Advertisement

بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة 004


المجلد الرابع
الفن الثالث: علم البديع
مدخل
تعريف علم البديع: وهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام1، بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ووضوح الدلالة2.
تقسيم المحسنات إلى معنوية ولفظية:
وهذه الوجوه ضربان: ضرب يرجع إلى المعنى3، وضرب يرجع إلى اللفظ4.
(4/571)

أقسام المحسن المعنوي:
المطابقة أو الطباق:
أما المعنوي فمنه المطابقة1، وتسمى الطباق والتضاد أيضا؛ وهي: الجمع بين
(4/572)

المتضادين؛ أي: معنيين متقابلين في الجملة1، ويكون ذلك إما بلفظين من نوع واحد اسمين، كقوله تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} [الكهف: 18] ، أو فعلين؛ كقوله تعالى: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26] ، وقول النبي عليه السلام للأنصار: "إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع"، وقول أبي صخر الهذلي:
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر2
وقول بشار:
إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمرا ثم نم3
أو حرفين؛ كقوله تعالى {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} 4 [البقرة: 286] .
وقول الشاعر:
على أنني راضٍ بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علي ولا ليا5
(4/573)

وإما بلفظين من نوعين؛ كقوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122] أي: ضالا فهديناه، وقول طفيل:
بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول1
ومن لطيف الطباق قول ابن رشيق:
وقد أطفئوا شمس النهار وأوقدوا ... نجوم العوالي في سماء عَجَاج2
وكذا قول القاضي الأرَّجانيّ:
ولقد نزلت من الملوك بماجد ... فقر الرجال إليه مفتاح الغِنَى3
وكذا قول الفرزدق:
لعن الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يَفُون لجار
يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار4
وفي البيت الأول تكميل حسن5؛ إذ لو اقتصر على قوله: "لا يغدرون" لاحتمل الكلام ضربا من المدح؛ إذ تجنب الغدر قد يكون عن عفة؛ فقال: "ولا يفون" ليفيد أنه للعجز، كما أن ترك الوفاء للؤم، وحصل مع ذلك إيغال حسن6؛ لأنه لو اقتصر على قوله: "لا يغدرون ولا يفون" تم المعنى الذي قصده، ولكنه لما احتاج إلى القافية أفاد بها معنى زائدا، حيث قال: "لجار"؛ لأن ترك الوفاء للجار أشد قبحا من ترك الوفاء لغيره.
(4/574)

الطباق الظاهر والخفي:
والطباق قد يكون ظاهرا كما ذكرنا، وقد يكون خفيا نوع خفاء؛ كقوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} [نوح: 25] ؛ طابق بين "أغرقوا" و"أدخلوا نارا".
وقول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قَنَا الخَطّ إلا أن تلك ذوابل1
طابق بين "هاتا" و"تلك"2.
طباق الإيجاب وطباق السلب:
والطباق ينقسم إلى طباق الإيجاب كما تقدم، وإلى طباق السلب؛ وهو الجمع بين فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي، أو أمر ونهي؛ كقوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم: 6، 7] ، وقوله: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 44] . وقول الشاعر:
(4/575)

ونُنكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول1
وقول البحتري:
يقيض لي من حيث لا أعلم النوى ... ويسري إلي الشوق من حيث أعلم2
وقول أبي الطيب:
ولقد عرفت وما عرفت حقيقة ... ولقد جهلت وما جهلت خمولا3
وقول الآخر:
خلقوا وما خلقوا لمكْرُمَة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوا
رزقوا وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقوا4
قيل: ومنه5 قوله تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] ؛ أي: لا يعصون الله في الحال، ويفعلون ما يؤمرون في المستقبل.
وفيه نظر؛ لأن العصيان يضادّ فعل المأمور به، فكيف يكون الجمع بين نفيه وفعل المأمور به تضادا6؟!
(4/576)

الطباق المسمى تدبيجا:
ومن الطباق1 قول أبي تمام:
تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر2
وقول ابن حيّوس:
طالما قلت للمسائل عنكم ... واعتمادي هداية الضلال
إن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقَهم يوم نائل أو نِزَال
تلق بيض الوجوه سود مثار النـ ... ـقع خضر الأكناف حمر النصال3
وقول الحريري: "فمذ ازوَرّ المحبوب الأصفر4، واغبَرَّ العيش
(4/577)

الأخضر1، اسودّ يومي الأبيض، وابيض فَوْدي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق2؛ فيا حبذا الموت الأحمر"3.
ومن الناس من سمى نحو ما ذكرناه تدبيجا، وفسره بأن يذكر في معنى من المدح أو غيره ألوان بقصد الكناية أو التورية4؛ أما تدبيج الكناية فكبيت أبي تمام وبيتي ابن حيوس، وأما تدبيج التورية فكلفظ "الأصفر" في قول الحريري5.
(4/578)

ما يلحق بالطباق:
ويلحق بالطباق شيئان: أحدهما1 نحو قوله تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] ؛ فإن الرحمة مسبَّبة عن اللين2 الذي هو ضد الشدة، وعليه قوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [القصص: 73] , فإن ابتغاء الفضل يستلزم الحركة المضادة للسكون، والعدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل؛ لأن الحركة ضربان: حركة لمصلحة، وحركة لمفسدة، والمراد الأولى لا الثانية.
ومن فاسد هذا الضرب قول أبي الطيب:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو مساءة مجرم؟ 3
فإن ضد المحب هو المبغض، والمجرم قد لا يكون مبغضا، وله وجه بعيد4.
والثاني ما يسمى إيهام التضاد5 كقول دِعْبل:
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى6
وقول أبي تمام:
ما إن ترى الأحساب بيضا وُضّحا ... إلا بحيث ترى المنايا سودا7
وقوله أيضا في الشيب:
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع8
وقوله:
وتنظري خَبَب الرِّكَاب ينُصّها ... محيي القَرِيض إلى مميت المال9
(4/579)

المقابلة ومعناها:
ودخل في المطابقة ما يُخَص باسم المقابلة؛ وهو أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو معانٍ متوافقة، ثم بما يقابلهما أو يقابلها على الترتيب، والمراد بالتوافق خلاف التقابل1. وقد تتركب المقابلة من طباق وملحق به.
مثال مقابلة اثنين باثنين قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} [التوبة: 82] وقول النبي عليه السلام: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزَع من شيء إلا شانه". وقول الذبياني:
فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا2
(4/580)

وقول الآخر:
فواعجبا كيف اتفقنا؛ فناصح ... وفيّ، ومطويّ على الغِل غادر1
فإن الغل ضد النصح، والغدر ضد الوفاء.
ومثال مقابلة ثلاثة بثلاثة, قول أبي دلامة:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل!! 2
وقول أبي الطيب:
فلا الجود يفني المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجد مدبر3
ومثال مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5-10] ؛ فإن المراد بـ "استغنى" أنه زهد فيما عند الله كأنه مستغنٍ عنه؛ فلم يتق، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة؛ فلم يتق4.
قيل: وفي قول أبي الطيب:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي5
(4/581)

مقابلة خمسة بخمسة؛ على أن المقابلة الخامسة بين "لي" و"بي".
وفيه نظر؛ لأن اللام والباء فيهما صلتا الفعلين، فهما من تمامهما. وقد رجح بيت أبي الطيب على بيت أبي دلامة بكثرة المقابلة، مع سهولة النظم، وبأن قافية هذا ممكنة، وقافية ذاك مستدعاة؛ فإن ما ذكره غير مختص بالرجال1، وبيت أبي دلامة على بيت أبي الطيب بجودة المقابلة؛ فإن ضد الليل المحض هو النهار لا الصبح.
ومن لطيف المقابلة ما حكي عن محمد بن عمران الطلحي إذ قال له المنصور: بلغني أنك بخيل. فقال: "يا أمير المؤمنين، ما أجمد في حق، ولا أذوب في باطل".
وقال السكاكي2: المقابلة أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضديهما، ثم إذا شرطت هنا شرطا شرطت هناك ضده3؛ كقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} الآيتين [الليل: 5، 6] ، لما جعل التيسير مشتركا بين الإعطاء والإبقاء والتصديق، جعل ضده وهو التعسير مشتركا بين أضداد تلك؛ وهي المنع والاستغناء والتكذيب.
(4/582)

مراعاة النظير أو التناسب:
ومنه مراعاة النظير؛ وتسمى التناسب والائتلاف والتوفيق أيضا، وهي أن يجمع في الكلام بين أمر وما يناسبه، لا بالتضاد1؛ كقوله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] ، وقول بعضهم للمهلبي الوزير: "أنت أيها الوزير إسماعيلي الوعد، شعيبي التوفيق، يوسفي العفو، محمدي الخُلُق"2. وقول أسيد بن عنقاء3 الفزاري:
كأن الثريا علقت في جبينه ... وفي خده الشعرى وفي وجهه البدر4
وقول الآخر في فرس:
من جُلّنَار ناضر خده ... وأذنه من ورق الآس5
وقول البحتري في صفة الإبل الأنضاء:
كالقسي المعطفات بل الأسـ ... ـهم مَبْرِية بل الأوتار6
وقول ابن رشيق:
(4/583)

أصح وأقوى ما سمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم1
فإنه ناسب فيه بين الصحة والقوة، والسماع والخبر المأثور، والأحاديث والرواية، ثم بين السيل والحيا، والبحر وكف تميم، مع ما في البيت الثاني من صحة الترتيب في العنعنة؛ إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر كما يقع في سند الأحاديث؛ فإن السيول أصلها المطر، والمطر أصله البحر على ما يقال2؛ ولهذا جعل كف الممدوح أصلا للبحر مبالغة.
ما يسمى من التناسب تشابه الأطراف: ومن مراعاة النظير ما يسميه بعضهم تشابه الأطراف, وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى؛ كقوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] ، فإن اللطف يناسب ما لا يُدرَك بالبصر3، والخبرة تناسب من يدرك شيئا؛ فإن من يدرك شيئا يكون خبيرا به، وقوله تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحج: 64] ، قال: {الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} لينبه على أن ما له ليس لحاجة، بل هو غني عنه جواد به، فإذا جاد به حمده المنعَم عليه.
ومن خفيّ هذا الضرب4 قوله تعالى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] ، فإن قوله: {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ} يوهم أن الفاصلة "الغفور الرحيم"، ولكن إذا أُنعم النظر عُلم أنه يجب أن تكون ما عليه التلاوة؛ لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه؛ فهو العزيز؛ لأن "العزيز" في صفات الله هو الغالب، من قولهم: "عزه يعزه عزا" إذا غلبه، ومنه المثل: "من عَزّ بَزّ" أي: من غلب سلب5، ووجب أن يوصف بالحكيم أيضا؛ لأن الحكيم من يضع الشيء في محله، والله تعالى كذلك، إلا أنه قد يخفى وجه الحكمة في بعض أفعاله؛ فيتوهم الضعفاء أنه خارج عن الحكمة؛ فكان في الوصف بـ "الحكيم" احتراس حسن6، أي: وإن تغفر لهم -مع استحقاقهم العذاب- فلا معترض عليك لأحد في ذلك، والحكمة فيما فعلته.
(4/584)

إيهام التناسب:
ومما يُلْحَق بالتناسب نحو قوله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 5، 6] ، ويسمى: إيهام التناسب1.
إرجاع التفويف إلى التناسب والمطابقة:
وأما ما يسميه بعض الناس التفويف, وهو أن يؤتى في الكلام بمعانٍ متلائمة في جمل مستوية المقادير أو متقاربتها؛ كقول من يصف سحابا:
تسربل وشيا من خُزُوز تطرّزت ... مطارفها طُرْزا من البرق كالتبر
فوشي بلا رقْم ونقش بلا يد ... ودمع بلا عين وضحك بلا ثغر2
(4/585)

وكقول عنترة:
إن يلحقوا أَكْرُر وإن يستلحقوا ... أشدد، وإن نزلوا بضنك أنزل1
وكقول ابن زيدون:
تِهْ أحتمل، واحتكم أصبر، وعز أَهُنْ ... ودِلّ أخضع، وقل أسمع، ومر أطع2
وكقول ديك الجن:
احْلُ وامرُرْ وضر وانفع ولِنْ واخـ ... ـشن ورِشْ وابْرِ وانتدب للمعالي3
فبعضه من مراعاة النظير4، وبعضه من المطابقة5.
(4/586)

الإرصاد أو التسهيم:
ومنه الإرصاد، ويسمى التسهيم أيضا1.
وهو أن يجعل قبل العَجُز من الفقرة أو البيت ما يدل على العَجُز إذا عُرف الرَّوِيّ2.
كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} 3 [العنكبوت: 40] وقوله: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 19] . وقول زهير:
سَئِمْتُ تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم4
وقول الآخر:
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع5
وقول البحتري:
أبكيكما دمعا ولو أني على ... قدر الجوى أبكي بكيتكما دما6
وقوله:
أحَلّت دمي من غير جُرْم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي
فليس الذي حللتِهِ بمُحَلَّل ... وليس الذي حرمتِهِ بحرام7
(4/587)

المشاكلة:
ومنه المشاكلة، وهي ذكر الشيء بلفظ غيره؛ لوقوعه في صحبته1؛ تحقيقا، أو تقديرا.
أما الأول فكقوله:
قالوا: اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا2
كأنه قال: خِيطوا لي. وعليه قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} 3 [المائدة: 116] , وقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} 4 [الشورى: 40] . ومنه قول أبي تمام:
من مُبْلِغ أفناء يعرب كلها ... أني بنيت الجار قبل المنزل5
(4/588)

وشهد رجل عند شريح فقال: "إنك لَسَبْط الشهادة"1 فقال الرجل: "إنها لم تجعَّد عني"2؛ فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة، ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار، ولولا سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها.
ومنه قول بعض العراقيين في قاضٍ شهد عنده برؤية هلال الفطر، فلم يقبل شهادته:
أترى القاضي أعمى ... أم تراه يتعامى
سرق العيد كأن الـ ... ـعيد أموال اليتامى3
وأما الثاني: فكقوله تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ} [البقرة: 138] وهو مصدر مؤكد4 منتصب عن قوله: {آمَنَّا بِاللَّهِ} ، والمعنى "تطهير الله"؛ لأن الإيمان يطهر النفوس، والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية, ويقولون: هو تطهير لهم. فأُمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنا بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مِثل صبغتنا، وطهّرنا به تطهيرا لا مثل تطيرنا. أو يقول المسلمون: صبغنا الله بالإيمان صبغته ولم يصبغ صبغتكم، وجيء بلفظ الصبغة5 للمشاكلة، وإن لم يكن قد تقدم لفظ الصبغ؛ لأن قرينة الحال التي هي سبب النزول من غمس النصارى أولادهم في الماء الأصفر دلت على ذلك؛ كما تقول لمن يغرس الأشجار: "اغرس كما يغرس فلان" تريد رجلا يصطنع الكرام6.
(4/589)

الاستطراد:
ومنه الاستطراد، وهو الانتقال من معنى إلى معنى آخر متصل به لم يُقصد بذكر الأول التوصل إلى ذكر الثاني1؛ كقول الحماسي:
وإنا لقوم ما نرى القتيل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول2
وقول الآخر:
إذا ما اتقى اللهَ الفتى وأطاعه ... فليس به بأس وإن كان من جَرْم3
وعليه قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26] . قال الزمخشري: هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر السوءات وخصف الورق عليها؛ إظهارا للمنة فيما خلق الله من اللباس، ولما في العُرْي وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعارا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى.
إيهام الاستطراد:
هذا أصله4، وقد يكون الثاني هو المقصود، فيُذكر الأول قبله ليُتوصل إليه، كقول أبي إسحاق الصابي:
إن كنت خنتُكَ في المودة ساعة ... فذممتُ سيف الدولة المحمودا
وزعمت أن له شريكا في العلا ... وجحدته في فضله التوحيدا
قَسَمًا لو أني حالف بغَموسها ... لغريم دين ما أراد مزيدا5
ولا بأس بأن يسمى هذا إيهام الاستطراد6.
(4/591)

المزاوجة: ومنه المزاوجة، وهي أن يُزَاوَج بين معنيين1 في الشرط والجزاء2, كقول البحتري:
إذا ما نهى الناهي فلَجَّ بي الهوى ... أصاختْ إلى الوشي فلج بها الهَجْر3
وقوله أيضا:
إذا حتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها4
(4/592)

العكس والتبديل:
ومنه العكس والتبديل؛ وهو أن يقدم في الكلام جزء ثم يؤخر1. ويقع على وجوه:
منها: أن يقع بين أحد طرفي جملة وما أُضيف إليه؛ كقول بعضهم: "عادات السادات سادات العادات".
ومنها: أن يقع بين متعلقي فعلين في جملتين؛ كقوله تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} [يونس: 31] , وكقول الحماسي:
فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا2
: أن يقع بين لفظين في طرفي جملتين؛ كقوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187] , وقوله: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 52] , وقوله: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 52] .
وقول الحسن البصري: "إن من خوّفك حتى تلقى الأمن خير ممن أمّنك حتى تلقى الخوف". وقول أبي الطيب:
فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده3
وقول الآخر:
(4/593)

الرجوع:
ومنه الرجوع، وهو العَوْد على الكلام السابق بالنقض لنكتة1؛كقول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القِدَم ... بلى وغيّرها الأرواح والدِّيَم2
قيل: لما وقف على الديار تسلطت عليه كآبة أذهلته، فأخبر بما لم يتحقق، فقال: "لم يعفها القدم"، ثم ثاب إليه عقله فتدارك كلامه فقال: "بلى وغيّرها الأرواح والديم". وعلى هذا بيت الحماسة:
أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليكِ! وكلا ليس منكِ قليل3
ونحوه:
فأف لهذا الدهر لا بل لأهله4
(4/594)

التورية أو الإيهام:
ومنه التورية، وتسمى الإيهام أيضا، وهو أن يطلق لفظ له معنيان1: قريب، وبعيد2، ويراد به البعيد منهما3.
وهي ضربان: مجردة، ومرشحة.
أما المجرد: فهي التي لا تجامع شيئا مما يلائم المورَّى به -أعني: المعنى القريب4- كقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 5 [طه: 5] .
وأما المرشحة: فهي التي قُرن بها ما يلائم المورَّى به: إما قبلها: كقوله تعالى:
(4/595)

{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات: 47] أي: بقوة1.
قيل: ومنه قول الحماسي:
فلما نأت عنا العشيرة كلها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر
فما أسلمتْنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضينا الجفون على وِتْر2
فإن الإغضاء مما يلائم جفن العين لا جفن السيف، وإن كان المراد به إغماد السيوف؛ لأن السيف إذا أُغمِد انطبق الجفن عليه، وإذا جُرِّد انفتح الخلاء الذي بين الدفتين.
وإما بعدها: كلفظ "الغزالة" في قول القاضي الإمام أبي الفضل عياض في صيفية باردة:
كأن كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تَمُّوز أنواعا من الحُلَل
أو الغزالة من طول المدى خَرِفت ... فما تُفرِّق بين الجَدْي والحَمَل3
(4/596)

واعلم أن التوهم1 ضربان: ضرب يستحكم حتى يصير اعتقادا2، كما في قوله:
حملناهم طرا على الدُّهْم بعدما ... خلعنا عليهم بالطعان مَلَابس3
وضرب لا يبلغ ذلك المبلغ، ولكنه شيء يجري في الخاطر وأنت تعرف حاله4، كما في قول ابن الربيع:
لولا التطير بالخلاف وأنهم ... قالوا: مريض لا يعود مريضا
لقضيت نَحْبِي في فنائك ... خدمة لأكون مندوبا قضى مفروضا5
ولا بد من اعتبار هذا الأصل6 في كل شيء بُنِي على التوهم, فاعلم.
وقال السكاكي7: "أكثر متشابهات القرآن8 من التورية".
(4/597)

الاستخدام:
ومنه الاستخدام، وهو أن يراد بلفظ له معنيان أحدهما، ثم بضميره معناه الآخر. أو يراد بأحد ضميريه أحدهما، وبالآخر الآخر1.
فالأول كقوله:
إن نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا2
أراد بالسماء الغيث، وبضميرها النبت3.
والثاني كقول البحتري:
فسقى الغَضَا والساكنِيهِ وإن هم ... شَبُّوه بين جوانح وضلوع4
أراد بضمير الغضا في قوله: "والساكنيه" المكان، وفي قوله: "شبوه" الشجر5.
(4/599)

اللف والنشر:
ومنه اللف والنشر، وهو ذكر متعدد على جهة التفصيل أو الإجمال1، ثم "ذكر" ما لكل واحد من غير تعيين2؛ ثقة بأن السامع يرده إليه.
فالأول3 ضربان؛ لأن النشر إما على ترتيب اللف، كقوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} 4 [القصص: 73] .
وقول ابن حيّوس:
فعل المُدَام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه5
وقول ابن الرومي:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم
(4/600)

فيها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم1
وإما على غير ترتيبه، كقول ابن حيوس:
كيف أسلو وأنتِ حِقْف وغصن ... وغزال لَحْظا وقَدّا ورِدْفا2
وقول الفرزدق:
لقد خنت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثِقْل مغرم3
لألفيت فيهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شَزْرا بالوشيج المقوَّم4
والثاني5 كقوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111] ؛ فإن الضمير في "قالوا" لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والمعنى: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، والنصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فَلَفّ بين القولين5 ثقة بأن السامع يردّ إلى كل فريق قوله، وأمنا من الإلباس؛ لِمَا عُلم من التعادي بين الفريقين، وتضليل كل واحد منهما لصاحبه.
(4/601)

الجمع:
ومنه الجمع، وهو أن يُجمَع بين شيئين أو أشياء في حكم واحد1 كقوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46] .
وقول الشاعر:
إن الشباب والفراغ والجِدَة ... مفسدة للمرء أي مفسده2
ومنه قول محمد بن وهيب:
ثلاثة تُشرق الدنيا ببهجتها: ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر3
التفريق:
ومنه التفريق، وهو إيقاع تباين4 بين أمرين من نوع واحد في المدح أو غيره؛ كقوله:
ما نَوَال الغَمَام وقت ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بَدْرَة عين ... ونوال الغمام قَطْرة ماء5
ونحو قوله:
من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحك أبدا ... وهو إذا جاد دامع العين6
(4/602)

التقسيم:
ومنه التقسيم؛ وهو ذكر متعدد، ثم إضافة ما لكل إليه على التعيين1؛ كقول أبي تمام:
فما هو إلا الوحي أو حدّ مرهف ... تميل ظباه أخدعي كل مائل2
فهذا دواء الداء من كل عالم ... وهذا دواء الداء من كل جاهل3
وقول الآخر:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد4
وقال السكاكي5: وهو أن تذكر شيئا ذا جزأين أو أكثر، ثم تضيف إلى كل واحد من أجزائه ما هو له عندك؛ كقوله:
أديبان في بلخ لا يأكلان ... إذا صحبا المرء غير الكبد
فهذا طويل كظل القناة ... وهذا قصير كظل الوتد6
وهذا يقتضي أن يكون التقسيم أعم من اللف والنشر7.
(4/603)

الجمع مع التفريق:
ومنه الجمع مع التفريق؛ وهو أن يُدخَل شيئان في معنى واحد، ويُفرَّق بين جهتي الإدخال؛ كقوله:
فوجهك كالنار في ضوئها ... وقلبي كالنار في حرها1
شبه وجه الحبيب وقلب نفسه بالنار، وفرّق بين وجهي المشابهة.
ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12] .
(4/604)

الجمع مع التقسيم:
ومنه الجمع مع التقسيم، وهو جمع متعدد تحت حكم، ثم تقسيمه، أو تقسيمه ثم جمعه؛ فالأول كقول أبي الطيب:
حتى أقام على أرباض خَرْشَنة ... تشقى به الروم والصلبان والبِيَع1
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا2
جمع في البيت الأول شقاء الروم بالممدوح على سبيل الإجمال؛ حيث قال: "تشقى به الروم"، ثم قسم في الثاني وفصله.
والثاني كقول حسان:
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع3
قسم في البيت الأول صفة الممدوحين إلى ضر الأعداء ونفع الأولياء، ثم جمعهما
في البيت الثاني حيث قال: "سجية تلك".
ومن لطيف هذا الضرب قول الآخر:
لو أن ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا
لكن رأيت الليالي غير تاركة ... ما سر من حادث أو ساء مطردا
فقد سكنت إلى أني وأنكم ... سنستجدّ خلاف الحالتين غدا4
فقوله: "خلاف الحالتين" جمع لما قسّم لطيف، وقد ازداد لطفا بحسن ما بناه عليه من قوله: "فقد سكنتُ إلى أني وأنكم".
(4/605)

الجمع مع التفريق والتقسيم:
ومنه الجمع مع التفريق والتقسيم1؛ كقوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 105-108] . أما الجمع ففي قوله: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ} فإن قوله: {نَفْسٌ} متعدد معنًى؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم، وأما التفريق ففي قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} ، وأما التقسيم ففي قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا} إلى آخر الآية الثانية. وقول ابن شرف القيرواني:
لمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن
فللخامل العَلْيا وللمعدم الغنى ... وللمذنب العتبى وللخائف الأمن2
(4/606)

التقسيم بمعنيين آخرين:
وقد يطلق التقسيم على أمرين
أحدهما: أن يذكر أحوال الشيء مضافا1 إلى كل حال ما يليق بها2؛ كقول أبي الطيب:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مُرْد3
ثقال إذا لاقوا، خفاف إذا دُعُوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عُدّوا4
وقوله أيضا:
بدت قمرا ومالت خُوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا5
ونحوه قول الآخر:
سفرن بدورا وانتقبن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا6
(4/607)

والثاني: استيفاء أقسام الشيء بالذكر؛ كقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر: 32] ، وقوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا} [الشورى: 49, 50] .
ومنه ما حُكي عن أعرابي وقف على حلقة الحسن1 فقال: "رحم الله من تصدق من فضل، أو آسى من كَفَاف، أو آثر من قوت" فقال الحسن: "ما ترك لأحد عذرا". ومثاله من الشعر قول زهير:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عمي2
وقول طريح:
إن يعلموا الخير يُخفوه وإن علموا ... شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا3
وقول أبي تمام في الأفشِين4 لما أُحرق:
صلى لها حيا وكان وقودها ... ميتا ويدخلها مع الفجار5
وقول نصيب:
فقال فريق القوم: لا، وفريقهم: ... نعم، وفريق: لَيْمُنُ الله ما ندري6
فإنه ليس في أقسام الإجابة غير ما ذُكر.
وقول آخر:
فهَبْها كشيء لم يكن، أو كنازح ... به الدار، أو من غيّبته المقابر7
(4/608)

التجريد:
ومنه التجريد، وهو أن يُنتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثله في تلك الصفة؛ مبالغة في كمالها فيه1. وهو أقسام:
منها نحو قولهم2: "لي من فلان صديق حميم" أي: بلغ من الصداقة مبلغا صح
(4/609)

معه أن يستخلص منه صديق آخر.
ومنها نحو قولهم1: "لئن سألت فلانا لتسألن به البحر".
ومنها نحو قول2 الشاعر:
وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفَنِيق المُرَحَّل3
أي: تعدو بي، ومعي من نفسي -لكمال استعدادها للحرب- مستلئم؛ أي: لابس لأمة.
ومنها: قوله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ} 4 [فصلت: 28] ؛ فإن جهنم -أعاذنا الله منها- هي دار الخلد، لكن انتُزع منها مثلها، وجعل معدا فيها للكفار؛ تهويلا لأمرها. ومنها نحو قول5 الحماسي:
فلئن بقيت لأرحلَنَّ بغزوة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم6
(4/610)

وعليه قراءة من قرأ: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} [الرحمن: 37] بالرفع، بمعنى: فحصلت سماء وردة. وقيل: تقدير الأول: "أو يموت مني كريم"1، والثاني: "فكانت منه2 وردة كالدهان"، وفيه نظر3.
ومنها: نحو قوله4:
يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأسا بكف من بخلا5
ونحوه قول الآخر:
إن تلقني لا ترى غيري بناظرة ... تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد6
ومنها: مخاطبة الإنسان نفسه؛ كقول الأعشى:
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل7
وقول أبي الطيب:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليُسعد النطق إن لم يُسعد الحال8
(4/611)

المبالغة المقبولة:
ومنه: المبالغة المقبولة1. والمبالغة أن يُدَّعَى لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حدا مستحيلا أو مستبعدا؛ لئلا يُظَن أنه غير متناهٍ في الشدة أو الضعف، وتنحصر في: التبليغ، والإغراق، والغلوّ؛ لأن المدعى للوصف من الشدة أو الضعف إما أن يكون ممكنا في نفسه2 أو لا. الثاني: الغلو3. والأول إما أن يكون ممكنا في العادة أيضا4 أو لا، الأول: التبليغ5, والثاني: الإغراق6.
1- أما التبليغ فكقول امرئ القيس:
فعادى عِدَاء بين ثور ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيُغسَل7
(4/612)

وصف هذا الفرس بأنه أدرك ثورا وبقرة وحشيين في مضمار واحد ولم يعرق، وذلك غير ممتنع عقلا ولا عادة. ومثله قول أبي الطيب:
وأصرع أي الوحش قفّيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب1
2- وأما الإغراق فكقول الآخر:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونُتبعه الكرامة حيث مالا2
فإنه ادعى أن جاره لا يميل عنه إلى جهة إلا وهو يُتبعه الكرامة، وهذا ممتنع عادة، وإن كان غير ممتنع عقلا.
وهما3 مقبولان.
3- وأما الغلو: فكقول أبي نواس:
وأخفتَ أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق4
والمقبول منه أصناف:
(4/613)

أحدها: ما أدخل عليه ما يقربه إلى الصحة، نحو لفظة "يكاد"1 في قوله تعالى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [النور: 35] . وفي قول الشاعر يصف فرسا:
ويكاد يخرج سرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق2
والثاني: ما تضمن نوعا حسنا من التخييل3؛ كقول أبي الطيب:
عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا4
وقد جمع القاضي الأرجاني بينهما في قوله يصف الليل بالطول:
يخيل لفي أن سُمِّر الشهب في الدجى ... وشدت بأهدابي إليهن أجفاني5
والثالث: ما أخرج مخرج الهذل والخلاعة6، كقول الآخر:
أسكر بالأمس إن عزمت على الـ ... ـشرب غدا إن ذا من العَجَب7
(4/614)

المذهب الكلامي:
ومنه المذهب الكلامي1؛ وهو أن يورد المتكلم حجة لما يدعيه على طريق أهل الكلام2؛ كقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} 3 [الأنبياء: 22] ، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27] ؛ أي: والإعادة أهون عليه من البدء، والأهون من البدء أدخل في الإمكان من البدء؛ وهو المطلوب4. وقوله تعالى: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76] أي: القمر آفل، وربي ليس بآفل؛ فالقمر ليس بربي5. وقوله تعالى: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} [المائدة: 18] أي: أنتم تعذَّبون، والبنون لا يعذَّبون؛ فلستم ببنين له6.
ومنه قول النابغة يعتذر إلى النعمان:
(4/615)

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب
لئن كنت قد بُلِّغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب
ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب1
ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم ... أُحَكَّم في أموالهم وأُقَرَّب2
كفعلك في قوم أراك اصطفيتهم ... فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا
يقول: أنت أحسنت إلى قوم فمدحوك، وأنا أحسن إلي قوم فمدحتهم، فكما أن مدح أولئك لك لا يعد ذنبا، فكذلك مدحي لمن أحسن إلي لا يعد ذنبا3.
(4/616)

حسن التعليل: ومنه حسن التعليل، وهو أن يدعى لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف1 غير حقيقي.
وهو أربعة أقسام؛ لأن الوصف إما ثابت قصد بيان علته، أو غير ثابت أريد إثباته؛ والأول إما ألا يظهر له في العادة علة، أو يظهر له علة غير المذكورة، والثاني إما ممكن، أو غير ممكن.
أما الأول2 فكقول أبي الطيب:
لم تحك نائلك السحاب وإنما ... حُمَّت به فصبيبها الرُّحَضَاء3
فإن نزول المطر لا يظهر له في العادة علة4. وكقول أبي تمام:
لا تنكري عَطَلَ الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي5
علل عدم إصابة الغنى الكريم بالقياس على عدم إصابة السيل المكان العالي كالطَّوْد العظيم، من جهة أن الكريم لاتصافه بعلو القدر كالمكان العالي، والغني لحاجة الخلق إليه كالسيل. ومن لطيف هذا الضرب قول أبي هلال العسكري:
زعم البنفسج أنه كعِذَاره ... حسنا فَسَلّوا من قفاه لسانه6
وقول ابن نباتة في صفة فرس:
وأدهم يستمد الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريا
(4/617)

سرى خلف الصباح يطير مشيا ... ويطوي خلفه الأفلاك طيا
فلما خاف وَشْك الفوت منه ... تشبث بالقوائم والمحيا1
وأما الثاني2 فكقول أبي الطيب:
ما به قتل أعاديه ولكن ... يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب3
فإن قتل الملوك أعداءهم في العادة لإرادة هلاكهم، وأن يدفعوا مضارهم عن أنفسهم؛ حتى يصفو لهم ملكهم من منازعتهم، لا لما ادعاه من أن طبيعة الكرم قد غلبت عليه، ومحبته أن يصدق رجاء الراجين بعثته على قتل أعدائه؛ لما علم أنه لما غدا للحرب غدت الذئاب تتوقع أن يتسع عليها الرزق من قتلاهم، وهذا مبالغة في وصفه بالجود، ويتضمن المبالغة في وصفه بالشجاعة على وجه تخييلي4، أي: تناهى في الشجاعة حتى ظهر ذلك للحيوانات العجم، فإذا غدا للحرب رجت الذئاب أن تنال من لحوم أعدائه، وفيه نوع آخر من المدح وهو أنه ليس ممن يسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق.
وكقول أبي طالب المأموني في بعض الوزراء ببخارى:
(4/618)

مغرم بالثناء صَبّ بكسب المجد ... يهتز للسماح ارتياحا
لا يذوق الإغفاء إلا رجاء ... أن يرى طيف مستميح رَوَاحا1
وكأن تقييده بالرواح ليشير إلى أن العفاة إنما يحضرون له في صدر النهار على عادة الملوك، فإذا كان الرواح قلوا؛ فهو يشتاق إليهم، فينام ليأنس برؤية طيفهم. وأصله من نحو قول الآخر:
وإني لأستغشي وما بي نَعْسة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا2
وهذا غير بعيد أن يكون أيضا من هذا الضرب، إلا أنه لا يبلغ في الغرابة والبعد عن العادة ذلك المبلغ، فإنه قد يتصور أن يريد المُغْرَم المتيم إذا بعد عهده بحبيبه أن يراه في المنام، فيريد النوم لذلك خاصة.
ومن لطيف هذا الضرب قول ابن المعتز:
قالوا: اشتكت عينه، فقلت لهم: ... من كثرة القتل نالها الوَصَب
حمرتها من دماء من قتلت ... والدم في النصل شاهد عجب3
وقول الآخر:
أتتني تؤنبني بالبكا ... فأهلا بها وبتأنيبها
(4/619)

تقول وفي قولها حشمة: ... أتبكي بعين تراني بها
فقلت: إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدموع بتأديبها1
وذلك أن العادة في دمع العين أن يكون السبب فيه إعراض الحبيب أو اعتراض الرقيب، ونحو ذلك من الأسباب الموجبة للاكتئاب، لا ما جعله من التأديب على الإساءة باستحسان غير الحبيب.
وأما الثالث2 فكقول مسلم بن الوليد:
يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجّى حذارك إنساني من الغرق3
فإن استحسان إساءة الواشي ممكن، لكن لما خالف الناس فيه عقّبه بذكر سببه، وهو أن حذاره من الواشي منعه من البكاء، فسلم إنسان عينيه من الغرق في الدموع، وما حصّل ذلك فهو حسن.
وأما الرابع4 فكمعنى بيت فارسي ترجمته:
لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق5
فإن نية الجوزاء خدمته ممتنعة6.
(4/620)

ما يلحق بحسن التعليل:
ومما يلحق بالتعليل وليس به؛ لبناء الأمر فيه على الشك1 نحو قول أبي تمام:
ربا شفعت ريح الصَّبَا لرياضها ... إلى المزن حتى جادها وهو هامع2
كأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حبيبا فما ترقا لهن مدامع3
وقول أبي الطيب:
رحل العزاء برحلتي فكأنني ... أتبعته الأنفاس للتشييع4
علة تصعيد الأنفاس في العادة هي التحسر والتأسف، لا ما جوز أن يكون إياه، والمعنى: رحل عني العزاء بارتحالي عنك؛ أي: معه أو بسببه5، فكأنه لما كان الصدر محل الصبر، وكانت الأنفاس تتصعد منه, أيضا صار العزاء وتنفس الصعداء كأنهما نزيلان، فلما رحل ذلك كان حقا على هذا أن يشيعه قضاء لحق الصحبة.
التفريع: ومنه التفريع، وهو أن يُثبت لمتعلق أمر حكم بعد إثباته لمتعلق له آخر6 كقول الكميت:
أحلامكم لسَقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تشفي من الكَلَب7
فرَّع من وصفهم بشفاء أحلامهم لسقام الجهل وصفهم بشفاء دمائهم من داء الكَلَب.
(4/621)

تأكيد المدح بما يُشبه الذم:
ومنه تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ وهو ضربان:
أفضلهما: أن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها فيها؛ كقول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قِراع الكتائب1
أي: إن كان فلول السيف من قراع الكتائب من قبيل العيب، فأثبتَ شيئا من العيب على تقدير أن فلول السيف منه، وذلك محال؛ فهو في المعنى تعليق بالمحال؛ كقولهم: "حتى يبيضّ القار"؛ فالتأكيد فيه2 من وجهين: أحدهما أنه كدعوى الشيء ببينة3، والثاني أن الأصل في الاستثناء أن يكون متصلا4، فإذا نطق المتكلم بـ "إلا" أو نحوها توهم السامع قبل أن ينطق بما بعدها أن ما يأتي بعدها مُخرَج مما قبلها، فيكون شيء من صفة الذم ثابتا، وهذا ذم، فإذا أتت بعدها صفة
(4/622)

مدح تأكّد المدح؛ لكونه مدحا على مدح، وإن كان فيه نوع من الخِلابة1.
والثاني2: أن يُثبَت لشيء صفة مدح، ويُعقَّب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى له؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "أنا أفصح العرب؛ بيد أني من قريش".
وأصل الاستثناء في هذا الضرب أيضا أن يكون منقطعا، لكنه باقٍ على حاله لم يقدر متصلا3؛ فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثاني من الوجهين المذكورين4؛ ولهذا قلنا: الأول أفضل. ومنه قول النابغة الجعدي:
فتى كمُلت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يُبقِي من المال باقيا5
وأما قوله تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا، إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} [الواقعة: 25، 26] ، فيحتمل الوجهين6. وأما قوله تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا} [مريم: 62] , فيحتملهما7، ويحتمل وجها ثالثا وهو أن يكون الاستثناء من أصله متصلا8؛ لأن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، وأهل الجنة عن الدعاء بالسلامة أغنياء؛ فكان ظاهره من قبيل اللغو وفضول الكلام، لولا ما فيه من فائدة الإكرام.
ومن تأكيد المدح بما يُشبه الذم ضرب ثالث؛ وهو أن يأتي الاستثناء فيه مفرغا9؛ كقوله تعالى: {وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا} [الأعراف: 126] ، أي: وما تعيب منا إلا أصل المناقب والمفاخر كلها وهو الإيمان بآيات الله، ونحوه قوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [المائدة: 59] ؛ فإن الاستفهام فيه للإنكار.
واعلم أن الاستدراك في هذا الباب يجري مجرى الاستثناء، كما في قول أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني:
هو البدر إلا أنه البحر زاخرا ... سوى أنه الضِّرْغام لكنه الوَبْل10
(4/623)

تأكيد الذم بما يشبه المدح:
ومنه تأكيد الذم بما يشبه المدح، وهو ضربان:
أحدهما: أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم بتقدير دخولها فيها؛ كقولك: فلان لا خير فيه إلا أنه يسيء إلى من يحسن إليه1.
وثانيهما: أن يُثبَت للشيء صفة ذم ويعقب بأداة استثناء تليها صفة ذم أخرى
له؛ كقولك: فلان فاسق إلا أنه جاهل2.
وتحقيق القول فيهما على قياس ما تقدم3.
(4/624)

الاستتباع:
ومنه الاستتباع، وهو المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر1؛ كقول أبي الطيب:
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لَهُنِّئت الدنيا بأنك خالد2
فإنه مدحه ببلوغه النهاية في الشجاعة؛ إذ كثر قتلاه بحيث لو ورث أعمارهم لخُلِّد في الدنيا على وجه استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها، حيث جعل الدنيا مهنأة بخلوده، قال علي بن عيسى الربعي: وفيه وجهان آخران من المدح: أحدهما أنه نهب الأعمار دون الأموال3، والثاني أنه لم يكن ظالما في قتل أحد من مقتوليه؛ لأنه لم يقصد بذلك إلا صلاح الدنيا وأهلها؛ فهم مسرورون ببقائه.
الإدماج:
ومنه الإدماج، وهو أن يُضمَّن كلام سِيق لمعنى معنًى آخر4؛ فهو أعم من
(4/625)

الاستتباع1.
ومثاله قول أبي الطيب:
أُقَلِّب فيه أجفاني كأني ... أعد بها على الدهر الذنوبا2
فإنه ضمَّن وصف الليل بالطول الشكاية من الدهر.
وقول ابن المعتز في الخِيريّ:
نفض العاشقون ما صنع الـ ... ـهجر بألوانهم على ورقه3
فإن الغرض وصف الخيري بالصفرة، فأدمج الغزل في الوصف، وفيه وجه آخر من الحسن وهو إيهام الجمع بين متنافيين؛ أعني الإيجاز والإطناب؛ أما الإيجاز فمن جهة الإدماج، وأما الإطناب فلأن أصل المعنى أنه أصفر؛ فاللفظ زائد عليه لفائدة4.
ومنه قول ابن نباتة:
(4/626)

ولا بد لي من جَهْلة في وصاله ... فمن لي بِخِلّ أودِع الحلم عنده1
فإنه ضمّن الغزل الفخر بكونه حليما المكني عنه بالاستفهام عن وجود خل صالح لأن يودعه حلمه، وضمن الفخر بذلك -بإخراج الاستفهام مخرج الإنكار- شكوى الزمان لتغير الإخوان، حتى لم يبق فيهم من يصلح لهذا الشأن، ونبه بذلك على أنه لم يعزم على مفارقة حلمه جملة أبدا، ولكن إذا كان مريدا لوصل هذا المحبوب المستلزم للجهل المنافي للحلم؛ عزم على أنه إن وجد من يصلح لأن يودعه حلمه أودعه إياه؛ فإن الودائع تستعاد.
قيل: ومنه قول الآخر يهنئ بعض الوزراء لما استُوزِر:
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم
فقلت له: نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم المقدم2
فإنه أدمج شكوى الزمان وما هو عليه من اختلال الأحوال في التهنئة، وفيه نظر؛ لأن شكوى الزمان مصرح بها في صدره، فكيف تكون مدمجة؟ ولو عكس فجعل التهنئة مدمجة في الشكوى أصاب3.
(4/627)

التوجيه:
ومنه التوجيه؛ وهو إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين1؛ كقول من قال لأعور يسمى عمرا:
خاط لي عمرو قِبَاء ... ليت عينيه سواء2
وعليه قوله تعالى: {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا} [النساء: 46] ، قال الزمخشري: {غَيْرَ مُسْمَعٍ} حال من المخاطب، أي: اسمع وأنت غير مسمع، وهو قول ذو وجهين:
يحتمل الذم؛ أي: اسمع منا مدعوّا عليك بـ: لا سمعت؛ لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع، فكان أصم غير مسمع، قالوا ذلك اتكالا على أن قولهم: "لا سمعت" دعوى مستجابة، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك فكأنك لم تسمع شيئا، أو اسمع غير مسمع كلاما ترضاه؛ فسمعك عنه نابٍ، ويجوز على هذا3 أن يكون "غير مسمع" مفعول "اسمع" أي: اسمع كلاما غير مسمع إياك؛ لأن أذنك لا تعيه نُبُوًّا عنه.
ويحتمل المدح؛ أي: اسمع غير مسمع مكروها، من قولك: "أسمع فلان فلانا" إذا سَبّه.
وكذلك قوله: {وَرَاعِنَا} يحتمل "راعنا نكلمك" أي: ارقبنا وانتظرنا، ويحتمل سبة؛ وهي كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها وهي "راعينا"4, فكانوا سخرية بالدين وهزؤا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكلمونه بكلام محتمل؛ ينوُون به الشتيمة والإهانة ويُظهرون به التوقير والاحترام5.
ثم قال: فإن قلت: كيف جاءوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعدما صرحوا وقالوا: "سمعنا وعصينا"؟ قلت: جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء، ويجوز أن يقولوه فيما بينهم، ويجوز ألا ينطقوا بذلك، ولكنهم لما لم يؤمنوا به جُعلوا كأنهم نطقوا به.
قال السكاكي6: ومنه متشابهات القرآن باعتبار7.
(4/628)

الهَزْل الذي يراد به الجد:
ومنه الهزل الذي يراد به الجد؛ وترجمته تغني عن تفسيره1. ومثاله قول الشاعر:
إذا ما تميمي أتاك مفاخرا ... فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب2
ومنه قول امرئ القيس:
وقد علمت سلمى وإن كان بعلها ... بأن الفتى يهذي وليس بفعّال3
(4/629)

تجاهل العارف:
ومنه تجاهل العارف، وهو كما سماه السكاكي1: "سوق المعلوم مساق غيره لنكتة"2؛ كالتوبيخ في قول الخارجية:
أيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف3
(4/630)

والمبالغة في المدح في قول البحتري:
ألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي1
أو في الذم في قول زهير:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء2؟
والتَّدَلُّه في الحب في قول الحسين بن عبد الله الغزي3:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر4
وقول ذي الرمة:
أيا ظبية الوعساء بين جُلَاجل ... وبين النَّفَا أأنتِ أم أمّ سالم5
(4/631)

والتحقير: في قوله تعالى في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- حكاية عن الكفار: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] ، كأن لم يكونوا يعرفون منه إلا أنه رجل ما.
والتعريض1: في قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍْ} [سبأ: 24] . وفي مجيء هذا اللفظ على الإبهام فائدة أخرى، وهي أنه يبعث المشركين على الفكر في حال أنفسهم وحال النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين، وإذا فكّروا فيما هم عليه من إغارات بعضهم على بعض, وسبْي ذراريهم واستباحة أموالهم، وقطع الأرحام، وإتيان الفروج الحرام، وقتل النفوس التي حرم الله قتلها، وشرب الخمر التي تُذْهِب العقول، وتحسن ارتكاب الفواحش، وفكروا فيما النبي عليه السلام والمؤمنون عليه من صلة الأرحام، واجتناب الآثام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإطعام المساكين, وبر الوالدين، والمواظبة على عبادة الله تعالى, علموا2 أن النبي -عليه السلام- والمسلمين على هدى، وأنهم على الضلالة، فبعثهم ذلك على الإسلام، وهذه فائدة عظيمة.
(4/632)

القول بالموجَِب:
ومنه القول بالموجِب 1 , وهو ضربان:
أحدهما: أن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شيء2 أُثبت له حكم، فتُثبت في كلامك تلك الصفة لغير ذلك الشيء، من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم له أو انتفائه عنه؛ كقوله تعالى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] ، فإنهم كنوا بالأعز عن فريقهم1، وبالأذل عن فريق المؤمنين، وأثبتوا للأعز الإخراج، فأثبت الله تعالى -في الرد عليهم- صفة العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، من غير تعرض لثبوت حكم الإخراج للموصوفين بصفة العزة, ولا لنفيه عنهم.
والثاني: حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه2؛ كقوله:
قلت: ثقلت إذ أتيت مرارا ... قال: ثقلت كاهلي بالأيادي
قلت: طولت، قال: لا بل تطولت ... وأبرمت، قال: حبل ودادي3
والاستشهاد بقوله: "ثقلت وأبرمت" دون قوله: "طولت"4.
ومنه قول القاضي الأرجاني:
(4/633)

غالطتْني إذ كست جسمي الضنى ... كسوة عرّت من اللحم العظاما
ثم قالت: أنت عندي في الهوى ... مثل عيني، صدقت لكن سَقاما1
وكذا قول ابن دويدة المغربي من أبيات يخاطب بها رجلا أودع بعض القضاة مالا، فادعى القاضي ضياعه:
إن قال: قد ضاعت، فيصدق؛ إنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو تعي2
أو قال: قد وقعت، فيصدق إنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع3
وقريب من هذا قول الآخر:
وإخوان حسبتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا: قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من وِدَادي4
والمراد البيتان الأولان5, ولك أن تجعل نحوهما ضربا ثالثا6.
(4/634)

الاطراد:
ومنه الاطراد1 وهو أن يأتي بأسماء الممدوح أو غيره وآبائه2 على ترتيب الولادة، من غير تكلف في السبك؛ حتى تكون الأسماء في تحدرها كالماء الجاري في اطراده وسهولة انسجامه؛ كقول الشاعر:
إن يقتلوك فقد ثللتَ عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب3
وقول دريد بن الصمة:
قتلنا بعبد الله خير لِدَاته ... ذُؤَاب بن أسماء بن زيد بن قارب4
وفيه تعرض للمقتول به، ولشرف المقتول5. قيل: لما سمعه عبد الملك بن مروان قال: "لولا القافية لبلغ به آدم"6.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم".
(4/635)

تمرينات على المحسنات المعنوية:
تمرين1:
بين نوع المحسن المعنوي, ووجه حسنه فيما يأتي:
1-
فلا كَمَدِي يفنى ولا فيك رقة ... ولا عنكِ إقصار ولا فيكِ مطمع
2-
تشابه دمعانا غداة افتراقنا ... مشابهة في قصة دون قصة
فوجنتها تكسو المدامع حمرة ... ودمعي يكسو حمرة اللون وجنتي
3-
فتى قسّم الأيام بين سيوفه ... وبين طَرِيفات المكارم والتُّلْد
فسوّد يوما بالعَجَاج وبالردى ... وبيَّض يوما بالفضائل والمجد
4-
أباحت بنو مروان ظلما دماءنا ... وفي الله إن لم يُنصفوا حَكَم عدل
5-
إذا ما ركبنا قال ولدان بيتنا: ... تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب
6-
يقولون: لم يورث، ولولا تراثه ... لقد شركت فيه بكيل وأرحب
7-
خذها إذا أنشدت في القوم من ... صدورها عرفت منها قوافيها
8-
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
9-
إن البخيل ملوم حيث كان ولـ ... ـكن الجواد على عِلَّاته هَرِم
10-
وإذا ما بدا فأخجل بدرا ... لمعت كأسه فأخجل شمسا
11-
إذا أمطرت منهم ومنك سحابة ... فوابلهم طل وطلك وابل
12-
لجنية أم غادة رفع السَّجْف ... لوحشية لا ما لوحشية شَنْف
13-
وصاحب لما أتاه الغنى ... تاه ونفس المرء طماحه
وقيل: هل أبصرت منه يدا ... تشكرها، قلت: ولا راحه
14-
العقل أنت عقلتَه وسرحتَه ... وأحرتَ فيك دليله وأرحتَه
آتيتَه الحجر الأصم ونحته ... والنجم يعبد فوقه أو تحته
15-
ولحظه ومحياه وقامته ... بدر الدجى وقَضِيب البان والراح
(4/636)

16-
حياتي وموتي في يديه وجنتي ... وناري ورَيِّي في الهوى وأُوامي
17-
رأى المزن ما تعطي فضم على الأسى ... فؤادا كأن البرق فيه لهيب
18-
أتوني فعابوا من أحب جهالة ... وذاك على سمع المحب خفيف
19-
فما فيه عيب غير أن جفونه ... مِرَاض وأن الخصر منه ضعيف
20-
إلى كم ترد الرسل عما أتوا به ... كأنهم فيما وهبت ملام
21-
إن أكن مهديا لك الشعر إني ... لابن بيت تهدى له الأشعار
22-
ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدا ضرب من الهذيان
23-
تزعم يا ظبي مساواتها ... ولست أبدي لك تفنيدا
إن كان ما تزعم عارض لنا ... مقلتها واحك لنا الجِيدا
24-
أتُراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خِلْقة في المآق
25-
تثني عطفه خطرات دَلّ ... إذا لم تثنه نشوات راح
يميل مع الوشاة وأي غصن ... رطيب لا يميل مع الرياح
26-
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ يرجو شبابك وائل
27-
ما أبصرت عيناك أحسن منظر ... فيما يُرى من سائر الأشياء
كالشامة الخضراء فوق الوجنة الـ ... ـحمراء تحت المقلة السواداء
تمرين2:
من أي أقسام الطباق ما يأتي:
1-
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل الشر إحسانا
2-
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دُعُوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عُدُّوا
3-
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رِفْدا
4-
وقد كان يدعى لابس الصبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع؟
(4/637)

تمرين3:
تنزّه طرفي في تعابيرك الغُرّ ... وجال بها فكري من السطر للسطر
فما خلتها إلا حدائق بهجة ... مكلّلة الأرجاء بالزهر والزهر
ولكنها -أستغفر الله- نسخة ... مزينة الأرقام بالدر والتبر
طربت بها لما فهمت نقوشها ... كما يطرب النشوان من لذة الخمر
تمرين4:
بين المحسن المعنوي, ووجه حسنه في قول الشاعر:
قاسوك بالغصن في التثني ... قياس جهل بلا انتصاف
فذاك غصن الخلاف يدعى ... وأنت غصن بلا خلاف
تمرين5:
من أي أقسام المبالغة ما يأتي:
1-
كأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي
2-
منعت مهابتك القلوب كلامها ... بالأمر تكرهه وإن لم تعلم
3-
كأن غلامي إذ علا حال متنه ... على ظهر طير في السماء محلق؟
تمرين6:
بين المحسن المعنوي في قول الشاعر:
يا ذا الذي بصروف الدهر عيرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خَطَر
أما ترى البحر تطفو فوقه جِيَف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر
وفي السماء نجوم لا عداد لها ... وليس يُكسَف إلا الشمس والقمر
(4/638)

تمرين7:
من أي أقسام حسن التعليل ما يأتي:
1-
ما زُلزلت مصر من كيد ألمّ بها ... لكنها رقصت من عدلكم طربا
2-
علمتني بهجرها الصبر عنها ... فهي مشكورة على التقبيح
3-
قد طَيَّب الأفواه طِيب ثنائه ... من أجل ذا تجد الثغور عذابا؟
تمرين8:
1- من أي ضربي القول بالموجب قول الشاعر:
شكا رمدا فقلت: عساه كلّت ... لواحظه من الفتكات فينا
وقالوا: سيف مقلته تصدَّى ... فقلت: نعم لقتل العاشقينا؟
2- هل أحسن أبو نواس, أو أساء بذكر أم الأمين في مدحه بقوله:
أصبحتَ يابن زبيدة بنة جعفر ... أملا لعَقْد حباله استحكام؟
(4/639)

المحسنات اللفظية:
أقسام المحسن اللفظي:
الجناس:
الجناس التام وأقسامه:
وأما اللفظي فمنه الجناس بين اللفظين؛ وهو تشابههما في اللفظ1.
والتام منه أن يتفقا في أنواع الحروف2، وأعدادها، وهيئاتها3، وترتيبها؛ فإن كانا من نوع واحد -كاسمين- سمي مماثلا؛ كقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} 4 [الروم: 55] ، وقول الشاعر:
حدق الآجال آجال ... والهوى للمرء قتال5
الأول جمع إِجْل بالكسر، وهو القطيع من بقر الوحش، والثاني جمع أجَل والمراد به منتهى الأعمار. وقول أبي تمام:
(4/640)

إذا الخيل جابت قَسْطَلَ الحرب ... صدور العوالي في صدور الكتائب1
وإن كانا من نوعين كاسم وفعل سمي مستوفى، كقول أبي تمام أيضا:
ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله2
ونحوه قول الآخر:
وسميته يحيى ليحيا فلم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل3
والتام أيضا إن كان أحد لفظيه مركبا4 سمي جناس التركيب, ثم إن كان المركب منهما مركبا من كلمة وبعض كلمة سمي مَرْفُوًّا5؛ كقول الحريري:
ولا تَلْهُ عن تَذْكار ذنبك وابكه ... بدمع يحاكي الوبل حال مصابه
ومثل لعينيك الحِمَام ووقعه ... وروعة ملقاه ومطعم صابه6
(4/641)

وإلا1؛ فإن اتفقا في الخط سمي متشابها، كقول أبي الفتح البستي:
إذا ملك لم يكن ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه2
وإن اختلفا سمي مفروقا، كقول أبي الفتح أيضا:
كلكم قد أخذ الجا ... م ولا جام لنا3
ما الذي ضر مدير الجام ... لو جامَلَنَا4
وقول الآخر:
لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تبالغ قبل في تهذيبها
فمتى عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها5
ووجه حسن هذا القسم -أعني التام- حسن الإفادة، مع أن الصورة صورة الإعادة6.
(4/642)

الجناس المحرف:
وإن اختلفا في هيئات الحروف1, سمي مُحَرَّفا.
ثم الاختلاف قد يكون في الحركة فقط، كالبُرد والبَرد في قولهم: "جُبَّة البُرد جُنَّة البَرد" وعليه قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} [الصافات: 72, 73] قال السكاكي2: وكقولك: "الجهول إما مفرِط أو مفرِّط"، والمشدد في هذا الباب يقوم مقام المخفف نظرا إلى الصورة، فاعلم3.
وقد يكون في الحركة والسكون؛ كقولهم: "البدعة شَرَك الشرك".
وقول أبي العلاء:
والحسن يظهر في بيتين رونقه ... بيت من الشِّعر أو بيت من الشَّعر4
الجناس الناقص:
وإن اختلفا في أعداد الحروف فقط5؛ سمي ناقصا، ويكون ذلك على وجهين:
أحدهما: أن يختلفا بزيادة حرف واحد في الأول؛ كقوله تعالى: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة: 29, 30] ، أو في الوسط؛ كقولهم: "جدي جهدي"6. أو في الآخر كقول أبي تمام:
(4/643)

يمدون من أيدٍ عَوَاصٍ عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب1
وقول البحتري:
لئن صدفَتْ عنا فرُبَّت أنفس ... صوادٍ إلى تلك الوجوه الصوادف2
ومنه ما كتب به بعض ملوك المغرب إلى صاحب له3 يدعوه إلى مجلس أنس له:
أيها الصاحب الذي فارقت عيـ ... ـني ونفسي منه السنا والسناء4
نحن في المجلس الذي يهب الرا ... حة والمسمع الغنى والغناء5
نتعاطى التي تنسي من اللذ ... ة والرقة الهوى والهواء6
فأتِهِ تُلْفِ راحة ومحيا ... قد أعدَّا لك الحيا والحياء7
وربما يسمى هذا القسم -أعني الثالث8- مُطَرَّفًا، ووجه حسنه أنك تتوهم قبل أن يرد عليك آخر الكلمة كالميم من "عواصم" أنها هي التي مضت، وإنما أُتي بها للتأكيد، حتى إذا تمكن آخرها في نفسك ووعاه سمعك، انصرف عنك ذلك التوهم؛ وفي هذا حصول الفائدة بعد أن يخالطك اليأس منها.
الوجه الثاني: أن يختلفا بزيادة أكثر من حرف واحد؛ كقول الخنساء:
إن البكاء هو الشفا ... ء من الجوى بين الجوانج9
وربما سمي هذا الضرب مذيَّلا.
(4/644)

الجناس المضارع واللاحق:
وإن اختلفا في أنواع الحروف اشتُرط ألا يقع الاختلاف بأكثر من حرف.
ثم الحرفان المختلفان إن كانا متقاربين1 سمي الجناس مضارعا؛ ويكونان إما في الأول؛ كقول الحريري: "بيني وبين كِنِّي ليل دامس، وطريق طامس"، وإما في الوسط؛ كقوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} [الأنعام: 26] وقول بعضهم: "البرايا أهداف البلايا", وإما في الآخر؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة".
وإن كانا غير متقاربين سمي لاحقا، ويكونان أيضا إما في الأول؛ كقوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة: 1] وقول بعضهم: "رب وَضِيّ غير رَضِيّ". وقول الحريري: "لا أعطي زمامي لمن يخفر ذِمَامي", وإما في الوسط؛ كقوله2 تعالى: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ} [غافر: 75] , وقوله: {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 7, 8] ، وإما في الآخر؛ كقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ} 3 [النساء: 83] ، وقول البحتري:
هل لما فات من تلاقٍ تلافي ... أم لشاكٍ من الصبابة شافي4
وإن اختلفا في ترتيب الحروف سمي جناس القلب، وهو ضربان: قلب الكل؛ كقولهم: "حسامه فَتْح لأوليائه، حَتْف لأعدائه"، وقلب البعض؛ كما جاء في الخبر: "اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا" وقول بعضهم: "رحم الله امرأ أمسك ما بين فكيه، وأطلق ما بين كفيه". وعليه قول أبي الطيب:
مُمَنَّعة مُنَعَّمة رَدَاح ... يكلف لفظها الطير الوقوعا5
(4/645)

الجناس المقلوب المجَنَّح، والجناس المزدَوج:
وإذا وقع أحد المتجانسين جناس القلب في أول البيت، والآخر في آخره سمي مقلوبا مجنحا1.
وإذا ولي أحد المتجانسين الآخر سمي مزدوجا ومكررا ومرددا1 كقوله تعالى: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: 22] ، وما جاء في الخبر: "المؤمنون هينون لينون"، وقولهم: "من طلب وَجَدّ وَجَدَ"، وقولهم: "من قرع بابا وَلَجّ وَلَجَ" وقولهم: "النبيذ بغير النغم غم، وبغير الدسم سم". وقوله:
يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب2
(4/646)

ما يلحق بالجناس:
واعلم أنه يلحق بالجناس شيئان:
أحدهما: أن يجمع اللفظين الاشتقاق1 كقوله تعالى: " {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ} [الروم: 43] وقوله تعالى: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} [الواقعة: 89] , وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الظلم ظلمات يوم القيامة"، وقول الشافعي -رضي الله عنه2- وقد سُئل عن النبيذ: "أجمع أهل الحرمين على تحريمه", وقول أبي تمام:
فيا دمع أنجدني على ساكني نجد3
(4/647)

وقول البحتري:
يعشى عن المجد الغبيّ ولن ترى ... في سؤدد أَرَبا لغير أريب1
وقول محمد بن وهيب:
قسمت صروف الدهر بأسا ونائلا ... فمالُك موتور وسيفك واتر2
والثاني: أن يجمعهما المشابهة؛ وهي ما يشبه الاشتقاق وليس به3؛ كقوله تعالى: {اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} [التوبة: 38] ، {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} [الشعراء: 168] ، وقوله: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} [الرحمن: 54] .
وقول البحتري:
وإذا ما رياح جودك هبت ... صار قول العَذُول فيها هَبَاء4
(4/648)

رد العَجُز على الصدر:
ومنه رد العجز على الصدر؛ وهو في النثر أن يُجعل أحد اللفظين المكررين أو المتجانسين أو الملحقين بهما في أول الفقرة، والآخر في آخرها1؛ كقوله تعالى: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37] ، وقولهم: "الحيلة ترك الحيلة"2، وكقولهم: "سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل", وكقوله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] ، وكقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} [الشعراء: 168] .
وفي الشعر أن يكون أحدهما3 في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأول، أو حشوه، أو آخره، أو صدر الثاني؛ فالأول كقوله:
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع4
ونحوه قول الآخر:
سُكْرَان سُكْر هوى وسكر مدامة ... أنَّى يُفيق فتى به سكران5
والثاني كقول الحماسي:
(4/649)

تمتع من شَمِيم عَرَار نجد ... فما بعد العشية من عرار1
ونحوه قول أبي تمام:
ولم يحفظ مضاعَ المجد شيءٌ ... من الأشياء كالمال المضاع2
والثالث كقوله أيضا:
ومن كان بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما3
والرابع كقول الحماسي:
وإن لم يكن إلا معرج ساعة ... قليلا؛ فإني نافع لي قليلها4
والخامس كقول القاضي الأرَّجَاني:
دعاني من مَلامكما سَفَاها ... فداعي الشوق قبلكما دعاني5
(4/650)

وقول الآخر:
سل سبيلا فيها إلى راحة النفـ ... ـس براح كأنها سلسبيل1
وقول الآخر:
ذوائب سود كالعناقيد أُرسلت ... فمن أجلها منها النفوس ذوائب2
والسادس كقول الآخر:
وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانفِ البلابل باحتساء بلابل3
والسابع كقول الحريري:
فمشغوف بآيات المثاني ... ومفتون برنات المثاني4
(4/651)

والثامن كقول القاضي الأرَّجاني:
أمَّلتهم ثم تأملتهم ... فلاح لي أن ليس فيهم فَلَاح1
والتاسع كقول البحتري:
ضرائب أبدعتَها في السماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا2
والعاشر كقول امرئ القيس:
إذا المرء لم يخزُن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخَزَّان3
وقول أبي العلاء المعري:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يُهْجَر للإفراط في الخَصَر4
والحادي عشر كقول الآخر:
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أَطَنِين أجنحة الذباب يَضِير5
والثاني عشر كقول أبي تمام:
وقد كانت البيض القواضب في ... بواتر فهي الآن من بعده بُتْر6
(4/652)

السجع وأقسامه:
ومنه السجع؛ وهو تواطؤ الفاصلتين1 من النثر على حرف واحد، وهذا معنى
(4/653)

قول السكاكي1: "الأسجاع في النثر كالقوافي في الشعر". وهو ثلاثة أضرب: مطرَّف، ومتوازٍ، وترصيع.
السجع المطرف:
لأن الفاصلتين إن اختلفتا في الوزن2 فهو السجع المطرف3 كقوله تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 13, 14] .
الترصيع: وإلا فإن كان ما في إحدى القرينتين4 من الألفاظ أو أكثر ما فيها مثل ما يقابله من الأخرى في الوزن والتقفية؛ فهو الترصيع؛ كقول الحريري: "فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه" وكقول أبي الفضل الهمذاني: "إن بعد الكدر صفوا، وبعد المطر صحوا", وقول أبي الفتح البستي: "ليكن إقدامك توكلا، وإحجامك تأملا".
السجع المتوازي:
وإلا فهو السجع المتوازي؛ كقوله تعالى: {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} [الغاشية: 13,14] وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أدرأ بك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم".
شروط حسن السجع: وشرط حسن السجع اختلاف قرينتيه في المعنى كما مر5، لا كقول ابن عباد في مهزومين: "طاروا واقين بظهورهم صدورهم،
(4/654)

وبأصلابهم نحورهم".
قيل: وأحسن السجع ما تساوت قرائنه1 كقوله تعالى: {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة: 28، 29، 30] . ثم ما طالت2 قرينته الثانية، كقوله: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم: 1, 2] ، أو الثالثة، كقوله: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} 3 [الحاقة: 30, 31] وقول أبي الفضل الميكالي: "له الأمر المطاع، والشرف اليَفَاع، والعِرْض المصون، والمال المضاع". وقد اجتمعا4 في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1-3] . ولا يحسن أن تُولَى قرينةٌ قرينةً أقصر منها كثيرا5؛ لأن السمع إذا استوفى أمده من الأولى لطولها، ثم جاءت
(4/655)

الثانية أقصر منها كثيرا يكون كالشيء المبتور، ويبقى السامع كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثَر دونها، والذوق يشهد بذلك، ويقضي بصحته.
السجع القصير، والطويل، والمتوسط:
ثم السجع إما قصير، كقوله تعالى: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا، فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا} [المرسلات: 1, 2] .
أو طويل1, كقوله تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [الأنفال: 43, 44] .
أو متوسط, كقوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 1، 2] .
ومن لطيف السجع قول البديع الهمذاني من كتاب له إلى ابن فريغون2: "كتابي والبحر وإن لم أره، فقد سمعت خبره، والليث وإن لم ألقه، فقد تصورت خلقه، والملك العادل وإن لم أكن لقيته، فقد لقيني صيته، ومن رأى من السيف أثره، فقد رأى أكثره"3.
(4/656)

سكون أعجاز الفواصل 1:
واعلم أن فواصل الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الأعجاز، موقوفا عليها؛ لأن الغرض أن يزاوج بينها، ولا يتم ذلك في كل صورة إلا بالوقف، ألا ترى أنك لو وصلتَ قولهم: "ما أبعد ما فات، ما أقرب ما هو آتٍ" لم يكن بد من إجراء كل من الفاصلتين على ما يقتضيه حكم الإعراب، فيفوت الغرض من السجع، وإذا رأيتهم يُخرجون الكلم عن أوضاعها للازدواج في قولهم: "إني لآتيه بالغدايا والعشايا" أي: بالغُدُوات2، فما ظنك بهم في ذلك؟
الخلاف في إطلاق السجع في القرآن والشعر:
وقيل: إنه لا يقال: "في القرآن أسجاع" وإنما يقال: "فواصل"3.
وقيل: السجع غير مختص بالنثر، ومثاله من الشعر4 قول أبي تمام:
تجلى به رشدي، وأثرت به يدي ... وفاض به ثِمْدي، وأورى به زندي5
(4/657)

وكذا قول الخنساء:
حامي الحقيقة، محمود الخليقة، مهـ ... ـدي الطريقة، نفّاع وضرّار1
وكذا قول الآخر:
ومكارم أوليتها متبرعا ... وجرائم ألغيتَها متورعا2
وهو3 ظاهر التكلف4. وهذا القائل لا يشترط التقفية في العَروض والضرب5؛ كقوله:
وزند ندى فواضله وَرِيّ ... ورَنْد ربا فضائله نضير6
(4/658)

التشطير:
ومن السجع على هذا القول1 ما يسمى التشطير، وهو أن يجعل كل من شطري البيت سجعة مخالفة لأختها2؛ كقول أبي تمام:
تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب في الله مرتقب3
التصريع:
ومنه ما يسمى التصريع، وهو جعل العروض مقفّاة تقفية الضرب؛ كقول أبي فراس:
بأطراف المثقفة العوالي ... تفردنا بأوساط المعالي4
وهو مما استحسن، حتى إن أكثر الشعر صُرِّع البيت الأول منه5؛ ولذلك متى خالفت العروض الضرب في الوزن؛ جاز أن تُجعل موازنة له إذا كان البيت مصرعا؛ كقول امرئ القيس:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل ينعمن من كان في العصر الخالي6
(4/659)

أتى بعَروض الطويل "مفاعلن"، وذلك لا يصح إذا لم يكن البيت مصرعا1، ولهذا خُطِّئ أبو الطيب في قوله:
تفكره علم، ومنطقه حكم ... وباطنه دين وظاهره ظَرْف2
الموازنة، والمماثلة:
ومنه الموازنة، وهي أن تكون الفاصلتان3 متساويتين في الوزن دون التقفية، كقوله تعالى: {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} 4 [الغاشية: 15، 16] .
فإن كان ما في إحدى القرينتين من الألفاظ، أو أكثر ما فيها، مثل ما يقابله من الأخرى في الوزن خُص باسم المماثلة، كقوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ، وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الصافات: 117، 118] .
وقول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قَنَا الخَطّ إلا أن تلك ذوابل5
وقول البحتري:
(4/660)

فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا1
القلب: ومنه القلب2، كقولك: "أرض خضراء"، وقول عماد الدين الكاتب للقاضي الفاضل: "سر فلا كبا بك الفرس". وجواب القاضي: "دام علا العماد".
وقول القاضي الأرجاني:
مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم3
(4/661)

وفي التنزيل: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] ، وفيه: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] .
التشريع:
ومنه التشريع، وهو بناء البيت على قافيتين يصح المعنى على الوقوف على كل واحدة منهما1؛ كقول الحريري:
يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شَرَك الردى وقَرارة الأكدار2
(4/662)

الأبيات.
لزوم ما لا يلزم:
ومنه لزوم ما لا يلزم؛ وهو أن يجيء قبل حرف الروي وما في معناه من الفاصلة ما ليس بلازم في مذهب السجع1؛ كقوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ، وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 201، 202] ، وقوله: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى: 9، 10] ، وقول الشاعر:
سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خَلَّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت2
وقول الآخر:
يقولون: في البستان للعين لذة ... وفي الخمر والماء الذي غير آسن
إذا شئت أن تلقى المحاسن كلها ... ففي وجه من تهوى جميع المحاسن3
(4/663)

وقد يكون ذلك في غير الفاصلتين أيضا1؛ كقول الحريري: "وما اشتار العسل من اختار الكسل".
أصل الحسن في القسم اللفظي: وأصل الحسن في جميع ذلك -أعني القسم اللفظي- كما قال الشيخ عبد القاهر2 هو أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني3؛ فإن المعاني إذا أُرسلت على سجيتها، وتُركت وما تريد، طلبت لأنفسها الألفاظ، ولم تكتسِ إلا ما يليق بها؛ فإن كان خلاف ذلك كان كما قال أبو الطيب:
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب4
(4/664)

وقد يقع في كلام بعض المتأخرين ما حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ما له اسم في البديع، على أن ينسى أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليُبِين، ويخيل إليه أنه إذا جمع عدة من أقسام البديع في بيت؛ فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء، وأن يوقع السامع من طلبه في خَبْط عَشْواء1.
(4/665)

تمرينات على المحسنات اللفظية:
تمرين 1:
بين نوع المحسن اللفظي, ووجه حسنه فيما يأتي:
1-
سلسل خطوطك ما غدا ... شاطي الجِمَام الزرق بالأغصان
واسجع بشعرك ما غدا متصلصلا ... شادي الحمام الوُرْق بالألحان
2-
هلال في إضاءته حياء ... شهاب في سماحته اتقاد
3-
لم يقض من حقكم بعض الذي ... قلب متى ما جرى ذكراكم يجب
4-
أسكرني باللفظ والمقلة الـ ... ـكحلاء والوجنة والكاس
ساق يُريني قلبه قسوة ... وكل ساق قلبه قاسي
تمرين 2:
بين نوع الجناس في الأمثلة الآتية:
1-
تحملت خوف المن كل رزيئة ... وحمل رزايا الدهر أحلى من المن
2-
ستر المحبة يوم البين منهتك ... وثوب صبري من الأشواق منتهك
3-
لعيني كل يوم ألف عبره ... تصيرني لأهل الشوق عبره
4-
كن كيف شئت عن الهوى لا أنتهي ... حتى تعود لي الحياة وأنت هي
5-
من بحر جودك أغترف ... وبفيض علمك أعترف
6-
عطفت كأمثال القسي حواجبا ... فرمت غداة البين قلبا واجبا
تمرين 3:
بين نوع المحسن اللفظي, ووجه حسنه فيما يأتي:
1-
تمنت سليمى أن أموت صبابة ... وأهون شيء عندنا ما تمنت
2-
اسلم ودمت على الحوادث ما رسا ... ركنا ثبير أو هضاب حراء
ونُل المراد ممكّنا منه على ... رغم الدهور وفُزْ بطول بقاء
3-
ضحكنا وكان الضحك منا ... وحق لسكان البسيطة أن يبكوا
(4/666)

تحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سَبْك
تمرين 4:
لماذا حسن الجناس في قول أبي الفتح:
ناظِرَاه فيما جَنَت ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني
ولم يحسن في قول أبي تمام:
ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت ... فيه الظنون أمَذهب أم مُذهب؟
تمرين 5:
بين نوع المحسن اللفظي فيما يأتي:
1-
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
يعلّ به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المستحر
2-
فنحن في جذل، والروم في وَجَل ... والبر في شغل، والبحر في خجل
مُوفٍ على مُهَج، في يوم ذي رَهَج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل
(4/667)

خاتمة في فصلين يُلحقان بالبديع:
مدخل
هذا ما تيسر بإذن الله تعالى جمعه وتحريره من أصول الفن الثالث، وبقيت أشياء يذكرها فيه بعض المصنفين:
منها ما يتعين إهماله؛ لعدم دخوله في فن البلاغة؛ نحو ما يرجع في التحسين إلى الخط دون اللفظ، مع أنه لا يخلو من التكلف؛ ككون الكلمتين متماثلتين في الخط، وكون الحروف منقوطة أو غير منقوطة. ونحو ما لا أثر له في التحسين، كما يسمى "الترديد"1. أو لعدم جدواه؛ نحو ما يوجد في كتب بعض المتأخرين مما هو داخل فيما ذكرناه، كما سماه: "الإيضاح"؛ فإنه في الحقيقة راجع إلى الإطناب2 أو خلط فيه، كما سماه: "حسن البيان"3.
ومنها ما لا بأس بذكره؛ لاشتماله على فائدة4، وهو شيئان:
أحدهما: القول في السرقات الشعرية وما يتصل بها.
والثاني: القول في الابتداء والتخلص والانتهاء.
فعقدنا فيهما فصلين ختمنا بهما الكتاب.
(4/668)

الفصل الأول: السرقات الشعرية
مدخل
اعلم أن اتفاق القائلين إن كان في الغرض على العموم1 -كالوصف بالشجاعة والسخاء والبلادة والذكاء- فلا يُعدّ سرقة، ولا استعانة ولا نحوهما؛ فإن هذه أمور متقررة في النفوس، متصورة للعقول، يشترك فيها الفصيح والأعجم، والشاعر والمُفْحَم.
وإن كان في وجه الدلالة على الغرض2, وينقسم إلى أقسام كثيرة: منها التشبيه بما توجد الصفة فيه3 على الوجه البليغ كما سبق4، ومنها ذكر هيئات تدل على الصفة؛ لاختصاصها بمن له الصفة؛ كوصف الرجل حال الحرب بالابتسام وسكون الجوارح وقلة الفكر؛ كقوله:
كأن دنانيرا على قَسَمَاتهم ... وإن كان قد شَفَّ الوجوه لقاء5
وكذا وصف الجواد بالتهلل عند ورود العفاة، والارتياح لرؤيتهم، ووصف البخيل بالعبوس وقلة البِشْر، مع سعة ذات اليد ومساعدة الدهر.
فإن كان مما يشترك الناس في معرفته؛ لاستقراره في العقول والعادات؛ كتشبيه الفتاة الحسنة الوجه بالشمس والبدر، والجواد بالغيث والبحر، والبليد البطيء بالحجر والحمار، والشجاع الماضي بالسيف والنار، فالاتفاق فيه كالاتفاق في عموم الغرض.
وإن كان مما لا يُنال إلا بفكر، ولا يصل إليه كل أحد6؛ فهذا الذي يجوز أن يدعى فيه الاختصاص والسبق، وأن يقضى بين القائلين فيه بالتفاضل، وأن أحدهما فيه أفضل من الآخر، وأن الثاني زاد على الأول أو نقص عنه. وهو ضربان:
أحدهما: ما كان في أصله خاصيا غريبا.
والثاني: ما كان في أصله عاميا مبتذلا، لكن تُصُرِّف فيه بما أخرجه من كونه ظاهرا ساذجا إلى خلاف ذلك7، وقد سبق ذكر أمثلتهما في التشبيه والاستعارة8.
إذا عرفت هذا فنقول:
الأخذ والسرقة نوعان: ظاهر، وغير ظاهر.
(4/669)

أقسام السرقة الظاهرة:
النسخ والانتحال:
أما الظاهر فهو أن يؤخذ المعنى كله؛ إما مع اللفظ كله، أو بعضه1، وإما وحده؛ فإن كان المأخوذ اللفظ كله من غير تغيير لنظمه فهو مذموم؛ لأنه سرقة محضة، ويسمى نسخا وانتحالا؛ كما حكي أن عبد الله بن الزبير دخل على معاوية, فأنشده:
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل2
(4/670)

ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مَزْحَل1
فقال له معاوية: "لقد شعرتَ بعدي يا أبا بكر". ولم يفارق عبد الله المجلس حتى دخل معن بن أوس المزني، فأنشد كلمته التي أولها:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تغدو المنية أول2
حتى أتى عليها، وفيها ما أنشده عبد الله، فأقبل معاوية على عبد الله وقال له: "ألم تخبرني أنهما لك؟! " فقال: "المعنى لي، واللفظ له، وبعد فهو أخي من الرضاعة، وأنا أحق بشعره"3.
وقد رُوي لأوس ولزهير في قصيدتيهما4 هذا البيت:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخَنَا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل5
وقد روي للأبيرد اليربوعي:
(4/671)

فتى يشتري حسن الثناء بماله ... إذا السنة الشهباء أعوزها القَطْر1
ولأبي نواس:
فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور2
وقد روي لبعض المتقدمين يمدح معبدا:
أجاد طويس والسريجي بعده ... وما قصبات السبق إلا لمعبد3
ولأبي تمام:
محاسن أصناف المغنين جمة ... وما قصبات السبق إلا لمعبد4
وحكى صاحب الأغاني في أصوات معبد:
لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا5
(4/672)

وفي شعر أبي نواس:
دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما تصيبهم إلا بما شاءوا1
وفي هذا المعنى ما كان التغيير فيه بإبدال كلمة أو أكثر بما يرادفها2؛ كقول امرئ القيس:
وقوفا بها صحبي علي مَطِيّهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمّل3
وقول طرفة:
وقوفا بها صحبي عليَّ مطيهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلد4
وكقول العباس بن عبد المطلب, رضي الله عنه:
(4/673)

وما الناس بالناس الذين عَهِدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم1
وقول الفرزدق:
وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعرف
وكقول حاتم:
ومن يبتدع ما ليس من خِيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خِيمها2
وقول الأعور:
ومن يقترف خلقا سوى خلق نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها3
الإغارة أو المسخ:
وإن كان4 مع تغيير لنظمه، أو كان المأخوذ بعض اللفظ؛ سمي إغارة ومسخا.
1- فإن كان الثاني أبلغ من الأول لاختصاصه بفضيلة؛ كحسن السبك5، أو الاختصار، أو الإيضاح، أو زيادة معنى, فهو ممدوح مقبول، كقول بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللَّهِج6
وقول سلم الخاسر:
(4/674)

من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجَسور1
فبيت سلم أجود سبكا وأخصر2، وكقول الآخر:
خلقنا لهم في كل عين وحاجب ... بسمر القنا والبيض عينا وحاجبا3
وقول ابن نباتة بعده:
خلقنا بأطراف القنا في ظهورهم ... عيونا لها وَقْع السيوف حواجب4
فبيت ابن نباتة أبلغ؛ لاختصاصه بزيادة معنى؛ وهو الإشارة إلى انهزامهم5.
ومن الناس من جعلهما متساويين6.
وإن كان الثاني دون الأول في البلاغة فهو مذموم مردود؛ كقول أبي تمام:
هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل7
(4/675)

وقول أبي الطيب:
أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا1
فإن مصراع أبي تمام أحسن سبكا من مصراع أبي الطيب؛ لأن أبا الطيب أراد أن يقول: ولقد كان الزمان به بخيلا، فعدل عن الماضي إلى المضارع للوزن، فإن قلتَ: المعنى أن الزمان لا يسمح بهلاكه2 قلتُ: السخاء بالشيء هو بذله للغير، فإذا كان الزمان قد سخا به؛ فقد بذله، فلم يبق في تصريفه حتى يسمح بهلاكه أو يبخل به3.
وإن كان مثله فالخطب فيه أهون، وصاحب الثاني أبعد من المذمّة، والفضل لصاحب الأول؛ كقول بشار:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا4
وقول ابن الشحنة الموصلي:
وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق5
وكذا قول القاضي الأرجاني:
(4/676)

لم يبكني إلا حديث فراقكم ... لما أسرّ به إلي مودعي
هو ذلك الدُّرّ الذي أودعتم ... في مسمعي ألقيته من مدمعي1
وقول جار الله:
وقائلة: ما هذه الدرر التي ... تساقطها عيناك سمطين سمطين؟
فقلت: هي الدر الذي قد حشا به ... أبو مضر أذني تساقط من عيني2
وكقول أبي تمام:
لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلا الفراق على النفوس دليلا3
وقول أبي الطيب:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا4
واعلم أن من هذا الضرب5 ما هو قبيح جدا، وهو ما يدل على السرقة باتفاق الوزن والقافية أيضا؛ كقول أبي تمام:
(4/677)

مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد1
ولا سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي2
وقول أبي الطيب:
وإني عنك بعد غد لغادٍ ... وقلبي عن فنائك غير غادي3
محبك حيثما اتجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد
الإلمام أو السلخ:
وإن كان المأخوذ المعنى وحده سمي إلماما وسلخا، وهو ثلاثة أقسام كذلك4:
أولها كقول البحتري:
تصد حياء أن تراك بأوجه ... أتى الذنب عاصيها فلِيم مطيعها5
وقول أبي الطيب:
وجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جارمه العذاب6
(4/678)

فإن بيت أبي الطيب أحسن سبكا1 وكأنه اقتبسه2 من قوله تعالى: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155] , وكقول الآخر:
ولست بنَظَّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر3
وقول أبي تمام بعده:
يصد عن الدنيا إذا عَنَّ سؤدد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد
فبيت أبي تمام أخصر وأبلغ؛ لأن قوله: "ولو برزت في زي عذراء ناهد" زيادة حسنه4. وكقول أبي تمام:
هو الصنع إن يعجل فخير، وإن يرث ... فللرَّيث في بعض المواضع أنفع5
وقول أبي الطيب:
ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجَهَام6
(4/679)

فبيت أبي الطيب أبلغ؛ لاشتماله على زيادة بيان1.
وثانيها كقول بعض الأعراب:
وريحها أطيب من طيبها ... والطيب فيه المسك والعنبر2
وقول بشار:
وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب المسك على ريح البصل3
وقول أشجع:
وعلى عدوك يابن عم محمد ... رصدانِ: ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبه رعته، وإذا هدا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام4
وقول أبي الطيب:
يرى في النوم رمحك في كُلاه ... ويخشى أن يراه في السُّهَاد5
(4/680)

فقصّر بذكر "السهاد"؛ لأنه أراد اليقظة ليطابق بها النوم فأخطأ؛ إذ ليس كل يقظة سهادا، وإنما السهاد امتناع الكرى في الليل، وأما المستيقظ بالنهار فلا يسمى ساهدا. وكقول البحتري:
وإذا تألق في الندى كلامه المصـ ... ـقول خلت لسانه من عضبه1
وقول أبي الطيب:
كأن ألسنهم في النطق قد جعلت ... على رماحهم في الطعن خرصانا2
فإن أبا الطيب فاته ما أفاده البحتري بلفظي "تألق" و"المصقول" من الاستعارة التخييلية3. وكقول الخنساء:
وما بلغ المهدون للناس مِدْحة ... وإن أطنبوا إلا وما فيك أفضل4
وقول أشجع:
وما ترك المُدَّاح فيك مقالة ... ولا قال -إلا دون ما فيك- قائل5
(4/681)

فإن بيت الخنساء أحسن من بيت أشجع؛ لما في مصراعه الثاني من التعقيد، إذ تقديره: ولا قال قائل إلا دون ما فيك1.
وثالثها كقول الأعرابي:
ولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا2
وقول أشجع:
وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع3
وكذا قول بكر بن النطاح:
كأنك عند الكر في حومة الوغى ... تفر من الصف الذي من ورائك4
وقول أبي الطيب:
فكأنه والطعن من قدامه ... متخوف من خلفه أن يطعنا5
وكذا قول الآخر يذكر ابنا له مات:
(4/682)

والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم1
وقول أبي تمام بعده:
وقد كان يدعى لابس الصبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع2
(4/683)

أقسام السرقة غير الظاهرة:
وأما غير الظاهر؛ فمنه أن يتشابه معنى الأول ومعنى الثاني3؛ كقول الطرماح بن حكيم الطائي:
لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل1
وقول أبي الطيب:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل2
فإن ذم الناقص أبا الطيب كبغض من هو غير طائل الطرماح، وشهادة ذم الناقص أبا الطيب كزيادة حب الطرماح لنفسه.
وكذلك قول أبي العلاء المعري في مرثية:
(4/683)

وما كُلْفَة البدر المنير قديمة ... ولكنها في وجهه أثر اللَّطْم1
وقول القيسراني:
وأهوى الذي أهوى له البدر ساجدا ... ألست ترى في وجهه أثر الترب2
وأوضح من ذلك قول جرير:
فلا يمنعك من أَرَب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار3
وقول أبي الطيب:
ومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب4
ولا يغرك من البيتين المتشابهين أن يكون أحدهما نسيبا والآخر مديحا أو هجاء أو افتخارا أو غير ذلك5؛ فإن الشاعر الحاذق إذا عمد إلى المعنى المختلس لينظمه
(4/684)

تحيل في إخفائه، فغيّر لفظه وعدل به عن نوعه ووزنه وقافيته.
ومنه النقل: وهو أن ينقل معنى الأول إلى غير محله؛ كقول البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يُسلبوا1
نقله أبو الطيب إلى السيف فقال:
يبس النجيع عليه وهو مجرد ... من غمده فكأنما هو مغمد2
المبالغة: ومنه: أن يكون معنى الثاني أشمل من معنى الأول؛ كقول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... وجدت الناس كلهم غضابا3
وقول أبي نواس:
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد4
ومنه القلب: وهو أن يكون معنى الثاني نقيض معنى الأول، سمي بذلك لقلب المعنى إلى نقيضه؛ كقول أبي الشيص:
(4/685)

أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللُّوَّم1
وقول أبي الطيب:
أأحبه وأحب فيه ملامة؟ ... إن الملامة فيه من أعدائه2
وكذا قول أبي الطيب أيضا:
والجراحات عنده نغمات ... سبقت قبل سيبه بسؤال3
فإنه ناقض به قول أبي تمام:
ونغمة مُعْتَفٍ جدواه أحلى ... على أذنيه من نغم السماع4
وقد تبعه البحتري فقال:
نشوان يطرب للسؤال كأنما ... غناه مالك طيئ أو معبد5
ومنه: أن يؤخذ بعض المعنى ويضاف إليه زيادة تحسنه، كقول الأفوه الأودي:
(4/686)

وترى الطير على آثارنا ... رَأْي عين ثقة أن ستُمار1
وقول أبي تمام:
وقد ظُلِّلت عُقْبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل
أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل2
فإن الأفوه أفاد بقوله: "رأي عين" قربها؛ لأنها إذا بعدت تُخُيلت ولم تُرَ، وإنما يكون قربها توقعا للفريسة، وهذا يؤكد المعنى المقصود، ثم قال: "ثقة أن ستمار" فجعلها واثقة بالمِيرة، وأما أبو تمام فلم يلم بشيء من ذلك3 لكن زاد على الأفوه بقوله: "إلا أنها لم تقاتل"، ثم بقوله: "في الدماء نواهل"، ثم بإقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش، وبذلك يتم حسن قوله: "إلا أنها لم تقاتل"؛ وهذه الزيادات حسنت قوله، وإن كان قد ترك بعض ما أتى به الأفوه.
وهذه الأنواع4 ونحوها أكثرها مقبولة، ومنها ما أخرجه حسن التصرف من قبيل الأخذ والاتباع، إلى حيز الاختراع والابتداع، وكلما كان أشد خفاء كان أقرب إلى القبول.
(4/687)

هذا كله1 إذا عُلم أن الثاني أخذ من الأول، وهذا لا يُعلَم إلا بأن يعلم أنه كان يحفظ قول الأول حين نظم قوله، أو بأن يخبر هو عن نفسه أنه أخذه منه؛ لجواز أن يكون الاتفاق من قبيل توارد الخواطر، أي: مجيئه على سبيل الاتفاق من غير قصد إلى الأخذ والسرقة، كما يُحكى عن ابن ميادة أنه أنشد لنفسه:
مفيد ومِتْلاف إذا ما أتيتَهُ ... تهلّل واهتز اهتزاز المهند2
فقيل له: أين يذهب بك؟ هذا للحطيئة! 3 فقال: "الآن علمت أني شاعر؛ إذ وافقتُه على قوله ولم أسمعه".
ولهذا لا ينبغي لأحد بَتّ الحكم على شاعر بالسرقة ما لم يعلم الحال، وإلا4 فالذي ينبغي أن يقال: قال فلان كذا، وقد سبقه إليه فلان فقال كذا؛ فيغتنم به فضيلة الصدق، ويسلم من دعوى العلم بالغيب ونسبة النقص إلى الغير.
ما يتصل بالسرقات الشعرية:
ومما يتصل بهذا الفن القول في الاقتباس، والتضمين، والعقد، والحل، والتلميح.
أما الاقتباس:
فهو أن يُضمَّن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث لا على أنه منه5؛ كقول
(4/688)

الحريري: "لم يكن {إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} 1 حتى أنشد فأغرب". وقوله: " {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} 2، وأميز صحيح القول من عليله".
وقول ابن نباتة الخطيب: "فيا أيها الغَفَلَة المطرقون، أَمَا أنتم بهذا الحديث مصدقون؟ ما لكم لا تشفقون؟ فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون"3. وقوله أيضا من خطبة أخرى ذكر فيها القيامة: "هنالك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، ويجمع من وجب له الثواب، وحق عليه العقاب، فيضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قِبَله العذاب"4. وقول القاضي الفاضل وقد ذكر الإفرنج: "وغضبوا، زادهم الله غضبا، وأوقدوا نارا للحرب جعلهم الله لها حطبا"5.
وكقول الحماسي:
إذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحب: ميعاد السُّلُو المقابر
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ود يوم تبلى السرائر6
وقول أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني:
لآل فريغون في المكْرُمات ... يد أولا واعتذار أخيرا
إذا ما حللت بمغناهم ... رأيت نعيما وملكا كبيرا7
(4/689)

وقول الأبيوردي:
وقصائد مثل الرياض أضعتها ... في باخل ضاعت به الأحساب
فإذا تناشدها الرواة وأبصروا ... الممدوح قالوا: ساحر كذاب1
وقول الآخر:
لا تعاشر معشرا ضلوا الهدى ... فسواء أقبلوا أو أدبروا
بدت البغضاء من أفواههم ... والذي يُخفون منها أكبر2
وقول الآخر:
خُلَّة الغانيات خلة سوء ... فاتقوا الله يا أولي الألباب
وإذا ما سألتموهن شيئا ... فاسألوهن من وراء حجاب3
وقول الآخر:
إن كنت أزمعتِ على هجرنا ... من غير ما جُرْم فصبر جميل
(4/690)

وإن تبدلت بنا غيرنا ... فحسبنا الله ونعم الوكيل1
وكقول الحريري: "وكتمان الفقر زهادة، وانتظار الفرج بالصبر عبادة"؛ فإن قوله: "انتظار الفرج بالصبر عبادة" لفظ الحديث، وقوله: "قلنا: شاهت الوجوه وقبح اللكع ومن يرجوه" فإن قوله: "شاهت الوجوه" لفظ الحديث؛ فإنه روي أنه لما اشتدت الحرب يوم حنين أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- كفا من الحصباء فرمى بها في وجوه المشركين وقال: "شاهت الوجوه" أي: قبحت، واللكع قيل: هو اللئيم، وقال أبو عبيد: هو العبد. وكقول ابن عباد:
قال لي: إن رقيبي ... سيئ الخلق؛ فداره
قلت: دعني وجهك الجنـ ... ـة حفت بالمكاره2
اقتبس من لفظ الحديث: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات".
والاقتباس منه ما لا يُنقل فيه اللفظ المقتبس عن معناه الأصلي إلى معنى آخر كما تقدم، ومنه ما هو بخلاف ذلك3 كقول ابن الرومي:
لئن أخطأت في مدحيك ... ما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجاتي ... بوادٍ غير ذي زرع4
(4/691)

ولا بأس بتغيير يسير لأجل الوزن أو غيره1؛ كقول بعض المغاربة عند وفاة بعض أصحابه:
قد كان ما خفت أن يكونا ... إنا إلى الله راجعونا2
وقول عمر الخيام:
سبقت العالمين إلى المعالي ... بصائب فكرة وعلو همه3
ولاح بحكمتي نور الهدى في ... ليال للضلالة مدلهمّه4
يريد الجاهلون ليطفئوه ... ويأبى الله إلا أن يتمه5
وكقول القاضي منصور الهروي الأزدي:
فلو كانت الأخلاق تحوى وراثة ... ولو كانت الآراء لا تتشعب6
لأصبح كل الناس قد ضمهم هوى ... كما أن كل الناس قد ضمهم أب7
(4/692)

ولكنها الأقدار؛ كل ميسر ... لما هو مخلوق له ومقرب
اقتبس من لفظ الحديث: "اعملوا؛ كل ميسر لما خُلق له".
التضمين:
وأما التضمين فهو أن يضمن الشعر شيئا من شعر الغير، مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهورا عند البلغاء1؛ كقول بعض المتأخرين "قيل: هو ابن التلميذ الطبيب النصراني":
كانت بُلَهْنِية الشبيبة سكرة ... فصحوت واستبدلت سيرة مجمل
وقعدت أنتظر الفناء كراكب ... عرف المحل فبات دون المنزل2
البيت الثاني لمسلم بن الوليد الأنصاري. وقول عبد القاهر بن طاهر التميمي:
إذا ضاق صدري وخفت العدا ... تمثلت بيتا بحالي يليق
فبالله أبلغ ما أرتجي ... وبالله أدفع ما لا أطيق3
وقول ابن العميد:
وصاحب كنت مغبوطا بصحبته ... دهرا، فغادرني فردا بلا سكن
هبت له ريح إقبال فطار بها ... نحو السرور وألجاني إلى الحَزَن
كأنه كان مطويا على إِحَن ... ولم يكن في ضروب الشعر أنشدني4
(4/693)

إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
البيت الأخير لأبي تمام1. وكقول الحريري:
على أني سأنشد عند بيعي ... أضاعوني وأي فتى أضاعوا2
المصراع الأخير قيل: هو للعرجي، وقيل: لأمية بن أبي الصلت. وتمام البيت:
ليوم كريهة وسِدَاد ثغر3
ولا حاجة إلى تقديره؛ لتمام المعنى بدونه. ومثله قول الآخر:
قد قلت لما أطلعت وَجَنَاته ... حول الشقيق الغض روضة آس
أعذاره الساري العَجُول ترفقا ... ما في وقوفك ساعة من باس4
المصراع الأخير لأبي تمام5. وكقول الآخر:
(4/694)

كنا معا أمس في بؤس نكابده ... والعين والقلب منا في قذًى وأذى
والآن أقبلت الدنيا عليك بما ... تهوى فلا تنسني إن الكرام إذا1
أشار إلى بيت أبي تمام2، ولا بد من تقدير الباقي منه؛ لأن المعنى لا يتم بدونه. وقد عُلم بهذا أن تضمين ما دون البيت ضربان3.
وأحسن وجوه التضمين: أن يزيد المضمن في الفرع عليه في الأصل بنكتة؛ كالتورية، والتشبيه في قول صاحب التحبير:
إذا الوهم أبدى لي لَماها وثغرها ... تذكرت ما بين العُذَيب وبارق
ويُذكرني من قدها ومدامعي ... مَجَرّ عوالينا ومجرى السوابق4
المصراعان الأخيران لأبي الطيب5.
(4/695)

ولا يضر التغيير اليسير ليدخل في معنى الكلام؛ كقول بعض المتأخرين في يهودي به داء الثعلب:
أقول لمعشر غَلِطوا وغضّوا ... من الشيخ الرشيد وأنكروه
هو ابن جلا وطلّاع الثنايا ... متى يضع العمامة تعرفوه1
البيت لسحيم بن وثيل، وأصله:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني2
(4/696)

تقسيم التضمين إلى استعانة، وإيداع، أو رفو:
وربما سمي تضمين البيت فما زاد استعانة، وتضمين المصراع فما دونه تارة إيداعا, وتارة رفوا1.
العقد:
وأما العقد فهو: أن ينظم نثر لا على طريق الاقتباس2.
1- أما عقد القرآن, فكقول الشاعر:
أنلني بالذي استقرضت خطا ... وأشهد معشرا قد شاهدوه3
فإن الله خلاق البرايا ... عنت لجلال هيبته الوجوه
يقول: إذا تداينتم بدين ... إلى أجل مسمى فاكتبوه
2- وأما عقد الحديث؛ فكما روي للشافعي رضي الله عنه:
عمدة الخير عندنا كلمات ... أربع قالهن خير البريه
اتق الشبهات، وازهد، ودع ما ... ليس يعنيك، وأعملَنْ بنيه4
عقد قوله عليه السلام: "الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات"، وقوله عليه السلام: "ازهد في الدنيا يحبك الله"، وقوله عليه السلام: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وقوله عليه السلام: "إنما الأعمال بالنيات".
وأما عقد غيرهما فكقول أبي العتاهية:
ما بال من أوله نطفة ... وجِيفة آخره يفخر5
عقد قول علي رضي الله عنه: "وما لابن آدم والفخر؛ وإنما أوله نطفة، وآخره جيفة! ".
وقوله أيضا:
كفى حزنا بدفنك، ثم أني ... نفضت تراب قبرك عن يديّا
(4/697)

وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا1
قيل: عقد قول بعض الحكماء في الإسكندر لما مات: "كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس". وقيل: هو قول "المُوبَذ" لما مات قُباذ الملك.
وقول الآخر:
يا صاحب البغي إن البغي مصرعة ... فارْبَعْ فخير فعال المرء أعدله
فلو بغى جبل يوما على جبل ... لاندكّ منه أعاليه وأسفله2
عقد قول ابن عباس رضي الله عنهما: "لو بغى جبل على جبل لدُك الباغي", وقول الآخر:
البس جديدك إني لابس خَلَقي ... ولا جديد لمن لا يلبس الخَلَقا3
عقد المثل: "لا جديد لمن لا خَلَق له" قالته عائشة -رضي الله عنها- وقد وهبت مالا كثيرا، ثم أمرت بثوب لها أن يرقع. يضرب في الحث على استصلاح المال.
(4/698)

الحل:
وأما الحل فهو أن ينثر نظم، وشرط كونه مقبولا شيئان: أحدهما أن يكون سبكه مختارا لا يتقاصر عن سبك أصله، والثاني: أن يكون حسن الموقع مستقرا في محله غير قلق1، وذلك كقول بعض المغاربة: "فإنه لما قبحت فعلاته، وحنظلت نخلاته، لم يزل سوء الظن يقتاده، ويصدق توهمه الذي يعتاده"؛ حلّ قول أبي الطيب:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم2
وكقول صاحب "الوشى المرقوم في حل المنظوم"3 يصف قلم كاتب: "فلا تحظى به دولة إلا فخرت على الدول، وغنِيت به عن الخيل والخَوَل، وقالت: أعلى الممالك ما يبنى على الأقلام, لا على الأسل". حلّ قول أبي الطيب أيضا:
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل4
وكقول بعض كتاب العصر في وصف السيف: "أورثه عشق الرقاب نحولا، فبكى، والدمع مطر تزيد به الخدود محولا". حل قول أبي الطيب أيضا:
(4/699)

التلميح:
وأما التلميح فهو: أن يُشار إلى قصة أو شعر من غير ذكره1.
فالأول كقول ابن المعتز:
أترى الجيرة الذين تداعوا ... عن سير الحبيب وقت الزوال
علموا أنني مقيم وقلبي ... راحل فيهم أمام الجِمَال
مثل صاع العزيز في أرحل القو ... م، ولا يعلمون ما في الرحال2
وقول أبي تمام:
لحقنا بأخراهم وقد حوّم الهوى ... قلوبا عهدنا طيرها وهي وُقَّع3
(4/700)

فرُدَّت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخِدْر تطلع1
نضا ضوءها صِبْغ الدُّجُنة وانطوى ... لبهجتها ثوب السماء المجزع2
فوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع3
أشار إلى قصة يوشع بن نون فتى موسى -عليهما السلام- واستيقافه الشمس؛ فإنه روي أنه قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم، ويدخل السبت، فلا يحل له قتالهم فيه، فدعا الله، فرد له الشمس حتى فرغ من قتالهم.
والثاني كقول الحريري: "وإني -والله- لطالما تلقيت الشتاء بكافاته، وأعددت له الأهب قبل موافاته". أشار إلى قول ابن سكرة:
جاء الشتاء وعندي من حوائجه ... سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا
كِنّ، وكِيس، وكانون، وكاس طِلا ... بعد الكَباب، وكشّ ناعم، وكِسا4
وقوله أيضا: "بتّ بليلة نابغية"، أومأ به إلى قول النابغة:
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع5
(4/701)

وقول غيره:
لعمرو مع الرَّمْضاء والنار تلتظي ... أرق وأحفى منك في ساعة الكرب1
أشار إلى البيت المشهور:
المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار2
ومن التلميح ضرب يشبه اللُّغْز، كما روي أن تميميا قال لشريك النميري: "ما في الجوارح أحب إلي من البازي" فقال: "إذا كان يصيد القطا". أشار التميمي إلى قول جرير3:
أنا البازي المطل على نمير ... أتيح من السماء لها انصبابا4
وأشار شريك إلى قول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلت5
(4/702)

تمرينات على السرقات الشعرية وما يتصل بها:
تمرين1:
بين موضع الأخذ ونوعه وحكمه في قول عمرو بن معديكرب:
والضاربين بكل أبيض مرهف ... والطاعنين مجامع الأضغان
قوم ترى أرماحهم يوم الوغى ... مشغوفة بمواطن الكتمان
وقول مسلم بن الوليد، وأبي تمام بعده:
لا يستطيع يزيد من طبيعته ... عن المروءة والمعروف إحجاما
تعود بسط الكف حتى لو انه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله
تمرين2:
من أي أقسام الأخذ غير الظاهر ما يأتي:
1- قول أبي العتاهية:
إنما الناس كالبهائم في الرز ... ق سواء جهولهم والحكيم
مع قول أبي تمام بعده:
فلو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هلكن إذن من جهلهن البهائم؟
2- قول مسلم بن الوليد:
يعدو عدوك خائفا فإذا رأى ... أن قد قدرت على العقاب رجاكا
مع قول أبي تمام بعده:
إذا سيفه أضحى على الهام حاكما ... غدا العفو منه وهو في السيف حاكم؟
تمرين3:
ميز بين الاقتباس والتضمين والعقد والحل والتلميح في الأمثلة الآتية:
1- قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] .
(4/703)

2-
أشكو الأقارب لا يغيب جَفَاهم ... يبغي أذاي صغيرهم وكبيرهم
هم يعلنون لدى اللقاء مودتي ... والله يعلم ما تُكنّ صدورهم
3-
لم أنس موقفنا بكاظمة ... والعيش مثل الدار مسوَدّ
والدمع يُنشد في مسايله: ... هل بالطلول لسائل رد؟
4- قول إبراهيم بن العباس الصولي: "فأبدلوه آجالا من آمال"، مع قول مسلم بن الوليد قبله:
مُوفٍ على مُهَج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل
5- قول أبي الطيب:
ولم أر في عيوب الناس شيئا ... كنقص القادرين على التمام
مع قول أرسطو قبله: "أعجز العَجَزَة من قدر أن يزيل العجز عن نفسه فلم يفعل".
6- قول أبي العلاء:
أَفِقْ إنما البدر المقنع رأسه ... ضلال وغي مثل بدر المقنع
7- قول أبي نواس:
بروحي غزال كان للناس قِبْلَة ... وقد زرت في بعض الليالي مصلاه
ويقرأ في المحراب والناس خلفه ... ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله
فقلت: تأمل ما تقول فإنها ... فعالك يا من تقتل الناس عيناه
(4/704)

الفصل الثاني: مواضع التأنق في الكلام
ينبغي للمتكلم أن يتأنق في ثلاثة مواضع من كلامه؛ حتى تكون أعذب لفظا، وأحسن سبكا، وأصح معنى1.

حسن الابتداء:
الأول: الابتداء؛ لأنه أول ما يقرع السمع، فإن كان كما ذكرنا أقبل السامع على الكلام، فوعى جميعه، وإن كان بخلاف ذلك أعرض عنه ورفضه، وإن كان في غاية الحسن.
فمن الابتداءات المختارة قول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل2
وقول النابغة:
كِلِيني لهمّ يا أميمة ناصب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب3
وقول أبي الطيب:
(4/705)

أتظنني من زَلّة أتعتّب ... قلبي أرقّ عليك مما تحسب1
وقوله:
أريقكِ أم ماء الغمامة أم خمر ... بفيّ برود وهو في كبدي جمر2
وقوله:
فراق ومن فارقت غير مذمم ... وأم ومن يممت خير مُيَمَّم3
وقوله:
أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خِلْقة في المآقي4
وقول الآخر:
زَمّوا الجِمال فقل للعاذل الجاني ... لا عاصم اليوم من مِدْرار أجفاني5
(4/706)

قبح الابتداء:
وينبغي أن يجتنب في المديح ما يُتطير به؛ فإنه قد يتفاءل به الممدوح أو بعض الحاضرين؛ كما روي أن ذا الرمة أنشد هشام بن عبد الملك قصيدته البائية:
ما بال عينك منها الماء ينسكب1 ... فقال هشام: "بل عينك".
ويقال: إن ابن مقاتل الضرير أنشد الداعي العلوي قصيدته التي أولها:
موعد أحبابك بالفرقة غد2
فقال له الداعي: "بل موعد أحبابك، ولك المَثَل السوء".
وروي أيضا أنه دخل عليه في يوم مهرجان, وأنشد:
لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غُرَّة الداعي ويوم المهرجان3
فتطيّر به وقال: "أعمى يبتدئ بهذا يوم المهرجان! " وقيل: بطحه وضربه خمسين عصا، وقال: إصلاح أدبه أبلغ في ثوابه.
وقيل: لما بنى المعتصم بالله قصره بالميدان وجلس فيه؛ أنشده إسحاق الموصلي:
يا دار غيّرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاكِ4
فتطير المعتصم بهذا الابتداء، وأمر بهدم القصر.
ومن أراد ذكر الديار والأطلال في مديح, فليقل مثل قول القُطامي:
إنا محيوك فاسلم أيها الطلل5
أو مثل قول أشجع السلمي:
قصر عليه تحية وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيام6
(4/707)

براعة الاستهلال:
وأحسن الابتداءات ما ناسب المقصود، ويسمى براعة الاستهلال1؛ كقول أبي تمام يهنئ المعتصم بالله بفتح عمورية، وكان أهل التنجيم زعموا أنها لا تفتح في ذلك الوقت:
السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب2
بيض الصفائح لا سود الصحائف ... في متونهن جلاء الشك والريب3
وقول أبي محمد الخازن ينهئ ابن عباد بمولود لبنته:
بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعد ... وكوكب المجد في أفق العلا صعدا4
وقول الآخر:
أبشر فقد جاء ما تريد ... أباد أعداءك المبيد5
وكقول أبي الفرج الساوي يرثي بعض الملوك من آل بويه -أظنه6 فخر الدولة:
هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي7
وكذا قول أبي الطيب يرثي أم سيف الدولة:
نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال8
وترتبط السوابق مقربات ... فما ينجين من خبب الليالي9
(4/708)

حسن التخلص:
الثاني التخلص، ونعني به الانتقال مما شبب1 الكلام به من تشبيب أو غيره2 إلى المقصود مع رعاية الملاءمة بينهما3: لأن السامح يكون مترقبًا للانتقال من التشبيب إلى المقصود كيف يكون؛ فإذا كان حسنًا متلائم الطرفين، حرك من نشاط السامع، واعان على إصغائه إلى ما بعده، وإن كان بخلاف ذلك؛ كان الامر بالعكس.
فمن التخلصات المختارة قول أبي تمام:
(4/709)

يقول في قُومس قومي وقد أخذت ... منا السُّرَى وخُطا المهرية القود1
أمطلع الشمس تبغي أن تؤمّ بنا ... فقلت: كلا ولكن مطلع الجود2
وقول مسلم بن الوليد:
أجدّكِ ما تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك تنشر3
سهرت بها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر4
وقول أبي الطيب يمدح المغيث العجلي:
مرت بنا بين تِرْبَيها فقلت لها: ... من أين جالس هذا الشادن العَرَبا5
فاستضحكت ثم قالت: كالمغيث يرى ... ليث الشَّرَى وهو من عجل إذا انتسبا6
وقوله أيضا:
خليليّ ما لي لا أرى غير شاعر ... فكم منهم الدعوى ومني القصائد7
فلا تعجبا؛ إن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد8
(4/710)

الاقتضاب:
وقد يُنتقل من الفن الذي شُبِّب الكلام به إلى ما لا يلائمه، ويسمى ذلك "الاقتضاب"، وهو مذهب العرب الأول ومن يليهم من المخضرمين1؛ كقول أبي تمام:
لو رأى الله أن في الشيب خيرا ... جاورته الأبرار في الخلد شِيبا2
كل يوم تبدي صروف الليالي ... خلقا من أبي سعيد غريبا3
(4/711)

الاقتضاب القريب من التخلص:
ومن الاقتضاب ما يقرب من التخلص1؛ كقول القائل بعد حمد الله: "أما بعد"2؛ قيل: وهو3 فصل الخطاب، وكقوله تعالى: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} [ص: 55] أي: الأمر هذا، أو هذا؛ كما ذكر4.
وقوله تعالى: {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} 5 [ص: 49] ، ونحوه قول الكاتب: هذا باب، هذا فصل.
(4/712)

حسن الانتهاء:
الثالث: الانتهاء؛ لأنه آخر ما يعيه السمع، ويرتسم في النفس؛ فإن كان مختارا كما وصفنا1 جَبَر ما عساه وقع فيما قبله من التقصير، وإن كان غير مختار كان بخلاف ذلك، وربما أنسى محاسن ما قبله.
فمن الانتهاءات المرضية قول أبي نواس:
فبقيتَ للعلم الذي تهدي له ... وتقاعست عن يومك الأيام2
وقوله:
وإني جدير إذ بلغتك بالمنى ... وأنت بما أمّلت منك جدير
فإن تُولِني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور3
وقول أبي تمام في خاتمة قصيدة فتح عمّورية:
إن كان بين صروف الدهر من رَحِم ... موصولة أو ذِمَام غير مقتضب4
فبين أيامك اللاتي نُصرتَ بها ... وبين أيام بدر أقرب النَّسَب5
أبقت بني الأصفر المِمْراض كاسمهم ... صفر الوجوه وجلّت أوجه العرب1
(4/713)

براعة المقطع:
وأحسن الانتهاءات ما آذن بانتهاء الكلام1؛ كقول الآخر:
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبرِيّة شامل2
وقوله:
فلا حَطّت لك الهَيْجاء سَرْجا ... ولا ذاقت لك الدنيا فِرَاقا3
وجميع فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن وجوه البلاغة وأكملها؛ يظهر ذلك بالتأمل فيها مع التدبر لما
تقدم من الأصول4. ... والله الموفق للخيرات.
"تم الكتاب بحمد الله وتوفيقه"
(4/714)

تمرينات على مواضع التأنق في الكلام
تمرين1:
بين المقصود من القصائد المجعول لها ما يأتي براعة استهلال:
1-
المجد عُوفِيَ إذ عُوفيتَ والكرم ... وزال منك إلى أعدائك السَّقَم
2-
أما وهواها عِذْرَة وتنصلا ... لقد نقل الواشي إليها وأمحلا
3-
حكم المنية في البرية جاري ... ما هذه الدنيا بدار قرار
تمرين2:
ميز بين الاقتضاب, والتخلص فيما يأتي:
1-
وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح
2-
كأنما قولنا للبابلي أدر ... سلافة قولنا للمزيدي هب
3-
هذا وكم لي بالجنينة سكرة ... أنا من بقايا شربها مخمور
4-
فدع ذا وسل الهم عنك بجَسْرة ... ذَمُول إذا صام النهار وهجّرا
5-
ولا الرجاء لمتّ من ألم النوى ... لكن قلبي بالرجاء موكَّل
إن الرعية لم تزل في سيرة
عمريّة مد سَاسَها المتوكل
تمرين3:
بين لِمَ كانت الانتهاءات الآتية براعة مقطع:
1-
فما من ندى إلا إليك محله ... ولا رفعة إلا إليك تسير
2-
بقيت ولا أبقى لك الدهر كاشحا ... فإنك في هذا الزمان فريد
3-
عليك سلام نشْره كلما بدا ... به يتغالى الطيب والمسك يختم
(4/715)

الفهارس:
الصفحة الموضوع
571 تعريف علم البديع
572 تقسيم المحسنات إلى معنوية ولفظية
"572-639" أقسام المحسن المعنوي:
572 المطابقة أو الطباق
575 الطباق الظاهر والخفي
575 طباق الإيجاب وطباق السلب
577 الطباق المسمى تدبيجا
578 ما يُلحق بالطباق
580 ما يُخص من الطباق باسم المقابلة
582 مراعاة النظير أو التناسب, تشابه الأطراف
585 إيهام التناسب
585 إرجاع التفويف إلى التناسب والمطابقة
587 الإرصاد أو التسهيم
588 المشاكلة
591 الاستطراد
591 إيهام الاستطراد
592 المزاوجة
592 العكس والتبديل
594 الرجوع
595 التورية أو الإيهام
598 الاستخدام
600 اللف والنشر
602 الجمع
602 التفريق
603 التقسيم
(4/717)

604 الجمع مع التفريق
605 الجمع مع التقسيم
606 الجمع مع التفريق والتقسيم
607 التقسيم بمعنيين آخرين
609 التجريد
612 المبالغة المقبولة
615 المذهب الكلامي
616 حسن التعليل
621 ما يلحق بحسن التعليل
621 التفريع
622 تأكيد المدح بما يشبه الذم
624 تأكيد الذم بما يشبه المدح
625 الاستتباع
625 الإدماج
627 التوجيه
629 الهزل الذي يراد به الجد
630 تجاهل العارف
632 القول بالموجب
635 الاطراد
636 تمرينات على المحسنات المعنوية
"640-667" المحسنات اللفظية:
640 أقسام المحسن اللفظي, الجناس: الجناس التام وأقسامه
643 الجناس المحرف، الجناس الناقص
645 الجناس المضارع واللاحق
646 الجناس المقلوب المجنح والجناس المزدوج
(4/718)

647 ما يُلْحَق بالجناس
649 رد العجز على الصدر
653 السجع وأقسامه
654 السجع المطرف
654 الترصيع
654 السجع المتوازي
654 شروط حسن السجع
656 السجع القصير والطويل والمتوسط
656 سكون أعجاز الفواصل
657 الخلاف في إطلاق السجع في القرآن والشعر
659 التشطير
659 التصريع
660 الموازنة والمماثلة
661 القلب
662 التشريع
663 لزوم ما لا يلزم
664 أصل الحسن في القسم اللفظي
666 تمرينات على المحسنات اللفظية
"668-715" خاتمة في فصلين يلحقان بالبديع
669 الفصل الأول: السرقات الشعرية
670 أقسام السرقة الظاهرة
670 النسخ والانتحال
674 الإغارة أو المسخ
678 الإلمام أو السلخ
683 أقسام السرقة غير الظاهرة
685 النقل
(4/719)

685 القلب
688 ما يتصل بالسرقات الشعرية
688 الاقتباس
693 التضمين
696 تقسيم التضمين إلى استعانة وإبداع أو رفو
696 العقد
698 الحل
700 التلميح
703 تمرينات على السرقات الشعرية
705 الفصل الثاني: مواضع التأنق في الكلام
705 حسن الابتداء
706 قبح الابتداء
708 براعة الاستهلال
709 حسن التخلص
711 الاقتضاب
712 الاقتضاب القريب من التخلص
713 حسن الانتهاء
714 براعة المقطع
715 تمرينات على مواضع التأنق في الكلام
"717-720" الفهرس
رقم الإيداع: 7774 لسنة 2005م
الترقيم الدولي: i.s.b.n.: 977-241-659-x
(4/720)