Advertisement

بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة 001



الكتاب: بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة
المؤلف: عبد المتعال الصعيدي (المتوفى: 1391هـ)
الناشر: مكتبة الآداب
الطبعة: السابعة عشر: 1426هـ-2005م
عدد الأجزاء: 4
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ـ[بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة]ـ
المؤلف: عبد المتعال الصعيدي
الناشر: مكتبة الآداب
الطبعة: السابعة عشر: 1426هـ-2005م
عدد الأجزاء: 4
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
(/)

المجلد الأول
باب المقدمات
تقديم: للشارح
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم للشارح المغفور له الشيخ عبد المتعال الصعيدي:
"1313هـ-1383هـ = 1894م-1966م":
أردت -قبل الشروع في شرح كتاب "الإيضاح لتلخيص المفتاح" لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المعروف بالخطيب القزويني "المتوفى 739هـ"، بكتابي "بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح"- أن أضع هذا التقديم؛ لأبين فيه منزلة كتاب الإيضاح بين كتب البلاغة، ولماذا آثرته من بينها بشرحي له؟
والكلام في هذا يرجع بي إلى المدرسة التي ينتمي إليها كتاب الإيضاح من بين مدارس علوم البلاغة، وهي مدرسة الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني "المتوفى 471هـ" الذي ذهب بالشهرة في هذه العلوم، حتى عدّوه بحق شيخ البلاغة؛ لأنه هو الذي وضع أساسها الصحيح بكتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة"، وكان يسمي مسائل البلاغة علم البيان، وقد ذكر أن هذا العلم لقي من الضيم ما لقي, ودخل على الناس من الغلط في معناه ما دخل، فأراد أن يوفيه حقه ويقرر قواعده تقريرا يليق به، فوضع فيه هذين الكتابين.
وهو يسميه علم البيان بالمعنى الذي يشمل علوم البلاغة الثلاثة الآتية: المعاني، والبيان، والبديع؛ لأن البيان هو المنطق الفصيح المُعْرِب عما في الضمير، والعلوم الثلاثة لها تعلّق بالكلام الفصيح تصحيحا وتحسينا، على ما سيأتي من الفرق بينهما في ذلك، وإذا كان عبد القاهر لم يفصح عن هذا الفرق بين مباحثها، فقد أشار إليها بتخصيص كتابه "دلائل الإعجاز" لمباحث نظم الكلام؛ من ذكر وحذف وتقديم وتأخير ونحوها؛ فإنه لا يتعرض لغيرها فيه إلا نادرا، وهذه المباحث هي مباحث
(1/3)

علم المعاني، وبتخصيص كتابه "أسرار البلاغة" لمباحث الدلالة من الحقيقة والمجاز والتشبيه والاستعارة ونحوها، وهذه المباحث هي مباحث علم البيان بمعناه الذي صار إليه أخيرا، ثم ذكر المحسِّنات التي اختص بها أخيرا علم البديع، وأشار إلى منزلتها من البلاغة من رجوعها إلى التحسين لا غير، فلا تُطلَب فيها على سبيل الوجوب كما يُطلَب ما يتعلق منها بالنظم والدلالة, وقد ذهب إلى أن الحسن لا يمكن أن يكون للّفظ في ذاته من غير نظر إلى المعنى، حتى ما يُتوهم في بدء الفكرة أن الحسن فيه لا يتعدى اللفظ والجرس كالتجنيس؛ لأنك لا تستحسن تجانس اللفظين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعا حميدا؛ ولهذا استُقبح قول أبي تمام "من الكامل":
ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت ... فيه الظنون أمَذْهب أم مُذْهَب!
لأنه لم يزد على أن أسمعك حروفا مكررة؛ تروم لها فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة.
وكان أسلوب عبد القاهر في كتابيه أسلوبا بليغا ممتازا، يساعد على تربية مَلَكة البلاغة ولا يفسدها، ولا عيب فيه إلا أن يسرف في العبارات المترادفة؛ حتى تطغى على تقرير القواعد وعلى ما عُني به من استخلاص أسرارها من الشواهد النثرية والشعرية، وهو فيما عُني به من الأمرين الناقد الأديب، والبليغ الممتاز، وقد طفر بهذا في علم البلاغة طفرة لم يُسبَق إليها، ولم يأت بعده مَنْ سار على هديها حتى لا تقف عند هذا الحد؛ لأن شمس العلم في عصره كانت آخذة في الأفول، كما يقول في ذلك "مخلع البسيط":
كبر على العلم يا خليلي ... ومل إلى الجهل ميل هائم
وعش حمارا تعش سعيدا ... فالسعد في طالع البهائم
وإذا كان هذا حال عصره, فإن حال ما بعده من العصور كان أسوأ؛ فتقهقر علم البلاغة بعده ولم يتقدم.
ثم جاء أبو يعقوب السكاكي "ت 626هـ" بعد عبد القاهر، فلمح ما أشار
(1/4)

إليه الجرجاني فيما سبق من الفروق الثلاثة بين مباحث علم البلاغة؛ فميز بعضها عن بعض تمييزا تاما، وجعل لكل مبحث منها علما خاصا؛ فكان من هذه علوم البلاغة الثلاثة السابقة، ثم جاراه في تقرير قواعدها، وزاد عليه زيادات كثيرة في تقريرها، وهذا في قسم البيان من كتابه "مفتاح العلوم"، وقد جرى على ترتيبه لهذه المباحث من أتى بعده من المتأخرين، فكان عمدتهم في هذا الترتيب، ولم يستفيدوا إلا قليلا ممن كتب قبله أو بعده في علم البلاغة، ممن لم يَجْر فيها على منواله، ولم يَنْحُ فيها نحوه.
ولا شك أن السكاكي بهذا يعد إلى حد ما من تلاميذ مدرسة عبد القاهر، ولكنه كان ناقدا ولم يكن أديبا؛ لأن أسلوبه في كتابه لم يكن أسلوب البليغ الممتاز مثل عبد القاهر؛ لأن العجمة كانت غالبة على أسلوبه، وكان الأسلوب التقريري الذي لا يُعنَى إلا بتقرير القواعد غالبا عليه، فكان في أسلوبه كثير من الغموض والتعقيد وضعف التأليف، ومثل هذا قد يفيد الناظر فيه علما، ولا يفيده أسلوبا بليغا، بل يفسد فيه مَلَكة البلاغة، وبهذا يكون ضرره أكبر من نفعه.
وقد جاء بعد السكاكي عالمان كبيران أرادا أن يحذُوَا في علم البلاغة حذوه؛ أولهما ابن الناظم: بدر الدين بن مالك "المتوفى 686هـ" ابن النحوي المشهور، في كتابه "المصباح لتلخيص المفتاح" وثانيهما: الخطيب القزويني "المتوفى 739هـ" في كتابيه "تلخيص المفتاح" و"الإيضاح لتلخيص المفتاح"؛ وثانيهما كالشرح للأول. فأما مصباح ابن الناظم فإنه لم يهذِّب كثيرا من مفتاح السكاكي في علم البلاغة؛ لأن ملكة النحو كانت غالبة عليه، وكان هذا سببا في إعراض المتأخرين عن كتابه. وأما تلخيص الخطيب القزويني فإنه هذب كثيرا من مفتاح السكاكي؛ فقدم في مباحثه وأخر، وزاد عليه ما تجب زيادته من كتب البلاغة، وكان أسلوبه فيه أوضح من أسلوب السكاكي، ولكنه جعله أسلوبا تقريريا لا يُعْنَى إلا بجمع القواعد في أوجز لفظ؛ حتى أسرف في الإيجاز إسراف عبد القاهر في الإطناب، وجعل من تلخيصه متنا يحتاج إلى شروح وحواشٍ وتقارير، ولكن عيبه هذا كان موضع تقدير
(1/5)

المتأخرين وإعجابهم.
فلما فرغ من تلخيصه شعر هو أيضا بحاجته إلى شرح، فوضع كتابه "الإيضاح" كشرح له، يجري على ترتيبه في إطناب يختصره أحيانا من كتابَيْ عبد القاهر، وأحيانا من كتاب السكاكي مع شيء من التهذيب فيه، ومع كثير من النقد الذي يفصِّله أحيانا، ويرمز إليه أحيانا بقوله: "وفيه نظر". وبهذا جاء "الإيضاح" وسطا بين إيجاز التلخيص، وإسهاب عبد القاهر. وكان بهذا هو الكتاب الممتاز على غيره من كتب البلاغة القديمة.
ولكنه على هذا لم يُرزَق من الحظوة عند المتأخرين ما رُزِق التلخيص؛ لأنهم شُغِفوا بالمتون حفظا وشرحا. وقد نظروا إلى التلخيص على أنه متن من المتون، فشغفوا بحفظه وشرحه. وكان من السابقين إلى شرحه سعد الدين التفتازاني "ت 792هـ"، من علماء العَجَم؛ فوضع له شرحا مطوّلا سماه "المطول"، وشرحا مختصرا سماه "المختصر". وكان سعد الدين من علماء العجم الذين تأثروا بالسكاكي في طريقته التقريرية، وفي ضعف أسلوبه؛ لضعف سليقته العربية، بل كان هو وأمثاله ممن أتى بعد السكاكي من علماء العجم أضعف منه ذوقا أدبيا، وسليقة عربية؛ فمضوا في الطريقة التقريرية إلى أن وصلوا إلى نهايتها في البعد عن الذوق الأدبي، ثم أخذوا ينشرونها هنا وهناك إلى أن غزت علماء العرب، وغزت جميع العلوم من عربية, إلى دينية، إلى غيرها من العلوم. وصارت عنايتها بتقرير عبارات المتون أكثر من عنايتها بتقرير مسائل العلوم.
ثم تَهَافتَ المتأخرون من علماء البلاغة على شرحَيْ سعد الدين علي التلخيص، يضعون عليهما الحاشية بعد الحاشية، ويضعون على الحاشية التقرير بعد التقرير، وشُغف المدرسون بتلك الكتب في الجامع الأزهر وغيره من الجامعات الإسلامية في الأقطار المختلفة، يتعمقون في درسها إلى أقصى حدود التعمق، وينتقلون في درسها من المتن إلى الحاشية إلى التقرير، في استقصاء غريب، وتفنُّن في الفهم والبحث. ولو أن كل هذا في صميم مسائل البلاغة لهان الخَطْب، ولكن أكثره
(1/6)

في بحوث خارجة عن المسائل، وفي أسلوب ركيك يُفْسِد ملكة البلاغة؛ فإذا كانت فيه فائدة قليلة؛ فإنها تضيع في هذا الخِضَمّ الذي لا فائدة فيه.
وقد تأبَّى كتاب "الإيضاح" وطريقته السابقة على المتأخرين من علماء البلاغة؛ فلم يضعوا عليه من الشروح والحواشي والتقارير مثل ما وضعوا على كتاب التلخيص اللهم إلا شرحا ضعيفا للأقسرائي لا يزال مخطوطا بدار الكتب المصرية، ومن الخير أن يبقى مخطوطا فيها؛ لأنه يذهب مذهب غيره في الطريقة التقريرية، وينأى عن طريقة كتاب الإيضاح السابقة؛ فيكون ضرره فيها أكثر من نفعه.
ولما كان كتاب "التلخيص" كالأصل لكتاب "الإيضاح"؛ كان هذا مما يدعو قارئه إلى أن يرجع في كثير من مسائله إلى ما وُضع على كتاب التلخيص من شروح وحواشٍ وتقارير؛ فإذا رجع إليها غرق في ذلك الخضم من البحوث التي لا طائل تحتها، وضاع به ما يكتسبه من كتاب الإيضاح من ذوق أدبي؛ لأن تلك الشروح والحواشي والتقارير تغطي عليه.
فرأيت أن أنأى بقارئ كتاب الإيضاح عن تلك الشروح والحواشي والتقارير؛ بوضع تعليقات عليه تشتمل على ما يأتي:
1- اختيار ما تلزم إضافته إليه مما هو من صميم مسائل البلاغة من تلك الشروح والحواشي والتقارير. واختيار هذا من ذلك الخضم من المماحكات اللفظية ليس بالأمر السهل؛ لأنه يحتاج إلى فهم صحيح لها، وإلى ذوق أدبي يميز الصالح للاختيار من غيره.
2- شرح الشواهد النظمية شرحا موجزا ينسبها إلى قائليها، ويفسر غريبها, ويبين ما فيها من فوائد بلاغية، وموضع الشاهد فيها. ويعلم الله كم تعبت في ذلك كله، ولا سيما في نسبتها إلى قائليها.
3- وضع عناوين في كل باب من أبوابه لموضوعاته المختلفة؛ ليسهل الرجوع
(1/7)

إليها، ووضع تمرينات آخر كل موضوع منها للاختبار فيها، ولفت طالب علوم البلاغة إلى أهم ناحية فيها.
4- نقد ما يجب نقده من مسائله, ولا سيما المسائل التي ينقلها الخطيب عن السكاكي. وفيها من التكلفات والتعقيدات ما ينأى عن ذوق الأدب والبلاغة.
5- صياغة التعليقات في أسلوب لا يكون فيه تعقيد ولا تطويل ممل، ولا إيجاز مخل؛ حتى تكون ملائمة لذوق موضوعها من علوم البلاغة.
وقد سميت ما وضعته من هذه التعليقات:
"بُغْيَة الإيضاح لتلخيص المفتاح".
والله أسأل النفع بها، وأن تكون خطوة في هذه العلوم لما بعدها.
عبد المتعال الصعيدي
(1/8)

بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة:
الجزء الأول: من أول الإيضاح حتى القصر في علم المعاني
خطبة الإيضاح "مقدمة الخطيب القزويني":
قال الشيخ الإمام العالم العلامة, خطيب الخطباء مفتي المسلمين, جلال الدين أبو عبد الله محمد، ابن قاضي القضاة سعد الدين أبي محمد عبد الرحمن، ابن إمام الدين أبي حفص عمر، القزويني، الشافعي، متّع الله المسلمين بمُحَيَّاه، وأحسن عُقْبَاه: الحمد لله رب العالمين, وصلاته على محمد وعلى آل محمد أجمعين.
أما بعد:
فهذا كتاب في علم البلاغة وتوابعها، ترجمته بـ "الإيضاح"، وجعلته على ترتيب مختصري الذي سميته "تلخيص المفتاح"، وبسطت فيه القول ليكون كالشرح له، فأوضحت مواضعه المشكلة، وفصلت معانيه المجملة، وعمدت إلى ما خلا عنه المختصر مما تضمنه "مفتاح العلوم"، وإلى ما خلا عنه "المفتاح" من كلام الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني -رحمه الله- في كتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة"، وإلى ما تيسر النظر فيه من كلام غيرهما؛ فاستخرجت زبدة ذلك كله، وهذبتها ورتبتها، حتى استقر كل شيء منها في محله، وأضفت إلى ذلك ما أدى إليه فكري، ولم أجده لغيري؛ فجاء بحمد الله جامعا لأشتات هذا العلم، وإليه أرغب في أن يجعله نافعا لمن نظر فيه من أولي الفهم, وهو حسبي ونعم الوكيل.
(1/9)

مقدمة: في الكشف عن معنى الفصاحة والبلاغة، وانحصار علم البلاغة في علمي المعاني والبيان 1
الخلاف في تفسير الفصاحة والبلاغة:
للناس في تفسير الفصاحة والبلاغة أقوال مختلفة2، لم أجد -فيما بلغني منها-
__________
1 إنما حصر علم البلاغة في علمي المعاني والبيان؛ لأن علم البديع يبحث في المحسنات التي تكون بعد رعاية وجوه البلاغة والفصاحة في الكلام. وقدم الكشف عن معنى الفصاحة والبلاغة على بيان انحصار علم البلاغة في هذه العلوم؛ لأن معرفة انحصاره فيها تتوقف على الكشف عن معنى الفصاحة والبلاغة، وبهذا كان صنيعه أحسن من السكاكي؛ لأنه ذكر الكلام على الفصاحة والبلاغة في آخر علم البيان.
2 منها قول أكثم بن صيفي: "البلاغة: الإيجاز", وقول أرسطو: "البلاغة: حسن الاستعارة", وقول ابن المقفَّع: "البلاغة: قلة الحصَر، والجراءة على البشَر", وقول بعضهم: "البلاغة: تصوير الحق في صورة الباطل، وتصوير الباطل في صورة الحق".
فالأول كقول محمد بن عبد الملك الزيات: "الرحمة: خَوَر في الطبيعة، وضعف في المُنَّة".
والثاني كقول الحارث بن حلزة "مجزوء الكامل":
عيشي بجد لا يضر ... ك النوك ما لاقيت جدا
والعيش خير في ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا
وأقوال المتقدمين كثيرة في البلاغة, والظاهر أن جمهورهم لم يكن يفرق بينها وبين الفصاحة، وقد نُقل عن أفلاطون أن: "الفصاحة لا تكون إلا لموجود، والبلاغة تكون لموجود ومفروض". ولعله يعني بالموجود اللفظ، وبالمفروض المعنى. وقال العاصي بن عدي: "الشجاعة قلب ركين، والفصاحة لسان رزين". وهو يعني باللسان اللفظ، وبالرزين ما فيه فخامة وجزالة. وقال بعضهم: الفصاحة تمام آلة البيان، وهي عنده مقصورة على اللفظ أيضا؛ لأن الآلة -وهي اللسان- تتعلق باللفظ دون المعنى.
(1/10)

ما يصلح لتعريفهما به1، ولا ما يشير إلى الفرق بين كون الموصوف بهما الكلام وكون الموصوف بهما المتكلِّم؛ فالأولى أن نقتصر على تلخيص القول فيهما بالاعتبارين؛ فنقول:
كل واحدة منهما تقع صفة لمعنيين: أحدهما: الكلام، كما في قولك: "قصيدة فصيحة أو بليغة، ورسالة فصيحة أو بليغة"، والثاني: المتكلم2كما في قولك: "شاعر بليغ أو فصيح، وكاتب فصيح أو بليغ".
والفصاحة خاصة تقع صفة للمفرد؛ فيقال: "كلمة فصيحة"، ولا يقال: "كلمة بليغة".
فصاحة المفرد:
أما فصاحة المفرد: فهي خلوصه من تنافر الحروف، والغرابة، ومخالفة القياس اللغوي.
__________
1 لأن هذه الأقوال يقصد منها ذكر أوصاف البلاغة والفصاحة، ولا يقصد منها حقيقة الحد والرسم، وقد قصد بعض العلماء بعد هذه الأقوال إلى حقيقة الحد والرسم، فقاربوا ولم يصلوا إليهما، ومنهم أبو هلال العسكري في "الصناعتين"؛ فعرّف البلاغة بأنها: "كل ما تُبْلِغ به المعنى قلب السامع لتمكنه في نفسه لتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة, ومعرض حَسَن". وذكر أنه اختُلف في الفصاحة؛ فقيل: إنها مأخوذة من قولهم: أفصح عما في لسانه إذا أظهره؛ وعلى هذا ترادف البلاغة. وقيل: إنها تمام آلة البيان؛ فلا يكونان مترادفين؛ لأن الفصاحة تكون حينئذ مقصورة على اللفظ، وكذلك كان السكاكي في "المفتاح" كما سيأتي في كلامه عليهما.
2 يرى أبو هلال العسكري أن البلاغة من صفة الكلام لا المتكلم؛ ولهذا لا يجوز أن يسمى الله تعالى بليغا؛ إذ لا يجوز أن يوصف بصفة كان موضوعها الكلام، وأما تسمية المتكلم بليغا فتوسع، وحقيقته أن كلامه بليغ، ثم كثر استعمال ذلك حتى صار كالحقيقة, ويرى أيضا أنه لا يجوز أن يسمى فصيحا؛ لأن الفصاحة تتضمن معنى الآلة وهي اللسان. هذا، وقد اعتمد الخطيب في ذلك التقسيم على ما جاء في "حسن التوسل" لأبي الثناء الحلبي، وكذلك اعتمد عليه في كثير من الموضوعات الآتية في العلوم الثلاثة.
(1/11)

فالتنافر منه ما تكون الكلمة بسببه متناهية في الثقَل على اللسان وعسر النطق بها1؛ كما روي أن أعرابيا سئل عن ناقته فقال: "تركتها ترعى الهُعْخُع"2، ومنه ما هو دون ذلك؛ كلفظ "مستشزر" في قول امرئ القيس:
غدائره مُسْتَشْزِراتٌ إلى العلا3
__________
1 ذكر ابن الأثير أن المعول في ذلك على الذوق الصحيح، فما يعده ثقيلا عسر النطق فهو متنافر، سواء أكان ذلك من قرب مخارج الحروف أم من بعدها أم من غيرهما، وذكر ابن سنان الخفاجي أن قرب المخارج يكون سببا في قبح اللفظ، وبعدها يكون سببا في حسنه، وذلك غير صحيح؛ لأن الكلمتين قد تتركبان من حروف واحدة وتكون إحداهما ثقيلة دون الأخرى، وذلك مثل "عَلَم ومَلَع"؛ فالأولى خفيفة على اللسان ولا ينبو عنها الذوق، بخلاف الثانية، مع اتحاد حروفهما. وقد تتألف الكلمة من حروف متقاربة ولا ثقل فيها مثل: "ذقته بفمي" فالباء والفاء والميم أحرف شفوية متقاربة ولا ثقل فيها، ولكن مع هذا لا يمكن إنكار ما لمخارج الحروف وصفاتها وهيئة تأليفها من الأثر في خفة الكلمة وثقلها، وإنما عُوِّل على الذوق دونه؛ لأنه لا يجري على قاعدة معروفة، وقد زعم الزوزني أن في قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ} [يس: 60] ثقلا قريبا من التناهي؛ لقرب مخرج الهمزة والعين والهاء, مع أن الكلمة خفيفة في الذوق، وهي سقطة من الزوزني.
2 قيل: إنه اسم شجر، وقيل: إنه معاياة لا أصل لها. ومثله كل كلمة يُجمع فيها بين العين والحاء أو بين العين والخاء أو بين الجيم والصاد أو بين الجيم والقاف أو بين الدال والزاي ونحو ذلك، مثل: عِقْجُق والظش والشصاصاء ونحوها.
3 هو من قول حُندج بن حجر الكندي, المعروف بامرئ القيس في معلقته "من الطويل":
وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل
غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل المداري في مثنى ومرسل
وفرع المرأة: شعرها، والمتن: الظهر، والأثيث: الكثير الشعر، والقنو: العنقود، والمتعثكل: المتراكم, والغدائر: الذوائب، والمستشزرات: المرتفعات، والمداري: الأمشاط جمع: مِدْرَى، والمثنى: المفتول، والمرسل: غير المفتول. وسبب ثقل "مستشزر" توسط الشين المهموسة الرخوة بين التاء المهموسة الشديدة والزاي المجهورة.
ومثل مستشزرات "اطْلَخَمّ" في قول أبي تمام "من البسيط":
قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت ... عشواء تالية غبسا دهاريسا
وكذلك "سُوَيْدَواتها" في قول المتنبي "من الكامل":
إن الكريم بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويدواتها
وقد نشأ ثقلها من طولها، وهي مفردة أيضا؛ لأنها مركب إضافي.
(1/12)

والغرابة: أن تكون الكلمة وحشية لا يظهر معناها1؛ فيُحتاج في معرفته إلى أن يُنَقَّب عنها في كتب اللغة المبسوطة؛ كما روي عن عيسى بن عمر النحوي أنه سقط عن حمار، فاجتمع عليه الناس، فقال: "ما لكم تكأكَأْتُم علي تَكَأْكُؤكم على ذي جنة؟! افْرَنْقِعوا عني" أي: اجتمعتم، تنحوا.
أو يُخَرَّج لها وجه بعيد2 كما في قول العجاج:
__________
1 عدم ظهور المعنى ينشأ عن وحشية الكلمة. ومعنى وحشيتها: كونها غير مأنوسة الاستعمال عند العرب الخلص؛ فلا يعول في ذلك على غيرهم من المحدَثين الذين ظهروا بعد فساد اللغة، ولا يرد على هذا متشابه القرآن ومجمله؛ لأن المراد عدم ظهور المعنى الموضوع له، والمعنى الوضعي في المتشابه والمجمل ظاهر لا خفاء فيه، وإنما الخفاء في مراد الله تعالى منهما.
ومن المتشابه في القرآن قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] ، ومنه في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا". ومنه في الشعر قول أبي تمام "من الكامل":
ولهت فأظلم كل شيء دونها ... وأضاء منها كل شيء مظلم
فالوَله والظلمة والإضاءة ألفاظ ظاهرة المعنى، ولكن البيت بجملته يحتاج فهمه إلى استنباط، ومراده: أنها ولهت فأظلم ما بينه وبينها من جزعه لولهها، وظهر له ما خفي عنه من حبها له.
وإني أرى أن الغرابة وحدها لا تخل بفصاحة الكلمة، وقد بينت هذا في كتابي "البلاغة العالية"، وكذلك أرى أن ابتذالها لا يعيبها ما دامت معاني الكلام جيدة، وهو اما اختاره ابن شرف القيرواني، وعليه بعض نقاد الإنجليز الذين يرون أن الابتذال يكون في الفكرة لا في الكلمة.
2 إنما يُلجَأ عندهم إلى تخريجها على وجه بعيد إذا وقعت من عربي عارف باللغة؛ لأنه لا يصح حمل كلامه على الخطأ، والحق أن العربي قد يخطئ في لغته، وأن الحمل على الخطأ خير من تكلف ذلك التخريج البعيد.
(1/13)

وفاحما ومَرْسِنا مُسَرَّجا1
فإنه لم يعرف ما أراد بقوله: "مسرجا"؛ حتى اختُلف في تخريجه2؛ فقيل: هو من قولهم للسيوف سُرَيجية: منسوبة إلى قَيْن يقال له: سريج, يريد أنه في الاستواء والدقة كالسيف السريجي. وقيل: من السراج، يريد أنه في البريق كالسراج. وهذا يقرب3
__________
1 هو لعبد الله بن رؤبة التميمي السعدي, المعروف بالعجاج من قوله "من الرجز":
أيام أبدت واضحا مفلجا ... أغر براقا وطرفا أبرجا
ومقلة وحاجبا مزججا ... وفاحما ومرسنا مسرجا
والفاحم: الشعر الشديد السواد، والمرسن: اسم لمحل الرسن وهو أنف البعير، ثم أُطلق وأريد به الأنف مطلقا على سبيل المجاز المرسل.
وقيل: إن الشاهد لرؤبة بن العجاج.
2 سبب اختلافهم أن "مسرجا" اسم مفعول من سرّج, وصيغة فعّل تأتي للنسبة إلى مصدرها، كما تقول: "كرّمته" بمعنى نسبته إلى الكرم، ولما كان هذا غير ممكن في "سرّج" تكلفوا له أصلا ينسب إليه؛ وهو السيوف السريجية أو السراج. وهذا إلى أن "مسرجا" في قول العجاج بمعنى شبيه بالسراج أو السيوف السريجية، وهو في أصل وضعه يدل على النسبة إلى أصله، ولا يستفاد منه التشبيه إلا بتكلف.
والحق أن أخذه من السراج لا غرابة فيه من جهة الاشتقاق والتشبيه؛ لأن الاشتقاق من الاسم الجامد قد جاء في كلام العرب, كما في قول ابن المفرع "من الخفيف":
وبرود مدنرات وقز ... وملاء من أعتق الكتان
فالمعنى في ذلك التشبيه, أي: برود وشيها.
3 إنما كان قول العجاج قريبا من هذا الاستعمال ولم يكن منه؛ لأنه كما جاء في "التاج" استعمال غريب أو مولَّد، والعجاج شاعر إسلامي، فلا يقال في كلمته: إنها مولَّدة.
والحق أن هذا الاستعمال من الغريب لا المولَّد؛ لأن العجاج شاعر إسلامي، ولكن غرابته لا تكون من غرابة التخريج على وجه بعيد، وإنما هي من القسم الأول.
ومن الكلمات الغريبة "الحلقَّدُ" بمعنى السيئ الخُلُق, و"الابتِشَاك" بمعنى الكذب, كما في قول الشاعر "من الوافر":
وما أرضى لمقلته بحلم ... إذا انتبهت توهمه ابتشاكا
(1/14)

من قولهم: "سَرِج وجهه" بكسر الراء, أي: حَسُنَ، وسَرَّج الله وجهه, أي: بهّجه وحسّنه.
ومخالفة القياس1 كما في قول الشاعر "من الرجز":
الحمد لله العلي الأجْلَلِ2
فإن القياس: "الأجَلّ" بالإدغام.
وقيل: هي خلوصه مما ذُكر، ومن الكراهة في السمع: بأن تُمَجّ الكلمة ويُتبرأ من
__________
1 المراد به القياس اللغوي كما سبق، ومخالفته بأن تكون الكلمة على خلاف ما ثبت عن الواضع، وقد حمله بعضهم على القياس الصرفي، وهو خطأ؛ لأن مخالفة القياس الصرفي لا تخل دائما بالفصاحة؛ إذ توجد كلمات كثيرة فصيحة على خلافه, وذلك مثل: آل وماء ويأبى وعَوِرَ يَعْوَرُ. هذا, ويدخل في مخالفة القياس اللغوي ككل ما تنكره اللغة لمأخذ لغوي أو صرفي أو غيرهما. وذلك كالمقراض في قول أبي الشيص "الكامل":
وجناح مقصوص تحيف ريشه ... ريب الزمان تحيف المِقْراض
لأنه لم يسمع في كلامهم إلا مثنى، خلافا لسيبويه. وكالأيِّم في قول أبي عبادة "من الطويل":
يشق عليه الريح كل عشية ... جيوب الغمام بين بكر وأيم
لأنه وضعها مكان الثيب، مع أن الأيم هي التي لا زوج لها ولو كانت بكرا.
وكحذف النون من "لكنْ" في قول النجاشي "من الطويل":
فلست بآتيه ولا أستطيعه ... وَلَاكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
أراد: "ولكن اسقني".
2 هو لأبي النجم الفضل بن قدامة من قوله في مطلع أرجوزته "من الرجز":
الحمد لله العلي الأجلل ... الواهب الفضل الكريم المجزل
والذي ألجأه إلى فك الإدغام ضرورة الشعر، ولكن ذلك لا يمنع الإخلال بالفصاحة؛ لأن من الضرورات الشعرية ما هو مستقبح، وقد روي مطلعها:
الحمد لله الوهوب المجزل ... أعطى فلم يَبخل ولم يُبَخَّل
فلا يكون فيه شاهد لمخالفة القياس، ومنه قول الشاعر "البسيط":
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضَنِنُوا
(1/15)

سماعها كما يُتبرأ من سماع الأصوات المنكرة؛ فإن اللفظ من قبيل الأصوات، والأصوات منها ما تستلذّ النفس سماعه، ومنها ما تكره سماعه.
كلفظ "الجِرِشَّى" في قول أبي الطيب "المتقارب":
كريم الجرشى شريف النسب1 ... أي: كريم النفس, وفيه نظر2.
ثم علامة كون الكلمة فصيحة أن يكون استعمال العرب الموثوق بعربيتهم لها كثيرا3، أو أكثر من استعمالهم ما بمعناها4.
فصاحة الكلام:
وأما فصاحة الكلام: فهي خلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات، والتعقيد، مع فصاحتها5.
__________
1 هو لأحمد بن الحسين الجعفي الكندي, المعروف بأبي الطيب المتنبي، من قوله في مدح سيف الدولة "من المتقارب":
مبارك الاسم أغر اللقب ... كريم الجرشى شريف النسب
وقد أخذ الدسوقي في "حاشيته على المختصر" من قوله: "شريف النسب" أن سيف الدولة من بني العباس، وهو خطأ ظاهر؛ لأن سيف الدولة من تَغْلِب.
2 وجه النظر أن الكراهة في السمع لا تكون إلا من تنافر حروف الكلمة أو غرابتها، فليست شيئا آخر غيرهما، و"الجرشى" في بيت المتنبي تدخل في الغرابة.
3 هذا إذا لم يكن لها مرادف.
4 هذا إذا كان لها مرادف، ولكن هذا يقتضي نفي الفصاحة عن مرادفها، مع أن مراتب الفصاحة متفاوتة، فلا مانع من أن يكون كل منهما فصيحا ولو كان أحدهما أكثر استعمالا، فالأولى الاقتصار على الشق الأول من هذه العلامة.
5 أي: مع فصاحة الكلمات؛ لأن فصاحة الكلمة شرط من فصاحة الكلام، فلو خلا من الثلاثة واشتمل على كلمة غير فصيحة لم يكن فصيحا، وذلك كقول أبي الطيب "المتقارب":
مبارك الاسم أغر اللقب ... كريم الجرشى شريف النسب
(1/16)

فالضعف1: كما في قولنا: "ضرب غلامُه زيدًا"؛ فإن رجوع الضمير إلى المفعول المتأخر لفظا ممتنع عند الجمهور؛ لئلا يلزم رجوعه إلى ما هو متأخر لفظا ورتبة، وقيل: يجوز2؛ كقول الشاعر "من الطويل":
جزى ربُّهُ عني عديَّ بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات، وقد فعل3
وأجيب عنه بأن الضمير لمصدر "جزى" أي: رب الجزاء؛ كما في قوله تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} 4 [المائدة: 8] أي: العدل.
والتنافر: منه ما تكون الكلمات بسببه متناهية في الثقل على اللسان، وعسر النطق بها متتابعة؛ كما في البيت الذي أنشده الجاحظ "من الرجز":
__________
1 ضعف التأليف: هو أن يكون تأليف الكلام على خلاف المشهور من قواعد النحو، وإنما قيد الخلاف بالمشهور من القواعد؛ لأن خلاف المجمع عليها خطأ لا ضعف تأليف.
2 هذا مقابل قوله: "ممتنع عند الجمهور" فهو قول بعض النحاة أيضا، وليس قولا لبعض علماء البلاغة؛ لأنهم متفقون على أن ذلك ضعف تأليف.
3 نسبوه لزياد بن معاوية "المعروف بالنابغة الذبياني"، وقيل: إنه لأبي الأسود الدؤلي, وقيل: إنه مولد مصنوع. وجزاء الكلاب: الضرب بالحجارة، وجملة "جزى ربه" دعائية، يعني: أنه يدعو عليه بذلك، وقد حقق الله دعاءه، ولا يخفى ما في هذا من عدم التلاؤم، والأولى أن يعود ضمير "فعل" إلى "عدي"، والمراد ما فعله معه من الإساءة إليه، والحق أن هذا البيت ليس للنابغة، وإنما هو اشتباه بقوله:
جزى الله عبسا عبس آل بغيض ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
4 وهذا قياس مع الفارق؛ لأن الضمير في الآية ظاهر العود إلى "العدل"، أما البيت فضميره ظاهر العود إلى "عدي"، ولا داعي إلى تكلف عوده إلى الجزاء.
ومن ضعف التأليف وقوع ضمير الوصل بعد "إلا" في قول الشاعر "البسيط":
وما علينا إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاورنا إلاك ديار
ومنه حذف "أن" مع بقاء عملها، كقول طرفة "الطويل":
ألا أيهذا الزاجري أَحْضَرَ الوغى ... وأَنْ أشهدَ اللذات هل أنت مخلدي؟!
(1/17)

وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر1
ومنه ما دون ذلك، كما في قول أبي تمام "من الطويل":
كريم، متى أمدحْه أمدحْه والوَرَى ... معي وإذا ما لُمته لُمته وحدي2
فإن في قوله: "أمدحه" ثقلا ما؛ لما بين الحاء والهاء من التنافر3.
والتعقيد: أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد به4, وله سببان:
أحدهما ما يرجع إلى اللفظ؛ وهو أن يختلّ نظم الكلام5، ولا يدري السامع
__________
1 هو فيما زعموا لبعض الجن، وكان قد صاح على حرب بن أمية في فلاة، فمات بها، والقفر: الخالي، وهو مرفوع صفة لمكان على القطع، أو خبر المبتدأ وهو قبر، والمعنى: أنه مع مكانه قفر، وفي هذا الوجه تكلف.
2 هو لحبيب بن أوس الطائي المعروف بـ "أبي تمام", يمدح به موسى بن إبراهيم الرافقي، والورى: الخلق، ولا يخفى نبوّ الشطر الثاني عن المدح ولا سيما مع "إذا" المفيدة للتحقق، وأُخذ عليه أيضا مقابلة المدح باللوم لا الهجاء، ولعله أراد أن ينزهه عنه.
3 الحق أنه لا تنافر في ذلك؛ لأنه ثقل محتمل، وقد جاء في قوله تعالى: {فَسَبِّحْهُ} [ق: 40] .
وقيل: إن الذي أوجب التنافر في البيت هو التكرير في قوله: "أمدحه" مع الجمع بين الحاء والهاء، ومع هذا لا يقال: إن هذا التعليل يُقبَل لو كان يتحدث عن تنافر الحروف، ولكنه يُقبَل بصدد الحديث عن تنافر الكلمات.
ومن تنافر الكلمات قول الشاعر "من السريع":
وازوَرّ من كان له زائرا ... وعافَ عافي العرف عرفانه
4 أي: لا الموضوع له كما في الغرابة، ولا يدخل في التعقيد المتشابه والمجمل؛ لأن عدم ظهور المراد فيهما ليس لاختلال النظم أو نحوه مما يأتي. وقد اختُلف في دخول اللغز والمعمَّى في التعقيد، فقيل: إنهما منه، وقيل: إنهما من المحسِّنات البديعية إن كانت الدلالة فيهما ظاهرة للفَطِن، وكل منهما قول يدل ظاهره على خلاف المراد، ولكن اللغز يكون على طريق السؤال؛ كقول الحريري في المِيل "ما يُجعل به الكحل في العين" "من الطويل":
وما ناكح أختين سرا وجهرة ... وليس عليه في النكاح سبيل؟
5 قد يكون اختلاله باجتماع أمور فيه توجب صعوبة الوصول إلى معناه، وإن كانت جائزة يريد أنه لم يكن كثاني اثنين، وقيل: إن "ثانيه" خبر ثانٍ لصار، و"ثان" اسم "يكن"، و"كاثنين" خبره، والأولى جعل "ثانيه" خبرا لمبتدأ محذوف تقديره هو.
(1/18)

كيف يتوصل منه إلى معناه؛ كقول الفرزدق "من الطويل":
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه1
كان حقه أن يقول: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه؛ فإنه مدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك بن مروان فقال: "وما مثله" يعني: إبراهيم الممدوح، "في الناس حي يقاربه"2 أي: أحد يشبهه في الفضائل، إلا "مملكا" يعني هشاما، "أبو أمه" أي: أبو أم هشام، "أبوه" أي: أبو الممدوح، فالضمير في "أمه" للمملك، وفي "أبوه" للممدوح؛ ففصل بين "أبو أمه" وهو مبتدأ و"أبوه" وهو خبره بـ "حي" وهو أجنبي، وكذا فصل بين "حي" و"يقاربه" وهو نعت "حي" بـ "أبوه" وهو أجنبي، وقدم المستثنى على المستثنى منه، فهو كما تراه في غاية التعقيد3.
__________
= في النحو, وهذه الأمور كالتقديم والتأخير والحذف والإضمار ونحو ذلك، وبهذا يكون التعقيد اللفظي غير ضعف التأليف، ولكنهما قد يجتمعان في مثال واحد، كما في بيت الفرزدق، وينفرد ضعف التأليف في مثل: "ضرب غلامه زيدا"، وينفرد التعقيد في مثل: "إلا عمرًا الناسَ ضاربُ زيد" بتقديم المفعول والمستثنى وتأخير المبتدأ، وهذا جائز في النحو، والأصل: "زيد ضارب الناس إلا عمرًا".
1 هو لهمّام بن غالب التميمي المعروف بالفرزدق، وقيل: إن البيت ليس له.
2 فـ "يقاربه" في البيت بمعنى: يضاهيه ويشبهه، ويجوز أن يكون من قُرب النسب.
3 حمله بعضهم على وجه لا تعقيد فيه، فجعل الاستثناء من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور قبله، وجعل قوله: "حي" خبرا لقوله: "أبو أمه"، وكذلك قوله: "أبوه" فهو خبر بعد خبر، وجملة ذلك صفة لقوله: "مملكا"، وكذلك جملة "يقاربه" فهي صفة بعد صفة، ويكون المعنى: "إلا مملكا يقاربه أبو أمه حي"، وهو أبو الممدوح، ولا يخفى ما في الإخبار بحي من التهافت.
ومن التعقيد اللفظي قول أبي تمام "من الكامل":
ولقد ثنى الأحشاء من برحائها ... أن صار بابك جار ما زيار
ثانيه في كبد السماء ولم يكن ... كاثنين ثان إذ هما في الغار =
(1/19)

فالكلام الخالي من التعقيد اللفظي: ما سلم نظمه من الخلل؛ فلم يكن فيه ما يخالف الأصل -من تقديم أو تأخير أو إضمار أو غير ذلك- إلا وقد قامت عليه قرينة ظاهرة -لفظية أو معنوية- كما سيأتي تفصيل ذلك كله, وأمثلته اللائقة به.
والثاني ما يرجع إلى المعنى, وهو ألا يكون انتقال الذهن من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي هو لازمه والمراد به ظاهرا1؛ كقول العباس بن الأحنف "من الطويل":
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عينايَ الدموع لتجمدا2
كنى بسكب الدموع عما يوجبه الفراق من الحزن3، وأصاب؛ لأن من شأن البكاء أن يكون كناية عنه؛ كقولهم: "أبكاني وأضحكني" أي: ساءني وسرني، وكما قال الحماسي "من السريع":
أبكاني الدهر ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضي4
ثم طرد ذلك في نقيضه، فأراد أن يكني عما يوجبه دوام التلاقي من السرور بالجمود؛ لظنه أن الجمود خلو العين من البكاء مطلقا من غير اعتبار شيء آخر، وأخطأ5؛ لأن الجمود خلو العين من البكاء في حال إرادة البكاء منها؛ فلا يكون
__________
1 المعنى الأول: هو المعنى الأصلي، والمعنى الذي هو لازمه: هو المعنى المجازي أو الكنائي.
2 قوله: "وتسكب" بالرفع، ونصبه بالعطف على "بعد" أو على "تقربوا" وهم، والحق أنه لا شيء في عطفه على "تقربوا"، والسين في قوله: "سأطلب" لمجرد التأكيد، ومعنى الشطر الأول: أنه يفارقه رجاء أن يغنم في سفره, فيعود إليه فيطول اجتماعه به.
3 قيل: إنه لا حاجة إلى الكناية بسكب الدموع عن هذا؛ لأنه يجوز أن يراد به حقيقة.
4 هو لحطان بن المعلى من شعراء الحماسة، وقد كنى فيه بإبكاء الدهر له عن إساءته، وبإضحاكه له عن سروره.
5 أي: في نظر علماء البيان، وإن كان لكلامه وجه من الصحة بأن يكون استعمل جمود العين -وهو يبسها- في خلوها من الدموع وقت الحزن, مجازا مرسلا علاقته الملزومية، ثم استعمله في خلوها من الدموع مطلقا مجازا مرسلا من استعمال المقيد في المطلق، ثم كنى به عن دوام السرور، وفي ذلك من البعد والتعقيد بكثرة الوسائط ما يجعله خطأ في نظر علماء البيان.
(1/20)

كناية عن المسرة؛ وإنما يكون كناية عن البخل، كما قال الشاعر "من الطويل":
ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود1
ولو كان الجمود يصلح أن يراد به عدم البكاء في حال المسرة لجاز أن يدعى به للرجل؛ فيقال: "لا زالت عينك جامدة"، كما يقال: "لا أبكى الله عينك" وذلك مما لا يُشك في بطلانه. ومن ذلك قول أهل اللغة: "سنة جماد لا مطر فيها، وناقة جماد لا لبن لها"؛ فكما لا تجعل السنة والناقة جمادا إلا على معنى أن السنة بخيلة بالقطر والناقة لا تسخو بالدر، لا تجعل العين جَمُودا إلا وهناك ما يقتضي إرادة البكاء منها، وما يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة بأنها قد جادت، وإذا لم تبك مسيئة موصوفة بأنها قد ضنّت.
فالكلام الخالي عن التعقيد المعنوي: ما كان الانتقال من معناه الأول إلى معناه الثاني -الذي هو المراد به- ظاهرا، حتى يخيل إلى السامع أنه فهمه من حاقّ
__________
1 هو لأفلح بن يسار، وقيل: مرزوق بن يسار المعروف بأبي عطاء الخراساني في رثاء ابن هبيرة، وبعده:
عشية قام النائحات وشققت ... جيوب بأيدي مأتم وخدود
وواسط: مدينة بالعراق بناها الحجاج بن يوسف، وقد قُتل ابن هبيرة في معركة وقعت فيها، وقد كنى فيه بجمود العين عن بخلها الدمع في الوقت الذي يجب فيه أن تدمع.
ومن التعقيد المعنوي قول أبي تمام "من الطويل":
من الهيف لو أن الخلاخل صُيِّرت ... لها وُشُحا جالت عليها الخلاخل
أراد وصفها بدقة الخصر، فكنى عنه بأن الخلاخل لو جُعلت لها وشحا لجالت عليها، وهذا لا يدل على مراده، بل يدل على بلوغها غاية القِصَر؛ لأنه أمكن أن تكون الخلاخل وشحا لها، والوشاح يضرب لها من العاتق إلى الكشح.
(1/21)

اللفظ1 كما سيأتي من الأمثلة المختارة للاستعارة والكناية.
"تعريف آخر للفصاحة": وقيل: فصاحة الكلام هي خلوصه مما ذُكِر، ومن كثرة التكرار وتتابع الإضافات؛ كما في قول أبي الطيب:
سَبُوح لها منها عليها شواهد2
وفي قول ابن بابَكَ:
حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي3
وفيه نظر؛ لأن ذلك إن أفضى باللفظ إلى الثقل على اللسان، فقد حصل الاحتراز عنه بما تقدم4, وإلا فلا تخل5 بالفصاحة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: $"الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"6.
__________
1 حاق الشيء: وسطه.
2 هو لأحمد بن الحسين, المعروف بأبي الطيب المتنبي في وصف فرسه "من الكامل":
وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد
والغمرة: الشدة، والسبوح: السريعة، والشواهد: العلامات، وهو فاعل قوله: "لها"؛ لاعتماده على الموصوف قبله أو مبتدأ مؤخر، والشاهد في كثرة الضمائر وتكرارها.
3 هو لعبد الصمد بن منصور البغدادي, المعروف بابن بابك من قوله "من الطويل":
حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع
الجرعاء: مؤنث الأجرع, وهو المكان ذو الرمل لا يُنبت شيئا، وحومة الشيء: معظمه، والجندل: الحجارة، ومرأى ومسمع: اسما مكان أي: بمكان تراك منه سعاد وتسمعك. والشاهد في إضافة حمامة إلى جرعا، وجرعا إلى حومة، وحومة إلى الجندل.
4 يعني: بالتنافر.
5 أي: كثرة التكرار, وتتابع الإضافات.
6 في الحديث كثرة تكرار وهي ظاهرة، وفيه تتابع إضافات؛ لأن الإضافات تشمل المتداخلة كما في قول ابن بابك، وغير المتداخلة كما في الحديث، والمتداخلة هي التي يضاف فيها الأول للثاني، والثاني للثالث. وكثرة التكرار وتتابع الإضافات فيه لم تخلّ بالفصاحة.
(1/22)

قال الشيخ عبد القاهر1: "قال الصاحب2: إياك والإضافات المتداخلة؛ فإنها لا تحسن". وذكر أنها تستعمل في الهجاء، كقول القائل "من الخفيف":
يا علي بن حمزة بن عمارهْ ... أنت -والله- ثلجة في خياره3
ثم قال الشيخ: ولا شك في ثقل ذلك في الأكثر، ولكنه إذا سلم من الاستكراه ملُح ولطُف. ومما حسُن فيه قول ابن المعتز أيضا4 "من الطويل":
وظلت تدير الراح أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح5
ومما جاء فيه حسنا جميلا, قول الخالدي يصف غلاما له "من المنسرح":
ويعرف الشعر مثل معرفتي ... وهو على أن يزيد مجتهد
وصيرفي القريض وزّان ديـ ... ـنار المعاني الدقاق منتقد6
فصاحة المتكلم:
وأما فصاحة المتكلم فهي ملكة يُقتَدَر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح؛
__________
1 دلائل الإعجاز, ص70, المطبعة العربية.
2 هو إسماعيل بن عبّاد المعروف بالصاحب؛ لصحبته ابن العميد.
3 لا يعرف قائله، وفي قوله: "ثلجة في خياره" قلب، والأصل: خياره في ثلجة، واعتُرض على الخطيب بأنه سيذكر هذا البيت في الاطراد من أنواع البديع فكيف يعيبه هنا؟! والحق أنه ليس فيه تتابع إضافات، وإنما هذا اشتباه نظر من عبد القاهر، وقد ترجم ياقوت لعلي بن حمزة في الجزء الخامس من معجم الأدباء.
4 أي: كما حسن فيما ذكره له قبل ذلك، وهو قوله "من المجتث":
يا مسكة العطار ... وخال وجه النهار
5 هو لعبد الله بن المعتز. والراح: الخمر، والجآذر: جمع جؤذر, وهو ولد البقرة الوحشية، والعتاق: جمع عتيق بمعنى كريم، وإضافة دنانير إلى الوجوه من إضافة المشبه به إلى المشبه، والشاهد في قوله: "عتاق دنانير الوجوه".
6 هما لأبي عثمان سعيد بن هاشم, المعروف بالخالدي. والصيرفي: المحتال في الأمور، والقريض: الشعر، والمنتقد في الأصل: الخبير بتمييز الدراهم، ثم أُطلق على تمييز الدراهم وغيرها، والشاهد في قوله: "وزّان دينار المعاني".
(1/23)

فالملكة قسم من مقولة الكيف التي هي هيئة قارّة لا تقتضي قسمة ولا نسبة1، وهو مختص بذوات الأنفس، راسخ في موضوعه.
وقيل: "ملكة" ولم يُقَل: "صفة"؛ ليشعر بأن الفصاحة من الهيئات الراسخة؛ حتى لا يكون المعبر عن مقصوده بلفظ فصيح فصيحا إلا إذا كانت الصفة التي اقتُدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح راسخة فيه، وقيل: "يقتدر بها" ولم يقل: يعبر بها؛ ليشمل حالتي النطق وعدمه، وقيل: "بلفظ فصيح" ليعم المفرد والمركب.
بلاغة الكلام:
وأما بلاغة الكلام فهي: مطابقته لمقتضى الحال2 مع فصاحته3.
ومقتضى الحال مختلف؛ فإن مقامات4 الكلام متفاوتة؛ فمقام التنكير يباين مقام التعريف، ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد، ومقام التقديم يباين مقام التأخير،
__________
1 خرج بهذا القيد مقولة الكم؛ كالعدد، وكذلك مقولة بالإضافة، كالأبوة، وهذا تعريف فلسفي للكيفية، وهي صفة وجودية إن اختصت بالنفس الناطقة فهي نفسانية، فإن رسخت بتوالي أمثالها فهي ملكة، وهذا التعريف أليق بعلوم البلاغة.
2 الحال: هو الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدي به أصل المراد خصوصية ما، ومقتضى الحال: هو تلك الخصوصية، ومطابقة الكلام له: بمعنى اشتماله عليه، فإذا كان المخاطب ينكر قيام زيد مثلا، فإنكاره حالٌ يدعو المتكلم إلى أن يخبره بقيامه مؤكدا: "إن زيدا قائم"، وتأكيد الخبر هو "مقتضى الحال".
3 فصاحته تكون بخلوّه من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد، على ما سبق في بيان فصاحة الكلام، وهذا قيد يخرج به كل كلام غير فصيح، فلا يكون بليغا وإن كان مطابقا لمقتضى الحال. ويجب عندي أن يزاد فيها قيد آخر, أي: مع فصاحته وأصالته؛ لأن المعنى إذا لم يكن أصيلا لم يكن بليغا، على نحو ما يأتي في السرقات الشعرية آخر الكتاب، وبهذا يكون الكلام فيها عندي من علم المعاني.
4 المقامات: جمع مقام, وهو اسم مكان من "قام"، والمراد به الحال السابق؛ وذلك أن البلغاء كانوا يلقون خطبهم وأشعارهم وهم قيام، فأُطلق المقام على الحال الداعي إليها؛ لأنه سبب فيه.
(1/24)

ومقام الذكر يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافه، ومقام الفصل يباين مقام الوصل، ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة، وكذا خطاب الذكي يباين خطاب الغبي، وكذا لكل كلمة مع صاحبتها مقام1، إلى غير ذلك، كما سيأتي تفصيل الجميع.
وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول2: بمطابقته للاعتبار المناسب، وانحطاطه: بعدم مطابقته له، فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب3.
وهذا -أعني تطبيق الكلام على مقتضى الحال- هو الذي يسميه الشيخ عبد القاهر بالنظم4؛ حيث يقول: "النظم تأخِّي5 معاني النحو6 فيما بين الكَلِم على
__________
1 هذا كالفعل الذي يقترن بالشرط، فله مع "إِنْ" مقام ليس له مع "إذا" وهكذا ...
ومن ذلك ما روي أن رجلا أنشد ابن هرمة قوله "من الكامل":
بالله ربك إن دخلت فقل لها ... هذا ابن هرمة قائما بالباب
فقال له: "ما هكذا قلت، أكنت أتصدق؟! قال: فقاعدا. قال: أكنت أبول؟! قال: فماذا؟ قال: واقفا، ليتك علمت ما بين هذين من قدر اللفظ والمعنى". ولعل ابن هرمة يعني من ذلك أن القيام يقتضي الدوام والثبوت بخلاف الوقوف، تقول: وقف الحاج بعرفة، ولا تقول: قام.
وتحقيق هذا أن الألفاظ المركبة فيها جمال وقبح كالألفاظ المفردة؛ حتى إنه قد يحدث أن يتألف الكلام من ألفاظ جميلة في ذاتها، قبيحة في تركيبها؛ لفقدها ما يسمى جمال الانسجام، وهذا هو ما يعنون بقولهم: "ولكل كلمة مع صاحبتها مقام".
2 عطف القَبُول على الحسن؛ ليدل على أن المراد الحسن الذاتي الداخل في البلاغة، لا الحسن العَرَضي الحاصل بالمحسنات البديعية.
3 أي: الأمر الذي اعتبره المتكلم مناسبا بحسب السليقة, أو بحسب ما عرفه من أساليب البلغاء.
4 دلائل الإعجاز ص55.
5 تأخيت الشيء: تحرّيته وتتبّعته.
6 يريد بمعاني النحو الخصوصيات التي هي مقتضى الحال من التقديم والتأخير وغيرهما، والأغراض في قوله: "على حسب الأغراض" هي الأحوال الداعية إليها، أو المعاني الثانوية التي يقصد من الخصوصيات إفادتها، وقيل: إن عبد القاهر لا يقف في هذا بالنحو عند وظيفته التي قصر أخيرا عليها، وهي الحكم بالصحة والخطأ في المعاني الأصلية، بل يجعل له حكما أيضا في المعاني الثانوية، ولهذا عرفه ابن جني بأنه "انتحاء كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره؛ ليلتحق من ليس من أهل العربية بأهلها من الفصاحة".
(1/25)

بحسب الأغراض التي يُصاغ لها الكلام".
فالبلاغة صفة راجعة إلى اللفظ باعتبار إفادته المعنى عند التركيب1، وكثيرا ما يسمى ذلك2 فصاحة أيضا، وهو مراد الشيخ عبد القاهر3 بما يكرره في "دلائل الإعجاز" من أن "الفصاحة صفة راجعة إلى المعنى دون اللفظ" كقوله في أثناء فصل منه: "علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ دون الألفاظ أنفسها"4. وإنما قلنا مراده ذلك؛ لأنه صرح في مواضع من "دلائل الإعجاز" بأن فضيلة الكلام للفظ لا لمعناه، منها أنه حكى قول من ذهب إلى عكس ذلك5, فقال: "فأنت تراه لا يقدم شعرا حتى يكون قد أُودع حكمة أو أدبا، أو اشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر"6 ثم قال:
__________
1 أي: لا باعتبار أنه لفظ وصوت، ولا باعتبار الألفاظ المفردة والكلم المجردة، والمراد بالمعنى الذي تعتبر به البلاغة: المعنى الثانوي، وهو مدلول الخصوصيات السابقة في علم المعاني، والمعاني المجازية والكنائية في علم البيان. أما المعنى الأصلي وهو مجرد ثبوت المسند للمسند إليه فلا تعتبر به البلاغة أصلا، وقد تطلق المعاني الثانوية على نفس الخصوصيات.
2 أي: الوصف المذكور، وهو البلاغة، وعلى هذا تكون مرادفة للفصاحة.
3 فهو يريد بالفصاحة في كلامه البلاغة؛ لأن الفصاحة بمعناها السابق ترجع في التنافر والغرابة ومخالفة القياس والتعقيد اللفظي إلى اللفظ وحده، ولا ترجع إلى المعنى إلا في التعقيد المعنوي، وكذلك يريد من رجوع الفصاحة بمعنى البلاغة إلى المعنى أنها صفة اللفظ باعتبار المعنى، ولا يريد أنها لا ترجع إلى اللفظ أصلا.
4 دلائل الإعجاز ص169.
5 عكسه هو أن فضيلة الكلام للمعنى لا للفظ.
6 دلائل الإعجاز ص164.
(1/26)

"والأمر بالضد إذا جئنا إلى الحقائق وما عليه المحصلون؛ لأنا لا نرى متقدما في علم البلاغة مبرزا في شأوها إلا وهو ينكر هذا الرأي". ثم نقل عن الجاحظ في ذلك كلاما منه قوله: "والمعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وصحة الطبع، وكثرة الماء، وجودة السبك". ثم قال1: "ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير فيه، كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار، فكما أنه محال -إذا أردت النظر في صوغ الخاتم وجودة العمل ورداءته- أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل؛ كذلك محال -إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام- أن تنظر في مجرد معناه، وكما "أننا" لو فضلنا خاتما على خاتم بأن تكون فضة هذا أجود، أو فصه أنفس؛ لم يكن ذلك تفضيلا له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتا على بيت من أجل معناه ألا يكون ذلك تفضيلا له من حيث هو شعر وكلام". هذا لفظه، وهو صريح في أن الكلام -من حيث هو كلام- لا يوصف بالفضيلة باعتبار شرف معناه، ولا شك أن الفصاحة2 من صفاته الفاضلة؛ فلا تكون راجعة إلى المعنى، وقد صرح فيما سبق بأنها راجعة إلى المعنى دون اللفظ، فالجمع بينهما بما قدمناه بحمل كلامه؛ حيث نفى أنها من صفات اللفظ، على نفي أنها من صفات المفردات من غير اعتبار التركيب3، وحيث أثبت أنها من صفاته على أنها من صفاته باعتبار إفادته المعنى عند التركيب4.
__________
1 دلائل الإعجاز ص166.
2 يريد من الفصاحة ما يرادف البلاغة, جريا على مذهب عبد القاهر.
3 أي: من غير اعتبار ما يفيده التركيب من المعاني الثانوية.
4 فالمعنى الذي أرجع الفصاحة إليه هو المعنى الثانوي باعتبار استفادته من اللفظ عند التركيب. والمعنى الذي نفى البلاغة عنه هو المعنى الأصلي للفظ المفرد والكلام المجرد عن الخصوصيات.
(1/27)

وللبلاغة طرفان: أعلى، إليه تنتهي، وهو حد الإعجاز وما يقرب منه1. وأسفل، منه تبتدئ2، وهو ما إذا غُيِّر الكلام عنه إلى ما هو دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات؛ وإن كان صحيح الإعراب.
وبين الطرفين مراتب كثيرة متفاوتة.
"المحسنات البديعية": وإذ قد عرفت معنى البلاغة في الكلام وأقسامها ومراتبها؛ فاعلم أنه يتبعها وجوه كثيرة3 غير راجعة إلى مطابقة مقتضى الحال ولا إلى الفصاحة، تورث الكلام حسنا وقبولا4.
بلاغة المتكلم:
وأما بلاغة المتكلم فهي ملكة يُقتدر بها على تأليف كلام بليغ.
حصر علوم البلاغة: وقد عُلم بما ذكرنا أمران:
أحدهما: أن كل بليغ -كلاما كان أو متكلما- فصيح، وليس كل فصيح
__________
1 حد الإعجاز: منتهاه؛ لأن الحد في اللغة: منتهى الشيء، وما يقرب من الإعجاز هو ما دونه من مراتب الإعجاز؛ لأن الحق أن القرآن متفاوت الإعجاز، وليس كل آياته في درجة واحدة من البلاغة، وبهذا يكون قوله: "وما يقرب منه" معطوفا على "حد الإعجاز"، وقيل: إنه معطوف على قوله: "وهو", على معنى أن حد الإعجاز هو الطرف الأعلى وما يقرب منه كما قال السكاكي، ولكن حمل ما هنا عليه لا يخلو من تكلف.
2 من العلماء -كالفخر الرازي- من يرى أن هذا ليس من البلاغة، فيُلحق بأصوات الحيوانات أيضا، والحق أنه منها؛ لأنه لا بد من اشتماله على خصوصية ما، فيدخل في تعريف البلاغة.
3 هي المحسنات البديعية الآتية في علم البديع.
4 المراد بالقبول هنا ما يرادف الحسن، لا القبول بمعنى الصحة؛ لعدم توقف صحة الكلام عليها.
(1/28)

بليغا1.
الثاني: أن البلاغة في الكلام مرجعها إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد2، وإلى تمييز الكلام الفصيح من غيره3. والثاني -أعني التمييز- منه ما يُتبين في علم متن اللغة أو التصريف أو النحو، أو يدرك بالحسن، وهو ما عدا التعقيد المعنوي4.
وما يحترز به عن الأول -أعني الخطأ في تأدية المعنى المراد- هو علم المعاني.
وما يحترز به عن الثاني -أعني التعقيد المعنوي- هو علم البيان.
وما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال وفصاحته هو علم البديع5.
__________
1 مما هو فصيح, وليس ببليغ قول نصيب "من الوافر":
فإن تصلي أصلك وإن تعودي ... لهجر بعد وصلك لا أبالي
لأنه نسيب رديء، ومنه أيضا قول جميل "من الطويل":
فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابها لما فات من عقلي
رغم أنه يهواها لذهاب عقله، وأنه لو كان عاقلا ما طلبها، وأين هذا من قول بعضهم:
وما سرني أني خلي من الهوى ... ولو أن لي من بين شرق إلى غرب
فإن كان هذا الحب ذنبي إليكم ... فلا غفر الرحمن ذلك من ذنب
2 هو المعنى الثانوي، والاحتراز عن الخطأ فيه بمراعاة مقتضى الحال.
3 لأن الفصاحة شرط في البلاغة كما سبق، وتمييز ذلك يكون بمعرفة الأمور المخلة بالفصاحة من: التنافر، والغرابة، ومخالفة القياس، وضعف التأليف, وغير هذا مما سبق.
4 ما عدا التعقيد المعنوي: هو الغرابة، ومخالفة القياس، وضعف التأليف، والتعقيد اللفظي، والتنافر، والأول يُعرف بعلم متن اللغة، والثاني بالتصريف وغيره؛ لأنه لا يختص به، والثالث والرابع بالنحو، والخامس يدرك بالحس والذوق، وبهذا تتوقف علوم البلاغة على هذه العلوم، وعلى تربية الحس والذوق بمطالعة كلام العرب.
5 بهذا تنحصر علوم البلاغة في العلوم الثلاثة، وإنما لم تجعل علوم اللغة والتصريف والنحو من علوم البلاغة مع توقف الفصاحة عليها أيضا؛ لأنها تقصد لأغراض غير الفصاحة، ومعرفة بعض نواحي الفصاحة منها تأتي بطريق العَرَض.
(1/29)

وكثير من الناس يسمي الجميع علم البيان1، وبعضهم يسمي الأول علم المعاني, والثاني والثالث علم البيان، وبعضهم يسمي الثلاثة علم البديع2.
__________
1 لأن البيان هو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير، وهذه العلوم لها تعلق بالكلام الفصيح تصحيحا وتحسينا.
2 إما لبداعة مباحثها، أو لأنها يُعرف بها أمور مبتدعة بالنسبة إلى تأدية أصل المراد الذي يعرفه الخاصة والعامة، والظاهر أن الذي يسمي الثلاثة علم البديع بعض آخر غير من ذهب إلى ما قبله.
(1/30)

تمرينات على الفصاحة والبلاغة:
تمرين1:
1- وازن بين هذين البيتين من جهة الفصاحة:
لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
فلا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم
2- بين ما في هذا البيت مما يخل بالفصاحة:
وشوه ترقيش المرقش رقشه ... فأشياعه يشكونه ومعاشره
تمري 2:
1- قال بعض الشعراء:
خلت البلاد من الغزالة ليلها ... فأعاضهاك الله كي لا تحزنا
وقال آخر:
فكلكم أتى مأتى أبيه ... فكل فعال كلكم عجاب
فبين ما فيهما مما يخل بالفصاحة.
2- لماذا كان عود الضمير على متأخر لفظا غير مخل بالفصاحة في قول الشاعر:
جاء الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى رَبَّه موسى على قدر
وكان مخلا بها في قول الآخر:
ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا
من الناس أبقى مجده الدهر مطعما؟
تمرين3:
قال الأخطل في مدح عبد الملك بن مروان:
وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبلج لا عاري الخوان ولا جدب
(1/31)

فأُخذ هذا عليه، فبَيِّن ما ترجع إليه هذه المؤاخذة من البلاغة أو الفصاحة.
تمرين4:
1- من أي التعقيدين قول الشاعر:
أنى يكون أبا البرايا آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد؟!
2- قال قاضٍ لرجل خاصمته امرأة: "أئن سألتك ثمن شكرها وشبرك, أخذتَ تُطلها وتضهلها"
فبين ما فيه مما يخل بالفصاحة والبلاغة.
تمرين 5:
1- لماذا لم تعد علوم اللغة والتصريف والنحو من علوم البلاغة, مع توقف الفصاحة عليها؟
2- ما الفرق بين القياس اللغوي والصرفي؟ وأيهما تخل مخالفته بالفصاحة؟
3- ما الذي يرجع إلى اللفظ من الفصاحة؟ وما الذي يرجع منها إلى المعنى؟
تمرين6:
1- وازن بين لفظ "شيء" من جهة البلاغة, في هذه الأبيات:
ومن مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
لو الفلك الدوار أبغضت سعيه ... لعوقه شيء عن الدوران
2- أي الأمرين أنفع: جمع علوم البلاغة تحت اسم واحد، أم توزيع مسائلها على علومها الثلاثة؟
(1/32)

الفن الأول: علم المعاني
تعريف علم المعاني:
هو علم يُعرَف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال1.
وقيل: "يعرف" دون "يعلم" رعاية لما اعتبره بعض الفضلاء من تخصيص العلم بالكليات، والمعرفة بالجزئيات، كما قال صاحب "القانون"2 في تعريف الطب:
__________
1 المراد بأحوال اللفظ ما يشمل أحوال الجملة وأجزائها؛ فأحوال الجملة: كالفصل, والوصل، والإيجاز، والإطناب، والمساواة. وأحوال أجزائها: كأحوال المسند إليه، وأحوال المسند، وأحوال متعلقات الفعل، وهذه الأحوال هي التي يقتضيها الحال في اللفظ، فهي بعينها مقتضى الحال، وبهذا يكون في التعريف تهافت ظاهر، ويمكن أن يجاب عنه بأنه نظر إليها أولا من حيث ذاتها, لا من حيث إنها مقتضى حال، وإنما قيد أحوال اللفظ بما يطابق بها مقتضى الحال لتخرج الأحوال التي ليست بهذه الصفة؛ كالإعلال والإدغام والرفع والنصب وغير ذلك مما لا بد منه في تأدية المعنى الأصلي، وكذلك المحسنات البديعية؛ لأنها تكون بعد رعاية المطابقة، ويخرج أيضا علم البيان؛ لأنه لا يُبحث فيه عن أحوال اللفظ من هذه الجهة، وقد تبحث أبوابه من هذه الجهة؛ فيكون ذلك من علم المعاني؛ كما قال الأخطل في مدح عبد الملك بن مروان "من الطويل":
وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبلج لا عاري الخوان ولا جدب
فكنى بهذا عن كرمه، ولا يليق في مدح الملوك، وإنما تمدح الملوك بمثل قول الشاعر "من الطويل":
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
هذا, وبعض الأحوال التي يُبحث عنها في علم المعاني قد يُبحث عنها في علم النحو؛ كالذكر والحذف، ولكن علم النحو يبحث عنها من جهة صحتها وفسادها، أما علم المعاني فيبحث عنها لبيان الأحوال التي يرجع بعضها على بعض، فلا تظهر المزية فيها إلا إذا احتمل الكلام وجها غير الوجه الذي جاء عليه، فيكون الحال مرجحا له.
2 "القانون" كتاب في الطب للحسين بن عبد الله, المعروف بابن سينا.
(1/33)

"الطب: علم يعرف به أحوال بدن الإنسان". وكما قال الشيخ أبو عمرو1 رحمه الله: "التصريف: علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلم".
وقال السكاكي2: "علم المعاني هو تتبع خواص3 تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره4؛ ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما تقتضي الحال ذكره".
وفيه نظر؛ إذ التتبع ليس بعلم ولا صادق عليه؛ فلا يصح تعريف شيء من العلوم به.
ثم قال: "وأعني بالتراكيب تراكيب البلغاء". ولا شك أن معرفة البليغ من حيث هو بليغ متوقفة على معرفة البلاغة، وقد عرفها في كتابه5 بقوله: "البلاغة هي بلوغ المتكلم في تأدية المعنى حدا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها6 وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها"7. فإن أراد بالتراكيب في حد البلاغة تراكيب البلغاء -وهو الظاهر- فقد جاء الدور8، وإن أراد غيرها فلم يبينه, على أن قوله: "وغيره" مبهم لم يبين مراده به9.
__________
1 هو عثمان بن عمرو المعروف بابن الحاجب, صاحب "الكافية" في النحو، و"الشافية" في التصريف.
2 المفتاح ص86, المطبعة الأدبية.
3 المراد بها أحوال اللفظ في تعريف الخطيب.
4 غير الاستحسان هو الاستهجان، ويريد بذلك: أن تراكيب الكلام لها خواص مستحسنة وخواص مستهجنة، وكل منهما يبحث في علم المعاني.
5 المفتاح ص208.
6 هذا يكون بإيرادها مطابقة لمقتضى الحال.
7 بأن تكون خالية من التعقيد المعنوي، وبهذا يرجع عنده علم البيان إلى البلاغة لا إلى الفصاحة كما ذكر الخطيب في المقدمة، وإنما لم يقيد تعريف البلاغة بفصاحة الكلام ليحترز به عن غير التعقيد أيضا كما سبق في تعريفها؛ لأنه يرى أنها غير لازمة لها، وسيأتي زيادة بيان لهذا في آخر علم البيان.
8 لأن معرفة البلاغة على هذا تتوقف على معرفة البلغاء، مع أن معرفة البليغ من حيث هو بليغ متوقفة على معرفة البلاغة.
9 يجاب عنه بأنه سبق بيان مراده به؛ فلا شيء عليه فيه. ومع هذا, أرى أن تعريف السكاكي ركيك العبارة، وأنه كان الأجدر بالخطيب إهماله.
(1/34)

أبواب علم المعاني:
ثم المقصود من علم المعاني منحصر في ثمانية أبواب:
أولها: أحوال الإسناد الخبري.
وثانيها: أحوال المسند إليه.
وثالثها: أحوال المسند.
ورابعها: أحوال متعلقات الفعل.
وخامسها: القصر.
وسادسها: الإنشاء.
وسابعها: الفصل والوصل.
وثامنها: الإيجاز والإطناب والمساواة.
ووجه الحصر أن الكلام إما خبر أو إنشاء؛ لأنه إما أن يكون لنسبته خارج1تطابقه أو لا تطابقه، أو لا يكون لها خارج؛ الأول: الخبر، والثاني: الإنشاء، ثم الخبر لا بد له من إسناد ومسند إليه ومسند، وأحوال هذه الثلاثة هي الأبواب الثلاثة الأولى.
ثم المسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلا، أو متصلا به، أو في معناه2 كاسم الفاعل ونحوه، وهذا هو الباب الرابع.
ثم الإسناد والتعلق، كل واحد منهما يكون إما بقصر أو بغير قصر، وهذا هو الباب الخامس.
والإنشاء هو الباب السادس.
ثم الجملة إذا قرنت بأخرى؛ فتكون الثانية إما معطوفة على الأولى أو غير معطوفة، وهذا هو الباب السابع.
__________
1المراد بالخارج الواقع ونفس الأمر, ولو لم يكن له وجود خارجي.
2يريد بالمتصل بالفعل: اسم الفاعل واسم المفعول ونحوهما، ويريد بما في معنى الفعل: المصدر؛ لأنه يدل على الحدث كالفعل.
(1/35)

ولفظ الكلام البليغ إما زائد على أصل المراد لفائدة، أو غير زائد عليه، وهذا هو الباب الثامن.
تنبيه:
انحصار الخبر في الصادق والكاذب:
اختلف الناس في انحصار الخبر في الصادق والكاذب1؛ فذهب الجمهور إلى أنه منحصر فيهما، ثم اختلفوا؛ فقال الأكثر منهم: صدقه مطابقة حكمه للواقع، وكذبه عدم مطابقة حكمه له، هذا هو المشهور، وعليه التعويل.
وقال بعض الناس2: صدقه: مطابقة حكمه لاعتقاد المخبر, صوابا كان أو خطأ، وكذبه: عدم مطابقة حكمه له3، واحتج بوجهين:
أحدهما: أن من اعتقد أمرا فأخبر به ثم ظهر خبره بخلاف الواقع يقال: "ما كذب، ولكنه أخطأ"، كما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت فيمن شأنه كذلك: "ما كذب، ولكنه وهم". ورُدَّ بأن المنفي تعمد الكذب، لا الكذب؛ بدليل تكذيب الكافر؛ كاليهودي إذا قال: "الإسلام باطل"، وتصديقه إذا قال: "الإسلام حق"؛ فقولها: "ما كذب" متأول بـ "ما كذب عمدا".
الثاني: قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] . كذّبهم في قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} وإن كان مطابقا للواقع؛ لأنهم لم يعتقدوه.
__________
1 مثل هذا لا يصح الاشتغال به في علوم البلاغة؛ لأنه لا فائدة فيه.
2 هو إبراهيم بن سيّار, المعروف بالنظّام.
3 أي: لاعتقاده، وهذا بأن يكون له اعتقاد يخالفه، أو لا يكون له اعتقاد أصلا، فيدخل خبر الشاك عند النظام في الكذب، ويكون من يقول: "محمد رسول" وهو شاك فيه، كاذبا عنده، وهو صادق عند الجمهور. وقيل: إن خبر الشاك ليس خبرا، فهو خارج عن المقسم، ولكن هذا لا يأتي مع ما سيأتي عن الجاحظ.
(1/36)

وأجيب عنه بوجوه: أحدها: أن المعنى1: نشهد شهادة واطأت فيها قلوبنا ألسنتنا كما يترجم عنه: إن واللام وكون الجملة اسمية2 في قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} ؛ فالتكذيب في قولهم: {نَشْهَدُ} وادعائهم فيه المواطأة، لا في قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} . ولدفع هذا التوهم وسط بينهما قوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} . وثانيها: أن التكذيب في تسميتهم إخبارهم شهادة؛ لأن الإخبار إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة. وثالثها: أن المعنى: لكاذبون في قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} عند أنفسهم؛ لاعتقادهم أنه خبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه3.
وأنكر الجاحظ انحصار الخبر في القسمين، وزعم أنه ثلاثة أقسام: صادق، وكاذب، وغير صادق ولا كاذب؛ لأن الحكم إما مطابق للواقع مع اعتقاد المخبر له أو عدمه4، وإما غير مطابق مع الاعتقاد أو عدمه5. فالأول أي: المطابق مع الاعتقاد6 هو الصادق. والثالث أي: غير المطابق مع الاعتقاد7 هو الكاذب، والثاني والرابع -أي: المطابق مع عدم الاعتقاد8، وغير المطابق مع عدم الاعتقاد9-
__________
1 يريد معنى قولهم: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} .
2 لأن كل واحد من الثلاثة يفيد تأكيد الخبر كما سيأتي.
3 فيكون الكذب راجعا إلى الواقع في زعمهم كما عليه الجمهور لا إلى الاعتقاد, وعلى هذا يكون التكذيب في المشهود به لا في الشهادة كما في الوجه الثاني.
4 أي: مع اعتقاد المخبِر بأنه مطابِق، أو عدم اعتقاده بأنه مطابق.
5 أي: مع الاعتقاد بأنه غير مطابق، أو عدم الاعتقاد بأنه غير مطابق.
6 بأنه مطابق.
7 بأنه غير مطابق.
8 بأنه مطابق. وعدم الاعتقاد بهذا تحته صورتان: ألا يكون عنده اعتقاد أصلا، وأن يكون عنده اعتقاد بأنه غير مطابق، والصورة الأولى تأتي في خبر الشاك، والثانية كقول المنافق: "محمد رسول الله".
9 بأنه غير مطابق، وعدم الاعتقاد بهذا تحته صورتان أيضا: عدم الاعتقاد أصلا، والاعتقاد بأنه مطابق؛ كقول الكافر: محمد غير رسول.
(1/37)

كل منهما ليس بصادق ولا كاذب1. فالصدق عنده: مطابقة الحكم للواقع مع اعتقاده، والكذب: عدم مطابقته مع اعتقاده، وغيرهما ضربان: مطابقته مع عدم اعتقاده، وعدم مطابقته مع عدم اعتقاده، واحتج بقوله تعالى: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8] فإنهم حصروا دعوى النبي -صلى الله علية وسلم- الرسالة في الافتراء والإخبار حال الجنون، بمعنى امتناع الخلو2، وليس إخباره حال الجنون كذبا؛ لجعلهم الافتراء في مقابلته، ولا صدقا؛ لأنهم لم يعتقدوا صدقه؛ فثبت أن من الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب.
وأجيب عنه بأن الافتراء هو الكذب عن عمد؛ فهو نوع من الكذب؛ فلا يمتنع أن يكون الإخبار حال الجنون كذبا أيضا؛ لجواز أن يكون نوعا آخر من الكذب؛ وهو الكذب لا عن عمد، فيكون التقسيم للخبر الكاذب، لا للخبر مطلقا، والمعنى: أفترى أم لم يفتر؟ وعبر عن الثاني بقوله: {أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} ؛ لأن المجنون لا افتراء له3.
تنبيه آخر:
وهو مما يجب أن يكون على ذكر الطالب لهذا العلم؛ قال السكاكي4: "ليس من الواجب في صناعة -وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل- أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها، فكيف إذا كانت
__________
1 بهذا يكون بين الصدق والكذب واسطة عند الجاحظ، بخلاف الجمهور والنظام.
2 أي: والجمع؛ لأن قوله: "وليس إخباره حال الجنون كذبا" يدل على أنها مانعة جمع أيضا، ولو كانت مانعة خلو فقط لجاز أن يكون إخباره حال الجنون كذبا؛ لأن مانعة الخلو تجوز الجمع، فلا تثبت الواسطة بين الصدق والكذب.
3 رأيي في هذه الخلافات بعد الانتهاء منها, أنها خلافات لا طائل تحتها.
4 المفتاح ص90.
(1/38)

الصناعة مستندة إلى تحكمات وضعية، واعتبارات إلفية؟ فلا على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلد1 صاحبه في بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك، إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق".
وكثيرا ما يشير الشيخ عبد القاهر في "دلائل الإعجاز" إلى هذا؛ كما ذكر في موضع2 ما تلخيصه هذا: "اعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعا من السامع، ولا يجد لديه قبولا حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة، وممن تحدثه نفسه بأن لما تومئ إليه من الحسن أصلا، فيختلف الحال عليه عند تأمل الكلام، فيجد الأريحية تارة، ويعرى منها أخرى، وإذا عجبته تعجب، وإذا نبهته لموضع المزية انتبه. فأما من كان الحالان3 عنده على سواء، وكان لا يتفقد من أمر النظم إلا الصحة المطلقة، وإلا إعرابا ظاهرا، فليكن عندك بمنزلة من عدم الطبع الذي يدرك به وزن الشعر, ويميز به مزاحفه من سالمه، في أنك لا تتصدى لتعريفه؛ لعلمك أنه قد عدم الأداة التي بها يعرف"4. واعلم أن هؤلاء وإن كانوا هم الآفة العظمى في هذا الباب, فإن من الآفة أيضا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة في شيء ما لم تعرف المزية فيه، ولا يعلم إلا أن له موقعا من النفس، وحظا من القبول5، فهذا بتوانيه في حكم القائل الأول6.
واعلم أنه ليس إذا لم يمكن معرفة الكل وجب ترك النظر في الكل، ولأن تعرف العلة في بعض الصور فتجعله شاهدا في غيره، أحرى من أن تسد باب المعرفة على نفسك، وتعودها الكسل والهوينى.
قال الجاحظ: "وكلام كثير جرى على ألسنة الناس وله مضرة شديدة، وثمرة مرة، فمن أضر ذلك قولهم: "لم يدع الأول للآخر شيئا". فلو أن علماء كل عصر مذ جرت هذه الكلمة في أسماعهم تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمن قبلهم، لرأيت العلم مختلا".
__________
1 خير له عندي ألا يقلد في ذلك إلى أن يتربى له الذوق فيذوق بنفسه؛ لأن التقليد مذموم في كل علم، على أن دعواه أن هذه الصناعة مستندة إلى تحكمات وضعية لا تصح في علم المعاني، وإنما تصح في علم النحو، كما ذكره ابن الأثير في المثل السائر.
2 دلائل الإعجاز ص190, 191.
3 يعني الحال التي توجب الأريحية، والحال التي تعرى منها.
4 عبد القاهر في هذا يخالف السكاكي في تجويزه التقليد عند تعذر المعرفة.
5 فلا يعرف لذلك علة وسببا؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة ذلك عنده، وإنما هو ذوق لا غير.
6 هو من كانت الحالان عنده على سواء.
(1/39)

الباب الأول: القول في أحوال الإسناد الخبري
أغراض الخبر: من المعلوم لكل عاقل أن قصد المخبر بخبره إفادة المخاطب إما نفس الحكم؛ كقولك: "زيد قائم" لمن لا يعلم أنه قائم، ويسمى هذا1 فائدة الخبر، وإما كون المخبر عالما بالحكم؛ كقولك لمن زيد عنده ولا يعلم أنك تعلم ذلك: "زيد عندك"، ويسمى هذا2 لازم فائدة الخبر.
__________
1 اسم الإشارة يعود إلى إفادة المخاطب نفس الحكم؛ لأن هذا هو الذي يسمى فائدة الخبر، وقيل: إنه يعود إلى نفس الحكم، ورد بأن الحكم ركن من أركان الخبر، وفائدة الشيء لا تكون جزءا منه، وهذه الفائدة هي المقصد الأول من مقاصد الإسناد الخبري.
2 أي: كون المخبر عالما بالحكم، وإنما سمي هذا "لازم فائدة الخبر"؛ لأنه يلزم من إفادة المخاطب الحكم، إفادته أن عنده علما أو ظنا به، ولازم فائدة الخبر هو المقصد الثاني من الإسناد الخبري.
وللإسناد الخبري مقاصد وأغراض أخرى: منها إظهار التحسر، كما في قوله تعالى حكاية عن امرأة عمران: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} [آل عمران: 36] . ومنها إظهار الفرح، كما في قول الشاعر "من الطويل":
هناء محا ذاك العزاء المقدما ... فما عبس المحزون حتى تبسما
ومنها إظهار الضعف والخشوع, كقول الآخر "من الوافر":
إلهي عبدك العاصي أتاكا ... مقرا بالذنوب وقد دعاكا
ومنها توبيخ السامع، كقول الحماسية "من الطويل":
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
والغرض الأول -وهو فائدة الخبر- يستفاد من ذات الخبر، وما عداه من الأغراض يدل عليها الخبر دلالة تبعية؛ فهي من مستتبعات الكلام، ولا توصف بأنها حقيقة ولا مجاز ولا كناية.
(1/41)

قال السكاكي1: "والأولى2 بدون هذه3 تمتنع، وهذه بدون الأولى لا تمتنع، كما هو حكم اللازم المجهول المساواة"4 أي: يمتنع أن لا يحصل العلم الثاني من الخبر نفسه عند حصول الأول منه؛ لامتناع حصول الثاني قبل حصول الأول، مع أن سماع الخبر من المخبر كافٍ في حصول الثاني منه5. ولا يمتنع أن لا يحصل الأول من الخبر نفسه عند سماع الثاني منه؛ لجواز حصول الأول قبل حصول الثاني6 وامتناع حصول الحاصل.
وقد ينزل العالم بفائدة الخبر ولازم فائدته منزلة الجاهل؛ لعدم جريه على موجب العلم؛ فيلقى إليه الخبر كما يلقى إلى الجاهل بأحدهما7.
__________
1 المفتاح ص88.
2 هي فائدة الخبر.
3 اسم الإشارة يعود إلى لازم فائدة الخبر، وقد أنّثه باعتبار كونه فائدة أيضا.
4 كلزوم الحيوانية للإنسانية؛ لأن الحيوانية أعم، فيلزم من العلم بالإنسانية العلم بالحيوانية، ولا يلزم من العلم بالحيوانية العلم بالإنسانية.
5 لأن من يخبر بشيء لا بد أن يكون عنده علم أو ظن به؛ فالمراد بالعلم الثاني علم المخاطب بأن المخبر عالم بالحكم، والمراد بالعلم الأول علمه بذلك الحكم.
6 بأن يكون المخاطب عالما بالحكم قبل الإخبار به، فيحصل بالخبر في هذه الحالة لازم فائدته دونها؛ لامتناع تحصيل الحاصل.
7 من تنزيل العالم بالفائدة منزلة الجاهل بها, قول الفرزدق لهشام بن عبد الملك حين تجاهل معرفة علي بن الحسين, رضي الله عنهما "من البسيط":
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا
ومن تنزيل العالم بلازم الفائدة منزلة الجاهل به, قولك لمن يؤذيك وهو يعلم أنك مسلم: "الله ربنا ومحمد نبينا". وقد جعل السكاكي هذا من باب تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر؛ فهو عنده مثل تنزيل غير السائل منزلة السائل ونحوه مما يأتي، وقيل: إن الخطيب لم يجعل ما هنا من ذلك الباب؛ لأن الخبر لا يختلف في التأكيد وتركه في مخاطبة الجاهل بفائدة الخبر ولازمها، ومخاطبة العالم بهما المنزل منزلة الجاهل. أما تنزيل غير السائل منزلة السائل ونحوه فيختلف في ذلك كما سيأتي، والخطب في هذا سهل.
(1/42)

قال السكاكي1: "وإن شئت فعليك بكلام رب العزة: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102] . كيف تجد صدره يصف أهل الكتاب بالعلم على سبيل التوكيد القسمي، وآخره ينفيه عنهم؛ حيث لم يعملوا بعلمهم. ونظيره في النفي والإثبات: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [الأنفال: 17] وقوله تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} [التوبة: 12] .
هذا لفظه، وفيه إيهام أن الآية الأولى من أمثلة تنزيل العالم بفائدة الخبر ولازم فائدته منزلة الجاهل بهما، وليست منها، بل هي من أمثلة تنزيل العالم بالشيء منزلة الجاهل به؛ لعدم جريه على موجب العلم، والفرق بينهما ظاهر2.
أضرب الخبر: وإذا كان غرض المخبر بخبره إفادة المخاطب أحد الأمرين, فينبغي أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة.
أ- فإن كان المخاطب خالي الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على الآخر والتردد فيه، استُغني3 عن مؤكدات الحكم؛ كقولك: "جاء زيد, وعمرو ذاهب" فيتمكن في ذهنه؛ لمصادفته إياه خاليا.
ب- وإن كان متصورا لطرفيه، مترددا في إسناد أحدهما إلى الآخر، طالبا له،
__________
1 المفتاح ص92.
2 أجيب عن السكاكي بأن غرضه التنظير لتنزيل العالم بفائدة الخبر ولازمها منزلة الجاهل بهما، وليس غرضه التمثيل له؛ ولهذا ذكر أيضا قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [الأنفال: 17] وهو من تنزيل الموجود منزلة المعدوم، وليس من تنزيل العالم منزلة الجاهل.
3 مثله إذا كان المخاطب عالما بالحكم وأراد المخبر إفادته لازم فائدة الخبر، أو إظهار التحسر، ونحوه، أو تنزيله منزلة الجاهل، فيستغنى في ذلك أيضا عن المؤكدات.
(1/43)

حسن تقويته بمؤكد1؛ كقولك: "لزيد عارف"، أو "إن زيدا عارف".
ج- وإن كان حاكما بخلافه, وجب توكيده بحسب الإنكار2؛ فتقول: "إني صادق" لمن ينكر صدقك ولا يبالغ في إنكاره، و: "إني لصادق" لمن يبالغ في إنكاره، وعليه قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ، قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ، قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} [يس: 13-16] . حيث قال3 في المرة الأولى: {إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} ، وفي الثانية:
__________
1 أي: مؤكد واحد؛ ليزيل تردده في الإسناد بالتوكيد، ومثل التردد في الإسناد التردد في لازم فائدة الخبر, وحسن التأكيد في ذلك إنما هو بالنظر إلى حال الإنكار، وإلا فهو واجب أيضا، ولا يراد إلا التمييز باللفظ بين الحالين، وأن درجة الوجوب في التردد ليست كدرجة الوجوب في الإنكار، والمراد بالمتردد ما يشمل الظان والمتوهم، وقد ذهب عبد القاهر إلى أنه لا يحسن التأكيد إلا إذا كان للمخاطب ظن على خلاف حكم المتكلم، وسيأتي قريبا ما يفيد جواز تعدد التوكيد في التردد كالإنكار.
ومن التأكيد للتردد في الحكم قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: 96] .
2 فيؤتى له بمؤكد واحد أو اثنين أو أكثر على حسب إنكاره في القوة والضعف، وقيل: إنه لا يكتفي في الإنكار بمؤكد واحد، ومثل إنكار الإسناد في هذا إنكار لازم فائدة الخبر، ومن هذا قوله تعالى: {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1] ؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- ينكر علمهم بذلك، فأكدوا له.
ومن أدوات التأكيد: إن، والقسم، ونونا التوكيد، ولام الابتداء، وأما الشرطية، وحروف التنبيه، وضمير الفصل، وقد، وأدوات الاستفتاح، والحروف الزائدة.
3 فأكد في المرة الأولى بإن واسمية الجملة, وفي الثانية بهما وبالقسم واللام؛ لأنهم بالغوا في الإنكار فقالوا: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ... } الآية.
(1/44)

{إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} .
ويؤيد ما ذكرناه جواب أبي العباس للكندي1 عن قوله: "إني أجد في كلام العرب حشوا؛ يقولون: عبد الله قائم، وإن عبد الله قائم، وإن عبد الله لقائم, والمعنى واحد! " بأن قال: "بل المعاني مختلفة؛ فعبد الله قائم إخبار عن قيامه، وإن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل، وإن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر".
ويسمى النوع الأول من الخبر: ابتدائيا, والثاني: طلبيا، والثالث: إنكاريا، وإخراج الكلام على هذه الوجوه2: إخراجا على مقتضى الظاهر 3:
خريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر: وكثيرا ما يخرج على خلافه4، فينزل غير السائل منزلة السائل إذا قدم إليه ما يلوح له بحكم الخبر, فيستشرف له استشراف المتردد الطالب5؛ كقوله تعالى: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} 6.
__________
1 أبو العباس: هو محمد بن يزيد المبرد، والكندي: هو يعقوب بن إسحاق الفيلسوف.
2 هي: الخلو عن التأكيد في الأول، وعن التقوية بمؤكد؛ استحسانا في الثاني، ووجوبا في الثالث.
3 أي: يسمى إخراجا على مقتضى الظاهر, والمراد به ظاهر الحال. وهو الحال الداعي الذي له ثبوت في الواقع؛ كخلو المخاطب من الحكم أو تردده أو إنكاره. والحال أعم من ظاهر الحال؛ لأنه يشمل أمرين: أحدهما ما له ثبوت في الواقع، والثاني ما لا ثبوت له؛ كتنزيل غير السائل منزلة السائل ونحوه مما سيأتي.
4 هذا باب من البلاغة أوقع في النفس من تخريج الكلام على مقتضى الظاهر؛ لدقة مسلكه، وحسن موقعه في النفس. وقد قيل: إنه باب الكناية. وقيل: إنه من الاستعارة بالكناية والتخييل. وقيل: إنه من مستتبعات الكلام فلا يوصف بحقيقة ولا مجاز ولا كناية.
5 الحال هنا تقديم ما يلوح للمخاطب بالخبر. ومن نكت تنزيل غير السائل منزلة السائل أيضا الاهتمام بشأن الخبر لكونه مستبعدا, والتنبيه على غفلة السامع، وغير ذلك.
6 آية: 37 سورة هود. فإن قوله: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} يلوِّح باستحقاقهم العذاب.
(1/45)

وقوله: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} 1، وقول بعض العرب "الرجز":
فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء2
وسلوك هذه الطريقة شعبة من البلاغة فيها دقة وغموض؛ روي عن الأصمعي أنه قال: كان أبو عمرو بن العلاء3 وخلف الأحمر يأتيان بشارا فيسلمان عليه بغاية الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ، ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما، ويكتبان عنه متواضعيْنِ له، حتى يأتي وقت الزوال، ثم ينصرفان. فأتياه يوما، فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في ابن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكما, قالا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب!! قال: نعم، إن ابن قتيبة يتباصر بالغريب؛ فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف, قالا: فأنشدناها يا أبا معاذ، فأنشدهما "الخفيف":
بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير4
حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان "إن ذاك النجاح":
__________
1 آية 53 سورة يوسف، فإن قوله: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} يلوِّح بقبح نفسها "امرأة العزيز". ولا يخفى أن هنا توكيدين، وهذا يفيد جواز تعدد التوكيد في المتردد وما ينزل منزلته، فيكون الفرق بينه وبين المنكر في الوجوب والاستحسان فقط. وقيل: إن أحد التوكيدين لاستبعاد الخبر في ذاته.
2 لا يعلم قائله. والضمير في قوله: "فغنها" للإبل أي: فغن لها، والحداء بضم الحاء وكسرها مصدر: "حدا الإبل" إذا ساقها وغنّى لها. والشاهد في أنه حين يقول: "غنها" ليشتد سيرها يفهم السامع أن غناءها هو الحداء الذي تساق به، فتستشرف له نفسه، ومن هذا قول أبي نواس "من بحر السريع":
عليك باليأس من الناس ... إن غنى نفسك في الياس
3 رواية الأغاني: "كان خلف بن عمرو بن العلاء وخلف الأحمر ... " وقد ساق القصة كما هنا.
4 هو لبشار بن برد. والهجين: من الزوال إلى العصر.. أو شدة الحر. والشاهد في أن الشطر الأول يلوح بالثاني؛ ولهذا أتى به مؤكدا.
(1/46)

"بكرا فالنجاح" كان أحسن. فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية1 فقلت: "إن ذاك النجاح" كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت: "بكرا فالنجاح" كان هذا من كلام المولدين، ولا يشبه ذلك الكلام2، ولا يدخل في معنى القصيدة. قال: فقام خلف فقبّله بين عينيه. فهل كان ما جرى بين خلف وبشار بمحضر من أبي عمرو بن العلاء -وهم من فحولة هذا الفن- إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟
وكذلك ينزل غير المنكر منزلة المنكر3 إذا ظهر عليه شيء من أمارات الإنكار؛ كقوله:
جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح4
فإن مجيئه هكذا مدلا بشجاعته، قد وضع رمحه عرضا، دليل على إعجاب شديد منه، واعتقاد أنه لا يقوم إليه من بني عمه أحد، كأنهم كلهم عزل ليس مع أحد منهم رمح.
وكذلك ينزل المنكر منزلة غير المنكر5 إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع عن
__________
1 وحشية: صفة كاشفة لأعرابية، ولا يريد الوحشية المخلة بالفصاحة.
2 لأنه ليس فيه من دقة الإشارة إلى تنزيل غير السائل منزلة السائل ما في قوله: "إن ذاك النجاح"؛ وإنما فيه تكرير الأمر بالتبكير لتأكيده على وجه ظاهره لا دقة فيه.
3 غير المنكر يشمل خالي الذهن من الحكم، والمتردد، والعالم به من غير إنكار، ولكنه لا يعمل بعلمه؛ كقولك للمسلم التارك للصلاة: إن الصلاة واجبة. وفائدة تنزيل المتردد منزلة المنكر: المبالغة في توكيد الخبر له.
4 هو لحجل بن نضلة الباهلي، وبعده:
هل أحدث الدهر لنا ذلة؟ ... أم هل رفت أم شقيق سلاح؟
وقوله: "عارضا رمحه" معناه: أنه وضعه على عرضه؛ بأن جعله على فخذيه بحيث يكون عرضه إلى جهتهم، وكان هذا من أمارة عدم التصدي للحرب، والشاهد في قوله: "إن بني عمك فيهم رماح"، وهو من تنزيل العالم منزلة المنكر.
5 المراد بغير المنكر: خالي الذهن من الحكم فقط؛ لأنه لا فائدة لتنزيل المنكر منزلة المتردد، وقيل: إن له فائدة في تقليل التوكيد كما سيأتي في قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} .
(1/47)

الإنكار؛ كما يقال لمنكر الإسلام: "الإسلام حق"1. وعليه قوله تعالى في حق القرآن: {لَا رَيْبَ فِيهِ} 2.
ومما يتفرع على هذين الاعتبارين3 قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 15، 16] أكد إثبات الموت بتأكيدين وإن كان مما لا ينكر؛ لتنزيل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الموت؛ لتماديهم في الغفلة والإعراض عن العمل لما بعده، ولهذا قيل: {لَمَيِّتُونَ} دون "تموتون" كما سيأتي الفرق بينهما4، وأكد إثبات البعث تأكيدا واحدا وإن كان مما ينكر؛ لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بألا ينكر، بل إما أن يعترف به أو يتردد فيه، فنزل
__________
هذا, وقد ترك تنزيل السائل منزلة غير السائل، وهو أيضا مما يدخل في باب تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، وإنما ينزل السائل منزلة غير السائل إذا لم يكن هناك وجة لتردده.
1 أي: من غير تأكيد. واعتُرض على هذا بأنه جملة اسمية، وأجيب بأن الجملة الاسمية إنما تفيد التوكيد إذا اعتُبر تحويلها عن الجملة الفعلية، نحو: "زيد يقول" فإنها يمكن اعتبارها محولة عن "يقوم زيد".
2 آية 2 سورة البقرة. فإن معناه أن القرآن ليس محل شك، وهذا ينكره المخاطبون من الكفار، فكان حقه في الظاهر التأكيد، ولكنهم نزلوا منزلة غير المنكرين؛ فترك التأكيد لهم، وقيل: إن هذا ليس تمثيلا لتنزيل المنكر منزلة غير المنكر, بناء على أن المراد نفي الريب نفسه مع أنه واقع منهم, تنزيلا له منزلة عدمه، فيكون هذا تنظيرا لتنزيل المنكر منزلة غيره لا تمثيلا له، ويؤيد هذا أن قوله فيما يأتي: "وهكذا اعتبارات النفي" ظاهر في أنه لم يسبق مثال منه.
3 يعني اعتبار تنزيل غير المنكر منزلة المنكر، واعتبار تنزيل المنكر منزلة غير المنكر.
4 أي: في الكلام على المسند من أن ذكره قد يكون ليتعين كونه اسما, فيُستفاد منه الثبوت, أو كونه فعلا فيستفاد منه التجدد؛ وبهذا يكون ما في الآية من تنزيل العالم منزلة المنكر.
(1/48)

المخاطبون منزلة المترددين فيه؛ تنبيها لهم على ظهور أدلته، وحثا على النظر فيها، ولهذا جاء {تُبْعَثُونَ} على الأصل1.
هذا كله اعتبارات الإثبات، وقس عليه اعتبارات النفي؛ كقولك: "ليس زيد"، أو: "ما زيد منطلقا" أو "بمنطلق"، "ووالله ليس زيدا"، أو: "ما زيد منطلقا" أو بمنطلق، و"ما ينطلق؛ أو ما إن ينطلق زيد"، و"ما كان زيد ينطلق، وما كان زيد لينطلق"، و"لا ينطلق زيد", و"لن ينطلق زيد"، "ووالله ما ينطلق, أو ما إن ينطلق زيد"2.
__________
1 أي: على الفعلية دون الاسمية؛ لأن المعنى على التجدد، لا الثبوت، وبهذا يكون ما في الآية من تنزيل المنكر منزلة المتردد.
2 هذا والتأكيد يأتي أيضا في الإنشاء كما يأتي في الخبر، كقول الشاعر "من البسيط":
هلا تمنن بوعد غير مخلفة ... كما عهدتك في أيام ذي سلم
ولكن التأكيد لا يأتي في الإنشاء لدفع التردد والإنكار؛ لأنهما لا يأتيان فيه، وإنما يأتي لأغراض أخرى من أغراض التأكيد في الخبر؛ لأنها لا تنحصر فيما ذكر: فمنها الدلالة على استبعاد الحكم من المخبر؛ كما في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} [الشعراء: 117] . ومنها الاعتناء بشأن الحكم؛ كما في قول أبي بكر: "إن البلاء موكل بالمنطق". ومنها تهيئة النكرة للابتداء بها؛ كما في قول الشاعر "من الخفيف":
إن دهرا يلف شملي بسعدى ... لزمان يهم بالإحسان
ومنها إظهار صدق الرغبة في الحكم وقصد ترويجه، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة: 14] . فلم يؤكدوا في خطاب المؤمنين؛ لعدم رواجه منهم عندهم، وأكدوا في خطاب إخوانهم؛ لصدق رغبتهم فيهم.
(1/49)

تمرينات على أغراض الخبر وأضربه:
تمرين1:
بين الغرض من الخبر فيما يأتي:
1-
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
2-
محا البين ما أبقت عيون المها مني ... فشبت ولم أقض اللبانة من سني
3- قوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: الآية 1] .
تمرين2:
من أي أضرب الخبر ما يأتي:
1-
عليك باليأس من الناس ... إن غنى نفسك في الياس
2-
لقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير
3-
ما إن ندمت على سكوتي مرة ... ولقد ندمت على الكلام كثيرا
تمرين3:
بين ما جرى من أضرب الخبر على مقتضى الظاهر, أو خلافه فيما يأتي:
1-
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليَبَس
2- قوله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ} [القصص: 76] .
3- قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] .
تمرين4:
بين الغرض من التأكيد فيما يأتي:
1-
إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذا مضوا مهلا
2- قوله تعالى: {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] .
3- إن البغاث بأرضنا يستنسر.
4-
ألا إن أخلاق الفتى كزمانه ... فمنهن بيض في العيون وسود
(1/50)

فصل: الحقيقة والمجاز العقليان
الإسناد منه حقيقة عقلية، ومنه مجاز عقلي1.
أما الحقيقة فهي إسناد الفعل2 -أو معناه- إلى ما هو له3 عند المتكلم في الظاهر4.
والمراد بمعنى الفعل نحو المصدر واسم الفاعل5.
__________
1 الحقيقة والمجاز العقليان يأتيان في الإسناد الإنشائي أيضا، وقيل: إنهما يأتيان في الإسناد الإضافي ونحوه، كما في قوله: {مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [سبأ: 33] ، {ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} [الحج: 12] . وقيل: إن الإضافة قد تكون لمطلق الملابسة، فتكون في نحو "مكر الليل" حقيقة عقلية. ويسمى المجاز العقلي مجازا حكميا ومجازا إسناديا أيضا، ومن الإسناد ما لا يكون حقيقة ولا مجازا كما سيأتي.
2 المراد بالإسناد ما يشمل الإسناد الإيجابي والسلبي.
3 الإسناد إلى ما هو له يشمل الإسناد إلى الفاعل وإلى المفعول. ويريد بكونه له إذا كان فاعلا أن معناه قائم به ووصف له، وحقه أن يسند إليه، سواء أكان مخلوقا لله تعالى كما يقول أهل السنة، أم كان لغيره كما يقول المعتزلة، والأفعال من هذه الجهة تنقسم إلى أفعال استأثر الله بها مثل الخلق والرزق، وإلى أفعال لغيره كسب فيها، مثل "أحسن وأساء وقام وقعد"، وإلى أفعال يراد من إسنادها مجرد الاتصاف بها، مثل "صح ومرض وعظم وتنزه"؛ فالأولى إسنادها إلى الله حقيقي ولا يصح إسنادها إلى غيره إسنادا حقيقيا، والثانية يصح إسنادها إلى غيره إسنادا حقيقيا، ومنها ما لا يصح إسناده إليه تعالى مثل "قام وقعد"، والثالثة منها ما يسند إليه تعالى، مثل "عظم وتنزه" ومنها ما يسند إلى غيره مثل "صح ومرض"، هذا والمعول عليه عند الخطيب هو إسناد الفعل أو معناه ولو في جملة اسمية, كما سيأتي تحقيقه.
4 أي: في ظاهر حال المتكلم، بألا ينصب قرينة تدل على أنه غير ما هو له في اعتقاده كما سيأتي.
5 مثلهما اسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل والظروف؛ لأن المراد بالإسناد ما يشمل الإسناد على جهة المفعولية كما سبق، فيدخل في ذلك إسناد اسم المفعول كما يدخل فيه إسناد الفعل إلى المفعول.
(1/51)

وقولنا: "في الظاهر" ليشمل ما لا يطابق اعتقاده مما يطابق الواقع، وما لا يطابقه؛ فهي أربعة أضرب:
أحدها: ما يطابق الواقع واعتقاده؛ كقول المؤمن: "أنبت الله البقل، وشفى الله المريض".
والثاني: ما يطابق الواقع دون اعتقاده؛ كقول المعتزلي لمن لا يعرف حاله وهو يُخفيها منه1: "خالق الأفعال كلها هو الله تعالى".
والثالث: ما يطابق اعتقاده دون الواقع؛ كقول الجاهل: "شفى الطبيب المريض" معتقدا شفاء المريض من الطبيب، ومنه قوله تعالى حكاية عن بعض الكفار: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24] ، ولا يجوز أن يكون مجازا، والإنكار عليهم من جهة ظاهر اللفظ؛ لما فيه من إيهام الخطأ2، بدليل3 قوله تعالى عقيبه: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] . والمتجوز المخطئ في العبارة لا يوصف بالظن، وإنما الظان من يعتقد أن الأمر على ما قاله.
والرابع: ما لا يطابق شيئا منهما؛ كالأقوال الكاذبة التي يكون القائل عالما بحالها دون المخاطب4.
__________
1 لأن الإسناد في قوله حينئذ يكون على ما هو له في ظاهر حاله، ولا يخفى أن الجملة هنا مركبة من مبتدأ وخبر، ولكن يصدق عليها أن فيها إسناد معنى الفعل لما هو له.
2 هذا تعليل للإنكار عليهم مع كونه مجازا؛ فقوله: "لما" متعلق بالإنكار.
3 متعلق بقوله: "ولا يجوز".
4 قيل: إن الأقوال الكاذبة حقيقة عقلية ولو علم المخاطب بحالها؛ لأن الفعل فيها مسند إلى ما هو له بحسب وضع اللغة، فهو بظاهره من شأنه أن يدل على ذلك وإن تخلَّفت الدلالة لمانع اعتقاد الكاذب؛ وبهذا تنقسم الحقيقة العقلية إلى: صادقة وكاذبة.
(1/52)

تعريف المجاز العقلي: وأما المجاز فهو إسناد الفعل1، أو معناه، إلى ملابس له2، غير ما هو له بتأول3.
وللفعل4 ملابسات شتى: يلابس الفاعل، والمفعول به، والمصدر، والزمان، والمكان، والسبب5.
فإسناده إلى الفاعل: إذا كان مبنيا له حقيقة كما مر، وكذا إلى المفعول: إذا كان مبنيا له6. وقولنا: "ما هو له" يشملهما.
وإسناده إلى غيرهما7 -لمضاهاته8 ما هو له في ملابسة الفعل- مجاز؛ كقولهم في المفعول به9:
__________
1 المراد بالإسناد هنا أيضا ما يشمل الإيجابي والسلبي، والثاني كقوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة: 16] ، وكذلك ما يشمل إسناد الفعل إلى الفاعل وإلى المفعول؛ كما في قولك: أجرى الله النهر.
2 يشير بهذا إلى أنه لا بد فيه من العلاقة كسائر المجازات؛ فالعلاقة هنا هي الملابسة، أي: ملابسة العقل للفاعل المجازي من جهة وقوعه عليه أو فيه أو به أو نحو ذلك.
3 أي: بقرينة صارفة عن إرادة الظاهر؛ لأن التأويل صرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره، فالمتبادر في نحو: "أنبت الربيع البقل" أن الإسناد فيه إلى ما هو له، والقرينة تصرفه عن ظاهره.
4 مثله ما في معناه بقرينة التعريف.
5 لم يذكر المفعول معه والحال ونحوهما؛ لأن الفعل لا يسند إلى ذلك على سبيل المجاز العقلي.
6 نحو: أُنبت البقلُ.
7 هذا يشمل إسناد ما هو للفاعل إلى المفعول به؛ نحو: "عيشة راضية"، وإسناد ما هو للمفعول إلى الفاعل، نحو: "سيل مفعم".
8 يريد بالمضاهاة في ذلك علاقة الملابسة السابقة، ولا يريد أن العلاقة في ذلك المشابهة؛ لأن المشابهة علاقة المجاز بالاستعارة لا المجاز العقلي، وقيل: إن العلاقة هنا المشابهة في الملابسة، وهو تكلّف يأباه أسلوب المجاز العقلي؛ لأنه لا يلاحظ فيه ذلك أصلا، على أن علاقة المشابهة لا تكفي فيها هذه الملابسة.
9 أي: في إسناد ما هو للفاعل إلى المفعول به، والعلاقة فيه الملابسة بالمفعولية.
(1/53)

عيشة راضية، وماء دافق1، وفي عكسه: سيل مفعم2، وفي المصدر: شعر شاعر3، وفي الزمان: نهاره صائم، وليله قائم4، وفي المكان: طريق سائر، ونهر جارٍ5، وفي السبب: "بنى الأمير المدينة". وقال:
إذا رد عافي القِدْر من يستعيرها6
وقولنا: "بتأول" يخرج نحو قول الجاهل: "شفى الطبيب المريض"؛ فإن إسناده
__________
1 منه أيضا قول الشاعر "البسيط":
دع المكارم لا ترحل لبُغْيَتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
يريد: المطعوم المكسوّ، والأصل في ذلك: راضٍ صاحبها، ودافق ماؤه، وطاعم وكاسٍ: طاعمه وكاسيه.
2 منه أيضا قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} [مريم: 61] ، أي: آتيا، والعلاقة فيه الملابسة بالفاعلية، والأصل: مفعم واديه، ومأتيّ مضمونه.
3 منه أيضا قول الشاعر "السريع":
سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
والأصل -في ذلك- شعر شاعر صاحبه، وجدّ صاحب جدّهم، والعلاقة فيه الملابسة بالمصدرية.
4 منه أيضا قوله تعالى: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} [المدثر: 9] ، والعلاقة فيه الملابسة بالزمانية، والأصل: صائم فيه ... إلخ.
5 العلاقة فيه الملابسة بالمكانية، والأصل: سائر السائر فيه ... إلخ.
6 هو لعوف بن الأحوص من قوله "من الطويل":
فلا تسأليني واسألي عن خليقتي ... إذا رد عافي القدر من يستعيرها
وقد نُسب في "أساس البلاغة" للكميت. والعلاقة في ذلك: الملابسة بالسببية، والأصل: بنى البنّاء المدينة بسببه، ورد المعير القدر بسببه، وعافي القدر: المرق الذي يبقى فيها فيكون سببا في رد المستعير لها؛ فإسناد الرد إلى عافي القدر من الإسناد إلى السبب، وهذا كناية عن كَلَب الزمان وكونه يمنع إعارة القدر لتلك البقية، وقيل: إن عافي القدر هو الضيف، والمعنى أن المستعير يراه والقدر منصوبة له فلا يطلبها. وقيل: إن البيت لعبيد بن الأبرص. وقيل: إنه لمضرس الأسدي.
(1/54)

الشفاء إلى الطبيب ليس بتأول. ولهذا لم يحمل نحو قول الشاعر الحماسي "المتقارب":
أشاب الصغير وأفنى الكبيـ ... ـر كر الغداة ومر العشي1
على المجاز، ما لم يعلم أو يظن أن قائله لم يُرِدْ ظاهره2، كما استُدل على أن إسناد "ميز" إلى "جذب الليالي" في قول أبي النجم "من الرجز":
قد أصبحت أم الخيار تدعي
علي ذنبا كله لم أصنع
من أن رأت رأسي كرأس الأصلع
ميز عنه قنزعا عن قنزع
جذب الليالي أبطئي أو أسرعي3
مجاز؛ بقوله عقيبه:
أفناه قيل الله للشمس: اطلعي ... حتى إذا واراكِ أفق فارجعي4
وسمي الإسناد في هذين القسمين من الكلام عقليا؛ لاستناده إلى العقل دون الوضع؛ لأن إسناد الكلمة إلى الكلمة شيء يحصل بقصد المتكلم دون واضع اللغة،
__________
1 هو لقثم بن خبية المعروف بالصلتان العبدي، وقيل: إنه للصلتان الضبي، والغداة: أول النهار، وكرها: رجوعها بعد ذهابها. والعشي: أول الليل.
2 جاء في قصيدة الصلتان ما يدل على أنه لم يرد بذلك الإسناد ظاهره، وهو قوله "المتقارب":
فملتنا أننا مسلمون ... على دين صديقنا والنبي
3 هو للفضل بن قدامة المعروف بأبي النجم، والقنزع: الشعر المجتمع في نواحي الرأس، و"عن" الثانية بمعنى "بعد"، والأصلع: الذي سقط شعر مقدم رأسه، وجملتا "أبطئي أو أسرعي" حال من الليالي على تقدير القول؛ أي: مقولا فيها ذلك، بالنظر إلى اختلاف أحوالها في المسرة والمساءة.
4 فقد أسند فيه إفناء شعر الرأس إلى الله، فدل على أن إسناده قبله إلى الليالي مجاز. قيل الله: قوله، وقوله: واراك بمعنى: غيبك وسترك.
(1/55)

فلا يصير "ضَرَبَ" خبرا عن "زيد" بواضع اللغة؛ بل بمن قُصد إثبات الضرب فعلا له، وإنما الذي يعود إلى واضع اللغة أن "ضرب" لإثبات الضرب، لا لإثبات الخروج، وأنه لإثباته في زمان ماضٍ، وليس لإثباته في زمان مستقبل، فأما تعيين من ثبت له، فإنما يتعلق بمن أراد ذلك من المخبرين. ولو كان لغويا لكان حكمنا بأنه مجاز في مثل قولنا: "خط أحسن مما وشّى الربيع"؛ من جهة أن الفعل لا يصح إلا من الحي القادر1, حكما بأن اللغة هي التي أوجبت أن يختص الفعل بالحي القادر دون الجماد، وذلك مما لا يشك في بطلانه2.
وقال السكاكي3: "الحقيقة العقلية هي الكلام المفاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه, قال: وإنما قلت: "ما عند المتكلم" دون أن أقول: "ما عند العقل"4؛ ليتناول كلام الجاهل إذا قال: "شفى الطبيب المريض" رائيا شفاء المريض من الطبيب، حيث عُد منه حقيقة، مع أنه غير مفيد لما في العقل من الحكم فيه"5.
وفيه نظر؛ لأنه غير مطرد؛ لصدقه على ما لم يكن المسند فيه فعلا ولا متصلا به6, كقولنا: "الإنسان حيوان" مع أنه لا يسمى حقيقة ولا مجازا7، ولا منعكس؛
__________
1 أي: لا من الربيع.
2 يقصد بهذا الرد على قول بعضهم: إن الإسناد في هذين القسمين لغوي لا عقلي. وقيل: إن جرينا على أن المركبات موضوعة فهو لغوي، وإن لم نجر على هذا فهو عقلي، وهذا خلاف لا طائل تحته.
3 المفتاح ص211.
4 أي: كما قال عبد القاهر.
5 لأن العقل يرى إسناد ذلك إلى الله, لا إلى الطبيب.
6 المتصل بالفعل هو اسم الفاعل ونحوه.
7 الحق أنه لا معنى للاعتراض بهذا على السكاكي؛ لأنه يرى أن الحقيقة والمجاز العقليين يجريان في كل إسناد، ولا يخصّهما بما خصّه به الخطيب، على أن الخطيب قد ذكر في المجاز العقلي أمثلة مركبة من مبتدأ وخبر، مثل: "نهاره صائم" ولا ينفع في الجواب عنه أن المجاز عنده في إسناد الخبر إلى ضمير المبتدأ؛ لأن هذا الإسناد غير مقصود في الكلام، وإنما المقصود =
(1/56)

لخروج ما يطابق الواقع دون اعتقاد المتكلم، وما لا يطابق شيئا منهما منه مع كونهما حقيقتين عقليتين كما سبق1.
وقال2: "المجاز العقلي هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه؛ لضرب من التأول، إفادة للخلاف، لا بواسطة وضع"؛ كقولك: "أنبت الربيع البقل، وشفى الطبيب المريض، وكسا الخليفة الكعبة". قال: وإنما قلت: "خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه" دون أن أقول: "خلاف ما عند العقل"؛ لئلا يمتنع طرده بما إذا قال الدهري3 عن اعتقاد جهل، أو قال جاهل غيره: "أنبت الربيع البقل" رائيا إنباته من الربيع؛ فإنه لا يسمى كلامه ذلك مجازا وإن كان بخلاف العقل في نفس الأمر، واحتج ببيت الحماسة4 وقول أبي النجم على ما تقدم.
ثم قال: "ولئلا يمتنع عكسه "كسا الخليفة الكعبة، وهزم الأمير الجند" فليس في العقل امتناع أن يكسو الخليفة نفسه الكعبة، ولا أن يهزم الأمير وحده الجند،
__________
= الإسناد إلى المبتدأ على أنه قد ذكر من أمثلة الحقيقة العقلية فيما سبق -خالق الأفعال كلها هو الله- وهذا الجواب لا يأتي فيه، وقد ذكر عبد القاهر من المجاز العقلي قول الخنساء "البسيط":
ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
وهذا مبتدأ وخبر، وإنما جعله مجازا؛ لأن كلا من الإقبال والإدبار لم يحمل على الناقة حمل مواطأة وإن كان وصفا لها, وعبد القاهر حجة في هذا الفن. وقد قيل: إنه مجاز مرسل من إطلاق الصفة وإرادة الموصوف، وقيل: إنه على حذف مضاف تقديره: ذات إقبال، والحق أنه لا داعي إلى هذا التكلف؛ لأنها تقصد المبالغة بالإخبار بالمصدر من غير تأويل أو حذف، ويمكن أن يؤخذ من اقتصار الخطيب على الاعتراض بمثل "الإنسان حيوان" أن الذي لا يسمى عنده حقيقة ولا مجازا هو الذي يكون الخبر فيه جامدا لا فعلا أو في معناه، ولكنهم قالوا: إن مذهبه أعم من ذلك.
1 لأنهما دخلا في تعريفه لها بزيادته قيد "في الظاهر"، وقد أهمله السكاكي.
2 المفتاح ص208.
3 هو من ينسب الأفعال إلى الدهر.
4 هو بيت الصلتان العبدي السابق.
(1/57)

ولا يقدح ذلك في كونهما من المجاز العقلي، وإنما قلت: "لضرب من التأول"؛ ليُحْتَرَز به عن الكذب؛ فإنه لا يسمى مجازا مع كونه كلاما مفيدا خلاف ما عند المتكلم، وإنما قلت: "إفادة للخلاف لا بواسطة وضع"؛ ليحترز به عن المجاز اللغوي في صورة، وهي إذا ادُّعي أن "أنبت" موضوع لاستعماله في القادر المختار، أو وُضع لذلك"1.
وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم بطلان طرده بما ذُكر؛ لخروجه بقوله: "لضرب من التأول" ولا بطلان عكسه بما ذكر؛ إذ المراد بخلاف ما عند العقل خلاف ما في نفس الأمر2. وفي كلام الشيخ عبد القاهر3 إشارة إلى ذلك؛ حيث عرّف الحقيقة العقلية بقوله: "كل جملة وضعتها على أن الحكم المفاد بها على ما هو عليه في العقل واقع موقعه"؛ فإن قوله: "واقع موقعه" معناه في نفس الأمر، وهو بيان لما قبله4.
وكذا في كلام الزمخشري، حيث عرف المجاز العقلي بقوله: "وأن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له"، فإن قوله: "في الحقيقة" معناه في نفس الأمر، ونحو: "كسا الخليفة الكعبة" إذا كان الإسناد فيه مجازا كذلك.
ثم القول بأن الفعل موضوع لاستعماله في القادر، ضعيف؛ وهو معترف بضعفه، وقد رده في كتابه بوجوه: منها أن وضع الفعل لاستعماله في القادر قيد لم ينقل عن واحد من رواة اللغة، وترك القيد دليل في العرف على الإطلاق؛ فقوله:
__________
1 الفرق بين الأمرين أن "أنبت" على الأول موضوع لإخراج النبات مطلقا، ولكنه لا يستعمل إلا في القادر المختار، وعلى الثاني يكون موضوعا لإخراج القادر المختار النبات.
2 فلا يخرج نحو: "هزم الأمير الجند"؛ لأنه خلاف ما في نفس الأمر؛ لأن الذي يهزم الجند جيشه.
3 أسرار البلاغة ص249، مطبعة الاستقامة.
4 يعني قوله: "على ما هو عليه في العقل" وهو جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر "أن" قبله، وهذا بيان له.
(1/58)

"إفادة للخلاف لا بواسطة وضع" لا حاجة إليه، وإن ذُكر فينبغي أن لا يذكر إلا بعد ذكر الحد على المذهب المختار، على أن تمثيله بقول الجاهل: "أنبت الربيع البقل" ينافي هذا الاحتراز1.
تنبيه:
قد تبين مما ذكرنا أن المسمى بالحقيقة العقلية والمجاز العقلي -على ما ذكره السكاكي- هو الكلام، لا الإسناد2. وهذا يوافق ظاهر كلام الشيخ عبد القاهر في مواضع من "دلائل الإعجاز"3, وأنه -على ما ذكرناه- هو الإسناد لا الكلام، وهذا ظاهر ما نقله الشيخ أبو عمرو بن الحاجب -رحمه الله- عن الشيخ عبد القاهر، وهو قول الزمخشري في "الكشاف"، وقول غيره، وإنما اخترناه؛ لأن نسبة المسمى حقيقة أو مجازا إلى العقل على هذا لنفسه بلا وساطة شيء, وعلى الأول لاشتماله على ما ينتسب إلى العقل, أعني: الإسناد.
أقسام المجاز العقلي:
ثم المجاز العقلي باعتبار طرفيه -أعني: المسند والمسند إليه- أربعة أقسام لا غير؛ لأنهما إما حقيقتان4؛ كقولنا: "أنبت الربيع البقل"، وعليه قوله "الرجز":
__________
1 لأنه لا يتفق ودعوى أن "أنبت" لا يستعمل إلا في القادر المختار، إذ لو صح هذا يكون مجازا لا حقيقة؛ لإسناد الإنبات فيه إلى الربيع، وهو ليس بقادر مختار، هذا وقد أطال الخطيب هنا في الرد على السكاكي بما لا يحتمله علم البلاغة.
2 قيل: إن السكاكي يرى أن المسمى بهما هو الإسناد؛ لأنه في جميع الباب يقول: "إسناد حقيقة وإسناد مجاز" وما في تعريفه لهما يمكن حمله على التساهل في العبارة.
3 من هذا تعريفه للحقيقة الفعلية وللمجاز العقلي بأنهما كل جملة ... إلخ كما سبق في تعريفه، ويمكن حمل كلامه في هذا على التساهل أيضا؛ لتصريحه في عدة مواضع بأنهما وصفان للإسناد.
4 أي: لغويتان.
(1/59)

فنام ليلي وتجلى همي1
وقوله:
وشيّب أيام الفراق مفارقي2
وقوله:
ونمتِ ما ليل المطي بنائم3
وإما مجازان4 كقولنا: "أحيا الأرضَ شبابُ الزمان"5.
وإما مختلقان: كقولنا: "أنبت البقلَ شبابُ الزمان"، وكقولنا: "أحيا الأرض الربيع" وعليه قول الرجل لصاحبه: "أحيتني رؤيتك" أي: آنستني وسرتني, فقد جعل الحاصل بالرؤية من الأنس والمسرة حياة، ثم جعل الرؤية فاعلة له.
ومثله قول أبي الطيب "من الطويل":
__________
1 هو لرؤبة بن العجاج، وقبله:
يا رب قد فرجت عني غمي ... قد كنت ذا هم وراعي نجم
وقوله: "تجلى" بمعنى انكشف، والشاهد في قوله: "نام ليلي".
2 قيل: إنه لجرير من قوله "الطويل":
وشيب أيام الفراق مفارقي ... وأنشزن نفسي فوق حيث تكون
ولكنه لا يوجد في ديوانه، وقوله: "أنشزن" بمعنى: رفعن، وقوله: "تكون" مأخوذ من كان التامة، والمعنى: أيام الفراق رفعت نفسه عن مكانها في الجسم وبلغت بها الحلقوم، والشاهد في قوله: "وشيب أيام الفراق".
3 هو لجرير من قوله "من الطويل":
لقد لمُتِنِي يا أم غيلان في السرى ... ونمتِ وما ليل المطي بنائم
وأم غيلان: ابنته، والسرى: السير ليلا، والشاهد في قوله: "وما ليل المطي بنائم", والمعنى: أنه لا يقطع السير بالليل ولا ينام.
4 أي: لغويان.
5 فإحياء الأرض مجاز عن خصبها، وشباب الزمان مجاز عن الربيع، وفي اجتماع المجاز اللغوي والمجاز العقلي طرافة تجعل لذلك التقسيم فائدة.
(1/60)

وتُحيي له المالَ الصوارمُ والقنا ... ويقتل ما تُحيي التبسم والجدا1
جعل الزيادة والوفور حياة للمال، وتفريقه في العطاء قتلا له، ثم أثبت الإحياء فعلا للصوارم، والقتل فعلا للتبسم، مع أن الفعل لا يصح منهما. ونحوه قولهم: "أهلك الناس الدينار والدرهم" جعلت الفتنة إهلاكا، ثم أثبت الإهلاك فعلا للدينار والدرهم.
وقوع المجاز العقلي في القرآن:
وهو في القرآن كثير2؛ كقوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2] . نُسبت الزيادة التي هي فعل الله إلى الآيات لكونها سببا فيها، وكذا قوله تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} [فصلت: 23] ، ومن هذا الضرب قوله: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ} [القصص: 4] فإن الفاعل غيره، ونسب الفعل إليه؛ لكونه الآمر به، وكقوله: {يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} [الأعراف: 27] نُسب النزع الذي هو فعل الله تعالى إلى إبليس؛ لأن سببه أكل الشجرة، وسبب أكلها وسوسته ومقاسمته إياهما إنه لهما لمن الناصحين، وكذا قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم: 28] ، نسب الإحلال الذي هو فعل الله إلى أكابرهم؛ لأن سببه كفرهم، وسبب كفرهم أمر أكابرهم إياهم بالكفر، وكقوله تعالى: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} [المزمل: 17] نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه، كقولهم: "نهاره صائم"، وكقوله تعالى: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} 3.
__________
1 هو لأحمد بن الحسين, المعروف بأبي الطيب المتنبي من قصيدة له في مدح سيف الدولة، والصوارم: السيوف القاطعة، والقنا: الرماح، واحدها: قناة، والجدا: العطاء.
2 يريد بالنص على وجود المجاز العقلي في القرآن الرد على من ينكر وجود المجاز مطلقا في القرآن؛ لأنه يوهم الكذب، والقرآن منزه عنه، ورُد بأنه لا إيهام مع وجود القرينة.
3 الزلزلة: 2. فقد نسب فيه الإخراج إلى مكانه وهو الأرض، مع أن الله هو المخرج للدفائن وهي الموتى. وقيل: إن الإسناد للمفعول؛ لأنه على تقدير "من"؛ أي: أخرج الله من الأرض.
(1/61)

المجاز في الإنشاء: وهو غير مختصّ بالخبر1؛ بل يجري في الإنشاء، كقوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا} 2 وقوله: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا} 3 وقوله: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} 4.
تقسيم قرينة المجاز:
ولا بد له من قرينة: إما لفظية؛ كما سبق في قول أبي النجم، أو غير لفظية؛ كاستحالة صدور المسند من المسند إليه المذكور5, أو قيامه به6 عقلا؛ كقولك: "محبتك جاءت بي إليك"7, أو عادة، كقولك: "هزم الأمير الجند، وكسا الخليفة الكعبة، وبنى الوزير القصر"، وكصدور8 الكلام من المُوَحِّد9 في مثل قوله:
__________
1 مثله الحقيقة العقلية كما سبق.
2 سورة غافر: الآية 36. والشاهد في نسبة البناء لهامان، وليس هو الذي يفعله، وإنما يأمر به؛ لأنه كان وزيرا لفرعون، فيكون من الإسناد للسبب. والمجاز العقلي يجري أيضا في كل أنواع الإنشاء مع ملابسات الفعل السابقة.
3 سورة القصص: الآية 38. والشاهد في نسبة الإيقاد لهامان؛ لأنه بسببه.
4 سورة طه: الآية 117. والشاهد في نسبة الإيقاد لإبليس؛ لأنه بسببه.
5 أي: في الكلام، وهو المسند إليه المجازي؛ لأنه هو الذي يذكر في المجاز العقلي.
6 هذا معطوف على قوله: "صدور"؛ لأن الصدور الحدوث، والقيام الاتصاف، والأول مثل "ضرب" والثاني مثل "قرب وبعد".
7 لظهور استحالة قيام المجيء بالمحبة، وهذا إنما يجري على مذهب المبرد في باء التعدية، فهي تقضي عنده بمشاركة الفاعل للمفعول في الفعل، وهي عند سيبويه بمعنى همزة النقل في نحو: "أذهبت زيدا" أي: جعلته ذاهبا، فتكون المحبة عنده حاملة فقط على المجيء، وليس في هذا مجاز عقلي.
8 عطف على "كاستحالة".
9 المراد به المُوَحِّد الكامل بخلاف المعتزلة، والقرينة هنا حالية، وإنما لم يكن هذا من الاستحالة العقلية؛ لأن المراد بها الاستحالة الضرورية التي لا خلاف فيها، وما هنا محل خلاف بين المؤمن والدهري، والمعتزلة من الموحدين يقولون بتأثير الأسباب العادية، فلا يكون الإسناد إليها مجازا عندهم.
(1/62)

"أشاب الصغير ... "1 البيت.
دقة مسلكه: واعلم أنه ليس كل شيء يصلح لأن تتعاطى فيه المجاز العقلي بسهولة، بل تجدك في كثير من الأمر تحتاج إلى أن تهيئ الشيء وتصلحه له بشيء تتوخاه في النظم؛ كقول من يصف جملا "من الطويل":
تجوب له الظلماء عين كأنها ... زجاجة شرب غير ملأى ولا صفر2
يريد أنه يهتدي بنور عينه في الظلماء، ويمكنه بها أن يخرقها ويمضي فيها، ولولاها لكانت الظلماء كالسد الذي لا يجد السائر شيئا يفرجه به، ويجعل لنفسه فيه سبيلا، فلولا أنه قال: "تجوب له" فعلق "له" بـ "تجوب" لما تبين جهة التجوز في جعل الجَوْب فعلا للعين كما ينبغي؛ لأنه لم يكن حينئذ في الكلام دليل على أن اهتداء صاحبها في الظلمة ومضيه فيها بنورها، وكذلك لو قال: "تجوب له الظلماء عينه" لم يكن له هذا الموقع، ولا نقطع السلك من حيث كان يعيبه حينئذ أن يصف العين بما وصفها به3.
الخلاف في استلزامه الحقيقة:
واعلم أن الفعل المبني للفاعل في المجاز العقلي واجب أن يكون له فاعل في التقدير، إذا أسند إليه صار الإسناد حقيقة؛ لما يُشعر
__________
1 أي: الصلتان العبدي فيما سبق ص55.
2 لا يعلم قائله، وقبله:
تناس طلاب العامرية إذ نأت ... بأسجح مرقال الضحا قلق الضفر
إذا ما أحسته الأفاعي تخيرت ... شواة الأفاعي من مكلمة سمر
والشرب: جمع شارب، والصفر: الخالية، والمجاز في إسناد "تجوب" إلى العين، وإنما قيد الزجاجة بكونها غير ملأى ولا صفر؛ لأن العين إنما تشبهها في هذه الحالة.
3 لأن تنكيرها هو الذي هيأ له وصفها به.
(1/63)

بذلك تعريفه بما سبق1.
وذلك قد يكون ظاهرا؛ كما في قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة:16] أي: فما ربحوا في تجارتهم، وقد يكون خفيا لا يظهر إلا بعد نظر وتأمل؛ كما في قولك: "سرتني رؤيتك" أي: سرني الله وقت رؤيتك، كما تقول: أصل الحكم في "أنبت الربيع البقل": أنبت الله البقل وقت الربيع، وفي "شفى الطبيب المريض": شفى الله المريض عند علاج الطبيب، وكما في قوله: "أقدَمَني بلدك حق لي على فلان" أي: أقدمتني نفسي بلدك لأجل حق لي على فلان، أي: قدمتُ لذلك، ونظيره: "محبتك جاءت بي إليك" أي: جاءت بي نفسي إليك لمحبتك، أي: جئتك لمحبتك، وإنما قلنا: إن الحكم فيهما مجاز؛ لأن الفعلين فيهما مسندان إلى الداعي2، والداعي لا يكون فاعلا. وكما في قول الشاعر "مجزوء الوافر":
وصيرني هواك وبي ... لِحَيْني يُضرَب المثل3
أي: وصيرني الله لهواكِ وحالي هذه، أي: أهلكني الله ابتلاء بسبب هواك.
وكما في قول الآخر, وهو أبو نُواس "مجزوء الوافر":
__________
1 يرد بهذا على ما يفيده ظاهر كلام عبد القاهر من أن الفعل المبني للفاعل في المجاز العقلي لا يجب أن يكون له فاعل حقيقي، كما في قولك: "سرتني رؤيتك"، والخلاف في هذا لا ثمرة له ولا يصح الاشتغال به في علم البلاغة، ولا يريد عبد القاهر إلا أن العرف في مثل هذا لم يجرِ بإسناد الفعل إلى الفاعل الحقيقي؛ فلا يقال فيه: سرني الله عند رؤيتك.
2 يعني: الداعي إلى الفعل، وهو السبب.
3 هو -كما في الأغاني- لأبي عبد الله محمد بن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي، وقيل: إنه لابن البواب، وقبله:
أتيتكِ عائذا بك منـ ... ـكِ لما ضاقت الحيل
وبعده:
فإن ظفرت بكم نفسي ... فما لاقيته جلل
وإِنْ قتل الهوى رجلا ... فإني ذلك الرجل
والحين في الأصل: الهلاك، استُعير لما وصل إليه من سوء الحال في هواه.
(1/64)

يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا1
أي: يزيدك الله حسنا في وجهه، لما أُودعه من دقائق الجمال متى تأملتَ.
إنكار السكاكي له: وأنكر السكاكي2 وجود المجاز العقلي في الكلام3، وقال: "الذي عندي نظمه في سلك الاستعارة بالكناية، بجعل الربيع استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي4 بواسطة المبالغة في التشبيه، على ما عليه مبنى الاستعارة، كما سيأتي, وجعل نسبة الإنبات إليه قرينة للاستعارة، وبجعل الأمير المدبر لأسباب هزيمة العدو استعارة بالكناية عن الجند الهازم، وجعل نسبة الهزم إليه قرينة
__________
1 هو للحسن بن هانئ, المعروف بأبي نواس. والمراد بالحسن: حسن الوجه وجماله، وليس المراد به استحسان الناظر إليه. ورواية الديوان "من الوافر":
وجوه عندنا تحكي ... بدارة وجهها القمرا
يزيدك وجهها حسنا
إذا ما زدته نظرا
وقيل: إن البيت لابن المعدل، وقبله:
لعتبة صفحتا قمر ... يفوق سناهما القمرا
يريد: وجهها.
2 المفتاح ص212.
3 ذهب ابن الحاجب أيضا إلى أن المجاز في لفظ "أنبت" مثلا من قولك: "أنبت الربيع البقل" وهو يوافق السكاكي في إنكار المجاز العقلي، وذهب الفخر الرازي إلى إنكاره أيضا، ولكنه يحمل نحو: "أنبت الربيع البقل" على أنه تمثيل يورَد ليتصوّر معناه وينتقل الذهن منه إلى إنبات الله تعالى، فلا مجاز عنده في الإسناد ولا في طرفيه، وذهب سيبويه إلى أنه من التوسع في الكلام فيحتاج فيه إلى التأويل فقط، كما يؤوّل: "نام ليلي" بأنه على تقدير: نمت في ليلي؛ فجملة المذاهب في ذلك خمسة، والخلاف بينهم فيها مما لا يصح الاشتغال به في هذا العلم، وأقربها إلى أسلوب اللغة جعل التجويز في الإسناد، كما ذهب إليه الخطيب، وهو مذهب عبد القاهر إمام هذا الفن؛ لأنه لا تكلف فيه كغيره من المذاهب.
4 هو الله تعالى، وإنما لم يصرح به ليبتعد عن سوء الأدب في التشبيه من اللفظ. وما كان أغنى السكاكي عن ذلك المذهب الذي يُحْوِج إلى هذا التكلف.
(1/65)

للاستعارة".
وفيما ذهب إليه نظر؛ لأنه يستلزم أن يكون المراد بعيشة في قوله تعالى: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [الحاقة: 21] صاحب العيشة لا العيشة1، وبـ "ماء" في قوله: {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق: 6] فاعل الدفق لا المَنِيّ2؛ لما سيأتي في تفسيره للاستعارة بالكناية3، وأن لا تصح الإضافة في نحو قولهم: "فلان نهاره صائم, وليله قائم"؛ لأن المراد بالنهار على هذا فلان نفسه، وإضافة الشيء إلى نفسه لا تصح. وأن لا يكون الأمر بالإيقاد على الطين في إحدى الآيتين4 -وبالبناء فيهما- لهامان5 مع أن النداء له6, وأن يتوقف جواز التركيب في نحو قولهم: "أنبت الربيع البقل، وسرتني رؤيتك" على الإذن الشرعي؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، وكل ذلك منتفٍ ظاهر الانتفاء.
ثم ذكره منقوص بنحو قولهم: "فلان نهاره صائم"؛ فإن الإسناد فيه مجاز، ولا يجوز أن يكون النهار استعارة بالكناية عن فلان؛ لأن ذكر طرفي التشبيه يمنع من حمل الكلام على الاستعارة، ويوجب حمله على التشبيه، ولهذا عُد نحو قولهم: "رأيت بفلان أسدا، ولقيني منه أسد" تشبيها لا استعارة، كما صرح السكاكي أيضا
__________
1 وجه اللزوم أن ضمير "راضية" يعود إلى عيشة، فيلزم أن يكونا بمعنى واحد، ووجه بطلان اللازم ما فيه من ظرفية الشيء في نفسه.
2 لأن ضمير "دافق" يعود إلى ماء، فيلزم أن يكونا بمعنى واحد، ووجه بطلان اللازم ما فيه من إثبات خلق الإنسان من نفسه.
3 ما سيأتي هو أن مبناها عنده على دعوى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به.
4 أي: السابقتين, وهما: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا} [غافر: 36] , {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا} [القصص: 38] .
5 بل يكون للعَمَلَة الذين شُبه هامان بهم.
6 فيكون الأمر له؛ لئلا يلزم تعدد المخاطب في كلام واحد.
(1/66)

بذلك في كتابه1.
تنبيه: سبب عدم إيراد الحقيقة والمجاز العقليين في علم البيان
إنما لم نورد الكلام في الحقيقة والمجاز العقليين في علم البيان -كما فعل السكاكي ومن تبعه- لدخوله في تعريف علم المعاني, دون تعريف علم البيان2.
__________
1 أجاب أصحاب الحواشي عن السكاكي بأجوبة أعرضنا عنها؛ لأنها لا يصح التطويل بها في علم البلاغة. والحق أن المجاز العقلي طريقه غير طريق الاستعارة بالكناية؛ لأنها تقوم على علاقة المشابهة كغيرها من الاستعارات، بخلافه؛ فلا يصح حمله عليها.
2 بيان ذلك: أن الحقيقة والمجاز العقليين حالان من أحوال اللفظ، وأنه يؤتى بهما لأحوال تقتضيهما؛ لأن ملابسات الفعل السابقة تقتضي الإتيان بالمجاز العقلي عند قصد المبالغة، وعدمها يقتضي الإتيان بالحقيقة العقلية، وبهذا يدخلان في تعريف علم المعاني، وإنما لم يدخلا في تعريف علم البيان؛ لأنهما ليسا من أحوال الدلالة. وقد اعترض على هذا بأن الحقيقة والمجاز اللغويين حالان من أحوال اللفظ أيضا، وكل منهما له أحوال تقتضيه كالحقيقة والمجاز العقليين، وقد ذكرهما الخطيب كغيره في علم البيان، فإذا أجيب بأنهما من أحوال الدلالة فيدخلان في علم البيان، قيل: إنه يمكن جعل الحقيقة والمجاز العقليين من أحوال الدلالة أيضا؛ لأن إنبات البقل مثلا يمكن أن يدل عليه بقولنا: "أنبت الله البقل" على طريق الحقيقة، وبقولنا: "أنبت الربيع البقل" على طريق المجاز، وهكذا، ولكن هذا يتوقف على دخول دلالة الحقيقة في طرق الدلالة المذكورة في تعريف علم البيان.
(1/67)

تمرينات على الحقيقة والمجاز العقليين:
تمرين1:
بَيِّن الحقيقة والمجاز العقليين, والأحوال الداعية إليهما فيما يأتي:
1- فدعها وسل الهم عنها بحسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا
2- إني لمن معشر أفنى أوائلهم ... قِيلُ الكماة ألا أين المحامونا
3- إن المُنْبَتَّ لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى.
4- قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [النحل: 65] .
تمرين2:
بَيِّن نوع الملابسة فيما يأتي, من المجاز العقلي:
1- هي الأمور كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته أزمان
2- وكل امرئ يُولي الجميل ... وكل مكان يُنبت العز طيب
3- قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [يونس: 67] .
تمرين3:
1- ما وجه من جعل الحقيقة والمجاز العقليين من علم المعاني؟ وما وجه من جعلهما من علم البيان؟ وهل لهذا الخلاف ثمرة في البلاغة؟
2- بين الخلاف في كون الحقيقة والمجاز العقليين وصفين للكلام أو للإسناد؟ وما هي ثمرة هذا الخلاف في المقصود من علوم البلاغة؟
(1/68)

الباب الثاني: القول في أحوال المسند إليه
أغراض حذف المسند إليه:
أما حذفه: فإما لمجرد الاختصار1 والاحتراز عن العبث بناء2 على الظاهر.
وإما لذلك مع ضيق المقام3.
وإما لتخييل4 أن في تركه تعويلا على شهادة العقل، وفي ذكره تعويلا على شهادة اللفظ من حيث الظاهر, وكم بين الشهادتين!
وإما لاختبار تنبه السامع له عند القرينة5، أو مقدار تنبهه6.
__________
1 الحذف: هو حال المسند إليه، وكذا ما سيأتي من الذكر والتعريف والتنكير والتقديم والتأخير، ومجرد الاختصار وما عُطف عليه هي الأحوال الداعية إلى الحذف، وهذا يقال في الحذف مما يأتي، وهذه الأحوال تسمى أغراضا أيضا.
والاختصار غرض مطرد في الحذف؛ فتارة يكون وحده، وتارة يكون مع غيره من أغراض الحذف، وحذف المسند إليه يشمل حذف المبتدأ وحذف الفاعل مع إنابة المفعول عنه.
2 بناء: حال من العبث، أي: حال كون العبث مبنيا على الظاهر بأن تكون هناك قرينة تدل على المحذوف؛ لأنه لا يصح حذفه من غير قرينة تدل عليه، وظاهره أن الاختصار والاحتراز عن العبث غرضان لا ينفصل أحدهما عن الآخر.
3 ضيق المقام قد يكون بسبب شعر أو ضجر أو خوف فوات فرصة أو نحو ذلك.
4 إنما قال: "تخييل"؛ لأن الدال حقيقة عند الحذف هو اللفظ المدلول عليه بالقرينة، وهذه نكتة فلسفية أتى بها السكاكي في أغراض الحذف، وليست في شيء من البلاغة العربية.
5 هذا كأن يزورك رجلان سبقت لأحدهما صحبة لك، فتقول لمن معك: "وَفِيّ" تريد: الصاحب وَفِيّ.
6 هذا كأن يزورك رجلان أحدهما أقدم صحبة من الآخر، فتقول لمن معك: "جدير بالإحسان" تريد: الأقدم صحبة جدير بالإحسان، والفرق بين هذا وما قبله أن اختيار مقدار التنبه لا يكون إلا في القرائن الخفية. وهذا الغرض بقسميه من تكلفاتهم أيضا.
(1/69)

وإما لإيهام أن في تركه تطهيرا له عن لسانك، أو تطهيرا للسانك عنه1.
وإما ليكون لك سبيل إلى الإنكار إن مست إليه حاجة2.
وإما لأن الخبر لا يصلح إلا له، حقيقة أو ادعاء3.
وإما لاعتبار آخر مناسب لا يهتدي إلى مثله إلا العقل السليم والطبع المستقيم4, كقول الشاعر "من الخفيف":
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل ... سهر دائم وحزن طويل5
__________
1 قيل: إن لفظ "إيهام" هنا لا داعي إليه، وكذلك لفظ "تخييل" فيما سبق؛ لأن ذلك يقع حقيقة لا تخييلا ولا إيهاما، والأول كقولك: "خاتم الأنبياء" أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني سيأتي في أمثلة الإيضاح.
2 هذا كقولك: "فاجر" تريد رجلا معروفا، فلا تذكره لتقول عند الحاجة ما أردته.
3 الأول كقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 9] ، والثاني كقولك: "وَهّاب الألوف" تريد كريما, لا تذكره ادعاء لتعينه وشهرته.
4 من ذلك تعجيل المسرة أو المساءة كقولك للسائل: "دينار". ومنه المحافظة على وزن أو سجع؛ كقولهم: "من طابت سريرته حمدت سيرته". فلو قيل: "حمد الناس سيرته" لفات السجع، وإني أرى أن هذا غرض يراعى من أجل محسن بديعي، فلا يفوت بتركه إلا ذلك المحسن، ولا يكون مقامه في البلاغة كغيره، وقد ذكر بعضهم من أغراض الحذف اتباع الاستعمال الوارد على تركه، كما في قولهم: "رمية من غير رام" أو على ترك نظائره؛ كالرفع على المدح أو الذم في النعت المقطوع، واعتُرض عليه بأن الحذف في ذلك ليس لأغراض بلاغية، وإنما يرجع إلى اقتضاء العربية له، وأجيب بأن هذا الحذف مع وجوبه عربية لا يصار إليه إلا لغرض بلاغي يقتضيه، وهو جواب ظاهر الضعف؛ لأنه لا معنى لتوقف الحذف على الغرض البلاغي مع وجوبه في ذاته؛ إذ لا بد منه, وجد هذا الغرض أو لم يوجد.
5 لا يعلم قائله، والشاهد في قوله: "عليل"؛ لأن التقدير: أنا عليل, وفي قوله: "سهر دائم"؛ لأن التقدير: حالي سهر دائم، والحذف فيه للاختصار والاحتراز عن العبث مع ضيق المقام بسبب الضجر والشعر.
(1/70)

وقوله "من الطويل":
سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تُمْنَن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت1
وقوله "من الطويل":
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
نجوم سماء كلما انقض كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه2
وقول بعض العرب في ابن عم له موسر، سأله، فمنعه، وقال: كم أعطيك مالي وأنت تنفقه فيما لا يعنيك، والله لا أعطينّك. فتركه حتى اجتمع القوم في ناديهم وهو فيهم، فشكاه إلى القوم وذمه، فوثب إليه ابن عمه فلطمه، فأنشأ يقول "من الطويل":
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع
__________
1 هما لعبد الله بن الزبير الأسدي في مدح عمرو بن عثمان بن عفان، وقيل: إنهما لإبراهيم بن العباس الصولي، وقيل غير هذا في نسبتهما، وأيادي بدل اشتمال من عمرو، والتقدير: أيادي له، وهي جمع أيدي بمعنى النعم، وأيدي جمع يد، وقوله: "لم تمنن" معناه لم تقطع أو لم تخلط بمنة, وقوله: "إذا النعل زلت" كناية عن نزول الشر، وزلت بمعنى زلقت. والشاهد في قوله: "فتى"؛ لأن التقدير هو فتى، والحذف فيه للاختصار والاحتراز عن العبث مع ضيق المقام بسبب الشعر، وقد قيل: إنه لصون المحذوف عن لسان المادح، وقيل: إنه لادعاء تعينه، وكلاهما ضعيف؛ لأنه صرح باسمه قبله.
2 قيل: إنهما لحنظلة بن الشرفي, المعروف بأبي الطمحان القيني, وقيل: للقيط بن زرارة في مدح "بني لأم" من طيئ، وهو الصحيح، وكان في أسر بجير بن أوس الطائي فأطلقه فمدحه بذلك. والجزع: خرز فيه بياض وسواد، والشاهد في قوله: "نجوم سماء"؛ لأن التقدير: هم نجوم سماء، والحذف فيه للاختصار والاحتراز عن العبث مع ضيق المقام بسبب الشعر، وقيل: إنه لصون المحذوف عن لسان المادح. هذا, وبعضهم يأخذ على البيت الأول ما فيه من المبالغة التي جاوزت الحد، وبعضهم يعجب به ويقول: هو أمدح بيت قيل في الجاهلية.
(1/71)

حريص على الدنيا مضيع لدينه ... وليس لما في بيته بمضيع1
وعليه قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة: 18] وقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ} [القارعة: 10، 11] ، وقيام القرينة شرط في الجميع2.
أغراض ذكر المسند إليه:
وأما ذكره؛ فإما لأنه الأصل، ولا مقتضي للحذف3.
__________
1 هما للمغيرة بن عبد الله, المعروف بالأقيشر الأسدي. والندى: الكرم.
والشاهد في قوله: "سريع إلى ابن العم"؛ لأن التقدير: هو سريع، والحذف فيه لصون اللسان عن المحذوف مع الاختصار والاحتراز عن العبث.
2 أي: في جميع أغراض الحذف؛ لأنه لا يصح الحذف إلا معه، واعتبار البلاغة إنما يكون بعد اعتبار الصحة، وقد يغني عن هذا قوله فيما سبق: "بناء على الظاهر".
هذا, وقد ترك أمثلة حذف المسند إليه الفاعل مع إنابة المفعول عنه، ومن ذلك هذه الأمثلة:
-
سُبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... مُنعنا بها من جيئة وذهوب "الطويل"
-
نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد "البسيط"
-
أسرت وما صحبي بعُزل لدى الوغى ... ولا فرسي مهر ولا ربه غمر "الطويل"
-
لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب "الطويل"
والحذف في الأول للعلم بالمحذوف، وفي الثاني للخوف عليه، وفي الثالث لضيق المقام، وفي الرابع لاحتقار المحذوف.
3 إنما قدم أغراض الحذف على أغراض الذكر؛ لأن الأولى أهم في البلاغة من الثانية، والذكر الذي يُبحث عن أغراضه هو الذي يصح الاستغناء عنه لوجود القرينة، فوجودها شرط في الذكر كما هو شرط في الحذف؛ لأنه مع فقدها يتعين الذكر، وإنما يُبحث في هذا العلم عن الأغراض المرجحة كما سبق. وقد اعتُرض على هذا الغرض بأنه مع وجود القرينة يكون مقتضى الحذف موجودا، ويكون الأصل الحذف، لا الذكر، وأجيب بأنه يريد لا مقتضى الحذف في قصد المتكلم وإن كان موجودا في نفسه. وإني أرى أنه متى وجدت القرينة يتعين الحذف بلاغة، ولا يصح الذكر لمثل هذا الغرض؛ فالأولى الاقتصار على ما بعده. وقيل: إن مراده أن الذكر هو الأصل عند فقد القرينة؛ ويكون ما بعده من الأغراض عند وجودها، ولا يخفى ضعف هذا الجواب أيضا.
(1/72)

وإما للاحتياط لضعف التعويل على القرينة1. وإما للتنبيه على غباوة السامع2. وإما لزيادة الإيضاح والتقرير3. وإما لإظهار تعظيمه أو إهانته كما في بعض الأسامي المحمودة أو المذمومة4. وإما للتبرك بذكره5. وإما لاستلذاذه6. وإما لبسط الكلام حيث الإصغاء مطلوب؛ كقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {هِيَ عَصَايَ} [طه: 18] ؛ ولهذا زاد على الجواب7. وإما لنحو ذلك8.
__________
1 هذا عند خفاء القرينة؛ كما تقول: "من حضر ومن سافر؟ " فيقال: "الذي حضر زيد، والذي سافر عمرو"، ولا يقال: زيد وعمرو؛ لأن السامع قد يجهل تعيين ذلك من السؤال.
2 هذا عند ظهور القرينة، كما تقول: من حضر؟ فيقال: "الذي حضر زيد".
3 نحو قول الشاعر "من الوافر":
وقد علم القبائل من معد ... إذا قُبَب بأبطحها بُنينا
بأنا المطعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا ابتُلينا
وأنا المانعون لما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا
وأنا التاركون إذا سخطنا ... وأنا الآخذون إذا رضينا
4 الأول نحو: "أمير المؤمنين حاضر"، والثاني نحو: "السارق اللئيم حاضر" جوابا لمن سأل عنهما.
5 كقولك لمن سألك: هل الله يرضى هذا؟ الله يرضاه.
6 نحو قول الشاعر "من البسيط":
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر
7 فقال: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} ، وكل هذا لأن الكلام مع رب العزة، وإصغاء المخاطب في مثل هذا مطلوب للمتكلم، والإصغاء محال على الله تعالى، ولكن كلامه يجري على أساليب العربية، بقطع النظر عن كونه كلامه.
وقد يطلب بسط الكلام لغير ذلك من مقامات المدح والرثاء والفخر ونحوها؛ كقول الشاعر "من الوافر":
فعباس يصد الخطب عنا ... وعباس يجير من استجارا
8 كالتسجيل على السامع حتى لا يتأتى له الإنكار، ومنه قول الفرزدق في علي بن الحسين -رضي الله عنهما- حين أنكر هشام بن عبد الملك معرفته "من البسيط":
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العَلَم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد خُتموا
(1/73)

قال السكاكي1: "وإما لكون الخبر عام النسبة إلى كل مسند إليه، والمراد تخصيصه بمعين2؛ كقولك: "زيد جاء، وعمرو ذهب، وخالد في الدار" وقوله "من الكامل":
الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل3
وقوله "من الكامل":
النفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا تُرد إلى قليل تقنع"4
وفيه نظر؛ لأنه إن قامت قرينة تدل عليه إن حُذف، فعموم الخبر وإرادة تخصيصه بمعين وحدهما لا يقتضيان ذكره، وإلا فيكون ذكره واجبا5.
__________
1 المفتاح ص95.
2 أي: ذكر مسند إليه خاص يسند إليه الخبر، فلا يريد بالتخصيص قصر الخبر عليه؛ لأنه لا قصر فيما ذكره من الأمثلة، وقيل: إنه يريد به القصر على ما سيأتي في تقديم المسند إليه. ورُدّ بأن هذا خلاف مذهب السكاكي؛ لأنه يرى أن المبتدأ إذا كان اسما ظاهرا لا يفيد القصر كما سيأتي.
3 هو لامرئ القيس بن حندج بن حجر، واختار صاحب الأغاني أنه لامرئ القيس بن عابس. وأنجح: أفعل تفضيل من: "أنجح الله طلبته" على مذهب سيبويه في تجويز بنائه من المزيد, و"ما" في قوله: "ما طلبت به" نكرة موصوفة، بمعنى شيء، والبر: الطاعة، والحقيبة: ما يوضع فيه الزاد ونحوه، والرحل: الرحيل.
4 هو لخويلد بن خالد, المعروف بأبي ذؤيب الهذلي، وقوله: رغبتها بمعنى: أطمعتها. ورواية الجمهرة: "والنفس" بالواو.
5 أجيب عن هذا النظر بأنه لا مانع من أن يكون ذكره لعدم القرينة وللتخصيص بمعين معا، ولا يخفى ضعف هذا الجواب؛ لما سبق من وجوب القرينة في الذكر، كالحذف.
(1/74)

تمرينات على الذكر والحذف:
تمرين1:
لماذا حُذف المسند إليه في الأمثلة الآتية:
1-
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع
2-
سألوني في سقامي: ... كيف حالي؟ قلت: نِضْو
3-
وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال: بخيل
تمرين2:
لماذا ذُكر المسند إليه في الأمثلة الآتية:
1-
وإني لحلو تعتريني مرارة ... وإني لترّاك لما لم أُعَوَّد
2- قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص: 18] .
3- قوله صلى الله عليه وسلم: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".
تمرين3:
بين حال المسند إليه في الذكر والحذف، والداعي إليهما فيما يأتي:
1-
قوّال محكمة نقّاض مبرمة ... فتّاح مبهمة حبّاس أوراد
2- قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 1، 2] .
3-
إن تُبتَدَر غاية يوما لمكرمة ... تلقَ السوابق منا والمصلينا
4- قوله تعالى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] .
(1/75)

أغراض تعريف المسند إليه:
أغراض التعريف: وأما تعريفه فلتكون الفائدة أتم1؛ لأن احتمال تحقق الحكم متى كان أبعد كانت الفائدة في الإعلام به أقوى، ومتى كان أقرب كانت أضعف، وبعده بحسب تخصيص2 المسند إليه، والمسند كلما ازداد تخصيصا ازداد الحكم بعدا، وكلما ازداد عموما ازداد الحكم قربا، وإن شئت فاعتبر حال الحكم في قولنا: "شيء ما موجود"، وفي قولنا: "فلان بن فلان يحفظ الكتاب"، والتخصيص: كماله بالتعريف.
أغراض التعريف بالإضمار: ثم التعريف مختلف؛ فإن كان بالإضمار: فإما لأن المقام مقام التكلم3؛ كقول بشار "من البسيط":
أنا المرعث لا أخفى على أحد ... ذَرَّتْ بي الشمس للقاصي وللداني4
وإما لأن المقام مقام الخطاب؛ كقول الحماسية "من الطويل":
__________
1 أي: مع اقتضاء المقام له؛ ولهذا آثر عليه التنكير في قوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} [القصص: 20] .
2 المراد بالتخصيص التعيين، وإنما كان التعيين سببا في بعد الحكم؛ لأن كل واحد يعلم حصول ضرب ما مثلا من أي إنسان، ولا يعلم حصول ضرب معين من شخص معين، فتكون الفائدة أتم في الحكم على المعين.
3 لا يخفى أن مقام التكلم يوجب ضمير المتكلم، ومقام الخطاب يوجب ضمير الخطاب، ومقام الغيبة يوجب ضمير الغيبة، ومثل هذا لا يُبحث عنه في البلاغة كما سبق، وإنما هي معانٍ نحوية لا يصح ذكرها في علم البلاغة.
4 المرعث: المقرط لُقب به لرعثة "أي: قرط" كان يعلقها وهو صغير في أذنه. وقوله: "ذرت" معناه طلعت، وهو كناية عن شهرته. والشاهد في قوله: "أنا"؛ لأن المقام للتكلم، وقد علمت ما فيه. والحق أن ضمير التكلم يؤتى به في مقام الفخر ونحوه؛ لما فيه من الإشعار بالاعتداد بالنفس.
(1/76)

وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمتّ بي من كان فيك يلوم1
وإما لأن المقام مقام الغيبة؛ لكون المسند إليه مذكورا أو في حكم المذكور لقرينة2؛ كقوله "من الوافر":
من البيض الوجوه بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا
هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا3
وقوله تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] أي: العدل، وقوله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 11] أي: ولأبوي الميت4.
وأصل الخطاب أن يكون لمعين، وقد يُترك إلى غير معين5؛ كما تقول: "فلان لئيم، إذا أكرمتَه أهانك، وإن أحسنتَ إليه أساء إليكَ" فلا تريد مخاطبا بعينه، بل تريد إن أُكرم أو أُحسن إليه، فتُخرجه في صورة الخطاب؛ ليفيد العموم؛ أي: سوء معاملته غير مختص بواحد دون واحد. وهو في القرآن كثير، كقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [السجدة: 12] أُخرج في صورة الخطاب لما أريد العموم للقصد إلى تفظيع حالهم، وأنها تناهت في الظهور حتى امتنع خفاؤها؛ فلا تختص بها رؤية راءٍ مختص به، بل كل من يتأتى منه الرؤية داخل في هذا الخطاب6.
__________
1 هو لأمامة الخثعمية تخاطب ابن الدمينة الشاعر، وكان يتغزل بها في شعره، ثم تزوجها بعد ذلك، وقد وردت في أكثر شعره "أميمة" بتصغير الترخيم.
2 بهذا يمتاز مقام ضمير الغيبة عن مقام الاسم الظاهر؛ لأنه للغيبة أيضا.
3 هما لأبي البرج القاسم بن حنبل المري، في زفر بن أبي هاشم بن مسعود، وقبلهما:
أرى الخِلّان بعد أبي حبيب ... بحجر في جنابهم خفاء
وبياض الوجه كناية عن السيادة والشرف. والشاهد في ضمائر الغيبة الأربعة في البيتين.
4 المثالان في الآيتين لعود الضمير على ما هو في حكم المذكور، والقرينة في الأول لفظية، وفي الثاني حالية.
5 فيدل على العموم البدلي بطريق المجاز أو الحقيقة. وقيل: إن ذلك من الإخراج على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى} الظاهر فيه: ولو يرى أن كل أحد. ومثل هذا هو الذي يعد من وجوه البلاغة في هذا الباب؛ لما فيه من تلك المزية الظاهرة، ويمكن أن يعد منها الالتفات الآتي، واستعمال ضمير الجمع في الواحد، ونحو ذلك مما لا يدخل في المعاني النحوية للضمائر.
6 منه أيضا قول الشاعر "الطويل":
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها ... هوانا بها كانت على الناس أهونا
وقول الآخر "الوافر":
إذا ما كنت ذا قلب قنوع ... فأنت ومالك الدنيا سواء
(1/77)

أغراض التعريف بالعَلَمِيّة:
وإن كان بالعلمية: فإما لإحضاره بعينه في ذهن السامع ابتداء باسم مختص به1 كقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 2 [الإخلاص: 1] .
وقول الشاعر "من المتقارب":
أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه3
وقوله "من الكامل":
الله يعلم ما تركتُ قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد4
وإما لتعظيمه، أو لإهانته، كما في الكنى، والألقاب المحمودة والمذمومة5.
__________
1 هذا أيضا من استعمال العَلَم في معناه الأصلي، فلا يصح أن يعد من وجوه البلاغة.
2 وإنما تكون الآية من تعريف المسند إليه بالعلمية إذا جُعل لفظ الجلالة مبتدأ ثانيا لا خبرا عن الضمير.
3 هو لمالك بن عويمر المعروف بالمتنخل الهذلي, من قصيدة له في رثاء أبيه، وكان يكنى أبا مالك، والكنية علم. ومعنى قصره فقره على نفسه: أنه لا يسأل أحدا، ومعنى إشاعة غناه: أنه يعطي كل الناس.
4 هو للحارث بن هشام في الاعتذار عن فراره عن أخيه أبي جهل يوم بدر، والأشقر: لون يأخذ من الأحمر والأصفر، ويريد به الدم، والمزبد: الذي له زبد. يعتذر بأنه لم يفر إلا بعد أن جُرح، فعلا دمُه فرسَه.
5 كقولك: "أبو المعالي حضر، وأنف الناقة ذهب". ومثلُ الكنى والألقاب الأعلامُ المنقولة من معانٍ محمودة أو مذمومة.
(1/78)

وإما للكناية حيث الاسم صالح لها1، ومما ورد صالحا للكناية من غير باب المسند إليه قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] أي: جهنميّ.
وإما لإيهام2 استلذاذه، أو التبرك به.
وإما لاعتبار آخر مناسب3.
__________
1 الفرق بين هذا وما قبله أن ما هناك مجرد إشعار، وما هنا يُقصد فيه المعنى اللازم وتُنسى العلمية. وصلاح الاسم للكناية بالنظر إلى أصله قبل العلمية، وقيل: إنه لا يراد بالكناية هنا معناها الاصطلاحي الآتي في علم البيان؛ لأنه لا يكنى بأبي لهب عن جهنميّ باعتبار معناها المستعمل فيه وهو الذات المخصوصة، وهذا لا بد منه في الكناية الاصطلاحية.
2 لا معنى لإقحام لفظ "إيهام"؛ لأن التبرك والاستلذاذ حاصلان تحقيقا، وذلك كقول الشاعر "من البسيط":
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر
3 كالتفاؤل والتطير, نحو: "سعد في دارك، والسفاح في دار صديقك".
(1/79)

أغراض التعريف بالموصولية:
وإن كان بالموصولية: فإما لعدم علم المخاطب بالأحوال المختصة به سوى الصلة1 كقولك: "الذي كان معنا أمس رجل عالم".
وإما لاستهجان التصريح بالاسم.
وإما لزيادة التقرير، نحو قوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} [يوسف: 23] فإنه مسوق لتنزيه يوسف -عليه السلام- عن الفحشاء، والمذكور أدل عليه من "امرأة العزيز" وغيره2.
__________
1 هذا أيضا معنى لغوي لاسم الموصول، فلا يصح عده في وجوه البلاغة.
2 لأنه إذا كان في بيتها وتمكن منها ولم يفعل، كان هذا أقوى في نزاهته. والآية تصلح أيضا مثالا لغرض استهجان التصريح بالاسم لقُبح الفعل المنسوب إليها. ومما عُدِل فيه عن التصريح بالاسم لاستهجانه قول الشاعر "من الرجز":
قالت لتِرْب عندها جالسة ... في قصرها: هذا الذي أراد مَنْ؟
قلت: فتى يشكو الغرام عاشق ... قالت: لمن؟ قالت: لمن قالت: لمن
(1/79)

وإما للتفخيم؛ كقول تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} [طه: 78] .
وقول الشاعر "من البسيط":
مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي1
ومنه في غير هذا الباب قوله تعالى: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} 2 [النجم: 54] .
وبيت الحماسة "من الطويل":
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل: أبعد3
وقول أبي نواس "من الكامل":
ولقد نَهَزْتُ مع الغُواة بدلوهم ... وأَسَمْتُ سرح اللَّحْظ حيث أساموا
وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام4
__________
التكرار في ذلك قبيح, يخل بفصاحته وبلاغته.
1 هو لعبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع، وقيل: إنه لأبي نواس, والضمير في قوله: "بها" للخمر. ومعنى البيت: أنه مضى بالخمر قدر كبير من عقل شاربها، ولا يزال الباقي من الخمر في الزجاجة يطلب الباقي من عقله حتى يذهب به كله.
2 وإنما يكون ما في الآية من غير هذا الباب؛ إذا جُعلت "ما" مفعولا به، فإذا جُعلت فاعلا كانت منه.
3 هو لدريد بن الصمة، وإنما لم يكن من هذا الباب؛ لأن "ما" فيه مفعول به، أي: تعاطي الصبا الذي تعاطاه، ويجوز أن تكون مصدرية ظرفية، والصبا: الميل إلى الصبوة, وهي جهلة الصبيان.
4 هما للحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس، ويقال: "نهز الدلوَ في البئر" إذا ضرب بها في الماء لتمتلئ، ويقال: "أسام الماشية" إذا أخرجها إلى المرعى، والكلام على التمثيل في الموضعين. والإضافة في "سرح اللحظ" من إضافة الصفة إلى الموصوف، والسرح في الأصل: ذهاب الماشية إلى المرعى، والعصارة: ما تَحَلَّب مما عُصِر، والمراد بها هنا الثمرة والنتيجة، والشاهد في قوله: "ما بلغ امرؤ"؛ لأنه مفعول به.
(1/80)

وإما لتنبيه المخاطب على خطئه؛ كقول الآخر "من الكامل":
إن الذين تُرَوْنَهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا1
وإما للإيماء إلى وجه بناء الخبر2؛ نحو: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] .
ثم إنه3 ربما جعل ذريعة إلى التعريض بالتعظيم لشأن الخبر4, كقوله "الكامل":
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول5
أو لشأن غيره6 نحو: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 92] .
قال السكاكي7: "وربما جُعل ذريعة إلى تحقيق الخبر"؛ كقوله "من البسيط":
إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت وُدّها غُول8
وربما جعل ذريعة إلى التنبيه للمخاطب على خطأ؛ كقوله:
"إن الذين ترونهم...." "البيت".
وفيه نظر؛ إذ لا يظهر بين الإيماء إلى وجه بناء الخبر وتحقيق الخبر فرق9، فكيف يجعل الأول ذريعة إلى الثاني, والمسند إليه في البيت الثاني ليس فيه إيماء إلى وجه بناء الخبر عليه، بل لا يبعد أن يكون فيه إيماء إلى بناء نقيضه عليه10؟!
__________
1 هو لعبدة بن الطبيب في وعظ بنيه، وقيل لغيره، وقوله: "ترونهم" بمعنى: تظنونهم، والواو فيه فاعل؛ لأنه مما يبنى على صورة المجهول وهو للفاعل، ويجوز أن يكون من "أرى" المتعدية إلى ثلاثة مفاعيل، والغليل: العطش الشديد أو الحقد. والشاهد في أن الموصول في البيت يفيد من تخطئتهم في ظنهم ما لا يفيده قوله: إن فلانا وفلانا.
2 أي: طريق إسناده إلى الموصول من كونه مدحا أو ذما أو نحوهما، بأن يُذكر في الصلة ما يناسب ذلك.
3 الضمير يعود إلى الإيماء, إلى وجه بناء الخبر.
4 ربما جُعل ذريعة أيضا إلى الإهانة لشأنه؛ كقولك: "إن الذي لا يُحسن الفقه صنّف فيه"، أو شأن غيره، كقولك: إن الذي يتبع الشيطان خاسر.
5 هو لهمام بن غالب المعروف بالفرزدق, يفتخر ببيته في تميم على جرير؛ لأنه كان من ذوي الشرف فيهم، وليس المراد بالبيت الكعبة كما ذكر الدسوقي في حاشيته على المختصر، وقوله: "سمك" بمعنى رفع. والشاهد في أن قوله: "الذي سمك السماء" إيماء إلى أن الخبر المبنيّ عليه من جنس الرفعة والبناء، وأعز وأطول أي: من بيت جرير، أو من كل عزيز وطويل، أو من السماء المذكورة قبله، أو بمعنى عزيزة طويلة، فيكون أفعل التفضيل على غير بابه، وقد حذفت "مِنْ" على الأول؛ للدلالة على قوة الخبر.
6 كشعيب -عليه السلام- في الآية؛ لأن فيها إيماء إلى الخبر يُشعر بتعظيمه، إذ جعل خسرانهم بسبب تكذيبه، وفيها إيماء أيضا إلى أن الخبر من جنس الخسران.
7 المفتاح ص97.
8 هو لعبدة بن الطبيب. وكوفة الجند هي مدينة الكوفة، وروى أبو زيد: "بكوفة الخلد" على أنه موضع، وقال الأصمعي: إنما هو "بكوفة الجند"، والأول تصحيف. وقوله: "غالت" بمعنى أكلت، والغول: حيوان خرافي وقد يطلق على الداهية. والشاهد في أن ضرب البيت بالكوفة والهجرة إليها فيه إيماء إلى أن طريق بناء الخبر أمر من جنس زوال المحبة، وهو مع هذا يحقق زوال المودة ويُقره حتى كأنه دليل عليه.
9 فرق بينهما بأن الإيماء إشعار بالخبر سواء أكان معه تحقيق له م لا، والأول كما في بيت عبدة، والثاني كما في بيت الفرزدق، فالإيماء إلى الخبر أعم من تحقيقه وإفادة الجزم به.
10 نقيضه: نفي الأخوة عنهم، وهذا لا يخرجه فيما أرى عن كونه فيه إيماء إلى وجه بناء الخبر؛ لأنهم أطلقوا فيه ولم يقيدوه بشيء، ومن هذا الإيماء قول أبي العلاء "من السريع":
إن الذي الوحشة في داره ... تؤنسه الرحمة في لحده
وربما يقصد بالإيماء تشويق السامع إلى الخبر ليتمكن في نفسه، كما في قول الشاعر "الخفيف":
والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد
ومن أغراض التعريف بالموصولية إخفاء الأمر عن غير المخاطب, كقول الشاعر "الكامل":
وأخذت ما جاد الأمير به ... وقضيت حاجاتي كما أهوَى
(1/81)

أغراض التعريف بالإشارة:
وإن كان بالإشارة؛ فإما لتمييزه أكمل تمييز لصحة إحضاره في ذهن السامع بواسطة الإشارة حسا1؛ كقوله "الطويل":
__________
1 هذا أيضا معنى أصلي لاسم الإشارة، فلا يصح أن يُعد من وجوه البلاغة، وإنما يعد منها أن يعنى بتمييزه أكمل تمييز؛ لأن المقام مقام مدح أو نحوه؛ لأن تمييزه أكمل تمييز يكون أعون على كمال المدح، وأبعد من التقصير في الاعتناء بأمر الممدوح.
(1/82)

هذا أبو الصقر فردا في محاسنه1
وقوله "من الطويل":
أولئك قوم إن بَنَوْا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا2
وقوله "من الكامل":
وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال ليل أغبر
أوما إلى الكَوْماء: هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري3
وقوله "من البسيط":
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان: عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد4
__________
1 هو لعلي بن العباس المعروف بابن الرومي, في مدح أبي الصقر الشيباني وزير المعتمد من قوله:
هذا أبو الصقر فردا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسَّلَم
والضال: شجر السدر البري، والسلم: شجر ذو شوك، وقوله: "بين الضال والسلم" كناية عن عزهم؛ لأن هذه الأشجار بالبادية، وهي مجد العرب وعزهم.
2 هو لجرول بن أوس المعروف بالحطيئة. وقوله: "بنوا" يعني به ما يبنونه من المكارم، والبنى -بضم الباء- يقال: "بنا يبني بناء وبنية بكسر الباء في العمران، وبنى يبني بُنى وبُنية بضم الباء في الشرف. وقوله: "عقدوا" معناه: أبرموا أمرا من أمورهم".
3 قيل: إن البيتين لرجل يمدح حاتما، وقيل: إنهما لحسان بن ثابت، وقيل: إنهما لابن المولى محمد بن عبد الله بن مسلم، وفي مجموعة المعاني أنهما للعلوي صاحب الزنج، وقوله: "أوما" تخفيف أومأ بمعنى أشار، والكوماء: الناقة الضخمة.
4 هما لجرير بن عبد المسيح الضبعي المعروف بالمتلمس، والضمير في "به" يعود إلى المستثنى منه المقدر وهو "أحد" مثلا، والعير: الحمار، والرمة: القطعة من الحبل البالي، وقوله: "هذا" يعود إلى العير, وقوله: "ذا" يعود إلى الوتد.
(1/83)

وإما للقصد إلى أن السامع غبي لا يتميز الشيء عنده إلا بالحس؛ كقول الفرزدق "من الطويل":
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع1
وإما لبيان حاله في القرب أو البعد أو التوسط2؛ كقولك: "هذا زيد، وذلك عمرو، وذاك بشر". وربما جعل القرب ذريعة إلى التحقير3 كقوله تعالى: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء: 36] , وقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} [الفرقان: 41] , وقوله تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} [العنكبوت: 64] . وعليه من غير هذا الباب قوله تعالى: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26] ، وقول عائشة -رضي الله عنها- لعبد الله بن عمرو بن العاص: "يا عجبا لابن عمرو هذا"4.
وقول الشاعر "من الطويل":
تقول ودقت نحرها بيمينها: ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس؟ 5
وربما جعل البعد ذريعة إلى التعظيم؛ كقوله تعالى: {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ}
__________
1 هو لهمام بن غالب المعروف بالفرزدق، والتعريض بالغباوة ناشئ من استعمال اسم الإشارة في آبائه -وهم غائبون- لموتهم، والأمر في قوله: "فجئني" للتعجيز.
2 هذا أيضا من المعاني الأصلية لاسم الإشارة.
3 قد يجعل أيضا ذريعة إلى التعظيم؛ كقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] ، فينزّل قربه من ساحة الحضور والخطاب منزلة قرب المسافة.
4 تريد بهذا تخطئته في فتواه بنقض النساء ذوائبهن في الاغتسال.
5 هو للهذلول بن كعب العنبري، ويقال له: الذهلول أيضا، وقيل: لغيره. وكانت امرأته رأته يطحن بالرحى لأضيافه فأنكرت عليه. وبعده:
فقلت لها: لا تعجبي وتبيني ... بلائي إذا التفت علي الفوارس
والمتقاعس: الذي يدخل ظهره ويخرج صدره، ضد الأحدب. والشاهد في أن اسم الإشارة فيه مسند, لا مسند إليه.
(1/84)

[البقرة: 1، 2] ذهابا إلى بعد درجته، ونحوه: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا} [الزخرف: 72] ، ولذا قالت: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يوسف: 32] ، لم تقل: "فهذا" وهو حاضر1؛ رفعا لمنزلته في الحسن، وتمهيدا للعذر في الافتتان به.
وقد يجعل "البعد" ذريعة إلى التحقير، كما يقال: "ذلك اللعين فعل كذا".
وإما للتنبيه -إذا ذُكر قبل المسند إليه مذكور2 وعُقِّب بأوصاف- على أن ما يرد بعد اسم الإشارة المذكور جدير باكتسابه من أجل تلك الأوصاف؛ كقول حاتم الطائي "من الطويل":
ولله صعلوك يساور همه ... ويمضي على الأحداث والدهر مقدما3
فتى طلبات لا يرى الخمْص تَرْحَة ... ولا شِبْعة إن نالها عد مغنما4
إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صَمَّما5
ترى رمحه ونبله ومِجَنّه ... وذا شُطَب عَضْب الضريبة مِخْذَما6
وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد أخي هَيْجا وطِرْفا مُسَوَّما7
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما8
فعدّد له -كما ترى- خصالا فاضلة من المَضَاء على الأحداث مُقْدِما، والصبر على ألم الجوع، والأنفة من عد الشبعة مغنما، وتيمم كبرى المكرمات، والتأهب للحرب بأدواتها، ثم عقب ذلك بقوله: "فذلك"، فأفاد أنه جدير باتصافه بما ذُكر بعده. وكذا قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] أفاد اسم الإشارة زيادة الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله باستحقاق الهدى من ربهم والفلاح.
وإما لاعتبار آخر مناسب9.
__________
1 أي: يوسف عليه السلام.
2 المسند إليه هو اسم الإشارة، والمذكور هو المشار إليه قبلها.
3 الصعلوك: الفقير، وقوله: "يساور" بمعنى يواثب.
4 الخمص: الجوع، وشبعة: مفعول أول لعدّ، ومغنما: مفعول ثانٍ.
5 أعرضت بمعنى: ظهرت، وتيمم بمعنى: قصد.
6 المجن: الترس، وشطب السيف: الخطوط في متنه، وضريبته: حده، والعضب: القاطع، والمخذم: القاطع بسرعة.
7 أحناء السرج: جمع حنو وهو اسم لكل من قربوسيه المقدم والمؤخر. والقاتر: الجيد الوقوع على الظهر. وعتاد: عدة هو مفعول "يرى" الثاني، وهيجا مقصور هيجاء وهي الحرب، والطرف: الجواد الكريم الأصل، والمسوم: الذي يُرسَل ليرعى أو للإغارة، أي: ويرى طرفا مسوما كذلك.
8 الحسنى: مصدر كالبشرى، أو اسم للإحسان خبر مقدم، وثناؤه: مبتدأ مؤخر.
9 كتنزيل الغائب منزلة الحاضر، والمعقول منزلة المحسوس في نحو قوله تعالى: {تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} [الرعد: 35] ، وقوله: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ} [فصلت: 23] ، وقوله: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يوسف: 37] .
(1/85)

أغراض التعريف باللام:
وإن كان باللام: فإما للإشارة إلى معهود3 بينك وبين مخاطبك؛ كما إذا قال لك قائل: "جاءني رجل من قبيلة كذا" فتقول: "ما فعل الرجل؟ ". وعليه قوله تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} [آل عمران: 36] أي: وليس الذكر الذي طلبتْ4 كالأنثى التي وُهِبتْ لها.
__________
1 أي: في الخارج مذكورا أو غير مذكور؛ ولهذا تسمى اللام فيه لام العهد الخارجي، وهذا المعنى للام التعريف وما بعده من المعاني الأصلية لها؛ فلا يصح ذكرها على نحو ما ذكره الخطيب وغيره.
2 في قولها قبله: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} ؛ لأن نذر الأولاد لخدمة بيت المقدس كان مقصورا عندهم على الذكور، واللام في "الذكر" عائدة إلى مذكور بالكناية على هذا الوجه، واللام في "الأنثى" عائدة إلى مذكور صريح في قوله قبلها: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} ، وقد تعود اللام إلى معهود غير مذكور؛ كقوله تعالى: {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18] ، وتسمى اللام فيه لام العهد العلمي؛ فأقسام لام العهد الخارجي ثلاثة: صريحي، وكنائي، وعلمي.
(1/86)

وإما لإرادة نفس الحقيقة1؛ كقولك: "الرجل خير من المرأة، والدينار خير من الدرهم"، ومنه قول أبي العلاء المعري "من البسيط":
والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر2
وعليه من غير هذا الباب قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] أي: جعلنا مبدأ كل شيء حي من هذا الجنس الذي هو الماء؛ لما روي أنه تعالى خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه. ونحوه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} [الأنعام: 89] .
والمعرف باللام3 قد يأتي لواحد4 باعتبار عهديته في الذهن5؛ لمطابقته الحقيقة6؛ كقولك: "ادخل السوق" وليس بينك وبين مخاطبك سوق معهود في الخارج، وعليه قول الشاعر "من الكامل":
__________
1 هذه لام الجنس.
2 هو لأحمد بن عبد الله, المعروف بأبي العلاء المعري. والخل: الصديق، وضمائره: ما يضمره من المودة وغيرها، وليس الحكم هنا على خل معهود، وإنما هو على جنس الخل.
3 يعني لام الحقيقة؛ لأنها هي التي يأتي فيها لام العهد الذهني، ولام الاستغراق. وقيل: إن لام العهد الذهني ولام الاستغراق مقابلتان للام العهد الخارجي ولام الحقيقة، وعلى هذا تكون لام الحقيقة هي التي يراد منها الحقيقة بقطع النظر عن الأفراد، ويُقصَر عليها اسم لام الجنس.
4 أي: مبهم، بخلاف لام العهد الخارجي؛ فإنها لمعين.
5 تسمى اللام فيه لام العهد الذهني.
6 يريد بمطابقته الحقيقة اشتمالها عليه.
(1/87)

ولقد أَمُرّ على اللئيم يسبني1
وهذا يقرب في المعنى من النكرة2؛ ولذلك يقدر: "يسبني" وصفا للئيم، لا حالا3.
وقد يفيد الاستغراق؛ وذلك إذا امتنع حمله على غير الأفراد، وعلى بعضها دون بعض4؛ كقوله تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [العصر: 2، 3] .
والاستغراق ضربان:
حقيقي5 كقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الأنعام: 73] أي: كل غيب وشهادة، وعرفي6 كقولنا: "جمع الأمير الصاغة" إذا جمع صاغة بلده أو أطراف
__________
1 هو لعميرة بن جابر الحنفي من قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
وثمت: حرف عطف لحقها تاء التأنيث، وقوله: "أمر" مضارع بمعنى الماضي؛ لاستحضار تلك الصورة العجيبة عنده، ورواية الكامل: "فأجوز ثم أقول لا يعنيني". والشاهد في لام اللئيم؛ لأن المراد منه واحد غير معين.
2 قال: "يقرب"؛ لأن النكرة تدل على واحد غير معين من جملة الحقيقة، والمعرف بلام العهد الذهني يدل على نفس الحقيقة في ذاته, ولا يدل على الواحد المبهم إلا بوساطة القرينة، كالدخول في قولك: "ادخل السوق" فهما بالنظر إلى القرينة سواء، وبقطع النظر عنها مختلفان.
3 لأن المعرف بلام العهد الذهني في معنى النكرة، والجمل بعد النكرات صفات لا أحوال، ولكن يرد على هذا أنهم جعلوه كالنكرة في المعنى فقط، وأجروا عليه في اللفظ أحكام المعارف، على أن تقدير "يسبني" حالا هو المناسب لقوله: "فمضيت"؛ لأنه ظاهر في أن السبّ كان منه في حال المرور فقط، ولم يكن صفة لازمة له.
4 بأن تقوم قرينة على أنه ليس القصد الحقيقة من حيث هي، ولا بعض الأفراد دون بعض بالاستثناء في الآية؛ فتكون اللام لاستغراق جميع الأفراد؛ ولهذا تسمى لام الاستغراق.
5 هو الذي يتناول كل فرد بحسب وضع اللفظ.
6 هو الذي يتناول كل فرد بحسب العرف العام، أما العرف الخاص كعرف الشرع فيدخل الاستغراق بحسبه في الاستغراق الحقيقي.
(1/88)

مملكته فحسب، لا صاغة الدنيا1.
واستغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع2، بدليل أنه لا يصدق: "لا رجلَ في الدار" في نفي الجنس3 إذا كان فيها رجل أو رجلان، ويصدق: "لا رجالَ في الدار" ولا تنافي بين الاستغراق وإفراد اسم الجنس4؛ لأن الحرف إنما يدخل عليه مجردا عن الدلالة على الوحدة والتعدد5، ولأنه بمعنى كل الإفرادي6 لا كل المجموعي؛ إذ معنى قولنا: "الرجل" كل فرد من أفراد الرجال، لا مجموع الرجال؛ ولهذا امتنع وصفه بنعت الجمع7، وللمحافظة على التشاكل بين الصفة والموصوف أيضا.
فالحاصل أن المراد باسم الجنس المعرف باللام: إما نفس الحقيقة، لا ما يصدق عليه من الأفراد، وهو تعريف الجنس والحقيقة, ونحوه عَلَم الجنس "كأسامة"، وإما
__________
1 ال في "الصاغة" معرفة لا موصولة؛ لأنها إنما تكون موصولة في اسم الفاعل, إذا دل على الحدوث.
2 هذا صحيح في استغراق النكرة المنفية؛ أما استغراق المعرف باللام فالمفرد والجمع فيه سواء؛ ولهذا كان قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6] شاملا لكل مؤمن، وليس خاصا بجماعات المؤمنين.
3 بخلاف نفي الوحدة، نحو: "لا رجل في الدار" فإنه يصدق إذا كان فيها رجلان أو أكثر، ويكون لاستغراق الواحد كما يكون الجمع لاستغراق الجموع دون الأفراد.
4 هذا جواب عن اعتراض بعضهم بأن إفراد الاسم ينافي أن تكون الأداة الداخلة عليه للاستغراق؛ لأن إفراده يدل على الوحدة، والاستغراق يدل على التعدد.
5 لأنه قُصد به الجنس الصالح لهما.
6 هو الذي يدل على كل فرد على طريق البدل، وعلى هذا لا تُنافي الدلالةُ على الوحدة الدلالةَ على التعدد.
7 هذا عند الجمهور، وقد أجازه الأخفش لِمَا سمع من كلامهم: "أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض".
(1/89)

فرد معين، وهو العهد الخارجي، ونحوه العلم الخاص "كزيد"، وإما فرد غير معين، وهو العهد الذهني، ونحوه النكرة "كرجل"، وإما كل الأفراد؛ وهو الاستغراق، ونحوه لفظ "كل" مضافا إلى النكرة كقولنا: "كل رجل".
وقد شكك السكاكي1 على تعريف الحقيقة والاستغراق بما خرج الجواب عنه مما ذكرنا2، ثم اختار3 -بناء على ما حكاه عن بعض أئمة أصول الفقه من كون اللام موضوعة لتعريف العهد لا غير4- أن المراد بتعريف الحقيقة تنزيلها منزلة المعهود بوجه من الوجوه الخطابية؛ إما لكون الشيء حاضرا في الذهن لكونه محتاجا إليه على طريق التحقيق أو التهكم5، أو لأنه عظيم الخطر معقود به الهمم6 على أحد الطريقين7، وإما لأنه لا يغيب عن الحس8 على أحد الطريقين لو كان معهودا9.
وقال10: الحقيقة من حيث هي هي لا واحدة ولا متعددة؛ لتحققها مع الوحدة تارة ومع التعدد أخرى، وإن كانت لا تنفك في الوجود عن أحدهما، فهي صالحة للتوحد والتكثر؛ فكون الحكم استغراقا أو غير استغراق "راجع" إلى مقتضى المقام11، فإذا كان خطابيا12 مثل "المؤمن غِرّ كريم، والفاجر خَبّ لئيم" حُمل المعرف باللام -مفردا كان أو جمعا- على الاستغراق؛ بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون آخر -مع تحقق الحقيقة فيهما- ترجيح لأحد المتساويين، وإذا كان استدلاليا حُمل على أقل ما يحتمل، وهو الواحد في المفرد، والثلاثة في الجمع13.
__________
1 المفتاح ص115.
2 أما تشكيكه في تعريف الحقيقة من حيث هي: فبدعوى أنه لا فرق بين المراد منها والمراد من أسماء الأجناس النكرات؛ كرجل، وقيامة، إن قصد منها الدلالة على الحقيقة من حيث هي، فإن قصد منها الحقيقة باعتبار حضورها في الذهن لم تفترق عن لام العهد الخارجي.
وأما تشكيكه في الاستغراق فبدعوى التنافي بينه وبين أفراد الاسم. وقد أجاب الخطيب عن الأول بما أشار إليه من أن لام الحقيقة تدل على الحقيقة بقيد استحضارها في الذهن، ولام العهد الخارجي يقصد بها فرد معين، وبهذا تمتاز لام الحقيقة عن أسماء الأجناس النكرات، وعن لام العهد الخارجي، وأجاب عن الثاني بدفع التنافي بين الاستغراق وأفراد اسم الجنس.
3 أي: في الجواب عن تشكيكه في تعريف الحقيقة.
4 أي: لا الحقيقة؛ فلا تأتي لتعريفها إلا بعد تنزيلها منزلة المعهود بوجه من الوجوه الآتية.
5 كقولهم: "الدينار خير من الدرهم"، ويمكن أن يكون من هذا في التهكم قولهم: "إن البُغَاث بأرضنا يَسْتَنْسِر".
6 كقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} [الأنعام: 89] .
7 أي: طريق التحقيق, وطريق التهكم.
8 كقولك: "الأرض مبسوطة" في الأول، وقولك: "الطفيليّ حضر" في الثاني.
9 هذه الجملة الشرطية لا توجد في كلام السكاكي, وفي نسخة: "فكأنه معهود".
10 أي: في الجواب عن تشكيكه في الاستغراق، وهذا هو الذي أجاب به الخطيب فيما سبق.
11 يعني أن دلالة اللام على هذا ليست بمقتضى الوضع، وإنما هي بمقتضى المقام.
12 المقام الخطابي هو الذي يكتفَى فيه بالظن، والمقام الاستدلالي هو الذي يُطلَب فيه اليقين.
13 مثل: "حصل الدرهم أو الدراهم". هذا وكل ما ذكره السكاكي والخطيب في التعريف باللام ليس فيه من البلاغة شيء؛ لأنه لا يخرج عما تفيده بمقتضى دلالتها الوضعية، وقد حاول السكاكي أن يجعل لذلك وجها من البلاغة، ولكنه تكلَّفَ فيه على عادته.
(1/90)

أغراض التعريف بالإضافة:
وإن كان بالإضافة:
فإما لأنه ليس للمتكلم إلى إحضاره في ذهن السامع طريق أخصر منها؛ كقوله "من الطويل":
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جَنِيب وجثماني بمكة مُوثَق6
__________
6 هو لجعفر بن علبة الحارثي، وكان مسجونا بمكة في جناية، فزارته محبوبته مع ركب من قومها، فلما رحلت قال فيها ذلك. وآثر قوله: "هواي" على نحو: "الذي أهوَى" أو "المهويّ لي"؛ لأن الإضافة أخصر وأنسب بما هو فيه من ضيق الصدر بالحبس، وكذلك ضيق الشعر، وقد أطلق الهوى على المهوي مجازا مرسلا. واليمانين: جمع يمان، وألفه عوض عن ياء النسب، والمصعد: اسم فاعل من "أصعد" بمعنى: أبعد في السير. والجنيب: المستتبع من "جنبَ البعير" إذا قاده إلى جنبه.
(1/91)

وإما لإغنائها عن تفصيل متعذر أو مرجوح لجهة1؛ كقوله "من الطويل":
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غِيل خَفّان أَشْبُل2
وقوله "الكامل":
قومي هُمُ قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي3
وإما لتضمنها تعظيما لشأن المضاف إليه؛ كقولك: "عبدي حضر" فتعظم شأنك, أو تعظيما لشأن المضاف؛ كقولك: "عبد الخليفة ركب" فتعظم شأن العبد، أو لشأن غيرهما؛ كقولك: "عبد السلطان عند فلان" فتعظم شأن فلان.
أو تحقيرا نحو: "ولد الحجام حضر"4, وإما لاعتبار آخر مناسب5.
__________
1 يعني أنه غير متعذر، ولكنه مرجوح لجهة, كما سيأتي في الشاهد.
2 هو لأبي السمط مروان بن أبي حفصة في مدح معن بن زائدة. وبنو مطر: قومه، بطن من شيبان. والغيل: الشجر المجتمع. وخفان: مأسدة قرب الكوفة. والأشبل: أولاد الأسود. والشاهد في قوله: "بنو مطر"؛ لإغناء الإضافة فيه عن تفصيل متعذر.
3 هو للحارث بن وعلة الجرمي، وأميم: منادى مرخم أميمة، وكانت تحضه على الأخذ بثأر أخيه ممن قتله من قومه. والشاهد في قوله: "قومي"؛ لإغناء الإضافة فيه عن تفصيل تركه أرجح لجهة هي خوف تنفيرهم منه وحقدهم عليه إذا صرّح بأسمائهم.
4 هذا مثال لإفادتها تحقير المضاف، ومن إفادتها تحقير المضاف إليه قولك: "ضارب بكر حضر"، ومن إفادتها تحقير غيرهما قولك: "ولد الحجام جليس زيد"، ومن إفادتها التعظيم والتحقير قول الشاعر "من الطويل":
أبوك حُبَاب سارق الضيف برده ... وجدي يا حجاج فارس شمرا
5 كالاستعطاف في قوله تعالى: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233] . وكتضمنها لطفا مجازيا في نحو قول الشاعر "من الطويل":
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... سهيل أذاعت غزلها في الأقارب
فأضاف الكوكب إلى الخرقاء لأدنى ملابسة، وهي أنها لا تتذكر كسوة الشتاء إلا وقت طلوعه سحرا، وهو لا يطلع سحرا إلا في الشتاء. وسهيل: بدل من كوكب.
هذا, ولا تختص هذه المزايا بالتعريف بالإضافة، بل تأتي في الإضافة إلى النكرة، فتفيد التعظيم في نحو قول امرأة من بني عامر "من الطويل":
وحربٍ يَضِجّ القوم من نفيانها ... ضجيج الجِمال الجلّة الدَّبِرات
سيتركها قوم ويصلَى بِحَرّها ... بنو نسوة للثكل مصطبرات
وتفيد التقليل والتحقير في قول الشاعر "من الطويل":
إذا جاع لم يفرح بأكلة ساعة ... ولم يبتئس من فقدها وَهْوَ ساغب
(1/92)

أغراض تنكير المسند إليه:
وأما تنكيره: فللإفراد1 كقوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} [القصص: 20] ؛ أي: فرد من أشخاص الرجال. أو للنوعية؛ كقوله تعالى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7] أي: نوع من الأغطية غير ما يتعارفه الناس2 وهو غطاء التعامي عن آيات الله.
ومن تنكير غير المسند إليه للإفراد قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ} [الزمر: 29] . وللنوعية: قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96] أي: نوع من الحياة مخصوص وهو الحياة الزائدة، كأنه قيل: "لتجدنهم أحرص الناس وإن عاشوا ما عاشوا على أن يزدادوا إلى حياتهم في الماضي
__________
1 أي: الدلالة على فرد منتشر، وهذا عام في كل نكرة؛ فإذا كانت مفردا دلت على واحد، وإذا كانت مثنى دلت على اثنين، وإذا كانت جمعا دلت على ثلاثة، وإذا كانت نوعا دلت على النوعية أي فرد سائر الأنواع، ولا يخفى أن هذا معنى أصلي للنكرة لا يصح ذكره هنا، وإنما يعد من البلاغة إذا دل بمعونة المقام على نوعية غريبة أو نحو ذلك مما يأتي، وقد يقتضي المقام المعنى الأصلي للنكرة إذا كان لا يتعلق بتعيينها غرض، وذلك نحو "رجل" في الآية، ومثل هذا قد يعد وجها من وجوه البلاغة.
2 لهذا نُكّرت في الآية، ولو عُرِّفت لانصرفت إلى ما يتعارفه الناس منها، مع أنه ليس مرادا، فلما أريد غيره نُكِّرت ليبحثوا عنها فيعرفوها، وإنما كان التنكير هنا للنوعية؛ لأنه هو الذي يقابل أبصارهم المتعددة، بخلاف تنكير الأفراد. وقيل: إن التنكير في الآية للتعظيم.
(1/93)

والحاضر حياة في المستقبل"؛ فإن الإنسان لا يوصف بالحرص على شيء، إلا إذا لم يكن ذلك الشيء موجودا له حال وصفه بالحرص عليه، وقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور: 45] يحتمل الإفراد والنوعية؛ أي: خلق كل فرد من أفراد الدواب من نطفة معينة، أو كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع المياه.
أو للتعظيم والتهويل أو للتحقير: أي ارتفاع شأنه أو انحطاطه إلى حد لا يمكن معه أن يعرف، كقول ابن أبي السمط "من الطويل":
له حاجب عن كل أمر يَشِينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب1
أي: له حاجب أيّ حاجب، وليس له حاجب ما.
أو للتكثير2: كقولهم: "إن له لإبلا، وإن له لغنما" يريدون الكثرة. وحمل الزمخشري التنكير في قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا} [الأعراف: 113] عليه.
أو للتقليل3 كقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72]
__________
1 هو كما في "زهر الآداب" لأبي السمط مروان بن أبي حفصة، ونسب في "ديوان المعاني" لولي بن أبي السمط، وهو أبو الطمحان القيني، وقبله "من الطويل":
فتًى لا يبالي المدلجون بنوره ... إلى بابه ألا تضيء الكواكب
ومعنى البيت: أن ممدوحه له حاجب عظيم من نفسه يمنعه عن فعل ما يشينه، وليس له حاجب ما عن طالب الندى؛ فالحاجب الأول نفسي، والتنكير فيه للتعظيم، والحاجب الثاني حسيّ، والتنكير فيه للتحقير على سبيل المبالغة في النفي، وفي قوله: "وليس له عن طالب العرف حاجب" قلب، والأصل: "وليس لطالب العرف حاجب عنه".
2 فيفيد أنه كثير إلى حد لا يعرف، وإنما أفاد التنكير التكثير مع أن الأصل فيه الدلالة على الوحدة؛ لأنه لا تنافي بين الدلالتين كما سبق، والفرق بين التكثير والتعظيم أن الأول ينظر فيه إلى الكميات والمقادير، والثاني ينظر فيه إلى علو الشأن، وبهذا يُعرَف الفرق بين التقليل والتحقير.
3 فيقيد أنه قليل إلى حد لا يعرف.
(1/94)

أي: وشيء ما من رضوانه أكبر من ذلك كله؛ لأن رضاه سبب كل سعادة وفلاح، ولأن العبد إذا علم أن مولاه راضٍ عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم، وإنما تهنأ له برضاه، كما أنه إذا علم بسخطه تنغّصت عليه، ولم يجد لها لذة، وإن عظمت.
وقد جاء للتعظيم والتكثير جميعا، كقوله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} [فاطر: 4] أي: رسل ذوو عدد كثير, وآيات عظام1، وأعمار طويلة، ونحو ذلك.
والسكاكي2 لم يفرق بين التعظيم والتكثير، ولا بين التحقير والتقليل، ثم جعل التنكير في قولهم: "شر أهر ذا ناب" للتعظيم، وفي قوله تعالى: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ} [الأنبياء: 46] لخلافه، وفي كليهما نظر؛ أما الأول فلما سيأتي3، وأما الثاني فلأن خلاف التعظيم مستفاد من البناء للمرة، ومن نفس الكلمة4؛ لأنها إما من قولهم: "نفحت الريح" إذا هبت, أي: هبة، أو من قولهم: "نفح الطيب" إذا فاح, أي: فوحة، كما يقال: شمة, واستعماله بهذا المعنى في الشر استعارة؛ إذ أصله أن يستعمل في الخير؛ يقال: "له نفحة طيبة" أي: هبة من الخير. وذهب أيضا إلى أن قوله تعالى: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} [مريم: 45] بالتنكير دون "عذاب الرحمن" بالإضافة؛ إما للتهويل أو لخلافه5، والظاهر أنه لخلافه، وإليه
__________
1 قد يقال: إن الذي في الآية تنكير رسل، فيدل على عِظَمهم لا على عظم الآيات، وأُجيب بأنه يشير بهذا إلى أنه هو المراد بعظم الرسل، أو إلى أنه داخل في عظمهم.
2 المفتاح ص103.
3 من أن تقديم المسند إليه في ذلك للتخصيص لا للتعظيم؛ لأن المعنى: ما أهر ذا ناب إلا شر.
4 لا يخفى أن هذا لا يمنع أن يكون للتنكير دلالة عليه أيضا؛ لأن المعنى الواحد قد يجتمع فيه دلالتان وثلاث لغرض من الأغراض.
5 خلاف التهويل هو التهوين.
(1/95)

ميل الزمخشري؛ فإنه ذكر أن إبراهيم -عليه السلام- لم يُخْلِ هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه؛ حيث لم يصرح فيه أن العذاب لاحق له لاصق به، ولكنه قال: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} [مريم: 45] فذكر الخوف والمسّ، ونكّر العذاب.
وأما التنكير في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] فيحتمل النوعية والتعظيم؛ أي: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة؛ لمنعه عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد متى اقتدروا، أو نوع من الحياة وهو الحاصل للمقتول والقاتل بالارتداع عن القتل للعلم بالاقتصاص؛ فإن الإنسان إذا همّ بالقتل تذكر الاقتصاص فارتدع، فسلم صاحبه من القتل وهو من القَوَد، فتسبّبَ لحياة نفسين.
ومن تنكير غير المسند إليه للنوعية: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا} [الشعراء: 173] أي: وأرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا، يعني: الحجارة، ألا ترى إلى قوله تعالى: {فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} 1 [الشعراء: 173] ، وللتحقير2: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا} [الجاثية: 32] 3.
__________
1 أي: في الآية نفسها؛ لأن قوله "فساء" صيغة تعجب.
2 فالمعنى في الآية: إلا ظنا ضعيفا، وإنما حُمل على هذا ولم يجعل مصدرا مؤكدا؛ لأن الاستثناء لا يصح في المصدر المؤكد، وعلى الأول يكون من المصدر المبين لنوع فعله.
3 [الجاثية: 32] .
هذا، وقد يأتي التنكير لأغراض أخرى:
منها قصد التجاهل في قوله تعالى: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] .
ومنها أن يمنع مانع من التعريف كما في قول الشاعر "من الوافر":
إذا سئمتْ مهنّده يمينٌ ... لطول الحمل بدّله شمالا
لم يقل: "يمينه"؛ لأنه كره أن ينسب ذلك إلى يمين ممدوحه، فنكرها ولم يضفها إليه.
(1/96)

تمرينات على التعريف والتنكير:
تمرين1:
1- قال الله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 15، 16] ، فلماذا نكر رسولا أولا وعرفه ثانيا؟
ومن أي أقسام اللام لام الرسول؟
تمرين2:
1- قال تعالى: {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} [الماعون: 2] ، فلماذا أتى باسم الإشارة للبعيد ولم يأت به للقريب؟
2- لماذا أوثر اسم الموصول على غيره من المعارف في قول الشاعر:
أعُبّاد المسيح يخاف صحبي ... ونحن عبيد من خلق المسيحا؟
تمرين3:
1- ما الغرض من تنكير المسند إليه في قول الشاعر:
وفي السماء نجوم لا عداد لها ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر؟
2- لماذا عرف المسند إليه بالعلمية وبالموصولية في قوله تعالى:
{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] ؟
تمرين 4:
1- قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة" فلماذا نكر المسند إليه ولم يعرفه؟
2- لماذا عرف المسند إليه بالإضافة في قول الشاعر:
أخوك الذي إن تَدْعُه لِمُلمّة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب؟
(1/97)

تمرين 5:
1- قال الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5، 6] .
فلماذا عُرِّف "العسر" في الموضعين ونُكِّر "يسرا" فيهما؟ ومن أي أقسام اللام لام العسر؟
2- ما الغرض من التنكير في قول الشاعر:
شقت لمنظرك الجيوب عقائل ... وبكتك بالدمع الهتون غَوانِ
تمرين 6:
1- قال الشاعر:
أحياؤنا لا يُرزقون بدرهم ... وبألف ألف تُرزق الأموات!!
فلماذا عرف المسند إليه الأول بالإضافة والثاني باللام, ولم يعكس فيهما؟
2- بين الغرض من التنكير في قول الشاعر:
ولله مني جانب لا أضيعه
وللَّهو مني والخلاعة جانب
3- بين الغرض من التعريف والتنكير في قول المتنبي:
أَهُمّ بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كون وأطارد
(1/98)

أغراض وصف المسند إليه:
وأما وصفه: فلكون الوصف تفسيرا له كاشفا عن معناه1؛ كقولك: "الجسم الطويل العريض العميق محتاج إلى فراغ يشغله". ونحوه في الكشف قول أوس "المنسرح":
الألمعي الذي يظن بك الظـ ... ـن كأن قد رأى وقد سمعا2
حكي أن الأصمعي سُئِل عن الألمعي، فأنشده ولم يزد.
وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19-21] قال الزمخشري: "الهَلَع: سرعة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مس الخير، من قولهم: "ناقة هلوع: سريعة السير". وعن أحمد بن يحيى3: قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ قلت: قد فسره الله تعالى......" انتهى كلام الزمخشري.
أو لكونه مخصصا له4 نحو: "زيد التاجر عندنا".
أو لكونه مدحا له، كقولنا: "جاء زيد العالم" حيث يتعين فيه ذكر زيد قبل ذكر
__________
1 هذا معنى أصلي للوصف، فلا يصح ذكره في وجوه البلاغة، وكذلك كونه مخصصا للموصوف.
2 هو لأوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة، وقبله:
أيتها النفسُ أَجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا
إن الذي جمع الشجاعة والنجـ ... ـدة والبر والتقا جُمعا
فالألمعي بالرفع خبر "إن"؛ ولهذا قال: "ونحوه في الكشف" لأنه ليس مسندا إليه، وقد روي بالنصب على أنه وصف لاسم "إن"، ويؤيد هذه الرواية إتيان خبر "إن" بعد هذا في قوله:
أودَى فلا تنفع الإشاحة من ... أمر لمرء يحاول البدعا
3 هو أبو العباس ثعلب، من أئمة اللغة والنحو.
4 التخصيص: رفع الاحتمال في المعارف، وتقليل الاشتراك في النكرات.
(1/99)

العالم، ونحوه من غيره1 قوله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] .
وقوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر: 24] .
أو لكونه ذما له؛ كقولنا: "ذهب زيد الفاسق" حيث يتعين فيه ذكر زيد قبل ذكر الفاسق. ونحوه من غيره قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] .
أو لكونه تأكيدا له2 كقولك: "أمس الدابر كان يوما عظيما".
أو لكونه بيانا له3، كقوله تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} 4.
قال الزمخشري: الاسم الحامل لمعنى الإفراد أو التثنية دالّ على شيئين: على الجنسية، والعدد المخصوص. فإذا أريدت الدلالة على أن المَعْنِيّ به منهما والذي يساق له الحديث هو العدد، شُفع بما يؤكده، فدُل به على القصد إليه والعناية به، ألا ترى أنك لو قلت: "إنما هو إله" ولم تؤكده بـ "واحد" لم يحسن، وخُيِّل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية، وأما قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ
__________
1 نحوه أيضا من المسند إليه قوله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] , وقول خرنق أخت طرفة "من الوافر":
لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزْر
النازلون بكل معترك ... والطيبون مَعاقِد الأُزُر
2 أي: تأكيدا لغويا لا اصطلاحيا، ولا بد للوصف المؤكد من حال يقتضيه؛ كإظهار السرور أو التأسف في المثال، والتأكيد يقصد هنا زائدا على الوصفية بخلافه في التوكيد بالنفس ونحوه مما يأتي.
3 وقد ذكروا هنا فروقا بين الوصف المبيِّن وغيره مما سبق، وقيل: إن الوصف المبين يمكن جعله من الوصف المؤكد، وإنما جُعل وصفا، ولم يُجعل عطف بيان؛ لأن عطف البيان لا يكون مشتقا ولا مؤوّلا به.
4 [النحل: 51] .
(1/100)

بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] فقال السكاكي1: شفع "دابة" بـ "في الأرض"، و"طائر" بـ "يطير بجناحيه" لبيان أن القصد بهما إلى الجنسين2. وقال الزمخشري: معنى ذلك زيادة التعميم والإحاطة3 كأنه قيل: "وما من دابة قَطُّ في جميع الأرضين السبع، وما من طائر قط في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه".
واعلم أن الجملة قد تقع صفة للنكرة، وشرطها أن تكون خبرية؛ لأنها في المعنى حكم على صاحبها كالخبر، فلم يستقِمْ أن تكون إنشائية مثله؛ وقال السكاكي4: لأنه يجب أن يكون المتكلم يعلم تحقق الوصف للموصوف؛ لأن الوصف إنما يُؤتَى به ليُميز به الموصوف مما عداه، وتمييز المتكلم شيئا من شيء بما لا يعرفه له محال، فما لا يكون عنده محققا للموصوف يمتنع أن يجعله وصفا له بحكم عكس النقيض5، ومضمون الجمل الطلبية كذلك؛ لأن الطلب يقتضي مطلوبا غير متحقق لامتناع طلب الحاصل، فلا يقع شيء منها صفة لشيء، والتعليل الأول أعم؛ لأن الجملة الإنشائية قد لا تكون طلبية6 كقولنا: "نعم الرجل زيد، وبئس الصاحب عمرو، وربما يقوم بكر، وكم غلامٍ ملكتَ؟ وعسى أن يجيء بشر، وما
__________
1 المفتاح ص101.
2 أي: لا إلى العدد.
3 أما أصل التعميم فمستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي، والزيادة لدفع احتمال إرادة دواب أرض واحدة أو طيور جو واحد، وجعل الاستغراق حقيقيا في جميع الدواب والطيور. ولا يخفى أن كلام السكاكي يؤول إلى ذلك أيضا؛ لأنه عند قصد الجنس يكون الاستغراق حقيقيا.
4 المفتاح ص100, 101.
5 أي لقوله: "يجب أن يكون المتكلم يعلم تحقق الوصف للموصوف".
6 لا يخفى أن الجملة الإنشائية غير الطلبية كالإنشائية الطلبية فيما ذكره السكاكي، ولا معنى للتطويل بهذه المماحكات اللفظية في هذا العلم، ولا سيما أن ما ذكره من ذلك الشرط من مسائل علم النحو.
(1/101)

أحسن خالدا"، وصِيَغ العقود نحو: "بعت واشتريت" فإن هذه كلها إنشائية وليس شيء منها بطلبي. ولامتناع وقوع الإنشائية صفة أو خبرا؛ قيل في قوله "من الرجز":
جاءوا بمَذْق هل رأيتَ الذئب قط1
تقديره: جاءوا بمذق مقول عنده هذا القول، أي: بمذق يحمل رائيه أن يقول لمن يريد وصفه له: هل رأيت الذئب قط؟ فهو مثله في اللون؛ لإيراده في خيال الرائي لون الذئب لوُرقته2.
وفي مثل قولنا: "زيد اضربْه أو لا تضربْه" تقديره: "مقول في حقه: اضربه أو لا تضربه"3.
__________
1 هو لعبد الله بن رؤبة التميمي المعروف بالعجّاج، وقبله:
حتى إذا جن الظلام واختلط
والمذق: اللبن المخلوط بالماء، مصدر بمعنى اسم المفعول، وقوله: "جن الظلام" بمعنى أقبل أوله، واختلاطه إنما يكون بعد ذهاب نور النهار كله. يصف قوما أضافوه وأطالوا عليه, ثم أتوه بهذا المذق.
2 الورقة: سواد في غُبْرة.
3 قد يأتي الوصف لأغراض أخرى؛ منها الترحّم في قول الشاعر "من الوافر":
إلهي، عبدك العاصي أتاكا ... مقرا بالذنوب وقد دعاكا
ومنها قصد الإبهام، نحو قولك: "تصدقت صدقة كبيرة أو صغيرة".
ومنها قصد التعميم، مثل قولك: "أكرِمِ الناسَ الصغارَ والكبار".
(1/102)

أغراض توكيد المسند إليه:
وأما توكيده: فللتقرير، كما سيأتي في باب تقديم الفعل وتأخيره1.
أو لدفع توهم التجوز أو السهو2 كقولك: "عرفت أنا، وعرفت أنت، وعرف زيد زيد"، أو عدم الشمول، كقولك: "عرفني الرجلان كلاهما، أو الرجال كلهم"3. قال السكاكي4: ومنه "كل رجل عارف، وكل إنسان حيوان".
وفيه نظر؛ لأن كلمة "كل" تارة تقع تأسيسا، وذلك إذا أفادت الشمول من أصله حتى لولا مكانها لما عُقل، وتارة تقع تأكيدا، وذلك إذا لم تفده من أصله، بل تمنع أن يكون اللفظ المقتضى له مستعملا في غيره.
أما الأول فهو أن تكون مضافة إلى نكرة5؛ كقوله تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] وقوله: {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء: 12] وقوله: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 96] . وأما الثاني فما عدا ذلك؛ كقوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ} [الحجر: 30] . وهي في قوله: "كل رجل عارف، وكل إنسان حيوان" من الأول لا الثاني؛ لأنها لو حذفت منهما لم يفهم الشمول أصلا.
__________
1 كقولك: "هو يعطي الجزيل" فهو يفيد من تقوية الحكم ما لا يفيده قولك: "يعطي زيد الجزيل" لتكرار الإسناد في الأول. ولا يخفى أن هذا ليس من توكيد المسند إليه، فلا معنى لذكره هنا.
2 بأن يكون في الكلام أو المقام ما يوهم ذلك، فيؤتى بالتوكيد لدفعه، وبهذا يمتاز نظر علم المعاني عن نظر علم النحو إلى التوكيد، وهذا كما في قولك: "قطع الأمير نفسُهُ السارق" فإنه لو قيل: "قطع الأمير السارق" لتوهم أن القاطع غيره بأمره على ما جرت به العادة في ذلك، أما النحو فيجوز فيه أن يقال: "قطع الأمير نفسه السارق، وقطع الأمير السارق" بلا نظر إلى هذه الاعتبارات، وعلى هذا ورد التوكيد في قوله: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى} [طه: 56] وقوله: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 30، 31] . ففي هذا إشارة إلى فظاعة تكذيب فرعون واستكبار إبليس اللعين.
3 فإنه قبل التأكيد يحتمل أن أحد الرجلين أو بعض الرجال لم يجئ، ولكنه لم يعتد به، فأُطلق الكل وأُريد البعض على سبيل المجاز.
4 المفتاح ص101.
5 كذلك المضافة إلى معرفة، كقوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} [آل عمران: 93] .
(1/103)

أغراض عطف البيان:
وأما بيانه, وتفسيره فلإيضاحه باسم مختص به1؛ كقولك: "قدم صديقك خالد".
أغراض الإبدال من المسند إليه:
وأما الإبدال منه فلزيادة التقرير والإيضاح2 نحو: "جاءني زيد أخوك، وجاء القوم أكثرهم، وسُلِب عمرو ثوبه"3، ومنه في غيره قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6، 7] .
__________
1 هذا معنى نحوي لعطف البيان، وإنما يعد من البلاغة إذا كان للمسند إليه شأن يقتضي العناية بأمره كعِظَم شأنه أو حقارته، فيكون عطف البيان لمدحه أو ذمه أو نحو ذلك، كقوله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ} [المائدة: 97] وقوله: {وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ} [إبراهيم: 16] . وقد يكون عطف البيان غير مختص بمتبوعه، ولكن يحصل الإيضاح والاختصاص بمجموعهما، كما في قول الشاعر "البسيط":
والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذن فلا رفعت سوطا إلي يدي
فالطير عطف بيان للعائذات، وكل منهما غير مختص بصاحبه في ذاته، وإنما حصل هذا بمجموعهما.
2 يعني أنه يؤتى به لهذين الأمرين زيادة على قصده بالحكم، وهو المعنى النحوي للبدل، أو أن فيه زيادة تقرير على التوابع السابقة؛ لأنه على نية تكرار العامل، فيكون إسناده أقوى من غيره.
3 لم يأت بمثال لعطف الغلط؛ لأنه لا يقع في فصيح الكلام إلا أن يكون بدل بداء؛ وهو أن تذكر المبدل منه عن قصد ثم تذكر البدل بعده, فتوهم أنك غالط لقصد المبالغة والتفنن، وشرطه أن يُرتقَى فيه من الأدنى إلى الأعلى، كما في قول الشاعر "من البسيط":
ألمعُ برقٍ سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي
هذا, وفي البدل من وجوه البلاغة وجه الإجمال ثم التفصيل والعناية بإثبات الحكم، ولا يكون هذا إلا لمقام يقتضيه، كما في قول الشاعر "من الطويل":
بلغنا السماء مجدُنا وسناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
(1/104)

أغراض عطف النسق:
وأما العطف فلتفصيل المسند إليه مع اختصار2؛ نحو: "جاء زيد وعمرو وخالد".
أو لتفصيل المسند مع اختصار؛ نحو: "جاء زيد فعمرو" أو ثم عمرو، أو "جاء القوم حتى خالد"3، ولا بد في "حتى" من تدريج؛ كما ينبئ عنه قوله "من الطويل":
__________
1 هذا غير ما يفيده العطف من معناه النحوي؛ كالدلالة على مطلق الجمع في الواو. ووجه الاختصار في المثال أنه في معنى "جاء زيد وجاء عمرو وجاء خالد" وقد أشار به إلى أن تفصيل المسند إليه خاص بالواو.
هذا، ولا بد لذلك من مقام يقتضيه، كما في قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص: 8] ، فذكر بالتفصيل فرعون وهامان؛ لأنهما السبب في الخطأ دون جنودهما.
2 أشار بهذا إلى أن تفصيل المسند خاص بالفاء وثم وحتى؛ لأنها تبين أنه حصل بترتيب وتعقيب، أو بترتيب وتراخٍ، أو بترتيب ذهني، ووجه الاختصار فيها أنها تغني عن "جاء زيد وعمرو بعده بيوم أو سنة أو نحو ذلك" ولا يخفى أنه يحصل فيه أيضا تفصيل المسند إليه ولكنه غير مقصود منها؛ لأنه يكون معلوما قبلها، فتساق لأجل تفصيل المسند وحده.
(1/105)

وكنت فتى من جند إبليس فارتقى ... بي الحال حتى صار إبليس من جندي1
أو لرد السامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب2؛ كقولك: "جاءني زيد لا عمرو" لمن اعتقد أن عمرا جاءك دون زيد، أو أنهما جاءاك جميعا، وقولك: "ما جاءني زيد لكن عمرو" لمن اعتقد أن زيدا جاءك دون عمرو.
أو لصرف الحكم عن محكوم له إلى آخر؛ نحو: "جاءني زيد بل عمرو" و"ما جاءني زيد بل عمرو"3.
أو للشك فيه أو التشكيك4؛ نحو: "جاءني زيد أو عمرو، أو: إما زيد وإما عمرو، أو: إما زيد أو عمرو".
أو للإبهام، كقوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24] .
أو للإباحة أو التخيير: وهو أن يفيد ثبوت الحكم لأحد الشيئين أو الأشياء فحسب5، مثالهما قولك: "ليدخل الدار زيد أو عمرو" والفرق بينهما واضح؛ فإن الإباحة لا تمنع من الإتيان بهما أو بها جميعا.
__________
1 هو للحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس، و"حتى" فيه ليست عاطفة، وإنما يقصد التمثيل لإفادتها التدريج، وإنما لم تكن عاطفة فيه؛ لأن المشهور أنها لا تأتي في عطف الجمل، ولأن الجملة قبلها لا يستقل بها الكلام حتى يصح العطف عليها عند من يقول بصحة العطف بها في الجمل.
2 أي: مع الاقتصار على ما سبق؛ لأن هذا هو الذي يُعنَى به في هذا العلم.
3 فالمعنى فيه على نقل حكم النفي إلى عمرو على ما ذهب إليه المبرد، والجمهور على أن "بل" تنقل حكم الإثبات لا النفي.
4 أي: مع الاختصار أيضا. والشك من المتكلم، والتشكيك للسامع، والبلاغة في التشكيك أعلى من البلاغة في الشك؛ لأن التشكيك يُجعل وسيلة إلى بلوغ اليقين ووصول الحق إلى المخالفين على وجه لا يثير غضبهم؛ لينظروا فيه فيؤديهم النظر إلى العلم به. وقد جعل السكاكي من هذا قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ ... } الآية, ولم يجعله للإبهام على السامع كما فعل الخطيب. ومنه أيضا قول الشاعر "من الطويل":
وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها، أو عليها فجورها
وقيل: إن "أو" فيه بمعنى الواو.
5 أي: من غير قصد إلى تشكيك أو إبهام.
(1/106)

أغراض ضمير الفصل:
وأما توسط الفصل بينه وبين المسند فلتخصيصه به1؛ كقولك: "زيد هو المنطلق، أو: هو أفضل من عمرو، أو: هو خير منه، أو: هو يذهب"2.
__________
1 أي: من غير قصد إلى تشكيك أو إبهام.
2 يعني تخصيص المسند إليه بالمسند، فالباء داخلة على المقصور، وما قبلها هو المقصور عليه، ومن أغراض الفصل أيضا التأكيد، وإنما يفيد التأكيد إذا حصل التخصيص بغيره بأن تكون الجملة معرّفة الطرفين مثلا، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] . كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 117] , وقوله: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [الحشر: 20] . وقد يكون لتخصيص المسند بالمسند إليه؛ نحو: "الكرم هو التقوى"؛ لأنه بمعنى: لا كرم إلا بالتقوى.
3 الحق أن هذا ليس ضمير فصل، وإنما يعرب توكيدا أو مبتدأ ثانيا؛ لأنه يشترط في ضمير الفصل أن يكون ما بعده خبرا معرفة أو كالمعرفة في عدم قبول "ال"، كلفظ خير، ويشترط فيما قبله أن يكون مبتدأ ولو باعتبار الأصل، وأن يكون معرفة، ويشترط فيه نفسه أن يكون بصيغة المرفوع، وأن يطابق ما قبله؛ فلا يجوز: "كنت هو الفاضل".
(1/107)

تمرينات على التوابع:
تمرين1:
1- بين الغرض من البدل في قول الشاعر:
وكنت كذي رِجْلين: رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشُلَّت
2- هل يجوز بلاغة -كما يجوز نحوا- أن يجعل عطف البيان بدلا مطابقا وبالعكس، أو أن لكل منهما مقاما خاصا به؟
3- بين معنى "أو" ومنزلتها بلاغة في قول الشاعر:
نحن أو أنتم الأولي ألفوا الحق ... فبعدا للمبطلين وسحقا
تمرين2:
1- من أي أقسام البدل قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 68، 69] ؟ وأي غرض دعا إليه؟ وما منزلته في البلاغة؟
2- أي غرض دعا إلى التوكيد في قول الشاعر:
لكنه شاقه أن قيل ذا رجب ... يا ليت عدة حول كله رجبا؟
3- قال تعالى: {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الجاثية: 36] . فلماذا عطف في الأول دون الثاني؟
تمرين3:
1- قال الله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص: 8] . فما فائدة العطف بلاغة فيه؟ ولماذا أُوثِرت فيه الواو على غيرها؟
2- أي غرض دعا إلى العطف بحتى في قول الشاعر:
قهرناكم حتى الكماة فأنتم ... تهابوننا حتى بَنِينا الأصاغرا؟
3- ما الغرض من الوصف في قول الشاعر:
ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضيع مثل السعالي؟
(1/108)

أغراض التقديم:
وأما تقديمه فلكون ذكره أهم؛ إما لأنه الأصل ولا مقتضى للعدول عنه1، وإما ليتمكن الخبر في ذهن السامع؛ لأن في المبتدأ تشويقا إليه؛ كقوله "من الخفيف":
والذي حارت البَرِيَّة فيه ... حيوان مستحدث من جماد2
وهذا أولى من جعله شاهدا؛ لكون المسند إليه موصولا كما فعل السكاكي3.
وإما لتعجيل المسرة أو المساءة؛ لكونه صالحا للتفاؤل أو التطير؛ نحو: "سعد في دارك، والسفاح في دار صديقك".
وإما لإيهام أنه لا يزول عن الخاطر، أو أنه يُستلذ، فهو إلى الذكر أقرب4.
وإما لنحو ذلك5.
__________
1 هذا إذا كان المسند إليه مبتدأ أو نحوه، لا فاعلا أو نحوه، ولا يخفى أن هذه نكتة ضعيفة لا يعول عليها هنا.
2 هو لأحمد بن عبد الله المعروف بأبي العلاء المعري، وقوله: "حارت" بمعنى اختلفت، من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم على سبيل المجاز المرسل، واسم الموصول مبتدأ وخبره حيوان على تقدير مضاف، أي: معاد حيوان كما يدل عليه سياق القصيدة. ويجوز أن يراد استحداث الحيوان من النطفة؛ فلا يحتاج إلى تقدير مضاف.
3 المفتاح ص98، ولا مانع من جعله شاهدا لهما معا، ومما يدخل في هذا الغرض أن يكون المسند إليه ضمير شأن أو قصة، كما في قول الشاعر "من الوافر":
هي الدنيا تقول بملء فيها ... حَذارِ حَذارِ من بطشي وفتكي
4 كقول جميل:
بثينة ما فيها إذا تبصرت ... معاب ولا فيها إذا نُسبتْ أشب
5 كإظهار تعظيمه في نحو قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] ، أو تحقيره في قولك: "الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة".
(1/109)

قال السكاكي1: "وإما لأن كونه متصفا بالخبر يكون هو المطلوب، لا نفس الخبر؛ كما إذا قيل لك: كيف الزاهد؟ فتقول: الزاهد يشرب ويطرب".
وإما لأنه يفيد زيادة تخصيص؛ كقوله "من الوافر":
متى تهزز بني قطن تجدهم ... سيوفا في عواتقهم سيوف
جلوس في مجالسهم رِزَان ... وإن ضيف ألم فهم خفوف2
والمراد: "هم خفوف". وفيه نظر؛ لأن قوله: "لا نفس الخبر" يشعر بتجويز أن يكون المطلوب بالجملة الخبرية نفس الخبر، وهو باطل3؛ لأن نفس الخبر تصور لا تصديق، والمطلوب بها إنما يكون تصديقا، وإن أراد بذلك وقوع الخبر مطلقا فغير صحيح أيضا؛ لما سيأتي4 أن العبارة عن مثله لا يتعرض فيها إلى ما هو مسند إليه؛ كقولك: "وقع القيام".
ثم في مطابقة الشاهد الذي أنشده للتخصيص نظر5؛ لما سيأتي أن ذلك مشروط
__________
1 المفتاح ص104, 105.
2 لا يعلم قائلهما، وقوله: "تهزز" بمعنى تهيجهم للحرب، وقوله: "تجدهم سيوفا" معناه كالسيوف في المضاء، ورزان: جمع رزين، وخفوف: مصدر خفّ بمعنى أسرع. يمدحهم بالنخوة في قوله: "متى تهزز ... إلخ", وبالعظمة والشرف في قوله: "جلوس ... إلخ", وبالكرم في قوله: "وإن ضيف ألم ... إلخ". وبعد البيتين:
إذا نزلوا حسبتَهم بُدورا ... وإن ركبوا فإنهم حُتوف
3 أجيب عنه في هذا بأنه لا يريد نفس الخبر مجردا عن الحكم حتى يلزمه ذلك، فهو لا يقصد إلا أنه إذا عُلم تحقق المسند في الجملة ولم يُعلم المسند إليه قُدم على المسند، وهذا ظاهر لا اعتراض عليه.
4 في أول الكلام على متعلقات الفعل.
5 أجيب عنه في هذا بأنه لا يريد بالتخصيص هنا الحصر، وإنما يريد التخصيص بالذكر، ولا يخفى أن حمل التخصيص على ذلك بعيد، على أنه سيأتي أن السكاكي يريد في هذا ونحوه التخصيص بمعنى الحصر, وأنه لا يشترط فيه كون الخبر فعليا.
(1/110)

بكون الخبر فعليا، وقوله: "والمراد هم خفوف" تفسير للشيء بإعادة لفظه1.
قال عبد القاهر2: وقد يقدم المسند إليه ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي إن وَلِيَ حرف النفي3 كقولك: "ما أنا قلت هذا" أي: لم أقله مع أنه مَقُول؛ فأفاد نفي الفعل عنك وثبوته لغيرك، فلا تقول ذلك إلا في شيء ثبت أنه مقول وأنت تريد نفي كونك قائلا له. ومنه قول الشاعر "من المتقارب":
وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلوب نارا4
إذ المعنى أن هذا السَّقْم الموجود والضَّرَم الثابت ما أنا جالب لهما؛ فالقصد إلى نفي كونه فاعلا لهما لا إلى نفيهما؛ ولهذا لا يقال: "ما أنا قلت ولا أحد غيري" لمناقضة منطوق الثاني5 لمفهوم الأول6, بل يقال: "ما قلت أنا ولا أحد غيري" ولا يقال: "ما أنا رأيت أحدا من الناس" ولا: "ما أنا ضربت إلا زيدا" بل يقال: "ما رأيت أو ما رأيت أنا أحدا من الناس، و: ما ضربت أو ما ضربت أنا إلا زيدا"؛ لأن المنفي في الأول الرؤية الواقعة على كل واحد من الناس، وفي الثاني الضرب الواقع
__________
1 لا يخفى أن السكاكي لا يريد بهذا تفسيره، وإنما يريد بيان محل الشاهد، وما كان أغنى الخطيب عن الإطالة في هذه المماحكات اللفظية!!
2 دلائل الإعجاز ص84.
3 يعني أنه في هذه الحالة يفيد قصر نفي الخبر الفعلي على المسند إليه, وإثباته لغيره على الوجه الذي نفي به من خصوص أو عموم على ما سيأتي في الأمثلة؛ فالباء داخلة هنا على المقصور، والمراد بإيلائه حرف النفي إتيانه بعده ولو كان بينهما فاصل، فيشمل نحو: ما زيدا أنا ضربت، وما في الدار أنا جلست.
4 هو لأحمد بن الحسين المعروف بأبي الطيب المتنبي، وقوله: "أضرمت" بمعنى أشعلت، يعني نار الحب، ونحوه قول المتنبي "من الطويل":
وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ... ولكن لشعري فيك من نفسه شعر
وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما أنا حملتُكم, ولكن الله حملكم".
5 هو "ولا أحد غيري".
6 هو "ما أنا قلت"؛ لأن مفهومه أن غيره قاله.
(1/111)

على كل واحد منهم سوى زيد1. وقد سبق أن ما يفيد التقديم ثبوته لغير المذكور هو ما نُفي عن المذكور، فيكون الأول مقتضيا لأن إنسانا غير المتكلم قد رأى كل الناس، والثاني مقتضيا لأن إنسانا غير المتكلم قد ضرب مَنْ عدا زيدا منهم؛ وكلاهما محال. وعلل الشيخ عبد القاهر والسكاكي2 امتناع الثاني بأن نقض النفي بـ "إلا" يقتضي أن يكون القائل له قد ضرب زيدا، وإيلاء الضمير حرف النفي يقتضي ألا يكون ضربه، وذلك تناقض.
وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن إيلاء الضمير حرف النفي يقتضي ذلك، فإن قيل: الاستثناء الذي فيه مفرَّع، وذلك يقتضي ألا يكون ضرب أحدا من الناس، وذلك يستلزم ألا يكون ضرب زيدا؛ قلنا: إن لزم ذلك3 فليس للتقديم؛ لجريانه في غير صورة التقديم أيضا؛ كقولنا: "ما ضربت إلا زيدا".
هذا إذا ولي المسند إليه حرف النفي، وإلا فإن كان معرفة؛ كقولك: "أنا فعلت" كان القصد إلى الفاعل4، وينقسم قسمين:
أحدهما: ما يفيد تخصيصه بالمسند5 للرد على من زعم انفراد غيره به، أو
__________
1 لا يخفى أن هذا ليس هو المنفي في المثالين وإلا كانا من سلب العموم لا من عموم السلب، وإنما المنفي في الأول رؤية أي واحد من الناس وفي الثاني ضرب أي واحد سوى زيد، وعلى هذا يكون مفهوم المثالين أن إنسانا غير المتكلم رأى واحدا من الناس وضرب أي واحد سوى زيد، وهو صحيح لا شيء فيه، وإنما الذي يؤدي إلى ما ذكره الخطيب أن يقال: ما أنا رأيت كل رجل، وما أنا ضربت كل رجل إلا زيدا.
2 دلائل الإعجاز ص85، المفتاح ص125.
3 الحق أنه لا يلزم؛ لأن إيلاء الضمير حرف النفي إنما يقتضي نفي ما عدا المستثنى، وما ذكره عبد القاهر والسكاكي إنما هو غفلة منهما.
4 أي: لا إلى الفعل كما في النفي.
5 يعني قصر المسند عليه، ويلزمه أيضا تقوية الحكم كما في القسم الثاني، ولكنها تحصل هنا تبعا لا قصدا.
(1/112)

مشاركته فيه؛ كقولك: "أنا كتبت في معنى فلان، وأنا سعيت في حاجته"؛ ولذلك إذا أردتَ التأكيد قلتَ للزاعم في الوجه الأول: "أنا كتبت في معنى فلان لا غيري" ونحو ذلك، وفي الوجه الثاني: "أنا كتبت في معنى فلان وحدي". فإن قلت: "أنا فعلت هذا وحدي" في قوة "أنا فعلته لا غيري" فلِمَ اختص كل منهما بوجه من التأكيد دون وجه؟ قلت: لأن جدوى التأكيد لما كانت إماطة شبهة خالجت قلب السامع، وكانت في الأول أن الفعل صدر من غيرك، وفي الثاني أنه صدر منك بشركة الغير، أكدت وأمطت الشبهة في الأول بقولك: "لا غيري"، وفي الثاني بقولك: "وحدي"؛ لأنه مَحَزُّه، ولو عكست أحلْت1.
ومن البين في ذلك2 المَثل: "أتُعلمني بضب أنا حَرَشْتُه؟! "3. وعليه قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101] أي: لا يعلمهم إلا نحن، ولا يطلع على أسرارهم غيرنا؛ لإبطانهم الكفر في سُوَيداوات قلوبهم.
الثاني: ما لا يفيد إلا تقوِّي الحكم وتقرره في ذهن السامع وتمكنه، كقولك: "هو يعطي الجزيل" لا تريد أن غيره لا يعطي الجزيل، ولا أن تعرض بإنسان، ولكن تريد أن تقرر في ذهن السامع وتحقق أنه يفعل إعطاء الجزيل، وسبب تقويه هو أن المبتدأ يستدعي أن يستند إليه شيء، فإذا جاء بعده ما يصلح أن يستند إليه صرفه إلى نفسه، فينعقد بينهما حكم سواء كان خاليا عن ضميره؛ نحو: "زيد غلامك"، أو متضمنا له، نحو: "أنا عرفت، وأنت عرفت، وهو عرف أو زيد عرف"، ثم إذا كان
__________
1 يعني: حوّلت كلا منهما عن موضعه المناسب له؛ لأن "لا غيري" تدل صريحا على نفي صدوره من غيرك، أما "وحدي" فيدل عليه التزاما، وكذلك "وحدي" يدل صريحا على نفي الشركة، أما "لا غيري" فيدل عليه التزاما.
2 أي: في إفادة التخصيص.
3 حرشته بمعنى صدته. والمثل يضرب لمن يخبرك بشيء أنت أعلم به منه.
(1/113)

متضمنا لضميره صرفه ذلك الضمير إليه ثانيا؛ فيكتسي الحكم قوة1.
ومما يدل على أن التقديم2 يفيد التأكيد أن هذا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار من منكر؛ نحو أن يقول الرجل: "ليس لي علم بالذي تقول" فتقول: "أنت تعلم أن الأمر على ما أقول"، وعليه قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78] ؛ لأن الكاذب -لا سيما في الدين- لا يعترف بأنه كاذب، فيمتنع أن يعترف بالعلم بأنه كاذب.
وفيما اعترض فيه شك: نحو أن تقول للرجل: "كأنك لا تعلم ما صنع فلان؟ " فيقول: "أنا أعلم".
وفي تكذيب مُدّعٍ: كقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} [المائدة: 61] فإن قولهم "آمنا" دعوى منهم أنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به.
وفيما يقتضي الدليل أن لا يكون: كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [النحل: 20] فإن مقتضى الدليل أن لا يكون ما يُتخذ إلها مخلوقا.
وفيما يستغرب: كقولك: "ألا تعجب من فلان؟ يدعي العظيم وهو يَعْيَا باليسير".
وفي الوعد والضمان: كقولك للرجل: "أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر"؛ لأن من شأن من تَعِدُه وتضمن له أن يعترضه الشك في إنجاز الوعد والوفاء بالضمان، فهو من أحوج شيء إلى التأكيد.
__________
1 علله عبد القاهر بأن تقديم المسند إليه ينبّه السامع لقصده بالحديث قبل ذكره تحقيقا وتأكيدا له.
2 أي: في هذا القسم، وبهذا يكون له مقام في الكلام يباين مقام القسم الأول؛ لأن المقصود منه التخصيص لا التأكيد كما سبق.
(1/114)

وفي المدح والافتخار: لأن من شأن المادح أن يمنع السامعين من الشك فيما يمدح به ويُبعدهم عن الشبهة، وكذلك المفتخر. أما المدح فكقول الحماسي:
هم يفرشون اللِّبْد كل طِمِرّة1
وقول الحماسية:
هما يلبسان المجد أحسن لِبْسة2
وقول الحماسي:
فهم يضربون الكبش يبرق بيضه3
وأما الافتخار, فكقول طرفة:
__________
1 هو للمعذل بن عبد الله الليثي من قوله يمدح فتيان بني عتيك "من الطويل":
هم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغاليا
وقبله:
جزى الله فتيان العتيك وإن نأت ... بي الدار عنهم خير ما كان جازيا
والطمرة: الفرس الكريم، والأجرد: القصير الشعر، والسباح: اللين الجري، والمغالي بضم الميم: السهم، وبفتحها: جمع مغلى أو مغلاة وهي السهم أيضا، يعني: أنه أسرع منه.
2 هو لعمرة الخثعمية من قولها في رثاء ابنيها "من الطويل":
هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما
واللبسة: اسم هيئة من لبس، والشحيح: الذي لا يفرط فيما في يده. وقيل: إن البيت لدرماء بنت سيار الجحدرية في رثاء أخويها.
3 هو للأخنس بن شهاب التغلبي من قوله "من الطويل":
فهم يضربون الكبش يبرق بيضه ... على وجهه من الدماء سبائب
وروي: "هم يضربون", والكبش: الشجاع، والبيض: اللّأمة، والسبائب: الطرائق جمع سبيبة، يعني: أنهم يضربونه فيسيل دمه كأنه طرائق حمر.
4 هو لعمرو بن العبد, المعروف بطرفة "من الرمل":
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
والمشتاة: الشتاء وهو زمن الجدب عندهم، والجفلى: الدعوة العامة، والآدب: الداعي إلى المأدبة، وقوله: "ينتقر" معناه: يدعو بعضا ويترك بعضا.
(1/115)

ومما لا يستقيم المعنى فيه إلا على ما جاء عليه من بناء الفعل على الاسم قوله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196] , وقوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5] ، وقوله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] فإنه لا يخفى على من له ذوق أنه لو جيء في ذلك بالفعل غير مبني على الاسم لوُجد اللفظ قد نبا عن المعنى، والمعنى قد زال عن الحال التي ينبغي أن يكون عليها.
وكذا إذا كان الفعل منفيا1؛ كقولك: "أنت لا تكذب" فإنه أشد لنفي الكذب عنه من قولك: "لا تكذب"، وكذا من قولك: "لا تكذب أنت"؛ لأنه لتأكيد المحكوم عليه، لا الحكم. وعليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] فإنه يفيد من التأكيد في نفي الإشراك عنهم ما لا يفيده قولنا: "والذين لا يشركون بربهم" ولا قولنا: "والذين بربهم لا يشركون"، وكذا قوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [يس: 7] ، وقوله تعالى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ} [القصص: 66] ، وقوله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنفال: 55] .
هذا كله إذا بني الفعل على معرّف؛ فإن بني على منكّر أفاد ذلك تخصيص2
__________
1 أي: بحرف نفي مؤخر عن المسند إليه، فهو يأتي كالمثبت تارة للتخصيص، وتارة لتقوية الحكم، ومن إتيانه للتخصيص قولك: "أنا ما قلت هذا" أي: وحدي، تقوله لمن يعتقد أنه لم يقل مصيبا في هذا ولكنه نسبه خطأ إلى غيرك، وكل الأمثلة التي ذكرها الخطيب لإفادة تقوية الحكم.
2 ظاهر من هذا أن بناء الفعل على المنكّر لا يفيد تقوية الحكم، وقد ذكر السعد أنه قد يفيد =
(1/116)

الجنس أو الواحد1 بالفعل؛ كقولك: "رجل جاءني" أي: لا امرأة، أو لا رجلان؛ وذلك لأن أصل النكرة أن تكون للواحد من الجنس، فيقع القصد بها تارة إلى الجنس فقط؛ كما إذا كان المخاطب بهذا الكلام قد عرف أن قد أتاك آتٍ، ولم يدر جنسه: أرجل هو أو امرأة؟ أو اعتقد أنه امرأة، وتارة إلى الوحدة فقط؛ كما إذا عرف أن قد أتاك من هو من جنس الرجال، ولم يدر: أرجل هو أم رجلان؟ أو اعتقد أنه رجلان.
واشترط السكاكي2 في إفادة التقديم الاختصاص 3 أمرين:
أحدهما: أن يجوز تقدير كونه في الأصل مؤخرا بأن يكون فاعلا في المعنى فقط؛ كقولك: "أنا قمت" فإنه يجوز أن تقدر أصله: "قمت أنا" على أن "أنا" تأكيد للفاعل4 الذي هو التاء في قمت، فقدم "أنا" وجعل مبتدأ.
وثانيهما: أن يقدر كونه كذلك.
فإن انتفى الثاني دون الأول كالمثال المذكور إذا أُجري على الظاهر، وهو أن
__________
= ذلك؛ كأن يقال: "رجل جاءني" فالمعنى: أنه جاء ولا بد، ثم ذكر أن هذا هو الذي يُشعر به كلام عبد القاهر في "دلائل الإعجاز", ولكني رجعت إلى كلامه فيه فوجدته صريحا في أنه لا يفيد إلا التخصيص؛ لأنه ذكر أنك إذا قلت: "رجل جاءني" لم يصلح حتى تريد أن تعلم المخاطب أن الذي جاءك رجل لا امرأة أو لا رجلان، ويكون كلامك مع من عرف أن قد أتاك آت، فإن لم ترد ذاك كان الواجب أن تقول: "جاءني رجل". ولا شك أن ما ذكره السعد لا يصح عربية لعدم صحة الابتداء بالنكرة إلا عند إرادة التخصيص كما سيأتي، وإذا لم يصح عربية لم يصح بلاغة.
1 هذا إذا كان المنكّر مفردا، فإذا كان مثنى أو جمعا أفاد تخصيص الجنس أو المثنى أو الجمع.
2 المفتاح ص119, 120.
3 أما تقوية الحكم فلا خلاف فيها بين السكاكي وعبد القاهر؛ لأنها تأتي في جميع صور التقديم وإن لم تكن مقصودة في بعضها كما سبق.
4 أي: وتأكيد الفاعل في المعنى لا في اللفظ.
(1/117)

يقدر الكلام من الأصل مبنيا على المبتدأ والخبر، ولم يقدر تقديم وتأخير، أو انتفى الأول بأن يكون المبتدأ اسما ظاهرا1 فإنه لا يفيد إلا تقوّي الحكم.
واستثنى المنكر2 كما في نحو: "رجل جاءني" بأن قُدر أصله: "جاءني رجل" لا على أن "رجل" فاعل "جاءني", بل على أنه بدل من الفاعل الذي هو الضمير المستتر في "جاءني"، كما قيل في قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء: 3] : إن {الَّذِينَ ظَلَمُوا} بدل من الواو في "أسروا"، وفرق بينه وبين المعرف بأنه لو لم يقدر ذلك فيه انتفى تخصيصه؛ إذ لا سبب لتخصيصه سواه، ولو انتفى تخصيصه لم يقع مبتدأ3، بخلاف المعرف؛ لوجود شرط الابتداء فيه، وهو التعريف.
ثم قال: "وشرطه4 ألا يمنع من التخصيص مانع5 كقولنا: "رجل جاءني" أي: لا امرأة أو لا رجلان، دون قولهم: "شر أهر ذا ناب" أما على التقدير الأول6 فلامتناع أن يراد "المهر شر لا خير"7، وأما على الثاني8 فلكونه نابيا عن مكان استعماله9، وإذ قد صرح الأئمة بتخصيصه حيث تأولوه بـ " ما أهر ذا ناب إلا
__________
1 نحو: "زيد قام"، فإنه إذا قدر تأخيره يكون فاعلا في اللفظ والمعنى، لا في المعنى فقط.
2 أي: من ذلك الشرط؛ فلم يشترطه فيه.
3 لأنه لا يجوز الابتداء بالنكرة إلا إذا خُصصت، فإذا كان لها مخصص غير ذلك من وصف أو نحوه لم يجب جعل التقديم للتخصيص.
4 أي: شرط تقدير ذلك في المنكر ليفيد التخصيص.
5 يريد بالمانع انتفاء فائدة التخصيص من رد اعتقاد المخاطب في قيد الحكم مع تسليم أصله.
6 هو أن يكون لتخصيص الجنس.
7 لأنه لا يوجد من يتوهم أن الخير يُهِرّ الكلب حتى يُرَدّ عليه بذلك.
8 هو أن يكون لتخصيص الواحد.
9 لأنه مَثَل يقال في مقام الحث على شدة الحزم لدفع هذا الشر لعظمه، فإذا أريد أن الذي أهرّه شر لا شران نافى القصد منه؛ لأنه مما يوجب التساهل في دفعه.
(1/118)

شر"، فالوجه تفظيع شأن الشر بتنكيره كما سبق"1.
هذا كلامه، وهو مخالف لما ذكره الشيخ عبد القاهر2؛ لأن ظاهر كلام الشيخ فيما يلي حرف النفي القطع بأنه يفيد التخصيص مضمرا كان أو مظهرا، معرفا أو منكرا من غير شرط، لكنه لم يمثّل إلا بالمضمَر، وكلام السكاكي صريح في أنه لا يفيده إلا إذا كان مضمرا أو منكرا بشرط تقدير التأخير في الأصل، فنحو: "ما زيد قام" يفيد التخصيص على إطلاق قول الشيخ، ولا يفيده على قول السكاكي، ونحو
__________
1 من أن التنكير قد يأتي للتعظيم، وبهذا يجمع بين قولهم بتخصيصه وقوله بعدمه. فقولهم بالتخصيص مبني على جعل التنكير للتعظيم، والمعنى: شر عظيم أهر ذا ناب لا شر ضعيف، فيكون التخصيص في الوصف لا في جنس الشر، ويكون له فائدة، وقوله بعده: التخصيص مبني على عدم إرادة ذلك من التنكير، فيكون التقديم عنده لتقوية الحكم فقط.
2 من يرجع إلى كلام السكاكي في "المفتاح" يرى أنه حاكى عبد القاهر فيما يفيده تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي، فقد رأى في النكرة أن البناء عليها لا يفيده إلا التخصيص كما يرى عبد القاهر، ولم يخالفه إلا في توجيه ذلك بما لا يؤثر في موافقته له، وقد رأى فيما يلي حرف النفي ما يراه عبد القاهر، فلا يصح عنده مثله: "ما أنا رأيت أحدا" ولا: "ما أنا رأيت إلا زيدا"، وكذلك لا يصح عنده: "ما زيدا ضربت ولا أحدا من الناس" ولا: "ما أنا ضربت زيدا ولا أحد غيري" فالمضمر والمظهر عنده في ذلك سواء؛ ولهذا لم يذكر شرط تقدير التأخير فيما يلي حرف النفي، ولا يوجد في كلامه ما يشعر بحمله على المثبَت في هذا الشرط، وقد رأى في المعرف المثبت أنه يحتمل التخصيص وتقوية الحكم كما يرى عبد القاهر، ولكنه يرى أن البناء على المظهر ليس كالبناء على المضمر في احتمال هذين الاعتبارين على السواء، فهو لا ينفي فيه الاختصاص؛ بل يبعده. ولعل عبد القاهر لم يمثّل إلا بالمضمر كما ذكر الخطيب؛ لضعف اعتبار التخصيص في المظهر، ولعل الخطيب أشار بقوله: "لأن ظاهر كلام الشيخ ... إلخ" إلى أنه يمكن الجمع بينهما.
فالحق أنه لا خلاف بين عبد القاهر والسكاكي في ذلك كله إلا في التوجيه فقط، والخلاف في التوجيه لا يؤثر في اتفاقهما على ذلك بشيء، وما كان أغنى الخطيب عن التطويل بما طوّل به في هذا الموضع!!
(1/119)

"ما أنا قمت" يفيده على قول الشيخ مطلقا، وعلى قول السكاكي بشرط. وظاهر كلام الشيخ أن المعرف إذا لم يقع بعد النفي وخبره مثبت أو منفي قد يفيد الاختصاص مضمرا كان أو مظهرا، لكنه لم يمثل إلا بالمضمر، وكلام السكاكي صريح في أنه لا يفيده إلا المضمر؛ فنحو: "زيد قام" قد يفيد الاختصاص على إطلاق قول الشيخ، ولا يفيده عند السكاكي، ثم فيما احتج به لما ذهب إليه نظر؛ إذ الفاعل وتأكيده سواء في امتناع التقديم، ما دام الفاعل فاعلا والتأكيد تأكيدا، فتجويز تقديم التأكيد دون الفاعل تحكّم ظاهر، ثم لا نسلّم انتفاء التخصيص في صورة المنكّر لولا تقدير أنه كان في الأصل مؤخرا فقدم؛ لجواز حصول التخصيص فيها بالتهويل -كما ذكر- وغير التهويل1. ثم لا نسلم امتناع أن يراد: المُهِرّ شر لا خير، قال الشيخ عبد القاهر: إنما قدم "شر" لأن المراد أن يعلم أن الذي أهر ذا ناب هو من جنس الشر لا من جنس الخير2، فجرى مجرى أن تقول: "رجل جاءني" تريد أنه رجل لا امرأة، وقول العلماء: إنه إنما صلح لأنه بمعنى: "ما أهر ذا ناب إلا شر" بيان لذلك، وهذا صريح في خلاف ما ذكره.
ثم قال السكاكي3: ويقرب من قَبِيل "هو عرف" في اعتبار تقوي الحكم4:
__________
1 التهويل: في قولهم: "شر أهرَّ ذا ناب", وغير التهويل كالتحقير والتكثير والتقليل, ولكن هذا لا يرد به على السكاكي؛ لأنه إنما يقدر ذلك في النكرة إذا لم يكن هناك سبب للتخصيص سواه، نحو: "رجل جاءني" على إرادة الجنس أو الواحد، فليس فيه احتمال تهويل ولا غيره.
2 دلائل الإعجاز ص94. ولكن قد سبق أن التخصيص في مثل هذا لا فائدة فيه، وقيل: إن الكلب قد يُهر في الدفاع عن أصحابه، وهو من جنس الخير، فيكون على هذا في التخصيص بجنس الشر فائدة، ولا حاجة مع هذا إلى تسويغ التخصيص فيه بجعل التنكير للتعظيم كما سبق.
3 المفتاح ص119.
4 ظاهر هذا أنه لا يأتي للتخصيص عنده، وقيل: إنه يأتي عنده أيضا للتخصيص، ويدل على هذا ما سيأتي في قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} وما سيأتي له في باب القصر من إفادة "أنا عارف" الحصر.
(1/120)

"زيد عارف"، وإنما قلت: "يقرب" دون أن أقول: "نظيره" لأنه لمّا لم يتفاوت في التكلم والخطاب والغيبة في: "أنا عارف، وأنت عارف، وهو عارف" أشبَهَ الخالي عن الضمير؛ ولذلك لم يحكم على "عارف" بأنه جملة ولا عُومِل معاملتها في البناء1، حيث أُعرب في نحو: "رجلٌ عارفٌ، رجلًا عارفًا، رجلٍ عارفٍ" وأُتبعه في حكم الإفراد، نحو: "زيد عارف أبوه" يعني أُتبع "عارف" "عرف" في الإفراد، إذا أسند إلى الظاهر السكاكي, مفردا كان أو مثنى أو مجموعا2.
ثم قال: "ومما يفيد التخصيص ما يحكيه -عَلَتْ كلمته- عن قوم شعيب عليه السلام: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91] أي: العزيز علينا يا شعيب رهطك لا أنت3؛ لكونهم من أهل ديننا، ولذلك قال عليه السلام في جوابهم: {أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} [هود: 92] أي: من نبي الله، ولو كان معناه معنى "ما عززت علينا" لم يكن مطابقا. وفيه نظر؛ لأن قوله: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} من باب "أنا عارف"، لا من باب "أنا عرفت"4، والتمسك بالجواب ليس بشيء؛ لجواز أن يكون عليه السلام فهم كون رهطه أعز عليهم من قولهم: {وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} .
وقال الزمخشري: دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام في الفاعل لا
__________
1 المراد به عدم ظهور إعرابها؛ لأنه لا يلزم البناء فيها.
2 فلا تلحقهما علامة التثنية, ولا علامة الجمع.
3 فيفيد التخصيص مع تقوية الحكم.
4 هذا لا يَرِد على السكاكي عند من يرى أنه لا فرق عنده بين البابين في احتمال إفادة التخصيص وتقوية الحكم، ولكن الحق خلاف ما ذهب إليه السكاكي من التسوية بين البابين، بدليل أنه لو كان نحو: "زيد عارف" يفيد تقوية الحكم لما صح خطاب الذهن به، وهو خلاف ما سبق عن أبي العباس في جواب الكندي في باب الإسناد الخبري من الفرق بين "عبد الله قائم، وإن عبد الله قائم، وإن عبد الله لقائم".
(1/121)

في الفعل، كأنه قيل: "وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا"1. وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن إيلاء الضمير حرف النفي إذا لم يكن الخبر فعليا يفيد الحصر، فإن قيل: الكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله: {أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} ؟ قلنا: قال السكاكي: معناه: من نبي الله، فهو على حذف المضاف، وأجود منه ما قال الزمخشري: وهو أن تهاونهم به -وهو نبي الله- تهاون بالله، فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله، ألا ترى إلى قوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} 2؟
ويجوز أن يقال: لا شك أن همزة الاستفهام هنا ليست على بابها؛ بل هي للإنكار للتوبيخ، فيكون معنى قوله: {أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} إنكار أن يكون مانعهم من رجمه رهطه؛ لانتسابه إليهم دون الله تعالى مع انتسابه إليه أيضا، أي: أرهطي أعز عليكم من الله حتى كان امتناعكم من رجمي بسبب انتسابي إليهم بأنهم رهطي، ولم يكن بسبب انتسابي إلى الله تعالى بأني رسوله؟! والله أعلم.
__________
1 فيكون الزمخشري في هذا موافقا للسكاكي، ويرى مثله أن نحو: "زيد عارف" من قبيل "هو عرف" في إفادة التقوية والتخصيص.
2 [سورة النساء، الآية: 80] .
هذا، ومما ورد من الشعر في إفادة التقديم التقوية أو التخصيص قول جرير "من الوافر":
إن العيون التي في طرفها مَرَض ... قتلْنَنا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا
وقول بعضهم "عمرو بن قميئة" "من الكامل":
كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني، فإذا السلامة داء
وقول الآخر "من الطويل":
لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدرِ أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي
(1/122)

ومما يرى تقديمه1 كاللازم لفظ "مثل" إذا استُعمل كناية من غير تعريض2؛ كما في قولنا: "مثلك لا يبخل"، ونحوه مما لا يراد بلفظ "مثل" غير ما أضيف إليه، ولكن أريد أن من كان على الصفة التي هو عليها كان من مقتضى القياس وموجب العرف أن يفعل ما ذكر أو ألا يفعل3، ولكون المعنى هذا4 قال الشاعر "السريع":
ولم أقل مثلك أعني به ... سواك يا فردا بلا مشبه5
وعليه قوله "من السريع":
مثلك يثني الحزن عن صوبه ... ويستردّ الدمع عن غَرْبه6
__________
1 أي: على الخبر الفعلي، ويلحق بلفظ "مثل" ما هو بمعناه كلفظ "شبيه ونظير"، وإنما كان التقديم فيها كاللازم ولم يكن لازما؛ لأنه لا شيء يوجبه من جهة القياس ولا من جهة الكناية، وإنما هو مما يساعد على الغرض المقصود منها، وهي حاصلة مع التقديم والتأخير، فليس هذا اللزوم إلا في استعمال البلغاء.
2 أي: بغير ما أضيف إليها، فلو أريد بها غيره لم يلزم تقديمها؛ لأنها تخرج من الكناية إلى الحقيقة، كما في قول أبي إسحاق الصابي "من الطويل":
تشابه دمعي إذا جرى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب
فليس المراد بالتعريض هنا التعريض المعدود من الكناية، وإنما المراد به معناه اللغوي وهو الإشارة على وجه الإجمال.
3 هذا يلزم أنه هو نفسه يفعله أو لا يفعله؛ فالكناية في ذلك من إطلاق الملزوم وإرادته اللازم.
4 أي: على أنه لا يراد بـ "مثل" غير ما أضيفت إليه.
5 هو لأحمد بن الحسين المعروف بأبي الطيب المتنبي، و"مثلك" فيه مفعول "أقل" على حكايته في البيت الآتي بعده؛ لأنه قبله في القصيدة.
6 هو للمتنبي أيضا من قصيدة له في الرثاء، وقوله: "يثني الحزن" بمعنى يكفّه بالصبر، والصوب: الجهة، والغرب: عِرْق في العين يجري منه الدمع، وفي رواية: "يثني المزن" وهو السحاب، وهي خلاف رواية الديوان، ولا تناسب مقام الرثاء.
(1/123)

وكذا قول القَبَعْثَرِي1 للحجاج لما توعده بقوله: "لأحملنّك على الأدهم": "مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب"2 أي: من كان على هذه الصفة من السلطة وبسطة اليد، ولم يقصد أن يجعل أحدا مثله.
وكذلك حكم "غير" إذا سُلك به هذا المسلك3 فقيل: "غيري يفعل ذلك" على معنى: "إني لا أفعله"4 فقط من غير إرادة التعريض بإنسان5.
وعليه قوله:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع6
__________
1 الصواب "ابن القبعثرى"، وهو الغضبان بن القبعثرى الشيباني، وكان ممن خرج على الحجاج بن يوسف الثقفي.
2 الأدهم في كلام الحجاج بمعنى القيد من الحديد، وفي كلام الغضبان بمعنى الفرس الأسود، وسيأتي هذا في الكلام على تلقي المخاطب بغير ما يترقب. الأشهب: الفرس الأشهب.
3 فلم يقصد بها سوى ما أضيف إليها، فإن قصد بها سوى ما أضيف إليها لم يلزم تقديمها، كما في قول الشاعر "من الكامل":
غيري جنى وأنا المعاقَب فيكمُ ... فكأنني سبابة المتندم
ويعطى حكم "غير" في ذلك ما بمعناها مثل "سوى" و"سواء" ونحوهما. ومن ذلك قول ابن سناء الملك "من الطويل":
سواي يهاب الموت أو يرهب الردى ... وغيري يهوى أن يعيش مخلدا
4 هذا أيضا بطريق الكناية كما في لفظ "مثل" وهي من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم أيضا؛ لأنه إذا كان غيره هو الذي يفعله لزم أنه هو لا يفعله بحكم المقابلة، وإذا كان غيره لا يفعله لزم أنه هو يفعله؛ لأنه لا بد له من محل يقوم به.
5 لا يعني به التعريض الآتي في الكناية، وإنما يعني به قصد إنسان غير المخاطب على طريق الحقيقة كما سبق.
6 هو لأحمد بن الحسين المعروف بأبي الطيب المتنبي, من قوله "من البسيط":
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا
يريد أنهم جبناء في قتالهم، شجعان في حديثهم، فلا تصدق أفعالهم أقوالهم.
(1/124)

فإنه معلوم أنه لم يرد أن يُعرِّض بواحد هناك فيصفه بأنه ينخدع؛ بل أراد أنه ليس ممن ينخدع. وكذا قول أبي تمام "من الوافر":
وغيري يأكل المعروف سُحْتا ... ويشحُب عنده بيِض الأيادي1
فإنه لم يرد أن يعرض بشاعر سواه فيزعم أن الذي قُرف به عند الممدوح من أنه هجاه كان من ذلك الشاعر لا منه، بل أراد أن ينفي عن نفسه أن يكون ممن يكفر النعمة ويلؤم لا غير.
واستعمال "مثل" و"غير" هكذا مركوز في الطباع، وإذا تصفّحت الكلام وجدتهما يُقدَّمان أبدا على الفعل إذا نُحِي بهما نحو ما ذكرناه، ولا يستقيم المعنى فيهما إذا لم يقدما، والسر في ذلك أن تقديمهما يفيد تقوي الحكم كما سبق تقريره، وسيأتي أن المطلوب بالكناية في مثل قولنا: "مثلك لا يبخل, وغيرك لا يجود" هو الحكم2، وأن الكناية أبلغ من التصريح فيما قصد بها، فكان تقديمهما أعون للمعنى الذي جُلبا لأجله.
قيل3: " ... وقد يقدم؛ لأنه4 دال على العموم5 كما تقول: "كل إنسان لم يقم"
__________
1 هو لحبيب بن أوس المعروف بأبي تمام، والسحت: الحرام، ويعني بذلك أنه لا يجحد المعروف فيأكله سحتا، وقوله: "يشحب" من الشحوب وهو في الأصل تغير اللون، والأيادي: النعم.
2 لأنه من قسم الكناية التي يُطلب بها نسبة.
3 المصباح ص13 "لبدر الدين بن مالك" المطبعة الخيرية، وانظر طبعة مكتبة الآداب المحققة.
4 أي: المسند إليه على الخبر الفعلي.
5 لا يخفى أن دلالة التقديم هنا على العموم دلالة لغوية لا وجه لذكرها هنا، وإن كانت تدل على دقة العربية في ترتيب كلامها، وإنما ينظر هنا إلى أن نحو: "كل إنسان لم يقم" يفيد تقوية حكم العموم، بخلاف نحو: "لم يقم إنسان" فهو داخل في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي، وما كان أغنى الخطيب عن الإطالة في هذا البحث الذي لا صلة له بهذا العلم، وإنما هو أشبه بعلم المنطق!!
(1/125)

فيقدم ليفيد نفي القيام عن كل واحد من الناس؛ لأن الموجبة المعدولة المهملة1 في قوة السالبة الجزئية المستلزمة نفي الحكم عن جملة الأفراد، دون كل واحد منها، فإذا سُوِّرت بـ "كل" وجب أن تكون لإفادة العموم لا لتأكيد نفي الحكم عن جملة الأفراد؛ لأن التأسيس خير من التأكيد2 ولو لم تقدم فقلت: "لم يقم كل إنسان" كان نفيا للقيام عن جملة الأفراد دون كل واحد منها3؛ لأن السالبة المهملة4 في قوة السالبة الكلية5 المقتضية سلب الحكم عن كل فرد لورود موضوعها في سياق النفي6، فإذا سورت بـ "كل" وجب أن تكون لإفادة نفي الحكم عن جملة الأفراد؛ لئلا يلزم ترجيح التأكيد عن التأسيس".
وفيه نظر؛ لأن النفي عن جملة الأفراد في الصورة الأولى -أعني: الموجبة المعدولة المهملة- كقولنا: "إنسان لم يقم" وعن كل فرد في الصورة الثانية -أعني: السالبة المهملة- كقولنا: "لم يقم إنسان" إنما أفاده الإنسان إلى "إنسان"، فإذا أضيف "كل" إلى "إنسان" وحُوِّل الإسناد إليه، فأفاد في الصورة الأولى نفي الحكم عن جملة الأفراد، وفي الثانية نفيه عن كل فرد منها، كان "كل" تأسيسا لا تأكيدا؛ لأن التأكيد
__________
1 المعدولة هي التي وقع النفي جزءا من موضوعها أو محمولها، والمهملة هي التي لم تسور بسور كلي أو جزئي، والمراد بالموجبة المعدولة المهملة هنا جملة "إنسان لم يقم" قبل دخول "كل" عليها؛ فهي في قوة السالبة الجزئية، أي: "لم يقم بعض الإنسان"، فكل منهما يفيد نفي الحكم عن جملة الأفراد, لا عن كل واحد منها.
2 يريد بالتأسيس إفادة معنى جديد، وبالتأكيد خلافه.
3 هذا باعتبار الغالب، وقد يتقدم النفي على "كل" ويكون المعنى على عموم النفي، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: 276] ، وقيل: إن دلالة هذا ونحوه على عموم النفي ليس بأصل الوضع، وإنما هو بمعونة القرائن.
4 هي جملة: "ولم يقم إنسان".
5 هي جملة: "لا شيء من الإنسان بقائم".
6 لأن النكرة في سياق النفي تعم.
(1/126)

لفظ يفيد تقوية ما يفيده لفظ آخر، وما نحن فيه ليس كذلك، ولئن سلّمنا أنه يسمى تأكيدا1 كقولنا: "لم يقم إنسان" إذا كان مفيدا للنفي عن كل فرد؛ كان مفيدا للنفي عن جملة الأفراد لا محالة؛ فيكون "كل" في: "لم يقم كل إنسان" إذا جُعل مفيدا للنفي عن جملة الأفراد تأكيدا لا تأسيسا، كما قال في: "كل إنسان لم يقم"؛ فلا يلزم من جعله للنفي عن كل فرد2 ترجيح التأكيد على التأسيس3.
ثم جعله قولنا: "لم يقم إنسان" سالبة مهملة في قوة سالبة كلية -مع القول بعموم موضوعها لوروده نكرة في سياق النفي- خطأ؛ لأن النكرة في سياق النفي إذا كانت للعموم كانت القضية التي جعلت هي موضوعا لها سالبة كلية، فكيف تكون سالبة مهملة4؟! ولو قال: "لو لم يكن الكلام المشتمل على كلمة "كل" مفيدا لخلاف ما يفيده الخالي عنها؛ لم يكن في الإتيان بها فائدة" لثبت مطلوبه في الصورة الثانية دون الأولى؛ لجواز أن يقال: إن فائدته فيها الدلالة على نفي الحكم عن جملة الأفراد بالمطابقة5.
واعلم أن ما ذكره هذا القائل من كون "كل" في النفي مفيدة للعموم تارة
__________
1 بألا يراد التأكيد الاصطلاحي، وإنما يراد به أن "كل" أفادت معنى كان مستفادا قبلها، ويقصد الخطيب أنه إذا سُلِّم هذا صح توجيهه في الصورة الأولى دون الثانية.
2 أي: لا يلزم من جعل: "لم يقم كل إنسان" لعموم السلب مثل: "لم يقم كل إنسان".
3 إذ لا تأسيس مع هذا أصلا، وإنما يلزم ترجيح أحد التأكيدين على الآخر بلا مرجِّح، وهو باطل. ويكون هذا هو التوجيه الصحيح في الصورة الثانية، لا ما ذكره من لزوم ترجيح التأكيد على التأسيس.
4 أجيب عن هذا بأنه جرى على اصطلاح علم المنطق؛ لأن هذه القضية خالية من سور السلب الكلي، وهو "لا شيء" ونحوه، فتكون مهملة لا سالبة كلية.
5 لأن قولنا: "إنسان لم يقم" يدل بالمطابقة على نفي الحكم عن بعض الأفراد، ولا يحتمل المجموع إلا بدلالة الالتزام، أما: "كل إنسان لم يقم" فإنه إذا جُعل لنفي الحكم عن المجموع تكون دلالته عليه بالمطابقة.
(1/127)

وغير مفيدة أخرى مشهور1، وقد تعرض له الشيخ عبد القاهر، وغيره.
وقال الشيخ2: كلمة "كل" في النفي إن أُدخلت في حيزه بأن قُدم عليها لفظا؛ كقول أبي الطيب:
ما كل ما يتمنى المرء يُدركه3
وقول الآخر:
ما كل رأْي الفتى يدعو إلى رَشَد4
وقولنا: "ما جاء القوم كلهم، وما جاء كل القوم، ولم آخذ الدراهم كلها، ولم آخذ كل الدراهم"، أو تقديرا5؛ بأن قدمت على الفعل المنفي وأُعمل فيها؛ لأن العامل رتبته التقدم على المعمول، كقولك: "كل الدراهم لم آخذ" توجه النفي6 إلى الشمول خاصة دون أصل الفعل، وأفاد الكلام ثبوته لبعض أو تعلقه7 ببعض.
وإن أُخرجت من حيزه بأن قدمت عليه لفظا ولم تكن معمولة للفعل المنفي؛ توجه النفي إلى أصل الفعل، وعم ما أضيف إليه "كل" كقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال له
__________
1 فهو مسلم في ذاته، ولم يرد الخطيب بما سبق إلا إبطال توجيه ابن مالك له؛ لأنه يرجع في الحقيقة إلى أصل الوضع، لا إلى تلك التكلفات المنطقية السابقة.
2 دلائل الإعجاز ص186.
3 هو لأحمد بن الحسين المعروف بأبي الطيب المتنبي من قوله "من البسيط":
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
والمشهور رواية "كل" بالرفع، وقد جوّز ابن جني نصبها على الاشتغال.
4 هو لإسماعيل بن القاسم المعروف بأبي العتاهية من قوله "من البسيط":
ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد ... إذا بدا لك رأي مشكل فقف
5 معطوف على "لفظا".
6 هذا جواب "إن".
7 إفادة الثبوت فيما يكون "كل" فيه فاعلا في المعنى، وإفادة التعليق فيما يكون فيه مفعولا في المعنى.
(1/128)

ذو اليدين1: "أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ ": "كل ذلك لم يكن" أي: لم يكن واحد منهما: لا القصر ولا النسيان.
وقول أبي النجم "من الرجز":
قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع2
ثم قال: "وعلة ذلك أنك إذا بدأت "بكل" كنت قد بنيت النفي عليه وسلطت الكلية على النفي، وأعملتها فيه، وإعمال معنى الكلية في النفي يقتضي ألا يشذ شيء عن النفي، فاعرفه". هذا لفظه، وفيه نظر3.
وقيل: إنما كان التقديم مفيدا للعموم دون التأخير؛ لأن صورة التقديم تُفهِم سلب لحوق المحمول للموضوع4، وصورة التأخير تفهم سلب الحكم من غير تعرض للمحمول بسلب أو إثبات. وفيه نظر أيضا؛ لاقتضائه ألا تكون "ليس" في نحو قولنا: "ليس كل إنسان كاتبا" مفيدة لنفي كاتب. هذا إن حمل كلامه على ظاهره، وإن تُؤُوِّل بأن مراده أن التقدم يفيد سلب لحوق المحمول عن كل فرد، والتأخير يفيد سلب لحوقه لكل فرد، اندفع هذا الاعتراض، لكن كان مصادرة على
__________
1 هو الحرباق أو العرباض بن عمرو.
2 هو للفضل بن قدامة, المعروف بأبي النجم. والرواية برفع "كله" على أنه مبتدأ خبره جملة "لم أصنع"، والرابط محذوف؛ أي: لم أصنعه.
3 لعل وجه النظر ما قيل: إن تمثيله بـ "ما جاء القوم كلهم" ليس بجيد؛ لأن "كلهم" هنا ليس مسندا ولا مسندا إليه بل هو تأكيد، ولكن سلب العموم هنا في الألف واللام في "القوم". ومثله في هذا تمثيله بـ "لم آخذ الدراهم كلها"، وإني أرى أن المثالين من باب عموم السلب لا من باب سلب العموم، و"كل" فيهما تفيد شمول النفي كما تفيد شمول الإثبات في نحو: "جاء القوم كلهم"؛ لأن الغرض من التوكيد واحد فيهما، وهو إفادة الشمول في النسبة إثباتا كانت أو نفيا.
4 المراد بالموضوع لفظ "إنسان" في قولنا: "كل إنسان لم يقم"، و"ليس كل إنسان قائما" لا لفظ "كل"، وهذا اصطلاح أهل المنطق، إنما أفادت صورة التقديم ذلك لاتصال النفي فيه بالمحمول دون الحكم؛ لأنها موجبة معدولة المحمول.
(1/129)

المطلوب1.
واعلم أن المعتمد في المطلوب: الحديث، وشعر أبي النجم، وما نقلناه عن الشيخ عبد القاهر وغيره لبيان السبب، وثبوت المطلوب لا يتوقف عليه، والاحتجاج بالخبر من وجهين: أحدهما أن السؤال بـ "أم" عن أحد الأمرين لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم على الإبهام، فجوابه إما بالتعيين أو بنفي كل واحد منهما2. وثانيهما ما روي أنه لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل ذلك لم يكن" قال له ذو اليدين: "بعض ذلك قد كان"، والإيجاب الجزئي نقيضه السلب الكلي، وبقول3 أبي النجم ما أشار إليه الشيخ عبد القاهر، وهو أن الشاعر فصيح "والفصيح الشائع في مثل قوله: نصب "كل"4، وليس فيه ما يكسر له وزنا، وسياق كلامه أنه لم يأت بشيء مما ادعت عليه هذه المرأة؛ فلو كان النصب مفيدا لذلك والرفع غير مفيد لم يعدل عن النصب إلى الرفع من غير ضرورة.
__________
1 لأن الدليل حينئذ يكون عين المطلوب.
2 والجواب لم يحصل بالتعيين، فتعين أنه بنفي واحد منهما، وهذا هو عموم السلب.
3 معطوف على قوله: "بالخبر"، فهو متعلق بالاحتجاج مثله.
4 لأن في الرفع تهيئة العامل للعمل، ثم قطعه عنه، وذلك ضعيف غير فصيح، بل ذهب ابن هشام وغيره إلى منعه، وقد أجازه سيبويه احتجاجا بقول الشاعر:
ثلاث كلهن قتلت عمدا
هذا وما جاء فيه تقديم "كل" على النفي وتأخيرها عنه قول دعبل الخزاعي "من الطويل":
فوالله ما أدري بأي سهامها ... رمتني وكل عندنا ليس بالمكدي
أبالجيد أم مجرى الوشاح؟ وإنني ... لأتهم عينيها مع الفاحم الجعد
وقول أبي الأسود "من الطويل":
وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب
وقول الآخر "من الكامل":
إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يُكرَما
(1/130)

ومما يجب التنبه له في فصل التقديم أصل؛ وهو أن تقديم الشيء على الشيء1 ضربان:
تقديم على نية التأخير، وذلك في شيء أُقر مع التقديم على حكمه الذي كان عليه؛ كتقديم الخبر على المبتدأ، والمفعول على الفاعل؛ كقولك: "قائم زيد، وضرب عمرا زيدٌ"؛ فإن "قائم" و"عمرا" لم يخرجا بالتقديم عما كانا عليه من كون هذا مسندا ومرفوعا بذلك، وكون هذا مفعولا ومنصوبا من أجله.
وتقديم لا على نية التأخير، ولكن على أن ينقل الشيء عن حكم إلى حكم، ويُجعل له إعراب غير إعرابه، كما في اسمين يحتمل كل منهما أن يُجعل مبتدأ والآخر خبرا له، فيقدم تارة هذا على ذاك، وأخرى ذاك على هذا؛ كقولنا: "زيد المنطلق"، و"المنطلق زيد"، فإن "المنطلق" لم يقدم على أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير؛ فيكون خبر مبتدأ كما كان؛ بل على أن يُنقل عن كونه خبرا إلى كونه مبتدأ، وكذا القول في تأخير "زيد".
__________
1 هذا تقسيم قد مهد به عبد القاهر في "دلائل الإعجاز" للكلام على التقديم والتأخير، وهو عام في تقديم المسند إليه وتقديم المسند وتقديم غيرهما، وتقديم المسند إليه يكون دائما من القسم الثاني؛ لأن رتبته التقديم, فلا يأتي فيه تقديم على نية التأخير.
(1/131)

أغراض تأخير المسند إليه:
وأما تأخيره؛ فلاقتضاء المقام تقديم المسند1.
__________
1 سيأتي في الكلام على المسند بيان أغراض تقديمه، وذلك كتخصيصه بالمسند إليه في نحو قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6] ، وكالتشويق إلى ذكر المسند في قول محمد بن وهيب "من البسيط":
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحا وأبو إسحاق والقمر
(1/131)

تمرينات على التقديم والتأخير:
تمرين1:
1- لماذا قدم المسند إليه في قول الشاعر:
أنا لا أختار تقبيل يد ... قطعها أجمل من تلك القُبَل؟
2- لماذا أخر المسند إليه أولا وقدم ثانيا في قوله تعالى: {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} [الصافات: 47] ؟
تمرين2:
1- أي الأمرين "التخصيص وتقوية الحكم" يقصد من قول الشاعر:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صَمَم؟
2-لماذا أخر المسند إليه أولا وقدم آخرا في قول الشاعر:
وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان؟
تمرين3:
1- ماذا تدل عليه "سوى" من الكناية أو الحقيقة في قول الشاعر:
وإذا تُباع كريمة أو تُشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري؟
2- ماذا تدل عليه "كل" من سلب العموم أو عموم السلب في قولهم: "ما كل سوداء تمرة، وما كل بيضاء شحمة"؟
تمرين4:
1- لماذا أخر "كل" على النفي في قول الشاعر:
فيا لك من ذي حجة حِيل دونها ... وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله؟
2- لماذا قدم المسند إليه في قول الشاعر:
خير الصنائع في الأنام صنيعة ... تنبو بحاملها عن الإذلال؟
(1/132)

تمرينات على التقديم والتأخير:
تمرين5:
1- لماذا قدمت "سوى وغير" في قول الشاعر:
سواي بتحنان الأغاريد يَطْرَب ... وغيري باللذات يلهو ويلعب؟
2- لماذا أخر المسند إليه في قول الشاعر:
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت؟
تمرين6:
1- ما أحسن طريق يُختار في إثبات إفادة "كل" عموم السلب إذا وقعت قبل النفي، وسلب العموم إذا وقعت بعده؟
2- أي فائدة لتقسيم عبد القاهر التقديم إلى تقديم على نية التأخير، وتقديم لا على نية التأخير؟
تمرين7:
قال بعض الشعراء:
أحياؤنا لا يُرزقون بدرهم ... وبألف ألف تُرزق الأموات!!
1- فلماذا أتى بالشطر الأول جملة اسمية خبرها فعليّ دون الثاني؟
2- من أي قسمي التقديم قوله تعالى: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ} [مريم: 46] ؟
تمرين8:
1- لماذا أخر المسند إليه في قول الشاعر:
ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل ... عفاف وإقدام وحزم ونائل؟
2- لماذا قدم المسند إليه في قول الشاعر:
وما أنا ممن تأسِر الخمر لبه ... ويملك سمعيه اليَرَاع المثقّب؟
(1/133)

تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر:
وضع المضمر موضع المظهر:
هذا كله مقتضى الظاهر1. وقد يُخرّج المسند إليه على خلافه؛ فيوضع المضمر موضع المظهر، كقولهم ابتداء من غير جري ذكر لفظا أو قرينة حال: "نعم رجلا زيد، وبئس رجلا عمرو" مكان "نعم الرجل وبئس الرجل"، على قول من لا يرى الأصل: "زيد نعم رجلا، وعمرو بئس رجلا"2 وقولهم: "هو زيد عالم، وهي عمرو شجاع"3 مكان "الشأن زيد عالم، والقصة عمرو شجاع"؛ ليتمكن في ذهن السامع ما يعقبه4؛ فإن السامع متى لم يفهم من الضمير معنى بقي منتظرا لعقبى الكلام كيف تكون؟ فيتمكن المسموع بعده في ذهنه فضل تمكن، وهو السر في التزام تقديم ضمير الشأن أو القصة، قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] , وقال: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117] وقال: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ} [الحج: 46] .
__________
1 أي: مقتضى ظاهر الحال على ما سبق في باب الإسناد الخبري، واسم الإشارة يعود إلى كل ما سبق من الكلام على أحوال المسند إليه، وقيل: إنه يُستثنى منه توجيه الخطاب لغير معين؛ لأنه من تخريجه على خلاف مقتضى الظاهر.
2 من لا يراه يجعل المخصوص خبر مبتدأ محذوف؛ فيكون الضمير الفاعل عائدا على معقول معهود في الذهن، وأما الذي يرى أن الأصل: "زيد نعم رجلا" فلا يكون عنده من التخريج على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأنه يجعل المخصوص مبتدأ مؤخرا، وما قبله خبرا عنه، فيكون الضمير الفاعل عائدا على مذكور متقدم رتبة.
3 الأولى أن يذكر بدله: "وهي هند مليحة" لأن ضمير القصة لا بد معه من أن يكون في الكلام مؤنث غير فضلة أو شبيه بها، فلا يقال: "إنها بنيت غرفة" ولا: "إنها كان القرآن الكريم معجزة".
4 هذا هو الاعتبار الذي اقتضى تخريج المسند إليه في ذلك على خلاف مقتضى الظاهر، ولكنه لا يأتي في باب "نعم"؛ لأنه لا يعلم أن فيها ضميرا قبل سماع مفسره. ومثل ضمير "نعم" وضمير الشأن في ذلك كل ضمير يتقدم مرجعه حكما ويتأخر لفظا ورتبة، كما في قولك: "رُبَّه فتى" وكما في قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء: 3] ، وكما قال الشاعر:
جفوني ولم أجف الأخلّاء ... إنني لغير جميل من خليلي مهمل
(1/134)

وضع المظهر موضع المضمر:
وقد يعكس فيوضع المظهر موضع المضمر؛ فإن كان المظهر اسم إشارة فذلك إما لكمال العناية بتمييزه لاختصاصه بحكم بديع؛ كقوله "من البسيط":
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا1
وإما للتهكم بالسامع: كما إذا كان فاقد البصر، أو لم يكن ثَمَّ مشار إليه أصلا2.
وإما للنداء على كمال بلادته بأنه لا يدرك غير المحسوس بالبصر، أو على كمال فطانته بأن غير المحسوس بالبصر عنده كالمحسوس عند غيره، وإما لادعاء أنه كمل
__________
1 هما لأحمد بن يحيى المعروف بابن الراوندي، وكان يُرمى بالزندقة، وقيل: إنه كان من المتصوفة. وكل من "عاقل" الثانية و"جاهل" الثانية صفة للأولى منهما على معنى: كامل في العقل وكامل في الجهل، وليس ذلك من التأكيد اللفظي؛ لأنه إنما يكون لدفع توهم سهو أو نحوه، وهو غير محتمل هنا. وقوله: "أعيت مذاهبه" بمعنى أعجزته طرق معاشه، أو أعيت عليه متعدية أو لازمة، والأوهام يراد بها العقول من تسمية المحلّ باسم الحالّ على المجاز المرسل، والنحرير من نحر الأمور علما: أتقنها، والزنديق الذي يؤمن بالزندقة وهي القول بأزلية العالم، وتُوُسِّع فيه فأُطلق على كل شاكّ أو ضالّ أو ملحد. والشاهد في اسم الإشارة؛ لأنه يعود إلى الحكم السابق عليه، وهو كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا؛ فالمقام للضمير لأن هذا الحكم غير محسوس، واسم الإشارة موضوع للمحسوس، والحكم البديع الذي أسند إلى اسم الإشارة هو جعل الأوهام حائرة والعالم النحرير زنديقا.
2 كأن يقول لك أعمى: أتشهد أن زيدا ضربني؟ فتقول له: "نعم، ذلك الذي في جانبك" سواء أكان في جانبه أم لم يكن.
(1/135)

ظهوره حتى كأنه محسوس بالبصر. ومنه في غير باب المسند إليه قوله "من الطويل":
تعاللتِ كي أشجى وما بك علة ... تريدين قتلي، قد ظفرتِ بذلك1
وإما لنحو ذلك2.
وإن كان المظهر غير اسم إشارة؛ فالعدول إليه عن المضمر إما لزيادة التمكين3 كقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 1، 2] ، ونظيره من غيره قوله: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105] ، وقوله: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 59] .
وقول الشاعر:
إن تسألوا الحق نعطِ الحق سائله4
بدل "نعطكم إياه".
وإما لإدخال الرَّوْع في ضمير السامع وتربية المهابة, وإما لتقوية داعي المأمور5. مثالهما قول الخلفاء: "أمير المؤمنين يأمرك بكذا". وعليه من غيره: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} 1.
وإما للاستعطاف، كقوله:
إلهي عبدك العاصي أتاكا2
وإما لنحو ذلك3
__________
1 هو كما رواه المبرد لمرة بن عبد الله الهلالي، وقوله: "تعاللت" بمعنى ادعاء العلة. وقوله: "أشجى" بمعنى أحزن، والشاهد في وضع اسم الإشارة موضع الضمير؛ لأن الظاهر أن يقال: قد ظفرتِ به أي: بالقتل، والداعي إلى ذلك هو ادعاء كمال ظهوره حتى كأنه محسوس بالبصر.
2 كالإشارة إلى بعده، ويمكن أن يحمل عليه ما في البيت السابق أيضا؛ بأن يكون مراده به الإشارة إلى بعد قتله لكمال شجاعته.
3 هذا إذا كان المقام يقتضي الاعتناء بالمسند إليه.
4 هو لعبد الله بن عنمة الضبي من قوله "من البسيط":
إن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... والدرع محقبة والسيف مقروب
والمحقبة: المشدودة في الحقبة، والمقروب: الموضوع في قرابه. وسيأتي هذا البيت مع بيت قبله في شواهد الالتفات.
5 أي: إلى امتثال ما أُمر به.
(1/136)

الالتفات:
قال السكاكي4:
__________
1 [آل عمران: 159] ؛ لأنه لم يقل فيه: "فتوكل علي" ولكنه من باب تقوية داعي المأمور إلى الامتثال، لا من باب إدخال الروع في ضمير السامع؛ لأن الاطمئنان بالتوكل لا يناسبه الروع من المطمأن إليه.
2 هو لإبراهيم بن أدهم من مقطوعة مطلعها "من الوافر":
هجرت الخلق طرا في هواكا ... وأيتمت العيال لكي أراكا
إلى أن يقول:
إلهي عبدك العاصي أتاكا ... مقرا بالذنوب وقد دعاكا
فإن تغفر فأنت لذاك أهل ... وإن تطرد فمن يرحم سواكا؟
والشاهد في قوله: "عبدك" فلم يقل: "أنا أتيتك".
3 كأن يقصد التوصل بالظاهر إلى الوصف، نحو قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} إلى أن قال: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ} [الأعراف: 158] ، وكأن يكون المعنى على الإظهار هو المراد؛ نحو قول الله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} [الكهف: 77] ؛ لأن جملة: {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} صفة "قرية" وليست صفة "أهل"؛ لأنه مسوق للتحدث عن القرية وجدارها لا عن أهلها، وليست أيضا جوابا لإذا؛ لأن جوابها قوله بعده: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} فوضع المظهر موضع المضمر؛ لأن الصفة جارية على غير من هي له.
4 المفتاح ص106.
(1/137)

هذا1 غير مختص بالمسند إليه، ولا بهذا القدر2، بل التكلم والخطاب والغيبة مطلقا3 ينقل كل واحد منها إلى الآخر، ويسمى هذا النقل "التفاتا" عند علماء المعاني4 كقول ربعية بن مقروم "من البسيط":
بانت سعاد فأمسى القلب معمودا ... وأخلفتك ابنة الحر المواعيدا5
فالتفت كما ترى؛ حيث لم يقل: "وأخلفتني". وقوله "من الطويل":
تذكرت والذكرى تهيجك زينبا ... وأصبح باقي وصلها قد تقضبا
وحل بفلج فالأباتر أهلنا ... وشطت فحلت غمرة فمثقبا6
فالتفت في البيتين.
والمشهور عند الجمهور أن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة, بعد التعبير عنه بطريق آخر منها7.
__________
1 أي: النقل من الحكاية إلى الغيبة.
2 أي: ولا النقل مطلقا مختص بهذا القدر، وهو النقل من الحكاية إلى الغيبة، وإنما أُوِّلت عبارته هذا التأويل لما في ظاهره من التهافت.
3 أي: في المسند إليه وغيره، وحيث سبق التعبير بأحدهما ثم عبر بالآخر على خلافه أو لم يسبق، كما سيأتي.
4 بعضهم يجعل منه التعبير بالمضارع عن الماضي، وعكسه، والانتقال من خطاب الواحد أو الاثنين أو الجماعة إلى الآخَر منها.
5 المعمود: الحزين، وابنة الحر: هي سعاد من وضع المظهر موضع المضمر. ويجوز أن يكون الخطاب في قوله: "وأخلفتك" تجريدا لا التفاتا على ما هو الجليّ من الفرق بينهما؛ لأن مبنى التجريد على المغايرة؛ لأنه يجرد من الشخص شخصا آخر، ومبنى الالتفات على اتحاد المعنى، وكذلك يقال في كل ما أشبه هذا الخطاب.
6 هما لربيعة بن مقروم أيضا، وقوله: "والذكرى تهيجك" معترض بين الفعل ومفعوله، وقوله: "تقضب" بمعنى انقطع، وفلج والأباتر وغمرة ومثقب: مواضع، وقوله: "شطت" بمعنى بَعُدت. والالتفات في البيت الأول من التكلم إلى الخطاب، ويجوز حمله على التجريد كما سبق، والالتفات في البيت الثاني من الخطاب إلى التكلم.
7 يجب فيه أيضا أن يكون التعبير الثاني على خلاف ما يقتضيه ظاهر السياق، وإن كان =
(1/138)

وهذا أخص من تفسير السكاكي؛ لأنه أراد بالنقل أن يعبر بطريق من هذه الطرق عما عبر عنه بغيره، أو كان مقتضى الظاهر أن يعبر عنه بغيره منها1؛ فكل التفات عندهم التفات عنده، من غير عكس2.
مثال الالتفات من التكلم إلى الخطاب قوله تعالى: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 3 [يس: 22] .
__________
= موافقا لظاهر المقام؛ فلا يعد منه الخطاب الثاني في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، وإنما حصل الالتفات بالأول فقط، وجرى الثاني على سياقه، وكذلك لا يعد منه الانتقال من التكلم إلى الغيبة في قول الشاعر "من الرجز":
نحن اللذون صبّحوا الصباحا ... يوم النخيل غارة مِلْحاحا
من الاسم الظاهر، وهو يدل على الغيبة، ومقتضى سياقه أن يعود الضمير عليه من الصلة بطريق الغيبة أيضا. ويعد منه الانتقال من الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} [عبس: 1-3] ، وإن كان الخطاب ظاهر المقام؛ لأنه خلاف ظاهر السياق.
1 يعني: أو لم يعبر عنه بغيره, وكان مقتضى الظاهر ... إلخ.
وهذا الشق الثاني هو الذي ينفرد فيه الالتفات عند السكاكي عن الالتفات عند الجمهور؛ كالالتفات من التكلم إلى الخطاب في الشاهدين السابقين لربيعة بن مقروم، والجمهور يجعلونه من التجريد لا من الالتفات، والخطب في هذا سهل.
2 أي: لغوي لا منطقي؛ لصحة العكس المنطقي هنا بخلاف اللغوي؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون كل التفات عند السكاكي التفاتا عند الجمهور، وهو باطل.
3 فالسياق يقتضي "وإليه أرجع" وإن كان الخطاب هو ظاهر المقام؛ لأن قوله: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ} تعريض بالمخاطبين، والمراد "وما لكم لا تعبدون". وقيل: إنه لا التفات في قوله {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ؛ لأنه يجوز إرادة المخاطبين فلا يكون في معنى "وإليه أرجع"، وقيل: إن في قوله {وَمَا لِيَ} التفاتا، والحق أنه من التعريض لا من الالتفات. ومن الالتفات من = التكلم إلى الخطاب قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 14] ، وهو أظهر من الآية السابقة.
(1/139)

ومن التكلم إلى الغيبة1 قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 1، 2] .
ومن الخطاب إلى التكلم قول علقمة بن عبدة "من الطويل":
طحا بك قلب في الحسان طروب ... بُعَيْد الشباب عصر حان مشيب
يكلفني ليلى وقد شط وَلْيُها ... وعادت عَوادٍ بيننا وخطوب2
ومن الخطاب إلى الغيبة قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} [يونس: 22] .
ومن الغيبة إلى التكلم قوله تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ} [فاطر: 9] .
ومن الغيبة إلى الخطاب قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 4، 5] .
وقول عبد الله بن عَنَمَةَ "من البسيط":
ما إن ترى السيد زيدا في نفوسهم ... كما يراه بنو كُوز ومَرهوب
__________
1 المراد بالغيبة ما يشمل الاسم الظاهر كما في الآية، وكان السياق فيها أن يقال: "فصل لنا وانحر".
2 قوله: "طحا" بمعنى ذهب وأتلف, وطروب بمعنى أن له طربا ونشاطا في طلبهن، وقوله: "يكلفني" ضميره يعود إلى القلب، وروي "تكلفني" فيجوز أن يكون فاعله القلب على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ويجوز أن يكون فاعله "ليلى" بمعنى أنها تكلفه شدائد فراقها. وقوله: "شط وليها" بمعنى بعد قربها، وقوله: "عادت عواد" بمعنى رجعت عوائق كانت تحول بيننا إلى ما كانت عليه، ويجوز أن تكون "عادت" من المعاداة.
والشاهد في قوله: "يكلفني"؛ لأن الأصل "يكلفك" على مقتضى السياق، أما قوله: "طحا بك" فهو التفات أو تجريد على ما سبق.
(1/140)

إن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... والدرع محقبة والسيف مقروب1
وأما قول امرئ القيس "من المتقارب":
تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخَلِيّ ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني ... وخُبِّرتُه عن أبي الأسود2
فقال الزمخشري: "فيه ثلاثة التفاتات"3، وهذا ظاهر على تفسير السكاكي؛ لأن على تفسيره في كل بيت التفاتة، لا يقال: الالتفات عنده من خلاف مقتضى الظاهر؛ فلا يكون في البيت الثالث التفات لوروده على مقتضى الظاهر؛ لأننا نمنع انحصار الالتفات عنده في خلاف المقتضى4؛ لما تقدم5.
__________
1 السيد وزيد وكوز ومرهوب: أحياء من ضبّة قوم الشاعر. يريد أن السيد لا يوجبون لزيد في نفوسهم من الحرمة والنصرة ما يوجبه كوز ومرهوب، والضمير في قوله: "تسألوا" لزيد، وفيه الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والمحقبة: المشدودة في الحقيبة، والمقروب: الموضوع في قرابه. وبعد البيتين "من البسيط":
وإن أبيتم فإنا معشر أُنُف ... لا نطعم الخَسْف إن السم مشروب
2 هي لامرئ القيس حندج بن حجر، وقيل: إنها لامرئ القيس بن عابس الصحابي في رثاء ابن عمه أبي الأسود. والأثمد: اسم موضع، وقوله: "وبات وباتت له ليلة" بات الأولى فيه تامة، والثانية يجوز أن تكون ناقصة وأن تكون تامة، والعائر: قذى العين، وأبو الأسود: كنية أبيه حجر ملك بني أسد، والخبر الذي خبره عنه: خبر قتلهم له.
3 الالتفات الأول في قوله: "ليلك" من التكلم إلى الخطاب، وكافها مفتوحة أو مكسورة على ما سيأتي، وهو الذي يأتي على مذهب السكاكي، والالتفات الثاني في قوله: "وبات" من الخطاب إلى الغيبة، والالتفات الثالث في قوله: "جاءني" من الغيبة إلى التكلم.
4 يعني خلاف مقتضى ظاهر المقام.
5 من أن الالتفات عنده ينقسم إلى ما يجري على خلاف ظاهر المقام وإن لم يجر على خلاف السياق، وهو يخالف فيه الجمهور، وإلى ما يجري على خلاف السياق وإن لم يخالف ظاهر المقام، وهو الذي يوافق فيه الجمهور.
(1/141)

وأما على المشهور1 فلا التفات في البيت الأول، وفي الثاني التفاتة واحدة، فيتعين أن يكون في الثالث التفاتتان، فقيل: هما في قوله: "جاءني" إحداهما باعتبار الانتقال من الخطاب في البيت الأول، والأخرى باعتبار الانتقال من الغيبة في الثاني. وفيه نظر؛ لأن الانتقال إنما يكون من شيء حاصل ملتَبَس به؛ وإذ قد حصل الانتقال من الخطاب في البيت الأول إلى الغيبة في الثاني لم يبق الخطاب حاصلا ملتبَسا به؛ فيكون الانتقال إلى التكلم في الثالث من الغيبة وحدها، لا منها ومن الخطاب جميعا؛ فلم يكن في البيت الثالث إلا التفاتة واحدة، وقيل: إحداهما في قوله: "وذلك"؛ لأنه التفات من الغيبة إلى الخطاب2، والثانية في قوله: "جاءني"؛ لأنه التفات من الخطاب إلى التكلم، وهذا أقرب.
بلاغة الالتفات:
واعلم أن الالتفات من محاسن الكلام، ووجه حسنه -على ما ذكر الزمخشري- هو أن الكلام إذا نُقل من أسلوب إلى أسلوب3 كان ذلك أحسن تطرية4 لنشاط السامع، وأكثر إيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب
__________
1 قد ذكروا أن مذهب السكاكي في الالتفات هو مذهب الزمخشري؛ فلا معنى لتكلف تحقيق الالتفات الذي ذكره في البيتين على مذهب الجمهور؛ لأن مذهبه يخالف مذهبهم.
2 الالتفات في قوله: "ذلك" متكلف؛ لأنه لا دليل على أنه يعني بالخطاب فيها نفسه، بل الظاهر أن المعنيّ بها غير المتكلم؛ ولهذا لم ينظر إليها قبل هذا التكلف.
3 إنما خص بيان محاسن الالتفات بما فيه نقل من أسلوب إلى أسلوب؛ لأنه هو الغالب فيه، أما الالتفات الذي انفرد به السكاكي فوجه حسنه أن المخاطب إذا سمع خلاف ما يترقب نشط وأصغى إليه، وقد قيل: إن الالتفات على هذا يكون من المحسنات البديعية، فلا يصح ذكره هنا؛ لأن حسنه يرجع إلى ما ذكره الزمخشري, ولا يرجع إلى اقتضاء المقام. وأجيب بتسليم أنه من المحسنات البديعية، ولكن هذا لا يمنع من إدخاله في علم المعاني عند اقتضاء المقام لفائدته من طلب مزيد الإصغاء لكون الكلام دعاء أو مدحا أو نحوهما. والحق أن مثل هذا يكون شرطا لحسنه، ولا يقتضي وجوبه في البلاغة, فلا يصح أن يعد به من علم المعاني.
4 أي: تجديدا، تقول: "طريتُ الثوب" إذا عملتَ ما يجعله طريا كأنه جديد.
(1/142)

واحد1.
وقد تختص مواقعه بلطائف2 كما في سورة الفاتحة3؛ فإن العبد إذا افتتح حَمْد مولاه الحقيق بالحمد عن قلب حاضر ونفس ذاكرة لما هو فيه بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} الدال على اختصاصه بالحمد وأنه حقيق به، وجد من نفسه لا محالة محركا للإقبال عليه، فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} الدال على أنه مالك للعالمين، لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيته، قوي ذلك المحرك، ثم إذا انتقل إلى قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الدال على أنه منعم بأنواع النعم: جلائلها ودقائقها؛ تضاعفت قوة ذلك المحرك، ثم إذا انتقل إلى خاتمة هذه الصفات العظام وهي قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} الدال على أنه مالك للأمر كله يوم الجزاء تناهت قوته، وأوجب الإقبال عليه وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمّات4.
__________
1 أورد ابن الأثير على ما ذكره الزمخشري من ذلك أنه لو كان صحيحا لما حسن الالتفات إلا في الكلام الطويل، مع أنه قد أتى في القرآن حيث لا يمكن أن يقال: إن الكلام قد طال، ثم ذكر أن الالتفات لا يكون إلا لفائدة اقتضته، وأن تلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، ولكنها لا تحد بحد ولا تضبط بضابط، وإنما يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها، كما سيأتي في سورة الفاتحة، ولكنه عاد فذكر أنه لا ينكر أن في الانتقال من أسلوب إلى أسلوب اتساعا وتفننا في أساليب الكلام، مع أنه قد يكون لمقصد آخر معنوي هو أعلى وأبلغ، ولا يخفى أن مثل هذا لا يخالفه فيه الزمخشري؛ لأنه فيما ذكره من ذلك لم يرد إلا بيان وجه عام لحسن الالتفات، ولا يمنع أن تختص مواقعه بلطائف أخرى خاصة.
2 قيل: إنه يلزم أن يُلتمَس ذلك في كل التفات، وقيل: إنه لا يلزم أن يكون له في كل مقام نكتة خاصة.
3 الفاتحة: 2، 3، 4، 5.
4 يعني خطابه بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .
(1/143)

وكما في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} [النساء: 64] لم يقل: "واستغفرت لهم" وعدل عنه إلى طريق الالتفات؛ تفخيما لشأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعظيما لاستغفاره، وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان.
وذكر السكاكي1 لالتفات امرئ القيس في الأبيات الثلاثة على تفسيره وجوها: أحدها أن يكون قصد تهويل الخطب واستفظاعه، فنبه في التفاته الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبأ عليها ولهتْ وَلَه الثكلى، فأقامها مقام المصاب الذي لا يتسلى بعض التسلي إلا بتفجع الملوك له، وتحزنهم عليه، وخاطبها "بتطاول ليلكِ"2 تسلية، أو على أنها لفظاعة شأن النبأ أبدت قلقا شديدا ولم تتصبر -فعل الملوك- فشك في أنها نفسه، فأقامها مقام مكروب، وخاطبها بذلك تسلية, وفي الثاني على أنه صادق في التحزن -خاطب أو لا- وفي الثالث على أنه يريد نفسه.
أو نبه3 في الأول على أن النبأ لشدته تركه حائرا، فما فَطِنَ معه لمقتضى الحال؛ فجرى على لسانه ما كان ألِفه من الخطاب الدائر في مجاري أمور الكبار أمرا ونهيا. وفي الثاني على أنه بعد الصدمة الأولى أفاق شيئا، فلم يجد النفس معه، فبنى الكلام على الغيبة. وفي الثالث على ما سبق.
أو نبه4 في الأول على أنها حين لم تثبت ولم تتبصر غاظه ذلك؛ فأقامها مقام المستحق للعتاب، فخاطبها على سبيل التوبيخ والتعيير بذلك، وفي الثاني على أن الحامل على الخطاب والعتاب لما كان هو الغيظ والغضب، وسكن عنه الغضب بالعتاب الأول، ولى عنها الوجه وهو يُدمدم قائلا: "وبات وباتت له"، وفي الثالث على ما سبق.
هذا كلامه، ولا يخفى على المنصف ما فيه من التعسف5.
__________
1 المفتاح ص107.
2 فكافها مكسورة، ويصح فتحها نظرا إلى كون النفس يراد بها شخصه.
3 هذا هو الوجه الثاني، وكان المناسب لسياقه أن يقول: وثانيها.
4 هذا هو الوجه الثالث.
5 لأنه يحمل امرأ القيس ما لا يمكن أن يكون قد خطر بباله من ذلك. ولا يخفى أن كثيرا من اللطائف التي تلتمس للالتفات فيها مثل هذا التعسف، وأن ذلك يرجع إلى أنها غير مضبوطة؛ لأنها لو كانت مضبوطة لأمكن الرجوع إلى أمر ظاهر مقرر منها.
(1/144)

الأسلوب الحكيم:
ومن خلاف المقتضى ما سماه السكاكي1 الأسلوب الحكيم2، وهو تلقي المخاطِب3 بغير ما يترقب، بحمل كلامه على خلاف مراده؛ تنبيها على أنه الأولى بالقصد، أو "تلقي" السائل بغير ما يتطلب4 بتنزيل سؤاله منزلة غيره؛ تنبيها على أنه الأولى بحاله، أو المهم له.
أما الأول فكقول القبعثرى5 للحجاج لما قال له متوعدا بالقيد: "لأحملنك على
__________
1 المفتاح ص175.
2 أكثر العلماء يذكره في علم البديع، على أن الخطيب سيذكر في علم البديع القول بالموجب، ويقسمه إلى قسمين، والقسم الثاني هو الأسلوب الحكيم بعينه، ولا شك أن مراعاة ذلك مما يورث الكلام حسنا، ولا يصل تركه إلى إخلال بفصاحة أو بلاغة، فاللائق به أن يعد في علم البديع. وقد ذكر السعد أنه لما انجرّ الكلام إلى ذكر خلاف مقتضى الظاهر أورد عدة أقسام منه، وإن لم تكن من مباحث المسند إليه، وهي: الأسلوب الحكيم، والتعبير عن المستقبل بلفظ الماضي ... إلخ.
3 بكسر الطاء أي: المتكلم، من إضافة المصدر لمفعوله، وهذا أولى من فتح الطاء؛ لما فيه من التعقيد.
4 الفرق بينه وبين ما عُطف عليه أن فيه سؤالا، فهو أخص منه بهذا الاعتبار، ولكنه أعم منه باعتبار آخر، وهو أنه لا يُشترط فيه حمل كلام سابق على خلاف ظاهره كما يشترط في الأول.
5 الصواب ابن القبعثرى كما سبق.
(1/145)

الأدهم": "مثل الأمير يحمل على الأدهم1 والأشهب". فإنه أبرز وعيده في معرض الوعد، وأراه بألطف وجه أنّ من كان على صفته في السلطان وبسطة اليد فجدير بأن يُصْفِد لا أن يَصْفِد2، وكذا قوله له لما قال له في الثانية: "إنه حديد": "لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا"3.
وعن سلوك هذه الطريقة في جواب المخاطَب عبّر من قال مفتخرا "من الطويل":
أتت تشتكي عندي مزاولة القِرَى ... وقد رأت الضيفان ينحون منزلي
فقلت كأني ما سمعت كلامها: ... هم الضيف جدي في قراهم وعجلي4
وسماه الشيخ عبد القاهر "مغالطة"5.
وأما الثاني؛ فكقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] قالوا: "ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يتزايد قليلا قليلا حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا؟ "6 وكقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [البقرة: 215] ، سألوا عن بيان ما ينفقون، فأجيبوا ببيان المصرف7.
__________
1 أراد الحجاج بالأدهم القيد، فحمله على غير مراده وهو الفرس الذي غلب سواده على بياضه، وعطف عليه الأشهب وهو الفرس الذي غلب بياضه على سواده.
2 أي: جدير بأن يعطي لا أن يُقيد؛ لأن الإصفاد: الإعطاء من الصفد وهو العطاء، ويقال: صفده يصفده بمعنى قيده؛ ولهذا يسمى القيد صفادا.
3 أراد الحجاج بقوله: "إنه حديد" أنه قيد حديد، فحمله على الحدّة، والمعنى: "لأن يكون العطاء حديدا".
4 لا يعلم قائلهما، والقرى: طعام الضيف، وقوله: "ينحون" بمعنى يقصدون. والشاهد في أنه أجابها بغير ما تتطلب من الشكوى؛ ولهذا قيل: إن هذا من القسم الثاني لا الأول؛ لأنه ليس فيه حمل كلام على خلاف ظاهره، وإنما هو من تلقي السائل بغير ما يتطلب؛ للتنبيه على أن الأولى بها الاستعداد لهم لا الشكوى منهم.
5 دلائل الإعجاز ص92. وقيل: إن الأسلوب الحكيم بقسميه يسمى مغالطة، لا القسم الأول وحده.
6 فأجابهم ببيان حكمته؛ تنبيها على أنه هو الأولى بحالهم، لا السؤال عن سببه.
7 للتنبيه على أنه هو المهم لهم.
ومن هذا أيضا أجوبة موسى لفرعون في قوله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء: 23-28] .
(1/146)

التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي:
ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ المضي1 تنبيها على تحقق وقوعه، وأن ما هو للوقوع كالواقع؛ كقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [الزمر: 68] ، وقوله: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف: 47] ، وقوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ ... } الآية [الأعراف: 48] جعل المتوقع الذي لا بد من وقوعه بمنزلة الواقع. وعن حسان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زُنبور وهو طفل، فجاء إليه يبكي، فقال له: يا بني ما لك؟ قال: لسعني طُوَيِّر كأنه ملتف في بردي حِبَرَة2. فضمه إلى صدره وقال: يا بني قد قلت الشعر. ومثله التعبير عنه باسم القاعل3: كقوله تعالى: {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} [الذاريات: 6] وكذا باسم المفعول؛ كقوله تعالى: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود: 103] .
__________
1 مثله التعبير عن الماضي بلفظ المضارع استحضارا لصورته العجيبة؛ كقوله تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} [فاطر: 9] ، أي: فأثارت، ولا يخفى أن النوعين من المجاز المرسل أو الاستعارة، فلا معنى لذكرهما في علم المعاني؛ لأنه لا فرق بينهما وبين غيرهما من أنواع المجاز فيما فعلا به من خلاف مقتضى الظاهر.
2 طوير: تصغير طائر، والحبرة: ضرب من برود اليمن. والشاهد في قوله: "قد قلت الشعر" لأنه بمعنى ستقول.
3 لأن كلا من اسم الفاعل واسم المفعول حقيقة في المتلبس بالفعل -في الحال- اتفاقا، وفي الماضي على قول ضعيف, فيكون استعماله في المستقبل مجازا.
(1/147)

القلب:
ومنه القلب1؛ كقول العرب: "عرضت الناقة على الحوض"2، ورده مطلقا قوم3، وقبله مطلقا قوم4، منهم السكاكي5.
والحق أنه إن تضمن اعتبارا لطيفا6 قُبِل، وإلا رُدّ.
__________
1 هو في الاصطلاح أن يجعل جزء من الكلام مكان آخر يجعل مكانه على وجه يثبت حكم كل منهما للآخر، فليس منه نحو: في الدار زيد، وضرب عمرا زيد, وهو قسمان: لفظي ومعنوي، وسيأتي بيانهما في أمثلته.
2 هذا من القلب المعنوي؛ لأن المعروض عليه يجب أن يكون ذا شعور واختيار لأجل أن يميل إلى المعروض أو يُحجم عنه، ولكن لما كان المعتاد في ذلك أن يؤتى بالمعروض إلى المعروض عليه، وكانت الناقة هي التي يؤتى بها إلى الحوض، نُزِّل كل منهما منزلة الآخر، وقيل: إنه لا قلب في ذلك، وإنما القلب في "عرضت الحوض على الناقة"؛ لأن المعروض عليه هو المستقر.
3 لأنه عكس المطلوب ونقيض المقصود، وقيل: إنه لا يكاد أحد يمنعه مطلقا لوروده في القرآن وفصيح الكلام، ولعلهم يردون القلب اللفظي دون المعنوي.
4 لأن قلب الكلام مما يُحوج إلى التنبه للأصل، وذلك مما يورث الكلام ملاحظة ولطفا.
5 المفتاح ص113.
6 أي: غير تلك المَلَاحة التي احتج بها مَنْ قبلَه مطلقا، وذلك كالاعتبار السابق في قولهم: "عرضت الناقة على الحوض"، وكالاعتبارات الآتية في باقي الأمثلة. وإنما لم يقبل القلب إلا بهذا؛ لأنه من غيره يكون عدولا عن مقتضى الظاهر من غير نكتة يعتد بها؛ إذ لا يعتد فيه بتلك المَلَاحة العامة وحدها، ولا يخفى أن القلب بتلك المَلَاحة يكون من المحسنات البديعية، فالأليق ذكره في علم البديع؛ لأن تلك الاعتبارات التي يقبل بها في علم المعاني ليست محدودة ولا مضبوطة، وهي مع هذا شرط لحسنه ولا توجبه.
(1/148)

أما الأول1, فكقول رؤبة "من الرجز":
ومَهْمَهٍ مغبرّة أرجاؤه ... كأن لون أرضه سماؤه2
أي: كأن لون سمائه لغبرتها لون أرضه، فعكس التشبيه للمبالغة.
ونحوه قول أبي تمام يصف قلم الممدوح "من الطويل":
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأَرْي الجَنَى اشتارته أيدٍ عواسل3
وأما الثاني4, فكقول القطامي:
كما طينت بالفَدَن السِّياعا5
__________
1 هو المقبول.
2 هو لرؤبة بن عبد الله بن رؤبة. والمهمه: المفازة، والأرجاء: جمع رجا وهو الناحية. والقلب في هذا معنوي أيضا، وهو من التشبيه المقلوب الآتي في علم البيان، والاعتبار اللطيف فيه بقصد المبالغة.
3 هو لحبيب بن أوس المعروف بأبي تمام، وأري الجنى: العسل، من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقوله: اشتارته بمعنى جنته، والأيدي العواسل: العارفة بجنيه، والأولى صفة للقلم مع الأعداء، والثانية صفته مع الأصدقاء. والشاهد في شطره الأول، وهو من القلب المعنوي أيضا؛ لأنه من التشبيه المقلوب، والاعتبار اللطيف فيه قصد المبالغة.
4 هو المردود.
5 هو لعُمَير بن شُيَيم المعروف بالقطامي من قوله "من الوافر":
فلما أن جرى سِمَن عليها ... كما طينت بالفدن السياعا
أمرت بها الرجال ليأخذوها ... ونحن نظن أن لن تُستطاعا
يصف بذلك ناقته، والفدن: القصر، والسياع: الطين المخلوط بالتبن أو الآلة التي يُطين بها، يعني أنها صارت ملساء من السمن كالقصر المطين بالسياع، وفي ذلك قلب معنوي؛ فإن حمل السياع على الآلة لم يتضمن اعتبارا لطيفا، وفيه الشاهد، وإن حمل على الطين فيجوز أن يكون المقصود المبالغة في سمنها؛ لأنه يقصد تشبيهها بالسياع الذي صار لكثرته كأنه الأصل والفدن هو الفرع، فيكون هو أيضا مثله مع أصله من العظم ونحوه، ولكنه لا يخلو من تكلف. وروي: "كما بطنت بالفدن السياعا" وهو على القلب أيضا، والمعنى: كما بطنت الفدن بالسياع.
(1/149)

وقول حسان:
يكون مِزاجها عسل وماء1
وقول عروة بن الورد:
فديت بنفسه نفسي ومالي2
وقول الآخر:
دولا يك موقف منكِ الوداعا3
__________
1 هو لحسان بن ثابت الأنصاري من قوله "من الوافر":
كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجَها عسل وماء
على أنيابها أو طعم غض ... من التفاح عصّره اجتناء
والسبيئة: الخمر المشتراة للشراب، وبيت رأس: بلد بالشام بين رملة وغزة، والغض: الطري، وقوله: "عصره" بمعنى أساله، كناية عن إدراكه وقت نضجه، شبه ريق محبوبته بخمر مُزجت بعسل. والقلب في قوله: "يكون مزاجها عسل" قلب لفظي؛ لأنه لا قلب في المعنى، وإنما القلب في اللفظ؛ لأنه نكّر ما هو في موضع المبتدأ، وعرّف الخبر، والأصل فيهما العكس. ويروى برفع "مزاجها" على أن اسم يكون ضمير الشأن، فلا يكون فيه قلب.
2 هو من قوله "من الوافر":
فلو أني شهدت أبا سعاد ... غداة غدا لمُهْجته يفوق
فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوك إلا ما أطيق
وقد رواه المرتضى في أماليه وابن الأنباري في "الأضداد" للعباس بن مرداس. يقال: "فاق بمهجته، ولمهجته، يفوق" إذا اشرفت نفسه على الخروج أو خرجت، وقوله: "وما آلوك" بمعنى لم أقصر فيك، والقلب فيه معنوي، والأصل: "فديت نفسه بنفسي ومالي" وليس في قلبه اعتبار لطيف؛ لأنه يوهم خلاف المراد.
3 هو لعمير بن شييم المعروف بالقطامي من قوله "من الوافر":
قفي قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منكِ الوداعا
وألف "ضباعا" للإطلاق، وهو مرخم "ضباعة" اسم بنت له أو امرأة غيرها. والقلب في قوله: "ولا يك موقف منك الوداعا" لفظي كالقلب في بيت حسان السابق.
(1/150)

وقد ظهر من هذا أن قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} [الأعراف: 4] ليس واردا على القلب1؛ إذ ليس في تقدير القلب فيه اعتبار لطيف، وكذا قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} 2، وكذا قوله تعالى: {اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} 3 فأصل الأول: أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا أي: إهلاكنا، وأصل الثاني: ثم أراد الدنوّ من محمد -صلى الله عليه وسلم- فتدلى فتعلق عليه في الهواء، ومعنى الثالث: تَنَحَّ عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه؛ ليكون ما يقولونه بمسمَع منك، فانظر ماذا يرجعون، فيقال: إنه دخل عليها من كُوَّة، فألقى الكتاب إليها وتوارى في الكوة. وأما قول خِدَاش:
وتشقى الرماح بالضَّياطِرَة الحُمْر4
فقد ذُكر له سوى القلب5 وجهان: أحدهما: أن يجعل شقاء الرماح بهم استعارة عن كسرها بطعنهم بها، والثاني: أن يجعل نفس طعنهم شقاء لها تحقيرا لشأنهم, وأنهم ليسوا أهلا لأن يُطعنوا بها، كما يقال: "شَقِيَ الخز بجسم فلان"، إذا لم
__________
1 يرد بهذا على من زعم أن أصله: "جاءها بأسنا فأهلكناها".
2 [النجم: 8] ، وعلى تقدير القلب فيه يكون أصله: ثم تدلى فدنا.
3 [النمل: 28] ، وعلى تقدير القلب فيه يكون أصله: فانظر ماذا يرجعون ثم تولَّ عنهم.
4 هو لخداش بن زهير من قوله "من الطويل":
وتلحق خيل لا هَوَادَة بينها ... وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر
والهوادة: اللين والرفق أو ما يرجى به الصلاح بين القوم، وعلى هذا يكون المراد لا هوادة بين أصحابها، والضياطرة: جمع ضيطر وهو الضخم اللئيم العظيم الاست، والحمر: جمع أحمر اللون، وقيل: هو الذي لا سلاح معه. وقد روي: "وتُركب خيل".
5 على أنه من القلب؛ يكون أصله: "وتشقى الضياطرة بالرماح"، وليس له اعتبار لطيف.
(1/151)

يكن أهلا للبسه.
وقيل في قول قَطَرِيّ بن الفُجَاءَة "من الكامل":
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أُصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام1
إنه من باب القلب2، على أن "لم أُصب" بمعنى لم أُجرح، أي: قارح البصيرة جذع الإقدام3 كما يقال: "إقدام غِرّ ورأي مجرب"، وأجيب عنه4 بأن "لم أصب" بمعنى لم أُلْفَ بهذه الصفة، بل وجدت بخلافها جذع الإقدام قارح البصيرة، على أن قوله: "جذع البصيرة قارح الإقدام" حال من الضمير المستتر في "لم أصب"، فيكون متعلقا بأقرب مذكور، ويؤيد هذا الوجه قوله قبله:
لا يركنَنْ أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفا لحِمام5
فلقد أراني للرماح دَرِيئة ... من عن يميني مرة وأمامي6
حتى خَضَبْتُ بما تحدّر من دمي ... أكناف سَرْجي أو عنان لجامي7
فإن الخضاب بما تحدر من دمه دليل على أنه جُرح، وأيضا فحوى كلامه أن مراده أن يدل على أنه جرح لم يمت، إعلاما أن الإقدام غير علة للحمام، وحثا على الشجاعة وبغض الفرار
__________
1 جذع البصيرة: بمعنى غير مجرب للأمور، وقارح الإقدام: بمعنى إقدام أصحاب السن القديمة، يقال: "فلان جذع: إذا كان حديث السن، وقارح: إذا كان قديما".
2 لأنه بقصد التمدح بذلك، وإنما يُتمدح بعكسه لا به.
3 على هذا يكون "جذع البصيرة قارح الإقدام" حالين من فاعل "انصرفت".
4 هذا جواب يجعل كلامه لا قلب فيه؛ لأنه قلب غير مقبول لما فيه من إيهام خلاف المراد، وقيل أيضا: إنه يريد تشبيه بصيرته بالجذع في عدم الاختلاط والتزلزل من الهول، وتشبيه إقدامه بالقارح في الصبر والاحتمال، وعلى هذا لا قلب أيضا.
5 الإحجام: التأخر، والوغى: الحرب، والحمام: الموت.
6 الدريئة: حلقة يتعلم عليها الطعن، شبه نفسه بها، وهي من الدرء بمعنى الدفع أو من الدرى بمعنى الختل، فتكون درية، بالياء المشددة.
7 أكناف السرج: جوانبه، والعنان: سير اللجام.
(1/152)

تمرينات على تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر:
تمرين 1:
بين ما يحتمل الالتفات والتجريد، وما يتعين فيه الالتفات مما يأتي:
1- قوله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53] .
2-
هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم؟
تمرين2:
1- بين الالتفات في قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل: 1] ، ومن أي قسم من أقسام الالتفات هو؟
2- هل يعد من الالتفات أو لا يعد قول الشاعر:
أأنت الهلالي الذي كنت مرة ... سمعنا به والأرحبيّ المغلب؟
تمرين 3:
1- من أي أنواع خلاف مقتضى الظاهر ما في قول الشاعر:
ومية أجمل الثَّقَلَين جِيدا ... وسالفة وأحسنه قذالا؟
2- هل يقبل القلب أو لا يقبل في قول الشاعر:
رأيت شيخا قد تحنى صلبه ... يمشي فيقعس أو يكب فيعثر؟
تمرين4:
1- من أي أنواع خلاف مقتضى الظاهر ما في قول الشاعر:
فرجي الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظ العنزي آبا؟
(1/153)

2- هل يعد من القلب أو لا يعد ما في قول الشاعر:
وعذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق!!
تمرين5:
1- من أي نوعي الأسلوب الحكيم ما في قول الشاعر:
وقالوا: قد صفت منا قلوب ... نعم ... صدقوا ولكن عن ودادي؟
2- من أي أنواع الالتفات ما في قول الشاعر:
سألت نسيم أرضك حين وافى ... وقلت: صف القوام ولا تُحاشي؟
تمرين6:
1- من أي أنواع خلاف مقتضى الظاهر ما في قول الشاعر:
كلوا في بعض بطنكم تعفّوا ... فإن زمانكم زمن خميص؟
2- متى يكون من خلاف مقتضى الظاهر ما في قول الشاعر:
نعم امرأ هَرِم لم تعر نائبة ... إلا وكان لمرتاع بها وزرا؟
تمرين 7:
1- بين ما في قوله تعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ} [يونس: 78] من الخروج على مقتضى الظاهر.
2- بين ما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] من الخروج على مقتضى الظاهر.
3- بين ما في قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} [يونس: 87] من الخروج على مقتضى الظاهر.
(1/154)

الباب الثالث: القول في أحوال المسند
حذف المسند:
أغراض الحذف: أما تركه فلنحو ما سبق في باب المسند إليه1.
من تخييل العدول إلى أقوى الدليلين.
ومن اختبار تنبه السامع عند قيام القرينة، أو مقدار تنبهه.
ومن الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر2؛ إما مع ضيق المقام كقوله:
فإني وقَيَّار بها لغريب3
أي: وقيار كذلك4. وكقوله "من المنسرح":
__________
1 أي: في الكلام على حذفه، والتعبير بالترك هنا بدل "الحذف" هناك من التفنن في العبارة.
2 كان الأحسن أن يذكر هذا الغرض في أول الأغراض؛ ليجعله مطردا في جميعها كما صنع في حذف المسند إليه.
3 هو لضابئ بن الحارث البرجمي من قوله "من الطويل":
ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
وكان عثمان -رضي الله عنه- حبسه في المدينة لهجائه قوما في شعره، والرحل: المنزل والمأوى، وقيار: اسم فرسه أو غلامه، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما بعد الفاء عليه، وتقديره: "فقد حسنت حاله وساءت حالي".
4 فهو من عطف الجمل، ولا يصح جعل "قيار" معطوفا على محل اسم "إن"؛ لامتناع العطف على محل اسمها قبل مضي خبرها، ولا يصح أن يكون "غريب" خبرا عن "قيار" والمحذوف خبر "إن" لاقترانه بلام الابتداء، وخبر المبتدأ لا يقترن بها في الفصيح إلا إذا كان منسوخا. وضيق المقام في البيت بسبب الشعر والسجن.
(1/155)

نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي مختلف1
أي: نحن بما عندنا راضون. وكقول أبي الطيب "من الكامل":
قالت وقد رأت اصفراري: من به؟ ... وتَنَهّدتْ، فأجبتها: المتنهِّد2
أي: المتنهد هو المطالَب به3، دون: المطالب به هو المتنهد, إن فسر بمن المطالب به؟ لأن مطلوب السائلة -على هذا- الحكم على شخص معين بأنه المطالب به ليتعين عندها، لا الحكم على المطالب به بالتعيين، وقيل: معناه من فعل به؟ فيكون التقدير: فعل به المتنهد4.
وإما بدون الضيق، كقوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] على وجه؛ أي: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، ويجوز أن يكون جملة واحدة، وتوحيد الضمير لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله، فكانا في حكم مَرضِيّ
__________
1 هو لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي، أو لقيس بن الخطيم، وقبله "من المنسرح":
يا مال والسيد المعمم قد ... يُبطره بعض الرأي والسَّرَف
يخاطب مالك بن العجلان حين رد قضاءه في واقعة للأوس والخزرج، مال: ترخيم مالك، وأراد بـ "والرأي مختلف" أن يتبع كل منهما رأيه على اختلافهما؛ لرضا كل منهما برأيه، وعدم انقياده لصاحبه. وضيق المقام هنا بسبب الشعر، وعدم استعداد المخاطَب لقبول الكلام، وقد حذف في هذا البيت من الأول لدلالة الثاني، على عكس البيت السابق.
2 هو لأحمد بن الحسين المعروف بأبي الطيب المتنبي. وقد عنى اصفراره مما يلقاه من حبها، وقوله: "به" متعلق بمحذوف تقديره المطالب، وقوله: "وتنهدت" يعني به أنها تنهدت لما رأته من اصفراره.
3 فيكون من حذف المسند لا المسند إليه. وقد أجاز السكاكي كلا من التقديرين؛ لأنه إذا جُعلت "من" مبتدأ على مذهب سيبويه والمحذوف خبرا، فالأحسن أن يقدر: "المتنهد هو المطالب به"؛ ليطابق الجواب السؤال، وإذا جعلتَ "من" خبرا مقدما فالأحسن أن يقدر: "المطالب به هو المتنهد" ليطابق الجواب السؤال أيضا.
4 هو من حذف المسند أيضا، ولكنه "فعلَ" على هذا التقدير.
(1/156)

واحد؛ كقولنا: "إحسان زيد وإجماله نعشني وجبر مني"1، وكقولك: "زيد منطلق وعمرو" أي: وعمرو كذلك، وعليه قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4] أي: واللائي لم يحضن مثلهن، وقولك: "وخرجت فإذا زيد"2, وقولك لمن قال: هل لك أحد، إن الناس إِلب عليك: "إن زيدا وإن عمرا" أي: إن لي زيدا وإن لي عمرا3. وعليه قوله:
إن محلا وإن مرتحلا4
أي: إن لنا محلا في الدنيا، وإن لنا مرتحلا عنها إلى الآخرة. وقوله تعالى: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} 5 [الإسراء: 100] تقديره: "لو تملكون تملكون ... " مكررا لفائدة التأكيد، فأُضمر "تملك" الأول إضمارا على شريطة التفسير، وأُبدل من الضمير المتصل الذي هو الواو ضمير منفصل وهو "أنتم"؛ لسقوط ما يتصل به
__________
1 فإفراد الضمير فيه؛ لأن إحسانه وإجماله بمعنى واحد.
2 أي: موجود أو حاضر أو بالباب أو ما أشبه ذلك، والحذف هنا لإتباع الاستعمال مع الاختصار والاحتراز عن العبث؛ لأنه يطرد حذف المسند إليه بعد "إذا" الفجائية؛ لأنها تدل على مطلق وجود، وقد توجد معها قرائن تدل على نوع خصوصية؛ كلفظ الخروج في المثال.
3 الحذف فيه أيضا لإتباع الاستعمال مع الاختصار والاحتراز عن العبث؛ لأنه يطرد حذف المسند مع تكرير "إن" وتعدد اسمها.
4 هو لميمون بن قيس, المعروف بالأعشى من قوله "من المنسرح":
إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضوا مهلا
محلا ومرتحلا: مصدران ميميان بمعنى الحلول والارتحال، والسفر: اسم جمع بمعنى المسافرين وقد أراد بهم الموتى، والمهل: مصدر بمعنى الإمهال وطول الغيبة. والمعنى: إن في غيبة الموتى طولا وبعدا؛ لأنهم مضوا مضيا لا رجوع معه إلى الدنيا. وروي: "إذ مضوا مثلا" والحذف هنا لإتباع الاستعمال وضيق المقام مع الاختصار والاحتراز عن العبث.
5 هذا من حذف المسند إلى الفاعل.
(1/157)

من اللفظ؛ فـ "أنتم" فاعل الفعل المضمر، و"تملكون" تفسيره. قال الزمخشري: هذا ما يقتضيه علم الإعراب، فأما ما يقتضيه علم البيان1 فهو أن {أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ} فيه دلالة على الاختصاص، وأن الناس هم المختصون بالشحّ المتبالغ2. ونحوه قول حاتم: "لو ذات سوار لطمتْني"3, وقول المتلمس:
ولو غير إخواني أرادوا نقيصتي4
وذلك لأن الفعل الأول5 لما سقط لأجل المفسِّر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر.
وكقوله تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [فاطر: 8] أي: كمن لم يزين له سوء عمله. والمعنى: أفمن زين له سوء عمله من الفريقين اللذين تقدم ذكرهما
__________
1 يعني بعلم البيان ما يشمل علم المعاني.
2 رُدّ هذا على الزمخشري بأن الاختصاص إنما يكون في الجملة الاسمية التي يُقدَّم فيها المسند إليه على خبره الفعلي كما سبق، وما هنا ليس كذلك؛ لأنه من الجملة الفعلية، وبأنه على تسليم ذلك يكون معناه: لو اختصصتم بملك تلك الخزائن لأمسكتم، هذا لا يقتضي اختصاصهم بالشح، وإنما يقتضي ذلك أن يقال: "أنتم لو تملكون ذلك لأمسكتم".
3 رواه الأصمعي: "لو غير ذات سوار لطمتني" على أن حاتما مر ببلاد عنزة، فناداه أسير لهم: يا أبا سفانة، أكلني الإسار والقمل، ولم يكن مع حاتم شيء، فساومهم به. ثم قال: أطلقوه واجعلوا يدي في القيد مكانه، ففعلوا، ثم جاءته امرأة ببعير ليفصده، فنحره، فلطمته، فقال لها ذلك القول؛ يعني أنه لا يقتص من النساء. وقيل: إن التي ضربته كانت أمة لهم، فقال لها: "لو ذات سوار لطمتني" يعني حرة من النساء، وهو أظهر لتأنيث الفعل.
4 هو لجرير بن عبد المسيح, المعروف بالمتلمس من قوله "من الطويل":
ولو غير إخواني أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العَرانين مِيسما
والعرانين: جمع عرنين وهو الأنف كله أو ما صلب منه، والميسم: العلامة، وهو على تقدير: ولو أراد غير إخواني ... إلخ.
5 في قوله تعالى: {لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ} [الإسراء: 100] ، وهذا تعليل لإفادة الاختصاص.
(1/158)

-الذين كفروا، والذين آمنوا- كمن لم يزين له سوء عمله؟ ثم كأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما قيل له ذلك قال: لا، فقيل: {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8] . وقيل: المعنى: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرات؟ فحذف الجواب1 لدلالة: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} أو "المعنى": أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله؟ فحذف لدلالة: {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} .
وأما قوله تعالى: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 18] , وقوله تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا} [النور: 1] , وقوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} [النور: 53] فكل منها يحتمل الأمرين: حذف المسند إليه، وحذف المسند؛ أي: فأمري صبر جميل، أو: فصبر جميل أجمل2، و: هذه سورة أنزلناها، أو: فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها، و: أمركم أو الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا يرتاب، كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره، لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها، أو: طاعتكم طاعة معروفة، أي: بأنها بالقول دون الفعل، أو: طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة.
ومما يحتمل الوجهين قوله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} [النساء: 171] قيل: التقدير: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة، ورد بأنه تقرير لثبوت "آلهة"؛ لأن النفي إنما يكون للمعنى المستفاد من الخبر دون معنى المبتدأ, كما تقول: "ليس أمراؤنا ثلاثة" فإنك
__________
1 على هذا تكون "مَنْ" شرطية.
2 أي: من الصبر الذي ليس بجميل بأن يكون معه شكاية، ولكنه مع هذا خير من عدمه، فيصح تفضيل الصبر الجميل عليه.
(1/159)

تنفي به أن تكون عدة الأمراء ثلاثة، دون أن تكون لكم أمراء، وذلك1 إشراك، مع أن قوله تعالى بعده: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} يناقضه.
والوجه: أن {ثَلَاثَةٌ} صفة مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف مميزه، لا خبر مبتدأ، والتقدير: "ولا تقولوا لنا -أو في الوجود- آلهة ثلاثة أو ثلاثة آلهة"2 ثم حُذف الخبر كما حُذف من "لا إله إلا الله"، و"ما من إله إلا الله", ثم حذف الموصوف أو المميز كما يحذفان في غير هذا الموضع؛ فيكون النهي عن إثبات الوجود لآلهة، وهذا ليس فيه تقرير لثبوت إلهين، مع أن ما بعده أعني قوله: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ينفي ذلك، فيحصل النهي عن الإشراك والتوحيد من غير تناقض؛ ولهذا يصح أن يتبع نفي الاثنين فيقال: "ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان"؛ لأنه كقولنا: "ليس لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان" وهذا صحيح، ولا يصلح أن يقال على التقدير الأول: "ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة، ولا اثنان"؛ لأنه كقولنا: "ليست آلهتنا ثلاثة ولا اثنين" وهذا فاسد، ويجوز أن يقدر: "ولا تقولوا: الله والمسيح وأمه ثلاثة3؛ أي: لا تعبدوهما كما تعبدونه"؛ لقوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73] فيكون المعنى "ثلاثة مستوون في الصفة والرتبة"؛ فإنه قد استقر في العرف أنه إذا أريد إلحاق اثنين بواحد في وصف وأنهما شبيهان له أن يقال: "هم ثلاثة"، كما يقال إذا أريد إلحاق واحد بآخر وجعله في معناه: هما اثنان.
واعلم أن الحذف لا بد له من قرينة؛ كوقوع الكلام جوابا عن سؤال: إما
__________
1 أي: تقرير ثبوت "آلهة".
2 التقدير الأول على أنها صفة مبتدأ، والثاني على أنها مبتدأ محذوف مميزه.
3 فيكون من حذف المسند إليه، والمعنى صحيح بخلاف التقدير الذي أبطله، وقد أُجيب عنه بأن السالبة تحتمل نفي موضوعها كما تحتمل نفي محمولها وحده، فيكون المعنى عليه محتملا لنفي الثلاثة والاثنين أيضا، ولكن الحمل على هذا نادر.
(1/160)

محقق1 كقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25] , وقوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت: 63] ، وإما مقدر، نحو:
ليُبْكَ يزيد ضارع لخصومة2
وقراءة من قرأ: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ} [النور: 36] وقوله: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الشورى: 3] ببناء الفعل "يسبَّح، ويوحَى" للمفعول3. وفضل هذا التركيب على خلافه -أعني نحو: "ليبك يزيد ضارع" ببناء الفعل للفاعل، ونصب "يزيد"- من وجوه: أحدها أن هذا التركيب يفيد إسناد الفعل إلى الفاعل مرتين؛ إجمالا ثم تفصيلا، والثاني أن نحو "يزيد" فيه ركن الجملة لا فضلة4، والثالث أن أوله غير مطمع للسامع في ذكر الفاعل، فيكون عند ورود ذكره كمن تيسرت له غنيمة من حيث لا يحتسب، وخلافه بخلاف ذلك.
ومن هذا الباب -أعني: الحذف الذي قرينته وقوع الكلام جوابا عن سؤال مقدر- قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} [الأنعام: 100] على وجه5؛ فإن {لِلَّهِ شُرَكَاءَ} إن جعلا مفعولين لـ "جعلوا"، فـ "الجن" يحتمل وجهين: أحدهما ما ذكره الشيخ عبد القاهر6 من أن يكون منصوبا بمحذوف دل عليه سؤال مقدر، كأنه قيل: من جعلوا لله شركاء؟ فقيل: الجن، فيفيد الكلام إنكار الشرك مطلقا، فيدخل اتخاذ الشريك من غير الجن في الإنكار، دخول اتخاذه من الجن، والثاني: ما ذكره الزمخشري، وهو أن ينتصب {الْجِنَّ} بدلا من {شُرَكَاءَ} ، فيفيد إنكار الشريك مطلقا أيضا كما مر7، وإن جُعل {لِلَّهِ} لغوا8 كان {شُرَكَاءَ الْجِنَّ} مفعولين، قدم ثانيهما على الأول، وفائدة التقديم استعظام أن يتخذ لله شريك مَلَكا كان أو جِنِّيا أو غيرهما، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء، ولو لم يُبْنَ الكلام على التقديم وقيل: "وجعلوا الجن شركاء لله" لم يفد إلا إنكار جعل الجن شركاء، والله أعلم.
ومنه ارتفاع المخصوص في باب "نعم وبئس" على أحد القولين9.
__________
1 السؤال المحقق هو المذكور في الكلام، والمقدر بخلافه.
2 هو للحارث بن ضرار النهشلي, أو الحارث بن نهيك من قوله في رثاء يزيد بن نهشل "الطويل":
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح
وقبله:
سقى جَدَثا أمسى بدوحة ثاويا ... من الدلو والجوزاء غادٍ ورائح
قوله: "ليبك" بالبناء للمفعول، والضارع: الذليل، والمختبط: الذي يأتي إليك للمعروف من غير وسيلة، وقوله: "تطيح" بمعنى تذهب وتهلك، والطوائح: جمع مطيحة على غير القياس، وقياسه: مطاوح أو مطيحات وهي النوازل الصعبة، والشاهد في حذف فعل "ضارع" إذ التقدير: يبكيه ضارع. يصفه بأنه كان ملجأ الذليل, وعون المحتاج.
3 فيكون كل من لفظ الجلالة "الله" و"رجال" في الآيتين فاعلا لفعل محذوف تقديره: يوحي ويسبِّح.
4 كونه ركن الجملة يفيد الاعتناء بشأنه، ويناسب مقام رثائه.
5 هو الوجه الذي سينقله عن عبد القاهر، لا الوجهان المذكوران بعده.
6 دلائل الإعجاز ص187, 188.
7 لأنه يكون بدل بعض من كل، والتقدير: الجن منهم.
8 أي: جارا ومجرورا متعلقا بـ {شُرَكَاءَ} مقدما عليه.
9 هو قول من يجعله مبتدأ محذوف الخبر، فيكون التقدير في قولك "نعم الرجل زيد": زيد الممدوح، وهو واقع جواب سؤال مقدر أيضا، كأنه قيل: من الممدوح؟ وقيل: إنه خبر مبتدأ محذوف، وقيل: إنه بدل من الفاعل قبله، فالأقوال أربعة لا اثنان.
(1/161)

أغراض الذكر:
وأما ذكره: فإما لنحو ما مر في باب المسند إليه من زيادة التقرير، وللتعريض بغباوة السامع، والاستلذاذ، والتعظيم، والإهانة، وبسط الكلام1.
__________
1 زيادة التقرير كما في قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 9] ، والتعريض بغباوة السامع كما في قولك: "محمد نبينا" في جواب سؤال: من نبيكم؟ والاستلذاذ كما في قولك: "هي سعاد" في جواب: هل هذه سعاد؟ وهكذا، ولا بد في الذكر من قرينة كما سبق في ذكر المسند إليه.
(1/162)

وإما ليتعين كونه اسما، فيستفاد منه الثبوت1، أو كونه فعلا، فيستفاد منه التجدد2، أو كونه ظرفا3، فيورِث احتمال الثبوت والتجدد4، وإما لنحو ذلك.
قال السكاكي5: وإما للتعجيب من المسند إليه بذكره؛ كما إذا قلت: "زيد يقاوم الأسد" مع دلالة قرائن الأحوال6.
وفيه نظر؛ لحصول التعجيب بدون الذكر إذا قامت القرينة7.
__________
1 أي: الدلالة على النسبة من غير تقييد بزمان.
2 أي: الدلالة على الحدوث بعد العدم.
3 أو جارا أو مجرورا.
4 لأن نحو: "زيد في الدار" تقديره: زيد مستقر أو استقر في الدار. وهذا وما قبله معانٍ أصلية للاسم والفعل والظرف، فليست في شيء من البلاغة.
5 المفتاح ص111.
6 بأن يكون جواب سائل: "من يقاوم الأسد؟! ".
7 أجيب عنه بأن القرينة على المسند لا على التعجيب، وإنما يحصل التعجيب بذكره مع الاستغناء عنه.
(1/163)

تمرينات على الذكر والحذف:
تمرين1:
1- لِمَ حُذف المسند في قول الشاعر:
ولولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يُفْقِر والإقدام قتال؟
2- لِمَ ذكر المسند بعد "بل" في قوله تعالى: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 62، 63] ؟
تمرين 2:
1- لِمَ حذف المسند الأول وأعيد ذكر الثاني في قول الشاعر:
لولا التقا لجعلت قبركَ كعبتي ... وجعلت قولك سنّتي وكتابي؟
2- لِمَ حذف المسند في قوله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} [الزخرف: 57] ؟
تمرين3:
1- لِمَ حذف المسند أولا ثم المسند إليه ثانيا في قول الشاعر:
والناس هذا حظه مال وذا ... علم وذاك مكارم الأخلاق؟
2- بين المحذوف والداعي إلى حذفه في قول الشاعر:
والطير أقعدها الكَرَى ... والناس نامت والوجود
تمرين4:
1- لماذا حذف المسند في قولهم: "أحَشْفًا وسُوءَ كيلة؟! "؟
2- لماذا أعيد ذكر المسند في قول الخنساء:
أعينيّ جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجواد الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا؟
(1/164)

أغراض المسند:
أغراض الإفراد: وأما إفراده فلكونه غير سببي مع عدم إفادة تقوي الحكم1؛ كقولك: "زيد منطلق، وقام عمرو" والمراد بالسببي نحو: "زيد أبوه منطلق"2.
قال السكاكي3: وأما الحالة المقتضية لإفراده فهي إذا كان فعليا ولم يكن المقصود من نفس التركيب تقوي الحكم، وأعني بالمسند الفعلي ما يكون مفهومه محكوما به بالثبوت للمسند إليه أو بالانتفاء عنه، كقولك: "أبو زيد منطلق، والكُرّ4 من البُرّ بستين، وضُرب أخو عمرو، ويشكرك بكر إن تعطه، وفي الدار خالد"؛ إذ تقديره: "استقر أو حصل في الدار" على أقوى الاحتمالين5؛ لتمام الصلة بالظرف، كقولك: "الذي في الدار أخوك"6.
وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أن ما ذكره في تفسير المسند الفعلي يجب أن يكون تفسيرا للمسند مطلقا7، والظاهر أنه إنما قصد به الاحتراز عن المسند السببي، إذ فسر المسند السببي بعد هذا بما يقابل تفسير المسند الفعلي، ومثّله بقولنا: "زيد أبوه منطلق أو انطلق، والبر الكر منه بستين" فجعل -كما ترى- أمثلة السببي مقابلة لأمثلة الفعلي مع الاشتراك في أصل المعنى8. والثاني أن الظرف الواقع خبرا إذا كان مقدرا بجملة -كما اختاره- كان قولنا: "الكر من البر بستين" تقديره: "الكر من البر استقر بستين"، فيكون المسند جملة، ويحصل تقوي الحكم كما مر، وكذا إذا كان: "في الدار خالد" تقديره: "استقر في الدار خالد" كان المسند جملة أيضا؛ لكون "استقر" مسندا إلى ضمير "خالد" لا إلى "خالد" على الأصح؛ لعدم اعتماد الظرف على شيء9.
__________
1 نحو: "زيد قائم" وإنما يكون ذلك عند اقتضاء المقام له بأن يكون المخاطَب خالي الذهن من الحكم؛ فلا يؤتى له بصورة تفيد تقويته، وهي صورة تقديم الاسم على الخبر الفعلي كما سبق في المسند إليه. وإنما اختص إفراده بذلك؛ لأنه إذا كان سببا أو مفيدا للتقوي كان جملة لا مفردا.
2 فالسببي كل جملة عُلقت على مبتدأ بعائد لا يكون مسندا إليه في تلك الجملة؛ لأنه إذا كان مسندا إليه فيها كان من صورة تقوية الحكم نحو: "زيد ينطلق"، والسببي نسبة إلى السبب وهو ضمير الربط.
3 المفتاح ص111.
4 الكر: مكيال مقداره أربعون إردبا، وقيل غير ذلك.
5 الاحتمال الثاني تقديره اسما, أي: مستقر أو حاصل.
6 فإن تقديره: الذي استقر أو حصل في الدار أخوك، ولا يصح تقدير: حاصل أو مستقر فيه؛ لأن الصلة لا تتم به، ولكن تعين هذا في الصلة لا يوجب أرجحيته في غيرها.
7 لأنه يشمل المسند إذا كان فعلا أو غيره، نحو: انطلق زيد، وزيد منطلق، وزيد أبوه منطلق.
8 يعني به المعنى الذي ذكره للفعلي؛ لأنه يشمل كل مسند كما سبق، فيدخل فيه السببي، وإذا كان داخلا في معنى الفعلي لم تصح المقابلة بين أمثلتهما.
9 مقابل الأصح يجعل خالدا فاعلا لمتعلق الظرف، فلا تكون جملة مركبة من مبتدأ وخبر، وهذا إنما يأتي في الأصح إذا اعتمد الظرف على نفي أو شبهة نحو: أَوَفِي الدار خالد؟
(1/165)

أغراض كون المسند فعلا أو اسما:
وأما كونه فعلا: فللتقييد بأحد الأزمنة الثلاثة على أخصر ما يمكن1 مع إفادة التجدد2.
وأما كونه اسما: فلإفادة عدم التقييد3 والتجدد، ومن البين فيهما قول الشاعر "من البسيط":
لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق4
وقوله "من الكامل":
أَوَكلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلي عريفهم يتوسم5
إذ معنى الأول على انطلاق ثابت للدرهم مطلقا من غير اعتبار تجدده وحدوثه، ومعنى الثاني على توسم وتأمل ونظر يتجدد6 من العريف هناك.
__________
1 نكتة الاختصار هي في الحقيقة مرجع البلاغة في هذا الغرض؛ لأن دلالة الفعل على الأزمنة الثلاثة بأصل وضعه، ووجه الاختصار بأن قولك: "قام زيد أو زيد قام" يفيد مع الاختصار معنى قولك: "زيد حصل منه القيام في الزمن الماضي" ولكن هذا الاختصار لا يكاد يمتاز به بليغ عن غيره، والذي يدخل منه في معنى البلاغة دلالته على الاستمرار التجددي كما سيأتي.
2 المراد بالتجدد حصول الشيء بعد عدمه، والفعل يدل عليه بأصل وضعه أيضا، وإنما تعرّض لإفادته ذلك؛ لأن من الأسماء ما يشارك الفعل في الدلالة على أحد الأزمنة, كاسم الفاعل، فإنه حقيقة في الحال، مجاز في الاستقبال.
3 أي: بأحد الأزمنة؛ لأنه يدل على الثبوت فقط، وهي دلالة وضعية لا يصح عدها من وجوه البلاغة، وإنما الذي يصح عده دلالته على الدوام بمعونة القرائن إذا كان المقام يقتضي كمال المدح أو الذم ونحوهما، وكما سيأتي في البيت الآتي.
4 هو للنضر بن جؤية؛ والمشهور نصب "صرتنا" على أنه مفعول، ولكن الأحسن نصب "الدرهم" ليكون عدم الإلف من جانب الصرة، فيدل على غناهم وإنفاقهم، أما الأول فيحتمل أن عدم إلف الدرهم صرتهم لفقرهم، مع أنه يقصد التمدح بغناهم وجودهم؛ ولهذا حمل بعضهم الجملة الاسمية "وهو منطلق" على إفادة الدوام ليكون المدح أكمل.
5 هو لطريف بن تميم العنبري، وعكاظ: سوق بين نخلة والطائف، والعريف: القيّم الذي يقوم بأمر القوم، ويريد أنهم يبعثون إليه عريفهم من أجل شهرته وعظمته.
6 يريد به الدوام التجددي، والفعل إنما يُدل عليه بمعونة القرائن؛ لأن التجدد الذي يدل الفعل عليه بأصل وضعه هو حصول الشيء بعد عدمه، والبلاغة في الفعل إنما تكون بدلالته على الدوام التجددي، ومما يتبين الفرق فيه بين المسند الفعلي والمسند الاسمي قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} بعد قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14، 15] ؛ لأن دلالة الأول على الاستمرار التجددي، وهو أبلغ.
(1/166)

أغراض تقييد الفعل بمفعول ونحوه، وترك تقييد الفعل:
وأما تقييد الفعل بمفعول ونحوه فلتربية الفائدة1 كقولك: "ضربت ضربا شديدا، وضربت زيدا، وضربت يوم الجمعة، وضربت أمامك، وضربت تأديبا، وضربت بالسوط، وجلست والساريةَ، وجاء زيد راكبا، وطاب زيد نفسًا، وما ضرب إلا زيد، وما ضربت إلا زيدا"2.
والمقيد في نحو: "كان زيد قائما" هو "قائما" لا "كان"3.
وأما ترك تقييده فلمانع من تربية الفائدة4.
__________
1 أي: تكثيرها، ولا يخفى أن تقييد الفعل بذلك من أحوال متعلقات الفعل، فلا معنى لذكره هنا، ولا يخفى أيضا أن هذا التقييد يرجع إلى أصل معاني تلك المتعلقات، فيجب أن يكون اعتبار ذلك هنا عند وجود القرينة التي تغني عن ذكرها، كما اعتُبر وجود القرينة في ذكر المسند إليه والمسند، ومثال ذلك هنا أن يقال لك: هل تحب هندا؟ فتقول: أحب هندا.
2 الاستثناء في الأول من الفاعل، وفي الثاني من المفعول، وقيد الفعل فيهما هو المستثنى؛ لأنه في الحقيقة منسوب إلى المستثنى منه المحذوف، فيكون المستثنى قيدا فيهما، وإن كان في الأول هو الفاعل في الظاهر.
3 لأن "قائما" هو المسند، فهو الذي يدل على الحدث المراد إسناده، و"كان" تدل على زمانه؛ فكأنك قلت: زيد قائم في الزمان الماضي.
4 كخوف انقضاء فرصة، أو ضيق مقام، أو نحو ذلك من أغراض الحذف. وبهذا يرجع اعتبار التقييد وتركه إلى اعتبارَيِ الحذف والذكر. ومِنْ ترك التقييد لخوف انقضاء فرصة قولُ الصائد لمن معه: "حُبس الصيد" فلا يقول: "في الشَّرَك" ليبادر إليه قبل فواته بالفرار أو موته قبل ذبحه.
(1/167)

أغراض تقييد الفعل بالشرط: إن، وإذا، ولو
وأما تقييده1 بالشرط: فلاعتبارات لا تعرف إلا بمعرفة ما بين أدواته من التفصيل، وقد بُيِّن ذلك في علم النحو2، ولكن لا بد من النظر ههنا في: "إن، وإذا، ولو".
__________
1 أي: الفعل مسندا في الجزاء؛ فالشرط قيد لحكم الجزاء؛ كالمفعول ونحوه؛ لأن قولك: "إن جئتني أكرمك" بمنزلة: أكرمك وقت مجيئك.
2 لا يخفى أن تلك الاعتبارات اعتبارات نحوية، وليست في شيء من اعتبارات البلاغة إلا أن ينظر إلى دلالة أدوات الشرط على تعليق الجزاء بالشرط في أخصر عبارة، فتكون نظير حروف العطف فيما سبق، وذلك وجه ضعيف من وجوه البلاغة.
(1/168)

أما "إن وإذا" فهما للشرط في الاستقبال1، لكنهما يفترقان في شيء: وهو أن الأصل في "إن" ألا يكون الشرط فيها مقطوعا بوقوعه2؛ كما تقول لصاحبك: "إن تكرمني أكرمك" وأنت لا تقطع بأنه يكرمك.
والأصل في "إذا" أن يكون الشرط فيها مقطوعا بوقوعه3 كما تقول: إذا زالت الشمس آتيك. ولذلك كان الحكم النادر موقعا لـ "إن"؛ لأن النادر غير مقطوع به في غالب الأمر، وغلب لفظ الماضي مع "إذا" لكونه أقرب إلى القطع بالوقوع نظرا إلى اللفظ4؛ قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} [الأعراف: 131] أتى5 في جانب الحسنة بلفظ "إذا"؛ لأن المراد بالحسنة الحسنة المطلقة التي حصولها مقطوع به؛ ولذلك عرفت تعريف الجنس6.
وجوز السكاكي7 أن يكون تعريفها للعهد، وقال: "وهذا أقصى لحق البلاغة"،
__________
1 أي: لتعليق حصول الجزاء بحصول الشرط في الاستقبال.
2 بأن يُتردد في وقوعه، أو يُظن عدم وقوعه، أما القطع بعدم وقوعه لاستحالته فلا تُستعمل فيه "إن" إلا لنكتة كما سيأتي في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} [الزخرف: 81] . ومثل "إن" في دلالتها على ذلك باقي أدوات الشرط كما ذكره الدسوقي في حاشيته على المختصر.
3 مثل القطع في ذلك ظن وقوعه، ولا يخفى أن الأداتين تدلان على ذلك بأصل الوضع، ولكن إيثار إحداهما على الأخرى في موضع يصلح لهما قد يكون لاعتبارات دقيقة كما سيأتي في أمثلتهما.
4 إنما كان هذا بالنظر إلى اللفظ؛ لأن الماضي معها يُنقل إلى الاستقبال.
5 هذه الاعتبارات تأتي في كلام الله تعالى؛ لأنه وارد على أساليب كلام البشر، وإن لم يتصور فيه جزم ولا عدمه، فيراعى في ذلك، على فرض أنه لمخلوق يجوز عليه الجزم والتردد.
6 يعني الحقيقة في ضمن فرد مبهم، بدليل إسناد المجيء إليها.
7 المفتاح ص130.
(1/169)

وفيه نظر1. وأتى في جانب السيئة بلفظ "إن"؛ لأن السيئة نادرة بالنسبة إلى الحسنة المطلقة؛ ولذلك نكرت2.
ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] أتى بـ "إذا" في جانب الرحمة، وأما تنكيرها فجعله السكاكي3 للنوعية نظرا إلى لفظ الإذاقة, وجعله للتقليل نظرا إلى لفظ الإذاقة -كما قال- أقرب4. وأما قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ} [الروم: 33] بلفظ "إذا" مع الضر فللنظر إلى لفظ "المس", وإلى تنكير "الضر" المفيد في المقام التوبيخي القصد إلى اليسير من الضر، وإلى الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضر، وللتنبيه على أن مساس قدر يسير من الضر لأمثال هؤلاء حقه أن يكون في حكم المقطوع به، وأما قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 51] بعد قوله عز وجل: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} أي: أعرض عن شكر الله وذهب بنفسه وتكبر وتعظم؛ فالذي تقتضيه البلاغة أن يكون الضمير في "مسه" للمعرض المتكبر، ويكون لفظ "إذا" للتنبيه على أن مثله يحق أن يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعا به.
__________
1 وجهه أنه ذكر أن المراد الحسنة المطلقة، والإطلاق ينافي العهد، وأجيب عنه بأنه يريد العهد على مذهبه من تنزيل الحقيقة منزلة المعهود لاعتبار من الاعتبارات، والذي ينافي الإطلاق العهد الحقيقي الذي يراد فيه فرد معين، وإنما كان ذلك أقضى لحق البلاغة؛ لأن المعهود أقرب إلى التحقق من الجنس الذي لا عهد فيه، ولكن هذا لا يخلو من تكلف.
2 لأن التنكير في أصله يفيد التقليل؛ لدلالته على الوحدة، بخلاف "ال" الجنسية.
3 المفتاح ص136.
4 لأن الإذاقة أثرها أضعف من غيرها، وقد اعتُرض على هذا بأنه ينافي ما ذكره في الآية السابقة من أن إطلاق الحسنة المفيد للتكثير هو الذي يناسب "إذا"؛ فلا يكون التقليل هنا في الرحمة مناسبا لها.
(1/170)

قال الزمخشري: وللجهل بموقع "إن" و"إذا" يزيغ كثير من الخاصة عن الصواب فيغلطون؛ ألا ترى إلى عبد الرحمن بن حسان1 كيف أخطأ بهما الموقع في قوله يخاطب بعض الولاة، وقد سأله حاجة فلم يقضها، ثم شفع له فيها فقضاها "من الطويل":
ذُمِمْت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... تولى سواكم أجرها واصطناعها
أبى لك كسب الحمد رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثته على الخير مرة ... عصاها وإن همت بشر أطاعها
فلو عكس لأصاب2.
وقد تستعمل "إن" في مقام القطع بوقوع الشرط لنكتة:
كالتجاهل؛ لاستدعاء المقام إياه3.
وكعدم جزم المخاطب؛ كقولك لمن يُكذّبك4 فيما تخبر: إن صدقتُ فقل لي ماذا تفعل؟
وكتنزيله منزلة الجاهل5؛ لعدم جريه على موجب العلم، كما تقول لمن يؤذي أباه: "إن كان أباك فلا تؤذه".
وكالتوبيخ على الشرط، وتصوير أن المقام لاشتماله على ما يقلعه عن أصله لا
__________
1 قيل: إن هذه القصة وما فيها من الشعر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان.
2 يعني بالعكس أن يقول: "إن هي حثته، وإذا همت" ووجه الصواب فيه أنه هو المناسب لما يقصده من الهجاء، وأجيب عنه بأنه يقصد في "إذا" إثبات حث نفس الوالي له على الخير وأنه مع ذلك يعصيها، وهو أبلغ في الذم، وبأنه يقصد في "إن" أنه يبادر إلى الشر بمجرد توهم نفسه له، وهو أبلغ في الذم أيضا.
3 كأن يُسأل خادم عن سيده: هل هو في الدار؟ وهو يعلم أنه فيها، فيقول: "إن كان فيها أُخبرك" فيتجاهل خوفا من سيده.
4 أي: لمن يجوّز كذبك؛ لأن المقام في عدم جزم المخاطَب.
5 يعني به الشاكّ؛ لأنه هو الأصل في استعمال "إن"، والفرق بين هذا وما قبله أن الشك غير حقيقي هنا، وفيما قبله حقيقي.
(1/171)

يصلح إلا لفرضه كما يفرض المحال لغرض1، كقوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} 2 فيمن قرأ "إِنْ" بالكسر لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب الإسراف، وتصوير أن الإسراف من العاقل في هذا المقام واجب الانتفاء، حقيق ألا يكون ثبوته له إلا على مجرد الفرض.
وكتغليب غير المتصف بالشرط على المتصف به3، ومجيء قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة: 23] بـ "إن", يحتمل أن يكون للتوبيخ على الريبة لاشتمال المقام على ما يقلعها عن أصلها، ويحتمل أن يكون لتغليب غير المرتابين من المخاطَبين على المرتابين منهم4؛ فإنه كان فيهم من يعرف الحق؛ وإنما ينكر عنادا5، وكذلك قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ} [الحج: 5] .
__________
1 كإرخاء العنان لإلزام الخصم.
2 [الزخرف: 5] بقراءة: {أَنْ كُنْتُمْ} .
3 يعني تغليب المشكوك في اتصافه بالشرط على المجزوم باتصافه به، ولا يعني تغليب المجزوم بعدم اتصافه به على المجزوم فيه بذلك؛ لأن كلا منهما ليس هو المقام الأصلي لها، والمراد تغليب مقامها الأصلي على غيره.
4 اعترض على هذا بأن ما هنا جمع بين مرتاب يقينا وغير مرتاب يقينا، وكل منهما لا تستعمل فيه "إن"؛ فالوجه أن يجعل من تغليب من يشك في ارتيابه كالمنافقين على غيرهم. ويمكن أن يجعل من تغليب غير المرتابين على المرتابين، على أنه بعد التغليب صار الجميع بمنزلة غير المرتابين، فصار الشرط قطعيّ الانتفاء، فاستعمل "إن" فيه على سبيل الفرض للتبكيت والإلزام، ولا يخفى ما في هذا من التكلف.
5 هؤلاء هم غير المرتابين.
هذا, وكما تستعمل "إن" في مقام القطع بوقوع الشرط لنكتة، تستعمل في مقام القطع بعدم وقوعه لنكتة أيضا، وذلك كالتبكيت، وإلزام الخصم، والمبالغة، ونحو ذلك. ومن هذا الاستعمال قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81] .
وقد تستعمل "إذا" في مقام الشك لنكتة؛ كالإشعار بأن الشك في الشرط لا ينبغي أن يكون؛ كقولك لمن قال: لا أدري هل يتفضل علي الأمير: إذا تفضل عليك فكيف يكون شكرك؟ للإشعار بأن الأمير لا ينبغي الشك في تفضله. وقد تستعمل في ذلك أيضا لتغليب المتصف بالشرط على غير المتصف به، ولكن استعمال "إذا" في مقام الشك نادر، بخلاف استعمال "إن" في مقام الجزم.
(1/172)

استطراد إلى التغليب:
والتغليب باب واسع1 يجري في فنون كثيرة2؛ كقوله تعالى: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88] أُدخل شعيب -عليه السلام- في: {لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} بحكم التغليب؛ إذ لم يكن شعيب في ملتهم أصلا. ومثله قوله تعالى: {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ} [الأعراف: 89] , وكقوله تعالى: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12] عدت الأنثى من الذكور بحكم التغليب3، وكقوله تعالى: {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} [البقرة: 34] عد إبليس من الملائكة
__________
1 لا يخفى أن التغليب معدود في المحسنات البديعية، فلا معنى لذكره هنا، وهو إعطاء أحد المتصاحبين أو المتشابهين حكم الآخر بجعله موافقا له في الهيئة أو المادة؛ فالأول كقوله تعالى: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} ، والثاني كالأبوين للأب والأم، وكالقمرين للقمر والشمس. وقيل: إن التغليب من المجاز المرسل لعلاقة المجاورة، أو من باب عموم المجاز، بأن يراد من "القانتين" مثلا الذوات المتصفة بالقنوت، ويصح بهذا أن يُلحَق التغليب بعلم البيان، والحق أنه ليس من المجاز؛ لأن المجاز نقل اللفظ من معنى إلى آخر، أما التغليب فهو كالمشاكَلَة الآتية في البديع، فإنما ينقل فيه المعنى من لباس إلى لباس لا اللفظ، وهذا إلى أنه لا علاقة فيه من مجاورة أو غيرها؛ لأن علاقة المجاورة تكون بين مدلولي اللفظين لا بين اللفظين.
2 أي: يجري في أساليب من الكلام لاعتبارات مختلفة غير محدودة ولا مضبوطة، وشأنه في ذلك شأن غيره من المحسنات البديعية.
3 هذا على أن "مِنْ" تبعيضية، ويجوز جعلها ابتدائية على أن المراد بالقانتين آباؤها الأولون كإبراهيم وإسحاق، والأول أبلغ لما في التغليب من الإشعار بأنها بلغت في طاعتها مبلغ أولئك الرجال القانتين حتى عدت منهم.
(1/173)

بحكم التغليب، وكقوله تعالى: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 55] بتاء الخطاب، غُلِّب جانب "أنتم" على جانب "قوم"1. ومثله: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123] فيمن قرأ بالتاء2. وكذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] غلب المخاطبون في قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} على الغائبين3 في اللفظ، والمعنى على إرادتهما جميعا؛ لأن "لعل" متعلقة بـ "خلقكم" لا بـ "اعبدوا"4، وهذا من غوامض التغليب. وكقوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} [الشورى: 11] فإن الخطاب فيه5 شامل للعقلاء والأنعام، فغلب فيه المخاطبون6 على الغُيَّب7 والعقلاء8 على الأنعام9. وقوله تعالى {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} أي: يبثّكم ويُكثركم في هذا التدبير، وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد
__________
1 قيل: إن ذلك التفات من الغيبة إلى الخطاب، ورُدّ بأن الخطاب فيه مسبوق بخطاب مثله، فلم يجر على خلاف السياق حتى يكون التفاتا.
2 غلب فيها خطاب النبي في قوله تعالى قبل ذلك: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} على من ورد ذكرهم قبله في قوله: {وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ} .
3 في قوله: {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} . والمخاطبون هم الناس في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} وهم أمة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.
4 فلو تعلقت به لم يكن ذلك من التغليب؛ لأنه يراد به المخاطبون وحدهم.
5 أي: في قوله: {يَذْرَؤُكُمْ} .
6 أي: في قوله: {جَعَلَ لَكُمْ} .
7 هم: الأنعام.
8 هم: المخاطَبون.
9 لأنه جمع ما لا يعقل؛ فالأفصح فيه إفراد الضمير العائد عليه، لكنه غلب عليه العقلاء، فجمع الضمير.
(1/174)

والتناسل، فجعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبثّ والتكثير؛ ولذلك قيل: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} ولم يقل: "به" كما في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} 1.
واعلم أنه لما كانت هاتان الكلمتان لتعليق أمر بغيره -أعني الجزاء بالشرط- في الاستقبال2، امتنع في كل واحدة من جملتيهما الثبوت، وفي أفعالهما المضي؛ أعني: أن يكون كلتا الجملتين أو إحداهما اسمية، أو كلا الفعلين أو أحدهما ماضيا، ولا يخالف ذلك لفظا3؛ نحو: "إن أكرمتني أكرمتك، وإن أكرمتني أكرمك، وإن تكرمني أكرمتك، وإن تكرمني فأنت مكرم، وإن أكرمتني الآن فقد أكرمتك أمس" إلا لنكتة ما4؛ مثل إبراز غير الحاصل في صورة الحاصل؛ إما لقوة الأسباب المتآخذة في وقوعه، كقولك: "إن اشترينا كذا" حال انعقاد الأسباب في ذلك، وإما لأن ما هو للوقوع كالواقع؛ كقولك: "إن مت كان كذا وكذا" كما سبق، وإما للتفاؤل، وإما
__________
1 سورة البقرة: 179، فقد جعل القصاص كالمنبع للحياة.
2 متعلق بمحذوف تقديره: كائنين في الاستقبال، ولا يتعلق بالمصدر، وهو "تعليق" لأنه حاصل في الحال لا في الاستقبال.
3 أما في المعنى: فالاستقبال باقٍ على حاله، ولو قلت: "إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك أمس" لأن معناه: إن تعتدّ بإكرامي الآن أعتد بإكرامك أمس، وكذلك قوله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} [فاطر: 4] ؛ لأن جواب الشرط فيه محذوف تقديره: فاصبر. وقد تستعمل "إن" في الماضي لفظا ومعنى باطّراد مع "كان" كقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} [المائدة: 116] ، وعلى قلة مع غيرها؛ كقول أبي العلاء "من الطويل":
فيا وطني إن فاتني بك سابق ... من الدهر فلينعم لساكنك البال
وقد تستعمل "إذا" في الماضي كذلك، كما في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا} [الكهف: 96] ، وهذا استعمال لغوي لهما لا يحتاج إلى نكتة؛ كاستعمالها في الماضي لفظا فقط.
4 المثال الأخير على تقدير: "إن تعتد بإكرامي الآن أعتد بإكرامك أمس" كما سبق.
(1/175)

لإظهار الرغبة في وقوعه1؛ نحو: "إن ظفرتَ بحسن العاقبة فهو المرام"؛ فإن الطالب إذا تبالغت رغبته في حصول أمر يكثر تصوره إياه، فربما يُخيل إليه حاصلا، وعليه قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33] 2, وقد يَقْوَى هذا التخيل عند الطالب حتى إذا وَجَدَ حكم الحس بخلاف حكمه غلّطه تارة، واستخرج له محملا أخرى، وعليه قول أبي العلاء المعري "من البسيط":
ما سرتُ إلا وطيف منك يصحبني ... سُرًى أمامي وتأويبا على أثري3
يقول: لكثرة ما ناجيت نفسي بكِ انتقشتِ في خيالي، فأعدكِ بين يدي مغلطا للبصر -بعلة الظلام- إذا لم يدركك ليلا أمامي، وأعدك خلفي إذا لم يتيسر لي تغليطه حين لا يدركك بين يدي نهارا.
وإما لنحو ذلك.
قال السكاكي4: أو للتعريض5؛ كما في قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] وقوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا
__________
1 التفاؤل للسامع، وهو ذكر ما يسرّه، والرغبة من المتكلم، والمثال المذكور صالح لهما.
2 ومعنى إظهار الرغبة في حقه -تعالى- إظهار كمال رضاه؛ لتنزّهه -تعالى- عن الرغبة.
3 هو لأحمد بن عبد الله المعروف بأبي العلاء المعري، والطيف: الخيال، السرى: السير ليلا، والتأويب: السير نهارا, مشتق من الأوب؛ لأن الغالب أنهم يسيرون ليلا ويئوبون إلى منازلهم نهارا، وفي البيت تعقيد ظاهر.
4 المفتاح ص132.
5 معطوف على ما ذكره السكاكي من الأسباب السابقة لإبراز غير الحاصل في صورة الحاصل، وإنما صرح الخطيب باسم السكاكي في هذا السبب مع أن ما سبق منقول عنه؛ لأن التعريض يحصل في ذلك، ولو عبر بالمضارع بدل الماضي، فلا يصلح نكتة للتعبير بالماضي دونه كالأسباب السابقة. وأجيب عن السكاكي بأن ذكر المضارع في ذلك لا يفيد التعريض؛ لكونه على أصله. والحق أنه يفيد؛ لأن مبنى التعريض فيه على نسبة الفعل إلى من لا يصح وقوعه منه، وهي حاصلة في المضارع كالماضي.
(1/176)

لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 15] وقوله: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 209] .
ونظيره في التعريض قوله تعالى: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 1. المراد: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم؟! والمنبه عليه {تُرْجَعُونَ} 2. وقوله تعالى: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يس: 23, 24] إذ المراد: أتتخذون من دونه آلهة إن يردكم الرحمن بضر لا تغن عنكم شفاعتهم شيئا، ولا ينقذوكم إنكم إذًا لفي ضلال مبين؛ ولذلك قيل3: {آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} دون "بربي"، وأتبعه {فَاسْمَعُونِ} .
ووجه حسنه4 تطلّب إسماع المخاطبين -الذين هم أعداء المُسْمِع- الحق على وجه لا يورثهم مزيد غضب، وهو ترك التصريح بنسبتهم إلى الباطل، ومواجهتهم بذلك، ويعين على قبوله5؛ لكونه أدخل في إمحاض النصح لهم، حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سبأ: 25] ، فإن من حق النسق من حيث الظاهر: "قل لا
__________
1 سورة يس, آية 22. وإنما كان نظيره ولم يكن منه؛ لخلوه عن أداة الشرط.
2 لأنه لولا التعريض لكان المناسب للسياق: "وإليه أرجع". وقد سبق التمثيل بالآية للالتفات، ولا منافاة بينه وبين التعريض.
3 في قوله تعالى بعد الآيتين 23، 24 السابقتين: {إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} .
4 أي: حسن هذا التعريض في قوله تعالى: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} وما بعده. أما التعريض في قوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] فيفيد نسبته إليهم على وجه أبلغ من التصريح بنسبته إليهم.
5 أي: قبول الحق.
(1/177)

تسألون عما عملنا ولا نسأل عما تجرمون". وكذا ما قبله1: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} . قال السكاكي رحمه الله2: وهذا النوع من الكلام يسمى المُنْصِف.
ومما يتصل بما ذكرناه أن الزمخشري قدر قوله تعالى: {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة: 2] عطفا على جواب الشرط في قوله: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ} ، وقال: الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب3, فإن فيه نكتة، كأنه قيل: وودّوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم؛ يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض وردكم كفارا. وردكم كفارا أسبق المضار عندهم وأولها؛ لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم؛ لأنكم بذّالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه. هذا كلامه، وهو حسن دقيق، لكن في جعل {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} عطفا على جواب الشرط نظر؛ لأن ودادتهم أن يرتدوا كفارا حاصلة وإن لم يظفروا بهم؛ فلا يكون في تقييدها بالشرط فائدة؛ فالأولى أن يجعل قوله: {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} عطفا على الجملة الشرطية؛ كقوله تعالى: {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} 4.
لو: وأما "لو" فهي للشرط في الماضي مع القطع بانتفاء الشرط؛ فيلزم انتفاء الجزاء5؛ كانتفاء الإكرام في قولك: "لو جئتَني لأكرمتك" ولذلك قيل: هي لامتناع
__________
1 الضمير في قوله: "قبله" يعود إلى قوله: {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ ... } الآية.
2 المفتاح ص133.
3 لأنه ينقلب فيه من المضي إلى المستقبل.
4 سورة آل عمران, آية 111، فإن قوله: {لَا يُنْصَرُونَ} معطوف على الجملة الشرطية.
5 يعني أن "لو" موضوعة للدلالة على امتناع الجزاء، وعلى أن امتناعه ناشئ عن امتناع الشرط، ولا يريد أن دلالتها على امتناع الشرط بالوضع، وعلى امتناع الجزاء باللزوم؛ فلا =
(1/178)

الشيء لامتناع غيره1، ويلزم كون جملتيها فعليتين، وكون الفعل ماضيا2؛ فدخولها على المضارع3 في نحو قوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7] لقصد استمرار الفعل فيما مضى وقتا فوقتا4، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15] بعد قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} 5 وفي قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] 6.
__________
= يُعترض عليه بأن الشرط سبب في الجزاء، ولا يلزم من انتفاء السبب انتفاء المسبب؛ لأنه يجوز أن يكون له سبب آخر غيره. وإذا كان هذا معنى "لو" بالوضع؛ فإنه يلزمه أن العلم بامتناع الشرط لأجل العلم بامتناع الجزاء، وبهذا يكون لها معنيان: أحدهما وضعي، وهو الشائع في القرآن والحديث وأشعار العرب، كقول الحماسي "من المتقارب":
ولو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر
وقول أبي العلاء "من الطويل":
ولو دامت الدُّولات كانوا كغيرهم ... رعايا ولكن ما لهن دوام
وثانيهما عقلي، وهو المعتمد في علم المنطق، والشائع في مقام الاستدلال العقلي، وعليه قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ؛ لأن الغرض منه الاستدلال بامتناع الفساد على امتناع تعدد الآلهة دون العكس.
1 أي: لامتناع الجزاء لامتناع الشرط؛ لأن "لو" في كلامهم إنما تستعمل في الشرط الذي لا سبب سواه لجزائه، فإذا حصل حصل، وإذا انتفى انتفى.
2 ذهب المبرد إلى أنها قد تستعمل وضعا في المستقبل، فلا يلتمس لها فيه نكتة، كقول الشاعر "من الطويل":
ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رَمْسَيْنا من الأرض سَبْسَب
لظل صدى صوتي وإن كنت رِمَّة ... لصوت صدى ليلي يَهَش ويطرب
3 إذ لم يقل: "مما كسبوا" كما قال: "مما كتبت أيديهم"؛ لأن كسبهم يتجدد، بخلاف ما كتبوه.
4 هذا هو الذي يدخل في معنى البلاغة من استعمال "لو" وغيره استعمال وضعي لا بلاغي.
5 فيكون المعنى في الآية أن امتناع عنتهم بسبب امتناع استمراره على إطاعتهم.
6 فلم يقل: "الله مستهزئ بهم" كما قالوا: "نحن مستهزءون"؛ لأن المضارع يفيد استمرار الاستهزاء على سبيل التجدد، وهو أبلغ من الاستمرار والثبوت الذي تفيده الجملة الاسمية.
(1/179)

ودخولها عليه في نحو قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ} [السجدة: 12] ، وقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [سبأ: 31] ؛ لتنزيله منزلة الماضي؛ لصدوره عمن لا خلاف في إخباره، كما نُزِّل {يَوَدُّ} منزلة "ود" في قوله تعالى: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الحجر: 2] 1. ويجوز أن يرد الغرض من لفظ "ترى" و"يود" إلى استحضار صورة2 رؤية المجرمين ناكسي الرءوس قائلين لما يقولون، وصورة رؤية الظالمين موقوفين عند ربهم متقاولين بتلك المقالات، وصورة وَدادة الكافرين لو أسلموا كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [فاطر: 9] . إذ قال: {فَتُثِيرُ سَحَابًا} استحضارا3 لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة، من إثارة السحاب مسخرا بين السماء والأرض، تبدو في الأول كأنها قطع قطن مندوف، ثم تتضامّ متقلبة بين أطوار حتى يَعُدْن ركاما. وكقول تأبط شرا4 "من الوافر":
__________
1 لأن الفعل الواقع بعد "رب" المكفوفة يجب أن يكون ماضيا عند ابن السراج وأبي علي، والجمهور لا يوجبون ذلك.
2 الحق أن هذا إنما يكون في حكاية الحال الماضية، كما في قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} [الكهف: 18] . ولم يثبت في كلامهم حكاية الحال المستقبلة كما هنا، وقيل: إن ما هنا من حكاية الحال الماضية بعد تنزيل المضارع منزلة الماضي، وهو تكلف ظاهر.
3 هذا من استحضار الحال الماضية، فلا يصح قياس ما سبق عليه.
4 هذا لقب غلب عليه، واسمه: ثابت بن جابر بن سفيان، وقيل: إن الأبيات لأبي الغول الطهوي.
(1/180)

ألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحا بطان1
بأني قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صَحْصحان2
فقلت لها: كلانا نِضْو أرض ... أخو سفر فخلي لي مكاني3
فشدت شدة نحوي فأهوت ... لها كفي بمصقول يماني
فأضربها بلا دَهَش فخرت ... صريعا لليدين وللجِران4
إذ قال: "فأضربها" ليصور لقومه الحالة التي تَشَجَّع فيها على ضرب الغول كأنه يُبصِّرهم إياها، ويتطلب منهم مشاهدتها, تعجيبا من جراءته على كل هول وثباته عند كل شدة. ومنه قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] ؛ إذ قال: {كُنْ فَيَكُونُ} دون "كن فكان", وكذا قوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] .
__________
1 فهم: قبيلة تأبط شرا، ورحا بطان: موضع.
2 قوله: "تهوي" بمعنى تسرع، والسهب: الفلاة، والصحصحان: ما استوى من الأرض.
3 النضو: المهزول من كل شيء، فِعْل بمعنى مفعول، كأنه نُضي وأُخرج عن لحمه من جدبها.
4 صريعا: فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، والجران في الأصل: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره.
(1/181)

تمرينات على إفراد المسند، واسميته، وفعليته، وتقييده، وترك تقييده
تمرين1:
1- بين الداعي إلى فعلية المسند وظرفيته في قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39] .
2- لِمَ أتى المتنبي بالمسند فعلا ثم ظرفا في قوله:
تدبر شرق الأرض والغرب كفه ... وليس لها يوما عن الجود شاغل؟
تمرين2:
1- بين ما يستفاد من اسمية المسند وفعليته في قول الشاعر:
سلام على القبر الذي لا يجيبنا ... ونحن نحيي تربه ونخاطبه
يهوَى الثناء مبرز ومقصر ... حب الثناء طبيعة الإنسان
تمرين3:
1- افرق بين الدوام الذي تفيده اسمية المسند بمعونة القرائن، والدوام الذي تفيده فعليته بمعونة القرائن.
2- أيهما أحسن في تقدير متعلق الظرف والجار والمجرور؟ وهل يدخل هذا في البلاغة أو لا يدخل؟
تمرين4:
1- لِمَ عبر بـ "إن" في قوله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2] ؟
2- لِمَ عبر بـ "إذا" في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر: 1-3] ؟
(1/182)

أغراض تنكير المسند:
وأما تنكيره: فإما لإرادة عدم الحصر والعهد1؛ كقولك: "زيد كاتب، وعمرو شاعر"، وإما للتنبيه على ارتفاع شأنه أو انحطاطه على ما مر في المسند إليه؛ كقوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] أي: هدى لا يُكْتَنَه كُنْهُه2.
أغراض التخصيص بالإضافة والوصف، وتركه.
وأما تخصيصه بالإضافة أو الوصف: فلتكون الفائدة أتم كما مر3.
وأما ترك تخصيصه بهما فظاهر مما سبق4.
__________
1 لأن تعريف المسند إذا كان بأداة عهدية أو بمضمر أو اسم إشارة أفاد العهد، وإذا كان بأداة جنسية أو بموصول أفاد الاستغراق المستلزم للحصر، وقد يفيد في هذا غير الحصر كما سيأتي.
2 فالتنكير في ذلك للتعظيم، ومن التنكير للتحقير قول قيس بن جروة يخاطب عمرو بن هند "من الطويل":
غدرت بأمر كنت أنت دعوتنا ... إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد
وقد يترك الغدرَ الفتى، وطعامه ... إذا هو أمسى، حلبة من دم الفَصْد
3 من أن زيادة الخصوص توجب تمام الفائدة، وإنما ذكر الإضافة هنا مع الوصف لاتحادها معه في ذلك الغرض، وقد ذكر السعد أن جعل معمولات المسند كالحال ونحوه من التقييد، وجعل الإضافة والوصف من التخصيص إنما هو مجرد اصطلاح؛ لأنه لا فرق بينهما في ذلك، ولا يخفى أن أغراض الإضافة والوصف في المسند إليه تأتي هنا أيضا. ومن التخصيص بالإضافة قول الشاعر "من الكامل":
حَمِيَ الحديد عليهم فكأنه ... وَمَضَان برق أو شعاع شُموس
ومن التخصيص بالوصف قول الشاعر "من الطويل":
وكنت امرأ لا أسمع الدهر شِبْعة ... أسب بها إلا كشفت غطاءها
4 أي: في ترك تقييد المسند من أنه يكون لمانع من تربية الفائدة، وذلك كقصد الإخفاء عن السامعين ونحو ذلك.
(1/183)

تعريف المسند:
غرض التعريف:
وأما تعريفه1 فلإفادة السامع إما حكما على أمر معلوم له بطريق من طرق التعريف بأمر آخر معلوم له كذلك2. وإما "لإفادته" لازم حكم بين أمرين كذلك3. تفسير هذا أنه قد يكون للشيء صفتان من صفات التعريف، ويكون السامع عالما باتصافه بإحداهما دون الأخرى4. فإذا أردت أن تخبره بأنه متصف بالأخرى تعمد إلى اللفظ الدال على الأولى وتجعله مبتدأ، وتعمد إلى اللفظ الدال على الثانية وتجعله خبرا، فتفيد السامع ما كان يجهله من اتصافه بالثانية، كما إذا كان للسامع أخ يسمى زيدا وهو يعرفه بعينه واسمه، ولكن لا يعرف أنه أخوه، وأردت أن تُعرّفه أنه أخوه، فتقول له: "زيد أخوك"، سواء عرف أن له أخا ولم يعرف أن زيدا أخوه، أو لم يعرف أن له أخا أصلا5، وإن عرف أن له أخا في الجملة6 وأردت أن تعينه عنده قلت: "أخوك زيد"، أما إذا لم يعرف أن له أخا أصلا فلا
__________
1 أخّره هنا عن الكلام على التنكير، وذكر بينهما التخصيص بالإضافة والوصف، ولا يخفى أن أغراض الإضافة من أغراض التعريف، وأن أغراض الوصف من أغراض التوابع، وما كان أحسن لو رتب الكلام هنا كما رتبه في باب المسند إليه.
2 لا يقال: إنه يلزم من علم السامع بكل منهما أن يكون هذا إخبارا بمعلوم له؛ لأن المراد أنه يعلم كلا منهما، ويجهل إسناد أحدهما إلى الآخر، وإنما جعل الحكم في ذلك على أمر معلوم لوجوب تعريف المسند إليه عند تعريف المسند؛ ولهذا حُكم بالقلب في قول القطامي السابق:
ولا يك موقف منك الوداعا
3 لازم الحكم هو ما سماه في باب الإسناد الخبري لازم فائدة الخبر؛ كأن تقول لمن مدحك أمس في غيبتك: أنت المادح لي أمس؟
4 هذا لا يمنع علمه بالأخرى في ذاتها كما سبق.
5 هذا ينافي ما سبق له من وجوب أن يعرف السامع كلا من المسند إليه والمسند بإحدى طرق التعريف؛ لأن هذا يلزمه أن يعرف أن له أخا في الجملة، فإذا لم يعرف ذلك قيل له: "زيد أخ منك" بالتنكير.
6 أي: وكان يعرف زيدا بعينه واسمه.
(1/184)

يقال ذلك؛ لامتناع الحكم بالتعيين على من لا يعرفه المخاطَب أصلا، فظهر الفرق بين قولنا: "زيد أخوك" وقولنا: "أخوك زيد".
وكذا إذا عرف السامع إنسانا يسمى زيدا بعينه واسمه، وعرف أنه كان من إنسان انطلاق، ولم يعرف أنه كان من زيد أو غيره، فأردت أن تعرفه أن زيدا هو ذلك المنطلق1, فتقول: "زيد المنطلق"، وإن أردت أن تعرفه أن ذلك المنطلق هو زيد قلت: "المنطلق زيد"2.
وكذا إذا عرف السامع إنسانا يسمى زيدا بعينه واسمه، وهو يعرف معنى جنس المنطلق، وأردت أن تعرفه أن زيدا متصف به، فتقول: "زيد المنطلق"، وإن أردت أن تعين عنده جنس المنطلق قلت: "المنطلق زيد".
لا يقال: "زيد" دال على الذات، فهو متعين للابتداء -تقدم أم تأخر- "والمنطلق" دال على أمر نسبي، فهو متعين للخبرية -تقدم أو تأخر- لأنا نقول: "المنطلق" لا يجعل مبتدأ إلا بمعنى الشخص الذي له الانطلاق، وإنه بهذا المعنى لا يجب أن يكون خبرا، و"زيد" لا يجعل خبرا إلا بمعنى صاحب اسم "زيد"، وإنه بهذا المعنى لا يجب أن يكون مبتدأ.
ثم التعريف بلام الجنس3 قد لا يفيد قصر المعرف على ما حُكم عليه به؛ كقول الخنساء "من الوافر":
__________
1 على هذا تكون "ال" في المنطلق للعهد الذهني، أما فيما بعده فهي فيه للجنس كما صرح به.
2 ضابط هذا أن ما يعرف السامع اتصاف الذات به منهما يجب تقديمه وجعله مسندا إليه، وقد اختلف النحويون في إعراب ذلك على أربعة مذاهب: فقيل, وهو المشهور: إن الأول هو المبتدأ، وقيل: إن المبتدأ أعرفهما، وقيل: إن المبتدأ هو المعلوم عند السامع منهما، وقيل: إن كلا منهما يجوز أن يكون مبتدأ وخبرا.
3 أي: في المسند؛ لأن الكلام فيه. وإن كان التعريف بلام الجنس في المسند إليه يفيد القصر أيضا كما سيأتي.
(1/185)

إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا1
وقد يفيد قصره2؛ إما تحقيقا كقولك: "زيد الأمير" إذا لم يكن أمير سواه، وإما مبالغة لكمال معناه في المحكوم عليه3؛ كقولك: "عمرو الشجاع"، أي: الكامل في الشجاعة، فتخرج الكلام في صورة تُوهِم أن الشجاعة لم توجد إلا فيه؛ لعدم الاعتداد بشجاعة غيره؛ لقصورها عن رتبة الكمال.
ثم المقصور قد يكون نفس الجنس مطلقا، أي: من غير اعتبار تقييده بشيء كما مر، وقد يكون الجنس، باعتبار تقييده بظرف أو غيره، كقولك: "هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيرا" فإن المقصور هو الوفاء في هذا الوقت لا الوفاء مطلقا.
وكقول الأعشى "من الخفيف":
هو الواهب المائة المصطفا ... ة إما مخاضا وإما عشارا4
فإنه قصر هبة المائة من الإبل في إحدى الحالتين، لا هبتها مطلقا، ولا الهبة مطلقا. وهذه الوجوه الثلاثة -أعني العهد، والجنس للقصر تحقيقا، والجنس للقصر مبالغة- تمنع جواز العطف بالفاء ونحوها5 على ما حُكم عليه بالمعرف بخلاف المنكر؛ فلا يقال: "زيد المنطلق وعمرو"، ولا: "زيد الأمير وعمرو"، ولا "زيد الشجاع وعمرو".
__________
1 هو لتماضر بنت عمرو المعروفة بالخنساء. وتريد بقولها: "على قتيل" كل قتيل، بقرينة المقام؛ لأن النكرة في سياق الإثبات لا تعم في أصل الوضع، وإني أرى أنه لا حاجة إلى هذا العموم، ويكفي أن يراد "إذا قبح البكاء على أي قتيل". وإنما لم يفد تعريف "الحسن" القصر؛ لأن كلامها للرد على من يتوهم قبح البكاء على قتيلها كغيره، والرد عليه يكفي فيه إخراج البكاء على قتيلها من القبح إلى الحسن، وإنما يصح القصر إذا كان الكلام للرد على من يسلّم حسن البكاء على قتيلها، ولكنه يدعي أن بكاء غيره حسن أيضا، وهذا لا يلائمه أول البيت، وفائدة تعريف "الحسن" ادعاء أنه معلوم لا ينكره أحد؛ لأن "ال" الجنسية تفيد هذا كما سبق.
2 أي: قصره على المسند إليه.
3 فالأول قصر تحقيقي، والثاني ادعائي، وتعريف المسند إليه بلام الجنس يفيد القصر كما سبق، ولكنه يفيد قصر المسند إليه على المسند؛ كقولك: "الأمير زيد، والشجاع عمرو" وتعريف المسند بالعكس، كما سبق؛ ولهذا لا يتفاوت المعنى فيهما من جهة القصر.
4 هو لميمون بن قيس المعروف بالأعشى في مدح قيس بن معديكرب أبي الأشعث الكندي. والمخاض: الحوامل من النوق اسم جمع، والعشار: جمع عشراء وهي من النوق كالنفساء من النساء، أو التي مضى لحملها عشرة أشهر.
5 أي: مما يفيد الجمع من حروف العطف؛ كالواو وثم، وإنما امتنع العطف بذلك لأنه ينافي القصر.
(1/186)

أغراض كون المسند جملة:
وأما كونه جملة1؛ فإما لإرادة تقوِّي الحكم بنفس التركيب كما سبق2، وإما لكونه سببيا، وقد تقدم بيان ذلك3.
وفعليتها لإفادة التجدد4، واسميتها لإفادة الثبوت؛ فإن من شأن الفعلية أن تدل على التجدد، ومن شأن الاسمية أن تدل على الثبوت، وعليهما قول رب العزة: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} 5
__________
1 هذا يقابل قوله فيما سبق: "وأما إفراده"، وقد وسّط بينهما الأحوال السابقة؛ لدخولها في حال الإفراد.
2 أي: في الكلام على الخبر الفعلي في تقديم المسند إليه، نحو: "هو يعطي الجزيل".
3 أي: بيان كونه سببا عند قوله: "وأما إفراده" وقيل: إن كل ما خبره جملة يفيد التقوي ولو كانت اسمية، وعلى هذا تكون الجملة المسببية مفيدة للتقوي أيضا، فيفيد قولك: "زيد أبوه منطلق" تقوي الحكمة بخلاف: "أبو زيد منطلق". ولا يرد على الحصر في الغرضين أن خبر ضمير الشأن جملة وليس للتقوي؛ ولا للسببية؛ لأن جملة الخبر عن ضمير الشأن في حكم المفرد لتفسيرها له، وقيل: إنها تفيد التقوي لما فيها من البيان بعد الإبهام.
4 الضمير في قوله: "وفعليتها" يعود إلى الجملة الواقعة مسندا، فليس في هذا تكرار مع ما سبق؛ لأنه كان في الفعل الواقع مسندا، وهو مفرد لا جملة، وفي هذا إشارة إلى أن الجملة الاسمية إذا كان خبرها فعليا تفيد التجدد.
5 سورة البقرة, آية: 14. ويريد بهذا وما بعده الاستشهاد على إفادة الفعلية التجدد، والاسمية الثبوت بقطع النظر عن أصل الموضوع؛ لأن أصله فيهما إذا كانا مسندين، وهما فيها ذكره من الشواهد ليسا كذلك، والشاهد في قوله: {آمَنَّا} وقوله: {إِنَّا مَعَكُمْ} .
(1/187)

وقوله تعالى: {قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} [هود: 69] ؛ إذ أصل الأول: "نسلم عليك سلاما"، وتقدير الثاني: سلام عليكم، كأن إبراهيم -عليه السلام- قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به1 أخذا بأدب الله تعالى في قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} [النساء: 86] وقد ذُكر له وجه آخر فيه دقة، غير أنه بأصول الفلاسفة أشبه، وهو أن التسليم دعاء للمسلم عليه بالسلامة من كل نقص، ولهذا أُطلق، وكمال الملائكة لا يتصور فيه التجدد؛ لأن حصوله بالفعل مقارن لوجودهم، فناسب أن يحيوا بما يدل على الثبوت دون التجدد، وكمال الإنسان متجدد؛ لأنه بالقوة، وخروجه إلى الفعل بالتدريج، فناسب أن يُحيَّا بما يدل على التجدد دون الثبوت, وفيه نظر2.
وقوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} [الأعراف: 193] ، أي: أأحدثتم دعاءهم أم استمر صمتكم عنه؟ فإنه كانت حالهم المستمرة أن يكونوا صامتين عن دعائهم، فقيل: لم يفترق الحال بين إحداثكم دعاءهم وما أنتم عليه من عادة صمتكم عن دعائهم. وقوله تعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} [الأنبياء: 55] أي: أأحدثت عندنا تعاطي الحق فيما نسمعه منك أم اللعب أي: أحوال الصبا بعد مستمرة عليك؟
وأما قوله: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} في جواب {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 8] فلإخراج ذواتهم من جنس المؤمنين مبالغة في تكذيبهم؛ ولهذا أطلق قوله:
__________
1 لأن الجملة الاسمية في ذلك تفيد الثبوت والدوام، بخلاف الفعلية.
2 وجهه أن إبراهيم لم يكن يعلم وقت السلام أنهم ملائكة، بدليل قوله: {قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} على أن ذلك يقتضي أن يكون رفع "سلام" في تحية البشر بعضهم لبعض غير بليغ، ولا يقول بهذا أحد.
(1/188)

{بِمُؤْمِنِينَ} ، وأكد نفيه بالباء1، ونحوه: {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} [المائدة: 37] .
شرطية جملة المسند: وشرطيتها لما مر2.
وظرفيتها لاختصار الفعلية؛ إذ هي مقدرة بالفعل على الأصح3.
__________
1 فكل هذا كان له أثره في أنه لم يقل: "ولم يؤمنوا" مع أنه هو المطابق لقولهم: "آمنا".
2 أي: في الكلام على تقييد المسند إذا كان فعلا بالشرط، ولا تكرار في هذا أيضا مع ما سبق؛ لأن الكلام هنا في شرطية الجملة الواقعة مسندا، وفيما سبق في تقييد الفعل إذا كان مسندا بالشرط.
3 كان الأحسن "إذ الظرف"؛ لأن ظاهر عبارته يقتضي أن الجملة الظرفية مقدرة باسم الفاعل في غير الأصح، ولا يخفى فساده، وقد سبق توجيه الأصح في الكلام على إفراد المسند.
(1/189)

تمرينات على تعريف المسند وتنكيره وكونه جملة:
تمرين1:
1- لِمَ نُكِّر المسند في قول الشاعر:
آراؤه وعطاياه ونعمته ... وعفوه رحمة للناس كلهم؟
2- لِمَ عُرف المسند بالإضافة أولا، ونُكر ثانيا في قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] ؟
تمرين2:
1- لِمَ كان المسند جملة اسمية في قوله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 2] ؟
2- لِمَ كان المسند جملة فعلية في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ؟
تمرين3:
1- لِمَ نكر المسند في قول الشاعر:
لئن صدفت عنا فرُبَّت أنفس ... صَوَادٍ إلى تلك النفوس الصوادف؟
ولِمَ جاءت الجملة الأولى فيه فعلية, والجملة الثانية اسمية؟
2- بين الغرض من تعريف المسند بأل في قول الشاعر:
وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو أم مخزوم، ووالدك العبد
تمرين4:
1- لِمَ نكر المسند وأضيف في قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] ؟
ولِمَ عرف بالإضافة في المعطوف بعد تنكيره في المعطوف عليه؟
(1/190)

2- بين المسند والمسند إليه في قول الشاعر:
أبوك حباب سارق الضيف برده ... وجدي يا حجّاج فارس شمّرا
تمرين 5:
1- ما هو الضابط الذي يميز بين المسند والمسند إليه في حال تعريفهما؟ وما الفرق بين نظر علم المعاني وعلم النحو في هذه الحالة؟
2- لِمَ عرف المسند في قول الشاعر:
كلثم، أنتِ الهم يا كلثم ... وأنت دائي الذي أكتم؟
ولِمَ نكر في قول الآخر:
خير الصنائع في الأنام صنيعة ... تنبو بحاملها عن الإذلال
وقول الآخر:
وكنت فتى من جند إبليس فارتقى ... بي الحال حتى صار إبليس مِن؟
(1/191)

أغراض تأخير وتقديم المسند:
أغراض التأخير: وأما تأخيره؛ فلأن ذكر المسند إليه أهم كما سبق1.
أغراض التقديم: وأما تقديمه فإما لتخصيصه بالمسند إليه2 كقوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6] ، وقولك: "قائم هو" لمن يقول: "زيد إما قائم أو قاعد"، فيردده بين القيام والقعود من غير أن يخصصه بأحدهما. ومنه قولهم: "تميمي أنا", وعليه قوله تعالى: {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} [الصافات: 47] أي: بخلاف خمور الدنيا فإنها تغتال العقول3؛ ولهذا لم يقدم الظرف في قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] لئلا يفيد ثبوت الريب في سائر كتب الله تعالى4.
وإما للتنبيه من أول الأمر على أنه خبر لا نعت5؛ كقوله "من الطويل":
له هِمَم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجلّ من الدهر6
__________
1 أي: في الكلام على تقديم المسند إليه، فأغراض تأخير المسند هي ما سبق من أغراض تقديم المسند إليه.
2 الباء داخلة على المقصور، فيكون المسند إليه في ذلك مقصورا، والمسند مقصورا عليه.
3 فالمعنى أن عدم الغول مقصور على الكون في خمور الجنة، أو أن الغول مقصور على عدم الحصول فيها، وهذا على ما قيل من اعتبار النفي في جانب المسند أو المسند إليه.
4 لأنها المعتبرة في مقابلة القرآن، والقصر إنما يكون باعتبار النظير الذي يُتوهم فيه المشاركة، والمراد أن التقديم يوهم ذلك باعتبار الغالب؛ لأنه قد يكون للاهتمام لا للتخصيص. ومن تقديم المسند للتخصيص قول الشاعر "من الوافر":
رضينا قسمة الجبار فينا ... لنا علم وللأعداء مال
وقول الآخر:
لك القلم الأعلى الذي بشَباته ... يصاب من الأمر الكلى والمفاصل
5 لأن النعت لا يتقدم على المنعوت, بخلاف الخبر مع المبتدأ.
6 هو لبكر بن النطاح في مدح أبي دلف العجلي, وقيل: إنه لحسان بن ثابت في مدح النبي صلى الله عليه وسلم. والشاهد في قوله: "له همم" لأنه لو عكس لأوهم أن الجار والمجرور صفة، والجملة بعده هي الخبر، مع أن الكلام مسوق لمدحه لا لمدح هممه، ويصح أن يكون التقديم لإفادة التخصيص، وهو أبلغ.
(1/192)

وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأعراف: 24] .
وإما للتفاؤل1.
وإما للتشويق إلى ذكر المسند إليه، كقوله "من البسيط":
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحا وأبو إسحاق والقمر2
وقوله "من الوافر":
وكالنار الحياة فمن رماد ... وأواخرها وأولها دخان3
قال السكاكي رحمه الله4: "وحق هذا الاعتبار تطويل الكلام في المسند5، وإلا لم يحسن ذلك الحُسْنَ".
__________
1 كقول ابن الرومي "من الخفيف":
يمن الله طلعة المهرجان ... كل يُمْنٍ على الأمير الهجان
وقول الآخر "من الكامل":
سعدت بغرة وجهك الأيام ... وتزينت ببقائك الأعوام
2 هو لمحمد بن وهيب في مدح أبي إسحاق المعتصم، وإنما لم يجعل "ثلاثة" مبتدأ و"شمس الضحا" وما عطف عليه خبرا؛ لأنه لا يخبر بمعرفة عن نكرة.
3 هو لأحمد بن عبد الله المعروف بأبي العلاء المعري. يعني أن أول الحياة وآخرها وهما الصبا والشيب ليسا بشيء، وأن وسطها وهو الشباب هو المعتد به، وقد شبهها في ذلك بالنار في أحوالها الثلاث.
4 المفتاح ص119.
5 كما في بيت ابن وهيب، وكما في قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] . وقد يكون تقديم المسند لمجرد الاهتمام، كقول الشاعر "من الوافر":
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام
وقد يكون لإظهار التألم؛ كقول المتنبي "من الطويل":
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا ليس له من صداقته بد
(1/193)

تنبيه:
كثير1 مما ذكر في هذا الباب, والذي قبله غير مختص بالمسند إليه والمسند؛ كالذكر، والحذف، وغيرهما مما تقدمت أمثلته. والفطن إذا أتقن اعتبار ذلك فيهما لا يخفى عليه اعتباره في غيرهما2.
__________
1 أما القليل منه فيختص بالبابين؛ كضمير الفصل، وكون المسند فعلا، والذي لا يختص بهما لا يلزم أن يجري في كل ما عداهما؛ كالتعريف، فإنه لا يجري في الحال والتمييز.
2 أي: من المفعولات ونحوهما، وسيأتي بيان شيء من هذا في أحوال متعلقات الفعل.
(1/194)

تمرينات على التقديم والتأخير وغيرهما:
تمرين1:
1- لماذا قدم المسند في قولهم: "ثلاثة يُذهبن الغم والحزن: الماء، والخضرة، والوجه الحسن"؟
2- لماذا عبر بـ "إن" دون "إذا" في قول الشاعر:
إن دام هذا ولم تحدث له غِيَر ... لم يُبك ميْت ولم يُفرَح بمولود؟
تمرين2:
1- هل تأخير المسند للتخصيص, أو لتقوية الحكم في قول الشاعر:
ريم على القاع بين البان والعلَم ... أحل سفك دمي الأشهر الحرم؟
لماذا قدم المسند في قول الشاعر:
ثلاثة ليس لها إياب ... الوقت والجمال والشباب؟
تمرين3:
1- هل تقديم المسند للتخصيص, أو لمجرد الاهتمام في قول الشاعر:
وليس بمغنٍ في المودة شافع ... إذا لم يكن بين الضلوع شفيع؟
2- لماذا قدم المسند في قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] ؟
تمرين4:
1- هل تقديم المسند للتخصيص, أو لمجرد الاهتمام في قوله تعالى: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} [يونس: 41] ؟
2- لماذا قدم المسند في قول الشاعر:
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت؟
تمرين5:
1- لماذا عبر بـ "إذا" دون "إن" في قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8، 9] ؟
2- كيف صحّت التثنية في قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم أعز الإسلام بأحب العمرين إليك" , مع أنها تثنية عمر وعمرو؟ ولماذا أُوثرت تثنية الأول على الثاني؟
(1/195)

الباب الرابع: القول في أحوال متعلَّقات الفعل 1
حال الفعل مع المفعول والفاعل:
حال الفعل مع المفعول كحاله مع الفاعل2؛ فكما أنك إذا أسندت الفعل إلى الفاعل كان غرضك أن تفيد وقوعه منه، لا أن تفيد وجوده في نفسه فقط، كذلك إذا عدّيته إلى المفعول كان غرضك أن تفيد وقوعه عليه، لا أن تفيد وجوده في نفسه فقط، فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان ليعلم التباسه بهما؛ فعمل الرفع في الفاعل ليعلم التباسه به من جهة وقوعه منه، والنصب في المفعول ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه. أما إذا أُريد الإخبار بوقوعه في نفسه من غير إرادة أن يعلم ممن وقع في نفسه3 أو على من وقع، فالعبارة عنه أن يقال: كان ضرب، أو وقع ضرب، أو وُجد، أو نحو ذلك من ألفاظ تفيد الوجود المجرد.
أغراض حذف المفعول به: وإذا تقرر هذا فنقول:
الفعل المتعدي إذا أسند إلى فاعله ولم يُذكَر له مفعول فهو على ضربين:
__________
1 يُلحق بالفعل ما في معناه؛ كاسم الفاعل، واسم المفعول، ونحوهما.
2 يريد بهذا أن يمهد للكلام على المفعول به. وقد ذكر في هذا الباب ثلاثة أحوال لمتعلقات الفعل: أولها حذف المفعول به، ومثله في ذلك باقي المتعلقات من المفعولات والحال والتمييز وغيرها، وثانيها تقديم المفعول ونحوه من المتعلقات على الفعل, وثالثها تقديم بعض معمولات الفعل على بعض. وقد ترك الكلام على غير هذه الأحوال الثلاثة اكتفاء بما ذكره في التنبيه الواقع في آخر القول في أحوال المسند؛ فقد ذكروا فيه أن أمرها يجري في غير المسند إليه والمسند كما يجري فيهما.
3 لا داعي إلى لفظ "في نفسه" هنا؛ ولهذا حذفها السعد في شرحه على التلخيص.
(1/196)

الأول: أن يكون الغرض إثبات المعنى في نفسه للفاعل على الإطلاق، أو نفيه عنه كذلك، وقولنا: "على الإطلاق" أي: من غير اعتبار عمومه وخصوصه، ولا اعتبار تعلقه بمن وقع عليه، فيكون المتعدي حينئذ بمنزلة اللازم، فلا يُذكر له مفعول؛ لئلا يتوهم السامع أن الغرض الإخبار به باعتبار تعلقه بالمفعول1، ولا يقدر أيضا؛ لأن المقدر في حكم المذكور2.
وهذا الضرب قسمان3؛ لأنه إما أن يجعل الفعل مطلقا كناية4 عن الفعل, متعلقا بمفعول مخصوص دلت عليه قرينة، أو لا5.
الثاني6: كقوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] أي: من يحدث له معنى العلم ومن لا يحدث.
قال السكاكي7: ثم إذا كان المقام خطابيا لا استدلاليا8 أفاد العموم في أفراد
__________
1 مع أنه في هذا الضرب يقصد إثباته في نفسه من غير اعتبار تعلقه بمفعول، ولكل منهما مقام خاص به، فإذا قيل: فلان يعطي؛ كان هذا لمن يجهل إعطاءه، وإذا قيل: فلان يعطي الدنانير، كان هذا لمن يعلم إعطاءه ويجهل أنه يعطي الدنانير.
2 قيل: إنه في هذه الحالة لا يسمى المفعول محذوفا، ولكن هذه نظرة نحوية، أما هنا فيعد محذوفا، ويبحث عن نكتته، بدليل أنه لا يبحث عن مثل هذا في اللازم.
3 جرى عبد القاهر على حصر هذا الضرب في القسم الثاني، وجعل القسم الأول من الضرب الثاني الآتي؛ لأن له عنده مفعولا مقصودا محذوفا لدلالة الحال ونحوه عليه، ولا يؤثر في ذلك محاولة المتكلم أن ينسيه نفسه لغرض من الأغراض الآتية، فلا يرى عبد القاهر فيه من الكناية ما يراه الخطيب، كما يأتي.
4 الكناية في هذا من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم على سبيل الادعاء؛ لأن المقيد لا يكون لازما للمطلق إلا على هذا التقدير.
5 يعني أو لا يجعل الفعل كذلك.
6 أي: القسم الثاني من الضرب الأول، وهو الذي لا يجعل الفعل فيه مطلقا كناية عن الفعل, متعلقا بمفعول مخصوص.
7 المفتاح ص116 و123.
8 المقام الخطابي هو الذي يكتفي بالظن؛ كالمدح والفخر ونحوهما، والاستدلالي هو الذي يطلب فيه اليقين.
(1/197)

الفعل بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون فرد آخر مع تحقق الحقيقة فيهما تحكّم، ثم جعل قولهم في المبالغة: "فلان يعطي ويمنع، ويصل ويقطع" محتملا لذلك1، ولتعميم المفعول2 كما سيأتي.
وعده الشيخ عبد القاهر3 مما يفيد أصل المعنى على الإطلاق من غير إشعار بشيء من ذلك4.
والأول5 كقول البحتري يمدح المعتز ويعرّض بالمستعين بالله "من الخفيف":
شجو حساده وغيظ عِدَاه ... أن يرى مبصر ويسمع واعي6
أي: أن يكون ذا رؤية وذا سمع، يقول: محاسن الممدوح وآثاره لم تخف على من له بصر؛ لكثرتها واشتهارها، ويكفي في معرفة أنها سبب لاستحقاقه الإمامة دون غيره أن يقع عليها بصر ويعيها سمع؛ لظهور دلالتها على ذلك لكل أحد, فحسّاده وأعداؤه يتمنون ألا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها وأذن يسمع بها كي يخفى استحقاقه للإمامة, فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إياها. فجعل كما ترى مطلق الرؤية كناية عن رؤية محاسنه وآثاره، ومطلق السماع كناية عن سماع
__________
1 أي: لتعميم أفراد الفعل، فيكون المعنى: يفعل كل إعطاء وكل منع وكل صلة وكل قطع.
2 في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ} [يونس: 25] من الضرب الثاني، أي: كل أحد، فيكون المعنى عليه في ذلك: يعطي كل أحد ... إلخ.
3 دلائل الإعجاز ص101, 102.
4 أي: من شمول أفراد الفعل أو المفعول، وهذا هو المختار؛ لأنه المفهوم فيما بين الناس، وما ذكره السكاكي تكلف لا وجه له.
5 أي: القسم الأول من الضرب الأول, وهو الذي يُجعل الفعل فيه مطلقا، كناية عن الفعل، متعلقا بمفعول مخصوص.
6 هو للوليد بن عبيد المعروف بالبحتري، والشجو: الحزن، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل ليصح حمل الخبر عليه.
(1/198)

أخباره1. وكقول عمرو بن معديكرب "من الطويل":
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرّت2
لأن غرضه أن يثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس للألسن عن النطق بمدحهم والافتخار بهم؛ حتى يلزم منه بطريق الكناية مطلوبه وهو أنها أجرّته3.
وكقول طفيل الغنوي لبني جعفر بن كلاب "من الطويل":
جزى الله عنا جعفرا حين أُزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلّت
أبوا أن يَمَلونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لاقوه منا لملت
هم خلطونا بالنفوس وألجئوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت4
فإن الأصل: "لملتنا، وأدفأتنا, وأظلتنا" إلا أنه حذف المفعول من هذه المواضع ليدل على مطلوبه بطريق الكناية5. فإن قلت: لا شك أن قوله: "ألجئوا" أصله: "ألجئونا" فلأي معنى حُذف المفعول منه؟ قلت: الظاهر أن حذفه لمجرد الاختصار؛
__________
1 هذا بادعاء الملازمة بينهما كما سبق، وفائدة ذلك الإشارة إلى شهرة محاسنه مبالغة في مدحه، ومثل هذا يفوت بالتصريح بالمفعول وترك الكناية بذلك عنه، وعلى مذهب عبد القاهر في هذا القسم لا يكون في البيت كناية، وإنما يكون قصده من أول الأمر أن يرى مبصر محاسنه، ولكنه حذفها ادعاء لشهرتها، وأن رؤية القصر لا تقع إلى عليها، وهو معنى حسن أيضا.
2 قوله: "أجرت" من الإجرار، وهو في الأصل شق لسان الفصيل لئلا يرضع، والمراد أنها حبست لسانه عن مدحهم على سبيل الاستعارة، وإنما حبست لسانه عن مدحهم؛ لأنها لم تبل في الحرب بلاء حسنا.
3 قال عبد القاهر في بيان معناه على مذهبه: إنه يقصد أجرتني، ولكنه حذف المفعول لتتوافر العناية على إثبات الفعل للفاعل، ويوهم أن إجرارها كان عاما له ولغيره.
4 هي لطفيل بن عوف الغنوي يمدح بني جعفر، وقوله: "أزلقت" بمعنى زلت ولم تثبت، وعلى هذا يتحد معناه ومعنى قوله: فزلت. ويجوز أن يكون المراد زلق ما تحتها، فيتغايران، وكلاهما كناية عن سوء حالهم.
5 جعل عبد القاهر حذف المفعول في ذلك؛ لتتوفر الغاية على إثبات الفعل للفاعل.
(1/199)

لأن حكمه حكم ما عُطف عليه، وهو قوله: "خلطونا"1.
الضرب الثاني2: أن يكون الغرض إفادة تعلقه بمفعول، فيجب تقديره بحسب القرائن3.
ثم حذفه من اللفظ: إما للبيان بعد الإبهام، كما في فعل المشيئة إذا لم يكن في تعلقه بمفعوله غرابة4 كقولك: لو شئت جئت، أو لم أجئ؛ أي: لو شئت المجيء أو عدم المجيء؛ فإنك متى قلت "لو شئت" علم السامع أنك علقتَ المشيئة بشيء، فيقع في نفسه أن هنا شيئا تعلقت به مشيئتك بأن يكون أو لا يكون، فإذا قلت: "جئت أو لم أجئ" عرف ذلك الشيء، ومنه قوله تعالى: {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149] . وقوله تعالى: {فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} [الأنعام: 39] وقول طرفة "من الطويل":
فإن شئت لم تُرقِل، وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوي من القِدّ محصد5
وقول البحتري "من الكامل":
لو شئت عدت بلاد نجد عودة ... فحللت بين عقيقه وزَرُوده6
__________
1 جعله عبد القاهر مثل الحذف في "وأدفأت وأظلت", وما ذهب إليه الخطيب أقوى وأدق.
2 أي: من الفعل المتعدي الذي لم يُذكر له مفعول.
3 يشير بهذا إلى أن حذف المفعول لا بد فيه من قرينة تدل عليه.
4 مثله فعل الإرادة والمحبة ونحوهما، نحو: "لو أحب لأعطاكم". ولا يلزم أن يكون شرطا كما ذكر في هذه الأمثلة، ومن مجيئه غير شرط قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255] ، ولكن الظاهر أن الحذف في الآية ليس للبيان بعد الإبهام.
5 هو لعمرو بن العبد المعروف بطرفة. وقوله: لم ترقل بمعنى: لم تسرع، والضمير لناقته، والملوي: السوط المفتول، والقد: الجلد المشقوق، والمحصد: المفتول المحكَم.
6 هو للوليد بن عبيد المعروف بالبحتري، وقوله: عدت بلاد نجد بمعنى عدت إليها، وعقيق نجد وزروده: موضعان به. وخطابه للسحاب الوارد في قوله قبل هذا البيت في مطلع القصيدة:
يا عارضا متلفعا ببروده ... يختال بين بروقه ورعوده
(1/200)

وقوله "من الكامل":
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد1
فإن كان في تعلق الفعل به غرابة ذكرت المفعول لتقرره في نفس السامع وتؤنسه به، يقول الرجل يخبر عن عزه: لو شئت أن أرد على الأمير رددت، وإن شئت أن ألقى الخليفة كل يوم لقيته. وعليه قول الشاعر "من الطويل":
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع2
فأما قول أبي الحسين علي بن أحمد الجوهري أحد شعراء الصاحب ابن عباد "من الطويل":
فلم يبق مني الشوق غير تفكري ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا
فليس منه؛ لأنه لم يرد أن يقول: فلو شئت أن أبكي تفكرا بكيت تفكرا، ولكنه أراد أن يقول: أفناني النحول فلم يبق مني وفي غير خواطر تجول، حتى لو شئت البكاء فمريت جفوني، وعصرت عيني ليسيل منها دمع لم أجده، ولخرج منها بدل الدمع التفكر؛ فالمراد بالبكاء في الأول الحقيقي، وفي الثاني غير الحقيقي، فالثاني لا يصلح لأن يكون تفسيرا للأول3.
وإما لدفع أن يتوهم السامع في أول الأمر إرادة شيء غير المراد؛ كقول البحتري:
وكم ذدت عني من تحامل حادث ... وسَوْرة أيام حَزَزْن إلى العظم4
__________
1 هو للبحتري أيضا. والمراد بحاتم: حاتم الطائي، وبخالد: خالد بن إصبع النبهاني الذي نزل عليه امرؤ القيس الشاعر.
2 هو لأبي يعقوب إسحاق بن حسان الخريمي "بالراء" في رثاء أبي الهيذام عامر بن عمارة الخريمي كما في "البيان والتبيين" و"نهاية الأرب"، وهو من قصيدة له مطلعها "من الكامل":
قضى وطرا منك الحبيب المودع ... وحل الذي لا يستطاع فيدفع
والشاهد في قوله: "لو شئت أن أبكي دما"؛ لأن بكاء الدم غريب.
3 لهذا ذكر الأول ولم يحذف.
4 هو للوليد بن عبيد المعروف بالبحتري يمدح أبا الصقر الشيباني. وقوله ذدت: بمعنى دفعت، وكم: خبرية في موضع نصب مفعول به مقدم، ومميزها "من تحامل حادث". وقيل: إن التقدير كم مرة، فتكون "من" زائدة في الإثبات على قول بعض النحاة، والسورة: الشدة والصولة.
(1/201)

إذ لو قال: "حززن اللحم" لجاز أن يتوهم السامع قبل ذكر ما بعده أن الحز كان في بعض اللحم ولم ينته إلى العظم، فترك ذكر اللحم ليبرئ السامع من هذا الوهم، ويصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم1.
وإما لأنه أريد ذكره ثانيا على وجه يتضمن إيقاع الفعل على صريح لفظه؛ إظهارا لكمال العناية بوقوعه عليه2؛ كقول البحتري أيضا "من المنسرح":
قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مِثْلا3
أي: قد طلبنا لك مثلا في السؤدد والمجد والمكارم، فحذف المثل؛ إذ كان غرضه أن يوقع نفي الوجود على صريح لفظ المثل4, ولأجل هذا المعنى بعينه عكس ذو الرمة في قوله "من الوافر":
ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما أن يكون أصاب مالا5
فإنه أعمل الفعل الأول الذي هو "أمدح" في لفظ اللئيم، والثاني الذي هو "أرضي" في ضميره؛ إذ كان غرضه إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحا دون
__________
1 لا شك أنه يمكن تأدية هذا الغرض بتأخير المفعول، بأن يقول: حززن إلى العظم اللحم، ولكن تأخير المفعول لا يجعل لذكره فائدة.
2 هذه نكتة الإتيان بصريح اسم المفعول ثانيا، وأما نكتة حذفه أولا فهي لزوم التكرار مع ذكره ثانيا.
3 المثل: الشبيه والنظير, والبيت من قصيدة له في مدح المعتز.
4 إنما كان هذا غرضه؛ لأنه آكَد في كمال المدح، ولو عكس فصرح أولا وأضمر ثانيا لفات هذا الغرض؛ لأنه قد يتوهم عود الضمير على غيره.
5 هو لغيلان بن عقبة المعروف بذي الرمة يمدح بلال بن أبي بردة، وبعده "من الوافر":
ولكن الكرام لهم ثنائي ... فلا أجزي إلى ما قيل قالا
والضمير في قوله: "لأرضيه" يعود إلى "لئيما"، وقوله: "أن يكون" في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل المحذوفة.
(1/202)

الإرضاء. ويجوز أن يكون سبب الحذف في بيت البحتري قصد المبالغة في التأدب مع الممدوح، بترك مواجهته بالتصريح بما يدل على تجويز أن يكون له مثل؛ فإن العاقل لا يطلب إلا ما يجوز وجوده1.
وإما للقصد إلى التعميم2 في المفعول، والامتناع عن أن يقصره السامع على ما يذكر معه دون غيره، مع الاختصار، كما تقول: "قد كان منك ما يؤلم" أي: ما الشرط في مثله أن يؤلم كل أحد وكل إنسان3، وعليه قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ} [يونس: 25] أي: يدعو كل أحد4.
وإما للرعاية على الفاصلة5 كقوله سبحانه وتعالى: {وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 1، 3] أي: وما قلاك6.
وإما لاستهجان ذكره، كما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت:
"ما رأيت منه، ولا رأى مني"7 تعني: العورة.
وإما لمجرد الاختصار؛ كقولك: "أصغيت إليه" أي: أُذُني، "وأغضيت عليه" أي: بَصَري. ومنه قوله تعالى: {أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] أي: ذاتك. وقوله تعالى:
__________
1 يجوز أيضا أن يكون الحذف فيه لقصد البيان بعد الإبهام.
2 التعميم يؤخذ في الحقيقة من قرينة المقام، ولا يؤخذ من الحذف؛ لوجوده مع الذكر، ولكن الحذف له فيه تأثير في الجملة؛ لأن تقدير مفعول خاصٍ فيه دون آخر ترجيحٌ بلا مرجح، وبهذا يحمل على العموم، وهذا إلى ما فيه من الاختصار كما ذكره بعد.
3 بقرينة أن المقام مقام مبالغة.
4 الآية تفيد العموم تحقيقا، والمثال يفيده مبالغة.
5 لا يخفى أن رعاية الفاصلة يُقصد لمحسن بديعي فيكون مطلوبا من أجله، ويقدر في البلاغة بقدره.
6 سيأتي أنه حذف أيضا لصونه عن نسبة {قَلَى} إليه، وهذا إلى أن ذكره في {وَدَّعَكَ} يغني عن ذكره في {قَلَى} فلا يكون حذفه لمجرد ذلك المحسن البديعي.
7 هو من قولها: "كنت أغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد، فما رأيت منه ولا رأى مني".
(1/203)

{أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} [الفرقان: 41] أي: بعثه الله. وقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] أي: إنه لا يماثل، "تعلمون" أو ما بينه وبينها من التفاوت، أو أنها لا تفعل كفعله، كقوله: {هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ} 1 [الروم: 40] ويحتمل أن يكون المقصود نفس الفعل من غير تعميم، أي: وأنتم من أهل العلم والمعرفة2. ثم ما أنتم عليه في أمر ديانتكم -من جعل الأصنام لله أندادا- غاية الجهل.
ومما عد السكاكي3 الحذف فيه لمجرد الاختصار قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا} 4 [القصص: 23، 24] والأولى أن يجعل لإثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق كما مر5، وهو ظاهر قول الزمخشري، فإنه قال: تُرك المفعول لأن الغرض هو الفعل لا المفعول، ألا ترى أنه رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلا؟ وكذلك قولهما: {لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} المقصود منه السقي لا المسقيّ.
واعلم أنه قد يشتبه الحال في أمر الحذف وعدمه لعدم تحصل معنى الفعل، كما في قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}
__________
1 والكاف للتنظير للوجه الأخير، وهو أنها لا تفعل كفعله.
2 فيكون من القسم الثاني من الضرب الأول.
3 المفتاح ص133.
4 ومحل الشاهد فيه: "يسقون، تذودان، نسقي".
5 فيكون من القسم الثاني من الضرب الأول، وجعله عبد القاهر مما قصد فيه إلى مفعول خاص ثم حُذف لتتوفر العناية على إثبات الفعل للفاعل.
(1/204)

[الإسراء: 110] فإنه يظن أن الدعاء فيه بمعنى النداء، فلا يقدّر في الكلام محذوف، وليس بمعناه؛ لأنه لو كان بمعناه لزم إما الإشراك أو عطف الشيء على نفسه؛ لأنه إن كان مسمى أحدهما غير مسمى الآخر لزم الأول، وإن كان مسماهما واحدا لزم الثاني، وكلاهما باطل، تعالى كلام الله عز وجل عن ذلك؛ فالدعاء في الآية بمعنى التسمية التي تتعدى إلى مفعولين، أي: سموه الله أو الرحمن أيا ما تسموه فله الأسماء الحسنى1 كما يقال: "فلان يدعى الأمير" أي: يسمى الأمير. وكما في قراءة من قرأ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] 2 بغير تنوين، على القول بأن سقوط التنوين لكون الابن صفة واقعة بين علمين، كما في قولنا: "زيد بن عمرو قائم" فإنه قد يُظن أن فعل القول فيه لحكاية الجملة كما هو أصله3. فقيل: تقدير الكلام: "عزير ابن الله معبودنا"، وهذا باطل؛ لأن التصديق والتكذيب إنما ينصرفان إلى الإسناد لا إلى وصف ما يقع في الكلام موصوفا بصفة، كما إذا حكيت عن إنسان أنه قال: "زيد بن عمرو سيد" ثم كذبته فيه، ولم يكن تكذيبك أن يكون زيدٌ ابنَ عمرو، ولكن أن يكون زيد سيدا، فلو كان التقدير ما ذكره، لكان الإنكار راجعا إلى أنه معبودهم، وفيه تقرير أن عزيرا ابن الله, تعالى الله عن ذلك، فالقول في الآية بمعنى الذكر4؛ لأن الغرض الدلالة على أن اليهود قد بلغوا في الرسوخ في الجهل والشرك إلى أنهم كانوا يذكرون عزيرا هذا الذكر، كما تقول في قوم تريد أن تصفهم بالغلو في أمر صاحبهم وتعظيمه: "إني أراهم قد اعتقدوا أمرا عظيما؛ فهم يقولون أبدا: زيد الأمير" تريد أنه كذلك يكون
__________
1 الحذف فيه لمجرد الاختصار.
2 وهذا من باب التنظير في اشتباه الحال في أمر الحذف وعدمه؛ لأن ما هنا ليس من حذف المفعول به.
3 أي: كما هو الأصل في القول؛ لأن الأصل فيه أن يكون لحكاية الجملة.
4 أي: على قراءة "ابن" بغير تنوين، وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير محذوف في ذلك ليكون جملة.
(1/205)

ذكرهم له إذا ذكروه.
واعلم أن لحذف التنوين من "عزير" في الآية وجهين1:
أحدهما: أن يكون لمنعه من الصرف لعُجمته وتعريفه كعازَرَ2.
والثاني: أن يكون لالتقاء الساكنين؛ كقراءة من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 1، 2] بحذف التنوين من {أَحَدٌ} ، وكما حكي عن عمارة بن عقيل أنه قرأ: {وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} [يس: 40] بحذف التنوين من "سابق" ونصب "النهار" فقيل له: وما تريد؟ فقال: "سابقٌ النهارَ". فالمعنى على هذين الوجهين كالمعنى على إثبات التنوين، فعزير مبتدأ "وابن الله خبره"، و"قال" على أصله3, والله أعلم.
__________
1 أي: غير الوجه السابق، وهو أن حذف تنوينه لكون الابن صفة واقعة بين عَلَمين، فيحذف تنوين العلم قبله، فتكون الوجوه في ذلك ثلاثة.
2 من يصرف "عزيرا" مع عجمته وتعريفه يرى أن خفته عارضت ذلك فصرفته.
3 من الدخول على الجملة، ولا حاجة إلى تأويله بمعنى الذكر، كما أُوِّل به في الوجه السابق الذي جُعل فيه الابن صفة لا خبرا.
هذا، وقد يكون حذف المفعول لأغراض أخرى: منها إخفاؤه خوفا عليه، ومنها تعينه حقيقة أو ادعاء، ومنها صونه عن اللسان، أو صون اللسان عنه. وقد قيل في قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 3] : إنه يجوز أن يكون حذف مفعول "قلى" لصونه -صلى الله عليه وسلم- عن التصريح بتعلقه به وإن كان على جهة النفي، وهذا بخلاف "ودعك" لأنه يدل على الترك فقط، ولا يدل على البغض كما يدل عليه "قلى"، وقد تقول: "نحمد ونشكر" أي: الله، فتحذفه لتعينه، وتقول: "لعن الله وأخزى" أي: الشيطان، فتحذفه لصون لسانك عنه.
(1/206)

تمرينات على الذكر والحذف:
تمرين1:
1- لماذا حُذف المفعول في قوله تعالى: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} [الكهف: 2] ؟
2- من أي ضربَيْ حذف المفعول قول الشاعر:
بَرِّدْ حشاي إن استطعت بلفظة ... فلقد تضر إذا تشاء وتنفع؟
تمرين2:
1- لماذا ذُكر الحال في قوله تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} [النمل: 19] ؟
2- من أي ضربي حذف المفعول حذفه أولا, وثانيا في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] ؟
تمرين3:
1- لماذا ذكر المفعول المطلق في قوله تعالى: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} [الفرقان: 21] ؟
2- لماذا حذف وصف المضاف إلى المفعول في قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79] ؟
3- لماذا حذف المفعول في قول الشاعر:
إذا بعدت أبلت وإن قرُبت شَفَت ... فهجرانها يُبلي ولُقيانها يَشفي؟
تمرين4:
1- من أي ضربي حذف المفعول حذفه في قول الشاعر:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع؟
2- لماذا حذف المفعول في قول الشاعر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يُفقر والإقدام قتال؟
(1/207)

أغراض تقديم المتعلقات:
أغراض تقديم المتعلقات على الفعل: وأما تقديم مفعوله ونحوه1 عليه؛ فلرد الخطأ في التعيين2, كقولك: "زيدًا عرفتُ" لمن اعتقد أنك عرفتَ إنسانا وأنه غير زيد، وأصاب في الأول دون الثاني، وتقول لتأكيده وتقريره: "زيدا عرفت لا غيره"؛ ولذلك لا يصح أن يقال: "ما زيدا ضربت ولا أحدا من الناس"؛ لتناقض دلالتي الأول والثاني3، ولا أن تُعقب الفعل المنفي بإثبات ضده، كقولك: "ما زيدا ضربت ولكن أكرمته"؛ لأن مبنى الكلام ليس على أن الخطأ في الضرب فتردّه إلى الصواب في الإكرام، وإنما هو على أن الخطأ في المضروب حين اعتُقد أنه زيد، فرده إلى الصواب أن تقول: ولكن عمرا4.
وأما نحو قولك: "زيدا عرفته"5 فإن قُدر المفسَّر المحذوف قبل المنصوب؛ أي: عرفت زيدا عرفته، فهو من باب التوكيد؛ أعني تكرير اللفظ، وإن قدر بعده، أي: "زيدا عرفت عرفته" أفاد التخصيص. وأما6 نحو قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ}
__________
1 أي: نحوه من كل متعلقات الفعل التي يجوز تقديمها عليه، وذلك كالظرف، والجار والمجرور، والحال، ونحوها.
2 أو في اعتقاد الشركة، وذلك كقولك: "زيدا عرفتُ وحده" كما سبق في تقديم المسند إليه.
3 يريد بالأول "ما زيدا ضربت"، وبالثاني "ولا أحدا من الناس"؛ لأن الثاني يناقض ما يفيده الأول من ضرب غير زيد من الناس، وإنما لا يصح أن يقال إذا كان التقديم للتخصيص لا لمجرد الاهتمام.
4 هذا أيضا على أن التقديم للتخصيص, لا لمجرد الاهتمام.
5 نحوه كل ما يكون التقديم فيه من باب الاشتغال، وقد ذهب الزمخشري إلى أن التقديم فيه للتخصيص مطلقا، وإني أرى أنه لا يفيد إلا التوكيد؛ لأنه يفيد التخصيص من غير الاشتغال، فالعدول إليه لا يكون إلا لغرض غير التخصيص، ولأنه يجب تقدير الفعل قبل الاسم الظاهر ليوافق مفسِّره في تقدمه على الضمير.
6 يريد بهذا تقييد ما ذكره من حكم التقديم في الاشتغال.
(1/208)

[فصلت: 17] فيمن قرأ بالنصب1 فلا يفيد إلا التخصيص؛ لامتناع تقدير: أما فهدينا ثمود2.
وكذلك إذا قلت: "بزيد مررت" أفاد أن سامعك كان يعتقد مرورك بغير زيد، فأزلت عنه الخطأ مخصصا مرورك بزيد دون غيره3.
والتخصيص في غالب الأمر لازم للتقديم؛ ولذلك يقال في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] : معناه نخصك بالعبادة، لا نعبد غيرك، ونخصك بالاستعانة, لا نستعين غيرك, وفي قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172] : معناه إن كنتم تخصونه بالعبادة, وفي قوله تعالى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] : أخرت صلة الشهادة في الأول وقدمت في الثاني؛ لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الثاني اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم, وفي قوله تعالى: {لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} [آل عمران: 158] : معناه إليه لا إلى غيره, {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا} [النساء: 79] : معناه لجميع الناس من العرب والعجم؛ على أن التعريف للاستغراق، لا لبعضهم المعين على أنه للعهد؛ أي: للعرب، ولا لمسمى الناس على أنه للجنس؛ لئلا يلزم من الأول4
__________
1 يعني: نصب "ثمود".
2 لوجوب الفصل بين "أما" والفاء، وإنما التقدير: أما ثمود فهدينا هديناهم، وقد يقال: إن هذا إنما يقتضي امتناع ذكره لامتناع تقديره؛ لأن كثيرا مما يقدر يمتنع ذكره ولا يمنع تقديره؛ كالضمير المستتر وجوبا ونحوه. والحق أن التقدير في ذلك لإصلاح اللفظ لا للتخصيص؛ لأن غير ثمود مثلها في ذلك الحكم.
3 مثل تقديم الجار والمجرور في ذلك تقديم غيره، كقولك: يوم الجمعة سرت، وتأديبا ضربت، وماشيا حججت. ومن تقديم الجار والمجرور للتخصيص قوله تعالى: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة: 30] .
4 كونه للعهد.
(1/209)

اختصاصه بالعرب دون العجم؛ لانحصار الناس في الصنفين، ومن الثاني1 اختصاصه بالإنس دون الجن؛ لانحصار من يُتصوّر الإرسال إليهم من أهل الأرض فيهما. وعلى تقدير الاستغراق لا يلزم شيء من ذلك؛ لأن التقديم لما كان مفيدا لثبوت الحكم للمقدَّم ونفيه عما يقابله؛ كان تقديم "للناس" على "رسولا" مفيدا لنفي كونه رسولا لبعضهم خاصة2؛ لأنه هو المقابل لجميع الناس، لا لبعضهم مطلقا ولا لغير جنس الناس3.
وكذلك يُذْهَب في معنى قوله تعالى: {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4] إلى أنه تعريض بأن الآخرة التي عليها أهل الكتاب فيما يقولون: "إنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وإنه لا تمسهم النار فيها إلا أياما معدودات، وإن أهل الجنة لا يتلذذون في الجنة إلا بالنسيم والأرواح العَبِقة والسماع اللذيذ"4 ليست الآخرة5 وإيقانهم بمثلها ليس من الإيقان بالتي هي الآخرة عند الله في شيء، أي: بالآخرة يوقنون لا بغيرها كأهل الكتاب.
ويفيد التقديم في جميع ذلك -وراء التخصيص- اهتماما بشأن المقدم؛ ولهذا قدر المحذوف في قوله: {بِسْمِ اللَّهِ} مؤخرا، وأورد قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] فإن الفعل فيه مقدم، وأجيب بأن تقديم الفعل هناك6 أهم؛ لأنها أول سورة نزلت. وأجاب السكاكي7 بأن {بِاسْمِ رَبِّكَ} متعلق بـ "اقرأ" الثاني8، ومعنى الأول: افعل القراءة وأوجِدها، على نحو ما تقدم في قولهم: "فلان يعطي ويمنع"، يعني: إذا لم يُحمَل على العموم9, وهو بعيد10.
__________
1 كونه للجنس.
2 يعني قومه من العرب؛ لأنهم هم الذين يتوهم أنه أُرسل إليهم دون غيرهم.
3 لأن كلا منهما لا يقابل جميع الناس، وإنما يقابل الأول تعريف العهد، ويقابل الثاني تعريف الجنس. هذا, ويجوز أن يكون "للناس" متعلقا بقوله: {وَأَرْسَلْنَاكَ} فلا يكون فيه تقديم، ولا تتعين اللام فيه للاستغراق وإن كان هو الظاهر.
4 لأنهم ينكرون أن تكون فيها لذائذ جسمانية.
5 جملة "ليس" واسمها وخبرها خبر "أن" في قوله: "بأن الآخرة ... إلخ".
6 أي: في قوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} .
7 المفتاح ص127.
8 في قوله بعده: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} .
9 أي: العموم في المفعول؛ فإن السكاكي يجعله محتملا للعموم في المفعول، وللعموم في أفراد الفعل، وعلى هذا يكون "اقرأ" الأول منزلا منزلة اللازم.
10 لأنه خلاف ظاهر نظم الآيتين؛ لبعد ما بين "اقرأ" الثاني والجار والمجرور الذي يراد تعليقه به.
هذا، وقد يأتي التقديم لأغراض أخرى: منها مجرد الاهتمام، وقصد التبرك، والالتذاذ، وموافقة كلام السامع، ونحو ذلك، كقولك: "العلم طلبت، ومحمدا اتبعت, وليلى أحببت" ومن ذلك قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 84] .
(1/210)

أغراض تقديم بعض المعمولات على بعض:
وأما تقديم بعض معمولاته على بعض فهو:
إما لأن أصله التقديم ولا مقتضي للعدول عنه1؛ كتقديم الفاعل على المفعول2 نحو: "ضرب زيد عمرا"، وتقديم المفعول الأول على الثاني، نحو: "أعطيت زيدا درهما".
وإما لأن ذكره أهم، والعناية به أتم3.
__________
1 قد سبق أن مثل هذا لا يصح أن يعد في وجوه البلاغة؛ لأن الكلام معه لا يفيد معنى ثانويا يعتد به.
2 تقديم الفاعل على المفعول لا يدخل في تقديم المعمولات؛ فذكره هنا استطراد، ولبيان اختلاف الغرض عند تقديم كل منهما على الآخر.
3 لا بد أن يكون هذا لغرض من الأغراض كما سيأتي في الأمثلة؛ لأن لا يكفي -كما ذكر عبد القاهر- أن يقال: قُدّم للعناية من غير معرفة وجهها.
(1/211)

فيقدم المفعول على الفاعل إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل على من وقع عليه، لا وقوعه ممن وقع منه؛ كما إذا خرج رجل على السلطان وعاث في البلاد وكثر منه الأذى، فقُتل، وأردت أن تخبر بقتله، فتقول: "قَتَلَ الخارجيَّ فلانٌ" بتقديم "الخارجي"؛ إذ ليس للناس فائدة في أن يعرفوا قاتله، وإنما الذي يريدون علمه هو وقوع القتل به ليخلُصوا من شره.
ويقدم الفاعل على المفعول: إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل ممن وقع منه، لا وقوعه على من وقع عليه، كما إذا كان رجل ليس له بأس ولا يُقدّر فيه أن يَقتل، فقتل رجلا، وأردت أن تخبر بذلك، فتقول "قتل فلان رجلا" بتقديم القاتل؛ لأن الذي يعني الناس من شأن هذا القتل ندوره وبعده من الظن، ومعلوم أنه لم يكن نادرا ولا بعيدا من حيث كان واقعا على من وقع عليه، بل من حيث كان واقعا ممن وقع منه.
وعليه قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151] ، وقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} [الإسراء: 31] ، قدم المخاطبين1 في الأولى دون الثانية؛ لأن الخطاب في الأولى للفقراء، بدليل قوله تعالى: {مِنْ إِمْلَاقٍ} ، فكان رزقهم أهم عندهم من رزق أولادهم، فقدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم، والخطاب في الثانية للأغنياء بدليل قوله: {خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} ؛ فإن الخشية إنما تكون مما لم يقع؛ فكان رزق أولادهم هو المطلوب دون رزقهم؛ لأن حاصل، فكان2 أهم؛ فقدم الوعد برزق أولادهم على الوعد برزقهم.
وإما لأن في التأخير إخلالا ببيان المعنى؛ كقوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ
__________
1 يعني غيرهم في قوله: {نَرْزُقُكُمْ} في الأولى، وقوله: {وَإِيَّاكُمْ} في الثانية.
2 أي: رزق أولادهم.
(1/212)

فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر: 28] فإنه لو أخّر {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} عن {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} لتُوهم أن {مِنْ} متعلقة بـ {يَكْتُمُ} ، فلم يفهم أن الرجل من آل فرعون1.
أو التناسب, كرعاية الفاصلة، نحو: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} 2.
وإما لاعتبار آخر مناسب3.
وقسم السكاكي4 التقديم للعناية -مطلقا5- قسمين:
أحدهما: أن يكون أصل ما قدم في الكلام هو التقديم ولا مقتضى للعدول عنه؛ كالمبتدأ المعرَّف6؛ فإن أصله التقديم على الخبر؛ نحو: "زيد عارف" وكذي الحال المعرف، فإن أصله التقديم على الحال، نحو: "جاء زيد راكبا"، وكالعامل؛ فإن أصله التقديم على معموله، نحو: "عرف زيد عمرا، وكان زيد عارفا، وإن زيدا عارف"، وكالفاعل؛ فإن أصله التقديم على المفعولات وما يُشبهها من الحال والتمييز، نحو: "ضرب زيد الجاني بالسوط يوم الجمعة أمام بكر ضربا شديدا تأديبا له، ممتلئا من الغضب"، و"امتلأ الإناء ماء"، وكالذي يكون في حكم المبتدأ من مفعولي باب
__________
1 فالتقديم في ذلك لدفع اللبس؛ لأن الأصل عند اختلاف النعوت تقديم النعت المفرد ثم الظرف ثم الجملة.
2 [سورة طه: الآية 67] ، وقد سبق أن مثل هذا إنما يفوت به محسن بديعي، فتكون منزلته في البلاغة بقدر الغرض منه، ويمكن أن يكون تقديم {فِي نَفْسِهِ} على {خِيفَةً} ؛ لأنه لو أخر عنه لتوهم تعلقه به لا بقوله: {فَأَوْجَسَ} وهو المقصود.
3 كإفادة التخصيص في نحو: "جاء راكبا زيد"، كما ذهب إليه ابن الأثير، وهو خلاف مذهب الجمهور.
4 المفتاح ص127.
5 أي: في المعمولات وغيرها.
6 أما المنكر فإنه يتقدم عليه الخبر؛ لتسويغ الابتداء به، وكذلك صاحب الحال المنكر.
(1/213)

"علمت"1 نحو: "علمت زيدا منطلقا"، أو في حكم الفاعل من مفعولي باب "أعطيت" و"كسوت"2؛ نحو: "أعطيت زيدا درهما وكسوت عمرا جبة"3، وكالمفعول المتعدَّى إليه بغير واسطة فإن أصله التقديم على المتعدَّى إليه بواسطة؛ نحو: "ضربت الجاني بالسوط". وكالتوابع, فإن أصلها أن تذكر بعد المتبوعات4.
ثانيهما: أن تكون العناية بتقديمه والاعتناء بشأنه لكونه في نفسه نُصْبَ عينك، والتفات خاطرك إليه في التزايد، كما تجدك قد مُنيتَ بهجْر حبيبك وقيل لك: ما تتمنى؟ تقول: "وجه الحبيب أتمنى" وعليه قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} [الأنعام: 100] أي: على القول5 بأن {لِلَّهِ شُرَكَاءَ} مفعولا {وَجَعَلُوا} .
أو لعارض يورثه ذلك6: كما إذا توهمت أن مخاطَبك ملتفت الخاطر إليه، ينتظر أن تذكر، فيبرز في معرض أمر يتجدد في شأنه التقاضي ساعة فساعة، فمتى تجد له مجالا للذكر صالحا أوردته، نحو قوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} [يس: 20] قُدم فيه المجرور لاشتمال ما قبله على سوء معاملة أهل القرية الرسل من إصرارهم على تكذيبهم، فكان مظنة أن يلعن السامع -على مجرى العادة- تلك القرية، ويبقى مُجيلا في فكره: أكانت كلها كذلك أم كان فيها قطر
__________
1 بابه كل مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر.
2 بابه كل مفعولين أولهما فاعل في المعنى.
3 فكل من زيد وعمرو في حكم الفاعل؛ لأن زيدا هو الآخذ والدرهم مأخوذ، وعمرا هو اللابس والجبة ملبوسة.
4 فلا تتقدم عليها، ولا يتقدم عليها غيرها بعدها؛ كالحال في نحو: "جاء زيد الطويل راكبا".
5 هناك قول في هذه الآية: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} بأن "شركاء الجن" هما المفعولان، والجار والمجرور متعلق بشركاء. ولا يخفى أن الاستشهاد جارٍ عليه أيضا؛ لأن الشاهد في تقديم "الله" لكونه في نفسه مما يُلتفَت إليه.
6 معطوف على قوله: "لكونه في نفسه" والمقابلة ظاهرة.
(1/214)

-دانٍ أم قاصٍ- منبت خير؟ منتظرا لإلمام الحديث به، بخلاف ما في سورة القصص1.
أو كما إذا وُعدت2 ما تستبعد وقوعه من جهتين؛ إحداهما أدخل في تبعيده من الأخرى؛ فإنك -حال التفات خاطرك إلى وقوعه باعتبارهما- تجد تفاوتا في إنكارك إياه قوة وضعفا بالنسبة، ولامتناع إنكاره بدون القصد إليه يستتبع تفاوته ذلك تفاوتا في القصد إليه والاعتناء بذكره، فالبلاغة توجب أنك -إذا أنكرت- تقول في الأول3: شيء حاله في البعد عن الوقوع هذه أنى يكون؟ لقد وُعدت هذا أنا وأبي وجدي, فتقدم المنكر على المرفوع4. وفي الثاني: لقد وُعدت أنا وأبي وجدي هذا, فتؤخر. وعليه قوله تعالى في سورة النمل: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا} [النمل: 68] , وقوله تعالى في سورة "المؤمنون": {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا} [المؤمنون: 83] فإن ما قبل الأولى: {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} وما قبل الثانية: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} , فالجهة المنظور فيها هناك كونهم أنفسهم وآباؤهم ترابا، والجهة المنظور فيها هنا كونهم ترابا وعظاما، ولا
__________
1 هو قوله تعالى في قصة موسى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} [القصص: 20] . وقد جاء الكلام فيها على أصله من تأخير الجار والمجرور؛ لأنه ليس فيها من ذلك ما يقتضي تقديمهما في الآية الأولى لتبكيت أولئك القوم بكون البعيد عمّا شاهدوا ينصح لهم ما لم ينصحوه لأنفسهم.
2 معطوف على قوله: كما إذا توهمت.
3 أي: في الحال الأول، وهو ما كانت جهته أدخل في تبعيد ذلك، فتجعل العناية بذكره أهم، والثاني هو ما كانت جهته أضعف في تبعيد ذلك، فلا تكون هناك عناية بذكره قبل غيره.
4 المنكر هو اسم الإشارة "هذا" لأنه هو المستبعد، والمرفوع هو مؤكِّد نائب الفاعل "أنا" وما عُطف إليه.
(1/215)

شبهة أن الأول أدخل عندهم في تبعيد البعث1.
أو كما إذا عرفت في التأخير مانعا2 كما في قوله تعالى في سورة "المؤمنون": {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ} [المؤمنون: 33] بتقديم المجرور على الوصف3؛ لأنه لو أُخِّر عنه -وأنت تعلم أن تمام الوصف بتمام ما يدخل في صلة الموصول، وتمامه: {وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} - لاحتمل أن يكون من صلة الدنيا، واشتبه الأمر في القائلين: إنهم من قومه أم لا, بخلاف قوله تعالى في موضع آخر منها: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} [المؤمنون: 24] فإنه جاء على الأصل4؛ لعدم المانع، وكان في قوله تعالى في سورة طه: {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} [طه: 70] للمحافظة على الفاصلة، بخلاف قوله تعالى في سورة الشعراء: {رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الشعراء: 48] .
وفيما ذكره نظر من وجوه:
أحدها: أنه جعل تقديم {لِلَّهِ} على {شُرَكَاءَ} للعناية والاهتمام، وليس كذلك؛ فإن الآية مسوقة للإنكار التوبيخي، فيمتنع أن يكون تعلق {وَجَعَلُوا} بـ {لِلَّهِ} منكرا من غير اعتبار تعلقه بـ {شُرَكَاءَ} ، إذ لا ينكر أن يكون جعل "ما" متعلقا به, فيتعين أن يكون إنكار تعلقه به باعتبار تعلقه بـ {شُرَكَاءَ} , وتعلقه بـ {شُرَكَاءَ} كذلك
__________
1 لأنهم صاروا فيها إلى تراب، ولم يبق لهم فيها عظام، وقد قيل في سر التقديم والتأخير في الآيتين: إن قوله: {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا} جاء على أسلوب ما قبله: {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} ، فقدم المفعول الثاني لـ "وُعد"، كما قدم خبر "كان" على المعطوف على اسمها، ولا شك أن الخبر كمفعول لها.
2 معطوف على قوله: "كما إذا وُعدتَ".
3 المجرور "قومه"، والوصف "الذين".
4 من تقديم الصفة على الحال، وهو الجار والمجرور؛ لأنه متأخر الرتبة على التابع.
(1/216)

منكرا باعتبار تعلقه بـ "الله"، فلم يبق فرق بين التلاوة وعكسها1.
وقد عُلم بهذا أن كل فعل متعد إلى مفعولين لم يكن الاعتناء بذكر أحدهما إلا باعتبار تعلقه بالآخر؛ إذا قدم أحدهما على الآخر لم يصح تعليل تقديمه بالعناية.
وثانيها: أنه جعل التقديم للاحتراز عن الإخلال ببيان المعنى، والتقديم للرعاية على الفاصلة من القسم الثاني، وليسا منه2.
وثالثها: أن تعلق "من قومه" بـ "الدنيا" على تقدير تأخره غير معقول المعنى إلا على وجه بعيد3.
__________
1 يعني من هذه الجهة، فلا ينافي هذا ما سبق له في الكلام على حذف المسند، وهو أن تقديم "لله" على "شركاء" لإفادة استعظام أن يتخذ له شريك ملكا كان أو جنا أو غيرهما. ويمكن الجواب عن السكاكي بأنه جعل تقديم "الله" لكونه نصب العين، وهذا يوجب تقديمه عنده، وإن كان ما سيقت له الآية من الإنكار التوبيخي يحصل عند تأخيره.
2 لأن المراد به تقديم ما حقه التأخير، والجار والمجرور في قوله: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ... } [المؤمنون: 33] حال من الملأ، واسم الموصول صفة لقومه لا للملأ كما ذهب إليه السكاكي. فلا يكون الحال حقه في التأخير عنها؛ لأنها ليست صفة لصاحبه، وكذلك تقديم هارون على موسى في قوله: {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} [طه: 70] لأن المتعاطفين بالواو ليس من حق أحدهما التأخر عن الآخر. وقد أجيب عن السكاكي بأن تقسيمه التقديم للعناية مبني على أن العناية في القسم الأول ترجع إلى مجرد أن التقديم فيه هو الأصل، وفي القسم الثاني ترجع إلى الأمور التي ذكرها، وليس مبنيا على أن التقديم في القسم الأول تقديم ما أصله التقديم، وفي القسم الثاني تقديم ما حقه التأخير حتى يصح الاعتراض عليه بذلك.
3 أجيب عن هذا بأن احتمال ذلك فيه، ولو كان بعيدا، يكفي في إثبات ما ذكره السكاكي في نكتة تقديمه، ولكن الأوجه من هذا أن يجعل المانع من تأخيره طول الصفة بالصلة وما عطف عليها، فلو أخر عنها لطال الفصل بين ضمير "قومه" ومرجحه.
(1/217)

تمرينات على التقديم والتأخير:
تمرين1:
1- لماذا قدم الظرف على الفعل في قول الشاعر:
أبعد المشيب المنقضي في الذوائب ... تحاول وصل الغانيات الكواعب؟
2- هل تقديم الجار المجرور للتخصيص, أو لمجرد الاهتمام في قول الشاعر:
على الأخلاق خطوا الملك وابنوا ... فليس وراءها للعز ركن؟
تمرين2:
1- لماذا قدم المفعول الثاني على نائب الفاعل في قول الشاعر:
أفي الحق أن يعطى ثلاثون شاعرا ... ويحرم ما دون الرضا شاعر مثلي؟!
2- لماذا قدم الجار والمجرور على متعلقه, وعلى الفاعل في قوله تعالى: {قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} [طه: 91] ؟
تمرين3:
1- ما الغرض من تقديم المفعول على الفعل في قول الشاعر:
صهوة الجو اعتلوا تحسبهم ... جمع أفلاك على الخيل تسامى؟
2- ما الغرض من تقديم الجار والمجرور على الفعل في قول الشاعر:
إذا شئت يوما أن تسود عشيرة ... فبالحلم سُدْ لا بالتسرع والشتم؟
تمرين4:
1- لماذا قدم المفعول على الفعل في قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 3، 4] ؟
2- هل تقديم الجار والمجرور للاهتمام أو للتخصيص في قول الشاعر:
بك اقتدت الأيام في حسناتها ... وشيمتها لولاك هم وتكريب؟
(1/218)

3- ما الغرض من تقديم بعض المعمولات على بعض في قول الشاعر:
ألقت مقاليدها الدنيا إلى رجل ... ما زالت وقفا عليه الجود والكرم
إلى هنا تم بحمد الله الجزء الأول كما قسمه المؤلف رحمه الله
"ويليه الجزء الثاني وأوله: القصر في علم المعاني"
"وقد أرجأنا فهرس المحتويات إلى آخر الجزء الثاني حيث ينتهي علم المعاني"
(1/219)