Advertisement

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة 002


المجلد الثاني
مقدمة
...
تصدير الطبعة الأولى:
بسم الله الرحمن الرحيم
أبدأ بحمدك اللهم على ما أوليتني من جزيل تفضلك، ومزيد تطولك، وأصلي وأسلم على رسولك الأمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وبعد: فها هو ذا "الجزء الثاني – من جمهرة خطب العرب" أصدره حاويًا ما وصل إلينا من خطب العصر الأموي ووصاياه، وما دار بمجالس الخلفاء والأمراء والرؤساء من حوار ومجاوبة، وهو كما ستراه أحفل أجزاء الكتاب الثلاثة، وأغزرها مادة، لتوافر دواعي الخطابة في هذا العصر، ونفاق سوقها.
وقد نهجت فيه نهجي في سالفه، من التوفيق بين الروايات، وتحرير الألفاظ وضبطها وشرحها، والتعليق عليها بما يميط اللثام عن خفايا مراميها، وغوامض مغازيها، فجاء بحمده تعالى مرضيًا، والله نسأل أن يكلأنا برعايته، وأن يمن علينا بالتوفيق للعمل الصالح، إنه خير مرتجى، فنعم المولى ونعم النصير،
أحمد زكي صفوت
حرر بالقاهرة في
رجب سنة 1352هـ
نوفمبر سنة 1933م
(2/3)

فهرس مآخذ في هذا الجزء
...
فهرس مآخذ الخطب في هذا الجزء
الأمالي: لأبي علي القالي: الجزء الأول – الثاني – ذيل الأمالي
الأغاني: لأبي الفرج الأصبهاني: "الثاني – السابع – الثالث عشر
: الخامس عشر السابع عشر – الثامن
:عشر – العشرون – الحادي والعشرون.
صبح الأعشى: لأبي العباس القلقشندي: الجزء الأول – التاسع
نهاية الأرب: لشهاب الدين النويري: "الخامس – السابع
عيون الأخبار: لابن قتيبة الدينوري: المجلد الثاني
الكامل: لأبي العباس المبرد:الجزء الأول – الثاني
العقد الفريد: لابن عبد ربه: "الأول – الثاني – الثالث
زهر الآداب: لأبي إسحاق الحصري: "الأول – الثاني – الثالث
البيان والتبيين: للجاحظ: "الأول – الثاني – الثالث
نهج البلاغة: للشريف الرضي: الجزء الأول
شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد: المجلد الأول – الثاني – الثالث – الرابع
أمالي السيد المرتضى: الجزء الأول
جمهرة الأمثال، لأبي هلال العسكري: الجزء الأول
(2/4)

مجمع الأمثال: لأبي الفضل الميداني: الجزء الأول – الثاني
تاريخ الأمم والملوك: لابن جرير الطبري: الجزء السادس – السابع – الثامن – التاسع
تاريخ الكامل: لابن الأثير: الجزء الثالث – الرابع
مروج الذهب: للمسعودي: الجزء الثاني
الإمامة والسياسة: لابن قتيبة: الجزء الأول – الثاني
معجم البلدان: لياقوت الحموي: الجزء الثالث
أُسْد الغابة في معرفة الصحابة: لابن الأثير: الجزء الثالث
النجوم الزاهرة، في ملوك مصر والقاهرة: الجزء الأول
لابن تغرى بردى:
وفيات الأعيان: لابن خلكان: الجزء الأول – الثاني
معاهد التنصيص: لعبد الرحيم العباسي: الجزء الأول
نفح الطيب: للمقري: الجزء الأول
بلوغ الأرب: للسيد محمود شكري الألوسي: الجزء الثالث
مواسم الأدب: للسيد جعفر بن السيد: الجزء الثاني
محمد البيتي العلوي
سيرة عمر بن عبد العزيز: لأبي الفرج بن الجوزي
سيرة عمر بن عبد العزيز: لابن عبد الحكم
سرح العيون: شرح رسالة ابن زيدون: لابن نباتة المصري
أنباء نجباء الأنباء: لابن ظفر المكي
الحسن البصري: لابن الجوزي
(2/5)

الفخرى: لابن طباطبا
بلاغات النساء: لابن أبي طاهر طيفور
دستور معالم الحكم: للقضاعي
إعجاز القرآن: لأبي بكر الباقلاني
المنية والأمل: لأحمد بن يحيى المرتضى
مفتاح الأفكار: للشيخ أحمد مفتاح
(2/6)

الباب الثالث: الخطب والوصايا في العصر الأموى
خطب بنى هاشم وشيعتهم وما يتصل بها
خطبة الحسن بن على بعد وفاة أبيه
...
الباب الثالث: الخطب والوصايا في العصر الأموي:
الخطب: خطب بني هاشم وشيعتهم وما يتصل بها:
خطبة الحسن بن علي بعد وفاة أبيه: 1
خطب الحسن بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بعد وفاة أبيه فنعاه فقال:
"لقد قتلتم الليلة رجلا في ليلة فيها نزل القرآن، وفيها رفع عيسى بن مريم عليه السلام، وفيها قتل يوشع بن نون، فتى موسى عليهما السلام، والله ما سبقه أحد كان
__________
1 في الكامل لابن الأثير "3: 197" أن الحسن بن علي توفي سنة 49هـ وفي ابن أبي الحديد "م4: ص4" أنه توفي سنة 50 وفي الإمامة والسياسة "1: 127" أنه توفي سنة 51.
(2/7)

قبله، ولا يدركه أحد يكون بعده، والله إن كان رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليبعثه في السرية1، وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادمًا لأهله، ثم خنقته العبرة فبكى، وبكى الناس معه، ثم قال:
"أيها الناس: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، أنا من أهل البيت، الذين أذهب الله عنهم الرجس2 وطهرهم تطهيرًا، والذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا} ، فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت".
فلما انتهى إلى هذا الموضع من الخطبة، قام عبيد الله بن العباس بين يديه، فدعا الناس إلى بيعته، فاستجابوا وقالوا ما أحبه إلينا وأحقه بالخلافة! فبايعوه ثم نزل من المنبر.
"تاريخ الطبري 6: 91، وشرح ابن أبي الحديد م4 ص11، والعقد الفريد 2: 6"
__________
1 السرية من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة أو أربعمائة.
2 الرجس: القذر والمأثم، وكل ما استقذر من العمل، والعمل المؤدي إلى العذاب.
(2/8)

تعبئته الجيوش لقتال معاوية
مدخل
...
تعبئة الجيوش لقتال معاوية:
سار معاوية بجيوشه قاصدًا إلى العراق، وبلغ الحسن خبره، ومسيره نحوه، فأمر بالتهيؤ للمسير، ونادى المنادي: الصلاة جامعة، فأقبل الناس يثوبون ويجتمعون، فخرج الحسن، وصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
(2/9)

2- خطبة الحسن بن علي في الحث على الجهاد:
"أما بعد: فإن الله كتب الجهاد على خلقه، وسماه كرهًا1، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون. بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه، فتحرك لذلك، اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنُّخَيْلَة، حتى ننظر وتنظروا، ونرى وتَرَوْا" – وإنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس له- فسكتوا، فما تكلم منهم أحد، ولا أجابه بحرف، فلما رأى ذلك عدي بن حاتم، قام فقال:
__________
1 يشير إلى قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} .
(2/9)

3- مقال عدي بن حاتم:
"أنا ابن حاتم، سبحان الله! ما أقبح هذا المقام! لا تجيبون إمامكم، وابن بنت نبيكم! أين خطباء مُضَرَ الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدَّعة1، فإذا جَدَّ الجِدُّ
__________
1 جمع مخراق بالكسر: السيف "وهو أيضًا المنديل يلف ليضرب به" وفي الدعة: أي وقت الدعة: أي الخفض والسلم.
(2/9)

فَرَوَّاغُون كالثعالب، أما تخافون مقت الله! ولا عَيْبَهَا وعارها1! ".
ثم استقبل الحسن بوجهه فقال: "أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك لما تحمد وروده وصدوره، قد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك، وسمعنا لك، وأطعناك فيما قلت وما رأيت، وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحب أن يوافيني فليوافِ" ثم مضى لوجهه، إلى النخيلة.
وقام ثلاثة آخرون من أصحاب الحسن، فأنبوا الناس ولاموهم وحرضوهم، وكلموا الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم، فقال لهم: صدقتم رحمكم الله، ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء والقبول والمودة الصحيحة، فجزاكم الله خيرًا، ثم نزل، وخرج الناس، فعسكروا ونشطوا للخروج، وسار الحسن في عسكر عظيم، وعدة حسنة.
"شرح ابن أبي الحديد م4: ص14"
__________
1 أي عار فعلتكم هذه: وهي تقاعسهم عن إجابة الحسن إلى ما دعاهم إليه، وفي الأصل: "وعارتها" وأراه محرفا إذ العارة هي العارية ولا معنى لها هنا.
(2/10)

4- خطبة الحسن وقد جنح إلى مصالحة معاوية:
ثم نزل الحسن ساباط1، فلما أصبح نادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصعد المنبر، فخطبهم فقال:
"الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد، وأشهد أن محمدًا رسول الله، أرسله بالحق، وائتمنه على الوحي، صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما بعد، فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه، وأنا أنصح خلقه لخلقه، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة، ولا مريدًا له بسوء ولا غائلة2، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرًا من نظركم
__________
1 ساباط كسرى بالمدائن.
2 الغائلة: الشر والفساد والداهية.
(2/10)

لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا علي رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه محبته ورضاه إن شاء الله" ثم نزل.
فنظر الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظنه يريد أن يصالح معاوية ويكل الأمر إليه، كفر والله الرجل، ثم شدوا على فسطاطه فانتهبوه، حتى أخذوا مصلاه من تحته، وشد عليه بعضهم، فنزع مطرفه1 عن عاتقه، فبقي جالسًا متقلدًا سيفًا بغير رداء، فدعا بفرسه فركبه، وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته، ومنعوا منه من أراده، ولاموه وضعّفوا لما تكلم.
فلما مر في مظلم2 ساباط، قام إليه رجل من بني أسد يقال له: جراح بن سنان، وبيده معول3، فأخذ بلجام فرسه وقال: الله أكبر يا حسن! أشرك أبوك، ثم أشركت أنت! وطعنه بالمعول، فوقعت في فخذه فشقته، حتى بلغت أَرْبِيَّتَهُ4، وسقط الحسن إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنه بسيف كان بيده واعتنقه فخرَّا جميعًا إلى الأرض.
"شرح ابن أبي الحديد م4: ص14"
__________
1 رداء من خز مربع ذو أعلام.
2 مظلم مضاف إلى ساباط التي قرب المدائن: موضع هناك.
3 المعول: الفأس العظيمة التي ينقر بها الصخر.
4 الأربية: أصل الفخذ
(2/11)

5- خطبته يبرر مصالحته لمعاوية:
لما رأى الحسن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تفرق الأمر عنه، بعث إلى معاوية يطلب الصلح، فبعث معاوية إليه رسولين، قدما عليه بالمدائن، فأعطياه ما أراد، وصالحاه على أن يأخذَ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف –في أشياء اشترطها- ثم قام الحسن في أهل العراق فقال:
"يا أهل العراق، إنه سخّى بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي".
"تاريخ الطبري 6: 92، ومروج الذهب 2: 53".
(2/11)

6- خطبته في الصلح بينه وبين معاوية:
وقدم معاوية الكوفة لإنفاذ الصلح بينه وبين الحسن "سنة 41هـ"، وكان عمرو بن العاص حين اجتمعوا بالكوفة، قد كلم معاوية، وأمره أن يأمر الحسن أن يقوم ويخطب الناس، فكره ذلك معاوية، وقال: ما تريد إليّ أن أخطب الناس؟ فقال عمرو: لكني أريد أن يبدُوَ عِيُّهُ للناس1، فلم يزل عمرو بمعاوية حتى أطاعه، فخرج معاوية، فخطب الناس، ثم نادى الحسن، فقال: قم يا حسن، فكلم الناس، فتشهد في بديهة أمر لم يُرَوِّ فيه، ثم قال:
"أما بعد أيها الناس: فإن الله قد هدى أولكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وكانت لي في رقابكم بيعة، تحاربون من حاربت، وتسالمون من سالمت، وقد سالمت معاوية وبايعته فبايعوه، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول، وإن الله تعالى قال لنبيه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} وأشار إلى معاوية، فلما قالها قال معاوية: اجلس، فلم يزل ضَرِمًا2 على عمرو، وقال: هذا من رأيك"
ولحق الحسن بالمدينة.
"تاريخ الطبري 6: 93، ومروج الذهب 2: 53، والإمامة والسياسة 1: 120، وأنباء نجباء الأنباء ص 56 وتاريخ ابن عساكر 4: 224"
__________
1 روى أبو الفرج الأصبهاني أنه كان في لسان الحسن ثقل كالفأفأة "شرح ابن أبي الحديد م4 ص11".
2 ضرم عليه كفرح: احتدم غضباً فهو ضرم.
(2/12)

7- خطبة له بعد الصلح:
روى المدائني قال: سأل معاوية الحسن بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بعد الصلح أن يخطب الناس، فامتنع، فناشده أن يفعل، فوضع له كرسيًَا، فجلس عليه، ثم قال:
(2/12)

"الحمد لله الذي توحد في ملكه، وتفرد في ربوبيته، يؤتي الملك من يشاء، وينزعه عمن يشاء، والحمد لله أكرم بنا مؤمنكم، وأخرج من الشرك أولكم، وحقن دماء آخركم، فبلاؤنا عندكم قديمًا وحديثًا أحسن البلاء1، إن شكرتم أو كفرتم.
أيها الناس: إن رب علي كان أعلم بعلي حين قبضه إليه، ولقد اختصه بفضل لم تعتدُّوا مثله، ولم تجدوا مثل سابقته، فهيهات، طالما قلبتم له الأمور حتى أعلاه الله عليكم، وهو صاحبكم وعدوكم في بدر وأخواتها، جرَّعكم رنقًا2، وسقاكم علقا3، وأذل رقابكم، وأشرقكم بريقكم، فلستم بملومين على بغضه، وايم الله لا ترى أمة محمد خفضًا ما كانت سادتهم وقادتهم بني أمية، ولقد وجه الله إليكم فتنة لن تصدروا عنها حتى تهلكوا، لطاعتكم طواغيتكم4، وانضوائكم5 إلى شياطينكم، فعند الله أحتسب ما مضى، وما ينتظر من سوء دعتكم، وحيف6 حكمكم، ثم قال:
"يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهمٌ من مرامي الله، صائب على أعداء الله، نكال على فجار قريش، لم يزل آخذًا بحناجرها، جاثمًا على أنفاسها، ليس بالملومة في أمر الله، ولا بالسَّرُوقة لمال الله، ولا بالفَرُوقَة7 في حرب أعداء الله، أعطى الكتاب خواتمه وعزائمه، دعاه فأجابه، وقاده فاتبعه، لا تأخذه في الله لومة لائم، فصلوات الله عليه ورحمته" ثم نزل.
فقال معاوية: أخطأ عَجِلٌ أو كَادَ، وأصابَ مُتَثَبِّتٌ أو كَادَ، ماذا أردتُ من خطبة الحسن؟
"شرح ابن أبي الحديد م4: ص10"
__________
1 البلاء يكون منحة ويكون محنة، وهو هنا بالمعنى الأول.
2 ماء رنق: كعدل وكتف وجبل كدر.
3 العلق: الدم ودويبية في الماء تمص الدم.
4 الطواغيت: جمع طاغوت، وهو الشيطان وكل رأس ضلال.
5 انضمامكم.
6 الحيف: الظلم.
7 الفروق والفروقة: شديد الفزع
(2/13)

8- خطبة لمعاوية في أهل الكوفة:
وروى المدائني قال: خرج على معاوية قوم من الخوارج بعد دخوله الكوفة وصلح الحسن، فأرسل معاوية إلى الحسن يسأله أن يخرج، فيقاتل الخوارج، فقال الحسن: سبحان الله! تركت قتالك –وهو لي حلال- لصلاح الأمة وألفتهم، أفتراني أقاتل معك؟ فخطب معاوية أهل الكوفة فقال:
"يا أهل الكوفة، أتراني، قاتلتُكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا إن كل مال أو دم أصيب في هذه الفتنة فمطلول، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين، ولا يصلح الناس إلا ثلاث: إخراج العطاء عند محله، وإقفال1 الجنود لوقتها، وغزو العدو في داره، فإنه إن لم تَغْزُوهم غَزَوكم" ثم نزل.
"شرح ابن أبي الحديد م4 ص6"
__________
1 إرجاعهم وردهم.
(2/14)

9- رد الحسن بن علي على معاوية حين نال منه ومن أبيه:
وخطب معاوية بالكوفة حين دخلها، والحسن والحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما جالسان تحت المنبر، فذكر عليًّا عليه السلام، فنال منه، ثم نال من الحسن، فقام الحسين؛ ليرد عليه، فأخذه الحسن بيده فأجلسه، ثم قام فقال:
"أيها الذاكر عليًّا: أنا الحسن، وأبي علي، وأنت معاوية، وأبوك صخر، وأمي فاطمة، وأمك هند، وجدي رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجدك عتبة بن ربيعة،
(2/14)

وجدتي خديجة، وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرًا، وألأمنا حسبًا، وشرَّنا قديمًا وحديثًا، وأقدمَنَا كفرًا ونفاقًا".
فقال طوائف من أهل المسجد: آمين.
"شرح ابن أبي الحديد م4 ص16"
(2/15)

10- خطبة سليمان بن صرد في استنكار الصلح:
وذكروا أنه لما تمت البيعة لمعاوية بالعراق، وانصرف راجعًا إلى الشام، أتى سليمان بن صرد -وكان غائبًا عن الكوفة، وكان سيد أهل العراق ورأسهم- فدخل على الحسن فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: وعليك السلام، اجلس لله أبوك، فجلس سليمان، ثم قال:
"أما بعد: فإن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك معاوية ومعك مائة ألف مقاتل من أهل العراق، وكلهم يأخذ العطاء، مع مثلهم من أبنائهم ومواليهم، سوى شيعتك من أهل البصرة وأهل الحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك بقية في العهد، ولا حظًا من القضية، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت، وأعطاك ما أعطاك بينك وبينه من العهد والميثاق، كنت كتبت عليك بذلك كتابًا، وأشهدت عليه شهودًا من أهل المشرق والمغرب، أن هذا الأمر لك من بعده، كان الأمر علينا أيسر، ولكنه أعطاك هذا، فرضيت به من قوله، ثم قال، وزعم على رءوس الناس ما قد سمعت: إني كنت شرطت لقوم شروطًا، ووعدتهم عدات، ومنيتهم أماني؛ إرادة إطفاء نار الحرب، ومداراة لهذه الفتنة، إذ جمع الله لنا كلمتنا وألفتنا، فإن كل ما هنالك تحت قدمي هاتين، ووالله ما عنى بذلك إلا نقض ما بينك وبينه، فأعد الحرب جَذَعة1، وأذن لي أَشْخَصْ إلى الكوفة،
__________
1 هي في الأصل خدعة، وصوابها جذعة، أي فتية.
(2/15)

فأُخْرِج عامله منها، وأظهر فيها خلعه، وانبذ إليه1 على سواء، إن الله لا يهدي كيد الخائنين".
ثم سكت، فتكلم كل من حضر مجلسه بمثل مقالته، وكلهم يقول: ابعث سليمان بن صرد وابعثنا معه، ثم الحقنا إذا علمت أنا قد أشخصنا عامله، وأظهرنا خلعه.
"الإمامة والسياسة 1: 120".
__________
1 معناه إذا هادنت قومًا، فعلمت منهم النقض للعهد، فلا توقع بهم سابقًا إلى النقض، حتى تعلمهم أنك نقضت العهد، فتكونوا في علم النقض مستوين، ثم أوقع بهم.
(2/16)

11- خطبة الحسن يرد على مستنكري الصلح:
فتكلم الحسن، فحمد الله، ثم قال:
"أما بعد فإنكم شيعتنا وأهل مودتنا، ومن نعرفه بالنصيحة والاستقامة لنا، وقد فهمت ما ذكرتم، ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا، وللدنيا أعمل وأَنْصَبُ، ما كان معاوية بأبأس مني وأشد شكيمة، ولكان رأيي غير ما رأيتم، لكني أشهد الله وإياكم أني لم أُرِدْ بما رأيتم إلا حقن دمائكم، وإصلاح ذات بينكم، فاتقوا الله، وارضوا بقضاء الله، وسلموا لأمر الله، والزموا بيوتكم، وكفوا أيديكم، حتى يستريح بَرٌّ أو يُستراحَ من فاجرٍ، مع أن أبي كان يحدثني أن معاوية سيلي الأمر، فوالله لو سرنا إليه بالجبال والشجر ما شككت أنه سيظهر1، إن الله لا معقب لحكمه، ولا رادَّ لقضائه، وأما قولك: يا مذل المؤمنين، فوالله لأن تَذِلُّوا وتُعافُوا أحبُّ إلي من أن تَعِزُّوا وتُقتَلُوا، فإن رد الله علينا حقنا في عافية، قبلنا وسألنا الله العون على أمره، وإن صرفه عنا رضينا وسألنا الله أن يبارك في صرفه عنا، فليكن كل رجل منكم حلسًا2 من أحلاس بيته،
__________
1 يغلب.
2 الحلس: بساط البيت، وفلان حِلْسٌ من أحلاس البيت: الذي لا يبرح البيت، وفي الحديث: "في الفتنة كن حلسًا من أحلاس بيتك حتى تأتيك يد خاطئة، أو منية قاضية" أي لا تبرح.
(2/16)

ما دام معاوية حيًّا، فإن يهلك ونحن وأنتم أحياء، سألنا الله العزيمة على رشدنا، والمعونة على أمرنا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا، {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} .
"الإمامة والسياسة 1: 120".
(2/17)

12- خطبة له في عهد خلافته:
ومن خطبه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في أيامه في بعض مقاماته أنه قال:
"نحن حزب الله المفلحون، وعترة1 رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيبون، وأحد الثقلين2 اللذين خلفهما رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والثاني كتاب الله، فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعول عليه في كل شيء، لا يخطئنا تأويله، بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا، فإطاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولي الأمر مقرونة3: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} ، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ، وأحذركم الإصغاء لهتاف الشيطان، إنه لكم عدو مبين، فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: {لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي
__________
1 العترة: رهط الرجل وعشيرته الأدنون.
2 الثقل: كل شيء نفيس مصون، وفي الحديث "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي".
3 يشير إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}
(2/17)

أَرَى مَا لا تَرَوْنَ} فتلقون للرماح أزرًا1، وللسيوف جزرًا2، وللعمد3 حظًا، وللسهام غرضًا، ثم: {لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا}
"مروج الذهب 2: 53"
__________
1 الأزر: جمع إزار، وهو الملحفة وكل ما واراك وسترك: أي فتكونون أجربة للرماح تغيب في أبدانكم وتسعر، أو هو الأزر بفتح فسكون وهو الظهر: أي تركبكم الرماح وتعلوكم، والمراد تطعنون وتضربون بها والأول أوجه.
2 أي قطعًا.
3 عمد بفتحتين، وعمد بضمتين: جمع عمود، وهي من الآلات التي كانت تستعمل في القتال.
(2/18)

13- خطبة أخرى له:
ومن خطبه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
"اعلموا أن الحلم زين، والوقار مودة، والصلة نعمة، والإكثار صلف1، والعجلة سفه، والسفه ضعف، والقلق ورطة، ومجالسة أهل الدناءة شين، ومخالطة أهل الفسوق ريبة".
"صبح الأعشى 1: 215"
__________
1 الصلف: التكلم بما يكرهه صاحبك والتمدح بما ليس عندك، أو مجاوزة قدر الظرف والادعاء فوق ذلك تكبرًا.
(2/18)

مخاصمة ومهاجاة
مدخل
...
مخاصمة ومهاجاة:
بين الحسن بن علي، وبين عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، بحضرة معاوية:
قال ابن أبي الحديد: روى الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات قال:
"اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي عليه السلام قوارص1، وبلغه عنهم مثل ذلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين إن الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصدق، وأمر فأطيع، وخفقت2 له النعال، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوءنا. قال معاوية: فما تريدون؟ قالوا: ابعث إليه فليحضر لنسبَّه ونسبَّ أباه ونعيره ونوبخه، ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرره بذلك، ولا يستطيع أن يغير علينا شيئًا من ذلك. قال معاوية: إني لا أرى ذلك ولا أفعله، قالوا: عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن، فقال: ويحكم لا تفعلوا، فوالله ما رأيته قط جالسًا عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي قالوا: ابعث إليه على كل حال. قال: إن بعثت إليه لأنصفنه منكم، فقال عمرو بن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقنا، أو يُرْبَى قوله على قولنا؟ قال معاوية: أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أن يتكلم بلسانه كله. قالوا: مره بذلك، قال: أما إذا عصيتموني وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك، فلا تمرضوا3 له
__________
1 القوارص من الكلام: التي تنغصك وتؤلمك.
2 الخفق: صوت النعل.
3 تمرض: ضعف في أمره.
(2/19)

في القول، واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره؛ تقولون له: إن أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء من قبله؛ فبعث إليه معاوية، فجاءه رسوله. فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك، قال: من عنده؟ فسماهم، فقال الحسن عليه السلام: ما لهم؟ خَرَّ عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، ثم قال: يا جارية ابغيني ثيابي، اللهم إني أعوذ بك من شرورهم، وأدرأ1 بك في نحورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم كيف شئت، وأنى شئت، بحول منك وقوة، يا أرحم الراحمين، ثم قام، فلما دخل على معاوية أعظمه وأكرمه، وأجلسه إلى جانبه، وقد ارتاد2 القوم، وخَطَرُوا3 خَطَران الفحول، بَغْيًا في أنفسهم وعلوًّا، ثم قال: يا أبا محمد، إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني. فقال الحسن عليه السلام: سبحان الله! الدار دارك، والإذن فيها إليك؛ والله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا وما في أنفسهم إني لأستحيي لك من الفحش، وإن كانوا غلبوك على رأيك إني لأستحيي لك من الضعف، فأيهما تقر وأيهما تنكر؟ أما إني لو علمت بمكانهم جئت معي بمثلهم من بني عبد المطلب، وما لي أن أكون مستوحشًا منك أو منهم؟ إن وليي الله وهو يتولى الصالحين؛ فقال معاوية: يا هذا إني كرهت أن أدعوك، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له، وإن لك منهم النَّصَفَ4 ومني، وإنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل مظلومًا، وأن أباك قتله، فاستمع منهم ثم أجبهم، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك، فتكلم عمرو بن العاص:
__________
1 أدفع.
2 الارتياد: الذهاب والمجيء.
3 خطر الرجل في مشيته: رفع يديه ووضعها واهتز وتبختر، وخطر بسيفه ورمحه: رفعه مرة ووضعه أخرى خطرانا "بالتحريك"، وخطر الفحل بذنبه: ضرب به يمينا وشمالا.
4 الإنصاف والعدل.
(2/20)

14- مقال عمرو بن العاص:
فحمد الله وصلى على رسوله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم ذكر عليًّا عليه السلام، فلم يترك شيئًا يعيبه به إلا قاله، وقال: إنه شتم أبا بكر، وكره خلافته، وامتنع من بيعته، ثم بايعه مكرهًا، وشرك في دم عمر، وقتل عثمان ظلمًا، وادعى من الخلافة ما ليس له، ثم ذكر الفتنة يعيره بها، وأضاف إليه مساوئ، وقال: إنكم يا بني عبد المطلب لم يكن الله ليعطيكم الملك، على قتلكم الخلفاء، واستحلالكم ما حرم الله من الدماء، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحل؛ ثم إنك يا حسن تحدث نفسك أن الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبه، كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك، وتركك أحمق قريش، يسخر منك، ويهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك؛ وإنما دعوناك لنسُبَّك وأباك؛ فأما أبوك فقد تفرد الله به، وكفانا أمره، وأما أنت فإنك في أيدينا، نختار فيك الخصال، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله، ولا عيب من الناس؛ فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا؟ فإن كنت ترى أنا كذبنا في شيء فاردده علينا فيما قلنا، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان.
(2/21)

15- مقال الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فقال:
"يا بني هاشم: إنكم كنتم أخوال عثمان، فنعم الولد كان لكم، فعرف حقكم، وكنتم أصهاره، فنعم الصهر كان لكم يكرمكم، فكنتم أول من حسده، فقتله أبوك ظلمًا، لا عذر له ولا حجة، فكيف ترون الله طلب بدمه، وأنزلكم منزلتكم، والله إن بني أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية، وإن معاوية خير لك من نفسك".
(2/21)

16- مقال عتبة بن أبي سفيان:
ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان، فقال:
"يا حسن: كان أبوك شرَّ قريش لقريش، لسفكه لدمائها، وقطعه لأرحامها، طويل السيف واللسان، يقتل الحي ويعيب الميت، وإنك ممن قتل عثمان ونحن قاتلوك به.
وأما رجاؤك الخلافة فلست في زندها1 قادحًا، ولا في ميزانها راجحًا، وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان، وإن في الحق أن نقتلك وأخاك به، فأما أبوك فقد كفانا الله أمره، وأقاد2 منه، وأما أنت فوالله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم ولا عدوان".
__________
1 الزند: العود الذي يقدح به النار.
2 أقاد القاتل بالقتيل: قتله به.
(2/22)

17- مقال المغيرة بن شعبة:
ثم تكلم المغيرة بن شعبة، فشتم عليًّا، وقال: والله ما أعيبه في قضية يخون، ولا في حكم يميل، ولكنه قتل عثمان، ثم سكتوا
(2/22)

18- رد الحسن بن علي عليهم:
فتكلم الحسن بن علي عليه السلام، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال:
"أما بعد يا معاوية، فما هؤلاء شتموني، ولكنك شتمتني، فحشًا ألفته، وسوء رأي عُرِفْتَ به، وخلقًا سيئًا ثَبَتّ عليه، وبغيًا علينا، عداوة منك لمحمد وأهله، ولكن اسمع يا معاوية واسمعوا، فلأقولن فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم، أنشدكم الله أيها الرهط، أتعلمون أن الذي شتمتموه منذ اليوم صلى القبلتين1 كلتيهما، وأنت يا معاوية
__________
1 كان صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستقبل الكعبة وهو بمكة، فلما هاجر إلى المدينة أمر أن يستقبل بيت المقدس تألفًا لليهود، فصلى إليه ستة أو سبعة عشر شهرًا ثم حول.
(2/22)

بهما كافر، تراها ضلالة وتعبد اللات والعزى1 غواية، وأنشدكم الله هل تعلمون أنه بايع البيعتين كلتيهما: بيعة الفتح2 وبيعة الرضوان3، وأنت يا معاوية بإحداهما كافر، وبالأخرى ناكث، وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أول الناس إيمانًا، وأنك يا معاوية وأباك من المؤلفة قلوبهم، تسرون الكفر وتظهرن الإسلام، وتُستمالون بالأموال، وأنشدكم الله ألستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يوم بدر، وأن راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه؟ ثم لقيكم يوم أحد ويوم الأحزاب ومعه راية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، ومعك ومع أبيك راية الشرك، وفي كل ذلك يفتح الله له، ويفلج4 حجته، وينصر دعوته، ويصدق حديثه، ورسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآله في تلك المواطن كلها عنه راضٍ، وعليك وعلى أبيك ساخط؛ وأنشدك الله يا معاوية أتذكر يومًا جاء أبوك على جمل أحمر، وأنت تسوقه، وأخوك عتبة هذا يقوده، فرآكم رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "اللهم العن الراكب والقائد والسائق" أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لما هم أن يسلم تنهاه عن ذلك:
يا صخر لا تسلمن يومًا فتفضحنا ... بعد الذين ببدر أصبحوا مِزَقا5
خالي وعمي وعم الأم ثالثهم ... وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا6
__________
1 اللات: صنم ثقيف بالطائف، والعزى: أكبر صنم لقريش، وكان ببطن نخلة.
2 روى الطبري في تاريخه –بعد أن أورد خبر فتحه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة سنة ثمان للهجرة، وخطبته حين وقف على باب الكعبة –قال: "ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله على الإسلام فجلس لهم- فيما بلغني – على الصفا، وعمر بن الخطاب تحت رسول الله أسفل من مجلسه يأخذ على الناس، فبايع رسول الله على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، وكذلك كانت بيعته لمن بايع رسول الله من الناس على الإسلام، فلما فرغ رسول الله من بيعة الرجال بايع النساء، واجتمع إليه نساء من نساء قريش فيهن هند بنت عتبة "أم معاوية" ... إلى آخر القصة –تاريخ الطبري 3: 121– وكان معاوية ممن أسلم بعد الفتح.
3 بيعة الرضوان كانت سنة ست هجرية في غزوة الحديبية حين دعا الرسول صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسلمين للبيعة على القتال، فبايعوه على الموت تحت شجرة هناك سميت بعد بشجرة الرضوان.
4 ينصر.
5 المزق: جمع مِزقة بالكسر، وهي القطعة من الثوب وغيره.
6 أي لشدة الحزن والأسى.
(2/23)

لا تركنن إلى أمر تُكَلِّفُنَا ... والراقصاتُ به في مكة الخرقا1
فالموت أهون من قول العداة "لقد ... حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا"2
والله لَمَا أخفيتُ من أمرك، أكبر مما أبدي؛ وأنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون أن عليًّا حرم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فأنزل فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} . وأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة، فنزلوا من حصنهم، فهزموا، فبعث عَلِيًّا بالراية؛ فاستنزلهم على حكم الله، وحكم رسوله، وفعل في خيبر مثلها، ثم قال: يا معاوية أظنك لا تعلم أني أعلم ما دعا به عليك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، لما أراد أن يكتب كتابا إلى بني جذيمَة3، فبعث إليك ونَهَمك4 إلى أن تموت، وأنتم أيها الرهط
__________
1 الخرق محرَّكة: ألا يحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور، والحمق.
2 فرق: فزع.
3 في الأصل "خزيمة"، وهو تحريف، وهم بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، وقد بعث إليهم رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيًا، ولم يبعثه مقاتلا، فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح، فإن الناس قد أسلموا، فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم – وكان بنو جذيمة قد أصابوا في الجاهلية عوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف، والفاكه بن المغيرة عم خالد، وكانا أقبلا تاجرين من اليمن حتى إذا نزلا بهم قتلوهما، وأخذوا أموالهما – فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد، ثم دعا علي بن أبي طالب، فقال: يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج علي حتى جاءهم، ومعه مال قد بعثه رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به، فودى لهم الدماء، وما أصيب من الأموال، حتى إنه ليدي ميلغة الكلب، "والميلغة بالكسر: الإناء يلغ فيه الكلب" حتى إذا لم يبق شيء من دم أو مال إلا وداء بقيت معه بقية من المال. قال لهم: هل بقى لكم دم أو مال لم يرد إليكم؟ قالوا: لا، قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما لا يعلم ولا تعلمون، ففعل، ثم رجع إلى رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأخبره الخبر، فقال: أصبت وأحسنت، ثم استقبل القبلة قائما شاهرا يديه، وهو يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ابن الوليد، ثلاث مرات.
4 الذي في كتب اللغة: "نهمه: زجره، وحذفه بالحصى وغيره" ومراده هنا أنه دعا عليه بالنهم وعدم الشبع، وقد تقدم الكلام عليه.
(2/24)

نشدتكم الله ألا تعلمون أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردها؟ أولها: يوم لقي رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآله خارجًا من مكة إلى الطائف يدعو ثقيفًا إلى الدين؛ فوقع به، وسبه، وسفهه، وشتمه، وكذبه، وتوعده، وهم أن يبطش به، فلعنه الله ورسوله، وصرف عنه، والثانية: يوم العير1 إذ عَرَضَ لها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وهي جائية من الشأم، فطردها أبو سفيان وساحل2 بها، فلم يظفر المسلمون بها، ولعنه رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآله ودعا عليه، فكانت وقعة بدر لأجلها.
والثالثة: يوم أحد؛ حيث وقف تحت الجبل، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ في أعلاه، وهو ينادي: اُعْلُ هبل3 مرارًا، فلعنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عشر مرات، ولعنه المسلمون.
والرابعة: يوم جاء بالأحزاب، وغطفان، واليهود، فلعنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وابتهل.
والخامسة: يوم جاء أبو سفيان في قريش، فصدوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عن المسجد والهدي معكوفا أن يبلغ محله4، ذلك يوم الحديبية، فلعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أبا سفيان، ولعن القادة والأتباع، وقال: ملعونون كلهم، وليس فيهم من يؤمن.
فقيل: يا رسول الله، أفما يرجى الإسلام لأحد منهم، فكيف باللعنة؟ فقال: لا تصيب اللعنة أحدا من الأتباع، وأما القادة فلا يفلح منهم أحد5. والسادسة: يوم الجمل الأحمر.
والسابعة: يوم وقفوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ في العقبة؛ ليستنفروا ناقته، وكانوا اثنى عشر رجلا منهم أبو سفيان. فهذا لك يا معاوية.
وأما أنت يا بن العاص، فإن أمرك مشترك، وضعتك أمك مجهولا من عهر6
__________
1 العير: الإبل تحمل الميرة.
2 أتى بها ساحل البحر.
3 أي: اعل وانتصر يا هبل؛ وهو صنم كان في الكعبة.
4 والهدي معطوف على رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والهدي ما يهدى إلى مكة، ومعكوفًا أي محبوسًا وهو حال. أن يبلغ محله أي مكانه الذي ينحر فيه عادة وهو الحرم.
5 لا يتعارض مع هذا أن أبا سفيان أفلح بعد وأسلم، إذ النفي فيه بلا، وليس النفي بلن.
6 فجور: ذكروا أن النابغة أم عمرو بن العاص كانت أمة لرجل من عنزة "بالتحريك" فسبيت: فاشتراها عبد الله بن جدعان التيمي بمكة، فكانت بغيًّا، ثم أعتقها، فوقع عليها أبو لهب بن عبد المطلب =
(2/25)

وسفاح، فتحاكم فيك أربعة من قريش، فغلب عليك جزّارها؛ ألأمهم حسبا، وأخبثهم منصبا، ثم قام أبوك فقال: أنا شاني محمد الأبتر1. فأنزل الله فيه ما أنزل، وقاتلت رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآله في جميع المشاهد، وهجوته وآذيته بمكة، وكدته كيدك كله، وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة، ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة؛ لتأتي بجعفرٍ وأصحابه إلى أهل مكة2. فلما أخطأك ما رجوت، ورجعك الله خائبًا وأكذبك واشيًا، جعلت حسدك على صاحبك عمارة بن الوليد، فوشيت به إلى النجاشي حسدًا لما ارتكب من حليلته3، ففضحك الله، وفضح صاحبك، فأنت عدو بني هاشم
__________
= وأمية بن خلف الجمحي، وهشام بن المغيرة المخزومي، وأبو سفيان بن حرب، والعاص بن وائل السهمي في طهر واحد، فولدت عمرًا، فادعاه كلهم، فحكمت أمه فيه، فقالت: هو من العاص بن وائل؛ وذاك لأن العاص كان ينفق عليها كثيرًا، قالوا: وكان أشبه بأبي سفيان، وفي ذلك يقول أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب في عمرو بن العاص:
أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت ... لنا فيك منه بينات الشمائل
ويقال: إنه جعل لرجل ألف درهم أن يسأل عمرًا وهو على المنبر: من أمه؟ فسأله، قال: أمي سلمى بنت حرملة تلقب بالنابغة من بني عنزة أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة، ثم اشتراها منه عبد الله بن جدعان، ثم صارت إلى العاص بن وائل، فولدت، فأنجبت، فإن كان جُعل لك شيء فخذه.
"ورأيي فيما رُويَ من نسب عمرو بن العاص أن الإسلام يجب ما قبله".
1 الشانئ: المبغض، ويسهل: وذلك أن العاص بن وائل سمى النبي صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبتر عند موت ابنه القاسم، فنزل فيه: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} أي المنقطع عن كل خير، الذي لا يفوز بالذكر الحسن بعد موته، وأما أنت يا محمد فسيبقى حسن ذكرك، وآثار فضلك إلى يوم القيامة، فهو الأبتر لا أنت.
2 يشير إلى هجرة الحبشة الثانية، وقد هاجر إليها من المسلمين نحو ثلاثة وثمانين رجلا وثمان عشرة امرأة، وكان من الرجال جعفر بن أبي طالب، ولما رأت قريش ذلك أرسلت في أَثَرِهِم عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، بهدايا إلى النجاشي وبطارقته، ليسلم المسلمين، فرجعا خائبين، وأبى النجاشي أن يخفر ذمته.
3 وذلك أن عمرا وعمارة ركبا البحر إلى الحبشة كما قدمنا –وكان عمارة جميلا وسيما تهواه النساء، وكان مع عمرو بن العاص امرأته- فلما صاروا في البحر ليالي أصابا من خمر معهما، فانتشى عمارة، فقال لامرأة عمرو: قبليني، فقال لها عمرو: قبلي ابن عمك، فقبلته، فهويها عمارة، وجعل يراودها عن نفسها =
(2/26)

في الجاهلية والإسلام. ثم إنك تعلم، وكل هؤلاء الرهط يعلمون أنك هجوت رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآله بسبعين بيتًا من الشعر، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: اللهم إني لا أقول الشعر، ولا ينبغي لي. اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة، فعليك إذن من الله ما لا يحصى من اللعن، وأما ما ذكرت من أمر عثمان؛ فأنت سعرت1 عليه الدنيا نارا، ثم لحقت بفلسطين، فلما أتاك قتله قلت: "أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحة أدميتها" ثم حبست نفسك إلى معاوية، وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض، ولا نعاتبك على ود، وبالله ما نصرت عثمان حيًّا ولا غضبت له مقتولا، ويحك يابن العاص! ألست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشي:
تقول ابنتي: أين هذا الرحيل؟ ... وما السير مني بمستنكر
__________
= فامتنعت منه، ثم إن عمرا جلس على منجاف السفينة يبول "منجاف السفينة هو سكانها الذي تعدل به" فدفعه عمارة في البحر، فلما وقع عمرو سبح حتى أخذ بمنجاف السفينة، وضغن عمرو عليه في نفسه، وعلم أنه كان أراد قتله، ومضيا حتى نزلا الحبشة، فلما اطمأنا بها لم يلبث عمارة أن دب لامرأة النجاشي، فأدخلته، فاختلف إليها، وجعل إذا رجع من مدخله ذلك يخبر عمرا بما كان من أمره، فيقول عمرو: لا أصدقك أنك قدرت على هذا، إن شأن هذه المرأة أرفع من ذلك، فلما أكثر عليه عمارة بما كان يخبره، ورأى عمرو من حاله وهيئته ومبيته عندها حتى يأتي إليه مع السحر ما عرف به ذلك، قال له: إن كنت صادقا، فقل لها فلتدهنك بدهن النجاشي الذي لا يدهن به غيره، فإني أعرفه وأتني بشيء منه حتى أصدقك، قال: أفعل، فسألها ذلك، فدهنته منه، وأعطته شيئًا في قارورة، فقال عمرو: أشهد أنك قد صدقت، لقد أصبت شيئًا ما أصاب أحد من العرب مثله قط، امرأة الملك! ما سمعنا بمثل هذا، ثم سكت عنه حتى اطمأن ودخل على النجاشي، فأعلمه شأن عمارة، وقدم إليه الدهن، فلما أثبت أمره دعا بعمارة، ودعا نسوة أخر، فجردوه من ثيابه، ثم أمرهن ينفخن في إحليله، ثم خلى سبيله، فخرج هاربًا.
1 سعر النار: كمن أوقدها، وكان عمرو أول خلافة عثمان واليا على مصر –منذ خلافة عمر بن الخطاب- ثم إن عثمان ولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح -وهو أخو عثمان من الرضاع- خراج مصر، وولى عمرو بن العاص على الجند، فلم يتفقا، فجمع لعبد الله الخراج والجند وعزل عمرا، فلما قدم عمرو المدينة جعل يطعن على عثمان، ويؤلب عليه، وخرج عمرو بعدئذ حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين، فكان يقول: أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها، والله إن كنت لألقى الراعي، فأحرضه عليه "نكأ القرحة: قشرها قبل أن تبرأ فنديت".
(2/27)

فقلت: ذريني فإني امرؤ ... أريد النجاشي في جعفر
لأكويه عنده كية ... أقيم بها نخوة الأصعر1
وشانئ أحمد من بينهم ... وأقولهم فيه بالمنكر
وأجري إلى عتبة جاهدا ... ولو كان كالذهب الأحمر2
ولا أنثني عن بني هاشم ... وما اسطعت في الغيب والمحضر
فإن قبل العتب مني له ... وإلا لويت له مشفري3
فهذا جوابك. هل سمعته؟
وأما أنت يا وليد، فوالله ما ألومك على بغض علي، وقد جلدك ثمانين في الخمر4، وقتل أباك بين يدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ صَبْرًا5، وأنت الذي سماه اللهُ الفاسق
__________
1 الصعر محرَّكة: الميل في الخد، صعر: كفرح فهو أصعر، وصعر خده تصعيرًا: أماله من الكبر.
2 كان من بين المهاجرين من المسلمين إلى الحبشة عتبة بن غزوان، وهو من بني نوفل بن عبد مناف، وعتبة بن مسعود "وهو أخو عبد الله بن مسعود" من هذيل من حلفائهم، وأظنه يعني عتبة بن غزوان، وقوله: ولو كان كالذهب الأحمر: أي في صعوبة الوصول إليه.
3 المشفر للبعير: كالشفة للإنسان، وقد يستعمل في الناس.
4 وذلك أن عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بعد أن عزل سعد بن أبي وقاص من إمارة الكوفة، ولى عليها الوليد بن عقبة –وهو أخوه لأمه- ورووا أنه شرب الخمر بالكوفة وسكر حتى دخل عليه، وأخذ خاتمه من أصبعه وهو لا يعلم، وأنه تكلم في الصلاة، والتفت إلى من يقتدون به فيها وهو سكران، وقال لهم: أزيدكم؟ قالوا: لا قد قضينا صلواتنا، وشهد الشهود عليه بذلك عند عثمان في وجهه، فأدخله بيتًا، وأراد أن يحده، فجعل إذا بعث إليه رجلا من قريش ليضربه ناشده الوليد ألا يقطع رحمه، فلما رأى عليٌّ ذلك أخذ السوط ودخل عليه فجلده به.
5 القتل صبرا: أن يحبس الرجل ويرمى حتى يموت، وكان عقبة بن أبي معيط شديد الإيذاء لرسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عظيم الاستهزاء به، صنع مرة وليمة ودعا إليها كبراء قريش، وفيهم رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال عليه الصلاة والسلام: والله لا آكل من طعامك حتى تؤمن بالله، فتشهد، فبلغ ذلك أبي بن خلف الجمحي، وكان صديقًا له، فقال: ما شيء بلغني عنك؟ قال: لا شيء دخل منزلي رجل شريف، فأبى أن يأكل طعامي حتى أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له، قال أُبي: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدًا فلم تطأ عنقه، وتبزق في وجهه، وتلطم عينه، فلما رأى عقبة رسول الله =
(2/28)

وسَمَّى عَلِيًّا المؤمن، حيث تفاخرتما، فقلت له: اسكت يا عليُّ، فأنا أشجع منك جَنَانًا، وأطول منك لسانًا، فقال لك علي: اسكت يا وليد، فأنا مؤمن وأنت فاسق، فأنزل الله تعالى في موافقة قوله: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ} ثم أنزل فيك على موافقة قوله أيضًا {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} 1 ويحك يا وليد؟ مهما نسيت فلا تنس قول الشاعر فيك وفيه:
أنزل الله "والكتاب عزيز" ... في علي وفي الوليد قُرانا2
فتبوَّا الوليد إذ ذاك فسقا ... وعلي مبوَّأٌ إيمانا3
ليس من كان مؤمنًا "عمرك اللـ ... ـه" كمن كان فاسقا خوَّانا
سوف يُدعَى الوليد بعد قليل ... وعلي إلى الحساب عيانا
فعلي يجزى بذاك جنانا ... ووليد يجزى بذاك هوانا
رب جد لعقبة بن أبان ... لابس في بلادنا تُبَّانا4
__________
= صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل به ذلك، فأنزل الله فيه: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً} وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي في حجر الكعبة، فأقبل عقبة، فوضع ثوبه في عنق رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبه، ودفعه عن الرسول، وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} فلما كانت غزوة بدر كان عقبة من أسراها، وقد قتله عليه الصلاة والسلام وهو راجع.
1 وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قد بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق لأخذ الصدقات -وكان بينه وبينهم ترة في الجاهلية- فلما سمعوا به استقبلوه، فحسبهم مقاتليه، فرجع، وقال لرسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنهم قد ارتدوا ومنعوا الزكاة، فهم بقتالهم، فأتوه منكرين ما قاله عنهم، فنزلت الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} .
2 مسهل عن: "قرآنا".
3 فتبوا: مسهل عن: "فتبوأ".
4 أبان: هو والد أبيه عقبة، فهو الوليد بن عقبة بن أبي معيط أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس، والتبان: سروال صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة فقط يكون للملاحين.
(2/29)

وما أنت وقريش!، إنما أنت عِلْجٌ من أهل صفورية1، وأقسم بالله لأنت أكبر في الميلاد وأسن ممن تدعى إليه.
وأما أنت يا عتبة، فوالله ما أنت بحصيف2 فأجيبك، ولا أقل فأحاورك وأعاتبك، وما عندك خير يرجى، ولا شر يتقى، وما عقلك وعقل أمتك إلا سواء، وما يضر عَلِيًّا لو سببته على رءوس الأشهاد؟ وأما وعيدك إياي بالقتل، فهلا قتلت اللحياني إذ وجدته على فراشك؟ أما تستحيي من قول نصر بن حجاج فيك:
يا للرجال وحادث الأزمان ... ولسبة تخزي أبا سفيان3
نبئت عتبة خانه في عرسه ... جنس لئيم الأصل من لحيان4
وبعد هذا ما أربأ بنفسي عن ذكره لفحشه، فكيف يخاف أحد سيفك؟ ولم تقتل فاضحك. وكيف ألومك على بغض عليٍّ، وقد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر، وشرك حمزة في قتل جدك عتبة، وأوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد.
وأما أنت يا مغيرة، فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه، وإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة: "استمسكي فإني طائرة عنك" فقالت النخلة: وهل علمت بك واقعةً عليَّ، فأعلم بك طائرة عني؟ والله ما نشعر بعداوتك إيانا، ولا اغتممنا إذ علمنا بها ولا يشق علينا كلامك، وإنَّ حد الله في الزنا لثابت عليك ولقد درأ عمر عنك حقًّا، الله سائله عنه. ولقد سألتَ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها؟ فقال: لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنا، لعلمه بأنك زانٍ، وأما
__________
1 صفورية: بلد بالأردن "بضم الهمزة والدال وتشديد النون"، والعلج: الرجل من كفار العجم وذلك أن جده ذكوان كان يلقب بالصفوري، ذكر جماعة من النسابين أن ذكوان هذا كان مولى لأمية بن عبد شمس، فتبناه، وكناه أبا عمرو، فبنوه موالٍ، وليسوا من بني أمية لصلبه "شرح ابن أبي الحديد م1: ص154".
2 حصف: ككرم استحكم عقله، فهو حصيف.
3 السبة: العار.
4 عرس الرجل: امرأته: وبنو لحيان: حي من هذيل، وهو لحيان بن هذيل بن مدركة.
(2/30)

فخركم علينا بالإمارة، فإن الله تعالى يقول: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا 1 مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} .
ثم قام الحسن فنفض ثوبه فانصرف؛ فعلق عمرو بن العاص بثوبه وقال: يا أمير المؤمنين قد شهدت قوله في وقذفه أمي بالزنا، وأنا مطالب له بحد القذف.
فقال معاوية: خل عنه، لا جزاك الله خيرًا، فتركه، فقال معاوية: قد أنبأتكم أنه ممن لا تطاق عارضته، ونهيتكم أن تسبوه فعصيتموني، والله ما قام حتى أظلم علي البيت، قوموا عني؟ لقد فضحكم الله وأخزاكم بترككم الحزم، وعدولكم عن رأي الناصح المشفق، والله المستعان.
"شرح ابن أبي الحديد م2 ص101"
__________
1 أي كثرنا، أمره: كنصره، وآمره: كثره، "وفي قراءة: آمرنا" أو المعنى أمرناهم بالطاعة ففسقوا وعصوا، وقد يكون من الإمارة أي جعلناهم أمراء.
(2/31)

19- رثاء محمد بن الحنفية لأخيه الحسن
لما مات الحسن بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أدخله قبره الحسين ومحمد بن الحنفية1 وعبد الله بن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم، ثم وَقَفَ محمدٌ على قبره، وقد اغرورقت عيناه، وقال:
"رحمك الله أبا محمد فلئن عزَّتْ حياتُك لقد هَدَّتْ وفاتُك، ولنعم الروحُ روحٌ تضمَّنَهُ بدنُك، ولنعم الجسدُ جسدٌ تضمنه كفنك، ولنعم الكفنُ كفنٌ تضمنه لحدُك، وكيف لا تكون كذلك، وأنت سليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء2؛ وخلف
__________
1هو محمد بن علي بن أبي طالب: والحنفية أمه، وهي امرأة من بني حنيفة بن لجيم وتسمى خولة بنت جعفر، وتوفي سنة 81، وقيل سنة 83، وقيل سنة 72، وقيل سنة 73.
2 الكساء: هو كساء آل محمد صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي يضافون إليه، فيقال: "آل الكساء" وهم النبي عليه الصلاة والسلام، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قال ديك الجن:
والخمسة الغر أصحاب الكساء معا ... خير البرية من عجم ومن عرب
(2/31)

أهل التقوى، وجدك النبي المصطفى، وأبوك علي المرتضى، وأمك فاطمة الزهراء،
__________
= وقال أبو عثمان الخالدي:
أعاذل إن كساء التقى ... كسانيه حبي لأهل الكساء
ومن قصة هذا الكساء ما روت الرواة من أن وفدًا من نصارى نجران قدموا على النبي صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكان مما جرى بينهم وبينه أن قالوا: يا محمد لم تعيب عيسى وتسميه عبدًا؟ فقال: أجل عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، قالوا: فأرنا مثله، يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين كهيئة الطير، وبايعنا على أنه ابن الله، ونحن نبايعك على أنك رسول الله، فقال رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: معاذَ اللهِ أن يكون لله ولد أو شريك، فما زالوا يحاجونه ويلاحونه حتى أنزل الله: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ} أي في عيسى {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} فقال لهم: إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم –والمباهلة الملاعنة- فقالوا: يا أبا القاسم، بل نرجع، فننظر في أمرنا، ثم نأتيك، فلما رجعوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم "وهو أحد رؤسائهم. قال ياقوت في معجمه: ووفد على النبي صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفد نجران وفيهم السيد واسمه وهب، والعاقب واسمه عبد المسيح، والأسقف وهو أبو حارثة، وأراد رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مباهلتهم، فامتنعوا.. الخ" يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال "والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدًا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم "أي عيسى" والله ما بَاهَلَ قومٌ نبيًّا قطُ، فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لكان الاستئصال، فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم" وكان رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج وعليه مرط من شعر أسود "والمرط بالكسر كساء من صوف أو خز" وقد احتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعليٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خلفها، وهو يقول "إذا دعوتُ فأمنوا" فقال أسقف نجران" "يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله لها، فلا تباهلوا، فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة" ثم قالوا. يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك" فقال عليه الصلاة والسلام: "فإذا أبيتم المباهلة، فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما على المسلمين" فأبوا، فقال: فإني أناجزكم القتال، فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة، ألفًا في صفر وألفًا في رجب، وثلاثين درعًا عادية من حديد، فصالحهم على ذلك، وقال: "والذي نفسي بيده، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارًا، ولاستأصل الله نجران وأهله، حتى الطير على رءوس الشجر، ولَمَا حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا، وروي أنه عليه الصلاة والسلام لما خرج في المرط الأسود جاء الحسن، فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم، ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} فمن ذلك الوقت سُمِّيَ الخمسة أصحاب الكساء "انظر كتاب ثمار القلوب في المضاف والمنسوب للثعالبي ص483 وتفسير الفخر الرازي مفاتيح الغيب 2: 699"
(2/32)

وعمك جعفر1 الطيار في جنة المأوى، وغذَّتك أكف الحق، وربيت في حجر الإسلام، ورضعت ثدي الإيمان، فطبتَ حيًّا وميتًا، فلئن كانت الأنفسُ غيرَ طيبةٍ لفراقك، إنها غير شاكَّةٍ أنْ قد خِير لَكَ2، وإنك وأخاك لسيدا شبابِ أهلِ الجنةِ، فعليك أَبَا محمدٍ منا السلام".
"زهر الآداب 1: 69، ومروج الذهب 2: 51، والعقد الفريد 2: 7".
__________
1 هو جعفر بن أبي طالب، وقد استشهد في غزوة مؤتة سنة ثمان للهجرة، وكان يقول حين أخذ الراية من زيد بن حارثة الذي استشهد قبله في هذه الغزوة:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردًا شرابها
ولقب بالطيار لما روي عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "دخلت الجنة البارحة، فرأيت جعفرًا يطير مع الملائكة وجناحاه مضرجان بالدم" – راجع الروض الأنف شرح السيرة النبوية لابن هشام 2: 258-.
2 خار الله لك في الأمر: جعل لك فيه الخير.
(2/33)

مقتل الحسين بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
تأبيه عن بيعة يزيد وخروجه إلى مكة:
لما ولي الخلافة يزيدُ بنُ معاوية "في هلال رجب سنة 60هـ" كتب إلى أمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أن يأخذ الحسين، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بالبيعة أخذًا شديدًا ليست فيه رخصة1، فبعث الوليد إلى الحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ونعى له معاوية، ودعاه إلى البيعة، فقال الحسين: "إن مثلي لا يعطي بيعتَهُ سِرًّا، ولا أراك تجترئ بها مني سِرًّا، دون أن تظهرها على رءوس الناس علانية، فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس، فكان أمرًا واحدًا" فقال له الوليد –وكان يحب العافية: "فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس".
فلما كان من الغد بعث الرجال إلى الحسين عند المساء، فقال: "أصبحوا ثم ترون ونرى" فكفوا عنه تلك الليلة ولم يلحوا عليه، فخرج الحسين من تحت ليلته "ليومين بقيا من رجب سنة 60هـ" ومعه بنوه وإخوته وبنو أخيه وجل أهل بيته إلا محمدَ بنَ الحنفيةِ فإنه قال له:
__________
1 الرخصة: التسهيل.
(2/34)

20- نصيحة محمد بن الحنفية للحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:
"يا أخي: أنت أحب الناس إلي، وأعزهم علي، ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك، تنح بتبعتك1 عن يزيد بن معاوية، وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس، فادعهم إلى نفسك، فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف أن تدخل مصرًا من هذه الأمصار، وتأتي جماعة من الناس، فيختلفوا بينهم، فمنهم طائفةٌ معك، وأخرى عليك، فيقتتلوا، فتكون لأول الأسنة، فإذا خيرُ هذه الأمة كلها نفسًا وأبًا وأمًّا أضيعها دمًا، وأذلها أهلا".
قال له الحسين: "فإني ذاهب يا أخي". قال: "فانزلْ مكةَ، فإن اطمأنت بك الدار فسبيلٌ ذلك، وإن نبت2 بك لحقت بالرمال، وشعف3 الجبال، وخرجت من بلد إلى بلد، حتى تنظر إلام يصير أمر الناس، وتعرف عند ذلك الرأي، فإنك أصوب ما يكون رأيًا وأحزمه عملا، حتى تستقبل الأمور استقبالا، ولا تكون الأمور عليك أبدًا أشكل منها حين تستدبرها استدبارًا".
قال: "يا أخي قد نصحت فأشفقت، فأرجو أن يكون رأيك سديدًا موفقًا".
وسار إلى مكة، فأتاه أهل الكوفة ورسلهم، إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي فاقدَم علينا4 -وكان النعمان بن بشير الأنصاري على الكوفة-
__________
1 تبعة جمع تابع.
2 ضاقت.
3 الشعف: جمع شفعة محركة، وهي رأس الجبل.
4 اجتمعت الشيعة بالكوفة في منزل سليمان بن صرد، فذكروا هلاك معاوية فحمدوا الله عليه، فقال سليمان: "إن معاوية قد هلك، وإن حسينا قد تقبض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه وإن خفتم الوهل "بالتحريك الضعف والفزع والفشل" فلا تغزوا الرجل من نفسه" قالوا: "لا، بل نقاتل عدوه، ونقتل أنفسنا دونه" قال: فاكتبوا إليه، فكتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، لحسين بن علي من سليمان بن صرد، والمسيب بن نجية، ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مظاهر، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة، سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى "وثب" على هذه الأمة فابتزها أمرها، وغصبها فيئها، وتأمر عليها بغير رضا منها، ثم قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبُعْدًا له كما بعدت ثمود، إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة، لسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه، حتى نلحقه بالشام إن شاء الله، والسلام ورحمة الله عليك" وكتبوا إليه أيضًا: "بسم الله الرحمن الرحيم، لحسين بن علي من شيعته من المؤمنين والمسلمين، أما بعد: فحيهلا "أي أقبل" فإن الناس ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك، فالعجل العجل والسلام عليك" وكتبوا: "أما بعد: فقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار، وطمت الجمام، "الجمام: بالكسر جمع جم بالفتح، وهو معظم الماء وطمى الماء: علا، وطم: غمر" فإذا شئت فأقدم على جند لك مجند، والسلام عليك" فكتب إليهم: "بسم الله الرحمن الرحيم، من حسين بن علي إلا الملأ من المؤمنين والمسلمين، أما بعد: فإن هانئًا وسعيدًا "وهما هانئ بن هانئ وسعيد بن عبد الله قدما على بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلكم إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلي أنه قد أجمع رأي مَلَئِكُم وذوي الفضل والحجا منكم على مثل ما قدمت علي به رسلكم وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسَه على ذات الله والسلام".
(2/35)

بعثه مسلم بن عقيل إلى الكوفة:
فبعث الحسين إلى ابن عمه مسلم بن عقيل، فقال له:
"سِرْ إلى الكوفة فانظر ما كتبوا به إلي، فإن كان حقًّا خرجنا إليهم، فخرج مسلم إلى الكوفة، ونزل دار المختار بن أبي عبيد، وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فقرأ عليهم كتاب الحسين، فأخذوا يبكون.
(2/36)

21- خطبة عابس بن أبي شبيب الشاكري:
فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد، فإني لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرك منهم، والله أحدثك عما أنا موطن نفسي عليه، والله لأجيبنكم إذا دعوتم، ولأقاتلن معكم عدوكم، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله، لا أريد بذلك إلا ما عند الله.
فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي فقال:
"رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجِزٍ من قولك" ثم قال: "وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه" وقال غيرهما مثل قولهما.
فبلغ ذلك النعمان بن بشير، فخرج، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
(2/37)

22- خطبة النعمان بن بشير:
"أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيهما يهلك الرجال، وتسفك الدماء، وتغصب الأموال –وكان حليمًا ناسكًا يحب العافية- قال: إني لا أقاتل من لم يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب علي، ولا أشاتمكم، ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرفة1 ولا الظنة ولا التهمة، ولكنكم، إن أبديتم صفحتكم2 لي ونكثم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل".
فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية، فقال:
__________
1 القرفة: التهمة، وقرفه بالشيء: اتهمه.
2 أي جاهرتموني بالعدواة.
(2/37)

"إنه لا يُصلِح ما ترى إلا الغَشْم1، إن هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستضعفين" فقال: "أن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله" ثم نزل.
وكتب عبد الله بن مسلم وغيره إلى يزيد أن يبعث إلى الكوفة رجلا قويًّا غير النعمان، فبعث إلى عبيد الله بن زياد –وكان على البصرة- وضم إليه الكوفة، فسار إليها، فلما نزل القصر نودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فخرج إليهم.
__________
1 الغشم: الظلم، والمراد الشدة.
(2/38)

23- خطبة عبيد الله بن زياد:
فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد، فإن أمير المؤمنين "أصلحه الله" ولَّانِي مِصْرَكُم وَثَغْرَكُم1، وأَمَرَنِي بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متبع فيكم أمره، ومنفذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البَرِّ، وسوطي وسيفي على من ترك أمري، وخالف عهدي، فَلْيُبْقِ امرؤٌ على نفسِهِ، الصدق ينبئ عنك لا الوعيد".
ثم نزل فأخذ العرفاء2 والناس أخذًا شديدًا، وبلغ ذلك مسلم بن عقيل، فخرج من دار المختار، حتى انتهى إلى دار هانئ بن عروة المرادي لائذًا به، ونمى خبره إلى ابن زياد، فبعث إلى هانئ فجاءه، فأمره أن يأتيه بمسلم، فقال: لا والله لا أجيئك به أبدًا أن أجيئك بضيفي تقتله! وطال بينهما اللجاج في ذلك، فضربه ابن زياد بالقضيب، فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده، حتى كسر أنفه، وسيل الدماء على ثيابه، ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته، حتى كسر القضيب، ثم أمر بحبسه.
__________
1الثغر: موضع المخافة من فروج البلدان.
2 جمع عريف، وهو رئيس القوم سُمِّي لأنه عرف بذلك أو النقيب وهو دون الرئيس.
(2/38)

24- خطبة أخرى له:
ولما ضرب عبيد الله هانئًا وحبسه، خشي أن يثب الناس به، فخرج، فصعد المنبر ومعه أشراف الناس، وشرطه، وحشمه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد، أيها الناس: فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم، ولا تختلفوا، ولا تفرقوا، فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا، وتجفوا وتحرموا، إن أخاك من صدقك، وقد أعذر من أنذر".
وبلغ مسلم بن عقيل خبر ضرب هانئ وحبسه، فأمر أن ينادى في أصحابه -وكان قد بايعه من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفًا- وأقبل نحو القصر، فتحرز فيه ابن زياد وغلق الأبواب، وبعث إلى الأشراف فجمعهم إليه، ثم قال: "أشرفوا على الناس، فَمَنُّوا أهل الطاعة الزيادةَ والكرامةَ، وخَوِّفُوا أهل المعصية الحرمانَ والعقوبةَ، وأعلموهم فصولَ1 الجنود من الشأم إليهم".
__________
1 فصل من البلد فصولا: خرج منه.
(2/39)

25- خطبة كثير بن شهاب:
فتكلم كثير بن شهاب أول الناس فقال:
"أيها الناس: الحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا الشرَّ، ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى اللَّهَ الأميرُ عهدًا لئن تممتم1 على حربه، ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتلتكم في مغازي أهل الشام على غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى له فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت2 أيديها".
__________
1 يقال: تممت على الأمر، أي استمررت عليه.
2 جر جريرة: اجترم جريمة.
(2/39)

وتكلم الأشراف بنحو من كلام هذا، فلما سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرقون وينصرفون عن ابن عقيل، حتى أمسى وما معه إلا ثلاثون نفسًا، فخرج متوجها نحو أبواب كندة، فبلغ الأبواب ومعه منهم عشرة، ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسان، فمضى على وجهه في أزقة الكوفة، حتى انتهى إلى باب عجوز، فسألها أن تؤويه، فآوته في دارها.
(2/40)

خطبة أخرى لعبيد الله بن زياد
...
26- خطبة عبيد الله بن زياد:
ولما انفضت جموع ابن عقيل، خرج عبيد الله بن زياد إلى المسجد، وأمر فنودي: "ألا برئتِ الذمةُ من رجل صَلَّى العتمةَ1 إلا في المسجد"، فلم يكن إلا ساعة حتى امتلأ من الناس، فصلى بهم، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فإن ابن عقيل السفيه الجاهل، قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمة الله من رجل وجدناه في داره، ومن جاء به فله ديته، اتقوا الله عباد الله، والزموا طاعتكم وبيعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا.
يا حصين بن نمير2، ثكلتك3 أمك إن صَاحَ4 بابَ سكةٍ من سكك الكوفة، أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به، وقد سلطتك على دور أهل الكوفة، فابعث مراصدة على أفواه السكك، وأصبح غدًا واستبِرِ الدورَ5، وجُسْ خلالها، حتى تأتيني بهذا الرجل" ثم نزل.
وأصبح ابن تلك العجوز التي آوت مسلما، فدل على مكانه، فبعث ابن زياد محمد بن الأشعث في ستين أو سبعين رجلا فأتى به، وأمر به، فأصعد إلى أعلى القصر، وضرب
__________
1 العتمة: وقت صلاة العشاء.
2 وكان على شرط ابن زياد.
3 ثكله: فقده.
4 صاحه يصوحه فانصاح: أي شقه فانشق، والمراد: فتح باب سكة وهرب.
5 سبر الجرح وغيره واستبره: امتحن غوره.
(2/40)

عنقه، فهوى رأسُهُ إلى الأرض، وأتبع جسده رأسه، ثم أمر بهانئ بن عروة، فأخرج إلى السوق، فضربت عنقه.
وكان مسلم حيث تحول إلى دار هانئ، كتب إلى الحسين: "إني قد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفًا، فعجل الإقبال حين يأتيك كتابي، فإن الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى".
فسار الحسين من مكة "في 8 من ذي الحجة سنة 60هـ" متوجهًا إلى الكوفة، وهو لا يعلم بحال مسلم.
(2/41)

خروج الحسين إلى الكوفة:
27- نصيحة ابن عباس له:
ولما أجمع الحسين بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المسير إلى الكوفة، أتاه عبد الله بنُ عباس، فقال: "يابن عم إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ " قال: "إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى"، فقال له ابن عباس: "فإني أعيذك بالله من ذلك، أخبرني –رحمك الله- أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوهم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك، فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم، وأميرهم عليهم، قاهر لهم، وعمالُهُ تَجْبى بلادهم، فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك، وأن يُسْتَنْفَرُوا إليك، فيكونوا أشد الناس عليك".
فقال له الحسينُ: "وإني أستخير الله وأنظر ما يكون".
فخرج ابن عباس من عنده، وأتاه ابن الزبير، فحدثه ساعة ثم قال:
"ما أدري ما تَرْكُنا هؤلاء القومِ وكفُّنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين، وولاة هذا الأمر دونهم، خبرني ما تريد أن تصنع؟ " فقال الحسين: والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلي شيعتي بها وأشرافُ أهلها، وأستخير الله" فقال له ابن الزبير: "أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عَدَلتُ بها" ثم إنه خشي أن يتهمه، فقال: "أما إنك لو أقمتَ بالحجاز، ثم أردت هذا الأمر هاهنا ما خولف عليك إن شاء الله" ثم قام، فخرج من عنده، فقال الحسين: "ها، إن هذا ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحبَّ إليه من أن
(2/42)

أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنه ليس له من الأمر معي شيء، وأن الناس لم يعدلوه1 بي، فود أني خرجتُ منها لتخلوَ له".
فلما كان من العشي أو من الغدِ، أتى الحسينَ عبدُ الله بنُ العباس، قال:
"يابن عم، إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذه الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق قومٌ غُدُرٌ2، فلا تقربنهم، أقم بهذا البلد، فإنك سيد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا، فاكتب إليهم فَلْيَنفُوا عدوهم، ثم أقدم عليهم، فإن أبيت إلا أن تخرج، فسر إلى اليمن، فإن بها حصونًا وشعابًا3 وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس وترسل، وتبث دعاتك، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية.
فقال له الحسين: "يابن عم، إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق ولكني قد أزمعت وأجمعت4 على المسير" فقال له ابن عباس: "فإن كنت سائرًا، فلا تسر بنسائك وصبيتك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان، ونساؤه وولده ينظرون إليه" ثم قال ابن عباس: "لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز، والخروج منها، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك5، والله الذي لا إله إلا هو، لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني، لفعلت ذلك" ثم خرج ابن عباس من عنده، فمر بعبد الله بن الزبير فقال: قرت عينك يابن الزبير، ثم قال:
__________
1 أي لم يسووه.
2 جمع غدور كصبور.
3 الشعب بالكسر: الطريق في الجبل، وما انفرج بين جبلين.
4 يقال: أجمعت السفر، وأجمعت عليه، وأزمعت السفر وعليه عزمت عليه وثبت عليه همي.
5 أي مع وجودك.
(2/43)

يا لك من قْبَّرَةٍ بِمَعْمَرِ ... خلا لك الجوُّ فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري1
هذا حسين يخرج إلى العراق، وعليك بالحجاز.
__________
1 القبرة واحد القبر: ضرب من الطير، ويقال القنبراء: بضم القاف والباء، والجمع قنابر.
قال صاحب القاموس: ولا تقل قنبرة "كقنفذة" أو هي لغية، وقال صاحب اللسان والصحاح: "والعامة تقول: القنبرة وقد جاء ذلك في الرجز" ورويا شاهدًا عليه أنشده أبو عبيدة، والمعمر: المنزل الكثير الماء والكلأ، وهو مثل، وأول من قاله طرفة بن العبد، وذلك أنه كان مع عمه في سفر وهو صبي، فنزلوا على ماء، فذهب طرفة بفخيخ له، فنصبه للقنابر وبقي عامة يومه فلم يصد شيئًا، ثم حمل فخه ورجع إلى عمه، وتحملوا من ذلك المكان، فرأى القنابر يلقطن ما نثر لهن من الحب، فقال ذلك، يضرب في الحاجة يتمكن منها صاحبها.
(2/44)

28- نصيحة أبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي له:
ودخل أبو بكر عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام1على الحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فقال:
"يابن عم، إن الرحم يظائرني2عليك، ولا أدري كيف أنا في النصيحة لك، فقال: يا أبا بكر، ما أنت ممن يستغش، فقال أبو بكر:
"كان أبوك أشد بأسًا، والناس له أرجى، ومنه أسمع، وعليه أجمع، فسار إليه معاوية، والناس مجتمعون عليه –إلا أهل الشام- وهو أعز منه، فخذلوه، وتثاقلوا عنه؛ حرصًا على الدنيا وضنا بها، فجرعوه الغيظ وخالفوه، حتى صار إلى ما صار إليه من كرامة الله ورضوانه، ثم صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا، وقد شهدت ذلك كله ورأيته. ثم
__________
1هو أبو بكر عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي.
2 الرحم: القرابة، ويظائرني: يعطفني. يقال: ظأرني فلان على أمر كذا، وأظأرني وظاءرني: أي عطفني.
(2/44)

أنت تريد أن تسير إلى الذين عدوا على أبيك وأخيك، تقاتل بهم أهل الشام وأهل العراق، ومن هو أعد منك وأقوى، والناس منه أخوف، وله أرجى، فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فاذكر الله في نفسك.
فقال الحسين: "جزاك الله خيرًا يابن عم، فقد أجهدك رأيك، ومهما يقضِ الله يكن" فقال: "وعند الله نحتسب أبا عبد الله".
(2/45)

29- خطبة عبيد الله بن زياد:
ولما نمى إلى عبيد الله بن زياد خبر الكتاب الذي كتبه الحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى أشراف البصرة يستنصرهم صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد فوالله لا تقرن بي الصعبة، ولا يقعقع لي بالشنان1، وإني لنكل2 لمن عاداني، وسُمٌّ لمن حاربني، أنصف القارة3 من راماها.
يأهل البصرة: إن أمير المؤمنين ولاني الكوفة، وأنا غاد إليها الغداة؛ وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان، وإياكم والخلاف والإرجاف، فوالذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف، لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تستمعوا لي، ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق.
أنا ابن زياد، أشبهته من بين من وطئ الحصى، ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم".
__________
1 القعقعة: تحريك الشيء اليابس الصلب مع صوت، والشنان: جمع شن بالفتح، وهو القربة البالية، وإذا قعقع بالشنان للإبل نفرت. وهو مثل يضرب لمن لا يروعه ما لا حقيقة له.
2 يقال إنه لنكل شره: أي ينكل به أعداؤه.
3 القارة: قبيلة، وهم قوم رماة.
(2/45)

30- خطبة للحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
ولما بلغ عبيد الله بن زياد أمير الكوفة إقبال الحسين بعث الحصين بن نمير التميمي، فأمره أن ينزل القادسية، وأن يضع المسالح1، وقدَّم الحرَّ بن يزيدٍ التميمي بين يديه، في ألف فارس من القادسية، فيستقبل حسينًا، وكان الحسين قد سبقه إلى ذي حسم ونزل به، فسار إليه الحُرُّ حتى وقف هو وخيله مقابله في حر الظهيرة، وحضرت صلاة الظهر؛ فخرج الحسين، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أيها الناس: إنها معذرة إلى الله عز وجل وإليكم، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت عليَّ رُسُلُكُم: أنِ اقْدَمْ علينا؛ فإنه ليس لنا إمام، لعل الله يجمعنا بك على الهدى، فإن كنتم على ذلك، فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وأنتم لمقدمي كارهين، انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه إليكم" فسكتوا عنه، ثم أقيمت الصلاة. فقال الحسين للحُرِّ: أتريد أن تصلي بأصحابك؟ قال: لا بل تصلي أنت، ونصلي بصلاتك، فصلى بهم الحسين.
__________
1 المسالح: جمع مسلحة بالفتح، وهي القوم ذوو السلاح.
(2/46)

31- خطبة أخرى له:
فلما كان وقت العصر، أمر الحسين أن يتهيئوا للرحيل، ثم إنه خرج، فأمر مناديه، فنادى بالعصر، وصلى ثم سلم، وانصرف إلى القوم بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: أيها الناس فإنكم إن تتقوا وتعرفوا الحق لأهله، يكن أرضى لله،
(2/46)

ونحن أهلَ البيتِ أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدَّعِين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجَوْرِ والعدوان، وإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقَّنا، وكان رأيكم غير ما أتتني كتبكم، وقدمت به علي رسلكم انصرفت عنكم".
فقال له الحْرُّ: إنا والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر؟ فأخرج له الحسين خُرْجَيْنِ مملوءين صحفًا، فنشرها بين أيديهم، ثم سار الحسين في أصحابِهِ والحُرُّ يسايِرُهُ.
(2/47)

خطبة أخرى للحسين
...
32- خطبة أخرى له:
وقام الحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بذي حُسُم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها، واستمرَّت1 جدًّا، فلم يبق منها إلا صُبابة كصبابة الإناء، وخسيسُ عيشٍ كالمرعى الوبيل، ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا، فإني لا أرى الموت إلا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا برمًا2".
__________
1 في كتب اللغة: "مر الشيء يمر بضم الميم وفتحها مرارة وأمر" ولم أر فيها بناء "استمر" ولا مانع منه على أن الهمزة والسين والتاء للصيرورة: أي صارت مرة، ونظيره استحجر الطين، واستحصن المهر "صار حصانا" واستعرب القوم. وفي الأمثال: "إن البغاث بأرضنا يستنسر" "كان عنزا فاستتيس"، "قد استنوق الجمل".
2 البرم: السآمة والضجر، برم به كفرح.
(2/47)

33- خطبة زهير بن القين البجلي:
فقام زهير بن القين البجلي، فقال لأصحابه: تكلمون أم أتكلم؟ قالوا: لا، بل تكلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
(2/47)

"قد سمعنا -هداك الله- بابن رسول الله مقالتك، والله لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلدين، إلا أن فراقها في نصرك ومواساتك، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها" فدعا له الحسين، ثم قال له خيرًا.
(2/48)

34- خطبة للحسين أيضًا:
وخطب الحسين أصحابه وأصحاب الحُرِّ بالبيضة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس، إن رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من رأى سلطانًا جائرًا مستحلا لحرم الله، ناكثًا لعهد الله، مخالفًا لسنة رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقًّا على الله أن يدخله مدخله" ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا أحق من غيّر، وقد أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم ببيعتكم أنكم لا تسلموني1 ولا تخذلوني، فإن تممتم علي بيعتكم تصيبوا رشدكم، وأنا الحسين بن علي، وابن فاطمة بنتِ رسولِ اللهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم في أسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم، وخلعتم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ما هي لكم بِنُكر2؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم، والمغرورُ من اغترَّ بكم، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
__________
1 أسلمه: خذله.
2 النكر بضم وبضمتين: المنكر.
(2/48)

35- خطبته ليلة قتله:
وسيَّر إليه ابن زياد عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف، فعدل الحسين إلى كربلاء، وكانت بينهما مقابلات غير مجدية1. فنهض عمر إليه عشية الخميس "9 من المحرم سنة 61هـ" فجمع الحسين أصحابه عند قرب المساء فقال:
"أثني على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وعلمتنا القرآن، وفقهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعًا وأبصارًا وأفئدة، ولم تجعلنا من المشركين.
أما بعد: فإني لا أعلم أصحابًا أولى ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ ولا أوصلَ من أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعًا خيرًا ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدًا. ألا وإني قد رأيت لكم، فانطلقوا جميعًا في حلٍّ، ليس عليكم من ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جَمَلا، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيدِ رجلٍ من أهل بيتي، ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم، حتى يفرج الله، فإن القوم إنما يطلبونني، ولو قد أصابوني لَهَوْا عن طلب غيري".
__________
1 التقى عمر بن سعد والحسين مرارًا ثلاثًا أو أربعًا، وكتب عمر بعدها إلى عبيد الله بن زياد: "أما بعد: فإن الله قد أطفأ الثائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر هذه الأمة، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن نُسَيِّرَهُ إلى أي ثغرٍ من ثغور المسلمين شِئْنَا، فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين، فيضع يده في يده، فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لكم رضا وللأمة صلاح" فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه نعم قد قبلت، ولكن شمر بن ذي الجوشن ثناه عن القبول، فكتب إلى عمر بن سعد كتابا يقول فيه: "أما بعد، فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه، ولا لتطاوله، ولا لتُمَنِّيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعًا، انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا، فابعث بهم إلى سلمًا، وإن أبَوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتل حسين فأوط الخيل صدره وظهره فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم".
(2/49)

36- رد أهل بيته عليه:
فقال أهل بيته: "لم نفعل؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبدًا" فقال الحسين: "يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذنت لكم" قالوا: "فما يقول الناس؟ يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا، لا والله لا نفعل، ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا، ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح الله العيش بعدك".
(2/50)

37- رد أصحابه:
وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال:
"أنحن نخلي عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك؟ أما والله حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولا أفارقك، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به، لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك".
وقال سعد بن عبد الله الحنفي: "والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيك، والله لو علمت أني أُقْتَلُ، ثم أَحْيَا، ثم أُحْرَقُ حَيًّا، ثم أُذَرُّ، يُفعَل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك، وإنما هي قَتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدًا".
وقال زهير بن القيْن: "والله لوددت أني قُتِلت، ثم نشرت1، ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك".
__________
1 حييت بعد موتي.
(2/50)

وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضًا في وجه واحد، فقالوا: "والله لا نفارقك ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قتلنا كنا وفينا، وقضينا ما علينا".
(2/51)

38- خطبته غداة يوم قتله:
وخطب الحسين غداة اليوم الذي استشهد فيه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يا عباد الله، اتقوا الله، وكونوا من الدنيا على حذر، فإن الدنيا لو بقيت على أحد، أو بقي عليها أحد، لكانت الأنبياء أحق بالبقاء، وأولى بالرضاء، وأرضى بالقضاء، غير أن الله تعالى خلق الدنيا للفناء، فجديدها بالٍ، ونعيمها مضمحلّ، وسرورها مكفهر، والمنزل تَلْعَة1، والدار قُلْعَة2، فتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقوا الله لعلكم تفلحون".
__________
1 التلعة: مجرى الماء من أعلى الوادي إلى بطون الأرض، والنزول بالتلعة مخوف، لأن من نزلها فهو على خطر إن جاء السيل جرفه.
2 الدنيا دار قُلْعَة: أي انقلاع، وهو على قلعة أي رحلة، ومنزلنا منزل قلعة أي ليس بمستوطن، أو لا نملكه أو لا ندري متى نتحول عنه.
(2/51)

39- دعاؤه وقد صَبَّحَتُهُ الخيل:
ولما صَبَّحَتُهُ الخيل رفع يديه فقال:
"اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثِقَةٌ وَعُدَّة، كم من هَمٍّ يضعف فيه الفؤاد، وتَقِلُّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديقُ، ويشمت فيه العدو، أَنْزَلْتُهُ بِكَ، وَشَكَوْتُهُ إليك؛ رغبةً مني إليك عمن سواك، فَفَرَّجْتَهُ وَكَشَفْتَهُ، فأنت وليُّ كلِّ نعمةٍ، وصاحبُ كلِّ حسنةٍ، ومنتهَى كلِّ رغبة".
(2/51)

40- خطبته وقد دنا منه القوم:
ولما دنا منه القوم دعا براحلته فركبها، ثم نادى بأعلى صوته:
"أيها الناس: اسمعوا قولي، ولا تُعجلوني حتى أعظكم، بما لِحَقٍّ لكم عليَّ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري، وصدقتم قولي، وأعطيتموني النَّصَفَ، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليَّ سبيلٌ، وإن لم تقبلوا مني العذر، ولم تعطوا النصف من أنفسكم. فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، ثم اقضوا إليَّ ولا تنظرون، إن وَليِّيَ اللهُ الذي نزَّل الكتاب وهو يتولى الصالحين".
فلما سمع أخَواتُهُ كلامَهُ هذا صِحْن وبَكَيْنَ وَبَكَى بناتُهُ، فارتفعَتْ أصواتُهُنَّ، فأرسل إليهن أخاه العباس بن علي وعَلِيًّا ابنه، وقال لهما: أسكتاهن، فلعمري لَيَكْثُرَنَّ بكاؤهن.
(2/52)

41- خطبة أخرى:
فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله، وصلى على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَلائكَتِهِ وَأَنْبِيائِهِ، ثم قال:
"أما بعد: فانسبوني فانظروا من أنا؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هل يحل لكم قتلى، وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وابن وصيِّهِ، وابن عمه! وأول المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله بما جاء به من عند الله؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمي؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لي ولأخي:
(2/52)

هذان سيدا شبابِ أهلِ الجنةِ؟ فإن صدقتموني بما أقول -وهو الحق- والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، ويضر به من اختلقه، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم سلوا جابرَ بنَ عبد الله الأنصاري، أو أبا سعيد الخدري أو سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك، يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لي ولأخي، أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟ ".
ثم قال: "فإن كنتم في شكٍّ من هذا القول، أفتشكوني أثرا1 ما أنى ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم، ولا من غيركم، أنا ابن بنت نبيكم خاصة، أخبروني أتطلبونني بقتيل منكم قتلته، أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟ ".
فأخذوا لا يكلمونه، فنادى: يا شبث بن ربعي، ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وطمت الجمام، وإنما تَقْدَم على جندٍ لك مجنَّدٍ، فَأَقْبِلْ؟ قالوا: لم نفعل، فقال: سبحان الله بلى، والله لقد فعلتم، ثم قال: "أيها الناس: إذ كرهتموني، فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض". فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم بني عمك؟ فإنهم لن يُرُوك إلا ما تحبُّ، ولن يصل إليك منهم مكروه, فقال له الحسين: "أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرُّ إقرارَ العبيد، عبادَ اللهِ، إني عذتُ بربي وربكم أن ترجمونِ، أعوذ بربي وربكم من كل متكبرٍ لا يؤمن بيوم الحساب"، فأقبلوا يزحفون نحوه.
__________
1 أثرا منصوب على نزع الخافض، أي أفتشكون في أثر، وما زائدة، وأني ابن بنت نبيكم؟؟؟ من بدل من "أثرا".
(2/53)

42- خطبة زهير بن القين:
فلما زحفوا قِبَلَهُ خرج إليهم زهير بن القين على فرس له ذنوب1 شاكٍ2 في السلاح فقال:
"يأهل الكوفة، نَذَارِ لكم من عذاب الله نَذَارِ، إن حقًّا على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الآن إخوة، وعلى دين واحد، وملة واحدة، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم للنصيحة منا أهل، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة3، وكنا أمة وأنتم أمة، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنا ندعوكم إلى نصرهم، وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد، فإنكم لا تُدْرَكُون منهما إلا بسوء، عُمْرَ سلطانهما كلِّه، ليسملان أعينكم4، ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم وقُرَّاءكم؛ أمثال حجر بن عدي5 وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه".
__________
1 الذنوب: الفرس الوافر الذنب.
2 يقال: رجل شاكّ السلاح وشاكّ في السلاح "بتشديد الكاف فيهما" وهو اللابس السلاح التام، من شك في السلاح أي دخل، شك فيه "كرد" شكا أي لبسه تامًّا فلم يدع منه شيئا، ويقال: رجل شائك السلاح، وشاكي السلاح، وشاك في السلاح "كراضٍ" وهو ذو الشوكة والحد في سلاحه، والشائك: من شاك الرجل يشاك شوكا "كنام نومًا" أي ظهرت شوكته وحجته –والشوكة: حدة السلاح- والشاكي مقلوب من شائك، ويقال أيضًا: رجل شاك السلاح "بضم الكاف" فإن أردت معنى فاعِل قلت: شاك "كراضٍ" وإن أردت معنى فَعِل "كفرح" قلت: شاك "بضم الكاف" وهو مثل جرف هار "كراضٍ" وهارُ "كنار" كما يقال: رجل مال ونال "بالضم" من المال والنوال وإنما هو مائل ونائل.
3 العصمة: القلادة، أي تفرقت وحدتنا، وانفرط عقد جماعتنا.
4 سمل عينه: فقأها بحديدة محماة.
5 هو حجر بن عدي بن جبلة الكندي من كبراء الشيعة بالكوفة، وذلك أن زياد بن أبيه لما جمعت له الكوفة والبصرة بلغه أن حجرًا يجتمع إليه الشيعة ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه، فكتب إلى معاوية في أمره فكتب إليه معاوية أن شده في الحديد ثم احمله إلي، فشده في الحديد وحمل إلى معاوية، وأشهد عليه شهودا أنه خلع الطاعة، وفارق الجماعة: ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموع يدعو إلى نكث البيعة وخلع معاوية، وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب، وحمل معه كبار أصحابه، فكانوا أربعة عشر رجلا، فلما قدموا على معاوية شفع في بعضهم فخلى سبيلهم، وقال رسول معاوية للباقين: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من عليٍّ واللعن له، فإن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم، فابرءوا من هذا الرجل نخل سبيلكم، فأبوا، وقالوا: بل نتولاه ونتبرأ ممن يتبرأ منه، فقتلوا، وقتل حجر وستة معه، وكان ذلك سنة 51هـ.
(2/54)

فسبوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد، ودعوا له، وقالوا: والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه، أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلمًا.
فقال لهم: "عباد الله، إن ولد فاطمة رضوان الله عليها أحق بالود والنصر من ابن سمية، فإن لم تنصروهم، فأعيذكم بالله أن تقتلوهم، فخلوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية، فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين".
فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال: "اسكت، أسكت الله نأمتك1، أبرمتنا بكثرة كلامك" فقال له زهير: يا بن البوَّالِ على عَقِبَيْه، ما إياك أخاطب؛ إنما أنت بهيمة، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم" فقال له شمر: "إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة" قال: "أفبالموت تخوفني؟ فوالله لَلْمَوْتُ معه أحبُّ إليَّ مِنَ الخلد معكم".
ثم أقبل على الناس رافعًا صوته فقال: "عبادَ الله، لا يغُرَّنَّكُم من دينكم هذا الجِلْفُ الجافي وأشباهُهُ، فواللهِ لا تَنال شفاعةُ محمدٍ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قومًا هراقوا دماء ذريته وأهل بيته، وقتلوا من نَصَرَهم، وذبَّ عن حريمهم".
فناداه رجل فقال له: "إن أبا عبد الله يقول: "أقبل، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه، وأبلغ في الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء، وأبلغت لو نفع النصحُ والإبلاغ".
__________
1 النأمة: الصوت.
(2/55)

43- خطبة الحر بن يزيد:
ولما زحف عمر بن سعد قال له الحرُّ بن يزيد: "أصلحك الله: مقاتلٌ أنت هذا الرجل؟ قال: "إي والله قتالا أيسره أن تسقط الرءوس، وتطيح الأيدي" قال: "أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضًا؟ " قال عمر: "أما والله لو كان الأمر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ذلك".
ثم ضرب الحرُّ فرسه، ولحق بالحسين عليه السلام وانحاز إليه، واستقدم أمام أصحابه ثم قال: "أيها القوم: ألا تقبلون من حسين خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم، فيعافيكم الله من حربه وقتاله؟ قالوا: هذا الأمير عمر بن سعد فَكَلِّمْهُ، فَكَلَّمَهُ بمثل ما كَلَّمَهُ به من قبل، وبمثل ما كلم به أصحابه" فقال عمر: "قد حرصت لو وجدت إلى ذلك سبيلا فعلت".
فقال: "يأهل الكوفة: لأُمِّكم الهَبَل والعَبَر1 إذ دعوتموه، حتى إذا أتاكم أسلمتموه2، وزعَمتُم أنكم قاتلُو أنفسِكُم دونه، ثم عدوتم عليه؛ لتقتلوه، أمسكتم بِنَفَسه، وأخذتُم بكظَمه3، وأحطتم به من كل جانب، فمنعتموه التوجهَ في بلاد الله العريضة، حتى يأمنَ ويأمن أهل بيته، وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعًا، ولا يدفع ضرًّا، وحَلَّأْتُموه4 ونساءهُ وَأُصَيْبِيتَه5 وأصحابه عن ماء الفرات الجاري،
__________
1 الهبل: الشكل، هبلته أمه: كفرح ثكلته وفقدته، والعبر والعبر "كسبب وقفل" سخنة في العين تبكيها، عبرت العين كفرح جرى دموعها، يقال لأمه الهبل، ولأمه العبر، والعبر: دعاء عليه.
2 خذلتموه.
3 الكظم: مخرج النفس.
4 حلأه عن الماء تحليئا وتحلئة: طرده ومنعه.
5 مصغر صبية على غير قياس.
(2/56)

الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني، وتمرَّغُ فيه خنازير السواد وكلابه، وهاهم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمدًا في ذريته، لا أسقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا، وتنزعوا عما أنتم عليه، من يومكم هذا، في ساعتكم هذه".
ثم نشب القتال بين الفريقين، واستمات أصحاب الحسين في القتال حتى فنُوا، وقتل الحسين رضوان الله عليه، قتله سِنان بن أنس "وكان قتله بالطَّفِّ1 يوم عاشوراء سنة 61هـ" وأمر ابن سعد أصحابَه أن يوطئوا خيلهم الحسين، فوطئوه بخيلهم، ثم حمل النساء ورأسه إلى يزيد بن معاوية بدمشق.
"تاريخ الطبري 6: 188 إلى 270، ومروج الذهب 2: 86، وزهر الآداب 1: 71"
__________
1الطف: أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية، وقال عبد الله بن الأحمر من قصيدة:
فأضحى "حسين" للرماح دريئة ... وغودر مسلوبًا لدى الطف ثاويا
فيا ليتني إذ ذاك كنت شهدته ... فضاربت عنه الشانئين الأعاديا
سقى الله قبرًا ضمن المجد والتقى ... بغربية الطف الغمام الغواديا
(2/57)

طلب التوابين بدم الحسين
مدخل
...
طلب التوابين بدم الحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
وفي سنة خمس وستين تحركت الشيعة بالكوفة، واتَّعدوا الاجتماع بالنخيلة للمسير إلى أهل الشام للطلب بدم الحسين بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما؛ وذلك أنهم بعد مقتله تلاقوا بالتلاوم والتندم، ورأوا أنهم قد أخطئوا خطأ كبيرًا بدعائهم إياه إلى النصرة وتركهم إجابته، ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه، ورأوا أنه لا يغسل عارَهُم والإثم عنهم في مقتله إلا بقتل من قتله أو القتل فيه، وتابوا مما فرط منهم في ذلك "فَسُمُّوا التوابين" وفزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رءوس الشيعة: إلى سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبة مع النبي صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإلى المسيب بن نجبة الفزاري، وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وإلى عبد الله بن والٍ التيمي، وإلى رفاعة بن شداد البجلي، ثم إن هؤلاء النفر اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوهم، فبدأ المسيب بن نجبة بالكلام فتكلم:
(2/58)

44- خطبة المسيب بن نجبة الفزاري:
فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال:
"أما بعد، فإنا قد ابتلينا بطول العمر، والتعرض لأنواع الفتن، فنرغب إلى ربنا ألا يجعلنا ممن يقول له غدا: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} فإن أمير المؤمنين قال: "العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة" وليس فينا رجل إلا وقد بلغه، وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا، وتقريظ شيعتنا، حتى
(2/58)

بلا الله أخيارنا، فَوجَدَنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن ابنة نبينا صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد بلغَتْنا قبل ذلك كتبه، وقدمت علينا رسُلُه، وأعذر إلينا يسألنا نَصْرَهُ عَوْدًا وبَدْءًا، وعلانية وسرًّا، فبخلنا عنه بأنفسنا، حتى قتل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قويناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا؛ فما عُذْرُنا إلى ربنا، وعند لقاءِ نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وقد قتل فينا ولده وحبيبه وذريته ونسله، لا والله لا عذرَ دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه، أو تُقْتَلُوا في طلب ذلك؛ فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك؛ وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمنٍ، أيها القوم وَلُّوا عليكم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من أميرٍ تَفْزَعُون إليه، ورايةٍ تَحُفُّون بها، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم".
فَبَدَرَ1 القومَ رفاعةُ بنُ شداد بعد المسيب الكلامَ.
__________
1 عجل واستبق.
(2/59)

45- خطبة رفاعة بن شداد:
فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال:
"أما بعد: فإن الله قد هداك لأصوب القول، ودعوتَ إلى أرشدِ الأمور، بدأتَ بحمدِ الله والثناء عليه، والصلاةِ على نبيه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ودعوتَ إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموعٌ منك، مستجابٌ لك، مقبولٌ قولُك: قلتَ: وَلُّوا أمركم رجلا منكم تَفزعون إليه، وَتَحُفُّون برايته، وذلك رأيٌ، قد رأينا مثل الذي رأيت، فإن تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيًا، وفينا مُنْتَصَحًا، وفي جماعتنا مُحَبًّا، وإن رأيت "ورأى أصحابُنا ذلك" ولينا هذا الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذا السابقة والقدم سليمان بن صرد، المحمودَ في بأسه ودينه، والموثوقَ بحزمه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم".
(2/59)

ثم تكلم عبد الله بن والٍ، وعبد الله بن سعد، فحمدا ربهما وأثنيا عليه، وتكلما بنحو من كلام رفاعة بن شداد، فذكرا المسيب بن نجية بفضله، وذكرا سليمان بن صرد بسابقته ورضاهما بتوليته، فقال المسيب بن نجبة: "أصبتم ووفقتم، وأنا أرى مثل الذي رأيتم، فولوا أمركم سليمان بن صرد".
(2/60)

46- خطبة سليمان بن صرد:
قال حميد بن مسلم: والله إني لشاهد بهذا اليوم يوم ولوا سليمان بن صرد1 وإنا يومئذ لأكثر من مائة رجل من فرسان الشيعة ووجوههم في داره، قال: فتكلم سليمان، فشدد، وما زال يردد ذلك القول في كل جمعة حتى حفظته، بدأ فقال:
"أثنى على الله خيرًا، وأحمد آلاءه وبلاءه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، أما بعد: فإني والله لخائف ألا يكون أخَّرَنا إلى هذا الدهر، الذي نكدت فيه المعيشة، وعظُمت فيه الرزية، وشمل فيه الجور أولي الفضل من هذه الشيعة" لما هو خير، إنا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبينا، ونمنيهم النصر، ونحثهم على القدوم؛ فلما قدموا وَنَيْنَا وعجزنا وأَدْهَنَّا وتربصنا وانتظرنا ما يكون حتى قُتِلَ فينا ولدينا وَلَدُ نَبِيِّنا وسُلَالَته وَعُصَارته وَبَضْعَة2 من لحمِهِ ودمِهِ، إذ جعل يستصرخ ويسأل النَّصَفَ3 فلا يُعْطَاه، اتخذه الفاسقون غَرَضًا للنبل، ودربةً4 للرماح، حتى أقصدوه5 وعدوا عليه فسلبوه، ألا انهضوا فقد سخط ربكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل6 والأبناء حتى يرضى الله، والله ما أظنه راضيًا دون أن تناجزوا من قتله أو تُبِيرُوا7، ألا لا تهابوا
__________
1 وقد سمي أمير التوابين.
2 البضعة بالفتح وقد تكسر: القطعة من اللحم.
3 الإنصاف.
4 مسهل عن دريئة، والدريئة: الحلقة يعلم الطعن والرمي عليها.
5 أقصد السهم: أصاب فقتل مكانه، وأقصد فلانًا: طعنه فلم يخطئه.
6 جمع حليلة: وهي الزوجة.
7 بار يبور بوارًا: هلك. وأباره أهلكه، أي تهلكوا أنفسكم.
(2/60)

الموتَ، فوالله ما هابه امرؤ إلا ذَلَّ، كونوا كالأولى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} فما فعل القوم؟ جثوا على الركب والله، ومدوا الأعناق، ورضوا بالقضاء حتى حين علموا أنه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلا الصبرُ على القتل، فكيف بكم لو قد دُعِيتُم إلى مثل ما دُعِيَ القوم إليه؟ اشحذوا السيوف، وركِّبُوا الأسنة {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ 1} حتى تُدْعَوا وتستنفروا".
__________
1 اسم للخيل التي تربط في سبيل الله "فِعال" بمعنى مفعول، أو مصدر سمي به كالمرابطة، أو جمع ربيط فعيل بمعنى مفعول.
(2/61)

47- خطبة خالد بن سعد بن نفيل:
فقام خالد بن سعد بن نفيل فقال: "أما أنا فوالله لو أعلم أن قتلي نفسي يخرجني من ذنبي، ويرضي عني ربي لقتلتها، ولكن هذا أُمِرَ به قومٌ كانوا قبلنا ونُهِينا عنه، فأشهد الله ومن حضر من المسلمين أن كل ما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوي صدقة على المسلمين أقويهم به على قتال القاسطين1".
وقام أبو المعتمر حنش بن ربيعة الكناني، فقال: "وأنا أشهدكم على مثل ذلك" فقال سلمان بن صرد: "حسبكم، من أراد من هذا شيئًا فليأت بماله عبد الله بن والٍ التيمي تيم بكر بن وائل، فإذا اجتمع عنده كل ما تريدون إخراجه من أموالكم، جهزنا به ذوي الخَلَّة2 والمسكنة من أشياعكم".
__________
1 الجائرين، قسط كجلس قسوطا: جار وعدل عن الحق.
2 الخلة: الحاجة والفقر، وفي المثل: "الخلة تدعو إلى السَّلة" بفتح السين أي إلى الاستلال والسرقة.
(2/61)

48- خطبة سعد بن حذيفة بن اليمان:
وكتب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان بالمدائن كتابًا يستنهض فيه همم إخوانه هنالك، ويدعوهم أن يجدوا ويستعدوا، وضرب لهم غرة ربيع الآخر سنة 65 أجلا يلقونه فيه، والنُّخَيلة موطنًا يوافونه إليه، فبعث سعد إلى من كان بالمدائن من الشيعة، فقرأ عليهم كتاب سليمان بن صرد، ثم إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد، فإنكم قد كنتم مجمعين مزمعين على نصر الحسين، وقتال عدوه، فلم يفجأكم أول من قتله، والله مثيبكم على حسن النية، وما أجمعتم عليه من النصر أحسن المثوبة، وقد بعث إليكم إخوانكم يستنجدونكم ويستمدونكم، ويدعونكم إلى الحق وإلى ما ترجون لكم به عند الله أفضلَ الأجر والحظ، فماذا ترون؟ وماذا تقولون؟ ".
فقال القوم بأجمعهم: "نجيبهم ونقاتل معهم، ورأينا في ذلك مثل رأيهم".
(2/62)

خطبة عبد الله بن بن الحنظل الطائى
...
49- خطبة عبد الله بن الحنظل الطائي:
فقام عبد الله بن الحنظل الطائي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد فإنا قد أجبنا إخواننا إلى ما دعونا إليه، وقد رأينا مثل الذي قد رَأَوْا، فَسَرِّحْنِي إليهم في الخيل".
فقال له: "رويدًا لا تَعْجَل، استعدوا للعدو، وأعدوا له الحرب، ثم نسير وتسيرون" وكتب سعد إلى ابن صرد بإجابة دعوته، وأنهم في انتظار أمره.
(2/62)

50- خطبة عبيد الله بن عبد الله المري:
وحدَّثَ رجلٌ من مُزَينة قال: "ما رأيت من هذه الأمة أحدًا كان أبلغ من عبيد الله بن عبد الله المري في منطقٍ ولا عظةٍ، وكان من دعاة أهل المصر زمان سليمان بن صرد، وكان إذا اجتمعت إليه جماعة من الناس فوعظهم، بدأ بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم يقول:
أما بعد: فإن الله اصطفى محمدًا صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على خلقه بنبوته، وخصَّه بالفضل كله، وأعزكم باتباعه، وأكرمكم بالإيمان به، فحقن به دماءكم المسفوكة، وآمن به سبلكم المخوفة {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا 1 حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} فهل خلق ربكم في الأولين والآخرين أعظم حقًّا على هذه الأمة من نبيها؟ وهل ذرية أحد من النبيين والمرسلين أو غيرهم أعظم حقًّا على هذه الأمة من ذرية رسولها؟ لا والله ما كان ولا يكون، لله أنتم! ألم تروا ويبلغكم ما اجترم2 إلى ابن بنت نبيكم؟ أما رأيتم إلى انتهاك القوم حرمته، واستضعافهم وحدته، وترميلهم3 إياه بالدم، وَتَجْرَارِهُمُوهُ على الأرض؟ لم يراقبوا فيه ربهم ولا قرابته من الرسول صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! اتخذوه للنبل غرضًا، وغادروه للضِّباع جَزَرا4، فلله عيناَ مَنْ رأى مثله! ولله حسين بن عليّ! ماذا غادروا به؟ ذا صدق وصبر، وذا أمانة ونجدة وحزم، ابن أول المسلمين إسلامًا، وابن بنت رسول رب العالمين، قلَّتْ حُماتُهُ، وكثُرتْ عُداته5 حوله، فقتله عدُوه وخَذَلَهُ وَلِيُّهُ، فويل للقاتل، وملامة للخاذل، إن الله لم يجعل لقاتله حجة، ولا لخاذله معذرة، إلا أن يناصح لله في التوبة، فيجاهد القاتلين، وينابذ القاسطين، فعسى الله عند ذلك أن يقيل العثرة
__________
1 الشفا: حرف كل شيء.
2 ارتكب واقترف.
3 رمله: لطخه بالدم.
4 قطعا.
5 العداة: جمع عاد، وهو العدو.
(2/63)

إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل بيته، وإلى جهاد المُحِلين والمارقين، فإن قتلنا فما عند الله خيرٌ للأبرار، وإن ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهل بيتِ نبينا".
قال: "وكان يعيد هذا الكلام علينا في كل يوم حتى حفظه عامتنا".
وكان الشيعة بالكوفة منذ قتل الحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "سنة 61هـ" يجدُّون في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال ودعاء الناس في السرِّ من الشيعة وغيرها إلى الطلب بدمه حتى كثر تبعهم، وكان الناس إلى اتباعهم بعد هلاك يزيد بن معاوية "في 14 ربيع الأول سنة 64هـ" أسرعَ منهم قبل ذلك.
وقدم المختار بن أبي عبيد الثقفي الكوفة في النصف من رمضان سنة 64، وقد اجتمعت رءوس الشيعة ووجوهها مع سليمان بن صرد، فليس يعدلونه به، فكان المختار إذا دعاهم إلى نفسه وإلى الطلب بدم الحسين، قالت له الشيعة: "هذا سليمان بن صرد شيخ الشيعة قد انقادوا له واجتمعوا عليه" فأخذ يقول للشيعة: "إني قد جئتكم من قبل المهدي محمد بن علي "ابن الحنفية" مؤتمنًا مأمونًا، مُنْتَجَبًا1 ووزيرًا" فما زال بهم حتى انشعبت إليه طائفة تعظمه وتجيبه وتنتظر أمره، وعظم الشيعة مع سليمان بن صرد.
وقدم عبد الله بن يزيد الأنصاري من قبل عبد الله بن الزبير أميرًا على الكوفة على حربها وثغرها، وقدم معه إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي أميرًا على خراجها "وذلك بعد مقدم المختار بثمانية أيام" وكان سليمان بن صرد وأصحابه يريدون أن يثبوا بالكوفة، ونمى إلى عبد الله بن يزيد اعتزام الشيعة الخروج، فخرج حتى صعد المنبر ثم قام في الناس.
__________
1 المنتجب: المختار.
(2/64)

51- خطبة عبد الله بن يزيد الأنصاري:
فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد، قد بلغني أن طائفة من أهل هذا المصر أرادوا أن يخرجوا علينا، فسألت عن الذي دعاهم إلى ذلك ما هو؟ فقيل لي: زعموا أنهم يطلبون بدم الحسين بن عليٍّ، فرحم الله هؤلاء القوم، قد والله دُلِلْتُ على أماكنهم، وَأُمِرْتُ بأخذهم، وقيل: ابدأهم قبل أن يبدءوك، فأبيتُ ذلك، فقلت: إن قاتلوني قاتلتهم، وإن تركوني لم أطلبهم، وعلام يقاتلونني؟ فوالله ما أنا قتلتُ حسينًا ولا أنا ممن قاتَلَهُ، ولقد أُصِبْتُ بِمَقْتَلِهِ رحمةُ اللهِ عليه، فإنَّ هؤلاءِ القومَ آمنونَ، فليخرجوا ولينتشروا ظاهرين، ليسيروا إلى من قَاتَلَ الحسين فقد أقبل إليهم، وأنا لهم على قاتله ظهيرٌ1، هذا ابنُ زيادٍ قاتلُ الحسينِ وقاتلُ خيارِكُم وأماثِلِكُم، قد توجه إليكم عَهْدُ العاهدِ بِهِ2 على مسيرة ليلةٍ من جسر مَنْبِج3، فَقِتالُهُ والاستعدادُ له أولى وأرشدُ من أن تجعلوا بأسَكُم بينكم، فيقتلَ بعضُكُم بعضًا، ويسفكَ بعضُكُم دماءَ بعضٍ، فيلقاكم ذلك العدو غدًا وقد رَقَقْتُم4، وتلك واللهِ أمنيةُ عدوِّكُم، وإنه قد أقبلَ إليكُم أعدَى خلقِ اللهِ لَكُم، مَنْ وَلِيَ عليكم هو وأبوه سَبْعَ سِنِينَ، لا يُقْلِعَانِ عن قَتْلِ أهلِ العفافِ والدِّينِ، هو الذي قَتَلَكُم، ومِنْ قِبَلِهِ أُتِيتُم، والذي
__________
1 معين.
2 وذلك أن عبيد الله بن زياد لما هاجت الفتنة بالبصرة بعد وفاة معاوية الثاني "سنة 64هـ" لحق بالشام، وكان مروان بن الحكم قد أراد أن يبايع بن الزبير لما رأى من إطباق الناس على مبايعته وإجابتهم له، وبلغ ابن زياد ذلك، فقال له: استَحْيَيْتُ لَكَ مما تريدُ، أنتَ كبيرُ قريشٍ وسيدُها تصنعُ ما تصنعُهُ! وشدَّ من عزيمتِهِ حتى نَهَضَ في طَلَبِ الخلافةِ وَتَمَّتْ له، فبويع بها، فلما استوثقتْ له الشامُ بالطاعةِ بَعَثَ جيشًا إلى العراق عليه ابن زيادٍ، وجعل له حين وجهه إلى العراق ما غلب عليه، وأَمَرَهُ أن ينهبَ الكوفةَ إذا هو ظفر بأهلها ثلاثًا.
3 بين حلب والفرات.
4 ضعفتم.
(2/65)

قتل من تَثْأرُون بدمه قد جاءكم، فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم، واجعلوها به ولا تجعلوها بأنفسكم، إني لم آلُكم نصحًا1، جَمَعَ اللهُ لنا كلمتَنا، وأصلحَ لنا أَئِمَّتَنا.
__________
1 أي لم أُقَصِّرْ في نصحكم.
(2/66)

52- خطبة إبراهيم بن محمد بن طلح ة: 1
فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة:
"أيها الناس: لايغرنكم من السيف والغشم2 مقالة هذا المداهن الموادع؛ والله لئن خرج علينا خارج لنقتلنه، ولئن استيقنا أن قومًا يريدون الخروج علينا، لنأخذن الوالد بولده، والمولود بوالده، ولنأخذنَّ الحميمَ3 بالحميمِ، والعريف4 بما في عرافته، حتى يَدِينوا للحق، ويذِلُّوا للطاعة".
__________
1 مات سنة عشر ومائة عن أربع وسبعين سنة، كان يُسَمَّى أسد قريش.
2 الظلم، والمراد هنا القوة والأخذ بالشدة.
3 حميمك: قريبك الذي تهتم لأمره.
4 العريف: رئيس القوم، سمي لأنه عرف بذلك، أو النقيب، وهو دون الرئيس، عرف ككرم وضرب عرافة صار عريفًا.
(2/66)

53- رد المسيب بن نجبة:
فوثب إليه المسيب بن نجبة فقطع عليه منطقه، ثم قال:
"يابن الناكثين1: أنت تهددُنا بسيفِكَ وغشمِكَ؟ أنت والله أذلُّ من ذلك، إنا لا نلومك على بغضنا وقد قتلنا أباك2 وجَدَّكَ، والله إني لأرجو أن لا يخرجك الله من بين ظهراني أهل المصر حتى يُثَلِّثُوا بك جدك وأباك، وأما أنت أيها الأمير، فقد
__________
1 يشير إلى ما كان من جده طلحة بن عبيد الله إذ بايع الإمام عَلِيًّا ثم نكث بيعته، وقد اعتذر عن ذلك بأنه بايع والسيفُ على عنقه.
2 قتل محمد بن طلحة يوم الجمل مع أبيه ومر به علي، فقال: هذا رجل قتله بره بأبيه وطاعته.
(2/66)

قلت قولا سديدًا، إني والله لأظن من يريد هذا الأمر1، مستنصحا لك، وقابلا قولك.
فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: "إي واللهِ لَيُقْتَلَنَّ وقد أَدْهَنَ ثم أَعْلَنَ".
__________
1 أي الطلب بدم الحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(2/67)

54- رد عبد الله بن وال التيمي:
فقام إليه عبد الله بن وال التيمي، فقال:
"ما اعتراضك يا أخا بني تيم بن مرة فيما بيننا وبين أميرنا؟ فوالله ما أنت علينا بأمير، ولا لك علينا سلطان! إنما أنت أمير الجزية، فأقبل على خراجك، فلعمر الله لئن كنت مفسدًا، ما أفسد أمر هذه الأمة إلا والدك وجدك الناكثانِ، فكانت بهما اليدان1 وكانت عليهما دائرةُ السَّوءِ".
ثم أقبل المسيب بن نجبة، وعبد الله بن وال على عبد الله بن يزيد فقالا:
"أما رأيك أيها الأمير فوالله إنا لنرجو أن تكون به عند العامة محمودًا، وأن تكون عند الذي عَنَيْتَ واعتريت مقبولا".
ثم نزل عبد الله بن يزيد ودخل.
فلما استهلَّ هلال ربيع الآخر سنة 65 شخص سليمان بن صرد في وجوه أصحابه، وقد كان واعد أصحابه عامةً للخروج في تلك الليلة للمعسكر بالنخيلة، وأقام بها ثلاثًا يبعث ثقته من أصحابه إلى من تخلف عنه يذكرهم اللهَ وما أعطَوه من أنفسهم، فقام إليه المسيب بن نجبة، فقال: "رحمك الله إنه لا ينفعك الكاره، ولا يقاتل معك إلا من أخرجَتْهُ
__________
1 تقول العرب: كانت به اليدان، أي فعل الله به ما يقوله لي، ومرَّ قومٌ من الخوارج بقوم من أصحاب عليٍّ وهم يدعون عليهم، فقالوا: بكم اليدان أي حاق بكم ما تدعون به وتبسطون أيديكم.
(2/67)

النية، فلا تنتظرن أحدًا، واكمش1 في أمرك" قال: "فإنك واللهِ لَنِعِمَّا رأيت" فقام سليمان بن صرد في الناس متوكئًا على قوس له عربية، فقال:
__________
1 أسرع، كمش ككرم كماشة فهو كمش "كشهم" وكميش، أي سريع.
(2/68)

خطبة أخرى لسليمان بن صرد
...
55- خطبة سليمان بن صرد:
"أيها الناس: من كان إنما أخرجته إرادة وجه الله وثواب الآخرة، فذلك منا ونحن منه، فرحمة الله عليه حيًّا وميتًا. ومن كان إنما يريد الدنيا وحرثها1، فواللهِ ما نأتي فيئًا نستفِيئُه، ولا غنيمةً نغنَمُها، ما خلا رضوانَ اللهِ ربِّ العالمين، وما معنا من ذهبٍ ولا فضةٍ، ولا خزٍّ ولا حريرٍ، وما هو إلا سيوفنا في عواتقنا، ورماحنا في أكفنا، وزادٌ قدر البُلغَة2 إلى لقاء عَدُوِّنا، فمن كان غيرَ هذا ينوي فلا يصحَبْنا".
__________
1 أي كسبها ومتاعها.
2 ما يتبلغ به.
(2/68)

56- خطبة صخير بن حذيفة بن هلال:
فقام صخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني فقال:
"آتاك الله رشدَك، ولقَّاكَ حجتَكَ، واللهِ الذي لا إله غيرُهُ ما لنا خيرٌ في صحبةِ مَنِ الدُّنيا هِمَّتُهُ وَنِيَّتُهُ. أيها الناس: إنما أخرجتنا التوبةُ من ذنبِنا والطلبُ بدمِ ابنِ ابنةِ نبيِّنا صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ليس معنا دينارٌ ولا درهمٌ، إنما نَقْدَمُ على حدِّ السيوفِ وأطرافِ الرماحِ".
فتنادى الناس من كل جانب: "إنا لا نطلب الدنيا وليس لها خرجنا".
(2/68)

57- ما أشار به عبد الله بن سعد:
وكان الرأي بادئ الأمر أن يسيروا إلى عبيد الله بن زياد، فقال له عبد الله بن سعد، وعنده رءوس أصحابه جلوسٌ حوله:
(2/68)

"إني قد رأيت رأيًا، إن يكن صوابًا فالله وَفَّقَ، وإن يكن ليس بصواب فمن قِبَلِي، فإني ما آلُوكم ونفسي نُصْحًا، خطأ كان أم صوابًا، إنما خرجنا نطلب بدم الحسين وقتلة الحسين كلهم بالكوفة، منهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، ورءوس الأرباع1 وأشراف القبائل، فأنى نذهب ههنا وندع الأقتال والأوتار2؟ ".
فقال سليمان بن صرد: فماذا ترون؟ فقالوا: "والله لقد جاء برأي، وإن ما ذَكَرَ لَكَمَا ذَكَرَ، والله ما نلقَى من قتلة الحسين –إن نحن مضينا نحو الشام- غيرَ ابنِ زيادٍ، وما طلبتنا إلا ههنا بالمصر".
__________
1 كانت الكوفة مقسمة أربعة أقسام لكل ربع رئيس: ربع تميم وهمدان، وربع ربيعة وكندة، وربع مذحج وأسد، وربع أهل المدينة، "وتقسيم المدينة أرباعا لا يزال إلى اليوم في بعض بلاد القطر المصري، وقد كانت مدينة القاهرة قبل اليوم مقسمة ثمانية أقسام كل قسم ثمن، وصحفته العامة فقالوا "تمن"، وأطلق عليه بالتركية قره قول "كراكون" ويحسن أن يستعمل له كلمة مخفر "كمكتب".
2 الأقتال: جمع قتل بالكسر، وهو العدو والمقاتل، والأوتار: جمع وتر، الجناية والثأر، أي وندع أعداءنا وذوي ثاراتنا.
(2/69)

58- رأي ابن صرد:
فقال سليمان بن صرد: "لكن أنا ما أرى ذلك لكم، إن الذي قتل صاحبكم، وعبَّى الجنودَ إليه، وقال لا أمانَ له عندي دون أن يستسلم فَأُمْضِي فيه حُكْمِي، هذا الفاسق ابن الفاسق، ابن مرجانة، عبيد الله بن زياد، فسيروا إلى عدوكم على اسم الله، فإن يُظْهِرْكُم اللهُ عليه، رَجَوْنا أن يكونَ مَنْ بَعْدَهُ أهونَ شوكة منه، ورجونا أن يدين لكم من وراءكم من أهل مصركم في عافية، فتنظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فتقاتلونه ولا تغشموا1، وإن تُسْتَشْهَدُوا فإنما قاتَلْتُم المُحِلين، وما عند الله خيرٌ للأبرار والصديقين، إني لأحب أن تجعلوا حدكم وشوكتكم بأول المحلين القاسطين، والله
__________
1 غشمه: كضرب ظلمه.
(2/69)

لو قاتلتم غدًا أهل مصركم، ما عدم رجل أن يرى رجلا قد قتل أخاه وأباه وحميمه، أو رجلا لم يكن يريد قتله، فاستخيروا الله وسيروا" فتهيأ الناس للشخوص.
وبلغ عبد الله بن يزيد، وإبراهيم بن محمد بن طلحة خروج ابن صرد وأصحابه فرأيا أن يأتياهم، فخرجا إليهم في جماعة من أصحابهما، فلما انتهيا إلى ابن صرد دخلا عليه.
(2/70)

59- خطبة عبد الله بن يزيد:
فحمد اللهَ عبدُ الله بن يزيد، وأثنى عليه، ثم قال:
"إن المسلم أخو المسلم، لا يخونه ولا يغشه، وأنتم إخواننا وأهل بلدنا، وأحب أهلِ مصرٍ خلقه الله إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، ولا تستبدوا علينا برأيكم، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا، أقيموا معنا حتى نتيسر ونتهيأ، فإذا علمنا أن عدونا قد شارف بلدنا، خرجنا إليهم بجماعتنا فقاتلناهم".
وتكلم إبراهيم بن محمد بنحو من هذا الكلام.
(2/70)

60- خطبة سليمان بن صرد:
فحمد اللهَ سليمانُ بنُ صرد وأثنى عليه، ثم قال لهما:
"إني قد علمت أنكما قد محضتما1 في النصيحة، واجتهدتما في المشورة، فنحن بالله وله، وقد خرجنا لأمر، ونحن نسألُ اللهَ العزيمة على الرشد، والتسديد لأصوبه، ولا ترانا إلا شاخصين، إن شاء الله ذلك".
فقال عبدُ اللهِ بنُ يزيد: "فأقيموا حتى نُعَبِّي معكم جيشًا كثيفًا فتلقَوا عدوكم
__________
1 محضه الود وأمحضه: أخلصه.
(2/70)

بكثف1، وجمع وحدٍّ" فقال له سليمان: "تنصرفون ونرى فيما بيننا، وسيأتِيكُم إن شاء الله رأي".
وانصرف عبد الله بن يزيد، وإبراهيم بن محمد إلى الكوفة، وأجمع القوم على الشخوص، واستقبال ابن زياد.
__________
1 الكشف: الجماعة.
(2/71)

61- خطبة أخرى له:
ثم إن سليمان بن صرد قام في الناس خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد أيها الناس، فإن الله قد علم ما تنوون، وما خرجتم تطلبون، وإن للدنيا تجارًا، وللآخرة تجارًا؛ فأما تاجر الآخرة فساع إليها متنصب1 بِتَطْلَابها، لا يشتري بها ثمنًا، لا يُرى إلا قائمًا وقاعدَا، وراكعًا وساجدًا، لا يطلب ذهبا ولا فضة، ولا دينًا ولا لذة؛ وأما تاجر الدنيا فمكب عليها، راتع فيها، لا يبتغي بها بدلا، فعليكم "يرحمكم الله" في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل، وبذكر الله كثيرًا على كل حال، وتقربوا إلى الله جلَّ ذِكْرُهُ بكل خيرٍ قدرتم عليه، حتى تلقوا هذا العدو، والمحِلِّ القاسط فتجاهدوه، فإنكم لن تتوسلوا إلى ربكم بشيء هو أعظم عنده ثوابًا من الجهاد والصلاة، فإن الجهاد سنام العمل، جعلنا الله وإياكم من العباد الصالحين المجاهدين الصابرين على اللأواء2 وإنا مدلجون3 الليلة من منزلنا هذا إن شاء الله فأدلجوا".
فأدلج عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة 65 للهجرة، وما زال يسير حتى انتهى إلى عين الوردة4 فنزل في غربيها.
__________
1 أي قد نصب نفسه طالبا لها، نصب الشيء: رفعه فانتصب وتنصب.
2 الشدة.
3 أدلج: سار من أول الليل، فإن سار من آخره فادَّلج بالتشديد.
4 هي رأس العين: بلد في وسط الجزيرة.
(2/71)

62- خطبة أخرى
وأقبل أهل الشام في عساكرهم، حتى كانوا منها على مسيرة يوم وليلة. قال عبد الله ابن غَزِيَّة، فقام فينا سليمانُ فحمدَ الله فأطالَ، وأثنى عليه فأطنبَ، ثم ذكر السماء والأرض، والجبال والبحار وما فيهن من الآيات، وذكر آلاء الله ونعمَهُ، وذكر الدنيا فزَهَدَ فيها، وذكر الآخرة فَرَغَّبَ فيها، فذكر من هذا ما لم أحصه، ولم أقدر على حفظه، ثم قال:
"أما بعد فقد أتاكم الله بعدوكم الذي دأبتم في المسير إليه آناء1 الليل والنهار، تريدون فيما تظهرونَ التوبةَ النصوحَ، ولقاء الله مُعْذِرِين، فقد جاءوكم بل جئتموهم أنتم في دارهم وحيزهم، فإذا لقيتموهم فاصدقوهم، واصبروا إن الله مع الصابرين، ولا يُوَلِّهِمْ امرؤٌ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً2 لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً3 إِلَى فِئَةٍ، إلى فئة، لا تقتلوا مدبرًا، ولا تُجْهِزُوا على جريحٍ، ولا تقتلوا أسيرًا من أهل دعوتكم4 إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه، أو يكون من قتلة إخواننا بالطَّفِّ رحمة الله عليهم، فإن هذه كانت سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في أهل هذه الدعوة".
ودارت رحى الحرب بينهم وبين جيوش عبيد الله بن زياد واستشْهِدَ في المعركة سليمان بن صرد، بعد أن قتل من القوم مقتلة عظيمة، وقُتِلَ أيضًا من رءوس أصحابه: المسيب بن نجبة، وعبد الله بن سعد بن نفيل، وعبد الله بن والٍ، فلما رأى من بقي
__________
1 آناء الليل: ساعاته واحدها إِنَى "كإلى" أو إني "كحِمْل" أو إنو كذلك.
2 أي منعطفًا يريد الكر بعد الفر وتغرير العدو، فإنه من مكايِدِ الحرب.
3 أي منحازًا إلى جماعة على القرب ليستنجد بهم.
4 ملتكم.
(2/72)

من التوابين أن لا طاقة لهم بمن بإزائهم من أهل الشأم انحازوا عنهم وارتحلوا، وعليهم رفاعة بن شداد البَجَلِيّ.
"وكان ذلك في ربيع الآخر سنة 65هـ"1
__________
1 وقال المسعودي في مروج الذهب: "وقيل إن وقعة الوردة كانت في سنة 66".
(2/73)

63- خطبة عبد الملك بن مروان:
وأُتِيَ عبدُ الملك بن مروان ببشارة الفتح، فصعد المنبر، فحمدَ اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: فإن الله قد أهلك من رءوسِ أهلِ العراقِ ملقحَ1 فتنةٍ، ورأسَ ضلالةٍ، سليمانَ بنَ صرد، ألا وإن السيوف تركتَ رأسَ المسيب بن نجبة خَذَارِيفَ2، ألا وقد قُتِلَ من رُءوسِهِم رأسَين عظيمَين ضالَّين مُضِلَّين: عبد الله بن سعد أخا الأزد، وعبد الله بن والٍ أخا بكرِ بن وائل، فلم يبق بعد هؤلاء أحد عنده دفاعٌ ولا امتناعٌ".
"تاريخ الطبري 7: 47-83، ومروج الذهب 2: 110"
__________
1 أصله: من ألقحَ النخلةَ، وألقحَ الفحلُ الناقةَ، والريحُ الشجرَ.
2 تركت السيوفُ رأسَه خذاريفَ: أي قطعًا كل قطعة كالخذروف، والخذروف: كعصفور شيء يدوره الصبي بخيط في يديه فيسمع له دوي "النحلة".
(2/73)

طلب المختار بن أبي عبيد الثقفي بدم الحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
64- خطبته حين قدم الكوفة:
وقدم المختار بن أبي عبيد الثقفي1 الكوفة في النصف من رمضان سنة 64هـ، فأتاه بعض الشيعة ليلا، فساءلهم عن أمر الناس، وعن حال الشيعة، فقالوا له: إن الشيعة قد اجتمعت لسليمان بن صرد الخزاعي، وإنه لن يلبث إلا يسيرا حتى يخرج.
فحمدَ اللهَ وأثنى عليه، وصلى على النبي صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال:
__________
1 هو المختار بن أبي مسعود الثقفي، وقد قدمنا في الجزء الأول أن أول ما عمل به عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حين وَلِيَ الخلافة أن نَدَبَ الناس مع المثنَّى بن حارثة الشيباني لقتال أهل فارس، وجعل يندبهم ثلاثة أيام، فلا ينتدب أحد إلى فارس، فلما كان اليوم الرابع عاد فندب الناس، فكان أولَ منتدبٍ أبو عبيد بن مسعود والد المختار، ولم يكن المختار في تشيعه لآل علي بالمخلص، وكانت الشيعة تنقم عليه ما كان منه في أمر الحسن بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يوم طعن في مظلم ساباط وحمل إلى المدائن –وكان عم المختار، وهو سعد بن مسعود عاملا على المدائن- فقال له المختار: هل لك في الغنى والشرف؟ قال: وما ذاك؟ قال: توثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية، فقال له سعد: عليك لعنةُ اللهِ، أثب على ابن بنت رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأوثقه! بئس الرجل أنت، ولما قدم مسلمُ بنُ عقيل الكوفة من قبل الحسين رضي الله تعالى عنه نزل دار المختار فبايعه المختار فيمن بايعه من أهل الكوفة، وناصحه ودعا إليه، ثم ظفر ابن زياد بمسلم وقتله، وأمر بالمختار فسجن، وبعث المختار إلى عبد الله بن عمر بالمدينة، يسأله أن يشفع له عند يزيد بن معاوية -وكانت صفية أخت المختار تحت عبد الله بن عمر- فكتب ابن عمر إلى يزيد يسأله أن يخلي سبيله، فشفعه فيه، وخلى ابن زياد سبيله وأخرجه من الكوفة، فقدم الحجاز وبايع ابن الزبير، وقاتل معه حين حاصر مكة جيش يزيد -وكان تحت إمرة الحصين بن نمير السكوني- وأقام مع ابن الزبير بعد مهلك يزيد حتى قدم الكوفة في منتصف رمضان سنة 64.
(2/74)

"أما بعد: فإن المهدي بن الوصي، محمد بن علي، بعثني إليكم أمينًا ووزيرًا، ومنتجبًا وأميرًا، وأمرني بقتال الملحدين والطلب بدماء أهل بيته، والدفع عن الضعفاء".
وأقبل يبعث إلى الشيعة، فيقول لهم: "إني قد جئتكم من قبل ولي الأمر، ومعدن الفضل، ووصيّ الوصيّ، والإمام المهدي، بأمر فيه الشفاء، وكشف الغطاء، وقتل الأعداء، وتمام النعماء إن سليمان بن صرد يرحمنا الله وإياه، إنما هو عَشَمة1 من العَشَم وحِفْشٌ2 بالٍ، ليس بذي تجربة للأمور، ولا له علم بالحروب، إنما يريد أن يخرجكم فيقتلَ نفسَهُ ويقتُلَكُم، إني إنما أعمل على مِثَالٍ قد مُثِّلَ لي، وأمر قد بُيِّنَ لي، فيه عِزُّ وَلِيُّكم، وَقَتْلُ عَدُوِّكُم، وشفاءُ صدوركم، فاسمعوا مني قولي، وأطيعوا أمري، ثم أبشروا وتباشروا، فإني لكم بكل ما تأملون خيرُ زعيمٍ".
فما زال بهذا القول ونحوه، حتى استمال طائفة من الشيعة، وَعُظْمُهُم يومئذ مع سليمان بن صرد، فلما خرج ابن صرد نحو الجزيرة، خاف عبد الله بن يزيد الأنصاري -أمير الكوفة من قبل ابن الزبير- أن يثب المختارُ عليه، فزجه في السجن.
"تاريخ الطبري 7: 64".
__________
1 العشمة: الشيخ الفاني للذكر والأنثى أو المتقارب الخطو المنحني الظهر، وكان عمر بن صرد حين قتل 93 سنة.
2 الحفش: الشيء البالي، والجوالق العظيم البالي، وما كان من أسقاط الآنية كالقوارير وغيرها، وأحفاش البيت: رذال متاعه.
(2/75)

65- ما كان يردده على زائريه في سجنه:
وكان يردد على زائريه في سجنه هذا القول:
"أما وَرَبِّ البحار، والنخيل والأشجار، والمَهَامَهِ1 والقِفار، والملائكةِ الأبرار،
__________
1 المهامه: جمع مهمه كجعفر، وهو البلد المقفر، والمفازة البعيدة.
(2/75)

والمصطفين الأخيار، لأقتلن كل جبار، بكل لَدِنٍ خَطّارٍ1، ومهند بتار2، في جموع من الأنصار، ليسوا بمِيلٍ أُغْمارٍ3، ولا بِعَزْلٍ4 أَشْرارٍ، حتى إذا أقمتُ عمودَ الدِّينِ، ورأيت شَعْبَ5 صَدْعِ المسلمين، وشفيت غليل صدور المؤمنين، وأدركت بثأر النبيين، لم يكبُرْ عليَّ زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا أتى".
ثم خلى عبد الله بن يزيد سبيله، بشفاعة عبد الله بن عمر فيه، واختلفت إليه الشيعة بعد خروجه من السجن، واجتمعت عليه، واتفق رأيها على الرضا به، ولم يزل أصحابه يكثرون، وأمره يقوى ويشتد، حتى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد عن الكوفة وولى عليها عبدَ اللهِ بن مطيع العدوي.
"تاريخ الطبري 7: 65".
__________
1 الرمح اللدن: اللين؛ وذلك صفة جودة فيه لأن اللدن لا يقصف، وقد لدُن ككرم لدانة ولدونة، والرمح الخطار: أي المهتز، خطر كضرب خطرانا.
2 المهند: السيف المطبوع من حديد الهند، والبتار: القطاع.
3 ميل: جمع أميل، وهو الجبان، ومن يميل على السرج في جانب، ومن لا ترس معه أولا سيف أو لا رمح، والأغمار: جمع غمر "مثلث ويحرك" من لم يجرب الأمور.
4 العُزْل: جمع أعزل، وهو من لا سلاح معه.
5 الشعب: الصدع أي الشق، ومن معانيه الإفساد، وهو المراد هنا، ورأب الصدع: أصلحه.
(2/76)

66- خطبة عبد الله بن مطيع العدوي حين قدم الكوفة:
وقدم عبد الله بن مطيع العدوي الكوفة "لخمس بقين من رمضان سنة 65" فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
"أما بعد: فإن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثني على مصركم وثغوركم، وأمرني بجباية فيئكم، وأن لا أحمل فضل1 فيئكم عنكم إلا برضًا منكم، ووصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته2، وبسيرة عثمان بن عفان التي سار بها في المسلمين، فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا، وخذوا على أيدي سفهائكم، وإلا تفعلوا
__________
1 الفضل: الزيادة.
2 انظر وصيته للخليفة من بعده. ج1: ص263.
(2/76)

فلوموا أنفسكم ولا تلوموني، فوالله لأوقعن بالسقيم العاصي، ولأقيمن درأ1 الأصعر2 المرتاب.
__________
1 الدرأ: الميل والعوج في القناة ونحو.
2 الصعر محركة: ميل في العنق وانقلاب في الوجه إلى أحد الشقين، صعر كفرح فهو أصعر، وربما كان الإنسان أصعر خلقة، وصعَّر خده بالتشديد: أماله عن الناس إعراضًا وتكبرًا.
(2/77)

67- رد السائب بن مالك الأشعري عليه:
فقام إليه السائب بن مالك الأشعري –وهو من رءوس أصحاب المختار- فقال:
"أما أمر ابن الزبير إياك ألا تحمل فضل فيئنا عنا إلا برضانا، فإنا نشهدك أنا لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنا، وأن لا يُقَسَّمَ إلا فينا، وأن لا يسار فينا إلا بسيرة عليِّ بن أبي طالب، التي سار بها في بلادنا هذه، حتى هلك رحمة الله عليه، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا، فإنها إنما كانت أَثَرَةً وَهَوًى، ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئنا، وإن كانت أهون السيرتين علينا ضرًّا، وقد كان لا يألوا الناس خيرًا".
فقال يزيد بن أنس الأسدي: صدق السائب بن مالك وبرَّ، رأيُنَا مثلُ رأيِهِ، وَقُولُنا مثلُ قَوْلِهِ، فقال ابنُ مُطِيع: نسير فيكم بكل سيرة أحببتموها وهويتموها، ثم نزل. فقال يزيد بن أنس: ذهبتَ بفضلِها يا سائب، لا يَعْدَمك المسلمون!
"تاريخ الطبري 7: 95".
(2/77)

68- خطبة عبد الرحمن بن شريح:
وبعث المختار إلى أصحابه، فأخذ يجمعهم في الدور حوله، وأراد أن يثب بالكوفة في المحرم، فجاء رجل منهم يقال له: عبد الرحمن بن شريح، فلقي جماعة من إخوانه، واجتمعوا في منزل أحدهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد، فإن المختار يريد أن يخرج بنا، وقد بايعناه، ولا ندري أرسله إلينا ابن الحنفية أم لا؟ فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية فلنخبره بما قدم علينا به، وبما دعانا إليه، فإن رخص لنا في اتباعه اتبعناه، وإن نهانا عنه اجتنبناه، فوالله ما ينبغي أن يكون شيء من أمر الدنيا آثرَ عندنا من سلامة ديننا".
فقالوا له: أرشدك الله، فقد أصبت ووفقت، اخرج بنا إذا شئت، فأجمع رأيهم على أن يخرجوا إليه، فلما قدموا عليه بدأ عبد الرحمن بن شريح، فتكلم:
"تايخ الطبري 7: 96"
(2/78)

69- خطبة أخرى له:
فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فإنكم أهل بيت خصكم الله بالفضيلة، وشرفكم بالنبوة، وعظم حقكم على هذه الأمة، فلا يجهل حقكم إلا مغبون الرأي، مخسوس النصيب، قد أُصِبْتُم بحسينٍ رحمة الله عليه، عظمت مصيبة! ما قد خصكم بها، قد عُمَّ بها المسلمون وقد قدم علينا المختار بن أبي عبيد، يزعم لنا أنه قد جاءنا من تلقائكم، وقد دعانا إلى كتاب الله وسنة نبيه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والطلب بدماء أهل البيت، والدفع عن الضعفاء، فبايعناه على ذلك، ثم إنا رأينا أن نأتيك فنذكر لك ما دعانا إليه، وندبنا له، فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه، وإن نهيتنا عنه اجتنبناه".
ثم تكلموا واحدًا واحدًا بنحو مما تكلم به صاحبهم وهو يسمع حتى إذا فرغوا.
"تاريخ الطبري 7: 96"
(2/78)

70- خطبة محمد بن الحنفية:
حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال:
"أما بعد: فأما ما ذكرتم مما خصصنا الله به من فضل، فإن الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فلله الحمد، وأما ما ذكرتم من مصيبتنا بحسين، فإن ذلك كان في الذكر الحكيم1، وهي ملحمة2 كتبت عليه، وكرامة أهداها الله له، رفع بما كان منها درجات قوم عنده، ووضع بها آخرين، وكان أمر الله مفعولا، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وأما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطلب بدمائنا، فوالله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم".
فخرجوا من عنده، وهم يقولون: قد أذن لنا، قد قال: "لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه" ولو كره لقال: "لا تفعلوا".
"تاريخ الطبري 7: 97"
__________
1 يريد أنه سبق به قضاء الله تعالى.
2 الملحمة: الوقعة العظيمة القتل.
(2/79)

71- خطبة المختار:
وبلغ المختار مخرجهم فشق ذلك عليه، وخشي أن يأتوه بأمر يخذل الشيعة عنه، فكان يقول:
"إن نفيرًا منكم ارتابوا، وتحيروا وخابوا، فإن هم أصابوا، أقبلوا وأنابوا، وإن هم
(2/79)

كبَوْا وهابوا، واعترضوا وانجابوا1، فقد ثَبَرُوا2 وحابُوا3" وأقبل القوم، فدخلوا على المختار، فقال لهم: ما وراءكم؟ قد فتنتم وارتبتم، فقالوا له: قد أمرنا بنصرتك، فقال: الله أكبر أنا أبو إسحق! اجمعوا إلي الشيعة، فجمع له منهم من كان منه قريبًا فقال:
"يا معشر الشيعة: إن نفرًا منكم أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى، والنجيب المرتضى، ابن خير من طشى4 ومشى، حاشا النبي المجتبى5 فسألوه عما قدمت به عليكم، فنبأهم أني وزيره وظهيره، ورسوله وخليله، وأمركم باتباعي وطاعتي فيما دعوتكم إليه، من قتال المحلين، والطلب بدماء أهل بيت نبيكم المصطفين".
__________
1 انجابت الصحابة: انكشفت، والمعنى: وإن هم انسلخوا منا، وانشقوا علينا.
2 ثبر، كقعد ثبورًا: هلك.
3 حاب: أثم، والحوب بالفتح والضم: الإثم، وفي الأصل خابوا، وأرى أن تكون بالحاء لتقدم كلمة خابوا في أول قوله.
4 هكذا في الأصل، ولم أجد كلمة "طشى" في كتب اللغة، وفي لسان العرب "تطشى المريض برئ" وليست مناسبة هنا، وأرى أن العبارة: ابن خير من مشى وطشى" بتأخير طشى، وأنه إتباع الفعل قبله لتقويته وتوكيده، وهو كثير في كلام العرب، كقولهم: حسن يسن، وعفريت نفريت، وعطشان نطشان وشحيح بحيح، وكثير بثير، وحياك الله وبياك –وإن قيل إن الإتباع لا يكاد يكون بالواو- اقرأ باب الإتباع في المزهر للسيوطي "1: 244" وفي الأمالي "2: 211".
5 المختار.
(2/80)

خطبة أخرى لعبد الرحمن بن شريح
...
72- خطبة عبد الرحمن بن شريح:
فقام عبد الرحمن بن شريح، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: يا معشر الشيعة فإنا قد كنا أحببنا أن نستثبت لأنفسنا خاصة، ولجميع إخواننا عامة، فقدمنا على المهدي بن علي، فسألناه عن حربنا هذه، وعما دعانا إليه المختار منها، فأمرنا بمظاهرته ومؤازرته، وإجابته إلى ما دعانا إليه، فأقبلنا طيبة أنفسنا
(2/80)

منشرحة صدورنا، قد أذهب الله منها الشك والغل والريب، واستقامت لنا بصيرتنا في قتالنا عدونا، فليبلغ ذلك شاهدكم غائبكم، واستعدوا وتأهبوا" ثم جلس.
وقاموا رجلا فرجلا فتكلموا بنحو من كلامه، فاستجمعت له الشيعة وحَدَبَتْ1 عليه.
"تاريخ الطبري 7: 97"
__________
1 عطفت.
(2/81)

73- خطبة المختار في دار إبراهيم بن الأشتر:
ومضى المختار في بضعة عشر رجلا من وجوه أصحابه إلى دار إبراهيم بن الأشتر1 يدعوه أن يناصره، فاستأذن عليه فأذن له، وألقى لأصحابه وسائد فجلسوا عليها، وجلس المختار معه على فراشه، فقال المختار:
"الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وصلى الله على محمد والسلام عليه، أما بعد: فإن هذا كتاب إليك من المهدي محمد بن أمير المؤمنين الوصي، وهو خير أهل الأرض اليوم، وابن خير أهل الأرض كلها قبل اليوم، بعد أنبياء الله ورسله، وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا، فإن فعلت اغتبطت، وإن لم تفعل فهذا الكتاب حجة عليك، وسيغني الله المهدي محمدًا وأولياءه عنك2" فبايعه إبراهيم.
__________
1 وكان أصحاب المختار قد دعوه أن ينضم إلى زمرتهم فقال: إني قد أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه على أن تولوني الأمر، فقالوا: هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدي، هو الرسول والمأمور بالقتال، وقد أمرنا بطاعته، فسكت عنهم ابن الأشتر، وانصرفوا إلى المختار، فأخبروه بما رد عليهم.
2 ثم دفع إليه الكتاب، ففض خاتمه وقرأه، فإذا هو "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد المهدي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني قد بعثت إليكم بوزيري، وأميني، ونجيبي الذي ارتضيته لنفسي، وقد أمرته بقتال عدوي، والطلب بدماء أهل بيتي، فانهض معه بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك، فإنك إن نصرتني وأجبت دعوتي، وساعدت وزيري كانت لك عندي بذلك فضيلة، ولك بذلك أعنة الخيل، وكل جيش غاز، وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد أهل الشام، علي الوفاء بذلك على عهد الله، فإن فعلت ذلك نلت به عند الله أفضل، الكرامة، وإن أبيت هلكت هلاكا لا تستقبله أبدا، والسلام عليك" فلما قضى إبراهيم قراءة الكتاب، قال: قد كتب إلي ابن الحنفية وقد كتبت إليه قبل اليوم، فما كان يكتب إلي إلا باسمه واسم أبيه، قال له المختار: إن ذلك زمان وهذا زمان، قال إبراهيم: فمن يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفية إلي؟ فشهد من معه بأنه كتاب ابن الحنفية إليه، فقال إبراهيم: ابسط يدك أبايعك، فبسط المختار يده، فبايعه إبراهيم.
(2/81)

وجعل المختار وأصحابه يديرون أمورهم حتى اجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة 66، فثاروا بالكوفة، ونشب القتال بينهم وبين جند ابن مطيع.
"تاريخ الطبري 7: 98"
(2/82)

74- خطبة يزيد بن أنس الأسدي:
ولما حمل خيل ابن مطيع على أصحاب المختار خطبهم يزيد بن أنس الأسدي محرضًا، فقال:
"يا معشر الشيعة: قد كنتم تقتلون وتقطع أيديكم وأرجلكم، وتسمل أعينكم، وترفعون على جذوع النخل، في حب أهل بيت نبيكم، وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوكم، فما ظنكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم؟ إذن والله لا يدعون منكم عينا تطرف1، وليقتلنكم صبرًا2، ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه، والله لا ينجيكم منه إلا الصدق والصبر والطعن الصائب في أعينهم، والضرب الدَّرَّاك على هامهم، فتيسروا للشدة، وتهيئوا للحملة، فإذا حركت رايتي مرتين فاحملوا".
"تاريخ الطبري 7: 104"
__________
1 طرف البصر "كضرب" تحرك، وطرف بصره "كضرب أيضًا" أطبق أحد جفنيه على الآخر.
2 قتل صبرًا: هو أن يحبس ويرمى حتى يموت.
(2/82)

75- خطبة عبد الله بن مطيع:
وحمل أصحاب المختار على جند ابن مطيع، فكشفوهم، وهزموهم، فخرج ابن مطيع، فقام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
(2/82)

"أيها الناس: إن من أعجب العجب عجزكم عن عصبة منكم، قليل عددها، خبيث دينها، ضالة مضلة، اخرجوا إليهم، فامنعوا منهم حريمكم، وقاتلوهم عن مصركم، وامنعوا منهم فيئكم، وإلا ليشاركنكم في فيئكم من لا حق له فيه، والله لقد بلغني أن فيهم خمسمائة رجل من محرَّرِيكم عليهم أمير منهم، وإنما ذهاب عزكم وسلطانكم، وتغير دينكم حين يكثرون". ثم نزل.
"تاريخ الطبري 7: 106"
(2/83)

76- تحريض ابن الأشتر أصحابه:
واستنفر ابن مطيع الناس لقتال المختار وصده، وأقبل إبراهيم بن الأشتر في أصحابه فقال لهم:
"قربوا خيولكم بعضها إلى بعض، ثم امشوا إليهم مصلتين1 السيوف، ولا يهولنكم أن يقال: جاءكم شبث بن ربعي، وآل عتيبة بن النهاس، وآل الأشعث، وآل يزيد بن الحارث، وآل فلان -فسمى بيوتات من بيوتات أهل الكوفة- ثم قال: إن هؤلاء لو قد وجدوا بهم حر السيوف قد انصفقوا2 عن ابن مطيع انصفاق المعزى عن الذئب" ثم قال لأصحابه: شدوا عليهم، فدًا لكم عمي وخالي.
فما لبَّثهم أن هزمهم، فركب بعضهم بعضًا، ومضى بأصحابه في آثارهم حتى دخلوا السوق والمسجد، وحصروا ابن مطيع ثلاثًا.
"تاريخ الطبري 7: 107"
__________
1 أصلت السيف: جرده من غمده.
2 انصفق: انصرف.
(2/83)

77- خطبة ابن مطيع وهو محصور:
فلما اشتد الحصار على ابن مطيع وأصحابه، أشار عليه شبث بن ربعي أن يخرج من القصر لا يشعر به أحد، حتى ينزل منزلا بالكوفة عند من يستنصحه، ويثق به، ولا يعلم بمكانه إلى أن يخرج، فيلحق بصاحبه "ابن الزبير".
(2/83)

وفي مساء اليوم الثالث دعا ابن مطيع أصحابه، فذكر الله بما هو أهله، وصلى على نبيه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال:
"أما بعد: فقد علمت الذين صنعوا هذا منكم من هم، وقد علمت إنما هم أراذلكم وسفهاؤكم وطغامكم وأخساؤكم، ما عدا الرجل أو الرجلين، وأن أشرافكم، وأهل الفضل منكم لم يزالوا سامعين مطيعين مناصحين، وأنا مبلغ ذلك صاحبي، ومعلمه طاعتكم وجهادكم عدوَّه، حتى كان الله الغالب على أمره، وقد كان من رأيكم وما أشرتم به عليَّ ما قد علمتم، وقد رأيت أن أخرج الساعة".
فقال له شبث: "جزاك الله من أمير خيرًا، فقد والله عففت عن أموالنا، وأكرمت أشرافنا، ونصحت لصاحبك، وقضيت الذي عليك، والله ما كنا لنفارقك أبدًا، إلا ونحن منك في إذن" فقال: جزاكم الله خيرًا، ثم خرج، وخلى القصر، وفتح أصحابه الباب، فقالوا: يابن الأشتر، آمنون نحن؟ قال: أنتم آمنون، فخرجوا، فبايعوا المختار.
"تاريخ الطبري 7: 108"
(2/84)

78- خطبة المختار بعد هرب ابن مطيع:
وجاء المختار حتى دخل القصر، فبات به، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، فقال:
"الحمد لله الذي وعد وليه النصر، وعدوه الخسر، وجعله فيه إلى آخر الدهر وعدًا مفعولا، وقضاء مقضيًّا، وقد خاب من افترى، أيها الناس: إنه رفعت لنا راية، ومدت لنا غاية، فقيل لنا في الراية أن ارفعوها ولا تضعوها، وفي الغاية أن اجروا إليها ولا تعدوها، فسمعنا دعوة الداعي، ومقالة الواعي، فكم من ناع وناعية، لقتلى
(2/84)

في الواعية1 وبعدًا لمن طغى، وأدبر وعصى، وكذب وتولى، ألا فادخلوا أيها الناس فبايعوه بيعة هدى، فلا والذي جعل السماء سقفًا مكفوفًا2، والأرض فجاجًا3 سبلا، ما بايعتم بعد بيعة علي بن أبي طالب وآل علي أهدى منها".
ثم نزل، ودخل عليه أشراف الناس، فبسط يده وابتدره الناس فبايعوه، وجعل يقول: تبايعونني على كتاب الله وسنة نبيه، والطلب بدماء أهل البيت، وجهاد المحلِّين، والدفع عن الضعفاء، وقتال من قاتلنا، وسلم من سالمنا، والوفاء ببيعتنا، لا نقيلكم ولا نستقيلكم" فإذا قال الراجل نعم: بايعه.
ثم وثب المختار بمن كان بالكوفة من قتلة الحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والمشايعين على قتله، فقتل من قدر عليه منهم، وهرب من الكوفة بعضهم فلم يقدر عليه، وكان ممن قتلهم عمر بن سعد بن أبي وقاص وابنه، وبعث برأسيهما إلى محمد بن الحنفية.
"تاريخ الطبري 7: 108"
__________
1 الواعية: الصراخ على الميت ونعيه "ولا فعل له" والمعنى: كم من ناع وناعية لأناس قتلوا بسبب نعيهم وصراخهم على من قتل من الحسين وأصحابه، فهو يستثيرهم لطلب الثأر من أعدائهم الذين لم يكفهم ما اقترفوه من قتل الحسين وشيعته، بل ضموا إلى جرمهم أن قتلوا من نعى هؤلاء الشهداء وبكاهم.
2 الكفة بالكسر ويضم: حبالة الصائد، وكل مستدير.
3 الفجاج: جمع فج، وهو الطريق الواضح الواسع.
(2/85)

79- خطبة المختار وقد استنصره ابن الحنفية:
ولما كتب محمد بن الحنفية رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى المختار يعلمه بما ناله هو ومن معه من ابن الزبير من سجنهم وتوعدهم بالقتل والتحريق بالنار إن لم يبايعوا له1 نادى المختار في الناس، وقرأ عليهم الكتاب، وقال:
__________
1 وذلك أن محمد بن الحنفية كان قد أبى أن يبايع ابن الزبير إذ كره البيعة لمن لم تجتمع عليه الأمة -وكان ابن الزبير يبغضه ويحسده على أيده وقوته- فحبسه مع أربعة عشر رجلا من بني هاشم في سجن عارم وقال: لتباعين أو لأحرقنكم، وأعطى الله عهدًا إن لم يبايعوا أن ينفذ فيهم ما توعدهم به، وضرب لهم في ذلك أجلا، فكتب ابن الحنفية إلى المختار مستصرخًا، فوجه إليه جماعة من أصحابه، وكانوا يسيرون الليل ويكنون النهار، حتى انتهوا إلى مكة، وقد أعد ابن الزبير الحطب ليحرقهم، وكان قد بقي من الأجل يومان. فكسروا سجن عارم واستخرجوا منه ابن الحنفية ومن معه، وقالوا له: خل بيننا وبين عدو الله ابن الزبير، فقال لهم: إني لا أستحل القتال في حرم الله، وخرج هو وأصحابه إلى شعب علي.
(2/85)

"هذا كتاب مهديكم، وصريح1 أهل بيت نبيكم، وقد تُرِكُوا محظورًا2 عليهم كما يحظر على الغنم، ينتظرون القتل والتحريق بالنار، في آناء الليل وتارات3 النهار، ولست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرًا مؤزرًا4، وإن لم أسرب إليهم الخيل في إثر الخيل، كالسيل يتلوه السيل، حتى يحل بابن الكاهلية5 الويل".
"تاريخ الطبري 7: 136"
__________
1 الصريح: الخالص من كل شيء.
2 حظر الشيء وعليه "كقتل" منعه وحجر، ويقال لما حظر به على الغنم وغيرها ليمنعها ويحفظها حظيرة.
3 جمع تارة، وهي هنا الحين.
4 نصر مؤزر: أي بالغ شديد من التأزير وهو التقوية.
5 ابن الكاهلية، هو عبد الله بن الزبير، والكاهلية أم أبي جده، فهو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، والكاهلية أم خويلد بن أسد، واسمها زهرة بنت عمرو بن خنثر بن روينة بن هلال من بني كاهل بن أسد بن خزيمة، وروي أن عبد الله بن فضالة بن شريك الوالبي الأسدي -من بني أسد بن خزيمة- أتى ابن الزبير فقال له: "نفدت نفقتي، ونقبت راحلتي "نقب الخف كفرح: رق" قال: أحضرها فأحضرها، فقال: أقبل بها أدبر بها ففعل، فقال: "ارقعها بسبت، واخصفها بهلب، وأمجد بها ببرد خفها، وسر البردين تصح" "والسبت كحمل كل جلد مدبوغ. والهلب كقفل: الشعر أو ما غلظ منه أو شعر الذئب أوشعر الخنزير الذي يخرز به، والبردان بفتح الباء وسكون الراء، والأبردان: الغداة والعشي" فقال ابن فضالة: إني أتيتك مستحملا، ولم آتك مستوصفا، فلعن الله ناقة حملتي إليك "مستحملا أي طالبا أن تحملني على ناقة أخرى تعطينيها" قال ابن الزبير: "إن وراكبها" "وإن هنا حرف جواب بمعنى نعم كأنه إقرار بما قال، ومثله قول ابن قيس الرقيات:
ويقلن شيب قد علاك ... وقد كبرت فقلت إنه
فانصرف عنه ابن فضالة، وقال فيه شعرا منه قوله:
(2/86)

...................................................................................
__________
=
أقول لغلمتي شدوا ركابي ... أجاوز بطن مكة في سواد
فمالي حين أقطع ذات عرق ... إلى ابن الكاهلية من معاد
فقال ابن الزبير لما بلغه هذا الشعر: "علم أنها شر أمهاتي فعيرني بها وهي خير عماته"- انظر "1: 8" وشرح ابن أبي الحديد "م4: ص495" ومجمع الأمثال للميداني "1: 75" وفيه "فلما بلغ الشعر ابن الزبير قال: لو علم لي أما ألأم من عمته لسبَّني بها" وبهذه المناسبة نقول: إن ابن الزبير كان شديد البخل وكان ذلك من أعظم أسباب إخفاقه وانفضاض الناس من حوله، رووا أنه كان يطعم جنده تمرًا ويأمرهم بالحرب فإذا فروا من وقع السيوف لامهم وقال لهم: أكلتم تمري، وعصيتم أمري، فقال بعضهم:
ألم تر عبد الله والله غالب ... على أمره يبغي الخلافة بالتمر
وكسر بعض جنده خمسة أرماح في صدور أصحاب الحجاج، وكلما كسر رمحًا أعطاه، فشق عليه ذلك، وقال: خمسة أرماح! لا يحتمل بيت مال المسلمين هذا. وجاءه أعرابي سائل فرده، فقال له: لقد أحرقت الرمضاء قدمي، فقال: بل عليهما يبردا، "ابن أبي الحديد م1: ص487" وقدم عليه معن بن أوس بمكة، فأنزله دار الضيفان –وكان ينزلها الغرباء وأبناء السبيل والضيفان- فأقام يومه لم يطعم شيئًا، حتى إذا كان الليل جاءهم ابن الزبير بتيس هرم هزيل، فقال: كلوا من هذا وهم نيف وسبعون رجلا، فغضب معن وخرج من عنده، فأتى ابن عباس فقراه وحمله وكساه، ثم أتى عبد الله بن جعفر فأعطاه حتى أرضاه، وأقام عنده ثلاثًا حتى رحل، فقال معن في ذلك:
رمانا أبو بكر "وقد طال يومنا"
...
بتيس من الشاة الحجازي أعفر
وقال: اطعموا منه "ونحن ثلاثة
...
وسبعون إنسانًا" فيا لؤم مخبر!
فقلنا له: لا تقربا، فأمامنا
...
جفان ابن عباس العلا وابن جعفر
وكنْ آمنا وارفق بتيسك إنه
...
له أعنز ينزو عليها، وأبشر
"الأغاني ج10: ص157".
وقال عبد الملك بن مروان: "ما أعلم مكان أحد أقوى على هذا الأمر مني، وإن ابن الزبير لطويل الصلاة كثير الصيام، ولكن لبخله لا يصلح أن يكون سائسًا" "تاريخ الطبري ج8: ص58".
(2/87)

80- خطبته وقد شيع ابن الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد: 1
وخرج يشيع2 إبراهيم بن الأشتر حين شخص لقتال عبيد الله بن زياد3 فقال للناس:
__________
1 قدمنا لك أن مروان بن الحكم لما تمت له البيعة بعث إلى العراق جيشًا عليه عبيد الله بن زياد، وعلمت ما كان من أمره وأمر التوابين من الشيعة بعين الوردة من أرض الجزيرة ثم التقى به ابن الأشتر على شاطئ نهر خازر من أرض الموصل.
2 وقد خرج يشيعه ماشيًا، فقال له إبراهيم: اركب يا أبا إسحاق، فقال: إني أحب أن تغبر قدماي في نصرة آل محمد صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فشيعه فرسخين.
3 وكان قد دفع إلى قوم من خاصته حمامًا بيضًا ضخامًا، وقال: إن رأيتم الأمر لنا فدعوها، وإن رأيتم الأمر علينا فأرسلوها، فلما التقوا كانت على أصحاب إبراهيم الدائرة في أول النهار، فأرسل أصحاب المختار الطير، فتصايح الناس: الملائكة! فتراجعوا واقتلل الناس حتى اختلط الظلام، وأسرع القتل في أصحاب ابن زياد ثم انكشفوا، ووضع السيف فيهم حتى أفنوا، وقال ابن الأشتر: لقد ضربت رجلا على شاطئ هذا النهر، فرجع إلي سيفي فوجدت منه رائحة المسك، ورأيت إقدامًا وجرأة فصرعته، فذهبت يداه قبل المشرق ورجلاه قبل المغرب: فانظروه فالتمسوه فإذا هو عبيد الله بن زياد، وكان مقتله سنة 67هـ.
(2/87)

"إن استقمتم فبنصر الله، وإن حصتم حيصة1 فإني أجد في محكم الكتاب، وفي اليقين والصواب، أن الله مؤيدكم بملائكة غِضَابٍ، تأتي في صور الحمام دوين2 السحاب".
"الكامل للمبرد 2: 169"
__________
1 حاص يحيص حيصا: عدل وهرب.
2 مصغر دو: أي قريبًا منه.
(2/88)

81- خطبته وقد سار إليه مصعب بن الزبير:
ولما بلغ المختار مسير مصعب بن الزبير إليه من البصرة1 قام في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يأهل الكوفة، يأهل الدين، وأعوان الحق، وأنصار الضعيف، وشيعة الرسول، وآل الرسول، إن فُرَّارَكم الذين بغوا عليكم أتوا أشباههم من الفاسقين فاستغْوَوْهم عليكم، ليمْصَحَ2لحق، وينتعش الباطل، ويقتل أولياء الله، والله لو تهلكون ما عبد الله في الأرض إلا بالفري3على الله، واللعن لأهل بيت نبيه،
__________
1 وكان أخوه عبد الله بن الزبير بعثه عليها "سنة 67هـ" بعد عزل القباع عنها "والقباع كشجاع هو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي أخو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة الشاعر" فقدم على مصعب شبث بن ربعي، وجاءه أشراف الناس من أهل الكوفة، وأخبروه بما اجتمعوا له وبما أصيبوا به، ووثوب عبيدهم ومواليهم، وشكوا إليه وسألوه النصر لهم، والسير إلى المختار معهم.
2 مصح كمنع: ذهب وانقطع، والثوب أخلق، والنبات ولى لون زهره: والظل قصر.
3 فرى الكذب كرمى: اختلقه كافتراه.
(2/88)

انتدبوا1 مع أحمر بن شميط: فإنكم لو قد لقيتموهم لقد قتلتموهم إن شاء الله قتل عاد2 وإرم".
وتزاحف الجندان، وانهزم أصحاب المختار، وقتل "في رمضان سنة 67"3.
"تاريخ الطبري 7: 148"
__________
1 انتدب إليه: أسرع.
2 أي أبدتموهم كما باد هؤلاء.
3 قال أبو العباس المبرد في الكامل "2: 167" وكان المختار لا يوقف له على مذهب كان خارجيًا، ثم صار زبيريًّا، ثم صار رافضيًّا في ظاهره، وكان يدعي أنه يلهم ضربًا من الشجاعة لأمور تكون ثم يحتال، فيوقعها، فيقول للناس: هذا من عند الله عز وجل" فمن ذلك قوله ذات يوم: "لتنزلن من السماء نار دهماء، فلتحرقن دار أسماء" فذكر ذلك لأسماء بن خارجة، فقال: أو قد سجع أبو إسحق؟ هو والله محرق داري، فتركه والدار وهرب من الكوفة، وقال في بعض سجعه: "أما والذي شرع الأديان، وجنب الأوثان، وكره العصيان، لأقتلن أزد عمان، وجُلَّ قيس عيلان، وتميمًا أولياء الشيطان، حاشا النجيب ظبيان" فكان ظبيان النجيب يقول: "لم أزل في عمر المختار أنقلب آمنا".
وقال ابن عبد ربه في العقد الفريد "2: 265": "ثم إن المختار لما قتل ابن مرجانة، وعمر بن سعد جعل يتتبع قتلة الحسين بن علي ومن خذله، فقتلهم أجمعين، فلما أفناهم دانت له العراق، ولم يكن صادق النية، ولا صحيح المذهب، وإنما أراد أن يستأصل الناس، فلما أدرك بغيته أظهر للناس قبح نيته، فادعى أن جبريل ينزل عليه، ويأتيه بالوحي من الله، وكتب على أهل البصرة "بلغني أنكم تكذبونني وتكذبون رسلي، وقد كذبت الأنبياء من قبلي، ولست بخير من كثير منهم" فلما انتشر ذلك عنه كتب أهل الكوفة إلى ابن الزبير "يعني مصعبًا" وهو بالبصرة فخرج إليه، وبرز إليه المختار فأسلمه إبراهيم بن الأشتر ووجوه أهل الكوفة، فقتله مصعب وقتل أصحابه".
وقال الشهرستاني في الملل والنحل "1: 153": "ومن مذهب المختار أنه يجوز البدء على الله تعالى، والبدء له معانٍ، البدء في العلم وهو أن يظهر له خلاف ما علم، والبدء في الإرادة، وهو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم، والبدء في الأمر وهو أن يأمر بشيء ثم يأمر بعده بخلاف ذلك، وإنما صار المختار إلى اختيار القول بالبدء، لأنه كان يدعي علم ما يحدث من الأحوال، إما بوحي يوحى إليه، وإما برسالة من قبل الإمام "ابن الحنفية"، فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء وحدوث حادثة، فإن وافق كونه قوله جعله =
(2/89)

82- خطبة محمد بن الحنفية يرد على عبد الله بن الزبير وقد تنقص الإمام:
خطب ابن الزبير، فنال من الإمام علي كرم الله وجهه، فبلغ ذلك ابنه محمد ابن الحنفية رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فأقبل حتى وضع له كرسي قدامه، فعلاه وقال:
"يا معشر قريش، شاهت الوجوه1، أينتقص علي وأنتم حضور؟ إن عَلِيًّا كان سهمًا صادقًا، أحد مرامي الله على أعدائه، يقتلهم لكفرهم، ويهوعهم2 مآكلهم، فثقل عليهم، فرموه بصرفة الأباطيل3، وإنا معشر له على نهج4 من أمره بنو الحسبة5 من الأنصار، فإن تكن لنا الأيام دولة ننثر عظامهم، ونحسر6
__________
دليلا على صدق دعواه، وإن لم يوافق قال قد بدا لربكم، وقد تبرأ ابن الحنفية منه حين وصل إليه أنه قد لبَّس على الناس بأنه من دعاته، ورجاله، وتبرأ من الضلالات التي ابتدعها من التأويلات الفاسدة، والمخاريق المموهة، فمن مخاريقه أنه كان عنده كرسي قديم قد غشاه بالديباج وزينه بأنواع الزينة وقال: هذا من ذخائر أمير المؤمنين علي عليه السلام، وهو عندنا بمنزلة التابوت لبني إسرائيل، فكان إذا حارب خصومه يضعه في براح الصف، ويقول: قاتلوا ولكم الظفر والنصرة، وهذا الكرسي محله فيكم محل التابوت في بني إسرائيل وفيه السكينة والبقية، والملائكة من فوقكم ينزلون مددًا لكم أخذًا من قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ويقال: إنه اشتراه بدرهمين من نجار، انظر قصته في تاريخ الطبري "7: 140".
1 شاه وجهه: قبح.
2 هوعه ما أكل: قيأه إياه.
3 مؤنث صرف، والصرف: الخالص من كل شيء، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والأباطيل: جمع أبطولة بضم الهمزة أو إبطالة بكسرها أو هو جمع باطل على غير قياس.
4 النهج: الطريق الواضح.
5 الحسبة: الاحتساب "طلب الأجر" في الأعمال الصالحات، وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبًا للثواب المرجو بها.
6 حسره كنصر وضرب: كشفه.
(2/90)

عن أجسادهم، والأبدان يومئذ بالية: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} .
فعاد ابن الزبير إلى خطبته وقال: "عذرت بني الفواطم يتكلمون، فما بال بني الحنفية؟ " فقال محمد: "يابن أم رومان1، ومالي لا أتكلم؟ أليست فاطمة بنت محمد حليلة2 أبي وأم إخوتي؟ أو ليست فاطمة3 بنت أسد بن هاشم جدتي؟ أو ليست فاطمة4 بنت عمرو بن عائذ جدة أبي؟ أما والله لولا خديجة بنت خويلد5 ما تركت في بني أسد عظمًا إلا هشمته، وإن نالتني فيه المصائب صبرت".
"مروج الذهب 2: 102".
__________
1 أم رومان بنت عامر هي زوج أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأم السيدة عائشة.
2 زوجته.
3 هي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف أم الإمام علي كرم الله وجهه، وقد أسلمت بعد عشر من المسلمين فكانت الحادي عشر، وهي أول امرأة بايعت رسولَ اللهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من النساء.
4 هي فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم أم أبي طالب، وهي أم عبد الله والد سيدنا محمد صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
5 هي زوج النبي صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعمة الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد.
(2/91)

83- عبد الله بن عباس ومعاوية:
ودخل عبد الله بن عباس على معاوية وعنده وجوه قريش، فلما سلم وجلس، قال له معاوية: "إني أريد أن أسألك عن مسائل" قال: "سل عما بدا لك" قال: "ما تقول في أبي بكر؟ " قال: "رحم الله أبا بكر، كان والله للقرآن تاليًا، وعن المنكر ناهيًا، وبذنبه عارفًا، ومن الله خائفًا، وعن الشبهات زاجرًا، وبالمعروف آمرًا، وبالليل قائمًا، وبالنهار صائمًا، فاق أصحابه ورعًا وكفافًا1، وسادهم زهدًا وعفافًا، فغضب الله على من أبغضه وطعن عليه" قال معاوية: إيهًا2 يابن عباس، فما تقول في عمر بن الخطاب؟ " قال: "رحم الله أبا حفص عمر، كان والله حليف الإسلام،
__________
1 أي رضًا بالكفاف، والكفاف من الرزق: ما كف عن الناس وأغنى.
2 أمر بالسكوت أي حسبك.
(2/91)

ومأوى الأيتام، ومنتهى الإحسان، ومحل الإيمان، وكهف1 الضعفاء، ومعقل الحنفاء2، قام بحق الله عَزَّ وَجَلَّ صابرًا محتسبًا3، حتى أوضح الدين، وفتح البلاد وأمَّنَ العباد، فأعقب الله على من ينقصه اللعنة إلى يوم الدين". قال: "فما تقول في عثمان؟ " قال: "رحم الله أبا عمرو كان والله أكرم الجعدة4، وأفضل البررة، هجادًا5 بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر النار، نهاضًا عند كل مكرمة، سباقًا إلى كل منحة، حييًّا أبيًّا وفيًّا، صاحب جيش العسرة6، وخَتَنَ7 رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأعقب اللهُ على من يلعنه لعنة اللاعنين، إلى يوم الدين" قال: "فما تقول في علي؟ " قال: رضي الله عن أبي الحسن، كان والله علم الهدى، وكهف التقى، ومحمل الحجا8، وبحر الندى، وطود النهى9، وكهف العلا، للورى داعيًا إلى المحجة10، متمسكًا بالعروة الوثقى، خير من آمن واتقى، وأفضل من تقمص وارتدى، وأبر من انتعل وسعى11، وأفصح من تنفس وقرا، وأكثر من شهد النجوى -سوى الأنبياء والنبي المصطفى- صاحب القبلتين، فهل يوازيه أحد؟ وأبو السبطين12 فهل يقارنه بشر، وزوج خير النسوان13، فهل يفوقه قاطن بلد؟ للأسود قتال، وفي الحروب ختال14، لم تر عيني مثله ولن ترى، فعلى من انتقصه
__________
1 الكهف: الملجأ، وكذا المعقل.
2 جمع حنيف، وهو الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه.
3 احتسب بكذا أجرًا عند الله: اعتده ينوي به وجه الله.
4 الكرام، يقال للكريم: جعد بفتح فسكون، فأما إذا قيل فلان جعد اليدين أو جعد الأنامل فهو البخيل، وربما لم يذكروا معه اليد.
5 الهجاد والهجود: بفتح الهاء، والمتهجد: المصلي بالليل.
6 تقدم شرحه في خطبة ذي الكلاع الحميري. راجع الجزء الأول ص340.
7 أي صهره وقد تزوج السيدة رقية والسيدة أم كلثوم ابنتي رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
8 المحمل في الأصل: شقان على البعير يحمل فيهما العديلان، والحجا: العقل والفطنة.
9 الطود: الجبل، والنهى العقل.
10 الطريق الواضح.
11 في الأصل "واسعا" وهو تحريف.
12 الحسن والحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وهما سبطا رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، "والسبط ولد الولد".
13 السيدة فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
14 خداع، من الختل: وهو الخداع، والمراد أنه ذو بصر بالحروب.
(2/92)

لعنة الله والعباد، إلى يوم التناد1" قال: "إيهًا يا بن عباس، لقد أكثرت في ابن عمك" قال: "فما تقول في أبيك العباس؟ " قال: "رحم الله العباس أبا الفضل، كان صنو2 نبي الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقرة عين صفي الله، سيد الأعمام، له أخلاق آبائه الأجواد، وأحلام أجداده الأمجاد، تباعدت الأسباب في فضيلته، صاحب البيت والسقاية والمشاعر3 والتلاوة، ولم لا يكون كذلك، وقد ساسه أكرم من دبَّ4" فقال معاوية: "يابن عباس، أنا أعلم أنك كلماني5 أهل بيتك" قال: "ولم لا أكون كذلك، وقد قال رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل".
ثم قال ابن عباس بعد هذا الكلام: "يا معاوية، إن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، خص محمدًا صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصحابة آثروه على الأنفس والموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم الله في كتابه فقال: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} ، قاموا بمعالم الدين، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين، حتى تهذبت طرقه، وقويت أسبابه، وظهرت آلاء6 الله، واستقر دينه، ووضحت أعلامه، وأذل الله بهم الشرك، وأزال روحه، ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية، والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياة لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء أصحاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها"، فقطع عليه معاوية الكلام، وقال: إيها ابن عباس، حدثنا في غير هذا.
"مروج الذهب 2: 84"
__________
1 يوم القيامة.
2 الأصل فيه أنه إذا خرج نخلتان أو ثلاث من أصل واحد، فكل واحدة منهن صنو والاثنان صنوان والجمع صنوان برفع النون.
3 شعار الحج بالكسر: مناسكه وعلاماته، والشعيرة والشعارة بالفتح، والمشعر: موضعه، والمشعر الحرام بالمزدلفة.
4 في الأصل: "من دبَّ" أي مشى، والمعنى عليه صحيح، ولكني أرجح أنه "من أدب" لقوله "وقد ساسه".
5 رجل كلماني بسكون اللام وفتحها وكلماني بكسرتين مشدد اللام، وبكسرتين مشدد الميم وتكلام وتكلامة بكسر فسكون وتشدد لامهما: جيد الكلام فصيحه.
6 الآلاء: النعم جمع "إلى" "بفتح أوله وكسره" وأولو "بفتح أوله" وإلى "بفتح ثانيه وفتح أوله أو كسره".
(2/93)

عبد الله بن عباس ومعاوية أيضا
مدخل
...
عبد الله بن عباس ومعاوية أيضًا:
اجتمعت قريش الشامِ والحجازِ عند معاوية، وفيهم عبد الله بن عباس، وكان جريئًا على معاوية حقارًا له1 فبلغه عنه بعض ما غمه، فقال معاوية:
__________
1 أي كثير التحقير له.
(2/94)

84- مقال معاوية:
رحم الله أبا سفيان والعباس، كانا صَفِيِّيْن1 دون الناس، فحفظتُ الميت في الحي، والحي في الميت، استعملك علي يابن عباس على البصرة، واستعمل عبيد الله أخاك على اليمن، واستعمل أخاك2 على المدينة، فلما كان من الأمر ما كان، هنأتكم3 ما في أيديكم، ولم أكشفكم عما وعت غراركم4، وقلت: آخذ اليوم وأعطى غدًا مثله، وعلمت أن بدء اللؤم يضر بعاقبة الكرم، ولو شئت لأخذت بحلاقيمكم وقيأتكم ما أكلتم، لا يزال يبلغني عنكم ما تبرُك له الإبل، وذنوبكم إلينا أكثر من ذنوبنا إليكم، خذلتم عثمان بالمدينة، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وحاربتموني بصفين، ولعمري لبنو تيم وعدي5 أعظم ذنوبًا منا إليكم، إذ صرفوا عنكم هذا الأمر، وسنُّوا فيكم هذه السنة، فحتى متى أُغْضِي الجفونَ على القَذَى6، وأسحب الذيول على الأذى، وأقول لعل الله وعسى! ما تقول يابن عباس؟
__________
1 الصفي: الحبيب المصافي.
2 لما جاء عَلِيًّا الخبر عن طلحة والزبير وعائشة أَمَّرَ على المدينة تمام بن العباس، وبعث إلى مكة قثم بن العباس "قثم كعمر" وخرج إليهم.
3 هنأه كمنع وضرب: أطعمه وأعطاه.
4 جمع غرارة بالكسر وهي الجوالق "الشوال".
5 يعني ببني تيم أبا بكر الصديق "وهو من تيم بن مرة بن كعب بن لؤي" ويعني ببني عدي عمر بن الخطاب "وهو من عدي بن كعب بن لؤي".
6 القذى: ما يقع في العين والشراب.
(2/94)

85- مقال ابن عباس:
فتكلم ابن عباس فقال:
رحم الله أبانا وأباك، كانا صَفِيَّيْنِ متفاوضين1، لم يكن لأبي من مال إلا ما فَضَلَ لأبيك، وكان أبوك كذلك لأبي، ولكن من هنَّأ أباك بإخاء أبي أكثر ممن هنَّأ أبي بإخاء أبيك، نصر أبي أباك في الجاهلية، وحقن دَمَه في الإسلام2، وأما استعمال علي إيانا فلنفسه دون هواه، وقد استعملت أنت رجالا لهواك لا لنفسك، منهم ابن الحضرمي على البصرة فَقُتِلَ، وبسر بن أرطأة على اليمن فخان، وحبيب بن مرة على الحجاز فَرُدَّ، والضحاك بن قيس الفهري على الكوفة فحُصِبَ، ولو طلبت ما عندنا وقينا أعراضنا، وليس الذي يبلغك عنا بأعظم من الذي يبلغنا عنك، ولو وضع أصغر ذنوبكم إلينا على مائة حسنة لمحقها، ولو وضع أدنى عذرنا إليكم على مائة سيئة لحسَّها، وأما خذلنا عثمان فلو لزمنا نصْرُهُ لَنَصَرْنَاهُ، وأما قَتْلُنا أنصارَه يوم الجمل، فعلى خروجهم مما دخلوا فيه، وأما حَرْبنا إياك بصفين، فعلى تركك الحق وادعائك الباطل، وإما إغراؤك إيانا بتيم وعدي فلو أردناها ما غلبونا عليه" وسكت.
"العقد الفريد 2: 110".
__________
1 التفاوض: الاشتراك في كل شيء والمساواة.
2 يشير إلى ما كان من العباس إذ شفع عند النبي عليه الصلاة والسلام في أبي سفيان يوم فتح مكة.
(2/95)

عبد الله بن عباس ومعاوية أيضًا:
86- مقال معاوية لابن عباس:
أقبل معاوية يومًا على ابن عباس، فقال:
"لو وليتمونا ما أتيتم إلينا ما أتينا إليكم من الترحيب والتقريب وإعطائكم الجزيل، وإكرامكم على القليل، وصبري على ما صبرت عليه منكم، إني لا أريد أمرًا إلا أظمأتم
(2/95)

صدره1، ولا آتي معروفًا إلا صغرتم خطره2، وأعطيكم العطية فيها قضاء حقوقكم، فتأخذونها متكارهين عليها، تقولون: قد نقص الحق دون الأمل، فأي أمل بعد ألف ألف أعطيها الرجل منكم، ثم أكون أسرَّ بإعطائها منه بأخذها؟ والله لئن انخدعت لكم في مالي، وذللت لكم في عرضي، أرى انخداعي كرمًا، وذلي حلمًا، ولو وليتمونا رضينا منكم بالانتصاف، ولا نسألكم أموالكم؛ لعلمنا بحالكم وحالنا، ويكون أبغضها إلينا أحبها إليكم أن نعفيكم".
__________
1 يقال: ورد الماء ليستقي ثم صدر عنه: أي رجع صدْرًا "بسكون الدال" وصدورًا والاسم منه الصَّدَر "بفتحتين" أي أصدرتم ورددتم وارده ظمآن لا ريان، يريد أنهم دائبون على مخالفته في كل أمر، يرون ضد رأيه.
2 قدره وشأنه.
(2/96)

87- مقال ابن عباس:
فقال ابن عباس:
"لو ولينا أحسنا المواساة، وامتننا بالأَثَرَة1، ثم لم نغشم2 الحي، ولم نشتم الميت3، فلستم بأجود منا أكفًّا، ولا أكرم أنفسًا، ولا أصون لأعراض المروءة، ونحن والله أعطى للآخرة منكم للدنيا، وأعطى في الحق منكم في الباطل، وأعطى على التقوى منكم على الهوى، والقسم بالسوية والعدل في الرعية يأتيان على المنى والأمل، ما أرضاكم منا بالكفاف، فلو رضيتم منا لم نرضَ بأنفسنا به لكم، والكفاف رضا من لا حق له، فلا تُبَخِّلُونا4 حتى تسألونا، ولا تَلْفِظُونا حتى تذوقونا".
العقد الفريد: 2: 111".
__________
1 استأثر على أصحابه: اختار لنفسه أشياء حسنة والاسم الأثرة، والمعنى وامتننا أي وتفضلنا وأنعمنا بما نستأثر به.
2 غشمه غشما: ظلمه.
3 يعرض به في سبه عَلِيًّا على المنابر.
4 لا ترمونا بالبخل "بخله بالتشديد: رماه بالبخل، وأبخله: وجده بخيلا".
(2/96)

عبد الله بن عباس ومعاوية أيضًا:
88- مقال معاوية لبني هاشم:
اجتمع بنو هاشم عند معاوية، فأقبل عليهم، فقال:
"يا بني هاشم، والله إن خيري لكم لممنوح، وإن بابي لكم لمفتوح، فلا يقطع خيري عنكم علة، ولا يُوصِد1 بابي دونكم مسألةٌ، ولما نظرت في أمري وأمركم رأيت أمرًا مختلفًا، إنكم لترون أنكم أحق بما في يدي مني، وإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقكم قلتم: أعطانا دون حقنا، وقصَّر بنا عن قدرنا، فصرت كالمسلوب، والمسلوب لا حمد له، وهذا مع إنصاف قائلكم، وإسعاف سائلكم".
__________
1 أي: ولا يغلق، وفي الأصل "ولا يوجد" وهو تحريف.
(2/97)

89- مقال ابن عباس:
فأقبل عليه ابن عباس فقال:
"والله ما منحتنا شيئًا حتى سألناه، ولا فتحت لنا بابًا حتى قرعناه، ولئن قطعت عنا خيرك، لَلَّهُ أوسعُ منك، ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفن أنفسنا عنك، وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين، ولنا في كتاب الله حقان: حق في الغنيمة وحق في الفيء. فالغنيمة: ما غلبنا عليه، والفيء: ما اجتبيناه، ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائرٌ، يحمله خف ولا حافر، أكفاك أم أزيدك؟ قال: كفاني فإنك لا تُعَزُّ1، ولا تُشَجُّ2".
"العقد الفريد 2: 111".
__________
1 لا تعز: أي لا تغلب، عزه يعزه "كنصره" عزا "بالفتح" غلبه، وفي الأصل "لا تغر" وهو مصحف.
2 شج رأسه: جرحه، والمراد لا تغلب ولا تهزم.
(2/97)

مقال آخر لمعاوية
...
عبد الله بن عباس ومعاوية أيضًا:
90- مقال معاوية:
وقال يومًا معاوية وعنده ابن عباس: "إذا جاء بنو هاشم1 بقديمها وحديثها، وجاءت بنو أمية2 بأحلامها وسياستها، وبنو أسد3 بن عبد العزى بوافدها ودياتها، وبنو عبد الدار4 بحجابتها ولوائها، وبنو مخزوم5 بأموالها وأفعالها، وبنو تيم6 بصدِّيقها وجوادها، وبنو عدي7 بفاروقها ومتفكرها، وبنو سهم8 بآرائها ودهائها، وبنو جمح9 بشرفها وأنوفها10، وبنو عامر بن لؤي بفارسها وقريعها11، فمن ذا يُجَمِّلُ مضمارها، ويجرى إلى غايتها، ما تقول يابن عباس؟ ".
__________
1 بنو هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة إلخ.
2 بنو أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
3 بنو أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب.
4 بنو عبد الدار بن قصي، والحجابة: سدانة البيت الشريف؛ أي تولي مفاتيحه وخدمته، واللواء راية يلوونها على رمح وينصبونها علامة للعسكر إذا توجهوا إلى محاربة عدو، فيجتمعون تحتها، ويقاتلون عندها، وكان قصي بن كلاب قد ولي البيت الحرام وأمر مكة والحكم بها، وابتنى دارًا بها وهي دار الندوة: وكانت قريش لا تقضي أمرًا إلا فيها، وقد ولد له عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبد شمس، فلما كبر قصي ورق، قال لابنه عبد الدار -وهو أكبر ولده، وكان فيما يزعمون ضعيفها، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، وذهب كل مذهب: "أما والله لألحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك، ولا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها، ولا يعقد لقريش لواء لحربهم إلا أنت بيدك، ولا يشرب رجل بمكة ماء إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعامًا إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمورها إلا في دارك، فأعطاه داره دار الندوة، وأعطاه الحجابة واللواء والندوة والسقاية والرفادة، "وكانت خرجًا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي به، فيصنع طعاما للحاج يأكله من لم يكن له سعة ولا زاد ممن يحضر الموسم".
5 بنو مخزوم بن يقظة "بالتحريك" بن مرة بن كعب بن لؤي.
6 بنو تيم بن مرة بن كعب بن لؤي.
7 بنو عدي بن كعب بن لؤي.
8 بنو سهم بن هصيص "كزبير" بن كعب بن لؤي، ومنهم عمرو بن العاص السهمي.
9 بنو جمح بن هصيص بن كعب.
10 جمع أنف: وهو السيد.
11 القريع: المقارع.
(2/98)

91- مقال ابن عباس:
قال: "أقول ليس حي يفخرون بأمر إلا وإلى جنبهم من يشركهم إلا قريشًا، فإنهم يفخرون بالنبوة التي لا يُشاركون فيها، ولا يُساوون بها، ولا يُدفعون عنها، وأشهد أن الله لم يجعل محمدًا من قريش إلا وقريش خير البرية، ولم يجعله في بني عبد المطلب إلا وهم خير بني هاشم، يريد أن يفخر عليكم إلا بما تفخرون به، إن بنا فُتح الأمر وبنا يُختم، ولك مُلكٌ مُعَجَّل، ولنا مُلكٌ مُؤَجَّل، فإن يكن ملككم قبل ملكنا، فليس بعد ملكنا ملك، لأنَّا أهلُ العافية، والعاقبة للمتقين".
"العقد الفريد 2: 112"
(2/99)

92- عبد الله بن عباس ومعاوية أيضًا:
لما بلغ معاوية نعي الحسن بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أظهر الفرح والسرور، حتى سَجَدَ وسَجَدَ من كان معه، فبلغ ذلك عبد الله بن عباس، وكان بالشام يومئذ، فدخل على معاوية، فلما جلس قال معاوية: يابن عباس هلك الحسن بن علي، ولم يُظهِر حزنًا؛ فقال ابن عباس:
"نعم هلك إنا لله وإنا إليه راجعون، ترجيعًا مكررًا، وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته، أما والله ما سَدَّ جَسَدُه حفرتَك، ولا زادَ نقصانُ أجلِهِ في عُمرِك، ولقد مات وهو خيرٌ منك، ولئن أُصِبنا به لقد أُصِبنا بمن كان خيرًا منه، جَدِّه رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجبر الله مصيبتَه، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة.
فقال له معاوية: كم كانت سنه؟ قال: مولده أشهر من أن تُتَعَرّف سنه! قال: أحسبه ترك أولادًا صغارًا؟ قال: كلنا كان صغيرًا فكبر، ولئن اختار الله لأبي محمد
(2/99)

ما عنده وقبضه إلى رحمته، لقد أبقى الله أبا عبد الله "يعني الحسين"، وفي مثله الخلف الصالح، ثم شهق وبكى، وبكى من حضر في المجلس، وبكى معاوية".
"الإمامة والسياسة 1: 127، ومروج الذهب 2: 52 والبيان والتبيين 3: 221".
(2/100)

93- عبد الله بن عباس وعتبة بن أبي سفيان:
قال عتبة بن أبي سفيان لابن عباس: "ما منع أمير المؤمنين أن يبعثك مكان أبي موسى يوم الحكمين؟ " قال: "منعه والله من ذلك حاجز القدر، وقصر المدة، ومحنة الابتلاء، أما والله لو بعثني مكانه لاعترضت له في مدارج نفسه، ناقضا لما أبرم، ومبرما لما نقض، أُسِفُّ1 إذا طار، وأطير إذا أَسَفَّ، ولكن مضى قدر، وبقى أسف ومع يومنا غدٌ، والآخرة خير لأمير المؤمنين من الأولى".
"إعجاز القرآن 122، وشرح ابن أبي الحديد م1: ص195، وأمالي المرتضى 1: 207".
__________
أسف الطائر: دنا من الأرض في طيرانه.
(2/100)

مخاصمة بين عبد الله بن عباس وبين معاوية وأصحابه
مدخل
...
مخاصمة بين عبد الله بن عباس وبين معاوية وأصحابه:
قال ابن أبي الحديد: "روى المدائني قال: وفد عبد الله بن عباس على معاوية مرة، فقال معاوية لابنه يزيد، ولزياد بن سمية، وعتبة بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن أم الحكم: إنه قد طال العهد بعبد الله بن عباس، وما كان شجر1 بيننا وبينه وبين ابن عمه، ولقد كان نَصَبه للتحكيم فدُفِعَ عنه2، فحركوه على الكلام لنبلغ حقيقة صفته، ونقف على كنه معرفته، ونعرف ما صرف عنا من شبا3 حده، وَوُوري عنا من دهاء رأيه، فربما وصف المرء بغير ما هو فيه، وأُعطِي من النعت والاسم ما لا يستحقه، ثم أرسل إلى عبد الله بن عباس، فلما دخل واستقر به المجلس ابتدأه ابن أبي سفيان فقال: يابن عباس ما منع عَلِيًّا أن يوجه بك حكمًا؟
__________
1 شجر بينهم الأمر: تنازعوا فيه.
2 لما رأى عليٌّ إصرار من قبلوا التحكيم من قومه وتشبثهم بقبوله أشار عليهم أن يختاروا ابن عباس أو الأشتر النخعي حكمًا من قبلهم، فأبوا إلا أبا موسى الأشعري.
3 الشبا: جمع شباة، وهي حد كل شيء.
(2/101)

94- جواب ابن عباس:
فقال: "أما والله لو فعل لقرن عَمْرًا بصعبة من الإبل، يوجع كتفيه مراسها1 ولأذهلت عقله، وأجرضته بريقه2، وقدحت في سويداء قلبه، فلم يبرم أمرًا،
__________
1 أي علاجها وقيادتها.
2 جرض بريقه كفرح ابتلعه بالجهد على هم، وأجرضه بريقه: أغصه.
(2/101)

ولم ينفض ترابًا إلا كنت منه بمرأى ومسمع، فإن نكثه أرمت1 قواه، وإن أرمه فصمت2 عراه، بغرب3 مِقْوَلٍ لا يُفَلُّ حده، وأصالة رأي كمتاح4 الأجل لا وزر منه، أصدع5 به أديمه، وأفل به شبا حده، وأشحذ به عزائم المعتنز6، وأزيح به شُبَه الشاكِّين".
__________
1 أرم الحبل: فتله شديدًا.
2 حللت.
3 الغرب: حد كل شيء، والمقول: اللسان.
4 من إضافة الصفة للموصوف أي كالأجل المتاح: أي المقدر. والوزر: الملجأ.
5 أشق، والأديم: الجلد، وهو كناية عن غلبته إياه وانتصاره عليه.
6 في الأصل "المتقيز" وقد بحثت في كتب اللغة عن مادة "قيز" فلم أجد هذه المادة، فقلبت الكلمة على الأوجه التي يظن أنها محرفة عنها، ورجح لدى أنها محرفة من "المعتنز" من اعتنز: أي تنحى وانفرد، يريد الذين تنحوا عن الفتنة والنزاع بين علي ومعاوية وكانوا محايدين:
(2/102)

95- مقال عمرو بن العاص:
فقال عمرو بن العاص: "هذا والله يا أمير المؤمنين نجوم1 أول الشر، وأُفُول آخر الخير، وفي حسمه قطع مادته، فبادره بالجملة، وانتهز منه الفرصة، واردع بالتنكيل به غيره، وشرد به من خلفه".
__________
1 ظهور "مصدر نجم".
(2/102)

96- جواب ابن عباس:
فقال ابن عباس: "يابن النابغة، ضل والله عقلك، وسفه حلمك، ونطق الشيطان على لسانك، هلا توليت ذلك بنفسك يوم صفين حين دُعِيَتْ نَزَالِ1 وتكافَحَ الأبطالُ، وكثرتِ الجراحُ، وتقصفت الرماحُ، وبرزت إلى أمير المؤمنين مصاولا، فانكفأ نحوك بالسيف حاملا، فلما رأيت الكواثرَ2 من الموت، أعددت حيلة السلامة
__________
1 نزال: اسم فعل بمعنى أنزل، أي حين قال الأبطال بعضهم لبعض: نزال.
2 جمع كوثر، وهو الكثير من كل شيء والنهر.
(2/102)

قبل لقائه، والانكفاء عنه بعد إجابة دعائه، فمنحته رجاء النجاة عورتك، وكشفت له خوف بأسه سوءتك، حذرًا أن يصطلمك1 بسطوته، أو يلتهمك بحملته، ثم أشرت على معاوية كالناصح له بمبارزته، وحسنت له التعرض لمكافحته، رجاء أن تكتفي مئونته، وتعدم صورته، فعلم غِلَّ صدرك، وما انْحَنَتْ عليه من النفاق أضلعك، وعرف مقر سهمك في غرضك، فاكفف غرب لسانك، واقمع عوراء2 لفظك، فإنك بين أسد خادر3، وبحر زاخر، إن تبرزت للأسد افترسك، وإن عمت في البحر قَمَسَك4".
__________
1 اصطلمه: استأصله.
2 العوراء: الكلمة أو الفعلة القبيحة.
3 الخدر: أجمة الأسد ومنه قيل أسد خادر.
4 غمسك وأغرقك.
(2/103)

97- مقال مروان بن الحك م: 1
فقال مروان بن الحكم: "يابن عباس إنك لتصرف2 بنابك، وتُورِي نارك، كأنك ترجو الغلبة، وتؤمل العاقبة، ولولا حلم أمير المؤمنين عنكم، لتناولكم بأقصر أنامله، فأوردكم منهلا بعيدا صدره3، ولعمري لئن سطا بكم ليأخذن بعض حقه منكم، ولئن عفا عن جرائركم لقديمًا ما نسب إلى ذلك".
__________
1هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ولد بمكة سنة اثنتين للهجرة، واستعمله معاوية على المدينة ومكة والطائف، وولي الخلافة بعد موت معاوية الثاني سنة 64هـ ومات بالشام في 3 رمضان سنة 65، وكانت ولايته تسعة أشهر وثمانية عشر يومًا.
2 صرفتِ البكرة تصرف كضرب صريفًا: صوت عند الاستقاء، وهو أيضًا صرير الباب وناب البعير.
3 الصدر: الرجوع.
(2/103)

98- جواب ابن عباس:
فقال ابن عباس: "وإنك لتقول ذلك يا عدو الله، وطريد رسول الله1 صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمباح دمه2، والداخل بين عثمان ورعيته بما حملهم على قطع أوداجه3، وركوب أثباجه4، أما والله لو طلب معاوية ثأره لأخذك به، ولو نظر في أمر عثمان لوجدك أوله وآخره، وأما قولك لي: إنك لتصرف بنابك، وتوري نارك، فسل معاوية
__________
1 يريد "ويا طريد رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أبيك" أو "ويا بن طريد رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" فإن المحقَّق أن طريد رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أبوه الحكم بن أبي العاص، وذلك أنه قدم المدينة بعد الفتح -وكان قد أسلم يوم الفتح- فأخرجه رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الطائف، وقال: "لا تساكني في بلد أبدا" لوقيعته فيه، قيل: كان يتسمع سر رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويطلع عليه من باب بيته، وإنه هو الذي أراد رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يفقأ عينه بمدرى في يده لما اطلع عليه من الباب، وقيل: كان يحكي رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مشيته وبعض حركاته -وكان النبي صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتكفأ في مشيته- فالتفت يومًا فرآه، وهو يتخلج في مشيته، فقال "كن كذلك" فلم يزل يرتعش في مشيته من يومئذ، وطرده رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولعنه وأبعده حتى صار مشهورًا بأنه طريد رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يزل منفيا حياة النبي صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما ولي أبو بكر الخلافة قيل له في الحكم ليرده إلى المدينة، فقال: "ما كنت لأحل عقدة عقدها رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وكذلك عمر، فلما ولي عثمان الخلافة -والحكم عمه- رده، وقال: "كنت قد شفعت فيه إلى رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فوعدني برده" وقد توفي في خلافة عثمان، أما مروان فلم ير النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه خرج إلى الطائف طفلا لا يعقل لما نفى النبي أباه -وقد ولد بمكة سنة اثنتين للهجرة- وقيل إنه ولد بالطائف إبان نفي أبيه بها.
2 أي في فتنة عثمان، وذلك أن الثوار بعد أن هدأ الإمام عليٌّ ثائرتهم خرجوا عن المدينة، ولكنهم في أثناء رجوعهم ضبطوا غلام عثمان، ومعه كتاب إلى عامل مصر يأمره فيه بقتلهم، فعادوا إلى المدينة ثانية، وكانوا يعتقدون أن مروان هو الذي كتب ذلك الكتاب، وقد سألوا عثمان أن يسلم إليهم مروان، فأبى أن يسلمه وخشي عليه القتل.
3 جمع ودج "محركة" وهو عرق الأخدع الذي يقطعه الذابح، فلا يبقى معه حياة.
4 جمع ثبج "محركة" وهو ما بين الكاهل إلى الظهر.
(2/104)

وعمرًا يخبراك ليلة الهرير1 كيف ثباتُنا للمثلات2، واستخفافُنا بالمعضلات، وصدْق جلادنا عند المصاولة، وصبُرنا على اللأواء3 والمطاولة، ومصافحتنا بجباهنا السيوف المرهفة4، ومباشرتنا بنحورنا حد الأسنة، هل خِمْنا5 عن كرائم تلك المواقف؟ أم لم نبذل مهجنا6 للمتالف؟ وليس لك إذ ذاك فيها مقام محمود، ولا يوم مشهود، ولا أثر معدود، وإنهما شهدا ما لو شهدت لأقلقك، فاربع على ظلعك7، ولا تتعرض لما ليس لك، فإنك كالمغروز في صفد8، لا يهبط برجل، ولا يرقأ9 بيد".
__________
1 هي ليلة العاشر من صفر سنة 37، وفيها حمل جيش علي على جيش معاوية في وقعة صفين حملة عنيفة، واقتتلوا تلك الليلة كلها حتى الصباح، وأوشك جيش علي أن تكون له الغلبة.
2 جمع مثلة "كغرفة" من مثلت بالقتيل: إذا نكلت به.
3 اللأواء: الشدة.
4 المرققة.
5 خام عنه يخيم: جبن ونكص.
6 جمع مهجة، وهي الدم أو الروح.
7 ربع كمنع: وقف وانتظر وتحبس، وظلع ظلعا كمنع: غمز في مشيه، واربع على ظلعك أي أنك ضعيف فانته عما لا تُطيقه واسكت على ما فيك من عيب.
8 الصفد: القيد، وفي الأصل "كالمغرور في صفد" وأراه "المقرون في صفد".
9 أي يصعد ويعلو: رقأ في الدرجة صعد: يقال: رقأت ورقيت "كرضيت" وترك الهمزة أكثر.
(2/105)

99- مقال زياد:
فقال زياد: "يابن عباس: إني لأعلم، ما منع حسنا وحسينا من الوفود معك على أمير المؤمنين إلا ما سولت لهما أنفسهما، وغرهما به من هو عند البأساء يسلمهما1، وايم الله لو وليتهما لأدأبا2 في الرحلة إلى أمير المؤمنين أنفسهما، ولقل بمكانهما لبثهما".
__________
1 أسلمه: خذله.
2 أجهدا وأتعبا.
(2/105)

100- جواب ابن عباس:
فقال ابن عباس: "إذن والله يقصر دونههما باعك، ويضيق بهما ذراعك، ولو رمت ذلك لوجدت من دونههما فئة صدقا صبرا1 على البلاء، لا يخيمون عن اللقاء،
__________
1 أي ذات صدق وصبر على البلاء أو هو "صُدُقا صُبُرا" بضمتين جمع صدوق وصبور.
(2/105)

فلعركوك بكلاكلهم1 ووطئوك بمناسمهم2 وأوجروك3 مشق رماحهم، وشفار4 سيوفهم، ووخز أسنتهم، حتى تشهد بسوء ما أتيت، وتتبين ضياع الحزم فيما جنيت، فحذار حذار من سوء النية، فإنها ترد الأمنية، وتكون سببًا لفساد هذين الحيين بعد صلاحهما، وسعيًا في اختلافهما بعد ائتلافهما، حيث لا يضرهما إبساسك5، ولا يغني عنهما إيناسك".
__________
1 جمع كلكل وهو الصدر.
2 جمع منسم "كمجلس" وهو خف البعير.
3 أوجره الرمح: طعنه به في فيه، والمشق: سرعة في الطعن والضرب أو هو بمعنى مفعول، قضيب ممشوق: أي طويل دقيق.
4 جمع شفرة: وهي حد السيف.
5 الإبساس: التلطف بالناقة وقت حلبها، بأن يقال لها: بس بس "بفتح فسكون" تسكينا لها.
(2/106)

101- مقال عبد الرحمن بن أم الحكم:
فقال عبد الرحمن بن أم الحكم:
"لله در ابن ملجم1، فقد بَلَّغَ الأمل، وأمَّن الوَجِل، وأحدَّ الشفرة، وألان المهرة، وأدرك الثار، ونفى العار، وفاز بالمنزلة العليا، ورقي الدرجة القصوى".
__________
1 هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله قاتل الإمام عليٍّ.
(2/106)

102- جواب ابن عباس:
فقال ابن عباس:
"أما والله لقد كرع1 كأس حتفه بيده، وعجل الله إلى النار بروحه، ولو أبدى لأمير المؤمنين صفحته، لخالطه الفحل القطم2، والسيف الخذم، ولألعقه صابا3، وسقاه سماما4، وألحق بالوليد وعتبة وحنظلة5، فكلهم كان أشد منه شكيمة6،
__________
1 كرع في الماء: تناوله بفيه من موضعه.
2 قطم الفحل كفرح فهو قطم: اشتهى الضراب.
3 عصارة شجر مرٍّ.
4 جمع سمّ مثلث السين.
5 الوليد بن عتبة: خال معاوية، وعتبة بن ربيعة: جده لأمه، وحنظلة بن أبي سفيان أخوه، وقد قتلهم عليٌّ يوم بدر.
6 الشكيمة: الأنفة، وهو شديد الشكيمة: أي أنفٌ أبيٌّ لا ينقاد.
(2/106)

وأمضى عزيمة، ففرى بالسيف هامهم1، ورملهم2 بدمائهم، وقرى الذئاب أشلاءهم3، وفرق بينهم وبين أحبائهم، أولئك حصب4 جهنم هم لها واردون، فهل تُحِسُّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا5؟ ولا غرو إن ختل، ولا وصمة إن قتل، فإنا لكما قال دريد بن الصمة:
فإنا للحم السيف غير مكره ... ونلحمه طورا وليس بذي نكر6
يغار علينا واترين فيشتفى ... بنا إن أصبنا أو نغير على وتر7
__________
1 هام: جمع هامة، وهي الرأس.
2 رمل الثوب: لطخه بالدم، ويجوز أن يكون وزملهم أي لفهم بدمائهم "على المجاز".
3 أشلاء: جمع شلو، وهو العضو، وقرى الضيف قرى "بالكسر": أضافه.
4 الحطب، وما يرمى به في النار.
5 الصوت الخفي.
6 ألحمه: أطعمه اللحم.
7 الوتر: الثأر، وقد وتره يتره.
(2/107)

103- مقال المغيرة بن شعبة:
فقال المغيرة بن شعبة:
"أما والله لقد أشرت على عليٍّ بالنصيحة، فآثر رأيه، ومضى على غلوائه1، فكانت العاقبة عليه لا له، وإني لأحسب أن خلفه يقتدون بمنهجه".
__________
1 الغلواء: الغلو، وذلك أن المغيرة جاء عَلِيًّا بعد مقتل عثمان، وقال له: إن النصح رخيص وأنت بقية الناس وأنا لك ناصح، وأنا أشير عليك أن ترد عمال عثمان عامك هذا، فاكتب إليهم بإثباتهم على أعمالهم، فإذا بايعوا لك، واطمأن =
(2/107)

104- جواب ابن عباس:
فقال ابن عباس:
"كان والله أمير المؤمنين عليه السلام أعلمَ بوجوه الرأي، ومعاقد الحزم، وتصريف الأمور، من أن يقبل مشورتك فيما نهى الله عنه، وعنَّفَ عليه، قال سبحانه وتعالى:
(2/107)

{لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} ولقد وقفك على ذكر مبين وآية متلوة، قوله تعالى: {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدً ا} . وهل كان يسوغ له أن يحكم في دماء المسلمين، وفي المؤمنين، من ليس بمأمون عنده، ولا موثوق به في نفسه؟ هيهات هيهات، هو أعلم بفرض الله وسنة رسوله أن يبطن خلاف ما يظهر إلا للتقية2، ولات حين تقية، مع وضوح الحق، وثبوت الجنان، وكثرة الأنصار، يمضي كالسيف المصلت3 في أمر الله، مؤثرًا لطاعة ربه والتقوى، على آراء أهل الدنيا".
__________
= أمرك عزلت من أحببت، وأقررت من أحببت، فقال له: والله لا أداهن في ديني، ولا أعطي الرياء في أمري، قال: فإن أبيت فانزع من شئت واترك معاوية فإن له جراءة وهو في أهل الشام مسموع منه، ولك حجة في إثباته فقد كان عمر ولاه الشام كلها، فقال له: لا والله لا استعمل معاوية يومين أبدًا. "وقد كان ابن عباس يرى إثبات معاوية حتى يبايع، وقال لعلي: فإن بايع لك فعليَّ أن أقلعه من منزله، فقال علي: لا والله لا أعطيه إلا السيف".
1 حاده: غاضبه وعاداه وخالفه.
2 التقية: المحافظة على النفس أو العرض أو المال من شرِّ الأعداء إذا كانت العداوة بسبب الدين.
3 المسلول.
(2/108)

105- مقال يزيد بن معاوية:
فقال يزيد بن معاوية:
"يابن عباس، إنك لتنطق بلسان طلق1، ينبئ عن مكنون قلب حرق2، فاطو على ما أنت عليه كشحًا3، فقد محا ضوء حقنا ظلمة باطلكم".
__________
1 لسان طلق: "بسكون اللام وكسرها" ذلق.
2 الحرق: المحروق وفي الحديث "الحَرِق شهيد" وفي رواية "الحريق" أي الذي يقع في حرق النار "بفتحتين" فيلتهب، والحرق محركة: النار ولهبها، وفي الحديث "الحرق والغرق والشرق شهادة" وحرق شعره كفرح: تقطع ونسل.
3 الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف، وطوى كشحه على الأمر أضمه وستره.
(2/108)

106- جواب ابن عباس:
فقال ابن عباس:
"مهلا يزيد، فوالله ما صفتِ القلوبُ لكم، منذ تكدرتْ بالعدواة عليكم، ولا دنت بالمحبة إليكم، مذ نأتْ بالبغضاء عنكم، ولا رضيت اليوم منكم، ما سخطت بالأمس من أفعالكم، وإن تدل1 الأيام نستقض ما شذ عنا، ونسترجع ما ابتز2 منا، كيلا بكيل، ووزنا بوزن، وإن تكن الأخرى، فكفى بالله وليا لنا، ووكيلا على المعتدين علينا".
__________
1 أداله الله من عدوه: نصره عليه.
2 ما سلب.
(2/109)

مقال آخر لمعاوية
...
107- مقال معاوية:
فقال معاوية:
"إن في نفسي منكم لحزازات يا بني هاشم، وإني لخليق أن أدرك فيكم الثار، وأنفي العار، فإن دماءنا قبلكم، وظلامتنا فيكم".
(2/109)

108- جواب ابن عباس:
فقال ابن عباس:
"والله إن رمت ذلك يا معاوية لتثيرن عليك أُسْدًا مخدرة1،وأفاعي مطرقة، لا يفثوها4 كثرة السلاح، ولا تعضها نكاية الجراح، يضعون أسيافهم على عواتقهم.
__________
1 أخدر الأسد: لزم الأجمة، وأخدر العرين الأسد: ستره فهو مخدر "بكسر الدال وفتحها".
2 فثأ الغضب كمنع: سكنه وكسره، والقدر سكن غليانها.
(2/109)

يضربون قُدُمًا قُدُمًا من ناوأهم1، يهون عليهم نباح الكلاب، وعواء الذئاب، لا يفاتون بوترٍ، ولا يسبقون إلى كريم ذكر، قد وطنوا على الموت أنفسهم، وسمت بهم إلى العلياء هممهم، كما قالت الأزدية:
قوم إذا شهدوا الهياج فلا ... ضرب ينهنههم ولا زجر2
وكأنهم آساد غينة قد ... غرثت وبل متونها القطر3
فلتكونن منهم بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك، وكان أكبر همك سلامة حشاشة4 نفسك، ولولا طغام5 من أهل الشأم وقوك بأنفسهم، وبذلوا دونك مهجهم، حتى إذا ذاقوا وخز الشفار، وأيقنوا بحلول الدمار، رفعوا المصاحف مستجيرين بها، وعائذين بعصمتها، لكنت شلوا مطروحا بالعراء6، تسفي عليك رياحها7، ويعتورك ذئابها، وما أقول هذا أريد صرفك عن عزيمتك، ولا إزالتك عن معقود نيتك، لكن الرحم التي تعطف عليك، والأواصر8 التي توجب صرف النصيحة إليك".
فقال معاوية: "لله درك يا بن عباس، ما تكشف الأيام منك إلا عن سيف صقيل، ورأى أصيل! وبالله لو لم يلد هاشم غيرك، لما نقص عددهم، ولو لم يكن لأهلك سواك لكان الله قد كثرهم"! ثم نهض، فقام ابن عباس، وانصرف".
"شرح ابن أبي الحديد م2: ص105".
__________
1 القُدُم: الشجاع والمضي أمام أمام، وناوأهم: عاداهم.
2 نهنهه عن الأمر: كفه وزجره.
3 الغينة: بالكسر الأجمة، والغينة بالفتح: الأشجار الملتفة في الجبال وفي السهل بلا ماء، فإذا كانت بماء فهي غيضة، وغرث: كفرح جاع فهو غرثان.
4 الحشاشة: بقية الروح في المريض والجريح.
5 الطغام: أوغاد الناس.
6 العراء: الفضاء لا يستتر فيه بشيء.
7 سفت الريح التراب تسفيه: ذرته، أو حملته.
8 في الأصل: "والأوامر" وهو تحريف.
(2/110)

عبد الله بن عباس وعمرو بن العاص
مدخل
...
عبد الله بن عباس وعمرو بن العاص:
قام عمرو بن العاص في موسم من مواسم العرب، فأطرى معاوية بن أبي سفيان وبني أمية، وتناول بني هاشم، وذكر مشاهده بصفين، واجتمعت قريش فأقبل عبد الله ابن عباس على عمرو فقال:
(2/111)

109- مقال ابن عباس:
"يا عمرو إنك بعت دينك من معاوية، وأعطيته ما بيدك، ومناك ما بيد غيره، فكان الذي أخذ منك أكثر من الذي أعطاك، والذي أخذت منه دون الذي أعطيته، وكل راضٍ بما أخذ وأعطى1، فلا صارت مصر في يدك كدرها عليك بالعزل والتنغيص2، حتى لو كانت نفسك في يدك ألقيتها إليه، وذكرت يومك مع أبي موسى،
__________
1 وذلك أن عمرًا لما لحق بمعاوية بعد أن بلغه مقتل عثمان سأله معاوية أن يتبعه، قال عمرو: فاكتب لي مصر وكورها طعمة، فكتب له، وقال عمرو في ذلك:
معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل ... به منك دنيا فانظرن كيف تصنع
فإن تعطني مصرًا فأربح صفقة ... أخذت بها شيخًا يضر وينفع
ثم إنه بعثه سنة 38 في جيش لغزو مصر، وكان عليها محمد بن أبي بكر من قبل الإمام علي فهزمه وقتله، وصارت مصر في حوزة معاوية فولاه عليها أميرًا.
2 روى ابن سعد في كتاب الطبقات الكبير "ج4: ص5" قال:
"لما صار الأمر في يدي معاوية استكثر طعمة مصر لعمرو ما عاش، ورأى عمرو أن الأمر كله قد صلح به وبتدبيره وعنائه وسعيه فيه، وظن أن معاوية سيزيده الشأم مع مصر، فلم يفعل معاوية، فتنكر عمرو لمعاوية فاختلفا وتغالظا. وتميز الناس، وظنوا أنه لا يجتمع أمرهما، فدخل بينهما معاوية بن حديج وأصلح أمرهما، وكتب بينهما كتابًا، وشرط فيه شروطًا لمعاوية، وعمرو خاصة، وللناس عليه، وأن لعمرو ولاية مصر سبع سنين، وعلى أن على عمرو السمع والطاعة لمعاوية، وتواثقا وتعاهدا على ذلك، وأشهدا عليهما به شهودًا، ثم مضى عمرو بن العاص على مصر واليًا عليها، وذلك في آخر سنة تسع وثلاثين، فوالله ما مكث بها إلا سنتين أو ثلاثًا حتى مات".
(2/111)

فلا أراك فخرت إلا بالغدر، ولا مننت إلا بالفجور والغش، وذكرت مشاهدك بصفين، فوالله ما ثقلت علينا يومئذ وطأتك، ولا نَكَتنا1 فيها حربك، ولقد كشفت فيها عورتك، وإن كنت فيها لطويل اللسان، قصير السنان، آخر الخيل إذا أقبلت، وأولها إذا أدربت، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير، وأخرى لا تقبضها عن شر، ولسان غرور ووجهان: وجه موحش، ووجه مؤنس، ولعمري إن من باع دينه بدنيا غيره لحري أن يطول حزنه على ما باع واشترى، لك بيان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكد، ولك قدر وفيك حسد، وأصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك.
__________
1 نكي العدو نكية: قتل وجرح.
(2/112)

110- رد ابن العاص:
فأجابه عمرو بن العاص: والله ما في قريش أثقل عليَّ مسألة، ولا أمرُّ جوابًا منك، ولو استطعت ألا أجيبك لفعلت، غير أني لم أبع ديني من معاوية، ولكن بعت اللهَ نفسي، ولم أنس نصيبي من الدنيا، وأما ما أخذت من معاوية وأعطيته، فإنه لا تُعَلَّم العَوَانُ الخِمْرَة1. وأما ما أتى إليَّ معاوية في مصر فإن ذلك لم يغرني له، وأما خفة وطأتي عليكم بصفين، فلما استثقلتم حياتي واستبطأتم وفاتي، وأما الجبن فقد علمت قريش أني أول من يبارز، وآخر من ينازل، وأما طول لساني، فإني كما قال هشام بن الوليد لعثمان بن عفان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
__________
1في المثل: "إن العوان لا تعلم الخمرة".
والعوان من النساء التي كان لها زوج، والخمرة اسم من الاختمار، واختمرت المرأة، لبست الخمار بكسر الخاء "الطرحة" يضرب للرجل المجرب.
(2/112)

لساني طويل فاحترس من شذاته ... عليك، وسيفي من لساني أطول1
وأما وجهاي ولساناي، فإني ألقى كل ذي قدر بقدره، وأرمي كل نابح بحجره، فمن عرف قدره كفاني نفسه، ومن جهل قدره كفيته نفسي، ولعمري ما لأحد من قريش مثل قدرك ما خلا معاوية، فما ينفعني ذلك عندك وأنشأ عمرو يقول:
بني هاشم ما لي أراكم كأنكم ... بي اليوم جهال وليس بكم جهل
ألم تعلموا أني جسور على الوغى ... سريع إلى الداعي إذا كثر القتل
وأول من يدعو نزال طبيعة ... جبلت عليها والطباع هو الجبل2
وأني فصلت الأمر بعد اشتباهه ... بدومة إذ أعيا على الحكم الفصل3
وأنيَ لا أعيا بأمر أريده ... وأني إذا عجَّت بكارُكُمُ فحل4
"العقد الفريد 2: 112، وشرح بن أبي الحديد م1: ص196 والبيان والتبيين 2: 159".
__________
1 الشذاة: الحدة، والشدا والشذا بالدال والذال: حد كل شيء.
2 أي نازلوني أيها الأقران، والطباع: الطبيعة والسجية جبل عليها الإنسان، والجبل: مصدر جبل.
3 هي دومة الجندل التي اجتمع فيها الحكمان عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري.
4 البكار: جمع بكرة "بالفتح" وهي الناقة الفتية، وعجَّت: أي صاحت ورفعت صوتها.
(2/113)

عبد الله بن عباس وعمر بن العاص أيضا
...
111- عبد الله بن عباس وعمرو بن العاص أيضًا:
حج عمرو بن العاص فمر بعبد الله بن عباس، فحسده مكانه، وما رأى من هيبة الناس له، وموقعه من قلوبهم، فقال له يابن عباس: "مالك إذا رأيتني وليتني القصرة1، وكان بين عينيك دبرة2، وإذا كنت في ملأ من الناس كنت
__________
1 القصرة: أصل العنق في مركبة في الكاهل، ويقال لعنق الإنسان كله: قصرة، والمعنى وليتني عنقك إعراضًا عني.
2 الدبرة: بسكون الباء وفتحها الهزيمة في القتال: وهو اسم من الإدبار والمراد بها هنا الإغضاء وعدم الإقبال.
(2/113)

الهوهاة1 الهمزة؟ فقال ابن عباس: "لأنك من اللئام الفجرة، وقريش الكرام البررة، لا ينطقون بباطل جهلوه، ولا يكتمون حقًّا علموه، وهم أعظم الناس أحلامًا، وأرفع الناس أعلامًا، دخلت في قريش ولست منها، فأنت الساقط بين فراشين، لا في بني هاشم رحلك، ولا في بني عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم2 الضال المضل، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحلمه، وتسمو بكرمه" فقال عمرو: أما والله إني لمسرور بك، فهل ينفعني عندك؟ قال ابن عباس: حيث مَالَ الحقُّ مِلْنا، وحيث سَلَكَ قَصَدْنا".
"العقد الفريد 2: 112"
__________
1 قال صاحب اللسان: وفي حديث عمرو بن العاص: "كنت الهَوْهَاةَ الهُمَزَة" الهوهاة: الأحمق، وقال أيضًا: "رجل هوهاء وهواءة وهواة بفتح الأول ضعيف الفؤاد جبان، ورجل هوهة يضم الأول جبان أيضًا.
2 الزنيم: المستلحق في قوم ليس منهم والدعي.
(2/114)

112- عمرو بن العاص وابن عباس:
قال عمرو بن العاص لعبد الله بن عباس:
"إن هذا الأمر الذي نحن وأنتم فيه ليس بأول أمر قاده البلاء، وقد بلغ الأمر منا ومنكم ما ترى، وما أبقت لنا هذه الحرب حياءً ولا صبرًا، ولسنا نقول: ليت الحرب عادت، ولكنا نقول: ليتها لم تكن كانت، فانظر فيما بقي بغير ما مضى، فإنك رأس هذا الأمر بعد علي، وإنما هو أمير مطاع، ومأمور مطيع، ومشاور مأمون، وأنت هو".
"البيان والتبيين 2: 158"
(2/114)

113- مفاخرة عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس:
تزوج عبد الله بن الزبير أم عمرو بنت منظور بن زبان الفزارية، فلما دخل بها قال لها تلك الليلة: أتدرين من معك في حجلتك1؟ قالت: نعم، عبد الله بن الزبير بن
__________
1 الحجلة: كالقبة، وموضع يزين بالثياب والستور للعروس.
(2/114)

العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى. قال: ليس غير هذا؟ قالت: فما الذي تريد؟ قال: معك من أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد، لا بل بمنزلة العينين من الرأس. قالت: أما والله لو أن بعض بني عبد مناف حضرك، لقال لك خلاف قولك، فغضب وقال: الطعام والشراب علي حرام حتى أحضرك الهاشميين وغيرهم من بني عبد مناف، فلا يستطيعون لذلك إنكارًا، قالت: إن أطعتني لم تفعل، وأنت أعلم وشأنك، فخرج إلى المسجد، فرأى حلقة فيها قوم من قريش، منهم: عبد الله بن العباس، وعبد الله بن الحصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، فقال لهم ابن الزبير: أحب أن تنطلقوا معي إلى منزلي، فقام القوم بأجمعهم، حتى وقفوا على باب بيته، فقال ابن الزبير: يا هذه اطرحي عليك سترك، فلما أخذوا مجالسهم دعا بالمائدة فتغدى1 القوم، فلما فرغوا قال لهم: إنما جمعتكم لحديث ردته علي صاحبة الستر، وزعمت أنه لو كان بعض بني عبد مناف حضرني لما أقر لي بما قلت، وقد حضرتم جميعًا، وأنت يابن عباس ما تقول؟ إني أخبرتها أن معها في خدرها من أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد، لا بل بمنزلة العينين من الرأس، فردت علي مقالتي.
فقال ابن عباس: أراك قصدت قصدي، فإن شئت أن أقول قلت، وإن شئت أن أكف كففت قال: بل قل وما عسى أن تقول؟ ألست تعلم أن أبي الزبير حواري2 رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وأن أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين3؟
__________
1 تغدى: أكل أول النهار، والغداء: الطعام الذي يؤكل أول النهار ضد العشاء، "وسمي السحور غداء، لأنه للصائم بمنزلة الغداء للمفطر".
2 الحواري: الناصر أو ناصر الأنبياء. قال عليه الصلاة والسلام: "الزبير ابن عمتي، وحواريي من أمتي".
3 كان يقال لأسماء بنت أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ذات النطاقين؛ قيل: لأنها كانت تطارق نطاقا على نطاق "طارق بين ثوبين: طابق" وقيل: إنه كان لها نطاقان تلبس أحدهما، وتحمل في الآخر الزاد إلى رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهما في الغار. قال الأزهري: وهذا أصح القولين، وقيل: إنها شقت نطاقها نصفين، فاستعملت أحدهما وجعلت الآخر شدادًا لزادهما. وجاء في العقد الفريد "ج2 ص270" أن الحجاج لما حصر ابن الزبير =
(2/115)

وأن عمتي خديجة سيدة نساء العالمين؟ وأن صفية عمة رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جدتي1؟ وأن عائشة أم المؤمنين خالتي، فهل تستطيع لهذا إنكارًا؟
قال ابن عباس: لا، ولقد ذكرت شرفا شريفا، وفخرا فاخرا، غير أنك تفاخر من بفخره فخرت، وبفضله سموت، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنك لم تذكر فخرا إلا برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وأنا أولى بالفخر به منك. قال ابن الزبير: لو شئت لفخرت عليك بما كان قبل النبوة. قال ابن عباس: قد أنصف القارة من راماها3، نشدتكم الله أيها الحاضرون، أعبد المطلب أشرف أم خويلد في قريش؟ قالوا: عبد المطلب. قال: أفهاشم كان أشرف فيها أم أسد؟ قالوا: بل هاشم. قال: أفعبد مناف أشرف أم عبد العزى؟ قالوا: عبد مناف،
فقال ابن عباس:
تنافرني يابن الزبير! وقد قضى ... عليك رسول الله لا قولَ هازلٍ
__________
= بمكة ناداه: ويك يابن ذات النطاقين، اقْبَلِ الأمانَ، وادخُلْ في طاعة أمير المؤمنين، فدخل على أمه أسماء، فقال لها: سمعت رحمك الله ما يقول القوم، وما يدعونني إليه من الأمان؟ قالت: سمعتهم لعنهم الله! فما أجهلهم! وأعجب منهم إذ يعيرونك بذات النطاقين، ولو علموا ذلك لكان ذلك أعظم فخرك عندهم، قال: وما ذاك يا أماه؟ قالت: خرج رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض أسفاره مع أبي بكر "وروي عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنه خرج معه مهاجرين كما جاء في لسان العرب" فهيأت لها سفرة فطلبا شيئًا يربطانها به فما وجداه، فقطعت من مئزري لذلك ما احتاجا إليه، فقال رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أما إن لك به نطاقين في الجنة، وفي القاموس المحيط: لأنها شقت نطاقها ليلة خروج رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الغار، فجعلت واحدة لسفرة رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والأخرى عصامًا لقربته.
1 هي جدته لأبيه.
2 القارة: قبيلة، وهم قوم رماة. ويزعمون أن رجلين التقيا، أحدهما قاري، فقال القاري: إن شئت صارعتك، وإن شئت سابقتك، وإن شئت راميتك، فقال الآخر: قد اخترت المراماة، فقال القاري: قد أنصفتني وأنشأ يقول:
قد أنصف القارة من راماها ... إنا إذا ما فئة نلقاها
نرد أولاها على أخراها
ثم انتزع له بسهم، فشلت به فؤاده.
(2/116)

ولو غيرنا يابن الزبير فخرته ... ولكنما ساميت شمس الأصائل1
قضى لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بالفضل في قوله: "ما افترقت فرقتان إلا كنت في خيرهما" فقد فارقناك من بعد قصي2 بن كلاب، أفنحن في فرقة الخير أم لا؟ إن قلت: نعم، خصمت، وإن قلت: لا، كفرت، فضحك بعض القوم، فقال ابن الزبير: أما والله لولا تحرمك3 بطعامنا يابن عباس لأعرقت4 جبينك قبل أن تقوم من مجلسك. قال ابن عباس: وَلِمَ أَبِباطِلٍ؟ فالباطلُ لا يغلبُ الحقَّ، أم بحقٍّ؟ فالحقُّ لا يخشى من الباطل.
فقالت المرأة من وراء الستر: إني والله لقد نهيته عن هذا المجلس، فأبى إلا ما ترون، فقال ابن عباس: مه أيتها المرأة، اقنعي ببعلك، فما أَعْظَمَ الخَطَرَ، وما أكرم الخبر، فأخذ القوم بيد ابن عباس وكان قد عمي، فقالوا: انهض أيها الرجل فقد أفحمته غير مرة، فنهض وقال:
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا لغفا وناما5
فقال ابن الزبير: يا صاحب القطا أقبل علي، فما كنت لتدعني حتى أقول: وايم الله لقد عرف الأقوام أني سابق غير مسبوق، وابن حواري وصديق، متبجح6 في الشرف الأنيق، خير من طليق7 وابن طليق، فقال ابن عباس: رسغت
__________
1 الأصائل: جمع أصيل، وهو العشي "ما بعد صلاة العصر إلى الغروب".
2 كان من أولاده عبد العزى بن قصي "ومن سلالته ابن الزبير" وعبد مناف بن قصي "ومن سلالته بنو هاشم".
3 تحرم منه بحرمة: تمنع وتحمى بذمة.
4 أي لذكرت لك من المساوئ ما يعرق له جبينك ويندى خجلا.
5 غفا وأغفى: نام نومة خفيفة.
6 من تبجح به: إذا افتخر وتعظم، وأرجح أنه "متبحبح" من تبحبح: أي تمكن في المقام والحلول.
7 يعرض بأبيه العباس بن عبد المطلب، وكان خرج مع المشركين في غزوة بدر الكبرى ووقع أسيرًا، وقد أطلقه عليه الصلاة والسلام بعد أن أخذ منه الفدية "ويروى أنه لما طلب منه الفداء قال: علام يؤخذ مني الفداء، وكنت مسلمًا؟ ولكن القوم استكرهوني، فقال له صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الله أعلم بما تقول إن يك حقًّا، فإن الله يجزيك، ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا".
(2/117)

بِجُرَّتِك1 فلم تبق شيئًا، هذا الكلام مردود، من امرئ حسود، فإن كنت سابقًا فإلى من سبقت؟ وإن كنت فاخرًا فبمن فخرت، وإن كنت أدركت هذا الفخر بأسرتك دون أسرتنا، فالفخر لك علينا. وإن كنت إنما أدركته بأسرتنا فالفخر لنا عليك، والكثكث2 في فمك ويديك وأما ما ذكرت من الطليق، فوالله لقد ابتُليَ فَصَبَرَ، وأُنْعِمَ عليه فشكر، وإن كان والله لَوَفِيًّا كَرِيمًا، غير ناقض بيعةٍ بعد توكيدها، ولا مُسْلِمٍ كتيبة بعد التأمُّرِ عليها3، فقال ابن الزبير: أَتُعَيِّرُ الزبير بالجبن؟ والله إنك لتعلمُ منه خلافَ ذلك، قال ابن عباس: والله إني لا أعلم إلا أنه فرَّ وما كرَّ، وحارب فما صَبَرَ وبايع فما تمم، وقطع الرحم، وأنكر الفضل، ورام ما ليس له بأهل4:
وأدرك منها بعض ما كان يرتجى ... وقصر عن جري الكرام وبلدا
وما كان إلا كالهجين أمامه ... عتاق، فجاراه العتاق فأجهدا5
فقال ابن الزبير: لم يبق يا بني هاشم غير المشاتمة والمضاربة، فقال عبد الله بن الحصين
__________
1 الجرة بالضم والفتح: عصا تربط إلى حبالة، تغيب في التراب للظبي يصطاد بها، فيها وتر، فإذا دخلت يده في الحبالة انعقدت الأوتار في يده، فإذا وثبت ليفلت فمد يده، ضرب بتلك العصاة يده الأخرى ورجله فكسرها، ورسغ البعير: شد رسغ يديه بخيط. والمعنى وقعت في حبالتك، وعاد ما فخرت به حجة عليك لا لك، وفي الأصل "رسعت" بالعين، ولا يستقيم المعنى بذلك "يقال: رسع الصبي كمنع: شد في يده أو رجله خرزا لدفع العين ورسعت أعضاؤه: فسدت واسترخت" وربما كان الأصل "رصعت بجرتك" من رصعه بالرمح إذا طعنه طعنا شديدا غيب السنان كله فيه، أي طعنت بسهمك وارتدت إليك حجتك، ومعناه كالأول.
2 الكثكث "بفتح الكافين وكسرهما": التراب وفتات الحجارة.
3 يعرض بالزبير وقد بايع الإمام ثم نكث بيعته، وخَرَجَ لقتاله مع أصحاب الجمل ثم اعتزلهم.
4 أي رام الخلافة، وقد قال للإمام حين حاوره قبل نشوب وقعة الجمل: "لا أراك لهذا الأمر أهلا ولا أولى به منا".
5 فرس هجين: إذا لم يكن عتيقًا، وفرس عتيق: أي كريم والجمع عتاق، وفي الأصل "عناق" بالنون، وهو تصحيف.
(2/118)

ابن الحارث: أقمناه عنك يابن الزبير، وتأبى إلا منازعته؟ والله لو نازعته من ساعتك إلى انقضاء عمرك، ما كنت إلا كالسَّغِب1 الظمآن، يفتح فاه يستزيد من الريح، فلا يشبع من سغب2، ولا يروى من عطش، فقل إن شئت أو فدع، وانصرف القوم.
"شرح ابن أبي الحديد م2: 501"
__________
1 الجائع.
2 جوع.
(2/119)

ابن عباس وابن الزبير في مجلس مروان بن الحكم
مدخل
...
ابن عباس وابن الزبير في مجلس مروان بن الحكم:
وكان يوضع إلى جانب سرير مروان بن الحكم -وهو يومئذ أمير المدينة- سرير آخر أصغر من سريره، فيجلس عليه عبد الله بن عباس إذا دخل، وتوضع الوسائد فيما سوى ذلك، فأذن مروان يومًا للناس، وإذا سرير آخر قد أحدث تجاه1 سرير مروان، فأقبل ابن عباس فجلس على سريره، وجاء عبد الله بن الزبير، فجلس على السرير المحدث، وسكت مروان والقوم، فإذا يد ابن الزبير تتحرك، فعلم أنه يريد أن ينطق، ثم نطق فقال:
__________
1 تجاهه ووجاهه مثلين: تلقاء وجهه.
(2/119)

114- مقال ابن الزبير:
"إنا ناسا يزعمون أن بيعة أبي بكر كانت غلطًا وفلتة ومغالبة، ألا إن شأن أبي بكر أعظم من أن يقال فيه هذا! ويزعمون أنه لولا ما وقع لكان الأمر لهم وفيهم، والله ما كان من أصحاب محمد صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحد أثبت إيمانا، ولا أعظم سابقة من أبي بكر، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله، فأين هم حين عقد أبو بكر لعمر فلم يكن إلا ما قال، ثم ألقى عمر حظهم في حظوظ، وجدهم في جدود، فقسمت تلك الحظوظ،
(2/119)

فأخر الله سهمهم، وأدحض جَدّهم، وولى الأمر عليهم من كان أحق به1 منهم، فخرجوا عليه خروج اللصوص على التاجر خارجًا من القرية، فأصابوا منه غِرة2 فقتلوه، ثم قتلهم الله به كل قِتلة، وصاروا مطرودين تحت بطون الكواكب".
__________
1 يشير إلى اختيار عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أصحاب الشورى الستة، وفيهم الإمام علي كرم الله وجهه، وما كان من مبايعة عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بالخلافة.
2 غفلة.
(2/120)

115- مقال ابن عباس:
فقال ابن عباس: "على رسلك1أيها القائل في أبي بكر وعمر والخلافة، أما والله ما نالا ولا نال أحد منهما شيئًا، إلا وصاحبنا خيرٌ ممن نالا، وما أنكرنا تقدم من تقدم لعيب عبناه عليه، ولو تقدم صاحبنا لكان أهلا وفوق الأهل، ولولا أنك إنما تذكر حظ غيرك، وشرف امرئ سواك لكلمتك، ولكن ما أنت وما لا حظ لك فيه؟ اقتصر على حظك، ودع تيمًا لتيم، وعديًّا لعدي2 وأمية لأمية، ولو كلمني تيمي أو عدوي أو أموي، لكلمته وأخبرته خبر حاضر عن حاضر، لا خبر غائب عن غائب، ولكن ما أنت وما ليس عليك، فإن يكن في أسد بن عبد العزى شيء فهو لك، أما والله لنحن أقرب بك عهدًا، وأبيض بك يدا، وأوفر عندك نعمة، ممن أمسيت تظن أنك تصول به علينا، وما أخلق ثوب صفية بعد، والله المستعان على ما تصفون".
"شرح ابن أبي الحديد م4: 490".
__________
1 الرسِل: الرفق والتؤدة.
2 تيم رهط أبي بكر الصديق، وعدي رهط عمر الفاروق.
(2/120)

116- خطبة عبد الله بن عباس يرد على عبد الله بن الزبير وقد عاب بني هاشم:
لما كاشف عبد الله بن الزبير بني هاشم، وأظهر بغضهم وعابهم، وهم بما هم به في أمرهم، ولم يذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ في خطبه، لا يوم الجمعة ولا غيرها،
(2/120)

عاتبه على ذلك قوم من خاصته، وتشاءموا بذلك منه، وخافوا عاقبته، فقال: "والله ما تركت ذلك علانية إلا وأنا أقوله سرًّا وأكثر منه، لكني رأيت بني هاشم إذا سمعوا ذكره، اشرأبوا1 واحمرت ألوانهم، وطالت رقابهم، والله ما كنت لآتي لهم سرورًا وأنا أقدر عليه، والله لقد هممت أن أحظر لهم حظيرة، ثم أضرمها عليهم نارًا، فإني لا أقتل منهم إلا آثمًا كفارًا سحارًا، لا أنماهم الله، ولا بارك عليهم! بيت سوء لا أول لهم ولا آخر، والله ما ترك نبي الله فيهم خيرًا، استفرغ2 نبي الله صدقهم، فهم أكذب الناس، فقام إليه محمد بن سعد بن أبي وقاص فقال: "وفقك الله يا أمير المؤمنين! أنا أول من أعانك في أمرهم". فقام عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي فقال: والله ما قلت صوابًا، ولا هممت برشد، أرهط رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ تعيب، وإياهم تقتل، والعرب حولك؟ والله لو قتلت عدتهم أهل بيت من الترك مسلمين، ما سوَّغَهُ الله لك، والله لو لم ينصرهم الناس منك لنصرهم الله بنصره، فقال: اجلس أبا صفوان فلست بناموس3، فبلغ الخبر عبد الله بن العباس، فخرج مغضبًا ومعه ابنه، حتى أتى المسجد، فقصد قصد المنبر.
فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، ثم قال:
"أيها الناس: إن ابن الزبير يزعم أن لا أول لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ولا آخر! فيا عجبًا كل العجب، لافترائه وتكذبه4! والله إن أول من أخذ الإيلاف5
__________
1 اشرأب إليه: مد عنقه لينظر أو ارتفع.
2 في الأصل "استفزع" وهو تحريف. يقال: استفزع فلان مجهوده: إذا لم يبق من جهده وطاقته شيئًا، والمراد أنه حوى ما فيهم من صدق فلم يبق لهم منه شيء، فهم أكذب الناس "كذا! ".
3 الناموس: الحاذق، وهو أيضًا صاحب السر المطلع على باطن أمرك.
4تَكَذَّب: تكلف الكذب.
5 روى أبو علي القالي في أماليه قال:
"كانت قريش تجارًا، وكانت تجارتهم لا تعدو مكة، إنما تقدم عليهم الأعاجم بالسلع، فيشترونها منهم، ثم يتبايعونها بينهم ويبيعونها على من حولهم من العرب، فكانوا =
(2/121)

وحمى عيرات1 قريش لهاشمٌ، وإن أول من سقى بمكة عذبًا، وجعل باب الكعبة
__________
= كذلك، حتى ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشأم، فنزل بقيصر، فكان يذبح كل يوم شاة، ويصنع جفنة ثريد، ويجمع من حوله فيأكلون، وكان هاشم من أجمل الناس وأتمهم، فذكر ذلك لقيصر، فقيل له: ها هنا رجل من قريش يهشم الخبز ثم يصب عليه المرق ويفرغ عليه اللحم -وإنما كانت العجم تصب المرق في الصحاف ثم تأتدم بالخبز- فدعا به قيصر، فلما رآه وكلمه أعجب به، فكان يبعث إليه في كل يوم، فيدخل عليه ويحادثه، فلما رأى نفسه تمكن عنده، قال له: "أيها الملك إن قومي تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لي كتابا تؤمن تجاراتهم، فيقدموا عليك بما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه، فتباع عندكم فهو أرخص عليكم" فكتب له كتاب أمان لمن يقدم منهم، فأقبل هاشم بذلك الكتاب، فجعل كلما مرَّ بحيٍّ من العرب بطريق الشأم أخذ من أشرافهم إيلافا -والإيلاف أن يأمنوا عندهم في أرضهم بغير حلف، إنما هو أمان الطريق- وعلى أن قريشا تحمل إليهم بضائع، فيكفونهم حملانها، ويؤدون إليهم رءوس أموالهم وربحهم، فأصلح هاشم ذلك الإيلاف بينهم وبين أهل الشأم حتى قدم مكة، فأتاهم بأعظم شيء أتوا به بركة، فخرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يجوزهم؛ يوفيهم إيلافهم الذي أخذ لهم من العرب، حتى أوردهم الشأم، وأحلهم قراها، ومات في ذلك السفر بغزة، وخرج المطلب بن عبد مناف إلى اليمن، فأخذ من ملوكهم عهدًا لمن تجر إليهم من قريش، وأخذ الإيلاف كفعل هاشم، وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف، وكان يسمى الفيض، وهلك بردمان من اليمن، وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى الحبشة، فأخذ إيلافا كفعل هاشم والمطلب، وهلك عبد شمس بمكة فقبره بالحجون، وخرج نوفل بن عبد مناف، وكان أصغر ولد أبيه، فأخذ عهدا من كسرى لتجار قريش، وإيلافا ممن مر به من العرب، ثم قدم مكة ورجع إلى العراق فمات بسلمان، واتسعت قريش في التجارة في الجاهلية وكثرت أموالها، فبنو عبد مناف أعظم قريش على قريش منة في الجاهلية والإسلام"- ذيل الأمالي ص204.
1 العير بالكسر الإبل تحمل الميرة: بلا واحد من لفظها، أو كل ما امتير عليه إبلا كانت أو حميرا أو بغالا وجمعه كعنيات ويسكن
(2/122)

ذهبًا، لعبدُ المطلب1 والله لقد نشأت ناشئتنا مع ناشئة قريش، وإن كنا لقالتهم2 إذا قالوا، وخطباءهم إذا خطبوا، وما عُدَّ مجدٌ كمجد أولنا، ولا كان في قريش مجد لغيرنا، لأنها في كفر ماحق، ودين فاسق، وضلة وضلالة3 في عشواء4 عمياء، حتى اختار الله تعالى لها نورا، وبعث لها سراجا، فانتجبه5 طيبا من طيبين، لا يسب بمسبة، ولا يبغى عليه غائلة، فكان أحدنا وولدنا وعمنا وابن عمنا، ثم إن أسبق السابقين إليه، منا وابن عمنا6، ثم تلاه في السبق أهلنا ولحمتنا7 واحد بعد واحد، ثم إن لخير الناس بعده أكرمهم أدبا، وأشرفهم حسبا، وأقربهم منه رحما".
واعجبا كل العجب لابن الزبير! يعيب بني هاشم، وإنما شرف هو وأبوه وجده بمصاهرتهم، أما والله إنه لمصلوب قريش، ومتى كان العوام بن خويلد يطمع في صفية بنت عبد المطلب؟ قيل للبغل: من أبوك يا بغل؟ فقال: خالي الفرس" ثم نزل
"شرح ابن أبي الحديد م3: ص489".
__________
1 قال الطبري: "وعبد المطلب هو الذي كشف عن زمزم بئر إسماعيل بن إبراهيم، واستخرج ما كان فيها مدفونا، وذلك غزالان من ذهب كانت جرهم دفنتهما فيما ذكر حين أخرجت من مكة، وأسياف قلعية "ومرج القلعة محركة: موضع بالبادية إليه تنسب السيوف" وأدراع، فجعل الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب، فكان أول ذهب حليته فيما قيل الكعبة "تاريخ الطبري 2: 179"
2 القالة جمع قائل.
3 الضلة والضلالة: ضد الهدى.
4 أي في جهالة وفتنة، عشواء، من العشى "كعصا" وهو سوء البصر بالليل والنهار، وقيل ذهاب البصر. عشي يعشى "كفرح" فهو أعشى وهي عشواء "والعشواء أيضًا الناقة التي لا تبصر أمامها فهي تخبط بيدها كل شيء، لأنها ترفع رأسها فلا تتعهد مواقع أخفافها".
5 انتجبه: اختاره.
6 يعني الإمام عَلِيًّا كرم الله وجهه.
7 اللحمة: القرابة
(2/123)

117- خطبة ابن الزبير يتنقص ابن عباس:
وخطب ابن الزبير بمكة على المنبر، وابن عباس جالس مع الناس تحت المنبر، فقال: "إن ههنا رجلا قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أن متعة النساء حلال من
(2/123)

الله ورسوله، ويفتي في القملة والنملة، وقد احتمل بيت مال البصرة1 بالأمس، وترك المسلمين بها يرتضخون2 النوى، وكيف ألومه في ذلك: وقد قاتل أم المؤمنين وحواري رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن وقاه بيده3".
__________
1 ذكر بعض المؤرخين أن ابن عباس كان من أحب الناس إلى عمر، وكان يقدمه على أكابر الصحابة، ولم يستعمله قط، فقال له يومًا: كدت أستعملك، ولكن أخشى أن تستحل الفيء على التأويل، فلما صار الأمر إلى علي استعمله على البصرة، فاستحلَّ الفيء على تأويل قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} ، واستحله لقرابته من رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالوا: ومر ابن عباس على أبي الأسود الدؤلي، فقال: لو كنت من البهائم لكنت جملا، ولو كنت راعيًا ما بلغت من المرعى، ولا أحسنت مهنته في المشي، فكتب أبو الأسود إلى علي كتابا يقول فيه: "إن ابن عمك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هنالك" فكتب علي إلى ابن عباس "أن ارفع إلي حسابك" فرد عليه ابن عباس: "إن كل الذي بلغك باطل" فكتب إليه علي: "إنه لا يسعني تركك، حتى تعلمني ما أخذت من الجزية، من أين أخذته، وما وضعت منها، أين وضعته" فلما رأى أن عَلِيًّا غير مقلع عنه كتب إليه: "ابعث إلى عملك من أحببت، فإن ظاعنٌ عنه" ورحل عن البصرة، وقد حمل ما كان في بيت مالها حتى قدم الحجاز، فنزل مكة، وتبودلت الكتب بين علي وبينه ثانية، وكانت خاتمتها أن كتب إليه ابن عباس: "والله لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملنه إلى معاوية يقاتلك به" فكف عنه علي، -انظر العقد الفريد ج2: ص242، وتاريخ الطبري 6: 81، ونهج البلاغة ج2: 46-.
وقال آخرون: إن ابن عباس ما فارق عَلِيًّا ولا باينه، ولم يزل أميرًا على البصرة إلى أن قتل علي وبعد مقتل على حتى صالح الحسن معاوية، ثم خرج حينئذ إلى مكة، وليس هذا موضع بحث تلك المسألة -انظر كلمة عنها في شرح ابن أبي الحديد ج16 ص64، وأمالي السيد المرتضى ج1 ص123.
2 رضخ النوى "كمنع وضرب" كسره، وفي لسان العرب: "فظلوا يترضخون أي يكسرون الخبز فيأكلونه ويتناولونه" ولم أجد في كتب اللغة "يرتضخ" بهذا المعنى، وإنما الذي جاء "وهو يرتضخ لكنة عجمية إذا نشأ معهم ثم صار إلى العرب فهو ينزع إلى العجم في ألفاظه ولو اجتهد" وقول ابن الزبير كناية عن شدة القحط والفاقة.
3 كان طلحة بن عبيد الله ممن ثبت مع رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحامى عنه في وقعة أحد وقد انهزم المسلمون، ووقاه بيده من سيوف المشركين، وقد رمي سهم في يده، فيبست، وقال عليه الصلاة والسلام يومئذ "اليوم أوجب طلحة الجنة".
(2/124)

118- رد ابن عباس عليه:
فقال ابن عباس لقائده سعيد بن جبير مولى بني أسد بن خزيمة -وكان ابن عباس قد كف بصره- استقبل بي وجه ابن الزبير وارفع من صدري، فاستقبل به قائده وجه ابن الزبير وأقام قامته، فحسر عن ذراعيه، ثم قال: "يابن الزبير:
قد أنصف القارة من راماها ... إنا إذا ما فئة نلقاها
نرد أولاها على أخراها ... حتى تصير حرضا دعواها1
يابن الزبير: أما العمى، فإن الله تعالى يقول: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} ، وأما فُتياي في القملة والنملة، فإن فيها حكمين لا تعلمهما أنت ولا أصحابك، وأما حملي المال، فإنه كان ما لا جبيناه، فأعطينا كل ذي حق حقه، وبقيت بقية هي دون حقنا في كتاب الله، فأخذناها بحقنا، وأما المتعة فسل أمك أسماء إذ نزلت عن بُرْدَيْ عوسجة، وأما قتالنا أم المؤمنين، فبنا سميت أم المؤمنين، لا بك ولا بأبيك، فانطلق أبوك وخالك2 إلى حجاب مده الله عليهما، فهتكاه عنها، ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها، وصانا حلائلهما في بيوتهما، فما أنصفا الله ولا محمدًا من أنفسهما أن أبرزا زوجة نبيه وصانا حلائلهما، وأما قتالنا إياكم، فإنا لقيناكم زحفا، فإن كنا كفارا فقد كفرتم بفراركم منا، وإن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيانا، وايم الله لولا مكان صفية فيكم، ومكان خديجة فينا، لما تركت لبني أسد بن عبد العزى عظيما إلا كسرته"
__________
1 الحرض: الفساد في المذهب والعقل والبدن.
2 يعني طلحة وهو ابن عم جده أبي بكر الصديق، فهو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عبيد الله بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، وأبو بكر هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب.. إلخ، وإنما جعله خاله باعتبار القرابة النسوية.
(2/125)

فلما عاد ابن الزبير إلى أمه سألها عن بَرْدَيْ عوسجة، فقالت: ألم أنهك عن ابن عباس، وعن بني هاشم؟ فإنهم كُعُم1 الجواب إذا بدهوا2" فقال: بلى وعصيتك، فقالت: يا بني احذر هذا الأعمى الذي ما أطاقته الإنس والجن، واعلم أن عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها، فإياك وإياه آخر الدهر".
ورواية صاحب العقد: "أن ابن عباس قال لعكرمة: أقم وجهي نحوه يا عكرمة، ثم قال:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي فؤادي وعقلي منهما نور
وأما قولك يابن الزبير: إني قاتلت أم المؤمنين، فأنت أخرجتها وأبوك وخالك، وبنا سميت أم المؤمنين، فكنا لها خير بنين، فتجاوز الله عنها، وقاتلت أنت وأبوك عليًّا، فإن كان علي مؤمنًا فقد ضللتم بقتالكم المؤمنين، وإن كان كافرا فقد بوئتم بسخط من الله بفراركم من الزحف. وأما المتعة فإني سمعت علي بن أبي طالب يقول: سمعت رسول الله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رخص فيها، فأفتيت بها، ثم سمعته ينهى عنها، فنهيت عنها3.
__________
1 كَعَمَ البعير كمنع: شُدَّ فاه لئلا يعض أو يأكل، الكعام ككتاب: ما يجعل على فمهن والجمع كعم ككتب. والمعنى أنهم ذوو أجوبة مسكتة مخرسة تلجم أفواه مناظريهم.
2 بدهه بأمر كمنعه: استقبله به أو بدأه به.
3 جاء في المصباح المنير: "المتعة اسم التمتع، ومنه متعة الحج، ومتعة النكاح، ومتعة الطلاق، ونكاح المتعة هو المؤقت في العقد، وقال في العباب: كان الرجل يشارط المرأة شرطا على شيء إلى أجل معلوم، ويعطيها ذلك فيستحل بذلك فرجها، ثم يخلي سبيلها من غير تزويج ولا طلاق، وقيل في قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} المراد نكاح المتعة، والجمهور على تحريم نكاح المتعة، وقالوا معنى قوله: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ} فما نكحتم على الشريطة التي في قوله تعالى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} أي عاقدين النكاح، واستمتعت بكذا وتمتعت: انتفعت، ومنه تمتع بالعمرة إلى الحج: إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج وبعد تمامها يحرم بالحج، فإنه بالفراغ من أعمالها يحل له ما كان حرم عليه، فمن ثم يسمى متمتعًا" أ. هـ. وجاء في التفاسير: "وقيل نزلت الآية في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتحت مكة ثم نسخت: لما روي أنه عليه الصلاة والسلام أباحها، ثم أصبح يقول: "يأيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا إن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة" وهي النكاح الموقت بوقت معلوم سمي بها، إذ الغرض منه مجرد الاستمتاع بالمرأة وتمتيعها بما تعطى، وجوزها ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ثم رجع عنه".
(2/126)

وأول مجمر1 سطع في المتعة مجمر آل الزبير2".
"شرح ابن أبي الحديد م4: 489، والعقد الفريد 2: 269-113، ومروج الذهب 2: 103"
__________
1 المجمر: العود، واستجمر بالمجمر: تبخر بالعود.
2 قال المسعودي في مروج الذهب:
"وقد تنازع الناس في ذلك، فمنهم من رأى أنه عني متعة النساء، ومنهم من رأى أنه أراد متعة الحج؛ لأن الزبير تزوج أسماء بكرًا في الإسلام، زوجه أبو بكر معلنا، فكيف تكون متعة النساء؟ ".
(2/127)

عبد الله بن جعفر وعمرو بن العاص
...
119- عبد الله بن جعفر "المتوفى سنة 80هـ" وعمرو بن العاص:
قال ابن أبي الحديد: روى المدائني قال:
"بينا معاوية يومًا جالسًا وعنده عمرو بن العاص إذ قال الآذن: قد جاء عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فقال عمرو: والله لأسوأنه اليوم، فقال معاوية: لا تفعل يا أبا عبد الله، فإنك لا تنتصف منه، ولعلك أن تظهر لنا من منقبته1 ما هو خفي عنا، وما لا نحب أن نعلمه منه، وغشيهم عبد الله بن جعفر، فأدناه معاوية وقربه، فمال عمرو إلى بعض جلساء معاوية، فنال من علي عليه السلام جهارًا غير ساتر له، وثلبه ثلبًا2 قبيحًا، فامتقع3 لون عبد الله، واعتراه أفكل4، حتى أرعدت خصائله5 ثم نزل عن السرير كالفنيق6، فقال عمرو: مه يا أبا جعفر، فقال له عبد الله: مه لا أمَّ لك، ثم قال:
أظن الحلم دل علي قومي ... وقد يتجهل الرجل الحليم
__________
1 المنقبة: المفخرة.
2 ثلبه: عابه.
3 تغير لونه.
4 الأفكل: الرعدة.
5 جمع خصيلة: وهي لحم الفخذين والعضدين والذراعين، أو كل عصبة فيها لحم غليظ.
6 الفنيق: الفحل المكرم لا يؤذى لكرامته على أهله ولا يركب.
(2/127)

ثم حسر عن ذراعيه، وقال:
"يا معاوية حتام نتجرع غيظك، وإلى كم الصبر على مكروه قولك، وسيء أدبك، وذميم أخلاقك، هبلتك الهبول1، أما يزجرك ذمام2 المجالسة عن القذع3 لجليسك إذا لم تكن لك حرمة من دينك تنهاك عما لا يجوز لك، والله لو عطفتك أواصر4 الأرحام، أو حاميت على سهمك من الإسلام، ما أرعيت بني الإماء المُتْك5، والعبيد السك6 أعراض قومك، وما يجهل موضع الصفوة7 إلا أهل الجفوة، وإنك لتعرف وشائج8 قريش، وصفوة غرائزها، فلا يدعونك تصويب ما فرط من خطئك في سفك دماء المسلمين، ومحاربة أمير المؤمنين، إلى التمادي فيما قد وضح لك الصواب في خلافه، فاقصد لمنهج الحق فقد طال عمهك9 عن سبيل الرشد، وخبط في ديجور10 ظلمة الغي، فإن أبيت أن لا تتابعنا في قبح اختيارك لنفسك، فأعفنا عن سوء القالة11 فينا، إذا ضمنا وإياك الندى12، وشأنك وما تريد إذا خلوت، والله حسيبك، فوالله لولا ما جعل الله لنا في يديك لما أتيناك، ثم قال: إن كلفتني ما لم أطق، ساءك ما ستر مني من خلق".
__________
1 هبلته أمه: ثكلته، والهبول: المرأة لا يعيش لها ولد.
2 الذمام: الحرمة.
3 قذعه وأقذه: رماه بالفحش وسوء القول.
4 جمع آصرة، وهي القرابة وحبل صغير يشد به أسفل الخباء.
5 المتك: جمع متكاء "كحمراء" وهي البظراء والمفضاة والتي لا تمسك البول.
6 السك جمع أسك من السكك "محركة"، وهو صغر الأذن ولزوقها بالرأس، أو صغر فوق الأذن وضيق الصماخ.
7 أي صفوة القوم وسادتهم.
8 في الأصل "وشاتك" وقد بحثت في مادة "وشك" فوجدت فيها "والوشيك السريع والقريب، وامرأة وشيك: أي سريعة" فلو جعلنا وشائك جمع وشيكة "أو وشيك على التأنيث" لم يستقم معنى العبارة، وأراه محرفًا عن "وشائج" بالجيم. جمع وشيجة، وهي عرق الشجرة، فمعنى وشائج قريش أصولها وعروقها "والعرق أصل كل شيء" أي وإنك يا معاوية لتعرف أصول قريش الكريمة الزاكية التي تأبى الضيم ولا تحتمل الثلب والإهانة "والوشيج أيضًا شجر الرماح" ونظير هذا التعبير قول الفرزدق "مشتقة من رسول الله نبعته" – والنبع: شجر تتخذ منه القمى والسهام.
9 العمة محركة: التردد في الضلال.
10 الديجور: الظلام.
11 القول في الخير، والقال والقيل والقالة في الشر.
12 النادي.
(2/128)

فقال معاوية: يا أبا جعفر نغيِّر الخطأ، أقسمت عليك لتجلسنَّ، لعن الله من أخرج ضب صدرك من وجاره1، محمول لك ما قلت، ولك عندنا ما أملت، فلو لم يكن محتِدك2 ومنصبك لكان خُلقك وخَلقك شافعين لك إلينا، وأنت ابن ذي الجناحين وسيد بني هاشم، فقال عبد الله: كلا بل سيد بني هاشم حسنٌ وحسينٌ لا ينازعهم في ذلك أحد، فقال: أبا جعفر أقسمت عليك لما ذكرت حاجة لك إلا قضيتها كائنة ما كانت، ولو ذهبت بجميع ما أملك، فقال: أما في هذا المجلس فلا، ثم انصرف، فأتبعه معاوية بصره فقال: والله لكأنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مشيه وخلقه وخلقه، وإنه لمن مشكاته3، لوددت أنه أخي بنفيس ما أملك.
ثم التفت إلى عمرو فقال: أبا عبد الله ما تراه منعه من الكلام معك؟ قال: ما لا خفاء به عنك. قال: أظنك تقول: إنه هاب جوابك؟ لا والله ولكنه ازدراك واستحقرك ولم يرك للكلام أهلا، أما رأيت إقباله علي دونك، ذاهبا بنفسه عنك؟ فقال عمرو: فهل لك أن تسمع ما أعددته لجوابه؟ قال معاوية: أرغب إليك أبا عبد الله، فلات حين جوابٍ فيما يُرى اليوم؛ ونهض معاوية وتفرق الناس.
"شرح ابن أبي الحديد م2: ص104"
__________
1 جحره.
2 أصلك.
3 المشكاة: الكوة التي ليست بنافذة.
(2/129)

120- الحسن بن علي وعمرو بن العاص:
ووفد الحسنُ بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ على معاوية، فقال عمرو بن العاص لمعاوية:
يا أمير المؤمنين إن الحسن رجل أفه1، فلو حملته على المنبر فتكلم وسمع الناس كلامه عابوه وسقط من عيونهم ففعل، فصعد على المنبر وتكلم فأحسن، ثم قال: أيها الناس لو
__________
1 أفه: وصف من الفهاهة، وهي العي، وفعله فهه كفرح، وقياس الوصف منه أفه على أفل لأنه يدل على خلقة "عيب" كعور وعمى وعرج، ولكن الذي في كتب اللغة: فه كعذب وفهيه وفهفه.
(2/129)

طلبتم ابنا لنبيكم ما بين جَابَرْسَ إلى جَابَلْقَ1 لم تجدوه غيري وغير أخي: "وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين" فساء ذلك عمرًا، وأراد أن يقطع كلامه، فقال له: أبا محمد، هل تنعت الرطب2؟ فقال: "أجل تلقحه الشمال، وتخرجه الجنوب، وينضجه برد الليل، بحر النهار3" قال: أبا محمد، هل تنعت الخراءة4؟ قال: "نعم، تبعد الممشى في الأرض الصحصح5، حتى تتوارى من القوم، ولا تستقبل القبلة، ولا تستدبرها، ولا تستنج بالروثة، ولا العظم، ولا تبل في الماء الراكد" وأخذ في كلامه.
"العقد الفريد 2: 115، وعيون الأخبار م2: 172، ومعجم البلدان 3: 22"
__________
1 جابرس: مدينة بأقصى المشرق، وجابلق: مدينة بأقصى المغرب، وضبطها ياقوت في معجمه بسكون اللام، وفي القاموس ولسان العرب بفتحها، قال ياقوت: "وفي رواية: جابلص" وضبطها صاحب اللسان بفتح اللام. وفي القاموس بفتح اللام أو سكوها: بلد بالمغرب ليس وراءه إنسي، وفي العقد الفرد: "لو طلبتم أبناء أبيكم ما بين لابتيها" ولابتا المدينة: حرتان تكتنفانها.
2 يسأله هذا وما بعده تعجيزًا له.
3 وفي العقد: "وتنضجه الشمس، ويصبغه القمر".
4 خري كسمع خراءة بفتح الخاء وكسرها: سلح.
5 الصحصح: ما استوى من الأرض. وفي العقد الفريد "للصحيح" وهو تحريف.
(2/130)

121- الحسن بن علي ومروان بن الحكم:
بينما معاوية بن أبي سفيان جالس في أصحابه إذ قيل له: الحسن بالباب، فقال معاوية: إن دخل أفسد علينا ما نحن فيه، فقال له مروان بن الحكم: ائذن له، فإني أسأله ما ليس عنده فيه جواب، قال معاوية: لا تفعل، فإنهم قوم قد ألهموا الكلام. وأذن له، فلما دخل وجلس، قال له مروان: أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن، ويقال: إن ذلك من الخرق1، فقال الحسن: ليس كما بلغك، ولكنا معشر بني هاشم، أفواهنا عذبة
__________
1 الخرق كسبب: الحمق، وألا يحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور والاسم الخرق كقفل.
(2/130)

شفاهها، فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهن وقُبَلهن، وأنتم معشر بني أمية فيكم بخر 1 شديد، فنساؤكم يصرفن أفواههن وأنفاسهن عنكم إلى أصداغكم، فإنما يشيب منكم موضع العذار 2 من أجل ذلك. قال مروان: إن فيكم يا بني هاشم خصلة سوء. قال: وما هي؟ قال: الغلمة3. قال: أجل، نزعت الغلمة من نسائنا، ووضعت في رجالنا ونزعت الغلمة من رجالكم ووضعت في نسائكم، فما قام لأموية إلى هاشمي؛ فغضب معاوية، وقال: قد كنت أخبرتكم، فأبيتم حتى سمعتم ما أظلم عليكم بيتكم، وأفسد عليكم مجلسكم".
"العقد الفريد 2: 115"
__________
1 البخر: النتن في الفم وغيره.
2 العذار: جانبا اللحية.
3 الغلمة: شدة الشهوة كالشبق بالتحريك.
(2/131)

122- عقيل بن أبي طالب ومعاوية:
وكان عقيل بن أبي طالب قد خرج إلى معاوية مغاضبا لأخيه الإمام علي كرم الله وجهه1، فأكرمه معاوية، وقربه إليه، وقضى حوائجه، وقضى عنه دينه، ثم قال له في بعض الأيام: "والله إن عليًّا غير حافظ لك، قطع قرابتك، وما وصلك، ولا اصطنعك" قال له عقيل: "والله لقد أجزل العطية وأعظمها، ووصل القرابة وحفظها، وحسن ظنه بالله إذ ساء به ظنك، وحفظ أمانته، وأصلح رعيته، إذ خنتم وأفسدتم وجرتم، فاكفف لا أبا لك؛ فإنه عما تقول بمعزل".
وقال له معاوية يومًا: "أبا يزيد، أنا لك خير من أخيك عليٍّ" قال "صدقت، إن
__________
1وكان قد قدم عليه بالكوفة، فسأله أن يقضي عنه دينه، قال: وكم دينك؟ قال: أربعون ألفا، قال: ما هي عندي، ولكن اصبر حتى يخرج عطائي، فإنه أربعة آلاف فأدفعه إليك، قال: بيوت المال بيدك وأنت تسوفني بعطائك؟ قال: أتأمرني أن أدفع إليك أموال المسلمين وقد ائتمنوني عليها؟ قال: فإني آتٍ معاوية، فأذن له، فقدم عليه "انظر أسد الغابة 3: 423، الفخري ص76" اقرأ أيضًا كلمة في هذا الصدد في شرح ابن أبي الحديد م3: 82 وفي ترجمة عليِّ بن أبي طالب للمؤلف ص83.
(2/131)

أخي آثر دينه على دنياه، وأنت آثرت دنياك على دينك، فأنت خير لي من أخي، وأخي خير لنفسه منك1".
وقال له مرة: "أنت معنا يا أبا يزيد" قال: "ويوم بدر قد كنت معكم! ".
وقال له يومًا: "إن عليًّا قد قطعك ووصلتك، ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر". قال: "أفعل، فَأُصْعِدَ فصعد، ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: "أيها الناس إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب فالعنوه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" ثم نزل، فقال له معاوية: إنك لم تبين -أبا يزيد- من لعنتَ بيني وبينه. قال: والله لا زدت حرفًا ولا نقصت آخر، والكلام إلى نية المتكلم".
ودخل عقيل على معاوية وقد كف بصره، فأجلسه على سريره، ثم قال له: "أنتم معشر بني هاشم تصابون في أبصاركم" قال: "وأنتم معشر بني أمية تصابون في بصائركم".
وقال له يومًا: ما أبينَ الشَّبَقَ في رجالكم يا بني هاشم! قال: لكنه في نسائكم أبين يا بني أمية.
وقال معاوية يومًا: "يأهل الشام، هل سمعتم قول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في كتابه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ 2 وَتَبَّ} ؟ قالوا: نعم، قال: فإن أبا لهب عَمُّه، فقال عقيل: فهل سمعتم قول الله عَزَّ وَجَلَّ: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْ حَطَبِ 3} قالوا: نعم، قال: فإنها عَمَّتُه، ثم
__________
1 وفي البيان والتبيين أن معاوية قال: هذا أبو يزيد، لولا أنه علم أني خير له من أخيه لا أقام عندنا وتركه، فقال له عقيل: "أخي خير لي في ديني، وأنت خير لي في دنياي".
2 هو أبو لهب بن عبد المطلب عم الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان شديد الإيذاء له، يرمي القذر على بابه.
3 هي أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان، وقيل لها حمالة الحطب، لأنها كانت تحمل الشوك والسعدان وتلقيه في طريق النبي عليه الصلاة والسلام؛ إيذاءً له وكانت جارته، أو هو النميمة إذ كانت تسعى عليه بالنمائم وتوقد بذلك نار الخصومة، أو حطب جهنم، فإنها كانت تحمل الأوزار بمعاداته، وتحمل زوجها على إيذائه.
(2/132)

قال "يا معاوية، إذا دخلت النار، فاعدل ذات اليسار، فإنك ستجد عمي أبا لهب، مفترشًا عمتك حمالة الحطب، فانظر أيهما خير".
وقال له معاوية يومًا: والله إن فيكم لخصلة ما تعجبني يا بني هاشم. قال: وما هي؟ قال: لِينٌ فيكم. قال: لينُ ماذا؟ قال: هو ذاك. قال: إيانا تُعَيِّر يا معاوية؟ أجل والله إن فينا للينا من غير ضعف، وعزًّا من غير جبروت، وأما أنتم يا بني أمية، فإن لينكم غدر، وعزكم كفر. قال معاوية: ما كل هذا أردنا يا أبا يزيد.
وقال معاوية لعقيل: لم جفوتنا يا أبا يزيد؟ فأنشأ يقول:
وإني امرؤ مني التكرم شيمة ... إذا صاحبي يومًا على الهون أضمرا
ثم قال: "وايم الله يا معاوية، لئن كانت الدنيا مهدتك مهادها، وأظلتك بحذافير1 أهلها، ومدت عليك أطناب سلطانها، ما ذاك بالذي يزيدك مني رغبة، ولا تخشعا لرهبة" قال معاوية: "لقد نعتها أبا يزيد نعتا هش لها قلبي، وإني لأرجو أن يكون الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ما رَدَّاني برداء ملكها، وحباني بفضيلة عيشها، إلا لكرامة ادخرها لي، وقد كان داود خليفة، وسليمان ملكًا، وإنما هو المثال يحتذى عليه، والأمور أشباه، وايم الله يا أبا يزيد، لقد أصبحت علينا كريمًا، وإلينا حبيبًا، وما أصبحت أضمر لك إساءة".
"العقد الفريد 2: 110-119، البيان والتبيين 2: 174"
__________
1 الحذافير: جمع حذفور أو حذفار "كعصفور وقرطاس" وهو الجانب.
(2/133)

123- خطبة السيدة أم كلثوم بنت عليِّ في أهل الكوفة بعد مقتل الحسين عليهم السلام:
لما قتل الحسين بن عليّ عليهما السلام، وأدخل النسوة من كربلاء إلى الكوفة جعلت نساؤها يلتدمن1، ويهتكن الجيوب عليه، فرفع علي بن الحسين عليهما السلام رأسه، وقال بصوت ضئيل -وقد نحل2 من المرض- يأهل الكوفة إنكم تبكون علينا، فمن قتلنا غيركم؟ وأومأت أم كلثوم بنت عليٍّ عليهما السلام إلى الناس أن اسكتوا، فلما سكنت الأنفاس، وهدأت الأجراس3، قالت.
"أبدأ بحمد الله، والصلاة والسلام على نَبِيَهْ4، أما بعد: يأهل الكوفة يأهل الختر5 والخذل، لا، فلا رقأت6 العبرة، ولا هدأت الرنة7، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا8، تتخذون أيمانكم دخلا9 بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصلف10 والشنف11، وملق12 الإماء، وغمز الأعداء، وهل أنتم
__________
1 لدمت المرأة "كضرب"، والتدمت: لطمت وضربت صدرها في النياحة، ويهتكن: يمزقن، والجيوب جمع جيب: وهو طوق القميص.
2 كمنع وعلم ونصر وكرم.
3 الأجراس جمع جرس كشمس: وهو الصوت.
4 تريد جدها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي رواية: "والصلاة على جدي سيد المرسلين".
5 الغدر والخديعة، أو أقبح الغدر.
6 رقأ الدمع: جف وسكن، والعبرة: الدمعة قبل أن تفيض.
7 الرنة: الصوت.
8 أنكاثا: جمع نكث كحمل، وهو ما نقض ليغزل ثانية -حال من غزلها، أو مفعول ثانٍ لنقضت لأنه بمعنى صيرت- وقيل: هي ريطة بنت سعد بن تيم القرشية، وكانت خرقاء تغزل طول يومها ثم تنقضه.
9 الدخل: ما يدخل في الشيء وليس منه، وما دخل من فساد في عقل أو جسم، والغدر والمكر والخديعة.
10 الصلف: التمدح بما ليس عندك، أو مجاوزة قدر الظرف والادعاء فوق ذلك تكبرًا.
11 الشنف: النظر بمؤخر العين، أو النظر إلى الشيء كالمعترض عليه، أو كالمتعجب منه، أو كالكاره له، وشنف له كفرح فرحا: أبغضه وتنكره.
12 ملق الجارية: مجامعتها، أو هو ملق بالتحريك، والملق: التملق.
(2/134)

إلا كمرعًى على دمنة1، وكفضة على ملحودة2، ألا ساء ما قدمت أنفسكم أن سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون؟ إي والله فابكوا، وإنكم والله أحرياء3 بالبكاء، فابكوا كثيرا، واضحكوا قليلا، فلقد فزتم بعارها وشنارها4 ولن تُرْحِضوها5 بِغَسْل بعدها أبدًا، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، وسيد شبان أهل الجنة، ومنار محجتكم، ومدرة6 حجتكم، ومفرخ7 نازلتكم، فتعسًا ونُكْسًا8، لقد خاب السعي، وخسرت الصفقة9، وبؤتم10 بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة، لقد جئتم شيئا إدًا11، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا12؛ أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم، وأي كريمة له أبرزتم، وأي دم له سفكتم؟ لقد جئتم بها شوهاء خرقاء13، شرُّها طِلاعُ14 الأرض والسماء؛ أفعجبتم أن قطرت السماء دمًا، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون؛ فلا ستخفنكم المهل، فإنه لا تحفزه المبادرة15، ولا يخاف عليه فوت الثأر، كلا، إن ربك لنا ولهم لبالمرصاد16" ثم
__________
1 الدمنة: آثار الدار بعد الرحيل عنها من البعر والرماد وغيرهما، أخذت هذا القول من قول جدها عليه الصلاة والسلام: "إياكم وخضراء الدمن" وهي المرأة الحسناء في منبت السوء.
2 ملحودة: مدفونة في لحدها، تريد أنهم لا ينتفع بهم.
3 جديرون.
4 الشنار: أقبح العيب.
5 رحضه كمنعه وأرحضه: غسله.
6 دره عن القوم كمنع: إذا تكلم عنه ودفع فهو مدره.
7 أي مذهب ومزيل، يقال: "أفرخ روعك" -على الأمر وبضم الراء من روعك- أي اسكن وأمن، والروع: القلب.
8 التعس: الهلاك، ونكسه نكسا: قلبه على رأسه، والنكس بالضم عود المرض بعد النقه، ويقال: تعسا له ونكسا، بضم النون وقد يفتح ازدواجا.
9 البيعة.
10 رجعتم.
11 أي فظيعا منكرا
12 يتشققن، وتخر: تسقط، هدًّا: أي تهد هدا
13 بها أي بفعلتكم هذه، وخرقاء من الخرق: وهو ألا يحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور.
14 طلاع الشيء: ملؤه
15 أي لا تدفعه إلى العقوبة المبادرة إلى الذنب، والضمير لله تعالى.
16 المرصاد: الطريق والمكان يرصد فيه العدو، ورصده: رقبه، أي يرصد أعمال العباد فلا يفوته منها شيء.
(2/135)

ولَّتْ عنهم، فظل الناس حيارى، وقد ردوا أيديهم إلى أفواههم، وقال شيخ كبير من بني جُعْفِيّ -وقد اخضلت1 لحيته من دموع عينيه:
كهولهم خير الكهول ونسلهم ... إذا عد، نسل لا يبور ولا يخزى
"بلاغات النساء ص27"
__________
1 ابتلت.
(2/136)

124- خطبة السيدة زينب بنت علي عليهما السلام بين يدي يزيد:
ولما وجه عبيد الله بن زياد آل الحسين عليه السلام إلى يزيد بدمشق، ومثلوا بين يديه أمر برأس الحسين، فأبرز في طست، فجعلَ ينكت ثناياه بقضيب في يده، وهو يقول من أبيات1:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا ... جَزَع الخزرج مِن وقع الأسل2
لأهلوا واستهلوا فرحا ... ثم قالوا: يا يزيد لا تشل3
فجزيناهم ببدر مثلها ... وأقمنا ميل بدر فاعتدل4
فقالت زينب بنت علي عليهما السلام: صدق الله ورسوله يا يزيد! {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} أظننت يا يزيد أنه حين أُخِذَ علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء، فأصبحنا نساق كما يساق
__________
1تمثل يزيد بهذه الأبيات وهي لعبد الله بن الزبعرى، قالها في غزوة أحد، وهو يومئذ مشرك، وكان يهجو المسلمين، ويحرض عليهم كفار قريش في شعره، ثم أسلم بعد فتح مكة.
2 كانت الغلبة يوم بدر للمسلمين ويوم أحد للمشركين، والأسل: الرماح والنبل والخزرج: قبيلة من الأنصار.
3 كل من رفع صوته فقد أهل إهلالا واستهل استهلالا، وشلت يده تشل كتعب يتعب، وأشلت وشلت مبنيين للمجهول: يبست وهي جملة دعائية، يقال في الدعاء: "لا تشلل يدك ولا تكلل" -والبيت من قول يزيد-.
4 لا تنس ما قدمناه لك من أن عليًّا كرم الله وجهه كان قد وتر آل أبي سفيان بدر، فقتل حنظلة بن أبي سفيان أخا معاوية، والوليد بن عتبة خاله، وعتبة بن ربيعة جده لأمه.
(2/136)

الأسارى، أن بنا هوانًا على الله، وبك عليه كرامة؟ وأن هذا لعظيم خطرك؟ فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفي1، جذلان فرحًا، حين رأيت الدنيا مستوسقة لك، والأمور متسقة2 عليك، وقد أُمْهِلْتَ ونُفِّسْتَ3، وهو قول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي 4 لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} أمن العدل، يابن الطلقاء تخديرك5 نساءك وإماءك وسوقك بنات رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد هتكتَ ستورهن، وأصحلتَ6 صوتهن، مكتئبات تخدي7 بهن الأباعر، ويحدو8 بهن العادي، من بلد إلى بلد، لا يراقبن ولا يؤوين، يتشوفهن9 القريب والبعيد، ليس معهن ولي10 من رجالهن، وكيف يُستبطأ في بغضتنا من نظر إلينا بالشنف11 والشنآن، والإحن والأضغان؟ أتقول: "ليت أشياخي ببدر شهدوا" غير متأثم ولا مستعظم؟ وأنت تنكت ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك12، ولم لا تكون كذلك وقد نكأت13 القرحة، واستأصلت الشأفة14، بإهراقك دماء ذرية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونجوم
__________
1 أي جانبيك، وهو كناية عن إعجابه بنفسه.
2 من استوسقت الإبل: أي اجتمعت، ومتسقة: منتظمة.
3 أي فسح لك في أمرك، من نفس الله كربته: فرجها.
4 نمهل.
5 صونهن في خدورهن.
6 أبححته، صحل صوته كفرح: بح.
7 خدى البعير والفرس كجرى: أسرع وزج بقوائمه، أو هو ضرب من سيرهما.
8 يسوق.
9 يتطاول وينظر إليهن ويشرف عليهن.
10 قريب أو نصير.
11 سبق تفسيره، وفي الأصل "بالشنق" وهو تحريف "والشنق: أن تكف البعير بزمامه حتى تلزق ذفراه بقادمة الرحل، والذفرى بكسر الذال: العظم الشاخص خلف الأذن"، والشنآن: الكراهية، والإحن: الأحقاد.
12 المخصرة: ما يأخذه الملك يشير به إذا خاطب.
13 نكأ القرحة كمنع: قشرها قبل أن تبرأ فنديت، كناية عن نبشه عما كاد ينسى من العداوة بين بني هاشم وبني أمية.
14 الشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى، فتذهب، واستأصل الله شأفته: أذهبه كما تذهب تلك القرحة.
(2/137)

الأرض من آل عبد المطلب، ولتردنَّ على الله وشيكا1 موردهم، ولتودن أنك عميت وبكمت وأنك لم تقل: "فاستهلوا وأهلوا فرحا" اللهم خذ بحقنا، وانتقم لنا ممن ظلمنا، والله ما فريت إلا في جلدك، ولا حززت إلا في لحمك، وسترد على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برغمك2. وعترته ولحمته في حظيرة القدس3 يوم يجمع الله شملهم ملمومين من الشعث4. وهو قول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} وسيعلم من بوأك5 ومكنك من رقاب المؤمنين -إذا كان الحَكَمَ اللهُ، والخصمَ محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجوارحك شاهدة عليك فبئس للظالمين بدلا- أيكم شر مكانا وأضعف جندا، مع أني والله يا عدو الله وابن عدوه، أستصغر قدك، وأستعظم تقريعك6، غير أن العيون عبرى والصدور حرى7، وما يجزي ذلك أو يغني عنا؛ وقد قتل الحسين عليه السلام، وحزب الشيطان8 يقربنا إلى حزب السفهاء9، ليعطوهم أموال الله على انتهاك محارم الله، فهذه الأيدي تنطف10 من دمائنا، وهذه الأفواه تتحلب11 من لحومنا، وتلك الجثث الزواكي يعتامها عسلان الفَلَوَات12، فلئن اتخذتنا مغنما لتتخذن مغرمًا، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، تستصرخ13 يابن مرجانة، ويستصرخ بك، وتتعاوى وأتباعك.
__________
1 سريعا.
2 الرغم: الذل.
3 العترة: رهط الرجل وعشريته الأدنون، واللحمة: القرابة، والقدس: الطهر، أي في الجنة.
4 التفرق.
5 أي أحلك في كرسي الخلافة وهو معاوية.
6 التقريع: التأنيب.
7 عين عبرى: جرت عبرتها، والصدور حرى: شديد الحرارة، كناية عن شدة الحزن.
8 تريد عبيد الله بن زياد ورجاله.
9 أي إلى يزيد وشيعته.
10 نطف الماء كنصر وضرب: سال، ونطف كفرح، وعني: تلطخ بعيب.
11 تحلب العرق: سال وتحلب بدنه عرقا: سال عرقه.
12 الزواكي: جمع زاكية من زكا إذا صلح وتنعم، واعتام: أخذ العيمة بالكسر وهي خيار المال، وعسل الذئب عسلانا كجرى جريانا: أعنق وأسرع، والعاسل: الذئب وجمعه كركع وفوارس، والمراد هنا معنى الجمع لا المصدر: أي ذؤبان الفلوات، ولم أجد في كتب اللغة لعاسل جمعا غير هذين، إلا أن يراد بالمصدر الوصف.
13 تستغيث
(2/138)

عند الميزان؛ وقد وجدت أفضل زاد زودك معاوية فتلك ذرية محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فوالله ما اتقيت1 غير الله، ولا شكواي إلا إلى الله، فكد كدك، واسع سعيك، وناصب جهدك2. فوالله لا يرحض عنك عار ما أتيت إلينا أبدا، والحمد لله الذي ختم بالسعادة والمغفرة لسادات شبان الجنان، فأوجب لهم الجنة. أسأل الله أن يرفع لهم الدرجات، وأن يوجب لهم المزيد من فضله، فإنه ولي قدير".
"بلاغات النساء ص25".
__________
1 أي لا أخاف إلا الله.
2 ناصبه العداوة: أظهرها له.
(2/139)

125- رثاء الحسين لأخيه الحسن عليهما السلام:
وقال الحسين بن علي عند قبر أخيه الحسن عليهما السلام:
"رحمك الله أبا محمد، إن كنت لتناصر الحق مظانَّه1، وتؤثر الله عند تداحض2 الباطل في مواطن التقية بحسن الروية، وتستشف3جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة، وتفيض عليها يدًا طاهرة الأطراف، نقية الأسرة4، وتردع بدارة غرب أعداك بأيسر المئونة عليك. ولا غرو وأنت ابن سلالة النبوة، ورضيع لبان الحكمة. فإلى روح وريحان وجنة نعيم أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه، ووهب لنا ولكم السلوة وحسن الأسى5 عنه"
"عيون الأخبار م2: ص314"
__________
1 في الأصل "لتباصر" بالياء وأراه بالنون، وقوله "مظانه" أي في مظانه، أو هو بدل.
2 هي تفاعل من الدحض، دحض برجله كمنع: فحص بها، ودحضت رجله زلقت، والمعنى: عند تطاحن الباطل ومغالبة بعضه بعضًا.
3 استشفه: نظر ما وراءه.
4 الأسرة جمع سرار ككتاب: الخطوط التي تبدو في ظاهر اليد والجبهة.
5 الأُسى بضم الهمزة وكسرها جمع أسوة بالضم والكسر أيضًا: ما يتعزى به.
(2/139)

126- عبد الله بن هاشم بن عتبة، وعمرو بن العاص في مجلس معاوية:
روى المسعود في مروج الذهب قال:
"لما قتل علي كرم الله وجهه، كان في نفس معاوية من يوم صفين على هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال وولده عبد الله بن هاشم إحن؛ فلما استعمل معاوية زيادا على العراق، كتب إليه: "أما بعد: فانظر عبد الله بن هاشم بن عتبة، فشد يده إلى عنقه، ثم ابعث به إلي" فحمله زياد من البصرة مقيدًا مغلولا إلى دمشق، وقد كان زياد طرقه بالليل في منزله بالبصرة، فدخل إلى معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فقال معاوية لعمرو بن العاص: هل تعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا الذي يقول أبوه يوم صفين1:
إني شريت النفس لما اعتلا ... وأكثرَ اللوْم وما أقلا2
أعورُ يبغي أهلَه مَحَلا ... قد عالج الحياة حتى ملا3
لا بد أن يَفُلَّ أو يُفلا ... يتُلُّهُم بذي الكعوب تلا4
لا خير عندي في كريم ولَّى
__________
1 وذلك أن عمار بن ياسر جاء إلى هاشم بن عتبة "وكان هاشم أعور فقئت عينه يوم اليرموك بالشام" فقال: يا هاشم، أعورا وجبنا! لا خير في أعور لا يغشى البأس، اركب يا هاشم، فركب ومضى معه وهو يرتجز: إني شريت النفس.. إلخ وعمار يقول: تقدم يا هاشم، الجنة تحت ظلال السيوف، والموت تحت أطراف الأسل، وقد فتحت أبواب السماء، وتزينت الحور العِين، اليوم ألقى الأحبة محمدًا وحزبه.
2 شريت النفس: أي بعتها في سبيل الله، واعتله: تجنى عليه "أي ادعى ذنبا لم يفعله"، وفاعله ضمير عمار بن ياسر، فمعنى لما اعتل أي لما رماني عمار بالجبن.
3 يبغي أهله محلا: أي يبغي محل أهله أي يطلب مصير أهله الذين استشهدوا في سبيل الله، فسكنوا جنات الخلد، فهو يبغي لقاءهم والاجتماع بهم هناك.
4 يفل: يهزم ويغلب، وتله صرعه، أو ألقاه على عنقه وخده "وفي الأصل: أسلهم بذي الكعوب سلا وهو تحريف، إذ رواية الطبري، وابن الأثير يتلهم بالتاء، أو هو صحيح على معنى: أسل أرواحهم وانتزعها"، وذو الكعوب: الرمح، وكعوب الرمح: النواشر في أطراف الأنابيب.
(2/140)

فقال عمرو متمثلا:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا1
"دونك يا أمير المؤمنين الضب الضب2، فاشخب أوداجه3 على أسباجه4، ولا ترده إلى أهل العراق، فإنه لا يصبر على النفاق، وهم أهل غدر وشقاق، وحزب إبليس ليوم هيجانه، وإن له هوى سيوديه5، ورأيا سيطغيه6، وبطانة ستقويه، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} .
__________
1 الدمن: جمع دمنة، وهي ما اسود من آثار الدار بالبعر والرماد وغيرهما، وهذا البيت لزفر بن الحارث الكلابي من قصيدة قالها، وقد قتل ابناه يوم وقعة مرج راهط، التي نشبت بعد موت معاوية الثاني بين مروان بن الحكم وبين من خالف على الأموية ودعا إلى الزبيرية من الضحاك بن قيس الفهري وأتباعه، ومنهم زفر الكلابي، وقد دارت عليهم الدائرة، وقتل الضحاك "انظر تاريخ الطبري، ومروج الذهب، والعقد الفريد".
2 الضب: حيوان بري يشبه الورل، وهو يتلون ألوانا بحر الشمس كما تتلون الحرباء، وقد ضرب به المثل فقالوا: "أخدع من ضبٍّ، وذلك أنهم كانوا يصيدونه، فيأتي الحارش "حرش الضب واحترشه: صاده" ويحرك يده على باب جحره ليظنه حية فيخرج ذنبه ليضربها فيأخذه، ولكن الضب شديد الحذر، فإنه يعمد بذنبه باب جحره ليضرب به حية أو شيئا آخر إن جاءه، فيجيء المحترش، فإن كان الضب مجربا أخرج ذنبه إلى نصف الجحر، فإن دخل عليه شيء ضربه وإلا بقي في جحره، فهذا هو خدعه -يعنون به شدة حذره- وقيل إن معناه أن جحره قلما يخلو من عقرب، لما بينهما من الألفة والاستعانة بها على المحترش، فإذا أدخل المحترش يديه لدغته وأنشدوا:
وأخدع من ضب إذا جاء حارش ... أعد له عند الذنابة عقربا
ويقولون: "فلان خب ضب" "والخب بالفتح وبكسر المخادع" فيشبهون الحقد الكامن في قلبه الذي يسري ضرره، بخدع الضب في جحره "ومن أمثالهم فيه أيضًا" "أعق من ضب" –يريدون الأنثى، وعقوقها أنها تأكل أولادها، وذلك أن الضبة إذا باضت حرست بيضها من كل ما قدرت عليه من ورل وحَيَّةٍ وغير ذلك، فإذا نقبت أولادها، وخرجت من البيض. ظنتها شيئا يريد بيضها، فوثبت عليها تقتلها، فلا ينجو منها إلا الشريد -وقالوا: "أعقد من ذنب الضب" ذكروا أن فيه إحدى وعشرين عقدة- "وأجبن من ضب"، "وأبلد من ضب"، "وأحيا من ضب"- أي أطول عمرا.
3 الأوداج جمع ودج بالتحريك: عرق في العنق، وشخبت أوداج القتيل دمًا من بابي قتل ونفع: جرت، وشخب اللبن وكل مائع: درَّ وسال، وشخبته أنا يتعدى ولا يتعدى.
4 الأسباج جمع سبجة "كفرصة" وسبجة القميص: لبنته - بنيقته.
5 أي وإن له ميلا إلى آل علي سيهلكه.
6 طغى: جاوز القدر وارتفع وغلا في الكفر وأسرف في المعاصي والظلم.
(2/141)

فقال عبد الله: "يا عمرو إن أُقتل فرجل أسلمه1 قومه، وأدركه يومه، أفلا كان هذا منك إذ تحيد عن القتال، ونحن ندعوك إلى النزال، وأنت تلوذ بشمال النطاف2، وعقائق الرصاف3، كالأمة السوداء، والنعجة القوداء4 لا تدفع يد لامس".
فقال عمرو: "أما والله لقد وقعت في لهذم5 شدقم للأقران ذي لبد، ولا أحسبك منفلتا من مخاليب أمير المؤمنين".
فقال عبد الله: "أما والله يابن العاص، إنك لبطر في الرخاء، جبان عند اللقاء، غَشُومٌ6 إذا وليت، هياب إذا لَقِيتَ، تهدر7 كما يهدر العود المنكوس، المقيد بين مجرى الشول، لا يستعجل في المدة، ولا يرتجى في الشدة، أفلا كان هذا منك، إذا غمرك أقوام لم يعنفوا صغارًا، ولم يمزقوا كبارًا. لهم أيد شداد، وألسنة حداد،
__________
1 خذله.
2 النطاف جمع نطفة "كفرصة" وهي الماء الصافي، قل أو كثر، وفي الحديث: "قطعنا إليهم هذه النطفة" أي البحر وماءه، وفي حديث علي: "وليمهلها عند النطاف والأعشاب" يعني الإبل والماشية، يريد أنها إذا وردت على المياه والعشب يدعها لترد وترعى.
3 الرصفة بالتحريك الحجارة التي يرصف بعضها إلى بعض في مسيل، فيجتمع فيها ماء المطر، والعقائق: الغدران، يقال لكل مسيل شقه ماء السيل فأنهره ووسعه عقيق، والجمع أعقة وعقائق، وقيل: العقائق هي الرمال الحمر.
4 مؤنث الأقود: وهو الذلول المنقاد.
5 جمع لهذم كجعفر: وهو القاطع من الأسنة،
والشدقم: الأسد، والواسع الشقد، وشدقم للأقران أي أسد مبتلع للأقران، واللبد جمع لبدة بالكسر، ولبدة الأسد: ما تلبتد من شعره على منكبيه، وكنيته "ذو لبدة" ويكنى أيضًا أبا الأبطال، وأبا شبل، وأبا العباس، وأبا الحارث، وأبا حفص، وأبا الزعفران.
6 ظلوم، غشمه كضربه غشما ظلمه.
7 هدر البعير وهدر بالتشديد: صوت، وفي المثل "كالمهدر في العنة" والعنة بضم العين وتشديد النون: الحظيرة. يضرب لمن يصيح ويجلب ولا ينفذ قوله ولا فعله، كالبعير يحبس في الحظيرة ممنوعا من الضراب وهو يهدر، والعود: المسن من الإبل، والمنكوس: الذي عاوده المرض بعد النقه، والشول جمع شائله، وهي من الإبل ما أى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر فجف لبنها.
(2/142)

يدعمون العَوَج1، ويذهبون الحَرَج2، يكثرون القليل، ويشفون الغليل، ويُعزُّون الذليل"؟
فقال عمرو: أما والله لقد رأيت أباك يومئذ تخفق3 أحشاؤه، وتبق4 أمعاؤه وتضطرب أصلاؤه5، كأنما انطبق عليه ضمد6".
فقال عبد الله: "يا عمرو، إنا قد بلوناك ومقالتك، فوجدنا لسانك كذوبًا غادرًا، خلوت بأقوام لا يعرفونك، وجند لا يسأمونك، ولو رمت المنطق في غير أهل الشام، لجحظ7 إليه عقلك، ولتلجلج لسانك، ولاضطرب فخذاك اضطراب القعود8 الذي أثقله حمله".
فقال معاوية: "إيها9 عنكما، وأمر بإطلاق عبد الله، قال عمرو لمعاوية:
أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
أليس أبوه "يا معاوية" الذي ... أعان عليا يوم حز الغلاصم10
فلم ينثني حتى جرت من دمائنا ... بصفين أمثال البحور الخضارم11
وهذا ابنه، والمرء يشبه سنخه ... ويوشك أن تقرع به سن نادم12
__________
1 العوج: بالفتح، في كل ما كان منتصبا مثل الإنسان والعصا والعود وشبهه، والعود: بالكسر، ما كان في بساط أو أرض أو معاش أو دين، وقيل بالفتح مصدر وبالكسر اسم منه، ودعمه "كمنعه" مال فأقامه.
2 حرج صدره كفرح حرجا: ضاق.
3 تضطرب.
4 تخرج، بق النبت بقوقا: طلع.
5 جمع صلا بالفتح: وهو وسط الظهر من الإنسان ومن كل ذي أربع، وقيل: هو ما انحدر من الوركين.
6 ضمد جرحه: شده بالضماد والضماد "بالكسر" أي العصابة، والجمع ضمد ككتب.
7 من جحظت العين جحوظا: إذا برزت مقلتها، والمراد اضطرب عقلك وشرد ولم يسلس لك قياد التفكير.
8 القعود من الإبل: الذي يقتعده الراعي في كل حاجة.
9 أمر بالسكوت.
10 الغلاصم: جمع غصلمة بفتح الغين والصاد، وهي رأس الحلقوم -الموضع الثاني في الحلق- أو أصل اللسان.
11 الخضارم جمع خضرم بكسر الخاء والراء: البحر العظيم، وإثبات الياء في يتثنى مع الجازم لغة أو الضرورة أو إشباع والحرف الأصلي محذوف للجازم.
12 قرع فلان سنه: حرقه ندمًا "حرق نابه -كنصر وضرب- سحقه حتى سمع له صريف" وسكن الفعل للضرورة، والسنخ: الأصل من كل شيء، "وفي الأصل شيخه وهو تصحيف".
(2/143)

فقال عبد الله يجيبه:
معاوي: إن المرء عمرا أبت له ... ضغينة صدر غشها غير نائم
يرى لك قتلى "يابن هند" وإنما ... يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم
على أنهم لا يقتلون أسيرهم ... إذا منعت منه عهود المسالم
وقد كان منا يوم صفين نعرة ... عليك جناها هاشم وابن هاشم1
قضى ما انقضى منها، وليس الذي مضى ... ولا ما جرى إلا كأضغاث حالم2
فإن تعف عني تعف عن ذي قرابة ... وإن تر قتلي تستحل محارمي3
فقال معاوية:
أرى العفو عن عُليا قريش وسيلة ... إلى الله في اليوم العصيب القماطر4
ولست أرى قتل العداة ابن هاشم ... بإدراك ثأري في لؤي وعامر5
بل العفو عنه بعد ما بان جرمه ... وزلت به إحدى الجدود العوائر
فكان أبوه يوم صفين جمرة ... علينا فأردته رماح نهابِرِ6
__________
1 نعر القوم كمنع: هاجوا واجتمعوا في الحرب، ونعر الرجل خالف، وفي الأصل "نقرة" وهو تصحيف.
2 قضى: مات وذهب، وأضغاث حالم: رؤيا لا يصح تأويلها لاختلاطها.
3 كان عبد الله بن هاشم من أقرباء معاوية، إذ هو ابن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، ومعاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، فهو يجتمع مع معاوية في جده كلاب.
4 يوم عصيب: شديد، ويوم قاطر وقطرير: شديد أيضًا.
5 العداة جمع عاد: وهو العدو، ولؤي هو الجد التاسع لمعاوية وعبد الله بن هاشم "والجد الثامن للنبي عليه الصلاة والسلام" وعامر: هو عامر بن لؤي.
6 النهابر: المهالك جمع نهبرة بضم النون والباء وكذا النهابير جمع نهبورة.
(2/144)

127- عبد الله بن هاشم في مجلس معاوية:
وحضر عبد الله بن هاشم ذات يوم مجلس معاوية، فقال معاوية:
"من يخبرني عن الجود والنجدة والمروءة"؟ فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، أما الجود: فابتذال المال، والعطية قبل السؤال: وأما النجدة: فالجراءة على الإقدام، والصبر عند ازورار الأقدام1. وأما المروءة فالصلاح في الدين، والإصلاح للحال، والمحاماة عن الجار".
"مروج الذهب 2: 57"
__________
1 أي عند انحرافها وتزلزلها.
(2/145)

قيس بن سعد بن عبادة ومعاوية:
ودخل قيس بن سعد بن عبادة بعد وفاة علي ووقوع الصلح، في جماعة من الأنصار على معاوية، فقال لهم معاوية:
(2/145)

128- مقال معاوية:
"يا معشر الأنصار، بم تطلبون ما قبلي؟ فوالله لقد كنتم قليلا معي، كثيرًا مع علي، ولقد فللتم حدي يوم صفين، حتى رأيت المنايا تلظى1في أسنتكم، وهجوتموني في أسلافي بأشد من وقع الأسنة، حتى إذا أقام الله منا ما حاولتم ميله، قلتم ارع فينا وصية رسول الله2 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هيهات يأبى الحقير الغدرة".
__________
1 تتلظى: أي تتلهب.
2 وقد وصى عليه الصلاة والسلام بأن يحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم.
(2/145)

129- رد قيس بن سعد:
فقال قيس: "نطلب ما قِبَلك بالإسلام الكافي به الله، لا بما نمت به إليك من الأحزاب؛ وأما عداوتنا لك فلو شئت كففتها عنك، وأما هجاؤنا إياك فقول يزول باطله، ويثبت حقه، وأما استقامة الأمر فعلى كره كان منا، وأما فلُّنا حدك يوم صفين فإنا كنا مع رجل نرى طاعته لله طاعة، وأما وصية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنا، فمن آمن به رعاها بعده، وأما قولك يأبى الحقير الغدرة، فليس دون الله يد تحجزك منا يا معاوية.
فقال معاوية يموِّه: "ارفعوا حوائجكم".
"مروج الذهب 2: 63، والعقد الفريد 2: 121"
(2/146)

130- معاوية وصعصعة بن صوحان وعبد الله بن الكواء:
روى المسعودي في مروج الذهب قال:
حبس معاوية صعصعة بن صوحان العبدي، وعبد الله بن الكواء اليشكري ورجالا من أصحاب علي، مع رجال من قريش، فدخل عليهم معاوية يومًا، فقال: "نشدتكم بالله إلا ما قلتم حقًّا وصدقا، أي الخلفاء رأيتموني"؟ فقال ابن الكواء: "لولا أنك عزمت علينا ما قلنا، لأنك جبار عنيد، لا تراقب الله في قتل الأخيار، ولكنا نقول: إنك -ما عَلمْنا- واسع الدنيا ضيق الآخرة1، قريب الثرى بعيد المرعى2، تجعل الظلمات نورًا، والنور ظلمات" فقال معاوية: "إن الله أكرم هذا الأمر
__________
1 أي إنك ذو حظ وافر في الدنيا وليس لك من ثواب الآخرة من نصيب.
2 قريب الثرى: قريب الحلول في الثرى: أي قريب الأجل، وبعيد المرعى: كناية عن أنه بعيد الأمل. والمعنى أنك واسع الآمال بعيد مرعى الأماني، مع يقينك أن الارتحال عن هذه الدار وشيك.
(2/146)

بأهل الشام، الذابين عن بيضته، التاركين لمحارمه، ولم يكونوا كأمثال أهل العراق، المنتهكين لمحارم الله، والمحلي ما حرم الله، والمحرمين ما أحل الله" فقال عبد الله بن الكواء: "يابن أبي سفيان، إن لكل كلام جوابا، ونحن نخاف جبروتك، فإن كنت تطلق ألسنتنا ذببنا عن أهل العراق، بألسنة حداد، لا يأخذها في الله لومة لائم، وإلا فإنا صابرون حتى يحكم الله ويضعنا على فَرَجه" قال: "والله لا يُطلق لك لسان".
ثم تكلم صعصعة فقال: "تكلمت يابن أبي سفيان، فأبلغت، ولم تقصر عما أردت، وليس الأمر على ما ذكرت، أني يكون الخليفة من ملك الناس قهرا، ودانهم1 كبرا، واستولى بأسباب الباطل كذبا ومكرا؟ أما والله مالك في يوم بدر مضرب ولا مرمى2، وما كنت فيه إلا كما قال القائل: "لا حُلِّي ولا سيرى"، ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير3 ممن أجلب على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنما أنت طليق ابن طليق4، أطلقكما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأنى تصلح الخلافة لطليق؟ "، فقال معاوية: "لولا أني أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول:
__________
1 دانه: ملكه وأذله واستعبده.
2 أي مالك ضرب ولا رمى.
3 العير: الإبل تحمل الميرة، والمراد بها هنا عير قريش التي كان يقودها أبو سفيان بن حرب -وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد تحين انصرافها من الشام- فلما دنا أبو سفيان من المدينة، وعرف أن عيون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترصده ساحل بعيره "أتى بها الساحل" وترك بدرًا يسارًا، وقد كان بعث إلى قريش حين فصل من الشام يخبرهم بما يخافه من محمد، فأقبلت قريش من مكة، فأرسل إليهم أبو سفيان يخبرهم أنه قد أحرز العير "أي حصَّنها" ويأمرهم بالرجوع، فأبت قريش أن ترجع، ورجعت بنو زهرة وعدلوا إلى الساحل منصرفين إلى مكة، فصادفهم أبو سفيان فقال: يا بني زهرة لا في العير ولا في النفير "فذهبت مثلا" قالوا: أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع، ومضت قريش إلى بدر، فقاتلهم النبي، وأظفره الله بهم، والنفير: القوم يستنفرون للحرب وهم هنا مشركو مكة الذين خرجوا يستنقذون العير، وكان رئيسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس جد معاوية لأمه.
4 الطلقاء: هم الذي عفا عنهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد فتح مكة، فقال لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء.
(2/147)

قابلت جهلهم حلمًا مغفرة ... والعفو عن قدرة ضرب من الكرم لقتلكم"
"مروج الذهب 2: 78"
(2/148)

131- صعصعة بن صوحان ومعاوية:
ودخل صعصعة بن صوحان على معاوية، فقال:
"يابن صوحان، أنت ذو معرفة بالعرب وبحالها، فأخبرني عن أهل البصرة، وإياك والحمل على قوم لقوم" قال: "البصرة واسطة1 العرب، ومنتهى الشرف والسؤدد، وهم أهل الخطط2 في أول الدهر وآخره، وقد دارت بهم سروات3 العرب كدوران الرحى على قطبها"، قال: فأخبرني عن أهل الكوفة، قال: "قبة الإسلام، وذروة الكلام، ومصان ذوي الأعلام -إلا أن بها أجلافًا4 تمنع ذوي الأمر الطاعة، وتخرجهم عن الجماعة- وتلك أخلاق ذوي الهيئة والقناعة". قال: فأخبرني عن أهل الحجاز، قال: "أسرع الناس إلى فتنة، وأضعفهم عنها، وأقلهم غناء5 فيها، غير أن لهم ثباتًا في الدين، وتمسكًا بعروة اليقين، يتبعون الأئمة الأبرار، ويخلعون الفسقة الفجار" فقال معاوية: من البررة والفسقة؟ فقال: "يابن أبي سفيان، ترك الخداع، من كشف القناع، علي وأصحابه من الأئمة الأبرار، وأنت وأصحابك من أولئك" ثم أحب معاوية أن يمضي صعصعة في كلامه، بعد أن بان فيه الغضب، فقال: أخبرني عن القبة الحمراء في ديار مضر6، قال:
__________
1هو على التشبيه بواسطة العقد: وهي الجوهرة الفاخرة التي تجعل وسطه.
2 الخطط جمع خطة بالكسر: وهي الأرض تنزل من غير أن ينزلها نازل قبل ذلك، ومنه خطط الكوفة والبصرة. وقد خطها لنفسه واختطها: وهو أن يعلم عليها علامة بالخط ليعلم أنه قد احتازها.
3 السرو بالفتح: المروءة في شرف، سرو فهو سري وجمعه أسرياء وسرواء كفضلاء والسراة بالفتح اسم جمع وجمعه سروات.
4 جمع جلف بالكسر: وهو الرجل الجافي.
5 غناء: كفاية.
6 ذكروا أن نزار ابن معد لما حضرته الوفاة جمع بنيه: مضر وإيادًا، وربية، وأنمارًا، فقال: يا بني، هذه القبة الحمرا
(2/148)

"أسد مضر بسلاء بين غيلين1، إذا أرسلتها افترست، وإذا تركتها احترست".
فقال معاوية: "هنالك يابن صوحان، العز الراسي، فهل في قومك مثل هذا"؟ قال: هذا لأهله دونك يابن أبي سفيان، ومن أحب قومًا حشر معهم" قال: فأخبرني عن ديار ربيعة، ولا يستخفنك الجهل، وسابقة الحمية بالتعصب لقومك2، قال: "والله ما أنا عنهم براض، ولكني أقول فيهم وعليهم، هم والله أعلام الليل، وأذناب في الدين والميل، لن تغلب رايتها إذا رشحت، خوارج الدين، برازخ اليقين، من نصروه فلج3، ومن خذلوه زلج4". قال: فأخبرني عن مضر، قال: "كنانة5 العرب، ومعدن العز والحسب، يقذف البحر بها آذيَّه6، والبر رديه" ثم أمسك معاوية، فقال له صعصعة: سل يا معاوية، وإلا أخبرتك بما تحيد عنه، قال: وما ذاك يابن صوحان؟ قال: "أهل الشام" قال: "فأخبرني عنهم"، قال: "أطوع الناس لمخلوق، وأعصاهم للخالق، عصاة الجبار، وخلفة7 الأشرار، فعليهم الدمار، ولهم سوء الدار". فقال معاوية: "والله
__________
=-وكانت من أدم- لمضر، وهذا الفرس الأدهم والخباء الأسود لربيعة، وهذه الخادم -وكانت شمطاء- لإياد، وهذه البدرة "بالفتح: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار" والمجلس لأنمار يجلس فيه، فإن أشكل عليكم كيف تقتسمون، فأتوا الأفعى الجرهمي، ومنزله بنجران، فتشاجروا في ميراثه، فاختصموا إلى الأفعى الجرهمي، وهو حكم العرب، فقصوا عليه قصتهم، وأخبروه بما أوصى به أبوهم فقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو لمضر، فذهب بالدنانير والإبل الحمر، فسمي مضر الحمراء لذلك، وقال: وأما صاحب الفرس الأدهم والخباء الأسود، فله كل شيء أسود، فصارت لربيعة الخيل الدهم، فقيل: ربيعة الفرس وما أشبه الخادم الشمطاء فهو لإياد، فصار له الماشية البلق من الحبلق والنقد "الحبلق: بفتح الحاء والباء وتشديد اللام: غنم صغار لا تكبر، أو قصار المعز ودمامها، والنقد كسبب: جنس من الغنم قبيح الشكل" فسمي إياد الشمطاء، وقضى لأنمار بالدراهم وبما فضل: فسمي أنمار الفضل، فصدروا من عنده على ذلك- مجمع الأمثال 1: 10.
1 بسلاء جمع باسل: وهو الأسد والشجاع، والغيل بالكسر ويفتح: الشجر الكثير الملتف والأجمة.
2 وكان صعصعة من بني عبد القيس بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.
3 فلج على خصمه: ظفر وفاز.
4 زلق وزل.
5 الكنانة في الأصل: جعبة السهام.
6 الآذي: الموج.
7 الخلفة في الأصل: ما علق خلف الراكب، والمراد بها هنا أتباع.
(2/149)

يابن صوحان، إنك لحامل مُدْيَتك منذ أزمان1" إلا أن حلم ابن أبي سفيان يرد عنك.
فقال صعصعة: "بل أمر الله وقدرته، إن أمر الله كان قَدَرًا مَقْدُورًا".
"مروج الذهب 2: 78".
__________
1 كناية عن مجاهرته بالعداوة.
(2/150)

132- صعصعة بن صوحان وعبد الله بن عباس:
وروى المسعودي في مروج الذهب أيضًا، قال:
"عن مصقلة بن هبيرة الشيباني قال: سمعت صعصعة وقد سأله ابن عباس: ما السؤدد1 فيكم؟ فقال: إطعام الطعام، ولين الكلام، وبذل النوال، وكف المرء نفسه عن السؤال، والتودد للصغير والكبير، وأن يكون الناس عندك شرعا2" قال: فما المروءة؟ قال: "أخوان اجتمعا، فإن لقيا قَهَرا، "وإن كان"3 حارسهما قليل، وصاحبهما جليل، محتاجان4 إلى صيانة، مع نزاهة وديانة" قال: فهل تحفظ في ذلك شعرًا؟ قال: نعم، أما سمعت قول مرة بن ذهل بن شيبان حيث يقول:
إن السيادة والمروءة علقا ... حيث السماء من السماك الأعزل5
وإذا تقابل مجريان لغابة ... عثر الهجين وأسلمته الأرجل6
ويجي الصريح مع العتاق معودا ... قرب الجياد فلم يجئه الأفكل7
__________
1 السؤدد بفتح الدال غير مهموز، والسؤدد بضم الدال مهموزا السيادة والسودد.
2شرعا بسكون الراء وفتحها أي سواء.
3 أي أنهما قوتان عظيمتان لصاحبهما، تقهران ما يلقاه من الشدائد والصعاب، وقوله: "وإن كان" أي وإن كان ما لقياه عظيمًا" ولعله زيادة من خطأ النساخ أو الطباع.
4 في الأصل "لحاجان" وهو تحريف.
5 السماكان الأعزل والرامح: نجمان نيران، وسمي أعزل لأنه لا شيء بين يديه من الكواكب كالأعزل الذي لا سلاح معه كما كان مع الرامح.
6 فرس هجين: إذا لم يكن عتيقا كريما، وأسلمته: خذلته.
7 لم يجئه الأفكل: أي لم تصبه الرعدة "ويلاحظ أن في هذا الشعر عيبا من عيوب القافية وهو الإقواء، لأن حركة الروي في البيت الأول كسر، وفي الثاني والثالث ضم، وقد وقع في شعر النابغة الذبياني، وحسان بن ثابت، وبشر بن أبي خازم..".
(2/150)

في أبيات. فقال له ابن عباس: لو أن رجلا ضرب آباط1 إبله، مشرقًا ومغربًا لفائدة هذه الأبيات ما عنفته، إنا منك يابن صوحان لعلى علم وحلم واستنباط ما قد عفا2 من أخبار العرب، فمن الحليم فيكم؟ قال: "من ملك غضبه فلم يفعل، وسُعِيَ إليه بحق أو باطل فلم يقبل، ووجد قاتل أبيه وأخيه، فصفح ولم يقتل، ذلك الحليم يابن عباس". قال: فهل تجد ذلك فيكم كثيرا؟ قال: "ولا قليلا، وإنما وصفت لك أقوامًا لا تجدهم إلا خاشعين راهبين، لله مريدين، ينيلون ولا ينالون، فأما الآخرون فإنهم سبق جهلهم حلمَهم، ولا يبالي أحدهم "إذا ظفر ببغيته" حين الحفيظة3 من كان، بعد أن يدرك زعمه، ويقضي بغيته، ولو وتره أبوه لقتل أباه، أو أخوه لقتل أخاه، أما سمعت إلى قول ريان بن عمر بن ريان، وذلك أن عمرا أباه قتله مالك بن كومة، فأقام ريان زمانا ثم غزا مالكا، فأتاه في مائتي فارس صباحا، وهو في أربعين بيتا، فقتله وقتل أصحابه وقتل عمه فيمن قتل -ويقال بل كان أخاه- وذلك أنه كان جاوره، فقيل لريان في ذلك: قتلت صاحبنا، فقال:
فلو أمي ثقفتُ بحيث كانوا ... لبل ثيابها علقٌ صبيب4
ولو كانت أمية أخت عمرو ... بهذا الماء ظل لها نحيب
شهرت السيف في الأدنين مني ... ولم تعطف أواصرنا قلوب5
فقال ابن عباس: فمن الفارس فيكم؟ حُدَّ لي حدًّا أسمعه منك، فإنك تضع الأشياء مواضعها يابن صوحان، قال: "الفارس من قصر أجله في نفسه، وضغم6 على أمله بضرسه، وكانت الحرب أهون عليه من أمسه، ذلك الفارس إذا وقدت7 الحروب،
__________
1 آباط جمع إبط كحمل وإبل: باطن المنكب.
2 درس وامحي.
3 الحمية والغضب.
4 ثقفه كسمعه: صادفه، والعلق: الدم، أو الشديد الحمرة، وصبيب: أي مصبوب.
5 أواصر جمع آصرة: وهي القرابة، وحبل صغير يشد به أسفل الخباء.
6 ضغمه كمنع: عضه.
7 وقدت النار "كوعد" توقدت.
(2/151)

واشتدت بالأنفس الكروب، وتداعوا للنزال، وتزاحفوا للقتال، وتخالسوا المهج1، واقتحموا بالسيوف اللجج"، قال: أحسنت والله يابن صوحان، إنك لسليل أقوام كرام، خطباء فصحاء، ما ورثت هذا عن كلالة2، زدني، قال: "نعم، الفارس كثير الحذر، مدير النظر، يلتفت بقلبه، ولا يدير خرزات صلبه3". قال: أحسنت والله يابن صوحان الوصف، فهل في مثل هذه الصفة من شعر؟ قال: نعم، لزهير بن جناب الكلبي4 يرثى ابنه عمرًا حيث يقول:
فارس تُكلا الصحابة منه ... بحسام يمرُّ مرَّ الحريق5
لا تراه لدى الوغى في مجال ... يغفل الصرب لا، ولا في مضيق
من يراه يخله في الحرب يوما ... أنه أخرق مضل الطريق6
في أبيات، فقال له ابن عباس: فأين أخواك منك يابن صوحان؟ صفهما لأعرف ورثكم، قال: أما زيد، فكما قال أخو غنيّ7:
__________
1 المهج جمع مهجة: وهي الروح، وتخالسوها تبادلوا اختلاسها واستلابها.
2 تقول العرب: لم يرثه كلالة أي لم يرثه عن عرض بل عن قرب واستحقاق، وقال الفرزدق:
ورثتم قناة الملك غير كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم
والكلالة: ما لم يكن من النسب لحا، وبنو العم الأباعد، وحكي عن أعرابي أنه قال: مالي كثير ويرثني كلالة متراخ نسبهم، وكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة موروثه.
3 أي فقرات ظهره.
4 شاعر جاهلي، وهو أحد المعمرين.
5 كلأه: حفظه وحرسه.
6 الأخرق: الأحمق، أما قوله في أول البيت: "من يراه" فهو مثل:
ألم يأتيك والأنباء تنمي
ومثل:
كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا
... إلخ، وقد قال النحويون في ذلك إن إثبات حرف العلة مع الجازم لغة، وقيل ضرورة، وقيل هو حرف إشباع، والحرف الأصلي محذوف للجازم. وعندي أنه ربما كان الأصل "من رآه" وعليه فلا محذور، مع استقامة وزن البيت.
7 هو كعب بن سعد الغنوي "شاعر جاهلي" والأبيات المذكورة من قصيدة له يرثي بها أخاه أبا المغوار وأولها:
تقول سليمى ما لجسمك شاحبًا ... كأنك يحميك الطعام طبيب
"انظر في الأمالي 2: 150، والعقد الفريد 2: 19".
(2/152)

فتى لا يبالي أن يكون بوجهه ... "إذا نال خلات الكرام" شحوب1
إذا ما تراءاه الرجال تحفظوا ... فلم ينطقوا العوراء وهو قريب2
حليف الندى، يدعو الندى فيجيبه ... قريبًا، ويدعوه الندى فيجيب3
يبيت الندى "يا أم عمرو" ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوب4
كأن بيوت الحي "ما لم يكن بها" ... بسابس ما يلفى بهن غريب5
في أبيات، كان والله يابن عباس، عظيم المروة6، شريف الأخوة، جليل الخطر، بعيد الأثر، كميش7 العروة، أليف الندوة8، سليم جوانح الصدر، قليل وساوس الدهر، ذاكرًا لله طرفي النهار وزلفًا9 من الليل، الجوع والشبع عنده سيان، لا ينافس في الدنيا، وأقل أصحابه من ينافس فيها، يطيل السكوت، ويحفظ الكلام، وإن نطق نطق بعقام10 يهرب منه الدعار11 الأشرار، ويألفه الأحرار الأخيار".
قال ابن عباس: "ما ظنك برجل من أهل الجنة، رحم الله زيدًا، فأين كان عبد الله منه؟ "، قال: كان عبد الله سيدًا شجاعًا، مُؤلفًا12 مطاعًا، خيره وَسَاعٌ13، وشرُّه
__________
1 خلات جمع خلة بالفتح: وهي الخصلة، وشحب لونه كجمع ونصر وكرم وعني شحوبًا: تغير من هزال أو جوع أو سفر.
2 العوراء: الكلمة القبيحة.
3 الندى: الجود.
4 المنقيات: ذوات النقي "بالكسر" وهو الشحم، ناقة منقية أي سمينة.
5 بسابس جمع بسبس كجعفر: وهو القفر الخالي "وفي الأصل بسائس وهو تصحيف".
6 مسهل عن المروءة.
7 يقال: رجل كميش الإزار: أي مشمر جاد، ورجل كميش: عزوم ماضٍ سريع في أموره.
8 الندوة والنادي والمنتدى والندي: مجلس القوم ومتحدثهم، وفي الأصل "البدرة" وأراه مصحفا، أو هو فعلة من البدو وهو الظهور، أي ذو مظهر حسن يؤلف ولا يمج.
9 جمع زلفة بالضم: وهي الطائفة من الليل.
10 داء عقام: لا يبرأ، أي نطق بقوارص من الكلم جارحة مؤلمة لا دواء لها.
11 جمع داعر وصف من الدعارة بفتح الدال وكسرها: وهي الخبث والفسق.
12 ألفته وآلفته: أنست به فهو مألوف ومؤلف.
13 على التشبيه بالفرس الوساع: وهو الجواد الواسع الخطو والذرع، والدفاع: السيل العظيم، والشيء العظيم يدفع به مثله "وفرس دفاع كشداد. إذا تدافع جريه".
(2/153)

دفاع، قَلْبِيّ النحيزة1، أحوذيّ2 الغريزة، لا ينهنهه3 منهنه عما أراده، ولا يركب من الأمر إلا عتاده4، سِمام عِدًا5، وباذِلُ قرى6، صعب المقادَة، جزل الرفادة7، أخو إخوان، وفتى فتيان، وهو كما قال البرجمي عامر بن سنان:
سِمام عدًا بالنبل يقتل من رمى ... وبالسيف والرمح الردينيّ يشعب8
مهيب مفيد للنوال معود ... بفعل الندى والمكرمات مجرب
في أبيات، فقال له ابن عباس: أنت يابن صوحان باقر9 علم العرب".
"مروج الذهب 2: 80"
__________
1 القلب: محض كل شيء، والنحيزة: الطبيعة، أي خالص الطبيعة صافيها.
2 الأحوذي: الخفيف الحاذق، والمشمر للأمور القاهر لها لا يشذ عليه شيء.
3 نهنهه: كفه وزجره.
4 العتاد: العدة.
5 سمام جمع سم مثلث السين، والعدا بالكسر والضم اسم جمع عدو أي هو للأعداء سم قاتل.
6 قرى الضيف "كرمى" قرى: أضافه، والقرى أيضًا: ما قري به الضيف.
7 رفده "كضربه" أعطاه ووصله، والرفادة في الأصل خرج كانت تخرجه قريش في كل موسم من أموالها، فيصنع به طعام للحاج، والمراد بها هنا العطية.
8 الرديني نسبة إلى ردينة امرأة سمهر، وكانا يقومان الرماح بخط هجر، ويشعب: أي يمزق ويصدع.
9 أصل البقر: الفتح والشق والتوسعة، وكان يقال لمحمد بن علي زين العابدين بن الحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم محمد الباقر؛ لأنه بقر العلم وعرف أصله واستنبط فرعه.
(2/154)

133- صعصعة بن صوحان ورجل من بني فزارة:
ووقف رجل من بني فزارة على صعصعة، فأسمعه كلامًا "منه":
"بسطت لسانك يابن صوحان على الناس فتهيبوك، أما لئن شئت لأكونن لك لصاقًا1، فلا تنطق إلا جددت2 لسانك بأذرب3 من ظبة السيف، بعضب قوي، ولسان علي، ثم لا يكون لك في ذلك حل ولا ترحال" فقال صعصعة: "لو أجد
__________
1 اللصاق: ما يلصق به. والمعنى لأكونن لك ملاصقًا ملازمًا.
2 جد الشيء من باب رد: قطعه.
3 أذرب: أحدّ، من ذرب كفرح صار حديدًا ماضيًا، والظبة: حد السيف.
(2/154)

غرضًا1 منك لرميت، بل أرى شبحًا، ولا إخال مثالا إلا كسراب2 بقيعة، يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، أما لو كنت كفئًا لرميت حصائلك3 بأذرب من ذلق4 السنان، ولرشقتك بنبال، تردعك عن النضال، ولخطمتك بخطام5، يخزم منك موضع الزمام6". فاتصل الكلام بابن عباس، فاستضحك7 من الفزاري، وقال: "أما لو كلف أخو فزارة نفسه نقل الصخور من جبل شمام 8 إلى الهضاب، لكان أهون عليه من منازعة أخي عبد القيس، خاب أبوه، ما أجهله! يستجهل أخا عبد القيس وقواه المريرة9! ثم تمثل:
صبت عليه ولم تنصب من أمم ... إن الشقاء على الأشقيْنَ مصبوب10
"مروج الذهب 2: 82"
__________
1 الغرض: الهدف.
2 السراب: ما يرى نصف النهار كأنه ماء، والقيعة جمع قاع: وهو أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام، ويجمع أيضًا على قيع "بالكسر" وقيعان وأقواع وأقوع.
3 الحصائل جمع حصيلة، يقال: حصل الشيء تحصيلا والاسم الحصيلة، قال لبيد:
وكل امرئ يوما سيعلم غيبه ... إذا حصلت عند الإله الحصائل
والمعنى: لرميت ما حصلته من العلم والمعرفة.
4 ذلق السنان واللسان كفرح: ذرب فهو ذلق وأذلق، وذلق السنان من إضافة الصفة إلى الموصوف.
5 الخطام: كل ما وضع في أنف البعير ليقتاد به، وخطمه بالخطام جعله على أنفه، أو جزَّ أنفه ليضع عليه الخطام، وخطمه بالكلام قهره ومنعه حتى لا ينبس.
6 خزم البعير: جعل في جانب منخره الخزامة "ككتابة" والزمام: ما يزم به.
7 استضحك الرجل وتضاحك بمعنى.
8 جبل بالعالية.
9 أي القوية، يقال: رجل مرير أي قوي ذو مِرة "والمرة بالكسر القوة".
10 الأمم: القرب.
(2/155)

134- رجل من آل صوحان يجي به 1 عبد الملك بن مروان وهو يخطب:
وخطب عبد الملك بن مروان، فلما بلغ الغلظة2، قام إليه رجل من آل صوحان، فقال: "مهلا مهلا يا بني مروان، تأمرون ولا تأتمرون، وتَنْهَوْنَ ولا تُنْهَوْن، وتعظون ولا تتعظون
__________
1 جبهه كقطعه: لقيه بما يكره.
2 وربما كان صوابها "العظة" أي مقام العظة والنصح بدليل قوله: "وتعظون ولا تتعظون".
(2/155)

ولا تتعظون، أفنقتدي بسيرتكم في أنفسكم، أم نطيع أمركم بألسنتكم؟ فإن قلتم: اقتدوا بسيرتنا، فأنى وكيف؟ وما الحجة؟ وما المصير من الله؟ أنقتدي بسيرة الظلمة الفسقة، الجورة الخونة، الذين اتخذوا مال الله دولا1، وعبيده خولا2؟ وإن قلتم: اسمعوا نصيحتنا، وأطيعوا أمرنا، فكيف ينصح لغيره من يغش نفسه؟ أم كيف تجب الطاعة لمن لم تثبت عند الله عدالته؟ وإن قلتم خذوا الحكمة من حيث وجدتموها، واقبلوا العظة ممن سمعتموها. فعلام وليناكم أمرنا، وحكمناكم في دمائنا وأموالنا؟ أما علمتم أن فينا من هو أنطق منكم باللغات، وأفصح بالعظات؟ فتخلوا عنها3، وأطلقوا عقالها، وخلوا سبيلها، ينتدب4 إليها آل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذين شردتموهم في البلاد، ومزقتموهم في كل وادٍ، بل تثبت في أيديكم لانقضاء المدة، وبلوغ المهلة، وعظم المحنة، إن لكل قائم قدرا لا يعدوه، ويوما لا يخطوه، وكتابا بعده يتلوه: {لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} تم الْتُمِسَ الرجلُ فلم يوجد
"نهاية الأرب 7: 249".
__________
1 جمع دولة بالضم: أي جعلوه متداولا بينهم.
2 الخول: ما أعطاك الله تعالى من النعم "محركة" والعبيد والإماء وغيرهم من الحاشية الواحد والجميع والذكر والأنثى، ويقال للواحد: خائل.
3 أي عن الخلافة
4 انتدب إليه: أسرع.
(2/156)

135- وصف عقيل بن أبي طالب لآل صوحان:
قال معاوية لعقيل بن أبي طالب: "مَيِّزْ لي أصحاب علي وابدأ بآل صوحان، فإنهم مخاريق الكلام1"، قال:
__________
1 مخاريق جمع مخراق بالكسر: وهو السيف، والسيد والمتصرف في الأمور، الذي لا يقع في أمر إلا خرج منه "والثور البري يسمى مخراقًا؛ لأن الكلاب تطلبه، فيفلت منها، وفلان مخراق حرب أي صاحب حروب يخف فيها".
(2/156)

"أما صعصعة فعظيم الشان، عضب اللسان1، قائد فرسان، قاتل أقران، يَرتُق2 ما فُتِقَ، ويفْتُق ما رُتِقَ، قليل النظير. وأما زيد وعبد الله فإنما نهران جاريان، يصب فيهما الخلجان3، ويغاث بهما البلدان، رجلا جد لا لعب معه، وأما بنو صوحان فكما قال الشاعر:
إذا نزل العدو فإن عندي ... أسودًا تخْلِسُ الأُسْدَ النفوسا4
"مروج الذهب 2: 75"
__________
1 العضب: القاطع.
2 الرتق: ضد الفتق.
3 الخليج: نهر في شق من النهر الأعظم.
4 خلس الشيء كضرب خلسًا: استلبه.
(2/157)

136- وصية محمد الباقر 1 لعمر بن عبد العزيز:
دخل أبو جعفر محمد الباقر بن علي زين العابدين، بن الحسين عليهم السلام، على عمر بن عبد العزيز رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فقال: يا أبا جعفر أوصني، قال:
"أوصيك أن تتخذ صغير المسلمين ولدًا، وأوسطهم أخًا، وكبيرهم أبًا، فارحم ولدك، وصل أخاك، وبر أباك، وإذا صنعت معروفًا فَرَبِّهِ2".
"الأمالي 2: 312"
__________
1توفى سنة 113هـ.
2 أي أَدِمْه، يقال: رب بالمكان وأرب: أقام به ودام.
(2/157)

خطب الزبيريين وما يتصل بها
عبد الله بن الزبير ومعاوية
...
خطب الزبيريين وما يتصل بها 1 خطب عبد الله بن الزبير "قتل سنة 73هـ":
عبد الله بن الزبير ومعاوية:
دخل الحسين بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يومًا على معاوية، ومعه مولى له يقال له: ذكوان وعند معاوية جماعة من قريش، فيهم ابن الزبير، فرحب معاوية بالحسين، وأجلسه على سريره وقال: ترى هذا القاعد؟ "يعني ابن الزبير" فإنه ليدركه الحسد لبني عبد مناف2 فقال ابن الزبير لمعاوية: قد عرفنا فضل الحسين وقرابته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن إن شئت أعلمتك فضل الزبير على أبيك أبي سفيان فعلت، فتكلم ذكوان مولى الحسين بن علي، فقال:
__________
1 تقدم لك في باب خطب بني هاشم وشيعتهم، خطب أمراء الكوفة من قبل ابن الزبير -انظر خطب عبد الله بن يزيد، وإبراهيم بن محمد بن طلحة، وعبد الله بن مطيع في ص65-66-70-76-82-83.
2 عبد مناف جد يجمع بني هاشم وبني أمية، فالرسول عليه الصلاة والسلام هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ومعاوية هو معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأما عبد لله بن الزبير، فمن بني أسد أبوه الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي.
(2/158)

137- مقال ذكوان:
"يابن الزبير: إن مولاي ما يمنعه من الكلام إلا أن يكون طلق اللسان، رابط الجنان، فإن نطق نطق بعلم، وإن صمت صمت بحلم، غير أنه كف الكلام، وسبق إلى السنام، فأقرت بفضله الكرام، وأنا الذي أقول:
فيم الكلام لسابق في غاية ... والناس بين مقصر ومبلد1
إن الذي يجري لِيُدْرِكَ شأوَه ... يُنْمَى لغير مسود ومسدد2
بل كيف يدرك نور بدرٍ ساطع ... خير الأنام وفرع آل محمد
فقال معاوية: صدق قولك يا ذكوان، أكثر الله في موالي الكرام مثلك، فقال ابن الزبير: إن أبا عبد الله3 سكت وتكلم مولاه، ولو تكلم لأجبناه، أو لكففنا عن جوابه إجلالا له. ولا جواب لهذا العبد. قال ذكوان: هذا العبد خير منك، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مولى القوم منهم"، فأنا مولى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنت ابن العوام بن خويلد، فنحن أكرم ولاء، وأحسن فعلا. قال ابن الزبير:
إني لست أجيب هذا، فهات ما عندك
__________
1 بلد تبليدا: لم يتجه لشيء، والفرس: لم يسبق، والسحابة: لم تمطر.
2 الشأو: الغاية، وينمى: ينسب.
3 كنية الحسين.
(2/159)

138- مقال معاوية:
فقال معاوية:
"قاتلك الله يابن الزبير! ما أعياك1 وأبغاك! أتفخر بين يدي أمير المؤمنين، وأبي عبد الله! إنك أنت المتعدي لطورك، الذي لا تعرف قدرك، فقس شبرك بفترك2
__________
1 ما أعجزك.
2 الفتر: ما بين الإبهام وطرف السبابة.
(2/159)

ثم تَعَرَّفْ كيف تقع بين عرانين1 بني عبد مناف، أما والله لئن دفعت في بحور بني هاشم وبني عبد شمس، لتقطعنك بأمواجها، ثم لتوهين2 بك في أجاجها، فما بقاؤك في البحور إذا غمرتك، وفي الأمواج إذا بهرتك3؟ هناك تعرف نفسك، وتندم على ما كان من جرأتك، وتُمَسِّى4 ما أصبحت إليه من أمان، وقد حيل بين العير والنزوان5"، فأطرق ابن الزبير مليا، ثم رفع رأسه، فالتفت إلى من حوله، ثم قال:
__________
1 جمع عرنين بكسر العين: وهو السيد الشريف "وفي الأصل: الأنف أو ما صلب من عظمه".
2 أوهاه: أسقطه، والأجاج: الملح المر.
3 بهره بهرا "بالفتح": غلبه.
4 مساه تمسية: قال له: كيف أمسيت، أو مساك الله بخير، والمراد: وتودع ما كنت فيه من أمان نادمًا آسفًا عليه، وربما كان الأصل: "وتمنى" بحذف إحدى التاءين أي وتتمنى، أو الأصل "ويتمسى" من تمسى: إذا تقطع أي يمحى ويندثر ما كنت فيه من أمان.
5 العير: الحمار وغلب على الوحشي، والنزوان: الوثوب. وهو مثل يضرب للقوي تخور قواه، وأول من قاله صخر بن عمرو أخو الخنساء، وذلك أنه غزا بني أسد، فاكتسح إبلهم، فجاءهم الصريخ فركبوا، فالتقوا، فطعن أبو ثور الأسدي صخرًا طعنة في جنبه، وجوى منها، فمرض حولا حتى مله أهله، فسمع امرأة تقول لامرأته سلمى: كيف بعلك؟ فقالت: لا حي فيرجى، ولا ميت فينعى، لقد لقينا منه الأمرين، وفي رواية أخرى: فمرض زمانا حتى ملته امرأته، وكان يكرمها فمر بها رجل وهي قائمة، وكانت جميلة، فقال لها: يباع الكفل؟ فقالت: نعم عما قليل، وكان ذلك يسمعه صخر، فقال: أما والله لئن قدرت لأقدمنك قبلي، ثم قال لها: ناوليني السيف أنظر إليه، هل تقله يدي؟ فناولته، فإذا هو لا يقله، فقال:
أرى أم صخر لا تمل عيادتي ... وملت سليمى مضجعي ومكاني
فأي امرئ ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في شقا وهوان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
فلما طال به البلاء، وقد نتأت قطعة من جنبه في موضع الطعنة، قيل له لو قطعتها لرجونا أن تبرأ، فقال: شأنكم، وأشفق عليه قوم، فنهوه، فأبى، فأخذوا شفرة، فقطعوها، فمات.
(2/160)

وأمه هند آكلة الأكباد؟ وجدي الصديق، وجده المشدوخ1 ببدر، ورأس الكفر، وعمتي خديجة ذات الخَطَر2 والحسب، وعمته أم جميل حمالة الحطب؟ وجدتي صفية3 وجدته حمامة4؟ وزوج عمتي خير ولد آدم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وزوج عمته شر ولد آدم أبو لهب، سيصلى نارًا ذات لهب؟ وخالتي عائشة أم المؤمنين، وخالته أشقى الأشقين؟ وأنا عبد الله، وهو معاوية".
__________
1 هو جد معاوية لأمه عتبة بن ربيعة قتله علي يوم بدر، والمشدوخ: المكسور: أي المقتول.
2 القدر، أو المنزلة؛ وهي السيدة خديجة بنت خويلد الأسدية عمة أبيه، وزوج الرسول عليه الصلاة والسلام.
3 هي صفية بنت عبد المطلب أم الزبير وعمة الرسول عليه الصلاة والسلام.
4 روى ابن أبي الحديد "م1: ص157" قال:
"لما ارتحل عقيل بن أبي طالب عن علي عليه السلام أتى معاوية، فكان في مجلسه يومًا وجلساء معاوية حوله، فقال: يا أبا يزيد: أخبرني عن عسكري وعسكر أخيك، فقد وردت عليهما، قال: "أخبرك: مررت والله بعسكر أخي، فإذا ليل كَلَيْلِ رسول الله صلى الله عليه وآله ونهار كنهار رسول الله صلى الله عليه وآله، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله ليس في القوم، ما رأيت إلا مصليًّا، ولا سمعت إلا قارئًا، ومررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممن نفر برسول الله صلى الله عليه وآله ليلة العقبة" ثم قال: من هذا عن يمينك يا معاوية؟ قال: هذا عمرو بن العاص، قال: هذا الذي اختصم فيه ستة نفر، فغلب عليه جزار قريش، فمن الآخر؟ قال الضحاك بن قيس الفهري: قال: أما والله لقد كان أبوه جيد الأخذ لعسب التيوس "وكان يبيع عسب الفحول في الجاهلية، والعسب كعذب: الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، أو ضرابه، أو ماؤه، وعسب الرجل كضرب: أعطاه الكراء على الضراب، وفي الحديث: "نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن عسب الفحل فإن إعارة الفحل مندوب إليها" فمن هذا الآخر؟ قال: أبو موسى الأشعري، قال: هذا ابن السراقة، فلما رأى معاوية أنه قد أغضب جلساءه، علم أنه إن استخبره عن نفسه قال فيه سوءًا، فأحب أن يسأله ليقول فيه ما يعلمه من السوء، فيذهب بذلك غضب جلسائه، قال: يا أبا يزيد ما تقول في؟ قال: دعني من هذا، قال: لتقولن، قال: أتعرف حمامة؟ قال: ومن حمامة يا أبا يزيد؟ قال: قد أخبرتك، ثم قام، فمضى، فأرسل معاوية إلى النسابة فدعاه، فقال: من حمامة؟ قال: وَلِي الأمان؟ قال: نعم، قال: حمامة جدتك أم أبي سفيان كانت بَغِيًّا في الجاهلية صاحبة راية، فقال معاوية لجلسائه: قد ساويتكم وزدت عليكم، فلا تغضبوا".
(2/161)

مقال آخر لمعاوية
...
140- مقال معاوية:
فقال له معاوية:
"ويحك يابن الزبير! كيف تصف نفسك بما وصفتها، والله ما لك في القديم من رياسة، ولا في الحديث من سياسة، ولقد قدناك وسُدناك قديمًا وحديثًا، لا تستطيع لذلك إنكارًا، ولا عنه فرارًا، وإن هؤلاء الحضور ليعلمون أن قريشًا قد اجتمعت يوم الفجار1 على رياسة حرب بن أمية، وأن أباك وأسرتك تحت رايته، راضون بإمارته، غير منكرين لفضله، ولا طامعين في عزله، إن أمر أطاعوا، وإن قال أنصَتُوا، فأنزل فينا القيادة، وعز الولاية، حتى بعث الله عَزَّ وَجَلَّ محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
__________
1 حرب الفجار: هي حرب هاجت بين قريش وكنانة، وبين هوازن "من قيس عيلان" وسببها أن النعمان بن المنذر ملك الحيرة كان يبعث إلى سوق عكاظ في كل عام لطيمة "واللطيمة كصحيفة: العير التي تحمل الطيب والبز للتجارة" لتباع له هناك، ويشترى له بثمن ذلك أدم من أدم الطائف، وكان يرسل تلك اللطيمة في جوار رجل من أشراف العرب، فلما جهز اللطيمة كان عنده جماعة من العرب فيهم البراض بن قيس -وهو من بني كنانة، والبراض كشداد- وعروة الرحال بن عتبة -وهو من بني هوازن والرحال كشداد أيضًا- فقال، من يجيرها؟ قال البراض: أنا أجيرها على بني كنانة يعني قومه، فقال له النعمان: ما أريد إلا من يجيرها على أهل نجد وتهامة، فقال له عروة الرحال: أنا أجيرها لك على أهل الشيح والقيصوم من أهل نجد وتهامة، فقال البراض: أعلى بني كنانة تجيرها يا عروة؟ قال: وعلى الناس كلهم، فدفعها النعمان إلى عروة، فخرج بها، وتبعه البراض، وتربص به وقتله، فهاجت الحرب بين كنانة وهوازن، وعاونت قريش كنانة، وكان على كل قبيلة من قريش وكنانة سيدها، والقائد العام للجميع حرب بن أمية والد أبي سفيان، وقد قتل في هذه الحرب العوام بن خويلد والد الزبير، وقد حضرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وله من العمر أربع عشرة سنة، وقيل خمس عشرة، وقيل عشرون، والفجار بمعنى المفاجرة كالقتال بمعنى المقاتلة، سمت قريش هذه الحرب فجارًا؛ لأنها كانت في الأشهر الحرم فقالوا: قد فجرنا إذ قاتلنا فيها أي فسقنا، وقيل إنها لم تكن في الشهر الحرام وإنما سببها كان في الشهر الحرام، وهو قتل البراض لعروة الرحال، هذا هو الفجار الرابع وهو الأكبر، وكان قبله ثلاثة أفجرة أخرى- انظر السيرة الحلبية 1: 122، والعقد الفريد 3: 91، وسيرة ابن هشام 1: 116، ومجمع الأمثال 2/ 260-.
(2/162)

فانتخبه من خير خلقه، من أسرتي لا أسرتك، وبني أبي لا بني أبيك، فجحدته قريش أشد الجحود، وأنكرته أشد الإنكار، وجاهدته أشد الجهاد، إلا من عصم الله من قريش، فما ساد قريشًا وقادهم إلا أبو سفيان بن حرب، فكانت الفئتان تلتقيان، ورئيس الهدى منا، ورئيس الضلالة منا، فمهديكم تحت راية مهدينا، وضالكم تحت راية ضالنا، فنحن الأرباب، وأنتم الأذناب، حتى خلص الله أبا سفيان بن حرب بفضله من عظيم شركه، وعصمه بالإسلام، من عبادة الأصنام، فكان في الجاهلية عظيمًا شأنه، وفي الإسلام معروفًا مكانه، ولقد أُعْطِي يوم الفتح ما لم يُعطَ أحد من آبائك، وإن منادي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نادى: من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وكانت داره حرمًا، لا دارك ولا دار أبيك؛ وأما هند فكانت امرأة من قريش، في الجاهلية عظيمة الخطر، وفي الإسلام كريمة الخبر، وأما جدك الصديق؛ فبتصديق عبد مناف سمي صديقًا، لا بتصديق عبد العزى، وأما ما ذكرت من جدي المشدوخ ببدر، فلعمري لقد دعا إلى البراز هو وأخوه وابنه، فلو برزت إليه أنت وأبوك ما بارزوكم، ولا رأوكم لها أكفاء، كما قد طلب ذلك غيركم، فلم يقبلوهم، حتى برز إليهم أكفاؤهم من بني أبيهم، فقضى الله مناياهم بأيديهم، فنحن قُتِلنا، ونحن قَتَلنا، وما أنت وذاك؟ وأما عمتك أم المؤمنين فبنا شرفت، وسميت أم المؤمنين، وخالتك عائشة مثل ذلك، وأما صفية فهي أدنتك من الظل، ولولا هي لكنت ضاحيًا1، وأما ما ذكرت من ابن عمك وخال أبيك2 سيد الشهداء، فكذلك كانوا رحمهم الله، وفخرهم وإرثهم لي دونك، ولا فخر لك فيهم ولا إرث بينك وبينهم.
__________
1 ضحا كسعى ورضى: أصابته الشمس، والظل: العز والمنعة، أي أن شرفهم جاء من مصاهرة العوام لبني هاشم، وزواجه بصفية بنت عبد المطلب.
2 ابن عمه: هو عبد الله بن عبد الرحمن بن العوام، وقد قتل يوم الدار، وخال أبيه هو حمزة بن عبد المطلب، وقتل يوم أحد.
(2/163)

وأما قولك أنا عبد الله وهو معاوية، فقد علمت قريش أيُّنا أجود في الإزم1، وأحزم في القدم، وأمنع للحرم، لا والله ما أراك منتهيا حتى تروم من بني عبد مناف ما رام أبوك، فقد طالعهم الذحول2، وقدم إليهم الخيول، وخدعتم أم المؤمنين، ولم تراقبوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذ مددتم على نسائكم السجوف3، وأبرزتم زوجته للحتوف، ومقارعة السيوف، فلما التقى الجمعان نكص أبوك هاربًا، فلم ينجه ذلك أن طحنه أبو الحسين بكلكله طحن الحصيد4، بأيدي العبيد، وأما أنت فأفلتَّ بعد أن خمشتك5 براثينه، ونالتك مخاليبه، وايم الله ليقوِّمَنَّكَ بنو عبد مناف بثقافها6 أو لتصبحنّ منها صباح أبيك بوادي السباع7، وما كان أبو المدهن حده8، ولكنه كما قال الشاعر:
تناول سرحانٌ فريسةَ ضيغمٍ ... فقضقضه بالكفّ منه وحطما9
"العقد الفريد 2: 113"
__________
1 الأزمة "بالفتح ويحرك" الشدة، وجمعها إزم "كشمس عنب".
2 جمع ذحل "بالفتح" وهو الثأر، والعدواة، والحقد: أي كاشفهم بذلك.
3 جمع سجف "بالفتح ويكسر" الستر.
4 الحصيد: الزرع المحصود.
5 خمشه: خدشه.
6 الثقاف: ما تسوى به الرماح.
7 مقتل أبيه الزبير.
8 حده: بأسه، والمدهن: المغشوش، من أدهن أي غش، والمعنى أنه كان شديد البأس لم تشب بسالته شائبة خور ولكنه.. إلخ "وفي الأصل "المدهن خده" بالخاء وأراه مصحفًا".
9 السرحان: الذئب، والضيغم: الأسد، وقضقضه فتقضقض: كسره ودقه، والقضقضة: صوت كسر العظام. وفي الأصل: ففضفضه بالفاء، وهو تصحيف.
(2/164)

141- عبد الله بن الزبير ومعاوية أيضًا:
دخل عبد الله بن الزبير على معاوية فقال:
"يا أمير المؤمنين، لا تدعن مروان يرمي جماهير قريش بمشاقصه1، ويضرب صفاتهم بمعوله، أما والله لولا مكانك، لكان أخف على رقابنا من فراشة، وأقل
__________
1 المشاقص: جمع مشقص كمنبر، وهو النصل الطويل، أو سهم فيه ذلك يرمى به الوحش.
(2/164)

في أنفسنا من خشاشة1، وايم الله لئن ملك أعنة خيل تنقاد له، لتركبن منه طبقًا2 تخافه". فقال معاوية: "إن يطلب مروان هذا الأمر، فقد طمع فيه من هو دونه، وإن يتركه يتركه لمن فوقه، وما أراكم بمنتهين حتى يبعث الله عليكم من لا يعطف عليكم بقرابة، ولا يذكركم عند ملمة، يسومكم خسفًا3، ويسوقكم عشفًا4" فقال ابن الزبير: "إذن والله يطلق عقال الحرب بكتائب تمور5 كرجل الجراد، حافاتها الأسل، لها دوي كدوي الريح، تتبع غطريفًا6 من قريش، لم تكن أمه راعية ثلة7".
فقال معاوية: "أنا ابن هند، أطلقت عقال الحرب، فأكلت ذروة السنام، وشربت عنفوان المكرع8، وليس للآكل بعدي إلا الفلذة9، ولا للشارب إلا الرنق10". فسكت ابن الزبير.
"شرح ابن أبي الحديد م4: ص493، والعقد الفريد 2: 115، والبيان والتبيين 2: 44"
__________
1 الخشاشة: واحدة الخشاش بتثليث الخاء، وهي حشرات الأرض والعصافير ونحوها "وفي الأصل حشاشة وهو تصحيف".
2 الطبق: الحال ومنه قوله تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ} .
3 أي: يوليكم ذلا.
4 العسف: الظلم، وسلوك الطريق على غير هداية.
5 تمور: تضطرب.
6 الغطريف: السيد الشريف.
7 الثلة: جماعة الغنم أو الكثيرة منها.
8 عنفوان الشيء: أوله أو أول بهجته، والمكرع: المورد، مفعل من كرع في الماء أو في الإناء.
9 الفلذة: القطعة من اللحم.
10 ماء رنق كعدل وكتف وجبل: كدر.
(2/165)

142- عبد الله بن الزبير ومعاوية وعمرو بن العاص:
قدم عبد الله بن الزبير على معاوية وافدًا، فرحب به وأدناه، حتى أجلسه على سريره، ثم قال: ما حاجتك أبا خبيب1؟ فسأله أشياء، ثم قال له: سل غير ما سألت، قال:
"نعم، المهاجرون والأنصار ترد عليهم فيئهم، وتحفظ وصية نبي الله فيهم، تقبل
__________
1 هي كنية ابن الزبير، كني بابنه خبيب، وكان أسن ولده، ويكنى أيضًا أبا بكر.
(2/165)

من محسنهم، وتتجاوز عن مسيئهم" فقال معاوية: "هيهات، هيهات؟ لا والله ما تأمن النعجة الذئب وقد أكل ألْيَتَها1". فقال ابن الزبير: "مهلا يا معاوية، فإن الشاة لتدر2 للحالب، وإن المدية في يده، وإن الرجل الأريب ليصانع ولده الذي خرج من صلبه، وما تدور الرحاء إلا بقطبها3، ولا تصلح القوس إلا بعجبها4" فقال: "يا أبا خبيب، لقد أجررت الطروقة قبل هباب الفحل5، هيهات! وهي لا تصطك لحيائها اصطكاك القروم السوامي6". فقال ابن الزبير: "العطن بعد العل، والعل بعد النهل7 ولا بد للرحاء من الثفال8 ثم نهض ابن الزبير"، فلما كان العشاء أخذت قريش مجالسها، وخرج معاوية على بني أمية، فوجد عمرو بن العاص فيهم، فقال: ويحكم يا بني أمية! أفيكم من يكفيني ابن الزبير؟ فقال عمرو: أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين قال: ما أظنك تفعل، قال: "بلى، والله لأربدن9 وجهه، ولأخرسن لسانه، ولأردنه ألين من خميلة10". فقال: دونك، فاعرض له إذا دخل، فدخل ابن الزبير -وكان قد بلغه كلام معاوية وعمرو- فجلس نصب عيني عمرو، فتحدثوا ساعة، ثم قال عمرو:
وإني لنار ما يطاق اصطلاؤها ... لديَّ كلام معضل متفاقم11
فأطرق ابن الزبير ساعة ينكث في الأرض، ثم رفع رأسه وقال:
__________
1 الألية: ما ركب العجز من شحم ولحم.
2 در اللبن وغيره من بابي ضرب وقتل، ودرت الناقة بلبنها أدرته.
3 قطب الرحا: ما تدور عليه، والرحاء ممدود الرحا.
4 العجب: مؤخر كل شيء.
5 ناقة طروقة الفحل: بلغت أن يضربها الفحل، وأجره رسنه: جعله يجره، وهب الفحل من الإبل وغيرها هبابًا وهبيبًا: أراد السفاد.
6 تصطك: تضطرب. والقروم: جمع قرم بالفتح وهو الفحل، والسوامي جمع سام: وصف من سما الفحل سماوة: تطاول على شوله "والشُّوَّل كركع جمع شائل وهي الناقة تشول بذنبها للقاح".
7 العطن: مبرك الإبل حول الحوض، والعل والعلل: الشرب الثاني، والنهل: الشرب الأول.
8 الثفال: جلد أو نحوه يبسط تحت الرحى ليقع عليه الطحين.
9 أي لأصيرنه أربد، من الرُّبدة بالضم: وهي لون إلى الغبرة.
10 الخميلة: القطيفة، وفي الأصل: "ولأوردنه" وهو تحريف.
11 تفاقم الأمر: عظم.
(2/166)

وإني لبحر ما يسامَى عبابُه ... متى يلقَ بحري حرّ نارك تخمد
فقال عمرو: والله يابن الزبير إنك ما علمتُ لمتجلبب جلابيب الفتنة، متأزر بوصائل1 التيه، تتعاطى الذّرى الشاهقة، والمعالي الباسقة، وما أنت من قريش في لباب جوهرها ولا مؤنق2 حسبها". فقال ابن الزبير: "أما ما ذكرت من تعاطي الذرى؛ فإنه طال بي إليها وسما ما لا يطول بك مثله، أنف حمي، وقلب ذكي، وصارم مشرفي، في تلبيد فارع3، وطريف مانع، إذ قدع بك انتفاخ سحرك4، ووجيب5 قلبك، وأما ما ذكرت من أني لست من قريش في لباب جوهرها، ومؤنق حسبها، فقد حضرتني وإياك الأكفاء، العالمون بي وبك، فاجعلهم بيني وبينك، فقال القوم: قد أنصفك يا عمرو. قال: قد فعلت، فقال ابن الزبير: "أما إذ أمكنني الله منك فلأربدن وجهك، ولأخرسن لسانك، ولترجعن في هذه الليلة، وكأن الذي بين منكبيك مشدود إلى عروق أخدعيك6، ثم قال: أقسمت عليكم يا معاشر قريش، أنا أفضل في دين الإسلام أم عمرو؟ فقالوا: اللهم أنت، قال: فأبي أفضل أم أبوه؟ قالوا: أبوك حواري رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآله وابن عمته، قال: فأمي أفضل أم أمه؟ قالوا: أمك أسماء بنت أبي بكر الصديق، وذات النطاقين، قال: فعمتي أفضل أم عمته؟ قالوا: عمتك سلمى بنت العوام صاحبة رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل من عمته، قال: فخالتي أفضل أم خالته؟ قالوا: خالتك عائشة أم المؤمنين، قال: فجدتي أفضل أم جدته؟ قالوا: جدتك صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فجدي أفضل أم جده؟ قالوا: جدك أبو بكر الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال:
قضت الغطارف من قريش بيننا ... فاصبر لفضل خصامها وقضائها
__________
1 الوصائل: جمع وصيلة، وهي ثوب مخطط يمان.
2 آنقني الشيء إيناقًا: أعجبني، فهو مؤنق وأنيق: أي حسن معجب.
3 فارع: عالٍ.
4 السحر ويحرك ويضم: الرئة، وانتفخ سحره: عدا طوره وجاوز قدره.
5 خفقان واضطراب.
6 الأخدعان: عرقان في موضع الحجامة.
(2/167)

وإذا جريت فلا تجارِ مبرزا ... بذَّ الجياد على احتفال جرائها1
أما والله يابن العاص، لو أن الذي أمرك بهذا واجهني بمثله لقصرت إليه من سامي بصره، ولتركته يتلجلج لسانه، وتضطرم النار في جوفه، ولقد استعان منك بغير وافٍ ولجأ إلى غير كافٍ" ثم قام فخرج.
"شرح ابن أبي الحديد م4: ص493"
__________
1 برز تبريزا: فاق أصحابه. وبذّ: فاق وغلب، واحتفل القوم: اجتمعوا، والجراء والمجاراة: مصدر جارى.
(2/168)

143- خطبة ابن الزبير لما قتل الحسين عليه السلام:
لما قتل الحسين عليه السلام، قام عبد الله بن الزبير في أهل مكة، وعظم مقتله، وعاب على أهل الكوفة خاصة، ولام أهل العراق عامة، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"إن أهل العراق غُدُرٌ فُجُر إلا قليلا، وإن أهل الكوفة شرار أهل العراق، وإنهم دعوا حسينًا لينصروه ويولوه عليهم، فلما قدم عليهم ثاروا إليه، فقالوا له: إما أن تضع يدك في أيدينا، فنبعث بك إلى ابن زياد بن سمية سِلْمًا، فيُمضي فيك حكمه، وإما أن تحارب، فرأى والله أنه هو وأصحابه قليل في كثير -وإن كان الله عَزَّ وَجَلَّ لم يُطْلِع على الغيب أحدًا- أنه مقتول، ولكنه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله حسينًا، وأخزى قاتل حسين، لعمري لقد كان من خلافهم إياه وعصيانهم ما كان في مثله واعظ وناهٍ عنهم، ولكنه ما حُمَّ1نازلٌ، وإذا أراد الله أمرًا لن يُدفع.
أفبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم، ونصدق قولهم، ونقبل لهم عهدًا؟ لا، ولا نراهم لذلك أهلا، أما والله لقد قتلوه، طويلا بالليل قيامُه، كثيرًا في النهار
__________
1ما قُدِّر
(2/168)

صيامُه، أحق بما هم فيه منهم، وأولى به في الدين والفضل، أما والله ما كان يبدل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ولا بالمجالس في حلق الذكر الركض في تطلاب الصيد "يعرض بيزيد" فسوف يلقون غيًّا1".
فثار إليه أصحابه، فقالوا له: أيها الرجل أظهر بيعتك، فإنه لم يبقَ أحد، إذ هلك حسين ينازعك هذا الأمر، وقد كان يبايع الناس سرًّا، ويظهر أنه عائذ بالبيت.
"تاريخ الطبري 6: 273".
__________
1 أي شرًّا وخسرانًا، وكل شر عند العرب غيّ، وكل خير رشاد، وقيل: هو على حذف مضاف أي جزاء غي كقوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} ، والأثام: الإثم، أي يلق جزاء إثمه "والأثام أيضًا جزاء الإثم".
(2/169)

144- مناظرة ابن الزبير للخوارج:
اجتمعت الخوارج حين ثار عبد الله بن الزبير بمكة "سنة 64" وسار إليه مسلم بن عقبة المري في جيش من أهل الشام، بعد أن غزا المدينة، وكان منه في وقعة الحرة ما كان، فقال لهم نافع بن الأزرق: اخرجوا بنا نأتِ البيت، ونلق هذا الرجل، فإن يكن على رأينا جاهدنا معه العدو، وإن يكن على غير رأينا دافعنا عن البيت ما استطعنا، ونظرنا بعد ذلك في أمورنا، فخرجوا حتى قدموا على عبد الله بن الزبير، فسر بمقدمهم ونبأهم أنه على رأيهم، وأعطاهم الرضا من غير توقف ولا تفتيش، فقاتلوا معه حتى مات يزيد بن معاوية، وانصرف أهل الشام عن مكة.
ثم إن القوم لقي بعضهم بعضًا فقالوا: إن هذا الذي صنعتم أمس بغير رأي ولا صواب من الأمر، تقاتلون مع رجل لا تدرون لعله ليس على رأيكم، إنما كان أمس يقاتلكم هو وأبوه، ينادي يالثارات عثمان، ندخل إليه، فننظر ما عنده، فإن قدم أبا بكر
(2/169)

وعمر، وبرئ من عثمان وعليّ، وكفَّرَ أباه وطلحة بايعناه، وإن تكن الأخرى، ظهر لنا ما عنده، فتشاغلنا بما يجدي علينا.
فدخلوا على ابن الزبير وهو مبتذل1، وأصحابه متفرقون عنه، فقالوا: إنا جئناك لتخبرنا رأيك، فإن كنت على الصواب بايعناك، وإن كنت على غيره دعوناك إلى الحق، ما تقول في الشيخين؟ قال: خيرًا. قالوا: فما تقول في عثمان الذي أحمى2 الحمى، وآوى الطريد3، وأظهر لأهل مصر شيئًا وكتب بخلافه، وأوطأ آل أبي معيط4 رقاب الناس، وآثرهم بفيء المسلمين، وفي الذي بعده، الذي حَكَّمَ في دين الله الرجال، وأقام على ذلك غير تائب ولا نادم، وفي أبيك وصاحبه، وقد بايعا عليًّا وهو إمام عادل مرضي لم يظهر منه كفر، ثم نكثا بعرض من أعراض الدنيا، وأخرجا عائشة تقاتل، وقد أمرها الله وصواحبها أن يقرن5 في بيوتهن، وكان لك في ذلك ما يدعوك إلى التوبة، فإن أنت قلت كما نقول فلك الزلفى6 عند الله والنصر على أيدينا، ونسأل الله لك التوفيق وإن أبيت إلا نصر رأيك الأول، وتصويب أبيك وصاحبه، والتحقيق بعثمان والتولي في السنين الست التي أحلت دمه، ونقضت أحكامه، وأفسدت إمامته، خذلك الله
__________
1 المبتذل: لابس البذلة "بالكسر" أو المبذلة: وهي الثوب الخلق وما لا يصان من الثياب.
2 أحمى المكان: جعله حمى لا يقرب، وكان من المطاعن التي وجهت إلى عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنه حمى الحمى عن المسلمين مع أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعلهم سواء في الماء والكلأ، ولما سئل في ذلك قال: إنما فعلت ذلك لإبل الصدقة، وقد أطلقته الآن، وأنا أستغفر الله، وروى الواقدي أن عثمان كان يحمي الربذة والشرف والبقيع، فكان لا يدخل الحمى بعير له ولا فرس ولا لبني أمية حتى كان آخر الزمان، كان يحمي الشرف لإبله وكانت ألف بعير ولإبل الحكم بن أبي العاص، ويحمي الربذة لإبل الصدقة. ويحمي البقيع لخيل المسلمين وخيله وخيل بني أمية. شرح ابن أبي الحديد م1: ص235.
3 هو الحكم بن أبي العاص، انظر ص104.
4 ممن ولاهم عثمان الوليد بن عقبة بن أبي معيط ولاه الكوفة، وهو أخو عثمان لأمه.
5 من قرَّ بالمكان يقرُّ "بالكسر والفتح" قرارًا أي استقر أصله يقررن حذفت الأولى من الراءين ونقلت حركتها إلى القاف.
6 الزلفة والزلفى: القربة والمنزلة.
(2/170)

وانتصر منك بأيدينا، فقال ابن الزبير: إن الله أمر "وله العزة والقدرة" في مخاطبة أكفر الكافرين، وأعتى العتاة، بأرأف من هذا القول، فقال لموسى ولأخيه صلى الله عليهما: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تؤذوا الأحياء بسب الموتى".
فنهى عن سب أبي جهل من أجل عكرمة ابنه، وأبو جهل عدوُّ الله وعدو الرسول، والمقيم على الشرك، والجاد في المحاربة، والمتبغض إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل الهجرة، والمحارب له بعدها، وكفى بالشرك ذنبًا! وقد كان يغنيكم عن هذا القول الذي سميتم فيه طلحة وأبي أن تقولوا: أتبرأ من الظالمين؟ " فإن كانا منهم دخلا في غمار1 المسلمين، وإن لم يكونا منهم لم تُحفِظُوني2 بسب أبي وصاحبه، وأنتم تعلمون أن الله جَلَّ وعَزَّ قال للمؤمن في أبويه: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} ، وقال جل ثناؤه: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} وهذا الذي دعوتم إليه أمر له ما بعده، وليس يقنعكم إلا التوقيف والتصريح3، ولعمري إن ذلك لأحرى بقطع الحجج، وأوضح لمنهاج الحق، وأولى أن يعرف كلٌّ صاحبه من عدوه، فروحوا4 إلي من عشيتكم هذه، أكشف لكم ما أنا عليه إن شاء الله تعالى.
فلما كان العشي راحوا إليه، فخرج إليهم وقد لبس سلاحه، فلما رأى ذلكم نجدة5 قال: هذا خروج منابذ6 لكم، فجلس على رفيع من الأرض، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى عليه نبيه، ثم ذكر أبا بكر وعمر أحسن ذكر، ثم ذكر عثمان في السنين الأوائل من خلافته، ثم وصلهن بالسنين التي أنكروا سيرته فيها، فجعلها كالماضية، وخبَّر أنه
__________
1 بالضم ويفتح جماعتهم.
2 تغضبوني.
3 تبيين الأمر.
4 الرواح: العشي، وراح إلى القوم: ذهب إليهم رواحًا.
5 هو نجدة بن عامر الحنفي من كبار زعمائهم.
6 نابذه: كاشفه بالعداوة.
(2/171)

آوى الحكم بن أبي العاص بإذن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذكر الحمى وما كان فيه من الصلاح، وأن القوم استعتبوه من أمور، وكان له أن يفعلها أو لا مصيبًا، ثم أعتبهم بعد ذلك محسنًا، وأن أهل مصر لما أتوه بكتاب ذكروا أنه منه، بعد أن ضمن لهم العتبى1 ثم كتب لهم ذلك الكتاب بقتلهم، فدفعوا الكتاب إليه، حلف بالله أنه لم يكتبه، ولم يأمر به، وقد أمر الله عَزَّ وَجَلَّ بقبول اليمين ممن ليس له مثل سابقته، ومع ما اجتمع له من صهر رسول الله، ومكانه من الإمامة، وأن بيعة الرضوان تحت الشجرة إنما كانت بسببه2، وعثمان الرجل الذي لزمته يمين، لو حلف عليها لحلف على حقٍّ، فافتداها بمائة ألف ولم يحلف، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرضَ" فعثمان أمير المؤمنين كصاحبيه، وأنا ولي وليه، وعدو عدوه، وأبي وصاحبُه صاحِبا رسول الله، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول عن الله عَزَّ وَجَلَّ يوم أحد، لما قطعت إصبع طلحة: "سبقته إلى الجنة"، وقال: "أوجب طلحة 3 "، وكان الصديق إذا ذكر يوم أحد قال: "ذاك يومٌ كله أو جله لطلحة". والزبير حواري رسول الله صلى اله عليه وسلم وصفوته، وقد ذَكَرَ أنهما في الجنة، فقال جَلَّ وَعَزَّ: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} . وما أخبرنا بعد أنه سخط عليهم، فإن يكن ما سعَوا فيه حقًّا، فأهل ذلك هم، وإن يكن زلة ففي عفو الله تمحيصها، وفيما وفقهم له من السابقة مع نبيهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومهما ذكرتموهما فقد بدأتم بأمكم عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فإن أَبَى آبٍ
__________
1 العتبى: الرضا.
2 وذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام في غزوة الحديبية اختار عثمان بن عفان رسولا من قبله إلى قريش، يعلمهم بمقصده، وأنه أتى مكة معتمرًا، فقالوا: إن محمدًا: لا يدخلها علينا عنوة أبدًا، ثم إنهم حبسوه، فشاع عند المسلمين أنه قتل، فقال عليه الصلاة والسلام حينما سمع بذلك: "لا نبرح حتى نناجزهم الحرب". ودعا المسلمين إلى البيعة على القتال، فبايعوه هناك تحت شجرة سميت بعد شجرة الرضوان.
3 الموجبة من الحسنات التي توجب الجنة. وأوجب: أتى بها.
(2/172)

أن تكون له أمًّا نبذ اسم الإيمان عنه، وقد قال الله جل ذكره، وقوله الحق:
{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} . فنظر بعضهم إلى بعض، ثم انصرفوا عنه.
"الكامل للمبرد 2: 173، والعقد الفريد 1: 212، وتاريخ الطبري 7: 55".
(2/173)

145- أبو صخر الهذلي وعبد الله بن الزبير:
وروى أبو الفرج الأصبهاني قال:
لما ظهر ابن الزبير بالحجاز، وغلب عليها بعد موت يزيد بن معاوية، وتشاغل بنو أمية بالحرب بينهم، في مَرْج راهط وغيره، دخل عليه أبو صخر الهذلي في هذيل، وقد جاءوه ليقبضوا عطاءهم، وكان عارفًا بهواه في بني أمية، فمنعه عطاءه، فقال: علام تمنعني حقًّا لي؟ وأنا امرؤ مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثًا، ولا أخرجت من طاعة يدًا.
قال: عليك بني أمية، فاطلب عندهم عطاءك، قال:
"إذن أجِدُهُم سِباطًا1 أكفهم، سمحة أنفسهم، بذلاء لأموالهم، وهابين لمجتديهم2 كريمة أعراقهم، شريفة أصولهم، زاكية فروعهم، قريبًا من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نسبهم وسببهم، ليسوا إذا نسبوا بأذناب ولا وشائظ3 ولا أتباع، ولا هم في قريش كفقعة القاع4، لهم السؤدَد في الجاهلية، والملك في الإسلام لا كمن لا يعد في عيرها ولا نفيرها5، ولا حكم آباؤه في نقيرها ولا قطميرها6 ليس
__________
1 رجل سبط اليدين: سخيّ "وسبط كشمس".
2 المجتد: طالب الجدوى، وهي العطية.
3 وشائظ جمع وشيظة، يقال: هم وشيظة في قومهم أي حشو فيهم، وفي الأصل: "وسائط" وهو تصحيف.
4 الفقع "بالفتح والكسر" البيضاء الرخوة من الكمأة وجمعه فقعة كعتبة، والقاع: أرض سهلة مطمئنة، قد انفرجت عنها الجبال والآكام. ويضرب المثل بالفقع في الذل؛ لأنه لا يمتنع على من اجتناه، أو لأنه يوطأ بالأرجل.
5 أخذا من المثل وهو "لا في العير ولا في النفير" وأول من قاله أبو سفيان بن حرب، يضرب للرجل: يحط أمره، ويصغر قدره. وقد تقدم شرحه.
6 النقير: النكتة في ظهر النواة، والقطمير: القشرة الرقيقة بين النواة والتمرة.
(2/173)

من أحلافها1 المطيَّبين، ولا من سادتها المطعِمين، ولا من جودائها2 الوهابين، ولا من هاشمها المنتخبين، ولا عبد شمسها المسودين، وكيف نقاتل الرءوس بالأذناب، وأين النصل من الجفن3 والسنان من الزج4، والذنابَى5 من القدامى6 وكيف يفضل الشحيح على الجواد، والسوقة على الملك؛ والجامع بخلا على المطعم فضلا؟ ".
فغضب ابن الزبير حتى ارتعدت فرائصه7، وعرق جبينه، واهتز من قرنه إلى قدمه، وامتقع لونه، ثم قال له: يابن البوالة على عقبيها، ويا جلف8، يا جاهل، أما والله لولا الحرمات الثلاث: حرمة الإسلام، وحرمة الحرم، وحرمة الشهر الحرام، لأخذت الذي فيه عيناك، ثم أمر به إلى سجن "عارم" فحبس به مدة، ثم استوهبته هذيل، ومن له من قريش خئولة في هذيل، فأطلقه بعد سنة، وأقسم ألا يعطيه عطاء مع المسلمين أبدًا.
فلما ولي عبد الملك، أمر له بما فاته من العطاء، ومثله صلة من ماله وكساء وحمله.
__________
1 الأحلاف في قريش ست قبائل: عبد الدار، وكعب، وجمح، وسهم، ومخزوم، وعدي؛ لأنهم لما أراد بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة والسقاية، وأبت عبد الدار، عقد كل قوم على أمرهم حلفًا مؤكدًا على أن لا يتخاذلوا، فأخرجت عبد مناف جفنة مملوءة طيبًا، فوضعتها لأحلافهم وهم أسد، وزهرة، وتيم عند الكعبة، فغمسوا أيديهم فيها وتعاقدوا، وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها حلفًا آخر مؤكدًا فسموا الأحلاف، وقوله المطيبين: لغمس أيديهم في الطيب.
2 جوداء: جمع جواد، وهو السخيّ، ويجمع أيضًا على أجواد وأجاود.
3 غمد السيف.
4 الحديدة في أسفل الرمح.
5 الذنب.
6 أربع أو عشر ريشات في مقدم الجناح.
7 جمع فريصة، وهي اللمة بين الجنب والكتف.
8 الجلف: الرجل الجافي.
(2/174)

146- خطبته وقد قدم عليه وفد العراق:
قدم وفد من العراق على عبد الله بن الزبير، فأتوه في المسجد الحرام في يوم جمعة، فسلموا عليه، فسألهم عن مصعب أخيه، وعن سيرته فيهم، فقالوا: أحسن الناس سيرة،
(2/174)

وأقضاه بحق، وأعدله في حكم، فصلى عبد الله بالناس الجمعة، ثم صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
قد جربوني ثم جربوني ... من غلوتين ومن المئين1
حتى إذا شابوا وشيبوني ... خلَّوْا عناني ثم سيبوني2
أيها الناس: "إني قد سألت هذا الوفد من أهل العراق، عن عاملهم مصعب بن الزبير، فأحسنوا الثناء عليه، وذكروا عنه ما أُحِبُّ، ألا إن مصعبًا اطّبَى3 القلوب، حتى ما تعدل به، والأهواء حتى ما تَحُول عنه، واستمال الألسن بثنائها؛ والقلوب بنصحها، والنفوس بمحبتها، فهو المحبوب في خاصته، المحمود في عامته، بما أطلق الله به لسانه من الخير، وبسط يده من البذل". ثم نزل.
"شرح ابن أبي الحديد م4: ص492؛ والأمالي 1: 286"
__________
1 الغلوة: الغاية، وهي رمية سهم أبعد ما يقدر عليه، ويقال هي قدر ثلثمائة ذراع إلى أربعمائة.
2 تركوني.
3 اطبي: استمال.
(2/175)

147- خطبته لما بلغه قتل مصعب:
لما قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير "سنة 71هـ" وانتهى خبر مقتله إلى عبد الله بن الزبير، أضرب عن ذكره أيامًا، حتى تحدث به إماء مكة في الطريق، ثم صعد المنبر، فجلس عليه مليٍّا لا يتكلم، والكآبة على وجهه، وجبينه يرشح عرقًا، فقال رجل من قريش لرجل إلى جانبه: ما له لا يتكلم، أتراه يهاب المنطق؟ فوالله إنه للبيب الخطباء، قال: لعله يريد أن يذكر مقتل مصعب سيد العرب، فيشتد ذلك عليه، وغير ملوم، ثم تكلم، فقال:
"الحمد لله الذي له الخلق والأمر، وملك الدنيا والآخرة، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء. أما بعد: فإنه لم يُعِزَّ اللهُ
(2/175)

من كان الباطلُ معه، وإن كان معه الأنام طرًّا1، ولم يُذِلَّ من كان الحق معه وإن كان مفرَدًا ضعيفًا؛ ألا وإنه قد أتانا خبرٌ من العراقِ بلد الغدر والشقاق، فساءنا وسرنا، أتانا أن مصعبًا قُتِلَ رحمة الله عليه ومغفرته؛ فأما الذي أحزننا من ذلك، فإن لفراقِ الحميم لذعةً ولوعةً يجدها حميمُه عند المصيبة، ثم يرعوِي من بعد ذو الرأي والدين إلى جميل الصبر، وكريم العزاء، وأما الذي سرنا منه فإنا قد علمنا أن قتله شهادة له، وأنه عَزَّ وَجَلَّ جاعل لنا وله في ذلك الخيرة إن شاء الله تعالى.
أسلمه الطغام2، الصم الآذان، أهل العراق، إسلام النَّعَمِ المُخَطَّة3، وباعوه بأقل من الثمن الذي كانوا يأخذون منه، فإن يقتل فقد قتل أبوه وعمه وأخوه4، وكانوا الخيار الصالحين، إنا والله لا نموت حتف آنافنا5 ولكن قعصًا6 بالرماح،
__________
1 جميعًا.
2 الأوغاد.
3 خطم البعير بالخطام: جعله على أنفه، والخطام ككتاب: ما وضع في أنف البعير ليقتاد به.
4 بعد أن اعتزل الزبير بن العوام أصحاب الجمل، انصرف إلى وادي السباع، وقد تبعه عمرو بن جرموز، فقتله في الصلاة، ويعني بعمه عبد الرحمن بن العوام بن خويلد، وقد استشهد يوم اليرموك، وفي رواية "وابن عمه" ويعني به عبد الله بن عبد الرحمن بن العوام، وقد قتل يوم الدار "انظر أسد الغابة 3: 213".
وأما أخوه فهو المنذر بن الزبير، وذلك أن جيش يزيد بعد أن أوقع بأهل المدينة في وقعة الحرة كما قدمنا، سار إلى مكة لغزو ابن الزبير، فقال لأخيه المنذر: ما لهذا الأمر ولدفع هؤلاء القوم غيري وغيرك -وكان أخوه المنذر ممن شهد الحرة. ثم لحق به- فجرد إليهم أخاه في الناس، فقاتلهم ساعة قتالا شديدا، ثم إن رجلا من أهل الشام دعا المنذر إلى المبارزة، فخرج إليه، فضرب كل واحد منهما صاحبه ضربة خر صاحبه لها ميتا، وكان مقتله سنة 64هـ -تاريخ الطبري 7: 14.
5 الحتف: الموت، ويقال: مات حتف أنفه: أي على فراشه من غير قتل، ولا ضرب، ولا غرق، ولا حرق، وخص الأنف لأنه أراد أن روحه تخرج من أنفه بتتابع نفسه، أو لأنهم كانوا يتخيلون أن المريض تخرج روحه من أنفه، والجريح من جراحته.
6 القعص: الموت الوحي "أي السريع كغني" ومات قعصا: أصابته ضربة، أو رمية فمات مكانه، وفي الكامل، وعيون الأخبار: "إنا والله ما نموت حبجا" وزاد الكامل "كميتة آل أبي العاص" والحبج محركة: انتفاخ بطن البعير من أكل لحاء العرفج "كجعفر"، وربما قتله ذلك، يعرض ببني مروان لكثرة أكلهم وإسرافهم في ملاذ الدنيا، وأنهم يموتون بالتخمة.
(2/176)

وموتا تحت ظلال السيوف، وليس كما يموت بنو مروان، والله ما قتل منهم رجل في زحف في جاهلية ولا إسلام قط؛ ألا وإنما الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه، ولا يبيد ملكه، فإن تقبل الدنيا علي لم آخذها أخذ الأشر البطر1، وإن تدبر عني لم أبك عليها بكاء الخرق المهين2. أقول قولي هذا وأسغفر الله لي ولكم" ثم نزل.
"الأغاني 17: 166، شرح ابن أبي الحديد م1 ص320- م4 ص492، والعقد الفريد 2: ص150 و268، وتاريخ الطبري 7: 190، وعيون الأخبار م2: ص240، وتهذيب الكامل 1: 18، ومروج الذهب 2: 123".
__________
1 الأشر: البطر.
2 من الخرق محركة وهو الدهش من خوف أو حياء، أو أن يبهت فاتحا عينيه ينظر، والمهين: الحقير، ويروى "بكاء الخرف المهتر" والخرف: من فسد عقله من الكبر، والمهتر: من ذهب عقله من كبر، أو مرض، أو حزن، من الهتر بالضم، وقد أهتر فهو مهتر "بضم الميم وفتح التاء": شاذ وقد قيل أهتر بالبناء للمجهول.
(2/177)

148- خطبة أخرى له:
وقال الجاحظ: لما جاءه قتل أخيه مصعب، قام خطيبًا بعد خطبته الأولى، فقال: "إن مصعبًا قدَّم أيره، وأخر خيره، وتشاغل بنكاح فلانة وفلانة1 وترك حلْبة2 أهل الشام؛ حتى غشيته في داره، ولئن هلك مصعب إن في آل الزبير خلفًا منه".
"البيان والتبيين 2: 47".
__________
1 كان تحته عقيلتا قريش عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين.
2 الحلبة: خيل تجتمع للسباق من كل أوب للنصرة.
(2/177)

149- خطبته وقد بلغه قتل عمرو الأشدق:
وروى الجاحظ أيضًا أنه لما بلغه قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد الأشدق، قام خطيبًا فقال:
(2/177)

"إن أبا ذِبَّان1، قَتَلَ لطيم الشيطان2، كذلك نولي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون".
__________
1 الذبان: الذباب، والعرب تكنو الأبخر "أبا دباب" وبعضهم يكنيه "أبا ذبان" وقد غلب ذلك على عبد الملك بن مروان، لفساد كان في فمه، وقيل: لأن لثته كانت تدمي، فيقع عليها الذباب".
2 هو عمرو بن سعيد الأشدق، سمي بذلك لميل كان في فمه، فقيل له من أجله: "لطيم الشيطان" قال الوزير الكاتب ابن عبدون في مرثيته المشهورة لدولة بني الأفطس بالأندلس التي مطلعها:
"الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور
ولم تدع لأبي الذبان قاضية ... ليس اللطيم لها عمرو بمنتصر
(2/178)

150- عبد الله بن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر:
دخل ابن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر، في اليوم الذي قتل فيه، وقد رأى من الناس ما رأى من خذلانهم، فقال:
يا أمه: خذلني الناس حتى ولدي1 وأهلي، فلم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: أنت والله يا بني أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامضِ له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا، فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك، وأهلكت من قتل معك، وإن قلت: كنت على حق، فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن، والله لضربة بالسيف في عزٍّ، أحب إلي من ضربة بسوط في ذلٍّ، قال: إني أخاف إن قتلوني أن يمثلوا بي، قالت: يا بني إن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها.
فدنا منها وقبل رأسها، وقال: هذا والله رأيي، والذي قمت به داعيا إلى يومي هذا،
__________
1 وكان قد خرج إلى الحجاج ابناه حمزة وخبيب فأخذا منه لأنفسهما أمانًا.
(2/178)

ما رَكَنْتُ إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضبُ لله أن تستحل حرمُهُ، ولكنني أحببتُ أن أعلمَ رأيك، فزدتني بصيرة مع بصيرتي، فانظري يا أمه، فإني مقتول من يومي هذا، فلا يشتد حزنك، وسلمي لأمر الله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عملا بفاحشة، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به، بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي، اللهم إني لا أقول هذا تزكية مني لنفسي -أنت أعلم بي- ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عني، فقالت أمه: إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنًا إن تقدَّمتني، وإن تقدَّمتُك ففي نفسي حرجٌ حتى أنظر إلام يصير أمرك، قال: يا أمه جزاك الله خيرًا! فلا تَدَعي الدعاء لي قبل وبعد، فقالت: لا أدعه أبدًا، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق، ثم قالت: "اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبي، اللهم قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين". ثم ودعها وخرج.
"تاريخ الطبري 7: 202، والفخري 111، والعقد الفريد 2: 271، وبلاغات النساء ص130".
(2/179)

151- خطبته يوم قتله:
وخرج من عندها، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس، إن الموت قد تغشاكم سحابه، وأحقد بكم ربابه1، واجتمع بعد تفرق، وارجَحَنَّ بعد تمشق2، ورجس3 نحوكم رعده، وهو مفرغ عليكم ودقه4
__________
1 الرباب: السحاب الأبيض.
2 ارجحن: مال من ثقله واهتز، وتمشق ثوبه: تمزق.
3 رجست السماء: رعدت شديدا وتمخضت.
4 الودق: المطر.
(2/179)

وقائدٌ إليكم البلايا، تتبعها المنايا، فاجعلوا السيوف لها غرضًا، واستعينوا عليها بالصبر".
وتمثل بأبيات، ثم اقتحم يقاتل وهو يقول:
قد جد أصحابك ضرب الأعناق ... وقامت الحرب لها على ساق1
"العقد الفريد 2: 271"
__________
1 هو من مشطور السريع الموقوف.
(2/180)

152- خطبة أخرى:
روى الطبري قال:
لما كان يوم الثلاثاء صبيحة سبع عشرة من جمادى الأولى سنة 73هـ وقد أخذ الحجاج على ابن الزبير بالأبواب، صلى بأصحابه الفجر، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يا آل الزبير: لو طبتم لي نفسًا عن أنفسكم، كنا أهل بيت من العرب اصطلمنا1 في الله، لم تصبنا زبَّاءُ بتةً2، أما بعد يا آل الزبير: فلا يرعكم وقع السيوف، فإني لم أحضر موطنًا قط إلا ارْتُثِثْتُ3فيه من القتل، وما أجد من دواء جراحها أشد مما أجد من ألم وقعها، صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم؛ لا أعلم امرأ كسر سيفه، واستبقى نفسه، فإن الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة أعزل، غضوا أبصاركم عن البارقة4، وليشغلْ كل امرئ قرنه، ولا يلهينكم السؤال عني، ولا تقولن: أين عبد الله بن الزبير؟ ألا من كان سائلا عني فإني في الرعيل5 الأول:
أبى لابن سلمى أنه غير خالد ... ملاقي المنايا أي صرف تيمما
__________
1 أي استؤصلنا.
2 الزباء من الدواهي: الشديدة، ويقال: لا أفعله ألبتة وبتة، لكل أمر لا رجعة فيه.
3 ارتثثت "مبنيا للمجهول" حمل من المعركة رثيثً أي جريحا وبه رمق.
4 البارقة: السيوف.
5 الرعيل: القطعة من الخيل القليلة، أو مقدمتها.
(2/180)

فلست بمبتاع الحياة بسبة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما
احملوا على بركة الله" ثم قاتل حتى أثخن بالجراحات وقتل.
"تاريخ الطبري 2: 204".
(2/181)

153- خطبة مصعب بن الزبير:
عث عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا واليًا على البصرة سنة 67هـ، فصعد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} "وأشار بيده نحو الشام" {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} "وأشار بيده نحو الحجاز" {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} "وأشار بيده نحو العراق".
"البيان والتبيين 2: 159، والعقد الفريد 2: 158، وتاريخ الطبري 7: 146"
(2/181)

خطب الأمويين خطباء البيت الأموى
خطبته بالمدينة عام الجماعة
...
خطب الأمويين، خطباء البيت الأموي:
طب معاوية "توفي سنة 60هـ":
54 – خطبته بالمدينة عام الجماعة:
قدم معاوية المدينة عام الجماعة "سنة 41هـ" فتلقاه رجال قريش، فقالوا: الحمد لله الذي أعز نصرك، وأعلى كعبك، فما رد عليهم شيئًا حتى صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم، ولا مسرة بولايتي، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة، ولقد رُضْتُ1 لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة، وأردتها على عمل عمر، فنفرت من ذلك نفارًا شديدًا، وأردتها على سُنَيات2 عثمان، فأبت علي، فسلكت بها طريقًا لي ولكم فيه منفعة: مؤاكلة حسنة ومشاربة جميلة، فإن لم تجدوني خيركم، فإني خير لكم ولاية، والله لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يستشفى به القائل بلسانه، فقد جعلت ذلك له دَبْرَ3 أذني،
__________
1 من راض المهر: إذا ذَلَّلَه.
2 سنية مصغر سنة، والمراد حكم عثمان.
3 جعل كلامك دبر أذنه: لم يصغ إليه، ولم يعرج عليه.
(2/182)

وتحت قدمي، وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله، فاقبلوا مني بعضه، فإن أتاكم مني خير فاقبلوه، فإن السيل إذا جاد يثرى؛ وإذا قل أغنى، وإياكم والفتنة، فإنها تفسد المعيشة وتكدر النعمة" ثم نزل.
"العقد الفريد 2: 139".
(2/183)

155- خطبة أخرى له بالمدينة:
وخطب، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم صلى على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قال:
"أما بعد، أيها الناس، إنا قدمنا عليكم، وإنما قدمنا على صديق مستبشر، أو على عدو مستتر، وناس بين ذلك ينظرون وينتظرون، فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون، ولست واسعًا كل الناس، فإن كانت محمدة، فلا بد من مذمة، فلومًا هونًا إذ ذكر غفر، وإياكم والتي إن أخفيت أوْبَقَتْ، وإن ذكرت أوثقت" ثم نزل.
"العقد الفريد 2: 140".
(2/183)

156- خطبة له بالمدينة:
وصعد منبر المدينة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يأهل المدينة، إني لست أحب أن تكونوا خلقًا كخلق العراق، يعيبون الشيء وهم فيه، كل امرئ منهم شيعة نفسه، فاقبلونا بما فينا، فإن ما رواءنا شر لكم، وإن معروف زماننا هذا منكر زمان قد مضى، ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت، ولو قد أتى فالرتق خير من الفتق، وفي كلٍّ بلاغ، ولا مقام على الرزية".
"العقد الفريد 2: 140"
(2/183)

157- خطبته حين ولى المغيرة بن شعبة الكوفة:
ولما ولَّى معاوية المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة 4هـ دعاه، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا1، وقد قال المتلمس:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما
وقد يُجزِي2 الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة، فأنا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضيني، ويسعد سلطاني، وتصلح به رعيتي، ولست تاركا إيصاءك بخصلة: لا تَتَحَمَّ3 عن شتم علي وذمه، والترحم على عثمان، والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي، والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه، والإدناء لهم، والاستماع منهم".
فقال المغيرة: "قد جَرَّبْتُ وجُرِّبْتُ، وعملت قبلك لغيرك، فلم يذمم بي دفع ولا رفع، ولا وضع، فستبلو4 فتحمد، أو تذُمّ" قال: "بل نحمد إن شاء الله".
"تاريخ الطبري 6: 141"
__________
1 من أمثال العرب المشهورة: "إن العصا قرعت لذي الحلم" وهو مثل يضرب لمن إذا نُبِّه انتبه، وأول من قرعت له العصا عامر بن الظرب العدواني؛ وقيل: هو قيس بن خالد، وقيل: ربيعة بن مخاشن، وقيل: عمرو بن حمة الدوسي، وقيل عمرو بن مالك، ذكروا أن عامر بن الظرب كان أحد حكام العرب المشهورين: لا تعدل بفهمه فهما، ولا بحكمه حكما، فلما طعن في السن أنكر من عقله شيئا، فقال لبنيه: إنه قد كبرت سني، وعرض لي سهو، فإذا رأيتموني خرجت من كلامي، وأخذت في غيره، فاقرعوا لي المجن بالعصا، وقال المتلمس يريده:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا
... البيت
2 يجزي مسهل عن يجزئ أي يغني، يقال: أجزأت عنك مجزأ فلان: أي أغنيت عنك مغناه.
3 احتمى وتحمى: امتنع.
4 أي تختبر.
(2/184)

158- خطبة له في يوم صائف:
وخطب الجمعة في يوم صائف شديد الحر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال:
"إن الله عَزَّ وَجَلَّ خلقكم فلم ينسكم، ووعظكم فلم يهملكم، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} قوموا إلى صلاتكم
"العقد الفريد 2: 140".
(2/185)

159- آخر خطبة له:
صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قبض على لحيته، وقال:
"أيها الناس: إني من زرع قد استحصد1، وقد طالت عليكم إمرتي، حتى مللتكم ومللتموني، وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي، وإنه لا يأتيكم بعدي إلا من هو شرٌّ مني، كما لم يأتكم قبلي إلا من كان خيرًا مني، وإنه من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، اللهم إني قد أحببت لقاءك، فأحبب لقائي" ثم نزل، فما صعد المنبر حتى مات2.
"الأمالي 2: 315، وتهذيب الكامل 1: 16"
__________
1 استحصد الزرع وأحصد: حان أن يحصد.
2 سيرد عليك بقية خطبة بعد في موضعها.
(2/185)

خطبته وقد حضرته الوفاة
...
160- خطبته وقد حضره الوفاة:
ولما حضرت معاوية الوفاة قال لمولى له: من بالباب؟ قال: نفر من قريش يتباشرون بموتك، قال: ويحك؟ ولم؟ قال: لا أدري، قال: فوالله ما لهم بعدي إلا الذي يسوءهم، وأذن للناس فدخلوا، فحمد الله وأثنى عليه، وأوجز ثم قال:
(2/185)

"أيها الناس: إنا قد أصبحنا في دهر عنود1، وزمن شديد2 يعد فيه المحسن مسيئا، ويزداد فيه الظالم عتوا، لا ننتفع بما علمناه، ولا نسأل عما جهلناه، ولا نتخوف قارعة3 حتى تحل بنا؛ فالناس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه، وكلال حده، ونضيض وقره4 ومنهم المصلت5 لسيفه، المجلب بخيله ورجله، المعلن بشره، قد أشرط نفسه، وأوبق دينه، لحطام ينتهزه6، أو مقتب7 يقوده، أو منبر يقرعه8، ولبئس المتجر أن تراهما لنفسك ثمنا، ومما لك عند الله عوضا، ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه، وزخرف نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة للمعصية، ومنهم من قد أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه، وانقطاع سببه، فقصرت به الحال عن أمله. فتحلى باسم القناعة، وتزين بلباس الزهاد، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى، وبقى رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد نافر، وخائف منقمع9، وساكت مكعوم10، وداع مخلص، وموجع ثكلان، قد أخملتهم التقية11، وشملتهم الذلة، فهم بحر أجاج12، أفواههم ضامزة13، وقلوبهم قرحة، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا
__________
1 جائر. من عند عن الطريق كنصر وسمع وكرم عنودا: إذا مال.
2 وفي نهج البلاغة: وزمن كنود وهو الكفور.
3 الداهية التي تقرع أي تصيب.
4 أي قلة ماله.
5 أصلت السيف: سله.
6 هيأها وأعدها "من الشرط "محركة" وهو العلامة" أي هيأها للفساد في الأرض. وأوبقه: أهلكه. والحطام: المال. وأصله ما تكسر من اليبيس.
7 المقنب من الخيل: بين الثلاثين إلى الأربعين أو زهاء ثلثمائة.
8 يعلوه.
9 مقهور.
10 من كعم البعير كمنع: شد فاه لئلا يعض أو يأكل، وفي البيان والتبيين معكوم، من عكم المتاع يعكمه: شده بثوب.
11 التقية: المداراة.
12 الأجاج: الملح.
13 ساكتة من ضمز كنصر وضرب: سكت ولم يتكلم. والبعير أمسك جرته في فيه ولم يجتر.
(2/186)

حتى قلوا، فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ1 وقراضة الجلمين، واتعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، فارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم".
"البيان والتبيين 2: 28، والعقد الفريد 2: 141: ونهج البلاغة 1: 40 وإعجاز القرآن 213"
__________
1 القرظ: ورق السلم أو ثمر السنط يدبغ به، والجلم: مقراض يجزُّ به الصوف. والقراضة: ما يسقط منه عند الجزّ.
قال الجاحظ: "وفي هذه الخطبة أبقاك الله ضروب من العجب، منها أن هذا الكلام لا يشبه السبب الذي من أجله دعاهم معاوية، ومنها أن هذا المذهب -في تصنيف الناس، وفي الإخبار عنه، وعما هم عليه من القهر والإذلال، ومن التقية والخوف- أشبه بكلام علي وبمعانيه، وبحاله منه بحال معاوية، ومنها أنا لم نجد معاوية في حال من الحالات يسلك في كلامه مسلك الزهاد، ولا يذهب مذاهب العباد، وإنما نكتب لكم ونخبر بما سمعناه، والله أعلم بأصحاب الأخبار وبكثير منهم".
ونسبها الشريف الرضى إلى الإمام علي، وقال هي من كلامه الذي لا يشك فيه.
(2/187)

161- وصيته لابنه يزيد:
لما حضرت معاوية الوفاة، ويزيد غائب، دعا معاوية مسلم بن عقبة المري، والضحاك بن قيس الفهري، فقال: أبلغا عني يزيد وقولا له:
"يا بني، إني قد كفيتك الشد والترحال، ووطأت لك الأمور، وذللت لك الأعداء، وأخضعت لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد، فانظر أهل الحجاز، فإنهم أصلك وعترتك1، فمن أتاك منهم فأكرمه، ومن قعد عنك فتعهده، وانظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل أهون عليك من سل مائة ألف سيف، ثم لا ندري علام أنت عليه منهم؟ ثم انظر أهل الشام، فاجعلهم الشعار2دون الدثار، فإن رابك من عدوك ربب، فارمهم3 بهم، فإن
__________
1 عترة الرجل: عشيرته الأدنون.
2 الشعار: الثوب يلبس على شعر الجسد، والدثار: الذي يلبس فوق الشعار.
3 الضمير للعدو، وهو للواحد والجمع، والذكر والأنثى، وقد يثنى ويجمع ويؤنث.
(2/187)

أظفرك الله بهم، فاردد أهل الشام إلى بلادهم، ولا يقيموا في غير بلادهم، فيتأدبوا بغير أدبهم.
وإني لست أخاف عليك أن ينازعك هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأما عبد الله بن عمر فرجل قد وقذه1 الورع، وإذا لم يبق أحد غيره بايعك؛ وأما الحسين بن علي فإنه رجل خفيف، وأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه فإن خرج وظفرت به، فاصفح عنه، فإن له رحمًا2 ماسة، وحقًّا عظيمًا، وقرابة من محمد صلوات الله عليه وسلامه؛ وأما ابن أبي بكر، فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثلهم، ليست له همة إلا في النساء واللهو؛ وأما ابن الزبير، فإنه خب ضب3، فإن ظفرت به فقطعه إربًا إربًا4.
"أو قال" وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك مراوغة الثعلب، فإن أمكنته فرصة وثب، فذاك ابن الزبير، فإن هو وثب عليك، فظفرت به فقطعه إربًا إربًا، واحقن دماء قومك ما استطعت".
"البيان والتبين 2: 66 وتاريخ الطبري 6: 179، العقد الفريد 2: 141-249 الفخري ص102"
__________
1 وقذه: صرعه وغلبه، وتركه عليلا كأوقذه.
2 قرابة.
3 انظر تفسيرها في صفحة 141.
4 أي عضوا عضوا.
(2/188)

خطب يزيد بن معاوية
خطبته بعد موت معاوية
...
خطب يزيد بن معاوية "توفي سنة 64هـ":
162- خطبته بعد موت معاوية:
"الحمد لله الذي ما شاء صنع: من شاء أعطى، ومن شاء منع، ومن شاء خفض ومن شاء رفع، إن أمير المؤمنين كان حبلا من حبال الله، مده ما شاء أن يمده، ثم قطعه حين أراد أن يقطعه، وكان دون من قبله، وخيرًا ممن يأتي بعده، ولا أزكيه عند ربه وقد صار إليه، فإن يعف فبرحمته. وإن يعاقبه فبذنبه، وقد وليت بعده الأمر، ولست أعتذر من جهل، ولا أشتغل1 بطلب علم، وعلى رسلكم، إذا كره الله شيئا غيّره، وإذا أحب شيئا يسّره".
"العقد الفريد 2: 142-250، ومروج الذهب 2: 93، عيون الأخبار م2: ص238"
__________
1 في العقد الفريد: ولا آسى على طلب علم، ولا أني عن طلب علم.
(2/189)

163- خطبة أخرى له:
"الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله اصطفاه لوحيه، واختاره لرسالته، بكتاب فصله وفضله، وأعزّه وأكرمه، ونصره وحفظه، ضرب فيه الأمثال، وحلل فيه الحلال، وحرم فيه الحرام، وشرع فيه الدين؛ إعذارًا وإنذارًا لئلا يكون
(2/189)

للناس على الله حجة بعد الرسل، ويكون بلاغا لقوم عابدين1. أوصيكم عباد الله بتقوى الله العظيم الذي ابتدأ الأمور بعلمه، وإليه يصير معادها، وانقطاع مدتها، وتصرم دارها، ثم إني أحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة2، حفت بالشهوات، وراقت بالقليل، وأينعت بالفاني، وتحببت بالعاجل، لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجيعتها، أكالة غوالة غرارة، لا تبقى على حال، ولا يبقى لها حال. لن تعدو الدنيا إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا بها أن تكون كما قال الله عَزَّ وَجَلَّ: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} نسأل الله ربنا وإلهنا وخالقنا ومولانا أن يجعلنا وإياكم من فزع يومئذ آمنين، إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله، يقول الله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} .
"العقد الفريد: 2: 142"
__________
1 أي همهم العبادة.
2 ناضرة.
3 أي عنتكم "مشقتكم".
(2/190)

164- خطبة معاوية بن يزيد 1 "توفي سنة 64":
أمر معاوية بن يزيد بن معاوية بعد ولايته، فنودي بالشام: الصلاة جامعة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أما بعد: فإني قد نظرت في أمركم، فضعفت عنه، فابتغيت لكم رجلا مثل عمر بن الخطاب رحمة الله عليه حين فزع إليه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت لكم ستة في الشورى
__________
1 استخلف في شهر ربيع الأول سنة 64هـ، ولم يلبث في الخلافة إلا ثلاثة أشهر، وقيل أربعين يومًا.
(2/190)

مثل ستة عمر فلم أجدها، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم، فما كنت لأتزودها ميتًا، وما استمتعت بها حيًّا".
ثم دخل منزله ولم يخرج إلى الناس، وتغيب حتى مات1.
"تاريخ الطبري 7: 34، والفخري ص107، ومروج الذهب 2: 97"
__________
1 قيل: دس إليه، فسقي سُمًّا، وقال بعضهم: طعن، وتوفي وهو ابن ثلاث عشرة سنة وثمانية عشر يوما، وقيل، ابن إحدى وعشرين سنة.
(2/191)

165- وصية مروان بن الحكم لابنه عبد العزيز:
ولما انصرف مروان بن الحكم من مصر إلى الشام استعمل عبد العزيز ابنه على مصر، وقال له حين ودعه:
"أرسل حكيمًا ولا توصه، أي بني انظر إلى عمالك فإن كان لهم عندك حقٌّ غدوةً فلا تؤخره إلى عشية، وأعطهم حقوقهم عند محلها، تستوجب بذلك الطاعة منهم، وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب، فإنهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدقوك في الحق، واستشر جلساءك وأهل العلم، فإن لم يستبن لك فاكتب إلي يأتك رأيي فيه إن شاء الله تعالى، وإن كان بك غضب على أحد من رعيتك، فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب، واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك، ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب منطفئ الجمرة، فإن أول من جعل السجن كان حليمًا ذا أناة، ثم انظر إلى أهل الحسب والدين والمروءة، فليكونوا أصحابك وجلساءك، ثم اعرف منازلهم منك على غيرهم، على غير استرسال ولا انقباض، أقول هذا وأستخلف الله عليك".
"العقد الفريد 1: 49"
(2/191)

خطب عبد الملك بن مروان
خطبته بمكة
...
خطب عبد الملك بن مروان "توفى سنة 86هـ":
166- خطبته بمكة:
خطب بمكة فقال في خطبته:
"أيها الناس: إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف "يريد عثمان بن عفان" ولا بالخليفة المداهن "يريد معاوية بن أبي سفيان" ولا بالخليفة المأفون1 "يريد يزيد بن معاوية" فمن قال برأسه كذا، قلنا له بسيفنا كذا". ثم نزل2.
"العقد الفريد 2: 142 و263 والبيان والتبيين 2: 85".
__________
1 المأفون: الضعيف الرأي والعقل.
2 قال أبو إسحق النظام: "أما والله لولا نسبك من هذا المستضعف وسببك من هذا المداهن لكنت منها أبعد من العَيُّوق "بفتح العين وتشديد الياء، نجم أحمر مضيء يتلو الثريا" والله ما أخذتها بوراثة، ولا سابقة، ولا قرابة، ولا بدعوى شورى، ولا بوصية".
(2/192)

167- خطبة له موجزة:
وخطب على المنبر فقال:
"أيها الناس إن الله حد حدودًا، وفرض فروضًا، فما زلتم تزدادون في الذنب، ونزداد في العقوبة، حتى اجتمعنا نحن وأنتم عند السيف".
"العقد الفريد 2: 263".
(2/192)


خطبته حين قتل عمر الأشدق بن سعيد بن العاص
...
168- خطبته حين قتل عمرا الأشدق بن سعيد بن العاص: 1
"ارموا بأبصاركم نحو أهل المعصية، واجعلوا سلفكم لمن غبر منكم عظة، ولا تكونوا أغفالا2 من حسن الاعتبار، فتنزل بكم جائحة3 السطوات، وتجوس خلالكم بوادر النقمات، وتطأ رقابكم بثقلها العقوبة، فتجعلكم همدا رفاتا4، وتشتمل عليكم بطون الأرض أمواتًا، فإياي من قول قائل، ورشقة جاهل، فإنما بيني وبينكم أن أسمع النغوة5، فأصمم تصميم الحسام المطرور6، وأصول صيال الحنق الموتور7، وإنما هي المصافحة والمكافحة، بظبات السيوف وأسنة الرماح، والمعاودة لكم بسوء الصباح، فتاب تائب، وهدل خائب8، والتوب مقبول، والإحسان مبذول،
__________
1 وذلك أنه لما كانت الفتنة بعد موت معاوية الثاني، وانحاز الضحاك بن قيس الفهري عن مروان بن الحكم، واستمال الناس ودعا إلى ابن الزبير، التقى وعمرو بن سعيد الأشدق "وهو عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف" فقال الأشدق لمروان: هل لك فيما أقوله لك؟ فهو خير لي ولك، فقال مروان: وما هو؟ قال: أدعو الناس إليك وآخذها لك على أن تكون لي من بعدك، فقال مروان: لا بل بعد خالد بن يزيد بن معاوية، فرضي الأشدق بذلك، ودعا الناس إلى بيعة مروان فأجابوا، وبايع مروان بعده لخالد بن يزيد، ولعمرو بن سعيد بعد خالد، ثم مات مروان وخلفه ابنه عبد الملك؛ ولما اعتزم عبد الملك أن يخرج إلى العراق لقتال مصعب بن الزبير بنفسه قال له عمرو: إنك تخرج إلى العراق، وقد كان أبوك وعدني هذا الأمر من بعده، وعلى ذلك جاهدت معه، وقد كان من بلائي معه ما لم يخف عليك، فاجعل لي هذا الأمر من بعدك، فلم يجبه عبد الملك إلى شيء، فلما كان من دمشق على ثلاث مراحل أغلق عمرو بن سعيد دمشق وخالف عليه، فرجع إلى دمشق وحاصرها حتى صالح عمرو بن سعيد على أنه الخليفة بعده، ففتح له، ثم إن عبد الملك احتال له حتى قتله سنة 69.
2 غبر: بقي، وأغفال جمع غفل كقفل.
3 الجوح والاجتياح: الإهلاك والاستئصال.
4 الهامد: البالي من كل شيء، والرفات: الحطام.
5 النغوة والنغية: أول الخبر قبل أن تستثبته.
6 المشحوذ، من الطر: وهو تحديد السكين وغيرها.
7 صاحب الوتر: وهو الثأر.
8 هدله يهدله كضربه: أرخاه، وهدل المشفر كفرح: استرخى أي ضعف الخائب وخار، ولعله حائب من الحوب بفتح الحاء وضمها وهو الإثم. حاب بكذا أثم حوبا أي ضعف الأثيم المذنب.
(2/193)

لمن عرف رشده، وأبر حظه، فانظروا لأنفسكم، وأقبلوا على حظوظكم، وليكن أهل الطاعة يدًا على أهل الجهل من سفهائكم، واستديموا النعمة التي ابتدأتكم برغيد عيشها، ونفيس زينتها، فإنك من ذلك بين فضيلتين: عاجل الخفض والدعة، وآجل الجزاء والمثوبة، عصمكم الله من الشيطان وفتنته ونزغه1، وأمدكم بحسن معونته وحفظه، انهضوا رحمكم الله إلى قبض أعطياتكم، غير مقطوعة عنكم، ولا مكدرة عليكم".
"صبح الأعشى 1: 218".
__________
1 نزغ بينهم: أفسد وأغرى.
(2/194)

169- خطبته لما دخل الكوفة بعد قتل مصعب بن الزبير: 1
لما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير سنة 71هـ دخل الكوفة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قال:
"أيها الناس إن الحرب صعبة مرة، وإن السلم أمن ومسرة، وقد زبنتنا الحرب وزبناها2 فعرفناها وألفناها، فنحن بنوها وهي أمنا. أيها الناس فاستقيموا على سبل الهدى، ودعوا الأهواء المردية، وتجنبوا فراق جماعات المسلمين، ولا تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين وأنتم لا تعملون أعمالهم، ولا أظنكم تزدادون بعد الموعظة إلا شرًّا، ولن نزداد بعد الإعذار إليكم والحجة عليكم إلا عقوبة، فمن شاء منكم أن يعود بعد لمثلها فليعد، فإنما مثلي ومثلكم كما قال قيس من رفاعة الأنصاري:
من يصلَ ناري بلا ذنب ولا ترة ... يصلَ بنار كريم غير غدار3
أنا النذير لكم مني مجاهرة ... كي لا ألام على نهي وإنذار
__________
1نسب القلقشندي هذه الخطبة إلى معاوية وذكر أنه خطبها بصفين "صبح الأعشى 1: 215" وعزاها القالي في الأمالي إلى عبد الملك بن مروان وهو ما نرجحه لما يدل عليه سياق الخطبة.
2 أي دفعتنا ودفعناها، والزبن: الدفع، ومنه اشتقاق الزبانية "جمع زبنية أو زبني بكسر الزاي وسكون الباء" لأنهم يدفعون أهل النار إلى النار ومنه أيضًا حرب زبون بفتح الزاي.
3 الترة والوتر: الثأر.
(2/194)

فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا ... أن سوف تلقون خِزْيًا ظاهر العار
لترجعن أحاديثا ملعَّنة ... لهو المقيم ولهو المدلج الساري1
من كان في نفسه حوجاء يطلبها ... عندي فإني له رهن بإصحار2
أقيم عوجته إن كان ذا عوج ... كما يقوِّمُ قدح النبعة الباري3
وصاحب الوتر ليس الدهر مدركه ... عندي، وإني لدرَّاك بأوتار
"الأمالي 1: 12".
__________
1 أدلج: سار من أول الليل، فإن سار من آخره فقد ادلج بالتشديد، والساري: الذي يسير بالليل.
2 الحوجاء: الحاجة. وقوله بأصحار: أي لا أستتر عنه، ولا أمتنع في الأماكن الحصينة، من أصحر القوم: برزوا إلى الصحراء.
3 العوج بالفتح في كل ما كان منتصبا مثل الإنسان والعصار والعود وشبهه، والعوج بالكسر: ما كان في بساط أو أرض معاش أو دين، قيل بالفتح مصدر وبالكسر اسم منه، والقدح: السهم قبل أن يراش وينصل، جمعه قداح، والنبعة واحدة النبع وهو شجر القسي والسهام.
(2/195)

170- خطبته عام حجه:
وحج عبد الملك في بعض أعوامه، فأمر الناس بالعطاء، فخرجت بدرة1 مكتوب عليها من الصدقة، فأبى أهل المدينة قبولها، وقالوا: إنما كان عطاؤنا من الفيء، فقال عبد الملك وهو على المنبر:
"يا معشر قريش، مثلنا ومثلكم أن أخوين في الجاهلية خرجا مسافرين، فنزلا في ظل شجرة تحت صفاة2، فلما دنا الرواح خرجت إليهما من تحت الصفاة حية تحمل دينارًا، فألقته إليهما، فقالا: إن هذا لمن كنز، فأقاما عليها ثلاثة أيام، كل يوم تخرج إليهما دينارا، فقال أحدهما لصاحبه: إلى متى ننتظر هذه الحية؟ ألا نقتلها ونحفر هذا الكنز فنأخذه، فنهاه أخوه، وقال: ما تدري لعلك تعطب ولا تدرك المال، فأبى عليه
__________
1 البدرة: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار.
2 الصفاة: الحجر الصلد الضخم.
(2/195)

وأخذ فأسا معه، ورصد الحية حتى خرجت، فضربها ضربة جرحت رأسها ولم تقتلها، فثارت الحية، فقتلته، ورجعت إلى جحرها، فقام أخوه، فدفنه، وأقام حتى إذا كان من الغد خرجت الحية معصوبًا رأسها، ليس معها شيء، فقال لها: يا هذه إني والله ما رضيت ما أصابك، ولقد نهيت أخي عن ذلك، فهل لك أن نجعل الله بيننا أن لا تضريني ولا أضرك وترجعين إلى ما كنت عليه؟ قالت الحية: لا، قال: ولم ذلك؟ قالت: إني لأعلم أن نفسك لا تطيب لي أبدًا وأنت ترى قبر أخيك، ونفسي لا تطيب لك أبدًا وأنا أذكر هذه الشجة1، وأنشدهم شعر النابغة:
فقالت أرى قبرًا تراه مقابلي ... وضربة فأس فوق رأسي فاغره
فيا معشر قريش وليكم عمر بن الخطاب، فكان فظا غليظا مضيقا عليكم، فسمعتم له وأطعتم، ثم وليكم عثمان فكان سهلا، فعدوتم عليه فقتلتموه، وبعثنا عليكم "مسلمًا"2 يوم الحرة فقتلناكم، فنحن نعلم يا معشر قريش أنكم لا تحبوننا أبدا، وأنتم تذكرون يوم الحرة، ونحن لا نحبكم أبدًا ونحن نذكر قتل عثمان".
"مروج الذهب 2: 129".
__________
1 راجع مجمع الأمثال للميداني 2: 6 في المثل: "كيف أعاودك وهذا أثر فاسك".
2 هو مسلم بن عقبة المري صاحب وقعة الحرة، وذلك أن أهل المدينة كانوا كرهوا خلافة يزيد بن معاوية وخلعوه وحصروا من كان بها من بني أمية وأخافوهم، فوجه إليها مسلم بن عقبة، فحاصرها من جهة الحرة، "موضع بظاهر المدينة" ودخلها، ودعا الناس للبيعة على أنهم خول ليزيد يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء، وقد أباح المدينة ثلاثا: فقتل، ونهب، وسبى، وقيل: إن الرجل من أهل المدينة بعد ذلك كان إذا زوج ابنته لا يضمن بكارتها، ويقول: لعلها افتضت في وقعة الحرة. "وكانت في ذي الحجة من سنة 63هـ".
(2/196)

171- خطبته وقد علم بخروج ابن الأشعث:
ولما ورد إليه كتاب الحجاج ينبئه بخروج ابن الأشعث خرج إلى الناس فقام فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
(2/196)

"إن أهل العراق طال عليهم عمري، فاستعجلوا قدري، اللهم سلط عليهم سيوف أهل الشام حتى يبلغوا رضاك، فإذا بلغوا رضاك لم يجاوزوا إلى سخطك" ثم نزل.
"تاريخ الطبري 8: 10".
(2/197)

172- وصيته لبعض أمرائه:
وأوصى عبد الملك أميرًَا سيره إلى أرض الروم، فقال:
"أنت تاجر الله لعباده، فكن كالمضارب الكيس الذي إن وجد ربحا اتَّجَرَ، وإلا تحفظ برأس المال، ولا تطلب الغنيمة حتى تحرز السلامة، وكن من احتيالك على عدوك أشد حذرًا من احتيال عدوك عليك".
"العقد الفريد 1: 41".
(2/197)

173- وصيته للشعبي:
وروى المسعودي في مروج الذهب قال:
ولما أفضى الأمر إلى عبد الملك بن مروان، تاقت نفسه إلى محادثة الرجال والأشراف في أخبار الناس، فلم يجد من يصلح لمنادمته غير الشعبي، فلما حمل إليه ونادمه، قال له:
"يا شعبي، لا تساعدني على ما قبح، ولا ترد علي الخطأ في مجلسي، ولا تكلفني جواب التشميت1 والتهنئة، ولا جواب السؤال والتعزية، ودع عنك "كيف أصبح الأمير، وكيف أمسى". وكلمني بقدر ما أستطعمك، واجعل بدل المدح لي صواب الاستماع مني، واعلم أن صواب الاستماع أكثر من صواب القول، وإذا سمعتني أتحدث فلا يفوتنك منه شيء، وأرني فهمك من طرفك وسمعك، ولا تجهد نفسك في نظر2
__________
1 التشميت: الدعاء للعاطس.
2 في الأصل: "في نظرية صوابي" وأراه محرفا، والنظر: الانتظار.
(2/197)

صوابي، ولا تستدع بذلك الزيادة في كلامي، فإن أسوأ الناس حالا من استكد الملوك بالباطل، وإن أسوأ الناس حالا منهم من استخف بحقهم، واعلم يا شعبي أن أقل من هذا يذهب بسالف الإحسان، ويسقط حق الحرمة. فإن الصمت في موضعه ربما كان أبلغ من النطق في موضعه وعند إصابته وفرصته".
"مروج الذهب 2: 109".
(2/198)

174- وصيته لأخيه عبد العزيز بن مروان:
وأوصى عبد الملك بن مروان أخاه عبد العزيز حين ولاه مصر فقال:
"ابسط بشرك، وألن كنفك، وآثر الرفق في الأمور، فإنه أبلغ بك، وانظر حاجبك، فليكن من خير أهلك، فإنه وجهك ولسانك، ولا يقفن أحد ببابك إلا أعلمك مكانه، لتكون أنت الذي تأذن له أو ترده، وإذا خرجت إلى مجلسك فابدأ بالسلام، يأنسوا بك، وتثبت في قلوبهم محبتك، وإذا انتهى إليك مشكل، فاستظهر عليه بالمشاورة، فإنها تفتح مغاليق1 الأمور، وإذا سخطت على أحد فأخر عقوبته، فإنك على العقوبة بعد التوقف عنه أقدر منك على ردها بعد إمضائها".
__________
1 جمع مغلاق بكسر الميم: وهو ما يغلق به الباب.
(2/198)

175- وصيته لولده عند وفاته:
نظر عبد الملك إلى ابنه الوليد وهو يبكي عليه عند رأسه، فقال:
"يا هذا أحنين الحمامة؟ إذا أنا متُّ فشمرْ واتَّزِرْ، والبسْ جلد نمر، وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه لك، فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه،
(2/198)

ثم أقبل عبد الملك يذم الدنيا، قال: "إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لقليل، وإن كنا منك لفي غرور". ثم أقبل على جميع ولده فقال: "أوصيكم بتقوى الله، فإنها عصمة باقية، وجنة واقية، فالتقوى خير زاد، وأفضل في المعاد، وهي أحصن كهف، وليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير حق الكبير، مع سلامة الصدور، والأخذ بجميل الأمور، وإياكم والبغي والتحاسد، فبهما هلك الملوك الماضون، وذوو العز المكين، يا بنيّ: أخوكم مسلمة نابُكم الذي تفرون1 عنه، ومِجَنِّكُم2 الذي تستجنون به، أصدروا عن رأيه، وأكرموا الحجاج فإنه الذي وطأ لكم هذا الأمر، كونوا أولادا أبرارا، وفي الحروب أحرارا، وللمعروف منارا، وعليكم السلام".
"مروج الذهب 2: 154".
__________
1 فر الدابة: كشف عن أسنانها لينظر ما سنها.
2 المجن: الترس.
(2/199)

176- خطبة للوليد بن عبد الملك بعد دفن أبيه "توفي سنة 96هـ":
لما رجع الوليد من دفن عبد الملك لم يدخل منزله حتى دخل المسجد، ونادى في الناس: الصلاة جامعة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس إنه لا مؤخر لما قدَّم الله، ولا مقدم لما أخر الله، وقد كان من قضاء الله وسابق علمه، وما كتب على أنبيائه، وحملة عرشه من الموت موت ولي هذه الأمة، ونحن نرجو أن يصير إلى منازل الأبرار، للذي كان عليه من الشدة على المريب، واللين على أهل الفضل والدين، مع ما أقام من منار الإسلام وأعلامه، وحج هذا البيت وغزو هذه الثغور، وشن الغارات على أعداء الله، فلم يكن فيها عاجزًا ولا وانيًا، ولا مفرطًا، فعليكم أيها الناس بالطاعة، ولزوم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الجماعة أبعد، واعلموا أنه من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه". ثم نزل.
"العقد الفريد 2: 142، وتاريخ الطبري 8: 59".
(2/199)

177- خطبة لسليمان بن عبد الملك "توفي سنة 99هـ":
"الحمد لله، ألا إن الدنيا دار غرور، ومنزل باطل، تضحك باكيًا، وتبكي ضاحكًا، وتخيف آمنًا، وتؤمن خائفًا، وتفقر مثريًا، وتثري مقترًا1 ميالة غرارة، لعّابة بأهلها، عباد الله، فاتخذوا كتاب الله إماما، وارتضوا به حكمًا، واجعلوه لكم قائدًا، فإنه ناسخ لما كان قبله، ولم ينسخه كتاب بعده، واعلموا عباد الله أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان، كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفس ظلام الليل إذا عسعس".
"العقد الفريد 2: 143، وعيون الأخبار م2: ص247، والبيان والتبيين 1: 166"
__________
1 من أقتر، أي افتقر.
2 تنفس الصبح: أسفر، وعسعس الليل: أقبل ظلامه "أو أدبر".
(2/200)

خطب عمر بن عبد العزيز
أولى خطبه
...
خطب عمر بن عبد العزيز "توفي سنة 101هـ":
178- أولى خطبه:
قال العتبي: أول خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز رحمه الله قوله:
"أيها الناس، أصلحوا سرائركم، تصلح لكم علانيتكم، وأصلحوا آخرتكم تصلح دنياك، وإن امرأ ليس بينه وبين آدم أب حي لمعرِق في الموت".
"العقد الفريد 2: 143، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص217".
(2/201)

179- خطبة له بالمدينة:
وفي سنة 87هـ ولَّى الوليد عمر بن عبد العزيز المدينة، فلما قدمها صلى الظهر ودعا عشرة من فقهائها، فدخلوا عليه، فجلسوا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
"إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانًا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة فأُحَرِّج1 اللهَ على من بلغه ذلك إلا بلَّغني".
فخرجوا يجزونه خيرًا.
"تاريخ الطبري 8: 61".
__________
1 التحريج. التضييق، أي فأشدِّد عليه بالله.
(2/201)

180- خطبة أخرى:
وروى المسعودي في مروج الذهب، أنه لما أفضى إليه الأمر، كان أول خطبة خطب الناس بها أن قال:
"أيها الناس، إنما نحن من أصول قد مضت فروعها، فما بقاء فرع بعد أصله؟ وإنما الناس في هذه الدنيا أغراض تنتضل1 فيهم المنايا، وهم فيها نصب المصائب، مع كل جرعة شرق2، وفي كل أكلة غصص، لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يعمر معمر منكم يومًا من عمره إلا بهدم آخر من أجله".
وأورد القالي في الأمالي هذه الخطبة بصورة أطول، وهي:
"ما الجزع مما لا بد منه، وما الطمع فيما لا يرجى، وما الحيلة فيما سيزول؟ وإنما الشيء من أصله، فقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد أصله؟ إنما الناس في الدنيا أغراض تنتضل فيهم المنايا، وهم فيها نهب للمصائب، مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص، ولا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يعمر معمر يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله، وأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم، فأين المهرب مما هو كائن؟، وإنما نتقلب في قدرة الطالب، ما أصغر المصيبة اليوم، مع عظيم الفائدة غدا، وأكبر خيبة الخائب فيه، والسلام".
"مروج الذهب 2: 168، والأمالي 2: 102، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص213".
__________
1 جمع غرض: وهو الهدف، وانتضلت: تناضلت وتبارت في الرمي.
2 شرق بريقه: غص.
(2/202)

181- خطبة أخرى:
وروي أنه لما دفن سليمان بن عبد الملك، وخرج من قبره، سمع للأرض رجة، فقال: ما هذه؟ فقيل: هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين، قربت إليك لتركبها، فقال: ما لي ولها؟ نحوُّها عني، قربوا إلي بغلتي، فقربت إليه، فركبها. وجاءه صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة، فقال: تنحَّ عني، ما لي ولك؟ إنما أنا رجل من المسلمين، فسار، وسار معه الناس، حتى دخل المسجد، فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس، فقال:
"أيها الناس: إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم".
فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك، فَلِ أمرنا باليمن والبركة، فلما رأى الأصوات قد هدأت، ورضي به الناس جميعًا، حمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال:
"أوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خَلَفٌ من كل شيء، وليس من تقوى الله عَزَّ وَجَلَّ خَلَفٌ، واعملوا لآخرتكم، فإنه من عمل لآخرته كفاه الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أمر دنياه وأصلحوا سرائركم، يصلح الله الكريم علانيتكم، وأكثروا ذكرَ الموت، وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنه هادم اللذات، وإن من لا يذكر من آبائه فيما بينه وبين آدم عليه السلام أبًا حيًّا لمعرق في الموت، وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها عَزَّ وَجَلَّ، ولا في نبيها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا في كتابها، وإنما اختلفوا في الدنيار والدرهم، وإني والله لا أعطي أحدًا باطلا، ولا أمنع أحدًا حقًّا، إني لست
(2/203)

بخازن، ولكني أضع حيث أمرت، أيها الناس: إنه قد كان قبلي ولاة تجترون1 مودتهم، بأن تدفعوا بذلك ظلمهم عنكم، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. أقول قولي هذا، وأسغفر الله العظيم لي ولكم".
"سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص53-201، ولابن عبد الحكم ص39".
__________
1 تجتذبون.
(2/204)

182- خطبة أخرى:
وروي أنه لما ولي الخلافة صعد المنبر، وكان أول خطبة خطبها: حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"يأيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس، وإلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما لا نهتدي إليه، ولا يغابن عندنا الرعية، ولا يعترض فيما لا يعنيه".
فانقشع عنه الشعراء والخطباء، وثبت الفقهاء والزهاد، وقالوا: ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل، حتى يخالف قوله فعله.
"سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص196".
(2/204)

183- خطبة أخرى:
وصعد المنبر: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد، أيها الناس، إنه ليس بعد نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبي، وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب، فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة
(2/204)

وما حرم الله على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا إني لستُ بقاضٍ، لكني منفذ لله، ولست بمبتدع، ولكني متبع، ألا إنه ليس لأحد أن يطاع في معصية الله عَزَّ وَجَلَّ، ألا إني لست بخيركم، وإنما أنا رجل منكم، غير أن الله جعلني أثقلكم حملا، يأيها الناس: إن أفضل العبادة أداء الفرائض، واجتناب المحارم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم".
"سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص56، وص198، ولابن عبد الحكم ص38، ومروج الذهب 2: 168".
(2/205)

184- خطبة أخرى:
وخطب فقال:
"أيها الناس، إنكم ميتون، ثم إنكم مبعوثون، ثم إنكم محاسبون، فلعمري لئن كنتم صادقين لقد قصرتم، ولئن كنتم كاذبين لقد هلكتم. يأيها الناس، إنه من يقدر له رزق برأس جبل، أو بحضيض أرض يأته، فأجملوا في الطلب":
"إعجاز القرآن ص124، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص198".
(2/205)

185- خطبة أخرى:
وخطب فقال:
"إن الدنيا ليست بدار قرار، دارٌ كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظعن، فكم عامر موثق عما قليل يخرب، وكم مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة، بأحسن ما يحضركم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.
إنما الدنيا كفيء ظلال قَلَصَ1 فذهب، بينا ابن آدم في الدنيا منافس، وبها قرير عين،
__________
1 الفيء: ما كان شمسًا، فينسخه الظل، وقلص الظل كضرب: انقبض.
(2/205)

إذ دعاه الله بقدره، ورماه بيوم حتفه، فسلبه آثاره ودياره ودنياه، وصير لقوم آخرين مصانعه ومغناه1، إن الدنيا لا تسر بقدْرِ ما تضر، إنها تسر قليلا، وتجرّ حزنًا طويلا".
"سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي 197 وص221".
__________
1 المصانع: المباني من القصور والحصون، والمغنى: المنزل.
(2/206)

186- خطبة له يوم عيد:
وخطب يوم عيد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم تلا ثلاث آيات من كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ ثم قال:
"يأيها الناس، إني وجدت هذا القلب لا يعبر عنه إلا اللسان، ولعمري -وإن لعمري مني لحقًّا1- لوددت أنه ليس من الناس عبد ابتلي بسعة، إلا نظر قطيعًا من ماله، يجعله في الفقراء والمساكين، واليتامى والأرامل، بدأت أنا بنفسي وأهل بيتي، ثم كان الناس بعد".
ثم كان آخر كلمة تكلم بها حين نزل: "لولا سنة أحببتُها، أو بدعة أمتُّها، لم أبال أن لا أبقى في الدنيا إلا فواقًا2".
"سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص201".
__________
1العمر بالفتح والضم: الحياة، والتزموا المفتوح في القسم خاصة تخفيفًا، لكثرة استعماله فيه.
2 الفواق كغراب ويفتح: ما بين الحلبتين من الوقت، أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع.
(2/206)

187- خطبة له:
وخطب فقال:
"أما بعد: أيها الناس، فلا يطولن عليكم الأمد، ولا يبعدن عنكم يوم القيامة، فإن من زافت1 به منيته، فقد قامت قيامته، لا يَسْتَعْتِبُ من سَيِّءٍ، ولا يزيد في حَسَن.
__________
1 من زافت الحمامة: إذا نثرت جناحيها وذنبها وسحبتها على الأرض وفي رواية: "وافته".
(2/206)

ألا لا سلامة لامرئ في خلاف السنة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الله، ألا وإنكم تعدون الهارب من ظلم إمامه عاصيًا، ألا وإن أولاهما بالمعصية الإمام الظالم، ألا وإني أعالج أمرًا لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصُح عليه الأعجميّ، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه دينًا، لا يرون الحق غيره". ثم قال: "إنه لحبيب إليّ أن أوفر أموالكم وأعراضكم إلا بحقها، ولا قوة إلا بالله".
"سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم ص40، ولابن الجوزي ص204".
(2/207)

خطبة له2
...
188- خطبة أخرى:
وصعد ذات يوم المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس، إنما يراد الطبيب للوجع الشديد، ألا فلا وجع أشد من الجهل، ولا داء أخبث من الذنوب، ولاخوف أخوف من الموت". ثم نزل
"سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص207".
(2/207)

خطبة له3
...
189- خطبة أخرى:
وصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فإن هؤلاء القوم قد كانوا أعطونا عطايا1، والله ما كان لهم أن يعطوناها، وما كان لنا أن نقبلها، وإن ذلك قد صار إلي، ليس علي فيه دون الله محاسب، ألا وإني قد رددتها، وبدأت بنفسي وأهل بيتي" اقرأ يا مزاحم -وكان مولاه- وقد جيء قبل ذلك بِسَفَطٍ فيه تلك الكتب، فقرأ مزاحم كتابًا منها، ثم ناوله
__________
1 يريد آباءه وما ورثوه إياه.
(2/207)

عمر، وهو قاعد على المنبر وفي يده جَلَم1، فجعل يَقُصُهُ، واستأنف مزاحم كتابا آخر، فقرأه، ثم دفعه إلى عمر، فقصه، فما زال حتى نودي بصلاة الظهر.
"سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص198"
__________
1 مقص.
(2/208)

190- خطبة له:
وكان يخطب فيقول:
"أيها الناس: من ألمَّ بذنب فليستغفر الله عَزَّ وَجَلَّ وليتُبْ، فإن عاد فليستغفر وليتب، فإن عاد فليستغفر وليتب، فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك كل الهلاك الإصرار عليها".
"سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص198".
(2/208)

191- خطبة له:
وخطب الناس بعد أن جمعهم فقال:
"إني لم أجمعكم لأمر أحدثته، ولكني نظرت في أمر معادكم، وما أنتم إليه صائرون، فوجدت المصدق به أحقَّ"1، والمكذب به هالكًا" ثم نزل.
"سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الحكم ص39".
__________
1 أي أحق بثواب الله ونعيم جنته.
(2/208)

192- خطبة له:
وخطب فقال:
"أيها الناس، لا تستصغروا الذنوب، والتمسوا تمحيص ما سلف منها بالتوبة منها، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين. وقال عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ
(2/208)

إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .
"العقد الفريد 2: 279".
(2/209)

193- خطبة له:
وخطب فقال:
"إن لكل سفر زادًا لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة، وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من ثوابه وعقابه، فرغبوا ورهبوا، ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسوا قلوبكم، وتنقادوا لعدوكم، فإنه والله ما بسط أمل من لا يدري لعله لا يصبح بعد إمسائه، ولا يمسي بعد إصباحه، وربما كانت بين ذلك خطفات المنايا، فكم رأينا ورأيتم من كان بالدنيا مغترًا، فأصبح في حبائل خطوبها ومناياها أسيرًا، وإنما تقرُّ عين1 من وثق بالنجاة من عذاب الله، وإنما يفرح من أمن من أهوال يوم القيامة، فأما من لا يبرأ من كلْم إلا أصابه جارح من ناحية أخرى، فكيف يفرح؟ أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي، فتَخْسَرَ صفقَتِي، وتَظْهَرَ عورتي، وتَبْدُوَ مسكنتي، في يوم يبدو فيه الغني والفقير، والموازين منصوبة، والجوارح ناطقة، فلقد عُنِيتُم بأمر لو عُنِيَتْ به النجوم لانكدرت، ولو عنيت به الجبال لذابت، أو الأرض لانفطرت، أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة، وأنكم صائرون إلى إحداهما؟ ".
"شرح ابن أبي الحديد م1: ص470، والعقد الفريد 2: 143، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص196".
__________
1 قرت عينه: بردت وانقطع بكاؤها، أو رأت ما كانت متشوقة إليه.
(2/209)

194- خطبة له:
وروي أنه قال:
"من وصل أخاه بنصيحة له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى واجب حقه، فاتقوا الله فإنها نصيحة لكم في دينكم، فاقبلوها، وموعظة منجية في العواقب، فالزموها، الرزق مقسوم، فلن يعدو1 المؤمن ما قسم له، فأجملوا في الطلب، فإن في القنوع2 سعة، وبُلْغَةً، وكفافًا، إن أجل الدنيا في أعناقكم، وجهنم أمامكم، وما ترون ذاهب، وما مضى فكأن لم يكن وكلٌّ أمواتٌ عن قريب، وقد رأيتم حالات الميت وهو يسوق3، وبعد فراغه وقد ذاق الموت، والقوم حوله يقولون: قد فرغ رحمه الله، وعاينتم تعجيل إخراجه، وقسمة تراثه، ووجهه مفقود، وذكره منسي، وبابه مهجور كأن لم يخالط إخوان الحفاظ4، ولم يعمر الديار، فاتقوا هول يوم لا يُحقر فيه مثقال ذرة في الموازين".
"تاريخ الطبري 8: 140، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي 205".
__________
1 وفي رواية: "فلن يغدر"، أغدره وغادره: تركه.
2 القنوع: الرضا بالقسم "وهو أيضًا السؤال والتذلل".
3 ساق المريض: شرع في نزع الروح.
4 أي المحافظة على وده.
(2/210)

195- خطبة له:
وقال: "من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن لم يعد كلامه من عمله كثرت ذنوبه، والرضا قليل، ومعول المؤمن الصبر، وما أنعم الله على عبد نعمة ثم انتزعها منه، فأعاذه مما انتزع منه الصبر، إلا كان ما أعاضه خيرًا مما انتزع منه، ثم قرأ هذه الآية: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَا بٍ} .
"تاريخ الطبري 8: 141،وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص213".
(2/210)

196- خطبة له:
وحدث شبيب بن شيبة، عن أبي عبد الملك قال: كنت من حرس الخلفاء قبل عمر، فكنا نقوم لهم، ونبدؤهم بالسلام، فخرج علينا عمر بن عبد العزيز رَضِيَ اللَّهُ عَنْه في يوم عيد، وعليه قميص كتان، وعمامة على قلنسوة لاطئة1، فمثلنا بين يديه، وسلمنا عليه، فقال: مه أنتم جماعة وأنا واحد، السلام علي، والرد عليكم، وسَلَّمَ فرددْنا، وقربت له دابته فأعرض عنها، ومشى ومشينا، حتى صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه وصلى على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال:
"وددت أن أغنياء الناس اجتمعوا، فردوا على فقرائهم، حتى نستوي نحن بهم، وأكون أنا أولهم"، ثم قال: "ما لي وللدنيا؟ أم ما لي ولها؟ وتكلم فأرق، حتى بكى الناس جميعًا، يمينًا وشمالا"، ثم قطع كلامه ونزل، فدنا منه رجاء بن حيوة، فقال له: يا أمير المؤمنين، كلمت الناس بما أرق قلوبهم وأبكاهم، ثم قطعته أحوج ما كانوا إليه، فقال: يا رجاء إني أكره المباهاة".
"العقد الفريد 2: 143".
__________
1 لاطئة: لازقة.
(2/211)

197- آخر خطبة له:
وخطب بخناصرة1 خطبة لم يخطب بعدها حتى مات! رحمه الله تعالى، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: إنكم لم تخلقوا عبثًا، ولم تُتركوا سدًى، وإن لكم معادًا يحكم الله فيه بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحُرِمَ الجنةَ التي عرضها السموات والأرض، واعلموا أن الأمان غدًا لمن خاف ربه، وباع قليلا بكثير
__________
1 خناصرة: بلد بالشام من عمل حلب.
(2/211)

وفانيًا بباقٍ، ألا ترون أنكم في أسلاب1 الهالكين، وسيخلفها من بعدكم الباقون، كذلك حتى تُردوا إلى خير الوارثين، ثم أنتم في كل يوم تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله، قد قضى نحبه2 وبلغ أجله، ثم تغيبونه في صدع3 من الأرض، ثم تدعونه غير مُوسَدٍ ولا مُمهَدٍ، قد خلع الأسبابَ، وفارقَ الأحبابَ، وواجه الحسابَ، مرتَهَنًا بعمله، غنيًّا عما ترك، فقيرًا إلى ما قَدَّمَ، وايم الله إني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي، فأستغفر الله لي ولكم، وما تبلغنا عن أحد منكم حاجة يتسع لها ما عندنا إلا سددناها، ولا أحد منكم إلا وددت أن يده مع يدي، ولحمتي4 الذين يَلُونني، حتى يستوي عيشنا وعيشكم، وايم الله إني لو أردتُ غير هذا من عيش أو غضارة5 لكان اللسان مني ناطقا ذلولا، عالما بأسبابه، لكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة، دلَّ فيها على طاعته، ونهى فيها عن معصيته"، ثم بكى، فتلقى دموع عينيه بطرف ردائه، ثم نزل، فلم يُرَ على تلك الأعواد حتى قبضه الله.
"البيان والتبيين 2: 60، والعقد الفريد 2: 144، وتاريخ الطبري 8: 140، وشرح ابن أبي الحديد م1: ص470؛ والأغاني 8: 152، وعيون الأخبار م2: ص246، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص222، ولابن عبد الحكم ص41 و136".
__________
1 جمع سلب بالتحريك: وهو ما يسلب.
2 النحب: الأجل، والحاجة، والنذر.
3 شق.
4 اللحمة: القرابة.
5 الغضارة: النعمة، والسعة، والخصب.
(2/212)

خطبة عاشرا أخرى
...
198- خطبة أخرى
وروى أن آخر خطبة خطبها رحمه الله: حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس. الحقو ببلادكم، فإني أنساكم عندي، وأذكركم ببلادكم، ألا وإني قد استعملت عليكم رجالا، لا أقول هم خياركم، ولكنهم خيرٌ ممن هم شرٌّ منهم، ألا فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علي1، ألا وإني منعت نفسي وأهل بيتي هذا
__________
1 أي يدخل علي بلا إذن، لا يحول بيني وبينه حاجب.
(2/212)

المال، فإن ضننت به عليكم إني إذن لضنين، والله لولا أن أنعش1 سنة، أو أسير بحق، ما أحببت أن أعيش فَواقا".
"سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص210، ولابن عبد الحكم ص39"
__________
1 نعشه كمنع وأنعشه: رفعه.
(2/213)

199- كلامه في مرضِهِ الذي مات فيه:
ودخل عليه مسلمة بن عبد الملك في المرضة التي مات فيها، فقال له: يا أمير المؤمنين إنك فطمت أفواه ولدك عن هذا المال، وتركتهم عالة1، ولا بد من شيء يصلحهم، فلو أوصيت بهم إلي أو إلى نظرائك من أهل بيتك، لكفيتك مئونتهم إن شاء الله" فقال عمر: أجلسوني. فأجلسوه، فقال:
"الحمد لله، أبالله تخوفني يا مسلمة! أما ما ذكرت ن أني فطمت أفواه ولدي عن هذا المال، وتركتهم عالة، فإني لم أمنعهم حقًّا هو لهم، ولم أعطهم حقًّا هو لغيرهم؛ وأما ما سألتى من الوصاة إليك، أو إلى نظرائك من أهل بيتي فإن وصيتي بهم إلى الله الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين، وإنما بنو عمر أحد رجلين: رجل اتقى الله، فجعل الله له من أمره يسرا، ورزقه من حيث لا يحتسب، ورجل غيّر وفجر، فلا يكون عمر أول من أعانه على ارتكابه، ادعوا لي بني، فدعوهم، وهم يومئذ اثنا عشر غلامًا، فجعل يصعد بصره فيهم ويصوبه، حتى اغرورقت عيناه بالدمع، ثم قال: "بنفسي فتية تركتهم ولا مال لهم! يا بني: إني قد تركتكم من الله بخير، إنكم لا تمرون على مسلم ولا معاهد إلا ولكم عليه حق واجب إن شاء الله، يا بني مَيَّلْتُ2 رأيي بين أن تفتقروا في الدنيا، وبين أن يدخل أبوكم النار، فكان
__________
1 فقراء جمع عائل من عال يعيل عيلة "بفتح العين" أي افتقر.
2 التمثيل بين الشيئين كالترجيح بينهما، تقول العرب: إني لأميل بين ذينك الأمرين، وأمايل بينهما أيهما آتي.
(2/213)

أن تفتقروا إلى آخر الأبد خيرًا من دخول أبيكم يومًا واحدًا في النار، قوموا يا بني عصمكم الله ورزقكم" قالوا: فما احتاج أحد من أولاد عمر، ولا افتقر.
"العقد الفريد 2: 280، سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص280".
(2/214)

200- مناظرة عمر بن عبد العزيز للخوارج:
خرج سنة مائة بالجزيرة شوذب الخارجي -واسمه بسطام من بني يشكر- فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: بلغني أنك خرجت غضبًا لله ولرسوله، ولست أولى بذلك مني، فهلم إلي أناظرك، فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك، نظرنا في أمرك، فكتب بسطام إلى عمر: قد أنصفت، وقد بعثت إليك رجلين يدارسانك ويناظرانك، وأرسل إلى عمر مولى لبني شيبان حبشيًّا اسمه عاصم، ورجلا من بني يشكر، فقدما على عمر بخناصرة، فأخبر بمكانهما، فقال: فتشوهما لا يكن معهما حديد وأدخلوهما، فلما دخلا قالا: السلام عليك، ثم جلسا، فقال لهما عمر: أخبراني ما الذي أخرجكم مخرجكم هذا؟ وما نقمتم علينا؟ فقال عاصم: ما نقمنا سيرتك، إنك لتتحرى العدل والإحسان، فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر، أعن رضا من الناس ومشورة، أم ابتززتم أمرهم؟ فقال عمر: ما سألتهم الولاية عليهم، ولا غلبتهم عليها، وعهد إلي رجل كان قبلي، فقمت ولم ينكره علي أحد، ولم يكرهه غيركم، وأنتم ترون الرضا بكل من عَدَلَ وأنصف، من كان من الناس، فاتركوني ذلك الرجل، فإن خالفت الحق ورغبت عنه فلا طاعة لي عليكم، فقالا: بيننا وبينك أمر، إن أنت أعطيتناه فنحن منك وأنت منا، وإن منعتناه فلست منا ولسنا منك، فقال عمر: وما هو؟ قالا: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك، وسميتها مظالم، وسلكت غير سبيلهم، فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلال، فالعنهم وتبرأ منهم، فهذا الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق، فتكلم عمر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
(2/214)

"إني قد علمت أنكم لم تخرجوا مخرجكم هذا لطلب دنيا ومتاعها، ولكنكم أردتم الآخرة، فأخطأتم سبيلها، إن الله عَزَّ وَجَلَّ لم يبعث رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعانًا وقال إبراهيم: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقال الله عَزَّ وَجَلَّ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} ، وقد سميت أعمالهم ظلمًا، وكفى بذلك ذمًا ونقصًا، وليس لعن أهل الذنوب فريضة لا بد منها، فإن قلتم إنها فريضة فأخبرني متى لعنت فرعون؟ قال: ما أذكر متى لعنته. قال: أفيسعك أن لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق وشرهم، ولا يسعني أن لا ألعن أهل بيتي وهم مصلون صائمون؟ قال: أما هم كفار بظلمهم؟ قال: لا؛ لأنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا الناس إلى الإيمان، فكان من أقرَّ به وبشرائعه قبل منه، فإن أحدَثَ حدثًا أُقِيمَ عليه الحد، فقال الخارجي: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا الناس إلى توحيد الله والإقرار بما نزل من عنده. قال عمر: فليس أحد منهم يقول: لا أعمل بسنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن القوم أسرفوا على أنفسهم، على علم منهم أنه محرم عليهم، ولكن غلب عليهم الشقاء قال عاصم: فابرأ ممن خالف عملك، وردَّ أحكامهم، قال عمر: أخبراني عن أبي بكر وعمر: أليسا من أسلافكما وممن تتوليان، وتشهدان لهما بالنجاة؟ قالا: اللهم نعم. قال: فهل علمتما أن أبا بكر حين قُبِضَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فارتدت العربُ، قاتلَهُم فسَفَكَ الدماء، وأَخَذَ الأموالَ، وسبى الذراري؟ قالا: نعم. قال: فهل علمتم أن عمر قام بعد أبي بكر، فردَّ تلك السبايا إلى عشائرِها بفدية؟ قالا: نعم، قال: فهل بَرِئَ عمرُ من أبي بكر، أو تبرءون أنتم من أحدٍ منهما؟ قالا: لا. قال: فأخبراني عن أهل النهروان أليسوا من صالحي أسلافكم وممن تشهدون لهم بالنجاة؟ قالا: بلى، قال: فهل تعلمون أن أهل الكوفة حين خرجوا كفوا أيديهم فلم يسفكوا دمًا، ولم يخيفوا آمنًا، ولم يأخذوا مالا؟ قالا: نعم. قال: فهل علمتم أن أهل البصرة حين خرجوا مع مسعر بن فُدَيك، اسْتَعْرَضُوا الناسَ يَقْتُلُونهم، ولقوا عبد الله بن خبّاب
(2/215)

ابن الأرتّ، صاحب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقتلوه، وقتلوا جاريته؟ ثم صَبَّحُوا حيًّا من أحياء العرب، فاستعرضوهم، فقتلوا الرجال والنساء والأطفال حتى جعلوا يلقون الصبيان في قدور الإقط1 وهي تفور؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل ييرئ أهل البصرة من أهل الكوفة، وأهل الكوفة من أهل البصرة؟ قالا: لا. قال: فهل تبرءون أنتم من إحدى الطائفتين؟ قالا: لا. قال: أرأيتم الدين واحدًا أم اثنين؟ قالا: بل واحدًا. قال: فهل يسعكم فيه شيء يعجز عني؟ قالا: لا. قال: فكيف وسعكم أن توليتم أبا بكر وعمرو، وتولى أحدهما صاحبه، وتوليتم أهل البصرة وأهل الكوفة، وتولى بعضهم بعضًا، وقد اختلفوا في أعظم الأشياء، في الدماء والفروج والأموال، ولا يسعني فيما زعمتم إلا لعن أهل بيتي والتبرؤ منهم؟ ويحكم! إنكم قومٌ جهال، أردتم أمرًا، فأخطأتموه، فأنتم تردون على الناس ما قبل منهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده. قالا: ما نحن كذلك. قال عمر: بل سوف تقرُّون بذلك الآن، هل تعلمون أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث إلى الناس وهم عبدة أوثان، فدعاهم إلى خلع الأوثان، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن فعل ذلك حقن دمه وأحرز ماله، ووجبت حرمته، وكانت له أسوة المسلمين؟ قالا: نعم. قال: أفلستم أنتم تلقَوْن من يخلع الأوثان، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فتستحلون دمه وماله، وتلقَوْن من ترك ذلك وأباه من اليهود والنصارى وسائر الأديان، فيأمن عندكم، وتحرمون دمه؟ فقال اليشكري: أرأيت رجلا ولي قومًا وأموالهم، فعدل فيها، ثم صيرها بعده إلى رجل غير مأمون، أتراه أدى الحق الذي يلزمه لله عَزَّ وَجَلَّ؟ أو تراه قد سلم؟ قال عمر: لا. قال: أفتسلّم هذا الأمر إلى يزيد2 من بعدك وأنت تعرف أنه لا يقوم فيه بالحق؟ قال: إنما ولاه غيري،
__________
1 الأقط بفتح الهمزة وكسرها: شيء يتخذ من المخيض الغنمي.
2 هو يزيد بن عبد الملك، وقد ولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز "سنة 101- سنة 105هـ".
(2/216)

والمسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدي، قال: أفترى ذلك من صنع من ولاه حقًّا؟ فبكى عمر وقال: أنظراني1 ثلاثًا فخرجا من عنده ثم عادا إليه، فقال عاصم: أشهد أنك على حقٍّ، فقال عمر لليشكري: ما تقول أنت؟ قال: ما أحسن ما وصفت، ولكن لا أقتات على المسلمين بأمر، أعرض عليهم ما قلت، وأعلم حجتهم، فأما عاصم فأقام عند عمر، فأمر له عمر بالعطاء، فتوفي بعد خمسة عشر يومًا، فكان عمر يقول: أهلكني أمر يزيد وخصمت فيه، فأستغفر الله، فخاف بنو أمية أن يُخرج ما بأيديهم من الأموال، وأن يخلع يزيد من ولاية العهد، فوضعوا على عمر من سقاه سُمًّا، فلم يلبثْ بعد ذلك إلا ثلاثًا، حتى مرض ومات".
"الكامل لابن الأثير 5: 17، ومروج الذهب 2: 171، والعقد الفريد 1: 216، وتاريخ الطبري 8: 131، سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم ص 130، ولابن الجوزي 77".
__________
1 أمهلاني.
(2/217)

201- تأبينه ابنه عبد الملك:
ولما دفن عمر بن عبد العزيز ابنه عبد الملك، وسوى عليه قبره بالأرض، وجعلوا على قبره خشبتين من زيتون، إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، استوى عمر قائمًا، وأحاط به الناس، فقال:
"رحمك الله يا بني، فقد كنت برًّا بأبيك، والله ما زلت مذ وهبك الله لي بك مسرورًا، ولا والله ما كنت قط أشد سرورًا بك، ولا أرجى لحظي من الله فيك، منذ وضعتك في الموضع الذي صيرك الله إليه، فغفر الله لك ذنبك، وجازاك بأحسن عملك، وتجاوز عن سيئاتك، ورحم الله كل شافع يشفع لك بخير، من شاهد أو غائب، رضينا بقضاء الله، وسلمنا لأمره، والحمد لله رب العالمين".
"البيان والتبيين 2: 182، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي 264".
(2/217)

202- خطبة يزيد بن الوليد حين قتل الوليد بن يزيد: 1
حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: والله ما خرجت أشرا ولا بطرا، ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي، وإني لظلوم لها إن لم يرحمني الله، ولكن خرجت غضبا لله ودينه، داعيا إلى الله، وإلى سنة نبيه، لما هديت معالم الهدى، وأطفئ نور أهل التوقي، وظهر الجبار العنيد2، المستحل لكل حرمة، والراكب لكل بدعة، الكافر بيوم الحساب، وإنه لابن عمي في النسب، وكفيئي3 في الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره، وسألته ألا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي، حتى أراح الله منه العباد، وطهر منه البلاد، بحوله وقوته، لا بحولي وقوتي.
أيها الناس: إن لكم علي ألا أضع حجرًا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكرى4 نهرًا، ولا أكنز مالا، ولا أعطيه زوجًا، ولا ولدًا، ولا أنقله من بلد إلى
__________
1 قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة 126هـ، وكان قبل الخلافة منهمكا في اللهو، وشرب الخمر، وانتهاك حرمات الله، فلما أفضت إليه الخلافة، لم يزدد إلا انغماسًا في اللذات، واستهتارًا بالمعاصي، ذلك إلى ما ارتكبه من إغضاب أكابر أهله، والإساءة إليهم، وتنفيرهم، فاجتمعوا عليه مع أعيان رعيته، وهجموا عليه وقتلوه، وكان المتولي لذلك يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وقد ولي الخلافة بعده، وتوفي هلال ذي الحجة سنة 126.
2 يشير إلى ما حدث من الوليد بن يزيد من أنه استفتح فألا في المصحف فخرج: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} ، فنصبه غرضًا للنشاب، وأقبل يرميه حتى مزقه، وهو يقول:
أتوعد كل جبار عنيد ... فهأنذاك جبار عنيد
إذا لاقيت ربك يوم حشر ... فقل يارب مزقني الوليد
3 كفيئه وكفؤه بضم الكاف وكفاؤه بكسرها: مثله.
4 كرى النهر: استحدث حفره.
(2/218)

بلد، حتى أسدَّ فقر ذلك البلد وخصاصة1 أهله، فإن فَضَلَ فضلٌ، نقلته إلى البلد الذي يليه، ولا أُجَمِّرُكم2 في بعوثكم، فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم، فيأكل قويُّكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما أجليهم به عن بلادهم، وأقطع به نسلهم، ولكم علي إدرارُ العطاء في كل سنة، والرزق في كل شهر، حتى يستوي بكم الحال، فيكون أفضلكم كأدناكم، فإن أنا وفيت لكم، فعليكم السمع والطاعة، وحسن المؤازرة والمكانفة3، وإن لم أفِ لكم، فعليكم أن تخلعوني إلا أن تستتيبوني، فإن أنا تبت قبلتم مني، وإن عرفتم أحدًا يقوم مقامي، ممن يعرف بالصلاح، يعطيكم من نفسه مثل الذين أعطيتكم، فأردتم أن تبايعوه، فأنا أول من بايعه، ودخل في طاعته.
أيها الناس: إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا وفاء له بنقض عهد، إنما الطاعة طاعة الله فأطيعوه بطاعة الله ما أطاع، فإذا عصى الله ودعا إلى المعصية فهو أهلٌ أن يُعصى ويُقتل، أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله العظيمَ لي ولكم.
"عيون الأخبار م2: ص248، والعقد الفرد 2: 144-291، البيان والتبيين 2: 69، الفخري ص120 وتاريخ الطبري 9: 26".
__________
1 الفقر والحاجة.
2 جمر الجيش: حبسهم في أرض العدو ولم يقفلهم.
3 المعاونة.
(2/219)

203 وصية يزيد بن معاوية لسلم بن زياد حين ولاه:
لم وَلَّى يزيدُ بن معاوية سلمَ بن زياد بن أبيه على خراسان قال له:
"إن أباك كفى أخاه "يعني معاوية" عظيمًا، وقد استكفيتك صغيرًا، فلا تتكلن على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك، وإياك مني قبل أن أقول إياي منك، فإن الظن إذا أخلف منك أخلف مني فيك، وأنت في أدنى حظك فاطلب أقصاه، وقد أتعبك أبوك، فلا تريحن نفسك، وكن لنفسك تكن لك، واذكر في يومك أحاديث غدك تسعد إن شاء الله تعالى".
"البيان والتبيين 2: 76".
(2/219)

خطب عتبة بن أبي سفيان
خطبة له في تهدد أهل مصر
...
خطب عتبة بن أبي سفيان 1 "توفي سنة 44هـ":
204- خطبة له في تهديد أهل مصر:
بلغ عتبة بن أبي سفيان عن أهل مصر شيء فأغضبه، فقام فيهم، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
"يأهل مصر، إياكم أن تكونوا للسيف حصيدًا2، فإن لله فيكم ذبيحا لعثمان، أرجو أن يوليني نُسْكه، إن الله جمعكم بأمير المؤمنين بعد الفرقة، فأعطى كل ذي حق حقه، وكان والله أذكركم إذا ذكر بخطة، وأصفحكم بعد المقدرة عن حقه، نعمة من الله فيكم، ونعمة3 منه عليكم، وقد بلغنا عنكم نجم4 قول، أظهره تقدم عفو منا، فلا تصيروا إلى وحشة الباطل بعد أنس الحق، بإحياء الفتنة وإماتة السنن، فأطأكم لله وطأة، لا رمق5 معها، حتى تنكروا مني ما كنتم تعرفون، وتستخشنوا ما كنتم تستلينون، وأنا أشهد عليكم الذي يعلم خائنة الأعين6، وما تخفي الصدور".
"العقد الفريد 2: 158"
__________
1 ولاه أخوه معاوية مصر بعد وفاة عمرو بن العاص "وقد مات عمرو في شوال سنة 43" وأقام عتبة واليًا على مصر سنة واحدة وشهرًا واحدًا، وتوفي في ذي الحجة سنة 44 "هكذا في كتاب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" وفي أسد الغابة في معرفة الصحابة: "أنه توفي سنة 44 وقيل سنة 43"، ولكني قرأت في تاريخ الطبري أن عتبة حج بالناس سنة 46، وقال أيضًا في حوادث سنة 47: "واختلفوا فيمن حج بالناس في هذه السنة، فقال الواقدي: أقام الحج في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان. وقال غيره: بل الذي حج في هذه السنة عنبسة بن أبي سفيان".
2 أصله الزرع المحصود.
3 هكذا في الأصل وقد يكون "ومنة".
4 من نجم الشيء: إذا ظهر وطلع.
5 الرمق: بقية الحياة.
6 بمسارقتها النظر إلى المحرم.
(2/220)

خطبة له في تقريعهم وتهددهم
...
205- خطبة له في تقريعهم وتهديدهم:
وخطب أيضًا وقد بلغه عن أهل مصر أمور فقال:
"يا حاملي ألأمِ أنوفٍ رُكِّبَتْ بين أعين، إنما قلمت أظفاري عنكم، ليلين مسي إياكم، وسألتكم صلاحكم لكم، إذ كان فسادُكم راجعًا عليكم، فأما إذا أبيتم إلا الطعن على الأمراء، والعتب على السلف والخلفاء، فوالله لأقطِّعنَّ بطون السياط على ظهوركم، فإن حسمت مستشري1 دائكم، وإلا فالسيف من ورائكم، فكم من عظة لنا قد صُمَّتْ عنها آذانُكم، وزجرةٍ منا قد مجتها قلوبكم، ولست أبخل عليكم بالعقوبة إذا جدتم علينا بالمعصية، ولا مؤيسا لكم من المراجعة إلى الحسنى، إن صرتم إلى التي هي أبرُّ وأتقى".
"صبح الأعشى 1: 216؛ والعقد الفريد 2: 159، والأمالي 1: 245".
__________
1 استشرى الداء: عظم وتفاقم.
(2/221)

206- خطبة له فيهم وقد أرجفوا بموت معاوية:
واحتبست كتب معاوية حتى أرجفَ أهلُ مصر بموته، ثم ورد كتابه بسلامته، فصعد عتبة المنبر، والكتاب في يده فقال:
"يأهل مصر، قد طالت معاتبتنا إياكم بأطراف الرماح وظبات السيوف، حتى صرنا شجًى في لهواتكم، ما تسيغنا1 حلوقكم، وأقذاء في أعينكم، ما تطرف2 عليها جفونكم، أفحين اشتدت عرى الحق عليكم عَقْدًا، واسترخت عقد الباطل منكم حلا، أرجفتم بالخليفة، وأردتم توهين3 السلطان، وخضتم الحق إلى الباطل، وأقدم عهدكم به
__________
1 هو ما اعترض في الحلق من عظم أو نحوه، واللهوات جمع لهاة: وهي اللحمة المشرفة على الحق، وأساغه: ابتلعه.
2 جمع قذًى: وهو ما يقع في العين والشراب، وطرف بصره: أطبق أحد جفنيه على الآخر، وطرف بعينه: حرك جفنيها.
3 إضعاف.
(2/221)

حديث؟ فاربحوا أنفسكم إذ خسرتم دينكم، فهذا كتاب أمير المؤمنين بالخبر السار عنه، والعهد القريب منه، واعلمُوا أن سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم، فأصلحوا لنا ما ظهر، نكلكم إلى الله فيما بطن، وأظهروا خيرًا، وإن أسررتم شرًّا، فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون، وعلى الله نتوكل وبه نستعين".
"عيون الأخبار م2: ص239، والعقد الفريد 2: 159".
(2/222)

207- خطبته فيهم وقد منعوا الخراج:
وخطبهم وكانوا قد منعوا الخراج فقال:
"يا أهل مصر، قد كنتم تعتذرون لبعض المنع منكم، ببعض الجور عليكم، فقد وليكم من يقول ويفعل، ويفعل ويقول، فإن رددتم ترادَّكم1 بيده، وإن استصعبتم ترادكم بسيفه، ثم رجا في الآخرة ما أمل في الأولى، إن البيعة متتابعة، فلنا عليكم السمع والطاعة، ولكم علينا العدل، فأينا غدر فلا ذمة له عند صاحبه، والله ما انطلقت بها ألسنتنا حتى عقدت عليها قلوبنا، ولا طلبناها منكم حتى بذلناها لكم ناجزًا بناجز2، ومن حذَّر كمن بشَّر، فنادوه سمعًا وطاعة، فناداهم عدلا عدلا.
"العقد الفريد 2: 159".
__________
1 يقال: ترادا البيع: من الرد والفسخ، ومراده: ردكم.
2 الناجز والنجيز: الحاضر، ومن أمثالهم: ناجزا بناجز، أي حاضرا بحاضر، كقولك يدا بيد، وعاجلا بعاجل، وقالوا: أبيعكه الساعة ناجزا بناجز: أي معجلا.
(2/222)

208- خطبته فيهم إذ طعنوا على الولاة:
وقدم كتاب معاوية إلى عتبة بمصر أن قبلك قومًا يطعنون على الولاة ويعيبون السلف، فخطبهم فقال:
"يأهل مصر: خفَّ على ألسنتكم مدح الحق ولا تفعلونه، وذم الباطل وأنتم
(2/222)

تأتونه، كالحمار يحمل أسفارًا، أثقله حملها، ولم ينفعه علمها، وايم الله لا أداوي أدواءكم بالسيف ما صلحتم على السوط، ولا أبلغ السوط ما كفتني الدرة، ولا أبطئ عن الأولى ما لم تسرعوا إلى الأخرى، فالزموا ما أمركم الله به تستوجبوا ما فرض الله لكم علينا، وإياكم وقال ويقول، قبل أن يقال فعل ويفعل، وكونوا خير قوس سهمًا بهذا اليوم الذي ما قبله عقاب، ولا بعده عتاب.
"العقد الفريد 2: 160، وعيون الأخبار م2: ص239، وأسد الغابة في معرفة الصحابة 3: 361".
(2/223)

209- خطبته بمكة:
وحج عتبة سنة إحدى وأربعين، والناس قريب عهدهم بالفتنة، فصلى بمكة الجمعة، ثم قال:
"أيها الناس، إنا قد ولينا هذا المقام الذي يضاعف فيه للمحسن الأجر، وعلى المسيء فيه الوزر، ونحن على طريق ما قصدنا له، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا، فإنها تنقطع من دوننا، ورب متمنٍّ حتفُهُ في أمنيته، فاقبلونا ما قبلنا العافية فيكم، وقبلناها منكم، وإياكم و"لو"، فإن "لو" قد أتعبت من كان قبلكم، ولن تريح من بعدكم، وأنا أسأل الله أن يعين كلا على كلّ".
فصاح به أعرابي: أيها الخليفة، فقال: لست به ولم تبعد، فقال: يا أخاه، فقال: سمعت فقل، فقال: "تالله لأن تحسنوا وقد أسأنا خير من أن تسيئوا وقد أحسنا، فإن كان الإحسان لكم دوننا، فما أحقكم باستتمامه، وإن كان منا فما أولاكم بمكافأتنا، رجل من بني عامر بن صعصعة يلقاكم بالعمومة، ويقرب إليكم بالخئولة، وقد كثر عياله1، ووطئه زمانه، وبه فقر، وفيه أجر، وعنده شكر" فقال عتبة: "أستغفر الله
__________
1 العيال جمع عيل كجيد: وهو من يلزم الإنفاق عليه.
(2/223)

منكم، وأستعينه عليكم، وقد أمرنا لك بغناك، فليت إسراعنا إليك يقوم بإبطائنا عنك".
"الأمالي 1: 240، والعقد الفريد 2: 159-81، والبيان والتبيين 3: 230".
(2/224)

210- خطبته في علته التي مات فيها:
ولما اشتكى شكاته التي مات فيها تحامل إلى المنبر، فقال:
"يأهل مصر لا غنى عن الرب، ولا مهرب من ذنب، إنه قد تقدمت مني إليكم عقوبات كنت أرجو يومئذ الأجر فيها، وأنا أخاف اليوم الوزر منها، فليتني لا أكون اخترت دنياي على معادي، فأصلحتكم بفسادي، وأنا أستغفر الله منكم، وأتوب إليه فيكم، فقد خفت ما كنت أرجو نفعًا عليه، ورجوت ما كنت أخاف اغتيالا به، وقد شقي من هلك بين رحمة الله وعفوه، والسلام عليكم، سلام من لا ترونه عائدًا إليكم"، فلم يعد.
"العقد الفريد 2: 159".
(2/224)

211 وصيته لمؤدب ولده:
وقال لعبد الصمد مؤدب ولده:
"ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بني إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه، فيملوه، ولا تتركهم منه، فيهجروه، ثم روهم من الشعر أعفه، ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجهم من علم إلى غيره حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم، وتَهَدَّدْهُمْ بي، وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء قبل معرفة الداء، وجنبهم محادثة النساء، وروهم سير الحكماء، واستزدني
(2/224)

بزيادتك إياهم أزدك، وإياك أن تتكل على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك، وزد في تأديبهم أزدك في برِّي إن شاء الله تعالى".
"البيان والتبيين 2: 35، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 1: 139".
(2/225)

212- وصية سعيد بن العاص 1 لبنيه:
لما ولد لسعيد بن العاص ابنه عمرو وترعرع2، تفرس فيه النجابة، وكان يفضله على ولده، فجمع بنيه، وكانوا يومئذ أكثر من خمسة عشر رجلا، ولم يدع عمرا معهم، وقال:
"يا بني، قد عرفتم خبرة الوالد بولده، وإن أخاكم عمرًا، لذو همة واعدة3، يسمو جده، ويبعد صيته4، وتشتد شكيمته5، وإني آمركم إن نزل بي من الموت ما لا محيص عنه، أن تظاهروه وتؤازروه وتعزروه، فإنكم إن فعلتم ذلك يتألف بكم الكرام، ويخسأ6 عنكم اللئام، ويلبسكم عزًّا لا تنهجه7 الأيام".
فقالوا جميعا: "إنك تؤثره علينا، وتحابيه دوننا" فقال: "سأوريكم ما ستره
__________
1 هو سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وقد تقدم لك أن عثمان استعمله على الكوفة بعد الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وولاه معاوية المدينة، فكان يوليه إذ عزل مروان بن الحكم عن المدينة ويولي مروان إذ عزله، ومات سنة 57 وقيل سنة 58 وقيل سنة 59هـ.
2 شب وانتقل عن حد الصغر.
3 من قولهم شجرة واعدة: إذا ظهر لرائيها أن قد حان إثمارها، وأرض واعدة: إذا رُجِي خيرها من النبت، وظهر لرائيها أن قد قرب إمكان المرعى بها، وفرس واعد: يعدك جريا بعد جري، وسحاب واعد كأنه وعد بالمطر، ويوم واعد يعد بالحر أوبالبرد أوله.
4 الصيت "بالكسر" والصات والصوت "بالفتح": الذكر الحسن.
5 الشكيمة: الأنفة، وفي اللجام: الحديدة المعترضة في فم الفرس. وهو مثل يضرب للصرامة في الأمور والمضاء فيها.
6 أي يبعد ويطرد. من خسأ الكلب كمنع: طرده، وخسأ هو بنفسه: بَعُدَ.
7 أي لا تبليه. أنهج الثوب ونهجه "كمنعه": أخلقه وأبلاه، ونهج الثوب مثلثه الهاء، وأنهج: بلى.
(2/225)

البغي عنكم" وصرفهم، ثم أمهلهم حتى ظن أن قد ذهلوا عما كان، وراهق1 عمرو البلوغ، واستدعاهم دون عمرو، فلما حضروا قال: "يا بني، ألم تروا إلى أخيكم عمرو؟ فإنه لا يزال يلحف2 في مسألتي مالي، فأحش عيله3 لصغره، وَأُحَسِّبُهُ4 بالشيء دون الشيء من مالي إلى أن استثبت أن أمه باغيته5 على ذلك، فزجرتها فلم تكفف، وهذا مخرجه الآن من عندي، جاء يسألني الصمصامة6، كأن لا ولد لي غيره، وقد عزمت على أن أقسم مالي فيكم دونه، لتعلم أمه من يكيد"، فقالوا كلهم: يا أبانا هذا عملك بإيثارك له علينا، واختصاصك إياه دوننا، فقال: "يا بني، والله ما آثرته دونكم بشيء من مالي قط، ولا كان ما قلته لكم إلا اختلافا تساهلت فيه لما أملته من صلاح أمركم"، ثم قال لهم: ادخلوا المخدع7، فدخلوا المخدع، ثم أرسل إلى عمرو فأحضره، فلما حضر قال:
__________
1 راهق الغلام: قارب الحلم "بضمتين".
2 يلح.
3 العيل والعيلة: الافتقار والفاقة، وأحش: أي أقطع وأمحو، من حش الحشيش "كرد": قطعه، وحش فلانا: أصلح من حاله، "وفي الأصل فأحسن بالنون أي اجعل فقره حسنًا وأزبل قبحه بعطائي إياه والأول أحسن".
4 حَسَّبَهُ "بالتشديد" وأحسبه: أطعمه وسقاه حتى شبع وروي.
5 بغاه الشيء: أعانه على طلبه "ولا مانع أن يكون الأصل "أن أمه باعثته على ذلك".
6 الصمصامة: سيف عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وكان قد صار إلى سعيد بن العاص، وذلك أن خالد بن الوليد لما غزا بني زبيد حين ارتدوا، وكان خالد بن سعيد بن العاص "عم سعيد المذكور" من جملة أمرائه، أوقع بهم وأسر ريحانة أخت عمرو بن معد يكرب، ففداها خالد وأثابه عمرو الصمصامة، ولم يزل ذلك السيف عند آل سعيد بن العاص حتى اشتراه منهم الخليفة المهدي العباسي بخمسين ألف درهم، ووهبه المهدي لابنه الهادي فدعا به بعد ما ولي الخلافة، فوضعه بين يديه، وأذن للشعراء، فلما دخلوا أمرهم أن يقولوا في السيف شعرًا، فبذهم ابن يامين البصري، فأعطاه الهادي السيف والجائزة، ففرقها على الشعراء، وقال: دخلتم معي، وحرمتم من أجلي، وفي السيف عوض، ثم بعث إليه الهادي، واشترى منه السيف بخمسين ألفا، ثم وصل إلى المتوكل، فدفعه إلى غلامه باغزا التركي، فقتله به، ومن عند باغزا انقطع خبره. "اقرأ خبر الصمصامة في سرح العيون، ص312، والأغاني 14: 26، وأنباء نجباء الأبناء ص103 ومروج الذهب 2: 262".
7 المخدع بضم الميم وكسرها: الخرافة -بيت صغير يحرز فيه الشيء.
(2/226)

"يا بني: إني عليك حدب1 مشفق، لصغر سنك، ونفاسة2 إخوتك على مكانك مني، وإني لا آمن بغتة الأجل، ولى كنز ادخرته لك دون إخوتك، وها أنا مطلعك عليه، فاكتم أمره".
فقال: "يا أبت، طال عمرك، وعلا أمرك، إني لأرجو أن يحسن الله عنك الدفاع، ويطيل بك الامتاع، فأما ما ذكرته من شأن الكنز، فما يعجبني أن أقطع دون إخوتي أمرًا، وأزرع في صدورهم غمرًا3".
فقال: "انصرف يا بني، فداك أبوك، فوالله ما لي من كنز، ولكني أردت أن أبلو رأيك في إخوتك وبني أبيك" فانطلق عمرو، وخرج إخوته من المخدع، فاعتذروا إلى أبيهم، وأعطوه موثقهم على اتباع مشورته.
"أنباء نجباء الأبناء ص100.
__________
1 متعطف شفيق.
2 نفس عليه يخبر "كفرح" حسد، ونفس عليه الشيء نفاسة لم يره أهلا له.
3 الغمر محركة والغمر بكسر الغين: الحقد والضغن.
(2/227)

خطب عمرو بن سعيد الأشدق
خطبة له بالمدينة
...
خطب عمرو بن سعيد الأشدق 1 "قتل سنة 69هـ"213:
خطبة له بالمدينة:
قدم عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق المدينة أميرًا، فخرج إلى منبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقعد عليه وغمض عينيه وعليه جبة خزّ قرمز2، ومطرف3 خزّ قرمز، وعمامة خزّ قرمز، فجعل أهل المدينة ينظرون إلى ثيابه إعجابًا بها، ففتح عينيه، فإذا الناس ينظرون إليه، فقال:
"ما بالكم يأهل المدينة ترفعون إلي أبصاركم، كأنكم تريدون أن تضربونا بسيوفكم؟ أغركم أنكم فعلتم ما فعلتم، فعفونا عنكم، أما إنه لو أثبتم4 بالأولى ما كانت الثانية، أغركم أنكم قتلتم عثمان، فوافقتم ثائرنا5 منا رفيقا، قد فني غضبه، وبقي حلمه، اغتنموا أنفسكم، فقد والله ملكناكم بالشباب المقتبل البعيد الأمل، الطويل
__________
1 لقب بالأشدق لفصاحته، والأشدق في الأصل: من عظمت أشداقه "جمع شدق بالكسر ويفتح وهو جانب الفم" مشتق من الشدق "بفتحتين وهو سعة الشدق" وكانوا يتشادقون في الكلام، ويمتدحون في الخطيب سعة الفم والشدقين، وقالوا: خطيب أشدق: أي بليغ، وقال شاعرهم في عمرو بن سعيد هذا:
تشادق حتى مال بالقول شدقه ... وكل خطيب لا أبا لك أشدق
وقال آخرون: بل كان أفقم مائل الذقن "والفقم بالتحريك: تقدم الثنايا العليا فلا تقع على السفلى" وقد ولي لمعاوية مكة، ولابنه يزيد مكة والمدينة، وكان له الفضل في نيل مروان بن الحكم الخلافة، وقد قدمنا لك خبر مقتله.
2 القرمز: صبغ أحمر.
3 المطرف: رداء من خز مربع ذو أعلام.
4 الثواب: الجزاء.
5 الثائر: الآخذ بالثأر؛ ووافقتم: أي وجدتم
(2/228)

الأجل، حين فرغ من الصغر ودخل في الكبر، حليم حديد1، لين شديد، رقيق كثيف، رفيق عنيف، حين اشتد عظمه، واعتدل جسمه، ورمى الدهر ببصره واستقبله بأشره، فهو إن عض نهس2، وإن سطا فرس3، لا يقلقل له الحصى، ولا تقرع له العصا4، ولا يمشي السمَّهى5" فما بقي بعد ذلك إلا ثلاث سنين وثمانية أشهر حتى قصمه الله.
"العقد الفريد 2: 157".
__________
1 رجل حديد يكون في اللسن والفهم والغضب، وحد عليه: غضب.
2 نهس اللحم: أخذه بمقدم أسنانه ونتفه.
3 فرس فريسته: دق عنقها.
4 يشير إلى المثل المشهور: "إن العصا قرعت لذي الحلم"، وقد سبق شرحه في ص184.
5 السمهى والسميهى: الباطل والكذب يقال: ذهب في السميهى أي في الباطل: وجرى فلان السمهى: أي جرى إلى غير أمر يعرفه.
(2/229)

214- خطبة له بمكة:
واستعمل سعيد بن العاص -وهو والٍ على المدينة- ابنه عمرو بن سعيد واليًا على مكة، فلما قدم لم يلقه قرشي ولا أموي إلا أن يكون الحارث بن نوفل، فلما لقيه قال له: يا حار، ما الذي منع قومك أن يلقوني كما لقيتني؟ قال: ما منعهم من ذلك إلا ما استقبلتني به، والله ما كنيتني، ولا أتممت اسمي، وإنما أنهاك عن التشذر1 على أكفائك، فإن ذلك لا يرفعك عليهم، ولا يضعهم لك، قال: والله ما أسأت الموعظة، ولا أتهمك على النصيحة، وإن الذي رأيت مني لخلق2، فلما دخل مكة قام على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد، معشر أهل مكة فإنا سكنَّاها غبطة، وخرجنا عنها رغبة، ولذلك كنا إذا رفعت لنا اللهوة3 بعد اللهوة أخذنا أسناها، ونزلنا أعلاها، ثم شرج4 أمر
__________
1 تذر: توعد وتهدد وتغضب وتسرع إلى الأمر، والمراد هنا التكبر.
2 الخَلق: البالي، والمراد أنه لا يعود إليه.
3 اللهوة بالضم والفتح: العطية أو أفضل العطايا وأجزلها.
4 من الشرج بالتحريك: وهو انشقاق القوس. قوس شريّج: فيها شق، والمراد حدث ونجم.
(2/229)

بين أمرين، فَقَتَلْنا وقُتِلْنا، فوالله ما نَزَعْنا ولا نُزِعَ عنا، حتى شرب الدمُ دمًا، وأكل اللحم لحمًا، وقرع العظمُ عظمًا، فولي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برسالة الله إياه، واختياره له، ثم ولي أبو بكر لسابقته وفضله، ثم ولي عمر، ثم أُجِيلَت قداحٌ نُزِعن من شعابٍ1 جولَةَ سعةٍ، ففاز بحظيِّها2 أصلها وأعتقها، فكنا بعض قداحها، ثم شرج أمر بين أمرين فَقَتَلْنا وقُتِلْنا، فوالله ما نَزَعْنا ولا نُزِعَ عنا، حتى شرب الدمُ دمًا، وأكل اللحمُ لحمًا، وقرع العظمُ عظمًا، وعاد الحرامُ حلالا، وأسكت كل ذي حس عن ضرب مهند عركًا عركًا، وعسفًا عسفًا، وخزًا ونهسًا، حتى طابوا عن حقنا نفسًا، والله ما أعطَوه عن هوادة، ولا رضُوا فيه بالقضاء، أصبحوا يقولون: حقنا غلبنا عليه، فجزيناه هذا بهذا، وهذا في هذا. يأهل مكة: أنفسكم أنفسكم، وسفهاءكم سفهاءكم، فإن معي سوطًا نكالا، وسيفًا وبالا3، وكل منصوب على أهله"، ثم نزل.
"العقد الفريد 2: 157.
__________
1 الشعاب جمع شعبة بالضم: وهي ما بين الغصنين وطرف الغصن. يشير إلى أصحاب الشورى الستة.
2 الحظي: ذو الحظوة أي المكانة.
3 أي سوطا ذا نكال. وسيفا ذا وبال.
(2/230)

215- ملاحاة الوليد بن عقبة معه في مجلس معاوية:
تلاحى1 الوليد بن عقبة، وعمرو بن سعيد بن العاص في مجلس معاوية، فتكلم الوليد، فقال له عمرو: كَذَبْتَ أو كُذِبْتَ2، فقال له الوليد: اسكت يا طليق اللسان، نزوع الحياة، ويا ألأم أهل بيته، فلعمري لقد بلغ بك البخل الغاية الشائنة المذلة لأهلها، فساءت خلائقك لبخلك، فمنعت الحقوق، ولزمت العقوق، فأنت غير مشيد البنيان، ولا رفيع المكان، فقال له عمرو: والله إن قريشًا لتعلم أني غير حلو المذاقة، ولا لذيذ
__________
1 تنازع.
2 كذب الرجل: أخبر بالكذب.
(2/230)

الملاكة1، وإني لكالشجا2 في الحلق، ولقد علمت أني ساكن الليل، داهية النهار، لا أتبع الأفياء، ولا أنتمي إلى غير أبي، ولا يجهل حسبي، حام لحقائق الذمار3، غير هيوب عند الوعيد، ولا خائف رعديد4، فلم تعير بالبخل وقد جبلت عليه، فلعمري لقد أورثتك الضرورة لؤمًا، والبخل فحشًا، فقطعت رحمك، وجرت في قضيتك، وأضعت حق من وليت أمره، فلست ترجى للعظائم، ولا تعرف بالمكارم، ولا تستعف عن المحارم، لم تقدر على التوقير، ولم يحكم منك التدبير، فأفحم الوليد؛ فقال معاوية -وساءه ذلك: كفا لا أبا لكما، لا يرتفع بكما القول إلى ما لا نريد، ثم أنشأ عمرو يقول:
وليد إذا ما كنت في القوم جالسًا ... فكن ساكنا منك الوقار على بال
ولا يبدرن الدهر من فيك منطق ... بلا نظر قد كان منك وإغفال5
"الأمالي 2: 40".
__________
1 اللوك: أهون المضغ أو مضغ صلب.
2 ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه.
3 ما تجب حمايته.
4 جبان.
5 يبدر: يفرط ويسبق.
(2/231)

216- خطبته حين غلب على دمشق:
ولما غلب على دمشق، صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: إنه لم يقم أحد من قريش قبلي على هذا المنبر، إلا زعم أن له جنة ونارًا، يدخل الجنة من أطاعه، والنار من عصاه، وإني أخبركم أن الجنة والنار بيد الله؛ وأنه ليس إلي من ذلك شيء، غير أن لكم علي حسن المؤاساة والعطية".
"تاريخ الطبري 7: 176".
(2/231)

217- خالد بن يزيد وعبد الملك بن مروان:
روى أن عبد الله بن يزيد بن معاوية جاء إلى أخيه خالد بن يزيد في أيام عبد الملك فقال: لقد هممت اليوم يا أخي أن أفتك بالوليد بن عبد الملك، فقال له خالد: بئس والله ما هممت به في ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين، فما ذاك؟ قال: إن خيلي مرت به، فعبث بها، وأصغرني، فقال له خالد: أنا أكفيك، فدخل على عبد الملك، والوليد عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الوليد ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين، مرت به خيل ابن عمه عبد الله بن يزيد فعبث بها وأصغره، وكان عبد الملك مطرقًا، فرفع رأسه، وقال:
{إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} فقال خالد: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} . فقال عبد الملك: أفي عبد الله تكلمني؟ والله لقد دخل أمس علي، فما أقام لسانه لحنا، فقال خالد: أفعلى الوليد تعول يا أمير المؤمنين؟ قال عبد الملك: إن كان الوليد يلحن، فإن أخاه سليمان، فقال خالد: وإن كان عبد الله يلحن، فإن أخاه خالد، فالتفت الوليد إلى خالد، وقال له: اسكت ويحك يا خالد! فوالله ما تعد في العير ولا في النفير، فقال خالد: اسمع يا أمير المؤمنين: ثم التفت إلى الوليد فقال له: ويحك: فمن صاحب العير والنفير غير جدي أبي سفيان صاحب العير، وجدي عتبة صاحب النفير1؟ ولكن لو قلت: غنيمات وحبيلات والطائف، ورحم الله عثمان لقلنا: صدقت2".
"شرح ابن أبي الحديد م1: ص11، وتهذيب الكامل 1: 302 ومجمع الأمثال 2: 115".
__________
1 انظر ص147
2 وذلك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما طرد الحكم بن أبي العاص "جد عبد الملك" إلى الطائف -انظر ص104- أقام بها، فكان يرعى غنيمات اتخذها يشرب من لبنها، ويأوى إلى حبيلة "مصغر حبلة كفرصة: وهي الكرمة" وقوله: رحم الله عثمان: أي لرده إياه، وقد أبى أبو بكر وعمر أن يرداه.
(2/232)

218- خالد بن عبد الله بن أسيد 1 وعبد الملك بن مروان:
جلس يومًا عبد الملك بن مروان، وعند رأسه خالد بن عبد الله بن أسيد، وعند رجليه أمية بن عبد الله بن أسيد، وأدخلت عليه الأموال التي جاءت من قبل الحجاج حتى وضعت بين يديه فقال:
"هذا والله التوفير، وهذه الأمانة، لا ما فعل هذا، "وأشار إلى خالد" استعملته على العراق، فاستعمل كل مُلِطٍّ2 فاسق، فأدوا إليه العشرة واحدًا، وأدى إلي من العشرة واحدًا، واستعملت هذا على خراسان "وأشار إلى أمية3" فأهدى إلي بِرْذَوْنَيْنِ حَطِمَيْنِ4، فإن استعملتكم ضيعتم، وإن عزلتكم قلتم: استخف بنا، وقطع أرحامنا".
فقال خالد بن عبد الله: "استعملتني على العراق، وأهله رجلان: سامع مطيع مناصح، وعدو مبغض مكاشح5، فأما السامع المطيع المناصح فإنا جزيناه، ليزداد ودا إلى وده؛ وأما المبغض المكاشح، فإنا داريناه ضغنه، وسللنا حقده، وكثرنا لك المودة في صدور رعيتك، وإن هذا جبى الأموال، وزرع لك البغضاء في قلوب الرجال، فيوشك أن تنبت البغضاء فلا أموال ولا رجال".
فلما خرج ابن الأشعث قال عبد الملك: "هذا والله ما قال خالد".
"العقد الفريد 2: 117".
__________
1 هو خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وقد ولاه عبد الملك بن مروان بعد قتل مصعب بن الزبير على البصرة وأعمالها سنة 71هـ، وعزله عنها سنة 74، وولاها أخاه بشر بن مروان، وكان على ولاية الكوفة، فصارت ولايتها وولاية الكوفة إليه.
2 لط حقه وألطه: جحده.
3 هو أمية بن عبد الله أخو خالد هذا، ولاه عبد الملك على خراسان، حتى كانت سنة 78 فعزله، وجمع سلطانه الحجاج، فبعث المهلب بن أبي صفرة إليها.
4 فرس حطم ككتف: إذا هزل وأسن، فضعف، وتهدم.
5 الكاشح: الذي يضمر لك العدواة، كشح له بالعداوة وكاشحه بمعنى.
(2/233)

219- نصيحة لعمرو بن عتبة بن أبي سفيان:
ورأى عمرو بن عتبة بن أبي سفيان رجلا يشتم رجلا، وآخر يسمع منه، فقال للمستمع:
"نزه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزه لسانك عن الكلام به، فإن السامع شريك القائل، وإنما نظر إلى شر ما في وعائه، فأفرغه في وعائك، ولو رُدَّتْ كلمة جاهل في فيه، لسعد رَادُّها، كما شقي قائلها".
"البيان والتبيين 2: 160".
(2/234)

220- تأديب معاوية لجلسائه:
أذن معاوية للأحنف بن قيس -وقد وافى معاوية محمد بن الأشعث- فقدمه عليه، فوجد1 من ذلك محمد بن الأشعث، وأذن له، فدخل، فجعل بين معاوية والأحنف، فقال معاوية:
"إنا والله ما أذنا له قبلك، إلا ليجلس إلينا دونك، وما رأيت أحدًا يرفع نفسه فوق قدرها، إلا من ذلة يجدها، وقد فعلت فعل من أحسَّ من نفسه ذلا وضعة، وإنا كما نملك أموركم، نملك تأديبكم، فأريدوا منا ما نريده منكم، فإنه أبقى لكم، وإلا قصرناكم كرها، فكان أشد عليكم وأعنف بكم".
"البيان والتبيين 3: 220"
__________
1 وجد: غضب
(2/234)

221- كلام معاوية وقد سقطت ثنيتاه:
ولما سقطت ثنيتا معاوية لف وجهه بعمامة، ثم خرج إلى الناس، فقال:
"لئن ابتليت لقد ابتلى الصالحون قبلي، وإني لأرجو أن أكون منهم، ولئن
(2/234)

عوقبت لقد عوقب الخاطئون قبلي، وما آمن أن أكون منهم، ولئن سقط عضوان مني، لما بقي أكثر، ولو أتى على نفسي لما كان لي عليه خيار تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فرحم الله عبدا دعا بالعافية، فوالله لئن كان عتب عليَّ بعض خاصتكم، لقد كنت حدبًا1 على عامتكم".
"البيان والتبيين 3: 221".
__________
1 أي عطوفًا.
(2/235)

222- تقريع عبد الملك بن مروان لأحد عماله:
وروى الجاحظ قال:
"قال أبو الحسن: كان عبد الملك بن مروان شديد اليقظة، كثير التعاهد لولاته، فبلغه أن عاملا من عماله قبل هدية، فأمر بإشخاصه إليه، فلما دخل عليه قال: "أقبلت هدية منذ وليتك؟ " قال: "يا أمير المؤمنين، بلادك عامرة، وخراجك موفور، ورعيتك على أفضل حال" قال: "أجب فيما سألتك عنه، أقبلت هدية منذ وليتك؟ قال: نعم، قال: لئن كنت قبلت ولم تعوض، إنك للئيم، ولئن أنلت مهديك لا من مالك، أو استكفيته ما لم يكن يستكفاه، إنك لجائر خان، ولئن كان مذهبك أن تعوض المهدي إليك من مالك، وقبلت ما اتهمك به عند من استكفاك، وبسط لسان عائبك، وأطمع فيك أهل عملك إنك لجاهل، وما فيمن أتى أمرًا لم يخل فيه من دناءة، أو خيانة، أو جهل مصطنع، نَحِّياه عن عمله".
"البيان والتبيين 3: 230".
(2/235)

طلب معاوية البيعة ليزيد
مدخل
...
طلب معاوية البيعة ليزيد:
لما كانت سنة ثلاث وخمسين، أظهر معاوية عهدًا مفتعلا، فقرأه على الناس فيه عقد الولاية ليزيد بعده، فلم يزل يروض الناس لبيعته سبع سنين، ويشاور، ويعطي الأقارب، ويداني الأباعد، حتى استوثق له من أكثر الناس.
فقال لعبد الله بن الزبير: "ما ترى في بيعة يزيد؟ " قال: "يا أمير المؤمنين، إني أناديك ولا أناجيك1، إن أخاك من صدقك، فانظر قبل أن تتقدم، وتفكر قبل أن تندم، فإن النظر قبل التقدم، والتفكر قبل التندم" فضحك معاوية وقال: "ثعلب رواغ! تعلمت السِّجَاعة2 عند الكبر، في دون ما سجعت به على ابن أخيك ما يكفيك".
ثم التفت إلى الأحنف بن قيس، فقال: "ما ترى في بيعة يزيد؟ ". قال: "نخافكم إن صدقناكم، ونخاف الله إن كذبنا".
فلما كانت سنة خمس وخمسين كتب معاوية إلى سائر الأمصار أن يفدوا عليه، فوفد عليه من كل مصر قوم3، وكان فيمن وفد عليه من المدينة محمد بن عمرو بن حزم، فخلا به معاوية، وقال له: "ما ترى في بيعة يزيد؟ "، فقال: يا أمير المؤمنين ما أصبح اليوم على الأرض أحد هو أحب إلي رشدًا من نفسك سوى نفسي، وإن يزيد أصبح غنيا في المال، وسطا في الحسب، وإن الله سائل كل راعٍ عن رعيته، فاتق الله،
__________
1 ناجيته: ساررته.
2 وفي العقد "الشجاعة" وهو تصحيف، ولم أجد "سجاعة" في كتب اللغة، وإنما الذي فيها هو "سجع" كشمس مصدر سجع كقطع، وأرى أنها سجاعة ككتابة، وقد ورد في كلام المبرد: "فإن المختار كان يدعي أنه يلهم ضربا من السجاعة لأمور تكون.. الخ".
3 هكذا ورد في العقد الفريد، وفي مروج الذهب: أن وفود تلك الوفود كان سنة تسع وخمسين، والمفهوم مما ورد في الإمامة والسياسة أن وفودها كان قبل سنة 50، وفي حياة الحسن بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كما يتبين لك مما سيرد بعد "وقد توفي الحسن سنة 49، أو سنة 50 أو سنة 51".
(2/236)

وانظر من تُولِّي أمر أمة محمد" فأخذ معاوية بهر1 حتى تنفس الصعداء2، وذلك في يومٍ شاتٍ، ثم قال: "يا محمد: إنك امرؤ ناصح، قلت برأيك، ولم يكن عليك إلا ذاك. قال معاوية: إنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، فابني أحب إلي من أبنائهم، اخرج عني".
ثم دعا الضحاك بن قيس الفهري، فقال له: إذا جلست على المنبر، وفرغت من بعض موعظتي وكلامي، فاستأذني للقيام، فإذا أذنت لك، فاحمد الله تعالى، واذكر يزيد، وقل فيه الذي يحق له من حسن الثناء عليه، ثم ادعني إلى توليته من بعدي فإني قد رأيت وأجمعت على توليته من بعدي. فأسأل الله في ذلك وفي غيره الخيرة3 وحسن القضاء، ثم دعا عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وثور بن معن السلمي، وعبد الله بن عصام الأشعري، فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك، وأن يصدقوا قوله، ويدعوه إلى يزيد.
وجلس معاوية في أصحابه، وأذن للوفود، فدخلوا عليه، فخطبهم، فلما فرغ من بعض موعظته، وهؤلاء النفر في المجلس قد قعدوا للكلام قام الضحاك بن قيس، فاستأذن، فأذن له.
__________
1 البهر بالفتح: العجب.
2 تنفس طويل.
3 أي أسأله أن يختار لنا الأفضل؛ خاره على غيره خيرة بكسر الخاء مع سكون الياء وفتحها: فضله وخار الله له في الأمر: جعل له فيه الخير.
(2/237)

223- خطبة الضحاك بن قيس الفهري:
فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به، إنا قد بلونا1 الجماعة والألفة، فوجدناها أحقنَ للدماء، وآمنَ للسبل، وخيرًا في العاقبة والآجلة، ولا خير لنا أن نترك سدى،
__________
1خبرنا.
(2/237)

والأيام عوج1 رواجع، والأنفس يغدى عليها ويراح، والله يقول: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} . ولسنا ندري ما يختلف به العصران2، وأنت يا أمير المؤمنين ميت، كما مات من كان قبلك من أنبياء الله وخلفائه؛ نسأل الله تعالى بك المتاع، وقد رأينا من دعة يزيد ابن أمير المؤمنين، وحسن مذهبه، وقصد3 سيرته، ويمن نقيبته4، مع ما قسم الله له من المحبة في المسلمين، والشبه بأمير المؤمنين، في عقله وسياسته وشيمته المرضية، ما دعانا إلى الرضا به في أمورنا، والقنوع به في الولاية علينا، فليوله أمير المؤمنين -أكرمه الله- عهده، وليجعله لنا ملجأ ومفزعًا بعده، نأوي إليه إن كان كَوْن5، فإنه ليس أحد أحق بها منه، فاعزم على ذلك، عزم الله لك في رشدك، ووفقك في أمورنا".
__________
1 بمعنى رواجع جمع عائجة اسم فاعل من عاج إذا رجع: أي أن الأيام تعوج على الإنسان تسلبه ما أعطي من الحياة ومتع العيش.
2 العصر: اليوم والليلة والعشي إلى احمرار الشمس والغداة.
3 القصد: استقامة الطريق.
4 النقيبة: النفس، وهي أيضًا العقل، والمشورة، ونفاذ الرأي، والطبيعة.
5 أي إن حدث حدث.
(2/238)

224- خطبة عبد الرحمن بن عثمان الثقفي:
ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أصلح الله أمير المؤمنين، إنا قد أصبحنا في زمان مختلفة أهواؤه، قد احدودبت علينا سيساؤه1، واقطوطبت2 علينا أدواؤه، وأناخت علينا أنباؤه، ونحن نشير
__________
1 السيساء: منتظم فقار الظهر، وحمله على سيساء الحق أي على حده، والعرب تضربه مثلا لشدة الأمر، قال الشاعر:
لقد حملت قيس بن عيلان حربنا ... على يابس السيساء محدودب الظهر
يقول: حملناهم على مركب صعب كسيساء الحمار، أي حملناهم على ما لا يثبت على مثله.
2 اقطوطب: افعوعل من قطب، وقطب القوم: اجتمعوا، وقطب بين عينيه: جمع، والمراد: اجتمعت وتراكمت علينا أدواؤه، ولم أجد كلمة "اقطوطب" في كتب اللغة، وإنما الذي فيها "اقطوطى" أي قارب في مشيه إسراعًا.
(2/238)

عليك بالرشاد، وندعوك إلى السداد، وأنت يا أمير المؤمنين أحسننا نظرًا، وأثبتنا1 بصرًا، ويزيد ابن أمير المؤمنين قد عرفنا سيرته، وبلونا علانيته، ورضينا ولايته، وزادنا بذلك انبساطًا، وبه اغتباطًا2، مع ما منحه الله من الشبه بأمير المؤمنين، والمحبة في المسلمين، فاعزم على ذلك، ولا تضق به ذرعًا3، فالله تعالى يقيم به الأود4، ويردع به الألد5، ويؤمن به السبل، ويجمع به الشمل، ويعظم به الأجر، ويحسن به الذخر". ثم جلس.
__________
1 لعله: "وأثقبنا".
2 بسط فلانًا فانبسط: سره، والاغتباط: المسرة.
3 ضاق بالأمر ذرعًا: ضعفت طاقته ولم يجد من المكروه فيه مخلصًا.
4 الاعوجاج.
5 الألد: الخصم الشحيح الذي لا يريغ إلى الحق.
(2/239)

225- خطبة ثور بن معن السلمي:
فقام ثور بن معن السلمي، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أصلح الله أمير المؤمنين، إنا قد أصبحنا في زمان، صاحبه مشاغب1، وظله ذاهب2، مكتوب علينا فيه الشقاء والسعادة، وأنت يا أمير المؤمين ميت، نسأل الله بك المتاع، ويزيد ابن أمير المؤمنين أقدمنا شرفًا، وأبذلنا عُرفًا3، وقد دعانا إلى الرضا به، والقنوع بولايته، والحرص عليه، والاختيار له، ما قد عرفنا من صدق لسانه ووفائه، وحسن بلائه. فاجعله لنا بعدك خلفًا، فإنه أوسعنا كنفًا4، وأقدمنا سلفًا، وهو رتق لما فتق، وزمام لما شعث5، ونكال لمن فارق ونافق، وسلم لمن واظب، وحافظ للحق، أسأل الله لأمير المؤمنين أفضل البقاء والسعادة، والخيرة فيما أراد، والتوطن في البلاد، وصلاح أمر جميع العباد.
ثم جلس.
__________
1 صاحبه يعني به معاوية، أي يشاغبه المشاغبون، اسم مفعول من الشغب: وهو تهييج الشر.
2 كناية عن دنو أجله.
3 المعروف.
4 الكنف: الظل والجانب.
5 شعث الأمر، كفرح شعثا: انتشر وتفرق.
(2/239)

226- خطبة عبد الله بن عصام الأشعري:
فقام عبد الله بن عصام، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أصلح الله أمير المؤمنين، وأمتع به، إنا قد أصبحنا في دنيا منقضية، وأهواء منجذمة1، نخاف حدها، وننتظر جدها، شديد منحدرها، كثير وعرها، شامخة مراقبها2، ثابتة مراتبها، صعبة مراكبها، فالموت يا أمير المؤمنين وراءك ووراء العباد، لا يخلد في الدنيا أحد، ولا يبقى لنا أمد3، وأنت يا أمير المؤمنين مسئول عن رعيتك، ومأخوذ بولايتك، وأنت أنظر الجماعة، وأعلى عينًا بحسن الرأي لأهل الطاعة، وقد هُدِيتَ ليزيد في أكمل الأمور، وأفضلها رأيًا، وأجمعها رضًا، فاقطع بيزيد قالة4 الكلام، ونخوة5 المبطل، وشعث المنافق، واكبت6 به الباذخ7 المعادي، فإن ذلك ألم للشعث، وأسهل للوعث8، فاعزم على ذلك، ولا تترامى بكل الظنون"
__________
1 جذمه فانجذم: قطعه.
2 المراقب: جمع مرقب "كجعفر" المكان المشرف، يقف عليه الرقيب.
3 الأمد: الغاية والمنتهى.
4 قالة: جمع قائل، أو مصدر قال كالقول، والقال، والقيل.
5 الكبر والعظمة.
6 كبته: صرعه وأخزاه، ورد العدو بغيظه، وأذله.
7 بذخ كفرح ونصر: تكبر وعلا، وشرف باذخ: عالٍ.
8 وعث الطريق من بابي تعب وقرب: إذا شق على السالك، فهو وعث "بسكون العين وكسرها".
(2/240)

227- خطبة عبد الله بن مسعدة الفزاري:
ثم قام عبد الله بن مسعدة الفزاري، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أصلح الله أمير المؤمنين، وأمتع به، إن الله قد آثرك بخلافته، واختصك بكرامته، وجعلك عصمة لأوليائه، وذا نكاية لأعدائه، فأصبحت بأنعمه جذلا،
(2/240)

ولما حَمَّلك محتملا، يكشف الله تعالى بك العمى1، ويهدي بك العدا، ويزيد ابن أمير المؤمنين أحسن الناس برعيتك رأفة وأحقهم بالخلافة بعدك، قد ساس الأمور وأحكمته الدهور، ليس بالصغير الفهيه2، ولا بالكبير السفيه، قد احتجن3 المكارم وارتجي لحمل العظائم، وأشد الناس في العدو نكاية، وأحسنهم صنعا في الولاية، وأنت أغنى بأمرك، وأحفظ لوصيتك، وأحرز لنفسك، أسأل الله لأمير المؤمنين العافية في غير جهد4، والنعمة في غير تغيير".
__________
1 العمى هنا: ذهاب بصر القلب.
2 الفهيه والفه: العيي، فهه كفرح فهاهة.
3 احتجن المال: ضمه واحتواه.
4 المشقة.
(2/241)

228- خطبة عمرو بن سعيد الأشدق:
فقال معاوية لعمرو بن سعيد الأشدق: قم يا أبا أمية، فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فإن يزيد بن معاوية أمل تأملونه، وأجل تأمنونه، طويل الباع، رحب الذراع، إن استضعفتم إلى حلمه وسعكم، وإن احتجتم إلى رأيه أرشدكم، وإن افتقرتم إلى ذات يده أغناكم، جَذَعٌ1 قارِحٌ2،سوبق فسبق، وموجد فمجد، وقورع ففاز سهمه، فهو خلف أمير المؤمنين، ولا خلف منه". فقال له معاوية: "اجلس أبا أمية. فلقد أوسعت وأحسنت".
قال معاوية: "أوكلكم قد أجمع على هذا رأيه؟ " فقالوا: "كلنا قد أجمع رأيه على ما ذكرنا". قال: "فأين الأحنف؟ " فأجابه، قال: "ألا تتكلم؟ " فقام الأحنف.
__________
1 الجذع: الشاب الحدث.
2 أي شديد مجرب، وهو في الأصل وصف للفرس، قرح الفرس قروحًا: إذا ألقى أقصى أسنانه "وله أربع أسنان يتحول من بعضها إلى بعض، يكون جذعًا -وذلك إذا كان في السنة الثانية- ثم ثَنِيًّا "بفتح فكسر مع تشديد الياء" -في السنة الثالثة- ثم رَبَاعِيًا "بفتح أوله وثانيه وتخفيف الياء"- إذا سقطت رباعيته، ونبت مكانها سن، وذلك إذا استتم الرابعة -ثم قارحًا- إذا سقطت السن التي تلي رباعيته ونبت مكانها نابه، وهو قارحه الذي صار به قارحًا، وليس بعد القروح سقوط سن، ولا نبات سن، وذلك إذا استتم الخامسة ودخل السادسة".
(2/241)

229- خطبة الأحنف بن قيس:
فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال:
"أصلح الله أمير المؤمنين، إن الناس قد أمسوا في منكر زمان قد سلف، ومعروف زمان مؤتنف1، ويزيد ابن أمير المؤمنين نعم الخلف، فإن توله عهدك، فعن غير كبر مفنٍ، أو مرض مضنٍ، وقد حلبت الدهور2، وجربت الأمور، فاعرف من تسند إليه عهدك، ومن توليه الأمر من بعدك، واعصِ رأي من يأمرك، ولا يقدر لك، ويشير عليك ولا ينظر لك، وأنت أنظر للجماعة، وأعلم باستقامة الطاعة، مع أن أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن3 حيًّا".
__________
1 مستأنف.
2 هكذا في مروج الذهب. وفي الإمامة والسياسة: "وقد حلبت الدهر أشطره" وأصله من حلب شطري الناقة "بفتح الشين" ولها شطران: قادمان وآخران "بكسر الخاء" والشطر كل خلفين من أخلافها، والخلف "بكسر الخاء" لها كالضرع للبقرة، وهو مثل يضرب للمجرب، وأشطره بدل من الدهر منصوب.
3 هذا وما ورد في كلام الضحاك والأحنف بعد، يدل على أن تلك الخطب كانت في حياة الحسن بن عليّ كما أشرنا إليه قبل.
(2/242)

230- خطبة الضحاك بن قيس:
فغضب الضحاك بن قيس، فقام الثانية، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أصلح الله أمير المؤمنين، إن أهل النفاق من أهل العراق، مروءتهم في أنفسهم الشقاق، وألفتهم في دينهم الفراقُ، يرون الحق على أهوائهم1، كأنما ينظرون
__________
1 أي على أغراضهم وميولهم.
(2/242)

بأقفائهم، اختالوا جهلا وبطرًا. لا يرقبون من الله راقبة، ولا يخافون وبال عاقبة، اتخذوا إبليس لهم ربًّا، واتخذهم إبليس حزبًا، فمن يقاربوه لا يسروه، ومن يفارقوه لا يضروه. فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين في نحورهم، وكلامهم في صدورهم، ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف به معاوية في أرضه؟ هيهات لا تورث الخلافة عن كلالة، ولا يحجب غيرُ الذكرِ العَصَبَةَ. فوطنوا أنفسكم يأهل العراق على المناصحة لإمامكم. وكاتب نبيكم1 وصهره2، يسلم لكم العاجل، وتربحوا من الآجل".
__________
1 وكان معاوية من كتاب الوحي.
2 وكانت أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(2/243)

231- خطبة الأحنف بن قيس:
ثم قام الأحنف بن قيس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يا أمير المؤمنين: إنا قد فررنا1 عنك قريشًا، فوجدناك أكرمها زندًا، وأشدها عقدًا، وأوفاها عهدًا، وقد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة2 ولم تظهر عليها قعصًا3، ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت، ليكون له الأمر من بعدك، فإن تفِ فأنت أهلُ الوفاء، وإن تغدر4 تعلم والله أن وراء الحسن خيولا جيادًا، وأذرعًا شدادًا، وسيوفًا حدادًا، إن تدنُ له شبرًا من غدرٍ، تجد وراءه باعًا من نصر، وإنك تعلم أن أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك، ولا أبغضوا عليًّا وحسنًا منذ أحبوهما، وما نزل عليهم في ذلك خبر من السماء، وإن السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين لعلى عواتقهم، والقلوب التي أبغضوك بها، لبين جوانحهم، وايم الله إن الحسن لأحب إلى أهل العراق من عليٍّ".
__________
1 فر الدابة: كشف عن أسنانها لينظر ما سنها، وفر عن الأمر: بحث عنه.
2 فتح البلد عنوة: أي قهرًا.
3 مات قعصًا: أصابته ضربة أو رمية، فمات مكانه.
4 غدره وغدر به كنصر وضرب وسمع.
(2/243)

232- خطبة عبد الرحمن بن عثمان الثقفي:
ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أصلح الله أمير المؤمنين، إن رأي الناس مختلف، وكثير منهم منحرف، لا يدعون أحدًا على رشاد، ولا يجيبون داعيًا إلى سداد، مجانبون لرأي الخلفاء، مخالفون لهم في السنة والقضاء، وقد وقفت ليزيد في أحسن القضية، وأرضاها لحمل الرعية، فإذا خار الله لك فاعزم، ثم اقطع قالة الكلام، فإن يزيد أعظمنا حلمًا وعلمًا، وأوسعنا كنفًا، وخيرنا سلفًا، قد أحكمته التجارب، وقصدت به سبل المذاهب، فلا يصرفنك عن بيعته صارف، ولا يقفن بك دونها واقف، ممن هو شاسع1 عاصٍ، ينوص2 للفتنة كل مناص، لسانه ملتوٍ، وفي صدره داءٌ دويّ، إن قال فشرُّ قائل، وإن سكت فداءٌ غائلٌ3، قد عرفنا من هم أولئك، وما هم عليه لك من المجانبة للتوفيق، والتكلف للتفريق، فاجْلُ ببيعته عنا الغمة، واجمع به شمل الأمة، ولا تحد عنه إذا هديت له، ولا تنبش عنه إذ وفقت له، فإن ذلك الرأي لنا ولك، والحق علينا وعليك. أسأل الله العون وحسن العاقبة لنا ولك بمنه".
__________
1 من شسع المنزل كمنع: بعد.
2 ناص مناصًا: تحرك.
3 من غاله: أي أهلكه.
(2/244)

233- خطبة معاوية:
فقام معاوية، فقال:
"أيها الناس: إن لإبليس من الناس إخوانًا وخلانًا، بهم يستعد، وإياهم يستعين، وعلى ألسنتهم ينطق، إن رجوا طمعًا أوجفوا1، وإن استغنى عنهم أرجفوا2،
__________
1 أسرعوا، وجف البعير والفرس وجيفا: عدا، وأوجفته: إذا أعديته، قال تعالى: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ} أي ما أعملتم.
2 أرجف القوم: خاضوا في أخبار الفتن ونحوها، قال تعالى: {وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ} .
(2/244)

ثم يلقحون1 الفتن بالفجور، ويشققون لها حطب النفاق، عيابون مرتابون، إن لووا عروة أمر حنفوا، وإن دُعُوا إلى غيٍّ أسرفوا، وليسوا أولئك بمنتهين ولا بمقلعين ولا متعظين، حتى تصيبهم صواعق2 خزي وبيل، وتحل بهم قوارع3 أمر جليل، تجتث4 أصولهم كاجتثاث أصول الفقع، فأولى لأولئك ثم أولى، فإنا قد قدمنا وأنذرنا، إن أغنى التقدم شيئا أو نفع النذر5".
__________
1 في الأصل "يلحقون" وهو تحريف، وصوابه: "يلقحون" من ألقح الناقة والنخلة.
2 جمع صاعقة: وهي الموت وكل عذاب مهلك. وأرض وبيلة: وخيمة المرتع.
3 جمع قارعة، وهي الداهية الفاجئة. قال تعالى: {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ} .
4 تقتلع، والفقع بالفتح ويكسر: البيضاء الرخوة من الكمأة.
5 النذر: الإنذار. قال تعالى: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} أي إنذاري، وفي الإمامة والسياسة عقب هذه الخطبة: "فدعا معاوية الضحاك، فولاه الكوفة، ودعا عبد الرحمن فولاه الجزيرة".
(2/245)

234- خطبة يزيد بن المقنع:
ثم قام يزيد بن المقنع، فقال:
"أمير المؤمنين هذا -وأشار إلى معاوية- فإن هلك فهذا -وأشار إلى يزيد، فمن أبى فهذا -وأشار إلى سيفه"، فقال معاوية: اجلس فإنك سيد الخطباء.
(2/245)

235- خطبة الأحنف:
ثم تكلم الأحنف بن قيس، فقال:
"يا أمير المؤمنين: أنت أعلمنا بيزيد في ليله ونهاره، وسره وعلانيته، ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله رضا ولهذه الأمة، فلا تشاور الناس فيه، وإن كنت تعلم
(2/245)

منه غير ذلك، فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، فإنه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب، واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين، وأنت تعلم من هما، وإلى ما هما، وإنما علينا أن نقول: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} .
قال صاحب العقد: فتفرق الناس، ولم يذكروا إلا كلام الأحنف، ثم بايع الناس ليزيد بن معاوية، فقال رجلٌ وقد دُعِيَ إلى البيعة: "اللهم إني أعوذ بك من شرِّ معاوية" فقال له معاوية: "تعوذ من شر نفسك، فإنه أشد عليك وبايع" فقال: "إني أبايع وأنا كاره للبيعة"، فقال له معاوية: بايع أيها الرجل، فإن الله يقول: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} .
أما ابن قتيبة فيقول:
قالوا: فاستخار اللهَ معاويةُ، وأعرض عن ذكر البيعة، حتى قدم المدينة سنة خمسين، فتلقاه الناس، فلما استقر في منزله أرسل إلى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأمر حاجبه ألا يأذن لأحد من الناس حتى يخرج هؤلاء النفر، فلما جلسوا تكلم معاوية فقال:
(2/246)

236- خطبة معاوية:
"الحمد لله الذي أمرنا بحمده، ووعدنا عليه ثوابه، نحمده كثيرًا، كما أنعم علينا كثيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد، فإني قد كبر سني، ووهن عظمي، وقرب أجلي، وأوشكت أن أُدعى فأجيب، وقد رأيت أن أستخلف عليكم بعدي بزيد، ورأيته لكم رضًا، وأنتم عبادلة قريش وخيارها وأبناء خيارها، ولم يمنعني أن أحضر حسنًا وحسينًا إلا أنهما أولاد أبيهما، على حسنِ رأيي فيهما، وشديدِ محبتي لهما، فردُوا على أمير المؤمنين خيرًا، يرحمكم الله".
(2/246)

237- خطبة عبد الله بن عباس:
فتكلم عبد الله بن عباس فقال:
"الحمد لله الذي ألهمنا أن نحمده، واستوجب علينا الشكر على آلائه، وحسن بلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وصلى الله على محمد وآل محمد. أما بعد: فإنك قد تكلمت فأنصتنا، وقلت فسمعنا، وإن الله جلَّ ثناؤه، وتقدست أسماؤه، اختار محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لرسالته، واختاره لوحيه، وشرفه على خلقه، فأشرف الناس من تشرف به، وأولاهم بالأمر أخصهم به، وإنما على الأمة التسليم لنبيها إذ اختاره الله لها، فإنه إنما اختار محمدًا بعلمه، وهو العليم الخبير، وأستغفر الله لي ولكم".
(2/247)

238- خطبة عبد الله بن جعفر:
فقام عبد الله بن جعفر فقال:
"الحمد لله أهل الحمد ومنتهاه، نحمده على إلهامنا حمده، ونرغب إليه في تأدية حقه، وأشهد أن لا إله إلا الله واحدًا صَمَدًا1، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله صلى اله عليه وسلم. أما بعد: فإن هذه الخلافة إن أخذ فيها بالقرآن: فـ {أُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} وإن أخذ فيها بسنة رسول الله، فأولوا رسول الله، وإن أخذ بسنة الشيخين أبي بكر وعمر، فأي الناس أفضل وأكمل وأحق بهذا الأمر من آل الرسول؟ وايم الله لو وَلُوه بعد نبيهم، لوضعوا الأمر موضعه، لحقه وصدقه، ولأطيع الله، وعُصِيَ الشيطان، وما اختلف في الأمة سيفان، فاتق الله يا معاوية، فإنك قد صرت راعيًا ونحن رعية، فانظر لرعيتك، فإنك مسئول عنها غدًا،
__________
1 الصمد: السيد؛ لأنه يصمد إليه في الحوائج: أي يقصد، صمده من باب نصر: قصده.
(2/247)

وأما ما ذكرت من ابنَيْ عمي، وتركك أن تحضرهما، فوالله ما أصبت الحق، ولا يجوز لك ذلك إلا بهما، وإنك لتعلم أنهما معدن العلم والكرم، فقل أو دع، وأستغفر الله لي ولكم".
(2/248)

239- خطبة عبد الله بن الزبير:
فتكلم عبد الله بن الزبير فقال:
"الحمد لله الذي عرفنا دينه، وأكرمنا برسوله، أحمده على ما أبلى وأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد: فإن هذه الخلافة لقريش خاصة، تتناولها بمآثرها السنِيَّة، وأفعالها المرضية، مع شرف الآباء، وكرم الأبناء، فاتق الله يا معاوية، وأنصف من نفسك، فإن هذا عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، ابن عم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنا عبد الله بن الزبير ابن عمة رسول الله صل الله عليه وسلم، وعليٌّ خلَّف حسنًا وحسينًا، وأنت تعلم من هما، وما هما، فاتق الله يا معاوية، وأنت الحاكم بيننا وبين نفسك".
(2/248)

240- خطبة عبد الله بن عمر "المتوفي سنة 74هـ":
فتكلم عبد الله بن عمر فقال:
الحمد لله الذي أكرمنا بدينه، وشرفنا بنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أما بعد: فإن هذه الخلافة ليست بهرقلية، ولا قيصرية، ولا كسروية، يتوارثها الأبناء عن الآباء، ولو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي، فوالله ما أدخلني مع الستة من أصحاب الشوى، إلا على أن الخلافة ليست شرطًا مشروطًا، وإنما هي في قريش خاصة، لمن كان لها أهلا، ممن ارتضاه المسلمون لأنفسهم، من كان أتقى وأرضى، فإن كنت تريد الفتيان من قريش فلعمري إن يزيد من فتيانها، واعلم أنه لا يغني عنك من الله شيئًا".
(2/248)

241- خطبة معاوية:
فتكلم معاوية فقال:
"قد قلت وقلتم، وإنه قد ذهبت الآباء وبقيت الأبناء، فابني أحب إلي من أبنائهم، ومع أن ابني إن قاولتموه1 وجد مقالا، وإنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف لأنهم أهل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما مضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَّى الناس أبا بكر وعمر، من غير مَعْدِن الملك ولا الخلافة، غير أنهما سارا بسيرة جميلة، ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف، فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة، وقد أخرجك الله يابن الزبير وأنت يابن عمر منها، فأما ابنا عمي هذان فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله". ثم أمر بالرحلة وأعرض عن ذكر البيعة ليزيد، ولم يقطع عنهم شيئًا من صلاتهم وأعطياتهم2، ثم انصرف راجعًا إلى الشام، وسكت عن البيعة، فلم يعرض لها إلى سنة إحدى وخمسين.
قال ابن قتيبة: ثم لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن رحمه الله "سنة 51" إلا يسيرًا حتى بايع ليزيد بالشام، وكتب ببيعته إلى الآفاق، وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم فكتب إليه بذلك، وأمره أن يجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة، ثم يبايعوا ليزيد، فلما قرأ كتاب معاوية أبى من ذلك وأبته قريش، وكتب إلى معاوية: إن قومك قد أبو إجابتك إلى بيعتك ابنك، فأرني رأيك، فكتب إليه يأمره أن يعتزل عمله، ويخبره أنه قد وَلَّى المدينة سعيد بن العاص، فخرج مروان مغاضبًا في أهل بيته وأخواله من بني كنانة حتى أتى دمشق، ودخل على معاوية، فسلم عليه بالخلافة، ثم قال:
__________
1 قاول: فاعل من القول، كحادث وخاطب وكالم.
2 أعطيات: جمع أعطية، وهو جمع عطاء.
(2/249)

242- خطبة مروان بن الحكم:
"إن الله عظيم خطره، لا يقدر1 قادر قدره، خلق من خلقه عبادًا، جعلهم لدعائم دينه أوتادًا. هم رقباؤه على البلاد، وخلفاؤه على العباد، أسفر2 بهم الظُّلَم، وألف بهم الدين، وشدد بهم اليقين، ومنح بهم الظفر، ووضع بهم من استكبر، فكان من قبلك من خلفائنا، يعرفون ذلك في سالف زمامنا، وكنا نكون لهم على الطاعة إخوانا، وعلى من خالف عنها أعوانا، يشد بنا العضد، ويقام بنا الأود، ونستشار في القضية، ونستأمر3 في أمر الرعية، وقد أصبحنا اليوم في أمور مستحيرة4، ذات وجوه مستديرة، تفتح بأزمة الضلال، وتحلس5 بأسوأ الرحال، يؤكل جزورها6، وتمتق أحلابها7، فما لنا لا نستأمر في رضاعها، ونحن فطامها وأولاد فطامها، وايم الله لولا عهود مؤكدة، ومواثيق معقدة8، لأقمت أود وليها، فأقم الأمر يابن أبي سفيان، واعدل عن تأميرك الصبيان، واعلم أن لك في قومك نظراء، وأن لهم على مناوأتك وزراء".
فغضب معاوية من كلامه غضبًا شديدًا، ثم كظم غيظه بحلمه، وأخد بيد مروان، ثم قال:
__________
1 قدره من بابي قصر وضرب وقدره تقديرًا: عظمه، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظموه حق تعظيمه.
2 سفر الصبح وأسفر: أضاء وأشرق، أو هو متعد من سفرت الحرب أي ولت، وسفرت المرأة كشفت عن وجهها، فالمعنى كشف بهم الظلم.
3 الاستئمار: المشاورة.
4 في الأصل "مستخيرة" أي مستخير صاحبها، من استخار الله في أمره: طلب أن يجعل له فيه الخير، وأرى أنها "مستحير" بالحاء: أي مستحير صاحبها أي متحير، من استحار: إذا نظر إلى الشيء، فغشي عليه، ولم يهتد لسبيله، ويؤيد هذا قوله بعد: "ذات وجوه مستديرة" أي مستغلقة مبهمة ليست مستقيمة.
5 حلس البعير كضربه: غشاه بحلس "بكسر الحاء" وهو كساء على ظهر البعير تحت البرذعة، وفي الأصل: "وتجلس بأسوأ الرجال" بجيمين وهو تصحيف".
6 الجزور: البعير، أو خاص بالناقة المجزورة.
7 امتق الفصيل ما في الضرع شربه كله، والأحلاب جمع حلب "بفتحتين" وهو اللبن المحلوب.
8 اسم مفعول من عقد بالتشديد مضعف عقد الحبل والبيع والعهد: إذا شده.
(2/250)

243- خطبة معاوية:
"إن الله قد جعل لكل شيء أصلا، وجعل لكل خير أهلا، ثم جعلك في الكرم مني محتدا1، والعزيز مني والدا، اختِرْتَ من قروم2ٍ قادة، ثم استُلِلْتَ سيد سادة، فأنت ابن ينابيع الكرم، فمرحبا بك وأهلا من ابن عم، ذكرت خلفاء مفقودين، شهداء صديقين، كانوا كما نعتَّ، وكنت لهم كما ذكرتَ، وقد أصبحنا في أمور مستحيرة، ذات وجوه مستديرة، وبك والله يابن العم نرجو استقامة أودها، وذلولة3 صعوبتها، وسفور ظلمتها، حتى يتطأطأ4 جسيمها، ويركب بك عظيمها، فأنت نظير أمير المؤمنين، وعدته في كل شديدة وعضده، والثاني بعد ولي عهده، فقد وليتك قومك، وأعظمت في الخراج سهمك، وأنا مجيزٌ وَفْدَكَ، ومحسنٌ رَفْدَكَ5، وعلى أمير المؤمنين غناك، والنزول عند رضاك6".
__________
1 المحتد: الأصل.
2 جمع قرم بالفتح: وهو السيد.
3 هكذا في الأصل، وفي كتب اللغة: "الذل بالكسر والضم اللين وهو ضد الصعوبة، ذل فهو ذلول، يكون في الإنسان والدابة".
4 طأطأ رأسه: خفضه فتطأطأ.
5 الرفد: العطاء والصلة.
6 قال المسعودي: "وجعله ولي عهد يزيد: ورده إلى المدينة، ثم إنه عزله عنها، وولاها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ولم يفِ لمروان بما جعل له من ولاية عهد يزيد"، وقال ابن قتيبة: "فكان أول ما رزق ألف دينار في كل هلال، وفرض له في أهل بيته مائة مائة".
(2/251)

244- مروان وعبد الرحمن بن أبي بكر:
وروى أن مروان لما ورد عليه كتاب معاوية، قرأه على أهل المدينة وقال:
"إن أمير المؤمنين قد كبُر سِنُهُ، ودقَّ عظمُهُ، وقد خاف أن يأتيه أمر الله تعالى، فيدع الناس كالغنم لا راعي لها، وقد أحب أن يُعْلِمَ عَلَمًا، ويقيم إمامًا"، فقالوا: وفق الله أمير المؤمنين وسدده، ليفعل، فكتب بذلك إلى معاوية، فكتب إليه أن سَمِّ يزيد،
(2/251)

فقرأ الكتاب عليهم وسمى يزيد، وخطبهم، فحضهم على الطاعة، وحذرهم الفتنة، ودعاهم إلى بيعة يزيد وقال: سنة أبي بكر الهادية المهدية، فقام عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: "كذبت والله يا مروان، وكذب معاوية معك، إن أبا بكر ترك الأهل والعشيرة، وبايع لرجل من بني عدي رضي دينه وأمانته، واختاره لأمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا يكون ذلك، لا تحدثوا علينا سنة الروم، كلما مات هرقل قام مكانه هرقل، فقال مروان: "أيها الناس: إن هذا المتكلم هو الذي أنزل الله فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي 1} ، فقال له عبد الرحمن:
__________
1 أخرج: أبعث، قال صاحب الأمالي: "فسمعت ذلك عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فقالت: ألابن الصديق يقول هذا؟ استروني فستروها، فقالت: كذبت والله يا مروان إن ذلك لرجل معروف نسبه"، وقال المفسرون في هذه الآية: "والمراد "بالذي قال" الجنس القائل ذلك القول، وعن الحسن: هو في الكافر العاق لوالديه، المكذب بالبعث، وعن قتادة: نعت عبد سوء: عاق لوالديه، فاجر لربه، وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، وقد دعاه أبوه أبو بكر وأمه أم رومان إلى الإسلام، فأفف بهما، وقال: ابعثوا إليَّ جدعان بن عمرو، وعثمان بن عمرو -وهما من أجداده- حتى أسألهما عما يقول محمد، ويشهد ببطلانه أن المراد بـ "الذي قال" جنس القائلين ذلك، وأن قوله: {الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} هم أصحاب النار، وعبد الرحمن كان من أفاضل المسلمين وسرواتهم. وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما إنكار نزولها فيه، وحين كتب معاوية إلى مروان أن يبايع الناس ليزيد، قال عبد الرحمن: لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان: يأيها الناس هو الذي قال الله فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ} ... فسمعت عائشة، فغضبت، وقالت: "والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته، أما أنت يا مروان، فأشهد أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فضض من لعنة الله" أ. هـ.
"وقولها: فضض كجبل ويروى كعتق وغراب أي قطعة منها".
وجاء في السيرة الحلبية "1: 302": "عن الواقدي، استأذن الحكم بن أبي العاص على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعرف صوته، فقال: "ائذنوا له لعنه الله ومن يخرج من صلبه إلا المؤمنين منهم -وقليل ما هم- ذوو مكر وخديعة، يعطون الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق"، وكان لا يولد لأحد ولد بالمدينة إلا أتى به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأتي إليه بمروان لما ولد، فقال: هو الوزغ بن الوزغ، الملعون بن الملعون" وعن جبير بن مطعم: كنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمر الحكم بن أبي العاص، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ويل لأمتي مما في صلب هذا".
وجاء في أسد الغابة في ترجمته: "ذكره عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، في هجائه لعبد الرحمن بن الحكم، فقال:
إن اللعين أبوك فارم عظامه ... إن ترم ترم مخلجا مجنونا
وقد روي في لعنه ونفيه أحاديث كثيرة لا حاجة إلى ذكرها، إلا أن الأمر المقطوع به أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع حلمه وإغضائه على ما يكره، ما فعل به ذلك إلا لأمر عظيم"، وجاء في الفخرى ص108 "ورويت أحاديث وأخبار في لعنة الحكم بن أبي العاص، ولعنة من في صلبه، وضعفها قوم".
(2/252)

"يابن الزرقاء1، أفينا تتأول القرآن؟ " وتكلم الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وأنكروا بيعة يزيد، وتفرق الناس، فكتب مروان إلى معاوية بذلك.
قال ابن قتيبة: قدم معاوية المدينة حاجًّا، ثم أرسل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن عباس فحضرا، وابتدأ معاوية فقال:
__________
1 في الفخرى ص108 "وكان من أراد ذم مروان وعيبه يقول له يابن الزرقاء" قالوا: وكانت الزرقاء جدتهم من ذوات الرايات التي يستدل بها على بيوت البغايا في الجاهلية، فلذلك كانوا يذمون بها".
(2/253)

245- خطبة معاوية:
"أما بعد: فالحمد لله ولي النعم، ومنزل النقم، وأشهد أن لا إله إلا الله، المتعالي عما يقول الملحدون علوا كبيرا، وأن محمدًا عبده المختص المبعوث إلى الجن والإنس كافة، لينذرهم بقرآن: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ، فأدى عن الله، وصدع1 بأمره، وصبر على الأذى في جنبه، حتى أوضح دين الله، وأعز أولياءه، وقمع المشركين، وظهر أمر الله وهم كارهون، فمضى صلوات الله عليه، وقد ترك من الدنيا ما بُذِلَ له، واختار منها الترك لما سُخِّرَ له، زهادة واختيارًا لله، وأنفة واقتدارًا على الصبر، وبغيًا لما يدوم ويبقى، وهذه صفة الرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم خلفه رجلان محفوظان، وثالث مشكوك، وبين ذلك خوض طالما عالجناه، مشاهدة
__________
1 قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} أي شق جماعاتهم، بالتوحيد أو اجهر بالقرآن، أو أظهر أو احكم بالحق وافصل بالأمر، أو اقصد بما تؤمر، أو افرق به بين الحق والباطل.
(2/253)

ومكافحة، ومعاينة وسماعًا، وما أعلم منه فوق ما تعلمان، وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه، وقد علم الله ما أحاول به من أمر الرعية، من سد الخلل، ولَمِّ الصدع بولاية يزيد، بما أيقظ العين، وأحمد الفعل، هذا معناي في يزيد، وفيكما فضل القرابة، وحظوة العلم، وكمال المروءة، وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة، ما أعياني مثله عندكما، وعند غيركما، مع علمه بالسنة وقراءة القرآن، والحلم الذي يرجح بالصم1 الصلاب، وقد علمتما أن الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة، قدم على الصديق والفاروق، ومن دونهما من أكابر الصحابة، وأوائل المهاجرين، يوم غزوة ذات السلاسل2، من لم يقارب القوم، ولم يعاندهم3، برتبة في قرابة موصولة، ولا سنة مذكورة، فقادهم الرجل بأمره، وجمع بهم صلاتهم، وحفظ عليهم فيئه، وقال ولم يُقَلْ معه، وفي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسوة حسنة، فمهلا بني عبد المطلب، فإنا وأنتم شِعْبَا نفعٍ وجِدّ، وما زلتُ أرجو الإنصاف في اجتماعكما، فما يقول القائل إلا بفضل قولكما، فرُدَّا على ذي رحم مستعتب، ما يحمد به البصيرة في عتابكما، وأستغفر الله لي ولكما".
فتيسر ابن عباس للكلام، ونصب يده للمخاطبة، فأشار إليه الحسين وقال: على رسلك، فأنا المراد، ونصيبي في التهمة أوفر، فأمسك ابن عباس، فقام الحسين:
__________
1 الصم جمع أصم: وهو الحجر الصلب المصمت.
2 غزوة ذات السلاسل، وهي وراء وادي القرى من أرض بني عذرة: غزاها سرية عمرو بن العاص سنة ثمانٍ للهجرة، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثه يستنفر العرب إلى الشأم، فلما كان على ماء بأرض جذام، يقال له: السلسل -وبذلك سميت تلك الغزوة غزوة ذات السلاسل- خاف، فبعث إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستمده، فبعث إليه رسول الله أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين، فيهم أبو بكر وعمر، وقال لأبي عبيدة حين وجهه: لا تختلفا، فخرج أبو عبيدة، حتى إذا قدم عليه، قال له عمرو: إنما جئت مددًا لي، قال أبو عبيدة: لا، ولكني على ما أنا عليه، وأنت على ما أنت عليه -وكان أبو عبيدة رجلا لينًا سهلا، هينًا عليه أمر الدنيا- فقال له عمرو: بل أنت مدد لي، فقال له أبو عبيدة: يا عمرو، إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لي: لا تختلفا، وإنك إن عصيتني أطعتك، قال: فإني الأمير عليك، وأنت مدد لي، قال: فدونك، فصلى عمرو بالناس.
3 المعاندة: المفارقة، أي ولم يمتز عليهم برتبة.
(2/254)

246- خطبة الحسين:
فحمد الله، وصلى على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال:
"أما بعد يا معاوية، فلن يؤدي القائل -وإن أطنب- في صفة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من جميعٍ جزءًا، قد فهمتُ ما ألبستَ1 به الخلفَ بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من إيجاز الصفة، والتَّنَكُّبِ عن استبلاغ البيعة، وهيهاتَ هيهاتَ يا معاوية! فضحَ الصبحُ فحمةَ الدُّجَى، وبهرتِ2 الشمسُ أنوارَ السرج، ولقد فضلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى بخلت، وجرت حتى جاوزت، ما بذلت لذي حق من أتم حقه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر، ونصيبه الأكمل، وفهمت ما ذكرته عن يزيد، من اكتماله وسياسته لأمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوبًا، أو تنعت غائبًا، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه3 الكلاب المتهارشة4 عند التحارش، والحمام السبق لأترابهن، والقينات5 ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصرًا، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فوالله ما برحت تقدم باطلا في جور، وحَنَقًا في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضةٌ، فتقدِم على عمل محفوظ. في يوم مشهود، ولاتَ حين مناصٍ، ورأيتك عَرَّضْتَ بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تراثًا، ولقد -لعمر الله- أورثنا الرسول عليه الصلاة والسلام
__________
1 ألبسه: غطاه.
2 يقال: بهر القمر كمنع: غلب ضوءه الكواكب، والسرج جمع سراج: وهو المصباح.
3 استقراء الأشياء: تتبع أفرادها.
4 المهارشة: تحريش بعضها على بعض.
5 جمع قينة: وهي الجارية المغنية أو أعم، والمعازف: الآلات التي يضرب بها كالعود، جمع معزف كمنبر.
(2/255)

ولادة، وجئت لنا بما حججتم به القائم عند موت الرسول عليه الصلاة والسلام، فأذعن للحجة بذلك، ورده الإيمان إلى النصف، فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل، وقلتم: كان ويكون، حتى أتاك الأمر يا معاوية، من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك1، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتأميره له، وقد كان ذلك، ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة، بصحبة الرسول وبيعته له وما صار لعمرٍو يومئذ حتى أنف القوم إمرته، وكرهوا تقديمه وعدُّوا عليه أفعاله، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا جرم2 معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري". فكيف يحتج بالمنسوخ من فعل الرسول، في أوكد الأحوال، وأولاها بالمجتمَعِ عليه من الصواب؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابعًا، وحولك من لا يؤمن في صحبته، ولا يعتمد في دينه وقرابته، وتتخطاهم إلى مسرفٍ مفتونٍ؟ تريد أن تلبس الناس شبهة، يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى بها في آخرتك، إن هذا لهو الخسران المبين، وأستغفر الله لي ولكم".
فنظر معاوية إلى ابن عباس، فقال: ما هذا يابن عباس، ولما عندك أدهى وأمرّ! فقال ابن عباس: لعمر الله، إنها لذرية الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأحد أصحاب الكساء3، ومن البيت المطهر، فالْهَ عما تريد، فإن لك في الناس مقنعًا، حتى يحكم الله بأمره، وهو خير الحاكمين، فقال معاوية: أعود4 الحلم التحلم، وخيرُه التحلمُ عن الأهل، انصرفا في حفظ الله.
ثم أرسل معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، وإلى عبد الله بن عمر، وإلى عبد الله بن الزبير، فجلسوا.
__________
1 مسهل عن هنأ، يقال: هنأه الطعام: إذا ساغ ولذ، أي فهنيئًا لك ما نلت من الخلافة.
2 لا جرم: قال الفراء "هي كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم، وصارت بمنزلة حقًّا، فلذلك يجاب عنها باللام كما يجاب بها عن القسم، ألا تراهم يقولون: "لا جرم لآتينك".
3 انظر ص32.
4 أعود: أنفع، والعائدة: المنفعة.
(2/256)

247- خطبة معاوية:
فحمد الله، وأثنى عليه معاوية، ثم قال:
"يا عبد الله بن عمر: قد كنت تحدثنا أنك لا تحب أن تبيت ليلة وليس في عنقك بيعة جماعة، وأن لك الدنيا وما فيها، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وتسعى في تفريق ملئهم1، وأن تسفك دماءهم، وإن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء، وليس للعباد خيرة من أمرهم، وقد وَكَّدَ الناسُ بيعتهم في أعناقهم. وأعطوا على ذلك عهودهم ومواثيقهم". ثم سكت.
__________
1 الملأ: الجماعة.
(2/257)

248- خطبة عبد الله بن عمر:
فتكلم عبد الله بن عمر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: يا معاوية، لقد كان قبلك خلفاء، وكان لهم بنون، ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك، فلم يحابوا في هذا الأمر أحدًا، ولكن اختاروا لهذه الأمة حيث علموهم، وأنت تحذرني أن أشق عصا المسلمين، وأفرق مَلأهم، وأسفك دماءهم، ولم أكن لأفعل ذلك إن شاء الله، ولكن إن استقام الناس، فسأدخل في صالح ما تدخل فيه أمة محمد".
فقال معاوية: يرحمك الله، ليس عندك خلاف، ثم قال معاوية لعبد الرحمن بن أبي بكر نحو ما قاله لعبد الله بن عمر، فقال له عبد الرحمن: إنك والله لوددنا أن نكلك إلى الله فيما جسرت عليه من أمر يزيد، والذي نفسي بيده لتجعلنها شورى، أو لأعيدنها جَذَعَة، ثم قام ليخرج، فتعلق معاوية بطرف ردائه، ثم قال: على رسلك
(2/257)

اللهم اكفنيه بما شئت، لا تظهرن لأهل الشام، فإني أخشى عليك منهم، ثم قال لابن الزبير نحو ما قاله لابن عمر، ثم قال له: أنت ثعلب رواغ، كلما خرجت من جحر انجحرت1 في آخر، أنت أَلَّبْتَ2 هذين الرجلين، وأخرجتهما إلى ما خرجا إليه.
فقال ابن الزبير: أتريد أن تبايع ليزيد؟ أرأيت إن بايعناه أيكما نطيع؟ أنطيعك أم نطيعه، إن كنت مللت الخلافة فاخرج منها، وبايع ليزيد، فنحن نبايعه، فكثر كلامه وكلام ابن الزبير، حتى قال له معاوية في بعض كلامه: والله ما أراك إلا قاتلا نفسك، ولكأني بك قد تخبَّطْتَ في الحبالة، ثم أمرهم بالانصراف، واحتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يخرج، ثم خرج، فأمر المنادي أن ينادي في الناس، أن يجتمعوا لأمر جامع، فاجتمع الناس في المسجد، وقعد هؤلاء حول المنبر.
__________
1 أي دخلت، جحر الضب كمنع: دخل الجحر، وجحر فلان الضب: أدخله فيه، فانجحر.
2 التأليب: التحريض والإفساد.
(2/258)

249- خطبة معاوية
فحمد الله، وأثنى عليه، ثم ذكر يزيد وفضله وقراءته للقرآن، ثم قال:
"يا أهل المدينة، لقد هممت ببيعة يزيد، وما تركت قرية ولا مدرة1 إلا بعثت إليها ببيعته، فبايع الناس جميعًا وسلموا، وأخرت المدينة بيعته، وقلتُ: بيضتُهُ2، وأصله ومن لا أخافهم عليه، وكان الذين أبوا البيعة، منهم من كان أجدر أن يصلَه. ووالله لو علمت مكان أحد هو خير للمسلمين من يزيد لبايعت له".
فقام الحسين فقال: "والله لقد تركتَ مَن هو خيرٌ منه أبًا وأمًّا ونفسًا"! فقال معاوية: "كأنك تريد نفسك؟ " فقال الحسين: "نعم. أصلحكَ اللهُ"! فقال معاوية: "إذن أخبرك، أما قولك: خيرٌ منه أُمًّا، فلعمري أمك خيرٌ من أمه، ولو لم يكن إلا أنها امرأة من قريش، لكان نساء قريش أفضلهن، فكيف وهي ابنةُ رسول الله صلى
__________
1 المدرة: المدينة.
2 جماعته وأصله.
(2/258)

الله عليه وسلم، ثم فاطمة في دينها وسابقتها؟ فأمك لعمر الله خير من أمه1، وأما أبوك فقد حاكم أباه إلى الله، فقضى لأبيه على أبيك". فقال الحسين: "حسبك جهلك، آثرت العاجل على الآجل". فقال معاوية: "وأما ما ذكرت من أنك خيرٌ من يزيدَ نفسًا، فيزيدُ والله خيرٌ لأمةِ محمدٍ منك". فقال الحسينُ: "هذا هو الإفك والزور! يزيدُ شاربُ الخمرِ، ومشتري اللهو خيرٌ مني! " فقال معاوية: "مهلا عن شتمِ ابنِ عمك؛ فإنك لو ذُكِرْتَ عنده بسوء لم يشتمك"، ثم التفتَ معاويةُ إلى الناس. وقال:
"أيها الناس: قد علمتم أن رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ ولم يستخلفْ أحدًا، فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، وكانت بيعتُهُ بيعةَ هدًى، فَعَمِلَ بكتاب الله وسنة نبيه، فلما حضرته الوفاة رأى أن يستخلفَ عمرَ، فعمل عمرُ بكتاب الله وسنة نبيه، فلما حضرته الوفاة رأى أن يجعلها شورى بين ستة نفرٍ اختارَهم من المسلمين، فصنع أبو بكر ما لم يصنعه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصنع عمرُ ما لم يصنعه أبو بكر، كل ذلك يصنعونه نظرًا للمسلمين، فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد، لما وقع الناس فيه من الاختلاف. ونظرًا لهم بعين الإنصاف".
وروي من طريق آخر: أن معاويةَ لما خرج إلى المدينة ودنا منها، استقبله أهلها، فيهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والحسين بن علي، وعبد الرحمن بن أبي بكر؛ فأقبل على عبد الرحمن بن أبي بكر، فَسَبَّهُ وقال: "لا مرحبًا بك ولا أهلا"؛ فلما دخل الحسينُ عليه قال: "لا مرحبًا بك ولا أهلا، بَدَنةٌ2 يترقرق دمُها والله مُهَرِيقُه"؛ فلما دخل ابن الزبير قال: "لا مرحبًا بك ولا أهلا، ضبُّ تلعة3، مدخلُ رأسِه تحت ذنَبِهِ"؛ فلما دخل عبد الله بن عمر قال: "لا مرحبًا بك ولا أهلا، وسَبَّهُ"، فقال:
__________
1 وأم يزيد هي ميسون بنت بحدل الكلبية.
2 البدنة: من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم تهدى إلى مكة، للذكر والأنثى.
3 التلعة: ما ارتفع من الأرض وما انهبط منها.
(2/259)

"إني لست بأهل لهذه المقالة" قال: "بلى، ولما هو شرٌّ منها" فدخل معاوية المدينة وأقام بها، وخرج هؤلاء الرهط معتمرين، فلما كان وقت الحج خرج معاوية حاجًّا، فأقبل بعضهم على بعض، فقالوا: لعله قد ندم، فأقبلوا يستقبلونه، فلما دخل ابن عمر، قال: "مرحبًا بصاحب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وابن الفاروق، هاتوا لأبي عبد الرحمن دابة"، وقال لابن أبي بكر: "مرحبًا بشيخ قريش وسيدها وابن الصديق، هاتوا له دابة"، وقال لابن الزبير: "مرحبًا بابن حواريّ رسول الله صلى الله عله وسلم وابن عمته، هاتوا له دابة"، وقال للحسين: "مرحبًا بابن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وسيد شباب المسلمين، قربوا لأبي عبد الله دابة، وجعلت ألطافُهُ1 تدخل عليهم ظاهرة يراها الناس، ويحسن إذنهم وشفاعتهم وحملهم على الدواب، وخرج حتى أتى مكة، فقضى حجة، ولما أراد الشخوص أمر بأثقاله فقدمت، وأمر بالمنبر فقرب من الكعبة، ثم أرسل إليهم، فاجتمعوا، وقال بعضهم لبعض: من يكلمه؟ فأقبلوا على الحسين فأبى، فقالوا لابن الزبير: هات، فأنت صاحبنا، قال: على أن تعطوني عهد الله أن لا أقول شيئًا إلا تابعتموني عليه، قالوا: لك ذلك، فأخذ عهودهم رجلا رجلا، فدخلوا عليه، فرحب بهم، وقال: قد علمتم نظري لكم، وتعطفي عليكم، وصلتي أرحامكم، ويزيد أخوكم وابن عمكم، وإنما أردت أن أقدمه باسم الخلافة، وتكونوا أنتم تأمرون وتنهون، فسكتوا، فقال: أجيبوني، فسكتوا، فقال: أجيبوني، فسكتوا، فقال: لابن الزبير: هات؛ فأنت صاحبهم، قال:
__________
1 الألطاف: جمع لطفة بالتحريك، وهي الهدية.
(2/260)

250- خطبة عبد الله بن الزبير:
"نخيرك بين إحدى ثلاث، أيها أخذت فهي لك رغبة، وفيها خيار؛ إن شئت فاصنع فينا ما صنعه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قبضه الله ولم يستخلفْ أحدًا، فرأى
(2/260)

المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، فدع هذا الأمر حتى يختار الناس لأنفسهم، وإن شئت فما صنع أبو بكر، عهد إلى رجل من قاصية قريش وترك من ولده ومن رهطه الأدنين من كان لها أهلا، وإن شئت، فما صنع عمر، جعلها شورى في ستة نفر من قريش يختارون رجلا منهم، وترك ولده وأهل بيته، وفيهم من لو وليها لكان لها أهلا".
فقال معاوية: هل غير هذا؟ قال: لا، ثم قال للآخرين: ما عندكم؟ قالوا: نحن على ما قال ابن الزبير، فقال معاوية: "إني أتقدم إليكم، وقد أعذرَ من أنذرَ، إني قائمٌ قائلٌ مقالة، فإياكم أن تعترضوا علي حتى أتمها، فإن صدقتُ فعليَّ صدقي، وإن كذبتُ فعليَّ كذبي، وأقسم بالله لئن ردَّ عليَّ رجلٌ منكم كلمة في مقامي هذا، لا ترجع إليه كلمتُهُ، حتى يُضرَب رأسُه، فلا ينظر امرؤ منكم إلا إلى نفسه، ولا يبقي إلا عليها، وأمر أن يقوم على رأسِ كلِّ رجلٍ منهم رجلان بسيفيهما، فإن تكلم بكلمة يردُّ بها عليه قولَه قتلاه، وخرجَ وأخرجهم معه، حتى رقِيَ المنبرَ، وحفَّ به أهلُ الشام، واجتمع الناسُ، فقام خطيبًا فقال:
(2/261)

251- خطبة معاوية:
قال بعد حمد الله، والثناء عليه: إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار1، قالوا: إن حسينًا، وابن أبي بكر، وابن عمر، وابن الزبير لم يبايعوا ليزيد، وهؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا نبرم أمرًا دونهم، ولا نقضي أمرًا إلا عن مشورتهم، وإني دعوتهم، فوجدتهم سامعين مطيعين، فبايعوا، وسلموا، وأطاعوا".
قال أهل الشام: وما يعظم من أمر هؤلاء؟ ائذن لنا، فنضرب أعناقهم، لا نرضى حتى يبايعوا علانية، فقال معاوية: سبحان الله! ما أسرع الناسُ إلى قريشٍ بالشرِّ،
__________
1 العوار: مثلثة: العيب.
(2/261)

وأحلى دماءهم عندهم، أنصتوا فلا أسمع هذه المقالة من أحد، ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوا ثم قربت رواحله، فركب ومضى، فقال الناس للحسين وأصحابه: قلتم: لا نبايع، فلما دعيتم وأرضيتم بايعتم. قالوا: لم نفعل. قالوا: بلى قد فعلتم وبايعتم، أفلا أنكرتم؟
قالوا: خفنا القتل وكادكم بنا وكادنا بكم.
"العقد الفريد 2: 247-157، الإمامة والسياسة 1: 121، ومروج الذهب 2: 69، والأمالي 2: 73، وذيل الأمالي ص177، وعيون الأخبار م2 ص210، 1: 95 والبيان والتبيين 1: 163-164".
(2/262)

تهنئة وتعزية:
252- خطبة عبد الله بن همام السلولي:
لما توفي معاوية واستخلف يزيد ابنه "سنة 60" اجتمع الناس على بابه، ولم يقدروا على الجمع بين تهنئة وتعزية، حتى أتى عبد الله بن همام السلولي، فدخل عليه، فقال:
"يا أمير المؤمنين، آجرك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية، فلقد رزئت عظيمًا، وأعطيت جسيمًا، فاشكر الله على ما أعطيت، واصبر له على ما رزيت، فقد فقدت خليفة الله، ومنحت خلافة الله، ففارقت جليلا، ووهبت جزيلا، إذ قضى معاوية نحبه، فغفر الله ذنبه، ووليت الرياسة، فأعطيت السياسة، فأوردك الله موارد السرور، ووفقك لصالح الأمور، وأنشد:
فاصبر يزيدُ فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا1
لا رزء أصبح في الأقوام نعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا
أصبحت والِيَ أمر الناس كلهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا نُعيتَ ولا نسمعْ بمنعاكا2
"وعبد الله بن همام هو أول من فتح الباب في الجمع بين تهنئة وتعزية، فولجه الناس، كما روي من غير وجه".
"زهر الآداب 1: 61، ونهاية الأرب 5: 215، وتهذيب الكامل 1: 16، والعقد الفريد 2: 35-141-250، ومروج الذهب 2: 93، والبيان والتبيين 2: 66".
__________
1 أصفاه: آثره.
2 هو أبو ليلى معاوية بن يزيد.
(2/263)

253- خطبة عطاء بن أبي صيفي الثقفي:
وروى المسعودي أن يزيد بعد موت أبيه أذن للناس، فدخلوا عليه لا يدرون أيهنئونه أم يعزونه، فقام عطاء بن أبي صيفي، فقال:
"السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، أصبحت وقد رزئت خليفة الله وأعطيت خلافة الله، ومنحت هبة الله، وقد قضى معاوية نحبه، فغفر الله له ذنبه، وأعطيت بعده الرياسة، ووليت السياسة، فاحتسب1 عند الله أعظم الرزية، واحمده علي أفضل العطية".
"مروج الذهب 2: 93، والبيان والتبيين 2: 102،تهذيب الكامل 1: 16، وصبح الأعشى 9: 278، "والعقد الفريد 2: 35".
__________
1 احتسب به أجرًا عند الله: اعتده ينوي به وجه الله "واحتسب ابنه إذا مات كبيرًا، فإن مات صغيرًا قيل: افترطه".
(2/264)

254- خطبة عبد الله بن مازن:
ثم قام عبد الله بن مازن، فقال:
"السلام عليك يا أمير المؤمنين، رزئت خير الآباء وسميت خير الأسماء، ومنحت أفضل الأشياء، فهناك الله بالعطية، وأعانك على الرعية، فقد أصبحت قريش مفجوعة ببعد ساستها، مسرورة بما أحسن الله إليها من الخلافة بك، والعقب من بعده، ثم أنشأ يقول:
الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها
عنك فيأبى الله إلا سوقها ... إليك، حتى قلدوك طوقها
ثم قام عبد الله بن همام فخطب خطبته السالفة.
"مروج الذهب 2: 93"
(2/264)

255- خطبة غيلان بن مسلمة الثقفي:
وروى الجاحظ: أنه لما توفي عبد الملك، وجلس ابنه الوليد دخل عليه الناس وهم لا يدرون أيهنئونه أم يعزونه، فأقبل غيلان بن مسلمة الثقفي، فسلم عليه، ثم قال:
"يا أمير المؤمنين، أصبحت قد رزئت خير الآباء، وسميت خير الأسماء، وأعطيت أفضل الأشياء، فعظم الله لك على الرزية الصبر، وأعطاك في ذلك نوافل1 الأجر، وأعانك على حسن الولاية والشكر، ثم قضى عبد الملك2 بخير القضية، وأنزله بأشرف المنازل المرضية، وأعانك من بعده على الرعية". "البيان والتبيين 2: 103".
__________
1 النافلة في الصلاة وغيرها: الزيادة.
2 أي قضى على عبد الملك بإسقاط الجار.
(2/265)

خطب ولاة الأمويين وقوادهم
خطبته بفارس وقد كتب إليه معاويه يتهدده
...
خطب ولاة الأمويين وقوادهم خطب زياد بن أبيه المتوفى سنة 53:
256- خطبته بفارس وقد كتب إليه معاوية يتهدده:
كان الإمام علي عليه السلام ولى زيادًا فارس -أو بعض أعمال فارس- فضبطها ضبطًا صالحًا، وجبى خراجها وحماها، فلما قُتِل الإمام بقي زيادٌ في عمله، وخاف معاوية جانبه، وعلم صعوبة ناحيته، وأشفق من ممالأته الحسن بن علي، عليه السلام، فكتب إليه يتهدده1، فغضب زياد غضبًا شديدًا، وجمع الناس، وصعد المنبر، فحمد الله، ثم قال:
"العجب من ابن آكلة الأكباد2، وقاتلة أسد الله، ومظهر الخلاف، ومسرِّ النفاق، ورئيس الأحزاب، ومن أنفق ماله في إطفاء نور الله، كتب إلي يرعد ويبرق3
__________
1 ومما ورد في كتابه إليه قوله: "أمس عبد، واليوم أمير! خطة ما ارتقاها مثلك يابن سمية، وإذا أتاك كتابي هذا، خذ الناس بالطاعة والبيعة، وأسرع الإجابة، فإنك إن تفعل فدمك حقنت، ونفسك تداركت، وإلا اختطفتك بأضعف ريش؛ ونلتك بأهون سعي، وأقسم قسمًا مبرورًا أن لا أوتي بك إلا في زمارة، تمشي حافيًا من أرض فارس إلى الشأم، حتى أقيمك في السوق وأبيعك عبدًا، وأردك إلى حيث كنت فيه وخرجت منه".
2 هي هند أم معاوية، وذلك أنها بعد انتهاء غزوة أحد بقرت بطن حمزة بن عبد المطلب عم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأخذت كبده لتأكلها، فلاكتها ثم أرسلتها، وكان قد قتله وحشي مولى جبير بن مطعم، دعاه سيده، وقال له: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة بعمي طعيمة فأنت حر.
3 رعد الرجل وبرق "كنصر" وأرعد وأبرق: تهدد وتوعد.
(2/266)

عن سحابة جفل1 لا ماء فيها، وعما قليل تصيرها الرياح قزعًا2، والذي يدلني على ضعفه تهدده قبل القدرة، أفمن إشفاق علي تنذر وتعذر؟ كلا، ولكن ذهب إلى غير مذهب، وقعقع3 لمن رَوِيَ بين صواعق تهامة4، كيف أرهبه وبيني وبينه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وابن ابن عمه في مائة ألف من المهاجرين والأنصار؟ والله لو أذن فيه أو ندبني إليه، لأرينه الكواكب نهارًا، ولأسعطنه5 ماء الخردل دونه، الكلام اليوم، والجمع غدًا، والمشورة بعد ذلك إن شاء الله" ثم نزل.
"شرح ابن أبي الحديد م4 ص68، وتاريخ الطبري 6: 97".
__________
1 الجفل: السحاب هراق ماءه ومضى.
2 القزع: قطع من السحاب رقيقة.
3 القعقعة: صوت الرعد، وتحريك الشيء اليابس الصلب مع صوت؛ ومنه "ما يقعقع له بالشنان" وسيأتي تفسيره في خطبة الحجاج.
4 روي: ارتوى، والمراد نشأ وترعرع بينهما، ولعله "ربي" وذكروا أنه لما نصب الحجاج المجانيق لقتال عبد الله بن الزبير، وأظلتهم سحابة فأرعدت وأبرقت وأرسلت الصواعق، ففزع الناس وأمسكوا عن القتال، فقام فيهم الحجاج، فقال: "أيها الناس لا يهولنكم هذا فإني أن الحجاج بن يوسف، وقد أصحرت لربي، فلو ركبنا عظيما لحال بيننا وبينه، ولكنها جبال تهامة لم تزل الصواعق تنزل بها".
5 سعطه الدواء كمنعه ونصره وأسمطه إياه: أدخله في أنفه.
(2/267)

257- خطبته وقد بعث معاوية إليه المغيرة بن شعبة يستقدمه:
وكتب إلى معاوية يرد عليه ردًّا شديد اللهجة1، فغم ذلك معاوية وأحزنه، وأوفد إليه المغيرة بن شعبة بكتاب يتلطف به فيه ويستدنيه منه، ويستلحقه بنسب أبيه
__________
1 ونص كتابه إليه: "أما بعد، فقد وصل إليَّ كتابك يا معاوية، وفهمت ما فيه، فوجدتك كالغريق يغطيه الموج، فيتشبث بالطحلب، ويتملق بأرجل الضفادع طمعًا في الحياة، إنما يكفر النعم ويستدعي النقم من حادَّ الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا. فأما سبك لي فلولا حلمٌ ينهاني عنك، وخوفي أن أُدعَى سفيها لأثرت لك مخازي لا يغسلها الماء. وأما تعبيرك لي بسمية، فإن كنت ابن سمية فأنت ابن حمامة. وأما زعمك أنك تختطفني بأضعف ريش وتتناولني بأهون سعي، فهل رأيت بازيا يفزعه صغير القنابر؟ أم هل سمعت بذئب أكله خروف؟ فامض الآن لطيتك، واجهد جهدك، فلست أنزل إلا بحيث تكره، ولا أجتهد إلا فيما يسوءك، وستعلم أينا الخاضع لصاحبه، الظالع إليه والسلام".
(2/267)

أبي سفيان1، وجعل المغيرة يترفق به، وينصح له أن يصل حبله بحبله، ولا يقطع رحمه، فتريث زياد يومين أو ثلاثة يروي في أمره، ثم جمع الناس، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: ادفعوا البلاء ما اندفع عنكم، ارغبوا إلى الله في دوام العافية لكم، فقد نظرت في أمور الناس منذ قتل عثمان، وفكرت فيهم، فوجدتهم كالأضاحي.
في كل عيد يذبحون، ولقد أفنى هذان اليومان: يوم الجمل وصفين ما ينيف على مائة ألف، كلهم يزعم أنه طالب حق، وتابع إمام، وعلى بصيرة من أمره، فإن كان الأمر هكذا، فالقاتل والمقتول في الجنة، كلا: ليس كذلك ولكن أشكل الأمر، والتبس على القوم، وإني لخائف أن يرجع الأمر كما بدأ، فكيف لامرئ بسلامة دينه، وقد نظرت في أمر الناس، فوجدت أحمد العاقبتين العافية، وسأعمل في أموركم ما تحمدون عاقبته ومغبته، فقد حمدت طاعتكم إن شاء الله" ثم نزل.
وكتب إلى معاوية يستوثق منه2، فأعطاه معاوية جميع ما سأله، وكتب إليه بخط يده ما وثق به، فدخل إليه الشام، فقربه وأدناه، وأقره على ولايته، ثم استعمله على العراق.
"شرح ابن أبي الحديد م4: 69"
__________
1 وكانت ديباجة كتابه إليه: "من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان" وفيه يقول: "وحملك سوء ظنك بي، وبغضك لي على أن عققت قرابتي، وقطعت رحمي، وبتت نسبي وحرمتني، كأنك لست أخي، وليس صخر بن حرب أباك وأبي! " وفي آخره يقول: "فإن أحببت جانبي ووثقت بي، فإمرة بإمرة؛ وإن كرهت جانبي، ولم تثق بقولي، ففعل جميل، لا عَلَيّ ولا لي والسلام".
2 وفي كتابه يقول: "إن كنت كتبت كتابك هذا عن عقد صحيح، ونية حسنة، وأردت بذلك برًّا، فستزرع في قلبي مودة وقبولا، وإن كنت إنما أردت مكيدة ومكرًا وفساد نية، فإن النفس تأبى ما فيه العطب، ولقد قمت يوم قرأت كتابك مقامًا يعيا به الخطيب المدره، فتركت من حضر، لا أهل ورد، ولا صدر، كالمتحيرين بمهمة ضل بهم الدليل، وأنا على أمثال ذلك قدير".
(2/268)

258- خطبته وقد استلحقه معاوية:
ولما أراد معاوية استلحاق زياد، وقد قدم عليه الشام، جمع الناس وصعد المنبر، وأصعد زيادًا معه؛ فأجلسه بين يديه على المرقاة1 التي تحت مرقاته، وحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: إني قد عرفت نسبنا أهل البيت في زياد، فمن كان عنده شهادة فليقم بها"، فقام ناس، فشهدوا أنه ابن أبي سفيان، وأنهم سمعوا ما أقر به قبل موته2؛ فلما انقضى كلام معاوية ومناشدته، قام زياد وأنصت الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
__________
1 المرقاة بفتح الميم وتكسر: الدرجة.
2 فقام أبو مريم السلولي – وكان خمارًا في الجاهلية فقال: أشهد يا أمير المؤمنين أن أبا سفيان: قدم علينا الطائف، فأتاني؛ فاشتريت له لحمًا وخمرًا وطعامًا؛ فلما أكل قال: يا أبا مريم، أصب لي بغيًّا؛ فخرجت فأتيت سمية، فقلت لها: إن أبا سفيان من قد عرفت شرفه وجوده وقد أمرني أن أصيب له بغيًّا، فهل لك؟ فقالت: نعم يجيء الآن عبيد بغنمه –وكان راعيًا- فإذا تعشى ووضع رأسه أتيته؛ فرجعت إلى أبي سفيان فقلت لم أجد إلا جارية الحرث بن كلدة سمية، فقال: ائتني بها على ذفرها وقذرها، فقال له زياد: مهلًا يا أبا مريم؛ إنما بعثت شاهدًا، ولم تبعث شاتمًا، فقال أبو مريم: لو كنتم أعفيتموني لكان أحب إليَّ، وإنما شهدت بما عاينت ورأيت، والله لقد أخذ بكم درعها، وأغلقت الباب عليهما، فلم ألبث أن خرج على يمسح جبينه، فقلت: مه يا أبا سفيان، فقال: ما أصبت مثلها يا أبا مريم لولا استرخاء من ثدييها، وذفر في إبطيها" -والدفر بالتحريك ويسكن: النتن، والذفر بالتحريك: كل ريح ذكية من طيب أو نتن أو يخص برائحة الإبط المنتنة- وكانت أمه سمية قد وهبها أبو الخير بن عمرو الكندي الحارث بن كلدة -وكان طبيبًا يعالجه- فولدت له على فراشه نافعًا، ثم ولدت أبا بكرة؛ فأنكر لونه، وقيل له إن جاريتك بغيٌّ، فانتفى من أبي بكرة ومن نافع، وزوجها عبيدًا وكان عبدًا لابنته، فولدت على فراشه زيادًا.
وذكروا أن عمر بن الخطاب كان قد بعث زيادًا في إصلاح فساد واقع باليمن؛ فلما رجع من وجهته خطب عند عمر خطبة لم يسمع بمثلها، وهو غلام حدث، وأبو سفيان حاضر، وعليٌّ عليه السلام، وعمرو بن العاص، فقال عمرو: لله أبو هذا الغلام لو كان قرشيًّا لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان: أما والله =
(2/269)

"أيها الناس: هذا أمر لم أشهد أوله، ولا علم لي بآخره، وقد قال أمير المؤمنين ما بلغكم، وشهدت الشهود بما سمعتم؛ فالحمد لله الذي رفع منا ما وضع الناس، وحفظ منا ما ضيعوا، فأما عبيد فإنما هو والد مبرور، أو ربيب1 مشكور" ثم نزل.
"شرح ابن أبي الحديد 4: ص70، والعقد الفريد 2: 151، 3: 3، ومروج الذهب 2: 56، وذيل الأمالي ص189"
__________
= إنه لقرشيّ، ولو عرفته لعرفت أنه خير من أهلك، فقال: ومن أبوه؟ قال: أنا والله وضعته في رحم أمه، قال: فهلا تستلحقه، قال: أخاف هذا العير الجالس أن يخرق علي إهابي".
ومن كتاب لعلي عليه السلام إلى زياد، وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه: "وقد كان من أبي سفيان في زمن عمر بن الخطاب فلتة من حديث النفس، ونزغة من نزغات الشيطان لا يثبت بها نسب، ولا يستحق بها إرث" فلما قرأ زياد الكتاب قال: شهد بها ورب الكعبة، ولم تزل في نفسه حتى نسب، ولا يستحق بها إرث" فلما قرأ زياد الكتاب قال: شهد بها ورب الكعبة، ولم تزل في نفسه حتى ادعاء معاوية، وكان يقال له: زياد بن عبيد، وزياد بن أبيه، وزياد ابن سمية، وزياد ابن أمه، ولما استلحق قال له أكثر الناس: زياد بن أبي سفيان، قال الطبري: توفي سنة 44 استلحق معاوية نسب زياد ابن سمية بأبيه أبي سفيان فيما قيل".
1 الربيب هنا: زوج الأم.
(2/270)

خطبته حين ولى البصرة
...
259- خطته حين ولي البصرة "وهي البتراء"
وقدم زياد البصرة "غرة جمادى الأولى سنة 45هـ" واليًا لمعاوية بن أبي سفيان، وضم إليه خراسان وسجستان، والفسق بالبصرة كثير فاش ظاهر؛ فخطب خطبة بتراء لم يحمد الله فيها، وقيل بل قال:
"الحمد لله على إفضاله وإحسانه، ونسأله المزيد من نعمه وإكرامه. اللهم كما زدتنا نعمًا فألهمنا شكرًا" أما بعد: فإن الجهالة الجهلاء1، والضلالة العمياء، والغي الموفى بأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم2، من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير، ولا يتحاشى عنها الكبير، كأنكم لم تقرءوا كتاب الله، ولم تسمعوا
__________
1هذا الوصف توكيد للمبالغة، ومثله: وتد واتد، وهمج هامج، وليلة ليلاء، ويوم أيوم "أي شديد، أو آخر يوم في الشهر".
2 عقلاؤكم.
(2/270)

ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته، في الزمن السرمدي1 الذي لا يزول، أتكونون كمن طرفت2 عينَه الدنيا، وسدت مسامعُه الشهواتُ، واختار الفانيةَ على الباقيةِ، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدثَ الذي لم تسبقوا إليه، من ترككم للضعيف يُقهر ويؤخذ مالُه، هذه المواخير3 المنصوبة، والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، والعددُ غيرُ قليل، ألم يكن منكم نُهاةٌ، تمنعُ الغُوَاةَ4 عن دَلَج5 الليل، وغارةِ النهار؟ قربتم القرابة، وباعدتم الدين! تعتذرون بغير العذر، وتغضون على المختلس، كل امرئ منكم يذب6 عن سفيه، صنيعَ من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادًا، ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء؛ فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم، حتى انتهكوا حرم7 الإسلام، ثم أطرقوا وراءكم، كُنُوسًا في مكانسِ الرِّيب8 حرامٌ عليَّ الطعام والشراب، حتى أسويها بالأرض هدمًا وإحراقًا.
إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لين في غير ضعف،
__________
1 الدائم.
2 طرف عينه: أصابها بشيء فدمعت، وطرف بصره: أطبق أحد جفنيه على الآخر، وطرفه عنه كضربه: صرفه ورده.
3 جمع ماخور وهو بيت الريبة معرب أو عربي من مخرت السفينة لتردد الناس إليه.
4 جمع ناه، وغواة جمع غاو.
5 السير من أول الليل، وقد أدلجوا، فإن ساروا من آخره فادلجوا بالتشديد.
6 يدفع.
7 جمع حرمة، وهي ما لا يحل انتهاكه. روى الشعبي قال: "لما خطب زياد خطبته البتراء بالبصرة ونزل، سمع تلك الليلة أصوات الناس يتحارسون، فقال: ما هذا؟ قالوا: إن البلد مفتون، وإن المرأة من أهل المصر لتأخذها الفتيان الفساق، فيقال لها: نادي ثلاثة أصوات، فإن أجابك أحد، وإلا فلا لوم علينا فيما نصنع! ".
8 كنوس جمع كانس: أي مستتر كقعود وجلوس جمع قاعد وجالس، وأصله من كنس الظبي كضرب: دخل في كناسه "ككتاب" وهو مستتره من الشجر، ويجمع كانس أيضًا على كنس "كركع" ومنه الجواري الكنس "وهي الخنس" وهي الكواكب السيارة، أو النجوم الخمسة: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد؛ لأنها تكنس في المغيب كالظباء في الكنس "ككتب"، أو هي كل النحوم لأنها تبدو ليلًا وتختفي نهارًا "وخنوسها أنها تغيب كما يخنس الشيطان إذا ذكر الله عَزَّ وَجَلَّ" ومكانس الريب: مكامنها المستترة جمع مكنس كمجلس.
(2/271)

وشدة في غير عنف، وإني أقسم بالله لآخذن الولي1 بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه، فيقول: "انج سعد فقد هلك سعيد2" أو تستقيم لي قناتكم، إن كذب المنبر بلقاء3 مشهورة، فإذا تعلقتم علَيّ بكذبة فقد حلت لكم معصيتي4، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها5 في، واعلموا أن عندي أمثالها، من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب منه6 فإياي ودلج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبرُ الكوفة ويرجعُ إليكم7، وإياي ودعوى الجاهلية8، فإني لا أجد أحدًا دعا بها إلا قطعتُ لسانه، وقد أحدثتم أحداثًا لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غَرَّقَ قومًا غرقناه، ومن أحرق قومًا أحرقناه، ومن نقب
__________
1 الولي: السيد، والمولى هنا: العبد.
2 سعد وسعيد هما ابنا ضبة بن أدّ خرجا في طلب إبل لأبيهما؛ فوجدها سعد فردها وقتل سعيد "فكان ضبة إذا رأى سوادًا تحت الليل قال: سعد أم سعيد؟.
3 من البلق بالتحريك: وهو ارتفاع التحجيل في الفرس إلى الفخذين "والتحجيل: بياض في قوائم الفرس"، والفرس البلقاء مشهورة لتميزها عما سواها ببلقها.
4 في الطبري "قال الشعبي: فوالله ما تعلقنا عليه بكذبة، ولا وعدنا خيرًا ولا شرًّا إلا أنفذه".
5 عُدُّوها من عيوبي، واغتمزه: طعن عليه.
6 في الطبري: "وكان زياد أول من شدَّ أمر السلطان، وأكد الملك لمعاوية، وألزم الناس بالطاعة، وتقدم في العقوبة، وجرد السيف، وأخذ بالظنة، وعاقب على الشبهة، وخافه الناس في سلطانه خوفًا شديدًا، حتى أمن الناس بعضهم بعضًا، حتى كان الشيء يسقط من الرجل أو المرأة؛ فلا يعرض له أحد، حتى يأتيه صاحبه؛ فيأخذه، وتبيت المرأة فلا تغلق عليها بابها، وساس الناس سياسة لم يُرَ مثلها، وهابه الناس هيبة لم يهابوها أحدًا قبل، وكان يقول: "لو ضاع حبل بيني وبين خراسان علمت من أخذه".
7 في الطبري: "استعمل زياد على شرطته عبد الله بن حصن؛ فأمهل الناس حتى بلغ الخبر الكوفة وعاد إليه وصول الخبر إلى الكوفة، وكان يؤخر العشاء حتى يكون آخر من يصلي، ثم يصلي، يأمر رجلًا يقرأ سورة البقرة ومثلها، يرتل القرآن؛ فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن إنسانًا يبلغ الخريبة "كجنينة موضع بالبصرة يسمى البصيرة الصغرى"، ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج فيخرج، ولا يرى إنسانًا إلا قتله فأخذ ليلة أعرابيًّا، فأتى به زيادًا، فقال: هل سمعت النداء؟ قال: لا والله، قدمت بحلوبة لي، وغشيني الليل فاضطررتها إلى موضع، فأقمت لأصبح، ولا علم لي بما كان من الأمير، قال: أظنك والله صادقًا، ولكن في قتلك صلاح هذه الأمة، ثم أمر به فضربت عنقه".
8 قولهم: يا لفلان، والغرض مناصرة العصبية.
(2/272)

بيتًا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرًا دفناه حيًّا فيه، فكفوا عني أيدكم وألسنتكم، أكفف عنكم يدي ولساني، ولا تظهر من أحد منكم ريبة بخلاف1 ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه، وقد كانت بيني وبين أقوام إحن2؛ فجعلت ذلك دَبْرَ أذني3 وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنًا فليزدد إحسانًا، ومن كان منكم مسيئًا فلينزع عن إساءته، إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلُّ من بغضي لم أكشف له قناعًا، ولم أهتك له سترًا، حتى يبدي لي صفحته4، فإذا فعل ذلك لم أناظره، فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم، فرب مبتئس بقدومنا سيُسرُّ، ومسرورٌ بقدومنا سيبتئس.
أيها الناس: إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا5؛ فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا أني مهما قصرت عنه، فلن أقصر عن ثلاث: لست محتجبًا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقًا بليل، ولا حابسًا عطاء ولا رزقًا عن إبانة6، ولا مجمرًا7 لكم بعثًا، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم؛ فإنهم ساستكم المؤدبون لكم، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتد لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا له حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرًّا لكم. أسأل الله أن يعين كلا على كل، وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر، فأنفذوه على
__________
1 أي تخالف ما اجتمع عليه عامة القوم.
2 جمع إحنة: وهي الحقد والضغينة.
3 أي خلف أذني، وقد اقتبسها من كلام معاوية كما مر بك.
4 أي يجاهرني بالعدواة.
5 ملكنا، والفيء: ما كان شمسا فينسخه الظل، والخراج، أي ندفع عنكم بظل الله ونعمته التي وهبنا، أو ندفع عنكم بما صار في أيدينا من أموال الخراج.
6 وقته وموعده.
7 جمر الجند: حبسهم في أرض العدو ولم يقفلهم.
(2/273)

أذلاله1، وايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة؛ فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي".
فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال: "أشهد أيها الأمير لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب"، فقال له: "كذبت ذاك نبي الله داود صلوات الله عليه؛ فقام الأحنف بن قيس، فقال: "إنما الثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وإنا لن نثني حتى نبتلى" فقال له زياد: صدقت، فقام أبو بلال مرداس2 بن أدية وهو يهمس ويقول: أنبأنا الله بغير ما قلت. قال الله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} وأنت تزعم أنك تأخذ البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي والمقبل بالمدبر، فسمعها زياد، فقال: "إنا لا نبلغ ما نريد فيك وفي أصحابك حتى نخوض إليكم الباطل خوضًا".
"البيان والتبيين 2: 29، والعقد الفريد 2: 150، وصبح الأعشى 1: 216، وتاريخ الطبري 6: 124، والكامل لابن الأثير 3: 226، وشرح ابن أبي الحديد م4: ص57، وعيون الأخبار م2: ص241، وذيل الأمالي 188".
__________
1 أي وجوهه وطرقه جمع ذل بالكسر. وذل الطريق: محجته، وأمور الله جارية على أذلالها أي مجاريها.
2 وهو من رؤساء الخوارج.
(2/274)

260- خطبته بالكوفة وقد ضمت إليه:
ولما مات المغيرة بن شعبة أمير الكوفة سنة 50هـ، ضم معاوية الكوفة إلى زياد؛ فكان أول من جمع له الكوفة والبصرة1، فاستخلف على البصرة، وشخص إلى الكوفة فأتاها، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"إن هذا الأمر أتاني وأنا بالبصرة، فأردت أن أشخص إليكم في ألفين من شرطة
__________
1 وكان يقيم ستة أشهر بالكوفة، وستة أشهر بالبصرة.
(2/274)

البصرة، ثم ذكرت أنكم أهل حق، وأن حقكم طالما دفع الباطل، فأتيتكم في أهل بيتي؛ فالحمد لله الذي رفع مني ما وضع الناس، وحفظ مني ما ضيعوا، حتى فرغ من الخطبة1".
"تاريخ الطبري 6: 131"
__________
1 قال الطبري: فحصب على المنبر، "أي رمى بالحصباء وهي الحصى" فجلس حتى أمسكوا، ثم دعا قومًا من خاصته، وأمرهم فأخذوا أبواب المسجد، ثم قال: ليأخذ كل رجل منكم جليسه، ولا يقولن لا أدري من جليسي، ثم أمر بكرسي فوضع له على باب المسجد، فدعاهم أربعة أربعة، يحلفون بالله ما منا من حصبك، فمن حلف خلاه، ومن لم يحلف حبسه وعزله، حتى صار إلى ثلاثين، ويقال بل كانوا ثمانين فقطع أيديهم على المكان"؟
(2/275)

261- خطبة أخرى له بالكوفة
وروى الطبري أيضًا قال:
"فجمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبي سفيان، فأقبل حتى دخل القصر بالكوفة ثم صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فإنا قد جُرِّبنا وجَرَّبنا، وسُسْنا وساسنا السائسون، فوجدنا هذا الأمر لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله، بالطاعة اللينة المشبه سرُّها بعلانيتها، وغيبُ أهلها بشاهدِهم، وقلوبهم بألسنتهم، ووجدنا الناس لا يصلحهم إلا لينٌ في غير ضعف، وشدةٌ في غير عنف، وإني والله لا أقوم فيكم بأمر إلا أمضيته على أذلاله، وليس من كذبةٍ الشاهد عليها من الله والناس أكبر من كذبةِ إمامٍ على المنبر، ثم ذكر عثمان وأصحابه فقرَّظهم، وذكر قَتَلَته ولعنهم".
"تاريخ الطبري 6: 142"
(2/275)

262- خطبته بالكوفة يتهدد الشيعة
وكان زياد قد ولَّى الكوفة عمرو بن الحريث، ورجع إلى البصرة؛ فبلغه أن حجر بن عدي يجتمع إليه شيعةُ علي، ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه، وأنهم
(2/275)

حصبوا عمر بن الحريث؛ فشخص إلى الكوفة، حتى دخلها، فأتى القصر، ثم خرج فصمد المنبر، وعليه قباء سندس، ومطرف خزّ أخضر قد فرق شعره، وحجرٌ جالس في المسجد حوله أصحابه أكثر ما كانوا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فإن غِبَّ البغيّ والغيّ وخيمٌ، إن هؤلاء جموا1 فأشروا، وأَمِنُونِي فاجترءوا عليّ، وايم الله لئن لم تستقيموا لأدواينكم بدوائكم، وقال: ما أنا بشيء إن لم أمنع باحة2 الكوفة من حجر، وأدعه نكالًا لمن بعده، ويل أمك يا حجر، سقط العَشَاء بك على سرحان3".
"تاريخ الطبري 6: 143"
__________
1 من جم الماء جمومًا: كثر واجتمع.
2 الباحة: الساحة.
3 هو مثل: وأصله أن رجلًا خرج يلتمس العَشاء؛ فوقع على ذئب فأكله، يضرب في طلب الحاجة يؤدي بصاحبها إلى التلف
(2/276)

263- خطبة أخرى له:
وخطب زياد فقال:
"استوصوا بثلاثة منكم خيرًا: الشريف والعالم والشيخ؛ فوالله لا يأتيني شيخ بشاب قد استخف به إلا أوجعته، ولا يأتيني عالمٌ بجاهل استخف به إلا نكلت به، ولا يأتيني شريفٌ بوضيع استخف به إلا انتقمت له منه".
"البيان والتيين 2: 73، والعقد الفريد 2: 151: شرح ابن أبي الحديد م4 ص74"
(2/276)

خطبة ثالثة له
...
264- خطبة أخرى:
وخطب على المنبر فقال:
"أيها الناس: لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا أن تنتفعوا بأحسن ما تسمعون منا، فإن الشاعر يقول:
اعمل بقولي وإن قصرت في عملي ... ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري
(2/276)

265- وصية لزياد:
وروى الجاحظ عن عمرو بن عبيد أنه قال: كتب عبد الملك بن مروان وصية زياد، وأمر الناس بحفظها وتدبر معانيها وهي:
"إن الله عَزَّ وَجَلَّ جعل لعباده عقولًا عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم بها على طاعته؛ فالناس بين محسن بنعمة الله عليه، ومسيء بخذلان الله إياه، ولله النعمة على المحسن، والحجة على المسيء، فما أولى من نمَّت عليه النعمة في نفسه ورأى العبرة في غيره بأن يضع الدنيا بحيث وضعها الله، فيعطي ما عليه منها، ولا يتكثر بما ليس له منها، فإن الدنيا دارُ فناء، ولا سبيل إلى بقائها، ولا بد من لقاء الله، فأحذركم الله الذي حذركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخرته العَجَزَةُ، قبل أن تصيروا إلى الدار التي صاروا إليها، فلا تقدرون على توبة، وليس لكم منها أَوبة، وأنا أستخلف الله عليكم، وأستخلفه منكم".
قال الجاحظ: وقد روي هذا الكلام عن الحجاج، وزياد أحق به منه.
"البيان والتبيين 1: 206"
(2/277)

266- ما كان يقوله لمن ولاه عملًا:
وكان زيادًا إذا ولى رجلًا عملًا قال له:
"خذ عهدك، وسر إلى عملك، واعلم أنك مصروفٌ رأس سَنَتِك، وأنك تصير إلى أربع خلال؛ فاختر لنفسك، إنا إن وجدناك أمينًا ضعيفًا، استبدلنا بك لضعفك، وسلَّمَتْك من معرتِنا أمانتُك، وإن وجدناك قويًّا خائنًا استهنا وتك، وأوجعنا ظهرك ثقلنا غرمك، وإن جمعت علينا الجرمين؛ جمعنا عليك المضرتين، وإن وجدناك أمينًا قويًّا؛ زدنا في عملك، ورفعنا ذكرك، وكثرنا مالك، وأوطأنا عقبك".
(2/277)

267- خطبة الضحاك بن قيس الفهري بالكوفة "قتل سنة 64هـ": 1
وخطب الضحاكُ بن قيس الفهري على منبر الكوفة – وقد كان بَلَغَه أن قومًا من أهلها يشتمون عثمان ويبرءون منه، فقال:
"بلغني أن رجالًا منكم ضُلالًا يشتمون أئمة الهدى، ويعيبون أسلافنا الصالحين، أما والذي ليس له نِدٌّ ولا شريكٌ، لئن لم تنتهوا عما يبلغني عنكم؛ لأضعن فيكم سيف زياد، ثم لا تجدونني ضعيف السورة2، ولا كليل الشفرة3، أما إني لصاحبكم الذي أغرت على بلادكم4؛ فكنت أول من غزاها في الإسلام، وشرب من ماء الثعلبية
__________
1 ولاه معاوية الكوفة سنة 55 إلى سنة 58 ثم جعله على شرطته، ولما مات معاوية الثاني بايعه أهل دمشق على أن يصلي بهم، ويقيم لهم أمرهم، حتى يجتمع أمر الأمة، وكان يهوى ابن الزبير، ويمنعه من إظهار ذلك أن بني أمية كانوا بحضرته، وكان يعمل في ذلك سرًّا، ثم نشبت الحرب بينه وبين مروان بن الحكم في مرج راهط، ودارت الدائرة على جيش الضحاك وقتل منتصف ذي الحجة سنة 64هـ.
2 سورة السلطان: سطوته واعتداؤه.
3 الشفرة: حد السيف، وكليل: غير قاطع.
4 وكان ذلك سنة 39 هـ، دعاه معاوية، وقال: سِرْ حتى تمرَّ بناحية الكوفة، وترتفع عنها ما استطعت؛ فمن وجدته من الأعراب في طاعة علِيٍّ فأغر عليه، وإن وجدت له مسلحة أو خيلًا فأغر عليها؛ فسرحه فيما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف؛ فأقبل الضحاك فنهب الأموال، وقتل من لقي من الأعراب ومر بالثعلبية؛ فأغار على مسالح عليٍّ وأخذ أمتعتهم، ومضى حتى انتهى إلى القطقطانة، فأتى عمرو بن عميس بن مسعود -وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود- وكان في خيل لعليٍّ، وأمامه أهله، وهو يريد الحجّ؛ فقتله وقتل ناسًا من أصحابه، فلما بلغ ذلك عليًّا سرح حجر بن عدي الكندي في أربعة آلاف؛ فلم يزل مغذا في أثر الضحاك حتى لقيه بناحية تدمر فواقعه، فاقتتلوا ساعة، فقتل من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلًا، وقتل من أصحاب حجر رجلان، وحجز الليل بينهم؛ فهرب الضحاك وأصحابه؛ فلما أصبحوا لم يجدوا لهم أثرًا -شرح ابن أبي الحديد م1: ص154، وتاريخ الطبري 6: 78.
(2/278)

ومن شاطئ الفرات، أعاقب من شئتُ، وأعفو عمن شئتُ، لقد ذَعَرتُ المخدرات في خدورهن، وإن كانت المرأة ليبكي ابنها فلا ترهبه ولا تسكته إلا بذكر اسمي؛ فاتقوا الله يا أهل العراق، أنا الضحاك بن قيس، أنا أبو أنيس، أنا قاتل عمرو بن عميس".
فقام إليه عبد الرحمن بن عبيد، فقال: "صدق الأمير، وأحسن القول! ما أعرفنا والله بما ذكرتَ! ولقد لقيناك بغربيّ تدمر فوجدناك شجاعًا مجرِّبًا صبورًا1! ".
ثم جلس، وقال: أيفخر علينا بما صنع ببلادنا أول ما قدم؟ وايم الله لأذكرنه أبغض مواطنه إليه؛ فسكت الضحاك قليلا، وكأنه خَزِيَ واستحيا، ثم قال: نعم، كان ذلك اليوم بأَخَرَة2 -بكلام ثقيل- ثم نزل.
"شرح ابن أبي الحديد 1: 155"
__________
1 هذا المقول تهكم به كما ترى.
2 يقال: جاء أخرة وبأخرة بالتحريك: أي آخر كل شيء.
(2/279)

268- خطبته عند موت معاوية:
ولما مات معاوية "سنة 60هـ" خرج الضحاك بن قيس الفهري -وكان صاحب شرطته- حتى صعد المنبر، وأكفان معاوية على يديه تلوح؛ فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"إن معاوية كان عمود العرب، وحد العرب، قطع الله عَزَّ وَجَلَّ به الفتنة، وملكه على العباد، وفتح به البلاد، ألا إنه قد مات، فهذه أكفانه، فنحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين عمله، ثم هو في البرزخ1 إلى يوم القيامة؛ فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحصرْ عند الأولى2".
"تاريخ الطبري 6: 182، والعقد الفريد 2: 250"
__________
1 البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة، من وقت الموت إلى البعث؛ فمن مات فقد دخل البرزخ.
2 وفي العقد "فمن أراد حضوره صلاة الظهر فليحضره".
(2/279)

269- خطبة النعمان بن بشير بالكوفة "قتل سنة 64هـ": 1
خطب النعمان بن بشير على منبر الكوفة، فقال: "يا أهل الكوفة: إني والله ما وجدت مثلي ومثلكم إلا الضبع والثعلب، أتيا الضب في جحره؛ فقالا: أبا الحسل2. قال: أجبتكما. قالا: جئناك نختصم. قال: في بيته يؤتى الحكم. قالت الضبع: فتحت عيني. قال: فعل النساء فعلت. قالت: فلقطت تمرة. قال: حلوًا اجتنيت قالت: فاختطفها ثمالة3. قال: لنفسه بغى الخير.
قالت: فلطمته لطمة قال: حقًّا قضيت. قالت؛ فلطمني أخرى. قال: كان حرًّا فانتصر. قالت: فاقضِ الآن بيننا. قال: حَدِّثْ حديثين امرأة، فإن لم تفهم فأربعة4".
"العقد الفريد 1: 269-2: 158، ومجمع الأمثال للميداني 2: 13"
__________
1 ولي الكوفة وحمص لمعاوية ويزيد، وكان هواه معها، وميله إليهما؛ فلما مات معاوية بن يزيد دعا الناس إلى بيعة عبد الله بن الزبير بالشام، وكان أول من خالف من أمراء الأجناد -وكان واليًا على حمص- وانضم إلى الضحاك بن قيس الفهري، أمده بجيش من أهل حمص عليه شرحبيل بن ذي الكلاع ونشبت الحرب بين الضحاك وبين مروان بن الحكم في مرج راهط، ودارت الدائرة على جيش الضحاك وقتل كما قدمنا؛ فلما بلغ الخبر النعمان بن بشير خرج عن حمص هاربًا ليلًا ومعه امرأته وولده وثقله، فسار ليلته جمعاء متحيرًا لا يدري أين يأخذ، فاتبعه خالد بن عدي الكلاعي فيمن خف معه من أهل حمص، فلحقه وقتله وبعث برأسه إلى مروان، وكان قتله في ذي الحجة سنة 64هـ.
2 أبو حسل وأبو حسيل: كنية الضب، وفي مجمع الأمثال أن المتخاصمين: الأرنب والثعلب.
3 ثعالة: اسم الثعلب الذكر والأنثى.
4 وقد ذهبت أقوال الضب كلها أمثالًا. قال الميداني في شرح المثل الأخير "1: 130": "أي زده وأراد بالحديثين حديثًا واحدًا تكرره مرتين؛ فكأنك حدثتها بحديثين. والمعنى كرر لها الحديث لأنها أضعف فهما، فإن لم تفهم فاجعلهما أربعة، وقال أبو سعيد: فإن لم تفهم بعد الأربعة فالمربعة "والمربعة كمكنسة: العصا" ويروى، فأربع "أمر من ربع كمنع" أي كُفّ، تضرب في سوء السمع والإجابة".
(2/280)

270- خطبة عبيد الله بن زياد بن أبيه بين يدي معاوية "قتل سنة 67هـ":
قدم عبيد الله بن زياد على معاوية بعد هلالك زياد، جعل يتصدى منه بخلوة، ليسبر من رأيه ما كره أن يُشْرَكَ في علمه؛ فاستأذن عليه بعد انصداع الطلاب، واشتغال الخاصة، وافتراق العامة، وهو يوم معاوية الذي كان يخلو فيه بنفسه، ففطن معاوية لما أراد، فبعث إلى ابنه يزيد وإلى مروان بن الحكم وإلى سعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحكم، وعمرو بن العاص، فلما أخذوا مجالسهم أذن له، فسلم ووقف واجمًا يتصفح وجوه القوم. ثم قال:
"صريح العقوق مكاتمة الأدنَيْنَ، لا خير في اختصاص وإن وَفَر، أحمد الله إليكم على الآلاء1، وأستعينه على اللأواء2، وأستهديه من عمى مجهد، وأستعينه على عدو مرصد3، وأشهد أن لا إله إلا الله المنقذ بالأمين الصادق من شفا جرف هار4، ومن بَدٍّ غارٍ5، وصلوات الله على الزكي نبي الرحمة، ونذير الأمة، وقائد الهدى، أما بعد يا أمير المؤمنين: فقد عسف بنا ظنٌ فرَّع6، وفذعٌ7 صدَّع، حتى طمع السحيقُ8، وبئس الرفيقُ، ودبَّ الوشاةُ بموت زياد، فكلهم مستحقِر9
__________
1 النعم.
2 الشدة.
3 أرصدت له: أعددت.
4 الشفا: حرف كل شيء، والجرف كعتق وقفل: ما تجرفته السيول وأكلته من الأرض، وهار الجرف: انصدع ولم يسقط فهو هار كقاض، وهو مقلوب من هائر، فإذا سقط فقد انهار وتهور.
5 البد: التعب، والغاري: الملازم الشامل، من غرا السمن قلبه لزق به وغطاه.
6 فرّع بين القوم وفرق بمعنى واحد: أي أن هذا الظن فرق بيننا وبينك فجافيتنا.
7 هي في الأصل "فرع" وأراها محرفة عن قذع وهي التي تناسب المقام. قذعه قذعا "بالسكون" رماه بالفحش وسوء القول كأقذعه، والقذع محركة: الخنا والفحش والقذر، وصدع: شقق وفرق: أي أن مارمانا به الوشاة لديك من سوء القول فرق بيننا وبينك.
8 البعيد.
9 في الأصل هكذا بمعنى محتقر، أي محتقر لنا لمعاداته إيانا، وأنه لا يبالي بمعاداتنا لما نابنا من الضعف بموت زياد، وربما كان "متحفز للعداوة" أي متوثب مستوفز أو "مسحنفر للعداوة" من اسحنفر: إذا مضى مسرعًا.
(2/281)

للعداوة، وقد قلص الآزرة1، وشمر عن عطافه2 ليقول: مضى زياد بما استلحق به، ودل على الأناة3 من مستلحقه؛ فليت أمير المؤمنين سلم في دعته4، وأسلم5 زيادًا في ضيعته؛ فكان ترب6 عامته، وأحد رعيته، فلا تشخص7 إليه عين ناظرة، ولا إصبع مشير، ولا تندلق8 عليه ألسنٌ كلمته حيًّا، ونَبَشَته ميتًا؛ فإن تكن يا أمير المؤمنين حابيت زيادًا بأول رفات، ودعوة أموات، فقد حاباك زياد بحد هصور، وعزم جسور، حتى لانت شكائم الشرِس، وذلت صعبة الأشوس9، وبذل لك يا أمير المؤمنين يمينه ويساره، تأخذ بهما المنيع، وتقهر بهما البديع، حتى مضى والله يغفر له، فإن يكن أخذ بحق أنزله منازل الأقربين، فإن لنا بعده ما كان له، بدالة الرحم، وقرابة الحميم؛ فما لنا يا أمير المؤمنين نمشي الضراء10، ونشتف النضار11؟
ولك من خيرنا أكمله، وعليك من حوبنا12 أثقله، وقد شهد القوم، وما ساءني قربهم ليقروا حقًّا، ويردوا باطلًا؛ فإن للحق منارًا واضحًا. وسبيلًا قصدًا13. فقل يا أمير المؤمنين بأي أمريك شئت، فما نأرِزُ14 على غير جُحْرِنا، ولا نستكثر بغير حقنا، وأستغفر الله لي ولكم".
__________
1 الآزرة والأزر بضمتين: جمع إزار، وهو الملحفة.
2 العطاف: الرداء، وجمعه عطف بضمتين، وأعطفة، وكذا المعطف بالكسر، وهو مثل إزار، ومئزر، ولحاف، وملحف.
3 في الأصل "الأنية" وأراه محرفا عن "الأناة" وهي الحلم.
4 الدعة: الخفض.
5 أسلمه: خذله، أي فليته ترك زيادًا ضائع النسب مغمورًا ولم يستلحقه.
6 الترب: من ولد معك: أي فكان تربًا لأحد عامة الناس، ولم يكن تربًا لك فلا يقدر له قدر.
7 أي فلا ترتفع.
8 اندلق السيل: اندفع، والسيف انسل بلا سل أو شق جفنه فخرج منه، وكلمته: جرحته وآذته.
9 وصف من الشوس بالتحريك، وهو النظر بمؤخر العين تكبرًا، أو تغيظًا.
10 الضراء: الشجر الملتف في الوادي، يقال توارى الصيد منه في ضراء، وفلان يمشي الضراء: إذا مشي مستخفيًا فيما يواري من الشجر.
11 اشتف ما في الإناء: شربه كله، والنضار: الذهب أو الفضة، والمراد: نمنع منه، ولا نمكن من أخذه، أي يحال بيننا وبين الولاية.
12 الحوب بضم الحاء وفتحها: الإثم، أي وعليك من آثامنا التي ارتكبناها في سبيل تأييد سلطانك أثقلها. وفي بعض النسخ: "من جوابنا" أي من جوابنا حين يسألنا المولى عما أتينا من أخذ الناس بالعسف والإرهاق لتمكين ملكك.
13 القصد: استقامة الطريق.
14 من أرزت الحية: أي لاذت بجحرها ورجعت إليه.
(2/282)

271- رد معاوية على ابن زياد:
فنظر معاوية في وجوه القوم كالمتعجب، فتصفحهم بلحظه رجلًا رجلًا وهو مبتسم، ثم اتجه تلقاءه، وعقد حبوته1، وحسر عن يده، وجعل يومي بها، ثم قال معاوية:
"الحمد لله على ما نحن فيه، فكل خير منه. وأشهد أن لا إله إلا الله؛ فكل شيء خاضع له، وأن محمدًا عبده ورسوله، دلَّ على نفسه بما بان عن عجز الخلق أن يأتوا بمثله؛ فهو خاتم النبيين، ومصدق المرسلين، وحجة رب العالمين، صلوات الله عليه وبركاته؛ أما بعد: فرب خير مستور، وشرٍّ مذكور، وما هو إلا السهم الأخيب لمن طار به، والحظ المُرْغِب لمن فاز به، فيهما التفاضل وفيهما التغابن، وقد صفقت2 يداي في أبيك صفقة ذي الخلة من رواضع الفُصْلان، عَامَلَ اصطناعي3 له بالكفر لما أوليته؛ فما رميتُ به إلا انتصلَ4، ولا انتضيتُهُ5 إلا غلق جفنه، ولزَّت6 لسعتُهُ، ولا قلت إلا عانَدَ، ولا قمت إلا قعد، حتى اخترمه7 الموت، وقد أوقع بختره8، ودل على حقده، وقد كنت رأيت في أبيك رأيا حضره الخطل، والتبس به الزلل؛ فأخذ مني بحظ الغفلة، وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء،
__________
1 احتبى بالثوب: اشتمل، أو جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها، والاسم: الحبوة، وحسر: كشف.
2 صفق له بالبيع، وصفق يده، وعلى يده صفقا وصقة: ضرب يده على يده، وذلك عند وجوب البيع. والفصلان جمع فصيل: وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه، والحلة: الحاجة.
3 اصطنعه لنفسه: اختاره لخاصة أمر استكفاه إياه.
4 انتصل السهم: سقط نصله.
5 انتضى السيف: استله، والجفن: غمد السيف.
6 لزّه: طعنه.
7 أهلكه.
8 الختر: الغدر والخديعة، أو أقبح الغدر، وأوقع به: أهلكه.
(2/283)

فما برحت هنات1 أبيك تحطب في حبل القطيعة؛ حتى انتكث2 المُبرَم، وانحل عقد الوداد، فيا لها توبةً تُؤتَنَف3 من حوبة أورثت ندمًا، أسمع بها الهاتف، وشاعت للشامت؛ فليهنأ4 الواشم ما به احتقر، وأراك تحمد من أبيك جِدًّا وجسورًا5 هما أوفيا به على شرف التقحم6، وغبط النعمة، فدعهما فقد أذكرتنا منه ما زهدنا فيك من بعده، وبها مشيت الضراء، واشتففت النضار، فاذهب، إليكَ، فأنت نجلُ الدَّغَل7، ونثر النَّغَل8، والأجر شرٌّ".
__________
1 أعماله وسيئاته جمع هنة.
2 انحل وانتفض.
3 تؤتنف: تستأنف، والحوبة: الإثم والذنب.
4 من هنأه الطعام: أي ساغ ولذ، والواشم فاعل من الوشم، وشم يَدَه: إذا غرزها بإبرة ثم ذر عليها النيلج، والمراد به هنا المعادي -والوشيمة: العداوة- أي فهنيئا لأعدائه الذين حقروه ونالوا من عرضه؛ فهو أهل لما قيل فيه: "يرد معاوية بذلك على قول عبيد الله قبل "ولا تندلق عليه ألسنٌ كلمته حيًّا، ونبشته ميتًا".
5 الجسور: الجسارة.
6 تقحمت به دابته: ندت به وربما طوحت به في وهدة أو وقصت به، والقحمة كغرقة: الورطة والمهلكة، والمراد التعرض للهلاك.
7 الدخل والفساد.
8 نغل الأديم نغلًا: فسد في الدباغ، والجرح فسد.
(2/284)

272- مقال يزيد بن معاوية:
فقال يزيد: "يا أمير المؤمنين إن للشاهد غيرَ حكم الغائب، وقد حضرك زيادٌ، وله مواطنُ معدودة بخير، لا يفسدها التظني1، ولا تغيرها التهم، وأهلوه أهلوك التحقوا بك، وتوسطوا شأنك؛ فسافرت به الركبان، وسمعت به أهل البلدان، حتى اعتقده الجاهل، وشك فيه العالم، فلا تتحجر2 يا أمير المؤمنين ما قد اتسع، وكثرت فيه الشهادات، وأعانك عليه قوم آخرون".
فانحرف معاوية إلى من معه، فقال: هذا وقذ3 نفسه ببيعته، وطعن في إمرته، يعلم ذلك كما أعلمه، يا للرجال من آل أبي سفيان! لقد حكموا وبذهم4 يزيد وحده،
__________
1 التظني: إعمال الظن، وأصله التظنن.
2 أي فلا تضيق. تحجر عليه: ضيق، وتحجر ما وسعه الله: حرمه وضيقه، وفي الحديث: "لقد تحجرت واسعًا" أي ضيقت ما وسعه الله، وفي الأصل: فلا يتحجر" وهو تصحيف.
3 في الأصل "وفد" ولعله وقذ، يقال وقذه: أي غلبه وسكنه.
4 فاقهم.
(2/284)

ثم نظر إلى عبيد الله، فقال: يابن أخي، إني لأعرف بك من أبيك، وكأني بك في غمرة لا يخطوها1 السابح؛ فالزم ابن عمك، فإن لما قال حقًّا، فخرجوا ولزم عبيد الله يزيد يرد مجلسه، ويطأ عقبه أيامًا، حتى رمى به معاوية إلى البصرة واليًا عليها2.
__________
1 في الأصل "لا يخطرها" وأراه "لا يخطوها".
2 قال الطبري: "ولى معاوية عبيد الله بن زياد البصرة سنة 55هـ".
(2/285)

273- وصية المهلب بن أبي صفرة لأبنائه عند موته: 1
روى الطبري قال:
لما كان المهلب بن أبي صفرة بزاغول من مرو الروذ "من خراسان" أصابتها الشوصة2 "وقوم يقولون الشوكة3" فدعا حبيبًا ومن حضره من ولده، ودعا بسهام فحزمت، وقال: أترونكم كاسريها مجتمعة؟ قالوا: لا. قال: أفترونكم كاسريها متفرقة؟ قالوا: نعم. قال فهكذا الجماعة، فأوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، فإن صلة الرحم تُنْسِئُ4 في الأجل، وتثري المال، وتكثر العدد، وأنهاكم عن القطيعة فإن القطيعة تعقب النار، وتورث الذلة والقلة، تباذلوا وتواصلوا تحابوا، واجمعوا أمركم ولا تختلفوا، وتباروا تجتمع أموركم، إن بني الأم يختلفون؛ فكيف ببني العلات5؟ وعليكم بالطاعة والجماعة، ولتكن فعالكم أفضل من قولكم، فإني أحب للرجل أن يكون لعمله فضل على لسانه، واتقوا الجواب، وزلة اللسان، فإن الرجل تزل قدمه فينتعش من زلته، ويزل لسانه فيهلك، اعرفوا لمن يغشاكم حقَّه، فكفى بِغُدُوِّ
__________
1 سترد خطبه إن شاء الله في باب "خطب الخوارج وما يتصل بها" وذكر الطبري أنه توفي سنة 82هـ، وابن خلكان أنه توفي سنة 83هـ، وكان الحجاج قد ولاه بعد فراغه من حرب الأزارقة على خراسان، فوردها واليًا عليها سنة 79هـ ولم يزل واليًا عليها حتى أدركته الوفاة هناك.
2 الشَّوصة بالفتح وقد تضم الشين: وجع في البطن.
3 الشوكة: حمرة تعلو الجسد.
4تؤخر وتطيل.
5 بنو العلات: بنو أمهات شتى من رجل واحد.
(2/285)

الرجل ورواحه إليكم تذكرة له، وآثروا الجود على البخل، وأحبوا العرب، واصطنعوا العرب؛ فإن الرجل من العرب تَعِدُه العِدَةَ فيموت دونك، فكيف الصنيعة عنده؟ وعليكم في الحرب بالأناة والمكيدة، فإنها أنفع في الحرب من الشجاعة، وإذا كان اللقاء نزل القضاء، فإن أخذ رجل بالحزم فظهر على عدوه، قيل: أتى الأمر من وجهه، ثم ظفر فحمد، وإن لم يظفر بعد الأناة، قيل: ما فرط ولا ضيع، ولكن القضاء غالب، وعليكم بقراءة القرآن، وتعليم السنن وأدب الصالحين. وإياكم والخِفَّةَ وكثرة الكلام في مجالسكم، وقد استخلفت عليكم يزيد، وجعلت حبيبًا على الجند، حتى يقدم بهم على يزيد؛ فلا تخالفوا يزيد" فقال له المفضل: لو لم تقدمه لقدمناه.
"تاريخ الطبري 8: 19، ونهاية الأرب 7: 249، والبيان والتبيين 2: 98".
وعهد إلى ولده يزيد؛ فكان من جملة ما قال له:
"يا بُنَيَّ، استعقِلْ الحاجبَ، واستظرف الكاتبَ، فإن حاجبَ الرجلِ وجهُهُ، وكاتبه لسانه"، وكان يقول لبنيه: "يا بَنِيّ أحسْنُ ثيابِكُم ما كان على غيرِكُم". ومن كلماته المأثورة قوله: "الحياة خيرٌ من الموت، والثناءُ الحسنُ خيرٌ من الحياة، ولو أعطيت ما لم يعطه أحدٌ لأحببتُ أن تكون لي أذنٌ أسمع بها ما يقال في غدٍّ إذا مِتُّ"، وقوله: "عجبت لمن يشتري العبيد بماله ولا يشتري الأحرار بإفضاله".
"وفيات الأعيان 2: 146، وسرح العيون 137".
(2/286)

خطب الحجاج بن يوسف الثقفي
خطبته بمكة بعد مقتل ابن الزبير
...
خطب الحجاج بن يوسف الثقفي "المتوفى سنة 95هـ":
274- خطبته بمكة بعد مقتل ابن الزبير "سنة 73هـ":
لما قتل الحجاجُ عبدَ الله بن الزبير، ارتجتْ مكةُ بالبكاء، فصعد المنبر، فقال:
"ألا إن ابن الزبير كان من أحبارِ1 هذه الأمة، حتى رغب في الخلافة ونازع فيها، وخلع طاعة الله، واستكنَّ بحرم الله، ولو كان شيء مانعًا للعصاة، لمنع آدم حرمة الجنة؛ لأن الله تعالى خلقَه بيده، وأسجدَ له ملائكتَه، وأباحَه جنتَه؛ فلما عصاه أخرجه منها بخطيئته، وآدم على الله أكرم من ابن الزبير، والجنة أعظم حرمة من الكعبة".
"سرح العيون ص122 وتاريخ ابن عساكر 4: 50"
__________
1 جمع حبر: بفتح الحاء وكسرها، وهو العالم أو الصالح.
(2/287)

275- خطبته بعد قتل ابن الزبير:
وصعد الحجاج بعد قتله ابن الزبير متثلمًا؛ فحط اللثام عنه ثم قال:
"موجُ ليلٍ التطم، وانجلى بضوء صبحُه، يا أهل الحجاز، كيف رأيتموني؟ ألم أكشف ظلمة الجور، وطُخْيَة1الباطل بنور الحق؟ والله لقد وطئكم الحجاج وطأة مشفق، وعطفة رحم، ووصلَ قرابة؛ فإياكم أن تزلوا عن سَنَنٍ أقمناكم عليه،
__________
1 الطخية: الظلمة، ويثلث.
(2/287)

فأقطع عنكم ما وصلته لكم، بالصارم البتار، وأقيم من أَوَدِكُم ما يُقِيم المثقف من أود1 القناة بالنار" ثم نزل وهو يقول:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
"مواسم الأدب 2: 123"
__________
1 مقوم الرماح والأود: الاعوجاج.
(2/288)

276- خطبته حين ولي العراق "سنة 75هـ": 1
حَدَّثَ عبدُ الملك بن عمير الليثي قال:
بينا نحن في المسجد الجامع بالكوفة، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حال حسنة، يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مَوَاليه؛ إذ أتى آتٍ، فقال: هذا الحجاج قد قدم أميرًا على العراق؛ فإذا به قد دخل المسجدَ معتمًا بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه متقلدًا سيفًا، متنكبًا2 قوسًا، يؤم المنبر، فقام الناس نحوه حتى صعد المنبر، فمكث ساعة لا يتكلم، فقال الناس بعضهم لبعض: قَبَّحَ اللهُ بني أمية؛ حيث تستعمل مثل هذا على العراق! حتى قال عمير بن ضابئ البرجمي: ألا أحصبه لكم؟ فقالوا: أمهل حتى ننظر3؛ فلما رأى عيون الناس إليه، حسر اللثام عن فيه، ونهض فقال:
"أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفونني4
__________
1 ويروى: أنه خرج يريد العراق واليًا عليها في اثني عشر راكبًا على النجائب، حتى دخل الكوفة فجأة حين انتشر النهار، فبدأ بالمسجد فدخله، ثم صعد المنبر فقال: علي بالناس، فحسبوه وأصحابه خوارج فهموا به.
2 تنكب قوسه: ألقاها على منكبه.
3 قال ابن نباتة "فلما سمعوا هذه الخطبة -وكان بعضهم قد أخذ حصى أراد أن يحصبه به- تساقط من أيديهم حزنًا ورعبًا".
4 البيت لسحيم بن وثيل الرياحي؛ قاله الحجاج متمثلًا، وقوله "أنا ابن جلا" أي الواضح الأمر المنكشفه؛ وقيل ابن جلا الصبح، لأنه يجلو الظلمة. وهو مثل يضرب للمشهور المتعالم، أي أنا الظاهر الذي لا يخفى وكل أحد يعرفني، ولم ينون جلا لأنه أراد الفعل؛ فحكي على ما كان عليه قبل التسمية كقول الشاعر:
والله ما زيد بنام صاحبه ... ولا مخالط الليان جانبه
وتقديره أنا ابن الذي يقال له جلا الأمور وكشفها. وقال بعضهم: ابن جلا -وابن أجلى- رجل بعينه، قال في اللسان: "وكان ابن جلا هذا صاحب فتك يطلع في الغارات من ثنية الجبل على أهلها "والثنايا جمع ثنية: وهي الطريق في الجبل، أراد به أنه جلد يطلع الثنايا في ارتفاعها وصعوبتها، والعمامة: المغفر والبيضة قال ثعلب: العمامة تلبس في الحرب وتوضع في السلم.
(2/288)

ثم قال: يا أهل الكوفة، أما والله إني لأحمل الشرَّ بحمله، وأحذوه بنعلِهِ، وأجزِيه بمثلِه، وإني لأرى أبصارًا طامحة، وأعناقًا متطاولة، ورءوسًا قد أينعت وحان قطافُها، وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بن العمائم واللحى تترقرق، ثم قال:
هذا أوان الشد فاشتدي زِيَم ... قد لفها الليلُ بسواق حُطَم
ليس براعي إبلٍ ولا غنم ... ولا بجزارٍ على ظهرِ وَضَم1
ثم قال:
قد لفها الليلُ بعصلبي ... أروع خراج من الدَّوِّيّ
مهاجرٍ ليس بأعرابيّ2
ثم قال:
قد شمرت عن ساقها فشُدُّوا ... وجدتِ الحربُ بكم فجِدُّوا
والقوس فيها وترٌ عُرُدُّ ... مثل ذراع البَكْرَ أو أشَدُّ
لابد مما ليس منه بُدُّ3
__________
1 الشعر لرويشد بن وميض المنبري والشد: العدو، وزيم: اسم فرس أو ناقة، وقيل اسم للحرب، والحطم: الراعي الظلومُ للماشية يهشمُ بعضها ببعض؛ فلا يبقى من السير شيئًا وقد ضرب المثل برعاة الغنم في الحمق فقيل: "أحمقُ من راعي ضأن ثمانين" قال الجاحظ في البيان والتبيين 1: 139 "فأما استحماق رعاة الغنم في الجملة فكيف يكون ذلك صوابًا؟ وقد رعى الغنم عدة من جلة الأنبياءِ عليهم السلام" والوضم: كل ما قطع عليه اللحم.
2 العصلبي: الشديد القوي، والأروع: الذكي، أو من يعجبك بشجاعته، والدو والدوية والداوية ويخفف: الفلاة المتسعة التي تسمع لها دويًّا بالليل؛ "وإنما ذلك الدوي من أخفاف الإبل، تنفسح أصواتها فيها، وتقول جهلةُ الأعرابِ: إن ذلك عزيفُ الجنِّ" أي: خراج من كل غماء شديدة، وهجر الرجل: خرج من البدو إلى المدن، والأعرابيُّ بطبيعته غِرٌّ ساذج ليس في تجربته كأهل المدن.
وسيرد عليك إن شاء الله في الجزء الثالث في خطبة أبي بكر بن عبد الله بالمدينة: "إني لست أتاويًّا أعلَّم، ولا بدويًّا أفهَّم".
3 حد به الأمر: اشتد، وعرد: أي شديد، والبكر: الفتيُّ من الإبل، ولا بد من كذا: أي لا محيد عنه.
"19 -جمهرة خطب العرب- ثان".
(2/289)

إني والله يا أهل العراق، ومعدن الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، ما يقعقع لي بالشنان1، ولا يغمز جانبيّ كتغماز التين، ولقد فُرِرْتُ2 عن ذكاء، وفُتِّشْتُ عن تجربة، وجريت إلى الغاية القصوى، وإن أمير المؤمنين -أطال الله بقاءه- نثر كنانته3، بين يديه، فعجم4 عيدانها، فوجدني أمرَّها عودًا، وأصلبها مكسرًا5 فرماكم بي؛ لأنكم طالما أوضعتم6 في الفتن، واضطجعتم في مراقد الضلال، وسننتم سنن الغِيّ، أما والله لألحونكم7 لحو العصا، ولأقرعنك قرع المروة8، ولأعصبنكم عصب السلمة9، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل10؛ فإنكم لكأهل قرية {كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} وإني والله لا أعدُ إلا وفيتُ، ولا أهم إلا أمضيتُ، ولا أخلَقُ إلا فَرَيْتُ11؛ فإياي وهذه الشفعاء، والزرافات12 والجماعات، وقالًا وقيلًا13، وما تقول؟ وفيم أنتم وذاك؟
__________
1 القعقعة: تحريك الشيء اليابس الصلب مع صوت مثل السلاح وغيره، والشنان: جمع شَنّ بالفتح، وهو القربة البالية، وهم يحركونها إذا أرادوا حث الإبل على السير لتفزع فتسرع: مثل يضرب لمن لا يُرَوِّعُهُ ما لا حقيقة له، وقد تمثل به معاوية من قبله.
2 فر الدابة: فتح حنكها وكشف أسنانها لينظر سنها، وفر عن الأمر: بحث عنه.
3 الكنانة: جعبة السهام. وفي رواية: "كب كنانته" أي قلبها.
4 عجم العود: عضه ليعرف صلابته من خوره.
5 وفي رواية "وأصلبها عمودًا".
6 أوضع إيضاعًا: أسرع في سيره كوضع.
7 لحا العصا: قشر، وفي رواية: "لحو العود".
8 المرو: حجارة بيض براقة توري النار.
9 السلمة: شجر كثير الشوك. قال الجاحظ في البيان والتبيين "لأن الأشجار تعصب أغصانها، ثم تخبط بالعصى لسقوط الورق وهشيم العيدان" "3: 21".
10 قال الجاحظ أيضًا: "3: 27" "وهي تضرب عند الهرب، وعند الخلاط، وعند الحوض أشد الضرب" وقال الحارث بن صخر:
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... كما ذيد عن ماء الحياض الغرائب
11 أخلق: أقدر، وفريت: قطعت.
12 الشفعاء جمع شفيع، وكانوا يجتمعون إلى السلطان فيشفعون في أصحاب الجرائم؛ فنهاهم عن ذلك، والزرافات جع زرافة بفتح الزاي وضمها: الجماعة من الناس.
13 القول في الخير، والقال، والقالة في الشر.
(2/290)

أما والله لتستقيمُن على طريق الحق، أو لأدعن لكل رجل منكم شغلًا في جسده، وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم1، وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة2، وإني أقسم بالله لا أجد رجلًا تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا سفكت دمه، وأنهبت3 ماله، وهدمت منزله".
"الكامل للمبرد 1: 181، والبيان والتبيين 2: 164، والعقد الفريد 2: 153- 3: 7، وتاريخ الطبري 7: 210، وصبح الأعشى 1: 218، وعيون الأخبار م2: ص244، ومروج الذهب 2: 132، ومعاهد التنصيص 1: 115، والكامل لابن الأثير 4: 156، وسرح العيون 116، وتاريخ ابن عساكر 4: 53".
__________
1 أعطيات جمع أعطية، وهي جمع عطاء.
2 قائد الجيوش الذي حارب الخوارج الأزارقة، وفل شوكتهم، وسيأتي.
3 جعلته نهبًا يغار عليه.
(2/291)

277- خطبته وقد سمع تكبيرًا في السوق:
فلما كان اليوم الثالث خرج من القصر؛ فسمع تكبيرًا في السوق، فراعه ذلك، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى عليه نبيه، ثم قال:
"يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، وبني اللكيعة1، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، والفَقْع بالقَرْقَر2، إني سمعت تكبيرًا لا يراد الله به، وإنما يراد به الشيطان3، ألا إنها عجاجة تحتها قصف4، وإنما مثلي ومثلكم ما قال عمرو بن براق الهمداني:
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يا ال همدان ظالم!
__________
1اللئيمة.
2 القرقر: أرض مطمئنة لينة، والفقع ويكسر: البيضاء الرخوة من الكمأة، ويقال للذليل: هو أذل من فقع بقرقر؛ لأنه لا يمتنع على من اجتناه؛ أو لأنه يوطأ بالأرجل.
3 وفي رواية: "إني سمعت تكبيرًا ليس بالتكبير الذي يراد الله به في الترغيب؛ ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب".
4 العجاج: الغبار، والقصف: شدة الريح.
(2/291)

متى تجمع القلب الذكي وصارما ... وأنفًا حميًا تجتنبك المظالم
أما والله لا تقرع عصًا عصًا إلا جعلتها كأمس الدابر1".
"البيان والتيين 2: 69-1: 209، والعقد الفريد 2: 152، وإعجاز القرآن 124، وشرح ابن أبي الحديد م1: ص114، وتاريخ الطبري 7: 212، وتهذيب الكامل 1: 19"
__________
1 وفي رواية الطبري خاصة: "ألا يربع رجل منكم على ظلعه، ويحسن حقن دمه، ويبصر موضع قدمه؛ فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالًا لما قبلها، وأدبًا لما بعدها" - يربع "كيمنع" يقف وينتظر، والظلع "كشمس": الغمز في المشي، ويقال: اربع على ظلعك، أي إنك ضعيف، فانته عما لا تطيقه.
(2/292)

278- خطبته وقد قدم البصرة:
وخطب لما قدم البصرة يتهدد أهل العراق ويتوعدهم فقال:
"أيها الناس: من أعياه داؤه؛ فعندي دواؤه، ومن استطال أجله؛ فعلي أن أعجله، ومن ثقل عليه رأسه، وضعت عنه ثقله، ومن استطال ماضي عمره، قصرت عليه باقيه، إن للشيطان طيفًا، وللسلطان سيفًا؛ فمن سقمت سريرتُهُ، صحت عقوبتُه، ومن وضعَه ذنبُه، رفعَه صلبُه، ومن لم تسعْهُ العافية، لم تضقْ عنه الهلكةُ، ومن سبقته بادرة فمه، سبق بدنه بسفك دمه، إني أنذر ثم لا أنظر1، وأحذر ثم لا أعذر، وأتوعد ثم لا أعفو؛ إنما أفسدكم ترنيق2 ولاتكم، ومن استرخى لببه3، ساء أدبه، إن الحزم والعزم سلباني سوطي4، وأبدلاني به سيفي، فقائمه في يدي، ونجاده5 في عنقي، وذبابه6 قلادة لمن عصاني، والله لا آمر أحدكم أن يخرج من باب من أبواب المسجد، فيخرج من الباب الذي يليه، إلا ضربت عنقه".
"نهاية الأرب 7: 244 صبح الأعشى 1: 220 وسرح العيون 122".
__________
1 أنظره: أمهله.
2 الترنيق: الضعف في الأمر "وفي البدن والبصر أيضًا".
3 اللبب: ما يشد في صدر الدابة ليمنع استئخار الرحل، والمراد أن الهوادة واللين تفسد أدب الرعية.
4 هكذا في نهاية الأرب، وفي صبح الأعشى: "سكنا في وسطي" والأول أصح، أي أنه رأى من الحزم والعزم: المبالغة في استعمال الشدة والقوة في التأديب؛ فطرح السوط، واستبدل به ما هو أشد منه وهو السيف.
5 النجاد: علاقة السيف.
6 ذباب السيف: حده.
(2/292)

279- خطبته بعد وقعة دير الجماجم: 1
وخطب أهل العراق بعد وقعة دير الجماجم فقال:
"يا أهل العراق، إن الشيطان قد استبطنكم، فخالط اللحم والدم والعصب، والمسامع والأطراف، والأعضاء2 والشغاف3، ثم أفضى إلى المخاخ4 والأصماخ، ثم ارتفع فعشش، ثم باض وفرخ، فحاشكم نفاقًا وشقاقًا، وأشعركم خلافًا، اتخذتموه دليلًا تتبعونه، وقائدًا تطيعونه، ومؤامرًا5 تستشيرونه؛ فكيف تنفعكم تجربة، أو تعظكم وقعة، أو يحجزكم إسلام، أو ينفعكم بيان؟ ألستم أصحابي بالأهواز6؟.
__________
1 وقعة دير الجماجم: هي وقعة نشبت بين الحجاج وبين عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قرب الكوفة سنة 83هـ هزم فيها ابن الشعث؛ وذلك أن عبيد الله بن أبي بكرة عامل الحجاج على سجستان كان قد غزا رتبيل ملك الترك، وأوغل في بلاده فأصيبوا، وهلك أكثرهم، فوجه الحجاج إلى رتبيل ابن الأشعث على رأس جيش عظيم لمحاربته؛ فسار إليه وامتلك بعض بلاده، وكان يرى أن يتدرج في الفتح، فينتقصهم في كل عام طائفة من أرضهم، ولا يتوغل في بلادهم؛ لكيلا يعرض جيشه للدمار والهلكة، وكتب إلى الحجاج بذلك؛ فأبى عليه الحجاج، وكتب إليه يضعف رأيه ويأمره بالوغول في أرضهم وإلا عزله، وكان من جراء ذلك أن بايع الجند ابن الأشعث على خلع الحجاج وقتاله ثم خلع عبد الملك بن مروان، وسار ابن الأشعث بهم من سجستان إلى العراق، وتجهز الحجاج للقائه؛ فسار بأهل الشام حتى نزل تستر "مدينة بالأهواز"؛ فانهزمت مقدمته، فرجع إلى البصرة حتى نزل الزاوية "موضع قرب البصرة" ودارت رحى الحرب بين الفريقين فهزم أهل العراق أهل الشام؛ فجثا الحجاج على ركبتيه وانتضى نحو شبر من سيفه، واستعد للقاء الموت كريمًا فقويت بذلك قلوبُ جنده واستبسلوا حتى كان لهم النصر. وانهزم ابن الأشعث؛ فأقبل نحو الكوفة، حتى هزم هزيمة منكرة بدير الجماجم وتبدد أمره، وفر إلى فارس حتى نزل مدينة بست؛ فسمع رتبيل بمقدمه فأنزله عنده وأكرمه فكتب الحجاج إلى رتبيل يأمره أن يبعث إليه بابن الأشعث ويتوعده إن لم يفعل؛ فأراد رتبيل أن يرسله إليه، فقتل ابن الأشعث نفسه بأن ألقى نفسه من فوق قصر، فمات فاحتز رتبيل رأسه، وبعث به على الحجاج سنة 85هـ.
2 في العقد الفريد "والأعضاد".
3 الشغاف: غلاف القلب أو حبته.
4 رواية نهاية الأرب "المخاخ" وهو الوارد في كتب اللغة: مخ يجمع على مخاخ ومخخة "كعنبة"، أما سائر المصادر التي روت هذه الخطبة؛ فترويها "الأمخاخ"، وهو ما لم أره في كتب اللغة.
وقد روت جميع المصادر "الأصماخ" بهذا النص، والذي في كتب اللغة: "الصماخ من الأذن: الخرق الباطن الذي يفضي على الرأس جمعه أصمخة وصمائخ، ومثل الصماخ الأصموخ كعصفور، وجمعه أصاميخ؛ فصواب الكلمة "الصمائخ" أو "الأصاميخ".
5 آمره في كذا مؤامرة: شاوره.
6 يشير إلى وقعة "تستر".
(2/293)

حيث رمتم المكر، وسعيتم بالغدر، واستجمعتم للكفر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا أرميكم بطرفي، وأنتم تتسللون لواذًا1، وتنهزمون سراعًا؟ ثم يوم الزاوية، وما يوم الزاوية! بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم، وبراءة الله منكم، ونكوص وليكم عنكم؛ إذ وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع إلى أعطانها2، لا يسأل المرء عن أخيه، ولا يلوي3 الشيخ على بنيه، حتى عضكم4 السلاح، وقصمتكم الرماح، ثم يوم دير الجماجم، وما يوم دير الجماجم! بها كانت المعارك والملاحم5، بضرب يزيل الهام6، عن مقيله7، ويذهل الخليل عن خليله، يا أهل العراق، والكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات8، والنزوات9 بعد النزوات، إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم10 وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا تذكرون حسنة، ولا تشكرون نعمة، هل استخفكم ناكث، أو استغواكم غاو، أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم11 خالع، إلا تبعتموه وآويتموه، ونصرتموه وزكيتموه؟ يا أهل العراق، هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره؟ يا أهل العراق: ألم تنهكم المواعظ، ألم تزجركم الوقائع؟ ".
ثم التفت إلى أهل الشام وهم حول المنبر، فقال: "يا أهل الشام؛ إنما أنا لكم كالظليم12 الرامح عن فراخه، ينفي عنها المدر13، ويباعد عنها الحجر، ويكنها
__________
1 أي يلوذ بعضهم ببعض: لاوذ لواذًا وملاوذة.
2 أعطان جمع عطن كسبب: مبرك الإبل حول الحوض كالمعطن، ونوازع: أي مشتاقة.
3 لا يلوي على أحد؛ أي لا يقف ولا ينتظر.
4 في نهاية الأرب "عظكم" بالظاء: عظته الحرب كعضته بالضاد.
5 جمع ملحمة وهي الوقعة العظيمة القتل.
6 جمع هامة، وهي الرأس.
7 موضعه، أي الأعناق، قال الشاعر:
بضرب بالسيوف رءوس قوم ... أزلنا هامهن عن المقيل
8 جمع خترة، والختر كشمس: الغدر والخديعة أو أقبح الغدر.
9 جمع نزوة، من نزا نزوانا: أي وثب.
10 غل كنصر غلولًا: خان.
11 استعضده: سأله أن يعضده.
12 ذكر النعام، والرامح، أي المدافع، من رمحه: أي طعنه بالرمح.
13 قطع الطين اليابس.
(2/294)

من المطر، ويحميها من الضباب1، ويحرسها من الذئاب، يا أهل الشام؛ أنتم الجنة والرداء، وأنتم العدة والحذاء".
"البيان والتبيين 2: 71، ونهاية الأرب 7: 245، والعقد الفريد 2: 152، وشرح ابن أبي الحديد م1: ص114، ومروج الذهب 2: 135 – وتاريخ ابن عساكر 4: 55".
__________
1 جمع ضب، وهو حيوان كالوزغة والحرباء.
(2/295)

280- خطبة أخرى له في أهل الكوفة وأهل الشام:
وخطب فقال:
"يا أهل الكوفة، إن الفتنة تلقح بالنجوى1، وتنتج بالشكوى، وتحصد بالسيف؛ أما والله إن أبغضتموني لا تضروني، وإن أحببتموني لا تنفعوني، ما أنا بالمستوحش لعداوتكم، ولا المستريح إلى مودتكم، زعمتم أني ساحر، وقد قال الله تعالى: {وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ} . وقد أفلحت، وزعمتم أني أعلم الاسم الأكبر؛ فلم تقاتلون من يعلم ما تعلمون؟ ".
ثم التفت إلى أهل الشام فقال: "لأزواجكم أطيب من المسك، ولأبناؤكم آنس بالقلب من الولد، وما أنتم إلا كما قال أخو بني ذبيان:
إذا حاولت في أسد فجورًا ... فإني لست منك ولست مني
هم درعي التي استلأمت فيها ... إلى يوم النسار وهم مجني2
ثم قال: "بل أنتم يا أهل الشام كما قال الله سبحانه: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} ثم نزل.
"شرح ابن أبي الحديد م1: ص115"
__________
1النجوى: المسارة.
2 استلأم: لبس اللأمة، وهي الدرع، النسار: ماء لبني عامر له يوم، والمجن: الترس.
(2/295)

281- خطبة له بالبصرة:
وخطب بالبصرة، فقال:
قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ؛ فهذه لله، وفيها مثوبة1، وقال:
__________
1 ثواب.
(2/295)

{وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} ، وهذه لعبد الله، وخليفة الله، وحبيب الله، عبد الملك بن مروان؛ أما والله لو أمرت الناس أن يأخذوا في باب واحد، فأخذوا في باب غيره1؛ لكانت دماؤهم لي حلالًا من الله، ولو قتل ربيعة ومضر لكان لي حلالًا.
"عذيري2 من أهل هذه الحميراء، يرمي أحدهم بالحجر إلى السماء ويقول: يكون إلى أن يقع هذا خير3، والله لأجعلنهم كالرسم4 الدائر وكالمس الغابر، عذيري من عبد هذيل يقرأ القرآن كأنه رَجَز الأعراب، أما والله لو أدركته لضربت عنقه -يعني عبد الله بن مسعود5-، عذيري من سليمان بن داود، يقول لربه: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} كان والله -فيما علمت- عبدًا حسودًا بخيلًا".
"مروج الذهب 2: 143 والعقد الفريد 2: 152".
__________
1 وفي مروج الذهب: "لو أمر الناس أن يدخلوا في هذا الشعب؛ فدخلوا في غيره" والشعب بالكسر: مسيل الماء في بطن الأرض؛ والطريق في الجبل.
2 العذير: العاذر والنصير؛ والحال التي تحاولها تعذر عليها.
3 وفي مروج الذهب: يلقي أحدهم الحجر إلى الأرض ويقول: إلى أن يبلغها يكون فرج الله".
4 الرسم الأثر، أو بقيته. والدائر: الدارس الممحو.
5 هو من بني هذيل.
(2/296)

282- خطبة أخرى له بالبصرة:
حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"إن الله كفانا مئونة الدنيا، وأمرنا بطلب الآخرة؛ فليته كفانا مئونة الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا، ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يعلمون، وشراركم لا يتوبون؟ ما لي أراكم تحرصون على ما كفيتم، وتضيعون ما به أمرتم؟ إن العلم يوشك أن يرفع، ورفعه ذهاب العلماء؛ ألا وإني أعلم بشراركم من البيطار بالفرس، الذين لا يقرءون القرآن إلا هجرًا1، ولا يأتون الصلاة إلا دبرًا2؛ ألا وإن الدنيا عَرَضٌ حاضر، يأكل منها البر والفاجر؛ ألا وإن الآخرة أجل مستأخر، يحكم فيها ملك قادر
__________
1 أي هجرًا له وتركًا، ومعناه أنهم لا يقرءونه، ولا يتلونه.
2 الدبر من كل شيء: عقبه ومؤخره، أي ولا يأتون الصلاة إلا في آخر وقتها.
(2/296)

ألا فاعلموا وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم ملاقوه ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذي أحسنوا بالحسنى، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشرَّ كله بحذافيره في النار، ألا وإن {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} ، وأستغفر الله لي ولكم1.
"العقد الفريد 2: 153".
__________
1 وذكر صاحب العقد أيضًا هذه الخطبة من قوله: "ألا وإن الدنيا عرضٌ حاضرٌ" إلى آخرها وعزاها إلى شداد بن أوس الطائي. انظر العقد الفريد 2: 158.
(2/297)

283- خطبته في أهل العراق يصارحهم بالكراهية:
وخطب أهل العراق، فقال:
"يا أهل العراق: إني لم أجد دواء أدوى لدائكم، من هذه المغازي والبعوث، لولا طيب ليلة الإياب، وفرحة القفل1؛ فإنها تعقب راحة، وإني لا أريد أن أرى الفرح عندكم، ولا الراحة بكم، وما أراكم إلا كارهين لمقالتي، وأنا والله لرؤيتكم أكره، ولولا ما أرد من تنفيذ طاعة أمير المؤمنين فيكم، ما حملت نفسي مقاساتكم، والصبر على النظر إليكم، والله أسأل حسن العون عليكم"، ثم نزل.
"العقد الفريد 2: 153"
__________
1 الرجوع.
(2/297)

284- خطبة أخرى:
وخطب أهل العراق، فقال:
"يا أهل العراق، بلغني أنكم تروون عن نبيكم أنه قال: من ملك على عشر رقاب من المسلمين، جيء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه، حتى يفكه العدل، أو يوبقه الجور. وايم الله إني لأحب إلي أن أحشر مع أبي بكر وعمر مغلولًا، من أن أحشر معكم مطلقًا".
"العقد الفريد: 3: 17".
(2/297)

285- خطبته لما مات عبد الملك بن مروان:
ولما مات عبد الملك بن مروان، قام فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس، إن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى نعى نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى نفسه فقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} ، وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} ؛ فمات رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومات الخلفاء الراشدون المهتدون المهديون، منهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان الشهيد المظلوم، ثم تبعهم معاوية، ثم وليكم البازل1 الذكر، الذي جربته الأمور، وأحكمته التجارب، مع الفقه وقراءة القرآن، والمروءة الظاهرة، واللين لأهل الحق، والوطء لأهل الزيغ؛ فكان رابعًا من الولاة المهديين الراشدين، اختار الله له ما عنده، وألحقه بهم، وعهد إلى شبهه في العقل والمروءة والحزم والجلد والقيام بأمر الله وخلافته، فاسمعوا له وأطيعوه.
أيها الناس، إياكم والزيغ، فإن الزيغ لا يحيق إلا بأهله، ورأيتم سيرتي فيكم، وعرفت خلافكم وطيبكم، على معرفتي بكم، ولو علمت أن أحدًا أقوى عليكم مني، أو أعرف بكم ما وليتكم؛ فإياي وإياكم، من تكلم قتلناه، ومن سكت مات بدائه غمًا" ثم نزل.
"العقد الفريد 2: 154"
__________
1 الرجل الكامل في تجربته.
(2/298)

286- خطبته حين أراد الحج:
وأراد الحجاج أن يحج؛ فاستخلف محمدًا ولده على أهل العراق، ثم خطب فقال: "يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق، إني أريد الحج، وقد استخلفت عليكم ابني محمدًا، هذا وما كنتم له بأهل، وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله.
(2/298)

صلى الله وسلم في الأنصار، إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوصى أن يقبل من محسنهم، وأن يتجاوز عن مسيئهم، وإني أمرته ألا يقبل من محسنكم، ولا يتجاوز عن مسيئكم؛ ألا وإنكم ستقولون بعدي مقالة ما يمنعكم من إظهارها إلا مخافتي: ألا وإنكم ستقولون بعدي: لا أحسن الله له الصحابة، ألا وإني معجل لكم الإجابة: لا أحسن الله الخلافة عليكم" ثم نزل.
"عيون الأخبار م2: ص245، والعقد الفريد 2: 153-3: 18، والبيان والتبيين 1: 206، ومروج الذهب 2: 144، وشرح ابن أبي الحديد م1: ص114".
(2/299)

287- خطبته لما أصيب بولده محمد وأخيه محمد في يوم واحد:
قال صاحب العقد: فلما كان غداة الجمعة مات محمد بن الحجاج؛ فلما كان بالعشي أتاه بريد من اليمن بوفاة محمدٍ أخيه، ففرح أهل العراق، وقالوا: انقطع ظهر الحجاج وهيض1 جناحه، فخرج فصعد المنبر، ثم خطب الناس، فقال:
"أيها الناس: محمدانِ في يوم واحد! أما والله ما كنت أحب أنهما معي في الحياة الدنيا، لما أرجو من ثواب الله لهما في الآخرة، وايم الله ليوشكن الباقي مني ومنكم أن يفنى، والجديد أن يبلى، والحيّ مني ومنكم أن يموت، وأن تدال2 الأرضُ منا كما أدلنا منها؛ فتأكل من لحومنا، وتشرب من دمائنا، كما مشينا على ظهرها، وأكلنا من ثمارها، وشربنا من مائها، ثم نكون كما قال الله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} 3 ثم تمثل بهذين البيتين:
__________
1 هاض العظم: كسره بعد الجبور.
2 أدال الله منه: نصره عليه.
3 الصور: القرن يُنفخ فيه، وقيل إنه تمثيل لانبعاث الموتى بانبعاث الجيش إذا نفخ في البوق، وقيل هو جمع صورة مثل بسرة وبسر، والبسر بالضم: التمر قبل إرطابه" أي نفخ في صور الموتى الأرواح.
وقرأ الحسن: "يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّوَرِ". والأجداث جمع جدث كسيب وهو القبر، ونسل كضرب ونصر: أسرع.
(2/299)

عزائي نبيُّ الله من كل ميت ... وحسبي ثواب الله من كل هالك
إذا ما لقيت الله عني راضيًا ... فإن سرور النفس فيما هنالك
"العقد الفريد 2: 154-3: 18، وسرح العيون ص122"
(2/300)

288- خطبته وقد أرجف أهل العراق بموته:
ومرض الحجاج ففرح أهل العراق، وأرجفوا بموته؛ فلما بلغه تحامل حتى صعد المنبر فقال:
"إن طائفة من أهل العراق، أهل الشقاق والنفاق، نزغ1 الشيطان بينهم فقالوا: مات الحجاج، ومات الحجاج فمه؟ وهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت؟ والله ما يسرني ألا أموتَ، وأن لي الدنيا وما فيها، وما رأيت الله رَضِيَ بالتخليد إلا لأهون خلقِهِ عليه إبليس، قال: {قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون، قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} ، ولقد دعا الله العبد الصالح، فقال: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} فأعطاه ذلك إلا البقاء، فما عسى أن يكون أيها الرجل؟ وكلكم ذلك الرجل، كأني والله بكل حيٍّ منكم ميتًا، وبكل رطب يابسًا، ونقل في ثياب أكفانه إلى ثلاثة أذرع طولًا، في ذراعٍ عرضًا، وأكلت الأرض لحمَه، ومصتْ صديدَه، وانصرفَ الحبيبُ من ولده يقسم الخبيث من ماله، إن الذين يعقلون يعلمون ما أقول"، ثم نزل.
"عيون الأخبار م2: ص244، والعقد الفريد 2: 154، 3: 17، وسرح العيون 122، ومروج الذهب 2: 142، وشرح ابن أبي الحديد م1: ص115".
__________
1 نزغ: أفسد وأغرى.
(2/300)

289- خطبه الوعظية:
وخطب الحجاج يومًا فقال:
"أيها الناس، قد أصبحتم في أجل منقوص، وعمل محفوظ، رُبَّ دائبٍ مضيع، وساعٍ لغيره، والموتُ في أعناقكم، والنارُ بين أيديكم، والجنةُ أمامكم، خذوا من أنفسكم لأنفسكم، ومن غناكم لفقركم، ومما في أيديكم لما بين أيديكم؛ فكأن ما قد مضى من الدنيا لم يكن، وكأن الأموات لم يكونوا أحياء، وكل ما ترونه فإنه ذاهب، هذه شمس عاد وثمود وقرون كثيرة بين ذلك، هذه الشمس التي طلعت على التبابعة والأكاسرة، وخزائنهم السائرة بين أيديهم، وقصورهم المشيدة، ثم طلعت على قبورهم، أين الملوك الأولون، أين الجبابرة المتكبرون؟ المحاسب الله، والصراط منصوب، وجهنم تزفر1 وتتوقد، وأهل الجنة ينعمون، في روضة يحبرون2، جعلنا الله وإياكم من الذين {إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} .
فكان الحسن البصري رحمه الله يقول: "ألا تعجبون من هذا الفاجر؟ يرقى عتبات المنبر، فيتكلم بكلام الأنبياء، وينزل فيفتك فتك الجبارين، يوافق الله في قوله ويخالفه في فعله".
"شرح ابن أبي الحديد م1 ص150".
__________
1 زفرت النار كضرب: سمع لتوقدها صوت.
2 أحبره: سره، والحبور: السرور.
(2/301)

290- خطبة ثانية:
وقال مالك بن دينار: غدوت إلى الجمعة؛ فجلست قريبًا من المنبر، فصعد الحجاج، ثم قال:
"امرؤ حاسب نفسه، امرؤ راقب ربه، امرؤ زوَّر1 عمله، امرؤ فكر فيما يقرؤه غدًا في صحيفته، ويراه في ميزانه، امرؤ كان عند همِّه آمرًا، وعند هواه زاجرًا، امرؤ أخذ بعنان قلبه، كما يأخذ الرجل بخطام جمله، فإن قاده إلى حقٍّ تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كفَّه، إننا والله ما خلقنا للفناء، وإنما خلقنا للبقاء، وإنما ننتقل من دار إلى دار".
"عيون الأخبار م2: ص521، العقد الفريد 2: 152، والبيان والتبيين 2: 88، شرح ابن أبي الحديد م1: ص150".
291- خطبة ثالثة:
وخطب يومًا، فقال:
أيها الناس، اقدَعُوا2 هذه الأنفس؛ فإنها أسْألُ3 شيء إذا أعطيت، وأعصى4 شيء إذا سئلت، فرحم الله امرأ جعل لنفسه خطامًا وزمامًا فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وعطفها بزمامها عن معصية الله؛ فإني رأيت الصبر عن محارم الله، أيسر من الصبر على عذاب الله5".
"شرح ابن أبي الحديد م: ص150، وسرح العيون 121، وعيون الأخبار م2: ص247، والبيان والتبيين 1: 206، وتهذيب الكامل 1: 19".
__________
1 زوره: حسنه.
2 قدعه كمنعه وأقدعه: كفه وكبحه.
3 وفي عيون الأخبار: "أيها الناس، احفظوا فروجكم، وخذوا الأنفس بضميرها؛ فإنها أسوك شيء ... " وأسوك: أضعف، من ساك الرجل سواكًا: سار سيرًا ضعيفًا.
4 وفي رواية "وأعطى شيء وهو تحريف.
5 قال ابن أبي الحديد: "وأكثر الناس يروون هذا الكلام عن عَلِيٍّ عليه السلام.
(2/302)

292- خطبة رابعة:
وخطب فقال:
"اللهم أرني الغيَّ غيًّا فأجتنبه، وأرني الهدى هدًى فأتبعه، ولا تكلني إلى نفسي فأضل ضلالًا بعيدًا، والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء".
"العقد الفريد 2: 152، والبيان والتبيين 2: 69، 1: 206، وشرح ابن أبي الحديد م1: ص150، وسرح العيون ص122".
293- خطبة خامسة:
ومن كلامه:
"إنَّ امرأ أتت عليه ساعة من عمره، لم يذكر فيها ربه، ويستغفر ربه من ذنبه، ويفكر في معاده، لجدير أن يطول حزنُه، ويتضاعف أسفُه، إنّ الله كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء؛ فلا بقاء لما كُتب عليه الفناء، ولا فناء لما كُتب عليه البقاء، فلا يغرنكم شاهد1 الدنيا، عن غائب الآخرة، واقهرُوا طول الأمل، بقصر الأجل2".
"شرح ابن الحديد م1: ص150، ومروج الذهب 2: 148، والبيان والتبيين: 2: 99، سرح العيون 121، وتهذيب الكامل 1: 19".
__________
1 أي حاضرها.
2 قال الشعبي: سمعت الحجاج يقول بكلام ما سبقه إليه أحد؛ سمعته يقول: "إن الله عَزَّ وَجَلَّ كتب على الدنيا الفناء ... إلخ"، وروى الجاحظ عن أبي عبد الله الثقفي عن عمه قال سمعت الحسن البصري يقول: لقد وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج، قلت: وإن كلام الحجاج ليقذك؟ قال: نعم، سمعته على هذه الأعواد يقول: "إنّ امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحري أن تطول عليها حسرتُه".
(2/303)

خطب قتيبة بن مسلم الباهلى
خطبته يحث على الجهاد وقد تهيأ لغزو
...
خطب قتيبة بن مسلم الباهلي "قتل سنة 96هـ":
294- خطبته يحث على الجهاد وقد تهيأ لغزو "طُخارستان":
قدم قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان واليًا عليها من قبل الحجاج1 سنة 86؛ فلما تهيأ لغزو أخرون وشومان -وهما من بلاد طخارستان2- خطب الناس وحثهم على الجهاد فقال:
"إن الله أحلكم هذا المحل ليعز دينه، ويذب بكم عن الحرمات، ويزيد بكم المال استفاضة، والعدو وقمًا3 ووعد نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النصر بحديث صادق، وكتاب ناطق، فقال: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} ، ووعد المجاهدين في سبيله أحسن الثواب، وأعظم الذخر عنده، فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ 4 فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، ثم أخبر عمن قتل في سبيله أنه حيٌّ مرزوق، فقال: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
__________
1 ولي قتيبة خراسان بعد يزيد بن المهلب، وغزا بلاد ما وراء النهر، وافتتح بخارى، وسمرقند، وخوارزم، ووصل في فتوحه إلى كشغر من بلاد الصين، وقتل سنة 96هـ.
2 ناحية كبيرة شرقي خراسان على نهر جيحون، وقد ضبطها ابن خلكان هكذا -انظر وفيات الأعيان 1: 90 في ترجمة بشار بن برد- وضبطها ياقوت في معجم البلدان بفتح الطاء.
3 وقمه: قهره وأذله.
4 مجاعة.
(2/304)

قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} فتنجَّزوا موعود ربكم، ووطنوا أنفسكم على أقصى أثر، وأمضى ألم، وإياكم والهوينى".
(2/305)

295- خطبته وقد تهيأ لغزو بلاد السُّغْد:
ولما صالح قتيبة أهل خوارزم، وسار إلى السغد1 سنة 93هـ خطب الناس؛ فقال:
"إن الله قد فتح لكم هذه البلدة في وقتٍ الغزُو فيه ممكنٌ، وهذه السغد شاغرة2 برجلها، قد نقضوا العهد الذي كان بيننا، ومنعونا ما كنا صالحنا عليه طَرْخُون، وصنعوا به ما بلغكم، وقال الله تعالى: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} ، فسيروا على بركة الله، فإني أرجو أن يكون خوارزم والسغد كالنضير3 وقريظة4، وقال الله تعالى: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} .
"تاريخ الطبري 8: 85"
__________
1 وكان قتيبة حين فتح بخارى سنة 90هـ، وأوقع بأهلها، هابه أهل السغد، وهي بين نهري سيحون وجيحون، وكانت قصبتها سمرقند، وهي بالسين، وربما قيلت بالصاد" وأتاه طرخون ملك السغد، وسأله الصلح على فدية يؤديها إليه، فأجابه قتيبة إلى ما طلب وصالحه، ثم نقضوا عهودهم.
2 شغر الكلب كمنع: رفع إحدى رجليه ليبول.
3 بنو النضير: حي من يهود خيبر، وكان بينهم وبين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عهود يأمن بها كل فريق الآخر؛ ولكنهم لم يفوا بها حسدًا منهم وبغيًا، فبينما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعض أصحابه في ديارهم؛ إذ ائتمر جماعة منهم على قتله بأن يلقي عليه أحدهم صخرة من علو، فاطلع عليه الصلاة والسلام على قصدهم، فرجع، فأرسل إليهم يأمرهم بالجلاء، لما تقدم منهم من الغدر، فتهيئوا للرحيل، فأرسل إليهم إخوانهم المنافقون يقولون: لا تخرجوا من دياركم ونحن معكم، فسار عليه الصلاة والسلام لقتالهم، وتحصن بنو النضير في حصونهم، وظنوا أنها مانعتهم من الله؛ فحاصرهم ست ليال؛ ثم أمر بقطع نخيلهم كي يسلموا؛ فقذف الله في قلوبهم الرعب؛ فسالوه أن يجليهم ويكف عن دمائهم؛ وأن لهم ما حملت الإبلُ من أموالهم إلا آلة الحرب ففعل؛ وصار اليهود يخربون بيوتهم بأيديهم؛ لئلا يسكنها المسلمون.
4 كان يهود بني قريظة يساكنون المسلمين في المدينة؛ فانتهزوا فرصة اشتغال المسلمين بصد جموع الأحزاب -في غزوة الخندق- ونقضوا عهودهم معهم؛ وذلك أن حيي بن أخطب سيد بني النضير الذين =
"20 -جمهرة خطب العرب- ثان".
(2/305)

296- خطبته وقد سارت إليه جيوش الشاش وفرغانة:
وأتى قتيبة السغد فحصرها شهرًا، وخاف أهلها طول الحصار؛ فكتبوا إلى ملك الشاش وفرغانة1 "إنا نحن دونكم فيما بينكم وبين العرب، فإن وُصِلَ إلينا كنتم أضعفَ وأذلَّ، فمهما كان عندكم من قوة فابذلوها. فجمعوا جموعهم، وولوا عليهم ابنًا لخاقان2، وساروا وقد أجمعوا أن يُبيِّتوا عسكر قتيبة، ونمى ذلك إليه، فانتخب أهل النجدة والبأس ووجوه الناس، وخطبهم فقال:
"إن عدوكم قد رأوا بلاء3 الله عندكم، وتأييده إياكم في مزاحفتكم ومكاثرتكم4، كل ذلك يفلجكم5 الله عليهم، فأجمَعُوا على أن يحتالوا غِرّتكم وبَيَاتَكم، واختاروا دهاقينهم6 وملوكهم، وأنتم دهاقينُ العرب وفرسانُهم، وقد
__________
= أجلوا عن ديارهم؛ توجه إلى كعب بن أسد القرظي؛ فحسن له نقض العهد؛ ولم يزل به حتى أجابه لقتال المسلمين؛ فاشتد وجل المسلمين؛ وزلزوا زلزالا شديدًا؛ وأرسل الله على الأعداء ريحًا باردة في ليلة مظلمة وجنودًا لم يروها، فأجمعوا أمرهم على الرحيل قبل أن يصبح الصباح: وكفى الله المؤمنين شرَّ الأحزاب، ولم يعتم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن سار إلى بني قريظة، فتحصنوا بحصونهم؛ وحاصرهم المسلمون خمسًا وعشرين ليلة؛ فلما ضاقوا بالحصار ذرعًا؛ طلبوا أن ينزلوا على ما نزل عليه بنو النضير؛ من الجلاء بالأموال وترك السلاح؛ فأبى الرسول إلا أن ينزلوا على حكمه ففعلوا؛ فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله؛ إنهم كانوا موالينا دون الخزرج؛ وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل بني قريظة قد حاصر بني قينقاع؛ وكانوا حلفاء الخزرج؛ فنزلوا على حكمه؛ فسأله إياهم عبد الله بن أبي بن سلول فوهبهم له؛ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا معشر الأوس ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى؛ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فذاك إلى سعد بن معاذ -وكان جريحًا من سهم أصيب به في غزوة الخندق- وأرسل من يأتي به؛ فقال: إني أحكم فيهم أن تقتل الرجال؛ وتقسم الأموال؛ وتسبى النساء والذراري، فقال عليه الصلاة والسلام: فقد حكمت فيهم بحكم الله يا سعد؟ ثم أمر بتنفيذ الحكم؛ فنفذ فيهم.
1 الشاش وفرغانة: كورتان وراء نهر سيحون متاخمتان للصين.
2 خاقان: اسم لكل ملك من ملوك الترك؛ وقد خقَّنوه على أنفسهم: أي رأَّسُوه "بالتشديد".
3 أي نعمته.
4 كاثروهم فكثروهم: غالبوهم فغلبوهم.
5 أي ينصركم عليهم؛ ويظفركم بهم.
6 جمع دهقان بكسر الدال وضمها: زعيم فلاحي العجم، ورئيس الإقليم. معرب.
(2/306)

فضلكم الله بدينه؛ فأبلوا1 لله بلاء حسنًا تستوجبون به الثواب، مع الذب عن أحسابكم".
"تاريخ الطبري 8: 87"
__________
1 الإبلاء: الإنعام والإحسان، يقال: أبليت عنده بلاء حسنًا، وأبلاه الله بلاء حسنًا، وأبليته معروفًا. والمعنى: فاصدقوا القتال، وقدموا معروفًا تبغون به ثواب الله.
(2/307)

297- خطبه حين دعا إلى خلع سليمان بن عبد الملك:
وقام بخراسان حين خَلَع سليمان بن عبد الملك1، ودعا الناس إلى خلعه فقال للناس:
"إني قد جمعتكم من عين التمر2، وفيض البحر؛ فضممت الأخ إلى أخيه، والولد إلى أبيه، وقسمت بينكم فيئكم، وأجريت عليكم أعطياتكم غير مكدرة ولا مؤخرة، وقد جربتم الولاة قبلي، أتاكم أمية3؛ فكتب إلى أمير المؤمنين: إن خراج خراسان لا يقوم4 بمطبخي، ثم جاءكم أبو سعيد5 فدوَّم 6 بكم ثلاث سنين، لا تدرون أفي طاعة أنتم أم في معصية؛ لم يَجْبِ فيئًا، ولم ينكأ7 عدوا، ثم جاءكم بنوه بعده، يزيد فحلٌ تَبَارَى إليه النساء؛ وإنما خليفتكم يزيد بن ثروان هَبَنّقة القيسي8" فلم يُجِبْهُ أحدٌ فغضب، فقال:
__________
1 وسبب ذلك أن الوليد بن عبد الملك أراد أن يجعل ابنه عبد العزيز ولي عهده، ودس في ذلك إلى القواد والشعراء، فبايعه على خلع سليمان الحجاج وقتيبة، ثم مات الوليد وقام سليمان بن عبد الملك، فخافه قتيبة وخشى أن يولي سليمان يزيد بن المهلب خراسان.
2 بلد على الفرات قرب الكوفة.
3 هو أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس، وكان عاملًا عليها لعبد الملك بن مروان حتى كانت سنة 78 فعزله وجمع سلطانه للحجاج فبعث المهلب إليها.
4 في الأصل "لا يقيم" وهو تحريف أو لايقيم مطبخي.
5 أبو سعيد: كنية المهلب بن أبي صفرة.
6 من دومت الكلاب: أي أمعنت في المسير: وفي رواية أخرى "فدوخ بكم البلاد" وستأتي.
7 نكأ العدو ونكاه نكاية: قتل وجرح.
8 هو يزيد بن ثروان هبنقة ذو الودعات، ويكنى أبا نافع أحد بني قيس بن ثعلبة، يضرب به المثل في الحمق فيقال: "أحمق من هبنقة" وله نوادر في الحمق، منها أنه جعل في عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف وهو ذو لحية طويلة؛ فسئل في ذلك، فقال: لأعرف بها نفسي، ولئلا أضل؛ فبات ذات ليلة، وأخذ أخوه =
(2/307)

"لا أعزَّ الله من نصرتم، والله لو اجتمعتم على عنز ما كسرتم قرنها، يا أهل السافلة، ولا أقول أهل العالية. يا أوباش1 الصدقة، جمعتكم كما تجمع إبل الصدقة من كل أوب2. يا معشر بكر بن وائل، يا أهل النفخ3 والكذب والبخل، بأي يوميكم تفخرون: بيوم حربكم، أم بيوم سلمكم؟ فوالله لأنا أعزُّ منكم يا أصحاب مسيلمة. يا بني ذميم، ولا أقول تميم. ياأهل الخور4 والقصف5 والغدر: كنتم تسمُّون الغدر في الجاهلية "كيسان6" يا أصحاب سجاح7، يا معشر عبد القيس القساة، تبدلتم بأبر النخل8 أعنة الخيل، يا معشر الأزد، تبدلتم بقُلُوسِ9 السفن، أعنة الخيل والحصن10، إن هذا لبدعة في الإسلام، والأعراب، وما الأعراب؟
لعنة الله على الأعراب، يا كناسة المصرين، جمعتكم من منابت الشيح والقيصوم11،
__________
= قلادته فتقلدها؛ فلما أصبح، ورأى القلادة في عنق أخيه، قال يا أخي: أنت أنا فمن أنا؟ ومنها: أنه ضل له بعير؛ فجعل ينادي: من وجد بعيري فهو له، فقيل له فلم تنشده؟ قال: فأين حلاوة الوجدان؟ ومنها: أنه اختصمت الطفاوة وبنو راسب في رجل ادعاه هؤلاء وهؤلاء، ثم قالوا: رضينا بأول من يطلع علينا؛ فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم هبنقة، فقصوا عليه قصتهم، فقال: الحكم عندي في ذلك أن يذهب به إلى نهر البصرة، فيلقى فيه، فإن كان راسبيًا رسب فيه، وإن كان طفاويًا طفا، فقال الرجل: لا أريد أكون من أحد هذين الحيين.
وقول قتيبة: "إنما خليفتكم هبنقة" ذلك لأن هبنقة كان يحسن إلى السمان من إبله، فيرعيها في العشب وينحي المهازيل، فقيل له: ويحك! ما تصنع؟ فقال: إنما أكرم ما أكرم الله، وأهين ما أهان الله، وكذلك كان سليمان يعطي الأغنياء، ولا يعطي الققراء ويقول: "أصلح ما أصلح الله، وأفسد ما أفسد الله" -انظر مجمع الأمثال 1: 146، والبيان والتبيين 1: 126-.
1 الأوباش: السفلة، جمع وبش كسبب.
2 الطريق والجهة.
3 الفخر والكبر.
4 الضعف.
5 اللهو.
6 كيسان: علم للغدر.
7 هي سجاح بنت الحارث ادعت النبوة بعد موت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجزيرة في بني تغلب.
8 أبر النخل أبرًا: أصلحه.
القلوس جمع قلس كشمس: وهو حبل ضخم من ليف أو خوص أو غيرهما من قلوس سفن البحر.
10 جمع حصان.
11 من نبات البادية زهره مرٌّ جدًّا.
(2/308)

ومنابت القلقل1، تركبون البقر والحمر في جزيرة ابن كاوان2؛ حتى إذا جمعتكم كما يُجمع قَزَع الخريف3 قلتم: كيت وكيت، أما والله إني لابن أبيه4 وأخو أخيه، أما والله لأعصبنكم عصب السلمة، إنّ حول الصلِّيان الزمزمة5، يا أهل خراسان، هل تدرون من وليكم؟ وليكم يزيد بن ثروان، كأني بأمير مزجاء6، وحكمٍ قد جاءكم؛ فغلبكم على فيئكم وأطلالكم، إن هاهنا نارًا، ارموها أرم معكم، ارموا غرضكم الأقصى، قد استخلف عليكم أبو نافع ذو الودعات، إن الشأم أبٌ مكفور، حتى متى ينبطح أهل الشأم بأفنيتكم وظلال دياركم؟ يا أهل خراسان انسبوني تجدوني عراقيّ الأم، عراقيّ الأب، عراقي المولد، عراقي الهوى والرأي والدين، وقد أصبحتم اليوم فيما ترون من المن والعافية، قد فتح الله لكم البلاد، وآمن سبلكم؛ فالظعينة7 تخرج من مروٍ إلى بَلْخ بغير جِوار، فاحمدوا الله على النعمة، وسلوه الشكر والمزيد". ثم نزل.
"تاريخ الطبري 8: 105"
وورد كلام قتيبة في هذا الصدد في العقد الفريد، والبيان والتبيين في ثلاث خطب هذا نصها:
__________
1 نبت له حب أسود حسن الشم.
2 هي جزيرة في الخليج الفارسي بين عمان والبحرين.
3 القزع: كل شيء يكون قطعًا متفرقة "ومنه قيل لقطع السحاب في السماء قًزًع" وخرقت الثمار أخرقها كنصر: اجتنيتها، والثمر مخروف وخريف، وفي كلام سيدنا علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه "كما يجتمع قًزًع الخريف".
4 أي ابن أبي.
5 الصليان: نبت من أفضل المرعى يختل "يجز" للخيل التي لا تفارق الحي، والزمزمة: صوت خفي لا يكاد يفهم، يعني صوت الفرس "بالتحريك" إذا رآه، وأصلها صوت المجوس عند أكلهم -يتراطنون على الكل، وهم صموت لا يستعملون لسانا، ولا شفة؛ لكنه صوت تديره في خياشيمها وحلوقها، فيفهم بعضها عن بعض- وهو مثل يضرب للرجل يحوم حول الشيء ولا يظهر مرامه.
والمعنى في المثل: أن ما تسمع من الأصوات والجلب، لطلب ما يؤكل ويتمتع به. قال الميداني: ويروى وحول الصلبان الزمزمة" الصلبان جمع صليب، والزمزمة: صوت عابديها.
6 هو مزجاء للمطي أي كثير الإزجاء لها، زجاها وأزجاها: ساقها ودفعها: والمراد أنه قاس ظلوم.
7 الظعينة: المرأة ما دامت في الهودج.
(2/309)

298- خطبة أخرى:
قام بخراسان حين خلع سليمان بن عبد الملك؛ فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أتدرون من تبايعون؟ إنما تبايعون يزيد بن ثروان -يعني هبنقة القيسي- كأني بأمير مزجاء، وحكم قد أتاكم، يحكم في أموالكم ودمائكم وفروجكم وأبشاركم1 ثم قال: الأعراب وما الأعراب؟ لعنة الله على الأعراب، جمعتكم كما يجمع قزع الخريف2 من منابت الشيح والقيصوم، ومنابت القلقل، وجزيرة ابن كاران، تركبون البقر، وتأكلون الهبيد3، فحملتكم على الخيل، وألبستكم السلاح، حتى منع الله بكم البلاد، وأفاء بكم الفيء" قالوا: مرنا بأمرك قال: غُرُّوا غيري.
"العقد الفريد 2: 155، والبيان والتبيين 2: 101"
299- خطبة ثالثة:
وخطب مرة أخرى، فقال:
"يا أهل العراق، ألست أعلم الناس بكم؟ أما هذا الحي من أهل العالية؛ فنعم الصدقة، وأما هذا الحي من بكر بن وائل فعِلْجةٌ4 بظراء، لا تجمع رجليها، وأما هذا الحي عبد القيس فما ضرب العير بذنبه، وأما هذا الحي من الأزد، فًعُلُوج5 خلق الله وأنباطه6، وايم الله لو ملكت أمر الناس لنقشت أيديهم، وأما هذا الحي من تميم؛ فإنهم كانوا يسمُّون الغدرً في الجاهلية كيسان".
"العقد الفريد 2: 155، والبيان والتبيين 2: 67"
__________
1 أبشار جمع بشر: وهو جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد.
2 في العقد الفريد: "كما يجمع فرخ الحريق" وفي البيان والتبيين والطبري "قرع الخريف" والصواب ما ذكرنا.
3 الحنظل.
4 مؤنث العلج: وهو حمار الوحش السمين القوي. وأمه بظراء: طويلة البظر كشمس، وهو ما بين شفرى الرحم.
5 جمع علج "بالكسر" وهو الرجل من كفار العجم.
6 جيل من الناس كانوا ينزلون سواد العراق ثم اسعمل في أخلاط الناس وعوامهم.
(2/310)

300- خطبة رابعة:
وخطب مرة أخرى، فقال:
"يا أهل خراسان، قد جربتم الولاة قبلي، أتاكم أمية؛ فكان كاسمه أمية الرأي، وأمية الدين، فكتب إلى خليفته: إنّ خراج خراسان وسجستان، لو كان في مطبخه لم يًكْفٍه، ثم أتاكم بعده أبو سعيد، فدوخ بكم البلاد، لا تدرون أفي طاعة الله أنتم أم في معصيته، ثم لم يجبِ فيئًا، ولم ينكأ عدوًّا، ثم أتاكم بنوه بعده، مثل أطباء1 الكلبة؛ منهم ابن الرحمة2، حصان يضرب في عانةٍ3، ولقد كان أبوه يخافه على أمهات أولاده، ثم أصبحتم وقد فتح الله عليكم البلاد، وأمن لكم السبل، حتى إن الظعينة لتخرج من مروٍ إلى سمرقند في غير جوار".
"العقد الفريد 2: 155، والبيان والتبيين 2: 67"
__________
1 جمع طبي كقفل. والطبي: لذات الخف والظلف كالثدي للمرأة.
2 يريد به يزيد بن المهلب.
3 العانة: الأتان، والقطيع من حمر الوحش، والمراد بها النساء.
(2/311)

301- كلمات حكيمة لقتيبة بن مسلم:
وخرجت خارجة بخراسان؛ فقيل لقتيبة بن مسلم: لو وجهت إليهم وكيع بن أبي سود1، قال: وكان وكيع رجلًا عظيم الكبر، في أنفه خنزوانة2، وفي رأسه نعرة3؛ وإنما أنفه في أسلوب4، ومن عظم كبرُه اشتد عجبُه، ومن أُعْجِبَ برأيه لم يشاور كفيًّا، ولم يؤامر5 نصيحًا. ومن تفرد بالنظر لم يكمل له الصواب، ومن تبجح6 بالانفراد، وفخر بالاستبداد، كان من الصواب بعيدًا، ومن الخذلان قريبًا، والخطأ مع الجماعة، خير من الصواب مع الفرقة؛ وإن كانت الجماعة لا تخطئ، والفرقة لا تصيب، ومن تكبر على عدوه حقره، وإذا حقره تهاون بأمره، ومن تهاون بخصمه، ووثق بفضل قوته قل احتراسه، ومن قل احتراسه كثر عثاره، وما رأيت عظيم الكبر صاحب حرب؛ إلا كان منكوبًا؛ فلا والله حتى يكون عدوه عنده، وخصمه فما تغلب
__________
1 هو وكيع بن أبي سود التميمي، أحد الأبطال البواسل، كان مع قتيبة في فتح بخارى، وأبلى في القتال بلاء محمودًا -انظر خبره في الطبري 8: 68- وولاه الناس أمرهم حين ثاروا بقتيبة وقتلوه.
2 الخنزوان، والخنزوانة، والخنزوانية: الكبر، يقال: هو ذو خنزوانات.
3 النعرة: الخيلاء والكبر.
4 الأسلوب: الشموخ في الأنف، ويقال: إن أنفه لفي أسلوب إذا كان متكبرًا، قال الراجز:
أنوفهم ملفخر في أسلوب ... وشعر الأستاه في الجيوب
"وهو في معنى المثل المشهور: أنف في السماء واست في الماء، والجَيوب كصبور: الأرض، والأستاه جمع سته كشمس وسبب وهو الأست، وقوله: ملفخر أصله: من الفخر، ونظيره قول جميل بثينة:
وما أنس ملأ شياء لا أنس قولها ... "وقد قربت نضوى" أمصر تريد؟
أي من الأشياء، وقول قطري بن الفجاءة:
غداة طفت علماء بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل نحو تميم
أي على الماء".
5 الكفيّ: الكافي، ويؤامر: يشاور.
6 تبجح به: افتخر وتباهى.
(2/312)

عليه، أسمع من فَرَس، وأبصر من عقاب، وأهدى من قطاة، وأحذر من عقعق1، وأشد إقدامًا من الأسد، وأوثب من الفهد، وأحقد من جمل، وأروغ من ثعلب، وأغدر من ذئب، وأسخى من لافظة2، وأشح من صبي، وأجمع من ذرة3، وأحرس من كلب، وأصبر من ضب؛ فإن النفس تسمح من العناية على قدر الحاجة، وتتحفظ على قدر الخوف، وتطلب على قدر الطمع، وتطمع على قدر السبب".
"جمهرة الأمثال 1: 117"
ومن كلماته البليغة قوله حين قدم خراسان:
ٍ"من كان في يديه شيء من مال عبد الله بن خازم4 فلينبذه، وإن كان في فيه فليلفظه، وإن كان في صدره فلينفثه" فعجب الناس من حسن ما فصل وقسم.
"البيان والتبيين 2: 54"
__________
1 العقعق: نوع من الغربان، وهو ذو لونين: أبيض وأسود طويل الذنب، يشبه صوته العين والقاف -ولذا سمي عقعقًا- وقيل لأنه يعق فراخه؛ فيتركهم بلا طعام، وجميع الغربان يفعل ذلك، وقد ضربوا به المثل في الحذر، فقالوا: "أحذر من عقعق" -انظر جمهرة الأمثال- كما قالوا: "أحذر من غراب" وقالوا أيضًا: "ألص من عقعق" لأن في طبعه شدة الاختطاف لما يراه من الحلي، وقالوا: "أحمق من عقعق"؛ لأنه كالنعامة التي تضيع بيضها وأفراخها، وتشتغل ببيض غيرها، وإياها عني هدبة بقوله:
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحًا
انظر حياة الحيوان الكبرى الدميري 2: 209، ومجمع الأمثال.
2 رواه الميداني: "أسمح من لافظة"، وقال: قد اختلفوا فيها، فقال بعضهم: هي العنز التي تشلي الحلب- أشلى دابته: أراها المخلاة لتأتيه، وأشلاها: دعاها للحلب- فتجيء لافظة بجرتها فرحًا بالحلب.
وقال بعضهم: هي الحمامة؛ لأنها تخرج ما في بطنها لفرخها، وقال بعضهم: هي الديك؛ لأنه يأخذ الحبة بمنقاره فلا يأكلها، ولكن يلقيها إلى الدجاجة، والهاء فيها للمبالغة هاهنا، وقال بعضهم: هي الرحى لأنها تلفظ ما تطحنه أي تقذف، وقال بعضهم: هي البحر لأنه يلفظ بالدرة، قال الشاعر:
تجود فتجزل قبل السؤال ... وكفك أسمح من لافظة
3 الذر: صغار النمل، وفي كلام عمر بن عبد العزيز: قاتل الله زيادًا جمع لهم "أي لأهل العراق" كما تجمع الذرة، وحاطهم كما تحوط الأم البرة"، وقال الشاعر:
تجمع للوارث جمعًا كما ... تجمع في قريتها الذر
4 وكان من أمره أنه لما مات يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، وثب أهل خراسان بعمالهم فأخرجوهم، وغلب كل قوم على ناحية، ووقعت الفتنة، وغلب عبد الله بن خازم على خراسان، ثم كتب إليه عبد الملك بن مروان بعد مقتل عبد الله بن الزبير –وقيل قبله- يدعوه إلى الدخول في طاعته على أن يطعمه خراسان عشر سنين، فأبى وحلف ألا يعطيه طاعة أبدًا، وكان ابن خازم يقاتل بجير بن ورفاء الصريمي بأبرشهر، وخليفته على مرو بكير بن وشاح، فكتب عبد الملك إلى بكير بعهده على خراسان، ووعده ومناه، فدعا إلى عبد الملك، وأجابه أهل مرو، وبلغ ابن خازم فخاف أن يأتيه بكير، فيجتمع عليه أهل مرو وأهل أبرشهر، فترك بجيرًا وأقبل إلى مروٍ، فاتبعه بجير فلحقه، ودارت بينهما الحرب فقُتل ابن خازم في المعركة- انظر تاريخ الطبر 7: ص44، وص196.
(2/313)

302- خطبة طارق بن زياد في فتح الأندلس:
لما دانت بلاد المغرب لموسى بن نصير -وكان واليًا عليها من قبل الوليد بن عبد الملك- طمح بصره إلى فتح بلاد الأندلس؛ فبعث مولاه طارق بن زياد على جيش جله من البربر سنة 92هـ فعبر بهم البحر، ونمى خبره إلى لذريق ملك القوط؛ فأقبل لمحاربته بجيش جرار، وخاف طارق أن يستحوذ الرعب على جنده لقلتهم، فأحرق السفن التي أقلتهم، حتى يقطع من قلوبهم كل أمل في العودة، وقام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم حثهم على الجهاد، ورغبهم في الشهادة، فقال:
"أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق1 والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب2 اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأسلحته وقواته موفورة، وأنتم لا وزر3 لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمرًا، ذهبت ريحكم، وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجرأة عليكم؛ فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم، بمناجزة4 هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن، إن سمحتم لأنفسكم بالموت، وإني لم أحذركم أمرًا أنا عنه بنجوة5،
__________
1 أي الصدق في القتال، والصدق: الشدة، يقال صدقه القتال.
2 جمع مأدبة بالفتح والضم: وهي طعام صنع لدعوة أو عرس.
3 لا ملجأ.
4 أي مبارزته.
5 النجوة: ما ارتفع من الأرض.
(2/314)

ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس، أربأ1 فيها بنفسي، واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلًا، استمتعتم بالأرفه الألذ طويلًا؛ فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فيما حظكم فيه أوفر من حظي.
وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور2 الحسان، من بنات اليونان، الرافلات3 في الدر والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان4، المقصورات5 في قصور الملوك ذوي التيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عُزْبانًا6، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارًا7 وأختانًا8، ثقة منه بارتياحكم للطعان، وإسماحكم9 بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصًا لكم من دونه، ومن دون المؤمنين سواكم، والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكرًا في الدارين.
واعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأني عند ملتقى الجمعين، حامل بنفسي على طاغية القوم لُذَرِيق؛ فقاتِلُه إن شاء الله، فاحملوا معي، فإن هلكت بعده، فقد كفيتم أمره، ولن يعوزكم بطلٌ عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه، فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا المهم من فتح هذه الجزيرة بقتله، فإنهم بعده يخذلون".
"نفخ الطيب 1: 112، ووفيات الأعيان 2: 135".
__________
1 ربأ بنفسه: علا بها وارتفع، أي أتنحى عن مشاركتكم.
2 جمع حوراء، من الحور بالتحريك: وهو شدة سواد العين وبياضها.
3 رفلت: جرت ذيلها وتبخترت، أو خطرت بيدها.
4 الذهب.
5 المخدورات: المخبوءات.
6 جمع عزيب. والعزيب والعزب والأعزب: من لا زوجة له.
7 جمع صهر: كحمل، وهو زوج بنت الرجل وزوج أخته.
8 جمع ختن كسبب، وهو الصهر، أو كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ.
9 سمح وأسمح: جاد وكرم.
(2/315)

303- نص آخر لخطبة طارق:
وروى ابن قتيبة هذه الخطبة في الإمامة والسياسة بصورة أخرى، قال:
لما بلغ طارقًا دنو لُذريق، قام في أصحابه؛ فحمد الله، ثم حض الناس على الجهاد، ورغبهم في الشهادة، وبسط لهم في آمالهم، ثم قال:
"أيها الناس: أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم؛ فليس ثم والله إلا الصدق والصبر؛ فإنهما لا يغلبان، وهما جندان منصوران، ولا تضر معهما قلة، ولا تنفع مع الخور والكسل والفشل والاختلاف والعجب كثرة، أيها الناس: ما فعلت من شيء فافعلوا مثله، إن حملت فاحملوا، وإن وقفت فقفوا، ثم كونوا كهيئة رجل واحد في القتال، ألا وإني عامد إلى طاغيتهم، بحيث لا أتهيبه حتى أخالطه، وأقتل دونه، فإن قتلت فلا تهنوا1 ولا تحزنوا، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم. وتولوا الدبر لعدوكم، فتبددوا بين قتيل وأسير. وإياكم إياكم أن ترضوا بالدنية، ولا تعطوا بأيديكم، وارغبوا فيما عجل لكم من الكرامة والراحة، من المهنة والذلة، وما قد حل لكم من ثواب الشهادة؛ فإنكم إن تُفَلُّوا2 "والله معكم ومعيذكم" تبوءوا بالخسران المبين، وسوء الحديث غدًا بين من عرفكم من المسلمين، وهأنذا حامل حتى أغشاه، فاحملوا بحملتي".
"الإمامة والسياسة 2: 53".
__________
1 فلا تضعفوا.
2 إن تغلبوا وتهزموا.
(2/316)

304- خطبة عثمان بن حيان المري بالمدينة:
وولى الوليد بن عبد الملك عثمان بن حيان المري المدينة سنة 94هـ، وقد خطب على المنبر فقال بعد حمد الله:
"أيها الناس: إنا وجدناكم أهل غش لأمير المؤمنين، في قديم الدهر وحديثه،
(2/316)

وقد ضوى1 إليكم من يزيدكم خبالًا: أهل العراق، هم أهل الشقاق والنفاق، هم والله عش النفاق، وبيضته التي تفلقت عنه، والله ما جربت عراقيًّا قط؛ إلا وجدت أفضلهم عند نفسه، الذي يقول في آل أبي طالب ما يقول، وما هم لهم بشيعة، وإنهم لأعداءٌ لهم ولغيرهم، ولكن لما يريد الله من سفك دمائهم؛ فإني والله لا أوتى بأحد آوى أحدًا منهم أو أكراه منزلًا، أو أنزله؛ إلا هدمت منزله، وأنزلت به ما هو أهله2.
ثم إن البلدان لما مصرها عمر بن الخطاب، وهو مجتهد على ما يصلح رعيته، جعل يمر عليه من يريد الجهاد؛ فيستشيره: الشام أحب إليك أم العراق؟ فيقول: الشام أحب إلي.
إني رأيت العراق داء عضالًا، وبها فرخ الشيطان، والله لقد أعضلوا بي3، وإني لأراني سأفرقهم في البلدان، ثم أقول: لو فرقتهم لأفسدوا من دخلوا عليه بجدل وحجاج، وكيف؟ ولم؟ وسرعة وَجِيفٍ4 في الفتنة؛ فإذا خُبِرُوا عند السيوف، لم يخبر منهم طائل5، لم يصلحوا على عثمان، فلقي منهم الأمرين6، وكانوا أول الناس فتق هذا الفتق العظيم، ونقضوا عُرا الإسلام عُروة عُروة، وأنغلوا7 البلدان، والله إني لأتقربُ إلى الله بكل ما أفعل بهم لما أعرف من رأيهم ومذاهبهم، ثم وليهم أمير المؤمنين معاوية، فدامَجَهُم8 فلم يصلحوا عليه، ووليهم رجلُ الناس9 جلدًا،
__________
1 ضوى كرمى: انضم ولجأ، والخبال: الفساد.
2 ولم يترك بالمدينة أحدًا من أهل العراق، تاجرًا ولا غير تاجر، وأمر بهم أن يخرجوا، وحبس بعضهم وعاقبهم، ثم بعث بهم في جوامع إلى الحجاج بن يوسف.
3 عضل به الأمر وأعضل: اشتد، وأعضله أيضًا.
4 وجف يجف وجيفًا: اضطرب.
والوجيف: ضرب من سير الخيل والإبل.
5 الطائل والطائلة والطول: الفضل والقدرة.
6 الأمران: الفقر والهرم، وهو كناية عن اشتداد الأمر.
7 أفسدوا، من تغل الأديم كفرح: فسد في الدباغ، وأفغله: أفسده.
8 المدامجة مثل المداجاة ودامجه عليه: وافقه.
9 يريد الحجاج بن يوسف.
(2/317)

فبسط عليهم السيف وأخافهم؛ فاستقاموا له، أحبوا أو كرهوا، وذلك أنه خبرهم وعرفهم.
أيها الناس: إنا والله ما رأينا شعارًا قط مثل الأمن، ولا رأينا حلسًا1 قط شرًّا من الخوف؛ فالزموا الطاعة، فإن عندي يا أهل المدينة خبرة من الخلاف، والله ما أنتم بأصحاب قتال، فكونوا من أحلاس بيوتكم، وعَضُوا على النواجذ؛ فإني قد بعثت في مجالسكم من يسمع فيبلغني عنكم، إنكم في فضول كلام غيرُه ألزمُ لكم، فدعوا عيب الولاة؛ فإن الأمر إنما يُنْقَضُ شيئًا شيئًا حتى تكون الفتنة، وإن الفتنة من البلاء، والفتن تذهب بالدين وبالمال والولد".
"تاريخ الطبري 7: 92"
__________
1 الحلس: بساط البيت، وكساء على ظهر البعير تحت رحله، والمراد: ما رأينا مركبًا شرًّا من الخوف، وفلان حلسٌ من أحلاسِ البيت: الذي لا يبرح البيت.
(2/318)

305- وصية يزيد بن المهلب لابنه مخلد "قتل سنة 102هـ":
ولما ولي يزيد بن المهلب خراسان في عهد سليمان بن عبد الملك، فتح جرجان1 وطبرستان2 "سنة 98"، وقد أوصى ابنه مخلدًا حين استخلفه على جرجان؛ فقال:
"يا بُني، إني قد استخلفتك على هذه البلاد، فانظر هذا الحي من اليمن، فكن لهم كما قال الشاعر:
إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم ... فَرِشْ واصطنع عند الذين بهم ترمي3
وانظر هذا الحي من ربيعة؛ فإنهم شيعتك وأنصارك، فاقضِ حقوقهم، وانظر هذا
__________
1 في الجنوب الشرقي من بحر قزوين.
2جنوبي بحر قزوين.
3 راش السهم يريشه: ألزق عليه الريش، وراش الصديق: أطعمه وسقاه وكساه وأصلح حاله ونفعه، واصطنع عنده صنيعة: اتخذها، والبيت لأبي دؤاد الإيادي.
(2/318)

الحي من تميم؛ فأمطرهم1، ولا تُزْهَ2 لهم، ولا تُدْنِهم فيطمعوا، ولا تقصهم فيقطعوا، وانظر هذا الحي من قيس؛ فإنهم أكفاء قومك في الجاهلية، ومناصفوهم المنابر في الإسلام، ورضاهم منك البِشْرُ.
يا بني: إن لأبيك صنائع فلا تفسدها، فإنه كفى بالمرء نقصًا أن يهدم ما بنى أبوه، وإياك والدماء؛ فإنها لا بقية معها، وإياك وشتم الأعراض، فإن الحرَّ لا يُرْضِهِ عن عرضه عوضٌ، وإياك وضرب الأبشار، فإنه عار باق، ووتر مطلوب، واستعمل على النجدة والفضل دون الهوى، ولا تعزل إلا عن عجز أو خيانة، ولا يمنعك من اصطناع الرجل أن يكون غيرك قد سبقك إليه؛ فإنك إنما تصطنع الرجال لفضلها، وليكن صنيعك عند من يكافئك عنه، احمل الناس على أحسن أدبك يكفوك أنفسهم، وإذا كتبت كتابًا فأكثر النظر فيه، وليكن رسولك فيما بيني وبينك من يفقه عني وعنك، فإن كتاب الرجل موضع عقله، ورسوله موضع سره، وأستودعك الله، فلا بد للمودّع أن يسكت، وللمشيّع أن يرجع، وما عفَّ من المنطق، وقل من الخطيئة أحب إلى أبيك، وكذلك سلك هذا المسلك المحمود".
"شرح ابن أبي الحديد م4: ص155، وبلوغ الأرب 3: 173"
__________
1 مطرتهم السماء: أصابتهم بالمطر، ومطرهم بخير: أصابهم وما مطر منه خيرًا -وبخير- أي ما أصابه منه خير.
2 الزهو: الكبر والتيه، زهى كعنى، وكدعا قليلة
(2/319)

306- نصيحة عمر بن هبيرة لبعض بنيه:
وقال عمر بن هبيرة1 يؤدب بعض بنيه:
"لا تكونن أول مشير، وإياك والهوى والرأي الفطير2، وتجنب ارتجال الكلام، ولا تشر على مستبد، ولا على وغد، ولا على متلوِّن، ولا على لَجُوج، وخَفِ الله في موافقة هوى المستشير؛ فإن التماس موافقته لؤم، وسوء الاستماع منه خيانة".
وقال: "من كثر كلامه كثر سَقَطُهُ، ومن ساء خُلُقُه قلَّ صديقُهُ".
"البيان والتبيين 2: 98"
__________
1 هو عمر بن هبيرة الفزاري، وكان عاملًا على الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، وولي العراق "وأضيفت إليه خراسان" ليزيد بن عبد الملك.
2 كل شيء أعجلته عن إدراكه فهو فطير -والعجين الفطير: ضد الخمير: أي الذي لم يختمر- "وكان عبد الله بن وهب الراسبي أمير الخوارج يقول: نعوذ بالله من الرأي الدبري -والدبري بالتحريك وتسكن الباء: الذي يعرض من بعد وقوع الشيء- ولا تقل دبري بضمتين فإنه من لحن المحدثين".
(2/320)

خطب خالد بن عبد الله القسرى
خطبته بمكة يدعو إلى الطاعة ولزوم الجماعة
...
خطب خالد بن عبد الله القسري 1 "توفي سنة 126هـ":
307- خطبته بمكة يدعو إلى الطاعة ولزوم الجماعة:
خطب خالد بن عبد الله القسري بمكة، فقال:
"يا أيها الناس، إنكم بأعظم بلاد الله حرمة، وهي التي اختار الله من البلدان فوضع بها بيته، ثم كتب على عباده حجه، من استطاع إليه سبيلًا، أيها الناس: فعليكم بالطاعة، ولزوم الجماعة، وإياكم والشبهات؛ فإني والله ما أوتى بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته في الحرم، إن الله جعل الخلافة منه بالموضع الذي جعلها، فسلموا وأطيعوا، ولا تقولوا كَيْتَ وكَيْتَ، إنه لا رأي فيما كتب به الخليفة أو رآه إلا إمضاؤه، واعلموا أنه بلغني أن قومًا من أهل الخلاف يَقْدَمُون عليكم، ويقيمون في بلادكم؛ فإياكم أن تنزلوا أحدًا ممن تعلمون أنه زائغ عن الجماعة، فإني لا أجد أحدًا منهم في منزل أحد منكم إلا هدمت منزله، فانظروا من تنزلون في منازلكم، وعليكم بالجماعة والطاعة، فإن الفرقة هو البلاء العظيم".
وسُمِعَ يومًا يقول: "والله لو أعلم أن هذه الوحشَ التي تأمن في الحرم لو نطقت
__________
1 ولاه الوليد بن عبد الملك مكة سنة 89هـ، وولي العراق في عهد هشام بن عبد الملك، وكانت أمه نصرانية، قالوا وكان يتهم في دينه، وهو من خطباء العرب المعدودين المشهورين بالفصاحة والبلاغة، توفي سنة 126هـ.
"21 –جمهرة خطب العرب- ثان".
(2/321)

لم نقر بالطاعة، لأخرجتها من الحرم، إنه لا يسكن حرم الله وأمنه مخالف للجماعة زارٍ1 عليهم".
"تاريخ الطبري 8: 80".
__________
1 زرى عليه: عابه.
(2/322)

308- خطبة أخرى يشيد فيها بفضل الوليد:
ومن غُلُوِّه أنه خطب على منبر مكة؛ فقال:
"أيها الناس، أيهما أعظم؟ أخليفة الرجل على أهله، أم رسوله إليهم؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقى ربه، فسقاه ملحًا أُجاجًا، واستسقاه الخليفة فسقاه عذبًا فراتًا1" يعني بئرًا حفرها الوليد بن عبد الملك بالثنيتين: ثنية طوى، وثنية الحجون2؛ فكان ينقل ماؤها، فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم، ليعرف فضله على زمزم".
"تاريخ الطبري 8: 67، وسرح العيون ص205 والأغاني 19: 60"
__________
1 ماء أجاج: ملح مر، والفرات: الماء العذب جدًا.
2 ذو طوى مثلث الطاء وينون: موضع قرب مكة، والحجون: جبل مشرف بمكة. وفي سرح العيون أنه قال: "قد جئتكم بماء العاذبة، لا تشبه ماء أم الخنافس" يعني زمزم.
(2/322)

309- خطبته بمكة في الحجاج:
وصعد خالد المنبر في يوم جمعة -وهو على مكة- فذكر الحجاج فحمد طاعته، وأثنى عليه خيرًا؛ فلما كان في الجمعة الثانية ورد عليه كتاب سليمان بن عبد الملك، يأمره فيه بشتم الحجاج ونشر عيوبه، وإظهار البراءة منه فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"إن إبليس كان مَلَكًا من الملائكة، وكان يُظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له به فضلًا، وكان الله قد علم من غشه وخبثه ما خفي على ملائكته،
(2/322)

فلما أراد الله فضيحته أمره بالسجود لآدم؛ فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم، فلعنوه، وإن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له به فضلًا، وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين من غشه وخبثه على ما خفي علينا؛ فلما أراد الله فضيحته أجرى ذلك على يدي أمير المؤمنين، فلعنه، فالعنوه لعنه الله" ثم نزل.
"العقد الفريد 2: 158-3: 11"
(2/323)

310- خطبة له في الحث على مكارم الأخلاق:
وقام على المنبر بواسط، فحمد الله، وصلى على نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال:
"أيها الناس، نافسوا في المكارم، وسارعوا إلى المغانم، واشتروا الحمد بالجود، ولا تكسبوا بالمطل ذمًّا، ولا تعتدّوا بالمعروف ما لم تعجلوه، ومهما يكن لأحد منكم عند أحد نعمة فلم يبلغ شكرها؛ فالله أحسن لها جزاء، وأجزل عليها عطاء. واعلموا أن حوائج الناس إليكم، نعمة من الله عليكم، فلا تملوا النعم فتحولوها نقمًا.
واعلموا أن أفضل المال ما أكسب أجرًا، وأورث ذكرًا، ولو رأيتم المعروف رجلًا رأيتموه حسنًا جميلًا يسرُّ الناظرين، ولو رأيتم البخل رجلًا رأيتموه مشوهًا قبيحًا تنفر عنه القلوب، وتغضي عنه الأبصار.
أيها الناس، إن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعظم الناس عفوًا من عفا عن قدرة، وأوصل الناس من وصل من قطعه، ومن لم يطِبْ حرثُه، لم يزكُ1 نبتُه، والأصول عن مغارسها تنمو، وبأصولها تسمو. أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكم".
"صبح الأعشى 1: 223، ونهاية الأرب 7: 255، وسرح العيون ص205"
__________
1 لم ينم.
(2/323)

311- خطبة له يوم عيد:
خطب فذكر الله وجلاله، ثم قال:
"كنتَ كذلك ما شئتَ أن تكون، لا يَعلمُ كيف أنتَ إلا أنتَ، ثم ارتأيتَ أن تخلُقَ الخلقَ؛ فماذا جئتَ به من عجائب صُنعك؟ والكبيرُ والصغيرُ مِن خلقِكَ، والظاهرُ والباطنُ من ذَرِّكَ، مِن صُنوف أفواجِهِ1، وأفراده وأزواجه، كيف أدمجتَ2 قوائمَ الذَّرَّة والبعوضة، إلى ما هو أعظم من ذلك، من الأشباح، التي امتزجت بالأرواح".
"عيون الأخبار م2: ص246"
__________
ٍـ
1 جمع فوج كشمس، وهو الجماعة.
2 من أدمج الحبل: أحكم فتله في رقة.
(2/324)

312- قوله وقد سقطت جرادة على ثوبه:
وكان خالد إذا تكلم يظن الناس أنه يصنع الكلام، لعذوبة لفظه، وبلاغة منطقه؛ فبينا هو يخطب يومًا إذ سقطت جرادة على ثوبه، فقال:
"سبحان مَنِ الجرادةُ من خَلْقه، أدمجَ قوائمها، وطوَّفها جَنَاحَهَا، ووشَّى1 جلدها، وسلطها على ما هو أعظم منها".
"عيون الأخبار م2: ص247، والعقد الفريد 2: 163"
__________
1نقش ونمنم وزيّن.
(2/324)

313- خطبة يوسف بن عمر الثقفي 4 "قتل سنة 127هـ":
قام خطيبًا، فقال:
اتقوا الله عباد الله، فكم من مؤمِّلٍ أملًا لا يبلغه، وجامعٍ مالًا لا يأكله، ومانعٍ عما سوف يتركه، ولعله من باطلٍ جَمَعَه، ومن حقٍّ مَنَعَه، أصابه حرامًا، وأورثه
__________
1 هو ابن ابن عم الحجاج، ولاه هشام بن عبد الملك اليمن سنة 106هـ، ثم ولاه العراق سنة 120هـ بعد عزل خالد بن عبد الله القسري، وقتل سنة 127هـ.
(2/324)

عدوا، فاحتمل إصره1، وباء بوزره، وورد على ربه آسفًا لاهفًا، قد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين".
"العقد الفريد 2: 158، والبيان والتبيين 2: 71، ونهاية الأرب 7: 255"
__________
1 الإصر: الذنب.
(2/325)

314- خطبة يوسف بن عمر:
ولما قتل يوسف بن عمر زيد بن عليٍّ سنة 122هـ أقبل حتى دخل الكوفة فصعد المنبر فقال:
"يا أهل المدرة الخبيثة: إني والله ما تقرَن بي الصعبة، ولا يقعقع لي بالشنان، ولا أخوَّفُ بالذئب، هيهات! حُبيتُ بالساعد الأشدّ.
أبشروا يا أهل الكوفة بالصغار والهوان، لا عطاء لكم عندنا ولا رزق، ولقد هممت أن أخرب بلادكم ودوركم، وأحرمكم أموالكم، أما والله ما علوت منبري إلا أسمعتكم ما تكرهون عليه؛ فإنكم أهل بغي وخلاف، ما منكم إلا من حارب الله ورسوله إلا حكيم بن شريك المحاربي، ولقد سألت أمير المؤمنين أن يأذن لي فيكم، ولو أذن لقتلتُ مقاتلتكم وسبيت ذراريكم".
"تاريخ الطبري 8: 278"
(2/325)

خطب الفتن والأحداث
خطبة عبد الله بن حنظلة الأنصارى
...
خطب الفتن والأحداث فتنة المدينة ووقعة الحرة:
315- خطبة عبد الله بن حنظلة الأنصاري:
وقد علم بقدوم جيش الشأم إلى المدينة "قتل سنة 63هـ"
لما كره أهل المدينة خلافة يزيد بن معاوية، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الأنصاري على خَلْعِهِ، ووثبوا على من كان بالمدينة من بني أمية وحصروهم وأخافوهم، وجه إليهم يزيد جيشًا من أهل الشام بقيادة مسلم بن عقبة المرّيّ ونمى إليهم خبر مقدمه عليهم؛ فجمعهم عبد الله بن حنظلة، فقال: "تبايعونني على الموت؛ وإلا فلا حاجة في بيعتكم" فبايعوه على المنبر: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: إنما خرجتم غضبًا لدينكم، فأبلوا إلى الله بلاءً حسنًا، ليوجب لكم به الجنة ومغفرتَه، ويحل بكم رضوانَه، واستعدوا بأحسن عدتكم، وتأهبوا بأكمل أهبتكم فقد أُخبرت بأن القوم نزلوا بذي خُشُب1 ومعهم مروان بن الحكم، واللهُ إن شاءَ مُهْلِكُهُ بنقضِهِ العهدَ والميثاقَ عند منبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ2".
__________
1 ذو خشب: وادٍ على مسيرة ليلة من المدينة.
2 وذلك أن أهل المدينة كانوا قد أخرجوا مروان بن الحكم وكبراء بني أمية عن المدينة، وحَلَّفُوهم عند منبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لئن لقوا جيش يزيد ليردونهم عنهم إن استطاعوا؛ فإن لم يستطيعوا مضوا إلى الشام، ولم يرجعوا معهم، فحَلَفُوا لهم على ذلك.
(2/326)

فتصايح الناس، وجعلوا ينالون منه ويسبونه، فقال لهم: "إن الشتم ليس بشيء، نَصْدُقُهم اللقاءَ، واللهِ ما صَدَقَ قومٌ قطُّ إلا نُصِرُوا"، ثم رَفَعَ يديه إلى السماء، وقال: "اللهم إنا بك واثقون، وعليك متوكلون، وإليك ألجأنا ظهورنا" ثم نزل.
"الإمامة والسياسة 1: 154"
(2/327)

316- خطبة مسلم بن عقبة يؤنب أهل الشأم:
وأقبل مسلمٌ بجيشه إلى المدينة؛ فحاصَرَها من جهة الحرة1، ودعا أهلها إلى الطاعة ومراجعة الحقِّ، وأجلهم ثلاثًا فلم يُذعِنوا لقوله، ونشبت الحرب بين الفريقين، وحملت خيل ابن حنظلة على أهل الشام فانكشفوا، وقتل صاحب رايتهم، فأخذ مسلم الراية، ونادى:
"يا أهل الشام، أهذا القتال قتال قوم يريدون أن يدفعوا به عن دينهم؟ وأن يُعِزُّوا به نصرَ إمامهم؟ قبح الله قتالكم منذ اليوم، ما أَوْجَعَه لقبي، وأغيظه لنفسي! أما واللهِ ما جزاؤكم عليه إلا أن تُحرموا العطاء، وأن تجمروا في أقاصي الثغور، شدوا مع هذه الراية، تَرَّحَ2 اللهُ وجوهَكم إن لم تعتبوا3".
"تاريخ الطبري 7: 9"
__________
1 الحرة: أرضٌ بظاهر المدينة بها حجارة سودٌ كبيرة.
2 ترح ترحا كفرح فرحا: حزن، وترحه تتريحًا أحزنه.
3 أعتبه: أعطاه العتبى "كقربى" وهي الرضا، أي إن لم ترضوني بصدقكم القتال.
(2/327)

317- خطبة مسلم يحرضهم:
ثم إن خيل مسلم ورجاله أقبلت نحو ابن حنظلة ورجاله حتى دنوا منه، وأخذ مسلم يسير في أهل الشام ويحرضهم، ويقول:
"يا أهل الشأم، إنكم لستم بأفضل العرب في أحسابها ولا أنسابها، ولا أكثرها
(2/327)

عددًا، ولا أوسعها بلدًا، ولم يخصصكم الله بالذى خصكم به من النصر على عدوكم، وحسن المنزلة عند أئمتكم؛ إلا بطاعتكم واستقامتكم، وإن هؤلاء القوم وأشباههم من العرب غيروا؛ فغير الله بهم، فتموا1 على أحسن ما كنتم عليه من الطاعة، يتمم الله لكم أحسن ما ينيلكم من النصر والفلج2".
"تاريخ الطبري 7: 9"
__________
1 تم على الأمر وتمم عليه كضرب: أي استمر عليه.
2 الفلج: الظفر والنصر.
(2/328)

318- خطبة ابن حنظلة يحرض أصحابه:
وقام عبد الله بن حنظلة في أصحابه حين رآهم قد أقبلوا يمشون تحت راياتهم؛ فقال: "يا هؤلاء: إن عدوكم قد أصابوا وجه القتال الذى ينبغي أن تقاتلوهم به، وإني قد ظننت ألا تلبثوا إلا ساعة، حتى يفصل الله بينكم وبينهم، وإما لكم وإما عليكم، أما إنكم أهل البصيرة ودار الهجرة! والله ما أظن ربكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم، ولا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخظ منه على هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم، إن لكل امرئ منكم ميتة هو ميت بها، والله ما من ميتة بأفضل من ميتة الشهادة، وقد ساقها الله إليكم، فاغتنموها؛ فوالله ما كلما أردتموها وجدتموها".
ودارت الدائرة على أهل المدينة، وقتل ابن حنظلة فيمن قتل، ودخل مسلم المدينة1 وكانت وقعة الحرة في ذي الحجة سنة 63هـ.
"تاريخ الطبرى 7: 10".
__________
1 انظر ص 195.
(2/328)

اضطراب الأمر بعد موت يزيد:
319- خطبة عبيد الله بن زياد بن أبيه:
قام عبيد الله بن زياد بن أبيه خطيبًا بعد موت يزيد ين معاوية -وهو يومئذ أمير العراق- فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"يا أهل البصرة، انسبوني؛ فوالله ما مُهاجَرُ أبي إلا إليكم، وما مولدي إلا فيكم، وما أنا إلا رجلٌ منكم، ولقد وليتكم وما أحصَى ديوان مقاتِلتِكم إلا سبعين ألف مقاتل، ولقد أحصَى اليوم ديوان مقاتلتكم ثمانين ألفًا، وما أحصى ديوان عمالكم إلا تسعين ألفًا، ولقد أحصى اليوم مائة وأربعين ألفًا1، وما تركت لكم ذا ظنة2 أخافه عليكم، إلا وهو في سجنكم هذا، وإن أمير المؤمنين: يزيد بن معاوية قد توفي وقد اختلف أهل الشام، وأنتم اليوم أكثر الناس عددًا، وأعرضُه فناء، وأغناه عن الناس، وأوسعه بلادًا؛ فاختاروا لأنفسكم رجلًا ترتضونه لدينكم وجماعتكم، يجاهد عدوكم، وينصف مظلومكم من ظالمكم، ويكف سفهاءكم، ويجبي لكم فيئكم، ويقسمه فيما بينكم، فأنا أول راضٍ من رضيتموه وتابع، فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترتضونه، دخلتم فيما دخل فيه المسلمون، وإن كرهتم ذلك كنتم على جديلتكم3
__________
1 وفي البيان والتبيين: "والله لقد وليكم أبي وما مقاتلتُكم إلا أربعون ألفًا؛ فبلغ بها ثمانين ألفًا، وما ذريتكم إلا ثمانون ألفًا، وقد بلغ بها عشرين ومائة ألف، وأنتم أوسع الناس بلادًا، وأكثره جنودًا وأبعد مقادًا، وأغنى الناس عن الناس..إلخ".
2 الظنة: التهمة.
3 الجديلة: الطريقة، وقال: ما زال على جديلة واحدة، أي على حال واحدة، وطريقة واحدة.
(2/329)

حتى تعطوا حاجتكم، فما بكم إلى أحد من أهل البلدان حاجة، وما يستغني الناس عنكم".
فقامت خطباء أهل البصرة، فقالوا: قد سمعنا مقالتك أيها الأمير، وإنا واللهِ ما نعلم أحدًا أقوى عليها منك، فهلم فلنبايعك، فقال: لا حاجة لي في ذلك، فاختاروا لأنفسكم، فأبوا عليه، وأبى عليهم، حتى كرروا ذلك عليه ثلاث مرات، فلما أبوا بسط يده فبايعوه.
فلما خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفهم بالحيطان وباب الدار، ويقولون: ظن ابن مرجانة أنا نُوَلِّيه أمرنا في الفرقة! وأقام عبيد الله أميرًا غير كثير، حتى جعل سلطانُه يضعف، ويأمر بالأمر فلا يُقضى، ويرى الرأي فيُرد عليه، ويأمر بحبس المخطئ فيحال بين أعوانه وبينه.
"تاريخ الطبري 7: 18، والبيان والتبيين 2: 65، ومروج الذهب 2: 105"
(2/330)

320- خطبة أخرى له:
وبلغه أن سلمة بن ذؤيب يدعو الناس إلى ابن الزبير؛ فأمر فنودي: الصلاة جامعة، فتجمع الناس، فأنشأ عبيد الله يقص أول أمره وأمرهم، وما قد كان دعاهم إلى من يرتضونه، فيبايعه معهم، وقال: "وإنكم أبيتم غيري، وإنه بلغني أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان وباب الدار، وقلتم ما قلتم، وإني آمر بالأمر فلا ينفذ، ويرد علي رأيي، وتحول القبائل بين أعواني وطلبتي1، ثم هذا سلمة بن ذؤيب يدعو إلى الخلاف عليكم، إرادة أن يفرق جماعتكم، ويضرب بعضكم جباه بعض بالسيف".
فقال الأحنف بن قيس والناس جميعًا نحن نأتيك بسلمة، فأتوه فإذا جمعه قد كثف وإذا الفتق قد اتسع على الراتق، وامتنع عليهم، فقعدوا عن ابن زياد فلم يأتوه.
__________
1 طلبتك: ما طلبته.
(2/330)

وروي أنه قال في خطبته: "يا أهل البصرة، والله لقد لبسنا الخز واليمنة1 واللين من الثياب، حتى لقد أجمَّنا2 ذلك، وأجمته جلودنا؛ فما بنا إلى أن نعقبها الحديد؟
يا أهل البصرة، والله لو اجتمعتم على ذنبِ عيرٍ لتكسروه ما كسرتموه".
"تاريخ الطبري 7: 20"
__________
1 اليمنة: برد يمني.
2 أجمه: أراحه، وأصله من أجم الفرس: تركه فلم يركبه فعفه من تعبه، والجمام بالفتح: الراحة.
(2/331)

321- خطبة عمرو بن حريث:
ولما بايع أهل البصرة عبيد الله بن زياد -وكان خليفته على الكوفة عمرو بن حريث- بعث وافدين من قبله إلى الكوفة: عمرو بن مسمع، وسعد بن القرحاء1 التميمي، ليعلم أهل الكوفة ما صنع أهل البصرة، ويسألانهم البيعة لابن زياد، حتى يصطلح الناس، فجمع الناس عمرو بن حريث، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"إن هذين الرجلين قد أتياكم من قبل أميركم، يدعوانكم إلى أمر يجمع الله به كلمتكم، ويصلح به ذات بينكم؛ فاسمعوا منهما، واقبلوا عنهما، فإنهما برشد ما أتياكم".
__________
1القرحاء في الأصل: الروضة في وسطها نور أبيض.
(2/331)

322- خطبة عمرو بن مسمع:
فقام عمرو بن مسمع؛ فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر أهل البصرة، واجتماع رأيهم على تأمير عبيد الله بن زياد؛ حتى يرى الناس رأيهم، فيمن يولون عليهم وقال:
"قد جئناكم لنجمع أمرنا وأمركم، فيكون أميرنا وأميركم واحدًا؛ فإنما الكوفة من البصرة، والبصرة من الكوفة".
(2/331)

وقام ابن القرحاء، فتكلم نحوا من كلام صاحبه؛ فقام يزيد بن الحارث الشيباني فحصبهما أول الناس، ثم حصبهما الناس بعد، ثم قال: أنحن نبايع لابن مرجانة؟
لا ولا كرامة! ورجع الوفد إلى البصرة، فأعلم الناس الخبر، فقالوا: أهل الكوفة يخلعونه، وأنتم تولونه وتبايعونه؟ فوثب به الناس؛ فاستجار بمسعود بن عمرو الأزدي فأجاره ومنعه، ثم خرج إلى الشام في خفارة رجال من الأزد وبكر بن وائل.
"تاريخ الطبري 7: 30"
(2/332)

323- خطبة الأحنف بن قيس
واستخلف ابن زياد مسعود بن عمرو الأزدي على البصرة، فقالت بنو تميم وقيس: لا نولى إلا رجلا ترضاه جماعتنا، فقال مسعود: قد استخلفني، فلا أدع ذلك أبدًا، وبينما هو على المنبر يبايع من أتاه، إذا رماه رجل من الخوارج فقتله، فخرجت الأزد إلى الخوارج، فقتلوا منهم وجرحوا، وطردوهم عن البصرة، وجاءهم الناس، فقالوا لهم: تعلمون أن بني تميم يزعمون أنهم قتلوا مسعود بن عمرو؟ فبعثت الأزد تسأل عن ذلك، فإذا أناس منهم يقولونه، فاجتمعت الأزد عند ذلك، وازدلفوا إلى بني تميم، وخرجت مع بني تميم قيس، وخرج مع الأزد بكر بن وائل، فالتقى القوم، واقتتلوا أشد القتال، فقتل من الفريقين قتلى كثيرة، فقالت لهم بنو تميم: اللهَ اللهَ يا معشر الأزد في دمائنا ودمائكم، بيننا وبينكم القرآن، ومن شئتم من أهل الإسلام، فإن كانت لكم علينا بينة أنا قتلنا صاحبكم، فاختاروا أفضل رجل فينا، فاقتلوه بصاحبكم، وإن لم تكن لكم بينة، فإنا نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا، ولا نعلم لصاحبكم قاتلا، وإن لم تريدوا ذلك، فنحن نَدِي صاحبكم بمائة ألف درهم، فاصطلحوا، فأتاهم الأحنفُ بن قيس، فقال:
"يا معشر الأزد: أنتم جيرتنا في الدار، وإخوتنا عند القتال، وقد أتيناكم
(2/332)

324- خطبة روح بن زنباع الجذامي بالمدينة: 1
لما نَمَى هلاك يزيد بن معاوية إلى الحصين بن نمير، وهو على حرب ابن الزبير
__________
1 هو روح بن زنباع سيد جذام -إحدى قبائل اليمن- وقد خلفه مسلم بن عقبة المري، على المدينة بعد فراغه من قتال أهلها -في وقعة الحرة- وشخوصه إلى مكة لقتال ابن الزبير -وقد نزل الموت بمسلم في الطريق، وولي أمر الجيش الحصين بن نمير- ولما كانت الفتنة بعد موت معاوية الثاني، دعا حسان بن مالك بن بحدل الكلبي -وكان على فلسطين والأردن- روح بن زنباع فاستخلفه على فلسطين، ونزل هو الأردن فوثب نائل بن قيس الجذامي على روح، فأخرجه من فلسطين، وبايع لابن الزبير.
"الطبري ج7: ص13، 34، والأغاني 17: 111"، وكان لروح اليد الطولى في ظفر مروان بن الحكم بالخلافة، قال صاحب العقد "ج2: ص259" لما مات معاوية بن يزيد بايع أهل الشام كلهم ابن الزبير إلا أهل الأردن، وبايع أهل مصر أيضًا ابن الزبير، واستخلف ابن الزبير الضحاك بن قيس الفهري على أهل الشام؛ فلما رأى ذلك رجال بني أمية وناس من أشراف الشام ووجوهم منهم روح بن زنباع وغيره، قال بعضهم لبعض: إن الملك كان فينا أهل الشام، فانتقل عنا إلى الحجاز لا نرضى بذلك، هل لكم أن تأخذوا رجلًا منا فينظر في هذا الأمر؟ فقال: استخيروا الله، فأتوا عمرو بن سعيد بن العاص، فقالوا له: ارفع رأسك لهذا الأمر، فرأوه حدثًا، فجاءوا إلى خالد بن يزيد بن معاوية، فقالوا له: ارفع أسك لهذا الأمر، فرأوه حدثًا حريصًا على هذا الأمر؛ فلما خرجوا من عنده قالوا: هذا حديث فأتوا مروان بن الحكم، فقالوا: يا أبا عبد الملك ارفع رأسك لهذا الأمر، فقال: استخيروا الله، واسألوه أن يختار لأمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيرها وأعدلا، فقال له روح بن زنباع: إن معي أربعمائة من جذام، فأنا آمرهم أن يتقدموا في المسجد غدًا، ومُرْ أنت ابنك عبد العزيز أن يخطب الناس ويدعوهم إليك؛ فإذا فعل ذلك تنادوا من جانب المسجد: صدقت صدقت! فينظر الناس أن أمرهم واحد، فلما اجتمع الناس قام عبد العزيز فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"ما أحد أولى بهذا الأمر من مروان، كبير قريش وسيدها، والذي نفسي بيده لقد شاب شعر ذراعيه من الكبر"؛ فقال الجذاميون: صدقت صدقت! قال خالد بن يزيد: أمر دُبِّرَ بليل! فبايعوا مروان بن الحكم أهـ. ومن أجل ذلك كان روح أثيرًا عند عبد الملك بن مروان "كما يقول المبرد في الكامل 2: 122"، ويقول ابن نباتة في سرح العيون ص113: "وكان روح بمنزلة نائب عبد الملك" ويقول صاحب العقد: "وكان روح بن زنباع وزير عبد الملك" -2: 70، 3: 6- قال ابن طباطبا في الفخرى ص136: "والوزارة لم تتمهد قواعدها إلا في دولة بني العباس فأما قبل ذلك؛ فلم تكن مقننة القواعد؛ بل كان لكل واحد من الملوك أتباع وحاشية فإذا حدث أمر استشار ذوي الحجى والآراء الصائبة، فكل منهم يجري مجرى وزير؛ فلما ملك بنو العباس تقررت قوانين الوزارة، وسمي الوزير وزيرًا، وكان قبل ذلك يسمى كاتبًا أو مشيرًا، وأول وزير وُزِّرَ لأول خليفة عباسي حفص بن سليمان أبو سلمة الخلال وزير السفاح".
(2/334)

بمكة- انصرف بجيشه إلى الشأم؛ فلما صاروا إلى المدينة، جعل أهلها يهتفون1 بهم، ويتوعدونهم، ويذكرون قتلاهم بالحرة، فلما أكثروا من ذلك وخافوا الفتنة وهَيْجَها، صعد روح بن زنباع الجذامي على منبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وكان في ذلك الجيش- فقال:
"يا أهل المدينة: ما هذا الإبعاد2 الذي توعدوننا؟ إنا والله ما دعوناكم إلى "كلب" لمبايعة رجل منهم، ولا إلى رجل من "بَلْقَيْن"3 ولا إلى رجل من "لَخْم" أو "جُذَام" ولا غيرهم من العرب، ولكن دعوناكم إلى هذا الحي من قريش -يعني بني أمية- ثم إلى طاعة يزيد بن معاوية، وعلى طاعته قاتلناكم، فإيانا توعدون؟ أما والله إنا لأبناء الطعن والطاعون، وفضلات الموت والمنون، فما شئتم"4، ومضى القوم إلى الشأم.
"مروج الذهب 2: 104، والبيان والتبيين 1: 208"
__________
1 يصيحون.
2 يقال: وعده خيرًا وبه، ووعده شرًّا وبه – ومن هذا قوله تعالى:
{النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} فإذا أسقطوا الخير والشر، قالوا في الخير وعد وفي الشر أوعد، وقالوا أوعده خيرًا وشرًّا بالألف أيضًا، وأدخلوا الباء مع الألف في الشر خاصة؛ فقالوا أوعده بالسجن ونحوه.
3 أصله بنو القين كما قالوا: بلحارث في بني الحارث، وبلعنبر في بني العنبر. قال المبرد في الكامل 2: 183 "وكذلك كل اسم من أسماء القبائل تظهر فيه لام المعرفة؛ فإنهم يجيزون معه حذف النون التي في قولك "بنو" لقرب مخرج النون من اللام، وذلك قولك من بلحارث وبلعنبر وبلهجيم" أي بني الهجيم كزبير.
4 وروى الجاحظ أن روحًا خطب هذه الخطبة يدعو إلى بيعة يزيد بن معاوية، وفي آخرها يقول: "وعندنا إن أجبتم وأطعتم من المعونة والفائدة ما شئتم".
(2/335)

خطبة الأحنف بن قيس
...
في رحالكم، لإطفاء حشيشتكم1، وسل سخيمتكم2، ولكم الحكم مرسلًا3، فقولوا، على أحلامنا وأموالنا؛ فإنه لا يتعاظمنا4 ذهاب شيء من أموالنا كان فيه صلاح بيننا"، فقالوا: أتدون صاحبنا عشر ديات؟ قال: هي لكم، فانصرف الناس واصطلحوا5"
وروى الجاحظ وابن عبد ربه هذه الخطبة بصورة أخرى، وها هي ذي:
قال بعد حمد الله والثناء عليه: "يا معشر الأزد وربيعة، أنتم إخواننا في الدين وشركاؤنا في الصِّهر، وأشقاؤنا في النسب، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو، واللهِ لأزدُ البصرة أحب إلينا من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحب إلينا من تميم الشأم، فإن استشرف شنآنُكم6، وأبى حسدُ صدوركم، ففي أموالنا، وسعة أحلامنا، لنا ولكم سعة".
"تاريخ الطبري 8: 31، والبيان والتبيين 2: 68، والعقد الفريد 2: 157"
__________
1 أي ناركم الموقدة. من حش النار: أوقدها، فهي فعيلة بمعنى مفعولة "وإن كانت لم ترد في كتب اللغة بهذا المعنى، لكن القياس لا يمنعها، والوارد: الحشيشة طاقة الكلأ".
2 السخيمة: الحقد.
3 أي مطلقًا كما تشاءون.
4 تعاظمه: عظم عليه.
5 واجتمع أهل البصرة على أن يجعلوا عليهم منهم أميرًا يصلي بهم حتى يجتمع الناس على إمام، فجعلوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر شهرًا ثم جعلوا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب -وهو ببة- فصلى بهم شهرين، ثم قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر من قبل ابن الزبير، فمكث شهرًا، ثم قدم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المعروف بالقياع، ثم مصعب بن الزبير، أما أهل الكوفة؛ فإنهم لما ردوا وفد البصرة ولوا عليهم عامر بن مسعود القرشي، ثم قدم عليهم عبد الله بن يزيد الأنصاري من قبل ابن الزبير كما تقدم.
6 استشرف: انتصب، أي زاد واستحكم، والشنآن: البغض والكراهية.
(2/233)

325- خطبته يؤيد مبايعة مروان بن الحكم بالخلافة:
ولما اجتمع الرأي على البيعة لمروان بن الحكم، قام روح بن زنباع، فحمد الله وأثنى علي، ثم قال:
"أيها الناس: إنكم تذكرون عبد الله بن عمر بن الخطاب، وصحبته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقدمه في الإسلام، وهو كما تذكرون، ولكن ابن عمر رجل ضعيف، وليس بصاحب أمة محمد الضعيف؛ وأما ما يذكر الناس من عبد الله بن الزبير، ويدعون إليه من أمره؛ فهو والله كما يذكرون، إنه لابن الزبير: حواريّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وابن أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين، وهو بعد كما تذكرون في قِدَمِه وفضله، ولكن ابن الزبير منافق، قد خلع خليفتين: يزيد وابنه معاوية بن يزيد، وسفك الدماء، وشق عصا المسلمين، وليس صاحب أمر أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المنافق؛ وأما مروان بن الحكم، فوالله ما كان في الإسلام صَدْعٌ قطُّ، إلا كان مروان ممن يَشْعَبُ1 ذلك الصدع، وهو الذي قاتل عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان يوم الدار2، والذي قاتل عليَّ بن أبي طالب يوم الجمل، وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير، ويستشبوا3 الصغير -يعني بالكبير مروان بن الحكم، وبالصغير خالد بن يزيد بن معاوية-".
فأجمع رأي الناس على البيعة لمروان. ثم لخالد بن يزيد من بعده، ثم لعمرو بن سعيد بن العاص من بعد خالد.
"تاريخ الطبري 7: 38"
__________
1 يصلح.
2 يوم تسور الثوار عليه داره وقتلوه.
3 ينتظروه حتى يشب.
(2/336)

326- خطبة الغضبان بن القبعثرى يحضّ على قتل الحجاج:
لما هلك بشر بن مروان، وولي الحجاج العراق، بلغ ذلك أهل العراق، فقام الغضبان بن القبعثرى الشيباني بالمسجد الجامع بالكوفة خطيبًا، حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"يا أهل العراق، ويا أهل الكوفة، إن عبد الملك قد ولى عليكم من لا يقبل من محسنكم، ولا يتجاوز عن مسيئكم، الظلوم الغشوم1 الحجاج، ألا وإن لكم من عبد الملك منزلة، بما كان منكم من خذلان مصعب2 وقتله؛ فاعترضوا هذا الخبيث في الطريق فاقتلوه، فإن ذلك لا يعد منكم خلعًا، إنه متى يعلُ على متن منبركم، وصدر سريركم، وقاعة قصركم، ثم قتلتموه عُدَّ خلعًا، فأطيعوني وتغدوا به، قبل أن يتعشى بكم".
فقال له أهل الكوفة: "جبنت يا غضبان، بل ننتظر سيرته، فإن رأينا منكرًا غيرناه" قال: ستعلمون. فلما قدم الحجاج الكوفة بلغته مقالته، فأمر به، فأقام في حبسه ثلاث سنين.
"مروج الذهب 2: 146"
__________
1 الظلوم.
2 وذلك أن مصعب بن الزبير لما كان على العراق حج سنة 71، فقدم على أخيه عبد الله بن الزبير، ومعه وجوه أهل العراق، وسأله أن يعطيهم، فأبى وقبض يده، فلما حرمهم ابن الزبير ما عنده فسدت قلوبهم، فراسلوا عبد الملك بن مروان، حتى خرج إلى مصعب وقاتله، فما هو إلا أن التقوا حتى حولوا وجوههم، وصاروا إلى عبد الملك، وبقي مصعبٌ في شرذمة قليلة، فجاءه عبيد الله بن ظبيان -وكان مع مصعب- فقال: أين الناس أيها الأمير؟ فقال: قد غدرتم يا أهل العراق! فرفع عبيد الله السيف ليضرب مصعبًا؛ فبدره مصعبٌ فضربه بالسيف على البيضة، فنشب السيف في البيضة، فجاء غلام لعبيد الله بن ظبيان فضرب مصعبًا بالسيف فقتله، ثم جاء عبيد الله برأسه إلى عبد الملك بن مروان، فلما نظر إلى رأس مصعب خرَّ ساجدًا. قال عبيد الله بن ظبيان -وكان من فتاك العرب- ما ندمت على شيء قط ندمي على عبد الملك بن مروان، إذ أتيته برأس مصعب فخر ساجدًا، أن لا أكون ضربت عنقه، فأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد.
"22 -جمهرة خطب العرب- ثان"
(2/337)

327- خطبة مطرف بن المغيرة بن شعبة:
وقدم مطرف بن المغيرة بن شعبة المدائن فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أيها الناس: إن الأمير الحجاج أصلحه الله قد ولاني عليكم، وأمرني بالحكم بالحق، والعدل في السيرة، إن عملت بما أمرني به؛ فأنا أسعد الناس، وإن لم أفعل فنفسي أوبقت، وحظَّ نفسي ضيعتُ، ألا إني جالس لكم العصرين فارفعوا إليَّ حوائجكم، وأشيروا عليّ بما يصلحكم ويصلح بلادكم، فإني لن آلوَكم خيرًا ما استطعت" ثم نزل.
"تاريخ الطبري 7: 259"
(2/338)

خطبة أخرى لمطرف بن المغيرة بن شعبة
...
328- خطبة مطرف بن المغيرة بن شعبة:
وفي سنة 77هـ خرج المطرف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج وخلع عبد الملك بن مروان -وكان الحجاج قد استعمله على المدائن- وجمع إليه رءوس أصحابه فذكر الله بما هو أهله وصلى على رسوله ثم قال لهم:
"أما بعد -فإن الله كتب الجهاد على خلقه، وأمر بالعدل والإحسان، وقال فيما أنزل علينا {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، وإني أشهد الله أني قد خلعت عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف؛ فمن أحب منكم صحبتي وكان على مثل رأيي فليتابعني، فإن له الأسوة وحسن الصحبة، ومن أبى فليذهب حيث شاء، فإني لست أحب أن يتبعني من ليست له نية في جهاد أهل الجور، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى قتال الظلمة، فإذا جمع الله لنا أمرنا كان هذا الأمر شورى بين المسلمين، يرتضون لأنفسهم من أحبوا".
"تاريخ الطبري 7: 262".
(2/338)

329- خطبة سعيد بن المجالد:
خرج الجزل بن سعيد في طلب الخوارج الشبيبية وأقبل حتى انتهى إلى النهروان فأدركوه فلزم عسكره وخندق عليه، وجاء إليه سعيد بن المجالد حتى دخل عسكر أهل الكوفة أميرًا فقام فيهم خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"يا أهل الكوفة، إنكم قد عجزتم ووهنتم وأغضبتم عليكم أميركم، أنتم في طلب هذه الأعاريب العُجْف منذ شهرين وهم قد خرّبوا بلادكم، وكسروا خراجكم، وأنتم حاذرون في جوف هذه الخنادق لا تزايلونها؛ إلا أن يبلغكم أنهم قد ارتحلوا عنكم ونزلوا بلدا سوى بلدكم، اخرجوا على اسم الله إليهم" فخرج وأخرج الناس معه.
"تاريخ الطبري 7: 229"
(2/339)

فتنة ابن الأشعت
مدخل
...
فتنة ابن الأشعث:
جهز الحجاجُ عشرين ألف رجلٍ من أهل الكوفة، وعشرين ألف رجل من أهل البصرة لمحاربة رتبيل ملك الترك1، وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ابن قيس الكندي، فخرج بهم حتى قدم سجستان "سنة 80هـ" فجمع أهلها حين قدمها وخطبهم فقال:
__________
1 انظر ص293.
(2/340)

330- خطبة ابن الأشعث بسجستان:
صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس، إن الأمير الحجاج ولّاني ثغركم، وأمرني بجهاد عدوكم الذي استباح بلادكم، وأباد خياركم، فإياكم أن يتخلف منكم رجل فيحل بنفسه العقوبة، اخرجوا إلى معسكركم فعسكروا به مع الناس".
"تاريخ الطبري 8: 4"
(2/340)

331- خطبته يعرض على الجند رأي الحجاج:
فلما حاز من أرض رتبيل أرضًا عظيمة، وملأ يديه من الغنائم والأسلاب، حبس الناس عن الوغول في أرضه، وقال: نكتفي بما أصبناه العام من بلادهم، حتى نجبيها ونعرفها ويجترئ المسلمون على طرقها، ثم نتعاطى في العام المقبل ما وراءها، ثم لم نزلْ
(2/340)

ننتقصهم في كل عام من أرضهم، ثم لا نزايل بلادهم حتى يهلكهم الله، وكتب إلى الحجاج بذلك. فورد عليه كتاب الحجاج يضعف رأيه، ويأمره بالوغول في أرضهم، ويتهدده بالعزل إن لم يفعل؛ فدعا ابن الأشعث الناس إليه.
فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس، إني لكم ناصح، ولصلاحكم مُحِبّ، ولكم -في كل ما يحيط بكم نفعه- ناظرٌ، وقد كان من رأى فيما بينكم وبين عدوكم رأي، استشرت فيه ذوي أحلامكم، وأولي التجربة للحرب منكم، فرضوه لكم رأيا. ورأوه لكم في العاجل والآجل صلاحًا، وقد كتبت إلى أميركم الحجاج؛ فجاءني منه كتاب يعجزني ويضعفني ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو، وهي البلاد التي هلك إخوانكم فيها بالأمس؛ وإنما أنا رجل منكم، أمضي إذا مضيتم، وآبي إذا أبتيم".
فثار إليه الناس، فقالوا: لا، بل نأبى على عدو الله، ولا نسمع له ولا نطيع.
"تاريخ الطبري 8: 8"
(2/341)

332- خطبة عامر بن واثلة الكناني:
فقام عامر بن واثلة الكناني -وكان أول متكلم يومئذ، وكان شاعرًا خطيبًا- فقال بعد أن حمد الله، وأثنى عليه:
"أما بعد: فإن الحجاج والله ما يرى بكم إلا ما رأى القائل الأول؛ إذ قال لأخيه: "احمل عبدك على الفرس، فإن هلك هلك، وإن نجا فلك". إن الحجاج والله ما يبالي أن يخاطر بكم، فيقحمكم بلادًا كثيرة اللهوب1 واللصوب2؛ فإن ظفرتم فغنمتم
__________
1 اللهوب جمع لهب كحمل، وهو مهواة ما بين كل جبلين، أو الصدع في الجبل، أو الشعب الصغير فيه "والشعب كحمل: الطريق في الجبل".
2 جمع لصب كحمل أيضًا، وهو الشعب الصغير في الجبل أضيق من اللهب وأوسع من الشعب.
(2/341)

أكل البلاد، وحاز المال، وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالي عنتهم، ولا يبقي عليهم، اخلعوا عدو الله الحجاج، وبايعوا عبد الرحمن؛ فإني أشهدكم أني أول خالع".
فنادى الناس من كل جانب: فعلنا فعلنا، قد خلعنا عدو الله.
"تاريخ الطبري 8: 8"
(2/342)

333- خطبة عبد المؤمن بن شبث بن ربعيّ:
وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعي التميمي ثانيًا، فقال:
"عباد الله، إنكم إن أطعتم الحجاج، جعل هذه البلاد بلادكم ما يقيم، وجمركم تجمير فرعون الجنود؛ فإنه بلغني أنه أول من جمر البعوث، ولن تعاينوا الأحبة فيما أر أو يموتَ أكثركم، بايعوا أميركم، وانصرفوا إلى عدوكم، فانفوه عن بلادكم"، فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه.
"تاريخ الطبري 8: 8"
(2/342)

334- خطبة ابن الأشعث بالمربد:
ولما كانت الحرب بينه وبين الحجاج بالمربد1 خطب الناس، فقال:
"أيها الناس: إنه لم يبق من عدوكم إلا كما يبقى من ذنبِ الوزغة2 تضرب به يمينًا وشمالًا، فما تلبث إلا أن تموت3".
"البيان والتبيين 2: 87، وتهذيب الكامل 1: 21"
__________
1 موضع بالبصرة.
2 الوزغة: سام أبرص، سميت بها لخفتها وسرعة حركتها.
3 قال الجاحظ: فمر به رجل من بني قشير فقال: "قبح الله هذا ورأيه" يأمر أصحابه بقلة الاحتراس ويعدهم الأضاليل، ويمنيهم الباطل" وناس كثيرون يرون أن ابن الأشعث هو المحسن دون القشيري.
(2/342)

335- خطبته حين أراد عبد الملك أن يترضّى أهل العراق:
ولما نزل ابن الأشعث بدير الجماجم، واجتمع أهل الكوفة، وأهل البصرة، وأهل الثغور والمسالح1 بدير الجماجم والقراء من أهل المِصْرَين، واجتمعوا جميعًا على حرب الحجاج، جمعهم عليه بغضُهم وكراهيتُم له، وهم إذ ذاك مائة ألف مقاتل؛ ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم، واشتد القتال بين الفريقين، بعث عبد الملك بن مروان ابنه عبد الله وأخاه محمدًا، وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجاج عنهم، وأن يجري عليهم أعطياتهم، كما تجري على أهل الشام، وأن ينزل ابن الأشعث أي بلد من العراق شاء، يكون عليه واليًا ما دام حيًّا، وكان عبد الملك واليًا؛ فعرضا ذلك على أهل العراق، فقالوا: نرجع العشية، فاجتمعوا عند ابن الأشعث؛ فلم يبق قائد، ولا رأس قوم، ولا فارس إلا أتاه.
فحمد الله ابن الأشعث، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فقد أعطيم أمرًا، انتهازكم اليوم إياه فرصة، ولا آمن أن يكون على ذي الرأي غدًا حسرة، وإنكم اليوم على النصف، وإن كانوا اعتدوا بالزاوية؛ فأنتم تعتدون عليهم بيوم تُسْتَر، فاقبلوا ما عرضوا عليكم، وأنتم أعزاءُ أقوياءُ، والقوم لكم هائبون، وأنتم لهم منتقصون، فلا واللهِ لا زلتم عليهم أجرئاء، ولا زلتم عندهم أعزاء، إن أنتم قبلتم أبدًا ما بقيتم".
فوثب الناس من كل جانب، فقالوا: إن الله قد أهلكهم؛ فأصبحوا في الأزل2 والضنك والمجاعة والقلة والذلة، ونحن ذوو العدد الكثير، والسعر الرفيع، والمادة القريبة لا واللهِ لا نقبل، فأعادوا خلع عبد الملك ثانية، وكان ما كان مما أسلفنا لك ذكره.
"تاريخ الطبري 8: 15"
__________
1 جمع مسلحة بالفتح، وهي الثغر.
2 الضيق والشدة.
(2/343)

336- عامر الشعبي والحجاج:
وكان عامر الشعبي1 ممن خرج مع ابن الأشعث؛ فلما أتي الحجاج بأسرى الجماجم، أتي فيهم بالشعبي موثقًا -وكان قد تقدم كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج في أسرى الجماجم أن يعرضهم على السيف، فمن أقر منهم بالكفر في خروجهم علينا فيخلى سبيله، ومن زعم أنه مؤمن فيضرب عنقه- قال الشعبي: فلما جئت باب القصر لقيني يزيد بن أبي مسلم كاتبه، فقال: إنا لله يا شعبي! لما بين دفتيك من العلم، وليس اليوم بيوم شفاعة. قلت له: فما المخرج؟ قال: بؤ2 للأمير بالشرك والنفاق على نفسك، وبالحَرَى أن تنجوَ، ثم لقيني محمد بن الحجاج، فقال لي مثل مقالة يزيد؛ فلما دخلت على الحجاج قال لي: وأنت يا شعبي ممن ألب علينا مع ابن الأشعث؟ اشهد على نفسك بالكفر. قلت: "أصلح الله الأمير، نبا بنا المنزل3، وأجدب بنا الجناب، واستحلَسَنا4 الخوف، واكتحلنا السهر، وضاق المسلك، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء" قال: صدقت والله ما بررتم بخروجكم علينا ولا قويتم، خلُّوا سبيل الشيخ.
"مروج الذهب 2: 144، والعقد الفريد 1: 151-3: 12"
__________
1 هو أبو عمرو عامر بن شراحبيل "بفتح الشين" الشعبي "نسبة إلى شعب، وهو بطن من همدان" وهو كوفي تابعي جليل القدر وافر العلم، توفي سنة 105هـ، وكانت أمه من سبي جلولاء.
2 ارجع.
3 نبا منزله به: لم يوافقه.
4 أي لم يفارقنا.
(2/344)

ولتسبن الحجاج، أو لأضربن عنقك، قال: أيها الأمير؛ إنما أنا رسول! قال: هو ما أقول لك، فقام وخطب وخلع عبد الملك، وشتم الحجاج، وأقام هناك؛ فلما انصرف ابن الأشعث مهزومًا، كتب الحجاج إلى عماله بالري وأصبهان وما يليهما، يأمرهم ألا يمر بهم أحد من قبل ابن الأشعث إلا بعثوا به أسيرًا إليه، وأخذ ابن القرية فيمن أخذ.
فلما أدخل على الحجاج، قال: أخبرني عما أسألك؟ قال: سلني عما شئت، قال: أخبرني عن أهل العراق، قال: أعلم الناس بحق وباطل، قال: فأهل الحجاز، قال: أسرع الناس إلى فتنة، وأعجزهم فيها، قال: فأهل الشام، قال: أطوع الناس لخلفائهم، قال: فأهل مصر، قال: عبيد لمن غلب، قال: فأهل البحرين، قال: نَبَط1 استعرَبوا، قال: فأهل عمان، قال: عَرَبٌ استنبَطُوا، قال: فأهل الموصل، قال: أشجعُ فرسان، وأقتلُ للأقران، قال: فأهل اليمن، قال: أهل سمعٍ وطاعة، ولزومٍ للجماعة، قال: فأهل اليمامة، قال: أهل جفاء، واختلاف أهواء، وأصبر عند اللقاء، قال: فأهل فارس، قال: أهل بأسٍ شديد، وشرٍّ عتيد، وريف2 كبير، وقرى يسير، قال: أخبرني عن العرب، قال: سلني، قال: قريش قال: أعظمها أحلامًا، وأكرمها مقامًا، قال: فبنو عامر بن صعصعة، قال: أطولها رماحًا وأكرمها صباحًا، قال: فبنو سليم، قال: أعظمها مجالس، وأكرمها محابس3، قال: فثقيف، قال: أكرمها جدودًا، وأكثرها وفودًا قال: فبنو زبيد، قال: أزلمها للرايات، وأدركها للترات4، قال: فقضاعة، قال: أعظمها أخطارًا، وأكرمها نجارًا5، وأبعدها آثارًا قال: فالأنصار، قال: أثبتها مقامًا، وأحسنها إسلامًا، وأكرمها أيامًا، قال: فتميم، قال: أظهرها جلدًا، وأثراها عددًا،
__________
1 النبط: جيل من الناس، كانوا ينزلون سواد العراق.
2 الريف: أرض فيها زرع وخصب.
3 المحابس: جمع محبس كمقعه، وهو الشجاعة.
4 الترات جمع ترة: وهي الثأر.
5 النجار: الأصل.
(2/345)

قال: فبكر بن وائل، قال: أثبتها صفوفًا، وأحدها سيوفًا، قال: فعبد القيس، قال: أسبقها إلى الغايات، وأصبرها تحت الرايات، قال: فبنو أسد، قال: أهل عَدَ وجَلَد، وعُسْر ونَكَد، قال: فلخم، قال: ملوك، وفيهم نوك1، قال: فجذام، قال: يوقدون الحرب ويسعرونها2، ويلقحونها ثم يمرونها3، قال: فبنو الحارث قال: رعاة للقديم، وحماة عن الحريم، قال: فعكّ، قال: ليوث جاهدة، في قلوب فاسدة، قال: فتغلب، قال: يصدقون -إذا لقوا- ضربًا، ويسعرون للأعداء حربًا، قال: فغسان، قال: أكرم العرب أحسابًا، وأثبتها أنسابًا، قال: فأيّ العرب في الجاهلية كانت أمنع من أن تضام؟ قال قريش، كانوا أهل رهوة4 لا يستطاع ارتقاؤها، وهضبة لا يرام انتزاؤها5، في بلدة حمى الله ذِمارها، ومنع جارها، قال: فأخبرني عن مآثر العرب في الجاهلية، قال: كانت العرب تقول: حِمْيَر أربابُ الملْك، وكندة لُباب الملوك، ومَذْحِج أهل الطعان، وهمدان أحلاس6 الخيل، والأزد آساد الناس، قال: فأخبرني عن الأرضين، قال: سلني، قال: الهند، قال: بحرها درّ، وجبلها ياقوت، وشجرها عُود، وورقها عِطر، وأهلها طَغَام، كقطع الحمام7، قال: فخراسان، قال: ماؤها جامد، وعدوها جاحد، قال: فعُمان، قال: حرُّها شديد، وصيدها عتيد، قال: فالبحرين، قال: كُناسة بين المصْرَين، قال: فاليمن، قال: أصل العرب، وأهل البيوتات والحسب، قال: فمكة، قال: رجالها علماء جفاة، ونساؤها كِسَاءُ عُرَاةٍ، قال: فالمدينة، قال: رسخ العلم فيها، وظهر منها، قال: فالبصرة، قال: شتاؤها جليدٌ،
__________
1 النوك بالضم والفتح: الحمق.
2 سعر الحرب كمنع، وأسعرها: أوقدها
3 مرى الناقة كرمى: مسح ضرعها لتدر.
4 الرهوة: المكان المرتفع "والمنخفض أيضًا، ضد".
5 أي اعتلاؤها نزا نزوًا ونزوانًا: وثب، وانتزى: افتعل من النزوة، وفي حديث وائل بن حجر: "إن هذا انتزى على أرضي فأخذها".
6 كناية عن إدامتهم ركوبها.
7 الطغام: أوغاد الناس ورذال الطير، والقطع بالكسر: اسم ما قطع من الشيء، ويقال: ثوب قطع وأقطاع أي مقطوع، أو هو قُطع بالضم جمع قطيع.
(2/346)

وحرها شديد، وماؤها ملح، وحربها صلح، قال: فالكوفة، قال: ارتفعت عن حر البحر، وسفلت عن برد الشام؛ فطاب ليلها، وكثر خيرها، قال: فواسط، قال: جنة، بين حماة وكَنَّة، قال: وما حماتها وكنتها1؟ قال: البصرة والكوفة يحْسِدانها، وما ضرّها، ودجلةُ والزابُ2 ويتجاريان بإفاضة الخير عليها، قال: فالشام، قال: عروس، بين نسوة جلوس، قال: ثكلتك أمك يابن القرِّية، لولا اتباعك لأهل العراق! وقد كنت أنهاك عنهم أن تتبعهم؛ فتأخذ من نفاقهم، ثم دعا بالسيف، وأومأ إلى السياف أن أمسك، فقال ابن القرية: ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن رَكْبٌ وُقُوف، يكنَّ مثلًا بعدِي، قال: هات، قال: لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة، ولكل حليم هفوة، قال الحجاج: ليس هذا وقت المزاح، يا غلام أوجب جَرْحه، فضُرِبَ عنقه.
وقيل إنه لما أراد قتله قال له: العرب تزعم أن لكل شيء آفة، قال: صدقت العربُ، أصلح الله الأمير، قال: فا آفة الحلم؟ قال: الغضب، قال: فما آفة العقل: قال: العجب، قال: فما آفة العلم؟ قال: النسيان، قال: فما آفة السخاء؟ قال: المنّ عند البلاء3، قال: فما آفة الكرام؟ قال: مجاورة اللئام، قال فما آفة الشجاعة؟ قال: البغْي، قال: فما آفة العبادة؟ قال: الفترة، قال: فما آفة الذهن؟ قال: حديث النفس قال: فما آفة الحديث؟ قال: الكذب، قال: فما آفة المال؟ قال: سوء التدبير، قال فما آفة الكامل من الرجال؟ قال: العدم، قال: فما آفة الحجاج بن يوسف؟ قال: أصلح الله الأمير، لا آفة لمن كرم حسبه، وطاب نسبه، وزكا فرعه، قال: امتلأت شقاقًا، وأظهرت نفاقًا، اضربوا عنقه؛ فلما رآه قتيلًا ندم، وكان قتله سنة 84هـ.
__________
1 الكنة: امرأة الابن أو الأخ.
2 الزاب الأسفل، والزاب الأعلى: نهيران يصبان في دجلة.
3 الإبلاء: الإنعام والإحسان بلوت الرجل، وأبليت عنده بلاء حسنًا، وأبلاه الله بلاء حسنًا.
(2/347)

وفي رواية أخرى أنه لما دخل على الحجاج، قال له: يابن القرية، ما أعددت لهذا الموقف؟ قال: "أصلح الله الأمير، ثلاثة حروف؛ كأنهن ركب وقوف، دنيا وآخرة ومعروف، قال: اخرج مما قلت، قال: "أفعل، أما الدنيا فمالٌ حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وأما الآخرة فميزانٌ عادل، ومشهد ليس فيه باطل، وأما المعروف فإن كان عليّ اعترفت وإن كان لي اغترفت1" قال: أما لي فاعترف بالسيف إذا وقع بك، قال: "أصلح الله الأمير، أقلني عثرتي وأسغني ريقي؛ فإنه لابد للجواد من كبوة، وللسيف من نبوة، وللحليم من هفوة2؟ قال: كلا والله حتى أوردك جهنم، ألست القائل برسْتَقَاباذ: تغدَّوا الجدْيَ قبل أن يتعشاكم؟ قال: فأرحني فإني أجد حرَّها، قال: قدِّمه يا حرسي فاضرب عنقه؛ فلما نظر إليه يتشحط3 في دمه، قال: لو كنا تركنا ابن القرية، حتى نسمع من كلامه! ثم أمر به فأخرج فرمي به4.
"وفيات الأعيان 1: 83، والبيان والتبيين 1: 189، وتاريخ الطبري 8: 37"
__________
1 أي وأعطيت الناس منه.
2 وفي رواية: "فإنه ليس جواد إلا له كبوة، ولا شجاع إلا له هبوة" والهبوة: الغبرة.
3 يضطرب.
4 وروى أبو الفرج الأصبهاني أنه قيل: "ثلاثة لم يكونوا قط، ولا عرفوا: ابن أبي العقب صاحب قصيدة الملاحم، وابن القرِّية، ومجنون بني عامر" انظر الأغاني 1 ص163.
(2/348)

338- كلمة لابن القرية:
وقال ابن القرية: الناس ثلاثة: عاقل، وأحمق، وفاجر: فالعاقل الدين شريعته والحلم طبيعته، والرأي الحسن سجيته، إن سئل أجاب، وإن نطق أصاب، وإن سمع العلم وعى، وإن حدث روى؛ وأما الأحمق: فإن تكلم عجل، وإن حدث وَهِلَ1، وإن استنزل عن رأيه نزل، فإن حُمِلَ على القبيح حَمَلَ؛ وأما الفاجر فإن ائتمنتَه خَانَكَ، وإن حدثتَه شانك، وإن وثقِتَ به لم يرعك، وإن استُكتِم لم يكتم، وإن عُلّم لم يعلم، وإن حُدِّث لم يفهم، وإن فُقِّه لم يفقْه".
"زهر الآداب 2: 86"
__________
1 ضعف وفزع.
(2/348)

فتنة يزيد بن المهلب:
339- أيوب بن سليمان بن عبد الملك يسأل عمه الوليد أن يؤمن يزيد بن المهلب: 1
لما فرَّ يزيدُ بن المهلب من سجن الحجاج وعذابِهِ "سنة 90هـ في خلافة الوليد بن عبد الملك" نزل على أخيه سليمان متعوذًا به، وكتب سليمان إلى الوليد يطلب له الأمان؛ فكتب إليه يقسم أنه لا يؤمنه حتى يبعث به إليه؛ فأرسل ابنه أيوب معه، وكتب معه كتابًا، فلما دخل به على عمه، قال:
"يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك، لاتخفر2 ذمة أبي، وأنت أحق من منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا، لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك".
"تاريخ الطبري 8: 73"
__________
1 وخبرُ ذلك أن الحجاج كان وفد على عبد الملك، فمر في منصرفه بدير فنزله، فقيل له: إن في هذا الدير شيخًا من أهل الكتب عالمًا، فدعا به وسأله: أتعلم ما إلي، من يليه بعدي؟ قال: رجلٌ يقال له يزيد، فوقع في نفسه أنه يزيدُ بن المهلب؛ إذ كان لا يرى من هو أهل لذلك سواه، وكان يكرهه لما يرى فيه من النجابة، ويخشى منه، وكان قد ولاه خراسان بعد وفاة أبيه سنة 82، فكتب إلى عبد الملك يذم يزيد وآل المهلب، ويتهمهم بأنهم زبيرية الهوى، ويخوفه غدرهم، وما زال به حتى أجابه إلى ما سأل؛ فعزل يزيد سنة 85، وولى مكانه قتيبة بن مسلم، وفي سنة 87 حبس الحجاج يزيد وإخوته وعذبهم وأغرمهم، وكان يزيد يصبر صبرًا حسنًا، وكان الحجاج يغيظه ذلك، فقيل له: إنه رُمِيَ بنشابة، فثبت نصلها في ساقه؛ فهو لا يمسها شيء إلا صاح، فأمر أن يعذب ويدهق ساقه "أي تغمز شديدًا" فلما فعل به ذلك صاح -وأخته هند بنت المهلب عند الحجاج- فلا سمعت صياح أخيها صاحت وناحت فطلقها، ثم إن يزيد وإخوته أعملوا الحيلة في الفرار من سجن الحجاج "سنة 90" ولحقوا بسليمان بن عبد الملك مستجيرين به، وكتب الحجاج إلى الوليد: إن آل المهلب خانوا مال الله، وهربوا مني، ولحقوا بسليمان، واستشفع سليمان أخاه الوليد، وما زال به حتى شفعه فيه، فلما ولي الخلافة سليمان سنة 96 ولى يزيد أمر العراق، ثم ولاه خراسان سنة 97.
2 خفر به كضرب، وأخرفه: نقض عهده وغدره.
(2/349)

340- خطبة يزيد بين يدي الوليد:
وتكلم يزيد، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال:
"يا أمير المؤمنين، إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء؛ فمن ينس ذلك فلسنا ناسيه، ومن يكفر فلسنا كافريه، وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم، والطعن في أعين أعدائكم، في المواطن العظام، في المشارق والمغارب، ما إن المنة علنا فيها عظيمة".
فأمنه الوليد وكفَّ عنه.
"تاريخ الطبري 8: 74"
(2/350)

341- خطبة مخلد بن يزيد بن المهلب بين يدي عمر بن عبد العزيز:
ولما حبس عمر بن عبد العزيز يزيد بن المهلب1، أقبل ابنه مخلد من خراسان، ودخل على الخليفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
__________
1 وسبب ذلك: أن يزيد بن المهلب لما فتح جرجان وطبرستان سنة 98، كتب بالفتح إلى سليمان بن عبد الملك، وفي كتابه يقول: "وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين، بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة، ستة آلاف ألف، وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله"، وقد قال له كاتبه المغيرة بن أبي قرة: لا تكتب بتسمية مال؛ فإنك من ذلك بين أمرين، إما استكثره فأمرك بحمله، وإما سخت نفسه لك به فسوغكه فتكلفت الهدية؛ فلا يأتيه من قبلك شيء إلا استقله؛ فكأني بك قد استغرقت ما سميت، ولم يقع منه موقعًا، ويبقى المال الذي سميت مخلدًا عندهم عليك في دواوينهم، فإن ولي والٍ بعده =
(2/350)

"إن الله يا أمير المؤمنين صنع لهذه الأمة بولايتك عليها؛ فلا نكن أشقى الناس بولايتك، علام تحبس هذا الشيخ؟ أنا أتحمل ما عليه، فصالحني على ما إياه تسأل" فقال عمر: لا؛ إلا أن تحمل جميع ما نسأله إياه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كانت لك بينة فخذ بها، وإن لم تكن بينة فصدق مقالة يزيد، وإلا فاستحلفه، فإن لم يفعل فصالحه، فقال له عمر: ما أجد إلا أخذه بجميع المال".
"تاريخ الطبري 8: 132"
__________
= أخذك به، وإن ولي من يتحامل عليك لم يرض منك بأضعافه؛ فلا تمض كتابك، ولكن اكتب بالفتح، وسله القدوم، فتشافهه بما أحببت مشافهة وتقصر، فإنك إن تقصر عما أحببت أحرى من أن تكثر، فأبى يزيد وأمضى الكتاب؛ فلما ولي عمر بن عبد العزيز "سنة 99" -وكان عمر يبغض يزيد وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم- دعا يزيد وسأله عن تلك الأموال التي كتب بها إلى سليمان بن عبد الملك؛ فقال: كنت من سليمان بالمكان الذي قد رأيت، وإنما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس به "والتسميع: إزالة الخمول بنشر الذكر"، وقد علمت أن سليمان لم يكن ليأخذني بشيء سمعت به، ولا بأمر أكرهه، فقال له: ما أجد في أمرك إلا حبسك، فاتق الله، وأد ما قبلك؛ فإنها حقوق المسلمين، ولا يسعني تركها، ولم يزل يزيد في محبسه، حتى بلغه مرضُ عمر، فأخذ يعمل للهرب مخافة يزيد بن عبد الملك؛ لأنه كان قد عذب أصهاره آل أبي عقيل "إذ كانت أم الحجاج بنت محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف عند يزيد بن عبد الملك، فولدت له ابنه الوليد" وكان يزيد بن عبد الملك قد عاهد الله لئن أمكنه الله من يزيد بن المهلب، ليقطعن منه طابقًا "بفتح الباء وكسرها أي عضوا" فخشى ذلك فهرب من السجن سنة 101، ومات عمرُ وأفضت الخلافة إلى يزيد بن عبد الملك ولحق ابن المهلب بالبصرة، فغلب عليها، وأخذ عامل يزيد بن عبد الملك عليها "وهو عدي بن أرطأة الفزاري" فحبسه وخلع يزيد، فسير إليه الخليفة العباس بن الوليد بن عبد الملك، ومسلمة بن عبد الملك لحربه فقتل ابن المهلب في أسناء المعركة سنة 102هـ.
(2/351)

342- خطبة يزيد بن المهلب يحرض أصحابه على القتال وقد سير يزيد بن عبد الملك العباس بن الوليد بن عبد الملك ومسلمة بن عبد الملك لقتاله:
قام في أصحابه فحرضهم ورغبهم في القتال، فكان فيما قال:
"إن هؤلاء القوم لن يردهم عن غيتهم إلا الطعن في عيونهم، والضرب بالمشرفية1 على هامهم ثم قال: إنه قد ذكر لي أن هذه الجرادة الصفراء -يعني مسلمة بن عبد الملك- وعاقر ناقة ثمود2 -يعني العباس بن الوليد- "وكان العباس أزرق3 أحمر، كانت أمه رومية" والله لقد كان سليمان أراد أن ينفيه، حتى كلمته فيه؛ فأقره على نسبه، فبلغني أنه ليس همهما إلا التماسي في الأرض، والله لو جاءوا بأهل الأرض جميعًا، وليس إلا أنا، ما برحت العَرْصة4 حتى تكون لي أو لهم"، قالوا: نخاف أن تُعَنِّينا5
__________
1 المشرفية: سيوف منسوبة إلى مشارف الشام، وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، والهام: جمع هامة، وهي الرأس.
2 هو قدار "كشجاع" بن سالف، ويلقب بأحمر، قال زهير في وصف الحرب:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
"قال الأصمعي: أخطأ زهير في هذا؛ لأن عاقر الناقة ليس من عاد؛ وإنما هو من ثمود، وقال المبرد: لا غلط، لأن ثمود يقال لهم عاد الآخرة، ويقال لقوم هود عاد الأولى" ويضرب به المثل في الشؤم، فيقال: "أشأم من أحمر عاد" لأن الله أهلك بفعله ثمود، وذلك أنهم قالوا لنبيهم صالح حين دعاهم إلى الإيمان: يا صالح إن كنت صادقًا فأظهر لنا من هذه الصخرة ناقة، وصفوها له، فأخرجها الله بإذنه من الصخرة {إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ} ؛ فآمن بعضهم عند ظهور هذه الآية، ثم قال لهم: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ، فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ، فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ} .
"والشرب: النصيب من الماء".
3 أي أزرق العينين.
4 العرصة: كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء.
5 عنَّاه: أتعبه.
(2/352)

كما عنَّانا عبد الرحمن بن محمد1، قال: إن عبد الرحمن فضح الذمار2 وفضح حسبه، وهل كان يعدو أجله؟ "، ثم نزل.
"تاريخ الطبري 8: 152"
__________
1 هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث السالف الذكر.
2 ما يلزمك حفظه وحمايته.
(2/353)

343- خطبة أخرى له من هنا أبدأ:
ورويت له خطبة أخرى في هذا الغرض، وهاكها:
عن خالد بن صفوان قال: خطبنا يزيد بن المهلب بواسط، حمد الله، وأثنى عليه، وصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قال:
"أيها الناس: إني أسمع قول الرعاع، قد جاء العباس، قد جاء مسلمة، قد جاء أهل الشام! وما أهل الشام إلا تسعة أسياف، منها سبعة معي، واثنان علي، وما مسلمة إلا جرادة صفراء، وأما العباس فنسطوس1 بن نسطوس، أتاكم في برابرة وصقالبة2 وجرامقة وجراجمة3، وأقباط وأنباط4، وأخلاط من الناس؛ إنما أقبل إليكم الفلاحون والأوباش كأشلاء5 اللحم، والله ما لقوا قطّ حدًّا كحدكم، ولا حديدَ كحديدكم، أعيروني سواعدكم ساعة من نهار تصفقون بها خراطيمهم6؛ فإنما هي غدوة أو روحة، حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين".
"البيان والتبيين 1: 160، العقد الفريد 2: 155، ومروج الذهب 2: 177"
__________
1 هو في العقد، ومروج الذهب بالباء، وفي البيان والتبيين بالنون، وليس من ألفاظ العربية، وأقول: هو إما علم رومي، فهو يشير إلى أصل العباس بن الوليد إذ كانت أمه رومية، أو محرف عن "نسطوري بن نسطوري" أي نصراني نسطوري من النساطرة إحدى فرق المسيحية نسبة إلى نسطوريوس صاحب المذهب، وكان أسقفا بالقسطنطينية. توفي حول سنة 450م.
2 البرابرة: جبل بالمغرب، والصقالبة: جيل بلادهم تتاخم بلاد الخزر "شمالي بحر الخزر، وهو بحر قزوين" أي جنوبي الروسيا.
3 الجرامقة: قوم من العجم صاروا بالموصل في أوائل الإسلام، والجراجمة: قوم من العجم بالجزيرة، أو نبط الشام.
4 أنباط: جمع نبط كجبل وقد تقدم.
5 أشلاء: جمع شلو كحمل، وهو العضو وكل مسلوخ أكل منه شيء، وبقيت منه بقية.
6 صفقه بالسيف: ضربه، والخراطيم: جمع خرطوم، وهو الأنف.
"23 -جمهرة خطب العرب- ثان"
(2/353)

344- خطبة ثالثة له:
وقال مقاتل: سمعت يزيد بن المهلب يخطب بواسط، فقال:
"يا أهل العراق، يا أهل السبق والسباق، ومكارم الأخلاق، وإن أهل الشام في أفواههم لقمة دسمة، قد رتبت1 لها الأشداق، وقاموا لا على ساق، وهم غير تاركيها لكم بالمراء والجدال، فالبسوا لهم جلود النمور2".
"البيان والتبيين 1: 218"
__________
1 رتبت: أي ثبتت ولم تتحرك "وذلك لامتلاء الأفواه".
2 أي تنكروا لهم، واستعدوا لمناضلتهم.
(2/354)

345- خطبة الحسن البصري يثبط الناس عن يزيد بن المهلب:
وكان مروان بن المهلب وهو بالبصرة، يحث الناس على حرب أهل الشام، ويسرحهم إلى يزيد، وكان الحسن البصري يثبط الناس عنه، وكان يقول في تلك الأيام:
"أيها الناس: الزموا رحالكم، وكفوا أيديكم، واتقوا الله مولاكم، ولا يقتل بعضكم بعضًا على دنيا زائلة، وطمع فيها يسير، ليس لأهلها بباق، وليس الله عنهم فيما اكتسبوا براض، إنه لم يكن فتنة إلا كان أكثر أهلها الخطباء والشعراء والسفهاء، وأهل التيه والخيلاء، وليس يسلم منها إلى المجهول الخفي، والمعروف التقي؛ فمن كان منكم خفيًّا فليلزم الحقَّ، وليحبس نفسه عما يتنازع الناس فيه من الدنيا، فكفاه والله بمعرفة الله إياه بالخير شرفًا، وكفى له به من الدنيا خلفًا؛ ومن كان منكم معروفًا شريفًا، فترك ما يتنافس فيه نظراؤه من الدنيا -إرادة الله بذلك- فواهًا لهذا، ما أسعدَه وأرشدَه، وأعظمَ أجرَه، وأهدَى سبيلَه! فهذا غدًّا -يعني يوم القيامة- القرير عينًا، الكريم عند الله مآبًا".
"تاريخ الطبري 8: 153"
(2/354)

346- خطبة مروان بن المهلب:
فلما بلغ ذلك مروان بن المهلب، قام خطيبًا كما يقوم؛ فأمر الناس بالجِدِّ والاحتشاد ثم قال لهم:
"قد بلغني أن هذا الشيخَ الضالَّ المرائي -ولم يسمِّه- يثبط الناس، والله لو أن جاره نزع من خُصِّ داره قصبةً؛ لظل يرعف1 أنفُه، أينكرُ علينا، وعلى أهل مصرِنا، أن نطلب خيرَنا، وأن نُنكرَ مظلمتَنا؟ أما والله ليكفَّنَّ عن ذكرنا، وعن جمعه إلينا سُقّاط الأُبُلّة2، وعلوج فراتِ البصرة، قومًا ليسوا من أنفسنا، ولا ممن جرت عليه النعمة من أحدٍنا منا، أو لأنْحِيَنَّ عليه مِبْرَدًا خشنًا".
فلما بلغ ذلك الحسن، قال: والله ما أكره أن يكرمني الله بهوانه؛ فقال ناس من أصحابه: لو أرادك ثم شئت لمنعناك، فقال لهم: قد خالفتكم إذن إلى ما نهيتكم عنه، آمركم ألا يقتل بعضكم مع غيري، وأدعوكم إلى أن يقتل بعضكم بعضًا دوني؟ فبلغ ذلك مروان بن المهلب، فاشتدَّ عليهم وأخافهم، وطلبهم حتى تفرقوا، ولم يَدَعِ الحسنُ كلامَه ذلك، وكفَّ عنه مروان.
"تاريخ الطبري 8: 513"
__________
1 رعف: خرج من أنفه الدم.
2 جمع ساقط: وهو اللئيم في حسبه ونفسه، والأبلة: موضع بالبصرة.
(2/355)

خطب الأحنف بن قيس التميمي: 1
347- الأحنف ومعاوية:
كان الأحنف بن قيس، قد شهد مع الإمام علي، كرم الله وجهه، وقعة صفين؛ فلما استقر الأمر لمعاوية، دخل عليه يومًا، فقال له معاوية: "والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزازة2 في قلبي إلى يوم القيامة".
فقال له الأحنف:
"يا أمير المؤمنين لم تَرُدَّ الأمور على أعقابها؟ أما والله إن القلوبَ التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوفَ التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن مددت بشبرٍ من غدر، لتمدن باعًا من ختر3، ولئن شئت لتستصفين كدرَ قلوبنا بصفو حلمك"، قال معاوية: فإني أفعل ثم قام وخرج، وكانت أخت معاوية من وراء حجاب تسمع كلامه، فقالت: يا أمير المؤمنين: من هذا الذي يتهدد ويتوعد؟ قال: هذا الذي إذا غضب، غضب لغضبه مائة ألف من بني تميم، لا يدرون فيم غضب.
"وفيات الأعيان لابن خلكان 1: 230، ونهاية الأرب 7: 237، والعقد الفريد 2: 118"
__________
1 هو أبو بحر الضحاك بن قيس سيد بني تميم، والمضروب به المثل في الحلم، وهو من سادات التابعين؛ أدرك عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يصحبه؛ وشهد بعض فتوح خراسان في زمن عمر وعثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْها؛ وشهد مع علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وقعة صفين؛ ولم يشهد وقعة الجمل مع أحد الفريقين؛ وبقي إلى زمن مصعب بن الزبير؛ فخرج معه إلى الكوفة؛ فمات بها سنة 67هـ "وقيل له الأحنف؛ لأنه كان أحنف الرجل -مائلها- يطأ على وحشبها".
2 الخزازة: وجع في القلب من غيظ ونحوه.
3 الباع: قدر مد اليدين، والختر: أقبح الغدر.
(2/356)

348- الأحنف ومعاوية أيضًا:
جلس معاوية يومًا، وعنده وجوه الناس وفيهم الأحنف، فدخل رجل من أهل الشام، فقام خطيبًا؛ فكان آخر كلامه أن لعن عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، فأطرق الناس وتكلم الأحنف، فقال:
"يا أمير المؤمنين: إن هذا القائل ما قال آنفًا، لو علم أن رضاك في لعن المرسلين لَلَعَنَهُمْ، فاتَّقِ اللهَ، ودعْ عليًّا، فقد لقي اللهَ، وأفرد في حفرته، وخلا بعمله، وكان والله -ما عَلِمنا- المبرَّزَ بشقِّهِ1، الطاهر في خُلُقِهِ، الميمونَ النقيبة2 العظيمَ المصيبة".
قال معاوية: "يا أحنف، لقد أغضيت العين على القذى، وقلت بغير ما ترى، وايم الله لتصعدن المنبرَ فلتلعننه طائعًا أو كارهًا" فقال الأحنف: "إن تعفني فهو خيرٌ، وإن تجبرني على ذلك؛ فوالله لا تجري به شفتاي"، فقال معاوية: قم فاصعد. قال: "أما والله لأنصفنك في القول والفعل"، قال معاوية: وما أنت قائل إن أنصفتني؟ "، قال: "أصعد فأحمد الله، وأثني عليه وأصلي على نبيه، ثم أقول: "أيها الناس: إن معاوية أمرني أن ألعن عليًّا؛ ألا وإن عليًّا ومعاوية اختلفا واقتتلا، وادعى كل واحد أنه مبغِيٌّ عليه وعلى فئته؛ فإذا دعوت فأمنوا رحمكم الله"! ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغِيَ منهما على صاحبه، والفئةَ الباغيةَ على المبغِيِّ عليها، اللهم العنْهُم لعنًا كبيرًا، أمنوا، رحمكم الله"، يا معاوية لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه حرفًا، ولو كان فيه ذهابُ نفسِي.
فقال معاوية: "إذن نعفيك يا أبا بحر".
"نهاية الأرب 7: 237، والعقد الفريد 2: 118"
__________
1 الشق: الجانب، ورواية العقد "المبرز سيفه" وبرز تبريزًا: فاق أصحابه فضلًا أو شجاعة.
2 النقبية: النفس.
(2/357)

349- قوله في مدح الولد:
ودخل الأحنف على معاوية، ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجابًا به، فقال: يا أبا بحر ما تقول في الولد؟ فعلم ما أراد، فقال: "يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا، وقرة أعيننا1، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف منا لمن بعدنا؛ فكن لهم أرضًا ذليلة، وسماء ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتهم2، لا تمنعهم رفدك3، فيملوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطئوا وفاتك".
فقال: لله درك يا أبا بحر! هم كما وصفت
"الأمالي 2: 43"
__________
1 قرت عينه: بردت، وانقطع بكاؤها، أو رأت ما كانت متشوقة إليه.
2 استعتبه: طلب إليه العتبى "أي الرضا" وأعتبه: أعطاه العتبى.
3 الرفد: العطاء.
(2/358)

350- شفاعته لدى مصعب بن الزبير:
وأتى مصعب بن الزبير يكلمه في قوم حبسهم، فقال: "أصلح الله الأمير، إن كانوا حبسوا في باطل؛ فالحق يخرجهم، وإن كانوا حبسوا في حق، فالعفو يسعهم" فخلاهم1.
"نهايةالأرب 7: 238"
__________
1 وفي وفيات الأهيان لابن خلكان 1: 244، أن هذا القول للشعبي كلم به عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراق.
(2/358)

351- نصيحته لقومه:
وقال بخراسان: "يا بني تميم تحابوا تجتمع كلمتكم، وتباذلوا تعتدل أموركم، وابدءوا بجهاد بطونكم وفروجكم، يصلح لكم دينكم ولا تغلوا1 يسلم لكم جهادكم".
"نهاية الأرب 7: 239، والبيان والتبيين 2: 46".
__________
1 أي لا تخونوا.
(2/358)

352- خطبته في قوم كانوا عنده:
وحدث رجل من بني تميم قال: حضرت مجلس الأحنف بن قيس، وعنده قوم مجتمعون في أمر لهم؛ فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"إن الكرم يمنعُ الحُرَم1، ما أقربَ النقمةَ من أهلِ البغِي، لا خيرَ في لذة تُعْقِبُ ندمًا، لن يهلك من قَصَدَ2، ولن يفتقِرَ من زهد، رُبَّ هزل قد عاد جِدًّا، من أمن الزمان خانَه، ومن تعظَّم عليه أهانَه، دعُوا المزاحَ؛ فإنه يُورِثُ3 الضغائنَ، وخيرُ القولِ ما صَدَّقَهُ الفعلُ، احتملوا لمن أدلَّ عليكم، واقبلوا عذرَ من اعتذرَ إليكم. أطعْ أخاك وإن عصاك، وَصِلْهُ وإن جفاك، أنصفْ من نفسِك قبل أن يُنتصفَ منك، وإياكم ومشاورةَ النساء، واعلم أن كفر النعمةِ لؤمٌ، وصحبةَ الجاهلِ شؤمٌ، ومن الكرم الوفاء بالذمم، ما أقبح القطيعةَ بعد الصلة، والجفاءَ بعد اللَّطَف5، والعداوةَ بعد الود! لا تكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا إلى البخل أسرع منك إلى البذل، واعلم أن لك من دنياك ما أصلحت به مثواك6؛ فأنفق في حق، ولا تكونن خازنا لغيرِك، وإذا كان الغدرُ في الناس موجودًا، فالثقة بكل أحد عجز، اعرف الحقد لمن عرفه لك، واعلم أن قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل".
"الأمالي 2: 22"
__________
1 الحُرم: جمع حرمة بالضم، وهي ما لا يحل انتهاكه.
2 القصد والاقتصاد: ضد الإفراط
3 التأريث: إيقاد النار.
4 تدلل.
5 اللطف: اسم من اللطف بالضم.
6 آخرتك.
(2/359)

353- كلمات حكيمة للأحنف:
قال: فيَّ ثلاثُ خصالٍ ما أقولهن إلا ليعتبرَ معتبرٌ: ما دخلت بين اثنين قط حتى يدخلاني بينهما، ولا أتيت باب أحد من هؤلاء -يعني الملوك- ما لم أدعَ إليه، وما حللت حبوتي1 إلى ما يقوم الناس إليه". وقال: "ألا أدلكم على المحمدة بلا مرزئة2؟ الخُلُق السجيحُ3 والكفُّ عن القبيح، ألا أخبركم بأدوء الداء؟ الخلق الدنيّ، واللسان البذيّ"، وقال: "ما خان شريف، ولا كذب عاقل، ولا اغتاب مؤمن". وقال: "ما ادخرتِ الآباءُ للأبناء، ولا أبقتِ الموتى للأحياء، أفضل من اصطناع معروف عند ذوي الأحساب والآداب"، وقال: "كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزاح تذهب المروءة، ومن لزم شيئًا عُرِف به". وسمع رجلًا يقول: ما أبالي أمدحت أم ذممت. فقال له: "لقد استرحت من حيث تعب الكرام"، وقال: "جنبوا مجلسنا ذكر الطعام والنساء، فإني لأبغض الرجلَ يكون وصافًا فرجه وبطنه، وإن المروءة أن يترك الرجل الطعامَ وهو يشتهيه". وكان يقول: إذا عجب الناس من حلمه: إني لأجد ما تجدون ولكني صبور". وكان يقول: "وجدت الحلم أنصر لي من الرجال". وقال: "الكذوب لا حيلة له، والحسود لا راحة له، والبخيل لا مروءة له، والملول لا وفاء له، ولا يسود سيء الأخلاق، ومن المروءة إذا كان الرجل بخيلا أن يكتم ذلك ويتجمل". وقال: "أربع من كن فيه كان كاملًا، ومن تعلق بخصلة منهن كان من صالحي قومه: دين يرشده، أو عقل يسدده، أو حسب يصونه، أو حياء يقناه4". وقال: "المؤمن بين أربع: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يجاهده،
__________
1 احتبى الرجل: جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها، والاسم: الحبوة بالفتح ويضم.
2 رزأه مرزئة: أصاب منه خيًرا، والشيء نقصه: أي دون أن تغرموا في سبيلها مالًا.
3 اللين: السهل.
4 قني الحياء كرضي ورمى: لزمه كأقنى
(2/360)

وشيطان يفتنه؛ وأربع ليس أقل منهن: اليقين، والعدل، ودرهم حلال، وأخ في الله وقال: "لأن أُدعَى من بعيد، أحبُّ إلي من أن أُقصَى من قريب". وكان يقول: "إياك وصدر المجلس، وإن صدرك صاحبه؛ فإنه مجلس قلعة1". وقال: "من لم يصبر على كلمة سمع كلمات". وقال: "رب غيظ تجرعته مخافة ما هو أشد منه". وقال: "من كثر كلامه كثر سقطه ومن طال صمته كثرت سلامته، وقال: "ثلاث لا أناة فيهن عندي". قيل: "وما هن يا أبا بحر؟ ". قال: المبادرة بالعمل الصالح، وإخراج ميتك، وأن تنكح الكفء أيمك2". وكان يقول: "لأفعى تحكك في ناحية بيتي، أحب إلي من أيم رددت عنها كفئًا".
"وفيات الأعيان 1: 231، ومجمع الأمثال للميداني 1: 148؛ والأمالي 1: 236، والبيان والتبيين 2: ص37، 58، 101، 104، 105"
__________
1 مجلس قلعة: يحتاج صاحبه إلى أن يقوم مرة بعد مرة.
2 الأيم: من لا زوج، لها بكرًا أو ثيبًا قال الجاحظ: وكان يقال: "ما بعد الصواب إلا الخطاء؛ وما بعد منعهن من الأكفاء، إلا بذلهن للسفلة والغوغاء".
(2/361)

354- صفية بنت هشام المنقرية تؤبن الأحنف:
وروي أنه لما حملت جنازة الأحنف، ودلي في قبره، أقبلت ابنة عمه صفية بنت هشام المنقرية على نجيب لها مختصرة1، فوقفت على قبره، فقالت:
"لله درك من مُجَنٍّ في جُنَن2، ومدرجٍ3 في كفن! إنا لله وإنا إليه راجعون!
__________
1 النجيب: الجمل السريع الخفيف في السير القوي؛ واختصر: أمسك المخصرة "والمخصر كمكنسة: عصا يمسكها الخطيب يشير بها إذا خطب"، وتخصَّر بالقضيب أيضًا: أمسكه.
وفي رواية الجاحظ: "وقامت فرغانة بنت أوس بن حجر على قبر الأحنف بن قيس وهي على راحلة فقالت...."؛ وفي رواية أبي علي القالي: "جاءت امراة من قومه من بني منقر عليها قبول من النساء؛ فوقفت على قبره فقالت ... "، والقبول بالفتح ويضم: الحسن.
2من أجنه: إذا ستره؛ والجنن: جمع جنة كقبة، وهي الوقاية؛ والجنن كسبب: القبر والكفن.
3 مطوى.
(2/361)

نسأل الله الذي فجعنا بموتك، وابتلانا بفقدك، أن يوسع لك في قبرك، وأن يغفر لك يوم حشرك، وأن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الرشاد دليلك، ثم أقبلت بوجهها على الناس، فقال: "معشر الناس، إن أولياء الله في بلاده شهود على عباده، وإنا قائلون حقًّا، ومُثْنُونَ صدقًا، وهو أهلٌ لحسن الثناء، وطيب الدعاء؛ أما والذي كنت من أجله في عدة، ومن المضمار1 إلى غاية، ومن الحياة إلى نهاية، الذي رفع عملك، عند انقضاء أجلك، لقد عشت حميدًا مودودًا، ولقد مت فقيدًا سعيدًا، وإن كنت لعظيم السلم، فاضل الحلم، صحيح الأديم2، منيع الحريم، واري الزناد، رفيع العماد، وإن كنت في المحافل لشريفًا، وعلى الأرامل لعطوفًا، وفي العشيرة مسودًا، وإلى الخلفاء موفدًا، ولقد كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك متبعين".
ثم انصرفت.
"ذيل الأمالي ص28، وبلاغات النساء ص55، والبيان والتبيين 2: 160"
__________
1 في الأمالي: "ومن الضمان"؛ وفي بلاغات النساء: "ومن الضمار" وأرى أن صوابه "ومن المضمار" لقوله بعد: "إلى غاية".
2 الأديم: الجلد؛ والمراد صحيح العرض.
(2/362)

خطب الوفود وما ألقي بحضرة الخلفاء والأمراء والرؤساء
وفود الأحنف بن قيس والنمر بن قطبة على معاوية
...
خطب الوفود وما ألقي بحضرة الخلفاء والأمراء والرؤساء الوافدون على معاوية:
355- وفود الأحنف بن قيس والنمر بن قطبة على معاوية:
دخل الأحنف بن قيس على معاوية وافدًا لأهل البصرة، ودخل معه النمر بن قطبة، وعلى النمر عباءة قطوانية1، وعلى الأحنف مدرعة2 صوف وشملة3؛ فلما مثلا بين يدي معاوية اقتحمتهما4 عينُه، فقال النمر: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها، فأومأ إليه فجلس، ثم أقبل على الأحنف، فقال: ثم مه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أهل البصرة عدد يسير، وعظم كسير، مع تتابع من المُحُول5، واتصال من الذُّحُول6؛ فالمكثر فيها قد أطرق، والمقل قد أملق، وبلغ منه المخنق، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعش الفقير، ويجبر الكسير، ويسهل العسير، ويصفح عن الذحول، ويداوي المحول، ويأمر بالعطاء، ليكشف البلاء، ويزيل اللأواء7، وإن السيد من يعم ولا يخص، ومن يدعو الجفلى8 ولا يدعو النقرى، إن أُحسِن إليه شَكَرَ،
__________
1 نسبة إلى قطوان: موضع بالكوفة منه الأكسية.
2 المدرعة: ثوب ولا يكون إلا من صوف.
3 الشمل: كساء دون القطيفة يشتمل به.
4 ازدرتهما.
5 جمع محل كشمس: وهو القحط والجدب.
6 جمع ذحل كشمس أيضًا: وهو الثأرز
7 الشدة:
8 الدعوة العامة: والنقرى: الدعوى الخاصة.
(2/363)

وإن أُسِيء إليه غَفَرَ، ثم يكون من وراء ذلك لرعيته عمادًا، يدفع عنهم الملمات، ويكشف عنهم المعضلات"؛ فقال له معاوية: ها هنا يا أبا بحر، ثم تلا: "ولتعرفنهم في لحن القول1".
"زهر الآداب 1: 57"
__________
1 أي في معناه وفحواه.
(2/364)

356- وفد أهل العراق على معاوية وفيهم الأحنف:
ولما قدم وفد أهل العراق على معاوية، وفيهم الأحنف، خرج الآذن، فقال: إن أمير المؤمنين يعزم عليكم ألا يتكلم أحد إلا لنفسه؛ فلما وصلوا إليه قال الأحنف:
"لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أن دافة1 دفت، ونازلة نزلت، ونائبة نابت، ونابتة نبتت، وكلهم بهم حاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبره"، فقال: حسبك يا أبا بحر فقد كفيت الغائب والشاهد.
"نهاية الأرب 7: 237، والبيان والتبيين 2: 43"
__________
1الدافة: الجماعة من الناس تقبل من بلد إلى بلد، يقال: دفت علينا من بني فلان دافة، والدافة أيضًا: قوم من الأعراب يريدون المصر، والدافة: الجيش يدفون نحو العدو أي يدبون.
(2/364)

وفد أهل العراق على معاوية ومعهم زياد وفيهم الأحنف:
وفد أهل العراق على معاوية، ومعهم زياد بن أبيه، وفيهم الأحنف بن قيس، فقال زياد:
(2/364)

خطبة زياد
...
357- خطبة ياد:
"يا أمير المؤمنين: أشخصت إليك أقوامًا الرغبةُ، وأقعدَ عنك آخرينَ العذرُ؛ فقد جعل اللهُ تعالى في سعةِ فضلك ما يجبرُ به المتخلَّفُ، ويكافأ به الشاخصُ".
(2/364)

358- خطبة معاوية:
فقال معاوية: "مرحبًا بكم يا معشر العرب، أما والله لئن فرقت بينكم الدعوة، لقد جمعتكم الرحم، إن الله اختاركم من الناس ليختارنا منكم، ثم حفظ عليكم نسبكم بأن تخير لكم بلادًا يجتاز عليها المنازل، حتى صفاكم من الأمم كما تصفى الفضة البيضاء من خبثها، فصونوا أخلاقكم، ولا تدنسوا أنسابكم وأعراضكم، فإن الحسن منكم أحسن لقربكم منه، والقبيح منكم أقبح لبعدكم عنه".
(2/365)

359- خطبة الأحنف بن قيس:
فقال الأحنف: "والله يا أمير المؤمنين ما نعدم منكم قائلًا جزيلًا1، ورأيًا أصيلًا، ووعدًا جميلًا، وإن أخاك زيادًا لمتبع آثارك فينا، فنستمتع الله بالأمير والمأمور؛ فإنكم كما قال زهير -فإنه ألقى على المداحين فصول القول-:
وما يكُ من خير أتوه فإنما ... توارثه آباءُ آبائهم قبلُ
وهل ينبت الخطَّيَّ إلا وشيجُه ... وتغرس إلا في منابتها النخلُ"2
"زهر الآداب 1: 58"
__________
1 الجزيل: العاقل الأصيل الرأي.
2 الخطي: الرمح، نسبة إلى الخط: مرفأ السفن بالبحرين تنسب إليه الرماح لأنها تباع به لا أنه منبتها، والوشيج، شجر الرماح جمع وشيجة.
(2/365)

360- وفد العراق على معاوية وفيهم دغفل النسابة:
قدم وفد العراق على معاوية، وفيهم دغفل1؛ فقال له معاوية: يا دغفل أخبرني عن ابني نزار: ربيعة ومضر، أيهما كان أعز جاهلية وعالمية؟ فقال: يا أمير المؤمنين مضر بن نزار كان أعز جاهلية وعالمية. قال معاوية: وأي مضر كان أعز؟ قال:
__________
1هو دغفل بن حنظلة النسابة من بني شيبان.
(2/365)

بنو النضر بن كنانة، كانوا أكثر العرب أمجادًا، وأرفعهم عمادًا وأعظمهم رمادًا. قال: فأي بني كنانة كان بعدهم أعزّ؟ قال: بنو مالك بن كنانة، كانوا يعلون من ساماهم، ويكفون من ناوأهم، ويصدقون من عاداهم. قال: فمن بعدهم؟ قال: بنو الحرب بن عبد مناة بن كنانة، كانوا أعزّ بنيه وأمنعهم، وأجودهم وأنفعهم. قال: ثم من بعدهم؟ قال: بنو بكر بن عبد مناة، كان بأسهم مرهوبًا، وعدوهم منكوبًا، وثأرهم مطلوبًا. قال: فأخبرني عن مالك بن عبد مناة بن كنانة، وعن مرة وعامر ابني عبد مناة. قال: كانا أشرافًا كرامًا، وليس للقوم أكفاء ولا نظراء. قال: فأخبرني عن بني أسد؟ قال: كانوا يطعمون السديف1، ويكرمون الضيوف، ويضربون في الزحوف2، قال: فأخبرني عن هذيل، قال: كانوا قليلًا أكياس3، أهل منعة وباس، ينتصفون من الناس، قال: فأخبرني عن بني ضبة؟ قال: كانوا جمرة من جمرات العرب الأربع4، لا يُصطَلَى بنارهم، ولا يفاتون بثارهم، قال: فأخبرني عن مزينة، قال: كانوا في الجاهلية أهل منعة، وفي الإسلام أهل دِعَة. قال: فأخبرني عن تميم، قال: كانوا أعزّ العرب قديمًا، وأكثرها عظيمًا، وأمنعها حريمًا، قال: فأخبرني عن قيس، قال: كانوا لا يفرحون إذا أُدِيلوا5، ولا يجزعون إذا ابتلوا، ولا يبخلون إذا سئلوا، قال: فأخبرني عن أشرافهم في الجاهلية، قال: غطفان بن سعد وعامر بن صعصعة وسليم بن منصور؛ فأما غطفان فكانوا كرامًا سادة، وللخميس6
__________
1 شحم السنام.
2 مصدر زحف أو جمع زحف كشمس وهو الجيش يزحفون إلى العدو.
3 جمع كيس: وهو العاقل.
4 قال صاحب العقد: "جمرات العرب، هم بنو نمير بن عامر بن صعصعة، وبنو الحارث بن كعب، وبنو ضبة بن أد بن طانجة، وبنو عبس بن بغيض، وإنما قيل لهذه القبائل جمرات؛ لأنها تجعت في أنفسها، ولم يدخلوا معهم غيرهم، والتجمير: التجميع، ومنه قيل: جمرة العقبة لاجتماع الحصى فيها، ومنه قيل: لا تجمروا المسلين فتفنوهم، وتفتنوا نساءهم، يعني لا تجمعوهم في المغازي.. إلخ"- العقد 2: 57.
5 أداله الله من عدوه: نصره عليه.
6 الخميس: الجيش. سمي بذلك لأنه خمس فرق: المقدمة، والقلب، والميمنة، والميسرة، والمؤخرة.
(2/366)

قادةٌ، وعن البَيْض ذادَةٌ1؛ وأما بنو عامر فكثيرٌ سادتهم، مخشيةٌ سَطوتُهم، ظاهرة نجدتُهم؛ وأما بنو سليم فكانوا يدركون الثار، ويمنعون الجار، ويعظمون2 النار، قال: فأخبرني عن قومك بكر بن وائل واصدقْني، قال: كانوا أهل عز قاهر، وشرف ظاهر، ومجد فاخر، قال: فأخبرني عن إخوتهم تغلب، قال: كانوا أسودًا تُرهب، وسمامًا3 لا تُقرب، وأبطالًا لا تكذب، قال: فأخبرني كم أُدِيلوا عليكم في قتلكم كليبًا؟ قال: أربعين سنة، لا ننتصف منهم في موطن نلقاهم فيه، حتى كان يوم التحاليق، يوم الحارث من عُباد بعد قِتلة ابنه بجير، وكان أرسله في الصلح بين القوم فقتله مهلهل، وقال: بُؤْ بشِسْعِ4 نعلِ كليب، فقال الغلام: إن رضيَت بهذا بنو بكر رضيتُ؛ فبلغ الحارث، فقال: نعم القتيل قتيلًا إن أصلح الله به بين بكر وتغلب وباء بكليب، فقيل له: إنما قال مهلهل ما قال "الكلمة5"، فتشمر الحرث للحرب، وأمرنا بحلق رءوسنا أجمعين، وهو يوم التحاليق، وله خبر طول، وقال:
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال6
لم أكن من جناتها -علم الله- ... وإني بحرها اليوم صالي
قربا مربط النعامة مني ... إن بيع الكرام بالشسع غالي
فأدلنا عليهم يومئذ؛ فلم نزل منهم ممتنعين إلى يومنا هذا. قال: فمن ذهب يذكر ذلك اليوم؟ قال: الحارث بن عباد، أسر مهلهلًا في ذلك اليوم، وقال له: دلني على مهلهل بن ربيعة، قال: مالي إن دللتك عليه؟ قال: أطلقك، قال: على الوفاء؟ قال: نعم، قال له: أنا مهلهل، قال: ويحك! دُلَّني على كفءٍ كريم، قال: امرؤ القيس7
__________
1 البيضة: حوزة كل شيء وساحة القوم، وبيضة الدار: وسطها.
2 كناية عن الكرم.
3 جمع سم مثلث السين.
4 الشسع: سير يشد به النعل.
5 هي قوله "بؤ بشسع نعل كليب".
6 النعامة: اسم فرسه، ولقحت الناقة: قبلت اللقاح وحالت حيالًا: لم تلقح سنة، أو سنتين أو سنوات.
7 هو امرؤ القيس بن أبان التغلبي.
(2/367)

وأشار بيده إليه عن قرب؛ فأطلقه الحارث، وانطلق إلى امرئ القيس فقتله، وبكر كلها صبرت وأبلت فحسن بلاؤها؛ إلا ما كان من ابني لُجَيم: حذيفة وعِجْل، ويشكر بن بكر، فإن سعد بن مالك بن ضبيعة جد طرفة بن العبد، هجاهم في ذلك اليوم، فقال:
إن لجيمًا عجزت كلها ... أن يرفدوني فارسًا واحدا1
ويشكر العام على خترها ... لم يسمع الناس لهم حامدا2
وقال فيهم أيضًا:
يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا3
إنا وإخوتنا غدًا ... كثمود حجر يوم طاحو4
بالمشرفية لا نفرّ ... ولا نباح ولن تباحوا5
من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح6
فقال معاوية: أنت والله يا دغفل أعلم الناس قاطبة بأخبار العرب".
"ذيل الأمالي 26"
__________
1 الإرفاد: الإعانة والإعطاء.
2 الختر: الغدر أو أقبحه.
3 أراهط: جمع الجمع لرهط.
4 الحجر: واد بين المدينة والشام: مساكن ثمود قوم صالح.
5 مشارف الشام: قرى من أرض العرب تدنوا من الريف منها السيوف المشرفية. وفي ذيل الأمالي "ولا نباح ولن نباحوا" بالنون، وقد أصلحته "ولن تباحوا" بالتاء على الالتفات من التكلم إلى الخطاب، أي ولن تباحوا يا قوم ما دمنا لكم حماة، وقال مصحح الأمالي: "ولن نباحوا" كذا في الأصل، ولعل هنا تحريفًا، ووجه الكلام "كمن يباح".
6 قولهم لا براح كقولهم لا ريب، ويجوز رفعه فتكون لا بمنزلة ليس.
(2/368)

361- دغفل وجماعة من الأنصار:
ووقف جماعة من الأنصار على دغفل بعد ما كفّ؛ فسلموا عليه، فقال: من القوم؟ قالوا: سادة اليمن، فقال: "أمن أهل مجدها القديم، وشرفها العميم، كندة؟ قالوا: لا، قال: "فأنتم الطوال قصبًا، والممحصون نسبًا، بنو عبد المدان؟ " قالوا: لا، قال: "فأنتم أقودها للزحوف، وأخرقها للصفوف، وأضربها بالسيوف، رهط عمر بن معد يكرب؟ " قالوا: لا، قال: "فأنتم أحضرها قراء1، وأطيبها فناء، وأشدها لقاء، رهط حاتم بن عبد الله؟ " قالوا: لا، قال: فأنتم الغارسون للنخل، والمطعمون في المحل2، والقائلون بالعدل، الأنصار؟ " قالوا: نعم.
"الأمالي 2: 287"
__________
1 قرى الضيف كرمى قِرًى بالكسر، والقصر: وقراه بالفتح والمد: أضافه.
2 المحلّ: الجدب والشدة.
(2/369)

دغفل أهل العراق على معاوية وفيهم صعصعة بن صوحان
...
362- وفد أهل العراق على معاوية وفيهم صعصعة بن صوحان:
قال عبد الملك بن مروان يومًا لجلسائه: خبروني عن حي من أحياء العرب، فيهم أشد الناس، وأسخى الناس، وأخطب الناس، وأطوع الناس في قومه، وأحلم الناس، وأحضرهم جوابًا.
قالوا: يا أمير المؤمنين ما نعرف هذه القبيلة؛ ولكن ينبغي لها أن تكون في قريش، قال: لا، قالوا: ففي حمير وملوكها، قال: لا، قالوا: ففي مضر، قال: لا، قال مصقلة بن رقية العبدي: فهي إذن في ربيعة، ونحن هم، قال: نعم، قال جلساؤه: ما نعرف هذا في عبد القيس إلا أن تخبرنا به يا أمير المؤمنين، قال: نعم.
أما أشد الناس؛ فحكيم بن جبل، كان مع علي بن أبي طالب -رَضِيَ اللَّهُ عَنْه-
(2/369)

فقطعت ساقه؛ فضمها إليه، حتى مرَّ به الذي قطعها، فرماه بها فجدله1 عن دابته، ثم جثا إليه فقتله واتكأ عليه، فمر به الناس، فقالوا له: يا حكيم، من قطع ساقك؟ قال: وسادى2 هذا، وأنشأ يقول:
يا ساق لا تراعي ... إن معي ذراعي
أحمي بها كراعي3
وأما أسخى الناس فعبد الله بن سوار، استعمله معاوية على السند؛ فسار إليها في أربعة آلاف من الجند، وكانت توقد معه نار حيثما سار، فيطعم الناس، فبينما هو ذات يوم إذ أبصر نارًا، فقال: ما هذه؟ قالوا: أصلح الله الأمير، اعتل بعض أصحابنا، فاشتهى خبيصًا4، فعملنا له، فأمر خبازه ألا يطعم الناس إلا الخبيص، حتى صاحوا وقالوا: أصلح الله الأمير، ردنا إلى الخبز واللحم، فسمي مطعم الخبيص.
وأما أطوع الناس في قومه؛ فالجارود بن بشر بن العلاء؛ فإنه لما قبض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وارتدت العرب، خطب قومه؛ فقال:
"أيها الناس: إن كان محمد قد مات، فإن الله حي لا يموت، فاستمسكوا بدينكم، فمن ذهب له في هذه الردة دينار أودرهم أو بعير أو شاة، فله عليَّ مِثْلاه" فما خالفه منهم رجل.
وأما أحضر الناس جوابًا، فصعصة بن صوحان، دخل على معاوية في وفد أهل العراق، فقال معاوية: مرحبًا بكم يا أهل العراق، قدمتم أرض الله المقدسة، منها المنشر، وإليها المحشر، قدمتم على خير أمير يَبَرُّ كبيرَكم، ويرحمُ صغيرَكم، ولو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماءَ عقلاءَ؛ فأشار الناس إلى صعصعة فقام:
فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال:
__________
1 جدله: صرعه على الجدالة "كسحابة" وهي الأرض.
2 الوساد: المتكأ، والمخدة كالوسادة ويثلث.
3 لا تراعي: لا تفزعي، والكراع: جماعة الخيل.
4 الخبيص: نقى الدقيق يخلط بالعمل، والخبيصة: أخص منه، وخبص الحلواء كضرب، وخبصها: بالتشديد خلطها وعملها.
(2/370)

"أما قولك يا معاوية: إنا قدمنا الأرض المقدسة؛ فلعمري، ما الأرض تقدس الناس، ولا يقدس الناسَ إلا أعمالهُم، وأما قولك: منها المنشرُ، وإليها المحشرُ، فلعمري، ما ينفعُ قربُها، ولا يضرُّ بُعدُها مؤمنًا، وأما قولك: لو أن الناسَ كلَّهم ولدُ أبي سفيان لكانوا حلماءَ عقلاءَ؛ فقد وَلَدَهُم خيرٌ من أبي سفيان آدمُ صلوات الله عليه، فمنهم الحليمُ والسفيهُ، والجاهلُ والعالمُ".
وأما أحلمُ الناس، فإن ولد عبد القيس قدموا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصدقاتهم وفيهم الأشج1، ففَرَّقَها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو أول عطاء فَرَّقَه في أصحابه، ثم قال: يا أشجُّ ادنُ مني؛ فَدَنَا منه، فقال: "إن فيك خلتين يحبهما الله: الأناة، والحلم" وكفى برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شاهدًا، ويقال: إن الأشج لم يغضبْ قطُّ2.
"العقد الفريد 2: 56"
__________
1 هو عبد الله بن عوف الأشجّ.
2 هذا المقال يزيد على العنوان الذي عنونته به، وقد أردت من ذلك استيفاء حديث عبد الملك.
(2/371)

263- وفود العرب ومعاوية:
عن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان، قال:
عقمتِ النساءُ أن يلدنَ مثل عمِّي! شهدته يومًا، وقد قدمت عليه وفود العرب، فقضى حوائجهم، وأحسن جوائزهم؛ فلما دخلوا عليه ليشكروه، سبقهم إلى الشكر، فقال لهم: "جزاكم الله يا معشر العرب عن قريش أفضل الجزاء، بتقدمكم إياهم في الحرب، وتقديمكم لهم في السلم، وحقنكم دمائهم بسفكِها منكم، أما والله لا يُؤثِر عليكم غيرَكم منهم حازمٌ كريمٌ، ولا يرغبُ عنكم منهم إلا عاجزٌ لئيمٌ، شجرةٌ قامت على ساق، فتفرع أعلاها، واجتمع أصلُها، عَضَدَ الله من عَضَدَها، فيالها كلمةً لو اجتمعت! وأيدٍ لو ائتلفت! ولكن كيف بإصلاح ما يريد الله إفسادَه؟ ".
"العقد الفريد 2: 41"
(2/371)

364- وفود عبد العزيز بن زرارة على معاوية:
وفد عبد العزيز1 بن زرارة على معاوية، وهو سيد أهل الكوفة؛ فلما أذن له وقف بين يديه، وقال:
"يا أمير المؤمنين: لم أزل أَهُزُّ ذوائب2 الرحال إليك، إذا لم أجِد معولًا إلا عليك، أمتطي الليل بعد النهار، وأسم المجاهلَ بالآثار، يقودني إليك أمل، وتسوقني بلوى، والمجتهد يعذر، وإذا بلغتُك فَقَطْنِي4"، فقال معاوية: احْطُطْ عن راحلتك رَحْلَها.
وروى الجاحظ هذا القول بصورة أخرى، فقال:
"ولما وصل عبد العزيز بن زرارة إلى معاوية قال: "يا أمير المؤمنين، لم أزل أتسدل بالمعروف عليك، وأمتطي النهار إليك؛ فإذا ألوى5 بي الليل، فقبض البصر، وعفَّى الأثر، أقام بدني، وسافر أملي، والنفس تلوم، والاجتهاد يعذر، وإذ بلغتك فَقَطْنِي".
وخرج عبد العزيز بن زرارة مع يزيد بن معاوية إلى الصائفة6، فهلك هناك، فكتب يزيد إلى أبيه معاوية بذلك، فقالت معاوية لزرارة: أتاني اليوم نعي سيد شباب العرب، قال زرارة: يا أمير المؤمنين هو ابني أو ابنك؟ قال: بل ابنك، قال: للموت ما تلد الوالدة.
"العقد الفريد 1: 118، وصبح الأعشى 1: 257، والبيان والتبيين 2: 37، والأمالي 1: 201"
__________
1 في صبح الأعشى "عبد العزى" وفي الأمالي: "قال رجل لعبد الملك بن مروان.. إلخ".
2 جمع ذؤابة: وهي الجلدة المعلقة على آخرة الرحل، وفي صبح الأعشى "ذوائب الرجاء".
3 وسمه بسمة: علمه بعلامة.
4 فحسبي.
5 المراد جنَّ عليَّ، وأحدقتْ بي ظلمتُه، يقال: ألوى به: ذهب به، وألوت به العنقاء: طارت به، وألوى بما في الإناء: استأثر به.
6 الصائفة: غزوة الروم؛ لأنهم كانوا يغزون صيفًا لمكان البرد والثلج.
(2/372)

وفود زيد بن منية على معاوية
...
365- وفود زيد ابن مُنْيَة على معاوية:
قدم زيد ابن منية على معاوية من البصرة، "وهو أخو يَعْلَى ابن منية1 صاحب جمل عائشة، ومتولّي تلك الحروب، ورأس أهل البصرة، وكان عتبة بن أبي سفيان قد تزوج ابنة يعلى ابن منية"؛ فلما دخل على معاوية شكا إليه دينًا لَزِمَه، فقال: يا كعب أعطه ثلاثين ألفًا، فلما ولَّى قال: وليومِ الجملِ ثلاثين ألفًا أخرى، ثم قال له: الحق بصهرك، "يعني عتبة، وكان يومئذ عامل مصر" فقدم عليه مصر، فقال:
"إني سرت إليك شهرين أخوض فيهما المتالف، ألبس أردية الليل مرة، وأخوض في لجج السراب2 أخرى، موقرًا3 من حسن الظن بك، وهاربًا من دهر فطم4، ودين لزم5، بعد غنًى جدعنا به أنوف الحاسدين؛ فلم أجد إلا إليك مهربًا، وعليك معولًا"، فقال عتبة: "مرحبًا بك وأهلًا، إن الدهر أعاركم غِنًى وخلطكم بنا، ثم استرد ما أمكنه أخذه، وقد أبقى لكم منا ما لا ضيقة6 معه، وأنا واضع يدي ويدك بيد الله"؛ فأعطاه ستين ألفًا كما أعطاه معاوية.
"العقد الفريد 1: 118، وصبح الأعشى 1: 257".
__________
1 في صبح الأعشى والعقد "منبه" بالباء وهو تصحيف والصواب "منية" وهو اسم أمه، واسم أبيه أمية، والتصحيح من تاريخ الكامل لابن الأثير. وكان يعلى عاملًا لعثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه على اليمن؛ فلما ولي علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه الخلافة عزله، وولى على اليمن عبيد الله بن عباس، فانصرف يعلى إلى مكة ومعه مال كثير، وانضم إلى السيدة عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في قتال عليٍّ في وقعة الجمل.
2 السراب: ما تراه نصف النهار كأنه ماء.
3 محملًا من الوقر بالكسر: وهو الحمل الثقيل أو أعم، وأوقر الدابة إيقارًا.
4 يروى بالفاء والقاف، فطمه وقطمه: قطعه، وضبط في صبح الأعشى بالقاف، وبالطاء المكسورة وصف من قطم كفرح: اشتهى اللحم أو غيره.
5 وفي صبح الأعشى: "ودين أزم" وأزم كضرب وفرح: عض بالفم كله شديدًا.
6 الضيقة: الفقر وسوء الحال، ويفتح.
(2/373)

366- وفود ضرار بن حمزة الصدائي على معاوية:
دخل ضرار بن حمزة الصدائي1 "وكان من خواص علي كرم الله وجهه" على معاوية وافدًا؛ فقال له: يا ضرار، صف لي عليًّا، قال: أعفِني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، قال: "أما إذ لا بد من وصفه؛ فكان والله بعيد المدى2، شديد القوى، يقول فضلًا، ويحكم عدلًا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يُقَلِّبُ كفِّه، ويخاطب نفسه، يعجبُه من اللباس ما قَصُرَ، ومن الطعام ما خَشُنَ، كان فينا كأحدِنا، يجيبُنا إذا سألناه، ويُنبئنا إذا استنبأناه، ونحن مع تقريبه إيانا، وقربه منا، لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، يعظم أهل الدين ويحب المساكين؛ لا يطمع القوي في باطله، ولا ييئس الضعيفُ من عدله. وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله3، وغارت نجومُه، وقد مثل في محرابه قابضًا على لحيته، يتململُ تململَ السليم4، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُرِّي غَيْرِي، ألي تعرضتِ، أم إليَّ تشوفتِ؟ هيهاتَ هيهاتَ! قد باينتك ثلاثًا لا رجعة فيها؛ فعمرك قصيرٌ، وخَطَرُك5 حقيرٌ، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق! " فبكى معاويةُ وقال: رحم الله أبا الحسن، فلقد كان كذلك، فكيف حزنُك عليه يا ضرار؟ قال: حُزْنُ من ذُبِحَ واحدُها في حِجْرِها.
"الأمالي 2: 149، ومروج الذهب 2: 47، وشرح ابن أبي الحديد م4: ص276، وزهر الآداب 1: 47"
__________
1 صُدَاء كغراب: حي باليمن.
2 الغاية.
3 السدول: جمع سدل بالضم والكسر، وهو الستر.
4 السليم: الملدوغ، وسُمِّيَ بذلك تفاؤلا له بالسلامة، كما تسمى البيداء مفازة: تفاؤلًا بالفوز.
5 الخطر: القدر.
(2/374)

الوافدات على معاوية:
367- وفود سودة بنت عمارة على معاوية:
وفدت سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان؛ فاستأذنت عليه فأذن لها، لما دخلت عليه سلمت، فقال لها: كيف أنت يا ابنة الأشتر؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال لها: أنت القائلة لأخيك يوم صفين؟:
شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة ... يوم الطعان وملتقى الأقران
وانصر عليًّا والحسين ورهطه ... واقصد لهند وابنها بهوان
إن الإمام أخو النبي محمد ... علم الهدى ومنارة الإيمان
فَقُدِ الجيوشَ وسر أمام لوائه ... قدمًا بأبيضَ صارم وسنان1
قالت: إي والله، ما مثلي من رغب عن الحق، أو اعتذر بالكذب، قال لها: فما حملك على ذلك؟ قالت: حب علي عليه السلام، واتباع الحق، قال: فوالله ما أرى عليك من أثر عليٍّ شيئًا، قالت: أنشدك الله يا أمير المؤمنين وإعادة ما مضى، وتذكار ما قد نُسِيَ، قال: هيهات! ما مثل مقام أخيك ينسي، وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك، قالت: صدقت والله يا أمير المؤمنين ما كان أخي خفي المقام ذليل المكان؛ ولكن كما قالت الخنساء:
وإن صخرًا لتأتمُ الهداةُ به ... كأنه علم في رأسه نار2
__________
1 القدم: الشجاع؛ وفي بلاغات النساء: "فقه الحتوف وسر أمام لوائه".
2 العلم: الجبل.
(2/375)

قال: صدقت، لقد كان كذلك، فقالت: مات الرأس وبتر الذنب، وبالله أسأل أمير المؤمنين إعفائي؛ مما استعفيت منه، قال: قد فعلت، قولي حاجتك، قالت: يا أمير المؤمنين، إنك أصبحت للناس سيدًا، ولأمورهم متقلدًا، والله سائلك عن أمرنا وما افترض عليك من حقنا، ولا تزال تقدم علينا من ينهض بعزك، ويبسط سلطانك، فيحصدنا حصاد السنبل، ويدوسنا دياس1 البقر، ويسومنا2 الخسيسة، ويسلبنا الجليلة، هذا ابن أرطأة3 قدم بلادي، وقتل رجالي، وأخذ مالي، ولولا الطاعة لكان فينا عزٌّ ومنعة؛ فإما عزلته عنا فشكرناك، وإما لا فعرفناك، فقال معاوية: إياي تهددين بقومك؟ والله لقد هممت أن أحملك على قَتَبٍ4 أشرس فأردَّكِ إليه، ينفذ فيك حكمَه، فأطرقتْ تبكي، ثم أنشأت تقول:
صلى الإله على روحٍ تَضَمَّنَه ... قبرٌ فأصبح فيه العدلُ مدفونا
قد حالفَ الحقَّ لا يبغِي به ثمنًا ... فصار بالحق والإيمان مقرونا
قال: ومن ذلك؟ قالت: عليّ بن أبي طالب، رحمه الله تعالى، قال: وما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟ قالت: أتيته يومًا في رجل ولاه صدقاتنا؛ فكان بيننا وبينه ما بين الغث5 والسمين، فوجدته قائمًا يصلي، فانفتل من الصلاة، ثم قال برأفة
__________
1الدوس والدياس والدياسة: الوطء بالرجل.
2 يكلفنا.
3 هو بسر بن أرطأة، وقيل ابن أبي أرطأة، وكان معاوية في أيام عليٍّ سيره إلى الحجاز واليمن ليقتل شيعة عليٍّ ويأخذ البيعةَ له؛ فسار إلى المدينة، ففعل بها أفعالًا شنيعة، وسار إلى اليمن؛ وكان عليها عبيدَ الله بن العباس من قبل عليٍّ، فهرب عبيدُ الله فَنَزَلَها بسر، وذبح عبد الرحمن وقثم ابني عبيد الله وهما صغيران بين يدي أمهما عائشة بنت عبد المدان؛ فأصابها من ذلك حزنٌ عظيمٌ؛ فأنشأت تقول:
يا من أحسن بني اللذين هما ... كالدرتينِ تشظَّى عنهما الصدفُ
يا من أحس بني اللذين هما ... سمعِي وقلبي؛ فقلبي اليوم مختطف
يا من أحس بني اللذين هما ... مخ العظام؛ فمخي اليوم مزدهف
4 القتب: الإكاف الصغير على قدر سنام البعير، والمراد به هنا البعير لوصفه بالأشرس ففيه مجاز؛ أو الأشرس: الخشن الغليظ.
5 الغث: المهزول.
(2/376)

وتعطف: ألكِ حاجة؟ فأخبرته خبر الرجل؛ فبكى ثم رفع يديه إلى السماء، فقال: اللهم إنك أنت الشاهد عليَّ وعليهم، إني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا ترك حقك، ثم أخرج من جيبه قطعة من جراب، فكتب فيها:
"بسم الله الرحمن الرحيم: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ 1 وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا 2 فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} ، إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا، حتى يأتي من يقبضه منك والسلام".
فأخذته منه والله ما خَزَمَه بِخِزام، ولا ختمه بختام3 فقرأته، فقال معاوية: اكتبوا لها بالإنصاف لها، والعدل عليها؛ فقالت: أليّ خاصة، أم لقومي عامة؟ قال: وما أنت وغيرك؟ قالت: هي والله إذن الفحشاء واللؤم، إن لم يكن عدلًا شاملًا، وإلا يسعني ما يسع قومي، قال: هيهات! لَمَّظَكم4 ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيئًا ما تفطمون، وغرَّكم قوله:
فلو كنت بوابًا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقوله:
ناديت همدان والأبواب مُغْلَقَةٌ ... ومثل همدان سَنَّى فتحة الباب5
كالهندواني لم تفلل مضاربه ... وجه جميل وقلب غير وجاب6
اكتبوا لها ولقومها.
"العقد الفريد 1: 129، وبلاغات النساء ص35"
__________
1 القسط: العدل.
2 عثا يعثوا عثوا: أفسد
3 الخزام جمع خزامة بالكسر، وهي في الأصل: حلقة تجعل في أحد جانب منخري البعير، وحزامة النعل: سير رقيق يخزم بين الشراكين. الختام: الطين يختم به على الشيء، "والخاتم: ما يوضع على الطينة".
4 التلمظ: التذوق، وأن يحرك الإنسان لسانه في فمه بعد الأكل، يتتبع به بقية من الطعام بين أسنانه، ويخرجه فيمسح به شفتيه، واسم ما بقي في الفم اللُّماظة بالضم، ويقال: لمظ فلانًا "بالتشديد" لماظة: أي شيئًا يتلمظه، ولمظه من حقه شيئًا: أعطاه "والعامة تبدل الظاء ضادًا".
5 سناه تسنية: سهله وفتحه.
6 سيف هندواني بكسر الهاء، ويجوز ضمها إتباعا للدال منسرب إلى الهند، ووجاب من وجب القلب وجيبًا إذا خفق.
(2/377)

368- وفود أم سنان بنت خيثمة على معاوية:
حبس مروان بن الحكم، وهو والي المدينة، في خلافة معاوية، غلامًا من بني ليث في جناية جناها؛ فأتته جدة الغلام، وهي أم سنان بنت خيثمة1 المذحجية؛ فكلمته في الغلام فأغلظ لها مروان، فخرجت إلى معاوية، فدخلت عليه فانتسبت فعرفها، فقال لها: مرحبًا بك يا بنة خيثمة، ما أقدمك أرضنا، وقد عهدتك تشتميننا2 وتحضين علينا عدوَّنا؟ قالت: إن لبني عبد مناف أخلاقًا طاهرة، وأعلامًا ظاهرة، وأحلامًا وافرة، لا يجهلون بعد علم، ولا يسفهون بعد حلم، ولا ينتقمون بعد عفو، وإن أولى الناس باتباع ما سن آباؤه لأنت، قال: صدقت، نحن كذلك، فكيف قولك؟
عَزَبَ الرقادُ، فمقلتي لا ترقد ... والليل يصدر بالهموم ويورد3
يا آل مذحج لا مقامَ فشمروا ... إن العدوَّ لآل أحمد يقصد
هذا عليٌّ كالهلال تحفُّه ... وسط السماء من الكواكب أسعُد4
خير الخلائق وابن عم محمد ... إن يهدكم بالنور منه تهتدوا
ما زال مذ شهد الحروب مظفرا ... والنصر فوق لوائه ما يفقد
قالت: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، وأرجو أن تكون لنا خلفًا بعده؛ فقال رجل من جلسائه. كيف يا أمير المؤمنين؟ وهي القائلة:
إما هلكت أبا الحسين فلم تزل ... بالحق تعرف هاديًا مهديّا
فاذهب -عليك صلاة ربك- ما دعت ... فوق الغصون حمامة قمريّا5
__________
1 في صبح الأعشى "جشمية"، وهو تحريف: وتحريره: ما ذكرنا.
2 وفي بلاغات النساء: "تشنئين قربى" أي تبغضين.
3 عزب: بعد.
4 سعود النجوم عشرة: سعد بلع "بضم ففتح" وسعد الأخبية، وسعد الذابح، وسعد السعود، وهذه الأربعة من منازل القمر، وسعد ناشرة، وسعد الملك، وسعد البهام ككتاب، وسعد الهمام كشجاع، وسعد البارع، وسعد مطر وهذه الستة ليست من المنازل.
5 ضرب من الحمام والجمع قمارى.
(2/378)

قد كنت بعد محمد خلفًا كما ... أوصى إليك بنا، فكنت وفيّا
واليوم لا خلفٌ يؤمل بعده ... هيهات نأمل بعده إنسيّا
قالت: يا أمير المؤمنين لسان نطق، وقول صدق، ولئن تحقق فيك ما ظنناه، لحظك الأوفر، والله ما أورثك الشنآنُ1 في قلوب المسلمين إلا هؤلاء؛ فأدحض مقالتهم، وأبعد منزلتهم، فإنك إن فعلت ذلك تزدد من الله قربًا، ومن المؤمنين حبًّا، قال: وإنك لتقولين ذلك؟ قالت: يا سبحان الله، والله ما مثلك من مدح بباطل، ولا اعتذر إليه بكذب، وإنك لتعلم ذلك من رأينا، وضمير قلوبنا، كان والله عليٌّ أحبَّ إلينا منك، وأنت أحب إلينا من غيرك قال: ممن؟ قالت: من مروان بن الحكم وسعيد بن العاص. قال: وبم استحققتُ ذلك عندك؟ قالت بسعة حلمك، وكريم عفوك، قال: وإنهما يطمعان في ذلك؟ قالت: هما والله لك من الرأي على مثل ما كنت عليه لعثمان بن عفان رحمه الله تعالى2. قال: والله لقد قاربت، فما حاجتك؟ قالت: يا أمير المؤمنين إن مروان تَبَنَّكَ3 بالمدينة تبنك من لا يريد منها البراح، لا يحكم بعدلٍ. ولا يقضي بسنةٍ، يتتبع عثراتِ المسلمين، ويكشف عوراتِ المؤمنين، حبس ابن ابني؛ فأتيتُه، فقال: كيت وكيت، فألقمته أخشن من الحجر، وألعقته أمر من الصبر، ثم رجعت إلى نفسي باللائمة، وقلت: لم لا أصرف ذلك إلى من هو أولى بالعفو منه، أتيتك يا أمير المؤمنين لتكون في أمري ناظرًا، وعليه معديًا4، قال: صدقت، لا أسألك عن ذنبه ولا عن القيام بحجته، اكتبوا لها بإطلاقه. قالت: يا أمير المؤمنين، وأنَّى لي بالرجعة، وقد نفد زادي، وكلت راحلتي، فأمر لها براحلة موطأة، وخمسة آلاف درهم.
"العقد الفريد 1: 131، وصبح الأعشى 1: 257، وبلاغات النساء ص67"
__________
1 البغض.
2 تريد أنهما يأملان الخلافة بعدك كما كنت تأملها بعد عثمان.
3 تبنك به: أقام.
4 أعداه عليه: نصره، وأعانه، وقواه.
(2/379)

369- وفود بكارة الهلالية على معاوية:
استأذنت بكارة الهلالية على معاوية بن أبي سفيان، فأذن لها وهو يومئذ بالمدينة، فدخلت عليه، كانت امرأة قد أسنت، وعشي1 بصرها، وضعفت قوتها، ترعش بين خادمين لها، فسلمت وجلست فرد عليها معاوية السلام، وقال: كيف أنت ياخالة؟ فقالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال: غيرك الدهر، قالت: كذلك هو ذو غير2، من عاش كبر، ومن مات قبر، قال عمرو بن العاص: هي والله القائلة يا أمير المؤمنين:
يا زيدُ دونك فاحتقر من دارنا ... سيفًا حسامًا في التراب دفينا
قد كنت أذخره ليوم كريهة ... فاليوم أبرزه الزمان مصونًا
قال مروان: وهي والله القائلة يا أمير المؤمنين:
أترى ابن هند للخلافة مالكًا! ... هيهاتَ، ذاك -وإن أراد- بعيدُ
مَنَّتْكَ نفسُك في الخلاء ضلالة ... أغراك عمرو للشقا وسعيد
قال سعيد بن العاص هي والله القائلة:
قد كنت أطمع أن أموت ولا أرى ... فوق المنابر من أمية خاطبا
فالله أخر مدتي فتطاولت ... حتى رأيت من الزمان عجائبا
في كل يوم للزمان خطيبهم ... بين الجميع لآل أحمد عائبا
ثم سكت القوم؛ فقالت بكارة: نبحتني كلابُك يا أمير المؤمنين واعتورتني، فقصُر محجني3، وكثر عجبي، وعشي بصري، وأنا والله قائلة ما قالوا، لا أدفع ذلك بتكذيب، وما خفي عليك مني أكثر، فامض لشأنك، فلا خير في العيش بعد
__________
1 ضعف.
2 ذو أحداث.
3 تناولني وتداولتني، والمحجن: العصا المعطوفة الرأس.
(2/380)

أمير المؤمنين، فضحك معاوية وقال: ليس يمنعنا ذلك من برك، اذكري حاجتك، قالت: أما الآن فلا.
وقيل: إنه قد قضى حوائجها وردها إلى بلدها.
"العقد الفريد 1: / 130، وبلاغات النساء ص39"
(2/381)

370- وفود أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية:
دخلت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية وهي عجوز كبير؛ فلما رآها معاوية قال: مرحبًا بك وأهلًا يا عمة، فكيف كنتِ بعدنا؟ فقالت: "يابن أخي، لقد كفرتَ يد النعمة، وأسأتَ لابن عمِك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك من غير بلاء كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الإسلام، ولقد كفرتم بما جاء به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فأتعس الله منكم الجدود1، وأضرع2 منكم الخدود، ورد الحق إلى أهله، ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا، ونبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو المنصور؛ فوليتم علينا من بعده -وتحتجون بقرابتكم من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أقرب إليه منكم، وأولى بهذا الأمر- فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب رحمه الله بعد نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنزلة هارون من موسى3؛ فغايتنا الجنة، وغايتكم النار".
فقال لها عمرو بن العاص: كفى أيتها العجوز الضالّة، وأقصري من قولك، وغضي
__________
1 جمع جد: وهو الحظ.
2 أذل، وفي بلاغات النساء "وأصعر".
3 ورواية بلاغات النساء: "فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظًّا، ونصيبًا وقدرًا، حتى قبض الله نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مغفورًا ذنبه، مرفوعًا درجته، شريفًا عند الله مرضيًّا، فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون، يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، وصار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هرون من موسى حيث يقول: {ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي} ولم يجمع بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شملٌ، ولم يسهل لنا وعرٌ".
(2/381)

من طَرْفك قالت: ومن أنت، لا أمَّ لك؟ قال: عمرو بن العاص، قالت: يابن اللخناء1 النابغة تتكلم، وأمك كانت أَشْهَرَ امرأة تغنِّي بمكة، وآخَذَهُنّ لأجرة! ارْبَع على ظَلْعِك، واعنَ بشأنِ نفسك؛ فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها، ولا كريم منصبها، ولقد ادعاك خمسة2 نفر من قريش، كلهم يزعم أنه أبوك؛ فسئلت أمك عنهم، فقالت: كلهم أتاني، فانظروا أشبههم به، فألحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائل، فلحقت به، ولقد رأيت أمك أيام مِنًى بمكة مع كل عبدٍ عاهر3، فَأْتَمَّ بهم فإنكَ بهم أشبَهُ.
فقال مروان: كفى أيتها العجوزُ، وأقصرِي لما جئت له، ساخ بصرُك مع ذهاب عقلِك، فلا تجوز شهادتُك، فقالت: وأنت أيضًا يابن الزرقاء تتكلم؟ فوالله لأنت إلى سفيانِ بن الحارث بن كلدة أشبه منك بالحكم، وإنك لَشَبْهُه في زرقة عينيك، وحمرة شعرِك، مع قصرِ قامته، وظاهرِ دمامته4، ولقد رأيتُ الحكمَ مادّ5 القامة، ظاهر الإمّة6، سبط7 الشعر، وما بينكما قرابة إلا كقرابة الفرسِ الضامر من الأتان المُقْرِب8؛ فاسأل أمك تخبرك بشأن أبيك إن صدقتْ، ثم التفتتْ إلى معاوية، فقالت: والله ما جَرَّأَ علي هؤلاء غيرُك، وإن أمَّكَ لَلْقائلُة يومَ أحدٍ في قتل حمزةَ رحمة الله عليه:
نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحربُ بعد الحرب ذاتُ سُعر9
ما كان عن عتبَةَ لي من صَبْر ... أبي وعمي وأخي وصهري10
__________
1 رجل ألخنُ وأمة لخناءُ: لم يختنا، ولخن السقاءُ، وغيرُه كفرح: أنتن، والجوزة فسدتْ، ومن شتم العرب "يابن اللخناء" كأنهم يقولون يا دنيء الأصل أو يا لئيم الأمِّ، والنابغةُ أمُّ عمرو، وقد تقدمت- انظر ص25.
2 وفي بلاغات النساء "ستة".
3 فاجر.
4 الدمامة: القبح.
5 ممتدها.
6 الإمة بالكسر ويضم: الشأن والنعمة والهيئة.
7 طويله.
8 الأتان: الحمارة، والمقرب التي قرب ولادها فيكون بطنها كبيرًا.
9 السعر بالفتح مصدر سعر الحرب: أي أوقدها، وبالضم: الجنون.
10 قتلوا أربعتهم يوم بدر: أبوها عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -قيل اشترك في قتله علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب- وعمها شيبة بن ربيعة -قتله حمزة- وأخوها الوليد بن عتبة -قتله علي- وابن زوجها حنظلة بن أبي سفيان -وليست هند أمه، قيل اشترك في قتله حمزة، وعلي، وزيد بن حارثة-.
(2/382)

شفيتَ وحشيُّ غليل صدري ... شفيت نفسي وقضيت نذري1
فشكرُ وحشيٍّ علي دهري ... حتى تَرِمَّ أعظمي في قبري2
فأجبتها:
يا بنت جبار عظيم الكفر ... خزيت في بدر وغير بدر
صبحك الله قبيل الفجر ... بالهاشميين الطوال الزهر3
بكل قطاع حسامٍ يفري ... حمزة ليثي، وعليٌّ صقري
فقال معاوية لمروان وعمرو: ويلكما! أنتما ءضتماني لها، وأسمعتماني ما أكره، ثم قال لها: يا عمة اقصدي قصد حاجتك، ودعي عنك أساطير النساء، قالت تأمر لي بألفي دينار، وألفي دنيار، وألفي دينار، قال: ما تصنعين يا عمة بألفي دينار؟ قالت: أشتري بها عينًا خرخارة4 في أرض خوارة5، تكون لولد الحارث بن عبد المطلب, قال نعم الموضع وضعتها، فما تصنعين بألفي دينار؟ قالت: أزوج بها فتيان عبد المطلب من أكفائهم، قال: نعم الموضع وضعتها، فما تصنعين بألفي دينار؟ قالت: أستعين بها على عسر المدينة، وزيارة بيت الله الحرام، قال: نعم الموضع وضعتها، هي لك نَعْمٌ وكرامة6، ثم قال: أما والله لو كان عليٌّ ما أمر لك بها، قالت: صدقت، إن عليًّا أدى الأمانة، وعمل بأمر الله، وأخذ به، وأنت ضيعتَ أمانتك، وخنتَ الله في ماله، فأعطيت مال الله من لا يستحقه، وقد فرض الله في كتابه الحقوق لأهلها وبينها؛ فلم تأخذ بها، ودعانا "أي عليٌّ" إلى أخذ حقنا، الذي فرض
__________
1 وحشي: غلام جبير بن مطعم قاتل حمزة يوم أحد.
2 رم العظمُ كضرب وأرم: بلي فهو رميم.
3 الزهر: الحسان البيض الوجوه.
4 الخرخار: الماء الجاري، أي عين ماء جارية.
5 المراد أرض سهلة تصلح للزراعة، من قولهم: خوار العنان، أي سهل المعطف، كثير الجري.
6 يقال: نعم عين ونعمة ونعام بفتحهن، ونعمى ونعامى ونعام ونعم ونعمة بضمهن، ونعمة ونعام بكسرهما: أي أفعل ذلك إنعامًا لعينك وإكرامًا.
(2/383)

الله لنا فشُغِلَ بحربِك عن وضع الأمور مواضعَها، وما سألتك شيئًا فتمن به؛ إنما سألتك من حقنا، ولا نرى أخذ شيء غير حقنا، أتذكر عليًّا؟ فض الله فاك1، وأجهد بلاءك، ثم علا بكاؤها وجعلت تندب عليًّا؛ فأمر لها بستة آلاف دينار، وقال لها: يا عمة: أنفقي هذه فيما تحبين، فإذا احتجت فاكتبي إلى ابن أخيك يحسن صفدك2 ومعونتك، إن شاء الله.
"العقد الفريد 1: 134، بلاغات النساء ص32"
__________
1 تدعو عليه: أي نثر الله أسنانك.
2 الصفد: العطاء.
(2/384)

371- أم البراء بنت صفوان ومعاوية:
استأذنت أم البراء بنت صفوان على معاوية فأذن لها؛ فدخلت عليه وعليها ثلاثة دروع1 "برود" تسحبها ذراعًا، قد لاثت2 على رأسها كورًا كالمنسف، فسلمت وجلست، فقال لها معاوية: كيف أنت يا بنة صفوان؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال: كيف حالك؟ قالت ضَعُفْتُ بعد جلد، وكسِلت بعد نشاط، قال: شتان بينك اليوم وحين تقولين:
يا زيد دونك صارمًا ذا رونق ... عضب المهزة ليس بالخوار3
أسرج جوادك مسرعًا ومشمرًا ... للحرب غير معرد لفرار4
أجِب الإمامَ وذبَّ تحت لوائه ... والقَ العدو بصارمٍ بتار
يا ليتني أصبحت لست قعيدة ... فأذب عنه عساكرَ الفجارِ
قالت: قد كان ذلك، ومثلك من عفا، والله تعالى يقول: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} قال: هيهات، أما والله لو عاد لعدتِ؛ ولكنه
__________
1 درع المرأة: قميصها "مذكر" ودرع الحديد مؤنث وقد يذكر.
2 اللوث: عصب العمامة، والكور: لوث العمامة وإدارتها، والمنسف: ما ينفض به الحب، شيء طويل منصوب الصدر أعلاه مرتفع.
3 العضب: السيف القاطع، والخوار من خار: إذا ضعف وكل.
4 عرد تعريدًا، وعرد كسمع: هرب.
(2/384)

اخترم1 منك، قالت: أجل، والله إني لعلى بينة من ربي، وهدى من أمري، قال: كيف كان قولك حين قتل؟ قالت: أنسيته، قال بعض جلسائه: هو والله حين تقول:
يا للرجال لعُظْم هَوْل مصيبة ... فَدَحَت فليس مصابها بالحائل2
الشمس كاسفة لفقد إمامنا ... خير الخلائق والإمام العادل
يا خير من ركب المَطِيَّ ومن مشى ... فوق التراب لمحتف أو ناعل
حاشا النبي لقد هددت قواءنا ... فالحق أصبح خاضعًا للباطل3
فقال معاوية: قاتلك الله! فما تركت مقالا لقائل، اذكري حاجتك، قالت: أما الآن فلا، وقامت فعثرت؛ فقالت: تعس شانئ عليٍّ4، فقال: زعمت أن لا، قالت: هو كما علمت؛ فلما كان من الغد بَعَثَ إليها بجائزة، وقال: إذا ضيعت الحلم، فمن يحفظه؟
"صبح الأعشى 1: 261 بلاغات النساء ص78"
__________
1 هلك.
2 المتحول: المتغير.
3 جمع القوة قوى، وإنما قالت قواء بالمد للضرورة.
4 أي مبغضة.
(2/385)

372- دارمية الحجونية ومعاوية:
وحج معاوية سنة من سنيه، فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجون1، يقال لها: دارمية الحجونية، وكانت سوداء كثيرة اللحم، فأخبر بسلامتها، فبعث إليها، فجيء بها، فقال: ما حالك يابنة حامٍ؟ فقالت: لست لحامٍ إن عبتني، إنما أنا امرأة من بني كنانة، ثمتَ من بني أبيك، قال: صدقت، أتدرين لم بعثتُ إليك؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله، قال: بعثت إليك لأسألك: علام أحببتِ عليًّا وأبغضتني، وواليته وعاديتني؟ قالت: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك،
__________
1 الحجون: جبل بمعلاة مكة.
(2/385)

قالت: "أما إذ أبيت؛ فإني أحببت عليًّا على عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وأبغضتك على قتال من هو أولى منك بالأمر، وطلبتك1 ما ليس لك بحق؛ وواليت عليًّا على ما عقد له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الولاء2، وعلى حبه المساكين، وإعظامه لأهل الدين؛ وعاديتك على سفكك الدماء، وشقك العصا، وجورك في القضاء، وحكمك بالهوى".
قال: فلذلك انتفخ بطنك، وعظم ثدياك، وربت عجيزتك، قالت: يا هذا بهند3 والله كان يضرب المثل في ذلك لا بي، قال معاوية: يا هذه اربعي4، فإنا لم نقل إلا خيرًا، إنه إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، وإذا عظم ثدياها تروى5 رضيعها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها، فرجعت وسكنت، فقال لها: يا هذه هل رأيت عليًّا؟ قالت: إي والله لقد رأيته، قال: فكيف رأيته؟ قالت: رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم تشغله النعمة التي شغلتك، قال: فهل سمعت كلامه؟ قالت: نعم والله، فكان يجلو القلوب من العمى، كما يجلو الزيت الطست من الصدأ، قال. صدقت، فهل لك من حاجة؟ قالت. أو تفعل إذا سألتك؟ قال. نعم، قالت. تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها، قال: تصنعين بها ماذا؟ قالت: أغذو بألبانها الصغار، وأستحيي بها الكبار، وأكتسب بها المكارم، وأصلح بها بين العشائر، قال: فإن أعطيتك ذلك، فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب؟ قالت: ماءٌ ولا كَصَدّاء6،
__________
1 الطلبة: الطلب.
2 تشير إلى قوله: "اللهم والِ من والاه، وعاد من عاداه".
3 هي أمه هند بنت عتبة.
4 ربع: وقف وانتظر وتحبس.
5 ارتوى.
6 صداء: عين لم يكن عندهم ماء أعذب من مائها. ويروى عن ابنة هانئ بن قبيصة: أنه لما قتل لقيط بن زرارة "من دارم" تزوجها رجل من أهلها، فكان لا يزال يراها تذكر لقيطًا، فقال لها ذات مرة: ما استحسنت من لقيط؟ قالت: كل أموره حسن، ولكني أحدثك أنه خرج إلى الصيد مرة وقد ابتنى بي، فرجع إليّ، وبقميصه نضح من دماء صيد، والمسك يضوع من أعطافه، ورائحة الشراب من فيه، فضمني ضمة، وشمني شمة، فليتني مت ثمة، ففعل زوجها مثل ذلك ثم ضمها، وقال لها: أين أنا من لقيط؟ قالت: ماء ولا كصداء.
(2/386)

ومرعى ولا كالسعدان1، وفتى ولا كمالك2، سبحان الله أو دونه، فأنشأ معاوية يقول:
إذا لم أعد بالحلم مني عليكم ... فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم
خذيها هنيئًا، واذكري فعل ماجد ... جزاك على حرب العداوة بالسلم
ثم قال: أما والله لو كان عليٌّ حيًّا ما أعطاك منها شيئًا، قالت: لا والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين.
"العقد الفريد 1: 132 وصبح الأعشى 1: 259 وبلاغات النساء ص67".
__________
1 السعدان: نبت ذو شوك، وهو من أفضل مراعي الإبل، ولا تحسن على نبت حسنها عليه، وأول من قال ذلك الخنساء بنت عمرو بن الشريد، وذلك أنها أقبلت من الموسم؛ فوجدت الناس مجتمعين على هند بنت عتبة بن ربيعة؛ ففرجت عنها وهي تنشدهم مراثي في أهل بيتها؛ فلما دنت منها قالت: على من تبكين؟ قالت: أبكي سادة مضوا؛ قالت: فأنشديني بعض ما قلت؛ فأنشدتها، فقالت الخنساء: مرعى ولا كالسعدان ثم أنشدتها ما رثت به أخاها صخرًا، وقيل: إن المثل لامرأة من طيء كان تزوجها امرؤ القيس بن حجر الكندي وكان مفركًا "بفتح الراء تبغضه النساء" فقال لها: أين أنا من زوجك الأول؟ فقالت: مرعى ولا كالسعدان.
2 قاله متمم بن نويرة في أخيه مالك لما قتل في الردة. والأمثال الثلاثة تضرب للشيء يفضل على أقرانه.
(2/387)

373- شداد بن أوس ومعاوية:
وأمر معاوية شداد بن أوس الطائي أن يتنقّص عليًّا، فقام فقال:
"الحمد لله الذي افترض طاعته على عباده، وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا خلقِه، على ذلك مضى أولهم، وعليه يمضي آخرهم، أيها الناس: إن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، وإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، وإن السامع المطيع لله لا حجة عليه، وإن السامع العاصي لله لا حجة له.
وإن الله إذا أراد بالعباد صلاحًا عَمِلَ عليهم صلحاؤهم، وقضى بينهم فقهاؤهم، وملك المال سمحاؤهم، وإذا أراد بهم شرًّا، عَمِلَ عليهم سفهاؤهم، وقضى فيهم جهلاؤهم،
(2/387)

وملك المال بخلاؤهم، وإن من صلاح الولاة أن يصلح قرناؤها، ونصح لك يا معاوية من أسخطك بالحق، وغشك من أرضاك بالباطل".
قال: اجلس رحمك الله قد أمرنا لك بمال، قال: "إن كان من مالك الذي تعهدت جمعه مخافة تبعته، فأصبته حلالا، وأنفقته إفضالا، فنعم، وإن كان مما شاركك فيه المسلمون، فاحتجنته1 دونهم، فأصبته اقترافًا، وأنفقته إسرافًا، فإن الله يقول في كتابه: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} .
"البيان والتبيين 3: 220"
وروي أن معاوية قال له: "يا شداد، أنا أفضل، أم عليٌّ؟ وأينا أحب إليك؟ "، فقال: "علي أقدم هجرة، وأكثر مع رسول الله إلى الخير سابقة، وأشجع منك قلبًا، وأسلم منك نفسًا، وأما الحب، فقد مضى عليٌّ، فأنت اليوم عند الناس أرجى منه".
"عيون الأخبار م2: ص211"
__________
1 احتجن المال: ضمه واحتواه.
(2/388)

374- معاوية ورجل من أهل سبأ:
وقال معاوية لرجل من أهل سبأ: "ما كان أجهل قومك، حين ملكوا عليهم امرأة"، فقال: "بل قومك أجهل، قالوا حين دعاهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الحق، وأراهم البينات: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ، ألا قالوا: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له! ".
"البيان والتبيين 3: 220".
(2/388)

375- حديث معاوية مع عبد الله بن عبد الحجر بن عبد المدان:
سأل معاوية بعد الاستقامة1 عبد الله بن عبد الحجر بن عبد المدان فقال له:
كيف علمك بقومك؟ قال: كعلمي بنفسي، قال: ما تقول في مُرَاد؟ قال: مدركوا الأوتار، وحماة الذمار، ومحرزو الخطار2، قال: فما تقول في النخع؟ قال: مانعو السرب3، ومسعرو الحرب، وكاشفو الكرب، قال: وما تقول في بني الحارث بن كعب؟ قال: فراجو اللكاك، وفرسان العراك، ولزاز الضكاك، تراك4 تراك، قال: فما تقول في سعد العشيرة؟ قال: مانعو الضيم، وبانو الريم، وشافو الغيم5 قال: ما تقول في جعفيٍّ؟ قال: فرسان الصباح6، ومعلمو الرماح، ومبارزو الرياح، قال: ما تقول في بني زبيد؟ قال: كماة أنجاد7، سادات أمجاد، وُقُرٌ عند الذياد8 صُبُرٌ عند الطراد، قال: ما تقول في جنب؟ قال: كفاة يمنعون عن الحريم، ويفرجون عن الكظيم9، قال: فما تقول في صداء؟ قال: سمام الأعداء،
__________
1 أي بعد استقامة الأمر له: عام الجماعة.
2 جمع وتر: وهو الثأر؛ والذمار: ما يلزمك حفظه وحمايته؛ والخطار: جمع خطر بالتحريك، وهو السبق يتراهن عليه.
3 السرب: ما رعي من المال.
4 اللكاك: الزحام؛ ومثلها الضكاك؛ ولزه كرده: شده وألصقه واللزاز ككتاب: خشبة يلز بها الباب؛ وفلان لزاز العظائم: أي يلز بها ويقرن ليذللها ومنه قول بيد:
إنا إذا التقت المجامع لم يزل ... منا لزاز عظيمة جشامها
وتراك: اسم فعل بمعنى اترك، والأمر هنا للتعظيم، أي دع هؤلاء ولا تتحدث بشأنهم، فإنهم في أسمى مكان.
5 الريم: الدرجة والفضل والزيادة، والغيم: العطش.
6 الغارة.
7 ضبط في الأمالي بفتح الزاي، وهو خطأ، زبيد كزبير: بطن من مذحج، رهط عمرو بن معد يكرب وكأمير: بلد باليمن، وكماة جمع كمي: وهو الشجاع أو لابس السلاح، والأنجاد جمع نجد كشهم وكتف ورجل: الشجاع الماضي فيما يعجز غيره.
8 وقر جمع وقور، وصبر جمع صبور، والذياد والذود: الدفع.
9 الكظيم والمكظوم: المكروب.
(2/389)

ومساعير الهيجاء1، قال: فما تقول في رهاء؟ قال: ينهنهون2 عادية الفوارس، ويرِدُون الموت ورد الخوامس3 قال: أنت أعلم بقومك.
"الأمالي 1: 160".
__________
1 الهيجاء: الحرب، وهو مسعر حرب "كدرهم" أي موقد نارها.
2 يكفون.
3 الخمس بالكسر: أن ترعى الإبل ثلاثة أيام، وترد الرابع، وهي إبل خوامس.
(2/390)

376- حديث الخيار بن أوفى النهدي مع معاوية:
دخل الخيار بن أوفى النهدي على معاوية، فقال له: يا خيار كيف تجدك، وما صنع بك الدهر؟ فقال: يا أمير المؤمنين، صدع الدهر قناتي، وأثكلني لداتي1 وأوهى عمادي، وشيب سوادي، وأسرع في تلادي2، ولقد عشت زمنًا أُصْبِي الكَعاب3، وأسُرّ الأصحاب، وأجيد الضراب4، فبان ذلك عني، ودنا الموتُ مني، وأنشأ يقول:
غبرتُ زمانًا يرهبُ القرن جانبي ... كأني شنيمٌ باسلُ القلب خادر5
يخاف عدوي صولتي ويهابني ... ويكرمني قرني وجاري المجاورُ
وتصبي الكعاب لمَّتي وشمائلي ... كأني غصن ناعم النبت ناضر6
فبان شبابي واعترتني رثية ... كأني قناةٌ أَطَّرَتها المآطر7
أدبُّ إذا رمت القيام كأنني ... لدى المشي قرم قيده متقاصر8
وقصر الفتى شيب وموت كلاهما ... له سائق يسعى بذاك وناظر
وكيف يلذُ العيشُ من ليس زائلا ... رهين أمور ليس فيها مصادر
__________
1 اللدة: من ولد معك.
2 التلاد: المال القديم.
3 كعب ثدي الجارية: نهد، وهي كاعب وكعاب.
4 ضرب الفحل ضرابا: نكح.
5 القرن: كفؤك في الشجاعة أو عام. والشتيم: الأسد العابس، والخدر: أجمة الأسد. ومنه أسد خادر.
6 اللمة: الشعر المجاوز شحمة الأذن.
7 الرثية: وجع المفاصل واليدين والرجلين. والأطر والتأطير: عطف الشيء، وتأطر الرمح: تثنى واعوج.
8 القرم: الفحل.
(2/390)

فقال معاوية: أحسنت القول! واعلم أن لها مصادر، فنسأل الله أن يجعلنا من الصادرين بخير، فقد أوردْنا أنفسنا موارد نرغب إلى الله أن يصدرنا عنها وهو راضٍ.
"الأمالي 2: 94".
(2/391)

377- حديث عرابة بن أوس بن حارثة مع معاوية:
قال معاوية لعرابة بن أوس بن حارثة الأنصاري: بأي شيء سدت قومك يا عرابة؟ قال: أخبرك يا معاوية بأني كنت لهم كما كان حاتم لقومه، قال: وكيف كان؟ فأنشده:
وأصبحت في أمر العشيرة كلها ... كذي الحلم يرضى ما يقول ويعرف
وذاك لأني لا أعادي سراتهم ... ولا عن أخي ضرائهم أتنكف1
وإني لأعطي سائلي، ولربما ... أكلف ما لا أستطيع فَأَكْلَفُ
وإني لمذمومٌ إذا قيل: حاتم ... نبا نبوة إن الكريم يعنف
ووالله إني لأعفو عن سفيههم، وأحلم عن جاهلهم، وأسعى في حوائجهم، وأعطي سائلهم، فمن فعل فعلي فهو مثلي، ومن فعل أحسن من فعلي فهو أفضل مني، ومن قصر عن فعلي فأنا خير منه، فقال معاوية: لقد صدق الشماخ حيث يقول فيك:
رأيت عَرَابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
"الأمالي 1: 277".
__________
1 أي أمتنع منه وآنف.
(2/391)

378- سعيد بن عثمان بن عفان ومعاوية:
دخل سعيد بن عثمان بن عفان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه على معاوية، وابنه يزيد إلى جانبه؛ فقال له: "ائتمنك أبي واصطنعك، حتى بلغك باصطناعه إياك المدى الذي لا يجارى والغاية التي لا تسامى، فما جازيت أبي بآلائه، حتى قدمت هذا علي، وجعلت له الأمر دوني -وأومأ إلى يزيد- والله لأبي خير من أبيه، وأمي خير من أمه، ولأنا خير منه"؛ فقال معاوية: "أما ما ذكرت يابن أخي من تواتر آلائكم علي، وتظاهر نعمائكم لدي، فقد كان ذلك، ووجب علي المكافأة والمجازاة، وكان شكري إياه أن طلبت بدمه، حتى كابدت أهوال البلاء، وغشيت عساكر المنايا، إلى أن شفيت حزازات الصدور، وتجلت تلك الأمور، ولست لنفسي باللائم في التشمير، ولا الزاري1 عليها في التقصير، وذكرت أن أباك خير من أبي هذا -وأشار بيده إلى يزيد- فصدقت، لعمر الله لعثمان خير من معاوية، أكرم كريمًا وأفضل قديمًا، وأقرب على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رحمًا، وذكرت أن أمك خير من أمه؛ فلعمري إن امرأة من قريش خير من امرأة من بني كلب، وذكرت أنك خير من يزيد، فوالله يا بن أخي ما يسرني أن الغوطة2 عليها رجال مثل يزيد.
فقال له يزيد: "مه يا أمير المؤمنين، ابن أخيك اسعمل الدالة عليك، واستعتبك لنفسه، واستزاد منك فزده، وأجمل له في ردك، واحلم على نفسك وَوَلِّهِ خراسان بشافعتي، وأعنه بمال يظهر به موروثه"، فولاه معاوية خراسان، وأجازه بمائة ألف درهم فكان ذلك أعجب ما ظهر من حلم يزيد.
"صبح الأعشى 1: 256 والإمامة والسياسة 1: 139"
__________
1 زرى عليه: عابه.
2 مدينة دمشق أو كورتها.
(2/392)

379- مصقلة بن هبيرة ومعاوية:
مرض معاوية مرضًا شديدًا، فأرجف به مصقلة بن هبيرة، وساعده قوم على ذلك ثم تماثل1، وهم في إرجافهم، فحمل زياد مصقلة إلى معاوية، وكتب إليه أنه يجمع مُرّاقًا من مراق العراق، فيرجفون بأمير المؤمنين، وقد حملته إليه ليرى رأيه فيهن فقدم مصقلة، وجلس معاوية للناس؛ فلما دخل عليه قال: ادن مني، فدنا منه، فأخذ بيده فجذبه فسقط مصقلة، فقال معاوية:
أَبْقَى الحوادثُ من خَليـ ... لِكَ مثلَ جَنْدَلَةِ المَراجِمْ2
صُلْبًا إذا خَارَ الرّجا ... لُ أَبَلّ مُمْتَنِعَ الشّكائِمْ
قد رَامَني الأعداءُ قَبْـ ... لكَ فامتنعتُ عَنِ المظالمْ3
فقال مصقلة: "يا أمير المؤمنين، قد أبقى الله منك ما هو أعظم من ذلك بطشًا وحلمًا راجحًا، وكلأ ومرعًى لأوليائك، وسُمًّا ناقعًا لأعدائك، كانت الجاهلية فكان أبوه سيد المشركين، وأصبح الناس مسلمين وأنت أمير المؤمنين" وقام، فوصله معاوية، وأذن له في الانصراف إلى الكوفة، فقيل له: كيف تركت معاوية؟ فقال: زعمتم أنه كبر وضعف، والله لقد غمزني غمزة كاد يحطمني، وجذبني جذبة كاد يكسر عضوًا مني.
"زهر الآداب 1: 57 والآمالي 2: 315"
__________
1 تماثل العليل: قارب البرء.
2 الجندل: الحجارة، والواحدة جندلة.
3 الأبلّ: الممتنع، والألد: الجدل، والشكائم جمع شكيمة: وهي من اللجام الحديدة المعترضة في فم الفرس، وفلان شديد الشكيمة: أنفٌ أبيٌّ لا ينقاد.
(2/393)

380- روح بن زنباع وم