Advertisement

تحقيق الفوائد الغياثية 002


المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
عمادة البحث العلمي
رقم الإصدار (79)

تحقيق الفوائد الغياثية

تأليف
شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني
(المتوفى سنة 786 ه)

تحقيق ودراسة
د. علي بن دخيل الله بن عجيان العوفي
عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة

[الجزء الثاني]
(2/)

النوعُ الثَّاني (*): في الإيجاز والإطناب؛
وهما نسبيّان؛
إذ لا يُعقلُ معناهما إلَّا بالإضافة [إلى غيره] (1) ولهذا يختلفان؛ فكمْ من وجيزٍ بالنِّسبةِ إلى شيءٍ؛ طويلٌ (2) بالنِّسبة إلى آخر!. فَلِنَنْسِبُهُما إلى متعارفِ الأوساطِ؛ أي: كلامهم في مجرى عرفهم في تأَديةِ المعنى. وإِنَّه؛ أي: متعارف الأَوساطِ. لا يُمدحُ منهم، ولا يُذمّ.
لَهُما؛ للإيجازِ والإطنابِ مراتبُ لا تُحصى من وجيزٍ، وأَوْجز، وأَوْجز، ومطنبٍ، وأَطْنبَ، وأطنبَ.
وإذا صادفا المقامَ حَسَّنا الكلامَ وصيَّراه محمودًا ممدوحًا، وإلّا؛ أي: وإن لم يصادفا [المقام] (3) صارَ الإيجازُ عيًّا (4) مَذْمومًا وتَقْصيرًا، والإطنابُ إِكْثَارًا مَلُومًا وتَطويلًا.
__________
(*) من الفنّ الرّابع، من القانون الأَوَّل.
(1) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل. ومثبت من: أ، ب.
(2) في قول الشّارح: "طويل" تسامح في اللّفظ؛ وكان الأولى به أن يقول: "مطنب".
(3) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل. ومثبت من: أ، ب.
(4) العِيُّ: خلاف البيان؛ وعَيَسى في منطقه إذا حَصِرَ. ينظر: اللِّسان: (عيي): (15/ 112 - 113).
(2/544)

فعلى هذا: الإيجازُ هو: أداءُ المقصودِ بأقلِّ من عباراتِ متعارفِ الأوساطِ، والإطنابُ أداؤه بأكثرَ من عباراتِه.
فالإيجازُ؛ أي: مثالُ الإيجاز؛ كقوله تعالى: {فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} (1) كان أوجزُ كلامٍ عندهم [أي: العرب] (2) في هذا المعنى قولهم (3): (القتلُ أَنفَى للقَتْلِ). وهذا؛ أي: قوله - تعالى -. أَوْجزُ منه؛ أي: مِمّا عندهم وأفضلُ لوجوهٍ عشرةٍ:
الأوّلُ: لقلّةِ حروفه بالنِّسبةِ إلى ما يناظرُه، لأنَّ حروفَه عشرةٌ (4)، وحروفَ مناظره أربعة عشر.
الثَّاني: لأنَّ (5) حصولَ الحياةِ -وهو الْمَقْصُود (6) الأصليّ- مَنصوصٌ عليه.
الثّالثُ: لاطِّرادِ قولهِ دُون قولهم، فإنَّ القتلَ الَّذي يُنْفي به القتلُ هو
__________
(1) سورة البقرة؛ من الآية: 179. وفي أ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}؛ بإيراد لفظة: {وَلَكُمْ} ضمن الشّاهد، وموضع الاستشهاد لا يتطلّبها.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل، وأُثْبتت كلمةُ "العرب" من أ، ب. وكلمة: "أي" من المحقّق؛ لاحتياج السِّياق إليها. ودرج الشَّارح على مثلها.
(3) الصّناعتين: (195)، المثل السَّائر: (2/ 339)، المفتاح: (277).
(4) أي: الحروف الملفوظة؛ إذ الإيجاز يتعلّق باللَّفظ لا بالرَّسم؛ فلا يتَّجه قول من قال: إنّها ثلاثة عشر.
(5) هكذا في الأَصل، ب: وهو الأَوْلَى؛ لبنائه على التَّعليل؛ كبقيّة الوجوه. وفي أ: "إن".
(6) في أ: "وهو المطلوب"؛ وهما بمعنى.
(2/544)

ما كان على وجه القصاصِ لا غيره، كالَّذي يقتصّ (1) به.
الرَّابعُ: لخلَوّهِ عن التَّكرارِ الَّذي هُو عَيْبٌ.
الخامسُ: فيه صَنْعةُ الطِّباقِ الَّتي من محسِّناتِ الكلامِ (2)؛ فإنَّ القصاصَ ضدُّ الحياةِ معنًى؛ بخلافِ قولهم.
السَّادسُ: لسلامةِ أَلْفاظِه عمّا يوحشُ السّامعَ، بخلافِ لفظ (القتل).
السَّابعُ: لبُعدِه عن تكرارِ قَلْقَلة القافِ الوجبِ للضَّغطِ والشِّدَّةِ.
الثَّامنُ: لاشْتمالِه لحُكمِ الجرحِ والأطرافِ -أيضًا-.
التَّاسعُ: لجَعلِ القصاصِ ظَرْفًا للحياةِ الموجب للمبالغةِ.
العاشر: لدلالةِ تنكيرِ {حَيَاةٌ} على التَّعظيمِ؛ لمنعهِ عمّا كانوا عليه من قتلِ جماعةٍ بواحدٍ.
وكقوله (3): {هدًى لِلْمُتَّقِيْنَ} (4)؛ إذ المعنى: هُدًى للضَّالّين الصّائرين إلى التَّقوى؛ لأنَّ الهدايةَ إِنَّما تكون للضّالِّ لا للمُهْتدي (5). وعندَ مَن يَرى القُدْرة مع الفعل (6)؛ فالهدى إنّما هو حال الاهتداءِ، فتقول الهدايةُ
__________
(1) في أ: "يقصّ".
(2) سيرد معناه - إن شاء الله - في قسم البديع (ص 792).
(3) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "تعالى".
(4) سورة البقرة؛ من الآية: 2.
(5) وهذا المعنى ذكره السَّكّاكيُّ في المفتاح. ينظر ص: (277).
(6) أي: وقوع الهدى للمتّقين.
(2/545)

للمُهتدي (1)؛ لكن لا بهدايةٍ قَبْل هذه؛ بل المُهْتدي بهذه الهدايةِ، كما قيلَ في علمِ الكلامِ على سبيل المغلطةِ (2) لا يمكنُ أَنْ يُوجِدَ موجود؛ لأنَّ الموجدَ إمّا أن يوجده حال الوجودِ، وإيجادُ الموجودِ محالٌ، وإمّا حال العدمِ، فيلزمُ اجتماع النَّقيضين؟.
وأُجيبَ: بأنَّ المحال: إيجادُ ما هو موجودٌ بوجودٍ قبل؛ لا بهذا الوجودِ ولا يلزمُ محالُ.
وفيه؛ أي: في قوله - تعالى -: {هُدًى لِلْمُتَّقَينَ} نوعان آخران من الحُسن (3): تسميةُ الشَّيءِ باسم ما يَؤُول إليه مجازًا؛ أي: على
__________
(1) فيكون من باب طلب الزِّيادة إلى ما هو فيه واستدامته، وهذا المعنى وسابقه ذكرهما الزّمخشريّ في كشّافه: (1/ 77).
على أنّني لا أرى موجبًا يحتّم التَّأويل في الآية؛ فقد أطلق الهدي في القرآن الكريم على معنى الإرشاد وإيضاح سبيل الخير، ومن ذلك قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [سورة فصّلت: من الآية: 17]، أي: أرشدناهم، وعليه فما المانع أن يكون الكتاب مرشدًا للنَّاس أجمعين؛ من اتَّقى منهم ومن حقت عليه الضّلالة؟!. والله أعلم.
(2) في أ: "المغلط".
(3) في قول الشّارح -رحمه الله-: "نوعان آخران من الحسن" إيحاء بتقدّم نوعين بخلاف ما ذكر. وليس ثمّة نوع آخر. فما تقدّم في تفسير الآية إمّا صائر إلى قول المصنّف: تسمية الشّيء باسم ما يؤول إليه مجازًا، كما سيأتي في أوَّل النَّوعين اللَّذين صرّح بهما. وإمّا مناقض له لا يجتمع معه. ويبدو لي أن الإلباسَ ناشئٌ من كلمة: "آخران" ولو أسقطت لاسْتقام السِّياق.
(2/546)

سبيلِ المجازِ. والمجازُ أبلغُ من التَّصريح. وتصديرُ أُولى الزَّهراوين (1) وهُما سورتا البقرةِ وآلِ عمران بذكرِ الأولياءِ المتّقين (2).

والإطنابُ كقوله - تعالى -: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (3) بدلًا مِنْ أَنْ يُقَال: إنَّ في (4) وقوع كلِّ ممكنٍ مع تساوي طَرفيه لآياتٍ للعقلاء؛ إذ الخطابُ؛ أي: التخاطُب. مع الكافّةِ؛ أي: كافّة الخلائق. وفيهم الذَّكيُّ والغَيُّ والمُقَصِّرُ في باب النّظرِ والاستدلال، والقويُّ الكاملُ فيه؛ فلا يكون مقام أَدعى إِلى الإِطنابِ منه.
__________
(1) الزّهراوان: المنيرتان. تفسير ابن كثير: (1/ 36)، وقيل: "سمّيتا الزّهراوين: لنورهما وهدايتهما وعظيم أجرهما". شرح النّووي على صحيح مسلم: (6/ 91).
وهذه التّسمية وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم؛ إذ قال (صحيح مسلم: 1/ 553): "اقرأوا القرآن؛ فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه. اقرأوا الزّهراوين؛ البقرة وآل عمران ... ".
(2) صرح السَّكّاكيُّ بهذين النّوعين في المفتاح: (277). وظاهر أنّه استقاهما من الكشّاف: (1/ 77).
(3) سورة البقرة، الآية: 164. وعند قوله: {الأَرْضِ} توقّف الاسْتشهادُ عند المصنّف في ف، بينما تجاوز إلى قوله: {الْنَّهَارِ} في أ، ب.
(4) "في" ساقطة من ب.
(2/547)

ومنه؛ أي: [من] (1) الإطنابِ بابُ نعم وبئس؛ نحو: (نعم الرّجل زيد) وإلّا لكفى: (نعم زيد).
وفيه؛ أي: في هذَا البابِ. اختصارٌ بحذف المبتدأ على قولِ من يرى أصله: (نعمَ الرّجلُ هو زيدٌ)؛ فيحصل التَّعادُلُ الموجبُ لحُسْنه؛ ولا يخفى حُسنُ موقعه مع ما فيهِ من لطائف أُخرى، ولو لم يكن فيه شيءٌ سوى أنَّه يُبرِزُ الكلامَ في معرض الاعتدالِ؛ نظرًا إلى إطنابهِ من وجه، وإلى اختصاره من وجهٍ آخر - لكفى.
ومنه؛ أي: من [باب] (2) الإطنابِ بابُ التَّمييزِ. ولم يتعرّض في "المفتاح" أنَّه من قبيل الإطناب، ولعلَّه (3) لأنّه لا إطناب في بعض أمثلته؛ وعبارته هكذا (4):
"اعلم: أنَّ باب التّمييز كلّه سواء كان (5) عن مُفردٍ أو جملة (6) بابٌ مزالٌ عن أصله لتوخِّي الإجمال والتَّفصيل؛ ألا تراك تجد الأَمثلة الواردةَ من نحو: (عندي منوان سمنًا)، و (عشرون درهمًا)، و (ملء الإناء عسلًا)، و (طابَ زيدٌ نفسًا) (7)، و (طارَ عمرو فرحًا)، و (امتلأ
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل، ومثبت من: أ، ب.
(2) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل، ومثبت من أ، ب.
(3) أي: ولعل السّكّاكيّ لم يتعرّض للتَّمييز.
(4) المفتاح: (284 - 285).
(5) كلمة: "كان" ساقطة من أ، ب.
(6) في ب: "وجملة" بالعطف بالواو.
(7) هكذا -أيضًا- في المفتاح. وفي أ: "زيد طاب نفسًا".
(2/548)

الإناءُ ماءً) - مناديةً على أنَّ الأصل:؛ (عندي عن منوان)، و (دراهم عشرون)، و (عسل ملء الإناء)، و (طابت نفسُ زيدٍ)، و (طيّر الفرح عمْرًا)، و (ملأ الإناء ماء) " (1).
وفيهما (2)؛ أي: في بابِ نعمَ وبئسَ وباب التَّمييزِ تفصيلٌ بعد إجمال ألا تراك إذا قلتَ: (نعم الرَّجلُ) مُريدًا باللَّام الجنسَ دون العهدِ كيف تُوجِّه المدحَ إلى زيدٍ أوّلًا على سبيل الإجمال، لكونه من أفرادِ ذلك الجنسِ، ثمَّ إذا قلتَ: (زيدٌ) كيفَ تُوجّهه إليه (3) ثانيًا على سبيل التَّفصيل. وفي التَّمييز كما إذا قلتَ: (طابَ زيدٌ)؛ فإن فيه إجمالًا لطيبه، ثمَّ إذا قلتَ: (نفسًا) صارَ مُفصّلًا.
قال [تعالى] (4): {قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} (5) مقامَ شِخْتُ، وفيه انتقالاتٌ لطيفةٌ، لأنَّ أصلَ معنى الكلامِ ومرتبته الأُولى: (قدْ شِخْت)، فإنَّ الشَّيخُوخةَ مُشتملةً على ضعف البدنِ وشيبِ الرأسِ المتعرَّض لهما في الآية - تُركتْ لتوخِّي مزيدِ
__________
(1) وبمعرفة الأَصل يتضح أنَّ العدولَ عنه إلى التَّأخير قُصِد ليحصلَ ذكره مرّتين؛ إجمالًا أوّلا، وتفصيلًا ثانيًا؛ ممّا يجعله أوقعَ في نفسِ المخاطب من ذكره مرّة واحدة.
(2) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "وفيه".
(3) في ب: "عليه".
(4) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل، ومثبت من: أ، ب.
(5) سورة مريم؛ من الآية: 4.
(2/549)

التَّقريرِ إِلى تَفْصيلها؛ في: ضَعُف بَدَني، وشابَ رأسي، ثم لاشْتماله على التَّصريح تُركتْ إلى ثالثةٍ أبلغ؛ وهي الكناية في: (وهنتْ عظامُ بدني)، ثم لقصدِ مرتبةٍ رابعةٍ أبلغ في التَّقرير بُنيت الكنايةُ على المبتدأ؛ لإِفادتها تقوِّي الحكمِ؛ فحصلَ: (أنا وهنتْ عظامُ بدني)، ثمَّ لقصدِ خامسةٍ أَبْلغ أدخلت (إِنَّ) على المبتدأ؛ فحصلَ: (إِنِّي وهنتْ عظامُ بدني)، ثم لسُلوكِ (1) طريقي الإجْمال والتَّفصيلِ قُصدت سادسةٌ وهي: (إِنِّي وهنت العظامُ من بدني)؛ ثمَّ لمزيدِ اختصاصِ العظامِ به قُصِدتْ سابعةٌ؛ وهي تركُ تَوْسيطِ البدنِ؛ فَحَصَل: (إنِّي وهنتْ العظامُ مني) ثم لشمولِ الوهنِ العظامَ فردًا فردًا قصدتْ ثامنةٌ؛ وهي: تركُ جمع العظم (2) إلى الإفرادِ لصحّةِ حصولِ وهنِ المجموع بالبعضِ دُون كلِّ فرد (3) فرد؛ فحصلَ {إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي}.
وهكذا تُركت الحقيقةُ في (شابَ رأسي) إلى أبلغ؛ وهي: الاستعارةُ؛ فحصلَ: (اشتعل شيبُ رأسي)، ثم تُركت إلى أبلغ؛ وهي: (اشتعلَ رأسي شيبًا)؛ للإجمالِ والتَّفصيل، ثم تُركت لتوخِّي مزيد التَّقرير؛ إلى: (اشتعلَ الرأسُ مِنِّي شيبًا)، ثم تُركت لفظةُ: (منِّي) بقرينةِ (4)
__________
(1) في الأَصل: "سلوك"، والمثبت من: أ، ب.
(2) في الأصل: "العظام"، والصواب من: أ، ب.
(3) في ب: "أفراد".
(4) في أ: "لقرينة" والمعنى واحد.
(2/550)

عطفِه على {إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} لمزيدِ مزيدِ التَّقرير؛ وهي إيهامُ حوالةِ تأديةِ مفهومه على العقل دون اللّفظِ.
وفي اختصارِ (ربِّ) بحذفِ حرف النِّداءِ وياءِ المتكلِّم (1). وهو كالأساسِ للكلامِ ومن حقِّه؛ أي: الأساسِ. أن يُقَدرَ بقدر ما يُنْوَى من البناءِ عليه- تحسينٌ له.
قوله: (تحسينٌ) مبتدأ، وخبرُه الظّرفُ المقدَّمُ عليه؛ وهو قوله: (وفي اخْتصار).
والإيجازُ قد يُعتبرُ بما هو خَليقٌ بمقامِ (2) الإطناب (3)؛ وهذا شأنُ القولِ في انقراضِ الشبابِ وإلمامِ الشَّيبِ المرِّ الأمَرّ المُغَيّبِ؛ لأن مغيبَ المشيبِ الموتُ؛ أي: لبيانِ شأنِ انقطاع الشَّباب، ونزول الشّيبِ مقامٌ خليقٌ إطنابُه.
وعبارةُ المفتاح -في هذا المقامِ- تنقله بعينه؛ لأنه أبسط وأدلُّ على المرادِ؛ قال (4):
__________
(1) لأن أصله: "يا ربِّي".
(2) في الأصل، ف: "بالمقام"، والصّواب من: أ، ب.
(3) علّق طاش كبرى زاده في شرحه للفوائد ص (160) مبيِّنًا وجه الرّبط بين هذه الجملة والعبارة قبلَها بقوله: "ولما استشعر المصنف ها هنا (بعد العبارة المتقدِّمة ابتداء من: وفي اختصاره ... تحسين له) سؤالًا؛ بأن اعتبار الإطناب في الآية ينافي اعتبار الاختصار فيها أشار إلى جوابه بقوله: (والإيجاز ...) ".
(4) ص: (287).
(2/551)

"اعلم: أنَّ الّذي فَتَّقَ أكمامَ هذِه الجهاتِ عن (1) أزاهير القبولِ في القلوبِ؛ هو أن مقدِّمة هاتين الجملتين وهي: (ربِّ) اختُصرت ذلك الاختصارُ؛ بأن حُذِفت كلمةُ النِّداءِ وهي: (يا) وحُذفت كلمةُ المضافِ إليه، وهي: ياءُ المتكلِّم، واقتُصر من مجموع الكلماتِ على كلمةٍ واحدةٍ [فحسب] (2) وهي: المنادى. والمقدِّمةُ للكلامِ -كما لا يخفى على من له قدمُ صدقٍ في نهج البلاغةِ- نازلةٌ منْزلة الأساسِ للبناءِ؛ فكما أن البنّاءَ الحاذقَ لا يرى الأساسَ إلّا بقدر ما يُقدِّرُ من البناء عليه، كذلكَ البليغ يَصنعُ بمبدأ كلامه، فمتى رأيته اختصر المبدأ فقد آذنك باختصارِ ما يُورد (3).
ثُمَّ إنّ الاختصار -لكونه من الأمور النِّسبيّة- يُرجَعُ في بيانِ دعواه إلى ما سبق تارةً (4)، وإلى كونِ المقامِ خليقًا (5) بأبسطِ ممّا ذُكر أُخرى. والذي نحنُ بصددِه من القَبِيل الثاني؛ إذْ هُو كلامٌ في معنى انقراضِ الشّبابِ و (6) إلمامِ المشيبِ، وهلْ معنى أحقُّ بأن يَمتري (7) القائلُ
__________
(1) في الأَصل، بقية النسخ: "من"، والصَّواب من مصدر القول.
(2) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل، ومثبت من أ، ب، مصدر القول.
(3) هكذا -أيضًا- في المفتاح. وفي أ: "ما سيورد".
(4) أي: من كون العبارة أقل من عبارة ما تعارف عليه أوساط الناس.
(5) خليقًا: أي جديرًا. ينظر: اللّسان: (خلق): (10/ 91).
(6) في الأَصل: "في" والصَّواب من: أ، مصدر القول.
(7) يمتري: أي: يستدرّ ويستخرج. ومنه: مرى النّاقةَ: إذا مسح ضَرعها لتدرَّ اللبن. =
(2/552)

فيه (1) أفاويقَ (2) المجهودِ، ويستغرقَ في الإنباءِ عنه كل حدٍّ معهود؛ من انقراضِ أيامٍ ما أَصدق مَنْ يَقُول فِيها (3):
وقد تَعَوَّضْتُ من (4) كُلٍّ بِمُشبهه ... فما وَجدتُ لأيامِ الصِّبا عِوضًا!
ومن إلمامِ المشيبِ المعيبِ المرِّ الطّلوع الأمرِّ المَغيب؟!.
[تَعِيبُ الغَانِيَاتُ عليَّ شَيْي ... ومَن لِي (5) أَنْ أمتِّعَ بالمعِيبِ!!] (6) ".
__________
= ينظر: اللّسان: (مري): (15/ 276).
(1) "فيه" ساقطة من ب.
(2) في الأَصل: "أفاريق"، والصَّواب من أ، ب. مصدر القول.
والأفاويق: جمع فواق. والفواق: ما بين الحلبتين من الوقت. اللسان: (فوق): (10/ 316). والمراد: استنفاذ غاية الوسع.
(3) البيتُ من البسيط، وقائله أبو العلاء المعرّيِّ؛ قاله ضمن قصيدة يتحدّث فيها عن صِباه. والبيت في سقط الزّند: (208)، وشرحه: (2/ 655)، واستشهد به في المفتاح: (287)، والمصباح: (79).
(4) هكذا في الأَصل وبقيّة النّسخ، وسقط الزّند. وفي شروح سقط الزِّند والمصادر المستشهدة به: "عن".
(5) أي: ومن يكفل لي.
(6) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. وأثبت من أ، ب، مصدر القول. وجاء في نهاية عبارة السَّكاكيِّ فناسب المقام إثباته؛ إتمامًا للفائدة.
والبيتُ من الوافر، وقائله البحتريّ؛ ماله ضمن أبيات يمدح بها أبا المعمّر الهيثم بن عبد الله. =
(2/553)

النوعُ الثّالثُ (*): في جعلِ إِحدى الجُملتين حالًا.
الحالُ (1): إما مُؤكِّدة، نحو (زيدٌ أبوك شفيقًا) أي: أَحقه.
وأحكامُها وحالُها عُلمت من النَّحو، [فلا واو] (2) لأنها إنّما هي (3) للرّبطِ، والمُؤكّدةُ لا تحتاجُ إلى الرّبطِ، للّاتحاد (4) بينها وبين ذِي الحالِ، وارتباطها به بحسبِ المعنى؛ لأنها هي المقررّة لمضمونِ الجُملةِ المذكورة (5) وإمّا مُنْتقلةٌ؛ وهي ما يُقابِلُها، وإذا أُطلقَ الحالُ فهي المرادُ.
فالمفردة؛ أي: في الحالِ المنتقلةِ المفردةِ. صفةٌ في المعنى لِذي الحال، وحكمٌ عليه، كالخبر. فلا واو؛ أي: فلا يجوزُ الواوُ، لأنها للرّبطِ وللدّلالة على الحاليَّة. والتَّعلُّقُ المعنويُّ والإعرابُ مغنٍ عنها.
__________
= والبيتُ في ديوان الشّاعر: (1/ 99)، وأمالي المرتضى: (1/ 620).
واستُشهد به في الدلائل: (504) والمفتاح: (287) والمصباح: (79).
(*) من الفنِّ الرابع من القانون الأَوَل.
ويلحظ أن الغرض الأصلي من سوق هذا النوع بيان الجملة الواردة عُقيب جملة أخرى حالًا؛ حيث يؤتى بالواو تارةً وبدونها أخرى. وما سيأتي من ذكر الحالِ مفردةً هنا فإنّما جاء عرَضًا.
(1) كلمة: "الحال" ساقطة من أ.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل، ف. ومثبت من: أ، ب.
(3) في أ، ب: "تذكر" والمعنى واحد.
(4) كلمة: "للاتحاد" وردت ضمن كلام الشّارح في الأَصل.
(5) في الأصل: "المؤكدة" والصَّواب من: أ، ب.
(2/554)

والجملةُ (1) أصلُها التَّجدُّدُ حال النّسبةِ الحاصلةِ بين ذي الحال وعامله؛ وذلك لتُشابه الحال المفردةَ التي هي الأصلُ؛ لأن المفردةَ تدلَّ على حصولِ صفةٍ غير ثابتةٍ مُقارنة لما جُعلت قيدًا له. فمُضارعٌ مُثبتٌ؛ أي: فأصلُها (2) مضارعٌ مُثْبتٌ (3)؛ لأنه -أيضًا- (4) يدل على حصولِ صفةٍ غير ثابتةٍ؛ أي: مُتجدِّدة مقارنةٍ لما جُعلت قيدًا له. وهذا مرتبطٌ معنًى؛ لما ذكرَنا. فلا واوَ؛ أي: فلا حاجةَ إلى الرابطةِ اللّفظيَّة التي هي الواوُ؛ نحو: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16)} (5). وإلا؛ أي: وإِنْ لم يرتبط معنًى؛ بأن لا يكون مضارعًا مُثْبتًا (6) -مثلًا-. أُتِيَ بها للرّبطِ؛ أي: بالواو؛ لتربطها بذِي الحالِ، وذلك؛ أي: الإتيانُ بها (7) بحسَبِ قُوَّة البُعدِ عن الرّبطِ المعنويِّ؛ فتختلف وُجُوبًا، وجوازًا، ورُجحانًا؛ بحسبِها.
وأبعدُها الاسميَّةُ؛ فإن دلالتها على الثُّبوتِ وحُصولِ الصِّفةِ الثابتة
__________
(1) أي: الحال المنتقلة الجملة.
(2) في ب: "فذلك".
(3) لكون المضارع دالًّا على الهيئة لثبوته، وعلى التَّجدّد لفعليّته، وعلى تجدّده حال النسبة لمضارعته.
(4) قوله: "لأنّه- أيضًا" ساقطٌ من أ.
(5) سورة يوسف؛ من الآية: 16.
(6) كأن تكون جملةً اسميّةً، أو فعليّة وفعلها ماضٍ؛ مثبت أوْ منفي أوْ مضارع منفيّ.
(7) في أ: "بالواو". والمراد واحد.
(2/555)

فقط؛ لا على التَّجدُّدِ، ولا على المقارنةِ؛ فهي أكثرُ مخالفةً للمُفْردة من
غيرها. فالتُزِمتْ الواوُ فيها؛ أي: في الاسميَّة (1)، إلا نادرًا نحو:
(كَلِّمتُه فُوْهُ إلى فِيّ) بأن يكون (فوه) مبتدأً، و (إلى فيّ) خَبَرَه، والجملةُ حالٌ بلا واوٍ نادرًا. ومعناه: كلمته مُشافهًا.
و (رجعَ عَوْدُه على بدئهِ)؛ بالرَّفع على أنهُ مُبتدأ و (على بدئه) خبرُه؛ ليصحَّ مثالا؛ لا بالنَّصب على الظّرف -كما ذكره الجوهريُّ (2) في الصِّحاح (3) -؛ أي: رجع في عوده، ولا على الحالِ؛ كأنه
__________
(1) نحو قوله تعالى: {لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [سورة يوسف: من الآية: 14].
(2) هو أبو نصر؛ إسماعيل بن حمّاد الجوهريُّ، لغوي من الأئمّة، وخطه يذكر مع خطّ ابن مقلة، أحبَّ الأسفارَ والتَغرُّب، ثم استقرَّ بنيسابور يُدَرِّس ويُصنِّف. من كتبه الْمَشهورة: "الصِّحاح". توفِّي بعد أن حاول الطّيران بجناحين من خشب سنة 393 ه.
ينظر في ترجمته: يتيمة الدّهر: (4/ 406)، دمية القصر وعصرة أهل العصر؛ لأبي الحسن الباخرزي: (300)، العبر في خبر من عبر؛ للذّهبي: (3/ 55)، سير أعلام النبلاء: (17/ 80 - 82)، مرآة الجنان: (2/ 446).
(3) ينظر: مادّة: (بدأ): (1/ 19).
ويلحظ أن المثال ضُبط عند محقِّقَي الكتاب بالضَّمِّ؛ هكذا: (رجع عودُه على بَدْئه). وهو خطأٌ ظاهر. يدل عليه ما بعدَه. وهو قول الجوهريّ: "إذا رجع في الطريق الّذي جاء منه" ولا يستقيم سياقه إلا مع النَّصْب؛ كما هو الحال في اللِّسان: (بدأ): (1/ 28). =
(2/556)

قيل: يرجعُ (1) عائدًا، ومعناه: رجع والحالُ أن عودَه في الطّريقِ الذي جاءَ منه (2).
ثم الماضي؛ أي: أبعدُها بعدَ الاسميَّة الماضي. للتجدُّدِ في غيرِ حالِ النِّسبةِ، أي: أنه (3) يدلّ على حُصولِ صفة غير ثابتة، لكنَّه ليس حال النِّسبةِ ومقارنًا لِمَا جُعلت قيدًا له. فالتُزم فِيها [أي] (4) في الجملة الماضية (قد) تحقيقًا، نحو: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} (5)، أو تقديرًا؛ نحو: {جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} (6)؛ أي: قد حَصِرت. لتُقربه؛ أي: الماضي من الحالِ، حتَّى يصحَّ وقوعُه حالًا، فَتُنَزَّل المُقاربة الحاصلة من لفظِ (قد) منْزلةَ المقارنةِ، أي: مُقَارنتها (7) لما جُعَلتْ قيدًا له.
__________
= ينظر: الصّحاح تحقيق عبد الغفور عطّار: (1/ 35)، والصّحاح تحقيق مكتب التّحقيق بدار إحياء التّراث العربيّ: (1/ 19).
(1) في أ، ب: "رجع".
(2) والمثالان المتقدّمان أوردهما سيبويه في الكتاب: (1/ 391 - 392) وتعرّض لهما عبد القاهر الجرجانيّ في الدّلائل: (218) وتحدّث عنهما بمثل حديث الشارح.
(3) في أ: "لأنه".
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل، أ. ومثبتٌ من ب. وعلى مثلِه درجَ الشّارحُ.
(5) سورة آل عمران؛ من الآية: 40.
(6) سورة النساء؛ من الآية: 90.
(7) أي: الحال.
(2/557)

أوْ تُجعلَ (1) مقاربَةُ الفعلِ (2) هيئةً للفعل الذي جُعلت هي حالًا له؛ وحينئذ (3) يُسْتحبُّ (4) الواو، ويكونُ أَوْلَى وأرجحَ لعدمِ المقارنةِ؛ لكن (5) يجوزُ تركها -أيضًا- نظرًا إلى التَّنْزيل والجَعل (6).
قوله (7): (هيئةً للفعلِ)؛ أي: لمعمولِ الفعلِ الذي هو ذو الحالِ، وإنّما قال: (هيئةً للفعل) ولم يقل: (هيئة (8) لمعموله) تنبيهًا على أن الحال وإن كان بيان هيئة المعمولِ لكنّه باعتبارِ الفعلِ ونسبته إليه؛ فلملاحظةِ ذلك الاعتبار اختار هذه العِبارة، وهو -كما قيل-: الحالُ قيدُ العاملِ، أو تقول: عرّفَ السَّكاكيُّ الحال -في قسم النَّحو بأنَّه (9) -: "بيانُ هيئةِ وقوع الفعل"؛ فهو جارٍ على اصطلاحِه.
__________
(1) في أ: "وتجعل" بالعطف بالواو؛ دون أو.
(2) في ب: "المفعول"، وهو خطأٌ ظاهر.
(3) كلمة "حينئذٍ" ساقطة من أ.
(4) هكذا في ف: "وحينئذ يستحبّ" بإيراد "حينئذ" ضمن كلام الشّارح؛ فاصلة بين حرف العطف "الواو" والفعل الواردين ضمن كلام المصنف. أما في أ؛ فلم يتدخل الشارح بين الحرف والفعل، وجاء العطف بالفاء بدلًا من الواو هكذا: "فيستحبّ".
(5) في الأَصل: "أي"، والصَّواب من: أ، ب.
(6) يلحظ أنّ الشارح تابع المصنِّف في ترجيحه إثبات الواو، وهما بذلك يخالفان السَّكاكي الّذي رجّح ترك الواو. ينظر: المفتاح: (275).
(7) في ب: "هو" بدلًا من "قوله" وهو خطأ ظاهر.
(8) كلمة: "هيئة" ساقطة من أ.
(9) المفتاح: (92) بتصرف يسير.
(2/558)

ثم النّفيُ، أي: بعد الجملةِ الماضية أبعدُها المنفيّة؛ ماضيةً كانت أو مضارعة؛ لأن له (1) الدّلالة على المقارنة؛ أما في المضارع [فظاهر] (2) وأمّا في الماضي فهو لأن (3) النَّفي مُسْتَمرٌّ غالبًا إلى وقتِ التَّكلّم؛ فيكون مقارنًا قوله، وليس هيئةً للفعلِ إلّا بالعرضِ؛ إشارةٌ إلى أن النَّفي هيئةٌ -أيضًا- لكن بالعرض؛ لأن (جاءني زيدٌ ليسَ راكبًا) في قُوّةِ (جاءني زيدٌ ماشيًا) (4)؛ فيدلُّ على نوع من الحُصولِ والتَّجدُّدِ، فجاز فيه تركُ الواو للمقارنةِ والتَّجدُّد، وجازَ دخولها لأن المقارنةَ بحسبِ الغالبِ لا على سبيلِ القطع، والتَّجدُّد بالعرضِ لا بالذّاتِ، وكأنهما لا يتحقّقان، والتَّركُ أَوْلَى لوُجود الأمرين (5) في الجملةِ (6)؛ كما قال في المفتاح: إنّ ترك الواو أرجح (7). والمصنِّفُ قال: فيجوز من غيرِ تعرّضٍ لرُجحان جانبِ التَّرك؛ لكن بالنَّظر إلى التَّعليلِ يُفْهم رُجحانُه.
فإن قيلَ: الجملةُ الاسميّةُ -أيضًا- تستمرّ (8) غالبًا؛ لأن الشَّيءَ إذا
__________
(1) أي: النَّفي.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب. ولا بدَّ منه لتمام السياق.
(3) في أ: "فلأن"؛ بحذف الضمير المتقدّم على (أن) ووصل الفاء بها.
(4) وذلك لأنّ سلب الهيئة مستلزم لحصول ضدها.
(5) أي: المقارنة والتَّجدُّد.
(6) هكذا في الأَصل، ب؛ بناء على أن مراده الجملة المنفيّة مطلقًا. وفي أ: "الجملتين" بناء على أنّ مرادَه الجملة الماضوية والجملة المضارعة.
(7) ينظر: ص (275).
(8) في ب: "تسمّى" وهو تحريف.
(2/559)

ثبتَ فأصلُه بقاؤه على ما كان استصحابًا؛ فيدلُّ على المقارنة -أيضًا-.
قلنا: استمرارُ العدمِ لا يفتقرُ إلى سببٍ، بخلافِ استمرارِ الوجود فلا يدلُّ بلا تجدُّد سبب الوجود على بقائه.
وكذا في الظّرف؛ [أي] (1): يجوزُ دخولُ (2) الواو في الظّرفِ إذا وقعَ حالًا لجواز الأمرين (3)؛ يُقدّرُ (4) الاسمُ المفردُ؛ فلا تدخل الواو؛ نحو: (رأيته على كَتفه سَيف)؛ أي: حاصلًا (5) على كتفه، ويُقَدّرُ الفعلُ الماضي فيكونُ حكمُه حُكمَه؛ فيدخل الواوُ؛ نحو: (رأيته وعلى كتِفه سيف)؛ أي: وحصلَ على كتفِه سيف (6)، ولم يُقَدَّر بالمضارع؛ لأنه لو قُدِّرَ به لامتَنَعَ مجيئُها بالواو.
نعم بين الظرفِ وبين النَّفي (7) فرق؛ وهو أن في النَّفي (8) التَّركَ أَوْلَى، وفي الظّرفِ لا أولويَّة؛ بل الظَّرفان متساويان.
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب وعلى مثله درج الشّارح.
(2) كلمة: "دخول" ساقطة من أ.
(3) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، ب: "التقديرين"، والمؤدّى واحد.
(4) في أ، ب: "تقدير".
(5) في أ: "حاصل".
(6) كلمة: "سيف" ساقطة من أ، ب. والأَوْلَى حذفها، مجانسة لحذفها في إيضاح المثال المقابل قبله.
(7) في أ، ب: "المنفي" والمؤدّى واحد.
(8) في أ، ب: "المنفي" والمؤدّى واحد.
(2/560)

فعُلم أن الجملةَ بالنِّسبةِ إلى الواو لها الأحكامُ الخمسة: ما يجبُ دخولها فيها كالجُملةِ الاسميّةِ، وما يُستحبُّ كالماضِية، وما يَحرُمُ ويمتنعُ كالمُضَارع المثبَتِ، وما يكره دخولُها ويكونُ تركُها أَولى كالجملة المنفيَّةِ، وما يَسْتوي الأمران فيها كَمَا في الظرفيَّةِ.
ويجبُ دخولُ الواو على الجملةِ الّتي وقعتْ حالًا في النَّكرةِ؛ أي: إذا كانَ ذو الحالِ نكرةً، تمييزًا للحالِ عن الصِّفةِ، ودفعًا لالتباسها بالصِّفة (1)؛ نحو: (جاءني رجلٌ ويَسْعى)؛ هذا في الجملةِ؛ لأنّ الحال المفردة عند تنكيرِ ذي الحالِ واجبُ التَّقديمِ، وإنّما أَتَى بالجملةِ المُضَارعةِ لأنه إذا عُلم وُجوبُ الواو فيما يمتنعُ دخولُها عليه يلزمُ في سائرِ الجملِ بالطّريقِ الأَوْلَى.
__________
(1) جملة: "ودفعًا لالتباسها بالصّفة" تكررت في الأصل. ودُفِعَ الالْتباسُ بإثبات الواو؛ لأن الواوَ لا يتوسطُ بين الصفة والموصوفِ.
(2/561)

القانونُ الثاني (*): في الطّلبِ
قد سبقَ أن حقيقةَ الطلبِ حقيقةٌ معلومةٌ مستغنيةٌ عن التَّحديدِ (1)؛ فالكلامُ في مقدّمةٍ يَسْتدعيها المقامُ؛ من بيانِ ما لا بدَّ للطّلبِ منه، ومن تَنوُّعِه؛ والتَّنبيهِ على أبوابِه في الكلامِ (2). وكَيْفِيَّةِ توليدِها لِمَا سِوى أصلِها.
وهو لِمُتصوَّرٍ، أي: لمطلوبٍ مُتصوّرٍ، غيرِ حاصلٍ؛ في الخارج، حينئذ؛ حينَ الطلبِ.
أمَّا أنه لمطلوبٍ؛ فلأن الطّلبَ بدونِ المطلوب لا يُتَصَوَّرُ.
وأمّا أنه لمتصوّر؛ فلأن الطلبَ من غير تَصَوُّرٍ -إمّا إجمالِيّ كشيءٍ مَا، أو تفصيليّ بالنِّسبةِ إلى شيءٍ ما، كإنسانٍ (3) -لا يصحّ (4) وإلا يلزم منه طَلب المجهولِ المطلَق؛ وهو مُمتنع.
وأمّا أنه غيرُ حاصلٍ؛ فلامتناع تحصيلِ الحاصلِ وطلبِه عقلًا (5).
__________
(*) من الفصلِ الأوَّل. في علم المعاني.
(1) ينظر ص (246) قسم التحقيق.
(2) عبارة: "والتنبيه ... في الكلام" ساقطة من أ، ب. وهي موجودة في المفتاح: (302).
(3) في الأصل، ب: "كالإنسان" بالتعريف. والصواب من أ، لبنائه على التنكير.
(4) في الأصل: "لا يصلح" والمثبت من أ، ب.
(5) وهذا - أي: ما تقدّم من بدايةِ قول المصنف-: "وهو لمتصوّر ... " إلى نهاية كلام الشارح " ... عقلًا" يُمثل المقدِّمة التي أشارَ إليها الشّارح في بداية حديثه عن الطّلب.
(2/562)

فإمّا أن لا يستدعي الإمكان (1)؛ أي: لا يَسْتدعي في مطلُوبِه إمكانَ الحصولِ؛ لا أنه يستدعي أن لا يمكن. والأَوَّلُ أعمُّ؛ لأنّه كُلّما صدقَ: (يستدعي أنْ لا يُمكن) صدق: (لا يَسْتدعي أن يُمكن) وإلّا لصدقَ (2): (يستدعي أن يُمكن)، فيجتمعُ النَّقيضان. وليسَ كلّما صدق (3): (لا يستدعي أن يُمكن) صدق: (يستدعي (4) أن لا يُمكن)؛ لأن الأَوَّلَ يحتملُ أن يُجامع الإمكانَ وعدمه؛ لاحتمالِه منهما، بخلافِ الثاني فإِنَّه لا يُجامعُ الإمكانَ لاستلزامه عَدَمه (5). وهو التَّمنِّي يقولُ: (ليتَ الشّبابَ يعُود) فيما لا يُمكن؛ لامتناع عودِ الشّبابِ. و (ليت لي مالًا أنفقه) فيما يمكن.
أو يَسْتدعيه؛ أي: إِمكان حُصولِ المطلوب.
__________
(1) هذا شُروع في بيان أنواع الطلب.
(2) في أ: "صدق" والمعنى واحد.
(3) كلمة: "صدق" ساقطة من ب.
(4) في الأصل زيادة: "أي: تقضيه" وظاهرٌ أنها مقحمة داخل السّياق.
(5) يلحظ أن الشّارح -رحمه الله- استطرد في إيضاح عبارة المصنف المتقدّمة بما هو أقرب إلى الغموض والإلباس معتمدًا -في ذلك- على ما ذكره الشّيرازيّ في مفتاح المفتاح: (730)؛ إذ بنى حديثَه على كلمتين؛ زاوج بينهما ثمّ أدارهما نفيًا وإثباتًا؛ ليصل إلى مراده على طريقة شيخه السَّكاكي؛ رائد المدرسة البلاغية المنطقيّة. ولم يكن المعنى المنشود بالإيضاح بعيدًا لو فسّر جملة: "لا يستدعي الإمكان" بأنها تتناول الممكن والممتنع، وجملة "تستدعي عدم الإمكان" بأنها لا تتناول الممتنع.
(2/563)

وهو إمَّا للحصولِ في الخارج (1) فلإثباتِ؛ أي: فلحُصولِ إثباتِ أيَّ تَصورٍ؛ لأن التَّصديقَ لا يُطلَبُ كَونه في الخارج؛ لأن النِّسبةَ لا تكون خَارجيّة. أمرٍ؛ نحو (قُم)، أو نِداءٍ؛ نحو: (يا زيدُ)؛ فإنّك تطلُبُ بهذين الكلامين حُصُولَ قيامِ صاحبك، وإِقْباله عليك في الخَارج.
ولنفي؛ أي: لحصولِ نَفْي أيِّ تصوُّر في الخارج (2). نَهْي؛ نحو: (لا تتحرّك)؛ للمُتحرّك؛ فإنّك تطلُبُ به (3) انتفاءَ الحركةِ في الخارج.
أو في الذِّهنِ فاستفهام؛ أي: وإمّا للحُصولِ في الذِّهنِ؛ وهو الاستفهام.
وهو (4) إما لطلبِ حصولِ ثُبوتٍ أو نفي؛ للتَّصوّر (5) أو للتَّصديق (6)؛ فأقسامُه ستّةٌ: لأنَّ الطلب إمّا: لحصولِ ثبوتٍ متصوّرٍ (7)، أو انتفاءٍ مُتَصوَّرٍ؛ وكلاهُما إِمَّا: ذهنيٌّ أو خارجيٌّ، ثم في الذّهنيِّ يزيد قسمان
__________
(1) أي: خارج ذهن الطّالب.
(2) قوله: "أيّ تصوّر في الخارج" ساقط من أ.
(3) "به" ساقطة من أ.
(4) أي: الاستفهام.
(5) في أ: "لتصور". والمراد به: طلبُ حصولِ صورةِ الشَّيء في الذِّهن من غير حكم عليه أصلًا.
(6) في أ: "تصديق". والمراد به: طلبُ حصولِ الحكمِ بشيءٍ على شيءٍ في الذِّهن؛ إمّا إيجابًا أو سلبًا.
(7) في ب: "متصورًا" وهو خطأ ظاهر. ويظهر أن النّاسخ نقل ألف همزة "أو" الواردة بعد الكلمة إليها.
(2/564)

آخران: حصولُ ثبوتِ تصديقٍ، وحصولُ (1) انتفاءِ تصديق.
قال الأستاذُ: ولعل مخالفةَ السَّكاكيِّ للقوم (2) فيما جعل التَّمَنِّي والنِّداء من الطلب، وهم جعلوهما من أقسامِ التَّنبيه- فرعٌ على أن عند المعتزلةِ (3) لا تغايرَ بين الإِرادةِ والطّلبِ (4)، وعندَ غيرهم مُتَغايران؛ فالتَّمنيِ عند غيره (5) الإرادةُ؛ وفيه تنبيهٌ على الطلبِ؛ لا أن الطلبَ مدلُوله وذاتِيَّه [وعنده الطّلبُ مدلوله وذاتيّته] (6)؛ كالإرادة، وكذا في النِّداء.
فإنّ عند غيره (7): الطّلبُ فيه بالعرضِ؛ لأنه غرضٌ منه ومُرادٌ عنه، ويلزم منه عَقْلًا لا وضعًا؛ لأنه قيلَ: معنى (يا): "صوتٌ يَهتفُ به الرّجلُ".
قال [به] (8) الزّمخشريُّ في الكشّافِ (9). ويلزمُ منه طلب الإقبالِ،
__________
(1) هكذا في الأصل؛ بإثبات واو العطف. وفي أ، ب بحذفهما.
(2) أي: الجمهور.
(3) في ب: "للمعتزلة" بدلًا من: "عند المعتزلة" والسياق به مضطّرب.
(4) حيث عرّفوا الإرادة بأنها: ميل للنفس يتبع اعتقاد النفع أوْ دفع الضّر. ولم يفرّقوا بين هذا الميل والطّلب؛ بناءً على معتقدهم الفاسد؛ إن الإرادة لا يشترط بها تحقّق أصلًا فقد يقع في ملك الله ما لا يريد؛ تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، وعليه فلا يقدح في التّمني ليلحق بالطلب عدم إمكان الحصول.
(5) في الأصل: "عند غير" والصواب من أ، ب.
(6) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وهو من انتقال النّظر، ومثبت من أ، ب؛ وبه يستقيم السِّياق، ويتضح المعنى.
(7) في الأصل: "وقال غيره" والمثبت من: أ، ب وهو المناسب للسِّياق قبلَه.
(8) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ب. ومثبت من: أ. ولا بدّ منه لأن قولَ الزمخشري المنصوص عليه متقدم.
(9) (1/ 121).
(2/565)

والفعل وهو: (أدعوا) و (أنادي) من لوازمه، كما أن الحركةَ من لوازمها التّحركُ (1) بخلافِ ما عنده (2)؛ وقد مرّ (3) ما يقرُب منهُ في صدرِ الكتابِ (4).

تنبيهٌ:
الاستفهام ليحصلَ في الذِّهنِ نقشُ الخارج، والبواقي ليحصلَ في الخارج ما نقشُه في الذِّهن.
قال في المفتاح (5): "الفرقُ بين الطّلبِ في الاستفهامِ، والطّلبِ في الأمرِ والنَّهي والنِّداءِ واضحٌ؛ فإنّك في الاستفهام تطلُبُ ما هو في الخارج ليحصلَ في ذهنك [نقشٌ] (6) له مُطَابق، وفيما سواه تنقشُ في ذهنك، ثم تطلبُ أن يحصلَ له في الخارج مطابقٌ؛ فنقشُ (7) الذّهنِ في الأَوَّلِ تابعٌ، وفي الثاني متبوعٌ".
ومن عبارةِ المختصر يُعرفُ حُكمُ التَّمني -أيضًا-؛ لشمول
__________
(1) في أ: "التحريك".
(2) أي: ما عند السكاكي.
(3) في أزيادة: "مرّة" والسياق تامّ بدونها.
(4) راجع ص (241 - 242) قسم التحقيق.
(5) ص (304).
(6) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل. ومثبت من: أ، ب. مصدر القول.
(7) هكذا -أيضًا- في مصدر القول. وفي أ: "فتنتقش".
(2/566)

قوله: (البواقي) إيّاه، بخلافِ عبارةِ (1) أصلِه (2) فإنّه لا يُعرَفُ منه حُكْمه (3).
ثم هذه؛ أي: الأبواب الخمسة، قد تُزالُ عن مواضعها لمانعٍ يمنع من (4) إجرائها على الأصلِ إلى غيرها بحسب ما يُناسبُ المقام؛ فتقول لمن همّكَ همّه (5): (ليتك تحدّثني)؛ سؤالا؛ أي: على سبيل السُّؤال؛ لأنّ هذه الحالةَ -أي: الاشتراك [في الهمَّيْن] (6) - تقتضي المحادثةَ لإزالةِ الشّكوى (7) لا على سبيلِ التَّمنّي، لامتناع إجراءِ التَّمنّي على أصله؛ وهو كونُه غيرَ مطموعٍ في حُصوله؛ فتولّد بمعونةِ قرينةِ الحالِ منه معنى السّؤالِ (8).
وإنّما استعمل فيه (ليت)؛ لأنه لَمّا استبطأَ حديثَ صاحبه شَبَّه (9) حاله بحالةِ (10) من لا يُطْمع في حديثه (11).
__________
(1) كلمة: "عبارة" ساقطة من أ، ب.
(2) أي: أصل المختصر؛ وهو: المفتاح.
(3) لكون السكّاكيَ نص على أقسام الطلبِ ما عدا التَّمنِّي.
(4) في أ: "عن".
(5) أي: حزنك حزنه.
(6) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل. ومثبت من أ، ب.
(7) في الأصل: "السّكوت"، والمثبت من: أ، ب؛ وهو الأَولى.
(8) فكأنه قال: (حدّثني)، أو: (هلّا تحدّثني).
(9) في أ: "فشبّه".
(10) في أ: "بحال"؛ وهما بمعنى.
(11) وقيل في علة استعمالها -أيضًا- (المفتاح: 736): "إن صاحبه إذ كان =
(2/567)

هكذا قالوا، لكن في كوْن أصلِه ما ذكر (1) حزازةٌ.
[و] (2) {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ} (3) حيثُ يمتنعُ التصديقُ؛ أي: في مقامٍ لا يسع إمكانَ التَّصديقِ بوجودِ الشَّفيع. تمنّيًا؛ أي: يقول (4) على سبيل التَّمني؛ إذْ يمتنعُ إجراءُ الاستفهامِ على أصله؛ فيتولّدُ (5) بمعونةِ (6) قرائنِ الأحوالِ معنى التَّمنّي (7).
__________
= عنده عظّم الخطر، رفيع الدرجة، عالي القدْر- شبّه حاله بحال من له مرتبة عالية؛ إلى حدّ لا يتكلّم مع كلّ أحد؛ لعلوّ شأنه وجلالة قدرِه فصار كأنَّه لم يطمع في حديثه".
وكل وجهٍ مناسبٍ صالحٌ للتعليل.
(1) في الأصل: "ما ذكره" والمثبت من أ، ب. وهو الأَولى.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل، ومثبت من أ، ب.
(3) سورة الأعراف، من الآية: 53. وقد ورد جزء الآية هكذا في الأصل. وفي بقيّة النّسخ، ف: (هل لنا من شفعاء).
(4) في الأصل: "تقول". وفي أ، ب لم تنقط. والمثبت من: المحقق وهو الأولى تأدّبًا مع المخاطب. ولعله المراد.
(5) في أ: "متولد".
(6) في ب: "لمعونة".
(7) قال سعد الدين التّفتازانيّ -موضّحًا النُّكتة الدّاعية إلى التمني ب (هل) - (المطوّل: 225، والمختصر: 2/ 241): "والنَّكتة في التَّمنّي ب (هل) والعدول عن (ليت) هو إبراز التمني -لكمال العناية به- في سورة الممكن الذي لا جزم بانتفائه".
(2/568)

وكذا تقول تمنّيًا: (لو تأتيني فَتحَدِّثَنِي) بالنَّصب؛ لأن نصبَه بإضمار (أَنْ)، و (أن) لا تُضْمر إلّا بعدَ الأشياءِ الستة (1). وتَقْديرُ غير التَّمنّي مُتعذّرٌ. فيقدّر (لو) مُولّدًا للتّمنِّي وإلا امتنع (2) النّصبُ. فإنّ (لو) تُقَدِّرُ غيرَ الواقع واقعًا في الشَّرط؛ وكذلكَ التَّمنّي؛ [لأنّ الطّلبَ وقوع ما لم يقع فإذا شارك التَّمني] (3) في هذا المعنى ناسبَ أن يُضَمَّن معناه.
وكذا تقولُ لعل تمنيًا كَمَا في قولهم: (لعلِّي أَحُجّ فأَزُورَكَ) بالنّصب؛ لأنّه لو لم يكن للتّمنِّي لما جازَ النّصبُ. وعليه قراءةُ عاصمٍ (4): {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ} (5) بالنَّصب (6) لبُعدِ المرجوِّ؛ أي: سبب توليده للتَّمنِّي بُعد المرجوِّ
__________
(1) الأشياء الستة -كما صرّح بذلك الزمخشري في المفصّل: (325)، والأنموذج في النّحو: (26): "الأمر، والنهي، والنفي، والاستفهام، والتمنّي، والعرض".
(2) في أ، ب: "لامتنع".
(3) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل. ومثبت من أ، ب. وظاهر أنّه من انتقال النظر.
(4) هو: أبو بكر؛ عاصم بن أبي النَّجود الأسديّ مَولاهم، الكوفي، أحدُ القرّاء السبعة المشهورين، كان ثقة صدوقًا، ولد في إمرة معاوية بن أبي سفيان، وتوفي سنة 127 ه بالكوفة.
ينظر في ترجمته: طبقات خليفة: (159)، والجرح والتعديل: (6/ 340)، وفيّات الأعيان: (3/ 3)، وسير أعلام النبلاء: (5/ 256 - 261).
(5) سورة غافر؛ من الآيتين: 36، 37.
(6) أي: بنصب (فأطلعَ) وهي قراءة رواها عن عاصم حفص. وقرأ الباقون بالرفع.
ينظر: النَّشر في القراءات العشر لابن الجوزيّ: (2/ 365).
(2/569)

عن الحصول؛ وذلك يُشبه معنى التَّمنّي.
وصَدَّرَ الكلامَ بقوله: (وكذا) إشارةً إلى تشبيهِ غيرِ الأبوابِ الخمسة بها في التَّوليدِ وعدم اختصاصِه بها.
وأَلا تَنْزلُ (1)؟!، أي: وتقولُ لمن تراه لا ينْزلُ: (ألا تنْزلُ) (2)، أي: ألا تُجِبّ (3) عَرضًا؛ فإنَّه لَمَّا امتنع أن يكون المطلوبُ بالاستفهامِ التَّصديقِ بحالِ نُزولِ صَاحبك؛ لكونِ عدمِ نزوله مَعلومًا لظهورِ أماراتِ أنَّه لا ينْزلُ -توجَّه بمعونةِ قرينةِ الحالِ إلى نحو ألا تُجبّ النّزول مع محبّتنا إيّاه؛ فولَّدَ (4) معنى العَرضِ؛ أي: كأنك تعرض عليه محبّتك نزوله.
وأَتَشْتِمُ أباك؟!، أي: تقول: (أتشتمُ أباكَ)؛ لمن تراه يشتمُ أباه (5)؛ فإِنَّه لَمَّا امتنع توجّهُ الاسْتفهامِ إلى فعل الشَّتمِ لعِلْمك بحاله- توجَّه إلى ما لا يُعلم ممّا (6) يُلابسُه، أي: أتَسْتَحسِنُ (7) الشَّتمَ، لأن الغالبَ من أحوال الفاعلين أَنْ يَسْتحسنوا أفعالهم، فولدَ استهجانًا وزجرًا، أي: أستَهْجِنُ شَتْمك، وأزجرُكَ عن الشَّتْم!، وتقول لمن يهجو أباه مع
__________
(1) مثال لامتناع إجراء الاستفهام على أصله.
(2) في ب: "لا تنْزل"؛ وهو تحريف بحذف الهمزة.
(3) في ب: "لا تحب"؛ وهو تحريف بحذف الهمزة -أيضًا-.
(4) في الأصل: "قوله"، وهو تحريف مع تصحيف. والصَّواب من: أ، ب.
(5) أ، ب: "الأب"، ولا اختلافَ في المعنى.
(6) في الأصل: "فيما" والمثبت من أ، ب. وهو الأَولى. وسيأتي في الأمثلة القادمة.
(7) في الأصل: "استحسن". وفي ب: "تستحسن" والصواب من أ، ف.
(2/570)

حكمك (1) بأن هجو الأبِ ليسَ شيئًا غير هجو نفسه: (أتهجو نفسك؟!) امتنعَ منك إجراءُ الاستفهامِ عَلَى ظَاهره؛ لأنه معلومٌ أنه لا يهجو إلا نفسة بحكمك به فولّد تقريعًا، [وتوبيخًا] (2).
و (ألم أؤدِّب فلانًا بإزائك ومقابلتك)؛ لمن يُسيءُ الأَدبَ، امتنعَ أن تطلبَ العلمَ بتأديبك فلانًا وهو حاصلٌ؛ فولّد وعيدًا.
وتقولُ: (أما ذهبتَ بعدُ)، لمن بَعَثْتَه إلى مُهمّ (3) وتراه عندك؛ امتنع توجُّه الاستفهام إلى الذهاب لكونه معلومَ الحال؛ فاسْتدعى شَيئًا مَجْهُولًا ممّا يُلابسُ الذهابَ؛ مثل: ([أي] (4) أما تيسّر (5) لك الذّهابُ)؛ فولَّد استبطاءً وتَحضيضًا (6).
وتقولُ: (أما أعرفُك)؛ لمن يَتَصلَّفُ (7) عندك وتعرفه (8)؛ فلامتناع
__________
(1) في الأصل: "علمك"، والمثبت من أ، ب.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. ومثبت من أ، ب، ف.
(3) في الأصل: "تعيبه، أي: فيهم"، والصَّواب من أ، ب.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من: الأصل، أ. ومثبت من: ب، ف. ولا بدَّ منه ليستقيم سياق المتن الّذي درج الشارح على إثباتِه كاملًا ضمن شرحه.
(5) في أ، "يتيسّر" وهو تحريف بالزيادة.
(6) أي: استبطاءً للذهاب، وتحضيضًا عليه.
(7) الصَّلَفُ: مجاوزة القدر في الظرف والبراعة والادعاء فوق ذلك تكبرًا.
اللّسان (صلف): (9/ 196).
(8) في أ، ب: "وأنت تعرفه".
(2/571)

الاستفهام عن المعرفة توجّه إلى مثل: (أتظُنّني لا أعرفك)؛ فولد إنكارًا على تصلُّفِه وتعجّبًا منه (1)، وتعجيبًا للسّامعين.
وتقول: (أجئتني)، لمن جاءك؛ فلامتناع الاستفهام عن المجيءِ ولّد مع القرينةِ تقريرًا للمجئ.
وكذا تقول: (اشتم (2) مولاك)؛ لمن أدَّبته، أي: لعبدٍ (3) شتم مولاه وأدّبته حقَّ التَّأديب امتنعَ أن يكون الأمرُ (4) بالشَّتمِ والحالُ ما ذُكرَ؛ فتوجّه بمعونةِ قرينةِ الحالِ إلى مناسبٍ؛ أي: اعرفِ (5) لازمَ الشّتمِ -مثلًا
__________
(1) "منه" وردت في أضمن كلام المصنف. وليست في ف.
(2) في الأصل: "أتَشْتم". والصَّواب من: أ، ب، ف، المفتاح.
ويلحظ أنّ ناسخَ الأَصل عالج المثال على مورد الاستفهام. وظهر لي أنّ الصَّواب معالجته على مورد الأمر لما يلي:
أ - اتفاق نسخ المخطوط الأخرى، وإيراده مثالًا للأمر.
ب - وروده في نسخة ف مثالًا للأمر -أيضًا-.
ج - وروده للأمر -كذلك- في المفتاح وهو الكتاب الّذي اختصره المصنّف واعتمد عليه الشّارح.
د - عدم مناسبة إيراده استفهامًا؛ لكونه تكرارًا للمثال السّابق: "أتشتم أباك" ومناسبة إيراده أمرًا للدلالة على اشتراك أنواع الطّلب في الإزالة عن مواضعها لمانع؛ كما صُرّح به في أوّل المبحث.
(3) في الأصل: "لبعد"؛ وهو تحريف بالقلب. والصَّواب من أ، ب.
(4) في الأصل: "الاستفهام"؛ والصَّواب من: أ، ب.
(5) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "ما عرف" ولا وجهَ له.
(2/572)

-؛ فولّدَ منه تهديدًا.
وتقول: (لا تمتثل أمري) (1)؛ لمن لا يمتثل. امتنع طلبُ تَرك الامتثالِ بحصولِه (2)؛ فتوجّه النّهيُ إلى غير حاصلٍ مُناسبٍ له؛ نحو: لا تبالِ به ولا تلتفت إليه؛ فإنّه مُوجب للعقابِ؛ فولّدَ تهديدًا.
وكذا تقولُ: (يا مظلوم) لمقبلٍ عليك يتظلمُ (3)، فامتنعَ توجُّهُ النِّداءِ إلى طلبِ الإقبال لحصوله؛ فتوجَّه إلى غيرِ حاصلٍ؛ مثل: زيادة الشَّكوى بمعونةِ قرينةِ الحالِ -وهي التَّظلُّمُ-، فولّدَ (4) إغراءَ المتظلِّم وتحريضه.
ثم أنواعُه؛ أي: الطلب. خمسةٌ بحسبِ الاسْتقراءِ:

الأَولُ: التمنِّي. ولفظه (لَيْتَ)؛ أي: اللفظة الموضوعةُ له (ليت) وحدَها.
وأما (لَوْ) و (هلْ) فَلِمَا مرّ؛ أي: فإفادتهما (5) معنى التَّمنِّي لما مرَّ في باب التّوليدِ (6).
وأما (لولا) و (لوما) و (هلَّا) و (ألا) أي: حُرُوف التَّنديم
__________
(1) مثال لامتناع إجراءِ النَّهي على أصله.
(2) في أ، ب: "لحصوله".
(3) في ب: "متظلم".
(4) في أزيادة: "منه"؛ والسياق تام بدونها.
(5) في أ: "فلإفادتها"
(6) ينظر ص (568 - 569) قسم التّحقيق.
(2/573)

والتَّحضيضِ؛ فهي: (لو)، و (هل)، أو معَ قلبِ الهاءِ؛ أي: من هلْ همزة، بزيادةِ (ما) في نحو (1) (لوما)، و (لا)؛ أي: بزيادة (لا) [في لو؛ نحو: لولا أو] (2) في (هل)؛ نحو: (هلَّا)، و (ألّا) بقلب (3) الهاء همزة- لتَعيين التمنّي الذي يتولّدُ من (لَوْ) و (هلْ)؛ أي: زيادتهما ليتعيّنا في معنى التَّمني بلا احتمال بقاءِ معنى (4) الشَّرطِ والاستفهام.
ففي الماضي للتنديم نحو: (هلا أكرمتَ زيدًا)؛ أي: لَيْتكَ أَكْرمتَه.
وفي الْمُسْتقبلِ للتحضيضِ؛ نحو: (هلَّا تَقُومُ)؛ أي: لَيْتكَ تَقُوم.

الثاني: الاسْتِفْهام. وكَلِمَاتُه؛ وهي: (الهمزةُ)، و (أم)، و (هلْ)، و (مَا)، و (مَنْ)، و (أَيْ)، و (كَم)، و (كَيْفَ)، و (أينَ)، و (أنَّى)، و (مَتَى)، و (أيَّان) تختصُّ بالتَّصوّرِ أو بالتصديقِ أَوْ لا؛ أي: ثلاثة أنواع:
أحدها: يختصُّ بطلبِ حصولِ التَّصوّر (5)، وثانيها: يَخْتصُّ بطلبِ حُصولِ التَّصديق، وثالثها: لا يختصُّ بواحدٍ منهما؛ بل يعمّهما.
__________
(1) كلمة: "نحو" ساقطةٌ من: أ.
(2) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب. وظاهر أنّه من انتقال النظر.
(3) في أ، ب: "بعد قلب" والمؤدّى واحد.
(4) كلمة: "معنى" ساقطةٌ من أ.
(5) في أ: "تصوّر".
(2/574)

فالمطلوبُ في التصوّرِ: تفصيلُ مُجملٍ؛ كما تَقُول (1): (ما الشَّيء؟) -مثلًا-.
أو مُفَصَّلٍ؛ أي: أو تفصيل مُفَصَّلٍ بالنِّسبةِ إلى شيء مّا (2)؛ كما تقولُ: (ما الإنسانُ؟)؛ فإن الإنسانَ مُفَصَّلٌ بالنِّسبةِ إلى (3) الجسمِ -مثلًا- (4).
وفي التَّصديقِ: تفصيلُ مُجْمل؛ وهو (5) الحُكْم؛ أنفيٌ هو أم إثباتٌ؛ فهو لطلبِ تفصيلِ الحكم وتعيِين أَحدِهما.
فمنَ الْمُشْتركِ (6) بين [طلب] (7) التَّصوُّرِ والتَّصديقِ: الهمْزةُ؛ نحو: (أَقامَ زيدٌ؟)، و (أزيدٌ منطلقٌ؟) في طلبِ التَّصديق؛ فإن السُّؤال فيهما عن ثُبوتِ النِّسبةِ لا غير. و (أزيدٌ قائمٌ أم عمرو)، في طلب التَّصوّر في طرف المسند إليه، فإِنَّك (8) تطلُب فيه تفصيل المسند إليه. [وأقائم زيد
__________
(1) في أتقدّمت هنا "مثلًا" الواردة في نهاية العبارة.
(2) جملة: "إلى شيء ما" ساقطة من أ.
(3) عبارة: "شيء ما ... بالنّسبة إلى" ساقطة من ب؛ وظاهر أنّها من انتقال النّظر.
(4) نبّه المصنّف إلى مطلوب التصوّر في بداية القانون ص (562) قسم التّحقيق.
(5) هكذا -أيضًا- بالعطف بالواو في ف. وفي أ، ب: "هو".
(6) المراد فالمشترك؛ لأنّ المشترك من أدوات الاستفهام شيء واحد وهو الهمزة وليس متعددًا حتى يقال: "من المشترك" كما عبر المصنِّف.
(7) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. ومثبت من: أ، ب.
(8) في أ، ب: "فإنه".
(2/575)

أم قاعد، في طلب التَّصوُّر في المسند؛ فإنّك تطلب فيه تفصيل المسند] (1).
ومما يختصُّ بالتَّصديقِ (هلْ)؛ فلا (2) تقولُ: (هل زيدٌ عندك أم عمرو)، أي: باتّصال (أَم)؛ لأَنَّ (أم) إذا كانت مُتّصلة فلطلبِ التعيين؛ فيجبُ أن تكونَ النِّسبةُ حاصلةً لتأخير طلبِ التَّعيينِ عن وجودِ النِّسبةِ، و (هل) لطلبِ التَّصديق، فلا تكون النِّسبةُ حاصلةً؛ لاستدعاءِ الطّلبِ عدم (3) حصولِ المطلوب؛ فالجمعُ بينهما كالجمع بين المتنافيين.
ويصحُّ (أم عندك عمرو)؛ بانقطاع (4) (أمْ)؛ فإن المنقطعةَ ليست لطلبِ التَّصوّر؛ بل لطلبِ الوجودِ الموافق لطلبِ (5) (هلْ) (6) فتصحّ، ولكن (7) بتكرارِ لفظة (عِنْدك) حتَّى تصيرَ جملةً؛ لأن محلَّها بينَ الجملتين؛ فتقولُ: (هلْ زيدٌ عندك أم عندك عمرو) أو (أم عمرو عندك)؛ وإنّما مثّلَ بالأوَّلِ؛ لأنه أظهر في كونها منقطعة؛ لأنّه لَمْ يلها المستويان، بخلافِ
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ب. ومثبت من: أ، وبه تتمّ الفائدة. كما أنّ ما بين المعقوفين من كلام المصنّف ساقطٌ من ف.
(2) "فلا" ساقطة من ب. ولا بدّ منها.
(3) في الأصل: "عن". والصَّواب من أ، ب.
(4) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، ب: "على انقطاع".
(5) في أ، ب: "لمطلب" والمعنى واحد.
(6) فكأنك سألت التّصديق أوّلًا، ثمّ أضربت عنه، واستأنفت كلامًا آخر بالمنقطعة.
(7) في أ، ب: "لكن" بحذف العاطف.
(2/576)

الثاني فإنَّه يليانها (1)؛ لكن إِنَّما أُخرجت (2) عن المتَّصلة لكونِ ما بعدها جملةً؛ هكذا قال شارحُ المفتاح (3).
وإنّما لم يقيّد بقوله: باتّصالِ (أَمْ) كما في المفتاح (4) لعدمِ الاحتياج إليه؛ فإنَّ المنقطعةَ لا تقع عند عدم الهمزةِ إلَّا بين الجملتين؛ وهذه وقعت بين المفردين فلم تكنْ إلّا مُتّصلة.
قال في شرح المفتاح (5): "فإن قلتَ: شرطُ كونِ (أَمْ) مُتّصلةً أن يَليها أحدُ المسْتويين والآخر الهمزة أو ما يقوم مقامها؛ وعلى هذا لا يكون (هلْ (6) عندك زيدٌ أمْ عمرو) من صور اتّصالِ (أَمْ)؟. قلتُ: لا نسلِّمُ أن الشّرطَ أن يلي الآخر ما يقومُ مقامَ الهمزة، بل الشّرطُ في كون (أَمْ) متّصلةً من حيثُ اللّفظ إذا لم يكن همزةٌ أن يَكون ما بعدها مفردًا (7) وهو أحدُ المستويين؛ سواء وَلِي الآخر ما قامَ مقام الهمزةِ أم لا، ولانحصارِ الفرْقِ اللّفظي بينهما عند عدمِ الهمزةِ في كون ما بعد المتّصلةِ مفردًا وما
__________
(1) أي: المستويان يليان أم المنقطعة.
(2) في أ: "خرجت".
(3) ينظر: مفتاح المفتاح: (745).
(4) ص (308)؛ حيث أردف المثال بهذا القيد.
(5) أي: الشّيرازي في مفتاح المفتاح للشّيرازي: (744 - 745) وفيه أبدل "عمرو" ب"بشر" في المثالين.
(6) "هل" ساقطة من ب.
(7) في الأصل: "ما بعد مفرد"، والصَّواب من أ، ب، مصدر القول.
(2/577)

بعد المنقطعةِ جُملة فرّقَ بينهما بذلك؛ وقال (1): (أمْ عمرو)؛ باتّصالها دون (أم عندك عمرو)؛ بانقطاعها".
وإنّما عدلَ المصنِّف عن المثالِ الذي أورده السَّكاكيُّ وهو: (هل عندك زيدٌ أَمْ عمرو) (2) لإمكان أن يُقال -كما ذكرنا-: إن امتناعه لعدمِ شرط الاتّصال وهو الدّخولُ على أحد المستويين لا لما ذُكر؛ بخلافِ هذا المثال؛ فإنّ امتناعه متعيِّنٌ (3) لذلك.
ويقبُحُ (هل زيدًا عَرَفت) لإشعارِه، أي: التَّقديم بثبوتِ التَّصديق بنفس الفعلِ، وإِشْعار (هلْ) بعدمِ ثبوتِ التّصديقِ؛ لأنّه لطلبِ التَّصديق.
وإنّما قال: (يقْبُحُ) ولم يقل: (يمتنِع) لأنَّه كان احتملَ التَّقديمَ المنافي؛ كذلك يحتملُ عدمَ التَّقديمِ؛ وإنْ كان مَرجوحًا بالنِّسبةِ إلى احتمال التَّقديم؛ وذلك بأن يُقدّر: عرفتَ آخر قبل زيدٍ، أو تجعل مفعول (عرفت) المذكورَ مَحْذوفًا؛ والتَّقدير: (هل عرفت زَيْدًا عرفته).
بخلاف عرفته؛ أي: بخلافِ (زيدًا عرفته) فإنّه لا يَقْبُح؛ لأنَّ زيدًا
__________
(1) مراده بمن "فَرّق بينهما" السَّكاكيّ، ونقل قوله بتصرّف يسير من المفتاح ص: (308).
(2) في الأصل: "هل عندك عمرو أم بشر" وهو الموافق للمفتاح؛ ولكن لا عدل المصنف والشّارح -من أوّل الأمر- عن مثال المفتاح، ناسب المقام إثبات مثالهما الّذي جريا عليه دفعًا للّبس من ناحية، ولوروده في أ، ب من ناحية أخرى.
(3) في أ: "يتعيّن" والمعنى واحد.
(2/578)

لا يحتملُ التَّقديم، لأَن (عرفته) قد أخذَ مفعوله، وإذا لم يحتمل التَّقديم لا يستدعي ثُبوتَ التَّصديق بنفسِ الفعل، فلا يُنَافي (هل).
هذا على ما هو كذلك (1) لفظ المختصرِ وأَصله، وعلى ما شرحه الشَّارح للأَصل، لكن الحقَّ: أن (زيدًا عرفته) -أيضًا- يحتملُ التَّقديم؛ بأن يُقدَّرُ المُفَسَّرُ بَعْد (زيدًا)، نحو: (هل زيدًا عرفت عرفته) [-كما مرّ-] (2) فلا يخرُج عن بابِ القُبح.
ويختصّ (هلْ) بالاستقبالِ، أي: يدخُلُ المضارِعَ ويُخَصِّصُه بالاستقبالِ، لأنها لطلبِ التَّصديقِ؛ وهو (3) يستدعي عدمَ الحصولِ في الحال؛ لأن الطلبَ إِنَّما يتوجَّهُ إلى غيرِ الحاصلِ فلا تقلْ لمن يباشرُ الضرب: (هل تضرب)، بل: (أَتَضرب).
فلاستدعائه (4) الإثبات والنفي، لكونه لطلبِ التَّصديقِ، والتَّصديقُ حُكمٌ بالثّبوتِ والنَّفي، وهما يتوجّهانِ إلى الصّفاتِ لا إلى الذّواتِ؛ لأنَّ الذَّواتِ من حيثُ هي ذواتٌ؛ فيما مضى، وفي الحالِ، وفي الاستقبالِ؛ فلا تُثبت ولا تُنفى؛ اللهمَّ إلّا باعتبار الوُجودِ والعدمِ؛ وهما -أيضًا
__________
(1) هكذا في الأصل. وفي أ، ب: "مقتضى".
(2) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. ومثبت من: أ، ب، ومروره في ص (438 - 439) قسم التّحقيق.
(3) أي: طلب التّصديق.
(4) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، ب: "ولاستدعائه". والضّمير عائدٌ إلى حرف "هل".
(2/579)

- صِفَتان (1) [ولهذا] (2) اختصَّ بالصفات.
ولاقتضائِه الاستقبال اختصَّ بالزمانيّة؛ لأَنَّه لا يُتصوّر إلا فيها فاقْتَضى الفِعل؛ قال في المفتاح (3): "اختصَّ بما يكونُ كونُه زمانيًّا أظهر".
وقيل: قال ذلك احترازًا عن اسم الفاعلِ لأنه -أيضًا- زماني (4)؛ لكن فيه (5) أظهر لأنه موضوعٌ لزمانٍ مُعيّنٍ، بخلاف اسم الفَاعلِ فلا وَجْه (6) له؛ لأنّ كونَ اسم الفاعل موضوعًا للزّمانِ ممنوعٌ؛ فإن المرادَ ما كان زمانيًّا بالوضع.
فعبارة المختصرِ أسدُّ وأَخْصر؛ على أن اقتضاءه الاستقبال لا يوجِب الاختصاص بما زمانيّته أظهر، نعم يُوجبُ الاختصاص بما هو زمانيّ فقط.
فإذا عدل عنه عن الفعلِ، كان أدخل في الثّباتِ، لأنه لمّا كان أدعى للفعلِ من الهمزة يكون تركُ الفعل معها لغرضٍ أقوى، فيكون أدخل في الثباتِ؛ كما قيل في قوله -تعالى-: {فَهل أَنتُم شَاكِرُونَ} (7)، فإنَّه أدخلُ في الإنباءِ عن (8) طلب الشُّكرِ من: (فهل تَشْكُرون؟)؛ لأنّه مُفيدٌ
__________
(1) الوجود والعدم عند الأشاعرة والحكماء صفتان وعند غيرهم وجود كل شيء عين ذاته.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. ومثبت من أ، ب.
(3) ص: (309) بتصرّف يسير.
(4) القائل هو الشّيرازيّ. ينظر: مفتاح المفتاح: (748).
(5) أي: في الفعل.
(6) في أ، ب: "ولا وجه".
(7) سورة الأنبياء، من الآية: 80.
(8) هكذا -أيضًا- في ب، المفتاح. وفي أ: "على".
(2/580)

للتَّجدّد، وكذا من: (فهلْ أنتم تشكرون؟!) (1)، أو (أفأنتم شاكرون؟!)؛ لأن الأَوَّلَ مفيدٌ للتّجدّد، لأنّ تقديرَه: (هل تشكرون أنتم؟!). والثاني: وإن كان يُنبئ عن عدمِ التَّجّددِ لكنّه دون: (فهل أنتم شاكرون؟)، لأنّ (هل) لمّا كان أدعى للفعل من الهمزة، فتَرْكُ الفعل معه يكونُ أدخل في الإنباءِ عن استدعاءِ المقام عدم التجدّدِ.
ولا يحسُن العُدولُ عن الفعل بأَنْ يُقَال: (هلْ زيدٌ منطلقٌ)، إلا من البليغ، لأنَّه لا يستعمل إلّا إذا عرف أنّ تركه معها أدخلُ في الثبات؛ كقوله، كما لا يحسُن نظير قول الشَّاعر (2):
__________
(1) هكذا -أيضًا- في ب، المفتاح. وفي أزيد: "أنتم".
(2) البيتُ من الطويل، واختلف في نسبته؛ فقيل: للحارث بن ضرار، وقيل: للحارث بن نهيك، وقيل: لمزرِّد أخي الشمّاخ. ونسب -أيضًا- إلى لبيد وهو في الشعر المنسوب له في الدّيوان (361).
والصحيح أنه لنهشل بن حَرِّيٍّ، حيث نُسب إليه في أكثر المصادر النّاقلة له، كما صحّح نسبته له البغداديّ في الخزانة: (1/ 147) والأستاذان المحقّقان؛ عبد السّلام هارون، ومحمد عبد الخالق عضيمة.
والبيتُ في الكتاب: (1/ 288)، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: (1/ 349)، والمقتضب للمبرّد: (3/ 282)، وإيضاح شواهد الإيضاح، للقيسي: (1/ 109)، وخزانة الأدب: (1/ 147).
واستُشْهِد به في المفتاح: (309)، والمصباح: (46)، والإيضاح: (2/ 108)، والبيتُ في المعاهد: (1/ 203).
(2/581)

لِيُبْكَ (1) يَزيدُ ضِارِعٌ (2) لِخُصُومَةٍ وَمُختبِطٌ (3) مِمَّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ (4) إلَّا من البليغ؛ لأنّه يعرفُ أن ارتفاعَ مثل (ضارعٌ) مبنيٌّ على أنه جوابُ سؤالٍ (5)، وأَن بناء (لِيُبْك) للمفعول، ورفع (يزيد) أبلغ من بنائه للفاعلِ ونَصبه على ما سبق.
ومما يختصُّ بالتَّصوُّر تِسعة:
الأَوَّلُ: ما للجنس، أي: للسُّؤالِ عنه، نحو: {مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي} (6)، أي: أيّ جنسٍ من الموجُودَاتِ تُؤثرونه في العبادةِ من بعدي.
وسلكَ المصنِّفُ مسلكَ السَّكاكيِّ في تفسير (ما) ب (أيّ)، وفيه ما فيه؛ لأن (أيا) للسّؤال عمّا يُميّز أحد الْمُتَشاركين عن الآخر، و (ما)؛ للسُّؤالِ عن الجِنْس؛ فكيف يصحُّ تفسير أحدهما بالآخر؟! (7).
__________
(1) في الأصل: "وليبك" والصَّواب من: أ، ب، ف. مصادر البيت.
(2) الضّارع: الذّليل الخاضع. ينظر: اللّسان: (ضرع): (8/ 220).
(3) المُخْتَبِط: طالب الرّفد من غير سابق معرفة ولا وسيلة. ينظر: اللّسان: (خبط): (7/ 283).
(4) الطوائح: جمع مطيحة على غير قياس. وهو القواذف. ينظر: اللّسان: (طوح): (2/ 536).
(5) تقديره: من يبكيه؟ فجاءت الإجابة: يبكيه ضارعٌ.
(6) سورة البقرة، من الآية: 133.
(7) (أي) التي اعترض بها الكرمانيّ غير (أي) التي فسَّر بها المصنِّف (ما)؛ لأنّ الأولى =
(2/582)

أو للوصفِ؛ أي: أو للسُّؤالِ عن الوصفِ؛ نحو: (ما زيدٌ؛ أكريم، أم شجاعٌ، أم عالمٌ)، ونحوها؛ مثل: (أم فاضل أم عدل) (1).
ولتردُّدها بين الأَمرين؛ أَي: الجنس والوَصْفِ لَمَّا قال فِرعونُ: {وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ} (2)؛ أَي: أَيّ جنسٍ (3) من الأَجْسامِ لاعتقادِ الْجُهّالِ (4): أن كُلَّ موجودٍ قائمٍ بنَفْسهِ جِسْمٌ ولا موجودَ مستقلا بِنَفْسِه سِوى أَجْناس الأَجْسام. أَجَابَ موسَى بالوصفِ (5)؛ لأَنَّه كانَ عالمًا بأن السُّؤال عن حقيقتِه (6) الخاصَّةِ التي هي فوق العقول سُؤالٌ عمَّا لا سبيل إِليه؛ لامتناع تعريفِ البسائطِ بالحدودِ تَنْبيهًا على النَّظرِ المؤدِّي إلى معرفته. تعريضًا بتغليطه (7)، وتخطئَته في السُّؤالِ عن الحقيقةِ؛
__________
= ليتميّز أحد المتشارِكَين؛ أما هذه فلتميّز أحد التشارِكِين في الجنس.
(1) هكذا في الأصل. وفي أ، ب،: "عادل".
(2) سورة الشعراء؛ من الآية: 23.
(3) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "جسم".
(4) في الأصل، أ، "الجهلاء". والمثبت من ب، ف، وهو الأَوْلَى لما سيرد -عمَّا قليل - من إعادة لكلام المصنّف على لسان الشارح وإيراد الكلمة بلفظ "الجهال" في جميع النسخ؛ فضلًا عن ورودها في الفوائد الغياثية كذلك.
(5) إذ قال كما حكى الله سبحانه وتعالى عنه: {قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)} [الشعراء: 24].
(6) في أ: "الحقيقة".
(7) في الأصل: "إلى تغليظه" والمثبت من أ، ب، ف.
(2/583)

لأنَّه مِمَّا لا يعقل؛ وهذا قَريبٌ مِمَّا يُسَمَّى بأسلوبِ الحكيمِ (1).
فَلَم (2) يتفطَّنْ فرعونُ له وعجَّب من حَولَه من جماعة الجهلَةِ (3)، فقال لهم: ألا تَسْمعون!، سألتُه عن حقيقته، وهو يذكر أوصافَه، ثم لمّا وجده (4) مُصِرًّا على الجوابِ؛ إذْ قال في المرَّة (5) الثانية: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} (6) استهزاءً بموسى وجَنَنه (7)؛ فقال: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} (8). فغلظ بقوله: {إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} (9) حين لم يرهم يَفْطُون لما نبَّههم عليه (10) في الكرَّتين من فسادِ مسألتهم
__________
(1) في ب: "بالأسلوب الحكيم".
وهو (الإيضاح؛ 2/ 94): "تلقّي المخاطب بغير ما يترقّب؛ بحمل كلامه على خلاف مراده؛ تنبيهًا على أنه الأوْلى بالقصد. أو السّائل بغير ما يتطلّب بتنزيل سؤاله منزلة غيره؛ تنبيهًا على أنه الأولى بحاله أو المهمّ له" ويبدوا أنّ أول من سمّاه الأسلوب الحكيم هو السكاكيُّ. ينظر: المفتاح: (327)، ومعجم البلاغة العربية؛ لبدوي طبانة: (280).
(2) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "لم"
(3) في الأصل: "الجماعة". والمثبت من أ، ب. المفتاح.
(4) أي: وجد موسى فرعونَ.
(5) في ب: "الكرَّة" وهما بمعنى.
(6) سورة الشعراء؛ من الآية: 26.
(7) أقوله: نسبه إلى الجنون؛ كما تدلّ عليه الآية بعدَه.
(8) سورة الشعراء؛ من الآية: 27.
(9) سورة الشعراء؛ من الآية: 28.
(10) في "الأصل: "عنه". والمثبت من أ، ب.
(2/584)

[الحمقاء] (1)، واستماع جوابه الحكيم، وقال: {قَال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} (2).
هذا: [على] (3) ما هو في المفتاح، لكن يُمكنُ أن يُقال: فيه مقدّمةٌ زائدة لتمامِ الكلام؛ بأن يُقال: ولتردُّدها بين الأمرين؛ لمّا قال فِرعون: {وَمَا رَبُّ العالميْنَ} (4) سائِلًا عن الحقِيقة -أجابَ موسى بالوصفِ تعريضًا .. إلى آخره، فلا حاجةَ إلى قوله: (أي: [أيّ] (5) جنس من الأجسامِ لاعتقادِ الجُهَّال أنَّ كُل موجودٍ قائم بنفسه جسمٌ)؛ اللَّهمَّ إلَّا أن يُقال: لَمَّا علم اعتقاد فرعون أن لا موجود [مستقلًا] (6) بنفسه سوى أجناس الأجسام اعتقاد كلِّ جاهلٍ لا نظرَ له- علم أَن سُؤاله من أجناس الأجسامِ، فلهذا بَنَى عليه ما بني (7).
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب. وعليه لفظ المفتاح.
(2) سورة الشعراء؛ من الآية: 28.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من: أ، ب.
(4) سورة الشّعراء؛ من الآية: 23.
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من أ، ب. وتقدَّم ضمن كلام المصنّف.
(6) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. ومثبت من أ، ب.
(7) ذكر بعض العلماء توجيهات أخرى للاستفهام في الآية، أسوق منها -بإجمال- ما يلي:
1 - يحتمل أنّ (ما) ها هنا سؤال عن الوصف المميز؛ لاعتقاد فرعون أن ربَّ العالمين مشترك بينه وبين مَن دعاه موسى عليه السّلام إليه؛ لأنه كان يدَّعي أنه ربَّ العالمين. ذكره صاحبُ المفتاح ينظر: (311). =
(2/585)

و (مَنْ) لِذَوي العلم؛ أي: للسُّؤالِ عن الجنسِ من ذويه؛ نحو قولِ الله -تعالى- حكايةً عن فرعون: {فَمَن ربكمَا} (1)، أملكٌ هُو، أم جنّيٌّ، أم بشرٌ. منكِرًا لأَن (2) يكون بها ربٌّ سِواه، لادِّعائه الربوبيّةَ لنفسِه؛ فقال في الجوابِ: {ربُّنا الذي أَعطَى كُل شَيْءٍ خَلْقَهُ}، أي: صورَته وشَكْلَه الذي يُطابق كماله، {ثُمَّ هدَى} (3)؛ كأنه قال: لنا ربٌّ سِواك، وهُو الذي إذا سلكتَ طريقَ العقلِ لزمك الاعترافُ بكونه ربًّا، وأن لا ربَّ سواه؛ وهو معنى قوله؛ لَأنه يُوجبُ للعاقلِ الاعترافَ.
و (أيّ) لما يُميِّزُ أحدَ المتشاركَينِ في أمرٍ عام لهما عن الآخر، سواء كان ذلك ذاتيًّا أو عرضيًّا، كقوله -تعالى- حكايةً عن سليمانَ: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} (4) أيُّها الحاضرون في مجلسي المنقادون لأمري أيّكم؛ أي:
__________
= 2 - أن (ما) ها هنا سؤالٌ عن الحقيقة المختصّة بربِّ العالمين، فلمَّا أجاب موسى - عليه السَّلام- بالوصف لإتمام الحقيقة تَفَيْهقَ بما تفيهق. ذكره صاحبُ الكشَّاف ينظر: (3/ 313).
3 - أن الاستفهام -ها هنا- ليس مخرجًا على ظاهره ليكون سؤالًا عن الجِنْس أَوْ الوَصف أو الحَقيقة. بل الإنكار أنْ يكون ربّ العالمين سواه لادّعائه الإلهية.
ذكره صاحب الكشّاف أيضًا. ومال إليه. ينظر: (3/ 313).
(1) سورة طه، من الآية: 49.
(2) في أ: "بأن".
(3) سورة طه؛ من الآية: 50.
(4) سورة النَّمل؛ من الآية: 38.
(2/586)

الإنسيّ أَم الجنِّيّ يأتيني بعرشها.
و (كَم) للعددِ [أي: للسُّؤال عنه؛ فإذا قلتَ: كَمْ درْهمًا لك؟، فكأنك قلتَ: أعشرونَ أمْ ثلاثون] (1) قال [الله تعالى] (2): {قَال كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} (3).
و (كيفَ) للحالِ؛ أي: للسّوالِ عنه إذا قيل: (كيفَ زيدٌ؟)؛ فجوابُه: صحيحٌ أو (4) سَقيمٌ.
و (أين) للمَكان؛ أي: للسُّؤالِ عنه (5) إذا قيلَ: (أينَ زيدٌ؛) فجوابُه: في الدَّارِ، أَوْ في المسجد.
و (أنَّى) تستعملُ تارةً (6) بمعنى: (كيفَ)؛ قال الله -تعالى-: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} (7)؛ أي: كيفَ شئتُم وأُخرى بمعنى: (من
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب، المفتاح؛ على أن كلمة: "لك" وردت في أ: "مالك".
(2) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ب. ومثبت من أ. دفعًا للبْس؛ كي لا يُظن أنّ (قال) هي الواردة قبل جزء الآية المستشهد به.
(3) سورة المؤمنون، من الآية: 112.
(4) في الأصل، أ: "أم". والصَّواب من: ب، المفتاح.
(5) قوله: "للسّؤال عنه" ساقط من: أ، ب.
(6) هكذا في الأصل، ب؛ ورد قوله: "تارةً تستعمل" ضمن كلام الشَّارح. وفي أ؛ ضمن كلام المصنف، وليس في ف.
(7) سورة البقرة؛ من الآية: 223.
(2/587)

أين)؟، قال الله -تعالى-: {أَنَّى لَكِ هَذَا} (1) أي: منْ أينَ لك؟.
و (مَتى) للزمانِ؛ أي: السُّؤالِ عنه (2) إذا قيلَ: (متى جئت؟) قيل: يومَ الجمعة، أو يومَ (3) الخميسِ، أو شهرَ كذا، أو سنة كذا.
ولو اختلجَ في وهمكَ أن في بيان معاني بعضِ هذه الحروف ك (متى) نوعَ تكرار -لِمَا مرَّ في باب الشَّرطِ (4) - فادفعه بأن ما مضى باعتبارِ معناها الشّرطيِّ، وهذا باعتبارِ معناها الاستفهاميِّ.
والحقُّ: أن بيان الأمورِ الوَضْعيّةِ من حيثُ هي وضعيةٌ لا تَعلُّقَ لها أصلًا بالفنِّ؛ فينبغي أن لا تُذكر في هذا الوضع، ولا في غيره من الكتاب، ولا شيء (5) منه على المصنِّفِ؛ لأنه يحذو حَذو السَّكَّاكيِّ.
وكذا (أيّان)؛ فإنه -أيضًا- للسّؤال عن الزَّمانِ؛ ك (متى).
قال عليُّ (6) بنُ عيسى الربعي: وفيها، أي: (أيان) تعظيم، ولا تُستعملُ إلا في مواضع التَّفْخيم (7)؛ هو قوله -تعالى-: {يسْئلُ
__________
(1) سورة آل عمران؛ من الآية: 37.
(2) قوله: "السؤل عنه" ساقط من من أ، ب.
(3) كلمة: "يوم" ساقطة من: أ.
(4) راجع ص: (457 - 458) قسم التّحقيق.
(5) في الأصل زيد: "في" ولا يستقيم به السياق.
(6) سبقت ترجمته. ينظر ص (467) قسم التحقيق.
(7) ينظر: قول علي بن عيسى في البرهان؛ للزّركشي: (4/ 251)، مصابيح المعاني في حروف المعاني: (186).
(2/588)

أيَّانَ يوم القِيَامة} (1)، {يسئلونَ أيَّانَ يَومُ الدِّينِ} (2).
و (أيَّان) جاء بفتح الهمزةِ، وبكسرِها (3). قال (4) السَّكاكي: وكسرُ (5) همزتها يمنعُ أن يكونَ أصلها (أَيُّ أَوانٍ) (6)؛ كما قال بعضهم: حُذفت الهمزةُ من (أوان)، والياءُ الثانيةُ من (أيّ)؛ فبعد قلبِ الواو اللَّازم (7) ياءً أُدْغِمت (8) الياءُ السّاكنةُ فيها (9).
وقال في الكشَّافِ -أُفيض (10) على مُصَنِّفه سجال (11) الألطافِ- في
__________
(1) سورة القيامة، الآية: 6.
(2) سورة الذاريات، الآية: 12.
(3) ينظر: شرح الكافية في النّحو للاستراباذي: (2/ 116).
(4) في أ، ب: "وقال".
(5) في أ، ب: "كسر" بدون الواو.
(6) ينظر: المفتاح: (308).
(7) كلمة: "اللَّازم" ساقطة من: أ.
(8) في ب: "أدغم" وهو تحريف بالنّقص.
(9) ينظر: الصّاحبي لابن فارس: (201)، تأويل مشكل القرآن؛ لابن قتيبة: (522)، مصابيح المعاني في حروف المعاني: (186).
(10) في الأصل زيادة: "احتفى" بعد كلمة (أفيض) ولعلّها ترجمة لها، والسياق تامٌّ بدونها ولذا وجدتها ساقطة من أ، ب.
(11) السِّجال: جمع سجْلٍ. والسَّجْلُ: الدَّلو الضَّخمة المملوءة ماء. ينظر: اللِّسان: (سجل): 11/ 325.
(2/589)

أواخر سُورَة الأعرافِ (1): "وقيلَ: اشْتقاقُه من أي فعلان منه؛ لأن معناه: أَي وقت، وأَي فعلٍ؛ من أويتُ إليه؛ لأن البعضَ آوٍ إلى الكلِّ مُتَساندٍ إليه" (2)، وهو بعيد.
والأقربُ أَنْ يُقال (3): أصله؛ (أي آن)؛ لكن ما وجَدنا عليه نقلًا، ونعما هو لَوْ ساعَده النَّقلُ.
وهذه [أَيْ] (4) الكلمات (5) قد يتولَّدُ منها عند امتناع إِجْرائِها على معانيها الأصليّةِ أمثالُ ما سبق؛ من المعاني عند امتناع إجراء الأبواب الخمسة على أصولها. بالقرائن؛ بمعونةِ قرائن الأحوالِ؛ فيُقالُ:
(ما هذا؟)، و (مَن هذا؟) للتحقير والاستخفافِ؛ لا للاستفهامِ لعلمهِ بالمشارِ إليه، ولا يُنافي ما مَرّ (6)؛ من إمكانِ كونِ الإشارةِ نفسِها للتَّحقير، واستفادته منها لعدمِ منع الجمع.
__________
(1) (2/ 172).
(2) في أزيادة: "وفي سورة النّمل: أنه مفعال من آن يئين. قلت:" وهي في الكشاف: (3/ 383).
(3) في أ: "يقول".
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ب. ومثبت من أ. وعلى مثله درج الشارح.
(5) أي: أدوات الاستفهام المختصَّة بالتَّصوُّر؛ إذ قد سبق أن (الهمزة) و (هل) تزالان عن معنييهما ويتولد منهما معان أخرى.
(6) ينظر ص (345) قسم التحقيق.
(2/590)

و (مَا لي) للتَّعجُّبِ؛ نحو قوله -تعالى-[حكايةً عن سُليمانَ] (1): {مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدهُدَ} (2)، كأنه لَمَّا لم يره ظنَّ أنَّه حاضر ولا يَراه؛ فتعجّبَ وقال: ما لي لا أراه.
و (أيُّ رَجُلٍ)، و (أيُّما رَجُلٍ [هو!]) (3) للتَّعجّبِ؛ إذْ معناه: هو رَجُلٌ عظيمٍ من شأنه أن يُتَعَجَّبَ منه؛ فيكونُ للتَّعجّبِ؛ لا أيَّ رجلٍ من الرِّجال؟ فيكونُ استفهامًا.
و (كمْ دعوتُك!) للاسْتبطاء، أي: كَثِيرًا من المرَّاتِ دعوتُك فتأَخّرتَ، وهو شكايةٌ عن البطءِ، ونهيٌ عن تأخيرِ إيجادِ الفعلِ. وليسَ للاستفهام، إذْ ليسَ معناهُ: كم مرّة دعوتُك؟.
و (كَمْ تَدعوني!) للإنكارِ؛ إذْ ليس معناه: كشف مرّة تدعوني؟ ليكون للاستفهام؛ بلْ معناه: كثيرًا من المرَّات تدعوني (4) وتُكرِّرُ دُعائي بلا ضرورة وفائدةٍ؛ فيكون للإنكارِ.
و (كَم أَحلُم!) للتَّهْديدِ؛ إذْ ليس معناه: كمْ مرّة أحلم؟؛ بل معناه: كثيرًا من المرّاتِ أحلمُ، ويزداد سخطي عليك؛ فيكون للتّهديد.
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. ومثبت من: أ، ب.
(2) سورة النمل؛ من الآية: 20. وفي أ: أُتمت الآية؛ ضمن كلام المصنِّف.
(3) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ب، ف. ومثبت من أ، المفتاح. ويدل عليه ما بعده: "هو"؛ في قوله: "هو رجل".
(4) قوله: "ليكون ... تدعوني" تكرّر في ب. ولعله من انتقال النّظر.
(2/591)

و (كيف تؤذي أباك!)، ليس للسّؤالِ عن الحالِ، وهو أنك في أيَّة حالةٍ تُؤذيه؟، بلْ مَعناه: كيف يجوزُ ذلك، فيكون بحسبِ الاعتقادِ (1) للإنكارِ، والتَّعجُّبِ، والتوبيخ.
ومنه؛ أي: من البابِ الذي (كَيْف) فيهِ للإنكارِ والتَّعجّبِ والتَّوبيخ قولُه -تعالى-: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} (2)؛ إذْ ليسَ معناه: السُّؤال عن الحالِ؛ بَلْ معناه: كيف يجوز ذلك، والحال أنكم كنتم كذا وكذا!. وصدورُ الكُفْر عن العاقل العالم مع أن علمَه بذلك مانعٌ قويٌّ منه -مظنّةُ التَّعجُّب [والتّعجيب] (3) والإنكارِ والتَّوبيخ.
و (أينَ مُغِيثُكَ) للإنكارِ والتَّقْريع حال تذليلِ المُخَاطبِ، إذ ليسَ معناه السّؤال عن مكانِ المغيث. والتَّقريعُ لكونه (4) سُؤالًا في وقتِ الحاجةِ إلى الإغاثةِ عمَّن كان يَدَّعي أنه يغيث، وهو نحو: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} (5) فإنَّه ليس استفهامًا عن مكانِ الشُّركاءِ؛ بلْ
__________
(1) في أ، ب: "الاعتبارات".
(2) سورة البقرة، من الآية: 28.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. ومثبت من أ، ب. المفتاح.
(4) كلمة: "لكونه" تكرَّرت في ب.
(5) سورة القصص، من الآية: 62. ومن الآية: 74.
(2/592)

هو توبيخٌ للمخاطبين عن زعمهم لهُ شُركاء (1)؛ وكذا: {فَأَيْنَ تَذْهبونَ} (2)؛ فإنَّه ليس استفهامًا عن مكانِ الذاهبين (3)، بل هو (4) استضلالٌ لهم فيما يسْلُكونَه (5) في أَمْر الرَّسولِ، وكذا قَوْلك لتاركِ الجادَّةِ: (أين تَذهبُ؟).
__________
(1) في أ، ب وردت الجملة هكذا: "بل تَوْبيخًا وتقريعًا لهم".
(2) سورة التَّكوير؛ الآية: 26.
(3) في أ، ب: "الذّهاب".
(4) "هو" ساقط من أ، ب.
(5) في الأصل: "يسكنونه "والصّواب من: أ، ب.
(2/593)

خاتمةٌ
لا يَخْفى عليكَ مقامُ (أَأنت ضربتَ زَيدًا) بِنِيَّة التقديمِ، أَوْ بغيرها.
فإنَّك في مقامِ كنتَ سائلًا عن حالِ وقوع الضَّربِ، ونويتَ التَّقديمَ لا يجوزُ هذا التَّركيبُ؛ لأن الاستفهامَ عن حالِ وقوع الضَّربِ يَسْتَلْزِمُ الشَّك فِيه، والتَّقديمُ يستلزمُ اليقين بِه.
ولَوْ لَمْ تَكن سائلًا عن حالِ وقُوع الضَّربِ أو لم تَنْو التَّقديمَ جازَ.
ولا يَخْفى [مَقام] (1) (أَزَيْدًا (2) ضربتَ)؛ فإنَّه يُسْتعملُ في مقامٍ يُرادُ تقرير أن زيدًا مضرُوب المخاطبِ، ولا يَجُوز استعماله في مقامٍ (3) يسألُ عن حالِ وقوع الضَّربِ؛ لمنافاته التَّقديم المُسْتلزِم لليَقِين (4).
ولا يخفى مقامُ (أضربتَ زيدًا) فإنّه يُسْتعمل في حالِ تقريرِ الفعل.
فلا يحملُ {أأَنتَ قُلْتَ لِلناسِ} (5) على التقديم، لأَنه يَستلزمُ تعيُّنَ وقوع الفعل، والاستفهام عن نفسِ الفعل يَسْتلزمُ الشَّكَّ فيه.
ولا يُقال: [إنّ] (6) الاستفهام (7) فيه ليس عن نَفْس الفعل؛ بلْ
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ب. ومثبت من أ.
(2) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "إن زيدًا" وهو خطأ ظاهر.
(3) عبارة: "يراد ... في مقام" ساقطة من ب. وظاهر أنه من انتقال النَّظر.
(4) في الأصل: "للتعين" والصّواب من أ، ب.
(5) سورة المائدة، من الآية: 116.
(6) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. ومثبت من أ، ب.
(7) عبارة: "عن نفس ... الاستفهام فيه" ساقطة من ب. وظاهر أنه من انتقال النظر.
(2/594)

عن (1) أنَّ القائلَ هو أو غيره.
لأنا نقولُ: المقامُ يأباهُ؛ يُعلم من سياقِ الآية وسباقها (2).

الثالثُ (3): الأمرُ. ولهُ اللَّامُ؛ أي: ولهُ حرفٌ واحدٌ هو اللَّامُ الجازمةُ في قولك: (لِيَفْعَلْ) وصيغٌ مَخْصُوصةٌ؛ نحو: (اضْرب) و (اسْتخرج) وأسماءٌ؛ نحو: (نزالِ) و (صه)؛ [و] (4) قد تبيّنتْ كُلُّها في [علم] (5) النَّحو. قال السَّكاكيُّ (6): "وصيغٌ مخصوصةٌ سبقَ الكلامُ في ضبطِها في علمِ الصّرفِ، وعدّةُ أسماءٍ ذُكرت في علم النَّحو". والمصنّفُ جرى على اصطلاح الْمُتقدِّمين في عدمِ تَمييزِ علم الصَّرفِ عن النَّحو وإطْلاقه عليه- أَيْضًا.
والأمرُ اقتضاءُ الفعلِ بالقولِ المخصوصِ من ذي اللّامِ والصّيغ والأسماءِ استعلاء. وذِكْرُه هذا القَيْد (7) من حيثُ متابعته السَّكاكيّ؛ وإلا فعنده -كما هو مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ (8) - لا دخْل للاستعلاءِ في
__________
(1) في: أ، ب: "من".
(2) في أ: "سباق الآية وسياقها" ومع التقديم والتأخير المعنى واحد.
وفي ب: "سياق الآية وسياقها"؛ ففي إحدى الكلمتين تصحيف.
(3) أي: من أَنْواع الطلب.
(4) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. ومثبت من: أ، ب، ف.
(5) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. ومثبت من: أ، ب.
(6) المفتاح: (318).
(7) أي: قول المصنِّف: "استعلاءً".
(8) مراده بأهل السنة والجماعة هنا: الأشاعرة ومَن وافقهم، فهم الّذين يَسِمُون الأمر=
(2/595)

مفهوم الأمر (1).
وأمَّا الصِّيغُ فللاسْتعلاءِ؛ أي: موضُوعة لذلك حَقِيقة فيه، عَلَى الأَظْهر لإطباقِ النُّحاة؛ أي: لاتِّفاقِهِم [على] (2) أنها صيغةُ الأمر، ومثالُه؛ أي: وأَنَّها مثالُ الأمرِ لا صيغة الإباحةِ- مَثَلًا، ومثالها، والاستعلاء داخلٌ في مفهومِ الأمرِ -كما قال- فعُلمَ أَنها للاستعلاء، وكون مثل (ليَفْعل) حقيقة للاستعلاء لا يُعلمُ من عبارتِه.
__________
= بأنَّه اقتضاءُ الفعل بالقول، انطلاقًا من معتقدهم أنّ كلام الله -سبحانه وتعالى- قائمٌ بنفسه. يقول البابرتي في الردود والنقود (55) "رسالة دكتوراه بالجامعة": "الأمر: اقتضاء فعل غير كف على جهة الاستعلاء؛ فهو أحد أقسام الكلام النّفسي". والمصنِّف وإن سار السكاكيَّ في ذكره قيد الاستعلاء إلَّا أنَّه عدل عن تعريفه؛ (المفتاح: 318): "عبارة عن استعمالها؛ أي الصّيغ"؛ لما فيه من إنكار الكلام النفسي.
هذا؛ وحاصل الخلاف في اعتبار الاستعلاء بخاصّة قولان:
الأوّل: لا يعتبر الاستعلاء. وعليه جمهور المالكيّة، وأكثر الشّافعيّة، وهو مذهب الأشاعرة.
الثّاني: يعتبر الاستعلاء، وهو مذهب أبي الحسين البصريّ من المعتزلة، وتابعه السَّكاكيُّ، وعليه أكثر الماترديّة. أمّا جمهور المعتزلة فيشترطون العلوّ لا الاستعلاء.
ينظر: المحصول: (1/ 198) والمعتمد: (1/ 149)، وفواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت: (1/ 370)، وسلّم الوصول مع نهاية السّؤل: (2/ 235).
(1) حيث قال في شرح المختصر: (ضمن عدَّة شروح) (2/ 77): "إن اشتراط الاستعلاء مخالفٌ لما عليه الاستعمال؛ إذ قد أطلق الأمر حيث لا يتصوّر الاستعلاء؛ كما في قوله تعالى حكاية عن فرعون: {فَمَاذَا تأمُرُونَ} [الأعراف؛ من الآية 110].
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من أ، ب.
(2/596)

وقَال في المفتاح (1): "وإطباقُ أئمةِ اللُّغةِ على إِضافتهم نحو (2): ([قُمْ] (3) وليَقُم) إلى الأمرِ بقولهم: صيغةُ الأمر، ومثالُ الأمر، ولامُ الأمر يُمدُّ (4) ذلك"؛ أي: كونها حقيقة في الأَمر، كما أَن من عبارة المفتاح -أيضًا- نظرًا إلى الدَّليلِ لا يُعلم حكمُ الأسماءِ ك (صَهْ) أَأَنها حقيقة للاستعلاءِ أم لَا (5).
والأَشبهُ أَن ذلك؛ أي: اقْتضاء الفعلِ بالقولِ استعلاء إيجابٌ على المطلوب منه بالإتيانِ به؛ كان صدَرَ من أَعلى؛ أي: ممّن هُو أعلى مرتبة
__________
(1) ص (318) بحذف يسير.
(2) كلمة: "نحو" ساقطة من أ.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ب. ومثبت من: أ. مصدر القول.
(4) في الأصل: "عد" والصَّواب من: أ، ب. مصدر القول.
(5) الذي يظهر لي من عبارة السَّكاكي -والله أعلم- أنَّها تشمل -أيضًا- حكم الأسماء في أنها -أيضًا- للاستعلاء. وأصل الدّليل عند السَّكاكيِّ هو تبادر الأمر عند استماع الصِّيغ؛ دون غيره من الدُّعاء والالتماس والنّدب وغير ذلك، ولم يستثن من ذلك الأسماء، وما ساقه بعد ذلك من إطباق أئمة اللّغة على إضافتهم نحو (قم، وليقم) إلى الأمر؛ مؤيّدٌ للدّليل. لا دليل برأسه حتّى يفهم منه قصر الاستعلاء على الفعل دون غيره، والله أعلم.
على أنّ ما أيَّد به السَّكاكيُّ دليله لم يسلم له؛ فقد اعترض عليه الخطيب القزويني بقوله (الإيضاح: 3/ 82): "وفيه نظر لا يخفى على المتأمّل".
ولعلّ مراده بذلك ما صرّح به الصّعيديّ؛ إذْ قال (بغية الإيضاح: 2/ 46): "لأن أئمّة اللّغة لا يريدون بالأمر في هذا طلب الفعل استعلاء، وإنّما يريدون الأمر في نحو: قم وليقم، ولو لم يكن على جهة الاستعلاء، لأنهم يقولون ذلك في مقابلة الماضي والمضارع".
(2/597)

من المأمور حقيقة، أفادَ الوُجوب؛ أي (1): وجوب الفعل المطلوب، وإِلا (2) فلا يُفيدُ الوُجوبَ؛ بل لا يُفيدُ إلا الطلبَ وحينئِذٍ؛ أي (3): حين لَمْ يُفد إلا الطلب تولَّد بحسبِ القرائنِ ما يُلائمُ المقامَ؛ من دعاءٍ إن استعملَ (4) على سبيلِ التَّضَرّع؛ نحو: (اللهمَّ اغفِر)، أو سُؤالٍ إن استعملَ على سبيل التَّلطّفِ؛ كقولِ كُلِّ أحدٍ لمن يُسَاويه في المرتبة: (اسقني مَاءً)، أو إذنٍ إن استُعمل في مقامِ الإباحةِ؛ نحو: (جالِس الحسن (5) أو ابن سِيرين) (6)؛ لمن يَسْتأذن في ذلك، أو تَهْدِيدٍ إِن استعملَ في مقامِ تَسَخُّط المأمورِ به، وعدم رِضَى الآمرِ بما أمر به نحو: {اعمَلُوا مَا شِئتم} (7)، أو تمنٍّ إن
__________
(1) "أي" ساقطة من أ، ب.
(2) أي: إِنْ لم يصدر من أعلى.
(3) "أي" ساقطة من أ، ب.
(4) في الأصل: "يُستعمل" والصّواب من أ، ب، المفتاح. ويدلّ عليه ما بعدَه من أمثلة مشابهة.
(5) هو أبو سعيد؛ الحسن بن يسار البصريُّ، أحدُ التَّابعين، وأحدُ العلماء الفقهاء النُّسَّاك. ولد في المدينة سنة 21 ه، وتوفِّي بالبصرة سنة 110 ه.
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد: (7/ 156)، وفيَّات الأَعيان: (2/ 56 - 59)، تذكرة الحفّاظ: (1/ 66)، سير أعلام النُّبلاء: (4/ 563).
(6) هو أبو بكر؛ محمّد بن سيرين البصريّ الأنصاريّ بالولاء، أحد التّابعين، وعالمٌ من علماء الدين. اشتهر بالورع وتعبير الرُّؤيا. ولد في البصرة سنة 33، وتوفّي سنة 110 ه.
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد: (7/ 193)، وفيّات الأعيان: (4/ 35 - 36)، سير أعلام النُّبلاء: (4/ 606).
(7) سورة فصلت؛ من الآية: 40.
(2/598)

استعملَ في مقام يقتضِي ذلك، نحو:
(ألا أَيُّها الليلُ الطّويلُ ألا انْجِلي) (1).
أو إكرامٍ، نحو: {ادخُلُوها بسَلَامٍ آمِنِينَ} (2)، أو إهانة، نحو: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ} (3). وهذِه الثلاثةُ (4) لَمْ يذكرها السَّكاكيُّ، وقد يُولّدُ غيرُ ذلك إلى ستَّة عشَرَ وجْهًا، كما هو مذكورٌ في متون دفاترِ الأصولِ (5).
__________
(1) صدر بيت من الطّويل، وتمامه:
......................... ... بِصُبْحٍ وما الإصباحُ مِنْكَ بأَمثَلِ
وقائلُه: امرؤ القيس بن حجر. قاله ضمن معلقته الْمَشْهورة: (قفا نبك ...).
والبيت في ديوانه: (18)، وشرح المعلّقات السّبع للزّوزني: (59).
واستشهد به في هذا الموضع، أو في غيره في الإيضاح: (3/ 86) والتبيان: (577).
وهو في معاهد التَّنصيص: (1/ 264).
(2) سورة الحجر؛ الآية: 46.
(3) سورة الدخان؛ من الآية: 49.
(4) أي: الثلاثة الأخيرة: "التّمنيّ، الإكرام، الإهانة".
(5) ينظر على سبيل المثال: روضة النّاظر وجنّة الناظر: (2/ 597 - 598)، المحصول في علم أصول الفقه: (2/ 57)، الإحكام في أصول الأحكام: (2/ 132 - 133)، شرح الكوكب المنير في أصول الفقه للفتوحي: (3/ 17). وكذا شرح مختصر ابن الحاجب للإيجيّ نفسه (ضمن عدّة شروح): (2/ 78)؛ حيث أورد قول ابن الحاجب (إنّه يرد لخمسة عشر معنى)، ثم ذكر منها ما يلي:
النّدب؛ نحو قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُم إنْ عَلِمتم فِيهِم خَيْرًا} [سورة النّور، من الآية 133]. =
(2/599)

الرّابعُ (1): النَّهيُ (2). وحرفه (لا) الجازمةُ؛ نحو: (لا تَفْعلْ)؛ وهو كالأَمر في أحكامه؛ كما في (3) كونِ أصلِ استعمالِ صيغتِه للاستعلاءِ, وفي إفادةِ الوجوبِ وعدمِها, وفي توليدِه بحسبِ القرائن ما يُناسبُ المقامَ؛ كالدُّعاءِ (4) - مثلًا - في قول الْمُبتهلِ إلى الله: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا} (5)، وغير ذلك ممّا عَرفته (6) في الأمرِ (7).
__________
= الإرشاد؛ كقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ ...} [سورة البقرة؛ من الآية: 282].
الامتنان؛ كقوله تعالى: {كُلُوا مِمَّا رزَقَكمُ اللهُ} [سورة الأنعام؛ من الآية: 142].
التَّسخير؛ كقوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [سورة البقرة؛ من الآية: 65].
التَّعجيز؛ كقوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [سورة البقرة؛ من الآية: 23].
الاحتقار؛ كقوله تعالى: {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} [سورة الشعراء؛ من الآية: 43].
(1) أي: من أنواع الطّلب.
(2) هو عند المصنِّف -كما اتضح من تعريف الأَمر- اقْتضاءُ عدم الفعل بالقول استعلاءً، ينظر: شرحه لمختصر منتهى السّؤل: (2/ 94 - 95).
(3) هكذا في الأصل: "كما في". وفي أ، ب: "كفى".
(4) كلمة: "كالدُّعاءِ" ساقطة من أ.
(5) سورة البقرة؛ من الآية: 286.
(6) في أ: "عرفه".
(7) جملة: "وغير ذلك ... الأمر" ساقطة من ب.
(2/600)

وهُمَا للفَور أو التَّراخي اخْتُلف في أنَّ الأمرَ والنّهيَ لأيٍّ منهما (1)، اختيارُ (2) المصنِّف أن الحال لا يخلُو من وجودِ القرينةِ الدَّالةِ على أَحدهما أَوْ لا؛ فَإِن قامت القَرينةُ على الفَوْريّةِ أو على التَّراخِي (3) فيعتمدُ القَرينةَ، ويكونُ (4) كلُّ واحدٍ منهما لما قامت القَرينةُ عليه. وإن لم تقمْ قرينةٌ وهو المراد بقوده: ودونها؛ فالظّاهرُ أنَّهُما للفورِ؛ كالنِّداءِ والاستفهامِ؛ فإنّهُما بالاتّفاقِ يدلّان على الفورِ (5).
وللعُرفِ (6)؛ أي: ولأَنَّ العرفَ يستحسن الْمُبادرة؛ أي: مبادرة
__________
(1) وحاصل الخلاف أَقْوال عدّة منها:
1 - أنَّهما يقتضيان الفور.
2 - أنَّهما لا يقتضيان الفور، ويجوز التَّأخير عن أوّل وقت الإمكان.
3 - التّوقّف.
4 - البناءُ على القرينة.
5 - التَّفريق بين الأمر والنّهي، فالنّهي على الفور، والأمر يجوز تأخيره. ولكلِّ قولٍ دليله الّذي يؤازره.
ينظر: الإحكام في أصول الأحكام: (م 1: 1/ 153 - 159)، منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل: (94 - 97).
(2) في ب: "اختار به".
(3) في ب زيادة: "وهو المراد بقوله".
(4) في أ: "فيكون".
(5) ينظر: شرح مختصر منتهى السُّؤل؛ للإيجيّ: (2/ 84).
(6) هكذا -أيضًا- في ب، ف. وفي أ: "والعرف".
(2/601)

المأمورِ؛ كالعبدِ إذا أَتى فعلَ المأمورِ به فيما إذا قال له سيِّدُه (1): (اسْقني ماءً)؛ فإنَّه يَسْتحسن العرفُ سقيَه على الفَوْرِ، ولوْ لَمْ يكن ظاهرًا للفورِ لما كان كذلك. ويذمُّ العرفُ بعدمها؛ أي: بعدمِ المبادرةِ إليه، ولهذا لو أَخَّرَ العبدُ السَّقي عُدَّ عاصيًا، ولولا أَنَّه للفورِ لَما عُدَّ.
ويَسْتَهجنُ النَّهيَ قبل الفعل؛ ك (لا تَسْقني) بعد (اسقني) قبلَ السّقي؛ فإن العرفَ يَسْتهجنه؛ وذلك لتَبادر الفهم إلى التَّنافي بين الحكمين، ولولا أنَّه للفور لا فُهم التَّنافي. ويُعَدُّ؛ أي: وَيَعُدُّ العرفُ النَّهي قبل الفعلِ إبطالًا، للأمر، ولولا أنّه للفورِ لما كان كذلك؛ لجوازِ الإِتيانِ به فيما بعدُ.
قال في المفتاح (2): "الأمرُ والنَّهيُ حقُّهما الفور. والتَّراخي مَوْقُوفٌ على قرائن الأحوال"، ومغايرتُه لِمَا في المختصر ظاهرةٌ (3).
ثُمَّ اعلم: أنَّ التَّعلّق بالاستحسان والاستهجانِ ممّا زادَ على المفتاح.
وهُمَا؛ أي: الأَمرُ والنَّهي، للمَرَّةِ أو للاسْتِمرار (4)؛ اختلفَ فيه
__________
(1) هكذا جاءت العبارة في الأصل. وفي أ، ب: "كالعبد مثلًا إلى فعل المأمور به كما إذا قال لعبده".
(2) ص: (320).
(3) لكونه جعل الفوريَّة أصل ثابت للأَمر والنَّهي، وقرائن الأحوال صارفة عن الأصل إلى التَّراخي. بخلاف ما في المختصر فإنه جعل قرائن الأحوال أصل في الدّلالة على الفور أو التَّراخي وما لم تعلم فالظّاهر أنّها للفور -كما هو نصّ كلامه المتقدّم-.
(4) في الأصل: "وللاستمرار" بالعطف بالواو. والصّواب من: أ، ب، ف.
(2/602)

على مذاهبَ، والوجهُ أنّه [أي: الطّلب بهما] (1) إمّا لقطعِ الواقع؛ فللمرِّةِ، أو لاتِّصاله؛ فللاسْتمرارِ؛ أي: يُنظرُ إنْ كان الطّلبُ بهما راجعًا إلى قَطْع الواقع؛ كقَولِك في الأمرِ للسَّاكنِ: (تحرَّكْ)، وفي النَّهي للمُتحرِّك: (لا تتحرَّك)؛ فللمرَّةِ، وإِنْ كانَ راجعًا إلى اتِّصالِ الواقع واستدامته؛ كقولك في الأَمر للمتحرِّك: (تحرَّك)، وفي النَّهي للمتحرّكِ: (لا تَسْكُن)؛ فللاستمرار؛ وليس أمرًا لتحصيل الحاصل؛ لتوجّهِه إلى المستقبل؛ إشارةٌ إلى سؤالٍ وجوابٍ؛ أي: فإن قُلْتَ: قولك في الأمر للمتحرِّك: (تحرَّك)، أمرٌ بتحصيل الحاصل؛ قلتُ: ليسر كذلك؛ لأنَّ الطَّلبَ حال وقوعه يتوجّهُ إلى الاستقبالِ، ولا وُجودَ في الاستقبالِ قبلَ صَيْرورتهِ حالًا.
__________
(1) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. ومثبت من أ، ب. على أنَّ "بهما" ساقطة من ب.
(2/603)

خاتمةٌ:
هذه الأربعةُ، أي: التَّمنِّي، والاسْتفهام، والأَمر، والنَّهي، تُعين (1) على تقدير الشَّرط بعدها؛ بعدَ كلِّ واحدٍ من هذه الأربعة؛ لكونها قرائنَ صالحةً لإضمار الشَّرطِ بعدها؛ نحو: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي} (2) بالجزمِ (3) في صورة الأَمر، نحو: إنْ تهبْ لي وليًّا رثْني. والرّفع بالاستئناف، أي: قراءة رفع (4) {يَرِثُنِي} على الاستئناف (5). دون الوصف لئلَّا يلزم منه أنَّه لم يُوهب (6) له وليٌّ يرثه، إذْ ماتَ يحيى قبله، أي: قبلَ [موتِ] (7) زكريَّا (8).
__________
(1) هكذا -أيضًا- في ب، ف. والكلمة ساقطة من: أ.
(2) سورة مريم؛ من الآيتين: 5، 6.
(3) وهي قراءة أبي عمرو والكسائي والزّهريّ والأعمش وطلحة، على أنّه جواب للدُّعاء. ينظر: النّشر في القراءاث العشر: (328)، وتفسير الرازي: (7/ 507 - 508)، وفتح القدير: (3/ 322).
(4) في الأصل: "الرَّفع" والصَّواب من: أ، ب.
(5) فكأنه فيل: ما يصنع لك؟ قال: يرثُني. وعليه فإنّ قول زكريّا - عليه السَّلام -: {يَرِثُنِي} خارج عن السُّؤال الَّذي سأله ربّه.
(6) في هذا ردّ على قراءة من رفع {يَرِثُنِي} على الوصفيَّة؛ وهي القراءة المشهورة.
ينظر: المصادر الساّبقة.
(7) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. ومثبت من: أ، ب.
(8) قال أحد شرّاح الفوائد الغياثيّة دافعًا الاعتراض المتَّجه على قراءة الرَّفع (شرح =
(2/604)

وقَال: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} (1)؛ أي: إن قُلْتَ لهم أقيموا يُقيموا، ونحو: (ليتَ لِي مالًا أُنْفِقه) في التَّمنِّي؛ أي (2): إِنْ أُرْزَقْهُ (3) أُنفقه، وفي: (أين بَيْتُك أزُرك) في الاستفهام؛ أي: إن أعرفه أزركَ؛ ونحو: (لا تكفر تَدْخُل الجنَّةَ) في النَّهي؛ أي: إن لا تكفُر تدخل الجنّة.
وقد يُقدَّرُ الجزاءُ؛ أي: كما يجوزُ تقديرُ الشَّرط يجوزُ تقديرُ الجزاءِ بقرائنِ الأَحوال بعد الشَّرط؛ نحو قوله - تعالى -: {إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} (4)؛ أي: ألسْتُم ظالمين، وقد تُركَ بدليلِ ذكرِ الظُّلمِ عُقيبه؛ كما قال بدليلِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (5).
__________
= الفوائد، مجهول،: 161 / أ): "والحقّ أن الرّفع على الوصف غير ممتنع لأَنّ المراد بقوله: {وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي} هو الولد كنايةً، وكأنَّه قال: فهب لي من لدنك ولدًا، ولا يلزم من هذا كونه وارثًا بالفعل؛ فإنَّ الكناية ينبغي أن لا تكون منافية لإرادة المعنى الأصلي؛ لا أن يكون المعنى الأصلي مرادًا البتّة؛ على أنّ المراد بالإرث ها هنا الحبورة والنّبوّة .. ، وقد ورث - عليه السّلام - الحبورة والنُّبوَّة".
(1) سورة إبراهيم؛ من الآية: 31،
(2) "أي" ساقطة من ب.
(3) في الأصل: "أرزقني" والصّواب من أ، ب، المفتاح.
(4) سور الأحقاف، من الآية: 10. وسيأتي بقيّتها عقب الشّرح مباشرة ويلحظ أنَّ الاستشهاد ورد بجزء الآية ضمن كلام المصنِّف وجزء آخر ضمن كلام الشَّارح.
ويقويه رواية ف. أمّا في: أ، ب؛ فقد ورد الاستشهاد كاملًا ضمن كلام المصنّف.
(5) سورة الأحقاف، من الآية: 10 وهو تمام الآية المتقدِّمة.
(2/605)

الخامسُ (1): النِّداءُ. وقد سبق ذكرُه وما يتعلَّقُ به من حُروفه، وتفصيلِ الكلامِ في إعرابه ومعانيها (2). في النَّحو (3)؛ وهنا شيءٌ يُشْبهُه؛ أي: هُنا نَوعٌ من الكلامِ صُورتُه صُورة النِّداء. وليس به؛ أي (4): بالنِّداء؛ نحو: (اللَّهمَّ اغفر لَنَا أيّتُها العِصَابةُ) (5)؛ فإنَّ صُورَته صورةُ النِّداءِ، ولكن هو للاختصاص؛ أي: اللَّهمَّ اغفر لنا مخصوصين من بين العصائبِ؛ كقولهم: (أمَّا أنَا فأفعلُ كذا أيّها الرَّجلُ)؛ أي: أنا أفعل كذا متخصّصًا بذلك مِنْ بين الرِّجالِ.
والسِّرُّ فِيه: أنَّ في كلامهم ما هُو لمعْنى (6)؛ ثمَّ يَنْقلون إلى معنى آخر بحذفِ قيدٍ لغرضٍ؛ كما أنَّه لتخصيصِ المنادى بطلبِ الإِقبالِ؛ فنُقِل إلى مَعْنى الاخْتِصاصِ مَحْذوفًا منه قيد طلبِ الإقبالِ، وكما أَنَّ الهمزةَ للاستفهامِ عن المستويين فيُحذفُ قيدُ الاستفهام ويبقى لمستويين (7)؛ نحو: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ} (8) الآية كما مَرَّ (9).
__________
(1) أي: من أنواع الطَّلبِ.
(2) في الأصل: "ومعانيه" والمثبت: من أ، ب، المفتاح.
(3) ينظر: المفتاح؛ قسم النحو ص (101 - 102).
(4) "أي" ساقطة من أ.
(5) العِصابةُ: جماعة ما بين العشرة إلى الأربعين. اللّسان (عصب): (2/ 605).
(6) في أ: "بمعنى".
(7) في الأصل: "المستو بين" والصّواب من: أ، ب.
(8) سورة البقرة، من الآية: 6.
(9) راجع ص (479 - 480) قسم التحقيق.
(2/606)

تذنيبٌ
قد يوضعُ الخبرُ مَوْضعَ الطَّلبِ (1) إخراجًا للكلامِ لا على مُقْتضى الظَّاهرِ؛ كما أُخرج (أيُّهَا (2) الرَّجلُ) من الطّلبِ إلى الخبرِ عن الاختصاصِ؛ وذلك لوُجوهٍ من الأَغْراضِ:
الأَوَّل: التَّفاؤُلُ بالوقوعِ؛ كما إذا قيلَ لك في مقامِ الدُّعاء: (وفَّقك الله للتَّقوى) بدل قوله: (اللَّهمَّ وفِّقه له)، كأنَّه يتفاءلُ بلفظِ المُضيِّ على عدّه (3) من الأمورِ الحاصلةِ الَّتي حقُّها الإخبارُ عنها بأفعالٍ ماضيةٍ.
ومنه؛ أي: من التَّفاؤُل: تسميةُ المفازةِ للفلاةِ المهْلكةِ، والنَّاهلِ -وهو الرَّيّان- للعَطْشانِ، والسَّليم -وهو ذُو السَّلامة - للَّديغِ؛ إطلاقًا للضدِّ على الضِّدِّ تفاؤُلًا به، واحْتِرازًا عن التَّلفُّظِ بالفلاةِ، والعطشانِ، واللَّديغِ.
ورُوعِي التَّفاؤلُ حتَّى (4) لَمْ يكتب المترسّلون (5) للمُخَدَّراتِ (6) في
__________
(1) لما استوعب الكلام في الخبر والطَّلب وأقسامهما على مقتضى ظاهر الحال ناسب أن يختم كلامه بما يشترك بينهما؛ وهو أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يخرج لا على مُقْتضى الظَّاهر ويذكر في موضع الآخر.
(2) في أ، ب: "يا أيها" ولا اختلاف فالمقدَّر كالثَّابت.
(3) في ب: "غيره" وهو خطأٌ ظاهرٌ.
(4) هكذا -أيضًا- في أ، ف. وفي ب: "حيث".
(5) في الأصل، ب: "المرسلون". والمثبت من: أ؛ إذ المراد أعمّ من توجيه الخطاب إليهنّ.
(6) المُخَدَّرات: جمع مخدَّرة؛ وهي المرأة الّتي لزمت الخِدر، والخِدرُ ستر يُمدّ للجارية =
(2/607)

مكاتبتهنَّ: أدِامَ اللهُ حراستها (1)؛ احترازًا عن لفظي (2) الحِر؛ وهو: الفرجُ، والاستِ؛ وهو: الدُّبُر؛ بل عن تَصْحِيفهما. وكذلك لَمْ يُكتبْ لَهُنَّ (3): أدام الله أيّامها إلى قيامِ السّاعة وساعة القيامِ؛ لمثل ما ذكرنا (4).
بلْ لم يُهدِ الظُّرفاءُ السَّفَرْجَلَ إلى الأحبَّاءِ لاشْتِماله على حُروفِ سَفَرٌ جَلَّ، أي: عَظُم.
وإذا راعُوا في أمثالِ [ذلك] (5) هذه (6) -ممّا هو بعيدٌ- ففي بابِ التَّفاؤلِ إلى الَّذي هو أقربُ منها بالطّريق الأَوْلَى.
ومنه؛ أي: من التَّفاؤُلِ قولُ نائبِ (7) هارون (8) الخليفة وقد سأَلَه؛ أي:
__________
= ناحية البيت. ينظر: اللّسان: (خدر): (4/ 230 - 231).
(1) أي: أدام الله محافظتها.
(2) في. الأصل، ب: "لفظ" والصّواب من: أ.
(3) في أ، ب: "لا يكتب الكُتَّابُ".
(4) من الاحتراز عن تصحيف "أيّام" إلى "أَيام" جمع أيِّم؛ وهي المرأة الَّتي لا زوجَ لها سواء كانت بكرًا أو ثيِّببًا. وكذلك الاحتراز عن ما يمكن أن يتوهُم من: "ساعة القيام": أنّه ساعة النُّعوظ.
(5) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. ومثبت أ. وفي أ: "في المثال ذلك".
ومراده ب"ذلك" في قوله: "أمثال ذلك" أي: السّفرجل.
(6) أي: هذه المعاني.
(7) هكذا في الأصل، أ، ب، ف. وفي المفتاح أَنَّه كاتبه والأَوْلى ما في المفتاح لوجود ما يؤازره في بعض الكتب البلاغية الأخرى كالمصباح: (92) وشروح المفتاح.
ولعلّ ما ورد عند المصنِّف تصحيفٌ وتحريفٌ تابعَه عليه الكرمانيُّ.
(8) هو أبو جعفر؛ هارون بن محمّد بن المنصور (الرَّشيد)؛ خامس خلفاءِ الدَّولةِ =
(2/608)

هارونُ إيّاه عن شيءٍ: لا وأيد الله الأميرَ؛ تاركًا عبارةً عليها الأغبياءُ؛ وهو قولهم: لا، أيَّد اللهُ؟ بتركِ الواو الموهم لانسحاب النَّفي على الفعلِ.
قيل: لمّا سمع الصَّاحبُ (1) بن عبَّادٍ: لا وَأَيّدك (2) اللهُ؛ قال: هذه الواوُ أحسنُ من واواتِ الأصداغِ (3) في خدودِ المبردِ الملاحِ.
وآخر لِغَيْره؛ أي: ومنه قولُ شَخْصٍ آخر لغيرِ. هَارون، وقد سأَلَه
__________
= العبَّاسيّة. ولد بالرَّيِّ سنة (149 ه) ونشأ في دار الخلافة ببغداد. بُويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي سنة (170 ه) فقام بأمورها خير. قيام. توفّي في سناباذ من قرى طوس سنة (193 ه).
ينظر في ترجمته: تاريخ خليفة: (437، 461)، تاريخ اليَعقوبيِّ: (2/ 407 - 413)، وتاريخ الأُمَم والملوك: (8/ 230)، وشذرات الذَّهب: (2/ 431).
(1) هو أبو القاسم؛ إسماعيلُ بن عبَّاد بن عبَّاس الطَّالقانيِّ. أديبٌ كاتبٌ، استوزره مؤيّدُ الدَّولةِ ابن بويه الدَّيلميّ، ولُقِّب بالصَّاحب لصحبته إيّاه منذُ الصِّغر، وقيل لصحبته الوزير ابن العميد. ولد في الطّالقان سنة (326 ه) وتُوفّي بالرّيّ سنة (385 ه). له عدَّةُ مؤلّفات منها: "الوزراء"، و"الكشف عن مساوئ المتنّبي".
ينظر في ترجمته: يتيمة الدَّهر: (3/ 188)، معجم الأدباء: (6/ 168)، الإمتاع والمؤانسة: (1/ 53)، وفيات الأعيان: (1/ 230 - 234).
(2) في الأصل: "وأَيد". والصَّواب من: أ، ب.
(3) الأصداغ: جمع صُدْغُ وهو ما انحدر من الرّأس إلى مركب اللّحيين.
اللِّسان: (صدغ): (8/ 439). ولعلّ مراد الصّاحب بن عبّاد بقوله: "واوات الأصداغ" الشّعر المعقرب المتدلّي على الصّدغ؛ لكونه يشبه في استدراة أطرافه الواوات. وقيل: إنّ الصّدغ يطلق حقيقة على الشَّعر المتدلِّي فلا يحتاج إلى إيضاح. ينظر: المصدر السّابق، جزؤه وصفحته.
(2/609)

عن شجرةٍ رآها من بعيدٍ: (ما هذه الشَّجَرةُ؟) والحالُ أنَّها شجرةُ الخلافِ (1): (هي (2) شجرةُ الوفاقِ)؛ تفادِيًا عن التَّلفُّظِ - في حضرته - بلفظِ الخلاف.
فخلعَا؛ أي: هارونُ وغيُره عليهما؛ أي: كسواهُما حُلَّة التَّشريف. حُكي (3) أنَّ هارونَ سأل مأمونًا (4) عن جَمْع المِسْوَاك؛ فَقَال: مَحاسِنُك يا أمير المؤمنين؛ فجعله وليَّ عهدِه، وقدّمَه على مُحَمِّدٍ الأمين (5)
__________
(1) هي صنف من الصّفصاف، وليس به، وهو بأرض العرب كثيرٌ ويسمّى السّوجز، وأصنافه كثيرة وكلها خوار ضعيف، وزعموا أَنّه سمي خلافًا لأنّ السّيل يجيء به سبيًا فينبت من خلاف أصله؛ قاله أبو حنيفة. ينظر: النّبات لأبي حنيفة: (5/ 142)، معجم أسماء النّباتات: (53).
(2) في ب: "وهي" ولا وجه لزيادة الواو.
(3) هكذا في الأصل. وفي أ، ب: "يحكي".
(4) في أ: "المأمون".
وهو: أَبو العبَّاس؛ عبد الله بن هارون (الرَّشيد) بن محمّد (المهديّ) بن أبي جعفر المنصور. سابع خلفاء بني العبّاس ولد سنة (170 ه) وتوفّي سنة (218 ه).
ينظر في ترجمته: الكامل في التّاريخ: (6/ 8)، البداية والنّهاية: (10/ 398 - 305)، مروج الذّهب: (2/ 247)، سيرُ أعلام النّبلاء: (10/ 272).
(5) هو أبو عبد الله؛ محمَّد بن هارون (الرّشيد) بن محمّد (المهديّ) بن أبي جعفر المنصور. سادس خلفاء بني العبَّاس ولد سنة (170 ه) وتوفّي سنة (198 ه).
ينظر في ترجمته: الكامل في التَّاريخ: (5/ 405)، البداية والنِّهاية: (10/ 263 - 265)، تاريخ الأُمم والملوك: (8/ 365)، سيرُ أَعلام النُّبلاء: (9/ 334).
(2/610)

بهذه النُّكتةِ.
الثَّاني: إظهارُ الحرصِ على وُقوعه؛ كأنّه لكثرةِ ما ناجى بهِ نفسَه (1) انتقشَ صورتُه؛ لأنَّ الطَّالبَ متى تبالغَ حرصُه فيما يطلُبُ ربَّما انتقشتْ في الخيال صورته - لكثرةِ ما ناجى (2) به نفسَه - فخاله واقعًا؛ فتخيَّلَ إليه غيرُ الحاصلِ حاصلًا.
الثّالثُ: الكنايةُ. لحُسْنها؛ أي: لحُسْنٍ فيها ليس في التَّصريحِ؛ كقول العبْد للمولى إذا حوَّلَ عنه الوجه: (ينظر المولى إليَّ ساعة). أمَّا كونه كنايةٌ؛ فلأَنّ (ينظر) مُستلزمٌ لقوله: أَطلبُ أن ينظر المولى إليَّ ساعةً.
أو للتَّأدبِ لاحْتِرازِه عن صُورةِ الأمرِ فيه.
أو لهما؛ أي: للحسنِ والتَّأدُّب معًا.
الرّابعُ: حملُ المخاطبِ على الْمَذْكور أَبْلغ حملٍ، بأَلطف وجهٍ؛ نحو: (تأتيني غدًا) إذا صَدَر. مِمَّن تَكْره أَنْت أن يُنْسبَ ذلك الصَّادر عنه إلى الكَذبِ؛ فإِنَّه إذا قال لك ذلك وأَنْت تكره نسبته إلى الكذبِ - لزمك إتيانه غَدًا وإِلَّا صار مَنْسوبًا إليه؛ بخلافِ ما لو قال: (ائتني غدًا) فإنّه لا يَلْزمُك ما لَزِمك في صورةِ الخبر.
أو غيرِ ذلك المذكورِ من الوجوه الأربع حسب المقامات والمناسبات.
__________
(1) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "ما يناجي نفسه".
(2) في أ: "يناجي".
(2/611)

فاعتبِره في القرآنِ وتأمّل قال- تعالى -: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ} (1) في موضِع (لا تعبدوا) (2)، وهو أبلغُ من صريح النَّهي؛ لِمَا فيه من إيهامِ أنَّ المنهيَّ مُسارعٌ إلى الانتهاءِ؛ فهو يُخبر عنه؛ كما تقول: (يذهبُ فلان يقول لزيدٍ كذا) تريدُ الأمر، وتُظْهر أَنَّه مسارعٌ إلى الامتثال؛ فأنت تُخبرُ عنه؛ وقال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} (3) في موضع (لا تسفكوا) (4) على نحو ما سبق.
ومنه؛ أَي: من قَبيلِ وضع الخبرِ موضع الطَّلبِ قولُ البلغاءِ في الدُّعاءِ: (رَحِمَهُ اللهُ).
وقد يُوضع الأمرُ موضعَ الخبر (5). وفي المفتاح وإن عَمَّم وضع الطَّلبِ موضع الخبرِ (6)، لكنَّ الأمثلة خصّصتهُ (7) بالأمر. للرِّضا بالواقع. إظهارًا إلى درجةِ حتَّى كأنه؛ أي: [كأنَّ] (8) ذلك الشَّيء المَرْضِيّ.
__________
(1) سورة البقرة، من الآية: 83.
(2) في ب: "لا تعبدون" وهو خطأ ظاهر.
(3) سورة البقرة؛ من الآية: 84.
(4) في ب: "لا تسفكون" وهو خطأ ظاهر.
(5) عطف على قوله: "قد يوضع الخبر موضع الطَّلب".
(6) ينظر: المفتاح: (326).
(7) في ب: "خصّصتها" ولا وجه للتّأنيث.
(8) ما بين المعقوفين أورد محرّفًا بالزِّيادة في الأصل هكذا: "كأنه" ثمّ شُطب عليه توهّمًا أنّه تكرارٌ للكلمة قبله. والكلمة مثبتة من أ، ب.
(2/612)

مطلوبٌ، قال كُثَيِّر (1) -بضمِّ الكافِ، والثَّاءِ المثلَّثة المَفْتوحةِ، والياءِ المشدّدةِ المكسورةِ -:
أَسِيئي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لا مَلُومَةٌ (2) ... لَدَيْنا ولا مَقْلِيّةٌ (3) إِنْ تَقَلَّتِ (4)
وعليه ورد قوله - تعالى -: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
__________
(1) هو أبو صخر؛ كُثِّير بن عبد الرّحمن بن الأسود الخزاعيّ. شاعر تتيّم بعزّة فشهر بها، امتدح بني أُميّة ونال أُعطياتهم. له ديوان شعر مطبوع. توفِّي سنة (107 ه)، وقيل غير ذلك.
ينظر في ترجمته: طبقات فحول الشّعراء لابن سلّام: (2/ 540)، والشّعر والشّعراء: (121)، عيون الأخبار: (2/ 144)، معجم الشّعراء: (216). والبيت من الطّويل. وهو في ديوان الشّاعر: (101)، والشّعر والشّعراء "تحقيق أحمد شاكر": (1/ 515)، وعيار الشّعر: (85)، وأمالي القالي: (2/ 111). واستُشهد به في المفتاح: (326)، والمصباح: (90)، والإيضاح: (3/ 83).
قال الخطيب القزوينيّ في الإيضاح: (3/ 83): "ووجه حسنه: إظهار الرّضا بوقوع الدّاخل تحت لفظ الأمر؛ حتَّى كأنَّه مطلوب، أي: مهما اخترت في حقِّي من الإساءة والإحسان فأَنا راض غاية الرّضا؛ فعامليني بهما وانظري هل تتفاوت حالي معك في الحالين".
(2) ملومةٌ بالرّفع: خبر مبتدأ محذوف؛ أي لا أنت ملومة.
(3) مقليّة: اسم مفعول من قلى؛ وهو: البغض. ينظر: اللِّسان: (قلي): (15/ 198).
(4) تقلّت: تبغَّضت. ينظر: اللِّسان: (قلى): (15/ 198). وفي الكلمة التفات من الخطاب إلى الغيبة.
(2/613)

إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} (1).
وهو للتّسويةِ للمخاطبِ بين أن يفعلَ الإِسَاءَة والإِحْسَان؛ لأَنَّ المرادَ بالأَمر الإيجابُ المانعُ عن التَّركِ، لكن مع مَيْلٍ [أيْ: مع ميلِ المتكلّم] (2) إلى كلِّ اختارَه؛ أي: لكن مع إِظْهار مزيدِ الرِّضا والْمَيلِ بأَي ما اختارَ المخاطبُ في حقِّه من الإساءةِ أو الإحسانِ، ولولا ذلك لكان مُقْتضى المقامِ أن يقول: (أنا راضٍ بما تفعلين ولا أَلُومك أحسنتِ إلينا أو أَسأتِ) على سَبيل الإخبار.
وكذا في الآية الكريمة؛ المرادُ: التَّساوي بين الأَمرين في عدمِ الإفادةِ لهم؛ وكانَ حَقُّه أَنْ يُقال: (لنْ يغفر الله لهم استغفرت لهم أو لم تستغفرْ).
أو ميلِ المخاطبِ إليه؛ عطفٌ على قوله: (للرِّضا بالواقع)؛ أي: قد يوضعُ الأمرُ موضعَ الخبرِ لميلِ المخاطبِ إلى الوقوع؛ نحو: (إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) (3)؛ أي: صنعتَ ما
__________
(1) سورة التّوبة؛ من الآية: 80.
(2) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. ومثبت من أ. لمزيد من الإيضاح.
(3) حديثٌ أخرجه البخاريّ في صحيحه: (5/ 9) وأبو داود في سننه: (5/ 148 - 149) بلفظ: "فافعل" وهو إحدى الرِّوايتين عند البخاريّ، وابن ماجه في سننه: (2/ 1400)، والإمام أحمد في مسنده: (5/ 273). قال ابن حجر في فتح الباري: (6/ 605): "هو أمر بمعنى الخبر أو هو للتَّهديد ... ". ومثله قال ابن الأَثير في النِّهاية. ينظر: (3/ 55). =
(2/614)

شئت (1)؛ وذلك لميلِ المخاطبِ إلى صُنْعه؛ فكأَنَّه مَصْنوعٌ؛ فيُخبر (2) عنه؛ وهذا الوَجْهُ قد زِيدَ على المفتاح.
تَمَّ علمُ المعاني بعون الله تعالى ختمَ الله عاقبة أمرنا بالخيرِ والحسنى.
__________
= والحديث جرى مجرى المثل. ينظر: كتاب الأمثال في الحديث النّبويّ لأبي الشّيخ الأصبهانيّ: (122).
(1) في أزيادة: "أو تستحيي ما تشاء" ولا يستدعيها المقام.
(2) في ب: "فخبر".
(2/615)

الفصل الثّانِي: في عِلْمِ البَيَان
(2/617)

الفصلُ الّثاني: في علمِ البيانِ
وقدْ مَرَّ ما يحتاج إليه؛ من الحدِّ (1)؛ والغَرضِ؛ وغيرِ ذلك (2).
ولَمَّا كان علمُ البيان معرفةَ مراتبِ العبارات في الجلاءِ -أرادَ أن يُبيِّن أنّ تفاوتَ العباراتِ [الدّالّة على مَعْنى واحدٍ] (3) واختلافَ الطُّرقِ المؤدِّية إليه (4) في الجلاءِ والخفاءِ لا يُمْكنُ بالدّلالة الوضعيّة (5)؛لأنّك إذا أردتَّ تشيبهَ الخدّ بالورد في الحُمْرة - مثلًا - وقلتَ: (خَدٌّ يُشْبهُ الورد فيها) (6) - لا يُمكن أنَّ يكون كلامٌ مؤد لهذا المعنى بالدّلالة الوضعيّة أكملَ منه في الوضوحِ (7) أو أنقص (8)؛ لأنه؛ أي: لأَنَّ السَّامعَ حين استعمل بإزاءِ كلِّ كلمةٍ منها ما يُرادفها. إنْ علم الوضعَ؛ أي: وضع المرادفات لتلك المفهومات المدلول عليها فهِم بلا تفاوتٍ؛ أي: كان فهمُ السّامعِ من الْمُرادفاتِ كفَهمِه من الكلماتِ الأُولى؛ من غير تفاوُتٍ في
__________
(1) في الأصل: "الحدود". والصَّواب من: أ، ب.
(2) راجع ص (229 - 230) قسم التحقيق.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. ومثبت من أ، ب.
(4) في الأصل: "المرادفة". والصَّواب من: أ، ب.
(5) المرادُ بالدّلالة الوضعيّة: دلالةُ اللَّفظ على ما وضع له.
(6) في الأصل: "فربّما". والصَّواب من: أ، ب. والضّمير في "فيها" عائدٌ إلى الحمرة.
(7) في الأصل: "الوضع" والصواب من أ، ب.
(8) في أ: "وأنقص" عطفًا بالواو.
(2/619)

الوُضوح، وإِلَّا لَمْ يَفْهم منها شيئًا أَصْلًا (1).
لا يُقالُ: رُبّما يُزادُ على هذه الألفاظِ [شَيءٌ] (2) أو يُنقصُ منها فيزدادُ الوُضُوحُ أو ينقصُ. لأَنَّا نقولُ: إن زيدَ على تلك الألفاظِ شيءٌ؛ فقد زيد في المعنى لا محالة، والكلامُ في تأدية المعنى الواحد (3) لا المعاني المختلفة؛ وكذا إن نَقَص نَقَص.
بل بالعَقْليَّةِ؛ أي: بل التَّفاوُتُ بالدّلالة العقليّةِ (4)، لتفاوتِ الْمُتعلّقاتِ في جلاءِ التَّعلُّقِ. كما كان لشيءٍ تعلُّقَ بأمورٍ مختلفةٍ، وأُريد التَّوصُّل بواحد من المتعلّقات إلى المتعلّق بِهِ، وتفاوتت تلك المتعلّقات في جلاءِ التَّعلُّقِ وخفائِه (5) فصحَّ (6) في طريق إفادته الجلاءُ والخفاءُ.
فدلالةُ اللَّفظِ لاحتياج صاحبِ علمِ البيانِ إلى مَعْرفةِ أَنواعِ الدّلالاتِ بَيَّنها بأن قال: دلالتُه على تمامِ مُسَمّاهُ، أي: مَعْنَاه من غير زيادةٍ ونُقْصانٍ، وضعِيّةٌ؛ لكونها لمحضِ الوضعِ؛ بخلافِ غيرها، فإِنَّها
__________
(1) لأنّه لا يُتصوَّر فيها أَنْ تفيد إِفادة ناقصة.
(2) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. ومثبت من أ، ب.
(3) كلمة: "الواحد" ساقطة من أ.
(4) المراد بالدّلالة العقليّة: دلالة اللَّفظ على غير ما وضع له.
(5) قال الشِّيرازيُّ موضِّحًا ذلك في مفتاح المفتاح: (808): "وذلك كاختلاف دلالات (زيدٌ كثير الرَّماد)، و (مهزول الفصيل)، و (جبان الكلب)؛ على كونه مضيافًا؛ الّذي هو أصل المعنى المعبّر عنه: ب (المعنى الواحد) في الوضوح والخفاء".
(6) في الأصل: "يصحّ". والمثبت من أ، ب.
(2/620)

بشركةِ الوضع. وهي المطابقةُ؛ إنّما سَمَّاهُ بدلالةِ (1) المطابقةِ: لمطابقةِ اللَّفظِ المعنى بحسبِ الوضعِ.
وعلى غيره؛ أي: دلالتُه على غير تمامِ مُسَمَّاه؛ وهذا مُتَناولٌ لدلالتي التَّضمُّن (2) والالتزامِ (3)؛ لأنَّ انتفاءَه إمَّا بانتفاءِ التَّمام، وهو التَّضمُّنُ، وإمَّا بانتفاءِ المُسَمَّى؛ وهو الالتزامُ. عَقْلِيّةٌ، لكونها بوساطة العقلِ.
فعلى جُزْئِه؛ أي: فدلالتُه بواسطة العقل على ما هو داخلٌ في مفهومِه ومُسَمَّاه؛ كدلالةِ الإِنسانِ على الحيَوان (4) تضمّنٌ؛ لتضَمُّن مفهومِ اللَّفظِ إيَّاهُ، واشْتماله عليه. وعلى خارجه، أي: ودلالتُه على ما هو خارجٌ (5) من مفهوم اللَّفظ؛ كدلالة الإنسانِ على قابلِ صنعة الكتابة، التزامٌ؛ لكونه لازمَ المفهومِ الأَصْلي. هذا على ما هو في المفتاح (6)، لكنَّه مُخْتلفٌ فيه.
__________
(1) في أ، ب: "أي المسمَّاة".
(2) دلالة التّضمّن هي: "دلالة اللَّفظ على جزء معناه في ضمن كلِّه؛ كدلالة الإنسان على الحيوان النّاطق. وسُمِّيت بذلك لأَنَّ الجزء مفهوم في ضمن الكُلِّ". تسهيل المنطق: (11).
(3) دلالة الالتزام هي: "دلالة اللَّفظ على معنى خارج عن مُسمَّاه؛ لازم له لزومًا ذهنيًّا؛ بحيث يلزم من فهم المعنى المطابقي فهم ذلك الخارج اللَّازم؛ كدلالة العمى على البصر، والأسد على الشّجاعة". تسهيل المنطق: (11).
(4) قوله: "كدلالة ... الحيوان" ساقطة من ب.
(5) في ب: "على خارجه".
(6) ينظر ص (329 - 330).
(2/621)

فإِنَّ ابن الحاجب قال في مختصره (1): تكونُ دلالةُ التَّضمُّن لفظيّةً وضعيَّةً، وعبارتُه هذه (2): "ودلالته اللّفظيِّة في كمالِ معناها (3) دلالةُ مطابقةٍ، وفي جزئِه تضمّنٍ، وغير اللفظيَّة دلالةُ التزام".
[و] (4) الحقُّ أنَّ نظرَه أَدقُّ؛ لأنَّ الدّلالةَ الوضعيّةَ هي "أن ينتقلَ الذِّهنُ من اللّفظِ إلى المعنى ابتداءً؛ وهي واحدة (5)، ولكن رُبّما تضمَّنَ المعنى الواحدُ جُزْئين، فيُفْهمُ الجزءآن، وهو بعينِه فَهْم الكلِّ؛ فالدّلالةُ على الكُلِّ لا تُغَاير الدّلالةَ على الجزئين مغايرةً بالذَّاتِ، بل بالاعْتبارِ والإِضافةِ. وهي بالنِّسبةِ إلى كمالِ معناها تُسمَّى: مُطابقةً، وإلى جُزْئِه: تضمُّنًا"؛ صَرَّحَ به (6) الأستاذُ -أيضًا- في شرحه للمختصرِ (7).
والسَّكاكيُّ نظر إلى ظاهرِ أنَّ الدّلالةَ على الكُلِّ غيرُ الدّلالة على الجُزءِ، واللَّفظُ موضوعٌ للأوّل.
__________
(1) في الأصل: "قال ابن الحاجب في مختصره". والمثبت من أ، ب. والسِّياق به أَوْلَى في الدّلالة على الخلاف قبله.
(2) مختصر منتهى السّؤل (ضمن شرح الإيجيّ، برفقه عدّة شروح): (1/ 120).
(3) في الأَصل: "معناه"، والصَّواب من: أ، ب، مصدر القول.
(4) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. ومثبت من أ، ب.
(5) في الأَصل: "وهو واحد". والصَّواب من أ، ب.
(6) "به" وردت في أمتأخّرة بعد: "أيضًا".
(7) في ب: "شرحه المختصر".
وتصريحه نصًّا في شرحه للمختصر (ضمن عدّة شروح): (1/ 121).
(2/622)

والْمَنْطقيّون قالوا: تكونُ الثَّلاثةُ وضعيّةً تارةً؛ كما قال صاحبُ المطالع: الدّلالةُ الوضعيّةُ للّفظِ (1) على تمامِ ما وُضع له: مُطابقة, وعلى جزئه: تضمُّن؛ وعلى الخارج عنه: التزام. وتكونُ الأولى وضعيَّة؛ والأخريان عقليَّتين تارةً (2)؛ وذلك في [مَسْألة] (3) بيان مهجوريَّة دلالة الالتزام؛ حيثُ قال -أيضًا- فيه: احتجّوا عليه؛ أي: على كونها مهجورةً بأنّها عقليّةٌ؛ ونقضه الغزاليُّ (4) بالتَّضمُّن.
والإطلاقاتُ صحيحةٌ؛ لأنَّ لكلٍّ من العقلِ والوضع مدخلًا فيهما؛ فلكلٍّ أن يصطلحَ باعتبار أيٍّ منهما على ما شاء. نعم للفارق بينهما -كابنِ الحاجبِ- لا بدّ للفرقِ (5) , وقد عُلِم من المذكورِ؛ مع أنَّ ذلك كُلَّه
__________
(1) في الأصل: "اللَّفظيّة", والصَّواب من أ, ب.
(2) ويمكن لنا أن نمثّل لذلك بالعدد أربعة؛ فدلالته على المركَّب من اثنين واثنين مطابقة, وعلى الاثنين تضمُّن, وعلى الزَّوجيَّة التزام. وتسمّى الأولى وضعيّة؛ إذ يحصل العلم بمجرّد معرفة الوضع, والأخيران عقليّان لافتقارهما إلى ملاحظة تعلّق.
(3) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. ومثبت من أ, ب.
(4) هو أَبو حامد؛ محمَّد بن محمَّد بن محمّد الطّوسيّ الغزاليّ. حجّة الإسلام؛ فيلسوف, متصوّف؛ له مصنّفات كثيرة. منها: "إحياء علوم الدّين", و"تهافت الفلاسفة"؛ ولد في الطابران بخراسان, ثمّ رحل إلى نيسابور, ثمّ بغداد؛ فالحجاز؛ فالشّام؛ فمصر؛ ثمّ عاد إلى بلدته وتوفّي بها سنة (505 ه).
ينظر: اللّباب في تهذيب الأنساب؛ لعزّ الدّين ابن الأثير: (2/ 379) , الكامل؛ لابن الأثير: (9/ 146) , طبقات ابن الصلاح: (21/ 2)؛ وفيات الأعيان: (4/ 58 - 61) , سير أعلام النّبلاء: (19/ 322).
(5) في أ: "لا بدّ من الفرق".
(2/623)

فرعُ تفسيرِ الوضعيّة يختلفُ باختلافِه.
وشَرْطُه؛ أي: شَرْطُ الالتزام، اللُّزوم بينهما (1) ذهنًا؛ لينتقل الذِّهنُ منه إليه، وإلّا لامتنع فهمُه من اللّفظِ؛ لا خارجًا لحصولِ الفهم دونه؛ كدلالةِ لفظِ العمى على البصرِ مع عدمِ الملازمةِ بينهما في الخارج.
أي: تعلّقٌ؛ أي: اللّزوم تعلُّق. يوجبُ الانتقال؛ انتقال الذّهن عن الشّيءِ إليه؛ بحسبِ اعتقادِ المخاطبِ؛ لعقلٍ؛ كانتقالِ الذّهن من الإنسانِ إلى قابل صنعةِ الكتابة. أو عُرف عامٍّ؛ كقولك: (رَعَينا الغَيْثَ)؛ والمرادُ: لازمُهُ، وهو النَّبْتُ، وليسَ عقليًّا؛ لأن النَّبتَ ليس لازمًا للغيثِ عقلًا؛ ولهذا قد يتخلَّفُ عنه؛ بل لازمًا له اعتقادًا بحسبِ العرفِ العامِّ. أو غيرهما، من اصطلاحٍ, أو ادِّعاءٍ، ونحوه.
والحاصلُ: أنَّ اللُّزومَ لا يَجبُ أن يكون عقليًّا؛ بل إن كانَ اعتقاديًّا إمّا لعُرفٍ أو لغير عُرفٍ؛ صَحَّ البناء على (2) ذلكَ اللُّزومِ.
قال: لَمَّا كان مدارُ علم البيانِ على اعتبارِ الملازماتِ بين المعاني؛ لأنّه لا يتأتّى إلّا في الدّلالاتِ العقليّةِ - قال السَّكاكيُّ: فالانتقالُ من الملزومِ إلى اللَّازمِ مجازٌ؛ نحو: (رعينا غَيْثًا)؛ والمرادُ: لازمُه؛ وهو النّبْتُ.
وهو؛ أي: الانتقال المذكور. بالذّاتِ لا يُحْتاج فيه إلى الغير؛ لاستلزامِ الملزوم اللَّازم ضَرورةً. والانتقالُ من اللَّازمِ إلى الملزومِ كنايةٌ؛ نحو:
__________
(1) هكذا -أيضًا- وردت كلمة: "بينهما" ضمن كلام الشارح في ب. ووردت ضمن كلام المصنّف في أ. وليست في ف.
(2) في ب: "عن" وهو خطأٌ ظاهرٌ.
(2/624)

(طويلُ النِّجادِ)؛ والمرادُ منه: طولُ القامةِ؛ الَّذي هو ملزومُ طولِ النّجادِ (1).
وهو؛ أي: هذا الانتقالُ، بمعونةِ الانتقالِ الأوّلِ (2)، إذْ لا يمكن الانتقالُ من اللَّازمِ إلّا عند التَّساوي بين اللَّازمِ والملزوم، حتَّى يكونَ كُلٌّ منهما لازمًا وملزومًا بالحقيقة؛ فيكونُ حينئذٍ الانتقال من الملزومِ -أيضًا-، ولولا ذلكَ فلا انتقال؛ لجوازِ كون اللَّازمِ أَعمَّ (3).
وأمّا الانتقالُ من لازمٍ إلى لازمٍ؛ أي: من أحدِ لازميِّ الشَّيءِ إلى الآخر، مثل: ما إِذا انتقلَ من بياضِ الثَّلج إلى البُرودة فيرجعُ إليهما، لأنّه ينتقلُ من البَياضِ إلى الثَّلج، ثُمَّ من الثّلجِ إلى البُرودة، لا أَنَّه نوعٌ آخر.
ومِن المجازِ نوعٌ يُسَمَّى الاستعارةَ؛ وهو ما تكون العلاقةُ فيه
__________
(1) والنِّجاد -بتشديد النُّون وكسرها- ما وقع على العاتق من حمائل السّيف. اللِّسان: (نجد): (3/ 419). وفي الصِّحاح: (2/ 743): "حمائل السِّيف" ولم يخصِّص.
(2) وعليه فلا يكون الانتقال المتحقِّق في الكناية بالذَّات؛ بل بالغير.
(3) يقول أحد شرّاح الفوائد الغياثيّة (ل: 170 / أ): "وهذا الانتقال بمعونة الأوّل؛ أي كون المنتقل منه ملزومًا؛ لأنَّه مشروط بكون اللَّازم مساويًا لملزومه أو أخصّ منه؛ إذ لو كان أعمّ منه كالحياة اللّازمة للعلم، والشّجاعة اللّازمة للأسد؛ لم ينتقل الذّهن منه إلى ملزومه؛ إذ لا دلالة للعامِّ على الخاصِّ؛ لا مطابقة؛ وهو بيِّن. ولا تضمّنًا؛ لامتناع كون الجزء أخصّ من الكلِّ وإِلَّا لزم وجود الكلِّ بدون جزئه. ولا التزامًا؛ لتَساوي نسبة العَامِّ إلى جميع الخواصِّ الّتي تحته؛ فدلالته على البعض دون البعض ترجيح من غير مرجّح، وإذا كان مساويًا له أو أَخَصّ كان ملزومًا له ... ".
(2/625)

الْمُشابهةَ؛ وهو فرعُ التَّشبيهِ؛ لأَنَّه لا بُدَّ فيها منه. فههنا أُصُولٌ أربعةٌ: المجازُ (1)، والكنايةُ، والاستعارةُ، والتَّشبيه.
واعترفَ السَّكاكيُّ أَنَّه تَكلُّفٌ للضّبطِ؛ قال بهذه العبارة (2): " [و] (3) الْمَطْلوبُ بهذا التَّكلُّف هو (4) الضَّبطُ" ولعمري أَنَّه ضبط، ولكن لم يَنْضبط؛ ولهذا قال (5): (قال) (6)، لأنَّه (7) لم يُعْلَم [منه] (8) أَنَّ الانتقال من أَحدِ اللَّازمين إلى الآخر أَمجازٌ أم كنايةٌ، ثمَّ يلزمُ منه في الكِنَايةِ -لأَنَّها انتقالٌ من اللَّازمِ إلى الملزومِ، ثُمَّ من ذلك اللزوم إِلى لازمه؛ بحكمِ الْمُلازمةِ الْمُساوية- أن يكونَ مَجَازًا وكنايةً كِلَيهما معًا. ثُمَّ يلزمُ عدم الفرْقِ بين المجاز والكنايةِ؛ لأَنَّه إذا شرط التَّساوى فيها (9) فالانتقالُ -في الحقيقة-
__________
(1) مراده بالمجاز هنا: المجاز المرسل فقط، مع أنّها شاملة للمجاز المرسل وللاستعارة؛ فكلاهما مجاز لغويّ، وقد سبق التعليق على مثل هذا.
(2) المفتاح: (331).
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. ومثبت من أ، ب، مصدر القول.
(4) "هو" ساقط من ب.
(5) أي: المصنِّف.
(6) إشارة إلى قوله المتقدّم حكاية عن السَّكاكيِّ: "قال: فالانتقال من الملزوم إلى اللَّازم ... ".
(7) أي: السَّكَّاكيّ. وهذا شروع في الرَّدِّ عليه من قبل الشَّارح.
(8) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من أ، ب.
(9) في ب: "منهما"، وهو خطأٌ ظاهرٌ.
(2/626)

[فيهما] (1) من (2) الملزومِ، ثمَّ إِنَّه ما جعل التَّشبيهَ من المحسِّناتِ، ومن البيانِ بالذَّاتِ؛ بل على سبيل التَّبعيّة والعرضِ؛ مع أنَّ التَّشبيه النَّادر من أركانِ البلاغةِ؛ بالغًا في تحسين الكَلامِ الدَّرجة القصْيا، وفي الكَثْرةِ مرتبةً لْم يبلغا حدَّها (3)؛ بل الصَّحيحُ المندفعُ عنه الأسئلةُ ما ضبطَ أُستاذُنا؛ وهو أن يُقال (4):
اللَّفظُ المرادُ به غير ما وضع له لا بدَّ له من العلاقةِ؛ فهي إِمَّا المشابهةُ أَوْ غيرها، وعلى التَّقديرين: إِمَّا أن يُلحظَ معناهُ الأَوَّلَ أَوْ لا؛ فهذه أَرْبعةٌ: ما يُلحظ معناه؛ والعلاقةُ (5) هي المشابهةُ: التَّشبيه.
ما يُلحظُ؛ والعلاقةُ غيرُ المشابهة: الكنايةُ.
ما لا يلحظُ؛ والعلاقةُ المشابهةُ: الاستعارةُ.
ما لا يُلحظُ؛ والعلاقة غيرُها (6): المجازُ.
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. ومثبت من أ، ب.
(2) في الأصل: "في". والصَّواب من: أ، ب.
(3) في الأصل: "حدّهما". والصَّواب من أ، ب.
(4) تقدّم أنَّ مرادَ الشَّارح بالأستاذ: شيخة الإيجيّ؛ صاحب الفوائد. ولم أعثر في مصنَّفاته -الّتي بين يديّ- على قوله. ولعلّه ممّا أخذه عنه تلميذه مشافهة. بل صرَّح أحد شرّاح الفوائد الغياثيّة أنّه ممّا أفاد التَّلميذُ من الشّرح. شرح الفوائد الغياثيّة لمجهول [ل: 69 / أ].
(5) في الأصل: "فالعلاقة"، والصَّواب من: أ، ب. ويصدقه ورود الكلمة كذلك في الأقسام الأخرى بعدَه.
(6) في ب: "غير المشابهة"، والمعنى هو المعنى.
(2/627)

الأولُ؛ نحو: (وجهٌ كالبدرِ).
والثَّاني [نحو] (1): (طويلُ النِّجادِ).
الثّالثُ؛ نحو: (أسدٌ في الحَمَّام).
الرّابع؛ نحو: (فارَ القدرُ).
لأنّه حَصر فانحصرَ (2).
والمرادُ بهذا المجاز: المجازُ الَّذي يُبادرُ (3) إلى الذّهنِ عند إطلاقِه؛ أي: المجاز الْمُرسل، وهو غيرُ متناولٍ للاستعارةِ؛ فلا يردُ أنّها قِسْمٌ من المجازِ؛ فكيفَ تكونُ قَسِيمًا له؟!.
__________
(1) كلمة: "نحو" ساقطة من الأصل، ومثبتة من أ، ب.
(2) هذا دليل لقوله: "بل الصّحيح المندفع عنه الأسئلة ... ".
(3) هكذا في الأصل. وفي أ، ب: "يتبادر".
(2/628)

الأصلُ الأَوَّل: في التَّشْبيه.
إِنَّمَا قدَّمهُ في الوضع على الأخوات؛ لأنَّ الكنايةَ بالنِّسبةِ إلى المجاز نازلةٌ منْزلةَ المركَّبِ من الفردِ؛ لتوقُّفِ المجازِ على الملزومِ واللَّازمِ فقط، وتوقّفِ الكنايةِ عليهما وعَلَى التَّساوي بينهما، ثمَّ نوعٌ من المجازِ (1) موقوفٌ على معرفة التَّشْبيه (2)؛ والموقوفُ عليه مُقَدَّمٌ على الموقُوفِ طبعًا (3).
وعرَّفه شارحُ المفتاح بأَنَّه (4): "هو الدّلالةُ على اشْتراكِ شيئين فِي وصف هو من أَوْصافِ أحدهما في نفسه". وصاحبُ الإيضاح بأَنَّهُ (5): "الدّلالةُ على مُشاركةِ أمرٍ لأَمر في معنى". والسَّكاكيُّ وإنْ لم
__________
(1) أراد به: الاستعارة. فإِنَّ معرفتَها متوقِّفة على معرفة التَّشبيه.
(2) في الأَصل: "النِّسبة". والصَّواب من: أ، ب.
(3) يوحي هذا التَّقديم بأنّ مبحث التّشبيه مبحث عرضيّ تبعيّ؛ لم يَدْفعْ للتَّعرض له إِلَّا توقّفُ الاستعارة عليه. وفي نفسي شيءٌ من هذا؛ لأن الاختلاف في وضوح الدّلالة -المبني عليه هذا الباب- موجودٌ فيه فهو من الفنِّ أصلًا. وقد أشار الشّارح قبل قليل إلى كونه ركن من "أركان البلاغة؛ بالغًا في تخسين الكلام الدّرجة القصيا" وذلك حينما اعترض على السَّكَّاكيِّ في جعله التَّشبيه فرعًا للاستعارة وأَنَّه بذلك يُخْرج التَّشبيه من المحسّنات، ومن البيان بالذَّات إلى العرضيَّة والتَّبعيَّة، ويؤيّد ما أشرت إليه من كون التّشبيه أصلًا في هذا الباب بعض البلاغيين منهم الطِّيبيّ، في التّبيان: (341).
(4) مفتاح المفتاح؛ للشِّيرازيِّ: (816) بلفظ: "اثنين" بدلًا من "شيئين".
(5): (3/ 17) بلفظ: "أمر لآخر" بدلًا من: "أمر لأمر".
(2/629)

يصرّحْ بتعريفه لكن يلزمُ من كلامه أنّهُ: وصفٌ للشَّيءِ بمشاركته شيئًا آخر في أمرٍ (1).
ولا بُدَّ فيه (2) من طرفين؛ مُشَبَّه، ومشبَّه به. مُخْتَلفين (3)؛ كأَنْ يشتركا في الحقيقةِ، ويختلفا في الصِّفة، أو بالعكس. ووجه شبهٍ مشتركٍ (4)؛ كالشَّجاعة المشتركةِ بين الشُّجاع والأَسد. وغرضٍ فِيه (5)؛ كبيانِ الإمكانِ، أَوْ الحَال، أَوْ مِقْداره. وحالٍ له (6)؛ ككونه قريبًا أَوْ غريبًا، مَقْبولًا، أو مَرْدودًا. وصيغةٍ (7)؛ ك (كاف) التَّشبيه، و (كأَنَّ) المُشَبّهة (8). فالكلامُ في (9) خَمْسةِ أنواعٍ:
الأَوَّلُ: في الطَّرفين.
الثَّاني: في الوَجْه.
__________
(1) راجع المفتاح: (332).
(2) أي: في التّشبيه.
(3) اشتُرط كونهما مختلفين؛ لأنَّ الشَّيء لا يُوصف بمشَاركته لنفسه.
(4) اشتُرط المعنى الجامع بينهما. لأَن التَّباين التَّام بين الطَّرفين لا يتحقَّق به تشبيه.
(5) اشتُرط الغرض لئلَّا يكون العدولُ من المشبّه إلى المشبَّه به عبثًا، وهو كمال المشبّه في ما شُبِّه لأَجله.
(6) وهو ما يتمخَّضُ عنه التَّشبيه؛ فلا بدَّ من معرفة حاله؛ ليتجنّب القبيح ويجتلب الحسن.
(7) وقد تكونُ مقدَّرةً أو ملفوظةً؛ ولا بدَّ منها ليتميّز التّشبيه عن الاستعارة.
(8) في الأصل: "المشبّه"، والصَّواب من: أ، ب.
(9) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "فيه". والحرف ساقط من ب.
(2/630)

الثَّالثُ: في الغَرَض.
الرَّابعُ: في الحَال.
الخَامسُ: في الصِّيغة.
والسَّكاكيُّ قال (1): "فلننوّعه أربعةَ أنواع"؛ لأنّه لَمْ يذكرْ الصِّيغة.

النَّوعُ الأَوَّل: في طرفيه؛ وهما المشبّهُ والمشبّهُ به.
وهما إمَّا حسيّان (2)؛ كالخدِّ عند التَّشبيهِ بالورد.
أَوْ عقليَّان (3)؛ كالعِلْمِ عند التَّشبيهِ بالحياة؛ قال (4):
أَخُو العِلْمِ حَيٌّ خِالِدٌ بَعْدَ مَوْتِه ... وَأَوْصَالُهُ تَحْتْ التُّرَابِ رَمِيْمُ
وَذُو الجَهْلِ مَيْتٌ وَهُوَ مَاشٍ عِلى الثَّرَى ... يُظنُّ مِن الأَحْياءِ وَهُو عَدِيْمُ
أوْ مُخْتلفان؛ بأَنْ يكونَ المُشبَّه مَعْقولًا، والمُشَبّه به مَحْسُوسًا؛ كالعدلِ إذا شُبِّه بالقسطاسِ، أو بالعكسِ؛ كالعِطرِ إذا شُبِّه بِخُلُق الكَريمِ؛
__________
(1) المفتاح: (332).
(2) الطَّرفان الحسِّيَّان هما اللَّذان يُدْركان بإِحْدى الحواسِّ الخَمْس؛ وهي: البصر، السَّمع، الشَّمُّ، اللَّمس، الذّوق.
(3) الطَّرفان العقليَّان هما اللَّذان يُدْركان بالعقلِ أَوْ بالوجْدان.
(4) البيتان من الطَّويل، وقد وردا بلا عزو في التِّبيان: (343) وأنوار الرَّبيع في أنواع البديع؛ لابن معصوم: (5/ 198)، ومنسوبين إلى عفيف الدِّين بن المزروع البصريِّ في مفتاح المفتاح: (819) وعروس الأفراح (ضمن شروح التَّلخيص): (3/ 309).
(2/631)

قال (1):
يَا أَيُّها (2) القاضِي (3) الَّذِي (4) نَفْسِي لَهُ ... -مَعَ (5) قُرْبِ عَهْدِ لِقَائِه- مُشْتَاقَةْ
أَهْديتُ عطْرًا مِثْلَ طِيبِ ثَنَائِهِ ... فَكَأنَّمَا (6) أُهْدِى لَهُ أَخْلاقَهْ
والخياليَّاتُ (7)؛ أي: ما يستندُ إلى خيالٍ؛ كما في التَّشبيه بالأعلامِ
__________
(1) البيتان من الكامل، كتبهما الصَّاحب إلى القاضي أبي الحسن -وستأتي عمّا قليل ترجمته-، وقد أهدى معهما عطر القطر.
وهما في ديوان الشّاعر (ضمن المستدرك): (253)، يتيمة الدّهر: (3/ 198).
واستشهد بهما في أسرار البلاغة: (270)، ونهاية الإيجاز: (192)، والإيضاح: (3/ 36).
(2) أداة النّداء "يا" ساقطة من ب.
(3) هو أَبو الحسن؛ علي بن عبد العزيز بن الحسن الجرجانيّ. قاضي أديب. ولد بجرجان وتوفّي بينسابور سنة (392 ه). له عدَّةُ مؤلَّفات منها: "الوساطة بين المتنبّي وخصومه".
ينظر في ترجمته: يتمية الدَّهر: (4/ 3 - 26)، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم؛ لأبي الفرج ابن الجوزيّ: (7/ 221 - 222)، معجم الأدباء: (14/ 14 - 35)، وفيات الأعيان: (3/ 242 - 246).
(4) كلمة "الّذي" ساقطة من ب.
(5) هكذا -أيضًا- في المصادر النَّاقلة للبيت. وفي أ، ب: "في".
(6) في الأصل: "كأنّما" والصَّواب من أ، ب، مصادر البيت.
(7) الخياليّات: جمع خيال. وأَراد به: المركّب المعدوم المتخيّل من أمور حسيّة مجتمعة.
(2/632)

الموْصوفة (1)؛ كما في البيت (2):
وكَأَنَّ مُحْمَرَّ الشَّقَيْ (3) ... قِ إذا تَصَوَّبَ (4) أَوْ تَصَعَّدْ (5)
أَعْلامُ يَاقُوتٍ (6) نُشِر .... نَ عَلَى رِمَاحٍ مِنْ زَبَرْجَدْ (7)
تُلحقُ بالحِسِّيَّاتِ؛ لأنَّ مبادئها حِسِّيَّةٌ؛ لأن الخيال هو (8): ما
__________
(1) في الأصل: "المصوّبة" والصَّواب من: أ، ب.
(2) البيتان من مجزوء الكامل. وهما للصَّنوبريِّ، وقد وردا منسوبين إليه في تكملة ديوانه: (477).
وقد اسْتُشهد بهما منسوبين إلى قائلهما في أسرار البلاغة: (183)، وبدون نسبة في: المفتاح: (352)، والمصباح: (116)، والإيضاح: (3/ 31)، والتّبيان: (343).
كما أوردهما العبَّاسيُّ في معاهد التَّنصيص: (2/ 4) وقال عنهما: "لم أقف على اسم قائلهما، ورأيت بعض أهل العصر نسبهما في مصنّف له إلى الصَّنَوْبَريِّ الشَّاعر".
(3) محمرّ الشَّقيق: من باب إضافة الصّفة إلى الموصوف: أي الشَّقيق الأَحمر، والشَّقيق نَوْرٌ أحمر مبقعٌ بنقط سوداء؛ يسمّى شقائق النُّعمان. ينظر: اللِّسان: (شقق): (10/ 182).
(4) تَصوَّب: مال إلى أَسْفل. ينظر: اللِّسان: (صوب): (1/ 534).
(5) تَصعَّد: مال إلى أعلى. ينظر: اللِّسان: (سعد): (3/ 252).
(6) اليَاقوت: حجرٌ نفيس تختلف ألوانُه، ويدلُّ التَّشبيه على أنّ اللَّون المراد -هنا-: الأَحمر، والكلمةُ فارسيَّة معرَّبة. ينظر: اللِّسان: مادة (يقت): (2/ 109).
(7) الزَّبَرْجَدُ: حجرٌ نفيسٌ أَشْهره الأَخْضر؛ وهو المراد هنا.
(8) "هو" ساقطة من ب.
(2/633)

يحفظُ الصُّورَ الْمُرْتَسِمة في الحسِّ المُشْترك كالخزانةِ له (1).
والْوَهْمِيَّاتُ (2)؛ كما إذا قدَّرنا صُوْرةً وهميّةً مَحْضةً مع المنيَّة مثلًا، ثم شبَّهناها بالمخلبِ المحقّق؛ فقُلنا: افترست المنيّةُ فُلانًا بشيءٍ هو لها شبيهٌ بالمِخْلب -تُلحقُ بالعَقْليَّاتِ. وكذا الوجْدانِيَّاتُ؛ وهي الْمُدْركةُ بالقُوى البَاطنةِ؛ كاللَّذةِ، والأَلَم؛ عِنْد تَشْبيههما (3) برُؤيةِ العينِ ما يلائمها وغير مَا يُلائمها- تُلحقُ بالعقليّات.
وأُلحقَ الخياليُّ بالحسِّيِّ (4)؛ لاشْتراكِ الحسِّ والخيالِ في كونِ الحاصلِ فيهما صُورًا لا معاني، والوَهْميُّ والوجدانيُّ بالعَقْليِّ؛ لاشْتِراكهما في كون الحاصلِ [بها] (5) مَعَاني لا صُورًا.
وهذا الإلحاقُ لتقليلِ الاعتبارِ وتَسهيلِ الاسْتِحضَارِ.
__________
(1) في الأصل: "الحسّ كالمرآة له" والصَّواب من أ، ب، وهو الملائم للسِّياق قبله.
(2) الوَهميَّات: جمع وَهْم. وأَرادَ به: ما لا يحسُّ به ولا بمادّته، وإِنَّما هو صورة يخترعها الوهمُ من عند نفسه.
(3) في ب: "تشبيهما" وهو تحريف بالنَّقص.
(4) في ب: "وأُلحق الخيالُ بالحسِّ" والمؤدّى واحد.
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(2/634)

النُّوعُ الثَّاني: في وجهِ التَّشبيه؛
وهو: ما يَشْتركُ المشبّهُ والمشبّهُ به فيه، وهو إِمَّا صفةٌ لحقيقَتَين؛ وذلك فيما يكونُ الاشتراكُ في الصِّفة (1)، والاختلافُ في الحقيقة (2)؛ مثل: طولين: جسم، وخطّ أو حقيقةٌ لصفتين؛ وذلك فيما يكونُ الاشتراكُ في الحقيقة، والاختلافُ في الصِّفةِ (3)؛ مثل: إِنسانين: أسود، وأبيض.
والوصفُ إمّا: حسِّيٌّ؛ أي: مُدرَكٌ بالحسِّ [؛كالكيفيَّاتِ الجسْمَانِيَّة الَّتي تُدْركُ بإحدى الحواسِّ كالأَلوانِ، والأَشْكالِ، والطّعومِ، والرَّوائح، والحرارة والبرودة] (4). أَوْ عقليٌّ؛ أي: يُدركُ بالعقلِ؛ وهذا [على] (5) ثلاثةِ أقسامٍ:
حقيقيِّ؛ أي: ما له تقرُّر (6) في ذات المَوْصوف [كالكيفيَّات النَّفْسَانيَّة؛ مثل: الاتِّصافِ بالذَّكاءِ، والتَّيقُّظ، والمعرفة، والعلمِ، والقدرةِ، والكرمِ] (7).
واعتباريّ؛ أي: ما ليس له تقرُّر في ذات الموصوف؛ لكن يعتبره العقلُ؛ كاتِّصَافِ الشَّيءِ بكونِه مَطْلوبَ الوجود عند النَّفسِ. فإِنَّ مطلوبيَّته (8) ليست
__________
(1) في ب: "الوصف".
(2) في أ، ب: "بالحقيقة"؛ بالجرِّ بالباء بدلًا من: "في".
(3) في أ، ب: "بالصِّفة"؛ بالجرِّ بالباء بدلًا من: "في".
(4) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل. ومثبت من: أ، ب. وبه يتّضح المعنى.
(5) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل. ومثبت من: أ، ب.
(6) في ب: "ما لم تقرّر".
(7) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. ومثبت من أ، ب. وبه يتضح المعنى.
(8) في ب: "المطلوبيّة".
(2/635)

وصفًا مُتقرِّرًا في ذات المطلوبِ؛ بلْ هو وصفٌ اعتبره العقل بالنِّسبة إلى الطَّلبِ القائمِ بالنَّفْس.
أَوْ وَهْمِيٌّ؛ أي: ما ليسَ له تقرّرٌ، ولم يَعْتبرْهُ العقلُ - أيضًا؛ كاتّصاف المنيَّة بالمخلبِ؛ فإنَّه وهميٌّ مَحْضٌ؛ بلا تقرّرٍ، واعتبارٍ للعقلِ لهُ.
والسَّكَّاكَيُّ حصرَ العقليَّ على الحقيقيِّ والاعتباريِّ، وقسَّمه (1) قسمةً ثنائيّةً؛ وجعلَ اتِّصافَ الشَّيءِ بشيءٍ تصوُّريٍّ وهميٍّ محضٍ من الاعْتباريِّ (2). والظّاهرُ أولويّةُ التَّثْليث كَمَا فعلَ المصنّفُ.
والذَّاتُ إِمَّا بسيطةٌ؛ أي: لَا تكون ذاتَ أجزاءٍ مُختلفة؛ وهي إِمَّا بأن لا جُزْء له أصلًا؛ كالنُّقطة، أَوْ لا جُزْءَ له يخالف كلَّه (3)؛ في الاسمِ، والرَّسمِ؛ كالعناصر.
أَوْ مُركّبةٌ من أجزاء مُخْتلفةٍ.
وكذا الصِّفةُ؛ إِمَّا مفردةٌ، أَوْ مركَّبةٌ؛ فتقولُ:
وجهُ التَّشبيه إمّا واحدٌ؛ كالحُمْرة في تشبيه الخدِّ بالوَرْد.
وإِمَّا في حُكْمه؛ أَيْ: حُكمِ الواحد؛ كذاتٍ مُرَكّبة؛ كالمشترك بين سقْط النَّارِ (4) وعينِ الدِّيكِ (5)، وهو الأمرُ الحاصلُ من الحُمْرة، والشَّكَلِ الكُرِّيِّ
__________
(1) في أ: "وقسَّمَ".
(2) ينظر: المفتاح: (333 - 334).
(3) في الأَصل: "في محله" ولا وجه له، والصَّواب من أ، ب، مفتاح المفتاح.
(4) سقط النَّار -بالسِّين المثلّثة: ما سقط بين الزَّنْدين قبل استحكام الوَرْي. اللِّسان: (سقط (: (7/ 316).
(5) التَّشْبيه في هذا المثال مأخوذٌ من قولِ ذي الرِّمَّة (ديوانه: 236):
"وسِقْطٍ كَعَينِ الدِّيكِ عَاوَرْتُ صُحْبَتي ... أَبَاهَا وهَيَّأنَا لِمَوضِعِها وَكْرًا".
(2/636)

والمقدارِ المَخْصُوصِ.
أَوْ صفاتِ يُقْصدُ بمجموعها هَيْئَةٌ واحدةٌ؛ كما في قوله (1):
كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْع (2) فَوْقَ رُؤوسِنَا ... وَأَسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى (3) كَوَاكِبُهْ
فإنَّ المرادَ تشبيهُ الهيئةِ الحَاصلةِ من النَّقع الأَسْود والسّيوفِ البيضٍ مُتفرِّقاتٍ (4) فيه بالهيئةِ الحَاصِلةِ من اللَّيلِ المُظْلمِ والكَواكبِ المُشْرقةِ في جَوانبَ منه.
وإِمَّا كثيرٌ (5)؛ كاللَّونِ والطَّعمِ والرِّيحِ؛ في تشبيهِ فاكهةٍ بأُخْرى.
والأَوَّلُ؛ أي: ما يكونُ أَمرًا واحدًا. إِمَّا حسيٌّ فكَذَا (6) طَرَفاه لا
__________
(1) البيتُ من الطَّويل. وقائله: بشَّار بن برد. وهو برواية: "فوق رؤوسهم" في الدّيوان: (1/ 335).
والبيت برواية المتن في الشِّعر والشُّعراء: (2/ 736)، وطبقات الشُّعراء لابن المعتز: (26)، والأَغاني: (2/ 137)، والصِّناعتين: (413)، والوساطة بين المتنبّي وخصومه؛ للجرجاني: (313).
واسْتُشهد به في دلائل الإعجاز: (96)، وأسرار البلاغة: (174)، ونهاية الإيجاز: (285)، والمفتاح: (337)، والمصباح: (106)، والإيضاح: (3/ 50)، والتّبيان: (358)، وهو في المعاهد: (2/ 28).
(2) النَّقع: الغُبار. اللِّسان: (نقع): (8/ 362).
(3) تَهاوى: تتساقط بعضُها إِثر بَعْضٍ. ينظر: اللِّسان: (هوا): (15/ 370).
والأَصل: تتهاوى فحُذفت إِحدى التَّاءين.
(4) في الأَصل: "مشرفات" والصَّواب من أ، ب، المفتاح.
(5) هذا هو القسْم الثَّاني لوجه الشّبه.
(6) هكذا - أَيضًا - في ف. وفي ب: "وكذا".
(2/637)

بُدَّ أَنْ يكُونا حِسِّيّين؛ إذ لا محسوسَ من غَيْر المحسوس جِهةً؛ أي: جهةً ما؛ سواء كانت وجهَ التَّشبيهِ أَوْ لم تكن؛ لأنَّه لا يدرك إِلَّا مَا كان مَحْسوسًا، ويمتنعُ قيامُ المحسوسِ بالمعقولِ؛ فيمتنعُ إدراكُ الحسِّ من المعقولِ شيئًا البَتَّة.
قوله (1): (جهةً) منصوبًا (2): تمييزٌ أَوْ صفةٌ، ومرفوعًا (3): صفةٌ. كالخدِّ بالوردِ في الحُمْرةِ؛ فإِنَّ وجهَ الشَّبهِ وهو الحُمْرة، والطَّرَفَين وهو الوَرْدُ، والخدُّ - حِسَّيّةٌ.
وإمّا عقليٌّ (4) [و] (5) يَحتملُ الأقسامَ الأربعة (6)؛ أي: ما يكونان (7) عقلييّن، أَوْ حسِّيَّين، أَوْ يكون أحدُهما حسيًّا والآخرُ عقليًّا؛ لصحّةِ إدراكِ العقلِ من المحسوسِ وجهًا.
فالمعقُولُ بالمعقولِ؛ كَعَديمِ النَّفعِ بالمعدومِ؛ في العراءِ عن الفائدة. والْمَحْسوسُ بالمحسوسِ؛ كالرَّجل بالأَسدِ، في الجُرأة.
__________
(1) في أ: "وقوله".
(2) في أ: "بالنَّصب".
(3) في أ: "بالرَّفع".
(4) هذا هو القسم الثَّاني من القِسْم الأَوَّل لوجه الشَّبه.
(5) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل. ومثبت من أ، ب، ف.
(6) أي: للطّرفين.
(7) في أ: "ما يكون".
(2/638)

والمعقولُ بالمحسوسِ؛ كالعدلِ بالقِسْطاسِ؛ في تحصيلِ ما بين الزِّيادةِ والنُّقصانِ، أي: المساواة.
والمحسوسُ بالمعقولِ؛ كالعِطْرِ بخُلُقِ الكَرِيم؛ في التَّرويحِ، واستطابةِ النَّفسِ إيّاهُما.
والثَّاني: وهو ما (1) يكونُ وجهُ الشَّبهِ (2) غيرَ واحدٍ؛ لكنَّه في حُكمِ الواحدِ، وهو على قسمين:
إمّا مَحْسُوسٌ، كسقْطِ النَّارِ، أي: ما سَقَطَ منها عند القَدْح؛ الَّذي شُبِّه بعينِ الدِّيك في الهيئة الحاصلةِ من الحُمْرةِ، والشَّكلِ الكُرِّيِّ والمقدارِ المُعيَّن. والثُّريَّا (3) الَّذي شُبِّه بعُنْقُودِ الكرمِ المنوّر - على [لفْظِ] (4) اسمِ الفاعلِ، أي: المُظهِر للنُّور (5)؛ الَّذي هو الضِّياءُ، أَوْ للنَّور الَّذي هو الزَّهر؛ في الهيئةِ الحاصلةِ من تقارُبِ الصُّورِ البيض المُسْتديرة الصِّغار المَقَاديرِ في المرأى على كيفيّةٍ مُعيّنةٍ، ومِقْدارٍ مُعَيّن، وهو إِشَارةٌ إلى هذا
__________
(1) في أ، ب: "أن".
(2) في أ، ب: "التّشبيه".
(3) الثُّريّا: أنجم مجتمعة معروفة، وسمّيت بذلك: لغزارة نوئها. وقيل: لكثرة كواكبها مع صغر مَرْآتها؛ فكأنّها كثيرة العدد بالإضافة إلى ضيق المحلّ. ينظر: اللسان: (ثري): (14/ 112).
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب. مفتاح المفتاح.
(5) في الأَصل: "وللنّور". والصَّواب من أ، ب.
(2/639)

البيت (1):
وَقَدْ لاحَ فِي الصُّبْحِ الثُّرَيَّا -كَمَا تَرَى- ... كَعُنْقُودِ مُلّاحِيَّةٍ (2) حِينَ نَوَّرَا
وإِمّا معقولٌ؛ كالحَسْناءِ؛ أي: كتَشبيهِ المرأَةِ الحَسْناءِ الحاصلةِ من مَنْبتِ السُّوء؛ أي: من أصل رَدِئ بخضرَاء الدِّمَنِ، كما قال - عليه السَّلامُ -: (3) "إيَّاكُم وخَضْراءَ الدِّمن"، والمرادُ: المرأةُ
__________
(1) البيت من الطويل. وقد اختلفت المصادرُ النَّاقلةُ له في تحديد قائله؛ حيث ورد بنسبة مرجوحة في الشِّعر المنسوب لقيس بن الخطم ضمن ديوانه (168). وهذه النِّسبة نفاها بعضُ محقِّقي أسرار البلاغة؛ منهم محمود شاكر ص (95) وه. ريتر ص (85). وكذا محيي الدِّين عبد الحميد محقّق العاهد: (2/ 17). كما ورد بنسبة -هي أَقرب إلى الصَّواب- إلى أبي قيس بن الأسلت في الأَغاني؛ (9/ 89).
كما نُسب إلى إحيحة بن الجلّاح. على أن روايته في أغلب المصادر النَّاقلة: "لمن رأى".
وقد استُشْهد بالبيت -على اختلاف في روايته ونسبته- في أسرار البلاغة: (95)، الإيضاح: (4/ 49).
والبيت في المعاهد: (2/ 17).
(2) الملاحيّ: ضرب من العنب أَبْيض في حبِّه طول. اللِّسان: (ملح): (2/ 306).
(3) ينظر الحديث في: الفائق في غريب الحديث؛ للزّمخشريّ: (1/ 175)، النّهاية في غريب الحديث والأثر؛ لمجد الدّين الجزري: (2/ 42).
والحديث جرى مجرى المثل. ينظر: مجمع الأمثال: (1/ 53)، فصل المقال: (14)، المستقصى: (1/ 451).
(2/640)

الموصوفةُ في حُسْنِ المَنْظر، وسوءِ المخبَر. والأكفَاءِ؛ وكتشبيهِ الأكفاءِ المتناسبة في الخصالِ؛ الممتنعةِ لذلك (1) عن تَعْيِين فاضلٍ بينهم (2) ومفضولٍ بالحلقةِ المفرغةِ؛ أي: المُصْمتةِ الجَوانب؛ في عدمِ تميّز (3) جُزْءٍ بالوسطيّة؛ أي: لا يتعيَّن بعضه طرفًا وبعضه وسطًا؛ كالدَّائرة. وهو إشارةٌ إلى قولِ فاطمة الأنماريةِ (4) حين سُئلت: عمَّن هُو أَفْضلُ من أولادها؟ (5): "هم كالحلقةِ المفَرغةِ لا يُدرى أين طرفاها"؛ هذا على ما قال به الزَّمخشريُّ (6). لكن الشّيخَ عبد القاهر نَسَبَهُ إلى مَنْ وصَفَ بني المُهَلَّبِ (7).
__________
(1) في ب: "كذلك".
(2) في الأَصل: "منهم" والصَّواب من أ، ب، المفتاح.
(3) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "تحيّز".
(4) في ب: "الأنباريّة"، وهو تحريف. وهي: فاطمة بنت الخُشربْ الأَنْمَارِيَّة؛ إحدى ربّات الفصاحة والبلاغة وضَرْب الأَمثال. وَلَدتْ لزياد العبسيِّ: ربيعًا الكامل، وعمارة الوهّاب، وقيس الحفاظ، وأَنس الفوارس.
ينظر: أعلام النّساء: (3/ 1148)، وجمهرة الأَمْثال: (2/ 258).
(5) في أزيادة: "وهو" والسِّياق تامٌّ بدونها. وقولها: "هم كالحلقة ... " جرى مثلًا يضرب. ينظر: مجمع الأَمْثال: (3/ 487)، والمستقصى: (2/ 393).
(6) ينظر: الكشَّاف: (4/ 202)، والمستقصى: (2/ 393).
(7) والَّذي وصف بني المهلب هو: كعب بن معدان الأشقريّ أوفدَه المهلَّبُ على الحجّاج فوصف له بنيه، وذكر مكانهم من الشَّرف والبَأْس. ينظر القصّة في أسرار البلاغة: (94)، كما أنّ القصّة وردت في الكامل: (3/ 403)، الأغاني: (7/ 443)، وزهر الآداب: (3/ 302). =
(2/641)

والثَّالثُ: وهو أن لا يكونَ وجهُ الشّبه [أَمْرًا] (1) واحدًا، ولا منَزّلًا منزلةَ الواحدِ؛ فهو على ثلاثةِ أنواع؛ لأَنَّ تلكَ الأمور إمّا:
حِسَّيّةٌ؛ كفاكهةٍ شُبهت بفاكهةٍ أُخرى في الأوصافِ الثَّلاثةِ: اللَّونِ، والطَّعمِ، والرِّيحِ (2).
أَوْ عقليّةٌ؛ كطائرٍ شُبِّه بالغُرابِ؛ في حدَّةِ النَّظرِ، وكمالِ الحذرِ، وإخفاءِ السِّفَادِ؛ أي: نُزُوّ الذَّكرِ على الأُنثى؛ وفي المثل (3): "هو أخفَى سِفَادًا من الغُراب".
أَوْ مُخْتلفةٌ؛ بأَن يكون البعضُ حِسِّيًّا، والبعضُ عَقْليًّا؛ كإنسانٍ شُبِّه بالشَّمسِ؛ في الحُسْنِ؛ أي: حُسْن الطَّلعةِ؛ وهو حِسِّيٌّ، والبهاءِ والعُلُوِّ؛ أي: عُلوِّ القَدْر والمرتبةِ؛ وهُمَا عقليَّان. وفي المفتاح بدل قوله (والبهاءِ) (4): "ونباهةِ الشَّأنِ".
__________
= هذا؛ ولا يمتنع أن يكون القول صدر من أَحدهما أَوْ غيرهما؛ ثم اسْتَعمله الآخر؛ على طريقة ضرب المثل.
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب.
(2) في ب: "والرّائحة".
(3) لم أَعْثر على هذا المثل فيما وقفتُ عليه من كُتب الأَمْثال. وأورده الشِّيرازيُّ في شرحه للمفتاح: (837).
(4) ص: (338).
(2/642)

تَذنيباتٌ:
الأَوَّلُ: قدْ يُتَسامحُ؛ أي: في وجه الشَّبه، إذا ذُكرَ وجهُ الشَّبهِ. وهو أمرٌ اعتباريٌّ لا حقيقيٌّ؛ كما يُقالُ: كلامٌ كالماءِ في السَّلاسَةِ، والعسلِ في الحلاوة، والنَّسيمِ في الرِّقَّة، فتذكر الحلاوةَ والسَّلاسةَ والرِّقةَ لوجه الشّبهِ؛ مع أن وجهَ الشّبه: لازمُ الحلاوةِ؛ وهو ميْلُ الطَّبع إليها، ومحبّةُ النَّفس ورودها عليها، ولازمُ السَّلاسةِ والرِّقَّةِ؛ وهو إفادةُ النَّفسِ نشاطًا والقلبِ رَوْحًا؛ لأَنَّ شأنَ النَّفسِ مع ذلك الكلامِ كشَأنها مع العَسلِ الشَّهيِّ في ميلِ الطَّبع إليه، ومحبّةِ ورودِه عليها، أَوْ مع الماءِ الَّذي يَنْساغُ في الحَلْقِ (1). وينحدر فيه أَجْلب انحدارٍ للرَّاحة، أَوْ مع النَّسيم الَّذي يَسْري في البَدَنِ؛ فيتخلّلُ السالِكَ اللَّطيفةَ منه في إفادتهما للنَّفسِ نشاطًا والقلبِ روحًا (2).
الثَّاني: ومن التَّسامح ما قُلْنا: إِنَّ وجهَ الشَّبه منه (3) حسّيٌّ؛ حيثُ قلنا: وجهُ الشَّبه إِمَّا حسِّيٌّ، وإمّا عقليٌّ؛ مع أنّ المحسوسَ لا يكونُ إلّا
__________
(1) في الأَصل: "القلب" والصَّواب من أ، ب. المفتاح.
(2) يلحظ أن المصنف -رحمه الله- خالف السَّكَّاكيّ في ترتيبه لأوجه الشّبه حيثُ وسَّط العسلَ بين الماء والنَّسيم. بينما سار الشّارح -رحمه الله- في شرحه بحسب ترتيب السَّكَّاكيّ. ولعلَّه رأى أنَّ ترتيبَه أَوْلَى وبخاصّة أَنَّ الأخيرين: "الماءَ والنَّسيمَ" مرتبطان في التَّلازم.
(3) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "أمر".
(2/643)

جُزْئيًّا، وأنَّ الكُلِّيَّ (1) يمتنعُ إحساسُه؛ بل يمتنعُ وجودُه في الخارج؛ لأنَّ كلَّ موجودٍ له تعيّنٌ.
وهذا أي: وجه الشَّبهِ كلِّيٌّ لوقوعِ الشّركةِ. مُشْتركٌ بين الطَّرفين، وهو قياسٌ من الشَّكل الثَّاني.
هكذا المحسوسُ ليس بكلِّيٍّ ووجهُ الشَّبه كُلِّيٌّ؛ فالمحسوسُ لا يكونُ وجه الشّبهِ، وينعكسُ بعكسِ المستوى إلى أَنَّ وجهَ الشَّبهِ لا يكونُ مَحْسُوسًا؛ فَيَكون عقليًّا؛ فالتَّقسيمُ إليهما تسامحٌ؛ لأَنَّه لا يكون إِلَّا عقليًّا (2).
الثَّالثُ: حقُّ وجْه التَّشبيهِ أن يَشملَ (3) الطّرفين؛ وإلَّا فسدَ. واعتبره (4) في قولهم: "النَّحوُ في الكلامِ؛ كالملحِ في الطّعامِ"؛ إذْ هو باعتبارِ الصَّلاح [به] (5)؛ أي: بالملحِ، والفساد بعدمه؛ وذلك بهذا المعنى شاملٌ للطّرفين؛ كالنَّحو إذا استُعْمل في الكلام برفع الفاعلِ ونصبِ المفعولِ صَلُح الكلامُ للانْتفاع به في فهم المرادِ، وإن لم يُستعمل بهما فسدَ بخروجه عن الانْتفاع به (6)؛ لا الفَسَاد؛ أي: لَيْس وَجْه الشّبهِ (7) باعتبار
__________
(1) في الأَصل: "الكلّ" والصَّواب من أ، ب.
(2) وإنّما سُمّي حسِّيًّا لكون مادّته حسِّيَّة.
(3) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "يشتمل".
(4) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "فاعتبره".
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل، ب. ومثبت من أ، ف.
(6) عبارة: "في فهم ... الانتفاع به" ساقطة من ب. وظاهر أنّه من انتقال النَّظر.
(7) في أ: "التّشبيه".
(2/644)

الفسادِ بكَثْرته؛ أي: الملح، والصَّلاح بقلَّته، إذ ليس بهذا المَعْنى شَاملًا للطرّفين. إذ لا يُعقل التَّضعيفُ فيه؛ أي: لا (1) يُتَصوّر التَّقليل والتَّكثير (2) في النَّحو؛ لامتناعِ جعلِ رفع الفَاعلِ -مثلًا- مُضَاعفًا أَوْ منصفًا.
__________
(1) "لا" ساقطة من ب. ولا بدّ منها لاستقامة المعنى المراد.
(2) في أ، ب: "التَّكثير والتَّقليل".
(2/645)

النَّوعُ الثالثُ: في غرض التَّشبيه
[و] (1) يعودُ غالبًا إلى المُشَبَّه؛ وهو:
لبيانِ حاله؛ أَيْ: المُشبَّه؛ كسَواده أَوْ بيَاضِه؛ كما إذا قيل لك: ما لونُ عمامتك؟ [وقلتَ: كلون هذه] (2) وأشرتَ إلى عمامةٍ لديك (3).
أَوْ مقْدارِ حالهِ؛ كمَا إذا قُلْتَ: هو في سَوادِه كحَلَكِ (4) الغُرابِ.
أَوْ لإمكانِ وجُودِه، عطفٌ على قوله: (لبيانِ)؛ فهو قَسِيمٌ له.
وعبارةُ المفتاح تُشعرُ بأَنّه قسمٌ من البَيان؛ لأنَّه قال (5): "أَوْ لبيانِ إمكانِ وجوده"؛ وذلك إِنَّما يكونُ إذا كان المدَّعِي يدَّعي شيئًا لا يكونُ إمكانُه ظاهرًا؛ فيحتاج إلى التَّشبيهِ لبيانِ إمكانه؛ كما في قوله (6):
فإنْ تَفُقِ الأَنامَ وأَنْتَ مِنْهُم ... فإِنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزَالِ
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب، ف.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب، المفتاح.
(3) في ب: "كذلك".
(4) الحَلَكُ: شدَّةُ السّواد. اللِّسان: (حلك): (10/ 415).
(5) ص: (341).
(6) البيت من الوافر. وقائله المتنبّي. قاله ضمن قصيدة طويلة يُعزِّي فيها سيفَ الدَّولة بعد وفاةِ أُمّه.
والبيت في ديوان الشَّاعر: (3/ 151).
واستُشهد به في الأسرار: (123)، ونهاية الإيجاز: (217)، والإيضاح: (4/ 68)، والتّبيان: (353).
وهو في المعاهد: (2/ 53).
(2/646)

فإنّه أرادَ أَنْ يقولَ: فُقْتَ الأنامَ بحيثُ لم يبقَ بينك وبينهم مشابهةٌ؛ بل صِرْتَ أصلًا برأسه؛ وهذا كالممتنع في الظَّاهر، فإِنَّه بَعيدٌ أَنْ يتناهى بعضُ آحادِ النَّوع في الفضائل إلى أَنْ يصيرَ كأَنَّه ليس من ذلك النَّوع (1)؛ فلمَّا قال: (فإِنَّ المسكَ) فقد (2) بيَّن إِمكانَه [و] (3) وجودَه، لأنَّ المسكَ قد خرجَ عن صفةِ الدَّم؛ حتَّى لا يُعدُّ من جِنْسه.
أَوْ لزيادةِ تقريرِه؛، أي: المشبَّه، وتقويةِ شأنِه عند السَّامعِ؛ كما إذا كنتَ مع صاحبكَ في تقرير أنّه لا يَحْصُل من سعيه على طايلٍ، ثُمَّ أخذت تَرْقُم على الماءِ؛ وقُلْتَ: هلْ أفاد رقمي على الماء نَقْشًا ما؟ إِنَّكَ في سَعْيك هذا كَرَقمي عَلَى الماءِ؛ فإنّك تَجِدُ لتمثيلكَ هذا زيادةَ تقرير.
أَوْ لتَزْيينِ المُشَبَّهِ؛ كما إذا شَبَّهْتَ وجْهًا أسودَ بمقلةِ الظَّبي؛ إِفراغًا له في قالب الحُسْن؛ طلبًا (4) لتزيينِه.
أَوْ تَشْويةِ المشبَّه؛ كما إذا شبَّهتَ وجْهًا مَجْدورًا بعذرةٍ جامدةٍ قد نقرتها الدِّيكةُ؛ إظهارًا [له] (5) في صورةٍ أَشْوه؛ إرادة ازْديادِ (6) القُبْح.
__________
(1) كلمة: "النَّوع" ساقطة من ب. ولا بدّ منها لتمام السِّياق.
(2) في الأَصل: "قد" والصَّواب من أ، ب.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل، ومثبت من أ، ب.
(4) في ب: "طالبًا".
(5) "له" ساقطة من الأَصل. ومثبتة من أ، ب.
(6) في الأَصل: "زيادة" والمثبت من أ، ب، المفتاح.
(2/647)

أَوْ لاسْتِطرافٍ؛ وهو عدُّ الشَّيء طريفًا؛ أَيْ: حَديثًا، وهو إِمَّا لبُعدِه في الواقع؛ بحيثُ يُتصوّرُ امتناعُه عادةً؛ كقولك في الجمرةِ: بَحْرٌ من المِسْكِ مَوْجُهُ الذَّهبِ. وقال في المفتاح (1): "كما إذا شبَّهتَ الفحمَ فيه جَمْرٌ موقدٌ ببحرٍ من المسكِ موجُه الذَّهب" (2). أَوْ في الذّهن؛ أي: وإمّا لبُعدِه في الذِّهنِ؛ أَيْ: يكونُ المشبّهُ به نادرَ الحضورِ في الذِّهنِ. وهو إِمَّا مُطلَقًا، أَوْ حين التَّشبيهِ.
الأَوَّلُ: كالمثالِ المذكورِ من الجَمرةِ والبحرِ.
والاستطرافُ -كاستطراف النَّوادر عندَ مُشاهدتها- موجِبٌ للاسْتِلْذَاذ؛ لِجِدَّتِها كما قيل: (ولِكُلِّ جديدٍ لذّةٌ (3)؛ كما أنَّ لكلِّ عتيق حُرمة).
__________
(1) ص: (341).
(2) ويلحظُ عدم وضوح التَّصوير في مثال المصنِّف -رحمه الله- لكونه جعل المُشبَّه مفردًا؛ وهو: "الجمرة" بخلاف المثالِ عند السَّكّاكيّ فقد جعل المشبَّه مركّبًا من فحم فيه جمر موقد. ولعلَّ الكرمانيّ عندما أورد كلام السَّكّاكيّ - نصًّا - أراد أن يستدرك على المصنّف ما وقع فيه من قصور.
(3) من أمثال العرب. ينظر: جمهرة الأمثال: (2/ 16)، والمستقصى: (2/ 291). وهو من قول الحطيئة (ديوانه 331):
لكلّ جديد لذَّةٌ غَيْرَ أنّنِي ... وجَدْتُ جديدَ المَوْتِ غير لَذِيذِ
(2/648)

والثّاني؛ أي: أَوْ حينئذٍ؛ كنُدْرةِ حُضُورِ النَّار والكبريتِ عندَ ذِكْرِ البَنَفْسج وحديثِ الرِّياض؛ كقوله في البَنَفْسَج (1):
__________
(1) البيتان من البسيط. وقد اختلفت المصادر النَّاقلة لهما في تحديد قائلهما؛ كما اختلفت في روايتها.
فمن قائل بأنّهما لابن الرّومي؛ حيث وردا في ديوانه: (1/ 394) برواية: "وسط" مكان "بين". وشطر الثّاني: "كأنّها وضعاف القضب تحملها"؛ وعلى هذه النّسبة صاحب معاهد التَّنصيص: (2/ 56).
وضعّف ه. ريتر محقّق الأسرار هذا القول بحجّة أَنَّه لم يجدهما في ديوانه. ينظر: أسرار البلاغة؛ تحقيقه: (117).
ومِن قائل بأَنَّهما للزَّاهي: (أي: القاسم عليّ بن إسماعيل البغداديِّ)؛ حيث وردا في وفيّات الأعيان لابن خلّكان: (3/ 326) برواية: "ولا زوردية أوفت بزُرْقتها ... بين الرِّياض عَلى زرقِ اليَواقِيتِ".
وعلى هذه النِّسبة ابنُ خلّكان.
ونصر محمود شاكر محقّق الأسرار هذا القول، ورجّح -أيضًا- أنهما إغارة على بيتي ابن المعتز في ديوانه: (304):
بِنَفْسجٌ جُمِعَتْ أوْراقُه فَحكتْ ... كَحْلاءَ تَشْربُ دَمْعًا يَومَ تَشْتيتِ
كأَنَّه، وحقافُ القضبِ تَحْملُه ... أوائلُ النَّارِ في أَطرافِ كبْريتِ
وقال: "ولا يصحُّ خلط الشِّعرين؛ فالفرق بينهما ظاهر". ينظر: أسرار البلاغة؛ تحقيقه: (130).
ونسبهما أبو هلال في ديوان المعاني (2/ 24) إلى ابن المعتزّ -واختلاف الرّواية بينهما ظاهر- كما تقدّم. =
(2/649)

ولا زَوَرْديَّة (1) تَزْهو (2) بِزُرْقَتِها ... بَيْنَ الرِّياضِ عَلَى حُمْرِ اليَواقِيتِ (3)
كَأنهَا (4) فَوْقَ قَاماتٍ ضَعُفْنَ بِهَا ... أَوائلُ النَّارِ في أَطْرافِ كِبْريتِ
لأن صورةَ اتِّصالِ النَّارِ بالكِبْريتِ ليست ممّا يُمْكن أَنْ يُقال: إنَّها نادرةُ الحضورِ في الذِّهنِ؟ نُدْرةَ صورةِ البحرِ من المسكِ مُوْجُه الذّهب، وإنّما النّادرُ حضورُها مع حديثِ البَنَفْسَج.
ومنه، أي: ومن هَذَا البابِ (5)، قولُ عديِّ (6)
__________
= ونسبهما سعد الدّين التّفتازانيّ في المطوّل: (334) إلى أبي العتاهية. وقد وردا في ديوانه: (510) تحقيق شكري فيصل.
وقد استشهد بالبيتين في: أسرار البلاغة: (130)، والمفتاح: (342)، والإيضاح: (4/ 73)، والتِّبيان: (354).
(1) اللازورديَّة: البنفسج -نسبة إلى اللازرود- وهو حجر نفيس يشبه البنفسج.
(2) تزهر: تتكبّر. ينظر: اللّسان: (زها): (14/ 360).
(3) حمر اليواقيت: من إضافة الصّفة إلى الموصوف. والمراد: الأزهار والشقائق الحُمْر.
(4) في الأَصل، أ: "كأنه". والصَّواب من: ب، مصادر البيت.
(5) أي: نُدرة حُضُور المُشبّه به حين التّشبيه.
(6) هو أبو داود؛ عديٌّ بن زيد بن مالك بن الرِّقاع العامليّ. شاعر مجِيدٌ. مقدَّم عند بني أميّة. لُقب بشاعر أهل الشّام، له ديوان شعر مطبوع. مات في دمشق سنة (95 ه).
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سلام: (681)، والشّعر والشّعراء: (2/ 618)، والأغاني: (5/ 210 - 216)، معجم الشّعراء: (78).
(2/650)

ابن الرَّقَاع (1):
تُزْجِي أَغَنَّ كَأَنَّ إِبْرَةَ رَوْقِهِ ... قَلَمٌ أَصَابَ مِن الدَّواةِ مِدَادَها
يُحْكى أن جريرًا قال: أَنْشَدني عديٌّ هذه القصيدة، فلمَّا بلغَ إلى قوله: (كأنَّ إبرةَ رَوْقهِ) رَحِمتُه، وقلتُ: قد وقع في مُعْضِلةٍ، ما عساهُ يَقُول وهو أَعرابيٌّ جِلْف جافٍ؛! فلمَّا قال: (قلمٌ أَصَابَ من الدَّواةِ مدَادَها) اسْتَحالت الرَّحمةُ حَسَدًا (2).
وذلك لأن جريرًا ما كانَ يحسبُ أنَّ عديًّا يَحضرُ في ذهنه المشبَّه به مع المشبّه؛ لكَونه نادرَ الحضورِ مَعَه، لكونِ عديٍّ جِلْفًا؛ فلَمَّا حضر حَسَدَه بعدما كانَ رحمَه.
تُزْجِي؛ أي: تَسُوق.
وأغنَّ: هو الذي يَتَكلّمُ من قبَل (3) خياشيمه؛ من الغُنّة؛ وهي: صوتٌ في الخيشوم؛ يقالُ: (طَيْرٌ (4) أغَنٌّ). والمرادُ هنا: ولدُ ظَبْي أغنّ
__________
(1) في الأَصل: "رفاع". والصَّواب من: أ، ب. مصادر ترجمته.
والبيت من الكامل. وهو في ديوانه: (49)، والعمدة لابن رشيق (183).
واستشهد به في أسرار البلاغة: (154)، المفتاح: (342)، والإيضاح: (4/ 175)، والتّبيان: (354).
(2) تنظر القصّة في الأغاني: (5/ 214) والمصادر المتقدّمة.
(3) كلمة: "قِبَل" ساقطة من ب.
(4) في ب: "ظبي".
(2/651)

له صوتٌ ضعيفٌ.
وإِبرةُ رَوْقه: طرفُ قَرْنِه وحدَّتُه.
الجِلْفُ: الدنّ الفارغ. وأجلافُ الشّاةِ؛ هي: المَسْلُوخةُ بلا رأسٍ ولا قوائمَ ولا بطنٍ.
والجافي: الغليظُ.
وإنّما فَصَله ممّا (1) قبلَه بلفظ: (مِنْه)؛ لأن بُعْدَه بالنِّسبةِ إلى القائلِ الخاصِّ بخلافِ غيرِه.
وقدْ يعودُ؛ أي: غرضُ التَّشبيه إلى المشبَّهِ به.
إمَّا لإيهامِ أَنَّه؛ أي: المُشبّه به أتمُّ من المُشَبَّه في ذلك؛ أي: وجه التَّشْبيه؛ إذْ حقُّ المشبّهِ به أن يكونَ كَذَلك؛ أيْ: أعرفُ بجهة (2) التَّشبيهِ من المشبَّهِ، وأَخصُّ وأقوى حالًا معها؛ ليُفيدَ ما ذكرنا من الأَغْراضِ؛ من بيانِ مقدارِ المُشبّه، وإمكانِ وجودِه، وزيادةِ تقريرِه، وإيرادِهِ (3) في مَعْرض (4) التَّزين، والتَّشْويه، والاستطرافِ؛ كقوله (5):
__________
(1) في ب: "عمّا". والمعنى واحد.
(2) في أ: "لجهه".
(3) في أ: "وإبرازه".
(4) في الأَصل: "معوض" والصَّواب من: أ، ب.
(5) البيت من الكامل، قاله: محمّد بن وهيب الحميريّ. ضمن قصيدةٍ يمدح بها المأمون.
وهو في عيار الشعر: (114)، والأغاني: (10/ 62)، ومعجم الشعراء: (321)، والصّناعتين: (78).
(2/652)

وبَدَا الصَّباحُ كَأن غُرَّتَهُ (1) ... وَجْهُ الخَلِيفةِ حِينَ يُمْتَدحُ
فإنّه تعمُّدَ (2) إيهامَ أن وجهَ الخليفةِ في الوضوح أتم من الصّباح، ويُسمّى بالتَّشبيهِ المقلوبِ (3).
ومنه؛ أي: ممّا يعودُ الغرضُ إلى المشبّه به: {إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} (4)؛ في مقام إنّمَا الرِّبا مثلُ البيع؛ لأنَّ الكلامَ في الرِّبا لا في البَيْع؛ ذهابًا منهم (5) إلى جعل -الرَّبا في بابِ الحلِّ- أَقْوى حالًا، وأعرفَ من البيع.
و {أَفَمَنْ يَخْلُقُ} (6)؛ أي: ومنه: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ}؛ دون أن يقولَ بعَكْسه (7) مع اقْتِضاءِ المقامِ بظَاهره إِيَّاه؛ لأنَّ عَبَدةَ الأصنامِ
__________
= واستُشهد به في أسرار البلاغة: (223)، ونهاية الإيجاز: (220)، والمفتاح: (343)، والإيضاح: (4/ 75).
وهو في المعاهد: (2/ 57).
(1) الغُرَّةُ -في الأَصل-: البياض في جَبْهَةِ الفرس. ينظر: اللِّسان: (غرر): (5/ 15).
وهنا استعيرت لبياض الصبح.
(2) قوله: "فإنه تعمّد" مكرّر في الأَصل.
(3) وذلك "بأن يَجْعل فيه المشبّه مشبّها قصدًا إلى ادِّعاء أنَّه أكمل منه في وجه الشّبه".
بغية الإيضاح: (3813)، ويبدو أنَّ أبا الفتح، عثمان بن جنِّي أوَّلُ من ألمح إليه تحت مسمَّى "غلبة الفروع على الأصول". ينظر: الخصائص: (1/ 300).
(4) سورة البقرة، من الآية: 275.
(5) أي: من مستحِلّي الرِّبا.
(6) سورة النحل، من الآية: 17.
(7) أي: أفمن لا يخلق كمن يخلق.
(2/653)

لَمَّا جعلوها كالخالق؛ فاقتضى المقامُ أَنْ يُجعلَ الخالقُ مُشَبَّهًا به، وغيرُ الخالقِ مُشَبّهًا؛ لكنّ في عكسِه مزيدَ توبيخٍ؛ إذ المعنى يصيرُ: أن غيرَ الخالِق عندهم في وجه الشَّبهِ أقوى من الخالقِ وأَوْلَى باسمِ الألُوهيَّةِ (1).
__________
(1) تبيّن -من كلام الشّارح- أن مراده "بمن لا يخلق" الأصنام. وهو رأيٌ أورده السَّكاكيُّ -أيضًا- غير أنَّه رجَّح غيره فقال (المفتاح: 344): "وعندي أنّ الّذي تقتضيه البلاغةُ القرآنيّة هو أن يكون المراد بمن لا يخلق: الحيُّ العالم القادر من الخلق لا الأصنام، وأن يكون الإنكار موجّهًا إلى توهّم تشبيه الحيّ العالم القادر من الخلق به تعالى وتقدّس عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ تعريضًا به عن أبلغ الإنكار؛ لتشبيه ما ليس بحيٍّ عالم قادر به تعالى، ويكون قوله: {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} تنبيه توبيخ على مكان التّعريض".
وعلى هذا الرّأي يلزم إنكار عبوديّة الأوثان بالطريق الأَولى.
هذا، وإنّما قال الصنّف -رحمه الله-: "ومنه" قبل إيراد المثالين؛ لاحتمالهما أن لا يكونا من التّشبيه المقلوب؛ كما نَقَل ذلك عن المصنِّف أحدُ شرّاح الفوائد الغياثيّة إذ قال: (ل: 180 - 181).
"أمّا الأوّل: فقال المصنّف: يحتمل أن يكون المرادُ منه إثباتَ الحرمة في البيع للإلزام؛ أي: البيع مثل الرّبا. فلو كان الرّبا حرامًا -كما زعمتم- لكان البيع أيضًا حرامًا وليس فليس. وقال الإمام الرازي في تفسيره: المراد إثبات الساواة بينهما في اقتضاء الحل والحرمة فلا فرق بين أن يقال البيع مثل الرِّبا وعكسه.
وأما الثّاني: فقال المُصنِّف يحتمل أن يكون سوقه للتَّنْزيه عن مماثلةِ الخلوقات؛ فكان حقُّ الكلام كما ذكر؛ لا للتوبيخ عن التّشريك في العبادة. =
(2/654)

وإمّا لإِظْهارِ الاهتمامِ؛ عَطْفٌ على قوله: (إِمَّا لإيهامِ)، وذلك كما إذا أُشير لكَ إلى وجهٍ كالقمرِ في الإشْراقِ والاسْتدارةِ؛ وقيلَ: هذا الوجهُ يُشبهُ ماذا؟؛ فقلتَ: الرَّغيفَ!، إظهارًا لاهتمامكَ بشأنِ الرَّغيف؛ وهذا يُسمَّى بإظهارِ المطلوب، ولا يُصارُ إليه إلّا في مقامِ الطَّمع بحصولِ المطلوبِ؛ وذلكَ كما أمرَ الصَّاحبُ (1) ابنُ عبّادٍ نُدَماءَه أن يُجيزُوا قولَه (2): وعَالِمٌ يُعْرَفُ بالسِّجْزِيّ (3)؛
مِمَّا مدحَ (4) به قاضي سجستان (5) حِين دخلَ عليه فوجدَه عالمًا مُتَفنِّنًا؛ فقال شريفٌ بينهم انتهت النَّوبةُ إليه بعدما نَظَمُوا على أُسلُوبِه واحدًا بَعْد واحدٍ:
.................... ... أَشْهَى إلى النّفْسِ من الخُبْزِ؛
ففَهمَ الصّاحبُ اهتمامَه بشأنِ الخُبْزِ؛ فأمرَ أن تُقدَّمَ له مائدة.
__________
= وقال صاحب الكشّاف المراد به إنكار تسويتهم الخالق بغير الخالق في العبادة والتّسمية".
(1) تقدّمت ترجمته ص (609) قسم التحقيق.
(2) شطر البيت من السّريع. وهو في المفتاح: (346)، الإيضاح: (4/ 77)، والتّبيان: (356). وسيرد شطره المجاز عمَّا قريب.
(3) السِّجزيّ: نسبةٌ سماعيّة إلى سجستان. وهو: أبو الحسن، عمر بن أبي عمر السِّجزيّ النّوقاني. أديب شاعر فقيه. له غير رحلة واحدة إلى خراسان والعراق في طلب الأدب والعلم. وكان قد أقام في حضرة الضاحب بن عبَّاد برهة يستفيد من مجالسها ويقتبس من محاسنها. يتيمة الدّهر: (4/ 342).
(4) في ب: "يمدح".
(5) تقدّم التّعريف بها ص (379) قسم التّحقيق.
(2/655)

والإجازةُ [تتميمُ] (1) مصراع الغيرِ.
وإذا تساوى الطرفانِ؛ أي (2): المُشبَّه والمشبَّه به في جهةِ التَّشبيه، ولَمْ يَخْتلفا بكون أَحدِهما ناقصًا والآخر كاملًا. فتشابه؛ ليكونَ كلُّ واحدٍ من الطرفين مُشبَّهًا ومشبَّهًا به، لا تَشْبيه؛ حتَّى يكونَ أحدُهما مشبّهًا، والآخر مشبَّهًا به؛ احْتِرازًا عن تَرجِيع أحدِ المتساويين (3)؛ قال الشّاعرُ (4):
رَقَّ الزُّجُاجُ ورقَّت الخمْرُ ... فَتَشابَهَا فَتَشاكَلَ الأَمْرُ
فَكَأنَّهُ خَمْرٌ ولا قَدَحٌ ... وَكَأنَّهُ قَدَحٌ ولا خَمْرُ
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب.
(2) "أي" ساقطة من أ، ب. وعلى مثلها درج الشَّارحُ.
(3) يوضح طاش كبرى زاده الفرق بين التَّشبيه والتَّشابه بقوله (شرح الفوائد: 205): "والفرق بين التَّشبيه والتَّشابه هو: أن ما يقع فيه التَّشابه يصحُّ فيه اسْتعمال التَّشبيه مع صحَّة عكسه؛ إذ ما وقع فيه التّشابه من الطرفين متساويان، ويمكن ترجيح أحد المتساويين باعتبار، ولا يخفى أنّ هذا الاعتبار كما يمكن في طرف يمكن في آخر من غير اعتبار القلب، وأمّا ما وقع فيه التشبيه لا يمكن فيه التَّشابه؛ لأن تسوية الرّاجح والمرجوح باعتبار غير ممكن؛ فلا يمكن فيه العكس -أيضًا-؛ لأنه إذا يمكن تسويتهما فلأن لا يمكن ترجيح المرجوح أوْلَى الفهم إلّا بطريق القلب".
(4) البيتان من الكامل. وقائلهما: الصَّاحبُ بن عبّادٍ. وهما في ديوانه: (176)، وفي يتيمة الدّهر: (3/ 259)، ونهاية الأرب: (7/ 44).
واستشهد به في الإيضاح: (4/ 78)، وأوردهما صاحب معاهد التّنصيص: (2/ 60).
(2/656)

تنبيهان:
الأَوَّلُ: إذا كان وجْهُ التَّشبيه وصْفًا غيرَ حقيقيّ؛ أي: اعتباريًّا مُنْتزعًا من أمورٍ متعدِّدَةٍ -سُمِّي [أي] (1) التَّشبيه: تَمْثيلًا، وخُصَّ بذلك الاسم (2)، قال -تعالى-: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} (3)، فإن وجهَ تَشبيهِ المنافقين بالذين شُبِّهوا بهم فِي الآيَة، هو: تَوَجُّه الطلبِ إلى تَيْسِير مطلوبِ بسبب مُباشرةِ أسبابِه القريبةِ مع تعقُّبِ الحِرْمانِ والخَيْبَةِ لانقلابِ الأَسبَابِ، وأَنَّه أمرٌ اعتباريٌّ لا وصفٌ حقيقيٌّ منتزعٌ من أمورٍ كثيرةٍ.
ومنه وإنما فصل بلفظ (4): (منْه) عمَّا قبلَه؛ لأن كُل واحدٍ من الشبَّه والمشبَّه به مذكورٌ صريحًا في الآية الأُولَى؛ دون هذه: قوله -تعالى-: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} (5)، شَبَّه كون المؤمنين أنصار الله بقولِ عيسى لهم: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه} من حيثُ الظاهرِ، لكنّ المراد: كونُوا أنصار الله مثل كون الحواريِّين أَنصاره وقْت قول عيسى -عليه
__________
(1) "أي" ساقطة من الأَصل ومثبتة من أ، ب. وعلى مثلها درج الشَّارحُ.
(2) أي: تسميته: تمثيلًا.
(3) سورة البقرة؛ من الآية: 17.
(4) في أ، ب: "بلفظه".
(5) سورة الصّف؛ من الآية: 14.
(2/657)

السَّلام (1) -: {مَنْ أَنْصَارِي}؛ لعدم صِحَّةِ تشبيه الكون بالقولِ، ولجوازِ حذفِ المضافاتِ. وإِنَّما جاز ذكرُ مستلزمِ المُشَبَّه به مَكانه (2)؛ كما جازَ ذكرُ مستلزمِ وجهِ الشَّبه مكانه؛ إذْ كما أنَّه ليس بمستلزم التَّصريح بوجهِ الشّبهِ؛ بل قد يُذْكرَ ما إذا أَمْعَنْتَ فِيه النَّظر لَمْ تجده إلّا شيئًا مُسْتتبعًا لما يكون وجهُ الشّبه (3) في المآل؛ كذلك ليس (4). بمستلزم التَّصريح بالمشبَّه به؛ بلْ قد يُذْكر ما إذا أمعنت في النَّظر لم تجده إِلَّا شيئًا مُسْتتبعًا (5) لما يكونُ المشبّهُ به في المآلِ ثم التّقريب ظاهر.
الثاني: لا تَغلَطْ في مثلِ قَوْلِ الشَّاعرِ (6):
__________
(1) قوله: " - عليه السلام - " ساقط من أ، ب.
(2) في ب: "فكأنه" وهو تحريف بالقلب.
(3) في الأَصل: تكرّر بعد هذا قوله السّابق: "مكانه ... إذا أمعنت" وظاهرٌ أنَّه من انتقال النَّظر.
(4) قوله: "كذلك ليس" ساقطة من ب.
(5) عبارة: "بل قد يذكر ... مستتبعًا" ساقطة من ب.
(6) البيت من الطويل. ويُنسب لكثير عزَّة في سبعة أبيات أخر ضمن ديوانه: (107) برواية: "يوما" مكان "قومًا"، ونسبه إليه أيضًا النَّويريُّ في نهاية الأَرب: (1/ 76).
والبيتُ مرويٌّ في حسن التَّوسّل: (121)، وزهر الآداب: (2/ 71، 166) برواية: "رجوها" مكان: "رأوها"؛ وهذه الرِّواية -في نظري- هي الأصحّ. ومستشهدٌ به في: أسرار البلاغة: (110)، والمفتاح: (349)، والإيضاح: (4/ 65)، والتِّبيان: (350).
وهو في المعاهد: (2/ 51) بدون نسبة. وقال عنه: "لا أعرف قائله".
(2/658)

كَمَا أبْرَقَتْ؛ -أي: صَارت داتَ بَرْقٍ- قَوْمًا عِطَاشًا غَمَامةٌ فلمَّا رأوها أقْشَعَتْ؛ -انْكَشَفت. وقشَعتُه: كَشَفْتُه وهو مثل: أكبَّ، وكبّ؛ لزُومًا وتعدِّيًا -وتَجَلَّت؛ أي: ظهرت (1). لكَثْرةِ التباسِ الوَصْفِ الحَقِيقيِّ بالاعْتِباريّ، وانْتزاعه من أَمْرين -مثلًا- مع وجوب الانْتزاع من أكثر؛ فتنْزع الوَصْفَ؛ الذي هو وجهُ التَّمثيل، مما لا يتمُّ المرادُ به؛ كالمصراع الأوّل، فتَقع عن غَرضِ الشَّاعر بمَعْزلٍ؛ لوجُوبِ (2) انْتزاع وجهِ الشَّبهِ من مَجْموع البيتِ؛ وهو وصْلُ الابتداءِ المُطْمع بالانْتهاءِ المؤيسِ؛ لا الإطماع فقط.

النَّوعُ الرَّابعُ: في حالِ التَّشبيهِ؛ من كونهِ قَريبًا أَوْ غَريبًا، مَقْبولًا أَوْ مَرْدُودا.
مُقدِّماتٌ لا بدَّ مِن ذِكْرِها لتُرْشدك (3) إلى كَيْفِيَّةِ سُلوكِ الطريقِ هُنَالك (4):
__________
(1) في ب وردت العبارة المتقدّمة هكذا:
"كَمَا أبْرقَت عِطَاشًا غَمَامةٌ ... فَلَمَّا رأوها أقشعت وتَجَلَّت.
أبْرقت، أي صارت ذا برقٍ. وأقْشَعت: انكشفت، وقشعته: كشفته، وهو مثل: أكبّ وكبّ لزومًا وتعدّيًا. وتجلّت: أي ظهرت".
(2) في ب: "الوجوب" وهو تحريف بالزيادة.
(3) في أ: "فترشدك".
(4) في أ: "هناك".
(2/659)

الأُوْلى: إِدراكُ الشَّيءِ مُجْمَلًا، كإدراكِ الإنسانِ من حيثُ إنَّه: شيءٌ، أَوْ جسمٌ أسهلُ من إدراكه مُفَصّلًا، كإداركه من حيثُ إِنَّه: جسمٌ نامٍ حسَّاسٌ مُتحرِّكٌ بالإرادةِ ناطقٌ.
الثَّانية: المتكرِّرُ على الحسِّ الحاضِرُ صورَتُه مرّةً بعد أُخرى، كحضورِ صُورةِ القَمر غير مُنْخَسفٍ. أقربُ حُضُورًا من شيءٍ يقل حضورُه (1) على الحسِّ، كحضورِ صورته مُنْخَسِفًا.
الثالثُ: الشَّيءُ مع ما يُنَاسبُه (2) أقربُ حُضُورًا منه مع ما لا يُناسبه، كالحمَّامِ والسَّطل دُونَ السَّخْلِ (3)، فإن الحمَّامَ معَ السَّطلِ أقربُ حُضُورًا منه مع السَّخْلِ.
الرّابعةُ: اسْتِحضارُ الواحدِ أيسرُ من اسْتِحضارِ غيرِ الواحدِ، كاسْتحضارِ القَمرِ في الذِّهنِ؛ فإِنَّه أيسرُ من اسْتِحضاره والمشترِي على تَثْلِيثه، والمرِّيخ على مُقابلته.
الخامسة: ميلُ النَّفْسِ إلى الحسِّيَّاتِ أتمُّ من مَيْلها إلى العَقْليَّات، بناءً على أنَّها -أي: الحسِّيَّات- مجعُولةٌ لها (4)، أي: للنَّفسِ (5)، بالتَّجريدِ
__________
(1) في أ، ب: "وروده"؛ وهما بمعنى.
(2) هكذا في ف -أيضًا-. وفي أ، ب: "مع مناسبه".
(3) السَّخْلُ: ولدُ الشَّاةِ من المعزِ والضأن؛ ذكرًا أَوْ أنثى. اللِّسان: (سخل): (11/ 332).
(4) هكذا -أيضًا- وردت "لها" في ف. ولم ترد في أ.
(5) في الأَصل: "النَّفس" والصَّواب من: أ، ب.
(2/660)

بسببِ تَجْريدِها إِيَّاها، أي: حذفها التَّعيّناتِ والتَّشَخّصاتِ الخارجيّةِ عن الحسِّيَّاتِ؛ فلها زيادةُ تعلُّقٍ بها، هذا على مذهب مَنْ يقولُ: النَّفسُ لا تُدْرِك الجُزْئيّات؛ بل المشتركَ المنتزعَ عنها التَّشَخُّصات (1).
ولوَ قُلْنا: بأَن مُدْرِكَ الكُلِّيَّات وَالجُزئيّاتِ هو النَّفسُ -كما هو مذهبُ الحكيم-؛ لكنَّها تُدْرِكُ الكليَّات بذاتها، وهي المُسَمَّاةُ بالعقلِيَّات، والجزئيَّاتِ بالآلاتِ، أي: بواسطةِ الحواسِّ؛ وهي المسمَّاةُ: بالحسِّيَّاتِ، لَمَّا كان مَيْلُها إلى إحداهما أتم منه إلى الأخرى؛ ولهذا قال: "ميلُ النّفسِ إلى الحسِّيَّات أتمّ بناءً على أنَّها ... " إلى آخره.
ولإِلْفِها، عطفٌ على قوله "بناءً"، أي: مَيْلُها إليها أتمُّ لزيادةِ إِلْفِها (2)، أَيْ (3): إِلف النَّفسِ بها، بالحسِّيّاتِ؛ لكثرةِ وُرُودها، أي: الحسِّيَّات بِحَسَبِ جِنْسها عليها (4)، لاختلافِ الطُّرق، طُرُقِ الوُرُود، أَعْني: الحواسَّ المُختلفةَ المؤدِّية لها، بخلافِ العقليّاتِ؛ فإن طريقها واحدٌ.
السادسةُ: النفسُ لما تعرفُ أَقْبلُ مِنها لما لا تعرف، لمحبَّةِ النَّفسِ العِلْم طبعًا؛ ولهذا أكثرَ النُّاسِ يُقبلون على استماع الحكاياتِ، ولا
__________
(1) يعني بذلك السَّكاكيَّ؛ حيث قال (المفتاح: 350): "وأَعْنِي بالحِسِّيَّات ما تجرده منها بناءً على امتناع النَّفسِ من إِداركِ الجُزْئيَّات".
(2) كلمة: "إلفها" ساقطة من ب.
(3) في الأَصل: "إلى" ولا يستقيم به السّياق. والصَّواب ما أَثبتّه، وعليه لفظ مفتاح المفتاح. والحرف ساقطة من أ، ب.
(4) أي: على النّفس.
(2/661)

يُقبلون على المسائلِ العويصةِ (1). وقد سقطت (2) هذه المقدِّمةُ في بعضِ النّسخ عن القَلَمِ.
السابعةُ: الجديدُ أحبُّ إلى النَّفسِ وألذُّ لديها من المُعَاد؛ لاستكراهِ النَّفس التّكرار بالذاتِ؛ كما قيل (3): (أَكْره من مُعَاد) واسْتِحبابه الجِدَّة، كما قيل (4): (لكلِّ جديد لذةٌ).
وههنا نظرٌ؛ كَمَا قَال السَّكاكيُّ (5): "التَّوفيقُ بين حكم الإلف وبينَ [حكم] (6) التّكرارِ أحوَجُ شيءٍ إلى التَّأمُّل"، فإن الإلف بالتّكرارِ يَحْصُلُ فكيف يَتَنافَى حُكْمُهمما؟!؛ أي: حكمُ الإلف والتّكرارِ، حتَّى يكونَ
__________
(1) قول الشّارح: "ولهذا ... العويصة" استدلالٌ سبقَ إليه الشِّيرازي (مفتاح المفتاح: 895) وهو -في نظري- يفتقد الدقة الَّتي تجعله صادقا على المستدلّ له؛ فإقبال الناس على استماع الحكايات والقصص ليس بدافع العلم المبنيّ على المعرفة في الدّرجة الأولى -كما هو ظاهر كلام الشّارح- وإنما لدَوافع أُخرى مردُّها إشباعُ الروح وإمتاعُ النفس. ولو يكن الأمر كذلك؛ لاستوى إقبالهم على الحكايات مع إقبالهم على المسائل العويصة؛ بناءً على أنّ العلم متحقّق لكليهما.
(2) في أ، ب: "سقط".
(3) لم أعثر عليه فما وقفت عليه من كتب الأمثال. وأشار الشيرازي إلى أنَّه مثلُ. ينظر: مفتاح المفتاح: (895).
(4) سبق تخريجُه ص (648) قسم التّحقيق.
(5) هكذا في أ، ب. وفي الأصل زيادة: "في" وبها يضطرب السِّياق. والقول في المفتاح: (350).
(6) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب، مصدر القول.
(2/662)

المأَلوفُ غيرَ مُسْتكره، والمكرَّرُ مُسْتَكرَهًا؛ بل يجبُ على هذا أن يكون المألوفُ أكرهَ شيءٍ عند النَّفس!.
والمصنّفُ ينقلُ كلامَ السَّكاكيَّ، وإلَّا (1) فالحقُّ عنده على طرفِ التَّمامِ؛ وهو: أن كل تَكْرارِ لا يورثُ الكراهة؛ بل الذي يُورثُها تكرارُ شيءٍ منه بدٌّ؛ وهو مُنافٍ للإِلف؛ وأمَّا تكرارُ شيء لا بدَّ منه؛ كتكرارِ الشَّبه الضُّروريّة (2) عند الطيبِ؛ فهو غيرُ مُنافٍ للإِلفِ؛ بل موجبٌ لهُ (3).
فالحاصلُ: أن الجديدَ ألذُّ من المعاد الغيرِ المألوف.
ثم قربُ التَّشْبيه، وسقوطُه عن درجةِ الاعتبارِ؛ لوحدةِ الجهةِ؛ أي: جهة التَّشبيه بأن يكونَ أمرًا واحدًا؛ كالسَّوادِ في نحو: (زِنجيٌّ كالفَحْمِ)، أَوْ (4) لتَجانُسِ الطرفين وقُرب المناسبة بَيْنهما؛ نحْو: تشبيه عنَبة كبيرة سودَاء بأنَّها (5)؛ كإجَّاصَة (6)، أَوْ كونه؛ أَي: المشتبه أَكْثريُّ الحضورِ لجهةٍ من الجهاتِ؛ كتكرُّرِه على الحسِّ، أَوْ غيره؛ كالبَدْرِ [في] (7) نحو: (وجهٌ كالبدرِ).
__________
(1) "وإلّا" ساقطة من ب.
(2) في أ، ب: زيادة: "المشهورة"، والسّياق تام بدونها.
(3) وعليه قول الشّاعر:
أعد ذكرَ نُعمان لنَا إن ذِكْرَهُ ... هُوَ المِسْكُ ما كَرَّرْتَه يَتَضوَّعُ
(4) هكذا -أيْضًا- بالعطف ب "أوْ" في ف. وفي أبالعطف بالواو.
(5) في أ، ب: "بأنَّه".
(6) الإجّاصة: ثمرة لنبات من الفصيلة القرنفليّة.
(7) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. ومثبت من أ، ب.
(2/663)

وبُعدُه؛ أي: بُعدُ التَّشبيه وعدمُ سُقُوطِه؛ أي: غرابتُه وحُسنه.
بحلافه؛ أي: ما ذكرنا في قُرْبه بأَنْ لا يكونَ واحدًا بل كثيرًا (1)؛ إِمَّا في حُكمِ الواحدِ أَوْ لا، أَوْ (2) لا يكونُ المشبّهُ به مُجَانسًا ومُشَابِهًا للمُشَبّهِ (3)، أَوْ لا يَكُون كثيرَ الحضورِ مَشْهورًا؛ كقوله (4):
نَارِنجُها بين الغُصُون كأَنَّها ... شُمُوسُ عَقيقٍ (5) في سَمَاءِ زَبَرْجدِ
فإنّه شبَّه النَّارنجَ -في الهيئةِ الحاصلةِ من اجْتَماع صورٍ حُمْرٍ وخُضْرٍ- بشُمُوسِ عقيقٍ في حماءِ زَبَرْجَدٍ؛ وهي لَيْست مُجَانسةً ولا قريبةَ المناسبة للمشبَّهِ، مع أَنَّها نادرةُ الحضور؛ ولهذا جاء تَشْبيهًا نادرًا في غايةِ الحُسنِ والبُعدِ.
وكُلَّما كان التَّركيبُ، أي: في وجه الشَّبهِ أكثرَ فهو؛ أي: التَّشبيه (6) أَغْرب؛ كما أَنَّه إذا كان المُشَبّهُ به أَبعد من التَّجانُسِ والتَّناسبِ
__________
(1) كما مرَّ؛ من تشبيه سِقط النَّار بعين الدِّيك، وتشبيه الثُّريّا بعنقود الكرم المنوّر.
(2) في أ: بالعطف بالواو بدلًا من "أو".
(3) في أ: تقدّم الشبّه على المشبّه به. والأَوْلَى ما ورد في الأَصل لسبق تعيين الشبّه به.
(4) البيت من الطويل، وقائله ابن رشيق القيروانِيّ، وهو في ديوانه: (60) برواية: "كأنّه نجوم".
(5) العقيق: خرز أحمر يُتَّخذ منه الفصوص. اللِّسان: (عقق): (10/ 260).
وقوله: "شموس عقيق" من التَّشبيه البليغ لا من الاستعارة للتَّصريح بالطرّفين. وكذا ما بعده؛ وهو قوله: "سماء زبرجد".
(6) في أ: "الشَّبه".
(2/664)

أَوْ أَنْدرَ في الحُضُورِ في الذِّهْن (1) كان أغرب، فتأَمل قوله -تعالى-: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (2)؛ "أي: حالها العَجِيبة، في سُرْعة تَقَضِّيها، وانقراضِ نعيمها (3) بعد إِقْبالها واغْترارِ النَّاسِ بها. {كَمَاءٍ} ليس لفظُ (4) الماءِ المشبَّه بهِ، وإِنْ وَلِيَه حرفُ التّشبيه، لأَنَّه من التَّشْبيه المُرَكب؛ وإِنَّما المُشَبَّهُ به مَضْمُونُ الحكايةِ، وهو زَوالُ خُضرةِ النَّباتِ فجأة، وذهابُه حُطَامًا بَعْدما كان غَضًّا والْتَفّ وزيَّنَ الأرض بخُضْرَته، حتَّى طَمِع فيه أهلُه، وظنُّوا (5) أنَّه سَلمَ من الجَوائِح" (6).
وتمامُ الآية {أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} [يونس: 24] (7).
- تَعْرِف حُسنه لِمَا ذَكَرْنَا.
__________
(1) في الأَصل: "الذين". والصواب من: أ، ب، مفتاح المفتاح.
(2) سورة يونس؛ من الآية: 24.
(3) في أ: "نعمها".
(4) في أ: "لفظة".
(5) في ب: "فظنوا"، والمعنى واحد.
(6) مفتاح المفتاح: (899).
(7) سورة يونس، من الآية: 24. وتمام الآية: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
(2/665)

وتأمَّل قوله -تعالى- (1): {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ} (2) الآية؛ فإن وجهَ الشّبهِ (3) بين المُنَافقين وبين ذوي الصَّيِّب؛ هو (4) أنهم في المقامِ المُطْمع في حصولِ الْمطَالبِ لا يَحْظونَ إلا بضدِّ المطموع فيه؛ من مجرّد مُقَاساةِ الأَهْوال؛ حتَّى تَرَى أنَّه لتَركيب فيه وقع تشبيهًا حَسنًا.
وقبوله؛ أي: التَّشبيه بأَن يكونَ وجهُ الشبه -كمَا مَرَّ- (5)؛ حيث قال: حقُّ وجه التَّشْبيه أن يشملَ (6) الطرفين صحِيحًا؛ أي: يَكُونُ شاملًا للطرفين مُتناولًا لهما. مُعْطيًا للغرضِ؛ أَيْ: لغرضِ التَّشبيهِ كَمْلًا؛ أي: تَمَامًا (7)؛ والمرادُ: أَن يكونَ وجهُ الشّبهِ (8) كاملًا في تحصيل ما عُلِّق به من الغرضِ (9)؛ من بيانِ حالِ المُشَبَّه، أَوْ بيانِ مِقْدارِ
__________
(1) هكذا -أيضًا- وردت جملة "قوله تعالى" في ف. وفي أوردت الجملة كُلها ضمن كلام الشَّارح.
(2) سورة البقرة، من الآية: 19. والصَّيِّبُ: المطرُ. تفسير الطبري: (1/ 334).
(3) في أ: "التشبيه".
(4) في ب: "وهو" وهو تحريف بالزيادة.
(5) ينظر ص: (644)، قسم التحقيق.
(6) في أ: "يشتمل".
(7) في الأصل: "عامًا" والصَّواب من أ، ب.
(8) في أ: "التشبيه".
(9) في الأَصل زيادة: "أي: كاملًا" وإثباتها تكرار لا داعي له.
(2/666)

حاله، أَوْ إِمْكانِ وجُوده، إلى غيرِ ذلك. غيرَ مُبْتذلٍ؛ أي: غيرَ مُمْتَهنٍ مشهورٍ مُتداولٍ يَسْتَعْملُه الجُمْهورُ (1)؛ بلْ يكونُ خاصًّا مُسْتَعمَلًا للخواصِّ. ورَدُّه بِخلافِه بأن لا يكون صحيحًا، أَوْ لا يكون مُعْطيًا (2)، أَوْ لا يكون غيرَ مُبْتذَلٍ (3).
وإذا عرفتَ أسبابَ القبُول عرفتَ أَسْبابَ الرَّدّ؛ لِتُقابل أَسْبابهما، واستعلام أَسْبابِ أحدهما من أسبابِ الآخر.

النّوعُ الخامسُ: في صيغةِ (4) التَّشبيه، وأداوتِه؛ وهي: مثل: (كأَنَّ) و (الكاف)، و (المثل). ولا يجبُ ذكرُ صيغته صريحًا؛ بل قد يُصَرحُ بالتَّشبيه بأَن تُذكر أداتُه، وقد لا يُصَرَّحُ بأَنْ لا تُذْكرَ؛ نحو: (زيدٌ أَسدٌ) (5)، ويتعيّنُ المرادُ وهو أوَل تَشْبيه؛ لامتناع الحَمْل؛ حمل الأسدِ على زيد؛ لأَن زيدًا ليس بعينه هُو الأسدُ؛ فَيَلزم المصيرُ إلى أَنَّه تشبيهٌ بحذفِ كَلِمتِه، وفيه (6) مبالغة؛ لأنَّه لَمَّا حَذَف (7) كلمةَ التَّشبيهِ فكأنه ادّعى أنَّه
__________
(1) كما في تشبيه الشَّعْر الأَسْود بالليل -مثلًا-.
(2) جملة: "أَوْ لا يكون مُعْطيًا" تكرَّرت في ب.
(3) في أوردت العبارة هكذا: "بأَنْ لا يكون صحيحًا أوْ مُعْطيًا أوْ غير مبتذل".
(4) صيغة التّشبيه: هي ما يتوصَّلُ بها إلى وصف الشبّه بالشبّه به. وإنّما قال: (صيغة) لأنها قد تكون حرفًا نحو (كأن)، وفعلًا نحو: (يشْبه) واسما نحو: (مثل).
(5) كلمة: "أسد" ساقطة من الأَصل. ومثبتة من أ، ب، ف.
(6) أي: في: (زيد أسد).
(7) في الأَصل: "حُذفت" بالبناء للمجهول، ولا يناسبه ما بعده من إجراء الكلام على =
(2/667)

نفسُ حقيقةِ الأَسد ومن جِنْسه.
وقد يتركُ (1) المشبّهُ لفظًا مُرادًا معنى (2)، إذ لَوْ لَمْ يُرد معنًى ولم يكن منويًّا فيكون استعارة (3)، إذ لا معنى للاستعارة إلا ذلك. وهذا فيه [أي: في الموضع الّذي يُتْرك المشبهُ لفظًا ويُرادُ مَعنى] (4) دعوى التعيُّن (5) للتَّشبيهِ والإِخبارِ عنه بذلك، كما مر (6) أَن المُسْندَ إليه [يحذفُ] (7) عند تعيّنه للخبر.
فقوله: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر} (8) تشبيهٌ لا استعارةٌ لذكرِ (9) الطرفين: الخيطِ، والفجر.
__________
= الغيبة في قوله: "فكأنه ادّعى"، والمثبت من: أ، ب.
(1) في أ: "ترك" وهو تحريف بالحذف.
(2) ومثاله قولُ الشّاعر: "أسدٌ عليَّ وفي الحروبِ نعامة" فإنّه لا بدّ لصحّة الكلام من تقدير المبتدأ؛ أي: هو أسد.
(3) كقولك: "رأيت أسدًا"؛ مُريدًا بالأَسدِ رجلًا شجاعًا.
(4) ما بين المعقوفين عير موجود في الأَصل، ب،. ومثبت من أ. وبه يتضح المعنى.
(5) في ب: "اليقين"؛ وفيه تحريف وتصحيف.
(6) ينظر ص (294) قسم التّحقيق.
(7) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبتٌ من أ، ب.
(8) سورة البقرة؛ من الآية: 187. ويلحظ أَن قوله {مِنَ الْفَجْرِ} استشهد به ضمن كلام المصنّف في أ. وليس كذلك في ف.
(9) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "ولذكر" بالعطف بالواو؛ ولا وجه له.
(2/668)

توضيحُه: أن الخيطَ الأَبيضَ وهو أَوّلُ ما يبدو من الفَجْرِ المُعْترضِ في الأُفق كالخيطِ الممدود، والخيطَ الأسودَ وهو ما يمتدُّ معه من غسق الليل -شُبّها بخَيْطين: أبيضَ، وأسودَ، وبُيِّنا بقوله {مِنَ الْفَجْرِ}؛ والفَجْرُ -وإنْ كان بيانًا للخيط الأبيض- لكن لَمَّا كان بيانُ أحدهما بيانَ الآخر لدلالته عليه اكتفى به عنه، ولولا البيان لكانا من باب الاستعارةِ؛ كما أن قولك: (رأيتُ أسدًا) استعارةٌ؛ فإذا زدت (1) من فلان صار تشبيهًا. وأمّا أنَّه لِمَ زيد (من الفجر) حتَّى صار تشبيهًا وهلَّا اقتصر به على الاستعارةِ التي هي أبلغُ؛ فلأن شرطَ الاستعارةِ أن يدُلٌ عليه الحالُ، ولو لم يذكر من الفجرِ لم يُعلم أن الخيطين مُسْتعاران فَزيدَ (الفجر) وصَارَ (2) تَشْبيهًا.
وقد يُتركُ وجهُ التشبيه إذا عُلم بالقرائنِ؛ استغناءً (3) عن ذكرهِ، وفيه قُوَّةٌ ومبالغةٌ لإِفَادتِه (4) تعميم المُشَابهة (5).
__________
(1) في ب: "أردتّ" وهو خطأٌ ظاهرٌ.
(2) في أ: "فصار" وفي ب: "حتَّى صَار"؛ ولا اختلاف في المعنى.
(3) هكذا -أيضًا- في ف، وفي ب: "استعارة" وهو خطأ ظاهر.
(4) في ب: "لإفادة".
(5) أي: بَين المشبه والمشبَّه به، حتى يكون المشبَّه كأنَّه المشبَّه به؛ بسبب اشتراكه في ما من شَأنه أَنْ يَشْترك فيه من الصِّفات. فقولك: "زيد كالبحر" -مثلًا- أقوى في المشابهة من قولك: "زيد كالبحر في العطاء"؛ لصدق الأَوَّل على كل ما يصحّ أن يكون التَّشبيه فيه من كَثْرة العطاءِ وكَثْرة ما هو سبب للحياة؛ من الماءِ والعلم =
(2/669)

والمراتبُ (1)، أي: مراتبُ التَّشبيه باعتبارِ المُشَبّه، وكلِمةِ التشبيهِ، ووجهِهِ، ذكرًا وتَرْكًا ثمانيةٌ لا يَخْفى حُكْمُها، من تَضُمُّنها المبالغة والقوَّة، وعدم تضمَّنها إِيّاهما، بما (2) ذكرناه، من أنَّ تركَ المشبّه فيه مبالغةٌ، لإفادته التَّعيين، وترك كلمة التَّشبيه، لأَنَّه الحكمُ على المشبَّه بأنه نفسُ المشبَّه به، وترك وجه التّشبيه، لأن فيه قوّةً لعمومِ وجهِ التَّشبيه (3).
أَمَّا انحصارُه في ثمانية، فلأنَّه لَمَّا امْتَنع حذفُ أَحدِ الأركانِ الأَربعة وهو المشبَّه به، فالمذكورُ إِمَّا كل الأربعة أَوْ لا.
الأَوَّل: قِسْمٌ (4).
والثاني: إمَّا أن يُذكر ثلاثةٌ أَوْ لا.
الأَوَّل: ثلاثةُ أَقسامٍ، لأن (5) مع الشبّه به إمّا المُشبَّه وكلمة التَّشبيه (6)، وإمّا المشبّه والوجه (7)، وإمّا الكلمة
__________
= وكثرة الانْتفاع. بخلاف ما إِذا نصَّ على واحد منها.
(1) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "فالمراتب".
(2) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "لما".
(3) عبارة: "لإفادته ... وجه التَّشبيه" مثبتة من أ. وهي المناسبة لما ذكره المصنِّف قَبْل. وفي الأَصْل، ب، اضطرب السِّياق وجاء هكذا: "لأنَّه الحكمُ على المشبَّه بأنَّه المشبّه به، وترك كلمة التَّشبيه فيه لعموم وجه الشَّبه".
(4) نحو: "زيد كالأسد في الشَّجاعة".
(5) في الأَصْل زيادة: "يكون" والسِّياق تامٌّ بدونها.
(6) نحو: "زيد كالأسد".
(7) نحو: "زيد أسدٌ في الشّجاعة".
(2/670)

والوجه (1).
والثاني: إمَّا أن يُذكر اثنان، أَوْ لا.
الأَوَّل: ثلاثةٌ -أيضًا؛ لأَنَّ مع المشبَّه به إِمَّا المشبَّه (2)، وإِمَّا الكلمة (3)، وإمّا الوجه (4).
والثاني: قسمٌ واحدٌ (5).
وأمّا التَّفاوُتُ بحسبِ القوَّةِ والمبالغة وعدمه؛ فهو بحسب ذكرِ الوجهِ والكلمة وعدمِه، فمتى (6) ذُكِرا فلا قُوَّة له (7)، ومتى يُذْكَرَا فهو أَقْوي الكُلِّ (8). [ومتى تُرك أحدُهما ففيه نوعٌ من القوَّة، فعليك بالأمثلة وتَطْبيقها عليه] (9).
__________
(1) نحو: "كالأسد في الشّجاعة".
(2) نحو: "زيد أسد".
(3) نحو: "كالأسد".
(4) نحو: "أسد في الشّجاعة".
(5) نحو: "أسد".
(6) في أ: "ومتى".
(7) "لأَن القوَّة إما لعموم وجه الشّبه، أَوْ للحكم على المشبّه بأنَّه المشبَّه به مبالغةً، لا أنَّه مثله، وقد عريت هذه المرتبة عن كليهما؛ فلهذا خلت عن القوّة" مفتاح المفتاح (911).
(8) "لاشتمالها على القوّتين: قوَّةِ الحكم على زيد بأنه أسدٌ، وقوّةِ عموم وجه الشّبه".
المصدر السابق (911).
(9) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبتٌ من: أ، ب.
(2/671)

تنبيهٌ:
قد يُعْتبرُ التشبيهُ في التَّضادِّ؛ لأنَّ الضِّدَّين مُتَشابهان؛ من حيثُ أن كل واحدٍ منهما ضدٌّ لصاحبه، فيُجعلُ التَّضادُّ وجْهًا تنْزيلًا له مَنْزلة المُشَابهة. يقال للجبانِ: "أسدٌ"، وللبخيلِ: "حاتم"، لتمليحٍ أَوْ تَهَكُّم؛ أي: استهزاء. وفي الكلام لفٌّ ونَشْرٌ (1)، والظاهر [أنَّه] (2) على غير التَّرتيبِ (3).
والتَّمليحُ: أن يُشارَ في فَحْوى الكلامِ إلى مَثَلٍ سائرٍ، أَوْ شِعْرٍ نادرٍ، أَوْ قِصَّةٍ مشهورةٍ، على معنى أَنْ (4) يكون في الكلامِ ما يَنْتقلُ الذِّهنُ منه إلى شيء من ذلك، كقوله (5):
__________
(1) اللفُّ والنَّشر -كما عرَّفه السَّكاكي - (المفتاح: 425): "أن تلفَّ بين شيئين في الذَّكر ثم تُتْبعهما كلامًا مشتملًا على متعلّق بواحد وبآخر من غير تعيين. ثقةً بأَن السَّامع يردّ كلَّا منهما إلى ما هو له. وسيأتي مَعَنَا -إنْ شاء الله تعالى- ص (798) قسم التحقيق.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(3) فيكون قوله: "للجبان أسد" مثال للتهكم، وقوله: "للبخيل حاتم" مثال للتّمليح. والذي يبدو لي أن كل واحد من المثالين صالح لأَنْ يكون مثالًا للتَّهكّم والتَّمليح، وإنما يُفَرّقُ بينهما بحسبِ المقام؛ فإنْ كان الغَرضُ مجرَّدَ الملاحة والظرافة من غير قصد إلى استهزاء وسخريةٍ؛ فتمليحٌ، وإلا؛ فتهكّم. وعلى هذا الرَّأي سعد الدّين التَّفتازاني. المطوّل (327).
(4) هكذا في الأصْل. وفي أ، ب: "أنه".
(5) البيتُ من البسيط، ولم أَعْثر على قائله. والبيت في العمدة: (311)، وحسن التوسّل: (62)، =
(2/672)

المُسْتَجِيرُ بعمرٍو عند كُرْبَتِه ... كَالْمُسْتجيرِ مِن الرَّمْضَاءِ بالنَّارِ.
[وقيل: إنَّه بلفْظِ التَّلميح؛ بتقديم اللام على الميمِ. ولكل وجهة (1)] (2).
__________
= ونهاية الأرب: (7/ 127) برواية: "المستغيث ... كالمستغيث ... ".
واستُشْهد به في نهاية الإيجاز: (288)، والإيضاح: (2/ 428)، وأشار إليه العبّاسيّ في المعاهد: (4/ 201) وساق قصّته.
(1) فمن لحظ معنى "الملاحة" سمّاه: تمليحًا. ومن لحظ معنى: "الإلماح" سمّاه: إلماحًا. وعلى كلِّ تسميةٍ فريقٌ من العلماء. ينظر: معجم البلاغة العربية: (632، 659).
على أن صاحبَ المطوَّل أَنكر أَنْ تكون الإشارةُ في فحوى الكلام إلى قصةٍ أَوْ مثلٍ أوْ شعرٍ نادرٍ تمليحًا، وقال رادًّا على الشيرازي التسمية (المطوّل: 327): "وما وقع في شرح المفتاح من أَن التَّمليح هو: أنْ يُشار في فحوى الكلام إلى قِصَّةٍ أوْ مثلٍ أَوْ شعرٍ نادرٍ وإن قلنا "هو حاتم" مثال للتّمليح لا للتهكم فهو غلط؛ لأن ذلك إنّما هو التّلميح؛ بتقديم اللّام على الميم -كما سيجئ في علم البديع- وليس في قولنا "هو حاتم" إشارة إلى شيءٍ من قصَّةِ حاتمٍ".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، ب. ومثبتٌ من أ.
(2/673)

الأَصلُ الثاني: في المجاز.
وقدَّمه السَّكاكيُّ على الكناية، لِمَا ذكرنا (1): أنَّه بالنِّسْبةِ إِليها بمنْزلةِ المفردِ من المركب.
وعلى الاستعارةِ؛ لتقدُّمِ الجِنْسِ على النَّوع طبعًا.
ويتضمّن التَّعرُّضَ للحقيقةِ، لأن النَّظر في الدَّلالةِ العقليَّةِ موقوفٌ على الدّلالة الوَضْعيّة، والكلامُ في ذلك مُفْتَقرٌ إلى بيان وجهِ دلالاتِ الكلم على مفهوماتِها، أَهي بحسبِ ذواتِ الكلمِ والألفاظِ -كما قال عَبَّادُ (2) بن سُلَيمان الضَّمري-، أَوْ بحسب تخصيص مُخَصِّصٍ خارج عن تلك الألفاظِ يُخَصِّصها بتلك المعاني التِي تدلُّ عليها ويضعها له (3).
لكنَّ دلالةَ الأَلفاظ على المعاني بيِّنٌ أنها بالوضع والتَّخصيصِ، لأن الأَوَّل -وهو دلالة اللَّفظِ بالذاتِ على مسمَّى دون مُسمَّى مع استواءِ نسبتِه إليهما- ترجيحٌ بلا مُرَجِّحٍ.
__________
(1) ينظر ص (629) قسم التحقيق.
(2) هو عبَّاد بن سليمان الضّمري المعتزلي؛ قال عنه ابن المرتضى (طبقات المعتزلة: 77): "وله كتب معروفة، وبلغ مبلغًا عظيمًا، وكان من أصحاب هاشم الفوطي، وله كتاب يسمّى الأبواب". ذكره الأشعري وأورد بعض مقالاته: (1/ 237، 239، 250، 252) وكذا عبد القاهر البغداديّ في كتابه الفَرق بين الفِرق: (161).
(3) في الأَصْل: "ويضعها لذلك". والصَّواب من أ، ب.
(2/674)

وقولُ عبّادٍ: إن ذاتَ اللّفظ مُخصِّصةٌ لنفسها بالمعنى، موجبةٌ لفهمه منها؛ لأنَّه لا بدّ أن يكون (1) بين اللّفظِ والمعنى من مُنَاسبةٍ ذاتيّةٍ وإلَّا لَزِمَ التَّخصيص بلا مُخَصّصِ (2): محمولٌ على ما يَدَّعيه الاشتقافيون (3) منْ رعايةِ الواضع (4) مناسبةً ما، كما يقولون: إن للحروفِ [في أنفْسها] (5) خواصّ بها تَختلفُ؛ كالجهر والهمسِ، والشِّدَّةِ والرَّخاوة و (الفصم) (6) بالفاء؛ الذي هو حرفٌ رخْوٌ؛ لكسرِ الشَّيءِ من غير أن يُبين، و (القصم) بالقاف؛ الذي هو حرفٌ شديدٌ؛ لكسرِ الشّيءِ حتَّى يُبين. [وأَن] (7) للتَّركيبات، -أيضًا- خَواصّ كاختصاصِ حركةِ (8) عين
__________
(1) قوله: "أن يكون" ساقط من أ، ب. ولا اختلاف في المعنى.
(2) ينظر قول سليمان في شرح مختصر ابن الحاجب لشمس الدّين الأصبهانيّ: (1/ 276) وحاشية العلامة سعد الدّين التفتازانيّ على شرح القاضي العضد: (1/ 192).
(3) هكذا -أيضًا- في ف. والكلمة ساقطة من أ. والاشتقاقيّون. نسبة إلى علم "الاشتقاق" الذي يتحقق ب "نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتهما معنًى وتركيبًا، ومغايرتهما في الصيغة" التّعريفات للجرجانيّ: (43).
(4) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "الموضع" وهو خطأ ظاهرٌ.
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(6) في الأَصْل: "وكالفصم"؛ بالعطف بالواو. ولا وجه له. والصَّواب من: أ، ب.
(7) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصْل. ومثبتٌ من أ، ب.
(8) كلمة "حركة" ساقطة من أ.
(2/675)

مثلِ الفعلان بحركةِ مُسمَّاهُ؛ نحو: الحيوان، والنَّزوان (1)، ولأَجل رعايتها خُصِّص كلٌّ: بما يناسبها؛ لا على ما هو الظاهرُ منه (2). وإِلَّا (3) لامْتَنع نقله إلى المجاز، لأَن ما بالذاتِ لا يزول بالغير، ولامْتَنع [اشتراكُ] (4) اللفظِ بين متنافيين (5)؛ لأن الشَّيءَ الواحدَ لا يقتضي أمرين بينهما تنافٍ.
ثم الحقُّ؛ أي: بعد تحقُّقِ كونِ المخُصِّصِ غيرَ أَنْفسِ الكلمِ وذواتِ الألفاظ؛ الحق:
إِما التَّوقيف؛ وذلك بأَنْ يضعها الله -عزّ وجلّ- (6)، ويُوقفَ عباده عليها بالوحي- مثل أ.
أَوْ الإلهام (7)؛ وذلك بأن يُلْهمَ عبادَه بالتَّخْصِيص؛ حتَّى يضَعُوها ويَصْطَلحوا عليها.
__________
(1) النَّزوان: ضرب الفحل. ينظر: اللِّسان (نزو): (15/ 319).
(2) أي: من قول عبّاد.
(3) أي: لو حمل قول عبّاد على ظاهره؛ وهو أَن ذات اللفظ دالّة بنفسها على المعنى.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبتٌ من أ، ب.
(5) ك"الجون"؛ للأبيض والأسود. و"القرء"؛ للطهر والحيض.
(6) "عزّ وجلّ" غيرُ موجودٍ في أ، ب.
(7) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "والإلهام" بالعطف بالواو، وهو خطأٌ ظاهرٌ.
(2/676)

والأَوَّل مذهبُ الأَشْعريَّة (1).
والثاني: مذهبُ البهشميَّهّ (2).
__________
(1) الأشْعريَة: فرقة كلاميَّة إسلاميّة تنتسب إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعريّ، وقد اتخذت البراهين والأدلّة العقليّة وسيلة في محاجّة خصومها لإثبات حقائق الدِّين والعقيدة الإسلاميّة. زاد انتشار مذهبها في العهد السُّلجوقيّ.
أمَّا أبرز شخصيَّاتها فهم: أبو الحسن الأشعريّ، والقاضي أبو بكر الباقلّاني، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو حامد الغزاليّ، وإمام الحرمين أبو العالي، وأبو العزّ الرازي.
ولهذه الفِرقة -مع ما وقعت فيه من البدع والباطل- جهدٌ مشكورٌ ومواقف محمودة في الدِّفاع عن السُّنَّة في وجه الباطنيّة والرافضة والفلاسفة.
ينظر: الملل والنِّحل للشهرستانيّ: (1/ 94)، ودرء التّعارض لابن تيمية: (8/ 275)، الموسوعة الميسّرة في الأديان والمذاهب والأحزاب العاصرة للدّكتور: مانع الجهنِيّ: (1/ 87 - 98).
(2) في أ: "الهشمية" وهو تحريفٌ بالنّقص.
والبهشميّة: فرقة من المعتزلة تتّبع أبي هاشم عبد السلام، ومن كنيته اشتق اسمها على طريق النّحت، وهو ابن أبي على محمد بن عبد الوهّاب الجبائي (ت 321 ه). ويقال لهذه الفِرقة -أيضًا-: "الذّمّيّة، لقولهم باستحقاق الذَّمِّ والعقاب لا على من فعل. وقد شاركوا المعتزلة في أكثر ضلالاتها وانفردوا بمسائل لم يسبقوا إليها. ينظر: الملل والنِّحل للشهرسانِي: (1/ 78 - 79)، الفَرق بين الفِرق لعبد القاهر البغدادي: (184 - 185).
وينظر الخلاف في الواضع بين الأشعريّة والبهشمية وغيرهم في الأحكام في أصول الأحكام: (1/ 73 - 78)، ومنتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل: (28)، وشرح العضد على المختصر (ضمن عدّة شروح): (1/ 192).
(2/677)

ولفظُ المختصرِ وإن كان مُشْعرًا بمخالفةِ (1) السَّكاكيّ، لكن من جهة المعنى لا مُخَالفة، قال السَّكاكيُّ (2): "والحقُّ بعدُ: إِمَّا التَّوقيفُ والإلهام، قولًا بأنّ المخصّصَ هو اللهُ - تعالى، وإمَّا الوضعُ والاصطلاحُ؛ قولًا بإسنادِ التَّخْصيصِ إلى العُقلاءِ".
ومرجعهما؛ أي: المذهبين: الوضعُ (3)، والتَّخْصِيصُ من الخَارج من ذَوات [اللفْظِ] (4). وهو، أَيْ: الوضعُ، تعيينُ لفظة بإزاءِ معنى بنفسها، ويُحْتَرز ب (نفسها) عن المجازِ إذا عَيَّنته بإزاءِ ما أردته بقرينةٍ؛ فإن ذلك التَّعيين لا يُسمّى وضعًا. وقد يُطلبُ بها، باللفظة معناهَا الموضوع لها، كما أريد بالإِنْسان الحيوان النَّاطق، وبالعَشرةِ مجموع آحادها، وهي الحقيقة. أَوْ يُطلب (5) معنى معناها كما أريدَ بالإنسانِ معنى لازم [لمعناه] (6)، كمعنى الحيوانِ اللازمِ له، أَوْ معنى الخمسة اللازم لمعنى العشرة، وهو المجاز وأنت تعلمُ أن دلالة معنى على معنى (7) [ليس] (8) من الممتنعاتِ.
__________
(1) هكذا في الأَصْل. وفي أ، ب: "لمخالفة".
(2) المفتاح: (357).
(3) لأَن التوقيف يعني تعليم الوضع من الله، والاصطلاح يعني اتّفاق العباد على الوضع. فالمآل واحد.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبتٌ من: أ، ب.
(5) كلمة "يطلب" ساقطة من ب.
(6) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(7) قوله: "على معنى" ساقط من ب. وهو من انتقال النّظر.
(8) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبتٌ من أ، ب.
(2/678)

وقد يُقْصَد للمعنى معنىً، كما أريدَ بطولِ النَّجاد طُول القامةِ، وهو الكنايةُ.
والفرقُ بين المجازِ المعبَّر عنه بقوله: (يُطْلَبُ بها معنى معناها) وبين الكناية المُعبَّرِ عنها بقوله: (يُقْصَد (1) للمعنى [معنى]) (2): أنَّ المطلوبَ في الأَوَّل معنى معناها لا معناها، أي: مع عدم كون المعنى الأَوَّل مَقْصودًا، وفي الثاني يُقْصدُ معنى المعنى لا مع عدم كونِ (3) المعنى الأَوَّل مَقصُودًا، كما أن العبارةَ مُشعرةٌ بالفرقِ.
وأقربُ الحدودِ على كثرتها، للحقيقةِ والمجاز حدودٌ كثيرةٌ -كما ذكرَ ثلاثة منها في المفتاح- (4)، لكنَّ أقربها إلى الحقِّ ما ذكره المصنّف؛ مخترعًا له (5):
__________
(1) كلمة "يُقْصد" ساقطة من ب.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبتٌ من أ، ب. وتقدّم إيرادها ضمن كلام الإيجيّ.
(3) في الأَصْل: "مع كون". والصَّواب من أ، ب. لأن قوله: "مع كون" يحتم أنْ يكون المعنى الأَوَّل مقصودًا؛ وليس الأمر كذلك، وإنّما المقصود عدم وجود مانع يمنع من المعنى الأَوَّل.
(4) ينظر: ص (358 - 361).
(5) لا شك أن في عدول المصنِّف -رحمه الله- عن تعريفاتِ السَّكاكيِّ الثلاثة؛ مع التزامه غالبًا بعبارته؛ واختراعه تعريفًا جديدًا - ما يدلُّ على عمق فهم المصنِّف لدقائق المسائل البلاغيّة واستيعابه لها؛ فالانتقادات المتَّجه إلى تعريفات السَّكاكي دقيقة ومختلفة، منها ما يتَّجه إلى الزيادة، ومنها ما يتَّجه إلى النُّقصان. وهذا بخلاف تعريف المصنّف فهو جامع مانع تلقّاه من جاء بعدَه بالقبول فلم يحيدوا عنه، وإن =
(2/679)

أن الحقيقة: لفظٌ أُفيد به معناه (1) في اصطلاح التَّخاطبِ؛ أَيّ اصطلاحٍ كان؛ لُغة، أَوْ شرعًا، أَوْ عُرفًا عامًّا، أَوْ خاصًّا، وهو ما يُسَمَّى اصْطلاحًا. بمجرَّدِ وضع أَوَّل؛ أي: بلا مَعُونة قرينةٍ وعلاقةٍ واحتياجٍ إلى وضع آخر، فخرج عنه: المجاز، والاستعارةُ، والمنقولُ.
والمجازُ بخلافِ الحقيقةِ فهو: لفط أفيد به في اصطلاح التَّخاطبِ لا بمجرّدِ وضع أوَّل؛ وذلك ظاهر.
والحدَّانِ قريبان ممّا قال ابنُ الحاجبِ في مختصره (2): الحقيقة هو: "اللّفظُ المستعملُ في وَضْح أوّل"؛ إذ المراد: "بحسبِ وضع أوّل"، كما بيّنه في شرحه له (3). والمجاز هو (4): (اللفظُ المستعملُ في غير وضع أوّل على وجهٍ يَصِحُّ).
ولا حاجة؛ أي: في التَّعريف (5) إلى ذكر العلاقةِ؛ وهي اتِّصال ما للمعنى المستعمَل فيه بالمعنى الموضوع له؛ كالسَّببية، والمجاورة، والجُزْئيّةِ، وغيرها؛ ممّا ذُكِر في الأصول (6). والقرينةِ؛ وهي: ما تدل على المراد
__________
= اختلفت صيغ بعضهم.
(1) هكذا ضمن كلام الشّارح في الأَصْل، وفي أ، ب ضمن كلام المصنِّف، وليست في ف.
(2) مختصر منتهى السّؤل والأمل (ضمن شرح الإيجي له برفقة عدّة شروح): (1/ 138).
(3) شرح مختصر منتهى السؤل والأمل للإيجي (ضمن عدّة شروح): (1/ 138).
(4) مختصر منتهى السؤل والأمل (ضمن شرح الإيجي؛ برفقه عدّة شروح): (1/ 138).
(5) أي: تعريف المجاز.
(6) ينظر على سبيل المثال: الإحكام في أصول الأحكام: (1/ 28)، العدّة في أصول الفقه: =
(2/680)

وعلى امتناع إِرادة معناها الحَقِيقيّ؛ إذْ لا إفادة (1) فيه (2)؛ في المجازِ دونهما؛ أي العلاقة والقرينة (3).
وكلاهما؛ أَيْ: الحقيقةُ والمجازُ، لُغويٌّ؛ ك (الصَّلاة) في الدُّعاءِ (4). والأَركانِ المَخْصُوصة (5)؛ إذا استعملها اللُّغويُّ. وشرعيّ؛ ك (الصَّلاة) في الأَركانِ المَخْصوصة (6)، والدُّعاء (7)؛ إذا استعملها المتشرِّع. وعُرفي؛ ك (الدَّابة) في ذوات الحوافِر (8)، والفرسِ خاصَّة (9)؛ إذا استعملها أَهْلُ العُرفِ العامِّ. واصطلاحيٌّ؛ كلَفْظِ (المجازِ) فيما هو مُصْطلحٌ عليه عِنْد
__________
= (1/ 172)، روضة النّاظر وجنّة المناظر: (2/ 554)، منتهى السؤل والأمل: (24).
(1) في الأَصْل: "لا فائدة" والمثبت من أ، ب، ف.
(2) "فيه" هكذا وردت -أيضًا- في أ، ف. وسقطت من ب.
(3) في قول المصنّف: "ولا حاجة ... دونهما" ردّ على من زاد في تعريف المجاز قيدًا آخر غير ما ذكر، ك (العلاقة)؛ في قول بعضهم و (على وجه يصحّ) في قول بعضهم الآخر. وكذا (القرينة) في زعم من قال: لولاها لم يفهم المعنى المجازي وتبادر المعنى الحقيقي إلى الذّهن. فكلُّ تلك الزِّيادات لا حاجة إليها؛ لأَن قوله في أَول تعريف المجاز: "أفيد" يغني عنها؛ فاللَّفظ بدون العلاقة والقرينة لا يفيد المعنى المجازيّ.
(4) فهي حقيقة لغويّةٌ.
(5) فهي مجازٌ لغوي.
(6) فهي حقيقة شرعيّة.
(7) فهي مجازٌ شرعي.
(8) في ب: "الحافر". وهي للحقيقة العرفية.
(9) فهي للمجازِ العرفيِّ.
(2/681)

عُلَماءِ البيانِ (1)، والمَعْبَر (2)؛ إذا اسْتعمله البَيانيُّ؛ بحسبِ الناقل إلى ذلك المعنى من المعنى الأَوَّل؛ فإنْ كان [الناقل] (3) أهلَ اللغةِ فمجازٌ لغويٌّ، وإنْ [كان] (4) شَرْعًا فَشرعيٌّ، وإن [كان] (5) عُرفًا فعُرفيٌّ، وإِنْ [كان] (6) اصطلاحًا فاصطلاحيٌّ.
وكذا في الحقيقة، لكن بحسبِ الواضع. ولظهوره لم يتعرّض له.
قال في المفتاح (7): "الحقيقةُ تنقسمُ عند العلماءِ إلى: لغويَّةٍ، وشرعيَّةٍ، وعُرفيَّة". والانتهاءُ عن التَّثليث، والقصدُ إلى التَّربيع خيرٌ، لأن إطلاقَ العُرْفيِّ على العامِّي: عرفيّ عامِّيّ، وكُلَّما يُرادُ الخاصيُّ يقالُ: اصطلاحيّ.
قيل (8): والمرادُ به قولُ السَّكاكيِّ: تَدُلُّ (9) الحقيقةُ التي ليست بكناية (10) بنفسها، وقوله: (بنفسها) مُتَعلِّقةٌ بقوله: (تدلّ)، أي:
__________
(1) فهو للحقيقة الاصطلاحيَّة.
(2) فهو للمجاز الاصطلاحي.
(3) ما بين المعقوفين غيرُ موجودٍ في الأَصْل. ومثبت من أ، ب. وبه يتَّضحُ المعنى.
(4) ما بين المعقوفين غيرُ موجودٍ في الأَصْل. ومثبتٌ من أ، ب. وبه يتَّضحُ المعنى.
(5) ما بين المعقوفين غيرُ موجودٍ في الأَصْل. ومثبتٌ من أ، ب. وبه يتَّضحُ المعنى.
(6) ما بين المعقوفين غيرُ موجودٍ في الأَصْل. ومثبتٌ من أ، ب، وبه يتَّضحُ المعنى.
(7) ص: (359).
(8) في الأَصْل: "وقيل" بالعطف بالواو. والمثبت من: أ، ب، ف.
(9) في الأَصْل زيادة: "على" ولا يستدعيها المقامُ. وليست في ف.
(10) وقيد السَّكاكيّ الحقيقة بالَّتي "ليست بكناية"؛ لأَنَّه يرى أَن الكناية من الحقيقة =
(2/682)

يُسْتغني في الدّلالةِ على المراد منها بنفسها عن الغير؛ أي: القرينة، لتعيُّنها له بجهة الوضع، والمجازُ، أي: يدلّ المجازُ بقرينةٍ، لعدمِ استغنائه عن الغير في الدّلالةِ على ما يراد منه. وأَمّا المشتركُ فهو موضوع (1) لأحدهما (2)؛ جوابٌ لقائل (3) يقول: المشتركُ حقيقةٌ ليست بكنايةٍ، ومع ذلك لا يَدُل بنفسه، [بَلْ هُوَ مُحْتاجٌ إِلَى القَرينة في دلالته على ما هو مَعْناه] (4) وتوجيهه: أنَّه موضوعٌ [لأحدهما] (5) غير مَعيَّن، ك (القُرء) -مثلًا- فإنّه لا يتجاوز الطهر والحَيْضَ، غير مجموعِ بينهُما، وفي ذلك لا يحتاج إلى القرينةِ، بل يدلّ بنفسه. وفيه (6) حزازةٌ، أي: ما يُدَغْدُغُ في القلْب، ويحكّ في الصّدرِ -[-بالحاء المهملة-] (7)، وهي أنه لو كان موضوعًا لأحدهما غير مُعيّن- لكان استعماله في مُعيّن منهما مجازًا؛ وذلك باطل؛ هكذا سمعتُ من الأستاذ.
__________
= وأَنها تشترك مع المفرد في كونهما حقيقتين، ويفترقان في التَّصريح وعدم التَّصريح؛ ولذا قيَّد الحقيقةَ بناءً على ذلك بنوع منها؛ وهي الّتي ليست بكناية.
(1) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، ب: "فموضوع".
(2) قوله: "وأمّا المشترك ... لأحدهما" من تمام قول السَّكاكيّ المتقدّم. ينظر: الفتاح (360).
(3) في ب زيادة: "أن".
(4) ما بين المعقوفين غيرُ موجودٍ في الأصْل، أ. ومثبتٌ من ب؛ وبه يتضح المعنى.
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبتٌ من أ، ب.
(6) أي: في قوله: "فهو موضوع لإحداهما".
(7) ما بين المعقوفين غيرُ موجودٍ في الأَصْل، ب. ومثبتٌ من أ.
(2/683)

ولأجل هذه الحَزازةِ قال: (قيل).
فإن قُلت: استعمالُه في مُعيَّن منهما مجازٌ (1) يحتاجُ إلى القرينةِ، ولا يعنِي بكونه مجازًا [إلّا ذلك. قُلْتُ: ليس كل ما احتاج إليها مجازًا، بل المحتاجُ إلى قرينةٍ تكونُ صارفة] (2) عن الظّاهر، أي: المعنى الحقيقيّ، وهذه القرينة ليست صارفةً بل معيّنةٌ للمُراد.
وحاصلُ (3) الفرقِ بين القرينتين: أن قرينةَ المجازِ قرينةٌ للدّلالةِ، وقرينةُ المُشْترك قرينةٌ لتعيين الدّلالة؛ لأن له دلالةً إجماليّةً، وبالقرينة يتبيّن المرادُ.
وها هنا تنبيهٌ: وهو أَن حاله بحسب الوضع: أَنَّه موضوعٌ لهذا مُعيّنًا، ولذلك (4) مُعيّنًا.
وبحسبِ الاسْتعمال: أنّه مختلفٌ فيه أيجوزُ استعماله في مَعْنييه أَمْ لا؟.
وبحْسب الفهمِ: أن المتبادرَ إلى الذهن مفهومُ أحدِهما غير مُتعيِّن (5)؛ كما تَصوّرَه السَّكاكيُّ في الوضع -أَيْضًا (6).
واللفظان، أي: لفظ (الحقيقةِ) ولفظ (المجاز)، في مَعْنَييهما (7)
__________
(1) قوله: "منهما مجاز" غيرُ موجودٍ في أ.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(3) في أ: "حاصل" بدون العطف.
(4) في أ، ب: "ولذاك".
(5) في أ، ب: "معين".
(6) في أزيادة: "والمفهومان معًا عند السَّامع".
(7) هكذا -أيضًا- في ب، ف. وفي أ: "معناهما".
(2/684)

المذْكورين مجازان لُغويَّان لمكان التَّناسُب، إذ الحقيقةُ فعيلة من الحقِّ، بمعنى الفاعل، من حقَّ الشَّيءُ (1) يَحِقُّ، إذا وجبَ وثبتَ، أي: الثابتِ لثباتها في مَوْضعها الأَصلي، والموضوع له الأَوَّلي. أَوْ بمعنى المفعولِ من حقِّقتُ [الشّيء] (2) أُحِقّه، إذا أثبتّه، أي: المثبتِ، لكونها مُثبتةً في موضعها الأَصلي؛ غير منقولةٍ عنه إلى غيره.
ولَمَّا كانَ الفعيلُ الذي بمعنى المفعول مستويًا فيه المُذكرُ والمؤنّثُ؛ مُسْتغنيًا عن التَّاءِ- قال: والتَّاءُ لتقديرها، أي: لفظة الحقيقة. و (التَّاءُ لتقديرها) مُبتدأ وخبرٌ، قَبْل، أي: قبل التَّسْمِية، وإطلاقها على المَعنى الاصطلاحيِّ غير مُجْراةٍ على موصوفٍ، أي: غير مذكُور مَوْصُوفها، وهو: (الكَلِمة)، لأن الفعيلَ المفعُوليّ لا يستوي فيه المُذكّرُ والمؤنّثُ، إِلَّا إذا كان موصوفُه مذكورًا معه، نحو: (رجلٌ قتيلٌ، وامرأةٌ قتيلٌ). أمَّا إذا كان غير مذكورٍ فلا يستوي؛ بل يُذكّرُ للمُذكرِ، ويؤنّثُ للمؤنّثِ؛ نحو: (مررتُ بقتيلِ بني فُلان، وقتيلة بني فلانٍ)، وإذًا (3) هذا على تقديرِ كَوْنها بمعنى المفعولِ؛ فكأنه (4) قال: والتَّاءُ على هذا الوجهِ الأخيرِ المتّصلِ بحث التّاء به (5)؛ لأن على الوجه الأَوَّل لا حاجة إلى هذا التَّوجيه للزومُ كونها
__________
(1) كلمة "الشيء" ساقطة من ب.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(3) في الأصْل: "وإذ" والصَّواب من أ، ب.
(4) في أ؛ ب: "وكأنَّه".
(5) "به" سقطت من: أ.
(2/685)

مؤنّثة مُطْلقًا؛ لعدمِ استوائهما فيه، وإن كان لفظُ (1) المفتاح مُشْعرًا بكونه علّة للوجهين (2).
وقال الأصوليّون: التَّاء لنقلِ اللّفظِ من الوصفيّة إلى الاسميّة (3).
والمجازُ مَفْعَلٌ من الجوازِ؛ أي: العُبُور (4)؛ لأنّه [أي: اللفظ المجازيّ] (5) عَبَر عن معناه إلى غيره؛ فالمناسبةُ (6) مرعيّةٌ.
ولفظه (7) مُشعرٌ بأنَّهما مجازان بمرتبة.
__________
(1) في الأَصْل زيادة: "كلام". ولم أثبتها لتَمام السِّياق بدونها، ولعدم وجود فائدة في ذكرها.
(2) أي: حالة كونها بمعنى الفاعل؛ لأنّه يُذكر ويُؤنَّث سواء كان جاريًا على الموصوف كقولك: "رجل ظريف، وامرأة ظريفة"، أَوْ لا؛ كقولك: "رأيت ظريفًا، ومررتُ بظريفة". وحالة كونها لمعنى المفعول؛ لأَنَّه إذا أم يكن جاريًا على الوصوت فإنَّه يُذكر ويُؤنَّث؛ كما سبق أن بيَّنه الشَّارحُ.
أمّا لفظ السَّكاكيِّ لمشعر بذلك فهو قوله (المفتاح: 360): "وأمّا التَّاء فهو عندي للتَّأنيث في الوجهين، لتقديرِ لفظ الحقيقة قبل التَّسمية صفة مؤنث غير مجراة على الموصوف. وهو الكلمة".
(3) ومثاله قولهم: "مسألة غلوط" بغير تاء في الوصفيَّة؛ فإذا أُريد نقلها إلى الاسميَّة قيل: "مسألة غلوطة". وينظر قول الأصوليّين في: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول للشّوكانيّ: (1/ 62).
(4) هكذا -أيضًا- أُورد قولُه: "أي: العبور" في ف. وفي أورد ضمن كلام الشَّارح.
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأصْل. ومثبت من أ، ب.
(6) في ب: "والمناسبة".
(7) أي: لفظ المصنف.
(2/686)

لكن ذكر أهلُ الأصولِ: أن الحقيقةَ مجازٌ بثلاث مراتب؛ لأنّهم قالوا: الحقيقةُ بمعنى: الثابت، أَوْ المثبت، ثم نُقلَ إلى العَقْدِ المطابق، ثُمَّ إلى القولِ المطابق، ثمَّ إلى المعنى الاصطلاحيِّ.
والمجازُ مجاز (1) بمرتبتين؛ لأَنَّه مَفْعَلٌ من الجواز؛ بمعنى المصدرِ، أَوْ المكان، ثم نُقِل (2) إلى الفاعل؛ أي: الجَائِز، ثُمَّ نُقل إلى المَعْنى الاصطلاحيِّ.
واعلم: لَمَّا بَيَّن المناسبة بين اللفظين (3) ومَعْنييهما، وكان محل أن تَلتبس المناسبة بالوصفِ؛ أَراد أن يبيّنَ أن المناسبةَ غيرُ الوصفِ؛ أي: الاسم الموضوع للشَّيءِ لمناسبة؛ كالأحمر [إذا سُمِّي به إنسانٌ لحمرته غير الاسم الّذي هو الوصفْ كالأحمر] (4) الذي يُوصف به ذو الحُمرةِ.
فالمناسبةُ تصحّحُ الوَضْع؛ أي: اعتبار المعنى في التَّسميةِ لتَصْحيح الوضع، وتَرْجيح ذَلك الاسْم على غيره (5) حال الوضع.
والوَصْفُ يصحِّحُ الإِطْلاقَ؛ أَيْ: اعتبار المَعْنى في (6) الوصفِ لصحّة إطلاقه عليه.
وَلهذا يُشترطُ بقاءُ المعنى في الوَصف دون التَّسمية؛ فإذا (7) زالتِ
__________
(1) كلمة: "مجاز" ساقطة من ب.
(2) كلمة: "نقل"، ساقطة من ب.
(3) أي: لفظي الحقيقة والمجاز.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ويبدو أنه من انتقال النظر. ومثبتٌ من أ، ب.
(5) في أ: "غير".
(6) قوله: "التّسمية ... المعنى في "ساقط من ب. وهو من انتقال النّظر.
(7) في أ، ب: "وإذا".
(2/687)

الحُمْرة زال وصْفُه بها، ولَمْ تزل تَسْمِيتُه (1) ب"أَحمر". والغرضُ أَنَّ اعْتبار المعنيين المَذْكورين في اللفْظَين ليس لصحَّة تسمِيتهما بِهما، وإطلاقِهما عليهما؛ بل لترجيح تَسْميتهما (2) [على تسميتهما] (3) بغيرِهما (4) من الأَسماء.
فاعتبر ما قُلنا بالقارُورةِ؛ فإنَّها لمناسبة اسْتقرارِ الشَّيء فيها وضعت لتلك الزُّجاجةِ المخصُوصة (5)، ورُجِّح ذلك الاسمُ إطلاقًا عليها لأَجْلها؛ ولهذا لم يُزل عنها اسمُها لو لم يكن شيءٌ فيها مُسْتقرًّا، ولم يصِحّ إطلاقُها على الدَّنِّ (6) -مثلًا، وإِن استقرَّ فيه الشَّيءُ؛ بخلافِ ما لو كانت وصْفًا.
وبالجنِّ؛ فإنّه لاسْتِتاره واجتنانه عن النَّظرِ وُضع لذلك النَّوع؛ ولهذا لم يُزل عنه ذلك الاسمُ، على تقديرِ عدم الاجتنانِ، ولم يصحّ إطلاقُه على الملَك؛ وإن كان مُجْتنًّا عن النَّظرِ (7).
__________
(1) في ب: "التسمية".
(2) قوله: "وإطلاقهما ... تسميتهما" غيرُ موجودٍ في أ.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ويبدو أنه من انتقال النظر. ومثبت من أ، ب.
(4) في أ: "لغيرهما".
(5) كلمة: "المخصوصة" ساقطة من أ.
(6) الدَّن: إناءُ خزفٍ مستطيل مُقيَّر؛ له عُسْعُسٌ لا يقعد إلّا أن يُحفر له. ينظر: اللِّسان (دنن): (13/ 159)، والقاموس المحيط (دنن): (1545).
(7) عبارة: "وضع ... النّظر" ساقطة من ب، ويبدو أنها من انتقال النّظر.
(2/688)

ونحوهما؛ كالْمُرعَّثِ (1)، وتأبَّطَ شَرًّا (2)، والدَّبَران (3)، والعيُّوق (4).
ولقد عبّرَ الأستاذُ عن المسألةِ، بعبارةٍ في غاية الحسنِ (5)؛ في شرحه
__________
(1) لقب أطلق على الشَّاعر الضَّرير بشار بن برد للبسه في الصّغر رعاثًا (جمع رعثة)، وهي: الحلق. ينظر: سير أعلام النّبلاء: (7/ 24).
فصحّ إطلاقه عليه في جميع أحواله. ولم يصحّ إطلاقه على غيره ممّن اتَّخذ رعثة مثله.
(2) لقب أطلق على أبي زهير؛ ثابت بن جابر الفهمي شاعر جاهلي؛ لأنه أخذ سيفًا أَوْ سكينًا تحت أبطه وخرج. فقيل: تأبَّط شرًّا وخرج. (ينظر سبب التسمية وترجمة الشّاعر في: الأعلام: 2/ 97).
فصحّ إطلاقه عليه في جميع أحواله، ولم يصحّ إطلاقه على كل من تأبط سيفا مثله.
(3) الدَّبَران: اسم لنجمٍ يدبر الثُّريّا، سمّي دبرانًا لأنه يتبع الثُّريّا. (اللِّسان: (دبر): (4/ 271).
فصحّ إطلاقه عليه في جميع أحواله. ولم يصحّ إطلاقه على كلِّ شيء وقع خلف شئ آخر.
(4) العَيُّوقُ: اسم لكوكب أحمر مضئ بحيال الثُّريا في ناحية الشّمال، ويطلع قبل الجوزاء. سُمّي بذلك لأنَّه يعوق الدّبران عن لقاء الثّريّا. اللِّسان (عوق): (10/ 280).
فصحّ إطلاقه عليه. ولم يصحّ إطلاقه على كلّ شيء عاق عن شيء مثله.
قال سيبويه موضحًا هذا المعنى بعد إيراده كلمتي: الدّبران، والعيوق (الكتاب: 2/ 102): "فإن قال قائل: أيقال لكلِّ شيء صار خلف شيءٍ دَبَران، ولكلِّ شيء عاق عن شيء عيُّوق ... فإنك قائل له: لا ... ".
(5) هكذا في الأَصْل. وفي أ، ب.
(2/689)

لمختصرِ (1) ابن الحاجبِ (2)؛ وهي: أن وُجود المعنى [في] (3) محلِّ التّسميةِ قد يُعْتبر من حيثُ إنَّه مُصَحِّحٌ للتَّسميةِ مُرجِّحٌ لها من بين الأسماء؛ من غير دخُوله في التَّسميةِ. والمراد: ذاتٌ مخصوصةٌ فيها المعنى؛ لا من حيث هو فيه؛ بل باعتبار خصوصها؛ وهذا لا يطردُ، وقد يعتبر من حيثُ إنّه داخلٌ في التَّسمية؛ والمرادُ: ذاتٌ ما باعتبار نسبة له إليها؛ وهذا يطرد في كلِّ ذاتٍ كذلك.
وحاصلُه: الفرْقُ بين تسمية الغيرِ لوجوده فيه، أَوْ بوجوده فيه (4).
لا تَزِلَّ (5)، فإنَّه مزلةٌ للأقدام، مضلَّةٌ للأفهام، فإن (6) كثيرًا إذا سمعوا قولَ القائل: وُضِع هذا الاسمُ لهذا المعنى بهذه المُناسبةِ، ظنَّ أنَّه قال: إن هذا الاسمَ (7) صفةٌ.
__________
(1) في أ، ب: "مختصر".
(2) في أ، ب زيادة: "رحمه الله".
(3) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(4) ينظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (ضمن عدّة حواشي على شرح العضد): (1/ 175).
(5) "لا تزلّ" جواب الأمر المتقدّم، وهو قوله: "فاعتبر".
(6) في أ: "وان".
(7) في أزيادة: "لهذا المعنى بهذه المناسبة إلى" والمعنى تام بدونها. ويبدو أَنها تكرار من انتقال النَّظر. وفي ب سقطت جملة: "لهذا المعنى ... الاسم" وهي نقص من انتقال النَّظر -أيضًا-.
(2/690)

ثُمَّ اللّفظُ بعد الوضع، وقبل الاستعمالِ ليس حقيقةً، ولا مجازًا (1).
ولا بُدَّ في المجاز من تصَرُّفٍ، إذ ما لم يتصرَّفْ نوع تصرُّفٍ؛ بل يُستعمل كما يقتضيه وضع اللّغةِ والعقل لا يكون مجازًا؛ بل حقيقةً.
وذلك التَّصرف [إمَّا] (2) في لفظ أَوْ معنى؛ وكلُّ واحدٍ منهما إِمَّا بزيادةٍ أَوْ نقصانٍ أَوْ نقلٍ؛ والنَّقلُ لمفردٍ (3) أَوْ لتركيب؛ فهذه ثمانيةُ أقسام، الحاصلة من مسطح ضرب الإِثنين؛ أي: التَّصرّف اللفظي، والتصّرُّف المعنويّ؛ في الأربعةِ: الزِّيادة، والنُّقصان، والنَّقلِ الإفراديِّ، والنَّقل التَّركيبيِّ؛ فتكونُ أربعةً في اللفظِ، وأربعةً في المعنى، والمصنِّفُ غَيَّر وضع المفتاح في هذا البابِ تقريبًا إلى الضَّبط (4)؛ ولعمري إنَّه انضبط كما ضبط.

أمّا وجوهُ التصرُّفِ في اللّفظِ فأربعةٌ:
الأَول: تصرُّفٌ بالنُقصانِ، نحو: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (5)؛ أي: أهلها.
__________
(1) وذلك؛ لأَن الحقيقة إثبات للكلمة في معناها الأَصْليّ، وإطلاق للّفظ وإرادة معناه، والمجاز إخراج للكلمة عن معناها الأَصْليّ إلى معنى آخر، وإطلاق للّفظ وإرادة معنى معناه -كما تقدَّم-، وكلاهما لا يوجدان قبل الاستعمال.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأصْل. ومثبتٌ من أ، ب.
(3) هكذا -أيضًا- في ب، ف. وفي أ: "بمفرد".
(4) في الأَصْل، ب: "اللفظ" ولا وجه له. والصَّواب من أ. وينظر وضع المفتاح في هذا الباب الذي غيّره المصنِّفُ ص (362 - 365).
(5) سورة يوسف، من الآية: 82.
(2/691)

الثاني: مجازٌ بالزِّيادة؛ نحو: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (1)؛ فإن الأَصلَ: ليسَ مثْله شيء؛ بزيادة الكاف، ونُقل في لبابِ الإعرابِ القولَ بزيادةِ المثل (2)؛ وعلى القَوْلين يصحُّ (3) مثالًا للمجازِ بالزِّيادة. على أَنَّ الأَشبه بالحقِّ: عدمُ كون الزِّيادة، وجَعْلَه؛ أي: الكلام مَسُوقًا لنفي مَنْ يُشبه أَنْ يكون مثلًا فضلًا عن المثل حقيقةً؛ وهذا مِمَّا زاد [المصنِّف] (4) على المفتاح، مخترعًا من تِلقاءِ نَفْسِه.
وقال الزَّمخشريُّ في الكشَّافِ (5): "قالوا: مثْلُك لا يبخل؛ فَنَفوا البُخْلَ عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته؛ قصدوا المبالغةَ في ذلك؛ فسلكوا به طريق الكنايةِ؛ لأنّهم إذا نفوه عمّن يسدُّ مسدَّه، وعمّن هو على أخّصِّ أوصافه؛ فقد نفوه عنه؛ ... فإذا عُلم أنه من بابِ الكناية لم يَقَعْ فرقٌ بين قوله: (ليس كاللهِ شيءٌ) وبين قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} إلَّا ما تُعطيه الكنايةُ من فَائِدتها؛ وكأنهما عبارتان مُعْتقِبتان (6) على معنى واحد؛ وهو نفي المماثلةِ عن ذاتِه".
قال ابنُ الحاجبِ في المُنْتهى: قولهم: أُتي بالكافِ لنفي التَّشبيه؛ أي:
__________
(1) سورة الشورى، من الآية: 11.
(2) ينظر: لباب الإعراب لمحمّد الإسفرائيني: (156).
(3) في أ: "صحّ".
(4) ما بين المعقوفين غيرُ موجودٍ في الأَصْل، ب. ومثبت من أ.
(5) (4/ 217 - 218).
(6) هكذا -أيضًا- في ب، مصدر القول. وفي أ: "حقيقيّتان" ولا وجه له.
(2/692)

أتى بها لأن الآية مسوقةٌ لنفي التَّشبيه، أي: إثبات التَّتريه لا لنفي الشّريكِ، أي: إثبات التَّوحيد كما هو المتبادرُ إلى الذِّهن -غلطٌ؛ إذْ يصير المعنى: ليس مِثْلَ مثله شيءٌ؛ فَيَتناقض؛ لأنَّه -تعالى- مثل مثله؛ فيلزم نفي ذاتِه مع ظهور إثبات مثله؛ المُسْتلزم لإثبات ذاتِه (1). والمغلّطُ غالطٌ؛ لأن نفي مثل المثل إِنَّما هو بِنَفْي المِثْل؛ لا بنفي مِثل المِثل (2)، لئلّا يلزم التَّناقض؛ فهو تصريحٌ ينفي التَّشبيه؛ مستلزمٌ لنفي الشَّريك. ولا نُسلِّمُ ظهورَه في إثبات مثله، بل قاطعٌ في نفيه لدفع لزوم التَّناقُض -كما ذكرنا.
والأشبهُ بالحقِّ من بين الثلاثِ ما قال الأستاذُ: أنَّه أشبه بالحقِّ؛ وهو أنَّه للتَّوحيد، والتَّوجيهُ التَّوجيهُ:
إِذَا قَالتْ حَذَامِ (3) فَصَدِّقُوهَا ... فَإِن القَوْلَ مَا قَالتْ حَذَامِ (4).
__________
(1) منتهى السّؤل والأمل: (23) بتصرّفٍ بالزِّيادة للإيضاح.
(2) في ب: "المثل مثل" ولا وجه له.
(3) حذام: هي حذام بنت الرَّيّان؛ جاهليّة يمانيّة يضرب بها المثل في صدق الخبر، وهي زوج قائل البيت.
ينظر: مجمع الأمثال: (2/ 499)، الأعلام: (2/ 171)، أعلام النّساء في عالمى
العرب والإسلام: (1/ 252).
وقيل: إنها حذام بنت العتيك بن أسلم (تاج العروس من جواهر القاموس للزّبيدي: (8/ 239) ط. دار مكتبة الحياة).
والّذي عليه الأدباء أنّها زرقاء اليمامة، وهي امرأة من بنات لقمان بن عاد (ينظر: ما قاله محيي الدّين عبد الحميد في تعليقه على البيت في شرح ابن عقيل (1/ 102).
(4) البيت من الوافر. =
(2/693)

وقد جَعَلهُما؛ أي: المجاز بالزِّيادة والمجازَ بالنُّقصان، القدماءُ مجازًا في حكمِ الكلمةِ؛ أي: إعرابها (1)؛ وهو فيما يَكْتسي الكلمة حركة لأجل حذفِ كلمةٍ لا بدَّ من معناها، أَوْ لأَجل إثباتِ كلمةٍ مُسْتغنى عنها استغناءً واضحًا، إذ الأصل جَرُّ {الْقَريةَ} (2) بإضافة (الأَهل) إليها،
__________
= وجرى هذا البيت مجرى المثل؛ فصار يضرب لكلِّ من يعتدّ بكلامه ولا يلتفت إلى مقال غيره معه (ينظر: معجم الأمثال: 2/ 499 - 500)، وفي هذا المعنى جاء به الشارح. ومراده: إن كلام المصنّف هو القول السديد الذي ينبغي أن لا يلتفت إلى ما سواه.
ونسب بعضهم هذا الشّاهد لوشيم بن طارق أحد شعراء الجاهليّة. (ينظر: لسان العرب: 2/ 93). والصَّواب: أنه للُجَيم بن صعب والد حنيفة وعجل.
ينظر: مجمع الأمثال: (2/ 499)، والعقد الفريد: (3/ 363)، وشرح التّصريح على التوضيح للأزهريّ: (2/ 225)، وشرح شواهد المغني لعبد الرّحمن بن الكمال السّيوطيّ: (2/ 596)، ولسان العرب (رقش): (6/ 306).
(1) هكذا في الأَصْل. وفي أ: "أعرابيًّا". وفي ب: "إعرابهما".
ومن أولئك القدماء الذين أشار إليهم المصنف سيبويه في الكتاب: (1/ 212)، ابن جنِّي في الخصائص: (2/ 447)، والفرَّاء في معاني القرآن (86)، والآمدي في الموازنة: (1/ 174).
وعليه فإنّ الكلمة كما توصف بالمجاز لنقلها عن معناها الأَصْليّ إلى غيره -توصف بالمجاز لنقلها عن إعرابها الأَصْلي إلى غيره سواء بالزيادة أوْ النُّقصان.
(2) في قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}.
(2/694)

والنَّصبُ مجازٌ، وإذ الأصل نصبُ (المثل) (1) بحذف (الكاف)، والجرُّ مجازٌ.
وقد جعلَ السَّكاكيُّ هذا النَّوعَ من المُلحق بالمجازِ، لِمَا بَيْنَهما من المُشَابهة، وهو اشتراكها في التَّعدِّي عن الأَصْل إلى غيرِ أَصل، فكما (2) أن الأصلَ في الأسد الحيوانُ المفترس، وقد عُدِّي به عنه إلى غيره، وهو [الشّجاعُ؛ كذلك الأصلُ في {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} وقد عُدِّي به عنه إلى غيره، وهو] (3) النّصب. لا منه، أي: من [الملحق بالمجاز] (4) لا من المجاز (5).
وأنتَ تعلمُ (6) الحال إذا قُلْتَ: (عليك بسؤالِ القَريةِ) فإِنَّه لا يُعتبرُ التَّعدِّي في حكمِ الكَلمةِ وإِعرابها، إذ القريةُ على تقدير ذكرِ الأهل على هذا الوجه -أيضًا- مجرورٌ. أَوْ إذا قلتَ (7): (ما من شيء كمثله)، على أن تكون (كمثله) صفةً لشيءٍ، وخبرُ (ما) محذوفًا (8)، أي:
__________
(1) في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
(2) في ب: "وكما".
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل، ويبدو أنّه من انتقال النّظر. ومثبتٌ من أ، ب.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل، ويبدو أنّه من انتقال النّظر. ومثبتٌ من أ، ب.
(5) ينظر رأي السَّكاكيّ في هذا النّوع في المفتاح: (392).
(6) هكذا -أيضًا- في ب، ف. وفي أزيد كلمة "حقيقة" ضمن كلام المصنّف.
(7) قول الشارح: "أَوْ إذا قلت" ورد ضمن كلام المصنّف في أ.
(8) في الأصل: "محذوف". والصّواب من: أ، ب.
(2/695)

موجودًا (1)، فإنَّه لا يُعتبر التَّعدّي في إعراب مثله على تقديري (2) وجودِ الكافِ وعدمِه.
ثم النقلُ فِيهما بِيِّنٌ ظاهرٌ، من سؤالِ القَرية إلى سُؤال أَهْلها، فإنَّه أطلق اللَّفظَ الدَّالَّ على سؤالِ القريةِ وأرادَ سؤال أهلِها. ومن نَفْي مِثْل المِثْل إلى نفي المِثْل؛ فَهُما مجازان؛ ولا فرْق بينهما وبين ما غَيَّر الإعرابُ فيهما في المعنى، وأنَّهما من نوع واحدٍ بحسب التَّصرّفِ، فكيف يكون (3) أحدُهما مجازًا في الإعراب، أَوْ مُلْحقًا به دون الآخر؟!.
وهذا ردٌّ أورده المصنِّفُ عليهم (4) وتحكمهم (5) إلزامًا لهم.
الثّالثُ من وجوهِ التَّصرُّفِ، وهو: ما يسمِّيه السَّكاكي ب: "المجاز (6) اللّغويِّ الرَّاجع إلى المعنى، المفيدِ الخالي عن المبالغةِ فِي التَّشبيه":
التَّصرّفُ بالنَّقل لمفردٍ (7)، وهو: إطلاقُ لفظِ الشّيءِ لمتعلّقه، أي: لما يتعلّقُ بذلك الشّيء بوجهٍ من الوجوه.
__________
(1) في الأصل: "موجود". والصّواب من: أ، ب.
(2) في الأَصْل: "تقدير". والمثبت من أ، ب.
(3) هكذا في الأَصْل. وفي أ، ب: "يجعل" والمعنى واحد.
(4) أي: على القدماء؛ الّذين يرون أنه مجاز في حكم الكلمة. والسّكّاكي الّذي يرى أنه ملحق بالمجاز لا منه.
(5) في الأَصْل: "وتحكم" والصَّواب من أ، ب.
(6) المفتاح: (365).
(7) هكذا -أيضًا- في ب، ف. وفي: أ: "بمفرد".
(2/696)

كاليد، وهي موضوعةٌ للجارحة المخصوصة، تطلقُ: للقدرةِ أَوْ النِّعمةِ، لأنها -أي: اليد- مَظْهَرَهُما (1) -أي: القدرة، والنِّعمة-؛ فإن القُدْرة أكثرُ ما يَظْهرُ سلطانُها في اليدِ، وبها يكونُ (2) البطْش، والضَّرب، والوضع، والرَّفع، وأنَّ النِّعمة (3) تصدر عن اليدِ، ومن اليد تصلُ إلى المُنْعَمِ عليه.
والراوية، وهي: اسمٌ للبعير الذي (4) يحملُ المزادة، أي: الطرف الذي يُجْعَل فيه الزّادُ (5)، للمزادة، لأنها، أي: الرَّاوية، حاملها؛ أي: المزادة، وهو التَّعلُّق الحاصلُ بَيْنهما (6).
__________
(1) مَظهرهما: يحتمل أن تكون بضمِّ الميم على اعتبار أنَّها اسم فاعل؛ فالعلاقة السَّببيَّة. ويحتمل أن تكون بفتح الميم على اعتبار أنَّها اسم مكان فالعلاقة المحليَّة؛ لأَن اليدَ يمكن أن تعتبر بمنْزلة المحل بالنّسبة إليها.
(2) قوله: "وبها يكون" تكرّر في الأَصْل.
(3) في ب: "القدرة" ويخطئها السِّياق بعدها.
(4) في الأَصْل: "التي" والصَّواب من أ، ب.
(5) الزّاد: هو الطعام الذي يتَّخذ للسَّفر والحضر، والظَّرف الَّذي يوضع فيه هو المِزْوَدُ، وجمعه مزاود (ينظر: اللِّسان (زيد): 3/ 198 - 199).
والّذي يبدو لي أنّ المزادة التي يصحّ إطلاق اسم الرّاوية عليها هي الظّرفُ الذي يحمل فيه الماء خاصّة؛ لِمَا في الراوية من معاني مرتبطة بالماء؛ كالرّواء وهو الكثير، أَوْ الرّي، وهو ضدّ العطش (ينظر: اللِّسان "روي": 14/ 345)، ويؤيّد هذا قول ابن سيده في المخصّص (. . .): والمزادة: الّتي يحمل فيها الماء وهي ما فُئم (وسّع) بجلد ثالث بين الجلدين ليتسع، سمّيت بذلك لمكان الزّيادة.
(6) ويسمَّى هذا التَّعلُّق ب"الحامليَّة".
(2/697)

والحَفض -بالحاء المهملة وتحريكِ الفاء-: متاعُ البيتِ إذا هُيِّءَ ليُحمل [يطلَق] (1) للبعير لمثله؛ أي: لمِثل المذكورِ، وهو أنها (2) حاملُها (3)؛ فالعلاقَةُ في الصُورتين الحَمْل؛ لكن هذا في الإطلاق بعكس ذلك، لأنَّه إطلاقٌ لاسم المحمولِ على الحاملِ (4). وليْت شعري كيفَ جعله السَّكاكيُّ من المجازِ؛ والحفضُ جاء -أيضًا- حقيقةً للبعير الحاملِ للمتاع (5)؟!، قال [في] الصِّحاح (6): "الحفضُ -بالتَّحريكِ-: البعيرُ الذي يحمل خُرْثِيَّ (7) البيتِ".
والعين للرَّبِيئةِ؛ أي: الطَّلِيعة، وهي الذي يَرْبَأ القومَ؛ أي: يَرْقُبُهم. لأَنَّها؛ أي: العين المقصودُ منه؛ من الرَّبيئة؛ فصارت كأنَّها الشَّخص كُلّه (8).
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(2) أي: الخفض.
(3) أي: البعير.
(4) ويسمَّى هذا التَّعلُّق ب"المحموليَّة".
(5) وهذه التّسمية -في نظري- ليست مسوغًا كافيًا في التُّعجُّب من صنيع السَّكاكيِّ؛ إذ لا يمتنع أن تكون تلك التّسمية من قبيل المجاز؛ لمكان المجاورة. ثم إِن لفظة (الخفض) -على أقلِّ تقدير- من قبيل المشترك اللفظي لورودها مرَّةً للبعير وأخرى للمتاع. واستعمالها في أحد المعنيين يحتاج إلى قرينة معيَّنة للمراد ولم توجد.
(6) (3/ 901).
(7) الخُرْثيُّ: متاعُ البيتِ وأثاثُه. اللِّسان (خرث): (2/ 145).
(8) ويسمَّى هذا التَّعلُق ب"الجزئيَّة".
(2/698)

ورَعَينا غَيثًا؛ أي: نبْتًا، لأَنَّه؛ أي: النَّبت مُسَبِّبه؛ أي: الغَيث (1).
وأَصابتنا السَّماءُ، أي: الغيث؛ لكونِه؛ أي: الغيث من جِهَتِها؛ أي: السَّمَاء (2).
وأَمْطرت السَّماءُ نباتًا؛ أي: غيثًا، لأنَّه؛ الغيثَ سَببُه، أي: النَّبات؛ إِطْلاقًا لاسم المُسبَّبِ للسَّبب (3)؛ عَكْس الأولى (4).
ومنه؛ أي: من إطلاق المُسبَّب للسَّبب؛ لكن بمرتبتين؛ قولهم (5):
أَسنِمةُ -جمعُ: السَّنام- الآبالِ (6) في سَحَابةٌ.
لأن السَّنام مُسبَّبُ النَّباتِ (7)، والنَّبات مُسبَّبُ الغيث (8).
__________
(1) ويسمّى هذا التَّعلُّق ب"السّببيّة".
(2) ويسمّى هذا التَّعلُق ب"المجاورة".
(3) في ب: "على السَّبب".
(4) في أ: "الأَوَّل".
ويسمّى هذا التَّعلق ب"المسببيّة".
(5) عجز بيت من الرّجز. وسيأتي صدره قريبًا، أورده المبرّد في الكامل: (3/ 91) برواية: "أسنمة الآمال، لأحد الرجّاز يصف غيمًا. كما ورد في الكشّاف: (3/ 557).
ورواية الشّطر قبله: "كأَنَّما الوابل في مصابه"، وقبله: "أقبل كالمستنّ من ربابه".
واستُشهد به في المفتاح: (365)، والمصباح: (124)، والإيضاح: (5/ 29).
(6) الآبال: جمع إبل.
(7) وهذه هي المرتبة الأولى.
(8) وهي المرتبة الثانية.
(2/699)

وأوله:
أقبلَ في المسْتَنِّ (1) من رَبَابِه (2).
وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} (3)؛ أي: يملأونها (4)؛ يقالُ: أَكل في بطنه؛ إِذا ملأَه نارًا؛ لأنَّ أكلَ أموالِ اليتامى سببٌ للنَّار.
وقوله -تعالى-: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} (5)؛ أي: أردت قراءة القرآن لكون القراءةِ مُسبّبةً عن إرداتها. وحُمِل على المجازِ؛ لأن الفاءَ تدلّ على تعقُّب الاستعاذة عنها؛ لكنّها مُتقدِّمةٌ عليها؛ كما عليه العملُ والسُّنَّةُ المستفيضةُ، وإذا حُمل على الإرادة فتعقّب الاستعاذةِ عنها ظاهرٌ.
وقوله (6): {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَال رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} (7)؛ أي
__________
(1) في أ: "المسنّ" وهو تحريف بالنَّقص.
والمستنُّ: موضعُ جريان الغيثِ المنهمر، من قولهم: "استنّ الفرس" إذا جرى في نشاط على سننه في جهة واحدة. ينظر: اللِّسان (سنن): (13/ 229).
(2) الرَّباب: السَّحاب. اللِّسان (ربب): (1/ 402).
(3) سورة النّساء؛ من الآية: 10.
(4) في ب: يمدّونها، وفيه تحريف وتصحيف.
(5) سورة النَّحل؛ من الآية: 98. وتمامها: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.
(6) كلمة: "وقوله" ساقطة من أ، ب.
(7) سورة هود؛ من الآية: 45.
(2/700)

: أرادَ نداء ربِّه بقرينة: {فَقَال}، فإن قوله: {رَبِّ} هو النِّداءُ؛ فلو لَمْ يُحمل على (أراد) لزِم تأخُّرُ الشَّيءِ عن نفسه.
وقوله: {وَكَم مِّن قَريةٍ أَهْلَكْنَاها فَجَآَءها بَأْسُنَا} (1)؛ أي: الإهلاك؛ أي: أردنا إهلاكها؛ وإلَّا يلزمُ تأخيرُ الإهلاك (2) عن الإِهْلاك (3).
وقوله -تعالى-: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} (4)؛ أي: ما دعاك إلى أن لا تسجُد؛ لأَن الصَّارفَ عن الشَّيءِ داعٍ إلى تَركهِ، فمشتركان في كونهما من أسبابِ عدمِ الفعل، فتكون (لا) على هذا الوجه غيرَ زائدةٍ؛ كما قال في الكَشَّاف: إِنَّها زائدةٌ (5).
وقال الأُسْتاذُ: الحملُ على أن التَّقديرَ: ما منعك في أن لا تسجد؛
__________
(1) سورة الأعراف؛ من الآية: 4.
(2) المدلول عليه بقوله: {أهْلَكنَاها}.
(3) في الأَصل: "الهلاك" والمثبت من أ، ب. وهو الأَولى حتَّى لا يتصوّر التغاير بينهما.
وهذا الإهلاك هو المدلول عليه بقوله: {فَجَآءها بَأسُنَا}.
على أن طاش كبرى زاده أورد للآيتين الأخيرتين توجيهات أخر؛ تخرجهما من باب المجاز؛ قال (شرح الفوائد الغياثية / 227): "ويمكن أن تكون الفاء في الآيتين لمجرد التَّرتيب في الذكر؛ فحينئذ لا مجاز فيهما، ونظائر هذه كتيرة في القرآن، وكذا يصحّ أن يكون الإتيان من ذكر تفصيل الشَّيء بعد إجماله، ومن إطلاق المسيَّب وإرادة السَّبب".
(4) سورة الأعراف؛ من الآية: 12.
(5) ينظر: الكشّاف: (2/ 86).
(2/701)

مع إبقاءِ المنع على أَصلِه وعدم زيادتها أَوْلَى؛ لأَن حذفَ حرفِ الجرّ مع (أن) كثيرٌ مستمرٌّ كثرة لا يصلُ المجازُ والزِّيادةُ (1) درجتَها (2).
والقرآنُ مملوء منه؛ من المجاز؛ كما تشهد بذلك (3) الآياتُ المذكورة؛ فلا تَلْتَفت إلى قول من يَنْفيه؛ أي: المجاز، فيه؛ في القرآن؛ وهم الظاهريَّة، كان مَبْنى وهمه، أي: وهمِ النّافي:
إمَّا عدمُ جوازِ إطلاقِ اسمِ المتجوِّز على الله -تعالى-. ولكن (4) ذلك، أي: عدم الإطلاق لِوَجْهين: لعدم التوقف، فإنّ أسماءَ الله -تعالى-[الحسنى] (5) توقيفيّة. أَوْ لإيهامه، أَيْ: إطلاق التَّجوّز عليه -تعالى- التَّوسُّعَ فيما لا ينبغي، يقالُ: فلانٌ متجوِّز، أي: متوسِّع فيما لا ينبغي.
وإمّا؛ قسيمٌ لقوله: (إِمَّا عدم)، كونه -المجاز- يوجبُ الإلباسَ؛ إذ لا يُعلمُ المرادُ عنه بالوضع وبذاتِه؛ ولكن (6) لا التباسَ (7) مع القرينةِ
__________
(1) في ب: "بالزِّيادة" وهو تحريف بالقلب.
(2) لم أقف على قول الأستاذ -فيما بين يديّ من مؤلّفاته- ولعلّه مما نقله عنه تلميذه.
(3) في أ، ب: "يشهد به لك" والمعنى متقارب.
(4) هكذا -أيضًا- في ف. والكلمة ساقطة من أ.
(5) ما بين المعقوفين غيرُ موجودٍ في الأصل. ومثبت من أ، ب.
(6) كلمة: "لكن" وردت ضمن كلام المصنّف في أ. وليست في ف.
(7) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، ب: "لا إلباس".
(2/702)

الدَّالّةِ على المرادِ.
وهذا من المزيداتِ على الأصلِ (1).
ومنه؛ من المجازِ بالنَّقل لمفردٍ: قولك للحَفَّارِ: (ضيِّق فمَ الركِيَّة)؛ وهي البئرُ، أي: توسعته (2)، المُتَوهم لك (3)؛ لأَنَّه إِنَّما يُقال ذلك للحفارِ ولَم يَشْرع بَعدُ في الحَفْر؛ فكان مُجرَّد مجوّز إرادة الحفّارِ التَّوسعةَ يُنَزله (4) منْزلةَ الواقع؛ فيأمره بتغْييره إلى الضّيق.
وإنّما فُصل عمَّا سبقه بلفظ (منه) لأنّه نوعٌ آخر منه.
وعشرةٌ إلّا ثلاثة؛ فإنها تُطلق للباقي من العشرةِ بعدَ الثلاثة، أي: للسَّبعة.
قال السَّكاكيُّ في [باب] (5) الاستدلالِ (6): "ولْنتكلم في فصلٍ كنّا أَخَّرناه لهذا الموضع، وهو بيان [حال] (7) المستثى منه؛ في كونه حقيقةً أَوْ مجازًا، فنقول: إِن أصحابنا في علم النَّحو حيث يصلّون الاستثناءَ بأنه: إخراجُ الشَّيءِ عن حُكْم دخل فيه غيرُه، ويعنون أنّ ذلك الإخراجَ يكونُ
__________
(1) أي: على ما ورد في المفتاح.
(2) في ب: "توسيعه". وزيد بعد هذا في الأَصْل: "من" والسِّياقُ تام بدونها.
(3) هكذا -أيضًا- وردت: "لك" في ف. وفي أ: لم ترد.
(4) في أ: "ينزل".
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب.
(6) المفتاح: (507 - 508).
(7) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب، مصدر القول.
(2/703)

بكلماتٍ مخصوصة يُعَيِّنونها، وأنك لتَعلم (1) أَن إخراج ما ليس بداخلٍ غيرُ صحيح؛ فيظهر لك من هذا (2) أنّ حقَّ المستثنى عندهم كونه داخلًا في حكم المستثنى منه، وأن قولهم: (لفلانٍ عليَّ عشرة دراهم إلّا واحدًا) يستدعي دخولَ الواحدِ في حكمِ العشرة قبل (إلّا)؛ لكن دخُول الواحدِ في حكم العشرة متى قُدِّر من قبَل المتكَلِّم ناقضَ آخرُ الكلامِ أوّله؛ كما يشهد له (3) الحالُ، وقد سبق الكلامُ في التَّناقض؛ فيلزمُ تقدرُه من قبل السّامِع، وأَنْ يكونَ استعمالُ المُتكلم للعشرةِ مجازًا في التِّسْعةِ، وأن يكونَ قوله: (إلا واحدًا) قرينة المجازِ".
وفي هذه المسألةِ مذاهبُ، ولها حُجَجٌ ومعارضاتٌ، نقَّحَها الأستاذُ في شرح مختصر المنتهى (4).
الرّابع (5): بالنَّقل؛ أي: التَّصرّف بالنّقل لتركيبٍ نحو: (أنبتَ الرّبيعُ البقلَ)؛ أي: أنبت الله البقلَ في الرَّبيع، و (ليصنَع الدهرُ بي ما شاء مُجْتهدًا)؛ أي: ليصنَع الله بي (6) في الدَّهْر؛ إذا صدَر الكلامُ ممن لا
__________
(1) في الأصل: "تعلم" والمثبت من أ، ب، مصدر القول.
(2) الأصل: "ذلك "والمثبت من: أ، ب، مصدر القول.
(3) الأَصل: "به". وفي ب: "لك"، والصَّواب من أ، مصدر القول.
(4) ينظر: شرح العضد على المختصر (ضمن عدّة حواشي على شرح العضد): (2/ 132 - 144).
(5) أي: من وجوه التّصرف في اللفظ.
(6) "بي" ساقطة من ب.
(2/704)

يعتقده (1)؛ أي: ذلك القول كما قال؛ أي: حقيقةً واقعًا في نفس الأمر؛ حسبما أسند إلى ما أسند؛ أي: لا يعتقد أنَّ المنبتَ هو الرَّبيعُ، والصَّانع هو الدَّهرُ، وإِلَّا كان حقيقةً لا مَجَازًا. ولا يَدَّعِيه مبالغةً في التَّشبيه (2)، وإلّا صارَ حينئذٍ من الاستعارة بالكناية.
وهذا يُسَمّى: مجازًا في التَّركيب لأن مُفْرداتِه (3)؛ كلها مُبْقَاةٌ على حقيقتها، ومجازًا حُكميًّا؛ لتَعَلّقه بالحكمِ والإسنادِ.
وتَحقيقُه: إِن دلالةَ هيْئةِ التَّركيباتِ بالوضعِ؛ لا بالعقلِ؛ لاختلافها باللُّغاتِ؛ أي: بحسبِ اختلافِ اللُّغاتِ في تقدُّمِ الفاعل في بعض دون بعضٍ؛ كرامي الحجارة (وسنك اذراز) (4). وهذه الهيئة (5) وضعت لملابسةِ الفاعلِ؛ وإذا أُفيدَ بها ملابسةً غيرها (6)؛ أي: غير مُلابسةِ الفاعل كان مَجَازًا لُغَة؛ كما قاله الإمامُ عبد القاهرِ (7)؛ وأنه قال
__________
(1) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "ممن لا يعتقد".
(2) كأن يجعل تعلقهما بالدَّهر مشابه لتعلقهما بالفاعل الحقيقيّ؛ فيطلق التَّركيب الموضوع للمشبَّه به ويريدُ المشبّه.
(3) في الأَصل: "لا في مفرداته" والمثبت من أ، ب.
(4) جملة: "وسفك اذرار" ترجمة بالفارسيّة لقوله قبلها "رامي الحجارة".
(5) أي: هيئة التَّركيب في قوله: "أنبتَ الرَّبيع البقل" و"ليصنع الدَّهر بي ما شاء مجتهدًا".
(6) هكذا -أيضًا- في ف؛ على أنَّ الضمير عائدٌ إلى الملابسة. وفي أ: "غيره" على أنّ الضّمير عائد إلى الفاعل مباشرة.
(7) والحقُّ أن المتأمِّل في كلام الإمام عبد القاهر لا يفهم ما فهمَه المصنِّف هنا؛ بل كلام=
(2/705)

في موضع من دلائل الإعجازِ بكونه عقليًّا (1).
وملابسةُ غير الفاعلِ في الفعول؛ كقولهم: عيشةٌ راضيةٌ (2)؛ لأنها مرضيّة، وفي المصدر؛ نحو: (شِعرٌ شَاعرٍ)، وفي الزّمان، نحو: (نهارُهُ صائمٌ)، وفي المكان؛ نحو: (نهر جارٍ)، وفي السَّبب؛ نحو: (بن الأميرُ المدينة).
ومَن ظنَّ أن مثل: أنبتَ، وخَلَقَ، وأَحيَا، وأشاب، موضوعٌ للصُّدور عن القادر، واستعماله فيما له اختيارٌ وقدرةٌ؛ حتَّى إذا استعمل في غير القادرِ؛ هو: (أنبتَ الرَّبيعُ) يكون مجازًا- كذبة غيرُ وجه واحد؛ بل وجوهٌ كثيرةٌ (3)؛ كلزومِ النَّقلِ عن أحدٍ من رُواة اللّغة تقييده بأن وضعه لاستعماله في القادر له؛ لكن اللّازمَ مُنْتفٍ؛ وذلك دليلٌ في العُرفِ على الإطلاق. ولُزومِ كون المصادر- كقولنا: (فعلُ النَّارِ في كذا وكذا) - مجازًا؛ لأن التَّفاوُت بين الفعلِ والمصدَرِ ليس إلا بمجرّدِ الاقتران بالزَّمان (4). ولُزُوم كونِ (شغل الحيّز)؛ و (قبل العرض) موضوعًا
__________
= الشّيخ ظاهر في أنه من قبيل المجاز العقليِّ. ولعلّ المصنِّف -رحمه الله- أراد بقوله: "مجازًا لغة" مطلق التَّجوّز. ينظر: دلائل الإعجاز (408).
(1) ينظر: ص (408).
(2) في أ، وردت الجملة هكذا: "كقوله تعالى: {فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ} ".
(3) في ب: "كثر".
والعبارة ردّ على ابن الحاجب. ينظر رأيه في منتهى السّؤل: (21).
(4) وقد نقل هذا الدّليل أحدُ شرّاح الفوائد ثمّ اعترض عليه قائلًا (شرح الفوائد؛ خ. =
(2/706)

لاستعماله في غير القادر، لأنَّه ليس بالاختيار؛ كما أن نحو: (أنبت) ليس إلَّا بالاختيار، لكن ادِّعاء وجودِ اللازمين بمعزلٍ عن الإنصافِ.
وقيل (1)، والقائلُ الإمام الرّازيُّ (2): إنَّه (3) مجازٌ عَقْليٌّ لا لغويٌّ، إذْ أَثْبَتَ المتكلِّمُ حُكْمًا غير ما عنده، ليتصوّرَ فيُفهم عنه، عن غير ما عنده. ما عنده، أي: ينتقل الذِّهنُ من غير ما عنده (4) -أي: المجاز- إلى ما
__________
- ل / 200): "وفي هذا الوجه -وقد ذكره صاحب المفتاح- نظر؛ لأنّ الفرق بين مدلوليهما لا ينحصر فيما ذكر، بل نسبة الحدث إلى شيءٍ ما داخل أيضًا في مدلول الفعل دون مدلول المصدر على ما سيجيء في مباحث الاستعارة؛ لأَنَّه لو لم تكن النّسبة داخلة في مدلول الفعل لم يكن بين عَلِم وبين عِلْم في الماضي فرق معنى لكن بينهما فرق".
غير أنه -أي: الشّارح العترض- أعاد توجيه الدّليل مستدلا به على المراد من زاوية أخرى؛ فقال:
"فالأَوْلَى أن يقال: لا نسلم أنّ الفعل لو كان موضوعًا لصدوره عن القادر يلزم من إسناده إلى غير القادر أن يكون مجازًا، لأَن المسند إليه هو المحل المقوِّم للمصدر، لا الموجد له، وهو ظاهر. والفعل له ملابسات شتّى، تعَلُّقٌ بالموجد، وتعلّق بالقابل، وتعلُّق بكل ما هو معمول له، واستعمال الفعل فيه على وجهه حقيقة. وإنما يلزم كونه مجازًا لو أقيم المسند إليه مقام موجده وليس كذلك".
(1) هكذا -أيضًا- في ف بالعطف بالواو. وفي ب: "قيل".
(2) ينظر: نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز: (173 - 174).
(3) أي: نحو: "أنبت الرّبيع البقل". الصّادر عمن لا يعتقده ولا يدّعيه مبالغة.
(4) قوله: "ليتصوّر ... ما عنده" ساقط من ب. وهو من انتقال النّظر.
(2/707)

عنده -أي: الحقيقة-. ويتميّزُ هذا المجازُ عن الكذبِ بالقرينةِ؛ إذ الكاذبُ لا ينصبُ قرينةً على أنه ليس كذلك عنده.
[و] (1) قال، أي: السَّكاكيُّ، إنه استعارة بالكناية؛ كأنَّه، أي؛ المُتكلم، ادَّعى الرَّبيعَ فاعلًا حقيقيًّا، وتصوَّره بصورته، والقرينةُ إسنادُ ما هو من لوازم الفاعل الحقيقيِّ؛ أي: الإِنْبات إليه؛ وذلك للمبالغةِ في التَّشبيه (2).
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل. ومثبت من أ، ب، ف.
(2) بالرغم من أن السَّكاكي فصّل القول في المجاز وتقسيماته. مما قرره الإمام عبد القاهر الجرجاني، والفخر الرازيّ، والزمخشري، ممّن سبقه إلا أنه جاء في نهاية المطاف وختم حديثَه في هذا المبحث بقوله (مفتاح العلوم: 400):
"هذا كله تقرير للكلام في هذا الفصل بحسب رأي الأصحاب، من تقسيم المجاز إلى لغوي وعقليٍّ، وإلا فالّذي عندي هو نظم هذا القول في سلك الاستعارة بالكناية؛ بجعل الرَّبيع استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقيّ بوساطة المبالغة في التَّشبيه، على ما عليه مبني الاستعارة -كما عرفت- وجعل نسبة الإنبات إليه قرينة للاستعارة .. وإنني بناء على قولي ها هنا وقولي ... وقولي ... على ما سبق أجعل المجاز كلَّه لغويًّا".
ثم شرع في بيان تقسيمات جديدة تتفق ورأيه الَّذي ابتكره.
ومع أن بعض الدَّارسين المتأَخّرين اعتذر عن السَّكاكي في سلوكه هذا المنهج بأنَّه يهدف منه إلى تقليل الأقسام تسهيلًا على الدّارسين (ينظر: شرح الفوائد لطاش كبرى زاده: 355) إلا أنّ هذا لا يشفع له؛ لعدم جريه عليه في المباحث البلاغيَّة الأخرى؛ لما عرف به كتابه من التقسيمات والتّعريفات من ناحية، ولعدم صدق إجماله في هذا البحث بالذات من ناحية أخرى؛ حيث يؤخذ عليه أنه بناه على=
(2/708)

وابنُ الحاجبِ جعلَ المجازَ في (أَنْبت)، وقال: معناه: تَسبّب الرَّبيع عادة لإنبات البَقْل.
والمصنِّفُ ضَبَطَ المذاهبَ في شرح المختصر بقوله (1): "واعلم (2): أنَّهم قد اختلفوا في نحو: (أنبتَ الرَّبيعُ البقلَ)؛ لعدمِ كونِ الرَّبيع هُو الفاعلُ حقيقةً، فلا بُدَّ (3) من تأويلٍ في اللَّفظِ، أَوْ في المعنى؛ وإِلَّا لكانَ كذبًا. والتَّأويلُ في اللفظ إِمَّا في الإنباتِ، أَوْ في الرّبيع، أَوْ فِي التَّركيبِ؛ فهذه احتمالات أَرْبعة:
الأَوَّل: التَّأَويلُ في المعنى؛ وهو أنَّه أورده ليتصوّرَ فينتقل الذِّهنُ منه إلى إنبات الله -تعالى- فيه؛ فيصدق به، وهو قولُ الإمام الرَّازيِّ: إِن
__________
= مطلق المشابهة -أي: مشابهة- دون ملاحظة ما تختصّ به الاستعارة المكنية من وجوب تحقّق التَّشبيه فيها بين أمرين يلتقيان في أخصّ صفات المشبّه به. على خلاف ما عليه المجاز العقلي الذي يُكتفى فيه بعلاقات أخرى غير التّشبيه كالسّببيَّة والزمانية.
ينظر ما قاله أ. د. عبد الستَّار زَمُّوط، ردًّا على ترجيح الطّيبيّ رأي السَّكاكي المتقدّم في تحقيقه كتاب التّبيان: (404). وما قاله أ. د. محمد محمد أبو موسى في كتابه خصائص التّراكيب: (143)، حيث استمدّا ردّهما على السَّكاكيّ مِمَّا رَدَّ به الخطيب القزويني عليه في الإيضاح: (1/ 102).
(1) بتصرّف يسير: (1/ 155).
(2) هكذا -أيضًا- في مصدر القول. وفي ب: "وإذا علم".
(3) في الأَصل: "ولا بدّ"، والمثبت من: أ، ب، مصدر القول.
(2/709)

المجازَ عقليٌّ لا لغويّ.
الثاني: أن التَّأويلَ في (أَنْبت)، وهو للتسبّب (1) العادي؛ وإنْ كان وضعه للتَّسبّب (4) الحقيقي، وهو قول ابنُ الحاجب؛ صرَّح به في المنتهى.
الثّالثُ: أن التَّأويل في (الرَّبيع)، فإنَّه تُصُوِّر بصورة فاعل حقيقي؛ فأسند إليه ما يُسند إلى الفاعل الحقيقيّ، مثل فِعْلهم في قوله (2):
صبحنا الخَزْرَجيَّة مُرهفَاتٍ ... أَباد ذَوي أَرُومَتِها ذَوُوها.
حيثُ جعلوا (3) (المُرْهَفَات) شَرَابًا، وهو قولُ السَّكاكيِّ: إِنَّه من الاستعارة بالكنايةِ (4).
الرّابعُ: أن التأويلَ في التَّركيب، وهو أنَّ (5) كل هيئة تركيبيّةٍ وُضِعت بإزاءِ تأليفٍ معنويٍّ؛ وهذه وُضعت لملابسة (6) الفاعليّة، فإذا
__________
(1) الأَصل، أ: "التَّسبّب"، وفي ب: "السبب"، والصَّواب من مصدر القول.
(2) البيتُ من الوافر. وقائله كعب بن زهير. قاله ضمن قصيدة قالها بعد قتال دار بين مزينة والخزرج. ويُروى -أيضًا-: "أبان" مكان: "أباد".
ينظر البيت في شرح ديوان الشّاعر للسّكري: (112)، وشرح الحماسة للتّبريزيّ: (3/ 19). ط. عالم الكتب.
واستشهد به كاملًا في المفتاح في قسم النّحو: (132). وبشطره الأَوَّل في قسمي المعاني والبيان: (383).
(3) في ب: "جعل".
(4) ينظر ص: (384).
(5) "أن" ساقطة من ب.
(6) في أ: "بملابسة".
(2/710)

استُعملت لملابسةِ (1) الظَّرفيَّة أَوْ نحوها كان مجازًا؛ وذلك نحو: (صامَ نهارُه) (2) و (قامَ ليلُه)؛ وهذا مختارُ عبد القاهر".
وتوهّمَ صاحب الإيضاح ذهابَ السَّكاكيِّ إلى أنّ المراد ب (الرّبيع) الفاعلُ الحقيقيُّ حقيقةً؛ لا أنه متصوّرٌ بصورة فاعل حقيقيّ؛ فأوردَ عليه اعتراضات؛ حاصلُها:
أنَّه يَسْتلزم أن يكونَ المرادُ (بعيشةٍ) في قوله: {فَهُو فِي عِيشَةٍ رَّاضيَة} (3): صاحبَها -كما سيأتي- (4).
وأن لا تصحّ الإضافةُ في نحو: (نهارُه صائمٌ)؛ لبُطلانِ إضافةِ الشيءِ إلى نفسه (5).
وأن لا يكونَ الأمرُ بالبناءِ لهامان (6).
__________
(1) في أ: "بملابسة".
(2) في الأَصل: "نهاره صائم"، والصَّواب من أ، ب.
(3) سورة الحاقة؛ الآية: 21. وسورة القارعة؛ الآية: 7.
(4) مرادُه ب"كما سيأتي" ما سوف يرد من تفسير السَّكاكيِّ للاستعارة بالكناية؛ حيث فسرها بأن تذكر المشبّه، وتريد به المشبّه به. وعلى هذا التفسير يلزم أن تكون لفظة {عِيشَةٍ} في الآية الكريمة مشبّهًا أريد به المشبّه به؛ وهو (صاحب العيشة)؛ المدلول عليه بالسّياق. وهذا اللّازم ظاهر البطلان؛ لما يترتّب عليه من ظرفية الشّيء في نفسه.
(5) لأنّ المراد بالنّهار -على التّفسير المتقدّم-: فلان نفسه.
(6) أي: لا يكون الأمر الوارد في قوله تعالى حكاية عن فرعون لهامان: {يَاهامَانُ ابْنِ لِيْ صَرحًا} [غافر: 136] أمرًا موجهًا لهامان؛ بل لمأمور هامان مع أنّ =
(2/711)

وأن يتوقّفَ؛ نحو: (أنبتَ الرّبيعُ البقل) على السَّمع (1).
واللّوازمُ كلّها مُنْتَفية.
ولأنَّه يَنْتَقِضُ بنحو: (نهارُه صائم)، لاشتماله على ذكر طرفيَ التَّشبيه (2).
لكن لا ترِد (3) بعد تصوُّر كلامه (4): أنّ المراد بالرَّبيع: المُتَخيَّلُ بصورةِ فاعلٍ حقيقي حتَّى كأَنه فرد من جنس الفاعلين؛ لا أنه هو الفاعلُ
__________
= النّداء له، وهذا اللّازم ظاهر البطلان -أيضًا-؛ لئلا يلزم منه تعدّد المخاطب في كلام واحد.
(1) مراده: أنّ أسماء الله -سبحانه وتعالى- توقيفيّة؛ معلقٌ إطلاقها على الإذن الشرعيّ.
وعلى ما فهمه الخطيبُ من تفسير السّكاكيِّ يلزم إطلاق (الرّبيع) في قوله: (أنبت الرّبيع البقل) على الله تعالى. ولم يرد الشّرع به.
ولم يصرح الشّارح -رحمه الله- بإطلاق ذلك على الله -سبحانه وتعالى-، بانيًا عبارتَه على الإلماح- تأدّبًا، وترفعًا.
على أن حجَّة الخطيب هذه لا تلزمُ السَّكاكيَّ؛ لكونه معتزليًّا، والمعتزلة لا يعتقدون التّوقّف في أسماء الله تعالى.
(2) فإن (النّهار) لا يجوز استعارة بالكناية عن فلان؛ المدلول على وجوده بالضّمير المتّصل في (نهاره)؛ لأنّ الاستعارة لا تتحقق مع وجود طرفي التشبيه.
(3) أي: اعتراضات الخطيب.
وفي ب: "لكن يراد" وهو خطأ ظاهر.
(4) أي: السَّكاكيّ.
(2/712)

الحقيقيُّ بعينه؛ أي: الله -تعالى-. ولفظه -حيثُ قال (1): "المنيَّة تدخل في جنس السِّباع لأجل المبالغة في التَّشبيه"- صريحٌ به.
والحاصلُ منه: الفرقُ بين المفهومِ وما صدقَ عليه؛ فتقول: المرادُ (بعيشة): أمر متخيّل (2) بصورة من يصحّ له الرِّضا وعدمه؛ لا صاحبها؛ حتَّى لا يصحّ. و (النَّهار) مُتخيّل بصورة صوّامٍ، مبالغةً في التَّشبيه، وهو المراد منه، لا زيدٌ بعينه، حتَّى يكون إضافة الشَّيءِ إلى نفسه. و (هامان) متصوّرٌ بصورة فردٍ من جنس البُناةِ، فيكون الأمرُ له لا لغيره. والمراد ب (الرّبيع) مُتصوّر (3) بفاعل حقيقيّ لا الفاعلِ الحقيقيّ الذي هو الله- تعالى، وإن لم يكن في الواقع إلّا هو، حتَّى يُتوقّف على السّمع. والمرادُ ب (النّهار) إذا كان أمرًا يُتخيّل بصورة صَوَّام؛ فلا يكونُ المشبَّه مذكورًا [و] (4) لا ينتقض به.
__________
(1) المفتاح: (379).
وقوله هذا في قسم الاستعارة بالكناية. وقد صرَّح بما يقوّي مراده ويؤكِّده في قسم الاستعارة التّخييليّة -أيضًا-؛ إذ قال (المفتاح: 376): "وذلك مثل أن يشبّه المنيّة بالسّبع في اغتيال النّفوس ... تشبيهًا بليغًا حتّى كأنها سبع من السِّباع؛ فيأخذ الوهم في تصويرها في صورة السَّبع، واختراع ما يلازم صورته، ويتمّ به شكله من ضروب الهيئات".
(2) في الأَصل: "يتخيّل". والمثبت من: أ، ب. ويقوِّيه ورود الكلمة كذلك في المثال المشابه بعده.
(3) في الأَصل، ب: "مصوّر"، والمثبت من أ، وهو الموافق لما قبلَه.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل، ب. ومثبتٌ من أ.
(2/713)

وقلت (1): لها أجوبة أُخرى؛ لكن في كل منها حزازةٌ.

وأمّا وجوهُ التَّصرّفِ في المعنى فأربعةٌ -أيضًا-:
الأَول: بالنُّقصان؛ أي: التَّصرُّف بالنُّقصان، وهو: أن تكونَ الكلمةُ موضوعةً لحقيقةٍ مع قيدٍ؛ فتستعملها لتلك الحقيقةِ لا مع ذلكَ القيْد بمعونة القرينة (2)؛ كالمسفر؛ أي: كاستعمال المشفر -وهو موضوعٌ للشَّفةِ مع قيْد أن يكون شفةَ بعيرٍ-: للشّفةِ مُطلَقًا؛ أي: بلا قيْدِ كونها للبعيرِ (3). والمرسِنُ -وهو موضوعٌ للأنف مع قيد أن يكون أنفَ مرسون-: للأنف بلا قيد كونه للمَرسُون (4).
المرسِنُ مكانُ الرَّسنِ من أنف البعيرِ.
وهو (5) من باب إطلاق اسم العام للعامِّ. وسَمَّوه [أي] (6) الأصحابُ (7) مجازًا لغويًّا؛ فإنّه هُجِر فيه وضعُ اللّغة؛ لا حكمُ العقل.
__________
(1) في أ: "وذكرت" وهما بمعنى.
(2) قوله: "بمعونة القرينة" ساقط من ب.
(3) فتقول -مثلًا-: (فلان غليظ المشفر).
(4) نحو قول العجّاج في وصف امرأة (ديوانه: 2/ 13):
..................... ... وفاحمًا ومَرسِنًا مُسَرَّجًا.
(5) أي: التّصرّف بالنُّقصان.
(6) ما بين المعقوفين غيرُ موجودٍ في الأَصل، ب، ومثبت من أ. وعلى مثله درج الشَّارح.
(7) أي: أصحاب الفنّ، ومنهم الإمام عبد القاهر، والفخر الرّازي، الزمخشريّ.
(2/714)

غير مفيدٍ؛ لقيامِه مبهام أحدِ المترادفين؛ نحو: (ليثٌ وأسدٌ) عند المصير إلى المراد منه (1).
الثاني: التَّصرُّف بالزِّيادة؛ نحو: {وَأُوتِيَتْ مِن كُل شَىْءٍ} (2)؛ أي: مما يُؤتى مثلها؛ لأنه عُلِم بالضَّرُورة أنها لم تؤت كُلّ ما يَصدُق عليه اسم الشَّيء، فأطلق الكُل وأراد البعض.
وهو؛ أي: هذا النّوعُ من المجاز عكسُ ما قبله؛ لأنّه إطلاقُ اسم العامّ للخاصِّ، وما قبله إطلاقُ اسم الخاصِّ للعامِّ.
ومنه (3) بابُ التَّخصيص بأسره؛ لأَنَّه كلّه (4) كما عُرف في علمِ الأصول من إطلاقِ العامِّ وإرادة الخاصِّ.
وفي كون التَّصرُّفِ فيهما بحسب المعنى لا مساس للبيان حاجة إليه. الثّالثُ: التَّصرُّفُ بالنّقل لمفرد؛ نحو (5): (في الحمَّام أسدٌ)؛ فإِنَّه
__________
(1) في قول المصنف: "وسَمَّوه مجازًا لغويًّا غير مفيد" إيماء إلى عدم قبوله هذه التسمية، ربّما لكون القيد الأخير فيها "غير مفيد" غير مرضيّ عنده؛ إذ أن الإفادة متحققة في المعنى المتجوز به؛ كما هو الحال في (المشفر) إذا تجوز به عن الشفة فإنّه يتضمّن صفة ذمّ لا تكشف عنها (الشّفة). لا كما زعموا أن هذا المجاز يقوم مقام أحد المترادفين.
(2) سورة النمل؛ من الآية: 23.
(3) أي: من التصرّف بالزيادة.
(4) في الأَصل: "كلمة" وهو تحريف بالزيادة. والصَّواب من: أ، ب.
(5) هكذا -أيضًا- وردت كلمة "نحو" ضمن ف. وفي أ، ب وردت ضمن كلام الشارح.
(2/715)

نقل معنى الأَسدِ إلى الشُّجاع، لا أنَّه تصرّفَ في اللفظ؛ بأن أَطْلق لفظة. (الأسد) وأراد: (الرَّجل الشُّجاع)؛ كان احتمل ذلك التصرّف -أيضًا- كما مرَّ (1).
وقوله في: (الحمَّام) قرينةٌ للنّقل (2).
الرّابعُ: التصرُّفُ بالنقل لتركيبٍ؛ نحو: (أنبت الربيعُ البقلَ) (3) مِمّن يدّعيه مبالغةً في التَّشبيه، وإلّا كان (4) من المجازِ الحُكميّ؛ إذ (5) كان حينئذٍ التَّصرُّف في اللّفظ (6).
واعلم: أن في جميع الاستعارات يأتي هذان الاحتمالان:
أن يكونَ النَّقلُ في المعنى؛ كأَن يتصرّفَ في معنى الأسد؛ بأن يقول: إن له صورتين:
مُتعارفةً؛ كالحيوانِ المفترسِ، وغيرَ متعارفةٍ؛ كالرّجلِ الشُّجاع؛
__________
(1) ينظر ص (694) قسم التّحقيق.
(2) وهذا القسم يعدّ مجازًا من قبيل الاستعارة؛ كما سيأتي. بخلاف الأقسام المتقدّمة فإنها من قبيل المجاز المرسل.
(3) كلمة "البقل" وردت ضمن كلام المصنّف في أ. وليست في ف.
(4) في ب: "لكان". ولا يستقيم معها السياق إلا بتأويلٍ؛ هو تقدير (إن) قائمة مقام (لو).
(5) في الأَصل: "إذا" ولا يستقيم بها السِّياق، والصَّواب من أ، ب.
(6) كما مرّ ص (704) قسم التّحقيق.
والقسم الرابع هذا يعدّ -أيضًا- من قبيل الاستعارة.
(2/716)

فكأنه (1) يَدَّعى أن الرّجلَ الشُّجَاعَ أَسدٌ - أيضًا؛ وعلى هذا فلفظُ الأسدِ فيه حقيقةٌ.
وأن يكونَ النَّقلُ في اللّفظ، كأَن يتصرّف في لفظ الأسد، بأَن ينتقلَ من معناه إلى الرّجلِ الشُّجاع، وعلى هذا فلفظُ الأسدِ فيه (2) مجازٌ.
وهكذا في (أنبت الرّبيعُ)، بأن يُقال: إِمَّا أن يدَّعي أنَّه من جِنْسِ الفاعلين بالحقيقة (3)، أَوْ يُنْتقل منه إلى الفاعلِ الحقيقيِّ. وكذا في (فارَ القِدرُ)، فإِنَّه إِمَّا أن يدَّعِي أنَّه الفائرُ؛ من جِنْس الفورةِ، أَوْ ينتقل منه إلى ما في القدر (4).
وهذا؛ أي: النَّقلُ للتَّركيبِ بحسبِ المعنى؛ أي: الاستعارة في التّركيب، لم يُذكر في كتب القوم، نعم ذُكرَ المجازُ في التَّركيب، كما مرَّ، وهو بصدد الحلافِ المتقدِّم في النَّقل التَّركيبيِّ اللفظيّ، أمجازٌ (5) لُغويٌّ؛ كما نقل (6) عن الشَّيخ عبدِ القاهر، أَوْ مجازٌ عقليٌّ، كما عن الإمامِ الرّازيّ، أَوْ استعارة بالكناية؛ كما هو مذهبُ السَّكاكيِّ؟ هذا مضى.
__________
(1) في ب: "وكأنه".
(2) قوله: "فلفظ الأسد فيه" ساقط من: أ، ب.
(3) في الأَصل: "الحقيقية". وفي ب: "الحقيقة" والصَّواب من: أ.
(4) في ب: "الذهن".
(5) في ب: "مجاز". وهو تحريف بالنَّقص.
(6) في: أ، ب: "نَقَله" على اعتبار عودة الضّمير إلى المصنّف.
(2/717)

وقال الأستاذُ: الأَوجهُ (1) في تَوْجيه تسمية (2) الاستعارةِ بالكنايةِ ما قال (3) البحرانيُّ (4) في رسالته في هذا الفنِّ، المُسمَّاة: ب "التَّجريد" (5)؛ وهو أن يقال: إذا أراد المتكَلِّمُ أن يستعير الفاعلَ الحقيقيَّ للرّبيع؛ فلو أطلق الفاعلَ وأراد به الرَّبيعَ لكان استعارةً مُصرّحة؛ فلمّا لم يتلفّظ به، بل كنَّى عنه بأن أطلق لازمًا من لوازمه الذي هو الإنباتُ؛ لينتقلَ الذِّهنُ منه إلى ملزومه الذي هو الفاعلُ الحقيقي، المرادُ به الرَّبيعُ [المشبّهُ] (6) كانت بالكناية، فهي -بالحقيقة- كنايةٌ صريحةٌ عن استعارةٍ مُقدَّرةٍ غير مذكورةٍ لا ما ذكره السَّكاكيُّ، وهو أنَّه لَمَّا كان
__________
(1) في أ: "الوجه".
(2) في الأَصل: "تسمية توجيه" والصَّواب من: أ، ب.
(3) في ب: "ما قاله".
(4) هو ميثم بن علي بن ميثم البحراني، كمال الدِّين. أديب متكلم فقيه إِماميّ، من أهل البحرين، له عدّة تصانيف منها: "شرح نهج البلاغة"، و"القواعد" في علم الكلام، و"تجريد البلاغة"؛ رسالة في المعاني والبيان. لم تعلم وفاته على وجه التّحديد، والذّي ذكره المؤرِّخون أنها بعد عام (681 ه).
ينظر في ترجمته: روضات الجنّات في أحوال العلماء والسّادات: (752 - 754)، والذّريعة إلى تصانيف الشّيعة: (3/ 352)، الأعلام: (7/ 336).
(5) وتسمَّى -أيضًا- "أصول البلاغة". ينظر: روضات الجنّات: (754).
وهي مخطوطة لم أقف عليها.
(6) ما بين المعقوفين غيرُ موجودٍ في الأصل، ب. ومثبتٌ من ألمزيد الإيضاح.
(2/718)

المنيةُ بحسب الادِّعاءِ من جنس السِّباع كان استعارةً، ولَمَّا لم يُطْلق عليه لفظ السَّبع صريحًا؛ بل اسم المنيّة التي هي مُرادفة للسَّبع بحسب دعواه [تكون] (1) بالكناية، وكذا في الرَّبيع والفاعلِ الحقيقيِّ؛ لعدم كنايةٍ فيه، ووجودِ تكلُّفاتٍ -كما ترى-.
وأَمَّا من يعتقده؛ أي: نحو (الرَّبيعُ) فاعل حقيقةً؛ فهو منه حقيقةٌ كاذبةٌ؛ لعدم مُطَابَقته للواقع (2). ولذلك لَا يُحكمُ فيه؛ في نحو (3): (أنبت الرَّبيعُ البقلَ)، بحكمٍ؛ من نحو: كونه مجازًا، أَوْ حقيقةً إلا بثبتٍ؛ أي: بِحُجَّةٍ يُعلم منها اعتقادُ المُتكلِّم؛ حتَّى إنْ كان ما أَدَّاه في الظّاهر معتقدًا له كان حقيقةً كاذبةً، وإِلَّا كان مجازًا؛ فلم (4) يُحمل على المجازِ قولُ أبي النّجم (5):
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبتٌ من أ، ب.
(2) في أ، ب: "الواقع".
(3) في الأَصل: "نوع" والصَّواب من أ، ب.
(4) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "فلا".
(5) هو أبو النَّجمِ، الفضلُ بن قدامة بن عبيد الله العجليّ. أحدُ رجَّازِ الإسلام المقدمين، نبغ في العصر الأموي. وذكر أَنَّه أَبلغُ من العجّاج في النعت. توفّي سنة 130 ه.
ينظر في ترجمته: طبقات فحول الشُّعراء: (2/ 745)، الشعر والشعراء: (142)، الموشّح: (274 - 275)، سمط اللآلئ: (328).
والأبيات من الرجز. وهي في ديوان الشاعر: (132 - 133)، وخزانة الأدب: (1/ 363)، وشرح شواهد المغني: (2/ 544 - 545). =
(2/719)

قَدْ أصبَحَتْ أُمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي
عَلَيَّ ذَنْبًا كُلّهُ لَمْ أصنَع
مِنْ أَنْ رَأَتْ رَأسِي كَرَأسِ الأَصلَع
مَيَّزَ عَنْهُ قُنْزُعًا عَنْ قُنْزُعِ
جَذْبُ الليالِي أَبْطِئِي أَوْ أَسْرِعِي
حينَ أسندَ تَمييز القنازع إلى الجذْب -أي: انحسار الشَّعر عن الرأس- إلى الزمان؛ حتَّى قال:
أَفْنَاهُ قِيلُ اللهِ للشَّمسِ: اطْلُعِي.
فإنّه الشَّاهدُ؛ لنَزاهته أَنْ يعتقد: أن الذي مَيَّز هو جذْبُ اللّيالي؛ بل الإسناد إليه على (1) خلافِ مُعتقده:
حتَّى إذا واراكِ أُفقٌ فارجعي.
و (كلُّه) مرفوعٌ بالابتداءِ. و (لَمْ أصنع) خبرُه؛ حتَّى كانَ النَّفي عامًّا، واستقام غرضُ الشَّاعرِ في تَنْزيه نَفْسه عن (2) جُملة الذّنوبِ.
__________
= والبيت الأَوَّل منها شاهد نحويّ ينظر: الكتاب: (1/ 85)، ومغني اللبيب: (265)، وشرح جمل الزجاجي: (1/ 350).
وقد استشهد بالبيت -منفردًا، ومع غيره- في دلائل الإعجاز: (278)، والمفتاح: (393 - 394)، والمصباح: (144 - 145)، والإيضاح: (1/ 88)، والتبيان: (260). وهو في المعاهد: (1/ 147).
(1) في الأَصل: "إلى" والصَّواب من أ، ب.
(2) هكذا في الأَصل، وفي أ، ب: "من".
(2/720)

و (القُنْزعةُ): شعرٌ حوالي الرَّأسِ. و (أَبْطئي): صفةُ الليالي، أي: المَقُول لها: أَبطئِي؛ أَوْ حال عنها، أي: اللَّيالي مقولًا في حقِّها: أبطئي.
(قيل الله)، أي: حُكْمُه.
(2/721)

الأصلُ الثالثُ: في الاستعارة
إِنَّما عَنْوَنَ باب الاستعارةِ ب (الأَصل) لا ب الفَصْل) -كما في المفتاح- (1) بناءً على ما عنده من كونها أصلًا مُستقلا من الأصولِ، وركنًا مُعتبرًا من الأَركان البَيانِيَّة -كما عُلِم منَ التَّقْسيم (2) صدر الفصل البيانيِّ- (3).
وفيه مقدِّمة، وتقسيماتٌ، وخاتمةٌ؛ أي: هذا الأصلُ مُنكسرٌ عَلَى هذه.

المُقدِّمة: وإنّما جعل لهذه المباحا مقدِّمةً؛ لتوقّفِ الأبحاثِ الآتيةِ عليها.
قيل والمرادُ به: قول السَّلفِ؛ لأَنّها عند السَّكاكيِّ: عبارةٌ عن (4) "أن تذكر أحدَ طرفي التَّشبيه وتُريد به الطرف الآَخر؛ مُدَّعيًا دخولَ المُشبَّه في جنسِ المشبَّهِ به؛ دالًّا على ذلك بإِثباتك للمُشَبّهِ ما يَخُصُّ المشبّه به"-: الاستعارةُ: جعلُ (5) الشَّيءِ الشيءَ، أَوْ للشيء؛ مبالغةً
__________
(1) ينظر: ص (369).
(2) في الأَصل: "بالتَّقْسيم" والمثبت من أ، ب.
(3) راجع التقسيم المشار إليه ص (627) قسم التحقيق.
(4) المفتاح: (369).
(5) جعل هنا بمعنى (صيَّر) يقول الإمام عبد القاهر (دلائل الإعجاز: 438): "وحكمُ (جعل) إذا تعدَّى إلى مفعولين حكمُ (صيَّر)؛ فكما لا تقول: (صيَّرته أميرًا) إلّا على معنى أنك أثبتَّ له صفة الامارة، كذلك لا يصح أن تقول: (جعلته أسدًا) إلّا على معنى أنك أثبتّ له معاني الأسد.
(2/722)

في التشبيه؛ كأنه من ذلك الجنسِ.
وقوله: (مبالغةً) يتعلقُ بالقسمين؛ نحو: (في الحمام أسدٌ)؛ مثالٌ للأوّلِ (1)؛ فإنّه جعل الشُّجاعَ نفسَ الأسد.
و (إِذَا المنيّةُ أنشَبَتْ أَظْفارَها) ... أَلْفَيْتَ كُل تَمِيمة لَا تَنْفَعُ (2).
مثالٌ للثاني (3)؛ فإنَّه جعلَ الأَظفارَ والأَنْشابَ للمنيَّة.
يقالُ: قرأَ الحسن (4) بن علي - رضي الله عنهما - البيتَ حين عادَ معاوية (5)؛
__________
(1) أي: قول المصنِّفِ: "جعل الشَّيء الشَّيء"، ومرادة الاستعارة التَّصريحيّة.
(2) البيتُ من الكامل، وقائده أبو ذؤيب؛ خويلد بن خالد الهذلي. قاله ضمن قصيدة طويلة يرثي بها بنيه.
والبيت في ديوانه: (2)، وفي ديوان الهذليّين: (1/ 3)، والمفضليات: (422)، وجمهرة أشعار العرب: (242).
واستشهد به في الإيضاح: (5/ 147)، والتّبيان: (383)، وهو في المعاهد: (2/ 163).
(3) أي: قول المصنّف: "أوْ للشَّيء" ومراده الاستعارة المكنيّة.
(4) هو أبو محمّد؛ الحسن بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ القرشي؛ سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته. ولد في المدينة سنة ثلاث من الهجرة، وشبّ فصيحًا عاقلًا حليمًا محبًّا للخير. بويع بالخلافة بعد موت أبيه؛ فخلعَ نفسَه وبايع معاوية حقنًا لدماء المسلمين. توفّي بالمدينة سنة 50 ه.
ينظر: الاستيعاب: (383)، أسد الغابة: (2/ 15 - 22)، طبقات خليفة: (5)، وفيات الأعيان: (2/ 53 - 56).
(5) هو أبو عبد الرّحمن؛ معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب الأمويّ القرشيّ.
صحابيّ جليل؛ قيل أنه أسلم قبل الفتح سرا. حدًث عن الرَّسول صلَّى الله عليه =
(2/723)

فتجلَّدَ، وقرأ (1): (2)
وَتَجَلُّدِي للشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ ... أنِّي لِرَيْبِ الدَّهْر لا أَتَضَعْضَعُ.
وظاهرُ اللَّفظِ أن المرادَ بالأَوَّل: الاستعارةُ المُصرّحةُ، وبالثاني: الاستعارةُ بالكنايةِ؛ لكنَّ شارحَ المفتاح عَكَسَ القضيَّة (3).
__________
= وسلم، وكتب له مرَّاتٍ يسيرة. استخلف على المسلمين سنة 41 ه، وبقي في الخلافة حتَّى مات سنة 60 ه.
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد: (3/ 32)، طبقات خليفة: (10)، والاستيعاب: (1416)، وسير أعلام النبلاء: (3/ 119).
(1) يوحي ظاهر سياق هذا الخبر -كما أورده الشَّارح- بأن مبتدئَ الحديث هو الحسنُ وأَن المجيب عليه هو معاوية - رضي الله عنهما - غير أَن ما في شرح المفتاح؛ الّذي ياُخذ عنه الشَّارح- عكس ذلك.
ينظر: مفتاح المفتاح: (956).
وقد تعرَّض بعضُ المؤرخين لهذه القِصة بعيدًا عن الحسن - رضي الله عنه -؛ حيث ذكروا أن المتمثل بالبيتين كليهما هو أميرُ المؤمنين معاوية - رضي الله عنه -؛ وذلك حينما ثقل عليه المرض.
ينظر: تاريخ الطبريّ: (5/ 326 - 327)، تاريخ ابن الأثير: (3/ 369)، تاريخ ابن كثير (8/ 135).
(2) البيت لأبي ذؤيب الهذليّ -أيضًا-، وقد ورد ضمن القصيدة الّتي ورد فيها بيته السّابق.
ينظر في توثيقه: مصادر البيت السّابق.
(3) ينظر: مفتاح المفتاح: (955).
(2/724)

ويُسَمّى هذا الجَعل (1): استعارةً؛ لمكان المُناسبة؛ أي: لوجودها وثُبُوتها بينها وبَيْن معنى الاستعارةِ اللغويَّة، إذْ (2) كان المشبِّهُ استعارَ حقيقةَ المشبَّه به للمشبَّه؛ حيثُ أدخلَ المشبِّهُ المشبَّه فيه، في جنسِ المشبَّهِ به وحقيقته، ادِّعاءً بأنَّه فردٌ من أَفْراده؛ كما يُستعارُ الثوبُ فإن المستعيرَ يُدخِل نَفْسَه في زِيِّ المستعار منه، لا يتفاوتان إلا في أن أحدهما -إذا فُتّش عنه- (3) مالكٌ، والآخر ليس كذلك.
ولذلك؛ أي: ولما (4) أنَّ الاستعارةَ إدخالٌ للمُشبَّه في جنس المُشَبَّه به وحقيقتِه وجعله فردًا من أفراده لا يَتَأتَّى؛ لا يصحُّ فِي العلمِ؛ لأنَّه لَمْ يوضع لمعنًى جنْسيّ، إلا بتضْمِين لفْظِ العَلَم وصفيّة؛ حتَّى يُتصوّرَ الإدخال والجعل؛ ك (حاتِم) (5)، لتضمين لفظ حاتم معنى الجُودِ، ولَفْظ (مَادِر) (6)
__________
(1) أي: جعل الشّيء الشّيءَ، أوْ جعل الشّيء للشيّءِ.
(2) هكذا في الأَصل. وفي أ،: "إذ لو". وفي ب: "وإذ". أنها ما ورد في ف فهو: "إذا".
(3) في الأَصل، ب: "عنها"، والصَّواب من: أ.
(4) في أ، ب: "لما" بدون الواو.
(5) هو أبو عديّ، حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي القحطانيّ. جاهليّ، شاعر، فارس، يضرب به المثل في الجود. له ديوان شعر مطبوع، توفّي في السَّنة الثامنة بعد مَوْلد النبيِّ صلى الله عليه وسلّم.
ينظر في ترجمته: الشعر والشّعراء: (70)، تهذيب ابن عساكر: (3/ 420)، خزانة الأدب: (1/ 494).
(6) هو رجل من بن هلال بن عامر بن صَعصَعَة، ضرب به المثل في البخل. ينظر:=
(2/725)

معنى: البخلِ.
ثُمَّ قيلَ (1): هذا مجازٌ لُغويٌّ، لأن الأسدَ موضوعٌ للحيوانِ المُفْترسِ دُونَ الشجاع، وإلَّا؛ أَيْ: وإن لم يكن هذا؛ أي لفظ الأَسدِ المستعملِ في الشُّجاع مجازًا لُغويًّا كان صفةً لا اسمًا. وكان حقيقةً لا مجازًا، كاستعمالِ الألفاظِ المُتواطئةِ في الأَفراد. ولم يُفِد (2) تشبيهًا، لأَن استعماله فيه حينئذٍ من جهة التّحقيق، فَلَم يكن استعارة لابتنائِها على التَّشْبِيه. ولا احتاج إلى قرينةٍ، لعدمِ احتياج الحقيقةِ إليها.
والتَّالِيانِ الثاني (3) والرَّابع (4)، لم يُذْكرا في المفتاح (5).
وقيلَ: لا، أي: ليس مَجَازًا لُغَويًّا، بل هو مجازٌ عَقليٌّ وإِلَّا، أي: لو كان مجازًا لغويًّا، لم يكن ذلك -ادّعاءَ الأَسديّة- له (6) للمُشَبَّه؛ إذ مع ادّعاء الأَسديّة، ودُخُوله في جِنْس الأسود يَمتَنع إطلاق اسم الأَسدِ مع
__________
= مجمع الأمثال 1/ 196.
(1) هكذا -أيضًا- ورد قوله: "ثم قيل" في ف. وفي ب أورد ضمن الشَّرح.
(2) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "وإن لم يفد" وهو خطأ؛ إذ المراد نفي التَّشبيه.
(3) أي: قول المصنِّف: "وكان حقيقة لا مجازًا".
(4) أي: قول المصنِّف: "ولا احتاج إلى قرينة".
(5) ينظر ص: (370).
وعلى هذا القول المتقدِّم جمهور البلاغيين. ينظر: المطوّل: (360).
(6) هكذا -أيضًا- وردت: "له" في ف. وسقطت في أ.
(2/726)

الاعترافِ بأنَّه رَجُلٌ. ولم يكن ذلكَ في قوَّة قولنا: إِنَّه ليس بآدميّ، إِنَّما هو أسدٌ، لكنَّه في قوَّته بالاتِّفاقِ.
ولم يكن (1) للتَّعجُّب في قوله (2):
قَامَتْ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمس ... نَفْسٌ أَعَزُّ عَليَّ مِنْ نَفْسي!
قَامَتْ تُظَلِّلُنِي، وَمِنْ عَجَبٍ ... شَمسٌ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمسِ!
ولا لإِنكاره، ولم يكن لإنكارِ التَّعجّب (3)، أَوْ إِنكارِ الشَّاعر في قوله: (فكيف) (4)؛ في قوله (5):
__________
(1) في الأَصل زيد بعد هذا: "ذلك في قوَّة قولنا" ولا وجه له. ولعله من انتقال النّظر مع ما قبله.
(2) البيتان من الكامل. وهما لابن العميد؛ محمّد بن الحسين. وقد وردا في لطائف اللّطف للثعالبيّ: (149) برواية: "فوا عجبًا" مكان "ومن عجب"، وفي يتيمة الدَّهر: (3/ 178) برواية: "ظلّت" مكان: "قامت" الأولى. و: "فأقول وا عجبًا" مكان: "قامت تظلّلني".
واستُشهد بهما -بنفس رواية المتن- في أسرار البلاغة: (303)، والمفتاح: (371)، والمصباح: (128)، والإيضاح: (5/ 54)، والتِّبيان: (378). وهما في المعاهد: (2/ 113).
(3) في الأَصل: "المتعجّب"، والصَّواب من: أ، ب.
(4) قوله: "في قوله: فكيف" ساقط من ب.
(5) البيتان من البسيط، وقائلهما: أَبو المطاوع، ناصر الدَّولة بن حمدان التَّغلبيّ.
وهما في يتيمة الدَّهر: (1/ 92) برواية: "أرى" مكان: "ترى"، و: "ضوء" مكان: "نور"، و: "حين" مكان: "وقت". =
(2/727)

تَرَى الثيابَ مِنَ الكتّان يَلْمَحُها ... نُورٌ مِنَ البدرِ أَحيانًا فيُبْلِيها
فَكَيفَ تَعجب أَن تَبْلَى مَعَاجِرها
[وهو جمع: المعجر؛ وهي: المقنعة] (1)
والْبَدرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ طالع فِيها
وَجْهٌ؛ وهو اسم لم يكن، وذلك للاعترافِ بأَنه غيرُ جِنسِ المشبَّه به خارج عنه على ذلك التَّقدير.
والجوابُ عن القائلين بأنه ليس مجازًا لغويًّا: إِن الموضوعَ له، للفظِ الأسد هو الأسدُ حقيقةً، أي: الأسد الحقيقيّ، لا ادّعاء؛ وهما غيران، فلا يلزمُ من استِعماله في غير الموضوع له الحقيقيِّ اسْتعماله في غير الموضوع له الادّعائيّ.
وكلُّ ما ذكرتم من التَّوالي (2) الأربع فهو للادّعاءِ، فلا يلزم عدمُ ادِّعاء الأسديّة له؛ لأنه (أسدٌ) ادّعاءً؛ ولا عدمُ كونه في قُوَّة إِنَّه ليس بآدميّ إِنَّما هو أَسَدٌ؛ لأنَّه (أسدٌ) ادِّعاءً، و [لا] (3) أن لا يكوَنَ للتعجُّب
__________
= واستُشهد بهما -برواية "تنكر" مكان "تعجب"- في أسرار البلاغة: (306 - 307)، والمفتاح: (371)، والمصباح: (130)، والإيضاح: (5/ 55)، وهما في المعاهد -عرضًا-: (2/ 130).
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل، ب. ومثبتٌ من: أ.
(2) في ب: "البواقي".
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب. ويدلّ عليه المشابه بعده.
(2/728)

وجهٌ؛ لأنه (شمسٌ) ادّعاءً، فيكون للتعجُّبِ وجهٌ. ولا أن لا يكون للإنكار وجه؛ لأنَّه (بدرٌ) ادّعاءً فيكون له وجهٌ.
وقد تردَّد الإمامُ الباهرُ الشَّيخُ عبد القاهر فيهما في المذهبين؛ فقال: تارةً بكونه لغويًّا، وأخرى بكونه عقليًّا (1).
فإن قلتَ: فكيفَ الجمعُ بين ادّعاء الأسديّة للرَّجل، وبينَ نصب القرينة على عدمِ إرادتها؛ أي: إرادة الأسديّة؛ وما هذا إلا تناقضٌ؟.
قَلتُ: إنه يدّعي أن للأسد صورتين، متعارفةً، وهي التي لها جرأةُ الإقدام، ونهاية قوّةُ البَطْش مع الصُّورة المخصوصة، وغيرها؛ غير متعارفةٍ، وهي التي لها تلك الجرأة وتلك القُوَّة، ولكن (2) لا مع تلكَ الصُّورة المَخْصُوصةِ؛ بل مع صُورة أخرى؛ كما قال المتنبِّي (3):
نحنُ قَوْمٌ ملْجِنِّ (4)؛ أي: من الجِنّ؛ نحذفَ النُّونَ لالتقاءِ
السّاكنين، في زيِّ (5) ناسٍ ... فَوْقَ طيرٍ لها شُخُوص الجِمَالِ.
__________
(1) ينظر: دلائل الإعجاز ص: (432 - 440).
(2) في أ، ب: "لكن" بدون الواو.
(3) والبيتُ من الخفيف. وهو في ديوان الشَّاعر بشرح العكبريّ: (3/ 194) برواية: "نحن ركب" ضمن قصيدة طويلة مدحَ بها عبد الرَّحمن بن المبارك الأنطاكي.
وقد استُشهد به -برواية الدِّيوان- في دلائل الإعجاز: (434)، و -برواية المتن- في المفتاح: (372)، والإيضاح: (5/ 57).
(4) هكذا اتّفقت النّسخ المخطوطة على كتابتها، وكذا في الدّيوان. ويرى أبو فهر؛ محمود شاكر محقق الدّلائل: (434): أن الأجود أن تكتب هكذا: (مِ الجنّ).
(5) الزي: اللِّباسُ والهيئة. اللّسان (زيي): (14/ 366).
(2/729)

مُرتكبًا هذا الادّعاء؛ في عدِّ نَفْسِه وجماعتِهِ من جِنْس الجنِّ، وعدِّ جِمَاله من جنسِ الطير (1).
ويُؤَيِّدُه؛ أي: المذكور من ادِّعاء: أنّ للأسدِ صورتين، المخيّلاتُ العُرفيةُ؛ أي: ما تخيّلَ في العرف بإخراج شيء من جِنْسٍ وإِدخاله في آخر؛ نحو: هذا ليس بأسدٍ؛ إنَّما هو هِرٌّ اكْتسى إهابَ أسدٍ، وهذا ليس بإنسان؛ كما هو أسد في صورة إنسانٍ.
وذُكِرَت القرينةُ الدّالةُ على أن المرادَ غيرُ المتعارفِ لئلّا يُحمل على المتعارفِ السّابقِ إلى الفهمِ لولا القرينة.
وعليه، أي: على جعل أفرادِ الجنس قِسْمين: متعارفًا، وغير متعارف، ورد قول الشّاعر (2):
__________
(1) حَملُ المعنى على هذا الادّعاء هو الأَولى، وقد ذكر ابن سنان الخفاجيّ أنّ ابن جنّي حَمَل البيت على الكلام المقلوب؛ على تقدير نحن قوم من الإنس في زيّ الجن فوق جمال لها شخوص طير. وما من شكّ اُنّ هذا تعسّف يفسد المعنى؛ كما ذكر ابن سنان. ينظر: سرّ الفصاحة: (106).
وما وجدته في الخصائص لابن جنّي يناقض ما أورده ابن سنان عنه؛ إذ قال في باب من غلبة الفروع على الأصول (1/ 300): "هذا فصل من فصول العربيّة طريف تجده في معاني العرب ... ولا تكاد تجد شيئًا من ذلك إلّا والغرض فيه المبالغة". ثم أوْرد بيت المتنبيّ وعلق عليه بقوله (1/ 303): "فجعل كونهم جنًّا أصلًا، وجعل كونهم ناسًا فرعًا، وجعل كون مطاياه طيرًا أصلًا، وكونها جمالًا فرعًا؛ فشبّه الحقيقة بالمجاز في المعنى الّذي منه أفاد المجاز من الحقيقة ما أفاد".
(2) عجز بيت من الوافر، وسيأتي صدره. وقائله: عمرو بن معد يكرب. =
(2/730)

........... ... تَحيَّةُ بَيْنِهم ضَربٌ وَجيعُ.
كأنَّه جعل بالادّعاءِ أَفرادَ (1) جنسِ التَّحيّةِ قسمين: متعارفًا؛ وهي المشهورةُ، وغير متعارف؛ وهو الضَّرب. وأوّله:
وَخيلٍ (2) قَدْ دَلَفْتُ (3) لَها بِخَيْلٍ.
وقوله -تعالى-: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (4)، كأنه جعل أَفراد جنسِ المال والبنينِ قسمين -على سبيل الادّعاءِ والتَّأويل-: مُتعارفًا؛ وهو المالُ والبنون المشهوران، وغير متعارفٍ؛ وهو سلامةُ القلب. ولا بُدَّ (5) في صحّةِ الكلامِ من تقديرها: مضافًا، محذوفًا (6)، مدلولًا عليها بالقرائن؛ أي: إلا سلامة من أتى الله بقلبٍ سليم.
__________
= والبيت في ديوان الشاعر ص (130)، وكتاب سيبويه: (2/ 323)، والخصائص: (1/ 368)، ونوادر أبي زيد: (150)، وابن يعيش: (2/ 80)، والعمدة: (2/ 462).
واستُشهد به في المفتاح: (372)، والمصباح: (126)، والإيضاح: (5/ 57).
(1) في ب: "جعل بالأفراد" بإسقاط جزء من كلمة "بالادّعاء" بينهما.
(2) في الأصل: "دخيل"، وفي ب: "رحيل" وكلاهما تحريف، والصَّواب من أ، ومصادر البيت. ومراده بالخيل: الفرسان.
(3) دلفت: تقدّمت. يقال: "دلفت الكتيبه إلى الكتيبة في الحرب؛ أي: تقدّمت".
اللِّسان: (دلف): (9/ 106).
(4) سورة الشّعراء، الآيتان: 88 - 89.
(5) في أ: "فلابدّ".
(6) في الأَصل: "محذوفة"، والصواب من: أ، ب.
(2/731)

وللآيةِ المباركةِ توجيهاتٌ أخر؛ كما ذكرها صاحب المفتاح (1) وغيرُه (2).

التَّقسيماتُ
وإذْ لا بدَّ من مستعارٍ منه؛ هو المشبَّه به، ومستعارٍ له؛ هو المشبّهُ، ومستعارٍ؛ هو اللفظُ، ثم قد (3) يتبعُه حُكْم؛ إمَّا مناسبٌ للمُشبَّه. وإِمَّا للمُشبَّه به؛ فهي أربعةُ مباحثٍ:
الأوّل (4): في المشبَّه به. حقيقةُ الاستعارة لَمَّا كانت ذكرُ أحدِ الطّرفينِ وإرادة الآخر.
فالمشبَّهُ (5) به إن ذكر فمُصرَّحٌ بها؛ نحو: تَبسَّمَ بدرٌ. وإِنْ لم
__________
(1) هكذا في الأَصل "المفتاح"، وذكرها السَّكاكي في فصل الاستثناء. ينظر ص: (509). وفي أ، ب: "الكشاف" بدلًا من المفتاح وذكرها الزمخشريّ في معرض تفسيره للآيتين المتقدّمتين: (3/ 325 - 326).
ومن تلك التّوجيهات الّتي وردت عنده:
1 - حمل المعنى على جعلِ المالِ والغنِيّ في معنى الغنى؛ كأنَّه قيل: يومَ لا ينفع غنى إلا غنى من أتَى الله بقلبٍ سليم.
2 - وأما على تقدير أن تكون (من) في الآية مَفْعولًا فيكون استثناء مفرّغًا تقديره: لا ينفع مال ولا بنون أحد إلّا من أتى الله بقلبٍ سليم عن فتنتهما.
(2) كصاحب المصباح: (126)، ومفتاح المفتاح: (968).
(3) هكذا -أيضًا- وردت "قد" في ف. وفي أ، ب لم ترد.
(4) أي: الأول من تقسيمات الاستعارة، ويتحقق بالنظر إلى المشبّه به.
(5) في أ: "المشبّه" بحذف الفاء.
(2/732)

يُذْكر هو؛ أَيْ: المشبَّه به، بلْ حكمٌ يختص به، بالمشَّبهِ به، مع المشبّهِ فمكنيٌّ عنها، نحو: لسانُ الحالِ أفصحُ من لساني. فذُكر المشَبَّهُ وهو (الحالُ)، وذُكِرَ معه حكمٌ يختصُّ بالمشبَّه به، أي: (اللِّسان) المختصُّ بالمتكلِّم، الذي هو المشبَّه به، كما قال الشّاعرُ (1):
وَلَقَدْ نَطَقْتُ بِشُكْرِ (2) بِرِّكَ مُفْصِحًا ... وَلِسَانُ حَالِي بالشّكايةِ أَنطَقُ
والاستعارةُ بالكنايةِ -في الحقيقةِ- كنايةٌ عن الاستعارة، فإِنَّك تصوَّرتَ الحال بصورة المتكلِّم، وأثبتَّ له ما هو خاصَّة له لازمة له؛ وهو اللّسان؛ فكأنَّكَ شَبَّهته بالكناية بالمتكلِّم؛ لذكر لازمِه النتقل الذِّهنُ منه إليه؛ كما مرَّ تحقيقها.
الثاني (3): في المُشبّه. والمقصودُ منه بيانُ أقسامِ المصرّحةِ بها.
المشبّهُ؛ [أي المشبّه] (4) المتروك في الاستعارة
__________
(1) البيت من الكامل. وقائله: أبو نصر محمّد بن عبد الجبار العُتْبيُّ.
والبيت برواية المتن في الإعجاز والإيجاز للثّعالبيّ: (204)، ويتيمة الدّهر: (4/ 404).
واستُشهد بهذه الرّواية في الإيضاح: (5/ 126) وبرواية: "ولئن نقطت بشكر برّك مرّةً ... " في التّبيان: (384).
والبيت في المعاهد: (2/ 170)، وقال عنه العبّاسيّ: "لا أعرف قائله".
(2) في الأَصل: "لشكر". وفي ب: "بذكر". والصواب من أ، ومصادر البيت.
(3) أي: الثاني من تقسيمات الاستعارة، ويتحقّق بالنظر إلى المشبه.
(4) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل. ومثبت من أ. وعلى مثله درج الشَّارح.
(2/733)

المصرّحةِ (1). إمّا موجودٌ متحققٌ حِسًّا أو عقلًا، فتحقيقيّةٌ؛ أي: فالاستعارة تسمَّى تحقيقيَّة. أَوْ لا موجود، بل وَهْميٌّ مَحْض؛ لا تحقّقَ له إلّا في مُجَرَّدِ الوهم؛ فتخييليَّةٌ.
هذا على ما في المفتاح (2)؛ لكنّ لفظَ المختصرِ شاملٌ للمَتْروكِ والمَذْكورِ (3)، ونِعما هو لو صحّ التَّقسيم (4) في نوعَي الاستعارةِ في المصرّحةِ والمكنيّة.
وفي بعضِ النُّسخ: المُشبَّه موجودٌ يُرادُ بيان حاله، فالمشبّهُ به إمّا موجودٌ، وعُرِضَت على الأستاذ فغَيَّرَها إلى ما ترى.
فالتَّحقيقيَّةُ إطلاقُ اسمِ الأقوى في صفة -كالأسدِ في الشجاعة، للأضعف فيها؛ في تلكَ الصِّفة؛ بادّعاءِ أن الملْزُومَ الأضعفَ للصفة من (5) جنسِ الملزوم الأقوى لها؛ ليدل بتساوي الملزومات؛ كالأسدِ والرّجلِ الشُّجاع -مثلًا- على تساوي اللّوازم؛ كالشَّجاعتين؛ كالأسدِ للشُّجاع. والبدر الأقوى للوجه الأضعفِ؛ في صفة الوضوح، والإشراقِ،
__________
(1) جملة: "المشبّه؛ أي ... المصرحة" ساقطة من ب، ولعله من انتقال النَّظر.
(2) ينظر ص: (373).
(3) وهو ما تقدّم من قول المُصنف: "الثاني: المشبّه؛ إِمّا موجود؛ فتحقيقيَّة. أَوْ لا؛ فتخييليّة" حيث لم يصرِّح بترك المشبه. وإنما صرَّح بالماهيَّة التي يكون عليها من الوجود والعدم.
(4) في الأَصل: "التَّعميم". والصَّواب من: أ، ب.
(5) في الأَصل: "في". والصَّواب من: أ، ب.
(2/734)

والاستدارةِ.
ومِنه هذا (1) البابِ الاستعارةُ بالضِّدِّ، وهي استعارةُ اسمِ أحدِ الضِّدَّين أو النَّقيضين للآخر؛ بواسطةِ انتزاع شبه التَّضادِّ؛ أي: اتِّصافِ كُلٍّ بمُضادِّه الآخر، وإلحاقِه بشِبْه التَّناسُب تهكُّمًا، أي: استهزاءً، أو تَمليحًا -كما مرَّ، ثمّ (2) ادِّعاء أحدهما من جنسِ الآخر، والإِفراد بالذِّكْر، نحو: {فَبَشرْهُم بَعَذَابٍ أَلِيمٍ} (3) مكان أَنْذرهم؛ في الاستعارةِ التَّهكُّميَّة، ونحو: (رأيت حاتمًا) عِنْد رؤية بخيلٍ، في الاستعارةِ التَّمليحيّة.
وإذا كانَ وجهُ الشَّبه أمرًا منتزعًا من عدَّةِ أُمُور، نحو قَوْلك (4): (تُقَدِّمُ رِجْلًا -أي: لإرادة الذّهاب- وتؤخِّر أُخرى لإرادةِ عدمه؛ للمُتردِّدِ في الأَمر (5)؛ كالمفتي المتردِّد في جوابِ الاسْتِفتاء؛ وذلك بإدخالِ صورةِ المشبَّه -أي (6) المفتى المتردِّد- في جنس صُورةِ المشبَّهِ به؛ أي: (الماشي
__________
(1) قوله: "من هذا" ساقط من ب.
(2) في ب: "وهو" ولا يستقيم به السّياق.
(3) سورة آل عمران، من الآية: 21. والتوبة، من الآية: 34. والانشقاق، من الآية: 24.
(4) هكذا -أيضًا- وردت كلمة: "قولك" في ف. وفي أوردت ضمن كلام الشارح.
(5) قول المصنف: "تقدّم رجلًا وتؤخّر أخرى" مأخوذ عن قول يزيد بن الوليد لمروان بن محمد لَمّا تأخّر عن بيعته (البيان والتبيين: 1/ 301 - 302): "أما بعد؛ فإني أراك تقدِّم رجلًا وتؤخّر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت".
(6) في الأَصل: "إلى" وهو تحريف بالزيادة والصواب من: أ، ب.
(2/735)

المتردّد) رَوْمًا للمبالغة في التَّشبيه؛ فتَكْسُوها وصفَ المشبَّه به من غيرِ تغييرِ فيه بوجهٍ من الوجوه على سَبيل الاسْتعارةِ- سُمِّي تمتيلًا على سبيل الاستعارة.
ولكون الأمثالِ كلِّها تمثيلاتٍ على سبيل الاستعارةِ لا يجد التّغيير إليها سبيلًا.
والتَّخييليّةُ إطلاقُ اسم الموجودِ -وهو الأظفارُ المتحقّقةُ للسَّبع- على الموهوم؛ أي: الأظفار المُتَخيّلة للمَنيّة؛ ولهذا سُمِّيت: تخييليّة؛ وذلك بعد تشبيه المنيّة بالسَّبع (1)؛ في اغتيالِ النُّفوسِ، وانتزاع الأَرواح؛ مثل:
وإِذَا الْمَنِيَّةُ أنْشَبتْ أَظْفَارَها
واعلم: أن الاستعارة التَّخييليّة في الأظفار، والقرينةُ المنيّةُ، وأمّا المنيّة فاستعارةٌ بالكناية، وقرينتها الأظفار. فالتَّخيليّة قرينةُ المكنيّة، والمكنيّة قرينةُ التَّخيليّة.
وأمّا إذا قيلَ: أظفارُ المنيَّة الشَّبيهة بالسَّبع تكون تخييليّة ولا مكنيّة، وأما عكسه فلا يجوز. وما يلزم من كلام السَّكاكيّ؛ وهو أنّ الاستعارتين المكنيّة والتخيليّة في لفظ المنيَّة- لا يبعد؛ فإنّها هو أقرب إلى الصّواب دافعًا لاعتراض صاحب الإيضاح حيث التزم لزوم انفكاك الاستعارة بالكناية عن التخيليّة.
__________
(1) كلمة "السّبع" ساقطة من ب.
(2/736)

وإن قلتَ: ما الفرقُ بين التَّخييليَّة والتَّرشيح؛ فإنّ في كُلٍّ منهما يُذكر ما يلائمُ المُشَبَّه به ويُلازمه؟.
قلتُ: لا فرق؛ فإن ما هو القرينةُ هو التَّرشيح بعينه، وما المحذور لو كان التَّرشيح ضربًا من التَّخييليَّة؟!.
سؤالٌ؛ هذا سؤالٌ يردُ على الاستعارة المَكْنيّة، ولمَّا اشتملت التَّخييليّة في المثال عليها؛ فكأنَّها مذكورةٌ (1): أَوجبتَ في الاستعارة إنكار كونه؛ أي: المشبّه، من جنس المُشَبَّه (2)؛ بل أوجبتَ ادّعاء أن المُشَبَّه من جنسِ المُشَبَّه به ادِّعاء إصرارٍ؛ فهذا تصريحٌ بخلافه؛ حيثُ ذكرتَ المُشَبّه باسم جنسه، ولا نرى اعترافًا بحقيقة الشَّيءِ أكمل من التَّصريح باسم جِنسه؛ فلزمكم في الاستعارةِ بالكناية الجمعُ بين إنكار المشبّه من جنسه، وبين الاعترافِ بكونه من جنسه؛ وهل هذا إلّا تناقضٌ؟.
جوابٌ: أليس هُناك؛ أي: في الاستعارةِ المُصرّحة، نقل معنى المشبَّه به ادِّعاءً؛ كما ادّعينا هناك أن الشّجاعَ مُسَمَّى للفظِ الأسدِ بارتكابِ تَأويل أن أفراده قسمان؛ حتَّى يتهيّأ التَّقصي عن التَّناقُضِ في
__________
(1) قوله: "ولما اشتملت ... مذكورة "تعليلٌ لتعقيب هذا السّؤال بالاستعارة التَّخييليَّة، وكان الأَوْلَى أن يذكر السّؤال وجوابه بعد التّقسيم الأوّل؛ لتعلّقه بالاستعارة المكنية -كما ذكر الشَّارح-.
(2) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "المشبَّه به" ولا وجه له؛ إذ المراد نفي أن يكون جنس المشبَّه الحقيقيّ مرادًا. وادعاء أنّه من جنس المشبّه به -كما وضّحه الشَّارح بعد ذلك-.
(2/737)

الجمع بين ادِّعاءِ الأَسديّة، وبين نصبِ القرينةِ المانعةِ عن إرادةِ الهيكلِ المخصوصِ.
فهنا (1) نقل اسم المُشَبَّهِ؛ بأن يدَّعي ها هنا أنّ (2) اسم المنيّةِ اسمٌ للسّبع مُرَادِفٌ له؛ كأن المنيّةَ سَبْعٌ؛ أي: داخلٌ في جنسِ السِّباع لأجل المبالغةِ في التَّشبيه بالطريق المذكورِ؛ فكيفَ لا يُسمّى السبعُ باسمه، والحالُ أنهما اسمان لحقيقةٍ واحدة؛ كالمترادفين؛ فتهيّأَ لنا دعوى السَّبعيّة للمنيّة مع التَّصريح بلفظ المنيَّةِ.

تنبيهٌ:
وقد (3) تحتملُ الاستعارةُ التحقيقَ والتَّخييلَ، وهي فيما يكون المشبهُ (4) المتروكُ صالحَ الحمْل من وجهٍ على ماله تحقّقٌ، ومن وجهٍ على ما لا تحقُّقَ له؛ بخلاف النَّوعين المذكورين؛ فإنَّهما إِمَّا محمولٌ على ماله تحقّق قطعًا، أو على ما ليس له تحقّق قطعًا. وتسمَّى هذه الاسْتعارة: ذاتَ الجناحين؛ كما قال (5):
__________
(1) في ب، ف: "فهذا"، وفي أ: "فههنا" ولا اختلاف في المعنى.
(2) "أنّ" ساقطة من ب.
(3) هكذا في الأَصل بإيراد حرف العطف "الواو" ضمن كلام الشارح. وفي أ، ب: ابتدأ التّنبيه بكلام الإيجي: "قد" مباشرة.
(4) في الأَصل: "الشّبه" والصَّواب من: أ، ب.
(5) البيت من الطويل. وقائله زهير بن أبي سُلْمى، قاله ضمن قصيدة يمدح حصن بن =
(2/738)

صَحَا (1) القَلْبُ عَنْ سَلْمَى وَأقْصَرَ (2) بَاطلُه ... وَعُرِّيَ (3) أَفْرَاسُ الصِّبَا وَرَواحِلُهْ
فإنَّه يحتملُ (4) أن يكُون من التَّخييليّةِ؛ بأن يخيّل للصِّبا آلات وأَدوات تُشبه الأَفْراس والرَّواحِل فأَطلقا، والمرادُ بهما: آلاتُ الصِّبا، فقوله (5): (عُرِّي أَفْراس الصّبا)، يكونُ في معنى (عُرِّي آلات الصِّبا)، أي: عُرِّيتْ (6) آلاتُها تَخْييلًا، أي: الآلاتُ المتخيَّلة، ويُحتمل أن يكون من التَّحقيقيّة؛ بأَنْ يجعل الأَفراس والرَّواحل عِبَارة عن دواعي النَّفْس والقُوى الحاصلة لها
__________
= حذيفة بن بدر.
والبيت في ديوان الشّاعر: (64)، وشرح ديوانه لثعلب: (124)، ونقد الشّعر: (105)، والبديع لابن المعتزّ: (8)، والموازنة: (17)، والصّناعتين: (311)، والوساطة: (213).
واستُشهد به في أسرار البلاغة: (28، 47)، والمفتاح: (378)، والمصباح: (132)، والإيضاح: (5/ 127)، والتّبيان: (382). وهو في المعاهد: (2/ 171).
(1) صحو: بمعنى سلا. وهو في الأَصل بمعنى الإِفاقة من سكر ونحوه. اللسان: (صحا): (14/ 453).
(2) أقصر: كفَّ وانتهى. وقيل: أقصرت عن الشّيء: كففت ونزعت مع القدرة عليه. فإِنْ عجزت عنه قلت: قصرت. ينظر: اللِّسان: (قصر): (5/ 97).
(3) عُرِّي: عطل.
(4) في ب: "يحمل" وهو تحريف بالنَّقص.
(5) في ب: "وقوله".
(6) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، ب: "عطلت".
(2/739)

في استيفاء اللّذاتِ؛ فأطلقَ الأفراسَ والرَّواحلَ ويُرادُ بها دواعي النّفسِ تحقيقًا، أي: الدَّواعي المُتحقِّقة في الخارج.
والمفهومُ من الإيضاح: أن (الصِّبا) على التَّقدير الأَوَّل من الصَّبْوة، بمعنى: الميلِ إلى الجهلِ والفتوّة (1)، أي: الانهماك في التَّهتُّك. وعلى التَّقدير الثاني: من الصّباوة بالمعنى المَشْهور (2).
الثّالثُ (3): المستعارُ إمّا اسم جنس -كرجلٍ وأسدٍ (4) - فأَصليّةٌ، أي: فالاستعارة أصليَّة؛ لأن التَّشبيه وصفٌ، والأصلُ في الوصف للذّات (5). أو غيرُه؛ أي: غير اسم جنسٍ فتبعيّةٌ، كالفعل (6)؛ لأَنَّه، أَي (7): لأَنَّ الفعلَ يُستعار بواسطةِ المَصدرِ وتبعيَّة استعارته، فلا تقول: (نطقت الحالُ) بدل (دلَّت) إلّا بعد استعارة نُطق النَّاطقِ؛ لدلالة الحال على الوجه الذي عرفت من إدخالِ دلالة الحالِ في جنس نُطق النَّاطقِ لقصدِ المبالغة في التَّشبيه.
__________
(1) في الأَصل: "الغبوة" ولا وجه له. والصَّواب من أ، ب. والمراد بالفتوّة هنا: حداثة السّنّ. ينظر: اللّسان: (فتا): (15/ 146).
(2) ينظر: الإيضاح: (5/ 128).
(3) أي: من تقسيمات الاستعارة. ويتحقق بالنظر إلى المستعار.
(4) في ب: "وفرس".
(5) في أ، ب: "للذوات".
(6) في الأصل: "بالفعل". والصواب من: أ، ب، ف.
(7) "أي" ساقطة من أ، ب.
(2/740)

وتجيءُ الاستعارةُ التَّبعيَّة في نسبته؛ أي: الفعل إلى المتعلّقاتِ؛ إلى الفاعل؛ نحو: (نطقت الحالُ) أو إلى المفعول الأَوَّل؛ نحو:
(جُمِعَ الحَقُّ لَنَا في إِمامٍ ... قَتَلَ البُخْلَ وَأَحيَا السَّمَاحَا (1).
أي: أزال البخلَ وَأظهر السَّماح. وإلى الجمع (2) من المتعلقات؛ نحو:
تُقْرِي الرِّياحُ رِيَاضَ الحَزْن؛ أي: ما غلظ من الأَرض مُزْهرةً.
إِذَا سَرَى النَّومُ في الأَجْفانِ إِيقاظًا (3)؛
فإِنَّه استعارةٌ في نسبةِ الفعلِ إلى الفاعلِ؛ أي: (الرِّياح)، وإلى المفعول الأَوَّلِ؛ أي: (رياض)، وإِلى الثاني؛ أي: (إيقاظًا) في المجرور، والعامل فيه (سرى)؛ لأنّ (السُّرى) (4) -في الحقيقة- السّيرُ باللّيلِ (5).
__________
(1) البيت من المديد. وقائله: ابن المعتزّ. قاله ضمن قصيدة يمدح بها أباه المعتز، لَمّا تولّى الخلافة.
والبيتُ في ديوان الشّاعر: (132)، ونهاية الأرب: (7/ 53).
واستُشهد به في أسرار البلاغة: (53)، ونهاية الإيجاز: (243)، والمفتاح: (383)، والمصباح: (135)، والإيضاح: (5/ 67). وهو في المعاهد: (2/ 147).
(2) في ب: "الجميع".
(3) البيت من البسيط. ولم أهتد -فيما بين يديّ من مصادر- إلى قائله. ويبدو أن أوّل من استشهد به الإمام فخر الذين الرازي في نهاية الإيجاز: (244)، وتبعه صاحب المفتاح: (383)، فالمصباح: (136)، فالإيضاح: (5/ 98).
(4) في الأَصل: "سرى". والمثبت من: أ، ب. وعليه لفظ مفتاح المفتاح.
(5) ويلحظ أنّ المصنّف -رحمه الله- استدرك ما وقع فيه صاحب المفتاح، حيث أورد السَّكاكي البيت مثالًا لتعلق الفعل إلى جميع المتعلقات، إذ صرَّح بذلك فقال=
(2/741)

وكالحروفِ فإنَّها؛ فإِن استعارتها بواسطةِ مُتَعلِّقات معانيها؛ مثل: الظرفيَّة؛ والابتدائيَّة؛ إذْ ليست هي معانيها؛ بل هي لوازم لها؛ أي: لمعانيها؛ أي: إذا أفادت هذه الحروفُ معاني، رجعت إلى هذه بنوع استلزام. ومتعلّقاتُ معاني الحروف ما يُعَبَّرُ عَنْها عند تفسيرها؛ كالابتداء؛ ك (من) [في] (1) قولك: من البَصرةِ، وفسَّرها صاحبُ الإيضاح
__________
=- بعد أن أورد أمثلة لتعلّقه بالفاعل، والمفعول الأوَّل والثاني والمجرور- (382): "أَوْ إلى الجميع كقوله: تقري ... " ووجه الاستدراك: أنّ الجارّ والمجرور؛ وهو قوله: "في الأجفان" متعلّق ب "سرى النّوم"، لا ب "تقري" حتّى يكون قرينة له؛ فلا تكون القرينة في البيت راجعة إلى الجميع -كما ذكر السّكاكيّ- لخروج الجارّ والمجرور منها.
ومن هنا ورد على السَّكاكي اعتراض الخطيب إذ قال (الإيضاح:99): "وفيه نظر". واعتراض التفتازانيّ إذ قال (المطوّل: 377): "وأمّا تمثيل السّكاكيِّ في ذلك يقول الشَّاعر: تقري الرّياح ... فغير صحيح؛ لأَن المجرور؛ أعنِي (في الأجفان) متعلّقٌ ب (سرى) لا ب (تقري) ".
كما أَن الشَّارح -رحمه الله- تنبَّه لهذا وحاول -أيضًا- أن يوضح ما وقع فيه السَّكاكي بقوله: "وفي المجرور والعامل فيه سرى ... " إشارةً إلى اختلاف العامل. على أنَّ هذه المحاولة -التي أفادها من شارح المفتاح (ينظر: مفتاح المفتاح: 1004) - لم تسلم هي الأخرى من توجّه الاعتراض عليها، إذ قال صاحب المطوّل: (377): وما ذكره الشَارح- أي: شارح المفتاح- من أنه قرينة على أَنّ سرى استعارة؛ لأنّ السرى- في الحقيقة- السّير باللّيل فليس بشيء؛ لأن المقصود أن يكون الجميع قرينة لاستعارة واحدة".
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب.
(2/742)

بالمجرورِ (1)؛ كالبَصرة. وإلّا؛ أي: لو كانت هي معانيها -وهي أسماء- كانت؛ أي: الحروف -أَيضًا- أسماء؛ إذْ تمايز الحرفِ (2) والاسم إنَّما هو بالمعنى، فحيثُ حصل معنى الاسم يكون اسمًا؛ فلا يُستعار (في) إلا بعد الاستعارة في الظرفيَّة (3)، نحو: {لَعلهُم يَتَّقُونَ} (4) فإِنَّه لا استعارة في (لعلَّ) إِلَّا بعد الاستعارة في التَّرجِّي. وكيفيّةُ ذَلك: أن مثل هذا التَّرجِّي الواقع غاية لفعل (5)؛ معناه كونه غاية متوقّعة متردّدة بين الوجود والعدم مع الجهلِ بالعاقبة، فشبّه كونه غايةً متوقّعةً مُتَردّدةً بينهما لا مع الجهل بالعاقبة به؛ أي: بَكونه كذلك مع قيدِ الجهلِ بالعاقبةِ استعارة والقرينةُ إسنادهُ إلى الله -تعالى- لتعذُّر الجهل بالنِّسبة إليه [تعالى] (6) عن ذلك. هكذا قال السَّكاكيُّ بناءً على أصول العدلِ (7).
__________
(1) ينظر: الإيضاح: (5/ 91).
(2) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "الحروف".
(3) في ب: "النَّظر" وهو خطأ ظاهر.
(4) جزء من آيات متفرّقة في سور مختلفة. ينظر- مثلًا-: سورة البقرة: 187، والأنعام: 51، 69، والأعراف: 164.
(5) في الأَصل: "الفعل" والصَّواب من: أ، ب. والفعل المراد -هنا- هو قوله: {يتقُون}.
(6) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب.
(7) ينظر: المفتاح: (382). ومرادُ الشَّارح ب (أصول العدل) المعتزلة؛ فهم الذين =
(2/743)

وأمّا عند الأصحابِ فشبّه كونه غاية متوقّعة بمعناه المذكور ثم بعد الاستعارةِ فيه استعير لفظة (لعلّ) له فأطلقت عليه. هذا على تقدير الجَهل (1) على التَّشبيه أَمَّا لو نقول (2): إنّه للغاية المتوقّعة المتردِّدة بينهما مع الجهل بها؛ فحُذِفَ القيدُ الأخيرُ كما هو المفهوم من كلامِ السَّكاكيّ؛ والقيدان الأخيران كما يُفهم من قول (3) الأصحاب، وأُطلقَ على الباقي المطلَق بالنِّسبة إليه؛ فيصير من المجاز الذي سمّاه السَّكاكيّ المجازَ الغيرَ المُفيد (4)، وجعلَه المصنِّفُ من بابِ وجوهِ التَّصرّفِ في المعنى بحسبِ النُّقصان كالمشفر والمرسن (5).
__________
= يُسمّون أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد.
أمّا الأوّل -العدل- فلأنهم أوجبوا ثواب المطيع وعقاب العاصي؛ حتى لا يصدر منه تعالى ظلم. -تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوا كبيرًا-.
وأمَّا الثاني -التَّوحيد- فلأنهم ينكرون صفاته القديمة أصلًا؛ وقالوا: القدم أخصّ وصف ذاته؛ فهو عالم بذاته، حي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة حتى لا يتعدَّد القديم بزعمهم. ينظر: الملل والنّحل: (1/ 43 - 45).
وإنما اقتصر على العدل دون التَّوحيد؛ لأن حديثه متعلّق بالأَول دون الثاني.
(1) في الأَصل: "الحمل" ولا وجه له، والصواب من أ، ب.
(2) في أ: "قلنا".
(3) في ب: "كلام".
(4) ينظر: المفتاح: (364).
(5) ينظر ص (714) قسم التّحقيق.
(2/744)

واعلم: أن الأَمرينِ متباينان في كلِّ استعارة ك (الأسد) مثلًا، فإِنَّه يُحتمل أَنْ يقال: شبَّه الرَّجلَ الشجاعَ بالأسدِ فاستعير له مبالغة في التَّشبيه، ويُحتمل أَنْ يقال: إِنّه من المجازِ الغير المفيد؛ لأنه موضوع للشُّجاع مع تلك الصُّورةِ المخصوصة؛ فحُذف قيدُ [الصّورة] (1) المخصوصةِ بقي كونه للشُّجاع، وهلّم جرّا.
وهذه فائدةٌ شريفةٌ فاحفظها.
ونحو: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} (2) فإنّ في اللّام استعارة؛ لأن الالتقاط لم يكن لغرضِ أن يكون لهم عدوًّا، فتقدّر (3) الاستعارة أوّلا في معنى الغَرَضِ، ثمَّ تستعمل لامه، فيُستعار أوّلًا ترتّبُ وجودِ أمرٍ على أمر من غير أن يكون الثاني غرضًا للأوّل؛ [لترتّب وجودِ أمر على أمر يكون الثاني غرضًا للأوّل] (4)، ثم يُستعارُ ثانيا لفظةُ اللام له، واحتمالُ كونه من المجازِ الغير الفيد ممّا لا يَخفى.
ونحو: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} (5) من التَّهكّم فاستُعير أَوَّلًا مُتعلّق معنى: (رُبَّ) الذي هو التَّقليلُ للتَّكثير؛ على سبيلِ الاستهزاءِ؛ لأنّ
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب.
(2) سورة القصص. من الآية: 8.
(3) في الأَصل: "فتقيّد". والمثبت من أ، ب.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. ومثبت من أ، ب.
(5) سورة الحجر، من الآية: 2.
(2/745)

ودادتهم للإِيمان (1) يومئذ كثيرةٍ، وثانيًا: لفظته (2).
والشّيخُ، أي: السَّكاكيّ، واصطلاحُ المصنِّف في هذا الكتابِ على إطلاقِ (الشّيخ) عليه، و (الإمامِ) على عبد القاهر؛ يجعلُ الاستعارة التَّبعيَّة من المكنّى عنها (3). قال: كما تَجعلُ المنيَّة سبعًا وإثبات الأظفارِ قرينة. والحال ناطقًا، ونسبة النُّطق إليه قرينة اجعلْ (اللهذميات) في قوله (4):
نَقْريهم لَهْذميَّاتٍ نَقُدُّ بها ... مَا كان خاط عَليهِم كلُّ زَرَّاد (5).
أطعمةً بالنَّصب مفعولًا ثانيًا ل (جعل)؛ أي: استعارة بالكناية عنها على سبيل التَّهكّم.
اللهذميّاتُ: الأسنَّةُ القاطعةُ.
__________
(1) في أ: "الإيمان".
(2) في أ: "لفظه".
(3) ينظر: المفتاح: (384).
(4) البيت من البسيط. وقائله عمير بن شيم القطاميّ. قاله ضمن قصيدة يمدح بها زُفر بن الحارث الكلابي.
والبيت في ديوان الشّاعر: (95)، والكامل في اللغة والأدب: (1/ 59)، ونهاية الأرب: (7/ 53). واستُشهد به في أسرار البلاعة: (54)، ونهاية الإيجاز: (244)، والمفتاح: (383)، والإيضاح: (5/ 97)، والتّبيان: (386) ونسبه خطأ إلى كعب بن زهير.
والبيت في المعاهد: (2/ 148).
(5) الزَّراد: صانع الزرد. وهي: الدّرع. ينظر: اللّسان (زرد): (3/ 194).
(2/746)

واجعل (المرهفات) في قوله (1):
صَبَحنَا الخَزرجيَّة مُرْهفَاتٍ ... أبان ذوي أرومتها ذوُوها.
صبوحًا على سبيل الاستعارة بالكناية تهكّمًا واستهزاءً.
وقوله: (نَقريهم) (2) قرينةٌ للأولى، و (صبَّحنا) للثّانية، فما كانَ قرينةً صار مستعارًا وبالعكس.
الخزرجيّةُ: قبيلةٌ من الأنصار.
مرهفات، أي: سيوف مرقَّقات (3).
أبان، أي: فصل. ويروى: أبار، وأباد -بالرَّاء والدَّال المهملتين- ومعناهما واحد هو: أَهْلك.
وردَّهُ صاحبُ الإيضاح بأنَّه: إن قُدِّرَ التَّبعيّةُ حقيقةً لم (4) يكن تَخْييليّة، لأنَّها مجازٌ عنده، فلم تكن المكنِيّ عنها مستلزمةً للتخييليّة (5)؛ وذلك باطلٌ باللاتّفاقِ (6).
والرَّدُّ مردود لوجود التَّخييليَّة -أيضًا- في نَفْس مَا فيه الاسْتِعارة بالكِنَاية، لتَخَيُّله المرهفات بصورة الصَّبوح؛ كتخيُّل الرَّبيع
__________
(1) تقدّم تخريج البيت ص 733.
(2) في الأصل: "فنقريهم". والصواب من ب.
(3) في ب: "مرهفات". وفيها تحريف بالقلب وتصحيف.
(4) هكذا -أيضًا-، مصدر القول. وفي أ، ب: "فلم".
(5) هكذا -أيضًا-، ب، مصدر القول. وفي أ: "التّخييلية".
(6) ينظر: الإيضاح: (5/ 147 - 148).
(2/747)

بصُورةِ فاعل حقيقيٍّ مع جواز الانفكاكِ عند السَّكاكيِّ.

تَنبيه: وفَوائده مِمَّا زادَ على المفتاح.
وحاصِلُ التَّنبيهِ: بيانُ أن الاستعارة في الأَفعالِ والحُروفِ يُمكن بالأَصالة.
أَمَّا الفعل فيدلُّ على النِّسبةِ المحصَّلة؛ لأنَّها ذاتيّةٌ ويستدعي حدثًا وزمانًا في الأكثر، وإنْ كان قد يُعرّى عن الحدثِ؛ كالأفعال الوجوديّة المسمّاة بالأفعال النَّاقصة ك (كان) وشقائقها، أو يعرَّى عن الزمان؛ ك (نعم)، و (بئس)، و (بعت) (1)، و (عسى)؛ من أَفْعال المدح، والذمِّ، والمقاربة؛ إذا استحدِثَ به الحُكْم؛ أَيْ: إذا أنْشِئ به حكمٌ، ولم يكن المرادُ الإخبارَ.
والاسْتعارة متصوَرة في كل من الثلاثة: النِّسبة، والحدثِ، والزَّمانِ؛ ففي النِّسبة؛ ك (هزمَ الأمير الجيش)؛ فإن لفظَ (هزَم) باق على زمانه الماضي، وعلى الحدث الذي هو الهزيمة؛ لكن تُصرِّفَ في نسبته إلى الأمير استعارة؛ لأن جند (2) الأمير هو الهازمُ لا هو نفسه.
وفي الزمان ك (ونادى أصحَابُ الْجَنَّة} (3) فإن نادى مُجرى على حقيقته في الحدثِ والنِّسبة؛ لكن استعير في زمانه؛ لأَن النِّداء
__________
(1) هكذا -أيضًا- في ف. والكلمة ساقطة من أ، ب.
(2) في الأصل: "ضِدَّ" وهو تحريف بالنَّقص والقلب، والصَّواب من أ، ب.
(3) سورة الأعراف، من الآية: 44.
(2/748)

في يومِ القيامةِ.
وفي الحدث: {فَبَشّرهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (1)؛ فإِنَّه استعير (2) البشارة فيه للإِنْذارِ، وفي الآخرين باقٍ على أَصْله.
وأَمَّا الحروفُ (3) ف (في) -مثلًا- وُضعت لكلِّ ظرفيّةٍ خاصّةٍ؛ كان كان الوضْع بأمرٍ عامٍّ؛ أي: باعتبار معنى عَامٍّ؛ كالظرفيّةِ المطلَقةِ عُقلَت الظرفيّةَ الخاصّة به؛ بذلك الأمر العامّ؛ وأَنها؛ أي: تلك الظّرفيّة الخاصَّة الّتي هي فردٌ من ذلك العامِّ لا تُتحصّلُ إلّا بذكر المتعلّق الذي لذلك الحرفِ؛ ك (الدّار) للفظة (في)؛ لأنّ النَّسبة لا تتعيّن ولا تتحصّل (4) إلّا بالمنسوب إليه.
والحاصل: أن وضعَ الحرفِ عامٌّ، والموضوع له خاصٌّ، ولأنّه نسبة خاصّة لا تحصل إلّا بذكر المنسوب إليه؛ فإذا أُريدَ بها؛ بالظّرفيّة استعلاءٌ؛ كما في قوله -تعالى-: {وَلأصَلِّبَنكم فِي جُذُوع النَّخْلِ} (5) فإن المرادَ في الآيةِ الاستعلاءُ لا الظرفيّةُ. فقد نقل؛ أي: لفظ
__________
(1) سورة آل عمران، من الآية: 21. والتّوبة من الآية: 34. والانشقاق، من الآية: 24.
(2) في أ، زيادة: "في زمانه لأَن النِّداء في يوم القيامة إلى" وهذه الزّيادة من انتقال النّظر لسبق ورودها.
(3) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "الحرف".
(4) في الأَصل زيادة: "ولا يتعيّن" ولا وجه لتكرارها.
(5) سورة طه؛ من الآية: 71.
(2/749)

(في) عن الموضوع له؛ أي: الظّرفيّة إلى الاستعلاء. أَوْ نُقِل الموضوعُ له؛ وهو الظرّفيّة إلى الاستعلاء؛ بمعني أنه شَبَّه الاستعلاءَ بالظرفيّة؛ في شدّة تمكّن المصلوبِ على الجذع؛ تمكّن المظروف في الظرف مبالغةً، ثم تُرك المشبّهُ وذُكر المشبّهُ به استعارة.
وعلى الأَوَّل النّقل والتَّصرُّف في اللفظ؛ فهو مجازٌ.
وعلى الثاني- التَّصرّف في المعنى؛ لأنّه استعارةٌ مصرّحة تحقيقيَّةٌ كان الاستعلاء؛ أيضًا؛ موضوعٌ له على سبيل الادِّعاء-؛ فاللفظُ: حقيقيةٌ.
والمدخولُ عليه وهو جذوع النَّخل قرينةٌ للنَّقل على التَّقديرين؛ لتعذُّر الظرفيّة الحقيقيّةِ فيها؛ وكلُّ ذلك من التَّصرُّفات التي في الفعل أو في الحرف. بالأصالة؛ لا بالتَّبعيّةِ؛ وهذا هو المقصودُ من [هذا] (1) التَّنبيه.
لَكنَّكَ بعد التَّحقيقِ لا تُشاح بصيغةِ فعل النَّهي، في التَّسمية إذْ لا مُشاحة في الاصطلاحاتِ.
وللأستاذِ (2) في بيان (3) اختلاف الوضع والموضوع له؛ عمومًا وخصوصًا؛ في شرحه المختصر [تحقيق] (4)، قال (5): "وإن كنتَ تريدُ حقيقة الحالِ في ذلك فاعلم أوّلًا مقدِّمة؛ وهي: أن اللّفظَ قد يوضع
__________
(1) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(2) في الأَصْل: "والأستاذ" والمثبت من أ، ب.
(3) في أ: "شأن".
(4) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(5) أي: مختصر منتهى السّؤل والأمل: (1/ 187 - 189).
(2/750)

وضعًا عامًّا لأمور مخصوصةٍ؛ كسائرِ صيغ المشتقاتِ والمُبْهمات؛ فإن الواضعَ لَمَّا قال: صيغة فاعل من كلِّ مصدرٍ لمن قامَ به مدلوله، وصيغة مفعول منه (1) لمن وقع عليه- علم منه حالُ؛ نحو: (ضارب)، و (مضروب) من غيرِ التَّعرّض (2) بخُصُوصهما، وكَذَلك إذا قال: (هذا) لكلِّ مشارٍ إليه مخصوص، و (أنا) لكَلِّ متكلِّمٍ، و (الذي) لكلِّ معيَّن تحمله. وليس وضع (هذا) كوضع (رجل)؛ فإن الموضوع له فيه عامٌّ؛ وهذه وضعت باعتبارِ المعني العامِّ للخصوصيّاتِ التي تحته؛ حتَّى [إذا] (3) استُعمِل (رجلٌ) في (زيدٍ) بخصوصه كانَ مجازًا، وإذا أُريد به العامّ المُطابق له كان حقيقة. بخلاف: (هذا)، و (أَنا)، و (الذي)؛ فإِنَّه إذا أُريدَ به الخصوصِيَّات كانت حقائق ولا يُراد بها العموم أصلًا؛ فلا يُقال: (هذا) والمرادُ أحدٌ (4) مما يُشارُ إليه، ولا (أنا) والمرادُ به متكلّمٌ ما.
وإذ قد (5) تحقّق ذلك؛ فنقول: الحرفُ وضع باعتبارِ معني عام وهو نوعٌ من النِّسبة كالابتداءِ والانتهاءِ لكلِّ ابتداء وانتهاءِ معني بخصوصه، والنِّسبة لا تتعيَّنُ إلّا بالمنسوب إليه؛ فالابتداءُ الذي للبصرة يتعيّن بالبصرة، والانتهاءُ الذي للكوفة يتعيّنُ بالكوفة؛ فما لم يُذْكر متعلّقه لا يُتَحصَّل
__________
(1) في الأَصْل: "به"، والصَّواب من: أ، ب. والمراد صيغة (مفعول) من كل مصدر.
(2) في ب: "التّعريض" وهو تحريف بالزيادة.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأصْل. ومثبت من أ، ب، مصدر القول.
(4) في الأَصْل: "واحد". والمثبت من أ، ب، مصدر القول.
(5) في الأَصْل: "يراد" ولا وجه له. والصَّواب من أ، ب، مصدر القول.
(2/751)

فردٌ من ذلك النَّوع هو مدلول الحرف لا في النّقل ولا في الخارج، وإنّما يُتحصّلُ بالمنسوبِ إليه، فيتعقّل بتعقّله، بخلافِ ما وُضع للنّوع بعينه؛ كالابتداءِ والانتهاء؛ بخلاف ما وضع لذاتٍ ما باعتبارِ نسبة، نحو: (ذو)، و (فوق)، و (عن)، و (على)، و (الكاف)؛ إذا أُريدَ به عُلوّ وتجاوز وشبه مُطلقًا؛ فهو كالابتداءِ والانتهاء".
الرَّابعُ: الحكمُ، التَّابعُ (1): للاستعارةِ، من وصفٍ؛ أو تَفْريع كلامٍ (2) أو غيره، إن ناسبَ المُشبَّه، أي: المُسْتعار له، لا المُشبَّه به والتَّشبيهِ (3) فمجرّدةٌ، أي: فتُسمَّى تلك الاسْتعارة مجرّدة، لتجرُّدها عمَّا يناسبُ المشبَّه به والتَّشبيه.
وإن ناسبَ (4) المشبّه به؛ أي: المستعار منه، فمرشّحة؛ أي: فتُسمَّى: استعارة مرشحة، لأن التَّرشِيح هو التَّربية، وإيرادُ ما يُناسب المُشَبَّه به تقويةً لأمر الاستعارةِ وتربيةً له.
وإن عُدم الحكمُ، وذَلك بأَن لا (5) يُقْرن به مَا يُنَاسب أحدهما؛ لا وصفًا (6)، ولا تفريعًا، ولا غَيْره. فَمُطْلقة؛ أي: فتُسمَّى: مطلقةً؛
__________
(1) في الأَصْل: "الرّابع" وهو تحريف، والصَّواب من أ، ب.
(2) كلمة: "كلام" ساقطة من ب.
(3) في ب: "ولا التَّشبيه".
(4) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، ب: "أَوْ ناسب".
(5) هكذا في الأَصْل. وفي أ، ب: "لم".
(6) في أ: "لا وصفًا"، وفيه تحريف وتصحيف.
(2/752)

لعدمِ اقترانِ حكمٍ بها.
ف (رأيتُ أسدًا) إطلاقٌ.
وقولك بَعْده: (شاكيَ السِّلاح)؛ أي: تامَّ (1) السلاح، أو ذا شوكةٍ في سلاحه، وهو مقلوب (شائك). (يجرُّ رُمْحه): تجريدٌ؛ لأن التَّسلُّح، وجر الرُّمح، مِمَّا يلائمُ المشبَّه.
و (حادّ المخالبِ)؛ المخلب: ظُفُرُ البُرْثُنِ، والبُرْثُنُ للسِّباع بمنْزلةِ الأَنامل [للإنسان] (2). (دامي البراثن): ترشيحٌ؛ لأن المخلبَ، والبُرْثُن؛ ممّا يُلائم المشبَّه به.
وقوله: (بعده) يُشعر بأن ذكرَ الحكم المناسبِ يجب أن يكون بعد ذكر الاستعارةِ؛ لكن لا يجبُ. فالمرادُ به ما هو المراد من قولِ السَّكاكيِّ: بالتَّعقيبِ، في قوله (3): "إنّما يلحقُها بالتَّجريد أو التَّرشيح إذا عقّبت بذلك".
وقال الشّارحُ (4): "المرادُ من التَّعقيب: الزيادةُ على معنى الاستعارةِ؛ سواءٌ كان المعقّبُ قبل الاستعارة أو بعدها، أو كان بعضُه قبل وبعضُه بعد".
__________
(1) في الأَصْل، ب: "تمام". والصَّواب من أ.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل، ب. ومثبت من أ.
(3) المفتاح: (385).
(4) أي: الشّيرازيّ؛ شارح المفتاح. وقوله في مفتاح المفتاح: (1008) باختلاف يسير.
(2/753)

وقد يجتمعان [أي: التَّرشيح والتَّجريد] (1) كما في قوله (2):
لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلاح مُقَذَّفٍ.
أي: كثير القذفِ لنفسِه إلى الوقائع، وهما صفتان للمستعار له.
لَهُ لِبَدٌ ..................
جمع لبدة؛ وهي الشَّعر المُتراكب بين كتفي الأسد.
.......... أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
وهاتان للمستعار منه.
ومبنى التَّرشيح (3): تناسي التَّشْبيه، وصَرْفُ النَّفسِ عن توهُّمه؛ كما قال أبو تَمّامٍ (4):
__________
(1) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصْل، ب. ومثبت من أ.
(2) البيتُ من الطويل. وقائله: زهير بن أبي سُلمى؛ قاله ضمن معلقته المشهور (أمن أمِّ أوفى دمنة لم تكلم)؛ مادحًا حصين بن ضمضم.
والبيت في ديوان الشاعر: (84)، والشعر والشّعراء: (1/ 158)، ونهاية الأرب: (7/ 54).
واستُشهد به في نهاية الإيجاز: (250)، المصباح: (137)، والإيضاح: (5/ 102)، والتبيان: (394).
وهو في المعاهد: (2/ 112).
(3) في الأَصْل: "ومنه". وفي ب: "ومعني التّرشيح". والصَّواب من أ، ف.
(4) هو أبو تمام؛ حبيب بن أوس بن الحارث الطائي. شاعر أَديب؛ وفي أخباره: أنه حفظ أربع عشرة ألف أرجوزة من أراجيز العرب غير القصائد والمقاطيع، له تصانيف؛ منها: "ديوان الحماسة"، "الوحشيَّات"، "ديوان شعر". توفي بعد أَنْ ولي بريد الموصل سنة 231 ه.=
(2/754)

ويَصْعَدُ حتَّى يَظُنَّ الجَهولُ ... بأَن له حاجةً في السَّمَاءِ.
ناسيًا حديثَ الاستعارة؛ نابذًا (1) أَمرَها وراءَ الظُّهورِ؛ حتَّى لم يُبالِ أن يبني (2) على علوّ القدر وسموّ المنْزلة ما بنَي على العُلُوِّ المكاني.
يفعلون؛ أي: أصحاب التَّشبيهاتِ. ذلك؛ أي: التَّرشيح، ونسيانِ التَّشبيه معَ التَّصريحِ بالتَّشبيه؛ كما في قوله (3):
__________
= ينظر في ترجمته: طبقات الشّعراء: (282، 286)، وتاريخ الطبريِّ: (9/ 124)، الأغاني: (8/ 525 - 537)، والفهرست: (190)، وانظر كتابًا في سيرته وأخباره بعنوان: أخبار أبي تمام لأبي بكر محمد الصولي.
والبيت من المتقارب. قاله الشّاعر ضمن قصيدة يرثي بها خالد بن يزيد الشَّيبانيّ.
والبيتُ في ديوانه: (4/ 34) "شرح التبريزيّ" برواية:
"وَيَصْعدُ حتَّى يَظُنَّ الجَهُولُ ... أَنّ لَهُ مَنْزلًا في السَّمَاء".
وفي نهاية الأرب: (7/ 56) برواية: "يظن الحسود".
واستُشْهد به -برواية المتن- في أسرار البلاغة: (302)، المفتاح: (385)، والإيضاح: (5/ 103).
وهو في المعاهد: (2/ 152).
(1) هكذا في الأَصْل. وفي أ، ب: "بابداء"، ولعلّه تحريف ما ورد في الأَصْل؛ يؤيّده لفظه المفتاح: "نبذوا".
(2) في الأَصْل: "يتبين" والصَّواب من أ، ب.
(3) البيتان من المتقارب، وقائلهما: العبَّاس بن الأَحْنف، وهما في ديوانه: (126)، وديوان المعاني: (1/ 269)، وزهر الآداب: (4/ 168).
واستشهد بهما في أسرار البلاغة: (307)، والمفتاح: (387)، والمصباح: (139)، والإيضاح: (5/ 105).
وهما في المعاهد: (2/ 161).
(2/755)

هِيَ الشَّمْسُ مَسْكَنُهَا فِي السَّمَاءِ ... فَعَزّ الفُؤادَ عَزَاءً جَمِيلا
فَلنْ تَستطيعَ إِلَيْهَا الصُّعُودَ ... وَلَنْ تَستطِيعَ إِليْكَ النُّزُولا
فمع ترْكِ التَّصريح به؛ بل مع جحدِ التَّشبيه؛ كما في الاستعارة بالطريق الأَوْلى.
(2/756)

الخاتمة فيها تنبيهاتٌ ثلاثةٌ (1):
الأَول: في القَرينة.
الثاني: في الحسنِ.
الثالث: في الأَنْواع.
الأَوَّل: لا بُد للاستعارة من قرينةٍ دالّة عليها؛ وقد تكونُ القرينةُ أمرًا واحدًا؛ نحو: (رأيت أسدًا يرمي، أو يتكلَّم، أو في الحمَّام)؛ فإن كل واحد منها يصلُح قَرِينة لها.
أو [قد] (2) تكون القرينةُ أكثر من أمرٍ واحد؛ نحو (3):
وَصَاعِقَةٍ مِنْ نصْلِهِ أي: نصل سيفِ الممدوح، يَنْكفِي؛ أي: يرجع وينقلب بها؛ أي: بتلك الصَّاعقة.
__________
(1) كلمة "ثلاثة" وردت ضمن كلام المصنّف في أ. وليست في ف.
(2) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصْل. ومثبت من أ، ب؛ وهو اللائم لما قبلَه.
(3) البيتُ من الطويل، وقائله: البحتريّ. قاله ضمن قصيدة يمدح بها أبا سعيد الثّغريّ.
والبيت في ديوان الشّاعر: (2/ 356) برواية: "في كفّه" مكان: "من نصله"، و: "تنكفي" مكان: "ينكفي". و"هذه الرّواية -أيضًا- مع إيراد: "الأعداء" مكان: "الأقران" في المثل السّائر: (2/ 104)، وكذا الأَشْباه والنَّظائر: (1/ 31) بإيراد: "الأبطال" مكان: "الأقران" أيضًا.
واستشهد بالبيت في دلائل الإعجاز: (299)، نهاية الإيجاز: (184)، المفتاح: (375)، والمصباح: (131)، والإيضاح: (5/ 61)، والتّبيان: (380).
وهو في المعاهد: (2/ 131).
(2/757)

.......... ... على (1) أرؤُس الأَقْرَانِ (2) خَمْسُ سَحَائِبِ.
فإِنَّه لَمّا أَراد استعارة (السَّحائب) لأَنامل يمين الممدوح الخمس، تفريعًا على ما جرت به العادةُ من تشبيه الجوادِ بالبحر الفَيَّاضِ -تارةً، وبالسَّحاب الهاطلِ (3) - أخرى، - ذكر أن هناك صاعقةً، ثم قال: (من نصله)، فتبيّنَ أنّ تلك الصَّاعقةَ من نصل سيفِه؛ ثم قال: (على أرؤس الأقران)؛ ثم قال: (خمس) (4)، فذكر العدد الذي هو عدد جميع أناملِ اليد؛ فجعل ذلك -كله- قرينةً لِمَا أراد من استعارة (السَّحائب) للأنامل.
الثاني: أنه تَحْسُن الاستعارةُ برعاية جهاتِ حسنِ التَّشبيه؛ من كون الوجه شاملًا للطرفين، وكونه بعيدَ الغوْر، لا يُدرك أوّل الوهلةِ، وكونه خاصّيًّا، غيرَ مُبتذلٍ يَعْرفه العوام، وخصوصًا الاستعارة التَّحقيقيّة وما بالكناية.
ولفظة (خصوصًا) تُشعر بأن غيرهما كالتَّخييليّة -أيضًا- حُسنها برعايةِ جهاتِ حُسن التَّشبيه.
__________
(1) في الأَصْل: "في" وهو خطأ ظاهر؛ يدل عليه السِّياق فيما بعد. والصَّواب من: أ، ب، ف، مصادر البيت.
(2) الأقران: جمع قِرْن. وهو النَّظير المكافئُ. ينظر: اللِّسان (قرن): (13/ 337).
(3) في أ، ب: "الهطّال".
(4) في ب زيادة: "سحائب" والسِّياق تام بدونها.
(2/758)

لكن قال في المفتاح بعد قوله (1): "الاستعارة لها شروط [في الحُسن؛ إن صادفتها حسُنت، وإِلا عريت عن الحُسن وربّما اكتسبت قُبحًا] (2): وتلك الشُّروط (3) رعايةُ جهاتِ حسن التَّشْبيه التي سبق ذِكْرها في الأَصْل الأَوَّل بين المستعار له والمستعار منه في الاستعارة بالتَّصريح التَّحقيقيَّة والاستعارة بالكناية" [وأن لا تُشِمّها؛ عطف على قوله: (برعاية) أي: تحسُن الاستعارة برعايةِ جهاتِه، وبعدم إشْمام الاستعارة] (4) رائحة التّشبيه بأن لا يُذْكر في اللفظ شيء يدلّ على التَّشبيه.
ولذلك، أي: ولعدم ما يدلّ على التَّشبيه لفظًا وجبت القرينةُ، وإلّا فلُغز.
أَلْغَزَ في كلامه، أي: عمَّى مرادَه، وهو: مفردُ الأَلْغَاز، كرُطَبٍ وأَرْطاب (5)؛ كما لو قيل: (جاءَ أسدٌ) والمراد: رجل أبخر، لعدم ما يدلُّ على التَّشبيه في البخر.
قال في المفتاح (6): "وأن لا تشمّها في كلامك من جانب اللّفظِ رائحة من التَّشبيه، ولذلك يوصى في الاسْتعارة بالتَّصريح أن يكون
__________
(1) ص: (387).
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، مصدر القول.
(3) عبارة: "في الحسن ... الشّروط" ساقطة من ب. ولعلّه من انتقال النّظر.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ.
(5) ينظر: الصّحاح "لغز": (2/ 758).
(6) ص: (388).
(2/759)

الشَّبه (1) بين المستعار له والمستعار منه جليًّا بنفسه، أو معروفًا سائرًا بين الأَقوام، وإِلا خرجت الاستعارةُ عن كونها استعارة؛ ودخلت في بابِ التَّعمية والإلغاز".
وبينهما مخالفةٌ من حيث إنه [؛أي: الأستاذ] (2) أوجب بدل وجوبِ كونِ الشَّبه (3) جليًّا: القرينة (4)؛ ولهذا لم يخصّص الاستعارةَ بالتَّصريحيّة؛ كما خصّصها السَّكاكيُّ بها.
ويُحتملُ أن يقال: كونُ الشَّبه (5) جليًّا أيضًا نوعٌ من القرينةِ؛ كما عُلم ميلُ المصنّف إليه عند الإفادة. وحينئذٍ يكونُ المراد بقوله: (وجبت (6) القرينة) وجوبَ القرينةِ في الاستعارةِ المحمولةِ على المصرّحةِ عند الإطلاقِ.
والتَّخييليّةُ في الحُسن تبعٌ لما بالكناية؛ أي: للاستعارة بالكنايةِ؛ فإن كانت (7) المتبوعةُ حسنة فالتَّابعة بحسبها -أيضًا- حسنة (8) وإلا فلا.
__________
(1) هكذا -أيضًا- في مصدر القول. وفي أ: "التّشبيه".
(2) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصْل، ب. ومثبت من أ. وبه يزداد الكلام وضوحًا.
(3) في أ: "التّشبيه".
(4) في الأَصْل: "بالقرينة" ولا وجه للباء. والصواب من أ، ب.
(5) في أ: "التّشبيه".
(6) في الأَصْل: "أوجبت" ولا وجه للهمزة. والصواب من: أ، ب، قول المصنّف المتقدّم.
(7) في أ، ب: "كان".
(8) في الأَصْل: "حسنها"، والمثبت من أ، ب.
(2/760)

وهي؛ أي: التّخييليّة مع المشاكلة أحسنُ لانضمام حسن المشاكلة إليها.
والمشاكلةُ -على ما هو المَشْهور-: ازدواجُ لفظين (1). وقيل (2): "أن يُذكرَ الشَّيءُ بلفظِ غيره لوقوعه في صُحبته "؛ نحو:
{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} (3)؛ فإنّه يلزمُ من ازدواج الففظ في (يبايعونك ويبايعون الله) أن يكون هو -سبحانه- مُبايَعًا؛ وإذْ لا بُدَّ للمُبايَع من يدٍ؛ فيُتخيَّلُ له -سبحانه وتعالى- استعارة بالكناية بإدخالِ الله -سبحانه- في جنسِ المبايعين [ادّعاءً] (4)، وإثبات ما هو من خواصِّهم؛ وهو اليدُ له.
واستلزامُها للتَّخييليّة وتضمُّنها للمشاكلة ظاهرٌ (5).
__________
(1) ظاهر أن مُراد الشَّارح ب (ازدواج لفظين) المعني اللّغويّ؛ إذ لم يشتهر عن الدارسين القُدماء والمعاصرين للشَّارح تعريف اصطلاحي بهذا العموم.
(2) المفتاح: (424). وينظر: الصباح: (196)، والإيضاح: (6/ 26)، والتّبيان: (468)، ومعجم البلاغة العربية: (316).
(3) سورة الفتح؛ من الآية: 10.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(5) انطلق المصنِّف والشَّارح -رحمهما الله- في تفسيرهما للآية الكريمة المتقدّمة؛ لبيان معني المشاكلة، مع معتقدهما الأشعريّ في إثبات أسماء الله وصفاته؛ حيث يثبت الأَشاعرة سبعَ صفاتٍ لله، ويؤوّلون ما عدا ذلك فرارًا من التّشبيه؛ كتأويلهم اليد بالقدرة في الآية الكريمة. زاعمين أنّ هذا هو اللّائق بجلاله وكماله.
والحقّ: أنهم فروا من التَّشبيه ووقعوا في التَّعطيل. وكان الواجب عليهم: "الإيمان =
(2/761)

{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله} (1) وهذا في بعض النُّسخ؛ ولكن ما قرأتهما على المصنّف، ولعلّها حاشية لمثالِ المشاكلة؛ لعدم الاستعارةِ فيها -اللهمَّ إلّا بتكلّفٍ شديدٍ- فألحقت بالمتن.
بل قلّما تُستحسنُ الاستعارةُ التَّخييليّة دونها؛ في دون المكنيَّة؛ أي: دون أن تكون تابعةً لها كما يقال: (فلان بين أنيابِ المنيّة الشَّبيهة بالسَّبع)؛ إذا لا مَكْنيّة فيها.
وعند ذي الإيضاح أن الاستعارةَ التَّخييليّة لا تكونُ إلّا تابعةً للمَكْنيّة.
ولذلك؛ أي: ولعدم (2) استحسانها دونها استُهْجِن قولُ أبي تمّام (3):
__________
= بما وصف به نفسَه في كتابه، ووصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ بل يؤمنون بأن الله سبحانه {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى؛ من الآية:11] فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرّفون الكلام عن مواضعه". العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية (مع شرح فضيلة د. صالح الفوزان: 13، 15).
ثم إن دعوى التشبيه لا ترد أصلًا "فلا يقال في صفاته: إِنها مثل صفاتها .. كما لا يقال إِن ذات الله مثل أوْ شبه ذواتنا" شرح العقيدة الواسطية د. صالح الفوزان: (14). وهذا الحقُّ يتجه على المصنّف والشارح -رحمهما الله- في جميع آيات الصفات التي صرفت عن ظاهرها. والتَّوفيق له من الله سبحانه.
(1) سورة آل عمران؛ من الآية: 54.
(2) في ب: "لعدم" بدون العطف.
(3) تقدمت ترجمته ص (754) قسم التحقيق.
والبيتُ من الكامل، وهو ثاني أبيات قصيدة للشَّاعر يمدح بها يحيى بن ثابت. ديوان الشاعر =
(2/762)

لَا تَسْقِنِي مَاءَ المَلامِ فإنني صَبٌّ ... قَدِ اسْتَعَذَبتُ مَاءَ بُكائِي
لكونِها استعارةً تخييليّةً غيرَ تابعةِ للاستعارةِ بالكناية؛ لاستحالة أن تكون الاستعارةُ في (اللام)، و (الماءُ) قرينة، إذ (الملام) لا يُشْبه شيئًا له ماء حتَّى يُتوهّم للملام مثل الماء؛ كما تُوهّم الأنياب للمنيَّة، ويُطلقُ عليه لفظُ (الماء) ويُضافُ إلى (اللام)؛ لتكون استعارةً بالكناية؛ فتعيَّن أن تكونَ استعارةُ في (الماء)، و (اللام) قرينة؛ فتكون استعارةً مصرّحة (1) بها تخييليّة.
يُروى أن بعض أَهل (2) المحلَةِ (3) أرسل إلى أبي تَمَّامٍ قارورةً؛ وقال: ابعث لي في هذه شيئًا من ماءِ الملام!، فأرسل إليه أبو تمّام؛ وقال: إذا بعثت إليَّ ريشةً من (جناح الذّل) (4) بعثتُ إليك شيئًا من ماءِ اللام! (5).
__________
= بشرح التَّبريزيّ: (1/ 22)، وديوانه بشرح الصُّوليّ: (1/ 178)، وسرّ الفصاحة: (140).
وأورده صاحب البديع في البديع في نقد الشّعر: (42)، والمثل السّائر: (2/ 152).
واستُشهد به في نهاية الإيجاز: (254)، والمفتاح: (388)، والمصباح: (142)، والإيضاح: (5/ 143)، والتّبيان: (252).
(1) في أ: "مصرّحًا".
(2) كلمة: "أهل" ساقطة من ب.
(3) المحلَة: المناكرة، وما حل فلانٌ فلانًا مماحلة: قاواه حتَّى يتبيّن أيهما أشدّ. ينظر: اللِّسان (محل): (11/ 619). ورواية المثل السّائر: "المجانة" وحملها على الأوّل أوْلَى.
(4) إشارة إلى قوله تعالى في محكم التَّنْزيل: {وَاخْفِضْ لَهُمَا حَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [سورة الإسراء؛ من الآية: 24].
(5) تنظر هذه الرِّواية في المثل السّائر: (1/ 153). وقال عنها ابن الأثير: "وهي رواية ضعيفة". =
(2/763)

"والفرْقُ بين التَّشبيهين ظاهرٌ؛ لأنَّه ليس جعل الجناح (1) للذُّلِّ (2) كجعل الماءِ للملامِ؛ فإن الجناحَ للذُّلِّ مناسبٌ، وذلك أن الطائرَ إذا وهنَ أو تعب (3) بسط (4) جناحه وخفضه، وأَلْقى نفسَه على الأرضِ، وللإنسانِ -أيضًا- جناحٌ، فإن يديه جناحاه، وإذا خضع واستكان طأطأ من رأسه وخفض من يديه (5)؛ فحسُن عند ذلك جعلُ الجناح للذُّلِّ، وصارَ شبيهًا (6) مُنَاسبًا.
وأمّا الماءُ للملام فليس كذلك في مناسبة التَّشبيه" (7).
ولو قيل: بأن الاستعارة التَّخييليّةَ في البيت تابعةٌ للاستعارةِ بالكناية
__________
= وإذا سلّمنا بضعف هذه الرواية على حدّ قول ابن الأثير؛ فإننا نجد أنها تحمل في مضمونها دفاعًا عن بيت الشّاعر؛ هذا البيت الذي أدار النقّاد والبلاغيّون حوله جدالًا كثيرًا ما بين مستهجن له ومدافع عنه. ينظر -على سبيل المثال-: الموازنة: (244)، وسرّ الفصاحة: (142)، والمثل السائر: (2/ 153).
(1) في الأَصْل، ب: "جناح" والصَّواب من: أ، مصدر القول.
(2) قوله: "فإنّ جناح للذلّ" تكرر في: ب.
(3) في أ، ب: "بعث" وهو تصحيف.
(4) كلمة: "بسط" ساقطة من ب.
(5) في الأَصْل: "يده" والصواب من: ب، مصدر القول وهو المناسب للسياق.
وجملة "وإذا خضع ... من يده" ساقطة من أ.
(6) في الأَصْل، ب: "شبيهًا"، والمثبت من: أ، مصدر القول.
(7) المثل السّائر: (2/ 153)، مفتاح المفتاح: (1023).
(2/764)

بأن يُشَبَّه الملام بظرفِ (1) الشَّراب؛ لاشتماله على ما يكرهُه الشّاربُ لمرارته، ثم استعار الملام له بالكناية، ثم يُخْترع فيه شيءٌ شبيهٌ بالماء فيُستعار في اسم الماء- لكان موجّهًا (2).
الثّالثُ: أنّ (3) الاستعارةَ فرعُ التَّشبيه؛ فأنواعُها (4) كأنواعِه خمسةٌ:
الأَوَّل: استعارةُ حسِّيٍّ لحسِّيٍّ [بوجه حسّيّ] (5)؛ نحو قوله -تعالى-: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} (6) فالمستعار (7) منه هو النّارُ، والمستعارُ له هو الشّيبُ، والوجهُ هو الانْبساطُ. فالطرفان حِسِّيَّان، والوجهُ -أيضًا- حسِّيٌّ، وهو استعارةٌ بالكناية؛ لأنه ذكر المشبّهَ وترك المشبَّه به مع ذكرِ لازمٍ من لوازمِ المشبّه به؛ وهو الاشتعالُ.
الثاني: استعارةُ حسِّيٍّ لحسّيٍّ بوجهٍ عقلي؛ نحو قوله -تعالى-:
__________
(1) هكذا -أيضًا- في مصدر القول. وفي أ: "الظرف".
(2) هذا القيل الذي استوجهه الشَّارح -رحمه الله- رأي للخطيب القزويني أورده جوابًا على بعض الاعتراضات التي تصوّرها عندما تعرّض لهذه القضيّة. ينظر: الإيضاح: (5/ 143).
(3) هكذا وردت "أنّ" -أيضًا- في ف. ولم ترد في: ب.
(4) في الأَصْل: "فأنواعه" وهو تحريف بالنقص. والصَّواب من: أ، ب، ف.
(5) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصْل. ومثبت من أ، ب، ف.
(6) سورة مريم؛ من الآية: 4.
(7) في الأَصْل: "فإنّ المستعار منه" ولا مُسوّغ للتّأكيد. والمثبت من أ، ب، زهو الملائم لمقابله؛ في القسم الثاني بعده.
(2/765)

{إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} (1)؛ فالمستعارُ له الرّيحُ، والمستعارُ منه المرأة (2)؛ وهما حِسّيّان، والوجه المنعُ من ظهورِ النَّتيجة والأثر (3)؛ وهو عقليٌّ؛ وهو -أيضًا- استعارةٌ بالكنايةِ.
قال في الإيضاح (4):
"وفيه نظرٌ؛ لأن العقيمَ صفةٌ للمرأة لا اسم، ولذلك جُعل صفة للرِّيح لا اسمًا" (5).
والحقّ: أن المستعار منه: ما في المرأة من الصِّفة التي تمنع من الحمل، والمستعار له: ما في الرِّيح من الصِّفة التي تمنع من إنشاء مطرٍ وإلقاح شجر".
وهو مندفعٌ بالعنايةِ؛ لأن المرادَ من قوله: المستعارَ منه المرأةُ (6) التي عبّرَ عنها ب (العقيم)؛ ذكرها السَّكاكيُّ بلفظ ما صدّق عليه، والمعترضُ
__________
(1) سورة الذّاريات؛ من الآية: 41.
(2) في المفتاح: (381): "والمستعار منه المرء". وقال الشّيرازيّ معلّقًا على هذا في مفتاح المفتاح: (1025): "وفي بعض النّسخ (المرأة)، والأوّل هو الرّواية [أي: المرء]. وأمّا أن العقيم لا يطلق على المرء فليس بشيء؛ لأَنَّه يطلق عليه سواء أخذ بمعنى الإنسان، أَوْ الرّجل وهو الأصحّ. قال في الصّحاح [عقم: 4/ 1612]: يقال: رجل عقيم إذا لم يولد له".
(3) كلمة: "والأثر" ساقطة من ب.
(4) (5/ 79 - 80).
(5) ويترتّب على هذا: أنّ المستعار منه عقليّ لا حسِّيّ.
(6) كلمة: "المرأة" تكررت في ب. ولا وجه للتّكرار.
(2/766)

بالوصف العُنوانيّ.
الثّالثُ: استعارةُ معقولٍ لمعقولٍ (1)، نحو قوله -تعالى-: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} (2) فالرّقادُ مستعارٌ للموتِ، وهما أمران معقولان؛ والوجهُ: عدمُ ظهور الأفعالِ، وهو عقليٌّ. والاستعارةُ تصريحيّة؛ لكونِ المشبّهِ به مذكورًا.
الرَّابعُ: استعارةُ محسوسٍ لمعقولٍ؛ نحو قوله -تعالى-: {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ} (3) أصلُ المساسِ في الأجسام، فاستُعير لمقاساة الشِّدّة، وكونِ المستعار منه حسيًّا، والمستعار له عقليًّا (4)، وكونها تصريحيَّةٌ ظاهر. والوجه: اللّحوق؛ وهو عقليٌّ.
الخامسُ: استعارةُ مَعْقولٍ لمحسوسٍ؛ نحو قوله -تعالى-: {لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} (5) المستعار منه التَّكبّر؛ وهو عقليّ، [والمستعارُ له كثرةُ الماء؛ وهو حسّيٌّ. والوجهُ الاسْتعلاء المفرط؛ وهو عَقْليّ] (6) وهي (7) -أيضًا- تصريحيّة. وإنّما لم يذكر الوجه، ولا كيفيّته في الثلاثة الأخيرة لتعيّن كونه
__________
(1) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "بمعقول".
(2) سورة يس؛ من الآية: 52.
(3) سورة البقرة؛ من الآية: 214.
(4) في الأصْل: "عقلًا". والصَّواب من: أ، ب.
(5) سورة الحاقة؛ من الآية: 11.
(6) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل، وظاهرة من انتقال النّظر. ومثبت من أ، ب.
(7) في الأصْل: "وهو". والصَّواب من: أ، ب.
(2/767)

عقليًّا؛ إذ لا بدَّ للحسّيِّ من أن يكون طرفاه حسِّيين؛ لامتناع قيام المحسوس بالمعقول. ولا يجبُ العكسُ؛ أي: لا يجبُ إذا كان الوجهُ عقليًّا أن يكونَ طرفاه عقليّين؛ لصحّةِ إدراك العقلِ من المحسوسِ شيئًا معقولًا؛ كما في النَّوع الثاني.
وفي الإيضاح سدَّسَ الأنواعَ بأن زِيدَ فيما طرفاه حسيان قسمٌ ثالثٌ، وهو ما يكونُ الوجهُ مختلطًا -أي: من الحسّيَّ والعقليّ- نحو: رأيتُ شمسًا؛ أي: إنسانًا كالشّمسِ في حُسْن الطّلعة؛ وهو حسّيّ، ونباهةُ الشَّأن؛ وهو عقليّ (1). ولا طائل تحتَه؛ لأَن المركبَ من الحِسّيّ والعقليِّ عقليّ [ضرورةً؛ فليسَ قسمًا مُسْتقلا] (2).

الأَصل الرَّابعُ: في الكناية.
وهي تركُ التَّصريح؛ والتَّصريحُ: أداءُ المعنى مما هو موضوعٌ له من غير مزاحمٍ، بذكر الشَّيءِ إلى ذكرِ ما يلزمه لينتقلَ من المذكورِ إلى المَتْروك؛ سواءٌ كان المذكورُ مُرادًا أو لا؛ نحو: (طويلُ النَّجادِ)؛ أي: حمائلُ السَّيفِ، لينتقل من طوله إلى ما هو ملزومه -وهو طول القامةِ؛ لأَنَّها إذا طالت؛ طال النَّجادُ.
وهذا التَّعريفُ بناءً على ما ذهب السَّكاكيُّ إليه في صدر الفنِّ (3).
__________
(1) ينظر: الإيضاح: (5/ 80).
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت كله من: ب، وبعضه: "ضرورة" من أ.
(3) ذهب السكاكي -رحمه الله- إلى أن إيراد المعني الواحد على صورة مختلفة لا يتأتى إِلا في =
(2/768)

سُمِّيت الكنايةُ كنايةً لخفائها؛ أي: لما فيها من إخفاءِ [وجهِ] (1) التَّصريح، وكذلك (2) جميعُ تقاليبها المركّبةِ من (كافٍ) و (نونٍ) و (ياءٍ) في العربيّة تدلُّ على الخفاءِ؛ كالكنى؛ ك (أمِّ فلان)، و (ابن فلان)؛ بإخفاء وجهِ التَّصريحِ بأسمائهم الأعلام، وك (نِكَياتِ الزمّان) لحوادثها (3) النَّازلة على بَنِيه من حيثُ لا يَشْعرون، وك (الكَين) للّحَمة المستبْطنة في فرجِ المرأة، وك (النَّيك) (4) لإخفاءِ النَّاس إيّاه.
__________
= الدّلالات العقليَّة. وهي الانتقال من معنى إلى معنى بسبب علاقة. وهذه العلاقة لا تخلو:
إِمَّا أن يكون الانتقال من الملزوم إلى اللازم، كما تقول: (رعينا غيثًا)، والمرادُ لازمه وهو النّبت. وهذا ما يعرف بالمجاز.
وإمّا أن يكون الانتقال من اللّازم إلى الملزوم؛ كما تقول: (فلان طويل النّجاد)، والمرادُ طول القامة؛ الذي هو ملزوم طول النجاد. وهذا ما يعرف بالكناية. وفي قول الشَّارح: "بناء على ما ذهب إليه السَّكاكيّ" دلالة على وجود مذهب آخر؛ يخالف ما ذهب إليه السَّكاكيُّ ومَن حذا حذوه". وهذا الآخر هو مذهب الخطيب القزويني ومَن جاء بعده. حيث يرى أَن الكناية (الإيضاح: 5/ 158): "لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه حينئذ".
فالأَمرُ عنده بالعكس؛ إذا الانتقال من الملزوم إلى اللازم، وظاهر أن الخلاف بينهما لفظيّ؛ لتحقّق مطلق الارتباط بين المعنيين.
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(2) في الأَصْل: "ولذلك" والصواب من: أ، ب، ف.
(3) هكذا -أيضًا- في المفتاح. وفي أ: "لحوادثه".
(4) كان الأَوْلَى بالشارح -رحمه الله- العدول عن التَّصريح بهذه اللفظة والإشارة إلى=
(2/769)

ولها للكنايةِ مراتبٌ:
فقريبةٌ (1)؛ ك (طويل النجادِ) لطويلٍ (2)؛ لعدم تعدّدِ الوسائطِ واللّوازمِ.
وبعيدةٌ؛ ك (نؤومة الضُّحى) لخدومةِ (3)؛ لتعدّد الواسطة (4)؛ لأن نومها وترك السَّعي عند وقت السَّعي لازمٌ لَسعي غيرها لها، وسعي غيرها لها يلزمُ كونها مُرفَهةً مخدومةً؛ قال امرؤُ القيْس (5):
وَتُضْحِي فَتِيتُ المِسْكِ فَوْق فِرَاشِهَا ... نَؤُومُ الضُّحى لَمْ تَنْتَطِقْ (6) عن تَفَضُّلِ (7)
وأَبْعد؛ ك (مَهْزول الفَصِيل) للمضيافِ؛ لتعدُّد وسَائِطها أكثر من تعدُّدها في (نؤومة الضُّحى)؛ لأن هُزال الفصيل يلزمُ فقد الأمِّ،
__________
= معناها بمثل ما أشار السَّكاكي -رحمه الله- إذ قال (402): "مقلوب الكين".
(1) في الأَصْل، ب: "قريبة". والمثبت من: أ، ف.
(2) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "لطول القامة".
(3) هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، ب: "للمخدومة".
(4) في ب: "الرّابطة".
(5) تقدّمت ترجمته ص (392) قسم التّحقيق.
والبيتُ من الطّويل، وهو في ديوان الشاعر: (17).
(6) تنتطق: أي تشدّ إزارًا على وسطها. ينظر: اللسان (نطق): (10/ 355).
(7) التّفضّل: لبس ثوب واحد. ينظر: اللِّسان (فضل): (11/ 526).
وقوله: "لم تنتطق عن تفضل" كناية عن أنَّها ليست بخادم فتتفضّل وتنتطق للخدمة.
(2/770)

وفقدها مع كمال عناية العربِ بالنُّوق لا سيّما بالمُتَلِّيات (1) منها يلزمُ كمال قُوّة الدّاعي إلى نحرها، ولا داعي (2) إلى نحر المتلّيات أقوى من صرفها إلى الطبائخ، ومن صرف الطبائخ، إلى قرى الأضياف، فهزُال الفصيلِ لازمُ للمضيافيّة -كما ترى- بعدّةِ لوازم.
وأقسامُها -أي: الكناية- ثلاثةٌ، إذ المقصودُ بها إِمَّا الموصوف، أو الصِّفةِ، أو التَّخصيص لها؛ للصَّفَة به بالموصوف، والمرادُ بالصِّفة: ما هي؛ نحو: الجودُ في الجواد؛ أي: يُرادُ (3) بها الوصفُ الأعمُّ من وصف النُّحاة.
فالأوّلُ، أي: ما كانَ المقصودُ بها نفسَ الموصوفِ؛ قسمان: قريبةٌ، وهي أَنْ يتَّفقَ في صفة من الصِّفاتِ اختصاصٌ بموصوفٍ مُعيّنٍ عارضٌ فتذكرها؛ متوصِّلًا بها إلى ذكر ذلك الموصوف؛ ك (جاءَ المضْيَافُ)؛ أي: الكثير الضِّيافة؛ لمن اشتهر به وعرضَ اختصاصُ المَضيافيّةِ به له.
__________
(1) في الأَصْل: "المثلثات" ولا وجه له. وفي أ: "المنليات"، وفي ب: "المثليات" وهي إحدى الرّوايتين الواردة فيهما؛ كما صرّح بذلك الشيرازي في شرح المفتاح: (1079).
والمثبت هي الّتي أثبتها شارح المفتاح المتقدّم، وهي الرّواية الأَوْلَى -كما ذكر-، وقال في بيان معناها (المصدر السّابق: 1079): "وهي الّتي تلاها ولدها، يقال: أتلت النّاقة إذا تلاها ولدها".
(2) في الأَصْل: "ولا دواعي" والصَّواب من أ، ب، المفتاح.
(3) هكذا في الأَصْل. وفي أ، ب: "المراد". والمعنى واحد.
(2/771)

وبعيدةٌ، وهي أن تتكلّفَ اختصاصها بالموصوفِ؛ بأن يُضمَّ لازم (1) إلى لازمٍ آخر؛ فتلفق مجموعا وصفيًّا مانعًا من دخول ما عدا مقصودك فيه؛ وهو الذي يسمَّى في علم الاستدلال: ب (الخاصَّةِ المركّبةِ)؛ لحصولِ الاختصاصِ بالتَّركيب؛ لكونِ كُلِّ اللّوازم أعمَّ من الملزوم، ومجموعها مُساويًا له؛ كما يقال في رسمِ الخفّاش: (طائرٌ ولود)؛ لأنّ كلا منهما أعمُّ منه، والمجموع مساو له؛ إذْ لا طائر ولودًا غيره.
ك (مُستوى القامة، بادي البشرة، عريض الأظفار)، للإنسان؛ فإن كل واحد من الثّلاثِ غيرُ مختصٍّ بالإنسان لوجوده في غيره، كفى النِّسْناسِ، والحيَّةِ، والقردةِ، والمجموعُ خاصٌّ به، وهكذا كل رسمٍ ذُكِر مجرّدًا عن المرسومِ كانت كناية.
وفي المفتاح مكان قوله: (بادي البشرة) قوله: (حي) (2)؛ وهذا أولى.
والثاني؛ أي: ما كان المقصودُ بها نفس الصِّفةِ -أيضًا- قِسْمان:
قريبةٌ، وهي أن تنتقلَ إلى مطلوبكَ من أقرب لوازمه إليه؛ ك (طويل النجاد)؛ متوصّلا به إلى طُول قامته.
__________
(1) هكذا أجمعت النُّسخ على رفع كلمة "لازم" بناءً على أنها نائب فاعل، والفعل: "ويضم" مبني للمجهول، ولكن ظاهر السياق يقتضي نصبها؛ حيث بنيت الأفعال السّابقة والتّالية لها في العبارة للمعلوم.
(2) ينظر ص (404).
(2/772)

وبعيدةٌ؛ وهي أن تنتقل إلى مطلوبك من لازمٍ بعيدٍ بواسطة (1) لوازم مُتسلسلةٍ؛ ك (كثيرِ الرَّمادِ)؛ فإنّه يُنْتقل فيه من كثرةِ الرّمادِ إلى كثرة الجمرة، ومنها إلى كثرةِ إحراق الحطبِ تحت القدر، ومنها إلى كثرة الطبائخ، ومنها إلى كثرةِ الأكلة، ومنها إلى كثرة الضِّيفان، ومنها إلى أنه مِضْيافٌ. وكذا (جبان الكلبِ)؛ فإنّه يُنتقلُ فيه من جُبن الكَلب عن الهرير في وجْه من يَدْنو من دار صاحبه (2) مع كونِ الهرير له في وجه من لا يعرفُ أمرًا طبيعيًّا له وهُو مشعرٌ (3) باستمرارِ تأديبٍ [له] (4)؛ لامتناع تغيُّر الطبيعة بموجبٍ لا يقوى، واستمرارِ تأديبه أن لا ينبح مُشعرٌ باستمرار مُوجب نباحه؛ وهو اتّصال مشاهدته وجوهًا إِثْر وجُوه (5)، والاتّصالُ مشعرٌ بكونِ ساحته مَقْصد دانٍ وقاصٍ (6)، وكونه كذلك مُشْعر بكمال شهرةِ صاحبها بحُسن قِري الأضياف؛ قال الشّاعر (7):
__________
(1) في أ: "بوساطة"، وهما بمعنى.
(2) في أزيادة: "إليه"، والمعنى تام بدونها.
(3) في الأَصْل: "مشعرًا" بالنّصب. والصواب من أ، ب. وقريب منه لفظ المفتاح.
ويؤيّده ورود الكلمة نفسها في السّياق المماثل بالرفع.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من: أ، ب.
(5) في الأَصْل: "وجوده" وهو تحريف بالزّيادة. والصَّواب من أ، ب.
(6) في أ: "أدان وأقاص".
(7) البيتُ من الوافر، وهو بهذه الرّواية في الحماسة -تحقيق عسيلان-: (2/ 303)، الحيوان: (1/ 384)، شرح ديوان الحماسة للمرزوقيّ: (4/ 1650)، شرح ديوان=
(2/773)

وَمَا يَكُ فِيَّ مِنْ عَيْبٍ فَإِنِّي ... جَبَانُ الكَلْبِ مَهْزُولُ الفَصِيلِ
والثالثُ؛ أي: ما يكونُ المقصود بها اختصاصَ الصِّفةِ بالموصوفِ هو (1) -أيضًا- قِسْمان:
قريبةٌ؛ لقلّةِ الوسائطِ (2) وسُرعةِ انتقالِ الذِّهن إليها؛ نحو:
إن السَّمَاحَةَ والمُرُوءَةَ والنَّدَى ... فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الحَشْرَجِ (3).
__________
= الحماسة للتبريزي: (4/ 93).
كما ورد برواية: "ومَهْمَا فِيَّ من عيب" في الصّناعتين: (387).
واستُشْهد به في دلائل الإعجاز: (264)، نهاية الإيجاز: (271)، المفتاح: (405)، المصباح: (150)، الإيضاح: (5/ 167).
والبيت عائر لا ثانيَ له، وغير منسوب في المصادر المتقدّمة. لكن نسبه الأستاذ محمّد عبد المنعم خفاجي في تحقيق الدّلائل: (273)، والإيضاح: (5/ 167) لابن هرمة، وليس في ديوانه. ولم أقف على مصدر نسبه إليه.
(1) هكذا في الأَصْل بالتَّذكير على أنه راجع إلى "الثّالث". وفي أ، ب: "وهي" بالتّأنيث على أنه راجع إلى الاسم الموصول.
ومراده بهذا القسم: الكناية عن النسبة.
(2) في أ، ب: "الواسطة".
(3) ابن الحشرج هو عبد الله بن الحشرج بن الأَشهب بن ورد بن عمرو، الجعديّ؛ أحد سادات قيس، ولي أكثر أعمال خراسان، وبعض أعمال فارس وكرمان. كان شاعرًا، جوادًا، مقرَّبًا لبني أميّة. توفِّي نحو سنة 90 ه.
ينظر في ترجمته: الأغاني: (6/ 278 - 287)، معاهد التّنصيص: (2/ 174)، =
(2/774)

وهو عَلَمُ شخصٍ. فإِنَّه أرادَ أن يُثبت اختصاص ابن الحشرج بهذه الصِّفاتِ فتركَ التَّصريحَ؛ بأن يقول: إنّه مختصٌّ بها، أَوْ نحوه، إلى الكنايةِ؛ بأن جعلها في قُبَّةٍ مضروبةٍ عليه.
وبعيدةٌ؛ وهي ما بخلافها (1) نحو:
المَجْدُ يَدْعُو أَن يَدُومَ لِجِيْدِهِ (2) ... عِقْدٌ، مَسَاعِي ابنِ العَمِيدِ (3) نِظَامه (4)؛
فإِنَّه لَمَّا أرادَ أن يُثبتَ المجدَ لابن العميدِ لا على سبيل التَّصريح
__________
= الأَعلام: (4/ 82 - 83).
والبيت من الكامل، وقائله: زياد بن الأعجم. قاله مع ثلاثة أبيات حين وفد على الممدوح بنيسابور.
والبيت بهذه الرِّواية في الأغاني: (6/ 286)، وبرواية: "إِن السَّماحة والشَّجاعةَ ... ": (6/ 278).
واستشهد به في دلائل الإعجاز: (306)، نهاية الإيجاز: (271)، المفتاح: (407)، المصباح: (152)، الإيضاح: (5/ 170)، التّبيان: (410).
وهو في المعاهد: (2/ 173).
(1) في أ: "ما يخالفها".
(2) الجيد: العنق. اللِّسان (جيد): (3/ 139).
(3) مساعي ابن العميد: مكارمه وأفضاله. قال الجوهريّ (الصّحاح: 5/ 1896): "والمسعاة واحدة المساعي في الكرم والجود".
(4) البيتُ من الكامل، ولم يُنْسب في المصادر التي أوردته. حيث استُشْهد به في المفتاح: (408)، والمصباح: (152)، والإيضاح: (5/ 171)، والتبيان: (410).
(2/775)

- "أثبتَ لابن العميدِ مساعي، وجعلها نظامَ عقدٍ، وبيّنَ أن مناطَ ذلك العِقْد هو جيد المجد؛ فنبّهَ بذلك على اعتناءِ ابن العَميد بتزيين المجدِ، ونبَّه بتزيينه إِيَّاه على اعتنائه بشَأنه-؛ أعني: بشأن (1) المجد- وعلى محبَّتهِ (2) له؛ ونبَّه بذلك على أنَّه ماجدٌ، ولم يقنعه ذلك حتَّى جعل المجدَ -المعرّف تعريف (3) الجنس- داعيًا أن يدومَ ذلك العقدُ لجيده (4)، فنبّه لذلك على طلبِ حقيقة المجدِ دوامَ بقاء ابن العميدِ، ونبَّه بذلك على أَن تَزْيينه والاعتناء بِشَأنه مَقْصوران على ابن العميدِ، حتَّى أحكم تخصيص المجد بابن العميدِ، وأكَّده أبلغ تأكيد" (5).
والأمرُ في مخالفته للمفتاح (6)؛ حيثُ انقسمت [؛ أي: الكنايةُ المطلوبُ بها تخصيص الصِّفة بالموصوف] (7) فيه إلى اللطيفة والألطف (8)؛ في تقسيمه (9) إيّاها إلى القريبة والبعيدةِ كأخويه- سهلٌ؛ إذْ كونها ألطف
__________
(1) في ب: "على لسان" مكان: "أعني بشأن".
(2) في الأَصْل زيادة: "بذلك" والسِّياق تام بدونها. ولعلها تكررت من انتقال النَّظر مع ما بعدها.
(3) في ب: "بتعريف".
(4) في الأَصْل: "بحيده" والمثبت من أ، ب، المفتاح.
(5) المفتاح: (409).
(6) في ب: "المفتاح".
(7) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصْل، ب. ومثبت من أ.
(8) ينظر: المفتاح: (407).
(9) أي: المصنّف.
(2/776)

وكونها بعيدة متساويان (1) في الوجود. هكذا قال المصنّف (2).

تذنيباتٌ:
الأَوَّل: الكنايةُ قد تُساقُ لغير الموصوفِ المذكورِ؛ أي: في القسم الثاني والثالثِ، كما قد تُساق لأجلِ الموصوفِ المذكور -كما مرَّ في القسمين (3) -، كقوله: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} (4) إشارةً إلى المنافقين فإنهم بخلافه، أي: لا يؤمنون [بالغيب] (5)، فيتوصّلَ بذلك إلى نفي الإيمان به عن المنافقين، وهو غيرُ مذكورٍ، لا إِلى إِثباته للموصوف المذكورِ، أي: المتَّقين، وهذا إذا فُسِّرَ الغيبُ بالغَيبة؛ بمعنى: يؤمنون مع الغَيبةِ عن حضْرة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - (6)، إذْ لو
__________
(1) في الأَصْل: "متساوٍ فإنّ تقسيمه" ولا يستقيم به السّياق. والصَّواب من أ، ب.
(2) لم أقف على قوله -فيما بين يديّ من مؤلّفاته-؛ ولعله مِمَّا نقله عنه تلميذه مشافهة.
(3) في الأَصْل زيادة جملة: "تساق أيضًا- لأجل موصوف غير مذكور" والسّياق تام بدونها.
(4) سورة البقرة، من الآيتين: 2، 3.
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(6) أشار بعض المفسّرين إلى هذا التّفسير في معرض حديثهم عن المراد ب (الغيب) في الآية الكريمة، وعضّدوه بما رواه عبد الرّحمن بن يزيد قال (تفسير ابن كثير: 1/ 43 - 44): "كنّا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم وما سبقونا به؛ فقال عبد الله: إنّ أمر محمّد صلى الله عليه وسلّم كان بيّنًا لمن رآه؛ =
(2/777)

فُسِّرَ بما غاب عنك وأُريد به الخفيّ، الذي هو كالصّانع وصفاته (1)، واليوم الآخر، لا يكون تعريضًا بهم.
والأقربُ المناسبُ أن يقال لهذا (2)، أي: للكنايةِ المسوقة لموصوف غير مذكورٍ: تعريضٌ؛ لِمَا فيه من الإشارةِ إلى جانب، وإيهام أن الغرضَ جانبٌ آخر. يقالُ: نَظرَ إليه بعرض وجهه، أي: بجانبه. ومنه المثلُ: (إن (3) فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الكَذِبِ) (4).
__________
= والذي لا إله غيره ما آمن أحد قطّ إيمانًا أفضل من إيمان بغيب، ثمّ قرأ: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ...} إلى قوله: {الْمُفْلِحُون}. وينظر: الكشّاف: (1/ 80).
وقد أورد المفسّرون في بيان قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} أقوالًا عدّة.
على أنّ التفسير الصّحيح الذي تؤول إليه أقوالهم -هو حمل المعنى على الإِطْلاق؛ فيتناول كل ما غاب علمه عن الإنسان مما يجب الإيمان به. كما رجّحه ابن عطية وابن كثير.
ينظر: جامع البيان عن تأويل القرآن للطبري: (1/ 236 - 337)، والكشّاف: (1/ 80)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبِيّ: (1/ 163)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: (1/ 43)، وتفسير أبي السّعود: (1/ 31).
(1) كلمة: "وصفاته" ساقطة من ب.
(2) في الأَصْل: "لها" والصَّواب من أ، ب، ف.
(3) "إن" ساقطة من ب.
(4) المثل حديث أخرجه البيهقيّ في سننه: (10/ 199)، وأورده ابن الأثير في النّهاية: (3/ 212) كلاهما من طريق عمران بن حصين.
وقال عنه ابن الأثير: "وهو حديث مرفوع". =
(2/778)

وللبعيد (1)؛ أي: والأقربُ أن يقال للبعيدِ من الكناية، أي: لَمَّا كانت ذاتُ مسافة بينها وبين المُكَنَّى عنه متباعدة؛ لتوسّطِ لوازم، كما في (كثيرُ الرَّمادِ): تَلويحٌ؛ لمناسبته المعنى اللّغوي، وهو الإشارة إلى غيرك من بُعْد.
وللقريب من الكنايةِ؛ أي: لِمَا كانتْ ذات مسافةٍ قريبةٍ مع خفاءٍ: رَمْزٌ، ك نحو: (عريضُ الوسادةِ)، فإن كنايته (2) عن الأبله فيه نوعٌ من الخفاءِ. ومناسبة إطلاق اسم الرّمزِ عليها، لأن الرمزَ هو أن تُشير إلى قريب منك على سبيل الخفية، لأنه الإشارة بالشَّفتين والحاجب قال (3):
__________
= وساقه البخاريّ -رحمه الله- ترجمة لأحد أبواب كتاب الأدب في صحيحه. ينظر: صحيح البخاريّ: (8/ 85).
والمثل -أيضًا- في كتاب الأمثال في الحديث النّبويّ: (271 - 272)، وفي مجمع الأمثال: (1/ 20) وقال في مضربه: "ويضرب لمن يحسب أنه مضطرّ إلى الكذب".
والمعاريض: "جمع معراض؛ من التّعريض، وهو خلاف التّصريح من القول" النّهاية: (2/ 213)، وينظر: لسان العرب (عرض (: (7/ 183).
ومندوحة: "أي: سعة وفسحة". غريب الحديث لابن الجوزيّ: (2/ 399)، وينظر: اللِّسان: (ندح): (2/ 613).
(1) في الأَصْل: "وللبعيدة". والصَّواب من: أ، ب، ف.
(2) في أ: "فإنّه كناية" ولا يستقيم مع ما بعدَه.
(3) البيت من الكامل. ولم يُعْرف له قائل معيّن. وهو في أمالي المرتضى: (1/ 455) برواية: "من غير أن يبدو".
واستُشهد به برواية المتن في المفتاح: (411)، والإيضاح: (5/ 176).
(2/779)

رَمَزَتْ (1) إِلَيَّ مَخَافَةً مِنْ بَعْلِهَا ... مِنْ غَيْرِ أَنْ تُبْدِي هُنَاكَ كَلامَها.
ولَمْ يكن في النُّسخ لفظة قوله: (وللقريب)، وقال المصنِّفُ: بعد عرضي عليه بذلك فألحقت إنابةً، ولا بُدَّ له منه.
قال صاحبُ المفتاح (2): "وإنْ كانت ذات مسافةٍ قريبةٍ، مع نوعِ من الخفاء؛ كان إطلاقُ اسمِ الرّمزِ عليها مُناسبًا".
ودونه؛ أي: والأقربُ أن يُقال للقريب منها دون الخفاء. إشارةٌ وإيماءٌ؛ كقوله (3):
سَأَلتُ النَّدى: هل أَنت حُرّ؟ فَقَال: لا؛ ... ولكنّني عبد ليَحيى (4) بن خالد
فقلتُ: اشْتراءً، قال: لا، بلْ وراثةً، ... توارثني من والد بعد والد
__________
(1) في أ: "أرمزت".
(2) ص (411) بحذف يسير.
(3) البيت من الطّويل، ولم أعثر عليه -فيما بين يديّ من مصادر-.
(4) هو أبو الفضل، يحيى بن خالد البرمكيّ. مؤدّب الرَّشيد ثم وزيره، شهر بنبله، وجوده، ورجاحة عقله. أكرمه الرّشيد حتَّى علا شَأنه واستمرَّ إلى أن نكب الرشيدُ البرامكة؛ فقبض عليه وسجنه في (الرّقّة) إلى أن مات سنة 190 ه. وأخباره كثيرة جدًّا.
ينظر: وفيات الأعيان: (5/ 182 - 191)، ومعجم الأدباء: (5/ 616)، والبداية والنهاية: (1/ 204)، ومرآة الجنان: (1/ 424).
(2/780)

فإنّه في إفادته (1) جُودَ ابنِ خالدٍ أظهُر من أن يَخفى.
وقال بعضُهم: بين الإيماء والإشارة فرْق؛ وهو أنّ في الإيماءِ (2) دقّةً، وهو ألطفُ منها؛ يدلُّ عليه قولُ المجنون (3):
أَشَارت بأطرافِ البنانِ وودَّعت ... وأَوْمت بعَيْنَيها متَى أَنت راجعُ
والثّاني: التَّعريضُ قد يكونُ:
كنايةً بأن يُراد به الموصوفُ -أيضًا-؛ كما إذا قُلْتَ: (آذيتني فسَتعْرف!)، وأَردتَّ المخاطبَ ومع المخاطبِ إنسان آخر؛ مُعْتمدًا على قرائنِ الأَحوال في إرادةِ الإنسانِ الآخر، إذْ لولاها لما أمكن فهم كونِ الآخر مُرادًا، وأنه ليس كناية حقيقة؛ إذْ ليس فيه تصوّر لازم ومَلْزوم، وانتقال منه إليه، إلاٌ أن له مُشابهةً بالكناية؛ وهو كونُ تاءِ الخطابِ مُسْتعملًا فيما هو موضوعٌ له، مُرادًا منه ما ليس بموضوعٍ له، وهو الإنسانُ الآخر؛ كما أن هذا المعنى موجودٌ في الكناية.
__________
(1) في أ: "إفادة".
(2) قوله: "فرق ... الإيماء" ساقط من ب.
(3) هو قيس بن الملوّح بن مزاحم العامريّ. شاعر متيّم. لقّب ب (مجنون ليلى) لهيامه بها. له ديوان شعر مطبوع. توفي سنة 68 ه.
ينظر في ترجمته: الأغاني: (1/ 329)، وفوات الوفيات: (2/ 136)، وسرح العيون: (190).
(2/781)

ومجازًا بأن لا يُراد به المخاطَب [بَلْ] (1) غير المخاطبِ؛ ولا بُدَّ فيه من القرينةِ- أيضًا، وليس مجازًا حقيقةً؛ لتوقّفه على الانتقالِ من الملزومِ إلى اللّازم، ولا مَلْزوم ها هنا (2) ولا لازم؛ إِلّا أنه من حيث استعمال التَّاء فيما هي غير موضوعة له مشابه له.
وقيلَ (3): "هذا التَّعريضُ نوع على حدة؛ لا كنايةً ولا مجازًا"؛ إذ لا انتقال فيه من لازمٍ وملزوم. وهذا ممّا يُؤيّدُ ضَعْفَ (4) قول السَّكاكيِّ وقُوَّة كلامِ الأستاذِ في بحثِ مأَخذ المجازِ والكناية صدر الفصل البياني (5)؛ إذْ على التَّقديرِ الأَوَّل: كنايةٌ حقيقةً، وعلى الثّاني: مجازٌ حقيقةً على ما ذهب إليه (6) الأستاذ بلا احتياج إلى تحمُّل تَمَحُّل (7)؛ من بيانِ المشابهة والقول
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(2) في ب: "هنا".
(3) القائل هو الشِّيرازيّ. مفتاح المفتاح: (1095).
(4) كلمة "ضعف" ساقطة من ب.
(5) ينظر ص (420) قسم التّحقيق؛ حيث عرّف السَّكاكيّ -رحمه الله- المجاز بأنه: الانتقال من الملزوم إلى اللازم. والكناية بأنها: الانتقال من اللّازم إلى الملزوم.
ولا انتقال من أحدهما إلى الآخر هنا -كما ذكر الشارح-.
(6) "إليه" ساقطة من ب.
(7) هكذا في الأَصْل. وهو الصواب المتّسق مع كلام الأستاذ المتقدّم ص (87)؛ حيث فرّع ابتداءً على المشابه أوْ عدمها، ولا يتأتى معهما تحمّل نوع ثالث.
وفي أ: "بالاحتياج إلى تحمّل محمّل". وفي ب: "بل تحمّل -تمحّل-".
(2/782)

بكونِه نوعًا آخر (1).
هذا، ثم التَّعريضُ قد يكونُ على سبيل الكناية، وقد لا يكون. والكنايةُ قد تكون على سبيل التَّعريض، وقد لا تكون؛ فَكلٌّ منهما أعمُّ من الآخر بوجه.
الثالث: لا وجه لتخصيصِ الكنايةِ بالحقيقةِ كما قيل (2)؛ عُلِم
__________
(1) يلحظ أنّ الشّارح تابع المصنّف -رحمهما الله- في وصفه العريض بأنه قد يكون كناية وقد يكون مجازًا، وتبعًا لذلك انتقد السَّكاكيّ بعدم وجود لازم أَوْ ملزوم في التعريض. والحق أنّ لفظ السَّكاكيّ لا يلزمه؛ ف"المذكور في المفتاح [ص 412] ليس هو أنّ التّعريض قد يكون مجازًا وقد يكون كناية، بل إنّه قد يكون على سبيل المجاز، وقد يكون على سبيل الكناية". المطول: (413).
(2) لعل أوّل من أشار إلى ذلك ابنُ الأثير في المثل الستائر عند تعرضه لحد الكناية، وخلاصة كلامه (3/ 52 - 53):
"أن الكناية في أصل الوضع أن تتكلّم بشيء وتريد غيره. وعلى هذا فلا تخلو إِمَّا أن تكون في لفظ تجاذبه جانبًا حقيقة ومجاز، أوْ في لفظٍ تجاذبه جانبًا مجاز ومجاز، أَوْ في لفظ تجاذبه جانبًا حقيقة وحقيقة، وليس لنا قسم رابع.
ولا يصحّ أن تكون في لفظ تجاذبه جانبًا حقيقة وحقيقة؛ لأَن ذلك هو اللفظ المشترك ... وكذلك لا يصحّ أن تكون الكناية في لفظ تجاذبه جانبًا مجاز ومجاز؛ لأنّ المجاز لا بدّ له من حقيقة نُقِل عنها، لأنه فرع عليها ....
فتحقق حينئذٍ أن الكناية أن تتكلّم بالحقيقة، وأنت تريد المجاز، وهذا الكلام في حقيقة الدليل على تحقيق أمر الكناية لم يكن لأحد فيه قول سابق "انتهى كلامه.
كما يشعر بذلك التّخصيص قولُ السَّكاكيِّ في المفتاح في بيان خلاصة الأَصْلين =
(2/783)

خروجها عن حدودِ المجاز بقوله (1) فيها: "مع قرينةٍ مانعة عن إرادة (2) معناها في ذلك النَّوع"؛ حيث قيل (3): "المجاز هو الكلمةً المستعملةُ في غير ما هي موضوعة له بالتَّحقيق استعمالًا في الغير (4) بالنِّسبة إلى نوع حقيقتها مع قرينةِ مانعةٍ عن إرادة معناها في ذلك النَّوع".
لا يُقال: إنها ما دخلتْ تحت الجِنْس؛ وهو الاستعمالُ في غير ما هي موضوعه [له] (5)؛ فكيفَ تَخرجُ بالفصلِ؟.
لأنّا نقول: الكنايةُ قد تقعُ -أيضًا- مُسْتعملةً في غير ما هي موضوعة له مع أن على ذلك التَّقدير يحصُل المطلوب أيضًا، وكَذَا (6) في سائر الحُدودِ لها؛ لأَنه نقلٌ من مَعْنى إلى مَعْنى أعمّ من أَنْ يكون من المعني
__________
= المجاز والكناية (414): "والحقيقة في المفرد والكناية تشتركان في كونهما حقيقتين ويفترقان في التَّصريح".
وقوله -أيضًا- في باب المجاز: (360):
ومن حق الكلمة في الحقيقة التي ليست بكناية أن تستغني في الدّلالة عن المراد منها.
بنفسها عن الغير، لتعينها له بجهة الوضع".
(1) أي: السَّكاكي.
(2) في ب زيادة: "معنى" ولا وجه لها.
(3) مفتاح العلوم: (360).
(4) في أ،: "في اللغة" وهو تحريف.
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(6) كلمة "كذا" تكرّرت في الأَصْل. ولا وجه لتكرارها.
(2/784)

الحقيقيِّ أَوْ المجازيِّ، ولهذا قال (1): وقد يكون في المجاز؛ كما تقولُ: (أَنا لَسْت بِحِمار) في معناه المجازيّ، أي: ببليدٍ، ومنه ينتقلُ الذِّهنُ إلى كونِ غيركَ بَلِيدًا، وكما قال (2):
إنّ السَّماحَةَ والمرُوءةَ والنَّدى ... فِي قُبَّةٍ ضُربت عَلى ابن الحَشْرَج
فإنّ ضرب القُبَّة عليه مجاز، ومنه انتقال الذهن إلى كرمه (3).
الرّابع: أطبق البلغاء (4) أن المجاز أبلغ من الحقيقة؛ لأنه إثبات الشيء بملزومه، لأنّ مبني المجاز على الانتقال من الملزوم إلى اللّازم، فأنت في قولك: (رعينا الغيث) ذاكرًا لملزوم النَّبت مريدًا به لازمه؛ فهو دعوى بشاهد؛ فإنّ وُجود الملزوم شاهد لوجود اللّازم؛ لامتناع انفكاك الملزوم عنه.
والاستعارةُ أبلغُ من التَّشبيهِ الصَّريح لوجهين:
الأَوَّل: لأنها -أي: الاستعارة- مجازٌ مخصوصٌ (5)، ففيها الفائدةُ كما (6) في المجاز، من دعوى الشَّيءِ بشاهدٍ.
__________
(1) أي: المصنِّف. وفي ب: "قيل".
(2) البيت من الكامل. وهو لزياد بن الأعجم. وقد تقدَّم تخريجه ص (576) قسم التحقيق.
(3) في ب: "كونه" وهو تحريف.
(4) هكذا -أيضًا- في ف، وفي أ: "القوم".
(5) بخلاف التّشبيه؛ فإنّه حقيقة.
(6) هكذا في الأَصْل. وفي أ، ب: "الّتي" ولا اختلاف في المعنى.
(2/785)

والثاني [و] (1): إذْ لا اعتراف فيها -في الاستعارة- بكونِ المشبّه به أقوى وأكمل منَ المُشبّهِ في وجهِ التَّشبيه؛ لأنك تدّعي أنه المُشبّه بهِ بعينه؛ بَلْ تجعل تلك الأَكْمليَّة من جانب المُشبَّهِ (2)، بخلافِ التَّشبيه الصَّريح (3) فإن فيه اعترافًا بكونِ المشبّه به (4) أقوى.
والكنايةُ أبلغُ من التَّصريح والإفصاح بذكره؛ كما في المجازِ بعينه؛ فإن الانتقال في الكنايةِ عن اللّازمِ إلى الملزوم إنّما يكونُ بعد تساويهما، وحينئذٍ يكونُ انتقالًا من الملزوم إلى اللازم؛ فيصيرُ حالُ الكنايةِ كحالِ المجازِ؛ في كونِ الشَّيءِ معها مُدَّعى بشاهدٍ.
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب، ف.
(2) في ب اضطّراب في السِّياق؛ حيث تأخرت جملة: "تدّعي ... بعينه بل" إلى هذا الموضع.
(3) في أ: "التصريح".
(4) "به" ساقط من ب.
(2/786)

تذييلٌ لِلْعِلْمَيْنِ:
البلاغةُ: توفيةُ الكلامِ بحسبِ المقام حَقَّه، أي: حَقّ الكلامِ؛ من فوائدِ التركيب التي هي مُقْتضى الحالات؛ وهو بعلم المعاني، ومراتبِ الدّلالة؛ بإيرادِ أنواع التَّشبيه والمجازِ والكنايةِ على ما ينبغي؛ وهو بعلمِ البيانِ.
ولها -أي: للبلاغةِ- طرفان:
أسفلُ، به يزيد على ما يُفيدُ أَصْلُ المعنى الذي هو بمنْزلةِ أصواتِ الحيوانات.
وأعلى وهو أن يقعَ التَّركيبُ بحيثُ يمتنعُ أن يوجد ما هو أشدُّ تناسُبًا منه (1) في إفادة ذلك المعنى؛ كما أن الأسفل هو أن يقع على وجهٍ لو صار أقلّ تناسبًا منه لخرج عن كونه مُفِيدًا لذلك المعنى، وبينهما مراتبُ تكادُ تفوت الحصر. هو المُعْجز.
والإعجازُ شأنه عجيبٌ يُدركُ ولا يمكنُ التعبير عنه، كاستقامةِ الوزنِ تُدركُ ولا يمكنُ وَصْفُها، وكالملاحةِ، وكاستحسان الحيثيّةِ (2).
نعم، للبلاغةِ وجوة يمكن الكشفُ عنها، وأمَّا نفسُ وجه الإعجازِ فلا.
ويوصفُ بها بالبلاغة المتكّلمُ كما يقال: (رجلٌ بليغٌ)، والكلامُ، كما يقال: (خطبةٌ بليغةٌ) لا الكلمة. بخلاف الفصاحة، فإنّهما كما
__________
(1) "منه" ساقطة من: أ، ب.
(2) قوله: "وكاستحسان الحيثيّة" ساقط من ب.
(2/787)

يوصفانِ بها توصفُ الكلمةُ -أيضًا- بها (1)؛ وهذا مِمّا لم (2) يتعرّضْ له في المفتاح.
والفصاحةُ معنويّةٌ (3)، وهي: الخلوصُ عن التَّعقيد؛ بأَن يدخل الأُذن بلا إذن، فيدخُل المعنى القلْبَ قبل دُخول اللّفظِ الأذن (4)، ولا يقسم فِكر السّامع بِحيثُ لا يدري من أين يتوصَّل إلى معناه، وبأي طريقٍ يحصل فحواه.
ولُطْف هذا المعنى بهذه العبارةِ التي أوردها المُصنِّفُ مما لا يخفى.
لا (5) كما في قولِ الفرزدقِ في مدح إبراهيم (6) بن هشام المخزوميّ -خال هِشام (7) بن عبد الملك- وكان أميرَ المدينةِ من قِبَل هشام - (8):
__________
(1) في ب: "الكلمة بها - أيضًا".
(2) في الأَصْل: "لا" والصَّواب من: أ، ب.
(3) هكذا في ف -أيضًا-. وفي ب: "معلومة" وهو خطأ ظاهر.
(4) في أوردت كلمة: "الأذن" ضمن كلام المصنّف. وليست في ف.
(5) هكذا وردت "لا" أيضًا في ف، وفي ب: سقطت، ولا يستقيم المعنى إلا بها.
(6) اشتهر بشدّته وعتوّه، وهو الذي ضرب يحيى بن عروة بن الزّبير حتى مات.
ينظر في ترجمته: البيان والتّبيين: (1/ 320)، النّجوم الزّاهرة: (1/ 254)، نسب قريش: (246، 247).
(7) هو أبو الوليد؛ هِشام بن عبد الملك بن مروان. أحد خلفاء بني أميّة، ولد في دمشق، واستخلف بعهد معقود له من أخيه يزيد. كان عاقلًا، حازمًا، سائسًا، متولّيًا أموره بنفسه. توفّي سنة 125 ه.
ينظر في ترجمته: تاريخ اليعقوبيّ: (2/ 316 - 319)، الطبريّ: (7/ 200)، ابن الأثير: (4/ 495)، مرآة الجنان: (1/ 261).
(8) البيتُ من الطّويل، وهو ممّا تواترت المصادر بنسبته إلى الفرزدق. ولذا أورده جامع =
(2/788)

وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إِلأ مُمَلَّكًا ... أَبُو أُمِّهِ حَيٌّ أبوهُ يُقَارِبُهْ
وتقديرُه: لَيْس مِثل المدوح حيٌّ يقاربُه، إلّا مملّكًا، أبو أمِّ ذلك المملّك أبو المدوح.
(مثله) مبتدأٌ، و (في النَّاس) مُتعلِّق به، [و] (1) (حيٌّ) خبرُه، و (يُقَاربه) صفةٌ له. ويُحْتمل أن يكون (حيٌّ) مبتدأً، و (مثله) مع ما يتعلقُ به خبرًا؛ فقدَّم وأَخَّر.
ومُرادُه: إنٌ الذي يُماثلُ الممدوحَ ابنُ أخته، فضميرُ (أُمِّه) للمُملك، وضميرُ (أبوه) للممدُوح، وفَصَل بين المُبتَدأ وهو (أبو أمِّه) والخبر وهو (أبوه) بأَجْنبي وهو (حيٌّ)، وكذا بَين (مثله) و (حيّ) (2)، وقدّم المستثنى وهو إلّا مملّكا على المستثنى منه وهو (حيَّ)، وفصَل بين (حيّ) الموصوف و (يُقَاربه) الصِّفةِ بأجنبي وهو (أبوه)، فإنَّ فيه من (3)
__________
= الدِّيوان ضمن شعره منفردًا. ينظر: ديوان الشّاعر: (1/ 108) تحقيق الصّاويّ. والبيتُ في طبقات فحول الشُّعراء: (2/ 365)، المعاني الكبير في أبيات الحماسة: (1/ 506)، الكامل للمبرّد: (1/ 28)، عيار الشّعر: (27 - 44)، العقد الفريد: (5/ 392)، الأغاني: (11/ 201).
واستُشْهد به في أسرار البلاغة: (20)، ودلائل الإعجاز: (83)، ونهاية الإيجاز: (279)، والمفتاح: (416)، والمصباح: (160)، والإيضاح: (1/ 32)، والتّبيان: (586). وهو في المعاهد: (1/ 43).
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(2) قول: "وكذا ... وحيّ" ساقط من ب.
(3) "من" ساقطة من ب.
(2/789)

التَّعقيد ما ترى.
ولفظيَّة؛ عطفٌ على (معنويّة)، بأن تكون المُفْرداتُ، وأجزاءُ الكلامِ عربيّةً أصليّةً لا وَحْشيّة؛ وهي أَلا تكون على ألسنةِ الفُصحاءِ أدور ولا استعمالهم لها أكثر. ولا مُبتذلة مُستهانة، وبأن تكون على قانونِ العربيّة ما فيها فسادٌ ولا ضعفٌ.
وفي بعض النُّسخ: وسليمة عن التَّنافُر، عذبة على العذبات، سلسة على الأسْلات (1).
والتَّنافرُ إمَّا لبُعد بعيدٍ بين المخرجين، أَوْ لقُربٍ شديدٍ بينهما، لأن الأَوَّل كالطّفرة (2)، والثّاني كالمشي في القيدِ (3).
وقال الأستاذُ: الحاصلُ: أنّ الفصاحةَ عدمُ النُّقصانِ، كما أن
__________
(1) في أزيادة: "والعذبة: رأس اللِّسان. والسّلت: طرفًا رأسه".
(2) الطّفرة: الوثبة. اللسان (طفر): (4/ 501).
(3) وهذا التَّفسير للتَّنافر أورده أبو الحسن عليّ بن عيسى الرُّمّانيّ وحكاه عن الخليل بن أحمد. ينظر: النكت في إعجاز القرآن (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن) ص: (96).
وناقش هذا التَّفسيرُ ابن سنان في سرّ الفصاحة فقال (91): "ولا أرى التَّنافر في بعد ما بين مخارج الحروف وإِنَّما هو في القرب".
وتعقَّب هذا الأخير ابن الأثير في المثل السّائر. ورد عليه اشتراطه لفصاحة اللفظة الواحدة بعد مخارج حروفها. ثم قال (1/ 173): "ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك؛ فإنّ حاسَّة السمع هي الحاكمة في هذا المقام بحسْنِ ما يَحْسُن من الألفاظ، وقبح ما يقبح".
والحقُّ أن الذّوق السّليم هو الحكم.
(2/790)

البلاغةَ وُجود المزيّة (1).
وإذْ قدْ وقفتَ على العِلْمَين؛ أي: المعاني والبيان؛ وفي المفتاح: "وإذْ وقفت على البلاغة وعلى الفصاحةِ المعنويّة واللّفظيّة، فأنا (2) أذكُر على سبيل الأنموذج آية (3).
فإن شئتَ فتأمّل قولَه -تعالى-: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (4) " تر بالجزمِ، لأنها وقعت جوابًا للأمر. ما فيه، في قوله -تعالى-. من لطائفهما، لطائفِ العلمين. وتفاصيلهما بعُجُرِهَا وبُجَرِهَا (5) مذكورةٌ في
__________
(1) لم أقف على قول الأستاذ -فيما بين يديّ من مصادر- ولعله مما نقله عنه تلميذه.
(2) في الأَصْل: "فإنما". والصواب من أ، ب.
(3) في الأَصْل: "أنه". والصواب من أ، ب.
(4) سورة هود، 44.
(5) قوله: "بعجرها وبجرها" كناية عن استقصاء التفاصيل وكشفها جميعًا دون ستر شيء منها.
قال ابن منظور (اللّسان: عجر: 4/ 542): "والعرب تقول: إن من النّاس من أحدّثه بعجري وبجري ... فيراد: أخبرته بكل شيءٍ عندي لم أستر عنه شيئًا من أمري".
وأصل العجر: "العروق المتعقدة في الجسد"، وقيل غير ذلك.
والبحر: "العروق المتعقدة في البطن خاصّة"، وقيل غير ذلك.
ينظر: المصدر السابق: (عجر): (4/ 542).
(2/791)

المفتاح (1)، مع أن الذِّهنَ القويم والطبعَ المستقيمَ بعد استحضار ما سلف يقتدر على استنباطِ جُلِّها بل كُلِّها؛ فلا يطولُ الكتابُ بذكرها.
وبالحريِّ صفة؛ كالجديرِ لفظًا ومعني، والباءُ زائدةٌ، وهو مُبتدأ، وخبرُه ما بعده؛ أي: (أن نُذيِّلَهُما). وإن جعلته مصدرًا فالباءُ غيرُ زائدةٍ، و (أن نُذيِّلهما) مبتدأٌ وهو خبرُه، وتقديره: فالتَّذييلُ ثابتٌ بالحريّ؛ أي: بالاستحقاقِ. أن نُذيِّلَهما؛ أي: العِلْمين. بشيءٍ من علمِ البديع؛ لأنه من مُتمِّماتِ البلاغة، ومُحَسِّناتِ الكلامِ. ولم يُعرِّفه السَّكاكيُّ، وقد عرَّفَ صاحب الإيضاح بأنه (2): "عِلْمٌ يُعرفُ به وجوهُ تحسين الكلامِ بعد رعايةِ المطابَقة ووضوح الدلالة".
وهو قِسمان: معنويٌّ، وهو وظيفةُ البلاغة. ولفظيٌّ، وهو وظيفةُ الفصاحة.
فالمعنويّ (3) أصناف:

المطابقةُ: أن تجمعَ بين متنافيين؛ نحو: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} (4)؛ وفي المفتاح قال (5): "وهي: أن تَجْمع بين متضادَّين؛ وهذا
__________
(1) ينظر ص: (417 - 422).
(2) (6/ 4).
(3) في الأَصْل: "والمَعْنويّ" والمثبت من أ، ب، ف.
(4) سورة الكهف، من الآية: 18.
(5) ص: (423).
(2/792)

أخصُّ (1). ويسمَّى ب: الطِّباق، والتَّضادِّ، والتَّكافؤ- أيضًا.
وقد تكونُ بين اسمين -كما مرَّ، وبين فعلين، نحو: {يُحْيِي ويُمِيْتُ} (2)، وبين حرفين نحو: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} (3).

المقابلةُ: أن تَجمع بين مُتنافيين (4) وتشرطهما بمتقابلين نحو: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} (5)،
__________
(1) لأنّ التضادَ يَعْني توارد الأمرين على محل واحد؛ فبينهما غاية الخلاف كالسَّواد والبياض.
ولمّا كان ذلك ليس شرطًا في المطابقة عدل عنه المصنّف -رحمه الله- إلى لفظِ التّنافي.
(2) جزء من آيات في سور متفرّقة، منها -على سبيل المثال-: سورة البقرة، من الآية: 258، وسورة آل عمران، من الآية: 156، وسورة الأعراف: 158.
(3) سورة البقرة، من الآية: 286.
(4) في أزيادة: "المراد بالمتنافين: أعطى مع ملك، واتَّقى مع استغنى، وصدق مع كذب. والمراد بالشّرطين المتقابلين، فسنيسّره لليسرى وفسنيسّره للعسرى. لفظ الأستاذ يدل على أن المقابلة لا تتحقق بدون الشَّرطيَّة بمتقابلين؛ بخلاف لفظ المفتاح؛ فيلزم أن لا تتحقق المقابلة في زيد أعطى واتَّقى وصدق، وعمر بخل واستغنى وكذب؛ على ما قاله الأستاذ بخلاف ما قاله صاحب المفتاح".
ويبدو لي أنّ هذه الزّيادة ليست من الشَّارح، بل حاشية على الكتاب تلقفها النسّاخ وضمّنوها أصل الكتاب. ويشهد لذلك انقطاع السِّياق، وتقدّم الشّرح على المشروح؛ على خلاف المسلك الّذي نهجه المؤلّف في كتابه.
(5) سورة اللّيل؛ الآيات: من 5 - 10.
(2/793)

والمرادُ ب {وَاسْتَغْنَى} أنه زهِد (1) فيما عند الله كأنه مستغنى عنه فلمْ يتَّق؛ فيكونُ استغنى واتَّقى مُتنافيين.
وفي المفتاح (2): "المقابلةُ هي: أَنْ تَجْمع بين شَيْئين متوافقين أَوْ أَكثر، وبين ضِدّيهما، ثم إذا شرطتَّ هنا (3) شَرطًا شرطتَّ هناك ضدَّه"؛ وهذا -أيضًا- أخصُّ مِمَّا (4) في المختصر؛ كما أنه أخصُّ من المطابقةِ.

المُشاكلةُ: أن يُذكرَ الشَّيء بلفظِ غيرِه لوقوعه في صُحْبته، أي (5): صحبة غيره؛ نحو قوله (6):
قالُوا (7) اقترِحْ شَيْئًا نجِدْ لَكَ طَبْخَهُ ... قُلتُ: اطبخُوا لِي جُبّةً وَقَمِيصا
كأنَّه قيل: خِيطُوا لي؛ فذكرَ الجُبَّةَ والقميصَ بلفظِ: الطبخ لوقوعهما في صُحْبةِ: (نُجِدْ لَكَ طَبْخَه).
__________
(1) في أ: "رغب".
(2) ص (424).
(3) في أ: "شرطتها ها هنا".
(4) في الأَصْل: "كما". والصواب من: أ، ب.
(5) في ب زيادة: "في".
(6) كلمة: "قوله" ساقطة من ب.
والبيت من الكامل. وقائله: أبو الرَّقعمق الأنطاكي. وله قصَّة طريفة أوردها العباسي في المعاهد: (2/ 252).
واستُشْهد به في المفتاح: (424)، والمصباح: (196)، والإيضاح: (6/ 27).
وهو في المعاهد: (2/ 252).
(7) كلمة: "قالوا" ساقطة من أ.
(2/794)

قوله: (اقترح) من اقْترحته؛ أي: سأَلته إِيَّاه من غير رَويَّةٍ، واقْتِراحُ الكلام: ارْتِجالُه.
وقوله: "نُجِد" (1) -بضمَ النُّون وكسرِ الجيم- من الإجادةِ.

مُراعاةُ النَّظير: الجمعُ بين المتشَابهاتِ نحو قَوْلِ المعرِّي (2):
تجل عن الرّهط الأمائي غادة ... لها في عقيل من مماليكها رهط
وحَرْف كَنُونٍ تَحْتَ رَاءٍ وَلَمْ يَكُن ... بَدالٍ، يؤم الرسم غيّره النّقط.
فإنّه جَمَعَ بين المُتشَابهات من حُروفِ التَّهجِّي.
الرَّهُطُ الأَوَّل: جلدٌ بقدرِ ما بين السُّرة والرُّكبة [شِبْه] (3) الإِزار: تَلْبَسه الإماءُ الحُيَّض.
__________
(1) في الأَصْل زيادة: "لك طبخه" ولا وجه لها. والمثبت من أ، ب.
(2) هو أبو العلاء، أحمد بن عبد الله بن سليمان التَّنوخي المعرّيّ، شاعر فيلسوف، قال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة. له عدد من الدواوين والتَّصانيف؛ من دواوينه: "سقط الزّند"، و"لزوم ما لا يلزم"، ومن تصانيفه المشهورة: "رسالة الغفران"، و"عبث الوليد". توفِّي في معرَّة النعمان سنة 449 ه.
ينظر في ترجمته: تتمّة اليتيمة: (1/ 9)، دمية القصر: (1/ 157 - 165)، العبر: (3/ 55)، مرآة الجنان: (2/ 446).
والبيتان من الطويل. قالهما الشّاعر ضمن قصيدة له وهو محتجب بمعرة النّعمان، وهما في شرح التَّنوير على سقط الزّند: (2/ 167 - 168).
واستُشهد بالثَّاني منهما في المفتاح: (424).
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(2/795)

والثاني: القوم.
و"حرف": مجرور عطفًا على الرَّهطِ الأَوَّلِ؛ والمرادُ به: النَّاقةُ الضّامرة. وشُبِّه بالنّونِ وهو الحوتُ لدقّتها وهُزَالِها.
"تحت راء"؛ أي: رجل يضرب رئة النّاقة.
قوله: "بدالٍ"؛ أي: برافقٍ، يُقال: دلوت النَّاقة؛ أي: رفقت بِها.
"يؤمّ الرّسم"، يقصد: رَسْم ربع الحبيب.
"غيَّره النَّقطُ"؛ أي: نقطُ المطرِ؛ أي: رسمُ ربع الحبيبِ دَرَسَتْه الأمطارُ.
وفَحْوى البيتين: تَتَرفَّع عن الإِزار الذي تتّزرُ به الجواري غادة (1)؛ موصوفة بأنها مالكةُ رهطٍ من المماليك (2) في عَقيل، وعن (3) ناقةٍ ضامرةٍ تحتَ رجلٍ يضرب رئتها، ولا يرفق بها قاصدةً أَطلالًا غيَّرها الأمطار.
ونحو قول الشّاعر (4):
لَقَرأْتَ مِنَّا مَا تَخُطُّ يدُ (5) الوَعْي ... والبِيضُ تَشْكُلُ والأَسِنَّةُ تَنْقُطُ
وفي رواية: تعجم.
__________
(1) في ب زيادة: "بأنها" ولا وجه لها.
(2) في الأَصْل: "الممالك" والصَّواب من: أ، ب.
(3) في أزيادة: "الرّكوب على" ولا يَسْتدعيها السياق لظهور المراد. كما لم يستدع التَّصريحَ باللّبس من الإزار في قوله المتقدّم: "تترفع عن الإزار".
(4) البيت من الكامل، ولم أعثر عليه -فيما وقفت عليه من مصادر-.
(5) في الأَصْل: "يدي" والصواب من أ، ب. مصدر البيت.
(2/796)

وهذا البيتُ مع البيتِ المتقدِّمِ موهمٌ (1) أنهما من منوالٍ واحدٍ؛ لكنّ الأمر بخلافه؛ لأن الأَوَّل من بحرِ الطويل، والثاني من الكامل، وأوّله:
لَوْ كنْتَ شَاهِدَنا غَدَاة لقائنا ... والخيلُ من تَحْتِ الفَوارسِ تنحط

المُزاوجة: أن يُزَاوجَ بين معنيين في الشّرطِ والجزاءِ؛ كقول البُحتري (2):
إذَا مَا نهَى النَّاهِي فَلَجَّ (3) بِيَ الهَوَى (4)
أَي: اشتدَّ هواها فيّ إذ (5) النَّاس حريصٌ على ما منع.
أَصَاخَتْ (6) إِلى الوَاشِي فَلَجَّ بها الهَجْرُ
__________
(1) في ب: "يوهم" والمعنى واحد.
(2) البيت من الطويل. قاله الشَّاعر ضمن قصيدة يمدح بها الفتح بن خاقان. وأوّلها:
مَتَى لاحَ بَرْقٌ أَوْ بَدَا طَلَل قَفْرُ ... جرى مُسْتهِلٌّ لا بَكِيٌّ ولا نَزْرُ
لا ما ذكرَه الشّارحُ فيما بعد.
والبيت في ديوان الشَّاعر: (2/ 844)، وفي الموازنة -تحقيق: أحمد صقر-: (2/ 36).
واستُشهد به في دلائل الإعجاز: (93)، نهاية الإيجاز: (286)، المفتاح: (425)، المصباح: (164)، والإيضاح: (6/ 34)، والتّبيان: (496).
وهو في المعاهد: (2/ 255).
(3) لجَّ: تمادى وأوغل. ينظر: اللسان (لجَّ): (2/ 353).
(4) قوله: "فلجَّ بي الهوى" ورد ضمن كلام الشّارح في أ.
(5) هكذا في الأَصْل، ب. وفي أ: "فإنّ" بدلًا من "في إذ".
(6) في ب: "أَصاخ"، وهي رواية إحدى نسخ المفتاح؛ وتبعه فيها بعض من جاء بعدَه، كصاحب المصباح والتّبيان. وهي رواية مرجوحة. =
(2/797)

أي: زادت مُهاجرتُها عنِّي بسببِ إصْغَائها إلى الواشي.
وأوَّله وهو من مراعاةِ النّظير (1):
كأنَّ الثُّريَّا عُلِّقَت في جَبِينِه ... وفي نَحْرِه الشِّعْري، وفِي خَدِّه القَمَرْ.

اللَّفُّ والنَّشْرُ: أن تَلفَّ بين شيئين في الذِّكر، وتنشر متعلّقهما (2) من غير تعيين متعلّق بواحدٍ وآخر بآخر؛ اعتمادًا على العقْل بأنّه يردُّ كلًّا من المتعلّقين إلى ما له التَّعلّق؛ نحو: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} (3)؛ فإنّه لفَّ بين اللّيلِ والنَّهارِ، ثمَّ نشرَ (4) متعلّقهما (5) وهو السّكون والابتغاءُ؛ اعتمادًا على أن العقلَ يردُّ السُّكونَ إلى اللّيلِ، والابتغاءَ إلى النَّهار. وهذا يُسمّى: لفًّا ونشرًا؛ على
__________
= وأصاخت: من صخَّ الصوتُ الأُذنَ يصخُّها صخًّا؛ إذا قرعها، والصَّاخّة: صيخة تصخّ الأذن، أي: تطعنها لشدّتها. ينظر: اللِّسان (صخخ): (3/ 33).
(1) البيتُ من الطويل، وليس للبحتريّ كما نصّ الشّارح، وإنّما هو لابن عنقاء الفزاريّ، قاله ضمن قصيدة يمدح بها عميلة الفزاري.
وهو -باختلافات يسيرة في روايته- في شرح الحماسة للتَّبريزي: (4/ 141)، والأَغاني: (10/ 138)، وزهر الآداب: (2/ 958)، وأَمالي القالي: (1/ 242).
(2) في الأَصْل: "بمتعلّقهما" والصَّواب من أ، ب، ف.
(3) سورة القصص، من الآية: 73.
(4) في ب زيادة: "بين".
(5) في الأَصْل: "بمتعلقهما" والصَّواب من أ، ب.
(2/798)

التَّرتيب؛ لأَن النَّشر على ترتيب اللَّف. وما هو على [غير] (1) التَّرتيب (2)؛ كقوله (3):
كَيْفَ أَسْلُو (4) وَأَنتِ حِقْفٌ (5) وَغُصْنٌ ... وغَزَالٌ لَحْظًا (6) وَقدًّا (7) ورِدْفًا (8)، (9)

الجَمْعُ: أَنْ يُدْخل (10) شَيْئين فَصَاعدًا في نوعٍ واحدٍ؛ أي: الجمعُ إدخالُ جُزْئين أَوْ أكثر تحت كُليّ واحد؛ ويُسمَّى ذلك الكلِّي الجَامعَ؛ نحو:
__________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب. وفي أزيد بعد غير: "ذلك" والسياق تام بدونها.
(2) لم يذكر السَّكاكي قسمي اللَّف والنَّشر، واقتصر على تعريف المحسّن ومثاله. ينظر: المفتاح: (425).
(3) البيت من الخفيف. وقائله أبو هلال العسكري؛ حيث نسبه لنفسه في الصّناعتين: (382)، وروايته عنده: "ورِدْفًا وقدا".
واستُشهد به في المصباح: (246)، والإيضاح: (6/ 43) منسوبًا إلى ابن حيّوس.
والصواب: أنه ليس له، لكون ابن حيّوس متأخرًا عن أبي هلال. وذكْرُ البيتِ متقدِّم. قال العباسيّ في المعاهد: (2/ 273): "وهو منسوب لابن حيوس، ولم أره في ديوانه".
(4) أسلو: أنسى. ينظر: اللِّسان (سلا): (14/ 394).
(5) الحقف: المعوجّ من الرّمل. الصّحاح (حقف): (3/ 1111). واللفظ كناية عن الامتلاء والاسْتدارة.
(6) اللحظ: النظر بمؤخّرة العين. ينظر: الصِّحاح (لحظ): (3/ 983).
(7) القدُّ: القامة. الصّحاح (قدد): (2/ 455).
(8) الرِّدف: العجيزة. ينظر: اللسان (ردف): (9/ 115).
(9) وجرت على غير التَّرتيب؛ لأنّ اللحظ للغزال، والقدّ للغصن، والرّدف للحقف.
(10) في الأَصْل زيادة: "بين" ولا وجه لها.
(2/799)

إن الشَّبَابَ والفَراغَ والجِدَة ... مَفْسَدةٌ لِلْمَرءِ أَيُّ مَفْسَدة (1)
فالكُلِّيُّ هو (2): المفسدةُ، وجُزئيَّاتُها: الشَّبابُ، والفراغُ، والجِدَةُ.

الفرقُ (3): عَكْسُه؛ أي: عكسُ الجمع، وهو: إيقاعُ تبايُنٍ بين أمرين من نوع واحدٍ؛ كقوله (4):
مَا نَوالُ (5) الغَمَامِ وقْتَ ربيعٍ ... كَنَوالِ الأَمِيرِ يَومَ سَخَاءِ
__________
(1) البيت من الرَّجز. وقائله أبو العتاهية. قاله ضمن أرجوزته المشهورة التي سَمَّاها (ذات الأمثال)، وهو في ديوان الشّاعر: (388) برواية: "للعقل" مكان "للمرء"، وهو في: أبو العتاهية أشعاره وأخباره: (448)، وفي الأَغاني: (2/ 284) برواية المتن.
واستُشهد به في المفتاح: (425)، والمصباح: (247)، والإيضاح: (6/ 45)، والتِّبيان: (506).
وهو في المعاهد: (2/ 283).
(2) هكذا في الأَصْل، ب. وفي أ: "هي".
(3) هكذا بلفظ: "الفرق" في جميع نسخ الشَّرح الّتي بين يديّ. وفي ف: "التّفريق" وعليه ورد لفظ المفتاح.
يقول أحد شرّاح الفوائد الغياثية: (259 / أ): "هذه الضيغة تسمّى في علم البديع بالتَّفريق، ولا يكاد يوجد التَّعبير عنه ب (الفرق) ".
(4) البيتان من الخفيف. وقائلها: رشيد الدّين الوطواط. وهما في حدائق السِّحر في دقائق الشّعر؛ للوطواط: (178).
واستُشهد بهما برواية: "وقت سخاء" في نهاية الإيجاز: (295)، والمفتاح: (425)، وبرواية المتن في المصباح: (247)، والإيضاح: (6/ 46).
وهما في المعاهد: (2/ 300).
(5) النَّوال: العطاء.
(2/800)

فَنَوالُ الأَميرِ بَدْرَةُ (1) عَيْنٍ (2) ... ونَوالُ الغَمَامِ قَطَرةُ مَاءٍ
فإنَّه فرَّقَ بين نوعي النّوالِ.

التَّقْسِيم: أَنْ تَذْكُرَ شيئًا ذا جُزئين أَوْ أكثر، وتُسْند إلى كلِّ واحدٍ من أَجْزائه ما هو له عنْدك، على سبيل التَّعيين، خلاف اللّفِ والنَّشر، نحو:
أديبان في بَلْخ (3) لا يأْكُلان ... إِذَا صَحبَا المرءَ غَيْرَ الكَبدْ (4)؛
فَهَذَا طَويلٌ كظِلِّ القَنَاةِ ... وهَذَا قَصيرٌ كظِلِّ الوَتد (5).

الجمعُ مع التَّفريقِ: أن تُدْخل شَيئينِ في أمَرٍ [واحدٍ] (6) وتُفَّرِّق جهتي الإدخال؛ نحو:
__________
(1) البدرة: كيسٌ فيه أَلْف دينار، أَوْ عشرة آلاف درهم. ينظر: الصّحاح: (2/ 511)، واللِّسان: (4/ 49) مادة (بدر).
(2) العين: المراد به -هنا-: المال.
ولعلّ الأوْلَى حمل البدرة على المَسْك الّذي يُتَّخذ من الجلد. وهو أحد معانيها.
ينظر: اللِّسان (بدر): (4/ 49). وما يحويه بداخله هو المال. وهذا المعنى هو الملائم لإضافة المال إلى البدرة.
(3) بَلْخ: مدينة من أجلِّ مدن خراسان، وأَذْكرها، وأكثرها خيرًا، وأوسعها غلّة. معجم البلدان: (1/ 479).
(4) قوله: "لا يأكلان ... الكبد" كناية عن سوء العشرة.
(5) البيتان من المتقارب. وهما لأَديب تركي. كما في حدائق السّحر ودقائق الشّعر: (179)، وشرح لامية العجم: (2/ 361).
واستُشهد بهما في نهاية الإيجاز: (295)، والمفتاح: (425)، والإيضاح: (6/ 48).
(6) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصْل، ومثبت من أ، ب.
(2/801)

قَدِ اسْودَّ كالمِسْكِ صُدْغًا (1) ... وقَدْ طابَ كالمسْكِ خُلقَا (2)
فإنّه أدخلَ الصُّدغ والخُلق في مُشابهة؛ المسك، ثمَّ فرّقَ بين جِهَتي المشابهة.

الجمعُ مع التَّقسيم: أن تَجمع أمورًا كثيرة تحت حكم، ثم تقسّم؛ نحو قول المتنبِّي (3):
الدَّهرُ مُعْتذرٌ والنَّصرُ مُنْتَظِرٌ، ... وأرْضُهُم لَكَ مُصْطافٌ ومُرْتَبَعُ
اصْطَاف (4) بالمكان أَيْ: أقام به الصَّيف، والموضع: مصطاف. وكذا المرتبع.
__________
(1) الصُّدغ: ما انحدر من الرَّأس إلى مركب اللِّحيين. وقيل: هو ما بين العين والأذن.
اللِّسان: (صدغ) 8/ 439. والمراد: ما جاورهما من الشّعر المتدلِّي عليهما.
(2) البيت من المتقارب. ولم أهتد إلى قائله -فيما بين يديَّ من مصادر-.
وأوّل من أورده -مستشهدًا به- صاحب المفتاح: (426)، وهو في المصباح: (248).
(3) البيتان من البسيط. قالهما الشَّاعر ضمن قصيدة يمدح بها سيف الدّولة، ويذكر إحدى الوقائع. وهما في ديوانه بشرح العكبريّ: (2/ 224 - 233) إلا أنهما ليسا على التّرتيب الوارد في المتن؛ فقد تأخّر البيت الأَوَّل عن الثاني وفصل بينهما بعدَّة أبيات. ورواية الدّيوان: "والسّيف منتظرٌ" وهما بترتيب المتن في يتيمة الدّهر: (1/ 195).
واستُشهد بهما في نهاية الإيجاز: (296)، والمفتاح: (426)، والمصباح: (248).
وبالبيت الثّاني منهما في الإيضاح: (6/ 49)، والتّبيان: (508) وجاء قبله عندهما:
حتَّى أقامَ على أرْبَاضٍ خَرْشَنَةٍ ... تشقى به الرّومُ والصُّلْبَانُ والبِيَعُ
وكذلك الحال في المعاهد: (3/ 5)، وهي الموافقة لما في الدّيوان ترتيبًا وتتابعًا.
(4) في ب: "مصطاف" وهو تحريف.
(2/802)

للسَّبْي مَا نَكَحُوا، والقَتلِ ما وَلَدُوا، ... والنَّهب ما جَمَعُوا، والنَّارِ مَا زَرَعُوا
فإنّه جمع في البيت الأَوَّل أرضَ العدوِّ وما فيها، في كونها خَالِصةً للمَمْدوح، ثمَّ قسم في الثَّاني.

التَّقسيمُ مع الجمع: عكسُ ما تَقَدّمَ، أي تقسم أوّلًا، ثم تجمَع، نحو قول حَسَّان (1):
قومٌ إذا حَارَبُوا (2) ضَرُّوا عَدُوَّهُم ... أَوْ حَاوَلُوا النَّفعَ في أَشْيَاعِهِم نَفَعُوا
__________
(1) هو أبو الوليد؛ حسّان بن ثابت بن المنذر بن النَّجَّار الأَنْصاريّ. شاعر الرَّسول صلى الله عليه وسلّم. عُمِّر وتوفّي عن عمر يناهز 120 عامًا؛ ذُكر أَن نصفها في الجاهليَّة ونصفها في الإِسلام. اختلف في وفاته على أقوال أشهرها: 54 ه.
ينظر في ترجمته: الاستيعاب: (1/ 341 - 351)، الإصابة: (2/ 62 - 94)، وأسد الغابة: (2/ 5 - 7).
والبيتان من البسيط. قالهما ضمن قصيدة يمدح فيها المهاجرين والأَنْصار مجيبًا بها وقد تميم حين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم مفتخرين.
وهما في ديوان الشّاعر: (145)، وشرح ديوان حسّان للبرقوقيّ: (301 - 302)، والسّيرة النّبويّة لابن هشام: (2/ 564)، والأغاني: (2/ 361).
واستُشهد بهما في دلائل الإعجاز: (94)، ونهاية الإيجاز: (296)، والمفتاح: (426)، والمصباح: (249)، والإيضاح: (6/ 50)، والتّبيان: (508).
وهما في المعاهد: (3/ 6).
(2) في الأَصْل: "حاولوا" والصَّواب من: أ، ب، ف، مصدر القول.
(2/803)

الأشياعُ: الأصحابُ والأتباع.
سَجيّةٌ تلك مِنهُمْ غيرُ مُحدَثَةٍ ... إِنَّ الخلائَقَ فاعْلَمْ! شَرُّهَا البِدَعُ!
السَّجيةُ: الخُلُق.
الخلائقُ: جمعُ الخليقةِ، وهي الطّبيعةُ.
والبدعُ: جمع للبدعةِ؛ وهي: الأمرُ المستحدثُ.

الجمعُ مع التَّفريق والتَّقسيم؛ نحو (1):
فكالنَّارِ ضَوءًا وكالنَّارِ حرًّا ... مُحَيّا حَبِيبي وحُرقة بالي
فذلكَ مِنْ ضَوئِه في اخْتِيالٍ ... وهَذا لحُرقَتِه في اخْتلالِ
فإِنَّكَ جَمَعْت (محيَّا حبيي) و (حرقة بالي) تَحْت حُكم؛ هو تَشْبيههما (2) بالنّارِ؛ ثم فرَّقتَ بين وجْهَي المُشَابهة في الضَّوءِ والحرِّ، ثمَّ قَسَّمته في (اخْتِيالٍ) و (اخْتِلال).
__________
(1) البيتان من المتقارب، ويبدو أنّ أَوَّل من أوردهما السَّكاكيُّ في المفتاح: (426) إذ لم يردا عند من قبله -بل قد نصَّ الشَّريف الجرجانيُّ في مصباحه (شرح المفتاح) مخطوط-: (941) على أنّ المثال من أشعار السَّكاكيِّ. معتمدًا في ذلك على قول السَّكَّاكيِّ نفسه قبل إِيراد المثال (المفتاح: 426): "كما إذا قلت" على الخطاب. وفي نظري: أَنَّه ليس في قول السَّكَّاكيّ ما يؤكّد نسبة البيت إليه.
والبيتان في المعاهد غير منسوبين. ينظر: (3/ 4).
(2) في الأَصْل: "وهو تسبيههما" والصَّواب من: أ، ب.
(2/804)

الإيهامُ: أن تَذْكرَ لفظًا له استعمالان قريبٌ وبعيدٌ فتريدُ أبعدهما مع توهُّم إرادةِ القَريب؛ نحو:
حَمَلْناهُم طرًّا عَلَى الدّهم بَعْدَما ... خَلَعْنا عَليهم بالطِّعَانِ مَلابسَا (1)
أراد بالحملِ على الدُّهم: تقييدَهم؛ باعتبارِ كونِ الدُّهمِ جمع: أَدهم: القَيْد، الَّذي هو معناه البعيد؛ لا أدهم الفرس الذي هو القريب؛ ولكن أوْهم أنّ المرادَ إركابُهم الخيل الدُّهم.
والإيهامُ يُسمَّى بالتَّورية -أَيضًا-.

التَّوجيه: أن تذكر ذا وجهين؛ أي: كلامًا محتملًا لوجهين مختلفين كقوله (2):
خاطَ لِي عَمْرو قبَاء ... لَيْتَ عَيْنَيهِ لسَوَاء
قلتُ شعرًا ليس يُدرى ... أَمَديح أمْ هجاء
للأعورِ الخيّاط.

الاعتراض، ويُسمَّى الحشْو: أنْ يتخلَّل الكلامَ كلامٌ آخر؛ أي:
__________
(1) في الأَصْل: "ملابمًا" والصَّواب من: أ، ب، مصدر البيت.
والبيت من الطَّويل، ولم أقف له على قائل. وهو في المفتاح: (427)، والمصباح: (261)، والإيضاح: (6/ 40).
(2) البيتان من الرّمل. وهما لبشَّار بن برد. ديوانه: (4/ 9).
واستُشهد بهما في مفتاح المفتاح: (1174) وبأوّلهما في نهاية الإيجاز: (293)، الإيضاح: (6/ 81)، وبعجز الأَوَّل في: المفتاح: (427).
والبيتان في المعاهد: (3/ 138) برفقة قصّة طريفة.
(2/805)

بحيث يتمّ بدُونه المعنى؛ نحو: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ} (1)، فإن قوله: {وَلَنْ تَفْعَلُوا} اعتراضٌ، ولفظه بَلْ لفظ المفتاح أَيضًا وهو قوله (2): "وهو: أن تُدرج في الكَلام ما يتمُّ المعنى بدونه" يُشعر أنَّ ما وقع آخر الكلام لا يكون اعتراضًا لكنَّ القوم صرَّحوا بأَنَّه اعتراض، والأمر [فيه] (3) راجعٌ إلى الاصْطِلاح.
وتَعْريفُ المفتاح أعمُّ لعمومِه الكَلِمة والكَلام.
وهو على ثلاثةِ أضرُبٍ:
مذمومٍ؛ وهو ما لا يُفيد شيئًا كقوله (4):
[وَمَا] (5) يَشْفِي صُداعَ الرَّ ... أسِ مثلَ الصَّارمِ العَضْبِ (6)
فإنَّ لفظَ الرَّأسِ حشو لا حاجة إليه.
ومتوسّطٍ؛ وهو ما يُفيدُ تأكيدًا كقوله (7):
__________
(1) سورة البقرة؛ من الآية: 24.
(2) ص: (428).
(3) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(4) البيت من الهزج. وقائله: عليّ بن جبلة. والبيتُ في شعره تحقيق: حسين عطون: (39). واستُشهد به في نهاية الإيجاز: (287)، ومفتاح المفتاح: (1178).
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل، وبقيّة النّسخ. ومثبت من مصدر البيت.
(6) قوله: "مثل الصّارم العضب" ساقط من أ. والعضب: القاطع. اللّسان (عضب): (1/ 609).
(7) البيت من الطّويل. وقائله امرؤ القيس. ديوانه: (392) ضمن زيادات ابن النّحّاس. =
(2/806)

أَلَا هَل أَتاها -والحوادثُ جَمَّةٌ- ... بِأَنَّ امرأَ القَيْسِ بن (1) تَمْلك (2) بَيْقَرا
يُقَالُ: بَيْقر الرَّجلُ؛ إذا قامَ بالحضرِ وتركَ قَوْمه بالبَاديةِ؛ فقَوْلُه: (والحوادثُ جَمَّةٌ) أفاد تأكيدًا؛ لأَنَّه بيقر وأَنَّه من الحوادث.
ومليح؛ ويُسمَّى حشو اللُّوزينج، وهو ما يُفيدُ المعنى جمالًا؛ إمَّا لإفادته رفعَ الشَّكِّ والإغناء من (3) تقدير السُّؤال أَوْ غَيْرهما كقوله (4):
إنَّ الثَّمانين -وبُلِّغتها- ... قَدْ أَحْوجت سَمْعِي إِلى ترجمان (5)
__________
= واستُشهد به في مفتاح المفتاح: (1178).
(1) في الأَصْل: "بأن". والصَّواب من: أ، ب، مصدر البيت.
(2) تملك: اسم أمِّ الشّاعر.
(3) في أ: "عن". وفي ب: "والاعتناء على" ولا وجه له.
(4) البيت من الوافر، وقائله: عوف بن محلِّم الخُزَاعِيّ. قاله ضمن أبيات يمدح بها عبد الله بن طاهر. وهو بهذه النّسبة في طبقات الشّعراء لابن المعتزّ: (187)، والصّناعتين: (60)، والبديع في نقد الشّعر: (130)، والإيجاز والإعجاز للثّعالبيّ: (193)، والعمدة: (2/ 276)، وسر الفصاحة: (147).
واستُشهد به في الإيضاح: (3/ 215)، والتّبيان: (493) منسوبًا إلى عوف الشَّيبانيّ، وكذا أورده العبَّاسيّ في المعاهد: (1/ 369). وهي نسبة لا تصحّ؛ فالشّيبانيّ جاهليّ. أمَّا الخُزاعيّ فإنَّه عاش في العصر العبّاسي. والقصيدة قيلت في مدح ابن طاهر؛ وهو أمير للعبّاسيّين على خراسان.
(5) التُّرجمان -بضمِّ التّاء وفتحها- هو الَّذي يترجم الكلام؛ أي: ينقله من لغةٍ إلى أخرى.
اللِّسان (ترجم): (12/ 66)، وأراد به هنا من يوصل المعنى المراد إليه بديلًا عن الأذن.
(2/807)

وقوله (1):
لَوْ أَنَّ البَاخِلينَ -وأنتَ منهم- ... رَأَوْكَ تعلَّمُوا مِنْك المطَالا (2)

التَّجاهُل؛ وهو أن يدلَّ كلامه على جهلهِ بالشَّيءِ مع كونه عالمًا به، وقد مرَّ بحثُ التَّجاهل في آخرِ النَّوع الثَّاني من مَبَاحثِ الرَّبطِ (3)، وسمَّاهُ السَّكاكيّ: "سوق المعلوم مساق غيره"، احترازًا عن تسميتهِ بالتَّجاهُل (4) لورودِه في كلام الله -تعالى-؛ نحو (5):
أَهذه جَنَّةُ الفِرْدَوسِ أَمْ إِرمٌ ... أَمْ حَضْرة حَفْتها (6) العَلْيا والكَرمُ

الاستتباع وهو: مدحٌ يَسْتتْبعُ مدحًا آخر، نحو (7):
__________
(1) البيت من الوافر -أَيضًا-. وقائله: كثيّر عزّة، والبيت في ديوانه: (507)، والبديع لابن المعتزّ: (60)، والبديع في نقد الشّعر: (130)، والصّناعتين: (60)، والعمدة: (2/ 275)، والمثل السّائر: (3/ 44).
واستُشهد به في مفتاح المفتاح: (1184)، والتّبيان: (493)، وهو في المعاهد: (1/ 371).
(2) المطالا، من المطل. وهو التسويق والمدافعة بالعِدة. اللِّسان (مطل)، (11/ 624).
(3) ينظر: ص (680) قسم التّحقيق.
(4) ينظر: المفتاح: (427).
(5) البيت من البسيط، ولم أعثر على قائله -فيما بين يديّ من مصادر-.
(6) هكذا في الأصل، وبقيَّة النّسخ، والبيت بها منكسر، ولعلّ الصّواب: "حفها" وبه يستقيم البيت.
(7) البيت من الطّويل، وقائله: أبو الطّيّب المتنبّي. قاله ضمن قصيدة يمدح بها سيف الدّولة الحمدانيّ.
والبيت في ديوانه بشرح أبي البقاء العكبريّ: (1/ 277)، واليتيمة: (1/ 184). =
(2/808)

نَهَبْتَ (1) من الأَعْمَارِ مَا لَوْ حَوَيْتَه ... لهُنِّئَتِ الدُّنيا بأَنَّكَ خَالِدٌ
فإِنَّه "مدحه بالشَّجاعةِ على وجهٍ اسْتَتْبع مدحه بكمالِ السَّخاءِ وجلالِ القدْر"؛ هكذا قال السَّكَّاكيُّ (2)؛ لكن في استتباعه كمال السَّخاءِ نظر، اللهمَّ إلّا بتكلُّف شديدٍ (3).
وقال صاحِبُ الإيضاح: مدحه بالنِّهاية في الشَّجاعة على وجهٍ استتبع مدحه بكونِه سَبَبًا لصلاح الدُّنيا ونظامِها، وفيه أنَّه نهبَ الأَعْمار دونَ (4) الأَموالِ؛ وأنَّه (5) لم يكن ظالمًا في قَتْلهم (6).
وها هنا: أقسامٌ أخر كالالتفاتِ والإيجازِ، وقد مرَّ ذكرهما (7) وغيرهما كتأكيدِ المدحِ بما يُشبهُ الذّم (8)، وكالقولِ بالموجب
__________
= واستُشهد به في نهاية الإيجاز: (292)، والمفتاح: (428)، والإيضاح: (6/ 78)، والتِّبيان: (497). وهو في المعاهد: (3/ 132).
(1) النَّهب: الأَخذ والسَّلب. اللِّسان (نهب): (1/ 773). وهو -في الحقيقة- لم يأخذ الأعمار بل أنهاها؛ فاستعمال الكلمة هنا استعارة.
(2) المفتاح: (428).
(3) قوله: "اللهمَّ ... شديد" ساقط من ب.
(4) في الأَصْل: "ووزن". والصّواب من: أ، ب، مصدر القول.
(5) في الأَصْل: "لأنّه". والصَّواب من: أ، ب، مصدر القول.
(6) ينظر: الإيضاح: (6/ 78).
(7) ينظر: الإلتفات ص (628) قسم التّحقيق. والإيجاز ص (430) قسم التحقيق -أَيضًا -.
(8) مثَّل له السَّكَّاكيّ بقول الشّاعر (المفتاح: 427):=
(2/809)

كقوله (1):
قُلْتُ: ثَقَّلتُ إذ أَتَيْتُ مِرَارًا ... قال: ثقَّلت كَاهلي بالأَيادي (2)
قُلْتُ: طَوَّلت، قَال: لا؛ بَلْ تَطَوَّل ... ت (3) [و] (4) أَبْرَمتُ، قَال: حَبْلَ ودَادِي
واللَّفظيُّ -أَيْضًا- أَصْنَافٌ (5):

التَّجنيسُ: وهو تشابهُ الكلمتين في اللّفظ.
فمنه تجنيس تامٌّ وهو أَنْ لا يتفاوتا في اللَّفظِ لا في أَنْواعِ الحروفِ ولا في أَعْدَادِها وهيئاتِها (6)؛ نحو: رَحْبةٌ رَحْبة؛ أي: ساحة واسعة،
__________
= هو البَدْرُ إِلا أَنَّه البحر زَاخِرًا ... سوى أنَّه الضِّرغام لكنَّه الوبل
(1) البيتان من الخفيف. واختلف في نسبتها فقيل: لابن حجّاج، وليسا في ديوانه، وقيل: لمحمّد بن إبراهيم الأسديّ. ينظر: المعاهد: (3/ 180).
واستُشهد بهما في الإيضاح: (6/ 87).
(2) أي: بالنّعم.
(3) في الأَصْل، وبقيّة النُّسخ زيادة: "قلت" ويأباها الوزن الشِّعريِّ.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل، وبقيّة النّسخ. ومثبت من مصدر القول.
(5) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "أجناس".
(6) لم يشر الشّارح -رحمه الله- إلى التّفاوت بين اللّفظين في ترتيب الحروف -كما هو الحال عند السَّكاكيّ والشّيرازيّ-، وكان الأَوْلَى به أنْ يشير إليه وبخاصّة أن التّفاوت بين اللّفظين في ترتيب الحروف ورد عند الخطيب، والكرمانيّ متأخّر عنه، وقد نقل عنه في مواضع متعدِّدة.
(2/810)

قال -تعالى-: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} (1).
ومنه تجنيس ناقصٌ؛ وقال السَّكاكيُّ: وهو أَنْ يَخْتلفا في هيئةِ الحركةِ والسّكون دون صورةِ اللَّفظِ (2)، يعني: حُروفه المكتوبة لا الملفوظة، نحو: البُرد مع (3) البَرْد، قيل: جُنةُ البرد جُبَّةُ البرد (4).
وفي الإيضاح وغيرهِ (5) اختلفَ في أسماء بعضِ هذه التَّجانِيس كما سُمّى هذا النّوعُ بالتَّجنيس المحرّفِ (6).
والنّاقصُ: ما اختلف أعدادُ الحروفِ فيهما؛ نحو: (جدِّي جَهْدي) و (السّاق والمساق) في قوله -تعالى-: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ} الآية (7).
__________
(1) سورة الروم، من الآية: 55.
(2) ينظر: المفتاح: (429).
(3) هكذا -أَيضًا- في ف. وفي أ: "تمنع". وعليه لفظ المفتاح، وهو ما رجَّحه الشِّيرازيُّ؛ لأَنَّه مَثَلٌ. مفتاح المفتاح: (1276). ولم أعثر عليه فيما بين يديّ من كتب الأمثال.
(4) هكذا في الأَصْل. وفي أ، ب: "جُبَّةُ البَرْد جنَّة البرد".
(5) كالتّبيان.
(6) ينظر: الإيضاح: (6/ 91 - 97).
(7) سورة القيامة؛ من الآية: 29. وتمامها: {بِالسَّاقِ} وبعدها؛ وهي ما يتمّ به الشّاهد: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}.
(2/811)

ومنه تجنيسٌ مُذيَّل، وهُو: أن يَخْتَلفا بزيادةِ (1) حرفٍ؛ نحو: (كاسٍ (2) كاسب) (3) , و (مالي كمالي).
ومنه تجنيسٌ مضارع ومطرّف، وهو: أن يختلف المتجانسان بحرفٍ أَوْ حرفين مع تقاربِ المخرج؛ نحو: (دامس (4) وطامس) (5).
وقيل (6): المضارعُ ما اختلفا بحرفٍ، والمطرّفُ ما اختلفا بحرفين؛ نحو: (ما خصّصتني؛ ولكن خسّستني)؛ كما حمل شارحُ المفتاح لفظه عليه (7). و [منه] (8) تجنيسٌ لاحق، وهو أَنْ يختلفا في حرفٍ أَوْ حرفين لا مع التَّقارب؛ نحو: (سعيدٌ بعيدٌ)، و (المكارمُ بالمكارِه) (9).
ومنه مزدوجٌ، ويُسمّى مكرّرًا ومُردّدًا - أَيْضًا، وهو: أَنْ
__________
(1) في ب: "في زيادة".
(2) اسم فاعل من كسا، يكسو.
(3) اسم فاعل من الكسب.
(4) أي: مظلم.
(5) أي: دارس.
(6) في أ: "قيل".
(7) ينظر: مفتاح المفتاح: (1280).
(8) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصْل. ومثبت من: أ، ب. وهو الملائم لما قبلَه وما بعدَه.
(9) قوله: "المكارم بالمكاره" ورد في المثَل السّائر: (1/ 268)، وروايته: "لا تنال المكارم إلّا بالمكاره".
(2/812)

يلي أحد المُتَجانسين الآخر؛ نحو قولهم: (من طلب وجدَّ وجدَ)، و (النّبيذُ بغر النَّغم غمٌّ، وبغير الدَّسم سمٌّ).
ومنه تجنيسُ تَصْحيفٍ، وهو: التَّجنيسُ اللَّاحقُ الَّذي اتّفقَ الحرفان المختلفان فيه كَتْبة؛ نحو: (عائب عابث)، ويُسمَّى بتجنيس الخَطِّ- أَيضًا؛ قال عليٌّ -رَضِيَ الله عَنْهُ-: (قصِّر ثيابَك فإنَّه أَتْقى وأَنْقى وأَبْقى)، ومنه المثلُ: "المجالسُ أَحْلاها أَخْلاها" (1).
وقال الوَطْواطُ (2): (رُبَّ ربٍّ غنيٍّ غبيٍ، سرته شرته؛ فجاءَه فجأة بَعْد بُعْد عشرتِه عُسرته).
ومنه متشابه، وهو: ما يكونُ أحدُ المُتَجانسين في التَّامِّ مركّبًا، ولم يكن مخالفًا في الخطِّ؛ نحو قول البستيّ (3):
__________
(1) في أ، ب: "أخلاها أحلاها" وهما بمعنى. ولم أَعْثر على المثَل -فيما بين يديَّ- في كتب الأمثال.
(2) هو أبو بكر، محمّد بن محمَّد بن عبد الجليل البلخليّ الوطواط. أديب، مُتَرسِّل وشاعر يَنْظِمُ بالعربيّة والفارسية. ولد ببلخ. له عدّة موُلّفات منها: "تحفة الصّديق من كلام أبي بكر الصّدّيق"، و"ديوان شعر". وله بالفارسيّة: "حدائق السّحر في دقائق الشّعر". توفّي بخوارزم سنة 573 ه.
ينظر ترجمته في: معجم الأدباء: (19/ 29 - 30)، وبغية الوعاة: (1/ 226)، وروضات الجنات: (77).
(3) هو أبو الفتح، عليٌّ بن محمّدٍ بن الحسين البستيّ. شاعر وكاتب؛ استُكْتب في الدَّولة السَّامانيَّة في خراسان. له ديوان شعر مطبوع. توفّي سنة 400 ه. =
(2/813)

إِذَا مَلِك لَمْ يَكُن ذَا هِبة ... فَدَعْه فَدَوْلتُه ذَاهِبة.
ومنه مفْرُوق، وهو: ما يكون أحدُ المتجانسين في التّامِّ مُركّبًا، وكان مخالفًا في الخطّ؛ نحو:
كُلُّكُم قَدْ أَخذَ الجَا ... مَ (1) ولا جَامَ لَنَا
ما الذي ضَرَّ مديرَ ال ... جَامِ لوْ جَامَلَنا (2).
وفي بعض النّسخ مكان قوله: (مَفْروق) قوله: (مُشوّش)، وهو سهوٌ من النَّاسخ. والبيتُ شاهدٌ عليه لأَنَّه لا يصحُّ مثالًا للمشوّش؛ لأنَّه تجنيسٌ يتجاذبهُ طرفان (3) من الصِّيغة؛ نحو: (بلاغة براعة)؛ فإنّه لو كانتْ عينَا الكَلِمتين مُتَّحدّتين لكان تجنيس تصحيفٍ، أَوْ لامُهما
__________
= ينظر في ترجمته: الأنساب: (2/ 226)، يتيمة الدّهر: (4/ 302 - 307)، وفيات الأعيان: (3/ 329 - 331)، البداية والنّهاية: (11/ 297).
والبيتُ من المتقارب، وهو ضمن شعره في: "أبو الفتح البستيّ حياته وشعره": (228)، يتيمة الدّهر: (4/ 326).
واستُشْهد به في نهاية الإيجاز: (132)، والمفتاح: (430)، والمصباح: (185)، والإيضاح: (6/ 93)، والتّبيان: (566).
(1) الجام: إِناء من فضة. اللِّسان (جوم): (12/ 112).
(2) البيتُ من الرمل. وقائله أبو الفتح البستيّ؛ كما نصَّ عليه في الإيضاح: (6/ 93)، ولم أقف عليه في شعره المجموع.
واستُشهد بالبيت -أَيضًا- في المفتاح: (430).
(3) في الأَصْل: "الطّرفان". والمثبت من: أ، ب.
(2/814)

كانتْ عينَا الكَلِمتين مُتَّحدّتين لكان تجنيس تصحيفٍ، أَوْ لامُهما متّفقتين (1) لكانَ التَّجنيس المضارع، ولَمَّا بقي مُذَبْذَبًا بينهما سُمّس مُشَوَّشًا.
والبيتُ ليس كذلك، ولا عليه إن تركه كما تركَ كثيرًا من أقسامه؛ كالمرفوّ (2)، و (3) هو ما كان المركّبُ منها بعضًا من كلمة أخرى؛ نحو: (فهمتُ كتابكَ يَا سيّدي فهمتُ، ولا عجيب أنْ أهيما) (4) وكغيره ممّا هو مذكورٌ في الكتب المعمولة في الفنِّ (5).
ويُعدُّ منه، من التَّجنيس، ويلحقُ به شَيْئان ما يجمع الكلمتين (6) الاشْتِقاق، وهو: أن يجئَ بلفظين يَجْمَعُهما أصلٌ واحدٌ في اللغة، وما يجمعه المشابهة؛ أي: يشبه (7) الاشتقاق؛ نحو: {قَال إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} (8)، فإنَّ قوله: {الْقَالِينَ} لم يُشْتق مما اشتقَّ منه، قال: لكن
__________
(1) في ب: "أوْ لأنّهما متّفقتان" ولا وجه له.
(2) في ب: "كالمرفق". وهو تحريف.
(3) في الأَصْل: "أَوْ". والصواب من: أ، ب.
(4) هكذا في الأَصْل. وفي أ، ب: "أتيما".
(5) هذا الكلام اعتراف من الكرمانيّ بأن شيخه الإيجيّ لم يستقصِ كل ما ذكر في هذا الفن، وكنّا ننتظر من الكرمانيّ نفسه أن يكمل ما تركه شيخه، وأن يفيد مِمَّن جاء قبله، وبخاصّة أنَّه متأخّر وسبقته مؤلّفات بلاغيّة أعطت هذه التّقسيمات حقّها؛ كشروح المفتاح، والإيضاح؛ الّتي اعتمد هو عليها.
(6) في الأَصْل، ب: "الكلمتان". والصَّواب من: أ.
(7) في أ: "ما يشبه".
(8) سورة الشّعراء، من الآية: 168.
(2/815)

يشابه ذلك. والأَوَّل؛ كقوله -تعالى-: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ} (1) فإن (القيِّم) و (أقم) مُشْتقّانِ من أصلٍ واحدٍ وهو القيام، وكذا قوله: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} (2).
وردّ العجز على الصّدر؛ هذا مردود على قوله: (التَّجنيس)؛ فيكون صنفًا من أَصْناف اللَّفظي.
قال في المفتاح (3): "ومن جهاتِ الحُسْنِ ردُّ العجزِ على الصَّدر"، وذلك يحتملُ أن يكون (4) أَيضًا من أقسام اللّفظي.
مجانسة آخر البيت للفظ فيه؛ في البيت؛ أعمّ من أن يكون في صدره، أَوْ حشوه، أَوْ آخره من المصراع الأَوَّل، أَو (5) الأَوَّلين من الثَّاني؛ نحو:
مُشْتَهرٌ في زُهْدِه وعِلْمه ... وحِلْمِه وعَهْدِه مُشْتَهرٌ
أينما وقع (مشتهر) الأَوَّل من المواضع الخمسة (6)، وأمثلته نحو:
__________
(1) سورة الرّوم، من الآية: 43.
(2) سورة الواقعة، من الآية: 89.
(3) ص: (430).
(4) في الأَصْل: "لا يكون"، الأَقرب إلى الصَّواب ما أخذ من أ، ب، وهو الملائم للسِّياق قبله، والمستقيم مع "أَيضًا" بعده.
(5) في الأَصْل بالعطف بالواو، والصَّواب من أ، ب.
(6) أي: مواضع الكلمات التَّالية ل"مشتهر". وقس بقيّة المواضع على هذا الموضع:
في زهده مشتهر وعلمه ... وحلمه وعهده مشتهر
(2/816)

سُكْرانِ سُكرُ هوًى وسُكْرُ / مُدامةِ ... أَنَّى يُفيقُ فَتًى به سُكْران؟! (1)
ونحوه:
ولَمْ يَحْفَظْ مُضاعَ المجدِ شَيءٌ ... مِن الأشياءِ كالمالِ المضاع (2)
ونحو:
ففِعْلُكَ إِنْ سُئِلتَ لَنَا مُطِيعٌ (3) ... وَقَوْلُكَ: إِنْ سَأَلتَ لنا مُطَاعُ (4).
ونحو:
__________
(1) البيت من الكامل، وقائله ديك الجنّ؛ عبد السّلام بن رغبان، والبيت في ديوانه: (111)، وحسن التّوسّل: (52).
واستُشْهد به في نهاية الإيجاز: (135) والإيضاح: (6/ 103)، ومفتاح المفتاح: (1299).
وهو في المعاهد: (3/ 242). ونسبه محقّقا بغية الإيضاح الشيخ عبد المتعال الصّعيدي (4/ 75)، والدّكتور عبد المنعم خفاجي (6/ 103) إلى الخليع الدّمشقيّ.
(2) البيت من الوافر. وقائله أبو تَمَّام، قاله ضمن قصيدة يمدح بها مهديّ بن أصرم.
والبيت في ديوانه بشرح التَّبريزيّ: (2/ 340)، وحسن التّوسّل: (53).
واستُشهد به في الإيضاح: (6/ 103)، ومفتاح المفتاح: (1300).
وهو في المعاهد: (3/ 254).
(3) في ب: "مطاع" وهو بخلاف الرّواية.
(4) البيت من الوافر. وهو للبحتريّ. قاله ضمن قصيدة يمدح بها إبراهيم بن المدبّر.
والبيت في ديوانه: (2/ 1246)، وحسن التَّوسّل: (53).
واستُشهد به في نهاية الإيجاز: (138)، ومفتاح المفتاح: (1303).
(2/817)

وإِن لَم (1) يكُن إِلا مُعرَّجَ ساعة ... قليلًا فإنِّي نافعٌ لي قليلُها (2).
وأما الخامسُ: فَمَا وجدتُ له نَظِيرًا، وأحسنه ما لا تكرارَ فيه بحسب المعنى؛ نحو: سائلُ اللَّئيم يرجعُ ومعه دَمْع سائل.

القلبُ: وحكمُه في احتمالِ (3) وجهي العطف، وفي احتمال عدمه من اللّفظي -كما هو في المفتاح (4) - حكمُ ردِّ العجز؛ حذوَ النَّعلِ بالنَّعلِ.
وهو أربعةُ أنواع؛ قلبٌ للكلِّ (5)؛ نحو: (حُسامُه فَتْحٌ لأوليائه حَتْفٌ لأعدائه) (6)، وقلبٌ للبعض (7) نحو: (اللَّهمَّ استر عوراتنا وآمن رَوْعَاتنا) (8)؛ وإذا وقع أحدُ وما وقع في بعض النّسخ بدله (أوّل) فسهوُ
__________
(1) في الأَصْل: "وإلّا". والصَّواب من بقيّة النّسخ، مصدر البيت.
(2) في ب: "في مثلها" وهو خطأ ظاهر.
والبيت من الطَّويل. وقائله ابن الرّومي. ورواية ديوانه: (550): "إلّا تعلّل ساعة".
واستُشْهد به في نهاية الإيجاز: (137)، والإيضاح: (6/ 103)، ومفتاح المفتاح: (1303).
وهو في المعاهد: (3/ 258).
(3) في ب: "الاحتمال" ولا وجه لزيادة: "ال".
(4) عبارة: "وحكمه ... المفتاح" ساقطة من أ.
(5) في أ: "الكلّ".
(6) وهو مأخوذٌ من قول الأحنف:
حُسَامُك مِنْه للأَحْبابِ فَتْحٌ ... ورُمْحُك مِنْه للأَعْداءِ حَتْفٌ
(7) في أ: "البعض".
(8) جزء من حديث الرّسول صلى الله عليه وسلّم. ولفظُه -كما رواه ابن ماجه =
(2/818)

القلم، مَقْلوبي الكلِّ في أَوَّل البيتِ، والآخر [في] (1) آخرِه سُمّى (2) مقلوبًا مُجنّحًا؛ نحو:
لاحَ أنوارُ الهُدَى ... من كَفِّه في كلِّ حَال (3).
وإِذَا وَقَعَ أَحدُ مقلوبي الكلِّ في كَلِمَتين أَوْ أَكْثر شعرًا أَوْ غَيرَ شعر سُمِّي مُسْتويًا؛ لاستواء قراءته طرْدًا وعكسًا؛ نحو قول الحريريّ (4):
أُسْ أرْمِلًا إِذَا عَرَا ... وارْعَ إِذَا الْمرءُ أَسَا.
__________
= (السّنن: 2/ 1274) -: "اللَّهمّ استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يديّ ... ".
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من: أ، ب.
(2) في الأَصْل: "وسمي" ولا وجه للعطف.
(3) البيت من مجزوء الرّجز. ولم أعثر على قائله.
واستُشهد به في المصباح: (202)، ومفتاح المفتاح: (1306).
(4) هو أبو مُحَمَّد القاسم بن عليّ بن مُحَمَّد الحريريّ البَصْرِيّ. أديب عالم، له عدة مؤلّفات، منها: "المقامات الحريريّة"، "درّة الغوّاص"، "ملحة الإعراب". توفّي سنة 516 ه.
ينظر في ترجمته: وفيات الأعيان: (3/ 492 - 496)، سير أعلام النّبلاء: (9/ 460 - 465).
والبيت من مجزوء الرّجز. وهو في مقامات الحريريّ: (154) ضمن المقامة السادسة عشرة: "المغربيّة".
واستُشهد به في نهاية الإيجاز: (141)، والمفتاح: (431)، والمصباح: (202).
وهو في المعاهد: (3/ 297).
(2/819)

ونحو قوله -تعالى-: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} (1)، {كُلٌّ في فَلَكٍ} (2)، وقولُ العماد الكاتب (3) للقاضي الفاضل (4): (سِرْ فلا كبا بِكَ الفرسُ)، وقول (5) القاضي في جوابه: (دام علا العماد)؛ وهكذا (6) كلّ كلامٍ إذا قلّبته كان إيّاه.

السَّجْعُ، وهو: عطفٌ على قوله: (التَّجْنيس)، وإِن احتمل عطفه
__________
(1) سورة المدّثّر، الآية: 3.
(2) سورة الأنبياء، من الآية: 33.
(3) هو أبو عبد الله؛ مُحَمَّد بن صفيِّ الدِّين مُحَمَّد بن حامد عماد الدِّين الأَصبهانيّ. ولد سنة 519 ه. برع في علوم شتَّى، وساد في علم التَّرسّل، خدم بالإِنشاء الملك نور الدّين، فلمَّا مات استكتبه صلاحُ الدِّين. له عدَّة مصنّفاتٍ، منها: "خريدة القصر وجريدة العصر"، "البرق الشّاميّ"، "الفتح القُسِّي في الفتح القدسيّ". تُوفِّي في أَوَّل رمضان سنة 597 ه.
ينظر في ترجمته: الكامل في التَّاريخ: (10/ 276)، وفيات الأعيان: (4/ 382 - 387)، سير أعلام النّبلاء: (21/ 354 - 350).
(4) هو أبو عليّ، عبد الرَّحيم بن عليِّ بن الحسن البيسانيّ الأَصْل، العسقلانيّ المولد. ولد سنة 529 ه. خدم في ديوان الفاطميّين فترة، ثم وُزِّر لصلاح الدّين الأَيوبيّ. انتهت إليه براعة التَّرسّل وبلاغة الإِنشاء. توفّي سنة 596 ه.
ينظر: خريدة القصر وجريدة العصر: (1/ 35 - 36)، وفيات الأعيان: (3/ 133 - 138)، وسير أعلام النّبلاء: (21/ 338 - 344).
(5) في أ: "وقوله". ولا وجه للضَّمير مع التَّصريح بالاسم بعدَه.
(6) في ب: "وكذا".
(2/820)

-أَيضًا- على قوله: (تامٌّ)، ويكون المراد من تعريفه بقوله: (تشابه الكلمتين) في اللفظ عامًّا حتَّى يتناول التَّشابه بحسبِ الوزنِ -أَيضًا- لكن (1) كلفَ الكلفةِ فيه ظاهر؛ وهو (2) في النَّثر كالقافيةِ في الشِّعر.
وقيل في تعريفه (3): "هو تواطؤ الفاصلتين من النَّثر على حرفٍ واحدٍ".

التَّرصِيعُ، والموافقُ للمفتاح أَنْ يؤخذ قسمًا مستقلًّا من أقسامِ المُحسنات؛ لكنَّ القومَ أخذوه من أقسام السَّجع (4)، وهو: توازنُ الأَلفاظ مع توافق الأَعجازِ أَوْ (5) تقاربها (6)، أي (7): الأَعجاز.
وعند القومِ: التَّرصيعُ: "ما كانَ في إحدى القَرِينتين أَوْ أَكْثر مِثْل ما يقابله من الأخرى" (8)؛ نحو: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} (9).
__________
(1) في الأَصْل: "يكن" وهو تحريف. والصَّواب من: ب.
(2) قوله: "عطف ... وهو" ساقط من أ، وهو من انتقال النَّظر.
(3) القائل هو الخطيب القزويني في: الإيضاح: (6/ 106).
(4) ينظر على سبيل المثال: الإيضاح: (6/ 106) حيث قال عن السّجع: "وهو ثلاثة أضرب: مطرف، ومتواز، وترصيع".
(5) هكذا -أَيضًا- في ف. وفي أبالعطف بالواو.
(6) المفتاح: (431) بتصرّف يسير.
(7) "أي" ساقطة من أ.
(8) الإيضاح: (6/ 107) بحذف بعض الكلمات اليسيرة.
(9) سورة الانفطار، الآيتان: 13، 14.=
(2/821)

"وهو مأخوذ من ترصيع العقدِ؛ وهو أن يكون في أحد جانبي العقد من اللآلئِ مثل ما في الجانب (1) الآخر" (2).
وقيل: إِنَّه قريبٌ من التَّرصيع لا أَنَّه منه؛ فإن لفظة: (لفي) قد وردت في الفقرتين معًا (3).
ويورد ها هنا أنواعٌ أخر لكون الحروف (4) منقوطة؛ نحو: (جنّنتنِي وفتنتنِي) (5)، وغير منقوطةٍ؛ نحو قول الحريري (6): (الحمدُ للهِ الملكِ المحمودِ المالكِ المودود)، ومُختَلِطةٍ منهما على السّواء؛ وذلك إمّا بأن:
تكون حروف إحدى كلمتيها منقوطةً بأجمعها، والأخرى غير
__________
= على أنّ قوله تعالى: {لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} ورد ضمن كلام الشّارح في أ.
(1) هكذا في الأَصْل، مصدر القول. في أ، ب: "جانب".
(2) المثل السّائر: (1/ 277).
(3) القائل هو ابن الأثير في المثل السّائر: (1/ 278).
(4) في أ: اضطراب في السِّياق بزيادةِ: "ابن الحريريّ. الحمد لله" وسترد في سياق مستقيم عما قريب.
(5) مأخوذ من قول الحريريّ (مقامات الحُريريّ، المقامة السّادسة والأربعون "الحلبية": (526).
فَتَنَتْني فَجَنَّنَتني تَجَنَّى ... بِتَجَنٍّ يَفْتَنُّ غِبَّ تَجَنِّي
(6) مقامات الحريريّ: (302) ضمن المقامة التّاسعة والعشرون؛ "الواسطيّة".
(2/822)

منقوطة بأسرها؛ نحو قول الحريري (1): (الكرمُ -ثَبَّتَ الله جيش سُعُودكَ- يَزين، واللُّومُ -عَضَّ الدَّهرُ جَفْنَ حَسُودِك- يَشينُ)، ويُسمّى مثلُها خَيْفاء، وهي لُغةً: الفَرسُ التي بها (2) خيفٌ؛ وهي أن تكون إحدى عينيها سوداء، والأخرى زَرْقاء.
وإمّا بأَنْ تكون: حروفُ كلمةٍ مترتّبةً في النُّقط وعدمه؛ نحو: (أخلاقُ سَيِّدنا تُحَبُّ) (3)، ويُسمّى مثلُها رَقْطاء، وهي الفرسُ الَّذي به نقطٌ سودٌ وبيضٌ.
ولك أن تَسْتَخرج لك منها ما شئت كصنعة الموصل وهو أن يجيءَ بكلماتٍ ليس فيها كلمة إلا وحروفها يتّصل بعضُها ببعض في الخطِّ؛ نحو: (فتنتنِي).
ويجوز عودُ الضّمير (4) إلى المذكوراتِ (5) من المعنويّات واللّفظيَّاتِ من جميع جهات الْحُسن كالتَّجنيس المعكوس مثل (6): (عاداتُ السّاداتِ ساداتُ العاداتِ)، وكالتَّعديل (7)؛ وهو إيقاعُ أسماءٍ مفردةٍ على سياقٍ
__________
(1) مقامات الحريريّ: (55) ضمن المقامة السادسة؛ "المراغيّة".
(2) في ب: "فيها".
(3) مقامات الحريريّ: (264) ضمن المقامة السَّادسة والعشرون؛ "الرَّقطاء".
(4) أي: الهاء في "منها" الواردة ضمن قول المصنّف: "وكل أن تستخرج منها".
(5) في ب: "المذكور".
(6) في ب: "نحو".
(7) في الأَصْل: "التّعدية". والصَّواب من: أ، ب.
(2/823)

واحدٍ؛ نحو قولِ المتنبِّي (1):
الخيْلُ واللّيلُ والبَيْدَاءُ تَعْرفُني ... والحربُ والضَّربُ والقرطاسُ والقلَمُ
وكتنسيق الصِّفات؛ وهو أن يذكر الشَّيءُ بصفات متوالية، كقول حسّان (2):
بيضُ الوُجُوهِ كَريمَةٌ أَحْسَابُهم ... شُمُّ الأنوفِ من الطِّرازِ الأَوَّلِ
وهلّم جرّا؛ كما صُنِّفَ فيه كتبٌ مطوّلة (3).
__________
(1) البيت من البسيط. وهو في ديوان الشَّاعر بشرح العكبريّ: (3/ 369) برواية: "والضّرب والطعن والقرطاس والقلم"، وفي ديوانه بشرح البرقوقيّ: (4/ 85) برواية: "والسَّيف والرمح والقِرطاس والقَلم".
(2) البيت من الكامل. وهو في ديوان الشَّاعر: (310). قاله ضمن قصيدة يمدح بها آل غسّان.
(3) ينظر -على سبيل المثال-: "البديع في نقد الشّعر" لمجد الدّين أسامة بن منقذ؛ (ت 584 ه)؛ حيث جَمَع فيه خمسة وتسعين لونًا بديعيًّا. و"تحرير التَّحبير"، و"بديع القرآن" لابن الأصبع المصريّ (ت 654 ه) وهما من خيرة الكتب التي أُلِّفت في البديع؛ ففي الكتاب الأَوَّل درس المؤلِّفُ ما يربو على مائة وخمسة وعشرين لونًا، وفي الكتاب الثاني درس مائة لون وتسعة؛ ممثّلًا لها بشواهد من القرآن الكريم. ينظر هذه المعلومات وغيرها في: "دراسات منهجيّة في علم البديع" للأستاذ الدّكتور: الشّحّات محمَّد أبو ستيت. والكتاب من خيرةِ الكُتب المؤلّفة في البديع في العصر الحديث.
وجدير بالذكر أن فنون البديع تنامت -عصرًا بعد آخر- حتى ربت على المائتين كما صرّح به الكرمي (أحد علماء القرن الحادي عشر) في مقدمة كتابه "القول =
(2/824)

وأصلُ الحُسنِ في الكُلِّ من المحسّنات بنوعيها، أَن تُتْبعَ اللفظ المعنى لا المعنى اللفظ وإلا كان كظاهر مموَّه على باطن مشوَّه، ويكون مثاله (1) كمثال غمدٍ من ذهبٍ على نَصْلٍ من خَضبٍ، وإِنَّما هو بترك التَّكلف (2) والتزام تزيّن (3) الأَلفاظ؛ فتَأَمَّل أَبيات البُحتري (4):
بَلَونا؛ أي: امتحنّا.
ضرائبَ، جمع ضربة، وهي الطّبيعة والسجيّة.
مَن قَد نَرَى ... فَمَا أن رَأيْنَا "لفتح" (5) ضَريبًا.
__________
= البديع في علم البديع" وهو كتاب قيّم حققه الدكتور عوض بن معيوض الجميعي.
(1) في أ، ب: "مثله".
(2) هكذا -أَيضًا - في ف. وفي ب: "التّكليف".
(3) في الأَصْل: "تزيّن". والصَّواب من: أ، ب.
(4) الأبيات من التقارب. قالهما الشَّاعر ضمن قصيدةٍ يمدحُ بها الفتح بن خاقان ويعاتبه. وهي في ديوانه: (1/ 151) برواية: "تنقل" مكان "تردّد"، و"فكالسيف" مكان "فكالليث"، و"كالبحر" مكان "وكالغيث" وفي أمالي المرتضى: (1/ 535) برواية: "وجدنا" مكان "رأينا"، و"تنقل في سلفي سؤدد" مكان: "تردّد في خلقي".
واستُشهد بالأَبيات في دلائل الإعجاز: (85). وهما في المعاهد: (3/ 278).
(5) هو الفتح بن خاقان بن أَحْمد بن عرطوج، كان أبوه "خاقان" مقربًا عند المعتصم؛ فضم ابنه الفتح إلى المتوكّل؛ فنشآ معه. تولّى ديوان الخراج، وكان أديبًا فاضلًا زكيَّ النَّفس. قتل مع المتوكّل سنة 247 ه.
ينظر: تاريخ الأمم والملوك: (9/ 222 - 225)، الكامل في التّاريخ: (6/ 136 - 139)، سير أعلام النبلاء: (12/ 82 - 83).
(2/825)

لفظ "أنْ" زائدة (1)، و"فتح" عَلَم؛ ممدوح الشَّاعر. والضَّريب المِثْل والندّ.
تردّد في خُلُقَي سُؤددٍ.
أي: سيادة.
سماحًا مُرَجّى وبَأْسا مهيبا
وصفه بالكرم والشّجاعة (2).
فكاللّيثِ إن جئتَهُ صارِخًا
مُسْتغيثًا (3)،
وكالغيثِ إن جئتَهُ مُسْتثيبًا.
اسْتثابه؛ أي: سأله أن يُثيبه. وأنَّه تركَ التَّكلُّف (4) في اللَّفظ وأتبعه للمعنى؛ ولهذا جاءَ كمَا ترى في غايةِ الحسن؛ وكأَنَّه (5) البُحتريّ عنى هذه الأبيات المُصنَّفَ له؛ أي: الذي نسب إليه هذا المختصر، وهو الوزيرُ غياث الدِّين حيثُ قال: (وسَمَّيته بالفوائدِ الغياثيّة).
__________
(1) في الأَصْل، ب: "ما زائدة". والصَّواب من أ.
(2) في الأَصْل: "بالشَّجاعة والكرم". والمثبت من أ، ب، وهو المناسب لتسلسل الصِّفات المذكورة في البيت.
(3) كلمة: "مستغيثًا" ساقطة من ب.
(4) في أ: "الكلف".
(5) هكذا -أَيضًا- في ف. وفي ب: "فكأنّه".
(2/826)

لا زالت (1) أمورُ العالمين منتظمَةً برأيه، وأقطارُ المشارقِ والمغاربِ منوّرة برُوائه، والرّواء -بالضمّ- المنظر.
والحمدُ للهِ حقَّ حمْده، والصَّلاةُ على من لا نبيّ بعده، والرّضوانُ على عِترته والغُفران لأصحابِه (2).
تمَّ نسخُ الكتابِ في الثُّلثِ الأَخير من شهرِ المبارك جمادى الأَوَّل من سنة أربع وستّين وسبع مائة هجريّة؛ على يدِ المغترقِ في الذُّنوبِ والمعترف بالعيوبِ: الحسن بن عليِّ بن مباركِ بن القوّامِ الموصليّ؛ غفر الله ذنوبهم وسَتر في الدَّارين عُيُوبهم؛ مُصلّيًا ومُسَلِّمًا على نبيّه وآله الطَّيِّبين وأصحابه الطّاهرين آمين يَا ربّ العالمين.
__________
(1) في الأَصْل: "لا زال". والمثبت من أ، ب، ف.
(2) في ب زيد ضمن كلام المصنف: "وأتباعه أجمعين". وفي أزيد ضمن كلام الشّارح: "تمّ".
(2/827)

فهرس المصادر والمراجع
1 - آثار البلاد وأخبار العباد: لزكريّا بن محمود بن محمود القزوينِي. دار صادر. بيروت.
2 - أبو العتاهية، أشعاره، وأخباره. عنِي بتحقيقها د. شكري فيصل.
دار الملَاح للطّباعة والنّشر. دمشق (د. ط) (د. ت).
3 - أبو الفتح البستِي، حياته وشعره. تحقيق: د. محمّد مرسي الخولي. دار الأندلس, 1980 م.
4 - الإحكام في أصول الأحكام. لسيف الدِّين أبِي الحسن على بن مُحَمَّد الآمدي (ت 631 ه). تحقيق: أحد الأفاضل. دار الفكر العربِي. (د. ط). (د. ت).
5 - أخبار أبِي تمام. لأبي بكر مُحَمَّد بن يَحيَى الصولي. حققه وعلق عليه: خليل محمود عساكر وآخرون. قدّم له د. أَحْمد أمين. نشر المكتب التّجاري للطّباعة والتّوزيع والنّشر. بيروت.
6 - أخبار النّحويّين البصريّين. لأبي سعيد الحسن بن عبد الله السّيرافي، (ت 368 ه). تحقيق: طه محمَد الزّينِي. محمّد عبد المنعم خفاجِي. نشر وطبع: مكتبة مصطفى البابِي الحلبِي وأولاده. مصر.
7 - الأدب في العصر المملوكِي. د. محمّد زغلول سلّام. دار المعارف، مصر، ط 3، 1994 م.
8 - الإرشاد إلى قواطع الأدلّة في أصول الاعتقاد. لإمام الحرمين أبِي المعالي الجونِي (ت 478 ه)، تحقيق: أسعد تميم. مؤسّسة الكتب الثّقافية.
(2/878)

9 - أساس البلاغة. لأبي القاسم، محمود بن عمر الزّمخشري (ت 538 ه)، تحقيق: محمّد باسل عيون السّود، دار الكتب العلمية، بيروت. ط 1، 1419 ه.
10 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب. لأبي عمر يوسف بن عبد البَرّ (ت 463 ه). تحقيق: عليّ محمّد البجاوي، دار نهضة مصر. (د. ط)، (د. ت).
11 - أسد الغابة في معرفة الصّحابة. لعزّ الدِّين ابن الأثير (ت 630 ه). اعتنَى بتصحيحه: عادل أَحْمد الرّفاعي، دار إحياء التّراث العربِيّ، بيروت، ط 1، 1417 ه.
12 - أسرار البلاغة. للشّيخ الإِمام أبي بكر، عبد القاهر بن عبد الرّحمن الجرجانِي (ت 471 ه). تحقيق: ه. ريتر. مكتبة المتَنَبِّيّ. القاهرة، ط 2، 1399 ه.
13 - أسرار البلاغة .. للشّيخ الإمام أبي بكر؛ عبد القاهر بن عبد الرّحمن الجرجانِي (ت 471 ه). قرأه وعلّق عليه: أبو فهو محمود محمّد شاكر. دار المدنِي، جدّة، ط 1، 1412 ه.
14 - الأشباه والنّظائر للخالديّين. أبِي بكر محمّد (ت 380 ه). حقّقه: محمّد يوسف. مطبعة لجنة التّأليف والتّرجمة والنّشر، القاهرة (د. ط)، 1378 ه.
15 - الإصابة في تمييز الصّحابة. لأبِي الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلانِي (ت 852 ه)، تحقيق وتعليق: عليّ مُحَمَّد البجاويّ، دار الجيل، بيروت، ط 1، 1412 ه.
16 - الأصمعيّات. اخيتار الأصمعِيّ، أبِي سعيد عبد الملك بن قريب (ت 216 ه). تحقيق وشرح: أَحْمد محمّد شاكر، عبد السّلام هارون. دار المعارف. ط 5، (د. ت).
(2/879)

17 - الأصول في النحو. لأبي بكر، محمّد بن سهل بن السّراج البغدادي (ت 316 ه). تحقيق: د. عبد الحسين الفتليّ، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، ط 2، 1417 ه.
18 - الاعتماد في نظائر الظّاء والضّاد. لابن مالك. تحقيق: د. حاتم صالح الضّامن. مؤسّسة الرّسالة، بيروت، 1404 ه.
19 - الإعجاز والإيجاز. لأبِي مقصود عبد الملك الثّعالبِي (ت 429 ه). دار بيان، بغداد، ودار صعب، بيروت.
20 - إعراب القراءات الشّواذ. لأبِي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري، (ت: 616 ه). دراءسة وتحقيق: مُحَمَّد السّيّد أَحْمد غزوز. عالم الكتب، بيروت.
21 - الأعلام. لخير الدِّين الزّركِليّ. دار العلم للملايّين، بيروت، ط 11، 1995 م.
22 - أعلام النّساء في عالمَي العرب والإِسلام. عمر رضا كحّالة. مؤسّسة الرّسالة، بيروت. ط 3، 1397 ه.
23 - الأغاني لأبي الفرج؛ عليّ بن الحسين الأصفهانِي (ت 356 ه). إعداد: مكتب تحقيق دار إحياء التّراث العربِيّ، دار إحياء التّراث العربِي، بيروت، ط 2، 1418 ه.
24 - الاقتصاد في الاعتقاد. لأبي حامد محمّد بن محمّد الغزاليّ (ت 505 ه). دار الكتب العلمية، بيروت.
25 - ألفيّة ابن مالك في النّحو والصّرف. لمحمّد بن عبد الله الأندلسيّ (ت 672 ه). مكتبة السّنّة، القاهرة، ط 1، 1419 ه.
(2/880)

26 - أمالي ابن الشّجريّ. لهبة الله بن عليّ العلويّ (ت 542 ه). تحقيق ودراسة: محمود محمّد الطناحي. مكتبة الخانجِي للطّبع والنّشر والتّوزيع، القاهرة، ط 1، 1413 ه.
27 - أمالِي المرتضى: غرر الفوائد ودرر القلائد. للشّريف المرتضى، عليّ بن الحسين العلويّ (ت 436 ه). تحقيق: محمّد أبو الفضل. دار إحياء الكتب العربيّة، القاهرة، ط 1، 1373 ه.
28 - الأمالي في لغة العرب. لأبِي عليّ إسماعيل بن القاسم القالي (ت 356 ه). دار الكتب العلميّة، بيروت. (د. ط) 1398 ه.
29 - الإمتاع والمؤانسة. لأبِي حيّان، عليّ بن محمّد التّوحيدي (ت 400 ه)، تحقيق: أَحْمد أمين. دار مكتبة الحياة، بيروت. (د. ط)، (د. ت).
30 - إملاء ما مَنَّ به الرّحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن. لأبِي البقاء؛ عبد الله بن الحسين العكبري (ت 616 ه).
دار الكتب العلميّة، بيروت ط 1، 1399 ه.
31 - إنباء الغمر بأنباء العمر. لشهاب الدِّين أبي الفضل أَحْمد بن عليّ بن حجر العسقلانِي (ت: 852 ه). دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الدّكن، الهند. ط 1، 1388 ه.
32 - الأنساب. لأبي سعد عبد الكريم بن محمّد بن منصور السّمعانِي، (ت 562 ه). اعتَنَى بتصحيحه والتّعليق عليه: الشّيخ عبد الرّحمن بن يَحيَى المعلمي. مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية. حيدر آباد، الدّكن. ط 1، 1386 ه.
33 - الإنصاف في مسائل الخلاف بين النّحويّين: البصريّين والكوفيّين.
لأبِي البركات، عبد الرّحمن بن محمّد الأنباري (ت 577 ه). دار
(2/881)

الجيل، (د. ط) 1982 م.
34 - الأنموذج في النّحو. لأبي القاسم؛ جار الله: محمود بن عمر الزّمحشريّ (ت 538 ه). اعتَنَى به وطبعه: سامى بن حمد المنصور. ط 1. 1420 ه.
35 - أنوار الرَّبيع في أنواع البديع. لابن معصوم عليّ بن أَحْمد (ت 1119 ه). تحقيق: شاكر هادي شكر. مطبعة النّعمان، النّجف، العراق، ط 1، 1388 ه.
36 - أوربا في العصور الوسطى. د. سعد عاشور. مكتبة الأنجلو المصرية. القاهرة. ط 6، 1975 م.
37 - أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك. لأبي محمّد؛ عبد الله: جمال الدِّين بن هشام الأَنْصاريّ (ت 761 ه)، ومعه كتاب: عدّة السّالك إلى تحقيق أوضح المسالك. لمحمّد محيي الدِّين عبد الحميد. المكتبة العصريّة، بيروت. طبعة جديدة منقّحة، 1419 ه.
38 - إيران ماضيها وحاضرهما. دونالدو لبر، ترجمة: د. عبد المنعم محمّد حسنين. مكتبة مصر، القاهرة، 1377 ه.
39 - إيضاح شواهد الإيضاح. لأبِي عليّ الحسن بن عبد الله القيسيّ (من علماء القرن السّادس). دراسة وتحقيق: د. محمّد بن حمود الدّعجانِيّ. دار الغرب الإِسلاميّ، بيروت. ط 1، 1408 ه.
40 - الإيضاح العضديّ. لأبِي عليّ بن الحسن بن أَحْمد الفارسيّ (ت 377 ه). تحقيق: د. حسن شاذليّ فرهود. دار العلوم، ط 2، 1408 ه.
41 - الإيضاح في شرح المفصّل. لأبي عمرو، عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب النَّحويّ (ت 646 ه). تحقيق وتقديم: د. موسى
(2/882)

بناي العليليّ. إحياء التّراث الإِسلامي بوزارة الأوقاف والشّؤون الدِّينية (د. ط)، (د. ت).
42 - الإيضاح في علوم البلاغة. للخطيب القزويني (ت 739 ه). شرح وتعليق وتنقيح: د. محمّد عبد المنعم خفاجي. مكتبة الكلّيّات الأَزْهَريّة. القاهرة. ط 2.
43 - الأيوبيّون والمماليك في مصر والشّام. د. سعيد عاشور. دار النّهضة العربيّة، القاهرة، 1998 م.
44 - البحر المحيط. لأبِي حيّان الأندلسيّ. طبعة دار الفكر للطّباعة والنّشر، بيروت. ط 2، 1403 ه.
45 - بدائع الزّهور في وقائع الدّهور. لمحمّد بن أحمد بن إياس الحنفي المصريّ (ت 930 ه). مطابع الشّعب، 1960 م.
46 - البداية والنّهاية. لأبي الفداء الحافظ ابن كثير الدّمشقي (ت 774 ه). تحقيق: أَحْمد عبد الوهّاب فتيح. دار الحديث، القاهرة، ط 1، 1414 ه.
47 - البدر الطّالع بمحاسن مَن بعد القرن السّابع. لشيخ الإِسلام محمّد بن عليّ الشّوكانِي (ت 1250 ه). نشر: مكتبة ابن تيمية، القاهرة، (د. ط)، (د. ت).
48 - البديع في نقد الشّعر. لأسامة؛ بن منقذ (ت 584 ه). تحقيق: د. أَحْمد محمّد بدوي ود. حامد عبد الحميد. مطبعة البابِيّ الحلبِيّ، القاهرة، 1380 ه.
49 - البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن. لكمال الدِّين عبد الواحد بن عبد الكريم الزّملكانِيّ (ت 651 ه). تحقيق: أَحْمد مطلوب ود. خديجة الحديثِي. مطبعة العاني، بغداد. ط 1، 1394 ه.
(2/883)

50 - البرهان في علوم القرآن. لبدر الدِّين محمّد بن عبد الله الزّركشي. تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم. دار المعرفة، بيروت.
51 - البقال. لأبِي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت 355 ه). قدّم له وبوّبه وشرحه: د. عليّ بو ملحم. دار ومكتبة الهلال، بيروت، ط 1، 1991 م.
52 - بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة. للشّيخ عبد المتعال الصّعيديّ. مكتبة المعارف للنّشر والتّوزيع، الرّياض، طبعة نهاية القرن، 1420 ه.
53 - بغية الوعاة في طبقات اللّغويّين والنّحاة. لجلال الدِّين عبد الرّحمن السّيوطيّ (ت 911 ه). تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم. طبعة عيسى البابِيّ وشركاه، ط 1، 1384 ه.
54 - البلاغةُ القرآنية في تفسر الزّمخشري وأثرها في الدِّراسات البلاغيّة. د. محمّد محمّد أبو موسى. مكتبة وهبة، القاهرة، ط 2، 1408 ه.
55 - البلاغة المفترى عليها بين الأصالة والتّبعيّة. أ. د فضل حسن عبّاس. دار الفرقان للنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، ط 2، 1420 ه.
56 - بهجة المجالس وأنس المجالس. ليوسف بن عبد الله بن عبد البَرّ القرطبِيّ (ت 463 ه). تحقيق: محمّد موسى الخولي، ود. عبد القادر القط. طبع: الدّار المصريّة للتأليف والتّرجمة.
57 - بيان المختصر، شرح مختصر ابن الحاجب. لشمس الدِّين محمود بن عبد الرّحمن الأَصبهانِيّ (ت 749 ه). تحقيق: د. محمّد مظهر بقا. مركز البحث العلمي وإحياء التّراث الإِسلامي في جامعة أمّ القرى. ط 1، 1406 ه.
(2/884)

58 - البيان والتّبيين. لأبِي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255 ه). تحقيق وشرح: عبد السّلام محمّد هارون. مؤسسّمة الخانجيّ. القاهرة، ط 3، (د. ت).
59 - تاج العروس من جواهر القاموس. للسّيّد مرتضى الحسينِي الزّبيديّ (ت 1205 ه). تحقيق: عبد العليم الطّحاويّ. مراجعة محمّد بهجت الأثري وعبد السّتّار أَحْمد فرّاج. مطبعة حكومة الكويت 1387 ه.
60 - تاريخ آداب اللّغة العربيّة. جرجي زيدان. مراجعة د. شوقي ضيف. دار الهلال (د. ط) (د. ت).
61 - تاريخ أدبيّات إيران (بالفارسية). د. ذبيح الله صفا. طبعة: طهران، 1353 ه.
62 - تاريخ الأمم واللوك. لأبي جعفر، محمّد بن جرير الطّبري (ت 310 ه). تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم. دار سويدان، بيروت (د. ط)، (د. ت).
63 - تاريخ بغداد. لأبي بكر أَحْمد البغدادي (ت 463 ه). دار الكتاب العربيّ، بيروت (د. ط)، (د. ت).
64 - تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس. لحسين بن محمّد الدّيار بكري. طبع في مصر 1283 ه.
65 - تاريخ الطّبري = تاريخ الأمم والملوك.
66 - تاريخ وصاف. المعروف - أيضًا ب: [كتاب تجزية الأمصار وتزجية]. لشرف الدِّين عبد الإله الشيرازيّ، الملقَّب ب: (وصاف).
تحقيق: عبد المجيد آيتِي. طهران. 1346 ه. فارسي اللّغة.
(2/885)

67 - التّاريخ. خليفة بن خياط (ت 240 ه). تحقيق: د. أكرم ضياء العمري. دمشق، 1977 م.
68 - التّاريخ. لأحمد بن أبي يعقوب بن جعفر المعروف باليعقوبِيّ (ت 284 ه). دار صادر، بيروت (د. ط)، 1379 ه.
69 - التّبيان في البيان. للإمام شرف الدِّين الطّيبِي (ت 743 ه). تحقيق ودراسة: أ. د. عبد السّتّار زموط. دار الجيل، بيروت، ط 1، 1416 ه.
70 - تبيين الحقائق شرح كنز الدّقائق. للعلّامة فخر الدِّين عثمان بن عليّ الزّيلَعي الحنفي. دار المعرفة، بيروت، الطّبعة الثّانية (د. ت).
71 - تحرير التّحبير في صناعة الشِّعر والنثر وبيان إعجاز القرآن. لابن أبِي الإِصبع؛ عبد العظيم العدوانِي (ت 654 ه). د. حفنِي شرف. طبع: المجلس الأعلَى للشّؤون الإِسلامية، القاهرة.
72 - تحفة المريد (شرح جهورة التّوحيد). لإبراهيم بن محمّد البيجوري، (ت 1277 ه). طبعة دار الكتب العلمية، بيروت. ط 1، 1403 ه.
73 - تذكرة الحفّاظ. لأبي عبد الله؛ شمس الدِّين محمّد الذّهبِيّ (748 ه). دار الكتب العلميّة، بيروت، (د. ط)، (د. ت).
74 - تسهيل المنطق. عبد الكريم مراد الأثريّ. مطابع سجل العرب. (ط. د)، (د. ت).
75 - التّعريفات. لعليّ بن محمّد الجرجانِي (ت 816 ه). حقّقه وقدّم له ووضع فهارسه: إبراهيم الأبياري. دار الكتاب العربي، بيروت، ط 2، 1413 ه.
76 - تفسير ابن كثير = تفسر القرآن العظيم.
77 - تفسير الطّبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
(2/886)

78 - تفسير القرآن العظيم. لأبي الفداء، إسماعيل بن كثير القرشيّ الدّمشقيّ (ت 774 ه). دار المعرفة، بيروت، ط 2، (د. ت).
79 - التّفسير الكبير. للإمام الفخر الرّازيّ (ت 606 ه). إعداد مكتب تحقيق دار إحياء التّراث العربيّ، دار إحياء التّراث العربِيّ، بيروت، ط 2، 1417 ه.
80 - تقويم البلدان. لعماد الدِّين بن الملك الأفضل، المعروف بأبِي الفداء، (ت 734 ه). اعتَنَى بتصحيحه البارون ماك بحوكيه ديسلان. طبع في باريس، سنة 1840 م.
81 - تمهيد الأوائل وتلخيص الدّلائل. للقاضي أبي بكر محمّد بن الطّيّب الباقلانِي (ت 304 ه). تحقيق: عماد الدِّين أَحْمد حيدر. مؤسسّة الكتب الثّقافية، ط 1، 1407 ه.
82 - تهذيب تاريخ دمشق. لثقة الدِّين أبو القاسم عليّ بن الحسن المعروف بابن عساكر (ت 571 ه). هذّبه ورتّبه: الشّيخ عبد القادر بدران. دار المسيرة، بيروت، ط 2، 1399 ه.
83 - توضيح النّحو؛ شرح ابن عقيل وربطه بالأساليب الحديثة والتّطبيق. أ. د. عبد العزيز محمّد فاخر. مطابع الدّار الهندسية. (د. ط)، 1417 ه.
84 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن. لأبِي جعفر محمّد بن جرير الطّبريّ (ت 310 ه). تجقيق: محمود محمّد شاكر، ومراجعة أحاديثه: أَحْمد محمّد شاكر. دار المعارف ومكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط 2، (د. ت).
85 - جامع التّواريخ. رشد الدِّين: فضل الله بن عماد الدّولة (ت 718 ه). نقله من الفارسية الأستاذ محمّد صادق نشأت وآخرون. القاهرة، 1960 م.
(2/887)

86 - الجامع الصّحيح. للإمام الحافظ أبي عبد الله مُحَمَّد بن إسماعيل البُخَارِيّ (ت 256 ه). عالم الكتب، بيروت، ط 2، 1402 ه.
87 - الجامع الصّحيح (سنن التّرمذي). لأبي عيسى محمّد بن عيسى التّرمذي (ت 279 ه). تحقيق وشرح: أَحْمد شاكر وغيره. طبع: مصطفى البابِيّ الحلبِيّ، القاهرة، ط 2، 1398 ه.
88 - الجامع لأحكام القرآن. لأبي عبد الله محمّد بن أَحْمد القرطُبِيُّ (ت: 671 ه). اعتَنَى به وصحّحه: هشام البخاريّ. دار إحياء التّراث العربِيّ، بيروت، ط 1، 1416 ه.
89 - الجرح والتّعديل. لعبد الرّحمن بن أبي حاتم الرّازيّ (ت 327 ه). تحقيق: عبد الرّحمن المعلّمي اليماني. حيد آباد، 1373 ه.
90 - جمهرة الأمثال. لأبي هلال الحسن بن عبد الله العسكري (ت 395 ه). ضبطه وكتب هوامشه ونسّقه: د. أَحْمد عبد السّلام. خرّج أحاديث: أبو هاجر محمّد زغلول. دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1408 ه.
91 - جمهرة أنساب العرب. لأبي محمّد عليّ بن أحمد الأندلسيّ (ت 456 ه). تحقيق: عبد السّلام هارون، دار المعارف، القاهرة، ط 5، (د. ت).
92 - الجنيّ الدّانِيّ في حروف المعانِيّ. صنعة الحسن بن قاسم المراديّ (ت 749 ه). تحقيق: د. فخر الدِّين قبادة، والأستاذ محمّد نديم. نشر: دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط 2، 1403 ه.
93 - الجوهر الثّمين في سير الخلفاء والملوك والسّلاطين. لإبراهيم بن محمّد، المعروف بابن دقمان (ت 809 ه). تحقيق: سعيد عاشور، ومراجعة: د. أَحْمد السّيّد دراج. طبع: مركز البحث العلمي وإحياء التّراث بجامعة أمّ القرى (د. ط)، (د. ت).
(2/888)

94 - حاشية ابن عابدين = ردّ المحتار على الدّر المختار.
95 - حدائق السِّحر في دقائق الشّعر. لرشيد الدِّين الوطواط (ت 573 ه). تعريب: إبراهيم الشّواربِيّ. طبع: لجنة التّأليف والترجمة، والنّشر 1364 ه.
96 - الحركة الصّليبيّة. د. سعد عاشور. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة. ط 2، 1971 م.
97 - حسن التّوسّل إلى صناعة التّرسّل. لشهاب الدِّين محمود الحلبِي (ت 725 ه). تحقيق ودراسة: د. أكرم عثمان يوسف. دار الحريّة، 1980 م.
98 - حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة. لجلال الدِّين السّيوطي. تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة، الحلبِيّ، ط 1، 1967 م.
99 - الحماسة. أبو تمام؛ حبيب بن أوس الطّائيّ (ت 231 ه). تحقيق: د. عبد الله بن عبد الرّحيم عسيلان. طبع: إدارة الثّقافة والنّشر، جامعة الإِمام محمّد بن سعود الإِسلامية، الرّياض (د. ط)، 1401 ه.
100 - الحماسة. لأبي عبادة البحتُريّ. اعتَنَى بضبطه وتدوينه: الأب لويس شيخو. دار الكتاب العربِيّ، بيروت، ط 2، 1387 ه.
101 - الحماسة البصريّة. لصدر الدِّين عليّ بن أبي الفرج بن الحسن البَصْرِيّ (ت 659 ه). تحقيق: مختار الدِّين أَحْمد. عالم الكتب، بيروت، ط 3، 1403 ه.
102 - الحيوان. لأبِي عثمان؛ عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255 ه). تحقيق: عبد السّلام هارون. المجمع العلميّ العربِيّ الإسلامِيّ، بيروت، ط 3، 1388 ه.
(2/889)

103 - خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب. لعبد القادر عمر البغدادي، (ت 1093 ه). تحقيق: عبد السّلام هارون. الهيئة المصرية العامّة للكتاب. مصر. ط 2، 1979 م.
104 - الخصائص. لأبي الفتح؛ عثمان بن جنّيّ (ت 393 ه). تحقيق: محمّد عليّ النّجار. عالم الكتب، بيروت، ط 3، 1402 ه.
105 - خصائص التّراكيب. دراسة تحليليّة لمسائل علم المعانِي. د. محمّد محمّد أبو موسى. نشر: مكتبة وهبة، القاهرة، ط 4، 1416 ه.
106 - الخطط. لتقيّ الدِّين أَحْمد بن عليّ بن عبد القادر، المعروف بالقزوينِي، (ت 845 ه). نشر: دار الكتاب اللّبنانِيّ، بيروت، مصوّرة طبعة بولاق، مصر. 1270 ه.
107 - دراسات منهجيّة في علم البديع. أ. د الشّحّات محمّد أبو ستيت. دار خفاجي للطّباعة والنّشر. كفر شبين- قليوبية، ط 1، 1414 ه.
108 - الدّرر الكامنة في أعيان المائة الثّامنة. لشيخ الإِسلام؛ شهاب الدِّين أَحْمد بن عليّ الشّهير بابن حجر العسقلانِي (852 ه). دار الجيل، بيروت، (د. ط)، (د. ت).
109 - دلائل الإعجاز. لعبد القاهر بن عبد الرّحمن الجرجانِيّ (ت 471 ه). قرأه وعلّق عليه محمود محمّد شاكر. مطبعة المدنِيّ، القاهرة، ط 3، 1413 ه.
110 - دلائل الإعجاز. للإمام عبد القاهر الجرجانِي (ت 471 ه). تعليق وشرح: محمّد عبد المنعم خفاجي. نشر: مكتبة القاهرة، مصر. 1396 ه.
(2/890)

111 - الدّليل الشّافي على المنهل الصّافي. لجمال الدِّين بن تغري بردي (ت 874 ه). تحقيق وتقديم: فهيم محمّد سلتوت. مكتبة الخانجي، القاهرة.
112 - دمية القصر وعصرة أهل العصر. لأبِي الحسن، عليّ بن الحسن الباخرزيّ (ت 467 ه). تحقيق: محمّد التونجيّ، حلب، 1349 ه.
113 - الدّول الإِسلامية. ستانلي لين بول. نقل من التّركية إلى العربية مُحَمَّد صبيحي مرزات. أشرف على التّرجمة محمَد أَحْمد دهمان. نشر: مكتب الدّراسات الإِسلامية، بدمشق، مطبعة الفلاح، دمشق 1394 ه.
114 - ديوان ابن الدُّمينة. أبو السّريّ؛ عبد الله بن عبد الله (ت 130 ه). تحقيق: أَحْمد راتب النّفاح. مطبعة المدنِي، مصر. (د. ط)، 1378 ه.
115 - ديوان ابن الرّومِيّ. تحقيق: د. حسين نصّار. مطبعة دار الكتب المصريّة، القاهرة. (د. ط)، 1977 م.
116 - ديوان أبِي تمام. بشرح الخَطيب التّبريزِي. تحقيق: محمَد عبده عزّام. دار المعارف. (د. ط) 1964 م.
117 - ديوان أبِي النّجم العجليّ. صنعه وشرحه: علاء الدِّين أغا. طبع: النّاديّ الأدبِيّ بالرّياض، (د. ط)، 1401 ه.
118 - ديوان امرؤ القيس. تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم. دار المعارف، القاهرة، ط 5، (د. ت).
119 - ديوان البحتُريّ. عُنِي بتحقيقه وشرحه والتّعليق عليه: حسن كامل الصّيرفيّ. دار المعارف، القاهرة، ط 3، (د. ت).
120 - ديوان بشّار بن برد. جمع وتحقيق: مُحَمَّد الطّاهر عاشور. الشرّكة التّونسيّة للتّوزيع، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1396 ه.
(2/891)

121 - ديوان حسّان بن ثابت. تحقيق: د. سيد حفنِي حسنين. الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة. (د. ط)، 1394 ه.
122 - ديوان الحماسة: لأبي تمام حبيب بن أوس الكافي. شرح العلّامة التّبريزيّ. مكتبة النّوريّ، دمشق.
123 - ديوان الخوارج. جمعه وحقّقه: د. نايف محمّد معروف. دار.
124 - المسيرة (د. ط)، 1403 ه.
125 - ديوان ديك الجنّ. عبد السّلام بن رغيان الكلبِيّ (ت 235 ه). جمع: عبد المعين الملوحيّ، ومحيّي الدِّين الدّرويش. مطبعة سوريا 1950 م.
126 - ديوان الصّاحب بن عبّاد. تحقيق: محمّد حسن آل ياسين. طبع بغداد، ط 1، 1384 ه.
127 - ديوان الصَّنَوبَرِيّ (ت 334 ه). تحقيق: د. إحسان عبّاس. دار الثّقافة، بيروت، 1970 م.
128 - ديوان عبد الله بن المعتَزّ. طبعه وحلّ غريبَه: الشّيخ محيّي الدِّين الخيّاط. المكتَبة العربيّة، دمشق. (د. ط)، 1371 ه.
129 - ديوان عبيد الله بن قيس الرّقيات. تحقيق وشرح: د. محمّد يوسف نجم. دار صادر، بيروت. 1958 م.
130 - ديوان العجّاج. رواية عبد الملك بن قريب الأصمعيّ وشرحه. تحقيق: عبد الحفيظ السّلطيّ. توزيع ونشر: مكتبة أطلس، دمشق، 1971 م.
131 - ديوان عديّ بن الرّقاع العامليّ. جمع وتحقيق ودراسة: د. الشرّيف عبد السّلام البركانِيّ. المكتبة الفيصليّة، مكّة المكرّمة، 1406 ه.
132 - ديوان عليّ بن الجهم. عُنِيَ بتحقيقه: خليل مردم بك. منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت. ط 2، 1400 ه.
(2/892)

133 - ديوان الفرزدق. قدّم له وشرحه محيد طراد. دار الكتاب العربيّ، بيروت. ط 1، 1412 ه.
134 - ديوان القتّال الكلابِي. تحقيق: إحسان عبّاس. دار الثّقافة، بروت، ط 1، 1381 ه.
135 - ديوان القطامِيّ. تحقيق: د. إبراهيم السّامرّائي، ود. أَحْمد مطلوب. دار الثّقافة، بيروت، 1960 م.
136 - ديوان قيس بن الخطيم. حقّقه وعلق عليه: ناصر الدِّين الأسد. مكتبة دار العروبة، القاهرة، ط 1، 1381 ه.
137 - ديوان قيس بن الملوّح. شرح الشيخ عبد المتعال الصّعيديّ. مكتبة القاهرة، القاهرة، ط 2، (د. ت).
138 - ديوان كثير عزّة. تحقيق: إحسان عبّاس. نشر وتوزيع: دار الثّقافة، بيروت. (د. ط)، 1971 م.
139 - ديوان لبيد بن ربيعة العامريّ. دار صادر، بيروت، (د. ط)، و (د. ت).
140 - ديوان المتَنَبِّيّ. بشرح عبد الرّحمن البرقوقيّ. دار الكتاب العربيّ، بيروت، (د. ط)، 1407 ه.
141 - ديوان المعانِي. لأبي هلال العسكريّ. مكتبه القدس، مصر، (د. ط)، 1352 ه.
142 - ديوان الهذليّين. نشر: الدّار القوميّة للطباعة والنّشر. المكتبة السّلفية، المدينة المنوّرة. (د. ط)، 1385 ه.
143 - الذّيل على الرّوضتين. (تراجم رجال القرنين: السّادس والسّابع). لشهاب الدِّين؛ أبِي مُحَمَّد، عبد الرّحمن بن إسماعيل، المعروف بأبِي
(2/893)

شامة المقدسيّ (ت 665 ه). تصحيح: محمّد زاهد الكوثريّ. دار الجليل، بيروت، ط 2، 1974 م.
144 - الذّيل على العبر في خبر مَن عبر. لوليّ الدِّين أبي زرعة أَحْمد بن عبد الرّحمن بن الحسين بن العراقي (ت 826 ه). حقّقه وعلّق عليه: صالح مهدي عباس. مؤسّسة الرّسالة، بيروت، ط 1، 1409 ه.
145 - ردّ الحتار. لخاتمة المحقّقين محمّد أمين الشّهير بابن عابدين على الدّر المحتار. شرح تنوير الأبصار. شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابِيّ الحلبِيّ وأولاده، مصر، ط 2، 1386 ه.
146 - الرّدود والنّقود. لشمس الدِّين محمّد بن يوسف الكرمانِي. مخطوط بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإِسلامية تحت رقم: (8887).
147 - رسائل الجاحظ. لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت 355 ه). تحقيق وشرح: عبد السّلام هارون. دار الجيل، بروت، ط 1، 1411 ه.
148 - روضة الطّالبين. للإمام أبي زكريا؛ يحيَى بن شرف النّوويّ الدّمشقيّ (ت 676 ه). المكتب الإِسلاميّ، (د. ط)، (د. ت).
149 - روضة النّاظر وجُنّة المناظر. لشيخ الإِسلام موفّق الدِّين ابن قدامة المقدسيّ (ت 620 ه). تحقيق: د. عبد الكريم بن عليّ النّملة. مكتبة الرّشيد، الرّياض، ط 5، 1417 ه.
150 - زهر الآداب وثمر الألباب. لأبِي إسحاق الحصريّ (ت 453 ه). تحقيق: عليّ محمّد البجاويّ، عيسى البابِيّ الحلبِيّ وأولاده، ط 2، (د. ت).
151 - سرُّ الفصاحة. للأمير أبِي محمّد عبد الله بن سنان الخفاجِيّ (ت 466 ه). دار الكتب العلميّة، بيروت، ط 1، 1402 ه.
(2/894)

152 - سرج العيون في شرح رسالة ابن زيدون. لجمال بن نيابة المصري، (ت 768 ه). تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، نشر: دار الفكر. 1383 ه.
153 - سلّم الوصول لشرح نهايه السّؤل. لمحمّد بخيت المطيعي. عالم الكتب، بيروت.
154 - السّلوك لِمعرفة دول الملوك. أَحْمد بن عليّ المقريزيّ (ت 845 ه). صحّحه ووضع حواشيه: محمّد مصطفى زيادة. مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنّشر، القاهرة، ط 2، 1957 م.
155 - سقط الزّند. لأبي العلاء المعرّي (ت 449 ه). دار صادر للطّباعة والنّشر، دار بيروت للطّباعة والنّشر، بيروت، 1383 ه.
156 - سمط اللآلئ في شرح آمالي القالي. للوزير أبي عبيد البكريّ، تحقيق: عبد العزيز الميمنِيّ. دار الحديث، بيروت، ط 1404، 2 ه.
157 - السّنن. لأبي داود سليمان بن الأشعث السّجستانِي (ت 275 ه). إعداد وتعليق: عزت عبيد الدّعّاس، وعادل السّيّد. دار الحديث، بيروت، ط 1، 1388 ه.
158 - السّنن. لأبي عبد الله محمّد بن يزيد القزوينِي (ت ه 27 ه). تحقيق وتعليق: محمّد مدّاد عبد الباقي. المكتبة العلميّة، بيروت، (د. ط) (د. ت).
159 - السّنن. لأبي عبد الرّحمن أَحْمد بن شعيب النّسائي (ت 303 ه)، مع شرح جلال الدِّين السّيوطيّ، وحاشية الإِمام السّندي. اعتَنَى به ورقّمه ووضع فهارسَهُ: عبد الفتّاح أبو غدّة. مكتب المطبوعات الإسلاميّة، حلب، بيروت، ط 2، 1409 ه.
160 - سنن التّرمذيّ = الجامع الصّحيح.
(2/895)

161 - سنن الدّارميّ. للإمام الحافظ عبد الله بن عبد الرّحمن السّمرقنديّ الدّارمِيّ (ت 255 ه)، حقّقه وخرّج أحاديثه وفهرسه: فوّاز أَحْمد زمزلي وخالد القلمِيّ. دار الرّيّان للتّراث، القاهرة، ط 1، 1407 ه.
162 - سير أعلام النّبلاء. للإمام شمس الدِّين محمّد بن أَحْمد بن عثمان الذّهبِيّ (ت 748 ه). تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون. مؤسّسة الرّسالة، بيروت، ط 9، 1413 ه.
163 - شذور الذّهب في معرفة كلام العرب. لابن هشام الأَنْصَارِيّ (ت 761 ه) مع الشّرح. المكتبة العصريّة، صيدا، بيروت، ط 1416 ه.
164 - شذرات الذّهب في أخبار مَن ذهب. لأبي الفلاح عبد الحيّ العماد الحنبلي (ت 1089 ه). المكتب التّجاري للطّباعة والنّشر والتّوزيع، بروت، (د. ط)، (د. ت).
165 - شرح ابن عقيل. لقاضي القضاة بهاء الدِّين عبد الله بن عقيل العقيلي (ت 769 ه). المكتبة العصريّة، صيدا، بيروت، (د. ط)، 1419 ه.
166 - شرح الأشمونِيّ على ألفية ابن مالك المُسَمَّى: منهج السّالك إلى ألفية ابن مالك. حقّقه: محمّد محيّي الدِّين عبد الحميد. دار الكتاب العربيّ، بروت، ط 1، 1375 ه.
167 - شرح التّنوير على سقط الزّند. لأبي يعقوب يوسف بن طاهر (549 ه). المطبعة الاعلاميّة، مصر، (د. ط)، 1303 ه.
168 - شرح جمل الزّجَاجِيّ. لابن عصفور الإشبيليّ (ت 669 ه).
تحقيق: صاحب أبو جناح. الجمهورية العراقية، وزارة الأوقاف والشّؤون الدِّينية، إحياء التّراث الاسلاميّ. (د. ط)، 1402 ه.
169 - شرح ديوان أبِي العتاهية. دار التّراث، بيروت، (د. ط)، 1389 ه.
(2/896)

170 - شرح ديوان الحماسة. الخَطيب التّبريزيّ. عالم الكتب، بيروت، (د. ط)، (د. ت).
171 - شرح ديوان الحماسة. لأبِي عليّ أَحْمد بن مُحَمَّد المرزوقيّ (ت 421 ه). نشره: أَحْمد أمين، عبد السّلام هارون. لجنة التّأليف والتّرجمة والنشر، القاهرة، ط 2، 1388 ه.
172 - شرح ديوان زهير. للإمام أبي العباس أَحْمد بن يَحيَى بن زيد الشّيبانِي ثعلب. الدّار القومية للطّباعة والنّشر، القاهرة، (د. ط)، 1384 ه.
173 - شرح شذور الذّهب في معرفة كلام العرب. لابن هشام الأَنْصَارِيّ (ت 761 ه). ومعه كتاب: (منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذّهب)؛ لمحيّي الدِّين عبد الحميد. المكتبة العصرية، بيروت، ط 1، 1416 ه.
174 - شرح شواهد المغنِي. لجلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكر السّيوطيّ (ت 911 ه). اعتَنَى بتصحيحه: محمّد محمود الشّنقيطي. المطبعة البهية، مصر.
175 - شرح الصّوليّ لديوان أبي تمام. دراسة وتحقيق: د. خلف رشيد نعمان. منشورات وزارة الأعلام، 1977 م.
176 - شرح العضد الإيجِيّ على مختصر ابن الحاجب (ضمن عدّة حواشي على شرح العضد). مراجعة وتصحيح: د. شعبان محمّد إسماعيل. مكتبة الكلّيّات الأزهريّة، القاهرة، (د. ط)، 1403 ه.
177 - شرح القعيدة الطّحاوية. للعلّامة ابن أبِي العزّ الحنفيّ. حقّقها وراجعها: جماعةٌ من العلماء، خرّج أحاديثَها: محمّد ناصر الدِّين الألبانِي. المكتب الإِسلامي، بيروت، ط 5، 1399 ه.
(2/897)

178 - شرح العقيدة الواسطيّة. د. صالح بن فوزان الفوزان. مكتبة المعارف للنّشر والتّوزيع. الرّياض، 6، 1413 ه.
179 - شرح الفوائد الغياثيّة (مخطوط). مجهولُ المؤلِّف. تركيا.
180 - شرح الفوائد الغياثيّة من علمِي المعانِي والبيان. للمولى أبي الخير. عصام الدِّين طاشكبرى زاده. (د. ط)، (د. ت).
181 - شرح قطر النَّدَى وبلّ الصّدى. لأبي عبد الله جمال الدِّين بن هشام (ت 761 ه). حققه وشرحه وأعرب شواهده: محمّد خير طعمه حلبِيّ. دار المعرفة، بيروت، ط 1، 1418 ه.
182 - شرح الكافية الشّافية. للعلّامة جال الدِّين أبِي عبد الله محمّد بن عبد الله بن مالك (ت 672 ه). حقّقه وقدّم له: د. عبد المنعم أَحْمد هريري. نشر: دار المأمون للتّراث، (د. ط)، (د. ت).
183 - شرح الكافية في النّحو. لجمال الدِّين بن عمر عثمان بن عمر، المعروف بابن الحاجب (ت 646 ه). دار الكتب العلميّة، لبنان، بيروت (د. ط)، 1415 ه.
184 - شرح المعلّقات السّبع. للقاضي حسين بن أَحْمد الزّوزنِيّ. تحقيق وتعليق: يوسف عليّ بديويّ. دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط 1، 1410 ه.
185 - شرح المفصّل. لموفّق الدِّين بن يعيش النّحويّ (ت 643 ه).
مكتبة المثَنَّى، القاهرة، (د. ط)، (د. ت).
186 - شرح منهاج الطّالبين. لجلال الدّين محمّد بن أَحْمد المحلّى (ت 864 ه) شركة ومطبعة أَحْمد سعد نبهان وأولاده، ط 4، 1394 ه.
(2/898)

187 - شعر تأبّط شرًّا. دراسة وتحقيق: سلمان داود القرّة غولي، ورجب شعبان جاسم. مطبعة الآداب، النّجف، ط 1، 1393 ه.
188 - شعر عبده بن الطّبيب. د. يحيَى الجبوريّ. دار التّربية (د. ط) 1391 ه.
189 - شعر عليّ بن جبلة. تحقيق: حسين عطوان. طبع: دار المعارف، القاهرة.
195 - شعر مروان بن أبي حفصة. تحقيق: حسين عطوان. دار المعارف، مصر، 1973 م.
191 - شعر اليزيديّين. جمع وتحقيق: د. محسن غياض. مطبعة النّعمان، النّجف. (د. ط)، (د. ت).
192 - الشّعر الشّعراء. لأبي محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت 276 ه).
تحقيق وشرح: أَحْمد محمّد شاكر. دار المعارف، القاهرة (د. ط)، (د. ت).
193 - الشّعر والشّعراء. لأبي محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت 276 ه). عالم الكتب، بيروت، ط 3، 1404 ه.
194 - شهاب الدِّين الخفاجِيّ وجهوده في اللّغة. إعداد الطّالب: عبد الرّزّاق فراج دخيل الحربيّ. رسالة أعدّت لنيل درجة الماجستير. ونوقشت بالجامعة الإِسلامية عام 1412 ه.
195 - الصّاحبِيّ في فقه اللّغة وسنن العرب في كلامها. لأبي الحسن أَحْمد بن فارس. تحقيق: أَحْمد صقر. مطبعة عيسى البابِيّ.
196 - صبح الأَعمش في صناعة الإنشا. لأبي العبّاس؛ أَحْمد بن عليّ القلقشندي (ت 821 ه) الهيئة المصرية العامّة للكتاب (د. ط) 1405 ه.
197 - الصّحاح (تاج اللّغة وصحاح العربية). لأبي نصر؛ إسماعيل بن حمّاد الجوهريّ (ت 398 ه). دار إحياء التّراث العربِيّ، بيروت.
198 - صحيح البُخَارِيّ = الجامع الصّحيح.
(2/899)

199 - صحيح مسلم. لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيريّ (ت 261 ه). تحقيق وتعليق: محمّد فؤاد عبد الباقي. مطبعة دار إحياء الكتب العربية، بيروت، (د. ط)، (د. ت).
200 - الصّناعتين: الكتابة والشّعر. لأبي هلال الحسن بن عليّ بن سهل العسكريّ (ت 395 ه). حقّقه وضبط نصَّه: د. مفيد قميجة. دار الكتب العلمية، لبنان، ط 2، 1404 ه.
201 - الضّوء اللامع لأهل القرن التاسع. لشمس الدِّين محمّد بن عبد الرّحمن السّخاوي. منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.
202 - الطّبقات. لأبي عمرو؛ خليفة بن خياط العصفريّ (ت: 240 ه). تحقيق وتقديم: د. أكرم ضياء العُمريّ. دار طيبة للنّشر والتّوزيع، الرّياض، ط 2، 1402 ه.
203 - طبقات الشّافعية. لجمال الدِّين؛ عبد الرّحيم الأسنويّ (772 ه). تحقيق: عبد الله الجبوريّ. دار العلوم للطّباعة والنّشر، الرّياض، المملكة العربيّة السّعوديّة، (د. ط) 1400 ه.
204 - طبقات الشافعية. لأبي بكر بن أحمد بن تقيّ الدِّين ابن قاضي شهبة الدِّمشقي (ت 851 ه). اعتَنَى بتصحيحه وعلّق عليه: د. الحافظ عبد العليم خان، ورتّب فهارسَه: د. عبد الله أنيس الطّبّاع. عالم الكتب، ط 1، 1407 ه.
205 - طبقات الشّافعية الكبرى. لتاج الدِّين أبي نصر عبد الوهّاب السّبكيّ (ت 771 ه). تحقيق: عبد الفتّاح محمّد الحلو، ومحمود محمّد الطّناحيّ. مطبعة عيسى البابِيّ الحلبِيّ وشركاه. (د. ط)، (د. ت).
(2/900)

206 - طبقات الشّعراء. لعبد الله بن المعتزّ (ت 296 ه). تحقيق: عبد السّتّار أحمد فرّاج. دار المعارف، القاهرة، ط 4، (د. ت).
207 - طبقات فحول الشّعراء. لمحمّد بن سلّام الجمحيّ (ت 231 ه). قرأه وشرحه: أبو فهر محمود محمّد شاكر. مطبعة المدنِيّ، القاهرة، (د. ط)، (د. ت).
208 - الطّبقات الكبرى. لمحمّد بن سعد البصريّ (ت 230 ه). دار صادر، بيروت، (د. ط)، 1405 ه.
209 - طبقات المفسّرين. للحافظ شمس الدِّين محمّد بن عليّ الدّاوديّ (ت 945 ه). تحقيق: عليّ محمّد عمر. نشر: مكتبة وهبه. مصر. ط 1، 1392 ه
210 - طبقات النّحويّين واللّغويّين. لأبِي بكر محمّد بن الحسن الزّبيدي الأندلسي. تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم. دار المعارف. ط 3، (د. ت).
211 - العبر في خبر مَن غَبر. لشمس الدِّين محمّد بن أحمد الذّهبِي (748 ه). تحقيق: أبو هاجر محمّد السّعيد زغلول. دار الكتب العلمية. بيروت. ط 1، 1405 ه.
212 - العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومَن عاصرهم مِن ذوي السّلطان الأكبر. لعبد الرّحمن بن محمّد بن خلدون (ت 808 ه). دار الكتاب اللّبنانِيّ، لبنان.
213 - عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح. لبهاء الدِّين السّبكيّ (ت 773 ه). ضمن شروح (التّلخيص). دار الكتب العلميّة، بيروت، (د. ط)، (د. ت).
(2/901)

214 - العقد الفريد. لأبِي عمر؛ أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسيّ (ت 327 ه). شرحه وضبطه: أحمد أمين وآخرون. مطبعة لجنة التّأليف والترحمة والنشر، القاهرة، ط 3، 1384 ه.
215 - عقود الجمان في المعانِي والبيان. لجلال الدِّين عبد الرحمن محمّد السّيوطيّ (ت 911 ه). بشرح العلّامة عبد الرّحمن بن عيسى بن مرشد العمري المعروف بالمرشديّ. مطبعة مصطفى البابِي الحلبِي وأولاده. مصر، ط 2، 1374 ه.
216 - العقيدة الواسطية. لشيخ الاسلام أحمد بن تيمية (728 ه). (مع شرح الفوزان). مكتبة المعارف للنّشر والتّوزيع، الرّياض، ط 6، 1413 ه.
217 - علم المعانِي. د. عبد العزيز عتيق. دار النّهضة العربيّة للطّباعة والنّشر، بيروت، (د. ط)، 1405 ه.
218 - العمدة في صناعة الشِّعر ونقده. لأبي على الحسن بن رشيق القيروانِيّ (ت 463 ه)، تحقيق وشرح: د. مفيد محمّد قميحة. دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1403 ه.
219 - عيار الشّعر. لمحمّد بن أحمد بن طباطبا العلويّ (ت 322 ه). تحقيق: عبّاس عبد السّتّار. دار الكتب العلميّة، بيروت، ط 1، 1402 ه.
220 - عيون الأخبار. لأبي محمّد؛ عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينوري (ت 276 ه). نسخة مصوّرة عن طبعة دار الكتب، المؤسّسة المصريّة العامّة، القاهرة، (د. ط)، 1383 ه.
221 - غريب الحديث. لشيخ الإسلام أبي الفرج عبد الرّحمن بن الجوزيّ (ت 597 ه) وثّق أصولَهُ، وخرّج أحاديثَهُ، وعلّق عليه: د. عبد المعطي أمين قلعجي. دار الكتب العلميّة، بيروت، ط 1، 1405 ه.
(2/902)

222 - غريب القرآن وتفسيره. لأبي عبد الرّحمن؛ عبد الله بن يَحيَى اليزيديّ (ت 237 ه). حقّقه وعلّق عليه: محمّد سليم الحاج. عالم الكتب، بيروت، ط 1، 1405 ه.
223 - الفائق في غريب الحديث. لأبي القاسم محمود بن عمر الزّمخشري (ت 538 ه). تحقيق: عليّ البجاويّ ومحمّد أبو الفضل إبراهيم. دار إحياء الكتب العربيّة، القاهرة، ط 1، 1364 ه.
224 - الفاضل في اللّغة والأدب: لأبي العبّاس محمّد بن يزيد المبرّد. تحقيق: عبد العزيز المَيمَنِيّ. مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1956 م.
225 - فتح الباري شرح صحيح البخاري. لأبي الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلانِي (ت 852 ه). تصحيح: عبد العزيز بن باز، ومحبّ الدِّين الخطيب. دار الرّيّان للتّراث، ط 1، 1407 ه.
226 - فتح القدير الجامع بين فَنَّيِ الرّواية والدّراية من علم التّفسير. لمحمّد بن عليّ الشّوكانِي (ت 1250 ه). شركة مكتبة ومطبعة البابِي الحلبِيّ وأولاده، مصر، ط 2، 1383 ه.
227 - فتوح الغيب في الكشف عن قناع الرّيب. للطّيبِيّ (ت 743 ه). دراسة وتحقيق: من أوّله إلى الآية (117)، من سورة البقرة، رسالة علميّة، تقدّم بها الطّالب / صالح عبد الرّحمن الفائز، إشراف: د. حكمت بشير، ونوقشت عام 1413 ه. قسم التّفسير، كلّيّة القرآن الكريم، الجامعة الإسلامية.
228 - الفَرق بين الفِرَق. عبد القاهر البغداديّ. نشر وطبع: مؤسّسة نشر الثّقافة الإسلاميّة. القاهرة، 1948 م.
(2/903)

229 - فصل المقال في شرح كتاب الأمثال. لأبي عبيد البكريّ (ت 487 ه). حقّقه وقدّم له وعلّق عليه: د. إحسان عبّاس، ود. عبد المجيد عابدين. نشر: دار الأمانة ومؤسّسة الرّسالة، بيروت، (د. ط)، 1391 ه.
230 - فقه اللّغة وأسرار العربيّة. لأبي منصور عبد الملك بن إسماعيل الثّعالبِيّ (ت 430 ه). منشورات: دار مكتبة الحياة، بيروت، (د. ط)، (د. ت).
231 - الفوائد الغياثيّة في علوم البلاغة. للعلّامة عضد الدِّين الإيجِيّ (ت 756 ه). دراسة وتحقيق: د. عاشق حسين. دار الكتاب المصريّ، القاهرة، دار الكتاب اللّبنانِيّ، بيروت، ط 1، 1412 ه.
232 - فوات الوفيات. لمحمّد بن شاكر الكتبِيّ (ت 764 ه). تحقيق: د. إحسان عبّاس. دار الثّقافة، بيروت، (د. ط)، (د. ت).
233 - فواتح الرّحموت في شرح مسلم الثّبوت. لعبد العليّ محمّد بن نظام الدِّين الأنصاري. طبع: المطبعة الأميريّة ببولاق. مصر، ط 1، 1324 ه.
234 - الفهرست. لأبي الفرج محمّد بن أبي يعقوب بن النّديم (ت 380 ه). نشر: دار المعرفة. بيروت، لبنان.
235 - القاموس المحيط. لمجد الدِّين محمّد بن يعقوب الفيروز آباديّ (ت 817 ه). تحقيق: مكتب تحقيق التّراث في مؤسّسة الرّسالة. دار الرّيّان، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، ط 2، 1407 ه.
236 - القول البديع في علم البديع: للشّيخ الإمام مرعى بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي (ت 1033 ه). دراسة وتحقيق: د. عوض بن معيوض الجميعيّ. دار البشر للطّباعة والنّشر، القاهرة، وتوزيع مكتبة دار التّراث مكّة. 1420 ه.
(2/904)

237 - الكافي. لموفّق الدِّين أبي محمّد؛ عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي (ت 620 ه). تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التّركي بالتّعاون مع مركز البحوث والدّراسات الإسلامية، بدار هجر، نشر: هجر للطّباعة والتّوزيع، ط 1، 1418 ه.
238 - الكافي الشّافي في تخريج أحاديث الكشّاف. للإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلانِي (ت 852 ه). طبع مستقلّا مع (الكشاف) واليًا له. دار المعرفة، بيروت، (د. ط)، (د. ت).
239 - الكامل. لأبي العبّاس محمّد بن يزيد المبرّد (ت 286 ه). عارضه بأصوله وعلّق عليه: محمّد أبو الفضل إبراهيم. دار نهضة مصر، القاهرة، (د. ط)، (د. ت).
240 - الكامل في التّاريخ. لأبي الحسن عليّ بن أبي بكر بن الأثير (ت 630 ه). تحقيق: أبي الفداء عبد الله القاضي. دار الكتب العلميّة، بيروت، ط 2، 1407 ه.
241 - كتاب سيبويه: لأبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (ت 180 ه). تحقيق وشرح: عبد السّلام محمّد هارون. عالم الكتب، بيروت، ط 3، 140 ه.
242 - الكشّاف عن حقائق التّنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التّأويل.
لأبي القاسم محمود بن عمر الزّمخشري (ت 538 ه). تحقيق وتخريج: عبد الرّزّاق المهديّ. دار إحياء التّراث العربيّ، ومؤسّسة التّاريخ العربيّ، بيروت، لبنان، ط 1، 1417 ه.
242 - لسان العرب. لأبِي الفضل، جمال الدِّين ابن منظور الأفريقي (ت 711 ه). دار صادر، بيروت، ط 1، 1410 ه.
(2/905)

244 - لطائف اللّطف. للثّعالبِيّ. تحقيق: عمر الأسعد. دار المسيرة، بيروت، ط 1، 1400 ه.
245 - اللّباب في تهذيب الأنساب: لعز الدِّين بن الأثير الجزريّ (ت 630 ه). دار صادر، بيروت.
246 - اللّباب في علم الإعراب: لتاج الدِّين محمّد بن أحمد الإسفرائينِي. تحقيق: د. شوقي المصري. مكتبة لبنان ناشرون، ط 1، 1996 م.
247 - اللّمع في الرّدّ على أهل الزّيغ والبدع: لأبِي الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري (ت 324 ه). نشر: رتشارد يسوف مكارثي. المطبعة الكاثوليكية. بيروت. 1952 م.
248 - المؤتَلف والمختلف: لأبي القاسم؛ الحسن بن بشر بن يَحيَى (ت 370 ه). تحقيق: عبد السّتّار أحمد فرّاج. دار إحياء الكتب العربيّة، القاهرة، (د. ط)، 1381 ه.
249 - المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة: صنعة: أبِي الفتح بن جنِّيّ (ت 392 ه). مطبعة التّرقّي، دمشق، 1348 ه.
250 - المثل السّائر في أدب الكاتب والشّاعر: لضياء الدِّين ابن الأثير. قدّمه وعلّق عليه: د. أحمد الحوفِيّ. ود. بدري طيانة. طبع: نهضة مصر، ط 2، (د. ت).
251 - مجمع الأمثال: لأبي الفضل أحمد بن محمّد الميدانِيّ (ت 518 ه). تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم. نشر: عيسى الحلبِي وشركاه. القاهرة، (د. ط)، (د. ت).
252 - مجمع البحرين وجوهر الخبرين في شرح البخاري: لتقيّ الدِّين يَحيَى بن محمّد بن يوسف الكرمانِي، المعروف بابن الكرمانِي (ت
(2/906)

833 ه). مخطوط بمكتبة المخطوطات بمركز البحث العليّ في جامعة أم القرى في مكّة المكرّمة تحت رقم: (128) حديث.
253 - المجموع شرح المهذّب: للنّووي. لكتب الإرشاد، جدّة، المملكة العربيّة السّعوديّة.
254 - مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: جمع وترتيب عبد الرّحمن بن محمّد بن محمّد بن قاسم النّجديّ. طبع بإشراف الرّئاسة العامّة لشؤون الحرمين الشّريفين.
255 - محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية (الدّول العبّاسية): تأليف: الشّيخ محمّد الخضريّ بك. دار الفكر العربِيّ (د. ط)، (د. ت).
256 - المحصول في علم أصول الفقه: لمحمّد بن عمر بن الحسين الرّازيّ (ت 606 ه). دار الكتب العلميّة، بيروت. ط 1، 1408 ه.
257 - مختار الصّحاح. للإمام محمّد بن أبي بكر الرّازيّ (ت 666 ه). إخراج: دائرة المعاجم في مكتبة لبنان، مكتبة لبنان، بيروت (د. ط)، 1988 م.
258 - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطّلة: لمحمّد بن أبي بكر الجوزية. اختصره: محمّد الموصلي. دار الفكر، بيروت.
259 - مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع: لابن خالدين. عني بنشره: بر جشتراسر. المطبعة الرّحمانية. 1934 م.
260 - مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزّمان: لأبِي محمّد عبد الله بن أسعد اليافعِيّ اليَمَنِيّ (ت 768 ه). نشر: مؤسسّة الأعلمِيّ للمطبوعات، بيروت، ط 2، 1390 ه.
(2/907)

261 - مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يُعتبر من حوادث الزّمان: لأبي محمّد؛ عبد الله اليافعيّ (ت 768 ه). دار المعارف النّظاميّة، حيدر آباد الدّكن، الهند، ط 1، 1339 ه.
262 - مروج الذهب ومعادن الجوهر: لأبي الحسن عليّ بن الحسين المسعودي (ت 346 ه). تحقيق: محمّد محيّي الدِّين عبد الحميد. نشر: المكتبة التّجاريّة الكبرى، القاهرة، ط 4، 1385 ه.
263 - المزهر في علوم اللّغة وأنواعها: لجلال الدِّين عبد الرّحمن السّيوطيّ (ت 911 ه). شرح وضبط وتصحيح: محمّد أحمد جاد المولى، ومحمّد أبو الفضل، وعليّ البجاويّ. دار إحياء الكتب العربيّة، ط 4، 1378 ه.
264 - المسائل البصريّات: لأبي عليّ الفارسيّ. تحقيق: الدّكتور حسن هنداوي. دار العلم بدمشق، ودار المنارة ببيروت. 1407 ه.
265 - المستصفى من علم الأصول: لأبي حامد محمّد بن محمّد الغزاليّ الطّوسيّ (ت 505 ه). تحقيق وتعليق: د. محمّد سليمان الأشقر. مؤسّسة الرّسالة، بيروت، ط 1، 1417 ه.
266 - المستقصى في أمثال العرب: لأبي القاسم جار الله محمود الزّمخشري (ت 538 ه). دار الكتب العلميّة، بيروت، ط 2، 1408 ه.
267 - مسند الإمام أحمد (ت 241 ه): أشرف على إصداره: د. عبد المحسن التّركيّ، وشارك في التّحقيق: شعيب الأرنؤط وجماعة. مؤسّسة الرّسالة، بيروت، ط 1، 1414 ه.
268 - مصابيح المعانِي في حروف المعانِي: لمحمّد بن عليّ الموزعي، المعروف بابن نور الدِّين (ت 825 ه). دراسة وتحقيق: د. عايض بن نافع بن ضيف الله العمري. دار المنار للطّبع والنشر والتّوزيع. مصر. ط 1، 1414 ه.
(2/908)

269 - المصباح: للسّيّد الشّريف الجرجانِي. رسالة دكتوراه تقدّم بها الباحث: فريد النّكلاوي لنيل درجة الدّكتوراه في البلاغة والنّقد، مخطوط بكلّيّة اللّغة العربية، جامعة الأزهر.
270 - المطوّل؛ شرح تلخيص المفتاح: لسعد الدِّين مسعود التّفتازانِي الهرويّ. نشر: المكتبة الأزهريّة للتّراث. القاهرة 1330 ه.
271 - المعارف: لأبي محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت 276 ه). حقّقه وقدّم له: ثروت عكاشة. مطبعة دار الكتب (د. ط)، (د. ت).
272 - معالم السّنن: للخطابِيّ (ت 388 ه). [مع كتاب سنن أبي داود]. دار الحديث. بيروت، ط 1، 1388 ه.
273 - معانِي الحروف: لأبِي الحسن عليّ بن عيسى الرّمانِي (ت 384 ه). حقّقه وخرّج شواهدَه وعلّق عليه وقدّم له: د. عبد الفتّاح إسماعيل شلبِيّ. دار نهضة مصر للطّبع والنّشّر، القاهرة.
274 - معانِي القرآن: لأبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط. تحقيق: د. هدى محمود (ت 215 ه). مكتبة الخانجيّ بالقاهرة. ط 1، 1411 ه.
275 - المعانِي الكبير في أبيات الحماسة: لأبي محمّد بن قتيبة. مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدّكن، الهند، ط 1، 1368 ه.
276 - معاهد التّنصيص على شواهد التّلخيص: لعبد الرّحيم بن أحمد العبّاسي (ت: 963 ه). تحقيق: محمّد محيّي الدِّين عبد الحميد. عالم الكتب، بيروت (د. ط) 1367 ه.
(2/909)

277 - المعتمد في أصول الفقه: لمحمّد بن عليّ بن الطّيّب المعتزلِيّ، (ت 436 ه). تقديم: خليل الميس. دار الكتب العلميّة، بيروت. ط 1، 1403 ه.
278 - معجم البلاغة العربيه: صنعة: د. بدري طبانة. دار المنارة للنّشر والتّوزيع، جدّة، دار ابن حزم، بيروت، ط 4، 1418 ه.
279 - معجم البلدان: لأبي عبد الله شهاب الدِّين ياقوت الحمويّ (ت 626 ه). دار المأمون، دار إحياء التّراث العربِيّ، بيروت، الطّبعة الأخيرة، (د. ت).
280 - معجم الشّعراء: لأبي عبد الله محمّد بن عمران المرزبانِي (ت 384 ه). صحّحه وعلّق عليه: أ. د. ف. كرنكو. دار الجيل، بيروت، ط 1، 1411 ه.
281 - معجم ما استُعجم مِن أسماء البلاد والمواضع: لأبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسيّ (ت 487 ه). تحقيق وضبط: مصطفى السّقا. عالم الكتب، بيروت، ط 3، 1403 ه.
282 - معجم المؤلّفين، تراجم مصنِّفيِ الكتب العربيّة: لعمر رضا كحّالة. نشر: مكتبة المثنّى، ودار إحياء التّراث العربِيّ، بيروت.
283 - معجم المطبوعات: يوسف إلياس سركيس. مطبعة سركيس، بمصر، 1929 م.
284 - معجم مقاييس اللّغة: لأبي الحسن أحمد بن فارس بن زكريا (ت 395 ه). تحقيق وضبط: عبد السّلام محمّد هارون. دار الجيل، بيروت، (د. ط)، (د. ت).
(2/910)

285 - المعرب من الكلام الأعجمِيّ على حروف المعجم: لأبي منصور؛ موهوب بن أحمد بن محمّد الجواليقيّ (ت 540 ه). حقّق كلماته بإرجاعها إلى أصولها، وذكر معانيها الأصلية، وتتبّع التّغييرات التي طرأت عليها: د. ف. عبد الرّحيم. دار القلم، دمشق، ط 1، 1410 ه.
286 - معين النّعم ومبيد النّقم: لتاج الدِّين عبد الوهّاب السّبكي (ت 771 ه). حقّقه وضبطه وعلّق عليه: محمّد عليّ النّجار وآخرون. نشر: مكتبة الخانجيّ بمصر، ومكتبة المثنى ببغداد، طبع دار الكتاب العربي، بمصر. القاهرة، ط 1، 1367 ه.
287 - مغنِي اللّبيب عن كتب الأعاريب: لجمال الدِّين بن هشام الأنصاري (ت 761 ه). حقّقه وعلّق عليه: د. مازن المبارك محمّد عليّ حمد الله. دار الفكر، بيروت، ط 5، 1979 م.
288 - المغوّل في التّاريخ: د. فؤاد عبد المعطي الصّيّاد. دار النّهضة العربيّة للطّباعة والنّشر، بيروت، (د. ط)، (د. ت).
289 - مفتاح السّعادة ومصباح السِّيادة في موضوعات العلوم: لأحمد بن مصطفى الشّهيربطاش كبرى زادة. مراجعة وتحقيق: كامل كامل بكري، عبد الوهّاب أبو النّور. دار الكتب الحديثة، القاهرة، (د. ط)، (د. ت).
290 - مفتاح العلوم: للإمام أبي يعقوب، يوسف بن أبي بكر السّكّاكِيّ (ت 626 ه). ضبط وتعليق: نعيم زرزور. دار الكتب العلميّة، بيروت، ط 2، 1407 ه.
291 - مفتاح المفتاح: للعلّامة الشّيرازِيّ. تحقيق ودراسة ونقدًا رسالة دكتوراه مقدّمة إلى كلّيّة اللّغة العربيّة (جامعة الأزهر). إعداد: نزيه عبد الحميد السّيّد فراج، إشراف: د. كامل إمام الخوليّ، 1397 ه.
(2/911)

292 - المفصّل في صنعة الإعراب: لأبي القاسم محمود بن عمر الزّمخشري (ت 538 ه). تقديم وتبويب: د. عليّ بو ملحم. دار ومكتبة الهلال، ط 1، 1993 م.
293 - المفضّليّات: للمفضّل الضّبّيّ (ت 178 ه تقريبًا). تحقيق وشرح: أحمد شاكر، وعبد السّلام هارون. دار المعارف، ط 7، 1983 م.
294 - مقاتل الطّالبيّين: لأبي الفرج؛ عليّ بن الحسين الأصبهانِي (ت 356 ه) شرح وتحقيق السّيّد أحمد صقر. وهناك طبعة أخرى 1949 م.
295 - المقاصد النّحويّة: للعينِي، بهامش الخزانة. الهيئة المصرية العامّة للكتاب. مصر، ط 2، 1979 م.
296 - مقامات الحريري: لأبي محمّد؛ القاسم بن عليّ الحريري البصري (ت 516 ه). المكتبة الشّعبية. بيروت.
297 - المقرّب: لعليّ بن مؤمن المعروف بابن عصفور (ت 669 ه). تحقيق: أحمد عبد السّتّار عبد الله الجبوريّ. مطبعة العانِي، بغداد، (د. ط)، 1972 م.
298 - الملل والنّحل: لأبي الفتح محمّد بن عبد الكريم الشّهرستانِيّ (ت 548 ه). تحقيق: محمّد سيّد كيلانِيّ. دار المعرفة، بيروت، (د. ط)، (د. ت).
299 - من سمات التّراكيب؛ دراسة تحليلية لمسائل علم المعانِي: أ. د. عبد السّتّار حسين زموط. مطبعة الحسين الإسلاميّة، القاهرة، ط 1، 1413 ه.
300 - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: لأبي الفرج؛ عبد الرّحمن بن محمّد الجوزيّ (ت 597 ه). طبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدّكن، ط 1، 1358 ه.
(2/912)

301 - منتهى الوصول والأمل في عِلمِي الأصول والجدل: للإمام جمال الدِّين أبي عمر عثمان بن الحاجب (ت 646 ه). دار الكتب العلميّة، بيروت، ط 1، 1405 ه.
302 - المنهل الصّافي والمستوفى بعد الوافي: ليوسف بن تغري بردي الأتابكيّ (ت 874 ه). حقّقه ووضع حواشيه: د. محمّد أمين.
303 - الموازنة بين أبِي تَمّام والبُحتُرِيّ: لأبي القاسم الحسن بن بشير الآمدي، (ت 370 ه). تحقيق: أحمد صقر. دار المعارف. ط 2، 1392 ه.
304 - الموازنة بين أبِي تَمّام والبُحتُرِيّ: لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، (ت 370 ه). تحقيق: السّيّد أحمد صقر. دار المعارف، القاهرة، ط 4، 1402 ه.
305 - الموازنة بين أبِي تَمّام والبُحتُرِيّ: لأبي القاسم الحسن بن بشير الآمدي، (ت 370 ه). تحقيق: محمّد محيّي الدِّين عبد الحميد. مطبعة السّعادة 1378 ه.
306 - الموسوعة الميسّرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصر: إشراف وتخطيط ومراجعة: د. مانع بن حمّاد الجُهَنِي. نشر: دار النّدوة العالميّة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الرّياض، ط 3، عام 1418 ه.
307 - الموشّح في مآخذ العلماء على الشّعراء في عِدّة أنواع من صناعة الشّعر: لأبِي عبد الله محمّد المرزبانِيّ (ت 384 ه). تحقيق: عليّ محمّد البجاويّ. دار نهضة مصر، (د. ط)، 1965 م.
(2/913)

308 - نتائج التّحصيل في شرح كتاب التّسهيل: لمحمّد المرابط الدّلانِيّ. تحقيق: مصطفى الصّادق العربِيّ.
309 - النجوم الزّاهرة في ملوك مصر والقاهرة: لجمال الدِّين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردِي الأتابكيّ (ت 874 ه). نسخة مصوّرة عن طبعة دار الكتب. وزارة الثقافة والإرشاد القومِيّ، المؤسّسة المصريّة العامّة، (د. ط)، (د. ت).
310 - النّحو الوافي، مع ربطه بالأساليب الرّفيعة، والحياة اللّغويّة المتجدّدة: لعبّاس حسن. دار المعارف، مصر، ط 5، (د. ت).
311 - نزهة النفوس والأبدان في تواريخ الزّمان: للخطيب الجوهريّ، عليّ بن داود الصّيرفّي. تحقيق: د. حسن حبش. دار الكتب، (د. ط)، 1970 م.
312 - نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء: لأبي البركات؛ كمال الدِّين الأنباريّ (ت 577 ه). تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم. دار نهضة مصر للطّبع والنشر، القاهرة، (د. ط)، (د. ت).
313 - النشر في القراءات العشر: لأبِي الخير، محمّد الدّمشقيّ، الشّهير بابن الجزريّ (ت 833 ه). قدّم له: عليّ الصّبّاغ، وخرّج آياته: زكريا عميرات. دار الكتب العلميّة، بيروت، ط 1، 1418 ه.
314 - النقائض. نقائض جرير والفرزدق. نشر: دار الكتاب العربِيّ، بيروت. مطبعة بريل، ليدن، (د. ط)، 1908 - 1909 م.
315 - النّكت في إعجاز القرآن: لأبي الحسن عليّ بن عيسى الرّمّانِيّ (ت 384 ه) (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن). حقّقها وعلّق عليها: محمّد خلف الله أحمد، ود. محمّد زغلول سلّام. دار المعارف، القاهرة، ط 4، (د. ت).
(2/914)

316 - النّوادر في اللّغة: لأبي زيد الأنصاريّ. تحقيق ودراسة: محمّد عبد القادر أحمد. دار الشّروق، بيروت، القاهرة. ط 1، 1401 ه.
317 - نهاية الأرب في فنون الأدب: لشهاب الدِّين أحمد بن عبد الوهّاب الّنويريّ (ت 733 ه). دار الكتب العربيّة، القاهرة (د. ط) 1342 ه.
318 - نهاية الإيجاز في دارية الإعجاز: للإمام فخر الدِّين محمّد بن عمر بن الحسين الرّازِيّ (ت 606 ه). تحقيق ودراسة: د. بكري شيخ أمين. دار العلم للملايّين، ط 1، 1985 م.
319 - النّهاية في غريب الحديث والأثر: لمجد الدِّين المبارك بن محمّد الجزريّ بن الأثير (ت 606 ه). تحقيق: طاهر أحمد الزّاويّ، ومحمود محمّد الطّناحيّ. دار الفكر، بيروت، (د. ط)، (د. ت).
320 - هدية العارفين، أسماء المؤلفين وآثار المصنّفين: لإسماعيل باشا البغداديّ. نشر: مكتبة المتنَبِيّ، بيروت، (د. ط)، 1955 م.
321 - همع الهوامع في شرح جمع الجوامع: للإمام جلال الدِّين السّيوطيّ (ت 911 ه). تحقيق وشرح: عبد السّلام هارون، د. عبد العال سالم مكرم. دار البحوث العلميّة، الكويت، (د. ط) 1394 ه.
322 - الوافي بالوفيات: لصلاح الدِّين، خليل بن أبيك الصّفدي. (ت 764 ه). اعتَنَى به هلموت ريتر. دار النّشر فرانز شتايز بتيسبادن. 381 ه.
323 - الوساطة بين المُتَنَبِّيّ وخصومه: لعليّ بن عبد العزيز الجرجانِي (ت 392 ه). تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، عليّ محمّد البجاوي. نشر وطبع: عيسى البابِي الحلبِي وشركاه، مصر، القاهرة، (د. ط)، (د. ت).
(2/915)

324 - وفيّات الأعيان وأنباء الزّمان: لأبي العبّاس، أحمد بن محمّد بن خلّكان (ت 681 ه). حقّق أصولَهُ وكتب هوامشَهُ: د. يوسف عليّ طويل، د. مريم قاسم طويل. دار الكتب العلميّة، بيروت، ط 1، 1419 ه.
325 - يتيمة الدّهر في محاسن أهل العصر: لأبي منصور؛ عبد الملك بن إسماعيل الثّعالبِيّ (ت 429 ه). تحقيق: محمّد محيّي الدِّين عبد الحميد. دار الفكر، بيروت، ط 2، 1392 م.
(2/916)