Advertisement

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة 001


الكتاب: جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
المؤلف: أحمد زكي صفوت
الناشر: المكتبة العلمية بيروت-لبنان
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
المجلد الأول
مقدمة
...
تصدير: الطبعة الأولى:
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمدك اللهم على ما أوليتني من نعمك السابغة، وآلائك الضافية، وأصلي وأسلم على رسولك المجتبى، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم.
وبعد: فلا مراء أن خطب العرب في عصور ازدهار اللغة مرآة يتجلى فيها ما حباهم الله من ذلاقة اللسان، وعذوبة البيان، ومعرض يتمثل فيه نتاج قرائحهم، وثمرات ألبابهم، في كثير من مناحي القول، وإنها لتعد -بعد القرآن الكريم والحديث الشريف- مثالًا ساميًا للبلاغة العربية، ونموذجًا قويمًا يجتذيه المتأدب في تقويم قلمه المعوج، وشحذ لسانه الكليل، وهي فوق ذلك معين فياض يستقي منه مؤرخ الأدب العربي ما يعن له من آراء، ومادة عزيرة يستنبط منها ما يقفه عليه البحث من فكر.
وقد نظرت فوجدت تلك الخطب مبعثرة منثورة في كتب الأدب والتاريخ، لا يؤلف بينها نظام، ولا يضم أشتاتها كتاب، فإذا ما شئت أن تتعرف صورة الخطابة في عصر
(1/3)

من العصور، أو تترجم لخطيب من خطباء العربية، ألقيت الطريق أمامك وعرة شائكة، وأنفقت مديدًا في التنقيب عن خطبه في بطون الأسفار؛ بله ما يعترضك من مشاق في تحرير ألفاظها، وتحقيق عباراتها، لما نالها من عبث النساخ والطباع، من التصحيف والتحريف الذي ينبهم معه معناها، ويستغلق به تفهمها.
كل أولئك حدا بي أن أعبد السبيل لشداة الأدب العربي إلى ذلك التراث النفيس، الذي يتوقون إلى الارتواء من مناهله العذبة؛ فلا يكادون يسيغونها، ويصبون إلى اجتناء ثماره الشهية؛ فتحول دونها الأشواك، وفيهم من درس اللغات الإفرنجية، وتزود من أفكار الغربيين وآرائهم بقسط وفير؛ ولكنه تعوزه جزالة اللفظ، ورصانة الأسلوب.
استخرت الله؛ فجمعت كل ما أثر عن العرب في عصور العربية الزاهرة، من خطب ووصايا من مظانها -على قدر ما هداني إليه اطلاعي- وضمت إليها ما دار في مجالس الملوك والخلفاء والرؤساء، من حوار ومجاوبة، أو جدال ومناظرة، مما يدخل في باب الخطب، وينتظم في سلكها، وأودعتها ذلك السفر كي يكون لها ديوانًا جامعًا، ومرجعًا عامًّا، يسهل مراجعتها فيه، وسميته: جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة.
وبوبته أربعة أبواب في ثلاث أجزاء:
الجزء الأول:
ويحوي الباب الأول في خطب الجاهلية، والباب الثاني في خطب صدر الإسلام.
الجزء الثاني:
ويحوي الباب الثالث: في خطب العصر الأموي.
الجزء الثالث:
ويحوي الباب الرابع: في خطب العصر العباسي الأول، وذيل الجمهرة، في خطب متفرقة.
(1/4)

وإذا كان الشريف الرضي رحمه الله قد أفرد خطب الإمام علي كرم الله وجهه بمؤلف خاص، وهو: "نهج البلاغة" والإمام أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور، قد جمع في مؤلفه: "بلاغات النساء" طائفة قيمة من كلام بليغات النساء، وطرائف أقوالهن. رأيت أن نقلي ما ورد في هذين السفرين الجليلين بحذافيره، ليس على الحقيقة إلا ضمهما إلى كتابي، وتضخيمة بهما؛ ولذلك اجتزأت بإيراد جمله صالحة مماجاء فيهما؛ مما استدعاه المقام.
ولم أقتصر على إيراد الخطبة بإحدى الروايات الواردة فيها؛ بل عنيت بالتوفيق بين الروايات المختلفة، وإتمام بعضها من بعض، لما في ذلك من زيادة الفائدة للقارئ؛ فإذا ما رأيت الخطبة مروية بصورتين يتبين فيهما الاختلاف، أوردت الصورتين جميعًا.
وقد ضبطت ألفاظها ضبطًا وافيًا، وعقبت كل خطبة بذكر مصادرها التي نقلتها عنها، كما ذيلتها بشرح يفسر غريب ألفاظها، ويحل مستغلق كلماتها، وأوردت فيه كل ما تمس إليه الحاجة في فهمها، من نبذ تاريخية توضح المقامات التي ألقيت فيها، إلى ما هناك.
ولست أستطيع أن أصور للقارئ مقدار ما عانيت من المتاعب في رد كثير من الألفاظ إلى أصولها الصحيحة، بعد تقليبها على كل وجه ممكن، حتى تخلص من شوائب التشويه الشائن. الفاشي في كتب الأدب والتاريخ.
وإني أقدم كتابي هذا إلى أبناء العربية الشريفة، وفاء بما لها في عنقي من حق واجب، وصنيعة مشكورة، والله أسال أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به النفع المرجو منه، وأن يمدني بروح منه، ويظلني بظلال الصحة
(1/5)

والعافية، حتى أصدر ما اعتزمت إصداره بعد تمام هذا الكتاب إن شاء الله، وهو كتاب: "جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة".
كي تكمل حلقة النثر العربي في تلك العصور، إنه المستعان، عليه توكلت وإليه أنيب،
أحمد زكي صفوت
حرر بالقاهرة في ربيع الآخر سنة 1352هـ.
يوليو سنة 1933م.
(1/6)

فهرس: مآخذ الخطب في هذا الجزء:
الأمالي لأبي علي القالي: الجزء الأول - الثاني - ذيل الأمالي
الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني: "الرابع - السابع - الثامن - الحادي عشر - الرابع عشر - الخامس عشر
صبح الأعشى لأبي العباس القلقشندي: الجزء الأول - الثاني
نهاية الأرب لشهاب الدين النويري: "الثالث - الخامس - السابع
عيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري: المجلد الثاني
الكامل لأبي العباس المبرد: الجزء الأول - الثاني
العقد الفريد لابن عبد ربه: الجزء الأول - الثاني - الثالث
زهر الآداب لأبي إسحق الحصري: الجزء الأول
البيان والتبيين للجاحظ: الجزء الأول - الثاني - الثالث
نهج البلاغة للشريف الرضي: الجزء الأول
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: المجلد الأول - الثاني - الثالث - الرابع
أمالي السيد المرتضى: الجزء الأول - الثاني
مجمع الأمثال لأبي الفضل الميداني: الحزء الأول - الثاني
جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري: الحزء الأول - الثاني
خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي: الجزء الأول
(1/7)

تاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر بن جرير الطبري: الجزء الثاني - الثالث - الرابع - الخامس - السادس
تاريخ الكامل لابن الأثير: الجزي الأول - الثاني - الثالث
مروج الذهب للمسعودي: الجزء الأول - الثاني
الإمامة والسياسة لابن قتيبة: الجزي الأول
المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء: الجزء الأول
معجم البلدان لياقوت الحموى: الجزء الثامن
سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام: الأول - الثاني
السيرة الحلبية لابن برهان الدين الحلبي: الجزء الأول
إعجاز القرآن لأبي بكر الباقلاني:
بلاغات النساء لان أبي طاهر طيفور:
سرح العيون، شرح رسالة ابن زيدون:
لابن نباتة المصري:
أنباء نجباه الأبناء لابن ظفر المكلي:
المحاسن والأضداد للجاحظ:
الشعر والشعراء لابن قتيبة:
شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون:
بلوغ الأرب للسيد محمود شكري: الجزء الأول - الثالث
الألوسي:
مفتاح الأفكار للشيخ أحمد مفتاح:
(1/8)

الباب الأول: الخطب والوصايا في العصر الجاهلي
إصلاح مرثد الخير بين سبيع بن الحارث، وبين ميثم بن مثوب
مدخل
...
الباب الأول: الخطب والوصايا في العصر الجاهلي.
الخطب: إصلاح مرثد الخير: بين سبيع بن الحارث، وبين ميثم بن مثوب.
كان مرثد الخير بن ينكف قيلًا، وكان حدبًا على عشيرته؛ محبًا لصلاحهم، وكان سبيع بن الحرث1. وميثم بن مثوب بن ذي رعين تنازعا الشرف، حتى تشاحنا، وخيف أن يقع بين حييهما شر، فيتفانى جذماهما2؛ فبعث إليها مرثد؛ فأحضرهما ليصلح بينهما، فقال لهما:
__________
1 أخو علس، وعلس هو ذو جدن.
2 الجذم: الأصل وكذا الجذر.
(1/9)

1- مقال مرثد الخير:
إن التخبط1 وامتطاء الهجاج2، واستحقاب3 اللجاج، سيقفكما على شفا هوة، في توردها4 بوار الأصيلة5، وانقطاع الوسيلة؛ فتلافيا أمركما قبل انتكاث6 العهد، وانحلال العقد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة7، وأنتما في فسحة رافهة8، وقدم واطدة9، والمودة مثرية10، والبقيا معرضة11؛ فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب: ممن عصى النصيح، وخالف الرشيد، وأصغى إلى التقاطع، ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم، وكيف كان صيور12 أمورهم؛ فتلافوا القرحة13 قبل تفاقم الثاي14 واستفحال15 الداء، وإعواز الدواء؛ فإنه إذا سفكت الدماء، استحكمت الشحناء، وإذا استحكمت الشحناء، تقضبت16 عرى الإبقاء، وشمل17 البلاء.
__________
1 التخبط: ركوب الرجل رأسه في الشر خاصة، أو السير على غير هدى.
2 ركب فلان هجاج "غير مصروف"، ووهاج مبنيًّا على الكسر: أي ركب رأسه.
3 الاستحقاق: استفعال من الحقيبة أو من الحقاب؛ فأما الحقيبة، فما يجعل الرجل فيه متاعه من خرج أو غيره، والحقاب: بريم تشد به المرأة وسطها "والبريم خيط فيه لونان"، وهذا مثل: إما أن يكون أراد أنه احتزم باللجاج أو جعله في وعائه.
4 التود: الإشراف على الماء وغيره، دخله أو لم يدخل.
5 الأصل.
6 انتقاض: "والأنكاث جمع نكث، وهو ما نقض من الحبال ليعاد ثانية".
7 القرابة.
8 ناعمة من الرفاهية.
9 ثابتة.
10 متصلة.
11 ممكنة أمكنت من عرضها، أي من جنبها وناحيتها، يقال قد أعرض لك الظى فارمه، أي أمكنك من عرضه.
12 عاقبة.
13 الجرح.
14 السعي والمثاى: الإفساد والجراح والقتل ونحوه.
15 اشتداده، وهو أن يصير مثل الفحل.
16 تقطعت.
17 من بابي فرح ونصر.
(1/10)

مقال سبيع بن الحارث
...
1- مقال سبيع بن الحرث.
فقال سبيع:
أيها الملك! إن عداوة بني العلات1 لا تبريها الأساة2، ولا تشفيها الرقاة، ولا تستقل3 بها الكفاء، والحسد الكامن، هو الداء الباطن، وقد علم بنو أبينا هؤلاء، أنا لهم ردء4 إذا رهبوا، وغيث إذا أجدبوا، وعضد إذا حاربوا، ومفزع إذا نكبوا، وأنا وإياهم كما قال الأول:
إذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أب
__________
1 العلة: الضرة، وبنو العلات بنو أمهات شتى من رجل واحد، "والأخياف: من أمهم واحدة والآباء شتى".
2 جمع آس، وهو الطبيب.
3 تنهض بها وتحملها.
4 عون.
(1/11)

3- مقال ميثم بن مثوب:
فقال ميثم:
أيها الملك! إن من نفس على ابن أبيه الزعامة، وجد به1 في المقامة2، واستكثر له قليل الكرامة، كان قرفًا3 بالملامة، ومؤنبًا على ترك الاستقامة، وإنا والله نعتد لهم بيدٍ إلا وقد نالهم منا كفاؤها، ولا نذكر لهم حسنة إلا وقد تطلع منا إليهم جزاؤها، ولا يتفيأ لهم علينا ظل نعمةٍ؛ إلا وقد قوبلوا بشرواها4، ونحن بنو فحلٍ مقرم5، لم يقعد بنا الأمهات ولا بهم، ولم تنزعنا أعراق السوء ولا إياهم؛ فعلام مط6 الخدود، وخزر العيون7
__________
1 عابه.
2 المجلس.
3 خليقًا.
4 مثلها.
5 القرم: السيد، وأقرمه: جعله قرمًا.
6 مد.
7 الخزر أن ينظر الرجل إلى أحد عرضيه. يقال إنه ليتخازرلي: إذا نظر إليه بمؤخر عينه ولم يستقبله بنظرة.
(1/11)

والجخيف1 والتصعر، والبأو والتكبر؟ ألكثرة عدد، أم لفضل جلدٍ، أم لطول معتقد2؟ وإنا وإيهاهم لكما قال الأول:
لاه ابن عمك، لا أفضلت في حسب ... عني، ولا أنت دياني فتخزوني3
ومقاطع الأمور ثلاثة: حرب مبيرة4، أو سلم قريرة، أو مداجاة وغفيرة5".
__________
1 التكبر، وكذا البأو.
2 اعتقد ضيعة ومالًا: اقتناهما.
3 لاه: أراد لله؛ فخذف اللام الخافضة اكتفاء بالتي تليها، والديان القائم بالأمر، وتخزوني: تسوسني.
4 مهلكة.
5 مساترة وغفران.
(1/12)

4- مقال مرثد الخير:
فقال الملك:
لا تنشطوا1 عقل الشوارد، ولا تلقحوا العون القواعد2، ولا تؤرثوا3 نيران الأحقاد؛ ففيها المتلفة المستأصلة، والجائحة4 والأليلة5، وعفوا بالحلم، أبلاد6 الكم، وأنيبوا إلى السبيل الأرشد، والمنهج الأقصد؛ فإن الحرب تقبل بزبرج7 الغرور، وتدبر بالويل والثبور، ثم قال الملك:
ألا هل أتى الأقوام بذلي نصيحة ... حبوت بها منى سبيعًا وميثمًا
وقلت اعلما أن التدابير غادرت ... عواقبه للذل والقل جرهما
فلا تقدحا زند العقوق وأبقيا ... على العزة القعساء8 أن تتهدما
ولا تجنيا حربًا تجر عليكما ... عواقبها يومًا من الشر أشأما
__________
1 نشط العقد: عقدها، وأنشطها حلها، والعقل ككتب جمع عقال وهو الحبل.
2 هو مثل، وأصله في الإبل، يقال: لقحت الناقة إذا حملت، وألقحها الفحل، ثم ضرب ذلك مثلًا للحرب إذا ابتدأت، والعون جمع عوان، وهي الثيب. يقال للحرب عوان إذا كان قد قوتل فيها مرة بعد مرة
3 تذكوا.
4 الاستئصال.
5 الثكل.
6 الأبلاد: الآثار، جمع بلد "كالندوب جمع ندب".
7 السحاب الذي تشفره الريح والزينة.
8 الثابتة.
(1/12)

فإن جناة الحرب للحين عرضة ... تفوقهم منها الذعاف المقشما1
حذار؛ فلا تستنبثوها؛ فإنها ... تغادر الأنف الأشم مكشما2
فقالا: لا، أيها الملك. بل نقبل نصحك، ونطيع أمرك، ونطفئ النائرة3، ونحل الضغائن، ونثوب إلى السلم.
__________
1 تفوقهم: تسقيهم الفواق بالضم "وهو مابين الحلبتين" والذعاف: السم، أو سم ساعة "وسم ذعاف" والمقشم: المخلوط.
2 هو مثل: أي لا تخرجوا نبيثتها، وهو ما يخرج من البئر إذا حفرت: يريد لا تثيروا الحرب، ومكثما: مقطوعًا.
3 العداوة والشحناء.
(1/13)

1- طريف بن العاصي والحارث بن ذبيان يتفاخران عند بعض مقاول حمير:
اجتمع طريف بن العاصى الدوسى، والحارث بن ذبيان -وهو أحد المعمرين- عند بعض مقاول1 حمير، فتفاخرا. فقال الملك للحارث: يا حارث! ألا تخبرني بالسبب الذي أخرجكم عن قومكم حتى لحقتم بالنمر بن عثمان؟ فقال: أخبرك أيها الملك. خرج هجينان2 منا يرعيان غنمًا لهما؛ فتشاولا3 بسيفيهما؛ فأصاب صاحبهم عقب صاحبنا، فعاث4 فيه السيف، فنزف5، فمات، فسألونا أخذ دية صاحبنا دية الهجين، وهي نصف دية الصريح6، فأبى قومي، وكان لنا رباء7 عليهم؛ فأبينا إلا دية الصريح، وأبوا إلا دية الهجين؛ فكان اسم هجيننا ذهين بن زبراء، واسم صاحبهم عنقش بن مهيرة، وهي سوداء أيضًا8، فتفاقم الأمر بين الحيين، فقال رجل منا:
__________
1 جمع مقول، والمقول والقيل هو الذي دون الملك الأعظم.
2 الهجين: عربي ولد من أمة، أو من أبوه خير من أمه "والمقرف: الذي أمه عربية، وأبوه ليس بعربي".
3 تضاربا.
4 أفسد.
5 نزف الرجل إذا سال دمه حتى يضعف.
6 الصريح: الخالص النسب.
7 زيادة.
8 كذا في الأصل، ولم يتقدم لكم الحكم على شيء بالسواد؛ فلعل الأصل: "ذهين بن زبراء وهي سوداء".
(1/13)

حلومكم يا قوم لا تعزبنها1 ... ولا تقطعوا أرحامكم بالتدابر
وأدوا إلى الأقوام عقل ابن عمهم ... ولا ترهقوهم سبئة في العشائر2
فإن ابن زيراء الذي فاد لم يكن ... بدون خليف أو أسيد بن جابر3
فإن لم تعاطوا الحق؛ فالسيف بيننا ... وبينكم، والسيف أجور جائر
فتظافروا4 علينا حسدًا، فأجمع ذوو الحجى منا أن نلحق بأمنع بطن من الأزد؛ فلحقنا بالنمر بن عثمان، فوالله مافت5 في أعضادنا، فأبنا عنهم، ولقد أثارنا6 صاحبنا وهم راغمون.
فوئب طريف بن العاصى من مجلسه، فجلس بإزاء الحرث، ثم قال:
تالله ما سمعت كاليوم قولًا أبعد من صواب، ولا أقرب من خطل7، ولا أجلب لقدع8 من قول هذا، والله أيها الملك ما قتلوا بهجينهم بذجًا9، ولا رقوا به درجًا، ولا أنطوا10 به عقلًا، ولا أجتفئوا11 به خشلًا12، ولقد أخرجهم الخوف عن أصلهم، وأجلاهم عن محلهم، حتى استلانوا خشونة الإزعاج، ولجئوا إلى أضيق الولاج13: قلا وذلا.
فقال الحارث: أتسمع يا طريف، إني والله ما إخالك كافًا غرب14 لسانك، ولا منهنهًا15 شرة نزوانك، حتى أسطو بك سطوة تكف طماحك، وترد
__________
1 لا تبعدنها - وأعزب: بعد وأبعد.
2 العقل: الدية، يقال: عقلت فلانًا إذا غرمت دينه، وعلقت عن فلان إذا غرمت عنه دية جنايته. وأرهقته عسرًا: كلفته ذلك.
3 فاد يفود: مات "وفاد يفيد: تبختر".
4 تظاهروا.
5 أوهن وأضعف.
6 اثأرت: أدركت منه ثأرى "وأصله اثتأر".
7 خطأ.
8 الكلام القبيح، أفذع له إذا أسمعه كلامًا قبيحًا.
9 البذج: الخروف، فارسي معرب.
10 لغة في أعطوا.
11 صرعوا.
12 الخشل: شجرة المقل "الدوم" وهذه أمثال كلها، يريد أنهم لم ينالوا ثأره.
13 الولاج الباب، وجمعه الولج، وهي أيضًا النواحي والأزقة.
14 غرب الشيء: حده.
15 نهنهه عن الأمر فتنهنه: كفه وزجره فكف، والشرة: الحدة، والنزوان: الوثوب.
(1/14)

جماحك، وتكبت تترعك1، وتقمع تسرعك.
فقال طريف: مهلًا يا حارث، لا تعرض لطحمة2 استناني، وذرب3 سناني، وغرب شبابي، وميسم4 سبابي، فتكون كالأظل5 الموطوء، والعجب الموجوء6.
فقال الحارث: إياي تخاطب مثل هذا القول؟ فو الله وطئتك لأسختك7، ولو وهصتك8 لأوهطتك9، ولو نفحتك10 لأفدتك.
فقال طريف متمثلًا:
وإن كلام المرء في غير كهه ... لكالنبل تهوى ليس فيها نصالها
أما والأصنام المحجوبة، والأنصاب11 المنصوبة، لئن لم تربع على ظلمك12، وتقف عند قدرك، لأدعن حزنك سهلًا، وغمرك ضحلًا13، وصفاك14 وحلًا.
فقال الحارث: أما والله لو رمت ذلك لمرغت بالحضيض15، وأغصصت بالجريض16، وضاقت عليك الرحاب، وتقطعت بك الأسباب، ولألفيت لقى17
__________
1 التسرع إلى الشر.
2 طحمة السيل دفعته، واستن الفرس قص وعدا لمرحه ونشاطه شوطًا أو شوطين، والاستنان: النشاط، استن الفرس: جرى في نشاطه على سننه في جهة واحدة.
3 الذرب: الحدة، وكذا الغرب.
4 المكواة.
5 الأظل: أسفل خف البعير.
6 العجب: أصل الذنب والموجوء: المدقوق "من وجأ التيس: دق عروق خصييه بين حجرين ولم يخرجهما شبيهًا بالخصاء".
7 أساخه: جعله يسيخ "أو يسوخ في الأرض" أي يغوص.
8 كسرتك.
9 صرعتك صرعة لا تقوم منها.
10 نفحه بسيفه: تناوله.
11 الأنصاب: حجارة كانت حوله الكعبة تنصب فيهل عليه ويذبح لغير الله تعالى، وقيل الأنصاب حجارة نصبت وعبدت من دون الله جمع نصب، وقيل النصب جمع نصاب.
12 ربع يربع: كف، وظلع ظلمًا غمز في مشيه، وأربع على ظلعك أي إنك ضعيف فانته عما لا تطيقه وكف.
13 الغمر: الماء الكثير، والضحل: الماء القليل "وكذا الضحضاح".
14 الصفا: جمع صفاة وهي الحجر الصلد الضخم أو الصفا بمعنى الصفو.
15 أسفل الجبل.
16 الحريض. الغصة من الحرض، وهو الريق يغص به يقال جرض بريقه يجرض ابتلعه بالجهد على هم وحزن، وفي المثل: حال الجريض دون القريض، يضرب للأمر يقدر عليه أخيرًا حين لاينفع. قاله جوشن الكلابي حين منعه أبوه من الشعر فرض حزنًا حتى أشرف على الهلاك، فرق له وقال انطق بما أحببت؛ فقال ذلك.
17 اللقى: الملقى المطروح.
(1/15)

تهاداه الرواس1. بالسهب الطامس2.
فقال طريف: دون ما ناجتك به نفسك مقارعة أبطال، وحياض أهوال، وحفزة3 إعجال، يمنع معه تطامن الإمهال.
فقال الملك: إيهًا4 عنكما! فما رأيت كاليوم مقال رجلين لم يقصبا5، ولم يثلبا6،ولم يلصوا7، ولم يقفوا8.
"الأمالي 1: 73".
__________
1 الرواس: الرياح التي ترمس أي تدفن.
2 المستوى من الأرض، والطامس: الدارس "كالطاسم".
3 الحفز: الدفع.
4 إيها: كلمة زجر بمعنى حسبك "وإيه: أمر. كلمة استزادة واستنطاق".
5 لم يشتما. قصبه إذا وقع فيه وأصله القطع.
6 ثلبه: عابه.
7 لصاه: قذفه.
8 قفاه: قذفه بأمر عظيم.
(1/16)

وفود العرب يعزون سلامة ذا فائش بابن له مات
مدخل
...
وفود العرب: يعزون سلامة ذا فائش بابن له مات:
نشأ لسلامة ذي فائش ابن كأكمل أبناء المقاول، وكان مسرورًا به يرشحه لموضعه؛ فركب ذات يوم فرسًا صعبًا؛ فكبا به فوقصه1؛ فجزع عليه أبوه جزعًا شديدًا، وامتنع من الطعام واحتجب عن الناس، واجتمعت وفود العرب ببابه ليعزوه؛ فلامه نصحاؤه في إفراط جزعه؛ فخرج إلى الناس فقام خطباؤهم يؤسونه2، وكان في القوم الملبب ابن عوف، وجعادة بن أفلح فقام الملبب فقال:
__________
1 وقص عنقه: كسرها.
2 أساه تأسيه: عزاء، وأصله: أن يقول له لك أسوة بفلان وفلان.
(1/17)

1- خطبة الملبب بن عوف.
أيها الملك، إن الدنيا تجود التسلب، وتعطى لتأخذن وتجمع لتشتت، وتحلى لتمر، وتزرع الأحزان في القلوب، بما تفجأ به من استرداد الموهوب، وكل مصيبة تخطأتك جلل1، ما لم تدن الأجل، وتقطع الأمل، وإن حادث ألم بك؛ فاستبد2 بأقلك، وصفح عن أكثرك، لمن أجل النعم عليك، وقد تناهت إليك أنباء من رزئ فصبر، وأصيب فاغتفر؛ إذ كان شوًى3 فيما يرتقب ويحذر؛ فاستشعر اليأس مما فات، إذ كان ارتجاعه ممتنعًا، ومرامه مستصعبًا؛ فلشيء ما ضربت الأسى، وفزع أولو الألباب إلى حسن العزاء.
__________
1 الجلل: العظيم والحقير وهو هنا بالمعنى الثاني.
2 البدة بالضم: النصيب: النصيب، واستبد به: جعله نصيبه.
3 الشوى: الهين اليسير ورذال المال.
(1/17)

7- خطبة جعادة بن أفلح:
وقام جعادة فقال: "أيها الملك، لا تشعر قلبك الجزع على ما فات؛ فيغفل دهنك عن الاستعداد لما يأتي، وناضل عوارض الحزن بالأنفة عن مضاهاة1 أفعال أهل وهي2 العقول؛ فإن العزاء لحزماء الرجال، والجزع لربات الحجال3، ولو كان الجزع يرد فائتًا، أو يحيي تالفًا، لكان فعلًا دنيئًا، فكيف وهو مجانب لأخلاق ذوي الألباب، فارغب بنفسك أيها الملك عما يتهافت4 فيه الأرذلون، وصن قدرك عما يركبه المخسوسون، وكن على ثقة أن طمعك فيما استبدت به الأيام، صلة كأحلام النيام". "الأمالي 2: 101".
__________
1 مشاكلة.
2 ضعف.
3 والحجال جمع حجلة "بفتحتين"، وهي القبة وموضع يزين بالثياب والستور للعروس.
4 التهافت: التتابع.
(1/18)

8- تساؤل عامر بن الظرب وحممة بن رافع: عند أحد ملوك حمير:
اجتمع عامر بن الظرب العدواني، وحممة بن رافع الدوسي عند ملك من ملوك حمير؛ فقال: تساءلًا حتى أسمع ما تقولان. قال عامر لحممة: أين تحب أن تكون أياديك؟ قال: عند ذي الرثية1 العديم، وذي الخلة2 الكريم، والمعسر الغريم، والمستضعف الهضيم. قال: من أحق الناس بالمقت؟ قال: الفقير المختال، والضعيف الصوال، والعيي القوال. قال: فمن أحق الناس بالمنع؟ قال: الحريص الكاند3، والمستميد4 الحاسد، والملحف الواجد. قال: فمن أجدر الناس بالصنيعة؟ قال: من إذا أعطى شكر، وإذا
__________
1 الرثية: وجع المفاصل واليدين والرجلين "الروماتزم".
2 الخلة الخاجة.
3 الكاند: الذي يكفر النعمة، والكنود الكفور: "إن الإنسان لربه لكنود".
4 المستميد والمستمير: المستعطى.
(1/18)

منع عذر، وإذا موطل صبر، وإذا قدم العهد ذكر. قال: من أكرم الناس عشرة؟ قال: من إن قرب منح، وإن بعد مدح، وإن ظلم صفح، وإن ضويق سمح، قال: من ألأم الناس؟ قال: من إذا سأل خضع، وإذا سئل منع، وإذا ملك كنع1، ظاهره جشع2، وباطنه طبع3. قال: فمن أحلم الناس؟ قال: من عفا إذا قدر، وأجمل إذا انتصر، ولم تطغه عزة الظفر. قال: فمن أحزم الناس؟ قال: من أخذ رقاب الأمور بيديه، وجعل العواقب نصب عينيه، ونبذ التهيب دبر أذنيه4، قال: فمن أخرق الناس؟ قال: من ركب الخطار5، واعتسف6 العثار، وأسرع في البدار، قبل الاقتدار. قال: فمن أجود الناس؟ قال: من بذل المجهود، ولم يأس على المعهود. قال: فمن أبلغ الناس؟ قال: فمن جلى المعنى المزيز7، باللفظ الوجيز، وطبق8 المفصل. قبل التحزيز. قال: فمن أنعم الناس عيشًا؟ قال: من تحلى بالعفاف، ورضي بالكفاف، وتجاوز ما يخاف إلى ما لا يخاف. قال: فمن أشقى الناس؟. قال: من حسد على النعم، وتسخط على القسم، واستشعر الندم، على فوت مالم يحتم. قال: من أغنى الناس؟ قال: من استشعر اليأس، وأبدى التجمل للناس، واستكثر قليل النعم، ولم يسخط على القسم. قال: فمن أحكم الناس؟ قال: من صمت فادكر، ونظر فاعتبر، ووعظ فازدجر. قال: من أجهل الناس؟ قال: من رأى الخرق مغمًا، والتجاوز مغرمًا" "الأمالي 2:280".
__________
1 تقبض. تكنع جلده إذا تقبض أي ممسك بخيل.
2 الجشع: أسوأ الحرص.
3 الدنس.
4 جعلت الشيء دبر أذني: إذا لم ألتفت إليه.
5 جمع خطر، وهو الإشراف على الهلاك.
6 الاعتساف: ركوب الطريق على غير هداية وركوب الأمر على غير معرفة.
7 الصعب.
8 التطبيق: أن يصيب السيف المفاصل فيفصلها لا يجاوزها.
(1/19)

9- خطبة عامر بن الظرب العدواني وقد خطبت ابنته.
خطب صعصة بن معاوية إلى عامر بن الظرب العداوني ابنته عمرة فقال:
(1/19)

"يا صعصعة إنك جئت تشتري مني كبدي، وأرحم ولدي عندي، منعتك، أو بعتك، النكاح خير من الأيمة1، والحسيب كفء الحسيب والزوج الصالح أب بعد أب، وقد أنكحتك خشية ألا أجد مثلك، أفر من السر إلى العلانية، أنصح ابنا، وأودع ضعيفًا قويًّا، ثم أقبل على قومه فقال:
"يا معشر عدوان: أخرجت من بين أظهركم كريمتكم، على غير رغبة عنكم، ولكن من خط له شيء جاءه، رب زارع لنفسه حاصد سواء، ولولا قسم الحظوظ على قدر الجدود، ما أدرك الآخر من الأول شيئًا يعيش به؛ ولكن الذي أرسل الحيا2، أنبت المرعى، ثم قسمه أكلًا3 لكل فم بقلة، ومن الماء جرعة، إنكم ترون ولا تعلمون، لن يرى ما أصف لكم إلا كل ذي قلب واع4، ولك شيء راعٍ، ولك رزق ساع، إما أكيس وإما أحمق، وما رأيت شيئًا إلا سمعت حسه، ووجدت مسه، وما رأيت موضعًا إلا مصنوعًا، وما رأيت جائيًا إلى داعيًا، ولا غانمًا إلا خائبًا، ولا نعمة إلا ومعها بؤس، ولو كان يميت الناس الداء؛ لأحياهم الدواء؛ فهل لكم في العلم العليم؟ قيل ما هو؟ قد قلت فأصبت، وأخبرت فصدقت، فقال: أمورًا شتى، وشيئًا شيًّا، حتى يرجع الميت حيًا، ويعود لا شيء شيًا؛ ولذلك خلقت الأرض والسموات، فتولوا عنه راجعين، فقال: ويلمها5 نصيحة لو كان من يقبلها".
"مجمع الأمثال 1: 211، البيان والتبيين 2: 37، والعقد الفريد 3: 223".
__________
1 الأيامى: الذي لا أزواج لهم من الرجال والنساء الواحد مهنما أيم كجيد، سواء كان تزوج من قبل أم لم يتزوج، وامرأة أيم بكرًا كانت أو ثيبًا، وقد آمنت تئيم أيمًا وأيمة وأيومًا، وفي الحديث: "أنه كان يتعوذ من الأيمة".
2 الحيا: المطر.
3 الأكل: ما يؤكل والرزق.
4 حافظ.
5 يقال للمستجاد ويلمه. أي ويل لأمه، لأب لك يريدون لا أب لك فركبوه وجعلوه كالشيء الواحد.
(1/20)

10- حديث بعض مقاول حمير مع ابنيه: وما دار بينه وبينهما من المساءلة حين كبرت سنه:
كان لرجل من مقاول حمير ابنان، يقال لأحدهما عمرو، وللآخر ربيعة، وكانا قد
(1/20)

برعا في الأدب والعلم؛ فلما بلغ الشيخ أقصى عمره، وأشقى1 على الفناء، دعاهما ليبلو2 عقولهما، ويعرف مبلغ علمهما؛ فلما حضرا: قال لعمرو -وكان الأكبر- أخبرني عن أحب الرجال إليك، وأكرمهم عليك. قال: "السيد الجواد، والقليل الأنداد، والماجد الأجداد، الراسي الأوتاد، الرفيع العماد، العظيم الرماد، الكثير الحساد، الباسل الذواد3، الصادر الوراد" قال: ما تقول ياربيعة؟ قال: ما أحسن ما وصف! وغيره أحب إلي منه، قال: ومن يكون بعد ذا؟ قال: "السيد الكريم، المانع للحريم، المفضال الحليم، القمقام4 الزعيم، الذي إن هم فعل، وإن سئل بذل".
قال: أخبرني يا عمرو بأبغض الرجال إليك؟ قال: البرم5 اللئيم، المستخذي6 للخصيم، المبطان7 النهيم، العي البكيم، الذي إن سئل منع، وإن هدد خضع، وإن طلب جشع8. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره أبغض إلي منه. قال: ومن هو؟ قال: النئوم الكذوب، الفاحش الغضوب، والرغيب عند الطعام، الجبان عند الصدام.
قال: أخبرني يا عمرو: أي النساء أحب إليك؟ قال: الهركولة9 اللفاء10، الممكورة11 الجيداء، التي يشفي السقيم كلامها، ويبري الوصب12 إلمامها، التي إن أحسنت إليها شكرت، وإن أسأت إليها صبرت، وإن استعتبتها13 أعتبت، الفاترة الطرف، الطفلة14 الكف، العميمة الردف. قال: ما تقول ياربيعة؟ قال: نعت فأحسن! وغيرها أحب إلي منها. قال: ومن هي؟ قال: "الفتانة العينين،
__________
1 أشفى عليه: أشرف.
2 ليختبر.
3 من ذاد عنه: إذا دفع.
4 السيد "ويضم".
5 البرم: من لا يدخل مع القوم في الميسر.
6 الخاضع المستكين، والخصيم: المخاصم.
7 من همه بطنه، أو الرغيب لا ينتهي من الأكل.
8 الجشع: أسوأ الحرص.
9 المرتجة الأرداف.
10 الملتفة الجسم.
11 المطوية الخلق من النساء والمستديرة الساقين، والجيداء: من الجيد بالتحريك، وهو طول الرقبة، أو دقتها مع طول.
12 المريض.
13 استعتبه: طلب إليه العتبى "الرضا" وأعتبه أعطاه العتبى.
14 الناعمة.
(1/21)

الأسيلة1 الخدين، الكاعب2 الثديين، الرداح3 الوركين، الشاكرة للقليل، المساعدة للحليل4، الرخيمة5 الكلام، الجماء6 العظام، الكريمة الأخوال والأعمام، العذبة اللثام7.
قال: فأي النساء إليك أبغض يا عمرو؟ قال: القتاته8 الكذوب، الظاهرة العيوب، الطوافة الهبوب9، العابسة القطوب، السبابة الوثوب، التي إن ائتمنها زوجها خانته، وإن لان لها أهانته، وإن أرضاها أغضبته، وإن أطاعها عصته، قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: بئس والله المرأة ذكر! وغيرها أبغض إلي منها. قال: وأيتهن التي هي أبغض إليك من هذه؟ قال: السليطة10 اللسان، والمؤذية للجيران، والناطقة بالبهتان، التي وجهها عابس، وزوجها من خيرها آيس، التي إن عاتبها زوجها وترته11، وإن ناطقها انتهرته. قال ربيعة: وغيرها أبغض إلي منها. قال: ومن هي؟ قال: التي شقي صاحبها، وخزي خاطبها، وافتضح أقاربها. قال: ومن صاحبها؟ قال: مثلها في خصالها كلها، لا تصلح إلا له، ولا يصلح إلا لها. قال: فصفه لي. قال: الكفور غير الشكور، اللئيم الفجور، العبوس الكالح12، الحرون الجامح، الراضي بالهوان، المختال المنان، الضعيف الجنان، الجعد13 البنان، الفثول غير الملول غير الوصول، الذي لا يرع14 عن المحارم، ولا يرتدع عن المظالم.
قال: أخبرني يا عمرو: أي الخيل أحب إليك عند الشدائد، إذا التقى الأقران للتجالد؟ قال: الجواد الأنيق، الحصان العتيق، الكفيت15 العريق، الشديد الوثيق، الذي يفوت إذا هرب، ويلحق إذا طلب. قال: نعم الفرس والله نعت! قال: فما تقول
__________
1 الأسيل من الخدود: الطويل المسترسل.
2 كعب الثدي: نهد.
3 الثقيلة العجيزة الضخمة الوركين.
4 الزوج.
5 اللينة الكلام.
6 التي ليس لعظامها حجم.
7 المراد موضوع اللثام؛ فهو على حذف مضاف.
8 النمامة.
9 الكثيرة الانتباه، والهبوب: الريح المثيرة للغبار.
10 الطويلة.
11 أحفظته وأغضبته.
12 كلج: تكشر في عبوس.
13 كناية عن البخل.
14 ورع: كورث كف.
15 السريع.
(1/22)

يا ربيعة؟ قال: غيره أحب إلي منه. قال: وما هو؟ قال: الحصان الجواد، السلس القياد، الشهم الفؤاد، الصبور إذا سرى، السابق إذا جرى.
قال: فأي الخيل أبغض إليك يا عمرو؟ قال: الجموح الطموح، النكول1 الأنوح2، الصئول3، الضعيف، الملول العنيف، الذي إن جاريته سبقته، وإن طلبته أدركته. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره أبغض إلي منه. قال: وما هو؟ قال: البطيء الثقيل، الحرون الكليل، الذي إن ضربته قمص، وإن دنوت منه شمس4، يدركه الطالب، ويفوته الهارب، ويقطع بالصاحب. قال ربيعة: وغيره أبغض إلي منه. قال: وما هو؟ قال: الجموح الخبوط5، الركوض الخروط6، الشموس الضروط7، القطوف8 في الصعود والهبوط، الذي لا يسلم الصاحب، ولا ينجو من الطالب.
قال: أخبرني يا عمرو أي العيش ألذ؟ قال: عيش في كرامة، ونعيم وسلامة، واغتباق9 مدامة. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: نعم العيش والله وصف! وغيره أحب إلي منه. قال: وما هو؟ قال: عيش في أمن ونعيم، وعز وغنى عميم، في ظل نجاح، وسلامة مساء وصباح، وغيره أحب إلي منه. قال: وما هو؟ قال: غنى دائم وعيش سالم وظل ناعم.
قال: فما أحب السيوف إليك يا عمرو؟ قال: الصقيل الحسام، الباتر المجذام10، الماضي السطام11 المرهف12 الصمصام13، الذي إن هززته لم يكب14، وإذا ضربت به لم ينب15. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: نعم السيف نعت! وغيره أحب
__________
1 النكول: الذي ينكل عن قرنه.
2 الكثير الزحير.
3 كثير الصئيل: وصيئل الفرس: صهيله.
4 شمس الفرس، منع ظهره: فهو شامس وشموس.
5 الكثير الخبط: وهو السير على غير هدى.
6 الخروط: الدابة الجموح تجتذب وسنها من يد ممسكها ثم تمضي.
7 الكثير الضراط.
8 قطفت الدابة: صاق مشيها فهي قطوف.
9 اغتبق: شرب الغبوق، وهو ما يشرب بالعشي، والمدامة: الخمر كالمدام.
10 من الجذم: وهو القطع.
11 الحد.
12 رهف السيف، وأرهفه: رقفه.
13 السيف لا ينثني كالصمصامة.
14 لم يعثر.
15 لم يكل عن الضريبة.
(1/23)

إلي. قال: وما هو؟ قال: الحسام القاطع، ذو الرونق اللامع، الظمآن الجائع، الذي إن هززته هتك1، وإذا ضربت به بتك2. قال: فما أبغض السيوف إليك يا عمرو؟ قال: الفطار3 الكهام4، الذي إن ضرب به لم يقطع، وإن ذبح به لم ينخع5. قال: فما تقول ياربيعة؟ قال: بئس السيف والله ذكر! وغيره أبغض إلي منه. قال: وما هو؟ قال: الطبع6 الددان7، والمعضد8 المهان.
قال: فأخبرني يا عمرو: أي الرماح أحب إليك عند المراس، إذا اعتكر الباس، واشتجر الدعاس9؟ قال: أحبها إلي المارن10 المثقف، المقوم المخطف11، الذي إذا هززته لم ينعطف وإذا طعنت به لم ينقصف. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: "نعم الرمح نعت! وغيره أحب إلي منه. قال: وما هو؟ قال: الذابل12 العسال، المقوم النسال، الماضى إذا هززته، النافذ إذا همزته.
قال: فأخبرني يا عمرو عن أبغض الرماح إليك. قال: الأعصل13 عند الطعان، المثلم السنان، الذي إذا هززته انعطف، وإذا طعنت به انقصف. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: بئس الرمح ذكر! وغيره أبغض إلي منه. قال: وما هو؟ قال: الضعيف المهز14؛ اليابس الكز15 الذي إذا أكرهته انحطم، وإذا طعنت به انقصم قال: انصرفا، الآن طاب لي الموت". "الأمالي 2: 152".
__________
1 مزق.
2 قطع.
3 الذي لا يقطع، وهو مع ذلك حديث الطبع.
4 سيف كهام: كليل.
5 لم يبلغ النخاع.
6 من الطبع: أي الصدأ.
7 الذي لا يقطع.
8 القصير الذي يمتهن في قطع الشجر غيرها.
9 الطعان: دعسه إذا طعنه.
10 المارن: ما لان من الرمح، والمثقف: المسوى بالثقاف، وهو ما تسوى به الرماح؟
11 الخطف بضم فسكون: الضمر، وإخطاف الحشى: انطواؤه، ومنه فرس مخطف الحشى: أي ضامر، ورجل مخطف كذلك، ورمح مخطف أي دقيق.
12 قنا ذابل: أي دقيق لاصق بالليط "بكسر اللام، والليطة: قشر القناة"، والعسال: الشديد الاضطراب إذا هززته ومنه العسلان بالتحرك، وهو عدو فيه اضطراب، والنسلان قريب منه.
13 الملتوي: المعوج.
14 مهزه كمنعه: دفعه.
15 الكزازة: اليبس والانقباض كز فهو كز.
(1/24)

11- إحدى ملكات اليمن وخاطبوها.
وذكروا أن ملكة كانت بسبأ1؛ فأتاها قوم يخطبونها؛ فقالت: ليصف كل رجل منكم نفسه، وليصدق وليوجز، لأتقدم إن تقدم، أو أدع إن تركت، على علم؛ فتلكم رجل منهم يقال له مدرك؛ فقال: "إن أبي كان في العز الباذخ2، والحسب الشامخ، وأنا شرس الخليفة، وغير رعديد3 عند الحقيقة" قالت: لاعتاب على الجندل فأرسلتها مثلًا4، ثم تكلم آخر منهم ويقال له ضبيس بن شرس؛ فقال: "أنا في مال أثيث5، وخلق غير خبيث، وحسب غير عثيث6، أخذو النعل بالنعل، وأجزى القرض7 بالقرض" فقالت: لا يسرك غائبًا من لا يسرك شاهدًا، فأرسلتها مثلًا. ثم تكلم آخر منهم، يقال له شماس بن عباس فقال: "أنا شماس بن عباس، معروف بالندى والباس، حسن الخلق في سجية، والعدل في قضية، مالي غير محظور على القل والكثر، وبابي غير محجوب على العسر اليسر، قالت: الخير متبع والشر محذور؛ فأرسلتها مثلًا. ثم قالت: اسمع يا مدرك، وأنت يا ضبيس، لن يستقيم معكما معاشرة لعشير حتى يكون فيكما لين عريكة8، وأما أنت يا شماس؛ فقد حللت مني محل الأهزع9 من الكنانة، والواسطة10من القلادة، لدماثة11 خلقك، وكرم طباعك، ثم اسع بجد أودع، فأرسلتها مثلًا، وتزوجت شماسًا.
"مجمع الأمثال 2: 118".
__________
1 سبأ: بلدة باليمن.
2 العالي.
3 الرعديد: الجبان.
4 قال الميداني: "يضرب في الأمر إذا وقع لا مرد له، قاله أبو عمرو".
5 كثير: عظيم.
6 لم أجد في كتب اللغة وصفًا من مادة عث على فعيل؛ وإنما الذي فيها "رجل عث بفتح العين أي ضئيل الجسم" وسياق الفواصل يرجح أن الوصف الذي هنا فعيل، وأرى أن معناه مشين معيب من عثت العثة الصوف إذا أكلته فهو عثيت بمعنى معثوث.
7 القرض: القطع.
8 العريكة: الطبيعة، ورجل العريكة: أي سلس الخلق.
9 الأهزع آخر سهم في الكنانة رديئًا كان أو جيدًا أو هو أفضل سهامها؛ لأنه يدخر لشدة أو هو أردؤها، والمراد هنا الثاني.
10 واسطة العقد: الجوهرة الفاخرة التي تجعل وسطه.
11 الدماثة: السهولة.
(1/25)

12- رواد مذحج يصفون ما ارتادوا من المراعي:
عن أشياخ بني الحارث بن كعب قالوا:
"أجدبت بلاد مذحج فأرسلوا روادًا1، من كل بطن رجلًا؛ فبعثت بنو زبيد رائدًا، وبعثت النخع رائدًا، وبعثت جعفي رائدًا؛ فلما رجع الرواد قيل لرائد بني زبيد: ما وراءك؟ قال: رأيت أرضًا موشمة2 البقاع، ناتحة النقاع3، مستحلسة الغيطان4 ضاحكة القريان5 واعد6 وأحر بوقائها، راضية أرضها عن سمائها".
وقيل لرائد جعفي: ما وراءك؟ قال: رأيت أرضًا جمعت السماء7 أقطارها، فأمرعت أصبارها8، وديثت أوعارها9، فبطنانها غمقة10 وظهرانها غدقة11، ورياضها مستوسفة12، ورقاقها رائخ13، وواطئها سائخ14، وماشيها15 مسرور، ومصرمها16 محسور". وقيل للنخعي مارواءك؟ فقال: "مداحي17 سيل، وزهاء18 ليل،
__________
1 الرواد: جمع رائد، وهو المرسل في طلب الكلأ.
2 أوشمت الأرض: إذا بدا فيها شيء من النبات "وأوشمت السماء: إذا بدا فيها برق".
3 النقاع: جمع نقع "كشمس" وهو الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء، وناتحة: أي راشحة، من النتح وهو خروج العرق من الجلد.
4 الغوط، والغيط، والغاط، والغائط: المطمئن الواسع من الأرض وجمعه غوط "بالضم" وأغواط وغيطان، وغياط، واستحلس النبت: إذا غطى الأرض أو كاد يغطيها.
5 القريان: مجاري الماء من الربو إلى الرياض جمع قرى كغنى.
6 أي تعد تمام نباتها وخيرها، وأحر: أخلق.
7 السماء هنا: المطر، يريد أن المطر جاد بها. فطال النبت؛ فصار المطر كأنه قد دمع أكنافه.
8 مرع الوادي مثلث الراء سرعة وأسرع: أعشب وأخصب فهو مريع وممرع، وأصبارها: نواحيها جمع صبر بالكسر والضم.
9 ديئت: لينت.
10 البطنان: جمع بطن، وهو الغامض من الأرض أي المطمئن منها، وغمقة: ندية.
11 الظهران: جمع ظهر، وهو ما ارتقع يسيرًا، وغدقة: كثيرة البلل والماء.
12 منتظمة.
13 الرقاق: الأرض اللينة من غير رمل، ورائخ: مفرط اللين، يقال: ربخت العجين إذا كثرت ماءه، وراخ العجين يريخ.
14 أي تسوخ رجلاه في الأرض من لينها، وتسوخ وتثوخ واحد.
15 الماشي: صاحب الماشية، مشى الرجل وأمشى: كثرت ماشيته.
16 المصرم: الفقير المقل.
17 مداحى: جمع مدحى اسم مكان من دحا الأرض يدحوها ويدحاها دحوًا: أي بسطها.
18 الزهاء: الشخص؛ وإنما نباتها زهاء ليل لشدة خضرته.
(1/26)

وغيل1 يواصى غيلًا، قد ارتوت أجرازها2، ودمث عزازها3، والتبد أقوازها4، فرائدها أنق5 وراعيها سنق6 فال قضض ولا رمض7، عازبها8 لا يفزع، وواردها لا ينكع9، فاختاروا مراد10 النخعي". "الأمال 1: 183".
__________
1 الغيل: الماء الجاري على وجه الأرض، ويواصى: يواصل.
2 الأجراز: جمع جرز "بضمتين" وهي التي لم يصبها المطر، أو التي قد أكل نباتها، أو التي لا تنبت.
3 دمث: لين "وروى دمث كفرح" ودمث: لان، والعزاز: الأرض الصلبة.
4 الأقواز جمع قوز "كشمس": وهو المستدير من الرمل.
5 أي معجب بالمرعى.
6 من سنق كفرح أي بشم واتخم، وراعيها: الذي يرعاها.
7 القضض: الحصى الصغار، يريد أن النبات قد غطى الأرض فلا ترى هنالك قضضًا، والرمض: أن يحمى الحصى والحجارة من شدة الحر، يقول: ليس هناك رمض؛ لأن النبات قد غطى الأرض.
8 العازب: الذي يعزب بإبله أي يبعد بها في المرعى.
9 أي لا يمنع.
10 أي مرعى.
(1/27)

13- ما دار من الحديث بين المنذر بن النعمان الأكبر وبين عامر بن جوين الطائي.
وفد عامر بن جوين الطائي على المنذر بن النعمان الأكبر، جد النعمان بن المنذر؛ وذلك بعد انقضاء ملك كندة، ورجوع الملك إلى لخم، وكان عامر قد أجار امرأ القيس ابن حجر، أيام كان مقيمًا بالجبلين1، وقال كلمته التي يقول فيها:
هنالك لا أعطي مليكًا ظلامةً ... ولا سوقة حتى يثوب ابن مندله2
__________
1 الجبلان: سلمى وأجأ "كجيل" شرق المدينة، وهما لطيئ، قال رجل من بني سلامان جاور في طيئ:
ألفت مساكن الجبلين إني
رأيت الغوث يألفها الغريب ... والغوث قبيلة من طيئ
2 قال صاحب اللسان: "ابن مندلة رجل من سادات العرب، قال عمرو بن جوين فيما زعم السيرافي، أو امرؤ القيس فيما حكى الفراء:
وآليت لا أعطى مليكًا مقادتى ... ولا سوقة حتى يثوب ابن مندله
وقال الميداني في شرح المثل "لا غزو إلا التعقيب" - جـ2: ص131: "يقال عقب الرجل: وهو أن يغزو مرة ثم يثنى من سنته، وأول من قال ذلك حجر بن الحارث بن عمرو آكل المرار "أبو امرئ =
(1/27)

وكان المنذر ضغنًا عليه؛ فلما دخل عليه قال له: يا عام، لساء مثوًى أثويته ربك وثويك1؛ حين حاولت إصباء طلته2 ومخالفته إلى عشيره، أما والله لو كنت كريمًا لأثويته مكرمًا موفرًا، ولجانبته مسلمًا؛ فقال له: أبيت اللعن3 لقد علمت
__________
= القيس" وذلك؛ لأن الحارث بن مندلة ملك الشام، وكان من ملوك سليح من ملوك الضجاعم "سليح كجريح قبيلة باليمن، والضجاعم كانوا ملوكًا بالشام" وهو الذي ذكره مالك بن جوين الطائي في شعره فقال:
هنالك لا أعطي رئيسًا مقادة ... ولا ملكًا حتى يثوب ابن مندله
وكان قد أغار على أرض نجد، وهي أرض حجر بن الحارث هذا، وذلك على عهد بهرام جور، وكان بها أهل حجر فوجد القوم خلوفًا، "الخلوف بالضم: الذين ذهبوا من الحي، ومن حضر منهم أيضًا" ووجد حجرًا قد غزا أهل نجران؛ فاستاق ابن مندلة مال حجر، وأخذ امرأته هند الهنود "وهي هند بنت ظالم بن وهب بن الحرث بن معاوية" ووقع بها فأعجبها، وكان آكل المرار شيخًا كبيرًا، وابن مندلة شابًّا جميلًا؛ فقالت له: النجاء النجاء، فإن وراءك طالبًا حثيثًا، وجمعًا كثيرًا، ورأيًا صلبًا، وحزمًا وكيدًا، فخرج ابن مندلة مغذا إلى الشام "أي مسرعًا"؛ فلما رجع حجر وجد ماله قد استيق، ووجد هند قد أخذت فقال: من أغار عليكم؟ قالوا ابن مندلة، قال: مذكم؟ قالوا: ثماني ليال؛ فقال حجر: لا غزو إلا التعقيب، فأرسلها مثلًا يعني غزوه الأول والثاني.
ثم جد في طلب ابن مندلة، حتى دفع إلى واد دون منزل ابن مندلة فكمن فيه، وبعث سدوس بن شبيان؛ فقال له: اذهب متنكرًا إلى القوم حتى تعلم لنا علمهم؛ فانطلق حتى انتهى إلى ابن مندلة، ثم رجع إلى حجر فحدثه بحديث امرأته مع ابن مندلة، فضرب حجر بيده على المرار "والمرار كغراب: شجرة مرة إذا أكلت منها الإبل تقلصت مشافرها" فأكل منها من الغضب، سمته العرب آكل المرار، "وقيل: آكل المرار هو أبوه الحارث"، ثم خرج حتى أغار على ابن مندلة فقتله ثم قتل هندًا وأنشأ يقول:
إن من يأمن النساء بشيء ... بعد هند لجاهل مغرور
كل أنثى وإن تبينت منها ... آية الحب، حبها خيتعور
"والخيتعور: كل شيء لا يدوم على حالة واحدة، ويضمحل كالسراب، وكالذي ينزل من الهواء في شدة الحر كمسج العنكبوت".
وذكر أبو الفرج الأصبهاني هذه القصة في الأغاني "15: 82" ولكنه روى أن الذي أغار على حجر هو زياد بن الهبولة قال: "ثم إن زياد بن الهبولة بن عمرو بن عوف بن ضجعم بن حماطة بن سعد بن سليح القضاعي أغار عليه وهو ملك في ربيعة بن نزار، وكان قد غزا بربيعة البحرين؛ فبلغ زيادًا غزاته فأقبل حتى أغار في مملكة حجر فأخذ مال كثيرًا وسبى امرآة حجر ... إلى آخر القصة".
1 ثوى المكان وبه: نزل، وأثواه،: أضافه، والمثوى: المنزل، والثوى: كغنى البيت المهيأ له، والضيف وهو المراد هنا.
2 الطلة العجوز، وصبا الرجل مال إلى الجهل والفتور وأصبته المرأة والمراد حاولت رد عزاء السالف إليه.
3 أبيت اللعن: تحية جاهلية أي أبيت أن تأتي ما تعلن به.
(1/28)

أبناء أدد1 إني لأعزها جارًا، وأكرمها جوارًا وأمنعها دارًا، ولقد أقام وافرًا، وزال شاكرًا؛ فقال له المنذر: "يا عام، وإنك لتخال هضيبات أجأ ذات الوبار2، وأفنيات سلمى ذات الأغفار3، وما نعاتك من المجر4 الجرار، ذي العدد الكثار5 والحصن والمهار6 والرماح الحرار7، وكل ما مضى الغرار8، بيد كل مسعر كريم النجار9؟ قال عامر: أبيت اللعن، إن بين تلك الهضيبات والرعان10 والشعاب والمصدان11 لفتيانًا أبطالًا، وكهولًا أزوالًا12، يضربون القوانس13 ويستنزلون الفوارس، بالرماح المداعس14 لم يتبعوا الرعاء15، ولم ترشحهم16 الإماء؛ فقال الملك: يا عام لو قد تجاوبت الخيل في تلك الشعاب صهيلًا؛ كانت الأصوات قعقعة17 وصليلًا، وفغر الموت18، وأعجز الفوت، فتقارشت الرماح19 وحمي السلاح، لتساقى قومك كأسًا لا صحو بعدها؛ فقال مهلًا أبيت اللعن، إن شرابنا وبيل،
__________
1 هو أدد بن زيد بن يشجب "بضم الجيم" بن عريب "بفتح العين" بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وبنو أدد: هم مذحج وطيئ والأشعر.
2 الوبار: شجرة حامضة شائكة.
3 الغفر بالتحريك: صغار الكلأ.
4 المجر: الجيش العظيم.
5 الكثير.
6 الحصن: جمع حصان، وهو الفرس الذكر، والمهار: جمع مهر، وهو ولد الفرس.
7 الحرار والأحرار: جمع حر، وهو خيار كل شيء.
8 الغرار: حد الرمح والسهم والسيف.
9 يقال هو مسعر حرب: أي موقد نارها كأنه آلة لسعر الحرب أي إيقادها، والنجار: الأصل.
10 الرعان: جمع رعن "كشمس" وهو أنف يتقدم الجبل، والجبل الطويل ويجمع أيضًا على رعون.
11 الشعب: بالفتح الجبل، وبالكسر: الطريق في الجبل، ومسيل الماء في بطن أرض، أو ما انفرج بين الجبلين، المصد "كشمس وكتف" والمصاد "كسحاب" الهضبة العالية وجمعه أمصدة ومصدان.
12 أزوال: جمع زوال، وهو الشجاع.
13 القوانس: جمع قونس كجعفر، والقونس والقونوس: أعلى بيضة الحديد.
14 المداعس: جمع مدعس، وهو الرمح الذي لا ينثني.
15 الرعاء: بالضم والكسر، الرعاة: جمع راع.
16 الترشيح: التربية.
17القعقعة: حكاية صوت السلاح، وتحريك الشيء اليابس الصلب مع صوت.
18 فغر الموت فاه: أي فتحه.
19 تقارشت الرماح: تداخلت في الحرب.
(1/29)

وحدّنا أليل1، ومعجمنا صليب2، ولقاءنا صهيب؛ فقال له: يا عام إنه لقليل بقاء الصخرة الصراء3 على وقع الملاطيس4؛ فقال: أبيت اللعن، إن صفاتنا عبر المراديس5؛ فقال: لأوقظن قومك من سنة الغفلة. ثم لأعقبنهم بعدها رفدة لا يهب راقدها، ولا يستيقظ هاجدها6؛ فقال له عامر: إن البغي أباد عمرا7، وصرع حجرًا8، وكانا أعز منك سلطانًا، وأعظم شأنًا، وإن لقيتنا لم تلق أنكاسًا
__________
1 حاد، وألّلَه تأليلًا حدّده.
2 عجم العود كنصر: إذا عضه ليعرف صلابته من خوره، والمعجم اسم مكان منه وصليب، وهو كناية عن شدتهم ومنعتهم.
3 صخرة صراء: صماء.
4 الملطس: كمنبر، والملطاس: المعول الغليظ لكسر الحجارة.
5 الصفاة: الحجر الصلد الضخم، ويقال ناقة عبر أسفار "بتثليث العين" أي قوية على السفر تشق مامرت به، تقطع الأسفار عليها، وكذا الرجل الجريء على الأسفار الماضي فيها القوي عليها، والمردس والمرداس: شيء صلب عريض تدك به الأرض، ورجسها دكها وردس الحجر بالحجر "كنصر وضرب" كسره، ومعنى العبارة إن صفتنا تحتمل دك المراديس فلا تتحطم تحتها، كناية عن صلابتهم وشدتهم.
6 الهجود: النوم.
7 هو عمرو بن المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة، وكان يلقب مضرط الحجارة نشدة ملكه، وقوة سياسته "وهو عمرو بن هند" وأمه هند بنت الحارث بن عمرو عمة امرئ القيس بن حجر بن الحارث، وكان سبب قتله أنه قال يومًا لجلسائه: هل تعلمون أن أحدًا من العرب يأنف أن تخدم أمه أمي؟ قالوا: ما نعرفه إلا أن يكون عمرو بن كلثوم التغلبي؛ فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة، وعمها كليب وائل، وزوجها كلثوم بن عتاب، وابنها عمرو؛ فسكت مضرط الحجارة على ما في نفسه وبعث إلى عمرو بن كلثوم يستزيره، ويسأله أن تزور أمه أمه؛ فقدم عمرو بن كلثوم في فرسان من بني تغلب، ومعه أمه ليلى؛ فنزل على شاطئ الفرات، وبلغ عمرو بن هند قومه، أمر فضربت خيامه بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته، فصنع لهم طعامًا، ثم دعا الناس إليه فقرب إليهم الطعام على باب السرادق، وجلس وهو وعمرو بن كلثوم وخواص أصحابه في السرادق، ولأمه هند قبة في جانب السرادق، وليلى أم عمرو بن كلثوم معها في القبة "وقد قال مضرط الحجارة لأمه إذا فرغ الناس من الطعام ولم يبق إلا الطرف فنحي خدمك عنك؛ فإذا دنا الطرف فاستخدمى ليلى ومريها فتناولك الشيء بعد الشيء؛ ففلعت هند ما أمرها به ابنها؛ فلما استدعى الطرف، قالت هند لليلى: ناوليني ذلك الطبق. قالت لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فألحت عليها، وقالت ليلى: واذلاه يا آل تغلب فسمعها ولدها عمرو بن كلثوم، فثار الدم في وجهه والقوم يشربون، فعرف عمرو بن هند الشر في وجهه وثار ابن كلثوم إلى سيف ابن هند وهو معلق في السرادق وليس هناك سيف غيره فأخذه، ثم ضرب به رأس مضرط الحجارة فقتله، وخرج فنادى يا آل تغلب فانتهبوا ماله وخيله، وسبوا النساء، وساروا فلحقوا بالحيرة "تاريخ الكامل لابن الأثير 1: 197".
8 هو حجر بن الحارث "أبو امرئ القيس" وقد تقدم خبره.
(1/30)

ولا أغساسًا1، فهبش وضائعك وصنائعك2، وهلم إذا بدا لك؛ فنحن الألى قسطوا3 على الأملاك قبلك، ثم أتى راحلته فركبها، وأنشأ يقول:
تعلم "أبيت اللعن" أن قناتنا ... تزيد على غمز الثقاف تصعبا4
أتوعدنا بالحرب؟ أمك هابل ... رويدًا برقًا، لا أبا لك، خلبا5
إذا خطرت دوني جديلة بالقنا ... وجامت رجال الغوث دوني تحدبا6
أبيت التي تهوى، وأعطيتك التي ... تسوق إليك الموت أخرج أكهبا7
فإن شئت أن تزدار فأت تعترف ... رجالا يذيلون الحديد المعقربا8
وإنك لو أبصرتهم في مجالهم ... رأيت لهم جمعًا كثيفًأ وكوكبا9
وذكرك العيش الخري جلادهم ... وملهى بأكتاف الدير ومشربا10
فأغض على غيظ ولا ترم التي ... تحكم فيلك الزاعبي المحربا11
"ذيل الأمالي ص 179".
__________
1 الأنكاس: جمع نكس بالكسر وهو الضعيف، والأغساس: جمع غس بالضم وهو الضعيف أيضًا.
2 هبش: جمع، والوضائع: جمع وضعية، أثقال القوم وما يأخذه السلطان من الخراج والعشور. والصنائع: جمع صنيعة: يقال هو صنيعة فلان، وصنيعه إذا اصطنعه وأدبه وخرجه ورباه، والمعنى: فتجهز للحرب، وأجمع الأموال اللازمة لذلك واحشد رجالك المدربين على القتنال.
3 أي جاروا.
4 الثقاف: ما تسوى به الرماح.
5 هبلته أمه "كفرح" فقدته، والبرق الخلب: المطمع المخلف.
6 خطر الرجل بسيفه ورمحه: رفعة مرة ووضعه أخرى، وجديلة والغوث من طيئ، وتحدب به تعلق، وتحدب عليه تعطف.
7 الخرج كسبب: لونان من بياض وسواد خرج كفرح فهو أخرج، وظليم أخرج: هو الذي لون سواده أكثر من بياضه كلون الرماد، والكهبة: الدهمة "السواد" أو غبرة مشربة سوادًا، كهب كفرح وكرم فهو أكهب وكاهب.
8 ازداده: زاره "افتعل من الزيارة" واعترف الشيء عرفه، وأذال ثوبه: إذا أطلق ذيله قال كثير:
على ابن أبي العاصي دلاص حصينة ... جاد المسدى سردها فأذالها
والحديد: الدروع، وشيء معقرب: أي معوج معطوف، يريد أنها دروع مزرودة "الزرد والسرد بالفتح: تداخل حلق الدرع بعضها في بعض" والمعنى تجد أبطالًا قد لبسوا الدروع السابغة المزرودة، وهناك معنى آخر وهو: يقال أذال فرسه إذا أهانه، والحديد: أي الفرس الحديد السير أي السريع، والمعقرب الشديد الخلق المجتمعه. وحمار معقرب الخلق أي ملزز مجتمع شديد؛ فالمعنى: تجد أبطالًا يجهدون في ميدان القتال أفراسهم كرًّا وصولًا على الأعداء.
9 الكوكبة: الجماعة.
10 السدير والخورنق: قصران بناهما النعمان الأكبر بالحيرة.
11 الرمح الزاعبي: هو الذي إذا هز كأن كعوبه يجري بعضها في بعض للنيه، والمحرب: المحدد.
(1/31)

14-قيس بن رفاعة والحارث بن أبي شمر الغساني.
كان قيس بن رفاعة يفد سنة إلى النعمان اللخمي بالعراق، وسنة إلى الحارث ابن أبي شمر الغساني بالشام1؛ فقال له يومًا وهو عنده: يابن رفاعة، بلغني أنك تفضل النعمان2 علي؟ قال:
"كيف أفضله عليك أبيت اللعن؟ فوالله لقفاك أحسن من وجهه، ولأمك أشرف من أبيه، ولأبوك أشرف من جميع قومه، ولشمالك أجود من يمينه، ولحرمانك أنقع من نداه، ولقليك أكثر من كثيره، ولثمادك3 أغزر من غديره، ولكرسيك أرفع من سريره، ولجدولك أغمر من بحوره، وليومك أفضل من شهوره، ولشهرك أمد من حوله، ولحولك خير من حقبه4، ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعز من جنده، وإنك لمن غسان أرباب الملوك، وإنه لمن لخم الكثير النوك5. فكيف أفضله عليك6؟ ".
"الأمالي 1: 261 ومروج الذهب 1: 298".
__________
1 كان المناذرة ملوك الحيرة من لخم، والغساسنة: ملوك الشأم من الأزد؛ فكلاهما من أصل يمني، وكان بينهما أحقاد وأضغان وحروب.
2 النعمان بن المنذر.
3 الثماد: الماء القليل لا مادة له.
4 الحقب بالضم وبضمتين: ثمانون سنة أو أكثر، والدهر، والسنة أيضًا.
5 النوك بالضم والفتح: الحمق.
6 وذكر المسعودي أن هذا الحديث كان بين حسان بن ثابت الأنصاري، وبين الحارث بن أبي شمر.
(1/32)

15- قيس بن خفاف البرجمي وحاتم طيئ:
أتى أبو جبيل قيس بن خفاف البرجمي حاتم طيئ، في دماء حملها عن قومه، فأسلموه1 فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني، وكان شريفًا شاعرًا؛ فلما قدم عليه قال: "إنه وقعت بين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وأملي،
__________
1 خذلوه.
(1/32)

فقدمت مالي، وكنت أملي، فإن تحملها فرب حق قد قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك. ثم أنشأ يقول:
حملت دماء للبراجم جمة ... فجئتك لما أسلمتني البراجم1
وقالوا "سفاهًا" لم حملت دماءنا ... فقلت لهم يكفي الحمالة حاتم2
متى آته فيها يقل لي مرحبًا ... وأهلًا وسهلًا أخطأتك الأشائم3
فيحملها عني، وإن شئت زادني ... زياد من حنت إليه المكارم
يعيش الندى ما عاش حاتم طيئ ... فإن مات قامت للسخاء مآتم
ينادين مات الجود معك فلا نرى ... مجيبًا له ما حام في الجو حائم
وقال رجال أنهب العام ماله ... فقلت لهم إني بذلك عالم4
ولكنه يعطي من أموال طيئ ... إذا جلف المال الحقوق اللوازم5
فيعطي التي فيها الغنى وكأنه ... لتصغيره تلك العطية جارم6
بذلك أوصاه عدي وحشرج ... وسعد وعبد الله تلك القماقم7
فقال له حاتم: إن كنت لأحب أن يأتيني مثلك من قومك، هذا مرباعي8 من الغارة على بني تميم؛ فخذوه وافرًا، فإن وفى بالحمالة، وإلا أكملتها لك، وهو مائتا بعير سوى بنيها وفصالها، مع أني لا أحب أن تويس قومك بأموالهم، فضحك أبو جبيل وقال: لكم ما أخذتم منا، ولنا ما أخذنا منكم، وأي بعير دفعته إلي، ليس ذنبه في يد صاحبه، فأنت منه بريء، فدفعها إليه وزاده مائة بعير، فأخذها وانصرف راجعًا إلى قومه؛ فقال حاتم في ذلك:
__________
1 البراجم من تميم.
2 السفاه: السفه. والحمالة: الدية يحملها قوم عن قوم.
3 الأشائم: ضد الأيامن.
4 أنهب المال: جعله نهبا يغار عليه.
5 أي جرفه وانتقصه.
6 جرم الرجل "بفتحتين": أذنب كأجرم.
7 جمع قمقام: وهو السيد.
8 المراباع: ربع الغنيمة، وكان يختص به قائد الغارة وفارسها.
(1/33)

أتاني البرجمي أبو جبيل ... لهم في حمالته طويل
فقلت له خذ المرباع رهوًا ... فإني لست أرضى بالقليل1
على حال، ولا عودت نفسي ... على علاتها عال البخيل
فخذها إنها مائتا بعير ... سوى الناب الرذية والفصيل2
فلا من عليك بها؛ فإني ... رأيت المن يزري بالجزيل
فآب البرجمي وما عليه ... من اعباء الحمالة من فتيل
يجر الذيل ينفض مذرويه ... خفيف الظهر من حمل ثقيل3
"ذيل الأمالى 22، والأغاني 7: 145".
__________
1 يقال: آتيك به رهوًا أي آتيك به عفوًا سهلًا لا احتباس فيه.
2 الناقة المسنة، والرذية: مؤنث الرذي، وهو الضعيف من كل شيء ومن أثقله المرض.
3 المذروان. أطراف الألية بلا واحد أو هو المذري، ومن الرأس ناحيتاه، ويقال جاء ينفض مذرويه. أي باغيًا متهددًا.
(1/34)

16- مقال قبيصة بن نعيم لامرئ القيس بن حجر:
قدم علي امرئ القيس بن حجر الكندي بعد مقتل أبيه رجال من قبائل بني أسد وفيهم قبيصة بن نقيم يسألونه العقو عن دم أبيه1؛ فخرج عليهم في قباء وخفة وعمامة سوداء -وكان العرب لا تعتم بالسواد في الترات- فلما نظرو إليه قاموا له، وبدر إليه قبيصة فقال:
"إنك في المحل والقدر، والمعرفة بتصرف الدهر، وما تحدثه أيامه، وتنتقل به أحواله؛ بحيث لا تحتاج إلى تذكير من واعظ، ولا تبصير من مجرب، ولك من سودد منصبك، وشرف أعراقك2، وكرم أصلك في العرب، محتد3 يحتمل ما حمل عليه
__________
1 وكانت بنو أسد "وهم من المضرية" خاضعة لموك كندة، وآخر ملك عليهم هو حجر أبو امرئ القيس، وقد ثاروا عليه وقتلواه؛ لأنه كان قد عسف في حكمه لهم، واشتط عليهم في الإتاوة التي يؤدونها إليه.
2 الأعراق: جمع عرق وهو أصل كل شيء.
3 المحتد: الأصل.
(1/34)

من إقالة العثرة، ورجوع عن الهفوة، ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك؛ فوجدت عندك من فضيلة الرأي، وبصيرة الفهم، وكرم الصفح، ما يطول رغباتها، ويستغرق طلباتها، وقد كان الذي كان من الخطب الجليل، الذي عمت رزيته نزارًا واليمن، ولم تخصص بذلك كندة دوننا، للشرف البارع كان لحجر، التاج والعمة فوق الجبين الكريم، وإخاء الحمد وطيب الشيم، ولو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله؛ ولكنه مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه، ولا يلحق أقصاه أدناه.
فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث: إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتًا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتًا؛ فقدناه إليك بنسعة1، تذهب مع شفرات حسامك بباق قصرته2، فنقول: رجل امتحن بهالك عزيز؛ فلم يستل سخيمته3 إلا تمكينه من الانتقام. أو فداء بما يروح4 على بني أسد من نعمها، فهي ألوف تجاوز الحسبة؛ فكان ذلك فداء رجعت به القضب5 إلى أجفانها، لم يرددها تسليط الإحن6 على البرآء. وإما أن وادعتنا إلى أن تضع الحوامل؛ فتسدل الأزر، وتعقد الخمر فوق الرايات".
فبكى امرؤ القيس ساعة، ثم رفع رأسه فقال:
__________
1 النسع: سير عريض به الرحال، والقطعة منه نسعة.
2 القصرة: أصل العنق.
3 السخيمة: الحقد.
4 يرجع، وأراح الإبل: ردها إلى المراح بالضم أي المأوى، والنعم الإبل والشاء، أو خاص بالإبل، وهو المراد هنا.
5 السيوف.
6 الإحن: جمع إحنة، وهي الحقد.
(1/35)

17- رد امرئ القيس عليه:
"لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم، وأنى لن أعتاض به جملًا ولا ناقة فأكتسب به سبة الأبد، وفت العضد1، وأما النظرة2؛ فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببًا، وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك، تحمل في القلوب حنقًا، وفوق الأسنة علقًا3":
إذا جالت الحرب في مأزق ... تصافح فيه المنايا النفوسا
أتقيمون أم تنصروفون؟ "
قالوا: "بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار، بمكروه وأذية، وحرب وبلية" ثم نهضوا عنه وقبيصة يتمثل:
لعلك أن تستوخم الورد إن غدت ... كتائبنا في مأزق الحرب تمطر4
فقال امرؤ القيس: "لا والله، ولكن أستعذبه، فرويدًا، ينفرج لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير، ولقد كان ذكر غير هذا بي أولى؛ إذ كنت نازلًا بربعي5 ولكنك قلت فأوجبت" فقال قبيصة: "ما توقع فوق قدر المعاتبة والإعتاب6" فقال امرؤ القيس: "هو ذاك".
"صبح الأعشى 2: 216 والأغاني 8: 72 والمثل السائر 101".
__________
1 فته: كسره، وهو كناية عن الضعف والوهن.
2 الإمهال.
3 أي دمًا.
4 تستوخمه: أي تجده وخيمًا.
5 الربع: المنزل.
6 أعتبه: أرضاه.
(1/36)

18- خطبة هانئ بن قبيصة الشيباني:
قال هانئ بن قبيصة الشيباني يحرض قومه يوم ذي قارٍ1.
"يا معشر بكر، هالك معذور؛ خير من ناج فرور، إن الحذر لا ينجي من القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من استدباره، الطعن في ثغر2 النحور، أكرم منه في الأعجاز والظهور، يا آل بكر، قاتلوا فما للمنايا بد". "الأمالي 1: 92".
__________
1 كان من أعظم أيام العرب وأبلغها في توهين أمر الأعاجم، وهو لبني شيبان، وكان أبرويز أغزاهم جيشًا؛ فظفر بنو شيبان، وهو أول يوم انتصر فيه العرب من العجم.
2 جمع ثغرة بالضم: وهي نقرة النحر بين الترقوتين "والثغرة بالفتح: كل عورة منفتحة".
(1/37)

19- خطبة عمرو بن كلثوم.
"أما بعد: فإنه لا يخبر عن فضل المرء أصدق من تركه تزكية نفسه، ولايعبر عنه في تزكية أصحابه أصدق من اعتماده إياهم على حرمته". "البيان والتبين 2: 69".
(1/37)

20- أكثم بن صيفي يعزّي عمرو بن هند عن أخيه:
وعزى أكتم بن صيفي عمرو بن هند ملك العرب عن أخيه فقال له:
"إن أهل هذه الدار سفر لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها، وقد أتاك ما ليس بمردود عنك، وراتحل عنك ما ليس براجع إليك، وأقام معك من سيظعن عنك ويدعك، واعلم أن الدنيا ثلاثة أيام، فأمس عظة وشاهد عدل، فجعك بنفسه،
(1/37)

وأبقى لك وعليك حكمته، واليوم غيمة، وصديق أتاك ولم تأته، طالت عليك غيبته، وستسرع عنك رحلته، وغد لا ندري من أهله، وسيأتيك إن وجدك؛ فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للقادر، وقد مضت لنا أصول نحن فروعها؛ فما بقاء الفروع بعد أصولها، واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها، وخير من الخير معطيه، وشر من الشر فاعله". "العقد الفريد 2: 35، نهاية الأرب 5: 164".
(1/38)

21- خطبة قس بن ساعدة الإيادي:
خطب قس بن ساعدة الإيادي بسوق عكاظ؛ فقال:
"أيها الناس: اسمعوا وعوا: من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج1، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر2، وبخار تزخر3، وجبال مرساة، وأرض مدحاة4، وأنهار مجراة. إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعبرًا، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم تركوا فناموا؟ يقسم قس بالله قسمًا لا إثم فيه: إن لله دينًا هو أرضى له، وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه، إنكم لتأتون من الأمر منكرًا. ويروى أن قسا أنشأ بعد ذلك يقول:
في الذاهبين الأوليـ ... ـن من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر
__________
1 مظلم.
2 تضيء وتتلألأ.
3 تمتلئ وترتفع.
4 مدحوة: أي مبسوطة، وإنما قال مدحاة لمراعاة السجع.
(1/38)

ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأكاير والأصاغر
لا يرجع الماضي إلي ... ولا من الباقين غابر1
أيقنت أني لا محا ... له حيث صار القوم صائر
"صبح الأعشى 1: 212، وإعجاز القرآن 124، البيان والتبيين 1: 168، الأغاني 14: 40 العقد الفريد 2: 156، ومجمع الأمثال للميداني 1: 74".
__________
1 مقيم.
(1/39)

22- قس بن ساعدة عند قيصر:
وكان قس بن ساعدة يفد على قيصر ويزوره؛ فقال له قيصر يومًا: ما أفضل العقل؟ قال: معرفة المرء بنفسه، قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه، قال: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرجل ماء وجهه، قال: فما أفضل المال؟ قال: ما قضي به الحقوق. "الأمالي 2: 93".
(1/39)

23- خطبة المأمون الحارثي:
قعد المأمون الحارثي في نادي قومه؛ فنظر إلى السماء والنجوم، ثم أفكر طويلًا، ثم قال: "أرعوني أسماعكم، وأصغوا إلي قلوبكم؛ يبلغ الوعظ منكم حيث أريد، طمح1 بالأهواء الأشر، وران2 على القلوب الكدر، وطخطخ3 الجهل النظر، إن فيما ترى لمعتبرًا لمن اعتبر، أرض موضوعة، وسماء مرفوعة، وشمس تطلع وتغرب ونجوم تسري فتعزب، وقمر تطلعه النحور، وتمحقه أدبار الشهور، وعاجز مثر، وحول مكد4، وشاب مختضر، ويفن5 قد غبر، وراحلون لا يئوبون، وموقوفون
__________
1 ارتفع وعلا وذهب.
2 غلب.
3 أظلم.
4 رجل حول: شديد الاحتيال، وأكدى: لم ينجح، وأصله من أكدى إذا حفر فصادف الكدية "بضم الكاف" وهي الصفاة العظيمة الشديدة.
5 الذي يموت حدثًا، وهو مأخوذ من الخضرة كأنه حصد أخضر، واليفن: الشيخ الكبير.
(1/39)

لا يفرطون1 ومطر يرسل بقدر؛ فيحيي البشر، ويورق الشجر، ويطلع الثمر، وينبت الزهر، وماء يتفجر، من الصخر الأير2؛ فيصجع المدر، عن أفنان الخضر، فيحيي الأنام، ويشبع السوام، وينمي الأنعام، إن في ذلك لأوضح الدلائل على المدير المقدر، الباري المصور. يأيها العقول النافرة، والقلوب النائرة3، أنى تؤفكون، وعن أي سبيل تعمهون، وفي أي حيرة تهيمون، وإلى أي غاية توفضون4، لو كشفت الأغطية عن القلوب، وتجلت الغشاوة عن العيون، لصرح الشك عن اليقين، وأفاق من نشوة الجهالة من استولت عليه الضلاضة".
"الأمالى 1: 276".
__________
1 يقدمون.
2 الصلب.
3 النائرة النافرة، نارت نورًا بفتح النون، ونوارًا بفتحها وكسرها: نفرت.
4 تسرعون.
(1/40)

24- بين مهلهل بن ربيعة ومرة بن ذهل بن شيبان:
لما قتل جساس1 بن مرة بن ذهل الشيباني كليب2 بن ربيعة التغلبي، تشمر أخوه مهلهل3 واستعد لحرب بكر، وجمع إليه قومه؛ فأرسل رجالًا منهم
__________
1 وسبب ذلك أن البسوس بنت منقذ التميمية خالة جساس كان لها جار من جرم يقال له سعد بن شميس، وكانت له ناقة لها سراب، وكان كليب قد حمى أرضًا من أرض العالية، في أنف الربيع؛ فلم يكن يرعاه أحد إلا إبل جساس لمصاهرة بينهما -وكانت جليلة بنت مرة أخت جساس تحت كليب- فخرجت سراب في إبل جساس ترعى في حمى كليب، ونظر إليها كليب فأنكرها فرماها بسهم فأصاب ضرعها؛ فولت حتى بركت بفناء صاحبها وضرعها يشخب دما ولنا؛ فلما نظر إليها صرخ بالذل؛ فخرجت البسوس فضربت يدها على رأسها، ونادت واذلاه وسمعها جساس فسكتها، وقال لها: ليقتلن غدا فحل أعظم من ناقة جارك، ولم يزل يتوقع غرة كليب حتى أمكنته منه الفرصة فقتله، ونشبت من أجل ذلك الحرب "حرب البسوس" بين بكر وتغلب ابني وائل أربعين سنة "وبنو شيبان بطن من بكر".
2 اسمه وائل بن ربيعة بن حارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، وإنما لقب كليبًا؛ لأنه كان سار أخذ معه جرو كلب؛ فإذا مر بروضة أو موضع يعجبه، ضربه ثم ألقاه في ذلك المكان وهو يصيح ويعوي، فلا يسمع عواه أحد إلا تجنبه ولم يقربه، وكان يقال كليب وائل ثم اختصروا فقالوا كليب فغلب عليه.
3 اسمه عدي بن ربيعة، وإنما قيل له المهلهل؛ لأنه أول من هلهل الشعر: أي أرقه.
(1/40)

إلى بني شيبان، فأتوا مرة بن ذهل بن شبيان "أبا جساس" وهو في نادي قومه" فقالوا له:
"إنكم أتيتم عظيمًا بقتلكم كليبًا بناب1 من الإبل؛ فقطعتم الرحم، وانتهكتم الحرمة، وإنا كرهنا العجلة عليكم دون الإعذار إليكم، ونحن نعرض عليكم خلالًا أربعًا، لكم فيها مخرج، ولنا فيها مقنع؛ فقال مرة: وما هي؟ قالوا: تحيي لنا كليبًا، أو تدفع إلينا جساسًأ قاتله فنقتله به، أو همامًا2 فإنه كفء له، أو تمكننا من نفسك؛ فإن فيك وفاء من دمه، فقال:" أما إحيائي كليبًا؛ فهذا ما لا يكون، وأما جساس؛ فإنه غلام طعن طعنة على عجل، ثم ركب فرسه؛ فلا أدري أي البلاد احتوى عليه، وأما همام فإنه أبو عشر، وأخو عشرة، وعم عشرة، كلهم فرسان قومهم؛ فلن يسلموه لي، فأدفعه إليكم يقتل بجريرة3 غيره. وأما أنا فهل هو إلا أن تجول الخيل جولة غدًا؛ فأكون أول قتيل بينهما؟ فما أتعجل الموت؛ ولكن لكم عندي خصلتان: أما إحداهما فهؤلاء بني الباقون، فعلقوا في عنق أيهم شئتم نسعة؛ فانطلقوا به إلى رحالكم، فاذبحوه ذبح الجزور، وإلا فألف ناقة سود الحدق، حمر الوبر، أقيم لكم بها كفيلًا من بني وائل؛ فغضب القوم وقالوا: لقد أسأت، تبذل لنا ولدك، وتسومنا اللبن من دم كليب؟ " ونشبت الحرب بينهم.
"العقد الفريد3: 78، والكامل لابن الأثير1: 190، والأغاني4: 141".
__________
1 الناقة المسنة.
2 هو همام بن مرة أخو جساس، وكان نديمًا لمهلهل.
3 الجريرة: الجريمة.
(1/41)

25- منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل العامريين:
لما أسن أبو براء: عامر بن مالك بن جعفر بن ملاعب الأسنة، تنازع في الرياسة عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر، وعلقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر.
(1/41)

فقال علقمة: كانت لجدي الأحوص؛ وإنما صارت لعمك بسببه، وقد قعد عمك عنها، وأنا استرجعتها؛ فأنا أولى بها منك، فشرى1 الشر بينهما، وسار إلى المنافرة. فقال علقمة: إن شئت نافرتك؛ فقال عامر قد شئت. والله إني لأكرم منك حسبًا2، وأثبت منك نسبًا، وأطول منك قصبًا3.
فقال علقمة: والله لأنا خير منك ليلًا ونهارًا؛ فقال عامر: والله لأنا أحب إلى نسائك أن أصبح فيهم منك، أنا أنحر منك للقاح4، وخير منك في الصباح، وأطعم منك في السنة الشياح5.
فقال علقمة: أنا خير منك أثرًا، وأحد منك بصرًا، وأعز منك نفرًا، وأشرف منك ذكرًا؛ فقال عامر: ليس لبني الأحوص فضل على بني مالك في العدد، وبصري ناقص، وبصرك صحيح؛ ولكني أنافرك، إني أسمى منك سمة6، وأطول منك قمة، وأحسن منك لمة7، وأجعد منك جمة8، وأسرع منك رحمة، وأبعد منك همة؛ فقال: علقمة: أنت رجل جسيم؛ فقال عامر. آباؤك أعمامي، ولم أكن لأنافرك بهم لكني أنافرك، أنا خير منك عقبًا، وأطعم منك جدبًا. فقال علقمة: قد علمت أن لك عقبًا، وقد أطعمت طيبًا، ولكن أنافرك، إني خير منك، وأولى بالخيرات منك.
فخرجت أم عامر -وكانت تسمع كلامهما- فقالت: يا عامر نافره، أيكما أولى الخيرات. قال عامر: إني والله لأركب منك في الحماة، وأقتل منك للكماة.10،
__________
1 استطار.
2 الحسب: ما تعده من مفاخر آبائك، أو الشرف الثابت في الآباء، أو الكرم، أو الشرف في الفعل أو الفعال الصالح.
3 القصب عظام اليدين والرجلين ونحوهما، كناية عن طول قامته.
4 الإبل: واحدتها لقوح.
5 الشياح: القحط.
6 السمة: القرابة، ويروى أنا أنشر منك أمة، أي أكثر قومًا.
7 اللمة: الشعر المجارز شحمة الأذن.
8 مجتمع شعر الرأس.
9 نحيف من القضف، وهو النحافة.
10 جمع كمي، وهو الشجاع.
(1/42)

وخير منك لمولى والمولاة: فقال له علقمة: والله إني لبر، وإنك لفاجر، وإني لولود، وإنك لعاقر1، وإني لعف، وإنك لعاهر، وإني لوفي، وإنك لغادر؛ ففيم تفاخرني يا عامر؟ فقال عامر: والله إني لأنزل منك للقفرة2، وأنحر منك للبكرة3 وأطعم منك للهبرة4، وأطعن منك للثغرة؛ فقال علقمة: والله إنك لكليل البصر، نكد النظر، وثاب على جاراتك بالسحر.
فقال بنو خالد بن جعفر -وكانوا يدًا مع بني الأحوص على بني مالك بن جعفر- لن تطيق عامرًا؛ ولكن قل له أنافرك وأقر بنا إلى الخيرات؛ فقال له علقمة هذا القول، فقال عامر: عير5 وتيس، وتيس وعنز. فذهبت مثلًا. نعم، على مائة من الإبل إلى مائة من الإبل يعطاها الحكم، أينا نفر عليه صاحبه أخرجها؛ ففعلوا ذلك، ووضعوا بها رهنًا من أبنائهم على يدي رجل يقال له خزيمة بن عمرو بن الوحيد؛ فسمي "الضمين".
وخرج علقمة ومن معه من بني خالد، وخرج عامر فيمن معه من بني مالك، وجعلا منافرتهما إلى أبي سفيان بن حرب بن أمية؛ فلم يقل بينهما شيئًا، وكره ذلك لحالهما وحال عشيرتهما، وقال: أنتما كركبتي البعير الأدرم6، قالا: فأينا اليمين؟ قال كلا كما يمين، وأبى أن يقضي بينهما؛ فانطلقا إلى أبي جهل بن هشام فأبى أن يحكم بينهما -وقد كانت العرب تحاكم إلى قريش- فأتيا عيينة بن حصن بن حذيفة،
__________
1 رجل عاقر: لم يولد ولد.
2 القفر: القفر. الخلاء من الأرض.
3 البكرة: الفتية من الإبل.
4 الهبرة: قطعة مجتمعة من اللحم. هبره قطعه قطعًا كبارًا، وهبر له من اللحم هبرة قطع قطعة.
5 العير: الحمار وغلب على الوحشي، وهو أقوى من التيس، أي مثلي وإياك كالعير والتيس، أو على الأقل كالتيس والعنز؛ إذ التيس أقوى على النطاح من العنز، وفي المثل: "كان عنزًا فاستتيس" أي صار تيسًا. يضرب الذليل الضعيف يصير عزيزًا قويًّا.
6 درم العظم: واراه اللحم حتى يبن له حجم، وامرأة درماء لا تستبين كهوبها ومرافقها، وكل ما غطاه الشحم واللحم وخفي حجمه فقد درم.
(1/43)

فأبى أن يقول بينهما شيئًا؛ فأتيا غيلان بن سلمة الثقفي؛ فردهما إلى حرملة بن الأشعر المري، فردهما إلى هرم بن قطبة بن سنان الفزاري؛ فانطلقا حتى نزلا به، وقد ساقا الإبل معهما حتى أشتت وأربعت، لا يأتيان أحدًا إلا هاب أن يقضي بينهما؛ فقال هرم: لعمري لأحكمن بينكما ثم لأفضلن؛ فأعطياني موثقًا أطمئن إليه أن ترضيا بما أقول، وتسلما لما قضيت بينكما، وأمرهما بالإنصراف، ووعدهما ذلك اليوم من قابل، فانصرفا، حتى إذا بلغ الأجل خرجا إليه، وأقام القوم عنده أيامًا.
فأرسل هرم إلى عامر فأتاه سرًا لا يعلم به علقمة؛ فقال يا عامر: قد كنت أرى لك رأيًا، وأن فيك خيرًا. وما حبستك هذه الأيام إلا لتنصرف عن صاحبك، أتنافر رجلًا لا تفخر أنت وقومك إلا بآبائه! فما الذي أنت به خير منه؟ فقال عامر: نشدتك الله والرحم أن لا تفضل علي علقمة، فوالله لئن فعلت لا أفلح بعدها أبدًا. هذه ناصيتي فاجزرها واحتكم في مالي؛ فإن كنت لابد فاعلًا، فسو بيني وبينه، قال: انصرف فسوف أرى رأيي. فخرج عامر وهو لا يشك أنه ينفره1 عليه، ثم أرسل إلى علقمة سرًا لا يعلم به عامر، فأتاه، وقال له مثل ما قال لعامر، فرد عليه علقمة بما رد به عامر، وانصرف وهو لايشك أنه سيفضل عليه عامرًا. ثم إن هرمًا أرسل إلى بنيه وبني أبيه: إني قائل غدًا بين هذين الرجلين مقالة؛ فإذا فعلت فليطرد بعضكم عشر جزائر، فينحرها عن علقمة، ويطرد بعضكم عشر جزائر، ينحرها عن عامر، وفرقوا بين الناس لا تكون لهم جماعة، وأصبح هرم فجلس مجلسه، وأقبل الناس، وأقبل علقمة وعامر حتى جلسا، فقام هرم فقال: يا بني جعفر، قد تحاكمتما عندي، وأنتما كركبتي
__________
1 أنفره عليه ونفره عليه: قضى له عليه بالغلبة.
(1/44)

أشراف العرب بين يدي كسرى
مدخل
...
أشراف العرب بين يدي كسرى:
قال كسرى1 للنعمان بن المنذر يومًا، هل في العرب قبيلة تشرف على قبيلة؟ قال نعم، قال فبأي شيء؟ قال من كانت له ثلاثة آباء متوالية رؤساء، ثم اتصل بذلك بكمال الرابع؛ فالبيت من قبيلته فيه، وينسب إليه، قال فاطلب ذلك، فطلبه فلم يصبه إلا في آل حذيفة بن بدر، وآل حاجب بن زرارة، وآل ذي الجدين، وآل الأشعث بن قيس بن كندة؛ فجمع هؤلاء الرهط ومن تبعهم من عشائرهم، وأقعد لهم الحكام والعدول، وقال: ليتكلم كل منكم بما آثر قومه وليصدق؛ فكان حذيفة بن بدر الفزاري أول متكلم، وكان ألسن القوم؛ فقال:
__________
1 هو كسرى أنوشروان، حكم من سنة 531 إلى 578 ميلادية.
(1/46)

مقالة حذيفة بن بدر الفزاري
...
26- مقالة حذيفة بن بدر الفرزاري:
"قد علمت العرب أن فينا الشرف الأقدم، والأعز الأعظم، ومأثرة1 للصنيع الأكرم؛ فقال من حوله: ولم ذاك أخا فزازة؟ فقال: ألسنا الدعائم التي لا ترام، والعز الذي لا يضام، قيل صدقت، ثم قام شاعرهم فقال:
فزارة بيت العز، والعز فيهم ... فزارة قيس، حسب قيس نضالها
لها العزة القعساء والحسب الذي ... بناه لقيس في القديم رجالها
__________
1 المأثر بالفتح والضم: المكرمة المتوارثة.
(1/46)

فهيهات قد أعيا القرون التي مضت ... مآثر قيس مجدها وفعالها
وهل أحد إن هز يومًا بكفه ... إلى الشمس في مجرى النجوم ينالها
فإن يصلحوا يصلح لذاك جميعها ... وإن يفسدوا يفسد من الناس حالها
(1/47)

مقال الأشعث الكندري
...
27- مقال الأشعث الكندي:
ثم قام الأشعث الكندي -وإنما أذن له أن يقوم قبل ربيعة وتميم لقرابته من النعمان بن المنذر- فقال: قد علمت العرب أنا نقاتل عديدها الأكثر، وزحفها الأكبر، وإنا لغياث الكربات، ومعدن المكرمات، قالوا: ولم يا أخا كندة؟ قال: لأنا ورثنا ملك كندة، فاستظللنا بأفيائه1 وتقلدنا منكبه الأعظم، وتوسطنا بحبوحه الأكرم، ثم قام شاعرهم فقال:
إذا قست أبيات الرجال ببيتنا ... وجدت لنا فضلًا على من يفاخر
فمن قال كلا أو أتانا بخطة ... ينافرنا فيها فنحن نخاطر
تعالوا قفوا كي يعلم الناس أينا ... له الفضل فيما أورثته الأكابر
__________
1 جمع فيء: وهو ما كان شمسًا فينسخه الظل.
(1/47)

28- مقال بسطام الشيباني:
ثم قام بسطام الشيباني؛ فقال قد علمت العرب أنا بناة بيتها الذي لا يزول، ومغرس عزها الذي لايحول، قالوا يا أخا شيبان؟ قال: لأنا أدركهم للثار، وأضربهم للملك الجبار، وأقومهم للحكم، وألدهم للخصم، ثم قام شاعرهم، فقال:
(1/47)

لعمري بسطام أحق بفضلها ... وأول بيت العز عز القبائل
فسائل -أبيت اللعن- عن عز قومها ... إذا جد يوم الفخر كل مناقل1
ألسنا أعز الناس قومًا ونصرة ... وأضربهم للكبش بين القبائل2
وقائع غر كلها ربعية ... تذل لها عزًا رقاب المحافل
إذا ذكرت لم ينكر الناس فضلها ... وعاذ بها من شرها كل وائل3
وإنا ملوك الناس في كل بلدة ... إذا نزلت بالناس إحدى الزلازل
__________
1 أبيت اللعن: تحية في الجاهلية، أي أبيت أن تأتي أمرًا تلعن عليه. والمناقلة في المنطق: أن تحدث آخر ويحدثك.
2 الكبش: سيد القوم وقائدهم
3 لاجئ، من وأل إليه يئل وألًا.
(1/48)

29- مقال حاجب بن زرارة:
ثم قام حاجب بن زرارة التميمي؛ فقال: قد علمت معد أنا فرع1 دعامتها، وقادة زحفها، قالوا: ولم ذاك يا أخا بني تميم؟ قال: لأنا أكثر الناس عديدًا، وأنجهم طرًا وليدًا، وأنا أعطاهم للجزيل، وأحملهم للثقيل، ثم قام شاعرهم، فقال:
لقد علمت أبناء خندف أننا ... لنا العز قدمًا في الخطوب الأوائل2
وأنا كرام أهل مجد وثروة ... وعز قديم ليس بالمتضائل
فكم فيهم من سيد وابن سيد ... أغر تجيب ذي فعال ونائل3
فسائل "أبيت اللعن" عنا فإننا ... دعائم هذا الناس عند الجلائل4
__________
1 فرع كل شيء: أعلاه.
2 خندف: هي أم مدركة، وطابخة وقمعة أبناء الياس بن مضر بن تزار بن معد بن عدنان.
3 الفعال: اسم الفعل الحسن، والكرم.
4 أي الأمور الجلائل جمع جليلة.
(1/48)

30- مقال قيس بن عاصم السعدي:
ثم قام قيس بن عاصم السعدي؛ فقال: لقد علم هؤلاء أنا أرفعهم في المكرمات دعائم، وأثبتهم في النائبات مقادم، قالوا: ولم ذاك يا أخا بني سعد؟ قال: لأنا أدركهم للنار، وأمنعهم للجار. وأنا لا ننكل1 إذا حملنا، ولا نرام إذا حللنا، ثم قام شاعرهم فقال:
لقد علمت قيس وحندف أننا ... وجل تميم والجميع الذي ترى2
بأنا عماد في الأمور وأننا ... لنا الشرف الضخم المركب في الندى
وأنا ليوث الناس في كل مأزق ... إذا جز بالبيض الجماجم والطلا3
فمن ذا ليوم الفخر يعدل عاصمًا ... وقيسًا إذا مرت ألوف إلى العلا
فهيهات قد أعيا الجميع فعالهم ... وقاموا بيوم الفخر مسعاة من سعى
فقال كسرى حينئذ: ليس منهم إلا سيد يصلح لموضعه، وأسنى حباءهم، وأعظم صلاتهم، وكرم مآبهم.
"صبح الأعشى 1: 377 والأغاني 17: 105".
__________
1 لا ننكص ولا نجبن.
2 قيس بن عيلان بن مضر.
3 الطلا: جمع طلية، وهي العنق.
(1/49)

وفود العرب على كسرى
مدخل
...
وفود العرب على كسرى:
قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين؛ فذكروا من ملوكهم وبلادهم، فافتخر النعمان بالعرب، وفضلهم على جميع الأمم، لا يستثنى فارس ولا غيرها، فقال كسرى -وأخذته عزة الملك- يا نعمان، لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم، ونظرت في حالة من يقدم علي من وفود الأمم؛ فوجدت للروم حظًا في اجتماع ألفتها، وعظم سلطانها، وكثرة مدائنها، ووثيق بنيانها، وأن لها دينًا يبين حلالها وحرامها، ويرد سفيهها، يقيم جاهلها، ورأيت الهند نحوًا من ذلك في حكمتها وطبها، مع كثرة أنهار بلادها وثمارها، وعجيب صناعتها، وطيب أشجارها، ودقيق حسابها، وكثرة عددها، وكذلك الصين في اجتماعها، وكثرة صناعات أيديها، وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب، وصناعة الحديد، وأن لها ملكًا يجمعها، والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش، وقلة الريف1 والثمار والحصون، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس، لهم ملوك تضم قواصيهم، وتدبر أمرهم، ولم أر للعرب شيئًا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا، ولا حزم ولا قوة، ومع أن مما يدل على مهانتها وذلها، وصغر همتها محلتهم2 التي هم بها مع الوحوش النافرة، والطير الحائرة، يقتلون أولادهم من الفاقة، ويأكل بعضهم بعضًا من الحاجة، قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذاتها؛ فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل، التي يعافها كثيرة من السباع، لثقلها، وسوء طعمها، وخوف دائها، وإن قرى أحدهم ضيفًا عدها مكرمة،
__________
1 الريف: أرض فيها زرع وخصب، والسعة في المأكل والمشرب.
2 حل المكان وبه يحل بالكسر والضم.
(1/50)

وإن أطعم أكلة عدها غنيمة، تنطق بذلك أشعارهم، وتفتخر بذلك رجالهم، ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدى اجتماعها، وشد مملكتها، ومنعها من عدوها؛ فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا، وإن لها مع ذلك آثارًا ولبوسًا1، وقرى وحصونًا، وأمورًا تشبه بعض أمور الناس -يعني اليمن- ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس، قال النعمان: أصلح الله الملك. حق2 لأمة الملك منها أن يسمو فضلها، ويعظم خطبها، وتعلو درجتها؛ إلا أن عندي جوابًا في كل ما نطق به الملك، في غير رد عليه، ولا تكذيب له؛ فإن أمنني من غضبه نطقت به، قال كسرى: قل فأنت آمن.
__________
1 الدروع.
2 حق لك أن تفعل كذا وحققت أن تفعله بمعنى.
(1/51)

31- خطبة النعمان بن المنذر:
قال النعمان: أما أمتك أيها الملك؛ فليست تنازع في الفضل، لموضعها الذي هي به: من عقولها وأحلامها، وبسطه محلها، وبحبوحة عزها، وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك. وأما الأمم التي ذكرت، فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها. قال كسرى بماذا؟ قال النعمان: بعزها، ومنعتها، وحسن وجوهها، وبأسها، وسخائها، وحكمة ألسنتها، وشدة عقولها، وأنفتها، ووفائها.
فأما عزها ومنعتها؛ فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد، ووطدوا الملك وقادوا الجند، لم يطمع فيهم طامع، ولم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيلهم، ومهادهم الأرض، وسقوفهم السماء، وجنتهم السيوف، وعدتهم الصبر، إذ غيرها من الأمم إنما عزها من الحجارة والطين وجزائر البحور.
وأما حسن وجوها وألوانها، فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم: من الهند المنحرفة، والصين المنحفة، والترك المشوهة، والروم المقشرة.
(1/51)

وأما أنسابها وأحسابها؛ فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرًا من أولها، حتى إن أحدهم ليسأل وراء أبيه دنيا1؛ فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبًا فأبًا، حاطوا بذلك أحسابهم، وحفظوا به أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا ينتسب إلى غير نسبه، ولا يدعى إلى غير أبيه.
وأما سخاؤها؛ فإن أدناهم رجلًا، الذي تكون عنده البكرة والناب2، عليها بالغه3 في حموله4 وشبعه وريه، فيطرقه الطارق، الذي يكتفي بالفلذة5، ويحتري بالشبة؛ فيعقرها له، ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر.
وأما حكمة ألسنتهم؛ فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم، وحسنه ووزنه وقوافيه، ومع معرفتهم الأشياء، وضربهم للأمثال، وإبلاغهم في الصفات، ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس ثم خيلهم أفضل الخيل، ونساؤهم أعف النساء، ولباسهم أفضل اللباس، ومعادنهم الذهب والفضة، وحجارة جبالهم الجزع6. ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر، ولا يقطع بمثلها بلد فقر.
وأما دينها وشريعتها؛ فإنهم متمسكون به، حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهرًا حرمًا، وبلدًا محرمًا، وبيتًا محجوجًا، ينسكون فيه مناسكهم، ويذبحون فيه ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه، وهو قادر على أخذ ثأره، وإدراك رغمه7 منه؛ فيحجزه كرمه، ويمنعه دينه عن تناوله بأذى.
__________
1 هو ابن عمي دنيا بضم الدال وكسرها مع التنوين، وبكسرها بلا تنوين: أي لحمًا.
2 الناقة المسنة.
3 البلاغ: الكفاية.
4 الحمولة والأحمال جمع حمل.
5 القطعة من الشيء.
6 الجزع ويكسر: الخرز اليماني الصيني فيه سواد وبياض، تشبه به العيون.
7 الذل.
(1/52)

وأما وفاؤها، فإن أحدهم يلحظ اللحظة، ويومئ الإيماءة، فهي ولث1 وعقدة، لا يحلها إلا خروج نفسه، وإن أحدهم يرفع عودًا من الأرض فيكون رهنًا بدينه، فلا يغلق2 رهنه، ولا تخفر3 ذمته، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلًا استجار به وعسى أن يكون نائيا عن داره. فيصاب، فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته، أو تفنى قبيلته، لما أخفر من جواره، وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث، من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله.
وأما قولك أيها الملك يئدون أولادهم، فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار، وغيرة من الأزواج.
وأما قولك إن أفضل طعامهم لحوم الإبل _على ما وصفت منها_ فما تركوا ما دونها إلا احتقارًا لها، فعمدوا إلى أجلها وأفضلها، فكانت مراكبهم وطعامهم، مع أنها أكثر البهائم شحومًا، وأطيبها لحومًا، وأرقها ألبانًا، وأقلها غائلة4، وأحلاها مضغة، وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه.
وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضًا، وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم، فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفًا، وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد، يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، وينقادون لهم بأزمتهم، وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكًا أجمعين، مع أنفتهم من أداء الخراج والوطث5 بالعسف.
__________
1 عهد.
2 غلق الرهن: استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يفتك في الوقت المشروط.
3 خفر به وأخفره: نقض عهده وغدره.
4 شرا.
5 الوطث: الضرب الشديد بالرجل على الأرض.
(1/53)

وأما اليمن التي وصفها الملك؛ فإنما أتى جد الملك إليها الذي1 أتاه، عند غلبة الحبش له، على ملك متسق، وأمر مجتمع؛ فأتاه مسلوبًا طريدًا مستصرخًا، ولولا ما وتر به من يليه من العرب؛ لمال إلى مجال، ولوجد من يجيد الطعان، ويغضب للأحرار من غلبة العبيد الأشرار".
فعجب كسرى لما أجابه النعمان به، وقال: إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك، ثم كساه من كسوته، وسرحه إلى موضعه من الحيرة.
فلما قدم النعمان الحيرة، وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين2 أمرهم، بعث إلى أكثم بن صيفي، وحاجب بن زرارة التميميين، وإلى الحارث بن عباد، وقيس بن مسعود البكريين، وإلى خالد بن جعفر، وعلقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل العامريين، وإلى عمرو بن الشريد السلمي، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المرى؛ فلما قدموا عليه في الخورنق، قال لهم: قد عرفتم هذه الأعاجم، وقرب جوار العرب منها، وقد سمعت من كسرى مقالات، تخوفت أن يكون لها غور، أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولًا، كبعض طماطمته3، في تأديتهم الخراج إليه4، كما يفعل بملوك الأمم الذي حوله؛ فاقتص عليهم مقالات كسرى، وما رد عليه؛ فقالوا: أيها الملك، وفقك الله! ما أحسن ما رردت! وأبلغ ما حججته به! فمرنا بأمرك، وادعنا إلى ما شئت. قال: إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكت وعززت بمكانكم، وما تخوف من ناحيتكم، وليس شيء أحب إلي مما سدد الله به أمركم، وأصلح به شأنكم، وأدام به عزكم، والرأى أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط، وتنطلقوا إلى كسرى؛ فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم
__________
1 هو سيف بن ذي يزن.
2 تقبيح واستهجان، والهجنة من الكلام: ما يعيبه.
3 رجل طمطم "بكسر الطامين" وطمطماني "بضمهما": في لسانه عجمه.
4 كان الفرس يعفون عرب الحيرة من دفع الأتاوة مقابل أن يقوموا بحمايتهم من كل غارة من نواحيهم.
(1/54)

بما حضره؛ ليعلم أن العرب على غير ما ظن، أو حدثته نفسه، ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه؛ فإنه ملك عظيم السلطان، كثير الأعوان، متزن، معجب بنفسه، ولا تتخزلوا1 له انخزال الخاضع الذليل، وليكن أمر بين ذلك، تظهر به وثاقة حلومكم، وفضل منزلتكم، وعظيم أخطاركم، وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي، ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها؛ فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم، علمي بميل كل رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه، فلا يكونن ذلك منكم، فيجد في آدابكم مطعنًا؛ فإنه ملك مترف، وقادر مسلط. ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائف حلل الملوك، كل رجل منهم حلة وعممه عمامة، وختمه بياقوتة، وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية2 وفرس نجيبة، وكتب معهم كتابًا:
"أما بعد: فإن الملك ألقى إلي أمر العرب ما قد علم، وأجبته بما قد فهم، مما أحببت أن يكون منه على علم، ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها، وحمت ما يليها بفضل قوتها، تبلغها وشيء من الأمور، التي تعزز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة، وقد أوفدت إليها الملك رهطًا من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم؛ فليسمع الملك، وليغمض عن جفاء إن ظهر من منطقهم، وليكرمني بإكرامهم، وتعجيل سراحهم، وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم".
فخرج القوم في أهبتهم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن؛ فدفعوا إليه كتاب النعمان فقرأه، وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسًا منهم؛ فلما أن كان بعد ذلك بأيام، أمر مرازبته3 ووجوه أهل مملكته، فحضروا وجلسوا على كراسي، عن يمينه
__________
1 الانخزال: مشية في تثاقل.
2 النجيب: البعير والفرس إذا كانا كريمين عتيقين، والمهرية: نسبة إلى مهرة بن حيدان، حي تنسب إليه الإبل النجيبة.
3 جمع ززبان، بفتح الميم وضم الزاي، هو الرئيس من الفرس.
(1/55)

وشماله، ثم دعا على الولاء1 والمراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه، وأقام الترجمان2 ليؤدي إليه كلامهم، ثم أذن لهم في الكلام.
__________
1 التتابع والتوالي، مصدر والي.
2 ترجمان: بفتح التاء وضم الجيم وبضمهما وبفتحهما.
(1/56)

22- خطبة أكثم بن صيفي:
فقام أكثم بن صيفي فقال:
"إن أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها، وأفضل الملوك أعمها نفعًا، وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها، الصدق منجاة، والكذب مهواة، والشر لجاجة1، والحزم مركب صعب، والعجز مركب وطي، آفة الرأي الهوى، والعجز مفتاح الفقر، وخير الأمور الصبر، حسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة، إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي، من فسدت بطانته كان كالغاص بالماء، شر البلاد بلاد لا أمير بها، شر الملوك من خافه البريء، المرء يعجز2 لا محالة3، أفضل الأولاد البررة، خير الأعوان من لم يراء بالنصيحة، أحق الجنود بالنصر من حسنت سريرته، يكفيك من الزاد ما بلغك المحل، حسبك من شر سماعه، الصمت حكم4 وقليل فاعله، البلاغة الإيجاز، من شدد نفر، ومن تراخى تألف".
فتعجب كسرى من أكثم، ثم قال: ويحك5 يا أكثم ما أحكمك وأوثق كلامك! لولا وضعك كلامك في غير موضعه. قال أكثم: الصدق ينبئ عنك لا الوعيد. قال كسرى: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى.
قال أكثم: رب قول أنفذ من صول.
__________
1 أي أصله اللجاجة، وهي تماحك الخصمين وتماديهما.
2 من بابي ضرب وسمع.
3 المحالة: الحيلة.
4 الحكم: الحكمة "وآتيناه الحكم صبيا".
5 ويح: كلمة رحمة، "وويل: كلمة عذاب"، وقيل هما بمعنى واحد.
(1/56)

33- خطبة حاجب بن زرارة:
ثم قام حاجب بن زرارة التميمي فقال:
" ورى1 زندك، وعلت يدك، وهيب سلطانك، إن العرب أمة قد غلظت أكبادها، واستحصدت2 مرتها، ومنعت درتها3، وهي لك وامقة ما تألفتها، مسترسلة ما لا ينتها، سامعة ما سامحتها، وهي العلقم مرارة، والصاب4 غضاضة5، والعسل حلاوة، والماء الزلال6 سلاسة7، نحت وفودها إليك، وألسنتها لديك، ذمتنا محفوظة، وأحسابنها ممنوعة، وعشائرنا فينا سامعة مطيعة، إن نوب لك حامدين خيرًا؛ فلك بذلك عموم محمدتنا، وإن نذم لم نخص بالذم دونها".
قال كسرى: يا حاجب، ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها، قال حاجب: بل زئير الأسد بصولتها، قال كسرى: وذلك.
__________
1 ورى الزند بفتح الراء وكسرها وريا ورية فهو وار وورى: خرجت ناره. وأوريته ووريته واستوريته، والزند: العود الذي يقدح به النار جمعه زناد وأزند وأزناد.
2 استحصد الحبل: استحكم، والمرة: طاقة الحبل، والقوة: العقل. كناية عن قوتهم.
3 الدرة: اللبن كالدر.
4 عصارة: شجر مر.
5 هي احتمال المكروه. والذلة والمنقصة.
6 ماء زلال: سريع المر في الحلق بارد عذب صاف سهل سلس.
7 سهولة. السلس: السهل اللين المنقاد.
(1/57)

34- خطبة الحارث بن عباد:
ثم قام الحارث بن عباد البكري؛ فقال:
دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظها، وعلو سنائها، من طال رشاؤه1، كثر متحه2، ومن ذهب ماله، قل منحه. تناقل الأقاويل يعرف اللب، وهذا
__________
1 الرشاء: الحبل.
2 المتح: نزع الماء من البئر.
(1/57)

مقام سيوجف1 بما ينطق به الركب، وتعرف به كنه حالنا العجم والعرب، ونحن جيرانك الأدنون، وأعوانك المعينون، خيولنا جمة، وجيوشنا فخمة، إن استنجدتنا فغير ربض2، وإن استطرقتنا3 فغير جهض4، وإن طلبتنا فغير غمض5، لا ننثني لذعر، ولا نتنكر لدهر، رماحنا طوال، وأعمارنا قصار".
قال كسرى: أنفس عزيزة وأمة ضعيفة، قال الحارث: أيها الملك وأنى يكون لضعيف عزة أو لصغير مرة! قال كسرى: لو قصر عمرك، لم تستول على لسانك نفسك. قال الحارث: أيها الملك إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغررًا بنفسه على الموت؛ فهي منية استقبلها، وجنان استدبرها، والعرب تعلم أني أبعث الحرب قدمًا6، وأحبسها وهي تصرف بها، حتى إذا جاشت نارها، وسعرت لظاها، وكشفت عن ساقها، جعلت مقادها رمحي، وبرقها سيفي، ورعدها زئيري، ولم أقصر عن خوص خضخاضها7، حتى أنغمس في غمرات لججها، وأكون فلكًا لفرساني إلى بحبوحة كبشها8، فأستمطرها دمًا، وأترك حماتها جزر9 السباع وكل نسر
__________
1 وجف الفرس والبعير عدا، وأوجفته: أعديته، يقال: أو جف فأعجف "فما أو جفتم عليه من خيل ولا ركاب" أي ما أعملتم.
2 يقال: رجل ربض عن الحاجات لا ينهض فيها، وهو هنا جمع ربوض بالفتح من ربضت الشاة كبركت الناقة: أي لا نتقاعس عن نصرتك ولانحجم.
3 استطرق فحلًا: طلبه منه ليضرب في إله، هذا هو الأصل، والمراد استعنت بنا.
4 أجهضت الناقة والمرآة ولدها: أسقطته ناقص الخلق، والسقط: جهيض، وجمعه جهض، أي أن فحلنا إذا ضرب النياق "نكحها" لم تأت بجهض بل تنتج، والمراد أنه إن استنجد بهم أثمر ذلك الاستنجاد ولم يخب.
5 من الغمض، وهو النوم، يقال ما غمضت، ولا أغمضت، ولا اغتمضت؛ فالوصف من الأول غامض، وللمبالغة غموض، والجمع غمض أي فلا تنام عن نصرتك.
6 القدم: المضي أمام أمام، وهو يمشي القدم: إذا مضى في الحرب. والقدم: المقدام الشجاع. وفي الحديث "طوبى لعبد مغبر قدم في سبيل الله".
7 الخضخاض: نفط أسود رقيق تهنأ به الإبل الجرب "ولعله خضاخضها" بضم الخاء، والخضاخض: المكان الكثير الماء.
8 سيد القوم وقائدهم.
9 أي قطعًا.
(1/58)

قشعم1. ثم قال كسرى لمن حضره من العرب: أكذلك هو؟ قالوا: فعاله أنطق من لسانه.
قال كسرى: ما رأيت كاليوم وفدًا أحشد، ولا شهودًا أوفد.
__________
1 مسن.
(1/59)

35- خطبة عمرو بن الشريد:
ثم قام عمرو بن الشريد السلمي؛ فقال:
"أيها الملك، نعم بالك، ودام في السرور حالك، إن عاقبة الكلام متدبرة، وأشكال الأمور معتبرة، وفي كثير ثقلة، وفي قليل بلغه، وفي الملوك سورة1 العز، وهذا منطق له ما بعده، شرف فيه من شرف، وحمل فيه من حمل، لم نأت لضيمك، ولم نفد لسخط، ولم تتعرض لرفدك2 إن في أموالنا منتقدًا3، وعلى عزنا معتمدًا، إن أورينا4 نارًا أثقبنا، وإن أود5 دهر بنا اعتدلنا؛ إلا أنا مع هذا لجوارك حافظون، ولمن رامك كافحون، حتى يحمد الصدر6 ويستطاب الخبر".
قال كسرى: ما يقوم قصد منطقك بإفراطك، ولا مدحك بذمك، قال عمرو: كفى بقليل قصدي هاديًا، وبأيسر إفراطي مخبرًا، ولم يلم من غربت نفسه عما يعلم، ورضي من القصد بما بلغ. قال كسرى: ما كل ما يعرف المرء ينطق به. اجلس.
__________
1 سورة المجد: أثره وعلامته، وسورة السلطان: سطوته "والسورة المنزلة" بالضم.
2 الرفد: العطاء.
3 انتقد الدراهم قبضها.
4 أو قدنا.
5 اعوج.
6 الرجوع.
(1/59)

36- خطبة خالد بن جعفر الكلابي:
ثم قام خالد بن جعفر الكلابي فقال:
"أحضر الله الملك إسعادًا، وأرشده إرشادًا، إن لكل منطق فرصة، ولكل حاجة غصة، وعي المنطق أشد من عي السكوت، وعثار القول أنكأ1 من عبار الوعث2. وما فرصة المنطق عندنا إلا بما تهوى، وغصة المنطق بما لا تهوى غير مستساغة3، وتركي ما أعلم من نفسي، ويعلم من سمعي أنني مطيق، أحب إلي من تكلفي ما أتخوف وبتخوف مني، وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان، وهو لك من خير الأعوان، ونعم حامل المعروف والإحسان، أنفسنا بالطاعة لك باخعة4، ورقابنا بالنصيحة خاضعة، وأيدينا لك بالوفاء رهينة".
قال له كسرى: نطقت بعقل، وسموت بفضل، وعلوت بنبل.
__________
1 نكأ العدو ونكاه نكاية: قتل وجرح، وأنكأ: أي أشد نكاية وقهرًا.
2 الوعث: المكان السهل الدهس تغيب فيه الأقدام والطريق العسر.
3 أساغ الغصة ابتلعها، وساغ الشراب: سهل مدخله في الحلق.
4 خاضعة ومقرة، بخع بالحق أقر به وخضع له.
(1/60)

37- خطبة علقمة بن علاثة العامري:
ثم قام علقمة بن علاثة العامري فقال:
"نهجت1 لك سبل الرشاد، وخضعت لك رقاب العباد، إن للأقاويل مناهج، وللآراء موالج2 وللعويص مخارج، وخير القول أصدقه، وأفضل الطلب أنجحه، إنا وإن كانت المحبة أحضرتنا، والوفادة قربتنا؛ فليس من حضرك منا بأفضل ممن عزب عنك، بل لو قست كل رجل منهم، وعلمت منهم ما علمنا، لوجدت له في آبائه
__________
1 وضحت.
2 مداخل، جمع مولج. كمجلس، ولج يلج ولوجًا ولجة.
(1/60)

دنيا، أندادًا وأكفاء، كلهم إلى الفضل منسوب، وبالشرف والسؤدد1 موصوف، وبالرأي الفاضل والأدب النافذ2 معروف، يحمي حماه، ويروي نداماه3، ويذود أعداه، لا تخمد4 ناره، ولا يحترز منه جاره أيها الملك: من يبل العرب يعرف فضلهم؛ فاصطنع5 العرب؛ فإنها الجبال الرواسي عزًّا، والبحور الزواخر طميًّا6، والنجوم الزواهر شرفًا، والحصى عددًا، فإن تعرف لهم فضلهم بعزوك، وإن تستصرخهم7 لا يخذلوك".
قال كسرى: وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه -حسبك أبلغت وأحسنت.
__________
1 السؤدد بفتح الدال والسؤدد بضمها والسود والسيادة.
2 الظاهر أثره.
3 ندامى. جمع ندمان، وهو النديم، وجمع النديم ندماء، ونادمه: جالسه على الشراب "ندمان بمعنى منادم مصروف؛ لأن مؤنثه ندمانة، أما ندمان بمعنى نادم فلا يصرف؛ لأن مؤنثه ندمى:
كل فعلان فهو أنثاه فعلى
غير وصف النديم بالندمان
4 خمد: كنصر وسمع.
5 اختر واصطف.
6 طمي الماء يطمي طميًا علا، والنبت طال والبحر امتلأ، وهمته علت.
7 تستنجد بهم.
(1/61)

38- خطبة قيس بن مسعود الشيباني:
ثم قام قيس بن مسعود الشيباني؛ فقال:
"أطاب الله بك المراشد! وجنبك المصائب! ووفاك مكروه الشصائب1! ما أحقنا -إذ أتيناك- بإسماعك ما لا يحنق صدرك، ولا يزرع لنا حقدًا في قلبك! لم نقدم أيها الملك لمساماة، ولم ننتسب لمعاداة، ولكن لتعمل أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم، أنا في المنطق غير محجمين، وفي الناس غير مقصرين إن جورينا فغير مسبوقين، وإن سومينا فغير مغلوبين".
__________
1 جمع شصيبة، وهي الشدة.
(1/61)

قال: كسرى: غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين "وهو يعرض به في تركه الوفاء بضمانه السواد1" قال قيس: أيها الملك ما كنت في ذلك إلا كواف غدر به، أو كخافر أخفر بذمته. قال كسرى: ما يكون لضعيف ضمان، ولا لذليل خفارة، قال قيس: أيها الملك، ما أنا فيما أخفر من ذمتي أحق بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك، وانتهك من حرمتك، قال كسرى: ذلك؛ لأن من ائتمن الخانة2، واستنجد الأثمة، ناله من الخطأ ما نالني، وليس كل الناس سواء، كيف رأيت حاجب بن زرارة، لم يحكم قواه، فيبرم، ويعهد فيوفي، ويعد فينجز، قال وما أحقه بذلك، وما رأيته إلا لي، قال كسرى: القوم بزل3 فأفضلها أشدها.
__________
1 أي سواد العراق.
2 الخانة والخونة: جمع خائن.
3 البازل: الجمل في السنة التاسعة، والرجل الكامل في تجربته جمع بزل وبزل.
(1/62)

39- خطبة عامر بن الطفيل العامري:
ثم قام عامر بن الطفيل العامري فقال:
"كثر فنون المنطق، ولبس القول أعمى من حندس1 الظلماء؛ وإنما الفخر في الفعال، والعجز في النجدة، والسودد مطاوعة القدرة2، وما أعلمك بقدرنا، وأبصرك بفضلنا، وبالحرى3 إن أدالت4 الأيام، وثابت الأحلام أن تحدث لنا أمورًا لها أعلام5. قال كسرى: وما تلك الأعلام، قال مجتمع6 الأحياء من ربيعة ومضر، على أمر يذكر قال كسرى: وما الأمر الذي يذكر؟ قال: ما لي علم بأكثر مما خبرني به مخبر، قال كسرى: متى تكاهنت يابن الطفيل؟ قال: لست بكاهن، ولكني بالرمح
__________
1 الليل المظلم والظلمة.
2 أي أن يأتي المرء ما يقدر عليه، فإن ذلك يبلغه السودد.
3 خليق وجدير.
4 نصرتنا.
5 أي مشهورة.
6 اجتماع.
(1/62)

طاعن، قال كسرى: فإن أتاك آت من جهة عينك العوراء ما أنت صانع؟ قال: ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي، وما أذهب عيني عيث1، ولكن مطاوعة العبث.
__________
1 الإفساد.
(1/63)

خطبة عمرو بن معد يكرب الزبيدي
...
40- خطبة عمرو بن معد يكرب الزيبدى:
ثم قام عمرو بن معد يكرب الزبيدي، فقال:
"إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه؛ فبلاغ المنطق الصواب، وملاك النجعة1 الارتياد، وعفو الرأي خير من استكراه الفكرة، وتوقيف الخبرة خير من اعتساف الحيرة، فاجتبذ2 طاعتنا بلفظك، واكتظم بادرتنا بحلمك، وألن لنا كنفك يسلس لك قيادنا، وإنا أناس يوقس3 صفاتنا قراع مناقير4 من أراد لنا قضمًا5، ولكن منعنا حمانا من كل رام لنا هضمًا".
__________
1 النجعة: طلب الكلأ في موضعه.
2 اجتذب.
3 الوقس: انتشار الجرب في البدن، والتوقيس: الإجراب، أي لم يخدش صفاتنا ويؤثر فيها.
4 جمع منقار، وهو حديد كالفأس ينقر بها.
5 أصله الأكل بأطراف الأسنان.
(1/63)

41- خطبة الحارث بن ظالم المري:
ثم قام الحرث بن ظالم المري؛ فقال:
"إن من آفة المنطق الكذب، ومن لؤم الأخلاق الملق، ومن خطل الرأي خفة الملك المسلط؛ فإن أعلمناك أن مواجعتنا لك عن الائتلاف، وانقيادنا لك عن تصف، فما أنت لقبول ذلك منا بخليق، ولا للاعتماد عليه بحقيق؛ ولكن الوفاء بالعهود، وإحكام ولث العقود، والأمر بيننا وبينك معتدل، ما لم يأتِ من قبلك ميل أو زلل".
(1/63)

قال كسرى: من أنت؟ قال: الحارث بن ظالم، قال إن في أسماء آبائك لدليلًا على قلة وفائك، وأن تكون أولى بالقدر، وأقرب من الوزر. قال الحارث: إن في الحق مغضبة. والسرو التغافل1، ولن يستوجب أحد الحلم إلا مع القدرة؛ فلتشبه أفعالك مجلسك، قال كسرى: هذا فتى القوم
ثم قال كسرى: قد فهمت ما نطقت به خطباؤكم، وتفتن فيه متكلموكم، ولولا أني أعلم أن الأدب لم يثقف أودكم، ولم يحكم أمركم، وأنه ليس لكم ملك يجمعكم؛ فتنطلقون عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة؛ فنطقتم بما استولى على ألسنتكم، وغلب على طباعكم، لم أجز لكم كبيرًا مما تكلمتم به، وإني لأكره أن أجبه وفودي، أو أحنق صدورهم، والذي أحب من إصلاح مدبركم، وتألف شواذكم، والإعذار إلى الله فيما بيني وبينكم، وقد قبلت ما كان في منطقكم من صواب، وصفحت عما كان فيه من خلل؛ فانصرفوا إلى ملككم، فأحسنوا موازرته، والتزموا طاعته، واردعوا سفهاءكم وأقيموا أودهم، وأحسنوا أدبهم؛ فإن في ذلك صلاح العامة.
"العقد الفريد 1: 101".
__________
1 السرو: المروءة في شرف.
(1/64)

42- مخالس بن مزاحم وقاصر بن سلمة عند النعمان بن المنذر:
كان مخالس بن مزاحم الكلبي، وقاصر بن سلمة الجذامي بباب النعمان بن المنذر، وكان بينهما عداوة؛ فأتى قاصرًا إلى ابن فرتنى وهو عمرو بن هند أخو النعمان بن المنذر، وقال: إن مخالسًا هحاك، وأنشده في ذلك أبياتًا؛ فلما سمع عمرو ذلك آتى النعمان؛ فشكا مخالسًا وأنشده الأبيات؛ فأرسل النعمان إلى مخالس؛ فلما دخل عليه قال: "لا أم لك! أتهجوا امرأ هو ميتًا خير منك حيًّا، وهو سقيمًا خير منك صحيحًا. وهو غائبًا خير منك شاهدًا؟ فبحرمة ماء المزن1، وحق أبي قابوس2، لئن لاح لي أن ذلك كان منك؛ لأنزعن غلصمتك من قفاك، ولا طعمنك لحمك".
قال مخالس: "أبيت اللعن! كلا، والذي رفع ذروتك بأعمادها، وأمات حسادك بأكمادها، ما بلغت غير أقاويل الوشاة، ونمائم العصاة، وما هجوت أحدًا، ولا أهجو امرأً ذكرت أبدًا، إني أعوذ بجدك الكريم، وعز بيتك القديم، أن ينالني منك عقاب، أو يفاجئني منك عذاب، قبل الفحص والبيان، عن أساطير أهل البهتان".
فدعا النعمان قاصرًا فسأله، فقال قاصر: "أبيت اللعن! وحقك لقد هجاه وما أروانيها سواء" فقال مخالس: "لا يأخذن أيها الملك منك قول امرئ آفك3، ولا توردني سبيل المهالك. واستدلل على كذبه بقوله: إني أرويته مع ما تعرف من عداوته"؛ فعرف النعمان صدقه فأخرجهما.
فلما خرجا، قال مخالسًا لقاصر: "شقي جدك، وسفل خدك، وبطل كيدك، ولا حل للقوم جرمك، وطاش عني سهمك، ولأنت أضيق حجرًا من نفاز4، وأقل قوى من الحامل على الكراز5" فأرسلها مثلًا.
"مجمع الأمثال 1: 140".
__________
1 المزن: السحاب أو أبيضه أو ذو الماء، جمع مزنة.
2 يعني نفسه وأبو قابوس كنيته.
3 كذاب.
4 الحجر: العقل، والنقاز: كرمان، وشداد: طائر أو صغار العصافير ومن قول حسان بن ثابت:
لا بأس بالقوم من طول ومن قصر
جسم البغال وأحلام العصافير
5 الكراز: الكبش يحمل خرج الراعي، أي أقل قوى من الراعي يحمل زاده على الكبش، وهو مثل يضرب لمن يرمى باللؤم.
(1/65)

43- ضمرة بن ضمرة عند النعمان بن المنذر:
قيل إن رجلًا من بني تميم يقال له ضمرة بن ضمرة، كان يغير على مسالح1 النعمان بن المنذر، حتى إذا عيل صبر النعمان، كتب إليه أن ادخل في طاعتي، ولك مائة من الإبل؛ فقبلها وأتاه؛ فلما نظر إليه ازدراه -وكان ضمرة دميمًا- فقال: تسمع بالمعيدي لا أن تراه2. فقال ضمرة: مهلًا أيها الملك. إن الرجال لا يكالون بالصيعان3. وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه. إن قاتل بجنان. وإن نطق نطق ببيان. قال: صدقت لله درك هل لك علم بالأمور والولوج فيها؟ قال: والله إني لأبرم منها المسحول4. وأنقض منها المفتول. وأحيلها حتى تحول، ثم أنظر إلى مايئول. وليس للأمور بصاحب. من لا ينظر في العواقب. قال: صدقت، لله درك! فأخبرني: ما العجز الظاهر، والفقر الحاضر، والداء العياء5، والسوءة السوءاء؟
قال ضمرة:
"أما العجز الظاهر؛ فالشاب القليل الحيلة. اللزوم للحليلة. الذي يحوم حولها. ويسمع قولها؛ فإن غضبت ترضاها. وإن رضيت تفداها. وأما الفقر الحاضر؛ فالمرء لا تشبع نفسه. وإن كان من ذهب خلسه6. وأما الداء العياء: فجار السوء، إن كان فوقك قهرك، وإن كان دونك همزك7. وإن أعطيته كفرك، وإن منعته شتمك؛ فإن كان ذلك جارك، فأخل له دارك، وعجل منه فرارك، وإلا فأقم بذل
__________
1 مسالح جمع مسلحة بالفتح وهي الثغر.
2 وفي رواية "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" وهو مثل يضرب لمن خبره خير من مرآه، والمعيار تصغير المعدي نسبة إلى معد وهو حي، خففت الدال استثقالًا للتشديد مع ياء التصغير، وقيل منسوب إلى معيد وهو اسم قبيلة.
3 الصيعان جمع صاع وهو مكيال يكال به، ومعياره الذي لا يختلف أربع حفنات يكفي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما. وحرر بعض المحققين أن الصاع المصري قد حان وثلث.
4 سحل الثوب: لم يبرم غزله.
5 داء عياه: لا يبرأ منه.
6 الحلس كساء يجعل على ظهر البعير تحت رحله.
7 الهمز: الغمز.
(1/66)

وصغار، وكن ككلب هرار1، وأما السوءة السوءاء: فالحليلة الصخابة2، الخفيفة الوثابة، السليطة3 السبابة، التي تعجب من غير عجب، وتغضب من غير غضب، الظاهر عيبها، والمخوف غيبها؛ فزوجها لا يصلح له حال، ولا ينعم له بال، وإن كان غنيًّا لا ينفعه غناه، وإن كان فقيرًا أبدت له قلاه4، فأراح الله منها بعلها، ولا متع الله بها أهلها".
فأعجب النعمان حسن كلامه، وحضور جوابه؛ فأحسن جائزته. واحتبسه قبله.
"جمهرة الأمثال 1: 186".
__________
1 هرير الكلب: صوته، وهو دون النباح.
2 أي كثير والجلبة من الصخب بالتحريك.
3 الطويلة اللسان من السلاطة كفصاحة.
4 القلى: البغض والكراهية.
(1/67)

44- لبيد بن ربيعة يصف بقلة:
وفد على النعمان بن المنذر عامر بن مالك مُلَاعب الأسِنّة في رهط من بني جعفر بن كلاب، فيهم لبيد بن ربيعة، فطعن فيهم الربيع بن زياد العبسي، وذكر معايبهم -وكان نديمًا للنعمان، وكانت بنو جعفر لهم أعداء- فلم يزل بالنعمان حتى صده عنهم؛ فدخلوا عليه يومًا، فرأوا منه جفاء -وقد كان يكرمهم ويقربهم- فخرجوا غضابًا، ولبيد متخلف في رحالهم، يحفظ متاعهم، ويغدو بإبلهم كل صباح يرعاها -وكان أحدثهم سنًّا- فأتاهم ذات ليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع؛ فسألهم عنه فكتموه، فقال: والله لا حفظت لكم متاعًا، ولا سرحت لكم بعيرًا، أو تخبروني فيم أنتم؟ وكانت أم لبيد يتيمة في حجر الربيع، فقالوا: خالك قد غلبنا على الملك، وصد عنا وجهه، فقال لبيد: هل تقدرون على أن تجمعوا بيني وبينه، فأزجره عنكم بقول ممض مؤلم، لا يلتفت إليه النعمان بعده أبدًا؟ قالوا: وهل عندك شيء؟ قال: نعم. قالوا: فإنا نبلوك.
(1/67)

قال: وما ذاك؟ قالوا: تشم هذه البقلة -وقدامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الأوراق، لاصقة بالأرض، تدعى التربة- فقال:
"هذه التربة التي لا تذكي1 نارًا، ولا تؤهل2 دارًا، ولا تسر جارًا، عودها ضئيل، وفرعها كليل3، وخيرها قليل، أقبح البقول مرعى، وأقصرها فرعًا، وأشدها قلعًا، فتعسًا لها وجدعًا4، وبلدها شاسع5، ونبتها خاشع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع6؛ فالقوا بي أخا بني عبس، أرده عنكم بتعس7 ونكس، وأتركه من أمره في لبس".
فلما أصبحوا غدوا به معهم إلى النعمان؛ فذكروا حاجتهم، فاعترض الربيع، فرجز به ليبد رجزًا ما لبث معه النعمان أن تقزز منه، وأمره بالانصراف إلى أهله
"مجمع الأمثال 2: 33 وجمهرة الأمثال 2: 116، والأغاني 14: 91، أبناء نجباء الأبناء ص 171، وأمالي السيد المرتضى 1: 135".
__________
1 تذكي: تشعل.
2 أي ولا تؤدم أهل دار من الإهالة "ككتابة" وهي كل ما يؤتدم به، ويقال ثريدة مأهولة: أي فيها إهالة.
3 ضعيف.
4 قطعًا.
5 بعيد.
6 أي سائل.
7 التعس: الهلاك.
(1/68)

45- كلمات هند بنت الخس الإيادية:
أتى رجل هند بنت الخس الإيادية يستشيرها في امرأة يتزوجها؛ فقالت: "انظر رمكاء1 جسيمة، أو بيضاء وسيمة، في بيت جد، أو بيت حد، أو بيت عز" قال: ما تركت من النساء شيئًا، قالت: "بلى، شر النساء تركت: السويداء الممراض2، والحميراء المحياض3 الكثيرة المظاظ4".
وقيل لها: أي النساء أسوأ؟ قالت: "التي تعقد بالفناء، وتملأ الإناء، وتمذق5
__________
1 الرمكاه: السمراء، والرمكة كحمرة لون الرماد.
2 الممراض: المسقام.
3 الكثيرة الحيض.
4 المظاظ: المنازعة والمشارة.
5 تمزج.
(1/68)

ما في السقا" قيل: فأي النساء أفضل؟ قالت: "التي إذا مشت أغيرت1، وإذا نطقت صرصرت2، متوركة جارية3، في بطنها جارية، يتبعها جارية4".
قيل: فأي الغلمان أفضل؟ قالت: "الأسوق الأعنق5، الذي إن شب كأنه أحمق" قيل: فأي الغلمان أفسل6؟ قالت: "الأويقص7 القصير العضد، العظيم الحاوية8، الأغيبر الغشاء، الذي يطيع أمه، ويعصي عمه".
"الأمالي 2: 260".
وقيل لها: أي الرجال أحب إليك؟ قالت: السهل النجيب، السمح الحسيب، الندب9 الأريب، السيد المهيب، قيل لها: فهل بقي أحد من الرجال أفضل من هذا؟ قالت: نعم الأهيف الهفهاف10، الأنف العياف، المفيد المتلاف، الذي يخيف ولا يخاف، قيل لها: فأي الرجال أبغض إليك؟ قالت: الأوره11 النئوم، الوكل السئوم، الضعيف الحيزوم، اللئيم الملوم، قيل لها: فهل بقي أحد شر من هذا؟ قالت: نعم، الأحمق النزاع، الضائع المضلع، الذي لايهاب ولا يطاع، قالوا: فأي النساء أحب إليك؟ قالت: البيضاء العطرة، كأنها ليلة قمرة12 قيل: فأي النساء
__________
1 أثارت الغبار في مشيتها
2 أحدت صوبها.
3 أي حاملة لها على وركها.
4 أي هي مئناث.
5 الأسوق: الطويل الساق، والأعنق: الطويل العنق.
6 أفعل من فسل: ككرم وعلم وعني فسالة فهو فسل، أي رذل لا مروءة له.
7 الأويقص: تصغير أوقص، وهو الذي يدنو رأسه من صدره.
8 ما تحوي من الأمعاء أي استدار.
9 الندب: الخفيف في الحاجة الظريف النجيب، والأريب: العاق.
10 الأهيف وصف من الهيف بالتحريك، وهو رقة الخاصرة، والقميص الهفهاف، أي الرقيق الشفاف.
11 الأوره: الأحمق من وره كفرح.
12 ليلة قمرة وقراء ومقمرة: فيها القمر.
(1/69)

أبغض إليك؟ قالت: العنقص1 القصيرة، التي إن استنطقتها سكتت، وإن سكت عنها نطقت".
"ذيل الأمالي ص 120".
وقال لها أبوها يومًا: أي المال خير؟ قالت: "النخل، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل2" قال: وأي شيء؟ قالت: "الضأن: قرية لا وباء بها. تنتجها رخالًا3، وتحلبها علالًا4، وتجز لها جفالًا5، ولا أرى مثلها مالًا" قال: فالإبل مالك توخرينها؟ قالت: "هي أذكار الرجال، وإرقاء الدماء، ومهور النساء" قال: فأي الرجال خير؟ قالت:
خير الرجال المرهقون كما
خير تلاع البلاد أوطؤها6
قال: أيهم؟ قالت: "الذي يسأل ولا يسأل، ويضيف ولا يضاف، ويصلح ولا يصلح". قال: فأي الرجال شر؟ قالت:"الثصيط النطيط7 الذي معه سويط8، الذي يقول أدركوني من عبد بني فلان، فإني قاتله أو هو قاتلي". قالت: فأي النساء خير؟ قالت: "التي في بطنها غلام، تحمل على وركها غلامًا، يمشي وراءها غلام" قال: فأي الجمال خير؟ قالت: "السبحل الربحل9، الراحلة الفحل". قال:
__________
1 العنقص: المرآة البذيئة القليلة الحياء، والقليلة الجسم الكثيرة الحركة.
2 المحل: الشدة والجدب وانقطاع المطر.
3 الرخال جمع رخل كمحل وكتف، وهو الأنثى من أولاد الضأن.
4 يقال عاللت الناقة، وهو أول تحلب أول النهار ووسطه وآخره، والاسم علال ككتاب.
5 الجفال: الكثير من الصوف.
6 المرهق: من يغشاه الناس والأضياف.
7 الثطيط: الذي لا لحية له، والنطيط: الهذريان "بكسر الهاء والراء" وهو الكثير الكلام يأتي بالخطأ والصواب عن غير معرفة.
8 تصغير سوط.
9 السبحل والربحل: البعير الضخم الكثير اللحم.
(1/70)

أرأيتك الجذع1، قالت: لا يضرب، ولايدع، قال: أرأيتك الثني2 قالت: يضرب، وضرابه وفي3، قال: أرأيتك السدس4، قالت: ذاك العرس5.
"ذيل الأمالي ص 108".
وقيل لها: أي الخيل أحب إليك؟ قالت: "ذو الميعة الصنيع6، السليط التليع7، الأيد الضليع8 الملهب9 السريع" فقيل لها: أي الغيوث أحب إليك؟ قالت: "ذو الهيدب المنبعق10، الأضخم المؤتلق11 الصخب المنبثق12" وقيل لها: ما مائة من المعز؟ قالت: موبل يشف الفقر من ورائه، مال الضعيف، وحرفة العاجز" قيل: فما مائة من الضأن؟ قالت "قرية لاحمى بها" قيل: فما مائة الإبل؟ قالت: "بخ 13، جمال ومال، ومنى الرجال". قيل: فما مائة من الخيل؟ قالت:
__________
1 أرأيتك: كلمة تقولها العرب بمعنى أخبرني: البعير إذا كان في السنة الخامسة.
2 البعير إذا كان في السادسة وألقى ثنيته.
3 قال أبو علي: الصواب أني أي بطيء.
4 السدس: البعير إذا كان في الثامنة.
5 العرس: الأسد.
6 ماع الفرس يميع: جرى، وصنعة الفرس: حسن القيام عليه، صنعت فرسي صنعًا وصنعة "بفتح الصاد فيهما" والصنيع ذلك الفرس.
7 السليط: الشديد، والحديد من كل شيء، والتليع: الطويل العنق من التلع بفتحتين وهو طول العنق.
8 الأيد ككيس: القوي، من آد يئيد أيدًا أي قوي واشتد، والضليع وصف من ضلع كفصح ضلاعة، وهي القوة وشدة الأضلاع.
9 هو الذي يجتهد في عدوه حتى يثير الغبار، من ألهب.
10 الهيدب: السحاب المتدلي، والمنبعق: المنبعج بالمطر.
11 الضخم: كشمس وسبب وأحمد وغراب: العظيم من كل شيء، وائتلق البرق وتألق: لمع.
12 الصخب: وصف من الصخب كسبب وهو شدة الصوت، والمنبثق: المتفجر.
13 بخ كقد: أي عظم الأمر وفخم، تقال وحدها وتكرر، بخٍ بخْ الأول منون مكسور، والثاني مسكن، ويقال في الإفراد: بخ ساكنة الخاء، وبخ مكسورة، وبخ منونة مضمومة، ويقال بخ بخ مسكنين، وبخ بخ منونين مكسورين، وبخ بخ مكسورين مشددين منونين كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشيء.
(1/71)

"طغى من كانت له ولا يوجد" قيل: فما مائة من الحمر؟ قالت: عازبة1 الليل، وخزي المجلس، لا لبن فيحلب، ولا صوف فيجز، إن ربط عيرها2 أدلى، وإن ترك ولى، وقيل لها: من أعظم الناس في عينك؟ قالت: "من كانت لي إليه حاجة".
"سرح العيون ص184".
وقالت: "أخبث الذئاب ذئب الغضا3، وأخبث الأفاعي أفعى الجدب، وأسرع ظباء الحلب4، وأشد الرجال الأعجف5، وأجمل النساء الفخمة الأسيلة6، وأقبح النساء الجهمة القفرة7، وآكل الدواب الرغوث8، وأطيب اللحم عوذه9، وأغلظ المواطئ الحصى على الصفا، وشر المال مالًا يزكى10 ولا يذكي11، وخير المال سكة مأبورة12، أو مهرة مأمورة13".
"مجمع الأمثال 1: 174".
__________
1 يقال جمل عازب: أي لا يروح على الحي من العزوب: وهو الغيبة والذهاب، وقولها: خزى المجلس، أي بما تحدثه من النهيق المزعج والإدلاء.
2 العير: الحمار "وغلب على الوحشي"، وأدلى: أي أخرج قضيبه ليبول أو يضرب.
3 الغضا: شجر له جمر يبق طويلًا.
4 الحلب: نبت، قال حمزة: "العرب تسمى ضروبًا من البهائم بضروب من المراعي تنسبها إليها؛ فيقولون: ظبي الحلب، وتيس الربلة "والربل محركة نبات شديد الخضرة"، وشيطان الحماطة "والحماطة كسحابة: شجر شبيه بالتين، أحب شجر إلى الحيات".. إلخ وذلك كله على قدر طباع الأمكنة والأغذية العاملة في طباع الحيوان.
5 من العجف بالتحريك وهو ذهاب السمن.
6 الطويلة المسترسلة.
7 الجهمة: مؤنث الجهم وهو الوجه الغليظ المجتمع السمج، والفقرة: القليلة الفقر بالتحريك: أي الشعر.
8 الرغوث: كل مرضعة كالمرغث.
9 ما عاذ بالعظم من اللحم.
10 زكى كرضى نما وزاد كزكا يزكو.
11 ذكى تذكية: سمن وبدن "بضم الدال".
12 السكة: السطر من النخل، والمأبورة: المصلحة، من أبرت النخل آبره إذا لقحته وأصلحته.
13 مأمورة: أي كثيرة الولد، من آمرها الله أي كثرها، وكان ينبغي أن يقال مؤمرة، ولكنه أتبع مأبورة -اقرآ كتاب بلاغات النساء ص57 فصلًا طويلًا في كلام هند بنت الخس وأختها جمعة.
(1/72)

46- خطبة كعب بن لؤي:
وخطب كعب بن لؤي "وهو الجد السابع للنبي صلى الله عليه وسلم" فقال:
"اسمعوا وعوا، وتعلموا تعلموا، وتفهموا تفهموا، ليل ساج1، ونهار صاج2، والأرض مهاد، والجبال أوتاد، والأولون كالآخرين، كل ذلك إلى بلاء، فصلوا أرحامكم، وأصلحوا أحوالكم؛ فهل رأيتم من هلك رجع، أو ميتًا نشر، الدار أمامكم، والظن خلاف ما تقولون، زينوا حرمكم وعظموا، وتمسكوا به ولا تفارقوه، فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم، ثم قال:
نهار وليل واختلاف حوادث ... سواء علينا حلوها ومريرها
يئوبان بالأحداث حتى تأوبا ... وبالنعم الضافي علينا ستورها3
صروف وأنباء تقلب أهلها ... لها عقد ما يستحيل مريرها
على غفلة يأتي النبي محمد ... فيخبر أخبارًا صدوقًا خبيرها
ثم قال:
يا ليتني شاهد فحواء دعوته ... حين العشيرة تبغي الحق خذلانا4
"صبح الأعشى 1: 112".
__________
1 الساجي: الساكن والدائم
2 لعله ضاج من ضج القوم صاحوا وأجلبوا.
3 التأوب الرجوع.
4 فحوى الكلام وفحواؤه معناه ومذهبه.
(1/73)

47- خطبة هاشم بن عبد مناف:
يحث قريشًا على إكرام زوار بيت الله الحرام.
كأن هاشم بن عبد مناف يقوم أول نهار اليوم الأول من ذي الححة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها، فيخطب قريشًا، فيقول:
"يا معشر قريش، أنتم سادة العرب، أحسنها وجوهًا، وأعظمها أحلامًا، وأوسطها1 أنسابًا، وأقربها أرحامًا. يا معشر قريش، أنتم جيران بيت الله، أكرمكم بولايته، وخضكم بجواره، دون بني إسماعيل، وحفظ منكم أحسن ما حفظ جار من جاره؛ فأكرموا ضيفه، وزوار بيته؛ فإنهم يأتونكم شعثًا2 غبرًا من كل بلد، فورب هذه البنية3، لو كان لي مال يحمل ذلك لكفيتكموه، ألا وإني مخرج من طيب مالي وحلاله، ما لم يقطع فيه رحم، ولم يؤخذ بظلم، ولم يدخل فيه حرام، فواضعه؛ فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك، وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج رجل منكم من ماله، لكرامة زوار بيت الله ومعونتهم إلا طيبًا، لم يؤخذ ظلمًا، ولم يقطع فيه رحم، ولم يغتصب".
"شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3. 458".
__________
1 خيرهم: الوسط من كل شيء أعدله "قال أوسطهم ... {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} ".
2 جمع أشعث: وهو ملبد الشعر مغبر.
3 الكعبة: والبنية بكسر الباء وضمها وسكون النون ما بنيته.
(1/74)

48- خطبة هاشم بن عبد مناف في قريش وخزاعة:
تنافرت قريش وخزاعة1 إلى هاشم بن عبد مناف، فخطبهم بما أذعن له الفريقان بالطاعة؛ فقال في خطبته:
"أيها الناس، نحن آل إبراهيم، وذرية إسماعيل، وبنو النضر بن كنانة2 وبنو قصي بن كلاب، وأرباب مكة، وسكان الحرم، لنا ذروة الحسب، ومعدن المجد، ولكل في كل حلف3 يجب عليه نصرته، وإجابة دعوته، إلا ما دعا إلى عقوق عشيرته، وقطع رحم، يا بني قصي: أنتم كغصني شجرة أيهما كسر أوحش صاحبه، والسيف لا يصان إلا بغمده، ورامي العشيرة يصيبه سهمه، ومن أحكمه4 اللجاج أخرجه إلى البغي.
أيها الناس: الحلم شرف، والصبر ظفر، والمعروف كنز، والجود سؤدد، والجهل سفه، والأيام دول، والدهر غير5، والمرء منسوب إلى فعله، ومأخوذ بعمله، فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، ودعوا الفضول تجانبكم السفهاء، وأكرموا الجليس يعمر ناديكم، وحاموا الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم، وعليكم
__________
1 خزاعة: حي في الأزد، سموا بذلك؛ لأنهم تخزعوا عن قومهم "أي تخلفوا عنهم وانقطعوا" إقبالهم من اليمين. وذلك أنه لما تفرقت الأزد من اليمين في البلاد نزل بنو مازن على ماء بين زبيد وزمع، وأقبل بنو عمرو بن عامر فانخزعوا عن قومهم فنزلوا مكة.
2 النضر: الجد الثاني عشر للنبي صلى الله عليه وسلم، وقصي الجد الرابع.
3 الحلف: في العهد بين القوم والصداقة، والصديق يحلف لصاحبه أن لا يغدر به، وقوله "لكل في كل" أي لكل في صاحبه صديق يجب عليه نصرته.
4 أغضبه.
5 أي ذو غير، وغير الدهر: أحداثه المغيرة، جمع غيرة بالكسر، أو مفرد وجمعه أغيار.
(1/75)

بمكارم الأخلاق فإنها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنية فإنها تضع الشرف، وتهدم المجد، وإن نهنهة1 الجاهل أهون من جريرته2، ورأس العشيرة يحمل أثقالها، ومقام الحليم عظة لمن انتفع به".
فقالت قريش: "رضينا بك أبا نضلة" وهي كنيته.
"بلوغ الأرب 1: 322".
__________
1 نهنهة عن الأمر: كفه وزجره.
2 في الأصل "حزيرته" وفي كتب اللغة: "حزره المال، وحزيرته: خياره" ولا معنى لها هنا، وأرى أنها مصحفة عن "جريرته".
(1/76)

49- خطبة عبد المطلب بن هاشم:
يهنئ سيف بن ذي يزن باسترداد ملكه من الحبشة.
لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة، أتته وفود العرب وأشرافها وشعراؤها تهنئه وتمدحه، ومنهم وفد قريش، وفيهم عبد المطلب بن هاشم؛ فاستأذنه في الكلام فأذن له، فقال:
"إن الله تعالى -أيها الملك- أحلك محلًّا رفيعًا، صعبًا منيعًا، باذخًا1 شامخًا، وأنبتك منبتًا طابت أرومته2، وعزت جرثومته3، وثبت أصله، وبسق4 فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موطن، فأنت -أبيت اللعن- رأس العرب وربيعها الذي به تخصب، وملكها الذي به تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها5 الذي إليه يلجأ العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا بعدهم خير خلف، ولن يهلك من أنت
__________
1 عليًا، من بذخ بذخًا كفرح.
2 أرومة: بالصم والفتح أي أصل.
3 أصله أيضًا.
4 علا وطال.
5 الملجأ.
(1/76)

خلفه، ولن يخمل من أنت سلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وذمته، وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجك بكشف الكرب الذي فجحنا1، فنحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة2".
"العقد الفريد 1:107، وأبناء نجباء الأبناء ص 11".
__________
1 أثقلنا.
2 رزأه ماله: كجعل وعلم أصاب شيئًا رزءًا، كارتزأه ماله، ورزاه رزءًا ومرزئة أصاب منه خيرًا: أي لسنا وافدين للعطاء.
(1/77)

50- خطبة أبي طالب:
في زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة
خطب أبو طالب حين زواج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة فقال:
"الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم، وذرية إسماعيل، وجعل لنا بلدًا حرامًا، وبيتًا محجوجًا، وجعلنا الحاكم على الناس، ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه: برًا وفضلًا، وكرمًا وعقلًا، ومجدًا ونبلًا1، وإن كان في المال قل2؛ فإنما المال ظل زائل، وعارية3 مسترجمة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعلي".
"صبح الأعشى1" 213، وإعجاز القرآن 126، وتهذيب الكامل 1: 4، والسيرة الحلبية 1: 133".
__________
1 ذكاء ونجابة.
2 قلة.
3 ما يستعار، مشددة وقد تخفف.
(1/77)

خطبة الكهان
الكاهن الخزاعي ينفر هاشم بن عبد مناف
...
خطب الكهان:
51- الكاهن الخزاعي ينفر هاشم بن عبد مناف على أمية بن عبد شمس:
ولي هاشم بعد أبيه عبد مناف، ما كان إليه من السقاية والرفادة1، فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف على رياسته وإطعامه، وكان ذا مال؛ فتكلف أن يصنع صنيع هاشم؛ فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش؛ فغضب ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره؛ فلم تدعه قريش حتى نافره على خمسين ناقة سود الحدق ينحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين؛ فرضي بذلك أمية، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي -وهو جد عمرو بن الحمق، ومنزله بعسفان2، وكان مع أمية همهمة بن عبد العزى الفهري، وكانت ابنته عند أمية؛ فقال الكاهن:
"والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم3 مسافر، من منجد وغائر4، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، أو منه وآخر، وأبو همهمة بذلك خابر".
__________
1 السقاية: هي إسقاء الحجيج الماء العذب، والرفادة: خرج كانت تخرجه قريش في كل موسم من أموالها، فتدفعه إليه؛ فيصنع به طعامًا للحاج يأكله من لم يكن له سعة ولا زاد.
2 عسقان: موضع على مرحلتين من مكة.
3 العلم: ما نصب في الطريق يهتدي به.
4 أنجد: أتى نجدًا، وغار وأغار: أتى غورًا.
(1/78)

فقضى لهاشم بالغلبة، وأخذ هاشم الإبل؛ فنحرها وأطعمها، وغاب أمية عن مكة بالشام عشر سنين؛ فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية.
"تاريخ الكامل لابن الأثير 2: 6، والسيرة الحلبية 1: 4، وتاريخ الطبري 2: 180".
(1/79)

52- عوف بن ربيعة الأسدي يتكهن بمقتل حجر بن الحارث:
كان حجر بن الحارث "أبو امرئ القيس" ملك بني أسد، وكان له عليهم إتاوة1 كل سنة لما يحتاج إليه؛ فبقي كذلك دهرًا، ثم بعث إليهم من يجبي ذلك منهم، وحجر يومئذ بتهامة؛ فطردوا رسله وضربوهم؛ فبلغ ذلك حجرًا، فسار إليهم، فأخذ سرواتهم2 وخيارهم، وجعل يقلتهم بالعصا "فسموا عبيد العصا" وأباح الأموال وصيرهم إلى تهامة، وحبس جماعة من أشرفهم منهم عبيد بن الأبرص الشاعر؛ فقال شعرًا يستعطفه فيه، ومنه قوله
أنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامه
فرق لهم وعفا عنهم، وردهم إلى بلادهم؛ فلما صاروا على مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم وهو عوف بن ربيعة بن عامر الأسدي؛ فقال لهم: يا عبادي، قالوا: لبيك ربنا؛ فقال: "من الملك الصلهب3، الغلاب غير المغلب4، في الإبل كأنها الربرب5، لا يقلق رأسه الصخب، هذا دمه ينثعب6، وهو غدًا أول من يستلب" قالوا: ومن هو؟ ربنا. قال: "لولا تجيش7 نفس جاشية، لأخبرتكم أنه حجر ضاحية8".
__________
1 خراج.
2 سروات جمع سراة بالفتح: وهي اسم جمع سرى كغنى من سرو سروا وهو المروءة في شرف.
3 حجر صلب: شديد صلب، والصلهب أيضا: الشديد من الإبل، والرجل الطويل، وفي الشعر والشعراء والأغاني "الأصهب" ومن معانيه الأسد.
4 المغلب: المغلوب مرارًا "وهو أيضًا المحكوم له بالغلبة. ضد".
5 الربرب: القطيع من بقر الوحوش.
6 يتفجر.
7 جاشت النفس وتجيشت: ارتفعت من حزن أو فزع.
8 علانية، يقال فعله ضاحية: أي علانية.
(1/79)

فركبوا كل صعب وذلول، حتى بلغوا عسكر حجر، فهجموا عليه في قبته فقتلوه.
"تاريخ الكامل لابن الأثير 1: 183، والشعر والشعراء، ص 31، والأغاني 8: 63".
(1/80)

كاهن بن الحارث بن كعب يحذرهم غزو بني تميم
...
53- كاهن بني الحارث بن كعب يحذرهم غزو بنى تميم:
كان بنو تميم قد أغاروا على لطيمة1 لكسرى، فيها مسك وعنبر وجوهر كثير؛ فأوقع كسرى بهم، وقتل المقاتلة، وبقيت أموالهم وذراريهم في مساكنهم لا مانع لها وبلغ ذلك بني الحارث بن كعب من مذحج؛ فمشى بعضهم إلى بعض، وقالوا اغتنوا بني تميم؛ فاجتمعت بنو الحارث وأحلافها من زيد وحزم بن ريان في عسكر عظيم، وساروا يريدون بني تميم؛ فحذرهم كاهن كان مع الحارث واسمه سلمة بن المغفل، وقال:
"إنكم تسيرون أعقابًا2، وتغزون أحبابًا3، سعدًا وربابًا، وتردون مياهًا جبابًا4، فتلقون عليها ضرابًا، وتكون غنيمتكم ترابًا5، فأطيعوا أمري ولا تغزوا تميمًا" ولكنهم خالفوه وقاتلوا بني تميم، فهزموا هزيمة نكراء.
"تاريخ الكامل لابن الأثير 1: 227، والأغاني 15: 70".
__________
1 اللطيمة: العير تحمل الطيب وبز التجار.
2 أي يسير بعضكم بعض، فريقًا في إثر فريق. وقد ذكر ابن الأثير أنهم كانوا نحو ثمانية آلاف، ولا يعلم في الجاهلية جيش أكثر منه ومن جيش كسرى بذي قار ومن يوم جبلة. وروى أبو الفرج الأصبهاني أنه اجتمع من مذحج ولفها اثنا عشر ألفًا.
3 هذه الفاصلة والفاصلتان قبلها، وردت في الأصل محرفة هكذا: "إنكم تسيرون أعيانًا، وتغزون أحيانًا، سعدًا وريانًا".
4 الجباب والأجياب جمع جب: وهو البئر الكثيرة الماء البعيدة القمر.
5 أورد صاحب الأغاني من هذه الفقر الست، الفقرة الأولى والرابعة والسادسة، وعزاها إلى المأمور الحارثي وهو كاهن أيضًا.
(1/80)

54- أحد كهان اليمن يفصل في أمر هند بنت عتبة:
كان الفاكه بن المغيرة المخزومي أحد فتيان قريش، وكان قد تزوج هند بنت عتبة، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس فيه بلا إذن؛ فقال1 يومًا في ذلك البيت، وهند معه، ثم خرج عنها وتركها نائمة؛ فجاء بعض من كان يغشى البيت؛ فلما وجد المرأة نائمة ولى عنها، فاستقبله الفاكه بن المغيرة، فدخل على هند وأنبها، وقال: من هذا الخارج من عندك؟ قالت: والله ما انتبهت حتى أنبهتني، وما رأيت أحدًا قط، قال: الحقي بأبيك، وخاض الناس في أمرهم؛ فقال لها أبوها: يابنية العار2 وإن كان كذبًا، بثيني شأنك، فإن كان الرجل صادقًا دسست عليه من يقتله، فيقطع عنك العار، وإن كان كاذبًا حاكمته إلى بعض كهان اليمن، قالت: والله يا أبت إنه لكاذب، فخرج عتبة فقال: إنك رميت ابنتي بشيء عظيم، فإما أن تبين ما قلت، وإلا فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، قال: ذلك لك، فخرج الفاكه في جماعة من رجال قريش، ونسوة من بني مخزم، وخرج عتبة في رجال ونسوة من بني عبد مناف؛ فلما شارفوا بلاد الكاهن تغير وجه هند، وكسف بالها، فقال لها أبوها: أي بنية، ألا كان هذا قبل أن يشتهر في الناس خروجنا؟ قالت: يا أبت والله ما ذلك لمكروه قبلي، ولكنكم تأتون بشرًا يخطئ ويصيب، ولعله أن يسمني بسمة تبقى على ألسنة العرب؛ فقال لها أبوها: صدقت، ولكني سأخبره لك، فصفر بفرسه؛ فلما أدلى عمد إلى حبة بر، فأدخلها في إحليله، ثم أوكى3 عليها وسار، فلما نزلوا على الكاهن أكرمهم ونحر لهم، فقال له عتبة: إنا أتيناك في أمر، وقد خبأنا لك خبيئة، فما هي؟ قال: برة في
__________
1 قال قيلًا وقائلة وقيلولة ومقيلًا: نام في القائلة وهي نصف النهار.
2 أي اتق العار.
3 الوكاء ككتاب: حبل يشد به رأس القربة، ووكاها وأوكاها وأوكى عليها شد فمها بالوكاء.
(1/81)

كمرةٍ1، قال: أريد أبين من هذا، قال: "حبة بر، في إحليل مهر" قال: صدقت؛ فانظر في أمر هؤلاء النسوة؛ فجعل يمسح رأس كل واحدة منهن، ويقول: قومي لشأنك، حتى إذا بلغ هند مسح يده على رأسها وقال: "انهضي غير رقحاء2 ولا زانية، وستلدين ملكًا يسمى معاوية".
فلما خرجت أخذ الفاكه بيدها؛ فنثرت يده من يدها، وقالت: إليك عني، ولله لأحرصن أن يكون ذلك الولد من غيرك، فتزوجها أبو سفيان، فولدت له معاوية.
"العقد الفريد 3: 224 وصبح الأعشى 1: 398، وشرح ابن أبي الحديد م1 ص111".
__________
1 الكمرة: رأس الذكر.
2 الرقحاء: البغي التي تكتسب بالفجور، من الرقاحة كفصاحة وهو الكسب والتجارة، هذا ما ورد في ابن أبي الحديد، وفي غيره "رسحاء" والرسحاء: القبيحة، والرسحاء أيضًا: القليلة لحم العجز والفخذين والأول أنسب.
(1/82)

55- خمسة نفر من طيئ يمتحنون سواد بن قارب الدوسي:
خرج خمسة نفر من طيئ من ذوي الحجا والرأي، منهم برج من مسهر، وهو أحد المعمرين. وأنيق بن حارثة بن لأم، وعبد الله بن سعد بن الحشرج أبو حاتم طيئ، وعارف الشاعر، ومرة بن عبد رضى، يريدون سواد بن قارب الدوسي، ليمتحنوا علمه؛ فلما قربوا من السراة، قالوا: ليخبأ كل رجل منا خبيئًا، ولايخبره به صاحبه، ليسأله عنه؛ فإن أصاب عرفنا علمه، وإن أخطأ ارتحلنا عنه، فخبأ كل رجل منهم خبيئًا، ثم صاروا إليه، فأهدوا له إبلًا وطرفًا من طرف الحيرة، فضرب عليهم قبه، وتحر لهم؛ فلما مضت ثلاث دعا بهم، فدخلوا عليه.
فتكلم برج -وكان أسنهم- فقال: "جادك السحاب، وأمرع لك الجناب1
__________
1 أمرع: أخصب، والجناب: ما حول الدار.
(1/82)

وضفت عليك النعم الرغاب1، نحن أولو الآكال2، والحدائق والأغيال3، والنعم الجفال4، ونحن أسهار الأملاك، وفرسان العراك -يوري عنهم أنهم من بكر بن وائل-".
فقال سواد: "والسماء والأرض، والغمر والبرض5، والقرض والفرض6، إنكم لأهل الهضاب الشم، والنخيل العم7، والصخور الصم، من أجأ العيطاء، وسلمى ذات الرقبة السطعاء8".
قالوا: إنا كذلك، وقد خبأ لك كل رجل منا خبئًا؛ فتخبرنا باسمه وخبيئه؛ فقال لبرج: أقسم بالضياء والحلك9، والنجوم والفلك، والشروق والدلك10، لقد خبأت برثن فرخ11، في إعليط مرخ12، تحت آسرة الشرخ13" قال: ما أخطأت شيئًا؛ فمن أنا؟ قال: أنت برج بن مسهر، عصرة الممعر14، وثمال المحجر15".
__________
1 الضافي: السابغ الكثير، ويقال: خير فلان ضاف على قومه: أي سابغ عليهم، والرغاب: الواسعة الكثيرة جمع رغيبة.
2 الآكل: جمع أكل "كقفل وعنق" الرزق والحظ من الدنيا.
3 الأغيال جمع غيل كشمس: وهو الماء الجاري على وجه الأرض.
4 الجفال: الكثيرة.
5 الغمر: الماء الكثير، ويقال: رجل غمر الخلق إذا كان واسع الخلق سخيًّا، والبرض: الماء القليل، ويقال فلان يتبرض حقه. أي يأخذه قليلًا قليلًا.
6 القرض: ما تعطيه لتقضاه، والفرض: ما فرضته على نفسك فوهبته أوجدت به لغير ثواب.
7 الشم: الطوال، وكذا العم.
8 أجأ وسلمى: جبلا طيئ، والعيطاء: الطويلة، وكذا السطعاء.
9 الحلك: شدة السواد.
10 دلكت الشمس دلوكًا: غربت أو اصفرت، والدلك وقت الدلوك.
11 البرثن: ظفر كل ما لا يصيد من السباع والطير مثل الحمام والضب والفأرة فإذا كان مما يصيد، قيل لظفره مخلب.
12 المرخ: شجر تقدح منه النار، والإعليط: وعاء ثمر المرخ، والعرب تشبه به آذان الخيل.
13 الآسرة والإسار: القد الذي يشد به خشب الرحل، وشرخًا الرحل جانباه.
14 الممعر: الذي ذهب ماله، والعصرة: الملجأ والمنجاة.
15 الثمال: الغياث الذي يقوم بأمر قومه، والمحجر: الملجأ "بصبغة اسم المفعول" المضيق عليه.
(1/83)

ثم قام أنيف بن حارثة؛ فقال: ما خبيئي وما اسمى؟ فقال: "والسحاب والتراب، والأصباب والأحداب1 والنعم والكتاب2، لقد خبأت قطامة فسيط3، وقذة مريط4، في مدرة من مدى مطيط5" قال: ما أخطأت شيئًا؛ فمن أنا؟ قال: أنت أنيف، قاري الضيف، ومعمل السيف، وخالط الشتاء بالصيف".
ثم قام عبد الله بن سعد. فقال: ما خبيئي وما اسمى؟ فقال سواد: "أقسم بالسوام العازب6، والوقير الكارب7: والمجد الراكب، والمشيح الحارب8، لقد خبأت نفاثة فنن9، في قطيع قد مرن10، أو أديم قد جرن". قال: ما أخطأت حرفًا فمن أنا؟ قال: أنت ابن سعد النوال، عطاؤك سجال11، وشرك عضال، وعمدك طوال، وبيتك لا ينال".
ثم قام عارف؛ فقال: ما خبيئي وما اسمي؟ قال سواد: "أقسم بنفنف اللوح12
__________
1 الأصباب: جمع صبب كسبب: وهو ما انخفض من الأرض، والأحداب: جمع حدب كسبب أيضًا: وهو ما علا.
2 الكثيرة.
3 القطامة: ما قطمته بفيك، والقطم بأطراف الأسنان، والفسيط: قلامة الظفر.
4 القذة، الريشة، والمريط من السهام: الذي قد تمرط ريشه أي نتف.
5 المدرة: قطعة طين يابسة، والمدى: جدول صغير يسيل فيه ما هريق من ماء البئر، والمطيطة: الماء الخاثر في أسفل الحوض.
6 السوام: المال الراعي من الإبل، والعازب: البعيد.
7 الوقير: القطيع من الغنم، والكارب: القريب.
8 المشيح: الجاد، في لغة هذيل، وفي غيرها الحاذر، والحارب: السالب حربه حربًا كطلبه طلبًا: سلبه ماله.
9 النفاثة: ما تنفثه من فيك، والفنن: واحد أفنان الأشجار وهي أغصانها.
10 القطيع: ما يقطع من الشجر: ومرن وجرن: لان.
11 أي متداول بين الناس، لكل فريق منه نصيب.
12 النفنف واللوح واحد، وهما الهواء؛ وإنما أضاف لما اختلف اللفظان؛ فكأنه أضاف الشيء إلى غيره.
(1/84)

والماء المسفوح1، والفضاء المندوح2، لقد خبأت زمعة طلًا أعفر3، في زعنفة4 أديمٍ أحمر، تحت حلس نضو أدبر5" قال: ما أخطأت شيئًا؛ فمن أنا؟ قال: "أنت عارف ذو اللسان العضب، والقلب الندب6 والمضاء الغرب7، مناع السرب8 ومبيح النهب".
ثم قام مرة بن عبد رضًى؛ فقال: ما خبيئي وما اسمي؟ فقال سواد: "أقسم بالأرض والسماء، والبروج والأنواء9، والظلمة والضياء، لقد خبأت دمة10، في رمة11، تحت مشيط لمة12". قال: ما أخطأت شيئًا؛ فمن أنا؟ قال: أنت مرة، السريع الكرة، البطيء الفرة، الشديد المرة13".
قالوا: فأخبرنا بما رأينا في طريقنا إليك؛ فقال: "والناظر من حيث لا يرى والسامع قبل أن يناجى، والعالم بما لا يدري، لقد عنت لكم عقاب عجزاء14، في شغانيب15 دوحة جرداء، تحمل جدلًا16، فتماريتم17 إما يدًا وإما رجلًا"؛ فقالوا. كذلك، ثم مه؟ قال: "سنح لكم قبل طلوع الشرق 18، سيد أمق19،
__________
1 المصبوب.
2 الواسع.
3 الطلا: ولد الظبي ساعة يولد، والصغير من كل شيء، والأعفر من الظباء ما يعلو بياضه حمرة، والزمعة: الشعرات المتدليات في رجل الأرنب.
4 زعانف الأديم: أطرافه مثل اليدين والرجلين، ومالًا خير فيه جمع زعنفة بكسر الزاي والنون، ومنه قيل لرذال الناس الزعانف.
5 الحلس للبعير كالبرذعة للحافر، والنضو: المهزول من الإبل وغيرها، والأدبر: الذي أصابه البر "بالتحريك" وهو قرحة الدابة.
6 الذكي.
7 الحد.
8 السرب بالفتح: الماشية كلها، وبالكسر القطيع من الطباء والنساء وغيرها.
9 الأنواء: جمع نوء "كسهم" النجم: مال للغروب.
10 الدمة: القملة.
11 الرمة: العظام البالية.
12 اللمة: الشعر المجاوز شحمة الأذن، والمشيط: الممشوط.
13 المرة: القوة.
14 العجزاء: التي ابيض ذنبها، "وفي غير هذا الموضع: التي كبرت عجيزتها".
15 الشغانيب جمع شغنوب كعصفور وهو الغصن الناعم الرطب، والدوحة: الشجرة العظيمة.
16 الجدل: العضو وجمعه جدول.
17 تجادلتم.
18 الشرق: الشمس، والعرب تقول لا أفعل ذلك ما طلع شرق، وشرقت الشمس: طلعت، وأشرقت: أضاءت.
19 السيد: الذئب والأمق: الطويل.
(1/85)

على ماء طرق1" قالوا: ثم ماذا؟ قال: "ثم تيس أفرق2، سند في أبرق3؛ فرماه الغلام الأزرق، فأصاب بين الوابلة4 والمرفق". قالوا: صدقت، وأنت أعلم من تحمل الأرض، ثم ارتحلوا عنه.
"الأمالي 2: 292".
__________
1 الطرق: الماء الذي بولت فيه الإبل، يقال: ماء طرق ومطروق.
2 الأفرق من الشاه: البعيد ما بين خصييه.
3 سند في الجليل: صعد، والأبرق والبرقاء والبرقة كفرصة: غلظ من الأرض فيه حجارة ورمل، وجبل أبرق: إذا كان فيه لونان.
4 الوايلة: رأس العضد الذي يلي المنكب.
(1/86)

حديث مصاد بن مذعور القيني
...
56- حديث مصادر بن مذعور القيني:
كان مصاد بن مذعور القيني رئيسًا، قد أخذ مرباع1 قومه دهرًا، وكان ذا مال، فند ذود2 من أذواد له، فخرج في بغائها3، قال: فإني لفي طلبها، إذ هبطت واديًا شجيرًا4 كثيف الظلال، وقد تفسخت أينًا5، فأنخت راحلتي في ظل شجرة، وحططت رحلي، ورسغت6 بعيري، واضطجعت في بردي؛ فإذا أربع جوار، كأنهن اللآلي، يرعين بهما لهن؛ فلما خالطت عيني السنة، أقبلن حتى جلسن قريبًا مني، وفي كف كل واحدة منهن حصيات تقلبهن، فخطت إحداهن ثم طرقت7، فقالت: "قلن يا بنات عراف، في صاحب الجمل النياف8، والبرد الكثاف9، والجرم10 الخفاف11"، ثم طرقت الثانية، فقالت:
__________
1 المرباع: ربع الغنيمة، وكان يختص به الرئيس في الجاهلية.
2 زد: شرد، والذود: ثلاثة أبعرة إلى العشرة، أو خمسة عشر، أو عشرون، أو ثلاثون.
3 طلبها.
4 كثير الشجر.
5 تعبًا وكلالًا.
6 شددت رسغه.
7 الطرق: ضرب الكاهن بالحصى.
8 جعل نياف ككتاب وشداد: طويل في ارتفاع.
9 الكثيف.
10 الجسد.
11 الخفيف.
(1/86)

"مضل أذواد علاكد1، كوم صلاخد2، منهن ثلاث مقاحد3، وأربع جدائد4، شسف صمارد5"، ثم طرقت الثالثة فقالت: "رعين الفرع6، ثم هبطن الكرع7، بين العقدات والجرع8"؛ فقالت الرابعة: "ليهبط الغائط الأفيح9، ثم ليظهر في الملا الصحصح10، بين سدير وأملح11؛ فهناك الذود رتاع بمنعوج الأجرع" قال: فقمت إلى جملي فشدده عليه رحله وركبت، ووالله ما سألتهن من هن ولا ممن هن؟ فلما أدبرت، قالت إحداهن: "أبرح 12 فتًى إن جد في طلب؛ فماله غيرهن نشب13، وسيثوب عن كثب14؛ ففزع قلبي والله قولها؛ فقلت: وكيف هذا، وقد خلفت بوادي عرجًا عكاسًا15؟ فركبت السمت16 الذي وصف لي، حتى انتهيت إلى المواضع؛ فإذا ذودي روائع، فضربت أعجازهن،
__________
1 أضل دابته: فقدها، والعلاكد: الصلاب الشداد جمع علكد كجعفر وزبرج وقنفذ.
2 بعير أكوم، وناقة كوماء: عظيمة السنام والجمع كوم، والصلاخد: العظام الشداد، واحدهما صلاخد بالضم.
3 المقاحد جمع مقحاد، وهي الغليظة السنام "والقحدة كرقبة: السنام أو أصله".
4 الجدائد جمع جدود كصبور: وهي التي انقطع لبنها.
5 شسف جمع شاسف: وهو اليابس ضمرًا وهزالًا، والصمارد جمع صمرد كزبرج: القليلة اللبن.
6 الفرع جمع فرعة وهي أعلى الجبل.
7 الكرع: ماء السماء ينزل فيستنقع، وسمي كرعًا لأن الماشية تكرع فيه.
8 العقدات جمع عقدة: وهي ما تعقد من الرمل، والجزع جمع جرعة بالسكون ويحرك: الرملة الطيبة المنبت لا وعوثة فيها، أو الأرض ذات الحزونة تشاكل الرمل أو الدعص لا ينبت، أو الكثيب جانب منه رمل وجانب حجارة كالأجرع والجرعاء.
9 الغائط: المطمئن من الأرض، والأفيح: الواسع.
10 الملا: الفضاء، والصحصح والصحصاح والصحصحان: ما استوى من الأرض.
11 سدير وأملح: موضعان.
12 أشد.
13 المال الأصيل من الناطق والصامت.
14 يثوب: يرجع، والكثب: القرب.
15 العرج: نحو خمسائة من الإبل، والعكامس والغكابس: الكثير.
16 الطريق.
(1/87)

حتى أشرفت على الوادي الذي فيه إبلي؛ فإذا الرعاء تدعو بالويل؛ فقلت ما شأنكم؟ قالوا: أغارت بهراء على إبلك، فأسحفتها1؛ فأمسيت والله مالي مال غير الذود، فرمى الله في نواصيهن بالرغس2، وإني اليوم لأكثر بني القين مالًا".
"الأمالي 1: 143".
__________
1 استأصلتها.
2 الرغس: البركة والنماء.
(1/88)

57- حديث خنافر بن التوءم الحميري مع رئية شصار:
كان خنافر بن التوءم الحميري كاهنًا، وكان قد أوتي بسطة في الجسم، وسعة في المال، وكان عاتيًا؛ فلما وفدت وفود اليمن على النبي صلى الله عليه وسلم وظهر الإسلام أغار على إبل لمراد فاكتسحها، وخرج بأهله وماله، ولحق بالشحر؛ فحالف جودان بن يحيى الفرضمي، وكان سيدًا منيعًا، ونزل بواد من أودية الشحر مخصبًا كثير الشجر من الأيك والعرين1 قال خنافر: وكان رئي2 في الجاهلية لا يكاد يتغيب عني؛ فلما شاع الإسلام فقدته مدة طويلة، وساءني ذلك؛ فبينا أنا ليلة بذلك الوادي نائمًا؛ إذ هوى هوي العقاب، فقال: خنافر؟ فقلت: شصار؟ فقال: اسمع أقل، قلت: قل أسمع؛ فقال: "عه تغنم، لكل مدة نهاية، وكل ذي أمد إلى غاية، قلت: أجل؛ فقال: كل دولة إلى أجل، ثم يتاح لها حول3، انتُسخت النِّحل، ورجعت إلى حقائقها الملل، إنك سجير4 موصول، والنصح لك مبذول، وإني آنست5 بأرض الشأم نفرًا من آل العذام6، حكامًا على الحكام، يذبرون7 ذارونق من الكلام، ليس
__________
1 الأيك: الشجر الملتف الكثير، والغيضة تنبت السدر والأراك، أو الجماعة من كل الشجر، والعرين: جماعة الشجر.
2 الرئي: ما يتراءى للإنسان من الجن فيحب.
3 الحلول: التحول.
4 السجير: الصديق، والشجير: الغريب، وقيل يقال السجير والشجير للصديق.
5 أبصرت.
6 العذام: قبيلة من الجن، كذا قيل.
7 ذبرت الكتاب: قرأته "وذبرته أيضًا: كتبته كزبرته".
(1/88)

بالشعر المؤلف، ولا السجع المتكلف" فأصغيت فزجرت؛ فعاودت فظلفت1، فقلت: بم تهينمون2، وإلام تعتزون3؟ قالوا: "خطاب كبَّار4، جاء من عند الملك الجبار؛ فاسمع يا شصار، عن أصدق الأخبار، واسلك أوضح الآثار، تنج من أوار5 النار"؛ فقلت: وما هذا الكلام؟ فقالوا: "فرقان بين الكفر والإيمان، رسول من مصر، من أهل المدر، ابتعث فظهر؛ فجاء بقول قد بهر، وأوضح نهجًا قد دثر، فيه مواعظ لمن اعتبر، ومعاذ لمن ازدجر، ألف بالآى الكبر" قلت: ومن هذا المبعوث من مضر؟ قال: "أحمد خير البشر؛ فإن آمنت أعطيت الشبر6، وإن خالفت أصليت سقر؛ فآمنت يا خنافر، وأقبلت إليك أبادر، فجانب كل كافر، وشايع كل مؤمن طاهر، وإلا فهو الفراق، لا عن تلاق"، قلت: من أين أبغي هذا الدين؟ قال: من ذات الأحرين7 والنفر اليمانين، أهل الماء والطين، قلت: أوضح، قال: "الحق بيثرب ذات النخل، والحرة ذات النعل8؛ فهناك أهل الطول والفضل، والمواساة والبذل، ثم امَّلس9 عني، فبت مذعورًا أراعي الصباح، فلما برق لي النور، امتطيت راحلتي، وآذنت10 أعبدي، واحتملت بأهلي، حتى وردت الجوف، فرددت الإبل على أربابها، بحولها وسقابها11، وأقبلت أريد صنعاء؛ فأصبت بها معاذ بن جبل أميرًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الإسلام، وعلمني سورًا من القرآن، فمن الله علي بالهدى بعد الضلالة، والعلم بعد الجهالة".
"الأمالي 1:133".
__________
1 منعت.
2 الهينمة: الصوت الخفي.
3 تنتسبون.
4 كبير.
5 الأوار: حر النار.
6 الشبر بالسكون: الخير وحرك للسجع.
7 الحرة "بالفتح" أرض ذات حجارة نخرة سود وتجمع على حرات وحرار وحرين وأحرين.
8 النعل: المكان الغليظ من الحرة.
9 أفلت.
10 أعلمت.
1 الحول جمع حائل وهي الأنثى من أولاد الإبل، والسقاب جمع سقب كشمس وهو الذكر.
(1/89)

58- شافع بن كليب الصدفي يتكهن بظهور النبي صلى الله عليه وسلم:
قدم على تبع الآخر ملك اليمن، قبل خروجه لقتال المدينة1، شافع بن كليب الصدفي2، وكان كاهنًا؛ فقال له تبع: هل تجد لقوم ملكًا يوازي ملكي؟ قال: لا، إلا ملك غسان، قال: فهل تجد ملكًا يزيد عليه؟ قال: "أجده لبارٍّ مبرور، ورائد3 بالقهور4، ووصف في الزبور، فضلت
__________
1 قال ابن إسحق: "كان تبع الآخر حين أقبل من المشرق بعد أن ملك البلاد جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها في بدايته لم يهج أهلها، وخلف بين أظهرهم ابنًا له؛ فقلت غيلة، فقدمها وهو مجمع على تخريبها واستئصال أهلها؛ فجمع له الأنصار حين سمعوا ذلك وخرجوا لقتاله، فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلون بالنهار ويقرونه بالليل؛ فيعجبه ذلك منهم، ويقول: والله إن قومنا لكرام؛ فبينا هو على ذلك داءه حبران من أحبار اليهود من بني قريظة عالمان راسخان في العلم؛ فقالا له: قد سمعنا ما تريد أن تفعل، وإنك إن أبيت إلا ذلك، حيل بينك وبينه، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة؛ فقال: ولم ذلك؟ قالا: إنها مهاجر "بفتح الجيم" نبي يخرج من هذا الحرم من قريش تكون داره وقراره؛ فانتهى عما كان يريد، وأعجبه ما سمع منهما، واتبعها على دينهما، وكان هو وقومه أصحاب أوثان، وخرج متوجهًا إلى اليمن فدعا قومه إلى اليهودية فأبوا عليه، ثم أطبقوا على دينه؛ فمن هنالك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن "سيرة ابن هشام 1: 11، والكامل لابن الأثير 1: 146".
2 الصدفي نسبة إلى صدف ككتف: بطن من كندة.
3 الرائد في الأصل: المرسل في طلب الكلأ من الرواد وهو الطلب، يعني به نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان رائدًا لأمته يرتاد لها الخير قال عليه الصلاة والسلام في أول خطبة خطبها بكمة حين دعا قومه: "إن الرائد لا يكذب أهله".
4 جاء في معجم البلدن: "القهر "كشمس" أسافل الحجاز مما يلي نجدًا من قبل الطائف. وأنشد لخداش بن زهير:
دعوا جانبي، إني سأنزل جانبًا ... لكم واسعًا بين اليمامة والقهر
وأقول: هذا الوصف ينطبق على مكة فهي واقعة جنوبي الحجاز ... إلخ؛ فالمعنى: أجد ملكًا يزيد على ملكك لرائد يظهر بتلك البقاع" أما كلمة القهور فلم أجدها في معجم، ولعل الكاهن جمع "القهر" على قهور؛ لإقامة الفاصلة، أو هو على حد قوله امرئ القيس:
يزيد الغلام الخف عن صهواته ... كما زلت الصفواء المتنزل
(1/90)

أمته في السفور1، يفرج الظلم بالنور، أحمد النبي، طوبى لأمته حين يجي، أحد بني لؤي، ثم أحد بني قصي".
فنظر تبع في الزبور؛ فإذا هو يجد صفة النبي صلى الله عليه وسلم.
"تاريخ الكامل لابن الأثير 1: 164".
__________
1 السفر "كحمل" الكتاب الكبير، أو جزء من أجزاء التوارة، وفي كتب اللغة أنها تجمع على أسفار، ولعله جمعها على سفور للمحافظة على السجع أيضًا.
(1/91)

59- سطيح الذئبي 1 يعبر رؤيا ربيعة بن نصر اللخمي:
ورأى ربيعة بن نصر اللخمي ملك اليمن -وقد ملك بعد تبع الآخر- رؤيا هالته؛ فلم يدع كاهنًا، ولا ساحرًا، ولا عائفًا، ولا منجمًا من أهل مملكته إلا جمعه إليه؛ فقال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت2 بها، فأخبروني بها وبتأويلها، قالوا له: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها؛ فإنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها؛ فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا؛ فليبعث إلى سطيح وشق؛ فإنه ليس أحد أعلم منهما فيها، يخبرانه بما سأل عنه، فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فقال له: إني قد رأيت رؤيا
__________
1 اسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان، وكان يقال له الذئبي نسبة إلى ذئب بن عدي، وكان من المعمرين قيل عاش ثلثمائة سنة وقيل سبعمائة، وزعموا أنه لم يكن له رأس ولا عنق، وأن وجهه كان في صدره، وأنه كان جسدًا ملق لا جوارح له، وكان لا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب؛ فإنه ينتفخ فيجلس، وكان له سرير، وإذا أريد استخباره ليخبر عن المغيبات يحرك كما يحرك سفاء اللبن فينتفخ ويمتلئ ويعلوه النفس؛ فيسأل فيخبر عما يسأل عنه، "كذا" وأن كاهنة بني سعد بن هذيم وكانت بأعالى الشأم لما حضرتها الوفاة طلبت سطيحًا وشقًا "وسيأتي ذكره" وتفلت في فهما، وذكرت أن سطيحًا يخلفها في كهانتها، ثم ماتت في يومها ذلك.
2 فظع بالأمر كفرح فظاعة: إذا هاله وغلبه.
(1/91)

هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها؛ فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها. قال: أفعل "رأيت حممة1، خرجت من ظلمة2؛ فوقعت بأرض تهمة3، فأكلت منها كل ذات جمجمة4"؛ فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئًا يا سطيح، فما عندك في تأويلها؟ فقال: "أحلف بما بين الحرتين5 من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش؛ فليملكن ما بين أبين6 إلى جرش7" فقال له الملك: وأبيك يا سطيح. إن هذا لنا لغائظ موجع؛ فمتى هو كائن، أفي زماني هذا أم بعده؟ قال: "لا؛ بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين" قال: أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع؟ قال: "لا، بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون بها أجميعن، ويخرجون منها هاربين" قال: ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: " يليه إرم8 ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدًا منهم باليمن" قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال: "بل ينقطع" قال: ومن يقطعه؟ قال: "نبي زكي، يأتيه الوحي من قبل العلي" قال: وممن هذا النبي؟ قال: "رجل من ولد غالب بن فهر، بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر" قال: وهل للدهر من آخر؟ قال:
__________
1 الحممة وتجمع على حمم: الفحمة والرماد وكل ما احترق من النار، وتطلق الحممة على الجمر مجازًا باعتبار ما يتول إليه وهو المراد هنا.
2 الظلمة: الظلام، وسترى في تعبير الرؤيا أنها إشارة إلى الأحباش السود.
3 التهمة بالتحريك: الأرض المنصوبة إلى البحر، كالتهم محركة أيضًا كأنهما مصدران من تهامة؛ لأن التهائم منصوبة إلى البحر ويقال أيضًا: أرض تهمة كفرحة أي شديدة الحر، من التهم بالتحريك وهو شدة الحر وفي ابن الأثير "بهمة" بالباء يقال: أرض بهمة كفرحة أي كثيرة البهمي، والبهمي بالضم اسم نبت، والضبط الأول عندي أرجح.
4 أي كل نفس
5 الحرة: أرض ذات حجارة سود نخرة.
6 مخلاف باليمن منه مدينة عدن.
7 مخلاف باليمن من جهة مكة.
8 الإرم كعنب وكتف: العلم "بالتحريك" أو خاص بعاد، والعلم سيد القوم، أي يتولاه سيد نبي ذي يزن، وهو سيف بن ذي يزن.
(1/92)

"نعم. يوم يجتمع فيه الأولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون". قال: أحق ما تخبرنا يا سطيح؟ قال: "والشفق، والغسق1، والفلق2 إذا انشق، إن ما أنبأتك به لحق".
__________
1 الشفق: الحمرة في الأفق إلى قريب العتمة، والغسق: ظلمة أول الليل.
2 الفلق: الصبح أو ما انفلق من عموده.
(1/93)

60 شق أنمار 1 يعبر رؤيا ربيعة بن نصر أيضًا:
ثم قدم عليه شق، فقال له كقوله لسطيح، وكتمه ما قال سطيح، لينظر أيتفقان أم يختلفان، قال: "نعم، رأيت حممة، خرجت من ظلمة؛ فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة"؛ فلما سمع الملك ذلك قال: ما أخطأت يا شق منها شيئًا، فما عندك في تأويلها؟ قال: "أحلف بما يبن الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان؛ فليغلبن على كل طفلة2 البنان. وليملكن ما بين أبين إلى نجران3" فقال له الملك: وأبيك يا شق، إن هذا لنا لغائط موجع؛ فمتى هو كائن، أفي زماني أم بعده؟ قال: "لا، بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان، ويذيقهم أشد الهوان" قال: ومن هذا العظيم الشأن؟ قال: "غلام بدني ولا مدن4، يخرج عليهم من بيت ذي يزن5" قال أفيدون سلطانه أم ينقطع؟ قال: "بل ينقطع برسول
__________
1 هو شق بن مصعب بن يشكر بن رهم بن أقزل بن قيس بن عبقر بن أنمار بن نزار، وزعموا أنه كان شق إنسان "أي نصفه" له يد وحدة ورجل واحدة وعين واحدة.
2 مؤنث طفل: وهو الرخص الناعم من شيء.
3 مخلاف شمالي اليمن.
4 الدني: مسهل عن دنيء، والمدني: المقصر عما ينبغي له أن يفعله، وفي ابن الأثير "مزن" بالزاى والمزن: المتهم، من أزنته بكذا أي اتهمته به.
5 وخبر ذلك أن زرعة بن كعب الملقب بذي نواس أحد ملوك التباعية باليمن "وكان قد تهود وتعصب لليهودية وحمل عليها قبائل اليمن" اضطهد نصارى نجران؛ لأن يهوديًّا بنجران عدا أهلها على ابنين له فقتلوهما ظلمًا؛ فتوسل إلى ذي نواس باليهودية، واسنتصره عليهم؛ فحمي له ولدينه وغزاهم، ويقال إن رجلًا من أهل نجران أفلت من القتل، وسار إلى قيصر الروم يستنجده على ذي نواس؛ فبعث قيصر إلى نجاشي الحبشة يأمره بنصرة النصارى؛ فجهز جيشًا إلى اليمن، فركبوا البحر إليها، ولقيهم ذو نواس فيمن معه فدارت الدائرة عليه، وملكت الحبشة اليمن، ولما طال البلاء من الحبشة على أهلها خرج سيف بن ذي يزن الحميري وقدم على قيصر يوستنيان يستنجده على الحبشة فأبى، وقال: الحبشة على دين النصارى؛ فرجع إلى كسرى أنوشروان واستعانه، فأمده بجيش ممن كانوا في سجونه، فقاتلوا الأحباش وهزموهم؛ فرجع إلى كسرى عرش آبائه على فريضة يؤديها كل عام للفرس حتى قتل؛ فأرسل كسرى عاملًا على اليمن واستمرت عماله إلى أن كان آخرهم بإذان فأسلم، وصارت اليمن إلى الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
(1/93)

مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل". قال: وما يوم الفصل؟ قال: "يوم تجزء فيه الولاة، يدعى فيه من السماء بدعوات، يسمع منها الأحياء والأموات، ويجمع فيه بين الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات" قال: أحق ما نقول؟ قال: "إي ورب السماء والأرض، وما يينهما من رفع وخفض، إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض1".
فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا؛ فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس، يقال له سابور فأسكنهم الحيرة؛ فمن بقية والده النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر.
"تاريخ الطبري: 99 وسيرة ابن هشام 1: 8، والكامل لابن الأثير 1: 146".
61- وفود عبد المسيح بن بقيلة على سطيح.
عن ابن عباس رضي الله عنه قال:
"لما كان ليلة ولد النبي صلى الله عليه وسلم، ارتج إيوان كسرى، فسقطت منه أربع عشرة شرفة، فعظم ذلك أهل ممكلته، فما كان أوشك أن كتب إليه
__________
1 أي شك أو باطل.
(1/94)

61- وفود عبد المسيح بن بقيلة على سطيح:
عن ابن عباس رضي الله عنه قال:
"لما كان ليلة ولد النبي صلى الله عليه وسلم، ارتج إيوان كسرى؛ فسقطت منه أربع عشر شرفة؛ فعظم ذلك أهل ممكلته، فما كان أوشك أن كتب إليه
__________
1 أي شك أو باطل.
(1/94)

صاحب اليمن يخبره أن بحيرة ساوة1 غاضت تلك الليلة، وكتب إليه صاحب السماوة يخبره أن وادي السماوة2 انقطع تلك الليلة، وكتب إليه صاحب طبرية أن الماء لم يجر تلك الليلة في بحيرة طبرية، وكتب إليه صاحب فارس يخبره أن بيوت النيران خمدت تلك الليلة، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة؛ فلما تواترت الكتب أبرز سريره وظهر لأهل مملكته فأخبرهم الخير، فقال الموبذان3: أيها الملك إني رأيت تلك الليلة رؤيا هالتني، قال له: وما رأيت؟ قال: رأيت إبلًا صعابًا، تقود خيلًا عرابًا، قد اقتحمت دجلة وانتشرت في بلادنا، قال: رأيت عظيمًا فما عندك في تأويلها؟ قال: ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء؛ ولكن أرسل إلى عاملك بالحيرة يوجه إليك رجلًا من علمائهم؛ فإنهم أصحاب علم بالحدثان، فبعث إليه عبد المسيح بن بقيلة الغساني؛ فلما قدم عليه أخبره كسرى الخبر، فقال له: أيها الملك، والله ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء، ولكن جهزني إلى خال لي بالشام يقال له سطيح. قال: جهزوه؛ فلما قدم إلى سطيح وجده قد احتضر، فناداه فلم يجبه، وكلمه فلم يرد عليه، فقال عبد المسيح:
أصم أم يسمع غطريف اليمن ... يا فاصل الخطة أعيت من ومن4
أتاك شيخ الحي من آل سنن ... أبيض فضفاض الرداء والبدن5
وسول فيل العجم يهوي للوثن ... لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن6
__________
1 هكذا في العقد الفريد، وفي السيرة الحلبية "وورد عليه كتاب من صاحب إيليا "بالشام" يخبره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة" وفي معجم البلدان: "ساوة مدينة حسنة بين الري وهمذان في وسط، بينها وبين كل واحد من همذان والري ثلاثون فرسخًا، وفي حديث سطيح في أعلام النبوة: "وخمدت نار فارس وغارت بحيرة ساوة ... إلخ" ومنه يستفاد أنها في فارس.
2 موضع بين الكوفة والشام.
3 الموبذان والموبذ: فقيه الفرس وحاكم المجوس.
4 الغطريف: السيد الشريف.
5 الفضفاض: الواسع.
6 القيل: الملك، أو هو دون الملك الأعلى.
(1/95)

فرفع إليه رأسه وقال: "عبد المسيح، على جمل مشيح1، إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح2، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاج الإيوان، وخمود الديوان، ورؤيا الموبذان، رأى إبلًا صعابًا، تقود خيلًا عرابًا، قد اقتحمت في الواد، وانتشرت في البلاد، يا عبد المسيح: إذا كثرت التلاوة3، وظهر صاحب الهراوة4، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس؛ فليست بابل للفرس مقامًا، ولا الشام لسطيح شامًا، يملك منهم ملوك وملكات5، عدد سقوط الشرفات، وكل ما هو آت آت" ثم قال:
إن كان ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوارًا دهارير6
منهم بنو الصرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور
فربما أصبحوا يومًا بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد المهاصير7
حثوا المطي وجدوا في رحالهم ... فما يقوم لهم سرج ولا كور8
والناس أولاد علات فمن علموا ... أن قد أقل فمحقور ومهجور9
والخير والشر مقرونان في قرن ... فالخير متبع والشر محذور
__________
1 جاد سريع.
2 أي القبر، والمراد الموت.
3 أي تلاوة القرآن.
4 الهراوة: العصا الضخمة، وصاحبها هو النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يمسك العصا كثيرًا عند مشيته.
5 قال صاحب السيرة الحلبية: "لم أقف على أنه ملك منهم من النساء إلا واحدة وهي بوران، ملكت سنة ثم هلكت".
6 أفرطهم: تركهم وزال عنهم، قال تعالى: {لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} [النحل: 62]
أي متروكون فيها، ودهر دهارير: أي شديد "كليلة ليلاء ويوم أيوم".
7 المهاصير، جمع مهصار أو مهصير وهو الأسد من الهصر وهو الكسر والجذب والإمالة.
8 الكور: الرحل بأداته.
9 أولاد العلات: أولاد أمهات شتى من رجل واحد.
(1/96)

ثم أتى كسرى فأخبره بما قاله سطيح فغمه ذلك، ثم تعزَّى، فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكًا يدور الزمان، فهلكوا كلهم في أربعين سنة، وكان آخر من هلك منهم في أول خلافة عثمان رضي الله عنه.
"تاريخ الطبري 2: 132 والعقد الفريد 1: 108، والسيرة الحلبية 1: 70، والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء 1: 110".
(1/97)

62- شق وسطيح ينبئان بأصل ثقيف:
عن ابن الكلبي قال: "كان قسي -وهو ثقيف1- مقيمًا باليمن؛ فضاق عليه موضعه ونبا2 به، فأتى الطائف، وهو يومئذ منازل فهم وعدوان بني عمرو بن قيس بن عيلان؛ فانتهى إلى الظرف العدواني؛ فوجده نائمًا تحت شجرة فأيقظه، وقال: من أنت؟ قال: أنا الظرب، قال: علي ألية3 إن لم أقتلك، أو تحلف لي لتزوجني ابنتك؛ ففعل، وانصرف الظرب وقسي معه، فلقيه ابنه عامر بن الظرب، فقال: من هذا معك يا أبت؟ فقص قصته، قال عامر: لله أبوه! لقد ثقف4 أمره، فسمي يومئذ
__________
1 هو أبو القبيلة المشهورة، وهو ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، وقد اختلف النسابون في نسب ثقيف؛ فقال قوم: إنهم من هوازن، وهو القول الذي يزعمه الثقفيون، وعليه جمهور الناس، ويزعم آخرون أن ثقيفًا من إياد بن نزار بن معد بن عدنان، وأن النخع أخوه لأبيه وأمه، ثم افترقا؛ فصار أحدهما في عداد هوازن والآخر في عداد مذحج، وقال قوم آخرون إن ثقيفًا من بقايا ثمود من العرب القديمة التي بادت وانقرضت، قال الحجاج على المنبر: يزعمون أنا من بقايا ثمود؛ فقد كذبهم الله بقوله: {وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} [النجم: 51] وقال مرة أخرى: ولئن كنا من بقايا ثمود لما نجا مع صالح إلا خيارهم _اقرأ كلمة عن نسب ثقيف في شرح ابن أبي الحديد م 2 ص 392، والعقد الفريد 3: 8، والأغاني 4: 74، ومروج الذهب 2: 68، وتاريخ الطبري 7: 233. 2 نبا به منزله: لم يوافقه.
3 الألية: اليمين.
4 ثقف ككرم وفرح: صار حاذفًا خفيفًا فطنًا. وثقف الشيء كفرح: ظفر به.
(1/97)

ثقيفًا، وعير الظرب بتزويجه قسيًّا، وقيل زوجت عبدًا؛ فسار إلى الكهان يسألهم، فانتهى إلى شق بن مصعب البجلي، وكان أقربهم منه؛ فلما انتهى إليه قال: إنا قد جئناك في أمر فما هو؟ قال: "جئتم في قَسِيٍّ، وقَسِيٌّ عبد إياد، أبق1 ليلة الواد، في وج2 ذات الأنداد، فوالى سعدًا ليغاد، ثم لوى بغير معاد" يعني سعد بن قيس بن عيلان بن مضر، ثم توجه إلى سطيح الذئبي حي من غسان، ويقال إنهم حي من قضاعة نزول في غسان. فقالوا: إنا جئناك في أمر فما هو؟ قال: "جئتم في قسي، وقسي من ولد ثمود القديم، ولدته أمه بصحراء تريم3؛ فالتقطه إياد وهو عديم، فاستبعده وهو مليم4". فرجع الظرب وهو لا يدري ما يصنع في أمره. وقد وكد عليه في الحلف والتزويج، وكانوا على كفرهم يوفون بالقول؛ فلهذا يقول من قال إن ثقيفًا من ثمود؛ لأن إيادًا من ثمود". "الأغاني 4: 75".
__________
1 هرب.
2 وج: اسم واد بالطائف.
3 رام يريم ريمًا: تباعد.
4 ألام فهو مليم: أتى ما يلام عليه.
(1/98)

تنافر عبد المطلب بن هاشم والثقفيين إلى عزى سلمة الكاهن
...
63- تنافر عبد المطلب بن هاشم والتقفيين إلى عزى سلمة الكاهن:
كان لعبد المطلب بن هاشم مال بالطائف يقال له: ذو الهرم1؛ فغلبه عليه خندف بن الحارث الثقفي، فنافرهم عبد المطلب إلى عزى سلمة الكاهن -أو إلى نفيل بن عبد العزى جد عمر بن الخطاب2- فخرج عبد المطلب مع ابنه الحارث، وليس له يومئذ غيره، وخرج الثقفيون مع صاحبهم، وحرب بن أمية معهم على عبد المطلب؛ فنفد ماء عبد المطلب فطلب إليهم أن يسقوه؛ فأبوا، فبلغ العطش منه كل مبلغ، وأشرف
__________
1 ضبطه في القاموس المحيط بفتح فسكون، والصحيح أنه بالتحريك كما يدل على ذلك الأسجاع الآتية.
2 وعبارة معجم ياقوت: "فنافرهم عبد المطلب إلى الكاهن القضاعي وهو سلمة بن أبي حية فخرجوا إليه إلى الشأم".
(1/98)

على الهلاك؛ فبيننا عبد المطلب يثير بعيره ليركب؛ إذ فجر الله له عينًا من تحت جرانه؛ فحمد الله وعلم أن ذلك منه، فشرب وشرب أصحابه ريهم وتزودوا منه حاجتهم، ونفد ماء الثقفيين، فطلبوا إلى عبد المطلب أن يسقيهم فأنعم عليهم، فقال له ابنه الحارث لأنحنين على سيفي حتى يخرج من ظهري، فقال عبد المطلب: لأسقينهم فلا تفعل ذلك بنفسك فسقاهم، ثم انطلقوا، حتى أتوا الكاهن، وقد حيثوا له رأس جرادة، في خرزة مزادة1، وجعلوه في قلادة كلب لهم يقال له سوار؛ فلما أتوا الكاهن إذا هم ببقرتين تسوقان بينهما بخرجًا2 كلتاهما تزعم أنه ولدها، ولدتا في ليلة واحدة؛ فأكل النمر أحد البخرجين. فهما ترأمان3 الباقي؛ فلما وقفتا بين يديه، قال الكاهن: هل تدرون ما تريد هاتان البقرتان؟ قالوا: لا. قال الكاهن: "ذهب به ذو جسد أربد4، وشدق مُرَمِّع5، وناب معلق6، ما للصغرى في ولد الكبرى حق" فقضى به للكبرى، ثم قال: ما حاجتكم؟ قالوا: قد خبأنا لك خبئًا؛ فأنبئنا عنه، ثم تخبرك بحاجتنا، قال: "خبأتم لي شيئًا طار فسطع، فتصوب فوقع، في الأرض منه بقع؛ فقالوا: لاده، أي بينه. قال: "هو شيء طار، فاستطار، ذو ذنب جرار، وساق كالمنشار، ورأس كالمسمار" فقالوا: لاده قال: "إن لاده فلاده7، هو
__________
1 المزادة: الراوية، والخرز: السير يخرز به.
2 البخرج: ولد البقر.
3 رثمت ولدها: عطفت عليه ولزمته.
4 من الربدة "كصفرة": لون إلى الغبرة.
5 رمع كنع رمعانا "بالتحريك" وترمع: تحرك واضطرب، وقوله مرمع: اسم فاعل من رمع المضعف، يشير إلى أنه مفترس كاسر.
6 من أعلق الصائد إذا علق الصيد في حبالته أي نشب.
7 روى ابن الأعرابي إلاده فلاده ساكن الهاء. ويروى إلاده فلاده مكسور الهاء منونة، قال ياقوت في معجمه: "يقول إن لم يكن قولي بيانًا فلا بيان" وقال الزمخشري في المستصفى: "إن لاده فلاده بفتح الدال وبكسر، وهي كلمة فارسية معناها الضرب قد استعملها العرب في كلامها. وأصله أن الموتور كان يلقى واتره فلا يتعرض له فيقال له ذاك، والمعنى إنك إن لم تضربه الآن فلا تضربه أبدًا، والتقدير إن لا يكن ده فلا يكون ده: أي إن لا يوجد ضرب الساعة؛ فلا يوجد أبدًا، ثم اتسعوا فيه فضربوه مثلًا في كل شيء لا يقدم عليه الرجل، وقد حان حينه ووجب إحداثه من قضاء دين قد حل أو حاجة طلبت، أو ما أشبه ذاك من الأمور التي لا يسوغ تأخيرها". وقال المنذري: "قالوا معناه إلا هذه فلا هذه، يعني أنه الأصل إلاذه فلاذه فلاذه بالذال المعجمة، فعربت بالدال غير المعجمة كما قالوا يهوذا ثم عرب فقيل يهودا".
(1/99)

رأس جرادة، في خرز مزادة، في عنق سوار ذي القلادة"، قالوا: صدقت، فأخبرنا فيم اختصنا إليك؟ قال: "أحكم بالضياء والظلم، والبيت والحرم، أن المال ذا الرهم، للقرشى ذي الكرم" فقضى بينهم، ورجعوا إلى منازلهم على حكمة.
"مجمع الأمثال 1: 30 ومعجم البلدان 8: 460".
وروى الجاحظ لعزى سلمة أنه قال:
"والأرض والسماء، والعقاب والصقعاء1، واقعة ببقعاء2، لقد نفر المجد بني العشراء3، للمجد والسناء4".
"البيان والتبيين 1: 159".
__________
1 الصقعة بالضم: بياض في وسط رءوس الطير وغيرها، وهو أصقع، وهي صقعاء "والصقعاء أيضًا الشمس".
2 البقعاء: اسم ماء.
3 العشراء: قوم من فزارة، ونفره عليه: قضى له عليه بالغلبة.
4 السناء: الرفعة.
(1/100)

64- منافرة عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية: 1
تنافر عبد المطلب بن هشام وحرب بن أمية إلى النجاشي ملك الحبشة، فأبى أن ينفر بينهما، فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح، فقال لحرب:
__________
1 وسبب ذلك أن عبد المطلب كان له جار يهودي يقال له أذينة، يتجر وله مال كثير؛ فغاظ ذلك حرب بن أمية، وكان نديم عبد المطلب، فأغرى به فتيان من قريش ليقتلوه، ويأخذوا ماله، فقتله عامر بن عبد مناف بن عبد الدار، وصخر بن عمرو بن كعب التيمي، جد أبي بكر رضي الله عنه، فلم يعرف عبد المطلب قاتله، فلم يزل يبحث حتى عرفهما، وإذا هما قد استجارا بحرب بن أمية؛ فأتى حربًا ولامه وطلبهما منه فأخفاهما؛ فتغالظا في القول، حتى تنافرا إلى النجاشي فلم يدخل بينهما؛ فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى جد عمر بن الخطاب فنفر عبد المطلب عليه، فترك عبد المطلب منادمة حرب، ونادم عبد الله بن جدعان التيمي، وأخذ من حرب مائة ناقة، فدفعها إلى ابن عم اليهود، وارتجع ماله إلا شيئًا هلك، فغرمه من ماله.
(1/100)

"يا أبا عمرو: أتنافر رجلًا هو أطول منك قامة، وأعظم هامةً، وأوسم منك وسامة1، وأقل منك ملامة، وأكثر منك ولدًا، وأجزل صفدًا2، وأطول منك مذودًا3، وإني لأقول هذا وإنك لبعيد الغضب، رفيع الصوت في العرب، جلد المريرة4، جليل العشيرة، ولكنك نافرت منفَّرا".
فغضب حرب وقال: إن من انتكاس5 الزمان أن جعلت حكمًا.
"تاريخ الكامل لابن الأثير 2:6، وتاريخ الطبري 2: 181".
__________
1 الوسامة: الحسن والجمال.
2 الصفد: العطاء.
3 المذود: اللسان.
4 المريرة: الحبل الشديد الفتل، والعزيمة.
5 أي انقلاب الزمان من انتكس أي وقع على رأسه، وفي الطبري: انتكاث بالثاء من انتكاث الحبل وهو انتقاضه.
(1/101)

65- ما أمر به عبد المطلب بن هاشم في منامه من حفر زمزم:
ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، وشرف في قومه، وعظم شأنه، ثم إنه حفر زمزم، وهي بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، التي أسقاه الله منها، وكانت جرهم قد دفنتها1، وكان سبب حفره إياها أنه قال:
"بينا أنا نائم بالحج إذا أتاني آت فقال: احفر طيبة، قلت: وما طيبة؟ فذهب وتركني؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برة، قلت: وما برة؟ فذهب وتركني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي،
__________
1 وذلك أن جرهم لما استخفت بأمر البيت الحرام، وارتكبوا الأمور العظام، قام فيهم رئيسهم مضاض بن عمرو خطيبًا ووعظهم فلم يرعووا؛ فلما رأى ذلك منهم عمد إلى غزالين من ذهب كانا في الكعبة وما وجد فيها من الأموال أي السيوف والدروع التي كانت تهدى إليها، ودفنها في بئر زمزم، وكانت قد نضب ماؤها فحفرها مضاض بالليل وأعمق الحفر ودفن فيها ذلك وطم البئر، وما زالت مطمومة إلى زمن عبد المطلب.
(1/101)

فنمت فيه؛ فجاءني فقال: احفر المضنونة. قلت: وما المضنونة؟ فذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لا تذم2، تسقي الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل لم يقسم3، ينذر فيها ناذر لمنعم، تكون ميراثًا وعقد محكم، ليس كبعض ما قد تعلم، وهي بين الفرث والدم4، عند نقرة الغراب الأعصم5، عند قربة النمل".
فلما بين له شأنها، ودله على موضعها، وعرف أنه قد صدق. غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث ليس له ولد غيره، فحفر بين أساف ونائلة، في الموضع الذي تنحر فيه قريش لأصنامها، وقد رأى الغراب ينقر هناك؛ فلما بدا له الطوي6 كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته.
"تاريخ الكامل لابن الأثير 2:5، والسيرة الحلبية 1: 31، وسيرة ابن هشام 1: 90".
__________
1 طيبة، وبرة، والمضنونة: أسماء لزمزم.
2 نزفت البئر: نزحت كنزفت بالضم، وبئر ذمة بالفتح وذميم وذميمة: قليلة الماء؛ لأنها تذم.
3 جفل النعام: أسرع وذهب في الأرض، ولم يقسم: لم يفرق.
4 أي في محنهما، والفرث: السرجين في الكرش، وذلك بين إساف ونائلة، "وإساف ككتاب وسحاب: صنم وضعه عمرو بن لحي على الصفا، ونائلة على المروة تجاه الكعبة". وكانت قريش تذبح عندهما ذبائحها التي تتقرب بها.
5 الأعصم: قيل أحمر المنقار والرجلين، وقيل أبيض البطن، وقيل أبيض الجناحين، وقيل أبيض إحدى الرجلين.
6 الطوى: البئر.
(1/102)

خطب الكواهن:
66- الشعثاء الكاهنة تصف سبعة إخوة:
كانت عثمة بنت مطرود البجلية ذات عقل ورأي مستمع في قومها، وكانت لها أخت يقال لها خود، وكانت ذات جمال وميسم1 وعقل؛ فخطب سبعة إخوة غلمة من بطن الأزد خودًا إلى أبيها، فأتوه وعليهم الحلل اليمانية، وتحتهم النجائب الفره2؛ فقالوا: نحن بنو مالك بن غفيلة ذي النحيين، فقال لهم: انزلوا على الماء، فنزلوا ليلتهم، ثم أصبحوا غادين في الحلل والهيئة، ومعهم ربيبة3 لهم يقال لها الشعثاء: كاهنة، فمروا بوصيدها4 يتعرضون لها، وكلهم وسيم جميل، وخرج أبوها، فجلسوا إليه، فرحب بهم، فقالوا: بلغنا أن لك بنتًا، ونحن كما ترى شباب، وكلنا يمنع الجانب، ويمنح الراغب، فقال أبوها: كلكم خيار، فأقيموا نرى رأينا، ثم دخل على ابنته، فقال: ما ترين، فقد أتاك هؤلاء القوم؟ فقالت: "أنكحني على قدري، ولا تشطط في مهري، فإن تخطئني أحلامهم، لا تخطئني أجسامهم، لعلي أصيب ولدًا، وأكثر عددًا" فخرج أبوها، فقال: أخبروني عن أفضلكم.
قالت ربيبتهم الشعثاء الكاهنة: "اسمع أخبرك عنهم: هم إخوة، وكلهم أسوة5.
__________
1 الميسم والوسامة: أثر الحسن.
2 النجائب جمع نجيب: وهو البعير والفرس إذا كانا كريمين عتيقين، والفره: "كقفل وركع وكتب" جمع فاره، وهو من الدواب الجيد السير النشيط الخفيف.
3 الربيبة: الحاضنة.
4 الوصيد: الفناء "بالكسر" والعتبة.
5 الأسوة: القدوة.
(1/103)

أما الكبير فمالِك، جريء فاتك، يتعب السنابك1، ويستصغر المهالك. وأما الذي يليه فالغمر، ببحر غمر2، يقصر دونه الفخر، نهد3 صقر. وأما الذي يليه فعلقمة، صليب المعجمة4، منيع المشتمة5، قليل الجمجمة6. وأما الذي يليه فعاصم، سيد ناعم7، جلد صارم، أبي حازم، جيشه غانم، وجاره سالم، وأما الذي يليه فثواب، سريع الجواب، عتيد الصواب8، كريم النصاب9، كليث الغاب. وأما الذي يليه فمدرك، بذول لما يملك، عزوب10 عما يترك، يفني ويهلك. وأما الذي يليه فجندل، لقرنه مجدل11، مقل12 لما يحمل، يعطي ويبذل، وعن عدوه لا ينكل13".
فشاورت أختها فيهم، فقالت أختها عثمة: "ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل؟ 14" اسمعى مني كلمة، إن شر الغريبة يعلن، وخيرها يدفن، انكحي في قومك ولا تغررك الأجسام، فلم تقبل منها، وبعثت إلى أبيها: أنكحني مدركًا، فأنكحها أبوها على مائة ناقة ورعاتها، وحملها مدرك؛ فلم تلبث عنده إلى قليلا، حتى صبحهم فوارس من بني مالك بن كنانة، فاقتتلوا ساعة، ثم إن زوجها وإخوته وبني عامر انكشفوا، فسبوها فيمن سبوا؛ فبينما هي تسير بكت، فقالوا: ما يبكيك، أعلى فراق زوجك؟ قالت: قبحه الله، قالوا: لقد كان جميلًا! قالت: قبح الله جمالًا
__________
1 السنابك جمع سنبك كقنفذ: وهو طرف الحاقر، أي أنه يجهد الخيل في حومة الوغى.
2 القمر: معظم البحر، والكريم: الواسع الخلق.
3 النهد: الأسد، والكريم.
4 من عجم العود إذا عضه ليعرف صلابته من خوره.
5 المشتمة: مصدر شتم، والمعنى: أنه في حرز من أن يشتم ويسب عرضه، لحسن فعله وكرم خلقه
6 الجمجمة: إخفاء الشيء في الصدر.
7 نعم كسمع ونصر وضرب فهو ناعم: أي ذو تنعم وترفه.
8 العتيد: الحاضر المهيأ.
9 النصاب: الأصل.
10 بعيد.
11 جدله: صرعه على الجدالة "كسحابة" وهي الأرض.
12 نكل عنه كضرب ونصر وعلم: نكص وجبن.
14 الدخل: ما يبطن في الشيء، وهو مثل يضرب للرجل له منظر ولا مخبر له.
(1/104)

لا نفع معه؛ إنما أبكي على عصياني أختي، وقولها: "ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل" وأخبرتهم كيف خطبوها، فقال لها رجل منهم يكنى أبا نواس شاب أسود أفوه1 مضطرب الخلق: أترضين بي، على أن أمنعك من ذئاب العرب؟ فقالت لأصحابه: أكذلك هو؟ قالوا: نعم، إنه مع ما ترين ليمنع الحليلة2، وتتقيه القبيلة، قالت: هذا أجمل جمال، وأكمل كمال، قد رضيت به، فزوجوها منه.
"مجمع الأمثال للميداني 1: 91".
__________
1 الأفوه: وصف من الفوه بالتحريك، وهو سمة الفم.
2 الزوجة.
(1/105)

67- طريفة الخير تتكهن بسيل العرم وخراب سد مأرب:
قال عبد الملك بن عبد الله بن بدرون في شرح قصيدة الوزير عبد المجيد بن عبدون، التي قالها في رثاء دولة بني الأفطس بالأندلس:
كان أوَّل من خرج من اليمن في أول تمزيقهم، عمرو بن عامر مزيقياء1، زمان سبب خروجه، أنه كانت له زوجة كاهنة، يقال لها "طريفة الخير"، وكانت رأت في منامها أن سحابة غشيت أرضهم فأرعدت وأبرقت، ثم صعقت، فأحرقت كل ما وقعت عليه؛ ففزعت طريفة لذلك فزعًا شديدًا، وأتت الملك عمرًا، وهي تقول: "ما رأيت اليوم، أزال عني النوم، رأيت غيمًا رعد وبرق2 طويلًا، ثم صعق، فما وقع على شيء إلا احترق"؛ فلما رأى ما داخلها من الفزع سكنها، ثم إن عمرًا دخل حديقة له، ومعه جاريتان من جواريه؛ فبلغ ذلك طريفة، فخرجت إليه وخرج معها وصيف3، لها اسمه سنان؛ فلما برزت من بيتها عرض لها ثلاث مناجيد منتصبات على
__________
1 لقب بذلك؛ لأنه كان يلبس كل يوم حلتين، ويمزقهما بالعشي، يكره العود فيهما، ويأنف أن يلبسها غيره.
2 رعدت السماء وبرقت "كنصر"، وأرعدت السماء وأبرقت، وأنكر الأصمعي الرباعي فيهما.
3 الوصيف: الخادم والخادمة.
(1/105)

أرجلهن، واضعات أيديهن على أعينهن -وهي دواب تشبه اليرابيع1- فقعدت إلى الأرض واضعة يديها على عينيها، وقالت لوصيفها: إذا ذهبت هذه المناجيد فأخبرني؛ فلما ذهبت أعلمها، فانطلقت مسرعة؛ فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها عمرو، وثبت من الماء سلحفاة. فوقعت في الطريق على ظهرها، وجعلت تروم الانقلاب فلا تستطيع، وتستعين بذنبها، فتحثو التراب على بطنها من جنباته، وتقذف بالبول قذفًا، فلما رأتها طريفة جلست إلى الأرض، فلما عادت السلحفاة إلى الماء، مضت إلى أن دخلت على عمرو وذلك حين انتصف النهار في ساعة شديدة الحر، فإذا الشجر يتكفأ من غير ريح، فلما رآها عمرو استحيا منها، وأمر الجاريتين بالتنحي، ثم قال لها يا طريفة: فكهنت وقالت: "والنور والظلماء، والأرض والسماء، إن الشجر لهالك، وليعودن الماء كما كان في الزمان السالك". قال عمرو: ومن خبرك بهذا؟ قالت: "أخبرتني المناجد، بسنين شدائد، يقطع فيها الولد الوالد" قال: ما تقولين.؟ قالت: "أقول قول الندمان لهفًا، لقد رأيت سلحفًا2، تجرف التراب جرفًا، وتقذف بالبول قذفًا، فدخلت الحديقة، فإذا الشجر من غير ريح يتكفَّا" قال عمرو: وماترين؟ قالت: "داهية دهياء، من أمور جسيمة، ومصائب عظيمة" قال: وما هو؟ ويلك! قالت: "أجل، إن فيه الويل، وما لك فيه من قيل3، وإن الويل فيما يجيء به السيل" فألقى عمرو نفسه عن فراشه، وقال: ما هذا يا طريفة؟ قالت: "هو خطب جليل، وحزن طويل، وخلف قليل" قال: وما علامة ما تذكرين؟ قالت "اذهب إلى السد؛ فإذا رأيت جردًا يكثر بيديه في السد الحفر، ويقلب برجليه من أجل الصخر، فاعلم أن غمر الغمر4
__________
1 اليربوع: دويبة نحو الفأرة لكن ذنبه وأذناه أطول منها، ورجلاه أطول من يديه عكس الزرافة.
2 يقال: سلحفاة وسلحفاء وسلحفا، ويقال أيضًا سحلفا ساكنة اللام مفتوحة الحاء.
3 قال قيلًا: نام في القائلة، وهي نصف النهار، والمراد هنا الإقامة والمكث.
4 الغمر: الماء الكثير.
(1/106)

وأن قد وقع الأمر"، قال: وما هذا الذي تذكرين؟ قالت: "وعد من الله نزل" وباطل بطل، ونكال بنا نكل؛ فبغيرك يا عمرو فليكن النكل1، فانطلق عمرو فإذا الجوذ يقلب برجليه صخرة ما يقبلها خمسون رجلًا، "كذا" فرجع إلى طريفة فأخبرها الخبر وهو يقول:
أبصرت أمرًا عادني منه ألَمْ ... وهاج لي من هوله برح السقم2
من جرذ كفحل خنزير الأجم ... أو كبش صرم من أفاريق الغنم3
يسحب صخرًا من جلاميد العرم ... له مخاليب وأنياب قضم4
ما فاته سحلًا من الصخر قصم5
فقالت طريفة: وإن من علامات ما ذكرت لك أن تجلس فتأمر بزجاجة فتوضع بين يديك؛ فإن الريح تملؤها من تراب البطحاء6، من سهلة7 الوادي ورمله، وقد علمت أن الجنان مظللة لا يدخلها شمس ولا ريح، فأمر عمرو بزجاجة فوضعها بين يديه ولم يمكث إلا قليلًا حتى امتلأت من تراب البطحاء، فأخبر عمرو طريفة بذلك وقال لها: متى يكون هلك السد؟ قالت له: فيما بينك وبين سبع سنين. قال: ففي أيها يكون؟ قالت: "لا يعلم بذلك إلا الله، ولو علمه أحد لعلمته، ولا تأتي علي ليلة فيما بيني وبين سبع السنين إلا ظننت الهلاك في غدها، أو في مسائها، ثم رأى عمرو في نومه سيل العرم، وقيل له: آية ذلك أن ترى الحصباء في سعف النخل؛ فنظر إليها، فوجد الحصباء فيها قد
__________
1 الثكل كسبب وقفل: الموت والهلاك.
2 البرح: الشدة.
3 الأجم جمع أجمة: وهي الشجر الكثير الملتف، والصرم: الجماعة والفرقة تجمع على فرق، وجمع الجمع أفراق، وجمع جمع الجمع أفاريق، والجلاميد جمع جلمود كعصفور: الصخر.
4 العرم: السد يعترض به الوادي "ومن معانيه أيضًا المطر الشديد، والجرذ، وواد جاء السيل من قبله".
5 سحله كمنع: فشره ونحته، وقصمه: كسره.
6 البطحاء والأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى.
7 السهلة بالكسر: تراب كالرمل يجيء به الماء، وأرض سهلة كفرحة: كثيرتها.
(1/107)

ظهرت؛ فعلم أن ذلك واقع، وأن بلادهم ستخرب، فكتم ذلك وأخفاء، وأجمع على بيع كل شيء له بأرض مأرب1 وأن يخرج منها هو وولده2، فخرج ثم أرسل الله تعالى على السد3 السيل فهدمه.
"شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ص98".
__________
1 مأرب: مدينة باليمن، وكان في الزمان الأول قاعدة التبابعة، وهي مدينة بلقيس، بينها وبين صنعاء نحو أربع مراحل، وتسمى سبأ باسم بانيها سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان.
2 وقد خشي أن يستنكر الناس عليه ذلك؛ فأمر أحد أولاده إذا دعاه لما يدعوه إليه أن يتأبى عليه، وأن يفعل ذلك به في الملأ من الناس، وإذا لطمه، يرفع هو يده ويلطمه، ثم صنع طعامًا وبعث إلى أهل مأرب أن عمرًا صنع يوم مجد وذكر، فأحضروا طعامه؛ فلما جلس الناس للطعام جلس عنده ابنه الذي أمره بما أمر، فجعل يأمره بأمور فيتأبى عليه وينهاه فلا ينتهي، فرفع عمرو يده فلطمه على وجهه فلطمه ابنه، وكان اسمه ملكًا، فصاح عمرو واذلاه يوم فخر عمرو يهيجه صبي ويضرب وجهه وحلف ليقتلته، فلم يزالوا بعمرو يرغبون إليه حتى تركه، فقال والله لا أقيم بموضع صنع بي فيه هذا: ولأبيعن أموالي حتى لا يرث منها بعدي شيئًا، فقال الناس بعضهم لبعض: اغتنموا غضب عمرو واشتروا منه أمواله قبل أن يرضى فابتاع الناس منه كل أمواله التي بأرض مأرب، وفشا بعض حديثه فيما بلغه من شأن سيل العرم؛ فقام الناس من الأزد فباعوا أموالهم؛ فلما أكثروا البيع استنكر الناس ذلك فأمسكوا أيديهم عن الشراء، ولما اجتمعت إلى عمرو أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم، ولما خرج عمرو من اليمن خرج لخروجه منها بشر كثير؛ فنزلوا أرض عك فحاربتهم عك. فارتحلوا عنها، ثم اصطلحوا وبقوا بها حتى مات عمرو بن عامر، وتفرقوا على البلاد؛ فمنهم من صار إلى الشام، وهم أولاد جفنة بن عمرو بن عامر، ومنهم من صار إلى يثرب، وهم أبناء قبيلة الأوس والخزرج، وأبوهما حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، وصارت أزد الشراة إلى أرض الشراة، وأزد عمان إلى عمان، وصار ملك ابن فهم إلى العراق، ثم خرجت بعد عمرو بيسير من أرض اليمن طيئ فنزلت جبل طيئ أجأ وسلمى، ونزلت ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر تهامة، وسموا خزاعة لانخزاعهم وتمزقوا في البلاد كل ممزق.
3 كان السد فيما يذكر قد بناه لقمان الأكبر بن عاد، وكان رصفه لحجارة السد بالرصاص والحديد ويقال إن الذي بناه كان من ملوك حمير، وذلك أن الماء كان يأتي أرض سبأ من الشحر وأودية اليمن، فردموا ردما بين جبلين وحبسوا الماء وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، فكانوا يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث، فأخصبوا وكثرت أموالهم؛ فلما كذبوا رسولهم أرسل الله عليهم سيل العرم
(1/108)

وقال أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني:
وسارت القبائل من أهل مأرب حين خافوا سيل العرم، وعليهم مزيقياء، ومعهم طريفة الكاهنة، فقالت لهم:
"لا تؤموا مكة حتى أقول، وما علمني ما أقول إلا الحكيم المحكم، رب جميع الأمم، من عرب وعجم" قالوا لها: ما شأنك يا طريفة؟ قالت: خذوا البعير الشدقم1، فخضبوه بالدم، تكن لكم أرض جرهم2، جيران بيته المحرم".
"الأغاني 13: 105".
وروى الميداني في مجمع الأمثال قال:
"ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو ين عامر الذي يقال له مزيقيا بن ماء السماء، وكانت قد رأت في كهانتها3 أن سد مأرب سيخرب، وأنه سيأتي سبل العرم، فيخرب الجنتين4، فباع عمرو بن عامر أمواله، وسار هو وقومه حتى انتهوا إلى مكة، فأقاموا بمكة وما حولها، فاصابتهم الحمى، وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى، فدعوا طريفة فشكوا إليها الذي أصابهم، فقالت لهم: قد أصابني الذي تشكون، وهو مفرق بيننا. قالوا: فما تأمرين؟ قالت:
__________
1 الواسع الشدق.
2 وكانوا يسكنون مكة؛ فأرسل إليهم عمرو أن أفسحوا لنا في بلادكم حق نقيم قدر ما نستريح ونرسل روادًا إلى الشأم وإلى الشرق؛ فحيثما بلغنا أنه أمثل لحقنا به، فأبت ذلك جرهم إباء شديدًا، وقالوا: لا والله ما نحب أن ينزلوا فيضيقوا علينا مرابعنا ومواردنا، وكانت الحرب بين الفريقين، وانهزمت جرهم فلم يفلت منهم إلا الشريد.
3 كهن كهانة بالفتح فهو كاهن، وحرفته الكهانة بالكسر.
4 قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15] .
(1/109)

"من كان منكم ذا هم بعيد، وجمل شديد، ومزاد1 جديد؛ فليلحق بقصر عمان المشيد2؛ فكانت أزد عمان، ثم قالت: من كان منكم ذا جلد وقسر3، وصبر على أزمات الدهر؛ فعليه بالأراك4 من بطن مر5، فكانت خزاعة، ثم قالت: من كان منكم يريد الراسيات في الوحل، والمطعمات في المحل6؛ فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس والخزرج، ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر الخمير، والملك والتأمير، ويلبس الديباج والحرير، فليحلق ببصرى وغوير، "وهما من أرض الشام"، فكان الذي سكنوها من آل جفنة من غسان، ثم قالت: من كان منكم. يد الثياب الرقاق، والخيل العتاق، وكنوز الأرزاق، والدم المهراق، فليلحق بأرض العراق، فكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش، ومن كان بالحيرة وآل محرق7".
"مجمع الأمثال: 1: 186".
__________
1 المزاد والمزايد جمع مزادة: وهي الراوية.
2 المشيد: المرفوع، قال مسلم بن الوليد في رثاه يزيد بن مزيد:
أما هدت لمصرعه نزار؟ بلى، وتقوض المجد المشيد.
3 قسره على الأمر: قهره.
4 الأراك: القطعة من الأرض، وموضع بعرفات، وجيل بهذيل.
5 مر بن أد بن طابخة.
6 المحل: الشدة والجدب.
7 هو عمرو بن هند؛ لأنه حرق مائة من بني تميم.
(1/110)

68- حديث زبراء الكاهنة مع بني رئام من قضاعة:
كان ثلاثة أبطن من قضاعة مجتورين1 بين الشحر وحضرموت: بنو ناعب، وبنو داهن، وبنو رئام وكانت بنو رئام أقلهم عددًا، وأشجعهم لقاء وكانت لبني رئام عجوز تسمى خويلة، وكانت لها أمة من مولدات العرب تسمى زبراء وكان يدخل على خويلة أربعون رجلًا، كلهم لها محرم، بنو إخوة وبنو أخوات، وكانت خويلة عقيمًا، وكان بنو ناعب، وبنو داهن متظاهرين على بني رئام؛ فاجتمع بنو رئام ذات يوم في عرس لهم، وهم سبعون رجلًا، كلهم شجاع بئيس2، فطعموا وأقبلوا على شرابهم، وكانت
__________
1 متجاورين.
2 البئيس: الشجاع، من بؤس ككرم بأسًا.
(1/110)

زبراء كاهنةً؛ فقالت لخويلة: انطلق بنا إلى قومك أنذرهم، فأقبلت خويلة تتوكأ على زبراء، فلما أبصرها القوم، قاموا إجلالًا لها. فقالت: "يا ثمر الأكباد، وأنداد1 الأولاد، وشجا2 الحساد، هذه زبراء، تخبركم عن أنباء، قبل انحسار الظلماء، بالمؤيد3 الشنعاء، فاسمعوا ما تقول". قالوا: وما تقولين يا زبراء؟ قالت:
"واللوح4 الخافق، والليل الغاسق5، والصباح الشارق، والنجم الطارق6، والمزن الوادق7، إن شجر الوادي ليأدو ختلًا8، ويخرق أنيابًا عصلًا9، وإن صخر الطود لينذر ثكلًا10، لا تجدون عنه معلًا11".
فوافقت قومًا أشارى12 سكارى، فقالوا: "ريح خجوج13، بعيدة ما بين الفروج، أتت زبراء بالأبلق النتوج14".
فقالت زبراء: "مهلًا يا بني الأعزة، والله إني لأشم ذفر15 الرجال تحت الحديد"
__________
1 أنداد: جمع ند بالكسر، وهو المثل والنظير.
2 الشجا: ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه.
3 المؤيد: الداهية والأمر العظيم.
4 اللوح بالضم والفتح "والضم أعلى": الهواء بين السماء والأرض.
5 غسق الليل كجلس: اشتدت ظلمته.
6 الطارق: في الأصل، كل من أتى ليلًا، ثم استعمل النجوم لطلوعها ليلًا.
7 المزن: السحاب أو أبيضه أو ذو الماء، والوادق من ودق المطر كوعد: قطر.
8 أدوت له آدو أدوا إذا ختلته وخدعته "ودأيت له، ودألت له أيضًا" والختل: الخدع.
9 حرق أنيابه: إذا حك بعضها ببعض، والعرب تقول عند الغضب بغضبه الرجل على صاحبه: "هو يحرق على الأرم" والأرم كسكر: الأضراس، والعصل: المعوجة جمع أعصل.
10 الطود: الجيل، والثكل، الفقد.
11 المعل: المنجى.
12 الأشر محركة: المرح.
13 الخجوج: السريع المر.
14 الأبلق: وصف من البلق محركة، وهو ارتفاع البياض في قوائم القرس إلى الفخذين، والأبلق لا يكون نتوجًا، والعرب تضرب هذا مثلًا للشيء الذي لا ينال، تقول "طلب الأبلق العقوق؛ فلما فاته أراد بيض الأتوق" والعقوق كصبور: الحامل، والأفوق كصبور أيضًا، الذكر من الرخم ولا بيض له، هذا قول بعض اللغويين؛ فالمعنى أنه طلب ما لا يمكن، فلما لم يجد طلب أيضًا ما لا يكون ولا يوجد، وعامتهم يقولون: الأنوق الرخمة وهي تبيض في مكان لا يوصل فيه إلى بيضها إلا بعد عناء؛ فالمعنى أنه طلب ما لا يقدر عليه، فلما لم ينله طلب ما يجوز أن يناله.
15 الذفر: حدة الريح، يكون في النتن والطيب "والدفر لا يكون إلا في النتن".
(1/111)

فقال لها فتى منهم يقال له هذيل بن منقذ: "يا خذاق1، والله ما تشمين إلا ذفر إبطيك" فانصرفت عنهم وارتاب قوم من ذوي أسنانهم؛ فانصرف منهم أربعون رجلًا، وبقي ثلاثون، فرقدوا في مشربهم، وطرقتهم بنو داهن وبنو ناعب؛ فقتلوهم أجمعين، وأقبلت خويلة مع الصباح، فوقفت على مصارعهم، ثم عمدت إلى خناصرهم؛ فقطعتها وانتظمت منها قلادة، وألقتها في عنقها، وخرجت حتى لحقت بمرضاوى بن سعوة المهري. وهو ابن أختها فأناخت بفنائه، فاستعدته على بني داهن وبني ناعب، فخرج في منسر2 من قومه، فطرقهم فأوجع فيهم.
"الأمالي 1: 126".
__________
1 خذاق: كناية عما يخرج من الإنسان، يقال: خذق ومزق وزرق.
2 المنسر من الخيل: ما بين الثلاثين إلى الأربعين، أو من الأربعين إلى الخسمين، أو إلى الستين أو المائة إل المائتين، وقطعة من الجيش تمر قدام الجيش الكبير.
(1/112)

69- كاهنة ذي الخلصة تتكهن بما في بطن رقية بنت جشم:
زعموا أن رقية بنت جشم بن معاوية ولدت نميرًا وهلالًا وسواءة، ثم اعتاطت1فأتت كاهنة بذي الخلصة2 فأرتها بطنها، وقالت: إني قد ولدت ثم اعتطت؛ فنظرت إليها ومست بطنها، وقالت:
"رب قبائل فرق، ومجالس حلق، وظعن3حزق4 في بطنك زق5".
__________
1 اعتاطت المرأة: لم تحمل سنين من غير عقر.
2 ذو الخلصة محركة وبضمتين: بيت كان يدعى الكعبة اليمانية لخثعم، كان فيه صنم اسمه الخلصة.
3 الظعن والظعائن جمع ظعينة: وهي الهودج سواء كان فيه امرأة أم لا، والمرأة ما دامت في الهودج، ويقال، الظعينة في الأصل وصف للمرأة في هودجها، ثم سميت بهذا الاسم وإن كانت في بيتها؛ لأنها تصير مظعونة "أي يظعن بها زوجها؛ فهي فعيلة بمعنى مفعولة".
4 الحزق والحزقة "بكسر الهاء" والحازق والحزيق والحزيقة والحزاقة "بالفتح" الجماعة، والجمع حزائق وحزيق وحزق "بضمتين".
5 أي وضع واصل الزق: رمى الطائر بذرقه، والمعنى: رب جنين منه قبائل متفرقة، ويتناسل منه ذكران يتحلقون في المجالس والأندية وجماعات من النسوة قد أودع بطنك.
(1/112)

فلما مخضت1 بربيعة بن عامر2، قالت إني أعرف ضرطى بهلال، "أي هو غلام، كما أن هلالًا كان غلامًا".
"مجمع الأمثال 1: 321".
__________
1 مخضت كسبع ومنع وعنى: أخذها الطلق.
2 هو ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر ومن نسله بنو كلاب بن ربيعة بن عامر وبنو جعفر بن كلاب بن ربيعة.
(1/113)

70- رأى سلمى الهمدانية في حريم المرادي:
أغار رجل من "مراد" يقال له "حريم" على إبل عمرو بن براقة الهمداني وخيل له؛ فذهب بها؛ فأتى عمرو سلمى الهمدانية، وكانت بنت سيدهم، وعن رأيها كانوا يصدرون، فأخبرها أن حريمًا المرادي أغار على إبله وخيله، فقالت: "والخفو والوميض1، والشفق كالإحريض2، والقلة والحضيض3، إن حريمًا لمنبع الحيز4، سيد مزيز5 ذو معقل حريز، غير أني أرى الحمة6 ستظفر منه بعثرة، بطيئة الجبرة، فأغر ولا تنكع7" فأغار عمرو، فاستاق كل شيء له، فأتى حريم بعد ذلك يطلب إلى عمرو أن يرد عليه بعض ما أخذ منه، فامتنع ورجع حريم.
"الأمالي 2: 123".
__________
1 الخفو: اللمعان الضعيف، والوميض: أشد من الخفو.
2 الأحريض: العصفر.
3 القلة: أعلى الرأس والجبل وكل شيء، والحضيض: القرار من الأرض عند منقطع الجبل.
4 الناحية.
5 مزيز: فاضل، من قولهم هذا أمز من هذا أي أفضل منه.
6 الحمة: القدر "محركة"، وقيل هي واحد الحمام "بالكسر".
7 نكعه عن الأمر "كمنع" رده ودفعه.
(1/113)

تنافر الجعفاء بنت علقمة وصواحباتها إلى الكاهنة السعدية
...
71- تنافر العجفاء بنت علقمة وصواحباتها إلى الكاهنة السعدية:
روي أن العجفاء بنت علقمة السعدي، وثلاث نسوة من قومها، خرجن فاتعدن بروضة يتحدثن فيها، فوافين بها ليلًا في قمر زاهر، وليلة طلقة ساكنة، وروضة معشبة خصبة؛ فلما جلسن قلن: ما رأينا كالليلة ليلة، ولا كهذه الروضة روضة أطيب ريحًا ولا أنضر، ثم أفضن في الحديث؛ فقلن: أي النساء أفضل؟ قالت إحداهن: الخروج1 الودود الولود. قالت الأخرى: خيرهن ذات الغناء2، وطيب الثناء، وشدة الحياء. قالت الثالثة: خيرهن السموع الجموع، النفوع غير المنوع. قالت الرابعة: خيرهن الجامعة لأهلها، الوادعة الرافعة، لا الواضعة. قلن: فأي الرجال أفضل؟ قالت إحداهن: خيرهم الحظ3 الرضي، غير الحظل4 البطي. قالت الثانية: خيرهن السيد الكريم، ذو الحسب العميم، والمجد القديم. قالت الثالثة: خيرهن السخي، الوفي الرضي، الذي لا يغير5 الحرة، ولا يتخذ الضرة. قالت الرابعة: وأبيكن، إن في أبي لنعتكن، كرم الأخلاق، والصدق عند التلاق، والفلج6 عند السباق، ويحمد أهل الرفاق. قالت العجفاء عند ذلك: كل فتاة بأبيها معجبة.
وفي بعض الروايات أن إحداهن قالت: إن أبي يكرم الجار، ويعظم الخطار7، وينحر العشار8، بعد الحوار9، ويحمل الأمور الكبار، ويأنف من الصغار؛ فقالت
__________
1 الحرود والخريد والخريدة: الحيية الطويلة السكوت الخافضة الصوت المتسترة.
2 الكفاية والمنفعة.
3 الحظي: ذو الحظوة والمكانة عند روحه، والحظية كذلك.
4 رجل حظل ككتف وشداد وصبور: مقتر يحاسب أهله بما ينفق عليهم، وفي مجمع الأمثال "غير الحظال، ولا التبال" والتبال بالتشديد من التبل "بفتح فسكون" وهو الحقد.
5 أغار امرأته: تزوج عليها.
6 الفوز والظفر.
7 الخطار جمع خطر كسبب وهو السبق يتراهن عليه.
8 العشار جمع عشراء كنفساء وهي من النوق التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية.
9 الحوار بالضم وقد يكسر: ولد الناقة ساعة تضعه أو إلى أن يفصل عن أمه.
(1/114)

الثانية: إن أبي عظيم الخطر، منيع الوزر1، عزيز النفر، يحمد منه الورد والصدر؛ فقالت الثالثة: إن أبي صدوق اللسان، حديد الجنان، رذوم2 الجفان، كثير الأعوان، يروي السنان، عند الطعان، قالت الرابعة: إن أبي كريم النزال، منيف المقال، كثير النوال، قليل السؤال، كريم الفعال.
ثم تنافرت إلى كاهنة معهن في الحي؛ فقلن لها: اسمعي ما قلنا، واحكمي بيننا واعدلي، ثم أعدن عليها قولهن؛ فقالت لهن: "كل واحدة منكن ماردة3، بأبيها واجدة4، على الإحسان جاهدة، لصواحباتها حاسدة؛ ولكن اسمعن قولي: خير النساء المبقية على بعلها، الصابرة على الضراء مخافة أن ترجع إل أهلها مطلقة؛ فهي تؤثر حظ زوجها على حظ نفسها؛ فتلك الكريمة الكاملة، وخير الرجال الجواد البطل، القليل الفشل، إذا سأله الرجل، ألفاه قليل العلل، كثير النفل5، ثم قالت: كل واحدة منكن بأبيها معجبة.
"مجمع الأمثال 2: 54 وجمهرة الأمثال 2:133".
__________
1 الوزر: الملجأ.
2 الرذوم: القصعة الممتلئة تتصبب جوانبها.
3 أي قد بلغت الغاية.
4 وجد به "بالكسر" أحبه.
5 النفل: الهبة.
(1/115)

72- عفيراء الكاهنة تعبر رؤيا مرثد بن عبد كلال:
روي أن مرثد بن عبد كلال قفل من غزاة غزاها بغنائم عظيمة؛ فوفد عليه زعماء العرب وشعراؤها وخطباؤها يهنئونه؛ فرفع الحجاب عن الوافدين، وأوسعهم عطاء، واشتد سروره بهم؛ فبينما هو كذلك إذ نام يومًا فرأى رؤيا في المنام أخافته وأذعرته وهالته في حال منامه؛ فلما انتبه أنسيها حتى لم يذكر منها شيئًا، وثبت ارتياعه في نفسه بها؛ فانقلب سروره حزنًا، واحتجب عن الوفود حتى أساءوا به الظن، ثم إنه حشر الكهان فجعل يخلو بكاهن كاهن، ثم يقول له: أخبرني عما أريد أن أسألك عنه،
(1/115)

فيجيبه الكاهن بأن لا علم عندي، حتى لم يدع كاهنًا عليه إلا كان إليه منه ذلك؛ فتضاعف قلقه، وطال أرقه، وكانت أمه قد تكهنت؛ فقالت له: أبيت اللعن أيها الملك، إن الكواهن أهدى إلى ما تسأل عنه؛ لأن أتباع الكواهن من الجان، ألطف وأظرف من أتباع الكهان؛ فأمر بحشر الكواهن إليه، وسألهن كما سأل الكهان، فلم يجد عند واحدة منهن علمًا مما أراد علمه، ولما يئس من طلبته سلا عنها، ثم إنه بعد ذلك ذهب يتصيد، فأوغل في طلب الصيد، وانفرد عن أصحابه؛ فرفعت له أبيات من ذرا1 جبل، وكان قد لفحه الهجير؛ فعدل إلى الأبيات، وقصد بيتًا منها كان منفردًا عنها؛ فبرزت إليه منه عجوز؛ فقالت له: انزل بالرحب والسعة، والأمن والدعة، والجفنة المدعدعة2، والعلبة المترعة3، فنزل عن جواده، ودخل البيت؛ فلما احتجت عن الشمس، وحفقت عليه الأرواح4، نام فلم يستيقظ حتى تصرم الهجير؛ فجلس يمسح عينه؛ فإذا هو بين يديه فتاة لم ير مثلها قوامًا ولا جمالًا؛ فقالت: "أبيت اللعن أيها الملك الهمام! هل لك في الطعام؟ " فاشتد إشفاقه وخاف على نفسه لما رأى أنها عرفته، وتصام عن كلمتها؛ فقالت له: "لا حذر، فداك البشر، فجدك الأكبر، وحظنا بك الأوفر". ثم قربت إليه ثريدًا وقد يدًا وحيسًا5، وقامت تذب عنه، حتى انتهى أكله، ثم سقته لبنًا صريفًا وضريبًا6؛ فشرب ما شاء، وجعل يتأملها مقبلة ومدبرة؛ فملأت عينيه حسنًا، وقلبه هوى، فقال لها: ما اسمك يا جارية؟ قالت: اسمي عفيراء، فقال لها: يا عفيراء، من الذي دعوته بالملك الهمام؟ قالت: "مرثد العظيم الشأن، حاش الكواهن والكهان، لمعضلة بعد عنها الجان"، فقال يا عفيراء:
__________
1 أي في كنفه وستره.
2 الجفنة: القصعة، والمدعدعة: التي ملئت بقوة ثم حركت حتى تراص ما فيها، ثم ملئت بعد ذلك.
3 العلبة: قدح ضخم من جلود الإبل أو من خشب يحلب فيها، والمترعة: المملوءة.
4 الأرواح، وللرياح جمع ريح.
5 القديد: اللحم المقددة، أو ما قطع منه طولًا، ولا حيس: تمر يخلط بسمن وأقط، فيعجن شديدًا ثم يندر منه نواه "والأقط شيء يتخذ من المخيض الغنمي".
6 الصريف: اللبن ساعة حلب، والضريب: اللبن يحلب من عدة لقاح في إناء.
(1/116)

أتعلمين تلك المعضلة؟ قالت: "أجل أيها الملك، إنها رؤيا منام، ليست بأضغاث1 أحلام". قالت الملك: أصبت يا عفيراء، فما تلك الرؤيا؟ قالت: "رأيت أعاصير2 زابع بعضها لبعض تابع، فيها لهب لامع، ولها دخان ساطع، يقفوها نهر متدافع، وسمعت فيما أنت سامع، دعاء ذي جرس3 صادع: هلموا إلى الشارع4، فروي جارع5، وغرق كارع6" فقال الملك: أجل، هذه رؤياي؛ فما تأويلها يا عفيراء؟ قالت: "الأعاصير الزوابع، ملوك تبابع7، والنهر علم واسع، والداعي نبي شافع، والجارع ولي تابع، والكارع عدو منازع". فقال الملك: يا عفيراء، أسلم هذا النبي أم حرب؟ فقالت: "أقسم برافع السماء ومنزل الماء من القماء8، إنه لمطل الدماء9، ومنطق العقائل نطق الإماء10". فقال الملك: إلام يدعو يا عفيراء؟ قالت: "إلى صلاة وصيام، وصلة أرحام، وكسر أصنام: وتعطيل أزلام11، واجتناب آثام" فقال الملك:
__________
1 أضغاث أحلام: رؤيا لا يصح تأويلها لاختلاطها.
2 الأعاصير جمع إعصار وهو الربح التي تهب من الأرض كالعمود نحو السماء، أو التي فيها العصار بالكسر وهو الغبار الشديد.
3 الجرس: الصوت.
4 المشارع جمع مشرعة وهي مورد الشاربة.
5 جارع: فاعل من جرع الماء كسمع ومنع إذا بلعه.
6 كارع فاعل من كرع في الماء كسمع ومنع تناوله بغية من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء.
7 التبايع جمع تبع كسكر: ملوك اليمن.
8 العماء: السحاب الكثيف.
9 انظر قوله عليه الصلاة والسلام في خطبته في حجة الوداع "وإن دماء الجاهلية موضوعة".
10 العقائل: كرائم النساء جمع عقيلة، والنطق جمع نطاق ككتاب النطاق والمنطقة: ما تشد به المرأة وسطها للمهنة، ونطقها تنطيقًا: ألبسها النطاق فتنطقت وانتطقت ومنطق النساء أي يسبيهن فيشددن النطق على أوساطهن للخدمة كالإماء.
11 الأزلام جمع زلم كسبب قداح كان العرب يستقسمون بها في الجاهلية "أي يطلبون معرفة ما قسم لهم" وذلك أنهم كانوا إذا قصدوا فعلًا من تجارة أو سفر أجالوا ثلاثة قداح "للقداح جمع قداح بالكسر وهو السهم قبل أن يراش" وكانت عند أصنامهم، أحدها مكتوب عليه: أمرني ربي، والثاني: نهاني ربي، والثالث: غفل؛ فإن خرج الأول مضوا في الأمر، أو الثاني أحجموا عنه، أو الثالث أجالوها ثانية حتى يخرج أحد الأولين.
(1/117)

يا غفيراء، إذا ذبح قومه فمن أعضاده1؟ قالت: أعضاده غطاريف2 يمانون، طائرهم به ميمون، يغزيهم فيغزون، ويدمث3 بهم الحزون وإلى نصره يعتزون". فأطرق الملك يؤامر4 نفسه في خطبتها، فقالت: "أبيت اللعن أيها الملك! إن تابعي غيور، ولأمري صبور، وناكحي مثبور، والكلف بي ثبور5". فنهض الملك وجال في صهوة6 جواده، وانطلق، فبعث إليها بمائة ناقة كوماء7.
"بلوغ الأرب 3: 296".
__________
1 الأعضاد: الأنصار جمع عضد، والذبح معروف، والمراد هنا إذا قطعوه وتركوا نصرته.
2 الغطاريف جمع غطريف وهو السيد الشريف.
3 يسهل، والحزون جمع حزن كشمس وهو ما غلط من الأرض.
4 يشاور.
5 الثبور: الهلاك.
6 الصهوة: مقعد الفارس من ظهر فرسه.
7 الكوماء: الناقة العظيمة السنام.
(1/118)

الوصايا:
73- وصية أوس بن حارثة لابنه مالك:
عاش الأوس بن حارثة دهرًا، وليس له ولد إلا مالك، وكان لأخيه الخزرج خمسة: عمرو، وعوف، وجشم، والحرث، وكعب؛ فلما حضره الموت، قال له قومه: قد كنا نأمرك بالتزويج في شبابك؛ فلم تزوج حتى حضرك الموت، فقال الأوس: "لم يهلك هالك، ترك مثل مالك، وإن كان الخزرج ذا عدد، وليس لمالك ولد؛ فلعل الذي استخرج العذق1 من الجريمة2، والنار من الوثيمة3، أن يجعل لمالك نسلا، ورجالًا بسلًا4، يا مالك، المنية ولا الدنية، والعتاب قبل العقاب، والتجلد لا التبلد، واعلم أن القبر خير من الفقر، وشر شارب المشنق5، وأقبح طاعم المقتف6، ودهاب البصر خير من كثير من النظر، ومن كرم الكريم، الدفاع عن الحريم، ومن قل ذل، ومن أمر7 فل، وخير الغنى القناعة، وشر الفقر الضراعة، والدهر يومان، فيوم
__________
1 العذق: النخلة بحملها والعذق "بكسر العين" القنو منها.
2 النواة.
3 الوثيمة: الحجارة، وثمه: كسره ودقه. ووثم الفرس الأرض: رجمها بحوافره. ومن أيمان العرب لا والذي أخرج العذق من الجريمة. والنار من الوثيمة، وقولهم: لا والذي شقهن خمسًا من واحدة يعنون الأصابع، وقولهم: لا والذي أخرج قائبة من توب يعنون فرخًا من بيضة. لا والذي وجهي زمم بيته "بالتحريك" أي قصده وحذاءه.
4 شجعانًا: جمع باسل.
5 المستقصي، اشتف ما في الإناء شربه كله. واشتف إذا شرب الشفافة "بالضم"، وهي البقية تبق في الإناء.
6 الآخذ بعجلة، ومنه سمي القفاف وهو من يسرق الدراهم بين أصابعه.
7 أمر كفرح أمرا وأمرة: كثروتم فهو أمر وآمر الله وأمره كنصره كثره: "وإذا أردنا أن يهلك قرية أمرنا مترفيها". أي كثرنا.
(1/119)

لك ويوم عليك؛ فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر؛ فكلاهما سينحسر1، فإنما تعز2 من ترى ويعزك من لا ترى، ولو كان الموت يشترى، لسلم منه أهل الدنيا؛ ولكن الناس فيه مستوون، الشريف الأبلج، واللئيم المعلهج3، والموت المفيت؛ خير من أن يقال لك هبيت4، وكيف بالسلامة، لمن ليست له إقامة، وشر من المصيبة سوء الخلف، وكل مجموع إلى تلف، حياك إلهك.
"الأمالي 1: 102، وشرح ابن أبي الحديد 4:154".
__________
1 ينكشف.
2 تغلب. عزه يعزه كنصره عزا، وعزيعز كضرب عزا وعزة صار عزيزا.
3 المتناهي في الدناءة واللؤم.
4 الأحمق الضعيف.
(1/120)

74- وصية ذي الإصبع العدواني لابنه أسيد
لما احتضر1 ذو الإصبع دعا ابنه أسيدًا؛ فقال له: يا بني إن أباك قد فني وهو حي، وعاش حتى سئم العيش، وإن موصيك بما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته، فاحفظ عني، ألن جانبك لقومك يحبوك، وتواضع لهم يرفعوك، وابسط لهم وجهك يطيعوك، ولا تستأثر عليهم بشيء يسودوك، وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم، يكرمك كبارهم، ويكبر على مودتك صغارهم، واسمح بمالك، وارحم حريمك، وأعزز جارك، وأعن من استعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة في الصريخ2؛ فإن لك أجلًا لا يعدوك، وصن وجهك عن مسألة أحد شيئًا، فبذلك يتم سؤددك.
"الأغاني 3: 6".
__________
1 حضره الموت.
2 أي في وقت الصريخ وهو نداء المستغيث.
(1/120)

75- وصية عمرو بن كلثوم لبنيه:
أوصى عمرو بن كلثوم التَّغْلَبي؛ فقال: يا بني إني بلغت من العمر ما لم يبلغ أحد من آبائي وأجدادي، ولا بد من أمر مقتبل، وأن ينزل بي ما نزل بالآباء والأجداد، والأمهات والأولاد، فاحفظوا عني ما أوصيكم به: إني والله ما عيرت رجلًا قط أمرًا إلا عير بي مثله، إن حقًّا فحقًّا، وإن باطلًا فباطلًا، ومن سب سب، فكفوا عن الشتم فإنه أسلم لأعراضكم، وصلوا أرحامكم، تعمر داركم، وأكرموا جاركم يحسن ثناؤكم، وزوجوا بنات العم بني العم؛ فإن تعديتم بهن إلى الغرباء، فلا تألوا بهن الأكفاء، وأبعدوا بيوت النساء من بيوت الرجال؛ فإنه أغض للبصر، وأعف للذكر، ومتى كانت المعاينة واللقاء؛ ففي ذلك داء من الأدواء ولا خير فيمن لا يغار لغيره. كما يغار لنفسه، وقل من انتهك حرمة لغيره إلا انتهكت حرمته، وامنعوا القريب من ظلم الغريب، فإنك تذل على قريبك، ولا يحل بك ذل غريبك وإذا تنازعتم في الدماء فلا يكن حقكم للقاء، فرب رجل خير من ألف، وود خير من خلف، وإذا حدثم فعوا، وإذا حدثتم فأوجزوا، فإن مع الإكثار يكون الإهذار1، وموت عاجل خير من ضنى آجل، وما بكيت من زمان إلا دهاني بعده زمان، وربما شجاني من لم يكن أمره عناني، وما عجبت من أحدوثه إلا رأيت بعده أعجوبة، واعلموا أن أشجع القوم العطوف، وخير الموت تحت ظلال السيوف، ولا خير فيمن لا روية له عند الغضب، ولا فيمن إذا عوتب لم يعتب2، ومن الناس من لا يرجى خيره، ولا يخاف شره، فبكؤه3 خير من دره، وعقوقه خير من بره، ولا تبرحوا في حبكم، فإنه من برح في حب، آل
__________
1 أهذر: هذى.
2 لم يرض.
3 بكأت الناقة بكئًا قل لبنها.
(1/121)

ذلك إلى قبيح بغض، وكم قد زارني إنسان وزرته، فانقلب الدهر بنا فبرته1، واعلموا أن الحكيم سليم، وأن السيف كليم، إني لم أمت ولكن هرمت، ودخلتني ذلة فسكت، وضعف قلبي فأهترت2، سلمكم ربكم وحياكم".
"شرح ابن أبي الحديد 4: 155 والأغاني 9: 178".
__________
1 باره: جر به.
2 الهتر بالضم: ذهاب العقل من كبر أو مرض أو حزن وقد أهتر فهو مهبر بفتح التاء شاذ، وقيل أهتر بالبناء للمجهول.
(1/122)

76- وصية الحارث بن كعب لبنيه:
وأوصى الحارث بن كعب بنيه فقال:
"يا بني قد أتت علي مائة وستون سنة، ما صافحت يميني غادر، ولا قنعت لنفس بخلة1 فاجر، ولا صبوت بابنة عم ولا كنة2، ولا بحت لصديق بسر، ولا طرحت عن مؤمسة قناعًا، ولا بقي على دين عيسى بن مريم -وروي: على دين شعيب- من العرب غيري وغير تميم بن مرة، وأسد بن خزيمة؛ فموتوا على شريعتي، واحفظوا وصيتي، وإلهمك فاتقوا، يكفكم ما أهمكم، ويصلح لكم حالكم، وإياكم ومعصيته، فيحل بكم الدمار، ويوحش منكم الديار. كونوا جميعًا ولا تفرقوا، فتكونو شيعًا، وبزوا قبل3 أن تبزوا، فموت في عز خير من حياة في ذل وعجز، وكل ما هو كائن كائن، وكل جمع إلى تباين، والدهر ضربان، ضرب بلاء، وضرب رخاء، واليوم يومان، يوم حرة، ويوم عبرة، والناس رجلان، رجل لك، ورجل عليك، زوجوا النساء الأكفاء، وإلا فانتظروا بهن القضاء، وليكن أطيب طيبهن
__________
1 الخلة: الصداقة المختصة الخلل فيها تكون في عفاف وفي دعارة "والخلة أيضًا الصديق للذكر والأنثى والواحدة والجميع".
2 الكنة: امرأة الابن أو الأخ جمعه كنائن.
3 بزه: سلبه، وفي المثل: من عزيز، أي من غلب سلب.
(1/122)

الماء، وإياكم والورهاء1؛ فإنها أدوأ الداء، وإن ولدها إلى أفن2 يكون، لا راحة لقاطع القرابة، وإذا اختلفت القوم أمكنوا عدوهم، وآفة العدو اختلاف الكلمة، والتفضل بالحسنة، يقى السيئة، والمكافأة بالسيئة دخول فيها، وعمل السوء يزيل النعماء، وقطعية الرحم تورث الهم، وانتهاك الحرمة، يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يعقب النكد، ويخرب البلد، ويمحق العدو، والإسراف في النصيحة، هو الفضيحة، والحقد يمنع الرفد، ولزوم الخطيئة، يعقب البلية، وسوء الرعة3، يقطع أسباب المنفعة، والضغائن تدعوا إلى التباين، يا بني، إني قد أكلت مع أقوام وشربت؛ فذهبوا وغبرت، وكأني قد لحقت، ثم قال:
أكلت شبابي فأفنيته ... وأبليت بعد دهور دهورا
ثلاثة أهلين صاحبتهم ... فبادوا وأصبحت شيخًا كبيرًا
قليل الطعام، عسير القيام ... قد ترك الدهر خطوى قصيرا
أبيت أراعي نجوم السماء ... أقلت أمري بطونًا ظهورا
"شرح ابن أبي الحديد 4: 154".
__________
1 الحمقاء: من وره كفرح: حمق فهو أوره.
2 ضعف الرأي والعقل.
3 الرعة: الطريقة.
(1/123)

77- وصية عامر بن الطرب العدواني لقومه:
وكان عامر بن الظرب العدواني سيد قومه؛ فلما كبر وخشي عليه قومه أن يموت، اجتمعوا إليه وقالوا: إنك سيدنا وقائلنا وشريفنا؛ فاجعل لنا شريفًا وسيدًا وقائلًا بعدك، فقال:
"يا معشر عدوان: كلفتموني بغيًا، إن كنتم شرفتموني فإني أريتكم ذلك من نفسي؛ فأنى لكم مثلي؟ افهموا ما أقول لكم، إنه من جمع بين الحق والباطل لم
(1/123)

يجتمعا له، وكان الباطل أولى به، وإن الحق لم يزل ينفر من الباطل، ولم يزل الباطل ينفر من الحق.
يا معشر عدوان: لا تشمتوا بالذلة، ولا تفرحوا بالعزة، فبكل عيش يعيش الفقير مع الغني، ومن ير يومًا ير به1، وأعدوا لكل امرئ جوابه، إن مع السفاهة الندامة، والعقوبة نكال وفيها ذمامة2، ولليد العليا3، العاقبة، والقود4 راحة، لا لك ولا عليك، وإذا شئت وجدت مثلك، إن عليك كما أن لك، وللكثرة الرعب، وللصبر الغلبة، ومن طلب شيئًا وجده، وإن لم يجده يوشك أن يقع قريبًا منه".
"مجمع الأمثال 2: 183".
__________
1 أي من رأى يومًا عدوه رأى مثله على نفسه.
2 الذمامة بالفتح ويكسر، والذمة: العهد، والكفالة: والحق، والحرمة.
3 اليد العليا المعطية، والسفلى: السائلة، وفي الحديث: "اليد العليا خير من اليد السفلى"، وهو حث على الصدقة.
4 القود: القصاص.
(1/124)

78- وصية دويد بن زيد لبنيه:
لما حضرت دويد1 بن زيد الوفاة قال لبنيه:
"أوصيكم بالناس شرًّا، لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقيلوهم عثرة2، قصروا الأعنة، وطولوا الأسنة، واطعنوا شزرًا3، واضربوا هبرًا4، وإذا أردتم المحاجزة،
__________
1 هو دويد بن زيد بن نهد الحميري، وكان من المعمرين. قيل عاش أربعمائة وستًا وخمسين سنة، "قالوا: ولا يعد العرب معمرًا إلا من عاش مائة وعشرين سنة فصاعدا".
2 أقال الله عثرته: رفعه من سقوطه.
3 الطعن في الجوانب يمينًا وشمالًا.
4 هبر اللحم: قطعه قطعًا كبارًا، والهبرة "بالفتح" القطعة المجتمعة منه وضرب هبر وهبير هابر: أي يقطع اللحم.
(1/124)

فقبل المناجزة، والمرء يعجز لا المحالة، بالجد لا بالكد، والتجلد ولا التبلد، والمنية ولا الدنية، ولا تأسوا على فائت وإن عز فقده، ولا تحنوا إلى ظاعن وإن ألف قربه، ولا تطمعوا فتطبعوا1، ولا تهنوا فتخرعوا2. ولا يكونن لكم المثل السوء "إن الموصين بنو سهوان3" إذا مت فأرحبوا4 خط مضجعي، ولا تضنوا على برحب5 الأرض، وما ذلك بمؤد إلى روحا6، ولكن حاجة نفس خامرها الإشفاق".
قال أبو بكر بن دريد في حديث آخر إنه قال:
اليوم يبنى لدويد بيته ... يا رب نهب صالح حويته
ورب قرن بطل أرديته ... ورب غيل حسن لويته7
ومعصم مخضب ثنيته ... لو كان للدهر بلى أبليته8
أو كان قرني واحدًا كفيته
"أمالي السيد المرتضى 1:171".
__________
1 الطبع محركة: الدنس.
2 الوهن الضعف، والخراعة: "كنباهة" اللين والرخاوة خرع: ككرم، وخرع كفرح ضعف وانكسر؛ فهو خرع، وخريع.
3 قال الميداني في مجمع الأمثال"1:6": "هذا مثل تخبط في تفسيره كثير من الناس، قال بعضهم: إنما يحتاج إلى الوصية من يسهو ويغف؛ فأما أنت فغير محتاج إليها؛ لأنك لا تسهو، وقال بعضهم يريد بقوله بنو سهوان جميع الناس؛ لأن كلهم يسهو، والأصوب في معناه أن يقال: إن الذين يوصون بالشيء يستولى عليهم السهو حتى كأنه موكل بهم، يضرب لمن يسهو عن طلب شيء أمر به، والسهوان، السهو، ويجوز أن يكون صفة أي بنو رجل سهوان، وهو آدم عليه السلام حين عهد إليه فسها ونسي، يقال رجل سهوان وساه، أي إن الذي يوصون لا بد أن يسهوا؛ لأنهم بنو آدم عليه السلام".
4 أرحبه: وسعه.
5 الرحب: بالضم مصدر، وبالفتح وصف.
6 أي راحة، أو هو بالضم أي وما ذاك بمرجع إلى روحي.
7 الغيل: الساعد الريان الممتلئ.
8 المعصم: موضع السوار أو اليد، وهو المراد هنا.
(1/125)

79- وصية زهير بن جناب الكلبي:
وأوصى زهير بن جناب الكلبي1 بنيه فقال:
"يا بني: قد كبرت سني، وبلغت حرسًا2 من دهري، فأحكمتني التجارب، والأمور تجربة واختبار، فاحفظوا عني ما أقول وعوه، إياكم والخور عند المصائب، والتواكل عند النوائب؛ فإن ذلك راعية للفهم، وشماتة للعدو، وسوء ظن بالرب، وإياكم أن تكونو بالأحداث مغترين، ولها آمنين، ومنها ساخرين؛ فإنه ما سخر قوم قط إلا ابتلوا، ولكن توقعوها؛ فإنما الإنسان في الدنيا غرض3 تعاوره الرماة، فمقصر دونه، ومجاوز لموضعه، وواقع عن يمينه وشماله، ثم لا بد أنه مصيبه".
"أمالي السيد المرتضى 1: 173".
__________
1 هو زهير بن جناب بن هبل الكلبي، قيل عاش مائتين وعشرين سنة، وقيل مائتين وخمسين، وقيل أربعمائة وخمسين، وكان يدعى الكاهن لصحة رأيه.
2 الحرس من الدهر: الطويل، وحرس: كسمع عاش زمانًا طويلًا.
3 الغرض: الهدف، وتعاوره "تتعاوره" أي تتداوله.
(1/126)

80- وصية النعمان بن ثواب العبدي لبنيه.
كان للنعمان بن ثواب العبدي بنون ثلاثة: سعد وسعيد وساعدة، وكان أبوهم ذا شرف وحكمة، وكان يوصي بنيه، ويحملهم على أدبه، أما ابنه سعد فكان شجاعًا بطلاً من شياطين العرب، لا يقام لسبيله، ولم تفته طلبته قط، ولم يفر عن قرن، وأما سعيد فكان يشبه أباه في شرفه وسودده، وأما ساعدة فكان صاحب شراب وندامى وإخوان، فلما رأى الشيخ حال بنيه دعا سعدا، وكان صاحب حرب، فقال:
(1/126)

"يا بني إن الصارم ينبو، والجواد يكبو، والأثر يعفو1، فإذا شهدت حربًا، فرأيت نارها تستعر، وبطلها يخطر، وبحرها يزخر، وضعيفها ينصر، وجبانها يجسر، فأقلل المكث والانتظار، فإن الفرار غير عار، إذا لم تكن طالب ثار، فإنما ينصرون هم2، وإياك أن تكون صيد رماحها، ونطيح نطاحها".
وقال لابنه سعيد، وكان جوادًا: "يا بني لا يبخل الجواد، فابذل الطارف والتلاد3، وأقلل التلاح4، تذكر عند السماح، وابل5 إخوانك، فإن وفيهم قليل، واصنع المعروف عند محتمله".
وقال لابنه ساعدة، وكان صاحب شراب: "با بني إن كثرة الشراب، تفسد القلب، وتقلل الكسب وتجد اللعب6، فأبصر نديمك، واحتم حريمك، وأعن غريمك7 واعلم أن الطمأ القامح8، خير من الري الفاضح، وعليك بالقصد فإن فيه بلاغًا".
"مجمع الأمثال 1: 48".
__________
1 عفا الأثر: درس وامحى.
2 أي طلاب الثار.
3 الطارف والطريف: المال المستحدث، والتالد، والتليد، والتلاد، والمتلد: المال القديم الأصل الذي ولد عندك.
4 التلاحي: التنازع، ولاحاه ملاحاة ولحاء نازعه.
5 اختبر.
6 أي تجعله جدا، والجد "بالكسر" ضد الهزل.
7 الغريم: المدين "وهو الدائن أيضًا".
8 معناه العطش الشاق خير من ري يفضح صاحبه، وقح البعير قوحًا: رفع رأسه عند الحوض وامتنع من الشر فهو قامح، وقح البعير: اشتد حتى فتر شديدًا.
(1/127)

81- وصية قيس بن زهير لبني النمر بن قاسط.:
جاور قيس بن زهير العبسي1 بعد يوم الهباءة النمر بن قاسط، وتزوج منهم، وأقام فيهم حتى ولد له؛ فلما أراد الرحيل عنهم قال:
__________
1 هو صاحب حرب داحس والغبراء، وكان من قصته أنه تراهن هو وحذيفة بن سيد بني ذيبان على فريسهما داحس "فرس قيس" والغبراء "فرس حذيفة" -وقيل إنهما تراهنا على داحس والغبراء فرسي قيس، والخطار والحنفاء فرسي حذيفة- وتواضعا الرهان على مائة بعير، ثم قادوهما إلى رأس=
(1/127)

"يا معشر النمر: إن لكم علي حقًا، وأنا أريد أن أوصيكم، وآمركم بخصال، وأنهاكم عن خصال، عليكم بالأناة؛ فإن بها تدرك الحاجة، وتنال القرضة، وتسويد من لا تعاون بتسويده، وعليكم بالوفاء؛ فإن به يعيش الناس وبإعطاء من تريدون إعطاءه قبل المسألة، ومنع من يريدون منعه قبل الإلحاح، وإجارة الجار على الدهر، وتنفيس المنازل عن بيوت اليتامى، وخلط الضيف بالعيال.
وأنهاكم عن الغدر؛ فإنه عار الدهر، وعن الرهان، فإني به ثكلت مالكًا أخي وعن الغي، فإنه قتل زهيرًا أبي1، وعن الإعطاء في الفضول، فتعجزا عن الحقوق، وعن السرف في الدماء، فإن يوم الهباءة3 ألزمني العار، ومنع الحرم إلا من الأكفاء،
__________
= الميدان، وفي طرف الغاية شعاب كثيرة، فأكمن حمل بن بدر في تلك الشعاب فتيانًا على طريق الفرسين، وأمرهم إن جاء داحس سابقًا أن يردوا وجهه عن الغاية؛ فأرسلوهما فأحضرا، فلما شارف داحس الغاية ودنا من الفتية، وثبوا في وجهه فردوه عنها، وعلم قيس بذلك، وبعث حذيفة بن بدر ابنه مالكًا إلى قيس يطلب منه حق السبق؛ فقال قيس: كلا لأمطلنك به؛ فتناول ابن حذيفة من عرض قيس وشتمه وأغلظ له، وكان إلى جنب قيس رمح فطعنه به فدق صلبه، واجتمع الحيان وأدوا دية المقتول، وأخذها حذيفة دفعًا للشر، ثم إن قومه ندموه فعاد الشر بينهم، وقامت الفتن بين الحيين، وعدا حذيفة على مالك بن زهير أخي قيس فقتله، وكان الربيع بن زياد عمهما معتزل الحرب؛ فلما سمع بمقتل ابن أخيه مالك شق ذلك عليه وقاتل بني ذبيان، ثم توالت أيام الحروب بينهم، وكان أعظمها يوم الهباءة حتى أصلح بينهم الحارث بن عوف وهرم بن سنان المريان، وحملا ديات القتلى ثلاثة آلاف بعير.
1 وسبب مقتل زهير بن جذيمة العبسي أبي قيس، أن هوازن بن منصور كانت تؤتي الإتاوة زهير بن جذيمة -ولم تكثر عامر بن صعصعة بعد- فأتت عجوز من هوازن إلى زهير بسمن في نحي "النحي كحمل الزق، أو ما كان للسمن خاصة" فاعتذرت إليه، وشكت السنين اللواتي تتابعن على الناس "فذاقه فلم يرض طعمه، فدعها أي دفعها بقوس في يده فسقطت فبدت عورتها؛ فغضبت من ذلك هوازن وحقدته إلى مكان في صدورها من الغيط، وكانت يومئذ قد كثرت بنو عامر بن صعصمة فثاروا إليه فقاتلوه حتى قتلوه.
3 وكان حذيفة بن بدر وأخوه نزلا مع أصحابهما في حفر الهباءة، فأتبعهم قيس ومن معه حتى أدركهم فيه، وقد أرسلوا خيولهم ونزعوا سلاحهم "وكان حذيفة قد أخذ غلامين من بني عبس؛ فقتلهما وهما يسغيثان يا أبتاه حتى ماتا" فشد قيس والربيع ومن معهما عليهم، وهم ينادون لبيكم لبيكم، يعني أنهم يجيبون نداء الصبية لما قتلوا ينادون يا أبتاه، فناشدوهم الله والرحم، فلم يقبلوا منهم، وقتلوا حذيفة وحملا أخاه، ومثلوا بحذيفة فقطعوا مذاكيره وجعلوها في فيه وجعلوا لسانه في استه، وأسرف قيس في النكاية والقتل، وكانت فزارة تسمى هذه الوقعة البوار، ولكن فيما ندم بعد ذلك ورثى حمل بن بدر، وهو أول من رثى مقتوله.
(1/128)

فإن لم تصيبوا لهن الأكفاء. فإن خير مناكحهن القبور، "أو خير منازلها"، واعلموا أني كنت ظالمًا مظلومًا، ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكًا أخي، وظلمتهم بأن قتلت من لاذنب له".
"العقد الفريد 3: 224، وآمال السيد المرتضى 1: 149، وسرح العيون ص 90".
(1/129)

83- وصية حصن بن حذيفة لبنيه:
وأوصى حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري بني بدر فقال:
"اسمعوا مني ما أوصيكم به: لا يتكل آخركم على أولكم؛ فإنما يدرك الآخر ما أدركه الأول، وأنكحوا الكفء الغريب؛ فإنه عز حادث، وإذا حضركم أمران، فخذوا بخيرهما صدرًا1، فإن كل مورد مغروف، وأصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم، ولا تخالفوا فيما اجتمعوا عليه، فإن الخلاف يزري بالرئيس المطاع، وإذا حادثتم فاربعوا2، ثم قولوا الصدق؛ فإنه لا خير في الكذب، وصونوا الخيل فإنها حصون الرجال، وأطيلوا الرماح فإنها قرون الخيل، وأعزوا الكبير بالكبر؛ فإني بذلك كنت أغلب الناس، ولا تغزوا إلا بالعيون3، ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح4، وأعطوا على حسب المال، وأعجلوا الضيف بالقرى5، فإن خيره أعجله، واتقوا فضيحات البغي، وفلتات المزاح، ولا تجيروا على الملوك، فإن أيديهم أطول من أيديكم".
"أمالي السيد المرتضى 2: 168".
__________
1 الصدر: الرجوع.
2 ربع: كمنع انتظر وتحبس، وربع الحبل: فتله من أربع طاقات، والمعنى إذا حادثتم فتأنوا وتمهلوا، أو فأحكموا القول.
3 العيون: جمع عين، وهي خيار كل شيء.
4 الصباح الغارة: أي ولا تسرحوا مقاتلتكم حتى تأمنوا الغارة.
5 قرى الضيف يقريه قرى: أحسن إليه، والقرى أيضًا ما قرى به الضيف.
(1/129)

83- وصية لأكثم بن صيفي:
كتب النعمان بن خميصة الباروقي إلى أكثم بن صيفي: "مثل لنا مثالًا نأخذ به1".
فقال:
"لقد حلبت الدهر أشطره2 فعرفت حلوه ومره. عين عرفت فذرفت3، إن أمامي ما لا أسامي4. رب سامع بخبر لم يسمع بعذري. كل زمان لمن فيه. في كل يوم ما يكره. كل ذي نصرة سيخذل. تباروا فإن البر ينمي5 عليه العدد وكفوا ألسننتكم فإن مقتل الرجل بين فكيه. إن قول الحق لم يدع لي صديقًا. الصدق منجاة لا ينفع مع الجزع التبقي. ولا ينفع مما هو واقع التوقي، ستساق إلى ما أنت لاق. في طلب المعالي يكون العناء. الاقتصاد في السعي أبقى للجمام6 من لم يأس7 على ما فاته ودع بدنه، ومن قنع بما هو فيه قرت عينه. التقدم قبل التندم8. أصبح عند رأس الأمر أحب إلي من أن أصبح عند ذنبه. لم يهلك من مالك ما وعظك، ويل لعالم أمر من جاهله. يتشابه الأمر إذا أقبل؛ فإذا أدبر عرفه الكيس والأحمق. الوحشة ذهاب الأعلام9. البطر عند الرخاء حمق. والعجز عند البلاء أفن10. لا تغضبوا
__________
1 هكذا روى أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال: وذكر الميداني أن أكتم وصى بها بنيه حين جمعهم، والرواية الأولى أطول بكثير من الثانية، وقد جمعت بين الروايتين.
2 للناقة شطران: قادمان وآخران؛ فكل خلفين من أخلافها شطر "والخلف بالكسر لها كالضرع للبقرة" وأشطره بدل من الدهر، والمعنى أنه اختبر الدهر خيره وشره فعرف ما فيه، وهو مثل يضرب فيمن جر الدهر.
3 ذرفت عينه كضرب: سال دمعها، وذرفت للعين دمعها أسالته، وهو مثل يضرب لمن رأى الأمر فعرف حقيقته.
4 ساماه: باراه في السمو.
5 يزيد، وفي مجمع الأمثال " يبقى".
6 أي أبقى للقوة، من جم الفرس جمامًا "بالفتح" ترك الضراب فتجمع ماؤه، وجم الماء يجم بضم الجيم وكسرها جمومًا كثر واجتمع، والبئر تراجع ماؤها، والجمام بالفتح أيضًا: الراحة.
7 يحزن.
8 أي ففكر في التقدم قبل أن تندم.
9 الأعلام جمع علم: وهو سيد القوم.
10 الأفن: ضعف الرأى والعقل، وفي الأصل أمن وهو تحريف.
(1/130)

من اليسير؛ فربما جنى لكثير. لا تجيبوا فيما لم تسألوا عنه. ولا تضحكوا مما لا يضحك منه. حيلة من لا حيلة له الصبر. كونوا جميعًا فإن الجمع غالب، تثبتوا. ولا تسارعوا فإن أحزم الفريقين الركين. رب عجلة تهب ريثًا. ادرعوا الليل واتخذوه جملًا. فإن الليل أخفى للويل. ولا جماعة لمن اختلف. تناءوا في الديار ولا تباغضوا؛ فإنه من يجتمع يتقعقع1 عمده. ألزموا النساء المهابة2 نعم لهو الغرة3 المعزل. إن تعش تر ما لم تره. قد أقر صامت. المكثار كحاطب4 ليل. من أكثر أسقط5. لا تجعلوا سرا إلى أمة. لا تفرقوا في القبائل؛ فإن الغريب بكل مكان مظلم، عاقدوا الثروة6. وإياكم والوشائظ7 فإن مع القلة الذلة: لو سئلت العارية قالت أبغي لأهلي ذلًّا. الرسول مبلغ غير ملوم. من فسدت بطانته غص بالماء. أساء سمعًا فأساء إجابة8. الدال على الخير كفاعله. إن المسألة من أضعف المسكنة. قد تجوع الحرة
__________
1 تقعقع: اضطرب وتحرك. وفي الأصل عنده بدل عمده وهو تحريف، وهذا مثل. معناه لا بد من الافتراق بعد الاجتماع، أو معناه إذا اجتمع القوم وتقاربوا وقع بينهم الشر فتفرقوا، أو من غبط بكثرة العدد واتساق الأمر فهو بمعرض الزوال والانتشار.
2 أي أن بهبنكم ويوقرنكم، وفي الأصل "المهانة" وهو تصحيف.
3 الشريفة.
4 الحاطب: الذي يجمع الحطب، وهو حاطب ليل: أي مخلط في كلامه.
5 أسقط كلمة، وأسقط في كلمة أي أخطأ.
6 عاقدوا: حالفوا، والثروة: كثرة العدد من الناس.
7 يقال هم وشيظة في قومهم أي حشو فيهم.
8 جابة بمعنى إجابة، اسم وضع موضع المصدر، ومثلها الطاعة والطاقة والغارة والعارة. قال المفضل: أول من قال ذلك سهيل بن عمرو، وكان تزوج صفية بنت أبي جهل بن أبي هشام؛ فولدت له أنس بن سهيل، فخرج معه ذات يوم، فوقف بحزورة مكة "والحزورة كقسورة: الرابية الصغيرة" فأقبل الأخنس بن شريق الثقفي، فقال: من هذا؟ قال سهيل: ابني، قال الأخنس: حياك الله يا فتى! قال: لا، والله ما أمي في البيت، انطلقت إلى أم حنظلة تطحن دقيقًا، فقال أبوه: أساء سمعًا فأساء إجابة فأرسلها مثلًا.
(1/131)

ولا تأكل بثدييها1. لم يجر سالك القصد، ولم يعم قاصد الحق، من شدد نفر، ومن تراخى تألف. الشرف التغافل. أوفى القول أو جزه. أصوب الأمور ترك الفضول التغرير مفتاح البؤس. التواني والعجز ينتجان الهلكة. لكل شيء ضراوة2. أحوج الناس إلى الغنى من لا يصلحه إلا الغنى، وهم الملوك. حب المدح رأس الضياع. رضا الناس غاية لا تبلغ. لا تركه سخط من رضاه الجور معالجة العفاف مشقة فتعوذ بالصبر. اقصر لسانك على الخير وأآخر الغضب؛ فإن القدرة ممن ورائك، من قدر أزمع، أمر أعمال المقتدرين الانتقام، جاز بالحسنة ولا تكافئ بالسيئة، أغنى الناس عن الحقد من عظم عن المجازاة. من حسد من دونه قل عذره، من جعل لحسن الظن نصيبًا روح عن قلبه، عي الصمت أحمد من عي المنطق، الناس رجلان محترس ومحترس منه كثير النصح يهجم على كثير الظنة3، ومن ألح في المسألة أبرم4، خير السخاء
__________
1 أي لا تعيش بسبب ثديها وبما يغلان عليها من أجرة الإرضاع، يضرب في صيانة الرجل نفسه عن خسيس المكاسب، وذكروا أن أول من قاله الحارث بن سليل الأسدى، وكان شيخًا كبيرًا وكان حليفًا لعلقمة بن خصفة الطائي، فزاره فنظر إلى ابنته الزباء، وكانت من أجمل أهل دهرها فأعجب بها، فقال له: أتيتك خاطبًا، وقد ينكح الخاطب، ويدرك الطالب، ويمنح الراغب؛ فقال له علقمة: أنت كفء كريم يقبل منك الصفو، ويؤخذ منك العفو، فأقم ننظر في أمرك، ثم انكفأ إلى أمها فقال إن الحارث بن سليل سيد قومه حسبًا ومنصبًا وبيتًا، وقد خطب إلينا الزباء، فلا ينصرف إلا بحاجته فقالت امرأته لابنتها: أي الرجال أحب إليك؟ الكهل الجحجاح "أي السيد"، الواصل المناح، أم الفتى الوضاح؟ قالت، لا بل الفتى الوضاح، قالت: إن الفتى يغيرك، وإن الشيخ يميرك، وليس الكهل الفاضل، الكثير النائل، كالحديث السن، الكثير المن، قالت: يا أمتاه، إن الفتاة تحت الفتى كحب الرعاء أنيق الكلا، قالت: أي بنية، إن الفتى شديد الحجاب، كثير العتاب، قالت: إن الشيخ يبلي شبابي، ويدنس ثيابي، ويشمت بي أترابي، فلم تزل أمها بها حتى غلبتها على رأيها، فتزوجها الحارث على مائة وخمسين من الإبل وخادم وألف درهم، فابتنى بها ثم رحل بها إلى قومه؛ فبينا هو ذات يوم جالس بفناء قومه وهي إلى جانبه إذ أقبل إليه شباب من بني أسد يعتلجون، "أي يتصارعون ويتقاتلون" فتنفست الصعداء ثم أرخت عينيها بالبكاء، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: مالي وللشيوخ، الناهضين كالفروخ، فقال لها: ثكلتك أمك تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، الحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك.
2 يقال: ضرى الكلب بالصيد "كفرح" ضراوة أي تعود، وكلب ضار، وأضراه صاحبه عوده وأضراه به: أغراء، وضراه أيضًا تضرية.
3 التهمة.
4 أبرمه: أضجره وأمله.
(1/132)

ما وافق الحاجة، الصمت يكسب المحبة، لن يغلب الكذب شيئًا إلا غلب عليه الصدق، القلب قد يتهم وإن صدق اللسان، الانقباض عن الناس مكتبة للعداوة، وتقريبهم مكسبة لقرين السوء؛ فكن من الناس بين القرب والبعد. فإن خير الأمور أوساطها، فسولة1 الوزراء أضر من بغض الأعداء، خير القرناء المرأة الصالحة، وعند الخوف حسن العمل، من لم يكن له من نفسه زاجر؛ لم يكن له من غيره واعظ، وتمكن منه عدوه على أسوأ عمله، لن يهلك امرؤ حتى يمل2 الناس عتيد فعله ويشتد على قومه، ويعجب بما ظهر من مروءته، ويغتر بقومه، والأمر يأتيه من فوقه، ليس للمختال في حسن الثناء نصيب، لا نماء مع العدم، إنه من أتى المكروه إلى أحد بدأ بنفسه. العي أن تتكلم فوق ما تسد به حاجتك، لا ينبغي لعاقل أن يثق بإخاء من تضطره إلى إخائه حاجة، أقل الناس راحة الحقود، من تعمد الذنب لا تحل رحمته دون عقوبته؛ فإن الأدب رفق، والرفق يمن".
"جمهرة الأمثال 1:320، ومجمع الأمثال 2: 145".
__________
1 فسل فسولة فهو فسل: أي رذل لا مروءة له، والوزراء: جمع وزير وهو النصير والظهير.
2 في الأصل "يملك" ورأى صوابه يمل.
(1/133)

84- وصية أكثم بن صيفي لطيئ:
وقال أكثم بن صيفي في وصية كتب بها إلى طيئ:
"أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، وإياكم ونكاح الحمقاء؛ فإن نكاحها غرر1، وولدها ضياع. وعليكم بالخيل فأكرموها؛ فإنها حصون العرب، ولا تضعوا رقاب الإبل في غير حقها. فإن فيها الكريمة2، ورقوء الدم3، وبألبانها يتحف
__________
1 الغرر: الخطر، غرر بنفسه تغريًا: عرضها للهلكة والاسم الغرر.
2 يريد مهرها.
3 رقأ الدم: جف وسكن، والرقوء كصبور ما يوضع على الدم ليرقئه، والمعنى أنها تعطي في الديات فتحقن بها الدماء.
(1/133)

الكبير1، ويغذي الصغير، ولو أن الإبل كلفت الطحن لطحنت. ولن يهلك امرؤ عرف قدره. والعدم2 عدم العقل، لا عدم المال، ولرجل خير من ألف رجل. ومن عتب على الدهر طالت معتبته. ومن رضي بالقسم3 طابت معيشته. وآفة الرأي الهوى. والعادة أملك4. والحاجة مع المحبة خير من الغض مع الغنى. والدنيا دول؛ فما كان لك أتاك على ضعفك، وما كان عليك لم تدفعه بقوتك. والحسد داء ليس له دواء. والشماتة تعقب، ومن ير يومًا ير به. قبل الرماء تملأ الكنائن5. الندامة مع السفاهة. دعامة العقل الحلم. خير الأمور مقبة الصبر. بقاء المودة عدل6 التعاهد. من يزر غبًا يزدد حبًّا، التغرير مفتاح البؤس. من التواني والعجز نتجت7 الهلكة. لكل شيء ضراوة. فضر لسانك بالخير عي الصمت أحسن من عي المنطق. الحزم حفظ ما كلفت وترك ما كنيت. كثير النصح يهجم على كثير الظنة. من ألحف في المسألة ثقل. من سأل فوق قدره استحق الحرمان. الرفق يمن، والخرق شؤم. خير السخاء ما وافق الحاجة. خير العفو ما كان بعد القدرة".
"مجمع الأمثال 2:87".
__________
1 التحفة: البر واللطف والطرفة، وقد أتحفته تحفة.
العدم بالضم وبضمتين وبالتحريك الفقدان وغلب على فقدان المال.
3 القسم: القدر
4 وفي رواية: "العادة أملك من الأدب".
5 الرماء مصدر رامى كالمراماة، والكنائن جمع كنانة: وهي جعبة السهام، وهو مثل معناه: تؤخذ للأمر أهبته قبل وقوعه، ومثله قولهم "قبل الرمي يراش السهم" أي يوضع له الريش.
6 العدل: الاستقامة أي بقاء المودة في استقامة التعاهد والحرص على سلامة شروطه.
7 ويروى نتجت الفاقة.
(1/134)

85- وصية أكثم بن صيفي لبنيه ورهطه:
وصى أكثم بن صيفي بنيه ورهطه، فقال: "يا بني تميم لا يفوتنكم وعظي إن فاتكم الدهر بنفسي، إن بين حيزومي1 وصدري لكلامًا لا أجد له مواقع إلا
__________
1 الحيزوم: وسط الصدر وما يضم عليه الخزام.
(1/134)

أسماعكم، ولا مقار إلا قلوبكم؛ فتلقوه بأسماع مصغية، وقلوب واعية، تحمدوا مغبته الهوى يقظان، والعقل راقد، والشهوات مطلقة، والحزم معقول1 والنفس مهملة، والروية مقيدة، ومن جهة التواني وترك الروية يتلف الحزم، ولن يعدم المشاور مرشدًا، والمستبد برأيه موقوف على مداحض2 الزلل، ومن سمع سمع به، ومصارع الرجال تحت بروق الطمع، ولو اعتبرت مواقع المحن ما وجدت إلا في مقاتل الكرام، وعلى الاعتبار طريق الرشاد، ومن سلك الجدد3 أمن العثار، ولن يعدم الحسود أن يتعب قلبه، ويشغل فكره، ويؤرث4 غيظه، ولا تجاوز مضرته نفسه.
يا بني تميم: الصبر على جرع الحلم أعذب من جني ثمر الندامة، ومن جعل عرضه دون ماله استهدف للذم، وكلم اللسان أنكى من كلم السنان، والكلمة مرهونة ما لم تنجم من الفم؛ فإذا نجمت فهي أسد محرب5، أو نار تلهب، ورأى الناصح اللبيب دليل لا يجوز، ونفاذ الرأي في الحرب، أجدى من الطعن والضرب".
"شرح ابن أبي الحديد 4: 155، وسرح العيون 15 وجمهرة الأمثال 2: 212".
__________
1 محبوس.
2 جمع مدحضة: وهي المزلة.
3 الأرض المستوية.
4 يوقد.
5 التحريب: التحريش والتحديد، والمحرب والمتحرب الأسد.
(1/135)

86- نصيحة أكثم بن صيفي لقومه:
ونصح قومه فقال: "أقلوا الخلاف على أمرائكم، واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل، والمرء يعجز لا محالة، يا قوم تثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين1 ورب عجلة تهب ريثا2، واتزروا للحرب، وادرعوا الليل؛ فإنه أخفى للويل، ولا جماعة لمن اختلف".
"الأغاني 15: 70".
__________
1 الرزين.
2 بطئًا.
(1/135)

87- أمثال أكثم بن صيفي "وبزرجمهر" الفارسي: 1
"العقل بالتجارب. الصاحب مناسب2. الصديق من صدق غيبه3. الغريب من لم يكن له حبيب. رب بعيد أقر من قريب. القريب من قرب نفعه. لو تكاشفتم ما تدافنتم. خير أهلك من كفاك، خير سلاحك ما وقاك. خير إخوانك من لم تخبره. رب غريب ناصح الجيب4، وابن أب متهم بالغيب، أخوك من صدقك، الأخ مرآة أخيه. إذا عز أخوك فهن5. مكره أخاك لا بطل6. تباعدوا في الديار وتقاربوا في المحبة. أي الرجال المهذب7 من لك بأخيك كله. إنك إن فرحت لاق فرحًا.
__________
1 هكذا في العقد الفريد، وليس من الميسور تمييز أمثال أحدهما من أمثال الآخر إلا في القليل، على أنه قد ورد بينهما أمثال لغير أكثم، "ولعله تمثل بها" وأخرى له قد وردت في ثنايا كلامه الذي أوردته آنفًا؛ ولكني آثرت إيراد المقال برمته كما جاء في العقد، وبزرجمهر: مركب من بزرج معرب بزرك أي الكبير، ومهر أي الروح وهو بزر جمهر بن البختكان وزير كسرى أنو شروان ملك الفرس، وكان سديد الفكر، حصيف الرأي.
2 المناسب والنسيب: القريب، من النسبة "بالكسر والضم" وهي: القرابة، وبينهما مناسبة أي مشاكلة، هذا يناسب ذاك أي يقاربه شبهًا.
3 في الأصل "من صدق عينيه" وهو محرف، وأراه من صدق غيبه أو غيبته أي من صدق في موجته، وحفظ الإخاء، في الغيبة لا في المحضر فحسب.
4 جيب القميص طوقه، وهو ناصح الجيب أي القلب كتابة عن أنه خالص الطوية لا غش فيه.
5 في الميداني: هذا المثل لهذيل بن هبيرة التغلبي، وكان أغار على بني ضبة فغنم فأقبل بالغنائم. فقال له أصحابه قسمها بيننا؛ فقال: إني أخاف إن تشاغلتم بالاقتسام أن يدرككم الطلب فأبوان فعندها قال: "إذا عز أخوك فهن" ثم نزل فقسم بينهم الغنائم، ومعناها، مياسرتك صديق ليس بضيم يركبك منه فتدخلك الحمية به، إنما هو حسن خلق وتفضل؛ فإذا عاسرك فياسره.
6 قاله أبو حنش: وذلك أن رجلًا من بني فزارة يقال له بيهس أخبر أن ناسًا من أشجع في غار يشربون فيه -وكانوا قد قتلوا إخوته الستة- فانطلق بخال له يسمى أبا حنش، فقال له هل لك في غار فيه ظباء لعلنا نصيب منها -ويروى: هل لك في غنيمة باردة- ثم انطلق به حتى أقامه على فم الغار، ودفعه فيه فقال: ضربًا أبا حنش، فقال بعضهم: إن أبا حنش لبطل، فقال أبو حنش: مكره أخاك لا بطل، فأرسلها مثلًا.
7 في الميداني: أول من قاله النابغة الذبياني حيث قال:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب؟
(1/136)

أحسن يحسن إليك. ارحم ترحم. كما تدين تدان1. من ير يومًا ير به، والدهر لا يغتر به، عين عرفت فذرفت2. في كل خبرة عبرة، من مأمنه يؤتى الحذر، لا يعدو المرء رزقه وإن حرص، إذا نزل القدر عمي البصر، وإذا نزل الحين نزل بين الأذن والعين3. الخمر مفتاح كل شر. الغناء رقية الزناء4. القناعة مال لا ينفد. خير الغنى غنى النفس. منساق إلى ما أنت لاق. خذ من العافية ما أعطيت. ما الإنسان إلا القلب واللسان. إنما لك ما أمضيت. لا تتكلف ما كفيت. القلم أحد اللسانين. قلة العيال أحد اليسارين، ربما ضاقت الدنيا باثنين. لن تعدم الحسناء ذامًا5. لم يعدم الغاوي لائمًا. لا تك في أهلك كالجنازة6. لا تسخر من شيء فيجوز بك. أخر الشر فإذا شئت تعجلته. صغير الشر يوشك أن يكبر. يبصر القلب ما يعمى عنه البصر، الحر حر وإن مسه الضر، العبد عبد وإن ساعده جد7، من عرف قدره استبان
__________
1 الدين بالكسر: الجزاء دانه يدينه دينًا بالفتح ويكسر، ومعنى المثل كما تجازي تجازى: أي كما تعمل تجازى، إن حسنًا فحسن، وإن سيئًا فسيئ، وقوله تدين: أراد تعمل فسمي الابتداء جزاء للمطابقة والموافقة، وعلى هذا قوله تعالى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] . ويجوز أن يجري كلاهما على الجزاء أي كما تجازي أنت الناس على صنيعهم كذلك تجازى على صنيعك.
2 في الأصل "عين رفت" وهو تشويه، وصوابه "عين عرفت فذرفت".
3 الحين: الهلاك، وقوله: نزل بين الأذن والعين أي بمسح ومر أي ممن نزل به لا مختفيًا عنه.
4 زنى يزني زنى وزناء.
5 الذام: والذيم العيب، قال الميداني: "وأول من تكلم بهذا المثل فيما زعم أهل الأخبار حبى بنت مالك بن عمرو العدوانية "وحبسي: بضم الحاء، وتشديد الباء المفتوحة" وكانت من أجمل النساء؛ فسمع بجمالها ملك غسان فخطبها إلى أبيها، وحكمه في مهرها، وسأله تعجيلها؛ فلما عزم الأمر، قالت أمها لتباعها: إن لنا عند الملامسة رشحة فيها هنة؛ فإذا أردتن، إدخالها على زوجها، فطيبنها بما في أصدافها فلما كان الوقت أعجلهن زوجها، فأغفلن تطييبها، فلما أصبح قيل له: كيف وجدت أهلك: طروقتك، البارحة؟ فقال ما رأيت كالليلة قط لولا رويحة أنكرتها، فقالت هي من خلف الستر "لا تعدم الحسناء ذامًا" فأرسلتها مثلًا.
6 الجنازة بالكسر: الميت، ويفتح، أو بالكسر الميت، وبالفتح السرير، أو عكسه، أو بالكسر السرير مع الميت، والمراد هنا الميت، وهذا المثل والمثلان قبله في الأصل مشوهة مختلطة هكذا: لن تعدم الحسناء ما لم يعدم الغاوي لا يمالأ بك في أهلك كالجنازة".
7 الجد: الحظ.
(1/137)

أمره. من سره بنوه ساءته نفسه. من تعظم على الزمان أهانه. من تعرض للسلطان آذاه، ومن تطامن له تخطاه. من خطأ يخطو1. كل مبذول مملول، كل ممنوع مرغوب فيه. كل عزيز تحت القدرة ذليل. لكل مقام مقال. لكل زمان رجال. لكل أجل كتاب. لك عمل ثواب. لكل نبأ مستقر. لكل سر مستودع. قيمة كل إنسان ما يحسن. اطلب لكل غلق2 مفتاحًا. أكثر في الباطل يكن حقًّا. عند القنط3 يأتي الفرج. عند الصباح يحمد السرى4. الصدق منجاة، والكذب مهواة. الاعتراف يهدم الاقتراف. رب قول أنفذ من صول. رب ساعة ليس بها طاعة. رب عجلة تعقب ريثًا5. بعض الكلام أقطع من الحسام، بعض الجهل أبلغ
__________
1 يريد: من حاول الخطو وعالجه استطاعه ومرن عليه، أي أن من أراد وتحيل له وأخذ في معالجته وممارسته، تم له ما يبغي، وهو كقولهم: إنما العلم بالتعلم، "ورفع يخطو في المثل حسن؛ لأن الشرط ماض".
2 الغلق: القفل كالمغلاق.
3 القنط والقنوط: اليأس.
4 السرى: السير ليلًا، ويروى "عند الصباح يحمد القوم السرى" وهو مثل يضرب للرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة، وفي الميداني: "أن أول من قال ذلك خالد بن الوليد لما بعث إليه أبو بكر رضي الله عنهما وهو باليمامة أن سر إلى العراق؛ فأراد سلوك المفازة، فقال له رافع الطائي: قد سلكتها في الجاهلية، هي خمس للإبل الواردة "فلاة خمس بكسر الخاء: بعد وردها حتى يكون ورد النعم اليوم الرابع سوى اليوم الذي شربت فيه" ولا أظنك تقدر عليها إلا أن تحمل من الماء؛ فاشترى مائة شارف "الشارف الناقة المسنة" فعطشها ثم سقاها الماء حتى رويت، ثم سلك المفازة، حتى إذا مضى يومان وخاف العطش على الناس والخيل، وخشي أن يذهب ما في بطون الإبل نحر الإبل، واستخرج ما في بطونها من الماء؛ فسقى الناس والخيل ومضى؛ فلما كان في الليلة الرابعة. قال رافع: انظروا هل ترون سدرًا عظامًا "السدر بالكسر شجر النبق" فإن رأيتموها وإلا فهو الهلاك؛ فنظر الناس فرأوا السدر فأخبروه فكبر وكبر الناس، ثم هجموا على الماء فقال خالد رجزًا منه "عند الصباح يحمد القوم السرى".
5 الريث: الإبطاء ويروى تهب ريثًا، وفي الميداني: "أن أول من قال ذلك مالك بن عوف بن أبي عمرو بن عوف محمل الشيباني، وكان سنان بن مالك بن أبي عمرو بن عوف بم محلم شام غيمصًا؛ فأراد أن يرحل بامرأته وهي أخت مالك بن عوف؛ فقال له مالك: أين تظعن يا أخي؟ قال: أطلب موقع هذه السحابة. قال: لا تفعل فإنه ربما خيلت، وليس فيها قطر، وأنا أخاف عليك فأبى، ومضى فعرض له مروان القرظ بن زنباع العبسي، فأعجله عنها وانطلق بها، وجعلها بين بناته وإخواته ولم يكشف لها سترا فقال مالك بن عوف لسنان: ما فعلت أختي؟ قال: نفتني عنها الرماح، فقال مالك: "رب عجلة تهب ريثًا. ورب فروقة يدعى ليثا، ورب غيث لم يكن غيثًا"، فأرسلها مثلًا، يضرب للرجل يشتد حرصه على حاجة، ويخرق فيها حتى تذهب كلها.
(1/138)

من الحلم، ربيع القلب ما اشتهى، الهوى شديد العمى. الهوى الإله المعبود. الرأي نائم، والهوى يقظان. غلب عليك من دعا إليك. لا راحة لحسود ولا وفاء، لا سرور كطيب النفس. العمر أقصر من أن يحتمل الهجر. أحق الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. خير العلم ما نفع. خير القول ما اتبع. البطنة1 تذهب الفطنة. شر العمى عمى القلب. أوثق العرى كملة التقوى2. النساء حبائل الشيطان. الشباب شعبة من الجنون. الشقي من شقي في بطن أمه. السعيد من وعظ بغيره؛ لكل امرئ في بدنه شغل، من يعرف البلاء يصبر عليه. المقادير تريك مالًا يخطر ببالك. أفضل الزاد ما تزود للمعاد. الفحل أحمى للشول4. صاحب الحظوة غدًا، من بلغ المدى. عواقب الصبر محمودة. لا تبلغ الغايات بالأماني. الصريمة4 على قدر العزيمة. الضيف يثني أو يذم من تفكر اعتبر. كم شاهد لك لا ينطق. ليس منك من غشك، ما نظر لامرئ مثل نفسه. ما سد فقرك إلا ملك يمينك، ما على عاقل ضيعة. الغنى في الغربة وطن. المقل في أهله غريب، أول المعرفة الاختبار: يدك منك وإن كانت شلاء. أنفك منك وإن كان أجدع5.
__________
1 البطنة: الامتلاء الشديد من الطعام.
2 انظر خطبة عبد الله بن مسعود.
3 الشول: جمع شائلة وهي من الإبل ما أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر فجف لبنها، وأحمى: أفعل من الجماية.
4 الصريمة: قطع الأمر "والعزيمة".
5 ويروى "منك أنفك وإن كان أجدع" وفي الميداني: "أول من قال ذلك قنفذ بن جعونة المازني للربيع بن كعب المازني؛ وذلك أن الربيع دفع فرسًا كان قد أبر على الخيل "أي زاد" كرمًا وجودة إلى أخيه كميش ليأتي به أهله، وكان كميش أنوك مشهورًا بالحمق، وكان رجل من بني مالك يقال له قراد بن جرم قدم على أصحاب الفرس ليصيب منهم غرة فيأخذها، وكان داهية فكث فيهم مقيمًا لا يعرفون نسبة ولايظهره هو؛ فلما نظر إلى كميش راكبًا الفرس ركب ناقته ثم عارضه. فقال يا كميش: هل لك في عانة لم أر مثلها سمنًا ولا عظمًا "العانة: القطيع من حمر الوحش" وعير معها من ذهب؟ فأما الأتن "بضمتين جمع أتان" فتروح بها إلى هلك فتملأ قدورهم، وتفرح صدروهم، وأما العير فلا افتقار بعده=
(1/139)

من عرف بالكذب جاز صدقه1. الصحة داعية السقم. الشباب داعية الهرم. كثرة الصياح من الفشل. إذا قدمت المصيبة تركت التعزية. إذا قدم الإخاء سمج الثناء. العادة أملك من الأدب. الرفق يمن والخرق شؤم. المرأة ريحانة وليست بقهرمانة2. الدال على الخير كفاعله. المحاجزة قبل المناجزة. قبل الرماية تملأ الكنائن. لكل ساقطة لاقطة. مقتل الرجل بين كفيه. ترك الحركة غفلة. الصمت حبسة. من خير خبر. إن تسمع تمطر3. كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينًا للخونة. قيدوا النعم بالشكر. من يزرع المعروف يحصد الشكر، لا تغتر بمودة الأمير إذا غشك الوزير. أعظم من المصيبة سوء الخلف منها. من أراد البقاء فليوطن نفسه على المصائب. لقاء الأحبة مسلاة للهم. قطيعة الجاهل كصلة العاقل. من رضي على نفسه كثر الساخط عليه. قتلت أرض جاهلها، وقتل أرضًا عارفها. أدوأ الداء الخلق الدني، واللسان البذي. إذا جعلك السلطان أخا فاجعله ربًّا. احذر الأمين ولا تأمن الخائن. عند الغاية يعرف السبق. عند الرهان يحمد المضمار. السؤال وإن قل أكثر من النوال وإن جل كافئ المعروف بمثله أو انشره. لاخلة4 مع عيلة، لا مروءة مع ضر، ولا صبر مع شكوى.
__________
= قال له كمش: وكيف لنا به؟ قال: أنا لك به، وليس يدرك إلا على فرسك هذا، ولا يرى إلا بليل، ولا يراه غيري، قال كميش: فدونكه، قال نعم وأمسك أنت راحلتي؛ فركب قراد الفرس وقال: انتظرني في هذا المكان إلى هذه الساعة من غد، قال: نعم ومضى قراد: فلم يزل كميش ينتظره حتى أمسى من غده وجاع؛ فلما لم ير له أثرًا انصرف إلى أهله وقال في نفسه: إن سألني أخي عن الفرس قلت تحول ناقة؛ فلما رآه أخوه الربيع عرف أنه خدع عن الفرس، فقال له: أين الفرس؟ قال: تحول ناقة، قال: فما فعل السرج؟ قال: لم أذكر السرج فاطلب له علة، فصرعه الربيع ليقتله، فقال له قنفذ بن جعونة: لله عما فاتك، فإن أنفك منك وإن كان أجدع، فذهبت مثلًا.
1 في مجمع الأمثال "2: 175": "من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يحز صدقه".
2 القهرمان: هو كالخازن والوكيل الحافظ لما تحت يده، والقائم بأمور الرجل بلغة الفرس.
3 أي إن تفتح أذنك للأقاويل تمطر وابلًا منها.
4 الخلة: الصداقة المختصة لا خلل فيها. والعيلة الفقر.
(1/140)

ليس من العدل، سرعة العذل1. عبد غيرك حر مثلك. لا يعدم الخيار، من استشار. الوضيع من وضع نفسه. المهين من نزل وحده من أكثر أهجر2. كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع".
" العقد الفريد 1: 272".
ومن أمثال أكثم بن صيفي أيضًا:
"في الجريرة تشترك العشيرة3. إذا قرع الفؤاد ذهب الرقاد. هل يهلكني فقد ما لا يعود؟ أعوذ بالله أن يرميني امرؤ بدائه. رب كلام، ليس فيه اكتتام. حافظ على الصديق، ولو في الحريق. ليس بيسير، تقويم العسير. إذا أردت النصيحة؛ فتأهب للظنة. متى تعالج مال غيرك تسأم. غثك خير من سمين غيرك. لا تنطح جماء4 ذات قرن. قد يبلغ الخضم بالقضم5. قد صدع الفراق، بين الرفاق، استأنوا6 أخاكم، فإن مع اليوم غدًا. الحر عزوف7. لا تطمع في كل ما تسمع".
"جمهرة الأمثال 2:103".
__________
1 اللوم.
2 الإهجار: الإفحاش وهو أن يأتي في كلامه بالفحش.
3 مثل يضرب في الحث على المواساة.
4 الجماء: الشاة بلا قرن مؤنث الأجم.
5 القضم، الأكل بأطراف الأسنان، والخضم الأكل بأقصى الأضراس، ومعنى المثل: قد تدرك الغاية البعيدة بالرفق.
6 انتظروا.
7 من عزفت نفسه عنه: إذا زهدت فيه وانصرفت عنه أي أنف راغب عن الدنايا.
(1/141)

88- نصيحة الجمانة بنت قيس بن زهير لجدها الربيع بن زياد:
كان قيس بن زهير العبسي قد اشترى من مكة درعًا حسنة، تسمى ذات الفضول، وورد بها إلى قومه، فرآها عمه الربيع بن زياد، وكان سيد بني عبس، فأخذها منه
(1/141)

غضبًا، فقالت الجمانة بنت قيس لأبيها: دعني أناظر جدي، فإن صلح الأمر بينكما، وإلا كنت من وراء رأيك؛ فأذن لها، فأتت الربيع فقالت:
"إذا كان قيس أبي، فإنك يا ريبع جدي، وما يجب له من حق الأبوة علي، إلا كالذي يجب عليك من حق البنوة لي، والرأي الصحيح تبعثه العناية، وتجلي عن محضه النصيحة، إنك قد ظلمت قيسًا بأخذ درعه، وأجد مكافأته إياك سوء عزمه، والمعارض منتصر، والبادي أظلم، وليس قيس ممن يخوف بالوعيد، ولا يردعه التهديد، فلا تركنن إلى منابذته؛ فالحزم في متاركته، والحرب متلفة للعباد، ذهابة بالطارف والتلاد، والسلم أرخى للبال، وأبقى لأنفس الرجال، وبحق أقول: لقد صعدت بحكم، وما يدفع قولي إلا غير ذي فهم"، ثم أنشأت تقول:
أبي لا يرى أن يترك الدهر درعه ... وجدي يرى أن يأخذ الدرع من أبي
فرأي أبي رأي البخيل بماله ... وشيمة جدي شيمة الخائف الأبي
"بلاغات النساء ص125".
(1/142)

89- وصف عصام الكندية أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني:
لما بلغ الحارث بن عمرو ملك كندة جمال أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني، وكمالها وقوة عقلها، أراد أن يتزوجها؛ فدعا امرأة من كندة، يقال لها عصام، ذات عقل ولسان، وأدب وبيان، وقال لها: اذهبي حتى تعلمي لي علم ابنة عوف؛ فمضت حتى انتهت إلى أمها أمامة بنت الحارث؛ فأعلمتها ما قدمت له، فأرسلت أمامة إلى ابنتها وقالت: أي بنية، هذه خالتك أتت إليك لتنظر إلى بعض شأنك، فلا تستري عنها شيئًا أرادت النظر إليه، من وجه وخلق، وناطقيها فيما استنطقتك فيه، فدخلت عصام عليها؛ فنظرت إلى ما لم تر عينها مثله قط بهجة وحسنًا وجمالًا؛ فإذا هي أكمل الناس عقلًا، وأفصحهم لسانًا؛ فخرجت من عندها وهي تقول: "ترك الخداع من كشف
(1/142)

القِنَاعَ" فذهبت مثلًا، ثم أقبلت إلى الحارث فقال لها: "ما وراءك يا عصام"؟ فأرسلها مثلًا، قالت: "صرح المخض عن الزبد1"، فذهبت مثلًا. قال أخبريني، قالت: أخبرك صدقًا وحقًّا:
"رأيت جبهة كالمرآة الصقيلة، يزينها شعر حالك، كأذناب الخيل المضفورة2، إن أرسلته خلته السلاسل، وإن مشطته قلت عناقيد كرم جلاها الوابل3، وحاجبين كأنهما خطا بقلم، أو سودا بحمم4 قد تقوسا على عيني الظبية العبهرة5 التي لم يرعها قانص، ولم يذعرها قسورة6، بينهما أنف كحد السيف المصقول7، لم يخنس به8 قصر، ولم يمض9 به طول، حفت به وجنتان كالأرجوان10، في بياض محض كالجمان11، شق فيه فم كالخاتم، لذيذ المبتسم، فيه ثنايا غر، ذوات أشر12، وأسنان تبدو كالدرر، وريق كالخمر له نشر الروض بالسحر، يتقلب فيه لسان ذو فصاحة وبيان، يحركه عقل وافر وجواب حاضر، تلتقي دونه شفتان حمراوان كالورد، تجلبان ريقًا كالشهد، تحت ذلك عنق كإبربق الفضة، ركب في صدر كصدر تمثال دمية13، يتصل بها عضدان ممتلئان لحمًا، مكتزان14 شحمًا، وذراعان ليس فيها عظم يحس، ولا عرق يجس، ركبت فيهما كفان، دقيق
__________
1 مخض اللبن: أخذ زبده، والتصريح: تبين الأمر، وهو مثل يضرب للأمر إذا انكشف وتبين.
2 في الأصل "المقصورة" وهو تحريف وصوابه "المضفورة".
3 المطر الشديد الضخم القطر.
4 الحمم: الفحم.
5 العبهرة والعبهر: الرقيقة البشرة الناصعة البياض، والسمينة الممتلئة الجسم.
6 القسورة: الرماة من الصيادين، الواحد قسور.
7 في مجمع الأمثال "الصنيع" وهو السيف الصقيل المجرب.
8 خنس عنه كضرب وكرم تأخر "والخنس: محرك تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة، خنس كفرح فهو أخنس وهي خنساء".
9 وفي جمهرة الأمثال "ولم يمعن".
10 الأرجوان: صبغ أحمر.
11 الجمان: اللؤلؤ، أو هنوات أشكال اللؤلؤ من فضة.
12 أشر الأسنان: التحزيز الذي فيها.
13 الدمية: الصورة المنقشة من الرخام أو عام.
14 اكتنز: اجتمع: اجتمع وامتلأ.
(1/143)

قصبهما، لين عصبهما، تعقد إن شئت منهما الأنامل، وتركب الفصوص في حفر المفاصل، وقد تربع في صدرها حقان، كأنهما رمانتان، يخرقان عليها ثيابها، تحت ذلك بطن طوي كطي القباطي1 المدمجة، كسي عكنًا2 كالقراطيس المدرجة3 تحيط تلك العكن بسرة كمدهن4 العاج المجلو، خلف ذلك ظهر كالجدول، ينتهي إلى خصر، لولا رحمة الله لانبتر، تحته كفل5 يقعدها إذا نهضت، وينهضها إذا قعدت، كأنه دعص6 رمل، لبده سقوط الطل، يحمله فخذان لفاوان7 كأنهما نضيد الجمان تحتهما ساقان، خدلتان8 كالبردي، وشيتا بشعر أسود، كأنه حلق الزرد، يحمل ذلك قدمان، كحذو اللسان، فتبارك الله مع صغرهما كيف تطيقان حمل ما فوقهما، فأما ما سوى ذلك فتركت أن أصفه؛ غير أنه أحسن ما وصفه واصف بنظم أو نثر"؛ فأرسل الملك إلى أبيها فخطبها، فزوجه إياها9.
"العقد الفريد 3:235، ومجمع الأمثال 2:143، وجمهرة الأمثال 2: 27".
__________
1 القباطي "بضم الأول مع تشديد الآخر" وقباطي "بفتح الأول مع تخفيف الآخر" جمع قبطية "بالضم على غير قياس وقد تكسر": ثياب كنان بيض رقاق كانت تعمل في مصر.
2 العكن: جمع عكنة "كفرصة" وهي ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنًا.
3 المطوية.
4 المدهن: قارورة الدهن.
5 عجز.
6 الدعص: الكثيب من الرمل المجتمع.
7 اللفاء: الفخذ الضخمة "والضخمة الفخذين".
8 ساق خدلة: ممتلئة صخمة "والحدالة المرأة الغليظة الساق المستديرتها وفي العقد: "خد لجتان".
"بفتح الخاء والدال وتشديد اللام" والخدلجة: المرأة الممتلئة الذراعين والساقين.
9 في مجمع الأمثال وجمهرة الأمثال، أن الذي تزوج أم إياس هو الحارث بن عمرو، والحارث هذا هو جد امرئ القيس، وذكر صاحب العقد أن الذي تزوجها هو عمرو بن حجر، وأنها ولدت له الحارث بن عمرو جد امرئ القيس غير أنا نلاحظ أنه قال في مقدمة هذا الوصف: "ثم أقبلت عصام إلى الحارث؛ فقال لها: ما وراءك ياعصام؟ ... إلخ".
(1/144)

90- وصية أمامة بنت الحارث لابنتها أم إياس:
فلما حملت إلى زوجها قالت لها أمها أمامة بنت الحارث:
"أي بنية: إن الوصية لو تركت لفضل أدب، تركت لذلك منك؛ ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل، ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها، وشدة جاجتها إليها، كنت أغنى الناس عنه؛ ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال.
أي بنية: إنك فارقت الجو الذي منه خرجت، وخلفت العش الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه1 عليك رقيبًا ومليكًا؛ فكوني له أمة يكن لك عبدًا وشيكًا2. يا بنية: احملي عني عشر خصال تكن لك ذخرًا وذكرًا، الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهد لموقع عينه، والتفقد لموضوع أنفه؛ فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، والكحل أحسن الحسن، والماء أطيب الطيب المفقود، والتعهد لوقت طعامه، والهدو عنه عند منامه؛ فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيض النوم مغضبة، والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله؛ فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والإرعاء على العيال والحشم جميل حسن التدبير، ولا تفشي له سرًا، ولا تعصي له أمرًا؛ فإنك إن أفشيت سره، لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره، أو غرت صدره، ثم انقي من
__________
1 أملكه إياها: زوجه فملكها ملكًا، مثلث الميم.
2 الوشيك، السريع: أي يكن عبدًا سريع الإجابة.
(1/145)

ذلك الفرح إن كان ترحًا، وإلا كتئاب عنده إن كان فرحًا؛ فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وكوني أشد ما تكونين له إعظامًا، يكن أشد ما يكون لك إكرامًا، وأشد ما تكونين له موافقة، يكن أطول ما تكونين له مرافقة، واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين، حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك فيما أحببت وكرهت، والله يخير لك".
"مجمع الأمثال 2:143، والعقد الفريد 3: 223".
(1/146)

الباب الثاني: الخطب والوصايا في عصر صدر الإسلام
خطب النبي صلى الله عليه وسلم
أول خطبة خطبها بمكة حين دعا قومه
...
الخطب والوصايافي عصر صدر الإسلام:
خطب النبي صلى الله عليه وسلم:
1- أول خطبة خطبها بمكة حين دعا قومه:
حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"إن الرائد1 لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعًا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعًا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانًا، وبالسوء سوءًا، وإنها لجنة أبدًا، أو لنار أبدًا".
"السير الحلبية 1: 272، والكامل لابن الأثير 2: 27".
__________
1 المرسل في طلب الكلأ.
(1/147)

أول خطبة بالمدينة
...
2- أول خطبة خطبها بالمدينة:
حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
"أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم؛ تعلمن، والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فلبغك، وآتيتك مالًا، وأفضلت عليك؛ فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يمينًا وشمالًا؛ فلا يرى شيئًا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جنهم؛ فمن استطاع أن يقي وجهه من النار، ولو بشق من تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة؛ فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف1، والسلام عليكم وعلى رسوله الله ورحمة الله وبركاته".
"سيرة ابن هشام 1: 300".
__________
1 ضعف الشيء مثله، وضعفاه، أو الضعف المثل إلى ما زاد، ويقال لك ضعفه يريدون مثليه وثلاثة أمثاله؛ لأن زيادة غير محصورة.
(1/148)

3- خطبته في أول جمعة جمعها بالمدينة:
"الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأومن به ولا أكفره وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله؛ فقد رشد1، ومن يعصهما؛ فقد غوى وفرط، وضل ضلالًا بعيدًا، وأوصيكم بتقوى الله؛ فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرًا، وإن
__________
1 كنصر وفرح.
(1/148)

تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربه، عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله؛ يكن له ذكرًا في عاجل أمره، وذخرًا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدًا بعيدًا، ويحذركم الله نفسه، والله رءوف بالعباد، والذي صدق قوله، وأنجز وعده لا خلف لذلك؛ فإنه يقول عز وجل: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية؛ فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجرًا، ومن يتق الله فقد فاز فوزًا عظيمًا، وإن تقوى الله يوقى مقته، ويوقى عقوبته، ويوقى سخطه، وإن تقوى الله يبيض الوجوه، ويرضي الرب، ويرفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله؛ ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين؛ فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، ولا قوة إلا بالله؛ فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد اليوم؛ فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس؛ ذلك بأن الله يقضي على الناس، ولا يقضون عليه، يملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم".
"تاريخ الطبري 2: 255".
(1/149)

4- خطبة له يوم أحد:
قام عليه الصلاة والسلام فخطب الناس فقال:
"أيها الناس أوصيكم بما أوصاني الله في كتابه، من العمل بطاعته، والتناهي عن محارمه، ثم إنكم اليوم بمنزل أجر وذخر لمن ذكر الذي عليه، ثم وطن نفسه على الصبر واليقين، والجد والنشاط؛ فإن جهاد العدو شديد كربه، قليل من يصبر عليه إلا
(1/149)

من عزم له على رشده، إن الله مع من أطاعه، وإن الشيطان مع من عصاه؛ فاستفتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد، والتمسوا بذلك ما وعدكم الله، وعليكم بالذي أمركم به؛ فإني حريص على رشدكم. إن الاختلاف والتنازع والتثبيط من أمر العجز والضعف. وهو مما لا يحبه الله، ولا يعطي عليه النصر.
أيها الناس إنه قذف في قلبي أن من كان على حرام فرغب عنه ابتغاء ما عند الله؛ غفر له ذنبه، ومن صلى على محمد وملائكته عشرًا، ومن أحسن وقع أجره على الله في عاجل دنياه، أو في آجل آخرته، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فعليه الجمعة يوم الجماعة، إلا صبيًّا أو امرأة أو مريضًا أو عبدًا مملوكًا، ومن استغنى عنها استغنى الله عنه. والله غني حميد.
ما أعلم من عمل يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به، ولا أعلم من عمل يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه، وإنه قد نفث الروح الأمين في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها؛ فاتقوا الله ربكم، وأجملوا في طلب الرزق، ولا يحملنكم استبطاؤه على أن تطلبوه بمعصية ربكم؛ فإنه لا يقدر على ما عنده إلى بطاعته، قد بين لكم الحلال والحرام؛ غير أن بينهما شبهًا من الأمر لم يعلمها كثير من الناس إلا من عصم؛ فمن تركها حفظ عرضه ودينه، ومن وقع فيها كان كالراعي إلى جنب الحمى أوشك أن يقع فيه، وليس ملك إلا وله حمى؛ ألا وإن حمى الله محارمه، والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد، إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده، والسلام عليكم".
"شرح ابن أبي الحديد 3: 365".
(1/150)

5- خطبته بالخيف:
وخطب بالخيف من منى فقال:
"نضر1 الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها؛ فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل2 عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأولى الأمر، ولزوم الجماعة، إن دعوتهم تكون من ورائه، ومن كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كان همه الدنيا فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له".
"إعجاز القرآن ص112".
__________
1 من النضرة والنضارة: وهي الحسن.
2 غل صدره بغل كضرب غلًا: وهو الحقد والضغن.
(1/151)

6- خطبة له عليه الصلاة والسلام:
ومن خطبه أيضًا أنه خطب بعد العصر فقال:
"ألا إن الدنيا خضرة حلوة، ألا وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، ألا لا يمنعن رجلًا مخافة الناس أن تقول الحق إذا علمه. ولم يزل يخطب حتى لم تبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف فقال: إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى".
"إعجاز القرآن ص113".
(1/151)

7- خطبة له عليه الصلاة والسلام:
"إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أصدق الحديث وأبلغه، أحبوا من أحب الله، وأحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقسو عليه قلوبكم، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، اتقوا الله حق تقاته1، وصدقوا صالح ما تعملون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، والسلام عليكم ورحمة الله".
"إعجاز القرآن ص110".
__________
1 التقاة: التقوى.
(1/152)

8- خطبة له عليه الصلاة والسلام:
"أيها الناس إن لكم معالم1؛ فانتهو إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم؛ فإن العبد بين مخافتين، أجل قد مضى لا يدري ما الله فاعل فيه، وأجل باق لا يدري ما الله قاض فيه؛ فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات، والذي نفس محمد بيده: ما بعد الموت من مستعتب2، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار.
"تهذيب الكامل 1:5، إعجاز القرآن 110، البيان والتبيين 1: 165، عيون الأخبار م 2: ص213، وغرر الخصائص الواضحة 150".
__________
1 جمع معلم كمذهب، وهو الأثر يستدل به على الطريق، والمراد حدود الشريعة المطهرة.
2 استعتبه: أعطاه العتبى "وهي الرضا والصفح" وطلب إليه العتبى.
(1/152)

9- خطبة له عليه الصلاة والسلام:
"أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا قد كتب. وكأن الحق فيها على غيرنا قد وجب، وكأن الذي نشيع من الأموات سفر، عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم، ونأكل من تراثهم؛ كأنا مخلدون بعدهم، ونسينا كل واعظة، وأمنَّا كل جائحة1، طوبى2 لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، طوبى لمن أنفق مالًا اكتسبه من غير معصية، وجالس أهل الفقه والحكمة، وخالط أهل الذل والمسكنة، طوبى لمن زكت وحسنت خليقته، وطابت سريرته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة، ولم تستهوه البدعة".
"صبح الأعشى 1: 213".
__________
1 الجوح: الإهلاك والاستئصال كالاجتياح.
2 مؤنث أطيب، والحسنى والخير، وشجرة في الجنة أو الجنة.
(1/153)

10- خطبة له عليه الصلاة والسلام:
"أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا قد كتب. وكأن الحق فيها على غيرنا قد وجب، وكأن الذي نشيع من الأموات سفر، عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم، ونأكل من تراثهم، كأنا مخلدون بعدهم، ونسينا كل واعظة، وأمنَّا كل جائحة1، طوبى2 لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، طوبى لمن أنفق مالًا اكتسبه من غير معصية، وجالس أهل الفقه والحكمة، وخالط أهل الذل والمسكنة، طوبى لمن زكت وحسنت خليقته، وطابت سريرته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة، ولم تستهوه البدعة".
"صبح الأعشى 1: 213".
__________
1 الجوح: الإهلاك والاستئصال كالاجتياح.
2 مؤنث أطيب، والحسنى والخير، وشجرة في الجنة أو الجنة.
(1/153)

11- خطبته يوم فتح مكة:
وقف على باب الكعبة ثم قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة1 أو دم أو مال يدعى؛ فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت2، وسقاية الحاج، ألا وقتل الخطأ مثل العمد بالسوط والعصا، فيهما الدية مغلظة، منها أربعون خلفة3 في بطونها أولادها، يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها4 بالآباء، الناس من آدم، وآدم خلق من تراب، ثم تلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] الآية يا معشر قريش "أو يأهل مكة" ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء".
"تاريخ الطبري 3: 120، وإعجاز القرآن ص112، والكامل لابن الأثير 2: 121، وسيرة ابن هشام 2: 273".
__________
1 المأثرة: المكرة.
2 خدمة الكعبة.
3 الخلفة: الحامل من النياق.
4 تعظم: تكبر.
(1/154)

12- خطبته في الاستسقاء:
روي أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله في عام جدب؛ فقال: أتيناك يارسول الله، ولم يبق لنا صبي يرتضع، ولا شارف5 تجتر ثم أنشده:
أتيناك والعذراء بدمي لبابها6 ... وقد شغلت أم الرضيع عن الطفل
وألقى بكفيه الفتى لاستكانةٍ ... من الجوع حتى ما يمر ولا يحلي7
__________
1 المأثرة: المكرة.
2 خدمة الكعبة.
3 الخلفة: الحامل من النياق.
4 تعظم: تكبر.
5 الشارف من النوق: المسنة الهرمة كالشارفة.
6 أي يدمى صدرها لامتهانها نفسها في الخدمة حيث لا تجد ما تعطيه من يخدمها من الجدب وشدة الزمان.
7 أي ما يضر وما ينفع، أو ما يأتي بكلمة ولا فعلة مرة ولا حلوة.
(1/154)

ولاشيء مما يأكل الناس عندنا ... سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل1
وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلا إلى الرسل؟
فقام النبي صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى صعد المنبر، فحمد الله وأنثى عليه، وقال: "اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، مريئًا هنيئًا مريعًا2، سحًّا سجالًا3، غدقًا4 طبقًا 5، ديمًا دررًا6، تحيي به الأرض وتنبت به الزرع، وتدر به الضرع، واجعله سقيًا نافعة، عاجلًا غير رائث7.
فوالله مارد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله يده إلى نحره؛ حتى ألقت السماء أروافها8، وجاء الناس يضجون: الغرق الغرق يا رسول الله، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا! ما فانجاب9 السحاب عن المدينة؛ حتى استدار حولها كالإكليل، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجده10.
"شرح ابن الحديدم 3 ص316".
__________
1 العامي: الذي أتى عليه عام، قال الشاعر: "من أن شجاك طلل عامي: والعلهز: طعام من الدم والبر كان يتخذ في المجاعة، والفسل: الريء الرذل من كل شيء.
2 المربع الخصيب، أي تخصب به الأرض التي ينزل عليها.
3 أي متداولًا بين البلاد، ينال كل منها نصيبه منه، والسجل بالفتح: النصيب والدلو المماوءة العظيمة، ويقال الحرب سجال: أي نصرتها بين القوم متداولة سجل منها على هؤلاء وآخر على هؤلاء.
4 الغدق: الماء الكثير.
5 أي مالئًا للأرض مغطيًا لها، يقال غيث طبق: أي عام واسع يطبق الأرض.
6 هو جمع درة بالكسر، يقال للسحاب درة: أي صب واندفاق، وقيل الدرر: الدار، كقوله تعالى: "دِيْنًا قَيِّمًا" أي قائمًا.
7 أي غير بطيء.
8 ألقت السحابة أرواقها: أي مطرها ووبلها.
9 انكشف.
10 النواجذ: أقصى الأضراس.
(1/155)

عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح1 بالذي هو خير، أما بعد: أيها الناس اسعموا مني أبين لكم؛ فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد! فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربًا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب2، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب2، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية، والعمد قود3، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير؛ فمن زاد، فهو من أهل الجاهلية.
أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه4 قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك ما تحقرون من أعمالكم، أيها الناس: {إِنَّمَا النَّسِيء5 زِيَادَةٌ
__________
1 الاستفتاح: الافتتاح والاستنصار.
2 وكان مسترضعًا في بني ليث فقتلته بنو هذيل.
3 القود: القصاص، أي من قتل عمدًا يقتل.
4 في رواية الكامل لابن الأثير: "إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه يطاع فيما سوى ذلك، وقد رضي بما تحقرون من أعمالكم".
5 أي تأخير حرمة شهر إلى آخر، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه، وحرموا مكانه شهرًا آخر فيحلون المحرم، ويحرمون صفرًا؛ فإن احتاجوا أحلوه وحرموا ربيعًا الأول، وهكذا حتى استدار التحريم على الشهور السنة كلها، وكانوا يعتبرون في التحريم مجرد العدد لاخصوصية الأشهر المعلومة، وأول من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكناني، كان يوم على جمل في الموسم فينادي: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه، ثم ينادي في القبائل: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم؛ فحرموه -زيادة في الكفر، أي كفر آخر ضموه إلى كفرهم. ليواطئوا: أي يوافقوا عدة الأشهر الأربعة المحرمة، وكانوا ربما زادوا في عدد الشهور بأن يجعلوها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت ويجعلوا أربعة أشهر من السنة حرامًا أيضًا، ولذا نص على العدد المبين في الكتاب والسنة، وكان وقت حجهم يختلف من أجل ذلك، وكان في السنة التاسعة التي حج فيها أبو بكر بالناس في ذي القعدة، وفي حجة الوداع في ذي الحجة، وهو الذي كان على عهد إبراهيم الخليل ومن قبله من الأنبياء، ولذا قال عليه الصلاة السلام "إن الزمان قد استدار ... إلخ" - راجع تفسير الألوسي جـ3 ص305.
(1/156)

فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ} ، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله، يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، وواحد فرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب1 الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!
أيها الناس: إن لنسائكم عليكم حقًّا، ولكم عليهن حق، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم غيركم ولا يدخلن أحدًا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة؛ فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن2 وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربًا غير مبرح؛ فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالعروف، وإنما النساء عندكم عوان3 لا يملكن لأنفسهن شيئًا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرًا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!
أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه؛ ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد! فلا ترجعن بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده، كتاب الله، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!
أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى؛ ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد! قالوا نعم. قال: فليبلغ الشاهد الغائب.
__________
1 قالوا في تثنية رجب وشعبان رجبان للتغليب.
2 العضل: الحبس والتضييق.
3 جمع عانية من عنا، أي خضع وذل، والعاني: الأسر.
(1/157)

أيها الناس: إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا يجوز لوارث وصية، ولا يجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر1، من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل2، والسلام عليكم ورحمة الله.
"البيان والتبين 2:15، العقد الفريد 2: 13، إعجاز القرآن 111، شرح ابن أبي الحديد 1: 41، تاريخ الطبري 3:
__________
1 والعاهر: أي الزاني، أي لا حق له في النسب ولا حظ له في الولد، وإنما هو لصاحب الفراش أي لصاحب أم الولد وهو زوجها أو مولاها، وهو كقوله الآخر: له التراب، أي لاشيء له.
2 الصرف: التوبة. والعدل: الفدية، وقيل الصرف القيمة. والعدل المثل، وأصله في الفدية يقال: لم يقبلوا منهم صرفًا ولا عدلًا، أي لم يأخذوا منهم دية ولم يقتلوا بقتيلهم رجلًا واحدًا، أي طلبوا منهم أكثر من ذلك، ثم جعل بعد في كل شيء حتى صار مثلًا فيمن لم يؤخذ منه الذي يجب عليه وألزم أكثر منه.
(1/158)

14- خطبته في مرض موته
عن الفضل بن عباس قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت إليه _فوجدته موعوكًا قد عصب رأسه، فقال: خذ بيدي يا فضل، فأخذت بيده حتى جلس على المنبر، ثم قال ناد في الناس، فاجتمعوا إليه، فقال:
"أما بعد: أيها الناس فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وإنه قد دنا مني خفوق1 من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقد2 منه ومن كنت شتمت له عرضًا، فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء من قبلي، فإنها ليست من شأني، إلا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقًّا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس، وقد أرى أن هذا غير مغن عني حتى أقوم فيكم مرارًا".
__________
1 خفق النجم يخفق خفوقًا: غاب، والطائر طار، والليل ذهب أكثره.
2 فليقتص "من القود" وهو القصاص، أقاد القاتل بالقتيل قتله به، واستقاد الحاكم سأله أن يقيد القاتل بالقتيل.
(1/158)

ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر فعاد لمقالته الأولى، فادعى عليه رجل بثلاثة دراهم، فأعطاه عوضها، ثم قال: "أيها الناس، من كان عنده شيء فليؤده ولا يقل فضوح الدنيا، ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة" ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم، ثم قال: "إن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بأنفسنا وآبائنا".
"تاريخ الطبري 2:191: والكامل لابن الأثير 2: 154".
(1/159)

15- خطبة أكثم بن صيفي يدعو قومه إلى الإسلام:
لما ظهر النبي عليه الصلاة والسلام بمكة، ودعا الناس إلى الإسلام بعث أكثم بن صيفي ابنه حبيشًا؛ فأتاه بخبره، فجمع بني تميم وقام فيهم خطيبًا فقال:
"يا بني تميم: لا تحضروني سفيهًا؛ فإنه من يسمع يخل1، إن السفيه يوهن من فوقه، ويتبب من دونه2. لا خير فيمن لا عقل له. كبرت سني ودخلتني ذلة؛ فإذا رأيتم مني حسنًا فاقبلوه، وإن رأيتم مني غير ذلك فقوموني أستقم. إن ابني شافه هذا الرجل مشافهةً، وأتاني بخبره، وكتابه يأمر فيه بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأخذ فيه بمحاسن الأخلاق، ويدعو إلى توحيد الله تعالى، وخلع الأوثان، وترك الحلف بالنيران، وقد عرف ذوو الرأى منكم أن الفضل فيما يدعو إليه، وأن الرأي ترك
__________
1 خال: ظن، ومضارعه إخال بالكسر وهو الأفصح، وبنو أسد يقولون أخال بالفتح وهو القياس، وقوله "من يسمع يخل" مثل، معناه من يسمع أخبار الناس ومعايبهم يقع في نفسه عليهم المكروه.
2 في مجمع الأمثال "ويثبت من دونه" من أثبته: أي أثخنه بالجراح، والمعنى يضعف ويوهن، ومنه قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} [لأنفال: 30] .
ليثبتوك: أي ليجرحوك جراحة لا تقوم معها أو ليحبسوك، وفي سرح العيون "ويتبب من دونه" من تببه بالتشديد: أي أهلكه، ومنه قوله تعالى: {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} [هود: 101] .
(1/159)

ما ينهى عنه، إن أحق الناس بمعونة محمد -صلى الله عليه وسلم- ومساعدته على أمره أنتم؛ فإن يكن الذي يدعو إليه حقًّا؛ فهو لكم1 دون الناس، وإن يكن باطلًا كنتم أحق الناس بالكف عنه وبالستر عليه، وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته، وكان سفيان بن مجاشع يحدث به قبله، وسمى ابنه محمدًا؛ فكونوا في أمره أولًا، ولا تكونوا آخرًا، ائتوا طائعين قبل أن تأتوا كارهين، إن الذي يدعو إليه محمد -صلى الله عليه وسلم- لو لم يكن دينًا كان في أخلاق الناس حسنًا، أطيعوني واتبعوا أمري، أسأل لكم أشياء لا تنزع منكم أبدًا، وأصبحتم أعز حي في العرب، وأكثرهم عددًا، وأوسعهم دارًا؛ فإن أرى أمرًا لا يجتنبه عزيز إلا ذل، ولا يلزمه ذليل إلا عز، إن الأول لم يدع للآخر شيئًا، وهذا أمر له ما بعده، من سبق إليه غمر المعالي2، واقتدى به التالي والعزيمة حزم، والاختلاف عجز".
فقال مالك3 بن نويرة: قد خرف شيخكم؛ فلا تتعرضوا للبلاء، فقال أكثم: ويل للشجي من الخلي، وا لهفي على أمر لم أشهده ولم يسعني4.
ثم رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فمات في الطريق، وبعث بإسلامه مع من أسلم ممن كان معه5.
"مجمع الأمثال 2: 218، سرح العيون ص14".
__________
1 يريد للعرب.
2 من غمره الماء: أي غطاه.
3 وقد أسلم ثم ارتد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض بني تميم، وسار إليه خالد بن الوليد فقتله، وقصته في التاريخ مشهورة.
4 وفي سرح العيون، ولم يسبقني.
5 وذكر عن ابن عباس أن قوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100] نزل في أكثم ومن تبعه من أصحابه.
(1/160)

16- وصية أبي طالب لوجوه قريش عند موته:
لما حضرت أبا طالب1 الوفاة، جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال:
"يا معشر قريش: أنتم صفوة الله من خلقه، وقلب العرب، فيكم السيد المطاع، وفيكم المقدام الشجاع، الواسع الباع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبًا إلا أحرزتموه، ولا شرفًا إلا أدركتموه؛ فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حرب، وعلى حربكم ألب2، وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية -يعني الكعبة- فإن فيها مرضاة للرب، وقوامًا للمعاش، وثباتًا للوطأة، صلوا أرحامكم فإن في صلة الرحم منسأةً3 في الأجل، زيادة في العدد، اتركوا البغي والعقوق؛ ففيهما هلكت القرون قبلكم، أجيبوا الداعي، وأعطوا السائل، فإن فيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة، فإن فيهما محبةً في الخاص، ومكرمة في العام.
وإني أوصيكم بمحمد خيرًا؛ فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاءنا بأمر قبله الجنان4، وأنكره اللسان، مخافة الشنآن5، وايم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره؛ فخاض بهم غمرات الموت، وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابًا، ودورها خرابًا، وضعفاؤها أربابًا6، وإذا
__________
1 توفي في السنة العاشرة من النبوة وهو ابن بضع وثمانين سنة، وإسلامه مختلف فيه "اقرأ فصلًا طويلًا في ذلك في شرح ابن أبي الحديد م 3: ص311".
2 أي ذوو ألب، والألب: التدبير على العدو من حيث لا يعلم.
3 أي فسحة وامتداد: من نسأه، أي آخره.
4 القلب.
5 البغض والكراهية.
6 سادة.
(1/161)

أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته1 العرب ودادها وأصفت له بلادها، وأعطته قيادها، يا معشر قريش: كونوا له ولاةً، ولحزبه حماةً، والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ بهديه أحد، إلا سعد ولو كان لنفسي مدة، وفي أجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز2، ولدافعت عنه الدواهي".
"بلوغ الأدب 1: 327".
__________
1 محضه الود، وأمحضه: أخلصه.
2 الهزاهز والهزهزة: تحريك البلايا والحروب الناس.
(1/162)

خطب الوفود
خطبة عطارد بن حاجب بن زرارة بين يدي النبي
...
خطب الوفود:
17- خطبة عطارد بن حاجب بن زرارة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع للهجرة عطارد بن حاجب بن زرارة، في أشراف من بني تميم؛ فلما دخل الوفد المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات: أن اخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك من صياحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم، فقالوا: يا محمد، جئناك لنفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، قال نعم، قد أذنت لخطيبكم فليقل، فقام إليه عطارد فقال:
"الحمد لله الذي له علينا الفضل، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالًا عظامًا، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددًا، وأيسره عدة؛ فمن مثلنا في الناس، ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن يفاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف بذلك أقول هذا الآن لتأتونا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس".
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن الشماس، قم فأجب الرجل في خطبته، فقام ثابت فقال:
(1/163)

18- خطبة ثابت بن قيس بن الشماس:
"الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شيء قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى
(1/163)

من خير خلقه رسولًا، أكرمهم نسبًا، وأصدقهم حديثًا، وأفضلهم حسبًا؛ فأنزل عليه كتابه، وأتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان، فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أنسابًا، وأحسن الناس وجوهًا، وخير الناس فعالًا، ثم كان أول الخلق استجابة لله، حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن؛ فنحن أنصار الله، ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدًا، وكان قتله علينا يسيرًا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم".
ثم قالوا يا محمد: ائذن لشاعرنا، فقال نعم، فقام الزبرقان بن بدر؛ فأنشد قصيدة في الفخر، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى حسان بن ثابت فرد عليه؛ فقال الأقرع بن حابس التميمي. إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا؛ فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحسن جوائزهم.
"تاريخ الطبري 3: 150، والكامل لابن الأثير 2: 139، وسيرة ابن هشام 2: 363" وصبح الأعشى 1: 373.
(1/164)

19- عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر1 فقال عمرو: "مطاع في أدنيه2، شديد العارضة3. مانع لما وراء ظهره" فقال الزبرقان:
__________
1 هما سيدان من بني تميم.
2 أي في الأدنين منه: أي الأقربين، وأصله أدنين حذفت نونه لإضافته إلى الضمير.
3 العارضة: قوة الكلام وتنقيحه، والرأي الجيد.
(1/164)

"والله يا رسول الله، إنه ليعلم مني أكثر مما قال، ولكنه حدني شرفي" فقال عمرو: "أما لئن قال ما قال؛ فوالله ما علمته إلا ضيق الصدر، زمر المروءة1، أحمق الوالد، لئيم الخال، حديث الغنى"؛ فلما رأى أنه خالف قوله الآخر قوله الأول، ورأى الإنكار في عين رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله رضيت؛ فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "إن من البيان لسحرًا".
"البيان والتبيين 1: 31، والعقد الفريد 1: 117، ومجمع الأمثال للميداني 1: 5".
__________
1 قليل المروءة.
(1/165)

20- خطبة طهفة بن أبي زهير النهدي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لما قدمت وفود العرب على النبي صلى الله عليه وسلم قام طهفة بن أبي زهير النهدي فقال: "يا رسول الله أتيناك من غوري1 تهامة بأكوار الميس، ترمي بنا العيس2 نستحلب الصبير3، ونستجلب الخبير4، ونستعضد5 البرير، ونستخيل الرهام6، ونستحيل الجهام7، من أرض غائلة النطاء8، غليظة الوطاء، نشف المدهن9،
__________
1 الغور: كل ما نحدر مغربًا عن تهامة، والأكوار: جمع كور بالضم، وهو الرحل أو بأداته، والميس، شجر عظام أي بالأكوار المصنوعة منه.
2 العيس جمع عيساء: الإبل البيض يخالط بياضها شقرة.
3 الصبير: السحاب الكثيف.
4 العشب.
5 استعضد الثمرة: اجتناها، والبرير: ثمر الأراك، وكانوا يأكلونه وقت الجدب لقلة الزاد.
6 الرهم جمع رهمة بالكسر: وهي المطر الضعيف الدائم. ونستخبل: نخال ونظن. وسحابة مخيلة بضم فكسر: أي تحسبها ماطرة.
7 الجهام: السحاب قد أراق ماءه.
8 النطاء: البعد، أي بعيدة بعدًا مهلكًا.
9 مستنقع الماء: أو كل موضع حفره سيل، ونشف الحوض الماء: شربه.
(1/165)

ويبس الجعثن1، وسقط الأملوج2، ومات العسلوج3، وهلك الهدي4، ومات الودي5، برئنا يا رسول الله من الوثن والعثن6، وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام، وشريعة الإسلام، ما طمى7 البحر، وقام تعار8، ولنا نعم، همل9 أغفال، ما تبض10 ببلال، ووقير11 كثير الرسل، قليل الرسل، أصابتها سنية حمراء مؤزلة 12، ليس بها علل ولا نهل".
__________
1 أصل النبات.
2 ورق كورق السرو لشجر بالبادية.
3 مالان واحضر من القضبان. وعسلجت الشجرة: أخرجته.
4 ما يهدي إلى مكة لينحر.
5 الودى الفسيل "النخل الصغار".
6 الصنم الصغير.
7 امتلأ وعلا.
8 جبل بيلاد قيس.
9 مهملة، والأغفال جمع غفل بالضم: وهو ما لا سمة عليه من الدواب.
10 بض الماء يبض: سال قليلًا قليلًا، والبلال: البلل، والمراد قلة اللبن.
11 القطيع من الغنم.
12 الرسل: القطيع من كل شيء، والرسل: اللبن، وسنية: تصغير تعظيم لسنة، وهي القحط والمجاعة، وحمراء: أي شديدة، ومؤزلة: ذات أزل بسكون الزاي، وهو الضيق والشدة.
(1/166)

21- رده صلى الله عليه وسلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"اللهم بارك لهم في محضها1 ومخضها ومذقها، وابعث راعيها في الدثر2 بيانع الثمر، وافجر له الثمد3، وبارك له في المال والولد. من أقام الصلاة كان مسلمًا، ومن آتى الزكاة كان محسنًا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصًا، يا بني نهد، ودائع4 الشرك، ووضائع الملك، لا تلطط في الزكاة، ولا تلحد في الحياة، ولا تثاقل عن الصلاة"
"العقد الفريد 1: 113".
__________
1 اللبن الخالص، ومخض اللبن: أخذ زبده: والمذيق: اللبن الممزوج بالماء، مذقه فامتذق.
2 الدثر: المال الكثير. وقيل هو الكثير من كل شيء، وأراد به هنا الخصب والنبات الكثير.
3 الماء القليل لا مادة له، أو ما يظهر في الشتاء ويذهب في الصيف.
4 أي الغنائم التي تغنم من المشركين وتودع بيت مال المسلمين، ليقووا بها على شئونهم، والوضائع جمع وضيعة: وهي ما يأخذه السلطان من الخراج والعشور. يريد أن يقول لهم: إن موارد المال للأمة الإسلامية هما هذان الركنان الغنائم والزكاة، فلا تعطلوا الزكاة، ولذا عقب ذلك القول بقوله: لا تلطط في الزكاة أي لا تمنعها: لططت حقه جحدته كألططت، ولا تلحد في الحياة: أي لا يجري منكم ميل عن الحق ما دمتم أحياء، ولا تثاقل عن الصلاة: أي عن أدائها في وقتها، ويروى: ولا يلطط في الزكاة، ولا يلحد في الحياة "بالبناء للمجهول" ولا تثاقل عن الصلاة.
(1/166)

22- خطبة ظبيان بن حداد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم:
وفد ظبيان بن حداد في سراة مذحج على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال بعد السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثناء على الله عز وجل بما هو أهله:
"الحمد لله الذي صدع1 الأرض بالنبات، وفتق السماء بالرجع2، ثم قال: نحن قوم من سراة مذحج من يحابر3 بن مالك، ثم قال: فتوقلت4 بنا القلاص من أعالى الحوف ورءوس الهضاب، يرفعها عرر5 الربا، ويخفضها بطنان الرقاق، وتلحقها دياحي الدجى، ثم قال: وسروات الطائف كانت لبني مهلائيل بن قينان، غرسوا وديانه، وذللوا خشانه6 ورعوا قربانه، ثم ذكر نوحًا حين خرج من السفينة بمن معه، قال فكان أكثر بنيه بنات، وأسرعهم نباتًا، عاد وثمود، فرماهم الله بالدمالق7، وأهلكم بالصواعق، ثم قال: وكانت بنو هانئ من ثمود تسكن
__________
1 شق.
2 المطر بعد المطر.
3 هو مراد بن مالك "وهو مذحج" بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان.
4 توقل في الجبل: صعد، والقلاص جمع قلوص: وهي الناقة الشابة أو الباقية على السير، والحوف: بلد بعمان.
5 في الأصل: "عوار" ولا معنى له هنا، وأرى أن صوابه "عرر" جمع عرة كقبة وعرة السنام: الشحمة العليا، أي ذروته وأعلاه: أي أنها تسير في أعالي الربا وذراها: وربما كان الأصل "عراعر" بفتح العين الأولى جمع عرعرة بضمها، وعرعرة الجبل والسنام، وكل شيء: رأسه، وبطنان جمع باطن: وهو الغامض من الأرض: أي المطمئن منها، والرقاق جمع رق بالفتح، وهو كل أرض إلى جنب واد ينبسط الماء عليها أيام المد ثم ينضب ودياجي الليل جنادسه كأنه جمع ديجاة، والدجى جمع دجية: وهي الظلمة.
6 الخشن والأخشن: الأخرش من كل شيء جمعه خشان.
7 الأملس: المستدير من الحجارة.
(1/167)

الطائف، وهم الذين خطوا مشاربها، وأتوا جداولها1، وأحيوا غراسها، ورفعوا عريشها، ثم قال: وإن حمير ملكوا معاقل الأرض وقرارها، وكهول الناس وأغمارها2 ورءوس الملوك وعرارها؛ فكان لهم البيضاء والسوداء، وفارس الحمراء، والجزية الصفراء3، فبطروا النعم، واستحقوا النقم، فضرب الله بعضهم ببعض، ثم قال: وإن قبائل من الأزد نزلوا على عهد عمرو بن عامر؛ ففتحوا فيها الشرائع4، وبنوا فيها المصانع5، واتخذوا الدسائع6، ثم ترامت مذحج بأسنتها، وتنزت7 بأعنتها؛ فغلب العزيز أذلها، وقتل الكثير أقلها، ثم قال: وكان بنو عمرو بن خالد بن جذيمة يخبطون عضيدها8، ويأكلون حصيدها، ويرشحون9 حصيدها".
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن نعيم الدنيا أقل وأصغر عند الله من خرء بعيضة، ولو عدلت عند الله جناح ذباب لم يكن لكافر منها خلاق، ولا لمسلم منها لحاق".
" العقد الفريد 1:110".
__________
1 أتى الماء تأتيه سهل وأصلح مجراه، أي سهلوا طرق المياه إليها.
2 جمع غمر مثلث الغين: وهو الحدث لا تجربة له، والعرار: الرفعة والسودد.
3 أي الذهبية.
4 جمع شريعة، وهي مورد الشاربة كالمشرعة.
5 المباني من القصور والحصون.
6 جمع دسيعة، وهي الجفنة والدسكرة.
7 تنزى: ثوثب وتسرع.
8 العضيد: ما قطع من الشجر، أي يضربونه ليسقط ورقة فيتخذوه علفًا لإبلهم.
9 الترشيح: التربية وحسن القيام على المال، والخضيد: ما خضد من الشجر ونحي عنه، وكل ما قطع من عود رطب "فعيل بمعنى مفعول" أي يصلحونه ويقومون بأمره.
(1/168)

23- خطبة مالك بن نمط بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم:
وقدم وفد همدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم مالك بن نمط أبو ثور، فقام بين يديه ثم قال:
(1/168)

"يارسول الله، نصية1 من همدان، من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج2، متصلة بحبال الإسلام، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف3 خارف4، ويام، وشاكر، أهل السواد والقرى، أجابوا دعوة الرسول، وفارقوا آلهة الأنصاب5 عهدهم لا ينقض، ما أقام لعلع6 وما جرى اليعفور بصُلَّع7".
"صبح الأعشى 2: 244".
__________
1 النصية من القوم: الخيار، وهمدان: من عرب اليمن.
2 القلص: جمع قلوص، وهي من الإبل الشابة أو الباقية على السير، والنواجي: جمع ناجية، وهي المسرعة في السير.
3 المخلاف الكورة.
4 خارف: لقب مالك بن عبد الله أبي قبيلة من همدان، ويام، وشاكر، قبيلتان من همدان باليمن.
5 الأنصاب: جمع نصب بضمتين، وهو حجر نصب وعبد من دون الله، وقيل النصب جمع واحدها نصاب، قيل هي الأصنام وقيل غيرها.
6 اسم جبل.
7 اليعفور: ولد البقرة الوحشية، والصلع: الموضع لاينبت شيئًا.
(1/169)

24- سفانة بنت حاتم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
حدث الإمام علي كرم الله وجهه قال: لما أتينا بسبايا طيئ، كانت في النساء جارية جميلة -وهي سفانة بنت حاتم1؛ فلما رأيتها أعجبت بها؛ فقلت لأطلبنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجعلها من فيئي؛ فلما تكملت أنسيت جمالها، لما سمعت من فصاحتها، فقالت:
"يا محمد: هلك الوالد، وغاب الوافد، فإن رأيت أن تخلي عني، فلا تشمت بي أحياء العرب؛ فإني بنت سيد قومي2. كان أبي يفك العاني3، ويحمي الذمار.
__________
1 السفانة في الأصل: اللؤلؤة.
2 جواب الشرط محذوف وهذا تعليل له أي فافعل فإني ...
3 العاني: الأسير.
(1/169)

ويقري الضيف، ويشبع الجائع، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا بنت حاتم طيئ".
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا جارية هذه صفة المؤمن، ولو كان أبوك إسلاميًا لترحمنا عليه، خلوا عنها؛ فإن أباهها كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق".
"الأغاني 16: 93".
(1/170)

25- وصية دريد بن الصمة:
قال دريد بن الصمة لمالك بن عوف النصري قائد هوازن يوم حنين1:
"يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم له ما بعده من أيام، مالي أسمع رغاء البعير، ونهيق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار2 الشاء. قال: سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله، ليقاتل عنهم، فأنقض به3، ثم قال راعي4 ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك، لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك، فضحت في أهلك ومالك، ويحك، إنك لن تصنع بتقديم البيضة5 بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئًا، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم، وعلياء قومهم، ثم ألق الصبا6 على متون الخيل؛ فإن كان لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك، كنت قد أحرزت أهلك ومالك.
__________
1 عزوة حنين كانت بين المسلمين وبين هوازن وثقيف سنة ثمان بعد الفتح انهزم فيها المسلمون أولًا ثم لموا شعثهم وشدوا على عدوهم فهزموهم.
2 اليعار: صوت الغنم أو المعزى أو الشديد من أصوات الشاء.
3 يقال أنقض أصابعه: ضرب بها لتصوت، وأنقض بالدابة: ألصق لسانه بالحنك ثم صوت في حافتيه.
4 يضرب به المثل في الحمق فيقال: "أحمق من راعي ضأن".
5 بيضة القوم: جماعتهم، وأصلهم، وفي الحديث: "ولا تسلط عليهم عدوًّا من عدوهم فيستبيح بيضتهم" يريد جماعتهم وأصلهم.
6 أي ذوي الصبا: أي الشبان.
(1/170)

قال لا والله ما أفعل، إنك قد كبرت وذهل عقلك. قال دريد: هذا يوم لم أشهده، ولم يفتني، ثم أنشأ يقول:
يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع1
أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع2
"سيرة ابن هشام 2: 289، العقد الفريد 1: 41".
__________
1 الخبب: ضرب من العدو، ووضعت الناقة وأوضعت: أسرعت في سيرها.
2 الوطف، كثرة شعر الحاجبين والعينين، والزمع جمع زمعة، وهي هنة زائدة وراء الظلف أو الشعرات المدلاة في مؤخر رجل الشاة، والصداع: من الأوعال والإبل الفتى الشاب القوي.
(1/171)

26- وصية عمير بن حبيب الصحابي لبنيه:
أوصى عمير بن حبيب بنيه فقال:
"يا بني إياكم ومخالطة السفهاء؛ فإن مجالستهم داء، وإن من يحلم عن السفيه يسر يحلمه، ومن يجبه يندم، ومن لا يقر بقليل ما يأتي به السفيه، يقر بالكثير. وإذا أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف، أو ينهى عن المنكر؛ فليوطن قبل ذلك على الأذى، وليوقن بالثواب من الله عز وجل، إنه من يوقن بالثواب من الله عز وجل لا يجد مس الأذى".
"الأمالي 2: 60".
__________
1 الخبب: ضرب من العدو، ووضعت الناقة وأوضعت: أسرعت في سيرها.
2 الوطف، كثرة شعر الحاجبين والعينين، والزمع جمع زمعة، وهي هنة زائدة وراء الظلف أو الشعرات المدلاة في مؤخر رجل الشاة، والصداع: من الأوعال والإبل الفتى الشاب القوي.
(1/171)

27- وصية قيس بن عاصم المنقري لبنيه:
أوصى قيس بن عاصم المنقري بنيه فقال:
"يا بني، خذوا عني، فلا أحد أصلح لكم مني، إذا دفنتموني فانصرفوا إلى رحالكم، فسودوا أكبركم؛ فإن القوم إذا سودوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا سودوا
(1/171)

أصغرهم؛ أزرى ذلك بهم في أكفائهم، وإياكم ومعصية الله، وقطيعة الرحم، وتمسكوا بطاعة أمرائكم؛ فإنهم من رفعوا ارتفع، ومن وضعوا اتضع، وعليكم بهذا المال فأصلحوه فإنه منبهة للكريم، وجنة لعرض اللئيم، وإياكم والمسألة؛ فإنها آخر1 كسب الرجل، وإن أحدًا لم يسأل إلا ترك الكسب، وإياكم والنياحة؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنها، وادفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها وأصوم، ولا يعلم بكر بن وائل بمدفني؛ فقد كانت بيني وبينهم مشاحنات في الجاهلية والإسلام، وأخاف أن يدخلوا عليكم بي عارًا، وخذوا عني ثلاث خصال: إياكم وكل عرق لئيم أن تلابسوه؛ فإنه إن يسرركم اليوم، يسؤكم غدًا، واكظموا الغيظ، واحذروا بني أعداء آبائكم، فإنهم على منهاج آبائهم، ثم قال:
أحيا الضغائن آباء لنا سلفوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء
"شرح ابن أبي الحديد م 4: ص155، وتهذيب الكامل 1: 11".
__________
1 أخر بقصر الهمزة لا غير: أي أدنى وأرذل، ومن رواه بالمد أخطأ.
(1/172)

خطب يوم السقيفة
مدخل
...
خطب يوم السقيفة:
لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا: نولي هذا الأمر بعد محمد عليه الصلاة والسلام سعد بن عبادة، وأخرجوا سعدًا إليهم وهو مريض؛ فلما اجتمعوا قال لابنه أو بعض بني عمه، إني لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم كلامي؛ ولكن تلق مني قولي فاسمعهموه؛ فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله: فيرفع صوته، فيسمع أصحابه:
(1/173)

28- خطبة سعد بن عبادة:
فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
"يا معشر الأنصار، لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام، ليست لقبيلة من العرب، إن محمدًا عليه الصلاة والسلام لبث عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأنداد والأوثان؛ فما آمن به من قومه إلا رجل قليل، وما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يعزوا دينه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيمًا عموا به، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة؛ فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه؛ فكنتم أشد الناس على عدوه من غيركم، حتى استقامت العرب لأمر الله طوعًا وكرهًا، وأعطى البعيد المقادة صاغرًا داخرًا1، حتى أثخن2
__________
1 صاغرًا ذليلًا: من دخر كمنع وفرح دخورًا ودخرًا بالتحريك.
2 أثخن فلانًا: أوهنه، والمراد أخضع.
(1/173)

الله عز وجل لرسوله بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفاه الله وهو عنكم راض، وبكم قرير عين، استبدوا بهذا الأمر دون الناس؛ فإنه لكم دون الناس".
فأجابوه بأجمعهم أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت نوليك هذا الأمر، وأتى عمر الخبر، فأقبل إلى أبي بكر فقال: "أما علمت أن الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، يريدون أن يولوا هذا الأمر سعد بن عبادة؟ وأحسنهم مقالة من يقول: منا أمير ومن قريش أمير" فمضيا مسرعين نحوهم؛ فلقيا أبا عبيدة بن الجراح فتماشوا إليهم ثلاثتم، فجاءوا وهم مجتمعون. فقال عمر: أتيناهم وقد كنت زويت1 كلامًا أردت أن أقوم به فيهم؛ فلما أن دفعت إليهم ذهبت لأبتدئ المنطق. فقال لي أبو بكر: رويدًا حتى أتكلم، ثم انطق بعد بما أحببت فنطق. فقال عمر: فما شيء كنت أردت أن أقوله إلا وقد أتى به أو زاد عليه".
__________
1 زواه يزويه جمعه، والمراد أعددت. ورواية العقد الفريد "2: 204" زورت كلامًا في نفسي، وزور الشيء حسنه وقومه، والمراد هيأت وأعددت.
(1/174)

29- خطبة أبي بكر رضي الله عنه:
حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"إن الله بعث محمدًا رسولًا إلى خلقه، وشهيدًا على أمته، ليعبدوا الله ويوحدوه، وهم يعبدون من دونه آلهة شتى، ويزعمون أنها لهم عنده شافعة، ولهم نافعة؛ وإنما هي من حجر منحوت، وخشب منجور3، ثم قرأ: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِِِ} [يونس: 18] ، وقال {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم. فخص الله المهاجرين الأولين من
__________
1 زواه يزويه جمعه، والمراد أعددت. ورواية العقد الفريد "2: 204" زورت كلامًا في نفسي، وزور الشيء حسنه وقومه، والمراد هيأت وأعددت.
2 النجر: نحت الخشب.
(1/174)

قومه بتصديقه، والإيمان به، والمؤاساة له، والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم، وتكذيبه إياهم، وكل الناس مخالف زار1 عليهم؛ فلم يستوحشوا لقلة عددهم، وشنف2 الناس لهم، وإجماع قومهم عليهم؛ فهم أول من عبد الله في الأرض، وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين، ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصارًا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته وفيكم جلة أزواجه وأصحابه؛ فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم؛ فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء، لا تفتاتون بمشورة ولا تقضى دونكم الأمور".
"هذا رواية الطبري لتلك الخطبة، وأوردها غيره بنص آخر، وها كه".
__________
1 زرى عليه زراية: عابه.
2 شنف له كفرح: أبغضه وتنكره فهو شنف.
(1/175)

30- نص آخر لخطبة أبي بكر يوم السقيفة:
حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: نحن المهاجرون، أول الناس إسلامًا، وأكرمهم أحسابًا، وأوسطهم دارًا، وأحسنهم وجوهًا، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسهم رحمًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم؛ فقال تبارك وتعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} [التوبة: 100] فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار. إخواننا في الدين. وشركاؤنا في الفيء1، وأنصارنا على العدو، آويتم وواسيتم، فجزاكم الله خيرًا، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء،
__________
1 الغنيمة والخراج.
(1/175)

لا تدين العرب إلى لهذا الحي من قريش؛ فلا تنفسوا1 على إخوانكم ما منحهم الله من فضله".
"العقد الفريد 2: 130- 204، عيون الأخبار م2: ص233، البيان والتبيين 3: 147 والإمامة والسياسة 1: 7".
__________
1 نفس عليه بخير "كفرح" حسبه، ونفس عليه الشيء نفاسة لم يره أهلًا له.
(1/176)

31- خطبة الحباب بن المنذر:
ثم قام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال:
"يا معشر الأنصار: املكوا عليكم أمركم؛ فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز والثروة، وأولوا العدد والمنعة والتجربة، وذوو البأس والنجدة؛ وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم، فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم أمير".
(1/176)

32- خطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
فقال عمر: "هيهات لا يجتمع اثنان في قرن1، والله لا ترضى العرب أن يؤموكم ونبيها من غيركم؛ ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة، والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل، أو متجانف2 لإثم، أو متورط في هلكة؟ ".
__________
1 حبل.
2 مائل جانح.
(1/176)

33- خطبة أخرى للحباب بن المنذر:
فقام الحباب بن المنذر، فقال:
"يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه؛ فيذهبوا بنصيبكم من الأمر؛ فإن أبوا عليكم ما سألتموه، فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الأمور؛ فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين، أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب1، أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة2".
فقال عمر: إذن يقتلك الله، قال: بل إياك يقتل، فقال أبو عبيدة:
يا معشر الأنصار: إنكم أول من نصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدل وغير.
__________
1 الجذيل: تصغير الجذل "بالكسر"، وهو أصل الشجرة، وعود ينصب للإبل الجربى لتحتك به وتتمرس، والمحكك الذي تتحكك به، والعذيق بصغير العذق "بالفتح"، وهو النخلة. والمرجب: الذي جعل له رجبة، وهي دعامة تبنى حولها من الحجارة؛ وذلك إذا كانت النخلة كريمة وطالت تخوفوا عليها أن تنقعر من الرياح العواصف، والتصغير هنا يراد به التكبير والتعظيم، وهو مثل، والمراد أنه رجل يستشفى برأيه وعقله.
2 الجذعة: الشابة الفتية، يريد الحروب والغارات.
(1/177)

24- خطبة بشير بن سعد:
فقام بشير بن سعد -أبو النعمان بن بشير- فقال:
"يا معشر الأنصار، إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين، ما أردنا به إلا رضا ربنا، وطاعة نبينا، والكدح لأنفسنا؛ فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضًا، فإن الله ولي المنة علينا
(1/177)

بذلك؛ ألا إن محمدًا صلى الله عليه وسلم من قريش، وقومه أحق به وأولى، وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدًا؛ فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم".
فقال أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا؛ فقالا لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك؛ فإنك أفضل المهاجرين، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله على الصلاة، والصلاة أفضل دين المسلمين، فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك، أو يتولى هذا الأمر عليك؟ ابسط يدك نبايعك، وقام الناس إليه فبايعوه.
"تاريخ الطبري 3: 207، والكامل لابن الأثير 2: 158".
(1/178)

خطب أبي بكر الصديق ووصاياه رضي الله عنه:
35- خطبته يوم قبض الرسول صلى الله عليه وسلم:
دخل أبو بكر الصديق رضوان الله عليه، على النبي عليه الصلاة والسلام وهو مسجى1 بثوب؛ فكشف عنه الثوب، وقال:
"بأبي أنت وأمي! طبت حيًّا، وطبت ميتًا! وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة2، وعممت حتى صرنا فيك سواءً3، ولولا أن موتك كان اختيارًا منك4، لجدنا لموتك بالنفوس، ولولا أنك نهيت عن البكاء؛ لأنفدنا عليك ماء الشئون5؛ فأما ما لا نستطيع نفيه عنا، فكمد وإدناف6، يتخالفان ولا يبرحان
__________
1 تسجية الميت: تغطيته.
2 خص الشيء من باب قعد خصوصًا فهو خاص: خلاف عم، مثل اختص "وكلا الفعلين يستعمل متعديًا ولازمًا"، والمعنى إنك يا رسول الله قد صرت بموتك مسلاة للناس؛ فإنك مع ما اختصصت به من مناقب النبوة قد نزل بك الموت، فللعباد فيك أسوة حسنة.
3 أي عمت مصيبتك جميع المسلمين فصرنا نحن وقرابتك سواء في الحزن عليك والتفجع لفقدك.
4 يشير إلى قوله عليه الصلاة والسلام: "لم يقبض نبي حي يرى مقعده من الجنة ثم يخير" قالت عائشة: فسمعته وقد شخص بصره، وهو يقول: "في الرفيق الأعلى" فعلمت أنه خير؛ فعلمت أن لا يختارنا إذن، وقلت هو الذي كان يحدثنا وهو صحيح.
5 جمع شأن، وهو مجرى الدمع إلى العين.
6 دنف المريض كفرح، وأدنف: ثقل، والشمس: دنت للغروب واصفرت.
(1/179)

اللهم فأبلغه عنا السلام، اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك؛ فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة، اللهم أبلغ نبيك عنا، واحفظه فينا"!
ثم خرج إلى الناس وهم في شديد غمراتهم، وعظيم سكراتهم، فخطب خطبة قال فيها:
"أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وأشهد أن الكتاب كما نزل، وأن الدين كما شرع، وأن الحديث كما حدث، وأن القول كما قال، وأن الله هو الحق المبين.. في كلام طويل، ثم قال: أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وإن الله قد تقدم إليكم في أمره؛ فلا تدعوه جزعًا، وإن الله قد اختار لنبيه ما عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلف فيكم كتابه، وسنة نبيه؛ فمن أخذ بهما عرف، ومن فرق بينهما أنكر.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} [النساء: 135] ، ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يفتننكم عن دينكم؛ فعاجلوه بالذي تعجزونه، ولا تستنظروه فيلحق بكم".
"زهر الآداب 1: 35".
__________
1 القسط: العدل.
(1/180)

36- خطبته بعد البيعة:
حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: إني قد وليت عليكم ولست بخيركم؛ فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم، إلا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم".
"العقد الفريد 2: 130، وإعجاز القرآن ص115، وعيون الأخبار م 2: 234، وتهذيب الكامل 1: 6، وتاريخ الطبري 3: 203، وابن أبي الحديد م 2: 8، وم 4: 167، وسيرة ابن هشام 2: 430.
(1/180)

37- خطبة أخرى له بعد البيعة:
وقال الطبري: نادى منادي أبي بكر من بعد الغد من متوفى رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم: ليتم بعث أسامة: ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جند أسامة إلا خرج إلى عسكره، وقام في الناس، فحمد لله وأثنى عليه ثم قال:
"يا أيها الناس: إنما أنا مثلكم، وإني لا أدري لعلكم ستكلفوني ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق. إن الله اصطفى محمدًا على العالمين، وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبع، ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني: وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض، وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة1 ضربة سوط فما دونها، ألا وإن لي شيطانًا2 يعتريني، فإذا غضبت فاجتنبوني، لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم3، ألا وإنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم ألا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فإن قومًا نسوا آجالهم، وجعلوا أعمالهم لغيرهم؛ فإياكم أن تكونوا أمثالهم، الجد الجد، والوحا4 الوحا، والنجاء5 النجاء؛ فإن وراءكم طالبًا حثيثًا6 أجلًا مره سريع، احذروا الموت واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان، ولا تغبطوا7 الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات".
"تاريخ الطبري 3: 211، وشرح ابن الحديد م4: ص167".
__________
1 الظلامة.
2 قال ابن أبي الحديد: وأراد بالشيطان الغضب، ولم يرد أن له شيطانًا من مردة الجن يعتريه إذا غضب، ولو كان له شيطان من الجن يعتاده وينوبه لكان في عداد المصروعين من المجانين، وما ادعى أحد على أبي بكر هذا لا من أوليائه ولا من أعدائه.
3 أبشار جمع بشر، وهو جمع بشرة: وهي ظاهر الجلد.
4 العجلة والإسراع، وحى وتوحى: أسرع، ووحاه، عجله.
5 الإسراع أيضًا.
6 سريعًا.
7 غبطه: تمنى مثل حاله من غير أن يريد زوال نعمته عنه.
(1/181)

38- خطبة أخرى:
قال الطبري: وقام أيضًا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"إن الله عز وجل لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه، فأريدوا الله بأعمالكم، واعلموا أن ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها، وحظ ظفرتم به، وضرائب أديتموها، وسلف قدمتموه، من أيام فانية لأخرى باقية، لحين فقركم وحاجتكم، اعتبروا عباد الله بمن مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم. أين كانوا أمس؟ وأين هم اليوم؟ أين الجبارون؟ وأين الذين كانوا لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب؟ قد تضعضع بهم الدهر، وصاروا رميمًا، قد تركت عليهم القالات1 الخبيثات، وإنما الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها؟ قد بعدوا، ونسي ذكرهم، وصاروا كلا شيء؛ ألا وإن الله قد أبقى عليهم التبعات، وقطع عنهم الشهوات، ومضوا والأعمال أعمالهم، والدنيا دنيا غيرهم، وبقينا خلفًا من بعدهم؛ فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا، وإن اغتررنا كنا مثلهم، أين الوضاء3 الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ صاروا ترابًا، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم، أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعجايب؟ قد تركوها لمن خلفهم؛ فتلك مساكنهم خاوية، وهم في ظلمات القبور، هل تحس منهم من أحد، أو تسمع لهم ركزًا3؟ أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم؟ قد انتهت بهم آجالهم، فوردوا على ما قدموا، فحلوا عليه، وأقاموا للشقوة وللسعادة فيما بعد الموت،
__________
1 القول: في الخيرة، والقال والقيل والقالة: في الشر.
2 الوضاء جمع وضيء: وهو الحسن والنظيف، وهو أيضًا وضاء بضم الواو وتشديد الضاد، وجمعه وضاءون.
3 الصوت الخفي.
(1/182)

ألا إن الله لا شريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرًا، ولا يصرف عنه به سوءًا إلا بطاعته واتباع أمره، واعلموا أنكم عبيد مدينون، وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته، أما وإنه لا خير بخير بعده النار، ولا شر بشر بعده الجنة.
"تاريخ الطبري 3: 311، وشرح أبي الحديد م 4 ص 167".
(1/183)

39- خطبة له:
ومن خطبه: "حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك، فرفع الناس رءوسهم، فقال: ما لكم يا معشر الناس؟ إنكم لطعانون عجلون، إن من الملوك من إذا ملك زهده الله فيما في يده، ورغبه فيما في يد غيره، وانتقصه شطر أجله، وأشرب قلبه الإشفاق، فهو يحسد على القليل، ويتسخط1 الكثير، ويسأم الرخاء وتنقطع عنه لذة البهاء، لا يستعمل العبرة، ولا يسكن إلى الثقة؛ فهو كالدرهم القسي2، والسراب الخادع، جذل الظاهر، حزين الباطن؛ فإذا وجبت3 نفسه، ونضب عمره، وَضَحَا ظله4، حاسبه الله فأشد حسابه، وأقل عفوه. ألا إن الفقراء هم المرحومون، وخيرالملوك من آمن بالله، وحكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإنكم اليوم على خلافة نبوة، ومفرق محجة، وسترون بعدي ملكًا عضوضًا5، وأمة شعاعًا6، ودمًا مفاحًا7؛ فإن كانت للباطل نزوة8، ولأهل الحق جولة، يعفولها الأثر، وتموت السنن؛ فالزموا المساجد،
__________
1 تسخط عطاءه: استقله ولم يقع منه موقعًا.
2 الزائف.
3 مات. ووجبت الشمس: غابت، والعين غارت.
4 مات أيضًا.
5 الغضوض: ما يعض عليه، وملك عضوض: فيه عسف وظلم.
6 متفرقة.
7 أفاحه: أراقه.
8 وثبة.
(1/183)

واستشيروا القرآن، والزموا الجماعة، وليكن الإبرام بعد التشاور، والصفقة بعد طول التناظر، أي بلاد خرشنة1 إن الله سيفتح عليكم أقصاها كما فتح أدناها".
"عيون الأخبار م 2 ص 233، والبيان والتبيين 2: 21، والعقد الفريد 2: 131، وصبح الأعشى 1: 213، وزهر الآداب 1: 39".
__________
1 خرشنة: بلد بالروم، والمراد بلاد الروم.
(1/184)

40- خطبة له:
وخطب أيضًا فقال:
"الحمد لله، أحمده، وأستعينه، وأستغفره، وأومن به، وأتوكل عليه، وأستهدي الله بالهدى، وأعوذ به من الضلالة والردى، ومن الشك والعمى، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، يعز من يشاء، ويذل من يشاء بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، إلى الناس كافة، رحمة لهم، وحجة عليهم والناس حييئذ على شر حال في ظلمات الجاهلية، دينهم بدعة، ودعوتهم فرية؛ فأعز الله الدين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وألف بين قلوبكم أيها المؤمنون، فأصبحتم بنعمته إخوانًا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون؛ فأطيعوا الله ورسوله، فإنه قال عز وجل: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80] .
أما بعد أيها الناس: إني أوصيكم بتقوى الله العظيم في كل أمر، وعلى كل حال، ولزوم الحق فيما أحببتم وكرهتم، فإنه ليس فيما دون الصدق من الحديث خير، من يكذب
(1/184)

يفجر، ومن يفجر يهلك، وإياكم والفخر، وما فخر من خلق من التراب، وإلى التراب يعود؟ هو اليوم حي، وغدًا ميت؛ فاعملوا وعدوا أنفسكم في الموتى، وما أشكل عليكم فردوا علمه إلى الله، وقدموا لأنفسكم خيرًا تجدوه محضرًا؛ فإنه قال عز وجل {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30] . فاتقوا الله عباد الله وراقبوه، واعتبروا بمن مضى قبلكم، واعلموا أنه لا بد من لقاء ربكم والجزاء بأعمالكم صغيرها وكبيرها، إلا ما غفر الله، إنه غفور رحيم، فأنفسكم أنفسكم، والمستعان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، أفضل ما صليت على أحد من خلقك، وزكنا بالصلاة عليه، وألحقنا به، واحشرنا في زمرته، وأوردنا حوضه. اللهم أعنا على طاعتك، وانصرنا على عدوك.
"العقد الفريد 2: 131".
(1/185)

41- خطبة له:
وخطب أيضًا؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة؛ فإن الله أثنى على زكريا وعلى أهل بيته فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، وعوضكم بالقليل الفاني الكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره، فثقوا بقوله،
(1/185)

وانتصحوا1 كتابه، واستبصروا فيه ليوم الظلمة؛ فإنه خلقكم لعبادته، ووكل بكم الكرام الكاتبين ما تفعلون2".
"العقد الفريد 2: 131، وعيون الأخبار م2 ص232".
__________
1 انتصح فلان: قبل النصيحة، يقال: انتصحني فإني لك ناصح.
2 ورد عقب ذلك " ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه.. إلخ" مما أورده ابن جرير الطبري في الخطبة التي أسلفنا ذكرها ص181.
(1/186)

42- خطبة له في الأنصار:
ووصل إليه مال من البحرين، فساوى فيه بين الناس، فغضبت الأنصار، وقالوا له فضلنا؛ فقال أبو بكر صدقتم، إن أردتم أن أفضلكم صار ما عملتموه للدنيا، وإن صبرتم كان ذلك لله عز وجل، فقالو: والله ما عملنا إلا لله تعالى وانصرفوا، فرقي أبو بكر المنبر؛ فحمد الله وأثنى عليه وصلى الله عليه وسلم. ثم قال:
"يا معشر الأنصار: إن شئتم أن تقولوا إنا آويناكم في ظلالنا، وشاطرناكم في أموالنا، ونصرناكم بأنفسنا: قلتم: وإن لكم من الفضل ما لا يحصيه العدد وإن طال به الأمد. فنحن وأنتم كما قال طفيل الغنوي:
جزى الله عنا جعفرًا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا، ولو أن أمنا ... تلاقى الذي يلقون منا لملت
هم أسكنونا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأظلت
"زهر الآداب 1: 39 وصبح الأعشى 13: 108".
(1/186)

43- وصيته لأسامة بن زيد:
وأوصى أسامة بن زيد وجيشه حين سيره إلى أبنى1، فقال:
"يا أيها الناس: قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا2، ولا تغدروا3، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تقعروا4 نخلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة5، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم بأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام؛ فإذا أكلتم منها شيئًا بعد شيء، فاذكروا اسم الله عليها، وتلقون أقوامًا قد فحصوا أوساط رءوسهم، وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم6 بالسيف خفقًا، اندفعوا باسم الله7".
"تاريخ الطبري 3: 213، والكامل لابن الأثير 2: 162".
__________
1 موضع بقرب مؤتة بمشارق الشام قتل فيه والده زيد بن حارثة.
2 غل يغل كنصر: خان كأغل، وغل صدره يغل كضرب غليلًا وغلًا: حقد.
3 غدره وغدر به كنصر وضرب وسمع.
4 قعر النخلة: كمنع فانقعرت قطعها من أصلها فسقطت.
5 المأكلة: ما أكل.
6 خفقه: ضربه بشيء عريض.
7 وأورده العقد الفريد هذه الوصية وذكر أنها وصية من أبي بكر لزيد بن أبي سفيان –راجع العقد جـ1 ص40.
(1/187)

وصيته لعمرو بن العاص والوليد بن عقبة
...
44- وصيته لعمرو بن والوليد بن عقبة:
وشيخ عمرو بن العاص والوليد بن عقبة مبعثهما على الصدقة، وأوصى كل واحد منهما بوصية واحدة:
"اتق الله في السر والعلانية؛ فإنه من يتق الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث
(1/187)

لا يحتسب، ومن يتق الله يكفر عنه سيئآته، ويعظم له أجرًا، فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله، إنك في سبيل من سبل الله، لا يسمك فيه الإدهان1 والتفريط والغفلة عما فيه قوام دينكم، وعصمة أمركم فلا تن، ولا تفتر".
"تاريخ الطبري 4: 29".
__________
1 الإدهان: المداهنة والغش.
(1/188)

خطب الفتوح في عهد أبي بكر "
45- وصيته لخالد بن الوليد"
ووصى أبو بكر خالد بن الوليد فقال:
"سر على بركة الله؛ فإن دخلت أرض العدو؛ فكن بعيدًا من الحملة، فإني لا آمن عليك الجوالة، واستظهر بالزاد، وسر بالأدلاء، ولا تقاتل بمجروح، فإن بعضه ليس منه، واحترس من البيات، فإن في العرب غرة، وأقلل من الكلام، فإن مالك ما وعي عنك، واقبل من الناس علانيتهم، وكلهم إلى الله في سريرتهم، وأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه".
"العقد الفريد 1: 40".
(1/188)

46- خطبة خالد بن الوليد:
وكان أبو بكر رضي الله عنه قد بعث المثنى بن حارثة على جيش إلى العراق، فقدم العراق فقاتل وأغار على أهل فارس ونواحي السواد، ثم بعث أخاه مسعودًا إلى أبي بكر يستمده.
فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد -وكان باليمامة- أن يسير إلى العراق؛ فلما قرأ خالد الكتاب.
قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال:
(1/188)

"الحمد لله والله أهله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فإن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلينا يحضنا على طاعة ربنا، وجهاد عدونا وعدو الله، وبالجهاد في سبيل الله أنجز الله دعوتنا، وجمع كلمتنا وأمنيتنا، والحمد لله رب العالمين، ألا إني خارج ومعسكر وسائر إن شاء الله ومعجل، فمن أراد ثواب العاجل والآجل فلينكمش1":
__________
1 انكمش: أسرع.
(1/189)

47- خطبة لأبي بكر في ندب الناس لفتح الشأم:
وخطب يندب الناس لفتح الشأم؛ فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله، وقال: "ألا إن لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهي حسبه، ومن عمل لله كفاه الله، عليكم بالجد والقصد، فإن القصد أبلغ؛ ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا أجر لمن لا حسبة له، ولا عمل لمن لا نية له؛ ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله، كما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به، هي التجارة التي دل الله عليها، ونجى بها من الخزي، وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة".
"تاريخ الطبري 4: 30".
(1/189)

فتح الشام
مدخل
...
فتح الشام:
حدث أبو إسماعيل محمد بن عبد الأزدي البصري صاحب فتوح الشام قال: لما أراد أبو بكر رحمة الله عليه أن يجهز الجنود إلى الشأم؛ دعا عمر وعثمان وعليًّا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبا عبيدة بن الجراح ووجوه المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم، فدخلوا عليه فقال:
(1/190)

48- خطبة أبي بكر:
"إن الله تبارك وتعالى لا تحصى نعمه، ولا تبلغ جزاءها الأعمال؛ فله الحمد كثيرًا على ما اصطنع عندكم، فقد جمع كلمتكم، وأصلح ذات بينكم، وهداكم إلى الإسلام، ونفى عنكم الشيطان؛ فليس يطمع أن تشركوا بالله، ولا أن تتخذوا إلهًا غيره؛ فالعرب اليوم بنو أم وأب، وقد أردت أن أستنفرهم إلى جهاد الروم بالشام ليؤيد الله المسلمين، ويجعل الله كلمته العليا، مع أن للمسلمين في ذلك الحظ الأوفر؛ فمن هلك منهم هلك شهيدًا، وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش منهم عاش مدافعًا عن الدين، مستوجبًا على الله عز وجل ثواب المجاهدين، هذا رأيي الذي رأيت فليشر علي أمرؤ بمبلغ رأيه".
(1/190)

49- خطبة عمر:
فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال:
"الحمد لله الذي يخص بالخير من يشاء من خلقه، والله ما استبقنا إلى شيء من الخير قط إلا سبقتنا إليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قد والله أردت لقاءك لهذا الرأي
(1/190)

الذي كرت، فما قضى الله أن يكون ذلك حتى ذكرته الآن فقد أصبت، أصحاب الله بك سبل الرشاد، سرب إليهم الخيل في إثر الخيل، وابعث الرجال تتبعها الرجال، والجنود تتبعها الجنود؛ فإن الله عز وجل ناصر دينه، ومعز الإسلام وأهله، ومنجز ما وعد رسوله".
"فتوح الشام ص1 وتاريخ ابن عساكر 1: 126- 127".
(1/191)

50- خطبة عبد الرحمن بن عوف:
ثم إن عبد الرحمن بن عوف قام فقال:
"يا خليفة رسول الله، إنها الروم وبنو الأصفر، حد حديد، وركن شديد، والله ما أرى أن تقحم الخيل عليهم إقحامًا، ولكن تبعث الخيل، فتغير في أداني أرضهم، ثم تبعثها فتغير، ثم ترجع إليك، ثم تبعثها فتغير، ثم ترجع إليك؛ فإذا فعلوا ذلك مرارًا أضروا بعدوهم، وغنموا من أداني أرضهم، فقووا بذلك على قتالهم، ثم تبعث إلى أقاصى أهل اليمن، وإلى أقاصي ربيعة ومضر فتجمعهم إليك جميعًا. فإن شئت عند ذلك غزوتهم بنفسك، وإن شئت بعثت على غزوهم غيرك".
ثم جلس وسكت وسكت الناس.
قال لهم أبو بكر ما ترون؟ رحمكم الله؛ فقام عثمان بن عفان رضوان الله عليه. فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال:
"رأيي أنك ناصح لأهل هذا الدين، عليهم شفيق. فإذا رأيت رأيًا علمته لهم رشدًا وصلاحا وخيرًا، فاعزم على إمضائه، فإنك غير ظنين ولا متهم عليهم".
فقال طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد وجميع من حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار:
"صدق عثمان فيما قال، ما رأيت من رأي فأمض؛ فإنا سامعون لك مطيعون، لا نخالف أمرك، ولا نتهم رأيك، ولا نتخلف عن دعوتك وإجابتك".
(1/191)

فذكروا هذا وشبهه، وعلي بن طالب رحمة الله عليه في القوم لا يتكلم، فقال له أبو بكر: ما ترى يا أبا الحسن؟ قال:
"أرى أنك مبارك الأمر، ميمون النقيبة، وأنك إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نصرت إن شاء الله".
فقال له أبو بكر: بشرك الله بخير، فمن أين علمت هذا؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يزال الدين ظاهرًا على كل من ناوأه، حتى يقوم الدين وأهله ظاهرين" فقال أبو بكر: سبحان الله! ما أحسن هذا الحديث! لقد سررتني سرك الله في الدنيا والآخرة.
(1/192)

51- خطبة أبي بكر:
ثم إن أبا بكر رحمة الله عليه ورضوانه قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وذكره بما هو أهله، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال:
"أيها الناس، إن الله قد أنعم عليكم بالإسلام، وأعزكم بالجهاد، وفضلكم بهذا الدين على أهل كل دين. فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشأم؛ فإني مؤمر عليكم أمراء وعاقد لهم ألوية، فأطيعوا ربكم، ولا تخالفوا أمراءكم، ولتحسن نيتكم وسيرتكم وطعمتكم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون".
فسكت الناس، فو الله ما أجابه هيبة لغزو الروم لما يعلمون من كثرة عددهم وشده شوكتهم، فقام عمر بن الخطاب رحمة الله عليه وضوانه فقال: يا معشر المسلمين ما لكم لا تجيبون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ دعاكم لما يحييكم.
(1/192)

52- خطبة خالد بن سعيد بن العاص:
فقام خالد بن سعيد بن العاص، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله، ثم قال:
(1/192)

"الحمد لله الذي لا إله إلا هو، الذي بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون؛ فإن الله منجز وعده، ومعز دينه، ومهلك عدوه" ثم أقبل على أبي بكر فقال: "نحن غير مخالفين لك، ولا متخلفين عنك، وأنت الوالي الناصح الشفيق، ننفر إذا استنفرتنا، ونطيعك إذا أمرتنا، ونجيبك إذا دعوتنا".
ففرح أبو بكر بمقالته، وقال له: "جزاك الله من أخ وخليل خيرًا؛ فقد أسلمت مرتغبًا، وهاجرت محتسبًا، وهربت بدينك من الكفار، لكي يطاع الله ورسوله، وتكون كلمة الله هي العليا، فتيسر رحمك الله".
فتجهز خالد بن سعيد بأحسن الجهاز وخرج هو وإخوته وغلمانه ومن تبعه من أهل بيته؛ فكان أول من عسكر، وأمر أبو بكر بلالًا فنادى في الناس: أن انفروا إلى جهاد عدوكم الروم بالشام، فنفروا إليه -وكان خالد من عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره الإمارة واستعفى أبا بكر فأعفاه- "فتوح الشام ص1"
ورأى أبو بكر أن يكتب كتابًا إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الجهاد، ويرغبهم في ثوابه، وبعث الكتاب مع أنس بن مالك.
قال أنس: أتيت أهل اليمن جناحًا جناحًا وقبيلة قبيلة، أقرأ عليهم كتاب أبي بكر وإذا فرغت من قراءته قلت:
"الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإني رسول خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول المسلمين إليكم، ألا وإني قد تركتهم معسكرين، ليس يمنعهم من الشخوص إلى عدوهم إلا انتظاركم، فعجلوا إلى إخوانكم رحمة الله عليكم أيها المسلمون".
فكان كل من أقرأ عليه ذلك الكتاب، ويسمع مني هذا القول يحسن الرد علي، ويقول: نحن سائرون وكأنا قد فعلنا.
(1/193)

53- خطبة ذي الكلاع:
حتى انتهيت إلى ذي الكلاع؛ فلما قرأت عليه الكتاب، وقلت هذا المقال، دعا بفرسه وسلاحه، ونهض في قومه من ساعته ولم يؤخر ذلك، وأمر بالمعسكر فما برحنا حتى عسكر وعسكر معه جموع كثيرة من أهل اليمن وسارعوا؛ فلما اجتمعوا إليه قام فيهم:
(1/193)

فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: "أيها الناس إن من رحمة الله إياكم، ونعمته عليكم، أن بعث فيكم رسولًا، وأنزل عليه كتابًا فأحسن عنه البلاغ؛ فعلمكم ما يرشدكم، ونهاكم عما يفسدكم، حتى علمكم ما لم تكونوا تعلمون، ورغبكم في الخير فيما لم تكونوا ترغبون، ثم قد دعاكم إخوانكم الصالحون إلى جهاد المشركين، واكتساب الأجر العظيم؛ فلينفر من أراد النفير معي الساعة".
فنفر بعدد من أهل اليمن كثير، وقدموا على أبي بكر ففرح بمقدمهم.
"فتوح الشام ص6".
(1/194)

54- وصية خالد بن سعيد بن العاص لأبي بكر:
ولما أراد خالد بن سعيد بن العاص أن يغدو سائرًا إلى الشأم، لبس سلاحه، وأمر إخوته فلبسوا أسلحتهم، عمرًا والحكم وأبان، وغلمته ومواليه، ثم أقبل إلى أبي بكر رضي الله عنه بعد صلاة الغداة وصلى معه؛ فلما انصرفوا قام إليه هو وإخوته، فجلسوا إليه فحمد الله خالد وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال:
"يا أبا بكر، إن الله أكرمنا وإياك والمسلمين طرًّا بهذا الدين، فأحق من أقام السنة، وأمات البدعة، وعدل في السيرة، الوالي على الرعية، وكل امرئ من أهل هذا الدين محقوق بالإحسان، ومعدلة الوالي أعم نفعًا، فاتق الله يا أبا بكر فيمن ولاك الله أمره، وارحم الأرملة واليتيم، وأعن الضعيف المظلوم، ولا يكن رجل من المسلمين إذا وضيت عنه آثر عندك في الحق منه إذا سخطت عليه، ولا تغضب. ما قدرت على ذلك؛ فإن الغضب يجر الجور. ولا تحقد على مسلم وأنت تسطيع، فإن حقدك على المسلم يجعلك له عدوًا، وإن اطلع على ذلك منك عاداك؛ فإذا عادى الوالي الرعية، وعادت الرعية الوالي، كان ذلك قمنًا أن يكون إلى هلاكهم داعيًا، وكن لينًا للمحسن، واشدد على المريب، ولا تأخذك في الله لومة لائم".
(1/194)

ثم قال: هات يدك؛ فإن لا أدري: هل نلتقي في الدنيا بعد هذا اليوم؟ فإن قضى الله لنا التقاء فنسأل الله عفوه وغفرانه، وإن كانت هي الفرقة التي ليس بعدها التقاء، فعرفنا الله وإياك وجه النبي صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم" فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده، ثم بكى وبكى خالد والمسلمون، وظنوا أنه يريد الشهادة.
"فتوح الشأم ص17".
(1/195)

ووصية أبي بكر لخالد بن سعيد بن العاص
...
55- وصية أبى بكر لخالد بن سعيد بن العاص:
فلما خرج من المدينة قال له أبو بكر رضي الله عنه:
"إنك قد أوصيتني برشدي وقد وعيته، وأنا موصيك فاستمع وصيتي وعها، إنك امرؤ قد جعل الله لك سابقة في الإسلام، وفضيلة عظيمة، والناس ناظرون إليك، ومستمعون منك، وقد خرجت في هذا الوجه العظيم الأجر، وأنا أرجو أن يكون خروجك فيه لحسبة ونية صادقة إن شاء الله، فثبت العالم، وعلم الجاهل، وعاتب السفيه المترف، وانصح لعامة المسلمين، واخصص الوالي على الجند من نصيحتك ومشورتك ما يحق الله وللمسلمين عليك واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واعلم أنا عما قليل ميتون ثم مبعوثون ثم مساءلون ومحاسبون، جعلنا الله وإياك لأنعمه من الشاكرين ولنقمه من الخائفين ثم أخذ يده فودعه".
وجهز أبو بكر أربعة جيوش على أحدها عمرو بن العاص ووجهه إلى فلسطين، وعلى الثاني شرحبيل بن حسنة ووجه إلى الأردن، وعلى الثالث يزيد بن أبي سفيان ووجهه إلى البلقاء، وعلى الرابع أبو عبيدة عامر بن الجراح ووجهه إلى حمص، وشيع الأمراء ووصاهم.
"فتوح الشام ص18".
(1/195)

56- وصية أبى بكر لعمرو بن العاص:
ولما أجمع أبو بكر أن يبعث الجيوش إلى الشام كان أول من سار من عماله عمرو بن العاص.
وخرج أبو بكر يمشي إلى جنب راحلة عمرو بن العاص وهو يوصيه ويقول:
(1/195)

"يا عمرو اتق الله في سر أمرك وعلانيته، واستحيه فإنه يراك ويرى عملك، وقد رأيت تقديمي إياك على من هو أقدم سابقةً منك، ومن كان أعظم غناء عن الإسلام وأهله منك؛ فكن من عمال الآخرة، وأرد بما تعمل وجه الله، وكن والدًا لمن معك. ولا تكشفن الناس عن أستارهم، واكتف بعلانيتهم، وكن مجدًّا في أمرك، واصدق اللقاء إذا لاقيت ولا تجبن، وتقدم في العلوم1 وعاقب عليه، وإذا وعظت أصحابك فأوجز، وأصلح نفسك تصلح لك رعيتك....... في وصية له طويلة".
"تاريخ ابن عساكر1: 129".
__________
1 هكذا في الأصل.
(1/196)

57- وصية أخرى:
وأمد أبو بكر أبا عبيدة بجيش عليه عمرو بن العاص؛ فلما أراد الشخوص خرج معه أبو بكر رضي الله عنه يشيعه وقال:
"يا عمرو إنك ذو رأي وتجربة بالأمور وتبصرة بالحرب. وقد خرجت مع أشرف قومك، ورجال من صلحاء المسلمين، وأنت قادم على إخوانك فلا تألهم نصيحة، ولا تدخر عنهم صالح مشورة؛ فرب رأي لك محمود في الحرب، مبارك في عواقب الأمور" فقال له عمرو: ما أخلقني أن أصدق ظنك وأن أقبل رأيك، ثم ودعه وانصرف".
"فتوح الشام ص41".
(1/196)

58- وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان:
ودعا يزيد بن أبى سفيان فعقد له وأوصاه فقال:
"يا يزيد، إني أوصيك بتقوى الله وطاعته، والإيثار له، والخوف منه، وإذا لقيت
(1/196)

العدو فأظفركم بهم، فلا تغلل ولا تمثل، ولا تغدر ولا تجبن، ولا تقتلوا وليدًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تحرقوا نخلًا ولا تقعره، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تعقروا بهيمة إلا لمأكلة، وستمرون بقوم في الصوامع، يزعمون أنهم حبسوا أنفسهم لله؛ فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له، وستجدون آخرين قد فحص الشيطان عن أوساط رءوسهم، حتى كأن أوساط رءوسهم أفاحيص1 القطا، فاضربوا ما فحصوا من رءوسهم بالسيوف، حتى ينيبوا إلى الإسلام، أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب" ثم أخذ يده فقال: "إني أستودعك الله وعليك سلام الله ورحمته" ثم ودعه وقال: "إنك أول أمرائي، وقد وليتك على رجال من المسلمين أشراف غير أوزع2 في الناس؛ فأحسن صحبتهم، ولتكن لهم كنفًا واخفض لهم جناحك وشاورهم في الأمر، أحسن الله لك الصحابة وعلينا الخلافة".
"فتوح الشام ص8".
__________
1 جمع أفحوص وهو ما يجثم فيه القطا.
2 أي ليسوا بأدنياء ولا ضعفاء ولا جفاة.
(1/197)

59- وصية أخرى ليزيد بن أبي سفيان:
ووصى يزيد بن أبي سفيان أيضًا حين وجهه لفتح الشام قال:
"إني قد وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك1؛ فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك، وإن أسأت عزلتك؛ فعليك بتقوى الله، فإنه يرى من باطنك مثل الذي يرى من ظاهرك، وإن أولى الناس بالله أشدهم توليًا له، وأقرب الناس من الله أشدهم تقربًا إليه بعمله، وقد وليتك عمل خالد2؛ فإياك وعبية3 الجاهلية، فإن الله يبغضها ويبغض
__________
1 خرجه: دربه وعلمه.
2 هو خالد بن سعيد العاص، وكان أبو بكر سيره إلى الشام أولًا مم عزله.
3 العبية: الكبر والفخر، وفي الحديث: "إن الله قد وضع عنكم عبية الجاهلية" يعني الكبر.
(1/197)

أهلها، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير، وعدهم إياه، وإذا وعظتهم فأوجز؛ فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصل الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها، وإ ذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به، ولا تريثهم1 فيروا خللك، ويعلموا علمك، وأنزلهم في ثروة عسكرك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانيتك؛ فيختلط أمرك، وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة، ولا تخزن عن المشير خبرك، فتؤتى من قبل نفسك، واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار، وتنكشف عندك الأستار، وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن محرسه؛ فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط، وعقب2 بينهم بالليل، واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة؛ فإنها أيسرهما لقربها من النهار، ولا تخف من عقوبة المستحق، ولا تلجن فيها، ولا تسرع إليها، ولا تخذ لها مدقعًا3، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تجسس عليهم فتفضحهم، ولا يكشف الناس عن أسرارهم، واكتف بعلانيتهم، ولا تجالس العباثين وجالس أهل الصدق والوفاء، واصدق اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول4؛ فإنه يقرب الفقر، ويدفع النصر، وستجدون أقوامًا حبسوا أنفسهم في الصوامع، فدعهم وما حبسوا أنفسهم له".
"تاريخ الكامل لابن الأثير2: 196".
__________
1 من الريث: وهو الإبطاء.
2 عقبه تعقيبًا: جاء بعقبه.
3 لا تخذ: من خذا يخذو كنصر وخذي يخذي كرضي إذا استرخى، والمدقع: الملصق بالدقعاء أو الهارب أو أشد الهزلى هزالًا، أي ولا تضعف، ولا تجبن أمام تنفيذ العقوبة وهو مقابل لقوله: ولا تسرع إليها.
4 غل غلولًا: خان.
(1/198)

60- دعاء أبي بكر:
وكان أبو بكر رحمة الله عليه يدعو في كل يوم غدوةً وعشيةً في دبر صلاة الغداة وبعد العصر يقول:
"اللهم إنك خلقتنا ولم نك شيئًا، ثم بعثت إلينا رسولًا، رحمة منك لنا، وفضلًا منك علينا، فهديتنا وكنا ضلالًا، وحببت إلينا الإيمان وكنا كفارًا، وكثرتنا وكنا قليلًا وجمعتنا وكنا أشتاتًا، وقويتنا وكنا ضعافًا، ثم فرضت علينا الجهاد، وأمرتنا بقتال المشركين حتى يقولوا لا إله إلا الله أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، اللهم لأصبحنا أن نطلب رضاك، ونجاهد أعداءك، من عدل بك، وعبد معك إلهًا غيرك، تعاليت عما يقولون علوًّا كبيرًا، اللهم فانصر عبادك المسلمين على عدوك من المشركين، اللهم افتح لهم فتحًا يسيرًا، وانصرهم نصرًا عزيزًا، واجعل لهم من لدنك سلطانًا نصيرًا، اللهم شجع جبنهم وثبت أقدامهم، وزلزل بعدوهم، وأدخل الرعب قلوبهم، واستأصل شأفتهم، واقطع دابرهم، وأبد خضراءهم، وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم، وكن لنا وليًا، وبنا حفيًا، وأصلح لنا شأننا كله ونياتنا وقضاءنا وتبعاتنا، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين، واغفر لنا والمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، ثبتنا الله وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، إنه بالمؤمنين رءوف رحيم".
"فتوح الشام ص9".
(1/199)

61- وصيته لشرحبيل بن حسنة:
ووجه شرحبيل بن حسنة، وودعه فقال له: يا شرحبيل، ألم تسمع وصيتي ليزيد بن أبي سفيان؟ قال: بلى، قال: فإني أوصيك بمثلها، وأوصيك بخصال أغفلت ذكرهن
(1/199)

ليزيد: أوصيك بالصلاة في وقتها، وبالصبر يوم البأس حتى تظفر أو تقتل وبعيادة المرضى، وبحضور الجنائز، وذكر الله كثيرًا على كل حال".
"فتوح الشام ص 11".
(1/200)

63- وصيته لأبي عبيدة بن الجراح:
ولما أراد أن يبعث أبا عبيد بن الجراح دعاه فودعه ثم قال له:
"اسمع سماع من يريد أن يفهم ما قيل له، ثم يعمل بما أمر به، إنك تخرج في أشراف الناس، وبيوتات العرب، وصلحاء المسلمين، وفرسان الجاهلية، كانوا يقاتلون إذ ذاك على الحمية، وهم اليوم يقاتلون على الحسبة والنية الحسنة، أحسن صحبة من صحبك، وليكن الناس عندك في الحق سواء، واستعن بالله وكفى بالله معينًا، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلًا، اخرج من غد إن شاء الله".
(1/200)

63- وصيته لأبي عبيدة بن الجراح أيضًا:
فلما كان من الغد خرج أبو بكر رضي الله عنه يمشي في رجال من المسلمين، حتى أتى أبا عبيدة، فسار معه حتى بلغ ثنية الوداع، ثم قال حين أراد أن يفارقه:
"يا أبا عبيدة، اعمل صالحًا. وعش مجاهدًا، وتوف شهيدًا، يعطك الله كتابك بيمينك، ولتقر عينك في دنياك وآخرتك، فوالله إني لأرجو أن تكون من التوابين الأوابين المخبتين1 الزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، إن الله قد صنع بك خيرًا وساقة إليك؛ إذ جعلك تسير في جيش من المسلمين إلى عدوه من المشركين، فقاتل من كفر بالله وأشرك به، وعبد معه غيره".
"فتوح الشام ص14".
__________
1 في الأصل "المخشئين"، وأخبت: خشع وتواضع.
(1/200)

64- خطبة أبي بكر:
وسار أبو عبيدة حتى إذا دنا الجابية بلغه أن هرقل ملك الروم بأنطاكية، وأنه قد جمع لهم جموعًا كثيرة، فكتب أبو عبيدة إلى أبي بكر يخبره بذلك، فقام أبو بكر رضي الله عنه في الناس
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإن إخوانكم المسلمين معافون مكلئون1، مدفوع عنهم، مصنوع لهم، وقد ألقى الله الرعب في قلوب عدوهم منهم، وقد اعتصموا بحصونهم، وأغلقوا أبوابها دونهم عليهم، وقد جاءتني رسلهم يخبرونني بهرب هرقل ملك الروم من بين أيديهم، حتى نزل قرية من قرى الشام في أقصى الشام، وقد بعثوا إلي يخبرونني أنه قد وجه إليهم هرقل جندًا من مكانه ذلك، فرأيت أن أمد إخوانكم المسلمين بجند منكم يشدد الله بكم ظهورهم، ويكبت بهم عدوهم، ويلق بهم الرعب في قلوبهم. فانتدبوا رحمكم الله مع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص. واحتسبوا في ذلك الأجر والخير فإنكم إن نصرتم فهو الفتح والغنيمة. وإن تهلكوا فهي الشهادة الكرامة".
"فتوح الشام ص27".
__________
1 محروسون.
(1/201)

65- وصية أبي بكر لهاشم بن عتبة:
ولما سار هاشم بن عتبة ودعه أبو بكر رضي الله عنه وقال له:
"يا هاشم إنا إنما كنا ننتفع من الشيوخ الكبير برأيه ومشورته وحسن تدبيره، وكنا ننتفع من الشاب بصبره وبأسه ونجدته، وإن الله عز وجل قد جمع لك تلك الخصال كلها، وأنت حديث السن مستقبل الخير؛ فإذا لقيت عدوك فاصبر وصابر، واعلم أنك لا تخطو خطوة، ولا تنفق نفقة، ولا يصيبك ظمأ ولا نصب ولا مخمصة1 في سبيل الله إلا كتب الله لك به عملًا صالحًا، إن الله لا يضيع أجر المحسنين".
__________
1 جوع.
(1/201)

فقال هاشم: إن يرد الله بي خيرًا يجعلني كذلك، وأنا أفعل ولا قوة إلا بالله، وأنا أرجو إن أنا لم أقتل أن أقتل ثم أقتل إن شاء الله.
فقال له عمه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "يا بن أخي لا تطعن طعنة ولا تضربن ضربة إلا وأنت تريد بها وجه الله، واعلم أنك خارج من الدنيا رشيدًا، وراجع إلى الله قريبًا، ولن يصحبك من الدنيا إلى الآخرة إلا قدم صدق قدمته، أو عمل صالح أسلفته".
فقال أي عم: لا تخالن1 مني غير هذا، إني إذًا لمن الخاسرين، إن جعلت حلي وارتحالي وغدوي ورواحي وسيفي وطعني برمحي وضربي بسيفي رياء للناس.
ثم خرج فقدم على أبي عبيدة فتباشر بمقدمه المسلمون.
"فتوح الشام ص 28".
__________
1 في الأصل "لا تخافن".
(1/202)

66- خطبة خالد بن الوليد يوم اليرموك:
ووجه هرقل إلى كل جيش من جيوش المسلمين جيشًا يفوقه؛ فأشار عمرو بن العاص على الأمراء بالاجتماع، فأرسلوا إلى أبي بكر في ذلك فأشار عليهم بمثل رأي عمرو.
فاجتمعوا باليرموك وكل واحد من الأمراء أمير على جيشه، والروم أمامهم، وبين الفريقين خندق؛ فكان الروم يقاتلون باختيارهم، وإن شاءوا احتجزوا بخنادقهم، فأرسل الأمراء إلي أبي بكر يستمدونه. فكتب إلى خالد بن الوليد أمير جند العراق يأمره أن يستخلف على جنده بعد أن يأخذ معه نصفه ويتوجه إلى الشام مددًا لأمرائه، فسار إلى الشام، ووافى المسلمين وهم متضايقون، إذ وصل باهان بجيش مددًا للروم، فولى خالد قتاله، وقاتل كل أمير من بإزائه متساندين1، فرأى خالد أن هذا القتل لا يجدي نفعًا ما دامت كل فرقة من الجيش لها أمير فجمع الأمراء وخطبهم.
فحمد الله وأثنى عليه وقال:
"إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم، وأريدوا الله بعملكم، فإن هذا يوم له ما بعده، ولا تقاتلوا قومًا على نظام وتعبية، على تساند
__________
1 أي تحت رايات شتى لاتجمعهم راية أمير واحد.
(1/202)

وانتشار، فإن ذلك لا يحل ولاينبغي، وإن من وراءكم1 لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه الرأي من واليكم ومحبته".
قالوا: فهات فما الرأي؟ قال: إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر2، ولو علم بالذي كان ويكون لما جمعكم. إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم، وأنفع للمشركين من أمدادهم، ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم؛ فالله الله فقد أفرد كل رجل منكم ببلد من البلدان، لا ينتقص منه أن دان لأحد من أمراء الجنود، ولا يزيده عليه أن دانوا له، إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله، ولا عند خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هلموا فإن هؤلاء قد تهيأوا، وهذا يوم له ما بعده إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لم نفلح بعدها، فهلموا فلنتعاور3 الإمارة، فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غدا، والآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم ودعوني أتأمر اليوم" فأمروه وانتهت الموقعة بهزيمة الروم شر هزيمة "سنة 13هـ".
"تاريخ الطبري 4: 33 والكامل لابن الأثير2: 200".
__________
1 يعني أبا بكر.
2 التياسر: التساهل.
3 نتعاقب عليها.
(1/203)

67- خطبة أبي عبيدة في وقعة اليرموك:
ولما برز المسلمون إلى الروم في وقعة اليرموك سار أبو عبيدة في المسلمين ثم قال:
"يا عباد الله، انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، فإن وعد الله حق، يا معشر المسلمين اصبروا، فإن الصبر منجاة من الكفر، ومرضاة للرب، ومدحضة للعار، فلا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة ولا تبدءوهم بقتال، وأشرعوا الرماح، واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذكر الله، حتى آمركم إن شاء الله".
"فتوح الشام ص195".
(1/203)

68- قصص معاذ بن جبل:
وخرج معاذ بن جبل يقص على الناس ويقول:
"يا قراء القرآن ومستحفظي الكتاب، وأنصار الهدى، وأولياء الحق، إن رحمة الله -والله- لا تنال، وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادقين المصدقين بما وعدهم الله عز وجل، ألم تسمعوا لقول الله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 55] .
أنتم إن شاء الله منصورون، فأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين، واستحيوا من ربكم أن يراكم فرارًا من عدوكم، وأنتم في قبضته ورحمته، وليس لأحد منكم ملجأ ولا ملتجأ من دونه ولا متعزز بغير الله".
فجعل يمشي في الصفوف ويحرضهم ويقص عليهم ثم انصرف إلى موقفه.
"فتوح الشام ص195".
(1/204)

69- خطبة عمرو بن العاص:
ومر عمرو بن العاص يومئذ على الناس، فجعل يعظهم ويقص عليهم، ويحرضهم ويقول:
"أيها الناس: غضوا أبصاركم، واجثوا على الركب، وأشرعوا الرماح، والزموا مراكزكم ومصافكم، فإذا حمل عليكم عدوكم فأمهلوهم، حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة، فثبوا في وجوههم وثوب الأسد، فو الذي يرضى الصدق ويمقت الكذب ويعاقب عليه،
(1/204)

ويجزي بالإحسان، لقد بلغني أن المسلمين سيفتحونها كفرًا كفرًا1، وقصرًا قصرًا، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم؛ فإنكم لو قد صدقتموهم الشدة لقد انذعروا انذعار أولاد الحجل2".
"فتوح الشام ص196".
__________
1 القرية.
2 الحجل: الذكر من القبج.
(1/205)

70- خطبة أبي سفيان بن حرب:
وكان أبو سفيان بن حرب يسير في الناس يوم اليرموك، ويقف على أهل كل راية وعلى كل جماعة فيحرض الناس ويحضهم ويعظهم ويقول:
"إنكم يا معشر المسلمين أصبحتم في دار العجم، منقطعين عن الأهل1، نائين عن أمير المؤمنين وأمداد المسلمين، وقد والله، أصبحتم بإزاء عدو كثير عددهم، شديد عليكم حنقهم، وقد وترتموهم في أنفسهم ونسائهم وأولادهم وأموالهم وبلادهم، فلا والله لا ينجيكم منهم اليوم وتبلغون رضوان الله إلا بصدق اللقاء، والصبر في مواطن المكروه، فامتنعوا بسيوفكم، وتقربوا بها إلى خالقكم، ولتكن هي الحصون التي تلجئون إليها، وبها تمنعون".
وقاتل أبو سفيان يومئذ قتالًا شديدًا، وأبلى بلاء حسنًا.
"فتوح الشام ص197".
__________
1 في الأصل "الأبل" وهو تحريف.
(1/205)

71- وصية أبي بكر لعمر رضي الله عنهما عند موته:
"إني مستخلفك من بعدي، وموصيك بتقوى الله، إن لله عملًا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملًا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنه لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة؛ فإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم،
(1/205)

وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلًا؛ وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفًا. إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم؛ فإذا ذكرتهم قلت إني أخاف ألا أكون من هؤلاء، وذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم ولم يذكر حسناتهم، فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء، وذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون العبد راغبًا راهبًا، ولا يتمنى على الله غير الحق، ولا يلقي بيده إلى التهلكة؛ فإذا حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت وهو آتيك، وإن ضيعت فلا يكن غائب أبغض إليك من الموت ولست بمعجز الله".
"البيان والتبيين 2: 22، والكامل لابن الأثير2: 208، والعقد الفريد: 298".
(1/206)

72- كلامه لعبد الرحمن بن عوف في علته التي مات فيها:
وقال عبد الرحمن بن عوف:
"دخلت يومًا على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، في علته التي مات فيها؛ فقلت له: أراك بارئًا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما إني على ذلك لشديد الوجع، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي، إني وليت أموركم خيركم في نفسي؛ فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه، والله لتتخذن نضائد1 الديباج وستور الحرير، ولتألمن النوم على الصوف الأذربي2، كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان3، والذي نفسي بيده؛ لأن يقدم أحدكم فتضرب
__________
1 جمع نضيدة، وهي الوسادة وما ينضد من المتاع.
2 نسبة إلى أذربيجان.
3 نبت كثير الحسك تأكله الإبل فتسمن عليه ويغذوها غذاء لا يوجد في غيره، وفي المثل: مرعى ولا كالسعدان.
(1/206)

عنقه في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا، يا هادي الطريق جرت إنما هو والله الفجر أو البجر1".
فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هذا يهيضك2 إلى ما بك، فوالله ما زلت صالحًا مصلحًا، لا تأسى على شيء فاتك من أمر الدنيا، ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلا خيرًا.
"تهذيب الكامل 1: 6، وإعجاز القرآن 116، والعقد الفريد 2: 208، وتاريخ الطبري 4: 52".
__________
1 الشر والأمر العظيم. يقول: إن انتظرت حتى يضيء لك الفجر والطريق أبصرت قصدك، وإن خبطت الظلماء وركبت العشواء هجمًا بك على المكروه، وضرب ذلك مثلًا لغمرات الدنيا وتحييرها أهلها.
2 هاض العظم: كسره بعد الجبور.
(1/207)

73- خطبة السيدة عائشة في الانتصار لأبيها:
يروى أنه بلغ عائشة رضي الله عنها أن أقوامًا يتناولون أبا بكر رضي الله عنه فأرسلت إلى أزفلة1 من الناس، فلما حضروا أسدلت2 أستارها، وعلت وسادها، ثم قالت:
"أبي وما أبيه، أبي والله لا تعطوه الأيدي3، وذاك طود منيف4، وفرع5 مديد، هيهات كذبت الظنون، أنجح6 إذ أكديتم، وسبق إذ ونيتم7، سبق الجواد إذا استولى على الأمد8، فتى قريش ناشئًا، وكهفها9 كهلًا، يفك عانيها، ويريش10 مملقها، ويرأب شعبها11، ويلم شعثها، حتى حليته12 قلوبها، ثم
__________
1 جماعة.
2 سدله يسدله: كنصر وضرب وأسدله أرخاه.
3 تتناوله.
4 الطود: الجبل، والمنيف: المشرف.
5 فرع كل شيء أعلاه، ومن القوم شريفهم.
6 أنجح: صر ذا نجح.
7 الكدية: بضم فسكون الأرض الغليظة، والصفاة العظيمة الشديدة، وحفر فأكدى إذا صادفها فلا يمكنه الحفر "وسأله فأكدى وجده مثلها": وونيتم أي فترتم وضعفتم.
8 الغاية والمنتهى.
9 الكهف: الوزر والملجأ، والكهل من جاوز الثلاثين أو أربعًا وثلاثين إلى إحدى وخمسين.
10 راش السهم يريشه ألزق عليه الريش كريشه، والمراد يعينه ويساعده.
11 يصلح. والشعب: الصدع.
12 حل الشيء: استحلاه.
(1/207)

استشرى1 في دين الله؛ فما برحت شكيمته2 في ذات الله عز وجل، حتى اتخذ بفنائه مسجدًا، يحيي فيه ما أمات المبطلون، وكان رحمه الله غزير الدمعة، وقيذ2 الجوانح، شجي النشيج4 فانقضت إليه نسوان مكة وولدانها، يسخرون منه ويستهزئون به {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} 5 فأكبرت ذلك رجالات من قريش، فجنت قسيها، وفوقت سهامها6، وامتثلوه7 غرضًا، فما فلوا له صفاة8، ولا قصفوا له قناة، ومر على سيسائه9، حتى إذا ضرب الدين بجرانه10، ورست أوتاده، ودخل الناس فيه أفواجًا، ومن كل فرقة أرسالًا11 وأشتاتًا، اختار الله لنبيه ما عنده، فلما قبض الله صلى الله عليه وسلم ضرب الشيطان رواقه12، ومد طنبه13، ونضب حبائله، وأجلب14 بخيله ورجله، واضطرب حبل الإسلام، ومرج 15 عهده، وماج أهله، وبغي الغوائل؛ فظنت رجال أن قد أكثبت16 أطماعهم، ولات حين الذي يرجون، وأنى والصديق بين أظهرهم، فقام حاسرًا مشمرًا،
__________
1 غضب ولج.
2 الشكيمة: الأنفة وفي اللجام الحديد المعترضة في فم الفرس. وهو شديد الشكيمة، أنف: أبي لا ينقاد.
3 الوقيذ: الصريع والشديد المرض المشرف.
4 الشجي: الحزين، والنشيج: صوت البكاء تشج الباكي ينشج كمجلس غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب.
5 العمه بفتحتين التردد في الضلال.
6 فوق السهم: جعل له فوقًا، وهو موضع الوتر من السهم.
7 امتثلوه: مثلوه.
8 الحجر الصلد: الضخم.
9 شدته. حمله على سيساء الحق أي على حده، والسيساء: عظم الظهر، والعرب تضربه مثلًا لشده الأمر.
10 جران البعير: مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره.
11 جمع رسل بفتحتين وهو القطيع من كل شيء.
12 فسطاطه.
13 حبل طويل يشده به سرادق البيت أو الوتد.
14 أجلب: صاح، والخيل: الخيالة، ومنه "يا خيل الله اركبي" والرجل: اسم جمع راجل كالصحب والركب، أي صاح بالركاب والمشاة وقرئ ورجلك بكسر الجيم وضمها.
15 المرج: بفتحتين الفساد والقلق والاختلاط والاضطراب "وإنما يسكن مع الهرج".
16 أكثب: قرب، والنهز جمع نهزة بضم النون وهي الفرصة.
(1/208)

فجمع حاشيتيه1، ورفع قطريه2، فرد رسن3 الإسلام على غربه4، ولم شعثه بطبه، وانتاش5 الدين فنعشه؛ لما أراح6 الحق على أهله، وقرر الرءوس على كواهلها7 وحقن الدماء في أهبها8، أتته منيته، فسد ثلمته بنظيره في الرحمة، وشقيقه في السيرة والمعدلة، ذاك ابن الخطاب؛ فلله در أم9 حملت به، ودرت عليه، لقد أوحدت10 به، ففنخ11 الكفرة، وديخها12، وشرد الشرك شذر مذر13، وبعج14 الأرض وبخعها15، فقاءت أكلها16 ولفظت خبأها، ترأمه17 ويصدف عنها، وتصدى18 له ويأباها، ثم وزع فيها فيئها، وودعها كما صحبها، فأروني ماذا ترتئون، وأي يومي أبي تنقمون، أيوم إقامته إذا عدل فيكم أم يوم ظعنه إذ نظر لكم19؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ثم أقبلت على الناس بوجهها، فقالت: أنشدكم الله هل أنكرتم مما قلت شيئًا، قالوا: اللهم لا".
"صبح الأعشى 1: 248، والعقد الفريد2: 206، ونهاية الأرب 7: 230".
__________
1 حاشية كل شيء: جانبه وطرفه.
2 القطر: الناحية.
3 الحبل.
4 الغرب: حد الشيء.
5 انتشل، ونعشه الله كأنعشه، ونعشه: رفعه.
6 أراح على فلان حقه: رده عليه.
7 الكاهل: مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق.
8 جمع إهاب، وهو الجلد، والمراد الأجسام.
9 الدر: اللبن والنفس والعمل.
10 أوحدت المرأة: ولدت واحدًا، أي جاءت به منفردًا لا نظير له.
11 أذل وقهر.
12 داخ البلاد ودوخها وديخها: قهرها واستولى على أهلها.
13 تفرقوا شذر مذر: ذهبوا في كل وجه.
14 شقها: كناية عن الفتح.
15 قهر أهلها واستخرج ما فيها من الكنوز وأموال الملوك.
16 الأكل: ما يؤكل، أي أخرجت خيراتها.
17 تعطف عليه، ويصدف أي يعرض.
18 تتعرض.
19 أي فيما يصلحكم فولى عليكم عمر.
(1/209)

74- رثاؤها لأبيها:
ما توفي أبو بكر رضي الله عنه، وقفت عائشة على قبره فقالت:
"نضر1 الله وجهك يا أبت، وشكر لك صالح سعيك؛ لقد كنت للدنيا مذلًّا بإدبارك عنها، وللآخرة معزًًّا بإقبالك عليها، ولئن كان أجل الحوادث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رزؤك، وأعظم المصائب بعده فقدك، إن كتاب الله ليعد بحسن الصبر فيك حسن العوض منك، وأنا أستنجز موعود الله تعالى بالصبر فيك، وأستقضيه2 بالاستغفار لك، أما لئن قاموا بأمر الدنيا، لقد قمت بأمر الدين، لما وهى شعبه3، وتفاقم صدعه4، ورجفت5 جوانبه، فعليك سلام الله توديع غير قالية6 لحياتك، ولا زارية7 على القضاء فيك".
"زهر الآداب 1: 40، العقد الفريد 2: 7، نهاية الأرب 5: 167، البيان والتبيين 2: 160".
__________
1 من النضرة والنضارة بفتح النون وهي الحسن.
2 أطلب قضاءه.
3 وهي ضعف، والشعب الجمع.
4 الصدع: الشق.
5 اضطربت.
6 مبغضة.
7 عائبة ولائمة.
(1/210)

خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
5- خطبته حين ولي الخلافة:
ما استخلف عمر رضي الله عنه صعد المنبر فقال: "إني قائل كلمات فأمنوا عليهن" فكان أول منطق نطق به به حين استخلف، قال:
"إنما مثل العرب مثل جمل أنف1 ابتع قائده فلينظر قائده حيث يقوده، وأما أنا فورب الكعبة لأحملنهم على الطريق".
"تاريخ الطبري 4: 54، والكامل لابن الأثير2: 208".
__________
1 أنف البعير: اشتكى أنفه من البرة فهو أنف وآنف، وفي الحديث: "المؤمن كالجمل الأنف إن قيد انقاد، وإن استنيخ على صخرة استناخ" وذلك للوجع الذي به فهو ذلول منقاد.
(1/211)

76- خطبة أخرى:
قال ابن قتيبة في عيون الأخبار: لما ولي عمر صعد المنبر فقال:
"ما كان الله ليراني أرى نفسي أهلًا لمجلس أبي بكر، ثم نزل عن مجلسه مرقاة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "اقرءوا القرآن تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله إنه لم يبلغ حق ذي حق أن يطاع في معصية الله، ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله
(1/211)

بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت عففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، تقرم1 البهمة2 الأعرابية، القضم لا الخضم3".
"عيون الأخبار م 2 ص 235، والعقد الفريد2: 132".
__________
1 تقرم الصبي أكل أكلًا ضعيفًا، وذلك في أول أكله.
2 البهمة: أولاد الضأن والمعز والبقر.
3 القضم: الأكل بأطراف الأسنان والخضم الأكل بأقصى الأضراس.
(1/212)

77- خطبة له:
ذكر الطبري أنه خطب فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الناس بالله عز وجل واليوم الآخر، ثم قال:
"يأيها الناس: إني قد وليت عليكم، ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم، وأقواكم عليكم، وأشدكم استضلاعًا1 بما ينوب من مهم أموركم؛ ما توليت ذلك منكم، ولكفى عمر مهمًّا محزنًا انتظار موافقة الحساب بأخذ حقوقكم كيف آخذها، ووضعها أين أضعها، وبالسير فيكم كيف أسير، فربي المستعان، فإن عمر أصبح لا يثق بقوة ولا حيلة إن لم يتداركه الله عز وجل برحمته وعونه وتأييده".
"تاريخ الطبري 5: 25، وشرح ابن أبي الحديد م 3 ص124".
__________
1 الذي في كتب اللغة "اضطلاع" يقال هو مضطلع بهذا الأمر، أي قوي عليه.
(1/212)

78- خطبة له:
م خطب فقال:
"إن الله عز وجل قد ولاني أمركم، وقد علمت أنفع ما بحضرتكم لكم، وإني أسأل الله أن يعينني عليه، وأن يحرسني عنده كما حرسني عند غيره، وأن يلهمني العدل
(1/212)

في قسمكم كالذي أمرني به، وإني امرؤ مسلم وعبد ضعيف؛ إلا ما أعان الله عز وجل، ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئًا إن شاء الله؛ نما العظمة لله عز وجل، وليس للعباد منها شيء، فلا يقولن أحد منكم إن عمر تغير منذ ولي، أعقل الحق من نفسي، وأتقدم وأبين لكم أمري؛ أيما رجل كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق فليؤذني؛ إنما أنا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم وحرماتكم وأعراضكم، وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضًا على أن تحاكموا إلي، فإن ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة، وأنا حبيب إلي صلاحكم، عزيز علي عنتكم، وأنتم أناس عامتكم حضر في بلاد الله، وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع، إلا ما جاء الله به إليه، وإن الله عز وجل قد وعدكم كرامة كثيرة، وأنا مسئول عن أمانتي وما أنا فيه، ومطلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله، لا أكله إلى أحد، ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامة، ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله".
"تاريخ الطبري 5: 26، وشرح ابن أبي الحديد م 3: 124".
(1/213)

79- خطبة أخرى:
قال ابن عبد ربه: وخطب إذ ولي الخلافة: صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"يأيها الناس، إني داع فأمنوا، اللهم فلَيِّنِي لأهل طاعتك، بموافقة الحق، ابتغاء وجهك والدار الآخرة، وارزقني الغلظة والشدة على أعدائك، وأهل الدعارة1 والنفاق، من غير ظلم مني لهم، ولا اعتداء عليهم، اللهم إني شحيح، فسخني
__________
1 الفجور.
(1/213)

في نوائب المعروف، قصدًا من غير سرف ولا تبذير ولا رياء ولا سمعة، واجعلني أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة، اللهم ارزقني خفض الجناح، ولين الجانب للمؤمنين، اللهم إني كثير الغفلة والنسيان؛ فألهمني ذكرك على كل حال، وذكر الموت في كل حين. اللهم إني ضعيف عن العمل بطاعتك، فارزقني النشاط فيها، والقوة عليها، بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعزتك وتوفيقك، اللهم ثبتني باليقين والبر والتقوى، وذكر المقام بين يديك، والحياء منك، وارزقني الخشوع فيما يرضيك عني، والمحاسبة لنفسي، وإصلاح الساعات والحذر من الشبهات، اللهم ارزقني التفكر والتدبر لما يتلوه لساني من كتابك، والفهم له، والمعرفة بمعانيه، والنظر في عجائبه، والعمل بذلك ما بقيت، إنك على كل شيء قدير".
"العقد الفريد 2: 133".
(1/214)

80- خطبة له:
وخطب أيضًا، فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، إن بعض الطمع فقر، وإن بعض اليأس غنى، وإنكم تجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، وأنتم مؤجلون في دار غرور، كنتم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤخذون بالوحي؛ فمن أسر شيئًا أخذ بسريرته، ومن أعلن شيئًا أخذ بعلانيته؛ فأظهروا لنا أحسن أخلاقكم، والله أعلم بالسرائر؛ فإنه من أظهر لنا قبيحًا وزعم أن سريرته حسنة لم نصدقه، ومن أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسنًا، واعلموا أن بعض الشح شعبة من النفاق؛ فأنفقوا خيرًا لأنفسكم، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، أيها الناس أطيبوا مثواكم، وأصلحوا أموركم، واتقوا الله ربكم، ولا تلبسوا نساءكم القباطي1؛ فإنه إن لم يشف فإنه يصف أيها الناس: إني لوددت
__________
1 القُبَاطي "بضم الأول وتشديد الآخر، أو القَبَاطي بفتح الأول وتخفيف الآخر" ثياب كتان بيض رقاق كانت تعمل في مصر جمع قبطية "بضم القاف نسبة إلى القبط على غير قياس وقد تكسر" وشف الثوب يشف رق فحكى ما تحته، وقوله: فإنه يصف أي ما تحته من أجزاء البدن ويحددها لرقته وطراوته.
(1/214)

أن أنجو كفافًا لا لي ولا علي، وإني لأرجو إن عمرت فيكم يسيرًا أو كثيرًا أن أعمل بالحق فيكم إن شاء الله، وأن لا يبقى أحد من المسلمين وإن كان في بيته إلا أتاه حقه ونصيبه من مال الله وإن لم يعمل إليه نفسه، ولم ينصب إليه بدنه، وأصلحوا أموالكم التي رزقكم الله، ولقليل في رفق خير من كثير في عنف، والقتل حتف من الحتوف، يصيب البر والفاجر، والشهيد من احتسب نفسه، وإذا أراد أحدكم بعيرًا؛ فليعمد إلى الطويل العظيم فليضر به بعصًا، فإن وجده حديد الفؤاد فليشتره".
"تاريخ الطبري 5: 26، وشرح ابن أبي الحديد م 3: ص125".
(1/215)

81- خطبة له:
وخطب أيضًا فقال:
"إن الله سبحانه وبحمده قد استوجب عليكم الشكر، واتخذ عليكم الحجيج فيما آتاكم من كرامة الآخرة والدنيا من غير مسألة منكم له، ولا رغبة منكم فيه إليه؛ فخلقكم تبارك وتعالى ولم تكونوا شيئًا، لنفسه وعبادته، وكان قادرًا أن يحعلكم لأهون خلقه عليه؛ فجعل لكم عامة خلقه، ولم يجعلكم لشيء غيره، وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وحملكم في البر والبحر، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون، ثم جعل لكم سمعًا وبصرًا، ومن نعم الله عليكم نعم عم بها بني آدم، ومنها نعم اختص بها أهل دينكم، ثم صارت تلك النعم خواصها وعوامها في دولتكم وزمانكم وطبقتكم، وليس من تلك النعم نعمة وصلت إلى امرئ خاصة إلا لو قسم ما وصل إليه منها بين الناس كلهم أتعبهم شكرها، وفدحهم حقها إلا بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله، فأنتم مستخلفون في الأرض، قاهرون لأهلها، قد نصر الله دينكم، فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم إلا أمتان، أمة مستعبدة للإسلام وأهله،
(1/215)

يتجرون لكم، تستصفون1 معايشهم وكدائحهم ورشح جباههم، عليهم المئونة ولكم المنفعة، وأمة تنتظر وقائع الله وسطواته في كل يوم وليلة، قد ملأ الله قلوبهم رعبًا؛ فليس لهم معقل يلجئون إليه، ولا مهرب يتقون به، قد دهمتهم جنود الله عز وجل، ونزلت بساحتهم مع رفاغة2 العيش، واستفاضة المال، وتتابع البعوث، وسد الثغور بإذن الله في العافية الجليلة العامة، التي لم تكن هذه الأمة على أحسن منها مذ كان الإسلام، والله المحمود مع الفتوح العظام في كل بلد؛ فما عسى أن يبلغ مع هذا شكر الشاكرين، وذكر الذاكرين، واجتهاد المجتهدين، مع هذه النعم التي لا يحصى عددها، ولا يقدر قدرها، ولا يستطاع أداء حقها؛ إلا بعون الله ورحمته ولطفه. فنسأل الله الذي لا إله إلا هو، الذي أبلانا هذا، أن يرزقنا العمل بطاعته، والمسارعة إلى مرضاته. فاذكروا عباد الله بلاء الله عندكم، واستتموا نعمة الله عليكم، وفي مجالسكم مثنى وفرادى فإن الله عز وجل قال لموسى {أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ} فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا على شعبة من الحق تؤمنون بها، وتستريحون إليها، مع المعرفة بالله ودينه، وترجون بها الخير فيما بعد الموت لكان ذلك؛ ولكنكم كنتم أشد الناس معيشة، وأعظم الناس بالله جهالة. فلو كان هذا الذي ابتلاكم به لم يكن معه حظ في دنياكم؛ غير أنه ثقة لكم في آخرتكم، التي إليها المعاد والمنقلب، وأنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه، كنتم أحرياء أن تشحوا على نصيبكم منه، وأن تظهروه على غيره فبله3 ما أنه قد جمع لكم فضيلة الدنيا، وكرامة الآخرة، أو لمن شاء أن يجمع له ذلك منكم، فأذكركم الله الحائل بينكم وبين قلوبكم، إلا ما عرفتم حق الله
__________
1 استصفى الشيء: أخذ منه صفوه.
2 رفغ عيشه ككرم رفاغة: اتسع، والرفاغة والرفاغية: سعة العيش والخصب والسعة.
3 بله: اسم فعل بمعنى دع واترك، فما بعدها منصوب، ومصدر بمعنى الترك، فما بعدها مجرور بالإضافة، واسم مرادف لكيف فما بعدها مرفوعة بالإبتداء.
(1/216)

فعملتم له، وقسرتم أنفسكم على طاعته، وجمعتم مع السرور بالنعم خوفًا لزوالها ولانتقالها، ووجلًا من تحويلها،؛ فإنه لا شيء أسلب للنعمة من كفرانها، وإن الشكر أمن للغير، ونماء للنعمة، واستجلاب للزيادة، وهذا لله على من أمركم ونهيكم واجب".
"تاريخ الطبري 5: 27 وشرح ابن أبي الحديد م 3 ص125".
(1/217)

82- خطبة له:
وخطب أيضًا؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: من أراد أن يسأل عن القرآن؛ فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض؛ فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل. ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني له خازنًا وقاسمًا، إني بادئ بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم أنا وأصحابي، ثم بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، ثم من أسرع إلى الهجرة أسرع إليه العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ عنه العطاء؛ فلا يلومن رجل إلا مناخ راحلته، إني قد بقيت فيكم بعد صاحبي، فابتليت بكم، وابتليتم بي، وإني لن يحضرني من أموركم شيء فأكله إلى غير أهل الجزاء والأمانة؛ فلئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلن بهم".
"العقد الفريد 2: 132".
(1/217)

83- خطبة له:
وخطب أيضًا فقال:
"الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان، ورحمنا بنبيه صلى الله عليه وسلم؛ فهدانا به من الضلالة، وجمعنا به من الشتات، وألف بين قلوبنا، ونصرنا على
(1/217)

عدونا، ومكن لنا في البلاد، وجعلنا به إخوانًا متحابين؛ فاحمدوا الله على هذه النعمة، واسألوه المزيد فيها والشكر عليها؛ فإن الله قد صدقكم الوعد، بالنصر على من خالفكم، وإياكم والعمل المعاصي، وكفر النعمة؛ فقلما كفر قوم بنعمة، ولم ينزعوا إلى التوبة، إلا سلبوا عزهم، وسلط عليهم عدوهم. أيها الناس: إن الله قد أعز دعوة هذه الأمة، وجمع كلمتها، وأظهر فلجها1 ونصرها وشرفها، فاحمدوه عباد الله على نعمه، واشكروه على آلائه، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين".
"العقد الفريد 2: 132".
__________
1 الفلج: الظفر والفوز.
(1/218)

84- خطبة له:
وخطب عمر الناس فقال:
"والذي بعث محمدًا بالحق لو أن جملًا هلك ضياعًا بشط الفرات، خشيت أن يسأل الله عنه آل الخطاب".
قال أبو زيد "آل الخطاب" يعني نفسه ما يعني غيرها.
"تاريخ الطبري 5: 18".
(1/218)

85- خطبة له:
وخطب أيضًا فقال:
"أيها الناس: إنه أتى علي حين، وأنا أحسب أن من قرأ القرآن إنما يريد به الله وما عنده، ألا وإنه قد خيل إلي أن أقوامًا يقرءون القرآن يريدون به ما عند الناس؛ ألا فأريدوا الله بقراءتكم، وأريدوه بأعمالكم؛ فإنما كنا نعرفكم إذ الوحي ينزل، وإذ النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، فقد رفع الوحي، وذهب النبي صلى الله عليه وسلم، فإنما أعرفكم بما أقول لكم، ألا فمن أظهر لنا خيرًا ظننا به خيرًا، وأثنينا به عليه،
(1/218)

ومن أظهر لنا شرًّا ظننا به شرًّا، وأبغضناه عليه، اقدعوا1 هذه النفوس عن شهواتها؛ فإنها طلعة2 وإنكم إلا تقدعوها تنزع بكم إلى غاية، إن هذا الحق ثقل مريء3، وإن الباطل خفيف وبيء4، وترك الخطيئة خير من معالجة التوبة، ورب نظرة زرعت شهوة، وشهوة ساعة أورثت حزنًا طويلًا".
وفي رواية صاحب العقد: "ألا وإني إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم وسنتكم، ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم، ويأخذوا أموالكم، ألا من رابه شيء من ذلك فليرفعه إلي؛ فوالذي نفسي بيده لأقصنكم منه، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن بعثت عاملًا من عمالك، فأدب رحالًا من رعيتك فضربه، أتقصه منه؟ قال: نعم والذي نفس عمر بيده لأقصنه منه؛ فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه".
وفي رواية الطبري:
وخطب عمر الناس يوم الجمعة فقال:
"اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، أني بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم، وأن يقيموا فيهم فيئهم، وأن يعدلوا، فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إلي".
"يأيها الناس: إني والله ما أرسل إليكم عمالًا ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكني أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه".
فوثب عمرو بن العاص فقال:
يا أمير المؤمنين: أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعية فأدب بعض رعيته إنك لتقصنه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه، وكيف
__________
1 قدعه كمنعه: كفه.
2 نفس طلعة: تكثر التطلع إلى الشيء.
3 حميد العاقبة.
4 وخيم العاقبة.
(1/219)

لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه؟ ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم".
"البيان والتبيين 3: 71، وصبح الأعشى1: 214، والعقد الفريد 2: 132 وتاريخ الطبري 5: 19".
(1/220)

86- خطبته عام الرمادة:
وخطب عام الرمادة1 بالعباس رحمه الله:
حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه، ثم قال:
"أيها الناس: استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك وبقية آبائه وكبار رجاله؛ فإنك تقول: "وقولك الحق": {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ اللهم نبيك في عمه، اللهم اغفر لنا إنك كنت غفارًا، اللهم أنت الراعي لا تهمل الضالة، ولا تدع الكسيرة بمضيعة، اللهم قد ضرع الصغير ورق الكبير، وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم أغثهم بغياثك، قبل أن يقنطوا فيهلكوا؛ فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون".
فما برحوا حتى علقوا الحذاء، وقلصوا المآزر، وطفق الناس بالعباس يقولون: "هنيئًا لك يا ساقي الحرمين".
"العقد الفريد: 132".
__________
1 في السنة الثامنة عشرة أصابت الناس مجاعة شديدة بالمدينة وما حولها فكانت تسفي إذا ريحت ترابًا كالرماد، فسمي ذلك العام عام الرمادة "الطبري 4: 223".
(1/220)

87- خطبته وقد بلغه أن قومًا يفضلونه على أبي بكر:
وبلغه أن قومًا يفضلونه على أبي بكر الصديق، فوثب مغضبًا حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
"أيها الناس: إني سأخبركم عني وعن أبي بكر، إنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، ومنعت شاتها وبعيرها، فأجمع رأينا كلنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن قلنا له يا خليفة رسول الله: إن رسول الله كان يقاتل العرب بالوحي والملائكة يمده الله بهم، وقد انقطع ذلك اليوم؛ فالزم بيتك ومسجدك، فإنه لا طاقة لك بقتال العرب، فقال أبو بكر: أوكلكم رأيه على هذا؟ فقلنا: نعم، فقال: والله لأن أخر من السماء فتخطفني الطير، أحب إلي من أن يكون رأيي هذا، ثم صعد المنبر، فحمد الله وكبره، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل على الناس فقال:
"أيها الناس: من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. أيها الناس: أئن كثر أعداؤكم، وقل عددكم، ركب الشيطان منكم هذا المركب؟ والله ليظهرن الله هذا الدين على الأديان كلها، ولو كره المشركون، قوله الحق، ووعده الصدق، {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين. والله أيها الناس: لو منعوني عقالًا1 لجاهدتهم عليه، واستعنت عليهم الله وهو خير معين". ثم نزل.
"تهذيب الكامل 1: 8".
__________
1 العقال: زكاة عام من الإبل والغنم، أو المراد به الحبل مبالغة في التشدد.
(1/221)

خطب الفتوح في عهد عمر في فتح فارس
مدخل
...
خطب الفتوح في عهد عمر في فتح فارس:
كان المثنى بن حارثة الشيباني أمير جيش العراق قدم على أبي بكر بالمدينة يستمده فألقاه مريضًا، ووصى أبو بكر بالمبادرة إلى إرسال الجيوش معه؛ فكان أول ما عمل به عمر، أن ندب الناس مع المثنى إلى أهل فارس، قبل صلاة الفجر، من الليلة التي مات فيها أبو بكر -وكان وجه فارس من أكره الوجوه إليهم، وأثقلها عليهم لشدة سلطانهم، وشوكتهم، وعزهم، وقهرهم الأمم- وجعل يندبهم ثلاثة أيام فلا ينتدب أحد إلى فارس؛ فلما كان اليوم الرابع عاد فندب الناس إلى العراق؛ فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي -والد المختار- وتتابع الناس، وتكلم المثنى بن حارثة فقال:
(1/222)

خطبة المثنى بن حارثة الشيباني
...
88- خطبة المثنى بن حاثة الشيباني:
"أيها الناس: لا يعظمن عليكم هذا الوجه؛ فإنا قد تبحبحنا1 ريف فارس، وغلبناهم على خير شقي السواد، وشاطرناهم ونلنا منهم، واجترأنا من قبلنا عليهم، ولها إن شاء الله ما بعدها.
__________
1 تبحبح: تمكن في المقام والحلول كبحبح، والدار توسطها.
(1/222)

89- خطبة عمر رضي الله عنه:
وقام عمر في الناس فقال:
"إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النجعة1، ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك،
__________
1 طلب الكلأ في موضعه.
(1/222)

أين الطراء1 المهاجرون عن موعود الله، سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها؛ فإنه قال: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} والله مظهر دينه، ومعز ناصره، ومولي أهله مواريث الأمم، أين عباد الله الصالحون ... "؟
فلما اجتمع له البعث أمر عليهم أولهم انتدابًا2 وهو أبو عبيد وقال له:
"اسمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشركهم في الأمر، ولا تجتهد مسرعًا حتى تتبين؛ فإنها الحرب، والحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث3 الذي يعرف الفرصة والكف".
"تاريخ الطبري 4: 60، والكامل لابن الأثير 2: 211".
__________
1 جمع طارئ، من طرأ عليهم كمنع أتاهم من مكان أو خرج عليهم منه فجأة.
2 ندب القوم إلى الأمر: دعاهم وحثهم، وانتدبوا إليه أسرعوا.
3 الرزين.
(1/223)

90- وصية عمر لأبي عبيد بن مسعود:
وتقدم عمر إلى أبي عبيد بن مسعود فقال:
"إنك تقدم على أرض المكر والخديعة، والخيانة والجبرية، تقدم على قوم قد جرءوا على الشر فعلموه، وتناسوا الخير فجهلوه؛ فانظر كيف تكون، واخزن لسانك، ولا تفشين سرك، فإن صاحب السر -ما ضبطه- متحصن لا يؤتى من وجه يكرهه، وإذا ضيعه كان بمضيعة".
"تاريخ الطبري 4: 66".
(1/223)

91- خطبة له وقد شيع جيش سعد بن أبي وقاص:
وشيع جيش سعد بن أبي وقاص، حين وجهه لحرب العراق؛ فقام في الناس خطيبًا فقال:
"إن الله تعالى إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم الأقوال، ليحيي بها
(1/223)

القلوب؛ فإن القلوب ميتة في صدروها حتى يحييها الله، من علم شيئًا فلينتفع به، وإن للعدل أمارات وتباشير، فأما الأمارات: فالحياء، والسخاء، والهين، واللين. وأما التباشير: فالرحمة، وقد جعل الله لكل أمر بابًا، وبشر لكل باب مفتاحًا؛ فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكر الموت بتذكر الأموات، والاستعداد له بتقديم الأعمال، والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق، وتأدية الحق إلى كل أحد له حق، ولا تصانع في ذلك أحدًا، واكتف بما يكفيه من الكفاف؛ فإن من لم يكفه الكفاف، لم يغنه شيء، إني بينكم وبين الله، وليس بيني وبينه أحد، وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه؛ فأنهوا اشكاتكم إلينا؛ فمن لم يستطع؛ فإلى من يبلغناها، نأخذ له الحق غير متعتع".
"تاريخ الطبري 4: 85".
(1/224)

92- وصيته لسعد بن أبي وقاص:
وصى سعد بن أبي وقاص حين أمره على حرب العراق فقال:
"يا سعد سعد بني وهيب، لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب رسول الله، فإن الله عز وجل لا يمحو السيئ بالسيئ؛ ولكنه يمحو السيئ بالحسن، فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته؛ فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة؛ فانظر الأمر الذي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا فالزمه؛ فإنه الأمر، هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك، وكنت من الخاسرين".
"تاريخ الطبري 4: 84، والكامل لابن الأثير 2: 220".
(1/224)

93- وصيته لسعد بن أبي وقاص أيضًا
ولما أراد أن يسرحه دعاه فقال:
"إني قد وليتك حرب العراق، فاحفظ وصيتي فإنك تقدم على أمر شديد كريه،
(1/224)

لا يخلص منه إلا الحق، فعود نفسك ومن معك الخير واستفتح به، واعلم أن لكل عادة عتادًا1، فعتاد الخير الصبر، فالصبر الصبر على ما أصابك أو نابك، يجتمع لك خشية الله، واعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين: في طاعته، واجتناب معصيته، وإنما أطاعه من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة، وعصاه من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة، وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاء، منها السر، ومنها العلانية. فأما العلانية فأن يكون حامده وذامه في الحق سواءً، وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه وبمحبة الناس، فلا تزهد في التحبب، فإن النبيين قد سألوا محبتهم، وإن الله إذا أحب عبدًا حببه، وإذا أبغض عبدًا بغضه، فاعتبر منزلتك عند الله تعالى بمنزلتك عند الناس ممن يشرع معك في أمرك".
"تاريخ الطبري 4: 85".
__________
1 العتاد: العدة.
(1/225)

94- وصية أخرى كتبها إلى سعد بن أبي وقاص:
وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما ومن معه من الأجناد.
"أما بعد: فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال؛ فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصبة عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله،
(1/225)

ولا تقولوا إن عدونا شر منا؛ فلن يسلط علينا، فرب قوم سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني إسرائيل "لما عملوا بمساخط الله" كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولًا، واسألوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم. أسأل الله تعالى ذلك لنا ولكم. وترفق بالمسلمين في مسيرهم، ولا تجشهم مسيرًا يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يبلغوا عدوهم "والسفر لم ينقص قوتهم" فإنهم سائرون إلى عدو مقيم، حامي الأنفس والكراع1، وأقم بمن معك في كل جمعة يومًا وليلة، حتى تكون لهم راحة يحيون فيها أنفسهم، ويرمون2 أسلحتهم وأمتعتهم، ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه، ولا يرزأ3 أحدًا من أهلها شيئًا؛ فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها، كما ابتلوا بالصبر عليها، فما صبروا لكم فتولوهم خيرًا، ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح، وإذا وطئت أرض العدو فأذك4 العيون بينك وبينهم، ولا يخف عليك أمرهم، وليكن عندك من العرب، أو من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه، فإن الكذوب لا ينفعك خبره، وإن صدقك في بعضه، والغاش عين عليك، وليس عينًا لك، وليكن منكم عند دنوك من أرض العدو أن تكثر الطلائع، وتبث السرايا5 بينك وبينهم، فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم، وتتبع الطلائع عوراتهم، وتنق6 للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك، وتخير لهم سوابق الخيل؛ فإن لقوا عدوًّا كان أول ما تلقاهم القوة من رأيك، واجعل أمر السريا إلى أهل الجهاد، والصبر على الجلاد، ولا تخص بها أحدًا بهوى، فتضيع من رأيك وأمرك، أكثر مما حابيت به أهل
__________
1 الكراع من كل شيء: طرفه واسم يجمع الخيل.
2 رمه يرمه: أصلحه.
3 رزأه ماله: أصاب منه شيئًا.
4 أذكى عليه العيون: إذا أرسل عليه الطلائع.
5 جمع سرية، وهي من خمسة أنفس إلى ثلثمائة أو أربعمائة.
6 تنقاه وانتقاه: اختاره.
(1/226)

خاصتك، ولا تبعثن طليعة، ولا سرية، في وجه تتخوف فيه غلبة أو ضيعة ونكاية؛ فإذا عاينت العدو، فاضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك، واجمع إليك مكيدتك وقوتك، ثم لا تعاجلهم المناجزة، ما لم يستكرهك قتال، حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله، وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها، فتصنع بعدوك، كصنعه بك، ثم أذك أحراسك على عسكرك، وتيقظ من البيان جهدك، ولا تؤتى بأسير ليس له عقد1 إلا ضربت عنقه، لترهب به عدو الله وعدوكم، والله ولي أمرك ومن معك، وولي النصر لكم على عدوكم، والله المستعان".
"العقد الفريد 1: 40".
__________
1 عهد.
(1/227)

95- وصيته للمجاهدين:
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عند عقد الألوية:
"بسم الله وبالله، وعلى عون الله، امضوا بتأييد الله، وما النصر إلا من عند الله، ولزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجبنوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور1 ولا تقتلوا هرمًا ولا امرأة ولا وليدًا، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان، وعند شن2 الغارات".
"العقد الفريد 1: 40".
__________
1 الغلبة.
2 شن الغارة عليهم: صبها من كل وجه.
(1/227)

وصية عمر ليعلى بن أمية في إجلاء نهر نجران
...
96- وصية عمر ليعلى بن أمية في إجلاء أهل نجران:
روى الطبري قال:
كان أول بعث بعثه عمر بعث أبي عبيد، ثم بعث يعلى بن أمية إلى اليمن، وأمره بإجلاء أهل نجران، ولوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه بذلك، ولوصية أبي بكر رحمه الله بذلك في مرضه، وقال:
"ائتهم ولا تفتنهم عن دينهم، ثم أجلهم من أقام منهم على دينه، وأقرر المسلم، وامسح أرض كل من تجلى منهم، ثم خيرهم البلدان، وأعلمهم أنا نجليهم بأمر الله ورسوله ألا يترك بجزيرة العرب دينان؛ فليخرجوا من أقام على دينه منهم، ثم نعطيهم أرضًا كأرضهم إقرارًا لهم بالحق على أنفسنا، ووفاء بذمتهم، فيما أمر الله من ذلك بدلًا بينهم وبين جيرانهم من أهل اليمن وغيرهم فيما صار لجيرانهم بالريف".
"تاريخ الطبري 4: 62".
(1/228)

97- خطبة لعمر:
ولما انتهى إلى عمر قتل أبي عبيد بن مسعود نادى في المهاجرين والأنصار وخرج حتى أتى صرارًا فعسكر به، واستشار الناس فكلهم أشار عليه بالسير إلى فارس واستشار ذوي الرأي فأشاروا عليه أن يقيم ويبعث رجلًا فقام في الناس فقال:
"إن الله عز وجل قد جمع على الإسلام أهله؛ فألف بين القلوب، وجعلهم فيه إخوانًا، والمسلمون فيما بينهم كالجسد لا يخلوا منه شيء من شيء أصاب غيره. وكذلك يحق على المسلمين أن يكونوا "وأمرهم شورى بينهم" بين ذوي الرأي منهم؛ فالناس تبع لمن قام
(1/228)

بهذا الأمر، ما اجتمعوا عليه ورضوا به لزم الناس وكانوا فيه تبعًا لهم، ومن قام بهذا الأمر تبع لأول رأيهم ما رأوا لهم ورضوا به لهم من مكيدة في حرب كانوا فيه تبعًا لهم.
يأيها الناس إني إنما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرأي منكم عن الخروج؛ فقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلًا، وقد أحضرت هذا الأمر من قدمت ومن خلفت".
"تاريخ الطبري 4: 83".
__________
1 هو اليوم الأول من أيام القادسية.
(1/229)

98- خطبة جرير بن عبد الله البجلي:
وقال المثنى بن حارثة وهو على قتال فارس: من يتبع الناس إلى السيب؟ فقام جرير بن عبد الله البجلي في قومه فقال:
"يا معشر بجيلة: إنكم وجيمع من شهد هذا اليوم في السابقة والفضيلة والبلاء سواء، وليس لأحد منهم في هذا الخمس غدًا من النفل مثل الذي لكم مه، ولكم ربع خمسه نفلًا من أمير المؤمنين؛ فلا يكونن أحد أسرع إلى هذا العدو، ولا أشد عليه منكم للذي لكم منه، ونية إلى ماترجون؛ فإنما تنتظرون إحدى الحسنيين: الشهادة والجنة أو الغنيمة والجنة".
"تاريخ الطبري 4: 76".
__________
1 هو اليوم الأول من أيام القادسية.
(1/229)

خطبة سعد ابن أبي وقاص يوم أرماث
...
99- خطبة سعد بن أبي وقاص يوم أرماث:
وخطب سعد بن أبي وقاص يوم أرماث1 " سنة 14هـ" فحمد وأثنى عليه وقال:
"إن الله هو الحق لا شريك له في الملك وليس لقوله خلف" قال الله جل ثناؤه:
__________
1 هو اليوم الأول من أيام القادسية.
(1/229)

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} ، إن هذا ميراثكم وموعود ربكم، وقد أباحها لكم منذ ثلاث حجج؛ فأنتم تطعمون منها وتأكلون منها، وتقتلون أهلها وتجبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منهم أصحاب الأيام منكم، وقد جاءكم منهم هذا الجمع، وأنتم وجوه العرب وأعيانهم، وخيار كل قبيلة وعز من وراءكم؛ فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة جمع الله لكم الدنيا والآخرة، ولا يقرب ذلك أحدا إلى أجله، وإن تفشلوا وتهنوا وتضعفوا تذهب ريحكم وتوبقوا آخرتكم".
(1/230)

100- خطبة عاصم بن عمرو:
وقام عاصم بن عمرو فقال:
"إن هذه بلاد قد أحل الله لكم أهلها، وأنتم تنالون منها منذ ثلاث سنين ما لا ينالون منكم، وأنتم الأعلون والله معكم، إن صبرتم وصدقتموهم الضرب والطعن فلكم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم وبلادهم، وإن خرتم وفشلتم -والله لكم من ذلك جار وحافظ- لم يبق هذا الجمع منكم باقية، مخافة أن تعودوا عليهم بعائدة هلاك، الله الله، اذكروا الأيام وما منحكم الله فيها، أولا ترون أن الأرض وراءكم بسابس1 قفار ليس خمر2 ولا وزر إليه ويمتنع به؟ اجعلوا همكم الآخرة".
"تاريخ الطبري 4: 114".
__________
1 البسبس: القفر.
2 الخمر: ما واراك من شجر وغيره.
(1/230)

101- خطبة طليحة بن خويلد الأسدي:
وحمل أصحاب الفيلة من جيش الفرس على المسلمين، وكادت بجيلة أن تؤكل، فرت عنها خيلها نفارًا؛ فأرسل سعد إلى بني أسد: ذببوا1 عن بجيلة، وقام طليحة بن خويلد الأسدي في قومه حين استصرخهم سعد فقال:
__________
1 دافعوا عنها.
(1/230)

"يا عشيرتاه: إن المنوه باسمه الموثوق به، وإن هذا لو علم أن أحدًا أحق بإغاثة هؤلاء منكم استغاثهم، ابتدئوهم الشدة، وأقدموا عليهم إقدام الليوث الحربة1؛ فإنما سميتم أسدًا لتفعلوا فعله، شدوا ولا تصدوا وكروا ولا تفروا، لله در ربيعة! أي فري يفرون، وأي قرن يغنون! هل يوصل إلى مواقفهم؟ فأغنوا عن مواقفكم أعانكم الله، شدوا عليهم باسم الله".
"تاريخ الطبري 4: 118".
__________
1 حرب: كليب واشتد غضبه فهو حرب.
(1/231)

102- الخنساء تحرض أولادها على القتال:
حضرت الخنساء حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال، فقالت لهم:
"يا بني، أنتم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله غيره، إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت1 حسبكم، ولا غبرت2 نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب العظيم في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فإذا أصبحتم غدًا؛ فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، ولله على أعدائه مستنصرين".
فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم، فتقدموا واحدًا بعد واحد، ينشدون الأراجيز؛ فقاتلوا حتى استشهدوا جميعًا، فلما بلغها الخبر قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته". فكان عمر رضي الله عنه يعطيها أرزاق أولادها الأربعة لكل واحد منهم مائة درهم، حتى قبض وماتت الخنساء.
"حزانة الأدب:1، 395".
__________
1 التهجين: التقبيح.
2 غبره: لطخه بالغبار، أي دنست.
(1/231)

103- خطبة عتبة بن غزوان:
وفي سنة 14هـ وجه عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة وأمره بنزولها بمن معه وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم؛ فرفعوا له منبرًا وقام يخطب فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
"أما بعد: فإن الدنيا قد تولت حذاء1 مدبرة، وقد آذنت أهلها بصرم2؛ وإنما بقي منها صبابة3 كصبابة الإناء يصطبها صاحبها، ألا وإنكم مفارقوها لا محالة، ففارقوها بأحسن ما يحضركم، ألا وإن من العجب أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الحجر الضخم يلقى في النار من شفيرها4، فيهوي فيها سبعين خريفًا5، ولجهنم سبعة أبواب ما بين البابين منها مسيرة خمسمائة سنة، ولتأتين عليها ساعة وهي كظيظ6 بالزحام، ولقد كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سابعة، ما لنا طعام إلا ورق البشام7، حتى قرحت أشداقنا؛ فوجدت أنا وسعد بن مالك تمرة، فشققتها بيني وبينه نصفين، والتقطت بردة فشققتها بيني وبينه، فأتزرت بنصفها، وأتزر بنصفها، وما منا أحد اليوم إلا وهو أمير على مصر من الأمصار، وإنه لم يكن نبوة قط إلا تناسختها8 جبرية، وأنا أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا، وفي أعين الناس صغيرًا، وستجربون الأمراء من بعدي، فتعرفون وتنكرون".
"تاريخ الطبري 4: 149 والعقد الفريد 2: 156، والبيان والتبيين 2: 27، والكامل لابن الأثير 2: 188".
__________
1 السريعة الماضية التي لا يتعلق بها شيء.
2 آذنت: أعلمت، والصرم: القطع.
3 الصبابة: بقية الماء في الإناء.
4 الشفير: حرف كل شيء
5 سنة: والمراد أنها بعيدة الأقطار شاسعة الأرجاء.
6 من كظه الطعام: ملأه حتى لا يطيق النفس، ورجل كظ وكظيظ ومكظوظ تبهظه الأمور حتى يعجز عنها.
7 البشام: شجر عطر الرائحة يستاك به.
8 في الحديث "لم تكن نبوة إلا تناسخت" أي تحولت من حال إلى حال، يعني أمر الأمة وتغاير أحوالها، والجبرية الجبروت.
(1/232)

104- خطبة لسعد بن أبي وقاص:
ولما نزل سعد بهرسير -وهي المدينة الدنيا- طلب السفن ليعبر بالناس إلا المدينة القصوى "على نهر دجلة"؛ فلم يقدر على شيء ووجدهم قد ضموا السفن؛ فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال:
"إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليه معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا، فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه؛ فقد كفاكموه أهل الأيام، وعطلوا ثغورهم، وأفنوا ذادتهم. وقد رأيت من الرأى أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا؛ ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم".
فقالوا جميعًا: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل.
واقتحم دجلة وفتح المدينة القصوى "سنة 16هـ".
"تاريخ الطبري 4: 170".
(1/233)

105- خطبة عمر
ولما تجمعت جموع الفرس بنهاوند كتب سعد إلى عمر يخبره بذلك فاجتمع الناس وقام عمر على المنبر خطيبًا فأخبرهم الخبر واستشارهم وقال:
"هذا يوم له ما بعده من الأيام، ألا وإني قد هممت بأمر وإني عارضه عليكم فاسمعوه، ثم أخبروني وأوجزوا، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، ولا تكثروا ولا تطيلوا فتفشغ1 بكم الأمور، ويتلوى عليكم الرأي، أفمن الرأي أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه، حتى أنزل منزلًا وسطًا بين هذين المصرين فأستنفرهم ثم أكون
__________
1 فشغه كمنعه: علاه حتى غطاه.
(1/233)

لهم رداء يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب، فإن فتح الله عليهم أن أضربهم عليهم في بلادهم ليتنازعوا ملكهم".
فقام عثمان بن عفان ورجال من أهل الرأي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلموا كلاماً فقالوا:
"لا نرى ذلك، ولكن لا يغيبن عنهم رأيك وأثرك، وقالوا: بإزائهم وجوده العرب وفرسانهم وأعلامهم ومن قد فض جموعهم، وقتل ملوكهم، وباشر من حروبهم ما هو أعظم من هذه، وإنما استأذنوك ولم يستصرخوك فأذن لهم واندب إليهم وادع لهم". "تاريخ الطبري 4:237"
(1/234)

106- خطبة لعلي:
وقام علي بن أبي طالب فقال:
"أصاب القوم يا أمير المؤمنين الرأي، وفهموا ما كتب به إليك، وإن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه لكثرة ولا قلة، هو دينه الذي أظهره، وجده الذي أعزه وأيده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ؛ فنحن على موعد من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكانك منهم مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه، فإن انحل تفرق ما فيه وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً، والعرب اليوم وإن كانوا قليلًا فهي كثير عزيز بالإسلام، فأقم واكتب إلى أهل الكوفة، فهم أعلام العرب ورؤساؤهم، ومن لم يحفل بمن هو أجمع وأحدُّ وأجدُّ من هؤلاء؛ فليأتهم الثلثان وليقم الثلث، واكتب إلى أهل البصرة أن يمدوهم ببعض من عندهم".
فسر عمر بحسن رأيهم وأعجبه ذلك منهم.
"تاريخ الطبري 4: 237".
(1/234)

107- خطبة طلحة بن عبيد الله:
وقام طلحة بن عبيد الله وكان من خطباء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتشهد ثم قال: "أما بعد يا أمير المؤمنين فقد أحكمتك الأمور وعجمتك1 البلايا، واحتنكتك2 التجارب، وأنت وشأنك، وأنت ورأيك، لا ننبو في يديك ولا نكل عليك، إليك هذا الأمر فمرنا نطع، وادعنا نجب، واحملنا نركب، ووفدنا نفد، وقدنا ننقد فإنك ولي هذا الأمر، وقد بلوت وجربت واختبرت؛ فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيار" ثم جلس.
"تاريخ الطبري 4: 238".
__________
1 عجم العود: عضه ليعرف صلابته من خوره.
2 أحكمتك.
(1/235)

108- خطبة عثمان بن عفان:
فعاد عمر فقال: إن هذا يوم له ما بعده من أيام فتكلموا؛ فقام عثمان بن عفان فتشهد وقال:
"أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم، وتكتب إلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم، ثم تسير أنت بأهل هذين الحرمين إلى المصرين: البصرة والكوفة، فتلقى جميع المشركين بجميع المسلمين، فإنك إذا سرت بمن معك وعندك. قل في نفسك ما قد تكاثر من عدد القوم، وكنت أعز عزًّا وأكثر يا أمير المؤمنين، إنك لا تستبقي من نفسك بعد العرب باقية، ولا تمتنع من الدنيا بعزيز، ولا تلوذ منها بحريز، إن هذا اليوم له ما بعده من الأيام، فأشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه" ثم جلس.
"تاريخ الطبري 4: 238".
(1/235)

109- خطبة علي بن أبي طالب:
فعاد عمر فقال: إن هذا يوم له ما بعد من الأيام فتكلموا؛ فقام علي بن أبي طالب فقال:
"أما بعد يا أمير المؤمنين فإنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم؛ سارت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم؛ سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإنك إن شخصت من هذه الأرض؛ انتفضت عليك الأرض من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات، أقرر هؤلاء في أمصارهم، واكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا فيها ثلاث فرق: فلتقم فرقة لهم في حرمهم وذراريهم، ولتقم فرقة في أهل عهدهم لئلا ينتقضوا عليهم، ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددًا لهم.
إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدًا قالوا هذا أمير العرب وأصل العرب؛ فكان ذلك أشد لكلبهم وألبتهم1 على نفسك، وأما ما ذكرت من مسير القوم فإن الله أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ولكنا نقاتل بالنصر".
فقال عمر: أجل والله لئن شخصت من هذه البلدة لتنتقضن علي الأرض من أطرافها وأكنافها، ولئن نظرت إلي الأعاجم لا يفارقن العرصة2، وليمدهم من لم يمدهم، وليقولن: هذا أصل العرب، فإذا اقتطعتموه اقتطعتم أصل العرب:
فأشيروا علي برجل أوله ذلك الثغر غدًا، قالوا أنت أفضل رأيًا، وأحسن مقدرة، قال: أشيروا علي به واجعلوه عراقيًّا، قالوا يا أمير المؤمنين أنت أعلم بأهل العراق،
__________
1 ألب إليه القوم: أتوه من كل جانب.
2 الساحة.
(1/236)

وجندك قد وفدوا عليك ورأيتهم وكلمتهم، فقال: أما والله لأولين أمرهم رجلًا ليكونن لأول الأسنة إذا لقيها غدًا، فقيل من يا أمير المؤمنين؟ فقال: النعمان بن مقرن المزني، فقالوا: هو لها، والنعمان يؤمئذ بالبصرة، فولاه.
"تاريخ الطبري 4: 238".
(1/237)

110- خطبة النعمان بن مقرن:
ونشب القتال بين المسلمين والفرس، وكان النعمان يسير في الناس على برذون أحوى1 قريب من الأرض فيقف على كل راية ويحمد الله ويثني عليه ويقول:
"قد علمتم ما أعزكم الله به من هذا الدين وما وعدكم من الظهور، وقد أنجز لكم هوادي2 ما وعدكم وصدوره؛ وإنما بقيت أعجازه وأكارعه، والله منجز وعده، ومتبع آخر ذلك أوله، واذكروا ما مضى إذ كنتم أذلة، وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم أعزة؛ فأنتم اليوم عباد الله حقًا وأولياؤه، وقد علمتم انقطاعكم من إخوانكم من أهل الكوفة، والذي لهم في ظفركم وعزكم، والذي عليهم في هزيمتكم وذلكم، وقد ترون من أنتم بإزائه من عدوكم، وما أخطرتم وما أخطروا لكم؛ فأما ما أخطروا لكم فهذه الرثة3 وما ترون من هذا السواد، وأما ما أخطرتم لهم فدينكم وبيضتكم، ولا سواء ما أخطرتم وما أخطروا؛ فلا يكونن على دنياهم أحمى منكم على دينكم، واتقى الله عبد صدق الله وأبلى نفسه فأحسن البلاء؛ فإنكم بين خيرين منتظرين: إحدى الحسنيين، من بين شهيد حي مرزوق أو فتح قريب وظفر يسير؛ فكفى كل رجل مايليه، ولم يكل قرنه إلى أخيه، فيجتمع عليه قرنه وقرن نفسه، وذلك من الملأمة، وقد يقاتل الكلب عن صاحبه، فكل رجل منكم مسلط على ما يليه، فإذا قضيت أمري فاستعدوا، فإني مكبر ثلاثًا، فإذا كبرت التكبيرة
__________
1 وصف من الحوة وهي: حمرة إلى السواد.
2 أوائلي جمع هاد.
3 الرثة: ضعفاء الناس.
(1/237)

الأولى فليتهيأ من لم يكن تهيأ؛ فإذا كبرت الثانية فليشد عليه سلاحه وليتهيأ للنهوض، فإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله فاحملوا معًا، اللهم أعز دينك وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك".
وزلق فرسه في دماء القوم فصرع فاستشهد.
"تاريخ الطبري 4: 242".
(1/238)

خطب رجال من الفاتحين بين يدي يزدجرد ملك الفرس وقواده
مدخل
...
خطب رجال من الفاتحين بين يدي يزدجرد ملك الفرس وقواده:
وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على فتح العراق يأمره أن يبعث إلى يزدجرد ملك الفرس رجالًا من أهل المنظرة1 والرأي والجلد يدعونه، فاختارهم وأنفذهم إليه بالمدائن؛ فلما دخلوا عليه أمر الترجمان بينه وبينهم فقال: سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا، أمن أجل أنا أجممناكم2 وتشاغلنا عنكم اجترأتم علينا؟ فقال لهم النعمان بن مقرن: إن شئتم أجبت عنكم، ومن شاء آثرته، فقالوا: بل تكلم، فتكلم النعمان فقال:
__________
1 المنظر.
2 من أجم الماء إذا تركه يجتمع، أي أرحناكم وانصرفنا عنكم.
(1/239)

111- خطبة النعمان بن مقرن:
"إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولًا يدلنا على الخير، ويأمرنا به، ويعرفنا الشر، وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة؛ فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين: فرقة تقاربه، وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب، وبدأ بهم وفعل، فدخلوا معه جميعًا على وجهين: مكره عليه فاغتبط، وطائع أتاه فازداد، فعرفنا جميعًا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه، من العداوة والضيق، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم، فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين حسن
(1/239)

الحسن، وقبح القبيح كله؛ فإن أبيتم فأمر من الشر، هو أهون من آخر شر منه، الجزاء1؛ فإذا أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه، على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، وإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم، وإلا قاتلناكم".
فقال يزدجرد: إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددًا، ولا أسوأ ذات بين منكم، قد نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم، لا تغزوكم فارس، ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان غرور لحقكم، فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم، فرضنا لكم قوتًا إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكًا يرفق بكم، فقام المغيرة بن زرارة فقال:
__________
1 الجزاء: جمع جزية.
(1/240)

112- خطبة المغيرة بن زرارة:
أيها الملك: إن هؤلاء رءوس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف؛ وإنما يكرم الأشراف الأشراف، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف، ويفخم الأشراف الأشراف، وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك؛ فجاوبني لأكون الذي أبلغك، ويشهدون على ذلك، إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالمًا، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالًا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس، والجعلان1 والعقارب والحيات فنرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل، وأشعار الغنم، ديننا أن يقتل بعضنا
__________
1 جمع جعل بضم ففتح: وهو الحرباء.
(1/240)

بعضًا، ويغير بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا؛ فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله إلينا رجلًا معروفًا نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا، وقبيلته خير قبيلتنا، وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا، فدعانا إلى أمر، فلم يجب أحد أول من ترب كان له، وكان الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا فلم يقل شيئًا إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله، فقال لنا: إن ربكم يقول: إني أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شيء، وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شيء، وإلي يصير كل شي، وإن رحمتي أدركتكم، فبعثت إليكم هذا الرجل، لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال: من تابعكم على هذا، فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه؛ فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك".
فقال يزدجرد: أتستقبلني بمثل هذا؟ لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي، ثم قال: ائتوني بوقر1 من تراب، فقال احملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن.
"تاريخ الطبري 4: 92 والكامل لابن الأثير 2: 223".
__________
1 الوقر: الحمل الثقيل أو أعم.
(1/241)

113- مقال ربعي بن عامر عند رستم قائد جيش الفرس:
وأرسل رستم قائد جيش الفرس، إلى سعد بن أبي وقاص، أن ابعث إلينا رجلًا نكلمه ويكلمنا؛ فبعث إليه ربعي بن عامر؛ فلما انتهى إليه قال له الترجمان "واسمه عبود من أهل الحيرة" ما جاء بكم؟ قال:
"الله ابتعثنا، والله جاء بنا، لنخرج من شاء من عبادة العباد، إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؛ فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه؛ فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه، ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدًا، حتى نفضي إلى موعود الله، قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي".
"تاريخ الطبري 4: 106، والكامل لابن الأثير 2: 227".
(1/242)

114- خطبة المغيرة بن شعبة في حضرة رستم:
وبعث إليه أيضًا المغيرة بن شعبة، فتكلم بحضرته، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله خالق كل شيء ورازقه، فمن صنع شيئًا فإنما هو يصنعه والذي له، وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الظهور على الأعداء، والتمكن في البلاد، وعظم السلطان في الدنيا، فنحن نعرفه، ولسنا ننكره، فالله صنعه بكم، ووضعه فيكم، وهو له دونكم، وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال، وضيق المعيشة، واختلاف القلوب، فنحن نعرفه، ولسنا ننكره، والله ابتلانا بذلك، وصيرنا إليه، والدنيا دول، ولم يزل أهل شدائدها يتوقعون الرخاء، حتى يصيروا إليه، ولم يزل أهل رخائها يتوقعون الشدائد، حتى تنزل بهم، ويصيروا إليها، ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوي شكر، كان
(1/242)

شكركم يقصر عما أوتيتم، وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال، ولو كنا فيما ابتلينا به أهل كفر، كان عظيم ما تتابع علينا، مستجلبًا من الله رحمة يرفه بها عنا، ولكن الشأن غير ما تذهبون إليه، أو كنتم تعرفوننا به، إن الله تبارك وتعالى بعث فينا رسولًا، ثم ذكر مثل الكلام الأول".
"تاريخ الطبري4: 109، والكامل لابن الأثير 2: 228".
(1/243)

115- خطبة المغيرة بن شعبة:
لما اجتمعت جيوش المسلمين بنهاوند "سنة 21هـ" وأميرهم النعمان بن مقرن المزني أرسل بندار العلج إليهم أن أرسلوا إلينا رجلًا نكلمه، فأرسلوا إليه المغيرة بن شعبة، فأدخل إليه وترجم له قوله:
"إنكم معشر العرب أبعد الناس من كل خير، وأطول الناس جوعًا، وأشقى الناس شقاء، وأقذر الناس قذرًا، وأبعده دارًا، وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة1 حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجسا لجيفكم، فإنكم أرجاس، فإن تذهبوا نُخَلِّ عنكم، وإن تأبوا نركم مصارعكم".
قال: فحمدت الله، وأثنيت عليه، فقلت: "والله ما أخطأت من صفتنا شيئًا ولا من نعتنا. إن كنا لأبعد الناس دارًا، وأشد الناس جوعًا، وأشقى الناس شقاء، وأبعد الناس من كل خير، حتى بعث الله عز وجل إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوعدنا النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، فوالله ما زلنا نتعرف من ربنا منذ جاءنا رسوله بالفتح والنصر حتى أتيناكم، وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدًا حتى نغلبكم على ما في أيديكم، أو نقتل بأرضكم".
"تاريخ الطبري 4: 234".
__________
1 الأساورة: جمع أسوار، والأسوار: بالضم والكسر قائد الفرس.
(1/243)

116- خطبة عمر:
وغزا الأحنف بن قيس خراسان وحارب يزدجرد سنة 22هـ ثم أقبل أهل فارس على الأحنف، فصالحوه، وعاقدوه، ودفعوا إليه خزائن يزدجرد، وتراجعوا إلى بلدانهم، وبعث الأحنف بالخبر والغنائم إلى عمر بن الخطاب، فجمع الناس وخطبهم، فقال في خطبته:
"إن الله تبارك وتعالى ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم وما بعثه به من الهدى، ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة فقال: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} فالحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر جنده، ألا إن الله قد أهلك ملك المجوسية وفرق شملهم، فليسوا يملكون من بلادهم شبرًا يضر بمسلم، ألا وإن الله أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون.
ألا وإن المصرين من مسالحها1 اليوم كأنتم والمصرين فيما مضى من البعد، وقد وغلوا في البلاد، والله بالغ أمره ومنجز وعده، ومتبع آخر ذلك أوله، فقوموا في أمره على رجل يوفِّ لكم بعهده، ويؤتكم وعده، ولا تبدلوا ولا تغيروا؛ فيستبدل الله بكم غيركم، فإني لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم".
"تاريخ الطبري 4: 267".
__________
1 المسالح: جمع مسلحة، وهي الثغر.
(1/244)

117- خطبة عثمان بن أبي العاص:
ولما فتح عثمان بن أبي العاص إصطخر "سنة 23هـ" وجمع إليه ما أفاء الله على المسلمين خمَّسه، وبعث بالخمس إلى عمر، وقسم أربعة أخماس المغنم في الناس،
(1/244)

وعفت الجند عن النهاب، وأدوا الأمانة، واستدقوا1 الدنيا، فجمعهم عثمان ثم قام فيهم وقال:
"إن هذا الأمر لا يزال مقبلًا، ولايزال أهله معافين مما يكرهون مالم يغلوا، فإذا غلوا رأوا ما ينكرون: ولم يسد الكثير مسد القليل اليوم".
"تاريخ الطبري 5: 3".
__________
1 رأوها دقيقة حقيرة.
(1/245)

في فتح الشام:
118- بين الروم ومعاذ بن جبل:
وبعث الروم إلى أبي عبيدة أن "أرسل إلينا رجلًا من صلحائكم نسأله عما تريدون، وما تسألون، وما تدعون إليه، ونخبره بذات أنفسنا، وندعوكم إلى حظكم إن قبلتم، فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل، فأتاهم، فقالوا للترجمان: قل له:
"أخبرونا ما تطلبون؟ وإلام تدعون إليه؟ وما أدخلكم بلادنا؟ وتركتم أرض الحبشة وليسوا منكم ببعيد، وتركتم أرض فارس وقد هلك ملك فارس وهلك ابنه، وإنما تملكهم اليوم النساء ونحن ملكنا حي، وجنودنا عظيمة كثيرة، وإن اقتحمتم من مدائننا مدينة، أو من قرانا قرية، أو من حصوننا حصنًا، أو هزمتم لنا عسكرًا، أظننتم أنكم قد ظفرتم بجماعتنا؟ وأنكم قد قطعتم حربنا عنكم؟ أو فرغتم ممن وراءنا منا، ونحن عدد نجوم السماء وحصى الأرض! وأخبرونا لم تستحلون قتالنا، وأنتم تؤمنون بنبينا وكتابنا؟ ".
فلما قالوا هذا القول وفسره الترجمان لمعاذ سكتوا، فقال معاذ للترجمان: قد فرغوا؟ قال له: نعم، قال: فأفهمهم عني أن أول ما أنا ذاكر حمد الله الذي لا إله إلا هو، والصلاة على محمد نبيه صلى لله عليه وسلم، وأن أول ما أدعوكم إلى الله أن تؤمنوا بالله وحده، وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن تصلوا صلاتنا وتستقبلوا قبلتنا، وأن تستنوا بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وتكسروا الصليب، وتجتنبوا شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، ثم أنتم منا ونحن منكم، وأنتم إخواننا في ديننا، لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن
(1/246)

أبيتم، فأدوا الجزية إلينا في كل عام وأنتم صاغرون، ونكف عنكم، وإن أنتم أبيتم هاتين الخصلتين فليس شيء مما خلق الله عز وجل نحن قابلوه منكم، فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، فهذا ما نأمركم به وما ندعوكم إليه.
وأما قولكم: "ما أدخلكم بلادنا وتركتم أرض الحبشة وليسوا منكم ببعيد، وتركتم أهل فارس، وقد هلك ملكهم" فإني أخبركم عن ذلك: ما بدأنا قتالكم؛ لأنكم أقرب إلينا منهم، وإنكم عندنا جميعًا بالسواء، وما جاءنا كتابنا بالكف عنهم، ولكن الله عز وجل أنزل في كتابه على نبينا صلى الله عليه وسلم فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} وكنتم أقرب إلينا منهم، فبدأنا بكم لذلك، وقد أتاهم طائفة منا وهم يقاتلونهم، وأرجو أن يظفرهم الله ويفتح عليهم فينصر.
وأما قولكم: "إن ملكنا حي، وإن جنودنا عظيمة، وإنا عدد نجوم السماء وحصى الأرض" وتوئسونا من الظهور عليكم فإن الأمر في ذلك ليس إليكم، وإنما الأمور كلها إلى الله، وكل شيء في قبضته وقدرته، وإذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، وإن يكن ملككم هرقل فإن ملكنا الله عز وجل الذي خلقنا، وأميرنا رجل منا، إن عمل فينا بكتاب ديننا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم أقررناه علينا، وإن عمل بغير ذلك عزلناه عنا، وإن هو سرق قطعنا يده، وإن زنى جلدناه، وإن شتم رجلًا منا شتمه كما شتمه، وإن جرحه أقاده1 من نفسه، ولا يحتجب منا. ولا يتكبر علينا، ولا يستأثر علينا في فيئنا الذي أفاءه الله علينا وهو كرجل منا.
وأما قولكم: "جنودنا كثيرة" فإنها وإن عظمت وكثرت حتى تكون أكثر من نجوم السماء وحصى الأرض، فإنا لا نثق بها ولا نتكل عليها، ولا نرجوا النصر على
__________
1 أقصه.
(1/247)

عدونا بها، ولكنا نتبرأ من الحول والقوة، ونتوكل على الله عز وجل، ونثق بربنا، فكم من فئة قليلة قد أعزها الله ونصرها وأغناها، وغلبت فئة كثيرة بإذن الله، وكم من فئة كثيرة قد أذلها الله وأهانها، قال تبارك وتعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} .
وأما قولكم: "كيف تستحلون قتالنا وأنتم تؤمنون بنبينا وكتابنا" فأنا أخبركم عن ذلك: نحن نؤمن بنبيكم، ونشهد أنه عبد من عبيد الله، وأنه رسول من رسل الله، وأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون، ولا نقول إنه الله، ولا نقول إنه ثاني اثنين، ولا ثالث ثلاثة، ولا إن لله والدًا ولا إن له صاحبة ولا ولدًا، ولا إن معه آلهة أخرى، لا إله إلا هو، تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا، وأنتم تقولون في عيسى قولًا عظيمًا، فلو أنكم قلتم في عيسى كما نقول، وآمنتم بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم كما تجدونه في كتابكم، وكما نؤمن نحن بنبيكم، وأقررتم بما جاء به من عند الله، ووحدتم الله، ما قاتلناكم، بل كنا نسالمكم ونواليكم ونقاتل معكم عدوكم".
فلما فرغ معاذ من خطابه قالوا له: ما نرى بيننا وبينك إلا متباعدا، وقد بقيت خصلة نحن نعرضها عليكم، فإن قبلتموها منا فهو خير لكم، وإن أبيتم فهو شر لكم، نعطيكم البلقاء وما والى أرضكم من سواد الأردن، وتنحوا عن بقية أرضنا وعن مدائننا، ونكتب عليكم كتابًا نسمي فيه خياركم وصلحاءكم، ونأخذ عهودكم ومواثيقكم على ألا تطلبوا من أرضنا غير ما صالحناكم عليه، وعليكم بأهل فارس فقاتلوهم، ونحن معكم نعينكم عليهم حتى تقتلوهم وتظهروا عليهم.
فقال معاذ: هذا الذي عرضتم علينا وتعطوناه كله في أيدينا ولو أعطيتمونا جميع ما في أيديكم مما لم نظهر عليه، ومنعتمونا خصلة من الخصال الثلاثة التي وصفت لكم ما فعلنا".
(1/248)

فغضبوا عند ذلك وقالوا: نتقرب إليك وتتباعد عنا؟ اذهب إلى أصحابك فوالله إنا لنرجو أن نفرقكم في الجبال غدًا، فقال معاذ: أما الجبال فلا، ولكن والله لتقتلنا عن آخرنا، أو لنخرجنكم من أرضكم أذلة وأنتم صاغرون" وانصرف معاذ.
(1/249)

119- بين أبي عبيدة ورسول الروم:
وانصرف معاذ إلى أبي عبيدة فأخبره بما قالوا، ثم أرسل الروم رسولًا من قبلهم إلى أبي عبيدة، فقال له: أنا أعرض عليكم أمرًا لكم فيه حظ إن قبلتموه: نحن نعطيكم دينارين دينارين وثوبًا ثوبا. ونعطيك أنت ألف دينار، ونعطي الأمير الذي فوقك –يعنون عمر- ألفي دينار، وتنصرفون عنا، وإن شئتم أعطيناكم أرض البلقاء ما والى أرضكم من سواد الأردن، وخرجتم من مدائننا وأرضنا وبلادنا، وكتبنا فيما بيننا وبينكم كتابًا يستوثق فيه بعضنا من بعض بالأيمان المغلظة ليقومن به وليفين بما عاهد الله عليه.
فحمد الله أبو عبيدة وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال:
"إن الله بعث فينا رسولًا نبيا، وأنزل عليه كتابًا حكيمًا، وأمره أن يدعو الناس إلى عبادة ربهم رحمة منه للعالمين، وقال لهم: إن الله إله واحد، عزيز حكيم، علي مجيد، وهو خالق كل شيء وليس كمثله شيء، وأمرهم أن يوحدوا الله الذي لا إله إلا هو، ولا يتخذوا له صاحبة ولا ولدًا، ولا يتخذوا معه آلهة أخرى، وأن كل شيء يعبده الناس دونه فهو خلقه، وأمرنا صلى الله عليه وسلم فقال: إذا أتيتم المشركين فادعوهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، وبالإقرار بما جاء من عند الله عز وجل، فمن آمن وصدق فهو أخوكم في دينكم، له ما لكم، وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية حتى يؤدوها عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا أن يؤمنوا أو يؤدوا الجزية
(1/249)

فاقتلوهم وقاتلوهم فإن قتيلكم المحتسب بنفسه شهيد عند الله، وهو في جنات النعيم، وقتيل عدوكم في النار".
فقال: قبلتم ما سمعتم مني فهو خير لكم، وإن أبيتم ذلك فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين".
فقال الرومي: قد أبيتم إلا هذا؟ فقال له أبو عبيدة: نعم. فقال له الرومي: أما والله على ذلك، إني لا نراكم تتمنون أنكم قبلتم منا دون ما عرضنا عليكم.
"فتوح الشام ص 100".
(1/250)

120- بين باهان وخالد بن الوليد:
وبعث باهان أمير الروم إلى خالد بن الوليد أن القني، فأقبل إليه خالد، فقال باهان:
إن شئت فتكلم، وإن شئت بدأتك فتكلمت، فقال له خالد: فتكلم، فقال باهان:
"الحمد لله الذي جعل نبينا أفضل الأنبياء، وملكنا أفضل الملوك، وأمتنا خير الأمم، فلما بلغ هذا المكان، قال خالد للترجمان، وقطع على صاحب الروم منطقه ثم قال: "الحمد لله الذي جعلنا نؤمن بنبينا ونبيكم وبجميع الأنبياء، وجعل الأمير الذي وليناه أمورنا رجلًا كبعضنا، فلو زعم أنه ملك علينا لعزلناه عنا، ولسنا نرى أن له على رجل من المسلمين فضلًا، إلا أن يكون أتقى منه عند الله وأبر، والحمد لله الذي جعل أمتنا تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتقر بالذنب وتستغفر الله منه، وتعبد الله وحده لا تشرك به شيئا" قل الآن ما بدا لك.
فاصفر وجه باهان ومكث قليلًا، ثم قال: "الحمد لله الذي أبلانا فأحسن البلاء عندنا، وأغنانا من الفقر، ونصرنا على الأمم، وأعزنا فلا نذل، ومنعنا من الضيم، فلا يباح حريمنا، ولسنا فيما أعزنا الله به وأعطانا من ديننا ببطرين ولامرحين ولا
(1/250)

باغين على الناس، وقد كانت لنا منكم يا معشر العرب جيران كنا نحسن جوارهم، ونعظم قدرهم، ونفضل عليهم، ونفي لهم بالعهد، وخيرناهم بلادنا، ينزلون منها حين شاءوا، فينزلون آمنين، ويرحلون آمنين، وكنا نرى أن جميع العرب ممن لا يجاورنا سيشكر لنا ذلك الذي أتينا إلى إخوانهم، وما اصطنعنا عندهم، فلم يرعنا منكم إلا وقد فاجأتمونا بالخيل والرجال، تقاتلوننا على حصوننا، وتريدون أن تغلبونا على بلادنا، وقد طلب هذا منا قبلكم من كان أكثر منكم عددًا، وأعظم مكيدة، وأوفى جندًا، ثم رددناهم عنها، فلم يرجعوا عنَّا إلا وهم بين قتيل وأسير، وأراد ذلك منا فارس، فقد بلغكم كيف صنع الله عز وجل بهم، وأراد ذلك منا الترك، فلقيناهم بأشد مما لقينا به فارس، وأرادنا غيركم من أهل المشرق والمغرب من ذوي المنعة والعز والجنود العظيمة، فكلهم أظفرنا الله بهم، وصنع لنا عليهم، ولم تكن أمة من الأمم بأرق عندنا منكم شأنًا، ولا أصغر أخطارًا1 إنما جُلكم رعاء الشاء والإبل، وأهل الصخر والحجر والبؤس والشقاء، فأنتم تطمعون أن نجلى لكم عن بلادنا؟ بئس ما طمعتم فيه منا، وقد ظننا أنه لم يأت بكم إلى بلادنا –ونحن يتقي كل من حولنا من الأمم العظيمة الشأن الكثيرة العدد، مع كثرتنا وشدة شوكتنا- إلا جهد نزل بكم من جدوبة الأرض وقحط المطر، وعثتم في بلادنا وأفسدتم كل الفساد، وقد ركبتم مراكبنا، وليست كمراكبكم، ولبستم ثيابنا وليست كثيابكم، وثياب الروم البيض كأنها صفائح الفضة، وطعمتم من طعامنا وليس كطعامكم، وقد لقيناكم الآن وذلك كله لنا، فهو في أيديكم، فنحن نسلمه لكم، فاخرجوا به، وانصرفوا عن بلادنا، فإن أبت أنفسكم إلا أن تحرصوا وتشرهوا، وأردتم أن نزيدكم من بيوت أموالنا ما يقوى به الضعيف منكم، ويرى الغائب أن قد
__________
1 أقدارا.
(1/251)

رجع إلى أهله بخير، فعلنا، ونأمر للأمير منكم بعشرة آلاف دينار، ونأمر لك بمثلها، ونأمر لرؤسائكم بألف دينار ألف دينار، ونأمر لجميع أصحابك بمائة دينار مائة دينار، على أن توثقوا لنا بالأيمان المغلظة ألا تعودوا إلى بلادنا" ثم سكت.
(1/252)

212- جواب خالد:
فقال خالد رحمه الله: الحمد لله الذي لا إله إلا هو، فلما فسر له الترجمان قوله: الحمد لله الذي لا إله إلا هو رفع يده إلى السماء، ثم قال لخالد: نعم ما قلت، ثم قال خالد: وأشهد أن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فسر له الترجمان قال باهان: الله أعلم، ما أدري، لعله كما تقول، فأخبر خالد الترجمان. ثم قال خالد رحمه الله:
"أما بعد: فإن كل ما ذكرت به قومك من الغنى والعز ومنع الحريم والظهور على الأعداء، والتمكن في البلاد، فنحن به عارفون، وكل ما ذكرت من إنعامكم على جيرانكم منا، فقد عرفناه، وذلك لأمر كنتم تصلحون به دنياكم، وإصلاحكم كان إليهم وإحسانكم إليهم، كان ذلك زيادة في ملككم وعزا لكم، ألا ترون أن ثلثيهم أو شطرهم دخلوا معكم في دينكم فهم يقاتلوننا معكم؟.
وأما ما ذكرتنا به من رعي الإبل والغنم، فما أقل من رأيت واحدًا منا يكرهه، وما لم يكن يكرهه منا فضل على من يفعله، وأما قولكم: إنا أهل الصخر والحجر والبؤس والشقاء، فحالنا والله كما وصفته، ما ننتفي من ذلك ولا نتبرأ منه، وكنا على أسوأ وأشد مما ذكرت، وسأقص عليك قصتنا، وأعرض عليك أمرنا، وأدعوك إلى حظك إن قبلت، ألا إنا كنا معشر العرب أمة من هذه الأمم، أنزلنا الله –وله الحمد- منزلًا من الأرض. ليست به أنهار جارية، ولا يكون به من الزرع إلا القليل، وكل أرضنا المهامه1 والقفار، فكنا أهل حجر ومدر2 وشاء وبعير، وعيش شديد، وبلاء
__________
1 جمع مهمه: القفر.
2 المدر: قطع الطين اليابس.
(1/252)

دائم لازم، نقطع أرحامنا ونقتل خشية الإملاق أولادنا، ويأكل قوينا ضعيفنا، وكثيرنا قليلنا، ولا تأمن قبيلة منا قبيلة إلا أربعة أشهر من السنة1، نعبد من دون الله أربابًا وأصنامًا، ننحتها بأيدينا من الحجارة التي نختارها على أعيننا، وهي لا تضر ولا تنفع، ونحن عليها مكبون، فبينما نحن كذلك على شفا2 حفرة من النار، من مات منا مات مشركًا، وصار إلى النار، ومن بقي منا بقي كافرًا مشركًا بربه، قاطعًا لرحمه، إذ بعث الله فينا رسولًا من صميمنا وشرفائنا وخيارنا وكرمائنا وأفضلنا، دعانا إلى الله وحده أن نعبده ولا نشرك به شيئًا، وأن نخلع الأنداد التي يعبدها المشركون دونه، وقال لنا لا تتخذوا من دون الله ربكم إلهًا ولا وليًّا ولا نصيرًا، ولا تجعلوا معه صاحبة ولا ولدًا، ولا تعبدوا من دونه نارًا ولا حجرًا، ولا شمسًا ولا قمرًا، واكتفوا به ربا وإلها من كل شيء دونه، وكونوا أولياءه، وإليه فادعوا، وإليه فارغبوا، وقال لنا: قاتلوا من اتخذ مع الله آلهة أخرى، وكل من زعم أن لله ولدًا وأنه ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة حتى يقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له ويدخلوا في الإسلام، فإن فعلوا حَرُمَت عليكم دماؤهم وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها، وهم إخوانكم في الدين، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، فإن هم أبوا أن يدخلوا في دينكم، وأقاموا على دينهم، فاعرضوا عليهم الجزية أن يؤدوها عن يد وهم صاغرون، فإن هم فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، وإن أبوا فقاتلوهم؛ فإنه من قتل منكم كان شهيدًا حيًّا عند الله مرزوقًا، وأدخله الله الجنة، ومن قتل من عدوكم قتل كافرًا، وصار إلى النار مخلدًا فيها أبدًا، ثم قال خالد:
وهذا والله الذي لا إله إلا هو أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم، فعلمنا، وأمرنا به أن ندعو الناس إليه ونحن ندعوكم إلى ما دعانا إليه نبينا صلى الله عليه وسلم، وإلى ما أمرنا به أن ندعو إليه الناس، فندعوكم إلى الإسلام، وإلى أن تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإلى أن تقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتقروا بما جاء من عند الله
__________
1 هي الأشهر الحرم: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
2 حرف.
(1/253)

عز وجل، فإن فعلتم فأنتم إخواننا في الإسلام، لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فإنا نفرض عليكم أن تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن فعلتم قبلنا منكم وكففنا عنكم، وإن أبيتم أن تفعلوا فقد والله جاءكم قوم هم أحرص على الموت منكم على الحياة، فاخرجوا بنا على اسم الله حتى نحاكمكم إلى الله، فإنما الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين" ثم سكت خالد.
فقال باهان: أما أن ندخل في دينكم فما أبعد من ترى من الناس من أن يترك دينه ويدخل في دينكم، وأما أن نؤدي الجزية –فتنفس الصعداء1 وثقلت عليه وعظمت عنده- فقال: سيموت من ترى جميعًا قبل أن يؤدوا الجزية إلى أحد من الناس، وهم يأخذون الجزية ولا يعطونها، وأما قولك: فاخرجوا حتى يحكم الله بيننا، فلعمري ما جاءك هؤلاء القوم وهذه الجموع إلا ليحاكموك إلى الله، وأما قولك: إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده فصدقت، والله ما كانت هذه الأرض التي نقاتلكم عليها وتقاتلوننا فيها، إلا لأمة من الأمم كانوا قبلنا فيها، فقاتلناهم عليها، فأخرجناهم منها، وقد كانت قبل ذلك لقوم آخرين فأخرجهم منها هؤلاء الذين كنا قاتلناهم عنها، فابرزوا على اسم الله، فإنا خارجون إليكم".
"فتوح الشام: 179".
__________
1 التنفس الطويل.
(1/254)

122- خطبة عمرو بن العاص:
ولما نقض أهل الأردن العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، قام عمرو بن العاص، وجمع إليه من كان قبله من المسلمين:
فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
"أما بعد فقد برئت ذمة الله من رجل من أهل عهدنا من أهل الأردن قدم
(1/254)

على رجل من أهل إيليا، أو كان عنده لم يأتنا به، ولم يرفعه إلينا، ألا ولا يبقين رجل من أهل عهدنا إلا تهيأ واستعد، حتى يسير معي إلى أهل إيليا، فإني أريد المسير إليهم، والنزول بساحتهم، ثم لا أزايلهم حتى أقتل مقاتلتهم، وأسبي ذراريهم، أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون".
"فتوح الشام ص146".
(1/255)

123- خطبة عمر:
ولما حصر أبو عبيدة أهل إيليا ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحربه سألوه الصلح على أن يكون عمر هو الذي يعطيهم العهد، ويكتب لهم الأمان، فأقبل عمر إلى الشام حتى انتهى إلى الجابية، فقام في الناس، فقال:
"الحمد لله الحميد المستحمد المجيد، الدفاع الغفور الودود، الذي من أراد أن يهديه من عباده اهتدى، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا.
أما بعد؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن خيار أمتي الذين يلونكم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة ولم يستشهد عليها، وحتى يحلف على اليمين ولم يسألها، فمن أراد بحبوحة1 الجنة فليلزم الجماعة، ولا يبالي الله شذوذ من شذ، ألا لا يخلون رجل منكم بامرأة إلا أن يكون لها محرمًا؛ فإن ثالثهما الشيطان".
"فتوح الشام ص 226".
__________
1 وسطها.
(1/255)

124- خطبة عمر:
ولما كان عمر رضي الله عنه بالشام، قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال:
(1/255)

"يأهل الإسلام، إن الله قد صدقكم الوعد، ونصركم على الأعداء، وورثكم البلاد، ومكن لكم في الأرض، فلا يكن جزاء ربكم إلا الشكر، وإياكم والعمل بالمعاصي، فإن العمل بالمعاصي كفر للنعم، وقلما كفر قوم بما أنعم الله عليهم، ثم لم يفزعوا إلى التوبة، إلا سلبوا عزهم، وسلط عليهم عدوهم" ثم نزل.
"فتوح الشام ص231".
(1/256)

125- خطبة لعمر:
وقفل عمر من الشام إلى المدينة في ذي الحجة سنة 17هـ، وخطب حين أراد القفول فحمد الله وأثنى عليه وقال:
"ألا إني قد وليت عليكم، وقضيت الذي علي في الذي ولاني الله من أمركم إن شاء الله، قسطنا1 بينكم فيئكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغنا ما لديكم، فجندنا لكم الجنود، وهيأنا لكم الفروج2، وبوأناكم ووسعنا عليكم ما بلغ فيئكم، وما قاتلتم عليه من شأمكم، وسمينا لكم أطماعكم، وأمرنا لكم بإعطائكم أرزاقكم ومعاونكم، فمن علم علم شيء ينبغي العمل به، فبلغنا نعمل به إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله".
"تاريخ الطبري 4-204".
__________
1 فرقنا.
2 الثغور.
(1/256)

126- خطبة عمر:
ولما رجع عمر رضي الله عنه إلى المدينة، استقبله الناس يهنئون بالنصر والفتح، فجاء حتى دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى ركعتين عند المنبر، ثم صعد المنبر فاجتمع الناس إليه، فقام:
(1/256)

فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "أيها الناس، إن الله قد اصطنع عند هذه الأمة أن يحمدوه ويشكروه، وقد أعز دعوتها، وجمع كلمتها، وأظهر فلجها1، ونصرها على الأعداء، وشرفها ومكن لها في الأرض وأورثها بلاد المشركين وديارهم وأموالهم، فأحدثوا لله شكرًا يزدكم، واحمدوه على نعمه عليكم يدمها لكم، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين" ثم نزل.
"فتوح الشام ص 239".
__________
1 الفلج: الفوز والظفر.
(1/257)

127- وصية أبي عبيدة للمسلمين وقد أصابه طاعون عمواس:
وكان طاعون عمواس قد عم أهل الشام "سنة 18هـ" ومات فيه بشر كثير، ومات فيه أبو عبيدة رحمه الله.
ولما طعن أبو عبيدة وهو بالأردن، دعا المسلمين، فلما دخلوا عليه قال:
"إني أوصيكم بوصية قبلتموها لم تزالوا بخير ما بقيتم، وبعد ما تهلكون، أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا، وتصدقوا، وحجوا، واعتمروا، وتواصلوا، وتحابوا، وأصدقوا أمراءكم ولا تغشوهم، ولا تلهكم الدنيا، فإن امرأً لو عمر ألف حول ما كان له بد من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون، وإن الله قد كتب الموت على بني آدم فهم ميتون، وأكرمهم منهم أطوعهم لربه، وأعلمهم ليوم معاده" ثم قال: يا معاذ، صل بالناس، فصلى معاذ بالناس، ومات أبو عبيدة رحمه الله.
"فتوح الشام ص: 240".
(1/257)

128- خطبة معاذ بن جبل عند موت أبي عبيدة:
فقام معاذ بن جبل في الناس فقال:
"يأيها الناس، توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة، فإن عبدًا أن يلقى الله عز وجل تائبًا من ذنبه، كان حقًّا على الله أن يغفر له ذنوبه، ومن كان عليه دين فليقضه، فإن العبد مرتهن بدينه، ومن أصبح منكم مصارمًا1 مسلمًا فليلقه وليصالحه إذا لقيه وليصافحه، فإنه لا ينبغي لمسلم أن يهجر أخاه المسلم أكثر من ثلاثة أيام، والذنب في ذلك عند الله، وأنكم أيها المسلمون قد فجعتم برجل والله ما أزعم أني رأيت منكم عبدًا من عباد الله قط أقل غمرا2، ولا أبر صدرًا، ولا أبعد من الغائلة3، ولا أنصح للعامة، ولا أشد عليهم تحننا وشفقة منه، فترحموا عليه ثم احضروا الصلاة عليه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والله لا يلي عليكم بعده مثله أبدًا".
فاجتمع الناس، وأخرج أبو عبيدة، وتقدم معاذ فصلى عليه، حتى إذا أتى به قبره، دخل قبره معاذ وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس، فلما وضعوه في قبره، وخرجوا منه، فسفوا عليه التراب، قال معاذ:
__________
1 مقاطعا.
2 الغمر: الحقد.
3 الأمر النكر.
(1/258)

129- رثاء معاذ بن جبل لأبي عبيدة:
"رحمك الله يا أبا عبيدة، فوالله لاثنين عليك بما علمت، والله لا أقول باطلًا، أخاف أن يلحقني من الله مقت، كنت والله –ما علمت- من الذاكرين الله كثيرًا، ومن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، ومن
(1/258)

الذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا، ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواما، وكنت والله -ما علمت- من المخبتين المتواضعين، ومن الذين يرحمون اليتيم والمسكين، ويبغضون الجفاة والمتكبرين".
ولم يكن أحد من الناس كان أشد جرعًا على فقد أبي عبيدة وعلى موته ولا أطول حزنًا عليه من معاذ بن جبل.
"فتوح الشام ص242".
(1/259)

130- ابن العاص ومعاذ والطاعون:
وصلى معاذ بالناس أيامًا، واشتد الطاعون، وكثر الموت في الناس، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص قال: أيها الناس، إن هذا الطاعون هو الرجز الذي عذب الله به بني إسرائيل مع الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وأمر الناس بالفرار منه، فأخبر معاذ بقول عمرو، فقال: ما أراد إلى ما يقول ما لا علم له به، ثم جاء معاذ حتى صعد المنبر.
فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر الوباء فقال: ليس كما قال عمرو، ولكنه رحمة بكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، اللهم أعط معاذًا وآل معاذ منه النصيب الأوفر.
(1/259)

131- وصية لمعاذ بن جبل:
ثم صلى ورجع إلى منزله، فإذا هو بابنه عبد الرحمن قد طعن، فلم يلبث إلا قليلًا حتى مات يرحمه الله، وصلى عليه معاذ، ثم دفنه، فلما رجع معاذ إلى منزله طعن، فاشتد به وجعه، وجعل أصحابه يختلفون إليه، فإذا أتاه أصحابه أقبل عليهم، فقال لهم:
(1/259)

"اعملوا وأنتم في مهلة وحياة، وفي بقية من آجالكم من قبل أن تمنوا العمل فلا تجدوا إليه سبيلًا، وأنفقوا مما عندكم لما بعدكم قبل أن تهلكوا وتدعوا ذلك كله ميراثًا لمن بعدكم، واعلموا أنه ليس لكم من أموالكم إلا ما أكلتم وشربتم ولبستم وأنفقتم وأعطيتم فأمضيتم، وما سوى ذلك فللوارثين".
"فتوح الشام ص243".
(1/260)

132- وصية لمعاذ بن جبل أيضًا:
وأتاه رجل في مرضه فقال: يا معاذ علمني شيئًا ينفعني الله به قبل أن تفارقني، فلا أراك ولا تراني، ولا أجد منك خلفًا، ثم لعلي أن أحتاج إلى سؤال الناس عما ينفعني بعدك، فلا أجد فيهم مثلك، فقال معاذ: كلا إن صلحاء المسلمين –والحمد لله- كثير، ولن يضيع الله أهل هذا الدين، ثم قال له:
"خذ عني ما آمرك، كن من الصائمين بالنهار، ومن المصلين في جوف الليل، ومن المستغفرين بالأسحار، ومن الذاكرين الله على كل حال كثيرًا، ولا تشرب الخمر، ولا تزنين، ولا تعق والديك، ولا تأكل مال اليتيم، ولا تفر من الزحف، ولا تأكل الربا، ولا تدع الصلاة المكتوبة، ولا تضيع الزكاة المفروضة، وصل رحمك، وكن بالمؤمنين رحيمًا، ولا تظلم مسلمًا، وحج واعتمر وجاهد، ثم أنا لك زعيم بالجنة".
"فتوح الشام ص244".
ومات رحمه الله، وقد استخلف عمرو بن العاص، فصلى عليه عمرو.
فلما دفنه قال:
"رحمك الله يا معاذ، فقد كنت –ما علمناك- من نصحاء المسلمين ومن خيارهم وأعلامهم، ثم كنت مؤدبًا للجاهل، شديدًا على الفاجر، رحيما بالمؤمنين، وايم الله لا يستخلف من بعدك مثلك".
"فتوح الشام ص245".
(1/260)

ولما انتهى إلى عمر رضي الله عنه هلاك أبي عبيدة وهلاك معاذ فرق عماله على كور الشأم، فبعث عبد الله بن قرط على حمص ثم عزله، وولى عبادة بن الصامت الأنصاري، واستعمل على دمشق أبا الدرداء الأنصاري، وكتب إلى يزيد بن أبي سفيان أن يسير إلى قيسارية.
(1/261)

133- خطبة عبادة بن الصامت:
فلما قدم عبادة على أهل حمص قام في الناس خطيبًا.
فحمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
"أما بعد، ألا إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، ألا وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك قادر، ألا وإنكم معروضون على أعمالكم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره، ألا وإن للدنيا بنين وللآخرة بنين، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها بنوها يوم القيامة".
"فتوح الشام ص248".
(1/261)

134- خطبة شداد بن أوس:
ثم قال لشداد بن أوس: قم يا شداد فعظ الناس، وكان شداد مفوهًا، قد أعطي لسانًا وحكمةً وفضلًا وبيانًا، فقام شداد، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
"أما بعد، أيها الناس راجعوا كتاب الله وإن تركه كثير من الناس، فإنكم لم تروا من الخير إلا أسبابه، ولا من الشر إلا أسبابه، وإن الله جمع الخير كله بحذافيره فجعله في الجنة، وجمع الشر بحذافيره، فجعله في النار، ألا وإن الجنة وعرة حزنة، ألا وإن النار سهلة لينة، ألا وإن الجنة حفت بالكره والصبر، ألا وإن النار حفت
(1/261)

بالهوى والشهوة، ألا فمن كشف حجاب الكره والصبر أشفى على الجنة، ومن أشفى على الجنة كان من أهلها، ألا ومن كشف حجاب الهوى والشهوة أشفى على النار، وكان من أهلها، فاعملوا بالحق تنزلوا منازل أهل الحق يوم لا يقضى إلا بالحق".
"فتوح الشام ص249".
(1/262)

135- خطبة أبي الدرداء:
وقام أبو الدرداء في أهل دمشق خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
"أما بعد، يأهل دمشق اسمعوا مقالة أخ لكم ناصح، فما بالكم تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون؟ وقد كان من كان قبلكم جمعوا كثيرًا، وبنوا شديدًا، وأملوا بعيدًا، وماتوا قريبًا، فأصبحت أعمالهم بورًا، ومساكنهم قبورًا، وأملهم غرورًا، وإن عادًا وثمودًا كانوا قد ملئوا ما بين بصرى وعدن أموالًا وأولادًا ونعما، فمن يشتري مني ما تركوا بدرهمين؟ ".
"فتوح الشام ص250".
(1/262)

236- خطبة يزيد بن أبي سفيان:
وسار يزيد بن أبي سفيان إلى قيسارية فقام في جنده فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال:
"أما بعد: فإن كتاب أمير المؤمنين عمر المبارك الفاروق أتاني يحثني على المسير إلى قيسارية، وأن أدعوهم إلى الإسلام، وأن يدخلوا فيما دخل فيه أهل الكور من
(1/262)

أهل الشام، فيؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا نزلت عليهم فلم أزايلهم حتى أقتل مقاتلتهم وأسبي ذراريهم، فسيروا -رحمكم الله- إليهم، فإني أرجو أن يجمع الله لكم الغنيمة في الدنيا والآخرة".
"فتوح الشام ص251".
(1/263)

137- وصية العباس بن عبد المطلب "المتوفى سنة 32هـ" لابنه عبد الله:
قال عبد الله بن عباس: قال لي أبي:
يا بني، إني أرى أمير المؤمنين -يعني عمر بن الخطاب- قد اختصك دون من ترى من المهاجرين والأنصار، وإني موصيك بخلال أربع: لا يجربن عليك كذبًا، ولا تغتابن عنده مسلمًا، ولا تفشين له سرًّا، ولا تطوِ عنه نصيحة، قال: فقلت: يا أبه، كل واحدة منها خير من ألف، فقال: كل واحدة منها خير من عشرة آلاف.
"تهذيب الكامل 1: 15 والعقد الفريد 1: 11".
(1/263)

138- وصية عمر للخليفة من بعده:
وأوصى عمر الخليفة من بعده، فقال:
"أوصيك بتقوى الله لا شريك له، وأوصيك بالمهاجرين الأولين خيرًا، أن تعرف لهم سابقتهم، وأوصيك بالأنصار خيرًا، فاقبل من محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم، وأوصيك بأهل الأمصار خيرًا، فإنهم ردء العدو، وجباة الفيء، لا تحمل فيئهم، إلا عن فضل منهم، وأوصيك بأهل البادية خيرًا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام أن تأخذ من حواشي أموال أغنيائهم، فترد على فقرائهم، وأوصيك بأهل الذمة خيرًا، أن
(1/263)

تقاتل من ورائهم، ولا تكلفهم فوق طاقتهم، إذا أدَّوا ما عليهم للمؤمنين طوعاً، أو عن يد وهم صاغرون، وأوصيك بتقوى الله وشدة الحذر منه، ومخافة مقته، أن يطلع منك على ريبة، وأوصيك أن تخشى الله في الناس، وتخشى الناس في الله، وأوصيك بالعدل في الرعية، والتفرغ لحوائجهم وثغورهم، ولا تؤثر غنيهم على فقيرهم، فإن ذلك بإذن الله سلامة لقلبك، وحط لوزرك، وخير في عاقبة أمرك، حتى تفضي من ذلك إلى من يعرف سريرتك، ويحول بينك وبين قلبك، وآمرك أن تشتد في أمر الله، وفي حدوده ومعاصيه، على قريب الناس وبعيدهم، ثم لا تأخذك في أحد رأفة حتى تنتهك منه، مثل ما انتهك من حرمة الله، واجعل الناس عندك سواء، لا تبالي على من وجب الحق، ثم لا تأخذك في الله لومة لائم، وإياك والأثرة والمحاباة فيما ولاك الله، مما أفاء الله على المؤمنين، فتجور وتظلم، وتحرم نفسك من ذلك ما قد وسعه الله عليك، وقد أصبحت بمنزلة من منازل الدنيا والآخرة، وأنت إلى الآخرة جد قريب، فإن اقترفت لدنياك عدلاًَ وعفة عما بسط الله لك، اقترفت به إيماناً ورضواناً، وإن غلبك الهوى، اقترفت به سخط الله، وأوصيك ألا ترخص لنفسك ولا لغيرك في ظلم أهل الذمة، وقد أوصيتك وحضضتك ونصحتك، فابتغ بذلك وجه الله والدار الآخرة، واخترت من دلالتك ما كنت دالا عليه نفسي وولدي، فإن عملت بالذي وعظتك، وانتهيت إلى الذي أمرتك، أخذت به نصيباً وافراً، وحظاً وافياً، وإن لم تقبل ذلك، ولم يهمك، ولم تنزل معاظم الأمور عند الذي يرضى الله به عنك، يكن ذلك بك انتقاصاً، ورأيك فيه مدخولاً؛ لأن الأهواء مشتركة، ورأس كل خطيئة إبليس، وهو داعٍ إلى كل هلكة، وقد أضل القرون السالفة قبلك، فأوردهم النار، ولبئس الثمن أن يكون حظ أمرئ موالاة عدو الله الداعي إلى معاصيه، ثم اركب الحق، وخض إليه الغمرات، وكن واعظا لنفسك، أنشدك الله لما رحمت على جماعة المسلمين، فأجللت كبيرهم، ورحمت صغيرهم، ووقرت عالمهم، ولا تضربهم فيذلوا، ولا تستأثر
(1/264)

عليهم بالفيء، فتبغضهم، ولا تحرمهم عطاياهم عند محلها، فتفقرهم، ولا تجمرهم1 في البعوث، فتقطع نسلهم، ولا تجعل المال دولة بين الأغنياء منهم، ولا تغلق بابك دونهم، فيأكل قويهم ضعيفهم. هذه وصيتي إياك، وأشهد الله عليك، وأقرأ عليك السلام.
"شرح ابن أبي الحديد م3: 96 والبيان والتبيين 2: 22 وتاريخ الطبري 5: 13".
وفي رواية الطبري:
قال: "وأوصى الخليفة من بعدي بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان أن يحسن إلى محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم، وأوصى الخليفة من بعدي بالعرب، فإنهم مادة الإسلام، أن يؤخذ من صدقاتهم حقها، فتوضع في فقرائهم، وأوصى الخليفة من بعدي بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يوفي لهم بعهدهم، اللهم هل بلغت؟
تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الراحة".
__________
1 جمر الجيش: حبسهم في أرض العدو ولم يقفلهم.
(1/265)

خطب يوم الشورى
مدخل
...
خطب يوم الشورى:
بعد دفن عمر اجتمع أهل الشورى، وهم: عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله -وكان طلحة غائبًا- فبدأ عبد الرحمن بن عوف بالكلام، فقال:
(1/266)

139- خطبة عبد الرحمن بن عوف:
"يا هؤلاء، إن عندي رأيًا، وإن لكم نظرًا، فاسمعوا تعلموا، وأجيبوا تفقهوا، فإن حابيًا1 خير من زاهق2، وإن جرعة من شروب3 بارد، أنفع من عذب موبٍ4، أنتم أئمة يهتدى بكم، وعلماء يصدر5 إليكم، فلا تفلوا المدى بالاختلاف بينكم، ولا تغمدوا السيوف عن أعدائكم، فتوتروا6 ثأركم، وتؤلتوا7 أعمالكم، لكل أجل كتاب، ولكل بيت إمام، بأمره يقومون، وبنهيه يرعون8، قلدوا أمركم واحدًا منكم، تمشوا الهوينى، وتلحقوا الطلب، لولا فتنة عمياء، وضلالة حيراء، يقول أهلها ما يرون، وتحلهم الحبو كرى9، ما عدت نياتكم معرفتكم، ولا أعمالكم
__________
1 الحابي من السهام: ما يزحف إلى الهدف.
2 السهم الزاهق: ما جاوز الهدف.
3 الشراب والشريب والشروب: ما يشرب.
4 أصله موبي، مسهل عن موبئ.
5 يرجع.
6 قال في اللسان: "قال الأزهري: هو من الوتر "الثأر" يقال: وترت فلانًا إذا أصبته بوتر، وأوترته أوجدته ذلك "أي أظفرته به، أوجدت فلانًا مطلوبه أي أظفرته به" قال: والثأر ههنا العدو؛ لأنه موضع الثأر، والمعنى لا توجدوا عدوكم الوتر في أنفسكم".
7 ألته حقه يألته وآلته: نقصه.
8 ورع يرع: كورث يرث من الورع، وهو التقوى.
9 رمل يضل فيه السالك، والداهية.
(1/266)

نياتكم، احذروا نصيحة الهوى، ولسان الفرقة، فإن الحيلة في المنطق أبلغ من السيوف في الكلم، علقوا أمركم رحب الذراع فيما حل، مأمون الغيب فيما نزل، رضا منكم وكلكم رضًا، ومقترعًا1 منكم وكلكم منتهًى، لا تطيعوا مفسدا يتنصح2، ولا تخالفوا مرشدًا ينتصر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم":
ثم تكلم عثمان بن عفان، فقال:
__________
1 مختارًا.
2 تنصح: تشبه بالنصحاء.
(1/267)

140- خطبة عثمان بن عفان:
"الحمد لله الذي اتخذ محمدًا نبيًا، وبعثه رسولًا، صدقه وعده، ووهب له نصره على كل من بعد نسبًا، أو قرب رحمًا صلى الله عليه وسلم، جعلنا الله له تابعين، وبأمره مهتدين، فهو لنا نور، ونحن بأمره نقوم عند تفرق الأهواء، ومجادلة الأعداء، جعلنا الله بفضله أئمة، وبطاعته أمراء، لا يخرج أمرنا منا، ولا يدخل علينا غيرنا، إلا من سفه الحق، ونكل عن القصد، وأحرِ بها يابن عوف أن تترك، وأجدر بها أن تكون، إن خولف أمرك، وترك دعاؤك، فأنا أول مجيب لك، وداعٍ إليك، وكفيل بما أقول زعيم، وأستغفر الله لي ولكم".
ثم تكلم الزبير بن العوام بعده فقال:
(1/267)

141- خطبة الزبير بن العوام:
"أما بعد: فإن داعي الله لا يجهل، ومجيبه لا يخذل، عند تفرق الأهواء، ولي الأعناق، ولن يقصر عما قلت إلا غوي، ولن يترك ما دعوت إليه إلا شقي، لولا حدود الله فرضت، وفرائض الله حدت، تراح1 على أهلها، وتحيا لا تموت، لكان
__________
1 أراح حقه عليه: رده عليه.
(1/267)

الموت من الإمارة نجاة، والفرار من الولاية عصمة، ولكن لله علينا إجابة الدعوة، وإظهار السنة، لئلا نموت ميتة عمية1، ولا نعمى عمى الجاهلية، فأنا مجيبك إلى ما دعوت، ومعينك على ما أمرت، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله لي ولكم".
__________
1 العمية: الكبر أو الضلال.
(1/268)

142- خطبة سعد بن أبي وقاص:
ثم تكلم سعد بن أبي وقاص فقال:
"الحمد لله بديئًا1 كان، وآخرًا يعود، أحمده لما نجاني من الضلالة، وبصرني من الغواية، فبهدى الله فاز من نجا، وبرحمته أفلح من زكا، وبمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أنارت الطرق، واستقامت السبل، وظهر كل حق، ومات كل باطل، إياكم أيها النفر وقول الزور، وأمنية أهل الغرور، فقد سلبت الأماني قومًا قبلكم، ورثوا ما ورثتم، ونالوا ما نلتم، فاتخذهم الله عدوا، ولعنهم لعنًا كبيرًا، قال الله عز وجل: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78-79] إني نكبت2 قرني، فأخذت سهمي الفالج3، وأخذت لطلحة بن عبيد الله ما ارتضيت لنفسي، فأنا به كفيل، وبما أعطيت عنه زعيم، والأمر إليك يا ابن عوف بجهد النفس، وقصد النصح، وعلى الله قصد السبيل، وإليه الرجوع، وأستغفر الله لي ولكم، وأعوذ بالله من مخالفتكم".
__________
1 البديء: الأول.
2 النكب: الطرح. والقرن: الجعبة.
3 الفائز الظافر.
(1/268)

143- خطبة علي بن أبي طالب:
ثم تكلم علي بن أبي طالب فقال:
"الحمد الله الذي بعث محمدًا منا نبيًّا، وبعثه إلينا رسولًا، فنحن بيت النبوة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حق إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل، ولو طال السرى، لو عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدًا لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولًا لجادلنا عليه حتى نموت، لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق، وصلة رحم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اسمعوا كلامي، وعوا منطقي، عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا المجمع، تنتضى1 فيه السيوف، وتخان فيه العهود، حتى تكونوا جماعة، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة، وشيعة لأهل الجهالة، ثم أنشأ يقول:
فإن تك جاسم2 هلكت فإني ... بما فعلت بنو عبد بن ضخم
مطيع في الهواجر كل عي ... بصير بالنوى من كل نجم
"تاريخ الطبري 5: 38، والكامل لابن الأثير 3: 36".
__________
1 تسل.
2 بنو جاسم حي قديم.
(1/269)

خطب عثمان بن عفان رضي الله عنه:
144- خطبته حين بايعه أهل الشورى:
روى الطبري قال: "لما بايع أهل الشورى عثمان خرج وهو أشدهم كآبة، فأتى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:
"إنكم في دار قُلْعَة1، وفي بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم، صُبِّحتم أو مُسِّيتم، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور، اعتبروا بمن مضى ثم جدوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين آثروها وعمروها، ومتعوا بها طويلًا، ألم تلفظهم؟ أرموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة فإن الله قد ضرب لها مثلًا، والذي هو خير، فقال عز وجل: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً، الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} وأقبل الناس يبايعونه".
"تاريخ الطبري 5: 43".
__________
1 أي انقلاع، ومنزلنا منزل قلعة "بتسكين اللام وضمها وفتحها" أي ليس بمستوطن، أو لا نملكه، أو لا ندري متى نتحول عنه.
(1/270)

145- خطبته بعد البيعة:
وقال أيضًا: خطب عثمان الناس بعد ما بويع، فقال:
"أما بعد، فإني قد حملت وقد قبلت، ألا وإني متبِّع، ولست بمبتدع، ألا وإن لكم علي بعد كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ثلاثًا: اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم، وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ، والكف عنكم إلا فيما استوجبتم، ألا وإن الدنيا خضرة قد شهيت إلى الناس، ومال إليها كثير منهم، فلا تركنوا إلى الدنيا، ولا تثقوا بها، فإنها ليست بثقة، واعلموا أنها غير تاركة إلا من تركها".
"تاريخ الطبري 5: 149".
(1/271)

146- خطبة أخرى:
وقال ابن قتيبة: لما ولي عثمان صعد المنبر، فجلس على ذروته، فرماه الناس بأبصارهم، فقال:
"إن أول مركب صعب، وإن مع اليوم أيامًا، وما كنا خطباء، وإن نعش لكم تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء الله تعالى".
"عيون الأخبار م2 ص235، والعقد الفريد 2: 133".
(1/271)

147- خطبة لعثمان:
وبعث عثمان بدء الفتنة إلى عمال الأمصار، فقدموا عليه، فقال: ويحكم، ما هذه الشكاية وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقًا عليكم، وما يعصب هذا إلا بي، ثم قال: أشيروا عليّ، فأشار عليه كلٌّ بما يراه.
(1/271)

وقام عثمان، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال:
"كل ما أشرتم به علي قد سمعت، ولكل أمر باب يؤتى منه! إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن، وإن بابه يغلق عليه، فيكفكف به اللين والمؤاتاة والمتابعة إلا في حدود الله تعالى ذكره، التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدها، فإن سده شيء فرفق، فذاك الله ليفتحن، وليست لأحد على حجة حق، وقد علم الله أني لم آل الناس خيرًا ولا نفسي، ووالله إن رحى الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها، كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم، واغتفروا لهم، وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها".
"تاريخ الطبري 5: 100".
(1/272)

148- خطبة عثمان:
ولما حدثت الأحداث بالمدينة خرج منها رجال إلى الأمصار، ثم رجعوا جميعًا إلى المدينة إلا من كان بالشأم، فأخبروا عثمان بخبرهم، فقام عثمان في الناس خطيبًا فقال:
"يأهل المدينة، أنتم أصل الإسلام، وإنما يفسد الناس بفسادكم، ويصلحون بصلاحكم، والله والله والله لا يبلغني عن أحد منكم حدث أحدثه إلا سيرته، ألا فلا أعرفن أحدًا عرض دون أولئك بكلام ولا طلب، فإن من كان قبلكم كانت تقطع أعضاؤهم دون أن يتكلم أحد منهم بما عليه ولا له.
وايم الله لآخذن العفو من أخلاقكم، ولأبذلنه لكم من خلقي، وقد دنت أمور، ولا أحب أن تحل بنا وبكم، وأنا على وجل وحذر، فاحذروا، واعتبروا".
"تاريخ الطبري 5: 135".
(1/272)

141- خطبته حين نقم عليه الناس:
وخطب عثمان حين نقم عليه الناس ما نقموا فقال:
"أما بعد: فإن لكل شيء آفة، وإن لكل نعمة عاهة، وإن آفة هذه الأمة، وعاهة هذه النعمة، عيابون ظنانون، يظهرون لكم ما تحبون، ويسرون ما تكرهون، يقولون لكم وتقولون، طغام1 مثل النعام، يتبعون أول ناعق، أحب مواردهم إليهم النازح2، لا يشربون إلا نغصا3، ولا يردون إلا عسكرًا، لا يقوم لهم رائد، وقد أعيتهم الأمور، وتعذرت عليهم المكاسب.
لقد أقررتم لابن الخطاب بأكثر مما نقمتم علي، ولكنه وطئكم برجله، وضربكم بيده، ووقمكم وقمعكم4 وزجركم زجر النعام المخزمة5، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم وأوطأت لكم كنفي، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم علي.
أما والله إني لأقرب ناصرًا، وأعز نفرًا، وأكثر عددًا، وأقمن –إن قلت هلمَّ- أن تجاب دعوتي من عمر.
وقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولًا، وكشرت لكم عن نابي، وأخرجتم مني خلقًا لم أكن أحسنه، ومنطقًا لم أنطق به.
__________
1 أوغاد الناس، الواحد والجمع فيه سواء، أو واحده كسحابة.
2 المورد النازح: الذي نزح ماؤه، أي غاض وقل أو بعد.
3 نغص البعير كفرح: لم يتم شربه.
4 وقم الدابة جذب عنانها، ووقمه قهره وأذله أو رده أقبح الرد وحزنه أشد الحزن وقمعه: ضربه بالمقمعة وقهره وأذله.
5 خزم البعير: جعل في جانب منخره الخزامة، والطير كلها مخزومة؛ لأن وترات أنوفها مخزومة، وكذا النعام.
(1/273)

فكفوا عليكم ألسنتكم وطعنكم، وعيبكم على ولاتكم، فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا.
ألا فما تفقدون من حقكم؟ فو الله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي، ومن لم تكونوا تختلفون عليه، فَضَل فَضْلٌ من مالي، فما لي لا أصنع في الفضل ما أريد؟ إذن فلم كنت إمامًا؟ ".
"تاريخ الطبري 5: 97 وإعجاز القرآن ص 118، وصبح الأعشى 1: 214 والبيان والتبيين 1: 200".
(1/274)

150- خطبته التي نزع فيها، وأعطى الناس من نفسه التوبة:
حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
"أما بعد أيها الناس: فوالله ما عاب من عاب منكم شيئًا أجهله، وما جئت شيئًا إلا وأنا أعرفه، ولكني منتني نفسي وكذبتني، وضل عني رشدي، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من زل فليتب، ومن أخطأ فليتب، ولا يتمادى في الهلكة، إن من تمادى في الجور، كان أبعد من الطريق" فأنا أول من اتعظ، أستغفر الله مما فعلت، وأتوب إليه، فمثلي نزع وتاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم، فليروني رأيهم، فوالله لئن ردني الحق عبدًا لأستنن بسنة العبد، ولأذلن ذل العبد، ولأكونن كالمرقوق، إن ملك صبر، وإن عتق شكر، وما عن الله مذهب إلا إليه، فلا يعجزن عنكم خياركم أن يدنوا إلي، لئن أبت يميني لتتابعني شمالي".
"تاريخ الطبري 5: 111، والكامل لابن الأثير 3: 80".
(1/274)

151- خطبته في الرد على الثوار:
وقال يرد على الثوار:
"الحمد لله، أحمده، وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، أما بعد: فإنكم لم تعدلوا في المنطق، ولم تنصفوا في القضاء، أما قولكم: تخلع نفسك، فلا أنزع قميصًا قمصنيه الله عز وجل، وأكرمني به، وخصني به على غيري، ولكني أتوب وأنزع، ولا أعود لشيء عابه المسلمون، فإني والله الفقير إلى الله، الخائف منه".
قالوا: إن هذا لو كان أول حدث أحدثته ثم تبت منه، ولم تقم عليه، لكان علينا أن نقبل منك، وأن ننصرف عنك ... إلى آخر ما قالوا.
فقال عثمان: "أما أن أتبرأ من الإمارة، فأن تصلبوني أحب إلي من أن أتبرأ من أمر الله عز وجل وخلافته، وأما قولكم تقاتلون من دوني، فإني لا آمر أحدًا بقتالكم، فمن قاتل دوني فإنما قاتل بغير أمري، ولعمري لو كنت أريد قتالكم، لقد كنت كتبت إلى الأجناد، فقادوا الجنود، وبعثوا الرجال، أو لحقت ببعض أطرافي بمصر أو عراق، فالله الله في أنفسكم، فأبقوا عليها، إن لم تبقوا عليّ، فإنكم مجتلبون بهذا الأمر إن قتلتموني دمًا" فانصرفوا عنه، وآذنوه بالحرب.
"تاريخ الطبري 5: 121، والكامل لابن الأثير 3: 84".
(1/275)

152- خطبته وقد اشتد عليه الحصار:
ولما اشتد الحصار عليه أرسل إلى علي وطلحة والزبير، فحضروا، فأشرف عليهم، فقال:
"يأيها الناس: اجلسوا، فجلسوا؛ المحارب والمسالم، فقال لهم: يأهل المدينة، أستودعكم الله، وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي، ثم قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب عمر أن يختار لكم، ويجمعكم على خيركم؟ أتقولون: إن الله لم يستجب لكم، وهنتم عليه، وأنتم أهل حقه؟ أم تقولون: هان على الله دينه، فلم يبالِ من ولى، والدين لم يتفرق أهله يومئذ؟ أم تقولون: لم يكن أخذ عن مشورة، إنما كان مكابرة، فوكل الله الأمة إذ عصته، ولم يشاوروا في الإمامة، أم تقولون: إن الله لم يعلم عاقبة أمري؟ أنشدكم بالله أتعلمون لي من سابقة خير، وقدم خير، قدمه الله لي يحق على كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها؟ فمهلًا لا تقتلوني، فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه، أو كفر بعد إيمانه، أو قتل نفسًا بغير حق، فإنكم إذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لم يرفع الله عنكم الاختلاف أبدًا".
"تاريخ الكامل لابن الأثير 3: 84".
(1/276)

153- آخر خطبة خطبها عثمان:
"إن الله عز وجل إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى، فلا تبطرنكم الفانية، ولا تشغلنكم عن الباقية، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله، اتقوا الله جل وعز،
(1/276)

فإن تقواه جنة من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم، لا تصيروا أحزابًا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا".
"تاريخ الطبري 5: 126، 149".
(1/277)

154- خطبة الوليد بن عقبة:
قال الطبري:
لما أصاب الوليد بن عقبة حاجته من أرمينية "سنة 24هـ -وكان أهلها قد منعوا ما صالحوا عليه أهل الإسلام أيام عمر- ودخل الموصل، فنزل الحديثة، أتاه كتاب من عثمان رضي الله عنه:
"أما بعد فإن معاوية بن أبي سفيان كتب إليّ يخبرني أن الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع عظيمة، وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة، فإذا أتاك كتابي هذا، فابعث رجلًا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وإسلامه، في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف، من المكان الذي يأتيك فيه رسولي والسلام".
فقام الوليد في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: أيها الناس فإن الله أبلى المسلمين في هذا الوجه بلاء حسنًا، فرد عليهم بلادهم التي كفرت، وفتح بلادًا لم تكن فتحت، وردهم سالمين غانمين مأجورين، فالحمد لله رب العالمين.
وقد كتب إلي أمير الؤمنين يأمرني أن أندب منكم ما بين العشرة الآلاف إلى الثمانية الآلاف تمدون إخوانكم من أهل الشام، فإنهم قد جاشت عليهم الروم، وفي ذلك الأجر العظيم، والفضل المبين، فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة الباهلي".
فانتدب الناس.
"تاريخ الطبري 5: 46".
(1/277)

155- خطبة سعيد بن العاص حين قدم الكوفة واليًا عليها:
عزل عثمان رضي الله عنه الوليد بن عقبة بن أبي معيط من إمارة الكوفة، وكان قد اتهم بشرب الخمر، وولى مكانه سعيد بن العاص سنة 30هـ، فلما قدم الكوفة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد بدًا إذ أمرت أن ائتمر، ألا إن الفتنة قد أطلعت خطمها1 وعينيها، ووالله لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني2، وإني لرائد3 نفسي اليوم" ثم نزل.
"تاريخ الطبري 5: 63".
__________
1 الخطم: جمع خطام، وهو ما وضع في أنف البعير ليقتاد به، والمراد ظهورها ونشوبها.
2 أي تعجزني.
3 الرود: الطلب.
(1/278)

156- خطبة عبد الله بن الزبير حين قدم بفتح إفريقية: 1
قدم عبد الله بن الزبير على عثمان بن عفان بفتح إفريقية، فأخبره مشافهة، وقص عليه كيف كانت الوقعة، فأعجب عثمان ما سمع منه، فقال له: أتقوم بمثل هذا الكلام على الناس! فقال: يا أمير المؤمنين، إني أهيب لك مني لهم، فقام عثمان في الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس: إن الله قد فتح عليكم إفريقية، وهذا عبد الله بن الزبير يخبركم خبرها إن شاء الله، وكان عبد الله بن الزبير إلى جانب المنبر، فقام خطيبًا –وكان أول من خطب إلى جانب المنبر- فقال:
"الحمد لله الذي ألف بين قلوبنا، وجعلنا متحابين بعد البغضة، الذي لا تجحد نعماؤه، ولا يزول ملكه، له الحمد كما حمد نفسه، وكما هو أهله، انتخب محمدًا صلى الله
__________
1 فتحها عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة 26هـ، وأمده عثمان بجيش يرأسه عبد الله بن الزبير.
(1/278)

عليه وسلم، فاختاره بعلمه، وأتمنه على وحيه، واختار له من الناس أعوانًا، قذف في قلوبهم تصديقه ومحبته، فآمنوا به وعزروه1 ووقروه، وجاهدوا في الله حق جهاده، فاستشهد2 الله منهم من استشهد على المنهاج الواضح، والبيع الرابح، وبقي منهم من بقي، لا تأخذهم في الله لومة لائم.
أيها الناس: رحمكم الله إنا خرجنا للوجه الذي علمتم، فكنا مع والٍ حافظ، حفظ وصية أمير المؤمنين، كان يسير بنا الأبردين3، ويخفض4 بنا في الظهائر، ويتخذ الليل جملًا، يعجل الرحلة من المنزل الجدب، ويطيل البث في المنزل الخصب، فلم نزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا، حتى انتهينا إلى إفريقية، فنزلنا منها حيث يسمعون صهيل الخيل، ورغاء الإبل، وقعقعة السلاح، فأقمنا أيامًا نجم كراعنا5، ونصلح سلاحنا، ثم دعوناهم إلى الإسلام والدخول فيه، فأبعدوا منه، فسألناهم الجزية عن صغار أو الصلح، فكانت هذه أبعد، فأقمنا عليهم ثلاث عشرة ليلة نتأناهم، وتختلف رسلنا إليهم، فلما يئس منهم قام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر فضل الجهاد، وما لصاحبه إذا صبر واحتسب، ثم نهضنا إلى عدونا، وقاتلناهم أشد القتال، يومنا ذلك، وصبر فيه الفريقان فكانت بيننا وبينهم قتلى كثيرة، واستشهد الله فيهم رجالًا من المسلمين، فبتنا وباتوا، وللمسلمين دوي بالقرآن كدوي النحل، وبات المشركون في خمورهم وملاعبهم، فلما أصبحنا أخذنا مصافنا التي كنا عليها بالأمس، فزحف بعضنا على بعض، فأفرغ الله علينا صبره، وأنزل علينا نصره، ففتحناها من آخر النهار، فأصبنا غنائم كثيرة، وفيئًا واسعًا، بلغ فيه الخمس خمسمائة ألف، فصفق6 عليها مروان بن الحكم، فتركت المسلمين قد
__________
1 التعزير: التفخيم والعظيم والإعانة، وهو أيضًا ضرب دون الحد أو هو أشد الضرب ضد.
2 استشهد "مبنيًّا للمجهول" قتل في سبيل الله.
3 الأبردان: الغداة والعشي.
4 خفض بالمكان: أقام، والظهائر: جمع ظهيرة.
5 الكراع: جماعة الخيل، وأجم الفرس: ترك ركوبه.
6 صفق الباب يصفقه وأصفقه أغلقه: أي أغلق عليها باب الخزائن.
(1/279)

قرت أعينهم، وأغناهم النفل، وأنا رسولهم إلى أمير المؤمنين، أبشره وإياكم بما فتح الله من البلاد، وأذل من الشرك، فاحمدوا الله عباد الله على آلائه، وما أحل بأعدائه، من بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين".
ثم سكت فنهض إليه أبوه الزبير، فقبل بين عينيه وقال: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يا بني ما زلت تنطق بلسان أبي بكر حتى صمت.
"العقد الفريد 2: 149".
(1/280)

157- خطبة عبد الله بن مسعود "المتوفى سنة 32هـ":
أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرا كلمة التقوى، أكرم الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد صلى الله عليه وسلم، خير الأمور أوساطها، وشر الأمور محدثاتها. ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، خير الغنى غنى النفس، وخير ما ألقي في القلب اليقين. الخمر جماع الآثام، النساء حبالة الشيطان، الشباب شعبة من الجنون، حسب الكفاية مفتاح المعجزة، شر الناس من لا يأتي الجماعة إلا دبرًا، ولا يذكر الله إلا هجرًا1، أعظم الخطايات اللسان الكذوب، سباب المؤمن فسق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، من يتأل3 على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر له، مكتوب في ديوان المحسنين: من عفا عفا الله عنه، الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، الأمور بعواقبها، ملاك العمل خواتيمه، أشرف الموت الشهادة، من يعرف البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرف البلاء ينكره.
"إعجاز القرآن 122، العقد الفريد 2: 156، البيان والتبيين 2: 27".
__________
1 الهَجِر ككتف: الذي يمشي مثقلًا ضعيفًا: أي لا يعرف الله إلا وقت الشدة.
2 تألى: أقسم.
(1/280)

158- أبو زبيد الطائي يصف الأسد:
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه يومًا لأبي زبيد: حرملة بن المنذر الطائي –وكان نصرانيًا- يا أخا تبع المسيح، أسمعنا بعض قولك، فقد أنبئت أنك تجيد، فأنشده قصيدة له في وصف الأسد، فقال عثمان: تالله تفتأ تذكر الأسد ما حييت! والله إني لأحسبك جبانًا هرابًا، قال: كلا، يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت منه منظرًا، وشهدت منه مشهدًا، لا يبرح ذكره يتجدد ويتردد في قلبي، ومعذور أنا يا أمير المؤمنين غير ملوم، فقال له عثمان: وأنى كان ذلك؟ قال:
"خرجت في صُيَّابَة1 أشراف من أبناء قبائل العرب، ذوي هيئة وشارة2 حسنة، ترمى بنا المهارى3 بأكسائها4، ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشأم، فاخروَّط5 بنا السير في حمارة القيظ، حتى إذا عصبت الأفواه، وذبلت الشفاه، وشالت6 المياه، وأذكت الجوزاء المعزاء7، وذاب الصيهب8، وصر الجندب9 وأضاف العصفور الضب في وكره، وجاوره في جحره، قال قائل: أيها الركب، غوروا10 بنا في دوح هذا الوادي، وإذا واد قد بدا لنا كثير الدغل11، دائم الغلل12
__________
1 الصيابة بالتشديد وتخفف: الخالص والصميم والخيار من الشيء.
2 الشارة: الهيئة واللباس والزينة، والجمال.
3 مهرة بن حيدان "بفتح الميم والحاء": حي تنسب إليه الإبل المهرية، وجمعها مهارى "بفتح الميم والراء" ومهار "منقوصًا" ومهاري.
4 الأكساء: جمع كسء "كقفل وعنق" وكسء كل شيء: مؤخره.
5 اخروط بهم الطريق: طال وامتد.
6 قلَّت.
7 أذكت: أشعلت، والمعزاء من المعز بالتحريك: وهو الصلابة، مكان أمعز وأرض معزاء، كناية عن اشتداد الحر.
8 الصيهب: الصخرة الصلبة والموضع الشديد، وكل موضع تحمى عليه الشمس حتى ينشوي اللحم عليه.
9 نوع من الجراد، وصر: صوت.
10 الغور والغئور: الدخول في الشيء. والدوح: جمع دوحة، وهي الشجرة العظيمة.
11 الدغل: الشجر الكثير الملتف، واشتباك النبت وكثرته.
12 الغلل: الماء الذي يجري بين الشجر.
(1/281)

أشجاره مغنة1، وأطياره مرنة2، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات3، فأصبنا من فضلات المزاود، وأتبعناها الماء البارد، فإنا لنصف حر يومنا ومماطلته، إذ صر أقصى الخيل أذنيه4، وفحص الأرض بيديه، فوالله ما لبث أن جال، ثم حمحم5 فبال، ثم فعل فعله الفرس الذي يليه واحدًا فواحدًا، فتضعضعت الخيل، وتكعكعت6 الإبل، وتقهقرت البغال، فمن نافر بشكاله7، وناهض بعقاله، فعلمنا أنا قد أتينا، وأنه السبع لا شك فيه، ففزع كل واحد منا إلى سيفه، فاستله من جربانه8، ثم وقفنا رزدقًا أرسالا9، وأقبل أبو الحارث من أجمته، يتظالع10 في مشيته، كأنه مجنوب أو في هجار11، لصدره نحيط12 ولبلاعمه غطيط13، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض14 كأنما يخبط هشيمًا، أو يطأ صريمًا15، وإذا هامة كالمجن16 وخد كالمسن، وعينان سجراوان17 كأنهما سراجان يتقدان،
__________
1 أغن الذباب: صوت، ويقال: واد مغن، وهو الذي صار فيه صوت الذباب، ولا يكون الذباب إلا في واد مخصب معشب، والغنة "بالضم" صوت في الخيشوم، والأغن: الذي يتكلم من قبل خياشيمه، غن يغن بالفتح فهو أغن، ومنه قالوا واد أغن: أي كثير العشب؛ لأنه إذا كان كذلك ألفه الذباب وفي أصواتها غنة، وروضة غناء كذلك، أو تمر فيها الرياح غير صافية الصوت لكثافة عشبها.
2 رنت وأرنت: صاحت.
3 الكنهبل: شجر عظام، والمزاود: جمع مزود كمنبر، وهو وعاء الزاد.
4 صر الحمار بأذنه وصرها وأصر بها: سواها ونصبها للاستماع.
5 الحمحمة والتحمحم: صياح الفرس حين يقصر في الصهيل ويستعين بنفسه، وصوته إذا طلب العلف.
6 خافت وفزعت، كعكعته فتكعكع: جبنته وخوفته.
7 الشكال: الحبل الذي تشد به قوائم الدابة.
8 الجربان: غمد السيف.
9 الرزدق: الصف من الناس والأرسال جمع رسل كسبب، وهو القطيع من كل شيء.
10 من ظلع كمنع: إذا غمز في مشيه.
11 جنبه: قاده إلى جنبه، فهو جنيب ومجنوب ومجنب والهجار: حبل يشد في رسغ رجل البعير ثم يشد إلى حقوه، وإن كان مرحولًا شد إلى الحقب.
12 النحيط: الزفير، والناحط: من يسعل شديدًا.
13 غط البعير غطيطًا: هدر، والنائم صوت وكذا المذبوح والمخنوق.
14 نقيض الأصابع والأضلاع والمفاصل: أصواتها.
15 ثمر صريم: أي مقطوع.
16 المجن: الترس.
17 عين سجراء: خالطت بياضها حمرة.
(1/282)

وقصرة ربلة1، ولهزمة رهلة2، وكتد مغبط3 وزور مفرط4 وساعد مجدول، وعضد مفتول، وكف شثنة البراثن5 إلى مخالب كالمحاجن6، فضرب بيديه فأرهج7 وكشر8 فأفرج عن أنياب كالمعاول، مصقولة، غير مفلولة، وفم أشد9 كالغار الأخوق10، ثم تمطى فأسرع بيديه، وحفز11 وركيه برجليه، حتى صار ظله مثليه، ثم أقعى12 فاقشعر، ثم مثل فاكفهر13، ثم تجهم فازبأر14 فلا وذو15 بيته في السماء، ما اتقيناه إلا بأخ لنا من فزارة، كان ضخم الجزارة16، فوقصه17 ثم نقضه نقضة، فقضقض18 متنيه، فجعل يلغ في دمه، فذمرت19 أصحابي، فبعد لأيٍ20 ما استقدموا، فهجهجنا21 به فكر مقشعر الزبرة 22،
__________
1 القصرة: أصل العنق، والربالة بالفتح: كثرة اللحم، وهي ربلة ومتربلة.
2 اللهزمتان ناتئان تحت الأذنين، والجمع لهازم، ورهل لحمه: كفرح انتفخ وورم من غير داء.
3 الكتد: مجتمع الكتفين، أو الكاهل، أو ما بين الكاهل إلى الظهر، وأغبط النبات: غطى الأرض، وكثف وتدانى، وأرض مغبطة بفتح الباء، أي وكاهل مغطى بالشعر.
4 من أفرطه: إذا ملأه حتى أسال الماء فهو مفرط.
5 شثنة: أي غليظة خشنة، شثنت كفه: كفرح وكرم، والبراثن: جمع برثن كبرقع، وهو مخلب الأسد.
6 المحاجن: جمع محجن كمنبر ومكنسة: العصا المعوجة وكل معطوف معوج.
7 أرهج: أثار الغبار، والرهج "كشمس وسبب" الغبار.
8 كشر عن أسنانه: أبدى.
9 من الشدق "كسبب" وهو سعة الشدق.
10 من الخوق "كسبب أيضًا" وهو السعة ومنه مفازة خوقاء.
11 حفزه: دفعه.
12 أقعى: جلس على استه مفترشًا رجله ناصبًا يديه.
13 مثل: قام منتصبًا، والمكفهر من الوجوه: الضارب لونه إلى الغبرة من غلظ، والمتعبس.
14 تجهمه وجهمه "كمنع وسمع" استقبله بوجه كريه، وازبأر: تنفش.
15 ذو: بمعنى الذي في لغة طيئ:
فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا
16 الجزارة: بالضم اليدان والرجلان والعنق.
17 وقص عنقه: كسرها.
18 من نقض البناء: أي هدمه، وقضقض: مزق.
19 الذمر: الملامة، والحض والتهدد.
20 اللأي: الإبطاء والاحتباس.
21 هجهج بالأسد: صاح.
22 الزبرة "كفرصة" هي الشعر المجتمع بين كتفي الأسد.
(1/283)

كأن به شيهما1 حوليًّا، فاختلج2 رجلًا أعجر ذا حوايا، فنقضه نقضة تزايلت منها مفاصله، ثم همهم فقرقر3، ثم زفر فبربر4، ثم زأر فجرجر5، ثم لحظ، فوالله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه، عن شماله ويمينه، فأرعشت الأيدي، واصطكت الأرجل، وأطت6 الأضلاع، وارتجت الأسماع، وشخصت7 العيون، وتحققت الظنون، وانخزلت8 المتون، ولحقت الظهور بالبطون، ثم ساءت الظنون، فقال له عثمان: اسكت قطع الله لسانك! فقد أرعبت قلوب المسلمين".
"الأغاني 11: 23 والمحاسن والأضداد ص112".
__________
1 الشيهم: ما عظم شوكه من ذكران القنافذ، والحولى: ما أتى عليه حول.
2 اختلج: جذب وانتزع، والأعجر: السمين، عجر: كفرح غلظ وسمن وضخم بطنه، والحوايا جمع حاوية، وهي ما تحوي من الأمعاء أي استدار، والمعنى أنه عظيم البطن.
3 الهمهمة: تردد الزئير في الصدر، وكل صوت معه بحح، والقرقرة: هدير البعير.
4 البربرة: الجلبة والصياح.
5 الجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته.
6 الأطيط: صوت الرحل والإبل إذا أنَّت تعبا أو حنينا، وصوت الظهر، والجوف من الجوع.
7 شخص بصره كمنع: فتح عينيه وجعل لا يطرف.
8 الانخزال والتخزل: مشية في تثاقل. ومتنا الظهر: مكتنفا الصلب عن يمينه وشماله.
(1/284)

خلافة الإمام علي كرم الله وجهه:
159- وصية علي لقيس بن سعد:
ولما قتل عثمان رضي الله عنه وولي علي بن أبي طالب الأمر، دعا قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وولاه مصر سنة 36هـ.
وقال له:
"سر إلى مصر فقد وليتكها، واخرج إلى رحلك، واجمع إليك ثقاتك، ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتيها ومعك جند، فإن ذلك أرعب لعدوك، وأعز لوليك، فإذا أنت قدمتها إن شاء الله فأحسن إلى المحسن، واشتد على المريب، وارفق بالعامة والخاصة فإن الرفق يمن".
"تاريخ الطبري 5: 227".
(1/285)

160- خطبة لقيس بن سعد:
ولما دخل قيس مصر قام خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم وقال:
"الحمد لله الذي جاء بالحق وأمات الباطل، وكبت الظالمين،
أيها الناس إنا قد بايعنا خير من نعلم بعد محمد نبينا صلى الله عليه وسلم، فقوموا أيها الناس، فبايعوا على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم".
فقام الناس فبايعوا.
"تاريخ الطبري 5: 228".
(1/285)

فتنة أصحاب الجمل
مدخل
...
فتنة أصحاب الجمل:
ولما قدمت السيدة عائشة رضي الله عنها البصرة، للطلب بدم عثمان، خرج إليها من أهلها من أراد أن يكون معها، واجتمع القوم بالمربد، وجعلوا يثوبون، حتى غص بالناس، فتكلم طلحة، فأنصتوا له:
(1/286)

161- خطبة طلحة:
حمد الله وأثنى عليه، وذكر عثمان رضي الله عنه وفضله، والبلد وما استحل منه، وعظم ما أتى إليه، ودعا إلى الطلب بدمه وقال:
"إن في ذلك إعزاز دين الله عز وجل وسلطانه، وأما الطلب بدم الخليفة المظلوم، فإنه حد من حدود الله، وإنكم إن فعلتم أصبتم، وعاد أمركم إليكم، وإن تركتم لم يقم لكم سلطان، ولم يكن لكم نظام".
وتكلم الزبير بمثل ذلك، ثم تكلمت السيدة عائشة وكانت جهورية الصوت.
(1/286)

162- خطبة السيدة عائشة بالمربد:
حمدت الله عز وجل، وأثنت عليه وقالت:
"كان الناس يتجنون1 على عثمان رضي الله عنه، ويزرون2 على عماله، ويأتوننا بالمدينة، فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم، فننظر في ذلك فنجده بريًّا، تقيًّا وفيًّا،
__________
1 تجنى عليه: ادعى ذنبًا لم يفعله.
2 زرى عليه: عابه كأزرى لكنه قليل.
(1/286)

ونجدهم فجرة غدرة كذبة، يحاولون غير ما يظهرون، فلما قووا على المكاثرة كاثروه، واقتحموا عليه داره، واستحلوا الدم الحرام، والمال الحرام، والبلد الحرام، لا ترة1 ولا عذر، ألا إن ما ينبغي، لا ينبغي لكم غيره، أخذ قتلة عثمان رضي الله عنه، وإقامة كتاب الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} الآية".
"تاريخ الطبري 5: 175، والكامل لابن الأثير 3: 105".
__________
1عذر.
(1/287)

163- خطبة لعلي:
وخطب علي لما سار الزبير وطلحة من مكة ومعهما عائشة يريدون البصرة، فقال:
"أيها الناس: إن عائشة سارت إلى البصرة ومعها طلحة والزبير، وكل منهما يرى الأمر له دون صاحبه، أما طلحة فابن عمها، وأما الزبير فختنها، والله لو ظفروا بما أرادوا –ولن ينالوا ذلك أبدًا- ليضربن أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد، والله إن راكبة الجمل الأحمر ما تقطع عقبة ولا تحل عقدة، إلا في معصية الله وسخطه، حتى تورد نفسها ومن معها موارد الهلكة، إي والله ليقتلن ثلثهم، وليهربن ثلثهم، وليتوبن ثلثهم، وإنها التي تنبحها كلاب الحوأب، وإنهما ليعلمان أنهما مخطئان، ورب عالم قتله جهله، ومعه علمه لا ينفعه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، فقد قامت الفتنة فيها الفئة الباغية، أين المحتسبون؟ أين المؤمنون؟ ما لي ولقريش! أما والله لقد قتلتهم كافرين، ولأقتلنهم مفتونين، وما لنا إلى عائشة من ذنب إلا أننا أدخلناها في حيزنا، والله لأبقرن الباطل حتى يظهر الحق من خاصرته، فقل لقريش فلتضج ضجيجها" ثم نزل.
"ابن أبي الحديد م 1: ص 78".
(1/287)

164- خطبة لعلي:
ولما رجعت رسل علي من عند طلحة والزبير وعائشة يؤذنونه بالحرب قام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال:
"أيها الناس: إني قد راقبت هؤلاء القوم كي يرعووا أو يرجعوا، ووبختهم بنكثهم، وعرفتهم بغيهم فلم يستحيوا، وقد بعثوا إلي أن ابرز للطعان، واصبر للجلاد، وإنما تمنيك نفسك أماني الباطل، وتعدك الغرور، ألا هبلتهم1 الهبول، لقد كنت وما أهدد بالحرب، ولا أرهب بالضرب، ولقد أنصف القارة2 من راماها، فليرعدوا وليبرقوا، فقد رأوني قديمًا، وعرفوا نكايتي، فكيف رأوني؟ أنا أبو الحسن الذي فللت حد المشركين، وفرقت جماعتهم، وبذلك القلب ألقى عدوي اليوم، وإني لعلى ما وعدني ربي من النصر والتأييد، وعلى يقين من أمري، وفي غير شبهة من ديني.
أيها الناس: إن الموت لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، ليس عن الموت محيد ولا محيص، من لم يقتل مات، إن أفضل الموت القتل، والذي نفس علي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش.
اللهم إن طلحة نكث بيعتي، وألب على عثمان حتى قتله، ثم عضهني3 به ورماني، اللهم فلا تمهله.
اللهم إن الزبير قطع رحمي، ونكث بيعتي، وظاهر علي عدوي، فاكفنيه اليوم بما شئت" ثم نزل.
"ابن أبي الحديد م 1: 101".
__________
1 هبلته أمه: ثكلته.
2 القارة: قبيلة، وهم قوم رماة.
3 عضهه: بهته، وقال فيه ما لم يكن.
(1/288)

165-خطبة لعلي:
حمد الله وصلى على رسوله ثم قال:
"أما بعد فإنه لما قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، قلنا نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا، فصارت الإمرة لغيرنا، وصرنا سوقة يطمع فينا الضعيف، ويتعزز علينا الذليل، فبكت الأعين منا لذلك، وخشنت الصدور، وجزعت النفوس. وايم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر ويبور الدين، لكنا على غير ما كنا لهم عليه، فولي الأمر ولاة لم يألوا الناس خيرًا، ثم استخرجتموني أيها الناس من بيتي، فبايعتموني على شين مني لأمركم، وفراسة تصدقني ما في قلوب كثير منكم، وبايعني هذان الرجلان في أول من بايع –تعلمون ذلك- وقد نكثا وغدرا ونهضا إلى البصرة بعائشة، ليفرقا جماعتكم، ويلقيا بأسكم بينكم، اللهم فخذهما بما عملا أخذة واحدة رابية، ولا تنعش لهما صرعة، ولا تقل لهما عثرة، ولا تمهلهما فواقا1، فإنهما يطلبان حقًّا تركاه، ودمًا سفكاه، اللهم إني أقتضيك وعدك، فإنك قلت وقولك الحق: {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} اللهم فأنجز لي موعودك، ولا تكلني إلى نفسي، إنك على كل شيء قدير".
"ابن أبي الحديد م 1: 101".
__________
1 الفواق بالضم وبفتح: ما بين الحلبتين من الوقت، أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع.
(1/289)

166- خطبة عدي بن حاتم، يستنفر قومه لنصرة الإمام علي:
ولما شخص الإمام علي كرم الله وجهه من المدينة إلى البصرة وقد علم بمسير طلحة والزبير وعائشة إليها، قام عدي بن حاتم إليه فقال: يا أمير المؤمنين لو تقدمت إلى قومي
(1/289)

أخبرهم بمسيرك، وأستنفرهم، فإن لك من طيئ مثل الذي معك، فقال علي: نعم فافعل، فتقدم عدي إلى قومه، فاجتمعت إليه رؤساء طيئ، فقال لهم:
"يا معشر طيئ: إنكم أمسكتم عن حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشرك، ونصرتم الله ورسوله في الإسلام على الردة، وعلي قادم عليكم، وقد ضمنت له مثل عدة من معه منكم، فخفوا1 معه، وقد كنتم تقاتلون في الجاهلية على الدنيا، فقاتلوا في الإسلام على الآخرة، فإن أردتم الدنيا فعند الله مغانم كثيرة، وأنا أدعوكم إلى الدنيا والآخرة، وقد ضمنت عنكم الوفاء، وباهيت بكم الناس، فأجيبوا قولي، فإنكم أعز العرب دارًا، لكم فضل معاشكم وخيلكم، فاجعلوا فضل المعاش للعيال2، وفضول الخيل للجهاد، وقد أظلكم علي والناس معه من المهاجرين والبدريين3 والأنصار، فكونوا أكثرهم عددًا، فإن هذا سبيل للحي فيه الغنى والسرور، وللقتيل فيه الحياة والرزق".
فصاحت طيئ: نعم نعم! حتى كاد أن يصم من صياحهم.
"الإمامة والسياسة 1: 45".
__________
1 أي ارتحلوا مسرعين.
2 جمع عيل "كجيد" وهو من يجب الإنفاق عليه.
3 أي الذين حضروا وقعة بدر.
(1/290)

167- خطبة زفر بن زيد يستنفر قومه لنصرة علي أيضًا:
وقام إلى علي زفر بن زيد الأسدي -وكان من سادة بني أسد- فقال: يا أمير المؤمنين، إن طيئًا إخواننا قد أجابوا عديًّا، ولي في قومي طاعة، فأذن لي فآتيهم، قال: نعم، فأتاهم فجمعهم، وقال:
(1/290)

"يا بني أسد: إن عدي بن حاتم ضمن لعلي قومه، فأجابوه، وقضوا عنه ذمامه1، فلم يعتل الغني بالغنى، ولا الفقير بالفقر، وواسى بعضهم بعضًا حتى كأنهم المهاجرون في الهجرة، والأنصار في الأثرة2، وهم جيرانكم في الديار، وخلطاؤكم3 في الأموال، فأنشدكم الله لا يقول الناس غدًا: نصرت طيئ، وخذلت بنو أسد، وإن الجار يقاس بالجار، كالنعل بالنعل، فإن خفتم، فتوسعوا في بلادهم، وانضموا إلى جبلهم، وهذه دعوة لها ثواب من الله في الدنيا والآخرة".
"الإمامة والسياسة 1: 46".
__________
1 العهد والحرمة.
2 أي يؤثر كل منهم أخاه على نفسه، ويفضله كما فعل الأنصار بالمهاجرين {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} .
3 الخلطاء: جمع خليط، وهو الشريك.
(1/291)

168- خطبة علي بالربذة:
روى الطبري قال:
لما أتى عليًّا الخبر –وهو بالمدينة- بأمر عائشة وطلحة والزبير أنهم قد توجهوا نحو العراق، خرج يبادر وهو يرجو أن يدركهم ويردهم، فلما انتهى إلى الربذة1 أتاه عنهم أنهم قد أمعنوا، فأقام بالربذة أيامًا، وبقي بها يتهيأ، وأرسل إلى المدينة، فلحقه ما أراد من دابة وسلاح، وقام في الناس فخطبهم وقال:
"إن الله عز وجل أعزنا بالإسلام، ورفعنا به، وجعلنا به إخوانًا بعد ذلة وقلة، وتباغض وتباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، الإسلام دينهم، والحق فيهم، والكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان، لينزغ بين هذه الأمة، ألا إن هذه الأمة لا بد مفترقة كما افترقت الأمم قبلهم، فنعوذ بالله من شر ما هو كائن.
__________
1 قرب المدينة.
(1/291)

ثم عاد ثانية فقال: إنه لا بد مما هو كائن أن يكون. ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، شرها فرقة تنتحلني ولا تعمل بعملي، فقد أدركتم ورأيتم، فالزموا دينكم واهدوا بهدي نبيكم صلى الله عليه وسلم، واتبعوا سنته، واعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن، فما عرفه القرآن فالزموه، وما أنكره فردوه، وارضوا بالله عز وجل ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا، وبالقرآن حكمًا وإمامًا".
"تاريخ الطبري 5: 185".
(1/292)

170- خطبة الحسن بن علي:
ولما دخل الحسن وعمار الكوفة اجتمع إليهما الناس، فقام الحسن، فاستنفر الناس، فحمد الله، وصلى على رسوله، ثم قال:
"أيها الناس إنا جئنا ندعوكم إلى الله وإلى كتابه وسنة رسوله، وإلى أفقه من تفقه من المسلمين وأعدل من تعدلون، وأفضل من تفضلون، وأوفى من تبايعون، من لم يعبه القرآن، ولم تجهله السنة، ولم تقعد به السابقة، إلى من قربه الله تعالى ورسوله قرابتين قرابة الدين وقرابة الرحم، إلى من سبق الناس إلى كل مأثرة، إلى من كفى الله ورسوله والناس متخاذلون، فقرب منه وهم متباعدون، وصلى معه وهم مشركون، وقاتل معه وهم منهزمون، وبارز معه وهم محجمون، وصدقه وهم يكذبون، إلى من لم ترد له ولا تكافأ له سابقة، وهو يسألكم النصر، ويدعوكم إلى الحق، ويأمركم بالمسير إليه لتوازروه وتنصروه على قوم نكثوا بيعته، وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه، ومثلوا بعماله، وانتهبوا بيت ماله، فاشخصوا إليه رحمكم الله، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، واحضروا بما يحضر به الصالحون".
"شرح ابن أبي الحديد م 3: 292".
(1/293)

171- خطبة أخرى للحسن:
"الحمد لله العزيز الجبار، الواحد القهار، الكبير المتعال، سواء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار، أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، على ما أحببنا وكرهنا من شدة ورخاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده وسوله، امتن علينا بنبوته، واختصه برسالته، وأنزل عليه وحيه، واصطفاه على جميع خلقه، وأرسله إلى الإنس والجن، حين عبدت الأوثان، وأطيع الشيطان، وجحد الرحمن، وصلى الله عليه وعلى آله، وجزاه الله أفضل ما جزى المسلمين.
(1/293)

أما بعد، فإني لا أقول لكم إلا ما تعرفون، إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أرشد الله أمره، وأعز نصره، بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب، وإلى العمل بالكتاب، والجهاد في سبيل الله، وإن كان في عاجل ذلك ما تكرهون، فإن في آجله ما تحبون إن شاء الله.
ولقد علمتم أن عليًّا صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وحده، وإنه يوم صدق به لفى عاشرة من سنه، ثم شهد مع رسول الله صلى الله وآله جميع مشاهده، وكان من اجتهاده في مرضاة الله وطاعة رسوله وآثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله راضيًا عنه، حتى غمضه بيده، وغسله وحده، والملائكة أعوانه، والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء، ثم أدخله حفرته، وأوصاه بقضاء دينه وعداته وغير ذلك من أموره، كل ذلك من من الله عليه.
ثم والله ما دعا إلى نفسه، ولقد تداك الناس عليه تداك الإبل الهيم عند ورودها، فبايعوه طائعين، ثم نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه، ولا خلاف أتاه، حسدًا له وبغيًا عليه.
فعليكم عباد الله بتقوى الله وطاعته والجد والصبر والاستعانة بالله والخفوف إلى ما دعاكم إليه أمير المؤمنين، عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه وأهل طاعته، وألهمنا وإياكم تقواه، وأعاننا وإياكم على جهاد أعدائه، وأستغفر الله العظيم لي ولكم".
"شرح ابن أبي الحديد م 3: 292".
(1/294)

172- خطبة عمار بن ياسر:
وقام بعده عمار، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال:
أيها الناس أخو نبيكم وابن عمه يستنفركم لنصر دين الله، وقد بلاكم الله بحق دينكم، وحرمة أمكم، فحق دينكم أوجب، وحرمته أعظم.
(1/294)

"أيها الناس عليكم بإمام لا يؤدب، وفقيه لا يعلم، وصاحب بأس لا ينكل، وذي سابقة في الإسلام ليست لأحد، وإنكم لو قد حضرتموه بين لكم أمركم إن شاء الله".
(1/295)

173- خطبة أبي موسى الأشعري:
فلما سمع أبو موسى الأشعري خطبة الحسن وعمار، قام فصعد المنبر، وقال:
الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد؛ فجمعنا بعد الفرقة، وجعلنا إخوانًا متحابين بعد العداوة، وحرم عليا دماءنا وأموالنا، قال الله سبحانه: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} ، وقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} فاتقوا الله عباد الله. وضعوا أسلحتكم، وكفوا عن قتال إخوانكم.
أما بعد، يأهل الكوفة إن تطيعوا الله باديًا، وتطيعوني ثانيًا تكونوا جرثومة1 من جراثيم العرب، يأوي إليكم المضطر، ويأمن فيكم الخائف، إن عليًا إنما يستنفركم لجهاد أمكم عائشة وطلحة والزبير حواري رسول الله ومن معهم من المسلمين، وأنا أعلم بهذه الفتن. إنها إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت أسفرت، إني خائف عليكم أن يلتقي غاران منكم، فيقتتلا، ثم يتركا كالأحلاس الملقاة بنجوة من الأرض لا يدرى من أين تؤتى، تترك الحليم حيران، كأني أسمع رسول الله صلى الله عليه وآله بالأمس يذكر الفتن فيقول: أنت فيها نائمًا خير منك قاعدًا، وأنت فيها جالسًا خير منكم قائمًا، وأنت فيها قائمًَا خير منك ساعيًا، فثلموا سيوفكم، وقصفوا رماحكم، وأنصلوا2 سهامكم، وقطعوا أوتاركم، وخلوا قريشًا ترتق فتقها، وترأب صدعها، فإن فعلت فلأنفسها ما فعلت، وإن أبت فعلى أنفسها ما جنت، سمنها في أديمها، واستنصحوني ولا تستغشوني، وأطيعوني ولا تعصوني، يتبين لكم رشدكم، وتصلى هذه الفتنة من جناها.
"شرح ابن الحديد م 293".
__________
1 جرموثة الشيء: أصله.
2 أنصل السهم، ونصله بالتشديد: جعل فيه نصلًا وأزاله عنه –ضد-.
(1/295)

صورة أخرى:
174- خطبة أبي موسى الأشعري:
وكاتب الإمام علي من الربذة أبا موسى الأشعري –وكان عامله على الكوفه- ليستنفر الناس لقتال عائشة ومن معها، فثبطهم وخطبهم، فقال:
"أيها الناس: إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين صحبوه في المواطن، أعلم بالله جل وعز وبرسوله صلى الله عليه وسلم ممن لم يصحبه، وإن لكم علينا حقًّا، فأنا مؤديه إليكم، كان الرأى ألا تستخفوا بسلطان الله عز وجل، ولا تجترئوا على الله عز وجل، وكان الرأي الثاني أن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة، فتردوهم إليها، حتى يجتمعوا، وهم أعلم بمن تصلح له الإمامة منكم، ولا تكلفوا الدخول في هذا، فأما إذ كان ما كان، فإنها فتنة صماء، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، فكونوا جرثومة1 من جراثيم العرب، فأغمدوا1 السيوف، وأنصلوا الأسنة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم والمضطهد، حتى يلتئم هذا الأمر، وتنجلي هذه الفتنة".
"تاريخ الطبري 5: 187، والكامل لابن الأثير 3: 113".
__________
1 غمد السيف يغمده كنصر وضرب وأغمده: جعله في الغمد.
(1/296)

175- صورة أخرى:
وخطب أيضًا في هذا الصدد، فقال:
"أيها الناس: أطيعوني تكونوا جرثومة من جراثيم العرب، يأوي إليكم المظلوم، ويأمن فيكم الخائف، إنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعلم بما سمعنا، إن الفتنة إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت بينت، وإن هذه الفتنة باقرة1 كداء البطن، تجري بها الشمال والجنوب، والصبا2 والدبور، فتكن أحيانًا، فلا يدرى من أين تؤتى، تذر الحليم كابن أمس، شيموا3 سيوفكم، وقصدوا 4 رماحكم، وأرسلوا سهامكم، واقطعوا أوتاركم، والزموا بيوتكم، خلوا قريشًا إذا أبوا إلا الخروج من دار الهجرة، وفراق أهل العلم بالإمرة، ترتق5 فتقها، وتشعب6 صدعها، فإن فعلت فلأنفسها سعت، وإن أبت فعلى أنفسها جنت، سمنها تهريق في أديمها، استنصحوني ولا تستغشوني، وأطيعوني يسلم لكم دينكم ودنياكم، ويشقى بحر هذه الفتنة من جناها".
__________
1 فتنة باقرة: صادعة للألفة شاقة للعصا، وفي الكامل لابن الأثير: فاقرة بالفاء، وهي الداهية تكسر فقار الظهر.
2 الصبا: ريح تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار. والدبور: ريح تقابلها.
3 شام سيفه يشيمه: غمده واستله، ضد.
4 التقصيد والقصد: الكسر بأي وجه كان أو بالنصف، ورمح قصد ككتف وقصيد وأقصاد متكسر.
5 رتق الفتق: سده.
6 الشعب: الإصلاح والإفساد والجمع والتفريق، -ضد-.
(1/297)

176- خطبة زيد بن صوحان:
فقام زيد بن صوحان، فشال1 يده المقطوعة، فقال:
"يا عبد الله2 بن قيس، رد الفرات عن أدراجه3، اردده من حيث يجيء،
__________
1 شال: رفع، قطعت يده يوم جلولاء، وقيل بالقادسية في قتال الفرس، وقتل يوم الجمل "أسد الغابة 2: 234".
2 هو اسم أبي موسى.
3 جمع درج بفتحتين، وهو الطريق.
(1/297)

حتى يعود كما بدأ، فإن قدرت على ذلك، فستقدر على ما تريد، فدع عنك ما لست مدركه، ثم قرأ: {الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1-2-3] سيروا إلى أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وانفروا1 إليه أجمعين، تصيبوا الحق".
__________
1 اذهبوا، وكانت السيدة عائشة قد كتبت إليه كتابًا تأمره فيه بملازمة بيته أو نصرتها، فقال: أمرت أن تقر في بيتها، وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فأمرتنا بما أمرت به، وركبت ما أمرنا به.
(1/298)

177- خطبة القعقاع بن عمرو:
فقام القعقاع بن عمرو فقال:
"إني لكم ناصح، وعليكم شفيق، أحب أن ترشدوا1، ولأقولن لكم قولًا هو الحق، أما ما قال الأمير فهو الأمر، لو أن إليه سبيلًا، وأما ما قال زيد فزيد عدو هذا الأمر، فلا تستنصحوه، فإنه لا ينتزع أحد من الفتنة طعن فيها، وجرى إليها، والقول الذي هو الحق أنه لا بد من إمارة تنظم الناس، وتزع2 الظالم، وتعز المظلوم، وهذا علي يلي بما ولي، وقد أنصف في الدعاء، وإنما يدعو إلى الإصلاح، فانفروا وكونوا من هذا الأمر بمرأى ومسمع".
__________
1 رشد: كنصر وفرح.
2 تردع وتكف.
(1/298)

178- خطبة سيحان بن صوحان:
وقال سيحان:
"أيها الناس: إنه لا بد لهذا الأمر وهؤلاء الناس من والٍ، يدفع الظالم ويعز المظلوم، ويجمع الناس، وهذا واليكم يدعوكم لينظر فيما بينه وبين صاحبيه1، وهو المأمون على الأمة، الفقيه في الدين، فمن نهض إليه، فإنا سائرون معه".
__________
1 طلحة والزبير.
(1/298)

179- خطبة الحسن بن علي:
وقام الحسن بن علي رضي الله عنه، فقال:
"أيها الناس: أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه، والله لأن يليه أولو النهى أمثل في العاجلة، وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا، وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم، وإن أمير المؤمنين يقول: قد خرجت مخرجي هذا ظالمًا أو مظلومًا، وإني أذكر الله رجلاً رعى حق الله إلا نفر، فإن كنت مظلومًا أعانني، وإن كنت ظالمًا أخذ مني، والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني، وأول من غدر، فهل استأثرت بمال، أو بدلت حكمًا؟ فانفروا، فمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر".
"تاريخ الطبري 5: 188، والكامل لابن الأثير 3: 114".
(1/299)

180- وفادة القعقاع بن عمرو إلى أصحاب الجمل:
ولما نزل الإمام علي كرم الله وجهه بذي قار، دعا القعقاع بن عمرو، فأرسله إلى أهل البصرة، وقال له: الق هذين الرجلين –طلحة والزبير- يابن الحنظلية، "وكان القعقاع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" فادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظم عليهما الفرقة، وقال له: كيف أنت صانع فيما جاءك منهما، مما ليس عندك فيه وصاة1 مني؟ فقال: نلقاهم بالذي أمرت به، فإذا جاء منهما أمر ليس عندنا منك فيه رأي، اجتهدنا الرأي، وكلمناهم على قدر ما نسمع ونرى أنه ينبغي، قال: أنت لها.
__________
1 وصية.
(1/299)

فخرج القعقاع حتى قدم البصرة فبدأ بعائشة رضي الله عنها، فسلم عليها، وقال: أي أمه: ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني: إصلاح بين الناس، قال: فابعثي إلى طلحة والزبير، حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما فجاءا، فقال: إني سألت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان، قال: فأخبراني، ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفناه لنصلحن، ولئن أنكرناه لا نصلح، قالا: قتلة عثمان رضي الله عنه، فإن هذا إن ترك كان تركًا للقرآن، وإن عمل به كان إحياء للقرآن، فقال: قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، وأنتم قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة إلا رجلًا، فغضب لهم ستة آلاف، واعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم ذلك الذي أفلت -يعني حرقوص بن زهير- فمنعه ستة آلاف وهم على رجل، فإن تركتموه كنتم تاركين لما تقولون، فإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم فأديلوا1 عليكم، فالذي خذرتم وقربتم2 به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون، وأنتم أحميتم مضر وربيعة من هذه البلاد، فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم، والذنب الكبير".
فقالت أم المؤمنين: فتقول أنت ماذا؟ قال: أقول هذا الأمر دواؤه التسكين، وإذا سكن اختلجوا3، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خيرٍ، وتباشير رحمة، ودرك بثأر هذا الرجل، وعافية وسلامة لهذه الأمة، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه، كانت علامة شر وذهاب هذا الثأر، وبعثة الله في هذه الأمة هزاهزها4، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح الخير، كما كنتم تكونون، ولا تعرضونا للبلاء، ولا تعرضوا
__________
1 أي غلبوكم وانتصروا عليكم.
2 قربه "كسمع" قرب منه "ككرم".
3 اضطربوا وتفككوا.
4 الهزهزة والهزاهز: تحريك البلايا والحروب الناس.
(1/300)

له، فيصرعنا وإياكم، وايم الله إني لأقول هذا وأدعوكم إليه، وإني لخائف ألا يتم حتى يأخذ الله عز وجل حاجته من هذه الأمة، التي قل متاعها، ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي حدث ليس يقدَّر، وليس كالأمور، ولا كقتل الرجل الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة الرجل".
فقالوا: نعم، إذن قد أحسنت وأصبت المقالة فارجع، فإن قدم علي، وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر، فرجع إلى علي فأخبره، فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح1.
"تاريخ الطبري 5: 191".
__________
1 ولكن السبئيين أحبطوا مساعي الصلح، إذ خرجوا في الغلس دون أن يشعر بهم أحد، فقصد مضرهم مضر البصرة، وربيعتهم ربيعة البصرة، ويمنهم يمن البصرة، ووضعوا فيهم السلاح. فثار كل قوم في وجوه أصحابهم، ودارت رحى القتال بينهم، وكلا الفريقين لا يعلم بكنه تلك المكيدة، وكان بينهما ما كان.
(1/301)

181- خطبة علي بن أبي طالب:
فلما رجع القعقاع من عند أم المؤمنين وطلحة والزبير، جمع الإمام علي الناس، ثم قام على الغرائر، فحمد الله عز وجل، وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الجاهلية وشقاها، والإسلام والسعادة، وإنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم حدث هذا الحدث، الذي جره على هذه الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاءها الله عليه على الفضيلة، وأرادوا رد الأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره، ومصيب ما أراد، ألا إني راحل غدًا فارتحلوا، ألا ولا يرتحلن غدًا أحدٌ أعان على عثمان رضي الله عنه بشيء، في شيء من أمور الناس، وليغن السفهاء عني أنفسهم".
"تاريخ الطبري 5: 194".
(1/301)

182- خطبة لعلي:
ولما أراد علي المسير إلى البصرة قام فخطب الناس، فقال بعد أن حمد الله وصلى على رسوله:
إن الله قبض نبيه صلى الله عليه وآله. استأثرت علينا قريش بالأمر، ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة، فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين، وسفك دمائهم، والناس حديثو عهد بالإسلام، والدين يمخض مخض الوطب1 يفسده أدنى وهن، وينكسه2 أقل خلق، فولي الأمر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادًا، ثم انتقلوا إلى دار الجزاء، والله ولي تمحيص سيئاتهم، والعفو عن هفواتهم، فما بال طلحة والزبير –وليسا من هذا الأمر بسبيل- لم يصبروا علي حولًا ولا أشهرًا حتى وثبا ومرقا، ونازعاني أمرًا لم يجعل الله لهما إليه سبيلًا، بعد أن بايعاني طائعين غير مكرهين، يرتضعان أما قد فطمت، ويحييان بدعة قد أميتت، أدم عثمان زعما؟ والله ما التبعة إلا عندهم وفيهم، وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم، وأنا راضٍ بحجة الله عليهم وعلمه فيهم، فإن فاءا وأنابا فحظهما أحرزا، وأنفسهما غنما، وأعظم بهما غنيمة، وإن أبيا أعطيتهما حد السيف، وكفى به ناصرًا لحق، وشافيًا لباطل" ثم نزل.
"شرح ابن أبي الحديد م 1: 102".
__________
1 الوطب: سقاء اللبن.
2 في الأصل "ويعكسه" وأراه محرفًا، نكسه: قلبه على رأسه.
(1/302)

183- خطبة لعلي:
وخطب فقال:
"الحمد لله على كل أمر وحال، في الغدو والآصال، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ابتعثه رحمة للعباد، وحياة للبلاد، حين امتلأت الأرض فتنة، واضطرب حيلها، وعبد الشيطان في أكنافها، واشتمل عدو الله إبليس على عقائد أهلها، فكان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الذي أطفأ الله به نيرانها، وأخمد به شرارها، ونزع به أوتادها، وأقام به ميلها، إمام الهدى، والنبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فلقد صدع بما أمر به، وبلغ رسالات ربه، فأصلح الله به ذات البين، وآمن به السبل، وحقن به الدماء، وألف به بين ذوي الضغائن الواغرة في الصدور، حتى أتاه اليقين، ثم قبضه الله إليه حميدًا.
ثم استخلف الناس أبا بكر فلم يأل جهده، ثم استخلف أبو بكر عمر فلم يأل جهده، ثم استخلف الناس عثمان، فنال منكم ونلتم منه، حتى إذا كان من أمره ما كان، أتيتموني لتبايعوني فقلت: لا حاجة لي في ذلك، ودخلت منزلي فاستخرجتموني، فقبضت يدي فبسطتموها، وتداككتم علي حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض، فبايعتموني وأنا غير مسرور بذلك ولا جذل، وقد علم الله سبحانه أني كنت كارهًا للحكومة بين أمة محمد صلى الله عليه وآله، ولقد سمعته صلى الله عليه وآله يقول: "ما من وال يلي شيئًا من أمر أمتي إلا أتي به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه على رءوس الخلائق، ثم ينشر كتابه، فإن كان عادلاً نجا، وإن كان جائرًا هوى" حتى اجتمع علي ملؤكم، وبايعني طلحة والزبير، وأنا أعرف الغدر في أوجههما، والنكث في أعينهما، ثم استأذناني في العمرة فأعلمتهما أن ليس العمرة يريدان، فسارا إلى مكة واستخفا عائشة وخدعاها، وشخص معهما أبناء الطلقاء، فقدموا البصرة، فقتلوا بها المسلمين وفعلوا المنكر، ويا عجبا
(1/303)

لاستقامتهما لأبي بكر وعمر وبغيهما علي وهما يعلمان أني لست دون أحدهما، ولو شئت أن أقول لقلت، ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتابًا يخدعهما فيه، فكتماه عني، وخرجا يوهمان الطغام أنهما يطلبان بدم عثمان. والله ما أنكرا علي منكرًا، ولا جعلا بيني وبينهم نصفا، وإن دم عثمان لمعصوب بهما ومطلوب منهما، يا خيبة الداعي إلام دعا؟ وبماذا أجيب؟ والله إنهما لعلى ضلالة صماء، وجهالة عمياء، وإن الشيطان قد ذمر لها حزبه، واستجلب منهما خيله ورجله، ليعيد الجور إلى أوطانه، ويرد الباطل إلى نصابه.
ثم رفع يديه فقال: اللهم إن طلحة والزبير قطعاني، وظلماني وألبا علي، فاحلل ما عقدا، وانكث ما أبرما، ولا تغفر لهما أبدًا، وأرهما المساءة فيما عملا وأملا".
"شرح ابن أبي الحديد م 1: 102".
(1/304)

184- خطبة الأشتر:
فقام إليه الأشتر فقال:
"الحمد لله الذي من علينا فأفضل، وأحسن إلينا فأجمل، قد سمعنا كلامك يا أمير المؤمنين، ولقد أصبت ووفقت وأنت ابن عم نبينا، وصهره ووصيه، وأول مصدق به ومصل معه، شهدت مشاهده كلها، فكان لك الفضل فيها على جميع الأمة، فمن اتبعك أصاب حظه، واستبشر بفلجه1، ومن عصاك ورغب عنك فإلى أمه الهاوية، لعمري يا أمير المؤمنين ما أمر طلحة والزبير وعائشة علينا بمخيل2، ولقد دخل الرجلان فيما دخلا فيه، وفارقا على غير حدث أحدثت ولا جور صنعت، فإن زعما أنهما يطلبان بدم عثمان فليقيدا من أنفسهما، فإنهما أول من ألب عليه وأغرى الناس بدمه، وأشهد الله لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لنلحقهما بعثمان، فإن سيوفنا في عواتقنا، وقلوبنا في صدورنا، ونحن اليوم كما كنا أمس" ثم قعد.
"شرح ابن الحديد م 1: 102".
__________
1 الفلج: الفوز.
2 من أخالت الناقة إذا كان في ضرعها لبن، والأرض بالنبات ازدانت.
(1/304)

185- خطبة السيدة عائشة "توفيت سنة 57هـ":
وخطبت السيدة عائشة وقد أخذ الناس مصافهم للحرب، فقالت:
"أما بعد: فإنا كنا نقمنا على عثمان ضرب السوط، وإمرة الفتيان، وموقع السحابة المحمية، ألا وإنكم استعتبتموه فأعتبكم، فلما مصتموه1 كما يماص الثوب الرحيض2 عدوتم عليه، فارتكبتم منه دمًا حرامًا، وايم الله إن كان لأحصنكم فرجًا، وأتقاكم لله".
"شرح ابن أبي الحديد 2: 81".
__________
1 الموص: الدلك باليد.
2 رحض الثوب كمنعه: غسله فهو رحيض ومرحوض.
(1/305)

186- خطبة لعلي:
وخطب علي لما تواقف الجمعان فقال:
"لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم، فإنكم بحمد الله على حجة، وكفكم عنهم حتى يبدءوكم حجة أخرى، وإذا قاتلتموهم فلا تجهزوا على جريح، وإذا هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرًا، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل، وإذا وصلتم إلى حال القوم فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا دارًا، ولا تأخذوا من أموالهم شيئًا، ولا تهيجوا امرأة بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القول والأنفس والعقول، لقد كنا نؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة بالهراوة والجريدة، فيعير بها وعقبه من بعده"
"شرح ابن أبي الحديد 2: 81".
(1/305)

187- خطبة السيدة عائشة يوم الجمل:
وخطبت السيدة عائشة رضي الله عنها أهل البصرة يوم الجمل فقالت:
"أيها الناس: صه صه، إن لي عليكم حق الأمومة، وحرمة الموعظة، لا يتهمني إلا من عصى ربه، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري1 ونحري، فأنا إحدى نسائه في الجنة، له ادخرني ربي، وخلصني من كل بضاعة، وبي ميز منافقكم من مؤمنكم، وبي أرخص الله لكم في صيد الأبواء2، ثم أبي ثاني اثنين الله ثالثهما وأول من سمي صديقًا، مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم راضيًا عنه، وطوقه أعباء الإمامة، ثم اضطرب حبل الدين بعده، فمسك أبي بطرفيه، ورتق لكم فتق النفاق، وأغاض نبع الردة، وأطفأ ما حش3 يهود، وأنتم يومئذ جحظ العيون، تنظرون الغدرة، وتسمعون الصيحة، فرأب الثأي4 وأود5 من الغلظة، وانتاش من الهوة،
__________
1 السحر: الرئة.
2 الصعيد: التراب أو وجه الأرض، والأبواء: قرية بها قبر آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم، تشير إلى ما حدث ببركتها من ترخيص المولى "جل وعلا" للمسلمين في التيمم إذا لم يجدوا ماء يتوضئون به. وفي الحديث: "عن عائشة رضي الله عنها: قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله قد نام، فقال: حبست رسول الله والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فقام رسول الله حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير "بصيغة التصغير" ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته" "راجع الحديث كاملًا في باب التيمم من صحيح البخاري 1: 70، وصحيح مسلم 1: 146".
3 حش النار: أوقدها.
4 الثأْي والثأَي بسكون الهمزة وفتحها: الإفساد.
5 أوده فتأود: عطفه فانعطف.
(1/306)

واجتحى1 دفين الداء، حتى أعطن2 الوارد، وأورد الصادر، وعل3 الناهل، فقبضه الله إليه، واطئًا على هامات4 النفاق، مذكيًا5 نار الحرب للمشركين، فانتظمت طاعتكم بحبله، فولى أمركم رجلًا مرعيًا إذا ركن إليه، بعيد ما بين اللابتين6، عركة للأذاة بجنبه7، صفوحًا عن أذاة الجاهلين، يقظان الليل في نصرة الإسلام، فسلك مسلك السابقة، ففرق شمل الفتنة، وجمع أعضاد ما جمع القرآن، وأنا نصب المسألة عن مسيري هذا، لم ألتمس إثمًا، ولم أونس فتنة أوطئكموها، أقول قولي هذا صدقًا وعدلًا، وإعذارًا وإنذارًا، وأسأل الله أن يصلي على محمد، وأن يخلفه فيكم بأفضل خلافة المرسلين".
"العقد الفريد 2: 156- 226".
__________
1 اجتحاه: استأصله.
2 أعطن الإبل: حبسها عند الماء.
3 العل والعلل: "بفتحتين" الشرب بعد الشرب تباعًا على يعل بكسر العين وضمها، والنهل: أو الشرب نهل ينهل كفرح.
4 جمع هامة: وهي الرأس.
5 مشعلًا.
6 اللابة: الحرة بفتح الحاء "أرض ذات حجارة نخرة سود" ولابتا المدينة: حرتان تكتنفانها. أرادت أنه واسع الصدر واسع العطن فاستعارت له اللابة، كما يقال: رحب الفناء واسع الجناب.
7 أي يعرك الأذى بجنبه: أي يحتمله وفي هذه الخطبة تحريف شديد في الأصل، وقد أصلحته كما يتبين بالمراجعة.
(1/307)

188- خطبة زفر بن قيس:
وكتب الإمام علي كرم الله وجهه، مع زفر بن قيس إلى جرير بن عبد الله البجلي -وكان على ثغر همذان استعمله عليه عثمان- كتابًا يخبره فيه بما كان بينه وبين أصحاب الجمل، وما أوتي من الانتصار عليهم، واستعمال ابن عباس على البصرة، فلما قدم زفر على جرير بكتاب علي وقرأه جرير، قام زفر خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: إن عليًّا كتب إليكم بكتاب، لا نقول بعده إلا رجيعًا1 من القول، إن الناس بايعوا عليًا بالمدينة غير محاباة ببيعتهم، لعلمه بكتاب الله ويرى الحق
__________
1 الرجيع: كل مردد.
(1/307)

فيه، وإن طلحة والزبير نقضا بيعة علي على غير حدث، ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب، وألبا1 عليه الناس، وأخرجا أم المؤمنين عائشة من حجاب ضربه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عليها، فلقيهما، فأعذر في الدعاء، وخشي البغي، وحمل الناس على ما يعرفون، فهذا عيان2 ما غاب عنكم، وإن سألتم الزيادة زدناكم".
"الإمامة والسياسة 1: 69".
__________
1 حرضا.
2 مصدر عاين الشيء: إذا رآه بعينه.
(1/308)

189- خطبة جرير بن عبد الله البجلي:
وقام جرير بن عبد الله البجلي خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهو المأمون على الدين والدنيا، وكان من أمره وأمر عدوه ما قد سمعتم، والحمد لله على أقضيته، وقد بايعه السابقون الأولون، من المهاجرين والأنصار، والتابعون بإحسان، ولو جعل الله هذا الأمر شورى بين المسلمين لكان علي أحق بها، ألا وإن البقاء في الجماعة، والفناء في الفرقة، وعلي حاملكم ما استقمتم له، فإن ملتم أقام ميلكم".
قال الناس: سمعًا وطاعة، ورضانا رضا من بعدنا.
"الإمامة والسياسة 1: 69".
(1/308)

190- خطبة زياد بن كعب:
وكتب الإمام علي كرم الله وجهه، إلى الأشعث بن قيس -وكان عاملًا بأذربيجان، استعمله عليها عثمان- بمثل ما كتب به إلى جرير بن عبد الله، ووجه بالكتاب مع زياد بن كعب، فلما قرأ الأشعث كتاب علي، قام زياد بن كعب خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
(1/308)

"أيها الناس: إنه من لم يكفه القليل، لم يكفه الكثير، وإن أمر عثمان لم ينفع فيه العيان، ولم يشف منه الخبر، غير أن من سمعه ليس كمن عاينه، وإن المهاجرين والأنصار بايعوا عليًّا راضين به، وإن طلحة والزبير نقضا بيعة علي على غير حدث، وأخرجا أم المؤمنين على غير رضًا، فسار إليهم ولم ينلهم، فتركهم وما في نفسه منهم حاجة فأورثه الله الأرض، وجعل له عاقبة المتقين".
"الإمامة والسياسة 1: 70".
(1/309)

191- خطبة الأشعث بن قيس:
فقام الأشعث بن قيس فقال:
"أيها الناس: إن عثمان رحمه الله ولاني أذربيجان، وهلك وهي في يدي، وقد بايع الناس عليًّا، وطاعتنا له لازمة، وقد كان من أمره وأمر عدوه ما قد بلغكم، وهو المأمون على ما غاب عنا وعنكم من ذلك".
"الإمامة والسياسة 1: 70".
(1/309)

192- خطبة جرير بن عبد الله البجلي:
وبعث علي إلى معاوية مع جرير بن عبد الله البجلي بكتاب يدعوه إلى بيعته، فلما قرأ الكتاب قام جرير فخطب فقال:
"الحمد لله المحمود بالعوائد، المأمول فيه الزوائد، المرتجى منه الثواب، المستعان على النوائب، أحمده وأستعينه في الأمور التي تحير دونها الألباب، وأشهد إن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بعد فترة من الرسل الماضية، والقرون الخالية، فبلغ الرسالة، ونصح للأمة، وأدى الحق الذي استودعه الله وأمره بأدائه إلى أمته، صلى الله عليه وآله، من رسول ومبتعث ومنتخب وعلى آله.
(1/309)

أيها الناس إن أمر عثمان قد أعيا من شهده، فكيف بمن غاب عنه، وإن الناس بايعوا عليًا غير واتر ولا موتور، وكان طلحة والزبير ممن بايعاه، ثم نكثا بيعته على غير حدث، ألا وإن هذا الدين لا يحتمل الفتن، وقد كانت بالبصرة أمس روعة ملمة، إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس، وقد بايعت الأمة عليًّا، ولو ملكنا والله الأمور لم نختر لها غيره، فادخلْ معاويةُ فيما دخل فيه الناس، فإن قلت: استعملني عثمان ثم لم يعزلني، فإن هذا قول لو جاز لم يقم لله دين، وكان لكل امرئ ما في يديه، ولكن الله جعل للآخر من الولاة حق الأول، وجعل الأمور موطأة ينسخ بعضها بعضًا" ثم قعد.
"شرح ابن أبي الحديد 1: 248".
(1/310)

193- خطبة معاوية:
فقال معاوية: أنظر وتنظر وأستطلع رأي أهل الشام، فمضت أيام، وأمر معاوية مناديًا ينادي: الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس صعد المنبر، ثم قال:
"الحمد لله الذي جعل الدعائم للإسلام أركانا، والشرائع للإيمان برهانا، يتوقد قبسه في الأرض المقدسة، جعلها الله محل الأنبياء والصالحين من عباده، فأحلهم أرض الشام، ورضيهم لها، لما سبق في مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم خلفاءه والقوام بأمره، والذابين عن دينه وحرماته، ثم جعلهم لهذه الأمة نظامًا، وفي سبيل الخيرات أعلامًا، يردع الله بهم الناكثين، ويجمع بهم ألفة المؤمنين، والله نستعين على ما تشعب من أمر المسلمين بعد الالتئام، وتباعد بعد القرب.
اللهم انصرنا على أقوام يوقظون نائمنا، ويخيفون آمننا، ويريدون إراقة دمائنا، وإخافة سبلنا، وقد علم الله أنا لا نريد لهم عقابا، ولا نهتك لهم حجابا، ولا نوطئهم زلقا، غير أن الله الحميد كسانا من الكرامة ثوبا لن ننزعه طوعا، ما جاوب الصدى، وسقط الندى، وعرف الهدى، حملهم على ذلك البغي والحسد، فنستعين بالله عليهم.
(1/310)

"أيها الناس قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأمير المؤمنين عثمان بن عفان عليكم، وأني لم أقم رجلًا منكم على خزاية قط، وأني ولي عثمان وقد قتل مظلومًا، والله تعالى يقول: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان".
فقام أهل الشام بأجمعهم، فأجابوا إلى الطلب بدم عثمان وبايعوه على ذلك، وأوثقوا له على أن يبذلوا بين يديه أموالهم وأنفسهم حتى يدركوا بثأره أو تلحق أرواحهم بالله".
"شرح ابن أبي الحديد 1: 248".
(1/311)

فتنة معاوية استطلاع الإمام علي كرم الله وجهه آراء أصحابه وقد أراد المسير إلى الشأم
مدخل
...
فتنة معاوية: استطلاع الإمام علي كرم الله وجهه آراء أصحابه وقد أراد المسير إلى الشأم:
لما أراد الإمام علي كرم الله وجهه المسير إلى الشأم، دعا من كان معه من المهاجرين والأنصار، فجمعهم.
(1/312)

194- خطبة الإمام علي:
ثم حمد الله وأثنى عليه، وقال:
"أما بعد: فإنكم ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مباركو الأمر، مقاويل بالحق، وقد عزمنا على المسير إلى عدونا وعدوكم، فأشيروا علينا برأيكم".
(1/312)

195- خطبة هاشم بن عتبة:
فقام هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
"أما بعد -يا أمير المؤمنين- فأنا بالقوم جد خبير، هم لك ولأشياعك أعداء، وهم لمن يطلب حرث1 الدنيا أولياء، وهم مقاتلوك ومجادلوك، لا يبقون جهدًا، مشاحة2 على الدنيا، وضنا3 بما في أيديهم منها، ليس لهم إربة4 غيرها،
__________
1 أي متاعها.
2 بخلا عليها وحرصًا.
3 ضن ضنا: بالكسر وضنانة بالفتح: بخل.
4 الإربة: الأرب.
(1/312)

إلا ما يخدعون به الجهال، من طلب دم ابن عفان، كذبوا ليسوا لدمه ينفرون1 ولكن الدنيا يطلبون، انهض بنا إليهم، فإن أجابوا إلى الحق فليس بعد الحق إلا الضلال، وإن أبوا إلا الشقاق، فذاك ظني بهم، والله ما أراهم يبايعون، وقد بقي فيهم أحد ممن يطاع إذا نهى، ولا يسمع إذا أمر".
__________
1 نفر للأمر: ذهب له.
(1/313)

196- خطبة عمار بن ياسر:
وقام عمار بن ياسر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
"يا أمير المؤمنين، إن استطعت أن لا تقيم يومًا واحدًا فافعل، اشخص بنا قبل استعار1 نار الفجرة، واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة، وادعهم إلى حظهم ورشدهم، فإن قبلوا سعدوا، وإن أبوا إلا حربنا، فوالله إن سفك دمائهم، والجد في جهادهم، لقربة عند الله وكرامة منه".
__________
1 أي اشتعال.
(1/313)

197- خطبة قيس بن سعد بن عبادة:
ثم قام قيس بن سعد بن عبادة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يا أمير المؤمنين: انكمش1 بنا إلى عدونا ولا تعرج، فوالله لجهادهم أحب إلي من جهاد الترك والروم، لإدهانهم2 في دين الله، واستذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، إذا غضبوا على رجل حبسوه وضربوه وسيروه3، وفيئنا لهم في أنفسهم حلال، ونحن لهم فيما يزعمون قطين4".
__________
1 انكمش وتكمش: أسرع.
2 الإدهان: المداهنة والغش.
3 المراد أبعدوه.
4 القطين: الرقيق والخدم.
(1/313)

فقال أشياخ الأنصار، منهم خزيمة بن ثابت وأبو أيوب وغيرهما: لم تقدمت أشياخ قومك، وبدأتهم بالكلام يا قيس، فقال: أما إني عارف بفضلكم، معظم لشأنكم، ولكني وجدت في نفسي الضغن الذي في صدوركم، جاش حين ذكرت الأحزاب، فقال بعضهم: ليقم رجل منكم، فليجب أمير المؤمنين عليه السلام عن جماعتكم.
(1/314)

198- خطبة سهل بن حنيف:
فقام سهل بن حنيف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يا أمير المؤمنين: نحن سلم لمن سالمت، وحرب لمن حاربت، ورأينا رأيك، ونحن يمينك، وقد رأينا أن تقوم في أهل الكوفة، فتأمرهم بالشخوص، وتخبرهم بما صنع لهم في ذلك من الفضل، فإنهم أهل البلد، وهم الناس، فإن استقاموا لك، استقام لك الذي تريد وتطلب، فأما نحن فليس عليك خلاف منا، متى دعوتنا أجبناك، ومتى أمرتنا أطعناك".
(1/314)

199- خطبة الإمام علي:
وقام الإمام علي خطيبًا على منبره، يحرض الناس ويأمرهم بالمسير إلى صفين، لقتال أهل الشأم، فقال:
"سيروا إلى أعداء الله، سيروا إلى أعداء القرآن والسنن، سيروا إلى بقية الأحزاب1 وقتلة المهاجرين والأنصار".
__________
1 يشير إلى الأحزاب التي تألبت وتظاهرت على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش، وغطفان، وبني مرة، وبني أشجع، وبني سليم، وبني أسد في غزوة الأحزاب –غزوة الخندق- التي كانت سنة خمس للهجرة، وكانت عدة الجميع عشرة آلاف مقاتل وقائدهم العام أبو سفيان.
(1/314)

فقام رجل من بني فزارة فقال له: أتريد أن تسير بنا إلى إخواننا من أهل الشأم نقتلهم كُلًّا؟، كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقتلتهم كلًّا؟ ها الله1 إذن لا نفعل ذلك، فقام الأشتر فقال: من هذا المارق؟ فهرب الفزاري، واشتد الناس على أثره، فلحق في مكان من السوق، تباع فيه البراذين2، فوطئوه بأرجلهم، وضربوه بأيديهم ونصال سيوفهم، حتى قتل، فأتى علي عليه السلام، فقيل له: يا أمير المؤمنين قتل الرجل، قال: ومن قتله؟ قالوا: قتلته همدان ومعهم شوب3 من الناس، فقال: قتيل عمية4 لا يدرى من قتله، ديته من بيت مال المسلمين، فقام الأشتر فقال:
__________
1 هي ها التنبيه، وهي تدخل على اسم الله في القسم عند حذف الحرف، تقول: ها الله بقطع الهمزة ووصلها، وكلاهما مع إثبات ألف "ها" وحذفها.
2 البراذين: الدواب، جمع برذون.
3 خليط.
4 قتل عِمِّيًّا بكسر العين والميم مشددة مع تشديد الياء: لم يدر من قتله.
(1/315)

200- خطبة الأشتر النخعي:
"يا أمير المؤمنين لا يهُدَّنَّك ما رأيت، ولا يولينك من نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقي الخائن، إن جميع من ترى من الناس شيعتك، لا يرغبون بأنفسهم عن نفسك، ولا يحبون البقاء بعدك، فإن شئت فسر بنا إلى عدوك، فوالله ما ينجو من الموت من خافه، ولايعطى البقاء من أحبه، وإنا لعلى بينة من ربنا، وإن أنفسنا لن تموت حتى يأتي أجلها، وكيف لا نقاتل قومًا هم كما وصف أمير المؤمنين، وقد وثبت عصابة منهم على طائفة من المسلمين بالأمس، وباعوا خلاقهم1 بعرض من الدنيا يسير".
فقال علي: الطريق مشترك، والناس في الحق سواء، ومن اجتهد رأيه في نصيحة العامة، فقد قضى ما عليه" ثم نزل فدخل منزله.
__________
1 الخلاق: النصيب الوافر من الخير.
(1/315)

201- مقال من ثبطوه عن المسير:
ولما أمر الإمام بالمسير إلى الشأم، دخل عليه عبد الله بن المعتم العبسي وحنظلة بن الربيع التميمي، في رجال كثير من غطفان وبني تميم، فقال له حنظلة:
"يا أمير المؤمنين: إنا قد مشينا إليك في نصيحة، فاقبلها، ورأينا لك رأيًا فلا تردنه علينا، فإنا نظرنا لك ولمن معك، أقم وكاتب هذا الرجل، ولا تعجل إلى قتال أهل الشأم، فإنا والله ما ندري ولا تدري لمن تكون الغلبة إذا التقيتم، ولا على من تكون الدبرة1".
وقال ابن المعتم مثل قوله، وتكلم القوم الذين دخلوا معهما بمثل كلامهما.
__________
1 الدبرة بسكون الباء وفتحها: الهزيمة في القتال.
(1/316)

202- رد الإمام عليهم:
فحمد علي عليه السلام الله وأثنى، ثم قال:
"أما بعد: فإن الله وارث العباد والبلاد، ورب السموات السبع والأرضين السبع، وإليه ترجعون، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، أما الدبرة، فإنها على الضالين العاصين، ظفروا أو ظفر بهم، وايم الله إني لأسمع كلام قوم ما أراهم يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا".
فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال:
"يا أمير المؤمنين: إن هؤلاء والله ما آثروك بنصح، ولا دخلوا عليك إلا بغش، فاحذرهم، فإنهم أدنى العدو".
(1/316)

وقال له مالك بن حبيب: "إنه بلغني يا أمير المؤمنين أن حنظلة هذا يكاتب معاوية، فادفعه إلينا نحبسه، حتى تنقضي غزاتك وتتصرف".
وقام من بني عبس قائد بن بكير، وعياش بن ربيعة، فقالا:
"يا أمير المؤمنين، إن صاحبنا عبد الله بن المعتم قد بلغنا أنه يكاتب معاوية، فاحبسه أو مكنا من حبسه، حتى تنقضي غزاتك ثم تتصرف".
فقالا: "هذا جزاء لمن نظر لكم، وأشار عليكم بالرأي فيما بينكم وبين عدوكم؟ "
فقال لهما علي عليه السلام: "الله بيني وبينكم وإليه أكلكم، وبه أستظهر عليكم، اذهبوا حيث شئتم1".
__________
1 هذا، وقد خرجا إلى معاوية في رجال من قومهما، ولكنهما لم يقاتلا معه واعتزلا الفريقين جميعًا.
(1/317)

203- خطبة عدي بن حاتم الطائي:
وقام عدي بن حاتم الطائي، بين يدي علي عليه السلام، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال:
"يا أمير المؤمنين، ما قلت إلا بعلم، ولا دعوت إلا إلى حق، ولا أمرت إلا برشد، ولكن إذا رأيت أن تستأني1 هؤلاء القوم وتستديمهم، حتى تأتيهم كتبك، وتقدم عليهم رسلك، فعلت، فإن يقبلوا يصيبوا رشدهم، والعافية أوسع لنا ولهم، وإن يتمادوا في الشقاق، ولا ينزعوا عن الغي، نسر إليهم، وقد قدمنا إليهم العذر، ودعوناهم إلى ما في أيدينا من الحق، فوالله لهم من الحق أبعد، وعلى الله أهون
__________
1 تنتظر.
(1/317)

من قوم قاتلناهم أمس بناحية البصرة، لما دعوناهم إلى الحق فتركوه، ناوخناهم براكاء القتال1، حتى بلغنا منهم ما نحب، وبلغ الله منهم رضاه".
__________
1 براكاء القتال وبروكاء: موضع اصطدام القوم، وناوخناهم مفاعلة، من أناخ الإبل: إذا أبركها، والمعنى: التقينا وإياهم في ساحة القتال.
(1/318)

204- خطبة زيد بن حصين الطائي:
فقام زيد بن حصين الطائي –وكان من أصحاب البرانس المجتهدين- فقال:
"الحمد لله حتى يرضى، ولا إله إلا الله ربنا، أما بعد: فوالله إن كنا في شك في قتال من خالفنا، ولا تصلح لنا النية في قتالهم حتى نستديمهم ونستأنيهم، فما الأعمال إلا تباب1، ولا السعي إلا في ضلال، والله تعالى يقول: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} إننا والله ما ارتبنا طرفة عين فيمن يتبعونه، فكيف بأتباعه القاسية قلوبهم، القليل من الإسلام حظهم، أعوان الظلمة، وأصحاب الجور والعدوان؟ ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار، ولا التابعين بإحسان".
فقام رجل من طيئ فقال: "يا زيد بن حصين، أكلام سيدنا عدي بن حاتم يهجن2؟ " فقال زيد: "ما أنتم بأعرف بحق عدي مني، ولكني لا أدع القول بالحق وإن سخط الناس".
__________
1 خسران.
2 يقبح.
(1/318)

205- خطبة أبي زينب بن عوف:
ودخل أبو زينب بن عوف على الإمام علي فقال:
"يا أمير المؤمنين، لئن كنا على الحق لأنت أهدانا سبيلًا، وأعظمنا في الخير نصيبًا، ولئن كنا على ضلال إنك لأثقلنا ظهرًا1، وأعظمنا وزرًا، قد أمرتنا بالمسير
__________
1 لأنه حينئذ يكون أكثرهم ذنوبًا.
(1/318)

إلى هذا العدو، وقد قطعنا ما بيننا وبينهم من الولاية، وأظهرنا لهم العداوة، نريد بذلك ما يعلم الله تعالى من طاعتك، أليس الذي نحن عليه هو الحق المبين، والذي عليه عدونا هو الحوب1 الكبير؟ ".
فقال عليه السلام: "بلى، شهدت أنك إن مضيت معنا ناصرًا لدعوتنا، صحيح النية في نصرنا، قد قطعت منهم الولاية، وأظهرت لهم العداوة، كما زعمت، فإنك ولي الله تسبح في رضوانه، وتركض في طاعته، فأبشر أبا زينب" وقال له عمار بن ياسر: "اثبت أبا زينب، ولا تشك في الأحزاب أعداء الله ورسوله" فقال أبو زينب: "ما أحب أن لي شاهدين من هذه الأمة، شهدا لي عما سألت من هذا الأمر الذي أهمني مكانكما".
__________
1 الحوب بالفتح والضم: الإثم.
(1/319)

206- خطبة يزيد بن قيس الأرحبي:
ودخل يزيد بن قيس الأرحبي1 على علي عليه السلام فقال:
"يا أمير المؤمنين: نحن أولو جهاز2 وعدة، وأكثر الناس أهل قوة، ومن ليس به ضعف ولا علة، فمر مناديك فليناد الناس يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة، فإن أخا الحرب ليس بالسئوم ولا النئوم، ولا من إذا أمكنته الفرص أجلها، واستشار فيها، ولا من يؤخر عمل الحرب اليوم لغد، وبعد غد".
__________
1 نسبة إلى أرحب: وهي قبيلة من همدان.
2 جهاز المسافر والعروس والميت "بالكسر والفتح" ما يحتاجون إليه.
(1/319)

207- خطبة زياد بن النضر:
فقال زياد بن النضر:
"لقد نصح لك يزيد بن قيس يا أمير المؤمنين، وقال: ما يعرف، فتوكل
(1/319)

على الله، وثق به، واشخص بنا إلى هذا العدو راشدًا مُعانًا، فإن يرد الله بهم خيرًا لا يتركوك، رغبة عنك إلى من ليس له مثل سابقتك وقدمك، وإلا ينيبوا ويقبلوا، وأبوا إلا حربنا نجد حربهم علينا هينا، ونرجو أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم ثم1 بالأمس".
__________
1 هناك، يريد البصرة.
(1/320)

208- خطبة عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي:
ثم قام عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي فقال:
"يا أمير المؤمنين: إن القوم لو كانوا الله يريدون، ولله يعملون، ما خالفونا، ولكن القوم إنما يقاتلوننا فرارًا من الأسوة1، وحبًّا للأثرة2، وضنًّا بسلطانهم، وكرهًا لفراق دنياهم التي في أيديهم، وعلى إحن3 في نفوسهم، وعداوة يجدونها في صدورهم، لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة، قتلت فيها آباءهم وأعوانهم" ثم التفت إلى الناس فقال: "كيف يبايع معاوية عليا، وقد قتل أخاه حنظلة، وخاله الوليد، وجده عتبة، في موقف واحد4 والله ما أظنهم يفعلون، ولن يستقيموا لكم دون أن تقصف فيهم قنا المران5، وتقطع على هامهم6 السيوف، وتنثر حواجبهم بعمد الحديد، وتكون أمور جمة بين الفريقين".
__________
1 الأسوة بالضم والكسر: القدوة: أي فرارًا من أن يكونوا تابعين لك مسودين وأن تكون لهم إمامًا وسيدًا.
2 استأثر على أصحابه: اختار لنفسه أشياء حسنة، والاسم الأثرة.
3 جمع إحنة، وهي الحقد والعداوة. أي ويقاتلوننا على إحن: أي من أجلها.
4 هو جده لأمه عتبة بن أبي ربيعة، وقد قتلهم علي يوم بدر، وفي كتاب بعث به الإمام إلى معاوية يقول: "فأنا أبو حسن قاتل جدك وخالك وأخيك شدخا يوم بدر وذلك السيف معي".
5 القنا: الرماح جمع قناة، والمران: الرماح الصلبة اللدنة، الواحدة مرانة، وشجر، والإضافة على المعنى الأول على حد قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} –إن فسر العرم بالمطر الشديد- "وفسر أيضًا بالأحباس والسدود تبني في الأودية، وبالجرذ، وبواد جاء السيل من قبله" وعلى المعنى الثاني: أي القنا المتخذة من الشجر.
6 الهام جمع هامة: وهي الرأس.
(1/320)

209- أدب الإمام علي، وكرم خلقه:
وخرج حجر بن عدي، وعمر بن الحمق، يظهران البراءة من أهل الشأم، فأرسل علي عليه السلام إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما، فأتياه فقالا: "يا أمير المؤمنين: ألسنا محقين؟ " قال: بلى، قالا: "أو ليسوا مبطلين؟ " قال: بلى، قالا: "فلم منعتنا من شتمهم؟ " قال:
"كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين، تشتمون وتبرءون، ولكن لو وصفتم مساوي أعمالهم فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا، ومن أعمالهم كذا وكذا، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان لعنكم إياهم، وبراءتكم منهم: اللهم احقن دماءهم ودماءنا، وأصلح ذات بينهم وبيننا، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق منهم من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان منهم من لهج به، لكان أحب إلي، وخيرًا لكم".
فقالا: يا أمير المؤمنين، نقبل عظتك، ونتأدب بأدبك.
(1/321)

210- مقال عمرو بن الحمق:
وقال له عمرو بن الحمق يومئذ:
"والله يا أمير المؤمنين، إني ما أحببتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك، ولا إرادة مال تؤتينيه، ولا التماس سلطان ترفع ذكري به، ولكني أحببتك بخصال خمس، إنك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، ووصيه، وأبو الذرية التي بقيت فينا من رسول اله صلى الله عليه وآله، وأسبق الناس إلى الإسلام، وأعظم المهاجرين سهمًا
(1/321)

في الجهاد، فلو أني كلفت نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي1 حتى يأتي علي يومي في أمر أقوي به وليك وأهين عدوك، ما رأيت أني قد أديت فيه كل الذي يحق علي من حقك".
فقال علي عليه السلام: "اللهم نور قلبه بالتقى، واهده إلى صراطك المستقيم، ليت أن في جندي مائة مثلك، فقال حجر: إذن والله يا أمير المؤمنين صح جند، وقل فيهم من يغشك.
__________
1 جمع طام، من طمي البحر: إذا امتلأ.
(1/322)

211- مقال حجر بن عدي:
وقام حجر بن عدي فقال:
"يا أمير المؤمنين نحن بنو الحرب. وأهلها الذين نلقحها1 وننتجها، قد ضارستنا2 وضارسناها، ولنا أعوان وعشيرة ذات عدد، ورأي مجرب، وبأس محمود، وأزمتنا، منقادة لك بالسمع والطاعة، فإن شرقت شرقنا، وإن غربت غربنا، وما أمرتنا به من أمر فعلنا".
فقال علي عليه السلام: أكل قومك يرى مثل رأيك؟ قال: ما رأيت منهم إلا حسنًا، وهذه يدي عنهم بالسمع والطاعة وحسن الإجابة، فقال له علي عليه السلام خيرًا.
__________
1 أصله من ألقح الفحل الناقة.
2 ضرسته الحرب تضريسًا: جربته وأحكمته، وضارس الأمور: جربها وعرفها.
(1/322)

212- مقال هاشم بن عتبة:
وقال زياد بن النضر الحارثي لعبد الله بن بديل الخزاعي:
"إن يومنا ليوم عصبصب1، ما يصبر عليه إلا كل مشبع القلب، صادق النية
__________
1 أي شديد.
(1/322)

رابط الجأش، وايم الله ما أظن ذلك اليوم يبقي منهم ولا منا إلا الرذال1" فقال عبد الله بن بديل: أنا والله أظن ذلك، فبلغ كلامهما عليًا عليه السلام، فقال لهما: "ليكن هذا الكلام مخزونا في صدروكما، لا تظهراه، ولا يسمعه منكما سامع، إن الله كتب القتل على قوم والموت على آخرين، وكل آتيه منيته كما كتب الله له، فطوبى للمجاهدين في سبيله، والمقتولين في طاعته" فلما سمع هاشم بن عتبة ما قالاه أتى عليا عليه السلام فقال:
"سر بنا يا أمير المؤمنين، إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم، الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وعملوا في عباد الله، بغير رضا الله، فأحلوا حرامه، وحرموا حلاله، واستهوى2 بهم الشيطان، ووعدهم الأباطيل، ومناهم الأماني، حتى أزاغهم عن الهدى، وقصد بهم قصد الردى، وحبب إليهم الدنيا، فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها، كرغبتنا في الآخرة، وانتجاز موعد ربنا، وأنت يا أمير المؤمنين أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وآله رحما، وأفضل الناس سابقة وقدما، وهم يا أمير المؤمنين يعلمون منك مثل الذي نعلم، ولكن كتب عليهم الشقاء، ومالت بهم الأهواء، وكانوا ظالمين. فأيدينا مبسوطة لك بالسمع والطاعة، وقلوبنا منشرحة لك ببذل النصيحة، وأنفسنا تنصرك على من خالفك، وتولي الأمر دونك، جذلة، والله ما أحب أن لي ما على الأرض فما أقلت3، ولا ما تحت السماء فما أظلت، وأني واليت عدوًا لك، وعاديت وليًا لك".
فقال علي عليه السلام: "اللهم ارزقه الشهادة في سبيلك والموافقة لنبيك".
__________
1 الدون: الخسيس، أو الرديء من كل شيء
2 استهواه: استماله والفعل متعد ومفعوله هنا محذوف: أي استوى الشيطان أتباعهم بهم؛ فالباء للسببية.
3 أي حملت.
(1/323)

213- خطبة الإمام علي:
ثم إن عليًّا عليه السلام صعد المنبر، فخطب الناس ودعاهم إلى الجهاد، فبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم قال:
"إن الله قد أكرمكم بدينه، وخلقكم لعبادته، فانصبوا أنفسكم في أداء حقه، وتنَجَّزوا موعوده، واعلموا أن الله جعل أمراس1 الإسلام متينة، وعراه وثيقةً، ثم جعل الطاعة حظ الأنفس ورضا الرب، وغنيمة الأكياس2 عند تفريط العجزة، وقد حملت أمر أسودها وأحمرها، ولا قوة إلا بالله، ونحن سائرون إن شاء الله إلى من سفه3، نفسه وتناول ما ليس له، وما لا يدركه، معاوية وجنده، الفئة الطاغية الباغية، يقودهم إبليس، ويبرق لهم ببارق تسويفه، ويدليهم4 بغرروه، وأنتم أعلم الناس بالحلال والحرام، فاستغنوا بما علمتم، واحذورا ما حذركم الله من الشيطان، وارغبوا فيما عنده من الأجر والكرامة، واعلموا أن المسلوب من سلب دينه وأمانته، والمغرور من آثر الضلالة على الهدى، فلا أعرفن أحدًا منكم تقاعس5 عني، وقال في غيري كفاية، فإن الذود إلى الذود إبل6: ومن لا يذد من حوضه يتهدم.
ثم إني آمركم بالشدة في الأمر، والجهاد في سبيل الله، وأن لا تغتابوا مسلمًا، وانتظروا النصر العاجل من الله، إن شاء الله".
__________
1 جمع مرس بفتحتين، ومرس جمع مرسة بفتحتين أيضًا: وهي الحبل.
2 جمع كيس: وهو ضد الأحمق.
3 أصله سفهت نفسه، فلما حول الفعل إلى الرجل انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه؛ لأنه صار في معنى سفه نفسه بالتشديد، ومثله: رشد أمره وبطر عيشه.
4 أي يحطهم عن منزلتهم. قال تعالى: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} .
5 تأخر وتقاعد.
6 الذود: ثلاثة أبعرة إلى العشرة أو خمسة عشر أو عشرين أو ثلاثين وهو مثل: أي إذا جمعت القليل مع القليل صار كثيرًا، فإلى بمعنى مع.
(1/324)

214- خطبة الحسن بن علي:
ثم قام بعده ابنه الحسن رضي الله عنه فقال:
"الحمد لله لا إله غيره، ولا شريك له، ثم قال: إن مما عظم الله عليكم من حقه وأسبغ عليكم من نعمه، ما لا يحصى ذكره، ولا يؤدى شكره، ولا يبلغه قول ولا صفة، ونحن إنما غضبنا لله ولكم، إنه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد أمرهم، واستحكمت عقدتهم، فاحتشدوا في قتل عدوكم معاوية وجنوده، ولا تخاذلوا، فإن الخذلان يقطع نياط القلوب1، وإن الإقدام على الأسنة نخوة وعصمة، لم يتمنع قوم قط إلا رفع الله عنهم العلة، وكفاهم جوائح الذلة، وهداهم إلى معالم الملة، ثم أنشد:
والصلح تأخذ منه ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع
__________
1 عرق غليظ نيط به القلب إلى الوتين، جمعه أنوطة. "والوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه جمعه أوتنة".
(1/325)

215- خطبة الحسين بن علي:
ثم قام الحسين رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يا أهل الكوفة: أنتم الأحبة الكرماء، والشعار1 دون الدثار، جدوا في إطفاء ما وتر2 بينكم، وتسهيل ما توعر عليكم، ألا إن الحرب وريع3، وطعمها
__________
1 الشعار: ما يلبس على شعر الجسد، والدثار: ما فوق الشعار من الثياب.
2 الوتر والترة: الثأر، وتره يتره، ووتره حقه: نقصه إياه، ووتره: أدركه بمكروه.
3 الوريع: الكاف. أي إن شرها عظيم يدعو الناس إلى أن يكفوا عن خوض غمارها.
(1/325)

فظيع، فمن أخذ لها أهبتها، واستعد لها عدتها، ولم يألم كلومها1 قبل حلولها، فذاك صاحبها، ومن عاجلها قبل أوان فرصتها، واستبصار سعيه فيها، فذاك قمن2 أن لا ينفع قومه، وأن يهلك نفسه، نسأل الله بقوته أن يدعمكم بالفيئة3" ثم نزل.
"شرح ابن أبي الحديد م 1: ص 278".
__________
1 كلوم: جمع كلم، وهو الجرح.
2 جدير وحقيق.
3 الفيئة: بفتح الفاء وكسرها، والفيء: الغنيمة، أي نسأل الله أن يقويكم بما تغنمون من عدوكم.
(1/326)

216- خطبة عبد الله بن عباس:
وكتب علي إلى ابن عباس بالبصرة:
"أما بعد فاشخص إلي بمن قبلك من المسلمين والمؤمنين، وذكرهم بلائي عندهم، وعفوي عنهم في الحرب، وأعلمهم الذي لهم في ذلك من الفضل والسلام".
فلما وصل كتابه إلى ابن عباس قام في الناس فقرأ عليهم الكتاب وحمد الله وأثنى عليه، وقال:
"أيها الناس: استعدوا للشخوص إلى إمامكم، وانفروا خفافًا وثقالًا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم، فإنكم تقاتلون المحلين القاسطين، الذين لا يقرءون القرآن ولا يعرفون حكم الكتاب، ولا يدينون دين الحق، مع أمير المؤمنين وابن عم رسول الله، الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، والصادع بالحق، والقيم بالهدى، والحاكم بحكم الكتاب، الذي لا يرتشي في الحكم، ولا يداهن الفجار ولا تأخذه في الله لومة لائم".
"شرح ابن أبي الحديد 1: 283".
(1/326)

217- خطبة لمعاوية:
ولما نزل على النخيلة متوجهًا إلى الشأم، وبلغ معاوية خبره، وهو يومئذ بدمشق قد ألبس منبر دمشق قميص عثمان مخضبًا بالدم وحول المنبر سبعون ألف شيخ يبكون حوله لا تجف دموعهم على عثمان، خطبهم وقال:
"يا أهل الشأم قد كنتم تكذبونني في علي، وقد استبان لكم أمره، والله ما قتل خليفتكم غيره، وهو أمر بقتله، وألب الناس عليه، وآوى قتلته، وهم جنده وأنصاره وأعوانه، وقد خرج بهم قاصدًا بلادكم ودياركم لإبادتكم.
يأهل الشأم، الله الله في دم عثمان، فأنا وليه وأحق من طلب بدمه، وقد جعل الله لولي المقتول ظلمًا سلطانًا، فانصروا خليفتكم المظلوم، فقد صنع القوم ما تعلمون، قتلوه ظلمًا وبغيا، وقد أمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله"، ثم نزل.
فأعطوه الطاعة وانقادوا له وجمع إليه أطرافه واستعد للقاء علي.
"شرح ابن أبي الحديد 1: 286.
(1/327)

وفد علي على معاوية
مدخل
...
وفد علي على معاوية:
بعد أن نزل الإمام علي كرم الله وجهه بصفين، دعا بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري، وسعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعي التميمي، فقال: ائتوا هذا الرجل، فادعوه إلى الله، وإلى الطاعة والجماعة، فقال له شبث بن ربعي: يا أمير المؤمنين: ألا تطمعه في سلطان توليه إياه، ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك؟ فقال علي: ائتوه فالقوه واحتجوا عليه، وانظروا ما رأيه؟ -وهذا في أول ذي الحجة سنة 36هـ- فأتوه، ودخلوا عليه.
(1/328)

218- خطبة بشير بن عمرو:
فحمد الله أبو عمرة بشير بن عمرو، وأثنى عليه، وقال:
"يا معاوية: إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله عز وجل محاسبك بعملك، وجازيك بما قدمت يداك، وإني أنشدك الله عز وجل أن تفرق جماعة هذه الأمة، وأن تسفك دماءها بينها".
فقطع عليه الكلام، وقال: هلا أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال أبو عمرة:
"إن صاحبي ليس مثلك، إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا الأمر، في الفضل، والدين، والسابقة في الإسلام، والقرابة من الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: فيقول ماذا؟ قال: يأمرك بتقوى الله عز وجل، وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق، فإنه أسلم لك في دنياك، وخير لك في عاقبة أمرك".
قال معاوية: ونطل دم عثمان رضي الله عنه! لا والله لا أفعل ذلك أبدًا، فذهب سعيد بن قيس يتكلم، فبادره شبث بن ربعي، فتكلم:
(1/328)

219- خطبة شبث بن ربعي:
فحمد الله، وأثنى عليه، وقال:
"يا معاوية، إني قد فهمت ما رددت على ابن محصن، إنه والله لا يخفى علينا ما تغزو وما تطلب، إنك لم تجد شيئًا تستغوي به الناس، وتستميل به أهواءهم، وتستخلص به طاعتهم، إلا قولك: "قتل إمامكم مظلومًا، فنحن نطلب بدمه" فاستجاب لك سفهاء طغام، وقد علمنا أن قد أبطأت عنه بالنصر، وأحببت له القتل، لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب، ورب متمني أمر وطالبه، الله عز وجل يحول دونه بقدرته، وربما أوتي المتمني أمنيته، وفوق أمنيته، ووالله ما لك في واحدة منهما خير، لئن أخطأت ما ترجو، إنك لشر العرب حالًا في ذلك، ولئن أصبت ما تمنى لا تصيبه حتى تستحق من ربك صلي1 النار، فاتق الله يا معاوية، ودع ما أنت عليه، ولا تنازع الأمر أهله".
__________
1 صلي النار: كرضي، وصلي بها صليا بكسر الصاد وضمها، قاسى حرها.
(1/329)

320- خطبة معاوية:
فحمد الله معاوية وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فإن أول ما عرفت فيه سفهك: وخفة حلمك، قطعك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه، ثم عنيت بعد فيما لا علم لك به، فقد كذبت ولومت1،
__________
1 لامه لومًا: عذله، وألامه ولوَّمه للمبالغة.
(1/329)

أيها الأعرابي الجلف1 الجافي في كل ما ذكرت ووصفت، انصرفوا من عندي، فإنه ليس بيني وبينكم إلا السيف".
وغضب وخرج القوم وشبث يقول: أفعلينا تهول بالسيف؟ أقسم بالله ليعجلن بها إليك، فأتوا عليا، وأخبروه بالذي كان من قوله، فأخذ علي يأمر الرجل ذا الشرف، فيخرج معه جماعة، ويخرج إليه من أصحاب معاوية آخر معه جماعة، فيقتتلان في خيلهما ورجالهما، ثم ينصرفان، وكانوا يكرهون أن يلقوا بجمع أهل العراق أهل الشأم، لما يتخوفون أن يكون في ذلك الاستئصال والهلاك.
"تاريخ الطبري 5: 242".
__________
1 الجلف: الرجل الجافي.
(1/330)

وفد علي إلى معاوية أيضاً
مدخل
...
وفد علي إلى معاوية أيضًا:
ولما دخلت سنة 37هـ توادعا على ترك الحرب في المحرم إلى انقضائه، طمعًا في الصلح واختلفت فيما بينهما الرسل في ذلك دون جدوى، فبعث علي عدي بن حاتم، ويزيد بن قيس، وشبث بن ربعي، وزياد بن خصفة إلى معاوية.
(1/331)

221- خطبة عدي بن حاتم:
فلما دخلوا حمد اللهَ عديُّ بن حاتم، ثم قال:
"أما بعد: فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله عز وجل به كلمتنا وأمتنا، ويحقن به الدماء، ويؤمن به السبل، ويصلح به ذات البين، إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثرًا، وقد استجمع له الناس، وقد أرشدهم الله عز وجل بالذي رأوا، فلم يبق أحد غيرك وغير من معك، فانته يا معاوية، لا يصبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل".
(1/331)

222- جواب معاوية:
فقال معاوية: "كأنك إنما جئت متهددًا، لم تأت مصلحًا! هيهات يا عدي، كلا والله، إني لابن حرب1 ما يقعقع2 لي بالشنان، أما والله إنك لمن المجلبين على
__________
1 هو جده.
2 القعقعة: تحريك الشيء اليابس الصلب مع صوت، والشنان: جمع شن بالفتح، وهو القربة البالية، وإذا قعقع بالشنان للإبل نفرت، وهو مثل يضرب لمن لا يروعه ما لا حقيقة له.
(1/331)

ابن عفان رضي الله عنه، وإنك لمن قَتَلَتِه، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتل1 الله عز وجل به، هيهات يا عدي بن حاتم، قد حلبت بالساعد الأشد2".
فقال له شبث بن ربعي وزياد بن خصفة -وتنازعا جوابًا واحدًا:
"أتيناك فيما يصلحنا وإياك، فأقبلت تضرب لنا الأمثال، دع ما لا ينتفع به من القول والفعل، وأجبنا فيما يعمنا وإياك نفعه".
__________
1 أي يقتله.
2 يعني بذلك قوة استعداده للقتال وتأهبه له.
(1/332)

223- خطبة يزيد بن قيس:
وتكلم يزيد بن قيس فقال:
"إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك، ولنؤدي عنك ما سمعنا منك، ونحن -على ذلك- لن ندع أن ننصح لك، وأن نذكر ما ظننا أن لنا عليك به حجة، وأنك راجع به إلى الألفة والجماعة، إن صاحبنا من قد عرفت وعرف المسلمون فضله، ولا أظنه يخفى عليك، إن أهل الدين والفضل لن يعدلوا بعلي، ولن يميلوا1 بينك وبينه، فاتق الله يا معاوية، ولا تخالف عليا، فإنا والله ما رأينا رجلًا قط أعمل بالتقوى، ولا أزهد في الدنيا، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه".
__________
1 التمييل بين الشيئين، كالترجيح بينهما.
(1/332)

224- خطبة معاوية:
فحمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد: فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي،
(1/332)

وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها؛ إن صاحبكم قتل خليفتنا، وفرق جماعتنا، وآوى ثأرنا1 وقتَلَتَنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله، فنحن لا نرد ذلك عليه، أرأيتم قتلة صاحبنا، ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا، فلنقتلهم به، ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة".
فقال له شبث: أيسرك يا معاوية أنك أمكنت من عمار2 تقتله؟ فقال معاوية:
__________
1 الثأر: قاتل حميمك.
2 هو عمار بن ياسر رضي الله عنه، أحد السابقين الأولين، وقد عذبه المشركون في بدء الدعوة الإسلامية فاحتمل العذاب، وكان يعذب هو وأخوه وأبوه وأمه بالنار، فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صبرًا آل ياسر فموعدكم الجنة. اللهم اغفر لآل ياسر" ومراد شبث بهذا القول إحراج معاوية. لقوله عليه الصلاة والسلاة لعمار: "تقتلك الفئة الباغية": أي إنك يا معاوية إن قتلت عمارًا –وكان من أصحاب علي- كنت من الفئة الباغية. وتفصيل الخبر في ذلك ما روته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: "لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده بالمدينة أمر باللبن يضرب وما يحتاج إليه، ثم قام فوضع رداءه فلما رأى ذلك المهاجرون والأنصار وضعوا أرديتهم وأكسيتهم يرتجزون ويقولون ويعملون.
لئن قعدنا والنبي يعمل ... ذاك إذن لعمل مضلل
قالت: وكان عثمان بن عفان رجلًا نظيفًا متنظفًا، فكان يحمل اللبنة ويجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كفيه، ونظر إلى ثوبه، فإذا أصابه شيء من التراب نفضه فنظر إليه علي رضي الله عنه فأنشد:
لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها راكعا وساجدا
وقائما طورا وطورا قاعدا ... ومن يرى عن التراب حائدا
فسمعها عمار بن ياسر فجعل يرتجزها وهو لا يدري من يعني، فسمعه عثمان فقال: يابن سمية " وسمية أمه" ما أعرفني بمن تعرض، ومعه جريدة، فقال لتكفن أو لأعترضن بها وجهك، فسمعه النبي وهو جالس في ظل حائط فقال: "عمار جلدة ما بين عيني وأنفي" فمن بلغ ذلك منه فقد بلغ مني، وأشار بيده فوضعها بين عينيه فكف الناس عن ذلك، وقالوا لعمار: إن رسول الله قد غضب فيك، ونخاف أن ينزل فينا قرآن، فقال: أنا أرضيه كما غضب، فأقبل عليه فقال: يا رسول الله مالي ولأصحابك؟ قال: مالك ولهم؟ قال يريدون قتلي، يحملون لبنة ويحملون علي لبنتين، فأخذ به وطاف به في المسجد وجعل يمسح وجهه من التراب ويقول "يا بن سمية لا يقتلك أصحابي، ولكن تقتلك الفئة الباغية" فلما قتل بصفين، وروى هذا الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال معاوية: هم قتلوه؛ لأنهم أخرجوه إلى القتل، فلما بلغ ذلك عليا قال: ونحن قتلنا أيضًا حمزة؛ لأنا أخرجناه "العقد الفريد 2: 237".
(1/333)

وما يمنعني من ذلك؟ والله لو أمكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان رضي الله عنه ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان، فقال شبث:
"وإله الأرض وإله السماء، ما عدلت معتدلًا1، لا والذي لا إله إلا هو، لا تصل إلى عمار، حتى تندر2 الهام عن كواهل الأقوام، وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها3 فقال له معاوية: "إنه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيق" وتفرق القوم عن معاوية، فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن خصفة التميمي فخلا به.
فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
"أما بعد يا أخا ربيعة، فإن عليًّا قطع أرحامنا، وآوى قتلة صاحبنا، وإني أسألك النصر بأسرتك وعشيرتك، ثم لك عهد الله جل وعز وميثاقه أن أوليك إذا ظهرت4 أي المصرين أحببت، قال زياد: فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله عز وجل وأثنيت عليه ثم قلت: "أما بعد فإني على بينة من ربي، وبما أنعم عليّ، فلن أكون ظهيرًا5 للمجرمين" ثم قمت.
"تاريخ الطبري 6: 2".
__________
1 أي إنك إذا عدلت عمارًا بناتل مولى عثمان: أي سويت بينهما لم تكن معتدلًا في حكمك.
2 ندر الشيء كنصر ندورًا: سقط جوف شيء أو من بين أشياء فظهر. والهام الرءوس: جمع هامة.
3 الرحب بالضم: الاتساع.
4 أي غلبت وانتصرت.
5 معينًا وناصرًا.
(1/334)

وفد معاوية إلى علي
مدخل
...
وفد معاوية إلى علي:
وبعث معاوية إلى علي حبيب بن مسلمة الفهري، وشرحبيل بن السمط، ومعن بن يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه.
(1/335)

225- خطبة حبيب بن مسلمة:
فحمد الله حبيب وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد فإن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان خليفة مهديًّا، يعمل بكتاب الله عز وجل، وينيب إلى أمر الله تعالى، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه، فقتلتموه رضي الله عنه، فادفع إلينا قتلة عثمان –إن زعمت أنك لم تقتله- نقتلهم به، ثم اعتزل أمر الناس، فيكون أمرهم شورى بينهم، يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم".
فقال له علي بن أبي طالب: "وما أنت لا أم لك والعزل، وهذا الأمر؟ اسكت؛ فإنك لست هناك، ولا بأهل له" فقام، وقال له: "والله لتريني بحيث تكره"، فقال علي: "وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك؟ لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي، أحقرة1 وسوءًا، اذهب فصوِّب وصعِّد ما بدا لك. وقال شرحبيل بن السمط:
__________
1 في كتب اللغة: حقره حقرًا بفتح الحاء وحُقرية بضمها وتشديد الياء ولم أجد كلمة "حقرة" وأرى أنها مثل هزأة وضحكة، يقال: رجل هزأة بضم الهاء وسكون الزاى أي يهزأ به وضحكة كذلك أي يضحك منه، فالمعنى أتكون حقرة أي حقيرًا وتسوءني سوءًا.
(1/335)

إني إن كلمتك فلعمري ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي قبل، فهل عندك جواب غير الذي أجبته به؟ فقال علي: نعم لك ولصاحبك جواب غير الذي أجبته به.
(1/336)

226- خطبة علي بن أبي طالب:
فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد فإن الله جل ثناؤه بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق، فأنقذ به من الضلالة، وانتاش1 به من الهلكة، وجمع به من الفرقة، ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه، صلى الله عليه وسلم، ثم استخلف الناس أبا بكر رضي الله عنه، واستخلف أبو بكر عمر رضي الله عنه، فأحسنا السيرة، وعدلا في الأمة، وقد وجدنا2 عليهما أن توليا علينا، ونحن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغفرنا ذلك لهما، وولي عثمان رضي الله عنه فعمل بأشياء عابها الناس عليه، فساروا إليه فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورهم، فقالوا لي: بايع، فأبيت عليهم، فقالوا لي: بايع، فإن الأمة لا ترضى إلا بك، وإنا نخاف إن لم تفعل أن تفترق الناس، فبايعتهم، فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني3، وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله عز وجل له سابقة في الدين، ولا سلف صدق في الإسلام، طليق4 بن طليق، حزب5 من هذه الأحزاب، لم يزل الله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وللمسلمين عدوًّا، هو وأبوه، حتى دخلا في الإسلام كارهين،
__________
1 انتشل وأخرج.
2 وجد عليه: غضب.
3 يعني طلحة والزبير وما كان منهما من الخلاف عليه، وانضمامهما إلى السيدة عائشة.
4 الطلقاء: هم الذين عفا عنهم النبي عليه الصلاة والسلام بعد فتح مكة، فقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
5 حزب بدل من طليق الثاني: أي ابن حزب من هذه الأحزاب التي تألبت وتظاهرت على حربه صلى الله عليه وسلم من قريش، وغطفان، وبني مرة، وبني أشجع، وبني سليم، وبني أسد "في غزوة الأحزاب، وهي غزوة الخندق سنة 5هـ" وكانت عدة الجميع عشرة آلاف مقاتل، وقائدهم العام أبو سفيان.
(1/336)

فلا غرو1 إلا خلافكم معه، وانقيادكم له، وتدعون آل نبيكم صلى الله عليه وسلم، الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم، ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحدًا، ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولكل مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة".
فقالا: "اشهد أن عثمان رضي الله عنه قتل مظلومًا" فقال لهما: "لا أقول إنه قتل مظلومًا ولا إنه قتل ظالمًا". قالا: "فمن لم يزعم أن عثمان قتل مظلومًا، فنحن منه برآء" ثم قاما فانصرفا، فقال علي: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80- 81] .
"تاريخ الطبري 6: 4".
__________
1 فلا غرو: أي لا عجب، وقوله: إلا خلافكم معه: أي خلافكم علي معه، أو هو "حلافكم معه" بالحاء: أي محالفتكم له، ومناصرتكم إياه.
(1/337)

التحريض على القتال من قبل معاوية:
227- خطبة عمرو بن العاص "المتوفى سنة 43هـ":
لما بلغ معاوية أن الإمام عليًا "كرم الله وجهه" يجهز الجيوش لقتاله، دعا عمرو بن العاص، فاستشاره، فقال: "أما إذ بلغك أنه يسير فسر بنفسك، ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك". قال: "أما إذًا يا أبا عبد الله فجهز الناس". فجاء عمرو فحضض الناس، وضعف عليًا وأصحابه، وقال:
"إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم، وأوهنوا شوكتهم، وفلوا حدهم، ثم إن أهل البصرة مخالفون لعلي، وقد وترهم وقتلهم، وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل، وإنما سار في شرذمة قليلة، منهم من قد قتل خليفتكم، فالله الله في حقكم أن تضيعوه، وفي دمكم أن تطلوه".
"تاريخ الطبري 5: 236".
(1/338)

228- خطبة أخرى لعمرو بن العاص:
وخطب عمرو بن العاص قبل الوقعة العظمى بصفين، يحرض أهل الشأم "وقد كان منحنيًا على قوس" فقال:
"الحمد لله العظيم في شأنه، القوي في سلطانه، العلي في مكانه، الواضح في برهانه، أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، في كل رزية من بلاء1، أو شدة أو رخاء،
__________
1 البلاء: يكون محنة، ويكون منحة.
(1/338)


وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، ثم إنا نحتسب عند الله رب العالمين ما أصبح في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، من اشتعال نيرانها، واضطراب حبلها، ووقوع بأسها بينها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين.
أولا تعلمون أن صلاتنا وصلاتهم، وصيامنا وصيامهم، وحجنا وحجهم، وقبلتنا وقبلتهم، وديننا ودينهم واحد؟ ولكن الأهواء مختلفة، اللهم أصلح هذه الأمة بما أصلحت به أولها، واحفظ فيما بيننا، مع أن القوم قد وطئوا بلادكم، وبغوا عليكم، فجدوا في قتال عدوكم، واستعينوا بالله ربكم، وحافظوا على حرماتكم1" ثم جلس.
"شرح ابن أبي الحديد م 1: ص 504".
__________
1 جمع حرمة، وهي ما لا يحل انتهاكه.
(1/339)

229-خطبة معاوية بن أبي سفيان يحرض أهل الشأم:
وقام معاوية في أهل الشأم خطيبًا، فقال:
"أيها الناس: أعيرونا جماجمكم وأنفسكم1، لا تقتلوا2، ولا تتخاذلوا3، فإن اليوم يوم أخطار، ويوم حقيقة وحفاظ4، إنكم لعلى حق، وبأيديكم حجة، إنما تقاتلون من نكث البيعة، وسفك الدم الحرام، فليس له من السماء عاذر، قدموا أصحاب السلاح المستلئمة5، وأخروا الحاسر6، واحملوا بأجمعكم، فقد بلغ الحق مقطعه، وإنما هو ظالم ومظلوم".
"شرح ابن أبي الحديد 1: 481".
__________
1 أي جودوا برءوسكم، ولا تبخلوا بنفوسكم على القتل.
2 في الأصل "لا تقتتلوا" على أن الفعل مجزوم بلا الناهية، وأراه محرفًا، وإنما هو "لا تقتلوا" مجزوم في جواب الأمر، أي إن تسخوا ببذل رءوسكم ونفوسكم وتقاتلوا مستبسلين تنجوا من القتل.
3 في الأصل "ولا تتجادلوا" وأراه مصحفًا عن "ولا تتخاذلوا" أي لتتعاونوا، ولا يخذل بعضكم بعضًا.
4 أي يوم محافظة على الأرواح والأعراض والأموال ودفاع عنها.
5 استلأم: لبس اللأمة، وهي الدرع.
6 الحاسر: من لا مغفر له، ولا درع، أو لا جنة له.
(1/339)

230- خطبة ذي الكلاع الحميري: 1
وطلب معاوية إلى ذي الكلاع الحميري أن يخطب الناس، ويحرضهم على قتال علي رضي الله عنه ومن معه من أهل العراق، فعقد فرسه "وكان من أعظم أصحاب معاوية خطرًا2" وخطب الناس فقال:
"الحمد لله حمدًا كثيرًا، ناميًا واضحًا منيرًا، بكرةً وأصيلًا، أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وكفى بالله وكيلًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالعرفان إمامًا، وبالهدى ودين الحق، حين ظهرت المعاصي، ودرست3 الطاعة، وامتلأت الأرض جورًا وضلالة، واضطرمت الدنيا نيرانًا وفتنة، وورك4 عدو الله إبليس على أن يكون قد عبد في أكنافها، واستولى على جميع أهلها، فكان محمد صلى الله عليه وآله هو الذي أطفأ الله به نيرانها، ونزع به أوتادها، وأوهن به قوى إبليس، وآيسه مما كان قد طمع فيه من ظفره بهم، وأظهره على الدين كله، ولو كره المشركون.
ثم كان من قضاء الله أن ضم بيننا وبين أهل ديننا بصفين، وإنا لنعلم أن فيهم قومًا، قد كانت لهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله سابقة ذات شأن وخطر عظيم، ولكني ضربت الأمر ظهرًا وبطنًا، فلم أر يسعني أن يهدر دم عثمان، صهر نبينا صلى الله عليه وآله، الذي جهز جيش العسرة5، وألحق في مصلى رسول الله صلى الله عليه وآله بيتًا،
__________
1 هو ذو الكلاع الأصغر سميفع بن ناكور بن عمرو بن يعفر بن ذي الكلاع الأكبر يزيد بن النعمان وهما من أذواء اليمن.
2 أي شأنًا وقدرًا.
3 امَّحت.
4 ورك على الأمر وروكًا: قدر.
5 وذلك أنه في غزوة تبوك –وكانت سنة تسع للهجرة- أنفق في تجهيز المقاتلة من المسلمين عشرة آلاف دينار، وأعطى ثلثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها "والأحلاس جمع حلس بالكسر: وهو كساء على ظهر البعير تحت البرذعة. والأقتاب جمع قتب بالتحريك: وهو ما يوضع على سنام البعير" وخمسين فرسًا، فقال=
(1/340)

وبنى سقاية1، وبايع له نبي الله بيده اليمنى على اليسرى2، واختصه بكريمتيه أم كلثوم ورقية3، فإن كان قد أذنب ذنبًا، فقد أذنب من هو خير منه، وقد قال الله سبحانه لنبيه: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وقتل موسى نفسًا4، ثم استغفر الله
__________
= عليه الصلاة والسلام: "اللهم ارض عن عثمان، فإني راض عنه" وكان ذلك في زمن عسرة الناس وجدب البلاد، وشدة الحر، قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} أي وقتها، وهي حالهم في تلك الغزوة، ذكروا أن الرجلين كانا يقتسمان تمرة، وأن العشرة كانوا يعتقبون البعير الواحد.
1 وذلك أنه اشترى بئر رومة "بضم الراء: بئر بالمدينة" ثم تصدق بها على المسلمين، فكان رشاؤه فيها كرشاء أحدهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "من حفر بئر رومة فله الجنة" وأشرف عثمان رضي الله عنه على الثوار حين حصروه ومنعوا الماء عنه، فقال: أنشدكم الله، هل علمتم أني اشتريت رومة من مالي يستعذب بها، فجعلت رشائي منها كرشاء رجل من المسلمين؟ قيل: نعم، قال: فما يمنعني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر؟ ثم قال: أنشدكم الله هل علمتم أني اشتريت كذا وكذا من الأرض فزدته في المسجد؟ قيل: نعم، قال: فهل علمتم أحدًا من الناس منع أن يصلي فيه قبلي؟ ثم قال: أنشدكم الله، هل سمعتم نبي الله صلى الله عليه وسلم يذكر كذا وكذا -أشياء في شأنه، فجعل الناس يقولون: مهلًا عن أمير المؤمنين.
2 وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قصد إلى مكة في غزوة الحديبية "سنة ست للهجرة" بعث عثمان بن عفان إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه إنما جاء زائرًا للبيت ومعظمًا لحرمته، فخرج عثمان إلى مكة وبلغ الرسالة، واحتبسته قريش عندها، فشاع عند المسلمين أن عثمان قد قتل، فقال عليه الصلاة والسلام: "لا نبرح حتى نناجز القوم"، ودعا المسلمين إلى البيعة على الموت، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وبايع عليه الصلاة والسلام لعثمان، فضرب بيده اليمنى على يده اليسرى وقال: "هذه يد عثمان".
3 تزوج عثمان السيدة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ماتت جزع عثمان عليها، وقال: يا رسول الله انقطع صهري منك، قال: "إن صهرك مني لا ينقطع، وقد أمرني جبريل أن أزوجك أختها بأمر الله: السيدة أم كلثوم".
4 وذلك أنه في إبان نشأته بمصر دخل مدينة منف ذات مرة، فوجد فيها رجلين يقتتلان قبطيًّا يسخر إسرائيليًّا ليحمل حطبًا إلى مطبخ فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي، فقال موسى للقطبي: خل سبيله، فقال له: لقد هممت أن أحمله عليك، فوكزه موسى "أي ضربه بجمع كفه" وكان شديد القوة والبطش، فقتله، ولم يكن يقصد قتله "وذكروا أنه كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة" وقد اغتم لذلك خوفًا من عقاب الله. =
(1/341)

فغفر له، وقد أذنب نوح1، ثم استغفر الله فغفر له، وقد أذنب أبوكم آدم2، ثم استغفر الله فغفر له، ولم يعر أحدكم من الذنوب، وإنا لنعلم. وقد كانت لابن أبي طالب سابقة حسنة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن لم يكن مالأ3 على قتل عثمان فقد
__________
= ومن اقتصاص فرعون، واستغفر الله، فغفر له، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [سورة القصص: 15- 16] وقال تعالى: {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} [سورة طه]
1 يشير إلى ما كان من نوح عليه السلام بشأن ابنه كنعان حين حدث الطوفان، قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} إلى أن قال: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} "أي وقد وعدتني بنجاتهم" {وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة هود] .
2 وذلك أنه إذ أسكنه الله هو وزوجه حواء الجنة، وأباح لهما أن يأكلا من حيث شاءا، نهاه أن يقرب شجرة عينها له، فوسوس له إبليس أن يأكل منها فأطاعه، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ، فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [سورة الأعراف] .
3 ناصر وشايع.
(1/342)

خذله، وإنه لأخوه في دينه، وابن عمه1، وسلفه2، وابن عمته3، ثم قد أقبلوا من عراقهم حتى نزلوا شامكم وبلادكم وبيضتكم4، وإنما عامتهم بين قاتل وخاذل، فاستعينوا بالله واصبروا، فلقد ابتليتم أيتها الأمة، ولقد رأيت في منامي في ليلتي هذه، لكأنا وأهل العراق اعتورنا5 مصحفا نضربه بسيوفنا، ونحن في ذلك جميعًا ننادي: ويحكم الله! ومع أنا والله لا نفارق العرصة6 حتى نموت، فيكم بتقوى الله، وليكن الثبات لله، فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: "إنما يبعث المقتتلون على الثبات" أفرغ الله علينا وعليكم الصبر، وأعز لنا ولكم النصر، وكان لنا ولكم في كل أمر، وأستغفر الله لي ولكم".
"شرح ابن أبي الحديد: 1: 484".
__________
1 عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
2 السلف "بفتح فكسر وبكسر فسكون" من الرجل: زوج أخت امرأته وقد علمت أن عثمان تزوج السيدة رقية أخت السيدة فاطمة زوج الإمام علي.
3 أم عثمان هي أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي صلى الله عليه وسلم.
4 البيضة: ساحة القوم.
5 اعتوروا الشيء: تداولوه.
6 العرصة: كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء.
(1/343)

خطبة يزيد بن أبي أسد البجلي
...
231- خطبة يزيد بن أسد البجلي:
وقام يزيد بن أسد البجلي في أهل الشأم يخطب بصفين، وعليه قباء من خز وعمامة سوداء، آخذًا بقائم سيفه، واضعًا نصل السيف في الأرض متوكئًا عليه، فقال:
"الحمد لله الواحد الفرد، ذي الطول1 والجلال، العزيز الجبار، الحكيم الغفار، الكبير المتعال، ذي العطاء والفعال2، والسخاء والنوال، والبهاء والجمال، والمن
__________
1 الطول: الفضل والقدرة والغنى.
2 الفعال: اسم الفعل الحسن، والكرم.
(1/343)

والإفضال، مالك اليوم الذي لا بيع فيه1 ولا خلال2، أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، وفي كل حال من شدة أو رخاء، أحمده على نعمه التوام، وآلائه العظام، حمدًا يستنير بالليل والنهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة النجاة في الحياة الدنيا وعند الوفاة، وفيها الخلاص يوم القصاص، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي المصطفى، وإمام الرحمة والهدى، صلى الله عليه وآله.
ثم كان من قضاء الله أن جمعنا وأهل ديننا في هذه الرقعة من الأرض، والله يعلم أني كنت كارهًا لذلك، ولكنهم لم يبلعونا ريقنا، ولم يتركونا نرتاد لأنفسنا، وننظر لمعادنا، حتى نزلوا بين أظهرنا، وفي حريمنا وبيضتنا3، وقد علمنا أن في القوم أحلامًا وطغامًا4، ولسنا نأمن طغامهم على ذرارينا ونسائنا، ولقد كنا نحب أن لا نقاتل أهل ديننا، فأخرجونا حتى صارت الأمور إلى أن قاتلناهم عدا حمية5، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين.
أما والذي بعث محمدًا بالرسالة لوددت أني مت منذ سنة، ولكن الله إذا أراد أمرًا لم يستطع العباد رده، فنستعين بالله العظيم، وأستغفر الله لي ولكم".
"شرح ابن أبي الحديد 1: 485 والأغاني 19: 55".
__________
1 لا بيع فيه فيباع المقصر ما يتدارك به تقصيره، أو يفدي به نفسه.
2 الخلال والمخالة مصدر خال: المصادقة، أي ولا مخالة فيه فيشفع لك خليلك.
3 البيضة: ساحة القوم.
4 الحلم بالكسر: الأناة والعقل، وهو حليم والجمع حلماء وأحلام، والطغام: أوغاد الناس.
5 الحمية: الأنفة "وفي الأصل غدا، وأرى صوابه عدا أي أعداء".
(1/344)

التحريض على القتال من قبل الإمام علي أيضًا:
232- خطبة الإمام علي:
وخطب الإمام علي كرم الله وجهه أصحابه، متوكئًا على قوسه، وقد جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله عنده فهم يلونه -كأنه أحب أن يعلم الناس أن الصحابة متوافرون معه- فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
"أما بعد: فإن الخيلاء1 من التجبر، وإن النخوة2 من التكبر، وإن الشيطان عدو حاضر، يعدكم الباطل. ألا إن المسلم أخو المسلم، فلا تنابذوا، ولا تخاذلوا، ألا إن شرائع الدين واحدة، وسبله قاصدة3، من أخذ بها لحق4، ومن فارقها محق5، ومن تركها مرق6، ليس المسلم بالخائن إذا اؤتمن، ولا بالمخلف إذا وعد، ولا بالكذاب إذا نطق، نحن أهل بيت الرحمة، وقولنا الصدق، وفعلنا الفضل، ومنا خاتم النبيين، وفينا قادة الإسلام، وفينا حملة الكتاب، ألا إنا ندعوكم إلى الله، وإلى رسوله، وإلى جهاد عدوه، والشدة في أمره، وابتغاء مرضاته، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام رمضان، وتوفير الفيء على أهله، ألا وإن من أعجب
__________
1 الخيلاء: الكبر.
2 النخوة: الافتخار والتعظم.
3 القصد: استقامة الطريق.
4 أي أدرك رضا الله وثوابه.
5 محقه: محاه، ومحق الله الشيء ذهب ببركته.
6 أي خرج عن الدين، وأصله من مرق السهم من الرمية مروقًا: إذا خرج من الجانب الآخر.
(1/345)

العجائب أن معاوية بن أبي سفيان الأموي، وعمرو بن العاص السهمي، أصبحا يحرضان الناس على طلب الدين بزعمهما، ولقد علمتم أني لم أخالف رسول الله صلى الله عليه وآله قط، ولم أعصه في أمر، أقيه بنفسي في المواطن التي ينكص1 فيها الأبطال وترعد فيها الفرائص2، بنجدة أكرمني الله سبحانه بها وله الحمد، ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن رأسه لفي حجري، ولقد وليت غسله بيدي وحدي تقلبه الملائكة المقربون معي، وايم الله ما اختلفت أمة قط بعد نبيها، إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها إلا ما شاء الله".
"شرح ابن أبي الحديد م 1: ص 481".
__________
1 نكص عن الأمر: أحجم عنه.
2 جمع فريصة، وهي لحمة بين الجنب والكتف لا تزال ترعد.
(1/346)

233- خطبة أخرى له:
وروي أن الإمام عليًا قال في هذه الليلة: حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا؟ فقام في الناس فقال:
"الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض، ولا ينقض ما أبرم، لو شاء ما اختلف اثنان من هذه الأمة، ولا من خلقه، ولا تنازع البشر في شيء من أمره، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار، حتى لفت بيننا في هذا الموضع، ونحن من ربنا بمرأى ومسمع، ولو شاء لعجل النقمة، ولكان منه النصر، حتى يكذب الله الظالم، ويعلم المحق أين مصيره، ولكنه جعل الدنيا دارالأعمال، والآخرة دار الجزاء والقرار، {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} ألا إنكم لاقو العدوِّ غدًا إن شاء الله، فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، واسألوا الله الصبر والنصر، والقوهم بالحد والحزم وكونوا صادقين".
"شرح ابن أبي الحديد م 1 ص 481 وتاريخ الطبري 6: 7".
(1/346)

234- ومن كلام له كرم الله وجهه:
كان يقوله لأصحابه في بعض أيام صفين.
"معاشر المسلمين: استشعروا1 الخشية، وتجلببوا السكينة، وعضوا على النواجذ2، فإنه أنبى للسيوف عن الهام3، وأكملوا اللأمة4، وقلقلوا السيوف في أغمادها، قبل سلها5، والحظوا الخزر6، واطعنوا الشزر7، ونافحوا بالظبا8، وصلوا السيوف بالخطا، واعلموا أنكم بعين9 الله، ومع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعاودوا الكر، واستحيوا من الفر، فإنه عار في الأعقاب، ونار يوم الحساب، وطيبوا عن أنفسكم نفسا، وامشوا إلى الموت مشيا سجحًا10، وعليكم بهذا السواد11 الأعظم، والرواق المطنب12، فاضربوا ثبجه13، فإن الشيطان كامن في كسره14، قد قدم للوثبة يدا، وأخر للنكوص رجلًا، فصمدًا صمدًا15، حتى ينجلي لكم عمود الحق، وأنتم الأعلون، الله معكم، ولن يتركم16 أعمالكم".
"نهج البلاغة 1: 57".
__________
1 استشعر: لبس الشعار وهو ما يلي البدن من الثياب. وتجلبب: لبس الجلباب، والمراد: لازموا الخشية والسكينة.
2 النواجذ جمع ناجذ: أقصى الأضراس، ويعض المرء نواجذه حين يشتد غيظه، والمراد: استجمعوا كل قوتكم.
3 فإنه: الضمير فيه يعود على المصدر المفهوم من الفعل السابق: أي فإن العض على النواجذ أنبى للسيوف، أي أدعى إلى نبوها عن رءوسكم، نبا السيف عن الضريبة: كَلَّ، والهام: الرءوس جمع هامة.
4 اللأمة: الدرع، ويجوز أن يعبر باللأمة عن جميع أدوات الحرب، يريد أكملوا السلاح.
5 مخالفة أن تستعصي عن الخروج وقت سلها.
6 الخزر: النظر في أحد الشقين، وتلك أمارة الغضب.
7 الطعن في الجوانب يمينًا وشمالًا.
8 نافحوا: كافحوا وضاربوا، والظبا: جمع ظبة وهي حد السيف.
9 أي ملحوظون بها.
10 اللين: السهل.
11 العدد الكثير. يعني جمهور أهل الشأم.
12 الرواق: بكسر الراء وضمها الفسطاط، يريد به مضرب معاوية المطنب، أي المشدود بالأطناب "جمع طنب بضمتين، وهو الحبل" وكان معاوية في مضرب عليه قبة عالية وحوله صناديد أهل الشأم.
13 أي وسطه.
14 جانبه.
15 الصمد: القصد، صمده من باب نصر قصده.
16 لن ينقصكم منها شيئًا.
(1/347)

235- خطبة أخرى للإمام:
وخطب الإمام علي ذلك اليوم أيضًا، فقال:
"أيها الناس: إن الله تعالى ذكره، قد دلكم على تجارة تنجيكم من العذاب، وتشفي1 بكم على الخير، إيمان بالله ورسوله، وجهاد في سبيله، وجعل ثوابه مغفرة الذنوب، ومساكن طيبة في جنات عدن، ورضوان من الله أكبر، وأخبركم بالذي يحب فقال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدموا الدارع، وأخروا الحاسر، وعضوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام، وأربط للجأش، وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل، وأولى بالوقار، والتووا في أطراف الرماح، فإنه أمْوَر2 للأسنة، ورايتكم فلا تميلوها، ولا تزيلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، المانعي الذمار3، والصبر عند نزول الحقائق، أهل الحفاظ الذين يخفرون4 برايتكم ويكنفونها يضربون خلفها وأمامها، ولا يضيعونها، أجزأ كل امرئ مسلم قرنه5، وواسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه، فيجمع عليه قرنه وقرن أخيه، فيكسب بذلك اللائمة، ويأتي به دناءة، أنى هذا، وكيف يكون هذا؟ هذا يقاتل اثنين، وهذا ممسك يده، قد خلى قرنه إلى أخيه هاربًا منه، أو قائمًا ينظر إليه؟ من يفعل هذا مقته الله، فلا تعرضوا لمقت الله، فإنما مردكم إلى الله، قال الله تعالى لقوم عابهم: {لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا
__________
1 أشفى عليه: أشرف.
2 اسم تفضيل من مار، سهم مائر: أي خفيف نافذ داخل في الأجسام.
3 ما يلزمك حفظه وحمايته.
4 خفره وبه وعليه يخفر بكسر الفاء وضمها: أجاره ومنعه وآمنه.
5 القرن: كفؤك في الشجاعة "أو عام" وأجزأه: أغناه وكفاه.
(1/348)

قَلِيلاً} وايم الله إن فررتم من سيف الله العاجلة، لا تسلمون من سيف الآخرة، استعينوا بالصدق والصبر، فإنه بعد الصبر ينزل النصر".
"شرح ابن أبي الحديد م 1: ص 483 وتاريخ الطبري 6: 9".
(1/349)

236- خطبة للإمام علي:
ومر الإمام علي كرم الله وجهه على جماعة من أهل الشأم، فيها الوليد بن عقبة وهم يشتمونه، فخبر بذلك، فوقف فيمن يليهم من أصحابه، فقال:
"انهدوا1 إليهم، عليكم السكينة والوقار، وقار الإسلام وسيمى الصالحين، فوالله لأقرب قوم من الجهل قائدهم ومؤذنهم2 معاوية وابن النابغة3 وأبو الأعور السلمي، وابن أبي معيط، شارب الخمر، المجلود حدًّا في الإسلام، وهم أولى من يقومون، فينقصونني ويجدبونني4، وقبل اليوم ما قاتلوني، وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام، وهم يدعونني إلى عبادة الأصنام، الحمد لله قديمًا عاداني الفاسقون، فعبدهم5 الله، ألم يفنخوا6؟ إن هذا لهو الخطب الجليل، إن فساقا كانوا غير مرضيين، وعلى الإسلام وأهله متخوفين، خدعوا شطر هذه الأمة، وأشربوا قلوبهم حب الفتنة، واستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان، قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور الله عز وجل، اللهم فافضض خدمتهم7، وشتت كلمتهم، وأبسلهم8 بخطاياهم، فإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت"،
"تاريخ الطبري 6: 24".
__________
1 نهد الرجل: نهض، ونهد لعدوه: صمد له.
2 الأذين والمؤذن: الزعيم.
3 هو عمرو بن العاص، والنابغة: لقب أمه سلمى بنت حرملة.
4 الجدب بالتسكين: العيب.
5 ذللهم. المعبد: المذلل من الطريق وغيره.
6 الفنخ بالسكون: القهر، والغلبة والتذليل كالتفنيخ "وفي الأصل: "ألم يفتحوا" وهو تصحيف".
7 يقال: فض الله خدمتهم، أي فرق جماعتهم، الخدمة بالتحريك سير غليظ مضفور مثل الحلقة يشد في رسغ البعير، ثم يشد إليه سرائح النعل "أي سيورها: جمع سريحة" فإذا انفضت الخدمة انحلت السرائح وسقطت النعل، فضرب ذلك مثلًا لذهاب ما كانوا عليه وتفرقه، وشبه اجتماع أمرهم واتساقه بالحلقة المستديرة.
8 أبسله: أسلمه للهكلة، أي أهلكهم.
(1/349)

237- خطبة أخرى له:
ومر بأهل راية، فرآهم لا يزولون عن موقفهم، فحرض عليهم الناس -وذكر أنهم غسان- فقال:
"إن هؤلاء لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك، يخرج منهم النسم1، وضرب يفلق منه الهام2. ويطيح 3 العظام، وتسقط منه المعاصم4 والأكف. وحتى يصدع جباههم بعمد الحديد، وتنتشر حواجبهم على الصدور والأذقان، أين أهل الصبر، وطلاب الأجر؟ ".
"تاريخ الطبري 6: 25".
__________
1 جمع نسمة، وهي نفس الروح "بفتح الفاء" ثم سميت بها النفس "بالسكون".
2 جمع هامة، وهي الرأس.
3 يصح أن يكون مضارع طيح بالتشديد: طيح بثوبه: رمى به في مضيعة، وطيح الشيء: ضيعه، وأن يكون مضارع أطاح: أطاح شعره أسقطه، والشيء أفناه وأذهبه، وأن يكون مضارع طاح: طاح يطيح ويطوح هلك، أو أشرف على الهلاك وذهب وسقط وتاه في الأرض.
4 جمع معصم بكسر الميم، وهو موضع السوار أو اليد.
(1/350)

238- خطبة عبد الله بن عباس:
وخطب عبد الله بن عباس أهل العراق بصفين، فقال:
"الحمد لله رب العالمين، الذي دحا1 تحتنا سبعًا، وسمك2 فوقنا سبعًا، وخلق فيما بينهن خلقًا، وأنزل لنا منهن رزقًا، ثم جعل لكل شيء قدرًا، يبلى ويفنى، غير وجهه الحي القيوم، الذي يحيا ويبقى.
__________
1 دحا الله الأرض يدحوها ويدحاها: بسطها.
2 أي رفع.
(1/350)

إن الله تعالى بعث أنبياء ورسلًا، فجعلهم حججًا على عباده عذرًا ونذرًا1، لا يطاع إلا بعلمه وإذنه، يمن بالطاعة على من يشاء من عباده، ثم يثيب عليها، ويعصى بعلم منه، فيعفو ويغفر بحلمه، لا يقدر قدره، ولا يبلغ شيء مكانه، أحصى كل شيء عددًا، وأحاط بكل شيء علمًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام الهدى والنبي المصطفى.
وقد ساقنا قدر الله إلى ما ترون، حتى كان مما اضطرب من حبل هذه الأمة، وانتشر من أمرها، أن معاوية بن أبي سفيان وجد من طغام الناس أعوانًا على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره، وأول ذكر صلى معه، بدري2 قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله كل مشاهده التي فيها الفضل، ومعاوية مشرك كان يعبد الأصنام، والذي ملك الملك وحده، وبان به وكان أهله، لقد قاتل علي بن أبي طالب عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: صدق الله ورسوله، ومعاوية يقول: كذب الله ورسوله، فعليكم بتقوى الله، والجد والحزم والصبر، والله إنا لنعلم أنكم لعلى حق، وأن القوم لعلى باطل، فلا يكونن أولى بالجد على باطلهم منكم في حقكم، وإنا لنعلم أن الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم، اللهم أعنا ولا تخذلنا، وانصرنا على عدونا، ولا تحل عنا، وافتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين".
"شرح ابن أبي الحديد م 1: ص 504".
__________
1 هما مصدران: عذره يعذره عذرًا بضم فسكون وبضمتين وأنذره إنذارًا ونذرًا بضم فسكون وبضمتين: أو جمعان: العذر بضمتين جمع عذير وهو العاذر، والنذر بضمتين جمع نذير وهو المنذر.
2 أي حضر غزوة بدر الكبرى التي نشبت بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وبين مشركي قريش في السنة الثانية للهجرة.
(1/351)

239- خطبة عبد الله بن بديل الخزاعي:
وقام عبد الله بن بديل الخزاعي في أصحابه فخطبهم، فقال:
"إن معاوية ادعى ما ليس له، ونازع الأمر أهله، ومن ليس مثله، وجادل بالباطل، ليدحض1 به الحق، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، وزين لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حب الفتنة، ولبس2 عليهم الأمور، وزادهم رجسًا3 إلى رجسهم، وأنتم والله على نور وبرهان، قاتلوا الطغام الجفاة، قاتلوهم ولا تخشوهم، وكيف تخشونهم؟ وفي أيديكم كتاب من ربكم ظاهر مبين، قوله سبحانه: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} لقد قاتلتهم مع النبي صلى الله عليه وآله، والله ما هم في هذه بأزكى ولا أتقى ولا أبر، انهضوا إلى عدو الله وعدوكم، بارك الله عليكم".
"شرح ابن أبي الحديد 1: ص 483 وتاريخ الطبري 6: 9".
__________
1 دحضت الحجة: بطلت، وأدحضتها: أبطلتها.
2 التلبيس: التخليط.
3 الرجس: القذر والمأثم، وكل ما استقذر من العمل، والعمل المؤدي إلى العذاب.
(1/352)

240- خطبة أبي الهيثم بن التيهان:
وكان أبو الهيثم بن التيهان يسوي صفوف أهل العراق، ويقول:
"يا معشر أهل العراق، إنه ليس بينكم وبين الفتح في العاجل، والجنة في الآجل، إلا ساعة من النهار، فأرسلوا أقدامكم، وسووا صفوفكم، أعيروا ربكم جماجمكم، واستعينوا بالله إلهكم، وجاهدوا عدو الله وعدوكم، واقتلوهم قتلهم الله وأبادهم. واصبروا فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين".
"شرح ابن أبي الحديد 1: ص 484".
(1/352)

241- خطبة للإمام علي:
وخطب علي عليه السلام بصفين أيضًا فقال:
"الحمد لله على نعمه الفاضلة على جميع من خلق من البر والفاجر، وعلى حججه البالغة على خلقه من أطاعه منهم ومن عصاه، إن يرحم؛ فبفضله ومنه، وإن عذب؛ فبما كسبت أيديهم، وإن الله ليس بظلام للعبيد، أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، وأستعينه على ما نابنا من أمر الدنيا والآخرة، وأتوكل عليه، وكفى بالله وكيلًا. ثم إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ارتضاه لذلك وكان أهله، واصطفاه لتبليغ رسالته وجعله رحمة منه على خلقه. فكان علمه فيه رءوفًا رحيمًا، أكرم خلق الله حسبًا، وأجملهم منظرًا، وأسخاهم نفسًا، وأبرهم لوالد، وأوصلهم لرحم، وأفضلهم علمًا، وأثقلهم حلمًا، وأوفاهم لعهد، وآمنهم على عقد، لم يتعلق عليه مسلم ولا كافر بمظلمة قط، بل كان يظلم فيغفر ويقدر فيصفح، حتى مضى صلى الله عليه وآله مطيعًا لله، صابرًا على ما أصابه، مجاهدًا في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وآله، فكان ذهابه أعظم المصيبة على أهل الأرض البر والفاجر، ثم ترك فيكم كتاب الله يأمركم بطاعة الله، وينهاكم عن معصيته.
وقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدًا، فلست أحيد عنه، وقد حضرتم عدوكم، وعلمتم أن رئيسهم منافق يدعوهم إلى النار، وابن عم نبيكم معكم وبين أظهركم يدعوكم إلى الجنة، وإلى طاعة ربكم، والعمل بسنة نبيكم، ولا سواء1 من صلى قبل كل ذكر، لا يسبقني بصلاة مع رسول الله أحد. وأنا من أهل بدر، ومعاوية طليق،
__________
1 أي ولا مثل من صلى.
(1/353)

والله إنا على الحق، وإنهم على الباطل، فلا يجتمعن على باطلهم، وتتفرقوا عن حقكم، حتى يغلب باطلهم حقكم، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، فإن لم تفعلوا يعذبهم بأيدي غيركم".
"شرح ابن أبي الحديد م 1: ص 503".
(1/354)

242- خطبة سعيد بن قيس:
وقام سعيد بن قيس يخطب أصحابه بقناصرين1، فقال:
"الحمد لله الذي هدانا لدينه، وأورثنا كتابه، وامتن علينا بنبيه، فجعله رحمة للعالمين، وسيد المرسلين، وقائد المؤمنين، وختامًا للنبيين، وحجة الله العظيم، على الماضين والغابرين، ثم كان مما قضى الله وقدره -وله الحمد على ما أحببنا وكرهنا- أن ضمنا وعدونا بقناصرين، فلا يجمل بنا اليوم الحياص2، وليس هذا بأوان انصراف، ولات حين مناص3، وقد خصنا الله بمنه برحمة لا نستطيع أداء شكرها، ولا نقدر4 قدرها، إن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله المصطفين الأخيار معنا وفي حيزنا، فوالله
__________
1 قال صاحب اللسان والقاموس: قناصرين موضع بالشأم، ولم يذكره ياقوت في معجمه.
2 حاص عنه يحيص حيصا ومحيصا ومحاصا عدل وحاد، والحياص والمحايصة: مفاعلة من الحيص أي العدول والهرب. قال صاحب اللسان: وفي حديث مطرف "بتشديد الراء المكسورة" أنه خرج من الطاعون فقيل له في ذلك، فقال: "هو الموت نحايصه ولا بد منه" "قال أبو عبيد معناه: نروغ عنه" وليس بين العبد والموت مفاعلة، وإنما المعنى أن الرجل في فرط حرصه على الفرار من الموت كأنه يباريه ويغالبه، فأخرجه على المفاعلة لكونها موضوعة لإفادة المباراة والمغالبة بالفعل، كقوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} فيئول معنى نحايصه إلى قولك نحرص على الفرار منه أهـ".
3 النوص والمناص: التأخر والفرار، ناص عن قرنه ينوص: فر وراغ. أي وليس الوقت وقت تأخر وفرار.
4 قدر الشيء قدره من التقدير وبابه ضرب ونصر: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظموه حق تعظيمه.
(1/354)

الذي هو بالعباد بصير، أن لو كان قائدنا رجلًا مخدوعًا، إلا أن معنا من البدريين سبعين رجلًا، لكان ينبغي لنا أن تحسن بصائرنا، وتطيب أنفسنا، فكيف وإنما رئيسنا ابن عم نبينا، بدري صدق، صلى صغيرًا، وجاهد مع نبيكم صلى الله عليه وسلم كثيرًا، ومعاوية طليق من وثاق1 الأسارى، إلا أنه أخو جفاة، فأوردهم النار، وأورثهم العار، والله محل بهم الذل والصغار2، ألا إنكم ستلقون عدوكم غدًا، فعليكم بتقوى الله من الجد والحزم والصدق والصبر، فإن الله مع الصابرين، ألا إنكم تفوزون بقتلهم، ويشقون بقتلكم، والله لا يقتل رجل منكم رجلًا منهم إلا أدخل الله القاتل جنات عدن وأدخل المقتول نارًا تلظى، لا تفتر عنهم وهم فيها مبلسون3، عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه، وجعلنا وإياكم ممن أطاعه واتقاه، وأستغفر الله العظيم لي ولكم والمؤمنين".
"شرح بن أبي الحديد 1: ص 483".
__________
1 الوثاق بالفتح ويكسر: ما يشد به، وأوثقه في الوثاق شده {فَشدُّوا الوَثَاقَ} .
2 الذل والضيم.
3 من أبلس: إذا يئس وتحير.
(1/355)

243- خطبة يزيد بن قيس الأرحبي:
وحرض يزيد بن قيس الأرحبي أهل العراق بصفين، فقال:
"إن المسلم من سلم دينه ورأيه، وإن هؤلاء القوم والله ما إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيعناه، ولا على إحياء حق رأونا أمتناه، ولا يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا، ليكونوا فيها جبابرة وملوكًا، ولو ظهروا عليكم -لا أراهم الله ظهورًا ولا سرورًا- إذن
(1/355)

لوليكم مثل سعيد1 والوليد2 وعبد الله بن عامر3 السفيه، يحدث أحدهم في مجلسه بذيت وذيت4، ويأخذ مال الله، ويقول: لا إثم علي فيه، كأنما أعطي تراثه من أبيه، كيف؟ إنما هو مال الله، أفاءه علينا بأسيافنا ورماحنا، قاتلوا -عباد الله- القوم الظالمين، الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا تأخذكم فيهم لومة لائم. إنهم إن يظهروا عليكم، يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم. وهم من قد عرفتم وجربتم. والله ما أرادوا باجتماعهم عليكم إلا شرًا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم".
"تاريخ الطبري 6: 10، شرح ابن أبي الحديد م 1: ص 485".
__________
1 هو سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، قتل أبوه العاص يوم بدر كافرًا، قتله علي بن أبي طالب، وقد استعمل عثمان بن عفان سعيدًا على الكوفة بعد الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وولاه معاوية في خلافته المدينة، فكان يوليه إذا عزل مروان بن الحكم عن المدينة ويولي مروان إذا عزله.
2 هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وهو أخو عثمان بن عفان لأمه "أمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس" ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص، ثم عزله حين اتهم بشرب الخمر، واستعمل بعده سعيد بن العاص.
3 هو عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وهو ابن خال عثمان بن عفان، استعمله عثمان على البصرة بعد أبي موسى الأشعري، وولاه أيضًا بلاد فارس بعد عثمان بن أبي العاص، ولم يزل واليًا على البصرة إلى أن قتل عثمان، وقد ولاه معاوية البصرة ثلاث سنين.
4 ذيت وذيت مثلثة الآخر: أي كيت وكيت.
(1/356)

244- خطبة هاشم بن عتبة المرقال:
وشد هاشم بن عتبة المرقال1 في عصابة من أصحابه على أهل الشأم مرارًا،
__________
1 هو هاشم بن عتبة بن أبي وقاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وهو ابن أخي سعد بن أبي وقاص، ولقب بالمرقال؛ لأن عليا رضي الله عنه أعطاه الراية بصفين، فكان يرقل بها أي يسرع، وهو الذي افتتح جلولاء من بلاد الفرس، وكانت جلولاء تسمى فتح الفتوح، وفقئت عينه يوم اليرموك بالشام، وقتل في وقعة صفين، قطعت رجله يومئذ، فجعل يقاتل من دنا منه وهو بارك.
(1/356)

فليس من وجه يحمل عليه، إلا صبر له، وقاتل فيه قتالًا شديدًا. فقال لأصحابه:
"لا يهولنكم ما ترون من صبرهم. فوالله ما ترون فيهم إلا حمية العرب، وصبرها تحت راياتها، وعند مراكزها، وإنهم لعلى الضلال، وإنكم لعلى الحق، يا قوم اصبروا وصابروا واجتمعوا، وامشوا بنا إلى عدونا، على تؤدة رويدًا، ثم اثبتوا وتناصروا، واذكروا الله، ولا يسأل رجل أخاه، ولا تكثروا الالتفات، واصمدوا1 صمدهم، وجاهدوا محتسبين، حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين".
"تاريخ الطبري 6: 23".
__________
1 أي اقصدوا جهتهم.
(1/357)

245- خطبة عمار بن ياسر:
وقام عمار بن ياسر يوم صفين، فقال:
"انهضوا معي: عباد الله إلى قوم يزعمون أنهم يطلبون بدم ظالم، إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان، فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم، ولو درس1 هذا الدين، لم قتلتموه؟ فقلنا: لأحداثه، فقالوا: إنه لم يحدث شيئًأ؛ وذلك لأنه مكنهم من الدنيا، فهم يأكلونها، ويرعونها، ولا يبالون لو انهدمت الجبال، والله ما أظنهم يطلبون بدم، ولكن القوم ذاقوا الدنيا، فاستحلوها واستمرءوها2، واعلموا أن صاحب الحق لو وليهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون منها، إن القوم لم يكن لهم سابقة في الإسلام، يستحقون بها الطاعة والولاية، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلومًا: ليكونوا بذلك جبابرة وملوكًا، تلك
__________
1 امحى.
2 استمرأ الطعام: وجده مريئًا أي هنيئًا حميد المغبة.
(1/357)

مكيدة قد بلغوا ما ترون، ولولاها ما تابعهم من الناس رجل، اللهم إن تنصرنا، فطالما نصرت، وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم".
"شرح ابن أبي الحديد م 1: ص 504، وتاريخ الطبري 6: 21 والكامل لابن الأثير 3: 123".
(1/358)

246- خطبة الأشعث بن قيس:
وخطب الأشعث بن قيس أصحابه من كندة ليلة الهرير بصفين فقال:
"الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأستنصره وأستغفره، وأستجيره، وأستهديه وأستشيره، وأستشهد به، فإنه من هداه الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله ثم قال:
قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قد فني فيه من العرب، فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ، فما رأيت مثل هذا اليوم قط، ألا فليبلغ الشاهد الغائب أنا نحن إن تواقفنا غدًا إنه لفنيت العرب، وضُيعت الحرمات، أما والله ما أقول هذه المقالة جزعًا من الحرب، ولكني رجل مسن أخاف على النساء والذراري غدًا إذا فنينا.
اللهم إنك تعلم أني قد نظرت لقومي ولأهل ديني فلم آل، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، والرأي يخطئ ويصيب، وإذا قضى الله أمرًا أمضاه على ما أحب العباد أو كرهوا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم".
فانطلقت عيون معاوية إليه بخطبة الأشعث فاغتنمها وبنى عليها تدبيره.
"شرح ابن أبي الحديد م 1: 185".
(1/358)

247- خطبة الأشترالنخعي:
وقام الأشتر يخطب الناس بقناصرين، وهو يومئذ على فرس أدهم مثل حلك1 الغراب، فقال:
"الحمد لله الذي خلق السموات العلى، الرحمن على العرش استوى، له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، حمدًا كثيرًا، بكرة وأصيلًا، من هداه الله فقد اهتدى، ومن يضلل فقد غوى، أرسل محمدًا بالصواب والهدى، فأظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله عليه وآله.
ثم قد كان مما قضى الله سبحانه وقدر، أن ساقتنا المقادير إلى أهل هذه البلدة من الأرض، فلفت بيننا وبين عدو الله وعدونا، فنحن بحمد الله ونعمه ومنه وفضله، قريرة أعيننا، طيبة أنفسنا، نرجو بقتالهم حسن الثواب، والأمن من العقاب، معنا ابن عم نبينا، وسيف من سيوف الله، علي بن أبي طالب، صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يسبقه إلى الصلاة ذكر، حتى كان شيخًا لم يكن له صبوة2، ولا نبوة3، ولا هفوة، ولاسقطة، فقيه في دين الله تعالى، عالم بحدود الله، ذو رأي أصيل، وصبر جميل، وعفاف قديم، فاتقوا الله وعليكم بالحزم والجد، واعلموا أنكم على الحق، وأن القوم على الباطل، إنما تقاتلون معاوية وأنتم مع البدريين قريب من مائة بدري، سوى من حولكم من أصحاب محمد، أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعاوية مع رايات قد كانت مع المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم،
__________
1 الحلك: شدة السواد، وفي الأصل: "حثل" وهو تحريف.
2 الصبوة: جهلة الفتوة.
3 نبا السهم عن الهدف: قصر ولم يصبه، والمراد أنه لا يعرف عنه تقصير في الدين ولا وهن.
(1/359)

فمن يشك في قتال هؤلاء؟ إلا ميت القلب، أنتم على إحدى الحسنيين، إما الفتح، وإما الشهادة، عصمنا الله وإياكم بما عصم به من أطاعه واتقاه، وألهمنا وإياكم طاعته وتقواه، وأستغفر الله لي ولكم".
"شرح ابن أبي الحديد م 1: ص 484".
(1/360)

248- خطبة الأشتر في المنهزمين من الميمنة:
ولما انهزمت ميمنة العراق، قال له علي: يا مالك، قال: لبيك، قال: ائت هؤلاء القوم فقل لهم: "أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه، إلى الحياة التي لن تبقى لكم" فمضى فاستقبل الناس منهزمين، فقال لهم هذه الكلمات، وقال: إلي أيها الناس، أنا مالك بن الحاث، أنا مالك بن الحارث، ثم ظن أنه بالأشتر أعرف في الناس، فقال: أنا الأشتر، إلي أيها الناس، فأقبلت إليه طائفة، وذهبت عنه طائفة، فنادى: أيها الناس، عضضتم بهن1 آبائكم، ما أقبح ماقاتلتم منذ اليوم! أيها الناس: أخلصوا إلي مذحجا2، فأقبلت إليه مذحج فقال:
"عضضتم بصتم3 الجندل، ما أرضيتم ربكم، ولا نصحتم له في عدوكم، وكيف بذلك وأنتم أبناء الحروب، وأصحاب الغارات، وفتيان الصباح4، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطعان، الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم، ولا تطل دماؤهم، ولا يعرفون في موطن بخسف5، وأنتم حد أهل مصركم، وأعز حي في قومكم، وما تفعلوا في هذا اليوم، فإنه مأثور بعد اليوم، فاتقوا مأثور الأحاديث في غد، واصدقوا عدوكم اللقاء، فإن الله مع الصادقين، والذي نفس مالك بيده ما من هؤلاء "وأشار بيده
__________
1 الهن: اسم يكنى به عن الفرج.
2 كان الأشتر من النخع "بالتحريك"، وهي قبيلة كبيرة من مذحج باليمن.
3 الصتم: جمع صتمة "كفرصة"، وهي الصخرة الصلبة كالصتيمة.
4 الغارة.
5 الخسف: الذل.
(1/360)

إلى أهل الشأم" رجل على مثال جناح بعوضة من محمد صلى الله عليه وسلم، أنتم ما أحسنتم القراع1، اجلوا سواد وجهي، يرجع في وجهي دمي، عليكم بهذا السواد الأعظم، فإن الله عز وجل لو قد فضه، تبعه من بجانبيه كما يتبع موخر السبيل مقدمه".
قالوا: خذ بنا حيث أحببت.
"تاريخ الطبري 6: 11، وشرح ابن أبي الحديد م 1: ص 487".
__________
1 المقارعة والمناضلة.
(1/361)

249- خطبة أخرى له فيهم:
وروى أنه لما اجتمع إليه عظم من كان انهزم من الميمنة حرضهم ثم قال:
"عضوا على النواجذ من الأضراس، واستقبلوا القوم بهامكم، وشدوا عليهم شدة قوم موتورين1 ثأرًا بآبائهم وإخوانهم، حناقًا على عدوهم، قد وطنوا على الموت أنفسهم، كيلا يسبقوا بوتر، ولا يلحقوا في الدنيا عارًا، وايم الله ما وتر قوم قط بشيء أشد عليهم من أن يوتروا دينهم، وإن هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم، ليميتوا السنة ويحيوا البدعة، ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله عز وجل منها بحسن البصيرة، فطيبوا عباد الله أنفسًا بدمائكم دون دينكم، فإن ثوابكم على الله، والله عنده جنات النعيم وإن الفرار من الزحف فيه السلب للعز، والغلبة على الفيء، وذل المحيا والممات، وعار الدنيا والآخرة، وسخط الله وأليم عقابه".
"تاريخ الطبري 6: 12، وشرح ابن أبي الحديد م 1: ص 487".
__________
1 وتره: إذا أصابه بوتر، وهو الثأر.
(1/361)

250- خطبة علي فيهم وقد عادوا إلى مواقفهم:
ولما رأى الإمام كرم الله وجهه ميمنته قد عادت إلى مواقفها ومصافها، وكشفت من بإزائها من عدوها، حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم، أقبل حتى انتهى إليهم فقال:
"إني قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم، يحوزكم الطغاة الجفاة، وأعراب أهل الشأم، وأنتم لهاميم1 العرب، والسنام الأعظم، وعمار الليل بتلاوة القرآن، وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون. فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولي يوم الزحف دبره، وكنتم من الهالكين، ولكن هون وجدي، وشفى بعض أحاح2 نفسي، أني رأيتكم بأخرة3 حزتموهم كما حازوكم، وأزلتموهم عن مصافكم كما أزالوكم، تحسونهم4 بالسيوف تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطرودة الهيم5، فالآن فاصبروا؛ نزلت عليكم السكينة، وثبتكم الله عز وجل باليقين، وليعلم المنهزم أنه مسخط ربه، وموبق6 نفسه، إن في الفرار موجدة7 الله عز وجل عليه، والذل اللازم له، والعار الباقي، واعتصار الفيء من يده، وفساد العيش عليه، وإن الفار لا يزيد الفرار في عمره، ولا يرضي ربه، فموت المرء محقا قبل إتيان هذه الخصال، خير من الرضا بالتلبس بها والإصرار عليه".
"تاريخ الطبري 6: 13، وشرح ابن أبي الحديد م 1: ص 488".
__________
1 اللهمم، واللهيم "بكسر اللام والميم فيهما": السابق الجواد من الحيل والناس.
2 الأحاح: الغيظ وحرارة الغم.
3 يقال: جاء أخرة وبأخرة محركتين وقد يضم أولهما أي آخرًا.
4 من الحس بالفتح: وهو القتل والاستئصال.
5 العطاش: جمع أهيم وهيماء "والهيام بالضم: أشد العطش".
6 مهلك.
7 أي غضبه.
(1/362)

251- خطبة خالد بن معمر:
ولما ولى الإمام خالد بن معمر راية ربيعة، وحمل عليها أهل الشأم حملة شديدة، وانهزم ناس من قومه، صاح بمن انهزم، وقال يومئذ:
"يا معشر ربيعة: إن الله عز وجل قد أتى بكل رجل منكم من منبته، ومسقط رأسه، فجمعكم في هذا المكان جمعًا لم يجمعكم مثله منذ نشركم في الأرض، فإن تمسكوا أيديكم وتنكلوا1 عن عدوكم، وتزولوا عن مصافكم، لا يرضَ الله فعلكم ولا تعدموا من الناس معيرا يقول: فضحت ربيعة الذمار2، وحاصت3 عن القتال، وأتيت من قبلها العرب، فإياكم أن تتشاءم بكم العرب والمسلمون اليوم، وإنكم إن تمضوا مقبلين مقدمين، وتصبروا محتسبين، فإن الإقدام لكم عادة، والصبر منكم سجية، واصبروا ونيتكم أن تؤجروا، فإن ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا وكرامة الآخرة، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملًا".
"تاريخ الطبري 6: 19، وشرح ابن أبي الحديد م 1: ص 496".
__________
1 أي تنكصوا وتجبنوا.
2 ما تجب حمايته وحفظه.
3 هربت وفرت.
(1/363)

252- خطبة عقبة بن حديد النمري:
وقال عقبة بن حديد النمري يوم صفين لأهله وأصحابه:
"ألا إن مرعى الدنيا قد أصبح هشيمًا1، وأصبح شجرها خضيدًا2، وجديدها سملًا3، وحلوها مر المذاق، ألا وإني أنبئكم نبأ امرئ صادق: إني قد سئمت الدنيا
__________
1 الهشيم من النبات: اليابس المنكسر.
2 مقطوعًا، خضده: كضربه، فهو خضيد ومخضود.
3 السمل: الخلق من الثياب.
(1/363)

وعزفت1 نفسي عنها، وقد كنت أتمنى الشهادة، وأتعرض لها في كل جيش وغارة، فأبى الله عز وجل إلا أن يبلغني هذا اليوم، ألا وإني متعرض لها من ساعتي هذه، قد طمعت ألا أحرمها، فما تنتظرون -عباد الله- بجهاد من عادى الله، أخوفا من الموت القادم عليكم، الذاهب بأنفسكم لا محالة؟ أو من ضربة كف بالسيف؟ أتستبدلون الدنيا بالنظر في وجه الله عز وجل، ومرافقة النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين في دار القرار؟ ما هذا بالرأي السديد! ".
ثم مضى فقال: "يا إخوتي إني قد بعت هذه الدار بالتي أمامها، وهذا وجهي إليها. لا تبرح وجوهكم، ولا يقطع الله عز وجل رجاءكم" فتبعه إخوته وقالوا: "لا نطلب رزق الدنيا بعدك، فقبح الله العيش بعدك: اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك" فاستقدموا فقاتلوا حتى قتلوا.
"تاريخ الطبري 6: 15، شرح ابن أبي الحديد م 1: ص490".
__________
1 انصرفت.
(1/364)

253- خطبة خنثر بن عبيدة بن خالد:
وكان من "محارب" رجل يقال له: خنثر بن عبيدة بن خالد، وكان من أشجع الناس، فلما اقتتل الناس يوم صفين، جعل يرى أصحابه منهزمين، فأخذ ينادي:
"يا معشر قيس، أطاعة الشيطان آثر1 عندكم من طاعة الرحمن؟ ألا إن الفرار فيه معصية الله سبحانه وسخطه، وإن الصبر فيه طاعة الله عز وجل ورضوانه، أفتختارون سخط الله تعالى على رضوانه، ومعصيته على طاعته؟ ألا إنما الراحة بعد الموت لمن مات محاسبًا نفسه، ثم قال:
__________
1 أفضل.
(1/364)

لا وألتْ نفس امرئ ولَّى الدبرْ1 ... أنا الذي لا ينثني ولا يفرْ
ولا يرى مع المعازيل الغدر2
"تاريخ الطبري 6: 18، شرح ابن أبي الحديد م 1: ص 495".
__________
1 وأل: طلب النجاة، وخلص.
(1/365)

254- تحريض معاوية أيضًا:
وخطب معاوية الناس بصفين فقال:
"الحمد لله الذي دنا في علوه، وعلا في دنوه، وظهر وبطن، وارتفع فوق كل ذي منظر، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، يقضي فيفصل، ويقدر فيغفر، ويفعل ما يشاء، إذا أراد أمرًا أمضاه، وإذا عزم على شيء قضاه، لا يؤامر1 أحدًا فيما يملك، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، والحمد لله رب العالمين على ما أحببنا وكرهنا".
وقد كان فيما قضاه الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البقعة من الأرض، ولفت بيننا وبين أهل العراق، فنحن من الله بمنظر، وقد قال سبحانه وتعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} انظروا يأهل الشأم، إنكم غدًا تلقون أهل العراق، فكونوا على إحدى ثلاث خصال: إما أن تكونوا طلبتم ماعند الله في قتال قوم بغوا عليكم، فأقبلوا من بلادهم حتى نزلوا في بيضتكم2، وإما أن تكونوا قومًا تطلبون بدم خليفتكم وصهر نبيكم، وإما أن تكونوا قومًا تذبون عن نسائكم وأبنائكم، فعليكم بتقوى الله والصبر الجميل، واسألوا الله لنا ولكم النصر، وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق، وهو خير الفاتحين".
"شرح ابن أبي الحديد م 11 ص 497".
__________
1 أي لا يشاور.
2 ساحتكم.
(1/365)

255- ما خاطب به النعمانُ بنُ بشيرٍ قيسَ بنَ سعد في وقعة صفين:
وقف النعمان بن بشير الأنصاري بين الصفين بصفين فقال:
"يا قيس بن سعد: أما أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه؟ إنكم يا معشر الأنصار، أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار، وقتلكم أنصاره يوم الجمل، وإقحامكم، على أهل الشأم بصفين، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليًا، كان هذا بهذا، ولكنكم خذلتم حقا، ونصرتم باطلًا، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس، شعلتم3 الحرب، ودعوتم إلى البراز، فقد والله وجدتم رجال الحرب من أهل الشأم سراعًا إلى برازكم، غير أنكاس2 عن حربكم، ثم لم ينزل بعلي أمر قط إلا هونتم عليه المصيبة، ووعدتموه الظفر، وقد والله أخلفتموه، وهان علينا بأسكم، وما كنتم لتخلوا به أنفسكم من شدتكم في الحرب، وقدرتكم على عدوكم، وقد أصبحتم أذلاء على أهل الشأم، لا يرون حربكم شيئًا، وأنتم أكثر منهم عددًا ومددًا، وقد والله كاثروكم بالقلة، فكيف لو كانوا مثلكم في الكثرة، والله لا تزالون أذلاء في الحرب بعدها أبدًا، إلا أن يكون معكم أهل الشأم، وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم، ونحن أحسن بقية وأقرب إلى الظفر، فاتقوا الله في البقية" فضحك قيس وقال:
__________
1 قحم في الأمر: رمى بنفسه فيه من غير روية، وأقحمت الفرس النهر: أدخلته فيه فانقحم واقتحم.
2 شعل النار، وأشعلها: ألهبها.
3 أنكاس: جمع نكس "بالكسر"، وهو الضعيف المقصر.
(1/366)

256- جواب قيس بن سعد:
"والله ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذا المقام، أما المنصف المحق فلا ينصح أخاه من غش نفسه، وأنت والله الغاش لنفسه، المبطل فيما نصح غيره، أما ذكر عثمان فإن كان الإيجاز يكفيك فخذه، قتل عثمان من لست خيرًا منه، وخذله من هو خير منك. وأما أصحاب الجمل فقتلناهم على النكث. وأما معاوية، فلو اجتمعت العرب على بيعته لقاتلتهم الأنصار، وأما قولك إنا لسنا كالناس، فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله، نلقى السيوف بوجوهنا، والرماح بنحورنا، حتى جاء الحق، وظهر أمر الله وهم كارهون، ولكن انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقًا أعرابيًا، أو يمانيًّا مستدرجًا1، وانظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك2، ولستما والله بدريين ولا عقبيين3، ولا لكما سابقة في الإسلام، ولا آية في القرآن".
"الإمامة والسياسة 1: 83".
__________
1 استدرجه: خدعه وأدناه.
2 أراه يعني به عمرو بن العاص، وقد كان أكبر أعوان معاوية ونصرائه، عاقده على نصرته، على أن يجعل له مصر طعمة.
3 أي لا ممن حضروا وقعة بدر مع الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ممن بايعوه في العقبة.
(1/367)

خطب الشيعيات في وقعة صفين:
257- خطبة عكرشة بنت الأطرش:
دخلت عكرشة بنت الأطرش على معاوية متوكئة على عكاز، فسلمت عليه بالخلافة ثم جلست، فقال لها معاوية: الآن يا عكرشة صرت عندك أمير المؤمنين؟ قالت: نعم، إذ لا علي حي، قال: ألست المتقلدة حمائل السيوف بصفين، وأنت واقفة بين الصفين تقولين:
"أيها الناس: عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إن الجنة لا يرحل من أوطنها، ولا يهرم من سكنها، ولا يموت من دخلها، فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها ولا تنصرم همومها، وكونوا قومًا مستبصرين في دينهم مستظهرين1 بالصبر على طلب حقهم، إن معاوية دلف2 إليكم بعجم العرب، غلف3 القلوب، لا يفقهون الإيمان، ولا يدرون الحكمة، دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إلى الباطل فلبوه، فالله الله عباد الله في دين الله، إياكم والتواكل فإن ذلك ينقض عرا الإسلام، ويطفئ نور الحق، هذه بدر الصغرى، والعقبة4 الأخرى، يا معشر المهاجرين والأنصار،
__________
1 مستعينين.
2 دلف: مشى مشي المقيد، وفي التعبير به إيماء إلى ضعف معاوية ووهن قوته.
3 جمع أغلف وقلب أغلف كأنما غشي بغلاف؛ فهو لا يعي.
4 تشير إلى بيعة العقبة "الأولى والثانية" حين بايع المسلمون الأولون من الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم بالعقبة على نصرته: أي إن هذه الموقعة دفاع عن الإسلام ونصرة له كتلك.
(1/368)

امضوا على بصيرتكم، واصبروا على عزيمتكم، فكأني بكم غدا، وقد لقيتم أهل الشأم كالحمر الناهقة، تصقع1 صقع البعير".
فكأني أراك على عصاك هذه، وقد انكفأ عليك العسكران، يقولون: هذه عكرشة بنت الأطرش بن رواحة، فإن كدت لتفلين أهل الشام لولا قدر الله، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين يقول الله جل ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} الآية. وإن اللبيب إذا كره أمرًا لا يحب إعادته، قال صدقت، فاذكري حاجتك، قالت: إنه كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا، فترد على فقرائنا، وإنا قد فقدنا ذلك، فما يجبر لنا كسير ولا ينعش لنا فقير، فإن كان ذلك عن رأيك، فمثلك تنبه من الغفلة، وراجع التوبة، وإن كان عن غير رأيك، فما مثلك من استعان بالخونة ولا استعمل الظلمة، قال معاوية: يا هذه إنه ينوبنا من أمور رعيتنا أمور تنبثق2، وبحور تنفهق3، قالت: يا سبحان الله! والله ما فرض الله لنا حقًّا، فجعل فيه ضررًا على غيرنا، وهو علام الغيوب. قال معاوية: يا أهل العراق، نبهكم علي بن أبي طالب، فلم تطاقوا، ثم أمر برد صدقاتهم فيهم، وإنصافهم.
"العقد الفريد 2: 131، وصبح الأعشى 1: 253".
__________
1 الصقع: رفع الصوت، صقع بصوته: رفعه. وفي صبح الأعشى تقصع قصع البعير. من قصع الجمل بجرته ردها إلى جوفه.
2 انبثق: انفجر، وانبثق السيل عليهم: أقبل ولم يحتسبوه.
3 تتسع.
(1/369)

258- خطبة أم الخير بنت الحريش:
كتب معاوية إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقي برحلها، وأعلمه أنه مجازيه بالخير خيرًا، وبالشر شرًا بقولها فيه، فلما ورد عليه
(1/369)

كتابه، ركب إليها، فأقرأها كتابه، فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طاعة، ولا معتلة بكذب، ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين، لأمور تختلج في صدري، فلما شيعها، وأراد مفارقتها، قال لها: يا أم الخير إن أمير المؤمنين كتب إلي أنه مجازيني بقولك في بالخير خيرًا، وبالشر شرًّا، فما لي عندك؟ قالت: يا هذا، لا يطمعك برك بي، أن أسرك بباطل، ولا يؤيسك معرفتي بك، أن أقول فيك غير الحق، فسارت خير مسير، حتى قدمت على معاوية، فأنزلها مع الحرم، ثم أدخلها في اليوم الرابع وعنده جلساؤه، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! فقال لها: وعليك السلام يا أم الخير؟ بحق ما دعوتني بهذا الاسم؟ قالت: مه يا أمير المؤمنين، فإن بديهة1 السلطان مدحضة2 لما يجب علمه، ولكل أحل كتاب، قال: صدقت، فكيف حالك يا خالة، وكيف كنت في مسيرك؟ قالت: لم أزل يا أمير المؤمنين في خير وعافية، حتى صرت إليك، فأنا في مجلس أنيق، عند ملك رفيق. قال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم. قالت: يا أمير المؤمنين، يعيذك الله من دحض3 المقال، وما تردي عاقبته، قال: ليس هذا أردنا، أخبرينا كيف كان كلامك إذ قتل عمار بن ياسر؟ قالت: لم أكن والله زورته4 قبل، ولا رويته بعد، وإنما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة، فإن أحببت أن أحدث لك مقالًا غير ذلك فعلت، فالتفت معاوية إلى جلسائه، فقال: أيكم يحفظ كلامها؟ فقال رجل منهم: أنا أحفظ بعض كلامها يا أمير المؤمنين. قال: هات؟ قال: كأني بها بين بردين زئبريين5 كثيفي النسيج، وهي على جمل أرمك6، وبيدها سوط منتشر الضفيرة، وهي كالفحل يهدر7 في شقشقته تقول:
__________
1 البديهة: أول كل شيء وما يفجأ منه.
2 المدحضة: المزلة.
3 دحضت الحجة دحضا من باب نفع: بطلت ورجله زلقت، ومكان دحض زلق.
4 زور الشيء: حسنه وقومه وهذبه.
5 الزئبر: ما يعلو الثوب الجديد كالذي تراه في القطيفة. وفي رواية أخرى: عليها برد زبيدي نسبة إلى زبيد "بفتح الزاي" بلد باليمن.
6 من الرمكة: بالضم، وهي لون الرماد.
7 يصوت، والشقشقة: شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج.
(1/370)

"يأيها الناس: اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، إن الله قد أوضح لكم الحق، وأبان الدليل، وبين السبيل، ورفع العلم، ولم يدعكم في عمياء مدلهمة، فأين تريدون رحمكم الله؟ أفرارًا عن أمير المؤمنين، أم فرارًا من الزحف، أم رغبة عن الإسلام، أم ارتدادًا عن الحق؟ أما سمعتم الله جل ثناؤه يقول: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهم قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرغبة، وبيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع الكلمة على التقوى، وألف القلوب على الهدى، واردد الحق إلى أهله، هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والرضي التقي، والصديق الأكبر، إنها إحن1 بدرية، وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية2 وثب بها معاوية حين الغفلة، ليدرك ثارات بني عبد شمس، ثم قالت: {قَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُون} صبرًا يا معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربكم، وثبات من دينكم، فكأني بكم غدا، وقد لقيتم أهل الشأم كحمر مستنفرة فرت من قسورة3، لا تدري أنى يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى، وعما قليل ليصبحن نادمين، حين تحل بهم الندامة، فيطلبون الإقالة، ولات حين مناص، إنه من ضل والله عن الحق وقع في الباطل، ألا إن أولياء الله استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، واستطابوا الآخرة فسعوا لها، فالله الله أيها الناس، قبل أن تبطل الحقوق، وتعطل الحدود، وتقوى كلمة الشيطان، فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهره، وأبي سبطيه، خلق من طينته، وتفرع من نبعته4،
__________
1 جمع إحنة: وهي الضغينة والحقد، تؤمئ إلى ما كان من قتل علي يوم بدر أخا معاوية "حنظلة بن أبي سفيان" وجده لأمه "عتبة بن ربيعة" وخاله "الوليد بن عتبة".
2 تشير إلى ماحدث من هند زوج أبي سفيان "أم معاوية" في غزوة أحد، إذ بقرت بطن حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم بعد قتله وأخذت كبده لتأكلها فلاكتها ثم أرسلتها.
3 الأسد والرماة من الصيادين، والواحد قسور.
4 النبعة في الأصل واحدة النبع: شجر القسي والسهام.
(1/371)

وجعله باب دينه، وأبان ببغضه المنافقين، وها هو ذا مفلق الهام، ومكسر الأصنام، صلى والناس مشركون، وأطاع والناس كارهون، فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وهزم الأحزاب، وقتل الله به أهل خيبر، وفرق به جمع هوازن، فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقًا، وردة وشقاقًا، وزادت المؤمنين إيمانًا، قد اجتهدت في القول، وبالغت في النصيحة، وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله".
فقال معاوية: يا أم الخير، ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي، ولو قتلتك ما حرجت1 في ذلك. قالت: والله ما يسوءني يابن هند أن يجري قتلي على يدي من يسعدني الله بشقائه. قال: هيهات يا كثيرة الفضول! ما تقولين في عثمان بن عفان رحمه الله؟ قالت: وما عسيت أن أقول في عثمان! استخلفه الناس وهم به راضون، وقتلوه وهم له كارهون. قال معاوية: يا أم الخير هذا ثناؤك الذي تثنين؟ قالت: لكن الله يشهد، وكفى بالله شهيدًا، ما أردت بعثمان نقصًا، ولقد كان سباقًا إلى الخيرات، وإنه لرفيع الدرجة غدًا، قال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟ قالت: وما عسى أن أقول في طلحة؟ اغتيل من مأمنه، وأتي من حيث لم يحذر. وقد وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة. قال: فما تقولين في الزبير؟ قالت: وما أقول في ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه2. وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة. وأنا أسألك بحق الله يا معاوية "فإن قريشًا تحدثت أنك أحلمها" أن تعفيني من هذه المسائل، وتسألني عما شئت من غيرها. قال: نعم ونعمة3 عين، قد أعفيتك منها، ثم أمر لها بجائزة رفيعة، وردها مكرمة.
"العقد الفريد 1: 132، ونهاية الأرب 7: 241. وصبح الأعشى 1: 248".
__________
1 أثمت.
2 الحواري: الناصر، أو ناصر الأنبياء.
3 أي افعل ذلك إنعامًا لعينك وإكرامًا.
(1/372)

259- خطبة الزرقاء بنت عدي الهمدانية:
وذكرت الزرقاء بنت عدي بن قيس الهمدانية عند معاوية يومًا، فقال لجلسائه: أيكم يحفظ كلامها؟ قال بعضهم: نحن نحفظه يا أمير المؤمنين. قال: فأشيروا علي في أمرها، فأشار بعضهم بقتلها، فقال: بئس الرأي أيحسن بمثلي أن يقتل امرأة! ثم كتب إلى عامله بالكوفة أن يوفدها إليه مع ثقة من ذوي محارمها، وعدة من فرسان قومها، وأن يمهد لها وطاءً1 لينًا، ويسترها بستر خصيف2، ويوسع لها في النفقة، فأرسل إليها، فأقرأها الكتاب، فقالت: إن كان أمير المؤمنين جعل الخيار إلي، فإني لا آتيه، وإن كان حتَّم فالطاعة أولى، فحملها وأحسن جهازها، على ما أمر به، فلما دخلت على معاوية. قال: مرحبًا بك وأهلا! قدمت خير مقدمة قدمه وافد، كيف حالك؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، أدام الله لك النعمة. قال: كيف كنت في مسيرك؟ قالت: ربيبة بيت، أو طفلًا ممهدًا. قال: بذلك أمرناهم، أتدرين فيم بعثت إليك؟ قالت: وأنى لي بعلم ما لم أعلم؟ قال: ألست الراكبة الجمل الأحمر، والواقفة بين الصفين بصفين، تحضين على القتال، وتوقدين الحرب؟ فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس وبتر الذنب، ولن يعود ما ذهب، والدهر ذو غير3 ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر، قال لها معاوية: أتحفظين كلامك يومئذ؟ قالت: لا والله لا أحفظه، ولقد أنسيته. قال: لكني أحفظه، لله أبوك حين تقولين:
"أيها الناس: ارعووا وارجعوا، إنكم قد أصبحتم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم، وجارت بكم عن قصد المحجة4. فيا لها فتنة عمياء صماء بكماء لا تسمع لناعقها، ولا تنساق
__________
1 الفراش.
2 أصله من خصف النعل بخصفها، كضرب: ظاهر بعضها على بعض وخرزها وهي نعل خصيف، وكل ما طورق بعضه على بعض فقد خصف.
3 أحداث، جمع غيرة بالكسر أو مفرد، وجمعه أغيار.
4 جادة الطريق.
(1/373)

لقائدها، إن المصباح لا يضيء في الشمس، ولا تنير الكواكب مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد. ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه. أيها الناس: إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبرًا يا معشر المهاجرين والأنصار على العصص، فكأن قد اندمل شعب الشتات، والتأمت كلمة الحق، ودمغ الحق الظلمة، فلا يجهلن أحد فيقول: كيف، وأنى؟ ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ألا وإن خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، ولهذا اليوم ما بعده، والصبر خير في الأمور عواقبا:
إيهًا1 في الحرب قدما، غير ناكصين، ولا متشاكسين".
ثم قال لها: والله يا زرقاء لقد شركت عليًا في كل دم سفكه. قالت: أحسن الله بشارتك، وأدام سلامتك! فمثلك بشر بخير وسر جليسه. قال: أويسرك ذلك؟ قالت: نعم. والله لقد سررت بالخبر! فأنى لي بتصديق الفعل! فضحك معاوية، وقال: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته، اذكري حاجتك. قالت: يا أمير المؤمنين آليت على نفسي ألا أسأل أميرًا أعنت عليه أبدًا، ومثلك أعطى عن غير مسألة، وجاد عن غير طلبة. قال: صدقت، وأمر لها وللذين جاءوا معها بجوائز وكسًا.
"العقد الفريد 1: 130، وصبح الأعشى 1: 252".
__________
1 إيها: كلمة زجر بمعنى حسبك "وإيه بالكسر منونة وغير منونة كلمة استزادة واستنطاق" والقدم: المضي أمام، وهو يمشي القدم: إذا مضى في الحرب، ورجل قدم: أي شجاع. وفي الحديث "طوبى لعبد مغبر قدم في سبيل الله" القدم: الإقدام، أقدم على قرنه إقدامًا وقدمًا: تقدم عليه بجراءة صدر.
(1/374)

اختلاف أهل العراق في الموادعة
مدخل
...
اختلاف أهل العراق في الموادعة:
وذكروا أنه لما اشتد الأمر واستعر القتال، قال رأس من أهل العراق لعلي: إن هذه الحرب قد أكلتنا، وأذهبت الرجال، والرأي الموادعة. وقال بعضهم: لا، بل نقاتلهم اليوم على ما قاتلناهم عليه أمس، وكانت الجماعة قد رضيت الموادعة، وجنحت إلى الصلح والمسالمة، فقام علي خطيبًا، فقال:
(1/375)

260- خطبة الإمام علي كرم الله وجهه:
"أيها الناس: إنه لم أزل من أمري على ما أحب، حتى فدحتكم الحرب، وقد والله أخذت منكم وتركت، وهي لعدوكم أنهك، وقد كنت بالأمس أميرًا، فأصبحت اليوم مأمورًا، وكنت ناهيًا، فأصبحت اليوم منهيًا، فليس لي أن أحملكم على ما تكرهون".
(1/375)

261- خطبة كردوس بن هانئ:
وقام كردوس بن هانئ، فقال:
"إنه والله ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه، ولا تبرأنا من علي منذ توليناه، وإن قتلينا لشهيد، وإن حينا لفائز، وإن عليًا على بينة من ربه، وما أجاب القوم إلا إنصافًا، وكل محق منصف، فمن سلم له نجا، ومن خالفه هوى".
(1/375)

262- خطبة سفيان بن ثور:
وقام سفيان بن ثور، فقال:
"أيها الناس: إنا دعونا أهل الشأم إلى كتاب الله، فردوه علينا فقاتلناهم، وإنهم دعونا إلى كتاب الله، فإن رددناه عليهم، حل لهم منا ما حل لنا منهم، ولسنا نخاف أن يحيف الله علينا ورسوله، وإن عليًا ليس بالراجع الناكص، وهو اليوم على ما كان عليه أمس، وقد أكلتنا هذه الحرب، ولا نرى البقاء إلا في الموادعة".
(1/376)

263- خطبة حريث بن جابر:
ثم قام حريث بن جابر فقال:
"إن عليًّا لو كان خِلوًا من هذا الأمر لكان المرجع إليه، فكيف وهو قائده وسائقه، وإنه والله ما قبل من القوم اليوم إلا الأمر الذي دعاهم إليه أمس، ولو رده عليهم كنتم له أعيب، ولا يلحد في هذا الأمر إلا راجع على عقبيه، أو مستدرج مغرور، وما بيننا وبين من طعن علينا إلا السيف".
(1/376)

264- خطبة خالد بن معمر:
ثم قام خالد بن معمر فقال:
"يا أمير المؤمنين: إنا والله ما أخرجنا هذا المقام أن يكون أحد أولى به منا، ولكن قلنا أحب الأمور إلينا ما كفينا مئونته، فأما إذ استغنينا، فإنا لا نرى البقاء إلا فيما دعاك القوم إليه اليوم، إن رأيت ذلك، وإن لم تره فرأيك أفضل".
(1/376)

265- خطبة الحصين بن المنذر:
ثم قام الحصين بن المنذر وكان أحدث القوم سنًا، فقال:
"إنما بني هذا الدين على التسليم، فلا تدفعوه بالقياس، ولا تهدموه بالشبهة، وإنا والله لو أنا لا نقبل من الأمور إلا ما نعرف، لأصبح الحق في الدنيا قليلًا، ولو تركنا وما نهوى، لأصبح الباطل في أيدينا كثيرًا، وإن لنا راعيًا قد حمدنا ورده وصدره، وهو المأمون على ما قال وفعل، فإن قال: لا. قلنا: لا، وإن قال: نعم، قلنا: نعم".
(1/377)

266- خطبة عثمان بن حنيف:
ثم قام عثمان بن حنيف، وكان من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عاملًا لعلي على البصرة وله فضل، فقال:
"أيها الناس: اتهموا رأيكم، فقد والله كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية يوم أبي جندل1، وإنا لنريد القتال إنكارًا للصلح حتى ردنا عنه رسول الله
__________
1 هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو. وقصته: أنه لما كانت غزوة الحديبية "سنة ست للهجرة" بعثت قريش من قبلها سهيل بن عمرو ليكلم الرسول صلى الله عليه وسلم في المصالحة، وقد جرى بينهما الصلح وكتبت صحيفته، وكان من شروطه، وضع الحرب عن الناس عشر سنين يكف بعضهم عن بعض على أن من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد لم يردوه عليه، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل إذ جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان المسلمون حين خرجوا لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع دخل عليهم من ذلك أمر عظيم، ولما رأى سهيل ابنه أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه "بفتح التاء: ما في موضع اللبب "أي النحر" من الثياب" ثم قال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال صدقت،=
(1/377)

صلى الله عليه وسلم، وإن أهل الشأم دعونا إلى كتاب الله اضطرارًا، فأجبناهم إليه إعذارًا، فلسنا والقوم سواء، إنا والله ما عدلنا الحي بالحي، ولا القتيل بالقتيل، ولا الشامي بالعراقي، ولا معاوية بعلي، وإنه لأمر منعه غير نافع، وإعطاؤه غير ضائر، وقد كلت البصائر التي كنا نقاتل بها، وقد حمل الشك اليقين الذي كنا نئول إليه، وذهب الحياء الذي كنا نماري به، فاستظلوا في هذا الفيء1، واسكنوا في هذه العافية، فإن قلتم نقاتل على ما كنا نقاتل عليه أمس، فهيهات هيهات ذهب والله قياس أمس وجاء غد".
__________
= فجعل ينثره بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد الناس إلى ما بهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا جندل، اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله وإنا لا نغدر بهم"، ووثب عمرو بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون. وإنما دم أحدهم دم كلب. ويدني قائم السيف منه. قال عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية.
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد وكان ممن حبس بمكة، فبعثت قريش في أثره رجلين يطلبان تسليمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بصير إنا قد أعطينا القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا. فانطلق إلى قومك". قال: يا رسول الله أتردني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ قال: "يا أبا بصير انطلق"، فانطلق معهما حتى إذا كان في بعض الطريق عدا على أحدما فقتله وهرب الآخر، ورجع أبو بصير إلى المدينة، فقال: يا رسول الله وفت ذمتك، وأدى الله عنك، أسلمتني ورددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، وخرج أبو بصير إلى ساحل البحر بطريق قريش التي كانوا يأخذون عليها إلى الشام، وخرج المسلمون، الذين كانوا حبسوا بمكة إليه، وانفلت إليه أبو جندل بن سهيل، فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلًا منهم وضيقوا على قريش، لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها، حتى كتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله بأرحامها إلا آواهم، فلا حاجة لهم بهم، فآواهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدموا على المدينة.
1 الفيء: ما كان شمسًا فينسخه الظل.
(1/378)

267- خطبة عدي بن حاتم:
ثم قام عدي بن حاتم فقال:
"أيها الناس: إنه والله لو غير علي دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه، ولا وقع بأمر قط إلا ومعه من الله برهان، وفي يديه من الله سبب، وإنه وفق عن عثمان بشبهة، وقاتل أهل الجمل على النكث، وأهل الشأم على البغي، فانظروا في أموركم وأمره، فإن كان له عليكم فضل فليس لكم مثله فسلموا له وإلا فنازعوا عليه، والله لإن كان إلى العلم بالكتاب والسنة إنه لأعلم الناس بهما، ولئن كان إلى الإسلام إنه لأخو نبي الله والرأس في الإسلام، ولئن كان إلى الزهد والعبادة إنه لأظهر الناس زهدًا، وأنهكهم عبادة، ولئن كان إلى العقول والنحائز1 إنه لأشد الناس عقلًا، وأكرمهم نحيزة، ولئن كان إلى الشرف والنجدة إنه لأعظم الناس شرفًا ونجدة، ولئن كان إلى الرضا لقد رضي عنه المهاجرون والأنصار في شورى عمر رضي الله عنهم، وبايعوه بعد عثمان ونصروه على أصحاب الجمل وأهل الشأم، فما الفضل الذي قركم إلى الهدى، وما النقص الذي قربه إلى الضلال؟ والله لو اجتمعتم جميعًا على أمر واحد، لأتاح الله له من يقاتل لأمر ماض، كتاب سابق".
فاعترف أهل صفين لعدي بن حاتم بعد هذا المقام، ورجع كل من تشعب على علي رضي الله عنه.
__________
1 النحيزة: الطبيعة.
(1/379)

268- خطبة عبد الله بن حجل:
ثم قام عبد الله بن حجل، فقال:
"يا أمير المؤمنين، إنك أمرتنا يوم الجمل بأمور مختلفة، كانت عندنا أمرًا واحدًا، فقبلناها بالتسليم، وهذه مثل تلك الأمور، ونحن أولئك أصحابك، وقد أكثر الناس في هذه القضية، وايم الله ما المكثر المنكر بأعلم بها من المقل المعترف، وقد أخذت الحرب بأنفاسنا، فلم يبق إلا رجاء ضعيف، فإن تجب القوم إلى ما دعوك إليه، فأنت أولنا إيمانًا، وآخرنا بنبي الله عهدًا، وهذه سيوفنا على أعناقنا، وقلوبنا بين جوانحنا، وقد أعطيناك بقيتنا، وشرحت بالطاعة صدورنا، ونفذت في جهاد عدوك بصيرتنا، فأنت الوالي المطاع، ونحن الرعية الأتباع. أنت أعلمنا بربنا، وأقربنا بنبينا، وخيرنا في ديننا، وأعظمنا حقًّا فينا، فسدد رأيك نتبعك، واستخر الله تعالى في أمرك، واعزم عليه برأيك، فأنت الوالي المطاع".
فسر علي كرم الله وجهه بقوله، وأثنى خيرًا.
(1/380)

269- خطبة صعصعة بن صوحان:
ثم قام صعصعة بن صوحان فقال:
"يا أمير المؤمنين: إنا سبقنا الناس إليك، يوم قدوم طلحة والزبير عليك، فدعانا حكيم1إلى نصرة عاملك عثمان بن حنيف2 فأجبناه، فقاتل عدوك، حتى أصيب في قوم من بني عبد قيس عبدوا الله حتى كانت أكفهم مثل أكف الإبل، وجباههم مثل
__________
1 هو حكيم بن حبلة.
2 كان عامل علي على البصرة، وقد نشب القتال بينه وبين أصحاب عائشة حين قدموا البصرة.
(1/380)

ركب المعز، فأسر الحي، وسلب القتيل، فكنا أول قتيل وأسير، ثم رأيت بلاءنا بصفين، وقد كلت البصائر، وذهب الصبر، وبقي الحق موفورًا، وأنت بالغ بهذا حاجتك والأمر إليك ما أراك الله فمرنا به".
(1/381)

270- خطبة المنذر بن الجارود:
ثم قام المنذر بن الجارود فقال:
"يا أمير المؤمنين إني أرى أمرًا لا يدين له الشأم إلا بهلاك العراق، ولا يدين له العراق إلا بهلاك الشأم، ولقد كنا نرى أن ما زادنا نقصهم، وما نقصنا أضرهم، فإذا في ذلك أمران، فإن رأيت غيره1 ففينا والله ما يفل به الحد2 ويرد به الكلب3. وليس لنا معك إيراد ولا صدر".
__________
1 أي فإن رأيت غير رأيي "وهو الذي عبر عنه بقول: إني أرى أمرًا.. إلخ" وفي الأصل "غيرك" وأراء محرفًا.
2 أي ففينا من البأس ما يفل به حد الأعداء وقوتهم.
3 الكلب: داء يشبه الجنون يأخذ الكلاب فتعقر الناس ويعتري الناس أيضًا من عضها، وقد استعاره هنا لطمع الأعداء فيهم وغارتهم عليهم.
(1/381)

271- خطبة الأحنف بن قيس:
ثم قام الأحنف بن قيس، فقال:
"يا أمير المؤمنين: إن الناس بين ماض وواقف، وقائل وساكت، وكل في موضعه حسن، وإنه لو نكل الآخر عن الأول لم يقل شيئًا، إلا أن يقول اليوم ما قد قيل أمس، ولكنه حق يقضى، ولم نقاتل القوم لنا ولا لك، إنما قاتلناهم لله، فإن حال أمر الله دوننا ودونك فاقبله، فإنك أولى بالحق، وأحقنا بالتوفيق، ولا أرى إلا القتال".
(1/381)

272- خطبة عمير بن عطارد:
ثم قام عمير بن عطارد، فقال:
"يا أمير المؤمنين: إن طلحة والزبير وعائشة كانوا أحب الناس إلى معاوية، وكانت البصرة أقرب إلينا من الشأم، وكان القوم الذين وثبوا عليك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، خيرًا من الذين وثبوا عليك من أصحاب معاوية اليوم، فوالله ما منعنا ذلك من قتل المحارب، وعيب الواقف، فقاتل القوم، إنا معك".
(1/382)

273- خطبة علي بن أبي طالب:
ثم قام علي خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: إنه قد بلغ بكم وبعدوكم ما قد رأيتم، ولم يبق منهم إلا آخر نفس، وإن الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها، وقد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغوا منكم ما بلغوا، وأنا غاد عليهم بنفسي بالغداة، فأحاكمهم بسيفي هذا إلى الله".
وأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يدعو عليًا إلى تحكيم كتاب الله، فأصبح أصحاب معاوية، وقد رفعوا المصاحف على الرماح، وقلدوها أعناق الخيل يقولون: "هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم".
(1/382)

274- مقال عدي بن حاتم:
فقام عدي بن حاتم، فقال:
"يا أمير المؤمنين: إن أهل الباطل، لا تعوق أهل الحق، وقد جزع القوم حين تأهبت للقتال بنفسك، وليس بعد الجزع إلا ما تحب، ناجز القوم".
(1/382)

275- مقال الأشتر النخعي:
ثم قام الأشتر فقال:
"يا أمير المؤمنين، ما أجبناك لدنيا. إن معاوية لا خلف له من رجاله، ولكن بحمد الله الخلف لك، ولو كان مثل رجالك، لم يكن له مثل صبرك، ولا نصرتك، فافرج1 الحديد بالحديد، واستعن بالله".
__________
1 أي شق سلاحهم مزقه بسلاحك.
(1/383)

276- مقال عمرو بن الحمق:
ثم قام عمرو بن الحمق فقال:
"يا أمير المؤمنين، ما أجبناك لدينا، ولا نصرناك على باطل، ما أجبناك إلا لله تعالى وما نصرناك إلا للحق، ولو دعانا غيرك إلى ما دعوتنا إليه، لكثر فيه اللجاج، وطالت له النجوى1، وقد بلغ الحق مقطعه، وليس معك رأي".
__________
1 المسارة.
(1/383)

277- مقال الأشعث بن قيس:
ثم قام الأشعث بن قيس فقال:
"يا أمير المؤمنين، إنا لك اليوم على ما كنا عليه أمس، ولست أدري كيف يكون غدًا، وما القوم الذين كلموك بأحمد لأهل العراق مني، ولا بأوتر1 لأهل الشأم مني، فأجب القوم إلى كتاب الله، فإنك أحق به منهم، وقد أحب الله البقيا".
__________
1 أي ولا أشد وترًا. من وتره إذا أدركه بمكروه.
(1/383)

278- مقال عبد الرحمن بن الحارث:
ثم قام عبد الرحمن بن حارث فقال:
"يا أمير المؤمنين، امض لأمر الله ولا يتسخفنك الذين لا يوقنون، أحكم بعد حكم وأمر بعد أمر؟ مضت دماؤنا ودماؤهم، ومضى حكم الله علينا وعليهم".
(1/384)

279- مقال عمار بن ياسر:
فلما أظهر علي أنه قد قبل التحكيم قام عمار بن ياسر فقال:
"يا أمير المؤمنين، أما والله لقد أخرجها إليك معاوية بيضاء، من أقر بها هلك، ومن أنكرها ملك، ما لك يا أبا الحسن، شككتنا في ديننا، ورددتنا على أعقابنا، بعد مائة ألف قتلوا منا ومنهم، أفلا كان هذا قبل السيف، وقبل طلحة والزبير وعائشة قد دعوك إلى ذلك فأبيت، وزعمت أنك أولى بالحق، وأن ما خالفنا منهم ضال حلال الدم، وقد حكم الله تعالى في هذا الحال ما قد سمعت، فإن كان القوم كفارًا مشركين، فليس لنا أن نرفع السيف عنهم حتى يفيئوا1 إلى أمر الله، وإن كانوا أهل فتنة فليس لنا أن نرفع السيف عنهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، والله ما أسلموا، ولا أدوا الجزية، ولا فاءوا إلى أمر الله ولا طفئت2 الفتنة" فقال علي: والله إني لهذا الأمر كاره.
ثم كثر اللجاج والجدال في الأمر، وجعل علي يبين لهم أنها خدعة ومكيدة يرام بها
__________
1 يرجعوا.
2 أي انطفأت.
(1/384)

توهين قوتهم، وتشتيت جمعهم، وهم لا يستمعون لقوله، ولا يذعنون لنصحه، وأقبل الأشعث بن قيس في ناس كثير من أهل اليمن، فقالوا لعلي: "لا ترد ما دعاك القوم إليه، قد أنصفك القوم، والله لئن لم تقبل هذا منهم لا وفاء معك، ولا نرمي معك بسهم ولا حجر، ولا نقف معك موقفًا".
وغلا أنصار التحكيم في تطرفهم فقالوا "يا علي أجب إلى كتاب الله إذ دعيت إليه، وإلا ندفعك برمتك إلى القوم، أو نفعل كما فعلنا بابن عفان" فلم ير بدًّا من الإذعان وقبول التحكيم.
"الإمامة والسياسة 1: 89".
(1/385)

التحكيم بين علي ومعاوية:
280- كلام عبد الله بن عباس لأبي موسى الأشعري:
ولما أجمع أهل العراق على طلب أبي موسى الأشعري وأحضروه للتحكيم على كره من علي عليه السلام، أتاه عبد الله بن العباس، وعنده وجوه الناس وأشرافهم، فقال له:
"أبا موسى: إن الناس لم يرضوا بك، ولم يجتمعوا عليك، لفضل لا تشارك فيه، وما أكثر أشباهك من المهاجرين والأنصار المتقدمين قبلك، ولكن أهل العراق أبوا إلا أن يكون الحكم يمانيًا، ورأوا أن معظم أهل الشام يمان، وايم الله إني لأظن ذلك شرًا لك ولنا، فإنه قد ضم إليك داهية العرب، وليس في معاوية خلة1 يستحق بها الخلافة، فإن نقذف بحقك على باطله، تدرك حاجتك منه، وإن يطمع باطله في حقك يدرك حاجته منك، واعلم يا أبا موسى أن معاوية طليق الإسلام، وأن أباه رأس الأحزاب، وأنه يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة، فإن زعم لك أن عمر وعثمان استعملاه، فلقد صدق، استعمله عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي، ويوجره2 ما يكره، ثم استعمله عثمان برأي عمر، وما أكثر من استعملا ممن لم يدع الخلافة، واعلم أن لعمرو مع كل شيء يسرك خبأً3 يسوءك، ومهما نسيت فلا تنس أن عليًا
__________
1 خصلة.
2 وجره الدواء "كوعده" وأوجره إياه: جعله في فيه، وأوجره الرمح: طعنه، ووجره: أسمعه ما يكره.
3 الخبء: ما خبئ.
(1/386)

بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وأنها بيعة هدى، وأنه لم يقاتل إلا العاصين والناكثين".
فقال أبو موسى: "رحمك الله، والله ما لي إمام غير علي، وإني لواقف عند ما رأى، وإن حق الله أحب إلي من رضا معاوية وأهل الشأم، وما أنت وأنا إلا بالله".
"شرح ابن أبي الحديد م 1: ص 195".
(1/387)

281- وصية شريح بن هانئ لأبي موسى الأشعري:
ولما أراد أبو موسى قام إليه شريح بن هانئ الحارثي، فأخذ بيده وقال:
"يا أبا موسى: إنك قد نصبت لأمر عظيم لا يجبر صدعه، ولا تستفال فلتته، ومهما تقل من شيء لك أو عليك، يثبت حقه، ويرى صحته وإن كان باطلًا، وإنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكهم معاوية، ولا بأس على أهل الشأم إن ملكهم علي، وقد كانت منك تثبيطة1 أيام الكوفة والجمل، فإن تشفعها بمثلها يكن الظن بك يقينًا، والرجاء منك يأسًا، ثم قال:
أبا موسى: رميت بشر خصم ... فلا تضع العراق "فدتك نفسي"
وأعط الحق شامهم وخذه ... فإن اليوم في مهل كأمس
وإن غدًا يجيء بما عليه ... كذاك الدهر من سعد ونحس
ولا يخدعك عمرو، إن عمرًا ... عدو الله مطلع كل شمس
له خدع يحار العقل منها ... مموهة مزخرفة بلبس
__________
1 أي تعويق.
(1/387)

فلا تجعل معاوية بن حرب ... كشيخ في الحوادث غير نكس1
هداه الله للإسلام فردا ... سوى عرس2 النبي، وأي عرس؟
فقال أبو موسى: "ما ينبغي لقوم اتهموني أن يرسلوني لأدفع عنهم باطلًا، أو أجر إليهم حقًًّا".
"شرح ابن أبي الحديد م 1: ص 195، والإمامة والسياسة 1: 99".
__________
1 كشيخ: يريد به الإمام عليا، والنكس: الضعيف والمقصر عن غاية الكرم.
2 أي زوجه، يريد السيدة خديجة رضي الله عنها، وأي عرس: أي وأي عرس هي. استفهام المراد به التعظيم.
(1/388)

282- وصية الأحنف بن قيس لأبي موسى الأشعري:
ولما حكم أبو موسى الأشعري أتاه الأحنف بن قيس، فقال له:
"يا أبا موسى، إن هذا مسير له ما بعده، من عز الدنيا أو ذلها آخر الدهر، ادع القوم إلى طاعة علي، فإن أبوا فادعهم أن يختار أهل الشأم من قريش العراق من أحبوا، ويختار أهل العراق من قريش الشأم من أحبوا، وإياك إذا لقيت ابن العاص أن تصافحه بنية، وأن يقعدك على صدر المجلس فإنها خديعة، وأن يضمك وإياه بيت، فيكمن لك فيه الرجال، ودعه فليتكم، لتكون عليه بالخيار، فالبادئ مستغلق1، والمجيب ناطق".
فما عمل أبو موسى إلا بخلاف ما قال الأحنف، وأشار به، فكان من الأمر ما كان، فلقيه الأحنف بعد ذلك، فقال له: "أدخل والله قدميك في خف واحدة".
" نهاية الأرب 7: 239، الإمامة والسياسة 1: 99، وشرح ابن أبي الحديد م 1: ص 196".
__________
1 أصله من قولهم: استغلقني في بيعه: لم يجعل لي خيارًا في رده: أي أن البادئ ليس له الخيار في رد ما قال.
(1/388)

283- وصية معاوية لعمرو بن العاص:
وقال معاوية لعمرو:
"إن أهل العراق أكرهوا عليًّا على أبي موسى، وأنا وأهل الشأم راضون عنك، وأرجو في دفع هذه الحرب قوة لأهل الشأم، وفرقة لأهل العراق، وإمدادًا لأهل اليمن، وقد ضم إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأي، وله على ذلك دين وفضل، فدعه يقول فإذا هو قال فاصمت، واعلم أن حسن الرأي زيادة في العقل، إن خوفك العراق فخوفه بالشام، وإن خوفك مصر فخوفه باليمن، وإن خوفك عليًا، فخوفه بمعاوية، وإن أتاك بالجميل فأته بالجميل".
(1/389)

284- رد عمرو بن العاص عليه:
فقال عمرو:
"يا أمير المؤمنين، أقلل الإهتمام بما قبلي، وارج الله تعالى فيما وجهتني له، إنك من أمرك على مثل حد السيف، لم تنل في حربك ما رجوت، ولم تأمن ما خفت، ونحن نرجو أن يصنع الله تعالى لك خيرًا، وقد ذكر لأبي موسى دينًا، وإن الدين منصور، أرأيت إن ذكر عليًا، وجاءنا بالإسلام والهجرة واجتماع الناس عليه ما أقول؟ ".
فقال معاوية: "قل ما تريد وترى".
"الإمامة والسياسة 1: 99".
(1/389)

285- مقال شرحبيل بن السمط لعمرو:
ولما ودعه شرحبيل بن السمط قال له:
"يا عمرو إنك رجل قريش، وإن معاوية لم يبعثك إلا لعلمه أنك لا تؤتى من عجز ولا مكيدة، وقد علمت أن وطأة هذا الأمر لك ولصاحبك، فكن عند ظننا بك".
"شرح ابن أبي الحديد م 1: ص 196، والإمامة والسياسة 1: 100".
(1/390)

286- خطبة أبي موسى الأشعري:
ولما التقى الحكمان أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص بدومة الجندل، ودار بينهما من الحوار ما دار، أقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فتقدم أبو موسى، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع عليًا ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر، فيولوا منهم من أحبوا عليهم، وإني قد خلعت عليا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم، وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلًا1". ثم تنحى.
__________
1 وفي رواية ابن قتيبة في الإمامة والسياسة: "وإني رأيت وعمرًا أن نخلع عليا ومعاوية ونجعلها لعبد الله بن عمر، فإنه لم يبسط في هذه الحرب يدًا ولا لسانًا" وفي رواية المسعودي في مروج الذهب: "وقد خلعت عليا كما خلعت عمامتي هذه "وأهوى إلى عمامته فخلعها" واستخلفنا رجلًا قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وصحب أبوه النبي صلى الله عليه وسلم، فبرز في سابقته، وهو عبد الله بن عمر وأطراه ورغب الناس فيه".
(1/390)

287- خطبة عمرو بن العاص:
وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه، فحمد الله وأثنى عليه وقال:
"إن هذا قد قال ما سمعتم، وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي عثمان بن عفان رضي الله عنه، والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه".
فقال أبو موسى: "مالك –لا وفقك الله- غدرت وفجرت! إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث1" قال عمرو: "إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا".
"تاريخ الطبري 6: 40، وشرح ابن أبي الحديد م 1: ص 198، والإمامة والسياسة 1: 101 مروج الذهب 2: 32".
__________
1 لهث الكلب كقطع: أخرج لسانه من العطش أو التعب، وكذا الرجل إذا أعيا.
(1/391)

288- خطبة الإمام علي بعد التحكيم:
وخطب الإمام علي كرم الله وجهه بعد فشل التحكيم فقال:
"الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح1، والحدث2 الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه إله غيره، وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله. أما بعد فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب، تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونخلت لكم مخزون رأيي، لو كان
__________
1 من فدحه الدين: أي أثقله.
2 الحادث.
(1/391)

يطاع لقصير1 أمر، فأبيتم علي إباء المخالفين الجفاة، والمنابذين العصاة، حتى ارتاب الناصح بنصحه، وضن الزند بقدحه، فكنت وإياكم كما قال أخو هوازن2:
أمرتكم أمري بمنعرج اللوى ... فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد
ألا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه، بغير هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، استعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشأم".
"نهج البلاغة 1: 44، وتاريخ الطبري 6: 43، والإمامة والسياسة 1: 105".
__________
1 قصير: هو مولى جذيمة الأبرش، وكان قد أشار على سيده أن لا يأمن الزباء ملكة الجزيرة، وقد دعته إليها ليتزوجها، فخالفه وقصد إليها، فقال قصير: "لا يطاع لقصير أمر" فذهبت مثلًا.
2 هو دريد بن الصمة.
(1/392)

289- خطبة الحسن بن علي:
وقال الإمام علي: قم يا حسن فتكلم في أمر هذين الرجلين أبي موسى وعمرو، فقام الحسن فتكلم فقال:
"أيها الناس، قد أكثرتم في أمر أبي موسى وعمرو، وإنما بعثا ليحكما بالقرآن دون الهوى، فحكما بالهوى دون القرآن، فمن كان هكذا لم يكن حكمًا، ولكنه محكوم عليه، وقد كان من خطأ أبي موسى أن جعلها لعبد الله بن عمر، فأخطأ في ثلاث خصال: خالف "يعني أبا موسى" أباه عمر إذ لم يرضه لها، ولم يره أهلًا لها، وكان أبوه أعلم به من غيره، ولا أدخله في الشورى إلا على أنه لا شيء له فيها، شرطًا مشروطًا من
(1/392)

عمر على أهل الشورى، فهذه واحدة، وثانية: لم يجتمع عليه المهاجرين والأنصار، الذين يعقدون الإمامة، ويحكمون على الناس. وثالثة: لم يستأمر الرجل في نفسه، ولا علم ما عنده من رد أو قبول" ثم جلس.
(1/393)

290- خطبة عبد الله بن عباس "توفي سنة 68هـ":
ثم قال علي لعبد الله بن عباس: قم فتكلم، فقام عبد الله بن عباس وقال:
"أيها الناس: إن للحق أناسًا أصابوه بالتوفيق والرضا، والناس بين راض به، وراغب عنه، وإنما سار أبو موسى بهدى إلى ضلال، وسار عمرو بضلال إلى هدى، فلما التقيا رجع أبو موسى عن هداه، ومضى عمرو على ضلاله، فوالله لو كانا حكما عليه بالقرآن لقد حكما عليه، ولئن كانا حكما بهواهما على القرآن، ولئن مسكا بما سارا به، لقد سار أبو موسى وعلي إمامه، وسار عمرو ومعاوية إمامه" ثم جلس.
(1/393)

291- خطبة عبد الله بن جعفر:
فقال علي لعبد الله بن جعفر: قم فتكلم، فقام وقال:
"أيها الناس: هذا أمر كان النظر فيه لعلي، والرضا فيه إلى غيره، جئتم بأبي موسى فقلتم قد رضينا هذا فارض به، وايم الله ما أصلحا بما فعلا الشأم، ولا أفسدا العراق، ولا أماتا حق علي، ولا أحييا باطل معاوية، ولا يذهب الحق قلة رأي، ولا نفخة شيطان، وإنا لعلي اليوم كما كنا أمس عليه" ثم جلس.
"الإمامة والسياسة 1: 102".
(1/393)

292- خطبة علي:
ولما نزل علي النخيلة وأيس من الخوارج، قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد: فإنه من ترك الجهاد في الله، وادهن في أمره، كان على شفا هلكة، إلا أن يتداركه الله بنعمة، فاتقوا الله، وقاتلوا من حاد الله، وحاول أن يطفئ نور الله، قاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين المجرمين الذين ليسوا بقراء للقرآن، ولا فقهاء في الدين، ولا علماء في التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل في سابقة الإسلام، والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل، تيسروا وتهيئوا للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب. وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم، فإذا قدموا فاجتمعتم شخصنا إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
"تاريخ الطبري 6: 44".
(1/394)

293- خطبة عبد الله بن عباس:
وكتب علي إلى عبد الله بن عباس: "أما بعد: فإنا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة، وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب، فأشخص بالناس حين يأتيك رسولي، وأقم حتى يأتيك أمري والسلام".
فلما قدم عليه الكتاب قرأه على الناس، وأمرهم بالشخوص مع الأحنف بن قيس، فشخص معه منهم ألف وخمسمائة رجل، فاستقلهم عبد الله بن عباس، فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد يأهل البصرة فإنه جاءني أمر أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم، فأمرتكم بالنفير إليه مع الأحنف بن قيس، ولم يشخص معه منكم إلا ألف وخمسمائة، وأنتم ستوت ألفًا سوى أبنائكم وعبدانكم وموالكيم ألا انفروا مع جارية بن قدامة السعدي،
(1/394)

ولا يجعلن رجل على نفسه سبيلًا، فإني موقع بكل من وجدته متخلفًا عن مكتبه، عاصيًا لإمامه. وقد أمرت أبا الأسود الدؤلي بحشركم، فلا يلم رجل جعل السبيل على نفسه إلا نفسه".
"تاريخ الطبري 6: 44".
(1/395)

294- خطبة علي:
فخرج جارية فعسكر، وخرج أبو الأسود فحشر الناس، فاجتمع إلى جارية ألف وسبعمائة، ثم أقبل حتى وافاه علي بالنخيلة، فلم يزل بالنخيلة حتى وافاه هذان الجيشان من البصرة ثلاثة آلاف ومائتا رجل، فجمع إليه رءوس أهل الكوفة ورءوس الأسباع ورءوس القبائل ووجوه الناس.
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "يأهل الكوفة، أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق، وصحابتي على جهاد عدوي المحلين، بكم أضرب المدبر، وأرجو تمام طاعة المقبل، وقد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم إليكم، فلم يأتني منهم إلا ثلاثة آلاف ومائتا رجل، فأعينوني بمناصحة جلية خلية من الغش، وإنكم ... 1 مخرجنا إلى صفين، بل استجمعوا بأجمعكم، وإني أسألكم أن يكتب لي رئيس كل قوم ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال وعبدان عشيرته ومواليهم، ثم يرفع ذلك إلينا".
فقام سعيد بن قيس الهمداني فقال: يا أمير المؤمنين سمعًا وطاعة وودا ونصيحة، أنا أول الناس جاء بما سألت وبما طلبت، وقام معقل بن قيس الرياحي فقال له نحوًا من ذلك، وقام عدي بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدي وأشراف الناس والقبائل فقالوا مثل ذلك، ثم إن الرءوس كتبوا من فيهم ثم رفعوهم إليه.
"تاريخ الطبري 4: 45".
__________
1 فراغ في الأصل.
(1/395)

295- خطبة علي:
وكتب علي إلى سعد بن مسعود الثقفي، وهو عامله على المدائن: "أما بعد فإني قد بعثت إليك زياد بن خصفة فأشخص معه من قبلك من مقاتلة أهل الكوفة، وعجل ذلك إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله"
وبلغ عليا أن الناس يقولون: لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم، فإنا فرغنا منهم وجهنا من وجهنا ذلك إلى المحلين. فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد فإنه قد بلغني قولكم: لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجت عليه، فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم وجهنا إلى المحلين.
وأن غير هذه الخارجة أهم إلينا منهم، فدعوا ذكرهم، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكًا، ويتخذوا عباد الله خولا1".
فتنادى الناس من كل جانب: سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت، وقام إليه صيفي بن فسيل الشيباني فقال: يا أمير المؤمنين، نحن حزبك وأنصارك، نعادي من عاديت، ونشايع من أناب إلى طاعتك، فسر بنا إلى عدوك من كانوا وأينما كانوا، فإنك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد، ولا ضعف نية أتباع.
وقام إليه محرز بن شهاب التميمي من بني سعد قال: يا أمير المؤمنين: شيعتك كقلب رجل واحد في الإجماع على بصرك، والجد في جهاد عدوك، فأبشروا بالنصر، وسر بنا إلى أي الفريقين أحببت، فإنا شيعتك الذين نرجو في طاعتك، وجهاد من خالفك صالح الثواب، ونخاف في خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال
"تاريخ الطبري 6: 45".
__________
1 عبيدًا.
(1/396)

296- خطبة لمعاوية:
ولما فشل التحكيم بايع أهل الشأم معاوية بالخلافة، واختلف الناس بالعراق على علي فما كان لمعاوية هم إلا مصر، فدعا أصحابه ليستشيرهم في أمرها، وكان فيهم عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد فقد رأيتم كيف صنع الله بكم في حربكم عدوكم، جاءوكم وهم لا ترون إلا أنهم سيقبضون بيضتكم1، ويخربون بلادكم، ما كانوا يرون إلا أنكم في أيديهم، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرًا مما أحبوا، وحاكمناهم إلى الله فحكم لنا عليهم، ثم جمع لنا كلمتنا وأصلح ذات بيننا، وجعلهم أعداء متفرقين يشهد بعضهم على بعض بالكفر، ويسفك بعضهم دم بعض، والله إني لأرجو أن يتم لنا هذا الأمر، وقد رأيت أن نحاول أهل مصر فكيف ترون ارتئاءنا لها؟ ".
وكان عمرو بن العاص قد صالح معاوية حين بايعه على قتال علي بن أبي طالب، على أن له مصر طعمة ما بقي، فقال لمعاوية: فإني أشير عليك كيف تصنع: أرى أن تبعث جيشًا كثيفًا عليهم رجل حازم صارم تأمنه وتثق به، فيأتي مصر حتى يدخلها.. فسيره إليها.
"تاريخ الطبري 6: 56".
__________
1 البيضة: حوزة كل شيء.
(1/397)

297- وصية معاوية لعمرو بن العاص:
وجهز معاوية عمرو بن العاص، وبعثه في ستة آلاف رجل، وخرج وودعه، وقال له عند وداعه إياه:
(1/397)

"أوصيك يا عمرو بتقوى الله والرفق، فإنه يمن، وبالمهل والتؤدة، فإن العجلة من الشيطان، وبأن تقبل ممن أقبل، وأن تعفو عمن أدبر، فإن قبل فبها ونعمت، وإن أبى فإن السطوة بعد المعذرة أبلغ في الحجة، وأحسن في العاقبة، وادع الناس إلى الصلح والجماعة، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك، وكل الناس فأوْلِ حسنا".
"تاريخ الطبري 6: 57".
(1/398)

خطبة محمد بن أبي بكر
...
298- خطبة بن أبي بكر:
وقدم محمد بن أبي بكر مصر واليًا عليها من قبل علي بن أبي طالب "سنة 36هـ" فقام خطيبًا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"الحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق، وبصرنا وإياكم كثيرًا بما عمي عنه الجاهلون، ألا إن أمير المؤمنين ولاني أموركم، وعهد إلي ما قد سمعتم، وأوصاني بكثير منه مشافهة، ولن آلوكم خيرًا ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، فإن يكن ما ترون من إمارتي وأعمالي طاعة لله وتقوى، فاحمدوا الله عز وجل على ما كان من ذلك، فإنه هو الهادي. وإن رأيتم عاملًا لي عمل غير الحق زائفًا، فارفعوه إلي وعاتبوني فيه، فإني بذلك أسعد، وأنتم بذلك جديرون، وفقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته".
"تاريخ الطبري 5: 232".
(1/398)

299- خطبة لمحمد بن أبي بكر:
وأقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصر، فقام محمد بن أبي بكر في الناس، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال:
"أما بعد معاشر المسلمين والمؤمنين، فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة،
(1/398)

وينعشون الضلالة، ويشبون نار الفتنة، ويتسلطون بالجبرية، قد نصبوا لكم العداوة، وساروا إليكم بالجنود.
عباد الله فمن أراد الجنة والمغفرة، فليخرج إلى هؤلاء القوم، فليجاهدهم في الله. انتدبوا إلى هؤلاء. رحمكم الله مع كنانة بن بشر" ثم انتهى الأمر بقتل محمد بن أبي بكر.
"تاريخ الطبري 6: 59".
(1/399)

300- خطبة لعلي وقد استصرخه محمد بن أبي بكر:
ولما سير معاوية عمرو بن العاص إلى مصر "سنة 38هـ" -وكان عليها محمد بن أبي بكر من قبل علي- بعث ابن أبي بكر إلى علي يستصرخه، فقام علي في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال:
"أما بعد، فإن هذا صريخ محمد بن أبي بكر، وإخوانكم من أهل مصر، قد سار إليهم ابن النابغة، عدو الله، وولي من عادى الله، فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت، أشد اجتماعًا منكم على حقكم هذا، فإنهم قد بدءوكم وإخوانكم بالغزو، فاعجلوا إليهم بالمؤاساة والنصر.
عباد الله: إن مصر أعظم من الشأم، أكثر خيرًا، وخير أهلًا، فلا تغلبوا على مصر، فإن بقاء مصر في أيديكم عز لكم، وكبت لعدوكم، اخرجوا إلى الجرعة بين الحيرة والكوفة، فوافوني بها هناك غدًا إن شاء الله".
"تاريخ الطبري 6: 61 وشرح ابن أبي الحديد م 2: 34".
(1/399)

301- خطبة علي حين بلغه مقتل محمد بن أبي بكر:
ولما بلغ عليا مقتل محمد بن أبي بكر، حزن عليه حتى رئي ذلك في وجهه وتبين فيه وقام في الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم وقال:
"إلا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلم، الذين صدوا عن سبيل الله، وبغوا الإسلام عوجا، ألا وإن محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمه الله، فعند الله نحتسبه، أما والله إن كان -ما علمت- لممن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحب هدى المؤمن.
إني والله ما ألوم نفسي على التقصير، وإني لمقاساة الحرب نجد1 خبير، وإني لأقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم، وأقوم فيكم بالرأي المصيب، فأستصرخكم معلنا، وأناديكم نداء المستغيث معربًا، فلا تسمعون لي قولًا، ولا تطيعون لي أمرًا، حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر، ولا ينقض بكم الأوتار، دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة، فتجرجرتم جرجرة2 الجمل الأشدق، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نية في جهاد العدو، ولا اكتساب الأجر، ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب3 كأنما يساقون إلى الموت، وهم ينظرون، فأفٍّ لكم" ثم نزل:
"تاريخ الطبري 6: 62".
__________
1 النجد: الشجاع الماضي فيما يعجز غيره.
2 الجرجرة: صوت تردده البعير في حنجرته، وأكثر ما يكون ذلك عند الإعياء والتعب.
3 جنيد: تصغير جند، متذائب: مضطرب. من قولهم: تذاءبت الريح أي اضطرب هبوبها، ومنه سمي الذئب ذئبًا لاضطراب مشيته.
(1/400)

فتنة الخوارج:
302- مناظرة عبد الله بن عباس لهم:
لما رجع الإمام علي كرم الله وجهه من صفين إلى الكوفة -بعد كتابة صحيفة التحكيم بينه وبين معاوية- اعتزله جماعة من أصحابه ممن رأوا التحكيم ضلالًا، ونزلوا حروراء1 في اثني عشر ألفًا، وأمروا على القتال شبث بن ربعي، وعلى الصلاة عبد الله بن الكواء، فبعث إليهم علي عبد الله بن عباس، فقال: لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك، فخرج إليهم حتى أتاهم، فأقبلوا يكلمونه، فلم يصبر حتى راجعهم فقال:
"ما نقمتم من الحكمين؟ وقد قال الله عز وجل: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} 2 فكيف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقالت الخوارج: قلنا: أما ما جعل حكمه إلى الناس وأمر بالنظر فيه والإصلاح له، فهو إليهم كما أمر به، وما حكم فأمضاه، فليس للعباد أن ينظروا فيه، حكم في الزانى مائة جلدة، وفي السارق بقطع يده، فليس للعباد أن ينظروا في هذا، قال ابن عباس: فإن الله عز وجل يقول: {يَحْكُمُ بِهِ
__________
1 بظاهر الكوفة.
2 الآية في الصلح بين الزوجين: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} .
(1/401)

ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} 1، فقالوا له: "أو تجعل الحكم في الصيد، والحدث يكون بين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين؟ " وقالت الخوارج: قلنا له: فهذه الآية بيننا وبينك، أعدل عندك ابن العاص وهو بالأمس يقاتلنا، ويسفك دماءنا؟ فإن كان عدلًا فلسنا بعدول، ونحن أهل حربه، وقد حكمتم في أمر الله الرجال، وقد أمضى الله عز وجل حكمه في معاوية وحزبه أن يقتلوا أو يرجعوا2، وقبل ذلك ما دعوناهم إلى كتاب الله عز وجل فأبوه، ثم كتبتم بينكم وبينه كتابًا، وجعلتم بينكم وبينه الموادعة والاستفاضة3 وقد قطع الله عز وجل الاستفاضة والموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة، إلا من أقر بالجزية".
"تاريخ الطبري 6: 36، والكامل للمبرد 2: 120".
__________
1 الآية في حكم قاتل الصيد وهو محرم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} .
2 يشيرون إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
3 استفاض المكان استفاضة: اتسع، وهي هنا مرادفة للموادعة.
(1/402)

303- مناظرة الإمام علي لهم:
ثم خرج إليهم علي حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس، فقال: انته عن كلامهم ألم أنهك رحمك الله؟
(1/402)

ثم تكلم، فحمد الله عز وجل، وأثنى عليه، ثم قال:
"اللهم إن هذا مقام من أفلج1 فيه كان أولى بالفلج يوم القيامة، ومن نطق فيه وأوعث2 فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا، ثم قال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء، قال علي: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتكم يوم صفين. قال: أنشدكم بالله أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف، فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله، قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم، إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني صحبتهم وعرفتهم أطفالًا ورجالًا، فكانوا شر أطفال وشر رجال، امضوا على حقكم وصدقكم، فإنما رفع القوم هذه المصاحف خديعة وإدهانًا3 ومكيدة، فرددتم علي رأيي، وقلتم: لا، بل نقبل منهم، فقلت لكم: اذكروا قولي لكم ومعصيتكم إياي، فلما أبيتم إلا الكتاب، اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وإن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن، فليس لنا أن نخالف حكمًا يحكم بما في القرآن، وإن أبيا فنحن من حكمها برآء، قالوا له: فخبرنا أتراه عدلًا تحكيم الرجال في الدماء؟ فقال: إنا لسنا حكمنا الرجال، إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق، إنما يتكلم به الرجال، قالوا: فخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك وبينهم؟ قال: ليعلم الجاهل، ويتثبت العالم، ولعل الله عز وجل يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة، ادخلوا مصركم رحمكم الله، فدخلوا من عند آخرهم".
"تاريخ الطبري 6: 37، الكامل للمبرد 2: 128".
__________
1 الفلج والإفلاج: الظفر والفوز.
2 أوعث: وقع في الوعث "الوعث بالسكون: المكان السهل الدهس تغيب فيه الأقدام والطريق العسر".
3 الإدهان: الغش.
(1/403)

304- صورة أخرى:
وروى صاحب العقد المناظرة بين علي وبين الخوارج بصورة أخرى وهاكها:
"قالوا: إن عليًأ لما اختلف عليه أهل النهروان والقرى وأصحاب البرانس، ونزلوا قرية يقال لها حروراء -وذلك بعد وقعة الجمل- رجع إليهم علي بن أبي طالب، فقال لهم: يا هؤلاء من زعيمكم! قالوا: ابن الكواء، قال: فليبرز إلي، فخرج إليه ابن الكواء، فقال له علي: يابن الكواء، ما أخرجكم علينا بعد رضاكم بالحكمين، ومقامكم بالكوفة؟ قال: قاتلت بنا عدوا لا نشك في جهاده، فزعمت أن قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار، فبينما نحن كذلك إذ أرسلت منافقًا، وحكمت كافرًا، وكان من شكك في أمر الله أن قلت للقوم حين دعوتهم: كتاب الله بيني وبينكم، فإن قضى علي بايعتكم، وإن قضى عليكم بايعتموني، فلولا شكك لم تفعل هذا، والحق في يدك. قال علي: يابن الكواء، إنما الجواب بعد الفراغ، أفرغت فأجيبك؟ قال: نعم، قال علي: أما قتالك معي عدوا لا نشك في جهاده فصدقت، ولو شككت فيهم لم أقاتلهم، وأما قتلانا وقتلاهم، فقد قال الله في ذلك ما يستغنى به عن قولي، وأما إرسالي المنافق وتحكيمي الكافر، فأنت أرسلت أبا موسى مبرنسًا، ومعاوية حكم عمرًا، أتيت بأبي موسى مبرنسًا، فقلت: لا نرضى إلا أبا موسى، فهلا قام إلي رجل منكم فقال: يا علي لا تعط هذه الدنية؛ فإنها ضلالة؟ وأما قولي لمعاوية: إن جرني إليك كتاب الله تبعتك، وإن جرك إلي تبعتني. زعمت أني لم أعطَ ذلك إلا من شك، فقد علمت أن أوثق ما في يديك هذا الأمر، فحدثني ويحك عن اليهودي والنصراني ومشركي العرب، أهم أقرب إلى كتاب الله أم معاوية وأهل الشأم؟ قال: بل معاوية وأهل الشأم أقرب، قال علي: أفرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوثق بما في يديه من كتاب الله أو أنا؟ قال: بل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أفرأيت الله تبارك وتعالى حين يقول: {قُلْ فَأْتُوا}
(1/404)

{بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . أما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أنه لا يؤتى بكتاب هو أهدى في يديه؟ قال: بلى، قال فلم أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم ما أعطاهم؟ قال: إنصافًا وحجة، قال: فإني أعطيت القوم ما أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن الكواء: فإني أخطأت. هذه واحدة. زدني، قال علي: فما أعظم ما نقمتم علي؟ قال: تحكيم الحكمين، نظرنا في أمرنا، فوجدنا تحكيمهما شكًّا وتبذيرًا، قال علي: فمتى سمي أبو موسى حكمًا، حين أرسل، أو حين حكم؟ قال: حين أرسل، قال: أليس قد سار وهو مسلم، وأنت ترجو أن يحكم بما أنزل الله؟ قال: نعم، قال علي: فلا أرى الضلال في إرساله، فقال ابن الكواء: سمي حكمًا حين حكم، قال: نعم إذن فإرساله كان عدلًا، أرأيت يا بن الكواء لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مؤمنًا إلى قوم مشركين يدعوهم إلى كتاب الله، فارتد على عقبه كافرًا، كان يضر نبي الله شيئًا؟ قال: لا، قال علي: فما كان ذنبي إن كان أبو موسى ضل، هل رضيت حكومته حين حكم، أو قوله إذ قال؟ قال ابن الكواء: لا، ولكنك جعلت مسلمًا وكافرًا يحكمان في كتاب الله، قال علي: ويلك يا بن الكواء! هل بعث عمرًا غير معاوية؟ وكيف أحكمه وحكمه على ضرب عنقي، إنما رضي به صاحبه، كما رضيت أنت بصاحبك، وقد يجتمع المؤمن والكافر يحكمان في أمر الله، أرأيت لو أن رجلًا مؤمنًا تزوج يهودية أو نصرانية، فخافا شقاق بينهما، ففزع الناس إلى كتاب الله، وفي كتابه: {فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} فجاء رجل من اليهود، أو رجل من النصارى، ورجل من المسلمين، اللذين يجوز لهما أن يحكما في كتاب الله فحكما. قال ابن الكواء: وهذه أيضًا، أمهلنا حتى ننظر، فانصرف عنهم علي.
فقال له صعصعة بن صوحان: يا أمير المؤمنين، ائذن لي في كلام القوم، قال: نعم ما لم تبسط يدًا، فنادى صعصعة ابن الكواء، فخرج إليه فقال: أنشدكم الله يا معشر
(1/405)

الخارجين أن لا تكونوا عارًا على من يغزو لغيره1، وأن لا تخرجوا بأرض تسمون بها بعد اليوم، ولا تستعجلوا ضلال العام قابل، فقال له ابن الكواء: إن صاحبك لقينا بأمر، قولك فيه صغير، فأمسك.
قالوا: إن عليًّا خرج بعد ذلك إليهم، فخرج إليه ابن الكواء، فقال له علي: يابن الكواء: إنه من أذنب في هذا الدين ذنبًا يكون في الإسلام حدثًا، استتبناه من ذلك الذنب بعينه، وإن توبتك أن تعرف هدى ما خرجت منه، وضلال ما دخلت فيه. قال ابن الكواء: إننا لا ننكر أنا قد فتنا، فقال له عبد الله بن عمرو بن جرموز: أدركنا والله هذه الآية {الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} -وكان عبد الله من قراء أهل حروراء، فرجعوا فصلوا خلف علي الظهر، وانصرفوا معه إلى الكوفة، ثم اختلفوا بعد ذلك في رجعتهم ولام بعضهم بعضًا، ثم خرجوا على علي، فقتلهم بالنهروان.
"العقد الفريد 2: 240".
__________
1 أي لغير منفعته الشخصية بل للم شعث المسلمين وجمع كلمتهم؛ يعني عليًّا وأصحابه.
(1/406)

305- مناظرة ابن عباس لهم:
فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن عليًّا رجع عن التحكيم، وتاب منه، ورآه ضلالًا، فأتى الأشعث بن قيس عليًّا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالًا، والإقامة عليها كفرًا وتبت، فخطب علي الناس فقال:
"من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب، ومن رآها ضلالًا فهو أضل منها، فخرجت الخوارج من المسجد فحكمت، فقيل لعلي: إنهم خارجون، فقال: لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسيفعلون، فوجه إليهم عبد الله بن العباس.
فلما سار إليهم رحبوا به وأكرموه، فرأى منهم جباها قرحت لطول السجود،
(1/406)

وأيديا كثفنات1 الإبل، وعليهم قمص مرحضة2 وهم مشمرون. قالوا: ما جاء بك يابن عباس؟ قال: جئتكم من عند صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، وأعلمنا بربه وسنة نبيه، ومن عند المهاجرين والأنصار، فقالوا: إنا أتينا عظيما حين حكمنا الرجال في دين الله، فإن تاب كما تبنا، ونهض لمجاهدة عدونا رجعنا، فقال ابن عباس: نشدتكم الله إلا ما صدقتم أنفسكم. أما علمتم أن الله أمركم بتحكيم الرجال في أرنب تساوي ربع درهم تصاد في الحرم، وفي شقاق امرأة ورجلها، فقالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم الله هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عن القتال، للهدنة بينه وبين الحديبية3، قالوا: نعم ولكن عليًّا محا نفسه من خلافة المسلمين، قال ابن عباس: أذلك يزيلها عنه؟ وقد محا رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه من النبوة، قال سهيل4 بن عمرو: لو علمت أنك رسول الله ما حاربتك، فقال للكاتب5: اكتب محمد بن عبد الله وقد أخذ على الحكمين أن لا يجورا، فعلي أولى من معاوية وغيره، قالوا: إن معاوية يدعي مثل دعوى علي، قال: فأيهما رأيتموه أولى فولوه، قالوا: صدقت، قال ابن عباس: ومتى جار الحكمان فلا طاعة لهما، ولا قبول لقولهما".
فاتبعه منهم ألفان وبقي أربعة آلاف، فلم يزالوا على ذلك حتى اجتمعوا على البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي.
"العقد الفريد 1: 212".
__________
1 ثفنة البعير: ركبته.
2 قمص جمع قميص، ورحض الثوب: غسله.
3 أي وبين أهل الحديبية. والحديبية بئر قرب مكة، وكانت غزوة الحديبية سنة ست هجرية.
4 النائب عن قريش في عقد الصلح مع المسلمين.
5 وكان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
(1/407)

306- خطبة يزيد بن عاصم المحاربي:
وخرج الإمام علي كرم الله وجهه ذات يوم يخطب، فإنه لفي خطبته، إذ حكمت1 المحكمة في جوانب المسجد، فقال علي: الله أكبر، كلمة حق يراد بها باطل: إن سكتوا عممناهم، وإن تكلموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم، فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال:
"الحمد لله غير مودع2 ربنا ولا مستغنى عنه، اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية3 في ديننا، فإن إعطاء الدنية في الدين إدهان4 في أمر الله عز وجل، وذل راجع بأهله إلى سخط الله، يا علي أبالقتل تخوفنا؟ أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات5، ثم لتعلمن أينا أولى بها صليًّا6".
ثم خرج بهم هو وإخوة له ثلاثة هو رابعهم، فأصيبوا مع الخوارج بالنهر، وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة.
"تاريخ الطبري 6: 41".
__________
1 أي قالوا: لا حكم إلا الله، ويسمي الخوارج المحكمة: أي الذين يمنعون التحكيم.
2 أي غير متروك ولا مقطوع: أي حمدًا دائمًا.
3 يريد بها قبول التحكيم.
4 الإدهان والمداهنة: إظهار غير ما يضمر.
5 أي نضربكم بحدها لا بعرضها، ضربه بالسيف مصفحًا: أي بعرضه.
6 صلي النار وبها صليا: قاسى حرها.
(1/408)

خطبة عبد الله بن وهب الراسي
...
307- خطبة عبد الله بن وهب الراسبي:
ولما بعث الإمام علي أبا موسى الأشعري لإنفاذ الحكومة، لقيت الخوارج بعضها بعضًا، فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
(1/408)

"أما بعد: فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا –التي الرضا بها والركون إليها، والإيثار إياها عناء وتبار1- آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول بالحق، وإن من 2 وضر، فإنه من يمن ويضر في هذه الدنيا، فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله عز وجل، والخلود في جناته، فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القربة الظالم أهلها، إلى بعض كور3 الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه البدع المضلة".
__________
1 هلاك.
2 أي قطع وهجر.
3 جمع كورة بالضم، وهي المدينة والصقع.
(1/409)

308- خطبة حرقوص بن زهير السعدي:
فقام حرقوص بن زهير السعدي فقال:
"إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك1، فلا تدعونكم زينتها، وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكم عن طلب الحق، وإنكار الظلم، فإن الله مع الذي اتقوا والذين هم محسنون".
__________
1 سريع.
(1/409)

309- خطبة حمزة بن سنان الأسدي:
فقام حمزة بن سنان الأسدي فقال:
"يا قوم إن الرأي ما قد رأيتم، والحق ما قد ذكرتم، فولوا أمركم رجلًا منكم فإنه لا بد لكم من عماد وسناد، وراية تحفون بها، وترجعون إليها".
فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبى، وعلى حرقوص بن زهير فأبى، وعلى
(1/409)

حمزة بن سنان، وشريح بن أوفى العبسي فأبيا، وعلى عبد الله بن وهب فقال: "هاتوها، أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا، ولا أدعها فرقًا1 من الموت" فبايعوه "لعشر خلون من شوال سنة 37 هـ".
__________
1 جزعًا وخوفًا.
(1/410)

310- خطبة شريح بن أوفى العبسي: 1
ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي، فقام شريح فقال:
"إن الله أخذ عهودنا ومواثيقنا على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقول بالحق، والجهاد في تقويم السبيل، وقد قال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} وقال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} فاشهدوا على أهل دعوتنا أن قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم القرآن، وجاروا في الحكم والعمل، وأن جهادهم على المؤمنين فرض، وأقسم بالذي تعنو2 له الوجوه، وتخشع دونه الأبصار، لو لم يكن أحد على تغيير المنكر، وقتال القاسطين3 مساعدًا، لقاتلتهم وحدي فردًا حتى ألقى الله ربي، فيرى أني قد غيرت "إرادة رضوانه" بلساني، يا إخواننا، اضربوا جباههم ووجوههم بالسيف، حتى يطاع الرحمن عز وجل، فإن
__________
1 قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة: "ثم اجتمعوا في منزل زفر بن حصين الطائي، فقالوا: إن الله أخذ عهودنا ومواثيقنا.... إلى آخر الخطبة، ولم يذكر قائلها. وذكر الطبري في تاريخه: أنهم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي، وذكرت الفقرات الأخيرة من هذه الخطبة وعزاها إلى شريح".
2 تذل وتخضع.
3 الجائرين.
(1/410)

يطع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له الآمرين بأمره، وإن قتلتم فأي شيء أعظم من المسير إلى رضوان الله وجنته؟ واعلموا أن هؤلاء القوم خرجوا لإقصاء حكم الضلالة، فاخرجوا بنا إلى بلد نتعد فيه الاجتماع من مكاننا هذا، فإنكم قد أصبحتم بنعمة ربكم وأنتم أهل الحق بين الخلق، إذ قلتم بالحق، وصمدتم لقول الصدق، فاخرجوا بنا إلى "المدائن1" نسكنها فنأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة، فيقدمون علينا".
__________
1 على نهر دجلة شرقًا.
(1/411)

311- مقال زيد بن حصين الطائي:
فقال زيد بن حصين الطائي:
"إنكم إن خرجتم مجتمعين أتبعتم، ولكن اخرجوا وحدانًا مستخفين، فأما المدائن، فإن بها قومًا يمنعونكم منها، ويمنعونها منكم، ولكن اكتبوا إلى إخوانكم من أهل البصرة، فأعلموهم بخروجكم، وسيروا حتى تنزلوا جسر النهروان1".
قالوا: هذا هو الرأي، فاجتمعوا على ذلك، وكتبوا به إليهم.
"تاريخ الطبري 5: 42، والإمامة والسياسة 1: 104".
__________
1 النهروان: بليدة بالقرب من بغداد، نحو أربعة فراسخ.
(1/411)

312- خطبة علي في تخويف أهل النهروان:
فلما نزلوا بالنهروان، وأتوا بها ما أتوا من الأحداث1، وأتاهم الإمام علي كرم الله وجهه، فوقف عليهم فقال:
"أيها العصابة التي أخرجها عداوة المراء واللجاجة، وصدها عن الحق الهوى، وطمح بها النزق2 وأصبحت في اللبس والخطب العظيم، إني نذير لكم أن تصبحوا تلفيكم الأمة غدًا صرعى بأثناء3 هذا النهر، وبأهضام4 هذا الغائط5، على غير بينة من ربكم، ولا سلطان مبين معكم، وقد طوحت بكم الدار، واحتبلكم6 المقدار.
ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، وأخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن7 ومكيدة لكم؟ ونبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأني أعرف بهم منكم؟
__________
1 من ذلك أنهم لقوا عبد الله بن خباب بن الأرت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه امرأته وهي حبل متم "أي دنا ولادها" فقالوا: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيرًا، قالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال: إنه كان محقًّا في أولها وفي آخرها، قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنه أعلم بالله منكم وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة، فقالوا: إنك تتبع الهوى، وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها، ثم قربوه إلى شاطئ النهر فذبحوه، وسال دمه في الماء، وبقروا بطن امرأته، وقتلوا ثلاث نسوة من طيئ، وقتلوا أم سنان الصيداوية، وأصابوا مسلمًا ونصرانيًّا، فقتلوا المسلم وأوصوا بالنصراني خيرًا، وقالوا: احفظوا ذمة نبيكم، وأرسل إليهم علي رسولًا ينظر فيما بلغه عنهم فقتلوه، فبعث إليهم أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل الشأم، فلعل الله يقلب قلوبكم ويردكم إلى خير ما أنتم عليه من أمركم، فبعثوا إليه، فقالوا كلنا قتلهم، وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم.
2 الطيش.
3 جمع ثنى بالكسر: أي منعطفاته.
4 جمع هضم "بالفتح ويكسر" وهو المطئن من الأرض.
5 الغائط: المطمئن الواسع من الأرض.
6 أوقعكم في الحبالة.
7 دهن الرجل: إذا نافق.
(1/412)

"عرفتهم أطفالًا ورجالًا، فهم أهل المكر والغدر" وأنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم؟ فعصيتموني وأكرهتموني حتى حكمت، فلما أن فعلت شرطت واستوثقت، فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة، وعملا بالهوى، فنبذنا أمرهما، ونحن على أمرنا الأول، فما الذي بكم، ومن أين أتيتم؟ ".
قالوا: إنا حكمنا، فلما حكمنا أثمنا، وكنا بذلك كافرين، وقد تبنا، فإن تبت كما تبنا، فنحن منك ومعك، وإن أبيت فاعتزلنا، فإنا منابذوك على سواء1 إن الله لا يحب الخائنين".
فقال علي: "أصابكم حاصب2، ولا بقي منكم وابر3، أبعد إيماني برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهجرتي معه، وجهادي في سبيل الله، أشهد على نفسي بالكفر؟ لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين، فأوبوا شر مآب4، وارجعوا على أثر الأعقاب5 أما إنكم ستلقون بعدي ذلًّا شاملًا، وسيفًا قاطعًا، وأثرة6 يتخذها الظالمون فيكم سنة".
__________
1 هو من قوله تعالى {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} ومعناه إذا هادنت قومًا فعلمت منهم النقض للعهد، فلا توقع بهم سابقًا إلى النقض حتى تعلمهم أنك نقضت العهد، فتكونوا في علم النقض مستوين لئلا يتهموك بالغدر، ثم أوقع بهم.
2 الحاصب: الريح الشديدة تثير الحصباء "الحصى"، وحصبه: رماه بالحصباء.
3 أي أحد. ويروى آبر، وهو الذي يأبر النخل أي يصلحه. ويروى آثر، وهو الذي يأثر الحديث أي يرويه ويحكيه. ويروى آبز، وهو الواثب.
4 أي ارجعوا شر مرجع.
5 الأعقاب جمع عقب "بكسر القاف": وهو مؤخر القدم، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ} يدعو عليهم بانعكاس حالهم وارتدادهم وعودهم من العز إلى الذل.
6 أي استبدادًا عليكم بالفيء والغنائم.
(1/413)

313- صورة أخرى:
وفي رواية أخرى أن عليًّا قال لأهل النهر:
"يا هؤلاء: إن أنفسكم قد سولت لكم فراق هذه الحكومة، التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها1 وأنا لها كاره، وأنبأتكم أن القوم سألوكموها مكيدة ودهنًا، فأبيتم علي إباء المخالفين المنابذين، وعدلتم عني عدول النكداء2 العاصين، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم، وأنتم والله معاشر أخفاء الهام3، سفهاء الأحلام، فلم آت "لا أبا لكم" بجرًا4، ولا أردت بكم ضرًّا، والله ما خبلتكم5 عن أموركم، ولا أخفيت شيئًا من هذا الأمر عنكم، ولا أوطأتكم عشوةً6، ولا دنيت7 لكم الضراء، وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرًا فأجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين، فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه، فتاها8 وتركا الحق وهما يبصرانه، وكان الجور هواهما "وقد سبق استيثاقنا عليهما في الحكم بالعدل" والصد للحق بسوء رأيهما وجور حكمهما، والثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحق، وأتيا بما لا يعرف، فبينوا لنا بماذا تستحلون قتالنا، والخروج من جماعتنا؟ أن اختار الناس رجلين9 أحل لكم أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم، ثم تستعرضوا الناس تضربون رقابهم، وتسفكون
__________
1 المراد: سألتموني أن أجيب إليها.
2 رجل نكد "بكسر الكاف وفتحها وسكونها" وأنكد أي عسر، وقوم أنكاد ومناكيد، ولم أر في كتب اللغة جمعه على نكداء.
3 أخفاء: جمع خفيف، والهام: الرءوس، وهو كناية عن قلة العقل.
4 البجر، بالضم والفتح: الشر والأمر العظيم، ويروى حرامًا.
5 منعتكم وحبستكم.
6 العشوة مثلثة: ركوب الأمر على غير بيان، وبالفتح الظلمة، ويقال: أوطأته عشوة، أي غررته وحملته على أن يركب أمرًا غير مستبين الرشد، فربما كان فيه عطبه.
7 دناه وأدناه: قربه.
8 ضلا.
9 همزة الاستفهام مقدرة قبل أن: أي هل اختيار الناس رجلين أحل لكم ذلك؟.
(1/414)

دماءهم؟ إن هذا لهو الخسران المبين، والله لو قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها، فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرام؟ ".
فتنادوا لا تخاطبوهم ولا تكلموهم، وتهيئوا للقاء الرب، الرواح الرواح إلى الجنة، فزحف عليهم علي فأفناهم، وقتل ابن وهب في المعركة، ولم يفلت منهم إلا عشرة "وكان ذلك سنة 37، وقيل سنة 38هـ".
"تاريخ الطبري 6: 47، والإمامة والسياسة 1: 109 ونهج البلاغة 1: 44- 54".
(1/415)

314- خطبة المستورد بن علفة:
واجتمع بعد وقعة النهروان بالنخيلة جماعة من الخوارج، ممن فارق عبد الله بن وهب، وممن لجأ إلى راية أبي أيوب1، وممن كان أقام بالكوفة فقال: لا أقاتل عليًّا ولا أقاتل معه، فتواصوا فيما بينهم وتعاضدوا وتأسفوا على خذلانهم أصحابهم، فقام منهم قائم يقال له المستورد بن علفة من بني سعد بن زيد مناة، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه ثم قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا بالعدل تخفق راياته، معلنًا مقالته، مبلغًا عن ربه، ناصحًا لأمته، حتى قبضه الله مخيرًا مختارًا، ثم قام الصديق، فصدق عن نبيه، وقاتل من ارتد عن دين ربه، وذكر أن الله عز وجل قرن الصلاة بالزكاة، فرأى أن تعطيل إحداهما طعن على الأخرى، لا بل على جميع منازل الدين، ثم
__________
1 وذلك أن الإمام قبل أن يزحف عليهم في وقعة النهروان نصب لهم راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري، فناداهم أبو أيوب: "من جاء هذه الراية منكم ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن. ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن، وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم".
(1/415)

قبضه الله إليه موفورًا، ثم قام الفاروق ففرق بين الحق والباطل، مسويًّا بين الناس في إعطائه، لا مؤثرًا لأقاربه، ولا محكمًا في دين ربه، وهأنتم تعلمون ما حدث، والله يقول: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: من الآية 95] فكل أجاب وبايع1.
"الكامل للمبرد 2: 154".
__________
1 وقد وجه إليهم الإمام علي، عبد الله بن عباس داعيًا فأبوا، فسار إليهم فطحنهم جميعًا لم يفلت منهم إلا خمسة منهم المستورد.
(1/416)

خور أصحاب الإمام
خطبة عبد الله بن عباس في أهل البصرة
...
خور أصحاب الإمام وتقاعسهم عن نصرته:
315- خطبة عبد الله بن عباس في أهل البصرة:
ورأى الإمام علي كرم الله وجهه بعد فشل التحكيم أن يمضي لمناجزة معاوية وأهل الشأم؛ فكتب إلى عبد الله بن عباس -وكان على البصرة- أن يشخص1 إليه من قبله من الناس؛ فأمرهم ابن عباس بالشخوص مع الأحنف بن قيس؛ فشخص معه منهم ألف وخمسمائة رجل، فاستقلهم ابن عباس، فقام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يا أهل البصرة: قد جاءني كتاب أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم، فأمرتكم بالمسير إليه مع الأحنف بن قيس؛ فلم يشخص إليه منكم إلا ألف وخمسمائة، وأنتم في الديوان2
__________
1 شخص كمنع شخوصًا: خرج من موضع إلى غيره، وأشخصته أنا.
2 الديوان: الكتاب الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء، وهو فارسي معرب. قال القلقشندي في صبح الأعشى 1: 90 "وقد حكى الماوردي في الأحكام السلطانية في سبب تسميته بذلك وجهين: أحدهما أن كسرى ذات يوم اطلع على كتاب ديوانه في مكان لهم، وهم يحسبون مع أنفسهم فقال "ديوانه" أي مجانين فسمي موضعهم بهذا الاسم ولزمه من حينئذ، ثم حذفت الهاء من آخره لكثرة الاستعمال تخفيفًا فقيل ديوان، والثاني: أن الديوان بالفارسية اسم للشيطان، وسمي الكتاب بذلك لحذقهم بالأمور، ووقوفهم على الجلي منها والخفي" أهـ، ومنه ترى أن الديوان كان يطلق في الفارسية على موضع الكتاب الحاسبين وعلى جماعة الكتاب، وقد أطلق في العربية على جريدة الحساب، ثم أطلق على الحساب، ثم على موضع الحساب،=
(1/417)

ستون ألفًا، سوى أبنائكم وعبدانكم1 ومواليكم، ألا فانفروا2، ولا يجعل امرؤ على نفسه سبيلًا؛ فإني موقع بكل من وجدته تخلف عن دعوته، عاصيًا لإمامه، حزنًا يعقب ندمًا، وقد أمرت أبا الأسود بحشدكم، فلا يلم امرؤ جعل السبيل على نفسه إلا نفسه".
"الإمامة والسياسة 1: 106، تاريخ الطبري 6: 44".
__________
= ثم على طائفة الكتاب، وكان ذلك عهد في عصر الدولة العباسية، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من دون الدواوين في العرب سنة23 أي رتب الجرائد للعمال ورجال الجيش فيها أسماؤهم ومراتبهم في النسب وأرزاقهم "انظر تاريخ الطبري 5: 23".
1 جمع عبد.
2 نفر إلى الشيء: أسرع إليه.
(1/418)

خطبة الإمام وقد أراد الانصراف من النهروان
...
317- مقال الأشعث بن قيس:
فقام الأشعث بن قيس فقال:
"يا أمير المؤمنين: نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت1 أسنة رماحنا وعاد
__________
= ثم على طائفة الكتاب، وكان ذلك عهد في عصر الدولة العباسية، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من دون الدواوين في العرب سنة23 أي رتب الجرائد للعمال ورجال الجيش فيها أسماؤهم ومراتبهم في النسب وأرزاقهم "انظر تاريخ الطبري 5: 23".
1 سقطت.
(1/418)

أكثرها قصدا1 فارجع بنا إلى مصرنا؛ فلنستعد بأحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عددنا مثل من هلك منا؛ فإنه أقوى لنا على عدونا".
فأقبل علي بالناس حتى نزل بالنخيلة2، ثم دخل الكوفة.
"الإمامة والسياسة 1: 110، وتاريخ الطبري 6: 51، ومروج الذهب 2: 38، وشرح ابن أبي الحديد م 1: ص179".
__________
1 رمح قصد، وقصيد، وأقصاد: أي متكسر.
2 وعسكر بها حين نزلها، وأمر الناس أن يلزموا معه معسكرهم، ويوطنوا على الجهاد أنفسهم، وأن يقلوا من زيارة أبنائهم ونسائهم حتى يسيروا إلى عدوهم من أهل الشأم. فجعلوا يتسللون ويدخلون الكوفة، حتى تركوه وما معه إلا نفر من وجوه الناس يسير، وبقي المعسكر خاليًا، فلا من دخل الكوفة خرج إليه، ولا من أقام معه صبر، فلما رأى ذلك دخل الكوفة.
(1/419)

318- خطبة الإمام بالكوفة بعد قدومه من حرب الخوارج يستنفر الناس لقتال معاوية:
وخطب الناس بالكوفة بعد قدومه من حرب الخوارج فقال:
"أيها الناس استعدوا لقتال عدوٍّ، في جهادهم القربة إلى الله عز وجل، ودرك الوسيلة عنده، قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه، موزعين1 بالجور والظلم لا يعدلون به، جفاة عن الكتاب، نكب2 عن الدين، يعمهون3 في الطغيان ويتسكعون4 في غمرة الضلال، فـ {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ 5 الْخَيْلِ} ، {وَتَوَكَّلْوا عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} .
__________
1 أوزعه بالشيء: أغراه فأوزع به بالضم.
2 من نكب عن الطريق: أي عدل ومال.
3 من العمه "محركة": وهو التحير والتردد في الضلال.
4 تسكع: مشى مشيًا متعسفًا، وتحير.
5 اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، فعال بمعنى مفعول أو مصدر سمي به كالمرابطة أو جمع فعيل بمعنى مفعول.
(1/419)

فما نفروا ولا تيسروا؛ فتركهم أيامًا حتى إذا أيس من أن يفعلوا دعا رؤساءهم ووجوههم؛ فسألهم عن رأيهم، وما الذي ينظرهم1، فمنهم المعتل، ومنهم المتكره، وأقلهم من نشط، فقام فيهم خطيبًا فقال:
"شرح ابن أبي الحديد م 1: ص179، والإمامة والسياسة 1: 110، وتاريخ الطبري 6: 51".
__________
1 يؤخرهم.
(1/420)

319- خطبة له أيضًا في استنفارهم لقتال معاوية:
"عباد الله: ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا في سبيل الله اثاقلتم1 إلى الأرض! أرضيتم بالحياة الدينا من الآخرة بدلًا، وبالذل والهوان من العز خلفًا؟ أوكلما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم؛ كأنكم من الموت في سكرة، وكأن قلوبكم مألوسة2 فأنتم لا تعقلون، وكأن أبصاركم كمه3 فأنتم لا تبصرون، لله أنتم! ما أنتم إلا أسود الشرى4 في الدعة5، وثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس! ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي6، ما أنتم بركب يصال بكم، ولا ذي عز يعتصم إليه، لعمر الله لبئس حشاش7 الحرب أنتم، إنكم تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم ولا تتحاشون8، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون، إن أخا الحرب اليقظان ذو العقل، وبات لذل من وادع، وغلب المتخاذلون، والمغلوب مقهور ومسلوب، ثم قال:
__________
1 تثاقلتم.
2 من الألس: كشمس، وهو الجنون واختلاط العقل، ألس "كعني" فهو مألوس.
3 كمه: جمع أكمه من كمه بصره "كفرح" اعترته ظلمة تطمس عليه.
4 الشرى: موضع تنسب إليه الأسد، قيل هو شرى الفرات وناحيته وبه غياض وآجام ومأسدة.
5 أي في وقت الدعة والخفض.
6 يقال: لا آتيك سجيس الليالي: أي أبدًا.
7 جمع حاش اسم فاعل، من حش النار: أي أوقدها.
8 أي ولا تبتعدون عن ذلك وتتلافونه بالدفاع عنها، من حاشية الشيء وهي ناحيته كما تقول تنحى عنه: أي تباعد عنه من الناحية.
(1/420)

"أما بعد: فإن لي عليكم حقًّا، وإن لكم علي حقًّا؛ فأما حقكم علي فالنصيحة لكم ما صحبتكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم؛ فالوفاء بالبيعة والنصح لي في الغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يرد الله بكم خيرًا تنزعوا عما أكره، وترجعون إلى ما أحب، تنالوا ما تطلبون، وتدركوا ما تأملون".
"تاريخ الطبري 6: 51، الإمامة والسياسة 1: 110".
وروى الشريف الرضي هذه الخطبة في نهج البلاغة بصورة أخرى وهي:
(1/421)

صورة أخرى1
مدخل
...
320- صورة أخرى:
"أفٍ لكم، لقد سئمت عتابكم، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضًا، وبالذل من العز خلفًا؟ إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم؛ كأنكم من الموت في غمرة1، ومن الذهول في سكرة، يرتج2 عليكم حواري فتعمهون! فكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون! ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي، وما أنتم بركن يمال بكم3، ولا زوافر4 عز يفتقر إليكم، ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها؛ فكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر، لبئس لعمر الله سعر5 نار الحرب أنتم، تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم فلا تمتعضون6، لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون، غلب والله المتخاذلون، وايم الله إني لأظن بكم أن لو حمس7 الوغى،
__________
1 الغمرة: الشدة.
2 يغلق، والحوار: المحاورة.
3 أي يستند إليكم ويمال على العدو بقوتكم.
4 جمع زافرة، والزافرة من البناء: ركنه، ومن الرجل: عشيرته.
5 من سعر النار والحرب: كمنع أوقدها مصدر بمعنى اسم الفاعل، أو هو جمع ساعر، كقولهم: قوم كظم للغيظ جمع كاظم.
6 أي فلا تغضبون.
7 اشتد، وكذا استحر، وأصل الوغى: الصوت والجلبة، ثم سميت الحرب وغى لما فيها من الأصوات والجلبة.
(1/421)

واستحر الموت، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب، انفراج الرأس1، والله إن امرأ يمكن عدوه من نفسه يعرق2 لحمه، ويهثم عظمه، ويفري3 جلده لعظيم عجزه، ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره، أنت فكن ذاك إن شئت4 فأما أنا: فوالله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية5 تطير منه فراش6 الهام، وتطيح السواعد والأقدام، ويفعل بعد ذلك ما يشاء.
أيها الناس: إن لي عليكم حقًّا، ولكم علي حق؛ فأما حقكم علي فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم".
__________
1 أي انفراجًا لا التئام بعده.
2 عرق العظم عرقًا. أكل ما عليه من اللحم، كتعرقه.
3 يمزق.
4 الخطاب عام لكل من أمكن عدوه من نفسه.
5 السيوف، نسبة إلى مشارف الشام، وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف.
6 عظامها الرقيقة.
(1/422)

وزاد ابن قتيبة في الإمامة والسياسة:
"والله يأهل العراق، ما أظن هؤلاء القوم من أهل الشأم إلا ظاهرين1 عليكم؛ فقالوا: أبعلم تقول ذلك يا أمير المؤمنين؟ " فقال:
"نعم والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إني أرى أمورهم قد علت، وأرى أموركم قد خبت2، وأراهم جادين في باطلهم، وأراكم وانين3 في حقكم، وأراهم مجتمعين، وأراكم متفرقين، وأراهم لصاحبهم معاوية مطيعين، وأراكم لي عاصين، أما والله لئن ظهروا عليكم بعدي، لتجدنهم أرباب سوء، كأنهم والله عن قريب قد شاركوكم
__________
1 منتصرين.
2 من خبت النار، أي سكنت وانطفأت.
3 من ونى: إذا فتر وضعف.
(1/422)

في بلادكم، وحملوا إلى بلادهم منكم، وكأني أنظر إليكم تكشون1 كشيش الضباب، لا تأخذون لله حقًّا، ولا تمنعون له حرمة، وكأني أنظر إليهم يقتلون صلحاءكم، ويخيفون علماءكم، وكأني أنظر إليكم يحرمونكم ويحجبونكم، ويدنون الناس دونكم؛ فلو قد رأيتم الحرمان، ولقيتم الذل والهوان، ووقع السيف، ونزل الخوف، لندمتم وتحسرتم على تفريطكم في جهاد عدوكم، وتذكرتم ما أنتم فيه من الخفض والعافية، حين لا ينفعكم التذكار".
__________
1 كش الضب كشيشا: صوت.
(1/423)

321- خطبة أبي أيوب الأنصاري:
ثم قام أبو أيوب الأنصاري فقال:
"إن أمير المؤمنين -أكرمه الله- قد أسمع من كانت له أذن واعية، وقلب حفيظ إن الله قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حق قبولها؛ حيث نزل بين أظهركم ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخير المسلمين وأفضلهم وسيدهم بعده، يفقهكم في الدين ويدعوكم إلى جهاد المحلين؛ فوالله لكأنكم صم لا تسمعون، وقلوبكم غلف1 مطبوع عليها، فلا تستجيبون. عباد الله أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس، وقد شمل العباد وشاع في الإسلام، فذو حتى محروم مشتوم عرضه، ومضروب ظهره، وملطوم وجهه، وموطوء بطنه، وملقى بالعراء2، فلما جاءكم أمير المؤمنين صدع بالحق ونشر العدل، وعمل بالكتاب؛ فاشكروا نعمة الله عليكم، ولا تتولوا مجرمين، ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، اشحذوا السيوف، وجددوا آلة الحرب، واستعدوا للجهاد، فإذا دعيتم فأجيبوا، وإذا أمرتم فأطيعوا، تكونوا بذلك من الصادقين".
"الإمامة والسياسة 1: 112".
__________
1 جمع أغلف، وقلب أغلف كأنما غشى غلافًا فهو لا يعي.
2 العراء: الفضاء لا يستتر فيه بشيء.
(1/423)

322- خطبة الإمام وقد أغار النعمان بن بشير على عين التمر:
وفي سنة 39هـ فرق معاوية جيوشه في أطراف علي؛ فبعث النعمان بن بشير الأنصاري في ألفين، فأتوا عين التمر1 فأغاروا عليها، وبها عامل لعلي في ثلثمائة، فكتب إلى علي يستمده، فأمر الناس أن ينهضوا إليه فتثاقلوا، فصعد المنبر فتشهد ثم قال:
"يأهل الكوفة: كلما سمعتم بمنسر2 من مناسر أهل الشأم أظلكم، انجحر3 كل امرئ منكم في بيته، وأغلق بابه، انجحار الضب في جحره، والضبع في وجارها4، المغرور من غررتموه، ولمن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، لا أحرار عند النداء، ولا إخوان ثقة عند النجاء5، إن لله وإنا إليه راجعون! ماذا منيت به منكم؟ عمي لا تبصرون، وبكم لا تنطقون، وصم لا تستمعون! إنا لله وإنا إليه راجعون! ".
"تاريخ الطبري 6: 77".
وروى الشريف الرضي في نهج البلاغة هذه الخطبة بصورة أخرى وهي:
__________
1 بلد على الفرات شمالي الكوفة.
2 المنسر: قطعة من الجيش تمر قدام الجيش الكبير.
3 من انجحر الضب: أي دخل جحره.
4 الوجار بالكسر والفتح: جحر الضبع وغيرها.
5 النجاء: السرعة في السير، نجوت نجاء أي أسرعت وسبقت، وقالوا: النجاء النجاء، والنجا النجا فدوا وقصروا.
(1/424)

323- صورة أخرى:
منيت1 بمن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت! لا أبا لكم، ما تنتظرون بنصركم ربكم؟ أما دين يجمعكم، ولا حمية تحمشكم2؟ أقوم فيكم مستصرخًا، وأناديكم متغوثًا3 فلا تسمعون لي قولًا، ولا تطيعون لي أمرًا، حتى تكشف الأمور
__________
1 بليت.
2 تغضبكم.
3 قائلًا واغوثاه.
(1/424)

عن عواقب المساءة؟ فما يدرك بكم ثأر، ولا يبلغ بكم مرام؟ دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجرجرتم1 جرجرة الجمل الأسر2 وتثاقلتم تثاقل النضو3 الأدبر، ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب4 ضعيف؛ كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون".
"نهج البلاغة 1: 46".
__________
1 الجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته، وأكثر ما يكون ذلك عند الإعياء والتعب.
2 المصاب بداء السرر "بالتحريك"، وهو وجع في الكركرة "رحى زور البعير".
3 النضو: البعير المهزول، والأدبر: المدبور أي المجروح.
4 جنيد: تصغير جند، ومتذائب: أي مضطرب من قولهم: تذاءت الريح، أي اضطرب هبوبها، ومنه سمي الذئب ذئبًا لاضطراب مشيته.
(1/425)

324- خطبة الإمام وقد أغار الضحاك بن قيس على الحيرة 1:
ووجه معاوية الضحاك بن قيس فأغار على الحيرة وغنم أموال أهلها، وبلغ ذلك عليًًّا فاستصرخ الناس، فتقاعدوا عنه، فقام فيهم خطيبًا فقال:
"أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصم2 الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء، تقولون في المجالس كيت وكيت3؛ فإذا جاء القتال قلتم حيدي حياد4، ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل5، دفاع ذي الدين المطول6، هيهات لا يمنع الضيم الذليل، ولا يدرك
__________
1 شمالي الكوفة.
2 يوهي: يشق ويخرق، والصم: جمع أصم، وهو الحجر الصلب المصمت.
3 بفتح آخرهما ويكسر: أي كذا كذا.
4 حيدي حياد: كلمة يقولها الهارب الفار، من حاد حيدانًا بمعنى مال وانحرف، أي ابعدي وتنحي عني أيتها الحرب، وهي نظيرة قولهم "فيحى فياح" أي اتسعي.
5 الأضاليل: جمع أضلولة بالضم، وهي الضلال، وفي كتب اللغة: العلالة ""بالضم" والتعلة "كتحية"، والعلة "بالفتح" ما يتعلل به"، ولم أجد فيها كلمة أعاليل ولا مفردها ولا بد أن تكون جمع أعلولة بالضم: كأضاليل وأعاجيب وألاعيب ... إلخ. والمعنى إن أقوالكم هذه تعلل بأباطيل لا جدوى لها.
6 مبالغة في ماطل.
(1/425)

الحق إلا بالجد، أي دار بعد داركم تمنعون؟ ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم؛ فقد فاز والله بالسهم الأخيب، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل1، وأصبحت والله لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم، ولا أوعد العدو بكم، ما بالكم؟ ما دواؤكم؟ ما طبكم؟ القوم رجال أمثالكم! أقولًا بغير علم، وغفلة من غير ورع، وطمعًا في غير حق! ".
وزاد ابن قتيبة في الإمامة والسياسة:
"فرق الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من خير لي منكم، وأعقبكم بعدي من شر لكم مني، أما إنكم ستلقون بعدي ذلًّا شاملًا، وسيفًا قاتلًا، وأثرة يتخذها الظالمون بعدي فيكم سنة، تفرق جماعتكم، وتبكي عيونكم، وتدخل الفقر بيوتكم، تمنون والله عندها أن لو رأيتموني ونصرتموني، وستعرفون ما أقول لكم عما قليل.
استنفرتكم فلم تنفروا! ونصحت لكم فلم تقبلوا! وأسمعتكم فلم تعوا؛ فأنتم شهود كأغياب، وصم ذوو أسماع، أتلو عليكم الحكمة، وأعظكم بالموعظة النافعة، وأحثكم على جهاد المحلين2، الظلمة الباغين؛ فما آتي على آخر قولي، حتى أراكم متفرقين، وإذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقًا3 عزين4، تضربون الأمثال، وتناشدون الأشعار، تربت5 أيديكم، وقد نسيتم الحرب واستعدادها، وأصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها، وشغلتموها بالأباطيل والأضاليل".
"نهج البلاغة 1: 39، والإمامة والسياسة 2: 111، والبيان والتبيين 2: 26".
__________
1 سهم أفوق مكسور الفوق "بضم الفاء" والفوق: مدخل الوتر من السهم، والناصل: العاري عن النصل.
2 أي الذين خرجوا على إمامهم واستحلوا قتاله.
3 الحلق: محركة جمع حلقة "بسكون اللام" وحلقة القوم: الذين يجتمعون مستديرين.
4 جمع عزة "بالكسر": وهي الطائفة من الناس.
5 دعاء عليهم: أي خسرتم ولا أصبتم خيرًا، وأصله من ترب الرجل: أي افتقر كأنه لصق بالتراب.
(1/426)

325- خطبة الإمام:
وقد أغار سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار.
ووجه معاوية سفيان بن عوف الغامدي في جيش، فأغاروا على الأنبار1 وقتلوا عامل علي عليها وهو حسان بن حسان البكري، واحتملوا ما كان في الأنبار من الأموال وأموال أهلها، وانتهى الخبر إلى علي فخرج مغضبًا حتى أتى النخيلة، واتبعه الناس فرقي رباوة2 من الأرض؛ فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
"أما بعد: فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته3 الوثيقة؛ فمن تركه رغبة عنه، ألبسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء، وديث4 بالصغار والقماءة5، وضرب على قلبه بالإسهاب6، وأديل7 الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف8، ومنع النصف9، ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلًا ونهارًا، وسرًّا وإعلانًا، وقلت لكم اغزوهم من قبل أن يغزوكم؛ فوالله ما غزي قوم قط في عقر10 دارهم إلا ذلوا؛ فتخاذلتم
__________
1 بلد على الفرات.
2 الربوة والرباوة مثلثتين: ما ارتفع من الأرض.
3 وقايته
4 ذلل، وأصله من داث الشيء من باب باع: لان وسهل ومنه الديوث، وهو الرجل الذي لا غيرة له على أهله، والصغار: الذل.
5 قمأ: كجمع وكرم، قماءة: ذل وصغر.
6 هكذا في رواية ابن أبي الحديد، من أسهب بالضم: أي ذهب عقله، وفي نهج البلاغة: "طبع الشام" بالأسداد.
7 من أداله الله من عدوه: أي نصره عليه، والباء في قوله "بتضييع الجهاد" للسببية.
8 أي أولي الذل والضيم، وفي رواية المبرد "وسيمي الخسف" بالإضافة، والسيمي: العلامة. قال المبرد: هكذا حدثونا وأظنه سيم الخسف، من قول الله عز وجل: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} .
9 النصف بالكسر ويثلث، والنصف والنصفة محركين الإنصاف.
10 وسطها وأصلها.
(1/427)

وتواكلتم وثقل عليكم قولي، واتخذتموه وراءكم ظهريًّا؛ حتى شنت1 عليكم الغارات، وملكت عليكم الأوطان، هذا أخو غامد2 قد وردت خيله الأنبار، وقتل حسان بن حسان البكري، ورجالًا منهم كثيرًا ونساء، وأزال خيلكم عن مسالحها3.
والذي نفسي بيده، لقد بلغني أنه كان يدخل على المرآة المسلمة، والأخرى المعاهدة4، فينتزع حجلها5 وقلبها6، وقلائدها ورعثها7، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع8 والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين9، ما نال رجلًا منهم كلم10، ولا أريق لهم دم؛ فلو أن امرأ مسلمًا مات من دون هذا أسفًا، ما كان عندي فيه ملومًا؛ بل كان به عندي جديرًا.
يا عجبًا كل العجب! عجب يميت القلب، ويشغل الفهم، ويكثر الأحزان! من تضافر11 هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم، حتى أصبحتم غرضًا12 ترمون ولا ترمون، ويغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله عز وجل فيكم وترضون: إذا قلت لكم اغزوهم في الشتاء؛ قلتم هذا أوان قر13 وصر، وإن قلت لكم اغزوهم
__________
1 شن الغارة عليهم: صبها من كل وجه، من شن الماء على رأسه إذا صبه.
2 يريد سفيان بن عوف الغامدي قائد الحملة على الأنبار.
3 جمع مسلحة بالفتح: وهي الثغر.
4 المعاهدة: ذات العهد، وهي الذمية.
5 الحجل بالفتح: الخلخال، وسمي القيد حجلًا؛ لأنه يكون مكان الخلخال.
6 القلب: سوار المرأة.
7 الرعثة بالفتح: القرط، والجمع رعاث بالكسر، وجمع الجمع رعث بضمتين.
8 قول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
9 أي تامين، وفي رواية المبرد: "موفورين" أي لم ينل أحدًا منهم بأن يرزأ في بدن ولا مال.
10 جرح.
11 تعاون وتناصر.
12 وفي رواية نهج البلاغة: "فقبحًا لكم وترحا حين صرتم غرضًا يرمى" وزادت رواية الجاحظ بعد ذلك: "وفيئًا ينهب" والترح: محركة الهم، والغرض: الهدف.
13 القر مثلثة القاف: البرد، والصر: شدة البرد. وفي النهج: "وإذا أ