Advertisement

تحقيق الفوائد الغياثية 001



الكتاب: تحقيق الفوائد الغياثية
المؤلف: محمد بن يوسف بن علي بن سعيد، شمس الدين الكرماني (المتوفى: 786 ه)
تحقيق ودراسة: د. علي بن دخيل الله بن عجيان العوفي
الناشر: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة - المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، 1424 ه
عدد الأجزاء: 2 (في ترقيم مسلسل واحد)
أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
عمادة البحث العلمي
رقم الإصدار (79)

تحقيق الفوائد الغياثية

تأليف
شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني
(المتوفى سنة 786 ه)

تحقيق ودراسة
د. علي بن دخيل الله بن عجيان العوفي
عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة

[الجزء الأول]
(/)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1/2)



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

-[مقدِّمة معالي مدير الجامعة الإسلاميِّة]-
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على رسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه، والتّابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين.
أما بعد: فإنّ أشرف ما تتّجه إليه الهمم العَالية هو طلب العلم، والبحث والنّظر فيه، وتنقيح مسائله، وسلوك طريقه، لأنّ ذلك هو الذي يوصل إلى السّعادة، كما قال الرّسول - صلى الله عليه وسلّم -: "من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنّة".
وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر من الآية: 28].
وأوّل ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - هو وحي الله إليه بالعلم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5].
وقال تعالى يخاطبه: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ} [محمد من الآية: 19].
وقال تعالى {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه من الآية: 114].
وما قامت به الحياة السّعيدة في الحياة الدّنيا والآخرة إلّا بالعلم النّافع.
ولذا كان التّعليم هو الهدف الأعظم لمؤسّس الملكة العربيّة
(/)

السّعوديّة الملك عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ-، ولأبنائه كذلك من بعده، ففي عهد خادم الحرمين الشّريفين، أوّل وزير للمعارف بلغت مسيرة التّعليم مستوى عاليًا، وازدهر التّعليم العالي وارتقت الجامعات، ومن هذه الجامعات العملاقة، الجامعة الإسلاميّة بالمدينة النّبويّة، فهي صرح شامخ، يشرف بأن يكون إحدى المؤسّسات العلميّة والثّقافيّة، التي تعمل على هدي الشّريعة الإسلاميّة، وتقوم بتنفيذ السّياسة التّعليميّة بتوفير التّعليم الجامعيّ والدّراسات العليا، والنّهوض بالبحث العلميّ والقيام بالتّأليف والتّرجمة والنّشر، وخدمة المجتمع في نطاق اختصاصها.
ومن هنا، فعمادة البحث العلميّ بالجامعة تضطلع بنشر البحوث العلميّة، ضمن واجباتها، التي تمثل جانبًا هامًّا من جوانب رسالة الجامعة ألا وهو النّهوض بالبحث العلميّ والقيام بالتّأليف والتّرجمة والنّشر.
ومن ذلك كتاب: [تحقيق الفوائد الغياثيّة]، تأليف:
شمس الدين محمد بن يوسف الكرمانيّ (ت 786 ه) تحقيق ودراسة د. عليّ بن دخيل الله عجيّان العوفي.
نفع الله بذلك ونسأله سبحانه أن يرزقنا العلم النّافع والعمل الصّالح، وصلى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله محمّد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

معالي مدير الجامعة الإسلاميّة
د / صالح بن عبد الله العبود
(1/6)

المقدِّمة
(1/7)

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} (1) آمين.
والصَّلاةُ والسَّلامُ على أَشْرفِ الأَنبياءِ والمُرْسلِين، وآلهِ الطَّيِّبين الطَّاهرين، وصَحابتهِ الغُرّ الميَامين، والتَّابعين لهَم بإِحْسَانٍ إلى يومِ الدِّين وبعد؛
فإِنَّ أعظمَ ما اسْتُنفرت له الطاقات، وأُنفِقَت في سَبيله الأَوْقَات، ما امتدَّ نفعُه للمَرءِ من الحياةِ إلى المَمَات، وقَدْ قَال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطعَ عَنْه عَمَلُهُ إلا مِنْ ثَلاثةٍ: إلا مِنْ صَدَقةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ به، أَوْ وَلَدٍ صَالح يَدْعو له" (2).
__________
(1) سورة الفاتحة. وآياتُها سبع.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه: (3/ 1255)؛ في كتاب الوصيّة، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته؛ حديث رقم (1631). واللّفظ له. وأبو داود في سننه: (3/ 300)؛ في كتاب الوصايا، باب ما جاء في الصَّدقة عن الميّت؛ حديث رقم: (2880). والتّرمذيّ في جامعه: (3/ 660) في كتاب الأحكام؛ باب في الوقف؛ حديث رقم (1376). والنّسائي في سننه: (6/ 251)، في كتاب الوصايا، باب فضل الصّدقة عن الميت؛ حديث رقم (3651). والدّارميّ في سننه: (1/ 149) في المقدّمة؛ باب البلاغ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - وتعليم السُّنن، حديث رقم (559).
(1/9)

وكانَ من نِعَم الله عليَّ أَنْ أَلقى في رُوْعِي -منذُ نعومةِ أَظفاري، وأَنا أَتَلقى تَعْلِيمي الأَوَّليّ في جَنَباتِ هذه الجامعةِ المباركةِ- فَهْمًا صَحِيحًا لحديثِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الآنفِ الذِّكر، ولغيرِه من الأَحَاديثِ الوَاردةِ في فَضْلِ العِلْم. فَأَحْببتُ طريقَه وسلكتُ سُلَّمه، سَائِلًا الله -سُبْحَانَه وتَعالى- فَضْلَه وبركَتَه، ومَا زِلْتُ كذلك؛ أَتقلَّبُ بين مَعَاهدِ الجَامعةِ الإِسْلاميَّةِ وَكُلِّيَّاتِها نَاهِلًا من مَعِينها العَذْبِ الصَّافي حتَّى امتنَّ الله عليَّ بالقبول في مَرْحلةِ العَالمِيَّةِ العَالِيَة "الدُّكْتُوراه".
وكان مِن تَوفيقِ اللهِ وفَضْلِه عليَّ وعلى زُملائي طلبة الدِّراساتِ العُليا في كُلِّيَّةِ اللُّغةِ العربيَّةِ -في تلك السَّنة- أَنْ رَأى القَائِمون على الجَامِعةِ الإسْلاميّة، وعلى رَأْسِهم مَعَالي مُديرِها الحاليِّ، فضيلة الدُّكتور / صالح بن عبدِ الله العُبود -ضرورةَ العودة إلى الإفادة من نظام التّعاقد بتزويدِ قسمِ الدِّراساتِ العُليا بالكُليَّة بعددٍ من الأساتذةِ الفُضلاءِ، والعلماءِ الأَجلّاء؛ ليكونوا عونًا لطلبةِ الدِّراسات العُليا مِنْ جِهة، وليسْهِموا مع زملائِهم السُّعوديين في تَنْمية المعرفةِ الإنْسانِيَّة مِنْ جِهةٍ أُخرى.
وبالفِعْلِ قَيَّضَ الله لي مُلازمةَ أحدِهم، وهو مَنْ هو في العِلْمِ والفَضْل!! فضيلةِ الأستاذِ الدُّكتورِ / عَبْد السَّتَّار حُسَين زَمُّوط؛ حيثُ عُيِّن مُشرْفًا لي.
وما زلتُ أستخيرُ الله، وأستشيرُ مشرفي في موضوع البَحْث، وهو يحبِّبُ إليَّ التَّحقيقَ ويقرّبُنِي منه؛ حتَّى اسْتشعرتُ أهميَّته، وأدركتُ خُطُورتَه، وأنَّه لا يَضْطلعُ به إلا أصحابُ الهممِ العاليةِ والقُدراتِ الفائقة؛ مِمَّن عرفَ لعلماءِ الأُمَّةِ الأسلافِ حقَّهم، وقدَّرهم حقَّ قَدْرِهم. وأَدْركَ تَمَامًا أَنَّ العبثَ بتراثِهم، والتَّسرّعَ في إخْراجِه؛ أشدُّ وبالًا وأَعظمُ
(1/10)

خِزْيًا من بقائِه قَابعًا في مَكانِه؛ عَلى صُورتِه الَّتي تَركها المؤلِّفُ عَليه.
وهكذا ظللتُ أُطالعُ مرشدي -بين الوَقْتِ والآخر- بما تَيسّر لي الوقوفُ عليه؛ من مَخْطُوطاتٍ جَديرةٍ بالتَّحقيقِ -في نظري-، وأعرضُ عليه، وهو لا يَأْلُو جُهدًا في الفَحْصِ والنَّظر، والتَّقصِّى والتَّتبُّع؛ بَل وقراءةِ المَخْطوطِ؛ مع مَا فِيه مِنْ الجُهدِ والمَشَقَّةِ؛ ثم يصدر حُكْمَه المصيبَ لكبد الحقِيقَةِ.
وعندما يَسَّر الله لي الاهْتداءَ إلى كتابِ "تَحْقيقِ الفَوائدِ الغياثيَّة" لشَمس الدِّين الكِرْمَانيِّ وجَدْتُني مع زَميلٍ بَاحثٍ فاضلٍ في قِسْم اللُّغويَّات؛ هو فضيلةُ الدّكتور / ناجي محمدو حين، وكان قَدْ سجَّلَ مَوْضُوعًا يَتعلَّقُ بتحقيقِ كتابٍ لشَمْس الدِّين الكِرْمَانيِّ؛ مكَّنه من الوُقوفِ على عَنَاوين كُتبهِ، فذكرَ ليَ أنَّ لشارح صحيح البخاريّ؛ شمسِ الدِّين الكِرْمَانيِّ مؤلَّفًا في البلاغةِ ودلَّني على بعضِ المَصَادر الَّتي أورَدت خبرَه.
وبعونِ الله وتيسيرِه؛ لَمْ تمضِ أسابيعُ قَلائِل إلا وتصوّرٌ شاملٌ عن الكتابِ ومؤلِّفه تحت سَمْع المشرف وبصره، وإِحدى نُسَخِهِ المجلوبة من خارج المملكةِ بين يَدَيْه، فوافقَ اسْتِحسانُه اسْتِحْسَاني، وفرضتْ قيمةُ الكتابِ العِلميَّة نَفْسها عليَّ وعليه؛ فَلَمْ أجدْ مَناصًا من التَّقدُّم به إلى القسْمِ وتَسْجيله.
وثَمَّت أسبابٌ عدَّة دَفَعتْنِي إلى اخْتيارِ هذا الموضُوع، ويمكنني أَنْ اقسِّمَها إلى قِسْمين:

أولًا: دوافع تَتَعلَّقُ بالباحثِ، منها:
1 - رغْبَتي الملِحَّة -الَّتي أَذْكاها في مشرفي- في المُشَاركةِ في
(1/11)

إحياءِ التُّراثِ العربيِّ والإسلاميِّ؛ بتحقيقِ مخطوطاتِه، وبعثِ نَفائِسه وكنوزه، ولو لَمْ يكن للتّحقيق سوى هذه الميزة لكفت.
2 - رغبتي الجادَّةِ في الجمع بين التَّأليف والتَّحقيق، واكتساب التَّجربة في كليهما، ولَمَّا كانت أطْروحتِي في (الماجستير) مَوْضُوعًا؛ ناسبَ أن تكونَ في (الدُّكتوراه) تحقيقًا ودراسةً؛ فأجمعُ بذلك بينَ النَّوعين.
3 - إيمانِي بأن البلاغةَ العربيَّةَ في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى تَجْديد، وأَنَّ أَوَّلَ سبلِ تَجْديدِها الرُّجوعُ إلى تُراثِنا البَلاغيِّ واسْتيعابُه، لنبني على أُسسهِ ما نَطمحُ إليه من التَّجديد.
4 - رَغْبتي في إِشْباع شوقٍ تملَّكني في أَثْناء قِراءتي المخطوطَ لأوّلِ مرةٍ؛ أجد مَكْمنه في عمقِ الفِكرةِ، ودقّةِ المَلْحظِ، وقوَّةِ الحُجَّةِ، وحسنِ العرض.
5 - رَغْبتي في التَّمكُّنِ والاسْتِيعاب التَّامِّ لجميع المباحثِ البلاغيَّةِ العربيَّةِ، والنَّهلِ من مَعِينها التُّراثيّ الصَّافيَّ.
6 - رَغْبتي في الإِسْهامِ في إخْراج كتاب مِنْ كُتبِ التُّراثِ العَربيِّ؛ خدمةً للعلم وأهله، وإِثْراءً للمراجِع الأَصْليّة في المكتبةِ العربيَّة.

ثانيًا: دوافع تتعلَّقُ بالمَخْطُوط:
1 - قيمةُ الكتابِ العلميَّةِ فهو متضمِّن لكتابَينِ عَظِيمَين؛ أَحدهما: مختصرِ الإيْجيّ، والآخر: شرح الكِرْمَانيِّ، وكلاهما ذو أَهميَّةٍ بالغةٍ؛ لأَنَّهما يستمدَّان مادَّتَهما من مفتاح العلومِ للسَّكاكيِّ مباشرةً.
هذا؛ وقَدْ تَضَمَّن الكتابُ الشَّارحُ "تحقيقُ الفَوائد" علومَ البلاغةِ الثَّلاثة:
(1/12)

المَعَاني، البَيَان، البَدِيعَ. وتناولَ بالشَّرح التَّفصيليِّ -أَحْيانًا- جميع المباحث البلاغِيَّةِ؛ حيثُ بدأَ بتعريفِ علمِ المعاني وتحدَّثَ عن غَايتِه ثمَّ تحدّثَ عن الخَبرِ، فعرَّفهُ واسْتَطردَ في بيانِ حَقِيقتِه، وخلافِ العلماءِ حولَ صِدْقِه وكذبِه، ثمَّ بَيَّنَ الغرضَ من إلقائِه، وأضْرُبَه، وخروجَه عن مُقْتَضى الظَّاهرِ، وأدواتِ تأكيدِه، ومَا قَدْ يردُ من أغراضٍ فرعيَّة، ثمَّ تحدَّثَ عن بقيَّةِ أحوالِ الإسنادِ، ثُمَّ بَيَّنَ أحوال المُسْندِ إِليه، والمُسْند؛ من حيثُ الحذفُ والذِّكرُ، والتَّقديمُ والتَّأخيرُ، والتَّعريفُ والتَّنكيرُ ... إلخ؛ ذاكرًا الأَسْرارَ البلاغِيَّة الَّتي تَقْتضي كلًّا منها، ثم تحدَّثَ عن أَحْوالِ متعلِّقاتِ الفِعْل من حيثُ التَّقديمُ والتَّأخيرُ، .. إلخ؛ مع بيانِ الأَسْرارِ البَلاغيَّةِ لهذه الأَحوال، ثُمَّ تحدَّث عن القَصْر؛ فعرَّفه، وقسَّمَه باعتبارِ طَرفيه، وباعتبارِ حالِ المُخاطبِ، وبَيَّنَ طُرقَه وأَدَواتِه، ثُمَّ تحدَّثَ عن الفَصْلِ والوَصْل، فعرَّفهما، وبَيَّنَ مواضعهما، ثُمَّ تحدَّث عن الإِيجازِ والإِطْنابِ والمُسَاواةِ، وخَتَم كلامَه بالحديثِ عن الطَّلبِ فَعَرَّفَه، وبيَّنَ أَقْسَامه، وتقسيماتِ كُلِّ قِسْم.
وكذلكَ الحالُ في عِلْمي البيانِ والبديع؛ فقَد تناولَ جميعَ مباحثِ عِلْمِ البيانِ، وبعضَ المُحَسَّناتِ البَديعيَّة؛ المعنويَّة واللفظيَّةِ.
وممَّا يزيدُ في قيمةِ الكتابِ ويرفعُ شأنَه بين الكتبِ البلاغيَّة الأُخرى؛ أَن المؤلِّفَ لَمْ يقتصرْ في عَرْضهِ للمباحثِ البلاغيَّةِ على التَّعريف والتَّقسيمِ والتَّمثيلِ؛ بَلْ إِنَّه لا يَفْتأ تَوضيحًا وتفصيلًا وعرضًا للأدلَّةِ وتَرْجيحًا، مقرِّبًا المعلومةَ من أَقْربِ الطُّرقِ وأيسرِها فإذا مَا تعرَّضَ لمثالٍ يحتاجُ إلى إيضاحٍ شرحَ غامضَه وفكَّ طَلْسَمَه وربما نَسَبه إلى قائِله؛ إِنْ كان له قائلٌ معيَّن، وإذا ما تطرَّقَ لقضيَّةٍ بلاغيَّةٍ تناولهَا البلاغيُّون تحدَّث عنها وذكرَ
(1/13)

مُجْمَلَ ما وردَ فيهَا من آراءٍ وناقَشَها وربَّما رجَّح بينها، وكلُّ ما تقدَّمَ يعرضُه بعقلٍ منظَّمٍ ناضجٍ مؤصَّلٍ تأصيلًا قويًّا بشتَّى أنواعِ العُلُوم، ناهيكَ عن المنهج الواضع الَّذي سارَ عليه المؤلِّفُ في كتابِهِ، حيثُ ضمَّن كتابَه كتابَ شيخِه الإِيجيِّ دون أَنْ يُنقصَ منه حرفًا واحدًا مُلتزمًا في ذلك كُلِّه بخطّةِ الكتابِ المَشْرُوح؛ الَّذي بناهُ صاحبُهُ على أُسسٍ مُحْكَمَةٍ؛ قوامها الفصولُ، ثُمَّ القوانينُ، ثُمَّ الفُنونُ، ثُمَّ الأَنواعُ.
أمَّا الكتابُ المشروحُ "الفوائدُ الغياثيَّة في المعانِي والبَيَان" فقَد تضمَّن تلخيصًا وافيًا للقسمِ الثالث من كتابِ "مفتاح العُلُومِ" للسَّكاكيِّ؛ الَّذي يُعدُّ من أهمِّ الكتبِ البَلاغيَّةِ عند المتأَخِّرين؛ لأَنَّه رأسُ مَدْرَسَتِهِم؛ مِمَّا جعلهُم يعكفُون عليه تَلْخيصًا وشَرْحًا، وظلَّت هذه الشُّروحُ والدِّراساتُ عمدةَ الدَّارسين للبلاغةِ إلى يَوْمِنَا هذا.
وعليه: فإِنَّ كتابَ "الفوائدَ الغياثيَّة" لعضُد الدِّين الإيجيِّ يُوازي كتابَ تخليصِ الخَطيبِ في المَنْزِلَةِ؛ فكلاهُما مختصرٌ للمِفتاح. كمَا أَنَّ "تَحقيقَ الفَوائِد" للكرمانيِّ يُوازي كتابَ الإيضاح للخطيب؛ فكلاهما شرحٌ لمُخْتَصر.
وإذا رأَينا كثرةً من الشُّروح قامتْ على التَّلخيصِ؛ لاحْتِيَاجهِ إلى الإِيضاح والشَّرح حتَّى شَرَحَه صاحبُه نَفْسُه (الخطيبُ القَزْوينيُّ) في كتابه المَشْهُورِ: "الإيضاح"؛ فإن ذلك يُؤكِّد حاجةَ كتاب الإِيجيِّ إلى شرحٍ وإيضاحٍ؛ فجاءَ هذا الكَتابُ موضوعُ التَّحقيقِ والدِّراسةِ محقّقًا لهذا الهدف.
ومن هُنا نَلْمَسُ أهميَّةَ الكتابَيْن؛ المَشْروح والشَّارح.
2 - تَمَيُّزُ الكِتابين المُتقَدِّمين -الشَّرح والمشروح- بأنَّهما لعَلَمَين
(1/14)

بارِزَين عُرِفا بالثقافة العَميقَةِ والاطِّلاع الواسع مِمَّا أَعْطى للكِتَابين صِبْغةً جَديدةً تُميِّزهما عَنْ غيرِهما من كُتبِ البلاغةِ الأُخْرى.
فصاحبُ الكتابِ المَشْروح هو / عبدُ الرَّحمن بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الغفَّارِ الإِيْجيُّ، المُكنَّى بأبي الفَضْل، والملقب بعضدِ الدِّين، قَاضي القُضَاةِ في زَمَنِه، وشَيخ الشَّافعيَّةِ في بلده.
قال عنهُ الأَسْنويّ في طَبقاتِه (1): "كان إمامًا في عُلُومٍ متعدِّدةٍ، مُحقِّقًا مُدقّقًا ذَا تصانِيف مَشْهورةٍ".
وصاحبُ الكتابِ الشَّارح هو / شمسُ الدِّين؛ محمَّد بنُ يوسفَ الكِرْمَانيّ؛ عالِمٌ ذاعَ صيتُه، وطَارَت بشهرتِه الآفاقُ؛ فقد كان أُصُوليًّا فَقِيهًا مُحَدِّثًا، مُفَسِّرًا مُتكلِّمًا، أَدِيبًا نَحْويًّا، بَيَانيًّا. ومن اتَّصف ببعضِ هذهِ الصِّفات فإِنَّ كتابَه -ولا شكَّ- سَيكونُ ذا شأنٍ عظيمٍ؛ لما سَوف يحويهِ من فَرائدَ ونَفَائِس؛ فكيفَ بمن اتَّصفَ بهذِه الصِّفاتِ كُلِّها؟!.
ثُمَّ إِنٌ الكِرْمَاني تتلمذَ على شيخهِ الإيجيِّ ولازمَه مُدَّةً طويلةً، وقَرَأَ عليه جُلَّ كُتُبه؛ ممَّا جَعَلَه من أخصِّ تلاميذِه، وهذَا بِدَورِه يَجْعَله أَدْرى بمُرَادِه، وأَعْلَمَ بكُتُبِهَ، وقَدْ بَدَا ذلك جَلِيًّا مِنْ خِلالِ كتابهِ "تحقيقِ الفوائدِ الغيَاثيَّة" في أَثْناءِ تَعْلِيقهِ على بَعْضِ القَضَايا؛ حيثُ صرَّح في مَواضِعَ مُتفرِّقةٍ بأَنَّ لشيخِه رأيًا حولَ هذهِ القَضيَّةِ لَمْ يذكُرهُ ويحسنُ بالمقامِ ذِكرهُ فيَذْكره.
3 - كَونُ "تحقيقِ الفوائدِ" من المَخْطوطاتِ النَّادرةِ الْمُهِمّةِ الَّتي لَمْ تُنشرْ وإِخراجُه يُعدُّ خدمةً جَلِيلةً للتُّراثِ العربيِّ، أمَّا "الفوائدُ الغِياثيَّةُ" فإِنَّه -وإِنْ
__________
(1) أي: طبقات الشّافعيّة: (2/ 238).
(1/15)

أُخرِجَ متأَخِّرًا (1) إلا أنَّه لَمْ يَظْهَرْ بالصُّورةِ المرضيَّةِ؛ حيثُ لَمْ يَلْقَ من المُحَقِّقِ العَنَايةَ المَأْمُولَة؛ ناهِيكَ عَنْ اعتمادِه في التَّحقيقِ عَلَى نُسخٍ متَأَخِّرةٍ.
4 - تَمَيُّز كِتابِ "تحقيقِ الفَوائدِ" بالشُّمُولِيَّةِ وحُسْنِ العَرْضِ في الغالبِ الأَعَمِّ.
__________
(1) أخرجه د. عاشق حسين. ونشرته - دار الكتاب العربيّ؛ القاهرة. ودار الكتاب اللّبنانيّ، بيروت، عام 1412 ه - 1991 م. وسبق أن طبع طبعة قديمة برفقة كتاب شرح الفوائد الغياثيّة لطاش كبرى زاده.
(1/16)

خطة البحث
هَذَا؛ وقَدْ قسَّمتُ موضوعَ الرِّسالةِ إلى قْسِمينِ رئيسين؛ تسبقهُما مُقدِّمةٌ وتَعْقُبُهما الفَهَارسُ الفَنِّيَّة، ورسمتُ الخُطَّةَ على النَّحو الآتي:
1 - المُقدِّمة.
2 - القسمُ الأَوَّل: قِسمُ الدِّراسة.
ويشتملُ على تمهيدٍ وفَصْلين:
التَّمهيدُ: التَّعريف بالعضدِ الإيجيِّ وكتابِهِ "الفوائد الغياثيَّة"، وفيه مبحثان:
المَبْحثُ الأَوَّل: التَّعريفُ بعضدِ الدِّين الإيجيّ.
المَبْحثُ الثاني: التَّعريفُ بكتابِهِ "الفوائدِ الغياثيَّة".
الفصل الأَوَّل: التَّعريفُ بشمسِ الدِّين الكِرْمَانيِّ، وفيه: تمهيدٌ، وثلاثَةُ مباحثٍ:
التَّمهيدُ: نُبْذَةٌ موجزةٌ عن عَصْر الكِرْمَانيِّ.
المَبْحثُ الأَوَّل: حياةُ الكِرْمَانيِّ، وفيه ثلاثةُ مطالبٍ:
المطلَبُ الأَوَّل: اسمهُ، ونسبهُ، ولقبهُ، وكنيتُه.
المطلَبُ الثاني: مولدهُ، ونشأتهُ، ورحلاتُه.
المطلَبُ الثالث: عقيدتهُ، وأخلاقهُ، وصفاتُه.
المَبْحثُ الثاني: شيوخُه، وتلاميذهُ، ومكانتُه العِلْميَّة، وفيهِ ثلاثَةُ مطالِبٍ:
المطلَبُ الأَوَّل: شيوخُه.
المطلَبُ الثَّاني: تلاميذه.
المطلَبُ الثَّالث: مكانتُه العِلْمِيَّة.
(1/17)

المَبْحثُ الثَّالث: مصنَّفاتُه، ووفاتُه، وفيه مَطلبَان:
المطلَبُ الأَوَّل: مُصنَّفاتُه.
المطلَبُ الثَّاني: وفاتُه.
الفصل الثاني: التَّعريفُ بكتابِ "تَحْقيقِ الفَوائدِ الغِياثيَّةِ"، وفيه أربعةُ مباحثٍ:
المَبْحثُ الأَوَّلُ: اسمُ الكتابِ، وتَوْثِيقُ نِسْبَته للمُؤَلفِ، ومنهجُ المؤلِّفِ فِيه، وفيه ثِلاثةُ مَطَالبٍ:
المطلَبُ الأَوَّلُ: اسمُ الكتابِ.
المطلَبُ الثَّاني: توثيقُ نِسْبَته للمؤلِّف.
المطلَبُ الثَّالث: منهجُ المؤلِّف فيه.
المَبْحثُ الثَّاني: مصادرُ الكتابِ وشواهدُه، وفيه مَطْلبَان:
المطلَبُ الأَوَّل: مصادرُ الكتابِ.
المطلَبُ الثَّاني: شواهدُ الكتابِ.
المَبْحثُ الثَّالث: تَقْويمُ الكتابِ، وفيه مَطْلَبَان:
المطلَبُ الأَوَّلُ: مَزَايا الكتابِ.
المطلَبُ الثَّاني: المآخذُ عليه.
المَبْحثُ الرَّابع: وصفُ مَخْطُوطَاتِ الكتابِ، ومنهجُ التَّحقيقِ، وفيهِ مطْلبَان:
المطلَبُ الأَوَّلُ: وصفُ مَخْطُوطاتِ الكِتاب.
المطلَبُ الثَّاني: منهجُ التَّحقيقِ.
(1/18)

3 - القِسمُ الثاني: قِسْمُ التَّحقيق.
4 - الفَهَارسُ الفنِّيَّة.
وبعدُ ... فَهذا خلاصةُ جَهْدي أَضَعُه بينَ يَدَي كلِّ مقوِّمٍ أو مُثَقِّفٍ غيرَ مُسْتنكفٍ من الرُّجوع إلى الصَّوابِ؛ فالنَّقصُ مِنْ طبيعةِ البَشَرِ والكَمَالُ لله وحدَه ولِكتَابِه العَزيزِ؛ الّذي لا يَأْتِيه البَاطلُ مِنْ بينِ يديهِ ولا مِنْ خَلْفِه. وحَسْبِيَ أنَّني اجْتَهدتُ وسَلَكتُ ما اعْتقدْتُ أنَّه صَوابٌ؛ فإِنْ وافَقْتُ الصَّوابَ فذلك فَضْلُ الله وتَوْفِيقُه، وإِنْ كانَت الأُخرى فأَنا محلُّها ولَمْ أبغِ إِليها سَبيلًا.
وأخيرًا: فإِنَّني أحمدُ الله سُبحانَه وأشْكرُه؛ إِذْ وفقنِي لطلبِ العِلْم أَوَّلًا وأَكْرَمني بإنجازِ هَذا البحثِ ثانيًا.
ثُمَّ إِنَّني أتوجَّهُ بالشُّكرِ الجَزيلِ والتَّقدير الوَافِر إِلى مشرفي فضيلةِ الأستاذِ الدُّكتورِ: عبدِ السَّتَّارِ حُسَين زَمُّوط؛ حيثُ تفضَّلَ مَشْكورًا بالإِشْراف على هَذا البحثِ، وتَعَاهده بالرِّعاية الدَّقيقة، والعِنايةِ الفَائقة؛ مُنذُ أَنْ كانَ بذرةً إلى أَنْ خَرج إلى حَيِّزِ الوُجودِ. والحقَّ أقولُ: إِن لتوجِيهاتِه المُفِيدة، وآرائِه السَّديدة، وخبرتِه في مجالِ تَحْقِيق النُّصوصِ اليدَ الطُّولى في إخراجِ هذا البحثِ، ولنْ أنْسَى له -ما حَييتُ- ما غَمَرنِي به مِنْ الرِّعايةِ والاهْتمامِ، وأَوْلانِيه من التَّوجيهِ والنُّصح، وتكرَّم به عليَّ من الجُهدِ والوقت؛ حيثُ فتحَ لي أبوابَ قلبِه قبلَ بيتِه، وعلَّمنِي بإِشْفَاقِه وحِلْمِه خُلُقَ العُلَماءِ قَبْل عِلْمِهم؛ فَجَزاكَ الله عَنِّي -مُشْرفي ومُعَلِّمي- خيرَ الجزاءِ، والله أسألُ أن يُباركَ لكَ في عُمُرك، ويَنْسَأَ لكَ في أَثَرِكَ، ويرزقَكَ العَفْوَ والعافية؛ إِنَّه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
(1/19)

كما أتوجَّهُ بالشُّكرِ الجزيلِ، والعِرفانِ الوافرِ، لكُلِّ من قدَّم لِي عَوْنًا أَوْ نُصحًا أَوْ توجيهًا مِنْ أساتِذَتي الفُضَلاء وإِخْوتي الزُّملاء، وأَخصُّ منهم بالذِّكر؛ فضيلةَ الدُّكتورِ / عبدِ الخالقِ بن مُسَاعدِ الزَّهرانيِّ، وفضيلةَ الدكتور / تَرَحيبَ بن رُبَيْعَانِ الدَّوسريِّ. فللجَميع مِنِّي خالصُ الشُّكرِ والثَّناءِ. والله أسألُ أَنْ يجزِيهم خيرَ الجَزاء.
ولا يَفُوتني -في الخِتامِ- أَنْ أشكرَ الجامعةَ الإسلاميَّة التي احْتَضَنَتْنِي منذُ الصِّغَر وهَيَّأت لي ولسائرِ طلَّاب العِلْم من جميع أنحاءِ العالمِ سبلَ التَّحصيلِ والمَعْرفةِ.
والحمدُ لله ربِّ العَالمين، وصلاةً وسلامًا على رَسُوله الأَمِين، وعلى آله وصحْبِه والتَّابعين، ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
علي بن دخيل الله بن عجيّان العوفيّ
المدينة النَّبويَّة
(1/20)

القسم الأوّل قسم الدِّراسة
ويشتمل على تَمهيدٍ وفصلين:
التَّمهيد:
التعريف بالعضد الإيْجيّ وكتابه
"الفوائد الغياثيّة"
الفصل الأول:
التَّعريف بشمس الدِّين الكرمانيّ.
الفصل الثّانِي:
التَّعريف بكتابه "تَحقيق الفوائد"
(1/21)

التّمهيد: التّعريف بالعضد الإيْجيّ وكتابه "الفوائد الغياثيّة"
وفيه مبحثان:
المبحث الأوّل:
التّعريف بعضد الدّين الإيْجيّ.
المبحث الثّانِي:
التّعريف بكتابه "الفوَائد الغياثيّة"
(1/23)

المبحث الأول التعريف بعضد الدّين الإيْجي (*)
هُو / أَبو الفضل، عبدُ الرّحمن بن أَحْمد بن عبد الغفار (1) بن أَحْمد الصِّدِّيقيِّ (2) الإيجيِّ (3) الشِّيرازيِّ (4)، عضد الدِّين، قاضِي القُضَاة في زمنه، وشيخ الشَّافعيَّة في بلده، المعروف بالقاضي العَضُد.
__________
(*) ينظر في ترجمته:
طبقات الشَّافعيَّة الكبرى للسّبكيِّ: (10/ 46 - 47)، طبقات الشَّافعيَّة للأسْنويِّ: (2/ 238)، طبقات الشَّافعيَّة لابن قَاضي شَهْبه: (2/ 27 - 28)، الدُّرر الكامِنة؛ لابن حجر العسقلاني: (2/ 322 - 333)، الدَّليل الشّافي؛ لابن تغري بردي: (1/ 397)، المنهل الصَّافي؛ لابن تغري بردي: (7/ 158)، بُغْية الوُعاة؛ للسّيوطيّ: (2/ 75 - 76)، مفْتاح السَّعادة؛ لطاش كبرى زاده: (1/ 211)، شَذَرات الذَّهب؛ لابن العماد الحنبليّ. (6/ 174)، البَدر الطَّالع؛ للشوكانيّ: (326، 327)، هديَّة العارفين؛ لإسماعيل باشا البغداديّ: (1/ 527)، الأَعلام؛ للزّركلي: (3/ 295).
(1) نَسَبه إلى هذا الجدِّ أَجْمعت عليه جميعُ المصادرِ المترجِمة لَه. أَمَّا نسبتُه "الإِيجيّ" و"الشِّيرازيِّ" فوردت في أَغْلب المصادر.
(2) هكذا إلى أَبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه -، نَسَبهُ تقيُّ الدِّين الكِرمَانيّ (ابن شَمْس الدِّين)؛ حيث نصَّ على اسم الإِيجيِّ ونسبهِ في ترجمةِ موجزة؛ سجَّلها بخطِّ يده على الوَرقةِ الأُولى من كتابِ أبيه "تحقيق الفوائد"؛ الَّذي أَنا بصَدد تحقيقه ودراسته.
كما نصَّ على هذه النِّسبة تاج الدِّين السبكيّ؛ حيثُ قال: (الطبقات الكبرى: 10/ 46): "يذكر أنَّه من نَسْل أَبي بكر الصِّديق - رضي الله عنه - ".
(3) الإِيجيُّ -بكسر الهمزة-: نِسْبة إلى (إِيج)؛ بلدةِ في أَقصى بلادِ فارس، كثيرةِ الخيرات، ويُنطق اسمُها عند أهلِ فارس (إِيك). ينظر: معجم البلدان للحمويّ: (1/ 287).
(4) الشِّيرازيّ -بكسر الشِّين- نِسْبة إلى (شِيراز): بلدٍ عظيمٍ في وسط فارس، عُرف بعذوبةِ مائه، وصِحَّة هوائِه، وكثرةِ خَيراتِه. ينظر: معجم البلدان؛ للحمويّ: (3/ 380 - 381).
(1/25)

ولدَ ب (إيج) -من نواحي شِيراز- بعدَ سنة ثَمانين وستمائة هجريّة؛ كما ورد عند أغلب المترجمين له (1).
ولَمْ يذكرْ المترجِمُون له شيئًا ذا بالٍ عن نَشْأتهِ أَوْ رحلاتهِ أَوْ مَشَايخهِ وغاية ما أَفْصحوا عنه أنَّه أخذَ العلمَ عَلى مشايخ عَصْره، ولازمَ الشَّيخَ زينَ الدِّين الهنكيّ (2) تِلميذَ القاضي نَاصرِ الدِّين البَيْضاويِّ (3) وغَيْره. وأَنَّه رحلَ إلى مدينةِ السُّلطانِيَّة (4)، وأَقامَ بها مُدَّةً طويلةً ثمَّ
__________
(1) نصَّ بعضُ مَن ترجم له أَنْ مولدَه كان بعد السَّبعمائة (ينظر: الدُّرر الكامِنة: 2/ 322، مِفْتاح السَّعادة: 1/ 195، البَدر الطَّالع: 1/ 326) وهو قول ضعيف -في نظري- لسَببين:
1 - تأَخّر المصادرِ الوردة لهذا القَول زمنًا عن الأُخرى الوردةِ للقول الآخر.
2 - على افْتراض صِحَّة هذا القولِ فإِن مولدَه لا يبتعدُ كثيرًا عن مَوْلدِ تلاميذِه؛ الأمر الَّذي يبعد معه -في الغالب الأعمِّ- أن يكون شيخًا لهم، وبخاصَّة مع مَا هُم عليه من النَّباهةِ والنُّبوغ.
(2) لم أقف له على ترجمة.
(3) هو / أَبو سعيد، أَوْ أَبو الخير؛ عبدُ الله بن عمر بن محمَّد الشِّيرازيُّ البيضاويُّ. قاضٍ مفسِّرٌ، ولد قرب شيراز، وولي قَضَاءها مدّةً. له عدَّة مصنَّفاتٍ منها: "أنوار التَّنْزيل وأسرارَ التَّأويل" المعروف بتفسيرِ البيضاويّ، و"منهاج الوصول إلى علم الأصول"، و"لب اللّباب في علمِ الإعراب". تُوفِّي في تبريز سنة (685 ه).
ينظر في ترجمته: البداية والنَّهاية؛ لابن كثير: (13/ 344)، طبقات السِّبكيّ: (5915)، بُغْية الوُعاة: (2/ 50 - 51).
(4) هي مدينةٌ اختطّها الملكُ التَّتريُّ غازان (ت 703 ه) في مقاطعةِ أَذربيجان بالقُرب من تَبْريز، ومات قبل اكتمالها. فأَكْملها ابنهُ خدابنده سنة (713 ه)، وألزمَ كثيرًا من التُّجَّار والصُّنَّاع والمتعيِّشينَ سُكْناها. ويسميها المغول (تنغر لام). ينظر: نهاية الأَرب: (27/ 419).
(1/26)

عادَ إلى إِيج (1).
كان إمامًا في عُلوم مُتعددةٍ، محقِّقًا، مدقِّقًا، بَارعًا في المعقولاتِ، قائمًا بالأَصلين (أَي: علم الكلام، وأُصول الفقه)، عَارفًا بالبيانِ، والمعانِي، والنَّحو، مُشَاركًا في الفقه.
كما أَنَّه كان كريمَ النَّفس، نافذَ الكلَمة، قويَّ الحُجَّة، كثيرَ المال، كثيرَ الإِنْعام عَلى طَلَبةِ العلم (2).
ويَبدو أَنَّه بحانبِ تَولِّيه قَضَاء القُضَاة -بِمملكةِ أَبي سعيد (3) - آخر مُلُوك التَّتار -صَرف هِمَّةً عاليةً إلى التَّدريس والتَّصنيف؛ حيثُ ذكرَ المترجمون له تلامذةً أفذاذًا (4)، طبقت شُهرتُهم الآفاق، منهم:
1 - شمسُ الدِّين؛ محمَّد بن يُوسف الكِرمانيِّ (5).
__________
(1) ينظر: طبقات السِّبكيِّ: (10/ 47)، طبقات ابن قاضي شَهْبه: (3/ 28)، الدُّرر الكامِنة: (2/ 322).
(2) ينظر: أَغْلب المصادر السَّابقة المترجمة له.
(3) هو / أَبو سعيد بن أَوْلجايتو (محمَّد خدابنده)، كان آخر من اجتمع شملُ التَّتارِ عليه ثمَّ تفرَّقوا من بعدِه. استمرَّ مُلكه من سنة (716 ه) حتَّى موته سنة (736 ه). ويذكر أَنَّه نُصِّب ملكًا وعُمره أحدَ عشر عامًا؛ فكان من خيرةِ ملَوك التَّتار وأحسنهم طريقة. نهاية الأَرب؛ للنّويري: (27/ 420)، البداية والنِّهاية: (14/ 191)، تاريخ الخلفاء للسّيوطيّ: (485 - 486).
(4) ينظر هؤلاء التلاميذ في: طبقات ابن قاضي شَهْبه: (1/ 28)، الدُّرر الكامِنة: (2/ 322)، بُغْية الوُعاة: (2/ 75)، البَدر الطَّالع: (1/ 327).
وقد قَدَّمت المصادرُ الثّلاثةُ الأُولى شمسَ الدِّين الكِرمَانيِّ على سائرِ تلاميذه، بينما قدَّم صاحبُ البَدر الطَّالع سعدَ الدِّين التّفتازانيّ.
(5) هو صاحب الكتاب الَّذي نحن بصددِ تحقيقه ودراسته. وسترد -بإِذن الله- فيما =
(1/27)

2 - الضِّياءُ العفيفيّ (1).
3 - سعدُ الدِّين التَّفتازانيّ (2)
كما ذكروا له عدّة مصنّفات؛ منها:
1 - "تحقيقُ التَّفسيرِ في تكثيرِ التَّنوير" فِي تَفْسير القرآن (3).
2 - "الفوائدُ الغياثيَّة في المعاني والبَيان" وهو مختصر لمفتاح السَّكاكيّ (4).
3 - "كتابُ المواقفِ" في عِلم الكلام (5).
__________
= بعد ترجمة مفصّلة له.
(1) هو العلّامة / ضياءُ بن سعيدٍ بن محمَّد بن عثمان، ضياء الدِّين العفيفيّ. عُرِف بالصَّلاح والصِّدق وبَذْل الخير. أتقنَ التَّفسيرَ، والفقهَ، والأَصلين، والعربيَّة. تُوفِّي بالقاهرة سنة (780 ه).
ينظر في ترجمته: طبقاتُ ابن قاضي شَهْبه: (3/ 93 - 94)، طبقاتُ المفسِّرين: (1/ 222).
(2) هو العلَّامةُ / مسعودُ بن عمر بن عبد الله؛ سعد الدِّين التّفتازانيّ. ولد سنة (712 ه). كان عَالمًا، مُشَاركًا في النَّحو، والتَّصريف، والمَعَاني، والبَيان، والفِقْه، والأَصْلين، والمنطق. له عدَّةُ تَصانيف، منها: "شرحا تلخيصِ المِفْتاح؛ المختصر، والمطوّل"، و"حاشية على الكشّاف". تُوفِّي سنة: (793 ه).
ينظر في ترجمته:
الدُّرر الكامِنة: (4/ 350)، بُغْية الوُعاة: (391)، شَذَرات الذَّهب: (6/ 319).
(3) هديَّة العارفين: (1/ 527)، معجم المؤلّفين؛ لعمر كحالة: (5/ 119).
(4) أَغْلب المصادر الترجمة له. كشف الظُّنون؛ للحاج خليفة: (2/ 1853، 1861 - 1894، 1299)، المصدران السَّابقان.
(5) أَغْلبُ المصادرِ المترجمة له. كشف الظُّنون: (2/ 1853، 1861 - 1894، 1299)، المصدران السَّابقان.
(1/28)

4 - "كتابُ الجَواهر" وهو مُخْتصر للمواقف (1).
5 - "شرحُ مختصرِ ابن الحاجب" في أُصول الفقه (2).
6 - "المَدْخل في عِلم المعَاني والبَيان" (3).
7 - "أَشْراف التَّواريخ" (4).
8 - "بُهْجةُ التَّوحيدِ" (5).
9 - رسالة في عِلمٍ الوَضْع (6).
__________
(1) أَغلبُ المصادرِ المترجمة له. كشف الظُّنون: (2/ 1853، 1861 - 1894، 1299)، المصدران السَّابقان.
(2) أَغْلبُ المصادر المترجمة له. كشف الظُّنون: (2/ 1853، 1861 - 1894، 1299)، المصدران السَّابقان.
(3) الأَعلام: (3/ 295).
(4) كشف الظُّنون: (1/ 104)، هديَّة العارفين: (1/ 527)، الأَعلام: (3/ 295).
ويبدو أنَّ حاجي خليفة وَهِمَ أَوْ ذهل حين أَورَد هذا الكتاب في كَشْفه تحت اسمين: أولهما: العنوان الآنف الذِّكر في المتن، والآخر تحت عنوان: "زبدة التَّاريخ في تَرجمَة أشراف التَّواريخ": (كشْف الظُّنون: 2/ 951)، وتابعه في ذلك صاحب هديَّة العارفين: (1/ 527).
والحقُّ: أَن الكتاب المسمَّى ب "زبدة التَّاريخ" لا يَعْدُو كونه ترجمةً بالتُّركيّة ل "أشراف التَّواريخ" قام بها على مصطفى جلبي (ت 1008 ه).
ينظر ما ذكره جرجي زيدان في تاريخ آداب اللُّغة العربيَّة: (3/ 271).
(5) كشف الظُّنون: (1/ 258)، هديَّة العارفين: (1/ 527).
(6) بُغْية الوُعاة: (2/ 76)، "مِفْتاح السَّعادة": (1/ 211)، كشف الظُّنون: (1/ 877 - 878)، هديَّة العارفين: (1/ 527)، معجم المؤلفين: (5/ 119).
(1/29)

10 - "العقائدُ العضديَّة". وهي آخر مؤلَّفاته (1).
وتوفّي -رَحِمَهُ اللهُ- مسجونًا بقلعةِ درَيميان -بكسرِ الدَّال وفتحِ الرَّاء- بالقرب من مسقط رأسه (إِيج)؛ بعدَ أَن غَضِب عليه صاحبُ كرمان فَحَبسَه.
وكانت وَفَاتُه سنة ستٍّ وخَمْسين وسبعمائة (2)، وقيل: سَنةَ ثلاثٍ وخَمْسين وسبعمائة (3).
__________
(1) تاريخ آداب اللُّغة العربيَّة: (3/ 271)، معجم المطبوعات؛ ليوسف سركيس: (7/ 1332، 1333).
(2) ينظر: أَغْلب المصادرِ المتقدِّمة في تَرْجمته.
(3) طبقاتُ الأَسْنويِّ: (2/ 238)، الدَّليلُ الشَّافي: (1/ 397).
(1/30)

المبحث الثّانِي: التّعريف بكتابه "الفوائد الغياثيَّة"
عنوانه:
كتابُ الفوائدِ الغياثيَّة مؤلفٌ بلاغيٌ ينتظمُ في سلكِ المدرسةِ السَّكاكيّة؛ الَّتي تعتمد على كثرة التّقسيمات، والتّفريعات، وإخراج المحترزات، والتّعويل على المنطق أكثر من الذّوق، وكنّا ننتظرُ أَنْ نقفَ على هويَّةِ الكتابِ أَوْ موضوعهِ أَوْ على أقلِّ تقدير الفنّ الَّذي يندرجُ تحته من العنوانِ الَّذي على غلافِه كما جَرت به عادةُ الكتبِ، حيثُ يصدق العنوانُ على مضمونِ الكتاب، ويشتمل على جميع جزئيَّاته ومباحثِه اشتمال الرَّحم على الجنين؛ من مثل: كتاب عبد القاهر الجرجانيَّ الَّذي وسمه ب "دلائل الإعجاز" مُنْطلقًا في هذه التَّسمية من الغايةِ السَّامية الَّتي ألَّفَ من أجْلها كتابَه ولحظَها في جميع مباحثِه؛ وهي خدمة كتابِ الله العظيم؛ ببيان أسرار النَّظم وتفاوتِ أبعادِ الكلام جودةً ورداءةً.
وسلوكُ هذا الطريق -أَعْني صدقَ العنوان على المعنونِ له- منهجٌ قويمٌ، لا يعدم الدَّارسون ثمارَه ولو لم يكن منه إلّا معرفة الفنّ الَّذي ينضَوي تحته الكتاب -كَمَا أَسْلفت- لكفى، وكمْ من كتابٍ صرفَ عنه عنوانُه!!
غيرَ أنّ الإيجيَّ -رَحِمَهُ اللهُ- ارتضى سلوكَ منهجِ آخر، تسابق إليه بعضُ من سبقه، حيثُ يعزونَ مؤلَّفاتِهم إلى أَشْهرِ أعلامِ عصْرِهم، تزلُّفًا إليهم أَوْ اعترافًا بنِعْمتهم عليهم، أَوْ حتَّى تَشْجيعًا لهم على الأَخذ بيَدِ طلبة العلم والعلماء وتيسير أمورهم؛ كما نلتمسُ العذرَ به للإيْجيّ، الَّذي
(1/31)

نسَبَ كتابه الَّذي بين أيدينا - إلى غياثِ الدِّين الوزير؛ ذلك الرَّجلِ التَّقيِّ الصَّالح؛ الَّذي سلكَ سبيلَ العلمِ، وتأَدَّبَ مع العلماءِ، بِجلوسِه بين أيديهم مع سائر الطّلابِ في حلقاتِهم العِلْمِيَّة. وفي مقدِّمة كتابِه ينصُّ على عنوانِه فيقول (1): " ... فهذا مختصرٌ في علْمَي المعاني والبَيان يَتَضمَّنُ مقاصدَ مفتاح العلومِ سمَّيتُه ب "الفوائد الغياثيَّة" (2) تيمّنًا باسم من أَلْقى إليه الدَّهر قياده ... ".

سبب تأليفه:
يعود الفضلُ في إِخْراج هذا الكتاب إلى الوزيرِ غياثِ الدِّين؛ فهو الَّذي أمرَ بتأليفه، وبذا صرَّحَ الإيجيُّ نَفْسُه في مقدِّمة كتابه، إذ قال -بعد إيرادِه النَّصَّ المتقدِّم في تسميةِ الكتاب (3) -. "وامتثالًا له حين أمر بتلخيصِ مُسْتودعاته، وتجريدِها عن فَضْفَاض عباراتِه المُنَمَّمة ... ".
أَمَّا السَّببُ المباشرُ الَّذي جعلَ الوزيرَ يطلبُ من شيخِه الإيجيِّ تلخيصَ "مفتاح العلوم" فمردّه -كمَا صرَّحَ ابن الكرمانيِّ في عبارةٍ موجزةٍ سطَّرها على غلافِ شرح أبيه- إلى (4): "أَنَّ الوزيرَ كانَ يقرأُ
__________
(1) ينظر: الفوائد الغياثيَّة للإيجيّ (مخطوط فيلمي بالجامعة الإسلاميّة تحت رقم: 103): (ل 1 / ب).
(2) ولتصريح الإيجيّ باسم كتابه لم أجد -فيما وقفت عليه من مصادر نصَّت على اسمه- من سمَّاه بغير هذا الاسم. ينظر: المصادرُ المتقدّمة الَّتي نصَّت على هذا الكتابِ ضمن مصنَّفاته.
(3) الفوائد الغياثيَّة: (ل 1 / ب).
(4) تحقيق الفوائد، غلاف نسخة مكتبة داماد إبراهيم باشا؛ وهي النّسخة الَّتي اعتمدتها لهذا الكتاب أصلًا.
(1/32)

"المفتاح" للسَّكاكيِّ على الشَّيخ عَضُدِ الدِّين، وكان يفيدُ عند الدَّرسِ فوائدَ زوائدَ على "المفتاح"؛ فسَأَله الوزيرُ أَنْ يجمعَ تلك الفوائدَ مفردةً، فجَمَعها ... ".

مضمون الكتاب:
تضمَّن كتابُ "الفوائد الغياثيَّة" تلخيصًا وافيًا للقسم الثَّالثِ من مفتاح العلومِ مع إيجازٍ شَديدٍ مَشُوب ببعضِ التَّنبيهاتِ المُهمَّة، والتَّذنيباتِ المُتمّة، والفوائدِ القيِّمة الَّتي زيدت على "المفتاح".
وعليه فإن كتابَ "الفوائد الغياثيَّة" يوازي كتابَ تلخيصِ الخطيب في المَنْزِلةِ؛ فكلاهما مختصرٌ للمفتاح وإن تميَّزَ الثَّاني بالبُعْدِ عن الرُّوح المنطقِيَّة، والتَّوسّع في التَّحليل، والاسْتشهادِ، وبسطِ الآراء، وإبْدَاءِ الاعْتراضاتِ؛ وبخاصَّة على السَّكاكيِّ نَفْسِه؛ متى لم يَقْتَنِعْ برأيه، وهو ما نُفَسِّرُ به ذيوعَ صيته، وكثرة الشّروح حوله مقارنة بمؤلّف صاحبنا.
ويَبْدو لنا -بالمقابل- مختصرُ الإيجيِّ مركّزَ العبارةِ، عميقَ الفكرةِ، ظاهرَ الصَّنعةِ، جيِّد السّبك، لم يغبْ عن مُؤلِّفه -ولو طَرْفة عينٍ- أَنَّه يعدُّ مختصرًا صالحًا للحفظ.
ومَهْما يكن من أمرٍ فقد نال كتابُ الإيجيِّ حظَّه من الفَضْلِ والمكَانةِ، وتلقَّاه العلماءُ بالقَبولِ والرِّضا، وبخاصّة علماءُ المشرقِ، وتواردَ عليه الشُّرَّاحُ من مختلف العُصورِ يفكّون عباراتِه ويَنْشُرون عَبِيرَه.
ومِمَّن صرَّحت كتبُ المؤلّفين بذكْرِهم من أُولئك الشُّرَّاح ممّا يدلُّ على أهميَّةِ الكِتاب ما يلي:
1 - السّيّد عبد الله بن محمد أحمد الحسينِيّ (ت 776 ه).
(1/33)

2 - شمس الدِّينِ الكرمانيّ (ت 786 ه) (صاحبَ الكتاب الَّذي نحن في صدد تحقيقه).
3 - شمس الدِّينِ؛ محمَّدِ بن حمزة الفَناريِّ (ت 834 ه).
4 - محمَّد بن السّيّدِ الشَّريف (علي) الجرجانيّ (ت 838 ه).
5 - الشّريف مير علي البخاريّ (ت 950 ه).
6 - السّيّد عيسى بن محمّد الصَّفويِّ (ت 953 ه).
7 - عصامَ الدِّين؛ أحمد بن مصطفى طاش كبرى زاده (ت 968 ه).
8 - محمود بنَ محمَّدِ بن شاه الفاروقيّ الجونبوريّ (ت 1062 ه) (1).
وعن قيمة الكتاب العلميّة يقول آخرُ الشّرّاح في مقدِّمة شرحه (2):
"ولعمري إِنَّه مع تَنَاهيه في الإيجازِ جاوزَ حدَّ السِّحر وإن لم يبلغ الإعجاز، وهو قمين بأن ينمَّق بطباقِ العينِ على طباقِ العين:
فَفِي كُلِّ لَفظٍ مِنْه رَوْضٌ من المُنى ... وفِي كُلِّ سَطْرٍ مِنْه عقْدٌ من الدُّرَرِ".
__________
(1) تنظر هذه الشُّروح، ووصفٌ موجزٌ لبعضها في كشف الظُّنون: (2/ 1299).
(2) المسمّى: "الفرائد في شرح الفوائد"، وتوجد نسخة خطِّيَّة منه في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء. (ينظر: فهرس مخطوطات المكتبة العربيّة بالجامع الكبير بصنعاء، ص: 462). وقول آخر الشّرّاح "الجو نبوريّ" نقلته عن د. عاشق حسين في دراسته لكتاب الفوائد الغياثيَّة: (31)، وذكر د. عاشق في معرض حديثه عن الكتاب أنَّه مقسّمٌ إلى قمسين؛ أحدهما ينتهى إلى علم المعاني، والثّاني يحتوي على علم البيان والبديع. وأَنَّه اطلع على الجزء الأَوَّل منه. ينظر: المصدر السّابق: (32).
(1/34)

الفصل الأوّل: التّعريف بشمس الدِّين الكرمانيّ
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
التّمهيد:
نبذة موجزة عن عصر الكرمانِيّ.
المبحث الأوّل:
حياة الكرمانِيّ.
المبحث الثّاني:
شيوخه وتلاميذه ومكانته العلميّة.
المبحث الثّالث:
مصنفاته ووفاته.
(1/35)

التّمهيد: نبذةٌ موجزةٌ عن عصر الكرمانِيّ
مِمَّا لا شكَّ فيه أَنَّ الإِنْسانَ قرينُ بيئتهِ، يتَأثَّر بها، ويُؤثِّر فيها، وبقطعِ النَّظرِ عن حجمِ التَّأثير وقوَّة التَّأثُّر بينهما؛ فإنَّنا لا نستطيعُ أنْ نتصوَّر أَحدَهما بدون الآخر، حتَّى باتَ في الظَّاهر أنَّ الحكمَ عَلى أحدِهما حكمٌ عَلى الآخر -في الغالب الأَعمِّ-.
ومن هنا يتحتّمُ علينا إن نلقىَ الضَّوء عَلى عصرِ مُؤلّفنا؛ وبخاصَّةٍ إذا أَردنا أَنْ نَسْبر غَوْره حقَّ السَّبر، ونَقْتفي حياتَه حقّ الاقْتِفاء.
وقبل البدءِ في تفْصيلات عصرِ المؤلِّف يجدرُ بي أَنْ أُشير إلى أَنَّ ما أعْنيه بعصرِ المؤلِّف هُو تلك الحقْبَة الزَّمنيَّة الَّتي شهدت مولِدَه، ورافقت حَيَاته حتَّى وفاتِه، بكلِّ ما تَحْمله من تأثيرٍ واضحٍ عَلى الفَردِ والمُجْتَمع والأُمَّة الإسلاميَّةِ آنذاك.
وقد جرت سُنَّةُ الدَّارسين لأيِّ عصرٍ من العصور أَنْ يتحدَّثوا عنه -في الغالبِ- من زوايا ثلاثة؛ تكشفُ أَسْتارَه وتُجَلِّي معالِمَه؛ وهي:

1 - الحالةُ السّياسيةُ:
تكشفُ لنا الكتبُ الموُرِّخة لعصرِ مصنِّفنا عن مَزيد من التُّفكُّكِ والانْقسامِ داخلَ البلاد الإسْلاميَّة، مِمَّا نتجَ عنه ظُهورُ إمارات جَديدةٍ لَمْ تَكُنْ قائمة من قبل، أَوْ قيام بعضِها عَلى أَنْقاضِ بعضِها الآخر (1).
__________
(1) ينظر أهمّ تلك الإمارات، أسماؤُها، قيامُها، نهاياتُها، في "محاضرات في تاريخ الأُمم =
(1/37)

وهذا بدوره أَفْضى إلى نشوبِ الخلافاتِ واشتعالِ الحروبِ سَواءٌ فيما بين تلك الإمارات بعضها لبعض، أَوْ فيما بينهما وبين غَيْرها من الأُمم الأُخرى المجاورة.
وقد هَيَّأَ لذلك الانْقسام وما ترتَّب عليه عدَّةُ أسبابٍ سبقت عصر الكرمانيِّ، أُجْملها فيما يلي:
1 - الحملاتُ الصَّليبيَّةُ الحاقِدة الَّتي شَنَّها النَّصارى الأوربِّيُّون عَلى الأَقاليم الإسلاميَّة (1)؛ بقصد النَّيل من المسلمين واستِغْلال ثَرواتِهم (2).
2 - انْقِضاءُ دولةِ بني العبَّاس إِثر الهجوم التَّتري الغاشِم، الذي أَسْفر عن سقوطِ بغداد سنة 656 ه (3)، وقتل الخليفة، واجْتياح أغلب البلاد الإسلاميّة.
__________
= الإِسْلاميّة"؛ لمحمَّد الخضري: (483).
(1) اختلف المؤرّخون في نشأَتِها على أَقوالٍ عدَّة؛ أَرْجحُها أَنَّها بدأت سنة (490 ه)، واستمرّت حتَّى سنة (690 ه) أي: قرنين كاملين.
ينظر: المرجع السَّابق: ص (440).
والحقُّ: أن خطر الصَّليب ما زال يُحْدق بالأُمَّة الإسلاميّة، ويتربّص بها الدَّوائر، وليس ثمَة فرق -في حقيقة الأمر- بين حملات الأَمس وحملاتِ اليوم؛ اللهم إلَّا بما اسْتترت خلفه حملاتُ اليوم من أقنعةٍ زائفة وشعاراتٍ برّاقة.
(2) ينظر: الحركة الصليبيّة، د / سعيد عاشور: (1/ 21 - 25). ومن عجبٍ أَنْ يَرْجع بعضُ المؤرّخين أسباب تلك الحملات -مع ظهورها- إِلى دوافعَ أخرى لا تمتُّ إلى الحقيقةِ بصلة.
راجع تلك الآراء في: المرجع السَّابق (الصّفحات نفسها)، وأوروبا في العصور الوسطى للمؤلِّف نفسه: (1/ 424).
(3) ينظر: البداية والنِّهاية: حوادث سنة (656): (13/ 226 - 243)، وتاريخ الخلفاء =
(1/38)

3 - انتشارُ الخلافاتِ المذهبيَّة والطَّائفيَّة.
ومع أنَّ الأمَّةَ الإسلاميّةَ استطاعت بفضل الله ثمّ بفضلِ جُهودِ المخلصين للإسلام آنذاك تجاوز خطر السَّببين الأوَّلين؛ في القضاءِ عَلى الإسلامِ واقْتلاع جذُوره؛ بالتَّصدِّي لحملاتِ الصَّليبِ العَاتية؛ بلْ وتَوجيه ضَرباتٍ موجعةٍ لها عَلى أَيْدي الأَيُّوبيِّين، وبخاصَّةٍ صلاح الدِّين (1) الأيُّوبيّ الَّذي أَوقع بهم هزيمةً ساحقةً في معركةِ حطِّين سنة (583 ه)؛ كسرَ من خلالها شوكتَهُم، واستردَّ بيت المقدِس بعدَ غيابٍ زاد عَلى تسعين عامًا (2).
وكذا هزيمة التَّتارِ عَلى أَيدي المماليك بقيادةِ الملك المُظفَّر قُطُز (3) في
__________
= للسّيوطيّ: (471 - 473).
(1) هو / أَبو المظفر، يوسفُ بن أيّوب بن شادي، الملقّب بالملك النَّاصر، أحدُ ملوك بني أيّوب؛ قائدٌ فذٌّ؛ أعاد الله به سيرة الفاتحين الأوّلين، وبه ردَّ كيد الحاقدين الصَّليبيِّين، وُلِد بتكريت سنة (532 ه)، ونشأَ بالشَّام، وابتدأَ حكمُه بمصر، ثمّ توسَّعت أطرافُ مملكتِه. تُوفِّي - يرحمه الله - سنة (589 ه).
ينظر في ترجمته: الكامل في التَّاريخ؛ لأبي الحسن عليّ بن الأثير: (10/ 224 - 225)، وسيرُ أَعلامِ النُّبلاء؛ لشمس الدِّين الذّهبي: (21/ 278 - 291)، الأَعلام: (8/ 220)؛ وقال مؤلّفه: "وللمصنّفين كتبٌ كثيرةٌ في سيرته؛ منها كتابُ: "الرَّوضتين" لأبي شامة ... ، و" النَّوادر السُّلطانيَّة"، و"المحاسن اليوسفيّة" لابن شدَّاد ... ".
(2) ينظر: الكامل في التَّاريخ، أحداث سنة (583 ه): (10/ 146 - 158).
(3) هو / سيف الدِّين؛ قُطُز بن عبد الله المعزى: ثالثُ ملوك التُّرك الماليك، كان فارسًا شجاعًا، سائسًا، ديّنًا، محبّبًا إلى الرَّعية، قُتل غَدْرًا وهو في طريقه إلى مصر سنة (658 ه) ولَمْ يُكمل سنةً في السَّلطنة.
ينظر في ترجمته: سيرُ أَعلامِ النُّبلاء: (23/ 200)، طبقاتُ السِّبكيِّ: (8/ 277)، =
(1/39)

عين جالوت سنة (658 ه) (1)، وانْحسار نفوذِهم عن الشَّام إلى أَطْراف العراق.
أَقولُ: مع تجاوزِ خطر هذين السَّببين إلَّا أَن ثَلْمهما لَمْ يؤربْ بسهولة، وبقيت آثارُهما مع اسْتِفحال السَّببِ الثَّالثِ حائلًا دون توحيدِ البُلْدان الإسلاميَّة، أَوْ حتَّى بقائِها عَلى ما كانت عليه.
فهذه بلادُ العراقِ وفارس ما زالت تَرْزح تحت سُلطانِ المَغُول حيثُ استطاعَ هولاكو (2) أَنْ يُقِيمَ لنَفْسه وذُرِّيَّتِه دولةً عظيمةً اتخذ من إِيران مركزًا لها، وسُمِّيت فيما بعدُ بدولةِ (الإيلخانيّين)، وما زال خلفاؤه يَتَعاقبون رئاسَتها من منتصف القرنِ السَّابع الهِجريّ حتَّى منتصف القرن الثَّامن سنة (744 ه) حيثُ توفِّي آخرُ ملوكِها (3) (أَبو سعيد) (4).
__________
= البداية والنِّهاية: (13/ 256 - 258).
(1) ينظر: البداية والنِّهاية (13/ 248 - 251)، جوامع التَّواريخ (الإيلخانيّون) م 2، ج 1، ص: (313 - 314) التَّرجمة العربيَّة.
(2) هو / هولاكو خان بن تولي خان بن جنكيز خان؛ أحدُ أعتى قادة المغول جبروتًا، وأَشدُّهم غلظة، وهو أوَّل ملوك الدَّولة المغوليّة الإيليخائيّة، استمرَّ حكمُه عشر سنوات، وتُوفِّي إثر مرض أَلَمَّ به في شتاءِ سنة (663 ه) عن عمر يناهز الثَّمانية والأَربعين عامًا.
ينظر في ترجمته: البداية والنِّهاية: (13/ 277)، تاريخ وصّاف لشهاب الدِّين عبد الله الشِّيرازيِّ الملقّب ب (وصّاف) ص: (30).
(3) إيران ماضيها وحاضرها، دونالد ولبر: (65).
(4) هو / أَبو سعيد بن أولجايتو (محمَّد خدابندا) تولّى الملك بعد أبيه ونُصِّب وعمرُه ستة عشر عامًا، كان بينه وبين النَّاصر محمَّد قلاوون مكاتباتٌ ومراسلاتٌ وتودُّد، =
(1/40)

وبعد هذا الأَخِيرِ اضطربت الدَّولة، واستولى الطامعون عَلى بعضِ الأَقاليم، وبَقوا عَلى ذلك زَمنًا حتَّى تغلَّب عليهم محمَّدُ (1) بن المظفَّر الَّذي لَمْ يُوفّق في تَرْسيةِ قواعد متينةٍ لدولتهِ الفَتيَّة، وذلك عندما ارْتكب خَطأً فادحًا بتقسيمِ البلادِ بين ابْنيه المتنافِسين؛ حيثُ ولَّى أحدَهما مُلْكَ أَصْبهان، والآخَر مُلْكَ شيراز وكرمان؛ تَاركًا البابَ مفتوحًا لنشوبِ الخلافات المُستمرَّة بينهما؛ مِمَّا أدَّى إلى إِعلانِ الحربِ بينهما أَكْثر من مرَّة، وضعف أَمْرهما، وأَخيرًا اسْتيلاء تيمور لنك عَلى أَمْلاكِهما سنة (788 ه) (2).
ولَمْ يكن الحالُ في مصر والشَّام آنذاك بأَفضل منه في بلادِ فارس والعراق؛ حيثُ وجدَ الْمَمَاليكُ الَّذين جاءَ بهم الملكُ الصَّالِحُ نجمُ الدِّين (3)
__________
= وبموته سنة (746 ه) انتهت دولةُ الإيليخانيّين.
ينظر: نهاية الأَرب: (27/ 419 - 420)، صبح الأَعْشى في صناعة الإنْشا؛ للقلقشنديّ: (4/ 420 - 421).
(1) هو / مبارز الدِّين؛ محمّد بن مظفر؛ مؤسِّس دولة بني مظفّر. وكان أبوه قد هيّأ لقيام الدّولة عندما كان واليًا من قِبَلِ السّلطان أبي سعيد (آخر ملوك الإيليخانيين)؛ فلمّا مات خلفه ابنه محمّد واستطاع الانقلاب على أبي سعيد وسيطر على كرمان وفارس وكردستان، توفِّي سنة (765 ه).
ينظر: كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ... " المشهور بتاريخ ابن خلدون: (5/ 1177 - 1179)، و"الدُّول الإسلاميَّة"؛ لستانلي لين: (2/ 545).
(2) ينظر: إيران؛ ماضيها وحاضرها: (127)، وتاريخ ابن خلدون: (5/ 1177).
(3) هو أبو الفتوح، أيُّوب بن محمَّد بن أبي بكر بن أيُّوب. ولّاه والدُه بعضَ الدِّيار الشَّاميَّة، فَبقى فيها إلى أَنْ تملكَ الدِّيار المصريَّة بعد وفاةِ والدِه، تُوفِّي سنة (647 ه). =
(1/41)

أيّوب للدِّفاع عن سَلْطَنته- فرصةً سانحةً للانْقضاضِ عَلى دَولةِ بني أيُّوب إِثر الخلافِ الشَّديدِ الَّذي دبَّ بين ملوكِها في آخر سنيِها. وسرعان ما غدا لأولئك المَمَاليك كلمة مَسْموعة -في مصر- بعدَ قَتْل تُوران شاه (1) سنة (648 ه) وتسلُّم شَجرةِ الدُّرِّ (2) مقاليدَ الحُكم من بَعْده؛ تلك المرأة الَّتي اعتبرها المقريزيُّ (3): "أوَّل من مَلَكَ مصر من مُلوك التُّرك المَمَاليك".
ولَمْ يَلْبَث نُفُوذُهم في ازْديادٍ وشوكَتُهم في قُوَّةٍ حتَّى تَمَّ لهم الاسْتيلاءُ عَلى الشَّام ومزاحمةُ التَّتار في أَطراف العِراق؛ مُعْتمدين في ذلك عَلَى سِياسَةِ حكيمةٍ، تقومُ عَلى مُوادعةِ النَّاسِ والتَّودُّدِ إليهم ابْتداءً، ثمَّ أَخْذهم بالحزْمَ والصَّرامةِ بعدَ ذلك.
__________
= ينظر في ترجمته: سيرُ أَعلامِ النُّبلاء: (23/ 187 - 193)، والنُّجوم الزَّاهرة؛ لابن تغرى برْدى: (6/ 319).
(1) هو / غياثُ الدِّين؛ تُوران شَاه بن الملك الصَّالح: آل إليه الملك بعد وفاةِ أَبيه، ولَمْ يدم فيه طَويلًا، وقُتل على أَيْدى المماليك البَحريَّة.
يُنظر في ترجمته: ذيلُ الروضتين؛ لأبي شامة المقدسيّ: (185)، وسيرُ أَعلامِ النُّبلاء: (23/ 193 - 196).
(2) هي شجرةُ الدُّر بنتُ عبد الله: كانت جاريةً تحت الملك الصَّالح فأَعْتقها وتَزَوَّجها، وأَنْجب مِنها. ولَّاها المماليكُ السُّلطةَ بعد وفاةِ تُوران شَاه بن الملك الصَّالح، ولَمْ تَدُمْ فيها أَكْثر مِن ثَمانين يومًا حيثُ قتلت سنة (648 ه) بعد قتلِها زوجَها المملوكيّ الَّذي خلعَتْ عليه الحُكم.
ينظر في ترجمتها: الخطط؛ للمقريزيّ: (3/ 90 - 92)، والنُّجوم الزَّاهرة: (6/ 373 - 379)، وأعلام النِّساء؛ لعمر كحالة: (2/ 286).
(3) السّلوك؛ للمقريزيّ: (1/ 361).
(1/42)

وهكذا ظل المماليكُ البحريَّة (1) "يحكمون مصر والشَّام نحو قرنٍ وثلث (648 - 784 ه) اسْتطاعُوا فيها مواجهةَ المشاكل العَديدة الَّتي واجهت المسلمين في الشَّرق الأَدنى عندئذٍ، سواءٌ كانت هذه المَشَاكل خارجِيَّة من جانب الصَّليبيِّين والتَّتار، أَوْ داخليّة في صُورةِ ثوراتٍ أَوْ مؤامراتٍ أَوْ أَزماتٍ اقْتصادِيَّة" (2) حتَّى أَذِنَ الله لها بالزَّوالِ لتحلَّ محلَّها دَولةٌ أُخْرى من المماليك -أَيضًا-، هم المماليك الجَراكِسة أَوْ البُرجيَّة (3).
وجديرٌ بالذِّكر أَن هذه الدَّولة مع ما حَصل لها من التَّوسُّع والامْتداد والنُّفوذِ لَمْ تَعرفْ الاسْتقرارَ الدَّاخليَّ إلّا لِمَامًا من الزَّمن في عهد قادةٍ قلّة، عُرفوا بالدِّين والصَّلاح.
ويَبْدو لي أَن أهمَّ ما يُميّز سلاطينها: تشوّقُهم إلى السُّلطةِ، وتدافعُهم إلى كُرسيِّ الحكم حتَّى غدا شِعارهم -كَما نصَّ عليه بعضُ المحدثين (4) -: "مَنْ قتلَ ملكًا أصبحَ هُو الملك".
__________
(1) يُرجِّحُ المؤرِّخون أنَّ السَّبب في تَسْمية المماليك بالبَحريَّة "يرجعُ إلى اخْتيار الصَّالح نجم الدِّين جزيرةَ الرَّوضة في بحر النِّيل مركزًا لهم". الأَيُّوبيُّون والمماليك في مصر والشَّام، د. سعيد عاشور: (177). وينظر: بدائع الزُّهور في وقائع الدُّهور؛ لمحمَّد الحنفيّ: (67).
(2) الأَيُّوبيُّون والمماليك: (177 - 178).
(3) سُمُّوا بالجراكسةِ نسبةً إلى أَصْلهم الجرْكسيِّ، وبالبُرجيَّةِ لاختيار السُّلطان قلاوون أَبراج القلعةِ سكنًا لهم. ينظر: الجوهر الثّمين في سير الخلفاء الملوك والسّلاطين؛ لابن دقمان: (306 - 308)، والأيّوبيّون والمماليك: (227).
(4) الملك الظَّاهر ببيرس. د. عبد العزيز بن عبد الله الخويطر. ص (30).
(1/43)

أخلصُ من هذا كلِّه إلى القَوْل:
إنَّ الاضْطرابَ السِّياسيَّ كان سِمة مُمَيّزةً لهذا العصر؛ فلم تكن للك الدُّويلاتُ المتنَاثرةُ هنا وهناك داخلَ الرّقعة الإسْلاميّة عَلى وفاقٍ فيما بينها؛ بل إِنَّنا لا نكادُ نَظْفر بالاسْتقرار الدَّاخليِّ داخل أَسْوار الدَّولة الوحيدة المُسْتَقِلَّة، أَوْ حتَّى بين أَفْراد الأُسْرةِ الحاكمةِ الواحدة.
هذا، وإِنَّما تَركز حديثي حَوْل العراق وفارس ومصر والشَّام دون غيرِها من أَقْطار العالمِ الإسْلامي الممتدّ شرقًا وغربا آنذاك -لأَنَّ تلك البُلدان هي الَّتي نالت حظَّها من شمس الدِّين الكرمانيِّ، إِمَّا مولِدًا، أَوْ منْشأً، أُوْ هجرةً في طلبِ العلم، أَوْ اسْتيطانًا، أَوْ وفاةً.
(1/44)

2 - الحالةُ الإجْتماعيّة:
اتضح لنا -فيما مضى- أنَّنا أمامَ عصرٍ قلقٍ، يموجُ بالفتن، ويتَّسمُ بالقَلاقل، ذاقت فيه الأُمَّة الإسلاميّةُ عَلى امتدادِ رقعتها الجُغرافيَّة ويلاتِ الحروب، وصنوفَ العذابِ، وعلى الأَخصِّ بلدان فارس، والعراق، ومصر، والشَّام؛ تلك البلدان الَّتي حفلت -ولو لمدَّة يسيرةٍ- باحتضان شمسِ الدِّين الكرمانيِّ.
وطبيعيٌّ -والحالُ ما ذكرت- أَنْ نجدَ صورةَ ذلك العصرِ ماثلةً في أبنائه، منعكسةً -بصدقٍ- عَلى مناحي حيَاتهم وأمورِ عَيْشهم.
فالنِّظامُ الطَّبقي يبرز واضحًا للعيان، مُتَّخذًا صورًا شتَّى:
1 - منها ما يكونُ بين أجْناسِ الشُّعوبِ المتناحرةِ فيما بينها تبعًا للغلبة، فكلُّ عُنْصر يرى أنّه الأَجْدر بالسِّيادة، والأَولى بعمارةِ الأَرض، وغيرَه لا يستحقُّ إلَّا الرِّقَّ والإذْلال. ويتمثّلُ ذلك بجلاء في هجوم التَّتار الخاطف عَلى حواضِر المسلمين وسلبِ خيراتهم؛ فقد كانوا يَرون أنَّهم أوصياءُ الله عَلى خَلْقِه؛ أرسلهم لتأديب من حلَّ عليهم غضبُه؛ وبذا أفصح هولاكو للقائدِ المظفّر قُطُز عندما أرسلَ إليه رسالةً يهدّده فيها ويأمرُه بالاسْتسلام، يقول (1): "يَعلمُ الملكُ المظفرُ وسائرُ أمراءِ دولتِه وأهل مملكته بالدِّيارِ المصريَّة وما حولها من الأَعْمال أنَّنا جندُ الله في أرضه، خلقنا من سخطِه، وسلَّطنا عَلى من أحل عليه غضبَه؛ فسلموا إلينا أمورَكُم تَسْلموا".
__________
(1) صبح الأعشى في صناعة الإنشا: (8/ 63).
(1/45)

وقِس عَلى هذا السُّلوك التَّتري سلوكَ الصَّليبيِّين - أَيْضًا -.
كما يتمثلُ هذا التَّمييزُ العُنصريُّ في الانقلاباتِ العرقِيَّة المفاجِئة الَّتي عمَّت البلادَ شرقًا وغربًا، وأسفرَ بعضُها عن قيامِ دولٍ أخر، كقيامِ دولةِ المماليك البَحريَّة عَلى أَنْقاضِ الدَّولة الأَيُّوبيّة، ثمّ قيامِ الدَّولة الجركسيَّة عَلى أنقاضِ اليحريَّة في مصر والشَّام. وكقيامِ دولةِ بني المُظفَّر عَلى الدَّولة المغوليَّةِ، ثمَّ تغلُّب الأخيرة عَلى الأُولى في فارس.
2 - ومِنها: ما يظهرُ بين أبناءِ الجنسِ الواحدِ أَوْ الدَّولةِ الواحدةِ؛ حيثُ يتكوَّنُ المجتمعُ الواحدُ من عِدَّةِ طبقاتٍ، ولعلَّني لا أبتعدُ كثيرًا إذا قَسَّمتُها إلى ثلاثٍ؛ ليقتربَ صدقُها عَلى جميع الدُّول والإمارات الَّتي وجدت آنذاك (1):
أ - طبقةٍ عُليا: وتمثلُ السَّلاطين، والأُمراء، والقَادة، والوُزراء، وكبارَ المُسْتشارين، ومَن لفَّ لفّهم من أبْنائهم وزَوجاتِهم.
وهؤلاءِ كانوا يَحْظون بالامتيازاتِ الكُبرى في الدَّولة، ويسْتأثِرون
__________
(1) يتَّفق المؤرِّخون لهذا العصر على وجود النِّظام الطَّبقيِّ بمظاهرَ مختلفةٍ في جميع الدُّول والإمارات الَّتي عاشت في ذلك الوقت، ولكنَّهم يتفاوتون في تعدادِها وتصنِيفها بحسب كل إمارة؛ فالمقريزيُّ -على سبيل المثال- يقسِّم المجتمعَ في عصر الماليك سبعَ طبقاتٍ؛ جعل أعلاها: أهلَ الدَّولة وهم سلاطينُ الماليك والأمراءِ وأتباعِهم من جند الماليك والوزراء ... وغيرهم. وأَدناها ذوو الحاجةِ والمسْكنة وهم السُّؤال الَّذين يتكفَّفون النَّاسَ ويعيشون منهم. ينظر: إغاثة الأمّة؛ للمقريزيّ: (72).
وقد حاولتُ -جهدي- التَّقريبَ بين آرائهم فتحصَّلَ لي ثلاثُ طبقاتٍ رئيسةٍ تؤولُ إليها أَغْلبُ تقسيماتِهم.
(1/46)

بالرَّفاهية ورغدِ العَيش، وتَتَفاوتُ الإقطاعات فيما بينهم بحسب مَنَازلهم قربًا وبعدًا من السُّلطان.
ب - طبقةٍ وسْطى: وتمثلُ أعيانَ البلدِ، وكبارَ العلماء، والجنودِ، والتُّجَّارِ، وموظّفي الدَّولة. وهؤلاء ينالون من الحظوة بقدر ما تُفيدُ منهم الطبقةُ المتقدِّمة؛ فمن رُضِي عنه أُجزلَ له العطاءُ وقُرِّب، ومَنْ سُخط عليه ضُيِّق عليه وأُبْعد. غيرَ أنَّهم -في الغالب الأَعَمِّ- يدورون في فلكِ الطائفةِ الأُولى طمعًا أَوْ خوفًا؛ سواءٌ كانوا من جِنْسهم، أَوْ من أهلِ البلادِ الأصْلِيِّين.
ج - طبقةٍ دُنيا، وتُمثِّلُ السَّوادَ الأعظمَ من الرَّعيَّة. وغالبًا ما يكونون صُنَّاعًا، أَوْ زُرَّاعًا، أَوْ تُجَّارًا، أَوْ رُعاةً. وهؤلاءِ تتفاوتُ حياتُهم باختلافِ الحُكَّام وأَسَاليبهم في إِدارة البلادِ؛ فتارةً يَنْعمون بالأَمن، ويَأمنون عَلى أَنْفسِهم وأموالِهم، وتارةً أُخرى يَرْتكسُون في الخَوف، ويَتَعرَّضُون للقتلِ والسَّلبِ. عَلى أَن الحالةَ الثَّانية هي الغالبةُ عليهم، وهم إِنْ سَلِموا من القَتل والتَّهجير فَلن يَسْلَموا من المكُوس والمغَارم الَّتي تُفْرض عليهم.
ومع هذا التَّوزيع الطَّبقيِّ يبدو لنا ذَلك المجتمع ممتزجَ الأجناس، مُخْتلطَ الدِّماء، مختلفَ العَادات والأَعراف، متنوِّعَ المذاهب والأَديان، يموجُ بسائر الأَفْكار والمُعْتقدات.
وليسَ بغريبٍ في مِثل هذا المُجْتمع المفككِ أَنْ نجدَ من أطلقَ لنَزواتهِ وشهواتِه العنان، وتفنَّن في اقتناءِ الجواري الملاح والغِلمان الصِّباح، والمغنِّيات، والقَينات من كلِّ لون وجنس؛ لا يَرْدعه عمَّا صرف همّه إليه رَادع، ولا يَثْنيه
(1/47)

عن المُضِيِّ في غَيِّه دينٌ أَوْ مبدأٌ؛ يقول السّبكيُّ (1): "ولقد سمعت أَنَّ واحدًا منهم (أي: أُمراء المماليك) خَرج مرَّةً إلى الصّيد فافتضَّ هُو ومماليكُه من بناتِ أهل البرِّ ما يزيدُ عَلى سَبْعين بنتًا حَرامًا".
كما أَنَّه ليسَ بمسْتغربٍ أَنْ نجدَ فيه مَن تجرَّع الذّل والهوان، وذاقَ طعمَ الجوع والمرضِ، وعاشَ إِمَّا عالةً عَلى غَيْره مِمَّن يكدحُ من أربابِ المهنِ والصِّناعاتِ، وإِمَّا مُتلصِّصًا يقطعُ الطّريقَ ويسرقُ النَّاس. وظَهر من هذه الشَّريحةِ "من اتّخذَ السُّؤال صنعةً؛ فيَسْألون من غيرِ حاجةٍ، ويقعدون عَلى أَبْواب المَساجد يَشْحذُون من المُصلّين ولا يَدْخلون للصَّلاةَ مَعَهم" (2).
وفي هذا المجتمع أَقْبل النَّاسُ عَلى الخمرِ، يَشْربونها، ويتفنّون في صُنعها، وكَثُر معاقروها في الطَّبقتين، العليا والدُّنيا؛ ناشدين بذلك الهروبَ من واقعهم المُعاشِ، فهو مُمِلٌّ، مقيتٌ للسَّادة المُتْرفين، ومُؤلِمٌ قاسٍ للضُّعفاءِ والمَعْدمين.
وإذا ما عرضنا لواقعِ المرأةِ فإنَّه في جانبٍ منه يعدُّ أَشدَّ أسىً وحُزنًا؛ إذ احترفت فئاتٌ من النِّساء البِغاء وارتضين العيش منه، كما الْتَمسَ كثيرٌ منهنَّ العملَ بالمغانِي وضروبِ الملاهي كالرَّقص، وأسرفن في التَّشبُّه بالرِّجال حتَّى لبسن العمامَة (3).
وفي الجانبِ الآخر نجدُ بعضَهنُّ يقررن في بيوتِهن، ويَصْرفن أَنْفسهنَّ
__________
(1) معيد النّعم؛ لتاج الدِّين السّبكيّ: (52).
(2) المصدر السَّابق: (136).
(3) السُّلوك: (1/ 503).
(1/48)

لخدمةِ أَزواجهنَّ، وربَّما اشْتغلن بأعمالٍ تليق بهنَّ كالغزلِ والتَّطريز، ومنهنَّ من سَمت مكانتُها باشْتغالها بالعلمِ والتَّصدِّي للتَّدريس، من مِثْل: زينب (1) بنت الكَمال، الَّتي ذكر ابنُ حجرٍ أنَّها روت كثيرًا، وتزاحمَ ببابها الطّلبةُ يأخذُون عنها العِلم، ويَقْرأون عَليها الكُتبَ الكِبارَ (2).

3 - الحالةُ العلميَّة:
يرى كثير من الباحثين أَنَّه على الرُّغم من تلك الأحداث الَّتي دَهمت هذا العَصْر وما لَحِقَه من التَّخْريب فيه أَوْ قبلَه عَلى أَيدي المَغُول والصَّليبيين، وما اكْتنفَه من فتنٍ وثوراتٍ؛ على الرُّغم من ذلك كلِّه فإِنَّهم يرون أَنَّ العُلوم والمعارفَ ظلَّت مُزدهرةً؛ بل كانت غنيَّةً بالنِّتاج الأَدبي، ونجدهم يُعلِّلون ذلك بأسبابٍ عدَّةٍ؛ منها: تشجيعُ بعضِ الملوكِ للعلمِ والعلماء، وحثُّهم عَلى البَحث في شتَّى فروع المعرفة.
وأَجدُني -إِذ أُؤيد ما أَشاروا إِليه من كَثْرةِ النِّتاج وتشجيع بعضِ الملوك العلمَ وأَهله- مُتشكِّكًا في عدمِ تَأثير تلك الأحداثِ العظامِ عَلى حياةِ العلم وتطوُّرِه، ولعلَّ الواقعَ الملموسَ يُصدِّقني في ذلك؛ فالحياةُ العلميَّة -كما هُو مُشَاهد- إِنَّما تَنْمو وتَزْدهرُ في ظلِّ الاسْتقرارِ والأَمن؛ عندما يَنْصرفُ النَّاسُ عن همِّ الجوع والخوفِ إلى همِّ التَّحصيل والدَّرس.
__________
(1) هي زينب بنت أحمد بن عبد الرَّحيم المقدِسيَّة المعروفةُ ببنت الكمال: عالمة، محدِّثة، تزوَّجت العلم وانْقطعت له، حتَّى أشاد بعلمِها غيرُ واحدٍ من العُلماء، منهم: ابنُ حجر، والذَّهبيّ. تُوفِّيت سنة (740 ه).
ينظر في ترجمتها: الدُّرر الكامِنة: (2/ 167)، أعلام النّساء: (2/ 231).
(2) ينظر: الدُّرر الكامِنة: (2/ 167).
(1/49)

وأقطعُ بأَنَّ النِّتاجَ الفِكريّ لا يُقاسُ ازدهارُه بكثرةِ المؤلّفاتِ الَّتي تَتواردُ عَلى فكرةِ معيَّنةٍ تردّدها وتشرحُها وتُوسِّعُ الحديث حولها -وهو ما تَتَّسمُ به مؤلَّفاتُ ذلك العصرِ بوجهٍ عامٍّ-، وإِنَّما الشَّأنُ في قياسِه مردّهُ الابْتكارُ والعمقُ والدِّقةُ، وهو ما تَحقَّق في مؤلَّفاتٍ كثيرةِ سابقةٍ، أُلِّفت في عصورٍ مُطْمئنَّة آمنة؛ نجزمُ مُطْمئِنّين أنَّها تَفُوق بمراحَلَ نِتاج عصرِنا المُضْطرب.
ومعَ ذلك فلستُ أنكرُ فضلَ مؤلَّفاتِ عصرِ الكرمانيِّ وأثرها الفَاعل في الحِفاظِ عَلى مُقدَّراتِ الأُمَّة العِلميَّة، وما اتَّسمَت به من وفرةٍ مردُّها إيضاحُ الفكرةِ، وتقريرُ المعنى، وتأكيدُ المعلومةِ، كما أَنِّي لا أتجاهل همَّةَ عُلمائِه وصدقَ عزيمتِهم في الانْقطاع للتَّدريسِ ونشرِ العلم؛ وإن كُنت أَتساءلُ عن واقع حالِهم وطلّابِهم، وقد أَحاط ببلدِهم جيشٌ عَرَمْرَم أَوْ نَزَل بِسَاحتهم ثائرٌ أهوج!.
وإذا تقرَّر هذا فإِنَّ عواملَ عديدة شاركت في استمرارِ الحركةِ العلميَّة، وظهورِ كثيرٍ من المصنَّفات المخْتلفة في ذلك العَصْر؛ أَذْكُر منها عَلى وجهِ الإِيجازِ ما يلي:
1 - تَقْديرُ بعضِ السَّلاطين للعلم، وإِجلالهم لأَهله، والمبالغة في إِكْرامهم، وتَهْيئة الجوِّ العلميِّ لهم -أَحْيانًا-، ويُذْكرُ في محاسن هولاكو أنَّه كان يشجّع "العلماءَ والحكماءَ عَلى مواصلةِ البحثِ والدَّرسِ؛ إذ كان يُخصِّص لهم الرَّواتب، ويُغْدق عليهم الِهبات، ويُزيِّن مجلسَه بحضورِهم كَمَا أَنَّه كانَ شَغُوفًا بعلوم الحِكْمة والنُّجوم والكيمياء فلا غَرْو أَن كان يصرفُ بسخاءٍ في سبيلِ تقدُّم هذه العُلوم، وليس أَدلّ عَلى هذا
(1/50)

الشَّغف من أنَّه عهد إلى العَالِم الرِّياضيِّ الفَلكيِّ نصير الدِّين (1) الطوسيِّ ببناءِ مرصد كبيرٍ ... " (2).
كما يُذْكرُ عن الظاهرِ بيبرس (3) -أحدِ ملوك المماليك- وَلَعُه الشَّديد بعلمِ التَّاريخ وميله إلى أَهله ميلًا شديدًا، وكان يَقُول (4): "سماعُ التَّاريخ أَعظمُ التَّجارب".
وممّا يحسبُ لأولئك السَّلاطين -في هذا المضمار- مِمَّا يدل عَلى اهتمامهم بالنَّشاط العلميِّ -العناية بإنشاءِ المؤسَّساتِ التَّعليميَّةِ من مدارسَ وغيرِها حيثُ حَرص سلاطينُ المماليك وأمراؤُهم على إنشاءِ عددٍ كبيرٍ من المدارسَ، مثل المدرسة
__________
(1) هو أبو عبد الله، نصير الدِّين محمَّد بن محمَّد الحسن الطُّوسيّ، الفيلسوف، كان رأسًا في علم الرّياضي والأرصاد، أعجب به هولاكو فبوّأهُ منْزلةً عالية، وجعل الأموال في تصريفه، وكان يطيعه فيما يشير به عليه، له تصانيف كثيرة، منها: "كتاب التوسّطات بين الهندسة والهيئة"، و"التَّجريد في المنطق"، و"التّلخيص في علم الكلام". توفِّي في بغداد سنة اثنتين وسبعين وستمائة هجرية.
ينظر في ترجمته: الوافي بالوفيات؛ لصلاح الدِّين الصّفدي: (1/ 179 - 183)، فوات الوفيات والذيل عليها؛ لمحمَّد الكتبي: (3/ 246 - 252).
(2) المغول في التَّاريخ، د. فؤاد الصياد: (324 - 325).
(3) هو الظاهرُ بيبرس بن عبد الله البندقداري: رابع ملوك المماليك البحريَّة؛ كان قائدًا شُجاعًا، له مواقف مشرِّفة ضدَّ التّتار والصَّليبيَين. توفِّي سنة ستّ وسبعين وستمائة.
ينظر في ترجمته: الوافي بالوفيّات: (10/ 329)، فوات الوفيّات: (1/ 235).
ولمعالي الدّكتور: عبد العزيز الخويطر كتاب بعنوان: "الظّاهر بيبرس".
(4) النُّجوم الزَّاهرة: (7/ 182).
(1/51)

الظاهريّة (1)، والمدرسة المنصوريَّة (2)، والمدرسة الشَّيخونيَّة (3)، والمدرسة الصَّرغتمشيَّة (4)، ولَم يكتفوا بإنشائها بل "وقفت عَلى هذه المدارس الأَوقاف الغَنيَّة لتضمن للطُّلَّاب والمدرّسين قَدرًا من الحياةِ الهادئةِ تجعلهم يَنْصرفون إلى الاشْتغال بالعلمِ آمنين مُطْمئنّين" (5).
2 - انتشارُ المراكزِ التَّعليميَّةِ من جوامعَ ومدارسَ ومكاتبَ؛ ففي الجوامع تُلقى الدُّروس العامَّة، وتُعقدُ حلقاتُ العلم، ولكلِّ شخصٍ يدخلُ المسجدَ الحقُّ في سماع الدُّروس والإفادةِ منها. ويبدو أَن من أهمِّ تلك الجوامع إلى أدَّت دورَها كاملًا في المجال التَّعليميِّ آنذاك: الجامعَ الأَزْهر
__________
(1) نسبةً إلى مُؤسّسها الطاهر بيبرس البندقداري، وكمُل بناؤُها سنة (662 ه)، وجَعل بها خزانة كتبٍ جليلةٍ، وبنى بجوارِها مرفقًا لأبناءِ السَّبيل، وتَولى التَّدريس بها عددٌ من العلماءِ والكبارِ، منهم الحافظ الدِّمياطيّ. ينظر: البداية والنِّهاية: (13/ 242).
(2) نسبة إلى مؤسسّها المنصور قلاون، ورسم بعمارتها مارستانًا وقبّة ومدرسة. وتَمَّ بناؤها جميعًا في أحد عشر شهرًا وبضعة أيام. ورتّب بها لإقراء القرآن قراءً ولتدريس الفقه على المذاهب الأربعة علماء.
ينظر: السّلوك: (3/ 1001).
(3) نسبة إلى الأمير شَيخون (ت 756 ه) ولفخامتها لم تَقْتصر على مذهبٍ بعينِه، بل جُمعت فيها المذاهبُ الأَربعة، وأُنشئت بها دارٌ للحديث.
ينظر: البداية والنِّهاية: (14/ 258).
(4) نسبةً إلى الأمير صَرْغتمش، وكَمُل بناؤُها سنة (756 ه)، وقصرَها منشؤُها على المذهبِ الحنفيِّ، وكان معاديًا للشَّافعيَّة.
ينظر: الدُّرر الكامِنة: (1/ 415).
(5) الأيُّوبيُّون والمماليك في مصر والشَّام: (327).
(1/52)

بالقاهرةِ -وسيأتي معنا إن شاء الله أَن شمسِ الدِّين الكرمانيِّ دَرَس في هذا الجامع في أثناءِ طلبه العلمَ في مصر- (1)، وجامعَ عمرو بن العاص حيثُ نَالا رعايةَ المماليك في تلك المدَّة، ويَذْكُر لنا العلَّامةُ شمس الدِّين، محمَّدُ بن الصَّائغ الحنفيِّ أنَّه أدركَ بجامع عمرو قَبْل الوباء الذي حدث سنة (749 ه) بضعًا وأَربعين حلقة لإقراء العلمِ لا تكادُ تبرح منه (2).
وأَمّا المدارسُ فكانت تُعنى بالدُّروس الخاصَّةِ المنظمةِ، ويقومُ عليها نخبةٌ ممتازةٌ من المدرِّسين، ولَم يكن إنشاؤُها مقصورًا عَلى السَّلاطين والأمراءِ -كما تقدّم-، بل شاركَ فيه -أيضًا- الوزراءُ، والعلماءُ، والقُضاة، وعليةُ القومِ (3).
وهي أنواعٌ، فمنها: العاهدُ الخاصَّهُّ بتدريسِ الحديثِ، ومنها المعاهدُ الخاصَّةُ بتدريسِ الفِقْه، وغالبًا ما تَقتصر على مذهبٍ واحدٍ، ومنها المُتَخَصِّصُ في علومِ اللُّغة، ومنها المُتَخَصِّصُ في الطِّب، و"معنى التّخصّص في هذه المدارس: أَن المادَّة الأساسيَّة فيها هي إلى أُنشئت المدرسةُ من أجلها، وليس ذلك بمانعٍ من أَنْ تُدرَّس إلى جَانبها موادّ أُخرى" (4).
أَمَّا المكاتبُ فكانت تُعنَى بالتَّعليمِ الأَوَّلي، وأغلب طلابِها من الأَيْتام،
__________
(1) ص (71) من هذا البحث "قسم الدّارسة".
(2) ينظر: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة؛ لجلال الذين السّيوطيّ: (2/ 152).
(3) ينظر بعض مدارسهم في: الخطط: (2/ 383 - 388).
(4) الحياة العقلية في عصر الحروب. بمصر والشّام: (41).
(1/53)

الأمر الذي دعا الخيِّرين إلى الإِكثار منها وحبس الأَموال عليها (1).
هذا فيما يتعلَّقُ بأهمِّ الأَسْباب التي أَدَّت إلى النُّهوض بالحركةِ العِلميَّة، وهُناك أسبابٌ أُخرى أَدَّت دورَها الفعَّال، ولكن عَلى نطاقٍ محدودٍ، وفي إِطار شريحةٍ خاصَّةٍ، منها: خزائنُ الكتبِ الخاصَّةِ، ومجالسُ السَّلاطين والأمراء، وبيوتُ العلماءِ، وحوانيتُ الورَّاقين.
أَمَّا ما يتعلقُ بطبيعةِ نِتاج ذلك العصرِ فإِنَّه شمل جميعَ العُلوم والمعارف، ولَم يغلب عليه طابعُ الابْتكار والتَّأصِيل -كمَا هُو الحال في العُصور العبَّاسيَّة الأولى-، وإِنَّما غلب عليه طابعُ الجمع والتَّقرير والشَّرح والاخْتصار.
ولذا وجدنا أغلب مُؤلّفاته إِمَّا موسوعاتٍ عامَّة، تشملُ كثيرًا من المعلوماتِ المتنوّعةِ المتباينة؛ من مثل؛ كتاب "نهاية الأَرب في فنون الأدب" لشهابِ الدِّين النُّويريِّ المتوفّى سنة (732 ه)، ويقعُ في نَيِّفٍ وثلاثين مجلّدًا، وكتاب "مَسَالك الأبصار في مالك الأمصار" لشهابِ الدِّين بن فضلِ الله العمريِّ المتوفّى سنة (748 ه)، ويقعُ في أكثر من عِشرين مجلَّدًا.
أَوْ موسوعاتٍ خاصَّةٍ تشملُ كثيرًا من المعلوماتِ الّتي تَنْدرج تحتَ فن واحدٍ من مثل "لسان العرب" للعلأمة جمالِ الدّين محمَّدِ بن مكرم بن منظورٍ الإفريقيِّ المصريّ المتوفّى سنة (711 ه).
أَوْ شروحاتٍ إِمَّا لكتبٍ ألفها المؤلِّف نفسُه؛ من مثل "شرح شذورِ الذهب في معرفةِ كلام العرب" لجمالِ الدِّين أبي محمّد عبدِ الله بن يوسفَ بن
__________
(1) المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك، د. سعيد عاشور: (150 - 152).
(1/54)

أحمدَ (ابن هشام) المتوفّى سنة (761 ه) حيثُ شرحَ فيه كتابَه المسمَّى "شذور الذّهب في معرفة كلام العرب"، وإِمَّا لكتبٍ أَلفها غيرُه؛ كالكتابِ الذي نحن بصددِ دِراسته وتحقيقه، فإِنَّه شرحٌ لمختصرِ الإِيجي "الفوائد الغياثيَّة في المعَاني والبَيان".
أوْ مختصراتِ إِمَّا لكتبٍ ألفها المؤلِّفُ نفسُه، من مثل: "الطبقات الصُّغرى" لتاج الدّين عبدِ الوهَّاب بن تقيِّ الدِّين السّبكيّ المتوفّى سنة (771 ه)، حيثُ اخْتصر فيه "الطبقات الكبرى" و"الطبقات الوسطى" الكتابين اللذين ألفهما في تَراجم فقهاءِ الشَّافعيَّة. وإِمَّا لكتبٍ ألّفها غيرُه؛ كمختصرِ الإِيجيِّ المتقدِّم فإنَّه اختصارٌ لقسم البلاغة في مفتاح السَّكاكيِّ.
وأَخيرًا أودُّ أن ألفت النَّظرَ إلى أنَّ علمَ التَّاريخ كان أبْرز عُلوم ذلك العصرِ، إذْ ظَهر فيه عددٌ كبيرٌ من المؤرِّخين الذين تَركوا تُراثًا ضَخْمًا يَحكي واقعَ العَصر وأحداثَه ويترجمُ لأَبرز شخصيَّاته.
ونجدُ أَن تآليفَ هذَا الفنِّ تخرجُ في صورٍ مختلفةٍ من "تاريخِ عام للدُّول الإسلاميَّة إلى جَمْعٍ لتاريخ البَشَرِ مُنذ بدءِ الخليقة، مُنْضمًّا إليه تاريخُ بعضِ الأمم المجاورة، ومن رُوَّاد هذا الاتِّجاه: أبو الفِداء (1)، وابنُ كثيرٍ (2) .. ومنهم
__________
(1) وهو الملك المؤيّد، إسماعيل بن الأَفضل علي بن عبد الملك المظفر محمود الأيوبي: ولد سنة 672 ه، وتُوفِّي سنة 732 ه) ينظر: البداية والنِّهاية: 14/ 172، وفوات الوفيّات: 1/ 183، والنّجوم الزّاهرة: 9/ 292)، وله كتاب: "المختصر في تاريخ البشر".
(2) وهو إسماعيل بن عمر المفسر -أيضًا- ولِد سنة 700 ه، وتوفي سنة (774 ه) (ينظر: تذكرة الحفّاظ؛ للذَّهبي: 4/ 1508، والذّيل على العبر في خبر من عبر؛ لابن العراقي: 2/ 358. وله في التَّاريخ كتاب "البداية والنِّهاية".
(1/55)

من اتَّجه إلى التَّاريخ لدولةٍ (1)، أَوْ لبلدِ أَوْ إقليم .. (2).
وأَمَّا السِّيرُ والتَّراجمُ؛ فمنها السِّيَرُ العامَّة (3)، ... ومنها السِّيرُ الخاصَّةُ لجماعةٍ من الرِّجال تربطهم رابطة ما (4) " (5).
__________
(1) مثل رشيد الدين فضل الله الهمذانيّ المتوفّى سنة (718 ه) في كتابه: "جامع التَّواريخ" ويقع في مجلّدين كبيرين، ويعدُّ أهمَّ كتابٍ في تاريخ دولة المغول.
(2) مثل جعفر بن ثعلب الإدفوي المتوفّى سنة (748 ه) في كتابه: "الطالع السَّعيد في تاريخ الصَّعيد".
(3) مثل: "فوات الوفيّات" لابن شاكر الكتبيّ (ت 764 ه)، و"الوافي بالوفيات" لابن شاكر الكرديّ (ت 764 ه)، و"العبر في أخبار مَنْ غَبَر" لشمس الدِّين محمَّد بن أحمد الذَّهبي (ت 748 ه).
(4) مثل: "تذكرة الحفاظ" لشَمسِ الدِّين، محمَّد بن أحمد الذهبي (ت 748 ه)، و"طبقات الشَّافعيَّة" للسِّبكيِّ (ت 771 ه).
(5) الأدب في العصر المملوكيِّ، د. محمَّد زغلول سلّام: (139 - 140).
(1/56)

المبحث الأوّل: حياة الكرمانيّ.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأوّل:
اسمه ونسبه ولقبه وكنيته.
المطلب الثّاني:
مولده ونشأته ورحلاته.
المطلب الثّالث:
عقيدته وأخلاقه وصفاته.
(1/57)

المطلب الأوّل: اسمه، ونسبه، ولقبه، وكنيته
هُو محمَّد بن يُوسف بن علي بن سعيدٍ الكرمانيّ، ثمّ البَغْداديّ.
هكذا ورد اسمُه ونسبُه في أغلب المصادر المُترجِمة (1) له من غيِر خلافٍ يُذْكر؛ سِوى ما ورد فِي بعضِها من ذِكْر (بن محمَّدٍ) بعدَ (بن علي)، وقبل: (بن سعيدٍ) (2). وما وردَ في بعضِها الآخر من إِيراد (بن عبد الكريمِ) بدل (بنِ سعيد) (3).
__________
(1) ينظر: مجمع البحرين وجوهر الحَبْرين؛ ليحيى بن محمَّد بن يوسف الكِرمَانيّ؛ تقيّ الدِّين المعروف ب (ابن الكِرمَاني) (ج 1 / ل 3)، والدُّرر الكامنة: (5/ 77)، والنجوم الزَّاهرة: (11/ 303)، والدَّليل الشَّافي على المنهل الصَّافي: (2/ 716)، نزهة النّفوس والأَبْدان في تواريخ الزَّمان؛ للخطيب الجوهري: (1/ 109)، وبُغْية الوُعاة: (1/ 279)، وطبقات المفسِّرين للدّاودي: (2/ 285)، ومِفْتاح السَّعادة؛ لطاش كبرى زاده: (1/ 212)، ذيل وفيَّات الأَعيان؛ المسمَّى ب "درّة الحجّال في معرفة أسماء الرجال"؛ لابن القاضي المكناسي: (2/ 250)، والبَدر الطالع: (2/ 292)، والفتح المبين في طبقات الأصوليّين: (3/ 210)، والأَعلام: (8/ 27).
(2) ينظر: هديَّة العارفين: (2/ 172)، والضَّوء اللامع؛ للسّخاويّ: (10/ 259) عند ترجمته لابن المؤلف" (يحيى).
(3) ينظر: إِنْباء الغمر: (2/ 182)، وشَذَرات الذهب: (6/ 294).
ومع إطباق المصادر جميعًا على اسمه وأبيه وجدِّه فلا يُعدُّ الاختلاف فيما عداه من السِّلسة -في نظري- أمرًا ذا بال؛ لكونه سمةً غالبةً قل أن ينجو منها علَم من الأَعلام مهما على شأنه؛ وبخاصَّة مع ما دَرج عليه المترجمون من إسقاطِ بعض الأَسْماء المغمورةِ اختصارًا.
(1/59)

والكرماني -بكسر الكاف- كما ضَبَطها الكِرمانيّ نفسه (1). وقيل: بفتحِها، كما ضبَطَها غيرُ واحدٍ (2) - وسكونِ الرَّاء نسبة إلى كرمان؛ وهو إقليمٌ واسعٌ يلي بلاد فارس من جِهةِ الشَّرق، يحتوي عَلى بلدان شَتَّى (3) "كثيرة النَّخل والزَّرع والمواشي والضَّرع .... وأهلُها أخيارٌ؛ أهلُ سنَّةٍ وجماعةٍ وخيرٍ وصلاح"، افْتُتحت كلُّها في زمنِ الخليفةِ
__________
(1) ينظر ضبطه لها في الكواكب الدَّراري في شرح صحيح البخاريّ (9/ 195). ويلحظ أنه نقل في سياق ذلك -عن النَّووى قولَه: "وهو بفتح الكاف" وردَّه في أكثر من مناسبةٍ، منها: قوله: "هو بلدنا، وأهل البلدِ أعلمُ ببلدهم من غيْرهم، وهم متَّفِقون على كسرها"، وقال في موضع آخر من كتابه السَّابق: (17/ 105): "أقولُ: هو بكسرِها. وهي بلدتُنا -حماها الله تعالى! -، وأهلُ مكة أدرى بشعَابِها".
على أنَّه نص في كتابِه الآنف الذِّكر -أيضًا- في مواضعَ منه على رواية الفَتْح مُبينًا أنه بخلاف المُسْتعمل عن أَهْلِها. ينظر: (8/ 86)، و (14/ 162).
(2) على هذا الضَّبط السمعاني المتوفى سنة (562 ه) حيث قال في كتابه الأنْساب: (5/ 65): "والكرمانِيُّ بكسر الكاف، وقيل: بفتحها ... وهو الصحيح غير أنَّه اشتهرَ بكسرِ الكاف".
وليس ثَمَّة مانع أَنْ يُقال: إِن كلا الضَّبطين واردٌ، وبه يتميّز المراد؛ "فالمشهور عند أهلِها الكَسر، والمستعملُ عند غيرهم الفتح" كما رجّحه أخي وزميلي عيسى بن محمَّد الجاموس، محقّق النّقود والرّدود للمؤلّف (مخطوط) رسالة ماجستير ص (23) أو "لعلّ الصواب فيها في الأَصل الفَتْح ثُمَّ كثر استعمالها بالكَسر تغيير من العامَّة"، كما رجّحه ابن حجر العسقلانيّ في الفتح: (14/ 351)، ويقوي هذا الأخير أن السَّمعاني مصحّح الضَّبط بالفتح نسَّابة، علَّامة، متقدِّم زمانًا على من رجَّح الكسرَ.
(3) منها: جيرَفت، وموقان، وخبيص، وبَمّ، والسيرجان، وزماسير، وبُردَسير، وغير ذلك. وعلى الكلِّ يُطْلق كرمان. ينظر: معجم البلدان: (4/ 454).
(1/60)

الرَّاشدِ عمرَ بن الخطاب - رضي الله عنه -. وإليها يُنْسب خَلْقٌ عظيمٌ من العلماء (1).
وكذا البغدادي، نسبة إلى بغداد، إِحدى الحواضر الإِسْلامية في زَمنه.
وهو إذ يُنْسب لكرمان لعرقٍ له فِيها؛ فإِنَّه يُنْسب إلى بغداد لإِلْقاءِ عصا التِّسيار بها.
وليس له مِنْ نِسبة ثالثةٍ إلَّا ما ذكَره السَّخاويُّ في ترجمةِ يحيى ابْنه (2)؛
حيثُ انْتهى به إلى "السَّعيديِّ" نسبةً لسعيد بن زيدٍ - رضي الله عنه - أحد العَشَرةِ المبشَّرين بالجنّة (3).
أَمَّا لقبه المشْهورُ بهِ فهو: (شمس الدّين) (4)، وكنيتُه: (أبو عبدِ الله) (5). ولا أَعلم فيهما خِلافًا.
وهناك لقب آخر يصفه به بعضُ مَن ترجم له، فيقولُون: "شارح
__________
(1) ينظر: معحم البلدان: (4/ 454 - 455).
(2) ستردُ ترجمته مفصَّلة عند ذكرِ تلاميذِ المؤلف -إن شاء الله تعالى-.
(3) ينظر: الضَّوء اللامع: (10/ 259) -ولم أقف على مصدر آخر يُؤكِّد أوْ يَنْفِي عنه هذه النسبة.
(4) نصَّ عليه من المصادر السَّابقة: مجمع البحرين: (ج 1 ل/ 3)، إِنباء الغمر: (2/ 182)، النُّجوم الزَّاهرة: (11/ 303)، الدَّليل الشافي: (2/ 716)، نزهة النّفوس: (1/ 109)، بُغية الوُعاة: (1/ 379)، طبقات المفسرين: (2/ 285)، مِفْتاح السَّعادة: (1/ 213)، دُرَّة الحجَّال: (2/ 250)، هديَّة العارفين: (2/ 172)، الفتح المبين: (2/ 210)، الأَعلام: (7/ 153).
(5) نص عليها من المصادر السابقة: هديَّة العارفين: (2/ 172).
(1/61)

البُخاريِّ"، أَوْ "صاحب شَرح البُخاريّ" (1)، ولكنَّه لقبٌ لا يصدُق عليه مُنْفردًا، ولا يقوى مُميِّزًا له عن غيرهِ من شُرَّاح البُخاريِّ.
__________
(1) نصَّ عليه من المصادر السَّابقةِ: النُّجوم الزاهرة: (11/ 303)، الدَّليل الشّافي: (2/ 716)، نزهة النّفوس: (1/ 109)، بُغْية الوُعاة: (911)، طبقات المفسرين: (2/ 285)، دُرَّة الحجَّال: (2/ 250).
(1/62)

المطلب الثّاني: مولده، ونشأته، ورحلاته
لَمْ تضِنّ علينا المصادرُ المترجمة لشَمس الدِّين الكرْمانيّ بشيءٍ من حياتِه، كما وقعَ لغيرِه من العُلماء ممَّن طوت الأيامُ حياتَهم، ولفَّ النِّسيانُ سِيَرهم وأَخْبارَهم، فلم يُبْق لهم مَا يُذكرُون بِه إلا ما بقي من آثارِهم. ولعل الفضلَ كل الفضلِ في ذلك يعودُ إلى ابن المؤلِّف البارِّ (يحيى)؛ حيثُ ترجمَ لوالده ترجمةً وافيةً ضافية؛ تعرَّض فيها -بشيءٍ من التَّفصيل- لمسيرة حياتِه، ابتداءً من ولادتِه وحتَّى مماتِه (1)، وهو ما نفسِّر به اتِّفاقَ المترجمين له عَلى نُقاطٍ كثيرةٍ في حياتِه، وعدمِ اختلافهم حوله إلا في التَّفصيلاتِ الدَّقيقة، وفي النَّادر اليسير.

مولده:
وُلِدَ شمس الدِّين الكِرمانيّ يومَ الخميس، السَّادسَ عشرَ من جُمادى الآخرة، سنة سبع عشرة وسبعمائة من الهِجْرة النَّبويَّة (2).
__________
(1) ينظر كتابه: مجمع البحرين وجَوْهر الحبرين: (ج 1 ل / 3).
(2) ينظر مصادر ترجمته السَّابقة، نفس الصّفحات، فجلّها أَجْمع على تحديد شهر وسنة ولادته، ولم يشذّ عنها إلَّا السُّيوطيُّ في البُغْية حيث قال (1/ 279): "ولد يوم الخميس سادس عشرين جمادى الآخرة".
والدَّاوديُّ في طبقاته؛ حيث قال (2/ 258): "ولد يوم الخميس سادس عشرين جمادي الآخرة".=
(1/63)

وعن مكانِ ولادته يقولُ ابنُه (1): "كان مولِدُه ببلدة (كونان) مِنْ أَعمال (كوبيان) (2)، بينها وبين بَلده كرمان مسيرةُ ثلاثة أيام، رأيتُها في مدَّة والدي -رحمه الله تعالى-، وهي بلدةٌ طيِّبةٌ، وهواؤها طيِّبٌ صحيحٌ، وأهلُها عُلَماء فُضَلاء صُلَحاء ... ".

نشْأته ورحلاته:
ساق ابنُ الكِرمانيّ -رحِمهما الله- في معرضِ حديثِه عن نَشْأة والدِه ورحلاته حَديثًا مُخْتصرًا شَافيًا؛ لا أجدُ مَحيصًا من إيرادِه بتَمامه. وفيه يتَّضحُ بجلاءٍ أَنَّ الكرماني شبَّ في بيتِ والدِه (بهاءِ الدِّين، يوسف)، ونشأَ عَلى مرأَى ومَسْمعٍ منه، يُلقِّنه المعارفَ والعُلوم، ويغرسُ في نفسِه الصِّفاتِ النَّبيلةَ والأَخلاقَ الفاضلةَ، كما يتَّضحُ منه جلَدُه
__________
= والبغداديُّ في هدية العارفين حيث قال (6/ 172): "ولد سنة 718"، كما أن محقق الدُّرر الكامِنة للحافظ ابن حجر (محمَّد سيِّد) أشار إلى أَنه وجد في بعض نُسخ الدُّرر المخطوطة أَن مولدَ الكِرمَانيِّ كان في سنة سبع وعشرين وسبعمائة على أَن أَغلبها تنصُّ على أنه في السَّابع عشر. وهو ما صحَّحه. (ينظر: هامش الدُّرر: 5/ 77).
وظاهر أنَّ تلك النُّقولات الشَّاذة لا تبتعد كثيرًا فتقدَّم فائدةً تُذكر؛ ناهيك عن أَنّ احتمال التَّحريف منها ليس ببعيد.
(1) مجمع البحرين وجوهر الحبرين: (ج 1 / ل 3).
(2) (كوبيان) وربَّما قيل لها: (كو كيان) كما صرَّحَ بذلك ياقوت الحمويّ (4/ 487): "من قرى كرمان، فيها وفي قرية أخرى يقال لها بهاباذ يعمل التّوتيا (حجر يكتحل به). (اللّسان: توت: 2/ 18) الذي يحملُ إلى أقطار الدُّنيا".
(1/64)

وصبْرُه في طلبِ العلمِ؛ حتَّى غَدا عالمًا عَاملًا، ويكفي شَاهدًا عَلى ذلك: أَنَّه رحلَ -في سبيل تحصيل العلم- إلى بلدانٍ مختلفةٍ متباعدةٍ أَدَعُ التَّصريحَ بها لابْنِه في سياقِ حديثه التَّالي عن أَبيه.
يقول (1): "نشأ والدي -رحمه الله- بها -أي: ببلدة كونان-، واشْتغل عَلى والده يوسف (2)، وكان من العُلماءِ العاملين. حكى لي والدي عنه أَنَّه ما كان يأَكلُ إِلَّا من ثمنِ مصحفٍ شريفٍ كان يكتُبه في كلِّ شهرٍ بخمسة دَراهم، يبيعه ويقتاتُ بالدَّراهم طولَ شهْره؛ فإذا انقضى الشَّهرُ بعد كتَب آخر؛ فينسخه ولا يأكل إلا منه مع كثرةِ أملاكهِ وسعةٍ من الدُّنيا ...
ثمّ لَمَّا بلغَ والدي مبلغَ الرّجال ارتحل إلى كرمان، وقرأَ بها عَلى علمائِها، ثمّ بلغَه شرحُ أصولِ ابن الحاجبِ للشَّيخ عضدِ الدِّين عبد الرَّحمن، فكتبه ونسخه، وأَرادَ قراءتَه عَلى بعضِ علماءِ كرمان.،. فرحلَ بإذن والده إِلى (شباكار) (3) وهي بلد من أعمالِ (شِيراز) (4)، وفيها الشَّيخ عضدُ الدِّين، فلازمَه واشتغلَ عليه وقرأَ عليه شرحَ مختصرِ ابن الحاجِب، وكتابَ المواقف في أصولِ الكلام. وغير ذلك من مؤلفات شيخِه عضد الدِّين، ثمّ وقعت خراب في بلاد (شيراز)، وقُتل سلطانها، وكان مُحسنًا إلى
__________
(1) مجمع البحرين وجوهر الحبرين: (ج 1 / ل 3).
(2) لم أقف له على ترجمةٍ -إلا ما حكاه حفيدُه عنه- فيما وقفتُ عليه من مصادرَ.
(3) لم أقف لها على ترجمةٍ فيما بين يديَّ من مصادر البلدان.
(4) هو بكسر الشِّين وآخره زاي: بلد عظيم في وسط بلاد فارس، وهي مما استجد عمارتها واختطاطها في الإسلام؛ لكونها عذبة الماء كثيرة الخيرات.
ينظر: معجم البلدان: (3/ 380 - 381).
(1/65)

والدي، وكان دائمًا يَتَرَحَّمُ عليه. وقصدَ بغداد، ثمّ قصدَ الشَّام، ثمّ أتَى مصر. ولكنَّه في سنة خمسٍ وخمسين وسبعمَائة ورد مصر وسُلْطانها الملك الصَّالح، والأمير الكبير بها شَيْخون. فأرادَ السُّلطان شيخون أَنْ يُقِيم بالقاهرةِ ويريدُ أنْ يحجَّ. فحجَّ من طريقِ الحاجِّ المصري، بعدَ أَنْ قرأَ البخاريّ بالقاهرةِ بالجامع الأزهر عَلى الشَّيخ ناصر (1) الدِّين الفَارقيِّ، وغيره من علمائِها. ثمّ لَمَّا حجَّ رجع إلى بغداد، وكانت بغدادُ إذ ذاك عامرةً بأَهلِها من أحسن بلادِ الدُّنيا؛ فأقامَ بها، واشْتَغل بالتَّأليف، وشُغل النَّاسُ في فنون العلم. وحجَّ مرَّات وجاورَ وأَنا في خدمَته سنة خمسٍ وسبعين وسبعمائة. ثمّ رجعَ إلى بغداد، وأقامَ بها إلى سنة خمس وثمانين، فقصدَ الحجّ وأَنا في خِدمتِه؛ فحجَّ سنة خمس وثمانين ... ".
__________
(1) سترد الإشارة إليه -إن شاء الله- قريبًا ضمن الحديث عن شيوخ المؤلّف (76).
(1/66)

المطلب الثّالث: عقيدته، وأخلاقه، وصفاته
عقيدته:
ليسَ ثمّةَ أدَنى شك يُساورني في أَن شمسَ الدِّين محمَّد بن يُوسف الكِرمانيِّ أشعريُّ المعتقد؛ فقد بدا ذلك واضحًا جَليًّا من خلال كُتبهِ التي ألّفها، ويبدو بروز ذلك بِشَكلٍ ظاهرٍ في مولَّفَين من مؤلّفاته هما:
1 - "الرُّدود والنُّقود". مؤلف في أُصول الفقه (1).
2 - "تحقيقُ الفوائدِ الغياثيَّة". الكتابُ الذي بين يديّ.
ولعل السَّببَ في بروزِ معتقدهِ في هذين الكِتابين دونَ غَيْرهما من مؤلَّفاته يعودُ إلى طبيعةِ مادَّتِهما من جهةٍ، وما يَسْتلزمانه من كيفيَّة المعالجةِ من جهةٍ أُخرى. الأَمر الذي يؤوبُ بالباحثِ فِيهما إلى العودَةِ إلى كثيرٍ من المُرتكزاتِ العَقديَّة الّتي يَنْطلقُ منها.
والنَّاظرُ في هذين الكتَابين يقفُ عَلى مواضعَ عِدّةٍ، تؤكِّدُ انْتسابه إلى المذهبِ الأَشْعريّ، منها:
1 - جاءَ في "الرُّدود والنُّقود" عند حديثِه عن مَسْألة التَّكليف بما لا يُطاق قولُه (2): "فإنَّا معشرَ الأَشَاعرةِ نُجوّزه -أَيْ: التّكليف بالمحال
__________
(1) مخطوط في مكتبة المخطوطات في الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية، له نسخ متعددة أفضلها ذات الرقم (8887 ف 1)، وهي نسخة فلمية مصورة عن مكتبة لالى باستانبول. والكتاب مهم في بابه، ولأهميته عهد إلى بعض طلّاب الدراسات العليا بقسم أصول الفقه تحقيقه؛ فسجّل بعضه رسائل "ماجستير".
(2) (ل 126 / ب) مخطوط رقم: (8887 ف 1) في الجامعة الإسلاميّة في المدينة المنورة.
(1/67)

- وإِنْ لَمْ يقع، والمعتزلةُ تَمنعه".
والعبارة صريحة لا تحتمل صَرفًا ولا تَأويلًا.
2 - جاء في "تحقيقِ الفوائد" عند حديثهِ عن الاستعارة التَّخْييليَّة -بعد إيراد قولَ الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} (1) - قوله (2): "فإنَّه يلزم من ازدواج اللفظِ في {يُبَايِعُونَكَ} و {يُبَايِعُونَ اللَّهَ} أَن يكون هُو -سبحانه- مبايِعًا، وإذ لا بدَّ للمبايع من يدِ فتُخيّل له سبحانه وتعالى شيءٌ يُشْبه اليد وهو القُدرة، فيطلق عليها لفظَ أَوْ يقول إنَّه استعارةٌ بالكناية بإدخال الله سبحانه وتعالى في جِنْس المبايعين ادِّعاء وإثبات ما هُو مِنْ خَواصّهم".
وظاهر أَن هذا القَولَ ينطلقُ من مُعتقدِ الأَشاعرة في الصِّفاتِ؛ حيثُ يثبتونَ للهِ سبحانه وتعالى سبعَ صفات هي: الإرادة، والحياة، والعِلم، والقدرة، والسَّمع، والبصر، والكلام، ويُؤوِّلون ما عَدا ذلك كاليَد، فإنّها -بزعمهم- تَعني القدرة (3).
__________
(1) سورة الفتح؛ من الآية: 10.
(2) قسم التّحقيق من هذا البحث ص: (761).
(3) ينظر معتقدهم في الصفات في: الاقتصاد في الاعتقاد؛ للغزالي: (84 - 101)، تحفة المريد "شرح جوهرة التوحيد"؛ للبيجوري: (90).
وراجع الرد عليهم في هامش (5) من ص (761 - 762) من هذا البحث "قسم التحقيق".
(1/68)

3 - جَاء في "الرّدود والنّقود" عند حَديثه عن القرآنِ وهو بصدد الرَّدِّ عَلى القُطيِّ في قوله إِن المعنَى القَائِم بذاتِ الله ليس بكتابٍ - قَوْلُه (1): "المشهورُ عند الأشَاعرة ... أن كلامَ الله عبارةٌ عن ذلك المعنى، وهذه الألفاظ دَالَّةٌ عَلَيه".
ولا يكشف السِّياقُ الذي وردَت فيه تلك العبارة عن مسوِّغ مقنع لإيرادِ مَذْهب الأَشاعرةِ في كَلامِ الله هنا (في معرض الرَّدِّ) سوى انتسابِ الكِرمانيِّ إلى هذا المَذْهب (2). بل ظهر في غيرِ مَوْطن في "تحقيقِ الفوائدِ الغياثيّة" ثمرة اعتقادِه فِي كلامِ الله. بما يتَّفق مع المذهبِ الأَشْعريِّ، منها:
__________
(1) (ل 144 / أ) مخطوط رقم (8887 ف 1) في الجامعة الإسلاميّة في المدينة المنورة.
(2) ينظر معتقدهم في كلام الله في: اللّمع في الردِّ على أهل الزيغ والبدع؛ لأبي الحسن الأشعريّ: (22)، وتمهيد الأوائل وتلخيص الدّلائل للقاضي الباقلّاني: (268 - 284)، والإرشاد إلى قواطع الأدلّة في أصول الاعتقاد؛ لأبي المعالي الجويني: (103 - 107).
وهو بخلافِ مذهب السَّلف من الصَّحابةِ والتَّابعين، الذين يُثْبتون صفةَ الكلام للهِ تعالى ويرون (شرح العقيدة الطحاوية: 180): "أنه تعالى لم يزل مُتكلِّمًا إِذا شاءَ ومتى شاءَ وكيف شاءَ، وهو يتكلمُ بصوتٍ، وأنّ نوعَ الكلام قديم وإِنْ لم يكن الصَّوت المعين قديمًا". وينظر: العقيدة الواسطيّة: (111). وتبعًا لذلك فإِنَّهم يعرِّفون القرآن بقولهم (العقيدة الطّحاوية: 179): "القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفيَّة قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنَّه كلام الله تعالى بالحقيقة وليس. بمخلوق ككلام البريّة " وينظر: العقيدة الواسطّة: (136)، ومجموع الفتاوى لابن تيميّة (12/ 17، 65، 244، 306)، ومختصر الصواعق: (2/ 292).
(1/69)

إيرادُه لتعريفِ شيخهِ الإيجيِّ للأمر، وأَنَّه (1) "اقتضاء الفعلِ بالقولِ استعلاءً"، وشَرحه إِيَّاه وعدم تسجيلِ أيِّ اعتراضٍ عليه إلا في موافقتهِ المعتزلةِ في القَيْد الأَخير (الاستعلاء)، واعتذاره عن تلك الموافقةِ بقوله (2): "وذكره هذا من حيثُ متابعتُه السَّكاكيَّ وإلّا فعندَه -كمَا هُو مذهبُ أهلِ السُّنَّة- لا دخل للاسْتعِلاءِ في مَفْهومِ الأَمر".
وباعتذارِه عن القيدِ الأخير وتَسْليمه ببقيَّة القيودِ فإنَّه يقف جنبًا إلى جنب مع الأشَاعرة؛ الذين يسمون الأَمر بأَنه "اقتضاءُ الفعلِ بالقَول" انْطلاقًا من مُعتقدهم في كلامِ الله سبْحانه وتعالى أنَّه معنى قائمٌ بنفسهِ. ولا يغرنّك قوله "كما هُو مذهب أهل السنة"؛ فإن الأشاعرة كثيرًا ما يُطْلقون عَلى أَنْفسهم "أهل السنة"، وبخاصَّةٍ عندما يكونون في مُواجهةِ المُعتزلة (3).
أَضف إلى ذَلك أَنه عُنيَ عناية خَاصَّةً بمؤلّفاتِ شيخه الإيجيّ -أحدِ أقطابِ الأشاعرة في زمانِه-، وأَشْبعها دَرسًا وشرحًا، ولَم يُنقَل
__________
(1) قسم التّحقيق من هذا البحث ص (595).
(2) قسم التّحقيق من هذا البحث ص (595 - 596).
(3) والحقُّ أن للأشاعرة جهدًا محمودًا وسعيًا مشكورًا في الدِّفاع عن السنَّة وبخاصَّة أمام الباطنية والرّافضة والفلاسفة؛ في هتك أسرارهم وكشف أستارهم. يقول شيخ الإسلام في درء التعارض (8/ 275): "فإن الواحد من هؤلاء له مساع مشكورة في نصر ما نصره من الإسلام، والرَّدِّ على طوائف من المخالفين لما جاء به الرّسول؛ فحمدهم والثناء عليهم بما لهم من السّعي الدّاخل في طاعة الله ورسوله وإظهار العلم الصحيح ... وما من أحدٍ من هؤلاء ومن هو أفضل منه إلا وله غلط في مواضع".
وينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، د. مانع الجهني: (1/ 87 - 98).
(1/70)

عنه أَنَّه استدرك أَوْ نبَّه عَلى فسادِ معتقده. مِمَّا يدل -أيضًا- عَلى انتسابِه إلى المذهب الأشعريِّ.

أخلاقه وصفاته:
يظهرُ لي أن شمسَ الدِّين الكرمانيّ كانَ شديدَ التَّعلق بالله سبْحانه وتَعالى، محبًّا له ولِرَسوله صَلى الله عليه وسلم، عالي الهِمَة، صادقَ العزيمةِ، شريفَ النَّفْس، عَلى جانبٍ عظيمٍ من التَّواضع وحسنِ الخلُق، قويّ الشَّخصيَّة، زاهدًا في الدُّنيا، معرضًا عن أهلها، محبًا للففراء وطلبة العلم.
قال عنه ابنُ حجر (1): "وكان تامَّ الخَلق، فيه بشاشةٌ وتواضعٌ للفقراء وأهلِ العلم، غيرَ مكترثٍ بأهلِ الدنيا، ولا مُلْتفتٍ إليهم؛ يأتي إِليه السَّلاطينُ ويسألونه الدُّعاءَ والنصيحةَ".
وقال غيرُه (2): "كانَ مُقبلًا عَلى شَأنه، مُعرضًا عن أَبْناء الدُّنيا".
ومن يطالعُ بعضَ مقدِّمات مؤلَّفاته يلمس قوّة إِخْلاصه لله، وانْصرافه عمَّن سواه.
__________
(1) ينظر هامش الدُّرر الكَامِنَة نقلًا عن إحدى النّسخ المخطوطة للكتاب: (5/ 77)، ونقله السيوطيُّ في البُغْية: (1/ 269)، وكذا الدَّاوديُّ في طبقات المُفسِّرين: (2/ 285)، وابن القاضي في درّة الحجّال: (2/ 251).
(2) هو ابن العماد الحنبليّ في شَذَرات الذهب: (6/ 294)، وفي معنى قولِه وردَ قَوْلُ ابن حجر في الدُّرر الكَامِنة: (5/ 77)، والشوكاني في البَدرِ الطالع: (2/ 292).
(1/71)

يقول في مقدِّمة الكواكب الدَّراري (1): "وما توسّلت به إلى غرضٍ دنيوي من مالٍ أَوْ جاه، أَوْ تقرُّبٍ إلى سُلْطان أَوْ خليفةٍ -كما هُو عادة أَبْناء زَمَانِنا من أَصحاب إلهِممِ القَاصرةِ والعقولِ الضّعيفة-، بَل جَعَلْته لله ولوجههِ خالصً".
كما يقُول في مقدمته للنُّقود والرُّدود (2): "وما تَقَرَّبت به إلى أحدِ الخلائق رجاءَ أَنْ يكون سبب قُربتي إِلى الخالق؛ فإِنَّه عَلى ذلك قدير، وبتحقيق رجاء الرَّاجين جَدِير. وما توفيقي إلَّا بالله، عليه توكّلتُ وإليه أُنيب".
ويبدو أنه كان عَابدًا طَائعًا مُكْثرًا من النَّوافل والقُرب؛ فعلى الرَّغم من أنَّه كان لا يمشِي إلا عَلى عَصا مُذْ كان ابن أربعٍ وثلاثين سنة (3) إلا أَنَّه حجَّ من بغداد مرَّات. كما ذكر ابنه (4).
__________
(1) (1/ 6).
(2) ينظر: (ج 1، ل 2 / ب) (مخطوط)، فلميّ في الجامعة الإسلاميّة في المدينة المنورة رقم (6412 / ف)، وقد سبقني إلى الإشارة إلى ذلك الزّميل الباحث عيسى الجاموس في رسالته للماجستير التي حقّق بها جزءًا من كتاب النقود والردود. مخطوط ص (62).
(3) ينظر: إنباء الغمر: (2/ 182)، وشذرات الذهب: (5/ 294)، وذُكر أنّ سبب ذلك سقوطه من عليه.
(4) راجع ص: (66) من هذا البحث "قسم الدراسة".
(1/72)

المبحثُ الثاني شُيوخُه، وتَلاميذُه، ومكانتُه العلميّة.
وفيه ثلاثةُ مطالب:
المطلبُ الأوّل:
شيوخُه.
المطلب الثاني:
تلاميذُه.
المطلب الثالث:
مكانتُه العلميَّة.
(1/73)

المطلب الأوّل: شيوخه
ننتظرُ ونحن أَمَام عالم ذائع الصّيت، بارعٍ في علومٍ متعددة، رحَّالة يطلب العلم كشمس الدِّين الكِرمانيّ -أن نظفرَ له. بمشائخ كُثر- وهم بلا شك كذلك-، غيرَ أن ما حفظته لنَا كتبُ التَّراجم منهم قليل لا يَتَجاوزون أولئك المَشْهورين في عصره، وربما وجدَ المترجمون في شُهْرتهم واسْتِفاضة عِلْمهم، أَوْ قربهم من الكرمانيّ وتأَثره بهم ما يُعني عن ذِكْر غَيْرهم ممن لَمْ يكُونُوا كَذلك.
وممن صرَّحت كتبُ التَّراجم بأَسْمائهم من مَشَايخه ما يَلي:
1 - والده: بهاء الدِّين؛ يُوسف بن عليِّ الكِرمانيّ.
ولم أُفْلح في الوقوف عَلى ترجمة له سوى ما ذَكرهُ حفيدُه التَّقيُّ الكِرمانيّ عنه (1).
وعَلَى يديه تَلَقّى الكِرمانيّ دروسَه الأولى. ويَبْدو لي -في ثَنَايا الأَخْبارِ اليَسيرة الوَارِدة عنه- أنَّه عالم ورع، من بيت صالحِ، كسائر بيوتِ قريتِه الّتي اشْتَهر أهلُها بالصَّلاح وتوارثِ الفَضِيلة (2)، ولستُ واجدًا دليلًا يؤكِّدُ ذلك أَقْوى من اهْتمامِ الوالدِ بابنهِ في هذه الأسرة (3).
__________
(1) ينظر ص (65) من هذا البحث. "قسم الدِّراسة".
(2) ينظر ما ذكره التّقيّ الكرمانيّ عن أهل قرية والده ص: (64) من هذا البحث. "قسم الدِّراسة".
(3) ويظهر ذلك بجلاء من خلال تعليم بهاء الدِّين؛ لابنه شمس الدِّين، وتعليم الأخير لابنه تقي الدِّين.
(1/75)

2 - القَاضي: عَضُد الدِّين؛ عبد الرّحمن بن أَحمد بن عبد الغَفار الإِيجيّ وسبق الحديث عنه في المبحث التَّمهيدي (1). وهو شيخه الذي لازمَه ثنتي عَشْرة سنة محبًّا لشخصه عاكفًا عَلى درسه، نَاهلًا من مَعِينه، شَارحًا لكُتبه.
وقد بَدا -لي- شِدَّة تَأثره بهذا الشَّيخ وعظيمُ توقيره له؛ فهو لا يَسِمه إلا بالأسْتاذ (2)، ولا يذكره إلا بالثّناءِ العاطرِ (3).
3 - المحدِّث، ناصر الدِّين، محمّد بن أَبي القاسم الفَارقيِّ (4). ولَم تُسْعِفنا كتب التّراجم بشيءٍ عنه سِوى مَا تقدَّم من اسمه ونَسَبه.
وعنه تَلقّف شمس الدِّين الكرماني الحديثَ، وبينَ يديه في الجَامع الأَزْهر قرأَ صحيحَ البخاريِّ (5).
__________
(1) ينظر ص: (65) من هذا البحث. "قسم الدِّراسة".
(2) تتبعت الكِرمَاني في مؤلفه الذي أعد حوله الدراسة فلم أجده يطلق "قال الأستاذ" إلا على شيخه الإِيجيّ، ولم يظفر بهذا الوصف من الكِرمَاني أحد سواه!.
(3) ينظر ما قاله عنه في مقدِّمات شرحه لبعض كتبه، ومنها -على سبيل المثال-: ما قاله عنه في مقامة شرحه لهذا الكتاب ص (207) قسم التّحقيق.
(4) الضوء الّلامع: (10/ 83).
(5) ينظر في الحديث عن شيوخ الكرمانيّ:
مجمع البحرين وجوهر الحبرين: (ج 1 / ق: 3)، إنباء الغمر: (2/ 182 - 183)، الدرر الكامنة: (5/ 77)، بغية الوعاة: (1/ 279)، طبقات المفسِّرين: (2/ 285)، درة الحجال: (2/ 251)، شذرات الذّهب: (6/ 294)، البدر الطالع: (2/ 292).
(1/76)

المطلب الثّاني: تلاميذه
لَمْ يَفْتَأ شيخُنا الكرمانيُّ -رحمه الله- يتضلعُ صنوفَ العلومِ والمعارف ويعبُّ من مَعينها الصَّافي حتَّى ارتوى وفَاضَ خيرُه عَلى غيره؛ فكان له تلاميذ أَبْرار يجتمعون إليه ويُفِيدون منه.
ويَذْكُرُ المترجمون له -في هذا الصَّددِ- أنَّه استوطنَ في نهايةِ تَطوافه بغدادَ، "وتصدَّى فيها لنَشْر العلم مدَّةَ ثلاثين سنة" (1).
ومع أَنها مدَّة تكفي لتَخريج أجيالٍ يُعجز المرءَ حصرُهُم -وهم بلا شك كذلك-، إلا أنّ ما حفظته المصادرُ لنا منهم عدد يسير ممن شُهِر فيما بعدُ، جَرْيًا عَلى عادة تلك المصادرِ الّتي لا تُنوّه من قربٍ أَوْ بعدٍ إلّا بأولئك الأَفْذاذ الذين فَرَضوا أَنْفسهم عليها.
ومنهم:
1 - ابنه يحيى: تقيُّ الدِّين، المعروف بابن الكِرمانيّ (2).
ويعدُّ أبرزَ تلاميذِه، وأكثرهم إِفادةً منه، لملازمته له جل وقتهِ، يَقُولُ السَّخاويُّ (3): "ولكن جلّ انتفاعه إِنَّما كان بوالدِه؛ فإِنَّه لازَمه سفرًا
__________
(1) ينظر: الدرر الكامِنة: (5/ 77)، طبقات المفسِّرين: (2/ 286)، البَدر الطالع: (2/ 292).
(2) ينظر ترجمته في: الضَّوء اللَّامع: (10/ 259 - 261)، شذرات الذّهب: (7/ 206 - 207)، هديّة العارفين: (2/ 572).
(3) الضّوء اللّامع: (10/ 259).
(1/77)

وحضرًا، وجَابَ معه نحو خمسين مدينة".
ولِدَ في رجب سنة (762 ه) ببغدادَ، وحفظَ القرآنَ صَغِيرًا، ثم الشَّاطبيَّة، والكَافِيَة، والشَّافِيَة، والحَاوي، والملْحة، وغيرَ ذلك، وما زَال يَنْهل من معين والدِه ويَرتشف رحيقَ غيره من علماءِ عصره؛ أَمثال أَسعد بن محمّد بن محمود الحنفيّ، وسعيد بن محمَّد المالكيّ، والقَاضِي العلاء الهرَويّ، والجمال ابن الدَّبَّاغ الحنبليّ- حتَّى تبحَّر وبَرَع؛ فأَتْقن الحديثَ، والطِّبَّ، والتَّاريخ (1).
وتذْكر بعض المَصَادر أنه أَخَذ عن والدِه: "الكتبَ السِّتَة سَمَاعًا غيرَ مرّة، وأَعربَ عليه غالبَ القرآن، وسَمِع عليه الكشَّافَ، وتفسيرَ البَيْضاويَ غيرَ مرّة، وجميعَ كافيةِ ابن الحاجبِ في النَّحو، وشَافيته في الصَّرفِ، والمِنْهاج الأصلي، وشرحه للبرهان العبديّ، والطوالع للبيضاويّ، وشرحه للشَّمس الأَصبهانيّ، والمطالع في المنطق، وشرحه للقطب التّحتاني، مع أسئلة واعتراضاتِ عليه، والفوائد الغِياثيّة لشَيخه العَضُد، و ... ، و ... " (2) وتَعدادها يَطولُ.
وله من التَّصانيف:
* مَجْمَعُ البحرين وجَوْهر الحبرين في شرح صحيح البخاريّ. كتبه بخطّه، وأَخْرجه في ثمانية أَجْزاء كبار.
__________
(1) ينظر: المصادر السَّابقة في ترجمته.
(2) الضَّوء اللامع: (10/ 259 - 260).
(1/78)

* شرحُ صحيح مُسلم.
* المَقْصودُ من تحفة المودود. لابن القيّم.
* هذا بالإضافة إلى خدمته كتبًا كَثِيرة، إِمَّا باختصارها، أَوْ بإعادة صِيَاغتها نظمًا أَوْ نثرًا، ويُذْكر من ضمن مُؤلّفاته -أيضًا-: كتابٌ في الطِّبِّ (1).
توفّي -رحمه الله- مطعونًا بالقاهرة سنة (833 ه) بعد أن كفّ بصره.
2 - ابنه: حميد الدِّين الكرمانيّ (2).
واسمُه: عبدُ الحميد، ويبدو أنه كان أَقل ملازمةً لأَبيه من أَخِيه تقيِّ الدِّين، ومع ذَلك فقد أَخذَ عن والدِه كثيرًا، ونال حظه منه، وتُطْلِعنا المصادر أنَّه هُو الذي نسخَ لوالده شَرحَ البُخاريِّ بخطِّه، وأَن له عدَّةَ رحلاتٍ في طلبِ العلم بينَ بغداد والقَاهرة والشَّام التي استوطنها إِلى أَن توفي بها سنة عشر وثمانمائة (810 ه) وقد زاحمَ الأربعين.
3 - زميلُه في الطَّلب: العلامة السَّرائي (3).
وهو يوسفُ بن الحَسنِ بن محمود السَّرَّائيّ، المولود بتبرز سنة (730 ه).
__________
(1) ينظر: المصادر السَّابقة في ترجمته، وكشف الظُّنون: (546، 919، 1629)، ومعجم المؤلّفين: (13/ 230).
(2) ينظر ترجمته في الضَّوء اللامع: (4/ 39 - 40).
(3) ينظر ترجمته في الضَّوء اللَّامع: (10/ 309 - 310)، بُغْية الوُعاة: (2/ 356)، طبقات المفسِّرين: (2/ 379).
(1/79)

زامل الكرماني في الطلب، وتَتَلمذ عَلى شيخه الإِيجيِّ، وعندما عَلِم بعودةِ زميلِه محدِّثًا إلى بغداد رحلَ إِليه، ولَم يَستنكف من الأَخذِ عنه لعلْمِه بفَضْلِه وموفورِ عِلْمه.
له عدّة مؤلّفات، منها:
* شرح منهاج البَيضاويِّ.
* حاشِية عَلى الكشَّافِ.
* حاشِية عَلى شَرح الشَّافيةِ.
اختلف في وَفَاتهِ فقيل: سنة (802 ه)، وقيل (804 ه). رحمه الله وأسكنَه فسيحَ جنّاته!.
4 - المجد الشِّيرازيّ (1):
وهو محمَّد بن يعقوب بن محمّد الشّيرازيّ الفيروزآباديّ، وفد عَلى شمس الدِّين الكِرمانيِّ سنة أربع وخمسين وسبعمائة (754 ه) (، وقرأ عليه، ثم رحل معه إلى الشَّام، ثم إلى مصر، وهناك سمعا الصَّحيحَ عَلى الفارقيِّ، وهُناك افترقا بعود الكِرمانيِّ إلى الحجّ -كما سبق ذكره-.
له عدّة مصنّفات، منها:
* بصائرُ ذوي التَّمييز في لطائف الكتابِ العزيزِ.
* القَاموس المُحيط. وكان مطوَّلًا في مجلّدات عديدةٍ، وبأَمرِ شيخِه الكرمانيّ اخْتصره في مجلّد ضخمٍ.
__________
(1) ينظر ترجمته في: طبقات الشَّافعيَّة لابن قاضي شبهة (4/ 63 - 66)، الضّوء اللَّامع: (10/ 79 - 86)، طبقات المفسِّرين: (2/ 274 - 279).
(1/80)

* القَاموس الوَسيطِ لِمَا ذَهب من لغةِ العربِ شَمَاطِيط (1).
تُوفي في شَوال سنة سبع عَشْرة وثمانمائة، عن عمرٍ يُناهز الثامنة والسَّبعين عامًا.
5 - أَبو الفتح التستريّ (2):
وهو نصرُ الدِّين؛ أحمد بن محمّد التَّستريّ البغداديّ. ولد سنة (733 ه)، واشْتَغَل بالعِلم حتَّى برع في علمِ الحَديث، مُفِيدًا من شيخه شَمس الدِّين الكرمانيِّ، وعليه قرأَ الكِتابَ الْذي نحن بصددِ تحقيقه، وأَجازَه روايتَه، يقول السَّخاويُّ (3): "قال التَّقيُّ فيما قرأته بخطِّه: قرأ على والدِي شرحَ المختصر، وأَجَازه والدِي واستفدتُ أنا منه فوائدَ جمَّةً". والتَّقيُّ بذلك يشيرُ إلى نصِّ الإجازةِ الواردةِ في إحدى نُسَخ الشَّرح المَخْطوطة والتي اعتمدتُها أَصْلًا، كما سيأتي إيضاحُه فيما بعدَ (4).
ولهذا التَّلميذِ النَّجيبِ مؤلّفاتٌ، منها:
* نظمُ غريبِ القرآن.
* حاشيةٌ عَلى فروع ابن مفلح.
* حاشية عَلى تَنْقيح الزّركشي في الحديث.
* وله منظومة في الفِقْه تزيد عَلى سبعةِ آلاف بيت، وأخرى في
__________
(1) الشماطيط: القطع المتفرقة. اللّسان (شمط): (7/ 336).
(2) ينظر ترجمته في: الضّوء اللَّامع: (10/ 198)، شذرات الذّهب: (7/ 99).
(3) الضّوء اللّامع: (10/ 198).
(4) راجع ص: (183) من هذا البحث "قسم الدّراسة".
(1/81)

الفرائضِ تَقَعُ في مائة بيت.
توفِّي سنة ثنتي عشرة وثمانمائة من الهجرة، وله من العُمر تسعةٌ وستّون عامًا.
6 - محبّ الدِّين التّستريّ (1):
وهو أَحمدُ بن نصر الله (أبي الفتح) المتقدِّم، ولِدَ بمسقط رأسِ أبيهِ (بغداد) سنة (765 ه)، وعلى حلقاتِ شيخ أبِيه -أيضًا- تفتّح سمعُه وشقَّ بصرُه؛ فأخذَ يستنشقُ عبيرَها ويَرتشفُ رحيقَها حتَّى فتح الله عليه فجادَ أدبًا وعلمًا، وغدا "قدوةً رجَعُ إليه، وإِمَامًا تحطُّ الرَّواحل لديه، مع استحضاره للفروع والأصول، والمعقول والمنقول، وصدق اللَّهجة، والوقوف على الحجَّة" (2).
وقد كان موضعَ تَقديرِ الكِرمانيّ وموطنَ ثقتِه؛ إذْ أَجازه روايةَ ما صحَّ عنه من التَّفاسير والأحاديثِ والأصولِ والفُروع والأَدَبيّاتِ وغيرِ ذلك، خصوصًا: الصِّحاح الخَمْسة الّتي هي أصول الإسلام ودفاترَ الشَّريعة، وشرحه صحيحَ البخاريّ المسمَّى بالكواكب الدَّراري (3).
له عدَّةُ حواشٍ عَلى بعض المصنَّفات، منها:
* حَاشِيتُه عَلى تنقيح الزّركشيّ.
__________
(1) ينظر ترجمته في: الضَّوء اللَّامع: (2/ 233 - 239)، شَذَرات الذهب: (7/ 250 - 251).
(2) الضّوء اللّامع: (2/ 23).
(3) الصدر السّابق (2/ 234) بتصرف يسير.
(1/82)

* وأُخرى عَلى فروع ابن مفلح.
* وثالثة عَلى الوَجِيز.
توفِّي رحمه الله سنة أربعٍ وأربعين وثمانمائة، ولَهُ من العُمر ثلاثٌ وسبعون سنة.
(1/83)

المطلب الثالثُ: في مَكانته العلميَّة
تَسنَّم أَبو عبدِ الله الكِرمانيّ منْزلة علميّةً رفيعة، بزَّ بها أقرانَه، وفاقَ بها كثيرًا من علماء عصره، وقد هيَّأ لذلك ما تميَّز به من عُلوِّ الهمّةِ وسموِّ النّفسِ ويَكْفي شَاهِدًا عَلى رسوخِه في العلم وتمكنه منه ما نقله المترجمون أنَّه: "تصدَّى لنشرِ العلم بِبغدادَ ثلاثين سنة ... " (1)، وبغدادُ آنذاك تمثِّل إِحدى أكبر حواضر المسلمين العِلْميّة، إليها يفدُ طلّابُ العلمِ من كلِّ فج، وفي رحابها تعقدُ الحلقاتُ وتُدارُ المحاوراتُ والمُنَاظرات.
ولَم يكن شَيْخُنا فيها كغيرِه من شيوخ عَصرِه ممَّن كانت تَقُوم بهم الحَلقات، بل كان مشارًا إليه فِيها، معقودًا له بناصية العِلْم بين عُلَمائها.
يقول عنه الدَّاوديّ (2): "وكان مُشَارًا إليه بالعراق وتلك البلادِ في العِلْم"، ويقول أُخرى (3): "ومهر وفاقَ أقرانَه وفضل غالبَ زَمانه".
وقد تقدَّم -في مطلب تلاميذه- مِمَّا يوضِّحُ مكانتَه العِلْميّة أن العلَّامةَ السَّرائِيّ؛ وهو مَن هُو في العلم؛ وقد زاملَه في الأخذ عن الإيجيّ يَنْكسرُ للعلمِ فَيأخذ عن الشَّمسِ ويتتلمذُ عَلى يَديه (4).
__________
(1) إنباء الغمر: (2/ 182).
(2) طبقات المفسرين: (2/ 286).
(3) المصدر السّابق: (2/ 285).
(4) راجع ما تقدّم ص (80) من هذا البحث. "قسم الدَّراسة".
(1/84)

أضف إلى ذلك أن تلاميذَه أصبَحوا -فيما بعدَ- من العلماءِ المَشَاهِير.
ويَبْدو أن الفَضْلَ في تبوّئه تلك المَكَانةَ المرموقةَ يعود -بعدَ توفيق الله- إلى تَنْشِئته الصَّالحة التي تعاهدها أبوه، ثم إِلى حرصهِ وإِخْلاصه في طَلبِ العلمِ، وأخيرًا إلى اهْتمامه بسنّةِ الرَّسول صلى الله عليه وسلّم وَتبحُّره في علمِ الحديث (1).
__________
(1) ذكر الزَّميلُ الباحثُ عيسى الجاموس في رسالته للماجستير التي حقق بها جزءًا من كتاب النّقود والرّدود: "أن مكانةَ الكِرمَاني العلميّةِ عَلَتْ، وازْدَادت شهرته في آخر عُمره، خاصَّةً بعد أَنْ شرحَ صحيحَ البُخاريِّ في زمان مجاورته. بمكةَ الكرمة". النّقود والردود. مخطوط (ص 43) بتصرف يسير؛ بالتَّقديم والتَّأخير في أَوَّل كلامه.
(1/85)

المبحث الثَّالثُ: مصنّفاتُه ووفاتُه.
وفيه مطلبان:
المطلب الأوّل:
مصنفاتُه.
المطلبُ الثّاني:
وفاتُه.
(1/87)

المطلب الأوّل: مصنّفاته
تركَ لنا محمّدُ بن يوسفَ الكِرْماني -بعدَ رحلةٍ مباركةٍ حافلةٍ بالجدِّ والنَّشاطِ- آثارًا علميَّةً جليلةً، تشهدُ، بموفورِ عِلمه، وسَعةِ اطّلاعِه، وتكشفُ عن عالمٍ فذٍّ طرقَ أبوابَ العلومِ وحصَّل ثمارَها، فلا تكادُ تجدُ فنًّا من الفنونِ المعروفةِ في زمنه إلا وله فيه مؤلفٌ أَوْ شَرحٌ أَوْ مختصرٌ.
وفي ظنِّي أَن هذا الرَّجلَ لو خُلِّيَ مَا بينه وبين التَّأليف في سِني انْقطاعِه للتَّدريس لفَاقتْ مؤلفاتُه غيرَه ممّن بلغ شأوًا في التَّصنيفِ.
ومَنْ يدري لربَّما كانت موُلّفاتُه كذلك، لكن عَفَا عليها الزَّمنُ، وجَارت عليها المصائبُ والنّكباتُ، وبخاصَّة تلك الّتي اتّسم بها عَصرُه.
ومن المُؤسف حقًّا: أَن تلك المصنّفات -عَلى عظيم نَفْعها وجَلِيل قَدرها- لَمْ تعرف طريقها إِلى كثيرٍ من طلبةِ العِلْم في عصرنا الرَّاهن؛ فما زَال بَعضُها غائبًا لا نَعرف عنه شيئًا إلّا ما صرَّح به المترحمونَ، وما فتيء الآخرُ قابعًا داخل سُجونِ المخطوطات. هذا إذا اسْتثنينا مِنْها شرحه لصحيع البخاريِّ، فَقَد نَال حظَّه من الطبع ولَم ينل حظه من التَّحقيق.
(1/89)

أَمَّا مؤلّفاتُه الّتي ذكرها المترجمون له فهي:
1 - "تحقيقُ الفوائدِ الغِياثيّة في المعاني والبيان" (موضوع الدّرس والتّحقيق) وسيأتي الحديثُ عنه مفصَّلًا -فِيما بعدَ- إِنْ شاءَ الله تعالى.
2 - "الكَواشف البُرهانيَّةُ في شرح الواقف الْسُّلطانيَّة" (1) وهو كما يَظْهر من عنوانِه شرحٌ لكتابِ شيخه العَضُد الإِيجيّ الموسوم بِ "المواقفِ في علم الكلام".
3 - "الزَّواهر" (2) -وهو أَيضًا- شرحٌ لكتابِ شيخهِ العَضُد "الجواهر في أصول الكلام". وهذا الأَخيرُ مختصرٌ لكتابِ "المواقف" المتقدّم.
ويفهمُ من حديثِ تقيِّ الدِّين الكِرماني عن مؤلّفاتِ أبيه أن هذه الشّروحاتِ الثّلاثةِ دوِّنت فيما بينها عَلى التَّوالي؛ وبحسب التَّرتيب المتقدِّم، وهذا ما جَعَلني أُقدّمها عَلى غيرِها؛ فقد نصَّ عَلى أن أوّلَ مؤلّفاتِ والدِه: شرحُ الفوائد الغياثيّة، ثم قال عقب ذلك مباشرة (3): "ثم شرحَ المواقف في أصولِ الكَلام، ثم الجَواهرَ في أصول الكلام، وهذه الأصول من مؤلّفات شيخه عَضُد الدِّين" عَلى أنه ينبغي أَنْ لا يغفل أن التَّرتيبَ
__________
(1) ينظر تسميته في الضوء اللامع: (10/ 260)، والإشارة إليه في مجمع البحرين: (ج 1: ق 3)، الدُّرر الكامِنة: (5/ 78)، بُغْية الوُعاة: (1/ 280)، طبقات المفسِّرين: (2/ 285)، درّة الحجّال: (2/ 251)، كشف الظنون: (2/ 1891)، هدية العارفين: (6/ 172)، معجم المؤلّفين: (12/ 129).
(2) ينظر تسميته في الضَّوء اللَّامع: (10/ 260)، والإشارة إليه في المصادر السَابقة.
(3) مجمع البحرين: (ج 1 / ق 3).
(1/90)

المشار إليه مقطوعٌ به فيما بين الشُّروحاتِ الثّلاثةِ دون النَّظرِ إلى غيرِها من المؤلَّفات الأخرى؛ فالعطف ب (ثم) -كما هُو معلوم- يفيد التَّرتيبَ مع التَّراخي، وليس ثمة مانعٌ يَمْنع أَنْ يكون بين هذه الشُّروح مؤلف أَوْ مؤلَّفات؛ يؤكّدُ هذا حديثُ التَّقيِّ نفسهِ عن مؤلَّفاته والدِه، إذ قال عقبَ قولِه السَّابقِ مُبَاشرة (1): "ثم شرحَ تفسيرَ البيضاويِّ، ووصل فيها إلى سورة يوسفَ فاخترمته المنيَّةُ، وهي آخرُ مصنَّفاتِه"، ومن المقطوع بِه أن هناك مؤلفات أُخرى لشمس الدِّين الكِرمانيّ لَمْ يَذْكرها ابنُه في سياقِ حديثِه.
4 - النُّقود والرُّدود (2)، وسمّاه: "السَّبعة السيارة"؛ لأَنَّه جمعَ فيه سبعة شروحٍ فالتزمَ استيعابَها، وذُكر أنه أردفها بسبعةٍ أُخرى لكن بغيرِ اسْتيعاب (3).
وهو مؤلفٌ حافلٌ غنيٌّ في بابه، استوعبَ فيه المصنّفُ جلّ مسائلِ أصولِ الفِقْه، ولا يَعيبه إلَّا التَّكرار (4).
وقد أحسنت الجامعةُ الإسْلاميّةُ بالمدينةِ النَّبويّة صُنعًا عِنْدما وجَّهت طلابَ الدِّراسات العُليا في قِسْمِ أُصولِ الفقه إليه، وشَجَّعتهم عَلى تحقيقه.
5 - "الكَواكبُ الدَّراريّ في شرحِ صحيحِ البُخاريِّ" (5).
__________
(1) المصدر السَّابق (نفس الجزء والورقة).
(2) ينظر: المصادر السَّابقة.
(3) الدُّرر الكامِنة: (5/ 77)، وينظر: بُغْية الوُعاة: (1/ 280)، طبقات المفسِّرين: (2/ 286).
(4) ينظر: الدُّرر الكامِنة: (5/ 77).
(5) ينظر تسميته في مقدَّمته للشَّمس الكِرمَانيّ: (11/ 6)، ومجمع البحرين: (ج 1 / ق 3)، =
(1/91)

وهو الكتابُ الوحيدُ المطبوعُ للمصنّفِ -كما أَسلفتُ-، وفي يَقيني أن شُهْرَته من جهةٍ وارتباطَه بعلمِ الحديثِ من جهةٍ أُخرى هُمَا اللذان وجَّها الأَنْظار إِليه ولفتا -بعدَ ذلكَ- إِلى طَبْعه.
وقد نصَّ التَّقيُّ الكِرْمانيّ أنَّه "كَمَّله بمكَّةَ سنة خَمس وسَبْعين (أَي: بعدَ السَّبعمائة) حين مجاورتِه بها قُبَالةَ الرُّكنين اليَمَانِيَّين" (1).
6 - أُنموذجُ الكشَّافِ. وهو تعليقاتٌ عَلى كشافِ الزمخشريِّ، ونصَّ عَليه ابنُه (2).
7 - عقائدُ عضُدِ الدِّين. ونصَّ عليه ابنُه (3).
8 - رسالةٌ في كافيةِ ابن الحاجبِ. ونصَّ عليها ابنُه (4).
9 - رسالةٌ في التَّصوير والتَّصديق في المنطقِ. ونصَّ عليها ابنُه (5).
10 - رسالةٌ في مَسْأَلة الكُحل. ونصَّ عليها ابنُه (6).
11 - أسئلةٌ واعتراضَاتٌ عَلى شرح القُطب التَّحتانيّ للمَطَالع في المَنْطقِ (7).
__________
= الدُّرر الكامِنة: (5/ 77)، وغيرها. وانظر الإشارة إليه في بقيّة المصادر.
(1) مجمع البحرين (ج 1 / ق 3).
(2) مجمع البحرين (نفس الجزء والورقة)، وينظر جلّ المصادر السَّابقة.
(3) المصدر السَّابق (نفس الجزء والورقة).
(4) المصدر السَّابق (نفس الجزء والورقة).
(5) المصدر السَّابق (نفس الجزء والورقة).
(6) المصدر السَّابق (نفس الجزء والورقة)، وينظر جلّ المصادر المتقدّمة.
(7) الضَّوء اللَّامع: (10/ 260).
(1/92)

12 - ذَيْلُ مَسَالك الأبصار في التاريخ (1).
13 - شرحُ أَخْلاقِ عَضُد الدِّين (2).
14 - ضَمَائرُ القرآن (3).
15 - حاشِية عَلى تَفسير البَيْضَاويِّ، وتقدَّم -عَلى لسانِ ابنه- أنَّه آخرُ مصنَّفاتِه، وأَن المنيَّةَ اخْترمته قَبْل أن يُتمَّه؛ حيثُ وصلَ فيه إلى سورةِ يوسف (4).
__________
(1) هديَّة العارفين: (6/ 172).
(2) المصدر السَّابق: (6/ 172).
(3) الأَعلام: (7/ 153).
(4) ينظر نصُّ قول ابنِه عنه ص (91)، وينظر جلّ المصادر المتقدّمة.
(1/93)

المطلب الثانِي: وفاته
اتّفقت كلمةُ المُتَرجمين لشَمس الدِّين محمَّد بن يوسفَ الكِرمانيِّ عَلى أنه توفي بكرة خميسِ السّادسَ عَشرَ من الشّهر المحرّم سنة سِتّ وثمانين وسبعمائة من الهجرة في طريق عَوْدته من الحجِّ (1).
ولوصيّةٍ كان قد أَوْصى نَقَله ابنُه التَّقيُّ إلى بغدادَ ودَفنه بموضع كانَ قد اخْتارَه في حياتِه بقربِ أبي إسحاق (2) الشِّيرازيِّ وغيرِه من العُلماء (3).
رَحمه الله، وأسكنه فسيحَ جنّاته!.
__________
(1) ينظر: مصادرُ ترجمته المتقدّمة.
(2) هو إبراهيمُ بن عليِّ بن يوسف الفيروزأبادي الشِّيرازيّ، ولد سنة (393 ه)، وتتلمذ على علماء شيراز والبصرة وبغداد، حتَّى تفرَّد بالعلمِ الوافر مع السِّيرة الجميلةِ؛ كان زاهدًا، ورعًا، متواضعًا، ظريفًا، طلقَ الوجه، قويَّ الحجّة، مليح المحاورة؛ له عدَّة مصنَّفات؛ منها: "التّنبيه"، و"المهذّب" في الفقه، و "التّبصرة" في أصول الشَّافعيَّة. تُوفِّي سنة (476 ه).
ينظر في ترجمته: الأنساب للسَّمعانيِّ: (9/ 361 - 362)، الكامل لابن الأثير: (8/ 432)، وفيات الأعيان: (1/ 55 - 58)، تهذيب الأَسماء واللُّغات للنّووي: (2/ 172 - 174)، سيرُ أَعلامِ النبلاء: (18/ 452 - 464).
(3) ينظر ما قاله ابنُه عن وفاتِه في مجمع البحرين (ج 1 / ق 3).
(1/94)

الفَصلُ الثّاني: التَّعريف بكتاب "تحقيق الفوائد"
وفيه أربعةُ مباحث:
المبحث الأوَّل:
اسمُ الكتابِ، وتوثيقُ نسبته للمؤلّف، ومنهجُ المؤلّف فيه
المبحث الثَّاني:
مصادر الكتابِ وشواهدُه.
المبحث الثالث:
تقويم الكتاب.
المبحث الرَّابع:
وصفُ مخطوطاتِ الكتابِ ومنهجُ التَّحقيق
(1/95)

المبحث الأوَّل: اسمُ الكتابِ، وتوثيقُ نسبتهِ للمؤلّفِ، ومنهجُ المؤلّف فيه
وفيه ثلاثةُ مطالب:
المطلب الأول:
اسمُ الكتابِ.
المطلب الثاني:
توثيقُ نسبتِه للمؤلِّف.
المطلب الثالث:
منهجُ المؤلِّف فيه.
(1/97)

المطلب الأوّل: اسم الكتاب
لم يكُن أَمامي بدٌّ -وأَنا أنشدُ تحقيقَ عنوانِ الكتاب- من سلوكِ منهج الاسْتقراءِ والتَّقصِّي لكلِّ ما من شَأنِه أَنْ يصلَ بي إلى حقيقةٍ قاطعةٍ أطمئنُّ إِليها في وسمِ الكتاب بعنوانِه الذي سَمَّاه به صاحبُه.
وفي سبيلِ ذلك تتبّعتُ جميعَ كتبِ التَّراجمِ التي تَرْجمت للمؤلِّف وأَشارت من قُربٍ أو من بعدٍ إلى مؤلَّفاتِه. كما تتبّعت جلّ الفَهارسِ البلاغيَّة، بلْ وغيرِ البلاغيَّة تحسّبًا لما قَدْ يقعُ فيه بعضُ المفهرسين من إِيرادِ الكتابِ في غير فنِّه. كما حرصتُ على الاطّلاع على الكُتب البلاغيّة التي جاءت عَقِبَ كتابِ المؤلِّف وبخاصَّةٍ تلك الّتي عُنيت بشرحِ الفَوائد الغِياثيّة، فربَّما وجدت في إِحداها عبارةً صَريحة أَوْ إشارةً عابرةً تكشفُ عن اسمِ الكتابِ مما هو واقعٌ متحقِّقٌ في حالاتٍ كَثيرةٍ، عند غالبِ المصنِّفين الذين يُصرِّحون في كُتبهم بأَسْماء كتبٍ أُخرى نَقَلوا عنها.
كما أنني -قَبلَ هذا وذَاك- استعرضتُ ما وقعَ بين يديَّ من كتب المصنِّف وآثارِه، ناهيكَ عن كِتابِه الذي بين يديّ ونُسَخِه المتعدّدة وكلُّ ذلك بغيةَ الاهتداءِ إلى أيِّ خيطٍ يقود إلى الاسم الحقيقيِّ للكتاب!!.
والحقَّ أقولُ: إِنّني -بعد خَوْضي تلك التَّجْربة الشَّاقة- ظفرتُ بثلاثةِ عنوانات لا رابعَ لها، وهي على النَّحو التَّالي:
(1/99)

1 - شرحُ الفوائدِ الغياثيَّةِ.
وعَلَى هذه التَّسْمية أَغلبُ من ترجم له مِمَّن ذكرَ مصنّفاتِه (1).
وإليها يُشيرُ بعضُ شرَّاح الفَوائد الآخرين عندما يُحيلونَ إلى الكتابِ، وهو العنوانُ الذي أُثْبت على الورقةِ الأُولى من النُّسخة "الأصل"، وكذا بقيةِ النُّسخ الأُخرى.
2 - التَّحقيقُ في شَرحِ الفَوائد الغيَاثيّةِ.
وانْفردَ به صاحبُ هديَّة العَارفين (2).
3 - تحقيقُ الفَوائدِ.
نصَّ عليه صاحبُ كَشْف الظّنون (3). وقَبْله صاحبُ تاريخ آل مُظَفَّر (4)، وهو الواردُ برفقةِ العنوانِ الأَوَّل على ظهر الورقةِ الأَولى من النُّسخة التركية؛ الموجود أصلها في مكتبة شهيد.
وبعدَ إمعان النَّظر وإِعْمال الفكرِ ترجَّح عِندي العنوانُ الأخير؛ وذلك للأَسباب الآتية:
__________
(1) ينظر: ما نقله محقق الدُّرر الكامنة عن إحدى نسخ الكتاب في هامش رقم (1): (5/ 77)، بغية الوعاة: (911)، مفتاح السّعادة: (213)، طبقات المفسّرين: (945)، ذيل وفيات الأعيان المسمّى "درة الحجَّال في أسماء الرجال": (252).
(2) (2/ 172).
(3) (2/ 1299).
(4) (2/ 290)، وهو باللّغة الفارسية.
(1/100)

1 - أنَّ العنوانَ الأَخيرَ "تحقيقَ الفوائدِ" نصٌّ صريحٌ في التَّسمية؛ ورد في مصادر مُتقدِّمةٍ لصيقةٍ بالمؤلِّف؛ كمَا هُو الحال في تاريخ آل مُظفَّر، أَوْ متخصِّصة في أسماءِ المؤلَّفات؛ كما هُو الحال في كَشْف الظُّنون.
فالأَخذُ عنها أَوْلى وأَدقُّ، ثمَّ إنّ من حَفِظَ حجّةٌ على من لَمْ يحفظْ.
2 - أنَّ العنوانَ الأَوَّل "شرح الفوائد" أَقْربُ إلى الوصفِ مِنْه إِلى التَّسميةِ، وكثيرٌ من الكتبِ المَشْهورةِ تُنْعت بوصْفها، فيكونُ طاغيًا على التَّعريفِ بها مع وجودِ أسماء حقيقةٍ لها. منْها -على سَبيل المثال-: "الكَواكبُ الدَّراري في شَرحِ صحيح البُخَاريِّ" للكرمانيِّ نفسِه؛ فعلى الرَّغم من أَنَّ الكرمانيّ نصَّ على اسْمِ الكتابِ صراحةً في مقدِّمته (1) إلَّا أَنَّه اشْتَهرَ بين النَّاس بوَصْفه، حيث يَقُولون "شرحُ صحيحِ البخاريِّ" للكرمانيِّ، أو "شرح الكرمانيِّ على الصَّحيحِ".
3 - ليس من عادةِ الكرمانيِّ في مؤلَّفاتِه تَرْكَها بلا تَسْميةٍ أو تسميتها ب "شَرْح ... "، بل إِنَّه يحرصُ عَلى تَسْمِيتها بأَسْماء مميِّزة لها، فَهُو يعرفُ تمامَ المعرفة أَنَّه في عصرٍ يغصُّ بالشّروح. وتركَها هَكَذا في إِطار الوَصف لا يَضْمن تمييزها أَوْ حتَّى نسبتها إِلى غيرِ صاحبِها. ولذَا نجده يُسمِّى شرحَه لصَحيح البخاريِّ ب "الكواكب الدَّراريِّ". ويسمِّي شَرْحه للمواقِف: "الكواشفُ البرهانيَّةُ في شرحِ المواقفِ السُّلطَانيَّة" (2)، ويسمِّي شرحَه للجواهرِ في أُصولِ
__________
(1) ينظر مقدّمة شرحه للصّحيح: (1/ 6).
(2) الضّوء اللّامع: (10/ 260).
(1/101)

الكلام ب "الزَّواهر" (1).
4 - جاءَ في الورقةِ الأولى من النُّسخةِ التُّركيّة الموجود أصلها في مكتبة شهيد، (إِحدى النُّسخ الَّتي لم أَعْتمدها في تحقيقِ الكِتاب لأَسْبابٍ سوف أُوردها فِيما بعدُ) ما نصُّه: "كتابُ شرح الفوائد الغياثِيَّة، وسمَّاه ب "تحقيقِ الفوائد" وسُطِّر أسفل منه عبارة "صحَّ أنَّ الشَّارحَ للفوائدِ شارحُ صحيح البخاريِّ، وهو مولانا العلَّامةُ شمسُ الدِّين بن محمّد بن يوسف الكرمانيِّ الشَّافعيِّ -رحمة الله علينا آمين-. وسمَّى هذا الشَّرحَ في إجازةٍ أجازَ بها بتحقيق الفوائد بخطِّه".
ونحنُ إِنْ لم نَقِفْ على تلك الإجازةِ التَّي حَظِيت باسم الكتاب إلَّا أنَّنا نَطْمئنُّ إلى العبارةِ السّابقة، ونَرى أنَّها تقومُ مقَامَها وبخاصَّة أَنَّها كُتِبت بنفس الخطِّ الَّذي سُوِّد به الكتاب، وهو خطٌّ قديم أُرجِّحُ أنَّه كُتبَ في عصرِ المؤلِّف أو قريبًا منه؛ كمَا يؤكّدُه نوعُ الورقِ والتَّمليكات الَّتي سُجِّلت على المَخْطوط.
5 - أَمَّا العنوانُ الثَّاني: "التَّحقيقُ في شرحِ الفوائد" فَيُستَأنسُ به في صِحَّةِ العِنوانِ الثَّالث. ولا يَقْوى مُنَاهضًا له، لتأَخُّر البغداديِّ (ت 1339 ه) وانْفراده به. واليقينُ أنَّه تصرَّفَ فيه اخْتصارًا، جَرْيًا على عادة بعض المترجمين في إِيراد أَسْماء بعضِ الكُتب.
وبذا نختمُ المبحثَ، مطمئنّين إلى أَنَّ اسمَ الكتابِ هو "تحقيقُ الفوائدِ".
__________
(1) المصدر السّابق: (10/ 260).
(1/102)

المطلبُ الثَّاني: توثيقُ نسبته للمؤلِّف
بلا أَدْنى شكِّ أستطيعُ القولَ بأنَّ تحقيقَ الفوائدِ مؤلَّفٌ لشمس الدِّين محمّد بن يوسف الكرمانيِّ. لا يُنازعه فيه مُنازعٌ، ولا يَنْفيه عنه حاسدٌ.
وقد تَأكَّد ذلك من أَوْجه عدَّة؛ منها -إِضافةً إلى ما تقدَّم في المبحثِ السَّابق ما يَلي-:
1 - نصَّ الكرمانيُّ نفسُه على ذَلك في أَوَّل كتابه في نُسْخَة (أ) المُعْتمدةِ، والنُّسْخَتين التّركيّة والإيرانيّة المُهْملتين؛ حيثُ قال: " ... وبعدُ؛ فيقولُ العبدُ؛ أصغرُ عباد الله -تعالى- محمّدُ بن يوسف الكرمانيُّ أَعْلى الله منزلَه، ومنْزلَته في المَنْزِلَين ... قال الأُسْتاذُ ... ".
2 - نصَّ ابنُ الكرمانيِّ "يحيى" -أَيْضًا- على ذلك؛ حيثُ قَال في مقدمة كتابه "مجمع البحرين"؛ في أثناء حديثه عن والده (1): "وله تصانيف مُفِيدة؛ منها شرحُ البخاريِّ، وسمَّاهُ بالكواكبِ الدّراري ... وله شرحُ الفوائد الغياثيَّة في المعاني والبَيان، وهو أَوَّل مصنَّفاته، ثمَّ شرح ... ".
وقال -أيضًا- في تَقْريظٍ مقتضبٍ كتبَه بخطِّ يده على ظَهْرِ الورقةِ الأُولى من النُّسخة الَّتي اعتمدتُها أَصْلًا لكتاب "تحقيق الفوائد"؛ مُنوِّهًا بشيخِ والدِه الإِيجيِّ ومؤلَّفاته. قال: "وله شرحُ المختصرِ لابن الحاجبِ وهو أحسنُ شروحِه وأَشْكلُها، وقد نَقَّحه والدِي؛ الشَّارحُ للفوائد المذكور أَعْلاه (إشارة إلى عنوان الكتاب) ".
__________
(1) "مخطوط" (ج 1 / ق 3).
(1/103)

3 - أَنَّ اسمَ شمسِ الدِّين محمّد بن يوسف الكرمانيِّ ذُكرَ برفقةِ عنوانِ الكتابِ على غلافِ كلِّ نسخةٍ من نُسخ المخطوط الَّتي وقفْتُ عليها.
4 - وجودُ بعضِ نصوصِ الكتابِ أو آرائه الخاصَّة في كتبِ المتأَخِّرين وعَلى وجهِ الخُصوصِ شراح الفوائدِ؛ منسوبة إلى شمسِ الدِّين الكرمانيِّ صراحةً، أو كنايةً؛ كقوله: "قال بعض الشُّرَّاح من تلاميذ المصنِّف" ممّا يدلُّ دلالةً قويّةً على أَنَّ الكتابَ له.
من ذلك قولُ طاش كبرى زَاده في شَرْحِه للفوائد الغِياثيَّة (1): "قال الكِرمانيّ في شَرْحه: (والحملية -بالحاء المهلمة- هو المناسبُ لقوله فبالحمل. وبالجيم هو المناسب لاصطْطلاحاتِ الفَنِّ -كما سيأتي- وكلٌّ منهما قُرئ على الأُسْتاذ؛ هذا كلامه".
وهذا الكلامُ بعينِه موجودٌ ضمنَ كتابِ صاحبِنا (2).
5 - لم أَجدْ -فيما وقفتُ عليه- من فهارسَ؛ نَقلَت شَيئًا من أوّل الكتابِ وآخره أو مصادر عُنيت بالمؤلِّف أَوْ كُتبِه من ينسبُ هذا الشَّرحَ لغيرِه من العلماءِ مع كثرةِ الشُّرَّاح وتَقَاربِ الشُّروح.
وبذا نَخْتم المبحثَ مُطْمئنّين إِلى أنَّ صاحبَ "تحقيق الفوائد" هو شمسُ الدِّين محمَّد بن يوسف الكرمانيِّ.
__________
(1) ص: (449) قسم التّحقيق. وانظر مواضع أخرى في الكتاب نفسه صرّح فيها بالكرمانيّ أو كنّى عنه؛ منها -على سبيل المثال-: ص (16، 47، 57، 59).
(2) راجع ص: (449) من قسم التّحقيق.
(1/104)

المطلبُ الثَّالثُ: مَنْهج المؤلِّف فيه
لَمْ يشِر شَمْسُ الدِّين الكرمانيُّ -على غيرِ عَادتِه في بعضِ مقدِّماتِ كُتبِه- إلى المَنْهج الَّذي سَلَكه في تَألِيف كتابِه "تحقيق الفوائد" وبخلافِ ما دَرَج عليه المُصنِّفون في الغَالبِ من تَنْميقِ المقدِّماتِ وتَحْبيرها نَراه عَجِلًا إِلى الالتحامِ بكلامِ شَيخِه الإِيجيّ "صاحبِ المُختصر" فإِنَّك لا تَكادُ تَتَجاوز السَّطرين حتَّى تجدَ نَفْسكَ وجهًا لوجهٍ أَمام الإِيجيّ مُسْلِمًا له العنانَ في رحلةٍ طويلةٍ تبدأ من مبتدأ الكتاب وتنتهى بنهايتِه. وقَدْ تَتَساءلُ كيف يكونُ ذلك ونحنُ أمامَ كتابٍ للكرمانَيّ لا للإيجيّ؟!
وهُنا أقولُ: لقد أظهرَ الكرمانيُّ قدرةً فائقةً في الدَّمج بين كتابِه "تحقيق الفوائد" وكتابِ شيخِه "الفوائد الغياثية" حتَّى صارا كأنهما كتاب واحد؛ وكلُّ ذلك من غيرِ أن يغمطَ شيخَه حَرفًا واحدًا من كتابه. وأسوقُ للدِّلالة على ذلك النَّصَّ التَّالي (1):
"الثَّامنُ: إتباعُ الاستعمال؛ فإنَّه إذا كانَ الاستعمالُ واردًا على الحذف منه أَوْ من أمثالِه ونظائِره -كمَا قال في المفتاح- وقامت القرينَةَ لا بُدَّ من حذفِه؛ كَما في: (نعم الرّجل زيدٌ!)؛ على قولِ من يَرى أَصلَ الكلامِ "نعم الرَّجل هو زيد" وكمَا في: "ضَرْبي زيدًا
__________
(1) قسم التّحقيق ص: (295 - 297).
(1/105)

قَائمًا" فإنَّ التَّقدير -على الأَصحّ-: "ضربي زيدًا حاصلٌ إذا كانَ قائمًا"، وكمَا في قَوْلهم: (سقيا)، إذ التَّقدير: "سَقَاك الله سقيًا"، وكَذا: (عجبًا) إذ التَّقدير: عَجبتُ عجبًا، وكما في قولها: إلَّا حَظيَّةٌ فَلا أَليَّةٌ".
فالكَلامُ المكتوبُ بالخطِّ المثقَّل للإِيجيّ؛ أي: كتاب "الفَوائد الغياثيّة" والكلامُ المكتوب بالخطِّ المخفَّف للكرَمانيِّ؛ أي: كتاب "تحقيق الفوائد". وكَمَا هو ملاحظٌ تحقَّقَ الرّبطُ بينهما بعناية فائقةٍ يَتعذَّرُ معها -لولا مغايرة حجم الخطِّ- التَّمييزُ بَيْنهما (1). كَمَا يظهرُ في الوقتِ نفسِه مثولُ نصِّ الإيجيِّ كما هو بقضِّه وقَضِيضه بحيث يمكنُ قراءة مخْتصرِه كامِلًا بلا أدنى زيادةٍ أو نَقْصٍ؛ ولك أَنْ تتحقَّق مِن ذلك بقصرِ النَّظرِ على قراءة الخطِّ المثقَّل.
وإذا كانَ الأمرُ كذلك فإنَّ كلا الكتابين يَنْضويان تحت أَرْوقة المدرسةِ السَّكَّاكيَّة، فالإِيجيّ "لَمْ يخلّ بالأَصلِ الَّذي اخْتصرَه فقد أَوْفىَ على الأَفكارِ الرَّئيسة المَوْجودة في المفتاح وشَفَعها بالأَدلَّة المَنْطقيَّة والفَلْسفيةِ اتّباعًا لأَصْلِه ... ، بَل ربَّما فاقَ السَّكَّاكيَّ في الإلحاحِ على الجدلِ الفَلْسفيّ" (2). والكرمانيُّ التزمَ بكتاب شيخِه واعتمدَ خطّته، وحتَّى عندما شَرَعَ في فكِّ رمُوزِه وتَفْصيلِ مُجْملِه لَمْ يغبْ عنه أَصْله أيضًا.
__________
(1) ومن هنا تنبّه النُّسَّاخ إلى أهميّة التّمييز بين الكتابين؛ فعمدوا إلى المداد الأحمر وكتبوا به نصّ الإيجيّ، والمداد الأسود وكتبوا به نصّ الكرمانيّ.
(2) الفوائد الغياثيّة؛ قسم الدّراسة، د / عاشق حسين: (37).
(1/106)

وكمَا هو معلومٌ فإنَّ المدرسةَ السَّكَّاكيَّة تعتمدُ على التَّقعيدِ والتَّنظيمِ، حيثُ التَّعريفاتُ، والتَّقسيماتُ، والتَّفريعاتُ، والتَّعليلاتُ، وإِخراجُ المُحْترزاتِ، وتوهمُ الاعتراضاتِ، ودفعُ الاحتمالاتِ. وكلُّ ما يمكن أَن يُسْهمَ في ضبطِ الدَّرسِ البلاغيِّ وحصرِه في إطارٍ محدَّدٍ واضحٍ.
هذا ما يتعلَّقُ باتجاه الكِتاب البلاغيِّ ومشربِه العامِّ، أمَّا إذا نَظرنا إلى التَّفصيلات الدَّقيقة فإنَّ منهجَه يتَّضحُ بالمعالمِ الآتية:
1 - سارَ الكرَمانيُّ في كتابِه على الخطِّ نَفْسِه الَّذي رسمَه الإِيجيُّ في كِتابِه؛ حيثُ بناهُ على مقدّمةٍ وفَصْلين وذَيل.
جعلَ الفصلَ الأوّل في علمِ المعانِي والكلامِ في الخَبر والطَّلبِ. وقَسَّمهُ إِلى قَانُونَين، جعلَ القَانونَ الأَوَّلَ في الخبرِ. وقَسَّمه إلى فنون:
الفنُّ الأَوَّلُ: في الإِسناد.
الفنُّ الثَّاني: في المسند والمُسندِ إِليه، والكلامِ في الحذفِ والإِثباتِ، وفي التَّعريفِ بأَنواعه، والتَّنكيَر، وفي التَّوابع. وقَسَّمه إلى أَنْواع:
النَّوعُ الأَوَّلُ: في الحذفِ والإِثباتِ.
النَّوعُ الثَّانِي: في التَّعريفِ بأَقسامه والتَّنكير.
النَّوعُ الثَّالثِ: في التَّوابع.
الفنُّ الثَّالثُ: في وضعِ الطَّرفين كلِّ عِند صاحبه، والنَّظرِ في التَّقديم والتَّأخير وفي الرَّبط وفي القصر. وقسَّمه إلى أَنْواع:
النَّوعُ الأوّلُ: في التَّقديم والتَّأخير.
(1/107)

النَّوع الثَّاني: في الرَّبط.
النَّوع الثَّالث: في القَصْر.
الفنُّ الرّابعُ: في وضع الجُملتين والكلام في الوصل والفَصْل وفي الإِيجازِ والإِطْناب وفي جَعْل إِحداهما حالًا. وقسمَّه إلى أَنْواع:
النَّوعُ الأوَّل: في الفصلِ والوَصْل.
النَّوعُ الثَّاني: في الإِيجازِ والإِطْناب.
النَّوعُ الثَّالثُ: في جَعْل إِحدى الجُملتين حالًا.
وجعل القانون الثَّاني في: الطَّلب.
أَمَّا الفَصْلُ الثَّاني فَعَقَده: في علمِ البيانِ. وأداره على أُصولٍ أَرْبعة:
الأَصْل الأَوَّل: في التَّشبيه. وتَناوله بالحديثِ في أَنواعٍ خَمْسة.
النَّوعُ الأَوّل: في الطَّرفين.
النَّوعُ الثَّاني: في وجْه التَّشبيه.
النَّوعُ الثَّالث: في غرضِ التَّشبيه.
النَّوعُ الرَّابع: في حال التَّشبيه.
النَّوعُ الخَامس: في صِيغة التَّشبيه.
الأَصلُ الثَّاني في: المجاز. وقسَّمه إلى نوعين:
ما كان التَّصرّف فيه باللّفظ. وله أَقْسام.
ما كان التَّصرّف فيه بالمعنى. وله أَقْسام.
الأَصْل الثَّالث: في الاسْتعارة. وتَناوله من خِلال:
مُقَدّمةٍ.
تَقْسيماتٍ.
(1/108)

خَاتمَة
الأَصْلُ الرَّابعُ: في الكِناية. وقسَّمها إلى ثلاثةٍ:
ما كانَ المقصودُ بها الموصوفَ نفسَه.
ما كانَ المقصودُ بها الصِّفةَ نفسَها.
ما كانَ المقُصودُ بها اخْتصاصَ الصِّفة بالموصُوف.
أمّا الذَّيل فَعَقَده في علمِ البَديعِ. وجَعَله قِسْمين:
معنويّ. وذكرَ من أَصْنافه:
المطابقةَ.
الْمُقَابَلةَ.
الْمُشَاكلةَ.
مُراعاةَ النَّظير.
المُزَاوجة.
اللَّف والنَّشر.
الجَمع.
الفَرق.
الجمعَ مع التَّفريق.
الجمعَ مع التَّقْسِيم.
التَّقسيمَ مع الجَمع ....
الجَمْعَ مع التَّفريقِ والتَّقسيم.
(1/109)

الإِيهامَ.
التَّوجيه.
الاعْتِراض.
التَّجاهل.
الاسْتتباع.
لفظيّ. وذكرَ من أَصْنافه:
التَّجْنيس.
ردَّ العجزِ على الصَّدر.
القَلب.
السَّجع.
التَّرصيع.
وفي تَضَاعيفِ هذه الفصولِ والقَوانينِ والفُنونِ والأَنواع ساقَ كثيرًا من التَّنبيهاتِ والتَّذنيباتِ والخَواتيمِ؛ إِتمامًا للفائدةِ ومَزيدًا للإيضاحِ وإِن شَابها -أحيانًا- بعضُ النَّظرات الفَلْسفيَّة.
2 - نثر الكرمانيُّ كتابَ شيخه داخلَ كتابِه -كما أسلفتُ- حيث يورد أَحْرفًا، أَوْ كلمات، أَو جُملًا، أَوْ عِبارات من المُخْتصر ويَصلُها بكلامه من غيرِ أَن يخرجَ بها عن مرادِ صاحبِ المُختصر ومقصده العامِّ، ولكيَ يخرج الكتابُ متَّصلًا في سياقٍ واحدٍ لم يجدْ الكِرمانيّ مناصًا من الآتي:
(1/110)

أ- التَّمهيد لعباراتِ المُخْتصر قبلَ إِيرادها بعباراتٍ من عنده حتَّى إذا ما الْتحَمت بها ظهرَ السِّياق مُنْسجمًا وكأَنَّه لشخَصٍ واحدٍ كقوله (1): "فالأوّل؛ كقوله: وقال إنّي في الهوى كاذبٌ ... ".
ب- فَصْل الجملةِ الواحدةِ وإعادة رَبْطها بعد إضافة ما يوضِّح مَعْناها بما يتَّسق معها من المُفْردات والجُمَل كقولِه (2): "وعلمُ البيانِ: معرفةُ مراتب العبارات الدَّالّة على معنى واحدٍ في الجلاء".
ج - التَّعقيب على عباراتِ المُخْتصرَ بعد إِيرادها بعباراتِ مُتَمِّمة لها كَقَوله (3): "الرَّابع: (مثلُك لا يَبْخل)، و (غَيْرك يَبْخلَ) التُزم فيهما التَّقديم للتَّقوية؛ لأَنَّ بناءَ الفعْل عَلَى المبتدأ أَقْوى للحُكمِ ... ".
د- الإكْثار من (أَيْ) التَّفْسيريَّةِ، والجُملِ الاعْتراضِيَّة بين الشَّرحِ والمَشْروح عَلى أَنَّهما لَمْ يحدثا في السِّياق انْقِطاعًا لاتِّسام الكتَابين بِهما عَلَى حدٍّ سَواء. نَحْو (4): "ف (ما ضربت إِلَّا زيدًا)؛ أَيْ: أَحدًا، أي: يُقَدر (أحدًا) مَفْعولًا لِقَوله (ضَربت) لأنَّه عامٌّ مناسبٌ للمُسْتثنى في الجنس والوَصْف، و (إلَّا راكبًا)؛ أَيْ: عَلَى حال؛ أي: ما ضَربتُ على حالٍ إلَّا راكبًا والمقدَّر فيه ذلك لمُناسَبته له. و (إِلَّا تَأديبًا) أي: لغرضٍ؛ أي: مَا ضَربْتُ لغرضٍ إِلَّا تَأدَيبًا".
__________
(1) ص (539) قسم التّحقيق.
(2) ص (229) قسم التّحقيق.
(3) ص: (442) قسم التّحقيق.
(4) ص: (514) قسم التّحقيق.
(1/111)

وأخيرًا يَنْبغي أَنْ أُشير إِلى أنّ الكتابَ لَمْ يجرِ على وتيرةٍ واحدةٍ من الاتِّصال، بل التَّمازجُ هو السَّمةُ الغَالبةُ والطَّابع العامُّ. وهناك مواضعُ متفَرِّقةٌ في الكتاب يبدو فيها الانْفصال واضِحًا حيثُ يعمدُ الشَّارحُ إِلى إيرادِ جملةٍ من المُخْتصر ويعقبها بكلامٍ مُسْتأنفٍ يشرحُها. وكَثُر هذا المَسْلَك عند شرحِ المُفْردات الغَريبة والتَّعليق على الجملِ البليغة؛ الأمر الَّذي يحتِّمُ عليه قطعَ اتِّصال المعلومة ليَشْرعَ فِيما هو أهمّ -وهو إِيضَاحُها-. ومن ذلك قولُه في أَوَّل الكتاب (1):
"الحمدُ لله الذي خلقَ الإِنْسانَ. الحَمدُ: الثَّناءُ على الجَميل عَلى جهةِ التَّعظيمِ، وهو باللِّسانِ وحده. والشُّكر ... أَلْهمه المَعَاني وعلَّمه البَيانَ؛ فيه من حسنِ المَطْلعِ وبراعة الاسْتهلالِ ما لا يَخْفى. والصَّلاةُ عَلَى نبيِّه محمَّدٍ ... ".
3 - حرصَ الكرمانيُّ على إيضاحِ عباراتِ المُخْتصرِ الغَامضةِ وشَرْحِ مفرداتِه الغَريبة، وكَثُر تعرّضُه للغريب في مقدِّمةِ الكتابِ، وعُقَيب الشَّواهد الشِّعريَّة.
4 - اعْتنَى الكِرمانِيُّ بتوثيقِ الأَقْوالِ، ونسْبتها إِلى قَائِليها في الغَالب. وهو إِنْ لَمْ يجمعْ بين الكتاب وصَاحِبِه فإِنَّه يَذكرُ أَحدَهما.
فمثالُ ما جمعَ فيه بَيْن الكتاب وصاحبِه قولُه (2): "قَال الشَّيخُ في دلائلِ الإِعْجاز ... "، وقولُه (3): "وقال الزَّمخشريُّ في الكشّاف ... ".
__________
(1) ص: (207 - 209) قسم التّحقيق.
(2) ص: (231) قسم التّحقيق.
(3) ص: (692) قسم التّحقيق.
(1/112)

ومثال مَا ذكرَ فيه اسم الكتاب وحده، قولُه (1): "قال في الإِيْضاح ... "، وقولُه (2): "قَال في المِفْتاح ... ".
ومثالُ ما ذكرَ فيه صاحب الكتاب وحده قولُه (3): "كَمَا قال ابنُ الحاجب ... "، وقولُه (4): "وقال السَّكَّاكيُّ ... ".
ويلحظُ -في هذا الصَّدد- أنّه أكثر النّقل عن السّكّاكيّ، وشيخه الإيجيِّ، والزَّمخشريِّ، والجُرجانيِّ، وابنِ الحاجبِ، والقَزوينيِّ. وصرَّح بمؤلَّفاتهم.
5 - يَنْزعُ الكِرمانيُّ -أحيانًا- إلى الاسْتِطرادِ في إيضاح بعض مَا يَعْرضُ من ألفاظٍ غَريبة أو شواهد سَواءٌ أكانت قُرآنية أَمْ شِعريَّة أَمْ أمثالًا.
ومنْ أَمثلةِ ذلك استطراده في تَفْسيرِ قولِه تَعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} قال (5): "ونَظِيرُه ... قولُه تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ}؛ أَثْبتَ الرَّميةَ لرسولِ الله صَلَّى الله عليه وسلّم؛ إِذْ هو الرَّامي بحسبِ
__________
(1) ص: (766) قسم التّحقيق.
(2) ص: (391) قسم التّحقيق.
(3) ص: (475) قسم التّحقيق.
(4) ص: (811) قسم التّحقيق.
(5) ص: (271) قسم التّحقيق.
(1/113)

الصُّورة، ونَفَاها عنه بحسبِ التَّأثِير إذ لا مُؤثِّر إِلَّا الله، ولا سيَّما في الأَثر العَظيم الَّذي ليسَ في قوّةِ البَشر، روي أَنَّه -عَليه السَّلام- لَمَّا طَلَعت قريشٌ قَال: "هذه قريشٌ قد جَاءت بخُيلائِها وفَخْرها يُكَذِّبون رسولك: اللَّهم أَسأَلك مَا وَعدتَّني! "، فأَتاه جبريلُ فقال: خُذ قبضةً من ترابِ فَارْمهم بِه، فقَال النَّبيُّ -عليه السَّلام- لعليٍّ -رضِي الله عنه- لَمَّا التقَى الجمعانُ: "أعطني قبضةً من الحصبان"، فَرمى بِها في وجوههِم، وقال: "شَاهتِ الوُجوه"، فلم يبق كافرٌ إِلا شُغل بعينه فانْهزَموا".
- حَرِص الكرمانيُّ على ضَبْط كثيرٍ من الأَسماء الغَريبةِ وبعضِ الأَلْفاظ الملْبسة سواءٌ في ذلك الوارِدة في شَرْحه أَمْ في المُخْتصر. فمِن ذلك قولُه (1): "وفي أبياتِ ابن حجر الكنديِّ -وهو امرؤُ القَيس؛ بالحاءِ المُهْملة المَضْمومة ثمَّ الجيم ... ".
وقولُه (2): "الأَثْمُد -بفتحِ الهمزة، وضمِّ الميم-: مَوْضع".
وقولُه (3): "أَو لأَنَّه لَما دهش -بكسر الهاءِ- عَنْ مُقْتضى الظَّاهر".
- حرصَ الكرمانيُّ على إِتمامِ ما اخْتصرَه الإيجيُّ من الشَّواهد القُرآنية أَوْ الشِّعريّة. مُقْتصرًا على موضعِ الشَّاهد أحيانًا. ومتجاوزًا ذلك إلى نهايةِ الآيةِ، أَوْ ذكر البيتِ المجاورِ أحيانًا أُخرى.
__________
(1) ص: (402) قسم التّحقيق.
(2) ص: (403) قسم التّحقيق.
(3) ص: (407) قسم التّحقيق.
(1/114)

ومن أمثلة ذلك قوله (1): "والإِطْناب كقولِه - تعالى -: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ".
وقولُه (2): "كما قال الشَّاعرُ، أي: كَمَا فَعلَ تَأَبَّط شرًّا في قوله:
بأَنِّي قَدْ لقيتُ الغُولَ تَهْوي ... بسَهبٍ كالصَّحيفةِ صَحْصَحان
فأَضْربها بلا دهش فَخَرَّت ... صَريعًا لليَدين وللجِرانِ".
- حرص الكرمانيُّ على ذِكرِ أَقْوال العُلماء ومُناقَشتها أَحْيانًا، وكذا التَّرجِيح بَينها أَحْيانًا أخرى.
ومن ذلك قولُه في مبحثِ الالْتفاتِ (3): "ثم إِنَّ الحكايةَ والخطابَ والغيبةَ ثلاثتَها تُسْتعملُ كلٌّ في مقامِ الآخر أَوْ يُنْتقل منه إِليه ويُسَمَّى التفاتًا. قَال في المِفْتاح: (واعلم أَنَّ هذا النَّوع أعني: نقل الكلامِ عن الحكايةِ إلى الغيبة لا يختصُّ بالمسند إليه ولا هَذا القدر؛ بل الحكايةُ والخطابُ والغيبةُ ثلاثتُها يُنْقلُ كلُّ وَاحدٍ منها إلى الآخر، ويُسمّى هذا النَّقل: الْتِفاتًا عند علماءِ علم المعاني). ولَمَّا كان مُرادُ السَّكّاكيِّ أعمَّ ... صرَّح الأستاذُ بالقِسْمين.
__________
(1) ص: (547) قسم التّحقيق.
(2) ص: (412 - 413) قسم التّحقيق.
(3) قسم التّحقيق ص: (391 - 398).
(1/115)

قال صاحبُ الإِيضاحِ: (المَشْهورُ عِنْد الْجُمهورِ أَنَّ الالْتِفات هو التَّعبير عن معنًى بطريقٍ من الطُّرق الثَّلاثة بعد التَّعبير عنه بطريقٍ آخر، وهذا أَخصُّ من تَفْسير السَّكاكيِّ ...).
وقال الأستاذُ: كونُه مَشْهورًا عِنْد الجَمْهور مَمْنوعٌ بَلْ ما ذَكره السَّكاكيُّ هو المَشْهورُ بَلْ هو أعمُّ ....
وذكرَ الزَّمخشريُّ في سُورةِ الأَنْفالِ في الكشَّافِ في قَوْلِه: {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ} ما هو قريبٌ منه ....
والحقُّ: أن هذا النَّوع مِن الكلامِ كثيرٌ ... ولا مشاحَّة في تَسْميته الْتِفاتًا. والأَمثِلَة -بحسب التَّقديريّ والتَّحقيقيّ والمضمر من نوعه أو بالنّسبة إلى المظهر- لا تكاد تحصى".
- نَبَّه الكِرمانيُّ إِلى اخْتلافاتِ نسخ الكتابِ في تِسْعةَ عَشر مَوْضِعًا، وكشفَ عن اطِّلاعٍ واسعٍ بها، كما أَشارَ إلى مَعْرِفة شيخِه لبعضِ تلك الاخْتلافاتِ وإجازتهِ لها.
وفي مرَّات عديدةٍ صرَّح بمَراءَتِه نُسْختَه على المُؤلِّف. وممَّا ذكر في هذا الصَّدد قولُه (1): "اعْلم أَنَّ في هذه الصَّفحة اختلفت النُّسخ بحسب تَقْديم بَعْض؛ لكنَّ النُّسخةَ الصَّحيحةَ والموافِقة للمفتاح كَمَا شَرْحناه".
وقولُه (2): "هَذا على مَا في النُّسخةِ الَّتي قرأتُها على المصنِّف. وفي
__________
(1) ص: (456) قسم التّحقيق.
(2) ص: (506) قسم التّحقيق.
(1/116)

بعضِ النُّسخِ: (...) فلا حَاجةَ إِلى مَا ذَكرْناه".
وقوله (1): "وفي بعضِ النُّسخ (...) وكلاهما مَقْروآن عَلَى المُصنِّف".
وقولُه (2): "وفي بَعْض النُّسخ مكان قَوله: (...) قوله: (...) وهو سَهوٌ من النَّاسخِ".
- ربطَ الكرمانيُّ بين المُخْتصرِ وأَصْلِه مقارنةً، وإتمامًا، وإِيْضاحًا، وربَّما كشفَ عن رأيٍ لصاحبِ المختصر بخلافِ ما أَوْرده في كتابه مُعْتذرًا عن ذلك بِمُتابعة السَّكَّاكيّ كقولِه (3): "والمصنِّفُ ينقلُ كلامَ السَّكَّاكيِّ وإلَّا فالحقُّ عنده عَلى طرفِ التَّمام وهو ... " أَوْ (4): "والمصنِّف قلَّد فيه السَّكَّاكيّ لا أَنَّه الحقّ عِنْده".
وقد يسوقُ صاحبُ المُخْتصرِ أَوْ الشَّارح ما لا يَرِدُ في المفْتاح. ومَتى وقعَ نبَّه عليه بقولِه (5): "وهذه المسأَلةُ زائدةٌ على المِفْتاح"، أَو (6): "وهذا مِمّا زاد على المِفْتاح".
__________
(1) ص: (525) قسم التّحقيق.
(2) ص: (814) قسم التّحقيق.
(3) ص: (663) قسم التّحقيق.
(4) ص: (247) قسم التّحقيق.
(5) ص: (286) قسم التّحقيق.
(6) ص: (245) قسم التّحقيق.
(1/117)

- ساقَ الكِرمانيُّ بعضَ الأسئلة الافْتراضيَّة وأجابَ عليها. وذَلك عِندما يَشْعر أَنَّ المخاطبَ يخالفه الرَّأَيَ، فيطرحُ ما يتصوَّر أنّه عالقٌ في ذهنه مِنْ شُبهٍ في قالبِ سُؤالٍ ثمَّ يَشْرع في الإجابةِ عَلَيها.
ومِنْ ذلك قولُه (1): "فإِنْ قُلتَ: فَمَا الفرقُ حينئذٍ بَيْنه وبينَ الحرفِ؟، قلتُ: لوجهين، الأَوَّل: أَنَّ معناه وإِنْ لم يتحَصَّلْ إِلَّا بذكر المتعلّق؛ لكنَّه إذا تحصَّل فَفِي نَفْسه بخلاف الحرفِ فإنَّه في غَيْره. والثّاني: أَنَّه بعد ذِكر متعلّقه يصيرُ إِسنادًا تامًّا مُفيدًا بخلافِ الحرف. وإِن قُلتَ -أيضًا-: سَلَّمنا أَنَّه لا يتحصَّل إِلَّا بالمسندِ إليه، لكنَّه أعمُّ من أن يكونَ مذكورًا أَوْ مَحْذوفًا عِند القَرينة؟، قلتُ: العللُ النَّحويَّة تعليلاتٌ بعد الوقوع ولا تَوْجيه للنَّقضِ عَليها. فإنْ قُلتَ: فَمَا تَقُول في فاعلِ المصدر فإِنَّه جائزُ الحذفِ؟. قُلت: لأَنَّ المصدر وضِع للنِّسبة المُطلقةِ لا المُقيَّدة، والتَّقريب ظاهرٌ. كيفَ وبحثُنا في فاعلِ الفعلِ لا مُطْلَقًا! ".
- ختمَ الكرمانيُّ حديثَه حولَ بعضِ المسائلِ الَّتي تَنَاولها بِخُلاصةٍ موجزةٍ يُقرِّر فيها المسأَلَة ويَفْصلُ القولَ فيها وغالبًا ما يَبْدؤها بقولِه: "والحاصلُ" أَوْ "وحَاصلُه" ومن ذلكَ قولُه (2): " ... وَضْعُ الفعل الماضي مَوْضِع الفِعْل المُضَارع للتَّحقيق والتَّوكيد؛ نحو: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} فإِنَّه كان مُقْتضى الظَّاهر أَنْ يُقَال: (وينادى)
__________
(1) ص: (285 - 286) قسم التّحقيق.
(2) ص: (411).
(1/118)

لأَنَّه في القِيامة. لكنَّه عدلَ إلى الماضِي بيانًا لتَحقّقه وتَوْكيدًا؛ لأَنَّ هذا النِّداءَ ضَروريُّ الوُقوعِ.
فالحَاصلُ: أَنَّ ما هو للوقوع أَخْذه كالوَاقع لتَحقُّقِ وقوعِه".
- حَرِصَ الكِرمانيّ عَلى التَّأدّبِ مَعَ العُلَماءِ وتَوْقيرِهم والثَّناءِ عليهم والدُّعاءِ لهم، وبخاصَّةٍ شيخه الإيجي، وفي أَكْثر من مَوضع وجدته يَتْلمس العذرَ لمخطئهم منكرًا التَّشنيعَ عليه حتَّى وإِن أَبْعد.
ومِنْ ذلك قولُه (1): "وأَمَّا المنقولُ من الرّبعيِّ ... فَهُو مِمَّن خَطَّأ فأَخطأ ومع إمكانِ أَنْ يُحْمل على مَحْمل صَحِيح لا حاجة إلى مِثْل هَذا التَّشْنِيع عَلى مِثل الإمام؛ ذلك الرَّجلِ الفَاضلِ والفَحْل البَازلِ".
- صرَّح الكِرمانيُّ بأَنَّ شَيْخَه إِذا أَطْلق لَفْظَ "الشَّيخٍ" فإِنَّه يَعْني السَّكَّاكيَّ. وإذا أَطْلقَ لفظَ "الإِمام" فإِنَّه يَعْني عبدَ القاهر الجُرجانيّ (2).
أَمَّا الكرمانيُّ فوجدتُه إِذَا أَطْلق لَفْظَ "الأُستاذِ" أو "المصنِّف" فإِنَّه يَعْني شَيخَه الإِيجيّ. وإذَا أَطْلق "الشَّيخ" فإِنَّه يَعْني عبدَ القَاهرِ الجُرْجانيّ، أمَّا "شارح المفتاح" فإِنَّه يَعْني به الشِّيرزايَّ.
__________
(1) ص: (503) قسم التّحقيق.
(2) ينظر ص: (746) قسم التّحقيق.
(1/119)

المبحث الثَّاني: مصادرُ الكتاب وشواهدُه.
وفيه مطلبان:
المطلب الأَوَّل:
مصادرُ الكتاب.
المطلب الثَّاني:
شواهدُ الكتابِ.
(1/121)

المطلب الأوّل: مصادرُ الكتاب
تنوَّعتْ مصادرُ شمسِ الدِّين الكرمانيِّ الَّتي اعتمدَ عليها في هذا الكتاب؛ وتَوزعتْ على أَغلب الفنون العِلْميّة المَشْهورة في عَصْره، وتفاوتَ نقلُه منها كثرةً وقلّةً، طولًا وقصرًا، نصًّا ومعنى.
ففي حين نَجد نقوله من بعضِ المصادرِ تكثُر كثرةً مُلْفتة؛ بحيث تَتَجاوز المائة نَقْل؛ نجدها تقلّ قلّةً ظاهرة في مصادرَ أُخرى؛ بحيث لا تَتَعدّى المرةَ الواحدة.
ويَبْدو لي أَنَّ الكتب الَّتي أكثرَ من النَّقلِ منها كانت بحوزَته؛ بدليل أَنَّه ينقلُ منها نَقْلًا مباشرًا في حالاتٍ كثيرةٍ، وغالبًا ما تكَون كتبًا مشهورةً تداولها النَّاسُ فِيمَا بَيْنهم، ك "الكشّاف" للزَّمخشريِّ، أوْ ذات صلةٍ وطيدةٍ بكتاب المؤلّفِ نَفْسه ك "مفتاح العلوم" للسَّكاكيِّ، أو ذات صلةٍ وطيدةٍ بالمؤلّف نفسهِ لكونِه تتلمذَ عليها كَكُتبِ شَيْخِه الإِيجيّ، أو اطَّلعَ عليها وكانت أثيرةً عنده ك "كتاب الصِّحاح" للجَوهريِّ؛ الَّذي لا أَسْتبعد حِفْظه له-.
وفي حين نَظْفر بنقلٍ طَويل من تلك الكتب يمتدُّ فيَشْمل صفحةً كَاملةً أَوْ قريبًا منها في بعض المواطن؛ لا نكاد نَعْثر إلّا على الكلمةِ أو الكَلِمتين في مواطنَ أخرى.
(1/123)

وقِسْ عَلَى هذا التَّفاوتِ تَفاوتَه في النُّصوص المنقولة. فتارةً تكون بالنَّصِّ وأُخرى تَكُونُ بالتَّصرّفِ اليسيرِ، وتَارةً ثالثةً بالمعنى.
وكذا تَفَاوتَه في طريقةِ النَّقلِ من تلك المصادر؛ فأحيانًا يُصرِّحُ باسم الكِتابِ واسمِ مؤلِّفه، وأَحْيانًا يَكْتفي بإيرادِ اسمِ الكتابِ دون اسمِ مؤلّفه، أو اسمِ المؤلِّف دُون كتابِه. وأحيانًا أُخرى لا يذكرُ اسمَ الكتابِ ولا اسم مؤلِّفه، وإِنَّما يوردُ ما يدلُّ على أنَّه ينقلُ؛ كقوله: "قِيل"، "كقولهم"، "كقول النُّحاةِ"، "كَمَا ذكرَ أَهْلُ ... "، "يُروى".
وهَا هِي ذي مصادرُ المؤلِّف في كتابِه أَسُوقُها مرتبةً بحسب الوفاة (1):
__________
(1) للمصدر -عند الباحثين- مفهومان؛ أحدهما: الكتاب الّذي اسْتقيت منه المعلومة. وهذا هو المفهوم السّائد عند عامّة الباحثين، وعليه يسيرون في غالب كتاباتهم العلميّة. والتّعامل مع المصدر بهذا المفهوم الخاصّ يسعف بحوثًا خاصّة حُصرت نقولها في مؤلّفات معروفة موجودة يعوّل عليها في النّقل.
أمّا المفهوم الآخر -وهو الّذي سلكته في هذا المبحث وعليه مدقّقو المحقّقين المحدثين- فهو أوسع مِمّا سبق؛ حيث يُراد به الشّخصيّة الّتي استقيت منها المعلومة بأيّ وسيلة كانت؛ سواء كانت كتابة، أو مشافهة، أو بواسطة؛ فالمجال في هذا المفهوم أرحب وأوسع، وهو بتلك الشّموليّة يناسب جميع البحوث العلميّة على اختلاف طبائع نقولها.
هذا، ولا يعني الاعتماد على الشّخصيّة إهمال ذكر الكتاب -كما قد يُظنّ- بل الكتاب طريق من أهمّ الطّرق الموصلة إلى الشّخصيّة إضافة إلى أنّه وعاء المعلومة الموثّقة الّتي لا يمتدّ إليها السّهو أو النّسيان.
ولذا فإنّني آثرت هذا المسلك متعرّضًا في الوقت نفسه للكتاب أو المصدر بالمفهوم الخاصّ؛ ناصًّا عليه متى ما تحقّقت شروطه.
(1/124)

1 - أَبو بِشْر؛ عمرو بن عُثْمان بن قنبر المُلقَّب ب "سيبويه" (ت:180 ه).
نَقَل عنه فِي موضعٍ واحدٍ، ناصًّا على اسْمهِ دون كتَابه (1).
2 - أَبو إِسْحاق؛ إبراهيمُ بن سُفيان بن هَاني، النَّظَّامَ (توفّي بعد العشرين ومائتين ببضع سنين هجرية).
نَقَل عَنْه في موضعٍ وَاحدٍ (2).
3 - أبو عُثْمان؛ عمرو بن بَحْر بن محبوب الكِنانيِّ الملقب ب "الجَاحظ" (ت 255 ه).
نقل عنه في موضعٍ واحدٍ. ناصًّا على اسْمه دون أيٍّ من كُتُبِه (3).
4 - أبو سَعيدٍ الحسنُ بن عبد الله السِّيرافي النّحويِّ (ت 385 ه).
نقلَ عنه في موضعٍ واحدٍ وَلم يَنُصّ على اسْمه ولا كِتابه. وإنَّمَا أشارَ إليه بقولِه: "كَمَا هو رأي بعض" (4).
5 - أَبو نَصْرٍ؛ إسماعيلُ بن حمّادٍ الجَوهريِّ الفارابيِّ (ت: 398 ه).
نَقَلَ عنه في سبعةٍ وسبعين (5) موضعًا من كِتابه "الصِّحاح"، وصرَّح باسْمه واسْمِ كتابِه في موضعٍ واحدٍ (6).
__________
(1) راجع ص: (380) قسم التَّحقيق.
(2) راجع ص (253) قسم التَّحقيق.
(3) راجع ص: (251) قسم التَّحقيق.
(4) راجع ص: (322) قسم التَّحقيق.
(5) ينظر على سبيل المثال ص: (212 - 216، 296، 328، 352) قسم التَّحقيق.
(6) راجع ص: (556 - 557) قسم التَّحقيق.
(1/125)

وبالاستقراءِ والتَّتبّعِ وجدتُ أَنَّه ينقل عنه نَصًّا في أَغْلب الأَحوال.
وإِنْ شابَ نَقْلَه شيءٌ من التَّقديم والتَّأخيرِ بحسبِ المعنى الَّذي يهدفُ إلى إيضاحِه. ولذا فإِنَّه -في سبيلِ ذلك- لا يجدُ حَرجًا في الرَّبط بين نَصين مُتَباعِدين تَوارَدا على معنًى واحدٍ داخل المادةِ الواحدةِ؛ من مِثْل قولِه في بيانِ مَعْنى العَويصِ (1): "العَويصُ: ما يَصْعبُ اسْتخراجُ معناه؛ اعْتاصَ عليه الأمرُ أَيْ الْتوى" حيثُ فسَّر العويصَ بجُملتين أَوْردَهما كما هما نصًّا في "الصِّحاح" (2)، غير أَنَّ ثانِيتَهما: "اعتاص ... التوى" سَبَقَتِ الأُولى: "ما يصعب استخراج معناه"، وفُصِل بَيْنهما بثلاثِ جُملٍ. وربما كان السببُ في مثلِ هذا الرَّبطِ الَّذي لم يراع التَّقديمَ والتّأخيرَ اعتمادَه -في ظَنِّي كما سَبق أنْ ذكرتُ- على اسْتظهارِه لهذا الكتابِ الَّذي ضبطَ فيه الجملَ والعبارات دون تَرْتِيبِها.
6 - أَبُو الحَسن؛ عليٌّ بنِ عيسى البَغداديّ الرَّبعيّ (ت 420 ه).
نَقَلَ عنه في ثلاثة مواضع (3) صرَّحَ فيها باسْمه دون ذكْرِ شَيءٍ من كُتُبِه.
7 - أَبُو عليٍّ؛ أحمدُ بن محمد بن الحسن المرزوقيِّ (ت 421 ه).
نقلَ عنه في موضعٍ واحدٍ (4)، من كتابه "شَرْحِ ديوانِ الحَماسة"، ولَمْ يُصرِّح إِلَّا باسم المؤلِّفِ.
__________
(1) ص: (217) قسم التَّحقيق.
(2) (3/ 878).
(3) راجع ص: (500، 502، 588) قسم التَّحقيق.
(4) راجع ص: (395) قسم التّحقيق.
(1/126)

8 - أبو بكرٍ؛ عبدُ القَاهرِ بن عبد الرَّحمن بن محمّد الجُرجانيّ الشَّافعيّ (ت 471 ه).
نقلَ عنه في عَشْرةِ مواضع، وسَمَه في مَوْضعين منها ب "الشَّيخ" (1)، مصرّحًا باسم مؤلِّفه "دلائل الإعجاز" برفقَة أحدِهما (2)، ونصَّ على اسْمِه بَعْد وسْمه ب "الشَّيخ" في ثلاثةِ مواضع (3)، ونَصَّ على اسْمِه بعد وصفه ب "الإمام" و"الشيخ" (4) في موضعٍ واحدٍ. ونصَّ على اسْمِه في موضعٍ واحدٍ (5). بينما نصَّ على اسمِ مؤلِّفه "دلائل الإِعْجاز" دون اسْم أو وصفٍ في ثلاثةِ مِواضِع (6).
9 - أَبُو حامدٍ؛ محمَّدُ بن محمّد بن محمّد الطُّوسيّ الغَزاليّ، حجّة الإِسلام (ت 505 ه).
نقلَ عنه في موضعٍ واحدٍ. مصرِّحًا باسْمِه (7).
10 - أَبُو محمَّد؛ القاسمُ بن عليٍّ بن محمّد بن عثمان الحريريِّ (ت 516 ه).
__________
(1) راجع ص: (231، 437) قسم التَّحقيق.
(2) راجع ص: (231) قسم التَّحقيق.
(3) راجع ص: (427، 437) قسم التَّحقيق.
(4) راجع ص: (729) قسم التَّحقيق.
(5) راجع ص: (711) قسم التَّحقيق.
(6) راجع ص (428، 510، 706) قسم التَّحقيق.
(7) راجع ص: (623) قسم التَّحقيق.
(1/127)

نقل عنه في خمسة مواضع (1)، صرّح في ثلاثة مواطن منها باسمه (2)، ولم ينصّ على أيّ من كتبه، وإن كانت نقوله كلّها من كتابه "المقامات الحريريّة".
11 - أَبُو القاسمِ؛ جارُ الله محمود بن عمر الزَّمخشريّ (ت 538 ه).
نَقَل عنه في عِشْرين مَوْضعًا. صرَّحَ باسْمِه واسم كتابه "الكشَّاف" في أربعةِ مواضع (3)، وباسمه منفردًا في ستّة مواضع (4)، وباسمِ كتابه منفردًا في أربعة مواضع (5)، وبلا نسبةٍ إلى اسْمِه أو كتابه في ستة مواضع (6)، منها موضعٌ اعتمد فيه على كتابه "المُفَصَّل".
وقَدْ ظَهَر لي من خِلال تَتَبّعي لنُقولِ المؤلِّفِ عنه إجلالُ الكرمانيِّ له (7)، وَثَأثّرُه الشَّديد به؛ بل واسْتيعابُه الكامل لكتابه "الكشَّاف"، إذْ أنَّه لا يَكْتفِي بالإِحالةِ إلى اسمه أَوْ كتابه، بَلْ يَتجاوز ذَلك -أحْيانًا- إِلى اسمِ السُّورة وموضعِ الآياتِ، منها (8).
__________
(1) راجع ص: (819، 823)، ويلحظ وجود أكثر من نقل في صفحة واحدة.
(2) راجع ص: (819، 823).
(3) راجع ص: (242 - 248، 396، 565، 692) قسم التَّحقيق.
(4) راجع ص: (373، 397، 404، 541، 641) قسم التَّحقيق.
(5) راجع ص: (307، 451، 589، 701) قسم التَّحقيق.
(6) راجع ص: (257، 307 - 308، 348، 396، 546، 569) قسم التَّحقيق.
(7) ومن ذلك قوله وقد شرع في النَّقل عنه ص: (589) من قسم التَّحقيق: "قال في الكشاف -أفيض على مصنفه سجال الألطاف- في أواخر سورة الأعراف: ... ".
(8) راجع -على سبيل المثال- ص (397، 589 - 590) قسم التَّحقيق.
(1/128)

12 - أبُو عبدِ الله؛ محمّدُ بن عمر بن الحسين بن عليٍّ الرَّازيّ؛ الملقَّب ب "فخر الدِّين" (ت 606 ه).
نقلَ عنه في أَرْبعةِ مواضع صرَّح فيها باسْمِه دون أَيٍّ من كُتُبِه (1).
ويُلْحظُ أَنَّ صاحب الفوائد "الإيجيّ" تابعَ السَّكاكيَّ وحملَ عليه مرَّةً حِينما غَمزَه ب "من لا خبرة له بالنَّحو" بَيْنما نجد الشَّمسَ الكرمانيَّ يصفه فِي ثلاثة مواضع بالإمامِ.
13 - أَبُو يعقوبَ؛ يوسفُ بن أَبي بكرٍ محمّد السَّكَّاكيّ الخَوارزميّ (ت 626 ه).
نقل عنه في مائة وأَربعةٍ وعشرين مَوْضعًا محيلًا إلى اسْمِه "السَّكَّاكيِّ" مرةً (2)، وإِلى صاحب المفتاحِ أُخْرى (3).
وإِلى كتابه "المفتاح" ثالثةً (4)، ولم أَقف إِلَّا على موضعٍ واحدٍ جمعَ فيه بين اسْمه وَكتابه -وإنْ لَمْ ينصّ عَلى اسمِ كتابه-.
وظاهَرٌ أنَّ السَّبَب في كَثْرة الإِحالِة إلى كتَابه مقارنةً بغيرهِ مردُّه كونه أَصْلًا لكتابي الإيجيِّ "المختصَر"، والكرمانيِّ "الشَّرح"؛ فهما يَستقيان مادَّتهما مِنه بالدَّرجةِ الأُولى.
__________
(1) راجع ص: (500، 501، 707، 709) قسم التَّحقيق.
(2) راجع -على سبيل المثال-: (35240، 360، 373، 393، 397، 414، 470، 510، 595، 631، 663 - 662، 703، 707، 743، 809) قسم التَّحقيق.
(3) راجع -على سبيل المثال-: (362، 382، 386، 732، 780) قسم التَّحقيق.
(4) راجع -على سبيل المثال-: (295، 332، 347، 384، 391، 459، 506، 513، 602) قسم التَّحقيق.
(1/129)

وإِذَا ما تَتبّعنا نُقولَ المؤلِّف من المفْتاح فإنَّا نجدها في الغالب الأَعمِّ نصيَّة وبخاصَّة تلك الَّتي يُقَدمُ لها بقولهَ: "قال في المفتاح" (1) أَو "وفي المفَتاح" (2).
14 - أَبُو الفَتحِ؛ ضياءُ الدِّين ابن الأَثير (ت 636 ه).
نقلَ عنه في ثلاثةِ مواضع (3) دون أَنْ يُصرِّحَ باسمه أَوْ كتابِه "المثل السّائر" الَّذي نقلَ منه.
15 - أَبو عَمرو؛ عُثْمان بن عمر بن أَبي بكر جمال الدِّين؛ المعروف بابن الحاجب (ت 646 ه).
نقلَ عنه في تِسْعة مواضع، صرَّح في جَمِيعها باسْمه "ابن الحاجب"، وفي ستٍّ منها قرنَ اسْمه باسمِ أحدِ كُتبِه، ناقلًا عن "مختصر المُنْتهى" ثلاث مَرَّات (4)، وعن "المُنْتهى" نفسِه مرَّتين (5)، وعن "شرح الكَافية" مرَّةً واحدة (6).
أَمَّا كتابُ "الإِيضاحِ في شَرْحِ المفصَّلِ"، فَلَم يُصَرِّح به، وَتبيَّن لي نَقْلُه منه مرَّةً واحدةً (7).
__________
(1) راجع -على سبيل المثال-: 347، 391، 445، 451، 456، 469، 508، 566، 580، 597) قسم التَّحقيق.
(2) راجع -على سبيل المثال-: (508، 772، 791 - 792) قسم التَّحقيق.
(3) راجع ص: (763 - 764، 822) قسم التَّحقيق.
(4) راجع ص: (241، 622، 680) قسم التَّحقيق.
(5) راجع ص: (692، 710) قسم التَّحقيق.
(6) راجع ص: (373 - 374) قسم التَّحقيق.
(7) راجع ص: (383) قسم التَّحقيق.
(1/130)

16 - أَبُو عبدِ الله؛ جمالُ الدِّين محمّد بن مالك الطَّائيِّ الأَنْدلسيّ (ت 672 ه).
نَقَل عن أَلْفيّته بالمَعْنى في مَوْضِعين، ولم يصرِّح إِلَّا باسمِه (1) "ابن مالك".
17 - مَيْثمُ بن عليٍّ بن ميثم كمالِ الدِّين البَحرانيّ (ت 681 ه).
نقلَ عنه في موضعٍ واحدٍ نَاصًّا على اسْمِه "البَحرانيّ"، واسم رِسالتِه الَّتي نَقَل عنها "التَّجريد" (2).
18 - محمودُ بن مَسْعود بن مُصلح، قطب الدِّين، الشِّيرازيّ (ت 710 ه).
نقلَ عنه في عشرَة مَواضع لَمْ يُصرِّح في أيٍّ منها باسْمِه أو باسْمِ كتابِه وإِنَّما أَشَار إلى الشِّيرازيّ في ستّةِ مواضعَ بوصفه "شارح المفتاح" (3)، وإِلى كتابِه في موضعٍ واحدٍ بِوصْفه: "شرح المفتاح" (4)، ونقلَ عنه نُصُوصًا بِلا إِشارةٍ في ثلاثة مواضعٍ (5).
__________
(1) راجع ص: (318، 378) قسم التَّحقيق.
(2) راجع ص: (718) قسم التَّحقيق.
(3) راجع ص: (287، 464، 577، 629، 724، 753) قسم التَّحقيق.
(4) راجع ص: (577) قسم التَّحقيق.
(5) راجع ص: (235، 665، 783) قسم التَّحقيق.
(1/131)

وفِي الجُمْلة فإنَّ عبقَ الشِّيرازيِّ وروحَ كتابِه "مفتاح المفتاح" لا يكادان يَغِيبان عن شَرْح الكِرمانيِّ البَتَّة مُتَمثِّلين في طريقةِ العَرض، وأسلوبِ المُعَالجةِ وصياغة المادَّة.
19 - أَبُو عبد الله؛ مُحمَّد بن عبد الرَّحمن بن عمر، جلال الدِّين، القَزْوينيّ (ت 739 ه).
نقلَ عنه في أَحدَ وعشرينَ مَوْضعًا، لَمْ يُصرِّح في أيٍّ منها باسْمِه صراحةً، بل كانَ يَقُول: "قال صاحبُ الإِيضاح"، وتكرَّر منه ذلك ثِنْتي عشرةَ مرَّةً (1)، ويقول -أَيْضًا-: "وفِى الإيضاح"، أو قريبًا منه كقَوْله: "والمَفْهومُ من الإيضاح"، وتكرَّر منه ذلك في ستّةِ مواضع (2)، أَمَّا بقيَّةُ النُّقول فَسَاقَها بلا إشارة (3).
ويلحظُ: أَنَّ أغلبَ النُّقول عنه تَدُور فِي فلك التَّعريفاتِ أو التَّقْسيماتِ أَوْ بيانِ وجْهَاتِ نظرهِ تَقريرًا أو اعْتِراضًا.
20 - أَبُو الفَضْل؛ عبدُ الرَّحمن بن عبد الغفَّار الإيجيِّ (ت 756 ه).
نقلَ عنه في ستِّة وعِشْرين مَوْضعًا، كثيرًا ما يُسَميه فيها ب "الأُستاذ" (4)،
__________
(1) راجع ص: (332، 374، 393، 404، 428، 496، 711، 736، 742) قسم التَّحقيق.
(2) راجع ص: (452، 740، 762، 766، 768، 811) قسم التَّحقيق.
(3) راجع ص: (765، 821) قسم التَّحقيق.
(4) ينظر -على سبيل المثال- ص: (223، 394، 419، 470، 502، 565، 689) قسم التَّحقيق.
(1/132)

أَوْ ب "المصنِّف" (1)، صرَّح في ستَّةِ مواضع بكتابِه "شَرْح مختصرِ ابن الحاجب" (2)، وفي موضعٍ واحدٍ ب "رُسيلة له في مَسائلَ شتَّى في النَّحو" (3) وبالسَّماع منه مباشرةً في موضع واحدٍ (4).
وتكشفُ النُّقولاتُ عنه عن قربِ الشَّمسِ الكِرمانيِّ منه وفهمه الدَّقيق لآرائِه؛ من ذلك قولُه (5): "وإذا لم يرتضِ المصنّف ذلك ... قال: (قال)، وقولُه (6): "والمرضِيُّ عنده"، وقولُه (7): "والمصنِّفُ ينقلُ كلامَ السَّكَّاكيِّ، وإلَّا فالحقُّ عنده على طرف التَّمامِ".
21 - عبَّادُ بن سُلَيمان الضَّمريّ.
نقلَ عنه في موضِعين، صرَّح في الأَوّلِ منهما باسْمِه كَامِلًا (8) وفي الثَّاني باسمه الأولُ مُنْفردًا (9).
_________
(1) ينظر -على سبيل المثال- ص: (329، 332، 378، 386، 428، 437، 663) قسم التَّحقيق.
(2) راجع ص: (622، 680، 690، 704، 709، 750) قسم التَّحقيق.
(3) راجع ص: (318) قسم التَّحقيق.
(4) راجع ص: (783) قسم التَّحقيق.
(5) راجع ص: (386) قسم التَّحقيق.
(6) راجع ص: (437) قسم التَّحقيق.
(7) راجع ص: (663) قسم التَّحقيق.
(8) راجع ص: (674) قسم التَّحقيق.
(9) راجع ص: (675) قسم التَّحقيق.
(1/133)

22 - صاحبُ المطالعِ. لم أقفْ على ترجمته ولا على كِتابِه. ونَقَل عنه بالنِّسبة المتقدّمة في موضعٍ واحدٍ (1).
__________
(1) راجع ص: (623) قسم التَّحقيق.
(1/134)

المطلب الثّاني: شواهدُ الكتاب
كمَا تنوّعتْ مصادرُ شمسِ الدِّين الكَرمانيِّ في هذا الكتابِ تنوَّعتْ -أَيْضًا- شَواهده "فَشَملت آيَ الذِّكر الحكيمِ، وأحاديثَ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمثال العربِ، وأقوالهم، وحكمَهم، وأَشْعَارهم.
وتفصيلُ ذلك على النَّحو التَّالي:
أَوَّلًا: القُرآن الكريم.
لَمَّا كان للقرآنِ الكريم مكانةٌ عظيمةٌ اهتمَّ به علماءُ المسلمين وتَعاهدُوه حفظًا، ودَرْسًا، وتطبيقًا، ولم تكن منْزلتُه البيانيّةُ لديهم بأَقلَّ من منْزلتهِ التَّشْريعيَّة. لذا نجدهم -كَمَا يَسْتنبطُون أَحْكامه- يَتَمثّلُون بيانَه.
وقَدْ يَجْري على أَلْسنتهم من بديعِ نَظْمِه وجَميلِ صُورِه وآنق مُفرَداته ما لا يَتَكلَّفون له جَلْبًا، أو يَمْلكون له دَفْعًا، ومن أولئك العُلَماءِ الَّذين أسرهَم أسلوبُ القرآنِ وبهرهم قوّةُ حجّته صاحبنا شمسُ الدِّين، كيف لا!. وهو العالم الرَّبَّانيّ بما كان يعلِّمُ النَّاس وبما كانَ يَدْرس!!.
والنَّاظرُ في "تحقيقِ الفَوائد" يجد أَنَّه اشتملَ على مائة وثمانية وثمانين شاهدًا قرآنيًّا، وهذا العددُ -في نَظَري- عددٌ لا يُسْتهان به وبخَاصَّةٍ إذا ما قُورن ببعضِ المصادرِ البَلاغيَّة، ناهيك عمَّا تميَّزت به تلك الشَّواهد من شموليَّة؛ إذ لم تَقْتصر على المسائل البلاغيَّة وحْدَها -كما هو منتظر-، وإِنَّما توزَّعت على مسائلَ متعدِّدة هي:
(1/135)

1 - شواهد تختصُّ بقضايا بلاغيَّة. وهي السِّمةُ الغالبةُ، وبلغ عدَدُها مائة وستة وسبعين شاهدًا.
منها: مائة وثلاثون شاهدًا ضمنَ علمِ المعَاني، واثنان وثلاثون شاهدًا ضِمنَ علمِ البيان، وأربعة عشر شَاهدًا ضِمْن علمِ البَديع.
وغَالِبًا ما يوضّحُها بما يُقرّر القَاعدة البَلاغيّة الَّتي يعرضُ لها. ومِنْ أمثلةِ هذا النَّوع قولُه في بيانِ أضرب الخبرِ في أَثْناء حديثه عن الضَّرب الثَّالثِ (الإنكاريّ) (1): "ويسمَّى إِنْكاريًّا. ويشهدُ له قولُ رسلِ عِيسى عليه السَّلام أَوَّلًا: {إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ}، وثانيًا: إذ بولغَ في تَكْذيبهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} أرسلَ عيسى -عليه السَّلام- إلى أَهْلِ أنطاكية اثْنين: شمعون، ويُوحَنَّا فكذَّبوهما، فقوَّاهما برسولٍ ثالث؛ هو بُولس أَوْ حبيب النَّجَّار. فقالوا: {إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونِ} فأَنْكروا بقولهم: {مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ} الآية؛ فأَجابوا بقولِهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ}؛ ولَمّا كانَت الآيةُ مُشْتملةً على تكذيبِ الرُّسلِ من ثلاثةِ أَوجهٍ أكّد إثبات رسالاتهم -أَيْضًا- بثلاثةِ أَوْجهٍ: اللَّام، وإِنَّ، ومَا في قوَّة القَسَم".
2 - شواهد لا تختصُّ اخْتصاصًا مُباشرًا بقضايا بلاغيَّة، وإِنَّما ترد بالدَّرجة الأُولى في خِدْمتها بهدفِ تقريبِ المعنى وإيضاحِه. وهي عَلَى قِسْمين:
__________
(1) راجع ص: (266 - 267) من قسم التَّحقيق.
(1/136)

أ) شواهد تردُ برفْقَةِ شواهد بلاغيَّة لرابطٍ بينهما وعددها أربعة شواهد.
ويجدُ المسْتَشهدُ في إِيرادها ما يوضِّح به استشهادَه ويقرِّر به المعنى الَّذي ساقَ الشَّاهد لأَجْله. ومن أَمثلتها قولُه في بيانِ أَحدِ الأَوجه المرجِّحةِ للإِثْبات (1):
"العاشرُ: بسط الكلام افْتراصًا لإصغاءِ السَّامع نحو {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} إذْ كان يتمُّ الكلامُ بأَنْ يقول (عصا) فذكر المُسْند إليه وهو {هِيَ} للبَسْط، قيل: ولذلك ... أتبع موسى ما أتبع، أَيْ: قوله: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} ... ومع ذلك خافَ فقال الله تَعالى: {خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى} ".
وشاهدنا في الآية الأُخرى الَّتي أَكْملَ بها المَشْهدَ ولم تكن جزءًا من الشَّاهدِ البَلاغيِّ.
ب) شواهد لتَقْريبِ معنى بلاغيٍّ دون أَنْ تَنْدرجَ تحت قاعدتِه، وعددُها ثلاثة شواهد. وفي جميعها قدَّم المؤلِّفُ بما يدّلُ على أَنَّها لتوضيحِ المرادِ خارجَ نطاقِ القاعدةِ المَسُوقة؛ حيثُ يقول: "ونظيرُه"، "ومثلُه".
ومن تلكَ الشّواهدِ قولُه (2): "ونظيرُه -أي: نظير قوله
__________
(1) راجع ص (304 - 307) من قسم التَّحقيق.
وراجع الشَّواهد الثلاثة الباقية ص (433، 513، 711) من قسم التَّحقيق.
(2) راجع ص: (271) من قسم التَّحقيق. وراجع الشَّاهدين الآخرين ص (274، 275).
(1/137)

تعالى في النَّفي والإِثبات؛ في أَنَّ المتَّصف بالشَّيءِ نُزَّل منْزلة الخَالي عنه بوجهٍ خَطَابيّ لا في تَنْزيلِ العَالم منْزلةَ الجَاهل، قولُه تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} أَثْبتَ الرَّمية لرسولِ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - إذْ هو الرَّامي بحسب الصُّورة ونَفَاها عنه بحسب التَّأثِير؛ إذ لا مؤثّرَ إلّا الله، ولا سيما في الأَثرِ العَظيم الَّذي ليس في قُوَّة البَشر".
(3) شواهدٌ استدعى ذِكْرها مناسبةٌ خاصّةٌ. وعدُدها أَرْبعةٌ، وتفصيلها يتمثّل فيما يلي:
(أ) شاهِدان اختصَّا بقضايا نحويّة. وقد تَطَلَّبَ الإيضاحُ الشّافي الَّذي ألزم المؤلِّفُ نفسَه به في غالبِ مباحثِ الكتابِ إِيرادهما، فجاءا حجةً قَاطِعةً وبرهانًا سَاطِعًا عَلَى ما أُردفا عليه. ومن ذلك قولُه في أَحدِهما موضّحًا القُرب بين المعرَّفِ تعريفَ الحقيقة والنَّكرةِ (1): "ولذلك، أي: ولاتّحاد المُودّى وعدمِ اخْتلافه إلَّا بالاعتبارِ حكم النُّحاة بتقاربهما، أَيْ: بتقارب المعرَّفِ باللَّامِ للحقيقةِ -لا لغيرها من الاسْتغراقِ أَوْ العهد- والنّكَرة، وجوِّز، أي: ولذلك جوّز وصف المعرَّف هذا التَّعريف، وهو تَعْريف الحقيقة بالنّكرة، كمَا في قولِه تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}، فإِنٌ {غَيْرِ} نكرةٌ وصفَ بها المَعْرفة، وهو قوله تعالى: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ".
__________
(1) راجع ص: (314 - 315) من قسم التَّحقيق، وراجع الشّاهد الآخر ص (376 - 377).
(1/138)

(ب) شاهدٌ لإيضاح لفظ غريبٍ. ومثالُه قولُ المؤلِّف (1): "والفَواصل لعلَّها أُخذِت من قَوْلِه تعالى: {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} ".
(ج) شاهدٌ لإِيضاح مَعْنى مُجْملٍ، وهو الوارد في قوله (2): "وإِنَّما أَكْتفي بأحد الضِّدين عن الآخر لدلالة حُكْمه على حُكْمه نحو قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} ".
هذا وتجدرُ الإِشارةُ إلى أنَّ شواهدَ الكتاب القُرآنية لم تقتصرْ على قراءةِ حفصٍ، بل بَنَى المؤلفُ استشهاده البلاغيَّ في خمسة مواضع على بعضِ القراءات القرآنيةِ الأُخرى؛ منها موضعٌ تكرَّر مرَّتين (3)، ومن تلكَ المواضع قولُه (4): "ففي قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ} بقراءة الاسْتِفهام؛ أي: على لَفْظ "مَن" الاسْتِفهاميّة ورَفْع {فِرْعَوْنَ}، يُؤوَّل بها المراد منه: العذابُ المقول عنده مَن فرعون".
ثمَّ إنَّ مما يُلفت النَّظرُ إليه بخصوص تلك الشَّواهد -ممَّا يحسبُ للكتاب- حُسْنَ اخْتيارها بما يُلائم المقامَ، ودقّةُ توظيفها. مما يَخْدُم المَعْنى المُسْتشهد عَليه.
__________
(1) راجع ص: (300 - 301) قسم التَّحقيق.
(2) راجع ص: (418) قسم التَّحقيق.
(3) راجع ص: (272 - 288) من قسم التَّحقيق.
(4) راجع ص: (369 - 370) من قسم التَّحقيق. وراجع الموضعين الباقيين ص: (569، 604) قسم التَّحقيق.
(1/139)

ولك أَن تَتأَمَّل ذلك في حُسْن اخْتِيارِه الآية الَّتي خَتَم بها عِلْمي المَعَاني والبيان بغرض تَأَمُّل لطائفها، يَقُول (1): "وإذا وقفت على البلاغة وعلى الفصاحة المعنويَّة واللَّفظية فأنا أذكر على سبيل الأنموذج آيةً، فإن شئتَ فتأمل قولَه تعالى: {وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} تر ... ما فيه ... من لطائفهما" (2).
ثانيًا: الحديثُ الشَّريفُ.
يعدُّ الحديثُ الشّريفُ ثَاني مصادر التَّشريعِ الإسْلامي بَعْد القرآن الكريمِ، والحديثُ الصَّحيحُ وحيٌ أَجْراه الله على لسانِ رسولِه صلَّى الله عليه وسلم؛ من لا ينطقُ عن الهَوى إِنْ هو إلى وحيٌ يُوحى. وترجع أهميّته إلى أنه يوضِّح القرآنَ في بيانِ أحكامه وتفصيلِ إِجْماله.
وقَد عُنِي به صاحبنا شمسُ الدِّين الكرمانيُّ عنايةً فائقةً حين أَفْرده بالبحثِ والدِّراسة، بل إِنَّه أَلَّف فيه أكبرَ مؤَلّفاته وأشْهرها على الإِطْلاق، حِينَما شَرح "صَحيحَ البُخاريّ" بكتابِه الموسومِ ب "الكواكبُ الدَّراريِّ شرحُ صحيحِ البخاريِّ".
__________
(1) راجع ص: (791) قسم التَّحقيق.
(2) ينظر تلك اللّطائف: في "مفتاح العلوم" ص (417 - 422).
(1/140)

وكنَّا ننتظرُ -والحالُ ما تقدَّم- أَن نجدَ أثرَ هذه العناية ظاهرًا في كتَابه "تحقيق الفَوائد"، لكنَّ الواقع خَالفَ ذلك؛ فالَّذي بين دَفَّتي الكَتابِ من الأَحاديث والآثار لا يَتجاوزُ تسعةَ شواهد! فما سرُّ ذلك؟!.
يَبْدو لي -والله أَعلم- أَنَّ عنايةَ شمسِ الدِّين الكرمانيِّ بالحديثِ اسْتجدّت بعدَ تَأْليفه "تحقيق الفوائد"، ويَشْهد لذلك تَأْخُّر رحلتِه في طلبِ علمِ الحديث، ومن ثمَّ تأخُّر تَأليفِه فيه وقد تقدَّم معنا أَنَّه كَمَّلَ الكواكبَ الدَّراريَّ بمكَّةَ المكرَّمة سنة خمس وسبعين بعد السَّبعمائة؛ حين مجاورتِه بها قبالةَ الرُّكنين اليَمانِيّين.
كمَا أنَّ طبيعةَ الدَّرسِ البَلاغيِّ الَّذي تَرَعْرَعَ في ظلِّ الإِعجاز القُرآنيِّ من جهة، والدِّراسات الأَدبيّة من جهةٍ أُخرى جعلَ شواهدَه -في الغالبِ الأَعم- تؤول إليهما وتدورُ في فلكهما، والمُتَأخِّرون -كما هُو معلومٌ- عيالٌ على المُتقدِّمين، وهو ما نُفسِّر به كثرةَ الشَّواهدِ القرآنيّةِ والشَّواهد الشِّعريّة وقفة ما عداها من الشَّواهد الأُخرى.
أَمَّا شواهدُ "تحقيق الفوائد" الحَديثيَّة التِّسعة (1) فقد اتَّسمت بالإيجازِ والوُضوحِ، ولذا لَمْ يحتجْ إلى شرحِ لفظةٍ غريبةٍ أَوْ بيانِ تركيبٍ غامضٍ.
وخلت أَرْبعةُ شواهد مِنْها من أَيِّ إشارةٍ تدلّ على أَنَّها أحاديث أَوْ آثار؛ حيثُ كانَ المؤلِّفُ يقدِّم لها بقوله:
__________
(1) ينظر ص: (254، 272 - 273، 292، 293، 320، 360، 473، 614) قسم التَّحقيق.
(1/141)

"نحو" (1)، أو "مثل" (2)، أو "نَحْو قوله" (3).
وتَوزعَ الاسْتشَهادُ بها بين القَضايا البلاغيَّةِ والأُخرى العرضيَّة الَّتي تجيءُ في خدمة القضايا البلاغيَّة.
ومن أَمثلة ما اسْتُشْهد به على قضيّة بلاغيَّةٍ قوله (4): "وقد يُذْكر -أي: الشَّرط- بدون الواو، وذلك فِيما كانَ المتروكُ أَولى بِترّتبِ الجزاءِ عليه لدلالة العقل حينئذٍ عليه؛ نحو: نعم العبد صهيب، لو لم يخفِ الله لم يعصه، إذْ يلزم منه بالطريقِ الأَولى أنّه لو خافه لَمْ يعصه أَيْضًا".
ومن أمثلة ما استُشْهد به في خدمة قضيّة بلاغيّة. قَوْلهُ (5): "ولذلك يُتَبرّأُ عن الكَذب بدَعْوى الاعتقاد أو الظَّنِّ، أَي الدَّليل عليه: أنّه يُتبرّأ عن الكذبِ بدعوى الاعْتقاد أو الظَّنِّ متى ظَهر خَبرُه بخلافِ الواقعِ، أَيْ: إِذا قِيل له: كذبتَ يقول: لا؛ بَلْ قُلتُه بناءً على اعتقادي؛ كما قالت عائشةُ - رضي الله عنها -: "ما كذبَ، ولكنَّه وهم".
__________
(1) راجع ص: (473، 614) قسم التَّحقيق.
(2) راجع ص: (360) قسم التَّحقيق.
(3) راجع ص: (320) قسم التَّحقيق.
(4) راجع ص: (374 - 375) قسم التَّحقيق.
(5) راجع ص: (253 - 254) قسم التَّحقيق.
(1/142)

ثالثًا: الأَمثال والأَقْوال.
خلَّف لنا أَسْلافُنا العربُ كمًّا هائِلًا من الأَمْثال السَّائرة، والأَقْوال البَليغةِ الَّتي كثيرًا ما يَعِنّ لنا التّمثلُ بها في مُناسباتٍ تشبهُ المناسباتِ الَّتي قِيلت فِيها. وتعدُّ بسببِ إيجازِها وسهولةِ حفظِها، وسرعةِ انْتشارِها أمثلَ تُراثٍ للأُمَّةِ وأَصْدقه. وأَجدُها -وإنْ أخذت حقَّها من الجَمعِ والتَّأصيلِ- لَمْ تَأخذ حقَّها من الاسْتِنطاقِ والتَّحليلِ.
وفي ظَنِّي أنَّها -بحكمِ جريانِها على الأَلْسنة بلا تَغْيير يُذْكر- مَتَى مَا أَخَذت حَظَّها من الدَّرسِ العميقِ سوف تَكْشفُ لنا عن أَبْعاد تُراثيَّة مُفيدة.
وبالعَوْدةِ إلى كتابِ "تحقيق الفوائد" نَجدُ أَنَّ نصيبَه من الأَمثالِ والأَقوال عشرون شَاهدًا (1)، جاءَ بعضُها شَاهدًا بلاغيًّا كقولِه (2): "وإذا كان وجهُ الشَّبه أمرًا مُنْتزعًا من عدَّةِ أمور؛ نحو قولك: تقدِّمُ رجْلًا؛ أي: لإِرادة الذَّهاب، وتؤخِّر أُخرى لإرادة عدمه، للمتردِّد في الأمر".
__________
(1) راجع الصفحات: (282، 286، 303، 333، 367، 391، 420، 434، 475، 480، 510، 544، 556، 614، 640، 641، 662، 735، 778، 811) قسم التَّحقيق.
ويلحظُ أَنَّ أحدَ الأَقوال تكرَّر ثلاث مرّات في أماكن مختلفة من الكتاب، بَيْنما ورد أَكثرُ من مثلٍ في صفحةٍ واحدةٍ.
(2) ص: (735) قسم التَّحقيق.
(1/143)

وبعضُها الآخرُ في سياقِ شاهد؛ للإيْضاحِ والتَّأكيد، كَقَولِه (1): "الخامسُ: الاسْتِلْذَاذ؛ كذكرِ العاشقِ للمَعْشوق، ولهذا قِيل: "من أحبَّ شيئًا أكثرَ مِن ذَكْرِه".
ويَبْدو واضحًا للعِيان تباينُ طريقة الاسْتشهادِ بها في الكتاب، فتارةً يُذكر ما يدلّ على أنه مثَلٌ أو قولٌ، كقَوله (2): "فتأمّل في مثل هذا المثل: (أنُخدع بالزَّبيب بعد المشيب) ".
وتارة لا يذكر: كقوله (3): "فالتزمت الواو فيها أي في الاسمية إما نادرًا نحو: (كلَّمتُهُ فوه إلى فِيَّ) ".
ومن جهةٍ أُخرى نجدُ الحديثَ يطولُ حولَ بعضِها بشرحِ الغَريبِ وبيانِ المعنى العَامِّ، وذكرِ قصّة المثل ومضربه أَحْيَانًا، كقولِه (4): "وكَمَا في قَوْلِها: (إِلَّا حظيَّة فلا أليَّة)؛ حظيّةٌ: فعَيلةٌ من حَظِيت المرأةُ عند زوجها حُظوة. وأليَّةٌ: فَعيلة من الأَلو. وهو التَّقْصير؛ بِمَعنى فاعله؛ أَيْ: إِنْ لا يَكن لك في النِّسَاء حظيّة؛ لأَنَّ طبعكَ لا يُلائِمُ طبعهن، فإنِّي غيرُ مقصّرة ... ومورد المَثل: أَنَّ رجلًا كان لا تَحظى عنده امرأةٌ فلمَّا تزوّج هذه لَمْ تَأل جهدًا في أَنْ تحظى عِنْده، ومَع ذَلك لم تَحْظ، بل طلَّقها فَقَالتْ. ومَضْربُه كلُّ قضيةٍ كانَ الإنسانُ أهلًا لها مُجتهدًا فيها، ولكنَّها امْتنعت عَليه لعارضٍ عَرض من غيرِ جِهته".
__________
(1) ص: (303) قسم التَّحقيق.
(2) ص: (420) قسم التَّحقيق.
(3) ص: (556) قسم التَّحقيق.
(4) ص: (296 - 297) قسم التَّحقيق.
(1/144)

ويَقْصر الحديث حولَ بعضِها الآخر أحْيانًا أُخرى كقولِه (1): "لاستكراه النَّفس التَّكرار بالذَّات، كما قِيل: (أَكْره من مُعَادٍ)، واسْتِحبابه الجدَّة؛ كما قيل: (لكلِّ جديدٍ لذّةٌ) ".
وأخيرًا: أَودُّ الإشارةَ إلى أَنَّ غالبَ ما وردَ في كتابِ "تحقيق الفوائد الغياثية" من أَمثالٍ وأَقْوالٍ اسْتشَهدت بها كتبُ البلاغيِّين المُتَقدّمين عليه؛ وعلى الأَخصِّ "مفتاح العلوم" للسَّكَّاكيِّ.
رابعًا: الشِّعر:
الشِّعرُ ديوانُ العَربِ، وهو كَمَا يقولُ الدُّكتور محمَّد أَبو موسى (2): "الدَّائرة الأَوسع الَّتي إذا حفظناها نكونُ قد أَقَمنا حولَ كتابِ الله ثوابتَ من المعارف المؤسسّة على أُصولٍ من المنهج الصَّحيح؛ تظلُّ بين يدي الذِّكرِ الحكيمِ تهّيئ لسَماعه وفَهْمه وتَذَوّقِ بلاغتِه وأسرارِ بيانِه".
وحَسْبك دليلًا على أَهَميتِه وخطورةِ شأنِه قولُ ابن عبّاس رضي الله عنهما (3): "إذا أَشْكلَ عَلَيكم الشَّيءُ من القُرآن فارْجِعوا إلى الشِّعْرِ فإِنَّه دِيوانُ العَربِ".
__________
(1) ص: (662) قسم التَّحقيق.
(2) خصائص التّراكيب "دراسة تحليليّة لمسائل علم المعاني" لمحمّد محمّد أبو موسى: (7).
(3) الفاضل في اللّغة والأدب؛ للمبرّد: (10).
(1/145)

لذا اهْتمَّ به علماؤُنا قَدِيمًا وحَدِيثًا على اخْتلافِ تَخَصُّصاتهم العِلميَّة فاسْتَشْهد به الفُقَهاءُ، والمحدِّثون، والمفسِّرون، والنُّحاة، واللُّغويّون على حدٍّ سواء.
وقد امْتلأ كتابُنا بهذا النَّوعِ من الشَّواهد، حيث بلغَتْ مواضعُ الاستِشْهاد الشِّعريّةِ مائة وثمانية عشر مَوْضعًا (1)، وهي -بلا شكّ- كثيرةٌ جدًّا، ويُلْحظُ أنَّه سلكَ في طريقةِ الاستشهادِ بها وطريقةِ إيرادها نفسَ المسلك الَّذي سَلكه في بقيَّةِ الشّواهدِ المتقدِّمة. على أَنَّه لَمْ ينسبْ تسعين شاهدًا، واسْتطعتُ بفضلِ الله نِسْبة (82) شاهدًا إلى قائِلها.
كَمَا يُلْحظ أَنَّ شواهدَ الكتابِ الشّعريّة لَمْ تَخْرج في الجُمْلة عن شَواهد المصادر البلاغيَّة الأُخرى الَّتي تقدَّمت على الكتابِ وبالأَخصِّ كتاب "مفتاح العلوم" للسَّكَّاكيِّ.
ولبيانِ ما تقدَّم بجلاءٍ أَسُوقُ الشَّاهدين التَّاليين:
1 - شاهدٌ لم يُنْسبْ، ولم يُسْبق بما يدلُّ على أَنَّه شاهدٌ، ولم يُبيَّن مَعْناه، أَوْ يُشْرح غَرِيبه وليسَ بلاغيًّا، كقوله (2): "فإنَّ المحلَّ الخالي إِذا كانَ فَارغًا تَمكَّن فيه نقشٌ يردُ عليه أَشدَّ تمكُّن:
أَتَاني هَواها قَبل أَنْ أَعْرفَ الهَوى ... فَصَادفَ قَلْبي خَاليًا فَتَمكّنا".
__________
(1) ينظر -على سبيل المثال-: (265، 276، 287، 295، 303، 316، 326 - 325، 335، 133، 340) قسم التَّحقيق.
(2) ص: (265) قسم التَّحقيق.
(1/146)

2 - شاهدٌ نُسب، وسُبق بما يدلُّ على أنَّه شاهدٌ، وبيَّن مَعْناه، وشُرح غَريبُه، واستُشْهد به عَلَى موضع بَلاغيٍّ؛ كقوله (1): "ومن هَذَا القبيلِ وضْعُ الحاضرِ موضع الماضِي لإيهامِ المشاهدَة؛ مشاهدة تلك الحالةِ واسْتِحضارها في ذهنِ المُخاطب .. كَمَا فعلَ تأبَّط شرًّا في قولِه:
بأَنِّي قَدْ لَقيتُ الغُولَ تَهْوي ... بسَهْبٍ كالصَّحيفة صَحْصَحان
فَأضْرِبُها بلا دهَشٍ فَخرَّت ... صَرِيعًا لليدينِ وللجِرانِ
وكانَ مقتضَى الظَّاهرِ: "فضَربتُها"، لكنَّه عدلَ إلى الحاضر قَصْدًا أن يصوِّر لقومه الحالةَ الَّتي تَشجَّع فِيها بضربِ الغُول كأنَّه يُبصرهم إِيّاها -أي: تلكَ الحالة- ويُطلعهم عَلَى كُنْهها، ويَتَطلَّبُ مِنْهم مُشاهدَتَها؛ تَعْجيبًا من جُرْأَته علَى كُلِّ هَوْل، وثبَاته عندَ كلِّ شدَّةٍ.
والسَّهبُ -بالسِّين والصّاد المهملتَين-: الفَلاةُ.
والصَّحصحانُ: المُستوي؛ أي بفلاةٍ كالقِرطاس مُسْتَوية.
لليَدين: أَيْ عَلَى اليَدين.
والجِرَانُ: مقَدَّم عنق البَعير من مذبحه إِلى مَنْحرِه".
وقِس على هذين الشَّاهدين المتنافيين شواهدَ شعريَّة أخرى اتّفقت أَوْ أَخذَت صُورًا مُتنوّعةً من النّفي والإِثْباتِ.
__________
(1) ص: (412 - 413) قسم التَّحقيق.
(1/147)

المبحث الثّالث: تقويم الكتاب
وفيه مطلبان:
المطلب الأوّل:
مزايا الكتاب
المطلب الثّاني:
المآخذ عليه
(1/149)

المطلبُ الأَوَّل: مزايا الكتاب
1 - حسن التّبويب والتنظيم:
سبق أَن قدَّمت أنَّ كتابَ تحقيقِ الفوائد ينضوي تحت أَرْوقة المدرسةِ السَّكَّاكيَّةِ ولذا فإِنَّه يستمدُّ قيمته العِلميَّةَ من تلك الأسس المحكمة إلى قامت عليها والمنهج القَويم الذي ترسمته.
ولستُ أعني عندما أعبِّر -هنا- ب (السَّكاكيَّة) سبق السَّكاكيِّ إلى ذلك المنْهج الَّذي خالفَ به المتقدِّمين ممَّن صنَّفوا كتبًا مُسْتقلّة في البَلاغةِ؛ كعبد القاهرِ الجُرجانيِّ الَّذي صنَّف كتابيه "أسْرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز" أَوْ حتّى كتبًا لا يصدقُ عليها التَّصنيفُ البلاغيُّ تمامًا كتلك التي تضمَّنت كثيرًا من المباحث البلاغيَّة دونما حاجزٍ مانعٍ من دخولِ غيرها من المباحث الأُخرى. من مثل كتاب "الموازنة بين أبي تمام والبحتريّ" لأبي القاسم الآمديّ، وكتاب: "الوساطة بين المتنبّي وخصومه" للجرجانيّ -وإنَّما أعْنِي الارتباطَ الوثيقَ الَّذي يصل كتابَ الشَّيخ الكرمانيِّ "تحقيق الفوائد" بكتابِ شيخ شيخِه أبي يعقوب السّكاكيّ "المفتاح"؛ ذلك الكتاب الذي ذاعَ صيتُه بين النَّاس، ونال شهرةً لم ينلها كثيرٌ من الكتبِ البلاغيَّة الأخرى. فكتابُ الكرمانيِّ -كما سبق- أَنْ ذكرتُ يشرحُ كتابًا آخر شديدَ الصِّلةِ بكتاب السَّكاكيّ؛ هو كتاب "الفوائد الغياثيَّة"؛ ذلكم الكتاب الَّذي اختصر به صاحبُه -بعنايةٍ فائقةٍ- "مفتاح العلوم" للسَّكاكيّ.
(1/151)

وغنيٌّ عن الإِيضاح أن السَّكاكيَّ أفادَ كثيرًا في تبويبِه وتقعيدِه وتقسيمِه من الفَخْر الرَّازي في كتاب: "نهاية الإيجاز في دِراية الإعْجَاز"، بل إنّه كما يقولُ محقّقُ نهاية الإيجاز الدّكتور بَكري شَيْخ أمين (1): "كادَ أَنْ يكون ظلًّا للرَّازيّ وصدًى لصوته". وفي نظري أنَّه لم يتميَّز عنه كثيرًا إِلَّا بما امتنّ الله به عليه من دِقَّةِ التَّنظيمِ وضبطِ التَّقسيم وقوَّةِ الأَدلَّة.
ومع سبقِ الرَّازي إلى التّنظيم والتَّبويب وتشْعيبِ المسائل وتَفْريعها وفق أسسٍ عقليّةٍ منطقِيَّةِ إلّا أنّ أغلبَ الدَّارسين المحدثين يغضّون الطّرف عنه، ويتَجَاهلون سَبْقه، ولا يلوونَ على كتابِه كما يَلْوون على كتابِ السَّكاكيِّ الَّذي نُسب إليه السَّبق ورَكَّز عليه الدَّارسون مُتَعرّضين لمنهجِه -في الغالب الأَعمَّ- بالذَّمِّ والتَّسفيه؛ رامينه بالانْحرافِ والجمودِ وعدمِ الفَهم؛ ومنهم الدُّكتور عبد العزيز عتيق (2) يقول: "ومن هنا كانت خُطُورة منهاج السَّكاكيِّ الَّذي يُعدُّ في تاريخ البلاغةِ بداية طور الجُمود في دراستها لقد خُيِّلَ إِليه أنَّه بمنهاجِه المنظّم المتقن يُصْلح من شأنِ البلاغةِ، فإذا به من حَيثُ لا يَدْري يُفْسدها ويُسئُ إليها".
والحقّ أنَّ السَّكاكيَّ -رحمه الله- حُمِّل ما لا يَحْتمل؛ إذ طُلبَ منه أَنْ يواكب بلاغة عبد القاهر الجرجاني -رحمه الله- وأن يأتي بما يحاكي كتابيه على الأقل إذ لم يستطع أن يتفوّقّ عليه. ومن هذه الجهة انهالت السّهام عليه. ولو أُمعن النّظر في صنيع السَّكاكيّ وغايته منه لما
__________
(1) نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز "قسم الدّراسة" ص (56).
(2) علم المعاني ص (27).
(1/152)

حُمّل كلّ ذلك. ولأُحيل ذمّه مدحًا. فهو لم يؤلّف كتابه ليغيّر مسار البلاغة العربيّة ويلبسها ثوب الجمود -كما زعموا- ولم يكن هذا مقصدًا له على بال، وغاية ما هدف إليه هو اختصار كلام الإمام عبد القاهر وتصفيته من التّكرار وتقريبه لطلبة العلم بوضع الحدود والرّسوم التي تضبط مباحثه وتفصّل مسائله. ليستقيم لطالب البلاغة الطّريق وتتّضح أمامه الصّورة؛ متى ما خاض غمار البيان وأدلج في بحور تذوّق الكلام، ولعلّ الَّذي حداه إلى ذلك ضعف الذّوق العربيّ في العصور المتأخّرة فأراد بمنهجه المنطقيّ الإعانة على فهم البلاغة.
وأجدني مع الأستاذ الدكتور فضل حسن عبّاس: حين يقول (1): "ورحم الله السَّكاكيّ ونرجو أن يؤجر على هذه الحملات الَّتي توجّه إليه؛ فلقد حمّلوه مسؤولية جمود البلاغة ووقوفها عند حال لا تحسد عليه ....
صحيح أَن السَّكاكيَّ سلب بلاغة عبد القاهر هذه السّمات الأدبيّة، وهذا الأسلوب الَّذي يستند إلى الذّوق والقاعدة معًا؛ ولكن ينبغي أن لا ننسى، ولا يجوز أن ننسى أنّ البلاغة كانت بحاجة إلى من يحدّد لها مصطلحاتها تحديدًا تامًّا، ومن يفصِّل مسائلها، ويَفْصل بعضها عن بعض، وتلك حسنة لا ينبغي أن تغفل، ولكن الكثيرين -سامحهم الله- لا يذكرون إلّا السّلبيّات".
أخلص من هذا كلّه إلى القول بأنّ انضواء كتاب "تحقيق الفوائد" تحت أروقة المدرسة السَّكاكيّة لا يغمط شيئًا من شأنه ولا يحط قدرًا
__________
(1) البلاغة المفترى عليها بين الأصالة والتَّبعيَّة: (175).
(1/153)

من قدره كما ظنّ بعض، بل هو ميزة تحسب للكتاب؛ تشتدّ الحاجة إليها في ميدان التعليم "ثمّ يبقى ما وراء ذلك مفتوحًا ليشمل كل دراسة تستخرج أسرار البيان" (1).
ولست في حاجة -هنا- إلى استعراض طريقة الكرمانيّ الموفّقة التي بنى عليها كتابه، فقد سبق الحديث عنها في المطلب الثّالث عن المبحث الأوّل من هذا الفصل في أثناء الحديث عن منهج المؤلّف في الكتاب؛ حيث استعرضتُ بالتّفصيل المخطّط الَّذي سار عليه الشّارح في كتابه (2).

2 - التَّوسُّط والاعتدال:
حيث تجنّب مؤلّفه الإطناب المملّ والاختصار المخلّ، فسلك به منهجًا وسطًا سواءٌ في عرض المادّة العلميّة أَوْ في التّقسيم والتّفريع. وما يندرج تحتهما من التقعيد والتّمثيل وإيراد الأقوال والأدلّة ومناقشتها. متحاشيًا في ذلك كلّه التّكرار والإطالة، ومحترزًا -في الجملة- عن التّقصير والإيجاز، ولذا نجده عندما يتعرّض لأحوال المسند والمسند إليه وبعض أحوال متعلّقات الفعل لا يفرد كلّ نوع ببحث مستقلّ -كما فعل غيرُه من البلاغيّين، بل كما فعل السَّكاكيّ نفسه، عمدة الكرمانيِّ في كتابه- وإنّما يعالجها جميعًا تحت مبحث واحد ذاكرًا أغلب النّكت البلاغيّة؛ ممثّلا لها بما تيسّر من الأمثلة مما قد يَكون مندرجًا تحت المسند
__________
(1) مدخل إلى كتابي عبد القاهر الجرجاني د. محقد محمّد أبو موسى: (11).
(2) راجع ص (107 - 110) من قسم الدِّراسة.
(1/154)

إليه أَوْ تحت المسند؛ أَوْ تحت متعلّقات الفعل؛ تاركًا المجال مفتوحًا أمام القارئ لإعمال عقله في تحصيل ما لم يذكره وقياس الأشباه على النّظائر فيما لا يستغلق فهمه أَوْ يشقّ طلبه، وأسوق للدّلالة على ذلك قوله (1): "ثمّ إنَّه، أي الحذف، يترجَّحُ لوجوهٍ: الأوّل: ضيق المقام؛ كجوابِ المشرف -أي على الموت-: أموت، حيث يقال له: كيف أنت؟ إذا الوقت لا يسع أن يقول: أنا أموت ... وكضروة الشّعر، وقوله:
قَال لِي: كَيْفَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: عَلِيلٌ ... سَهَرٌ دَائمٌ وحُزْنٌ طَويلُ
الثّاني: الاحترازُ عن العَبَثِ؛ نحو: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ}؛ إذ لو كرِّر فعلُ التّسبيح؛ لكان عبثًا؛ إذ هو معلومٌ من الأوّل".
فلقد تحقّقت الفائدة المنشودة بإيراد الوجهين المذكورين وغيرهما من الوجوه الأخرى الواردة بعدهما التي تكشف أسرار الحذف البلاغيَّة غير أنَّه درءًا للتطويل والتّكرار عالج أوّلهما "ضيق المقام، ضرورة الشّعر" في باب المسند إليه؛ حيث جاء المحذوف في أمثلته مسندًا إليه.
وعالج ثانيهما "الاحتراز عن العبث" في باب المسند؛ حيث جاء المحذوف في مثاله مسندًا.
__________
(1) ص (276 - 277) قسم التحقيق.
(1/155)

وكان بإمكانه أن يمثّل لكل وجه بمثالين؛ أحدهما في باب المسند إليه، والآخر في باب المسند، كما فعل غيره ممّن رام البسط والتّوسّع.
وظاهر أنّ الَّذي هيّأ لهذا المسلك، أي مسلك "التّوسّط والاعتدال" هو الإيجيّ، صاحب الكتاب المختصر؛ حيث بنى كتابه على أسس منطقيّة لا تقبل الحشو والاسترسال.
ويبدو لي أنّ الكرمانيّ -رحمه الله- نشد هذا المسلك وهدف إليه قبل تأليف الكتاب، ولو أنه آثر منهج المطوّلات لعدل من أوّل الأمر عن ربط كتابه بمختصر شيخه، أَوْ حتَّى عدم تضمينه إيّاه بالطّريقة الدّقيقة المحكمة الَّتي سبق أن أشرت إليها (1) على أقلّ تقدير.

3 - اشتمال الكتاب على بعض الفوائد المهمّة:
تضمَّن كتاب تحقيق الفوائد فوائد جليلة؛ انفرد بها الكتاب عن سائر الكتب البلاغيّة التي سبقته، ويعود الفضل في إيرادها -في الدّرجة الأولى- إلى الإيجيّ صاحب المختصر. فهو الَّذى ضمنها كتابه صراحة، أَوْ قدح في ذهن الكرمانيّ إليها. وغالبًا ما يشير الشّارح إليها بقوله (2): "وهذا ممّا زاد على المفتاح"، وتبدو لنا قيمة تلك الزّيادات بجلاء إذا ما ربطا بينها وبين عنوان الكتاب المختصر: "الفوائد الغياثيّة" وتَذَكِّرْنا ما
__________
(1) ينظر ص (303) من قسم التحقيق.
(2) ص (245) قسم التَّحقيق. وينظر -على سبيل المثال- الصَّفحات: (250، 253، 276، 312، 448).
(1/156)

سبق أن أوردناه في سبب تأليف الكتاب (1). حيت نصّ ابن الكرمانيّ "أنّ الوزير (غياث الدّين) كان يقرأ المفتاح للسّكّاكيّ على الشّيخ عضدِ الدّين، وكان يفيد عند الدّرس فوائد زوائد على المفتاح؛ فسأله الوزير أن يجمع تلك الفوائد مفردة فجمعها ... ".
وقد تتبّعت المواطن التي صرّح الشّارح بأنها ممّا زاده شيخه على ما في "المفتاح" فوجدتها تقارب العشرين موطنًا وقد يكون في الموطن الواحد أكثر من فائدة.
وجدير بالذّكر أنّ تلك الفوائد لم تعرف مواطن معيّنة من الكتاب تلتزم الورود فيها، بل ترد بحسب المقتضى الدّاعى لها، فأحيانًا ترد في ثنايا المباحث الرّئيسة، وأخرى في خواتيمها، وثالثة خارجًا عنها في إطار التّنبيهات. وغالبًا ما يكون تصريح الشّارح بأنها من الفوائد الزّائدة على ما في "المفتاح" في بداية الحديث (2) عنها، بخلاف الفوائد الأخرى، فالتصريح بزيادتها يرد عقب إيرادها (3).
وللإيضاح أسوق المثال التّالي مشتملًا على كلام المصنّف والشّارح (4):
__________
(1) ينظر ص (32 - 33) من قسم الدّراسة.
(2) ينظر -على سبيل المثال- ص (312، 470، 748) من قسم التحقيق.
(3) ينظر على سبيل المثال ص: (245).
(4) ص (244 - 247) قسم التحقيق.
(1/157)

"وتعريفاتُه [أي الخبر] تَنْبيهات، فإنَّ التَّعريفَ قد لا يُرادُ بهِ إحداثُ تَصوّرٍ؛ بل الالتفاتُ إلى تصوُّرٍ حاصلٍ ليتميّز من بين التَّصوُّراتِ؛ فيعلَم أَنَّه المرادُ.
إشارةٌ إلى سؤالٍ وجواب.
تقديرُ السّؤال: لا يشتغلُ العقلاءُ بتعريفِ التَّصوُّرات البديهيَّة كما لا يُبَرهن على القَضايا البديهيّة؛ فلو كان الخبرُ ضروريًّا لما عَرَّفُوه ....
تقديرُ الجوابِ: أَنَّ هذه تنبيهاتٌ لا تعريفاتٌ تنافي الضَّرورة فإنّها ليست لإفادة تصوُّرٍ وإحداثِه؛ بل لتَمْيِيز ما هو المراد به مِنْ بين سَائِر التَّصوُّراتِ الحَاصِلة عنده ....
وهذا ممّا زاد على "المفتاح".
ومن أمثلة ذلك -أيضًا- ما أورده المصنِّف وعلَّق عليه الشّارح في التنبيه الَّذي جاء عقب النّوع الثّالث المعقود في التّعريف بأقسامه والتّنكير، قال (1): "تنبيه: ما في هذا التّنبيه من الفوائد ممّا زادها على الأصل وهي فوائد شريفة مهمّة لا بدّ من معرفتها:

التعريف: يقصد به معيّن عند السّامع من حيث هو معيّن كأنه؛
أي: التّعريف إشارة إليه؛ أي: إلى ذلك المعيّن بذلك الاعتبار، أي: باعتبار أنَّه معيّن عنده.
وأمّا النَّكرة: فيقصد بها التفات النّفس إلى المعيّن من حيث هو، من غير أن يكون في اللَّفظ ملاحظة تعيُّن، وإن كان لا يكون إلّا معيّنا؛
__________
(1) ص (312 - 313) قسم التّحقيق.
(1/158)

فإن الفهم موقوف على العلم بوفع اللَّفظ له، أي: للمعنى الَّذي هو مفادٌ من اللَّفظ وذلك، أي: العلم بالوضع إنَّما يكون بعد تصوّره ذلك المعنى، وتميّزه عنده عمَّا عداه، لكنه لا يلاحظ في اللفظ أنه معيّن.
والحاصل: أنّ الخطاب لا يكون إلّا بما يكون معلومًا للمخاطب ومتصوّرًا له، سواءٌ كان اللَّفظ نكرة أو معرفة، لكن الفرق: أنّ في لفظ المعرفة إشارة إلى أنَّه يعرفه السّامع دون المنكر؛ فإذا قلت: ضرب الرّجل؛ فكأنَّك قلت: ضرب الرّجل الَّذي تعرفه؛ ففي اللَّفظ إشارة إلى أنَّه يعرفه بخلاف النّكرة".
وظاهرٌ أنّ ما في التّنبيه تكميلٌ مهمٌّ للمبحث البلاغيّ المعقود، بتحديد مصطلحين رئيسين وردا فيه يحوّل القصور في معرفة المراد بكلّ واحد منهما بدقّة دون الفهم المنشود؛ بل ربّما أدّى إلى الوقوع في خلافه؛ ممّا يتنافى مع أسس البلاغة كأن يسبق إلى الفهم من "التّعريف" مجرّد التعيّن لمعنى اللَّفظة المعرفة من غير ملاحظة تعينها بخصوص معيّن في ذهن السّامع وارتباط مدلولها -سلفًا- به. وكذا التّنكرِ بأن يسبق إلى الفهم منه مطلق النّكرة، أي: عدم العلم بمعنى اللَّفظة المنكرة أصلًا، الأمر الَّذي يؤول بالمتكلّم إلى مخاطبة السّامع بما لا يعلمه.
أمّا ما يتعلّق بالفوائد الواردة في شرح الكرمانيّ فهي الكثرة الكاثرة وإن لم ينصّ عليها إلّا في النّادر كقوله (1): "وهَا هُنا فائدةٌ جليلةٌ لا بدَّ من ذكرها؛ وهي: أنَّ اللَّفظ قد يُوضعُ وضعًا عامًّا لموضوع له عامّ؛ ك (رجل)
__________
(1) ص (284 - 285) قسم التّحقيق.
(1/159)

وقد يُوضع وضعًا خاصًّا لموضوع له خاصّ؛ (زيد)، وقد يُوضع وضعًا عامًّا لأمورٍ مَخْصُوصةٍ (هذا) فإِن وضْعه عامٌّ لكلِّ مشارٍ إليه مخصوص ... ".

4 - ظهور شخصيّة المؤلّف العلميّة بشكل واضح:
وبدا هذا الظّهور المتألّق عند المُختصر والشَّارح على حدٍّ سواء؛ كلّ بحسب طبيعة تناوله. فصاحب المختصر يكتفي بالإشارات الموجزة العابرة، وصاحب الشّرح يميل إلى الإيضاح والتّفصيل. وقد برزت شخصيّتهما من خلال آرائهما واختيارهما وتعليلاتهما ومناقشتها وردودهما التي ردّا بها على بعض العلماء.
ومن أمثلة ظهورها عند صاحب المختصر قوله (1): "الثَّاني: ألا يُعْرف منه إلا ذلك القَدْرُ حقيقةً أَوْ ادِّعاءً ... وعليه حُمل قوله تعالى: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7)}.
فتعبيره بقوله: "وعليه حُمل" إشارهٌ ظاهرة إلى عدم قبوله وجه الحمل، ولو قبله لما ساغ له الإتيان بلفظ زائد هو "حُمل"، ولكفاه أن يقول: "وعليه قوله"؛ فهو المتّسق مع منهج الاختصار الَّذي سار عليه. ولم يكن له أن يسلك هذا التّطويل بهذه الإشارة العابرة لو انساق خلف آراء الآخرين؛ يأخذها ويحكيها كما هي؛ دون أن ينصب عليها عقله ناقدًا ومقوّمًا.
__________
(1) ص (362) قسم التَّحقيق.
(1/160)

يقول الكرمانيّ (1): "ولَمّا كانَ عند المصنِّف وجهٌ أَنسبَ منه لسياقِ الآية- قال: "وعليه حُمل" والمراد به صاحب "المفتاح". ولم يقل: (وعليه ورد) أَوْ (عليه قوله).
والوجهُ فيه: أَنَّهم نكَّروه لاعتقادِهم أنَّه لا يجوز أن يكون شخص هكذا موجودًا يقول كذا وكذا. ويدّعى: كذا وكذا، واستبعدوه، بل أحالوه، فكأنَّه للتّعجّب وبيان الاستحالة لذلك الخبر الَّذي يدّعيه؛ أي: هل ندلّكم على رجلٍ عجيبٍ، يقول كلامًا عجيبًا، متّصفٍ بصفة غريبة، يدّعي أمرًا غريبًا. ولو قال مقام (على رجل): (على محمّد): لم يكن مفيدًا لذلك".
ومن ظهورها عند صاحب الشّرح قوله بعد أن ساق الخلاف في "لو"؛ هل هي لامتناع الثّاني لامتناع الأوّل، أَوْ هي لامتناع الأوّل لامتناع الثّاني ممثّلًا بقوله: "لو جئتني أكرمتك" قال (2): "والتَّحقيقُ فيه أنَّه يُستعملُ في كلا المعنيين لكن بالاعتبارين؛ باعتبار الوجود والتّعليل، وباعتبار العلم والاستدلال؛ فيقول: لَمّا كان المجئُ علّة للإكرام بحعسب الوجود فانتفاء الإكرامِ لانتفاءِ المجيء؛ انتفاءٌ للمعلول لانتفاءِ علَّته. و -أيضًا-: لمّا يعلم انتفاء الإكرام فقد يُستدلُّ منه على انتفاء المجيء؛ استدلالًا من انتفاء اللّازم على انتفاء الملزوم ... وهذا تحقيق لم ينقّح إلى السّاعة".
__________
(1) ص (366، 367) قسم التَّحقيق.
(2) ص (475 - 477) قسم التّحقيق.
(1/161)

هذا؛ وقد ظهر لي أنّ الكرمانيّ -رحمه الله- ينشد الحقَّ بعيدًا عن التّعصّب والهوى، ومتى تجلّى الحقُّ أمامه بدليله ذكره وإن أدّى ذلك إلى مخالفته القول السّائد الَّذي عليه أرباب الفنّ، أَوْ عليه شيخه "الإيجيّ" غير أنَّه لا يهمل وجهات نظر الآخرين أَوْ آراءهم. ولا يتعرّض لها بشيء من النّقد الجارح. وإنّما يقدّمها على رأيه ويوفيها حقّها من البسط والإيضاح ثمّ يعقّب -في النّهاية- عليها برأيه، وأسوق للدّلالة على هذا المثال الآتي (1):
"ويقبح (هل زيدًا عرفت) لإشعاره؛ أي: التّقديم بثبوت التّصديق بنفس الفعل، وإشعاره (هل) بعدم ثبوت التّصديق؛ لأنّه لطلب التّصديق.
وإنّما قال: (يقبح) ولم يقل: (يمتنع) لأنّه وإن احتمل التّقديم المنافي؛ كذلك يحتمل عدم التّقديم، وإن كان مرجوحًا بالنّسبة إلى احتمال التّقديم؛ وذلك بأن يقدّر: عرفت آخر قبل زيد، أَوْ تجعل مفعول (عرفت) المذكور محذوفًا، والتّقدير: (هل عرفت زيدًا عرفته).
بخلاف عرفته؛ أي: بخلاف (زيدًا عرفته) فإّنه لا يَقْبُح؛ لأن زيدًا لا يحتمل التّقديم؛ لأنّ (عرفته) قد أخذ مفعوله، وإذ لم يحتمل التّقدىم لا يستدعي ثبوت التّصديق بنفس الفعل؛ فلا ينافي (هل).
وهذا على ما هو كذلك لفظ المختصر وأصله، وعلى ما شرحه الشّارح للأصل؛ لكن الحقّ: أن (زيدًا عرفته) -أيضًا- يحتمل التّقديم؛ بأن
__________
(1) ص (578) قسم التّحقيق.
(1/162)

يقدّر المفسّر بعد (زيدًا)؛ نحو: "هل زيدًا عرفت عرفته ... فلا يخرج من باب القبح".
وجدير باللّحظ في هذا النّصّ تأدّب الكرمانيّ مع شيخه وغيره من العلماء؛ فعندما صرّح بالحقّ في غير جانبهم لم يصرّح بأسمائهم، وإنّما أحال إلى مؤلّفاتهم؛ إذ قال: (هذا على ما هو كذلك لفظ المختصر وأصله" أَوْ على وصف يُشْترك فيه إذ قال: "وعلى ما شرحه الشّارح للأصل".

5 - اشتمال تحقيق الفوائد على بعض آراء الإيجيّ الّتي لم ترد في مختصره:
ذكر الكرمانيُّ في كتابه بعضَ آراء شيخه الإيجيِّ، وكثيرًا منها لم أجد له ذكرًا في كتب الإيجيّ نفسه، ممّا يرجّح أنَّها ممّا تلقّفه التّلميذ عن شيخه مشافهة في وقت ملازمته له وتلقّيه عنه.
ويمثّل حفظ مثل هذه الآراء قيمة تاريخيّة وفكريّة، يمكن أن يفاد منه في رصد حركة التّطوّر الفكريّ للأمّة بعامّة؛ كما يمكن أن يفاد منه في دراسة الشّخصيّات وتقصّي أبعادها.
ومن أمثلة ما حفظه الكرمانيّ لشيخه قوله معلّقًا على ما ورد في المختصر (1): "وهاهنا نظر؛ فإنّ الإلف بالتّكرار يحصل؛ فكيف يتنافى حكمها؟! "، قال (2): "والمصنّف ينقل كلام السَّكاكيّ، وإلّا فالحقّ عنده
__________
(1) ص (662) قسم التّحقيق.
(2) ص (662 - 663) قسم التحقيق.
(1/163)

على طرف التّمام، وهو: أن كلّ تكرار لا يورث الكراهة، بل الَّذي يورثها تكرار شيء منه بدّ؛ وهو مناف للإلف، وأمّا تكرار شيء لا بدَّ منه؛ كتكرار الشُّبه الضّروريّة عند الطّبيب، فهو غير مناف للإلف؛ بل موجب له".
وبدت -لي- بعد الاستقراء والتّتبّع لكلّ ما هو على شاكلة هذا المثال حقيقتان مهمّتان:
أوّلهما: قرب الكرمانيّ من شيخه الإيجيّ قربًا يجعله أخصّ تلاميذه وأعرفهم بمراده، وأكثرهم إحاطة بآرائه.
ثانيهما: ولاء الكرمانيّ لشيخه وحبّه له، وكأنِّي به لا يجد أدنى مناسبة تستدعي إيراد وجهة نظر لشيخه أَوْ رأي له حتَّى يبادر إليها ويوفيها حقّها.

6 - اشتمال تحقيق الفوائد على أصحّ نسخ المختصر:
أشرتُ فيما مضى أنّ كتاب الفوائد الغياثيّة مختصر أُعدّ بعناية فائقة ليكون صالحًا للحفظ، وليس بغريب على هذا الكتاب ومثله أن تكثر نسخه. وأن تتعدّد روايته، وأن يطرأ بعض التّغيير على جمله ومفرداته، لانتشاره بين النّاس واعتمادهم في ضبطه أحيانًا على حفظهم وهو يختلف باختلاف القدرات العقليّة.
ومع اختلاف النسخ وكثرتها -الَّتي وجدت في حياة المؤلّف ناهيك عمّا وقع يعدها- نجد الحاجة ملحّة إلى تسخة صحيحة ليست أقلّ من أن تكون كُتبت بخطِّ المؤلّف نفسه، أَوْ قُرأت بين يديه.
(1/164)

ولمّا تعذّر وجود الأولى أسعفنا الكرمانيّ -رحمه الله- بالثَّانية، حينما ضمّن كتابه كتاب شيخه دون أن ينقصه حرفًا واحدًا، مع ما كشف عنه من إلمام بالنُّسخ الأخرى المعاصرة له، واعتماده النسخة المقروءة على الشيخ.
وقد تقدم التَّمثيل لهذه القضية بما ينبغي عن إعادته هنا (1).

7 - وضوح المعنى، وسلامة الأسلوب غالبًا:
اتّسم تحقيق الفوائد -في الجملة- بوضوح معانيه، وسلامة أساليبه، ولو خلا من بعض الأفكار الفلسفيَّة الَّتي شابته وبعض أخطاء النسخ لقُلْتُ: إنَّ النَّاظر فيه لا يحتاج إلى إعمال عقل وإعادة نظر ليدرك المعنى المراد.
ومع ما تمثله هذه الميزة من أهميَّة، وكونها مطلبًا ضروريًّا في كلّ مولّف إلَّا أنها كانت منتظرة من الكرمانيِّ الذي أخذ على عاتقه شرح كتاب شيخه وتقريبه لطلبة العلم، وأنَّى يكون ذلك بعيدًا عن المعنى الواضح المبني على الأسلوب السّليم!!.
__________
(1) ينظر ص (116) من قسم الدّراسة.
(1/165)

المطلب الثّاني: المآخذ عليه
" تحقيق الفوائد" عملٌ بشريّ والبشرُ مظنّةُ الخطإِ والنِّسيان والنَّقص، ولم يكتب الله الكمال لكتاب إِلّا لكتابه؛ فهو الَّذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} (1).
فعلى الرّغم من توافر محاسن الكتاب، وكثرة مزاياه؛ إلّا أنَّه لم يخل من بعض المآخذ القليلة التي أرجو أن لا تقلّل من قيمته العلميّة. ومنها:

1 - أخطاء عقديّة:
كتأويله اليد بالقدرة في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} (2).
وتقدّم في مبحث عقيدته أنَّه ينتسب إلى المذهب الأشعريّ (3).
فأدّت أشعريّته إلى الوقوع في هذه الأخطاء في نظر أهل السنّة والجماعة بالمعنى الخاصّ.
__________
(1) سورة فصلت. الآية: 42.
(2) سورة الفتح من الآية: 10.
(3) تنظر: الصّفحات (67 - 71) قسم الدّراسة.
(1/166)

ومن المآخذ العقديّة الَّتي تؤخذ على الشّارح وقوعه في بعض التّعبيرات الَّتي تحمل في ظاهرها مخالفة شرعيّة واضحة؛ كقوله في أوّل الكتاب عند التّعرّض لبيان تسمية كتاب شيخه الإيجيّ ب "الفوائد الغياثيَّة" (1): "منسوبةً إلى الوزير بن الوزير بن الوزير؛ الَّذي ما وسع في طرف العالمين إدراك عظمته، وما وضع الزّمان أمرًا إلا بعد مشيئته، الدّستور، الأعلم، الأعظم، سلطان وزراء العالم، غياث المستغيثين، خلاصة الماء والطّين، غياث الدّنيا والدّين، رشيد الإسلام والمسلمين".
ففي قوله -كما هو ظاهر- مغالاة في الإطراء ومجاوزة في المدح والثناء؛ بل تضّمنت بعض جمل القول ما ينافي التّوحيد؛ منها: وصفه ممدوحه بأن الزّمان لا يضع أمرًا إلّا بعد مشيئته؛ فالمشيئة المطلقة -كما هو معلوم- لله سبحانه وتعالى، (والعبد وإن كانت له مشيئة فمشيئته تابعة لمشيئة الله ولا قدرة له على أن يشاء شيئًا إلّا إلى إذا كان الله قد شاءه. قال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (29)} (2) (3). ومنها: وصفه الممدوح بأنَّه (غياث المستغيثين) و (غياث الدّنيا والدّين)؛ فالاستغاثة بهذا الإطلاق لا تكون إلّا لله - سبحانه وتعالى - فهو المتفرّد بذلك، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ
__________
(1) ص (210 - 211) قسم التحقيق.
(2) سورة التكوير: 28 - 29.
(3) فتح المجيد شرح كتاب التّوحيد، لعبد الرّحمن آل الشّيخ: (472).
(1/167)

وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} (1). ثمّ من هو الوزير بن الوزير بن الوزير -وإن سما- بجانب صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين حتى يوصف بأنَّه خلاصة الماء والطّين؟!
وهذا مأخذ يتّجه إلى ظاهر التّعبير أمّا مراد الشّيخ من هذه العبارات فلم يفصح عنه، على أنَّنا لا نتوقّع من عالم جليل كالشّيخ الكرمانيّ أن يعتقد ما تضمّنته تلك التّعبيرات -وإن كانت تحسب عليه- وحكمنا مبني على الظّاهر، والله يتولّى السّرائر.

2 - أخطاء منهجيَّة:
وتمثّلت فيما يلي:
أ - اعتماده -أحيانًا- على بعض الرّوايات الضّعيفة، ممّا أدّى به إلى الوقوع في الإسرائيليّات المنكرة، وظاهر أنّ السّبب في ذلك يرجع إلى اعتماده اعتمادًا كليًّا في تفسير ما يعترضه من آي الذّكر الحكيم على كشّاف الزّمخشريّ؛ ذلك الكتاب الَّذي يموج بالرّوايات الضّعيفة.
ومن ذلك تفسيره "المآرب" في قوله تعالى حكاية عن موسى -عليه السّلام-: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} (2) بقوله (3): "وقيل: كان فيها من المآرب الأخرى أنَّه كان يستقي بها فتطول بطول البئر، ويصير
__________
(1) سورة النّمل: من الآية: 62.
(2) سورة طه، من الآية: 18.
(3) ص (307) قسم التّحقيق.
(1/168)

شعبتاها دَلوًا، ويكونان شمعتين باللّيل، وإذا ظهر عدوٌّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأَوْرقت وأَثْمرت، وكان يحملُ عليها زاده وسقاه، فجعلت تُماشيه، ويركزها فينبع الماءُ؛ فإذا رفعها نَضَب، وكانت تقيه الهوامَّ".
وهذا الكلام بقضّه وقضيضه منقول نصًّا عن الزّمخشريّ (1).
ب - إخفاقُه -أحيانًا قليلة- في ربط شرحِه بالكتاب المشروح؛ على النّحو الَّذي سلكه في الدَّمج بينهما؛ فظهر الانقطاع في السّياق تارة، والتّدخّل المخلّ تارةً أخرى.
فمن الأوّل: انشغال الشّارح عن إكمال فكرته الَّتي ساق الحديث من أجلها بشرح بعض المفردات الواضحة، الَّتي لا يفضي إغفال شرحها إلى انغلاق المعنى، كقوله (2): "الثَّاني: لا تغلط في مثل قول الشَّاعر:
كما أبرقت - أي: صارت ذات برق - قومًا عطاشًا غمامةٌ فلمّا رأوها أقشعت - انكشفت. وقشعته: كشفته، وهو مثل: أكبَّ، وكبّ؛ لزومًا وتعدّيًا -وتجلّت أي ظهرت. لكثرة الْتِبَاس الوصف الحقيقيّ بالاعتباريّ، وانتزاعه من أمرين -مثلًا- مع وجوب الانتزاع من أكثر؛ فتنزع الوصف؛ الَّذي هو وجه التّمثيل مما لا يتمّ المراد به؛ كالمصراع الأوّل ... ".
__________
(1) الكشّاف: (3/ 59 - 60).
(2) ص (658 - 659) قسم التّحقيق.
(1/169)

فأنت تلحظ كيف أدّى انصرافُ الشَّارحِ عن المعنى المراد، بما لا يستدعيه المقام إلى توزّع البيت الشّعري -جملًا ومفردات- هنا وهناك حتَّى كدت تنسى أنَّه يعرض بيتًا شعريًّا، وكان الأولى به أن يعرض البيت مجرّدًا، ليسارع إلى اقتناص المعنى المراد، ثم لا يعيبه -إن كان لا بدّ شارحًا- أن يؤخّر شرح المفردات عقب تمام المعنى كما هي عادته في أغلب المواضع المشابهة (1).
ومن الثّاني: ما ترتّب على تدخّله من إيهام معنى لم يقصد إليه المصنّف في قوله (2): "وإمّا للتَّباين؛ أي الفصل إمّا للاتِّحاد وإمّا للتَّباين ... فتارة ... لاختلافهما ... خبرًا وطلبًا ... كقوله: ... إلا أن تضمّن إحداهما ... معنى الأخرى نحو قوله ... وقوله: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} بعد قوله: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} ... وعُدَّ عطفًا على {فَاتَّقُوا} ... والأظهر؛ أي عند السَّكاكيّ أنَّه على (قل) ".
فظاهر قول المصنّف: "والأَظهر" أنَّه يؤيّد هذا الرّأي، بينما ظاهر قول الشّارح بعده: "أي: عند السَّكاكيّ" اختصاص الرّأي بالسَّكاكيّ دون المصنّف أَوْ الشّارح، وليس الأمر كذلك، إذ لم يورد الشّارح عنه أَوْ عن شيخه رأيًا آخر، بل كشف السّياق فيما بعد موافقة المصنّف للسّكّاكيّ.
__________
(1) ينظر -على سبيل المثال- ص (352 - 353) وص (651 - 652) من قسم التحقيق.
(2) ص (538 - 541) قسم التحقيق.
(1/170)

وعليه فإن تدخّله بالجملة السّابقة أوقع في فهم خلاف المراد.
وكان الأَوْلَى -إن كان لا بدّ متدخّلًا- أن يقول: "كما حكاه السَّكاكيّ".
ج / خطؤه في نقل بيت شعريّ دون أن يكون ما أورده رواية ذُكرت له. والبيت مشهور عند البلاغيّين. استشهد به الإمام عبد القاهر ومن جاء بعده بما فيهم السَّكاكيّ عمدة المختصر والشّرح. وهو (1):
"وقال: إني في الهوى كاذب انتقم الله من الكاذب".
أَمَّا خطؤه فيه فقد وقع في أوّل البيت؛ حيث قال: "قد قال"، ولم أقف على مصدر متقدّم أَوْ متأخّر أورده بهذا النّقل. وقد يقول معترض: ربّما وقع هذا الخطأ من النّاسخ دون المؤلّف!! فأقول: قد يكون، وربّما كان الأمر كذلك!!، إلّا أنّ جميع نسخ الكتاب على هذا النّقل، الأمر الَّذي يقوّي أن يكون من المؤلّف. والله أعلم.

3 - خطأ علمي:
وتحقّق هذا الخطأ عندما فهم الشّارح من كلام المصنّف ما لم يقصده، فحمّل كلامه ما لا يحتمل؛ وقد يبدو هذا الخطأ واردًا بل ربّما وقع فيه كلّ من يقرأ المختصر إلّا أنَّنا لم ننتظره من الكرمانيّ بالذّات فهو أقرب الناس إلى شيخه وأعرف التّلاميذ بكلامه ومراده، فكيف فاته ألّا يميّز بين كلام شيخه وكلام غيره!!
__________
(1) ص (539) قسم التّحقيق.
(1/171)

ولنتبيّن الأمر بجلاء أسوق من الكتاب النصّ الآتي (1):
"قال الرّبعيّ، أي: عليُّ بن عيسى الرّبعي نحويُّ بغداد: (إنّ) للتَّحقيق، أي كلمة إنّ للتّحقيق ولتأكيد إثبات المسند للمسند إليه و (ما) مؤكّدة؛ لا نافية كما قال من لا خبرة له بالنّحو؛ قيل عرّض به للإمام الرَّازي ... ".
أقول: الظّاهرُ المتبادرُ إلى الذّهن من هذا النّصّ أنّ قول الرّبعيّ يمتدّ -فيما ساقه المصنّف- إلى نهاية الجملة؛ أي: " ... من لا خبرة له بالنّحو" وهو ما تبادرَ إلى ذهنِ الشَّارع؛ بدليل قوله فيما بعد (2): "وقال الربعيّ: إنّها قول من لا خبرة له بالنّحو ... " فقد فهم أنّ الجملة السّابقة كلّها مقول للرّبعي؛ لكن الحقيقة تبدو بالرّجوع إلى "المفتاح" وشروحه خلاف ما تبادر؛ فحملة "وما مؤكّده؛ لا نافية؛ كما قال من لا خبرة له بالنّحو" ليست من كلام الرّبعيّ؛ كما ظنّ الكرمانيّ، وإنّما هي من الإيجيّ يحكيها عن السَّكاكيّ الَّذي علَّق عليها في "المفتاح" بقوله (3): "ثم اتّصلت بها [أي: ب "إنّ"] ما الموكّدة لا النّافية على ما يظنّه من لا وقوف له بعلم النّحو"؛ وقد أبان شرّاح المفتاح (4)؛ بل الكرمانيّ عقب الجملة
__________
(1) ص: (500) قسم التّحقيق.
(2) ص (502) قسم التّحقيق.
(3) مفتاح العلوم: (291).
(4) ينظر شرح الشّيرازيّ: (689)، شرح الجرجانيّ: (511).
(1/172)

مباشرة أنّ المعنيّ بذلك هو الإمام الرَّازي؛ فهو صاحب القول المعترض عليه.
وهنا يتجلّى الخطأ الَّذي وقع فيه الشّارح حيث فهم أنّ الاعتراض متّجه من الرّبعيّ إلى الرَّازي، وليس الأمر كذلك؛ إذ إِنّ الرّبعيّ متقدّم في الوفاة على الفخر الرّازي فالرّبعيّ توفّي سنة (420 ه).
أمّا الفخر فتوفّي سنة (606 ه). فكيف يعترض متقدّم على متأخّر؟! -كما يفهم من كلام الكرمانيّ-. ثمّ لم تنقل كتب النّحو أنّ أحدًا قال بقول الرَّازي ممّن سبق الرّبعيّ حتَّى يوجّه قوله إليه. والله أعلم.

4 - أخطاء أسلوبيّة:
ويمكن أن نقسمها إلى قسمين:
أ - ما يتعلّق بالمعنى:
ومن أمثلته: استطراد الشّارح -رحمه الله- في إيضاح قول المصنّف (1): "فإما أن لا يستدعي الإمكان" مشيرًا به إلى القسم الأوّل أقسام الطّلب بما يعدّ أقرب إلى الغموض والإلباس؛ إذْ بنى حديثه على كلمتين زاوج بينهما ثمّ أدارهما نفيًا وإثباتًا؛ قال: "أي: لا يستدعي في مطلوب إمكان الحصول؛ لا أنَّه يستدعى أن لا يمكن. والأوّل أعمّ؛ لأنَّه كلّما صدق: (يستدعى أن لا يمكن) صدق: (لا يستدعي أن يمكن) وإلّا لصدق (يستدعى أن يمكن) فيتجمع النّقيضان. وليس كلما صدق (لا يستدعي
__________
(1) ص (563) قسم التّحقيق.
(1/173)

أن يمكن) صدق (يستدعي أن لا يمكن) لأن الأوّل يحتمل أن يجامع الإمكان وعدمه؛ لاحتماله منهما، بخلاف الثّاني فإنّه لا يجامع الإمكان لاستلزامه عدمه".
ولعلّ التوغّل في النطق عند بعض تلاميذ المدرسة السَّكاكيَّة هو الَّذي أدّى إلى مثل هذا التّعقيد.
ب - ما يتعلّق باللَّفظ:
ومن ذلك خطؤه في مخاطبة المؤنّث بصيغة المذكّر. ومثاله قوله (1): "الأوّل: عقد الهمّة به منك أَوْ من السَّامع ولو ادِّعاءً؛ أي تكون همّة المتكلّم أَوْ السَّامع معقودًا به؛ حقيقةً أَوْ ادِّعاء ... ".
فلفظة "معقودًا" وردت بصيغة التذكير، وحقّها أن ترد بالتّأنيث لكونها خبرًا لمؤنّث هو لفظة: "همّة".
وممّا يلفت إليه النّظر في هذا الجانب إقحام الكرمانيّ -رحمه الله- لبعض الألفاظ الفقهيّة معبّرًا بها عن بعض الأسرار البلاغيّة من مثل قوله (2): "فعلم أنّ الجملة بالنّسبة إلى الواو لها الأحكام الخمسة ما يجب دخولها فيها كالجملة الاسميّة، وما يستحبّ كالماضيّة، وما يحرم ويمتنع كالمضارع المثبت، وما يكره دخولها ويكون تركها أولى كالجملة المنفيّة، وما يستوي الأمران فيها كما في الظّرفيّة".
__________
(1) ص (4165) قسم التّحقيق.
(2) ص (561) قسم التّحقيق.
(1/174)

فالألفاظ: (يجب، يستحبّ، يحرم، يمتنع، يكره) ألفاظٌ شرعيّة يكثر استعمالها على السنة الفقهاء، وكان ينبغي على الكرمانيّ أن لا يزجّ بها في المباحث البلاغيّة؛ لأنّ البلاغة تقوم على الذّوق والتّحليل، وكلاهما لا يقبل الجزم أو القطع حتى تصدق عليهما تلك الألفاظ. ويبدو لي أنّ ثقافة الكرمانيّ الشّرعيّة هي السّبب وراء وجود مثل تلك الألفاظ.
وبعد؛ فهذه أبرز المآخذ التي تؤخذ على الكتاب، وهي -في نظري- لا تقلّل من قيمة الكتاب العلميّة، ولا تنقص من قدره إذا ما قوبلت بما له من حسنات، ولله درّ القائل:
وَمَنْ ذَا الذي تُرضَى سجاياه كلَّها ... كَفَى المرءَ نُبْلًا أَنْ تُعدَّ معَايبُهْ (1)!!.
__________
(1) ديوان علي بن الجهم: (118).
(1/175)

المبحث الرّابع: وصف مخطوطات الكتاب، ومنهج التّحقيق
وفيه مطلبان:
المطلب الأوّل:
وصف مخطوطات الكتاب.
المطلب الثّاني:
منهج التّحقيق
(1/177)

المطلبُ الأوَّل: وصفُ مخطوطاتِ الكِتابِ
بعد بحثٍ وتَنْقيبٍ شَديدين عثرتُ لهذا الكتابِ على خَمْس نُسخٍ (1)، استطعتُ -بفضلِ الله تعالى- وعلى الرُّغم من تَوزّعها على ثلاثِ دول الحصولَ على مُصوّراتها جميعًا. وبالمُقارنة بينها لم أَجْد كبيرَ فرقٍ يُذكر؛ فجميعُ النُّسخ سَليمةٌ من آفاتِ المَخْطوطاتِ، اللهمّ إلّا ما كان من نُسْخة مكتبة شهيد التُّركية الَّتي امتدت لها معاولُ الأَرَضَة فأَحْدثت بها خُرومًا وتَشَقُّقات.
وجَميعُها أَيْضًا سليمةٌ من آفاتِ النُّسَّاخ باستثناء نسخة مكتبة مشهد الإِيرانية الَّتي طغت عليها العُجمةُ في بعضِ الكلمات.
وقد أَسْفر إِمْعانُ النَّظرِ في تِلك النُّسخ إلى اتِّخاذ إِحداها أَصْلًا، قابلت بعض النُّسخ عليه، وأهملت بعضها الآخر، لعلل سيرد ذكرها - إن شاء الله - فيما بعد.
وإليكَ بيانَ هذه النُّسخ:
__________
(1) تصفَّحتُ -في هذا الصّدد- أكثرَ من ثمانمائة مجلَّد من فهارس المخطوطات، وراسلتُ أو اتصلتُ بمراكزَ متعددةٍ، منها: مركزُ الملك فيصل للبحوثِ والدِّراسات الإِسلامية بالرِّياض، ومركز البحثِ العلميِّ بجامعة أُمِّ القرى بمكةَ المكرمة.
(1/179)

أوّلًا: النّسخ المعتمدة:
1 - النّسخة الأصل:
وهي مَحْفوظةٌ في مكتبةِ دامادا إبراهيم باشا زادة في تركيا تحت رقم (1026)، وتقعُ في ثلاثٍ وثمانين ورقة، في كلِّ ورقةٍ صفحتان، وعددُ أَسْطرِ الصَّفحةِ الوَاحدةِ يترواح ما بين (25 - 27)، وفي كلِّ سطرٍ منها نحو ثلاث عشرة كلمة.
وهي مكتوبةٌ بخطٍّ نسخيٍّ واضحٍ، سار على نَمطٍ واحد حتَّى بداية الصَّفحة العَاشرة، ثم تغيَّر إلى خطِّ نسخ تعليق واضحٍ أيضًا؛ ليعود مع بدايةِ الصَّفحة الثامنة عشرة إلى الخَطِّ الأَول. وهكذا يستمرُّ إلى بداية الصَّفحة الحادية والسِّتين حيثُ يعود النّسخ تعليق ليأخذَ الخطّ شكله الأوَّل بعد الصَّفحة الثَّامنة والسِّتين، وهكذا يستمرُّ إلى نهايةِ المَخْطوط.
ويلحظُ أَن نَاسخَها ميَّز المختصرَ من الشَّرح بالمدادِ الأَحْمر، كما أَنَّه اسْتدركَ في الحاشيةِ بعضَ السَّقطاتِ التي تنمُّ عن مراجعتِه لها. وكانَ يُشِير إلى السَّقط ب () أَوْ ().
أَمَّا غِلافُها فجاءَ على النَّحو التَّالي:
1 - عنوانُ الكِتاب واسم مؤلِّفه. وصورتها: "كتاب شرح الفوائد الغياثيّة؛ للشَّيخ الإمام العالم المحقّق العلَّامة شمس الدِّين تلميذِ مصنِّفها تغمَّدهُ الله برحمته" وكُتبَ أَعْلى الوَرقة.
(1/180)

2 - كلمة "لا إِله إلَّا الله محمَّدٌ رسولُ الله"، وكتبتْ بخطٍّ دَقيقٍ في أعْلى الصَّفْحةِ في رُكْنها الأَيْسر على وجه التَّحديدِ.
3 - تَقْريظٌ بخطِّ ابن الكرمانيِّ "يحيى" وردَ في عشرين سَطرًا كُتبَ تحتَ العُنوانِ مباشرةً وامتدَّ به الكاتبُ إلى نصف الصّفحة، ثم اتَّجه به إلى الطرف الأَيسر، كاتبًا من أسْفلِ الصَّفحة إلى أَعْلاها نحو ستّة أَسْطر. وفي الطرف المقابلِ إِلحاقٌ آخر كتبَ في سطرين.
وتضمّنَ التَّقريظُ إشادةً بمؤلِّف الفوائدِ الغياثيَّةِ، وذكر اسمِه، ونسبه، ومؤلَّفاتِه، وتاريخ وفاته ومكانِه.
4 - كلمةٌ بخطِّ ابن الكرمانيِّ أيضًا؛ تَتَضمّنُ تاريخَ وفاةِ والدِه، ومكان دفنه. وكُتِبت أَمام العنوانِ واسمِ المؤلِّف.
5 - عبارةٌ مسجوعة من ثلاثةِ أسطرٍ كتبتْ بخط مغايرٍ للخُطوطِ المُتقدّمةِ بقلمٍ مُخْتلفٍ؛ نصُّها: "إذا ... في على الناس فالرّدى ... بموجع بخير مليك سيّد وسميدع مصطفى ... متمم ومصقع. بجيش ... قبل محكمه الجمع".
ودوّنت في منتصف الصّفحة تقريبًا. ويبدو أنَّها كُتبَتْ قبل تقريظ ابن الكرمانيّ المتقدّم بدليل أنَّه انحرف عنها إلى طرف الصّفحة الأيسر.
6 - ختم تملّك؛ نصّه: "وقف الملّا عليّ أفندي القاضي بفسا كرزوم إيلي على أولادِه بطنًا بعد بطن ثمّ على من يكون مدرّسًا
(1/181)

بمدرسة المرحوم شهزاده السّلطان محمّد خان بقسطنطينيّة المحميّة سنة ... "، ومكانُه في ركنِ الصَّفحةِ الأَيْسر مقابل الأَسْطر المَسْجوعة المُتَقدّمة، ويميل إِلى الأَسْفل عنها قَليلًا.
7 - كلمة: "كتاب معاني" كُتبت إحدى الكلمتين فوق الأخرى بخطٍّ فَارسيٍّ. وموقعُها في أَقْصى الرُّكن الأَيمن قبالةَ الختمِ السَّابق.
8 - بيتا شعر؛ نصّهما:
"يَقُولون لي: صَبْرًا ... فَصَبرُك أَحْمد
فَقُلتُ لهم: مَهْلًا ... فَصدُّك أحمد"
وجَاءا تحت الختمِ السَّابقِ بميلٍ إلى الجهةِ اليُمْنى مِنْه.
أَمَّا الصَّفحةُ الأَخيرةُ من هذا المخطوط فجاءت تَحْمل نَصَّين مُهمَّين: أحدهما: يَتَضمَّن تاريخَ نسخ المخطوط، واسمَ ناسخِه، ونصُّه: "تمَّ نسخُ الكتابِ في الثُّلث الأَخير من شهرِ المبارك جُمادى الأَولى من سنةِ أربعٍ وستّين وسبعمائة هجريّة على يد المفترق في الذّنوبِ والمُعْترف بالعيوبِ الحسنِ بن عليٍّ بن مبارك بن القَوّام الموصليّ. غَفَر الله ذُنوبهم وسَتَر في الدَّارين عيوبَهم، مُصَلّيًا ومُسلِّمًا على نبيِّه وآلهِ الطّيّبين وأَصْحابه الطاهرين. آمين يا ربَّ العالمين".
ثانيهما: يَتَضمن سماعَ المؤلِّف هذا الكتابَ من كَاتِبه وإِجَازَته له بروايتِه عنه. وتَكْمُن أهميّةُ هذا النَّصِّ في أَن كاتبَه هو محمَّد بن يوسف الكرماني نفسه.
ونصّه ما يلي:
(1/182)

"بِسْم الله، والحمدُ لله، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِه محمّدٍ وآلهِ وصحبِه أَجْمعين.
أمّا بعدُ:
فقد سَمِع المولى؛ إِمامُ الأَئمَّةِ، قدوةُ أفاضلِ العصرِ؛ جامعُ الفَضِيلتين، مجمعُ الكَمالات، ذُو النَّفسِ القُدسيَّة، والفَضائلِ الإنسيَّة، جلالُ الملَّةِ والدِّين، نصرُ اللهَ، أدامَ الله كماله، وزادَ جلاله في المنْزِلين من الكاتبِ هذا الكتابَ؛ فأجزتُ له أَنْ يرويَه عنِّي، ويعربه غيره، مسطهرًا بدعائِه الشَّريفِ، مُلْتمسًا منه تَصْحيحه لو اطلع على ما يَقْتضيه، نفعه الله وإِيَّاي بما سَعَينا فيه.
وهذا خطُّ مؤلِّفه أصغرِ عبادِ الله تعالى محمّدِ بن يوسفَ بن علي بن محمّد الشَّافعيّ الكرمانيِّ؛ غَفَر الله زلّاتِه. وذلكَ في أوّل أَوَّلِ ربيعي سنة أربعٍ وستّين وسبعمائة ببغداد".

أسباب اتّخاذ هذه النُّسخة أَصْلًا:
ثمّة أسبابٌ عدَّة، ومواصفاتٌ عالية؛ ارتقت بهذه النُّسخة، وأَهَّلتها لأَنْ تكون أَصْلًا، أسوقُها فيما يلي:
1 - وضوحُ خطِّها، وسلامةُ أَوْراقها.
2 - استقامة نَصِّها، وقفةُ سَقْطِها.
3 - كونُها أقدَم النُّسَخ تاريخًا، فهي مكتوبةٌ في زَمنِ المؤلِّف.
4 - كونُها مقابلةً على نُسخةٍ أخرى، فهي بوزنِ نُسْختين.
(1/183)

5 - اطّلاعُ ابنِ المؤلِّف عليها وكتابتُه على غِلافِها. وهو تلميذُ أَبيْه وألصقُ النَّاسِ به.
6 - إجازةُ روايتِها أَوْ النُّسخةِ الَّتي قُوبلت عَليها من قِبَل المؤلِّف وبخطِّ يدهِ.

2 - النُّسخة (أ):
وهي محفوظةٌ في مكتبة فاتح كتبخانة سي، فاتح جامع شريفي، در ونداه واقصر في تركيَا رقم (4638)، وتقع في أربع وستِّين ورقة، في كلِّ ورقةٍ صَفْحتان، وفي كلِّ صفحةٍ سبعة وعشرون سطرًا، وفي كلِّ سطرٍ منها نحو من ستّ عشرة كلمة.
وهي مكتوبة بخطّ نسخيٍّ جميل، سارَ على نمطٍ واحدٍ من أَوَّل المخْطوطةِ إلى آخرِها، وعَليها اسْتدراكاتٌ قَليلةٌ في أَوَّلها، تدلّ على أن ناسخَها راجعها بعد أَن أتمَّ نَسْخها. ولَمْ يُكْشَف عن نَاسِخها ولا عن تَاريخ نَسْخها، وإنْ كان خَطُّها يرْتقي بها إلى القَرنِ الثامن الهِجريِّ "عصر المؤلّف". ويبدو أنَّ ناسخَها على قدرٍ من العِلم والإتقان، فَهُو حسنُ الخَطِّ، نادرُ التَّصحيف والتَّحريف، ملمٌّ بالمتن والشَّرح؛ حيث كتبَ أَوَّلهما بالمدادِ الأَحمر والآخر بالمداد الأَسْود.
وهي لَمْ تَبدأ بالمتن -كما بَدأت سابقتُها-، وإِنَّما بالشَّرح؛ حيث جاءَ في أَوَّلها: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ربِّ يِسِّر. الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاةُ على خيرِ خَلْقِه محمَّدٍ وآله أجمعين. وبعد؛ فيقولُ العبدُ
(1/184)

أصغرُ عبادِ الله تعالى محمّدُ بن يوسفَ الكرمانيِّ أَعلى الله مَنْزلَه ومَنْزلَته في المَنْزلين، ورفَع مَقَامَه ومَكَانَته في المَكَانين. قال الأستاذُ".
وأهمُّ ما يُميِّزها -سوى ما تقدَّم- سلامةُ أوراقها؛ حيث خَلَت تَمامًا من أيِّ تلفٍ سواء داخل النَّصِّ أَوْ خارجه، واسْتقامةُ سِياقها، وقِلَّةُ سَقطِها، وتميّز خطوط عناوينها الدّاخليّة بخطّ سميك واضح.
ولهذه الامْتيازات قَدَّمتُها على بقيَّةِ النُّسخ الأُخرى، ورمزتُ لها بالحرفِ الهِجائي الأَوَّل "أ".

3 - النُّسخة (ب):
وتوجدُ في دارِ الكُتبِ الوَطنيَّةِ في تُونس تحت رقم (1955) وتقعُ في مائة وستّ وعشرين ورقة؛ تَشْتمل الصَّفحةُ الواحدةُ منها على ثلاث وعشرين سطرًا بمعدَّل تسع كلمات للسَّطر الواحدِ.
وهي مكتوبةٌ بخطٍّ فارسيٍّ جَمِيل جدًّا، سارَ على نمطٍ واحدٍ حتَّى نِهايةِ المَخْطوطة، والنُّسخةُ مكتوبةٌ بالمدادين؛ المتن بالأحمر، والشَّرح بالأسود. وقد تأثرت أوراقُها بسبب الأَرضةِ والرُّطوبةِ، ممَّا أحدثَ فيها تَشَقُّقاتٍ وتَرْشيحات، وبدا الجهدُ الَّذي بُذلَ في تَرمِيمها واضِحًا حيث القصّ واللّزق والأَشْرطةِ الشَّفافةِ اللَّاصِقةِ.
وقراءُتها في الجملةِ -مع ما اعْترَاها من آفات- لا تُشَكِّلُ كبيرَ عناءٍ وبخاصَّةٍ مع وجودِ النُّسخ الأخرى الَّتي تُوضِّحُ مُشْكلها وتفكُّ طَلْسَمَهَا.
(1/185)

ومع أنَّها كثيرةُ السَّقطِ، وبخاصَّة ما يكون بسببِ انْتقالِ النَّظرِ، إِلا أنَّ أهميَّتها تكمنُ في تاريخها، حَيْثُ فرغَ نَاسِخُها من كتابَتِها في حياة مؤلِّفها وبِالتَّحديدِ في ربيع الآخر سنةَ تسعٍ وستِّين وسبعمائة، ولذا اعْتَمَدتُّها في المُقَابلةِ، ورمزتُ لها بالحرفِ الهِجائي الثاني "ب".

ثانيًا: النسخ المهملة:
1 - نسخة مكتبة شهيد:
وهي موجودةٌ في مكتبةِ شَهيد على في تُركيا تحت الرَّقم (2239)، وتقعُ في ثماني وثمانين ورقة، بَيْنما زاد ترقيمُها ورقةً واحدةً على الأَصْل، وهو خطأٌ سببُه احْتسابُ ورقةٍ لا علاقةَ لها بالكِتاب قَبْل العُنوان. أَمَّا عددُ أسطرِ صفحتِها الواحدةِ فثلَاثةٌ وعشرون سَطرًا.
وخَطُّها نَسْخيٌّ جميلٌ جدًّا، معجمٌ في غالبِ أَحْرفه، محدّدُ الفَقَراتِ، واضحُ العَناوين، وظاهرٌ من ورقِها وخطِّها أَنَّها قديمة النَّسخ بحيث تَرْتقِي إِلى زَمن المؤلِّف. ومع هذا لَمْ يكن أَمامي بدٌّ من إِهْمالها، والاكْتِفاء بمجردِ الاسْتِئناس بها، وذَلك لسَببين رئيسين:
1 - شدَّةُ التَّلفِ الذي لحق بها، ويَتَمثَّلُ تأكل أَرضة امتدَّ إلى جَميع أَوْراقها. ابْتداءً من صَفْحة العُنوان إِلى صفحةِ الخِتام، ولكونه وَقَعَ في مُنْتصفِ الوَرقةِ في طَرفها الأَسفل لَمْ تسلم منه الصَّفحتان اليُمنى واليُسرى.
2 - تَطَابُقُ نصِّها مع النُّسخةِ "أ" حيث سَارت معها حَذْو القُذَّةِ بالقُذَّة وتَابعتها حتَّى في الخَطأَ؛ الأَمر الذي يؤكِّد كون إِحداهما مَنْسوخة
(1/186)

عن الأُخرى. وإِنْ كُنتُ أُرجِّحُ تَأخّرَ نسخة مكتبة شهيد لأَسْبابِ تَبيّنتُها في أثناءِ المُقارنةِ بينهما. منها وقوعُ ناسخ الأَخيرةِ في ثلاثةِ أَخْطاءٍ مُتفرِّقةٍ نَتجتْ عن إِخْفاقِه -قطعًا- في قِراءة ثلاثِ كلمات من النّسخة "أ".

2 - نسخة مكتبة مشهد:
ويعودُ الفَضْلُ في الاهْتِداء إليها -بعد الله سبحانه وتعالى- إلى فضيلةِ الدُّكتور / يوسفَ بن عبد الرَّحمن المرعشليّ الباحثِ بمركز خدمة السُّنَّة والسِّيرة النَّبويّة؛ حيث تفضَّل مَشْكورًا بمراجعةِ النُّسخةِ الأَلمانيَّة الأَصليَّة لكتاب بروكلمن الموجودةِ لديه فوجدَ ما يدلُّ عليها في الذَّيل.
وتَمكّنتُ بفضل الله من الحصولِ على مُصَوَّرة لها من مكتبةِ مشهد في إِيران، فوجدتُها تقعُ في ثنتين وتسعين ورقة، في كلِّ صفحةٍ منها ثلاثة وعشرون سطرًا؛ في كلِّ سطرٍ نحو ثلاث عشرة كلمة. وَخطُّها نسخيٌّ جميل جدًّا مُعْجم، سارَ على نَمطٍ واحدٍ من أَوَّلِها إلى آخرها.
والحقَّ أَقُولُ: أنني توسَّمت في هذه النُّسخة خيرًا بادئ الأَمر وبخاصَّة قَبلَ الحصولِ عليها وقلتُ في نَفْسي: لعل في وجودها في بيئة صاحب المتنِ وصاحبِ الشَّرع ما يُميّزها عن غَيْرها. وما زالت كَذلك حتَّى قرأتُها كاملةً وقارنتُها بغيرِها. فوجدتُها كثيرةَ السَّقط؛ ظاهرةَ العجمةِ في بعضِ كَلماتِها؛ غيرَ متّضحة المتن في بعضِ المواضِع لكتابته بالأحمر فآثرتُ عدم الاعْتمادِ عليها دون الاسْتِئناسِ برغمِ ما بذلتُ في جَلْبها من الجُهدِ والمالِ.
(1/187)

3 - نسخة المتن:
سبقتِ الإشارةُ إلى أن الكرمانيّ ضَمَّن كتابَه "تحقيق الفوائد" كتاب شيخه الإِيجيّ "الفوائدَ الغياثيَّة" وإتمامًا للفائدةِ وتَحرِّيًا للدِّقَّة رأيتُ أَن أعرضَ نصَّ المتن الموجود في شَرْح الكتابِ على نُسخةٍ مُستقلَّة للمتن واضعًا نصبَ عيني هدَفين رئيسين:
1 - الاطمئنانُ على نصِّ المتن الموجودِ في كتابِ الكرمانيِّ والتَّأكُّدُ من سلامتهِ كَمَا وضَعه مصَنِّفُه دون تَغْيير قد يَلْحق به، أوْ يَعْتريه من جَرَّاء التضمين، وكَثيرًا ما يحدثُ ذلك في المصنفات المشَابهة؛ حيت يُسَوِّغُ الشّارُح لنَفْسه تكييف المتن بما يَتَناسب مع سياق الشَّرح.
2 - تحرِّي الدِّقة في تَرْجيح إحدى الرِّوايتين أوْ الروايات عِنْد اختلاف المَتنِ في نسخ الشَّرح، وبخاصَّةٍ أن ذلك لاختلافَ متوقّعٌ، بل واردٌ نظرًا لأهميَةِ كتابٍ "الفوائد" الَّذى تلقاه النَّاس بالقبولِ، وتَلقّفته الصُّدور بالحفْظِ ممَّا أدَّى إلى كثرة نُسخِهِ واختلاف روايته.
وفي سبيل ذلك لمْ أجدْ مناصًا من الاعتماد على نسخة خطِّيَّة للفوائد الغياثيَّة، أمّا الكتاب المحقّق فأهمله تمامًا لأسباب سوف أَذْكرُها في نهاية المطلب.
(1/188)

وإليك وصفًا موجزًا لهذه النُّسخة:
- نسخةُ الفوائد الغياثيَّة "ف":
وتوجد مصوّرتها في مكتبة مخطوطات الجامعة الإسلامية في المدينة المنوّرة تحت الرقم (103/ 16).
وتقع في إحدى وثلاثين ورقة، في كل ورقةٍ صَفْحتان، ومسطّرتُها تسعةَ عشرَ سطرًا؛ بمعدّل ثماني كلمات في السطر الواحد.
وخطُّها قديمٌ واضحٌ، وبها سقط لكنَّه قليلٌ. ويلحظ أنني رمزت لها في أثناء المقابلة بالحرف "ف" الحرف الأوَّل من عنوان الكتاب.
أمَّا كتاب "الفوائد الغياثيَّة" المحقّقُ فإِنَّني لم أُعوِّل عليه لعدَّة أسباب أجْمِلُها فيما يلي:
1 - تَأَخَّرُ زمنِ النُّسخ التي اعتمد عليها محقّقه في التحقيق وعدمِ استقلالية بعضها؛ حيث كان ضمِن بعض شُروح الكتاب المتأخرةِ.
2 - كثرة المآخِذ الَّتي اسْتدركتُها عليه -بعد قراءةِ الكتاب كَاملًا ومُقَارنَتِه بِالنُّسخ الَّتي لديَّ-؛ حيث تجاوزت تسعين مأخذًا، بعضُها أَخطاء في إقامةِ النَّصِّ إمَّا بالزيادة أَوْ بالنّقص، أوْ بالتَّقديم أَوْ بالتأخير، أوْ بالتَّحريف أُوْ التَّصحيف، أو بإثبات غيرِ الصَّواب مع وجُود الصَّواب.
وبعضها أخطاء طباعيَّة، وأُخر وقَعت في آياتٍ قرآنيَّةٍ.
(1/189)

المطلبُ الثاني: منهجُ التحقيق
حاولتُ جَهْدِي إخراجَ كتابِ "تحقيق الفوائد" كما أراده مؤلِّفُه، واستنفذتُ الوسعَ في أَنْ يكون في المكانَة اللائقة به وبصَاحبِه. ولذا حرصتُ على اتّباع مَنْهجٍ عِلْميٍّ سَلِيم مُتَحرِّيًا الأمَانةَ والدِّقةَ في كلِّ ما أكتبُه أَوْ أعْرض له.
ولهذا قُمْتُ بما يلي:
1 - اعتمدتُ نسخةَ مكتبةِ "دامادا إبراهيم باشا" أصلًا، لامتيازات حَظِيت بها، ثمّ نسختُها كاملةً مراعيًا في ذلك قَواعدَ الإملاء الحَديثة وعلامات التَّرقيم إِلَّا ما كان من الآياتِ القرآنيّة فإِنِّي أثْبتُّ رسْمَها كمَا هو في المُصْحفِ العُثْماني.
2 - رمزتُ لوجهِ الوَرقةِ بالرَّمز "أ"، ولظَهْرها بالرَّمز "ب".
3 - أثبتُّ أرقامَ صفحاتِ النُّسخةِ الأَصليَّةِ. وذلك بوضع خطٍّ مائلٍ عند نهايةِ كلِّ صفحة، والإشارَةِ إِلى رقمِ الورقةِ، ورمزِ صفحتِها، في الهامشِ الأَيْسر، أَمام الخطِّ.
4 - قابلتُ نسخةَ الأَصْل بالنُّسختين الأخريين المعتمدتين، ذاكرًا الفُروقَ بينها في الحَاشِية، ولم أَتَدخّلْ في الأَصْل إلا لمسوِّغ قَويٍّ يَقْتضي ذَلك من:
(1/190)

أ: تَيَقُّن خطأ الأَصل. وفي هذه الحالةِ أُثبتُ الصَّوابَ في المتنِ وأُشير في الحاشِيةِ إِلى مَا وردَ في الأصلِ بقَولي: "في الأصْلِ ... والصّواب من نسخة ... ".
الحالة الثانية:
ب: تيقُّن صحّةِ بقيَّةِ النُّسخ، وفي هذه الحالةِ أُثبتُ الصَّحيحَ في المتن وأُشير في الحاشِية إلى ما ورد في الأَصل بِقَوْلي: "في الأَصْل ... والمُثبت من نسخة ... ".
وجلُّ ما أَثْبتُّه ممَّا تيقَّنتُ صِحَّته وجَدتُ له شَواهدَ تُقوّيه وتُرجّحه على غيره؛ إِمَّا من النُّسخ الأخرى وغالبًا ما يكونُ بإجماعِها سواء المعتمدة أَوْ المهملة، أَوْ بالنُّسخ الأُخرى ومصادر القَولِ النَّاقلة له إِنْ وجدت.
5 - قابلتُ نصَّ "الفوائد الغياثيّة" الموجودَ بالنُّسخةِ المعتمدةِ أَصْلًا بنسخة خطِّيّة مستقلّة للكتاب وهي الّتي رمزت لها بالحرف "ف" كما سبق أن ذكرت وأَشْرتُ إلى الفُروق بَيْنهما، وكثيرًا ما أُطَمِئْنُ القارئ إلى أنّ ما خالف الأصل من النّسختين الأخريين ليس خطأ ورادًا، بل رواية ثابتة للكتاب.
6 - عزوتُ الآياتِ القرآنيَّة، بذكرِ اسمِ السُّورة ورقمِ الآية؛ مُفَرِّقًا بين الاسْتشهاد بجزءِ الآيةِ والآيةِ؛ بقولي في الجُزْء: "من الآيةِ" أَوْ "بعضَ الآيةِ"، ومكمِّلًا بعضَ الآياتِ في الحاشيةِ إن تَطَلَّب الإيضاحُ ذلك. كما أَنَّني قمتُ بتَمييزِ الآياتِ عن سائرِ النُّصوص بِوَضعها بين قَوْسين مُزهرين {}.
(1/191)

7 - وثَّقتُ القراءاتِ القرآنيَّة من كتبِ القِراءاتِ بالدَّرجةِ الأولى، ثم من كتب التَّفسير الَّتي تُعْنى بالقراءاتِ، ونَسَبتها إلى أَصْحابِها.
8 - خَرَّجتُ الأَحاديثَ النَّبويَّة والآثارَ من مصادر الحديثِ المَعْروفة، متبدأً بالبحثِ عن الحديثِ أَوْ الأَثرِ في كتبِ الصِّحاح، فإِن لم أجدْ بحثتُ في كتبِ غريبِ الحديثِ والأَثر، مشيرًا في الغَالبِ إلى لفظِ الحديثِ كما وردَ في مصدرِه.
9 - خرَّجتُ أمثال العربِ السَّائرةَ وأقوالهم المَشْهورةَ من كتبِ الأمثالِ، ومن بقيَّةِ كتب الأدبِ واللّغَة.
10 - خرَّجت الشَّواهد الشِّعريَّةَ الواردةَ في الكتاب مبتدأً بالدِّيوان إِنْ كان للشَّاعر ديوانٌ، أَوْ من مَجْمُوعه الشِّعري إِنْ وُجِدَ. مع تخريجه -أيضًا- من بعضِ كتبِ اللّغة والأَدب. مُشِيرًا في غالبِ الأبياتِ إلى اخْتلافِ روايات البيت، فإِن لم أَجد ديوانًا أَوْ مَجْموعًا شعريًّا خرّجتُ البيتَ من كتبِ اللّغة والنَّحو والأَدب.
وإذا كانَ الشَّاهدُ الشِّعريُّ بلاغيًّا أشرتُ -إضافةً إلى ما تقدَّم إلى- الاسْتشهادِ به في المصادر البَلاغيَّةِ المتقدِّمة على المُصنِّف.
كما أنَّني حرصتُ على نسبةِ الأبياتِ -التي لم يَنْسبها الكتاب- إلى قائِليها، مبيّنًا الخلافَ في نسبةِ البيتِ إِنْ نسبَ إلى أكثرِ من قائلٍ، ومتى ورد صدرُ البيتِ أَوْ عجزُه أَوْ جزؤُه أكْملتُه في الهامشِ إن اهتديت إلى بقيّته، وقد أذكرُ في الهامشِ بيتًا أَوْ بيتين وَردا برفقةِ البيتِ المُسْتشهد به.
(1/192)

11 - قمتُ بتخريج أقوالِ العلماء وغيرهم، وما وقفتُ عليه من آرائهم من مؤلفاتِهم إِنْ كان لَهم مؤلَّفاتٌ، فإِن لم تَكُن أَوْ فُقدت خَرَّجُتها من المصادر الَّتي تَنْقُلَها.
12 - وضعتُ الأحاديثَ النَّبويّةَ، والآثارَ، والأقْوال، والأَمْثال، والنُّصوص المَنْقولة، وأَسماء الكُتب بَين قَوْسين صَغِيرين: "".
13 - شَرَحتُ المُفْرداتِ الغَريبةَ، وحاولتُ أَن يكونَ ذلك مِن مَظَانِّها قَدْر الإِمكان؛ فإِنْ كَانت اللَّفظةُ الغَريبةُ في آيةٍ قرآنيَّة فَسَّرتُها من كتبِ غريب القُرآن أَوْ التَّفسير، وإِنْ كانت في حديث أَوْ مثلٍ شَرحتُها من كتبِ غريبِ الحديثِ، أَوْ شُروح الحديثِ، وإِنْ كَانت في سائِر النُّصوص الأخرى فمن كتبِ المعَاجِم، والمصادر اللُّغويَّة.
14 - علَّقت على بعضِ عِباراتِ الكِتاب بمَا يُزيلُ إبهامها، ويوضِّحُ غموضَها، وحَرصتُ على إِعادة الضَّمائر إلى مَرْجعها من الكلام.
15 - خَرَّجتُ الكلماتِ الدَّخيلة أَو الْمُعَرِّبَة من كتبِ المعرَّبِ أَوْ الدَّخيل إِنْ وجدت بالدَّرجة الأُولى، فإِنْ لَمْ توجد فَمِن بقيّةِ كتبِ اللُّغةِ.
16 - ضَبطتُّ الآياتِ القُرآنِيَّة، والأَحاديثَ النَّبويَّة، والآثارَ، والأشعار، والأَمْثال بالشَّكلِ التَّامِّ.
17 - ربطتُّ أجزاءَ الكتابِ بعضَها ببعضٍ، وذلك بالإشارةِ إلى أَرْقام الصَّفحاتِ التي أَحال عليها الشَّارحُ في الكِتاب.
(1/193)

18 - ترجمتُ للأَعلامٍ الذين وردَ ذكرُهم في متنِ الكِتابِ، وحاولتُ أَنْ تكونَ التَّرجمةُ موجزة متناولةً أبرزَ مَعَالم الشَّخصيَّة؛ كاسْمه، ونَسبِه، ولَقبِه، وكُنْيتِه، وولادتِه، وتاريخ وفاتِه، وأهم مؤلّفاته. مُشيرًا -بعد ذلك- إِلى أهمّ مصادر التَّرجمة الَّتي استفدتُّ منها.
19 - حرصتُ -جهدي- أن أُرتِّبَ المصادرَ الَّتي أُحيلُ عليها في الهامشِ بحسبِ وفيّات مُؤلِّفيها ما لَمْ يَسْتدعِ السِّياقُ تقديمَ متأَخرٍ على متقدِّم.
20 - عرفتُ بالأَماكن والبُلدان والمَواضِع الَّتي ورد ذكرُها في المَتن، وعَوَّلتُ في ذلك على كتبِ الأَماكن والبُلدان.
21 - أشرتُ -أحيانًا- إلى بعضِ الأَخطاءِ الواردةِ في المتن من النُّسّاخ، كَأَن أَقُول: "وهو تَحْريفٌ"، أَوْ " تَصْحيفٌ"، وعلَّلتُ لبعضِ السَّقطِ بقَولي مثلًا: "وهو من انتقال النَّظر".
22 - اختصرتُ -أحيانًا- أسماءَ بعضِ الكتب بما يُنْبئ عنها؛ مَنْعًا للإِطالة من مِثْل "المفتاح" في الدّلالة على "مفتاح العلوم"، و"المعاهد" في الدّلالة على "معاهد التّنصيص".
23 - ذَيّلتُ الدِّراسةَ بنماذجَ من صُور الصَّفحاتِ الأُولى والأَخيرة للأَصل وبقيَّةِ النُّسخ المُعْتمدة، وبفهرس لموضوعات الدّراسة.
24 - وضعتُ للكتابِ عدَّةَ فهارسَ فنِّية؛ تيسيرًا للإِفادة منه.
(1/194)

القسم الثّاني: قسم التّحقيق
(1/195)

تحقيق الفوائد لشَمْس الدِّين؛ محمَّد بن يُوسف الكِرمَانيّ
(1/197)

القادم مخطوطات
ورقة العنوان من النسخة الأصل
(1/199)

الورقة الأولى من النّسخة الأصل
(1/200)

الورقة الأخيرة من النّسخة الأصل
(1/201)

الورقة الأولَى من النُّسخة (أ)
(1/202)

الورقة الأولَى من النّسخة (ب)
(1/203)

الورقة الأخيرة من النسخة (أ)
الورقة الأخيرة من النسخة (ب)
(1/204)

الورقة الأولَى من النّسخة (ف) نسخة الفوائد الغياثيّة
(1/205)

[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

ربِّ يسِّر.
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصَّلاةُ على خير خلقِه محمّد وآله أجمعين، وبعدُ؛
فيقول العبدُ، أصغرُ عبادِ الله -تعالى- محمَّدُ بن يوسف الكرمانيّ؛ أعلى اللهُ منزلَه، ومنزلَته في الْمَنزلَيْن!، ورفع مكانَه، ومكانتَه في المَكَانَيْن! -:
قال الأستاذُ (1):] (2)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)
الحمدُ للهِ الِّذي خَلَقَ الإنسانَ.
- الحمدُ: الثناءُ على الجميلِ على جهةِ التَّعظيمِ. وهو بِاللِّسانِ وحده.
والشُّكْرُ على النِّعمة خاصَّة؛ لكن يعمُّ اللِّسانَ والجنانَ
__________
(1) إذا أطلق الكرماني -رحمه الله- لفظة: "الأستاذ" فإِنَّه يعني بذلك شيخه الإيجيّ -كما ثبت لي من نقولات كثيرة في المخطوط- وقد سبق ذكر ذلك في الدّراسة ص (119).
(2) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل. ومثبتٌ من أ.
(3) هكذا -أيضًا- وردت البسملة عند المصنِّف في ف. ولم ترد في أ. وزيد بعدها في ب: "وبه نستعين".
(1/207)

والأركانَ (1). فبينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجه (2).
والحمدُ قد يترتَّب على الفضائِل (3). والشُّكرُ لا يكون إلَّا للفواضل (4).
أَلْهمَهُ (5) المعاني، وعلمه البيان؛ فيه من حُسْنِ المطْلع وبراعةِ الاسْتهلال ما لا يَخْفَى (6).
__________
(1) وذلك بأن يُثني الشَّاكر على الْمُنعِم باللسان، والاعتقاد، والعمل. وقد جمعها الشَّاعر في قوله:
أفَادَتْكُمُ النَّعمَاءُ مَنِّي ثَلاثةً ... يَدِي، وَلِسَانِي، والضمير لمُحَجَّبَا
(2) فعلى هذا يكونُ الحمدُ أعمَّ من الشُّكر مورِدًا؛ لوروده على غير الإنعام. واُخصَّ منه مصدرًا؛ لاخْتصاصه باللسان دونه. والعكسُ بالعكسِ.
(3) الفضائل: جمع فضيلة؛ وهي: الدَّرجة الرَّفيعة، من الفضل ضدَّ النَّقص. ينظر: اللسان (فضل): (11/ 524). واراد بالفضائلِ: الخصال اللّازمة للإنسان غير المتعدية عنه؛ كالعلم والشَّجاعة.
(4) الفواضلُ: جمعُ فاضلة؛ وهي: اليدُ الجميلة، ومنه أفْضل الرَّجل على فلان وتفضَّل؛ بمعنى: أناله من فضلِه، وأحسنَ إلىه. يُنظرُ: مادَّة: (فضل): اللّسان (11/ 525)، وأساس البلاغة: (2/ 26). وأراد: الخِصَال المتعدِّية من إنسانٍ، إلى غيره؛ كالعطاء وغيره.
(5) الإلهام: ما يُلقى في الرُّوع. اللِّسان (لهم): (12/ 555).
(6) من ذلك ما ذكره أحدُ شُرَّاح الفوائد الغياثية إذ قال (شرح الفوائِد "مخطوط" مجهول المؤلف؛ ل: 3): "هذا الطلع يشتملُ على أنواع من الحُسْن:
1 - أنَّه افتتح كلامه. مما افتتح به سبحانه وتعالى كلامَه المجيد؛ الّذي فإنْ حُسْنًا كلامَ البُلَغَاء طُرّا. =
(1/208)

والصلاة على نبيِّه محمدٍ الذي أُنزلَ إليه (1) القرآن معجِزًا، أَبْكمَ بِهِ فُصَحَاءَ بني عدنان (2)، وعلى آلهِ وأصحابهِ أهلِ الرحمةِ والرّضوان.
وبعدُ:
فهذا مُختصرٌ في عِلْمي (3) المعاني والبيان؛ يتضمَّن مقاصدَ مفتاح
__________
= 2 - أن فيه تلميحًا إلى ما رَوَى أبو هريرةٍ - رضي الله عنه -: "كل كَلامٍ لَا يُبْدأ فيه بالحَمدُ للهِ فَهو أجْذَم".
3 - أن فيه اقْتباسًا من قوله تعالى: {خَلَقَ الإنْسَانَ (3) عَلمَهُ الْبَيَان} [الرحمن: 3، 4].
4 - أن فيه ترقِّيًا لطيفًا إلى إلهام المعاني؛ ثُمَّ مِنه إلى تعليمِ البيان. فإن الله خلقَ الإنسان أولًا، ثم ألْهمه المعاني التي ينتفعُ بها ....
5 - إنّه ضَمّنه ما سيق الكلام لأجله؛ ويُسمَّى: براعة الاستِهلال".
(1) كذا في الأصل، ف. وفي أ، ب: "عَليه".
(2) هو أحد من تقفُ عندهم أَنسابُ العرب. ويَتفق المؤرخون على أنه من ولد إسماعيل -عليه السَّلام-؛ إلَّا أن تسمية الآباء بينه وبين إسماعيل قد جُهلت جُملة.
إلىه تُنْسب مُعظمُ قبائل الحجاز، ومن نسله الرَّسولُ محمّد صلى الله عليه وسلم.
ينظر ترجمته في: تاريخ الطبري: (2/ 271)، جمهرة أنساب العرب: (7)، الأعلام: (4/ 218).
وإنَّما خصَّ فصحاء بني عدنان -دون غيرهم-؛ لأنهم أفصحُ العرب على الإطْلاق؛ فيلزم إبكام غيرهم بالطريقِ الأوْلَى.
(3) في الأصل، أ، ب: "عِلْم" بالإفراد، والمثْبتُ من ف. والتّثنية أولى من الإفراد=
(1/209)

العُلوم (1)، لا أَفرادَ مسائلهِ، وآحادَ دلائله. سمَّيتُه ب: "الفوائد الغياثيّة"، منسوبةً إلى الوزيرِ بن الوزيرِ بن
__________
= لأمورٍ، منها:
أ- أن كل واحد منهما: "المعاني، البيان" -وإنْ تلازما- علم مستقلّ بذاته، فالتثنية أصدق عليهما؛ بخلاف من أثبت الإفراد؛ فإنَّه يتحتَّم عليه أن يصرفه إلى الجِنْس أَوّلا "علم البلاغة"، ومن ثم إلى عِلمي المعاني والبيان.
ومن وجهٍ آخر يلزمه -أيضًا- تقدير محذوف قبل كلمة "البيان"، ليستقيم الكلام وهو كلمة "وعلم"؛ فيكون الكلام هكذا: "فهذا مختصر في علم المعاني وعلم البيان، وما لا يحتمل التقدير أَوْلَى مما يحتمل التقدير. لذا كانت التثنية أَوْلَى.
ب- ما ذكره المصنّف من أنّ كتابَه مُختصر "يتضمّن مقاصد مفتاح العلوم؛ وقد صرّح صاحب الفتاح "السَّكاكيّ" بالتَّثنية؛ إذ قال (مفتاح العلوم: 161): "القسم الثالث في علمي المعاني والبيان" فتأَكد إثباتها قياسًا للفرع على الأصل.
(1) أي: مقاصد القسم الثالث من مفتاح العلوم، لأبي يعقوب السَّكاكي؛ أطلق اسم الكلّ وأراد به الجزء. هذا هو الرّأي الرّاجح. وقد ذكر أحدُ الشُّرَّاح رأيًا آخر إضافة إلى ما تقدّم؛ وهو أن المختصر "يتضمن مقاصد المفتاح نفسه؛ وهو ما يشتمل عليه القسم الثالث ... إذ هو المقصود بالذات من المفتاح، وما تشتمل عليه سائر الأجزاء؛ من سوابقه ولواحقه- وسيلة إليه". شرح الفوائد الغياثية. مجهول: (4 / أ).
ولا شكّ أن هذا الرأي مرجوحٌ مجانبٌ للصَّواب؛ لأنَّ الفوائد الغياثية لم تشتمل إلَّا على مهمّات القسم الثّالث لا مجموعها. ولو كان الأمر كما ذكر لوجب استيعاب القسم الثّالث بتمامه. وليس كذلك.
يقول طاشكبرى زاده دافعًا هذا الرّأي (شرح الفوائد الغياثية: 5): "ولا توهمنّ أنّه أَراد بمفتاح العلوم: المجموع، وبالمقاصد: القسم الثّالث؛ بناء على أنَّه العُمدة =
(1/210)

الوزيرِ (1)، الذي ما وَسع في طَرفِ العالمين (2) إدراك طرف عَظمتهِ، وما وَضَعَ الزَّمانُ أَمرًا إلَّا بَعد مشيئَتِه، الدّستورِ، الأعلمِ، الأعظَمِ، سلطانِ وزراءِ العالم، غياثِ المستغيثين، خُلاصةِ الماءِ والطِّينِ (3)، غِياث الدُّنيا والدِّين، رشيدِ الإسلامِ والمسلمين (4).
__________
= القصوى من بين سائره؛ لأَنَّه لا يلائم المقام".
(1) "ابن الوزير" الثانية ساقطة من ب.
والوزير بن الوزير بن الوزير هو غياث الدّين محمد ابن سلطان الوزراء رشيد الدّين. استوزره أبو سعيد خان آخر ملوك الدّولة الإيلخانيّة. كان رجلًا صالحًا، تقيًّا، عادلًا، محبًّا للعلم. وإليه نسب بعض العلماء مؤلّفاتهم. ينظر: تاريخ أدبيّات إيران: (3/ 46) "باللُّغة الفارسيّة".
(2) الطرف: طَرف العين. اللّسان (طرف): (9/ 213). وأضاف الطّرف إلى العالمين من باب الاستعارة؛ تقويةً للمعني، ومبالغةً في المدح.
(3) عبارة: "غياث المستغيثين ... والطين" ساقطة من أ.
(4) في ظاهر قول الشّارح: "الذي ما وسع ... والمسلمين" مغالاة في الإطراء، ومجاوزة في المدح والثّناء؛ بل تضمّنت بعض جمل القول ما ينافي التّوحيد -في الظّاهر-.
منها: وصفه ممدوحه بأنّ الزّمان لا يضع أمرًا إلّا بعد مشيئته، فالمشيئة المطلقة لله -سبحانه وتعالى-. "والعبد وإن كانت له مشيئة فمشيئته تابعة لمشيئة الله؛ ولا قدرة له على أن يشاء شيئًا إلّا إذا كان الله قد شاءه؛ كما قال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (29)} [التكوير: 28، 29]. فتح المجيد شرح كتاب التّوحيد: (472).
ومنها: وصفه الممدوح بأنه: "غياث المستغيثين"، و"غياث الدُّنيا والدّين".=
(1/211)

سقاهُ (1) الله شَآبيبَ (2) الرِّضوانِ!، وكساهُ (3) جلابيبَ (4) الغفران!، تيمُّنًا (5) باسم منْ ألقى إليه الدَّهرُ قيادَه. القِيادُ: حَبْلٌ تُقاد به الدَّابَّة. وقامَ بأمرِ المُلكِ بأيْدٍ، فيه مُبالغةٌ في جدِّه واجتهادِه به. فأقامَه وما آده؛ أي: ما أَتعبَه (6). بابُه قِبْلةُ الحاجاتِ، يُطْوى إليه كُلُّ فَج عميقٍ (7)، الفجُّ:
__________
= فالاستغاثة بهذا الإطلاق لا تكون إلّا لله -سبحانه وتعالى-؛ فهو المتفرّد بذلك، قال -تعالى-: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل: 62].
ثمّ من هو الوزير بن الوزير بن الوزير -وإن سما- بجانب صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين حتى يوصف بأنّه خلاصة الماء والطين!!.
وهذا حكم على ظاهر تعبيره، ولم يفصح عن مراده فيه.
(1) في الأصل: "سقاهما" بالتثنية، والضواب من: أ.
(2) الشآبيبُ: جمع شُوبوب؛ وهو: الدّفعة من المطر وغيره. اللِّسان: (شأب): (1/ 480).
(3) في الأصل: "كساهما" بالتّثنية، والصّواب من: أ.
(4) الجلابيبُ: جمع جِلْباب؛ وهو قميص، أو إزار يُشتمَلُ به. ينظر: اللِّسان: (جلب): (1/ 272 - 273).
(5) طلبًا لليمين والبركة؛ وهذا تعليل للتّسمية ب "الفوائد الغياثية".
(6) ومنه قوله تعالى: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: من الآية/ 255].
(7) في الأصل تأخرت كلمة "عميق"، وفصل بينها وبين موصولها بتفسير كلمة (الفجّ). وتقديمها تبعًا لما جاء في: أ، ب، ولكون وصل السياق أبلغ في إيضاح المعنى.
وقوله: "كُل فجٍّ عميقٍ" اقْتباسٌ جُزئي من قوله تعالى: {وَأَذِّن فِي الناسِ بِالْحَجِّ =
(1/212)

الطريقُ الواسع بين الجبلينِ. ويُلْوى إليه أعناقُ الآمالِ من كلّ بلدٍ سحيقٍ (1). يُعَفَّرُ؛ أي: يُمَرَّغُ في التُّرابِ، في فنائه، أي: فيما امتدَّ من جوانب دارِه. جِباهُ الصّيَدِ، وهو جمع الأَصيَد. وَهُو (2) الذي يرفع رَأسَه كِبْرًا. ومنه قيلَ للملِك: أَصيَدُ. ويَتزاحمُ لاسْتسلامِ (3) عتبته (4) شِفاةُ الصناديدِ. استسلمَ الحجرَ، أي: لَمِسَه (5)، إمَّا بالقُبْلة، أَوْ باليَد. وفي بَعض النُّسَخ: "لاستلامِ"؛ والْمعنى هو الْمَعنى. [و] (6) الصَّناديدُ: حمعُ الصِّنديد (7)، وهو: السَّيِّد الشُّجاع.
وامتثالًا له؛ عطفٌ على قوله: (تيمّنًا)؛ حين أمرَ بتلخيصِ مُستودعاته، وتجريدها عن فَضْفاض عباراتهِ المنمنَمَةِ.
الفَضْفَضَةُ: سَعَةُ الثوبِ والدِّرع والعيشِ؛ يقالُ: ثوبٌ فَضْفَاضٌ، أي: واسِع.
__________
= يَأتوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُل ضَامِرٍ يأتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق} [الحجّ: الآية / 27].
(1) السحيق: البعيدُ. اللسان: (سحق): (1/ 154).
(2) في أ، ب: "هو".
(3) في ف: "لاسْتلام"؛ وهي رواية بعض نسخ المتن كما ذكر الشّارح عقب ذلك.
(4) العتبة: هي أُسْكفةُ الباب التي تُوطأ. وقيل: هي ما يَعْلوه. ينظر مادّة (عتب)؛ اللسان: (1/ 576)، مختار الصحاح: (173).
(5) في أ: "مسه".
(6) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من: أ، ب.
(7) في أ: "صِنْدِيد".
(1/213)

ونَمنم الشَّيءَ نَمنَمه؛ أي: نَقَّشَه (1) وزَخْرَفه. وثوْبٌ مُنَمنَمٌ؛ أي: مُوَشَّى.
الَّتي تَسْتَميلُ؛ أي: العبَارات. النُّفوسَ بحُسْنِها (2)، وتشغلُ بريِّق شفيفها ومُؤنق تفويفها.
راقني الشَّيءُ يروقني: [أي] (3) أعجبني. والرَّوق جاء. بمعنى: الصَّفاء -أيضًا-.
والشّفَيفُ: الرَّقيقُ؛ بحيثُ يُرى ما خَلْفَه.
ومُؤنق: اسْم فاعلٍ منْ آنقني الشَّيءُ؛ إذا (4) أعجَبني.
والتَّفْويف: التَّخطيط؛ بُرْدٌ مُفوَّفٌ؛ أي: فيه خُطُوط بيض.
عن مُشاهدةِ الخرائدِ (5)؛ جمع (6) خريدةٍ؛ وهي: الحيِيَّةُ من النِّساء (7).
__________
(1) في: أ، ب: "رقشه"، وكلاهما بعني واحد. ينظر: اللِّسان: (نمم): (12/ 513).
(2) في ب جاء سياقُ العبارة هكذا: "التي" أي العبارات. التي تَسْتميلُ النُّفوسَ بحُسنها. وتكرار المتن يحول دون استقامته.
(3) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل، ومثبت من: أ، ب. وعليه درج الشّارح.
(4) في أ، ب: "أي".
(5) هكذا في الأصل، ف. وفي أ: "عن مُشاهدة مَشَاهد خَرائدِها".
(6) هكذا ابتدأ الشّارح في الأصل، وهو الموافق لما بعده. وفي أ، ب زيد قبله: "الخرائد".
(7) ذكر أحدُ الشُّرَّاح معنى آخر للخرائد غير ما ذكره المصنف؛ فقال (شرح الفوائد الغياثيّة لمجهول 6 / أ): "الخريدة العذراء، ومنه لؤلؤةٌ خريدةٌ، أي: غير مثقوبة"، ثمّ علَّق عليه بقوله: "وحملها على هذا المعنى -ها هنا- أبلغ، ليفيد أَن النُّفوس =
(1/214)

المُتجَلْبِبَة بها (1). وقد قُرئ -أيضًا- على المصنّف (2) - بدل قوله: "مُشاهدة": "محاسنِ الخرائد" (3). والتَّمتّع؛ عطفٌ على قوله: "مُشاهدة". بلطائفِ خِلَقِهنَّ؛ جَمع الخِلْقة؛ وهي -بالكَسْر - (4) الفِطرة. وشمائلهنَّ؛ جمع شِمال؛ وهو الخُلُق. لِيَجْتَليَها (5)؛ يتعلّق بقوله: "أَمَر" غاية له (6)، ويحتملُ -أيضًا- كونه غايةً لقوله: "امتِثَالًا" (7). وهي غَوَانٍ؛ جملةٌ معترضِةٌ؛ جمع غَانيةِ؛ وهي: الجاريةُ الّتي غَنِيَتْ بزوجها؛ أي: استغنت به عَن غيره. وقد يكَونُ للّتي (8) غَنِيَت بحُسنها وجمالها عن الحليّ. مرفوضة السِّتر (9)، مرفوعةَ الحجابِ، مُمَاطةَ اللّثام، مَنْضُوَّةَ
__________
= أعرضت عن ملاحظة المعاني المستودعة فيه بِالكُلية؛ حتّى بقيت أبكارًا؛ لميلها إلى العبارات بحسنها، واشتغالها بزينتها".
(1) أي: المتلحّفة بها، والضّمير في "بها" عائدٌ إلى العبارات.
(2) متى أطلق الشّارح كلمة: "المصنّف" فإنّه يعني بها شيخه الإيجيّ -رحمهما الله-.
(3) العبارة في أ: " ... قوله: (عن مشاهدة مشاهد خرائدها): عن مشاهدة محاسن الخرائد"، وفي ب: " ... قوله: (مشاهدة الخرائد): محاسن الخرائد".
(4) في أ: "بكسر الخاء".
(5) اِجْتلى الشيءَ: نظر إليه. اللسان: (جلا): (14/ 151).
(6) والمعنى على هذه الغاية: أَمَر بتلخيصِ مستودعاته، وتجرِيدِ خرايدِ معانيه عن جلْباب عباراته المزينة؛ لينظر إليها مكشوفةً.
(7) والمعنى على هذه الغاية: اِمتثلتُ أمرَه بتلخيص مسستودعاته؛ ليتحقّق الاجتلاء.
(8) في أ، ب: "الّتي".
(9) أي: متروكة ما يُستتر به، والرَّفض: التَّرك. اللِّسان: (رفض): (7/ 156).
(1/215)

الجلباب (1)؛ فيقْضِيَ منها وطَرَه (2) في أَقْصر مُدَّةٍ (3). ولا يُعَرِّج: عطفٌ على قوله: "لِيجْتليها"، [أَوْ على قوله: "فيقضي"] (4). والتَّعريجُ على الشَّيءِ: الإقامةُ عليه، يُقالُ: "عَرَّج فُلانٌ على المنْزلِ"، إذا حَبَسَ مَطيّتَهُ عليه وأَقام. أي: لئلَّا يَكثُر توقُّفُه عليه. ولا يُقيم عَليها إلّا إناخة (5) راحلٍ مُشَمِّرٍ عن ساق الجدِّ؛ شَمَّر عن ساقه، وشَمَّر (6) في أمره (7)؛ أي:
__________
(1) أي: مخلوعة الثوب. يُقال: نضا ثوبه عنه نضْوًا: إذا خلَعه وألقاه.
اللِّسان: (نضا): (15/ 329)، ومنه قول امرئ القيس:
"فجئتُ وَقَد نَضَّتْ لنَوم ثِيابَها". ديوانه: (14).
(2) الوطر: الحاجة. ينظر: اللِّسان: (وطر): (5/ 285). وقضَى فُلانٌ وطَرَه؛ أي: فرَغ من حاجته. وجملة: "فيقضي منها وطره ... " مقتبسة من قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37].
(3) في قله الإيجي -رحمه الله-: "عن مشاهدة ... في أقصر مدة" دقّة في إبراز المعنى، وتمكينٌ له في ذهن المتلقِّي -ممّا يدل أنه تملّك ناصية البيان-؛ فقد استعار الخرائد للمعاني، ثم عقبها بصفات مُلائمة لها؛ منطقيّة التسلسل، متدرّجة الإثارة؛ فهي: مكشوفة الأسْتار أوّلًا، ومرفوعة الحجاب ثانيًا، ومنحَّاة اللِّثام ثالثًا، ومخلوعة الثِّياب رابعا، ليقرّر من ذلك كلّه سهولة الوصول إلى المعنى المراد؛ كما وشت الصفات المتتابعةُ بسهولة الوصول إلى الموصوف.
(4) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ب، ومثبت من: أ.
(5) النَّوْخَةُ: الإقامة ومنه أناخَ البعيرَ، أي: أبركة فبَرك. ينظر: اللِّسان (نوخ): (3/ 65).
(6) في الأصل: "وَشَمَّرها". وفي ب: "شمرة". والمثبت من: أ؛ وهو الموافق لما في الصّحاح واللِّسان. ينظر: الصِّحاح: (2/ 604)، واللِّسان: (4/ 427) (شمر).
(7) في أ: "أموره".
(1/216)

خفَّ. أي: إلَّا إقامةً (1) قليلةً على جناح الاستعجال (2). لتدبُّر، متعلِّق بقوله: "لا يُعَرِّج". لطائفِ كتابِ اللهِ وفوائدِه، والغوصِ: عطفٌ على قوله: "لتدبُّر". في تيَّار بحارِ عويصاتِه؛ لاسْتخراجِ فرائده: التَّيَّارُ: الموج. والعويصُ: ما يصعُبُ استخراجُ معناه؛ اعتاص عليه الأَمرُ؛ أي: الْتَوى. والفريدةُ: الدُّرَّة الكبيرة (3). والله -تعالى- أَسألُ أن ينفعَ (4) به (5)، إِئَه خير موَفِّق ومُعين.
وهو (6) مرتَّبٌ على مقدِّمة وفصلين؛ لأَن البحثَ فيه إمَّا أن يكون بحيث [إِن] (7) الأبحاثَ الآتية موقوفةٌ عليه، أَوْ لا؛ الأوّل: المقدِّمة. والثاني: إمَّا أن يكون من حيث الإفادة، أَوْ من حيث كيفيَّة الإفادة؛ الأَوَّل: الفصل (8) الّذي في المعاني. والثاني: الفصل الذي في البيان (9).
__________
(1) في أزيادة: "خفيفةً"، والمعنى تام بدونها.
(2) في أزيادة: "خفيفًا" ولا وجه بها.
(3) في الأصل، ب: "الدّرّ الكبيرُ". والمثبت من: أ. وهو المناسب للإفراد والتَّأنيث قبله.
(4) في ب: "يُنتفع".
(5) الضَّمير في "به" عائدٌ إلى المختصر الَّذي صرّح به في أوّلِ الكلامِ: "وبعد فهذا مختصر ... ".
(6) عائدٌ إلى المختصر -أيضًا-.
(7) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ب، ومثبت من: أ.
(8) في أزيادة: "الأَوَّل" ولا وجه لها.
(9) ذكر بعضُ شُرَّاحِ الفوائدِ عباراتٍ أُخرى لانحصار المختصر في البحوث الثلاثة المتقدّمة، منها: =
(1/217)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= 1 - "أنَّ المذكورَ في المختصر إمَّا أن يكون من قبيل مقاصد علم البلاغة أَوْ لا. الثانِي: المقدِّمة. والأوَّلُ إن كان الغرضُ منه الاحترازَ عن الخطأ في تطبيق الكلام لمقتضى الحال؛ فهو: الفَصل الأوَّلُ. وإلَّا فإنْ كان الغرضُ منه الاحترازَ عن الخطأ في إيراد الكلام على مراتب الوضوح بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال؛ فهو: الفصل الثّاني". شرح الفوائد الغياثية. طاش كبري زاده: (8).
2 - "أن المبحوثَ عنه في المختصر إِمَّا أن يكون مَقْصودًا بالذات، أَوْ لا. والثاني يجب أن يتوقف عليه المقصود بالذات -وإلا كان ذِكْرُه عبثًا-؛ وهو: المقدِّمة. والأوّل إن كان البحثُ فيه عن إفادة التَّراكيب لمعانيها العقليَّة -أي: الّتي لا يُكتفى في فهمها مجرّد الوضع-؛ فهو: الفصل الأوّل الباحث عن علم المعاني. وإنْ كان البحثُ فيه عن كيفيّة إفادتها لها بحسب الجلاء والخفاء؛ فهو الفصل الثّاني الباحث عن علم البيان". شرح الفوائد. مجهول (7: أ- ب). وجميع تلك العبارات -وإن اختلفت ألفاظها- تدور حول معنى واحد، خلاصته ما ذكره المصنّف رحمه الله!.
(1/218)

المقدِّمة
(1/219)

المقدّمة
المقَدِّمة -بكسر الدّال- من قدَّم؛ بمعنى: تقدَّم (1)، مثل: نبَّه .. بمعنى: تنبَّه. وما يتوقّف عليه العلمُ إِمَّا أن يكون من حيث إِن تصوره موقوف عليه، أَوْ لا. الأوَّل: التَّعريف. والثاني: إِمَّا أن يكون من حيث الشُّروع فيه، أَوْ لا. الأوَّل: الغاية. والثاني: ما يتوقف عليه الكلام في مسائل العلم (2)، وقد يختصّ بعلم المبادئ؛ فوجب لكلِّ طالبِ علم أن يتصوّره (3) أوّلًا بمعرّفه (4) ليكون على بصيرة فيما يطلبُه؛ لثلّا يشتغل (5). بما لا يعنيه، وثانيًا بفائدته؛ ليعلم أن سعيه ليس عبثًا، وليزداد جدّه إذا كان مهما، وأن يُقَدِّم ما يتوقف المسائل عليه لِيتمّ بذلك مطالبه.
فلهذا قدَّم الثلاثة (6)؛ ذكر الأوَّلين في المقدِّمة، والثالث في أوائل الفصلين (7).
__________
(1) وأصلها: مقدِّمة الجيش؛ وهم القوم الّذين يتقدّمونه. ينظر: اللّسان: (قدم): (12/ 468).
(2) بهذا الترتيب جاءت عبارة الأصل. وفي بقية النسخ أُخّرت "عليه" إلى نهاية الجملة.
(3) في الأصل: "يتصوّر" والصواب من: أ، ب.
(4) في ب: "بمعرفته".
(5) في ب: "يشغل".
(6) أي: التَّعريف، الغاية، ما يتوقّف الكلام في مسائل العلم عليه.
(7) استقى الشَّارحُ -رحمه الله- حديثه في هذه المقدِّمة من مفتاح المفتاح للشّيرازي. =
(1/221)

علمُ المعاني (1): تَتبّع ما يُفيده التراكيب لا بمجرَّد (2) الوضع (3): أَطْلق التَّتبّع وأَراد المعرفة الحاصلة منه (4)؛ للزوم بينهما؛ ليُعْلم أنَّه علمٌ يحصّل بالتَّمرّن والتَّتبّع. والقرينةُ ظاهرةٌ (5). وأَمثال هذه جائزة في التَّعريفات لظُهور المراد. والمفاد المذكور شاملٌ لقسميْه من الخواصِّ الخطابيَّة، (أي: الظّنيّة)، والاستدلاليَّة؛ (أي: العقليَّة)، لأَن ما يكون لا بمجرَّد (6) الوضع قد يكون باستعانة من العقل، كلزوم نفي الشَّكّ من قولنا: "إِن زيدًا لمنطلق" (7)، وقد يكون بمجرَّد العقل، كما يُفيد قولنا: "كُل إِنسَانٍ حيوانٌ": أَن كلٌّ ما لا يكون حيوانًا لا يكون إِنْسانًا.
__________
= ينظر: ص (7).
(1) سيأتي -بإذن الله- بيان السّبب في تقدم علم المعاني ص (239).
(2) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "لا لمجرّد".
(3) هذا التَّعريف خُلاصة موجزة لما حكاه السَّكاكيُّ؛ ولفظه (المفتاح: 161): "علم المعاني هو: تتبّع خواصّ تراكيب الكلام في الإفادة، وما يتّصل بها من الاسْتحسان وغيره؛ ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره".
(4) في ب: "عنه".
وإنَّما أطْلق اللَّازم "التَّتبّع" وأَراد اللزوم "المعرفة"؛ لأن التَّتبَّع حِسّي في الفعل، وعلم المعاني من الكيفيَّات التفسانية. فلا يصدق أحدُهما على الآخر. وقد ذكر طاش كبرى زاده في شرحه للفوائد الغياثيَّة: (10): أنّ هذا الإطلاق "يتضمّن فوائد: التنبيه على طريق وضع قواعد هذا العلم لتبصير الطالب. وعلى أن دلائل مسائله استقراءُ كلامِ البلغاء؛ للإرشاد إلى طريق إثباته، وعلى صعوبة المطلب؛ لترغيبه في الجدِّ والاجتهاد. وعلى خروج علم الله تعالى وملائكته، وعلم أرباب السَّليقة بالخواصّ؛ لأَن علمهم بها لا يُسمَّى علم المعاني".
(5) وهي: أنّ التّتبّع سبب في حصول المعرفة.
(6) في أ: "لا لمجرد".
(7) وذلك لأنّ "إنّ" المؤكّدة، واللام الزَّائدة في "لمنطلق" تحملان معنى زائدًا على إفادة =
(1/222)

وإنَّما سُمِّي بعلم المعاني (1)؛ لأنَّه -بالحقيقة- عبارة عن معرفة المعنى المفاد من التَّركيب؛ كما أنَّ علم البيان سُمِّي به؛ لأنَّه [-بالحقيقة-] (2) عبارة عن معرفة بيان المُفاد.
قال الأستاذ (3): محاسنُ الكلام وخواصُّه إمّا بحسب اللفظ؛ وهو البديع اللفظي، وإمَّا بحسب المعنى؛ وهو البديع المعنويّ، وإمَّا بحسب إفادة المُفاد؛ وهو علم المعاني، وإمَّا بحسب كيفيَّة إفادته؛ وهو علم البيان.
ويُسمَّى؛ أَي: ما يُفِيده التَّراكيب: خاصيَّة (4) التَّركيب. وإنَّما يُراعِيها البليغ؛ أي: من له فَضْل تمييزٍ ومعرفة (5)؛ لنُزوَل التَّراكيب
__________
= الحكم؛ وهو: نفي الشَّكّ؛ فوجب حملُهما عليه.
(1) في الأصل، ب: "وإنَّما سُمِّي العلمُ بعلم المعاني" ولا مُسوِّغ للزِّيادة.
(2) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ب. ومثبت من أ؛ وهو الموافق لما قبله.
(3) لم أعثر على كلام أستاذه الإيجي الذي نقله هُنا فيما تيسّر لي من مؤلَّفات الرّجل ولعل المنقول في مؤلف آخر ما زال مخطوطًا مثل: "المدخل في علم المعاني والبيان والبديع" الّذي يُنسبُ له.
وفي أ: جاء عقب كلمة: "الأستاذ" جملة دعائيّة، هي: "قُدِّس سرُّه".
(4) في ب: "خاصّة". وخصَّه بالشَّيء: أفرده به دونَ غيره. ينظر: اللسان: (خصص): (7/ 24).
وخاصيَّة التَّراكيب: ما يُميّزه ممَّا يختصُّ به ولا يكون مشتركًا بينه وبين غيره. وإنمّا ألحقوا اليَاءَ المشدَّدة للمبالغة في قُوَّة اختصاص كل تركيب به؛ بحيث لا تتجاوزه إلى غيره من التَّراكيب.
(5) وذلك "بأَن يُميّز في الاستعمال بين أجناس التَّراكيب؛ كالطبيِّ، والخبريِّ، وبين أنواع كل منهما؛ كالأمر والنَّهي والاستفهام والتَّمنِّي والنِّداء للطلبي، والإثبات والنفي للخبريِّ، وبين أصناف كلِّ نوعٍ منهما؛ كالابتدائيِّ والطبيِّ والإنكاري، ويعرف أنّ لكلِّ منهما خاصِّية هو يفيدها فلا يُستعملُ الكلامُ الابتدائيُّ في مقامِ يستدعي الطلبي أَوْ الإنكاريَّ ولا بالعكس ... ". شرح الفوائد الغياثيّة. لمجهول:=
(1/223)

الصَّادرةِ عمَّن سِواهُ -في صناعةِ البلاغة- منزلة (1) أصوات حيوانات تصدُر عن محالِّها بحسب ما يتَّفقُ (2). ويفهمُها ذو الطبع السليم (3)؛ لاعتبار ذوقه وصحَّة انتقال ذهنه.
وتنقسمُ إلى ما هُو كاللازم لِصُدوره عن البليغ، وإلى ما هو لازمٌ لما (4) هو (5) هو (6) حينًا: أي: تَنْقسم الخاصيَّةُ إلى قِسمين:
قِسمٍ ليس بِلازم؛ بلْ هوَ كاللَّازمِ لصُدوره عن البليغ (7)؛ وهي اللّوازمُ الخطَابيّة؛ كلُزوم نفي الشَّكِّ بقولنا (8): "إِن زيدًا منطلقٌ"؛ فإنّه
__________
= (9 / أ - ب).
وقول الإيجيّ: "وإنما يراعيها البليغ ... " أسلوب قصريٌّ؛ أي: رعاية هذه الخواصّ مقصورة على البليغ.
(1) الأصل: "بمنْزلة"، والمثبت من: أ، ب.
(2) لأن غير البليغ لا يراعي الخواصَّ، ولا يقصد إليها، بل قد يَستعمل تركيبًا مكان آخر لعدم تمميزه بين خواصِّ التَّراكيب.
(3) قول الإيجي: "ويفهمُها ذو الطبع السّليم" معطوف على ما تقدّم، فهو أسلوبٌ قصري -أيضًا-؛ أي: فهْم هذه الخواصِّ مقصورٌ على ذي الطبع السَّليم.
ولم يقل على البليغ -كما تقدّم- منعًا للدّور.
(4) اللام في "لما" للتّعليل؛ كما هو الحال في قوله: "لصدوره".
(5) و (6) الضمير الأوّل راجع إلى الموصول قبله، والآخر راجع إلى التَّركيب، أي: لازم للتّركيب لأمر هو ذات التركيب. وسيتضح ذلك بجلاء من خلال شرح الكرمانيّ الآتي لهذه الفقرة.
(7) قوله: "لصُدوره عن البليغ": تعليلٌ لقوله: "كاللازم"، فقد عرض للتَّركيب أمرٌ خارجيّ، وهو صدوره عن البليغ؛ غلب -بسببه- عدم انْفكاكه عن الخاصية؛ لا جرت به عادةُ البلغاء من عدم تخلف تراكيبهم عن خواصها. فكانت كاللَّازمة.
(8) في الأصل: "لِقَوْلنا"، والصّواب من: أ، ب.
(1/224)

يلزمهُ لصدوره عن البليغ؛ إذ لوْ صدر من غيره لم يُفهم (1). وهذا القِسْمُ يقعُ كثيرًا؛ بلْ دائمًا في كلام البليغ.
وقسمٍ لازم لذاتِ التَّركيَب صدرَ عن البليغ أوْ لا؛ وإنْ لم يُعتبر إِلّا عند الصُّدورِ من البليغ؛ وَهي اللَّوازم الاستدلاليَّة؛ كعكسِ نقيضِ القضيَّة (2). وهذا القسمُ يقعُ في كلامه حِيْنًا لا كثيرًا وَلا دائمًا؛ أي: خَواصّ كلامِ البليغ أكثرها من الأوَّل، ومن الثّاني قليلٌ. فعلى هذا قوله: "حينًا" يتعلّقُ بمحذوفٍ؛ مثل: حاصلًا (3)، أَوْ حصل (4)، أَوْ يَقع، أَوْ يَصدر، إلى غَير ذلك.
ومَنْ تتبَّع كتابَ "المفتاح" عَلِم أن الخواصَّ الاسْتدلاليَّة -أَيضًا- ممّا فيه البحثُ؛ صرَّح بها (5) السَّكاكيُّ (6) في مَواضع من
__________
(1) أي: لم يُفهم نفي الشَّكِّ.
(2) عكسُ نقيض القضية: إحدى المقدِّمات المنطقيَّة إلى تُبنى عليها الحجَّة. وحاصله عند السَّكاكيِّ (المفتاح / 479 - 480):، يرجع إلى نفي الملزوم بنفي لازمه في عكس المثبت، وإلى إثبات اللَّازم بثبوت ملزومه في عكس المنفيّ" وعند أصحابه: "عبارة عن جعل نقيض الخبر مبتدأ، ونقيض المبتدأ خبرًا؛ مثل أن تقول في قولك: كلّ إنسان حيوان: كلّ لا حيوان لا إنسان ... ".
ومرادُ الشَّارح -رحمه الله-: أَن عكس النَّقيض خاصِّية ذات علاقة عقليَّة؛ لا تنفكّ عن ذات التّركيب؛ فهي لازمة له.
(3) في أ: "حاصل". ولا وجه له.
(4) في ب: "يحصل".
(5) في ب: "به".
(6) هو أبو يعقوب، يوسف بن أبي بكر بن محمّد السَّكاكيّ الخوارزميّ. إمام في العربية؛ بيانها، وأدبها، وعروضها، وشعرها. متكلّم فقيه. ومن أهمّ كتبه "مفتاح =
(1/225)

كتابه (1)، كما قال في أَوّل المنطق (2): "الكلامُ في تكمل" (3) علمِ المعاني؛ وهي: تتبُّع خواصّ تراكيبِ الكلَامِ في الاسْتِدلال".
واللام في قوله: "لصُدُوره" ظاهرٌ في التَّعليل، ويُحتمل كونُه من صلة اللّازم، وحينئذٍ يَكونُ اللازمُ والملزومُ مذكورين بالفعل.
واعلم: أن هذا الموضعَ (4) من مَزال الأَقْدام، وَمَضالِّ الأفهامِ، واشْتَغلَ بتوجيهِه جمٌّ غفيرٌ (5) من الأفاضل؛ كالتَّوجيهاتِ الّتي فِي شُرُوح "المفتاح" (6). وكمَا قِيل: المرادُ. مما هو كاللازمِ: اللازمُ الغيرُ البيِّن، وبِمَا
__________
= العلوم"، وقد قسّمه إلى ثلاثة أقسام؛ أوَّلها في علم الصّرف، وثانيها في علم النَّحو، وثالثها في علمي المعاني والبيان، ثم ختمه. مما يكمل به علم المعاني، وبما يتمّ الغرض منه. ولد سنة 555 ه، وتوفي سنة 626 ه.
ينظر: بغية الوعاة: (2/ 364)، الأعلام: (8/ 222).
(1) ينظر -على سبيل المثال- ص: (438، 491، 504).
(2) المفتاح: (435). وأراد بالمنطق، "علم الاستدلال أو علم خواص تراكيب الكلام، كما عَنْوَنَهُ السَّكاكيُّ؛ وهو أحدُ العلوم المتعدَدة الّتى اشتمل عليها كتابه الآنف الذّكر.
(3) في الأصل، ب: "تكلمة". والصّواب من: أ؛ مصدر القول "المفتاح".
(4) يقصد به: الحديث عن أقسام خاصيّة التّركيب.
(5) الجمُّ الغفير: الجمع الكثير. ينظر: اللِّسان: (غفر): (5/ 27).
والجم منفردًا: الكثير من كلّ شيء؛ وفي التّنْزيل: {وَتُحبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا} سورة الفجر: 20؛ أي: كثيرًا، وقيل: الكثير المجتمع. اللسان: (جمم): (12/ 104).
والغفير منفردًا: الجماعة الكثيرة. ينظر: اللِّسان: (غفر): (5/ 27).
(6) ينظر -على سبيل المثال-: مفتاح المفتاح: (54 - 58).
(1/226)

هو لازُم: اللَّازمُ البيِّن. وَكَذا (1) قيل: إن "حِينًا" متعلّقٌ بقوله: "لازم" (2)؛ أي: الملازمة جُزْئيّة (3)؛ ولا مُنافاة بين كونه ذاتيا وبين الجزئيّة (4)؛ والكلُّ فيهِ ما فيه (5)، إلا ما ذكرنَا، فإنّه لا غُبارَ عَليه.
وغايتُه (6)؛ أي: غايةُ علمِ المعاني. تَطْبيقُ الكلام على مُقتضى الحال؛ وهو الأمرُ الدّاعى إلى التَّكلُّم على الوجه المخْصُوص؛ فإن المقاماتِ (7) مختلفةٌ (8)، كالجدِّ: أي: كمقامِ الجدِّ مع مقام الهزْلِ، ومقامِ التَّواضع مَع مقام الفخر، ومقامِ الشُّكرِ جمع مقامِ الشِّكَايةِ، ومقامِ التَّهنئةِ جمع مقام التَّعزية (9).
__________
(1) في أ: "وكما".
(2) في الأصل: "لازمًا"، والصّواب من: أ، ب. وهو الموافق للكلمة في سياقها المتقدّم.
(3) ينظر: مفتاح المفتاح: (57).
(4) لأنه قد يعترض على تعلق "حينًا" ب"لازم": بأنّ ذلك مناقض لقوله: "لما هو هو" ولا منافاة؛ لأنَّه يمكن أن يجاب عنه بأن كونه حينًا بالنّظر إلى وصفه العنواني "الملازمة الجزئيّة"، وأنه كونه لا هو هو بالنظر إلى ذاته.
(5) أي: جميع الآراء الواردة في توجيه المسألة لا تشفي العلة ولا تدفع الاعتراض.
(6) غايةُ كلِّ شيءٍ: مداه ومنتهاه. ينظر: اللّسان: (غيا): (15/ 143).
(7) في أ: زيد ضمن كلام الشّارح: "والأحوال".
(8) لمّا كان غاية علم المعاني تطبيق الكلام على مقتضى الحال ناسب المقام أن يبيِّن السَّبب الدَّاعي إلى ذلك؛ وهو أن المقامات والأحوال الّتي يُورد عليها الكلام مختلفة متفاوتة.
(9) إنّما تعرض المصنِّف "الإيجي" والشَّارح "الكرماني" لهذه المقامات المتضادّة لبيان إلاختلاف والتفاوت بين كلّ مقامٍ مذكور وضدِّه، ولم يهدفا بذلك إلى حصر=
(1/227)

وكل (1)؛ أي: كلُّ مقامٍ من المقامات، يَسْتَدعي تركيبًا يفيدُ ما يُناسبُه؛ أي: المقام، وحُسْن الكلام (2)، ولا حُسْنه؛ بمطابقته (3) [للمَقام] (4) وعدم مُطابقتِه له؛ وهذَا هو الذي يُسمَّى: مُقْتضى الحال؛ على أنَّه -أي: المقام- قَدْ يَقْتضي تأدية المعنَى بِمُجرَّد دلالاتٍ وضعيَّة وألفاظ مُسْتعملةٍ كيف كانتْ، ومجرّدِ تأليفٍ بينها (5)؛ يُخرجها عن حُكم النَّعيق (6)،
__________
= المقامات، أوْ قصر خصوصيَّة المراعاة على كلّ مقام وضدّه، أوْ حتّى حصر الخصوصية على ذات المقام من حيث هو مقام؛ دون النَّظر إلى اعتبارات أُخرى ترتبط به كحال المخاطب أو السَّامع؛ بلْ قد يكون اختلاف المقام بالنَّسبة إلى حال المخاطب لذاته؛ كاختلاف الخطاب مع الغبيِّ مع الخطاب مع الذكيّ، واختلاف الخطاب مع الخائف مع الخطاب مع الآمن، وقد تتركّب بعض المقامات مع بعض مقامات بحسب اعتبارات الأحوال؛ فقد يجتمع مقام التهنئة مع مقام الجدِّ، ومقام الشُّكر مع التَّواضع، وغير ذلك مما يشق حصره. وكلُّه مندرج تحت غاية علم المعاني.
(1) التّنوين في "كلّ" عوضٌ عن مضاف إليه؛ وضَّحه ما جاءَ بعده من كلام الشَّارح.
(2) في الأصل: "المقام"، والصَّواب من: أ، ب.
(3) في أ: "لمطابقته".
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من: أ، ب.
(5) من غير نظرٍ في الاعتبارات اللَّاحقة للمفردات؛ من الإثبات، والحذف، والتَّعريف، والتَّنكير، وغير ذلك وكذا الاعتبارات المتعلِّقة بالتَّأليف سواء ما يتعلّق بالطرفيِن؛ كالتَّقديم والتَّأخير والرَّبط بينهما والقصر، أو ما يتعلّق بالجمل أو الجملية كالفصل والوصل، وقد أشارَ السكاكيُّ -رحمه الله- إلى هذا المعنى في أثناء حديثه عن تفاوت مقتضى الحال. ينظر: المفتاح: (163).
(6) النعيق: الصِّياح. وأصله: دعاء الرَّاعي الشَّاءَ؛ يُقالُ: نعق الرَّاعي بالغنم نُعاقًا ونعيقًا ونعقانًا: إذا صاح بها وزجرها. ينظر: اللسان: (نعق): (10/ 356).
وفي الذّكر الحكيم: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً=
(1/228)

وهو الذي يُسَمَّى في علمِ النحو: أصلُ المَعنى، كما إِذَا كانَ الْمُخاطبُ غَبيًّا غيرَ ذكِي يستوي بالنِّسبة إليه كُلُّ التَّراكيبِ، وحينئذٍ يكونُ المطابقُ للحالِ ما يُفيدُ أصلَ المعنى لا غير؛ وهذا -أيضًا- نوعٌ من الخاصيَّة يُراعيها البليغُ.
والحاصلُ: أنَّ كل علمٍ يتحصَّل بمتعلّقه (1)، ويُحصَّل لغرضه، ويستحصل بطريقه. ومتعلقُ (2) علمِ المعاني: خواصُّ التَّراكيب. وغرضه: تطبيقُ الكلامِ على مُقتضى الحال، فمن المتكلِّم: بأن يُوردَ تركيبًا يُفيدُ مَعنًى مُنَاسبًا، وَهُو البليغ، ومن السَّامع (3): بأن يَحمِله عليه؛ وهو لِذِي الطبع السَّليم، وطريقُه: الاستقراءُ والتَّتبُّعُ.
وعلمُ البيان: معرفةُ مراتبِ العبارات الدَّالة على معنًى وَاحدٍ في الجلاء (4)؛
__________
= وَنِداء} سورة البقرة: من الآية 171.
ومراده ب "يُخرجها عن حُكْمِ النّعيق": تجاوز ما يفقه من مجرَّد الصَّوت إلى ما يخرج المعنى من أدنى درجات التّأليف.
(1) في ب: "المتعلقة".
(2) في الأصل: "فمتعلق"، والمثبت من: أ، ب؛ وهو الأنْسب.
(3) "ومن" ساقطة من: أ.
(4) الجلاء: الوضوح. ينظر: الصّحاح (جلا): (5/ 1839)، وأَراد به: وضوح المعنى المراد بحسب الطُّرق المختلفة الكاشفة عنه.
ويبدو للمتأمل في ثنايا هذا التعريف جودة سبكه، وإيجازه؛ فقد توارد عليه عقلان =
(1/229)

أهي (1): بطريق التَّمثيلِ، أو الكناية، أو الاستعارةِ، أَوْ غيرها (2). [وإنّما أهملَ ذكرَ الخفاء؛ لأنه إذا عُلم مراتب العبارات في الجلاء عُلم مراتبُها في الخفاء - أيضًا (3)] (4).
__________
= (الإيجي والكرماني)؛ استدرك التّلميذ بقوله: "الدّالة على معنى واحد"، ما غفل عنه إيجاز الشيخ: "معرفة مراتب العبارات في الجلاء"؛ فغدا بذلك قريبًا من أَن يكون جامعًا مانعًا مع جمال العبارة وحسن الصياغة. وكان الأَجْدر بهما أن ينصَّا على قيد "بحسب الدَّلالة"، ليحترز به عن المعاني والمفردات المترادفة.
ومع أن التَّعريف المتقدّم مبني أصلًا على تعريف السَّكاكيّ -رحمه الله- إلا أنَّه اشتمل عليه وأحاط به إحاطة الرَّحم بالجنين، وكأنَّما تولّد تعريف السَّكاكيّ منه موضحًا له؛ إذ قال (المفتاح: 162): "وأمَّا علم البيان: فهو معرفة إيراد المعنى الواحد في طرق مُختلفة، بالزيادة في وضوح الدَّلالة عليه، وبالنقصانِ ليُحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطَابقة الكلام لتمام المراد".
(1) في الأصل: "أي"، والصواب من: أ، ب.
(2) فالمعنى الواحد "كالجود" -مثلًا- يمكن أَن يُؤدَّى بطرق مختلفة في وضوح الدِّلالة عليه: فتارة يُؤدَّى بطريق التَّشبيه؛ فتقول: "محمّد كالبحر".
وتارة يُؤدَّى بطريق الكناية؛ فتقول: "محمد كثير الرّماد".
وتارة ثالثة بطريق الاستعارة، فتقول: "رأيت بحرًا في دارنا".
(3) ليس هذا الكلام على إطلاقه؛ "لكون (الخفاء) مردودًا أصلًا في البلاغة، وإن كان بعض مراتب الوضوح خفيّة بالنِّسبة إلى ما هو أوضح منه، وما قيل: إنّما أهمل الخفاء لانفهام مراتبها من مراتب الجلاء -إنْ أراد قائله مراتب الخفاء الحقيقيّ فغير صحيح، وإن أراد مراتب الخفاء الإضافيّ -كما ذكرناه- فصحيح لكنّه لم يهملها؛ إذ هي داخلة في مراتب الجلاء". شرح الفوائد الغياثية. طاش كبرى زاده: (15).
(4) ما بين المعقوفين سقط من الأصل، وأثبت من: أ، ب. وقد سقط من العبارة المثبتة قوله: "إذا علم" من أ، كما سقطت كلمة: "أيضًا" في نهاية العبارة من ب.
(1/230)

قال الشّيخُ (1) - في "دلائل الإعجازِ": لنا معنى، ومعنى معنى؛ أَمَّا المعنى؛ فهُو: ما يُفهمُ من ظاهرِ اللفظِ بلا واسطة (2)، وأمَّا معنى المعنى؛ فهو: أن يُفهمَ من لفظٍ معنى، ثُمَّ يُفيدُ ذلك المعنى معنى آخر لتعلُّقٍ بينهُمَا؛ كدلالة: "زيدٌ طويلُ النَّجاد" على أنه طويلُ القامة (3). ولاخْتلافِ التَّعلُّق بَيْن المعنَيين؛ في: الظّهُوَر والخفاء، و [بسبب] (4) كثرةِ اللوازِم وقِلَّتها - اخْتلفت طُرُقُ تأديةِ المعنى الواحدِ بأساليبَ مختلفةٍ بالجلاءِ والخفاءِ.
وهذا العلمُ -أيضًا- تتبُّعيٌّ، لكنّه لَمَّا كان شُعبةً مِنْ علم (5) المعاني -وهو تتبُّعيّ- لم يَحتَجْ ها هنا (6) إلى التِّكرار (7).
__________
(1) يقصد بالشّيخ: الإمام عبد القاهر الجرجانيّ؛ وهو أبو بكر؛ عبد القاهر بن عبد الرّحمن بن محمّد الجرجانيّ، الشافعيّ. أديبٌ من أعلام اللّغة، وواضع أسس البلاغة، له عدّةُ مُصنّفات؛ منها: "أسرار البلاغة"، و"دلائل الإعجاز"، و"الشافية"؛ رسالة في إعجاز القرآن، اختلف في سنة وفاته على أقْوال أشهرها 471 ه.
ينظر في ترجمته: نزهة الألباء في طبقات الأدباء للأنباري: (363 - 364)، سير أعلام النُّبلاء: (18/ 432، 433)، فوات الوفيات: (2/ 369 - 370)، بغية الوعاة: (2/ 106). وللدكتور محمد عبد المنعم خفاجي كتاب: "عبد القاهر والبلاغة العربيّة".
(2) كدلالة: "زيد خرج" على مجرد ثبوت الخروج لزيد.
(3) ينظر: دلائل الإعجاز: (263) حيثُ نقلَ الشَّارح قولَ الجرجانيّ بالمعنى.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ب. ومثبت من: أ.
(5) كلمة: "علْم" ساقطة من ب.
(6) في الأصل."هنا" والمثبت من: أ، ب. وعلى مثلها درج الشّارح.
(7) خالف طاشكبرى زاده هذا القول. وصرَّح بما يدل على أن إهمال المصنف للتّتبّع في تعريف علم البيان مقصود، وعلل ذلك بقوله (شرح الفوائد الغياثية: 15):=
(1/231)

وهذا (1) كشعبة (2) للمعاني؛ لأنَّها مَعرفةُ العبارات بحسبِ الإفادةِ؛ وهذا معرفةُ مراتبها بحسبِها، ومعرفةُ مرتبة الشَّيءِ مُتأخّرةٌ عَن معرفةِ الشَّيءِ؛ لأنَّها متفرِّعةٌ عليه ومُنْشَعِبَةٌ (3) مِنْه (4). وهذا المعنى في
__________
= "وإنَّما لم يذكر التَّتبُّع ها هنا إشارة إلى أن دلائل علم البيان -لكونه باحثًا عن الملازمات العقلية- هي العقل؛ بخلاف علم المعاني فإنّه -لكونه باحثًا عن الملازمات العرفيّة والذوقِيَّة- يحتاج إلى ممارسات طويلة، واستقراءِ صورٍ كثيرة. ومن قال: إنّ التّتبع مراد ها هنا كما أن المعرفة مرادة هناك فقد غفل عن الإشارة المذكورة ... ".
(1) أي: علم البيان.
(2) الشُّعبةُ من الشَّجر: ما تفرق من أَغْصانِها. اللِّسان: (شعب): (1/ 499).
وإنّما لجأ إلى التشبيه فقال: "وهذا كشعبة" ولم يقل: "وهذا شعبة" لأن ما تشعَّبَ عن الشَّيء يكون -حقيقة- منه. وعِلْم البيان -في حقيقة أمره- ليس جزءًا من علم المعاني.
وبيدو لي أن تعبير الإيجيّ أدقّ من تعبير الكرمانيّ الذي جعل علم البيان شعبة من علم المعاني، وذلك لأن أسلوب التّشبيه لم يلغ استقلالية علم البيان عن علم المعاني. وقد وفّق الإيجي في ذلك؛ لأن كلا من العلمين له وظيفته الخاصّة به وإن كانا معًا يمثلان علم البلاغة.
(3) في أ: "ومُتشعِّبة" والمعنى واحد. يقال: تشعّبت أغصانُ الشّجرة.
وانْشَعبت: انتشرت وتفرقت. اللسان: (شعب): (1/ 499).
(4) قال ابن يعقوب (مواهب المفتاح في شرح تلخيص المفتاح؛ كتاب ضمن شروح التّلخيص، 3/ 256): "وفيه نظر؛ لأنّ إيراد المعنى الواحد بطريق من الطّرق الّتي يقبلها لا يستلزم المطابقة لذاته، فلا توقّف؛ بل المتبادر أنّ مفاد البيان هو الّذي يتنزل من مفاد المعاني منْزلة الجزء من الكلِّ؛ لأنه للاحتراز عن التعقيد المعنويِّ؛ الّذي تتحقّق به الفصاحة؛ الّتي هي جزء من البلاغة".
ولا تعارض عندي بين الرأيين؛ لوجود الخصوصيّة التي نظر إليها كل رأي وتحققها بحسب كل وجهة.
(1/232)

الحقيقةِ (1) راجعٌ -أيضًا- إلى الإفادةِ، وكيفيَّةِ الإِفادة فَجَرى (2) مجرى المُركبِ من المُفْرد؛ ولِهذا قُدِّم وضعًا ليُوافق الطبْع؛ لأن المفردَ مقدّمٌ على المركبِ بالطبع.
ومَا أفقرَ؛ صيغةُ فعلِ التَّعجّبِ: طالبَ الوقوفِ على تمامِ الْمُرادِ مِنْ كلامِ الله -تعالى - (3) إلى هذَيْن العلْمين (4)!.
المراد؛ أي: ما يُراد بَيَانُه مِن التَّكلَّم (5).
__________
(1) في أ، ب: "بالحقيقة".
(2) في الأصل: "تجرى"، والصّواب من: أ، ب.
(3) "تعالى" ساقطة من: أ.
(4) أي: علمي: المعاني والبيان.
وتعبيرُ السَّكاكيّ -رحمه الله- قريب من هذا. ينظر: المفتاح: (162). ويؤخذ عليه عدم تنبّهه لمغزى قوله: "الواقف على تمام المراد ... مفتقرٌ إلى ... "؛ حيث أجرى العِبارةَ على المجاز. وكان الأولى أن يقول: "طالب الوقوف" كما ذكر المصنّف.
وإنما افتقر طالبُ الوقوف على تمام المراد إلى هذين العِلْمَين لأنه لا يمكن تعاطي تفسير كلام الله تعالى وفَهْمِ مراده إلا بعد فهمِهما واسْتيعاب قواعدِهما. من خلال معرفة الخواصِّ الدّقيقة للتّراكيب المختلفة في المقامات التفرقة. ومن تجرّأَ على الخوض في كلام الله وهو راجل فيهما فقد دخل في زمرة من توعّدهم الرسول صلى الله عليه وسلّم بقوله: "مَنْ قال في القرآنِ برأيِه فلْيتبوّأ مقعدَه من النار" [سنن التّرمذي: 5/ 183].
(5) ويجب قصره في كلام الله تعالى؛ على ما يمكن الاطّلاع عليه مما مكن منه البشر؛ لا بحسب نفس الأمر.
(1/233)

وذلك (1) المعنى الواحد الذي اخْتَلفت (2) فِيه العباراتُ؛ كمعنَى: "زيدٌ شُجاعٌ"؛ فَإنَّه واحدٌ فِي قَوْلنَا: "زيدٌ كالأسدِ في الشَّجاعةِ"، و"زيدٌ كالأسدِ"؛ بحذفِ وجه الشَّبهِ (3)، و"زيدٌ أسدٌ" بحذفِ حرفِ التّشبيه -أيضًا-.
وتمام الْمُرادِ: كون العبارةِ الدَّالة على ذلك المعنى على ما يَنْبغي من مراتب الجلاءِ؛ وهي (4) ما يُفيدُه الصَّرفُ عن الحقيقةِ وعن التَّصريح إلى المجازِ والكنايةِ والتَّشبيهِ والاستعارةِ (5) وغير ذلكَ. وهذَا القدر -أي: تمام ما يُرادُ من العبارةِ- مِمَّا لا اختلافَ في إمكانِ الوقوفِ عليهِ.
وعلى الوَجْهِ الذي وَجَّهناه (6) لا وُرودَ لِمَا يُقالُ: إن الاطِّلاعَ على تمام مُرادِ الله -تعالى- لا يَصِحُّ إذا كان مُمتَنعًا (7) -كَمَا في
__________
(1) في ب: "ذلك" بحذف الواو. والعطف أَوْلَى.
(2) في أ، ب: "اختلف".
(3) في أ: "التشبيه".
(4) في الأصل: "وهو"، والصّواب من: أ، ب.
(5) جَعَل الكرمانيُّ الاستعارة -في هذه العبارة- قسيمًا للمجازِ. والمَعلُوم من المدرسة السَّكاكيَّة أن الاستعارة قسم من أقسام المجاز وليست قسيمًا له؛ إذ أنَّ المجاز عقليّ ولغوي، واللُّغويّ مجاز مرسل واستعارة. ولعل صاحبنا تسامح في عبارته من أجل التّوضيح فأراد بالمجاز المجاز المرسل الّذي هو قسيم للاستعارة.
(6) أي: إيضاحه المتقدّم لتمام المراد؛ إذ قال: "وتمام المراد ... الوقوف عليه".
(7) هكذا وردت العبارة في الأصل. وفي أ، ب: "إنّ الاطّلاع على تمام مراده إذا كان ممتنعًا"، وزيد في أ: "محالًا".
(1/234)

المُتَشابهاتِ (1)؛ فَكَيْف يَفْتقِرُ طالبُ الوقوفِ على تمامِه إلى هذين العِلْمَين؟!؛ وإنَّمَا يَصِحُّ لو كانَ الوقوفُ مُمكنًا، فَلَا حاجة إلى الجوابِ: بأنَّ المدّعى أنَّه لا يُمكنُ الوقوفُ على تمامِ المرادِ من غير هذينِ (2) العِلْمين، وهُو مُسلّم، وأَمَّا أنَّه لا يُمكِنُ مَعَهُما -أيضًا-؛ فلا يُنافِي ذلكَ. وأمَّا أنَّه لَوْ افتقرَ إليهما لَعلِمَ تمامه معهُما فغيرُ لازمٍ (3).
__________
(1) المُتشابهات هنا ما يُقابل المحكمات في قوله سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7].
وقد اختلف العلماءُ -رحمهم الله- في بيان المراد بها على أقوال عدّة منها:
1 - المتشابه المجمل.
2 - المتشابه هو الّذي يغمض علمه على غير العلماء المحققين؛ كالآيات الّتي ظاهرها التّعارض.
3 - المتشابه الحروف المقطّعة في أوائل السُّور.
4 - المتشابه القصصُ والأمثال.
5 - المتشابه ما ورد في صفات الله سبحانه وتعالى؛ ممّا يجب الإيمان به ويحرم التّعرّض لتأويله. وهذا الأخير هو ما رجّحه ابن قدامة المقدسيّ.
ينظر: المستصفى من علم الأصول؛ للغزالي: (1/ 202 - 204)، روضة الناظر وجنة المناظر؛ لابن قدامة: (1/ 185 - 186)، والإحكام في أصول الأحكام؛ للآمدي: (1/ 153).
(2) كلمة: "هذين" ساقطة من أ، ب.
(3) ينظر ما تقدّم من الاعتراض والإجابة عليه في مفتاح المفتاح: (65). وليس ثَمَّة شكٌّ أن تلك الإجابات مع إجمالها وإيجازها شافية وافية؛ تحقق معها المراد، واندفع أمامها الاعتراض.
(1/235)

ولم يتعرَّضْ لغايةِ علمِ البيانِ لظهورها (1)؛ وهي: تطبيقُ الكلامِ على ما يَنْبغي مِنْ مراتبِ الجلاءِ، أي: على تمامِ المرادِ.
__________
(1) حيث اتّضحت تلك الغاية من خلال تعريف علم البيان نفسه.
(1/236)

الفصلُ الأول في علْمِ المعاني والكلامِ في الخَبر والطَّلبِ
(1/237)

الفصل الأوّلُ: في علْمِ المعاني والكلامِ في الخَبر والطّلبِ (*)
لَمَّا شغل (1) عَن تعريفِ العلمين وَمَا يتعلقُ بهما (2) - شغل (3) ببيَانِ المسائلِ وما تتوقفُ عليه.
لا يخفى عليكَ أن التعرُّضَ لخواصِّ تراكيبِ الكلامِ موقوفٌ على التَّعرُّضِ لِتَراكيبه؛ الّتي هي موضوع هذا العلم؛ لامتناع معرفة خاصيَّة الشَّيء دون معرفته. كما لا يخفى -أيضًا- حال التعرض لها (4) مُنْتشرةً (5)؛ فيجب المصيرُ إلى (6) إيرادها تحتَ الضَّبط (7)؛
__________
(*) في الأصل: "والكلام في الطّلب والخبر" والمثبت من: أ، ب، ف، وإثباته بهذا الترتيب هو الأولى؛ لما جرى عليه البلاغيّون من تقدىم مباحث الخبر على الإنشاء؛ ومنهم المصنّف نفسه حيث بدأ بالخبر عقب ذلك مباشرة فقال: "فالخبرُ تصوّره ضروريّ ... ".
(1) في أ: "فرغ". والمعنى واحد.
(2) من: الإيضاح، والتَّقسيم، والغاية، والأَهميّة.
(3) بمعنى: "ابتدأ". ولفظه: "شغل" مُتردِّدة بين معنين متضادّين؛ أحدهما: فرغ؛ كما تقدم في "شغل" الأولى، والثّانية: "بدأ"؛ كما في "شغل" الثّانية.
(4) "لها" وما تلاها من كلمات مشابهة إلى نهاية الفقرة الضَّمير فيها يعود إلى التراكيب.
(5) مُراده: أنّ حال التّعرض للتراكيب مُتعذّر؛ لتنوعها وتكثّر أفرادها.
(6) قوله: "المصير إلى"ساقطة من: ب.
(7) الضبط: لزوم الشّيءِ وحبسه، وضبط الشيءِ: حفظه بالحزم. اللّسان (ضبط): (7/ 340). =
(1/239)

بتعيين مَا هو أصلٌ لها وسابقٌ في الاعتبار (1)، ثم حَمل مَا عَدا ذلك عليه؛ بناء على موجب المساق.
والسَّابقُ في الاعتبارِ -في كلامِ العربِ- شيئان: الخبرُ، والطلبُ المنحصرُ بحُكمِ الاستقراءِ في الأبواب الخمسة؛ الّتي هي: التَّمنِّي، والنِّداء، والأمْر، والنَّهي، والاسْتِفْهام، وما سوى ذلك نتائج امتِناع إجراء الكلام على الأصل (2)؛ هكذا قال السَّكاكيُّ (3)، والمصنِّفُ تلا تِلْوه (4) فيه؛ لكنَّ التَّقسيمَ الحقَّ عندَه رُباعيٌّ؛ لأن الكلامَ لا بُدَّ له من فائدة؛ فحصولها إمَّا من المتكلم، وإِمَّا من المخاطَب، وعَلى التَّقدِيرين؛ إمَّا أن تَحصُل في
__________
= ومراده: إدراج جميع التَّراكيب تحت إطارٍ ضابط يَشْملها.
(1) أي: في النَّظر.
(2) قوله: "وما سوى ذلك نتائج ... " أي: ما سوى الخمسة متفرّع عليها بواسطة إجراء الكلام على خلاف الأصل.
وما سوى الخمسة: كالاستبطاء في قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ} [الحديد: 16]، والتّسوية في قوله تعالى: {أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة: 6]، والتنبيه أو التقرير في قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6)} [الضحى: 6]، والتحضيض في قوله تعالى: {ألا تُقَاتِلُونَ} [التوبة،: 13]، والتّوبيخ في قوله تعالى: {أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي} [النمل: 84].
(3) المفتاح: (163 - 164) بتصرف يسير.
(4) أي: اتَّبع مسْلَكه؛ يقال: "فلان يتْلو فُلانًا؛ أي: يَحْكيه ويَتْبع فعله". اللّسان: (تبع): (14/ 104)، وينظر: معجم مقاييس اللغة: (1/ 351).
(1/240)

الخارج، أَوْ في الذّهن؛ فما (1) من المتكلِّم وفي الخارج: إنشاءٌ، وفي الذِّهن: إخبارٌ. ومَا من المخَاطَب [و] (2) في الخارج: أمرٌ، وما يُشْبهه؛ أي: الطلَب، وفي الذِّهن: استفهامٌ.
لا ثُنائيٌّ كما في "المفتاح" (3)، وكما قاله ابنُ الحاجب (4) في "مختصر منتهى السُّول والأمل": بأن الكلامَ إمَّا أن يدلّ على أن له متعلّقًا خَارِجيًّا أوْ لا (5).
الأوّلُ: الخبرُ، والثاني: الإنشاءُ.
ولا ثُلاثيٌّ كما قاله المنطقيّون (6): بِأنه إمَّا أَن يحتملَ الصِّدقَ
__________
(1) في ب: "ما" بدون العطف.
(2) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل. ومثبت من: أ، ب. ويطلبه السّياق.
(3) إشارة إلى الخبر والطّلب المتقدّمين. ينظر: المفتاح: (164).
(4) هو أبو عمرو؛ عُثْمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الكُرديّ، جمال الدِّين. ابن الحاجب، الفقيه، النّحوي. كان من كبار العلماء بالعربيَّة. له عدَّة مؤلّفاتٍ؛ منها "الكافية" في النّحو. و "الشّافية" في الصّرف. و "منتهى السُّول والأمل" ج علمي الأصول والجدل، ومختصره: "مختصر منتهى السّول والأمل". نشأ في القاهرة، وسكن دمشق، وتوفّي بالإسكندريّة سنة 646 ه.
ينظر في ترجمته: ذيل الرّوضتين لأبي شامة: (182)، وفيات الأعيان: (3/ 217 - 219)، سير أعلام النبلاء: (23/ 264 - 266)، والبداية والنهاية: (13/ 200).
(5) ينظر: مختصر ابن الحاجب (ضمن شرحه السمّى بيان المختصر لشمس الدّين الأصبهانيّ (: (1/ 627).
(6) والمنطقيّون: جمع منطقيّ؛ وهو الذي ينتسب إلى المنطق، ذلك العلم العمليّ الآَليّ؛ الذي تعصِمُ مراعاته الذِّهن عن الخطأ في الفِكر. ينظر: التّعريفات للجرجاني: (301).
(1/241)

الكذبَ، أوْ لا؛ الأوَّلُ: خبر، والثاني: إمَّا أن يدل بالذّات على طلب (1)، أوْ لا، الأوّلُ: يُسمَّى: طلبًا، والثاني: تنبيهًا (2).
لأن في كُل منهما (3) حَزازَةً (4) تُعرف بالتَّأمّل؛ كما في قول السّكاكيِّ مثلًا؛ فإنّه يَلْزم عليه أن يكون مفهومُ النّداءِ طلبًا؛ لكنَّه ليس كذلك؛ لأن مفهومَ النِّداءِ صوتٌ يَهْتف (5) به الإنسانُ. صرَّحَ به الزَّمخشريُّ (6) في
__________
(1) في ب: "الطّلب".
(2) تنبه على الأمر: شعر به. اللِّسان: (نبه): (13/ 546).
(3) أي: التقسيم الثُّنائيّ والثُّلاثي؛ المتقدّمين.
(4) الحزَازَة -بالحاء المهملة- ما يقع في القلب ويَحِيكُ في الصَّدر. ينظر: اللّسان: (حزز): (5/ 335).
ومنه قول زفر الكلابي:
وقد يَنبت المَرعَى على دِمَن الثّرى .... وتبقى حَزَازَاتُ النُّفوس كما هِيَا
(5) في الأصل: "يُهْتَفُ" بالبناءِ للمجهول، ولم تشكل في ب، والصّواب من أ، وهو الّذي صرّح به الزّمخشريّ -كما أشار إليه الشَّارح عقبه-. وهتَفْتُ بفلان؛ أي: دعوته. اللِّسان (هتف): (9/ 344).
(6) هو أبو القاسم؛ محمود بن عمر بن محمّد الزمخشريُّ، الخوارزميّ. جاور بمكّة زمانًا فقيل له: جار الله. رأس في الاعتزال، وإمام في العربيّة وآدابها. له مصنفات عديدة؛ من أهمّها: "الكشّاف" و"المفصّل" و"الفائق". مات ليلة عرفة سنة 538 ه.
ينظر في ترجمته: الأَنْساب: (6/ 297، 298)، نزهة الألباء: (391 - 393)، المنتظم: (10/ 112)، معجم الأدباء: (19/ 126 - 135)، سير أعلام النبلاء: (20/ 151 - 156).
(1/242)

"الكشَّاف" (1)، والطلبُ غايتُه، وكذا لا يَصحُّ كَوْن التَّمنِّي منه؛ لأنّ الطلب يقتضي مطلوبًا منه، ولا مطلوب منه للتَّمنِّي.
وعلَى هذا فالخبرُ: تَصوُّرهُ ضَرُوريٌّ في الأَصحِّ. اختلف في أَنَّ تصوُّر الخَبرِ من التَّصوّرات الضَّروريّة أَوْ الكسْبيّة حتى لا يحتاجُ إلى التَّعريف أوْ يحتاج!.
الأصحُّ: الأوّل. وذلك لِمَا أنَّ كلٌّ واحدٍ من العُقلاء ممّن لم يُمارس الحدود (2) والرُّسوم (3) يعرفون الصَّادقَ والكاذبَ، بدليل أنَّهم
__________
(1) ينظر: (1/ 121).
(2) الحُدود: جمع حدٍّ وهو لغة: الفصلُ بين الشّيئين لئلّا يختلط أحدهما بالآخر، أو لئلّا يتعدّى أحدهما على الآخر. اللِّسان: (حدد): (3/ 140).
ويطلق اصطلاحًا على: تعريف الشّيء بأجزائه، أو بلوازمه أو بما يتركّب منهما تعريفًا جامعًا مانعًا. وينقسم إلى قسمين:
أ- حدٌّ تامٌّ: وهو ما كان بالجنس والفصل القربيين؛ كتعريف الإنسان بالحيوان النّاطق.
ب- حدٌّ ناقصٌ: وهو ما كان بالجنس البعيد والفصل القريب، أو بالفصل وحده؛ كتعريف الإنسان بالجسم النّاطق، أو بالنّاطق فقط.
ينظر: المفتاح: (436)، والتعريفات: (112)، وتسهيل المنطق: (35، 36).
(3) الرُّسوم: جمع رسمٍ؛ وهو لغة: الأثرُ أو بقيّته. اللِّسان: (رسم): (12/ 241).
ويمكن تعريفه بأنه: تعريف الشَّيء بالخارج اللّازم له، وينقسم إلى قسمين:
أ- رسم تامٌّ: وهو ما كان بالجنس القريب والخاصّة؛ كتعريف الإنسان بالحيوان الضاحك.
ب- رسمٌ ناقصٌ: وهو ما كان بالجنس البعيد والخاصّة، أو بها وحدها؛ كتعريف الإنسان بالجسم الضّاحك، أو بالضّاحك فقط.
ينظر: المفتاح: (436)، التّعريفات: (148)، تسهيل المنطق: (35 - 36).
وبمقارنة الحدّ بالرسم يظهر أن الحدَّ أتمُّ، وأنّ الرّسمَ أعمُّ. ينظر: المفتاح: (436).
(1/243)

يُصدِّقون أبدًا في مقام التَّصديق، ويُكذِّبون أبدًا (1) في مقام التَّكذيب، والعلم بالصَّادق والكاذب مَوْقوفٌ على العلم بالخبرِ الصِّدق والخبر الكذب؛ فكان تَصَوُّر الخبر ضَروريًّا؛ لاستحالة كون تصوُّر الكُلِّ ضرُوَريًّا [دون جزئه] (2).
وتَعريفاتُهُ (3) تَنْبيهاتٌ (4)؛ كان التَّعريفَ قد لا يُرادُ به إِحداثُ تَصَوُّرٍ بل الالْتفاتُ إلى تَصَوُّرٍ حاصلٍ ليتَمَيَّز (5) من بين التّصوُّراتِ؛ فيُعلَمَ أنَّه المراد.
إِشارةٌ إلى سُؤالٍ وجَوابِ.
تقديرُ (6) السُّؤال: لا يشْتغلُ العقلاءُ بتَعريف التَّصوّراتِ البديهيَّة كَمَا لا يُبرهنُ على القضايا البديهيّة؛ فلو كان الخبرُ ضروريا لَمَا عَرَّفُوه.
لكنَّهم عرَّفُوه (7) كقَوْلهم (8): "هُوَ الكلامُ المُحتَمِلُ للصِّدقِ والكذبِ"،
__________
(1) كلمة: "أبدًا" ساقطةٌ من ب.
(2) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل. مثبتٌ من: أ، ب؛ وبه يتم المعنى المراد.
(3) أي: الخبر.
(4) التنبيهات: جمع تنبيه. وقد تقدّم معناه ص (33).
(5) في ب: "ليُميِّز".
(6) في أ: "تقرير".
(7) قولهم: "لكنّهم عرفوهُ" ساقط من ب.
(8) التّعريفات: (129). وينظر: الإحكام في أصول الأحكام: (2/ 6) وعزاه إلى المعتزلة؛ كالجبائيّ، وابنه، وأبي عبد الله البصريّ، والقاضي عبد الجبّار، وغيرهم.
(1/244)

وكقولهم (1): "هو الكلامُ المفيدُ بنفسهِ إضافة أمرٍ من الأمورِ إلى أمرٍ من الأمور إثْباتًا أَوْ (2) نفيًا" (3).
تقديرُ (4) الجوابِ: أن هذه تنبيهات لا تعريفاتٌ تنافي الضَّرورَة؛ فإنَّها ليست لإفادة تصوُّرٍ وإحدَاثِه؛ بل لتمييز (5) ما هو (6) المراد به من بين سائر التَّصَوُّرات الحاصلة عنده، والتفات النّفس إليه بخُصوصه؛ كما أن الإنسان يُطلق على حيوان ذِي أوصافٍ؛ من كونه: ناطقًا، وضاحكًا، ومنتصبَ القامةِ، وعريضَ الأظفَار -مثلًا-، ولا يُعرف أنه بإزاء أيِّ شيءٍ منها وُضِع؛ فيُقال: "الإنسانُ: حيوان ناطقٌ"، ليُعلم المراد منها؛ وهذا مِمَّا زاد على "المفتاح" (7).
__________
(1) الإحكام في أصول الأحكام: (2/ 9) وعزاه إلى أبي الحسن البصريّ. ونقله عنه الإيجي في شرحه لمختصر ابن الحاجب: (2/ 48).
(2) الهمزة في: "أَوْ" ساقطة من: أ.
(3) أورد السَّكاكي -رحمه الله- في المفتاح هذين التَّعريفين وغيرهما وعلق على قصورها بقوله: "ليتها صلحت للتّعويل"، ثم شرع في بيان المآخذ عليها؛ تعريفًا تعريفًا. ولمزيد من الإيضاح ينظر المفتاح: (164 - 165).
(4) في أ: "تقرير". وفي ب: "وتقرير".
(5) في ب: "ليتميّز".
(6) في الأصل: "ما ما" بالتّكرار، ولا وجه له.
(7) أي: قول المصنّف -رحمه الله-: "وتعريفاته تنبيهات ... المراد" فإنّه من الفوائد التي زادَها على ما جاء في المفتاح. =
(1/245)

وكذلكَ الطلبُ (1) بأقسامِه (2)؛ فإنّ كلًّا يُميّزُ بينها، ويُوردُ كلّا (3) في موضعه، ويجيبُ عنه بِمَا يُطابقه؛ حتى الصبْيانُ (4) ومن لا يَتَأتى منه النَّظَرُ (5)؛ أي: وكذلك الطلبُ بأقسامه تَصَوّرُه ضرُوريّ -على الأصحِّ من المذاهب- (6)؛ فإن كل أحدٍ (7) حتَّى الصِّبيان ومن لا يتأتى منه النَّظرُ -كالمعاتيه (8) والمجانين- يُدركُ التَّفرقَة بِالبديهةِ بين الأقسام، ويُميِّز
__________
= وقد تناول العلامة أبو الحسن الآمدي حقيقة الخبر وأقسامه بشيء من التفصيل متعرضًا لأقوال العلماء وحججهم؛ إيرادًا وردًّا توجيهًا ونقدًا، مشتملًا في ذلك كلّه ما أوجزه الشّارح هنا.
ولمزيد من الإيضاح حول هذه المسألة ينظر: الإحكام في أصول الأحكام: (2/ 3 - 14).
(1) أي: تصوره ضروري.
(2) الباء للمصاحبة، وأقسام الطلب خمسة -على ما أورده صاحب المفتاح- هي: التمني، الاستفهام، الأمر، النَّهي، النِّداء. ينظر: المفتاح: (165).
(3) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، زيادة: "منها" والسِّياق تامٌّ بدونها.
(4) كلمة: "الصِّبيان" يجوز فيها الحركاتُ الثّلاثُ؛ النَّصب؛ على أنّ (حتّى) عاطفة على (كلا)، والجرُّ؛ على أنها جارَّة، والضمُّ؛ على أنها ابتدائيّةٌ.
وأشار ب "الصبيان" إلى الفاقدين للكسب بحسب الطبع والوقت.
(5) أشار ب "من لا يتأتى منه النّظر" إلى الفاقدين للكسب بحسب العوارض؛ كالمعاتيه والمجانين -كما سيأتي-.
(6) قوله: "على الأصحّ من المذاهب" ساقطٌ من: أ، ب.
(7) في أ، ب: "واحد".
(8) المعاتيه: جمع معتوه؛ وهو المدهوش من غير مسّ جنون. وقيل: المجنون، وقيل: النّاقص العقل. اللّسان: (عته): (13/ 513).
(1/246)

بينها، ويُورِدُ كُل واحد منها في موضعه؛ فيتمنَّى في مقام التَّمنّى، وينهى في موضع (1) النَّهى، وهكذا، ويُجيبُ (2) عن كل بما يُطابقه؛ وكلٌّ منها طلبٌ مخصوصٌ، والعِلم به مَسْبوقٌ بنَفْس الطلبِ.
والمصنِّفُ قلّدَ فيه (3) السَّكاكيَّ؛ لا (4) أنَّه الحقُّ عنده؛ للفَرق (5) بينَ التصوُّر والحُصول؛ فإن المُتَميِّزَ الحصول لا التَّصَوُّر؛ فيلزم كون الحصول ضروريًّا دُون التَّصوُّر؛ فلا يَتمُّ المقصودُ.
__________
(1) في أ: "مقام" وهما -في هذا السّياق- بمعنى.
(2) في ب: "يجيب" بدون العطف.
(3) أي: في كون تصور الطلب بأقسامه ضروريًّا.
(4) في ب: "إلا"؛ وهو تحريف بالزيادة.
(5) في ب: "الفرق" ولا وجه له. وتستقيم العبارة -في هذه النّسخة- بحذف الضمير في: "أنه" فيكون السياق: "إلّا أنّ الحقّ عنده الفرق بين التّصور والحصول".
(1/247)

القانونُ الأوّلُ: في الخبر (*)
مرجعُ الخبَريّةِ إلى حُكمٍ يُوقع؛ أي: سَبَبُ كون الكلامِ خبرًا اشتمالُه على حُكم يُوقعه المخبرُ الّذي (1) يَحكُم بمفْهومٍ لمفهومٍ؛ كما تجده فاعلًا ذلك إذا قال (2): نحو: "هُو قائمٌ" (3)؛ لا إلى حُكمٍ يُشارُ إليه؛ نحو: "الذي هو قائمٌ" (4)، أَوْ "إنهُ قائمٌ" (5)؛ فإنّه (6) تصوّرٌ يُحكم به؛ كما يقال: "الذي أدّعيه أنَّه زيد". أوْ عليه؛ أي: أَوْ تصوُّر يحكم عليه؛ كما يقال: "حقّ أنه زيد". ومن حقِّه؛ أي: ومن حقِّ هذا
__________
(*) ذكر الشّريف الجرجانيّ وغيره: أن العلة في تقديم مباحث الخبر على الطّلب كونه أسْبق في اعتبار البلغاء، وأكثر استعمالًا، وأوفر اشتمالًا على الخواصّ البلاغيّة، وأقدم في الاشتقاق؛ فإنّ ألفاظ الطّلب مأخوذة بتصرّف من ألفاظ الخبر.
ينظر: المصباح للجرجانيّ: (37)، وشرح الفوائد الغياثيَّة لطاش كبرى زاده: (21).
(1) في الأصل: "أي"، والصّواب من: أ، ب.
(2) في الأصل، ب: "قلت" والصواب من: أ. وهو المناسب للسِّياق. والموافق للمفتاح.
(3) فقد حكم بمفهوم القيام لمفهوم ضمير الغائب: "هو". وإنّما أورد المسند إليه في المثال ضمير غائب؛ ليصحَّ جعله صلةً للموصول في المثال الّذي يذكره فيما بعد. فيجمع بين الحكم الموقع والحكم المشار إليه بمثالين متقاربين في اللّفظ والمعنى، مختلفين في النسبة.
(4) أشار بهذا المثال إلى معلوميّة النِّسبة عند المخاطب باعتبار اتصاف ذات بها (الصلة مع الموصول).
(5) أشار بهذا المثال إلى معلوميّة النِّسبة عند المخاطب مطلقًا.
(6) أي: الحكم.
(1/248)

التَّصَوُّر. أن يكون مَعلومًا للمخاطب قبلُ؛ أي: قبل الخطاب؛ لِتَصِحَّ (1) الإشارةُ إليه، والحُكْم به أَوْ عليه.
ومرجعُ احتماله (2) للصِّدق والكذب إلى تحققِه مِن حيثُ هو حكمُ حاكمٍ (3) معهما، أي (4): مَعَ الصِّدقِ والكذَبِ بَدَلًا، أي: بطريق البدل؛ لامتناع اجْتماعِهما وتعيُّن أحدهما؛ فإنّه (5) لو كان لازم (6) الصِّدق مِن حيثُ هو حكمُ حاكمٍ لَمَا تَحَقّق مع الكذِب، وبالعكسِ؛ كما هو حكم الماهيَّاتِ من حيثُ هي مع المتقابلاتِ. وإنْ كان خصوصيَّةُ المحلِّ -أي: المقام، ليشْمَل ما من المُخْبر، وما من مَادَّةِ (7) الخبر، هكذا قال الأستاذُ (8)، قد (9) تأبى إلّا أحدهما، كخبرِ اللهِ -تعالى- (10)، وكالواحدِ نصف الاثنين؛ فإن خصوصيَّة المُخْبر
__________
(1) هكذا في الأصل. وفي أ، دب: "ليصحّ".
(2) أي: الخبر.
(3) قصد بقوله: "من حيث هو حكم حاكم" النّظر إلى الحكم من حيث ذاته فقط، وغضّ النّظر عن الاعتبارات الملازمة الّتي تدفع الاحتمال.
(4) كلمة: "أي" ساقطةٌ من ب.
(5) أي: الخبر.
(6) في الأصل: "لازمه". والصّواب من: أ، ب.
(7) كلمة: "مادّة" ساقطة من: أ، ب.
(8) لم أقف على قول الأستاذ في مؤلّفاته -التي بين يديّ- ولعلّه مما نقله عنه تلميذه.
(9) "قد" كرّرت في الأصل، ولا وجه لتكرارها.
(10) كلمة: "تعالى" ساقطة من: أ.
(1/249)

في الأوَّلِ، والخبرِ في الثاني تمنع إلّا الصِّدق، وكخبر مُسَيْلمة (1) الكذّاب، والواحد ضِعْف الاثنين؛ فإنّها تمنع إلا الكذب. وهذا -أيضًا- زائدٌ على "المفتاح" (2).
ومرجعُ الصِّدقِ والكذبِ إلى مُطابقةِ الواقع وعدمِها؛ وهذا (3) هو المَشْهُور من الجمهور، وعليه التَّعويل (4)؛ وعلى هذا لا يكون بَيْنَهما واسطة (5)، ولأنَّه (6) بِبُطلِ سائرِ المذاهب فيه لم يحتجْ إلى الاستدلال على حقّيته لتعيُّنه حِينئذٍ لها.
__________
(1) هو أبو ثمامة، مُسَيْلمة بن ثمامة بن كبير، الحنفي الكذاب. ولد ونشأ باليمامة، امتدّ به العمر حتى سمع بأمر محمد صلى الله عليه وسلم. فلم يلبث حتَّى ادعى الرِّسالة، وأخذ يتبجّح بأسجاع منكًرة يضاهي بها القرآن الكريم، توفي النبي صلى الله عليه وسلّم قبل القضاء على فتنته. فلمّا تمّ لأَبي بكر - رضي الله عنه - الأمرُ جهّز جيشًا قويًّا؛ فحاصره أيامًا باليمامة؛ ثُمَّ قضى عليه سنة 12 ه.
ينظر في ترجمته: سيرة ابن هشام: (2/ 599 - 600)، الكامل في التاريخ: (2/ 218 - 224)، تاريخ الخميس في أحوال أنفس النّفيس؛ لابن محمد الديار بكري: (2/ 157).
(2) أي: قول المصنف -رحمه الله-: "وإن كان ... إلّا أحدهما" فإنّه من الفوائد الّتى زادها على ما جاء في المفتاح.
(3) في ب: "هذا" بحذف حرف العطف.
(4) التّعويل: الاعتماد؛ عوّل عليه: اتكل واعتمد. اللِّسان: (عول): (11/ 484).
(5) فإمّا طابق الواقع فهو صدق، أو لم يطابقه فهو كذب، ولا ثالث.
(6) في ب زيادة: "لما" والسِّياق تام بدونها.
(1/250)

وقيل (1)؛ والقائلُ هو: الجاحِظُ (2)، وقد يُقال: هو الَّذي اشتهر عند العامَّة بجُحَا (3)، ولعلّه تَخْفيف تصغيره: مع القَصد [أي] (4) إلى مطابقة الواقع [وعدمها] (5) مع القَصْدِ
__________
(1) هذا هو المذهب الثَّاني.
(2) هو أبو عثمان؛ عمرو بن بحر بن محبوب الكنانيّ، أديب معتزليّ، له تصانيف كثيرة؛ أشهرها: "البيان والتبين"، "الحيوان"، "المحاسن والأضداد"، "البخلاء" فُلِج في آخر عمره، وتوفّي سنة 255 ه.
ينظر في ترجمته: الفهرست: (208 - 212)، تأريخ بغداد؛ لأبي بكر البغدادي: (12/ 212 - 220)، معجم الأدباء: (16/ 74، 114)، وفيّات الأعيان: (3/ 412 - 417، سير أعلام النّبلاء: (11/ 526 - 530).
(3) هذا احتمالٌ بعيد وينأى به عن الصّواب عدّة أسباب، منها:
1) ثبوتُ أخبارٍ متواترة تدلّ على اشتهار جحا قبل مجيء الجاحظ؛ منها:
أ- ما ذكره صاحب الأعلام: (2/ 112) أنّه وجد على هامش مخطوطته من "المستقصى" للزّمخشريّ بيتًا لعمر بن أبي ربيعة؛ يقول فيه:
دلَّهتِ عَقْلِي، وتَلعبتِ بي ... حتَّى كَأنِّي من جنُوني جُحَا
ب- ما ورد عن أبي العتاهية أنّه قال (أبو العتاهية أخباره وأشعاره: 488):
دلَّهني حُبُّها وصَيَّرني ... مثلَ جُحَا شُهْرةً ومَشْحلبة.
وعمر بن ربيعة، وأبو العتاهية كلاهما -ولا شكّ- متقدّم على الجاحظ.
2) ما نقله الميدانيُّ في مجمع الأمثال: (1/ 396 - 397) من أنّ جحا هو أبو الغُصْن الكوفيّ الفزاريّ وأنَّه كان في الكوفة إِبّان ثورة أبي مسلم الخراسانيّ.
3) ما ثبت عن الجاحظ نفسه في بعض مؤلّفاته أنَّه ساق أخبارًا عن جحا.
ينظر: رسائل الجاحظ: (2/ 239)، وكتاب البغال: (37).
(4) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ومثبت من: أ، ب. وعليه درج الشّارح.
(5) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ب، ومثبت من: أ.
(1/251)

والاعتقاد: فحيثُ لا قَصْدَ لا (1) صِدقَ ولا كذبَ (2) لقوله (3) -تعالى-: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} (4)؛ وجهُ الاستدلال بالآية: أنَّهم (5) -وهم أهْلُ العربيّةِ- جعلوا دَعْواه الرِّسَالة من جِنس كلامِ المجنون -الَّذي ليس صَادقًا عندهم- قَسيمًا للكذب؛ فلا يكون صَادِقًا ولا كاذبًا؛ فثبتت (6) الواسطةُ، وما ذلك إلَّا لأنَّ المجنون لا يقُول عن قصدٍ واعتِقاد.
والجوابُ: أَنَّ الافْتراءَ أَخصُّ من الكذبِ المطلق؛ لأنَّهُ كذبٌ خاصٌّ؛ [لأنَّه كذبٌ مع القَصْد] (7) فمقابلُهُ قد يكون -أيضًا-
__________
(1) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "فلا".
(2) وعلى هذا الذهب فإنَّ التقسيم رُباعيّ؛ لأَنَّ الحكم المطابق إن كان مع قصد المطابقة فالخبر صادق، وإن لم يكن كذلك؛ فإمّا أن لا يكون معه قصد أصلًا، أو يكون معه قصد إلى عدم المطابقة وهذان الخبران غير صادقين ولا كاذبين. والحكم الغير مطابق إن كان مع قصد عدم المطابقة فالخبر كاذب، وإن لم يكن كذلك؛ فإمّا أن لا يكون معه قصد أصلًا، أو يكون مع قصد إلى المطابقة وهذان الخبران -أيضًا- ليسا بصادقين ولا كاذبين.
(3) هكذا -أيضًا- في أ، ب. وفي ف: "كقوله"، والمثبت أولى؛ لمقام الاحتجاج.
(4) سورة سبأ: من الآية 8.
(5) أي: مشركي قريش.
(6) في أ، ب: "فثبت".
(7) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من: أ، ب. وبه يتّضح المعنى.
(1/252)

نَوْعًا آخر من الكذِب (1). فالحاصلُ أنَّهُما نوعانِ من الكذِب جُعِلا قِسْمَين؛ فَلَا (2) يَلزم الواسِطة؛ وهذا زائدٌ على "المفتاح".
وقيل -والقائلُ هو: النَّظَّام (3) -: إلى مُطابقةِ الاعتقادِ وعدمها؛ أي: مَرجعُ الصِّدقِ والكذبِ إلى مُطَابقة الحكمِ لاعتقادِ المخبرِ أوْ ظَنِّه، وإلى عَدم المُطَابقة لذلك (4)؛ سواءٌ كان ذلك الاعتقادُ أَوْ الظنُّ خطأً أَوْ صوابًا (5)؛ ولذلك (6) يتَبَرّأُ عن الكذبِ بدعوى الاعتقادِ أَوْ الظَّنِّ؛ أي:
__________
(1) وهو الكذب مع عدم القصد. والمعنى على هذا: افترى أم لم يفتر؛ لأنَّهم عبّروا عن عدم القصد بالإخبار حال الجنون.
(2) في أ: "فلم".
(3) هو أبو إسحاق؛ إبراهيم بن سيّار بن هانئ البصريّ، النّظّام. من أئمة المعتزلة تكلّم في القدر، وانفرد بآراءٍ خاصّةٍ تابعته فيها فرقةٌ من المعتزلة، سُمّيت ب"النّظّاميّة".
ومن آرائه المشهورة: القول بالصّرفة. اختلف في وفاته؛ فقيل: في خلافة المعتصم، وقيل: في خلافة الواثق.
ينظر في ترجمته: الفهرست: (205 - 206)، أمالي المرتضى: (1/ 187 - 189)، الملل والنّحل؛ للشّهرستاني: (1/ 53 - 59)، سير أعلام النّبلاء: (10/ 541 - 542)، طبقات المعتزلة؛ لابن المرتضى: (49 - 52).
(4) في ب: "كذلك".
(5) وعلى هذا لا يكون بينهما واسطة؛ لأنَّ المخبر إن كان معتقدًا لما يخبر به فهو صادق وإلّا فهو كاذب.
(6) في ب: "وكذلك".
(1/253)

الدَّليل عليه: أنّه يُتَبرّأُ عن الكذب بدعوى الاعتقادِ أَوْ الظَّنِّ متي ظهَر خَبَرُه بخلاف الواقع؛ أي: إذا قيل له: كَذَبْتَ؛ يقول: لا؛ بل قُلْتُه بناء على اعتقادي؛ كما قالت عائشةُ (1) - رضي اللهُ عنها -: "مَا كَذَب؛ ولكنَّه وَهِمَ" (2)؛ فلو لمْ يكن الكذِبُ مخالفةَ الاعتقاد لَمَا قِيل.
__________
(1) هي أمُّ المؤمنين؛ عائشة بنت أبي بكر الصدِّيق؛ زوج النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم.
ولدت بعد المبعث النّبويّ بأربع سنين، وبنى بها النّبيّ صلى الله عليه وسلّم بعد وقعة بدر. كانت غزيرة العلم؛ يسألها أكابرُ الصّحابة. نزلت فيها آيات من القرآن الكريم. توفّيت سنة 58 ه.
ينظر في ترجمتها: الطّبقات الكبرى؛ لابن سعد: (8/ 58 - 81)، الاستيعاب: (4/ 1881 - 1885)، تذكرة الحفّاظ؛ للذّهبي: (1/ 27 - 29)، الإصابة في تمييز الصّحابة؛ لابن حجر العسقلاني: (8/ 16 - 20).
(2) جزءٌ من حديث ورد بهذا اللفظ أو قريب منه في سنن التّرمذي: (3/ 327، 328، 329) تحت رقم (1004) كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الرّخصة في البكاء على الميّت.
ونصُّ إحدى رواياته: "عن ابن عمر، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الميِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهله عَلَيه" فقالت عائشة: يَرْحَمُهُ الله! لم يَكْذِب ولكنَّه وَهِمَ. إنَّما قَال رسولُ الله صَلى الله عليه وسلم لرَجلٍ مات يهوديًّا: إن الميِّتَ ليعذَّب، وإِنَّ أهلَهُ ليبْكون عليه".
قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث صحيح وقد روي من غير وجه عن عائشة: سنن التّرمذيّ (3/ 329).
وللحديث شواهد تؤازره مطوّلة ومختصرة في صحيح البخاري: (2/ 172، 173)، وصحيح مسلم: (2/ 641، 642) وسنن ابن ماجه: (1/ 508)، وسنن النّسائيّ: (4/ 17)، وسنن أبي داود: (3/ 495).
وقد اختلف العلماء في مسألة تعذيب الميِّت بالبكاء عليه، وقد سرد الحافظ ابن حجر أقوالهم في "الفتح" (3/ 183) وما بعدها. =
(1/254)

وممَّا يُحقِّق (1) ذلك (2) قولُه -تعالى-: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} (3)، كذَّبَهم في قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} (4) مَعَ مُطابقته للواقع؛ لأنَّه لَمْ يُطابق اعْتِقادَهم؛ فعُلِم أنَّ المُعْتَبَر هو مُطابقةُ الاعتقادِ لا الواقِع.
والجوابُ: أَنَّه يستلزمُ تَكذيبَ اليهوديِّ في قوله: "الإسلامُ حقٌّ"، وتصديقَه في خلافِه. والإجماعُ يخالفُه (5). و {لَكَاذِبُونَ} أي (6): فيما يُشعر به "إنّ واللّام واسميَّة الجُملة"؛ من كون الشَّهادةِ من صميمِ القلبِ.
__________
= أمّا قوله: "وَهِم -بالكسر- فمعناه: الغلط". غريب الحديث، لابن الجوزي: (2/ 486).
(1) في الأصل: "يحقّقه". والصّواب من أ، ب.
(2) أي: قول النّظّام.
(3) سورة المنافقون: من الآية 1.
(4) سورة المنافقون: من الآية 1. والآية كاملة: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}.
(5) في أ، ب، ف: "بخلافه" وهما بمعنى.
(6) "أي" ساقطة من: أ، ب.
(1/255)

الجوابُ (1) بوجهين: بالمناقضةِ (2) جدلًا، والحلِّ (3) تحقيقًا.
أمَّا المناقضةُ (4): فأَنْ (5) يُقال: لوْ صحَّ ما ذكرتُم للزِمَ تكذبينُا لليهوديِّ (6) إذا قال: "الإسلامُ حقٌّ"؛ لعدم مُطابقتِه لاعتقادِه، وتصديقُنا له في خلافه؛ أي: إذا قال: "الإسلامُ باطلٌ"، لمطابقته له؛ لكنَّه خلاف الإجماع.
وأمّا الحلُّ فهو: أنّه لَمْ يتبرّأ عن الكذِب؛ بلْ عن مَذَمَّةٍ الكذبِ وتعَمُّدِه المستلزمِ للتّوبيخ عليه. ولظهورِه (7) لَمْ يَتَعرَّض لَهُ (8) المصنِّفُ.
والجوابُ عن الآية: أنَّهُ ليسَ المرادُ أنَّهم لكاذبون في مقولهم (9)؛ بل فيما يُشعر به كلمة: "إنَّ، واللّام، واسميّة الجملة"، من كَوْن شهادتهم
__________
(1) في ب: "والجواب".
(2) في أ، ب: "بالمعارضة".
والمُناقضة لغةً: ضدُّ الإبرام. ينظر: اللِّسان: (نقض): (7/ 242).
وهي اصطلاحًا: بيان تخلُّف الحكم المدّعى ثبوته أو نفيه عن دليل المعلّل الدّالّ عليه في بعض من الصُّور. التّعريفات للجرجانيّ: (315).
(3) الحلُّ: الفَتْح والنَّقض. وحلَّ العُقدة يَحُلها حلا: فتحها ونقضها فانحلَّت. اللِّسان: (حلل): (11/ 169).
(4) في أ، ب: "المعارضة".
(5) في ب: "بأن".
(6) في أ، زيادة: "أي"، والسيّاق تامٌّ بدونها.
(7) أي: الوجه الثّاني: "الحلّ".
(8) في أ، ب: تأخير "له" بعد كلمة: "المصنِّف".
(9) وهو قولهم: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ}.
(1/256)

من صميمِ القَلْب (1). هذا هو كَمَا أجابَ في "المفتاح" (2)، لكن له وجُوه أُخرى (3)؛ كما يقال: إنَّهم لكاذبون (4) في شهادتهم، إمَّا لإشعارها عُرفًا بالعِلْم؛ لأنَّ من قال: "أشْهد بكذا" تَضَمَّن (5) أنّي أقوله عن عِلم (6)، وإن كان الشَّهادة بمجرّدها تحتمل العِلْم والزُّور، وتقيّد بهما لُغَةً (7). وإمّا لأنّهم زَعَموا أنَّ شَهَادَتهم بذلك مُسْتَمِرَّةٌ (8) غيبةً وحضورًا [لقولهم نَشهد على طريقة قوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} (9)] (10). أوْ أنَّهُم كاذبون في تَسْميتهم إخبارَهم شهادة؛ لأنَّ الإخبارَ إذا خَلَا عن مُواطأة القَلب (11) لَمْ يكُن شهادةً -في الحقيقة-.
__________
(1) لأنّ كل واحد من الثّلاثة المتقدّمة يفيد تأكيد الخبر -كما سيأتي-.
(2) ينظر ص: (167).
(3) تنظر هذه الوجوه في الكشّاف: (4/ 540).
(4) في الأصل: "كاذبون". والمثبت من: أ، ب؛ لكونه موافقًا للفظ الآية الكريمة واستئناسًا بورود الكلمة هكذا في الجواب المتقدّم.
(5) في أ: "يتضمّن".
(6) والعلم اعتقاد جازم ثابت، ولم يكن لهم اعتقاد جازم.
(7) وعلى هذا فليس ثمّة مانع أن يطلق على قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ} شهادة مع أنّه ليس كذلك -في حقيقة الأمر- باعتبار الأصل اللّغويّ.
(8) في ب: "لمستمرة".
(9) سورة البقرة: من الآية 15.
(10) من بداية المعقوف الأول إلى نهاية قوله: {نَشْهَدُ} مثبت من: أ، ب. وما جاء بعده إلى المعقوف الثّاني مثبت من: أ.
(11) في ب: "عن المواطأة".
(1/257)

أوْ أنَّ المعني: لكاذِبُونَ فيما عند أنفُسِهم؛ لاعتقادهم أنَّهُ خبرٌ على خلاف ما عليه حالُ الْمُخبَر عنه (1). أَوْ أَنَّهم قومٌ كاذِبُون (2) شأنُهم الكَذِب وإن صَدَقوا في هذا الخَبَر؛ وذلك لا يُخْرجهم عَن (3) زُمْرةِ الكاذبين (4).
ثُمَّ البحثُ في الخبر إِمَّا عن الإسنادِ أَوْ عَنْ طرفيه، أي: المُسْنَد والمُسْنَد إليه، أَوْ عَنْ وَضْع كُلٍّ منهُما عند صاحِبِه، أوْ عن وَضْع الجُمْلَتينِ (5) إذا تَعَدَّدت، ففيه أَرْبعةُ فُنونٍ.
إذا (6) عَرَفْتَ أنَّ الخبرَ يَرْجعُ إلى الحُكم (7) بمفهومٍ لمفهوم (8)؛ وهو الَّذي نُسمِّيه: الإسناد الخبريّ؛ كقولنا: "شيءٌ ثابتٌ"، "شيءٌ لَيْس
__________
(1) في ب زيادة: "في الواقع عنه".
(2) في أ، زيادة: "من" والمعنى أبلغ بدونها.
(3) في أ: "من".
(4) وحاصل الأجوبة: أَنَّ تكذيبهم إِمَّا عائد إلى الجملة الأولى: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} أوْ إلى الجملة الثّانية: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} أو لا يعود إلى شيء من الجملتين البتّة لأنَّ شأنهم الكذب. وفي جميع ما تقدّم لا يستقيم الدّليل.
(5) في ب: "الجملة".
(6) في أ، ب: "لما".
(7) في ب: "حكم".
(8) تقدّم التّصريح بهذا ص: (43) من هذا القسم.
(1/258)

بثابت"؛ فأنت في الأوّل تحكم بالثُّبوت للشَّيء، وفي الثَّاني باللَّاثبُوت - فاعرف (1) أنَّ الاعتبارات الرَّاجِعة إلى الخبرِ ثَلاثةٌ:
اعتبارٌ يرجعُ إلى نفسِ الإسناد من حيثُ هو حكمٌ؛ من غير التَّعَرُّضِ لكونِه لغويًّا أَوْ عَقْليًّا، فإنّه وظيفةٌ بيانيّةٌ؛ بل من حَيْثُ هو مجرَّد عن لام الابْتداء (2) أَوْ غير مجرَّد- مثلًا (3).
واعتبارٌ يرجع إلى طَرَفي الإسنادِ لا من حيثُ الحقيقةُ والمجاز؛ بلْ من حيثُ هُمَا هُمَا (4) لكونه (5) محذوفًا أَوْ ثَابتًا، مُعَرّفًا أَوْ مُنَّكرًا.
واعتبارٌ يرجعُ إلى وضع كُلٍّ من الطّرفين عِنْد صَاحبه -أي: الطَّرف الآخر- ونِسبته إليه؛ من التَّقديم
__________
(1) بداية جملة الجواب للشَّرط المتقدّم: "إذا".
(2) في أزيادة: "مثلًا"، وسيأتي في نهاية الجملة ما يغني عن إيرادها هنا.
(3) قوله: "مثلًا" إشارةٌ ظاهرة إلى عدم تعلُّق الاعتبار بلام الابتداء لذاته؛ بل إلى كلّ أداة أوْ تركيب تؤدّي مُؤدّاه؛ من كلّ ما يزيد الحكم قُوَّة وثبوتًا؛ فيدخل في ذلك: القسم، ولامه، ونونَي التّوكيد، وإنّ، وتكرار التّركيب ... إلخ.
فالحكم المجرّد؛ كقولنا: "زيدٌ عارفٌ"، وغير المجرّد؛ نحو: "عرفت عرفت"، و"لزيد عارف"، و"إنّ زيدًا عارف"، و"إنّ زيدًا لعارف"، و "والله لقد عرفت"، أو "لأعرفنّ".
(4) "هما" الثّانية ساقطة من ب. ومُراده بقوله: "من حيث هما هما": من حيث كون الطّرفين مسندًا ومسندًا إليه.
(5) في أ: "ككونه" والمعنى معهما واحد.
(1/259)

والتَّأخير وغَيْرهما (1).
هذا إذا كانت الجُمْلةُ الخبريّةُ مُفرَدَةً؛ أَمَّا إذَا تَعَدَّدت فَلِوضع كُلٍّ من الجُمْلتين عندَ صاحبتها (2) -أيضًا- اعتبارٌ آخر؛ من الفصلِ والوصلِ وغيرِهما (3).
وجعلَ لكلِّ اعتبارٍ فنًّا، فالفنونُ (4) أربعة (5).
واعلم: أَنَّه (6) في وضع الفنون خَالفَ السَّكَّاكيَّ؛ لأنَّه (7) وضعَ لكلٍّ من الطّرفين فنًّا، ولم يَضَعْ (8) للوَضْع فنًّا مُسْتقلًّا، بَلْ ذكره في خِلالِ
__________
(1) كالقصر -مثلًا-.
(2) في الأصل: "صاحبها" والصَّواب من: أ، ب.
(3) كالإيجاز والإطناب والمساواة.
(4) في الأصل: "والفنون" والصّواب من: أ، ب؛ لأنّ الفاء أفصحت عن جواب شرط مقدّر. تقديره: "إذا كان الأمر كذلك فالفنون .. ".
(5) يلحظ أنَّ الشّارح -رحمه الله- أورد الاعتبارات نفسها الّتي ذكرها المصنِّف غير أنّه فضّل القول فيها عندما نظر إليها من زاويتين؛ الأولى: في إطار الجملة الواحدة وجعل التَّقسيم ثلاثيًّا، الثّانية في إطار الجملة مع أختها، فزاد اعتبارًا رابعًا. وبذا انتهى إلى ما انتهى إليه من كون الفنون أربعة.
(6) أي: المصنَّف.
(7) أي: السَّكَّاكيُّ.
(8) في ب: "يوضع"؛ وهو خطأٌ ظاهر.
(1/260)

فَنَّي الطرفين (1)، بخلافه (2)؛ فإنَّهُ وَضَع للطرفين كِليهما فنًّا، وللوضْع فَنًّا، وهَذا أخْصر، وأَوْفق للنَّظم الطَّبيعيِّ.
__________
(1) ينظر: المفتاح: (167)، والتّقسيم عند السَّكَّاكيِّ ثلاثيٌّ: "فَنٌّ يرجع إلى حكم، وفَنٌّ يرجع إلى المحكوم له، وهو المسند إليه، وفَنٌّ يرجع إلى المحكوم به؛ وهو المسند".
(2) أي: المصنِّف.
(1/261)

الفنُّ الأوّلُ: في الإسنادِ:
قدَّمَ الفنَّ الرَّاجع إلى الإسنادِ على الأخوات (1) -وإنْ كان بحسبِ الوُجود مُتأخّرًا لتأخُّرِ النِّسبةِ عن المُنْتسبين؛ لأنَّه هو المقْصُودُ من الخبرِ؛ فله التَّقَدُّم (2) بحسب الشَّرف.
قد يُريدُ بهِ المُتَكلِّمُ أن يُعلِمَ منه الحُكْمَ؛ نحو: "زيدٌ قائمٌ"، لِمَن لا يَعْلمه؛ أي: لمخاطَبٍ لا يعلمُ قيامَ زيدٍ. ويُسَمَّي: فائدةَ الخبرِ، وقدْ يُريدُ؛ أي: المتكلِّمُ به؛ أي: بالخبرِ، أن يُعلمَ أنَّه يَعْلمُه؛ أي: يُعْلم المخاطبَ أنَّ المتكلَّمَ يعلمُ ذلك الخبر؛ نحو قولك: حفظتَ التَّوراةَ؛ لمن قَد حفظها (3)؛ أي: لِمُخاطبٍ حفظَ التَّوراة؛ فإنَّه لا يُريد (4) به إعلامُ المخاطب بأنَّه (5) حافظٌ للتَّوراة لامتناع إعلامِ المعلوم؛ بلْ يُريدُ إعلامَه بأنَّه (6) يَعْلَمُ أنَّه حافظٌ للتَّوراة. ويسمّى (7): لازمَ فائدةِ الخبرِ.
__________
(1) هكذا في الأصل ب. وفي أ: "الإخوان".
(2) في أ: "التّقديم".
(3) في ف، ب: "حفظه" بدون تأنيث الضّمير؛ على أنَّه بمعنى الكتاب. وكلا الوجهين جائز.
(4) في الأصل: "يُراد" والمثبت من: أ، ب. وهو الموافق للسِّياق.
(5) أي: المخاطَب.
(6) أي: المتكلِّم.
(7) في أ، زيادة؛ "العلم بعلم المتكلّم بالحكم؛ والسِّياق تامٌّ بدونها.
(1/262)

والأُولى (1) بدون هذه (2) تمتنعُ (3) من غير عكسٍ (4)؛ هذا [على] (5) ما هو المشهور من القومِ؛ إذْ قالوا: من الضَّرُوريَّاتِ لكلِّ عاقلٍ أَنْ يقصدَ (6) بالخبرِ إفادة المخاطبِ، وإلَّا كان (7) الإخبارُ عَبَثًا، لكنَّ الحقَّ أنَّه بحسب مُقْتضى الظَّاهر، أوْ منْ حيثُ هو الخبر، أوْ بحسبِ (8) الغالب؛ لأن قَصْدَ (9) حَنَّة أمِّ
__________
(1) في الأصل: "والأوّلُ". والمثبت من: أ، ب؛ وهو الموافق لما في الفتاح. والمراد بها: فائدة الخبر.
(2) اسم الإشارة يعود إلى لازم الفائدة، وقد أنَّثه باعتباره فائدة -أيضًا-.
(3) في الأصل: "يمتنع". والمثبت من: أ، ب؛ وهو الموافق لما في المفتاح.
(4) والمعنى: أنَّ كلَّ من أفدتَّه فائدة الخبر أفدتَّه ضمنًا لازم الفائدة، وليس من أفدتَّه لازم الفائدة أفدتَّه فائدة الخبر.
وهو ما عبَّر عنه الخطيبُ القزوينيُّ -رحمه الله- بقوله (الإيضاح: 1/ 67): "أي: يمتنع أن لا يحصل العلم الثّاني من الخبر نفسه عند حصول الأَوَّل منه؛ لامتناع حصول الثَّاني قبل حصول الأَوَّل، مع أنَّ سماع الخبر من الخبر كافٍ في حصول الثَّاني منه. ولا يمتنع أن لا يحصل الأَوَّلُ من الخبر نفسه عند سماع الثاني منه، لجوازِ حصول الأوَّل قبل حصول الثَّاني، وامتناع حصول الحاصل".
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. ومثبت من: أ، ب.
(6) في ب: "القصد"، ولا يستقيم معها ظاهر السِّياق.
(7) في ب: "لكان"، ولا يستقيم معها السِّياق إلَّا بتأويل؛ هو تقدير إنْ قائمة مقام لو.
(8) قوله: "مقتضى ... بحسب" ساقط من: أ، ب، وليس مخلًّا بالمعني؛ لأنَّ ما تميّز به الأَصلُ من زيادة فضلة، مكرّرة للمعني الّذي أثبتته بقيةُ النُّسخ الأخرى.
(9) في ب زيادة: "خبر" والمعنى تامٌّ بدونها.
(1/263)

مريم في قولها: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} (1) ليسَ إلى إِفَادةِ فائدة الخبر، ولا إلى إِفادةِ لازمها؛ لشُمولِ علمِ الله -تعالى-؛ بلْ إلى إظهارِ التَّحسُّرِ، وإنشاء (2) التَّأسُّفِ، أوْ غيرِه (3)، وَكَم مِثلها فِي القرآن! (4).
ومن حقِّ الكلامِ عقلًا، أي: العقلُ يَحْكُم بأن حقَّ الكلامِ أن يكونَ بقدرِ الحاجةِ، مُفْرَغًا فِي قالب (5) المراد، لا أزْيَد وإلَّا كان (6) هَذَرًا (7)، ولا أنقصَ وإلَّا كان (8) حَصَرًا (9).
__________
(1) سورة آل عمران، من الآية: 36.
(2) هكذا في الأصل. وفي أ: "إفشاء" وهو تحريفٌ ظاهر. والكلمة ساقطة في ب.
(3) وهو بذلك يشير إلى أنَّ الخبر يأتي لغير الغرضين الأصليين -فائدة الخبر، لازم الفائدة-؛ بل يأتي لأغراض أخرى تُفهم من السِّياق وقرائن الأحوال، وتعرف بالأغراض النّوعيّة للخبر؛ منها: إظهار التحسّر وإنشاء التأسّف؛ الذي أشار إليه الشّارح في خبر أمِّ مريم -عليها السّلام-.
(4) خالف المصنِّف -رحمه الله- صاحبَ المفتاح بتأخيره الحديث عن أغراض الخبر وكان حقّه أن يُذكر حيث يُذكر مرجعُ الخبر والصِّدق واحتمالهما -كما فعل السَّكَّاكيّ-، وإنّما أخَّره -ها هنا- ليبني عليه الكلام في الاحتياج إلى تأكيد الإسناد وعدمه؛ وهو الّذي بدأه بقوله: "ومن حقِّ الكلام عقلًا".
(5) القالِبُ والقالبُ -بدون إضافة-: الشَّيءُ الّذي تُفْرغ فيه الجواهر؛ ليكون مثالًا لما يُصاغ منها. اللسان: (قلب): (1/ 689).
(6) في أ، ب: "لكان"، ولا يستقيم معها السِّياق إلا بتأويل، هو تقدير "إن" قائمة مقام لو.
(7) الهَذَرُ: الكلامُ الَّذي لا يُعْبأُ به، والهَذَرُ: الكثيرُ الرَّدئ، وقيل: سقط الكلام.
اللِّسان: (هذر): (5/ 259).
(8) في أ، ب: "لكان"، ولا يستقيم معها السِّياق إلا بتأويل؛ هو تقدير "إن" قائمة مقام لو.
(9) الحَصَرُ: ضَرْبٌ من العِيِّ. اللِّسان: (حصر): (4/ 193).
(1/264)

فالخطابُ بالخبرِ إمَّا (1) مع خالي الذِّهن عن الحُكْمِ بأحدِ طرَفي الحبرِ على الآخرِ نَفْيًا (2) أَوْ إِثْبَاتًا، وعن (3) التَّرددِ فيه؛ فَيُجَرَّدُ عن المُؤَكِّداتِ، ولا يُشَمّ رَائحتُها، وَكَفى في انْتِقاشِ (4) ذِهْن المُخَاطبِ حِينئذٍ بالحُكْم مُجَرَّدُ الإسناد؛ لمصادفتهِ (5) خاليًا؛ فإنّ المحلَّ الخَالي (6) إذا كانَ فارِغًا تمكَّنَ فيه نقشٌ يَرِدُ عليه أشدّ تَمَكُّنٍ:
أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الْهَوَى ... فَصَادَفَ قَلبي خَالِيًا فَتَمَكَّنَا (7)
__________
(1) هذا شروع في بيان أنواع الخبر من حيث التَّأكيد وعدمه بالنَّظر إلى المخاطب، وهو ما يُعرف -بلاغة- بأضرب الخبر: "الابتدائيِّ، الطبيِّ، الإنكاريّ".
(2) في أ، ب: "وإثباتًا" بالعطف بالواو؛ دون "أو".
(3) في أ: "أو عن" بالعطف بأَوْ. و"عن" ساقطةٌ من ب.
(4) الانتقاش- في الأصل: ما يحدثه النَّقَّاشُ على فصّ الخاتم. ينظر: اللِّسان: (نقش): (6/ 359)، واستعارته هنا لما يوقع في الذِّهن.
(5) أي: ذهن المخاطب.
(6) كلمة: "الخالي" ساقطة من: أ، ب، وحذفها هو الأنسب؛ للسَّلامة من التَّكرار؛ لأنَّ الخالي لا يكون إلَّا فارغًا.
(7) البيتُ من الطَّويل، والاستشهاد به معنويّ. وقد اختلفت المصادرُ النّاقلة له في تحديد قائله، وفي روايته؛ حيث ورد عند الجاحظ منسوبًا إلى مجنون بني عامر؛ برواية: "قلبي فارغًا" في البيان والتّبيين؛ للجاحظ: (2/ 41 - 42)، ورواية: "قلبًا خاليًا" في الحيوان: (1/ 169، 4/ 167)، وبهذه الرّواية منسوبًا إلى ديك الجن؛ عبد السّلام بن رغبان في ديوانه: (108)، كما ورد في عيون الأخبار؛ لابن قتيبة: (3/ 9) منسوبًا إلى عمر بن أبي ربيعة؛ برواية: "قلبًا فارغًا"، ووردَ -أيضًا- منسوبًا إلى ابن الطّثريّة في الموازنة: =
(1/265)

نحو: "زيدٌ قائمٌ"؛ مثال المجرَّد (1) عن المؤكِّدات، ويُسمَّى: ابتدائيًّا؛ لأنَّه يقعُ غالبًا فِي ابتداء الكَلام (2). وقوله: لأنَّ المحلَّ الخالي يَتمكَّن فيه كلُّ نقْشٍ يَرد عليه: تَعْليلٌ لقوله: "فيُجرَّد".
وإِمَّا مع مُتَحيِّرٍ (3) طالبٍ (4) للحُكم، طَرَفاه -أي: طَرَفا الإسناد (5) - حاصلان عندَه دُونَ الحكمِ والإسناد؛ فهو -أي: المُتَحيِّر (6) - بَيْنَ بَيْن (7)؛ أي: بَيْن الإسنادِ وبينَ اللَّا إسناد؛ فيؤكّد للاحتياجِ إليه لزَوال التَّحَيُّر. نحو: "لزيدٌ قائمٌ"؛ مُؤكّدًا بلام الابتداءِ، و"إن زيدًا قائمٌ"؛ مُؤكّدًا بإِنَّ التَّحقيقيّة. ويُسَمّى: طَلَبيًّا؛ لكونِ المخاطبِ طالبًا لَه.
__________
= (69) برواية عيون الأخبار، وفي محاضرات الأدباء ومحاورات الشّعراء؛ للأصفهانيّ: (2/ 29) برواية الحيوان. أَمَّا الرّواية الّتي استشهد بها الشّارح فقد وردت عند السَّكَّاكيّ في المفتاح: (170)، وتابعه فيها الطِّيبيّ في التِّبيان: (228)
(1) في ب: "للمجرِّد".
(2) أي: من عير سَبْق طلب أوْ إنكار.
(3) المُتحيِّرُ: هو الّذي لم يهتد لأمره. ينظر: اللِّسان: (حير): (4/ 222).
(4) كلمة: "طالب" أدرجت ضمن كلام الإيجيّ في أ. وليست موجودة في ف.
(5) أي: المسند إليه والمسند.
(6) في أ، ب: "فالمتحيِّرُ".
(7) أصله كما ذكره الشّارح عقبه أي: "بين الإسناد وبين اللّا إسناد" أو "بين الإثبات وبين السَّلب"؛ فحذف المضاف إليه من كليهما ورُكِّب المضافان فجُعلا اسمًا واحدًا فبنيا.
(1/266)

وقولُه: "طرفاه عِنده" جملةٌ وقعت صِفة لقوله: "مُتَحيِّر".
وإِمَّا (1) مَع مُنْكرٍ يَحْكُم بخلافِه؛ أي: بخلافِ ما عِنْدَ المُتَكلِّم، فيُزادُ (2) توكيدُه بحسبِ قوَّةِ إنكارِه؛ أي: بِحَسبِ ما أُشْرِبَ (3) من الإنكارِ في اعتقادِه، ليَرُدّه -أي: المُتَكَلِّمُ المخاطبَ- (4) إلى حُكْم نفسه. نحو: "إنَّ زيدًا لَقَائمٌ"؛ لمن يُنْكرُ القيامَ، وَ "وَاللهِ إنَّ زيدًا لقائمٌ"؛ لمن يُبالغُ في إنكار القيامِ، ويُسمَّى إنكاريًّا. ويشهدُ له قولُ رُسُل عيسى -عليه السّلام -أوَّلًا: {إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} (5)؛
وثانيًا: إذ بُولغَ في تكذيبهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} (6).
__________
(1) في ب: "فإما"؛ بالعطف بالفاء. ولا يتناسب مع مثيلاتها في القسمين المتقدّمين قبلها.
(2) هكذا -أيضًا في ف-. وفي ب: "فيزداد".
(3) الإشْراب: المخالطة. وأُشرب فلانٌ حُبَّ فلانة؛ أي: خالط قلبه. ينظر: اللِّسان: (شرب): (1/ 491).
(4) في ب: "والمخاطب" ولا وجه له. ويظهر أنَّ الناسخ - عفا الله عنه - توهّم حركة الحرف السّابق: "الضّمّ" واوًا.
(5) سورة يس: من الآية: 14.
(6) سورة يس، من الآية 16. وفي أوردت الآية كاملة: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ}.
(1/267)

أَرْسل عيسى - عليه السلام - إلى أهلِ أَنْطَاكِيةَ (1) اثنين: شَمْعُون، ويُوحَنَّا؛ فكذَّبُوهُما؛ فقوَّاهُما برسول ثالثٍ هو بُولِسْ (2)، أَوْ حَبيب النَّجَّار، فقالُوا: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مرْسَلُونَ}، فأنْكَرُوا (3) بقولهم: {مَا أَنتُمْ إلا بَشَرٌ} (4) الآية؛ فأَجَابُوا بقَوْلهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ} (5) الآية. وَلَمَّا كانت الآيةُ مشتملةً على تكذيبِ الرُّسلِ من ثَلاثة أوجهٍ (6)
__________
(1) أنْطاكية -بالفتح، ثمّ السّكون، واليَّاء مخفّفة-: مدينة من الثّغور الشّاميّة، شُهرت بطيب هوائها، وعذوبة مائها، وكثرة خيراتها. حاصرها أبو عبيدة بن الجرّاح وصالحَ أهلَها على الجزية.
ينظر: معجم ما استعجم، لأبي عبيد البكري: (1/ 200)، ومعجم البلدان؛ لياقوت الحمويّ: (1/ 266 - 270).
(2) هكذا في الأصل. وفي أ: "فولس". وفي ب: "يونس".
(3) في ب: "وأنكروا".
(4) سورة يس: من الآية 15. وفي أ: {مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا} وسيأتي تمام الآية ضمن ذكر الآيات قريبًا.
(5) في أ: أُتّمت الآية كاملة: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ}.
ولمزيد إيضاح نسوق الآيات كاملة؛ قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} [يس: 13 - 16].
(6) الوجه الأوّل: قوله: {مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا}، والوجه الثَّاني: قوله: {مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}، والوجه الثّالث: قوله: {إِنْ أَنتُمْ إلا تَكْذِبُونَ}.
(1/268)

أكد إثبات رسالاتهم (1) -أيْضًا- بثلاثةِ أوجهٍ: "اللَّامِ، وإنَّ، وما في قُوَّة القَسَم (2) ".
__________
(1) في أ، ب: "رسالتهم".
(2) أورد المفسِّرون القصَّة بروايات مختلفة متفاوتة طولًا وقصرًا. فمن قائل بأنّ أولئك الرُّسلَ رسلُ الله سبحانه وتعالى، ومن قائل بأنّهم رسلٌ لعيسى -عليه السّلام-، ومنهم من قال بأن أسماءهم: شمعون، ويوحنّا، وبولس. ومنهم من قال بأنّهم: صادق، ومصدوق، وشمعون، وقيل غير ذلك. وكما وقع الاختلاف في الرّسل وأسمائهم وقع الاختلاف في القرية المرسل إليها؛ هل هي أنطاكية أم غيرها؟.
وقد رجّح ابن كثير في تفسيره (3/ 576 - 577): "أنّ هؤلاء كانوا رسل الله عزّ وجلّ لا من جهة المسيح -عليه السّلام- كما قال تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ... وَمَا عَلَيْنَا إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} ولو كان هؤلاء من الحواريّين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح عليه السّلام، والله تعالى أعلم. ثمّ لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم: {إِنْ أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا} ".
كما رجّح أنّ هذه القرية ليست أنطاكية "لأنّ أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح ... فإذا تقرّر أن أنطاكية أول مدينة آمنت؛ فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم كذّبوا رسله، وأنّه أهلكهم بصيحة واحدة ... " ثمّ "إن قصّة أنطاكيَّة مع الحواريّين أصحاب المسيح بعد نزول التَّوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدريّ - رضي الله عنه - وغير واحد من السّلف أن الله تبارك وتعالى بعد إنزاله التّوراة لم يهلك أمّة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم ... ؛ فعلى هذا يتعيّن أنّ هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية ... أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظًا في هذه القصّة مدينة أخرى غير هذه =
(1/269)

هذا كُلُّه (1) إخْراجُ الكلامِ على مُقْتَضى الظّاهر، وأنَّه في عِلْمِ البيانِ يُسَمَّى: بالتَّصْريحِ (2).
وإخراجُ الكلامِ على مُقْتضى الظَّاهرِ أخَصُّ من إخراجِ الكلامِ على مُقْتضى الحالِ (3)؛ لأن العُدولَ عن مُقْتَضى الظاهر -أيْضًا- مُقْتضى الحال، ولا يَنْعَكِس.
وقد يُعدلُ؛ أي: الكلام عَنْه؛ أي: عن مُقْتَضى الظَّاهرِ، ويُسمَّى حينئذٍ: إخراج (4) الكلامِ لا على مقتضى الظَّاهِر؛ فيُقامُ العالمُ بالفائدةِ ولازمِهَا مُقامَ الجاهل؛ لاعتباراتٍ خطابيَّةٍ (5) إقناعيَّةٍ؛ أي: مَظْنُوناتٍ
__________
= المشهورة المعروفة؛ فإنّ هذه لم يعرف أنها أهلكت؛ لا في الملّة النّصرانيّة، ولا قبل ذلك والله -سبحانه وتعالى- أعلم".
ينظر القصّة في: تفسير الطّبريّ (22/ 155 - 156)، وفي كشّاف الزَّمخشريَّ: (4/ 10 - 11)، ومعالم التّنْزيل؛ للبغوي: (7/ 12)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي: (15/ 14)، وتفسير ابن كثير: (4/ 574 - 577)، وفتح القدير؛ للشّوكاني: (4/ 363 - 366).
(1) أي: الخِطاب المجرَّد مع خالي الذِّهن، والخطاب المؤكّد تأكيدًا طلبيًّا مع المتحيّر، والخطاب المؤكّد بأكثر من مؤكّد مع المنكر؛ بحسب درجات إنكاره.
(2) سُمِّي بذلك لأنّ دلالته على الخاصيّة المرادة واضحة.
(3) وعلى هذا فإنّ "معناه: مقتضى ظاهر الحال" شرح العلّامة سعد الدّين التّفتازانيّ على التّلخيص (ضمن شروح المفتاح): (1/ 208).
(4) في الأصل: "بإخراج". والمثبت من: أ، ب، ف.
(5) في أزيادة: "أي" والسّياق تامّ بدونها، بل إنّ في إثباتها تكرارًا لها؛ لورودها مرّة أخرى عقب ذلك، وليس من منهج الشّارح تكرارها في الجملة الواحدة.
(1/270)

ومَقْبُولاتٍ، لا بُرْهَانِيَّة. مَرْجعُها، أي: مَرْجِعُ تلك (1) الاعتباراتِ التَّجهِيلُ أي: تجهيلُ العالم؛ لوجوه (2) مُخْتَلفةٍ؛ كعدم العَمَل بِمُقْتَضى عِلْمه؛ كَمَا في قول [تعالى] (3): {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (4)؛ ينفي العلمَ عنهم حيثُ لم يعمَلوا (5) به؛ بعلمهم، ولمْ يَجْروا عَلى سَنَن مُقتضاه بعد قوله في صَدْر الآية: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}؛ مؤكِّدًا باللَّامِ القسميَّة واصفًا لهم بالعلم على سبيلِ التّوكيد القسَميّ.
ونظيرُه؛ أي: نَظِيرُ قوله -تعالى- في النّفي والإثباتِ؛ في أنَّ المتَّصفَ بالشَّيءِ نُزِّل مَنْزلة الخالي عنه بوجهٍ خطابيّ؛ لا في تَنْزيل العالِم مَنْزلة الجاهل، قوله -تعالى-: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} (6) أثْبَتَ الرَّمْيةَ لرسُولِ الله- صلى الله عليه وسلَّم-؛ إذْ هو الرَّامِي بِحَسَبِ الصُّورةِ،
__________
(1) كلمة: "تلك" ساقطة من ب.
(2) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "بوجوه" وهو الموافق لما في المفتاح.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. ومثبت من: أ، ف.
(4) سورة البقرة: من الآية 102. والضّمير في قوله: {عَلمُوا} عائد إلى أهل الكتاب، وقيل: اليهود خاصّة، أمّا الضّمير في قوله: {اشْتَرَاهُ} فهو عائد إلى السِّحر المذكور في صدر الآية.
والخلاق: النَّصيب. ينظر: تفسير الطّبريّ: (2/ 541 - 453).
(5) في ب: "يعلموا" وهو تحريف.
(6) سورة الأنفال، من الآية: 17. وفي أورد ضمن الاستشهاد قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الله رَمَى} وليس في ف. ولا يستدعيه موضعُ الشّاهد.
(1/271)

ونفاها عَنْه بِحسبِ التَّأثيرِ، إذْ لا مُؤَثِّر إلَّا الله ولا سِيَّما (1) في الأثرِ العظيمِ الَّذي ليس في قُوَّةِ البشرِ.
رُوي أَنَّه - عليه السلام - لَمَّا طلعتْ قريشٌ (2) قال: "هذه قُريشٌ
__________
(1) في أ، ب: "سيّما".
(2) القصَّةُ بلفظ قريب جدًّا من هذا في الكشَّاف: (1/ 197) ولم أعثر في كتب الحديث على ما يدلُّ أن هذه القصَّة وقعت يوم بدر -كما هو الحال عند المفسّرين- بل إِنَّ ثَمَّة روايات متقاربة ورد بعضها في صحيح مسلم: (3/ 1402) وبعضها في مسند الإمام أحمد: (7/ 354 - 355) وبعضها في مسند الدّارميّ: (2/ 289، 290) تدلّ على أنَّ تلك الرّمية كانت يوم حنين. وهذا ما أكَّده الطِّيبيُّ في فتوح الغيب في الكشف عن قناع الرَّيب "مخطوط" رسالة دكتوراة بالجامعة الإسلامية: (330) إذ قال: "لم يذكر أحد من أئمّة الحديث أنّ هذه الرّمية كانت ببدر". غير أنَّ ابن حجر العسقلانيّ -رحمه الله- في كتابه: الكافي الشَّافي في تخريج أحاديث الكشّاف "طبع مستقلا عقب تفسير الكشّاف في طبعة دار المعرفة"- علّق على قول الطِّيبيّ رادًّا له؛ فقال ص (68): "وهو تعقيب غير مرضيّ". ثم ذكر ما يؤكّد أنّ هذه القصّة وردت ببدر مستشهدًا بعدّة روايات وردت عند الواقديّ والطّبريّ. ينظر: الصّفحة السّابقة. والحقُّ: أنَّ تلك الرّوايات -وإن قويت بمجملها وتعدُّد طرقها- لا تخلو من ضعف أو انقطاع. ومع ذلك لا أرى مانعًا من الجمع بين الرَّأيين؛ بأنَّ هناك رميتين إحداهما وقعت منه صلى الله عليه وسلّم يوم بدر، والأخرى يوم حنين. والله أعلم.
ينظر تلك الرِّوايات في مغازي الواقديّ: (1/ 80 - 81)، وتفسير الطّبري: (3/ 444)، وسيرة ابن هشام: (2/ 668).
وفي مسند الإمام أحمد: (4/ 487)، (5/ 442)، وابن حبّان: (6502)، وأبو نعيم في الدَّلائل: (139)، والبيهقيّ في الدّلائل: (6/ 240) -أنّ هذه =
(1/272)

قَدْ جَاءت بخُيلائِها وفَخْرها (1) يُكذِّبون رَسُولك؛ اللهمَّ أسْألُك مَا وعدتَّني!؛ فأتاهُ جبريلُ، فقال: خُذْ قَبْضَةً منْ تُرابٍ فارْمِهم به؛ فقال النّبيُّ -عليه السّلامُ- لعَليٍّ -رضي اللهَ عنه- لما الْتَقى الجَمْعان: أَعْطِني قَبْضَةً من الحصبَانِ (2)؛ فَرمى بها فِي وُجوهِهم، وقال (3): شَاهَت الوُجُوه! (4)؛ فلم يَبْقَ كافرٌ إلّا شُغل بعينِه؛ فانهزَمُوا".
وقولُه -تعالى-: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ} (5) أثبتَ لهم الأيمانَ في صدر الآية، ونفى عنهم في عجُزها؛ إذْ لَمْ يَتَرتَّبْ عليها الغرضُ الَّذِي هو الاسْتِيثَاقُ والوفاءُ.
__________
= الرّمية وما رافقَها من دعاء كانت قبل بدر- عندما تمالأت عليه قريش لقتله ضربة رجلٍ واحد- ولكنّ ثمرتها ظهرت ببدر "فما أصابَ رجلًا منهم من ذلك الحصَى حصاة إلا قُتل يوم بدرٍ كافرًا" مسند الإمام أحمد: (4/ 487).
(1) في الأصل: "ومجدها". والمثبت من: أ، ب. مصادر القول السَّابقة. وهو الأولى؛ لإجماع مصادر القول عليه.
(2) الحَصْبان: الحجارة الصّغيرة. ينظر: اللِّسان: (حصب): (1/ 319).
(3) في ب: "وقالت" وهو تحريف بالزِّيادة.
(4) شاهت الوجوه: أي: قبحت. النّهاية في غريب الحديث: (2/ 511)، غريب الحديث: (1/ 569)، وينظر: اللِّسان: (شوه): (13/ 508).
(5) سورة التوبة: من الآية 12.
(1/273)

وقَدْ يُلقى؛ أي: وإذْ (1) يُعدل عن (2) الظَّاهر بناءً على أنَّهُ هُو مقتضى الحال قَدْ يلقى الخبرُ إلى المنكرِ مُجَرَّدًا عن المؤكِّداتِ؛ تَنْزيلًا لَهُ منْزلة من لا يُنكر (3)، إذا كان معه؛ أي (4): مع المُنْكر ما إذا تأمَّله؛ كالدَّلائل العَقْليَّة (5) ارْتَدع عن الإنكارِ؛ تَقُولُ للكافرِ: "الإسلامُ حَقٌّ" لوُضُوح دلائله؛ أي: لما مَعه مَن الدَّلائل الواضحةِ الَّتى لَوْ تَأَمَّلها (6) عَرفَ حَقِّيته (7).
ومِثْلُه: {لَا رَيْبَ فِيهِ} (8) مع كَثْرةِ المُرْتابين فِيه؛ لأنَّهُ كان في وُضوحِ الدِّلالة وسُطوع البُرهان بحيث لوْ تأمَّلوا فيه ارْتَدعُوا عن الارتياب.
وإلى غيْرِ السّائلِ؛ أي: يُلقى إلى غَيْرِ السَّائلِ. عَبَّرَ عن خَالي الذِّهن "بغَيْرِ السَّائل" ليُنبّه على أنَّ إلقاءَ الخبرِ إليه مُؤكَّدًا لتنزيلِه منْزلة السَّائلِ (9) مؤكّدًا؛ وذلك ليسَ كما اتَّفَق؛ بلْ إذا قُدِّم إليه؛ أي: إلى غَيرِ
__________
(1) هكذا في الأصل. وفي أ، ب: "وإذا". والجملةُ شروعٌ في تنْزيل المنكر مقام الآخرين.
(2) في أزيادة: "مقتضى".
(3) في الأصل: "لا ينكره". والمثبت من: أ، ب، ف.
(4) "أي" ساقطة من ب.
(5) في أ، ب زيادة: "امتنع و" والمعنى تامّ بدونها.
(6) الضّمير عائدٌ إلى الكافر.
(7) في ب: "عن حقيقته". وهو خطأٌ ظاهر.
(8) سورة البقرة: من الآية: 2.
(9) في ب: "المسائل"، وهو تحريف بالزّيادة.
(1/274)

السَّائلِ، ما يُلوِّح (1)، كلام يُشير به بالخَبرِ (2)، ويُشعِر بِحُكم ذَلك الخبرِ ومَضْمُونِه؛ لأنَّه للنَّفسِ اليَقْظي (3) مظِنَّةُ الترَدُّد؛ لأنَّ تقديم (4) الملوّح للنَّفس اليَقظي مظِنَّةُ الطَّلبِ والتَّرَدُّد في تحققِ (5) مضمُونه للتَّلويحِ، وعدم تَحَقّقِه لعدمِ التَّصْريح. قال (6): {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} (7)، أي: لا تُراجعني يا نُوحُ في إهلاكِ الكُفَّارِ وإغراقهم.
ولَمَّا أوْرَثَ هذا النَّهيُ تحيُّرَ (8) نوحٍ -عليه السّلام- في سبب عدمِ المراجعةِ، وأنَّهم مُغرَقون أمْ لا؟ - أُزيل هذا التَّحَيُّرُ بأنْ قيلَ:
{إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} على سبيلِ التَّوكيدِ، أي: محكومُون (9) بغرَقِهم.
__________
(1) التلويح لغة: الإشارة عن بعد.
وفي اصطلاح أهل البيان: ذكر لفظ يدلّ على معني يتوسّط لوازمه؛ كما في كثير الرّماد. شرح الفوائد: لمجهول: (ل: 26 / ب)، وينظر: مفتاح العلوم: (411)، الإيضاح: (5/ 176).
(2) في أ، ب وردت العبارة هكذا: "ما يُلوّح به كلام يشير بالخبر".
(3) أي: المُنْتَبِهة. واليَقظةُ نقيض النّوم. اللّسان: (يقظ) (7/ 466).
(4) في أ، ب: "تقدُّم".
(5) في ب: "تحقيق".
(6) في أ: زيادة: "الله تعالى"، وليست في ف.
(7) سورة المؤمنون: من الآية: 27.
(8) في أ: "تردُّد"، وهما بمعني.
(9) في ب: "محكمون" وهو تحريف بالنّقص.
(1/275)

وكذَا إلى غَيْر المُنْكر؛ أي: كما يُلقى إلى غَيْر السَّائل مُؤَكدًا؛ كذلك يُلْقى إلى غير المُنْكِر مُؤكدًا زيادةَ تأكيدٍ (1) عند شيءٍ؛ أي: إِذَا كان عليه شيءٌ من مخايل (2) الإنْكارِ وأَمَارَاتِه؛ قال (3):
جَاءَ شَقِيقٌ (4) عَارِضًا رُمْحَهُ ... إِنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِم رِمَاح
شقِيق: اسمُ رجلٍ حسِبَ تأَتي (5) المقاومة مع بَنَي عمِّه سهلًا؛
__________
(1) في أ: "توكيد" وهما بمعنى.
(2) المخايل: جمع مَخِيلة، وهي محلُّ الظَّنِّ؛ يقال: خلْتُ الشَّيءَ خَيلًا ومَخيلَةً أي: ظننته.
ومنه المثل: "مَن يَسْمَعْ يَخَلْ" أي: يظنّ. ينظر: اللّسان: (خيل): (11/ 226).
(3) البيتُ من السَّريع. وقائله: جَحل بن نَضْلة؛ أحدُ بني عمرو بن عبد بن قتيبة بن أعصر.
وبعدَه:
هَلْ أَحْدثَ الدَّهرُ لنَا ذِلَّةً ... أَمْ هَلْ رقَت أُمُّ شَقيقٍ سِلاح
وقد ورد البيت منسوبًا لقائله في البيان والتّبيين: (3/ 340)، والمؤتَلف والمختلف لأبي القاسم؛ الحسن بن بشر: (112)، ومعاهد التّنصيص: (1/ 72) وبدون نسبة في الموشّح في مآخذ العلماء على الشّعراء؛ للمرزبانيّ: (396)، ودلائل الإعجاز: (326)، ونهاية الإيجاز: (359)، ومفتاح العلوم: (174)، والإيضاح: (1/ 75)، والتِّبيان في البيان: (229).
والشّاهد فيه قوله: "إنّ بني عَمّك فيهم رِمَاح" حيث نزّل غير المنكر للشّيءِ منْزلةَ المنكرِ لظهور أمارات الإنكار عليه.
(4) هو شقيق بن جزء بن رباح بن عمرو بن عبد شمس بن أعيا أحد بني قتيبة بن معن. المؤتلف والمختلف: (112).
(5) في الأصل، ب: "بأن" والصّواب من: أ، ويشهد لصوابه وصفه بقوله: "سهلًا" في نهاية العبارة وهو ما لا يصدق مع "بأن" لضرورة أن يكون خبرها "سهلًا" مرفوعًا من ناحية، ومطابقًا للاسم "المقاومة" -من حيث التَّأنيث- من ناحية أخرى.
(1/276)

حينَ (1) جاء آخذًا رُمْحَه بالعَرْض؛ غير مُلتفِتٍ إلى القرْنِ المكافح (2)، حَتَّى يَجْعل طرفَ الرُّمح إليه، مغرُورًا بشجاعته؛ فنزَّلهُ الشَّاعرُ لهذا منْزلةَ من يُنكِرُ أنَّ في بني عمِّه أُهْبَةَ (3) الْحَرْب؛ من الرِّماح وسائرِ السِّلاح، ويعتقدُ كون كُلِّهم عُزْلًا (4).
والحاصلُ: أنَّه يجبُ أَنْ يكونَ لباسُ (5) الكلامِ على قَدِّ (6) المقام؛ لا زائدًا ولا ناقصًا، ووضعُ الخبر ليعتقدَ المخاطبُ مضمونَه؛ فحَقُّهُ أن يُخاطبَ به من لا يَعْتقدُه (7)؛ وهو إِمَّا غيرُ مُتَصوّرٍ له (8)، أَوْ مُتصوّرٌ مَع تجويزِ نقيضِه (9) أَوْ مع اعتقادِه (10).
__________
(1) كلمة "حين" ساقطة من ب.
(2) هكذا في الأصل، وفي أ، ب، مفتاح العلوم: "المكاوح". ولفظة الأصل أولى وأصدق على المقام؛ لأَنَّ المكافحة: "المضاربة والمدافعة تلقاء الوجوه". وهذا ما يتحقّق مع حمل الرُّمح ورأسه للخصم. أمَّا المكاوحة فإنَّها لا تتجاوز معنى المقاتلة والمغالبة.
ينظر: اللِّسان: (كفح): (2/ 573)، و (كوح): (2/ 575).
(3) الأُهْبَةُ: العُدَّةُ. وأُهْبَةُ الحربِ: عُدّتها. اللِّسان: (أهب): (1/ 217).
(4) في أزيادة: "لا سلاح لهم" والسِّياق تامّ بدونها لكونه تفسيرًا لقوله: "عزلًا".
(5) في الأصل: "أساس" والصّواب من أ، ب. إذْ ربْطُ المطابقة بأساس الكلام يوحي بوجود فضلة لا يُعتدّ بها في مطابقة الكلام لمقتضى الحال. والبلاغةُ تمنعُ ذلك.
(6) في الأصل: "قدر". والمثبت من أ، ب؛ إذ هو المناسب للِّباس المتقدّم.
(7) في ب: "لا يعتقد".
(8) وهو خالي الذّهن.
(9) وهو التردِّد.
(10) أي: اعتقاد النّقيض؛ وهو المنكر.
(1/277)

فمعَ الأوَّلِ يَكْفي أصلُ الخبرِ. ومع الثَّاني يجبُ زيادةُ تقويةٍ له لِمنع (1) تجويزِ نقيضِه. ومع (2) الثَّالث أَزْيد لِمَنع (3) اعتقادِ النَّقيضِ. ثُمَّ تَجْويزه.
وكلَّما كان اعتقادُه أقوى احتاجَ إلى مُزيل أَقْوى؛ لا جَرَمَ يُخاطَبُ الأوَّلَ به مُجَرَّدًا، والثَّاني مُؤكّدًا، والثَّالثَ أشدَّ تأكيدًا.
ثمَّ هذه الثَّلاثةُ قدْ تكون ادّعَاءً لا حقيقة، وتُسمَّى: إخراجَ الكلامِ لا على مقتضى الظَّاهِر، فيدَّعى خُلُوَّ الذِّهنِ للتَّجْهيلِ، أَوْ السُّؤال لسبق كلامٍ يوجبُه، أَوْ الإنكارَ لأمارته أَوْ عدمِه لظُهورِ الدّلائلِ.
ومنْ هُنَا (4)؛ أي: مِمَّا علِمتَه ها هنا (5)؛ من كيفيَّة إخراج الجُملِ الخبريَّةِ على مُقْتضى الحالِ، وأنواع تركيباتِها الأُوَل؛ أي: تركيباتها بحسبِ عقدِ الجُمْلةِ، ونسبةِ بَعْضها إلى بعضٍ. مَعْ ما سيأتِيكَ؛ في الفنِّ الرَّابع (6) من تركيباتها الثَّواني؛ أي: تركيباتها مع الجُمَل بعضها إلى بعض فَصْلًا وَوَصْلًا؛ تعرفُ تفاوتَ: "اعْبُدْ رَبَّكَ إِنَّ العادة (7)، أو العبادةُ (8)، أو فالعبادةُ حقٌّ له" (9)؛ بِحسبِ المقام؛ أي: تفاوت ما
__________
(1) في ب: "تمنع".
(2) في الأصل: "في" والمثبت من أ، ب. وهو الملائم لما قبلَه. والمعنى واحد.
(3) في ب: "تمنع".
(4) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "ها هنا" ومعناهما واحد. وفي ب: "هذا" وهو تحريف.
(5) في أ: "هنا".
(6) من بيان أحكام الفصل والوصل والإيجاز والإطناب.
(7) بزيادة "إنّ" للتّأكيد.
(8) بترك "إنّ" مع الفصل -كما تقدّم-.
(9) بترك "إنّ" مع العطف بالفاء.
(1/278)

بينَ (1) هذه الجُمل الثَّلاث (2) على مُقْتضى المقام (3)، كما يُقال: إنَّ الأُوْلى (4) تُستعملُ حيثُ يُحتاجُ إلى التَّأكيد، ويُرادُ تحقيقُ العِلَّة (5)، والثَّانيةَ حيثُ يُخَاطبُ خالي الذِّهن، ولا يُرَادُ التَّعليلُ، والثّالثةَ حيثُ يُرَادُ التَّعليلُ، ولا يُرادُ التَّحقيق؛ لأَنَّ "الفاء" مُشْعِرٌ بالعلِّيَّة، و"إنّ" بالتَّحقيق، حتَّى لو أُريد (6) كلاهُما يُؤْتى بهما؛ فيُقالُ: "فإنَّ العَبادةَ حقٌّ".
وتقِفُ؛ أي: ومن هَذا (7) تقِفُ (8) على اعتباراتِ (9) النَّفي؛ لأن من أتقنَ الكلامَ في (10) اعتباراتِ الإثباتِ وقفَ على اعتباراتِ النَّفي بالقياسِ عليه (11)،
__________
(1) في أ، ب: "أي: تفاوتًا بين".
(2) في أزيادة: "بعضها إلى بعض"، والمعنى ظاهر بدونها.
(3) في الأَصل: "الكلام". والصَّواب من أ، ب؛ فالمقام هو الَّذي يوجد التّفاوت؛ لا الكلام.
(4) في الأَصل: "الأوَّل". والصّواب من: أ، ب؛ للتّأنيث المتقدّم.
(5) في الأَصل: "التّحقيق". والمثبت من: أ، ب؛ لكونه أدقَّ في إبراز المعني بعيدًا عن الاحتمال.
(6) في أ، ب: "يُراد". والمعنى هو المعني.
(7) في الأَصل: "هنا". والمثبت من أ، ب. وسيأتي -عمّا قليل- في العبارة المعطوفة عليها ما يدل على أنَّها أولى بالإثبات.
(8) في أاقحمت كلمة: "تقف" ضمن كلام المصنِّفِ مع سَبق ورودها فيه.
(9) في الأَصل: "اعتبار". والصّواب من أ، ب، ف.
(10) في الأَصل: "على". والصّواب من أ، ب.
(11) فالمتكلِّم قد يريد أَنْ يُعْلِم الحكم السَّلبيّ؛ فيقول: "ليس زيدٌ قائمًا" لمن لا يعلمه، وقد يُريد أَنْ يُعْلِمَ أنَّه يعلمه، نحو: "ما حفظت القرآن" لمن لا يحفظه. =
(1/279)

وعلى سببِ؛ أي: ومن هذا تقفُ على سبب (1) نزولِ القُرآن على هذه المناهج المذكورةِ؛ من اعتباراتِ الإسنادِ الخبريِّ، إِمَّا على وفقِ الظّاهر، وإِمَّا لا على وفقِه بحسب المقاماتِ.
__________
= وكذا الحالُ في إِلقاء الخبر على مقتضى الظَّاهر، فيُقال لخالي الذّهن: "ليس زيدٌ قائمًا". ويقال للشَّاك: "ليس زيد بقائم". ويقال للمنكر: "والله ليس زيد بقائم". وقد يُعدل عن ذلك الظّاهر، ويخرج الكلام على خلافه؛ فيقام كلُّ واحد من خالي الذّهن والمتردِّد والمنكر مقام الثّلاثة الباقية -كما سبق أن وضّح-.
(1) في أ: قحم قوله: "على سبب" ضمن كلام المصنِّف مع سبق وروده فيه.
(1/280)

الفنُّ الثَّاني: في الْمُسْنَدِ والْمُسْنَد إليه، والكلامِ في الحذفِ والإثبات، وفي التَّعريفِ بأَنواعه الْخَمْسَة (1). والتَّنكر، وفي التَّوابعِ؛ أي: الخمسةِ (2) -أيضًا- (3)؛ وإنَّما كرَّرَ لفظة: "في" فِي التَّعريفِ إشعارًا بأنَّه نَوْعٌ آخرَ من الكلامِ، وكذا في التَّوابع؛ والأَمرُ فيه سهلٌ جدًّا.
__________
(1) في أ: أقحمت كلمة "الخمسة" ضمن كلام المصنِّف. أَمَّا تلك الأنواع الخمسة فهي: المضمر، العلم، الوصول، اسم الإشارة، والعرّف باللّام، وبعضهم عدّ المضاف إلى أحد هذه الأمور قسمًا سادسًا، وبعضهم لم يعدُّه قسمًا مستقلًّا ورجعه إلى ما أضيف إليه.
ينظر: المفصّل في صنعة الإعراب؛ للزّمخشري: (245)، أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك؛ لابن هشام: (1/ 77)، شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب؛ لابن هشام: (165).
(2) مراده بالتّوابع الخمسة: التَّأكيد، والنَّعت، والبدل، وعطف البيان، وعطف النَّسق.
ينظر: المفصّل في صنعة الإعراب: (143)، شرح شذور الذّهب في معرفة كلام العرب: (433).
(3) كلمة: "أيضًا" ساقطة من ب.
(1/281)

النوعُ الأَول: في الحذف والإثباتِ (*)
فالحذفُ (1) إنَّما يجوزُ لقرينةٍ (2) حاليَّةٍ؛ كقولِ المُسْتهلِّ (3): "الهِلال واللهِ" (4)، أَوْ مقاليَّة؛ كقولِه -تعالى-: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا (5)} (6) الآية.
__________
(*) قدَّم هذا النَّوع على غيره؛ لأنَّ الحذف والإثبات يعرضان للطّرفين بالذّات من غير وساطة؛ بخلاف النَّوعين الآخرين.
(1) استهلَّ حديثَه بالحذف؛ لأَنَّ الحذف يعني عدم الذِّكر، والعدم سابق الوجود الممكن؛ فهو مقدّم.
(2) هكذا في الأَصل، ب، ف. وفي أ: "بقرينة".
وإنّما جوّز الحذف لقرينة؛ لأن الحكم المستفاد من الخبر لا يحصل إلا بمسند ومسند إليه وقد يكون معهما متعلّقات، فالأصل ذكرهما وما يتعلّق هما، ولا يجوز العدول عن شيء منها إلا لقرينة دالَّة على ذلك المحذوف.
(3) المستهلّ: مَن رأى الهلال. ينظر: اللِّسان: (هلل): (1/ 702).
(4) فالمحذوف المسند إليه؛ أي: هذا الهلال ودلّ عليه الحال المشاهد.
(5) في ب: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ}.
(6) سورة النّور: من الآية 36.
ولإيضاح الشّاهد بجلاء كان الأَوْلى ذكرَ الآية وما بعدها، والإشارةَ إلى أنّ ذلك في قراءة مَن قرأ الفعل {يُسَبَّحُ} بالبناء للمفعول.
فالآيتان: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 36، 37].
والشّاهد: حذف المسند المدلول عليه بالمقال؛ فكأن سائلًا سأل: من يسبحه؟ فجاء الجواب: يسبحه رجال لا تلهيهم ... " وسيأتي -إن شاء الله- ما يشهد لذلك من كلام الشّارح نفسه ص (84 - 85).
(1/282)

ويجيءُ؛ أي: الحذف، في المسندِ (1) والمسندِ إليه (2)، وفي الفعلِ (3)، وإنَّمَا ذكرَه (4) وإنْ كانَ يدخُلُ (5) تحتَ المسند لتخصّصهِ بخَواصّ وأحكامٍ. والمفعولِ (6) وسائرِ المُتَعَلِّقَاتِ (7) سوى الفاعلَ؛ إذ الفعلُ وُضِع للإسناد المُحَصَّلِ أَوْ الموجود (8)، أي: المُعَيَّن الجُزْئِي لا المطلق الكُلّيّ، وهو (9) نسبةٌ لا تتحصَّلُ إلَّا بذكرَ المسندِ إليه؛ ك "نصر" -مثلًا-؛ فإنَّه لم يُوضَع
__________
(1) نحو: حذف الخبر في قول الشَّاعر:
نَحْن بِمَا عِنْدنا، وأَنْتَ بما ... عندك راضٍ والرَّأيُ مُخْتلف
أي: نَحْن. مما عنْدنا راضون، حذف المسند من الأوَّل لدلالة الثَّاني عليه: "راض".
(2) نحو حذف المبتدأ في قول الشّاعر:
قَال لي: كَيْف أَنْت؟ قُلْتُ: عَلِيلٌ ... سَهرٌ دَائِمٌ، وحزنٌ طَويل
أي: أنا عليل، حالي سهر دائم.
(3) نحو: حذف الفعل في قول الشّاعر:
وليسَ قَوْلك مَنْ هَذا بِضَائره ... العُرْبُ تَعْرف مَنْ أنكرتَ والعجَمُ
أي: والعجم تعرفه.
(4) الضَّمير يعود إلى الفعل.
(5) في أ، ب: "داخلًا".
(6) نحو حذف المفعول به في قوله سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} [سورة يونس، من الآية: 25] أي: يدعو جميع النّاس.
ولم يقيد المفعول للإشارة إلى دخول الحذف في جميع المفاعيل سواء كان: مفعولًا مطلقًا، أو مفعولًا به، أو مفعولًا معه، أو فيه، أو له.
(7) أي: باقي المتعلِّقات؛ كالحال، والتّمييز، والاستثناء.
(8) قوله: "أو الموجود" ساقط من أ، ب.
(9) أي: الإسناد.
(1/283)

لنسبةِ الحدث إلى شيءٍ ما، بَلْ لنسبتِه إلى أمرٍ مُعيَّنٍ؛ وهو ما يُذكرُ بعده. فما لَمْ يُذكرَ الفاعل لمْ يَتِمَّ مدلُولُه ومَعْناه، وإذا النِّسبة (1) لا تَسْتَقِلُّ بوجُودها، بل تحصّلها تبعٌ لتحصّل لحوقها للغير فتحصّلُها عبارة عن أنّ يُقْر (2) بها لُحُوقٌ للغير خَاصٌّ، وإطلاقُها بخلافه؛ ك "ضرب زيدٌ"، و"الضّرب"؛ فالأَوَّل: يقالُ: إنَّها نسبةٌ مُحصَّلة، والثَّاني: مُطْلَقةٌ. وك "هذا النّصف" و"النّصف"، و"ظَرفيَّةُ الدَّارِ" و"الظرْفِيّة"، كما بُيِّن في علمِ الطَّبيعية (3).
فالحاصلُ: أنَّ "نَصَرَ" وُضِعَ لِكُلِّ نصرٍ خاصٍّ، ك "نَصَرَ زَيْدٌ"، و"نصر بكرٌ"، فلو ذُكرَ بدون الفاعلِ لم يُفدْ شَيْئًا.
وهَهنا فائدةٌ جليلةٌ لا بدَّ من ذكرها، وهي: أنَّ اللَّفظَ قد يُوضعُ وضعًا عامًّا؛ لموضوع (4) له عَامّ؛ ك "رجُل"، وقد يُوضعُ وضعًا خاصًّا؛ لموضوع (5) له خاصّ، ك زيد"، وقد يوضع وضعًا عامًّا لأمورٍ مخصوصةٍ؛ ك "هذا"؛ فإنَّ وضعه عامٌّ لكُلِّ مُشارٍ إليه مَخْصوص؛ أي: وضع لاعتبارِ (6) المعني العامّ
__________
(1) هكذا الأَصل. وفي أ، ب: "وإذا النّسبُ" ولا اختلاف في المعنى.
(2) في الأَصل: "القرآن". والصّواب من: أ، ب.
(3) في الأَصل: "الطَّبيعيّ". والصّواب من: أ، ب.
(4) في الأَصل: "فالموضوع" والصواب من أ، ب.
(5) في الأَصل: "فالموضوع" والصّواب من أ، ب.
(6) في الأَصل: "وضعت لاعتبار". وفي ب: "وضعت باعتبار". والصّواب من: أ، فهو المناسبُ للسِّياق.
(1/284)

للخُصوصِيَّاتِ (1) الَّتي تَحْته؛ فلا يُقالُ: "هذا" والمرادُ: أحدٌ مِمَّا (2) يُشارُ إليه (3). وكالحُروفِ ك "مِنْ" فإنَّها وُضِعَتْ باعتبارِ معني عامّ؛ وهو نَوعٌ من النِّسْبة؛ كالابتداء لكلِّ ابتداء مُعَيَّن بخُصوصه (4)؛ فما لم يُذكرَ مُتَعلّقه لا يَتَحصّل فردٌ من ذلك النَّوع [الّذي] (5) هو مدلولُ الحرفِ، لا في العقل ولا في الخارجِ، وإنَّما يتحصّل بالمَنْسُوب إليه، فيتعقّل بتعقّله.
وهكذا الفعل فإنّه وُضِع لنسبةِ الحدثِ إلى أمرٍ مُعيَّن، فما لم يُذكر ذلك الأمرُ لم يُفد.
فإن قلتَ (6): فما الفرقُ حينئذٍ بينه وبين الحرف؟.
قلتُ: لوجهين (7):
الأَوَّل: أنَّ معناه وإنْ لم يتحصَّل إلّا بذكر المتعلِّقِ؛ لكنَّه إذَا تحصَّل ففي نفسهِ بخلاف الحرف؛ فَإنَّه في غيرِه، والثَّاني (8): أنَّه بعد ذِكر مُتعلّقه يصير إسْنادًا تامًّا مُفيدًا (9) بخلافِ الحرف.
__________
(1) في ب: "للمخصوصات".
(2) في ب: "ما".
(3) بل يقال: هذا، والمراد: المعين بالإشارة.
(4) في الأَصل: "ونحو صَهْ" والصَّواب من أ، ب.
(5) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل، ب، ومثبت من أ.
(6) اعتراض توقّع الشّارح توجهه إليه.
(7) هكذا في الأَصل، ب. وفي أ: "بوجهين". وكلاهما جائز.
(8) في ب: "الثَّاني"؛ بحذف حرف العطف.
(9) في أو: "مقيدًا" وهو تصحيف.
(1/285)

وإن (1) قلتَ -أيضًا-: سلَّمنا أَنَّه لا يتحصّل إلّا بالمسند إليه، لكنّه أَعمُّ من أنْ يكون مَذْكورًا أو محذوفًا عند القرينة؟.
قلتُ (2): العللُ النَّحويّةُ تَعْليلاتٌ بَعْد الوقوع ولا تَوجيه للنَّقضِ عليها.
فإن قلتَ: فما تقولُ في فاعل المصدر؛ فإنه جائزُ الحذفِ؟.
قلتُ: لأنَّ المصدرَ وُضِع للنِّسبة المُطْلقة لا المقيّدةِ، والتَّقريبُ ظاهرٌ؛ كيف وبحثُنا في فاعل الفِعل لا مُطلقًا! (3).
وهذه المسألةُ زائدةٌ على "المفتاح" (4).
ثم إنَّه؛ أي: الحذف (5). يترجَّحُ (6)
__________
(1) في أ، ب: "فإن".
(2) في أ: "قلنا".
(3) قوله: "فإن قلت: فما تقولُ في فاعل ... لا مطلقًا" ساقطٌ من ب.
(4) وهي: تعليل المصنّف عدم مجئ الحذف في فاعل الفعل" أَمَّا ما تقدّم ذلك من قوله: "فالحذف إنّما يجوز لقرينة حاليّة، ويجي في المسند والمسند إليه ... ، فغيرُ مرادٍ لأنَّ السَّكَّاكيَّ -رحمه الله- وإن لم يورد الحديث عنه إجمالًا مُجتمعًا في موضع واحد إلا أنَّه تعرّض له في ثنايا كتابه عند حديثه عن كلِّ مبحث من تلك المباحث على حِدَة.
(5) مطلقًا؛ أي: في المسند إليه، والمسند، وغيرهما.
(6) سبقت إشارة المصنِّف -رحمه الله- أن الحذف يجوز بقرينة حاليّة. ولمّا كان الكلام يقتضي -في أصل وضعه- إثباتَ المسند والمسند إليه وتوابعهما لتوقّف إفادة النِّسبة عليهما. والقرينة تُجوِّز الحذف. ولمّا لم يجز ترجيح أحد الجائزين (الإثبات، الحذف) على الآخر- شرع في بيان المرجِّحات لكلّ منهما؛ فبدأ بالحذف ثمَّ بالإثبات.
(1/286)

لوجُوهٍ (1): الأَوَّل: ضِيق المقَام (2)؛ كجوابِ المشْرف -أي: على الموتِ-: أمُوت؛ حيث يُقال له: كيف أنت؟، إذ الوقت لا يَسع أن يقُول: أنا أموتُ (3). وكعند (4) ملاقاةِ المحبِّ والمحبُوب في مضيق، فيُحذف خوفًا من تنبُّه الرُّقَباء. وكضَرُورة الشِّعْر. وقوله (5):
قَال لِي: كَيْفَ أَنتَ؟ قلتُ: عَلِيلٌ ... سَهَرٌ دَائِمٌ، وَحُزْنٌ طَويلُ
يحتملُ الأخيرين لا الأَوَّل (6)؛ كما قال شارحُ "المفتاحِ" (7)؛ لأنَّ المِصْراعَ الأخير يَنْفيه (8).
__________
(1) في الأَصل، أ: "بوجوه". والمثبت من: ب، ف.
(2) أي: الحال الَّتي وقع الكلام فيها بأن لا يسع الوقت الذّكر. وأسبابه كثيرة؛ منها: الخوف، والضَّجر، وانتهاز فرصة، وإقامةُ وزنٍ، ونحو ذلك.
(3) بإثبات المسند إليه.
(4) في الأَصل: "وكما عند". والمثبت من أ، ب.
(5) البيتُ من الخفيف، مشهور ولا يعلم له قائل، وقد ورد بدون نسبة في دلائل الإعجاز: (238)، والمفتاح: (176)، والإيضاح: (2/ 4)، والتِّبيان: (231)، وهو في معاهد التّنصيص: (1/ 100).
(6) أي: الحذف خوفًا من تنبُّه الرُّقباء، وضرورة الشِّعر؛ لا ضيق الوقت.
(7) ينظر: مفتاح المفتاح: (143).
(8) هذا التَّعليلُ أَورده الكرمانيّ -رحمه الله- ردًّا على شارح المفتاح. وإيضاحُه: أنّ في مصراع البيت الثَّاني إطناب ومباثّة للشَّكوى؛ وفي ذلك ما يتنافى مع عدم سِعة الوقت -كما هو الحال في جواب المشْرِف-. =
(1/287)

الثَّاني: الاحْتراز عن العَبث (1)؛ نحو: {يُسَبِّحُ (2) لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ} (3)، إذ لو كُرِّر فعلُ التَّسْبِيح (4) لكان عبثًا؛ إذْ هو معلومٌ من الأَوَّل (5).
وفيه؛ [أي] (6): في الحذفِ في هذا المثال مَع ذلك؛ مع الاحترازِ
__________
= على أنّ هناك من ردّ هذا الوجه؛ وقال: "المصراع الثَّاني وإن تُصوّر بصورة الإطناب إلا أنّه في حقيقة الأمر إيجازٌ؛ لأنّ المقام مقام مُباثّة للشّكوى، وحديث مع مُحبٍّ؛ وهو خليقٌ بأطنبَ من هذا".
ينظر: شرح الفوائد الغياثيّة لمجهول: (ل 30/ ب، 31/ أ)
(1) أي: عمّا لا فائدة فيه؛ لأنّ غرض المتكلِّم إفادة المخاطب؛ فمتي كان عارفًا بالقصد لم يكن في ذكره فائدة، وترجّح الحذف.
وقيّده صاحب المفتاح بقوله (ص 176): "بناء على الظّاهر"؛ لأنّ ذكر المسند والمسند إليه -في الحقيقة- ليس عبثًا؛ لكونهما من أجزاء الكلام، وجزء الشَّيء لا يكون مستغنًى عنه. ثم القرينة وإن كانت مغنية عن الذِّكر ظاهرًا لكِن يجوز أن يكون له فائدةٌ ملموسةٌ؛ كالتَّعجّب والتّعظيم وما إلى ذلك.
(2) على قراءة مَن قرأ بالبناء للمفعول. وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر. وقرأ الباقون بكسر الباء بالبناء للمعلوم.
ينظر: النَّشر في القراءات العشر: (2/ 249).
(3) سورة النّور من الآيتين: 36، 37.
(4) فقال: "يسبحه رجال".
(5) ومن هذا يعلم أنّ المحذوف في الآية الكريمة هو المسند إلى {رِجَالٌ} وقوعه في جواب سؤال مقدَّر، وكأنّه قيل: من يسبحه؟؛ فجاءت الإجابة: {رِجَالٌ}؛ أي: يُسبّحه رجال.
(6) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل. ومثبت من: أ. وعليه درج الشّارح.
(1/288)

عن العبث تكثيرُ الفائدةِ بنيابته؛ أي: بنيابة ذلك الكلامِ عن ثلاثِ جُملٍ؛ إحْداها: المذكورةِ (1)، والثَّانية: مَنْ يُسبّح؟ (2). والثَّالثة: يُسبّحُ رجالُ (3)، ولو بَنَاه للفاعلِ لكان جُمْلةً واحدةً. ولا شُبْهة أنَّ الكلامَ متى كان أجمعَ للفوائدِ كان أبلغ، وفوائدُ ثلاثِ جُملٍ أكثرُ من فوائدِ جملةٍ؛ فيكون الكلامُ ببناءِ المفعولِ أبلغ، ويكون؛ عطفٌ على قوله: "بنيابتهِ"، {يُسَبَّحُ لَهُ} و {رِجَالٌ} مقصودَين [بالذِّكر] (4)؛ لأنّهما حينئذٍ من أركان الكَلامِ لا من الفَضَلات؛ وفيه أدنى مُخالفةٍ للمفتاح؛ لأنَّه قال في قوله: "يُكتبُ القرآنُ لي زيدٌ" (5): أنَّ "كُلَّ واحدٍ من لفظي: (القرآن) و (زيد) مقصودٌ إليه في الذِّكرِ غير مستغنىً عنه؛ بخلافِه في التَّركيب الآخر (6)؛ فإن لفظ (القرآن) يُعدُّ فيه فَضْلة" (7). فالموافِق له (8) أن يُقَال: [ويكون المسبّح (له) و (رجال)
__________
(1) وهي قوله: {يُسبَّحُ لَهُ}.
(2) السّؤال المقدَّر النَّاشيء من بناء الفعل للمفعول.
(3) الإجابة المترتّبة على السّؤال المقدَّر.
(4) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. وأثبت من: ب؛ حيث ورد ضمن كلام الشَّارح. أمَّا في أفإِنَّه ورد ضمن كلام المصنِّف، وليس في ف.
(5) المفتاح: (227) واختلاف اللّفظ يسير جدًّا.
(6) أي: بناء الفعل للفاعل؛ (يكتُبُ القرآنَ لي زيدٌ).
(7) لكونه حينئذٍ مفعولًا به؛ بخلاف التَّركيب الأوَّل؛ فإنّه نائب عن الفاعل. وما ناب عن العمدة فهو عمدة.
(8) في أ، ب زيادة: "أي المصنّف" والسِّياق تامٌّ بدونها.
(1/289)

مقصودين؛ اللهم إلّا أَنْ يُقال:] (1) المراد من قوله: {يُسَبّحُ لَهُ} لفظة: "له". وفي بعض النُّسخِ لم تُوجد لفظة: "يسبّح"، لكنَّ المقروء على المصنِّف هو المشْرُوحُ.
وبذكرِ الشَّيءِ عطفٌ على [قوله] (2) "بنيابته" مُجْمَلًا ثُمَّ مفصَّلًا؛ وهو (3) أوقعُ في النَّفسِ؛ لتكرار (4) الإسناد (5)، وأَنَّهُ (6) إذا ورد (7) عليها المجْمَل (8) انتقَش فيها واشْتاقت -أيضًا- إلى تفصيله؛ ثمّ إذا ذُكر بعده المُفَصَّل (9) تمكَّن فيها. والمحصُولُ بعد الطَّلبِ أعزُّ من المنساق بلا تَعب (10).
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل. ومثبت من: أ. وفي ب: "ويكون المسبح له مقصودًا؛ اللهم أن يقال:".
(2) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل ومثبت من: أ، ب. وبه يتَّضح المعنى.
(3) "وهو" ساقط من ب.
(4) هكذا في الأَصل. وفي أ، ب: "تكرّر".
(5) وذلك لأنّ إيراد الفعل "يُسبَّح"؛ مبنيًّا للمفعول يقتضي استناد التَّسبيح إلى فاعل ما؛ وهذا هو الإسناد الأَوَّل. وإيراد {رِجَالٌ} مرفوعًا يقتضي وجود فعل يستند إليه؛ وهو {يُسَبِّحُ} المقدَّر؛ وهذا هو الإسناد الثَّاني.
(6) في أ: "ولأنّه".
(7) في أ، ب: "أورد".
(8) يقصد به الإسناد الأوَّل؛ الَّذي لم يُعيِّن فيه الفعل المذكور {يُسَبّحُ} فاعله.
(9) يقصد به الإسناد الثَّاني؛ الَّذي عيَّن فيه الفعل المحذوف {يُسَبّحُ} فاعله.
(10) يشعر هذا التَّعقيب بأن الشَّارح يُخالف السَّكَّاكيّ -رحمهما الله- في عدّه =
(1/290)

الثّالث: تَخييلُ (1) التَّعويلِ، أي: الاعتماد على شهادة العقلِ دون اللّفظِ (2)، وكم بَينهما!، لأنَّ الاعتمادَ على شهادةِ العقلِ لو حُذِف، وعلى شهادةِ اللّفظِ لو ذُكر. وكم بين الشَّهاديتن من الفرق!؛ فإنَّ شهادة العقلِ أَقْوى وأدلُّ.
__________
= أنّ من فوائد نحو هذا التَّركيب: أنّ أوّله لما لم يكن مطمعًا في ذكر فاعله كان وروده على السَّامع كمن تيسّر له غنيمة من حيث لا يحتسب بخلاف ما إذا كان الفعل مبنيًّا للفاعل. ينظر: الفتاح: (228).
ويبدو لي: أنّ رأي الكرمانيّ أقرب إلى الصَّواب؛ إذ أنّ بناء الفعل للمفعول -وإن قطع الطرّيق إلى الفاعل- لا يمنع من تطلّع النّفس إلى الفاعل، واستشرافها إلى معرفته، ومتى عرفته أدركت حاجتها، وشفت غلَّتها. يؤكّد هذا ما ذكره السَّكَّاكيُّ نفسه في الفائدة الأولى من أنّ الجملة المبنيّة للمفعول تنوب عن ثلاث جمل؛ ذكر منها: الجملة الدلول عليها بالفاعل؛ (المفتاح: 227) وهي في شاهدنا: من يسبّحه؟ المدلول عليها ب {رِجَالٌ} ولم يكن لهذا التّساؤل أن ينبت سريعًا -دون غيره- لولا استشراف المخاطب إلى معرفة الفاعل. والله أعلم.
(1) التخييل: من خال الشَّيء إذا ظنَّه؛ ومنه المثل: "مَن يَسمع يَخَلْ"؛ أي: يظنّ. ينظر: اللِّسان: (خيل): (11/ 226).
"وإنّما قال: "تخييل" لأنّ الدّال حقيقة عند الحذف هو اللّفظ المدلول عليه بالقرينة، وهذه نكتة فلسفيّة أتى بها السَّكَّاكيُّ في أغراضِ الحذف ... ". بغية الإيضاح. للصّعيديّ: (56).
(2) قيّده السَّكَّاكيُّ بقوله (المفتاح: 176): "من حيث الظّاهر" لأنَّ شهادة اللَّفظ لا تتمُّ بدون مساعدة العقل.
(1/291)

الرَّابعُ: تَطْهيرُ اللِّسان عَنه (1)؛ لغاية دَناءته وخِسَّته؛ فلا يَليق ذكره باللِّسانِ (2)، ويقرُب منه؛ من تَطْهيرِ اللِّسان، من حيثُ إنَّه لا يَليقُ بالذِّكر الحياءُ من التَّصريح (3)؛ أي: ما يُسْتَحى من التَّصْريح بذِكْره؛ كما قالتْ عائشة -رضِى الله عنها- (4): (مَا رَأَى مِنِّي وَمَا رَأَيْتُ مِنْه)، أي: ما رأى رسُول الله- صلى الله عليه وسلّم- العورةَ منّي (5)، وما رأيتُ العورةَ منه.
الخامسُ: تَطْهيرُه عن اللِّسان، لغاية شرفهِ وعظمتهِ (6).
__________
(1) في المفتاح (ص 176): "وإما لإيهام أنَّ في تركه تطهيرًا للسان عنه ... " وإنّما حذف هنا قيد (الإيهام) بناءً على ظهور حمل التّطهير على الوهم؛ إذ أنّ اللّفظ -في حدّ ذاته- لا يلوّث اللِّسان.
(2) ومثاله قول الشّاعر:
قومٌ إذا اسْتنبحَ الأَضْيَافَ كَلْبُهم ... قَالُوا لأمّهم بُولِي عَلَى النَّارِ
أي: هم قومٌ. فقد حذف المسند إليه تطهيرًا للِّسان عنه، وتنكير "قوم" للتّحقير.
(3) علَّل طاش كبرى زاده قولَ المصنِّف: "ويقرب منه الحياء من التّصريح" دون قوله: "ومنه ... " مع أن كلًّا منهما على اختيار الحذفِ لتلوّث المحذوف بقوله (شرح الفوائد: 43): "إن مدارَ الحياء على الاحترازِ عن الأسماع ومدارَ التَّطهير على الاحتراز عن التَّكلم من غير ملاحظة الأسماع".
(4) تقدّمت ترجمتها ص (254) من هذا البحث. أمَّا قولها فلم أو جده في كتب الحديث المعتمدة، وأشار إليه شارح الجامع الصّغير في كتابه المسمّى: "التيسير في شرح الجامع الصّغير": (1/ 250). وهو موجود في الطّراز؛ للعلويّ: (3/ 303).
(5) في ب وردت العبارة هكذا: "ما رأى الرَّسول منّي العورة".
(6) ومثالُه قول الشّاعر: =
(1/292)

السَّادسُ: إمكانُ الإنكارِ إن احْتيج إليه، كما تقول عند وجودِ القرينة:
يُعْطي ويَمْنعُ لا بُخلًا ولا كَرَمًا.
ولا تذكر المُسْند إليه لتتمكّنَ من الإنكار؛ أي: إن احتجت إليه، وكما قال الصدِّيق [رضي الله عنه] (1) -في جوابِ سُؤالِ الكفّار: مَنْ هَذا؟ - (2): (رَجُلٌ يَهْدِيني السَّبِيلَ)، قريبٌ منه (3).
__________
= أضاءَتْ لهم أحْسابُهم ووجوهُهمْ ... دُجى اللَّيل حتَّى نظّم الجزع ثاقِبُه
نجومُ سماءٍ كلَّما انقضَّ كَوْكَبٌ ... بَدا كَوْكَبٌ تأوي إليه كَواكِبُه
أي: هم نجوم. فقد حذف المسند إليه تطهيرًا له عن اللِّسان.
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من: أ، ب.
والصِّدِّيق هو: أبو بكر؛ عبد الله بن أبي قُحافة عثمان بن عامر التّيميّ القرشيّ؛ لُقّب بالصّدِّيق وبالأوّاه. خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وأبو زوجه عائشة أمّ المؤمنين. أوّل الرجال إسلامًا، ولد بعد مولد النّبيّ صلى الله عليه وسلم بسنتين وأشهر، وتوفّي سنة 13 للهجرة عن عمر يناهز (63) عامًا.
ينظر في ترجمته: السِّيرة النّبويّة لابن هشام: (1/ 249)، الطّبقات الكبرى لابن سعد: (3/ 169 - 202)، تاريخ الطّبريّ: (3/ 420 - 431).
(2) صحيح البخاريّ: (5/ 161) وإحدى روايتي ابن سعد في الطبقات: (1/ 235) بتصرّف طفيف. أَمَّا الرِّواية الأخرى (1/ 234) فبلفظ: "هَادٍ يَهْدِيني".
(3) إنّما قال: "قريبٌ منه" ولم يقل: "منه" لاختلاف بينهما؛ فإنّ الدّاعي إلى الإنكار في الأوَّل ما نشأ عن الحذف؛ وهو عدم التّصريح بالمسند إليه؛ ليتأتى الإنكار -إن احتيج إليه- فيما بعد بالقول: ما عنيت فلانًا بل غيره. أَمَّا الثَّاني فإن الدّاعي إلى =
(1/293)

السّابعُ: تعيُّنُه للخبرِ حقيقةً أو ادِّعاءً؛ أي: يكون المسندُ إليه مُتَعيِّنًا لهذا الخبرِ لا يُشاركه فيه غيرُه، ولا يَصلُح الخبرُ إلَّا له (1). حقيقةً؛ كقولك: "خالق لما يشاء [فاعل لما يريد (2)] (3) ", أو ادّعاءً من المتكلّمِ؛
__________
= الإنكار فيه ما نشأ عن الكناية في قوله: "يهديني السّبيل" فإن ظاهره أنَّه دليل الطّريق، وباطنه أنَّه دليل الخير والرّشاد؛ كما أفصحت عنه روايتا البخاريّ وابن سعد المتقدمتان: "فيَحْسِب الحاسبُ أنَّه إنّما يعني الطّريق، وإنّما يعني سبيل الخبر" والمعنى الثَّاني هو الَّذي يتأتّى به الإنكار إن احتيج إليه.
(1) قصَر الشّارح -رحمه الله- الحذفَ في هذا الغرض على المسند إليه، وجعله في بابه دون غيره؛ عندما قال: "أي: يكون المسند إليه متعيّنًا لهذا الخبر ... " ويبْدو أنّ السَّبب في ذلك فهمه للخبر في قول المصنِّف: "تعينه للخبر" على أنّ المراد به الخبر النّحويّ "خبر المبتدأ".
وأُرجِّح ما ذهب إليه طاش كبرى زاده في شرحه للفوائد: (42) من "أنَّه أراد بالخبر: معني الإخبار الحاصل من الإسناد لا خبر المبتدأ؛ إذ المصنِّف عمّم الكلام للمسند والمسند إليه معًا؛ فالمراد بالمحذوف ما يعمّهما"، والله أعلم.
(2) فإنَّ هذين الخبرين لا يَصلُحان إلا لله -سبحانه وتعالى-، وكلاهما مُسْتوحى من التَّنزيل الحكيم.
أَمَّا أوّلها فمُسْتقى من قوله تعالى: {يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور: 45]، وقوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] وغير ذلك من الآيات الَّتي تضمَّنت مثل هذا المعنى.
أَمَّا ثانيهما فمُسْتقى من قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: من الآية 253]، وقوله: {فَعَّالٌ لِمَّا يُرِيدُ} [البروج: الآية 116] وغير ذلك من الآيات الَّتي تضمنت مثل هذا المعنى.
(3) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل، ب. ومثبت من: أ.
(1/294)

كقولِ الشَّاعرِ -في حقِّ ممدوحِه- (1):
الوَاهِبُ المائةَ الهِجانَ وعبدَها ... عوذًا تُزَجِّي خَلفَها أَطْفالها
الثَّامنُ: اتباعُ الاستعمالِ (2)؛ فإنَّه إِذا كان الاستعمالُ واردًا على الحذفِ منه (3) أو من أمثاله ونظائِره (4) -كما قال في "المفتاح" (5) -، وقامت القرينةُ لا بُدَّ من حذفه؛ كما في (6): (نِعم الرَّجلُ زيدٌ!)، على قول من يرى أصل (7) الكلامِ: "نِعمَ الرَّجلُ هو زيدٌ" (8)،
__________
(1) البيت من الكامل، وقائله أعشى قيس؛ قاله يمدح قيس بن معدي يكرب، وهو في ديوانه: (152). طبعة دار صادر.
(2) أي: الاستعمال الجاري عند العرب في كلامهم.
(3) يقصد به: السّماعيّ.
(4) يقصد به: القياسيّ.
(5) ينظر ص: (176).
(6) هكذا ورد قوله: "كما في "ضمن كلام المصنِّف في الأَصل، ف. وورد في: أ، ب، ضمن كلام الشّارح، وزِيدَ بعده كلمة: "نحو" مُوردةً ضمن كلام المصنِّف.
(7) كلمة: "أصل" ساقط من ب.
(8) يجعل المخصوص خبر مبتدأ محذوف؛ كأنه لَمّا قيل: نعم الرَّجل!، سئل: من هو؟ فقيل: زيدٌ؛ أي: هو زيد. فحذف المسند إليه، وينقاس على هذا القول نظائره.
بخلاف من يرى أنّ أصل الكلام جعل المخصوص مبتدأَ خبره ما تقدّمه من الجملة؛ كأنّ الأَصل: زيد نعم الرَّجل، فإنَّه لا حذف فيه. وإنّما فيه تقديم وتأخير.
ينظر: إعراب مخصوص نعم وبئس في: الأصول في النَّحو؛ لابن السّراج: (1/ 112)، المفصّل: (362 - 363)، أوضح المسالك: (3/ 251)، شرح الأشمونيّ =
(1/295)

وكما في: "ضرب زيدًا قائمًا"؛ فإن التَّقديرَ -على الأصحِّ-: "ضربي زيدًا حاصلٌ إذا كان قائمًا" (1)، وكما في قولهم (2): (سُقيا)؛ إذ التَّقدر: "سقاك الله سُقيا"، وكذا: (عجبًا)، إذ التَّقدير: "عجبتُ عجبًا" (3)، وكما في قولها (4): "إلا حَظَّةٌ فلا أَليَّةٌ"؛ حَظِيَّةٌ: فَعِيلة من حظيت المرأةُ عند زَوْجها حُظِوة (5). وأَليّةٌ: فعيلة من الأَلْو؛ وهو التَّقْصِير؛ بمعني فاعله؛ أي: إن لا يكن لك في النِّساءِ حَظيّة؛ لأنَّ طبعك لا يُلائم طبعهنّ -فإنّي غيرُ مُقَصِّرةٍ،
__________
=: (2/ 378 - 379).
(1) وعليه يكون المحذوف خبر المصدر وهو: "حاصل" لقيام غيره مقامه، ثمَّ حذف: "إذا كان" لقيام الحال مقام الظّرف. كما نصّ عيه أكثر المحقّقين من أهل البصرة. وإنّما قال: "على الأصحِّ" تبعًا لاختلاف النّحويين في هذه المسألة وسلوكهم تقديرات شتّى؛ منها: "ضربي زيدًا أضربه قائمًا"، ومنها: "ضربي زيدًا قائمًا حاصل"، ولمزيد من البيان ينظر: حذف الخبر في المصادر التّالية: المفصّل: (46)، أوضح المسالك: (1/ 204).
(2) في أ: "قوله".
(3) وهذان المثالان: "سقيًا"، "عجبًا" حذف المسند فيهما حذفًا سماعيًّا.
(4) المثل في: الأمثال؛ لأبي عبيد: (157)، جمهرة الأمثال؛ للعسكري: (1/ 59)، مجمع الأمثال؛ للميداني: (1/ 30)، فصل المقام في شرح كتاب الأمثال؛ للبكري: (137)، المستقصى في أمثال العرب؛ للزّمخشري: (1/ 373)، اللِّسان: مادة (إلَّا). والشّاهد فيه: حذف المسند من الشرط، والمسند إليه من الجزاء؛ اتباعًا للاستعمال. وأصل الكلام: "إن لا يكن لك حظيّةٌ فإنِّي لا أليّةٌ".
ويُروى المثلُ بالنَّصب: "إلا حظيةً فلا أَليّة" على تقدير: "إن لا أكن حظيّةً فأنا لا أكون مقصِّرة"؛ فيكونان خبرين ل "كان" المحذوفة.
(5) بضم الحاء وكسرها. والْحُظِوةُ: المكانة والمنزلة. اللِّسان: (حظا): (14/ 185).
(1/296)

و (كان) هي (1) تامَّة.
وموردُ المثل: أن رَجلًا كان (2) لا تَحْظَى عنده امرأة، فلمَّا تزوَّج هذه (3) لم تَأْل جهدًا في أن تَحْظى عنده؛ ومع ذلك لم تَحْظ، بلْ طَلَّقها؛ فقالت (4).
ومَضْرِبُه: كلُّ قضيَّةٍ كان الإنسانُ أهلًا لها، مُجْتهدًا فيها، ولكنَّها امتنعت عليه لعارضٍ عرضَ من غير جِهته.
التّاسعُ: اختبارُ السّامعِ هلْ يتنبّه للمحذوفِ مع وجودِ القرائن، واختبارُ قَدْرِ تَنبّهه عند وجودها -أيضًا- (5). يُحكى أنّ واحدًا -من خُلفاء بغداد- (6) ركِب مع واحدٍ من نُدمائهِ في سفينةٍ
__________
(1) في أ: "هذه". وكان الأولى بالسّياق حذفها؛ إذ لا فائدة في إيرادها؛ ضميرًا أو إشارةً.
(2) في الأَصل زيادة "أي" ولا وجهَ لها.
(3) في أ: "بهذه".
(4) أي: قالت الكلام السَّابق الّذي صار مثلًا يضرب.
(5) مَثَّل بعضُ البلاغيّين المحدثين لأولهما (اختبار تنبّه السّامع)؛ بقوله: "هذا كأنْ يزورك رجلان سبقت لأحدهما صُحبة لك؛ فتقول لمن معك: وفيّ". ولثانيهما (مقدار تنبّهه)؛ بقوله: "هذا كأنْ يزورك رجلان أحدهما أقدم صُحبة من الآخر؛ فتقول لمن معك: جديرٌ بالإحسان تريد الأَقدم صُحبة ... " بغية الإيضاح: (1/ 56).
(6) في أ: "بغداذ" بذال أخيره مُعْجمة، وهو من أسماء بغداد -أيضًا-. ينظر: اللِّسان: (بغدذ): (3/ 478). وفي ب طمس بقدرها.
(1/297)

ذات يومٍ (1)، فبينا هما كذلك إذْ سَأَل من نديمه: أيُّ طعامٍ أشهى عندك، وألذُّ لديك؟، فقال: مُخُّ البيضِ المسلوق (2). فعبرا، حتّى اتَّفَق عودُهما هنالك في العام القَابل. فقال: مع أيْشٍ؟ (3)، فأجاب النّديمُ: مع الملحِ؛ فتعجَّب من استحضارِه، وكمالِ تنبهّهِ وتيقُّظِه؛ فخلع عليه، وقرَّبه من نَفْسه.
العاشرُ: تَكثير الفائدة باحْتمال الأمرين (4)؛ من حَمل المذكُور تارةً على
__________
(1) العبارة في أ، ب هكذا: "يُحكى ... بغداد مع واحد من ندمائه ركبا في السّفينة ... ".
(2) مُخُّ كلِّ شيءٍ: خالصُه. اللِّسان: (مخخ): (3/ 252). وأَراد به هنا: صفار البيض.
(3) كذا في الأَصل، أ. وفي ب: "أي شيء؟ ". وهذا هو أصل الكلمة لكن حذفت الياء الأخيرة وسكنت الوسطى وأُدغمت الكلمتان فصارتا كلمة واحدة. والكلمة في استعمالها الجديد مقيسة؛ فقد استعملها ابن مالك إذْ قال (الاعتماد في نظائر الظّاء والفاء: 34): "ولعلّ قائلًا يقول: المراد من هذا أيشٍ"؛ بل إنَّها وردت في زمن الاحتجاج على لسان الكميت بن زيد في قوله (المسائل البصريّات؛ لأبي علي الفارسيّ: 1/ 393): "أيشٍ تقول".
ولمزيدٍ من الإيضاح حول هذه الكلمة؛ أصلها، تطوراتها، خلاف العلماء فيها -تراجع رسالة (الماجستير) المعنونة ب "شهاب الدّين الخفاجي وجهوده في اللُّغة" للباحث عبد الرَّزَّاق بن فرّاج الصّاعدي ص: (255).
(4) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب زيد بعد هذا -ضمن كلام المصنِّف-: "ومنه".
"وإنّما عدّ احتمال الأمرين تَكْثيرًا للفائدة؛ لأنّ نفس السّامع تذهب كل مذهب ممكن، وتقدّر كلّ أمرٍ مناسبٍ.
(1/298)

ترك مُسنده، وحمله أخرى على تَرك المسند إِليه؛ كما في الآيتين؛ نحو (1) قوله -تعالى- (2): {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} (3)، و {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} (4) لحملهما (5) تارةً على: "فصبرٌ جميلٌ أجملُ"، و "طاعةٌ معروفةٌ أَمْثل" (6)، وحملهما أُخرى على: "فأمري صَبْرٌ جميل"، و"طاعتُكم طاعةٌ معروفةٌ" (7) بالقولِ دون الفعل والنِّيَّة.
الحادي عَشَر: أن يقصدَ بحذفِ المفعولِ تعميمَ الفعل؛ احْترازًا عن أنْ يَقْصر (8) السَّامعُ الفِعل على المفعُول المذكور لو ذُكر؛ كقولك: "فلانٌ يُعْطي ويَمْنع"؛ فإنَّه أعمُّ تناولًا من قولك: يُعْطي الدِّرهم (9)، ويَمْنَعه (10).
__________
(1) هكذا -أيضًا- في ف .. وفي ب: "أي".
(2) كلمتا: "قوله تعالى" وردت ضمن كلام الشّارح في: أ.
(3) سورة يوسف: من الآيتين 18 و 83.
(4) سورة النّور: من الآية 53.
(5) في الأَصل: "تحملها". وفي ب طمس بقدرها. والمثبت من: أ؛ وهو المناسب للمعطوف الوارد عَقِب ذلك؛ وهو قوله: "وحملها أخرى".
(6) فيكون المحذوف -في كلا المثالين- هو المُسْند.
(7) فيكون المحذوف -في كلا المثالين- هو المسند إليه.
(8) في الأَصل: "يقتصر"، والصّواب من: أ، ب.
(9) في ب: "الدَّراهم"؛ بالجمع؛ وهو تحريف بالزّيادة؛ يَدلُّ عليه قوله عقب ذلك مباشرة: "ويمنعه" لدلالته على الإفراد.
(10) وفي بيان بلاغة الحذف في هذا الغرض يقول السَّكَّاكيّ (المفتاح: 228): "وأنّه أحد أنواع سحر الكلام؛ حيث يتوصّل بتقليل اللَّفظ إلى تكثير المعنى".
(1/299)

أو إطلاقَه؛ أي (1): يقصد به الإطلاق، ونفس الفعل، بتنزيل المتعدِّي منزلةَ اللّازم ذهابًا في: "فلانٌ يُعطي" إلى معنى: أنَّه يفعلُ الإعطاء، ويُوجد هذه الحقيقة إيهامًا للمُبالغة (2). والغالبُ أنَّ الأَوَّل يُستعمل (3) في النَّفي، والثَّاني في الإثبات؛ كما في الآيتين قال (4) -تعالى-: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)} (5)، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (6).
الثَّاني عَشَر: رعايةُ فواصل الآي؛ أي: أواخر الآيات. والفواصل لعلّها أُخِذت من قوله -تعالى-: {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} (7). نحو: {مَا
__________
(1) في ب زيادة: "أَوْ" والسِّياق تامٌّ بدونها.
(2) والفرْق بين التّعميم والإطلاق: أنّ الأوَّل حذف للمفعول باعتبار تعلّق الفعل به دون غيره، وأمّا الثَّاني فحذفٌ للمفعول من غير ملاحظة تعلّق الفعل به.
(3) في الأَصل: "مُستعمل". والمثبت من: أ، ب. وهو الأَولى، لأنّ الفعل المضارع يدلّ على الحدوث والتّجدّد بخلاف الاسم فإنَّه يدلُّ على الثُّبوت والدَّوام.
(4) هكذا في الأَصل. وفي أ، ب زيد لفظ الجلالة مُورَدًا ضمن كلام الشَّارح.
(5) سورة البقرة: من الآية 17.
والمراد أنّهم لا يبصرون ما حولهم. فحذف مفعوله لئلّا يقصر السّامع الفعل عليه، بل يذهب إلى أبعد من ذلك فيجعلهم لا يبصرون شيئًا.
(6) سورة النّحل: من الآية 67.
والمراد يتّصفون بالعقل مطلَقًا من غير ملاحظة متعلّق للتعقّل.
(7) سورة فصّلت: من الآيتين: 3، 44.
(1/300)

وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} (1)؛ إذْ لَوْ قال: و"ما قَلاك" لبطل السَّجع.

والإثباتُ يجبُ عند عدم القرينة وإلا لم يُمكن الإفادة (2)، وإذا (3) كانت القرينة فيجُوز الحذفُ والإثبات. وقدْ يَتَرَجَّحُ طرفُ الإثباتِ لوجوهٍ:
الأَوَّل: كونُه؛ أي: الإثبات: الأصل (4)؛ لأن الأصلَ في الكلامِ أن تكون أرْكانُه وأجزاؤُه مَلْفُوظةً مَذْكورةً بالفعلِ. مع عدمِ الصَّارفِ عن الإثبات؛ أي: مع عدمِ المانع عنه، والحامل على التَّركِ والحذفِ (5).
__________
(1) سورة الضّحى: آية 3. وكان الأَولى بالمصنّف أن يذكر الآيتين السَّابقتين قبلها أو إحداهما؛ ليتّضح الاستشهاد. لكنَّه آثر الإيجاز اعتمادًا على أنَّها من قصار السّور المحفوظ ومتى استحضر آية منها استُحضر ما قبلها وما بعدها. وأدرك مَوْطنُ الاستشهاد.
(2) في الأَصل: "الفائدة". والصواب من أ، ب؛ إذ الإفادة سبيل الفائدة.
ومراد الشّارح: انعدام الإفادة لانعدام القرينة؛ فوجب انتفاؤها قبل غيرها بالطريق الأَولى.
وقوله: "وإِلا لم يكن الإفادة" ورد ضمن كلام المصنّف في أ، وليس في ف.
(3) في أ: ل "فإذا".
(4) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "أصلًا".
(5) مثاله: قولك لخالي الذهن: "زيد قائم".
وهذا الوجه -في نظري- ضعيف؛ وزنه في ميزان الذِّكر هو وزْنُه في ميزان الحذف، وقيْدُ المصنِّف: "مع عدم الصّارف" وتعليلُ الشَّارح: "لأن الأَصل في =
(1/301)

الثاني: زيادةُ التقرير والإيضاح (1)؛ إِذْ لو لَمْ يُذْكر لَفُهم المقصُود لكن عند ذِكْره يَتَقرّرُ زيادة تقرير (2).
الثّالثُ: الاحتياطُ لقلّةِ الثِّقةِ والاعتماد بالقرائنِ؛ إمّا لغباوةِ السَّامع (3)، أو لغيرها (4).
الرّابع: أن لا يَتَمكّن السَّامعُ من ادِّعاءِ عدم التَّنبّه له؛ إذ لو تركه لَعَلهُ (5) يدّعي عدمَ معرفة
__________
= الكلام أن تكون أركانه وأجزاؤه ملفوظة مذكورة بالفعل" معارضان بوجود القرينة المجوزة للحذف والإثبات، ولا يتصوّر معها -بدون داع صحيح مرجّح للذّكر- إهمال الحذف ولو بأقلّ درجات الأَصل المسوّغة له؛ كالاحتراز عن العبث.
وعليه فإنّي أرى أَلا تحرم القرينة حقها في ميزان الذِّكر لتحصيل معادلها في ميزان الحذف ولو بأدنى ما تستدعيه البلاغة؛ كالاحتراز عن العبث كما تقدّم. والله أعلم.
(1) في أوردت كلمة: "الإيضاح" ضمن كلام المصنّف، وليست في ف.
(2) نحو قولك: "زيد عندي"؛ جوابًا لمن قال: "أين زيدٌ؟ ".
(3) كقولك: "الذي حضر زيد"؛ جوابًا لغبيٍّ سأل: "من حضر؟ ".
(4) كضعف القرينة نفسها، وعدم الاعتماد عليها، كما في قولك: "الّذي نجح زيد، والّذي أخفق عمرو" في جواب: "مَن نجح ومَن أخفق؟ " ولا يقال: "زيد وعمرو"؛ اعتمادًا على قرينة التّرتيب في السّؤال لخفائها.
ويلحظ هنا أنّ الشَّارح -رحمه الله- اسْتدرك على المصنِّف ما أَهْمله أو أَجْمله من كلام السَّكاكيّ، وذلك بتضمينه هذا القِسم وجهًا آخر أورده السَّكاكيّ مستقلا وهو: الذّكر "للتّنبيه على غباوة السّامع". ينظر: الفتاح: (177).
(5) في ب: "لعلّةٍ", وهو تصحيفٌ ظاهرٌ.
(1/302)

مُراده (1) عند المُؤَاخذة (2). وهذا الوجهُ لا يُعلم من "المفتاح".
الخامسُ: الاستلذاذُ؛ كذكرِ العاشق للمَعْشُوق؛ ولهذا قيل (3): "مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أكثرَ ذِكْرَهُ".
قال المتنبّي (4):
أَسَامِيًا لَمْ تَزدْهُ مَعْرِفَةً ... وَإِنَّمَا لَذَّةً ذَكَرْنَاهَا
السَّادس: التَّبرُّك؛ كما يُذكر اسمُ اللهِ والأنبياءِ والأَولياءِ تبرُّكًا.
وفي جَعل الاستلذاذِ وَجْهًا، والتَّبرّك وجهًا آخر إشمامُ رَائِحة خِلافٍ "للمفتاح" (5)؛ فإنَّه
__________
(1) في ب: "ومراده" ولا وجه للعطف.
(2) ويقابله في الحذف ما تقدّم من عدم التّصريح ليتأتّى الإنكار إن مسَّت الحاجةُ إليه.
(3) أورده الميدانيُّ في مجمع الأمثال: (3/ 363) ضمن أمثال المولّدين، واللفظ عنده: "مَن أحبّ شيئًا أكثرَ مِن ذكره".
(4) البيتُ عن المنسرح، وهو في ديوان المتنبّي بشرح البرقوقي: (2/ 410).
والمتنبّي هو: أبو الطيب؛ أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفيّ. ولد بالكوفة، ونشأ بالشَّام، كان شاعرًا حكيمًا، وفد على سيف الدّولة فمدحه ونال عطاياه، ثم إلى كافور؛ ثم رحل إلى العراق وبلاد فارس. له ديوان شعر. قتله فاتك الأسدي سنة 354 ه.
ينظر في ترجمته: يتيمة الدّهر؛ للثعالبي: (1/ 110 - 224)، تاريخ بغداد: (4/ 102)، نزهة الألبّاء: (294 - 299)، الكامل لابن الأثير: (8/ 566)، وفيات الأعيان: (1/ 134 - 139)، سير أعلام النُّبلاء: (16/ 199 - 201).
(5) في أ، ب: "المفتاح".
(1/303)

قال (1): "أو يُذكر تَبركًا واسْتلذاذًا به؛ كما يَقُول الموحِّدُ: الله خالقُ كلِّ شيءٍ" (2).
السابع: التعجّب؛ كما يقال: "زيدٌ يقاومُ الأسد".
الثّامن: التعظيم؛ كما (3) في بعضِ الألقابِ المحمودة.
التّاسع الإِهانة؛ كما في الألقابِ المذمومة.
العاشر: بَسْطٌ لكلامٍ افْتراصًا (4) لإصغاء (5) السامع؛ نحو: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} (6)؛ إذْ كان يتمُّ الجوابُ بأن يقول: "عصا"، فذكر المسنَد إليه، وهو "هي" للبَسْط؛ قيلَ: ولذلك، أي: ولأجلِ البسطِ افتراصًا أَتْبع مُوسى ما أَتْبع, أي: قولَه: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} الآية.
__________
(1) المفتاح: (177) بتصرّف يسير.
(2) اقتباس من قوله سبحانه وتعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [سورة الرعد: من الآية 16، وسورة الزمر: من الآية 62].
(3) في أزيادة: "يقال" ولا وجه لها.
(4) الفُرْصةُ: النُّهزَةُ والنَّوبةُ. وافترص الفرصة؛ أي: اغتنمها. ينظر: اللِّسان: (فرص): (7/ 64).
(5) الإصْغاء: الميل. وأصْغيت إلى فلان إذا مِلْت بسمعك نحوه. اللِّسان: (صغا) (14/ 461).
(6) سورة طه: من الآية 18. وفي أ: عُقِّب جزء الآية بقوله: "الآية" ضمن كلام المصنِّف وليست في ف.
(1/304)

ولَمَّا لم يكن هذا الوجهُ مُسْتحسنًا عند المصنِّف؛ لأنَّ بسطَ الكلام لمجرَّدِ (1) الافتراص [لا يكون] (2) مناسبًا أَوْ لا يليق بالبُلغاء، إذ هو هَذَرٌ (3) وترك أدب؛ سيّمَا في جناب الجبروت -عَبَّر عنه بلفظة (4): "قيلَ". وقال: الحقُّ أَنْ يُقال: إن السُّؤال إذا كان وَاردًا على شيءٍ ظاهر يَتَوجَّه إلى أمر يتعلق به بحسب مُقتضى الحال، وإلّا يَكُون عبثَا لظُهوره (5)؛ كما إذا سأَلت عَمَّن لبِسَ ثياب السَّفر: ما هذا؟، فإنّك لا تسأله عن نفس الثوب وماهِيَّتهِ لظهُوره؛ بل عن سَببِ لبْسِه. فكأنكَ قُلتَ: ما عزيمتُك؟، والجوابُ: أريدُ سَفَرَ الكعبة. ولو أجاب: بأنَه كِرْباس (6)، عُدَّ مسخرة؛ فكذلك هَا هُنا، لَمَّا كان السُّؤال عن أمر ظاهرٍ، وعُلمَ من مُقتضى المقام؛ من مُناظرةِ السَّحرةِ أو غيرها أنَّه بصددِ أن يَرد عليه صورة (7) أخرى، وأن هذا السُّؤال يَعْقُبه أمرٌ عظيمٌ يُحدثه الله في العصا -
__________
(1) في الأَصل: "بمجرّد". والصّواب من أ، ب.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من الأَصل، ب. ومثبت من أ.
(3) الهَذَر: الكثير الرَّديء، وقيل: هو سَقطُ الكلام. اللِّسان: (هذر): (5/ 259).
(4) في ب: "بلفظ" ولا اختلاف في المعنى.
(5) أي: المسؤول عنه.
(6) الكِرْباس -بكسر الكاف- لفظة فارسيّة معربة تعني: الثوب. ينظر: المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم: (556)، اللِّسان: مادة (كربس): (6/ 195).
(7) في ب: "بصورة".
(1/305)

عُلِم أَنَّه لتقرير صورتِه (1) الأوْلى في نفسه؛ حتَّى لا يغفل عنها عند ورود الصُّورة الأخرى، ولتوطينِ نفسه وتثبيته حتَّى لا يخاف عنده، ولا يتوحَّشَ منه. فالجوابُ لا يكونُ إلَّا أن يقول: إن صُورتها مقرَّرةٌ في نفسي؛ أعرفها بالذاتِ؛ فإنَّها ما هي إلا عصاي لا تنفع إلا منافع بنات جنسها، وبالصِّفات واللَّوازم، فإنّني (2) قديمًا {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} (3)؛ ليكونَ جوابُهُ مُطابقًا للغَرض الذي فهمه من فحوى سُؤال رَبِّه؛ فَعُلِم أن البسْط لذلك، لا للافْتراص (4)، ومع ذلك خافَ؛ فقال [الله] (5) -تعالى-: {خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى} (6).
__________
(1) الضَّمير يعود إلى قوله: "أمر ظاهر" وفي ب: "صورة"؛ فيكون الضَّمير عائدًا إلى العصا.
(2) في أ، ب: "فإنّي"، وكذا التعبيرين جائزٌ.
(3) بقية الآية السابقة، وقد تقدّم عزوها.
(4) وعليه: فليس هناك بسط للافتراص؛ بل جواب عن ما سئل بقدر السّؤال. وهذا التَّوجيه استقاه الشَّارح -رحمه الله- من الكشاف: (3/ 59).
(5) ما بين المعقوفتين غير موجود في الأَصل. وأثبت من: أ، ب؛ دفعًا لما قد يرد من إيهامٍ قبل ورود لفظة: "تعالى".
(6) سورة طه، من الآية: 21.
(1/306)

وهكذا يفعلُه المشعِبدون (1) إذا أرادوا أن يجعلوا حبلًا من الحبالِ في صُورة حَيَّةٍ (2)، فإنَّهم يقولون للنُّظّار: ما هذا؟، أليس حَبْلًا من قُطنٍ أو صوفٍ!، ويُكرِّرون ذلك لِئلّا يَغْفَلوا عند لبس الصُّورة الثانية، وخلع الصُّورة الجبليّةِ (3) عنها.
وقد ذُكِر في "الكشَّاف" -أيضًا- وجهًا لسنا هنا لبيانِه (4).
وقيلَ: كان فيها من المآرب الأخرى "أنه كان يَسْتقى بها؛ فتطول بطول البئر، ويصير شُعْبَتَاها دَلْوًا، ويكونان شمعتين بالليلِ، وإذا ظهر عدوٌّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرةً ركزها فأَوْرَقت وأَثْمرت، وكان يحملُ
__________
(1) المُشَعْبِدون -بالذَال المهملة- جمع مُشَعْبِد، ويقال له -أيضًا-: مشعْوذ، وهو من يقوم بالشَّعبذة أو الشبعوذة؛ وهي: خفّة في اليَد وأخذٌ كالسحر يُرى الشَّيءَ بغير ما عليه أصله في رأي العين. ينظر: اللِّسان: (شعبد): (3/ 238)، و (شعذ): (3/ 495).
(2) قوله: "في صورة حيَّة" ساقط من أ، ب.
(3) في ب: "صُورة الجبلية".
(4) قوله: "وقد ذُكر ... لبيانه" ساقط من ب.
أمَّا الوجه الذي ذُكر في الكشَّاف فهو قول الزّمخشري: (3/ 59): "ويجوز أن يُريد عزَّ وجلَّ: أن يُعدد المرافق الكثيرة التي علقها بالعصا ويستنكرها ويسْتعظمها، ثم يُريه على عَقِب ذلك الآية العظيمة؛ كأنه يقول له: أين أنت عن هذه المنفعة العظمى والمأربة الكبرى المنسيّة عندها كل منفعة ومأربة كنت تعتدّ بها وتحتفل بشأنها؟! ".
وإنما أهمله الشَّارح -رحمه الله- اكتفاءً بما قبله لعدم ترتب مزيد فائدةٍ في ذِكْره.
(1/307)

عليها زَاده وسقاه، فجعلت تُماشيه، ويركزها فينبع الماءُ، فإذا رفعها نَضَبَ، وكانت تقيه الهوامَّ (1) " (2).
الحادي عشر: التَّصريحُ في المسْنَد بالاسم للثبات، أي: ليُسْتفاد الثُبوت (3) صريحًا؛ لأن أَصل الاسم الدّلالة على الثُّبوت. أو بالفعل للتَّجدُّد، نحو: "زيدٌ قام" (4)، أو لتعيين أَحدِ الأَزْمنة الثلاثة باختصارٍ، كدلالةِ "قام" على الزَّمانِ الماضي باختصار؛ فإنَّه لو قال: "زيدٌ قائمٌ في
__________
(1) الهوام: جمع هامة. وهو المخُوف من الأحناش. ينظر: الصحاح: (5/ 398).
(2) وجميع هذه الأخبار المتقدمة نقلها الكرماني نصا عن الكشاف: (3/ 59 - 60) وهي -ولا شك- من الإسرائيليات المنكرة الّتي وقع في شراكها الزمخشري؛ إضافة إلى اعتزالِه والأحاديثِ الضعيفة التي يموج بها تفسيره؛ مما صرف علماء السلف عنه ودفعهم إلى التحذير منه؛ كالحافظ الذهبي في ميزانه: (4/ 78)، وابن حجر في اللِّسان: (6/ 4)، وابن تيميّة في مقدمته في أصول التفسير ص (86).
ولاعتماد الكرماني على تفسيره كثيرًا آثرت توضيحَ ذلك.
هذا، ويشير ابن كثير في تفسيره (3/ 152) إلى تلك الأخبار بقوله: "قد تكلّف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب الّتي أبهمت قيل كانت تضئُ له بالليل وتحرس له الغنم ... وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، والظاهر أنّها لم تكن كذلك، ولو كنت كذلك لما استنكر موسى -عليه الصّلاة والسّلام- صيرورتها ثعبانًا فما كان يفرّ منها هاربًا, ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيليّة".
(3) مثاله: "زيد عالم".
(4) في ب: "قائم" وهو تحريف بالزيادة، أخرج المثال بالاسمية عن موطن الاستشهاد.
(1/308)

الزَّمان الماضي" أفادَ تعيين الزَّمان؛ لكن بتَطْويل. أو بالظَّرفِ للاحتمال؛ أي: لاحتمال الثُّبوت لو قُدِّر الاسم، واحتمال التَّجَدُّد لو قُدِّر الفِعل (1).
الثاني عشر: التَّعريضُ (2) بغَبَاوةِ السَّامع، وأنَّه ممن لا يتنبَّه بالقَرائن (3).
__________
(1) نحو: "زيد في الدّار"؛ لاحتماله أن يكون مقدّرًا بالاسم؛ وهو نحو: "حاصل" أو "مستقرّ" فيدلّ على الثّبوت والدوامِ. واحتماله أن يكون مقدّرًا بالفعل؛ وهو نحو: "حصل" أو "استقرَّ" فيدل على التّجدُّد والزَّمان.
(2) التَّعريض: خلاف التَّصريح، يقال: عرض لفلان، وبه؛ إذا قال فيه قولا وهو يعيبُه.
اللِّسان: (عرض): (7/ 183).
(3) بل لا بُدَّ من التَّصريح له؛ كقولك لمخالف الإِسلام إن سألك: "ما دينُك؟ ": "ديني الإِسلام".
(1/309)

النوعُ الثاني: في التَّعريف بأَقْسامه (*)، والتَّنْكير (**).
التَّعريفُ (1): لإفادةِ فائدة يُعْتَدُّ بها؛ أي: إذا كان المقصودُ من الكلامِ تَربية الفائدة (2)، وإفادةَ السَّامع فائدةً تُعتبرُ ويُعتدُّ بمثلها، -يُعرَّفُ؛ وإن الحكم سواء كان فائدة الخبرِ، أو لازمها؛ لأنَّه حكمٌ - أيضًا-؛ فإنّ "زيدًا قائم" يَشْتملُ (3) على حُكمين:
أحدهما: صريحًا؛ وهو إسنادُ القِيامِ إليه.
وثَانِيهما: ضِمنيًّا، وهو أَنك تَعْلمُ أنه قائمٌ؛ فإنّه إسنادٌ -أيضًا-؛ فإن العِلْمَ فيه مُستندٌ (4) إليك. كلما كان أخص فاحتمال وقوعِه أقلُّ (5)؛ فالفائدةُ في تعريفه أقوى، أي: كُلَّما ازدادَ تَخْصيصًا ازدادَ الحُكمُ بُعدًا فَقَلّ احتمالُ وُقوعِه؛ فالفائدةُ بحسبه تزداد قُوّة، وكلما
__________
(*) وهي خمسةٌ: العَلَم، الضمير، الموصول، اسم الإشارة، المعرّف باللّام، المعرّف بالإضافة.
(**) يلحظ أنَّه قدَّم التَّعريف على أَقْسامه؛ تقديمًا للمطلق على المقيَّد، وقدّمهما على التَّنكير لكون الفائدة فيهما أَقْوى وأَتمّ.
(1) في ب: "والتَّعريف".
(2) أي: تكثيرها.
(3) في ب: "مشتملٌ".
(4) في أ، ب: "مسند" والمعنى هو المعنى.
(5) لأن قيودَ الخاصِّ أكثرُ من العامِّ؛ إذ كل قيدٍ للأعمِّ قيد للأخصِّ من غير عكسٍ.
(1/310)

كان أعمّ كان احتمالُ وقوعه أكثر، فالفائدةُ فيه أضعفُ. فاعتبرْ حال الحُكمِ في قولنا (1): (شيء ما موجودٌ)، و (زيدُ بنُ عمرو طبيبٌ ماهرٌ)، ولهذا: لا استغرابَ في الأَوَّل، ولا توجّه للنَّفس إلى سَماعه (2)، بخلافِ الثاني، فإنَّه لا تسمعه إلا وتَتوجّه إليه النَّفس (3).
واقتفى المصَنِّفُ فيه أَثرَ السَّكّاكيِّ؛ وإِلَّا فعنده أن فهمَ قُوَّة هذه الفائدة ها هنا وعدمه يمكن أن يقال: إنّه حاصلٌ من جوهر اللَّفظِ لا (4) من التَّعريف والتَّنكير؛ لأن لفظَ مثالِ التَّعريف خاصٌّ، ولفظَ مثالِ التَّنْكيرِ أعمُّ العامِّ.
نعم، لو أثبتَ هذا الفرقَ بين الشَّيءِ وشيءٍ لتمَّ دسته (5).
__________
(1) في أورد قوله: "حال الحكم في قولنا" ضمن كلام المصنِّف وليس في ف.
(2) لأن احتمال وقوعه أكثر؛ لكون السند والسند إليه في أعلى درجات العموم.
(3) في ب: "النَّفس إليه". وإنّما اتَّجهت النَّفس إليه لقلة احتمال وقوعه، بسبب كون المسند والمسند إليه في أقصى درجات الخصوص.
(4) في ب: "إلا" هو تحريف بالزيادة.
(5) الدّست: ورد لعدّة معانٍ مختلفة؛ منها: دست القمار أو اللّعبة؛ يُقال لمن غُلب: تمّ عليه الدّست. ينظر: تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي: (8/ 518).
وينظر تعليق الدكتور ف. عبد الرحيم عليه في كتاب المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم للجواليقي ص: (289).
والمراد به هنا: الغلبة. فقوله: "تمّ دسته"، أي: غلب وتحقّق له ما أراد.
هذا وقد حكى طاش كبرى زاده ما ذكره الكرمانيّ من اقتفاء المصنّف أثر السَّكاكي =
(1/311)

تنبيه:
ما في هذا التَّنبيه من الفوائد مِمَّا (1) زادها على الأصل؛ وهي فوائد شريفةٌ مُهمّةٌ لا بدَّ (2) من معرفتها.
التَّعريفُ (3): يقصد به مُعيَّن عند السامع من حيثُ هو مُعيَّنٌ؛ كأنه؛ أي: كأن التَّعريفَ إشارةٌ إليه؛ أي: إلى ذلك المُعَيَّن بِذَلك الاعتبار؛ أي: باعتبار أنه مُعيّن عنده.
وأمّا النَّكرة (4): فيُقصدُ بها (5) التفاتُ النَّفسِ إلى المعيَّنِ من حيثُ هو؛ مِنْ غيرِ أَنْ يكون في اللَّفظِ مُلاحظة تَعيُّن، وإن كان لا يكونُ إلَّا معيَّنًا، فإن الفهمَ موقوفٌ على العلم بوضع اللَّفظِ له؛ أي: للمعنى الذي هو مُفادٌ من اللفظ؛ وذَلك؛ أي: العِلْم بالوضع إنَّما يكونُ بعد
__________
= وإلا فعنده رأي آخر. ولم يفصح أنَّه أفاد هذه المعلومة من الكرمانيّ صراحة؛ وإنّما ذكر أن ناقلها عن الإيجي بعضُ تلاميذه. ثم علّق على الرأي المنقول بقوله (شرح الفوائد الغياثية: 52): "أقول: إني أستبعد صدور مثل هذا الكلام عن المصنّف؛ كيف وغرض السَّكاكيّ ليس إلا التّنظير بزيادة الفائدة مع زيادة خصوص الخبر؛ وإن لم يكن من قبيل التَّعريف والتَّنكير، وما ذكر إنّما ويردُ لو أراد السَّكاكيّ التَّمثيل. وكلامه ظاهر؛ والله أعلم".
(1) في الأَصل: "ما" وهو تحريف بالنَّقص، والصّواب من: أ، ب.
(2) في أ "فلا بدّ".
(3) في أزيادة: "قد" ضمن كلام المصنّف؛ وليست في ف.
(4) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "التّنكير".
(5) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "به".
(1/312)

تصوُّره (1) ذلك المعنى، وتميّزه عنده عَمَّا عداه؛ لكنَّه لا يلاحظ في اللَّفظِ أنَّه مُعيَّن.
والحاصل: أَن الخطابَ لا يكون إلَّا بما يَكون مَعلومًا للمخاطب ومتصوَّرًا له، سواءٌ كان اللَّفظُ نكرةً أو معرفةً، لكن الفرْق: أن في لفظ المعرفة إشارةً إلى أنَّه يعرفة السَّامع دون المُنكّر (2)، فإذا قلتَ: ضربَ الرَّجلُ؛ فكأنك قلتَ: ضربَ الرَّجلُ الذي تعرفُه؛ [ففي اللفظ إشارةٌ إلى أنَّه يعرفه] (3) بخلاف النّكرة (4).
وبهذا يُعرف الفرق بين أسد والأسدِ مُرادًا به الحقيقة، أي: إذا أُريد بالأسدِ الماهيَّة التي يُعبَّر عنها بالجنسِ في عُرفِ النُّحاةِ لا العهد والاستغراق (5)،
__________
(1) في أزيادة: "أي" والسِّياق تامّ بدونها.
(2) في أ: "النكرة".
(3) ما بين المعقوفتين غير موجود في الأَصل. ومثبتٌ كان أ، ب.
(4) فإذا قلت: "ضرب رجلٌ"؛ فليس فيه إشارة إلى رجل معيّنٍ عند السّامع، بل الإشارة إلى حقيقة الرَّجل المعلومة للمخاطب مع قطع النَّظر عن التّعيين والمعلومية.
(5) في ب: "أو الاستغراق" بالعطف ب " أو"، وقد ذكر النّحويّون أنّ "الْ" المعرفة نوعان: عهديَّة وجنسيَّة:
أَمَّا العهديّةُ فهي الّتي تدلّ على تعريف شيء معهود للمخاطب, ومثالها قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [سورة المزّمّل: بعض الآية 15 وبعض الآية 16]. والعهد ثلاثة أنواع: ذكريّ -كما هو الشّأن في المثال المتقدّم-، وذهنيّ، وحضوريّ. =
(1/313)

ويعرفُ أن مُؤدَّاهما (1)؛ أي: معنى الأسد وأسد (2) بالحقيقة واحدٌ؛ وهو الماهية المعيَّنة (3) المعلومةُ للسَّامِع، وإِنَّما يختلف الاعتبارُ؛ وهو أَن في المعرفة إشارةً إلى تعيُّنه عند السَّامع، وفي النَّكرة لا إشارة إليه؛ ولذلك؛ أي: ولاتّحادِ المؤدَّى وعدمِ اختلافه إلّا بالاعتبار حكم النُّحَاةُ بتقارُبهما؛ أي: بِتقارُبِ المعرَّف باللام للحقيقة- لا لغيرها، من الاستغراقِ، أو العهد والنَّكرة (4)؛ وجُوِّز؛ أي: ولذلك جُوِّز وصف
__________
= أَمَّا الجنسية فهي نوعان:
الأولى: لاستغراق الجنسي، وهي التي تفيد الشّمولَ والإحاطةَ لجميع أفراد الجنس، ومثالها قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [سورة العصر: الآية 2].
والثانية: لتعريف الحقيقة؛ أي: حقيقة الجنس بقطع النظر عن أفراده؛ مثل قولك: الرَّجل خير من المرأة؛ أي: حقيقة الرَّجل خير من حقيقة المرأة بقطع النظر عن الأفراد. توضيح النَّحو؛ شرح ابن عقيل، د. عبد العزيز فاخر (1/ 176 - 177).
بتصرّف. وينظر: مغني اللبيب لابن هشام: (72 - 73).
وهذا النَّوع هو مراد المصنف -رحمه الله- بقوله: "والأسد مرادًا به الحقيقة"، والنَّوعان الآخران هما اللَّذان أشار إليهما الشَّارح -رحمه الله- بقوله: "لا العهد والاستغراق".
(1) مؤدّاهما: أي: موصلهما؛ من أدَّى الشيءَ؛ إذا: أوْصَله. والاسم الأداء. ينظر: اللّسان: (أدا): (14/ 26).
(2) في أ: "أسد والأسد".
(3) في أ: "المقيّدة".
(4) هذا هو الدَّليل الأوَّل على أن مؤدّى أسد والأسد مُرادًا به الحقيقة واحد؛ وبيانه أنّ علماء النّحو حكموا بتقارب اسم الجنس المنكر والمعرّف بتعريف =
(1/314)

المعرَّف هذا (1) التَّعريف؛ وهو تعريفُ الحقيقة بالنَّكرة؛ كما في قوله -تعالى-: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} (2)؛ فإِن {غَيْرِ} نَكِرةٌ وصفَ بها المعرفة؛ وهو قوله -تعالى-: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} (3). ولوْ قِيلَ: إن لفظ {غَيْرِ} بإضافته إلى أحد الضِّدَّين؛ -لأن المغضوبَ عليه ضِدُّ المنعم عليه- صار معرفةً، أو إن (4) تعريف الّذين أنعمت ليس من التَّعريف الذي فيه البحث- فبَعد التَّسليم الأمرُ فيه سَهْلٌ؛ لأن التَّمثيلَ للتَّفهيم لا للتَّحقيق (5).
__________
= الجنس.
وعاملوهما معاملة واحدة؛ فلم يفرّقوا بين ضرب الضّرب وضرب ضربًا. وقالوا المصدر في كليهما للتَّأكيد والدّلالة فيهما على حقيقة الضرب من غير أمر زائد من النَّوعية والعدد وغير ذلك.
ينظر: الكتاب؛ لسيبويه: (1/ 231)، الأصول لابن السِّراج: (1/ 160)، الإيضاح العضدي لابن علي الفارسي: (1/ 193 - 194).
(1) هكذا -أيضًا- في ف. وفي: أ، ب: "هذا".
(2) سورة الفاتحة: من الآية: 7.
(3) هذا هو الدَّليل الثاني الذي استدلّ به المصنِّف على أن مؤدّى أسد والأسد مرادًا به الحقيقة واحد. وبيانه ظاهرٌ في كلام الشَّارح.
(4) في ب: "لأن".
(5) ولأجل هذين الاعتراضين المتّجهين وغيرهما قدم المصنِّف بقوله: "وجُوِّز".
(1/315)

ولذلك قيل (1) -أيضًا- في قَوله (2):
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللّئِيمِ يَسبُّنِي ... فَمَضيتُ ثُمَّتَ (3) قُلْتُ: لا يَعْنِينِي
__________
(1) في الأَصل، ب: "وقيل ولذلك قيل" والمثبت من: أ. لكونه أخصر لفظًا وأسرع معنى؛ كما أنه هو الموافق لصنيع الشَّارح في مواضع مشابهة لهذا الموضع.
(2) البيتُ من الكامل. وقد اختلفت المصادر النَّاقلة له روايةً ونسبة؛ حيث ورد هذه الرواية (المتن) منسوبا إلى رجل من بني سلول في الكتاب لسيبويه: (3/ 24)، والخصائص؛ لابن جنِيّ: (3/ 330)، وأمالي ابن الشجريّ: (2/ 203)، وخزانة الأدب ولب لباب لسان العرب؛ للبغداديّ: (1/ 357)، وشرح شواهد المغني: (107)، وشرح الأشمونيّ: (1/ 84).
وبها -أيضًا- منسوبًا إلى عميرة بن جابر الحنفيّ في عروس الأفراح: (1/ 325).
وبها بدون نسبة في دلائل الإعجاز: (206).
وبرواية: "وَلَقَدْ مَرَرْت عَلَى اللئِيمِ ... " منسوبًا إلى شِمْر بن عمر الحنفيّ في الأصمعيّات: ص: (126) قطعة: (38).
وبرواية: "وَلَقَدْ ... فأجوز ثم أَقُولُ: لا يعنيي" بدون نسبةٍ في الكامل للمبرّد: (3/ 80).
وبرواية: "وَلَقَدْ ... فَمَضَيْت عنه، وقُلتُ لا يَعْنيني" منسوبًا إلى عميرة (المتقدّم) في حماسة البحتريّ: (171)، وبدون نسبةٍ في تفسير الطّبريّ: (2/ 351).
والشّاهد فيه: قوله: "اللّئيم يَسبُّني"؛ حيث وصف المعرّف بأل (اللّئيم) بالنَّكرة (يَسُبُّني) لكونه أريد به حقيقة الجِنْس.
(3) هي "ثم" العاطفة، والعرب تزيد التّاء في آخرها فتختصّ بعطف الجُمل. ينظر: =
(1/316)

إن "يَسُبُّني" صفةٌ للئيم لا حال؛ لوجوبِ كون ذي الحالِ معرفةً واللئيم كالنَّكرة (1).
ومعنى البيتِ (2): إنِّي أمرُّ على لئيمٍ من اللِّئام؛ صفته؛ أنه يُسُبُّني؛ فأمضي هُناك (3) ولا ألتفتُ إليه؛ ثم أقولُ -في نفسي-: هو يُريدُ شخصًا آخر ولا يرُيدني، لا أَنِّي أمرُّ على اللئيمِ حال السَّبِّ فأقُول: لا يَعْنيني.
فإن قلتَ: فعرِّفني الفرقَ بين الأسدِ وأُسامة. ولِمَ قيلَ: الأسدُ اسمُ جنسٍ (4)، وأُسامةُ عَلَمُه! أي: عَلَم الجنس، مع أنهما -في المعنى- واحد؛ لأن معناهما مُعيَّن من حيث هو مُعيَّن باعتبارِ أَنه مُعَيّن.
قلتُ: أُسامةُ يَدلُّ على التعيين بجوهر اللفظ، ويُشيرُ إليه (5)
__________
= النحو الوافي: (3/ 577).
(1) ينظر -على سبيل المثال-: شرح الأشموني على ألفيّة ابن مالك: (3/ 46)، أوضح المسالك: (3/ 273).
وإنّما قال: "قيل" لأن بعض النّحاة زعم أنَّه يجوز في هذا البيت أن تكون الجملة حالًا كالأصل في الجملة الواقعة بعد المعرفة. ينظر -على سبيل المثال-: شرح ابن عقيل: (2/ 182 - 183).
ولا شك أن المعنى يأبى ذلك -كما سيأتي في كلام الشَّارح-.
(2) في أ: "ومعناه".
(3) كلمة: "هناك" ساقطة من ب.
(4) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، ب: "الجنس".
(5) في أزيادة: "ذاته".
(1/317)

لا بحسب أمرٍ خارج من نفس اللفظ؛ فلا يحتمل غيره (1)؛ أي: الدّلالة على غير التعيين (2)، كما هو مقتضى العَلَميَّة، والأسدُ بخلافه؛ فإنَّه لم يدل على التَّعين بجوهر لفظه (3)؛ بل دلالته على التَّعين وإشارته إِليه تُستفاد (4) من الخارج؛ كما قال: فإن التعيين مُستفادٌ من اللام؛ ولهذا تحتمل الدّلالة على غير التَّعيين عند نَزْع اللام.
قال المصنِّفُ في "رُسيِّلةٍ له" في مسائلَ شتَّى في النَّحو (5): الفرقُ بين اسْمِ الجنس وعَلَم الجِنس: أن عَلَم الجنس كأُسامة وُضِع للتَّعيُّن (6) بجوهرِه، وأسد وضع لا لِمُعيَّن، ثُمَّ جاء التَّعيُّن وهو معنى فيه من اللّام؛ وهذا صَرَّح ابنُ مالكٍ (7).
__________
(1) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، ب: "غيرا".
(2) في أ: "المعين" وزيد بعدها: "بحسب الإشارة".
(3) في ب وردت الجملة هكذا: "يدل بجوهر لفظه على التعيين".
(4) في أ: "مُستفاد".
(5) لم أقف عليها. وقد أشار بعض من ترجم للإيجي أنّ له رسالة في علم الوضع، فلعلّها تكون هي.
ينظر: طبقات الشّافعية الكبرى؛ للسّبكي: (1/ 46)، بغية الوعاة: (2/ 75 - 76)، مفتاح السّعادة: (1/ 211)، شذرات الذهب: (6/ 174 - 175) طبعة المكتب التّجاريّ، البدر الطّالع: (1/ 326 - 327).
(6) في أ، ب: "للمعيّن".
(7) ينظر: ألفيّة ابن مالك: (21، 22).
(1/318)

ثمّ نقُول -في حَصْر المعارف-: التَّعيُّن: إمَّا أن يُفيده جَوهر اللفظ؛ وهو العَلَم، أَوْ لا. فإمَّا حرفٌ، وهو: التَّعريف (1) باللام أو النِّداء، أَوْ لا. فالقرينةُ، إمَّا في الكلام؛ وهو: المُضْمر (2)، أَوْ لا. ولا بُدَّ من إشارة (3)، إمّا إليه؛ وهو: اسمُ الإشارة (4). وإمَّا إلى نسبةٍ معلومةٍ له؛ إمَّا خبريّةٍ؛ وهو: الموصول، أوْ لا؛ وهو الإضافة، لكنَّ الإضافةَ إلىَ غيرِ المعين (5) لا تُفيد تعيينًا؛ فهو المضافُ إلى أحدِ الخمسة.
قدْ عُلم أن المعرفةَ هو (6) الذي يكون فيه إشَارةٌ إلى التَّعيُّن (7) عند السّامع؛ فذلك التَّعيُّنُ إمَّا أن يُفيدهُ (8) جوهرُ اللفظ (9) ويُشير إليه ذاته أو لا؛ الأَوَّل: العَلَم (10)، والثاني: إِمَّا أن يُفيده حرفٌ أو لا؛ الأَوَّل: هو المعرَّفُ
__________
(1) في أ: "المُعرَّف".
(2) في أ: "الضَّمير".
(3) في أ: "الإشارة".
(4) في الأَصل: "اسم إشارة"، والصّواب من: أ، ب، ف.
(5) في الأَصل: "معيّن" والصّواب من أ، ب، ف.
(6) الضّمير عائد إلى مذكّر مقدّر معلوم من السِّياق؛ قبل كلمة "المعرفة". وهو كلمة: "الاسم".
(7) في أ: "التّعيّين".
(8) في ب: "يفيد" وهو تحريف بالنَّقص.
(9) أي: مجرَّدُ الاسم في أصلِ وضْعِه.
(10) سواء كان علم شخصٍ ك "زيد"، أو علم جِنسٍ ك "أسامة" كما تقدّم.
(1/319)

باللام، أو المعرَّفُ (1) بالنِّداء. ولعدمِ الاعتداد بِتعريف المِيمِ؛ نحو قوله (2): "لَيْسَ مِن امْبِرّ امْصِيام (3) في امْسَفَر" لم يتعرَّض له (4). والثاني: لا بُدَّ أن يكون بقرينة ليُشار بها إليه (5)، وهي إِمَّا في الكلام [أي: في المكالمة والتَّخاطب] (6) أو لا؛ الأَوَّل: هو الْمُضمرات، والثاني: وإذ
__________
(1) في ب: "والمعرف" بالعطف بالواو؛ دون "أو".
(2) أي: قول الرّسول صلى الله عليه وسلم لذلك الأعرابيّ الّذي سأله: "هل من امبر امصيام في امسفر" والحديث أخرجه أحمد في مسنده: (5/ 434).
(3) في ب: "في امصيام" وهو تحريف بالزيادة.
(4) ولم يُعتدّ بتعريف الميم لعلَّة استعماله؛ إذ أنه يُستعمل في بعض اللّغات؛ مثل لغة: طئ، وتميم، وهذيل، وحمير.
أو لرجوعه إلى اللّام حقيقة.
ينظر: معاني الحروف، للرّماني: (71)، الجنى الداني في حروف المعاني؛ للمراديّ: (140)، فقه اللُّغة للثّعالبي: (73)، مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب؛ لابن هشام: (71)، الزهر في علوم اللّغة وأنواعها؛ للسّيوطي: (1/ 223).
(5) في ب: "لقرينة إشارتها إليه".
(6) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل، ومثبت من أ، ب؛ غير أنّ "أي" في العبارة أبدلت ب "أو" في ب؛ وهو تحريف ظاهر.
وإنّما أَثْبَتُّ هذه الزيادة مع تمام السّياق بدونها -لما فيها من زيادة إيضاح؛ لأن القرينة لا تكون في الكلام وإنّما في التّكليم أو التَّخاطب، كما أنّ ناسخ الأَصل أشار في الموضع نفسه إلى وجود سقط؛ رامزًا له -كعادته- بخط معطوف "6" لكنّه لم يثبت تلك الزّيادة في الحاشية، ولعلّه غفل عنها.
(1/320)

لا بُدَّ فيه (1) من إشارةٍ؛ إذ بَينَا أن الإشارةَ (2) جزءُ مفهوم المعرفة؛ فتلك الإشارة؛ إِمَّا إليه أي: إلى الشَّيءِ الذي يُراد تعينه؛ وهو: اسم الإشارة أو لا (3)، بل إلى نسبةٍ لذلك الشَّيءِ معلومةٍ للسَّامع، وإلا امتنع (4) تعريفُ الشَّيءِ بها ومعرفته منها، أي: فالإشَارةُ إِمَّا حسيّةٌ أو عقليَّة (5)، وتلك النّسبة إمَّا إسناديّة خَبريَّة؛ وهو الموصُولات، أو لا؛ وهي النِّسبة الإضافيَّة؛ أي: التي حصلت بطريق الإضافةِ؛ وهو المضاف، لكنَّ الإضافةَ إلى غيرِ المعيَّن لا تُفيد (6) التَّعيين؛ إذ النِّسبةُ إلى الشَّيءِ لا تُفيدُ للمنتسب (7) ما ليس للمنتسب إليه؛ فالمعرَّفُ بالإضافة: ما أُضيفَ إلى أحد المعارفِ الخمسةِ، لكن بالشُّروط (8) الّتي ذكرها النُّحاة. فالمعارفُ ستةٌ: العَلَم، المعرَّف
__________
(1) كلمة: "فيه" ساقطة من ب.
(2) هكذا العبارة في الأَصل، ب. وفي أ: "إذ بيان الإِشارة"، وكذا المعنيين مستقيم مع السّياق.
(3) في ب زيادة عبارة: "أي: فالإشارة إمَّا حسيّة أو عقليّة". وليس هذا موضعها من السياق، وسيأتي بعد قليل.
(4) في أ: "لامتنع".
(5) عبارة: "فالإشارة إما حسيّة أو عقليّة" لم ترد في هذا الموضع من السّياق في ب، وقد سبق إيراد موضع إقحامها. ينظر: هامش رقم (3).
(6) في الأَصل: "لا عند" والصواب من أ، ب.
(7) في ب: "للمنتسبين" وهو تحريف بالزّيادة؛ بدليل إفراد ما بعده.
(8) في الأَصل: "الشَّروط"، وفي ب: بالشّرط؛ وفيهما تحريف بالنَّقص. والصّواب من: أ.
وقد اشترط النُّحاة لذلك ما يلي: =
(1/321)

بالحرفِ (1)، المضمر، اسمُ الإشارةِ، الموصول، المضاف.
ويختارُ (2) العَلَمُ لوجوهٍ:
ومُخالفةُ السَّكّاكيّ في تقديم العَلَم على المضمر إِمَّا لأنَّه أعرف -كما هو رأي بعضٍ- (3)؛ لأن له وضعًا خاصًّا، وموضوعًا له خاصًّا، وإِمَّا لأنَّه أَوَّل خارجٍ من التَّقسيم - (4):
__________
= 1 - أن لا يقع المضاف موقع نكرة لا تقبل التَّعريف، نحو: "رُبَّ رجل وأخيه".
2 - أن لا يقبل المضاف التَّعريف لشدَّة إبهامه ك "مثل" و"غير" وشبهه إذ لم يشتهر المضاف. بمشابهته المضاف إليه أو بمغايرته. قال ابن الحاجب: إضافة هذه وما أشبهها لا تزيل إبهامه إلا بأمر خارج عن الإضافة كوقوع: "غير" بين ضدّين. ينظر: شرح الكافية في النّحو, لابن الحاجب: (1/ 275). وينظر ما قاله الأشموني في شرحه: (2/ 307).
(1) في الأَصل: "الحرف" وهو تحريف بالنقص. والصّواب من أ، ب.
(2) في ب، والنُّسخة الأخرى للمتن: "فيختار".
(3) مراده: أبو سيعد السِّيرافيّ؛ حيث يرى: "أنّ أعرف المعارف الاسم العَلَم، ثم المضمر، ثم المبهم، ثم ما عرِّف بالألف واللام، ثم ما أضيف إلى أحد هذه المعارف".
وقد اختلف النّحاة في مراتب المعارف إلى أقوال عدّة. انظرها في: الإنصاف في مسائل الخلاف: (2/ 707 - 709)، في علم الإعراب؛ للإسفرائيني: (1/ 494)، شرح المفصّل؛ لابن يعيش: (3/ 56, 5/ 87)، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع؛ للسّيوطي: (1/ 191).
(4) مراده ب "التّقسيم": تقسيم المصنّف المتقدِّم في حصر المعارف.
(1/322)

الأَوّل: إحضارُه بعينه، أي: إحضارُ المتكلِّمِ المسْندَ إليه -مثلًا- (1) في ذهن السَّامع بشَخْصه (2) بحيث لا يُشاركه فيه غيره، بطريقٍ يخصُّه، أي: يختصُّ المسند إليه (3)، وما هو إلَّا لفظة العَلَم؛ لأنَّه طريقٌ لتعريفه خاصٌّ به؛ نحو: لفظة "الله" في قوله: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} (4).
قوله: "بعينه" يُخرج الإحضار (5) بالصِّفات المختصَّة.
[و] (6) قوله: "بطريق يخصّه" تخرج الإحضار بسائر المعارف؛ فعُلم أن ما لم زاد في "المفتاح" عليه بقوله: "ابتداءً" لا حاجةَ إليه (7)؛ ولهذا لم يذكره المصنِّفُ.
__________
(1) كلمة: "مثلًا" ساقطة من: أ. والمقام يستدعيها؛ لأن المحضر بعينه قد يكون مسندًا إليه، وقد لا يكون مسندًا إليه. وتقييدُه بالمسند إليه هنا ليس إلا من باب التمثيل للإيضاح.
(2) المراد بإحضاره في ذهن السّامع: لفت انتباهه وتوجيهه إليه.
(3) هكذا في الأَصل. وفي أ: "بطريق يخصّ المسند إليه". وفي ب: "يختصّ بالمسند إليه".
(4) سورة البقرة: من الآية 257.
(5) في ب: "الاختصار" وهو تحريف.
(6) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من الأصل. ومثبت من: أ، ب.
(7) قال السَّكاكي (ص 180): "وأمّا الحالةُ التي تقتضي كونه علمًا إذا كان المقام مقام إحضار له بعينه في ذهن السامع ابتداء بطريق يخصه".
فذكر ثلاثة قيود لاقتضاء كونه علمًا: أ - إحضاره بعينه. ب- كونه ابتداء. ج - كونه بطريق يخصه.
ولَمَّا كان القيد الثالث مخرجًا للقيد الثاني ضرورةً؛ باعتبار أنه مخرج لسائر المعارف استغنى المصنِّف عن ذكره، واكتفى بالثالث؛ رومًا للاخْتصار؛ وذلك لأَن الإحضار ابتداءً مخرج للإحضار ثانيا؛ كما في ضمير الغائب؛ نحو: جاءني وهو =
(1/323)

الذي: التعظيم.
الثالثُ: الإهانة.
كما في (1) بعض الألقابِ والكُنى المحمودتين في الأَوَّل (2)، والمذمومتين في الثاني (3). قيلَ: العَلَمُ إِمَّا أن يكُون مُشْعرًا بمدحٍ أو ذمٍّ أو لا؛ الأَوَّل: اللقبُ (4)، والثاني: إِمَّا أن يكونَ مُصَدَّرًا بمثل: أبٍ وابنٍ (5)، أوْ لا؛ الأَوَّل: الكُنية (6)، والثاني: الاسمُ (7).
الرَّابعُ: الاستلذاذُ بذكرهِ (8).
__________
= راكب؛ فإنه وإن أحضر شخصه في ذهن السامع لكنه إحضارٌ جاء ثانيًا. ولا يخفى أنه إحضارٌ بطريق آخر اعتمد على العلم، وبانتفاء الطريق الآخر بالقيد الثالث انتفى الإحضار. فلا حاجة لقوله: "ابتداء".
(1) في الأصل، وبقية النّسخ: "كفى" والصواب من ف.
(2) أي: التَّعظيم.
(3) أي: الإهانة.
(4) فالتَّعظيم به نحو: "قَدِم علينا نصرُ الدِّين". والإهانة به نحو: "رحل عنّا أنف الناقة".
(5) في أزيادة: "وأم".
(6) والتعظيم بها؛ نحو: "أقبل علينا أبو الخير". والإهانة بها؛ نحو: "ذهب عنا أبو الشر".
(7) والتعظيم به؛ نحو: "كرَّ صاعدٌ"؛ لما فيه من معنى الصّعود، والإهانة به؛ نحو: "فر هابط"؛ لما فيه من معنى الهبوط.
(8) في أ، ورد قوله: "بذِكْرِه" ضمن كلام المصنِّف وليس في ف.
ومن الاستلذاذ بالعَلَميّة قول المتنبي جامعًا للممدوح بين الاسم والكنية واللقب =
(1/324)

الخامس: التَّبرُّكُ بهِ، وذلك ظاهرٌ (1).
والمضمرُ لوجوهٍ (2):
الأَوَّل: الإشارة إلى مذكورٍ (3)، يقول الشّاعر (4):
بيُمنِ (5) أَبي إِسْحَاقَ (6) طَالتْ يَدُ العُلَى ... وَقَامت قَنَاةُ الدِّين، واشتدَّ كَاهِلُه
__________
= واسم بلده (ديوانه: 2/ 410 بشرح البرقوقيّ):
أبا شُجاعٍ بفارسٍ عَضُدَ ال ... دَّولةِ فَنَّا خُسْرو شَهَنْشاهَا
أسامِيًا لَمْ تَزِدْهُ معرفةً ... وإِنَّمَا لَذَّةً ذَكَرْنَاهَا
(1) في أ، أُدخل ضمن كلام المصنِّف: "به، وذلك ظاهر" وليس في ف. ومن التّبرك بالعَلَميّة. التّصريح بأسماء الله وأسماء رسله وأنبيائه وأسماء الصَّالحين؛ كقولنا -مثلًا-: "الله ربنا ومحمد نبينا" إذا تقدّم لهما ذكر في حديث سابق فيعاد ذكرهما تيمنًا وتبركًا.
ويلحظ أنّ المصنّف -رحمه الله- أهمل زيادةً أوردها السكاكي قبل هذين الغرضين، وهي لفظة: "إيهام" في قوله (المفتاح: 181): "أو مقام إيهام أنك تستلذّ اسم العلم، أو تتبرّك به، أو ما شاكل؛ كل ذلك مما له مدخل في الاعتبار".
والحق: إنّه لا معنى لا يراد تلك الزّيادة؛ وإن الاستلذاذ والتبرّك حاصلان تحقيقًا؛ والله أعلم.
(2) أي: ويختار المضمر لوجوه.
(3) هذا مختصٌّ بضمير الغائب. وتقدير الكلام: الإشارة إلى مذكور متقدّم.
(4) البيتان من الطّويل، وقائلهما أبو تمام، وهما موجودان في ديوانه بشرح التّبريزيّ: (3/ 29) برواية: "هو اليمُّ ... والجود ساحله" وذكر المحقّق أنّ في إحدى نسخ التحقيق: "هو البحر". والشاهد فيه: قوله: "هو البحر" حيث أتى به ضمير غائب مشيرًا به إلى مذكور به إلى مذكور متقدّم: "أبي إسحاق".
(5) اليُمن: البركة، وقيل: خلاف الشّؤم. اللِّسان: (يمن): 13/ 458.
(6) هو: أبو إسحاق؛ محمّد بن هارون الرشيد بن المهديّ؛ المعتصم بالنية. خليفةٌ عباسيٌّ، =
(1/325)

هو البَحرُ من أَيِّ النَّواحي أَتيتَه؛ ... فَلُجَّتُهُ (1) المعْرُوفُ، والبَرُّ (2) سَاحِلُهُ (3)
أَوْ ما في حكمِه؛ أي: حُكمِ المذكورِ؛ كما في قوله (4) -تعالى-: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (5).
الثاني: حكايةُ المتكلِّم واحدًا أَوْ فوقه، وكونُ المقام مقام التَّكلّمِ (6) كقول الشَّاعرِ (7):
ونحنُ التَّاركُونَ لِمَا سَخِطْنَا ... ونحنُ الآخذُون لما رَضِينا
__________
= بُويع بالخلافةِ بعد أخيه المأمون. فُتحت في عهده عمُّوريَّة، وبُنيت سامراء، بقى في الخلافة 8 سنين و 8 أشهر، وتوفي سنة 227 ه.
ينظر في ترجمته: الكامل في التاريخ: (6/ 70)، وتاريخ بغداد: (3/ 342 - 347)، وتاريخ الطّبريّ: (9/ 118 - 119)، وسير أعلام النُّبلاء: (12/ 535 - 540).
(1) لُجّة البحر: حيث لا يدْرك قَعْره، وقيل: حيث لا يرى طرفاه. اللِّسان: (لجج): (2/ 35).
(2) في أ: "والجود" وصححتا في الهامش: "البرَّ".
(3) في ب زيد بعد البيتين: "وكأَن الشَّاعر عنى به سلطان عصرنا، وخليفة دهرنا، خَلد الله سلطانه!، وأوضح على العالمين برهانه! ".
(4) في أ، ب: "كقوله".
(5) سورة المائدة، من الآية: 8. فمرجع الضمير هو العدل؛ المدلول عليه بلفظ: "اعدلوا"؛ فهو لم يتقدّم لفظًا وإنّما تقدّم معناه في الفعل.
(6) هذا مختصّ بضمير المتكلّم.
(7) البيت من الوافر، وقائله عمرو بن كلثوم، والبيتُ ضمن معلّقته المشهورة، وهو موجود في: شرح القصائد المشهورات. الموسومة بالمعلقات لابن النَّحّاس: (2/ 114)، وشرح المعلّقات السَّبع للزَّوزنيّ: (199)، وديوان المعاني؛ للعسكريّ: (1/ 90).
(1/326)

الثّالثُ: تخصيصُ المخاطب (1)؛ يقول ابن الدُّمَيْنَة (2) -وكَتَبه (3) إلى امْرأتِه أُمَّامة (4) - (5):
__________
(1) هذا مختصّ بضمير المخاطب.
(2) في الأَصل: "ابن الدّميثة" وفي أ: "ابن الدّمية"، وفي ب: "ابن الدّهينة" والمثبت هو الصّواب.
وهو أبو السّري؛ عبد الله بن عبيد الله بن أحمد من بن عامر الخثعمي. والدُّمينة أمه. شاعر بدوي أمويّ من أرقّ النّاس شعرًا. أكثر شعره في الغزل والنّسيب والفخر. له ديوان شعر مطبوع. اغتيل إثر رجوعه من الحجّ سنة 130 ه.
ينظر ترجمته في: الأغاني: (9/ 64)، وسمط اللآلي: (136)، ومعاهد التنصيص: (1/ 160).
(3) في أ: "وقد كتبه".
(4) كلمة: "أمامة" ساقطة من ب. وهي امرأة خثعمتة من قوم ابن الدُّمينة. وفي بعض المصادر أن اسمها أميمة. كان قد هويها وهاج بها مدة فلمّا وصلته تجنّى عليها، وجعل ينقطع عنها ثم زارها ذات يوم فتعاتبا عتابا طويلا وكان بينهما مجاذبة شعريَّة.
ينظر: ديوان ابن الدّمينة: (42)، والأغاني: (9/ 69)، ومعاهد التّنصيص: (1/ 163).
(5) البيت من الطويل. وهو في ديوان الشاعر: (42)، البيان والتّبيين: (3/ 370) منسوبًا إلى جوهر جارية المهديّ، ولعلها تمثّلته، والحيوان: (3/ 55)، والحماسة لأبي تمام: (2/ 146)، ومعاهد التّنصيص: (1/ 162).
والبيت منسوب -أيضًا- إلى قيس بن الملوح. ديوانه: (52).
واستُشهد به في المفتاح: (179)، والتّبيان: (450).
(1/327)

وأنتِ الّتي (1) كَلَّفْتَنِي دَلَجَ (2) السُّرى ... وُجُونَ القطا (3) بالجلهتين جُثُومُ (4)
وكجوابها (5) له (6):
وأنتَ الذي أَخْلَفْتَني مَا وَعَدْتني ... وَأَشْمَتَّ بِي مَنْ كَان فِيكَ يَلُومُ
الجَلْهَةُ: طرف الوادي.
__________
(1) في الأَصل: "الذي" والصّواب من: أ، ب، مصادر البيت.
(2) في ب: "ولج". أما الدلج؛ فهو: إِما سير اللَّيل كلِّه، أَوْ سير آخره، أو سير أيّ ساعةٍ منه، ينظر: اللّسان: (دلج): (2/ 272).
وبإضافته إلى السُّرى؛ وهو سير اللّيل (اللّسان: "سرا": 14/ 381) تأكد أنّ مراده: سير اللّيل كلّه.
وقد ذكر المروزوقي في أثناء شرحه لهذا البيت ضمن شرحه لديوان الحماسة: (3/ 1379): "أن السّرى: سير اللَّيل، والدلج: السَّير في بعض اللّيل. ويقال: سار دلجة؛ أي: ساعة من أوّل الليل؛ فلذلك أضاف الدّلج إلى السُّرَى، فجرى مجرى إضافة البعض إلى الكُلّ".
(3) الجُون: جمع: جَوْن. وهو كل لون سوادٍ أُشرب حمرة. اللّسان: (جون): (13/ 101). والقطا: طائر معروف لونه أسود مشوب بحمرة، وسُمِّي قطا لثقل مشيه. ينظر: اللّسان: (قطا): (15/ 189).
(4) الجثوم: مصدر (جثم) يقال: جثمّ الطائر جثمًا وجُثومًا إذا لزِم مكانه فلم يبرح. ينظر: اللِّسان: (جمّ): (12/ 83).
(5) في الأغاني: (17/ 69)، وفي معاهد التّنصيص: (1/ 162): أنها هي التي قالت الشعر في بادئ الأمر؛ ثم أجابها هو بمقطوعة أولها البيتُ المتقدّم.
(6) وجوابها له في المصادر المتقدِّمة التي أوردت شعره.
(1/328)

قال المصنِّفُ: أمثالُ هذه المباحث وظيفُة اللُّغة أو النَّحو لا المعاني (1)؛ لكن بالسَّكّاكيِّ اقتديتُ في إيرادِها (2).
وحقُّ الخطابِ أن يكون مع مُعَيَّن، وقد يُعْدل (3) عنه؛ [أي] (4) عن الحقِّ إلى غير مُعَيَّن تَعْميمًا؛ أي: لِيَعمَّ كل مخاطبٍ؛ كما تقول: فلانٌ لئيمٌ؛ إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أَسَاء إليك؛ فلا (5) تُريد ب "أكرمت" و"أحسنت" (6) مخاطبًا مُعيّنًا؛ كأنك قلتَ: إنْ أكرم أهان، وإن أحسن إليه أساءَ. وعليه؛ أي: على التَّعميم يُحمل قولُه -تعالى - (7): {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا
__________
(1) والحقُّ -في نظري، والله أعلم- أنّ أمثال هذه المباحث؛ وإن كانت ذات صلة وطيدة بعلم اللغةِ أو النّحو في أصل وضعها؛ إلا أنها لا تنفك بأيّ حال من الأحوال عن علم المعاني الّذي يعرف به أحوال اللّفظ العربيّ؛ التي بها تتحقّق مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
(2) في ب زيادة: "فيه". ولم أقف على قول المصنّف في مؤلّفاته ولعلّه ممّا نقله عنه تلميذه الكرمانيّ.
(3) في الأَصل: "تعدل" والمثبت من: أ، ب، ف.
(4) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل. ومثبت من: أ. وعليه درج الشَّارح.
(5) في أ: "ولا".
(6) في ب: "ب (أحسنت) و (أكرمت) ".
(7) هكذا وردت جملة: "قوله تعالى" ضمن كلام المصنِّف في الأَصل، ب، ف. وفي أ، ضمن كلام الشَّارح.
(1/329)

رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} (1) قصدًا إلى تفظيع (2) حال المجرمين، كأنه لوضُوحه (3) بحيث يمتنع خَفَاؤُها (4) حُقَّ أن يُخاطب به كُلُّ من يتأتى منه الرُّويةُ، ولا (5) يَخْتصّ براءٍ دُون راءٍ.
والموصولُ [لوجوه] (6)؛ أي: يُختارُ (7) الموصولُ [لوجوهٍ] (8)؛ وهو متى صحَّ إحضارُ الشَّيءِ في ذهن السَّامع بوساطة ذكرِ جملةٍ معلومة الانتساب إلى مشارٍ إليه، ومع ذلك اتَّصَل به غرضٌ من الأغراض، أو وجهٍ من الوُجُوه.
الأَول: ألا يَعْلم منه، من ذلك الشَّيءِ المخاطِبُ، أي: المتكلّم، أو المخاطَبُ، أي: السَّامعُ، أو هما (9) غرَ ذلك الإسنادِ والانْتسابِ، مثل:
__________
(1) سورة السَّجدة، من الآية: 12.
(2) التَّفظيع: مشتق من الفظاعة، وفظع الأمر؛ إذا اشتدّ وشنع وجاوز المقدار. ينظر: اللِّسان: (فظع): (8/ 254).
(3) هكذا -أيضًا- في ف، وفي أ: "لوضوحها".
(4) أي: الرّؤية.
(5) في أ: "فلا".
(6) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من الأَصل. ومثبت من: أ، ب، ف.
(7) في أ: "ويختار".
(8) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من الأَصل، ومثبت من: أ، ب.
(9) أي: المتكلِّم والسامع.
(1/330)

"الذي كان معك أمس لا أعرفه" (1)، أو "الذي كان معنا أمس رجلٌ عارفٌ فاعرف" (2)، أو "الذين في بلاد الشَّرق لا نعرفهم" (3).
الثاني: استهجانُ (4) التَّصريح بالاسم لكونه من الأَسْماء المذمومة؛ فلا تقول: "حنظلةُ فعل كذا"؛ بل "الذي كان معكَ فعل كذا" (5).
الثالثُ: الإخفاءُ، وذلك حيثُ لو ذُكر الاسم لعَلِمه غَيْرُ المخاطب؛ فيُعدل إلى الموصول إخفاءً من غيره (6).
الرابعُ: زيادةُ التقرير؛ أي: تقرير الخبر؛ نحو قوله: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} (7)؛ فإن في كونه في بيتها؛ المُسْتلزمِ لزيادةِ الاختلاط والانبساط - زيادةَ تقررٍ (8) للمُراودة ليستْ في إيراد لفظةِ العَلَم؛ التي هي "زليخا" (9).
__________
(1) مثال يصدق على المتكلِّم.
(2) مثال: يصدق على المخاطب.
(3) مثال يصدق على المتكلِّم والمخاطب. وتنظر جميع هذه الأمثلة في المفتاح: (181).
(4) الاستهجان: استفعال من هجن. والهُجنة من الكلام: ما يعيب. ينظر: اللّسان: (هجن): (13/ 431).
(5) وإنما عدل عن الاسم إلى الموصول لما في الاسم من معنى الحنظل؛ وهو شجرٌ مرَّ الطعم تأباه الأذواقُ، وتنفر من ذكره الطِّباع.
(6) وهذا الوجه ممّا زاد المصنِّف على المفتاح.
(7) سورة يوسف، من الآية: 23.
(8) في أ: "التّقرير".
(9) قيل: إنّه اسم امرأة العزيز، وقيل: إن اسمها: "رغبل". ينظر: الجامع لأحكام القرآن: (9/ 167)، وشرح عقود الجمان للسّيوطيّ: (16)، وفتح القدير: (3/ 16). =
(1/331)

هكذا وجَّهَهُ المصنِّفُ، لكن قال صاحبُ "الإيضاح": زيادةُ التَّقريرِ لتنْزيه يُوسفَ؛ لأن الآيةَ مَسُوقةٌ لتنْزيهه عن الفَحْشاءِ، والمذكور أدلُّ عليه من امرأة العزيزِ (1)، ولفظُ "المفتاح" مُحْتملٌ للوجهينِ (2).
__________
= ولم تتحقّق زيادة التقرير بإيراد لفظة العلم أو الوصف المجرد كقوله: "زليخا" أو "امرأة العزيز"؛ "لأن مثل هذا يقرر الغرض فقط ولا يزيده تأكيدًا؛ بخلاف التَّعريف بالموصولية فإنّه يزيد الغرض المسوق له الكلام تأ كيدًا؛ لاشتمال الصلة على ما يفيد هذه الزيادة في التّقرير ... ؛ لأن وجوده عليه السّلام في بيتها مع مالها من سعة السّلطان، وقوّة النّفوذ، ومع فرط الاختلاط والألفة -أدل على وقوع المراودة وصدور الاحتيال منها". من سمات التّراكيب دراسة تحليليّة لمسائل علم المعاني، أ. د عبد الستار زمّوط ص: (157).
(1) ينظر: الإيضاح: (2/ 14 - 15). وكان الموصول أدل على نزاهة يُوسف من التّصريح أو بامرأة العزيز؛ لأنه في بيتها وتمكّن من أداء ما طلبت منه؛ حيث هيّأت له كل أسباب التّمكن؛ ومع ذلك عفّ وامتنع فكان ذلك غاية في نزاهته عن الفحشاء". من سمات التّراكيب: (157).
(2) أي: زيادة تقرير المراودة، وزيادة تقرير نزاهة يوسف عليه السّلام؛ حيث إنّ لفظه لم يتجاوز زيادة التَّقرير؛ فكان صالحًا لكلا الوجهين.
على أن الآية تصلح أن تكون مثالًا للوجوه الثّلاثة المتقدّمة.
أَمَّا الوجه الأوَّل: "عدمُ علم المخاطب أو غيره إلا بالصّلة"؛ فلإمكان عدم علم الرّسول - صلى الله عليه وسلم - باسمها.
أمَّا الوجه الثاني: "استهجان التّصريح"؛ فلأنه يستهجن في الآيات القرآنية التصريح باسم المرأة الطّالبة للبغاء. وقد صرَّح صاحب المفتاح عقب إيراده الآية بما يدلّ على ذلك؛ حيث قال ص (181): "والعدول عن التّصريح باب من البلاغة يصار إليه كثيرًا". =
(1/332)

الخامسُ: توجُّه الذِّهن (1) لما سيردُ عليه من الخبر عن الموصول؛ مُنتظرًا لِوُروده (2) عليه (3) حتَّى يأخذ (4) منه (5) مكانه إذا وَرَد -كما هُو المشهُور في لسانِ القومِ (6): "الْمَحْصُولُ بَعْد الطلَبِ أَعَزُّ مِن المُنْسَاقِ بِلا تَعبٍ"- يقول الشَّاعر (7):
والذِي حَارَتِ (8) البَرِيَّةُ فِيهِ ... حَيَوانٌ مُسْتَحَدثٌ مِنْ جَمَادِ (9)
__________
= أَمَّا الوجه الثّالث: "الإخفاء" فلأنه لو صرّح به لعلمه غير المخاطب.
(1) أي: ذهن السّامع.
(2) أي: الخبر.
(3) أي: على الموصول.
(4) أي: الخبر.
(5) أي: من ذهن السَّامع.
(6) تقدّم تخريجه ص (87) قسم التّحقيق.
(7) البيتُ من الخفيف. وقائله: أحمد بن عبد الله التّنوخيّ؛ المعروف بأبي العلاء المعرّي: قاله ضمن قصيدة يرثي بها فقيهًا حنفيًّا، والبيت في سقط الزّند: (12)، وشروح سقط الزّند: (3/ 127)، وشرح التّنوير على سقط الزّند؛ لأبي يعقوب يوسف بن طاهر: (1/ 217)، واستشهد به -في هذا الموضع وفي غيره- السَّكاكيُّ في المفتاح: (183)، وبدر الدّين بن مالك في المصباح: (15)، والقزويني في الإيضاح: (2/ 51)، والطّيبيّ في التّبيان: (243)، وهو في المعاهد: (1/ 135).
(8) حارت: بمعنى: اختلفت؛ من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم؛ على سبيل المجاز المرسل.
(9) اختلف البلاغيّون في موضع الاستشهاد بهذا البيت، وتباينت حوله وجهاتُ نظرهم؛ فمنهم من أورده شاهدًا لكون المسند إليه موصولًا -كما فعل =
(1/333)

وهو إِمَّا آدم -عليه السّلام-، أو ناقةُ صالحٍ، أو غيرُهما؛ من جمادٍ صار حيوانًا، إذا كان مجازًا للعُقولِ (1).
__________
= الشَّارح-؛ ومن هؤلاء: السكاكيِّ، وبدر الدِّين بن مالك، والطِّيبي. وفي بيان وجهة نظرهم يقول الطيبي (التّبيان: 243): "والاستشهاد به هنا أوقع منه في باب تقديم المسند إليه؛ لما أن التشويق المستحسن إحدى خواصّ الأخبار بالذي؛ لما فيه من الإيهام الّذي هو سبب للتّشويق، وتطويله بالصلة هو سبب استحسانه على أنه مستلزم للتقديم".
ومنهم من أورده شاهدًا لتقديم السند إليه؛ كما هو الحال عند القزويني ومن لف لفه ممّن تأخير عنه، وفي بيان وجهة نظرهم يقول القزوينِي: (الإيضاح: 2/ 51): "وأمّا تقديمه فلكون ذكره أهمّ؛ إمَّا لأنه الأَصل ولا مقتضى للعدول عنه، وإما ليتمكن في ذهن السّامع؛ وإن في المبتدأ تشويقًا إليه؛ كقوله:
والَّذي حَارَت البرية فِيهِ ... حَيَوان مُسْتَحْدَثٌ من جَمَاد
وهذا أَوْلَى من جعله شاهدًا لكون السند إليه موصولًا؛ كما فعل السَّكاكيُّ".
والّذي يترجّح لي -والله أعلم- أن النُّكت البلاغية لا تتزاحم، وليس من مانع على أن يكون البيت شاهدًا على الحالين؛ كما فعله السُّيوطيّ -رحمه الله- في شرح عقود الجمان: ص (17، 23)؛ إذ أورده شاهدًا عليهما.
(1) رجّح سعد الدّين التفتازاني وبعض من جاء بعدَه من البلاغيين أنّ المراد بالحيوان المستحدث من الجماد: الإنسان؛ إما من حيث عوده بعد الفناء، أو حياته بالروح وموته بمفارقتها، بدليل السياق قبل البيت وبعده؛ أما قبله؛ فقوله:
بأن أمرُ الإلهِ واختلفَ النَّاس ... فداعٍ إلى ضَلالٍ وهَادِي
وأمّا بعده؛ فقوله:
فاللبيبُ اللبيبُ من ليسَ يَغترُّ ... يكون مَصِيره للفَسادِ =
(1/334)

السّادسُ: بناءُ الخبرِ عليهِ [أي: على الموصول] (1) تعظيمًا؛ [أي: تعظيمًا للخبرِ] (2) نحو:
إِن الذِي سمَكَ (3) السَّماءَ بَنَى لنا ... بَيْتًا (4) دَعَائِمُهُ (5) أَعَزُّ وَأَطْولُ (6).
وفيه تعظيمٌ؛ حيثُ كان باني بيته سامكَ السَّماءِ. ونحو:
__________
= وظاهر أنهم أفادوا في ترجيحهم المتقدِّم من شارح سقط الزند؛ أبو محمّد البطليوسي؛ إذ قال في شرح البيت: (شروح سقط الزند: 3/ 1005): "يريد أنّ الجسم موات بطبعه، وإنما يصير حسّاسًا متحركًا باختيار باتصال النّفس به، فإذا فارقته عند الموت عاد إلى طبعه؛ فالحياة للنَّفس جوهريّة، وللجسم عرضيّة؛ فلذلك يعدم الجسم الحياة إذا فارقته النّفس، ولا تعدمها النفس".
ينظر: المطول: (1/ 107)، معاهد التّنصيص: (1/ 136).
(1) ما بين المعقوفتين غير موجود في الأَصل، ومثبت من: أ، ب، وعلى مثله درج الشَّارح.
(2) ما بين المعقوفتين غير موجود في الأَصل، ومثبت من: أ، ب، وعلى مثله درج الشَّارح.
(3) السمْكُ: الرَّفع. ينظر: اللِّسان: (سمك): (10/ 443).
(4) اختُلف في المراد بالبيت؛ فقيل: الكعبة، وقيل: أهل البيت، والراجح: أن المراد به بيت المجد والشرف؛ لمناسبة الفخر له.
(5) الدعائم: جمع دِعامة -بالكسر-؛ وهي: عماد البيت الذي يقوم عليه. اللِّسان: (دعم): (12/ 202).
(6) البيتُ من الكامل. وقائله: همام بن غالب المعروف ب "الفرزدق". والبيتُ في ديوانه: (2/ 209)، وفي المعاهد: (1/ 103).
(1/335)

إن الذِي خَلَقَ الأَشْيَاءَ صَوَّرني ... نارًا مِنَ البَأسِ في بَحْرٍ (1) مِن الجُودِ (2)!.
أو تحقيقًا؛ نحو:
إن التي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهَاجرَة ... بكُوفةِ الجُنْدِ (3) غَالتْ (4) ودَّها غُوْلُ (5)، (6)
__________
(1) في اأَصل: "وبحرًا". والصواب من بقيَّة النّسخ، وهو المناسب للسياق.
(2) البيت من البسيط، ولم أهتد إلى قائله -فيما بين يديَ من المصادر-.
(3) هي مدينة الكوفة المشهورة، وإنّما أضيفت إلى "الجند" لمقام الجند بها، وهي مِصْر من سواد العراق؛ اختطها المسلمون في السَّنة 17 ه.
ينظر: معجم ما استعجم: (4/ 1141)، ومعجم البلدان: (4/ 490 - 494)، والكامل في التاريخ: (2/ 372).
(4) غالت: أي: أهلكت خفية. من الغَول -بالفتح-؛ وهو الإهلاك الذي لم يُدْر به.
ينظر: اللِّسان: (غول): (11/ 507).
(5) الغُوْلُ -بالضّم-: جنس السعلاة، والجمع: أغوال وغيلان. وقيل: الداهية، وقيل: كل ما اغتال. ينظر: اللِّسان: (غول): (11/ 507)، ومختار الصحاح: (202).
(6) البيتُ من البسيط؛ وهو لعبدة بن الطيب. ورد ضمن قصيدة طويلة في شعره: (59)، وفي المفضّليّات؛ للضبي: (135)، وفي بهجة المجالس وأنس المجالس؛ للقرطبي: (781)، كما ورد منفردًا في المفتاح: (182)، والصباح: (17)، والإيضاح: (2/ 17)، والتّبيان: (242).
وقد أورد أبو زيد في نوادره: (156) البيت برواية: "بكوفةِ الخُلدِ" على أنه موضع. غير أن البكري نقل ما يدفع ذلك؛ إذْ قال (معجم ما استعجم: 4/ 1143): "وقال الأصمعي: إنّما هو بكوفة الجُنْد. والأول تصحيف. وهكذا نقلتُه من خط =
(1/336)

وفيهِ تحقيقُ الخبرِ؛ لأنها إذا هَجَرت وضَرَبت البيتَ بكُوفةِ الجندِ عازمةً للسَّفرِ - كان ودُّها هالكًا. يُقال: غَالته غولٌ: إذا وقعَ في مهلكة.
أَوْ تَعْلِيلًا، نحو (1): {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ} (2). وهذا؛ أي: اختيار الموصولِ لبناءِ الخبرِ عليه تعليلًا قدْ يتبعه تعظيمٌ للمتكلِّم، نحو: "الذي يُرافقني يستحقُّ الإجلال"، أو للسامع؛ نحو: "الذي يُرافقُك (3) يستحقُّ الإكرام"، أو للمذكور وهو المسند إليه؛ نحو: "الذي عنده السُّلطان يستحقُّ التَّعزير (4) والتَّوقير"، أو
__________
= أبي عليّ القالي".
(1) في ب: "كقوله" ولا اختلاف في المعنى.
(2) سورة الكهف، من الآية: 107. وتمامها: {نُزُلًا}.
وأوضح من التّعليل الّذي نصّ عليه المصنّف أن يكون الغرض: الإيحاء إلى بناء الخبر وأنه من جنس الخبر، قياسًا على المثال الّذي أورده صاحب الإيضاح (1/ 66): {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60].
ففي المثال إيحاء إلى وجه بناء الخبر، وأنه من جنس الشّر.
وإنّما قلت: "وأوضح من التّعليل" وإن المثال الّذي ذكره الإيجي لا يتضمّن تعليلًا صريحًا ظاهرًا. والله أعلم.
(3) في الأَصل: "رافق" والصّواب من: أ، ب.
(4) هكذا في الأصل. وفي أ، ب: "التعظيم" وهما بمعنى متقارب.
(1/337)

لغيرهم (1)؛ أي: غير المتكلم والسَّامع والمذكور؛ نحو: قوله -تعالى-: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} (2)؛ فإن في بناءِ كونهم خاسرين على تكذيبهم شُعَيبًا تعريضًا بتعظيمِ المصَدِّقين وتَنْزيههم عن الخُسْران (3). أو إِهانةٌ عطفٌ على قوله: "تعظيم"؛ نحو: "الذي (4) يفارقُني أو يُفارقك يستحقُّ الإكرام"، أو: "الذِي عنده الحرافيش" (5) يستحقُّ اللوم". أو تنبيهًا -بالنَّصْبِ- عطفًا (6) على قوله: "تعظيمًا"، والرَّفع (7) عطفٌ (8) على قوله: "تعظيم" والطاهرُ: أن النَّصبَ أقربُ إلى ما في "المفتاح" (9)
__________
(1) في ب: "لغيرها" وهو خطأ ظاهر.
(2) سورة الأعراف، من الآية: 92.
(3) الّذي يبدو لي -والله أعلم- أنّ التّعظيم المراد ينصرف إلى شأن نبي الله شعيب؛ إذ أن تكذيبه أوجب هذا الخسران المبين. وهذا التّوجيه هو ما نجده في كتب البلاغيين المتأخّرين مثل: البغية: (1/ 166)، والمنهاج الواضح؛ لحامد عوني: (4/ 106 - 107).
(4) في أ: "إنّ الذي" ولا وجه للتأكيد، ولم يرد في مثال المفتاح.
(5) الحرافيش أو الخرافيش: أوغادُ الناس وأرذالهم.
(6) في أ: "عطف" بالرفع.
(7) في أ: "وبالرفع".
(8) كلمة: "عطف" ساقطة من: أ.
(9) وهو قول السكاكي (182): "وربّما جعل ذريعة إلى التَّنبيه للمخاطب على خطأ".
(1/338)

على خطأ (1)؛ نحو (2):
إن الذينَ تَرَونهم [إِخوانكُمْ] (3) يَشْفي ... غَلِيلَ صُدُورِهم أَنْ تُصْرَعُوا (4).
الغليلُ: حرارةُ العطشِ، والضِّغنُ (5)، والحقدُ -أيضًا-. أو غيرُها -بالنَّصْبِ والرَّفع، تابعين لرفع التَّنبيه ونصبه-؛ أي: غير المذكورات؛ بنحو: تطييبُ (6) قلوبِ الفقراءِ، أو غيره؛ يقول الشَّاعرِ (7):
__________
(1) في أ، ف: "الخطأ".
(2) كلمة: "نحو" ساقطة من: أ.
(3) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل، ومثبت من: أ، ب، ف.
(4) البيتُ من الكامل. وقائلُه: عبدة بن الطيب، قاله ضمن قصيدة يعظُ فيها بنيه.
والبيت في شعره: (48) وفي المفضليّات: (147)، حماسة البحتريّ: (155)، والحيوان: (4/ 167) برواية:
إن الذي تَرَونَهُمْ خُلانكم ... يَشْفِي صداعَ رُؤُوسِهم أن تُصْرَعوا
ونسب ابن المعتزّ في البديع: (98) هذه الرِّواية إلى جرير، ولم أعثر عليها في ديوانه.
واستشهد بالبيت صاحبُ المفتاح: (182)، والمصباح: (17)، والإيضاح: (2/ 15)، والتبيان: (242)، وهو في المعاهد: (1/ 100).
(5) في أرسمت هكذا: "والظّعن".
(6) في أ: "تطيب" وهو تحريف بالنقص.
(7) هكذا -أيضًا- وردت جملة: "كقول الشاعر" ضمن كلام المصنِف في: أ، ب. وليست ضمن ف.
والبيتُ من السَّريع، وقائلُه أبو العلاء المعرِّي. قاله ضمن قصيدة يرثي بها جعفر بن =
(1/339)

إن الذِي الوَحْشَةُ في دَارِه ... تُؤْنِسُهُ الرحْمَةُ في لَحْدِهِ
وإنَّما أوردَ السَّكّاكي هذا البيتَ مثالًا للتَّنبيه على معنى آخر غير الخطأ (1)، كعلى (2) التَّطييب، فعلى هذا هو مثال لما هو قسمٌ للتَّنبيه، وعلى ما فعله المصنِّفُ لما هو قسيم للتَّنبيه (3).
__________
= على - رضي الله عنه -. وقد ورد في سقط الزّند: (28)، وشروح سقط الرند: (3/ 127)، وشرح التنوير على سقط الزّند: (2/ 10).
واستشهد به صاحبُ المفتاح: (182)، والتبيان: (242).
(1) حيث قال (مفتاح العلوم: 182): "وربّما جعل ذريعة إلى التّنبيه للمخاطب إلى خطأ؛ كقوله: إن الذين ترونهم ... أو على معنى آخربم كقولهم: إنّ الذي الوحشة ... ".
(2) في الأَصل: "كعلة" والصّواب من: أ، ب. وهو الموافق للسّياق قبله.
(3) وحاصلُ الخلاف بين المصنِّف والسَّكاكيِّ في الاستشهاد بالبيت يعود إلى سببين رئيسين:
الأوَّل: سبب مباشر؛ وهو اختلاف التَّقسيم بينهما -في هذا الموضع-؛ حيث إنّ المصنِّف لم يفرّق بين الإيماء إلى وجه بناء الخبر مطلقًا، وبين ما يتفرع من الاعتبارات الأخرى؛ فقد جعل المصنِّف التَّعظيم والإهانة مختصا بالتّعليل؛ بينما جعله السَّكاكيُّ من فروع الإيماء إلى وحه البناء مطلقًا.
كما أنّ المصنِّف جعل التّعليل مقابلًا للفروع؛ بينما لحظه السَّكاكيّ في الكلّ.
وتبعًا لاختلاف التقسيم اختلف إيراد البيت.
الثاني: سبب غيرُ مباشر؛ وهو اختلاف المنهج بين المصنّف والسَّكاكيِّ في عرض مباحثهما بعامّة؛ حيث إِن المصنِّف عالج مباحث أحوال المسند إليه وأحوال المسند من خلال الدّمج بينهما -رومًا للاختصار؛ بخلاف السَّكاكيِّ الذي فَصَل بينهما؛ ممّا نتج عنه اختصاص بعض الأحوال إمَّا بالمسند إليه أو بالمسند، وعدم صلاحيّتها للتَّعميم؛ الأمر الذي تعذّر معه -أحيانًا- مسايرة المصنِّف للسكّاكي =
(1/340)

وحاصلُه: أن معنى بناءِ الخبرِ على الموصول كونُ الموصولِ مَع صلتهِ بحيثُ يكون بينه وبينَ الخبرِ تعلُّقٌ يقتضِي بناءَه عليه وإسناده إليه، ويكُون هو الباعثُ على الإِخبار، وذلك إِمَّا بالتَّعريض للتَّعظيم؛ نحو: "إن الذِي سمك السَّماءَ"، وإِمَّا بالعَلِّية لميّة (1)، نحو: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} (2)، أو آنيَّة (3)، وهو الذي عبَّر عنه بتحقيق الخَبر، نحو: "إن الّتي ضَرَبت"، وإِمَّا بالرَّدِّ عليه والتَّنبيه على الخطأ، نحو: "إِن الذين ترونهم (4) "، وإِمَّا بغيرِ (5) المذكورات، نحو: "إن الذي الوحشة في داره (6) ". وعلى هذا التَّوجيه لا يَرِدُ اعتراضٌ، فتأَمَّل.
__________
= بدقّة تامّة.
(1) عنى بقوله: "لميّة" الشَّيءَ المنتظرَ الوقوع. من "لَمّا". ينظر: اللِّسان: (لمم): (12/ 553).
(2) سورة الكهف: من الآية: 107. وفي أ، ب: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.
(3) عنى بقوله: "آنية" الشّيءَ الحائنَ الوقوع. من "أوان" أو "إوان" بمعنى الحين.
ينظر: اللّسان: (أون): (13/ 39).
(4) في أ، ب، زيد: "إخوانكم".
(5) في أ: "لغير".
(6) قوله: "في داره" ساقط من ب.
(1/341)

والإشارةُ؛ أي: يُختارُ الإِشارةُ، وهو (1) متى صحَّ إِحْضاره الشَّيءَ في ذهن السامع بواسطةِ الإشارةِ الحسِّيَّةِ إليه؛ لا الإشارةِ العَقْليَّة (2) -كما في الموصولاتِ- لوجوهٍ:
الأَوَّل: تعيُّنه؛ أي: اسم الإشارة طريقًا إلى إحضاره (3)،
بأن لا يكون لكَ أو لسامعك طريقٌ إليه سواها (4).
الثاني: العنايةُ بكمالِ التَمييزِ، إذ التَّمييزُ والتَّعيينُ بالحسِّ أَكملُ؛ كقوله (5):
__________
(1) هكذا في الأَصل، ب؛ بالتَّذكير؛ على اعتبار مضاف محذوف تقديره: "اسم" أعني: اسم الإشارة. وفي أ: "وهي" بالتّأنيث. والأول أولى لوجود ما يدل على المحذوف قبل الضَّمير؛ وهو قوله: "يختار"، وبعده؛ وهو قوله: "تعينه" وكلاهما للمذكّر. أما تأنيث الضمير في المفتاح فمردّه إلى أنّ الضَّمير يعود إلى مؤنّث في قوله: "وأما الحالة".
(2) وذلك لأن الأَصل في "أسماء الإشارة أَنْ يشار بها إلى مشاهد محسوس قريبٍ أو بعيد؛ فإن أشير بها إلى محسوس غير مشاهد، أو إلى ما يستحيل إحساسه ومشاهدته؛ فلتصيِّره كالمشاهد، وتنزيل الإشارة العقلية منزلة الحسية" المطوّل؛ للتفتازاني: (77).
(3) و (4) الضمير فيهما يعود إلى الشَّيء المراد إحضاره في ذهن السامع. ومثاله: قولك عمن لا يمكن إحضاره بطرق التَّعريف الأخرى: "هذا رجل عالم؛ فاعرفه! " أو "هذا لا أعرفه؛ فمن هو؟ ".
(5) البيتان من الكامل. وقد وردا مَنْسوبين لأكثر من شاعر؛ فقيل: إنهما لرجل يمدح حاتمًا. (عروس الأفراح للسّبكي -ضمن شروح التلخيص-: 1/ 313، =
(1/342)

وإذَا تَأَمَّلَ شَخْصَ ضَيْفٍ مُقْبلٍ ... مُتَسَرْبِلٍ سِربال (1) لَيْلٍ أَغْبَر
أوما (2) إِلى الكَوْمَاءِ (3): هذا طَارِقٌ ... نَحَرَتْنِيَ الأَعْدَاءُ إن لَمْ تُنْحَر!
فإنّه لَمَّا أراد أن يُميِّز المشارَ إليه أكملَ تمييزٍ ذكرَ اسمَ الإشارةِ؛ وقال: "هذا طارقٌ".
الثّالثُ: التَّنبيهُ على غباوةِ السَّامع وادعاء أن الشَّيءَ لا يتميَّز عنده إلَّا بالحسِّ؛ ولا يَفهم إلا (4) بالإشارة الحسية؛ كقولِ الفرزدقِ (5) في
__________
= ومعاهد التّنصيص: 1/ 108). وقيل: إنهما لحسَّان بن ثابت - رضي الله عنه -: (غاية الأرب: 3/ 203)، وهما في ديوانه ضمن الشِّعر المنسوب له: (387).
وقيل: إنهما لابن المولى؛ محمَّد بن عبد الله بن مسلم: (سمط اللآلي: 1/ 182). وقيل: إنهما للعلويِّ صاحبِ الزّنج: (مجموعة المعاني: 34). وقيل: إنهما لأعرابي: (زهر الآداب: 2/ 845)، وقيل: إنهما لبعض الإسلاميين: (ديوان المعاني: 1/ 47).
والبيتان من غير نسبة في كتاب الأمالي للقالي: (1/ 45) برواية: "متسربل أثواب عيش أغبر".
واستشهد بهما في المفتاح: (183)، والمصباح: (17)، والإيضاح: (2/ 18).
(1) مُتسربل السِّربال: لابس القميص. ينظر: اللِّسان: (سربل): (11/ 335).
(2) أَوْ ما: مخففة: (أومأ)؟ بمعنى: أشار. ينظر: اللّسان: (ومى): (15/ 415).
(3) الكوماءُ: النَّاقةُ العظيمة السِّنام. ينظر: اللِّسان: (كوم): (12/ 529).
(4) أداة الاستثناء: "إلا" ساقطة من أ؛ ومستدركة في الحاشية.
(5) هو أبو فراس؛ همّام بن غالب بن صَعْصَة التَّميميّ البصريّ، اشتهر بالفرزدق. شاعر ذا أثر عظّيم في اللّغة؛ قيل عنه: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب. كان شريفا في قومه، عزيزا في نفسِه. له ديون شعر، توفّي في بادية البصرة سنة 110 ه. =
(1/343)

خطابه جَريرًا (1):
أولئِكَ آبائِي، فَجِئْني بِمثْلِهِم، ... إذا جَمَعَتْنا يا جَرِيرُ المَجَامعُ! (2)
الرّابع: التَّهكُّمُ؛ أي: الاستهزاء أو التَّمَسْخُر (3)، كما تقول (4) للأعمى: "هذا هذا"؛ وليس ثَمةَ شيء يُشارُ إليهِ.
__________
= ينظر في ترجمته: طبقات ابن سلّام: (2/ 298)، الشّعر والشعراء؛ لابن قتيبة: (111)، الأغاني: (5/ 221)، معجم المرزباني: (411)، سير أعلام النبلاء: (4/ 590).
(1) هو أبو حرزة؛ جرير بن عطيّة بن الخطفي التّميميّ البصريّ. شاعر مطبوع، ولد باليمامة، ونشأ بالبادية؛ فانطلق لسانُه، وتفتقت موهبتُه، ثم ارتحل إلى البصرة ينتجع الكرماء، ويمدح الكبراء؛ فشبّت بينه وبين الفرزدق والأخطل نارُ الهجاء. توفّي سنة 110 ه ودفن باليمامة.
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سلّام: (2/ 297)، والشّعر والشعراء: (108)، وفيات الأعيان: (1/ 301 - 307)، وسير أعلام النُّبلاء: (4/ 590 - 591).
(2) البيتُ من الطّويل. وهو في ديوان الشّاعر: (2/ 42) ضمن قصيدة طويلة يهجو فيها جريرا ويفتخر بنسبه. وهو -أيضًا- في النقائض: (2/ 699)، والإشارات: (184).
واستُشْهد به في المفتاح: (184)، والمصباح: (18)، والإيضاح: (2/ 19)، والتّبيان: (244).
(3) في ب: "والتَّمسخر" بالعطف بالواو. وحرف العطف والكلمة بعده سقطا من: أ.
(4) في أ: "كما يقال".
(1/344)

الخامسُ: بيان حالهِ في القربِ والبعدِ والتَّوسُّطِ ب "هذا" و"ذلك" و"ذاك" فإن "هذا" يشار به إلى القَريب، و"ذلك" إلى البعيد، و"ذاك" إلى المتوسِّط. وكأنه (1) بحسبِ زيادة الحروفِ يزداد البُعدُ؛ إذ به كمال التمييز [إذ ببيانِ حالهِ من التَّوسُّطِ وطَرَفيْه يحصل كمال التّمييز] (2) المطلوب من الإشارة، نحو: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (3).
وقد يعتبرُ القربُ في الرُّتبةِ تَحْقيرًا (4)، وذلك فيما يُشار إليه إشارة القريب، ويُراد قربه في المرتبةِ -لا القرب المكاني- وانحطاطُه فيها، تحقيرًا للمشار إليه واستِرْذالًا له؛ نحو: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} (5)، وكما يحكيه القائل عن امرأته (6):
__________
(1) في أ: "فكأنه". وفي ب: "وكانت" ولا وجه له.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من الأَصل، ومثبت من: أ، ب. ولعلّه سقط من انتقال النَّظر.
(3) سورة البقرة، الآية: 5.
(4) هكذا وردت العبارة في ف. وفي ب: "وقد يُعتبر القربُ والبعدُ تحقيرًا".
(5) سورة الفرقان، من الآية: 41، وقبل الجزء المستشهد به: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا}.
(6) في ب: "امرأة".
والبيتُ من الطويل؛ وقد ورد منسوبًا إلى الهذلول بن كعب العنبريّ في ديوان الحماسة شرح التّبريزي: (2/ 228) برواية: "تقول وصكت"وفي شرح المرزوقيّ: (2/ 696) برواية: "تقول ودقَّتْ صدرها".
كما ورد منسوبًا إلى أعرابي من بن سعد بن زيد بن مناة بن تيميم في قول أبي =
(1/345)

تَقُولُ وَدَقَّتْ نَحْرَهَا بِيَمِينِها ... أبعْلِي هَذَا بالرَّحى الْمُتَقَاعِسُ؟! (1).
أَوْ البُعْدُ [أي] (2) وقد يُعتبر البعدُ فيها -في الرُّتبةِ- تعظيمًا، وذلك فيما يُشارُ إليه إشارة البعيد، ويُرادُ بعدُه في المرتبة (3) وارتفاعُه فيها؛ كأنه بلغ الدَّرجَةَ العليا، بحيثُ لا يُدرك قُربه، نحو: قوله -تعالى-:
{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ} (4) ذهابًا إلى بُعدِه درجةً، فإن الكتابَ لَمَّا كان قريبًا وأُشير إليه إشارةَ البعيدِ عُلِم أنَّه لا يريدُ البُعدَ المكاني، بل البُعدَ الرُّتبيَّ.
__________
= العبّاس، وإلى ابن محلم السعدي في قول أبي الحسن، في الكامل في اللغة والأدب: (1/ 35). برواية: "تقول وصكت صدرها". وإلى الأخير نسَبهُ صاحبُ العقد الفريد: (1/ 109) برواية: "تقول وصكت وجهها".
وبرواية المتن استشهد بالبيت في المفتاح: (184)، والإيضاح: (2/ 20)، والتّبيان: (245).
(1) المُتقاعِسُ: الذي يدخل ظهره ويخرج صدره، ضدّ الأحدب. ينظر: اللّسان: (قعس): (6/ 177).
(2) ما بين المعقوفتين مثبت من: أ، وعلى مثله درج الشارح.
(3) في الأَصل: "الرتبة" والصَّواب من: أ، ب، وهو الموافق لا يقابله قبله؛ وهو قوله: "ويراد قربه في المرتبة".
(4) سورة البقرة، الآية: 1، وبعض الآية: 2.
(1/346)

أَوْ خلافه (1) قد يُعتبر البُعدُ في الرُّتبة بخلاف التَّعظيم، أي (2):
التَّحقير؛ كما يُقال: ذلك اللعين، وهو حاضرٌ تبعيدًا له عن ساحة العزَّةِ لاسْتِرْذَالِه. هذا كما هو في "المفتاح" (3)؛ لكن قال المصنِّف بحمله -أيضًا- على التَّعظيم (4)؛ أي: ذلك اللعينُ العظيمُ المرتبة الرَّفيعها (5) في اللعن.
قوله: "أوْ خلافه" بالنَّصبِ عطفٌ على قوله: "تعظيمًا"؛ ولا يجبُ في معطوفِ المفعولِ له التَّنكيرُ؛ بل في نفس المفعولِ له.
__________
(1) هكذا في الأصل. وفي أ، زيادة: "أو" والمعنى تام بدونها. وفي ب: "أي" وقد وردت "أي" في جميع النّسخ مرّة أخرى في نفس الفقرة عندما قال الشّارح عقب ذلك بقليل: "أي: التحقير" وليس من عادة الشَّارح تكرارها في فقرة واحدة.
(2) في ب: "أو" وعليه تندرجُ نكتٌ أخرى خلاف التَّعظيم والتَّحقير، والمثال بعده يضعف ذلك.
(3) ينظر ص (184).
(4) هذا القولُ من جملة ما نقلَه الكرمانيُّ عن شيخه الإيجي، ولم أعثر عليه في مؤلّفات المصنّف التي بين يديّ.
(5) هكذا في الأصل، ب. وفي أ: "الرّفيع".
(1/347)

والمُعَرَّفُ باللامِ للإشارة إلى الحقيقةِ؛ أي: يُختار المعرَّفُ باللام إذا كان المقصودُ به الإشارة (1) إلى نَفْس الحقيقةِ -أي: الماهيّة التي يُعبَّر عنها في عُرْفهم بالجنس-، وهذا التَّعريفُ يُسمَّى: تعريفُ الجنسِ، وتعريف الماهيَّةِ، وتعريف الحقيقة (2). نحو: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} (3) أَي: جعلنا مبدأَ كلِّ شيءٍ حي هذا الجنسِ الذي هو جنس الماءِ؛ حتَّى الملائكة؛ فإنَّها خُلقت من ريح خُلِقت من الماءِ، والجنّ فإِنَّه خُلق (4) من نارٍ خُلقت من الماء -كمَا جاء في الرِّوايات- (5).
أَوْ للاستغراق؛ أي: وإذا (6) كان المقصودُ العمومَ إمَّا مُطلقًا؛ وذلك بأَن لَمْ ينقلْ عن الحقيقة اللُّغويَّة، ولم يُقيَّد بعُرفٍ أَوْ غيره، فيَستغرق جميعَ أفراد ذلك الاسم بحسب اللغة؛ وهو الاسْتغراقُ الحقيقيُّ؟ نحو: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (7) أي: جميع أفراد الإنسان بشهادة استثناء
__________
(1) قوله: وإذا كان المقصود به الإشارة"، ورد على أنه من كلام الإيجي في الأصل.
وليس في ف. ويبدو أنه وهمٌ من النّاسخ.
(2) ينظر: شرح قطر النَّدى وبلّ الصّدى؛ لابن هشام: (89).
(3) سورة الأنبياء، من الآية: 30.
(4) في أ: "فإنها خلقت" وكلاهما جائز.
(5) ينظر: الكشّاف: (3/ 195) طبعة الاستقامة.
(6) في أ,: "إذا" بحذف الواو. وفي ب: "أو إذا" بزيادة الهمزة قبل الواو. وعلى الكل المعنى ظاهر.
(7) سورة العصر: من الآية 2.
(1/348)

{إلا الَّذِينَ آمَنُوا} (1) عنه؛ إذ الاسْتثناءُ مِعْيارُ العُمومِ. أَوْ مقيدًا (2)؛ وهو بخلافه (3)؛ فيستغرق لم جميع أَفرادِه بحسبِ ذلك القيدِ (4)؛ كالعُرفِ -مثلًا-، وهو الاستغراقُ العُرفي؛ نحو: "جمعَ الأَميرُ الصاغة"؛ إذا جمع صاغةَ مملكته لا صاغةَ الدُّنيا.
أَوْ للَعهد؛ أي: وإذا (5) كان المقصودُ حِصَّةً معهودةً من الحقيقة؛ كما إذا قال [قائلٌ] (6): "جاءني رجلٌ من قبيلةِ كذا"، فتقول: "الرَّجلُ فعلَ كذا" لفظا؛ نحو: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} (7)، (8) أَوْ ذِهْنًا؛ نحو: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (9) (10).
__________
(1) سورة العصر: من الآية 3.
(2) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "وإِمَّا مقيّدًا" بالعطف بالواو، وزيادة: "إمَّا" ضمن كلام الشّارح. وفي ب: "أو إمّا مقيّدًا" بالعطف ب "أو"، وزيادة إما ضمن كلام الشارح.
(3) أي: بخلاف الاستغراق الحقيقيّ.
(4) في ب: "المقيّد".
(5) هكذا في الأصل. وفي أ، ب: "أو إذا".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من الأَصل، ومثبت من: أ، ب. ولا بد منه لاستقامة السِّياق.
(7) أي: الرسول المذكور سابقًا.
(8) سورة المزمل، من الآيتين: 15، 16.
(9) أي: محمدًا، المعهود في أذهانكم.
(10) سورة محمّد، من الآية: 33.
(1/349)

العهدُ نوعان؛ لأنَّ تعريف العهدِ إشارةٌ إلى ما هو مُعيَّن (1) ومعهود (2) قبل؛ فهو (3) إمَّا أن يكونَ في اللفظِ والذِّكرُ دليلٌ عليه سابقًا، أَوْ لا يكون (4)، فإنْ كان؛ فهو: العهد اللفظي، ويُسمَّى -أيضًا-: بالخارجيِّ (5)؛ كما في الآية الأولى، فإن (6) لم يكن؛ فهو: العهدُ الذِّهنيُّ؛ كما في الآيةِ الثانيةِ.

تنبيه:
اللامُ للتَّعريف؛ اللام -كما عرفت (7) - لتعريف المتكلِّم السَّامعَ الحقيقةَ المعلومة المُتَميِّزة عنده، والإِشَارة إليها (8). والحقيقةُ يُفيدُها جوهرُ اللفظ؛ من حيثُ هي بلا ملاحظةِ عمومٍ واستغراقٍ أَوْ عهدٍ وخصوصٍ.
والتَّعميم؛ أَيْ: الاسْتغراق، والتَّخصيص؛ أي: العهد عارضان من خارج؛ فإن الحقيقةَ كما لا تقتضي التَّوحُّد (9)، وكونه في ضمن فردٍ واحدٍ؛ كذلك لا تقتضي التَّعدُّد، وكونه في ضمن الأفراد. فيُحتاج
__________
(1) في الأصل: "متعيّن"، والمثبت من: أ، ب.
(2) في ب: "ومعهودة". ولا وجه للتّأنيث.
(3) في أ: "وهو".
(4) كلمة: "يكون" ساقطة من ب.
(5) ينظر: الإيضاح: (2/ 24)، والتبيان: (249).
(6) في أ: "وإن".
(7) مراده: ما تقدّم في هذا الصّدد ص 130.
(8) قوله: "والإشارة إليها" ساقطة من ب.
(9) في ب: "التّوحيد".
(1/350)

فيهما؛ أي: التَّعميم والتَّخصيص الزَّائدين على مدلولِ اللَّامِ وجوهرِ اللَّفظِ إلى القرينةِ (1) من مقتضى المُقامِ وغيره.
والحاصلُ: أَنَّ اللَّامَ لَمَّا كان لتعريفِ ما هو معلومٌ عند السَّامع والإشارةِ إليه؛ فإن كان عِلْمُ المخاطبِ بمطلق الحقيقةِ فهو لتعريف الجنس، وإن كان علمُه بها بحسبِ العهدِ؛ فإن كان بالبعضِ (2) فهو لتعريفِ العهد لفظيًّا أَوْ ذهنيًّا، وإن كان بالكلِّ فهو لتعريفِ الاستغراقِ. فتَغَيُّرُه بحسبِ تغيُّر علم المخاطَبِ ومُقْتضى المقام. فعُلِم أنَّ أصل وضْعِه للتَّعريفِ؛ لكن بكلِّ اعتبارٍ له تعريفٌ خاصٌّ؛ وإشارةٌ خاصّةٌ. وأمّا في تعريف الجنسِ فلا يحتاج إلى قرينةٍ؛ لأنَّ جوهرَ اللَّفظِ مفيدٌ له.
والمضافُ لأمورٍ؛ أي: يُخْتار (3) الْمُضاف لوجوهِ:
الأوَّلُ: أَنْ لا طريق؛ أي: لا يكون للمُتَكلِّم إلَى إحضاره في ذِهن السَّامع طريقٌ سواها؛ سوى الإضافةِ؛ كقولك: "غلامُ زيدٍ" إن لم يكن عندك أَوْ عند سامعك (4) منه شيءٌ سِواه.
__________
(1) هكذا في الأصل، وبقيّة النّسخ. وفي ف: "قرينة [15 / أ].
(2) في الأصل: "البعض" والصَّواب من: أ، ب، وهو الموافق للسّياق بعده: "وإن كان بالكلِّ".
(3) في أ: "ويختار".
(4) في أزيادة: "أو عندهما" ولم ألتفت إليها؛ لعدم إثبات المفتاح لها, ولتنافر ضمير المثنّى الغائب فيها مع السِّياق؛ إذ كان الأَوْلَى أن تساق بضمير الخاطب: "أو =
(1/351)

الثَّاني: تعذُّرُ التَّعدادِ (1) بالامتناعِ العاديِّ؛ كَكَون عَدَد المسندِ إليه غير محصُور، أَوْ بغيره؛ نحو:
بَنُو مَطَرٍ يومَ اللِّقَاءِ كأَنَّهُمْ ... أُسُودٌ لَهَا فِي غِيْل خَفَّانَ أَشْبُلُ (2).
فإنَّه لَمَّا كان تعدادُ بني مطر (3) مُتعذّرًا لكونهم غير محصورين اخْتارَ الإضافة.
الغيلُ -بالكسر-: الأَجَمَة (4) ومأوى الأسدِ.
وخفَّانُ (5): مأسدةٌ.
__________
= عندكما" اتباعًا لما قبلها, ولعدم وجود فائدة ترجّح الالتفات في هذا الموضع.
وكلّ ذلك ينفي أن تكون تلك الزّيادة من الشَّارح. والله أعلم.
(1) في الأصل: "التّعدد". والصَّواب من: أ، ب، ف.
(2) البيتُ من الطَّويل. وقائلُه مروان بن أبي حفصة الشَّاعر، يمدح معن بن زائدة الشّيبانيّ، وبنو مطر قومه بطن من شيبان. والبيت في شعر الشَّاعر ص: (88)، طبقات ابن المعتز ص: (43)، الأغاني: (5/ 304)، والعمدة في صناعة الشّعر ونقده؛ لابن رشيق القيروانيّ: (353/ 2)، تحرير التَّحبير في صناعة الشِّعر والنَّثر وبيان إعجاز القرآن؛ لابن أبي الإِصبع: (95).
واستشهد به: المفتاح: (186)، والمصباح: (20)، والإيضاح: (2/ 34)، والتّبيان في غير هذا الموضع: (233).
والشَّاهد في قوله: "بنو مطر"؛ حيث أغنت الإضافة عن تعداد متعذّر.
(3) في أ، ب: "بني المطر".
(4) الأَجَمَة: الشَّجر الكثيرُ الملتفُّ. اللسان: (أجم): (12/ 8).
(5) خَفَّان -بفتح أَوَّله وتشديد ثانية-: "موضع قرب الكوفة يسلكه الحاجّ =
(1/352)

وأشبلُ: جمع شبلٍ (1).
أَوْ تعسُّرُه، كقوله (2):
قَومِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ (3) أَخِي ... فإذا رَمَيْتُ يُصِيبُني سَهْمِي
فإنَّ قومَه إذا لم يكونوا غيرَ محصورين لم يتعذَّر التَّعداد؛ لكنَه مُتعسِّرٌ لكَثْرته. ويجوزُ كونه للمَذَمَّةِ -أيضًا-.
أَوْ إِمْلالُه؛ كقوله (4):
__________
= أحيانًا، وهو مأسدة". معجم البلدان: (2/ 379). وقيل: "موضع قَبل اليمامة؛ أشبُّ الغياض، كثير الأُسد". معجم ما استعجم: (2/ 505).
(1) والشِّبْلُ: ولد الأسد إذا أدرك الصّيد. اللسان: (شبل): (11/ 352).
والمشهور أنّ ذوي الشّبل من الأسود أشدّ مقاتلة ومقابلة ومدافعة من غيرها.
(2) في أ: "كقولهم" وهو تحريف بالزّيادة. والبيت من الكامل. وقائله هو الحارث بن وعْلة الجرميّ الذّهليّ. شاعر جاهليّ.
والبيتُ في الحماسة: (1/ 118)، وعيون الأخبار: (3/ 88)، سمط الّلآلئ:
(1/ 584)، المؤتلف والمختلف: (303)، وشرح الحماسة للمرزوقيّ: (1/ 204)، والتّبريزي: (1/ 107)، ودلائل الإعجاز: (253).
واستُشهد به في المفتاح: (186)، والإيضاح: (2/ 34).
والشَّاهد في قوله: "قومي" حيتّ أغنت الإضافة عن تعداد متعسّر.
(3) أميم: منادى مرخّم؛ وأصله أميمة؛ وهي التي كانت تحضّ الشَّاعر على الأخذ بثأر أخيه.
(4) البيتُ من الطَّويل. وقائله: القتّال الكلابيُّ. ديوانه: (50)، الكتاب: (3/ 565)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النّحويّين: البصريّين والكوفيّين؛ للأنباري: (2/ 772)، إيضاح شواهد الإيضاح للقيسي: (1/ 447)، واستشهد به في المفتاح: (187). =
(1/353)

قَبَائِلُنا سَبْعٌ وأنْتُم ثَلاثةٌ ... ولَلسَّبْعُ (1) خَيْرٌ مِن ثلاثٍ وأكْثَرُ.
الثَّالثُ: مجازٌ لطيفٌ (2)، أي: لكون الإضافةِ متضمِّنة لاعتبارٍ لطيفٍ مجازيٍّ، كقوله (3):
إذا كَوْكَبُ الخَرْقاءِ، -أي: الحَمْقَاءِ- لاحَ بسُحْرةٍ (4)
سُهيْلٌ (5) أَذَاعتْ (6) غَزْلَها في القَرائِبِ
والاعتبارُ اللَّطيفُ المجازيُّ هو الإضافةُ لأَدنى مُلابسةٍ، وهو ظهورُ حُمْقِها عند طلوعِه، فإنَّ الكَيِّسَةَ (7) من النِّساءِ تَسْتعدُّ للشتاءِ صَيْفًا
__________
= والشَّاهد في قوله: "قَبَائِلُنَا سَبْعٌ وأنتُم ثَلاثَةٌ" حيث عدل عن التَّعداد خشية الإملال.
(1) في أ: "والسّبع".
(2) اللَّطيف: ما يدقُّ إدراكه. ينظر: اللّسان: (لطف): (9/ 316).
(3) البيتُ من الطَّويل. ولا يعلم له قائل. وقد ورد الشّطر الأوّل منه في المفضل: (121)، وأتَمَّه النعسانيّ في شرح أَبْيات المفصّل وقال: (121): "لم أرَ مَن ذكره قائلَه".
والبيتُ برواية المتن في المقرّب؛ لابن عصفور: (1/ 213)، والمفتاح: (187)،
والمصباح: (21). وبرواية: "الغرائب" في عروس الأفراح: (1/ 347) ضمن شروح التّلخيص. وخزانة الاُدب للبغدادي: (1/ 487).
(4) لاح بسُحرةٍ: أي ظهر عند السَّحَر. وهو لا يطلع سحرًا إلَّا عند الشّتاء.
(5) سُهيل: بدل من كوكب، أو عطف بيان، وهو اسم لنجم معروف. ينظر: اللِّسان: (سهل): (11/ 350).
(6) أذاعت: نشرت. ينظر: اللِّسان: (ذيع): (8/ 99).
(7) الكيّسة: العاقلة. اللِّسان: (كيس): (6/ 201).
(1/354)

فَتَسْتريح عند طلوعه، والحَمْقَاء لعدم استعدادها إذا أخذها البردُ بطلوعه أخذت تُفَرِّقُ قُطْنَهَا وتُذيعُه في نساءِ القرائب؛ ليَغْزِلن لأجلها.
والغزلُ؛ بمعنى: المغزول، وأَراد به: القطنَ مجازًا باعتبارِ المآلِ.
الرّابعُ: نوعُ تعظيمٍ للمضاف؛ نحو: عبدُ الخليفةِ رَكِبَ (1)، أَوْ المضافِ إليه؛ نحو: "عبدي حَضَر" (2)، أَوْ غيرهما، نحو: "عبدُ السُّلطان عندي"؛ فتعظم شأنَك لا شأنَ المُضافِ ولا شأنَ المضافِ إليه (3).
أَوْ إهانةٍ، أي: نوع إهانةٍ للمُضافِ؛ ك "غُلامِ الحَجَّام جاء"، أَوْ للمُضَافِ إليه، ك "عبد العالمً سىَرَقَ"؛ مُحقِّرًا لشأن (4) العالم بعِلَّةِ سُوء سِياسَته له، أَوْ لِغيرهما؛ نحو: "ولد الحَجَّام رفيقُ فُلانٍ".
__________
(1) فَتُعظم شأن العبد باعتبار أنَّ مالكه الخليفة.
(2) فتعظم شأنك باعتبار أَنَّك تملك عبدًا.
(3) على أَنَّ الأَوْلَى بالمثال الأخير -وإن كان صادقًا في عدم وقوع التّعظيم فيه على المضاف أو المضاف إليه- أن يكون هكذا: "عبد السّلطان عند فلان"، وذلك لما يلي: أ - دفعًا لِلَّبس الَّذي قَدْ يَنْشأ عن المثال الثاني: "عبدي حضر"؛ إذ أَنَّ التَّعظيم فيه مُنْصبٌّ على المتكلِّم -أيضًا-.
ب- انسجامًا مع المثال المقابل في الضِّدّ "الإهانة" إذ أنَّ الإهانة فيه لم توقع على المتكلِّم بل على غيره: "ولَدُ الحجَّام رفيقُ فلان".
ج - موافقةً للمفتاح واقتداءً به حيث إِن السَّكَّاكيَّ لم يُوقع التَّعظيم على المتكلِّم كما فعل الشَّارح، وإنَّما أوقعه على الغير؛ ومثاله (ص 187): "عبد الخليفة عند فلان" وقد درج المُصنِّف والشَّارح على الاقتداء به.
(4) في ب: "شأن".
(1/355)

تَذْنِيب (*):
قدْ يقعُ المعرفةُ (1) مُسندًا؛ وذلك إذا كان المُسندُ مشخَّصًا (2) عند السَّامع، مَعْلُومًا له بإحدى (3) طُرقِ التَّعريف. وكَوْنُه معلومًا مُعَيَّنًا عند السَّامع (4) لا يمنعُ كونَ الخبرِ مُفِيدًا، إذ قدْ يُقصدُ به لازمُ الفائدة، أَوْ الفائدة بأَنْ يكون السَّامعُ عَلِم ذاتين بصفتين، ثُمَّ يَشُكُّ في إحداهما؛ أهي الأخرى أم لا؟؛ فينفي عنه ذلك الشَّكّ.
قوله: "وكونه مَعْلومًا مَعيَّنًا لا يَمْنع" جوابٌ وسؤالٌ.
تقديرُ (5) السُّؤالِ: إنَّه إذا كانَ مُشَخَّصًا عنده (6) معلومًا له يكونُ المسندُ إليه لا مَحَالة -أيضًا- مَعْلُومًا له (7)؛ لأنَّ كون
__________
(*) التَّذنيبُ: جَعْلُ الشَّيءِ ذَنَبًا، أَوْ ذنابة؛ بمعنى: تابعًا له، أو عقبًا على إثره.
ينظر: اللِّسان: (ذنب): (1/ 389) والمراد أَنَّ ما سيأتي متعلِّقٌ بمباحث التَّعريف؛ متمّم له.
(1) قول المصنّف: "قد يقع المعرفة" ورد ضمن كلام الشَّارح في الأصل.
(2) في أ، ب: "متشخصًا".
(3) في أ: "بأحد".
(4) قول الشَّارح: "عند السَّامع" ورد ضمن كلام المصنِّف في الأصل، أ، ب. ولم يرد في ف، وعدم إثباته ضمن كلام المصنِّف هو الأنسب؛ لمقام الاختصار.
(5) في ب: "تقرير".
(6) في أ: "عند السَّامع".
(7) عبارة: "يكون السند معلومًا له" ساقطة من: أ. واستُدرك السَّقطُ بخطٍّ مغايرٍ في حاشية (أ) بعبارة: "تعيّن أن يكون السند إليه معلومًا مُعيّنًا مُشخصًا".
(1/356)

المسند إليه نكرة والمسند معرفة ليس في كلام العربِ. وإذا كانا معلومين فماذا يستفيدُ من ذلك الخبرِ؟.
وتقديرُ (1) الجوابِ: إِنَّه قد يَسْتفيدُ إِمَّا فائدة لازم الخبرِ (2)؛ كما في قولك لمن أثنى عليك بالغيبِ: "الَّذي أثنى عليَّ بالغيبِ أنت"؛ مُعَرِّفًا له أنّكَ عالمٌ بذلك، وإِمَّا نَفْس فائدةِ الخبرِ؛ وذلك فيما إذا كان السَّامعُ عَلِمَ ذَاتين بِصِفَتين، ثُمَّ يَشُكُّ في إِحْداهما وهي ما يَجْعله مسندًا، أَهي الأخرى أَمْ لا؟؛ فيُريد المُتَكلِّمُ أن يَنْفِي عنه ذَلك الشَّكَّ (3)، ويُخْبره بأنَّ ذلك الشَّيءَ مُتَّصفٌ بالأُخرى؛ فيورد اللَّفظ الدَّال على الأُولى مُسْندًا إليه، واللَّفظ الدَّال على الثَّانية (4) مُسْندًا، فيَسْتَفِيد السَّامعُ من ذلك ما كان يُخْبره له (5) من اتِّصافِ ذلك الشَّيء بالثَّانية (6)؛ كما في قَوْلك لمن يعرف
__________
(1) في ب: "وتقرير".
(2) هكذا في الأصل بتقديم "فائدة" على "لازم"، ولا مانع؛ لأنَّ لازم الخبر فائدةٌ؛ كما قرَّر ذلك البلاغيّون، بل إن هذا التَّقديم -في نظري- هو الأولى، وبخاصّة في هذا المقام؛ لأنّه وقع في إجابة سؤال يستفهم عن الفائدة؛ فناسب تصدير الإجابة بتقديمها؛ إذ قال: "إنه قد يستفيد إمّا فائدة لازم الخبر ... وإِمَّا نفس فائدة الخبر". وفي أ، ب: "لازم فائدة الخبر".
(3) في ب: "الخبر".
(4) في أ: "الثَّاني" وهو تحريف بالنَّقص.
(5) في أ: "به".
(6) في الأصل: "الثَّاني" وهو تحريف بالنَّقص. والمراد اتِّصافه بالصّفة الثَّانية.
(1/357)

أنَّ له أخًا، ويعرف أنَّ (1) إِنسانًا يُسمَّى زيدًا؛ ولكن (2) لا يعرف أنَّ ذلك الإنسانَ هو أَخُوه: "زيدٌ أَخُوك، أَوْ أخُوك زيدٌ" (3).
والحاصلُ (4): أنَّ العلمَ بالطَّرفينِ غيرُ العلم بالنِّسبة والحَمْل، ثمَّ لا يُقَدَّمُ فيما نحنُ فيه ما تَقَدَّمَ بسلامة الأمير (5)؛ أي: جُزافًا (6) من غير عِلَّةٍ حتَّى يكون مُخَيَّرًا في التَّقديم والتَّأخير كيف اتَّفق؛ بل لا بُدَّ أن يكون التَّقديمُ لعِلَّةٍ على حسب ما يقتضيه المقامُ. فيُقدَّم في مسألةِ الأخ
__________
(1) "أنَّ" ساقطة من أ، ب.
(2) في ب: "لكن" بدون الواو.
(3) لمزيد من الإيضاح حول هذه القضيّة يراجع المفتاح ص (212 - 216).
(4) في ب: "فالحاصل".
(5) في الأصل: "الأمر" والصَّواب من: أ، ب، المفتاح.
وقوله: "بسلامة الأمير" مقْتبسٌ من كلام السَّكَّاكيّ: (المفتاح: 213) ولعلّه أوّل من أورده في مصنّف، إذ لم أقف عليه في المصنّفات السّابقة له.
وفي بيان معناه يقول الشِّيرازيّ في شرحه للمفتاح: (324): "هذا مثَلٌ يُضرب في العمل لا معنى له".
كما يقول الشَّريف الجرجانيّ في شرحه للمفتاح -أيضًا - (232): "وهذا مثل في المعجم، فإنّ الغلمة من الخدم يأخذون من السّوقة أشياء، ويتمسّكون في ذلك بسلامة الأمير".
(6) جزافًا: كلمة فارسيّة معرّبة من الجزف، وهو المجهول القدر. ينظر: اللّسان: (جزف): (9/ 27).
والمراد: عدم أخذ الأمر بالمساهلة.
(1/358)

وزيدٍ -مثلًا- ما يُرادُ الحُكْم عليه، ونَفْي شكِّ ثبوت الآخر لَه (1) عنه؛ فتقولُ لمن يعرفُ زيدًا بعينه وباسمه، لكن لا يعرف أنَّه أخُوه، وهو كالطَّالب حكمًا له، وكان معتقدًا أنَّ له أخًا لكن لا يعلمُه على التَّعيين: "زيدٌ أخوكَ"، على ما يتصوَّرُه من السَّامعِ من كونه طالِبًا للحُكْمِ على زيدٍ، وكذا عكسه؛ تقول لمن يعتقد أنَّ أخًا لنفسه؛ لكن لا يعرفه على التَّعيين، وهو كالطَّالب منك الحُكم على أخيه بالتَّعين: "أخوك زيدٌ"، فيورد الحكم على ما يتصوَّره من السَّامع.
وبهذا يُعلم الفرْقُ بين "زيد أخوك" و "أخوك زيد" (2)؛ فظهر الفرْقُ بهذا بين العبارتين فإنّه لأيّ شيء في الأوَّل، الحكم على زيد بالأَخ، وفي الثَّاني بالعكس. ويُعرفُ معنى قول النُّحاة: "المقدَّمُ من المعرفتين هو المبتدأ" (3)؛ لأنَّك تجعل المشكُوك في ثبوته للآخر (4) مُسندًا فتُؤخّره، والآخر مُسندًا إليه فتُقَدِّمه (5)، معَ أنَّه؛ [أي: مع أنَّ الخبر
__________
(1) في أزيادة: "ونفيه" والسِّياق مستقيم بدونها؛ إذ المراد نفي الشّكّ الثّابت للآخر عنه.
(2) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "بين (أخوك زيد)، (وزيد أخوك) ".
(3) ينظر على سبيل المثال: شرح ابن عقيل: (1/ 217)، مغني اللّبيب: (589).
(4) في الأصل: "الآخر" وهو تحريف بالنَّقص، والصَّواب من: أ، ب.
(5) يوحي قول المصنِّف: "ويعرف معنى ... " وتعقيب الشَّارح بعده بقوله: "لأنّك تجعل ... فتقدّمه"؛ يوحي باتّفاق البلاغيّين والنّحاة على العلَّة الموجبة للتّقديم.
والحقُّ أنّها مثار اختلاف بينهما؛ فالبلاغيّون يعلّلون بمطابقة الكلام لمقتضى الحال، والنَّحويّون يعلّلون بأمور لفطة؛ منها؛ دفع الالتباس. فالنّتيجة وإن اتّحدت إلا أن =
(1/359)

المعرف باللَّام] (1) إذا أُريدَ به الحقيقة أفاد حصرها في المبتدأ، أي: كونه مَعْلومًا لا يمنع كونِ الخبر مُفيدًا (2). إذ قد يُقْصَدُ به لازم الفائدةِ، أَوْ الفائدة نفسها؛ مع أنَّه قد يُقْصدُ به فائدة أُخرى هي (3): الحصر (4)؛ وهو إذا كان اللَّامُ (5) للتَّعريف وأُريد به (6) الحقيقة والجنس؛ فإنَّكَ إذا قلت: "زيدٌ المنطلق"؛ وأَردتَّ حقيقة المنطلق أفادَ حصر الانطلاق في زيدٍ؛ لأنَّ حقيقةَ المنطلق -حينئذٍ- هو زيد؛ فلا (7) يكون غيره منطلقًا.
قال السَّكَّاكيُّ: "زيدٌ المنطلق"، و "المنطلقُ زيدٌ"، كلا العبارتين تستلزمُ انحصار الانطلاق في زيدٍ (8). وعبارةُ الأُسْتاذ تُشعرُ بخلافِهِ.
وأيضًا: بنَى السَّكَّاكيُّ الحصرَ على الاستغراق؛ فإنَّه بعدما ذَكَر أنَّ المقامَ إذا كان خطابيًّا، مثل: "المؤمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ" (9) حُمل على
__________
= الطّريق إليها مختلف.
(1) ما بين المعقوفتين غير موجود في الأصل. ومثبت من أ، ب. وبه يتّضح المعنى.
(2) في الأصل: "مفيد". والصَّواب من: أ، ب.
(3) في أ: "وهي".
(4) أي: قصر الخبر على المبتدأ بحيث لا يتجاوزه إلى غيره؛ حقيقة أو ادّعاء.
(5) في ب: "باللّام"؛ وهو تحريف بالزّيادة.
(6) في ب: زيادة "حصر"، والسِّياق يرفضها.
(7) في ب: "ولا".
(8) ينظر: المفتاح: (216).
(9) حديثٌ أخرجه أبو داود في سننه: (5/ 144)، والترمذي في جامعه: (4/ 303)، والإمام أحمد في مسنده: (2/ 294). وتمامُه: "والفاجِرُ خِبٌّ لئيم". وقال عنه =
(1/360)

الاستغراق، وأنَّ الاستغراقَ نوعان: عُرفيٌّ، وغيرُ عُرفيٍّ، وأنَّ استغراقَ المفرَد أشملُ من استغراق الجمع -قال (1): "إذا عرفتَ هذا فنقول: متى قلنا: (زيدٌ المنطلق)، أَوْ (المنطلقُ زيدٌ)؛ في المقام الخطابيِّ لزمَ ألَّا يكون غيرُ زيدٍ منطلقًا" (2).
والمصنِّف بَنَى على تعريفِ الحقيقةِ، وأنت الحاكمُ الفيصلُ.

والتَّنكيرُ لأمُور (3):
الأوَّلُ: الإفرادُ (4) شخصًا أَوْ نوعًا، كقوله: {وَاللَّهُ خَلَقَ
__________
= أبو عيسى التّرمذي: (4/ 303):، هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفُه إلَّا من هذا الوجه".
وفي معناه قال الخطّابِيّ في معالم السّنن "مع سنن أبي داود": (5/ 144): "معنى هذا الكلام: "أن المؤمن المحمود هو مَن كان طبعه وشيمته الغزارة، وقلّة الفطنة للشَّرّ، وترك البحث عنه، وأنَّ ذلك ليس منه جهلًا؛ لكنّه كرمٌ وحسنُ خلق ... ".
وقال ابنُ الجوزيّ في غريب الحديث (2/ 150): "أي: ينخدع".
والحديث جرى مجري المثَل.
ينظر: كتاب الأمثال في الحديث النّبويّ لأبي الشّيخ الأصبهانيّ: (194).
(1) في ب زيادة: "المصنِّف" ولا وجه لها؛ فالقائل هو السَّكَّاكيُّ، وقد نصّ عليه في أوّل العبارة.
(2) المفتاح: (215 - 216).
(3) أي: يُختار التَّنكير لأمور مرجِّحة.
(4) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "للأفراد".
(1/361)

كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} (1) يجوزُ أن يُرادَ: خلقَ كُلَّ فردٍ من أفراد الدَّوابِ من فردٍ من الماءِ؛ وهو النُّطفةُ المعيَّنة الَّتي يكونُ ذلك الفردُ منها، وأن يُرادَ: خَلقَ كلَّ نوعٍ من أنواعِ الدَّوابِ من نوعٍ من أنواعِ المياهِ، وهو نُطفةُ ذلك النَّوع.
الثَّاني: ألَّا يُعرف منه (2) إلا ذلك القدرُ حقيقةً أَوْ ادِّعاءً، فلا بُدَّ (3) حينئذٍ من التَّنكيرِ لعدمِ القدرة على التَّعريف؛ وعليه حُمل قوله -تعالى-: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} (4)، ولَمَّا (5) كان عند المُصَنِّف" (6) وجهٌ أنسبَ منه لسياقِ الآية - قال: "وعليه حُمل"، والمرادُ به: صاحبُ "المفتاح" (7)، ولَمْ يقلْ: "وعليه وَرَد"، أَوْ: "عليه قوله".
__________
(1) سورة النور: من الآية 45. والمنكَّر المحتمل كلٌّ من: {دَابَّةٍ}، و {مَاءً}.
(2) الضَّمير في "مِنْه" لمدلول الْمُنكَّر المفهوم من السِّياق. والمراد: أن لا يعرف المتكلِّمُ أو المخاطبُ أو كلاهما إلَّا ذلك القدر المحدود في إطار التَّنكير.
(3) في ب: "ولا بدَّ".
(4) سورة سبأ؛ من الآية: 7.
(5) في أ: "ولكن لَمَّا".
(6) في أزيادة: "رحمه الله".
(7) إذا قال (192): "وعليه ما يحكيه جلّ وعلا عن الكُفار في حقِّ النَّبيّ عليه السَّلام: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} كأن لم يكونوا يعرفون منه إلَّا أنَّه رجل ما، وباب التّجاهل في البلاغة والي سحرها.
(1/362)

والوجهُ فيه: أَنَّهم (1) نكَّرُوه لاعتقادهم أنَّه لا يجوزُ أن يكونَ شخصٌ هكذا موجودًا؛ يقول: كذا وكذا، ويدَّعي: كذا وكذا، واستبعدوه، بلْ أحالوه، فكأنَّه (2) للتَّعجُّب وبيانِ الاستحالةِ لذلك الخبرِ الَّذي يدَّعيه؛ أي: هل ندلُّكم (3) على رجلٍ عجيبٍ، يقول كلامًا عجيبًا، مُتَّصفٍ بصفةٍ غريبةٍ، يَدَّعي أمرًا غريبًا. ولو قال مقام: "على رجل": "على محمَّدٍ"؛ لم يكن مُفيدًا لذلك.
الثَّالثُ: أن لا يُمْكن تعريفُ السَّامع، كأن لا يعرف منه (4) إلَّا ذلك القدْرَ الغير المُعَيَّن (5).
الرّابعُ: المانعُ من التَّعيين (6)، أي: التَّنكيرُ يكون لمانعٍ يَمْنع منُ التَّعيين والتَّعريف، كالإخفاءِ عن الحَضْرة.
الخامسُ: إيهامُ بلوغه، حيثُ لا يكتنهُ كُنْهه (7)؛ أي: لا يدخل
__________
(1) أي: الّذين كفروا، الوارد خبرهم في الآية الكريمة المتقدّمة.
(2) في أ، ب: "وكأنَّه".
(3) في ب: "أدلّكم".
(4) في أ: "كأنّه لا يقدر أن يعرف منه" والمعنى واحد.
(5) ومثّل له صاحب المفتاح: (193) يقول القائل: "عندي رجل" إذا لم يعرفه المخاطبُ بجهةٍ من جهاتِ التَّعريف.
(6) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "لمانع من التَّعريف".
(7) كلمة: "كُنهة" وردت ضمن كلام المصنِّف في: أ، وليست في ف.
وكنه الشَّيء: قدرُه ونهايتُه وغايتُه. اللِّسان: (كنه): (13/ 536).
(1/363)

تحتَ التَّعيين والتَّعريف. لحقَارتِه أَوْ لعَظَمته. ويحتملُها؛ أي: الحَقَارةَ والعظمةَ قوله -تعالى-: {أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} (1)؛ لاحتمالِ كون التَّنْكير (2) والتَّنوينِ للتَّحقير؛ أي: عذابٌ حقيرٌ، وللتَّعظيم؛ أي: عذابٌ عظيمٌ. وقيل: المسيسُ قرينةٌ للأوَّلِ؛ وكونه من الرَّحمن قرينةٌ للثَّاني؛ لأنَّ عذاب الرَّحمن أشدُّ؛ لأنَّه لا يُعذّب إلَّا لمن اشتدَّ استحقاقُه له (3)؛ كما يقالُ: "نعوذُ باللهِ من غضب الله الحليمِ".
__________
(1) سورة مريم، من الآية: 45.
(2) كلمتا: "كون التَّنكير" تكرّرتا في ب، وكلمة: "كون" سقطت من: أ.
(3) ينظر: مفتاح المفتاح للشّيرازيّ: (222).
(1/364)

النُّوعُ الثَّالثُ: في التَّوابع (*)
وهي لتربيةِ الفائدةِ (1)؛ لأنَّ (2) تربيةَ الفائدةِ إنَّما (3) تكونُ بتخصيص الحُكم، وهو (4) بتخصيصِ المسندِ أَوْ المسندِ إليه؛ وذلك كما يكونُ لكونه أحد أقسام المعارف؛ يكُون لكونه مَصْحوبًا بشيءٍ (5) من التَّوابع؛ لأنَّها تُفيدُ زيادة تقيد (6) لمتبوعه فيتخصّص.

فالوصفُ لوجوهٍ:
الأولُ: التَّبْيِينُ (7)؛ وذلك حيثُ كان المرادُ الكشفَ عن حقيقةِ
__________
(*) تقدمت الإشارة إلى أنَّ مراد المصنِّف بها التَّوابع الخمسة؛ وهي: التَّأكيد، الصّفة، البدل، عطف البيان، العطف بالحرف.
(1) تربية الفائدة: تكثيرها. من ربا الشَّيءُ يربو إذا نما وزاد. ينظر: اللِّسان (ربا): (14/ 304).
(2) في أ: "أي" ولا يستقيم السِّياق بها. وبخاصّة مع: "ربما" الآتية بعدها.
(3) في أ: "ربّما" ولا يستقيم السِّياق بها أيضًا. وظاهر أنّها معرفة من "إنّما".
(4) أي: تخصيص الحكم.
(5) في الأصل: "لشيء"؛ وهو تحريف بالقلب، والصواب من: أ، ب.
(6) هكذا في الأصل، ب، ف. وفي أ: "تقييد".
(7) هكذا في الأصل، ب، ف. وفي أ: "التّفسير". وهما بمعنى واحد كما سيتّضح من السِّياق فيما بعد.
(1/365)

الموصوف وتبيينها وتفسيرها؛ كما إذا قلتَ: "الجسمُ الطَّويلُ العريضُ العميقُ يحتاجُ إلى فراغ يَشْغَلُه".
الثَّاني: التَّمييزُ؛ وذلك حيثُ يكون المرادُ تخصيص الموصوف زيادة تخصيص وتعيين؛ نحو: "زيدٌ التَّاجرُ عندنا".
و {لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} (1) يحتملُهما؛ أي: التَّبيين؛ وذلك إذا أُريد (2) بالمتَّقِي: الَّذى يفعلُ الواجباتِ بأسرها، ويجْتَنِبُ (3) الفواحشَ والمنكرات عن آخرها؛ فكشفته كشفًا، كأنَّكَ حَدَّدَته؛ لأَنَّك ذكرتَ أساسَ الحسناتِ؛ وهو: الإيمان (4)، وعقَّبْته بأمّي العبادات البدنيَّة والماليَّة المُسْتَتْبِعتين (5) لسائرِ العبادات؛ وهما: الصَّلاة، والزَّكاة (6)، فأفدتَّ بذلك فعل الواجباتِ بأسرها، وذكرتَ النَّاهيَ عن
__________
(1) سورة البقرة: من الآيتين 2، 3. وفي أ، توقّف الاستشهاد عند قوله: {بِالْغَيْبِ}، ولا يكمل به الاستشهاد؛ لأن قصد المصنّف مجرّد الإشارة إلى الدّليل؛ ليستحضره المتلقّي كاملًا في ذهنه؛ إذ موضع الاستشهاد لا يتعلّق بجزء من الآية دون جزء آخر، ولذا كان ينبغي أن يؤتى بالآية الكريمة كاملة؛ لأنّها كلّها موطنٌ للاستشهاد.
(2) في الأصل: "أرابد" والصَّواب من أ، ب.
(3) في ب زيادة: "عن" والسِّياق تامٌّ بدونها.
(4) يُشير إلى قوله تعالى في الآية المتقدِّمة: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}.
(5) هكذا في الأصل، وهو الموافق لما في المفتاح: (187). وفي أ، ب: "المستتبعين".
(6) والإشارة إليهما في الآية المتقدّمة في قوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}.
(1/366)

الفحشاءِ والمنكرِ وهو الصَّلاة (1)، فأفدتَّ بذلك اجتنابَ الفواحش عن آخرها. والتَّمييز؛ وذلك إذا أُريد بالمُتَّقي (2) المجتنب عن المعاصي. والأُولى عند النُّحاة تُسمَّى: بالصِّفة الموضِّحة، والثَّانية: بالمُخَصِّصَة (3)؛ وفيهما نوعُ تمييزٍ، لكن التَّمييز بالثَّانيةِ يكون بين (4) الأفراد المُتَّفقة بالحقيقةِ، وبالأُولى من الماهيّاتِ المختلفة بالحقيقةِ (5).
الثَّالثُ: التَّأكيدُ المُجرَّدُ؛ نحو: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} (6) فإنَّه لا فائدة فيها من التَّبين أَوْ التَّمييز أَوْ المدحِ سوى التَّوكيد؛ نحو: "أمس الدَّابرُ لا يعودُ".
الرابع: المدْحُ أَوْ الذَّمُّ (7): نحو: {اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} (8)؛
__________
(1) يدلّ على ذلك قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [سورة العنكبوت، من الآية: 45].
(2) في الأصل: "بالمنفي" وهو تصحيف، والصَّواب من: أ، ب.
(3) ينظر: المفصّل في صنعة الإعراب: (149)، شرح ابن عقيل: (2/ 178)، شرح قطر النّدى وبلّ الصّدى: (244)، توضيح النّحو: (4/ 8).
(4) في الأصل: "من"، والصَّواب من: أ، ب.
(5) في الأصل: "الحقيقة" وهو تحريف بالنَّقص. والصَّواب من: أ، ب.
(6) سورة البقرة؛ من الآية: 196.
(7) هكذا في الأصل، ب، ف. وفي أ: "المدح والذّمّ" بالعطف بالواو.
(8) سورة الحشر؛ من الآية: 24.
(1/367)

فإنَّ هذا الوصفَ لمجرَّدِ المدح لامتناع أن يكون كاشفًا؛ لأنّه -تعالى -أوضَح من أن يوُضَّح، أَوْ مُخَصِّصًا؛ لتَميُّزه بذاته، أَوْ تأكيدًا لعدمِ إفادة تقرير (1) أمرِ المتبوع. وكذا قولُك: "إبليس اللّعين"، في طرف الذّمّ.
وأعلم: أنَّ الصِّفةَ معلومةُ الثُّبوت للموصوفِ؛ لأنَّ أصلَ الصِّفة للتَّمييز، ويمتنعُ أن يُميَّز شيءٌ عن شيءٍ بما لا يُعْرف له؛ فحقُّه أن يكون عند السَّامع معلومَ الثُّبوت للموصوف؛ وهو -أي: الثُّبوت- للموصوف (2) - فرعُ ثُبُوتها في نَفْسها؛ لأنٌ ثبوتَ الشَّيءِ للشَّيءِ فرعٌ على ثبوتهِ في نفسه؛ فما لا يكونُ ثابتًا لا يكون وصفًا (3)؛ فلا يَكون؛ أي: فالوصْفُ لا يكون طلبًا لعدم ثُبُوته. فإن (4) وقعَ يجبُ أن يُؤوّل (5)؛ كما
__________
(1) في الأصل: "تقدير"؛ وهو تحريف بالقلب. والصَّواب من: أ, ب.
(2) كلمة: "للموصوف" ساقطةٌ من: أ.
(3) قوله: "لأن ثبوت ... وصفًا" تعليل استقاه الشَّارح من المفتاح. ينظر ص: (188).
واعترض عليه الشّيرازيّ في شرحه اعتراضًا وجيهًا إذ قال (ص: 195): "واعلم أن في قوله ثبوت الوصف للموصوف فرعٌ على ثبوته في نفسه نظرًا؛ إذ المراد بثبوت الوصف في نفسه ثبوته في الخارج على ما هو المصطلح والمفهوم منه والمدلول عليه بسياق الكلام، وعلى هذا لا يصحّ الحكم بالفرعيّة؛ لأنّ ثبوته في الخارج هو ثبوته للموصوف، والشَّيءُ لا يتفرّع على نفسه".
(4) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، ب: "ولو".
(5) هكذا في الأصل، وبقية النّسخ. وفي ف: "أوّل".
والتّأويل: نقل ظاهر عن وصفه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر =
(1/368)

في قوله (1):
..................... ... جاءُوا بمذقٍ (2) هَلْ رَأَيتَ الذِّئبَ قَطْ!
فإنّه يؤوَّلُ: بمقولٍ عنده هذا القول (3)؛ لإيرادِ ذلك المذق في خيالِ الرَّاثين (4) لونَ الذّئب بورقته (5) لكونه سمارًا؛ أي: لبنًا مخلوطًا بالماء. ففي قوله -تعالى-: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ} (6) بقراءةِ الاستفهامِ؛ أي: على لفظ (7): "مَنْ"
__________
= اللفظ. اللِّسان: (أول): (11/ 33).
(1) عجز بيت من الرَّجز؛ ذكر البغداديُّ في الخزانة: (1/ 277): "أنه لم ينسبه أحدٌ من الرُّواة" وقيل: قائلُه العجّاج ولم يثبت له، وصدرُه:
حتَّى إذا جنَّ الظَّلامُ واخْتَلطْ
والبيت في البيان والتّبيين: (2/ 281) برواية: "جاء بمذق".
وينظر: الكامل، للمبرّد: (3/ 149)، أمالي ابن الشّجريّ: (2/ 407)، والبرهان الكاشف في إعجاز القرآن: (121).
واستشهد به صاحب المفتاح: (189)، والمصباح: (22)، والإيضاح: (2/ 43).
(2) المَذْقُ: اللَّبن المخلوط. اللِّسان: (مذق): (10/ 340).
(3) فالصِّفة الحقيقيّة مقول؛ وهو ليس بطلب. والجملة واقعة موقع الفاعل للمقول لا صفة.
(4) في أ، ب: "الرّائي".
(5) في أ: "لورقته"، والوُرقة: اللّون بين السَواد والغبرة. ينظر: اللِّسان: (ورق): (10/ 377).
(6) سورة الدّخان، الآية: 30، وبعض الآية 31. وفي أ، أُتِمَّ الاستشهادُ بالبعض المتبقّي من الآية الأخيرة؛ وهو قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ}، وليس في ف. والاستشهاد تامّ بدونه.
(7) في أ: "لفظة" والكلمه ساقطة في ب.
(1/369)

الاستفهاميَّة، ورفع فرعون (1) - يُؤوَّل بأنّ المُراد منه: العذابُ المقولُ عنده مَن فرعون؟!.
قال في "المفتاح" (2): "لَمَّا وصفَ اللهُ العذابَ بكونِه مُهينًا؛ بيانًا لشدَّتِه وفظاعةِ أمرِه (3)، وأراد أن يُصوّر كُنهه؛ قال: (مَن فرعون)؟!، هلْ تعرفونَه؟ مَن هو في فرط عتوّه وشدَّةِ شكيمته في تَفَرْعَنِه وتكبُّره؟!؛ ما ظنُّكم (4) بعذابٍ يكون المُعَذِّب به مثله! ".

والتَّوكيدُ (5) لمجرَّدِ التَّقريرِ (6)؛ كما في قولك (7): "ضربت أنا"؛ فإنَّ ذكر المؤكِّد يقرِّر (8) أمر النِّسبة.
__________
(1) وهي قراءة ابن عبّاس - رضي الله عنهما -. أمَّا قرأءة الجمهور فبالجرّ على أنّه بدل من العذاب؛ إمَّا على حذف مضاف؛ أي: من عذاب فرعون، وإِمَّا على المبالغة كأنه نفس العذاب فأبدل منه، أو على أنّه حال من العذاب؛ تقديره: صادرًا من فرعون.
ينظر: الكشّاف, للزّمخشري: (4/ 280)، التّفسير الكبير للّرازيّ: (9/ 661)، البحر المحيط: (8/ 37)، وفتح القدير؛ للشّوكاني: (4/ 576).
(2) ص: (189).
(3) في الأصل، ب: "لشدّة فظاعة أمره". والمثبت من: أ، ومصدر القول.
(4) في الأصل، ب: "فما ظنُّكم" والمثبت من: أ، مصدر القول.
(5) هكذا -أيضًا- في ب، ف. وفي أ: "التَّأكيد".
(6) أي: تقرير الحكم، وتحقيق معناه في ذهن السَّامع.
(7) في أ: "قوله".
(8) هكذا في الأصل. وفي أ: "تقرير". وفي ب: " ... المؤكّد يؤكّد تقرير".
(1/370)

أَوْ مع دفع توهُّمِ التَّجوُّزِ أَوْ السَّهو (1)؛ أي: أَوْ يكون للتَّقرير مع دفع تَوَهُّم السَّامع في حكم المتكلِّم تجوُّزًا أَوْ سَهْوًا أَوْ نِسْيانًا (2)؛ فإنَّك إذا قلتَ: "جاء السُّلطان" جاز أن يَظُنَّ السَّامع أنَّك تجوَّزت أَوْ سهوت، والجائي وزيرُه.
أَوْ خلافِ الشّمول؛ أي: أَوْ يكونُ للتَّقرير (3) مع دفع توهُّم السَّامع خلاف الشُّمول والإحاطة؛ كقولك: "جاء القومُ كلهم"، وبالحقيقة مآلُ الكُلِّ التَّقرير وإليه المصير.

والبيانُ للإيضاح؛ وهو (4) إذا كان المُراد زيادة إيضاحه بما يخصُّه من الاسم؛ كقوله (5): أَقْسَمَ باللهِ أَبو حَفْصٍ عُمَر .......................
__________
(1) في أ، زيد ضمن كلام المصنّف: "أو النّسيان " وليست في ف.
(2) زاد الشَّارح -رحمه الله- النّسيان بقوله: "أو نسيانًا " للإيضاح واقتداءً بالسَّكَّاكيّ -رحمه الله-، وتركه المصنّف حرصًا على الاختصار؛ لكون مؤدّى السَّهو والنِّسيان متقاربًا.
(3) في أ: "التّقرير".
(4) في أزيادة: "ما".
(5) في أ: "كقولك". والمقول شطرُ بيتٍ من مشطور الرّجز، وتمامه:
.................... ... ما مسَّها مِنْ نَقَبٍ ولا دَبَر
وقائلُه: عبد الله أو عمرو بن كيسبة النَّهدي، قاله ضمن مجموعة أبيات أمام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في قصة تنظر في الإصابة: (5/ 96 - 97)، والخزانة: (5/ 156). =
(1/371)

ولو لمعنى ضمني (1)؛ أي (2): لا يجبُ أن يكون الإيضاحُ لما يكون مصرَّحًا به؛ بل قد يكونُ لمعنَّى ضمنِيٍّ، قال -تعالى- (3): {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (4)؛ شفع إلهين باثنين، وإله بواحدٍ؛ لأنَّ لَفظ "إلهين" يحتمِلُ معنى (5) الجَنسيَّة ومعنى التَّثنية، وكذا لفظ: "إله" يحتملُ الجنسيَّة والوحدة (6)، والَّذى له الكلام مَسُوقٌ هو العدد في الأوَّل، والوحدة (7) في الثَّاني؛ ففسَّرَ إلهين ب"اثنين"، وإله ب"واحد"؛ بيانًا لما هو الأصل في الغرض (8) بخلاف الجنسيَّة؛ فإنَّها ليست أصلًا في الغرض،
__________
= وقد ذُكر البيتُ في المفصّل: (159) بلا نسبة. ونسبه ابن يعيش في شرح المفصّل: (3/ 71) لرؤبة بن العجّاج. ولم أجده في ديوانه.
بل خطّأ هذه النِّسبة العتبيّ في المقاصد النّحويَّة: "مطبوع على هامش الخزانة" إذ قال (1/ 392): "وهذا خطأ لأن وفاة رؤبة في سنة خمس وأربعين ومائة، ولم يدرك عمر - رضي الله عنه - ولا عدّه أحدٌ من التّابعين. وإنَّما قاله أعرابيٌّ كان استحمل عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - ... ولم يحمله فقاله".
(1) هكذا -أيضًا- في أ، ف. وفي ب: "تضمني".
(2) "أي" ساقطةٌ من ب.
(3) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "قال الله تعالى"، وفي أ: "قال".
(4) سورة النّحل؛ من الآية: 51.
(5) كلمة: "معنى" ساقطة من ب.
(6) في ب: "والواحدة" وهو تحريف بالزّيادة.
(7) في ب: "والواحدة" وهو تحريف بالزّيادة.
(8) قال طاش كبرى زاده في شرحه للفوائد: (90 - 91): "الغرض في الأوّل نفي القيد؛ أعني: الاثنينيّة دون المقيّد. وفي الثّاني إثبات القيد؛ أعني: الموحدة دون =
(1/372)

بخلاف الجنسيَّة؛ فإنَّها ليست أصلًا في الغرض، وإن كان لها مدخلٌ فيه، لأنَّ المراد: لا تتَّخذوا من مسمَّى بالإله (1) اثنين سواء كانا (2) من جنسين أَوْ من جنس (3). قال الزَّمخشريُّ: إنَّهما للتَّوكيد (4)، وردَّه ابنُ الجاحبِ: بأنَّ حدَّ التَّأكيدِ (5) لا ينطقُ عليهما لتوقُّف التَّقْرير على دلالة التَّابعِ على المتبوع، وليسَ فيهما دلالةٌ على إلهين وإله؛ بل هما صفتان لانطباق حدِّها عليهما (6). وعند السَّكاكيِّ هذا -أيضًا- مردودٌ، لأنَّهما وإن دلَّا على معنًى في متبوعهما لكنَّهما لم يُذْكرا لذلك، أي: ليدلّ على أنَّ في المتبوع معنى التَّثنية والوحدة (7) حتَّى يكونا صفتين؛ فإن هذا القيدَ مُرادٌ في الحدودِ النَّحويَّةِ، وإن حُذفتْ (8) عنها اختصارًا؛ كما ذكره
__________
= المقيّد؛ لكونه مسلمًا ها هنا، وبين الاعتبارين فرقٌ كثير".
(1) في الأصل: "الإله" والصَّواب من: أ، ب.
(2) في ب: "كان" وهو تحريف بالنّقص.
(3) في أزيادة: "واحد".
(4) ينظر: الكشَّاف: (2/ 570) وسيأتي ما يوضّح كلامَه.
(5) في ب: "التّوكيد". وحدُّ التّوكيد -كما نصّ عليه ابن الحاجب نفسه في شرح الكافية: (1/ 328) وغيره؛ كابن هشام في شذور الذّهب "مع الشّرح": (432): "تابع يقرر أو المتبوع في النِّسبة أو الشّمول".
(6) تنظر: الكافية: (1/ 302)، وحدّها -كما نص عليه (المصدر السّابق: 1/ 301) -: "تابع يدلّ على معنى في متبوعه؛ مطلقًا". وينظر تعريفات غيره من النحويين فهي في معناه.
(7) في ب: "والواحدة".
(8) هكذا -أيضًا- في ب على التّأنيث. وفي أ: "حذف" وكلاهما جائز.
(1/373)

ابنُ الحاجبِ في "شرح الكافية (1) "؛ كما في المفعولِ به -مثلًا-؛ فإنَّه ما ذُكر ليَدُلَّ على أنَّه وقع عليه فعلُ الفاعل لا ما قعَ عليه فعلُ الفاعل، وإلَّا لزم أن يكونَ زيدٌ في قولنا: "زيد ضربته" مفعولًا به؛ وليس كذلك؛ بل عنْده (2) بيان كما ذكر؛ لأنَّه ذُكر لبيان أنَّ المُرادَ بما توجَّه إليه النَّهيُ معنى التَّثنية لا الجنسيَّة، فهو تابعٌ غير صفةٍ يوضِّح ويبيِّن متبوعه؛ وهو (3) معنى عطف البيان (4)؛ وأمَّا صاحبُ "الإيضاح" فقد قال:
__________
(1) في الأصل: "الوافية" وهو تحريفٌ. والصواب من: أ، ب.
(2) أي: عند السَّكَّاكيّ.
(3) في أ,: "وهي".
(4) نقل الشَّارح هذا الرّأي عن الشِّيرازيّ الذي وصفه بأنَّه (مفتاح المفتاح: 203): "نظر في غاية الدِّقّة ونهاية اللّطافة".
والحقُّ -عندي- أنَّ الشِّيرازيّ حمَّل كلام الزّمحشريّ والسَّكَّاكيّ ما لا يحتمل؛ إذ توهّم منه خلاف المراد؛ فلم يصرّح السَّكَّاكيّ بأنَّه عطف بيان صناعيّ كما ذكر الشّيرازيّ، بل إنَّ الأقرب لمراده -على ما هو دأبُه- أَنَّه من قبيل الإيضاح والتّفسير وإن كان وصفًا صناعيًّا.
كما أنّ الزمخشريّ لم ينصّ في سياق حديثه عن الآيتين على التّأكيد الصّناعيّ المعروف عند النّحاة، والأقرب أَنْ يفهم من قوله (2/ 570): " ... شفع بما يؤكده" التّقرير والتّحقيق لا التّأكيد الصّناعيّ، وبخاصّة أنّه أورد في المفصّل في أثناء حديثه عن قوله تعالى: {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} ما يقوّي ذلك. ينظر: المفصّل: (149).
قال سعد الدّين التّفتازانيّ رادًّا كلام الشّيرازيّ وما استدلّ به من كلام ابن الحاجب (المطوّل: 98): "وأقول: إنْ أريد أنه لم يذكر إلّا ليدلّ على معنى في متبوعه =
(1/374)

إنَّهما وصفانِ للبيان (1). ومنه (2) لم: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} (3) ذَكَرَ {فِي الْأَرْضِ} مع {دَابَّةٍ} و {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} مع {طَائِرٍ} لبيان أنّ القصدَ من لفظ {دَابَّةٍ} وَلفظِ (4) {طَائِرٍ} (5) ليس إلى صنفين أَوْ فردين منهُما، وإلَّا لبيَّنهما بخواصّ الصّنف أَوْ الفرد (6)؛ بل إنَّما هو إلى (7) الجنسين؛ وإلى تقديرهما (8) في
__________
= فلا يصدق التّعريف على شيء من الصّفة؛ لأنّها البتّة تكون لتخصيص، أو تأكيد، أو مدح، أو نحو ذلك. وإن أُريد أنّه ذكر ليدلّ على هذا المعنى ويكون الغرض من دلالته عليه شيئًا آخر؛ كالتّخصيص، والتّأكيد، وغيرهما، فيجوز أن يكون ذكر اثنين وواحد للدلالة على الاثنينيّة والوحدة، ويكون الغرض من هذا بيان المقصود وتفسيره ... بل الأمر كذلك عند التّحقيق؛ ألا ترى أنّ السَّكَّاكيّ جعل من الوصف ما هو كاشف وموضّح، ولم يخرج هذا عن الوصفيّة".
(1) يُنظر: الإيضاح: (2/ 41).
(2) أي: من البيان لمعنى ضمنّي.
(3) سورة الأنعام، من الآية: 38.
(4) في ب: "لفظة".
(5) في الأصل: "من لفظ {طَائِرٍ} ولفظ {دَابَّةٍ}. والمثبت من أ، ب؛ وهو الملائم للتّرتيب الوارد في الآية الكريمة؛ وعبارة الشَّارح بعدها، وعليه ورد لفظ المفتاح: (190).
(6) في أ: "والفرد" بالعطف بالواو؛ دون "أو".
(7) حرف الجرِّ: "إلى" ساقطٌ من ب.
(8) في الأصل: "تقديرها"، والصَّواب من أ، ب.
(1/375)

مكانهما (1)، وهو أنَّهما على عمومهما؛ ولهذا بيَّنهما (2) بخواصّ الجنسين؛ وهي في الدَّابة حصولها في الأرض، وفي الطَّائرِ الطَّيرانُ بالجناحِ. وبين الآيتين فرقٌ؛ كأَنَّ الثَّانيةَ عكسُ الأُولى؛ فإنَّها حاملةٌ للجنسيَّة وللتَّعدّد، والبيان موضِّح (3) لها بأنَّ المقصود من النَّهي: التَّعدُّد لا الجنس؛ والثَّانيةُ حاملةٌ للجنسيَّة والتَّوحّد (4) المتوهَّم من التّنوين بكونه نوعًا واحدً أَوْ صنفًا واحِدًا منه، والبيان موضِّحٌ (5) لها بأنَّ المقصودَ الجنس والعُموم لا التَّوحّد والخصوص؛ ولعلَّه لهذا فصلَ بينهما بلفظة (6) "منه".

والبَدَلُ لذكرِ المقصودِ بعد التَّوطَية، لأنَّه تابعٌ مقصُودٌ بما نُسبَ إلى المتبوع دونه. وهذا صحيحٌ في الأبْدالِ الثَّلاثةِ:
بدلِ الكُلِّ (7)؛ نحو: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ
__________
(1) قوله: "في مكانهما" ساقط من ب.
(2) في ب زيد بعد قوله: "بيَّنهما" ما يدل على اضطّراب السِّياق وتكراره؛ حيث ورد السِّياق هكذا: "ولهذا بينهما الخواصّ الجنسيّة وإلى تقريرهما، وهو أنّهما على عمومهما, ولهذا بيّنهما".
(3) في الأصل: "يوضح"، والصَّواب من: أ، ب.
(4) في ب: "والتّوحيد".
(5) في الأصل: "يوضح"، والصَّواب من: أ، ب.
(6) في ب: "بلفظ".
(7) أي: بدل الكلِّ من الكلِّ، وهو ما يُسمَّى: البدل المطابق. وهو بدل الشَّيء من شيءٍ مساوٍ له في المعنى، ينظر: الأصول في النَّحو: (2/ 46 - 47)، شرح قطر =
(1/376)

أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} (1).
وبدلِ البعضِ (2)؛ نحو: جاءَ (3) القومُ أكثرُهم (4).
وبدل الاشتمال (5)؛ نحو: "سُلبَ زيد ثوبه" (6).
لا في الغلَطِ (7)؛ نحو: "جاءَ (8) رجلٌ حمارٌ" (9) فإنَّه لا
__________
= النّدى: (266)، توضيح النّحو: (4/ 71).
(1) سورة الفاتحة، الآية: 6، وبعض الآية: 7.
وشاهد البدل في {صِرَاط} الثَّانية؛ حيث إنّها بدل كلّ من الأولى.
(2) أي: بدل البعض من الكلِّ، وهو بدل الجزء من كلِّه. ينظر: الأصول في النَّحو: (2/ 47)، شرح قطر النَّدى: (266)، توضيح النّحو: (4/ 71).
(3) في أ: "جاءني".
(4) وشاهد البدل في المثال في: "أكثرهم"؛ حيث إنّها بدل بعضٍ كلمة "القوم" الدَّالّة على العموم والكلّيَّة.
(5) وهو بدل شيءٍ من شيءٍ يشتمل عامله على معناه.
ينظر: الأصول في النّحو: (2/ 47)، شرح قطر النّدى: (266)، توضيح النّحو: (4/ 71).
(6) وشاهد البدل في المثال في: "ثوبه"؛ حيث إنّها بدل اشتمال من "زيد".
(7) أي: بدل شيء ذكر غلطًا، وهو أن يقع المتكلّم في غلط فيذكر غير المراد "المبدل منه" ثمّ يستدركَه بالمراد "البدل".
ينظر: الأصول في النّحو: (2/ 48)، وشرح قطر النّدى: (266).
(8) في أ: "جاءني".
(9) في ب ورد المثال هكذا: "جاء زيد حمارًا" وهو خطأ -بلا شكّ- إذ لا شاهد فيه على البدل بنصب "حمار".
(1/377)

توطئة (1) فيه؛ وهو لا يقعُ في فصيح الكلام استقراءً. قال المصنِّفُ: والحَقُّ ما قاله ابنُ مالكٍ (2) وهو: أنَّه [لا] (3) يقعُ في فصيح الكلامِ، كما يقالُ: "أعطني ثوبًا فرسًا جملًا" (4)، كما (5) نقل حديثًا مثله في كتابه (6). ولعلَّ غلَط القومِ فيه من تصوُّرهم وجوب كونه غلطًا استشعارًا من اسمِه؛ لكنَّه ليس بواجبٍ. وأمَّا ما يُظنُّ أن في البدل قسمًا خامسًا هو بدلُ الكُلِّ من البعض؛ نحو: "نظرتُ إلى (7) القمرِ فَلكِه"،
__________
(1) في ب: "لا تعطيه" وهو تحريف.
(2) في أ: "ابن المالك".
(3) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من الأصل وبقيّة النّسخ. ومثبت من المحقِّق. وبإثباته يستقيم السِّياق مع كلام الإيجيّ المتقدّم، وهو الّذي نصّ عليه ابن مالك في شرح الكافية الشّافية؛ حيث قال (3/ 1278): "إنّه لا يرد في كلام فصيح، ولا يذكر متبوعه إلا غلطًا أو نسيانًا".
(4) هذا المثال شاهد على ما يُسمّى: ب "بدل الإضراب" أو "بدل البداء". والحقُّ أنّ هذا القسم -وإن كان يشترك مع ما قبله في أنّ البدل فيهما مباين للمبدل منه- مقصودٌ في الكلام قصدًا صحيحًا فهو يقع في فصيح الكلام؛ فقول المتكلِّم: "أعطني ثوبًا" مقصودٌ في حقيقة الأمر؛ ثم بدا له أن يضرب إلى "فرسًا" ثمّ إلى "جملًا". وهذا بخلاف القسم المتقدّم فإنّه وقع على لسانه خطأ. والنّحويّون يجيزون وقوعه لأنّ غاية مقصدهم تأدية اُصل المعنى، بخلاف ما عليه البلاغيّون فإنهم لا يرون فيما يسقط على اللِّسان سهوًا أو غلطًا فائدة.
(5) في ب: "لكن".
(6) ينظر: شرح الكافية الشّافية: (3/ 1278).
(7) حرف الجرّ "إلى" ساقط من ب.
(1/378)

وكقوله (1):
نَضَّرَ اللهُ أَعْظُمًا دَفنوهَا ... بِسِجِسْتَانَ (2) طَلْحَةَ (3) الطَّلَحَاتِ
فإنَّه بعضُ الظَّنِّ؛ لأنَّ الأوَّلَ بدلُ الاشتمال؛ لاشْتمالِه على القَمَر.
والثَّاني: بدلُ البعضِ الكُلِّ؛ لأنَّ طلحةَ بعضُ الأعظُم المدفونةِ بسجستان (4).

والعطفُ لتفصيلٍ مع اختصارٍ؛ فلما دخل عليه الواوُ؛ أي:
__________
(1) البيتُ من الخفيف، وقائله عبيد الله بن قيس الرّقيّات، والبيت برواية المتن في ديوانه: (20)، ومعجم البلدان: (3/ 190)، وبرواية: "رحم الله" في الحيوان للجاحظ: (1/ 332)، والإنصاف: (1/ 41).
(2) سِجِسْتَان -بكسر أوّله وثانية-: اسم لناحية كبيرة وولاية واسعة تقع بين خراسان وكرمان، وتضمّ عدّة مدن؛ أعظمها زرنج، أرضها سبخة، ورياحها لا تسكن أبدًا، وأهلها أخيار.
ينظر: تقويم البلدان؛ لعماد الدّين الأفضل: (340 - 341)، مراصد الاطلاع؛ لصفيّ الدّين البغداديّ: (2/ 694)، آثار البلاد وأخبار العباد؛ للقزويني: (201 - 202).
(3) في ب زيادة: "من"؛ ولم ترد في المصادر النّاقلة للبيت.
وطلحة الطّلحات؛ هو: طلحة بن عبد الله الخزاعيّ؛ أحد أجواد العرب، ولّاه الأمويّون سجستان، وبها توفّي سنة 65 ه.
ينظر: المحبّر؛ لمحمّد بن حبيب: (156)، وخزانة البغدادي: (3/ 394)، والأعلام: (1/ 226).
(4) أرى أنّ توجيه الكرمانيّ -رحمه الله- للمثال الّذى ورد في البيت لبدل البعض- فيه تكلّف؛ لأَنَّ الأعظم بعض الإنسان وليس الإنسان بعض عظامه؛ كما أراد.
(1/379)

فلتفصيل ما دخل عليه؛ وهو الفاعل (1) -مثلًا- في قولنا: "جاء زيدٌ وعمرو". ولفظةُ "الواوُ"، فإنَّ فيه تفصيلًا للفاعل مع (2) اختصار لطيّ الفعل وحذفه من المعطُوف (3)، وليسَ فيه تفصيلٌ لصاحبه؛ أي: الفعل؛ كالمجيءِ (4) لجوازِ أن يكون مجيئُهما (5) في زمانٍ واحدَ. [ولصاحِبه مع التَّعقيب الفاء؛ أي: ولتفصيل صاحب] (6) ما دخل عليه وهو الفعل -مثلًا- مع التَّعقيبِ لفظةُ "الفاء"؛ نحو: "جاء زيدٌ فعمرو"؛ فإنَّ فيه تفصيلًا للفعل؛ إذ التَّعقيبُ يقتضي تغايُرَ أزمنةِ المجئِ، واختصارً بحذف الفعل. قال سيبويه (7): المُرورُ في قول القائل: "مررتُ برجلٍ ثمَّ امرأةٍ"
__________
(1) في الأصل زيادة: "على" والسِّياق بها لا يستقيم، وليست في بقيّة النّسخ.
(2) في الأصل: "في "والصواب من: أ، ب.
(3) فإنّ أصل الكلام فيه: "جاء زيدٌ، جاء عمرو".
(4) في ب: "كما يجي"، وهو تحريف.
(5) الضّمير يعود على "زيد وعمرو" في المثال المتقدِّم.
(6) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب. على أنّ الجزء الوارد ضمن كلام المصنّف موجود في ف.
(7) هو أبو بشر؛ عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسيّ، ثمّ البصريّ، اشتهر بلقبه "سيبويه". إمام النّحاة وحجّة العرب. أقبل على العربيّة فبرع وساد، وألّف فيها كتابه المشهور: "كتاب سيبويه". اختُلف في وفاته على أقوال أرجحها سنة 180 ه.
ينظر في ترجمته: المعارف لابن قتيبة: (237)، أخبار النّحويّين البصريّين؛ لأبي سعيد السِّيرافيّ: (48)، طبقات النّحويّين واللّغويّين: (66 - 72)، الفهرست لابن النّديم: (57).
(1/380)

مرُوران (1)؛ لأَنَّهما متغايران في الزَّمانِ لا مُتّحدان فيه؛ وكذا في أخواته (2)؛ يعني: "الفاء، وحتَّى", والمُرادُ: أنَّ تفصيلَ الفعل هو المقصود فيه؛ لأنَّ تفصيلَ الفاعلِ فيه لازمٌ.
وبِتراخٍ (3)؛ أي: ولتفصيل صاحبِ ما دخلَ عليه مع التَّراخِي كلمةُ: "ثُمَّ"؛ نحو: "جاءَ (4) زيدٌ ثمَّ عمرو". والتَّراخي على نوعين؛ فإنَّه كما يكون بحسب الزَّمانِ (5) يكونُ بحسب المرتبةِ (6).
وبتدريجٍ؛ أي: ولتفصيل صاحبه مع تدريج "حتَّى"، ويفيد (7) لِما
__________
(1) ينظر: الكتاب: (1/ 438).
(2) هكذا في الأصل. وفي أ، ب: "أخويه".
(3) التّراخ: التّأخّر والمهلة.
(4) في أ: "جاءني".
(5) كما هو الحال في المثال المتقدِّم.
(6) وذلك بتخريج الكلام لا على ظاهره بأن تكون مرتبة المعطوف عليه بعيدة عن مرتبة المعطوف؛ إِمَّا أعلى أو أدنى، تنزيلًا للبعد الرُّتبي منزلة البعد الزَّماني؛ نحو قوله تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [سورة البلد، الآيات: 11، 12، 13، 14، 15، 16، وبعض الآية 17] فقد عطف ب {ثُمَّ} ليدلَّ على أنَّ مرتبة الإيمان أعلى من مرتبة الاطعام.
(7) في ب: "يفيد" لما بدون العطف.
(1/381)

بعده قُوَّةً أَوْ ضَعْفًا نحو: "قَدِمَ الحاجُّ حتَّى المُشاة" (1)، و "مات الناسُ حتَّى الأنبياءُ" (2).
قال صاحبُ (3) "المفتاح" (4): وهو "للتَّدريج (5) كما يُنبئُ عنه قولُه (6):
__________
(1) التّرتيب في هذا المثال من الأعلى إلى الأدنى؛ حيث إنّ المعطوف ب "حتّى"؛ "المشاة" أضعف من المعطوف عليه؛ "الحاجّ"؛ المدلول عليه بالسِّياق أَنَّه الحاجُّ الرّاكب.
(2) التّرتيب في هذا المثال من الأدنى إلى الأعلى؛ حيث إنّ المعطوف ب "حتّى": "الأنبياء"؛ أقوى من المعطوف عليه "النّاس".
وكان الأَوْلَى بالشَّارح -رحمه الله- أن يقدّم المثال الثّاني على الأوّل، أو يقدّم قوله: "ضعفًا" على "قوة" ليلائم بين المثال والممثّل له في التّرتيب.
(3) في أ، ب: "في"؛ بدلًا من "صاحب".
(4) المفتاح: (191).
(5) في الأصل: "التَّدريج" والصَّواب من: أ، ب، مصدر القول.
(6) كذا في الأصل، ب، وإحدى روايتي المفتاح كما نصَّ عليه الشّيرازيُّ (مفتاح المفتاح: 209). وفي أ، رواية المفتاح الشهورة: "قول من قال".
والبيت من الطّويل. ونُسب إلى الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس، ولم أجده في ديوانه المطبوع.
والبيت برواية المتن في الإيضاح؛ شرح محمَّد عبد المنعم خفاجي: (2/ 47)، عروس الأفراح: (1/ 381). وبرواية: "فارتقى" في الإيضاح؛ شرح وتعليق عبد المتعال الصّعيديّ: (1/ 87). ولم أقف على من استشهد بهذا البيت قبل السَّكَّاكيّ من البلاغيّين.
(1/382)

وكُنتُ فتًى مِنْ جُندِ إِبْلِيسَ فارْتَمى ... بِي الحَالُ حتَّى صَارَ إِبْلِيسُ مِنْ جُنْدِي"
وفيه نظرٌ، لجوازِ أَنْ يُستفاد معنى التَّدريج من خصوصيَّة المحلِّ (1).
وللإضرابِ، عطفٌ على "لتفصيل"؛ أي: العطفُ للإضراب؛ وهو صرفُ حكمِكَ عن محكومٍ له إلى آخر، "بَلْ"، نحو: "جاءني (2) زيدٌ بلْ عمرٌو"، فإنَّه صرفَ المجيءَ المثبتَ لزيدٍ عنه وأثبته لعمرو؛ نحو: "ما جاءني زيدٌ بل عمرو"، وهذا المثالُ يَحتملُ أن يصرفَ النَّفْي عن زيدٍ ويثبته لعمرو (3) حتَّى يكون جائيًا، وأن يصْرفَ النَّفْي عنه ويثْبته لعمرو حتَّى لا يكونَ جائيًا. نصَّ عليه ابنُ الحاجب (4). ولرَدِّ قالبٍ للحُكم؛ أي: مَنْ يعتقد نفيَ ما أثبته، أَوْ إثبات ما تنفيه، أوْ شاكٍّ، أي: من يعتقد أحدَ الأمرين بلا ترجيحٍ. أوْ مُعمِّمٍ، أي: مَن يعتقد أمرين معًا. "لا،
__________
(1) قوله: "وفيه نظر؛ ... المحل" إشارة إلى أن البيت قد يحمل على الاستشهاد المعنويِّ لا اللّفظيِّ؛ إذ التّدريج فيه مستفاد من خصوصيّة المحلّ؛ لجواز أن تكون "حتّى" فيه ليست عاطفة؛ لأنّ المشهور أنّها لا تأتي في عطف الجمل، ولأنّ الجملة قبلها لا يستقلّ الكلام بها حتَّى يصحّ العطف.
ينظر: أوضح المسالك؛ (3/ 324)، توضيح النّحو: (4/ 51).
(2) في أ: "جاء".
(3) عبارة: "نحو: ما جاءني ... لعمرو" ساقطة من ب، وسقوطها من انتقال النّظر.
(4) ينظر: الإيضاح في شرح المفصّل: (2/ 214).
(1/383)

ولكن"؛ أي: ولردِّ (1) السَّامع عن الخطأ إلى الصَّوابِ: "لا, ولكن"؛ وذلك إمَّا ردّ من يقلبُ الحكمَ ويحكُمُ بخلافِ ما هو واقعٌ؛ كما إذا اعتقدَ أنَّ زيدًا شاعرٌ لا منجِّم؛ فيقول: "زيدٌ منجِّمٌ لا شاعرٌ" (2)، أَوْ يشكُّ أنَّ زيدًا على أحدِ الوصفين -مثلًا- من القيام والقُعودِ من غير ترجيحٍ؛ فيقول (3): "زيدٌ قائمٌ لا قاعدٌ" معيِّنًا أحدَ الطَّرفين بالتَّرجيح (4)، أَوْ يُعمِّمُ (5) الحكمَ فيعتقده شاعرًا ومنجِّمًا؟ فيقول: "زيدٌ شاعرٌ لا منجِّمٌ" (6).
وفي كتاب "المفتاح": وإن لم يذكُرْ مسألةَ الشَّاكِّ في بابِ العطفِ (7)، لكن ذكره في باب القَصْر (8).
هذا حكمُ "لا" وهو لا يُستعملُ إلَّا بعد الإثبات.
وأمَّا "لكن" فلم يَذكر في "باب العطْف" إلَّا مثال القَلْبِ، وفي "باب القصْر" لَمْ يتعرَّضْ لشيءٍ له أصلًا.
__________
(1) في الأصل. "وكردّ" وهو تحريف، والصَّواب من: أ، ب.
(2) ويُسمّى: قصرَ قلبٍ.
(3) في ب زيادةٌ بتكرار العبارة المتقدِّمة: "زيدٌ منجّم ... أن زيدًا" وهي من انتقال النّظر.
(4) ويُسمّى: قصرَ تعيينٍ.
(5) في الأصل: "معمّم". والمثبت من: أ، ب. وهو المناسب للمثالين السّابقين قبله.
(6) ويُسمّى: قصر إفراد.
(7) ص: (191).
(8) ينظر: ص: (293).
(1/384)

والظَّاهرُ تساويهما في الثَّلاثة (1)، اللَّهُمَّ إلَّا أن يقال: الاسْتداركُ استئنافُ كلامٍ بعد كلامٍ، فالمُناسبُ أن يكونَ في اعتقاد السَّامع -أيضًا- كلامانِ ليتطابقا، وهذا صادقٌ في القلبِ؛ لأَنَّ في التَّعميم والشَّكّ ليس كلامان، بل حكم واحد، وأمّا أمتلتُه فتكونُ عكسَ أمثلة "لا" لأنَّها لازمةٌ للنَّفْيِ (2).
وللتَّشكيك أَوْ الشَّكّ (3) "أوْ، وإمّا"، نحو: "جاءني زيدٌ أَوْ عمرو"، و "إمَّا زيدٌ وإمَّا عمرو"، فإنَّه يُحتمل أن يُستعملَ في الشَّكّ؛ [وذلك] (4) إذا كان المُتكلِّمُ جاهلًا بالتَّعيين، ويُحتملُ أن يُستعملَ في التَّشكيك، وذلك إذا كان المُتكلِّمُ عالمًا به ويُريد (5) تشكيك (6) المخاطَب.
__________
(1) في ب زيادة: "في القصر والتَّشكيك والتَّعميم" وظاهر أنَّ لفظة "القصر" محرّفة عن "القلب"؛ فهي القسيم المناسب للقسمين الآخرين: "التّشكيك والتّعميم؛ ناهيك عن أنّ هذه الأقسام الثّلاثة أقسام للقصر باعتبار اعتقاد المخاطب وليست قسيمة له؛ كما تنبئ عن ذلك اللّفظة المحرّفة.
(2) فتقول لردِّ من يقلب الحكم ويحكم بخلاف الواقع؛ كما إذا أعتقد أنَّ زيدًا منجّم لا شاعر: "ما زيد منجّم لكن شاعر".
وتقول لمن يشكّ أنّ زيدًا على أحد الوصفين من القيام والقعود من غير ترجيح: "ما زيد قائم لكن قاعد". معيّنًا أحد الطّرفين بالتّرجيح.
وتقول لمن يُعمّم الحكم ويعتقد أنّ زيدًا شاعر ومنّجم: ما زيد منجّم لكن شاعر.
(3) هكذا في الأصل، ب. وفي أ: "للشَّكّ" والكلمة ساقطة من ف.
(4) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من الأصل. ومثبت من أ، ب. وهو الموافق لنظيره بعده.
(5) في أزيادة "به" والمعنى تامٌّ بدونها.
(6) في ب: "التَّشكيك" ولا تستقيم مع ما بعدها.
(1/385)

قال: (وللتَّفسير: "أي" عندي)؛ أي: قال صاحبُ "المفتاح": والعطفُ قد يكونُ للتَّفسيرِ؛ كما في قولك: "جاءني أخوك؛ أي: زيدٌ"؛ فإنَّه حرْفُ عطف للتَّفسير عندي (1)؛ لصِدْقِ الحَدِّ الَّذي حُدَّ له (2) عليه؛ وهو إتْباع الثَّاني الأوَّل في الإعراب بتوسُّطِ حرْفٍ (3).
وإذ (4) لَمْ يَرْتَضِ المُصَنِّفُ ذلك؛ لأنَّه يقتضي المُشاركةَ في الحكمِ والنِّسبةِ ولا يكفي فيه مُجرَّدُ شركة الإعراب -قال: "قال" ولا تشاحَّ (5) في الاصطلاح.
__________
(1) ينظر ص: (191).
(2) الضَّمير في "له" عائدٌ إلى حرف العطف قَبْلَه.
(3) عبارة: "لصدق الحدِّ ... في الإعراب" ساقطة من ب. وينظر "حدّ العطف" في الإيضاح في شرح المفصّل؛ لابن الحاجب: (1/ 454)، وشرح ابن عقيل: (2/ 206)، وشرح قطر النّدى وبلّ الصّدى: (259).
(4) في أ: "وإذا".
(5) لا تشاحّ: لا منازعة. ينظر: اللِّسان: (شحح): (2/ 495).
(1/386)

خاتمةٌ:
قد يُعْدلُ عن مُقْتضى الظَّاهر (1)، فيوضعُ اسمُ الإشارةِ موضعَ الضَّمير.
جميعُ ما ذكرنا من الحالاتِ المقتضيةِ لاختلافِ أحكامِ الْمُسندِ إليه أَوْ الْمُسندِ (2) هو مقتضى الظَّاهر، ثُمَّ قد يُعدل عنه ويُخرَجُ الكلامُ لا على مقتضى الظّاهر؛ فيُوضع اسمُ الإشارةِ موضع الضَّمير؛ وذلك إمَّا للعناية بتمييزه (3)؛ كقوله (4):
__________
(1) جميع ما ساقه المصنِّف من أقوالٍ تتعلّق بالسند أو السند إليه؛ ابتداءً من مفتتح الفنّ الثّاني إلى ها هنا مما جرى على مقتضى الظّاهر.
وقد يجري بعض ما تعرّض له على خلاف مقتضى الظّاهر؛ فناسب أن يختم كلامه في نهاية الفن بما يوضّح ذلك.
(2) قوله: "أو المسند" ساقط من أ.
(3) لكونه مختصًّا بحكم بديع عجيب الشّأن. ينظر: المفتاح: (197).
(4) البيتان من البسيط، وقائلهما: أحمد بن يحيى؛ المعروف بابن الرّوانديّ. وهما في المفتاح: (197)، والمصباح: (29) والإيضاح: (2/ 83)، والتّبيان: (245)، ومعاهد التّنصيص: (1/ 147).
والشَّاهد في اسم الإشارة "هذا"؛ حيث عاد إلى غير محسوس؛ وهو كون العاقل محرومًا والجاهل مرزوقًا، وكان الأَولى بالمقام الضّمير؛ لكونه موضوعًا لغير المحسوس؛ بخلاف اسم الإشارة فإنه موضوع للمحسوس. والحكم البديع الذي سوّغ ذلك هو جعل الأوهام حائرة، والعالِم المتقن زنديقًا.
(1/387)

كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ (1) أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ (2) ... وَجَاهلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوقا
هَذَا الَّذي تَركَ الأَوهامَ حائِرَةً ... وصَيَّرَ العَالِمَ النِّحْرِيرَ (3) زِنْدِيقا (4)
أَوْ للتهكُّم؛ أي: للاستهزاء (5) والسُّخرية بالسَّامع، كما إذا كان فاقدَ البصرِ؛ فيسْخر منه؛ ويقال: هذا أبصر".
أَوْ لإيهام بَلادَةِ السَّامعِ بأنّه لا يُميِّزُ بين المحسوسِ بالبصرِ وبين غيرِه؛ فيُشار إلى غير المحسوسِ عنده بما يُشار إلى المحسوس؛ عسى أن يُدركَه.
أَوْ كمالِ فطَانتهِ، أي: لإيهامِ كمالِ فطانةِ السَّامع بأنَّ غيرَ المحسوسِ بالبصرِ عنده كالمحسوسِ عند غيره.
أَوْ لظهورِه؛ فهو عنده كالمحسوسِ؛ فيُشار إِليه باسمِ الإشارةِ،
__________
(1) "عاقل" الثَّانية صفة ل "عاقل" الأولى، أي: كامل العقل متناهٍ فيه. وقِسْ على ذلك "جاهل" الثَّانية.
(2) عيِيَ فلان بالأمر: إذا عجز عنه. اللّسان: (عيا): (15/ 114).
ومراده ب "أعيت مذاهبه": أعجزته وصعبت عليه طرق معايشته. معاهد التّنصيص: (1/ 148).
(3) النّحرير: الحاذق الماهر العاقل المجرّب. وقيل: الرّجل الطَّبِن الفَطِن المتقن البصير.
اللّسان: (نحر): (5/ 197).
(4) الزِّنديق: من الثَّنَويَّة، أو القائل بالنُّور والظّلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالرُّبوبية، أو من يُبْطن الكفرَ ويُظهر الإيمان، أو هو مُعرَّب: زن دين؛ أي: دين المرأة.
القاموس المحيط: (زنديق): (1150).
(5) في أ، ب: "الاستهزاء".
(1/388)

كقوله (1):
تَعَاللْتِ (2) كَيْ أَشْجَى (3) وَمَا بِكِ عِلَّةٌ ... تُرِيدِينَ قَتْلِي قَدْ ظَفِرْت بَذَلِكِ.
أي: بقتلي، وكان القياسُ أن يقولَ: "به" ولكن لَمَّا كان قتلُه بادِّعاءِ الشَّاعرِ كأنَّه ظهرَ ظهور المحسوس بالبصرِ أشار إليهِ باسمِ الإشارة لا بالضَّمير.
والمظهرُ؛ أي: ويُوضعُ (4) المظهرُ، موضعَ المضمر؛ فيوضع موضعَ الضَّميرِ (5) الغائب؛ لتمكين نقشه نقش المُظهر (6)، نحو: {اللهُ
__________
(1) البيتُ من الطَّويل. وقد اختُلف في قائله ولفظه؛ والمشهور: أنّه لابن الدُّمينة، ولم أجده في ديوانه؛ لكن نسب إليه برواية المتن في الأغاني: (9/ 63)، ودلائل الإعجاز: (90)، والحماسة البصريّة: (2/ 107).
وبرواية: "تمارضت"؛ منسوبًا لعلية بنت المهديّ، في العقد الفريد؛ لابن عبد ربّه: (2/ 453)، وبرواية: "تمارضت ... قد رضيتُ بذلك"؛ منسوبًا لمرّة؛ في أمالي القالي: (1/ 31) وفي كلا المصدرين المتقدّمين وردت الرّوايتان عن أبي العبّاس المبرّد؛ غير أنّي لم أعثر على الأبيات في كتابه الكامل.
وقد استُشهد بالبيت في نهاية الإيجاز: (110)، المفتاح: (197)، والمصباح: (29)، والإيضاح: (2/ 83)، والتّبيان: (245). وهو في معاهد التّنصيص: (1/ 159).
(2) تعاللت: ادّعيت العلّة؛ أي: المرض. ينظر: اللِّسان: (علل): (11/ 471).
(3) أشجى: أحزن. اللَّسان: (شجا): (14/ 423).
(4) في ب: "يوضع" بحذف الواو.
(5) في أورد قوله: "المضمر ... الضّمير، ضمن كلام المصنِّف، وليس في ف.
(6) في أورد قوله: "نقش المظهر" ضمن كلام المصنِّف، وليس في ف.
(1/389)

الصَّمَدُ} (1) دُون هُو الصَّمَد، أَوْ موضعَ الضَّميرِ المتكلِّم؛ لتربية المهابة في عينِ السَّامعِ، وإدخال الرَّوْعةِ في ضميره؛ كما يقولُ الخليفةُ: "أميرُ المؤمنين يأمرُك بكذا"، أَوْ: "الخليفةُ يرسمُ لك"، مكان: "أنا آمرُ"، أَوْ "أرسم". أَوْ لتقوية الدَّاعيةِ؛ أي: داعية المأمُور، نحو: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} (2): تركَ (3) ضميرَ النَّفسِ (4) وهو: "اليَاء" بأن يقول: "وعليَّ" (5) إلى المظهر وهُو الله؛ فإنَّ داعيتَه إلى التَّوكّل تتقوَّى بسماع لفظةِ "الله" بخلافِه لو قيلَ: "وعليَّ" (6).
والمضمرُ (7)؛ أي: يوضعُ المضمَرُ موضعَ المظهرِ عكس المذكور؛ كقوله -تعالى-: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} (8)، لأنَّه -أي: السَّامع- إذا لم يَفْهَمْ من الضَّمير معنيَّ ينتظرُ ما يردُ عليه فيتمكّن المسموعُ
__________
(1) سورة الإخلاص، الآية: 2.
(2) سورة إبراهيم، من الآية: 12.
(3) في أ: "بترك".
(4) في ب: "الضَّمير" بدلًا من قوله: "ضمير النّفس".
(5) في: أ، ب: "عليَّ" بحذف الواو.
(6) في ب: "عَلَيَّ" بحذف الواو.
(7) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "المضمر" بحذف الواو.
(8) سورة الإخلاص، الآية: 1.
(1/390)

بعده والواردُ عقيبه أكثرَ تمكُّن وأَفْضله (1)؛ لما (2) مرَّ غير مرَّة (3): أنَّ المحصولَ بعد الطَّلب أعزُّ من المُنْساقِ بلا تعبٍ. ولذلك؛ أي: ولتمكُّن (4) الواردِ أكثر تمكُّن. التُزِمَ تقديمُهُ؛ أي: تقديم ذلك الضَّمير -أي: ضمير الشَّأنِ الَّذي وضعَ موضعَ المُظْهر-.
ثمَّ إن الحكايةَ والخطابَ والغيبةَ ثلاثتها يُستعملُ كلٌّ مقامَ الآخر، أَوْ يُنتقلُ منه إليه؛ ويُسمَّى التفاتًا.
قال في "المفتاح" (5): "واعلم: أن هذا النَّوع -أعني: نقلَ الكلامِ عن (6) الحكايةِ إلى الغيبةِ- لا يختصُّ المسند إليه ولا هذا القدْر (7)،
__________
(1) يقول الإمام عبد القاهر الجرجانيّ -رحمه الله- في بيان مزيّة ذلك (دلائل الإعجاز: 132 - 133): "ومن ها هنا قالوا: إن الشَّيءَ إذا أُضمر ثُمَّ فُسِّر كان ذلك أفخم له من أن يذكر من غير تقدِمة إضمار ... ولم يكن ذلك كذلك إلَّا لأنّك تعلّمه إيّاه من بعد تقدمة وتنبيه؛ أنت به في حكم من بدأ وأعاد ووطد، ثم بنى ولوّح ثمّ صرّخ. ولا يخفى مكان المزيّة فيما طريقه هذا الطريق".
(2) في أ: "كما".
(3) راجع ما تقدّم ص (291) وص (333) من قسم التّحقيق.
(4) في الأصل: "وليتمكن". والصَّواب من أ، ب؛ لأنّ العلّة في تقديمه تمكنّه لا تمكينه.
(5) ص: (199).
(6) كذا -أيضًا- في مصدر القول. وفي أ: "من".
(7) أي: النّقل من الحكاية إلى الغيبة.
(1/391)

بل الحكايةُ والخطابُ والغيبةُ (1)، ثلاثتُها ينقلُ كلُّ واحد منها إلى الآخر.
ويُسمَّى هذا النقل: التفاتًا عند عُلَماء (2) [علمِ] (3) المعاني".
ولَمَّا كان مُراد السَّكَّاكيِّ من النَّقلِ أعمَّ من النَّقلِ التَّحقيقيِّ؛ وهو أن يُعبَّرَ عنه بطريقٍ من هذه الطُّرقِ بعد ما عُبِّر عنه بطريقٍ آخر (4) منها، ومن النَّقل (5) التقديريِّ؛ وهو أن يُعبَّر عنه بطريقٍ مِنها فيما كانَ مقتضى الظَّاهرِ أن (6) يعبَّر عنه بغيره منها؛ بدليل الأمثلة؛ كما في أوَّلِ بيتِ امرئ القيْسِ (7)، حيثُ قال (8):
__________
(1) الترتيب كذلك -أيضًا- في مصدر القول. وفي ب تقدمت كلمة "الغيبة" على كلمة "الخطاب".
(2) في ب: "العلماء" ولا يستقيم السِّياق بها.
(3) ما بين المعقوفتين غير موجود في الأصل، ومثبت من أ، مصدر القول.
(4) كلمة: "آخر" ساقطة من: أ.
(5) عبارة: "وهو أن يعبر ... ومن النَّقل" ساقطةٌ من ب، وهو من انتقال النّظر.
(6) في الأصل: "بأن". والمثبت من: أ، ب؛ وهو الأولى.
(7) هو امرؤٌ القيس بن حُجر بن الحارث الكنديّ؛ آكل المرار، اشتهر بلقبه، واختلف في اسمه. إمام الشّعراء الجاهليين، وأطولهم قصيدًا، وأبرعهم افتنانًا، نشأ مترفًا، وظل سادرًا في لهوه حتّى قُتل أبوه ملكُ بني أسد؛ فأفاق وظلّ يطالب بثأر أبيه حتّى توفّي سنة 545 م تقريبًا.
ينظر في ترجمته: طبقات فحول الشّعراء؛ لابن سلام: (1/ 51)، الشّعر والشّعراء: (16)، الأغاني: (5/ 55 - 74)، وشرح الزّوزنيّ على المعلّقات: (17 - 30).
(8) جزء من بيت المتقارب، وتمامه: =
(1/392)

"تطاولَ ليلُك (1) " فيما كان مُقتضى الظّاهرِ أن يقول: "ليلى" - صرَّحَ الأستاذُ بالقسمين تنبيهًا على مرادِه (2)؛ بأن أشارَ إلى التَّقديريِّ بقوله: "يُسْتعملُ كلٌّ مقام الآخر"، وإلى التَّحقيقيِّ بقوله: "أَوْ ينتقل (3) منه إليه".
قال صاحبُ "الإيضاح" (4): "المشهورُ عند الجمهور: أن الالتفاتَ هو التَّعبير عن معنى بطريقٍ من الطُّرقِ الثلاثةِ بعد التَّعبير عنه بطريقٍ آخر. وهذا (5) أخصُّ من تفسير السَّكَّاكيِّ؛ لأنَّه أراد بالنَّقل: أن يُعبَّر بطريقٍ من هذه الطُّرق عمَّا عُبِّرَ عنه [بغيره] (6)، أَوْ كان مقتضى الظَّاهر أن يُعبّر عنه بغيره منها (7)؛ فكلُّ التفاتٍ عندهم التفاتٌ عنده؛ من غير عكسٍ" (8).
__________
= .......... بالأَثْمد ... ونامَ الخَليُّ ولم تَرْقُدِ
وهو في ديوان الشَّاعر: (185).
(1) في أ، ب زيادة: "بالأثمدِ" والاستشهاد تامٌّ بدونها.
(2) أي: السَّكَّاكيّ.
(3) في ب: "ينقلب" وهو خطأ ظاهر.
(4) (2/ 86، 87).
(5) كذا في مصدر القول وفي أ: "هذا" بحذف الواو. ومراده هذا: الالتفات المشهور عند الجمهور -حسبما ذكره صاحب الإيضاح-.
(6) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من الأصل، وبقيّة النّسخ، ومثبت من مصدر القول، ولا بدّ منه لتمام المعنى.
(7) فعلى هذا يتحقّق الالتفات عند السَّكَّاكيّ بتعبير واحد؛ لكونه لا يشترط تقدّم التّعبير تعبيرٌ آخر، بل من ما ورد السِّياق بتعبير يخالف ما ينبغي أن يكون عليه مقتضى الظّاهر عُدَّ عنده التفاتًا.
(8) يوحي قول الخطيب -رحمه الله- أنّ السَّكَّاكيّ سابق إلى هذا الرّأي، أو ربّما =
(1/393)

وقال الأستاذُ: كونُه مشهورًا عند الجُمْهور مَمْنوُعٌ؛ بلْ ما ذكره السَّكَّاكيُّ هو المشهور (1)؛ بل هو (2) أعمُّ -أيضًا- ممَّا ذكره السَّكَّاكيّ (3)؛ لأنّه قد يُقال: النَّقل من المُفردِ إلى المُثنَّى أَوْ الجمع (4) وبالعكسِ في نَوعٍ واحدٍ من التَّكلُّم (5) والخطابِ والغيبةِ من غير النَّقلِ إلى نوعٍ آخر -أيضًا- التفاتٌ (6). فعلى هذا نقولُ: الالتفاتُ وضعُ ضميرٍ (7) موضعَ آخر، وهو مثل قوله (8):
__________
= فهم ذلك. والحقّ أنه مأخوذٌ عن الزّمخشريّ؛ فكان الأَولَى بالخطيب أن يسنده إلى أوّل من قاله، وبخاصّة أنّ الخطيب نفسه نقل في كتابه عن الزّمخشريّ وأسند إليه بعض آرائه الأخرى.
يقول د. محمّد محمّد أبو موسى مشيرًا إلى إهمال متأخّري البلاغيّين التّنويه بسبق الزّمخشريّ ونسبة قوله إلى السَّكَّاكيّ (البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشريّ: 443): "وجرت كتب المتأخرين على دراسة مذهبين في الالتفات؛ مذهب الجمهور ومذهب السَّكَّاكيّ. والواقع أنّ المذهب المنسوب إلى السَّكَّاكيّ هو طريقة الزّمخشريّ وارتضاها السَّكاكيّ وسار عليها". على أنّ قول (أبو موسى) مسبوق يقول الصعيدي فقد أشار إلى سبق الزمخشري. ينظر: بغية الإيضاح: (117).
(1) هذا ردٌّ على قول صاحب الإيضاح المتقدِّم: "المشهور عند الجمهور ... ".
(2) ضمير الغائب: "هو"ساقطٌ من ب.
(3) هذا ردٌّ على قول صاحب الإيضاح المتقدِّم: "وهذا أخصُّ من تفسير السَّكَّاكيِّ ... ".
(4) في أ: "والجمع" بالعطف بالواو؛ بدلًا من العطف ب"أو".
(5) في ب: "المتكلّم" وهو تحريفٌ بالزّيادة.
(6) لم أقف على قول الإيجيّ -فيما بين يديّ من كتبه- ولعلّه مما نقله عنه تلميذه الكرمانيّ.
(7) في أزيادة: "ونحوه".
(8) صدر بيتٍ من الكامل. وقائله لبيد بن أبي ربيعة. وتمامه: =
(1/394)

فَوَقَفْتُ (1) أَسْأَلُهَا وَكيفَ (2) سُؤَالُنا ... ........................
بل الانتقالُ من المُظهر إلى المضمرِ مُتَكلِّمًا أَوْ مُخاطِبًا أَوْ غائبًا وبالعكس -أيضًا-: التفاتٌ؛ وعلى هذا: يحتاجُ إلى تعريفٍ أعمَّ منه.
وذكر المَرْزُوقيُّ (3) ما يُشعرُ بما قلنا (4)، ومَثَّل بقوله (5):
__________
= ..................... ... صُمًّا خَوالدَ ما يُبِينُ كَلامُهَا؟!
والبيتُ ضمن معلّقته المشهورة. ديوانه: (165)، وشرح المعلّقات السّبع للزوزني: (241).
(1) كلمة: "فوقفت" ساقطةٌ من ب.
(2) في أ: "فكيف".
(3) هو أبو عليّ؛ أحمد بن محمّد بن الحسن المرزوقيّ الأصبهانيّ. عالمٌ بالنّحو، وإمامٌ من أئمّة اللِّسان، له عدَّة مؤلّفات؛ منها: "شرح ديوان أبي تمام"، "الأزمنة والأمكنة"، "شرح الفصيح"؛ توفي سنة 421 ه عن عمر يناهز التّسعين عامًا.
ينظر في ترجمته: معجم الأدباء؛ لياقوت الحموي: (5/ 34 - 35)، إنباه الرّواة على أنباه النّحاة؛ للقطفي: (1/ 106)، سير أعلام النّبلاء: (17/ 475 - 476)، الأعلام: (1/ 212).
(4) حيث قال (شرح ديوان الحماسة: 1/ 248): " ... ومثل هذا الكلام يسمّى التفاتًا. والعرب قد تجمع في الخطاب أو الأخبار بين عدَّةٍ؛ ثمّ تقبل أو تلتفت من بينهم إلى واحدٍ لكونه أكبرَهم، أو أحسنَهم سماعًا لما يلقَى إليه، أو أخصَّهم بالحال الّتي تنطق بالشّكوى بينهم؛ فتفرده بكلام".
(5) عجز بيتٍ من البسيط، وصدره:
لَوْ كَانَ مدحة حيٍّ أَنْشرَت أَحَدًا ... ...................... =
(1/395)

........ ... أَحْيَا أَبَاكُنَّ يَا لَيْلَى الأمَادِيحُ.
وذكرَ الزَّمخشريُّ في سورةِ الأنفالِ (1) في "الكشَّاف" في قوله: {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ} (2) ما هوَ قريبٌ منه (3). بل صرَّحَ به في سورة النِّساءِ في قوله -تعالى-: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} (4) إذْ قال (5): "ولم يقلْ: (واستغفرت لهم)، وعدلَ عنه (6) إلى طريقةِ الالتفاتِ تفخيمًا لشأنِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلّم-، وتنبيهًا على أنَّ شفاعةَ (7) من اسمُه
__________
= وقائلُه أبو ذؤيب الهذليّ. ينظر: ديوان الهذليّين: (1/ 113).
والالتفات المشار إليه -بحسب العموم- في قوله: "أباكنّ يا ليلى" حيث عبّر بما يدل على الجمع أوّلًا: "أباكنّ"، ثمّ عاد بما يدلّ على الأفراد: "ليلى".
(1) في أ: "من".
(2) سورة الأنفال، الآية: 14.
(3) إذ قال (2/ 195): "والمعنى ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الّذي لكم في الآخرة؛ فوضع الظّاهر موضع الضّمير".
(4) سورة النّساء، من الآية: 64.
(5) الكشّاف: (2/ 559 - 560). وفيه زيادة: "وتعظيمًا لاستغفاره"؛ حيث وردت بعد الجملة الدّعائيّة: "صلى الله عليه وسلّم".
(6) "عنه" ساقطة من: أ.
(7) في الأصل، وبقيّة النّسخ: "الشَّفاعة". والصَّواب من مصدر القول. وبه يستقيم =
(1/396)

الرَّسُول من الله بمَكَان (1) ".
والحقُّ: أنَّ هذا النَّوعَ من الكلام كثيرٌ، مثل قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} (2)، ولا مُشاحَّة في تسميتِه الْتِفَاتًا، والأمثلة -بحسبِ التَّقديريّ والتَّحقيقيّ والمضمَر من نوعه أَوْ جنسه أَوْ بالنِّسبة إلى المظهر- لا تكادُ تُحْصى.
ثمَّ قولُ السَّكَّاكيِّ: إنّه التفاتٌ عند عُلماءِ علم المعاني (3)، لا يُنافي قولَ الآخرين، كالزَّمخشريِّ: إنّه التفاتٌ في علم البَيانِ (4)؛ كما ظنَّ بعضٌ، لأنَّ البيانَ قد يُطلقُ كثيرًا ويُرادُ به علمُ المعاني والبيان والبديع ثلاثتُها معًا؛ بل رُبَّما سُمِّي به؛ تسميةً للشَّيءِ (5) باسمِ أشرفِ أقسامِه، كما أنَّ بعضًا يسمِّي الثلاثةَ علم البديع؛ تسمية الشَّيءِ باسمِ أشهرِ أقسامه، ويُؤيِّده قولُ الزَّمخشريِّ في آخر سُورةِ مريم في قوله: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا
__________
= السِّياق.
(1) عبارة: "بل صرّح .... بمكان" ساقطة من ب.
(2) سورة الطّلاق، من الآية: 1.
والالتفات المشار إليه ضمن هذا النوع متحقّق بالانتقال من التّعبير بصيغة المفرد إلى التّعبير بصيغة الجمع.
(3) تقدّم قوله ص: (183) من هذا البحث.
(4) ينظر: الكشّاف: (1/ 56).
(5) هكذا في الأصل. وفي أ، ب: "الشّيء" ولا اختلاف في المعنى.
(1/397)

إِدًّا} (1): أنَّه يُسمَّى الالتفات في علمِ البلاغةِ (2).
ويزيدُ، أي: الكلام بسببِ (3) الالتفاتِ في القبولِ والنَّشاطِ للسَّامعِ؛ كاختلافِ الألوانِ في قرى الأشْباح (4)، فإنَّه أشهى غِذاءً وأطيبُ تناوُلا. أليس ذلكَ؛ أي: قرى الأشباح دأبهم [أي] (5) عادتهم وشأنُهم مُخالفين فيه (6) بين [لون ولون، وطعم وطعم؛ فكذلك عَمِلوا في قرى الأرواح مخالفين فيه بين] (7) أسلوبٍ وأسلوب، في إيرادٍ وإيرادٍ؛ ليكونَ (8) أدخل في القبُول، وأحسن في التَّطرية (9).
__________
(1) سورة مريم، الآية: 89.
(2) ينظر: الكشّاف: (3/ 47). وتحقّق الالتفات بمجي الآية الكريمة بعد قوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا}؛ فانتقل الأسلوب من الغيبة إلى الخطاب.
(3) في أ: "بحسب".
(4) الأشباح: جمع: شبح، وهو: ما بدا لك شخصُه من الناس وغيره من الخلْق. أو ما أدركته الرّؤية والحسّ. اللّسان: (شبح): (2/ 494).
والمراد: أشخاص بني الإنسان؛ فهم الذين يميّزون بين أسلوب وأسلوب، وإيراد وإيراد -كما سيأتي-.
(5) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من: أ. وعلى مثله درج الشَّارح.
(6) "فيه" ساقطةٌ من ب.
(7) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب. وسقوطه من انتقال النَّظر.
(8) في أ: "فيكون".
(9) التّطرية: المدح والثَّناء. ينظر: اللِّسان: (طرا): (15/ 6).
(1/398)

ويختصُّ مواقعُه؛ أي: الالتفات. بفوائدَ؛ أي: بعد الفائدةِ (1) العامّة -الَّتي هي الزِّيادةِ في القبولِ والنَّشاطِ- لكُلِّ التفاتةٍ خاصَّةٍ في موقعها؛ أيضًا؛ فائدةٌ خاصَّةٌ؛ من فضل بهاءٍ ورونقٍ، وزيادةِ هزة (2)، ورفعة منزلةٍ، لا يُدركها إلَّا أربابُ الذّوقِ من البُلغاءِ النَّحاريرِ، والحُذَّاقِ المهرةِ (3).
مَلاكُ إدراكِها (4) الذَّوقُ السَّليمُ والطَّبعُ المستقيمُ. والملاكُ: ما يُمْلكُ به الأَمرُ (5). فيزدادُ الحسنُ؛ أي: إذا اختصَّ موقعُ الالتفات بشيءٍ من تلك الفوائد ازدادَ الكلامُ حسنًا؛ كأنْ تشكُو وتَشْكُر؛ أي: تشكو (6) حاضرًا له جناياتٌ [كثيرة] (7) -في حَقِّك- إلى غيره مُحَوِّلًا وجهكَ عن الجاني إلى الغيرِ تُعدِّدُ (8) جناياته؛ واحدةً فواحدة؛ فتجد من نَفْسكَ داعيًا يدعوكَ إلى مُواجهته -ذلك الجاني- بهما؛ بالشُّكْرِ
__________
(1) في أ: "الفوائد" والإفراد يلائم السِّياق بعدَه.
(2) في الأصل: "نضرة"، والصَّواب من: أ، ب. وبه ورد لفظ المفتاح. ويبدو أنّها حرفت في الأصل بجعل حرف الهاء حرفين، وهما: "النُّون والضّاد" ونقل نقطة الزّاي إلى الحرف الأخير قبلَه.
(3) في ب: "والمهرة".
(4) في الأصل: "إدراك"، والصَّوابُ من أ، ب، ف.
(5) في أ: "أمره".
(6) في ب: "تَشْكر" وهو تحريف؛ يدلّ عليه ما بعدَه.
(7) ما بين المعقوفتين غير موجود في الأصل، ومثبت من أ، ب. ويناسب إيراده المقام، كما أَنَّها ذكرت -فيما بعد- في المقام المقابل "مقام الشّكر".
(8) في أ، ب: "معدّدًا".
(1/399)

والشِّكاية. تُغَالبُه؛ أَي: وأنت (1) تغالبُ ذلك الدَّاعيَ ولا تَلْتفتُ إِليه حتَّى يغلبكَ، ويحملكَ -من حيثُ لا تدري- على أن تُشافِهَ ذلكَ الغير بالسُّوءِ والتَّسفيه؛ فَتَلْتفت من الغَيْبةِ إلى الخطابِ. وكذا فيما تشكرُ حاضِرًا ذا نعمٍ عليكَ كثيرة إلى غيره، فإذا أخذتَ في تَعْداد (2) نعَمِه العِظَام؛ أحسستَ من نفسك كأنَّها تطالبُكَ بالإقبالِ على مُنْعمك، ولا تزال تزايد -ما دُمت في تعدادها-؛ حتَّى تغلِبَكَ؛ فتلْتَفتَ إليه مُثْنيًا عليه، داعيًا له، شاكرًا لصنايعه وعوارفه.
أَوْ تذْكُر له؛ أي: للغير؛ عطفٌ على "تشكر"؛ يريدُ أن يُشيرَ إلى لطفِ الفائدة الخاصَّةِ في موقعِ الالتفاتِ الَّتي في الفاتحة، صفات جلالٍ بحضورِ قلبٍ يزدادُ, حتَّى كأنَّكَ ماثلٌ بين يديه؛ فَتَقُول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} (3) يا من هذه صِفَاتُه؛ وهذا ظاهرٌ، لكن ننقلُ كلامَ السَّكَّاكيِّ [فيه] (4)؛ لأنَّ فيه بسطًا؛ قال (5): "من حقِّ العبدِ إذا أخذَ في القراءةِ أَنْ يكونَ افتتاحُهُ التَّحميدَ عن (6) قلبٍ حاضرٍ ونفسٍ ذاكرةٍ تعقلُ فِيمَ هو،
__________
(1) "وأنت" ساقطة من أ.
(2) عبارة: "ذا نعم ... في تعداد" ساقطةٌ من ب.
(3) سورة الفاتحة؛ من الآية: 4.
(4) ما بين المعقوفتين غير موجود في الأصل، ومثبت من: أ، ب.
(5) المفتاح: (202 - 203) بتصرّف يسير في أوّله.
(6) هكذا -أيضًا- في مصدر القول. وفي أ: "من".
(1/400)

وعند من هو. فإذا انتقلَ من (1) التَّحميدِ إلى الصِّفاتِ أن يكونَ انتقالُهُ مَحْذوًّا به حذو الافْتتاح؛ فإنَّه متى افتتحَ على الوجهِ الَّذي عرفتَ؛ مُجْريًا على لِسانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} (2) أفلا يجدُ محرِّكًا للإقبالِ على من يَحْمَدُ؛ من معبودٍ عظيمِ الشَّأنَ!، حقيقٍ بالثَّناءِ والشُّكر!، مستحقٍّ للعبادة!، ثمَّ إذا انتقل [على] (3) نحو الافتتاح إلى قوله: {رَبِّ الْعَالمِينَ} (4) واصفًا له بكونه ربًّا مالكًا للخلْقِ، لا يخرجُ شيءٌ من ملكوته وربوبِيَّته؛ أَفَتَرَى ذلكَ المحرِّكَ لا يقْوى. ثمَّ إذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (5) فوصفهُ بما يُنبئُ عن (6) كَوْنه مُنعمًا على الخلْقِ بأنواع النِّعَم؛ جلائِلِهَا ودقائِقِها، مُصيبًا إيَّاهُم بكلِّ معروفٍ؛ أَفلا تتضاعفُ قوَّةُ ذلكَ المحرِّك عند هذا!. ثمَّ إذا آلَ الأمرُ إلى خاتمةِ هذه الصِّفاتِ، وهي: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (7) المُنادِية (8) على كونه
__________
(1) هكذا -أيضًا- في مصدر القول. وفي أ: "عن".
(2) سورة الفاتحة، من الآية: 2،
(3) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل وبقيّة النّسخ. ومثبت من مصدر القول، وبه يستقيم السِّياق.
(4) سورة الفاتحة، من الآية: 2.
(5) سورة الفاتحة، الآية: 3.
(6) هكذا -أيضًا- في مصدر القول. وفي أ: "من".
(7) سورة الفاتحة، الآية: 4.
(8) في الأصل: "المتأدّية". والصَّواب من: أ، ب، مصدر القول.
(1/401)

مالكًا للأَمرِ كُلِّه في العاقبةِ يومَ الحَشْرِ للثَّوابِ والعقابِ؛ فما ظنُّكَ بذلكَ المحرِّك؟؛ أيسعُ ذهنُك ألَّا يصير إلى حَدٍّ (1) يوجبُ عليك الإقبال على مَوْلًى شأن نفسك معه منذُ افتتحت التّحميدَ ما تصوّرت، فتستطع أن لا تقول: {إِيَّاكَ} يا منْ هذه صفاتُه {نَعْبُّدُ} و {نَسْتَعِينُ} (2) لا غَيْرك؛ فلا يَنطق على المنزلِ على ما هو عليه".
وفي أَبياتِ ابن حُجْرٍ الكِنْديِّ -وهو امْرُؤُ القيسِ (3) - بالحاءِ المُهْملة المضمومَةِ، ثمَّ الجيم-، وهو الشهودُ لي بكمالِ البلاغةِ (4)؛ المعقودُ (5) بالخُنْصر في شأنِ الفصاحةِ- ثلاثُ التفاتاتِ (6). والأبيات هي هذه (7):

(1) في الأصل: "حمد". الصَّواب من: أ، ب، مصدر القول.
(2) سورة الفاتحة، من الآية: 4.
(3) تقدّمت ترجمته ص (392) قسم التّحقيق.
(4) قولُ المصنِّف: "وهو المشهود له بكمال البلاغة" جملةٌ معترضةٌ بين المبتدأ والخبر.
(5) في: أ، ب: "المشار إليه" وتعبير الأصل أدقّ؛ لأنّ الإشارة لا تكون بالخنصر وإنَّما بالسَّبَّابة.
(6) في أزيادة: "في ثلاث أبيات" وليست ضمن كلام الإيجي على اعتبار أنّها منه. ولا تلائم الشَّرح لما يَنْشأ عنها من حشو في الكلام؛ إذ لو كانت منه لما ساغ قوله بعدها: "والأبيات. . ." ولا اكتفى بإيراد الضّمير "هي" بعدها مباشرة.
(7) الأبيات من المتقارب وهي في ديوان الشاعر: (185) برواية: "وأُنبئتُه".
واستُشهد بها أو ببعضها في المفتاح: (203)، المصباح: (35)، =
(1/402)

تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بِالأَثْمد ... وَنَامَ الخَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ
وباتَ وبَاتتْ لَه لَيْلَةٌ ... كَلَيْلَةِ ذِي العَائِر الأَرْمَدِ
وذلكَ مِنْ نَبَأٍ جَاءَنِي ... وَخُبِّرتُهُ عَنْ أَبي الأَسْودِ
الأَثْمُدُ -بفتح الهمزة، وضمِّ الميمِ-: موضعٌ (1). والخليُّ: الخالي من الهموم. والعائرُ: ذو قَذَى العينِ. والأَرمدُ: ذُو الرَّمَد. وأَبو الأَسودِ: كُنْية من نعى هو عنه. وقيلَ: أبي؛ إضافةٌ إلى ياءِ المتكلِّم، والأسودُ مُشْتَقٌّ من السِّيادة، صفةٌ له، لأنَّه نعى بخبرِ (2) وفاتِ أبيهِ- والله أعلم.
وأمَّا الالتفاتاتُ (3) الثَّلاثةُ:
فالأوَّلُ: في البيتِ الأوَّلِ، من الحكايةِ إلى الخطابِ، إذ مُقتضى الظَّاهر أن يقول: "لَيْلِي"، وهذا من النَّقل التَّقديريِّ (4).
__________
= الإيضاح: (2/ 88)، التبيان: (423).
وأوردها صاحب معاهد التّنصيص؛ منسوبةً إلى امرئ القيس بن عابس الكنديّ: (1/ 170 - 171).
(1) هكذا -أيضًا- بدون تحديد في معجم ما استعجم للبكري: (1/ 108)، ومعحم البلدان للحمويّ: (1/ 92)، والأخير نصّ عليه بالكَسْرِ ثمّ السّكون وكسر الميم: "إثْمِدِ".
(2) في أ: "بالخبر".
(3) في ب: "الالتفات"، وهو خطأ ظاهر.
(4) تقدّم ص (393) انه: التّعبير بأحد الطّرق الثّلاثة فيما كان مقتضى الظّاهر أن يعبر عنه بغيره.
(1/403)

والثَّاني: في البيتِ الثَّاني؛ من الخطابِ إلى الغيبةِ، إذ القياس: "بِتَّ وباتَتْ لكَ" بالخطابِ.
والثَّالثُ: في الثَّالثِ، من الغيبةِ إلى التَّكلُّمِ؛ إذ كان القياسُ: "جاءَه".
وأما "خُبِّرته" فهوَ على طريقة "جاءني"، ولا التفات (1) فِيه.
والزَّمخشريُّ -أيضًا- قَال: إِنَّ فيه ثلاثَ التفاتاتٍ في ثلاث أَبياتٍ (2)؛ ومنه يظهر ضعفُ قولِ صاحبِ "الإيضاح" (3) من وجهين، لأنَّ الزّمخشريَّ لَمَّا قال (4): "في ثلاث أبياتٍ" عُلِمَ أنَّ في كُلِّ بيتٍ التفاتًا، فكيفَ يصحُّ أن يقول: لا التفات عند الجمهوو بالنَّقل التَّقديريِّ، ثم يقول (5): "فتعيَّنَ أن يكون عنده في الثَّالث التفاتان؟! "؛ ولعلَّهُ ذَهلَ عن قوله (6): "في ثلاثة أبيات".
__________
(1) في ب: "والالتفات"، وهو خطأٌ ظاهرٌ.
(2) ينظر: الكشّاف: (1/ 56).
(3) تقدّم قوله الَّذي نسبه للجمهور ص: (404) وفي قول الكرمانيّ: "ومنه يظهر. . ." ردٌّ على الخطيب في ادّعائه أنّ الالتفات عند الجمهور بالنّقل التّحقيقيّ فقط.
(4) الكشّاف: (1/ 56).
(5) أي: صاحب الإيضاح: (2/ 90).
واستوقف توجيهه هذا الشّيخ عبد المتعال الصّعيديّ؛ فعلّق عليه قائلًا (بغية الإيضاح: 117): "قد ذكروا أن مذهبَ السَّكَّاكيِّ في الالتفات هو مذهب الزّمخشريّ؛ فلا معنى لتكلّف تحقيق الالتفات الّذي ذكره في البيتين على مذهب الجمهور لأنّ مذهبه يخالف مذهبهم".
(6) أي: قول الزّمخشريّ المتقدّم.
(1/404)

كانَ يُمكنُ تَرْكها، وذلك بأن يسوقَ الكلامَ على [الحكاية في الأبياتِ الثَّلاثة، ويُمكن الاكتفاءُ بواحدٍ منها، بأن يُجرى الكلام على] (1) الخطابِ مثلًا في الكلِّ، [بأن يقولَ: ليلُك، وبِتَّ، وباتت لكَ، وجاءَك، وخُبِّرتَه] (2)، قال:
تَطَاوَلَ لَيلُكَ بالأَثْمُد (3)
وَباتَ وبَاتتْ لَهُ لَيلَةٌ (4)
كأنَّه (5)؛ يريدُ أن يُشيرَ إلى لطائف مَواقعِ التفاتاته، فذكرَ في التفاتِه (6) الأوَّل (7) أربعةَ أوجهٍ، وفي الثاني (8) ثلاثةَ أوجهٍ، وفي الثَّالث (9) وجهًا واحدًا.
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، وظاهره من انتقال النّظر. ومثبت من أ، ب. ولا بدَّ منه لإقامة السِّياق.
(2) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ب. ومثبت من أ. وبه يتضح المعنى.
(3) كلمة: "بالأَثْمد" ساقطة من أ.
(4) كلمتا: "له ليلة" سقطا من أ.
(5) أي: ابن حُجر.
(6) جملة: "فذكر في التفاته" ساقطة من ب.
(7) وهو الالتفات التَّقديريُّ؛ الّذي التفت فيه من التَّكلُّمِ إلى الخطاب: "تطاول ليلك".
(8) في ب: "الثّالث" وهو تحريف، وأراد بالالتفات الثاني: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة: "وبات وباتت له".
(9) أي: الالتفات من الغيبهّ إلى التَّكلَم: "وذلك من نبأ جاءني".
(1/405)

جعلهُ ثَكْلى (1) يُسلِّيها (2) الملوكُ؛ هذا هو الوجهُ الأوَّلُ من الالتفات الأوَّلِ؛ أي: جعل نفسه ثَكلى صاجما عزاءٍ لا تتسلَّى إلَّا أن يَذْكُر لها مَلِكٌ من الملوكِ موجباتِ التَّسلِّي، ويُسَلى إيَّاها؛ ففعل ذلك لكونه مقتضى الحالِ هنالك (3).
أوْ لأنَّه لَمَّا لم يصبر كالملوكِ ظنَّه (4) غيره؛ هو الثَّاني مِنَ الأوَّل؛ أي: لأَنَّه لَمَّا لَمْ يصبر عليه وجَزِعَ (5) وقَلِق، وكان مِنْ حقِّه أن يَتَثبَّتَ ويَتَصَبَّر -كما هو دَيْدَنُ الملوكِ وعَادتُهم عند طوارق النَّوائبِ وبوارقِ المصائب- شَكَكته (6) في أنَّها نفسُه؛ بَلْ ظنَّه غيره؛ فخاطب له.
ثمَّ نبَّه أنَّ التَّحزُّنَ (7) تحزُّنُ صدقٍ خاطب أَمْ لا؛ هو الأوَّلُ من الثَّاني (8)؛
__________
(1) الثّكلى: هي المرأة الّتي فقدت ولدَها، وقيل: الّتي فقدت حبيبها. ينظر: اللِّسان: (ثكل): (11/ 88).
(2) في أزيد ضمن كلام المصنِّف: "تسلية"، وليست في ف.
(3) ويكشف هذا الوجه عن شدة مصاب الشَّاعر في أبيه، وعمق أثر وقع النَّبأ عليه، الأمر الَّذي كان معه كالثّكلى؛ قليل الصّبر، كثير الجزع؛ لا يكاد يتسلّى بعض التَّسلية إلَّا بتسلية الملوك لها بالتَّحزّن لما نابها.
(4) أي: ظنَّ نفسه غيره.
(5) في ب: "جزع" بدون العطف.
(6) أي: نفسه.
(7) هكذا -أيضًا- في ف، وفي ب: "التَّحزين".
(8) كان المنتظر أنْ يؤخّر هذا القسم حتى ينتهي من بيان أوجه القسم الأول "إلَّا أَنَّه قدّم بعضَ فوائد الأول على فوائد الثاني، وأخّر بعضها عن بعض لتوقّف تصوّره=
(1/406)

وإنَّما لا (1) يتفاوت الحال، لأنَّ التَّحزُّنَ لَمَّا كان تحزَّنَ صدقٍ (2) لَمْ يَتَسلَّ خاطبه أَمْ لم (3) يُخاطبه؛ بخلافه إذَا كانَ تحزُّنًا تَكَلُّفيًّا، فإنّه إذا خَاطَبه يتسلَّى (4)؛ فلهذا عدلَ إلى الغَيْبةِ.
أو لأَنَّه (5) لَمَّا دَهِش (6) -بكسرِ الهاءِ- عن مُقْتضى الظَّاهرِ غَلَبتهُ العادةُ؛ هو الثَّالثُ من الأَوَّل؛ أي: لَمَّا أَطارَ ذلك النَّبأُ قلبه، وأباد لُبَّه، وصيَّره مَدْهوشًا غافلًا عن مقتضى الظَّاهر- غلبته العادةُ ممّا (7) كان ألِفَه به من الخطابِ الدَّائرِ في مجاري أُمُور الكبارِ؛ أَمْرًا ونهيًا؛ فعدل (8) إلى مُقتضى الحال، وخاطب. وفي بعضِ النُّسخ: "مقتضى الحال" والظَّاهرُ
__________
= عليه، وأخّر فائدة الثَّالث لاطراده مع كل فائدة من الفوائد الأُولَيَيْن على ما ستقف عليه". شرح الفوائد الغياثيّة طاش كبري: (99).
(1) في أ: "لم".
(2) في ب زيادة: "له"، والسِّياق تامّ بدونها.
(3) في أ، ب: "أو"، والأَوْلى ما جاء في الأصل.
(4) في ب: "يستهلى" وهو تحريف بالزّيادة.
(5) أي: ابن حُجر.
(6) ويقال: "دُهِش" بضم الدَّال وكسر الهاء.
والدُّهشُ: ذهاب العقل من الذهل والوله، وقيل: من الفزع ونحوه.
اللِّسان: (دهش): (6/ 303).
(7) في أ، ب: "وما".
(8) في أ، وردت كلمة: "فعدل" ضمن كلام المصنِّف، وليست في ف.
(1/407)

"الظَّاهر"؛ كما قرّرنا (1)، ثم ببعضِ الإفاقةِ لم يجدْ نفسَه معه؛ هذا هوَ الثَّاني من الثَّاني، أي: بعد الصَّدمةِ الأولى حينَ أفاق بعضَ الإفاقة، ولم يجدْ نفسَه معه بنَى الكلامَ على الغَيْبة.
أو لأنَّه غاظَه جَزعُه فوبَّخَ مُخاطبًا، الرَّابع من الأوَّلِ، أي: لأنَّ (2) نفسَه حين لم تَتَثبَّتْ ولم تتصبَّر غاظه جزعه، فأقامها (3) مقام المستحقِّ للعتاب، مخاطبًا له على سبيل التَّوبيخِ.
ثمَّ سكتَ عنه الغضبُ بالعتابِ فأَعرضَ يدمدم (4)؛ هو الثَّالثُ من الثَّاني؛ أي: لمّا كان الحاملُ للخطابِ والعتابِ هو الغضب، فحين سكت عنه بالعتابِ الأَوَّل أعرضَ (5) عنه الوجه مُدَمْدمًا (6) -أي: مُتَكلِّمًا مع النَّفْسِ الدَّمْدَمَهّ؛ هي: الكلامُ والحديثُ مع النَّفسِ- فعدلَ إلى الغيبة.
وأمَّا قولُه، "جاءني" فليُعلم -من الإعلام- أنَّ ذلكَ كلَّه
__________
(1) لأَنّ الالتفات -في حقيقة أمره- إخراج للكلام لا على مقتضى الظّاهر؛ وهو أخصُّ من مقتضى الحال.
(2) في أ، ب: "أنّ".
(3) في أ: "فأقامه".
(4) في أ، زيد ضمن كلام المصنِّف: "نفسه"، وليست في ف. وزيد عقبه ضمن كلام الشَّارح "ثمَّ" والسِّياق تامٌّ بدونها.
(5) في ب: "عرض" وهو تحريف بالنّقص.
(6) في ب: "مذمومًا" وفيه تحريف وتصحيف.
(1/408)

مِمَّا يَخُصُّه (1) غيرُ متعدٍ إلى من سواه؛ هذه إشارةٌ إلى فائدةِ الالتفاتِ الثَّالث هذا؛ أي: هذا الذي ذُكر إنّما ذُكر ليُعلمَ أنْ لا يُعترف بالبلاغةِ لمن لا لطائفَ في افتناناته (2).
قوله: "يُعترفُ" بالرَّفْع؛ أي: أنَّه (3) لا يُعترفُ؛ لأنّ "أنْ" (4) المذكورة بعدَ العلم مخفّفةٌ من الثّقيلة، وليست بناصبة؛ أي: لِيُعلم (5) أن الفحولَ البُزْلَ (6) لا يقيمونَ لكلامٍ وزنًا، ولا يعترفونَ بالبلاغةِ
__________
(1) أي: كل ما ذكر في الالتفاتات المتقدِّمة؛ من جعل نفسه ثكلى لقلّة تصبّره، ومن ظنّه نفسه غيره لجزعه، ومن دهشه عن ما يقتضيه الظّاهر لشدَّة ما أصابه، ومن توبيخه نفسه لغيظه، وما ترتّب على ذلك في الالتفات الثّاني؛ كلّ ما تقدّم ليُعْلِم ابن حجر سامعَه أنّ ما ذكر متعلّق به دون غيرِه.
وجاء هذا الإعلام في النِّهاية موافقًا للظّاهر؛ بالحكاية عن نفسه؛ لأنّه قد زال موجب العدول عن الظّاهر بالتَّسلية والإفاقة والعتاب.
(2) على أنّ كل ما تقدّم من توجيه الالتفاتات في أبيات ابن حجر لا يخلو من تكلّف ظاهر -في نظري-؛ بدليل تعدّد التَّوجيهات واختلافها -بحسب تصوّر الموقف وأبعاده- في نظر موجهيها، ومحال أن تتداعى كل تلك الأفكار أو حتّى بعضها في ذهن ابن حجر؛ ليعالجها -بتلك البراعة- وفق ما ذكر، وبخاصة مع مفاجأته بالنّبأ. هذا إذا سلّمنا بأنه قال أبياته بمجرّد طروقه الخبر؛ كما تنبي عنه التَّوجيهات السَّابقة. على أن النَّصَّ من حيث كونه نصًّا محتملٌ لكلّ ما ذكر.
(3) في ب: "لأنّه" وهو تحريف بالزِّيادة. وضمير الشّأن اسم أنَّ.
(4) "أن" ساقطة من ب.
(5) في ب: "العلم" وهو خطأ ظاهر.
(6) البُزْل: جمع بازل؛ وهو المسنّ من الإبل. وقد قالوا: رجل بازل على التَّشبيه =
(1/409)

لأحدٍ؛ ما لم يعثروا من مطاوي افْتناناته على لطائف اعتبارات.
والتَّفاضلُ في الكلامِ قلَّما يكَون لَغيرها (1)، بل لا يكون إلَّا بها، وما إعجازُ القرآن؛ أي: أَنَّ (2) كلامَ الله -تعالى- وهو قرآنهُ الكريمُ وفُرقانهُ العَظيمُ لم يكتسِ تلَكَ الطُّلاوة (3)؛ ولا استودع تلك الحلاوةَ، وما كانَ بحيثُ يعلُو ولا يُعلى، ويبلُغ (4) -في الإعجاز- الدَّرَجة العُليا (5)؛ إلّا لانصبابهِ في تلك القواليب (6)، ولورُوده على (7) تلكَ الأساليبِ.
__________
= بالبعير؛ يعنون به كماله في عقله وتجربته. ينظر: اللِّسان: (بزل): (11/ 52).
(1) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، ب: "بغيرها".
(2) "أنّ" ساقطة من أ.
(3) الطّلاوة -بضم الطاء المشدَّدة وفتحها-: الحسن والبهجة. اللِّسان: (طلى): (15/ 14).
(4) في أ: "ولا يبلغ من".
(5) عبارة: "وما إعجاز. . . العُلْيا" ساقطة من ب. وظاهر تأثّر بعض فقرات العبارة بمقولة الوليد بن المغيرة بعد أن استمع إلى القرآن الكريم وهو يُتْلى (الكشّاف: 4/ 651): "والله لقد سمعت من محمّد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ؛ إنّ له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنّه يعلو وما يعلى".
(6) هكذا -أيضًا- في ف، المفتاح.
وكان الأَولى بالمصنّف أن يوردها على "قوالب"؛ لأنّها جمع قالب، بخلاف قواليب؛ لكنه ربَّما نقل اللَّفظة عن السَّكّاكيّ؛ الّذي راعى في إيرادها بالياء المزاوجة لما بعدها "الأساليب".
أمّا القالب -بكسر اللام وفتحها- فإنه: الشَّيء الَّذي تُفرَغُ فيه الجواهر، ليكون مثالًا لما يُصاغ منها. اللِّسان: (قلب): (1/ 689).
وفي قول المصنِّف: "وما إعجاز. . . القواليب" ردٌّ على من زعم أنّ الإعجاز في القرآن قائم على الصرفة.
(7) في الأصل: "في"، والمثبت من أ، ب، المفتاح. وهو الأَولى بالسِّياق.
(1/410)

تذنيبٌ:
ومن هذا القبيلِ (1):
وضعُ الماضي موضعَ المظارع؛ أي: من قبيلِ ما عُدلَ فيه عن مُقتضى الظَّاهر: وضعُ الفعلِ الماضى (2) موضعَ الفعلِ المضارع (3) للتَّحقيق والتَّوكيدِ؛ نحو: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} (4) فإنّه كان مُقتضى الظَّاهرِ أن يُقال: "ويُنادى"؛ لأَنَّه في القيامةِ؛ لكنَّهُ عدلَ إلى الماضي بيانًا لتحقُّقه وتوكيدًا؛ لأنَّ (5) هذا النِّداءَ ضروريُّ الوقوعِ.
__________
(1) القبيل: الجماعةُ من النّاس يكونون من الثلاثة فصاعدًا من قوم شتّى، كالزّنج والرّوم والعرب. اللِّسان: (قبل): (11/ 541. ويبدو أنَّ أول من استعمل هذه اللّفظة في العلوم للإشارة إلى المباحث المتشابهة هم النّحويّون؛ حيث استعملها "سيبويه في الجمع والتّصغير وغيرهما من الأبواب المتشابهة". المصدر السّابق: (قبل): (11/ 541.
وإنّما قال: "ومن هذا القبيل"، ولم يقل: "ومنه"؛ لأنّ ما قبله كان من باب وضع الظّاهر موضع المضمر وعكسه، وهذا من باب وضع الفعل الماضى موضع المضارع وعكسه؛ فاختلفا.
(2) كلمة: "الماضي ساقطةٌ في ب.
(3) في أ: "المستقبل" وظاهر أنّه قابل المستقبل بالماضي.
(4) سورة الأعراف؛ من الآية: 44.
(5) في ب: "لا أن" وهو خطأٌ ظاهرٌ يعكس المراد.
(1/411)

فالحاصلُ: أنَّ ما هو للوقوع أخذه كالواقع لتحقُّقِ وقوعهِ.
والحاضرُ؛ أي: ومن هذا القبيلِ وضعُ (1) الحاضرِ موضعَ (2) الماضي؛ لإيهام المُشاهدةِ؛ مشاهدةِ تلكَ الحالةِ واستحضارها في ذهن المُخاطَب.
كما قال الشَّاعر؛ أي: كما فعلَ تأَبَّط شرًّا (3) في قوله (4):
__________
(1) في أ، ب؛ زيادة: "الفعل".
(2) في ب زيادة: "الفعل" ضمن كلام المصنّف، وليست في ف.
(3) هو أبو زهير؛ ثابت بن جابر بن سفيان، ولقّب ب "تأبّط شرًّا" لأنّه أخذ سيفًا ووضعه تحت إبطه فلما سُئلت أمُّه عنه؛ قالت: تأبّط شرًّا وخرج. شاعرٌ جاهليّ صعلوك من فتّاك العرب في الجاهلية. سكن تهامة، وقُتل في بلادِ هذيلٍ قبل الهجرة بثمانين سنة تقريبًا.
ينظر في ترجمته: المحبّر؛ لابن حبيب: (196)، والمبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة؛ لابن جنِيّ: (17)، وسمط اللآلي في شرح أمالي القالي؛ للبكريّ: (1/ 158 - 159)، وخزانة الأدب: (1/ 66).
(4) البيتان من الوافر، وهما برواية "وإنّي" في شعره: (173 - 174)، وإليه نسبا بنفس الرواية في الأغاني: (11/ 87)، وبرواية المتن في المثل السّائر؛ لابن الأثير: (2/ 183). ووردا في الحماسة البصرية: (2/ 397 - 398) ضمن مجموعة أبيات منسوبة إلى أبي البلاد الطَّهوي برواية:
لقيتُ الغُولَ تَسْرِي في ظَلامٍ ... بسهبٍ كالصَّحيفةِ صَحْصَان
فَقَد سراتها والبركَ مِنْها ... فَخَرَّتْ لليدينِ وللجِرانِ
ونسبهما البغدادي في الخزانة: (6/ 438) لأبي الغول الطهويّ.
وقد استشْهد بهما في المفتاح: (247)، والمصباح: (57)، =
(1/412)

بأنِّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ تَهْوي ... بسَهْبٍ (1) كالصَّحِيفةِ صَحْصَحان
فَأَضْرِبها بلا دهَشٍ فَخرَّتْ ... صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وللجِرانِ
وكان مُقتضَى الظَّاهرِ: "فَضَربْتُها"، لكِنّه عَدلَ إلى الحاضرِ قَصْدًا أَنْ يُصوِّرَ لقومه الحالة الَّتي تشجَّعَ فيها بضربِ الغُولِ، كأنَّه يُبَصِّرُهم إيَّاها -أي: تلكَ الحالة- ويُطْلعُهم على كُنْهِهَا، ويتطلَّبُ منهم مُشَاهَدَتها؛ تعجيبًا من جُرْأته على كلِّ هَوْلٍ، وثباتِهِ عند كُلِّ شِدَّةٍ.
والسَّهبُ -بالسِّين والصَّاد المهملتين-: الفلاةُ.
والصَّحْصَحَانُ: المُسْتوي (2)، أي: بفلاةٍ كالقِرطاسِ مستويةٍ.
لليدين؛ أي: على اليدين.
والجرانُ: مقدَّمُ عنقِ البعيرِ من مَذْبحه إلى مَنْحَره.
__________
= والإيضاح: (2/ 127)، والتّبيان: (262 - 263).
(1) أغلب المصادر النّاقلة لهذا البيت روته هكذا: "بسهب" ومن المصادر البلاغيّة، المفتاح، والمصباح، والتبيان، والإيضاح (تحقيق خفاجي) وسيأتي -في كلام الشَّارح- أَنَّهما تُنْطقان بالسِّين والصَّاد.
(2) في ب: "أي: مُستوى". وبإيراد "أي" ثانية في أوّل الجملة بعدها يضطرب السّياق.
(1/413)

الفَنُّ الثَّالثُ: في وضع الطَّرفين (*) كُلّ عند صاحبه.
أي: في (1) وَضْع كُلٍّ من المسندِ إليه والمسندِ عند الآخر.
والنَّظر في التَّقديم والتَّأخيرِ وفي الرَّبْطِ و [في] (2) القصر؛ فهو مكسورٌ (3) على ثلاثةٍ أنواع:

النَّوعُ الأَوَّل: في التَّقديم والتَّأخير (4).
التَّقديمُ (5): -حيثُ ليسَ واجبًا ولا أصلًا- للاهْتِمام.
جعلَ (6) السَّكَّاكيُّ مطلقَ (7) التَّقديمِ للاهتمام؛ سواء كان واجبًا،
__________
(*) أي: طرفيَ الإسناد.
(1) حرف الجرّ "في" ساقط من: أ.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من: أ، ب، ف.
(3) أي: مجزّء أو مقسّم.
(4) قدّم هذا النّوع على غيره لأهميته وعِظَمِ فوائده، كما قال الإمام عبد القاهر الجرجانيّ (دلائل الإعجاز: 106): "هو باب كثير الفوائد، جمّ المحاسن، واسع التّصرّف، بعيد الغاية".
(5) لا شكّ أنَّ الحديثَ عن التَّقديمِ حديثٌ عن التَّأخير؛ لأنّ كلا الطّرفين متقابلان، وذكرُ علّة أحدهما استلزام -بالضّرورة- لذكر علّةِ المُقابل. ومن هنا اكتفى بالتَّقديم.
(6) كلمة "جعل" ساقطة من ب.
(7) في ب: "المطلق"، وهو تحريف بالزِّيادة.
(1/414)

أو أَصلًا (1)، أو غيرهما (2). والمصنِّفُ (3) جعلَ تقديمًا ليس واجبًا ولا أصلًا للاهتمام. وهذا أَوْلَى؛ لأن فيهما لا يُحتاج إلى بيانِ العلَّةِ ولا يُطلبُ لميَّته (4). نعم العدولُ عن الواجبِ وعن الأصلِ هو المقتضى لنُكْتة.
__________
(1) في ب: "وأصلًا".
(2) الحقّ: أنّني تتبَّعت جميعَ ما يتعلَّق بالتَّقديم -في المفتاح- فلم أعثر على ما ذكره الشَّارح -رحمه الله- عنه؛ بل إنّني لم أفهم مما وجدته ما فهمه؛ من جعل مطلق التّقديم للاهتمام. وخلاصة ما فهمته من تصريحاته وإشاراته حول هذه القضيّة: أنّ التّقديم يتحتّم بلاغة متى كان ذكره أهمّ؛ سواءٌ كان الدافع وراء ذلك كونه الأصل ولا مقتضى للعدول، أو العناية بالمقدَّم والاهتمام به.
يقول في باب المسند إليه (ص: 194): "وأمّا الحالة الّتي تقتضي تقديمه على المسند فهي: متى كان ذكره أهمّ، ثم إنّ كونه أهمّ يقع باعتبارات مختلفة: إمّا لأنّ أصله التّقديم ولا مقتضى للعدول عنه. . . وإمّا لأنّه متضمّن للاستفهام، وإمّا لأنّ في تقديمه تشويقًا".
كما يقول في مبحث التّقديم والتّأخير مع الفعل متحدّثًا عن النوع الثَّالث (ص 236): "والحالة المقتضية للنوع الثَّالث: هي كون العناية. بما يقدّم أتمّ، وإيراده في الذّكر أهمّ".
(3) في ب: "المصنّف" بدون العطف.
(4) أي: سببه، وقد تقدَّم بيان معنى اللِّمية ص (138) من هذا البحث بما يغني عن إعادته هنا. ولم يطلب بيان سببه لأن الدَّافع وراء التَّقديم فيهما أصل ثابت لا ينفكُّ عنهما بخلاف غيرهما فإنّ الدَّافع إلى التَّقديم طارئٌ لسبب.
(1/415)

والتَّقديمُ الواجبُ كما إذا تضمَّنَ المسندُ إليه الاستفهام، وهو أنَّه يعلم من أوَّلِ الأمرِ أنَّه من أيِّ نوعٍ من الكلامِ.
والتَّقديمُ الأصليُّ كتقديمِ المبتدأ على الخبرِ؛ وذلك لأنَّه ما لمْ يُتصوَّر شيءٌ لم يُحكم عليه.
لوجوهٍ وهو؛ أي: الاهتمام يكونُ لوجوهٍ:
الأَوَّل: عقدُ الهِمَّةِ (1) به منكَ أو من السَّامع ولو ادِّعاءً؛ أي: تكونُ همَّةُ المتكلِّمِ أو السَّامع معقودةً به (2)؛ حقيقةً (3) أو ادّعاءً (4)، وعنايتهُ مُتَعلِّقة به لكونه -في نفسه- نُصْبَ العينِ؛ كما يُقدِّم [من المسند والمُسْند إليه، ما كان همّةُ أحدهما؛ من المتكلِّم أو السَّامع معقودًا به؛ كما إذا صارعَ زيدٌ عمرًا، والهِمَّة مصروفةٌ لسقوط عمرو للعنايةِ إلى جانب زيد؛ فنقول: (عمرو سقط)؛ لاهْتمامكِ به، وإذا كان للاهتمام بنفسِ السُّقوطِ فقط؛ أعمّ من أن يكون سقوط زيدٍ أو عمرٍو تقول: (سقطَ
__________
(1) الهمّة: الإرادة. اللِّسان: (همم): (2/ 621).
(2) في الأصل، بقيّة النّسخ: لا معقودًا به"؛ أي: بالمقدَّم. والصَّواب ما أثبتّه؛ لعدم استقامة السِّياق مع التذّكير، ولكون المعطوف عليه -أيضًا- مؤنثًا؛ وهو قوله بعده: "وعنايته متعلقة".
(3) بأن يهتمّوا به في نفس الأمر.
(4) في الأصل: "دعاء" وهو تحريف بالنّقص، والصَّواب من أ، ب. والمراد به أن يظهروا اهتمامهم به من غير أن يكون الأمرُ كذلك.
(1/416)

فلانٌ). وهذا كما قدَّمتَ نُصْب العين تُقَدِّم] (1) المفعول على الفاعل؛ إذا كان الغرضُ معرفةَ من وقع عليه الفعلُ لا من صدرَ عنه؛ كما إذا خرح رجلٌ على السُّلطان، وعاثَ في البلادِ، وأظهرَ فيها الفسادَ، وتأذى منه العبادُ؛ فقُتلَ، ثم أردتَّ أن تُخبرَ بقتله؛ فإنَّكَ لا تُرخِص التَّأخير بل تجدك مضطرًّا إلى التَّقديمِ؛ قائلًا: (قَتَل الخَارجيَّ فُلانٌ)؛ بتقديمِ الخارجيِّ؛ إذْ ليس الاهتمامُ إلى معرفةِ قاتله، وإنَّما [الّذي] (2) الاهتمامُ به معرفةُ المقتولِ، لينْجُوا من شرِّه، ويَخْلُصُوا منْ أذَاه.
الثَّاني: التَّشويق؛ أي: يُقدَّم لأنّ في تقديمه تشويقًا للسَّامع إِلى الخبر؛ ليتمكّنَ في ذهنه إذا وردَ ذلكَ الخبرُ [عليه] (3)، كما إذا قلتَ: (صديقُكَ فلانٌ الفاعلُ الصَّانعُ رجلٌ صدوقٌ)؛ فإنَّه لَمَّا قدّمَ (4) المبتدأَ الموصوفَ اشتاقتْ نفسُ السَّامع إلى ما يردُ بعدَه.
وهو -أي: التَّشويقُ- أحدُ خواصِّ الإخبارِ بالَّذي (5)، وخواصُّهُ
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من: أ. وناسب المقام إثباته لكونه متعلِّقًا (بالمسند إليه والمسند)؛ بخلاف المثال بعده؛ فإنّه متعلّق بمتعلّقات الفعل. وفي إيرادهما معًا إيماء إلى أماكن التّقديم بحسب المباحث البلاغيّة.
(2) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب. ولا يستقيم السِّياق إلّا به.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من أ، ب. وبه تمام المعنى.
(4) في أ، ب: "تقدّم".
(5) تقدم -في بيان وجوه اختيار الموصول- أنّ من أسباب اختياره (ص: 333؛ من هذا البحث): "توجّه الذِّهن لما سيرد عليه. . . منتظرًا لوروده عليه حتّى يأخذ=
(1/417)

الآخر ما مرَّ في الحالةِ الَّتي تقتضي كونَه موصولًا، من قصدِ زيادةِ التَّقرير، وبناءِ الخبرِ عليه، وغيرِه. وأمَّا كيفيّةُ الإخبارِ فهو وظيفةُ النَّحو.
الثَّالثُ وهو (1): التَّفاؤلُ والتَّيمُّنُ؛ وذلكَ فيما إذا كان الاسمُ يصلحُ (2) للتَّفاؤُل؛ فيقدِّمه إلى السَّامع لتعجيل إيصَالِ (3) المسرّةِ إليه، نحو: (سعدُ بنُ سعيد في دارك).
وكذا حكم التَّشاؤمُ والتَّطيُّر -فيما يصلحُ الاسمُ له-، فيُقدّمه إليه لتعجيل إيصَال (4) المَسَاءَةِ إليه، نحو: (السَّفَّاحُ في دارِ صديقك).
وإنَّما اكْتَفى بأَحَدِ الضِّدَّين (5) عن الآخر لِدلالةِ حُكمِه على حكمِه (6)، نحو قوله -تعالى-: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} (7).
__________
= منه مكانه إذا ورد".
(1) "وهو" ساقط من أ، ب.
(2) في أ، ب: "صالحًا".
(3) في الأصل، ب: "اتصال" وهو تصحيف، والصَّواب من أ.
(4) في الأصل، ب: "اتصال" وهو تصحيف، والصَّواب من أ.
(5) أي: اكتفاؤه بالتَّفاؤُل.
(6) مراده بقوله: "لدلالة حكمه على حكمه" أي: لدلالة حكم أحد الضِّدَّين؛ المذكور؛ وهو التَّفاؤل، على حكم غير المذكور؛ وهو التَّشاؤم، بالضِّديّة.
(7) سورة النّحل؛ من الآية: 81. واقتصر الاستشهاد في أ، ب على قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ}.
ووجه الاستشهاد: "أنه خصَّ الحرَّ ولم يذكر البرد؛ اكتفاء بذكر أحدِ الضِّدَّين عن=
(1/418)

الرَّابعُ: طلبُ إثبات الحبرِ لا نفْسِه، نحو: (الخطيبُ يشربُ ويطْرَبُ) في جوارب: كيفَ الخطيبُ؟؛ أي هو مُتَّسِمٌ به، أي: يكونُ المطلوبُ إثباتَ الخبر للمسند إليه، واتِّصافَه واتِّسامَه بذلكَ الخبرِ، كما يقال: (الخطيبُ يَشربُ)، أي: الشُّربُ ثابتٌ له؛ بمعنى: أنَّه من شأنه وصفته وحالٍ من أحواله، وإن لمْ يكن شاربًا في حالِ الإخبار (1)؛ بخلافِ: (يشربُ الخطيبُ)، فإن المطلوبَ فيه نفسُ الإخبار بحصولِ الفعلِ وصدوره منه (2) لا كونه صفةً وحالًا له (3)؛ ولهذا يلزمُ أن يكونَ فيه شَاربًا في الحالِ (4).
والأَوَّل: يُستعملُ في موضع يكون المقصودُ بيانَ حال الخطيبِ وكيفيَّة شأنه بصدقِ ذلك الوصفِ عليه واتِّسامه به، لا كونه شاربًا في الحالِ، ولهذا يُقال في جوابِ: (كيفَ الخطيبُ؟).
والثَّاني: يُستعمل في موضع يكونُ المقصودُ إخبارَ السَّامع بذلكَ الفعل لا بَيَانَ حاله وصفتِه، ولهذا يُقالُ في جواب: (ما يفعلُ الخطبُ؟).
وهذَا قريبٌ ممَّا قال متأخِّرو المنطقيِّين، كأُسْتَاذِنا في بحثِ جهةِ السّور وجهةِ الحمل: إنَّ الجهةَ قد تكونُ -أيضًا- للصِّدق، كما يُقال
__________
= ذكر الآخر". فتح القدير: (3/ 185).
(1) في الأصل: "وإن لم يكن حال شأن باقي الأخبار"، والصَّواب من: أ، ب.
(2) في أ: "عنه".
(3) "له" ساقطة من ب.
(4) في الأصل: "شأن باقي الأحوال" ولا يستقيم به المعنى. والصَّواب من أ، ب. ويصدّقه السِّياق بعدَه.
(1/419)

في زمان خُلُوِّه عن الشُّرب يجبُ أن يصدُقَ في الحال: (الخطيبُ يشربُ)، وكما يجبُ أن يَصْدُقَ عندَ الزَّوالِ: (الشَّمسُ تطلُع)؛ ولتحقيقِه مواضع أُخَر.
الخامسُ: كونُه مَحَزَّ التعجُّبِ أو الاسْتِبعاد؛ أي: يُقدَّمُ ليُعْلمَ أنَّه محلُّ التَّعجُّبِ أو الاسْتبعاد.
المَحَزُّ: موضع الحَزِّ؛ وهو القَطْعُ.
فتأمَّلْ في مثل هذا المثل (1): (أَنخْدَعُ (2) بالزَّبِيبِ بَعْدَ المَشِيبِ)، وأخَويه؛ أي: مثل: (أبالزَّبيبِ (3) نُخْدَعُ بَعْدَ الْمَشِيبِ)، و (أَبَعْدَ الْمَشيب نُخْدعُ بالزَّبِيبِ)؛ قال: فإنَّ في (4) الأَوَّل التَّعجّبُ في الخدع، وفي الثَّاني: [في] (5) المخدوع به، وفي الثَّالثِ في المخدوع فيه، كما (6) قال الشَّاعر (7):
__________
(1) لم أهتدِ إليه -فيما وقفت عليه من كتب الأمثال-.
(2) هكذا -أيضًا- بالنّون في ف. وفي أ: "أتخدع". ولم ينقّط في ب.
(3) في الأصل: "بالزّبيب"، والمثبت من: أ؛ وهو الأَوْلَى؛ لاطّراد ثبوت الهمزة في بقيّة الأمثلة. وفي ب: "أو بالزّبيب".
(4) "في" ساقطةٌ من ب.
(5) ما بين المعقوفين مثبت من: أ، ب. وهو الموافق لما قبلَه وما بعدَه.
(6) "كما" ساقطةٌ من: أ.
(7) البيت من الطّويل، وقائله البحتريّ؛ قاله يمدح المعتزّ بالله. وروايته في الدّيوان (1/ 108): (. . . . . أطاول لُطْفَ الوُدّ عند الكواعب).
(1/420)

أبعدَ الْمَشِيبِ الْمُنْتَضَى (1) في الذَّوائبِ ... تُحَاولُ وصْلَ الغَانِياتِ الكَواعِبِ (2)
وقدْ يُقدّمُ متعلِّقُ الفِعل (3) فاعلًا مَعْنى، أَوْ مفعولًا، أو غيرَهُما، للتَّخصيصِ، وذلك شاملٌ لأَربعةِ أنواع من التَّقديم، كَتَقديم الفاعلِ المعنويِّ على الفعل، نحو: (أنا عَرَفْتُ)، وكتقديمِ المفعولِ على الفعل؛ نحو: (زيدًا عَرفتُ)، وكتقديمِ غير الفاعلِ والمفعولِ، كالحالِ والتَّمييز على الفعل؛ نحو: (راكبًا جئتُ)، و (نفسًا طِبْتُ)، وكتقديم
__________
(1) في أ: "المستضئ".
(2) الكواعب: جمع كاعب، وهي المرأة حين ينهد ثديها. ينظر: الصّحاح: (1/ 189)، اللِّسان: (1/ 719) (نهد).
هذا؛ ويلحظ أنّ المصنّف -رحمه الله- لم يذكر جميع الأوجه الَّتي أوردها السَّكَّاكيُّ في مفتاحه. ويبدو أنّ الدَّافع وراءَ ذلك ما أخذ به المصنّف نفسَه من الاختصار المتضمّن مقاصد المفتاح -كما ذكر في مقدّمته ص: (209) -.
ومن تلك الأوجُه الّتي أوردَها السَّكَّاكيّ ما يلي:
1 - كون المقدَّم لا يزول عن الخاطر.
2 - كون المقدَّم مما يُسْتلذّ؛ فهو أقرب إلى الذِّكر.
3 - كون المقدَّم ممَّا ينبئ عن التّعظيم، والمقام يقتضي ذلك.
4 - كون المقدَّم يفيد زيادة تخصيص.
ينظر: مفتاح العلوم: (195).
(3) المراد بمتعلِّق الفعل: معموله.
(1/421)

مُتعلِّق الفعلِ على مُتَعلِّقٍ آخر له؛ كالمفعولِ على الفاعلِ؛ نحو: (ضربَ زيدًا عَمْرٌو)؛ هذا (1) إن قلنا: التَّقديم الَّذي بين المُتعلِّقات بعضِها مع بعضٍ يُفيدُ التَّخصيصَ. وقوله: "قدْ يُقدَّمُ" يكونُ عامًّا (2) لتقديمه إمَّا على الفعل، وإمَّا على المتعلِّق (3)، وإن قُلنا لا يُفيد (4) فيكونُ خاصًّا (5) لتقديمه على الفعل، ولا يشمل إلَّا الأنواع الثَّلاثةَ الأوَل، ومُساعدةُ الأمثلة عليه (6).
وإنَّما قال: "فاعلًا معنى"؛ لأنَّ ما هو فاعلٌ لفظًا يستحيلُ تَقْديمُه على الفعلِ بالاتِّفاق (7).
__________
(1) في أ: "وهذا".
(2) في ب: "عالمًا"؛ وهو تحريف بالزِّيادة.
(3) في أ: "متعلّق الفعل"، وهما بمعنى.
(4) في الأصل: "بالقيد"؛ وهو خطأ. والصَّواب من أ، ب.
(5) في الأصل: "خاصّة". والمثبت من: أ، ب.
(6) مراده ب: "ومساعدة الأمثلة عليه" أن أمثلة المصنّف الّتي أتى بها لإيضاح المسألة لا تشمل إلّا الأنواع الثَّلاثة، وليس فيها مثال لتقديم متعلِّق على آخر؛ الأمر الَّذي يوحي بأن تقديم المتعلّقات بعضِها على بعضٍ لا يفيد التَّخصيص.
(7) قوله: "لأن ما هو. . . بالاتّفاق" ليس على إطلاقِه؛ بل حكى بعض النّحويّين الخلافَ بين البصريّين والكوفيّين حول ذلك.
فالبصريّون يمنعون تقديم الفاعل على رافعه؛ سواء كان فعل أو شبهه؛ فلا تقول: "الزَّيدان قام" و"زيد غلاماه قائم" ولا "زيد قام" على أن يكون "الزّيدان" أَوْ "زيد" فاعلًا مقدَّمًا؛ بل على أن يكون مبتدأ، والفعل بعدَه رافع=
(1/422)

نحو (1): (أنا ضربت)؛ مثالٌ لتقديمِ الفاعلِ المعنويِّ (2) على الفعل، لمن ينفي الضَّرب عنك ويثبته لغيرك، أو يجعل لك فيه شريكًا؛ أي: لمن يعتقدُ وجودَ الضَّرب، لكنَّه مُخْطئٌ في فاعله؛ بأن ينفي عنك ويثبت لغيرك، أو يُخْطئُ (3) في أن لك فيه شريكًا (4)، وأنت تقصدُ أن تردَّه إلى الصَّوابِ؛ بأن تثبته لنفسك وتنفي عن غيركَ في الأَوَّلِ (5)، وبأن تبيِّن الإنفرادَ والاستبدادَ في الثَّاني (6).
فتقولُ في تأكيده في الأَوَّل: "لا غيري"، وفي الثَّاني: "وحدِي"؛ أي: ولأنَّ الخطأَ في الأَوَّل كان في الفاعل وأنّه غيرُك تقولُ في تأكيده: "لا غيري"، وفي الثاني في التَّعميم وأنَّ لك فيه شريكًا تقول في تأكيده: "وحدي".
فإنْ قلتَ: "أنا فعلته وحدي" في قوّة "أنا فعلته لا غيري"، وبالعكس؛
__________
= لضمير مستتر والتَّقدير: "زيد قام هو".
أمّا الكوفيّون فقد أجازوا التَّقديم في ذلك كلّه". شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك: (2/ 422 - 423) بتصرّف يسير.
(1) في أ، وردت كلمة: "نحو، ضمن كلام الشَّارح؛ وليست منه.
(2) في ب: "المعنى".
(3) في أ، ب: "مخطي" وكلاهما بمعنى.
(4) في أ، ب: "لك شريكًا فيه" بتأخير "فيه".
(5) وهذا يُسمّى: قصر القلب. وسيأتي.
(6) وهذا يسمّى: قصر الإفراد. وسيأتي.
(1/423)

فَلِمَ اختصّ الأَوَّل بنحو "لا غيري". والثَّاني: ب "وحدي (1) "؟!.
قلتُ: لأنّ فائدةَ التَّأكيد (2) إماطةُ الشُّبهة، وهي في الأَوَّل: أنَّ الفعلَ صدر عن غيرك؛ فأزلتها ب "لا غيري"، وفي الثَّاني: أَنَّ الفعل صدر منك (3) بشركة الغير فأمطتّها ب "وحدي"، ولو عكست -وإن أفاد ذلك- (4) لم يكن الكلام مُورَدًا على وجهه (5)؛ لأن التَّأكيد إنَّما يَحسُن بما يدلّ على المقصودِ بالمطابقة لا بالالتزامِ (6).
وكذا (7) زيدًا ضربتُ؛ مثالٌ لتقديمِ المفعول المتعدَّى إليه بلا واسطة (8).
__________
(1) في ب: "وحدي"؛ بدون الباء.
(2) في أ: "التّوكيد".
(3) في أ: "عنك".
(4) في ب زيادة: "لكن" والسِّياق تامٌّ بدونها.
(5) في ب: "جهته".
(6) مراده بالمطابقة دلالة اللفظ بالوضع على تمام ما وضع له، ويمثله في المثال المتقدّم: "لا غيري" فإنّها تصدق بالوضع على كل ما عدا المتكلّم.
أمّا دلالة الالتزام؛ فهي دلالة اللفظ على ما يلازم معناه في الذّهن ويمثّله في المثال المتقدّم "وحدي". فإنّ ما يلازمها في الذّهن يصدق كلّ ما عدا المتكلّم.
(7) في ب: "وكذلك".
(8) في ب: "لا بالواسطة"؛ وهما بمعنى.
(1/424)

وبه مررتُ مثالٌ لتقديم المفعولِ (1) المتعدَّى إليه بالواسطة.
وراكبًا جئتُ، مثالٌ لتقديم الحال.
ونفسًا طبتُ، مثالٌ لتقديم (2) التَّمييز.
فلا تقل (3) في (ما زيدًا ضربت): (ولا غيره) (4)، إلّا لمن يراك تظنّه ضرب عمرًا؛ فقال: (زيدًا ضربتُ)؛ أي: فلا تقل في مثل (5): (ما (6) زيدًا ضربتَ) -بفتح التّاء- لفظة: "ولا غيرَه"؛ لأَنَّ منطوقَ "لا غيره" يُنافي مفهومَ تقديمِ (زيدًا)؛ لأن مفهومه (7) أن يكون غيرُ زيدٍ مضروبًا لك -إلَّا لمن يراك أنَّك تظنّه ضرب عَمْرًا، فقال لك مدَّعيًا خطأ ظنِّك، وقاصدًا ردَّك إلى الصَّوابِ: "زيدًا ضربتُ"- بضمِّ التَّاءِ-؛ فإنّه يصحُّ منك أن تقولَ مثله؛ فإِنَّك لا تقصد فيه بالتَّقديمِ إلَّا مُطابقة الجوابِ؛ فقلتَ: "ما زيدًا ضربتَ" ردًّا لقوله: "زيدًا ضربتُ"،
__________
(1) كلمة: "المفعول" ساقطة من أ.
(2) كلمة: "لتقديم" تكرّرت في الأصل.
(3) هكذا -أيضًا- في ف، وفي ب: "فلا يُقَال"، والفاء هي الفصيحة؛ جزاء لشرط محذوف، تقديره: إذا ثبت أن تقديم متعلّق الفعل للتخصيص فلا تقل.
(4) قوله: "ولا غيره" مقول القول التقدّم.
(5) في أ، ب: "نحو".
(6) "ما" النَّافية ساقطة من أ، ولا بدّ منها لتمام السِّياق.
(7) أي: التّقديم.
(1/425)

وقلتَ: "ولا غَيْرَه"، ردًّا لحُسْبانه في حقِّك (1).
ولا تَقُلْ فيه (2)؛ أي: في "ما زيدًا ضربتَ" كلمة (3): "ولكن أكرمتَه"؛ فتعقب الفعل المنفي بإثباتِ فعل [هو] ضدُّه (4)؛ لأنَّك إنَّما تُخَطِّئه في المفعول؛ لأنّ مبنى (5) الكلامِ ليسَ على أن الخطأ وقعَ في الضّرب؛ فتردّه (6) إلى الصَّوابِ في الإكرام، وإِنَّما مبناه على أنَّ الخطأ وقعَ في المضروب (7) حين اعتقد زيدًا فتردّه (8) إلى الصَّوابِ أن تقولَ: "ولكن عَمْرًا".
ولا تقلْ: ما أَنا قُلْتُ شعرًا إذا أنت تريدُ العمومَ؛ كما يفهم من
__________
(1) في الأصل: "جعل ذلك" بدلًا من "حقّك" ولا يتَّضح به المعنى. والصَّواب من أ، ب.
ولا يلزم من ذلك التَّناقض؛ لأنّ تقديم زيد ليس لتخصيص عدم الضرب به؛ بل لنفى التّخصيص الَّذي بناه المخاطب باعتقاده الخاطيء أنَّك تظنّه ضرب عمرًا لا زيدًا.
(2) "فيه" ساقط من ب.
(3) في أ، ب: "لفظة".
(4) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ومثبت من أ، ب. وهو الموافق لما في المفتاح.
(5) في الأصل: "معنى" وهو تحريف، والصَّواب من أ، ب. وهو الموافق للفظ المفتاح، والملائم لقوله فيما بعد: "وإنّما مبناه".
(6) في ب: "فيرد".
(7) في الأصل: "الضّرب"، والصَّواب من أ، ب، المفتاح.
(8) هكذا في الأصل، المفتاح. وفي أ: "فرده". وفي ب: "فيرده".
(1/426)

قول الشّيخ عبد القاهر (1)، إذ لا يُعتقدُ أنَّ: قلتَ كلَّ شِعْر؛ أي: لاسْتلزامه أن يكونَ قد اعتقد فيك (2) مُعْتقدٌ: أنَّك قُلتَ كل شعرٍ في الدُّنيا فنفيت أن يكون إِيَّاه. ووجهُ الاستلزامِ أنَّه في قُوَّةِ: قال غيري كلَّ شعرٍ، وهو في جواب: ما قال غيرُك كل شعرٍ، وفيه اعتقادٌ أَنَّك قلتَ كلَّ شعرٍ.
وأمَّا لو أردتَ التَّخصيص، كما تُريد شعرًا معيّنًا فلا مَنْع منه.
ولا في "مما أنما ضربتُ"؛ أي: لا تقلْ في [نحو] (3) "ما أنا ضربتُ" كلمة: "إلا زيدًا" حتَّى يصير هكذا: "ما أنا ضربتُ إلّا زيدًا"؛ لأنّه يُفيد أنَّك ضَربته ولم تضربه، لأن نقضَ النَّفي ب "إلّا" يقتضي أن
__________
(1) أورد الإمام عبد القاهر الجرجانيّ -رحمه الله- صورتي التَّأخير والتَّقديم. ومثّل لهما بأكثر من مثال. من ذلك قوله في الصورة الأَولى -التّأخير- (دلائل الإعجاز 124): "أنَّك إذا قلتَ: (ما قلتُ هذا)، كنتَ نفيت أن تكون قد قلت ذاك، وكنت نوظرت في شيء لم يثبت أنّه مَقُول".
وقوله في الصورة الثانية -التَّقديم-: "وإذا قُلت: (ما أنا قلتُ هذا) كنتَ نفيتَ أن تكون القائلَ له، وكانت المناظرة في شيء ثَبَت أنّه مقُولٌ".
ثمَّ أردفَ ذلك بتقرير المسألة الّتي نحن بصددها؛ فصرَّح بالعموم في الصّورة الأَولى واستلزامه العطف عليها في الصُّورة الثانية. يقول (ص: 124): "ومن أجل ذلك صَلَحَ في الوجه الأَوَّل أن يكون المنفيُّ عامًا؛ كقولك: (ما قلتُ شعرًا قطُّ). . . ولم يصلح في الوجه الثّاني؛ فكان خَلْفًا أن تقول: (ما أنا قلت شعرًا قط). . . وذلك أنّه يقتضي المُحال، وهو أن يكون -ها هنا- إنسان قد قال كلَّ شعرٍ في الدُّنيا. . . فنَفيتَ أن تكونَه".
(2) في الأصل: "قبل"، وهو تصحيف لحق أحرف الكلمة كلِّها، والصَّواب من أ، ب.
(3) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من: أ، ب. وهو الأَولى لتعميم النّهي.
(1/427)

تكون ضربت زيدًا، وتقديمُك ضميرك وإيلاؤُه حرفَ النَّفي يقتضي نفيَ أن تكونَ ضربته؛ هكذا في "المفتاح" (1)، وفي "دلائل الإعجاز" (2). وقال صاحبُ "الإيضاح" (3): "وفيه نظرٌ؛ لأنّا لا نُسلِّم أنَّ تقديمَ الضَّميرِ وإيلاءَ حرفِ النّفي يقتضي ذلك"؛ بل [عليه] (4) أنّه يقتضي أن يكون ها هنا إنسانٌ غيرُ المتكلِّم قد ضرب من عدا زيدًا منهم؛ وهو مُحالٌ.
وقال (5) المصنِّفُ: إِنَّا (6) ندَّعي ذلك في مادَّةٍ خاصّةٍ؛ كما أنَّ التّخصيصَ بالتَّعميم مراد في قولك: (ما أَنا قلتُ شعرًا)، وهي [في] (7)
__________
(1) ص: (232 - 233).
(2) ص: (126).
(3) الإيضاح: (2/ 54 - 55) بزيادة كلمتي "تقدم الخبر" وحرف العطف "الواو" بعدهما.
وقد علّق الصّعيديّ على تعليل الخطب القزوينيّ دافعًا له بقوله: "لا يخفى أنّ المنفيَّ ليس الضّرب الواقع على كلّ واحد منهم سوى زيد؛ وإلّا كان من سلب العموم لا من عموم السَّلب. وإنَّما المنفيّ ضرب أيّ واحد سوى زيد؛ وعلى هذا يكون مفهوم المثال أنّ إنسانًا غير المتكلّم ضرب أيّ واحد سوى زيد، وهو صحيح لا شيءَ فيه. وإنّما الَّذي يؤدِّي إلى ما ذكره الخطيب أن يقال: ما أنا ضربت كلّ رجل إلَّا زيدًا" بغية الإيضاح: (92) بتصرّف.
(4) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب.
(5) في أ، ب: "قال"، بدون الواو.
(6) في أ، ب: "إنَّما".
(7) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ؛ وهو المجانس لقوله فيما بعد: "ويكون النِّزاع في فاعل".
(1/428)

صورةٍ يكون الضَّربُ الواقعُ منحصرًا على زيدٍ، ويكون النِّزاعُ في فاعلِ ذلك الضَّرب المعيَّن؛ وحينئذٍ لزوم التّناقض ظاهرٌ؛ لأنْ النَّقضَ يقتضي أن تكون ضربته، والتَّقديمَ والإيلاءَ يقتضي صرفَ الضَّربِ عنك إلى غيرك، بلى (1) لو لم يحصر (2) لم يتناقض؛ لأن النَّقضَ يقتضي ضربَك إيَّاه، والتّقديمَ يقتضي صرف ضربٍ عنك (3) لا (4) ضربَ زيد؛ فلا يتناقض.
وقد يُقدَّمُ الفاعلُ؛ أي: بحسبِ التَّلفّظ لا على نِيَّةِ التّقديم والتَّأخيرِ؛ كما في التَّقديم التَّخصيصى، معنىً؛ أي: ما هو فاعلٌ معنىً لا لفظًا (5)، خاصَّة عليه. إنّما قال: "خاصةً"؛ لأنَّ سائرَ متعلِّقاتِ الفعل لا تتقدم عليه للتَّقوية؛ بل للتَّخصيص؛ كما مرَّ؛ نحو: (أنا عرفتُ) لتقويةِ الحكمِ؛ لأنَّ المبتدأ لاستدعائه (6) حكمًا يَصْرف ما يصلحُ له (7)؛ إلى نفسه (8). ولو بلا ضميرٍ؛ نحو: (زيدٌ غلامٌ)، فإذا وجدَ الضّميرُ
__________
(1) في ب: "نعم".
(2) في أ، ب: "ينحصر" والمعنى واحد.
(3) أي: ضربٍ مخصوصٍ.
(4) في ب: "إلّا"؛ وهو تحريف بالزِّيادة.
(5) في الأصل: "ولفظًا" وهو خطأ ظاهر. والصَّواب من ب. والكلمة ساقطةٌ من أ.
(6) في الأصل: "للاستدعاء به". والصواب من أ، ب، ف.
(7) المرادُ بالضّمير هنا: ضميرُ الفاعل المعنويّ، وهو الضّمير الَّذي هو فاعل لفظيّ للفعل لا مطلق الضَّمير.
(8) هكذا -أيضًا- ورد قوله: "إلى نفسه" ضمن ف. ولم يرد في بقيّة النُّسخ.
(1/429)

صرفَه (1) إليه ثانيًا.
اعلمْ (2): أنَّك إذا قُلت: (عرفتُ أنا)؛ "فأنا" فاعلٌ معنى؛ لأنّه تأكيدٌ للفاعل، فإذا قُلت: (أنا عرفتُ) يحتمل أن يقال: أصلُ النَّظمِ: (عرفتُ أنا)، ثُمّ قدّمَ (أنا)، ويحتمل أن يُجرى الكلامُ على الظَّاهرِ، ويقال: (أنا) مُبتدأٌ و (عرفتُ) خبرُه؛ ولا يُقدّر تقديمٌ وتأخيرٌ. فنظمُ الكلامِ بالاعتبارِ الأَوَّل يفيدُ التَّخصيصَ، وبالاعتبارِ الثَّاني يكونُ مُفيدًا لتقويةِ الحكمِ، وسببُ تقوِّيه (3)؛ هو أنَّ المبتدأَ لكونه مُبتدأ واستدعائه (4) به حكمًا، وَأن يُسندَ إليه شيء -يصرف إلى نفسه ما يصلح له وللإسنادِ إليه إذا وردَ بعدَه؛ ولو كانَ ذلك الصَّالحُ الواردُ بلا ضميرٍ يرجعُ إلى المبتدأ؛ نحو: (زيدٌ غلامٌ) (5)؛ فإذا وُجد الضَّميرُ- بأن كانَ الخبرُ متضمِّنًا له (6) - صرفَ ذلكَ الضّميرَ إلى المبتدأ ثانيًا؛ فيكتسي الحكمُ قُوّةً لتكريرِ (7) الإسنادِ، فإذا قلت: (أنا عرفتُ) كان المرادُ تحقيق حُكمِ العرفةِ، وتقويته عند السَّامع؛ لا تخصيصه به.
__________
(1) في الأصل: "صرف" وهو تحريف بالنّقص. والصَّواب من: أ، ب، ف.
(2) في ب: "واعلم".
(3) في أ، ب: "تقويته"، وكلاهما جائز.
(4) في الأصل: "واستدعاء به"، والصَّواب من: أ، ب.
(5) في أ: "غلامك".
(6) نحو: "أنا عرفت".
(7) في ب: "تكرر".
(1/430)

وأمّا: (عرفتُ أنا) بتأخير لفظة: (أنا) فتأكيدٌ للفاعل لا للإسناد؛ وهو غيره، [أي: غير "أنا عرفت"؛ لأنَّ المفهومَ من "أنا عرفت" تكريرُ (1) المعرفة، ومن (عرفت أنا) تكرير (2) العارف دونَ المعرفةِ واحدُهما غيرُ الآخر] (3).

تذنيباتٌ
الأَوَّل: (أنا عارفٌ) (4) دون (5) (أنا عرفتُ) في التَّقويةِ لعدمِ تغيُّر الضَّميرِ في الحكايةِ والخطابِ والغيبةِ؛ تقول: (أنا عارفٌ)، (وهو عارفٌ)، (وأَنت عارفٌ)؛ بخلاف ما تقول: (أنا عرفتُ)، (وهو عرفَ)، (وأنت عرفتَ) (6) فكأنه لا ضمير.
__________
(1) في ب: "تكرر".
(2) في ب "تكرر".
(3) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من: أ، ب.
(4) مراده ب "عارف" اسم الفاعل. ويندرج معه في الحكم ما في حكمه من المشتقات؛ كاسم المفعول، والصّفة المشبّهة، وأفعل التّفضيل.
(5) "دون": أي: أضعف. ينظر: اللِّسان: (دون): (13/ 164).
(6) في أ، ب: تقدّمت جملة: "أنت عرفت" وجاءت في موضع: "أنا عرفت" قبلها.
والأصل أوْلَى؛ لمجانسة سياق الجمل المتقدّمة؛ حيث تقدّمت جملة: "أنا عارف" على "أنت عارف".
(1/431)

والسِّرُّ في عدمِ تفاوت الضَّميرِ: أنَّ معنى (عارف) ذاتٌ (1) ثبتَ له المعرفة، فكأنَّ (2) ضميرَه راجعٌ إلى الذّاتِ؛ والذاتُ لا تختلفُ باختلافِ الاعتباراتِ، ولأن ضميرَه لما لمْ (3) يرجع إلى المبتدأ لم يُفد (4) التَّأكيد؛ كما أفاد (أنا عرفت) (5)، ولأنَّ الذَّاتَ بالحقيقة هو نفسُ المبتدأ؛ فكأنَّه راجعٌ إليه، وأفادَ (6) شيئًا من التَّأكيدِ (7).
__________
(1) في الأصل: "وان". وفي ب: "وأنت"، وكلاهما جمع بين التّحريف والتّصحيف، والصَّواب من: أ.
(2) في الأصل: "فكأنَّه". والصَّواب من: أ، ب.
(3) في أ: "لا" بدلًا من: "لما لم".
(4) في أ: "لا يفيد".
(5) في ب زيادة: "التّاكيد"، والمعنى تامٌّ بدونها.
(6) في أ، ب: "أفاد"؛ بحذف الواو.
(7) في أ، ب: "التّوكيد".
وقول الشَّارح -رحمه الله-: "ولأنّ ضميره. . . من التّأكيد" تفسير لضعف التّقوية في (أنا عارف)، وهو مبنيّ على ما نصّ عليه السَّكَّاكيّ؛ من عدم تفاوت الضّمير في الحكاية والخطابة والغِيبة؛ غير أنّ تفسير السَّكَّاكيّ يختلف عن تفسير الشَّارح: فهو يرى أنّ (عارف) "أشبه الخالي عن الضّمير، ولذللث لم يحكم النُّحاة عليه بأنه جملة، ولا عُومل معاملتها في البناء، حيث أعرب في نحو: (رجلٌ عارفٌ)، (رجلًا عارفًا)، (رجلٍ عارفٍ) وكذا اتّباعه في حكم الإفراد؛ نحو: (زيد عارف أبوه).
وقد نقل أحد شرّاح الفوائد الغياثيّة عن الإيجيّ تفسيرًا ثالثًا؛ هو قوله (شرح =
(1/432)

الثَّاني: قال (1): (زيدٌ عرف) للتَّوكيدِ والتَّقويةِ؛ لأنَّه إذا أُخِّر كان فاعلًا إلّا نادرًا؛ نحو: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} (2)؛ فإنَّه يجوزُ على المذهبِ النَّادرِ (3) أن يكون (زيد) (4) مؤخَّرًا، ولا يكون فاعلًا؛ بلْ يكون فيه ضميرُ فاعله، و (زيد) تأكيدٌ، أو بدلٌ منه (5)، كما يُقالُ في الآيةِ: إِن الفاعلَ مُضمرٌ، و (الّذين) بدلٌ (6)، فلا يقدّم [أي] (7) لكونهِ
__________
= الفوائد الغياثيّة مخطوط ل 85 / أ): "إنّما كان دونه في التّقوية؛ لأن الهيئة التّركيبيّة العارضة للصّفة مع فاعلها ليست موضوعة لإيقاع النّسبة؛ بل لاتّصاف ذات الصّفة بنسبة معقولة؛ كالهيئة التّركيبيّة بين الموصوف والصّفة والمضاف والمضاف إليه. فلا يتكرّر الإسناد في نحو: (أنا عارف) لكن فيه دلالة على نسبة إسناديّة أوقعت فيكون دون (أنا عرفت) في التّقوية. . . هكذا إفادة الأستاذ رحمه الله".
(1) كلمة "قال" ساقطةٌ من ب. والمعنيُّ: السَّكَّاكيّ.
(2) سورة الأنبياء، من الآية: 3.
(3) مراده بالمذهب النّادر ما يسمّى في عرف النحاة بلغة: "أكلوني البراغيث"، وقد صرّح سيبويه بورودها عن العرب ووصفها بأنها قليلة (الكتاب: 2/ 40).
وعلى هذه اللّغة بنو الحارث بن كعب. وحُكيت عن طيء وأزد شنوءة.
ينظر: شواهد التّوضيح؛ لابن مالك: (191)، شرح ابن عقيل: (1/ 429)، إعراب القرآن؛ للنّحّاس: (1/ 295)، وخزانة الأدب: (1/ 13).
(4) في أ: "زيدًا" ولا وجه لنصبه.
(5) "منه" ساقطةٌ من أ.
(6) ينظر: الكتاب: (2/ 41).
(7) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ومثبت من: أ، ب. وعلى مثله درج الشَّارح.
(1/433)

فاعلًا لو تأخَّر لا يُقدَّم، لأنَّ الفاعلَ لا يتقدَّم على الفعل، فلا يجوز كونُه للتَّخصيصِ.
وإن تقدّم (1) فيُحمل على النَّادرِ عند عدمِ جوازِ المبتدئيّة (2)، نحو: (رجلٌ جاءَ)؛ أي: لفقدان شرطِ الابتداءِ (3)، وتعذُّرِ حَمْله على الأصل؛ يُحْمل على النَّادرِ ويُحكم بالتَّقديم فيُفيد التَّخصيصَ؛ أي: لا امرأة ولا رجلان (4)؛ أي: يُفيد [إمّا] (5) تخصيص الجنس؛ نحو: رجلٌ [جاءَ] (6) لا امرأة، وإمّا تخصيص الأفراد، نحو: رجل [جاءَ] (7) لا رجلان أو رجال.
وقولهم (8): "شَرٌّ أَهَرَّ (9)
__________
(1) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "قدم".
(2) في الأصل: "المبتدأ"، وفي أ: "المبتدأ به". والمثبت من ب، ف.
(3) لكونه نكرة غير مختصّة؛ والمبتدأ يشترط فيه أن يكون معرفة.
(4) هكذا -أيضًا- في ف بالعطف بالواو. وفي أ، ب: "أو لا رجلان".
(5) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب. ولا بدّ منه لإقامة السِّياق.
(6) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب.
(7) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب.
(8) هذا مثلٌ من أمثال العرب، يضرب في ظهور أمارات الشَّرِّ ومخايله. وهو في مجمع الأمثال: (2/ 172)، والمستقصى: (2/ 130)، وأورده سيبويه في الكتاب: (1/ 329) مبيّنًا وجهَ حسن الابتداء به؛ وأنّه -قياسًا على المثال الَّذي ذكره-: (ما أهرّ ذا ناب إلّا شّر) كما أورده ابن منظور في اللِّسان: (5/ 261).
(9) أهرَّه: حمله على الهرير؛ وهو صوت النُّباح. وقيل: صوت دون النُّباح. ينظر:=
(1/434)

ذا نابٍ (1) "يأباهما (2) موضعُ استعماله، لأَنَّه لا يُستعمل (3) في موضع يكونُ المراد: شرٌّ أَهرَّ لا خير، وشرٌّ أهرّ لا شرَّان.
والسَّكَّاكيُّ خصّصَ إباءَ الموضع بالوجهِ الأخيرِ؛ حيثُ قال: لامتناع أنْ يُقال: المهرُّ شرٌّ لا خير؛؛ إذ التَّخصيص يَسْتدعي اشتراكَ الخيرِ والشرِّ في الإِهْرَار، لكنَّ الخيرَ لا يكونُ مُهِرًّا (4)، وامتناع أن يكونَ التَّقديرُ: شرٌّ لا شرّان؛ لأنَّه بهذا الوجه يكونُ (5) نابيًّا عن مظانِّ استعماله (6).
وإذا نَصُّوا بأن معناه: (ما أهرَّ ذا نابٍ إلا شَرٌّ)، فالوجهُ: أنَّ التَّننكر للتَّعظيمِ، أي: وإذا (7) نصَّ الأئمةُ (8) بأنَّ فيه تخصيصًا؛ حيثُ
__________
= اللِّسان: (هرر): (5/ 261).
(1) ذو النَّاب: السّبع. والمراد به هنا الكلب.
(2) أي: تخصيص الجنس، وتخصيص الأفراد.
(3) في ب: "يستعمل" بدون النّفي، وهو خطأ ظاهر يناقض السِّياق.
(4) ويلحظ أنَّ هذا الوجهَ لا يمتنعُ عند الإمام عبد القاهر؛ بل حمل المراد عليه يقول (دلائل الإعجاز: 143): "إنّما قُدِّم فيه (شرٌّ) لأنّ المراد أن يعلم أن الَّذي أهرَّ ذا النّاب هو من جنس الشّرّ لا جنس الخير".
(5) كلمة: "يكون" ساقط من ب.
(6) ينظر: المفتاح: (224).
(7) في أ: "وإذ".
(8) أي: علماء النّحو؛ حيث تعرّضوا لهذا المثال وغيره في ثنايا حديثهم عن مسوّغات الابتداء بالنّكرة. ينظر -على سبيل المثال-: الأصول في النّحو: (1/ 58 - 59)، المفصّل: (43)، شرح ابن عقيل: (1/ 207).
(1/435)

قالوا: معناه: (ما أهرَّ ذا نابٍ إلا شرٌّ)؛ فالوجهُ: أن يقال: إنَّ (1) التَّنكيرَ للتَّعظيمِ، وأنَّ المرادَ تفظيعُ شأنِ الشَّرِّ؛ أي: ما أهرَّ ذا نابٍ إلَّا شرٌّ عظيمٌ فظيعٌ (2)؛ فيُفيد تخصيصَ النَّوعِ.
والحاصلُ: أنَّ (أنا عرفتُ) يحتملُ تقويةَ الحكمِ وتحقيقه "بأن يكونَ (أنا) مُبتدأٌ و (عرفتُ) خبرَه -كما هو الظَّاهرُ-، ويحتملُ التَّخصيصَ؛ بأن يكون التّقديرُ: (عرفتُ أنا)؛ فُقُدِّم (أنا).
و (زيدٌ عرفَ) لا يصلح للتَّخصيص؛ إذ لو قدَّرت (عرفَ زيدٌ) كان (زيدٌ) فاعلًا، فلا يتقدَّمُ إلّا على طريقةِ: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} (3)، وهو بعيد.
و (رجل عرف) لا يحتملُ التَّحقيقَ، لأن النَّكِرةَ غير المخصَّصةِ لا تصلحُ مبتدأ، فهو للتَّخصيصِ لتقديرِ تقديمه. فعُلم أنَّ مأخذ التَّخصيصِ والتَّقويةِ تقديرُ التَّقديمِ والتَّأخيرِ ولا تقديرُهما!.
__________
(1) "إن" ساقطة في أ.
(2) فتكون النكرة مخصوصة بالوصف، ولسنا في حاجة إلى تخصيصها بالجنس أو بالفرد.
(3) سورة الأنبياء؛ من الآية: 3.
(1/436)

ولمّا كانَ هذا (1) عند المصنِّفِ غيرَ مرضيّ، لإفضائه إلى جواز تقديم تأكيدِ الفاعل عليه في: (أنا عرفتُ)، وكذا (2) في: (رجلٌ عرفَ) مع التزامِ الوجهِ البعيد، وإلى عدمِ جوازِ (زيدٌ عرفَ) للتّخصيصِ مع اسْتعمالِ الفصحاءِ له، كما إذا تُصوّر أنَّ المخاطبَ يعرفُ عارفًا، لكنّه مُتردّدٌ بين (3) أنّه زيدٌ أو عمرو، فيقول: (زيدٌ عرف لا عمرٌو)، - قال (قال) (4).
والمرضيُّ عندَه هو مذهبُ الشَّيخِ عبدِ القاهر، وهو: أنَّ مأخذَ التَّخصيصِ والتَّقويةِ مُقتضى المُقام، فإنْ كان (5) شكَّ السَّامعُ في النِّسبةِ فهو للتَّقويةِ، وإنْ كانَ في المنسوبِ إليه فهو للتَّخصيص (6)؛ ف (زيدٌ عرفَ) عند الشَّيخ يحتملُ (7) لهما، إذ قد يشكُّ في النِّسبة فيتصوّره يسأل (8): (زيدٌ ماذا
__________
(1) كلمة: "هذا" ساقطة من ب. والمشار إليه قول السَّكَّاكيّ الَّذي حكاة المصنِّف بقوله -فيما تقدّم-: "قال: (زيد عرف) للتّوكيد؛ لأنّه إذا أخّر كان فاعلًا إِلّا نادرًا. .".
(2) في ب تكررت كلمة: "كذا".
(3) في أ: "في "ولا اختلاف في المعنى.
(4) في الأصل: "قال المصنّف" والمعنى فيه لا يتمّ إلّا بزيادة: (قال) بعد: (المصنّف).
والصَّواب من أ، ب. ولا حاجة إلى إثبات كلمة: "المصنّف" لورودها في أوّل العبارة. ومرادُ الشَّارح ب "قال" قولُ المصنِّف في أوّل التّنبيه الثاني:؛ (قال: زيد عرف) حكاية لقول السَّكَّاكيّ -كما سبق وأن أشرت-.
(5) كلمة: "كان" ساقط من ب.
(6) ينظر: دلائل الإعجاز: (142).
(7) في أ، ب: "محتمل".
(8) في الأصل: "فيتصوّر فيسال" ويظهر أنَّ النَّاسخ وهم فأدخل آخر الكلمة=
(1/437)

فعلَ؟)، وقد يعلمُ النِّسبةَ ويجهلُ نفسَ المنسوبِ إليه فيسأل: (من ذا عرف، أزيدٌ أم عمرو؟).
وأمَّا (رجلٌ جاء) (1) فإنّه مُتعيّن للتَّخصيصِ عندَه -أيضًا-، لأنَّه لكونِه نكرةً مجهولةً لا يُتصوّر أَنْ يشكَّ في نسبةِ فعلٍ إليه، بل في مثلِ هذه الصُّورة لا يكون الشَكُّ إلَّا في تعيين (2) المنسوبِ إليه (3).
ثمَّ إنَّ (شرٌّ أهرّ ذا نابٍ) لا يُحتاج فيه إلى التَّخصيصِ النَّوعيِّ (4)؛ بل التَّقدير فيه: شرٌّ أهرَّ لا غيره، من بَرْدٍ، أو جُوع، أو فَقْدِ إِلْفٍ، لأنَّ استعمالهم ذلك عند تطيُّرهم بنحو مُصيبةٍ ومثلها من الدَّواهي.
الثَّالثُ: وكذا: (زيدٌ عرفتُ) أو (عرفتُهُ) للتَّأكيدِ؛ أي: وكذا قال: (زيدٌ عرفتُ) أو: (عرفتُه) -أعمّ من أن يُحذف ضمير المفعول، أو يُذكر- للتَّأكيدِ والتَّقويةِ، لأنَّه لا (5) يحتمل إلَّا الابتداء؛ وفيه
__________
= الأَولى "الهاء"، وجعله ضمن أوّل الكلمة الثانية بعد أن حرّفه فاءً. والصَّواب من أ، ب.
(1) في الأصل: "عرف" والمثبت من: أ، ب. وهو الأَولى؛ لمجيء التّمثيل عليه في كلام المصنف المتقدّم.
(2) في ب: "التّعيين".
(3) ينظر: دلائل الإعجاز: (144).
(4) هذا ردٌّ على ما حكاه المصنِّفُ عن الأئمّة؛ إذ نصّوا بأنّ التَّنكير في المثل للتَّعظيم، وأنَّ المرادَ تفظيع شأن الشَّرِّ؛ فيفيد تخصيص النَّوع.
(5) "لا" ساقطةٌ في ب. ولا بدّ منها لتمام السِّياق.
(1/438)

تكريرُ النِّسبة (1)؛ فيُفيد تَقْويةَ أَنَّك عرفت زَيدًا. و: (زيدًا عرفتُ) للتّخصيص؛ لأنَّه لا يحتمل إلَّا التَّقديم، و (أنا عرفتُ) يحتملهما؛ أي: التَّأكيد والتَّخصيص -كما مرَّ-؛ وهذا فيه نوع تكرار؛ وقد ضرب القلم عليه (2) في بعض النّسخ، لكن المصنّف ما غيرّه عند الدّرس.
وكذا (زيدًا عرفتُه) يحتملُهما (3)؛ إذ يُتصوّرُ فيه التَّقديم وعدم التَّقديم؛ فبتقدير (4) الأصل (5): (عرفت زيدًا عرفتُه) (6) للتَّقوية؛ لتكرّر (7) الإسناد، أو بتقدير (8): (زيدًا عرفتُ عرفتُه) (9) للتّخصيص؛ لوجودِ التَّقديمِ المُستلزمِ للتّخصيص؛ فلا يرد أن في الوجه الأوّل (10) منافاة لما مرّ (11): أن التَّقويةَ تختصُّ بتقديمِ الفاعلِ المعنويِّ؛ لأنَّ هذه التَّقوية
__________
(1) باعتبار عود الضَّمير أو المقدّر إلى المسند إليه.
(2) ضرب القلم عليه، أي: طمسه.
(3) أي: التَّقويه والتَّخصيص.
(4) في أ: "بتقدير".
(5) أي: جريان الكلام على أصله بدون تقديم.
(6) حيث قُدِّر المفسر المحذوف قبل المنصوب، وجرى هذا التَّقدير على الأَصل، لأنّ الأصل في العامل أن يتقدّم المعمول.
(7) في أ: "لتكرار".
(8) في الأصل: "بتقديره" والصَّواب من: أ، ب.
(9) حيث قُدِّر المفسّر المحذوف بعد المنصوب. وبذا خرج عن الأصل لداعٍ بلاغيّ استلزم التَّقديم.
(10): ما كان بتقدير الأصل: "عرفت زيدًا عرفته".
(11) في الأصل زيادة: "حيث قال: وقد يقدّم الفاعل خاصّة" وهي زيادة دخيلة على =
(1/439)

لا تستفاد من تقديم، لأَنَّه لا تقديم فيه؛ [لأنّ الفعلَ إذا قُدِّر مقدّمًا لا يكون فيه تقديم بل التَّقوية إِنَّما تحصل بتكرار الجملة] (1) إلّا في نحو: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} (2)؛ أي: المضمر على شريطة التفسير يحتملهما؛ إلَّا إذا كان بعد أمّا؛ نحو: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ}، فإِنَّه متعيّنٌ للتّخصيص لا يحتمل التَّأكيد؛ إذ لا يَصحُّ: (وأمَّا فهدينا (3) ثمودَ فهديناهم) (4)؛ وذلك بسبب استلزامه دخولَ فعلٍ؛ وهو (يكن)؛ لأنّ تقديره: (مهما يكن)، على فعلٍ؛ وهو: (فهدينا)؛ وهو مُحالٌ (5) -كما قال النُّحاةُ (6) -، وعُوّضَ (7) بينها وبين فائها جزءٌ ممّا في
__________
= النصُّ ينقطع بها السِّياق. والأقرب -والله أعلم- أنّها إيضاح للنّصّ وبيان لقوله: "كما مرّ" فهي عين كلام المصنّف المتقدّم ص: (429). ويبدو أنَّ النّاسخ تلقفها خطأً وأدخلها ضمن كلام الشارح، كما أن اضطراب الناسخ في إثباتها ظاهر؛ حيث وردت كلمة "مرّ" قبلها، وثانية بعدَها.
(1) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ب. ومثبت من: أ، وفيه إيضاح للمعنى.
(2) سورة فصّلت؛ من الآية: 17.
(3) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "هدينا".
(4) عبارة: "نحو. . . فهديناهم" ساقطةٌ من ب.
(5) في أوردت العبارة هكذا: " (مهما يكن)؛ فعلى هذا لو دخل على الفعل؛ وهو {فَهَدَيْنَاهُمْ} لصار التّقدير: (مهما يكن فهديناهم)، وهو محال".
(6) ينظر: شرح التسهيل لابن مالك: (1/ 12)، التذييل والتكميل لابن حيان: (1/ 58)، نتائج التّحصيل في شرح كتاب التسهيل لمحمّد المرابط الدّلائي: (1/ 204).
(7) في الأصل: "وعرض"، والصواب من أ، ب.
(1/440)

حيِّزها (1). هذا إذا قُرِئ: (ثمودَ) -بالنَّصْب- (2)، وأمَّا إذا قُرئ بالرَّفع (3) فليس من المبحث (4).
__________
(1) في الأصل: "جزؤُها"، والصَّواب من أ، ب.
(2) وهي قراءة شاذّة؛ تجمع إلى جانب النّصب المنع من الصّرف؛ قرأ بها الحسن وابن هرمز وابن إسحاق وابن أبي عبلة وعاصم في رواية. ينظر: معاني القرآن للفرّاء: (3/ 14)، تفسير الطّبريّ: (24/ 67). ومختصر ابن خالويه: (1/ 133)، إعراب القراءات الشّواذ للعكبريّ: (2/ 427 - 428)، إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات للعكبريّ: (517)، فتح القدير: (4/ 511).
(3) هي قراءة الجمهور، وتجمع إلى جانب الرّفع المنع من الصّرف. وهناك قرآتان أخريان بالرّفع والنّصب مع الصّرف: (ثمودٌ، ثمودًا).
أمّا الرّفع -في جميع ما تقدّم- فعلى الابتداء والجملة بعده خبر.
وأمّا النّصب فعلى الاشتغال.
وأمّا الصّرف فعلى تفسير الاسم بالأب أو الحيّ.
أمّا المنع فعلى تأويله بالقبيلة.
ينظر: المصادر السّابقة، الكشّاف: (4/ 199)، تفسير الفخر الرّازيّ: (9/ 553)، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر؛ للبنّا: (2/ 443)، التبيان في إعراب القرآن؛ للعكبريّ: (517).
ويَرِدُ على هذه القراءة؛ أن الآية إن كانت من باب التَّخصيص كان المراد أنّ الهداية مختصّة بثمود دون غيرهم، "والتّحقيق أنّ مثل هذا ليس للتَّخصيص؛ لظهور أنّ ليس الغرض إنّا هدينا ثمود دون غيرهم؛ ردًّا على من زعم الاشتراك؛ أو انفراد الغير بالهداية؛ بل الغرض إثبات أصل الهداية ثم الإخبار عن سوء صنيعهم؛ ألا ترى أنه إذا جاءك زيد وعمر ثم سألك سائل ما فعلت بهما؛ تقول: أما زيدٌ فأكرمته، وأمّا عمرًا فأهنته، وليس في هذا حصر ولا تخصيص؛ لأنّه لم يكن عارفًا بثبوت أصل الإكرام والإهانة". ينظر: المطوّل: (199 - 200).
(4) لأنّه ليس فيه تقديم للمفعول على الفعل أصلًا.
(1/441)

الرَّابعُ: (مثْلُكَ لا يَبْخل)، و (غيرُك يبخلُ)؛ التُزم فيهما التَّقديم للتَّقوية؛ لأنَّ بناءَ (1) الفعلِ على المبتدأ أقوى للحكم، والمقام لكونه مقامَ مدحٍ يقْتضي التَّأكيد والمبالغةَ؛ وذلك إذا استعملوا لفظ (المثل) أو لفظ (الغير)؛ نحو: (مِثْلُك لا يَبْخل)؛ بمعنى: أنت لا تبخل؛ وكان لفظُ المثلِ مُقحَمًا، وكذا: (غيرُك لا يجُود)؛ بمعنى: أنت تجودُ.
إذَا لَمْ يعرض (2) به لإنسانين؛ أي: من غيرِ إرادةِ التَّعريضِ (3) بلفظِ: (المثلِ)، و (الغيرِ) إلى إِنسانين غيرِ المخاطَبِ يقصدُ إليهما؛ فإنَّه حينئذٍ يكونُ للتَّخْصيص.
فإنْ قيل: إنَّه (4) مثل: (زيدٌ عرفَ) وقد مرَّ أَنَّه ليس للتَّخصيص.
قلنا: إنَّ هذا التَّخصيصَ مدلولٌ عليه بحسبِ المقامِ، وهو غيرُ التَّخصيصِ الَّذي يُستفادُ من التَّقديمِ (5).
__________
(1) في ب: "البناء". وزيادة (أل) خطأ ظاهر.
(2) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "يتعرض" وهو تحريف بالزِّيادة.
(3) لا يُراد بالتَّعريض -هنا- حقيقة التَّعريض الاصطلاحيّ؛ لأنّ التَّعريض الاصطلاحيّ يوجّه فيه الكلام إلى شخص والمراد إسماع غيره. بخلاف الواقع هنا - فإنّ الخطاب موجّه إلى شخص واحد. وإنّما جاز إطلاق لفظة التَّعريض عليه؛ لأَنَّه في حكم التَّعريض.
(4) في ب: "إن" وهو تحريف بالنّقص.
(5) في أ: زيادة: "وهذا إن سلّمنا أنّ مثل يتصرّف بالإضافة".
(1/442)

النَّوعُ الثَّاني في الرَّبطِ والتَّعلُّق (1)، وهو لا يَخْلو إمَّا أن يكونَ بين الجملتين، [أولًا يكون بين الجملتين] (2)؛ وحينئذٍ إمّا بين المفردين (3) أو بين مفردٍ وجملة (4).
أَمَّا الثَّاني -وهو: أن لا يكون بين الجملتين- (5)؛ فالتعلُّقُ (6) والرَّبطُ بينهما لا يكون إلَّا بالحَمْل (7) والإسناد، ثمَّ (8) الحملُ قد يكونُ وحده؛ أي: مُجرّدًا؛ كما قال: إمَّا بين المفردين (9) أو مفردٍ وجملةٍ؛ فبالحملِ وحدَه.
أو مؤكَّدًا؛ أي: وقد لا يكون مُجرَّدًا؛ وذلك إمَّا أن يكونَ مؤكَّدًا بالفصل -أي: بضمير الفَصل-؛ نحو: (زيدٌ هو القائِمُ) (10) أو (هو قامَ)؛ أو (هو أحسنُ من بكرٍ) أو (خيرٌ منه).
__________
(1) في أ: "التّعليق". والمراد بالرّبط والتَّعلُّق: اتّصال أحد طرفي الكلام من المحكوم عليه والمحكوم به بالآخر.
(2) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من: أ، ولا بدّ منه لإقامة السِّياق.
(3) نحو: "زيد منطلق".
(4) نحو: "زيد أبوه منطلق".
(5) عبارة: "وحينئذٍ. . . بين الجملتين" ساقطةٌ من ب.
(6) في أ: "فالتّعليق".
(7) الحمل هو الحكم بحصول أحد الطّرفين للآخر.
(8) في ب "و" بالعطف بالواو.
(9) هكذا -أيضًا- في أ، ف. وفي ب: "مفردين".
(10) في الأصل: "العالم". والصَّواب من أ، ب، ف. ويدلّ عليه ما بعده.
(1/443)

ويُفيد: أن مَا دخلَ عليه خبرٌ لا صفةٌ؛ ولهذا سُمِّي ضمير الفصل؛ لأنَّه يفصلُ بين كونِه خبرًا وصفةً؛ إذ لا يجوزُ الفصلُ بين الصِّفةِ والموصوفِ.
والحاصلُ: أن ضميرَ الفصلِ ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ مطابقٌ للمبتدأ يتوسَّطُ بينه وبين الخبرِ إذا كان معرفةً؛ نحو: (زيدٌ هو القائم)؛ إذ لا يلتبس بأنَّه صفةٌ إذا كان نكرةً؛ نحو: (زيدٌ قائمٌ). أو كانَ فعلًا؛ نحو: (زيدٌ هو قامَ) أو (يقومُ)، أو كان للتَّفضيل؛ إمَّا بصيغةِ أفعل؛ نحو: (زيدٌ هو أحسنُ من بكرٍ)، وإمَّا بِغيرها؛ نحو: (زيدٌ هو خيرٌ منه).
أمَّا في الفعلِ فلأنَّه يُشبه المعرفةَ من حيثُ اللَّفظُ؛ لامتناع دُخولِ اللَّام عليه. ولا يَرِدُ (1): (غلام رجل)؛ لأنَّ الامتناع في الفعل ذاتيٌّ (2)، وفيه عرضيٌّ (3)؛ فلا اعتداد بهِ (4). وأما في صيغة التَّفضيل (5)؛ فلأنَّها تُشبَّه بالمعرفةِ من حيثُ المعنى؛ لأنَّ معنى قولك: (أفضلُ من كذا): الأفضلُ؛ باعتبار أفضليّةٍ (6) معهودةٍ؛ فالتَّعريفُ يمسُّه مَسًّا قويًّا (7).
__________
(1) في ب: "ويرد" وهو خطأ ظاهر.
(2) أي: امتناع دخول الَّلام على الفعل غير متحقّق أصلًا؛ إذ لا يجوز دخولها مطلقًا.
(3) لأن امتناع دخول الّلام على (غلام) عارض للإضافة؛ إذ لا يجوز الجمع بينهما.
(4) في ب: "فيه".
(5) في الأصل: "التَّفضيليّ". والصَّواب من أ، ب.
(6) في الأصل: "أفضليّته" وهو تحريف بالزِّيادة. والصَّواب من أ، ب.
(7) في الأصل: "قربا" وفيه تصحيف وتحريف. والصَّواب من أ، ب.
(1/444)

وقد (1) يُقصدُ به (2) الحَصْرُ في المبتدأ وتخصيصهِ به، وفيه نوعُ مخالفةٍ لما (3) في "المفتاح"، لأنَّه قال (4): "وأمَّا الحالةُ الَّتي تقتضي الفصلَ فهي: إذا كان المرادُ تخصيصَه للمسندِ بالمسند إليه"؛ وهو يدلُّ على أنَّه كُلَّما أورد ضميرَ الفصل قصد به الحصرَ والتَّخصيصَ. وعبارةُ الأستاذِ أسدُّ (5)؛ لعدم وُجوبِ (6) كونهِ للحصرِ (7).
__________
(1) "قد" -هنا- للتقليل.
(2) "به" ساقطة من ب، والضمير في "به" عائدٌ إلى ضمير الفصل.
(3) في أزيادة: "قال"، والسِّياق لا يستدعيها وبخاصَّة مع ورودها فيما بعد.
(4) "المفتاح": (191).
(5) أي: أَصْوب. ينظر: اللِّسان: (سدد): (3/ 207، 208).
(6) في الأصل: "وجود" وهو تحريف. والصَّواب من: أ، ب.
(7) ردَّ طاش كبرى زاده قولَ الكرمانيّ: "وفيه نوع مخالفة لما في المفتاح. . ." وقال (شرح الفوائد / 115): "وأقول لا دلالة في المفتاح على هذا الوجوب؛ بل فيه ما يدلّ على خلافه؛ حيث قال: (وأمّا الحالة الّتي تقتضي الفصل إذا كان المراد التّخصيص) إذ لا يلزم من إيراد الضمير عند إرادة الحصر أن لا ينفك عن الحصر؛ كما لا لجزم من تقديم المسند إليه عند إرادة الحصر أن لا يفيد التَّقديم غير ذلك.
وإنّما لم يذكر السَّكَّاكيّ إفادة الضّمير الفصل بين الخبر والنعت لكونه مذكورًا في علم النّحو، وإن أمكن البحث عنه في المعاني على قياس ما مرّ في أسماء الإشارة أو لكون اسمه منبئًا عن إفادة الفصل فلا حاجة لذكره".
وفي نظري أن هذا الرأي هو الأرجح؛ إذ لا ينتظر من السَّكَّاكيّ -مع موفور علمه ودقة فهمه- أن يقصر ضمير الفصل على الحصر؛ وبخاصّة أنّ الحصر بالضّمير لا يرد=
(1/445)

أو داخلًا عليهِ فعلٌ؛ عطفٌ على قوله: "مؤكدًا" (1)؛ أي: أو لا يكون (2) مؤكَّدًا. وحينئذٍ إمَّا أن يكونَ داخلًا عليه فعلٌ؛ وهو إمَّا أن (3) يفيد حالًا للحكم؛ من دوام، أو حدوثٍ (4)، أو انتقالٍ إليه عن غيره، أو نفيٍ؛ نحو: "لا زال" (5)؛ مثال للدَّوامِ، و"كان" للحدُوثِ. و"صارَ" للانتقال، و"ليس" للنَّفي، أو قُربٍ؛ عطفٌ على دوامٍ؛ وذلك القُربُ والدُّنوُّ للخبر [إمَّا] (6) رجاءً؛ نحو: (عسى)، أو حُصُولًا؛ نحو (7) (كاد).
أو لاعتقادك (8)؛ عطفٌ على قوله: "للحكم"؛ أي: أو يفيدُ
__________
= إلَّا نادرًا وفي النَّزر اليسير من الأحوال. ثم كيف لنا أن نجمع بين ما أورده في قسم النّحو ص: (115) ممّا يدل على أنّ ضمير الفصل يؤتى به للفصل بين الخبر والنّعت وبين ما أورده هنا من إفادة الحصر؛ إن قصر عليه؟!. وكلا القولين في كتاب واحد!.
(1) فيكون المعنى: الرّبط بين المفردين أو بين الفرد والجملة، إمّا أن يكون بالحمل مجردًا، أولًا؛ فإن لم يكن مجردًا؛ فإمّا بالحمل مؤكّدًا بضمير الفصل، أو بالحمل داخلًا عليه فعل.
(2) في الأصل: "يكون". والصَّواب من أ، ب.
(3) " أن" ساقطة من: أ.
(4) في الأصل: "حَدَث". والمثبت من أ، ب، ف.
(5) في أ: "ما زال".
(6) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب.
(7) في أ، ب وردت كلمة: "نحو" ضمن كلام المصنِّفِ، وليست في ف.
(8) ويلحظ أنّه أعاد حرف الجرّ مع صحّة العطف بدون إعادته؛ لئلّا يتوهّم كونه =
(1/446)

حالًا، لاعتقادك لي [أي للحكم] (1)؛ من قُوَّةٍ أَوْ ضعفٍ (2)، نحو (علمتُ)؛ مثالٌ للقوّة، و (ظننتُ) للضَّعف.
أو حرفٌ، عطفٌ على "فعل"، أي: أو أن يكونَ داخلًا عليه حرفٌ يُفيدُ حالًا للحكم، وهو لا يفيد حالًا للاعتقاد بالاستقراء من كونه، أي: الحكم محقّقًا، ك (إنّ) - بالكسر، أو مُشارًا إليه ك (أَن) - بالفتح، أو مُشبَّهًا ك (كأنّ)، أو مرجوًّا ك (لعلّ)، أو متمنًّى (3) ك (ليت)، وهنا (4) في بعض النُّسخ. أو منفيًّا [بلا عموم] (5) ك (ما)، ولا المشبَّهتين بليس أو مع عمومٍ، أي: منفيًّا مع عموم ك (لا) الجنسيّة؛ أي: ك (لا) الَّتي لنفي الجنسِ، فإنّها تُفيدُ النَّفيَ والتَّعميمَ كليهما (6).
__________
= معطوفًا على "دوام".
(1) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ومثبت من أ، وعليه درج الشَّارح.
(2) جملة: "من قوّة أو ضعفٍ" وردت ضمن كلام الشَّارح في الأصل.
(3) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "متمنيًّا".
(4) في ب: "وهذه". والمشار إليه باسم الإشارة هو ما وردَ في آخر عبارة المصنّف؛ من كون الحكم متمنًّى. وإنَّما أُهمل ذكره في بعض النُّسخ لأنّ بحث المصنّف الآن في الخبر، وما دخله التَّمنّي ليس بخبر بل إنشاء.
(5) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ف، ومثبت من أ، ب. ويدلّ عليه قوله بعدَه: "أو مع عموم".
(6) في أ: "كلاهما"، خلافًا للمشهور عند العرب؛ حيث جعل المثنّى وما أُلحق به بالألف مطلقًا: رفعا، ونصبًا، وجرًّا، وهي لغة كنانة، وبني الحارث، وبني العنبر، وبني هجيم، وبطون من ربيعة، وزبيد، وخثعم، وهمدان، وعذرة.
(1/447)

وهذه المباحثُ مِمَّا زادها (1) على "المفتاح"، ولا بُدَّ منها.
وإمّا (2) بَينَ غيرهما؛ أي: وإمّا الأَوَّل -وهو (3) ما يكونُ بين غيرِ القسمين-، أي: المفردين أو المفرد والجُملة؛ كجُملتين أُخرِجتا بإدخالِ حرف (4) الشّرطِ أو التَّرديد؛ أي: حرفِ التَّرديدِ عليهما. عن الحمَليَّة (5)؛ فبالشَّرطِ؛ أي: فالرَّبطُ بينهما بالشَّرْط أو بالتَّردِيد (6) - كمَا سيأتِي-، لأن الرَّبطَ الحمليَّ لا يُمكَن بينَ (7) النِّسْبتين؛ فهو إِمَّا بالاتّصالِ أو بالانفصال.
مثالُ حرفِ الشّرطِ: (إن كانت الشّمسُ طالعة فالنّهارُ موجودٌ).
__________
(1) في أ، ب: "زاد". والزّائد هو المصنِّف المدلول عليه بالسِّياق.
(2) أي: الرّبط.
(3) في أ: "فهو".
(4) كان الأَولى بالمصنِّف -رحمه الله- أن يقول: "أداة" لتعمّ الأسماء المتضمّنة معنى الشّرط؛ نحو: (إذا)، و (ما). واعتذر أحد الشرّاح عن المصنّف -رحمه الله- بأنّ مرادَه بالحرف الكلمة بقرينة قوله بعد هذا: "فالشّرط أدواته".
وقال: "كثيرًا ما يجيء الحرف بمعناها (أي: الكلمة) يقولون: حروف التّهجّي للأسماء الّتي يعبّر بها عن الحروف المبسوطة".
ينظر: شرح الفوائد الغياثية. مجهول المؤلّف: (ل: 94).
(5) هكذا -بالحاء المهملة- في الأصل، ب. وفي ف: بالجيم. وفي أ: أشار النّاسخ إلى كليهما بوضع رأس حاء صغيرة تحت الجيم. وسيأتي التّصريح بوردهما عن المصنّف، وتوجيه كلّ منهما.
(6) في ب: "التّرديد" بحذف الباء.
(7) في ب: "في ".
(1/448)

ومثالُ حرف التَّرديدِ: (العددُ إمّا أن يكونَ زوجًا أو فردًا)، وأنَّهما (1) أُخرجتا بهما (2) عن الحَمْليّة؛ ولهذا لا يحتملان الصِّدْقَ والكذبَ.
والحمليّةُ -بالحاءِ المهملةِ-، وهي المناسبُ لقوله: "فبالحملِ"، وبالجيم؛ وهو الملائمُ (3) لاصطلاحاتِ الفنِّ [-كما سيأتي- و] (4) كلٌّ منهما قرئ على الأستاذِ (5).
وأدواتُه -أي: الشّرط-: (إنْ) للاستقبال مع عدمِ الجزمِ بوقوع الشَّرطِ ولا وقوعِه، كما يقولُ القائلُ: (إنْ تكرمني أُكرمك)؛ وهو لا يَعلم أتكرمه أم (6) لا.
وقد يكون؛ أي: عدم (7) الجزمِ لجهل المخاطب، أي: استعمال "إِنْ"
__________
(1) في أ: "فانهما". والمراد الجملتين.
(2) أي: بالشّرط والتّرديد.
(3) في ب: "يلائم".
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من أ، ب.
(5) أي: الحملية والجملية؛ أمّا الأُولى فقد تقدّم توجيه الكلام عليها ضمن كلام الشَّارح.
وأمّا الثَّانية (الجمليّة)؛ فلأنّ الربط بالشّرط أو التّرديد يخرج الجملتين عن الجمليّة؛ إذ الشّرط يحكم بسببيّة الأُولى للثّانية، والتّرديد يحكم بمنافاة الأُولى للثّانية. وبالتالي يخرجان عن ما تستلزمه الجملة من احتمال الصّدق والكذب. ويصيران في حكم المفردين وتصير الجملة مجموعهما.
(6) في أ، ب: "أو".
(7) في الأصل: "عند" والمثبت من أ، ب. وهو الأَولى؛ لأنّ مرادَ المصنِّف إخراج الكلام على خلاف مقتضى ظاهره؛ ليجيء للدلالة على عدم جزم المخاطبَ به.
أمّا لفظة "عند" فوجه قبولها ضعيف؛ يتحقّق بصرف الجزم إلى المتكلّم؛ والسِّياق فيما بعد بخلافه.
(1/449)

في مقامِ الجزمِ يكونُ لنكتة، وهي إمّا:
لجهلِ المخاطبِ به (1) وعدم جزمه [به] (2)؛ كما تقولُ لمن يكذِّبُك فيما أنت تُخْبره: (إن صدقتُ فقل لي ماذا تَعمل؟) (3).
أو تجهيلِه، أي: تَنْزيلِ المخاطبِ العالمِ ممنزلةَ الجاهلِ؛ لعدم جريِه على مُوجبِ العلم؛ كما تقولُ لابنٍ لا يُراعي حقّ أبيهِ: (إنْ كانَ أباكَ فلا تؤذه)؛ فإنَّ الابنَ لَمّا لم يراعِ حقَّ أبيهِ فكأنّه جاهلٌ به.
أَو للتَّجاهلِ (4)، كتجاهلِ الغُلامِ في جواب من يَسْألُه (5) عن سيّده: أهو في الدّار؟؛ وهو يعلمُ أنّه فيها: (إذْ كان فيها أخبره بأنك على الباب) (6).
فيُغلِّب المسْتقبلُ لفظًا إلا لنكتةٍ، أي: لعدمِ الجزمِ بتحقُّقِ الجزاءِ؛ الّذي عُلِّق بالشَّرط، الَّذي عُدم الجزم -أيضًا- فيه (7) يُغلّب
__________
(1) أي: بوقوع الشَّرط ولا وقوعه.
(2) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ومثبت من: أ، ب.
(3) وعليه؛ فإنّ المتكلّم لا يبنى كلامه على اعتقاده الَّذي يجزم به، وإنّما على اعتقاد المخاطب.
(4) في أ: "التَّجاهل". والمرادُ به: إظهار المتكلّم الجهل بالشَّيء مع أنّه عالم به لاستدعاء المقام إيّاه.
(5) في أ: "يسال".
(6) وبهذا سَتر على سيّده فلم يكشف عنه بقوله: "نعم"، ونجا من الكذب فلم يقع فيه بقوله: "لا".
(7) في الأصل: "فيه- أيضًا". والمثبت من: أ، ب. وهو الأَولى.
(1/450)

المستقبلُ لفظًا (1). وقلّما يُتركُ في بليغ الكلامِ إلى الماضي المؤذنِ بالتّحقّق (2) نظرًا إلى لفظه- من غير نكتةٍ؛ نحو: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} (3) إشارة إلى تحقُّقِ المودّةِ بدون الشّرَط؛ إذ القياس أن يقُولَ (4): "ويودّوا".
قال في "المفتاح" (5): "تركَ (يودّوا) إلى لفظ (6) الماضي؛ إذ لم تكنْ تحتمل ودادتهم -لكفرهم- من الشُّبهةِ ما كان يحتملها كونهم: إن يثقفوهم أعداءً لهم وباسطي الأيدي والألسنِ إليهم للقتل والشَّتْم".
وقال في "الكشّاف" (7): "فإن قُلتَ: كيفَ أوردَ جوابَ الشّرطِ مُضارعًا مثله، ثم قال: {وَوَدُّوا} (8) بلفظِ الماضي؟، قلتُ: الماضي
__________
(1) لأن المستقبل لم يقع بعد؛ فلم يُؤذن بالتَّحقق بخلاف الماضي. وإنّما قال "لفظًا"؛ لأن (إن) تجعل الفعل بعدها مستقبليّ المعنى دائمًا، وإن ورد بصيغة الماضي؛ لما تقدَّم من أنّ (إن) للاستقبال.
(2) في الأصل: "بالتّحقيق". والمثبت من: أ، ب.
(3) سورة الممتحنة، الآية: 2.
(4) في أ: "يقال".
(5) ص: (240).
(6) هكذا -أيضًا- في المفتاح. وفي أ: "لفظة".
(7) (4/ 512).
(8) في ب: "ودّوا" وهو تحريف بالنّقص.
(1/451)

وإنْ كانَ يجري في بابِ الشّرط مجرى المضارِع في علم الإعرابِ فإن فيه نكتةً؛ كأنَّه قيل: ودُّوا قبلَ كلِّ شيء كفرَكُم وارتدادَكُم؛ يعني (1): أنهم يُريدونَ أن يلحِقوا بكم مضارَّ الدُّنيا والدِّين جميعًا؛ من قتلِ الأَنْفس، وتمزيق الأعراضِ، وردِّكم كفّارًا. وردُّكم كفّارًا أسبقُ المضارِّ عندهم، وأوَّلُها، لعلمهم: أن الدِّين أعزُّ عليكم من أرواحِكُم، لأنكم بذّالُون لها دونه. والعدوُّ أهمُّ (2) شيءٍ عنده أن يقصدَ أعزَّ شيءٍ عندَ صاحبه".
وقال في "الإيضاح": وفي كونِه من هذا البابِ "نظرٌ؛ لأن ودادَتَهم أن يرتدّوا كفّارًا حَاصِلةٌ وإن لم يظفروا بهم، فلا يكونُ في تقييدها بالشّرط فائدةٌ" (3).
و (إذا) له؛ أي: للاستقبالِ، مع الجزم والقطع بوقوع الشَّرط، ولو ادّعاء؛ أي: الجزم به إمَّا تحقيقًا؛ كما [إذا] (4) قلتَ: (إذا طَلعتِ الشّمسُ فإنّي أفعلُ كذا)، أو ادّعاءً؛ كما إذا قُلتَ: (إذا جاء محبِّي فإني أفعلُ كذا)، فإنَّ مجيءَ المحبِّ ليس قطعيًّا تحقيقيًا، بل ظنيًّا وادّعاءً؛ فإنَّ المحبّ لمن يهواه زوَّار. فيغلّب الماضي لفظًا لكونِ الماضى أقربُ إلى القطع من المستقبلِ -في الجملةِ- نظرًا إلى اللّفظِ.
__________
(1) هكذا -أيضًا- في الكشّاف. وفي أ، ب: "بمعنى".
(2) في ب: "أتم" وهو تحريف.
(3) ينظر: الايضاح: (2/ 124).
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من أ، ب. وبه يستقيم السِّياق، كما هو الحال في القسم المقابل القادم.
(1/452)

ونحو: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} (1) بلفظِ: "إِنْ" مع المرتابين دُون "إِذا" مع أنّه القياسُ؛ إشارةً إلى أنَّه (2) ليس من شأنه أن يتحقق (3)؛ لاشتمالِ المقام على ما يقلعُ الرِّيبة عن أصلها؛ وهو قدرةُ اللهِ والدَّلائلُ الدّالةُ على البَعثِ والتَّنزيل. أو للتَّغليب (4)؛ عطفٌ على قوله: "إشارةً"؛ أي: أو لفظ: (إنْ) مع المُرتابين (5) يكونُ لتغليبِ غير المرتابين -ممّن خُوطبوا- على مُرتابيهم (6).
__________
(1) سورة البقرة، من الآية: 23.
(2) أي: الإرتياب.
(3) في أزيادة: "الارتياب"، وبها يخرج الكلام عن الفصاحة لعود الضّمير قبلها عليها وهي متأخّرة لفظًا ورتبة. اللهمّ إلّا إذا قدّم قبلها (أي) التّفسيريّة. وعلى مثلها درج الشَّارح -رحمه الله-.
(4) والتّغليب: ترجيح أحدِ المعلومين على الآخر وإطلاقُ لفظهِ عليهما. التّبيان في البيان: (428).
(5) قوله: "يكون ... المرتابين" ساقط من ب.
(6) وهنا يرد إشكال؛ وهو أنّ التّغليب جمع بين مرتاب يقينًا وغير مرتاب يقينًا.
وعلى كلا التَّغليبين لا يصحّ استعمال (إن)؛ وإن الشّرط لا يخلو إمّا قطعيّ الوقوع، أو قطعيّ عدم الوقوع.
فإن قيل: إنّ التّغليب ينزلهما بمنزلة بين المنزلتين؛ بحيث لا يقطع بارتيابهم ولا بعدم ارتيابهم.
قلنا: إن سلوك ذلك ليس من التّغليب في شيء.
فإن قيل: الشّرط إنَّما هو وقوع الارتياب في المستقبل؛ وهو محتمل الوجود والعدم.
قلنا: المعنى ظاهر في أن الارتياب ليس حاصلًا مستقبلًا؛ ولهذا زعم الكوفيّون وكثيرٌ من النّحاة أن (إن) هنا بمعنى (إذا)، واستدلّوا على ذلك بأنَّه متى أريد إبقاء معنى =
(1/453)

ك {إلا إِبْليسَ}؛ أي: كالتّغليب الَّذي في قوله -تعالى-: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إلا إِبْلِيسَ} (1)؛ فإنّ إبليسَ (2) عُدّ من الملائكة؛ مع أنَّه كان من الجنِّ تغليبًا؛ وإن حملَ الاستثناء على المتّصلِ (3) هو الأَصل. و (للذُّكور)؛ أي: وكالتّغليبِ الَّذي يكونُ للذّكور على الإناثِ، كقوله -تعالى-: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (4).
و (العُقلاء)؛ أي: وكالتَّغليب الَّذي [يكون] (5) للعقلاءِ على غيرهم؛ كقوله -تعالى-: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ
__________
= الماضي مع (إن) جعل الشّرط لفظ (كان) نحو قوله تعالى: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ}.
فلم يبق إلّا أن يجعل من تغليب من يشك في ارتيابه كالمنافقين على غيرهم. أو أن يجعل من تغليب غير المرتابين على المرتابين. فصار الشّرط -بعد التغليب- قطعيّ الانتفاء فاستعمل (إن) فيه على سبيل الفرض والتّبكيت. وفي الوجه الأخير ما فيه من التكلّف.
ينظر: المطوّل: (158)، شرح الإيضاح للدكتور عبد المنعم خفاجي: (2/ 120)، بغية الإيضاح للشيخ الصّعيدي: (144).
(1) سورة الحجر، الآية: 30 وبعض الآية 31. وسورة ص من الآية 73 وبعض الآية 74.
(2) قوله: "فإن إبليس" ساقطٌ من ب.
(3) في ب: "على التّفصيل" وهو خطأ ظاهر.
(4) سورة التّحريم، من الآية: 12. وكان القياس أن يقال: (من القانتات)؛ لأنَّه الخاصّ بالإناث؛ ولكنّه أجرى الخطاب على صيغة الذكور؛ تغليبًا للذكر على الأنثى.
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبث من أ. وناسب السِّياق إثباته؛ كما هو الحال في التّغليب السّابق.
(1/454)

أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ (1) فِيهِ} (2) خِطابًا شاملًا للعقلاءِ والأنعام، فغُلِّب المخاطبون (3) على الغُيَّبِ (4)؛ ولهذا جئَ بالكاف لا بالهاء (5)، وغُلِّبَ العقلاءُ (6) على غيرهم (7)، ولهذا جيء بالميمِ دون النُّون (8). وك (الأبوين)؛ للأب والأمِّ. [و (القمرين)؛ للشّمس والقمرِ] (9)، و (العمرين)؛ لأبي بكر وعمر [رضي الله عنهما] (10) تغليبًا [لأخفِّ اللّفظين] (11).
ولو لم يكنُ الواو في (12) قوله: "كالأبوين" يكونُ هو والقمرين
__________
(1) {يَذْرَؤُكُمْ}: يخلقكم. غريب القرآن وتفسيره: (330).
(2) سورة الشّورى، من الآية: 11.
(3) أي: المدلول عليهم بقوله: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ}.
(4) أي: المدلول عليهم بقوله: {وَمِنَ الأَنْعَامِ}.
(5) فقال: {يَذْرَؤُكُمْ} ولم يقل: (يذرؤها).
(6) أي: المدلول عليهم بقوله: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ}.
(7) أي: المدلول عليهم بقوله: {وَمِنَ الأَنْعَامِ}.
(8) فقال: {يَذْرَوُكُمْ} ولم يقل: (يذرؤهن).
(9) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبتٌ من أ، ب، وسيرد ما يدلّ على وجوده.
وهو -أيضًا- في المفتاح. كما أنّ لفظة "القمرين" واردة في ف.
(10) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من: أ، ب.
(11) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ب، ومثبتٌ من: أ. وناسب المقام إثباته لما فيه من إيضاح مطلوب.
(12) في ب: "وفي" وهو تحريف بالزِّيادة.
(1/455)

مِثالين لتغليبِ الذُّكورِ. وينبغي أن لا يكون حينئذٍ لفظة (1) العُمرين فيه (2)، كما ليس في المفتاح، وهكذا في بعض النُّسخ.
اعلمْ: أنَّ في هذه الصَّفحةِ اختلفت (3) النُّسخُ بحسبِ تقديمِ بعضٍ وتأخيره، لكنَّ النُّسخة الصّحيحةَ والموافِقة للمفتاح كما شرحناه.
و (إذا ما) للتَّعميم في الأزمنة؛ فإنَّ (إذا) بمعنى: وقت، و (إذا ما) بمعنى: كلّ وقت، قال في "المفتاح" (4): "لا فرق بين (إذا) و (إذا ما) في باب الشّرطِ من حيثُ المعنى إلا في الإبهامِ في الاستقبال" (5) "وليس فيه (6) ذكرُ التَّعميم، كما ليسَ في "المختصر" (7) ذكرُ الاستقبالِ، اللَّهمَّ إلّا أن يُقال: لفظة قوله: "في الاستقبال" في بحث (متى ما) (8) يتعلّقُ به-
__________
(1) في ب: "لفظ".
(2) لأنَّه لا يصدق عليه حينئذٍ أن يكون مثالًا لتغليب الذّكور.
(3) في أ، ب "اختلف" وكلاهما جائز.
(4) ص: (243).
(5) مراده أنّ في (إذا ما) إبهامًا في الوقت المستقبليّ، بخلاف (إذا) فمتى قلت لشخص ما: (آتيك إذا طلعت الشَّمس) ولم تأته في أوّل الطّلوع؛ فأنت مخلف للوعد؛ وإن جئت فيما بعد من وقت الطّلوع. أمّا إذا قلت له: (آتيك إذا ما طلعت الشَّمس) ولم تأته في أول الطّلوع فأنت لا تعدّ مخلفًا للوعد وإن تأخّرت فيما بعد من وقت الطّلوع.
(6) أي: في المفتاح.
(7) أي: مختصر الإيجي "الفوائد الغياثيّة" الَّذي نحنُ بصدد تحقيق شرحه.
(8) سيرد مباشرة بعد بحث (إذا ما) وهذا ما جعل الشَّارح -رحمه الله- يربط في الاستقبال بينهما.
(1/456)

أيضًا، أو يكونُ المراد بالأزمنةِ: الأزمنةَ (1) المتن تدلُّ (إذا) عليها وهي الإستقباليّةُ.
و"متى ما" لتعميمِ الأوقاتِ في الاسْتقبال؛ قال في "المفتاح" (2): و (متى) (3) لتعميم الأوقاتِ في الاستقبالِ؛ أي (4): وقتٍ من الأوقات الاستقباليّة، و (متى ما) أعمُّ منه (5) "؛ أي: كلّ وقت منها (6)؛ فالأَوَّل: التَّعميمُ على سبيل البدلِ، والثَّاني: على سبيلِ الاستغراق؛ ولهذا قال الفقهاء: لا (7) يتكرّرُ الطّلاقُ المعلّقُ على (متى)، ويتكرّرُ في (متى ما) (8).
__________
(1) كلمة (الأزمنة) ساقطة من أ.
(2) ص: (243).
(3) "ومتى" ساقطة من ب. وفي أ، سقط منها الواو.
(4) في أ: "إلى"، وهو تحريف بالزِّيادة.
(5) في ب: "عنه"، وهو تحريف.
(6) في الأصل: "منهما"، والصَّواب من أ، ب.
(7) في الأصل: "لم"، والصَّواب من أ، ب، مصادر القول.
(8) يوحي قول الشَّارح -رحمه الله-: "ولهذا قال الفقهاء ... متى ما" أن الفقهاء مجمعون على الحكيم الذي نصّ عليه، أو على أقل تقدير اتفاق غالبيَتهم عليه، وليس الأمر كذلك؛ إذ إنّ من تعرّض ل "متى ما" من الفقهاء أدار الحكم معها كما أداره مع "متى" كسائر أدوات الشّرط الأخرى. ولم يتحقق تكرار الطلاق عن فقهاء المذاهب الأربعة بشيء من تلك الأدوات إلَّا مع "كلَّما" فقد نصّ الجميع على تكرار الطلاق معها، ولم يشذّ عن ذلك إلا أبو بكر الحنبلي؛ حيث قال: "في (متى) ما يقتضي تكرارها"، وقوله مرجوح ردّه أهل المذهب قبل غيرهم. ينظر المسألة في: حاشية ابن عابدين: (3/ 352)، وتبيين الحقائق شرح كنز الدّقائق للزيلعي: (2/ 233، 234)، الخرشي على خليل: (4/ 37)، المجموع =
(1/457)

و "حيثُما" و "أينما" في الأمكنةِ؛ أي: للتّعميمِ في الأمكنة، قال في "المفتاح" (1): و (أين) لتعميمِ الأمكنة، والأحياز (2)؛ أي (3): مكان من الأمكنة؛ و (أينما) أعمّ؛ أي: كلّ مكانَ [كان] (4)، و (حيثما) نظيرُ (أينما) (5).
__________
= شرح المهذّب للنوويّ: (18/ 298)، شرح جلال الدّين المحلى على منهاج الطالبين: (3/ 352)، الكافي لموفّق الدّين قدامة المقدسيّ: (4/ 472).
هذا؛ وقد عوّل الشَّارح في قوله المتقدّم على الشّيرازيّ الّذي نقل ما قاله صاحب العزيز في شرح الوجيز حكاية عن أبي الحناطي قائلًا: "وحكى أبو عبد الله الحناطيّ وجهًا غريبًا وهو أنّ (متى ما) تقتضي التكرار مثل (كلّما) دون (متى) ". ينظر: المفتاح للشّيرازيّ: (479).
وقد ساق هذا الوجه النوويّ عن الحناطيّ -أيضًا-، ووجهًا آخر عنه هو أنّ (متى) مثل (متى ما) تقتضي التّكرار. ثم وصف هذين الوجهين بأنهما شاذّين ضعيفين. ينظر: روضة الطالبين: (8/ 128).
ورحم الله الكرماني كيف نسب هذا الوجه -مع غرابته ومناهضته أقوال الفقهاء- إلى الفقهاء؟!.
(1) ص: (243)؛ بتصرّف بالزِّيادة والنَّقص.
(2) الأحياز: جمح حيِّز؛ وهو الناحية، وجمعه على أحياز نادرٌ على غير قياس. ينظر: اللِّسان: (حوز): (5/ 342).
(3) في أ: "إلى"؛ وهو تحريف بالزِّيادة.
(4) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ومثبت من: أ، ب.
(5) كلمتا: "نظير أينما" سقطتا من ب.
(1/458)

و "مَن" في العقلاء؛ أي: للتَّعميمِ فيهم؛ نحو قوله -تعالى-: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا} (1).
و"ما" أعمُّ منه؛ أي: للتعيم في العقلاءِ وغيرهم؛ نحو قوله -تعالى-: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} (2).
قال في "المفتاح" (3): " (من) لتعميمِ أولي العلم"؛ وهو أعمُّ من العقلِ؛ لأنَّ العلمَ يُطلقُ على الله؛ بخلافِ العقلِ؛ فإنَّه لا يُطلق عليه.
و"مهما" أعمُّ [منه] (4)؛ أي: من كلمة (ما)؛ نحو قوله -تعالى-: {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا} (5)، وإذا قلنا: أصلُه (ما ما)؛ أي: هي (6) مرّكّبةٌ من (ما) الشّرطيّة، و (ما) الزَّائدة لتأكيدِ معنى الشّرطيّة، وقلبت الألفُ (7) هاءً تخفيفًا؛ لاجتماع
__________
(1) سورة النّساء؛ من الآية: 100. وفي أ؛ استشهد بالآية إلى نهاية قوله تعالى: {وَسَعَةٍ}.
(2) سورة البقرة، من الآية: 197، ومن 215. وسورة النّساء، من الآية 127.
وجزء الآية المستشهد به، وقول الشَّارح قبله: "نحو قوله" ساقط من أ.
(3) ص: (243) بتصرفٍ بالزّيادة والنّقص.
(4) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ف.
(5) سورة الأعراف؛ من الآية: 132.
(6) "هي" ساقطة من أ.
(7) في أ: "ألفها"، والمثبت هو الأَولى؛ دفعًا لما قد يتوهّم أنّ الضمير عائد إلى (ما) الزّائدة المؤكّدة.
(1/459)

المثلين (1)، فظاهرٌ (2)، وإن قُلنا: إنَّه اسمٌ مفردٌ موضوعٌ للعمومِ؛ فكونه أعمّ أظهر؛ نظرًا إلى أن زيادةَ اللَّفظ تدلُّ على زيادة المعنى؛ كالشُّقُنْدُف والشُّقُنْدَاف (3).
و"أي" فيما تُضاف أليه؛ أي: "أيّ" (4) لتعميمِ ما تُضاف إليه من أُولِي العِلْم، نحو: (أيُّ رجلٍ)، وغيرهم كانحو (أيُّ شَجرٍ).
و"أنَّى" في الأحوالِ؛ أي: للتّعميمِ (5) في الأحوالِ الرّاجعةِ إلى الشَّرطِ؛ كما تقول: (أَنَّى تقرأ أقرأ) (6)؛ أي: على أيِّ حالٍ توجدُ القراءة (7) - من جهرِها وهمسِها، أو غيرِ ذلك - أوجدُها أنا.
وكلُّه؛ أي: كلّ واحد من هذه المعمّمات لتركِ تفصيل ممتنعٍ؛
__________
(1) في الأصل: "مثلين" والمثبت من أ، ب، على اعتبار أنّ المثلين معلومان.
(2) أي: وجه العموم ظاهر؛ من حيث إن زيادة الثَّانية زيادة في العموم -كما سبق أن بيّنه الشَّارح في أثناء حديثه عن (إذا ما)، والفرق بينهما وبين (إذا).
(3) قال الزّمخشريّ موضّحًا ذلك (الكشّاف: 1/ 50): "ومما طنّ على أذني من ملح العرب أَنَّهم يسمّون مركبًا من مراكبهم بالشّقدف؛ وهو مركب خفيف ليس في ثقل معامل العراق؛ فقلت عن طريق الطائف لرجل منهم: ما اسم هذا المحمل؟ أردت المحمل العراقيّ. فقال: أليس ذلك اسمه الشّقدف؟ قلت: بلى، فقال: هذا اسمه الشّقنداف. فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمّى".
(4) كلمة "أي" الثَّانية ساقطة من أ.
(5) في ب: "لتعميم".
(6) كلمة: "أقرأ" ساقطة من ب. ولا بدّ منها لتمام السِّياق.
(7) في ب وردت الجملة هكذا: "على حال القراءة" والمعنى واحد.
(1/460)

لكونه غيرِ وافٍ بالحصرِ، أو مملٍّ (1)؛ إلى الاجمالِ؛ نحو قوله -تعالىَ-: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} (2).
ثمَّ الطّرفانِ (3) لا ثبوتَ لهما؛ فلا يكونان اسمين ولا ماضيين.
لمّا كان الشّرطُ والجزاءُ تعليقَ حصول أمرٍ بحصولِ ما ليسَ بحاصلٍ - أستلزَم ذلك في جُملتيهما إمتناعَ الثّبوتِ؛ فامتنعَ أن يكونا اسمين أو أحدَهما (4)، وكذا امتناعَ المُضيّ؛ فامتنعَ أن يكونا ماضيين أو أحدهما (5).
قوله: (لا ثبوتَ لهما)؛ معناه: لا ثبوتَ لكلِّ واحدٍ (6) منهما؛ فلا يكونان؛ أي: لا يكون كلُّ واحدٍ منهما اسمين؛ فيشمل امتناعَ كونهما اسمين. وامتناعَ كونِ (7) أحدهما كذلك، وكذا في الفعلِ.
فإن وقعَ في كلامِ البليغ أن يكونا [اسمين أو ماضيين] (8) أوْ يكون
__________
(1) في الأصل: "مهمل" وهو خطأ ظاهر. والصَّواب من: أ، ب، ف.
(2) سورة النّور؛ الآية: 52.
(3) أي: الشَّرط والجزاء في الجملة الشّرطيَّة. والكلام عطف على قول المصنِّف: "فالشّروط وأدواته".
(4) لدلالة الاسم على الثّبوت والدَّوام.
(5) لدلالة الماضي على الحصول والانتهاء.
(6) في أ: "لا ثبوت لشيء أو لكلّ واحد".
(7) كلمة: "كون" ساقطة من ب.
(8) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ؛ وبه يتَّضح المعنى.
(1/461)

أحدُهما اسمًا أو ماضيًا، فللادِّعاء؛ أي: فعلى سبيلِ الادّعاءِ، ولا يُصارُ إليه إلَّا لنكتةٍ؛ مثل: إرادةِ إبرازِ غيرِ الحاصلِ في معرض الحاصل لتأخُّذِ الأسباب، أو لأنَّ المتوقَّع كالواقع؛ أي: إمّا لقوةِ الأسباب المتآخذةِ المتظاهرةِ في وُقوعه، نحو: (إن اشترينا كذا) حال انعقادِ الأسبابِ في ذلك الشِّرَى، وإمّا لأنَّ ما هو للوقوع ومتوقّعٌ (1) كالواقع؛ نحو: (إِنْ (2) متّ).
والفرق بين الصّورتين: أن الأوْلى (3) بنفسها ليستْ معلومةَ الوقوع بل بالأسباب، والثانيةَ بنفسها معلومة؛ نحو: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} (4) فإنَّه -أيضًا- ورد على فرض ما هو للوقوع واقعًا؛ لكون هذا النّداءُ ضروريَّ الوقوع كالموتِ، وإلّا يجبُ أنَّ يقال: (يُنادى)؛ لأنه في يومِ القيامةِ.
أوْ للتعريض؛ عطفٌ على قوله: "لتآخُذِ" لا على قوله (5): "للادّعاء"؛ لأنه من أقسامه. وهو أن يكونَ الخطابُ
__________
(1) في الأصل: "والتّوقّع". وفي ب: "متوقّع" والصَّواب من أ.
(2) في الأصل: "أفأن مّتّ" بالاستفهام؛ وبه خرج المثال عن الاستشهاد. والصَّواب من: أ، ب، وعليه لفظ المفتاح.
(3) في الأصل: "الأَول" والصَّواب من: أ، ب.
(4) سورة الأعراف، من الآية: 44. والاستشهاد بالآية الكريمة في غير المبحث؛ حيث وقع الماضي فيه موقع المستقبل في غير الشّرط، لتحقق وقوع الخبر لصدوره عمّن لا خلاف في أخباره.
(5) قوله: "على قوله" ساقط من ب.
(1/462)

لواحدٍ والمرادُ غيرُه؛ مثلُ قوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} (1)؛ تعريضًا بأنَّ قومَه اتّبعوا أهواءهم فيما مضى من الزّمانِ؛ لأنَّ الرّسولَ لم يتّبع، فأبرز غيرَ الحاصل في معرض الحاصل ادّعاءً.
والتَّعريضُ يكونُ لدواعٍ منها:
أن لا يصرّوا؛ أي: أن لا يصرَّ المعرَّضُون به على ما هم عليه، ولا يزيد غَضَبُهم عند إسْمَاعه (2) الحقَّ، بخلاف ما لو صُرِّح بنسبتِهم إلى ارتكابِ الباطل. وعليه؛ أي: وعلى التَّعريض للأمرِ المذكورِ. ورد {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (3)، وإلّا نحقُّ النَّسقِ من حيثُ الظَّاهر: "لا تُسألون عمَّا عملنا، ولا نُسألُ عما تُجرمون"، وما قبلَه؛ أي: وكذا وردَ عليه ما قبله؛ أي: ما قبل قوله: {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ ...} الآية، وهو قوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (4)، حيثُ ردَّدَ الضَّلال (5) بينهم وبين نفسِه. والمرادُ: إنَّا على هدىً وأنتم في ضلالٍ، ولم يُصرِّح به لئلّا يُصِرّوا.
__________
(1) سورة البقرة؛ بعض الآية: 120، وبعض الآية: 145، سورة الرّعد؛ بعض الآية 37.
(2) كلمة "اسماعه" ساقطةٌ من ب.
(3) سورة سبأ؛ الآية: 25. والاستشهاد بالآية ليس من قبيل الشّرط المسوق فيه الكلام.
(4) سورة سبأ؛ من الآية: 24. والاستشهاد بجزء الآية في غير الشّرط -أيضًا-.
(5) في ب "الضّلالة".
(1/463)

قال شارحُ "المفتاح" (1): "خولف بين (على) و (في) في (2) الدّخولِ على الحقِّ والباطلِ؛ لأنَّ صاحبَ الحقِّ كأنَّه على فرسٍ جوادٍ يرتكضُ به حيث أرادَ، وصاحبَ الباطل كأنَّه مُنغَمِسٌ في ظلامٍ لا يَدري أين يتوجّه".
ويُسمَّى مثلُه؛ أبي: مثلُ هذا الكلام وهو إسماعُ الحقِّ على الوجه المذكورِ؛ كلام (3) المنصفِ؛ لأنّه يُوجبُ أن يُنصفَ المخاطبُ إذا رجعَ إلى نفسه، [أو لإنصاف المتكلِّم من نفسِه حيث حطّ مرتبته عن مرتبةِ المخاطبِ، ويُسمّى] (4) -أيضًا- استدراجًا؛ لاستدراجهِ الخصمَ إلى الإذعانِ والتَّسليم، وهو شبيهٌ بالجدلِ؛ لأنَّه (5) تصرُّفٌ في المغالطاتِ البرهانيّةِ (6)؛ وهذا في المغالطاتِ الخطابيّةِ (7).
__________
(1) مفتاح المفتاح للشّيرازيّ: (491) وفيه "يركص" مكان "يرتكص".
(2) حرف الجرِّ "في "ساقط من ب. ولا بدّ منه لتمام السِّياق.
(3) في الأصل: "وكلام" بالعطف بالواو. ولا وجه له، والصَّواب من أ، ب، ف.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من أ، ب، وبه يستقيم السِّياق ويتّضح المعنى. على أنّ قوله: "عن مرتبة" ساقطة من ب.
(5) أي: الجدل.
(6) أي: التعريض لعدم الإصرار.
(7) سار المصنِّف والشَّارح -رحمهما الله- على مسلك المفتاح فلم يذكرا من دواعي التّعريض شيئًا غير ما ذكر السَّكَّاكيّ -رحمه الله- وزاد أحد شراح الفوائد الغياثيَّة (مخطوط ل: 102/ ب) ما يلي:
"التفخيم كما في قوله تعالى: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة؛ من الآية: 1253]؛ أراد به محمّدًا (عليه السَّلام)، أبي: هو العَلَم في ذلك لا يشتبه ولا يلتبس. =
(1/464)

أو للتفاؤلِ (1)؛ نحو: "إن وصلتُ إلى حبيبي".
أو لإظهارِ الرّغبةِ بوقوعهِ؛ نحو: "إن ظفِرتُ بحسنِ العاقبةِ"؛ فإنَّ الطّالبَ إذا عظُمت رغبتُه في حُصولِ أمر، ويبالغ حرصُه فيما يطلب؛ ربَّما انتقشت في الخيَالِ صُورتهُ لكثرةِ ما يُناجي به نفسَه؛ فيخيّلُ إليه غيرُ الحاصلِ حاصلا، وبينهما (2) عُمومٌ وخُصُوصٌ من وجهٍ.
وأمَّا نحو: (إِنْ أكرمتني اليومَ فقد أكرمتك أمس) بدخول (إن) على الفعل (3) الماضِي لا على سبيل الادّعاءِ لا بدَّ له مِن تأويل؛ فمؤوّلٌ بأنَّ المرادَ به: إن تعتدَّ أو تُخبر بإكرامك إيّاي اليومَ فاعتدَّ أو أخبر بإكرامي إيّاك أمس؛ وإن المقدَّرَ في معرضِ الملفوظِ به حين انصبابِ الكلامِ إلى معناه.
__________
= ومنها الاستحياء؛ كقول عائشة - رضي الله عنها -: (كان يقبِّل بعض نسائه وهو صائم). ومنها: الاستعطاف؛ كما يقول المحتاج: (جئتك لأسلّم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم). ومنها: الاحتراز عن المخاشنة، كقولك في عُرض من يؤذي مسلمًا: (المسلم لا يوذي أخاه).
هذا، ويلحظ على جيع ما تقدَّم من أمثلة: أنها واردة في غير الشّرط.
(1) عطف على قوله: "لتآخُذِ" فيكون من الأمور المقتضية لإبراز غير الحاصل في معرض الحاصل.
(2) في أ: "أو بينهما" ولا وجه للعطف بأو. وضمير التّثنية في "بينهما" عائد إلى: التّفاول، وإظهار الرَّغبة.
(3) كلمة "الفعل" ساقطة من: أ.
(1/465)

و "لَوْ" لامتناع الشّيءِ لامتناع غيره؛ أي: لامتناع الجزاءِ لامتناع الشَّرطِ (1)؛ كما تقولُ: (لو جئتني أكرمتك) معلّقًا امتناعَ إكرامِك بما امتنعَ من امتناع (2) مجئِ مخاطبكَ؛ ولهذا امتنعت جُملتاها عن الثّبوتِ، فيغلّب الفعل (3) الماضي؛ أي: فلزمَ أن يكونا فعليتين (4) ليخلوا عن الثّبوتِ، والفعلُ يكونُ ماضيًا غالبًا لتناسب معنى لو (5)؛ اللَّهمَّ إلّا لنكتة؛ فإنَّه
__________
(1) هذا هو الرَّأيُ المشهور بين الجمهور؛ بمعنى: أن الجزاء منتف بسبب انتفاء الشَّرط (ينظر: الأصول في النّحو: 2/ 211)، شرح ابن عقيل (2/ 353).
ويرى ابن الحاجب أنّها على العكس من ذلك؛ أي: أنّها لامتناع الأَوَّل لامتناع الثَّاني؛ بمعنى أن الشّرط منتفٍ بسبب انتفاء الجزاء (الإيضاح في شرح المفصّل: 2/ 241).
ورأيه هذا -وإن استحسنه المتأخّرون- لا يثبت على أساس سليم للمتأمّل البصير وليس هذا مقام تفنيده ودفعه، ولمزيد إيضاح ينظر: المطوّل: (167)، وشرح الإيضاح لعبد المنعم خفاجي: (2/ 125 - 126)، والمنهاج الواضح للشَّيخ حامد عوني: (4/ 282 - 284).
وخروجًا من الخلاف كان الأولى أن يؤخذ بتعريف سيبويه إذ عرّف (لو) بأنها (الكتاب: 4/ 224): "حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وهو ما رجّحه شيخي أ. د عبد العزيز فاخر في كتابه توضيح النحو: (م 2: ج 4/ 293).
(2) كلمة: "امتناع" ساقطة من ب.
(3) هكذا -أيضًا- في ف. والكلمة ساقطة من: أ.
(4) في الأصل، ب: "فعلين" والصَّواب من: أ.
(5) في الأصل: "له" والصواب من أ، ب. وناسب المضى معنى (لو) لما سبق تقريره من أن (لو) لتعليق شيء في الزّمن الماضي.
(1/466)

حينئذٍ يجوزُ أن يُصارَ إلى المضارع؛ نحو قوله -تعالى-: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ} (1) إدخالًا له في سلكِ المقطوع به؛ لصُدُوره عمَّن لا يكذبُ ولا خلافَ (2) في إخباره، وتنزيلًا له منزلة الماضي المعلوم، و {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} (3) أي: يستمرّ امتناعُه؛ أي: إنَّما قال: (يُطعُكُمْ) ولم يقل: (أطاعكم)، لتصويرِ أن إطاعتَه مستمرُّ الامتناع فيما يمضي وقتًا فوقتًا، إذ المعنى: لو استمرّ إطاعته وقتًا بعد وقت لعنتّم؛ لكن يمتنعُ عنتكُم لاستمرارِ امتناعه عن إطاعتكم؛ لا لامتناع استمراره عن إطاعتكم؛ كما ظنَّ بعضٌ (4)؛ فإنَّه بعضُ الظّنّ (5).
__________
(1) سورة السّجدة؛ من الآية: 12.
(2) في أ: "أي: لا خلاف".
(3) سورة الحجرات؛ من الآية: 7.
(4) يعني بقوله: "كما ظنَّ بعض" ما يشعر به قول الزّمخشري في كشّافه؛ (4/ 364): "فإن قلت: فلم قيل {يُطِيعُكُمْ} دون (أطاعكم)؛ قلت: للدّلالة على أنَّه كان في إرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبونَه. وأنّه كلَّما عنّ لهم رأى في أمر كان معمولًا عليه، بدليل قوله: {فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ} " من أنَّ المراد به امتناع الاستمرار عن الإطاعة.
(5) يعني بقوله: "فإنَّه بعض الظَّنَ" موقفه من القول المظون وهو أنّ المراد: امتناع العنت لامتناع الاستمرار عن الطاعة؛ بأن له وجهًا من الصَّواب وموقعًا من القبول.
لا الصَّواب المطلق، والقبول التّام.
ورأيُ الكرمانيّ هذا امتدادٌ لرأي السَّكَّاكيِّ وعليه سار بعض البلاغيّين من أمثال بدر الدين بن مالك في المصباح: (57)، والطّيبيّ في التّبيان: (274). =
(1/467)

أو هما (1)؛ أي: الآيتانِ الشَّريفتانِ، يجوزُ أن تكونَا لاستحضار الصُّورةِ؛ أي: صُورةِ رؤيةِ المجرمين ناكسي الرُّؤوس قائلين لما (2) يقولون في الأولى (3)، وصورةِ إطاعتِه لهم في كلِّ ما عن لهم في الثَّانيةِ؛ نحو:
{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} (4)؛ إذْ لم يقل: "فأثارتْ" ك "أرسل" (5)، استحضارًا لتلكَ الصّورةِ البديعةِ الدَّالَّةِ على القدرهّ الباهرة؛ من إثارةِ السَّحابِ مُسخّرًا بينَ السّماء والأرض. ونحو
__________
= أمَّا البلاغيّون المحدثون من أمثال الشّيخ حامد عوني والشّيخ عبد المتعال الصعيدي فيميلون إلى رأى الزمخشريّ ويرجّحونه من وجهين:
"الأوَّل: أنّ القياس أن يعتبر الامتناع واردًا على الاستمرار؛ لأنَّ الفعل يوجد أولًا ثمّ يراد النَّفي عليه، واستفادة المعاني من الألفاظ إنَّما تكون على وفق ترتيبها.
الثّاني: أنّ العلَّة في نفي عنتهم إنَّما هي نفي استمراره -عليه الصَّلاة والسّلام- على طاعتهم، لا استمرار نفي الإطاعة الّذي أفاده الوجه الثَّاني؛ ذلك أنَّ استمرار نفي الإطاعة يقتضي نفي الإطاعة أصلًا بخلاف نفي الاستمرار على الإطاعة؛ فإنَّه يفيد ثبوتها، ومعلوم أنّ أصل الإطاعة لا يترتَّب عليه عنت؛ بل يبني عليه مصلحة هي استجلابهم، واستمالة قلوبهم". المنهاج الواضح: (4/ 286).
(1) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "وهما" والسِّياق يأباه.
(2) هكذا في الأصل، المفتاح. وفي أ، ب: "بما".
(3) في الأصل: "الأوَّل". والصَّواب من: أ، ب.
(4) سورة فاطر، من الآية: 9. والواو في بداية الآية ساقط من النّسخ كلّها.
(5) في ب: "كما أرسل" وهو تحريف بالزِّيادة.
(1/468)

قوله -تعالى-: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (1) دون "كن فكان"؛ استحضارًا لصورةِ تكوّنهِ (2). قال في "المفتاح" بعدَ ذكر الآيتين وبعدَ ذكرِ قوله -تعالى-: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} (3)، وقوله: (لو تُحسن إِليّ لشكرت) (4): "ولك أنَّ تردّ الغرضَ، من لفظ (5): (ترى) و (يودّ)، و (تحسن) إلى استحضار الصّورةِ"؛ فبتعداده (6) الألفاظ دون لفظِ (يطيعكم) موهمٌ (7) بأنّه ليسَ للاستحضارِ.
وقد وقعَ في بعض النُّسخ مسألة: (إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس) ها هنا، لكنّ ذلك (8) الموقعَ الَّذي وقع هو الموقعُ، والموافقُ للمفتاح.
__________
(1) سورة آل عمران؛ الآية: 59.
(2) في أ، ب: "بكونه" وهو تصحيف.
(3) سورة الحجر، من الآية: 2.
(4) ص: (247)؛ باختلاف يسير في اللَّفظة الأخيرة.
(5) هكذا -أيضًا- في المفتاح. وفي أ، ب: "لفظة".
(6) في أ: "فتعداده".
(7) في أ، ب: "يوهم".
(8) كلمة: "ذلك" ساقطة من ب.
(1/469)

تنبيهاتٌ
وهي فوائدُ زائدةٌ على الأصل (1)؛ بل بعضُها ردٌّ عليه.
الأَوّل: (إن) لا تدلُّ على الجزمِ (2) لا أنَّها تدلُّ على عدمِ الجزم.
قال السَّكَّاكيّ: الأصلُ فيها عدمُ الجزم (3) [أي: تدل على عدم الجزم] (4) بِحسب الأصل، وقال الأستاذ: ليسَ كذلك؛ بل الأصل أنَّها لا تدلُّ على الجزم. والفرقُ بين الدّلالةِ على عدم (5) الجزمِ وعدمِ الدّلالةِ على الجزمِ ظاهرٌ (6)؛ بدليل قوله -تعالى-: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} (7)؛ حيث استعملَ "إنْ" في مقامِ الجزمِ بالعدمِ لتعقيبه ب "لن
__________
(1) مراده بالأصل: "مفتاح العلوم" للسَّكّاكيّ.
(2) أي: بوقوع الشَّرط.
(3) ينظر: مفتاح العلوم: (240) ويلحظ أنَّ لفظ السّكّاكيّ في المفتاح لا يصدق تمامًا على ما ذكر الكرمانيّ عنه. بل إن الكرمانيّ -رحمه الله- حمّله ما لا يحتمل عندما فهم منه أنَّ (إن) للدّلالة على عدم الجزم. ويبدو الأمر -في نظري- على العكس ممَّا ذكره الكرمانيّ، حيث إنّ ما صرّح به السَّكّاكي قريب جدًّا من أنَّها لا تدل على الجزم، ولك أن تمعن النَّظر في قوله لتستبين ذلك؛ يقول (المفتاح: 240): "أمّا (إن) فهي للشَّرط في الاستقبال، والأصل فيها الخلو عن الجزم بوقوع الشَّرط". (المفتاح: 240).
(4) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. ومثبت من أ، ب.
(5) كلمة: "عدم" ساقطة من ب، ولا بدّ منها لتمام المعنى.
(6) حيث إنّ الأَولى أعمُّ من الثَّانية.
(7) سورة البقرة؛ من الآية: 24.
(1/470)

تفعلوا" الدَّالِ على الجزمِ بالعدمِ؛ فصحَّ أنَّه لا يقتضي عدم الجزمِ بأحد الطّرفين.
والحقّ: أنَّه بحثٌ لغويّ، والتَّعويلُ على النّقل، فالتَّخصيصُ بدونه تحكّمٌ.
الثَّاني: قد تُربطُ النِّسبةُ بالنِّسبة أو صدقُها بصدقها؛ ربطُ النِّسبةِ بالنِّسبة (1)، بأن يكون ثُبوتُ (2) نسبةٍ على تقديرِ ثبوت نسبةٍ أخرى؛ فيتقارنان في الوجود؛ نحو: (كلَّما طلعت الشَّمس أشرقَ (3) وجهُ الأرض)، وربطُ صدقها بصدقها؛ بأن يكون صدقُ النِّسبةِ على تقديرِ صدقِ نسبةٍ أخرى؛ نحو: (كلَّما طلعت الشَّمسُ بلغت نصفَ النّهار)؛ فإنَّه إذا صدقَ المقدّم صدقَ التّالي بالإطلاق؛ وليسَ إذا ثبتتْ (4) هذه النِّسبةُ ثبت تلك النِّسبة. وهذا قريبٌ ممَّا قيل في المنطقِ في تعريف المتّصلة: أنَّها ما حُكِمَ فيها [بصدقِ قضيّةٍ أو صِدقها على تقديرِ صدق أخرى، أو ما حُكِمَ فيها] (5) بثبوتِ قضيّةٍ على تقديرِ (6) أُخرى.
__________
(1) كلمة: "بالنِّسبة" ساقطةٌ من ب.
(2) كلمة: "ثبوت" ساقطة من ب.
(3) في الأصل: "أشرقت" وفي ب "أبرقت"؛ والمثبت من: أ.
(4) في أ، ب: "ثبت".
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من أ، ب. ولعلّه سقط من انتقال النّظر.
(6) في أزيد: "قضية"، والمعنى تامٌّ بدونها.
(1/471)

وحيثُ يضعفُ الارتباطُ المعنويُّ؛ نحو: (إن تكرمني فأنا أخوك)، أو (فقد أكرمتكَ) - يحتاجُ إلى الفاءِ رابطةً لفظيّةً؛ لمّا كان الجزاءُ مربوطًا بالشَّرط فحيث يقوى (1) الارتباطُ المعنويُّ بحيث يحكمُ العقلُ أو العادةُ بمجرّد سماع اللّفظِ لا يُحتاجُ إلى الارتباطِ اللَّفظي؛ نحو: (إن تكرمني أكرَمك (2)، وحيث يضعف الارتباطُ المعنويُّ اُحتيج إلى رابطة لفطة، وهي: "الفاءُ المعقّبة"؛ نحو: (إن تكرمني فأنا أخوك)؛ في الجملةِ الاسميّةِ، و (3) (إِنْ تكرمني فقد أكرمتُك أمس)؛ في الجملةِ الفعليّةِ.
الثَّالثُ: "لو" لعدمِ الشَّرطِ جزمًا، ولعدمِ الجزاءِ غالبًا؛ لأنَّ عدمَ الشَّرطِ لا يثبتُ باعتبارِ اللُّزومِ إلَّا به؛ فيُصارُ إليه إلَّا إذا امتنعَ الجزاءُ لترتُّبه (4) على النَّقيضين؛ أي: "لو" تدلُّ على عدمِ الشَّرطِ جزمًا ووضعًا أعمُّ من أن يكون ذلكَ العدمُ (5) لعدم الجزاء أو لا.
وتدلُّ على عدمِ الجزاءِ -أيضًا- لا وضعًا وجزمًا؛ بل عقلًا وغالبًا (6)؛
__________
(1) في الأصل: "يقول" وهو تحريف. والصَّواب من أ، ب.
(2) في ب: "أكرمتك" وهو تحريف بالزِّيادة، وبه يضعف الارتباط.
(3) في الأصل: "أو" والمثبت من أ، ب. وهو الأَولى.
(4) في الأصل: "لترتيبه". وفي ب: "كترتبه". والصَّواب من: أ، ف.
(5) كلمة: "العدم" ساقطة من ب.
(6) في الأصل: "غالبًا وعقلًا" والمثبت من أ، ب. وهو الملائم - ترتيبًا - لقوله قبله: "لا وضعًا وجزمًا".
(1/472)

لأنَّ عدمَ الشَّرط في الملازماتِ لا يثبتُ ولا يعلمُ إلّا بعدمِ (1) الجزاءِ؛ كما تقول في قولنا: (لو كانَ إنسانًا لكانَ حيوانًا. لكنّه (2) ليس بإنسان لأنَّه ليس بحيوانٍ)؛ استدلال بانتفاءِ اللّازمِ على انتفاء الملزومِ، ولمّا لم يتعيَّن انتفاءُ الشّرطِ بهذا الطّريق؛ كما في غير اعتبار اللُّزومِ لم يكن لانتفاءِ الجزاءِ جزمًا وقطعا بلْ غالبًا؛ فيُصارُ إلى ما هو الغالب، ويقال: إنّه لعدمِ الجزاءِ المستلزمِ لعدم الشَّرط، وهو معنى ما يقال: إنه لامتناع الشّيء -أي: الشَّرط- لامتناع غيرِه؛ أي: الجزاء (3). هذا إذا لم يمتنع نفي الجزاءِ وعدمِه، وأمَّا إذا امتنع نفيُ الجزاء؛ كما لو كان الجزاءُ لازمًا للنَّقيضين - أي: الشّرط وعدمه- ومترتّبًا عليهما، ولم يلزمْ من عدم الشّرطِ عدم الجزاءِ؛ فلا يكونُ لعدمِ الجزاءِ، ولامتناع الشيء لامتناع غيره.
وحينئذٍ؛ أي: حين إذ كان الجزاءُ مُترتّبًا على النّقيضين (4)، يذكرُ الشّرطُ بالواو ليدلَّ على ما لم يُذكر وهو نقيضُه؛ وذلك فيما لمْ يكن المتروك أَوْلَى بترتّب الجزاء عليه؛ نحو: (أحبّكَ ولو كنتَ قاتلي) أي: أُحِبُّك لو لم تكن قاتلي ولو كنت قاتلي (5).
__________
(1) في الأصل، ب: "لعدم". والمثبت من أ.
(2) كلمة: "لكنّه" ساقطة من أ، ب.
(3) وهو قول ابن الحاجب وقد تقدَّم في هامش (1) ص: (466) قسم التحقيق.
(4) عبارة: "أي: حين ... النقيضين" ساقطة من ب.
(5) فقد دلّ المعطوف على معطوف عليه، وبهما عرف أن المحبَّة دائمة الثّبوت لترتّبها =
(1/473)

أو بدونها لكونِ (1) المتروكِ أَوْلَى؛ أي: وقد يذكر بدون الواو، وذلك فيما كان المتروك أَوْلَى بترتّبِ الجزاءِ عليه لدلالةِ العقلِ حينئذ عليه؛ نحو: (نعمَ العبدُ صُهَيْبٌ (2) لو لم يخفِ الله لمْ يَعْصه) (3)؛ إذ يلزم منه بالطريقِ الأَوْلَى أنَّه لو خافه لم يعصه- أيضًا.
__________
= على النّقيضين؛ وجيء بالواو وإن المتروك منهما "لو لم تكن قاتلي"، لم يكن أولى بترتب الجزاء عليه.
هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "لو كان" وهو خطأ ظاهر.
(2) هو أبو يَحْيَى؛ صهيب بن سنان النّمريّ الرّوميّ، صحابيّ جليل، أحد السّابقين إلى الإسلام. سبي وهو صغير ثمّ أعتق؛ فاحترف التّجارة فأدرّ الله عليه مالًا وفيرًا؛ تركه كلّه عندما همّ بالهجرة، شهد المشاهد كلّها. توفّي بالمدينة في شوّال سنة 38 ه.
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد: (3/ 226 - 230)، الجرح والتّعديل؛ لعبد الرّحمن الرازي: (4/ 444)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب؛ لابن عبد البرّ: (2/ 726 - 733)، أسد الغابة في معرفة الصّحابة؛ لابن الأثير: (3/ 38 - 41)، سير أعلام النّبلاء: (2/ 17 - 26).
(3) أُسندَ هذا القول إلى عمر - رضي الله عنه - في النِّهاية في غريب الحديث: (2/ 88) برواية: "نعم المرء" والبرهان الكاشف عن إعجاز القرآن؛ لكمال الدِّين الزملكاني: (191 - 192).
وأوردَه ملّا علي قارئ في الموضوعات الكبرى (274) ذاكرًا أَنَّه اشتهر في كلام الأصوليّين وأصحاب المعاني وأهل العربيّة. ولم يوقف له على إسناد قط في كتب الحديث.
(1/474)

اعلمْ: أن المشهورَ [أن] (1) "لو" لامتناع الشَّيءِ لامتناع غيره، وقد وقعَ في بعض العبارات: أَنّه لامتناع الثَّاني لامتناع الأوّل (2)؛ كما يُقال في نحو: (لو جئتني أكرمتك): أن انتفاءَ إكرامك لانتفاءِ مجيءِ مخاطبك، وفي بعضها: إنّه لامتناع الأَوَّل لامتناع الثَّاني؛ كما قال ابن الحاجب في قوله -تعالى-: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (3): إنّه نفى التعدُّد لانتفاء الفساد (4).
وَالتَّحقيقُ فيه: أنَّه يُستعملُ (5) في كلا المعنيين؛ لكن بالاعتبارين: باعتبار الوجودِ والتَّعليلِ، وباعتبارِ العلمِ والاستدلالِ؛ فيقول: لَمَّا كان المجيءُ عِلّةً للإكرامِ بحسب الوجودِ فانتفاءُ الإكرامِ لانتفاءِ االمجيءِ (6) انتفاءٌ
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من أ، ب. ولا بد منه لتمام السياق.
(2) وعلى هذا القول درج جمهور النحاة. كما سبق أن أشرت ص: (466).
(3) سورة الأنبياء؛ من الآية: 22.
(4) وبيانه: أنّ الآية سيقت ليستدلّ بامتناع الفساد على امتناع تعدّد الآلهة دون العكس؛ إذ لا يلزم من انتفاء تعدد الآلهة انتفاء الفساد؛ لجواز وقوعه بإرادة الواحد الأحد لحكمة تقتضيه، ولأنّ المعلوم هو انتفاء الفساد لكونه مشاهدًا، والمجهول هو انتفاء التعدد لكونه غير مشاهد، وإنَّما يستدلّ بالمعلوم على المجهول دون العكس.
وعليه فإن امتناع الأوَّل؛ وهو (التعدد) حاصل بسبب امتناع الثَّاني؛ وهو (الفساد).
ف (لو) حينئذ تفيد: امتناع الأوَّل لامتناع الثّاني.
ينظر: الإيضاح في شرح المفصل: (2/ 242).
(5) في ب: "ليستعمل".
(6) في ب زيادة: "ظاهر".
(1/475)

للمعلولِ لانتفاءَ علّته (1). و -أيضًا-: لَمَّا يُعلم انتفاءُ الإكرامِ فقد يُستدل منه على انتفاءِ المجيء؛ استدلالًا من انتفاءِ اللازمِ على انتفاء الملزومِ. وهكذا في الآيةِ الكريمةِ (2)؛ تقولُ في مقامِ التَّعليلِ: انتفاءُ الفسادِ لانتفاء عِلّته -أي: التَّعدُّد-، وفي مقامِ الاستدلالِ: يُعلم انتفاء التَّعدّدِ لانتفاءّ الفسادِ؛ فمن قال بالأوّلِ (3) نظرَ إلى الاعتبارِ الأوّلِ، ومن قال بالثاني (4) نظرَ إلى الاعتبار (5) الثَّاني؛ هذا إذا لم يمتنعْ نَفيُ الجزاء، أمَّا إذا امتنع فليس لامتناع الشّيءِ لامتناع غيره؛ بلْ لبيان الملازمةِ وإثباتِ الجزاءِ مطلَقًا؛ أمّا عند وجودِ الواو فلاقتضائه معطوفًا عليه؛ كأنه في حكمِ شرطين؛ أي: أحبّك لو لم تكن قاتلي ولو كنت قاتلي، وأمّا عند عدمِ الواو فلأنّه إذا كان المتروك أولى يَدل عليه بمفهومِ الموافقةِ (6)؛ كما
__________
(1) في أوردت العبارة هكذا: "فانتفاء الإكرام لانتفاء المجئ ظاهر لانتفاء المعلول لانتفاء العلة" وهما بمعنى.
(2) أي: المتقدّمة؛ وهي قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}.
(3) وهم الجمهور.
(4) وهو ابن الحاجب.
(5) في الأصل: "اعتبار" والمثبت من أ، ب. وهو الملائم لما قبله.
(6) مفهوم الموافقة هو: "فهم الحكم في المسكوت من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده، ومعرفة وجود المعنى في المسكوت بطريق الأَوْلَى؛ كفهم تحريم الشّتم والضّرب من قوله: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء، من الآية: 23] " روضة النّاظر وجنّة المناظر لابن قدامة (طبعه مكتبة الرّشد): (2/ 772)، =
(1/476)

في: (لو لم يخفِ الله لمْ يعصه)؛ فإن فحوى الخطاب: أنَّه إذا خافَ لم يعصه- أيضًا؛ وذلك بالطّريق الأَوْلَى، ويدلُّ بمفهومِ المخالفةِ (1): أنَّه إذا خافَ عصى؛ لكنّه غير معتبر (2)؛ لأنَّ شرطَ اعتبارِ مفهومِ المخالفةِ -كما علم في علم (3) الأصول- عدم مفهوم الموافقة (4)؛ وهذا تحقيق لم ينقّح إلى السّاعةِ.
الرّابع: الظّرفُ؛ نحو: (أين) في المكانِ، و (إذا) في الزّمان. والكيفُ؛ ك "أنّى". وغيرهما من الأحوالِ؛ أي: ممّا يُفيدُ حالًا للحكم؛ ك "ما" و "أي" وكسائر الأسماء المُعمّمةِ في الزَّمانِ أو المكان
__________
= ويسمى -أيضًا-: التَّنبيه، وفحوى اللَّفظ، ولكن الخطاب. والتسمية إلى أوردها الشَّارح هي تسمية الشّافعيّة وكثير من المتكلّمين.
ينظر تعريفات الأصوليين له وأسماؤه في: العدّة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى: (1/ 152)، والإحكام للآمديّ: (3/ 66)، وإرشاد الفحول للشوكاني: (2/ 37).
(1) مفهوم المخالفة هو: (الاستدلال بتخصيص الشّيء بالذّكر على نفي الحكم، ومثاله: قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} ... يدل على انتفاء الحكم في المخطئ ... ". روضة النّاظر: (2/ 775)، ويسمّى -أيضًا-: دليل الخطاب.
ينظر تعريفات الأصوليين له في: العدّة: (1/ 154)، الإحكام: (3/ 69)، إرشاد الفحول: (2/ 38).
(2) في الأصل: "معين" وهو خطأ ظاهر. والصَّواب من أ، ب.
(3) "في علم" ساقطة من ب.
(4) ينظر: الإحكام: (3/ 69)، روضة النّاظر: (2/ 775).
(1/477)

أو غيرِهما وكغيره (1). قدْ تجمعُ نسبتين في جُمْلتين (2)؛ وإذا لُحظ فيه جِهةُ ارتباطِ؛ إحداهما بالأخرى وتعلّقها بها (3)؛ كما يُلاحظ في مثل: (ما تصنعُ أصنع)؛ فتجعلَ صنعكَ مربوطًا بصُنع مخاطبك؛ بل مُسبّبًا له؛ صارَ المجموعُ شرطًا وجزاءً؛ فيُقال: يتضمَّنُ معنى الشّرطِ؛ وهذه قاعدةٌ كليّةٌ فاحفظها.
الخامسُ: الاستفهامُ، إذا بُني عليه أمرٌ قبلَ الجواب؛ أي: قبلَ ذكرِ الجواب، فهم ترتُّبه؛ أي: ذلك الأمرُ على جوابهِ أيًّا (4) كانَ؛ أي: أيّ جوابٍ كان؛ لأنَّ سَبْقَه (5) على الجوابِ مشعرٌ بأن ذلك حالُ من يُذكرُ في الجوابِ؛ لئلّا (6) يكون إيراده قَبلَه عبثًا. فأفادَ تعميمًا؛ أي: حينئذ يفيدُ تعميمًا؛ نحو: منْ جاءك؟ فأُكرمَه (7) بالنَّصبِ، فإنَّه لَمّا قال قبلَ ذكرِ جواب الاستفهام (8): أكرمه؛ عُلمَ أنَّه يكرم من يقولُ المجيبُ: إنّه جاء؛ أي جاء كان (9). وكذا حُكمُ: من ذا جاءك؟ أكرمْه بالجزم.
__________
(1) كلمة "وغيره" ساقطة من أ.
(2) في أ، ب: "في الجملتين".
(3) أي: على جهةِ المجازاة -كما هو الحال في الشَّرط-.
(4) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "أيما" وهو تحريف بالزِّيادة.
(5) أي: ذلك الأمر.
(6) في أ، ب: "لكيلا" والمعنى واحد.
(7) في أتكرَّرت: "فأكرمه" لكنَّ الثَّانية ضمن كلام الشَّارح.
(8) بأنه زيدٌ أو عمرو -مثلًا-.
(9) فيكون قوله عندئذ في حكم: "كلّ إنسان جاءك أكرمه".
(1/478)

وإنّما جاءَ بمثالين تنبيهًا على عدمِ الفرْقِ بين مجيئه بالفاءِ السَّببيّة وعدمِه، وبين نصبِه وجزمه. وجاء بلفظِ (ذا) بَعْدَ (من) تحقيقًا لعدمِ شرطيَّتها.
ثمَّ قدْ يُجرّد المتضمِّنُ لمعنى الاستفهام عن الاستفهام؛ كما جُرِّدَ حرفُ الاستفهامِ (1) في قوله -تعالى- (2): {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (3) عن الاستفهامِ؛ حيثُ صارَ لمجرّدِ التّسوية؛ مضمحلًّا (4) عنه بالكُّليّةِ معنى الاستفهام.
ومعنى الاستواءِ فيه استواؤُهما في علم المستفهمِ عنهما؛ لأ [نه] (5) قدْ عُلمَ أن أحدَ الأَمرين كائنٌ؛ إمَّا الإنذار وإمّا عدَمُه؛ ولكن لا بعَيْنِه؛ فكلاهما (6) معلومٌ بعلمٍ غيرِ مُعيَّنٍ.
فإن قيلَ: الاستواءُ يُعلمُ (7) من لفظة (سواءٌ) لا منه؛ أي: من
__________
(1) أي: الهمزة.
(2) هكذا -أيضًا- وردت كلمتا: "قوله تعالى" ضمن ف، وفي أ، ب وردتا ضمن كلام الشَّارح.
(3) سورة البقرة؛ من الآية: 6.
(4) مضْمَحِلًّا: أي؛ ذاهبًا. اضمَحلّ الشَّيءُ: إذا ذهب. ينظر: اللِّسان: (ضحل): (11/ 390).
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. ومثبت من أ، ب. ولا بدّ منه.
(6) في أ، ب: "وكلاهما" وهما بمعنى.
(7) كلمة: "يعلم" ساقطة من ب.
(1/479)

حرفِ الاستفهامِ (1)، مع (2) أنَّه لو عُلم منه -أيضًا- لزِمَ التّكرَار.
قُلْنا: هذا الاستواءُ (3) غيرُ ذلك الاستواءِ المستفادِ من لفظةِ السَّواء.
وحاصله: أنَّه (4) كانَ للاستفهامِ عن مُستويين؛ فجُرِّدَ عن الاستفهامِ فبقي (5) أنَّه لمستويين (6)، ولا تكرّر (7) في إدخالِ (سواء) عليه لتغايرهما؛ لأنَّ المعنى: إن المستويين في العلم مستويان في عدمِ الإيمانِ.
وهذا النَّوعُ؛ أي: حذفُ قيدٍ واستعمالُه فيما بقي كثيرٌ في كلامِ العربِ، كما في النّداء، فإنَّه لتخصيص المنادى وطلب إقباله، فيُحذفُ قيدُ الطّلب، ويُستعملُ لمطلقِ الاختصاص، نحو: (اللَّهمَّ اغفِر لنا أيتها العصابة)؛ فإنّهُ منسلخٌ عن معنى الطّلبِ، وإن معناه: مخصوصين من بين العصائبِ. وكالمرسِنِ؛ فإنَّه لأنفِ البعيرِ ويُستعملُ في مطلقِ الأنف؛ [كقوله:] (8).
__________
(1) قوله: "من حرف الاستفهام" ساقط من أ.
(2) في أ: "ومع".
(3) أي: المنسلخ من الاستفهام.
(4) أي: حرف الاستفهام.
(5) في الأصل، ب: "بقي". والمثبت من أ. وهو الأَولى.
(6) في الأصل: "آية المستويين"، والصَّواب من أ، ب.
(7) في ب: "ولا يكون" وهو تحريف ظاهر.
(8) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب. وبه يستقيم السِّياق.
(1/480)

......... ... وفَاحِمًا وَمَرْسِنًا مُسَرَّجَا (1).
وكم مثلها!.
فيصيرُ؛ أي: بعدَ التَّجريدِ عن الاستفهامِ يصيرُ للشّرطِ المحض، وحكمه (2) حينئذٍ حُكمُه بلا تفاوتٍ.
وهو السِّرُّ؛ أي: ما ذكرنا من جوازِ تجريده، وصيرورتِه للشّرطِ المحضِ -هو السِّرُّ في اشتراكهما؛ أي: في (3) اشتراكِ الاستفهامِ والشّرطِ في كثيرٍ من الأَسماءِ؛ كما في (4): "مَا" و "مَن" و "متى" وغيرها.
__________
(1) عحز بيتٍ من الرَّجز. قاله: رؤبة بن الحجاج ضمن أرجوزة طويلة له؛ منها:
أيَّام أَبْدت واضِحًا مفلَّجا ... أغَرَّ برَّاقًا وطَرْفًا أبْرجا
ومُقْلةً وحَاجِبًا مُزجّجا ... .........................
والبيتُ في ديوان الشّاعر: (2/ 13)، واسُتشهد به في أسرار البلاغة: (31)، والمفتاح: (364)، والمصباح: (123)، والإيضاح: (1/ 24)، وهو في معاهد التّنصيص: (1/ 14).
والفاحم: الأَسود. اللِّسان: (فحم): (12/ 449). وأراد: شَعْرًا أسودًا فحذف الموصوف وأقام الصِّفة مقامَه.
ومسرَّجًا مختلَفٌ فيه؛ فقيل: من سرّجه تسرجه؛ أي: حسَّنه وبهَّجه، وقيل: من قولهم: "سيوف سريجيَّة" منسوبة إلى سُرَيْج: قين معروف.
ينظر المعنيان في اللِّسان: (سرج): (2/ 298).
(2) أي: حكم الشَّرط. وفي أ، ب: "حكم إن".
(3) حرف "في" ساقطٌ من أ.
(4) في الأصل زيد حرف العطف "و". ولا وجه له.
(1/481)

وبالتَّرديد؛ عطفٌ على قوله: "فبالشّرطِ" (1)؛ أي: وأمَّا الرّبطُ بين [غيرهما] (2) فيَكونُ بالشَّرط (3)، ويكونُ بالتَّرديد.

وأداتُه؛ أي: أداةُ التَّرديد. "أو" و "إما"، وفي بعضِ النُّسخ: (وأدواته)؛ وذلك باعتبارِ أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو باعتبارِ ملاحظةِ الانفرادِ والاجتماع؛ نحو: (الجائي زيدٌ، أو عمرو)، و (الجائي إمَّا زيدُ، وإمّا عمرو)؛ منفردين (4)، والجائي إمّا زيدٌ أو عمرو مجتمعين؛ فإنَّه يجوزُ الاطلاقُ على هذا التَّقدير بأنها ثلاثةٌ. وقوله (5): (ويفيدان) ينصرُ النّسخةَ الأولى.
ويُفيدان؛ أي: "أو" و "إِمَّا" ثبوتَ (6) أحد الأمرين؛ كقولك: (زيدٌ شاعرٌ أو منجِّمٌ) ردُّا لمن يَنفيهما عن زيد، أَى: يقول (7):
__________
(1) ينظر: ص (448) قسم التّحقيق.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل، ومثبت من أ، ب. والضّمير في (غيرهما) يعود إلى ما تقدَّم من ارتباط المفرد مع المفرد، والجملة مع الجملة. ذلك أنّ المصنّف -رحمه الله- لمَّا فرغ عن الربط بين جملتين أخرجتا بإدخال حرف الشَّرط ثم بيَّن أدوات الشّرط مفصّلة، شرع بعد ذلك في الربط بين جملتين أخرجتا بإدخال التّرديد، وسيبيّن أدواته مفضلة -فيما بعد-.
(3) كلمة: "بالشَّرط" ساقطة من أ. ولا بدَّ منها لتمام السِّياق.
(4) في ب: "ومنفردين" ويبدو أن النَّاسخ كرَّر الحرفَ الأخير في الكلمة السَّابقة.
(5) أي: قول المصنِّف "الإيجيّ" وسيأتي عقب هذه الجملة مباشرةً.
(6) في الأصل: "بثبوت". والصَّوابُ من أ، ب، ف.
(7) في الأَصل: "ويقول" بالعطف بالواو وحذف (أي) التّفسيريّة. والمثبت من أ، ب. =
(1/482)

(زيد لا شاعرٌ ولا منجِّمٌ)؛ أي: لا يخلو عن أحدهما؛ ولهذا يُسمِّي المنطقيّون مثل هذه القضيّة: منفصلةً مانعةَ الخُلُوِّ (1).
أو نفيَ؛ أي: ويفيدان نفي أحد الأمرين؛ كقولك: (زيدٌ (2) شاعرٌ أو منجّم) ردًّا لمن يُثْبتهما لهُ (3)؛ أي: يقولُ: (إنّه شاعرٌ ومنجِّمٌ معًا)؛ أي: لا جمع بينهُما؛ ولهذا يُسمّونَه: مُنفصلةً مانعةَ الجمع (4).
أو ثبوتَ؛ أي: أو يُفيدان ثُبوتَ أحدِ من الأمرين ونفيَ أحد منهما، كقولك: (زيدٌ شاعرٌ أو منجِّمٌ) ردًّا لمن يرى إمّا ثُبوتهما أو نفيهما؛ أي: يقول: إنّه متَّصِفٌ بهما جميعًا أو ليس (5) مُتّصفًا بشيءٍ أصلًا؛ أي لا خلوّ (6) عنهما ولا جمع (7) بينهما؛ ولهذا يسمّونه: مُنْفصلة حقيقيةً (8).
وهكذا حُكْمُ (إمّا).
__________
= وهو الأوْلَى؛ لدرج الشَّارح عليه، ولتكراره -فيما بعد- في بقية المعطوفات.
(1) و "سميت مانعة الخلوّ لأنَّه لا يجوز الخلوّ من الطرفين معًا ألبتة". تسهيل المنطق: (44).
(2) كلمة: "زيد" ساقطة من أ، واستدركت في الهامش.
(3) "له" ساقطة من أ.
(4) و "سُمّيت منفصلة مانعة جمع؛ لامتناع اجتماع طرفيها في الوجود ... ولكن يجوز الخلوّ من الطرفين لأنَّه لا عناد بينهما في العلم". تسهيل المنطق: (44).
(5) في الأَصل: "وليس" والصَّواب من أ، ب.
(6) في أ: "لا يخلو" والمعنى واحد.
(7) في أ: "لا يجمع" والمعنى واحد.
(8) وتسمّى -أيضًا-: "مانعة جمع وخلوّ معًا". تسهيل المنطق؛ لعبد الكريم الأثري: (44).
(1/483)

وذلكَ الرَّد قد يكونُ لجهل المخاطبِ بالحالِ، أو تجاهلٍ منه به، أو تجهلٍ من المتكلِّم له؛ [ويحتملُ أن يقال: المرادُ جهل المتكلِّم، أو تجاهله، أو تجهيلِه من المخاطب ويحتملُ ذلك] (1) الإشارةُ (2) إلى المذكورِ من الصّورِ الثلاثة من إثباتِهما، أو نفيهما، وإمّا إثباتهما أو نفيهما (3).
والتَّجاهلُ في البلاغة والي سحْرِها وسلطانُ مملكتها؛ فانظرْ قولَ الخارجيّة -وهي (4) اسم امرأَة شاعرةٍ (5) - ترثي (6) على ابن طريف (7) تَعْرِفُ أنَّه والي سِحْرها؛ حيث تجاهلت عن إمكانِ كونِ الشّجرِ جزعًا في قولها (8):
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل، ومثبت من أ، ب.
(2) في الأصل: ب، "إشارة". والصَّواب من أ.
(3) في أ: "ونفيهما"؛ ولا يجتمع مع الإثبات قبله. والصَّواب العطف ب (أو) كما هو الحال في الصّور الثّالثة؛ بمعنى: لا خلوّ عنهما ولا جمع بينهما.
(4) في أ: "وهو" ولا وجه له.
(5) يقال لها: ليلى بنت طريف الشّيباني.
(6) ترثي: بمعنى: تتوجّع. ينظر: اللّسان: (رثى): (309). وعليه فالفعل بهذا المعنى لازم.
(7) هو الوليد بن طريف الشّاري الشّيبانيّ، رأس الخوارج في زمنه، وفارس من فرسانها، اشتدّت شوكته، وكثر تبعه في زمن الرّشيد؛ فوجّه إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشّيبانيّ فقتلَه سنة 179 ه.
ينظر في ترجمته: تاريخ الطّبري: (8/ 261)، وفيات الأعيان: (5/ 25 - 28)، معاهد التَّنصيص: (3/ 159 - 162).
(8) البيتُ من الطَّويل. وهو بهذه النّسبة وبهذه الرّواية في ديوان الخوارج: (40)، والعقد الفريد: (3/ 269)، وأمالي القالي: (2/ 278)، وزهر =
(1/484)

أَيَا شَجَرَ الخابورِ مَالكَ مُورِقًا؟ ... كأنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ على ابنِ طرِيفِ!.
الخابورُ: موضعٌ من نواحِي (1) ديارِ بكرٍ (2). ومُورقًا: حالُ عن كاف (مالك)؛ ومعناه: مالك أورقت. والطّريفُ في النّسبِ: الكبيرُ الآباءِ إلى الجدّ الأكبر. وبعده:
فَتًى لَا يُحِبُّ الزّاد إلّا مِنَ التُّقَى ... ولا المال إلَّا مِن قَنًا وسُيوفِ (3).
__________
= الآداب وثمر الألباب؛ للحصري: (2/ 966).
وبهذه النّسبة -أيضًا- وبرواية: "تحزن" بدلًا من "تجزع" في الحماسة البصريّة؛ لصدر الدّين البصري: (1/ 229)، الأغاني: (6/ 333).
كما ورد بالرِّواية المتأخرة منسوبًا إلى بعض العرب في الصّناعتين؛ لأبي هلال العسكريّ: (183).
واستُشهد به في المفتاح: (192)، المصباح: (25)، الإيضاح: (6/ 84)، والتّبيان: (430)، والبيتُ كما في معاهد التّنصيص: (3/ 159).
(1) كلمة "نواحي" ساقطة من ب.
(2) اختلفت معاجم البلدان في هذا الموضع فقيل: إِنَّه نهر في جزيرة العرب، وقيل: إِنه نهر بالشّام. وقيل: إِنَّه واد.
ينظر: معجم ما استعجم: (2/ 418)، معجم البلدان: (2/ 334).
(3) هكذا -أيضًا- في ب. وفي أ: "فَتى وسيُوف" والبيتُ برواية المتن في ديوان الخوارج: (40)، والأمالي: (2/ 278)، الأغاني: (6/ 333)، وزهر الآداب: (2/ 966)، والصّناعتين: (183)، وبرواية: "فتى لا يريد العزّ" في العقد الفريد: (3/ 269)، والتّبيان: (430).
(1/485)

وتذكّرْ ما قُلنا في قوله -تعالى-: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (1): من عدمِ التّصريح؛ لئلّا يُصِرّوا - تعرف كون التَّجاهُلِ والي سِحْرِها.
والسَّكّاكيّ -لرعايةِ الأدبِ، والاحترازِ عن إطلاقِ لفظِ التجاهُلِ على الله تعالى-؛ قال (2): "لا أحبُّ تسميتهُ بالتَّجاهُل"؛ فعبّر عنه تارةً ب: (سوقِ المعلومِ مساق غيره) (3)؛ كما في علمِ البديع، وتارةً ب: (الاستخبار)، كما قال في قسمِ (4) المعاني (5).
__________
(1) سورة سبأ؛ من الآية: 24.
(2) المفتاح: (427).
(3) المصدر السّابق: (427).
(4) في ب: "علم".
(5) المصدر السّابق: (192).
(1/486)

المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
عمادة البحث العلمي
رقم الإصدار (79)
تحقيق الفوائد الغياثية
تأليف
شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني
(ت 786 ه)
تحقيق ودراسة
د / علي بن دخيل الله بن عجيان العوفي
عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية
بالمدينة المنورة
الجزء الثاني
الطبعة الأولى
1424 ه
مكتبة العلوم والحكم
المدينة المنورة
(1/489)

النوع الثالث (*): في القصر (**)
" وهو (1): عبارة عن تخصيص أحدِ الأمرين بالآخرِ- وحصرِه فيه".
وتقديمه على أخواته؛ من نحو: الفصلِ والوصلِ، والإيجاز، وخلافه، هو النّظمُ الطبيعيُّ؛ لأنَّه لا يكون إلّا بالنِّسبةِ إلى جُملة واحدةٍ (2)، بخلاف ما فعل السَّكّاكيّ؛ فإنَّه أخَّره عنها.
وهو -القَصْر- (3) يَقعُ للموصوف على الصِّفَة فلا يتعدّاها؛ أي: لا يتعدَّى الموصوف (4) تلك الصِّفة إلى صفة أخرى؛ لأنَّ معناه فيه
__________
(*) من الفنِّ الثالث؛ من القانون الأَوَّل.
(**) "وهو في اللّغة: الحبس. ومنه قوله سبحانه وتعالى: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} [الرحمن الآية: 72]. اللِّسان: (قصر): (5/ 99).
(1) هذا التَّعريف نقله الكرمانيُّ بنصِّه عن مفتاح المفتاح للشيرازيّ: (1/ 677).
ويلحظ أنّ الشّيرازيّ -رحمه الله- أوّل من عرف القصر اصطلاحًا وهذا التَّعريف؛ وسلك به هذه الوجهة؛ على وجه قارب أن يكون جامعًا مانعًا ولم يستدرك عليه من جاء بعده إلّا إضافة قيد: "بطريق مخصوص" أو: "بطريق معهود"؛ كما هو الشَّأن عند التَّفتازانيّ. ينظر تعريفه في المطّول: (204)، ومختصره على التّلخيص (ضمن شروح التلخيص): (166).
(2) وذلك بخلاف الفصل. والوصل، والإيجاز والإطناب؛ فإنَّه لا يَكون إلّا بالنِّسبة إلى جملتين فأكثر.
(3) كلمة: "القصر" ساقطة من أ، ب.
(4) في الأَصل زيادة: "القصر" ولا وجه لها.
(1/491)

تخصيصُ الموصوف بوصفٍ دون وصف ثانِ؛ كقولكَ: (زيدٌ شاعر لا منجِّمٌ) (1). وبالعكسِ؛ أي: يقعُ للصّفة على (2) الموصوفِ. فلا تتعدَّاهُ؛ أي: لا تتعدَّى الصِّفةُ ذلكَ الموصوف إلى موصوفٍ آخر؛ كقولك: (ما شاعرٌ إلَّا زيدٌ) (3)، لأنَّ معناه فيه تخصيصُ الوصفِ بموصوفٍ دون موصوفِ آخر.
والفرقُ بينهما: أن الموصوفَ في الأَوَّلِ لا يمتنع أن يُشاركَه غيرُه في الوصف، ويمتنع في الثَّاني. وأن الوصفَ في الثَّاني يمتنعُ أن يكونَ لغير الموصوفِ، ولا يمتنعُ في الأَوَّل.
والمرادُ بهذه الصِّفة: الصِّفةُ المعنويَّة؛ أي: معنًى قائم بالشَّيءِ خارجٌ عن حقيقته؛ سواء كانَ اللَّفظُ الدَّالُ عليه جَامدًا أو مُشْتقًّا، اسمًا أو فِعْلًا، لا النَّعت (4)؛ فيشملُ (5) قصرَ مثل: (ما جاء إلَّا زيدٌ) و (ما في الدَّار إلَّا زيدٌ). وبهذا التَّوجيه سقطَ قولُ من يعْترض: إنَّ مثلَ قصرِ الفعلِ على الفاعل خارجٌ عنه.
ولغيرهما كالفعلِ (6) على مفعولٍ أو حالٍ أو تَمييزٍ؛ أي: يقع
__________
(1) أي: تخصيص زيد بالشَّاعريّة دون صفةِ التّنجيم.
(2) في ب: "بعد" وهو خطأ ظاهر.
(3) أي: تخصيص الشَّاعريّة بزيدٍ دون غيرِه من الموصوفين.
(4) أي: النَّعت النَّحويّ.
(5) في أ: "فيشتمل".
(6) في الأَصل: "كمالفعل" والمثبت من أ، ب، ف.
(1/492)

القصرُ لغيرِ الصِّفةِ على الموصوفِ، ولغيرِ الموصوفِ على الصِّفةِ (1)؛ كما للفعلِ علي المفعولِ، أو (2) الحالِ، أو التَّمييز. وهذه العبارةُ أصحُّ من عبارة "المفتاح" فإنَّه قال (3): "القصرُ يَجري -أيضًا- بين الفاعلِ والمفعولِ، وبين المفعولين، وبينَ الحالِ وذي الحالِ"؛ لأنَّ القصرَ في إما ضربَ زيدٌ إلّا عمرًا) ليسَ لزيدِ على عمرو، بل لضربِ زيدٍ عليه، وكذا في (ما أعطيتُ زيدًا إلّا درَهمًا)؛ فإنَّه ليسَ لزيدٍ على درهم، بل لإعطاء زيدٍ عليه، وكذا في الحالِ. نعم إنّه ذَكر (4) في أواخر فصلِ القصرِ ما يُشعرُ بما قُلْنا؛ حيثُ قال في قوله: إما ضربَ زيدٌ إلّا عمرًا) (5): "الصِّفةُ المقصُورة على عمرو هي (6) ضَرَبَ زيد" (7).
مثال القصرِ على الحالِ؛ نحو: (ما جاءَ زيدٌ إلَّا راكبًا)، ومثالُه
__________
(1) جملة: "ولغير ... الصِّفة" ساقطة من ب.
(2) في ب زيادة "على" والسِّياق تامٌّ بدونها.
(3) ص (288) بتصرّف يسير.
(4) أي: صاحب المفتاح.
(5) المصدرُ السَّابق: ص: (297) بإسقاط جملة: "ما ضرب زيدٌ إلّا عمرًا" من النّصّ. حيث أوردها الشّارح قبل النّصّ.
(6) هكذا في الأَصل، المفتاح. وفي أ، ب: "وهي".
(7) وبهذا يُعلم أن السَّكاكيَّ لم يُورد عبارته المتقدِّمة إلَّا على سبيل التّسامح وقد أدرك ذلك الكرمانيُّ؛ حينما عبَّر بقوله: "وهذه العبارةُ أصحُّ من عبارة المفتاح".
(1/493)

على التَّمييز، نحو: (ما طابَ زيدٌ إلّا نفسًا). وبحثُه (1) غير مذكور في "المفتاح".
وكلُّها؛ أي: كلُّ أقسامِ القصرِ، تنقسمُ إلى: قصر إفراد؛ ردًّا لمن يدّعي أمرين أو أحدهما بلا ترجيح؛ نحو. {وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ} (2)، وهو من قبيلِ قصرِ الموصوفِ على الصِّفة. ومعناه: محمّدٌ مقصورٌ على الرِّسالة لا يتجاوزُها إلى البُعدِ عن الهلاك، كأنّهم أثبتوا له وصفين: الرِّسالة، وعدم الهلاك؛ فخصّص (3) بوصف الرِّسالة؛ فيكون الوصف الثَّاني مسلوبًا عنه، وهو قصر الإفراد.
وقصر قلب ردًّا لمن يعتقدُ نفي ما يثبته أو إثبات ما ينفيه؛ نحو: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} (4)؛ مثالٌ لقصرِ (5) الموصوفِ على الصِّفةِ منه؛ لأنَّ عيسى -عليه السَّلام - (6) قال في مقامٍ اشتمل على معنى: أنَّكَ يا عيسى تقلْ للنَّاس ما أمرتك (7) بل قلت غير منها أمرتك، لأنِّي أمرتُك أن تدعو النَّاس إلى أن يعبدوني، ثم إنك دعوتهم إلى أن يعبدوا من
__________
(1) أي: بحث القصر على التّمييز.
(2) سورة آل عمران: من الآية: 144.
(3) في الأصل "تخصيص". والصَّواب من أ، ب.
(4) سورة المائدة؛ من الآية: 117.
(5) في الأصل: "قصر". وفي ب: "القصر"؛ والمثبت من أوهو الأُولَى.
(6) قوله: "عليه السَّلام" ساقط من أ، ب.
(7) في: أ، ب زيادة": "به"، وليست في المفتاح.
(1/494)

هو (1) دُوني (2)، وهو قصرُ القلب.
أعلم: أنَّ للقصرِ ستّ (3) صورٍ؛ لأنَّه:
إمّا قصرُ الموصوف علي الصِّفةِ، أو العكس؛ وهما إمّا قصرُ إفرادٍ، أو قصرُ قلب.
والإفْراديُّ فيهما على قسمين: لأنَّ السَّامع إمّا أن يعتقدَ اتِّصافه بالوصفين: كمَن (4) بعتقدُ أنّ زيدًا شاعرٌ ومنجِّمٌ؛ فتقول: (زيدُ شاعرٌ لا منجِّمٌ)، فتقطع الشّركة] [وإمّا أن يَعْتقد أنّ زيدًا علي أحد الوصفين: إمّا هذا وإمّا ذاك من غير ترجيح] (5) فتقول: (زيدٌ هذا لا ذاك)؛ فتُعيِّن أحدهما بالترجيح. وكذا فيما يعتقد السَّامع ثبوت الوصفِ
__________
(1) "هو" ساقط من ب.
(2) ويفصح عن هذا المعنى الآيةُ السَّابقةُ للآية المستشهد بها؛ وهي قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَال اللهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ} سورة المائدة، من الآية: 116.
على أنّ القصر في الآية ليس لردِّ اعتقاد المخاطب -تعالى الله في ذلك علوًّا كبيرًا- بل لردّ اعتقاد غيره من السّامعين. توبيخًا وتبكيتًا لأولئك النّصارى الّذين يدعون يوم القيامة أنّ عيسى أمرَهم أن يعبدوه وأُمَّه، ولم يأمرهم بعبادة الله وحده.
(3) في أ: "ثلاث" وصحّحت في الهامش.
(4) في ب: "مكن" وهو تحريف بالتّقديم والتأخير.
(5) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل. ومثبت من أ، ب.
(1/495)

للموصوفين (1)، أو لأَحدهما من غيرِ ترجيح.
وسمّى السَّكَّاكيّ القِسْمين: بقصرِ الأفراد؛ بمعنى: أنَّه يُزيلُ شركةَ الثَّاني في الجملةِ (2).
وخصّصَ صاحبُ "الإيضاح" الأوّلَ به (3)، والثّاني: بقصرِ التَّعيين (4).
والقلبيُّ: هو قصرُ الموصوفِ على وصفٍ مكانَ الوصفِ الذي يعتقد (5) السّامعُ ثبوتَه له، كقولك لمن يعتقدُ زيدًا منجّمًا لا شاعرًا: (زيدٌ شاعرٌ لا منجّم). أو قصرُ الوصفِ على موصوفٍ مكان الموصوفِ الَّذي يعتقده السّامعُ.
وسُمِّي قصرَ قلبٍ: لأنَّ المتكلِّم يقلِبُ فيه حكمَ السّامع؛ فينفي ما أثبته، ويثبتُ ما ينفيه.
ولم يذكر السَّكاكيُّ القسمَ الّذي يعتقدُ السّامعُ فيه ثبوتَ الوصفِ لأحد الموصوفين لا على التَّعيين بلا ترجيح لا بعموم ولا بخصوصٍ؛ لكن (6) ذكره غيرُه (7)، كما أن كلامَ المصنِّفِ -أيضًا- شاملٌ له،
__________
(1) في ب: "للموصوف"؛ وهو خطأ ظاهر.
(2) ينظر: المفتاح: (288).
(3) أي: بقصر الإفراد.
(4) ينظر: الإيضاح: (3/ 13 - 16).
(5) في الأَصل، ب: "يعتقده" بالإضمار ويناقضه الظَّاهر بعده. والصَّواب من أ.
(6) في أ: "لكنَّه".
(7) كالخطيب القزويني. ينظر: الإيضاح: (3/ 16). ثم إنّ السَّكّاكيّ وإن لم =
(1/496)

وهو كقولك: (زيدٌ شاعرٌ لا عمرو) لمن يعتقدُ أنّ أحدهما لا بعينه -من غير ترجيح- شاعرٌ.

وطُرُقُه؛ أي: طرق القصرِ، أَربعَةٌ:
الأوّلُ: العطف (1)؛ كقولك: (زيدٌ شاعرٌ لا منجّم) في قصرِ الموصوفِ على الصِّفةِ؛ إفرادًا أو قلبًا بحسبِ اعتقاد السّامع.
أو لا عمرو؛ أي: كقولك: (زيدٌ شاعرٌ لا عمرو) في قصرِ الصّفةِ على الموصوف بالاعتبارين بحسبِ المقام (2).
وإذا كثر المنفيُّ؛ أي: من الصِّفات في قصرِ الموصوفِ على الصِّفةِ، أَوْ من (3) الموصوفاتِ في قصرِ الصِّفةِ على
__________
= يصرّح بهذا القسم لكنّه صرّح بقسيمه؛ وهو كون الموصوف على أحد الوصوفين لا على التّعيين من غير ترجيح؛ كما سبق إيرادُه في القصر الإفرادّي. وليس ثمّة مانع من تحقق القسيم، ولعلّ السَّكّاكيّ استغنى بأحدهما عن الآخر.
(1) ذكر بعض متأخري البلاغيّين أنَّ السَّبب في تقديم طريق العطف على غيره من الطّرق الأخرى -كونه أقوى دلالة على القصر؛ للتّصريح فيه بالإثبات والنّفي. ينظر: حاشية الدّسوقيّ على السّعد (ضمن شروح التّلخيص): (2/ 186)، بغية الإيضاح: (2/ 9)، دلالات التَّراكيب. دراسة بلاغيّة. محمّد أبو موسى: (88).
(2) يتضمّن طريق العطف ثلاث صور؛ العطف ب (لا) أو ب (بل) أو ب (لكن) ولم يمثّل المصنّف والشّارح -رحمهما الله - إلا للعطف ب (لا) اختصارًا، بينما مثّل السَّكاكيّ للعطف ب (لا) و (بل) وظاهر كلامه صلاحيّة العطف ب (لكن) وإن لم يمثّل لها. كما صرّح بذلك سعد الدّين في الطوّل: (211).
(3) في الأَصل: "ومن" والمثبت من أ.
(1/497)

الموصوف (1) وريمَ؛ أي: طُلِبَ الاختصارُ قيلَ لا غيرُ (2)؛ أي: لا غير شاعر (3)، أَوْ لا غير زيد (4)؛ بتركِ الإضافةِ لدلالة (5) الحال عليه؛ وكذلك (6) ليسَ غيرُ، وليسَ إلّا؛ بتقدير: ليس غير شاعر، وليس إلّا شاعرًا؛ في قصرِ الموصوف على الصِّفة، وبتقدير: زيدٌ شاعرٌ لا غير زيدٍ، وليس شاعرٌ غيرَ المذكورِ، أو إلّا المذكَور؛ فتجعل النَّفي عامًّا ليتناولَ كَلّ شاعرٍ يعتقده (7) ممن عدا زيدًا (8)، في قصرِ الصِّفة على الموصوفِ.
__________
(1) عبارة: "أي: من ... الموصوف" ساقطة من ب.
(2) مثالُ كثرةِ المنفيِّ من الصِّفات في قصر الموصوف على الصِّفة: قولك لمخاطب يعتقد أنّ زيدًا يعلم النَّحو، والصّرف، والعروض، وعلم المعاني، وعلم البيان-: "زيد يعلم النّحو لا غيرُ".
ومثال كثرة المنفيّ من الموصوفات في قصر الصِّفة على الموصوفِ: قولك لمخاطب يعتقد أنّ زيدًا يعلم النّحو وعمرو وبكر وخالد-: "زيد لا غير يعلم النّحو".
(3) في قصر الموصوف على الصِّفة.
(4) قصر الصِّفة على الموصوف.
(5) في ب: "لذلك"؛ وهو خطأ ظاهر.
(6) عبارة الشّارح: "أي: لا غير .. كذلك" ساقطة من أ.
(7) أي: المخاطب.
(8) يقول طاش كبرى زاده في شرحه للفوائد الغياثية: (132): "وأعلم أنّ إيراد (ليس غير) و (ليس إلّا) مع كونهما من طريق الاستثناء ليس لبيان طريق العطف؛ بل لبيان طريق الاختصار عند كثرة المنفيّ، وأمّا جعل (ليس) ها هنا للعطف فبعيد".
(1/498)

الثَّاني: "إلَّا" بعد النّفي (1)؛ أَيّ نفي كان: من: (ما) و (إن) و (ليس)؛ نحو: (ليسَ زيدٌ) أو (ما زيدٌ) إلَّا شاعرًا بالنّصب مع (ليس)، وبالرّفع مع (ما) في قصر الموصوف على الصِّفةِ، إفرادًا وقلْبًا بحسب اعتقاد السّامع، وكذا في قصر الصفة على الموصوف؛ تقول: (ما شاعرٌ إلّا زيدُ) إفرادًا وقلبًا بحسبِ المقام.
الثالث: "إنّما" ويتضمّنُ معنى: "ما وإلَّا" بدليلِ صحّةِ انفصالِ الضّميرِ معه؛ نحو: (إنَّما يضرب أنا)؛ كانفصاله معهما (2)؛ نحو: إما يضرب إلّا أنا)، ققال الفرزدق (3):
__________
(1) وهذا الطّريق هو ما عبّر عنه السَّكاكيُّ بقوله (المفتاح: 289): "النَّفي والاستثناء" ويتجه على تعبير المصنّف حصره الطَّريق في "إلّا" دون غيرها من أدوات الاستثناء.
وكان الأوْلَى -في نظري- أن يقول: الاستثناء بعد النَّفي؛ معمّمًا الاستثناء في أدواته كما عمّم النَّفي في أدواته.
ومن أدوات الاستثناء الأخرى: غير، سوى. وقد يتحقّق الاستثناء بحتى، أو بدون. ونحوها.
(2) أي: مع (ما وإلا).
(3) سبقت ترجمتُه ص (343 - 344) قسم التّحقيق. والبيتُ من الطَّويل وهو في ديوان الشّاعر: (2/ 153) برواية: "أنا الضّامن الراعي عليهم وإنّما ... ... ".
واستُشهد به في دلائل الإعجاز: (328، 340)، والمفتاح: (292)، والمصباح: (96)، والإيضاح: (2713)، والتّبيان: (293). وهو في معاهد التّنصيص: (1/ 260).
(1/499)

أنَا الذّائدُ (1) الحامِي الذِّمارَ وإِنَّما ... يُدافعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلي
والذِّمارُ: ما وراء الرّجل ممّا يجبُ عليه أن يَحْمِيَه.
قال الرَّبْعيُّ؛ أي: عليُّ (2) بن عيسى الرَّبْعيّ، نحويُّ بغداد: (إنّ) للتحقيق [أي: كلمة إنّ للتّحقيق ولتأكيد إثباتِ المسندِ للمسند إليه] (3) و (ما) مؤكِّدُه (4)؛ لا نافيةٌ كما قال من لا خبرة له بالنّحو؛ قيل: عَرَّضَ به للإمام الرّازي (5) [ومن قال مثل قول
__________
(1) الذّائد: من الذّودِ؛ وهو الطرّدُ أو الدَّفعُ. ينظر: اللسان: (ذود): (3/ 167).
(2) هو أبو الحسن البغداديّ؛ أحدُ علماء العربيّة؛ له عدّة تصانيف في النّحو؛ منها: "البديع" و "شرح مختصر الجرمي"، و "شرح الإيضاح لأبي عليّ الفارسيّ". مات في المحرّم سنة 420 ه، وعمره 92 سنة.
ينظر في ترجمته: تاريخ بغداد: (12/ 17، 18)، معجم الأدباء: (14/ 78 - 85)، وفيات الأعيان: (3/ 295)، سير أعلام النّبلاء: (17/ 393).
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل، ومثبت من أ، ب. وعلى مثله درج الشّارح.
(4) إلى هنا نهاية قول الرّبعيّ. وسيرد -عمّا قليل- ما يدفع وَهْم الشَّارح عندما أضاف إلى كلام الرّبعيّ ما ليس منه.
(5) هو أبو عبد الله، محمّد بن عمر بن الحسن التّيميّ البكريّ فخر الدّين الرّازيّ. تبحَّر في المنقول والمعقول؛ فكان إمامًا مفسِّرًا أُصوليًّا فقيهًا، متكلِّمًا يتوقد ذكاءً. له مصنّفات كثيرة منها: "التَّفسير الكبير"، و "نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز"، و "شرح مفصّل الزّمخشريّ". توفي بهراة سنة 606 ه.
ينظر في ترجمته: الكامل في التّاريخ: (10/ 350)، تاريخ الحكماء: (291 - =
(1/500)

الإمام الرّازي] (1). فيزيد (2) تأكيدها؛ فيتضمّن معنى القصرِ، إذ القصرُ يُقصد به هذا المقصودُ إذا وقع في جوابِ المتردِّد؛ أي: المقصودُ من القصرِ -أيضًا- تأكيدٌ للحكمِ على تأكيدٍ؛ لأنّك إذا قلتَ لمخاطبٍ يُردِّد المجيء الواقع بين زيدٍ وعمرو: (زيدٌ جاء لا عمرو)، ويكون قولُك: (زيدٌ جاء) إثباتًا للمجئ لزيدٍ صريحًا. وقولك: (لا عمرو) إثباتًا للمجئ لزيدٍ ضمنًا مُؤكّدًا لما عُلِمَ صريحًا.
والحاصلُ: أنَّ الإمام [وغيره] (3) قال: إن (4) (إنّ) تدلُّ على الإثباتِ، و (ما) على النَّفي، والأصلُ بقاؤهما على ما كانا، وليسا متوجهين (5) إلى المذكورِ، ولا (6) إلى غير المذكور (7) للتَّناقضِ؛ بل أحدُهما للمذكورِ، والآخر لغير المذكور، وليسَ (إنّ) لإثباتِ ما عدا المذكور،
__________
= 293)، ووفيات الأعيان: (4/ 82 - 86)، سير أعلام النبلاء: (21/ 500 - 501).
أمّا القِيل المتقدّم فقد نقله الكرمانيّ عن الشِّيرازيِّ في شرحه للمفتاح: (689).
(1) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل، ب. ومثبت من أ، وبه يتضح المعنى.
(2) في الأَصل: "يزيد". والصَّواب من أ، ب، ف.
(3) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل، ومثبت من: أ.
(4) "إن" ساقطة من أ.
(5) في أ: "بمتوجّهين".
(6) "لا" ساقطة من أ.
(7) في أ: "غير مذكور".
(1/501)

و (ما) لنفي المذكور وفاقًا؛ فتعيّن عكسه (1) وهو معنى القصْر (2).
وقال الرّبعيّ: إنها قولُ من لا خبرةَ له بالنّحو (3)؛ لأنّها لو كانت نافيةً لَاقتضت التَّصدُّر، ولاجتمع حرفُ النّفي والإثبات بلا فاصلةٍ، ولجازَ نصبُ (إنّما زيدٌ قامٌ)؛ لأنَّ الحرفَ -وإن زيدَ- يعملُ، ولكانَ مع: (إنّما زيدٌ قائمٌ) يحقِّقُ عدمَ قيام زيدٍ، لأنَّ ما يلي "ما" النَّفي منفيٌّ؛ لكنَّ التّوالي الأربعةَ باطلةٌ؛ بل الوجهُ أنَّها مُؤكّدة -كما مرَّ.
وقال الأستاذُ -نصرةً للإمام-: مرادُه: أنَّ كلمةَ (إنّما) هكذا؛ للحصرِ كسائر الكلماتِ المركّبةِ الموضوعةِ لمعنًى، لا أن لفظة (إِنَّ) ولفظة (ما) رُكِّبتا وبَقَيتا على أصلهما، حتَّى لا يرد عليه الاعتراضات؛ وما ذكره هو بيانُ وجهِ المناسبة، ولئلّا يلزم النّقل الَّذي هو خِلاف الأصلِ (4).
__________
(1) وهو أَنَّ (إنّ) لإثبات المذكور و (ما) لنفي غير المذكور.
(2) ينظر: المحصول في علم الأصول؛ لفخر الدّين الرّازي: (1/ 211 - 212).
(3) يبدو أنّ الشَّارح العلَّامة -رحمه الله- وهِمَ في هذا الموضع، حيث نسب إلى الرّبعي ما لم يقله. فحملة: "إنَّها قول من لا خبرة له بالنّحو" ليست من كلام الربعي؛ بل هي من كلام الإيجيّ تابع فيها السَّكاكيّ، الّذي عبّر عنها بقوله (المفتاح: 291): "على ما يظنّه من لا وقوف له بعلم النّحو، يعني بذلك الإمام الرّازيّ -رحمه الله -كما أبان شرّاح المفتاح (ينظر: شرح الشّيرازيّ: 689، وشرح الجرجانيّ: 511) فهو صاحب القول المعترض عليه -كما نصّ على ذلك الشّارح - والربعيُّ تقدّم على الفخر الرّازي؛ فكيف يعترض متقدِّمٌ على متأخِّر؟!. ثم لم تنقل كتب النّحو أنّ أحدًّا قال بقول الرّازيّ ممَن يسبق الرَبعيّ حتّى يوجّه قوله إليه. والله أعلم.
(4) لم أقف على كلامه في أيٍّ من مؤلّفاته -الّتي بين يديّ- ولعلّه ممّا نقله تلميذه عنه =
(1/502)

وأمّا المنقولُ من الرّبعيِّ فهو من باب إيهامِ العكسِ؛ فإنّه لَمَّا رأى أنَّ القصر تأكيدٌ على تأكيدٍ - ظنَّ أنَّ كلَّ ما كان تأكيدًا على تأكيدٍ كان قصرًا، و-أيضًا-: يلزم كون مثل: (والله إن زيدًا لقائم) فصْرًا؛ لأنَّه تأكيدٌ على تأكيد؛ و-أيضًا-؛ يلزم تخصِيص كونه للحَصْر بما وقعَ في جوابِ المتردّد (1)، لكنّه للحصر في جميع المواضع؛ فهو ممّن خَطّأَ فأخطأ؛ ومع إمكان أن يُحْملَ على محملٍ صحيحٍ (2) لا حاجة إلى مثل هذا التَّشنيع على مثلِ الإمامِ؛ ذلكَ الرَّجلِ الفاضلِ، والفحلِ البازلِ (3). نعم، يردُ عليهِ في بيانِ وجه المناسبة: إن (4) قولك: "ما" لنفي غير المذكور؛ كنفي غيرِ قيامِ زيدٍ في قولك: (إنّما زيدٌ قائمٌ) عمّ يتعيّن؟! لِمَ لا يجوزُ أن يكون لنفيِ قيامِ غير زيدٍ؟!
الرّابعُ: التَّقديم (5)؛ نحو: (أنا كفيتُ مهمّك
__________
= عنه مباشرة.
(1) لأنَّه بهذا التّصوّر -تصوّر الرّبعيّ- إنّما يصدق في جواب المترّدد؛ كما سبق أن أوضحه بقوله: "لأنّك إذا قلت لمخاطب يردّد المجيء الواقع بين زيد وعمرو: (زيد جاء لا عمرو) يكون من قولك: (زيد جاء) إثباتا للمجيء لزيد صريحًا.
وقولك: (لا عمرو) إثباتًا للمجيء لزيدو ضمنًا مؤكَّدًا لما علم صريحًا".
(2) كالّذي حمل عليه الأستاذ - نصرةً للإمام -.
(3) في أ، ورد تمام العبارة هكذا: "التّشنيع على الأئمّة الأفاضل، والفحول البَوازل".
(4) في ب: "لأنّ"، وهو تحريف بالزِّيادة.
(5) أي: تقديم ما حقّه التّأخير.
(1/503)

وحدِي) أو (لا غيري) إفرادًا (1) أو قلبًا (2) بحسبِ المقام؛ هذا في قصرِ الصِّفةِ على الموصوف. وتقولُ في قصرِ الموصوفِ على الصِّفةِ: (تَمِيميٌّ أنا)؛ قصرَ إفرادٍ (3) أو قلبٍ (4) حسبما يقتضيه المقامُ. وبحثُ شرائطِ التَّقديم له قد تقدَّم مرّة (5).
وللقصرِ طريقانِ آخران: توسُّطُ ضميرِ الفصلِ، وإيرادُ المسندين معرفَتين -كما صرّح به (6)؛ حيثُ قال (7): "وقد يقصدُ به الحصرَ في المبتدأ" في باب ضميرِ الفصلِ، وحيثُ قال (8): "مع أنّه إذا أُريد به الحقيقة أفاد حصرها في المبتدأ" في تعريف الطرفين، ولم يذكرهما ها هنا (9) اقتفاءً بالسَّكاكيِّ.
لا يقالُ: إنّما لَمْ يذكرهما السَّكاكيُّ ها هنا لتقدُّمهما. لاستلزامه عدم ذكرِ التَّقديم لتقدُّمِه أيضًا (10).
__________
(1) لمن يعتقد أنك وزيدًا كفيتماه مهمّه.
(2) لمن يعتقد أنّ كافي مهمّه غيرك.
(3) لمن يرددك بين قيس وتميم.
(4) لمن ينفيك عن تميم ويلحقك بقيس.
(5) راجع ص (414) قسم التحقيق.
(6) أي: المصنِّف.
(7) (ص) (445) قسم التحقيق.
(8) (ص) (359 - 360) قسم التحقيق.
(9) في الأَصل: "هذا" ولا وجه له. والصَّواب من أ، وعلى مثلها درج الشَّارح.
والكلمة ساقطة من ب.
(10) في أزيادة: "في الكتابين" أي: مفتاح العلوم، الفوائد الغياثيّة. ولم أثبتها لما =
(1/504)

بلى لو قيل في الجوابِ: لأنَّ الأربعةَ لا تكونُ إلّا للحصرِ، وهما قد يكونان لغيره لَاتَّجه.
لَكن يندفعُ السّؤالُ عن "المختصر" لا عن "المفتاح"؛ لأنَّ الفصل عنده مُستلزمٌ للتّخصيص -كما قال (1): "وأمّا الحالةُ إلى تقتضي الفصل فهي (2) إذا كان المرادُ تخصيصَه للمسندِ بالمسندِ إليه (3)؛ كقولك: (زيدٌ هو المنطلقُ).
واعلم (4): أنَّ الأربعةَ يشملُها أمرٌ واحدٌ يشترك في الأربعة؛ وهو أنَّك للمُخاطبِ تسلِّم صوابًا، وتَرُدُّ (5) خطأً؛ فالصّوابُ: الحكمُ. والخطأ: التَّخصيصُ؛ وهو أنَّ المخاطبَ في كُلِّ حكمٍ حاكمٌ بحكمٍ مشوب (6) بخطأٍ وصوابٍ، وأنت تُسلِّمُ صوابه وتردُّ خطأه. فالصّوابُ: الحكم؛ أي: نفسُ الإسنادِ المجرّدِ، والخطا هو: التّخصيص والتَّعيين.
أَمّا في قصرِ القلبِ؛ فالصّوابُ حكمُ المخاطبِ بحسبِ الاعتقادِ (7)
__________
= يوحي به السِّياق حينئذٍ من أنّ الكتابين للسّكّاكيّ. وليس أحدهما كذلك.
(1) المفتاح: (191).
(2) هكذا -أيضًا- في مصدر القول. وفي أ: "وهي".
(3) هكذا -أيضًا- في مصدر القول. وفي أ: "تخصيص المسند بالمسند إليه".
(4) كلمة: "واعلم" ساقطة من ب.
(5) في ب: "وتَرْدُد" والصَّواب الإدغام.
(6) المَشُوبُ: المخْلوط. ينظر: اللسان: (شوب): (1/ 510).
(7) في أ: "اعتقاد" وكلاهما يستقيم به المعنى المراد.
(1/505)

كون الموصوفِ على أحد الوصفين (1)، أو كون الوصفِ لأحد الموصوفين (2)، والخطأُ تعيين حكمه وتخصيصُه.
وأَمَّا في الإفراد؛ فالصَّوابُ مطلقُ الحكم بحسبِ الاعتقاد، والخطأ تعيينُه وتخصيصُه بالكلِّ [و] (3) في "المفتاح"، لم يتعرّض بالصَّريحِ (4) للزوم تعين كون الصّوابِ هو الحكم، والخطأ هو التَّخصيص، ولعلّه (5) لمجالِ (6) المناقشة في قصر الإفراد من كون الخطأ فيه هو التَّخصيص أو لغيره (7) - والله أعلم -. هذا على ما في النُّسخةِ الَّتي قرأناها على المصنِّفِ. وفي بعض النسخ: (والخطأ التَّعميمُ أو التَّخصيصُ) فلا حاجةَ (8) إلى ما
__________
(1) في قصر الموصوف على الصِّفة.
(2) في قصر الصّفة على الموصوف.
(3) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل. ومثبت من أ، ب.
(4) هكذا في الأَصل، ب، وهو الصَّواب؛ لأنّ السَّكاكيّ لم يفصح عنه محضًا خالصًا بخلاف ما جاء في أ،: "بالتَّصريح" الَّذي ينبئ عن البيان والظُّهور.
ينظر: اللِّسان: (صرح): (2/ 510).
(5) في الأَصل: "لعلمه" وهو تحريف بالزِّيادة. والصَّواب من أ.
(6) في أ: "بمجال".
(7) عبارة: "ولعلَّه ... لغيره" ساقطة من ب. ومراد الشّارح بهذه العبارة: أنّ السَّكَاكيّ -رحمه الله- لم يُفْصح صراحة بتعيين كون الصَّواب هو الحكم، وكون الخطأ هو التَّخصيص خروجًا ممّا يمكن أن يتَّجهَ عليه في قصر الإفراد، إذ أنّ التخصيص فيه لا يسلم من اعْتراض.
(8) في الأَصل: "ولا حاجة" والأولى من أ، ب.
(1/506)

ذكرناهُ (1).
ثمَّ يختصُّ كلٌّ من الطُّرقِ الأربعةِ بأمر:
فالأوّلُ (2): بأنَّه نصٌّ نفيًا وإثباتًا (3)؛ أي: التّعرّض في الطَّريقِ العطفي (4) للمُثْبت والمنفي منصوصٌ (5)؛ إمّا بخصوصه؛ نحو: [زيدٌ شاعرٌ لا مُنجِّم)، وإمّا بعمومه؛ نحو: (زيدٌ شاعرٌ لا غير). والطُّرقُ الأخيرة الأصل فيها النّصُّ بما يُثبت دون ما ينفي؛ نحو: (ما أنا إلَّا تَمِيميّ)، و (إِنَّما أنا تميمي)، و (تميميٌّ أنا).
والثّاني (6): بأنَّه لا يجتمعُ مع الأَوَّل بخلافِ الأخيرين (7)؛ فإنّهما يجتمعان مع الأَوَّل؛ فلَا تقول: (ما زيدٌ إلا قائم؛ لا قاعدٌ)؛ لكن تقول: (إنّما أَنا تميميٌّ لا قيسيٌّ)، و (تميميٌّ أنا لا قيسيٌّ) إذْ "لا"؛ أي: [لا] (8) العاطفة: لا تدخلُ على ما دخله نفيٌّ لأنَّ من شرط منفيِّها أن
__________
(1) من التّعليل لصنيع السَّكاكيِّ، لأنَّ عِبارةَ النسخ الأخرى: "والخطأ التَّعميم أو التّخصيص" لا يتّجه إليها نقدٌ.
(2) أي: طريق العطف.
(3) هكذا -أيضًا- في ف بالعطف بالواو. وفي ب: "أو إثباتًا، وهو خظأ ظاهر؛ لوجوب اجتماع النَّفي والإثبات.
(4) باب: "القطعيّ" وهو تحريف مع تصحيف.
(5) كلمة: "منصوص" ساقطة من ب.
(6) أي: طريق النّفي والاستثناء.
(7) أي: طريق (إنّما)، وطريق (تقديم ما حقّه التَّأخير).
(8) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب.
(1/507)

لا يكون منفيًّا قبلها بغيرها من كلمات النّفي (1).
قال في "المفتاح" (2): "الأَوَّلُ: لا يجامعُ الثَّاني"، والأمرُ فيه سهلٌ (3)؛ لأنَّ المنافاةَ لا تكون إلَّا من الطّرفين، اللَّهمَّ إلّا أن يُقال: لَمّا كان عدمُ الاجتماعِ مع الثَّاني (4) لا يختصُّ بالأوّل؛ لأنّ الثّالثَ -أيضًا- لا يجتمعُ مع الثَّاني بخلافِ عدم اجتماعه مع الأَوَّل؛ فإنّه يختصُّ بالثّاني - عدلَ عنه إلى هذه العبَارة (5).
و"غير" حُكمُه في هذا حكمُ "إلا"؛ الظّاهرُ أنَّ هذا إشارةٌ إلى عدم اجتماعه -أيضًا- مع الأَوَّل. لكن قال في "المفتاح" (6): "واعلم: أنّ حكمَ "غَير" حكمُ "إلا" في إفادة القصرين وامتناعِ مُجامعة
__________
(1) ينظر: شرح ابن عقيل: (2/ 216)، وشرح قطر النّدى وبلّ الصّدى: (264)، وإلى ذلك أشار ابن مالك في نظمه (171):
وَأَوْلِ (لكن) نَفْيًا أوْ نَهْيًا وَ (لَا) ... نِدَاء أَوْ أَمْرًا أَوْ إِثْبَاتًا تَلَا
(2) ص (293)؛ بتقديم "الأَوَّل" وجعله هو الَّذي لا يلزم "الثَّاني" وهذا بخلاف ما أورده المصنِّف الّذي جعل "الثَّاني" هو الَّذي لا يلازم "الأَوَّل".
(3) أي: مخالفة المصنّف للسّكاكيّ؛ في عدوله عن عبارته.
(4) عبارة: "اللهمّ ... الثَّاني" ساقطة من ب.
(5) وهي قول المصنّف: "والثّاني بأنَّه لا يجتمع مع الأَوَّل" ولا شك أنّ في هذا العدول من المصنّف، وما اقترن به من تعليل من الشّارح ما ينبئ عن عمق فهمهما، ودقّة تعبيرهما.
(6) ص: (300) بحذف التّمثيل للإفراد والقلب.
(1/508)

"لا" العاطِفة؛ تقولُ: (ما جاءني غيرُ زيدٍ)؛ إمَّا إفرادًا (1)، أو قلبًا (2)، ولا تقول: (ما جاءني غيرُ زيدٍ لا عمرو) ".
بخلاف (إِنَّما)؛ فإنّها تجتمع (3) مع الأوّل؛ وإن كان -لكونِه (4) في معنى الثَّاني- مُقْتَضيًا أن لا تجتمع معه؛ لأنَّ النَّفي فيها ضمنيٌّ لا صَريحٌ (5)؛ كما يجوزُ أن يقال: (امتنعَ عن المجيء زيدٌ لا عمرو) مع عدم جوازِ أن يقال: (ما جاء زيدٌ لا عمرو)؛ لأنّ النَّفي فيه -أيضًا- ضمنيٌّ.
وأمّا جوازُ اجتماع التَّقديمِ مع الأوّلِ فظاهرٌ.
وهذا إذا لَمْ يكن المذكورُ بعده مُخْتصًا؛ أي: جواز اجتماع (إنّما) مع الأوَّلِ إذا لم يكن الوصفُ المذكورُ بعد (إنّما) ممّا له في نفسه اختصاصٌ بالموصوف المذكور (6)؛ كقوله -تعالى-: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} (7)؛ فإنَّ كلَّ عاقلٍ يعلمُ أنَّ الاستجابةَ
__________
(1) لمن يقول: جاء زيد مع جاءٍ آخر. المفتاح: (300).
(2) لمن يقول: ما جاء زيد وإنّما جاء مكانه إنسان آخر. المصدر السّابق (300).
(3) في الأَصل: "تجامع"، والمثبت من أ، ب؛ لأنّ كلمة (تجامع) تتعدّى بنفسها.
(4) في أ: "كونه".
(5) فتقول: "إنما أنا تميميّ لا قيسيّ".
(6) لأنّ الاختصاصَ يَدفعُ تصوّر الشّركة؛ فلا حاجة في نفيها؛ لعدم تصوّرها أصلًا.
(7) سورة الأنعام؛ من الآية: 36.
(1/509)

لا تكون إلّا ممن يسمعُ ويعقل؛ وهذا (1) عند السَّكاكَيّ (2)، لكن قال في "دلائل الإعجاز": ذلك شرط الحُسن (3). فلا يقال: إنّما يَعْجَل من يَخْشَى الفَوْتْ لا مَنْ يَأْمَنُه؛ لأنَّ التَّعجيل له اختصاصٌ بالموصوفِ المذكورٍ؛ أي: خاشي (4) الفوت لأن من (5) لم يخشَ الفوت لم يعجل.
و"إلَّا"؛ أي: وكلمة "إلَّا" تقابلُ الإصرار؛ أي: تُستعملُ في مقابلةِ اعتقادِ مُخاطبٍ يكون عند المتكلِّمِ مرتكبًا للخطأ مُصِرًّا عليه. إمّا تحقيقًا، وذلك إذا أُخرج الكلامُ على مُقتضى الظَّاهر؛ {مَا أَنْتُمْ إلا
__________
(1) في ب: "هذا" بدون العطف. وفي أ: "هكذا".
(2) ينظر: المفتاح: (293 - 294).
(3) ينظر: ص: (353) ويخط ذلك بقول: "وممّا يجب أن يعلم: أنَّه إذا كان الفعل بعدها فعلًا لا يصحّ إلّا من المذكور ولا يكون من غيره؛ كالتّذكر الّذي يعلم أنَّه لا يكون إلّا في أُولي الألباب لم يحسن العطف ب "لا" فيه؛ كما يحسن فيما لا يختصّ بالمذكور ويصحّ من غيره".
ويفسّر هذا بقوله: "تفسير هذا: أنّه لا يحسن أن تقول: (إنّما يتذكّر أولو الألباب لا الجهَّال)، كما يحسن أن تقول: (إنّما يجيء زيد لا عمرو) ".
وقد استوجب هذا الرّأيَ ومال إليه بعض من جاء بعدَه من البلاغِيِّين؛ كالخطيب القزويني في التّلخيص: (144)، والإيضاح: (3/ 34)، والجرجانيّ في المصباح: (519).
(4) في الأَصل، ب، "يخاشي". والمثبت من أ.
(5) في الأَصل: "لا من" بدلًا من "لأن من". وهو تحريف بالنَّقص. والصَّواب من أ، ب.
(1/510)

بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ} (1)، فإنّه ما قال الكفّارُ للرُّسل؛ {إِنْ أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ} (2) إلّا والرُّسلُ عندهم في معرض المنتفي (3) عنهمُ البشريّة، والمُنْسَلخ عنهمم حكمها؛ بناءً على جَهْلهم أنَّ الرّسولَ يمتنعُ أن يكون بشرًا؛ فجعلوا الرُّسلَ كأنَّهم بادِّعائهم النُّبوة قد أخرجُوا أنفسهم عن أن يكونوا بَشرًا مثلهم، فإصْرارهم على دعوى الرِّسالة: -بناءً على اعتقادِ الكُفَّار- إصرارٌ (4) على أن لا يكونوا بشرًا؛ فَقَلَبوا (5) وقالوا: {مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ}، وكذا في قوله: {إِنْ أَنْتُمْ إلَّا تَكْذِبُونَ}.
وأمَّا [نحو] (6) {إِنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} (7) فمن باب المجاراة (8)
__________
(1) سورة يس؛ من الآية 15.
(2) سورة إبراهيم، من الآية: 10. وفي أ: {إِنْ أَنْتُمْ إلَّا بَشَرُ مِثْلُنَا}.
(3) في ب "المنفيّ".
(4) في الأصل: "إصرارًا" والصَّواب من: أ، ب.
(5) في أ: "فغلبوا".
(6) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، أ، ف. ومثبت من: ب. وأثبتّها ليعمّ الحكم كلَّ آية مشابهة.
(7) سورة إبراهيم؛ من الآية: 11.
(8) المجارة: التَّماشي مع الغير، وجاراه مُجَارةً وجِراء، أي: جرى معه. ينظر: اللِّسان؛ (جري): (14/ 141).
(1/511)

مع الخصمِ للتَّبْكيت (1) في المَعْثر (2)؛ كط تقول: (أنت صادقٌ في كلِّ ما تقولُ؛ لكن ما حيلتُك في دعواي هذه)؛ هذا جواب سؤالٍ، تقديرُ السُّؤالِ: إنّه اسْتُعملُ حرفُ النَّفي، و (إلّا) هاهنا - لا في مُقابلةِ الإصرارِ؛ لأنَّ الكُفّارَ لا يقولون: إنهم ليسوا ببشر فضلًا عن الإصرارِ. الجوابُ: إنّه من باب المجاراة والتَّماشي مع الخَصْمِ، وإرخاءِ العنانِ معه؛ لتَبْكِيتِه؛ أي: إلزامه وإسكاتِه في المَعْثَر (3)؛ كما قد يقولُ من يخالفك فيما ادّعيت: أنَّك من شأنكَ كيت وكيت؛ فأنت تقول: نعم؛ إنِّي من شأني كيت وكيت، وأنت (4) صادقٌ في كلِّ ما تقول، لكن (5) ما حيلتُك في دعواي هذه؟؛ وكيف يقدحُ ذلك فيها؟ (6).
__________
(1) التَّبكيتُ: التَّقْريعُ والتَّوبيخُ. اللِّسان: (بكت): (2/ 11).
(2) المَعْثَرُ: موضع العثرة؛ وهي الزَّلَة. ومنه العاثور؛ وهو: ما يُعدّ ليُوقع فيه آخر.
ينظر: اللِّسان: (عثر): (4/ 539 - 540).
(3) فكأنّ الرّسل قالوا: سلّمنا أننا بشر؛ فإنَّه حق، لكن لا نمنع أنَّها لا تجامع الرّسالة، فإن {اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [سورة إبراهيم، من الآية: 11].
المصباح للجرجاني: (1/ 523).
(4) في ب: "فَأنت". وفي أ: "أنت".
(5) كلمة "لكن" ساقطة من أ.
(6) وهذا النَّوعُ من الكلام يُسمِّيه المنطقيّون بالقولِ الموجب، وهو من أساليب الكلام المنْصِف.
(1/512)

وفي "المفتاح" بدل قوله: "للتّبكيت في المعثر": "ليعْثُر حيثُ يُراد تبكيته" (1)، وبين العبارتينِ فرقٌ (2).
وإمَّا ادِّعاءً، قسيمٌ لقوله: إمّا تحقيقًا. وهذا فيما أُخرجَ الكلامُ لا على مُقتضى الظاهر، نحو: {إِنْ أَنْتَ إلا نَذِيرٌ} (3) كأنّه للمُبالغةِ؛ أي: لمبالغتِه عليه [السّلام] (4) وشدّةِ حرصه على هدايتهم، وتهالُكه عليهم؛ حتَّى قيل: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} (5) جُعل مِمَّن يظنُّ أنّه يملكُ هدايتَهم مصرًّا عليه، ونُزِّلَ - صلى الله عليه وسلّم - منْزلته (6)؛ فجئَ بالنَّفي والإثبات؛ أي: أنت نذيرٌ لا هاد.
ثمَّ الأصلُ: ما ضربَ زيدٌ إلا عمرًا؛ بعدَ الفراغِ عن القصرِ بين
__________
(1) ص: (294).
(2) حيث إن التَّبكيتَ في عبارة المصنف متعلّقٌ تعلّقًا مباشرًا بالمجاراة وثمرةٌ لها، بخلافه في عبارة السَّكّاكيّ؛ إذ أنّ التَّبكيت فيها متعلِّق بالمعثر، والمعثر متعلّق بالمجاراة. وكلتا العبارتين ناسبتا مقامهما، فعبارة المصنّف بلا واسطة وهي أليق ب "المختصر"، وعبارة السَّكّاكيّ منطقيّة التّسلسل. وهي أليق ب "المفتاح"، حيث التفصيل والإيضاح.
وإذا كان في إيجاز عبارة المصنّف ما يحمد له، فإنّ في التّنبيه لما بين العبارتين من الفرق ما يحسب -أيضًا- للكرمانيّ.
(3) سورة فاطر، الآية: 23.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من أ، ب.
(5) سورة الكهف، من الآية: 6.
(6) في أ: وردت الجملة هكذا: "وينَزّل منْزلته".
(1/513)

الصِّفة والموصوفِ شرعَ في غيرها، ولم يذكرْ منه إلَّا قصر الفعل على المفعول؛ لظهورِ الباقي. والأصلُ في قصرِ الفعل [على المفعول] (1) أن (2) تقول: (ما ضربَ زيدٌ إلا عمرًا)؛ أي: لم يقع ضربُه إلّا على عمر؛ فلا يمتنعُ (3) كونُ عمرو (4) مضروبًا لغيره، ويمتنعُ كونُ زيدٍ ضاربًا لغيره (5).
ويجوزُ: (ما ضربَ إلّا عمرًا زيدٌ)؛ بتقديم (إلّا عمرًا) علي (زيدٍ)؛ لكنه قليلٌ؛ لأنَّه قصرَ الشَّيءَ وهو الضَّرْب قبل تمامه؛ أي: قبل؛ تقييده بالفاعلِ؛ وهو خلافُ المرادِ؛ لأنَّ المقصورَ علي عمرو فيه هو الضّربُ المقيّدُ؛ أي: ضرب زيدٍ دون المطلقِ؛ أي: لا (6) الضّرب مُطلقًا، وعلى هذا.
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من أ، ب.
(2) "أنْ" ساقطةٌ في أ.
(3) في أ: "ولا يمتنع".
(4) سقطت كلمتا: "كون عمرو" من أ.
(5) سقطت عبارة: "ويمتنع ... لغيره" من ب.
(6) سقطت: "لا" من ب. ولا بدَّ منها.
(1/514)

خاتمةٌ:
لا بدّ في الاستثناء من المستثني منه، لكون (إلّا) للإخراج، واستدعاء الإخراج مُخرجًا منه: ومن عمومِه، أي: المستثنى منه، لعدمِ المخصّصِ وامتناعِ التَّرجيحِ؛ أي: ترجيج أحدِ المُتَساويين، بلا مُرجِّحٍ. ومن المناسبةِ؛ بين المستثني والمستثنى منه في الجنس؛ أي: كونه بحيث يتناولُه ويدخلُ فيه وفي الوصفِ؛ أي: في مثل: الفاعليّةِ، المفعوليّة، والحاليَّةِ، وغيرها. فيُقدّر إذا قُدِّر؛ وذلك في الكلامِ النّاقصَ -أي: فيما لا يكون والمستثنى منه مَذكورًا- وهو الاستثناء المفرّغُ. أعمّ عامٌّ يتناولُ المستثنى، ف (ما ضريتُ إلّا زيدًا)، أي: "أَحدًا"، أي: يُقَدَّر "أحدًا" مفْعولًا لقوله: "ضربتُ"؛ لأنَّه عامٌّ مُناسبٌ للمستثنى في الجنسِ والوصفِ، و (إلا راكبًا)؛ أي: "على حال"؛ أي: ما ضربتُ على حال إلا راكبًا، والمقدّر فيه ذلك لمناسبته (1) له، و (إلا تأديبًا)؛ أي: لغرضٍ (2)؛ أي: ما ضربتُ لغرضٍ إلَّا تأديبًا. وهذا ليسَ في "المفتاح" (3).
__________
(1) في الأصل: "لمناسبة"، الصَّواب من: أ، ب.
(2) في الأصل: "للغرص"، والمثبت من: أ، ب، ف.
(3) مراده بما ليس في المفتاح. قول المصنّف: "وإلَّا تأديبًا؛ أي لغرض"؛ إذ الأمثلة الأخرى منصوصٌ عليها في المفتاح. ينظر: ص (299).
(1/515)

وبه (1) يُعرفُ الفرقُ بين: (ما اختارَ إلّا منكم فارسًا)، و (إلّا فارسًا منكم)؛ فإنَّ معنى الأوّلِ: ما اختارَ فارسًا من قوم إلّا منكم؛ فقصرَ اختيارَ الفارسِ عليهم. ومعنى الثَّاني: ما اختارَ منكم أحدًا متّصفًا (2) بأي وصفٍ كان إلّا فارسًا؛ فقصرَ الاختيارَ منهم على الفارس. والأوّلُ أبلغُ في المدح؛ كما في قول الشّاعر (3):
لَوْ خُيِّرَ المِنْبَرُ فُرْسَانَهُ ... مَا اختارَ إلّا مِنْكُمُ فَارِسًا (4)
لاقتضائه انحصار الفرسانِ فيهم (5)، بخلاف الآخر، فإنّه لا يدلُّ على هذا الانحصار؛ بل على انحصار المختارِ مِنْهم في الفُرسَان.
__________
(1) أي: بما ذكر من أن المستثنى منه المقدّر يجب أن يكون عامًّا ومناسبًا للمستثنى.
(2) في الأَصل: "منتصفًا" والصَّواب من أ، ب.
(3) البيت من السّريع. وقائله: إسماعيل بن محمّد؛ المعروف: بالسّيِّد الحِمْيَرِيّ. قاله ضمن أبياتٍ يمدح فيها السّفّاحَ العبَاسيّ وقد خطب يومًا فأحسن.
والبيتُ في ديوان الشَاعر: (259)، والأغاني: (4/ 175)، وحسن التَّوسّل إلى صناعة التَّرسّل؛ لشهاب الدّين الحلبِيّ: (176)، ونهاية الأرب للنّويريّ: (7/ 85).
واستُشهد به في دلائل الإعجاز: (344)، والمفتاح: (299)، والإيضاح: (3/ 44)، والتّبيان: (292).
(4) في الأَصل: "ما اختار منكم إلَّا فارسًا"؛ وبه ينكسر الوزن. والصَّواب من أ، ب. مصدر البيت.
(5) في أ: "منهم".
(1/516)

والثّالثُ: ويختصُّ الطّريقُ الثَّالث (1) بأنّه يفيدُ الحصْرَ في الجزءِ الأخيرِ من الكلامِ، فالحصرُ في (إنّما أعطيتُ زيدًا درهمًا) على الدِّرهم، وفي (إنّما أعطيتُ درهمًا زيدًا) على زيد. فلا يجوزُ فيهِ من التَّقديمِ والتأخيرِ ما جاز في الثَّاني، أي: في الطّريق الثَّاني؛ وهو: "ما وإلّا" للإلباسِ؛ لأنَّ الحصرَ فيه (2) دائمًا في الجزءِ الأخيرِ، لأنّه بمنْزلةِ المستثنى، فإذا قُدِّمَ أو أُخِّرَ تَغَيَّرَ القَصْرُ والْتَبَسَ الأمر، بخلافِ "ما وإلّا"؛ فإنَّ الحصرَ دائمًا فيه فيما بعد (إلّا) سواءٌ (3) أُخِّر ما قبل (إلا) عمّا بعدها، أو خُلِّي في مكانه؛ فلا إلباس (4)، ولأنّ ذلكَ هو الأصل دون هذا؛ أي: ولأنَّ الطّريقَ الثَّاني هو الأصلُ في بابِ القصر؛ وهذا الطّريقُ فرعٌ (5) عليه، ويجوزُ في الأصلِ ما لا يجوز في الفرعِ تحقيقًا لمزيّةِ (6) الأصلِ، وحَطًّا لمرتبةِ (7) الفرعِ.
__________
(1) أي: طريق: (إنّما).
(2) أي: طريق: (إنّما).
(3) في الأَصل: "الاستواء" وهو خطأ ظاهر.
(4) في أ: "التباس" والمعنى واحد.
(5) كان الأولى بالكرمانيّ -رحمه الله تعالى- أَنْ يلتزم بتعبير السَّكاكيّ؛ وهو قوله (المفتاح / 300): "وهذا كالفرع عليه"؛ وذلك لأنّ إفادة طريق (إنَّما) للقصر هي بالوضع أيضًا.
(6) هكذا في الأَصل، ب، وهو الأَوْلَى. وفي أ: "لمرتبة".
(7) في ب: "لمزيّة" وفيه تحريف وتصحيف؛ إذ لا مزيّة للفرع إذا ما قورن بالأصل.
(1/517)

والرَّابعُ: ويختصُّ الطَّريقُ الرّابعُ، بأنَّه ذوقيٌّ لا وضعيٌّ؛ أي: بأنّ دلالته على القصرِ دلالةٌ (1) ذوقيّة لا وضعيّةٌ لُغَويّةٌ؛ لأنّ التَّقديمَ لم يوضع لمعنىً؛ بل ما يُفهم منه بواسطةِ الفحْوى.
__________
(1) كلمة: "دلالة" ساقطة من: أ.
(1/518)

الفنُّ الرّابعُ (*): في وضعِ الجملتينِ، والكلامِ في الوصلِ والفصل، وفي الإيجازِ والإطنابِ، وفي جعلِ إحداهما حالًا.
النّوعُ الأوّلُ: في الفصلِ والوصلِ.
وفي: تركُ العاطف (1) وإيرادُه (2) ويختصُّ، أي (3): الكلام في باب الفصلِ والوَصْل، بالواو؛ لأنّها للرّبطِ المْحضِ، والجمع المطلقِ بين المعطوفين. والرّبطُ [لا] (4) يكونُ بينَ كلِّ شيئين، مع كثرةِ جهاتِ الرّبطِ وخفائها واختلافها قُرْبًا وبُعْدًا، بخلافِ مواضع استعمالِ سائرِ الحروفِ العاطفةِ (5)، فإنّها متميِّزةٌ معلومةٌ؛ لدلالةِ كلٌّ منها (6) على معنًى مُحصَّلٍ مستدعٍ من الجمل بَيْنًا (7) مخصوصًا بالوضع، فالمشكلُ موضعُ الواو،
__________
(*) من القانون الأَوَّل، من الفصل الأَوَّل.
(1) أي: في الفصل.
(2) أي: في الوصل.
(3) "أي" ساقطة من أ؛ وعلى مثلها درج الشّارح.
(4) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل، ومثبت من أ، ب.
(5) كالعطف بالفاء، وثم، وحتّى، ولا، وبل، ولكن، وأو، وأمْ، وأمّا، وأي على قول السَّكاكيّ.
(6) في الأَصل: "منهما"، والصَّواب أ، ب.
(7) في الأَصل: "ببناء". وفي أ: "شيئًا". وفي ب: "بناء" والصَّواب مأخوذ من مفتاح العلوم وبه يستقيم السِّياق، ويتّضح المعنى. إذ البَيْن هو الوَسطُ.
(1/519)

ولهذا قصرَ بعضُ أئمّةِ الفنِّ البلاغةَ في معرفة الفصلِ والوصلِ بها (1).
فإن قيلَ: الاجتماعُ لا يُستفادُ مَن الواو (2)؛ بل هو معلومٌ في (3) نفسِ الكلام؛ كما تقولُ: (زيدٌ قائمٌ عمرو قاعدٌ)، بلا واو؛ فإنّه يعلمُ منهما اجتماعهما في الثُّبوتِ.
قلتُ: الفرْدقُ: أنّ في صُورةِ الواو قُصِدَ به إعلامُ ثبوتِ الاجتماعِ؛ فجئَ بلفظٍ يدلُّ عليه؛ بخلافِ صورةِ عدمه (4)؛ فإنّه فيها لم يقصد به الإعلامُ به وإن لزم الاجتماع منه عقلًا. فالأوّلُ بالوضع، والثَّاني بالعقل، وكان (5) الأوّلُ ثبوت الاجتماع، والثَّاني اجتماع الثُّبوتِ، وهما وإن تلازما لكنّهُما متغايران بحسبِ المفهومِ.
فحيثُ لا معطوفَ عليه، أي: لَمّا كان الوصلُ إيرادَ العاطفِ ولا بدَّ للموصولِ من موصولٍ به وللمعطوفِ من معطوفٍ عليه، فحيثُ
__________
(1) في الأَصل: "بهما" ولا وجه للتّثنية؛ فالضّمير عائدٌ إلى (الواو). والصَّواب من أ، ب. وتجدر الإشارة إلى أنّ ما وقفت عليه من مصادر لم ينصّ على قصر البلاغة في معرفة الفصل والوصل بالواو. كما نصّ عليه الشّارح. وإنّما نصّ على حصر البلاغة في معرفة الفصل والوصل مطلقًا.
ينظر: دلائل الإعجاز: (222)، مفتاح العلوم: (251)، الإيضاح: (3/ 97).
(2) اعتراضٌ -تصوَّره الشَّارحُ- على قوله المتقدّم: "والجمع المطلق بين المعطوفين".
(3) في أ: "من" ولا اختلاف في المعنى.
(4) أي: الواو.
(5) في الأَصل زيادة: "إن" بعد الواو. ولا وجه يتطلّب إثباتها.
(1/520)

لا معطوفَ عليه لفظًا (1). يؤوّل بأنّه مقدّرٌ؛ كقوله: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} (2) وتقديرُه: (وإيَّاي ارْهَبُوا فَارْهَبُونِ). وإنّما ساغَ ذلكَ لكونِ المعطوفِ عليه في حُكْمِ الملفوظِ به (3)؛ لكونه مُفسَّرًا (4)؛ وكقوله: {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا} (5) تقديرُه:؛ (أكفروا وكلّما)؛ إذ حرفُ الاستفهامِ يستدعي فعلًا، فيقدّرُ فعلٌ يناسبُ المقام؛ وهو ما يدلُّ على معناه مساقُ الآية؛ وذلك مثل (كفروا).
__________
(1) في أ: "لفظيًّا".
(2) سورة البقرة؛ من الآية: 40.
(3) "به" ساقطةٌ من ب.
(4) أي: بقوله: {فَارْهَبُونِ} فإنَّه دالٌّ على عامل الضَّمير المنفصل {إِيَّايَ} وهو (ارهبوا) ومفسّرٌ له.
ويلحظ اُنّ العطف في الآية الكريمة لم يتحقّق بالواو الّتي عوَّل عليهما جمهور البلاغيّين في هذا الموطن، وإنَّما تحقّق بالفاء. ويبدو أنَّ السّبب في ذلك سلوك المصنِّف -رحمه الله- منهجَ شيخه السَّكَّاكيِّ الّذي يرى أنّ كلًّا من الوصل والفصل يأتي في العطف بالواو؛ كما يأتي في غيره من حروف العطف. على اختلافٍ في تعاطي القرب والبعد؛ فما كان بغير الواو فهو قريب وما كان به فهو بعيد.
ينظر: المفتاح: (249).
(5) سورة البقرة؛ من الآية: 100.
(1/521)

وإنّما يَحسُنُ بينَ متناسبين (1) لا مُتّحدين ولا مُتباينين؛ أي: شرطُ كون العطفِ حسنًا مقبولًا أن لا يكون بين المعطوفين كمالُ الاتِّحادِ والاتِّصالِ؛ لامتناع عطفِ الشَّيء على نفسِه، ولا كمالُ الانقطاع؛ لعدمِ الارتباطِ والتَّعلّق بينهُما (2)؛ بل يكون بينهما مناسبةٌ حتى تكون مُتوسِّطةً بيْن كمالِ الاتِّصالِ وبيْن (3) كمالِ الانقطاعِ؛ كما ترى في نَحو: (الشَّمسُ والقمر، والسّماءُ والأرضُ، والجنُّ والإنسُ) (4) كلُّ ذلك محدثة؛ بخلافه في نحو: (الشَّمسُ ومرارةُ الأرنبِ والرِّجْلُ اليُسرى من الضِّفدع ودينُ المجوسِ وألف باذنجانة) (5)
__________
(1) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "المتناسبين".
(2) في أ: "بينهما".
(3) كلمة "بين" ساقطة من أ.
(4) ويلحظ أنَّ الشّارح -رحمه الله- أورد المثال من المفردات في حين أنّ مبحث الفصل والوصل معقود -أصلًا- بين الجمل. ويبدو أنه فعل ذلك إيضاحًا وتقريبًا من جهة، وإشعارًا باشتراط المناسبة في عطف المفردات - أيضًا. من جهة أخرى.
(5) أورد المثال في المفتاح: (251)؛ هكذا: "الشّمس ومرارة الأرنب وسورة الإخلاص والرِّجل اليُسرى من الضّفدع، ودين المجوس وألف باذنجانة"؛ بالعطف بالواو بين كلّ مفردين -كما هو الحال في المثال السَّابق ولكنّ الكرمانيّ -رحمه الله وأسكنه فسيح جنّاته - تأذّى من إقحام لفظ "سورة الإخلاص" مع ما عطف عليه فاستبعد اللّفظ، ورعًا وتأدُّبًا.
وإذا كان هذا الصّنيع ممّا يحسب للكرمانيّ، فإنّه - ولا شكّ - يسجّل على =
(1/522)

كلّها محدثة (1).
ولذلك (2)، أي: ولأنَّ الوصلَ بالواو لا يحسنُ إلّا بين المتناسبين، حُرِّم ومُنع في الصِّفة والبيانِ والتَّأكيد، لأنَّ التَّابعَ فيها هو المتبوعُ بعينهِ، وحُرّم في البدلِ؛ لأنَّ المبدل في حكمِ المطروح المنحّى؛ وإذ هو كالعدمِ فليس هناك شيئان فضلًا عن متناسبين.
والنّحاةُ صرّخوا به في الغلطِ؛ أيّ: بأنَّ البدلَ في حكم تنحية المبدل مطلَقًا في بدلِ الغلطِ (3).
وفي بعضِ النُّسح: ولهذا صرّحوا بِبَلْ في الغلطِ؛ وهذا المعنى أَوْلَى بالمقامِ وأوفقُ لِمَا في "المفتاح" (4).
__________
= السَّكاكيِّ ولا يعذر -في نظري- بفقدان الجهة الجامعة الّتي استشهد بالمثال لها؛ فإنّ مجرد تجاور اللّفطين تأباهُ النَّفس، ويعافه الذَّوقُ، وكم أغناه عن ذلك من المفردات!!.
(1) كلمة: "كلّها" ساقطةٌ من ب.
(2) في الأَصل: "وكذلك"، والصَّواب من: أ، ب، ف.
(3) ينظر -على سبيل المثال-: أوضح المسالك: (3/ 358)، وشرح ابن عقيل: (2/ 228).
(4) مراده بما في المفتاح قول السَّكّاكيّ ص: (250): "وعلمت كون المتبوع في نوع البدل في حكم المنحى والمضرب عنه، بما تسمع أئمّة النّحو - رضي الله عنهم - يقولون: البدل في حكم تنحية المبدل منه، ويوصون بتصريح بل في قسمة الغلطيّ".
(1/523)

فالوصلُ بين الجملتين إِنَّما يحسُن إذا اتّحدتا طلبًا وخبرًا بأن تكونا طَلَبَّيتَين (1) أو خَبَرِيَّتين (2)، مع ارتباطٍ يجمعُ بينهما جمعًا من جهة: العقل، أَو الوهم، أو الخيال. ويُسمّى الجهة الجامعة (3)، وهي:
إمّا عقليّ؛ كاتِّحادٍ بينهما في مسندٍ؛ نحو: (زيدٌ كاتبٌ وعمرو) (4)، أو في (5) مسندٍ إليه؛ نحو: (زيدٌ يصلُ ويَقْطع)، أو في (6) قيدٍ لأحدهما؛ أي: المسند، والمسند إليه؛ نحو: (زيدٌ الكاتبُ شاعرٌ، وعمرو الكاتبُ منجّمٌ)، أو تماثلٍ (7)؛ أي: كتماثل بينهما، فيهما؛ أي: في المسند والمسند إليه. وفي بعض النُّسح: (أو (8) فيها)، أي: في المسند أو المسند إليه أو
__________
(1) في أ: "طلبين" ولا وجه للتَّذكير. ومثال اتحّادهما في الطّلبيّة؛ قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف؛ من الآية: 31].
(2) في أ: "خبرين" ولا وجه للتّذكير. ومثال اتّحادهما في الخبريّة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البيّنة؛ من الآية: 7].
(3) في الأَصل: "الخاصّة". وفي ب: "العامّة". والصَّواب من أ.
(4) في ب تكرّر عقب هذا - سهوًا - قول المصنّف المتقدّم: "إمّا عقلي كاتِّحاد".
(5) "في" هكذا واردة ضمن كلام الشَّارح في الأَصل. وفي: أ، ب وردت ضمن كلام المصنّف، وليست في ف.
(6) "في" هكذا واردة ضمن كلام الشّارح في الأَصل. وفي: أ، ب وردت ضمن كلام المصنّف، وليست في ف.
(7) يتحقّق التّماثل بأن يتفقا في الحقيقة ويختلفا بالشّخص.
(8) "أو" ساقطةٌ من أ، ب.
(1/524)

القيدِ، وكلاهما مقروآن على المُصَنِّف (1). ومرجعهُ؛ أي: التّماثل الاتِّحادُ؛ إذ العقلُ يحذفُ الْمُشَخّصات؛ أي: يُجردُ المثلين عن الشّخصِ (2)؛ فيرتفعُ التَّعددُ عن البين؛ فتبقى الحقيقةُ [المتّحدة] (3). أو تضايفٍ؛ أي: لتضايفٍ (4) بينهما؛ وهو بأن لا يُعقل (5) أحدُهما بدون تعقلِ الآخر؛ سواء كان بين الأمور المعقولة؛ كما بين العلّةِ والمعلول، أو بين المحسوسةِ؛ كما بين العُلُوّ والسُّفل، أو بين ما يعمُّهما؛ كما بين الأقلِّ والأكثرِ؛ لأنَّ الكمَّ (6) المنفصل (7) يعمّ المعقولات والمحسوساتِ (8).
__________
(1) على أنّ المصنّف بقوله في الجامع العقليّ: "كاتّحاد بينهما في مسند أو مسند إليه أو قيد لأحدهما" يَسْتدرِك على شيخه السَّكّاكيّ توسّعه في هذا الجامع؛ إذ قال (المفتاح: 253): "والجامع العقليّ هو أن يكون بينهما اتّحاد في تصوّر مثل الاتّحاد في المخبر عنه أو في الخبر ... " حيث أفضى هذا التّوسَع إلى امتناع الوصل في بعض الأمثلة مع وجود الجامع في المخبر عنه أو الخبر.
(2) في أ: "الشّخصين".
(3) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل، ومثبت من: أ، ب. وبه يزداد المعنى وضوحًا.
(4) في أ، ب: "كتضايف".
(5) في أ، ب: "لا يكون تَعَقُّل" ولا اختلاف في المعنى المراد.
(6) في ب: "الكمى".
(7) في الأَصل: "المنفصلة" والمثبت من: أ، ب.
(8) والتّضايف يكون -أيضًا- في المسند أو في المسند إليه على اعتبار العطف على رواية الأَصل المتقدّمة: (أو تمائل فيهما). أو في المسند أو المسند إليه أو القيد =
(1/525)

وأمّا وهميّ (1)؛ كتشابه؛ وهو بأن يكون بين تصوُّراتهما (2) شبهُ تماثلٍ؛ نحو: أن يكون المُخْبَرُ عنه في إحداهما لون بياض، وفي الثّانيةِ لون (3) صفرةٍ؛ فإنَّ الوهمَ يحتالُ في أن يبرزهما في معرض المثلين (4). أو تضادٍّ، أي: أو كتضادٍّ (5). بالذّات؛ كالسّوادِ والبياضِ، فإنّ السَّوادَ لذاته يُضادُّ البياضَ، أو بالعرض؛ كالأسودِ والأبيض فإنّه ليس بين ذات الأسود من حيثُ هي، وذاتِ الأبيضِ من حيثُ هي تضادٌّ؛ إنَّما عرض لها (6) ذلك بواسطةِ السّوادِ والبياضِ. أو ما يُشبهه (7)؛ أي: أو كشبه (8) التَّضادِ، كالسّماءِ والأرضِ؛ فإنَّ الضِّدين هما الوُجوديّان المتعاقبان على
__________
= على اعتبار العطف على ما ورد في بعض النّسح: "أو تماثل فيها" وذلك لأنّ الأَصل اشتراك المعطوف للمعطوف عليه في جميع قيوده.
(1) أي: وإمّا رابط وهميّ.
(2) أي: أيّ الجملتين.
(3) في الأَصل: "كون"، والصَّواب من: أ، ب.
(4) وذلك بادّعائه أنّ الصُّفرة بياض لكن زيد فيه شيء يسير لا يخرجه عن حقيقته.
(5) في الأَصل: "لتضادّ"، والصَّواب من: أ، ب. وهو الملائم لعبارات المصنّف والشّارح في بقيّة الأقسام.
(6) في ب: "لهما".
(7) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "أو شبهه".
(8) في الأَصل: "كشبيه" والمثبت من: أ، ب.
(1/526)

محلٍّ واحدٍ؛ بينهما غايةُ الخلافِ، وإذ بينهما قيدُ التَّعاقبِ عليه (1) منتفٍ؛ فلا يتضادّان حقيقة، ولكونهما وجوديين بينهما غايةُ الخلافِ تشابهما (2) بهما (3).
وإمَّا خياليّ (4) للتقارنِ (5) فيهِ بسببٍ اتِّفاقي؛ وهو أن يكون بين تصوّراتهما تقارنٌ في الخيالِ بأسبابٍ اتفاقيّةٍ مؤدِّيةٍ إلى ذلك. فإنَّ جميعَ ما يثبت (6) في الخيالِ ممّا يصل إليه من الخارج يثبتُ فيه على نحو ما يتأدّى إليه ويتكرّرُ لديه.
والخياليّاتُ تختلفُ فيما بين معشرِ البشرِ بالأسبابِ؛ لاختلافها (7) وعدمِ كونهما على وتيرةٍ (8) واحدةٍ، من صناعةٍ خاصّةٍ، أو عُرفٍ عامٍّ، فكم من صورٍ تتعانقُ في خيالِ أهلِ صنعة أو عُرفِ وَهي (9) في آخر لا
__________
(1) أي: على المحلّ؛ المدلول عليه بما قبله.
(2) في الأصل: "شابها". وفي ب: رسمت هكذا: "لببا" ولم أستطع قراءتها.
والمثبت من أ.
(3) أي: بالضّدين.
(4) أي: وإمّا رابط خَياليٌّ.
(5) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، ب: "كتقارنٍ".
(6) في الأَصل: "ثبت"، والصَّواب من: أ، ب؛ بدليل مجيئها مضارعة فيما بعد.
(7) في الأَصل: "لاختلافهما" والصَّواب من أ، ب.
(8) الوتيرة: الطّريقة. الصّحاح: (وتر): (2/ 718).
(9) في الأَصل: "وهميّ" والصَّواب من أ، ب.
(1/527)

تتراأي ناراهُما!، وكم [من] (1) صورةٍ لا تكادُ (2) تلوحُ في خيالٍ، وهي في غيره نارٌ على عَلَم!. فتتفاوتُ بالأممِ والطّوائفِ؛ كتعانقِ السَّطلِ والحمَّام في خيال الحمَّامِي، والْقَدُوم (3) والمنشار في خيال النَّجّار، ولو غيّرته إلى نحو السّطل والمنشار جاء الاستبداعُ والاستنكارُ.
فلا يَسْتَنكرُ قوله - تعالى -: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} الآية (4). إلَّا من يَجهل؛ هذا فاعلٌ لقوله: (لا يستنكرُ). أنّ الخطابَ مع العرب، وما في خيالهم؛ أي: والحال أَنَّه ليسَ في خيالهم إلَّا الإبلُ فإنّ العربَ وَأهل الوَبرِ (5) لَمّا كان مطعمهم ومشربهم وملبسهم من المواشي كافي عنايتُهم مصروفةً إلى أكثرها نفعًا؛ وهي الإبلُ؛ وإذا كان انتفاعُهم بها لا يتحصّل إلَّا بأن تَرعى وتشرب، فجلُّ مرمى غرضهم أرضٌ
__________
(1) ما بين المعقوفين مثبت من أ، ب. وناسب إثباتَه قولُه قبله: "فكم من صور".
(2) كلمة: "لا تكاد" ساقطةٌ من ب.
(3) القَدُوم: الآلة الّتي يُنْحَتُ بها. ينظر: اللِّسان: (قدم): (12/ 471).
(4) سورة الغاشية، الآية: 17. وظاهر أنّه لا يريد بقوله: "الآية" إتمام الآية -على نحو ما ألف ممن يستشهد ببعض الآية ويعقّب ب "الآية" وإلَّا على تمامِها- لكون الآية تامّة. وإنّما أراد بقيّة الآيات الملائمة للاستشهاد بعدها وهي: {وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الآيات: 18، 19، 20].
(5) الوبر: صوت الإبل. و"أهل الوبر": كناية عن البدو؛ لأنّهم يتخذون بيوتهم من أوبار الابل. ينظر: اللِّسان: (وبر): (5/ 271).
(1/528)

ترعاها، وبعد ذلكَ أهمّ مسارح النَّظر عندهم سَمَاءٌ تسقيهم وإيّاها، أي: الآبال (1). وإذا كانوا مضطّرّين (2) إلى مأوى يؤويهم، وإلى حصنٍ يتحصّنون فيه عند شنِّ الغاراتِ، ولا مأوى ولا حِصْن لهم إلّا الجبال، لا بدَّ وأن يكون خاطرُهم ملتفتًا إلى (3) جبالٍ هي معاقلُهم عند شنّ الغارات.
والمعاقِل: جمع معقل، وهو: الْمَلْجأ.
فتعانقُ هذه الصُّورِ في خيالِ البدويِّ ممّا لا كلام (4) فيه، بخلاف الحضريّ، فإنّه حيثُ لم تتآخذ عنده تلك الأمورِ ظنَّ النّسق - قبل أن يقفَ على ما ذكرنا - معيبًا؛
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَولًا صَحِيحًا ... وآفَتُهُ (5) مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ (6)
ولاستحبابِ التَّنَاسُب، أي: ولتحسين الوصلِ استحبَّ أن تكونَ
__________
(1) في الأَصل: "إذا في الآبال" والصَّواب من: أ، ب.
(2) في أ: "مقطرين" واستدركت في الهامش.
(3) "إلى" ساقطة من ب.
(4) في أ: "لا لكلام".
(5) الآفة: العاهة. الصِّحاح: مادة (أوف): (3/ 1101). والضّمير في "آفته" للقول.
(6) البيتُ من الوافر، وقائله أحمد بن الحسين المتنبّيّ. والبيتُ في ديوانه بشرح العكبريّ. (4/ 120).
(1/529)

الجُملتانِ متناسبتين؛ ككونهما: اسميّتين (1)، أو فعليّتين. فإذا كانَ المرادُ من الإخبار مجرّد نسبةِ الخبر إلى المخبرِ عنه من غير التّعرّضِ (2) لقيدٍ زائد عليه؛ كالتَّجدّدِ والثُّبوتِ لا يُخالفُ بينهما، ويُراعى ذلك؛ تقول: (قامَ زيدٌ وقعد عمرو) إلَّا لغرضٍ؛ كملاحظةِ تجدُّدٍ وثباتٍ، فيُخالف؛ كما إذا كان زيدٌ وعمرو قاعدين؛ فقامَ زيدٌ دون عمرو، تقول: (قامَ زيدٌ وعمرو قاعدٌ بعدُ) إذ مُراعاةُ المعنى أَوْلَى من المناسبةِ اللّفظيّةِ؛ نحو قوله - تعالى -: {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} (3)؛ أي: سواء عليكم (4) أَأَحدثتم الدَّعوةَ لهم أم أستمرَّ عليكُم صمتكُم عن دعائهم (5)؛ لأنّهم كانوا إذا حزَبهم أمرٌ دعوا اللهَ دون أصنامهم؛ فكانتْ حالُهم المستمرّةُ أن يكونوا عن دعوقم صامتين. ونحوَ قوله - تعالى -: {أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} (6)؛ أي:
__________
(1) في أ: "اسمين" وهو تحريف بالنَّقْص. وصحّحت الكلمة في الهامش.
(2) في ب: "تعرّضٍ" والمعنى واحد.
(3) سورة الأعراف، من الآية: 193.
(4) في ب: "عليهم" وهو خطأ ظاهر.
(5) فخالف بين الجملتين؛ حيث عطف الجملة