فى كل شهر؟ وإن كان بترك ذلك لم يفعل قبيحا؛ بل أخلّ بمندوب إليه، وما غيره أولى.
فأما قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فليس يقتضي معصية؛ وذاك أن المقصد فى الغالب بمثل هذا الخطاب التعظيم للمخاطب واستيضاح ما عنده فيما فعله؛ ألا ترى أن الواحد منّا يقول لغيره: لم كان كذا وكذا، رحمك الله وغفر لك! وهو لا يقصد إلّا الملاطفة له، وحسن المحاورة؛ ولا يقصد الاستصفاح له عن زلة؛ وإنما الغرض الإجمال فى الخطاب. وقد صار ذلك عرفا بين الناس؛ والمقصد به التوقير والإجلال.
فأمّا قوله: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فليس يجب حمله على العتاب؛ لأن هذه اللفظة ليست موضوعة لذلك خاصة؛ بل قد تطلق ويراد بها الاستفهام، وتارة يراد بها التقرير، وتارة العتاب؛ وهى محتملة لجميع المذكور فلم نحملها فى حق النبىّ عليه السلام على العتاب دون بقية الأقسام! وغاية ما فى ذلك حمله على ترك الأولى حسب ما تقدم فى الآيات.
واستقصاء ذلك وذكر ما فى الآيات يطول؛ ويكفى فى التنبيه على الآى الباقية ما ذكرناه.
(2/402)

مسألة
رسمت الحضرة العالية الوزيرية العميدية- حرس الله سلطانها- ذكر ما عندى فى تأويل قوله تعالى فى سورة التغابن: ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ؛ [التغابن: 9].
ولفظة التّغابن هاهنا مشتقة من الغبن؛ الّذي يكون فى البيع والتجارة وما أشبه ذلك، وهو النقصان والخسران؛ لأنّ المغبون هو الّذي زاد غابنه عليه ورجح؛ ولما كان يوم القيامة يبين (1) فيه مستحق الثواب ودخول الجنة والتعظيم فيها من مستحق العقاب ودخول النار صار مستحقّ (2) الثواب ودخول الجنان كأنه غابن لمستحق العقاب ودخول النار؛ لأنهما جميعا عرّضا بالتكليف لاستحقاق الثواب، ففعل أحدهما ما استحق به ذلك، وقصّر الآخر عن هذه الغاية؛ وعدل إلى فعل ما استحق به العقاب؛ وجريا مجرى متبايعين؛ فاز أحدهما بما هو أجدى عليه وأنفع وأصلح؛ واختص الآخر بما هو ضارّ هو له ووبال عليه؛ فيسمى الفائز بالخير والصلاح غابنا والآخر مغبونا.
وتسمية يوم القيامة بأنه يوم التغابن من أفصح كلام وأخصره وأبلغه. والله الموفق للصواب.
*** هذا آخر ما وجد مما اختاره رضى الله عنه لإضافته إلى كتابه المعروف بغرر الفوائد ودرر القلائد. والحمد لله رب العالمين، والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.
__________
(1) حاشية ف (من نسخة): «يغبن».
(2) حاشية الأصل (من نسخة): «من يستحق».
(2/403)

• أخبار النحويين للسيرافى - المطبعة الكاثوليكية ببيروت 1936 م
• أدب الكاتب لابن قتيبة - المطبعة الرحمانية 1355
• الاستيعاب لابن عبد البر - حيدر أباد 1318
• أسد الغابة لابن الأثير - الطبعة الوهبية 1286
• أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجانىّ - الترقى بمصر 1320
• الاشتقاق لابن دريد، تحقيق وستنفلد - جوتنجن 1853 م
• الإصابة لابن حجر - السعادة 1323
• إصلاح المنطق لابن السكيت بتحقيق أحمد شاكر وعبد السلام هارون - المعارف 1370
• الأصمعيات للأصمعى - ليبسك 1902 م
• الأضداد لابن الأنبارى - الحسينية 1325
• الأغانى لأبى الفرج الأصفهانى - التقدم 1323، ودار الكتب المصرية
• الاقتضاب لابن السيد البطليوسى - بيروت 1901 م
• أمالى الزجاجى - السعادة 1324
• أمالى القالى - دار الكتب المصرية 1344
• أمالى اليزيدى - حيدر أباد 1367
• أمراء البيان لمحمد كردعلي - لجنة التأليف والترجمة والنشر 1937 م
• إنباه الرواة على أنبأه النحاة للقفطى؛ - بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - دار الكتب المصرية 1950 م
• البيان والتبيين للجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون - مطبعة لجنة التأليف والترجمة بمصر 1367
• تاج العروس للزبيدى - القاهرة 1306
• تاريخ ابن الأثير - إدارة الطباعة المنيرية 1348
• تاريخ بغداد للخطيب البغدادىّ - السعادة 1349
(2/624)

• تاريخ الطبرى - الحسينية 1336
• تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة - مطبعة كردستان 1326
• تزيين الأسواق لداود الأنطاكىّ - الأزهرية 1328
• التطفيل للخطيب البغدادىّ - التوفيق بدمشق 1346
• تنوير الأبصار للشيخ الشبلنجى - المطبعة المحمودية 1313
• ثمار القلوب للثعالبى - الظاهر 1326
• جمهرة أشعار العرب - المطبعة الرحمانية 1345
• جمهرة الأنساب لابن حزم، تحقيق بروفنسال - المعارف 1940 م
• ابن أبى الحديد شرح نهج البلاغة حماسة البحترى - الرحمانية 1929 م
• حماسة أبى تمام بشرح التبريزى، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد - مطبعة حجازى بمصر 1357
• حماسة أبى تمام بشرح المرزوقى، تحقيق أحمد أمين وعبد السلام هارون - مطبعة لجنة التأليف والترجمة بمصر 1951 م
• حماسة ابن الشجرى - حيدر أباد 1345
• الحيوان للجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون - مطبعة مصطفى الحلبى 1357
• خاص الخاص للثعالبى - السعادة 1326
• خزانة الأدب للبغدادى - بولاق 1299
• ابن خلكان - الميمنية 1310
• ديوان إبراهيم بن العباس الصولىّ؛ (ضمن مجموعة الطرائف الأدبية) - ديوان الأخطل
• بيروت 1891 م - ديوان الأعشى، بتحقيق جاير فينا 1927 م
• ديوان امرئ القيس - هندية بمصر 1324
(2/625)

• ديوان أوس بن حجر فينا 1892 م - ديوان البحترىّ:
• مطبعة هندية 1329 - ديوان بشار بشرح ابن عاشور
• لجنة التأليف والترجمة بمصر 1369 - ديوان أبى تمام، شرح محيى الدين الخياط بيروت 1369
• ديوان جران العود - دار الكتب المصرية 1350
• ديوان جرير، حققه ونشره عبد الله الصاوى - مطبعة الصاوى بمصر 1353
• ديوان حاتم الطائى (ضمن مجموعة خمسة دواوين) - المطبعة الوهبية 1293
• ديوان حسان بن ثابت - مطبعة الإمام بمصر 1321
• ديوان الحطيئة - التقدم بالقاهرة
• ديوان حميد بن ثور - دار الكتب المصرية 1951 م
• ديوان الخنساء - المطبعة الكاثوليكية ببيروت 1895 م
• ديوان ابن دريد، جمعه وشرحه السيد محمد بدر الدين العلوى - مطبعة لجنة التأليف والترجمة بمصر 1946 م
• ديوان ابن الدمينة - المنار 1337
• ديوان رؤبة - ليبسك 1902
• ديوان ابن الرومى - (مخطوطة دار الكتب المصرية 139 - أدب)
• ديوان ذى الرمة - كمبردج 1919 م
• ديوان زهير بن أبى سلمى - مطبعة دار الكتب المصرية 1363
• ديوان الشماخ - السعادة 1327
• ديوان طرفة - فاران 1909 م
• ديوان الطرماح - ليدن 1927 م
• ديوان طفيل الغنوى - ليدن 1927 م
• ديوان العباس بن الأحنف - الجوائب 1298
• ديوان عبيد بن الأبرص - مطبعة المعارف بمصر
• ديوان أبى العتاهية - بيروت 1914
(2/626)

• ديوان عروة بن حزام - مخطوطة الشنقيطى بدار الكتب المصرية 70 أدب
• ديوان عروة بن الورد - الجزائر 1926 م
• ديوان علقمة (ضمن مجموعة خمسة دواوين) - المطبعة الوهبية 1293
• ديوان على بن الجهم بتحقيق خليل مردم دمشق 1949 م - ديوان عمر بن أبى ربيعة
• المطبعة الميمنية 1311، ومطبعة السعادة 1371 - ديوان الفرزدق، نشره وحققه عبد الله الصاوى مطبعة الصاوى بمصر سنة 1354
• ديوان القطامى - برلين 1902 م
• ديوان كثير - الجزائر 1928
• ديوان كعب بن زهير - دار الكتب المصرية 1950 م
• ديوان لبيد - فينا 1880 م
• ديوان المتلمس - ليبسك 1903
• ديوان المتنبى، بشرح العكبرى - مطبعة مصطفى الحلبى بالقاهرة 1355
• ديوان مزاحم العقيلى، نشره: ف. - كرنكو
• المطبعة الكاثوليكية ببيروت 1922 م - ديوان مسلم بن الوليد
• ليدن 1875 م - ديوان المعانى، لأبى هلال العسكرىّ
• القاهرة 1352 - ديوان ابن المعتز
• المحروسة 1891 م - ديوان النابغة الذبيانى (ضمن خمسة دواوين)
• المطبعة الوهبية 1293 - ديوان أبى نواس
• العمومية 1898 م - ديوان الهذليين
• دار الكتب المصرية 1364 - رسالة الغفران، لأبى العلاء المعرى هندية بمصر 1903 م
• الروض الأنف للسهيلى - الجمالية 1332
• زهر الآداب للحصرى، تحقيق زكى مبارك المطبعة الرحمانية بمصر 1925 م - وتحقيق على محمد البجاوى - مطبعة عيسى الحلبى 1953 م
(2/627)

• الزهرة، لأبى بكر الأصفهانى - بيروت 1923 م
• سرح العيون لابن زيدون - الموسوعات بمصر 1321
• سيرة ابن هشام، تحقيق محمد محيى الدين - مطبعة حجازى بمصر 1356
• شذرات الذهب لابن العماد - مكتبة القدس 1350
• شرح شواهد سيبويه للأعلم - (على حاشية الكتاب)
• شرح شواهد العينى (على حاشية خزانة الأدب للبغدادى) - شرح شواهد المغنى، للسيوطى المطبعة البهية بمصر 1322
• شرح ابن عقيل - السعادة 1367
• شرح المختار من شعر بشار - مطبعة الاعتماد بمصر سنة 1353
• شرح مقامات الحريرى للشريشى - بولاق 1300
• شرح النقائض لأبى عبيدة - ليدن 1905 م
• شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد الميمنية 1329 - الشعر والشعراء لابن قتيبة، تحقيق أحمد محمد شاكر
• مطبعة عيسى الحلبى 1364 - شعر الشنفرى (ضمن مجموعة الطرائف الأدبية)
• شعراء النصرانية فى الجاهلية، لويس شيخو بيروت 1926 م - الشهاب فى الشيب والشباب، للشريف المرتضى
• الجوائب 1302 - كتاب الصناعتين لأبى هلال العسكرى
• مطبعة عيسى الحلبى 1371 - طبقات الشعراء لابن سلام، تحقيق محمود محمد شاكر
• مطبعة المعارف سنة 1371 - طبقات النحويين واللغويين للزبيدى تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم السعادة 1371
• الطرائف الأدبية جمعها وحققها عبد العزيز الميمنى - مطبعة لجنة التأليف والترجمة بمصر سنة 1937 م
• العقد الفريد لابن عبد ربه - لجنة التأليف والترجمة بمصر 1359
• العمدة لابن رشيق - السعادة 1907 م
(2/628)

• عيون الأخبار، لابن قتيبة - مطبعة دار الكتب المصرية 1343
• عيون التواريخ - مخطوطة دار الكتب المصرية 949، 1497 تاريخ
• الفاضل والمفضول، للمبرد - مطبعة دار الكتب المصرية
• الفائق فى غريب الحديث، للزمخشرى - مطبعة عيسى الحلبى 1346
• الفرق بين الفرق للبغدادىّ - المعارف 1328
• الفهرست لابن النديم - ليبسك 1871 م
• فوات الوفيات، لابن شاكر - مطبعة بولاق 1283
• القراءات الشاذة لابن خالويه - الرحمانية 1934 م
• الكامل لابن الأثير تاريخ ابن الأثير - الكامل للمبرد، بشرح المرصفى مطبعة النهضة بمصر 1346
• الكتاب، لسيبويه - بولاق 1316
• الكشاف للزمخشرى - المطبعة البهية بمصر سنة 1343
• كشف الظنون، لحاجى خليفة الآستانة 1360 - الكنايات للجرجانى
• السعادة 1326 - اللآلى فى شرح أمالى القالى، تحقيق الأستاذ عبد العزيز الميمنى
• مطبعة لجنة التأليف والترجمة بمصر 1354 - لامية العرب، بشرح الزمخشرى مطبعة مصر 1328
• لباب الآداب، تحقيق أحمد شاكر الرحمانية 1354 - لزوم ما لا يلزم، للمعرى
• مطبعة الجمالية بمصر سنة 1915 م - لسان العرب لابن منظور
• بولاق 1300 - لسان الميزان لابن حجر
• حيدر أباد 1329 - مجالس ثعلب، تحقيق عبد السلام هارون المعارف 1948 م
• المجالس المذكورة للعلماء - مصورة دار الكتب المصرية برقم 19633 ز
• مجمع الأمثال، للميدانى - المطبعة البهية 1342
• مجموعة المعانى - مطبعة الجوائب 1301
(2/629)

• المحاسن والأضداد، للجاحظ - السعادة 1330
• مختارات ابن الشجرى - مطبعة الاعتماد بمصر سنة 1344
• المخصص لابن سيده - بولاق 1318
• المرزباني معجم الشعراء - المزهر للسيوطى
• مطبعة عيسى الحلبى - مصارع العشاق
• الجوائب 1301 - المعارف لابن قتيبة
• المطبعة الإسلامية بمصر 1353 - معانى الشعر لابن قتيبة
• حيدر أباد 1949 - معانى العسكرى ديوان المعانى
• معاهد التنصيص، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد - مطبعة السعادة 1367
• معجم الأدباء لياقوت - دار المأمون 1936 م
• معجم البلدان لياقوت - السعادة 1323
• معجم الشعراء للمرزبانى - طبع القاهرة سنة 1354
• معجم ما استعجم للبكرى، بتحقيق مصطفى السقا - مطبعة لجنة التأليف والترجمة بمصر سنة 1364
• المعلقات بشرح التبريزى - المطبعة السلفية بمصر 1343
• كتاب المعمرين لأبى حاتم السجستانى - مطبعة السعادة بمصر 1323
• مفاتيح العلوم للخوارزمى - محمد منير 1342
• المفضليات لابن الأنبارى - طبع بيروت 1912 م والمعارف بمصر 1371
• مقاتل الطالبيين لأبى الفرج الأصفهانى، تحقيق السيد صقر - مطبعة عيسى الحلبى 1368
• مقاييس اللغة لابن فارس، تحقيق عبد السلام هارون - مطبعة عيسى الحلبى سنة 1366
• الملل والنحل للشهرستانى - المطبعة العنانية بالهند 1263
• الموازنة بين أبى تمام والبحترى - بيروت 1332
• المؤتلف والمختلف للآمدى - القدس 1354
(2/630)

• الموشح للمرزبانىّ - المطبعة السلفية 1343
• الميسر والقداح لابن قتيبة - السلفية 1342
• النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى - دار الكتب المصرية 1929 م
• نكت الهميان، للصفدى - القاهرة 1910 م
• النهاية لابن الأثير - العثمانية 1311
• نوادر أبى زيد بيروت 1894 م - نوادر المخطوطات، تحقيق عبد السلام هارون -مطبعة السعادة 1951 م
• الوزراء والكتاب للجهشيارى - مطبعة مصطفى الحلبى بمصر 1357
• الوساطة بين المتنبى وخصومه - مطبعة عيسى الحلبى 1364
• وفيات الأعيان ابن خلكان
(2/631)