Advertisement

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة 003


المجلد الثالث
مقدمة
...
تصدير الطبعة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم.
أحمدك اللهم وفقتني إلى إتمام ما بدأت، فلك الشكر والمنة في البدء والنهاية وأصلي وأسلم على خاتم رسلك، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وبعد: فهذا ثالث الأجزاء من "جمهرة خطب العرب" في خطب العصر العباسي الأول، وهو على نسق سابقيه ضبطًا وتحريرًا، وشرحًا وتعليقًا، ويليه ذيل الجمهرة، في خمسة أبواب من الخطب:
الباب الأول: في خطب الأندلسيين والمغاربة.
الباب الثاني: في خطب ووصايا مجهول عصرها أو قائلها.
الباب الثالث: في نثر الأعراب.
الباب الرابع: في خطب النكاح.
الباب الخامس: في خطب من أرتج عليهم، ونوادر طريفة لبعض الخطباء.
وبذا تم ما قصدت إلى جمعه في هذا المؤلف، وإني أبتهل إلى المولى القدير أن يحقق ما رجوته من استفادة قارئيه به، وأن يسدد جميعًا إلى سبيل الرشاد، إنه الكبير المتعال.
أحمد زكي صفوت.
حرر بالقاهرة في ذي القعدة سنة 1352هـ.
مارس سنة 1934م.
(3/3)

فهرس مآخذ الخطب في هذا الجزء
الأمالي: لأبي علي القالي: الجزء الأول – الثاني – ذيل الأمالي
الأغاني: لأبي الفرج الأصبهاني: الجزء التاسع
صبح الأعشى: لأبي العباس القلقشندي: الجزء الأول – التاسع
نهاية الأرب: لشهاب الدين النويري: الجزء السادس
عيون الأخبار: لابن قتيبة الدينوري: المجلد الثاني
الكامل: لأبي العباس المبرد: الجزء الأول
العقد الفريد: لابن عبد ربه: الجزء الأول – الثاني – الثالث
زهر الآداب: لابن إسحاق الحصري: الجزء الأول – الثاني – الثالث
البيان والتبيين: للجاحظ: الجزء الأول – الثاني – الثالث
شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد: المجلد الأول – الثاني
أمالي السيد المرتضى: المجلد الأول – الرابع
مجمع الأمثال: لأبي الفضل الميداني: المجلد الأول
تاريخ الأمم والملوك: لابن جرير الطبري: المجلد التاسع – العاشر
تاريخ الكامل: لابن الأثير: المجلد السادس
مروج الذهب: للمسعودي: المجلد الثاني
وفيات الأعيان: لابن خلكان: المجلد الأول – الثاني
(3/4)

مواسم الأدب: للسيد جعفر البيتي العلوي: الجزء الثاني
الصناعتين: لأبي هلال العسكري
مقدمة ابن خلدون
المنية والأمل: لأحمد بن يحيى المرتضى
(3/5)

الباب الرابع: الخطب والوصايا
في العصر العباسي
خطبة أبي العباس السفاح
...
الباب الرابع: الخطب والوصايا:
في العصر العباسي الأول:
1- حطبة أبي العباس السفاح وقد بويع بالخلافة:
"توفي سنة 136 هـ.
صعد أبو العباس1 السفاح المنبر حين بويع له بالخلافة، فقام في أعلاه، وصعد عمه داود بن علي فقام دونه، وتكلم أبو العباس، فقال:
"الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه تكرمة، وشرفه، وعظمه، واختار لنا وأيَّده بنا، وجعلنا أهله وكهفه2 وحصنه والقوام به، والذابين عنه، والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أحق بها وأهلها، وخصنا برحم رسول الله صلى الله
__________
1 هو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أول الخلفاء العباسيين، بويع بالخلافة سنة 132هـ.
2 الكهف: الوزر والملجأ.
(3/6)

عليه وسلم وقرابته، وأنشأنا من آبائه أنبتنا من شجرته، واشتقنا من نبعته1، جعله من أنفسنا عزيزًا عليه ما عنتنا2، حريصًا علينا، بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابًا يتلى عليهم، فقال عز من قائل فيما أنزل من محكم القرآن: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ 3 أ َهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} وقال: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} ، وقال {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} وقال: {مَا أَفَاء َ4 اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى} ، وقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى} فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفيء5 والغنيمة نصيبنا، تكرمة لنا، وفضلًا علينا، والله ذو الفضل العظيم.
وزعمت السبئية الضلال أن غيرنا6 أحق بالرياسة والخلافة منا، فشاهت7 وجوههم! بم ولم أيها الناس؟ وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصرهم بعد جهالتهم! وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق، وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدًا، ورفع بنا الخسيسة، وأتم بنا النقيصة، وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر، ومواساة في دينهم ودنياهم، إخوانًا على سرر متقابلين في آخرتهم، فتح الله ذلك منة ومنحة لمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما قبضه الله إليه قام بذلك الأمر من بعد أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم، فعدلوا فيها،
__________
1 النبع في الأصل: شجر للقسي والسهام.
2 العنت بالتحريك: دخول المشقة على الإنسان.
3 القذر، وكل ما استقذر من العمل.
4 ما أعاده عليه أي صبره له.
5 الغنيمة.
6 يريد العلويين.
7 شاه وجهه شوها بالفتح: قبح.
(3/7)

ووضعوها مواضعها، أعطوها أهلها، وخرجوا خماصًا1 منها، ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزوها وتداولوها بينهم، فجاروا فيها، واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى2 الله لهم حينًا حتى آسفوه3، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا، وتدارك بنا أمتنا، وولي نصرنا والقيام بأمرنا، ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وإني لأرجو ألا يأتيكم الجور من حيث أتاكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله.
يأهل الكوفة، أنتم محل محبتنا، ومنزل مودتنا، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك، ولم يئنكم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم، حتى أدركتم زماننا، وأتاكم الله بدولتنا، فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا، فأنا السفاح المبيح، والثائر المبير4".
وكان موعوكًا فاشتد به الوعك5، فجلس على المنبر، وصعد داود بن علي، فقام دونه على مراقي6 المنبر، فقال:
"تاريخ الطبري 9: 125، وشرح ابن أبي الحديد م 2: ص 213".
__________
1 جياعًا جمع خميص من خمص البطن مثلثة الميم أي خلا، والمخمصة: المجاعة، وهو خمصان بالضم، وخميص الحشا: ضامر البطن.
2 أمهلهم.
3 أغضبوه.
4 أباره: أهلكه.
5 الوعك: أذى الحمى ووجعها، وألم من شدة التعب.
6 جمع مرقاة بفتح الميم وكسرها.
(3/8)

2- خطبة داود بن علي:
"الحمد لله شكرًا شكرًا شكرًا، الذي أهلك عدونا، وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أيها الناس: الآن أقشعت1 حنادس الدنيا، وانكشف
__________
1 قشعت الريح السحاب: كشفته كأقشعته فأقشع وانقشع وتقشع، والحنادس جمع حندس بكسر الحاء والدال وهو الظلمة.
(3/8)

غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من مطلعها وبزغ القمر من مبزغه، وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى النزعة1. ورجع الحق إلى نصابه2، في أهل بيت نبيكم، أهل الرأفة والرحمة بكم العطف عليكم.
أيها الناس: إنا والله ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجينا، ولا عقيانًا3 ولا نحقر نهرًا، ولا نبني قصرًا، وإنما أخرجنا الأنفة من ابتزازهم حقنا، والغضب لبني عمنا، وما كرثنا4 من أموركم، وبهظنا من شئونكم، ولقد كانت أموركم ترمضنا5 ونحن على فرشنا، ويشتد علينا سوء سيرة بني أمية فيكم، وخرقكم بكم، واستدلالهم بكم، واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم، لكم ذمة تبارك وتعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة العباس رحمه الله أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير في العامة منكم والخاصة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تبًّا تبًّا لبني حرب بن أمية وبني مروان، وآثروا في مدتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة، والدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، وانتهكوا المحارم، وغشوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسنتهم في البلاد، التي بها استلذوا تسربل الأوزار، وتجلبب الآصار6، ومرحوا في أعنة المعاصي، وركضوا في ميادين الغي، جهلًا باستدراج الله، وأمنًا لمكر الله، فأتاهم بأس الله بياتًا وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث، ومزقوا كل ممزق، فبعدًا للقوم الظالمين، وأدالنا7 الله من مروان، وقد غره بالله الغرور، وأرسل لعدو الله في عنانه، حتى عثر في فضل خطامه، فظن عدو الله أن لن يقدر عليه، فنادى حزبه، وجمع مكايده، ورمى بكتائبه، فوجد أمامه ووراءه، وعن يمينه وشماله، من مكر الله وبأسه
__________
1 جمع نازع: وهو الرامي يشد الوتر إليه ليضع فيه السهم، وصار الأمر إلى النزاعة أي قام بإصلاحه أهل الأناة، وعاد السهم إلى النزعة: رجع الحق إلى أهله.
2 أصله.
3 ذهبًا.
4 كرثه الغم كضرب ونصر: اشتد عليه كأكرثه.
5 أرمضه: أوجعه وأحرقه، وأرمض الحر القوم: اشتد عليهم فآذاهم.
6 جمع إصر كحمل وهو الذنب.
7 نصرنا عليه.
(3/9)

ونقمته، ما أمات باطله، وحق ضلاله، وجعل دائرة السوء به، وأحيا شرفنا وعزنا، ورد إلينا حقنا وإرثنا.
أيها الناس، إن أمير المؤمنين – نصره الله نصرًا عزيزًا– إنما عاد إلى المنبر بعد الصلاة، أنه كره1 أن يخلط بكلام الجمعة غيره، إنما قطعه عن استتمام الكلام بعد أن اسحنفر2 فيه شدة الوعك، وادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدو الرحمن، وخليفة الشيطان، المتبع للسفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، بإبدال الدين، وانتهاك حريم المسلمين، الشاب3 المتكهل المتمهل، المقتدي بسلفه الأبرار الأخيار، الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها بمعالم الهدى، ومناهج التقوى" –فعج الناس له بالدعاء- ثم قال:
"يأهل الكوفة: إنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على حقنا، حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حقنا، وأفلج4 بهم حجتنا، وأظهر بهم دولتنا، وأراكم الله ما كنتم به تنتظرون، وإليه تتشوفون، فأظهر فيكم الخليفة من هاشم وبيض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشأم، ونقل إليكم السلطان وعز الإسلام، ومن عليكم بإمام منحه العدالة، وأعطاه حسن الإيالة5، فخذوا ما آتاكم الله بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تخدعوا عن أنفسكم، فإن الأمر أمركم، فإن لكل أهل بيت مصرًا، وإنكم مصرنا، ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأمير المومنين عبد الله بن محمد –وأشار بيده إلى أبي العباس– فاعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا، حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم صلى الله عليه، والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا".
"تاريخ الطبري 9: 126، وشرح ابن أبي الحديد م 2: ص 213".
__________
1 أي؛ لأنه كره.
2 اسحنفر الخطيب: اتسع في كلامه.
3 كانت سنه حين ولي الخلافة 28 سنة إذ ولد سنة 104هـ.
4 نصر.
5 آل الملك رعيته إبالا: ساسهم. وآل على القوم إيالًا وإيالة: ولي.
(3/10)

3- خطبة داود بن علي وقد أرتج على السفاح:
وروى أنه لما قام أبو العباس في أول خلافته على المنبر، قام بوجه كورقة المصحف فاستحيا فلم يتكلم، فنهض داود بن علي حتى صعد المنبر، فقال المنصور: فقلت في نفسي: شيخنا وكبيرنا ويدعو إلى نفسه، فلا يختلف عليه اثنان، فانتضيت سيفي، وغطيته بثوبي1، وقلت: إن فعل ناجزته، فلما رقى عتبا استقبل الناس بوجهه دون أبي العباس، ثم قال: "أيها الناس، إن أمير المؤمنين يكره أن يتقدم قوله فعله، ولأثر الفعال أجدى عليكم من تشقيق2 المقال، وحسبكم بكتاب الله ممتثلًا3 فيكم، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم خليفة عليكم، والله –قسما برا لا أريد به إلا الله- ما قام هذا المقام أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق به من علي بن أبي طالب، وأمير المؤمنين هذا، فليظن ظانكم، وليهمس هامسكم" قال أبو جعفر: ثم نزل، وشمت4 سيفى.
"عيون الأخبار م 2: ص 252، وشرح ابن أبي الحديد م 2: ص213، مواسم الأدب 2: 144".
__________
1 في عيون الأخبار: "وغطيت ثوبي" وهو تحريف.
2 شقق الكلام: أخرجه أحسن مخرج.
3 امتثل طريقته: تبعها فلم يعدها.
4 شام سيفه يشيمه: غمده "واستله أيضًا: ضد".
(3/11)

4- خطبة أخرى له:
وروى السيد المرتضى في أماليه قال:
أراد أبو العباس السفاح يومًا أن يتكلم بأمر من الأمور بعد ما أفضت الخلافة إليه –وكان فيه حياء مفرط- فأرتج عليه، فقال داود بن علي بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
"أيها الناس، إن أمير المؤمنين الذي قلده الله سياسة رعيته، عقل من لسانه،
(3/11)

عندما يعهد من بيانه، لكل مرتق بهر1، حتى تنفسه العادات، فأبشروا بنعمة الله في صلاح دينكم، ورغد عيشكم". "أمالي السيد المرتضى 4: 19".
__________
1البهر: انقطاع النفس من الإعياء.
(3/12)

5- خطبة أخرى للسفاح بالكوفة:
وخطب السفاح في الجمعة الثانية بالكوفة، فقال:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} والله لا أعدكم شيئًا إلا وفيت بالوعد والوعيد، ولأعملن اللين حتى لا تنفع إلا الشدة، ولأغمدن السيف إلا في إقامة حد، أو بلوغ حق، ولأعطينكم حتى أرى العطية ضياعا، إن أهل بيت اللعنة والشجرة1 الملعونة في القرآن، كانوا لكم أعداء، لا يرجعون معكم من حالة إلا إلى ما هو أشد منها، ولا يلي عليكم منهم والٍ إلا تمنية من كان قبله، وإن كان لاخير في جميعهم، منعوكم الصلاة في أوقاتها، وطالبوكم بأدائها في غير وقتها، وأخذوا المقبل بالمدبر2، والجار بالجار، وسلطوا شراركم على خياركم، فقد محق الله جورهم، وأزهق باطلهم، بأهل بيت نبيكم، فما نؤخر لكم عطاء، ولا نضيع لأحد منكم حقًّا، ولا نجمركم في بعث، ولا نخاطر بكم في قتال، ولا نبذلكم دون أنفسنا، والله على ما نقول وكيل بالوفاء والاجتهاد، وعليكم بالسمع والطاعة" ثم نزل. "شرح ابن أبي الحديد م 2: ص213".
__________
1 هي شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم، جعلها الله فتنة للمشركين إذ قالوا: إن النار تحرق الشجرة فكيف تنبته.
2 انظر قول زياد بن أبيه في خطبته البتراء الجزء الثاني ص272.
(3/12)

6- خطبة السفاح بالشام حين قتل مروان:
ولما قتل مروان بن محمد –آخر خلفاء بني أمية– خطب السفاح، فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} ،
(3/12)

نكص بكم يأهل الشام آل حرب وآل مروان، يتسكعون1 بكم الظلم، ويتهورون بكم مداحض2 الزلق، يطئون بكم حرم الله3 وحرم رسوله4، ماذا يقول زعماؤكم غدًا؟ يقولون: {رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ} إذن يقول الله عز وجل: {لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ} أما أمير المؤمنين فقد ائتنف5 بكم التوبة، واغتفر لكم الزلة، وبسط لكم الإقالة6، وعاد بفضله على نقصكم، وبحلمه على جهلكم، فليفرخ روعكم7، ولتطمئن به داركم، وليقطع مصارع أوائلكم، {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا} . "العقد الفريد 2: 145".
__________
1 تسكع: مشى مشيا متعسفا.
2 جمع مدحضة: وهي المزلة.
3 يشير إلى ما كان من مقاتلة الحجاج عبد الله بن الزبير بمكة، ورميه الكعبة بالمنجنيق في عهد عبد الملك بن مروان.
4 يشير إلى وقعة الحرة وما أحدثه جيش مسلم بن عقبة المري بالمدينة على عهد يزيد بن معاوية.
5 استأنف وابتدأ.
6 أقال عثرته: رفعه من سقوطه.
7 الروع: بالضم القلب، أو موضع الفزع منه والروع بالفتح: الفزع، وأفرخت البيضة: خرج الفرخ منها، أي ليخرج الروع عن روعكم ولتهدءوا وتطمئنوا.
(3/13)

7- خطبة عيسى بن علي حين قتل مروان:
وخطب عيسى بن علي –عم السفاح- لما قتل مروان، فقال:
"الحمد لله الذي لا يفوته من طلب، ولا يعجزه من هرب، خدعت والله الأشقر نفسه، إذ ظن أن الله ممهله، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون} ، فحتى متى، وإلى متى؟ أما والله لقد كرهتهم العيدان1 التي افترعوها، وأمسكت السماء درها2، والأرض ريعها3، وقحل الضرع4، وجفز الفنيق5، وأسمل6
__________
1 أي أعواد المنابر، وافترعوها: أي علوها.
2 مطرها.
3 الريع: النماء والزيادة.
4 قحل: يبس جلده على عظمه.
5 الفنيق: الفحل المكرم لا يؤذي لكرامته على أهله ولا يركب، والجفز: كشمس السرعة في المشي، ولم تذكر كتب اللغة ضبط فعله، وجاء في اللسان: "الجفز: سرعة المشي يمانية، حكاها ابن دريد، قال: ولا أدري ما صحتها"، وفي رواية مواسم الأدب: "وجفل فنيق الشرك".
6 أسمل الثوب وسمل، كدخل وكرم: أخلق.
(3/13)

جلباب الدين، وأبطلت الحدود، وأهدرت الدماء، وكان ربك بالمرصاد، {فَدَمْدَمَ 1 عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا، وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا} ، وملكنا الله أمركم عباد الله لينظر كيف تعملون، فالشكر الشكر، فإنه من دواعي المزيد، أعاذنا الله وإياكم من مضلات الأهواء، وبغتات الفتن، فإنما نحن به وله".
"شرح ابن أبي الحديد م2: ص213، مواسم الأدب 2: 115".
__________
1 دمدم القوم، ودمدم عليهم: طحهم فأهلكهم، فسواها: أي الدمامة، أي عمهم بها فلم يفلت منهم أحد.
(3/14)

1- خطبة داود بن علي بمكة 1:
وخطب داود بن علي الناس بمكة في أول موسم ملكه بنو العباس، فقال:
"شكرًا شكرًا، إنا والله ما خرجنا لنحفر فيكم نهرًا، ولا لنبني فيكم قصرًا، أظن عدو الله أن لن نقدر عليه، أن روخي2 له من خطامه، حتى عثر في فضل زمامه؟ فالآن حيث أخذ القوس باريها، وعادت النبل إلى النزعة، ورجع الملك في نصابه من أهل بيت النبوة والرحمة –والله لقد كنا نتوجع لكم ونحن في فرشنا– أمن الأسود والأحمر3، ولكم ذمة الله، لكم ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكم ذمة العباس، لا ورب هذه البنية -وأومأ بيده إلى الكعبة- لا نهيج منكم أحدًا".
"تهذيب الكامل 1: 18، والعقد الفريد 2: 147، والبيان والتبيين 1: 180، وابن أبي الحديد 2: 213، ومواسم الأدب 2: 114".
__________
1 ولاه أبو العباس الكوفة وسوادها، 0ثم ولاه المدينة ومكة واليمن واليمامة سنة 132 وولاه إمارة الحاج في هذه السنة، ومات بالمدينة في ربيع الأول سنة 133هـ "الطبري ج 9 ص 147".
2 أي؛ لأن روخي له، ظن أن لن نقدر عليه.
3 الحمراء: العجم لأن الغالب على ألوانهم البياض والحمرة.
(3/14)

9- خطبته بالمدينة:
قال: "أيها الناس: حتام يهتف بكم صريخكم1؟ أما آن لراقدكم أن يهب من نومه؟ {كَلَّا بَلْ رَانَ 2 عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ، أغركم الإمهال حتى حسبتموه الإهمال، هيهات منكم وكيف بكم، والسوط كفي، والسيف مشهر3!
حتى يبيد قبيلة فقبيلة ... ويعض كل مثقف بالهام4
ويقمن ربات الخدور حواسرًا ... يمسحن عرض ذوائب الأيتام5
"العقد الفريد 2: 146".
__________
1 الصريخ: المستغيث "والمغيث أيضًا".
2 غلب.
3 شهر سيفه كمنع، وشهره بالتشديد: انتضاه فرفعه على الناس.
4 تثقيف الرماح: تسويتها.
5 قوله ويقمن: أي الرماح، والضمير يعود على "كل مثقف". حواسر: جمع حاسر وهي كل مكشوفة الرأس والذراعين.
(3/15)

10- خطبة أخرى له 1:
وخطب فقال: "أحرز لسان رأسه، اتعظ امرؤ بغيره، اعتبر عاقل قبل أن يعتبر به، فأمسك الفضل من قوله، وقدم الفضل من عمله" ثم أخذ بقائم سيفه، فقال: "إن بكم داءً هذا دواؤه، وأنا زعيم لكم بشفائه، وما بعد الوعيد إلا الإيقاع".
"عيون الأخبار م 2: ص252، ومواسم الأدب 2: 114".
__________
1 هذه الخطبة أوردها ابن قتيبة، وعزاها إلى داود بن علي، ونسبها صاحب العقد إلى المنصور، وأنه قالها لما قتل الأمويين "راجع العقد ج 7: ص 145".
ونصها كما أوردها: "أحرز لسان رأسه، انتبه امرؤ لحظه، نظر امرؤ في يومه لغده، فمشى القصد، وقال الفصل، وجانب الهجر"، ثم أخذ بقائم سيفه، فقال:
"أيها الناس: إن بكم داء هذا دواؤه، وأنا زعيم لكم بشفائه، فليعتبر عبد قبل أن يعتبر به، فإنما بعد الوعيد الانقطاع، و {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّه} والهجر: القبيح من الكلام.
(3/15)

11- خطبته وقد بلغه أن قومًا أظهروا شكاة بني العباس.
وبلغه أن قوما أظهروا شكاة بني العباس، فافترع المنبر، وحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أغد أهل الختر1 والتبديل؟ ألم يردعكم الفتح المبين2، عن الخوض في ذم أمير المؤمنين؟ كلا والله حتى تحملوا أوزاركم وأوزار الذين كانوا من قبلكم، كيف قامت شفاهكم بالشكوى لأمير المؤمنين؟ بعد أن حانت آجالكم فأرجأها، وانبعثت دماؤكم فحقنها، الآن يا منابت الدمن، مشيتم الضراء3، ودببتم الخمر4، أما ومحمد والعباس إن عدتم لمثل ما بدأتم، لأحصدنكم بظبات السيوف، ثم يغني ربنا عنكم، ونستبدل غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم.
مهلًا يا روايا5 الإرجاف، وأبناء النفاق، عن الخوض فيما كفيتم، والتخطي إلى ما حذرتم، قبل أن تتلف نفوس، ويقل عدد، ويذل عز، وما أنتم وتلك؟ ألم تجدوا ما وعد ربكم حقًّا من إيراث المستضعفين مشارق الأرض ومغاربها؟ بلى والحجر والحجر6، ولكنه حسد مضمر وحسك7 في الصدور، فرغما للمعاطس8، وبعدًا للقوم الظالمين9". "مواسم الأدب 2: 114".
__________
1 الختر: الغدر، أو أقبحه.
2 في الأصل "ألم ير علم الفتح المبين من الخوض في ذم أمير المؤمنين" وهو تحريف.
3 الضراء: الشجر الملتف في الوادي، ويقال: توارى الصيد منه في ضراء، وفلان يمشي الضراء: إذا مشى مستخفيًا فيما يواري من الشجر.
4 في الأصل "ودببتم الحمراء" وهو تحريف، وصوابه ما ذكرنا، والخمر بالتحريك: كل ما وراك من شجر أو بناء أو غيره، وخمر كفرح: توارى، ومن أمثالهم: "يدب له الضراء، ويمشي له الخمر" وهو مثل يضرب للرجل يختل صاحبه.
5 الروايا جمع راوية: وهي المزادة فيها الماء.
6 الحجر: حجر الكعبة، وهو ما حواه الحطيم المدار بالكعبة من جانب الشمال.
7 الحسك: الحقد والعداوة.
8 المعاطس جمع معطس كمجلس ومقعد وهو الأنف، والرغم: الذل.
9 وروى صاحب العقد بعض هذه الخطبة وعزاها إلى أبي جعفر المنصور، فقال: "خطب المنصور حين خروجه إلى الشام فقال:
شنشنة أعرفها من أخزم ... من يلق أبطال الرجال يكلم
مهلًا مهلًا روايا الإرجاف، وكهوف النفاق.... إلى آخر الخطبة"، راجع العقد الفريد 2: 145 –والشنشنة: الطبيعة والعادة، وهو مثل لأبي أخزم الطائي، وكان له ابن يقال له أخزم، وكان عاقا، فمات وترك بنين، فوثبوا يومًا على جدهم أبي أحزم فأدموه فقال:
إن بني ضرجوني بالدم ... شنشنة أعرفها من أخزم
أي أن هؤلاء أشبهوا أباهم في العقوق: يضرب في قرب الشبه، ويكلم: يجرح.
(3/16)

12 خطبته وقد أرتج عليه:
وخطب داود بن علي، فحمد الله جل وعز، وأثنى عليه، صلى الله عليه وسلم، فلما قال: أما بعد، وامتنع عليه الكلام، ثم قال:
"أما بعد، فقد يجد المعسر، ويعسر الموسر، ويفل الحديد، ويقطع الكليل، وإنما الكلام بعد الإفحام، كالإشراق بعد الإظلام، وقد يغزب البيان، ويعقم الصواب، وإنما اللسان، مضغة من الإنسان، يفتر بفتوره إذا نكل، ويثوب بانبساطه إذا ارتجل، ونحن بعد أمراء القول لا ننطق بطرًا، ولا نسكت حصرًا، بل نسكت معتبرين، وننطق مرشدين، ونحن بعد أمراء القول، فينا وشجت1 أعراقه، وعلينا عطفت أغصانه ولنا تهدلت ثمرته، فنتخير منه ما احلولى وعذب، ونطرح منه ما املولح وخبث، ومن بعد مقامنا هذا مقام، وبعد أيامنا أيام، ويعرف فيها فضل البيان، وفصل الخطاب والله أفضل مستعان" ثم نزل2.
"كتاب الصناعتين ص21، وأمالي السيد المرتضى 4: 19، وزهر الآداب 2: 285".
__________
1 وشجت العروق والأغصان كوعه وشجا ووشيجا: اشتبكت، والواشجة: الرحم المشتبكة.
2 وروى الحصري في زهر الآداب بعض هذا القول وعزاه إلى عبد الملك بن صالح، وروى السيد المرتضى في أماليه قال:
"صعد أبو العباس السفاح المنبر، فأرتج عليه فقال: "أيها الناس، إن اللسان، بضعة من الإنسان، يكل إذا كل، وينفسح بانفساحه إذا فسح، ونحن أمراء الكلام، منا تفرعت فروعه، وعلينا تهدلت غصونه، ألا وإنا لا نتكلم هذرًا، ولا نسكت إلا معتبرين" ثم نزل، فبلغ ذلك أبا جعفر، فقال: "لله هو لو خطب بمثل ما اعتذر، لكان من أخطب الناس" وهذا الكلام يروى لداود بن علي أ. هـ.
والبضعة بفتح الباء وقد تكسر: القطعة من اللحم، والهذر بالتحريك: سقط الكلام وبسكون الذال مصدر هذر في منطقة كضرب ونصر.
(3/17)

13-خطبة صالح بن علي:
وخطب صالح بن علي1 عم السفاح، فقال:
يا أعضاد النفاق، وعبد الضلالة، أغركم لين أساسي، وطول إيناسي؟ حتى ظن جاهلكم أن ذلك لفلول حد، وفتور جد، وخور2 قناة، كذبت الظنون، إنها العترة بعضها من بعض، فإذ قد استوليتم العافية، فعندي فطام وفكاك، وسيف يقد الهام، وإني أقول:
أغركم أني بأكرم شيمة ... رفيق، وأني بالفواحش أخرق؟
ومثلي إذا لم يجز أحسن سعيه ... تكلم نعماه بفيها فتنطق
لعمري لقد فاحشتني فغلبتني ... هنيئًا مريئًا أنت بالفحش أرفق
"العقد الفريد 2: 146".
__________
1 هو صالح بن علي بن عبد الله بن عباس عم السفاح، وقد ولاه السفاح مصر سنة 132 ثم فلسطين، ثم ولاه مصر ثانية سنة 136، حتى قدم الخبر بموت السفاح في ذي الحجة سنة 136، فأقره المنصور على عمل مصر ثم خرج إلى فلسطين، ومات وهو عامل حمص بقنسرين.
2 ضعف.
(3/18)

14- خطبة سديف بن ميمون:
وروى صاحب العقد قال:
لما قدم الغمر بن يزيد بن عبد الملك على أبي العباس السفاح في ثمانين رجلًا من
(3/18)

بني أمية، وضعت لهم الكراسي، ووضعت لهم نمارق1، وأجلسوا عليها، وأجلس الغمر مع نفسه في المصلى، ثم أذن لشيعته فدخلوا ودخل فيهم سديف بن ميمون2، وكان متوشحًا سيفًا، متنكبًا قوسًا، وكان طويلًا آدم3، فقام خطيبًا.
فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيزعم الضلال بم حبطت4 أعمالهم أن غير آل محمد أولى بالخلافة؟ فلم وبم أيها الناس؟ لكم الفضل بالصحابة، دون حق ذوي القرابة، الشركاء في النسب، الأكفاء في الحسب، الخاصة في الحياة، الوفاة5 عند الوفاة، مع ضربهم على الدين جاهلكم، وإطعامهم في الأولى جائعكم، فكم قصم الله بهم من جبار باغ، وفاسق ظالم، لم يسمع بمثل العباس، ولم تخضع له أمة بواجب حق، أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبيه، وجلدة ما بين عينيه6، أمينه ليلة العقبة7 ورسوله إلى أهل مكة، وحاميه يوم حنين8، لا يرد له رأيًا، ولا يخالف له قسما، إنكم والله معاشر قريش ما اخترتم لأنفسكم من حيث ما اختاره الله لكم، تيمي9 مرة، وعدوي10 مرة، وكنتم بين ظهراني قوم قد آثروا العاجل على الآجل، والفاني على الباقي، وجعلوا الصدقات في الشهوات، والفيء في اللذات والغناء، والمغانم،
__________
1 نمارق جمع نمرقة كقنفذة: وهي الوسادة الصغيرة.
2 مولى العباس السفاح.
3 وصف من الأدمة، وهي كالسمرة وزنا ومعنى.
4 فسدت.
5 الوفاة جمع واف.
6 خطب الوليد بن عبد الملك فقال: "إن أمير المؤمنين عبد الملك كان يقول: "إن الحجاج جلدة ما بين عيني" ألا وإنه جلدة وجهي كله" –البيان والتبيين 1: 160، 3: 21-.
7 يوم مبايعة الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلًا معهم امرأتان وليس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عمه العباس –وهو على دين قومه- ولكنه رأى أن يحضر أمر ابن أخيه ليتوثق له.
8 كان العباس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين، حين انهزم المسلمون أو الموقعة، وكان آخذًا بلجام بغلته.
9 يريد أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وهو من تيم بن مرة بن كعب بن لؤي.
10 يريد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو من عدي بن كعب بن لؤي.
(3/19)

في المحارم، إذا ذكروا بالله لم يذكروا، وإذا قدموا بالحق أدبروا، فذلك زمانهم، وبذلك كان يعمل شيطانهم1". "العقد الفريد: 2: 301".
__________
1 فقر هذه الخطبة مروية في خطبة أبي مسلم الخراساني الآتية بعدها، ولكني آثرت إيراد الروايتين جميعًا كما وردتا.
(3/20)

15- خطبة أبي مسلم الخراساني:
وروى ابن أبي الحديد قال: وخطب أبو مسلم بالمدينة في السنة التي حج فيها في خلافة السفاح1، فقال:
"الحمد لله الذي حمد نفسه، واختار الإسلام دينًا لعباده، ثم أوحى إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك ما أوحى، واختاره من خلقه، نفسه من أنفسهم، وبيته من بيوتهم، ثم أنزل عليه في كتابه الناطق الذي حفظه بعلمه، وأشهد ملائكته على حقه، قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} ، ثم جعل الحق بعد محمد صلى الله عليه وآله في أهل بيته، فصبر من صبر منهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله على اللأواء2 والشدة، وأغضى على الاستبداد والأثرة، ثم إن قومًا من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله، جاهدوا على ملة نبيه وسنته بعد عصر من الزمان، من عمل بطاعة الشيطان، وعداوة الرحمن، بين ظهراني قوم آثروا العاجل على الآجل، والفاني على الباقي، إن رتق جور فتقوه، أو فتق حق رتقوه، أهل خمور وماخور، وطنابير3 ومزامير، إن ذكروا لم يذكروا، أو قدموا إلى الحق أدبروا وجعلوا الصدقات، في الشبهات، والمغانم في المحارم، والفيء في الغي، هكذا كان زمانهم، وبه كان يعمل سلطانهم، وزعموا أن غير آل محمد أولى بالأمر منهم، فلم وبم أيها الناس؟ ألكم الفضل بالصحابة، دون القرابة، الشركاء
__________
1 وذلك في سنة 136هـ.
2 الشدة.
3 الطنابير: جمع طنبور كعصفور، وهو الذي يلعب به.
(3/20)

في النسب، والورثة في السلب1، مع ضربهم على الدين جاهلكم، إطعامهم في الجدب جائعكم، والله ما اخترتم من حيث اختار الله لنفسه ساعة قط، وما زلتم بعد نبيه تختارون تيميًّا مرة، وعدويًّا مرة، وأمويًّا مرة، وأسديًّا2 مرة، وسفيانيًّا مرة، ومروانيا مرة، حتى جاءكم من لا تعرفون اسمه ولا بيته3 يضربكم بسيفه، فأعطيتموها عنوةً، وأنتم صاغرون، ألا إن آل محمد أئمة الهدى، ومنار سبيل التقى، القادة الذادة السادة، بنو عم رسول الله عليه وسلم، ومنزل جبريل بالتنزيل، كم قصم الله
__________
1 ما يسلب، والمراد ورثته في الخلافة.
2 هو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد.
3 قال ابن أبي الحديد: "يعني نفسه؛ لأنه لم يكن معلوم النسب، وقد اختلف فيه أهو مولى أم عربي" وقال ابن خلكان في "وفيات الأعيان 1: 280" في ترجمته: "أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم وقيل عثمان الخراساني القائم بالدعوة العباسية، وقيل هو إبراهيم بن عثمان بن يسار بن سدوس بن جودرن من ولد بزر جمهر بن البختكان الفارسي، وقد اختلف الناس في نسبه، فقيل إنه من العرب، وقيل إنه من العجم، وقيل من الأكراد، وفي ذلك يقول أبو دلامة:
أبا مجرم ما غير الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد
أفي دولة المنصور حاولت غدرة ... ألا إن أهل الغدر آباؤك الكرد
وقال ابن طباطبا في الفخري ص123: "أما نسبه ففيه اختلاف كثير، فقيل: هو حر من ولد بزرجمهر، وأنه ولد بأصفهان، ونشأ بالكوفة، فاتصل بإبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فغير اسمه وكناه بأبي مسلم، وثقفه وفقهه، حتى كان منه ما كان.
وقيل هو عبد تنقل في الرق، حتى وصل إلى إبراهيم الإمام، فلما رآه أعجبه سمته وعقله، فابتاعه من مولاه وثقفه وفهمه، وصار يرسله إلى شيعته وأصحاب دعوته بخراسان، وما زال على ذلك حتى كان من الأمر ما كان.
وأما هو فإنه لما قويت شوكته ادعى أنه ابن سليط بن عبد الله بن عباس، وكان لعبد الله بن عباس جارية فوقع عليها مرة، ثم اعتزلها مدة فاستنكحها عبدًا فوطئها، فولدت منه غلامًا سمته سليطًا، ثم ألصقته بعبد الله بن عباس، وأنكره عبد الله ولم يعترف به، ونشأ سليط، وهو أكره الخلق إلى عبد الله بن عباس، فلما مات عبد الله نازع سليط ورثته في ميراثه، وأعجب ذلك بني أمية ليغضوا سن علي بن عبد الله بن عباس، فأعانوه وأوصوا قاضي دمشق في الباطن، فمال إليه الحكم وحكم له بالميراث، فادعى أبو مسلم حين قويت شوكته أنه من ولد سليط هذا".
وذكر ابن خلكان أن المنصور قال له قبل قتله، وقد عدد له مساوئ وقعت عنه: "بزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن العباس! لقد ارتقيت لا أم لك مرتقى صعبًا! ".
(3/21)

بهم من جبَّار طاغ، وفاسق باغ، شيد الله بهم الهدى، وجلى بهم العمى، لم يسمع بمثل العباس، وكيف لا تخضع له الأمم لواجب حق الحرمة؟ أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبيه، وإحدى يديه، وجلدة بين عينيه، أمينة يوم العقبة، وناصره بمكة1، ورسوله إلى أهلها، وحاميه يوم حنين، عند ملتقى الفئتين، لا يخالف له رسمًا، ولا يعصي له حكمًا، الشافع يوم نيق العقاب2، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في الأحزاب، ها إن في هذا أيها الناس لعبرة لأولي الأبصار".
"شرح ابن أبي الحديد م 2: 215".
__________
1 يشير إلى ما كان من العباس في غزوة أحد، وذلك أن جيش المشركين خرج من مكة لمحاربة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا مقابل المدينة، وبلغ الخبر الرسول من كتاب بعث به إليه عمه العباس الذي لم يخرج معهم في هذه الحرب محتجا بما أصابه يوم بدر، وكان بمكة يكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار المشركين "وقيل إنه كان قد أسلم قبل الهجرة، وكان يكتم إسلامه".
2 موضع بين مكة والمدينة. وذلك أن العباس شفع فيه يوم فتح مكة في أبي سفيان، وفي أهل مكة فعفا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم.
(3/22)

16- خالد بن صفوان وأخوال السفاح:
روى الجاحظ قال:
كان خالد بن صفوان الأهتمي من سمار أبي العباس السفاح، وأهل المنزلة عنده، ففخر عليه ناس من بلحارث1، وأكثروا في القول، فقال أبو العباس: لم لا تتكلم يا خالد؟ فقال: "أخوال2 أمير المؤمنين وعصبته" قال: "فأنتم أعمام أمير المؤمنين وعصبته" قال خالد: وما عسى أن أقول لقوم، كانوا بين ناسج برد، ودابغ جلد،
__________
1 انظر الجزء الثاني 335.
2 كانت أم السفاح من بني الحارث، وهي ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الديان الحارثي، ولذا كان يقال له ابن الحارثية".
(3/22)

وسائس قرد، وراكب عرد1، ودل عليهم هدهد2، وغرقتهم فأرة3، وملكتهم امرأة4". "البيان والتبيين 1: 184".
وروى الحصري في زهر الآداب قال:
"دخل خالد بن صفوان على أبي العباس السفاح، وعنده أخواله من بني الحارث بن كعب، فقال: ما تقول في أخوالي؟ فقال: "هم هامة5 الشرف، وعرنين6 الكرم، وغرس الجود، إن فيهم خصالًا ما اجتمعت في غيرهم من قومهم؛ لأنهم أطولهم لممًا7، وأكرم شيمًا، وأطيبهم طعمًا8، وأوفاهم ذمما، وأبعدهم هممًا، الجمرة في الحرب، والرفد9 في الجدب، والرأس في كل خطب، وغيرهم بمنزلة العجب10".
فقال: وصفت أبا صفوان فأحسنت، فزاد أخواله في الفخر، فغضب أبو العباس
__________
1 العرد: الحمار.
2 يشير إلى حديث الهدهد مع سليمان عليه السلام في قوله تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ، وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} ... الآيات.
3 يشير إلى ما يزعمه المؤرخون من أن سيل العرم الذي خرب اليمن كان سببه قرض الجرذ لسد مأرب انظر الجزء الأول ص105.
4 هي بلقيس "بالكسر" ملكة سبأ.
5 الهامة: رأس كل شيء.
6 العرنين: الأنف، أو ما صلب من عظمه، ومن كل شيء أوله.
7 في الأصل "أمما" وأراه محرفًا، وصوابه "لممًا" واللمم جمع لمة بالكسر، وهي الشعر المجاوز شحمة الأذن.
8 الطعم: الطعام.
9 الرفد: العطاء والصلة.
10 العجب: أصل الذنب، ومؤخر كل شيء.
(3/23)

لأعمامه: فقال: افخر يا خالد على أخوال أمير المؤمنين، قال: وأنت من أعمامه، قال:
"كيف أفاخر قومًا بين ناسج برد، وسائس قرد، ودابغ جلد، وراكب عرد، دل عليهم هدهد، وغرقهم جرذ، وملكتهم امرأة؟ "، فأشرق وجه أبي العباس.
"زهر الآداب 3: 130، 346".
(3/24)

17- خالد بن صفوان ورجل من بني عبد الدار:
وفاخر خالد بن صفوان رجلًا من بني عبد الدار الذين يسكنون اليمامة، فقال له العبدري: من أنت؟ قال: أنا خالد بن صفوان بن الأهتم، فقال له العبدري: أنت خالد "كمن هو خالد في النار1" وأنت ابن صفوان، وقال الله تعالى: "كمثل صفوان عليه تراب2"، وأنت ابن الأهتم، والصحيح خير من الأهتم3، فقال له خالد ابن صفوان: يا أخا بني عبد الدار، أتتكلم؟ وقد هشمتك هاشم، وأمتك4 بنو أمية، وخزمتك بنو مخزوم، وجمحتك بنو جمح5؟ فأنت عبد دارهم6 تفتح إذا دخلوا، وتغلق إذا خرجوا" فقام العبدري محمومًا.
"أمالي السيد المرتضى 1: 215، والبيان والتبيين 1: 182".
__________
1 وتمام الآية الكريمة: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} .
2 صفوان جمع صفوانة: وهي الحجر الصلد الضخم كالصفواء والصفاة، والآية الكريمة:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} .
3 هتم كفرح: انكسرت ثناياه من أصولها فهو أهتم.
4 قادتك.
5 انظر الجزء الثاني ص98.
6 وكانت الحجابة في بني عبد الدار، انظر الجزء الثاني ص98 أيضًا.
(3/24)

18- خالد بن صفوان يرثي صديقًا له:
وقال الجاحظ: قيل لرجل –أراه خالد بن صفوان1- مات صديق لك، فقال: "رحمة الله عليه، لقد كان يملأ العين جمالًا، والأذن بيانًا، ولقد كان يرجى فلا يَخشى، ويُغشَى فلا يَغشَى، ويُعطي فلا يُعطى، قليلًا لدى الشر حضوره، سليمًا للصديق ضميره".
"البيان والتبيين 3: 231، والأمالي 2: 174".
__________
1 ورواية القالي: عن الأصمعي قال خالد بن صفوان لفتى بين يديه: رحم الله أباك ... إلخ.
(3/25)

19- خالد بن صفوان يمدح رجلًا:
وذكر خالد رجلًا، فقال:
"كان والله بديع المنطق، ودلق1 الجرأة، وجزل الألفاظ، عربي اللسان، ثابت العقدة، رقيق الحواشي، خفيف الشفتين، بليل الريق، رحب الشرف، قليل الحركات، خفي الإشارات، حلو الشمائل، حسن الطلاوة2، حييًّا جريئًا، قئولًا صموتًا، يفل الحز3 ويصيب المفاصل، لم يكن بالمعذر4 في منطقة، ولا بالزمن5 في مروءته، ولا بالخرق6 في خليفته، متبوعًا غير تابع، كأنه علم في رأسه نار".
"زهر الآداب 3: 167".
__________
1 مأخوذة من "سيف دلق" أي سهل الخروج من غمده، ويقال: اندلق العميل أي اندفع، واندلق السيف: أي شق جفنه فخرج منه.
2 الطلاوة مثلثة: القبول.
3 الحز: القطع.
4 عذر في الأمر تعذيرًا، إذا قصر ولم يجتهد.
5 أي المعيب، والزمانة كسحابة: العاهة، زمن كفرح فهو زمن وزمين.
6 الخرق: الذي لا يحسن العمل والتصرف في الأمور.
(3/25)

20- كلمات بليغة لخالد بن صفوان:
وقال خالد بن صفوان لبعض الولاة: "قدمت فأعطيت كلًّا بقسطه من وجهك
(3/25)

وكرامتك1، حتى كأنك من كل أحد، وحتى كأنك لست من أحد".
"الأمالي 1: 216، وزهر الآداب 3: 347، 167".
وقال شبيب بن شيبة لخالد بن صفوان: "من أحب إخوانك إليك؟ " قال: "من سد خللي، وغفر زللي، وقبل عللي". "الأمالي 1: 198".
وذكر شبيب عنده مرة، فقال: "ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية".
قال الجاحظ: "وهذا كلام ليس يعرف قدره إلا الراسخون في هذه الصناعة".
"البيان والتبيين 1: 184، وزهر الآداب 3: 209".
وقال خالد: "ما الإنسان، لولا اللسان، إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة"، وقال "اتقوا مجانيق2 الضعفاء" يريد الدعاء. "البيان والتبيين 1: 190".
وذكر المزاح بحضرة خالد بن صفوان، فقال: "ينشق أحدكم أخاه مثل الخردل، يفرغ عليه مثل المرجل، ويرميه بمثل الجندل، ثم يقول: إنما كنت أمزح! ".
"زهر الآداب 52: 8".
__________
1 وفي رواية زهر الآداب: "من نظرك ومجلسك في صوتك وعدلك".
2 جمع منجنيق بفتح الميم وكسرها: آلة ترمى بها الحجارة.
(3/26)

عمارة بن حمزة والسفاح
...
21- عمارة بن حمزة السفاح:
وقال عمارة بن حمزة لأبي العباس السفاح- وقد أمر له بجوائز نفيسة وكسوة وصلة، وأدنى مجلسه:
"وصلك الله يا أمير المؤمنين وبرك، فوالله لئن أردنا شكرك على كنه1 صلتك، إن الشكر ليقصر عن نعمتك، كما قصرنا عن منزلتك، ثم إن الله تعالى جمل لك فضلًا علينا، بالتقصير منا، ولم تحرمنا الزيادة منك لنقص2 شكرنا".
"زهر الآداب 3: 346".
__________
1 كنه الشيء: حقيقته.
2 في الأصل: "لبعض" وأراء محرفًا.
(3/26)

خطب أبي جعفر المنصور
خطبته بمكة
...
خطب أبي جعفر المنصور "توفي سنة 158هـ".
22- خطبته بمكة:
خطب أبو جعفر المنصور بمكة، فقال:
"أيها الناس: إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه، وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته وإرادته، وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلًا، إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم، وقسم أرزاقكم، فإن شاء أن يقفلني عليها أقفلني، فارغبوا إلى الله وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم من فضله ما أعلمكم به إذ يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} أن يوفقني للرشاد والصواب، وأن يلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم".
"العقد الفريد 2: 145، وعيون الأخبار م 2 ص251، تاريخ الطبري 9: 31".
(3/27)

23- خطبته بمكة بعد بناء بغداد:
وحج بعد بناء بغداد فقام خطيبًا بمكة، فكان مما حفظ من كلامه1: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ 2 مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} ، أمر مبرم، وقول عدل، وقضاء فصل، والحمد لله الذي أفلج3 حجته، وبعدًا للقوم الظالمين،
__________
1 عزا صاحب العقد هذه الخطبة إلى سليمان بن علي "انظر 2 ص145"، وكذا صاحب مواسم الأدب "انظر 2: ص115".
2 قيل المراد بالزبور جنس الكتب المنزلة، وبالذكر اللوح المحفوظ.
3 نصر.
(3/27)

الذين اتخذوا الكعبة غرضًا، والفيء إرثًًا، وجعلوا القرآن عضين1، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فكم ترى من بئر معطلة2 وقصر مشيد، أمهلهم الله حتى بدلوا السنة، واضطهدوا العترة3 وعندوا4 واعتدوا واستكبروا، وخاب كل جبار عنيد، ثم أخذهم فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا؟ 5".
"تاريخ الطبري 9: 311، والكامل لابن الأثير 6: 12".
__________
1 العضة: الفرقة والقطعة والجمع عضون، وجعل المشركون القرآن عضين أي فرقًا: فرقوا فيه القول، فجعلوه كذبًا وسحرًا وكهانةً وشعرًا، فهم قد "عضوه" بالتشديد أعضاء أي جزءوه أجزاء، وهو يريد هنا الأمويين يشير إلى أنهم عطلوا بعض أوامر القرآن بما أتوه من الأعمال من رمي الكعبة، واضطهاد أهل البيت ... إلخ.
2 متروكة لا يستقي منها الهلاك أهلها، ومشيد: مرفوع أو مطلي بالشيد "بالكسر" وهو ما طلي به الحائط من جص ونحوه، أي معطل خال من ساكنيه أيضًا.
3 العترة نسل الرجل ورهطه وعشيرته الأدنون.
4 عند "مثلث النون" عن الطريق: مال.
5 الصوت الخفي.
(3/28)

24- خطبته بمدينة السلام:
وخطب بمدينة السلام "بغداد" فقال:
"يا عباد الله، لا تظالموا، فإنها مظلمة يوم القيامة، والله لولا يد خاطئة، وظلم ظالم، لمشيت بين أظهركم في أسواقكم، ولو علمت مكان من هو أحق بهذا الأمر مني لأتيته حتى أدفعه إليه". "تاريخ الطبري 9: 310".
(3/28)

25- خطبته وقد أخذ عبد الله بن حسن وأهل بيته:
ولما أخذ عبد الله بن حسن1 وإخوته، والنفر الذين كانوا معه من أهل بيته، صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
__________
1 هو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وقد حمله المنصور هو وأهل بيته، من المدينة إلى العراق سنة 144هـ، وألقاهم في غيابات السجون حتى ماتوا بسجن الكوفة، وكان يتخوف أن يغالبه على الخلافة محمد بن عبد الله هذا "وهو محمد الملقب النفس الزكية" وقد خرج عليه بالمدينة فوجد المنصور جيشًا لقتاله فقتل سنة 145، وخرج أخوه إبراهيم على المنصور بالبصرة فقتل أيضًا في هذه السنة.
(3/28)

"يأهل خراسان: أنتم شيعتنا وأنصارنا، وأهل دولتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا من هو خير منا، وإن أهل بيتي هؤلاء من ولد علي بن أبي طالب، وتركناهم والله الذي لا إله إلا هو والخلافة، فلم نعرض لهم فيها بقليل ولا كثير، فقام فيها علي بن أبي طالب، فتلطخ، وحكم عليه الحكمين، فافترقت عنه الأمة، واختلفت عليه الكلمة، ثم وثبت عليه شيعته وأنصاره وأصحابه، وبطانته وثقاته فقتلوه، ثم قام من بعده الحسن بن علي، فوالله ما كان فيها برجل، قد عرضت عليه الأموال فقبلها، فدس إليه معاوية: إني أجعلك وليَّ عهدي من بعدي، فخدعه فانسلخ له مما كان فيه، وسلمه إليه، فأقبل على النساء يتزوج في كل يوم واحدة فيطلقها غدًا، فلم يزل على ذلك حتى مات على فراشه، ثم قام من بعده الحسين بن علي، فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة أهل الشقاق والنفاق والإغراق في الفتن، أهل هذه المدرة السوداء –وأشار إلى الكوفة- فوالله ما هي بحرب فأحاربها ولا سلم فأسالمها، فرق الله بيني وبينها، فخذلوه وأسلموه حتى قتل، ثم قام من بعده زيد بن علي، فخدعه أهل الكوفة وغروه، فلما أخرجوه1 وأظهروه أسلموه وقد كان أتى محمد بن علي2، فناشده في الخروج، وسأله ألا يقبل أقاويل أهل الكوفة، وقال له: إنا نجد في بعض علمنا أن بعض أهل بيتنا يصلب بالكوفة، وأنا أخاف أن تكون ذلك المصلوب، وناشده عمي داود بن علي وحذره غدر أهل الكوفة، فلم يقبل وتم3 على خروجه، فقتل وصلب بالكناسة4 ثم وثب علينا بنو أمية، فأماتوا شرفنا، وأذهبوا عزنا، والله ما كانت لهم عندنا ترة5 يطلبونها، وما كان ذلك كله إلا فيهم، وبسبب خروجهم عليهم، فنفونا من البلاد فصرنا مرة بالطائف. ومرة بالشام، ومرة بالشراة6، حتى ابتعثكم الله لنا شيعة
__________
1 وقد خرج في خلافة هشام بن عبد الملك، فقاتله يوسف بن عمر الثقفي وإلى العراق، وقتل وصلب سنة 121هـ.
2 يريد أباه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
3 تم على الأمر: استمر عليه.
4 موضع بقرب الكوفة.
5 ثأر.
6 موضع بين دمشق والمدينة "الكرك الآن".
(3/29)

وأنصارنا، فأحيا شرفنا وعزنا بكم أهل خراسان، ودمغ بحقكم أهل الباطل، وأظهر حقنا، وأصار إلينا ميراثنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم، فقر الحق مقره، وأظهر مناره، وأعز أنصاره، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين، فلما استقرت الأمور فينا على قرارها من فضل الله فيها وحكمه العادل لنا، وثبوا علينا ظلمًا وحسدًا منهم لنا، وبغيًا لما فضلنا الله به عليهم، وأكرمنا به من خلافته، وميراث نبيه صلى الله عليه وسلم:
جهلًا على وجبنا عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن
فإني والله يأهل خراسان ما أتيت من هذا الأمر ما أتيت بجهالة، بلغني عنهم بعض السقم والتعرم1، وقد دسست لهم رجالا، فقلت: قم يا فلان، قم يا فلان، فخذ معك من المال كذا، وحذوت لهم مثالًا يعلمون عليه، فخرجوا حتى أتوهم بالمدينة، فدسوا إليهم تلك الأموال، فوالله ما بقي منهم شيخ ولا شاب، ولا صغير ولا كبير، إلا بايعهم بيعةً استحللت بها دماءهم وأموالهم، وحلت لي عند ذلك بنقضهم بيعتي، وطلبهم الفتنة، والتماسهم الخروج علي، فلا يرون أني أتيت ذلك على غير يقين" ثم نزل وهو يتلو على درج المنبر هذه الآية: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ} .
"تاريخ الطبري 9: 312، ومروج الذهب 2: 241".
__________
1 الأصل فيه: تعرمه: تعرقه ونزع ما عليه من اللحم.
(3/30)

26- خطبته حين خروج محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن:
ولما خرج محمد وإبراهيم ابنا عبد الله، شن1 المنصور عليه درعه، وتقلد سيفه، صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال:
مالي أكفكف عن سعد وتشتمني؟ ... ولو شتمت بني سعد لقد سكنوا
__________
1 شن عليه درعه: صبها.
(3/30)

جهلًا علينا وجبنا عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن
وأما والله لقد عجزوا عما قمنا به، فما عضدوا الكافي، وما شكروا المنعم، فإذا حاولوا أشرب رنقا على غصص، وأبيت منهم على مضض، كلا والله لا أصل ذا رحم حاول قطيعتها، ولئن لم يرض بالعفو ليطلبن مالم يوجد عندي، فليبق ذو نفس على نفسه، قبل أن تمضي، فلا يبكى عليه". "مواسم الأدب 2: 119".
(3/31)

27- خطبته وقد قتل أبا مسلم الخراساني:
وخطب بالمدائن عند قتل أبي مسلم الخراساني1، فقال:
"أيها الناس: لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسروا غش الأئمة، فإنه لم يسر أحد قط منكرة إلا ظهرت في آثار يده، وفلتات لسانه، وصفحات وجهه، وأبداها الله لإمامه، بإعزاز دينه، وإعلاء حقه، إنا لن نبخسكم حقوقكم، ولن نبخس الدين حقه عليكم، إنه من نازعنا عروة هذا القميص أجزرناه خبي هذا الغمد، وإن أبا مسلم بايعنا وبايع الناس لنا، على أنه من نكث بنا فقد أباح دمه، ثم نكث بنا، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا، ولم تمنعنا رعاية الحق له، من إقامة الحق عليه".
"تاريخ الطبري 9: 313، ومجمع الأمثال 1: 318، ومواسم الأدب 2: 120 وغرر الخصائص الواضحة 76".
__________
1 قتل أبو مسلم سنة 137، وذلك أن المنصور كان قد أرسله لحرب عمه عبد الله بن علي –وكان قد خرج عليه بالشام كما سيأتي- فلما ظفر أبو مسلم، وغنم جميع ما كان في عسكر عبد الله، انهزم عبد الله إلى البصرة، أرسل المنصور بعض خدمه الحفاظ على ما في العسكر من الأموال، فغضب أبو مسلم، وقال: أمين على الدماء، خائن في الأموال! وشتم المنصور، وعزم على الخلاف، وأن يتوجه إلى خراسان، فجعل المنصور يتلطف به حتى استقدمه إليه وقتله.
(3/31)

28- خطبة أخرى:
وخطب فقال:
"أيها الناس، لا تنفروا أطراف النعمة بقلة الشكر، فتحل بكم النقمة، ولا تستروا غش الأئمة، فإن أحدًا لا يستر منكرًا إلا ظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه، وطوالع نظره، وإنا لا نجهل حقوقكم ما عرفتم حقنا، ولا ننسى الإحسان إليكم ما ذكرتم فضلنا، ومن نازعنا هذا القميص أوطأنا أم رأسه خبء1 هذا الغمد. والسلام".
"مواسم الأدب 2: 120".
__________
1 الخبء: ما خبئ.
(3/32)

29- قوله وقد قوطع في خطبته:
وخطب يوم الجمعة. فقال:
"الحمد لله أحمده. وأستعينه. وأومن به. وأتوكل عليه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: أيها الناس. اتقوا الله. فقام إليه رجل. فقال: أذكرك من ذكرتنا به يا أمير المؤمنين. فقطع الخطبة. ثم قال: "سمعًا سمعًا لمن فهم عن الله. وذكر به. وأعوذ بالله أن أكون جبارًا عنيدًا. وأن تأخذني العزة بالإثم. لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين. وأنت أيها القائل. فوالله ما أردت بها وجه الله. ولكنك حاولت أن يقال: قام فقال. فعوقب فصبر. وأهون بها! ويلك لو هممت1! فاهتبلها2 إذ غفرت. وإياك وإياكم معشر الناس أختها فإن الحكمة علينا نزلت. ومن عندنا فصلت. فردوا الأمر إلى أهله. تورده موارده. وتصدروه مصادره. ثم عاد في خطبته. فكأنه يقرؤها من كفه. فقال: وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.....".
"تاريخ الطبري 9: 311، والعقد الفريد 2: 145، وعيون الأخبار م 2: ص336، والكامل لابن الأثير 6: 12، صبح الأعشى 1: 262".
__________
1 أي لو هممت بعقابك.
2 اغتنمها.
(3/32)

30- المنصور يصف خلفاء بني أمية:
واجتمع عند المنصور أيام خلافته جماعة من ولد أبيه. منهم عيسى بن موسى والعباس بن محمد وغيرهما. فتذاكروا خلفاء بني أمية. والسبب الذي به سلبوا عزهم.
فقال المنصور:
"كان عبد الملك جبارًا لا يبالي ما صنع. وكان الوليد لحانًا مجنونًا. وكان سليمان همته بطنه وفرجه. وكان عمر أعور بين عميان. وكان هشام رجل القوم. ولم يزل بنو أمية ضابطين لما مهد لهم من السلطان، يحوطونه ويصونونه ويحفظونه. ويحرسون ما وهب الله لهم منه، مع تسنمهم معالي الأمور، ورفضهم أدانيها، حتى أفضى أمرهم إلى أحداث مترفين من أبنائهم، فغمطوا1 النعمة، ولم يشكروا العافية، وأساءوا الرعاية. فابتدأت النقمة منهم، باستدراج الله إياهم، آمنين مكره، مطرحين صيانة الخلافة، مستخفين بحق الرياسة، ضعيفين عن رسوم السياسة، فسلبهم الله العزة، وألبسهم الذلة، وأزال عنهم النعمة". "شرح ابن أبي الحديد م1: ص215".
__________
1 غمط النعمة: بطرها وحقرها.
(3/33)

31- المنصور يصف عبد الرحمن الداخل:
وقال المنصور يومًا لأصحابه: أخبروني عن صقر قريش، من هو؟ قالوا: أمير المؤمنين، الذي راض1 الملك، وسكن الزلازل، وحسم الأدواء. وأباد الأعداء قال: ما صنعتم شيئًا. قالوا: فمعاوية. قال: ولا هذا. قالوا: فعبد الملك بن مروان. قال: ولا هذا، قالوا: فمن يا أمير المؤمنين؟ قال عبد الرحمن بن معاوية2، الذي عبر
__________
1 ذلل.
2 هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان المعرف بالداخل مؤسس دولة بني أمية بالأندلس وسيأتي.
(3/33)

البحر، وقطع القفر، ودخل بلدًا أعجميًّا مفردًا، فمصر الأمصار، وجند الأجناد، ودون الدواوين، وأقام ملكًا بعد انقطاعه، وبحسن تدبيره، وشدة شكيمته. إن معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان، وذللا له صعبه، وعبد الملك ببيعة تقدم له عقدها، وأمير المؤمنين بطلب غيره واجتماع شيعته، وعبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه". "العقد الفريد 2: 302".
(3/34)

وصايا المنصور لابنه المهدي:
32- وصية له:
قال المنصور لابنه المهدي: "يا بني لا تبرم أمرًا حتى تفكر فيه، فإن فكرة العاقل مرآته، تريه حسناته وسيئاته. واعلم أن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلًا من ظلم من هو دونه".
"نهاية الأرب 6: 41، والعقد الفريد 1: 14".
(3/35)

33- وصية أخرى له:
ووصاه فقال له: "إني لم أدع شيئًا إلا قد تقدمت إليك فيه، وسأوصيك بخصال والله ما أظنك تفعل واحدة منها -وكان له سفط فيه دفاتر علمه، وعليه قفل لا يأمن على فتحه ومفتاحه أحدًا، يصر مفتاحه في كم قميصه- فقال للمهدي: انظر هذا السفط فاحتفظ به، فإن فيه علم آبائك ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، فإن أحزنك أمر فانظر في الدفتر الأكبر، فإن أصبت فيه ما تريد، وإلا فالثاني والثالث حتى بلغ سبعة، فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة، فإنك واجد فيها ما تريد، وما أظنك تفعل، وانظر هذه المدينة فإياك أن تستبدل بها، فإنها بيتك وعزك، وقد جمعت لك فيها من الأموال، ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين، كان عندك كفاية لأرزاق الجند والنفقات، وعطاء الذرية، مصلحة الثغور، فاحتفظ بها فإنك لا تزال عزيزًا ما دام
(3/35)

بيت مالك عامرًا، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل بيتك، أن تظهر كرامتهم وتقدمهم، وتكثر الإحسان إليهم، وتعظم أمرهم، وتوطئ الناس أعقابهم، وتوليهم المنابر، فإن عزك عزهم، وذكرهم لك، وما أظنك تفعل، وانظر مواليك فأحسن إليهم وقربهم، واستكثر منهم، فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل خراسان خيرًا، فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم في دولتك، ودماءهم دونك، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم، أن تحسن إليهم، وتتجاوز عن مسيئهم، وتكافئهم على ما كان منهم، وتخلف من مات منهم في أهله وولده، وما أظنك تفعل، وإياك أن تبني مدينة الشرقية، فإنك لا تتم بناءها، وما أظنك تفعل، وإياك أن تستعين برجل من بني سليم، وأظنك ستفعل، وإياك أن تدخل النساء في مشورتك في أمرك، وأظنك ستفعل". "تاريخ الطبري: 9: 319".
(3/36)

34- وصية أخرى له:
ووصى المهدي أيضًا، فقال: "اتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي، يجعل لك فيما كربك وحزنك مخرجًا، ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب، احفظ يا بني محمدًا صلى الله عليه وسلم في أمته، يحفظ الله عليك أمورك، وإياك والدم الحرام، فإنه حوب1 عند الله عظيم، وعار في الدنيا لازم مقيم، والزم الحلال، فإن فيه ثوابك في الآجل، وصلاحك في العاجل، وأقم الحدود، ولا تعتد فيها فتبور2، فإن الله لو علم أن شيئًا أصلح لدينه، وأزجر عن معاصيه من الحدود، لأمر به في كتابه، واعلم أنه من شدة غضب الله لسلطانه أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى في الأرض فسادًا، مع ما ذخر له عنده من العذاب العظيم، فقال:
__________
1 الإثم.
2 تهلك.
(3/36)

{ِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، فالسلطان يا بني حبل الله المتين، وعروته الوثقى، ودين الله القيم، فاحفظه وحطه، وحصنه وذب عنه، وأوقع بالملحدين فيه، واقمع المارقين منه، واقتل الخارجين عنه بالعقاب لهم، والمثلات1 بهم، ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن، واحكم بالعدل ولا تشطط، فإن ذلك أقطع للشغب، وأحسم للعدو، وأنجع في الدواء، وعف عن الفيء، فليس بك إليه حاجة مع ما أخلفه لك، وافتتح عملك بصلة الرحم وبر القرابة، وإياك والأثرة، والتبذير لأموال الرعية، واشحن2 الثغور، واضبط الأطراف، وأمن السبل وخص الواسطة3 ووسع المعاش، وسكن العامة، وأدخل المرافق عليهم، واصرف المكاره عنهم وأعدل الأموال واخزنها. وإياك والتبذير، فإن النوائب غير مأمونة، والحوادث غير مضمونة، وهي من شيم الزمان، وأعد الرجال والكراع4 والجند ما استطعت. وإياك وتأخير عمل اليوم إلى غد، فتتدارك عليك الأمور وتضيع، جد في إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولًا فأولًا، واجتهد وشمر فيها، وأعدد رجالًا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالًا بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل، وباشر الأمور بنفسك ولا تضجر، ولا تكسل، ولا تفشل، واستعمل حسن الظن بربك، وأسئ الظن بعمالك وكتابك، وخذ نفسك بالتيقظ، وتفقد من يبيت على بابك، وسهل إذنك للناس، وانظر في أمر النزاع إليك، ووكل بهم عينا غير نائمة، ونفسا غير لاهية، ولا تنم فإن أباك لم ينم منذ ولي الخلافة، ولا دخل عينه غمض إلا وقلبه مستيقظ، هذه وصيتي إليك، والله خليفتي عليك". "تاريخ الطبري 9: 320".
__________
1 جمع مثلة: وهي العقوبة.
2 أي املأها بالمدافعة.
3 المتوسطة.
4 الكراع: اسم مجمع الخيل.
(3/37)

35- خطبة النفس الزكية حين خرج على المنصور:
لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الملقب بالنفس الزكية1 على المنصور، قام على منبر المدينة، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: إنه قد كان من أمر هذا الطاغية أبي جعفر من بنائه القبة الخضراء، التي بناها معاندة لله في ملكه، وتصغيره الكعبة الحرام، وإنما أخذ الله فرعون حين قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} . وإن أحق الناس بالقيام في هذا الدين أبناء المهاجرين الأولين، والأنصار المواسين، اللهم إنهم قد أحلوا حرامك، وحرموا حلالك وعملوا بغير كتابك، وغيروا عهد نبيك صلى الله عليه وسلم، وأمنوا من أخفت، وأخافوا من أمنت، فأحصهم عددًا، واقتلهم بددًا2، ولا تبق على الأرض منهم أحدًا". "ذيل الأمالي ص121".
__________
1 كان بنو هاشم -الطالبيون والعباسيون- قد اجتمعوا أخريات العصر الأموي، وتذاكروا حالهم وما هم عليه من الاضطهاد، وما قد آل إليه أمر بني أمية من الاضطراب، واتفقوا على أن يدعوا الناس إليهم سرا، ثم قالوا لا بد من رئيس نبايعه، فاتفقوا على مبايعة النفس الزكية، وكان من سادات بني هاشم ورجالهم فضلًا وشرفًا وعلمًا، وشاء القدر أن يظفر العباسيون بالخلافة، نوليها السفاح ثم المنصور، ولم يكن المنصور هم منذ تبوأ عرشها سوى طلب النفس الزكية ليقتله، وأغراه بذلك أن الناس كانوا شديدي الميل إليه، وكانوا يعتقدون فيه الفضل والشرف والرياسة، فطلبه المنصور هو وأخاه إبراهيم من أبيهما عبد الله بن الحسن، فقال لا علم لي بهما -وكانا قد تغيبا خوفًا منه- فلما أطال عليه، قال: كم تطول؟ والله لو كانا تحت قدمي، لما رفعتهما عنهما، سبحان اللهَ! آتيك بولدي لتقتلهما! فقبض عليه، وعلى أهله من بني الحسن وحبسهم في سجن الكوفة حتى ماتوا فيه كما تقدم، ولم يزل النفس الزكية متغربًا منذ أمضت الدولة إلى بني العباس خوفًا منه على نفسه، فلما علم بما جرى لوالده ولقومه ظهر بالمدينة وأظهر أمره، وتبعه أعيان المدينة، ثم غلب عليها، وعزل عنها أميرها، ورتب عليها عاملًا وقاضيًا، فوجه المنصور لقتاله جيشًا بقيادة ابن أخيه عيسى بن موسى، فكانت الغلبة لعسكر المنصور، وقتل النفس الزكية، وحمل رأسه إلى المنصور سنة 145هـ.
2 متبددين: متفرقين.
(3/38)

36- وصية عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي لابنه محمد "أو إبراهيم":
ووصى عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ابنه محمدًا النفس الزكية "أو إبراهيم"، فقال:
"أي بني، إني مؤدٍّ حق الله في تأديبك، فأد إلي حق الله في الاستماع مني، أي بني كف الأذى، وارفض البذا1، واستعن على الكلام بطول الفكر، في المواطن التي تدعوك فيها نفسك إلى الكلام، فإن للقول ساعات يضر فيها الخطأ، ولا ينفع فيها الصواب. واحذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحًا، كما تحذر مشورة العاقل إذا كان غاشًّا؛ لأنه يرديك بمشورته. واعلم يا بني أن رأيك إذا احتجت إليه وجدته نائمًا، ووجدت هواك يقظان، فإياك أن تستبد برأيك، فإنه حينئذ هواك، ولا تفعل فعلًا إلا وأنت على يقين أن عاقبته لا ترديك، وأن نتيجته لاتجني عليك".
"زهر الآداب 1: 92، والبيان التبيين 1: 180، 2: 88".
__________
1 البذاء: السفه والإفحاش في المنطق.
(3/39)

37- قول عبد الله بن الحسن وقد قتل ابنه محمد:
ولما قتل المنصور ابنه محمدًا -وكان عبد الله في السجن- بعث برأسه إليه مع الربيع حاجبه، فوضع بين يديه، فقال:
رحمك الله أبا القاسم، فقد كنت من: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} ، ثم تمثل:
(3/39)

فتى كان يحميه عن الذل سيفه ... ويكفيه سوءات الأمور اجتنابها
ثم التفت إلى الربيع، فقال له: "قل لصاحبك قد مضى من بؤسنا مدة، ومن نعيمك مثلها، والموعد الله تعالى" قال الربيع: فما رأيت المنصور قط أكثر انكسارًا منه حين أبلغته الرسالة.
"زهر الآداب 1: 95".
(3/40)

38- امرأة محمد بن عبد الله والمنصور:
ولما قتل المنصور محمد بن عبد الله، اعترضته امرأة معها صبيان، فقالت:
"يا أمير المؤمنين، أنا امرأة محمد بن عبد الله، وهذان ابناه، أيتمهما سيفك، وأضرعهما1 خوفك، فناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تصعر لهما خدك، فينأى عنهما رفدك، أو لتعطفك عليهما شوابك النسب، وأواصر2 الرحم".
فالتفت إلى الربيع، فقال: اردد عليهما ضياع أبيهما، ثم قال: كذا والله أحب أن تكون نساء بني هاشم.
"زهر الآداب 1: 96".
__________
1أذلهما.
2 أواصر جمع آصرة، والآصرة: حبل صغير يشد به أسفل الخباء "وهي أيضًا الرحم والقرابة".
(3/40)

39- جعفر الصادق والمنصور:
وكان أهل المدينة لما ظهر محمد بن عبد الله، أجمعوا على حرب المنصور ونصر محمد، فلما ظفر المنصور أحضر جعفرًا الصادق1 بن محمد الباقر، فقال له: قد رأيت إطباق أهل المدينة على حربي، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يعور2 ويجمر3 نخلهم، فقال له جعفر: "يا أمير المؤمنين، إن سليمان أعطى فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر،
__________
1 هو أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين عليه السلام وتوفى سنة 148هـ.
2 في الأصل "ينور" وأراه محرفًا، وقد أصلحته. "يعور" يقال: عور البئر أي طمها وسد عيونها التي ينبع منها الماء.
3 جمر النخل: قطع جماره.
(3/40)

وإن يوسف قدر فغفر، فاقتد بأيهم شئت، وقد جعلك الله من نسل الذين يعفون ويصفحون"، فقال أبو جعفر: إن أحدًا لا يعلمنا الحلم، ولا يعرفنا العلم، وإنما قلت هممت، ولم ترني فعلت، وإنك لتعلم أن قدرتي عليهم تمنعني من الإساءة إليهم".
"زهر الآداب 1: 96".
وروى صاحب العقد قال:
لما حج المنصور مر بالمدينة، فقال للربيع الحاجب: عليَّ بجعفر بن محمد، قتلني الله إن لم أقتله، فمطل به، ثم ألح عليه، فحضر فلما كشف الستر بينه وبينه، ومثل بين يديه، همس جعفر بشفتيه، ثم تقرب وسلم، فقال: "لا سلم الله عليك يا عدو الله، تعمل على الغوائل في ملكي؟ قتلني الله إن لم أقتلك". قال: "يا أمير المؤمنين، إن سليمان صلى الله على محمد وعليه أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، وأنت على إرث منهم، وأحق من تأسى بهم"، فنكس أبو جعفر رأسه مليًّا وجعفر واقف، ثم رفع رأسه، وقال: "إلي أبا عبد الله فأنت القريب القرابة، وذو الرحم الواشجة1، السليم الناحية، القليل الغائلة"، ثم صافحه بيمينه، وعانقه بشماله، وأجلسه معه على فراشه، وانحرف له عن بعضه، وأقبل عليه بوجهه يحادثه ويسائله، ثم قال: يا ربيع، عجل لأبي عبد الله كسوته وجائزته وإذنه. "العقد الفريد 1: 145".
__________
1 القريبة: المشتبكة.
(3/41)

صفح المنصور عن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب
...
40- صفح المنصور عن سفيان بن معاوية بن يزيد المهلب:
ولما داهن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب في شأن إبراهيم بن عبد الله1، وصار إلى المنصور، أمر الربيع بخلع سواده، والوقوف به على رءوس اليمانية في المقصورة يوم الجمعة، ثم قال: قل لهم:
"يقول لكم أمير المؤمنين قد عرفتم ما كان من إحساني إليه، وحسن بلائي، وقديم نعمتي عليه، والذي حاول من الفتنة، ورام من البغي، وأراد من شق العصا ومعاونة الأعداء، وإراقة الدماء، وإنه قد استحق بهذا من فعله، أليم العقاب، وعظيم العذاب، وقد رأى أمير المؤمنين إتمام بلائه الجميل لديه، ورب2 نعمائه السابقة عنده لما يتعرفه أمير المؤمنين من حسن عائدة الله عليه، وما يؤمله من الخير العاجل والآجل، عند العفو عمن ظلم، والصفح عمن أساء، وقد وهب أمير المؤمنين مسيئهم لمحسنهم، وغادرهم لوفيهم".
"البيان والتبيين 3: 185".
__________
1 هو إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أخو النفس الزكية، وقد خرج على المنصور بالبصرة، فوجه إليه المنصور ابن أخيه عيسى بن موسى بعد رجوعه من قتال النفس الزكية فقاتله وقتل إبراهيم في المعركة سنة 145هـ.
2 رب الشيء: جمعه وزاده، ورب الصبي: رباه حتى أدرك.
(3/42)

41- استعطاف أهل الشام أبا جعفر المنصور:
ولما انهزم عبد الله بن علي1 من الشأم قدم على المنصور وفد منهم، فقام عدة منهم فتكلموا، ثم قام الحارث بن عبد الرحمن الغفاري، فقال: "يا أمير المؤمنين
__________
1 هو عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس عم المنصور، وكان قد خرج عليه بالشأم، وقال: إن السفاح قال لي إن ظهرت على مروان الجعدي -وكان السفاح أرسله لقتال مروان بالشام- فأنت ولي العهد بعدي، وشهد له جماعة بذلك. فأرسل المنصور أبا مسلم الخراساني لمحاربته فهزمه، وهرب عبد الله إلى البصرة، ونزل على أخيه سليمان بن علي، فشفع فيه سليمان إلى المنصور فأمنه، فلما جاء إليه حبسه ومات في حبسه، وقيل إنه بنى له بيتًا، وجعل في أساسه ملحًا، ثم أجرى الماء فيه، فسقط البيت عليه فمات".
(3/42)

إنا لسنا وفد مباهاة، وإنما نحن وفد توبة، وإنا ابتلينا بفتنة استخفت كريمنا، واستفزت حليمنا، ونحن بما قدمنا معترفون، ومما سلف منا معتذرون، فإن تعاقبنا فبما أجرمنا، وإن تعف عنا فبفضلك علينا. فاصفح عنا إذ ملكت. وامنن إذ قدرت وأحسن إذ ظفرت، فطالما أحسنت إلى من أساء منا"، فقال المنصور: قد فعلت. ثم قال للحرسي: هذا خطيبهم، وأمر برد ضياعه عليه بالغوطة1.
"العقد الفريد 1: 144، تاريخ الطبري 9: 307، وزهر الآداب 3: 88".
__________
1 كورة دمشق.
(3/43)

42- استعطاف أهل الشام أبا جعفر المنصور أيضًا:
وقال عثمان بن خزيم للمنصور، حين عفا عن أهل الشأم في إجلابهم1 مع عبد الله بن علي عمه: "يا أمير المؤمنين، لقد أعطيت فشكرت وابتليت فصبرت، وقدرت فعفوت".
وقال آخر: "يا أمير المؤمنين، الانتقام عدل، والتجاوز فضل، والمتفضل قد جاوز حد المنصف، فنحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس2 النصيبين، دون أن يبلغ أرفع الدرجتين".
وقال آخر: "من انتقم فقد شفى غيظ نفسه، وأخذ أقصى حقه، وإذا انتقمت فقد انتقصت3، وإذا عفوت تطولت4. ومن أخذ حقه، وشفى غيظه، لم يجب شكره، ولم يذكر في العالمين فضله. وكظم الغيظ حلم، والحلم صبر، والتشفي طرف من العجز5، ومن رضي ألا يكون بين حاله وبين حال الظالم إلا ستر رقيق،
__________
1 في الأصل "إجلائهم" وهو تحريف، والصواب "إجلابهم" أي في فتنتهم وهياجهم من الجلبة بالتحريك وهي الصياح.
2 من الوكس كوعد: وهو النقصان.
3 أي انتقص حقك بخروجنا عليك، فحق لك الانتقام منا لأخذ حقك.
4 تطول عليه: امتن وتفضل.
5 وفي زهر الآداب: "من الجزع".
(3/43)

وحجاب ضعيف، لم يجزم في تفضيل الحلم، وفي الاستيثاق من ترك دواعي الظلم، ولم تر أهل النهى. والمنسوبين إلى الحجا والتقى، مدحوا الحكام بشدة العقاب. وقد ذكروهم بحسن الصفح، وبكثرة الاغتفار، وشدة التغافل. وبعد، فالمعاقب مستعد1 لعداوة أولياء المذنب، والعافي مستدع لشكرهم. آمن من مكافأتهم2 أيام قدرتهم؛ ولأن يثنى عليك باتساع الصدر، خير من يثنى عليك بضيق الصدر3، على أن إقالتك عثرة عباد الله، موجب لإقالتك عثرتك من رب عباد الله. وعفوك عنهم موصول بعفو الله عنك، وعقابك لهم موصول بعقاب الله لك. قال الله عز وجل: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} .
"البيان والتبيين 2: 55، زهر الآداب 3: 88".
__________
1 في زهر الآداب: "مستودع".
2 مجازاتهم.
3 وفي زهر الآداب: "خير من أن توصف بضيقه".
(3/44)

43- أبو جعفر المنصور والربيع:
وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة: دعا المنصور بالربيع1، فقال: سلني ما تريد، فقد سكتَّ حتى نطقت، وخففت حتى ثقلت. وقللت حتى أكثرت، فقال: "والله يا أمير المؤمنين، ما أرهب بخلك ولا أستقصر عمرك. ولا أستصغر فضلك، ولا أغتنم مالك، وإن يومي بفضلك على أحسن من أمسى، وغدك في تأميلي أحسن من يومي. ولو جاز أن يشكرك مثلي بغير الخدمة والمناصحة لما سبقني لذلك أحد" قال: صدقت، علمي بهذا منك أحلك هذا المحل، فسلني ما شئت، قال: أسألك أن تقرب عبدك "الفضل2" وتؤثره وتحبه، قال: يا ربيع، إن الحب ليس بمال يوهب
__________
1 هو أبو الفضل الربيع بن يونس، وزر المنصور، وكان مهيبًا فصيحًا كافيًا حازمًا فطنًا، ولم يزل وزيرًا للمنصور إلى أن مات المنصور. وقام الربيع بأخذ البيعة للمهدي، ثم سعى به أعدؤه إلى الهادي، فقتله سنة 170هـ.
2 هو ابنه الفضل بن الربيع، وقد وزر للرشيد بعد البرامكة، وابنه الأمين كما سيأتي.
(3/44)

ولا رتبة تبذل، وإنما تؤكده الأسباب، قال: فاجعل لي طريقًا إليه، بالتفضل عليه، قال: صدقت. وقد وصلته بألف درهم، ولم أصل بها أحدا غير عمومتي، لتعلم ماله عندي, فيكون منه ما يستدعي به محبتي، قال: فكيف سألت له المحبة يا ربيع؟ قال؛ لأنها مفتاح كل خير، ومغلاق كل شر، تستر بها عندك عيوبه، وتصبر حسنات ذنوبه. قال: صدقت.
"زهر الآداب 2: 163".
(3/45)

44- مقام عمرو بن عبيد بين يدي المنصور:
دخل عمرو1 بن عبيد على المنصور بعد ما بايع للمهدي، فقال له: يا أبا عثمان، هذا ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين، فقال له عمرو: يا أمير المؤمنين، أراك قد وطدت له الأمور، وهي تصير إليه. وأنت عنه مسئول، فاستعبر المنصور، وقال له: عظني يا عمرو، قال: "يا أمير المؤمنين: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منها ببعضها، وإن هذا الذي في يديك، لو بقي في يد غيرك لم يصل إليك. فاحذر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده، فوجم أبو جعفر من قوله، فقال له الربيع: يا عمرو غممت أمير المؤمنين، فقال عمرو: إن هذا صحبك عشرين سنةً، لم ير لك عليه أن ينصحك يومًا واحدًا. وما عمل وراء بابك بشيء من كتاب الله ولا سنة نبيه، قال أبو جعفر: فما أصنع؟ قد قلت لك، خاتمي في يدك، فتعال وأصحابك فاكفني، قال عمرو: ادعنا بعدلك، تسخ أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة، اردد منها شيئًا نعلم أنك صادق".
"مروج الذهب 2: 234، عيون الأخبار م2: ص337، ووفيات الأعيان 1: 384، والعقد الفريد 1: 306، وشرح ابن أبي الحديد م1: 148".
__________
1 من كبار أئمة المعتزلة، توفي سنة 144هـ.
(3/45)

45- مقام رجل من الزهاد بين يدي المنصور:
بينما المنصور يطوف ليلًا إذ سمع قائلًا يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، فخرج المنصور، فجلس ناحية من المسجد، وأرسل إلى الرجل يدعوه، فصلى الرجل ركعتين، واستلم الركن وأقبل مع الرسول، فسلم عليه بالخلافة، فقال المنصور: ما الذي سمعتك تذكر من ظهور البغي والفساد في الأرض؟ وما الذي يحول بين الحق وأهله من الطمع؟ فوالله لقد حشوت مسامعي ما أرمضني1، قال: يا أمير المؤمنين إن أمنتني على نفسي، أنبأتك بالأمور من أصولها. وإلا احتجزت منك. واقتصرت على نفسي، ففيها لي شاغل، فقال: أنت آمن على نفسك فقل، فقال: يا أمير المؤمنين إن الذي دخله الطمع، حتى حال بينه وبين ما ظهر من البغي والفساد لأنت، قال: ويحك، وكيف يدخلني الطمع، والصفراء والبيضاء2 في قبضتي، والحلو والحامض عندي؟ قال: وهل دخل أحدًا من الطمع ما دخلك؟ إن الله تبارك وتعالى استرعاك المسلمين وأموالهم، فأغفلت أمورهم، واهتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجابًا من الجص والآجر. وأبوابًا من الحديد. وحجبة معهم السلاح، ثم سجنت نفسك فيها عنهم، وبعثت عمالك في جباية الأموال وجمعها، وقويتهم بالرجال والسلاح والكراع، وأمرت بألا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان، نفر سميتهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف، ولا الجائع العاري، ولا الضعيف الفقير، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرت إلا يحجبوا عنك، تجبي الأموال وتجمعها ولا تقسمها، قالوا: هذا
__________
1 أوجعني وآلمني.
2 الصفراء والبيضاء: الدنانير والدراهم.
(3/46)

قد خان الله، فما بالنا لا نخونه وقد سجن لنا نفسه؟ فأتمروا بألا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل، فيخالف أمرهم إلا قصبوه1 عندك ونفوه، حتى تسقط منزلته، ويصغر قدره، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم، أعظمهم الناس هابوهم، فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال، ليقووا بها على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك، لينالوا به ظلم من دونهم فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيًا وفسادًا، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك، وأنت غافل، فإن جاء متظلم حيل بينه وبين دخول مدينتك، فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك، وجدك قد نهيت عن ذلك، وأوقفت للناس رجلًا ينظر في مظالمهم، فإن جاءك ذلك الرجل، فبلغ بطانتك خبرة، سألوا صاحب المظالم ألا يرفع مظلمته إليك، فإن المتظلم منه له بهم حرمة، فأجابهم خوفًا منهم، فلا يزال المظلوم يختلف إليه، ويلوذ به، ويشكو ويستغيث، وهو يدفعه ويعتل عليه، فإذا أجهد وأحرج وظهرت، صرخ بين يديك، فضرب ضربًا مبرحًا ليكون نكالًا لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر، فما بقاء الإسلام على هذا؟ وقد كنت أمير المؤمنين أسافر إلى الصين فقدمتها مرة، وقد أصيب ملكها بسمعه، فبكى يومًا بكاءً شديدًا، فحثه جلساؤه على الصبر، فقال: أما إني لست أبكي للبلية النازلة بي، ولكني أبكي لمظلوم بالباب يصرخ، ولا أسمع صوته، ثم قال: أما إذا ذهب سمعي، فإن بصري لم يذهب، نادوا في الناس ألا يلبس ثوبًا أحمر إلا متظلم، ثم كان يركب الفيل طرفي نهاره، وينظر هل يرى مظلومًا؟ فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله، غلبت رأفته بالمشركين شح نفسه، وأنت مؤمن بالله، ثم من أهل بيت نبيه، لا تغلب رأفتك بالمسلمين على شح نفسك؟ فإن كنت إنما تجمع المال لولدك، فقد أراك الله عبرًا في الطفل، يسقط من بطن أمه،
__________
1 عابوه وشتموه، وفي العقد الفريد: "خونوه".
(3/47)

وما له على الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه، فلا يزال الله يلطف بذلك الطفل، حتى تعظم رغبة الناس إليه، ولست بالذي تعطي، بل الله يعطي من يشاء ما شاء، وإن قلت إنما أجمع المال لتشديد السلطان، فقد أراك الله عبرًا في بني أمية، ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة، وأعدوا من الرجال والسلاح والكراع، حتى أراد الله بهم ما أراد، وإن قلت إنما أجمع لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنا فيها فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة، لا تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه يا أمير المؤمنين، هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل؟ قال المنصور: لا، فكيف تصنع بالملك الذي خولك ملك الدنيا، وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل؟ ولكن بالخلود في العذاب الأليم، قد رأى ما قد عقد عليه قلبك، وعملته جوارحك، ونظر إليه بصرك، واجترحته1 يداك، ومشت إليه رجلاك، هل يغني عنك ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يدك، ودعاك إلى الحساب؟ فبكى المنصور وقال: يا ليتني لم أخلق، ويحك! فكيف أحتال لنفسي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن للناس أعلامًا يفزعون إليهم في دينهم، ويرضون بهم، فاجعلهم بطانتك يرشدوك، وشاروهم في أمرك يسددوك، قال: قد بعثت إليهم فهربوا مني، قال: خافوا أن تحملهم على طريقتك، ولكن افتح بابك، وسهل حجابك، وانصر المظلوم، واقمع الظالم، وخذ الفيء والصدقات مما حل وطاب، واقسمه بالحق والعدل على أهله، وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ويسعدوك على صلاح الأمة"، وجاء المؤذنون، فسلموا عليه، فصلى وعاد إلى مجلسه، وطلب الرجل فلم يوجد. "عيون الأخبار م 2: ص333، والعقد الفريد 1: 304".
__________
1 اكتسبته.
(3/48)

46- مقام الأوزاعي بين يدي المنصور:
قال الأوزاعي1: دخلت على المنصور، فقال لي: ما الذي بطأ بك عني؟ قلت: يا أمير المؤمنين، وما الذي تريد مني؟ فقال: الاقتباس منك، قلت: انظر ما تقول، فإن "مكحولًا2" حدثني عن عطية بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من بلغه عن الله نصيحة في دينه، فهي رحمة من الله سيقت إليه، فإن قبلها من الله بشكر، وإلا كانت حجة من الله عليه، ليزداد إثمًا، وليزداد عليه غضبًا، وإن بلغه شيء من الحق فرضي فله الرضا، وإن سخط له السخط، ومن كرهه فقد كره الله؛ لأن الله هو الحق المبين" فلا تجهلن، قال: وكيف أجهل؟ قال: تسمع ولا تعمل بما تسمع، قال الأوزاعي: فسل على الربيع السيف، وقال: تقول لأمير المؤمنين هذا؟ فانتهره المنصور وقال: أمسك، ثم كلمة الأوزاعي، وكان في كلامه أن قال:
"إنك قد أصبحت من هذه الخلافة بالذي أصبحت به، والله سائلك عن صغيرها وكبيرها، وفتيلها ونقيرها3، ولقد حدثني عروة بن رويم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من راع يبيت غاشًّا لرعيته إلا حرم الله عليه رائحة الجنة" فحقيق على الوالي أن يكون لرعيته ناظرًا، ولما استطاع من عوراتهم ساترًا، وبالقسط
__________
1هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، إمام أهل الشأم، ولم يكن بها أعلم منه. ولد ببعلبك سنة 588، وتوفي سنة 157 ببيروت. والأوزاعي: نسبة إلى أوزاع، وهي بطن من ذي الكلاع من اليمن، وقيل. بطن من همدان، وقيل الأوزاع: قرية بدمشق، ولم يكن عبد الرحمن منهم، وإنما نزل فيهم: فنسب إليهم، وهو من سبي اليمن.
2 هو مكحول بن عبد الله الشامي، معلم الأوزاعي، وكان من سبي كابل، وقع إلى سعيد بن العاص، فوهبه لامرأة من هذيل فأعتقته، قال الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام، ولم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا، وسمع أنس بن مالك وغيره، وكان مقامه بدمشق، وتوفي سنة 118هـ.
3 الفتيل: السحاة التي في شق النوة، والنقير: النقرة التي في ظهر النوة.
(3/49)

فيما بينهم قائمًا، لا يتخوف محسنهم منه رهقًا1، ولا مسيئهم عدوانًا، فقد كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدة يستاك بها، ويردع عنه المنافقين، فأتاه جبريل فقال: "يا محمد، ما هذه الجريدة بيدك! اقذفها لا تملأ قلوبهم رعبًا" فكيف من سفك دماءهم، وشقق أبشارهم، وأنهب2 أموالهم؟ يا أمير المؤمنين: إن المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، دعا إلى القصاص من نفسه بخدش خدشه أعرابيًّا لم يتعمده، فهبط جبريل، فقال: "يا محمد، إن الله لم يبعثك جبارًا تكسر قرون أمتك" واعلم أن كل ما في يدك لا يعدل شربة من شراب الجنة، ولا ثمرة من ثمارها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقاب 3 قوس أحدكم من الجنة، أوقذة 4 خير له من الدنيا بأسرها" إن الدنيا تنقطع ويزول نعيمها، ولو بقي الملك لمن قبلك لم يصل إليك يا أمير المؤمنين، ولو أن ثوبًا من ثياب أهل النار علق بين السماء والأرض لآذاهم. فكيف من يتقمصه؟ ولو أن ذنوبًا5 من صديد أهل النار صب على ماء الأرض لآجنه6، فكيف بمن يتجرعه؟ ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لذاب، فكيف من سلك7 فيها، ويرد فضلها على عاتقه؟ وقد قال عمر بن الخطاب: "لا يقوم أمر الناس إلا حصيف8 العقدة، بعيد الغرة9 لا يطلع الناس من على عورة، ولا يخنق في الحلق على جرة10، ولا تأخذه في الله لومة لائم".
واعلم أن السلطان أربعة: أمير يظلف11 نفسه وعماله، فذلك له أجر المجاهد في سبيل الله، وصلاته سبعون ألف صلاة، ويد الله بالرحمة على رأسه ترفرف، وأمير رتع ورتع عماله، فذلك يحمل أثقاله وأثقالًا مع أثقاله، وأمير يظلف نفسه،
__________
1 ظلمًا.
2 جعلها نهيًا يغار عليه.
3 القاب: ما بين المقبض والسية "وسية القوس كعدة: ما عطف من طرفيها".
4 ريش السهم.
5 الذنوب: الدلو.
6 جعله آجنًا أي متغير الطعم واللون.
7 قيد.
8 حصف الرجل ككرم: استحكم عقله فهو حصيف، وأحصف الحبل: أحكم قتله.
9 الغفلة.
10 أحنق: حقد حقدًا لا ينحل، وأحنق الصلب: لزق بالبطن، والجرة ما يفيض به البعير فيأكله ثانية، والمراد أنه لا يضمر الحقد والحنق.
11 يكف.
(3/50)

ويرتع عماله، فذلك الذي باع آخرته بدنيا غيره، وأمير يرتع ويظلف عماله، فذالك شر الأكياس.
واعلم يا أمير المؤمنين أنك قد ابتليت بأمر عظيم، عرض على السموات والأرض والجبار، فأبين أن يحملنه وأشفقن منه، وقد جاء عن جدك في تفسير قول الله عز وجل: {لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَ ا} أن الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك، وقال: فما ظنكم بالكلام وما عملته الأيدي؟ فأعيذك بالله أن يخيل إليك أن قرابتك برسول الله صلى الله عليه وسلم تنفع مع المخالفة لأمره، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا صفية عمة محمد، ويا فاطمة بنت محمد، استوهبا أنفسكما من الله، إني لا أغني عنكما من الله شيئًا "، وكان جدك الأكبر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة، فقال: "أي عم، نفس تحييها، خير لك من إمارة لا تحصيها" نظرًا لعمه، وشفقة عليه أن يلي فيجوز عن سنته جناح بعوضة، فلا يستطيع له نفعًا، ولا عنه دفعًا، هذه نصيحتي إن قبلتها فلنفسك عملت، وإن رددتها فنفسك بخست، والله الموفق للخير والمعين عليه، قال: بلى، نقبلها ونشك عليها، وبالله نستعين.
"العقد الفريد 1: 305، وعيون الأخبار م 2: ص 338".
(3/51)

47- نصيحة يزيد بن عمر بن هبيرة للمنصور:
ودخل يزيد بن عمر بن هبيرة1 على أمير المؤمنين المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين: توسع توسعًا قرشيًّا، ولا تضق ضيقًا حجازيًّا.
ويروى أنه دخل يومًا، فقال له المنصور حدثنا، فقال: "يا أمير المؤمنين:
__________
1 ولي قنسرين الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وجمع له مروان بن محمد ولاية البصرة والكوفة، وكان آخر من جمع له العراقان من الولاة، لما استظهرت عليه جيوش خراسان، وهزمت عسكره لحق بمدينة واسط، فتحصن بها. ولما بويع السفاح بالخلافة وجه أخاه أبا جعفر المنصور لقتاله، فحصره بواسط شهورًا، ثم أمنه وافتتح البلد صلحًا، ثم قتله.
(3/51)

إن سلطانكم حديث، وإمارتكم جديدة، فأذيقوا الناس حلاوة عدلها، وجنبوهم مرارة جورها، فوالله يا أمير المؤمنين، لقد محضت1 لك النصيحة" ثم نهض فنهض معه سبعمائة من قيس، فأتأره2 المنصور بصره، ثم قال: لا يعز ملك يكون فيه مثل هذا!.
"تهذيب الكامل 1: 28".
__________
1 أخلصت.
2 أتأره البصر: أتبعه إياه، وحدد إليه النظر.
(3/52)

48- معن بن زائدة والمنصور:
ودخل معن1 بن زائدة الشيباني على أبي جعفر المنصور وقد أسن، فقارب في خطوه، فقال له المنصور: لقد كبرت سنك يا معن، قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين، قال: وإنك لجلد، قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين، قال: وإن فيك لبقية، قال: هي لك يا أمير المؤمنين، قال: فأي الدولتين أحب إليك، هذه أم دولة بني أمية؟ قال: ذلك إليك يا أمير المؤمنين، إن زاد برك على برهم كانت دولتك أحب إلي.
"البيان والتبيين 3: 229، ووفيات الأعيان 2: 109، وزهر الآداب 3: 161".
__________
1 كان جوادًا شجاعًا جزيل العطاء كثير المعروف، وكان في أيام بني أمية متنقلًا في الولايات، منقطعًا إلى يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير المؤمنين، فلما انتقلت الدولة إلى بني العباس، وحاصر المنصور يزيد بمدينة واسط كما قدمنا، أبلى يومئذ معن مع يزيد بلاء حسنًا، فلما قتل يزيد خاف معن من أبي جعفر المنصور، فاستتر عنه مدة، ولم يزل مستترًا حتى كان يوم الهاشمية، وذلك أن جماعة من أهل خراسان ثاروا على المنصور، وجرت مقتلة عظيمة بينهم وبين أصحاب المنصور بالهاشمية -وهي مدينة بناها السفاح بالقرب من الكوفة- وكان معن متواريًا بالقرب منهم، فخرج متنكرًا معتما متلثمًا، وتقدم إلى القوم، وقاتل قدام المنصور قتالًا أبان فيه عن نجدة وشهامة وفرقهم، فلما أفرج عن المنصور، قال له: من أنت ويحك؟ فقال: أنا طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائد، فأمنه المنصور وأكرمه، وصار من خواصه، وولي سجستان في أواخر أمره، فلما كانت سنة 151 اندس قوم من الخوارج بين صناع كانوا يعملون في داره بمدينة بست، فقتلوه وهو يحتجم، وتبعهم ابن أخيه يزيد بن مزيد بن زائدة، فقتلهم بأسرهم.
(3/52)

49- معن بن زائدة وأحد زوّاره:
ودخل رجل على معن بن زائدة، فقال: ما هذه الغيبة؟ فقال: "أيها الأمير، ما غاب عن العين من يذكره القلب وما زال شوقي إلى الأمير شديدًا، وهو دون
(3/52)

ما يجب له، وذكرى له كثيرًا وهو دون قده، ولكن جفوة الحجاب، وقله بشر الغلمان، منعاني من الإكثار"، فأمر بتسهيل حجابه، وأجزل صلته.
"زهر الآداب 3: 161".
(3/53)

50- المنصور وأحد الأعراب:
ودخل أعرابي على المنصور فتكلم، فأعجب بكلامه، فقال له: سل حاجتك، فقال: يبقيك الله، ويزيد في سلطانك، فقال: سل حاجتك، فليس في كل وقت تؤمر بذلك، قال: "ولم يا أمير المؤمنين، فوالله ما أستقصر عمرك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم مالك، وإن سؤالك لشرف، وإن عطاءك لزين، وما بامرئ بذل وجهه إليك نقص ولا شين". فأحسن جائزته وأكرمه.
"الصناعتين ص41، العقد الفريد: 139".
(3/53)

51- أعرابية تعزي المنصور وتهنئه:
وروى القلقشندي قال: تعرضت أعرابية للمنصور في طريق مكة بعد وفاة أبي العباس السفاح، فقالت:
"يا أمير المؤمنين، احتسب الصبر، وقدم الشكر، فقد أجزل الله لك الثواب في الحالين، وأعظم عليك المنة في الحادثين، وسلبك خليفة الله، وأفادك خلافة الله، فسلم فيما سلبك، واشكر فيما منحك، وتجاوز الله عن أمير المؤمنين، وخار لك فيما ملكت من أمر الدنيا والدين".
(3/53)

وروى الجاحظ قال: عزت امرأة المنصور عن أبي العباس مقدمه من مكة، قالت: "أعظم الله أجرك، فلا مصيبة أجل من مصيبتك، ولا عوض أعظم من خلافتك".
"صبح الأعشى 9: 278، والبيان والتبيين 2:55".
(3/54)

52- خطبة محمد بن سليمان 1 يوم الجمعة:
"وكان لا يغيرها".
الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، من يعتصم بالله ورسوله، فقد اعتصم بالعروة الوثقى، وسعد في الأولى والآخرة، "ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا بعيدًا وخسر خسرانًا مبينًا، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه، ويتجنب سخطه، فإنما نحن له وبه. وأوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعة الله، وأرضى لكم ما عند الله، فإن تقوى الله أفضل ما تحاث الناس عليه، وتداعوا إليه، وتواصوا به، فاتقوا الله ما استطعتم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون". "البيان والتبيين 2: 65".
__________
1 هو محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان عامل البصرة في خلافة أبي جعفر المنصور وتوفي سنة 173 في خلافة الرشيد.
(3/54)

53- وصية مسلم بن قتيبة:
وقال مسلم بن قتيبة1: "لا تطلبن حاجتك إلى واحد من ثلاثة: لا تطلبها إلى الكذاب، فإنه يقربها وهي بعيدة، ويبعدها وهي قريبة؛ ولا تطلبها إلي الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك وهو يضرك، ولا تطلبها إلى رجل له عند قوم مأكلة، فإنه يجعل حاجتك وقاء لحاجته".
"الأمالي: 2: 190".
__________
1 استشاره المنصور في قتل أبي مسلم، فقال: ما ترى في أمره؟ قال: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} فقال: حسبك يا بن قتيبة، لقد أودعتها أذنًا واعية. "وفيات الأعيان 1: 282".
(3/54)

54- خطبة المهدي "توفي سنة 169هـ":
الحمد لله ارتضى الحمد لنفسه، ورضي به من خلقه، أحمده على آلائه1، وأمجده لبلائه2، وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه توكل راض بقضائه، وصابر لبلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى3، ورسوله إلى خلقه وأمينه على وحيه، أرسله بعد انقطاع الرجاء، وطموس4 العلم، واقتراب من الساعة، إلى أمة جاهلية، مختلفة أمية، أهل عداوة وتضاغن، وفرقة وتباين، قد استهوتهم شياطينهم، وغلب عليهم قرناؤهم5، فاستشعروا الردى، وسلكوا العمى، يبشر من أطاعه بالجنة وكريم ثوابها، ويندر من عصاه بالنار وأليم عقابها، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإن الاقتصار عليها سلامة، والترك لها ندامة، وأحثكم على إجلال عظمته، وتوقير كبريائه وقدرته، والانتهاء إلى ما يقرب من رحمته وينجِّي من سخطه، وينال به ما لديه، من كريم الثواب، وجزيل المآب، فاجتنبوا ما خوفكم الله من شديد العقاب، وأليم العذاب، ووعيد الحساب، يوم توقفون بين يدي الجبار، وتعرضون فيه على النار: {يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ
__________
1 نعمه، والمفرد إلى كحمل وشمس، وألو كشمس، وإلى كعصا وإلى كرضا.
2 البلاء: يكون منحة، ويكون محنة.
3 المختار.
4 الدروس والامحاء.
5 القرين: المصاحب، والشيطان: المقرون بالإنسان: لا يفارقه.
(3/55)

مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، يَوْم لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ، يَوْم لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} ، فإن الدنيا دار غرور، وبلاء وشرور، واضمحلال وزوال، وتقلب وانتقال، قد أفنت من كان قبلكم، وهي عائدة عليكم وعلى من بعدكم، من ركن إليها صرعته، ومن وثق بها خانته، ومن أملها1 كذبته، ومن رجاها خذلته، عزها ذل، وغناها فقر، والسعيد من تركها، والشقي فيها من آثرها، والمغبون فيها من باع حظه من دار آخرته بها، فالله الله عباد الله، والتوبة مقبولة، والرحمة مبسوطة، وبادروا بالأعمال الزكية2، في هذه الأيام الخالية، قبل أن يؤخذ بالكظم3، وتندموا فلا تنالون الندم، في يوم حسرة وتأسف، وكآبة وتلهف، يوم ليس كالأيام، وموقف ضنك المقام. إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله، يقول الله تبارك وتعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} -إلى آخر السورة- أوصيكم عباد الله بما أوصاكم الله به، وأنهاكم عما نهاكم عنه، وأرضى لكم طاعة الله، وأستغفر الله لي ولكم".
"العقد الفريد 2: 146".
__________
1 أمله أملًا وأمله بالتخفيف والتشديد.
2 زكا يزكو: نما وصلح.
3 الكظم: الحلق أو الغم، أو مخرج النفس، أي قبل الموت.
(3/56)

مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
مدخل
...
مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان:
روى ابن عبد ربه قال: "هذا ما تراجع فيه المهدي ووزراؤه، وما دار بينهم من تدبير الرأي في حرب خراسان، وأيام تحاملت عليهم العمال وأعنقت، فحملتهم الدالة وما تقدم لهم من المكانة، على أن نكثوا بيعتهم، ونقضوا موثقهم، وطردوا العمال، والتووا بما عليهم من الخراج، وحمل المهدي ما يحب من مصلحتهم، ويكره من عنتهم، على أن أقال عثرتهم، واغتفر زلتهم، واحتمل دالتهم، تطولًا بالفضل، واتساعًا بالعفو، وأخذًا بالحجة، ورفقًا بالسياسة، ولذلك لم يزل مد حمله الله أعباء الخلافة، وقلده أمور الرعية، رفيقًا بمدار سلطانه، بصيرًا بأهل زمانه، باسطًا للمعدلة في رعيته، تسكن إلى كنفه، وتأنس بعفوه، وتثق بحلمه. فإذا وقعت الأقضية اللازمة، والحقوق الواجبة. فليس عنده هوادة، ولا إغضاء، ولا مداهنة، أثرة للحق، وقيامًا بالعدل، وأخذًا بالحزم، فدعا أهل خراسان الاغترار بحلمه، والثقة بعفوه، أن كسروا الخراج، وطردوا العمال وسألوا ما ليس لهم من الحق، ثم خلطوا احتجاجًا بالاعتذار، وخصومة بإقرار، وتنصلًا باعتلال، فلما انتهى ذلك إلى المهدي، خرج إلى مجلس خلائه، وبعث إلى نفر من لحمته1 ووزرائه، فأعلمهم الحال، واستنصحهم للرعية، ثم أمر الموالي2 بالابتداء، وقال للعباس3 بن محمد: أي عم تعقب قولنا، وكن حكمًا بيننا، وأرسل إلى ولديه موسى وهارون، فأحضرهما الأمر، وشاركهما في الرأي، وأمر محمد بن الليث بحفظ مراجعتهم، وإثبات مقالتهم في كتاب.
__________
1 اللحمة: القرابة.
2 جمع مولى، وهو هنا القريب كابن العم ونحوه.
3 هو العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أخو المنصور.
(3/57)

55- مقال سلام صاحب المظالم:
فقال سلام صاحب المظالم:
"أيها المهدي: إن في كل أمر غاية، ولكل قوم صناعة، استفرغت رأيهم، واستغرقت أشغالهم، واستنفدت أعمارهم، وذهبوا بها، وذهبت بهم، وعرفوا بها، وعرفت بهم، ولهذه الأمور التي جعلتنا فيها غاية، وطلبت معونتنا عليها أقوام من أبناء الحرب وساسة الأمور، وقادة الجنود، وفرسان الهزاهز1، وإخوان التجارب، وأبطال الوقائع، الذين رشحتهم سجالها2، وفيأتهم ظلالها، وعضتهم شدائدها، وقرمتهم نواجذها3، فلو عجمت ما قبلهم، وكشفت ما عندهم، لوجدت نظائر تؤيد أمرك، وتجارب توافق نظرك، وأحاديث تقوي قلبك. فأما نحن معاشر عمالك. وأصحاب دواوينك. فحسن بنا، وكثير منا أن نقوم بثقل ما حملتنا من عملك، واستودعتنا من أمانتك، وشغلتنا به من إمضاء عدلك، وإنفاذ حكمك، وإظهار حقك".
فأجابه المهدي: "إن في كل قوم حكمه. ولكل زمان سياسة. وفي كل حال تدبير. يبطل الآخر الأول. ونحن أعلم بزماننا، وتدبير سلطاننا".
قال نعم: أيها المهدي: أنت متسع الرأي، وثيق العقدة، قوي المنة4، بليغ الفطنة، معصوم النية، محضور الروية، مؤيد البديهة، موفق العزيمة، معان بالظفر، مهدي إلى الخير. إن هممت ففي عزمك مواقع الظن، وإن اجتمعت صدع فعلك
__________
1 الهزهزة والهزاهز: تحريك البلايا والحروب الناس.
2 جمع سجل كشمس: وهو الدلو العظيمة مملوءة.
3 قرم الطعام: أكله، والنواجذ: أقصى الأضراس.
4 القوة.
(3/58)

ملتبس الشك. فاعزم يهد الله إلى الصواب قلبك. وقل ينطق الله بالحق لسانك. فإن جنودك جمة. وخزائنك عامرة. ونفسك سخية. وأمرك نافذ".
فأجابه المهدي: "المشاورة والمناظرة بَابَا رحمةٍ ومفتاحَا بركةٍ. لا يهلك عليهما رأي، ولا يتفيل1 معهما حزم، فأشيروا برأيكم، وقولوا بما يحضركم، فإني من ورائكم، وتوفيق الله من وراء ذلك".
__________
1 قال رأيه وتفيل: أخطأ وضعف.
(3/59)

56- مقال الربيع بن يونس 1:
وقال الربيع: أيها المهدي: إن تصاريف وجوه الرأي كثيرة. وإن الإشارة ببعض معاريض القول يسيرة. ولكن خراسان أرض بعيدة المسافة. متراخية الشقة2. متفارقة السبل فإذا ارتأيت من محكم التدبير. ومبرم التقدير. ولباب الصواب، رأيًا قد أحكمه نظرك، وقلبه تدبيرك. فليس وراءه مذهب طاعن. ولا دونه معلق لخصومة عائب. ثم خبت البرد3 به، وانطوت الرسل عليه، كان بالحرى أن لا يصل إليهم محكمه. إلا وقد حدث منهم ما ينقضه. فما أيسر أن ترجع إليك الرسل. وترد عليك الكتب بحقائق أخبارهم، وشوارد آثارهم، ومصادر أمورهم، فتحدث رأيًا غيره، وتبتدع تدبيرًا سواه، وقد انفرجت الحلق، وتحللت العقد، واسترخى الحقاب4، وامتد الزمان. ثم لعلم موقع الآخرة كمصدر الأولى. ولكن الرأي أيها المهدي وفقك الله. أن تصرف إجالة النظر، وتقليب الفكر فيما جمعتنا له، واستشرتنا فيه من التدبير لحربهم، والحيل في أمرهم، إلى الطلب لرجل ذي دين فاضل، وعقل كامل، وورع
__________
1 وزر لأبي جعفر المنصور وقتله الهادي سنة 170هـ.
2 البعد والسفر البعيد.
3 جمع بريد: وهو الرسول، وخبت: أسرعت.
4 الحقاب: ما تشده المرأة في وسطها.
(3/59)

واسع. ليس موصوفًا بهوًى في سواك، ولا متهمًا في أثرة عليك، ولا ظنينًا1 على دخله2 مكروهة. ولا منسوبًا إلى بدعة محذورة. فيقدح في ملكك، ويريض3 الأمور لغيرك، ثم تستند إليه أمورهم. وتفوض إليه حربهم، وتأمره في عهدك ووصيتك إياه. بلزوم أمرك ما لزمه الحزم. وخلاف نهيك إذا خالفه الرأي، عند استحالة الأمور، واشتداد الأحوال التي ينقض أمر الغائب عنها، ويثبت رأي الشاهد لها، فإنه إذا فعل ذلك، فواثب أمرهم من قريب، وسقط عنه ما يأتي من بعيد، تمت الحيلة، وقويت المكيدة. ونفذ العمل. وأحد النظر إن شاء الله".
__________
1 متهمًا.
2 دخله الرجل مثلثة، ودخيلته: نيته ومذهبه.
3 في كتب اللغة: راضه وروضه: ذله، وأراض الأرض جعلها رياضًا.
(3/60)

57- مقال الفضل بن العباس:
قال الفضل بن العباس:
"أيها المهدي: إن ولي الأمور، وسائس الحروب، ربما نحى جنوده، وفرق أمواله في غير ما ضيق أمر حزبه1، ولا ضغطه حال اضطرته، فيقعد عند الحاجة إليها، وبعد التفرقة لها، عديمًا منها. فاقدًا لها. لا يثق بقوة، ولا يصول بعدة، ولا يفزع إلى ثقة. فالرأي لك أيها المهدي وفقك الله، أن تعفي خزائنك من الإنفاق للأموال، وجنودك من مكابدة الأسفار، ومقارعة الأخطار، وتغرير القتال، ولا تسرع للقوم في الإجابة إلى ما يطلبون، والعطاء لما يسألون، فيفسد عليك أدبهم، وتجرئ من رعيتك غيرهم، ولكن اغزهم بالحيلة، وقاتلهم بالمكيدة، وصارعهم باللين، وخاتلهم2 بالرفق، وأبرق3 لهم بالقول، وأرعد نحوهم بالفعل، وابعث البعوث،
__________
1 اشتد عليه.
2 خادعهم.
3 رعد وبرق، وأرعد وأبرق: تهدد وتوعد.
(3/60)

وجنِّد الجنود، وكتِّب الكتائب، واعقد الألويةَ، وانصِب الرَّايات، وأظهِر أنك مُوَجِّهٌ إليهم الجيوشَ مع أحْنَقِ قُوَّادك عليهم، وأسوَئِهم أثرًا فيهم، ثم ادْسُس الرسل، وابثُث الكتب، وضع بعضهم على طمعٍ من وعدك، وبعضًا على خوف من وعيدك، وأوقِد بذلك وأشباهه نيرَانَ التحاسد فيهم، واغرِس أشجار التنافس بينهم، حتى تُملأ القلوبُ من الوَحْشة، وتنطوي الصدور على البِِغْضة، ويدخل كلًا من كلٍّ الحذرُ والهيبة، فإن مَرَامَ الظفَر بالغِيلة، والقتالَ بالحَيلة، والمناصبة1 بالكتب، والمكايَدة بالرسل، والمقارَعَة بالكلام اللطيف المَدْخَل في القلوب، القويِّ المَوْقِع من النفوس، المعقود بالحجج، الموصول بالحِيَل، المبني على اللين الذي يستميل القلوب، ويسترقُّ العقول والآراء، ويستميلُ الأهواء، ويستدعي المُواتاة2، أنفذُ من القتال بظبُات السيوف، وأسنَّة الرماح، كما أن الوالي الذي يستنزل طاعة رعيته بالحِيَل. ويفرِّق كلمة عدوِّه بالمكايَدَة، أحكَمُ عملًا، وألطف منظرًا، وأحسن سياسة من الذي لا ينال ذلك إلا بالقتال، والإتلاف للأموال. والتغرير والخِطار3. ولِيَعْلم المهدي أنه إن وَجَّه لقتالهم رجلًا لم يَسِر لقتالهم إلا بجنود كثيفة، تخرج من حال شديدة، وتُقْدِمُ على أسفارٍ ضيقة، وأموال متفرقة، وقود غَشَشَة، إن ائتمنهم استنفذوا ماله، وإن استنصحهم كانوا عليه لا له".
قال المهدي: "هذا رأي قد أسفر نُوره، وأبرق ضوءه، وتمثَّل صوابُهُ للعيون، ويجسد حقه في القلوب، ولكن فوق كل ذي علم عليم"، ثم نظر إلى ابنه عليٍّ، فقال: ما تقول؟
__________
1 ناصبه الحرب والعداوة: أقامها.
2 الموافقة.
3 المخاطرة.
(3/61)

58- مقال علي بن المهدي:
قال عليُّ بن المهدي: "أيها المهدي: إن أهل خُرَاسان لم يَخْلَعُوا عن طاعتك، ولم ينصبوا من دونك أحدًا، يقدح في تغيير ملكك، ويُريض الأمور لفساد دولتك، ولو فعلوا لكان الخَطْبُ أيسر، والشأن أصغر، والحال أدَلّ؛ لأن الله مع حقه الذي لا يخذُله، وعند موعده الذي لا يُخْلِفُه، ولكنهم قوم من رعيتك، وطائفة من شيعتك، الذين جعلك الله عليهم واليًا، وجعل العدل بينك وبينهم حاكمًا، طلبوا حقًا، وسألوا إنصافًا، فإن أجبت إلى دعوتهم، ونفَّست عنهم قبل أن يتلاحَم منهم حال، ويحدُث من عندهم فَتْق أطعتَ أمر الرب، وأطفأْتَ نائرة الحرب، ووفَّرت خزائن المال، وطرحت تغرير القتال، وحمل الناس مَحْمَل ذلك على طبيعة جودك، وسجيَّة حلمك، وإسجاح1 خليقتك، ومَعْدَِلة نظرك، فأَمِنت أن تُنْسَبَ إلى ضعف، وأن يكون ذلك فيما بقي دُرْبه، وإن منعتهم ما طلبوا، ولم تُجِبْهُم إلى ما سألوا، اعتدلت بك وبهم الحالُ، وساويتهم في ميدان الخطاب، فما أَرَبُ المهدي أن يعمِد إلى طائفة من رعيته مقرِّين بمملكته، مُذْعنين بطاعته، لا يخرجون أنفسهم عن قدرته، ولا يبرئونها من عبوديته، فيملِّكهم أنفسهم، ويخلع نفسه عنهم، ويقف على الحيل معهم، ثم يجازيهم السوء في حَدِّ المقارعة ومضمار المخاطرة. أيريد المهدي -وفقه الله- الأموالَ؟ فلعمري لا ينالها ولا يَظْفَر بها إلا بإنفاق أكثر منها مما يطلب منهم وأضعاف ما يَدَّعِي قِبَلَهُم، ولو نَالَهَا فَحُمِلَتْ إليه، ووُضِعَتْ بِخَرَائِطِهَا2 بين يديه
__________
1 الإسجاح: حسن العفو.
2 جمع خريطة: وهي وعاء من أدم وغيره يصرح على ما فيه.
(3/62)

ثم تجافى لهم عنها، وطال عليهم بها، لكان إليهم مما يُنْسَب، وبه يعرف، من الجود الذي طبعه الله عليه، وجعل قُرَّة عينه، ونَهْمة1 نفسه فيه، فإن قال المهدي: هذا رأيٌ مستقيم سديد، في أهل الخراج الذين شَكَوْا ظلم عمالنا، وتحامل وُلَاتنا؛ فأما الجنود الذين نقضوا مواثيق العهود، وأنطقوا لسان الإرجاف، وفتحوا باب المعصية، وكسروا قيد الفتنة، فقد ينبغي لهم أن أجعلهم نَكالا لغيرهم، عِظة لسواهم، فيعلم المهدي أنه لو أُتِيَ بهم مغلولين في الحديد، مُقَرَّنين2 في الأصفاد3، ثم اتسع لِحَقْنِ دمائهم عفوُه، ولإقالة عثرتهم صَفْحُه، واستبقاهم لما هم فيه من حربه، أو لمن بإزائهم من عدوه، لما كان بِدْعًا من رأيه، ولا مستنكرًا من نظره، لقد علمت العرب أنه أعظم الخلفاء والملوك عفوًا، وأشدها وقعا، وأصدقها صولة، وأنه لا يتعاظمه4 عفو، لا يتكاءَده5 صفح، وإن عظُم الذنب، وجَلَّ الخطبُ، فالرأي للمهدي -وفقه الله تعالى- أن يَحُل عقدة الغيظ، بالرجاء لحسن ثواب الله في العفو عنهم، وأن يذكر أولى حالاتهم، وضَيْعَةَ عيالاتهم، بِرًّا بهم، وتوسعًا لهم، فإنهم إخوان دولته، وأركان دعوته، وأساس حقه الذين بعزتهم يصول، وبحجَّتهم يقول، وإنما مثلهم فيما دخلوا فيه من مَسَاخِطه، وتعرَّضوا له من معاصيه، وانطَوَوْا فيه عن إجابته، ومَثَلُه في قلة ما غير ذلك من رأيه فيهم، أو نُقِل من حاله لهم، أو تغير من نعمته بهم، كمثل رجلين أخوين متناصرين متوازرين، أصاب أحدها خَبَلٌ عارض، ولهو حادث، فنهض إلى أخيه بالأذى، وتحامل عليه بالمكروه، فلم يزدد أخوه إلا رِقَّةً له، ولطفًا به، واحتيالا لمداواة مرضه، ومراجعة حاله، عطفا عليه، وبِرًّا به، ومَرْحَمَةً له".
__________
1 النهمة: الحاجة وبلوغ الشهوة في الشيء.
2 مقيدين.
3 الأصفاد: القيود: جمع صفد كسبب.
4 تعاظمه الأمر: عظم عليه.
5 تكاءده الأمر: شق عليه.
(3/63)

فقال المهدي: أما عليّ فقد نوى سمت اللِّيان1، وفَضَّ القلوب في أهل خراسان، ولكل نبأ مستقر، فقال: ما ترى يا أبا محمد يعنى موسى ابنهُ "الهادي".
__________
1 الليان: الملاينة. مصدر لاين، والسمت: الطريق.
(3/64)

59- مقال موسى بن المهدي:
فقال موسى:
"أيها المهدي: لا تَسْكُن إلى حلاوة ما يجري من القول على ألسنتهم، وأنت ترى الدماء تسيل من خلَلَ فعلهم، الحال من القوم ينادي بِمَضْمَرَة شر، وخَفِيَّةِ حِقْد، قد جعلوا المعاذير عليها سترًا، واتخذوا العلل من دونها حجابا، رجاء أن يدافعوا الأيام بالتأخير، والأمور بالتطويل، فيكْسِرُوا حيل المهدي فيهم، ويُفنوا جنوده عنهم، حتى يتلاحم أمرهم، وتتلاحق مادتهم، وتستفحل حربهم، وتستمر الأمور بهم والمهدي من قولهم في حال غِرَّة، ولباس أمنة، قد فَتَرَ لها، وأنس بها، وسكن إليها. ولولا ما اجتمعت به قلوبهم، وبردت عليه جلودهم من المناصبة بالقتال، والإضمار للقراع، عن داعية ضلال، أو شيطان فساد، لَرَهِبُوا عواقب أخبار الولاة، وغِبّ بسكون الأمور، فليشدد المهدي -وفقه الله- أزره1 لهم، ويكتّب كتائبه نحوهم، وليضع الأمر على أشد ما يحضره فيهم، وليوقن أنه لا يعطيهم خُطَّةً يريد بها صلاحهم، إلا كانت دُرْبَة إلى فسادهم، وقوة على معصيتهم، وداعية إلى عودتهم، وسببًا لفساد من بحضرته من الجنود، ومن ببابه من الوفود الذين إن أقرَّهم وتلك العادة، وأجراهم على ذلك الأرَب، لم يبرح في فَتْقٍ حادث، وخلاف حاضر، لا يصلح عليه دين، ولا تستقيم به دنيا، وإن طلب تغييره بعد استحكام العادة، واستمرار الدُّرْبِة، لم يصل
__________
1 القوة والظهر.
(3/64)

إلى ذلك إلا بالعقوبة المُفْرطة. والمئُونة الشديدة. والرأي للمهدي -وفقه الله- أن لا يُقيل عثرتهم. ولا يقبل معذرتهم. حتى تطأهم الجيوش. وتأخذهم السيوف. ويستَحِرّ1 بهم القتلُ. ويُحْدِق بهم الموت. ويحيط بهم البلاء. ويطبق عليهم الذل. فإن فعل المهدي بهم ذلك. كان مقطعة لكل عادة سوء فيهم. وهزيمة لكل بادرة شر منهم. واحتمال المهديّ في مئونة غزوتهم هذه. تضع عنه غزوات كثيرة. ونفقات عظيمة".
فقال المهدي: "قد قال القوم. فاحكم يا أبا الفضل".
__________
1 يشتد.
(3/65)

60- مقال العباس بن محمد
فقال العباس بن محمد:
"أيها المهدي: أما الموالي فأخذوا بفروع الرأي، وسلكوا جنبات الصواب، وتعدّوا أمورًا قصّر بنظرهم عنها، وأَنِه لم تأتِ تجاربهم عليها. وأما الفضل فأشار بالأموال ألا تُنْفَق، والجنودِ ألا تُفَرَّق، وبأن لا يُعْطَى القوم ما طلبوا، ولا يُبْذَل لهم ما سألوا. وجاء بأمر بين ذلك استصغارًا لأمرهم، واستهانةً بحربهم. وإنما يهيج جَسيمات الأمور صغارُها.
وأما عليّ فأشار باللين وإفراط الرِّفْق. وإذا جَرَّد الوالي لمن غِمَط أمره وسَفِه حقَّه، اللين بَحْتًا، والخير محضًا. لم يخلطهما بشدة تعطِف القلوب عن لينه. ولا بشر يَخْبِسهم إلى خيره. فقد ملَّكهم الخلعَ لعذرهم. ووسع لهم الفُرْجة لِثَنْي أعناقهم. فإن أجابوا دعوته. وقبلوا لينه من غير خوف اضطرهم ولا شدة. فَنَزْوَة1 في رءوسهم يستدعون بها البلاءَ إلى أنفسهم. ويستصرخون بها رأي المهدي فيهم. وإن لم يقبلوا دَعْوَتَه. ويسرعوا لإجابته باللين المحض، والخير الصُّراح. فذلك ما عليه الظن بهم، والرأيُ فيهم، وما قد يشبه أن يكون من مثلهم. لأن الله تعالى خلق الجنة. وجعل فيها
__________
1 وثبة إلى الشر.
(3/65)

من النعيم المقيم. والملك الكبير. ما لا يخطر على قلب بشر. ولا تدركه الفِكَر. ولا تعلمه نفس، ثم دعا الناس إليها، ورغَّبهم فيها. فلولا أنه خلق نارًا جعلها لهم رحمةً يسوقهم بها إلى الجنة لما أجابوا ولا قبلوا.
وأما موسى فأشار بأن يُعْصَبُوا بشدة لا لين فيها. وأن يُرْمَوا بشر لا خير معه وإذا أضمر الوالي لمن فارق طاعته. وخالف جماعته. الخوف مُفْرَدًا. والشر مجرّدًا. وليس معهما طمع. ولا لين يثنيهم. اشتدت الأمور بهم. وانقطعت الحال منهم إلى أحد أمرين. إما أن تدخلهم الحمِيَّة من الشدة. والأنفةُ من الذلة. والامتعاض من القهر. فيدعوهم ذلك إلى التَّمادي في الخلاف. والاستبسال في القتال. والاستسلام للموت. وإما أن ينقادوا بالكُرْه. ويُذْعنوا بالقهر على بِغْضة لازمة. وعداوة باقية. تُورث النفاق. وتُعقب الشقاق. فإذا أمكنتهم فرصة أو ثابَت1 لهم قدرة. أو قويت لهم حال. عاد أمرهم إلى أصعب وأغلظ وأشدَّ مما كان.
وقال في قول أبي الفضل: أيها المهدي أكفى دليل. وأوضح برهان. وأبين خبر بأن قد أجمع رأيه. وحَزُم نظره على الإرشاد ببعثة الجيوش إليهم. وتوجيه البعوث نحوهم. مع إعطائهم ما سألوا من الحق. وإجابتهم إلى ما سألوه من العدل".
قال المهدي: ذلك رأي.
__________
1 رجعت.
(3/66)

61- مقال هارون بن المهدي:
قال هرون: "خلطْتَ الشدة أيها المهدي باللين. فصارت الشدة أمرَّ فِطام لما تكره وعاد اللين أهدى قائد إلى ما تحب. ولكن أرى غير ذلك".
قال المهدي: "لقد قلت قولا بديعًا. وخالفت فيه أهل بيتك جميعا. والمرء
(3/66)

مؤتمن بما قال. وظنين بما ادَّعى. حتى يأتي ببينة عادلة. وحجة ظاهرة. فاخرج عما قلت" قال هارون: "أيها المهدي. إن الحرب خُدعة1. والأعاجم قوم مَكَرة. وربما اعتدلت الحال بهم. واتفقت الأهواء منهم. فكان باطن ما يُسِرُّون على ظاهر ما يعلنون. وربما افترقت الحالان. وخالف القلب اللسان. فانطوى القلب على محجوبة تُبْطَن. واستسرَّ بمدخولة لا تعلَن. والطبيب الرفيق بطبّه. البصير بأمره. العالم بمُقدَّم يده. وموضع مِيسمه2 لا يتعجل بالدواء. حتى يقع على معرفة الداء. فالرأى للمهدي -وفقه الله- أن يفرّ3 باطن أمرهم فَرَّ المُسِنَّة. ويمخَض ظاهر حالهم مخض السقاء. بمتابعة الكتب. ومظاهرة الرسل. وموالاة العيون. حتى تُهتك حُجُب عيونهم. وتكشف أغطية أمورهم. فإن انفرجت الحال وأفضت الأمور به إلى تغيير حال. أو داعية ضلال اشتملت الأهواء عليه. وانقاد الرجال إليه. وامتدت الأعناق نحوه بدين يعتقدونه. وإثم يستحلونه. عصبهم بشدة لا لين فيها. ورماهم بعقوبة لا عفو معها. وإن انفرجت العيون. واهتُصِرت الستور. ورفعت الحُجُب. والحال فيهم مَرِيعة4. والأمور بهم معتدلة. في أرزاق يطلبونها. وأعمال ينكرونها. وظلامات يدّعونها. وحقوق يسألونها. بماتَّةِ سابقتهم. ودالة مناصحتهم. فالرأي للمهدي -وفقه الله- أن يتسع لهم بما طلبوا. ويتجافى لهم عما كرهوا. ويَشْعَب5 من أمرهم ما صَدَعوا. ويرتُق من فَتْقِهم ما قطعوا. ويولِّي عليهم من أحبوا. ويداوي بذلك مرض قلوبهم وفساد أمورهم. فإنما المهدي وأمته. وسواد أهل مملكته. بمنزلة الطبيب الرفيق. والوالد الشفيق. والراعي المجرِّب الذي يحتال لِمَرَابِض غنمه. وضَوَالّ رعيته. حتى يُبْرِئ المريضة من داء علتها. ويردَّ الصحيحة إلى أنس جماعتها. ثم إن خراسان بخاصَّة
__________
1 خدعة بسكون الدال وتثليث الخاء وبضم الخاء وفتح الدال، أي تنقضي بخدعة.
2 الميسم: المكواة.
3 فر الدابة: كشف عن أسنانها ليعرف سنها.
4 مرع الوادي ككرم مراعة: أخصب بكثرة الكلأ فهو مريع.
5 تصلح.
(3/67)

الذين لهم دالَّة محمولة. وماتَّة مقبولة. ووسيلة معروفة. وحقوق واجبة. لأنهم أيدي دولته. وسيوف دعوته. وأنصار حقه. وأعوان عدله. فليس من شأن المهدي الاضطغان عليهم. ولا المؤاخذة لهم. ولا التوعُّر1 بهم. ولا المكافأة بإساءتهم. لأن مبادرة حسم الأمور ضعيفة قبل أن تقوى، ومحاولة قطع الأصول ضئيلةً قبل أن تغلُظ، أحزمُ في الرأي وأصح في التدبير من التأخير لها والتهاون بها حتى يلتئم قليلها بكثيرها، وتجتمع أطرافها إلى جمهورها".
قال المهدي: "ما زال هارون يقع وَقْعَ الحَيَا2 حتى خرج خروج القَدَح من الماء وانسلَّ انسلال السيف فيما ادّعى فدعوا ما سبق موسى فيه أنه هو الرأي، وثنَّى بعده هارون، ولكن مَنْ لِأَعنّة الخيل وسياسة الحرب وقيادة الناس إن أمعن بهم اللِّجاج وأَفْرَطَتْ بهم الدَّالَّة".
__________
1 توعر الرجل: تشدد.
2 المطر.
(3/68)

63- مقال صالح بن عليّ 1:
قال صالح: "لسنا نبلغ أيها المهدي بدوام البحث وطول الفِكْر أدنى فِرَاسة رأيك وبعض لَحَظَات نظرك، وليس ينفضّ عنك من بيوتات العرب ورجالات العجم، ذو دين فاضل ورأي كامل، وتدبير قوي، تقلِّده حربك، وتستودعه جندَك، ممن يحتمل الأمانة العظيمة ويَضْطَلع بالأعباء الثقيلة وأنت بحمد الله ميمون النَّقيبة2، مبارك العزيمة، مَخْبور التجارب، محمود العواقب معصوم العزم، فليس يقع اختيارك ولا يقف نظرك على أحد تُوليه أمرك، وتُسند إليه ثَغْرك، إلا أراك الله ما تحب، وجمع لك منه ما تريد". قال المهدي: "إني لأرجو ذلك لقديم عادة الله فيه وحسن معونته عليه ولكن أحب الموافقة على الرأي، والاعتبار للمشاورة في الأمر المُهِمَّ".
__________
1 هو صالح بن علي بن عبد الله بن عباس.
2 النفس والطبيعة.
(3/68)

63- مقال محمد بن الليث:
قال محمد بن الليث:
"أهل خراسان أيها المهدي قوم ذوو عزة ومنعة، وشياطين خَدَعة، زروع الحمية فيهم نابتة، وملابس الأَنَفة عليهم ظاهرة، فالرويَّة عنهم عازبة والعجلة فيهم حاضرة، تسبق سيولهم مطرهم، وسيوفهم عَذْلهم، لأنهم بين سِفْلة. لا يعدو مبلغ عقولهم منظر عيونهم، وبين رؤساء لا يُلْجَمُون إلا بشدة ولا يُفْطَمُون إلا بالمُرِّ، وإن ولَّى المهدي عليهم وضيعًا لم تَنْقَد له العظماء، وإن ولَّى أمرهم شريفا تحامل على الضعفاء وإن أخر المهدي أمرهم، ودافع حربهم، حتى يصيب لنفسه من حشمه ومواليه أو بني عمه أو بني أبيه ناصحا، يتفق عليه أمرهم، وثقة تجتمع له أملاؤهم1 بلا أَنَفة تَلْزَمهم. ولا حمية تدخُلهم، ولا مصيبة تنفِّرهم، تنفَّست الأيام بهم، وتراخت الحال بأمرهم. فدخل بذلك من الفساد الكبير، والضياع العظيم، ما لا يتلافاه صاحب هذه الصفة وإن جَدَّ، ولا يستصلحه وإن جهد، إلا بعد دهر طويل، وشر كبير، وليس المهدي -وفقه الله- فاطما عاداتهم، ولا قارعًا صَفَاتهم2، بمثل أحد رجلين لا ثالث لهما، ولا عِدْل3 في ذلك بهما، أحدهما لسان ناطق موصول بسمعك، ويد مُمَثِّلة لعينك، وصخرة لا تُزَعْزَع، وبُهْمَة4 لا تُثْنَى، وبازل5 لا يفزعه صوت الجُلجُل، نقيّ العرض، نزيه النفس، جليل الخطر6 اتَّضعت الدنيا عن قدره، وسما نحو الآخرة
__________
1 جمع ملأ كسبب: وهو الجماعة.
2 الصفاة: الحجر الصلد الضخم.
3 العدل: النظير.
4 البهمة: الصخرة، والشجاع الذي لا يهتدي من أين يؤتى.
5 البازل: الجمل في السنة التاسعة، والرجل الكامل في تجربته.
6 القدر.
(3/69)

بهمَّته، وجعل الغرض الأقصى لعينه نصبًا، والغرض الأدنى لقدمه موطئًا، فليس يقبل عملًا، ولا يتعدى أملًا، وهو رأس مواليك، وأنصح بني أبيك، رجل قد غُذِّي بلطيف كرامتك، ونبت في ظل دولتك، ونشأ على قوائم أدبك، فإن قلدته أمرهم وحمَّلته ثقلهم، وأسندت إليه ثغرهم، كان قُفْلًا فتحه أمرك، وبابًا أغلقه نَهْيُك. فجعل العدل عليه وعليهم أميرًا، والإنصاف بينه وبينهم حاكمًا، وإذا أحكم المَنْصَفة. وملك المَعْدَلة، فأعطاهم ما لهم، وأخذ منهم ما عليهم، غرس لك في الذي بين صدورهم وأسكن لك في السُّوَيْدَاء، داخل قلوبهم، طاعة راسخة العروق، باسقة الفروع، متماثلة في الحواشي عوامِّهم، متمكنة من قلوب خواصهم، فلا يبقى فيهم ريب إلا نفوه ولا يلزمهم حق إلا أدَّوه، وهذا أحدهما، والآخر عُودٌ من غَيْضَتك1، ونَبْعة من أرومتك، فَتِيّ السن، كَهْلَ الحلم، راجح العقل، محمود الصرامة، مأمون الخلاف. يجرِّد فيهم سيفه، ويبسط عليهم خيره، بقدر ما يستحقون، وعلى حسب ما يستوجبون وهو فلان أيها المهدي، فسلِّطه -أعزك الله- عليهم، ووجِّهه بالجيوش إليهم، ولا تمنَعْك ضراعة2 سِنِّة، وحداثة مولده، فإن الحلم والثقة مع الحداثة، خير من الشك والجهل مع الكهولة، وإنما أحداثكم أهل البيت فيما طبعكم الله عليه، واختصكم به من مكارم الأخلاق، ومحامد الفعال، ومحاسن الأمور، وصواب التدبير، وصرامة الأنفس، كفِراخِ عِتاق الطير، المحكمة لأخذ الصيد بلا تدريب، والعارفة لوجوه النَّفْع بلا تأديب. فالحلم والعلم، والعزم والحزم، والجود والتُّؤَدة، والرفق، ثابت في صدوركم، مزروع في قلوبكم، مستَحْكِم لكم، متكامل عندكم بطبائع لازمة، وغرائز ثابتة".
__________
1 الغيضة: الأجمة ومجمع الشجر في مغيض ماء.
2 المراد حداثة.
(3/70)

64- مقال معاوية بن عبد الله:
قال معاوية بن عبد الله:
"أَفْتاءُ1 أهلِ بيتك أيها المهدي في الحِلْم على ما ذُكِر، وأهل خراسان في حال عز على ما وُصِف، ولكن إن ولَّى المهدي عليهم رجلًا ليس بقديم الذكر في الجنود. ولا بنبيه الصوت في الحروب، ولا بطويل التجربة للأمور، ولا بمعروف السياسة للجيوش، والهيبة في الأعداء دخل ذلك أمران عظيمان، وخطران مَهُولان، أحدهما أن الأعداء يغتمزونها منه، ويحتقرونها فيه، ويجترئون بها عليه في النهوض به، والمقارعة له، والخلاف عليه، قبل ما حين الاختبار لأمره، والتكشف لحاله، والعلم بطباعه؛ والأمر الآخر أن الجنود التي يقود، والجيوش التي يسوس، إذا لم يختبروا منه البأس والنجدة، ولم يعرفوه بالصوت2 والهيبة، انكسرت شجاعتهم، وماتت نجدتهم واستأخرت طاعتهم، إلى حين اختباهم، ووقوع معرفتهم، وربما وقع البَوَار قبل الاختبار وبباب المهدي -وفقه الله- رجل مَهِيب نبيه حَنِيك3 صَيِّت، له نسب زاكٍ. وصوت عالٍ، قد قاد الجيوش وساس الحروب، وتألَّف أهل خراسان، واجتمعوا عليه بالمِقَة، وَوَثِقُوا به كل الثقة، فلو ولَّاه المهدي أمرهم، لكفاه الله شرهم".
قال المهدي: "جانبت قصد الرَّمِيَّة، وأبيت إلا عصبية إذ رأيُ الحدث من أهل بيتنا، كرأي عشرة حلماء من غيرنا. ولكن أين تركتم ولي العهد؟ ".
قالوا: لم يمنعنا من ذكره إلا كونه شبيه جده، ونسيج وَحْدِه4. ومن الدين وأهله. بحيث يقصر القول عن أدنى فضله، ولكن وجدنا الله عز وجل حَجَب عن
__________
1 جمع فتى كيتيم وأيتام.
2 الصوت والصات والصيت: الذكر الحسن.
3 محنك.
4 هو نسيج وحده: لا نظير له منفرد بخصال محمودة لا يشركه فيما غيره، كما أن الثوب النفيس لا ينسج على منواله غيره، أي لا يشرك بينه وبين غيره في السدى.
(3/71)

خلقه، وستر دون عباده، علم ما تختلف به الأيام، ومعرفة ما تجري عليه المقادير من حوادث الأمور، وريب المنون1 المُخْتَرِمة لِخَوَالي القرون، ومواضي الملوك فكرهنا شُسُوعَه2 عن مَحَلَّة الملك، ودار السلطان، ومقر الإمامة والولاية، وموضع المدائن والخزائن، ومستقر الجنود، ومعدن الجود، ومجمع الأموال التي جعلها الله قُطبًا لمدار الملك، ومِصْيدة لقلوب الناس، ومثابة لإخوان الطمع، وثُوَّار الفتن، ودواعي البدع. وفرسان الضلال، وأبناء الموت، وقلنا إن وجَّه المهدي وليّ عهده، فحدث في جيوشه وجنوده، ما قد حدث بجنود الرسل من قبله، لم يستطعْ المهدي أن يُعَقِّبَهُم بغيره، إلا أن ينهض إليهم بنفسه، وهذا خطر عظيم، وهول شديد، إن تنفَّست الأيام بمقامه. واستدارت الحال بإمامه، حتى يقع عِوَض لا يُسْتَغْنَى عنه، أو يحدث أمر لا بدّ منه. صار ما بعده مما هو أعظم هولًا وأجل خطرًا، له تبعًا، وبه متصلًا".
__________
1 المنون المنية "مؤنث" والمخترمة: المهلكة، والخوالي جمع خالية: وهي الماضية.
2 شسع كمنع شسعًا وشسوعا: بعد فهو شاسع وشسوع.
(3/72)

65- مقال المهدي:
قال المهدي: "الخَطْبُ أيسر مما تذهبون إليه، وعلى غير ما تصفون الأمر عليه، نحن أهل البيت نجري من أسباب القضايا، ومواقع الأمور، على سابقٍ من العلم، ومحتوم من الأمر، قد أنبأت به الكتب، وتنبَّأَت عليه الرسل، وقد تناهى ذلك بأجمعه إلينا. وتكامل بِحَذَافِيرِه1 عندنا، فبه نُدَبِّر، وعلى الله نتوكل، إنه لا بُدّ لوليّ عهدي. ووليّ عهدٍ عقبي بعدي أن يقود إلى خراسان البعوث، ويتوجه نحوها بالجنود؛ أما الأول فإنه يُقَدم إليهم رسله، ويُعْمِل فيهم حِيَلَه. ثم يخرج نشيطًا إليهم حَنِقًا
__________
1 جمع حذفور كعصفور أو حذفار كقرطاس: وهو الجانب.
(3/72)

عليهم. يريد أن لا يدع أحدًا من إخوان الفتن، ودواعي البدع، وفرسان الضلال. إلا توطَّأه بحرِّ القتل، وألبسه قناع القهر. وقلَّده طوق الذل، ولا أحدًا من الذين عملوا في قصِّ جناح الفتنة، وإخماد نار البدعة، ونُصْرَة وُلَاة الحق، إلا أجرى عليهم دِيم فضله، وجداول نَهْلِهِ، فإذا خرج مُزْمِعًا به، مجمعًا عليه، لم يَسِر إلا قليلًا حتى يأتيه أن قد عملت حيله، وكَدَحَت كتبه، ونَفَذت مكايده، فَهَدَأَت نافرة القلوب. ووقعت طائرة الأهواء، واجتمع عليه المختلفون بالرضا، فيميل نظرًا لهم، وبرًّا بهم. وتعطفا عليهم، إلى عدو قد أخاف سبيلهم وقطع طريقهم، ومنع حجاجهم بيت الله الحرام، وسلب تجارهم رزق الله الحلال؛ وأما الآخر فإنه يوجِّه إليهم، ثم تعتقد له الحجة عليهم بإعطاء ما يطلبون، وبذل ما يسألون، فإذا سمحت الفِرَق بقراباتها له. وجنح أهل النواحي بأعناقهم نحوه، فأصغت إليه الأفئدة، واجتمعت له الكلمة. وقدمت عليه الوفود، قصد لأول ناحية بخعت1 بطاعتها، وألقت بأَزِمَّتِهَا، فألبسها جناح نعمته، وأنزلها ظلَّ كرامته وخصَّها بعظيم حبائه2، ثم عمَّ الجماعة بالمَعْدِلَةِ وتعطف عليهم بالرحمة، فلا تبقى فيهم ناحية دانية، ولا فرقة قاصية، إلا دخلت عليها بركته، ووصلت إليها منفعته، فأغنى فقيرها، وجبر كسيرها، ورفع وضيعها. وزاد رفيعها، ما خلا ناحيتين، ناحية يغلب عليها الشقاء، وتستميلهم الأهواء، فتستخف بدعوته، وتبطئ عن إجابته، وتتثاقل عن حقه، فتكون آخر من يبعث وأبطأ من يوجِّه، فيصطلي عليها موجدة، ويبتغي لها عِلَّة، لا يلبث يُجِد3 بحق يلزمهم، وأمر يجب عليهم، فتستلحمهم الجيوش، وتأكلهم السيوف، ويستحرّ بهم القتل، ويحيط بهم الأسْر، ويُفْنِيهم التتبُّع، حتى يُخَرِّب البلاد ويُؤْتِمَ الأولاد، وناحية لا يبسط لهم أمانًا، ولا يقبل لهم عهدًا، ولا يجعل لهم ذِمَّة، لأنهم أول من فتح باب الفُرقة.
__________
1بخع بالحق بخوعًا: أقربه وخضع له.
2 عطائه.
3 يغضب.
(3/73)

وتدَّرع جلباب الفتنة، وربض في شِقّ العصا، ولكنه يقتل أعلامهم، ويأسر قوادهم ويطلب هُرَّابهم، في لجَج البحار، وقُلَل الجبال، وحَمِيل1 الأودية، وبطون الأرض. تقتيلًا وتغليلًا وتنكيلا، حتى يدع الدنيا خرابًا، والنساء أيامي، وهذا أمر لا نعرف له في كتبنا وقتا، ولا نصحِّح منه غير ما قلنا تفسيرًا. وأما موسى ولي عهدي، فهذا أوان تَوَجُّهه إلى خراسان، وحلوله بجُرْجان، وما قضى الله له من الشخوص إليها. والمقام فيها، خير للمسلمين مَغَبَّةً، وله بإذن الله عاقبة من المقام بحيث يُغْمَر في لجج بحورنا، ومدافع سيولنا، ومجامع أمواجنا، فيتصاغر عظيم فضله، ويتذاءب2 مشرق نوره، ويتقلَّل كثير ما هو كائن منه، فمن يصحبه من الوزراء، ويختار له من الناس؟ ".
__________
1 الحميل: بطن المسيل.
2 يضطرب.
(3/74)

66- مقال محمد بن الليث:
قال محمد بن الليث: "أيها المهدي: إن وليَّ عهدك أصبح لأمتك، وأهل ملتك، علما قد تثنَّت نحوه أعناقها، ومدت سَمْتَه أبصارها. وقد كان لقرب داره منك، ومحلِّ جواره لك، عُطْلَ1 الحال، غُفْلَ الأمر، واسع العذر. فأما إذا انفرد بنفسه. وخلا بنظره. وصار إلى تدبيره. فإن من شأن العامة أن تتفقَّد مخارج رأيه. وتستنصت لمواقع آثاره وتسال عن حوادث أحواله، في بِرِّه ومَرْحَمته. وإقساطه2 ومَعْدَلته، وتدبيره وسياسته، ووزرائه وأصحابه. ثم يكون ما سبق إليه أغلب الأشياء عليهم، وأملك الأمور بهم، وألزمها لقلوبهم، وأشدها استمالةً لرأيهم، وعطفا لأهوائهم. فلا يفتأ المهدي -وفقه الله- ناظرًا له فيما يقوِّي عَمَد مملكته، ويسدِّد أركان ولايته،
__________
1 عطل "كفرح" من المال والأدب: خلا فهو عطل كقفل وعنق.
2 عدله.
(3/74)

ويستجمع رضا أمته بأمر هو أزين لحاله. وأظهر لجماله، وأفضل مَغَبَّةً لأمره، وأجل موقعًا في قلوب رعيته، وأحمد حالًا في نفوس أهل مِلَّته. ولا أدفعَ مع ذلك باستجماع الأهواء له. وأبلغَ في استعطاف القلوب عليه، من مرحمةٍ تظهر من فعله. ومعدلة تنتشر عن أثره. ومحبة للخير وأهله، وأن يختار المهديُّ -وفقه الله- من خِيار أهل كل بلدة. وفقهاء أهلِ كل مصر، أقوامًا تسكُن العامة إليهم إذا ذكروا، وتأنس الرعية بهم إذا وُصفوا. ثم تسهِّل لهم عِمَارة سُبُل الإحسان، وفتح باب المعروف كما قد كان فتح له، وسُهِّل عليه".
قال المهدي: صدقت ونصحت. ثم بعث في ابنه موسى، فقال:
(3/75)

67- مقال المهدي:
"أي بنيَّ. إنك قد أصبحت لَسَمْت وجوه العامة نُصْبًا، ولمَثْنى أعطاف الرعية غاية، فحَسَنَتُكِ شاملة. وإساءتك نائية، وأمرك ظاهر، فعليك بتقوى الله وطاعته. فاحتمل سُخْط الناس فيهما، ولا تطلب رضاهم بخلافهما، فإن الله -عز وجل- كافيك مَنْ أَسْخطه عليك إيثارُك رضاه. وليس بكافيك مَنْ يُسْخطه عليك إيثارُك رضا مَنْ سواه، ثم اعلم أن لله تعالى في كل زمان فترة من رسله. وبقايا من صفوة خلقه، وخبايا لنصرة حقه، يجدِّد حبل الإسلام بدعواهم، ويشيِّد أركان الدين بنصرتهم، ويتخذ لأولياء دينه أنصارًا، وعلى إقامة عدله أعوانًا. ويسُدُّون الخلل، ويقيمون المَيَل، ويدفعون عن الأرض الفساد، وإن أهل خراسان أصبحوا أيديَ دولتنا، وسيوف دعوتنا، الذين نستدفع المكاره بطاعتهم، ونستصرف نزول العظائم بمنَاصَحَتِهم. وندافع ريب الزمان بعزائمهم، ونُرَاحم ركن الدهر ببصائرهم، وهم عماد الأرض إذا أرجف كَنَفَها، وخوفُ الأعداء إذا برزت صفحتها، وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها، قد مضت لهم وقائع صادقات، ومواطن صالحات، أخمدت نيران
(3/75)

الفتن، وقسمت دواعي البدع. وأذلت رقاب الجبَّارين، ولم ينفكُّوا كذلك ما جَرَوْا مع ريح دولتنا، وأقاموا في ظل دعوتنا، واعتصموا بحبل طاعتنا، التي أعزَّ الله بها ذلتهم، ورفع بها ضَعَتهم، وجعلهم بها أربابًا في أقطار الأرض، وملوكا على رقاب العالمين بعد لباس الذل، وقناع الخوف، وإطباق البلاء، ومحالفة الأسى، وجَهْْْدَ البأس والضر. فظاهر عليهم لباس كرامتك، وأنزلهم في حدائق نعمتك، ثم اعرف لهم حق طاعتهم، ووسيلة دالَّتهم، وماتَّة سابقتهم، وحُرْمة مناصحتهم، بالإحسان إليهم، والتوسعة عليهم، والإثابة لمحسنهم، والإقالة لمسيئهم.
أي بني، ثم عليك العامة. فاستدع رضاها بالعدل عليها، واستجلب مودتها بالإنصاف لها، وتحسَّن بذلك لربك، وتوثَّق به في عين رعيتك، واجعل عُمَّال العذْر وولاة الحجج مُقدَّمة بين يدي عملك، ونَصَفة منك لرعيتك، وذلك أن تأمر قاضي كل بلد وخيار أهل كل مصر، أن يختاروا لأنفسهم رجلًا توليه أمرهم، وتجعل العدل حاكمًا بينه وبينهم، فإن أحسن حُمِدت، وإن أساء عُذِرت. هؤلاء عمال العذر، وولاة الحجج، فلا يسقطنَّ عليك ما في ذلك إذا انتشر في الآفاق، وسبق إلى الأسماع من انعقاد ألسنة المرْجِفِين، وكبت قلوب الحاسدين، وإطفاء نيران الحروب، وسلامة عواقب الأمور، ولا ينفكَّنَّ في ظل كرامتك نازلًا، وبِعُرَا حبلك متعلقا، رجلان: أحدهما كريمة من كرائم رجالات العرب، وأعلام بيوتات الشرف، له أدب فاضل، وحِلْم راجح، ودين صحيح، والآخر له دين غير مغموز، وموضع غير مدخول، بصير بتقليب الكلام، وتصرف الرأي، وأنحاء العرب، ووضع الكتب، عالم بحالات الحروب، وتصاريف الخُطُوب، يضع آدابًا نافعة، وآثارًا باقية، من محاسنك وتحسين أمرك، وتَحْلِيَة ذكرك، فتستشيره في حربك، وتدخله في أمرك، فرجل أصَبْتَه كذلك، فهو يأوي إلى مَحَلَّتي، ويرعى في خضرة جناني، ولا تدع أن تختار لك من فقهاء البلدان، وخيار الأمصار، أقوامًا يكونون جيرانك وسمارك، وأهل
(3/76)

مشاورتك فيما تُورِد، وأصحاب مناظرتك فيما تُصْدِر، فَسِرْ على بركة الله، أصحبَك الله من عونه وتوفيقه دليلًا يهدي إلى الصواب قلبك، وهاديًا ينطق بالخير لسانك".
وكُتب في شهر ربيع الآخر سنة سبعين ومائة ببغداد1.
"العقد الفريد 1: 57"
__________
1ملاحظة: أقول: وهذا ينافي ما ورد في التاريخ: إذ المعروف أن المهدي تُوفي في المحرم سنة 169 وأعقبه الهادي، الذي توفي في ربيع الأول سنة 170، فكيف يكون تاريخ كتابة هذه المشاورة هو ربيع الآخر سنة 170 أي بعد وفاة المهدي والهادي، مع أنه ذكر في سياق خبرها أن المهدي أمر محمد بن الليث بحفظ مراجعتهم، وإثبات مقالتهم في كتاب، أي أنها كتبت في المجلس الذي حدثت فيه المشاورة. والوارد في التاريخ أيضا أن الهادي خرج إلى جرجان سنة 166 و 167 "راجع تاريخ الطبري ج10 ص 7- 8" اللهم إلا أن يقال إنها كتبت في مجلس المشاورة، وبقيت محفوظة لدى كاتبها، حتى نشرت للناس في ربيع الآخر سنة 170 أي أن ذلك التاريخ هو تاريخ كتابتها لإعلانها للجمهور، على أننا نتشكك فيها من وجهة أخرى، وذلك لما نراه عليها من صحة الكتابة الفنية المنسقة.
(3/77)

68- ابن عتبة يعزي المهدي ويهنئه:
لما تُوفّي المنصور دخل ابن عتبة1 مع الخطباء على المهدي، فسلَّم فقال:
"آجَرَ الله أمير المؤمنين على أمير المؤمنين قبله، وبارك الله لأمير المؤمنين فيما خلَّفه له أمير المؤمنين بعده، فما مصيبةٌ أعظم من فَقْدِ أمير المؤمنين، ولا عُقْبَى أفضل من وراثة مقام أمير المؤمنين، فاقبل يا أمير المؤمنين من الله أفضل العطية، واحتسب عند الله أفضل الرَّزية".
"البيان والتبيين 2: 103، والعقد الفريد 2: 35".
__________
1 وفي العقد الفريد "أبو العيناء المحدث".
(3/77)

69- يعقوب بن داود يستعطف المهدي:
لما سَخِط المهدي على وزيره يعقوب بن داود1 أحضره، فقال: يا يعقوب، قال: لبَّيك يا أمير المؤمنين، تلبية مكروب لِمَوْجِدتك، شَرِق بغُصَّتك، قال:
__________
1 وكان المهدي قد فوض إليه الأمور كلها، وسلم إليه الدواوين، وقدمه على جميع الناس، ثم سخط عليه. وسبب ذلك أنه دفع إليه رجلًا من العلويين، وقال له: أحب أن تكفيني أمره، فلما صار العلوي في يده، قال له: يا يعقوب تلقى الله بدمي، وأنا ابن علي بن أبي طالب، وابن فاطمة رضي الله عنها، وليس لي إليك ذنب؟ فرقَّ له، وخلَّى سبيله، ونمى الخبر إلى المهدي، فأرسل في طلب العلوي حتى ظفر به، واستدعى يعقوب، فقال: ما فعلت بالعلوي؟ قال: قد أراح الله منه أمير المؤمنين، قال: مات؟ قال: نعم، فاستحلفه، فحلف له "فأخرج إليه العلوي، فلم يحر جوابا، فأمر بحبسه في بئر مظلمة، وما زال محبوسا حتى عفا عنه الرشيد وتوفي سنة 186هـ.
(3/77)

"ألم أرفع قدرك وأنت خامل، وأسيِّر ذكرك وأنت هامل، وأُلْبِسك من نعم الله تعالى ونعمي ما لم أجد عندك طاقة لحمله، ولا قياما بشكره؟ فكيف رأيت الله تعالى أظهَرَ1 عليك، وردَّ كيدك إليك! ".
قال: "يا أمير المؤمنين، إن كنت قلت هذا بتيقن وعلم فإني معترف، وإن كان بسعاية الباغين، ونمائم المعاندين، فأنت أعلم بأكثرها، وأنا عائذ بكرمك، وعميم شرفك".
فقال: لولا الحِنْثُ2 في دمك لألبستك قميصا لا تشد عليه أزرارًا، ثم أمر به إلى السجن، فتولى وهو يقول: "الوفاء يا أمير المؤمنين كرم، والمودة رَحِم، وما على العفو نَدَم، وأنت بالعفو جدير، وبالمحاسن خليق"، فأقام في السجن إلى أن أخرجه الرشيد.
"زهر الآداب 3: 207"
__________
1 أي أعان عليك
2 في الأصل "الحسب" وأرى أنها محرفة عن " الحنث" وهو الذنب العظيم والإثم.
(3/78)

70- رجل من أهل خراسان يخطب بحضرة المهدي:
وقَدِم على المهدي رجل من أهل خراسان، فقال: "أطال الله بقاء أمير المؤمنين، إنا قوم نَأَينَا عن العرب، وشغلتنا الحروب عن الخُطَب، وأمير المؤمنين يعلم طاعتنا، وما فيه مصلحتنا، فيكتفي منا باليسيرعن الكثير، ويقتصر على ما في الضمير، دون التفسير"، فقال المهدي: أنت أخطب من سمعته. "الصناعتين ص40"
(3/78)

71 - مقام صالح بن عبد الجليل بين يدي المهدي:
دخل صالح بن عبد الجليل على المهدي، فسأله أن يأذن له في الكلام، فقال: تكلم فقال:
"إنه لما سَهُل علينا ما توعَّر على غيرنا من الوصول إليك، قُمْنا مقام الأداء عنهم وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهي، عند انقطاع عُذْر الكتمان، ولا سيَّما حين اتسمت بميسَم التواضع، ووعدتَ الله وحَمَلَةَ كتابه إيثار الحق على ما سواه، فَجَمَعَنا وإياك مشهدٌ من مشاهد التمحيص، ليتم مؤدِّينا على موعود الأداء عنهم، وقابِلُنا على موعود القَبُول، أو يزيدنا تمحيص الله إيانا في اختلاف السر والعلانية، ويُحَلِّينا حلية الكذابين، فقد كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقولون:"من حجب الله عنه العلم، عذَّبه على الجهل، وأشد منه عذابًا مَنْ أقبل إليه العلم وأدبر عنه، ومن أهدى الله إليه علما فلم يعمل به، فقد رَغِب عن هديَّة الله وقصَّر بها"، فاقْبَل ما أهدى الله إليك من ألسنتنا، قبولَ تحقيق وعمل، لا قبولَ سُمْعَة ورياء، فإنه لا يَعْدمك منا إعلامٌ لما تجهل، أو مواطأة على ما تعلم، أو تذكير لك من غفلة، فقد وطن الله -عز وجل- نبيه -عليه الصلاة والسلام- على نزولها، وتعزيةً عما فات، وتحصينًا من التمادي، ودلالة على المخرج، فقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فَأَطْلِع الله على قلبك، بما ينور الله به القلوب، من إيثار الحق، ومنابذة الأهواء فإنك إن لم تفعل ذلك يُرَ أثرك وأثر الله عليك فيه، لا حول ولا قوة إلا بالله".
"العقد الفريد1: 303، وعيون الأخبار م2: ص333، البيان والتبيين 2: 181.
(3/79)

72- عظة شبيب بن شيبة للمهدي:
وقال شَبيب بن شَيْبَة1 للمهدي: "يا أمير المؤمنين، إن الله إذ قَسَم الأقسام في الدنيا، جعل لك أسناها وأعلاها، فلا ترضَ لنفسك من الآخرة، إلا مثل ما رضِيَ لك به من...., فأوصيك بتقوى الله، فعليكم نزلت، ومنكم أُخِذت، وإليكم تُرَد".
"العقد الفريد 1: 307".
__________
1 هو شبيب بن شيبة بن عبد الله بن عمرو بن الأهتم المنقري التميمي وهو ابن عم خالد بن صفوان. توفي في حدود سنة 170هـ.
(3/80)

73- خطبته في تعزية المهدي بابنته:
لما ماتت البانُوقَة بنت المهدي، جَزِع عليها جزعًا لم يُسْمع بمثله، فجلس للناس يعزونه، وأمر إلا يُحْجَب عنه أحد، فأكثر الناس في التعازي، واجتهدوا في البلاغة، وفي الناس من ينتقد هذا عليهم من أهل العلم والأدب، فأجمعوا على أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز، ولا أبلغ من تعزية شَبيب بن شيبة، فإنه قال:
"أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رُزِئْت أجرًا، وأعقبك صبرًا، ولا أجهَد الله بلاءك بنقْمة، ولا نزع منك نعمة، ثواب الله خير لك منها، ورحمة الله خير لها منك وأحق ما صُبِر عليه ما لا يسهل إلى رده"1.
"تاريخ الطبري 10: 21".
__________
1 روى صاحب العقد أن شبيبًا عزى بهذا المقال المنصور على أخت أبي العباس " العقد الفريد 2: 35".
(3/80)

74- خطبة أخرى له في مدح الخليفة:
قيل لبعض الخلفاء إن شَبيب بن شيبة يستعمل الكلام ويستعدَّ له، فلو أمرته أن يصعد المنبر فجأة لرجوت أن يفتضح، فأمر رسولا فأخذ بيده إلى المسجد فلم يفارقه حتى صَعِد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي -صلى الله عليه وسلم- حق الصلاة عليه، ثم قال:
(3/80)

"ألا إن لأمير المؤمنين أشباهًا أربعة: الأسد الخادر1، والبحر الزاخر، والقمر الباهر، والربيع الناضر؛ فأما الأسد الخادر: فأشبه منه صولتهُ ومَضَاءه؛ وأما البحر الزاخر: فأشبه منه جوده وعطاءه؛ وأما القمر الباهر: فأشبه منه نوره وضياءه؛ وأما الربيع الناضر: فأشبه منه حسنه وبهاءه، ثم نزل وأنشأ يقول:
وموقف مثل حد السيف قمتُ به ... أحْمِي الذِّمار وترميني به الحَدَقُ2
فما زَلِقَت، وما ألقيت كاذبةً ... إذا الرجال على أمثاله زِلقُوا
"العقد الفريد 2: 158، 1: 138، زهر الآداب 3: 209".
__________
1 الخدر: أجمة الأسد ومنه يقال أسد خادر، وأخدر الأسد: لزم الأجمة. وأخدر العرين الأسد: ستره فهو مخدر بكسر الدال وفتحها.
2 الذمار: ما تجب حمايته.
(3/81)

75- كلمات لشبيب بن شيبة:
وقال شبيب: "اطلب الأدب، فإنه دليل على المروءة، وزيادة في العقل، وصاحب في الغُرْبَة، وصِلَة في المجلس".
وقال للمهدي يومًا: "أراك الله في بنيك، ما أرى أباك فيك، وأرى الله بنيك فيك، وما أراك في أبيك".
وخرج من دار الخلافة يومًا، فقال له قائل: كيف رأيت الناس؟ قال: "رأيت الداخل راجيًا، والخارج راضيًا".
"البيان والتبيين 1: 190، وزهر الآداب 3: 129".
(3/81)

76- خطبة يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب:
يوم ولي الرشيد الخلافة
روى الطبري قال: لما كانت الليلة التي توفي فيها موسى الهادي، وأخرج هَرْثَمَة ابن أَعْيَن هارون الرشيد ليلًا، فأقعده للخلافة، فدعا هارون يحيى بن خالد بن بَرْمَك
(3/81)

-وكان محبوسًا- وقد كان عزم موسى على قتله، وقتل هارون الرشيد في تلك الليلة1 فحضر يحيى، وتقلَّد الوزارة، ووجه إلى يوسف بن القاسم بن صُبَيح الكاتب، فأحضره وأمر بإنشاء الكتب، فلما كان غداة تلك الليلة وحضر القوَّاد، قام يوسف بن القاسم، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على محمد -صلى الله عليه وسلم- ثم قال:
"إن الله بمنِّه ولطفه، منَّ عليكم معاشرَ أهل بيت نبيه، وبيت الخلافة، ومَعْدِن الرسالة، وإياكم أهل الطاعة من أنصار الدولة وأعوان الدعوة، من نعمه التي لا تحصى بالعدد، ولا تنقضي مدى الأبد، وأياديه التامة، أن جمع أُلفتكم، وأعلى أمركم، وشد عَضُدكم، وأوهن عدوكم، وأظهر كلمة الحق، وكنتم أولى بها وأهلها، فأعزكم الله وكان الله قويًّا عزيزًا، فكنتم أنصار دين الله المرتضَى، والذَّابِّين بسيفه المنتضى، عن أهل بيت نبيه -صلى الله عليه وسلم- وبكم استنقذهم من أيدي الظلمة أئمة الجور، والناقضين عهد الله، والسافكين الدم الحرام، والآكلين الفيء والمستأثرين به، فاذكروا ما أعطاكم الله من هذه النعمة، واحذروا أن تغيِّروا فيغيِّر بكم، وإن الله -جل وعز- استأثر بخليفته موسى الهادي الإمام، فقبضه إليه، وولى بعده رشيدًا مرضيًّا أمير المؤمنين بكم رءوفًا رحيما، من محسنكم قبولًا، وعلى مسيئكم بالعفو عطوفًا، وهو، أمتعه الله بالنعمة، وحفظ له ما استرعاه إياه من أمر الأمة، وتولَّاه بما تولى به أولياءه وأهل طاعته –بَعِدكم من نفسه الرأفة بكم، والرحمة لكم، وقَسْم أعطياتِكم فيكم عند استحقاقكم، ويَبْذُل لكم من الجائزة، مما أفاء الله على الخلفاء، مما في بيوت المال ما ينوب عن رزق كذا وكذا شهرًا، غير مُقَاضٍ لكم بذلك فيما تستقبلون من أعطياتكم وحاملًا باقي ذلك للدَّفع عن حريمكم، وما لعلَّه أن يحدث في النواحي والأقطار من
__________
1 وكان الهادي يريد أن يجعل الخلافة في ابنه جعفر، ويخلع أخاه هارون. وسعى إلى الهادي بيحيى بن خالد، وقيل له إنه ليس عليك من هارون خلاف، وإنما يفسده يحيى بن خالد، فأغضب ذلك موسى الهادي على يحيى وأمر بحبسه.
(3/82)

العصاة المارقين، إلى بيوت الأموال، حتى تعود الأموال إلى جمامها1 وكثرتها، والحال التي كانت عليها، فاحمدوا الله وجدِّدُوا شكرًا يُوجِب لكم المزيد من إحسانه إليكم، بما جدَّدَ لكم من رأي أمير المؤمنين، وتفضل به عليكم، وأيَّده الله بطاعته، وارغبوا إلى الله له في البقاء، ولكم به في إدامة النَّعماء، لعلكم ترحمون، وأعطوا صَفْقة إيمانكم، وقوموا إلى بيعتكم، حاطكم الله وحاط عليكم، وأصلح بكم وعلى أيديكم، وتولاكم ولاية عباده الصالحين".
"تاريخ الطبري 10: 48"
__________
1 كثرتها.
(3/83)

77- خطبة هارون الرشيد "توفي سنة 193هـ":
"الحمد لله نحمده على نعمه، ونستعينه على طاعته، ونستنصرُه على أعدائه، ونؤمن به حقًّا، ونتوكل عليه، مفوِّضين إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، بعثه على فترة من الرسل، ودُرُوسٍ1 من العلم، وإدبار من الدنيا، وإقبال من الآخرة، بشيرًا بالنعيم المقيم، ونذيرًا بين يدي عذاب أليم، فبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في الله، فأدَّى عن الله وعده ووعيده، حتى أتاه اليقين، فعلى النبي من الله صلاة ورحمة وسلام.
أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإن في التقوى تكفيرَ السيئات، وتضعيفَ الحسنات، وفوزًا بالجنة، ونجاة من النار، وأحَذِّركم يومًا تشخص2 فيه الأبصار، وتُعْلَن فيه الأسرار، يوم البعث، ويوم التغابن3، ويوم التَّلاق، ويوم التَّناد، يوم لا يُسْتَعْتَب من سيئة، ولا يُزْداد من حسنة، {يَوْمَ الْآزِفَةِ 4 إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ 5
__________
1 دروس: امحاه.
2 شخص بصره كمنع: فتح عينيه، وجعل لا يطرف.
3 يوم القيامة، سمي بذلك لأن أهل الجنة تغبن فيه أهل النار بأخذ منازلهم في الجنة أو آمنوا.
4 القيامة: من أزف كفرح: دنا وقرب.
5 بمسارقتها النظر إلى المحرم.
(3/83)

وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} .
عباد الله: إنكم لم تُخْلَقُوا عبثًا، ولن تُتْركوا سدىً، حصِّنُوا إيمانكم بالأمانة، ودينكم بالورع، وصلاتكم بالزكاة، فقد جاء في الخبر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له، ولا صلاة لمن لا زكاة له". إنكم سفر1 مجتازون، وأنتم عن قريب تنقلون من دار فناء إلى دار بقاء، فسارعوا إلى المغفرة بالتوبة، وإلى الرحمة بالتقوى، وإلى الهدى بالأمانة، فإن الله تعالى ذكره أوجب رحمته للمتقين، ومغفرته للتائبين، وهداه للمنيبين. قال عز وجل وقوله الحق: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} ، وقال: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} ، وإياكم والأمانيَّ، فقد غرَّت وأرْدَت2، وأوبَقَت كثيرًا، حتى أكذبتهم مناياهم، فتناوشوا3 التوبة من مكان بعيد، {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} ، فأخبركم ربكم عن المَثُلَات فيهم وصرَّف الآيات، وضرب الأمثال، فرغَّب بالوعد، وقدّم إليكم الوعيد، وقد رأيتم وقائعهم بالقرون الخوالي جيلًا فجيلا، وعَهِدتم الآباء والأبناء والأحبة والعشائر، باختطاف الموت إياهم من بيوتكم، ومن بين أظْهُركم، لا تدفعون عنهم، ولا تحولون دونهم، فزالت عنهم الدنيا، وانقطعت بهم الأسباب، فأَسْلَمَتْهم إلى أعمالهم عند المواقف والحساب والعقاب، {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} . إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله؛ يقول الله عز وجل {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم، بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
__________
1 جماعة المسافرين.
2 أهلكت وكذا أوبقت.
3 تناولوا.
(3/84)

اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} .
آمركم بما أمركم الله به، وأنهاكم عما نهاكم عنه، وأستغفر الله لي ولكم.
"العقد الفريد 2: 147".
(3/85)

78- وصية الرشيد لمؤَدِّب ولده الأمين:
ووصى الرشيد مؤدب ولده الأمين، فقال:
"يا أحمر1، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، فصيِّر يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، أَقْرِئه القرآن، وعرِّفه الأخبار، وروِّه الأشعار، وعلمه السنن، وبصِّره بمواقع الكلام وبَدْئِه، وامْنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورَفْع مجالس القوَّاد إذا حضروا مجلسه، ولا تَمُرَّنَّ بك ساعة إلا وأنت مُغْتَنِم فائدة تفيده إياها، من غير أن تُحْزِنه، فتميت ذهنه، ولا تُمْعِن في مسامحته، فيستحلِيَ الفراغ ويأْلَفه، وقَوِّمُه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغِلْظَة".
"مقدمة ابن خلدون ص632".
__________
1 هو علي بن المبارك الأحمر صاحب الكسائي، وكان يؤدب الأمين، وكان مشهورًا بالنحو واتساع الحفظ، ومات سنة 206، أو سنة 207. انظر ترجمته في "نزهة الألبا في طبقات الأدبا" ص125.
(3/85)

79- خطبة لجعفر بن يحيى البرمكي "قتل سنة 187هـ":
وهاجت العصبية بالشأم بين أهلها في عهد الرشيد "سنة180" وتفاقم أمرها، فاغتم َّلذلك الرشيد، وعقد لجعفر بن يحيى على الشأم، وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر: بل أقِيك بنفسي، فشخص في جِلَّة القواد والكُراع والسلاح، فأتاهم فأصلح بينهم، وقتل زَوَاقيلهم1 والمتلصِّصة منهم، ولم يَدْع بها رمحًا ولا فرسًا، فعاودا إلى الأمن والطُّمأنينة، وأطفأ تلك النائِرة.
__________
1 الزَّوَاقيل: اللصوص.
(3/85)

فلما قَدِم على الرشيد دخل عليه، فقبَّل يديه ورجليه، ثم مَثَل بين يديه، فقال: "الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي آنَسَ وحشتي، وأجاب دعوتي، ورحم تَضَرُّعِي، وأنسأ1 في أجلي، حتى أراني وجه سيدي، وأكرمني بقُرْبه، وامتن علي بتقبيل يده، وردَّنِي إلى خدمته، فوالله إن كنت لأذكر غيبتي عنه، ومخرجي والمقادير التي أزعجتني، فأعلم أنها كانت بمعاصٍ لحقتني، وخطايا أحاطت بي، ولو طال مُقَامِي عنك يا أمير المؤمنين -جعلني الله فداك- لَخِفْتُ أن يذهب عقلي، إشفاقًا على قُرْبك، وأسفًا على فراقك، وأن يعجل بي عن إذنك الاشتياقُ إلى رؤيتك، والحمد لله الذي عصمني في حال الغيبة، وأمتعني بالعافية، وعرَّفني الإجابة، ومسَّكني بالطاعة، وحال بيني وبين استعمال المعصية، فلم أشخص إلا عن رأيك، ولم أقْدَم إلا عن إذنك وأمرك، ولم يخترِ مني أجل دونك، والله يا أمير المؤمنين- فلا أعظم من اليمين بالله- لقد عاينتُ ما لو تُعَرض لي الدنيا كلها، لاخترت عليها قرَبك، وَلَمَا رأيتها عِوَضًا من المُقام معك".
ثم قال له بعقب هذا الكلام في هذا المقام:
"إن الله يا أمير المؤمنين لم يزل يُبْلِيك2 في خلافتك، بقدر ما يعلم من نيَّتك، ويريك في رعيتك غاية أمنيتك، فيصلح لك جماعتهم، ويجمع أُلْفتهم، ويَلُمَّ شَعَثَهم، حفظًا لك فيهم، ورحمة لهم؛ وإنما هذا للتمسك بطاعتك، والاعتصام بحبل مَرْضَاتك، والله المحمود على ذلك وهو مُسْتَحِقُّه. وفارقتُ يا أمير المؤمنين أهل كُوَرِ الشأم وهم منقادون لأمرك، نادمون على ما فَرَط من معصيتهم لك، متمسكون بحبلك، نازلون على حكمك، طالبون لعفوك، واثقون بحِلْمِك، مؤمِّلون فضلك، آمنون بادرتك، حالهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم، وحالهم في أُلفتهم كحالهم
__________
1 أخر.
2 ينعم عليك.
(3/86)

كانت في امتناعهم، وعفو أمير المؤمنين عنهم، وتغمُّده1 لهم، سابق لمعذرتهم وصلة أمير المؤمنين لهم، وعطفهُ عليهم، متقدم عنده لمسألتهم، وايم الله يا أمير المؤمنين لئن كنتُ قد شَخَصتُ عنهم، وقد أخمد الله شرارهم، وأطفأ نارهم، ونفى مرَّاقهم2، وأصلح دهماءهم3، وأولاني الجميل فيهم، ورزقني الانتصار منهم، فما ذلك كله: إلا ببركتك ويمنك وريحك4، ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة، وتخوفهم منك، ورجائهم لك. والله يا أمير المؤمنين ما تقدمت إليهم إلا بوصيتك، وما عاملتهم إلا بأمرك، ولا سِرْتُ فيهم إلا على حدِّ ما مثلته لي ورسَمْتَه، وَوَقَّفتني عليه، ووالله ما انقادوا إلا لدعوتك، وَتَوَحُّد5 الله بالصُّنع لك، وتخوُّفهم من سطوتك. وما كان الذي كان مني، وإن كنت قد بذلت جهدي، وبلغت مجهودي، قاضيًا بعض حقِّك عليَّ، بل ما ازدادت نعمتك عليَّ عِظَمًا، إلا ازددت عن شكرك عجزًا وضعفًا، وما خلق الله أحدًا من رعيتك، أبعدَ من أن يُطْمع نفسه في قضاء حقك مني، وما ذلك إلا أن أكون باذلًا مهجتي في طاعتك، وكلِّ ما يقرب إلى موافقتك، ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيري، فكيف بشكري! وقد أصبحت واحد أهل دهري، فيما صنعته فيَّ؟ وبيَ؟ أم كيف بشكري! وإنما أقوى على شكرك بإكرامك إياي؟، وكيف بشكرك! لو جعل الله شكري في إحصاء ما أَوْليتَنِي، لم يأت على ذلك عَدِّي؟ وكيف بشكري! وأنت كهفي دون كل كهف لي؟ وكيف بشكري! وأنت لا ترضى لي ما أرضاه لي؟ وكيف بشكري! وأنت تجدد من نعمتك عندي ما يستغرق كل ما سلف عندك لي؟ أم كيف بشكري! وأنت تُنْسينِي ما تقدم من إحسانك إليَّ، بما تجدِّده لي؟ أم كيف بشكري؟ وأنت
__________
1 تغمده الله برحمته: غمره بها.
2 جمع مارق: وهو الخارج الحائد.
3 الدهماء: جماعة الناس.
4 قوتك.
5 توحده الله تعالى بعصمتة: عصمه ولم يكله إلى غيره.
(3/87)

تقَدِّمني بِطَوْلك على جميع أكفائي؟ أم كيف بشكري! وأنت وَليِّي؟ أم كيف بشكري! وأنت المكرم لي؟ أنا أسأل الله الذي رزقني ذلك منك من غير استحقاق له؛ إذ كان الشكر مقصِّرًا عن بلوغ تأدية بعضه، بل دون شِقْص1 من عُشْر عَشِيره أن يتولى مكافأتك عني، بما هو أوسع له وَأقدر عليه، وأن يقضي عَنِّي حقك، وجليل مِنَّتك، فإن ذلك بيده، وهو القادر عليه".
"تاريخ الطبري 10: 66".
__________
1 الشقص: السهم والنصيب، والعشير: جزء من عشرة كالمعشار والعشر.
(3/88)

80- استعطاف أم جعفر بن يحيى للرشيد:
روى صاحب العقد قال:
"كانت أم جعفر بن يحيى1 -وهي فاطمة بنت محمد بن الحسين بن قَحْطبة- أرضعت الرشيد مع جعفر؛ لأنه كان رُبِّيَ في حجرها، وغُذِّيَ بِرِسْلها2، ولأن أمه ماتت عن مهده، فكان الرشيد يشاورها مُظهِرًا لإكرامها، والتبرك برأيها، وكان آلى وهو في كفالتها أن لا يحجُبها، ولا استشفعته لأحد إلا شفَّعها، وآلت عليه أمُّ جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونًا لها، ولا شفعت لأحد مقترف ذنبًا، فكم أسير فكَّت ومُبْهم عنده فتحت، ومستغلق منه فرَّجت، واحتجب الرشيد بعد قدومه3، فطلبت الإذن عليه من دار الباقونة، ومتَّت4 بوسائلها إليه، فلم يأذن لها، ولا أمر بشيء فيها، فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها، واضعة لثامها، محتفية5 في مشيها، حتى صارت بباب قصر الرشيد، فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب،
__________
1 كان البرامكة قد استأثروا بشئون الدولة وأموالها، وغلبوا الرشيد على سلطانه، ولم يكن له معهم تصرف في ملكه، ولم يبق له من الخلافة إلا رسمها وصورتها -وحديثهم في ذلك طويل، ليس ههنا موضعه- فعزم على نكبتهم، حتى انتهز فرصة رجوعه معهم من الحج سنة 187، فقتل جعفر ليلًا في طريقه، وقبض على يحيى وابنه الفضل وبقية البرامكة، وحبسهم في سجن الزنادقة إلى أن ماتوا فيه، واستصفى أموالهم وضياعهم.
2 الرسل: اللبن.
3 أي من الحج.
4 توسلت.
5 احتفى: مشى حافيا.
(3/88)

فقال: ظِئْر1 أمير المؤمنين بالباب، في حالة تَقْلِب شمانة الحاسد، إلى شفقة أم الواحد؛ فقال الرشيد: ويحك يا عبد الملك! أو ساعية؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين حافية. قال: أدخلها يا عبد الملك، فرب كبد غَذَّتها، وكُرْبة فرَّجتها، وعورة سترتها، فدخلت، فلما نظر الرشيد إليها داخلة محتفية، قام محتفيا حتى تلقَّاها بين عَمَد المجلس وأكبَّ على تقبيل رأسها، ومواضع ثَدْييها، ثم أجلسها معه، فقالت: يا أمير المؤمنين أَيَعْدُو علينا الزمان، ويجفونا خوفا لك الأعوانُ، ويُحْرِدُك2 بنا البهتان، وقد ربَّيتك في حجري، وأخذت برضاعك الأمان من عدوِّي ودهري؟ فقال لها: وما ذلك يا أم الرشيد، قالت: ظئرك يحيى، وأبوك بعد أبيك، ولا أصفه بأكثر مما عرَفه به أمير المؤمنين، من نصيحته، وإشفاقه عليه، وتعرُّضه للحتف في شأن موسى أخيه3، قال لها: يا أم الرشيد، أمر سبق، وقضاء حمَّ4، وغضب من الله نفَذَ، قالت: يا أمير المؤمنين {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} 5 قال: صدقت فهذا مما لم يَمْحُه الله، فقالت: الغيب محجوب عن النبيين، فكيف عنك يا أمير المؤمنين؟ فأطرق الرشيد مليًّا، ثم قال:
__________
1 الظئر: العاطفة على ولد غيرها، المرضعة له، في الناس وغيرهم، للذكر وللأنثى.
2 يغضبك.
3 قدمنا أن الهادي كان اعتزم خلع أخيه الرشيد من ولاية العهد، واستخلاف ابنه جعفر، وقد سعى إلى الهادي بيحيى بن خالد، وأنه يفسد عليه أخاه الرشيد، فحبسه وهمَّ بقتله. ويروى أنه قال للهادي في خلع الرشيد لمَّا كلمه فيه: "يا أمير المؤمنين، إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان، هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك، ثم بايعت لجعفر من بعده كان ذلك أوكد لبيعته" فقال: صدقت ونصحت، ولي في هذا تدبير، ولما أمر بحبسه رفع إليه يحيى رقعة: إن عندي نصيحة، فدعا به، فقال: يا أمير المؤمنين، أخلني، فأخلاه، فقال: "يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كان الأمر -أسأل الله إلا نبلغه، وأن يقدمنا قبله- أتظن أن الناس يسلمون الخلافة لجعفر، وهو لم يبلغ الحلم، ويرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم؟ قال: والله ما أظن ذلك، قال: يا أمير المؤمنين، أفتأمن أن يسموا إليها أهلك، وجلتهم مثل فلان وفلان، ويطمع فيها غيرهم، فتخرج من ولد أبيك؟ فقال له: نبهتني يا يحيى" وقال له: لو أن هذا الأمر لم يعقد لأخيك؟ أما كان ينبغي أن تعقده له؟ فكيف بأن تحله عنه، وقد عقده المهدي له؟ ولكن أرى أن تقر هذا الأمر يا أمير المؤمنين على حاله، فإذا بلغ جعفر وبلغ الله به، أتيته بالرشيد فخلع نفسه، وكان أول من يبايعه ويعطيه صفقة يده، قيل فقبل الهادي قوله ورأيه وأمر بإطلاقه.
4 حم: قدر.
5 أم الكتاب: أصله، أو اللوح المحفوظ.
(3/89)

وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع1
فقالت بغير روية: ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين، وقد قال الأول2:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذُخْرًا يكون كصالح الأعمال
هذا بعد قول الله عز وجل {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} . فأطرق هارون مليًّا، ثم قال: يا أمَّ الرشيد أقول:
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تُقْبَل
فقالت: يا أمير المؤمنين وأقول:
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كفٍّ تَبَدَّلُ3
قال هارون: رضيت، قالت: فهَبْه لي يا أمير المؤمنين، فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "من ترك شيئًا لله، لم يوجده4 الله لِفَقْدِه" فأكبَّ هارون مليًّا، ثم رفع رأسه يقول: {للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْل وَمِنْ بَعْد} قالت: يا أمير المؤمنين {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} واذكر يا أمير المؤمنين ألِيَّتك5 ما استشفعت إلا شفعَّتني. قال: واذكري يا أم الرشيد ألِيَّتك أن لا شفعت لمقترف ذنبًا، فلما رأته صرَّح بمنعها، ولاذ6 عن مطلبها، أخرجت حُقًّا من زُمُرُّدة7 خضراء، فوضعته بين يديه، فقال الرشيد: ما هذا؟ ففتحت عنه قُفلا من ذهب؛ فأخرجت منه خَفْضَته8 وذوائبه وثناياه، قد غمست جميع ذلك في المسك، فقالت: يا أمير المؤمنين، أستشفع إليك، وأستعين بالله عليك،
__________
1 التمائم جمع تميمة: وهي العودة التي تعلق على الصبي دفعًا للعين، أو المرض والبيت لأبي ذؤيب الهذلي.
2 هو الأخطل.
3 هذا البيت والذي قبله من قصيدة لمعن بن أوس المزني مطلعها:
لعمرك ما أدري، وإني لأوجل ... على أيّنا تعدو المنية أول؟
4 أي يحزنه.
5 الألية: القسم.
6 أي لم يجبه.
7 الزمرد والزمرذ بالدال والذال.
8 خفض الجارية كضرب خفضا، وهو كالختان للغلام، وقيل: خفض الصبي ختنه، فاستعمل في الرجل، والأعرف أن الخفض للمرأة والختان للصبي، ويقال للجارية خفضت، وللغلام ختن.
(3/90)

وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع1
فقالت بغير روية: ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين، وقد قال الأول2:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذُخْرًا يكون كصالح الأعمال
هذا بعد قول الله عز وجل {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} . فأطرق هارون مليًّا، ثم قال: يا أمَّ الرشيد أقول:
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تُقْبَل
فقالت: يا أمير المؤمنين وأقول:
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كفٍّ تَبَدَّلُ3
قال هارون: رضيت، قالت: فهَبْه لي يا أمير المؤمنين، فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "من ترك شيئًا لله، لم يوجده4 الله لِفَقْدِه" فأكبَّ هارون مليًّا، ثم رفع رأسه يقول: {للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْل وَمِنْ بَعْد} قالت: يا أمير المؤمنين {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} واذكر يا أمير المؤمنين ألِيَّتك5 ما استشفعت إلا شفعَّتني. قال: واذكري يا أم الرشيد ألِيَّتك أن لا شفعت لمقترف ذنبًا، فلما رأته صرَّح بمنعها، ولاذ6 عن مطلبها، أخرجت حُقًّا من زُمُرُّدة7 خضراء، فوضعته بين يديه، فقال الرشيد: ما هذا؟ ففتحت عنه قُفلا من ذهب؛ فأخرجت منه خَفْضَته8 وذوائبه وثناياه، قد غمست جميع ذلك في المسك، فقالت: يا أمير المؤمنين، أستشفع إليك، وأستعين بالله عليك،
__________
1 التمائم جمع تميمة: وهي العودة التي تعلق على الصبي دفعًا للعين، أو المرض والبيت لأبي ذؤيب الهذلي.
2 هو الأخطل.
3 هذا البيت والذي قبله من قصيدة لمعن بن أوس المزني مطلعها:
لعمرك ما أدري، وإني لأوجل ... على أيّنا تعدو المنية أول؟
4 أي يحزنه.
5 الألية: القسم.
6 أي لم يجبه.
7 الزمرد والزمرذ بالدال والذال.
8 خفض الجارية كضرب خفضا، وهو كالختان للغلام، وقيل: خفض الصبي ختنه، فاستعمل في الرجل، والأعرف أن الخفض للمرأة والختان للصبي، ويقال للجارية خفضت، وللغلام ختن.
(3/91)

81- خطبة يزيد بن مزيد الشيباني:
لما رضى الرشيد عن يزيد بن مَزْيد1 أذن له بالدخول عليه، فلما مَثَل بين يديه قال: "يا أمير المؤمنين، والحمد لله الذي سَهَّل لي سبيل الكرامة بلقائك، وردَّ عليَّ
__________
1 وذلك أن الوليد بن طريف الشاري خرج في عهد الرشيد بالجزيرة، واشتدت شوكته وكثر تبعه سنة 179، فوجه إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني، فجعل يخاتله ويماكره، وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد، فأغروا به الرشيد، وقالوا: إنما يتجافى عنه للرحم "لأنه شيباني مثله" وألا فشوكة الوليد يسيرة وهو يواعده، وينتظر ما يكون من أمره، فوجه إليه الرشيد كتاب مغضب، يقول فيه: "لو وجهت بأحد الخدم لقام بأكثر مما تقوم به، ولكنك مداهن متعصب، وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن أخرت مناجزة الوليد، ليوجهن إليك من يحمل رأسك إلى أمير المؤمنين "ثم حمل يزيد على الوليد فقتله وبعث برأسه إلى الرشيد، فلما انصرف يزيد بالظفر، حجب برأي البرامكة، وأظهر الرشيد السخط عليه، فقال: وحق أمير المؤمنين لأصيفن وأشتون على فرسي أو أدخل، فارتفع الخبر بذلك فأذن له فدخل، فلما رآه الرشيد ضحك وسر، وأقبل يصيح مرحبًا بالأعرابي، حتى دخل وأجلس وأكرم وعرف بلاؤه ونقاء صدره.
"راجع أخباره في الأغاني 8: 11، وابن خلكان 2: 283، والطبري 10: 65".
(3/91)

النعمةَ بوجه الرضا منك، وكشف عني ضبابة الكرب بإفضالك، وجزاك الله يا أمير المؤمنين في حال سُخْطك جَزَاء المحسنين المراقبين، وفي حال رضا جَزَاء المنعمين الممتنِّين المتطوِّلين، فقد جعلك الله -وله الحمد- تَثَبَّتُ1 تحرُّجًا عند الغضب، وتمتَنُّ تطولا بالنعم، وتستبقي المعروف عند الصنائع2 تفضلًا بالعفو".
"العقد الفريد 1: 141، وتاريخ الطبري 10: 117، وزهر الآداب 2: 287".
__________
1 وفي رواية الطبري "تنيب".
2 وفي الطبري: "وتعفو عن المسيء".
(3/92)

82- خطبة عبد الملك بن صالح 1 "توفى سنة 196هـ":
أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم: {أَفلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} يأهل الشأم، إن الله وصف إخوانكم في الدين، وأشباهكم في الأجسام فحذَّرهم نبيَّه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فقال: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} فقاتلكم الله أنَّي تُصْرَفون؟ جثث ماثلة، وقلوب طائرة، تشُبُّون2 الفتن، وتُوَلُّون الدُّبر، إلا عن حرم الله فإنه دَرِيئَتكم3، وحَرَم رسوله، فإنه مَغْزَاكم، وأَمَا وحُرْمَة النبوَّة والخلافة لتنفرُنَّ خفافًا وثقالًا، أو لأوسعنكم إرغامًا ونكالًا".
"العقد الفريد 2: 146".
__________
1 هو عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، ولَّى الرشيد بلاد الجزيرة والشام وغيرها.
2 توقدون.
3 الدريئة: الحلقة يتعلم الطعن والرمي عليها.
(3/92)

83- عبد الملك بن صالح يعزي الرشيد ويهنئه:
دخل عبد الملك بن صالح دار الرشيد، فقال له الحاجب: إن أمير المؤمنين قد أصيب الليلة بابن له، ووُلِد له آخر، فلما دخل عليه قال: "سرَّك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرك، وجعل هذه بهذه، مَثُوبة على الصبر، وجَزَاءً على الشكر".
"العقد الفريد 2: 35".
(3/93)

84- غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح:
ونَصَبَ1 له ابنُه "عبد الرحمن" وكاتِبُه "قُمامَة" فسعيا به إلى الرشيد، وقالا له: إنه يطلب الخلافة، ويطمع فيها، فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع، وذكروا أنه أدخل على الرشيد حين سَخَطَ عليه، فقال له الرشيد: أكفرًا بالنعمة، وجحودًا لجليل المنَّة والتكرمة؟ فقال: "يا أمير المؤمنين، لقد بُؤْتُ2 إذن بالندم، وتعرضت لاستحلال النِّقَم، وما ذاك إلا بغيُ حاسد، نافَسَني فيك مودة القرابة، وتقديم الولاية، إنك يا أمير المؤمنين خليفة رسول -الله صلى الله عليه وسلم- في أمَّته، وأَمِينُه على عِتْرَته، لك عليها فرض الطاعة وأداء النصيحة، ولها عليك العدل في حكمها، والتثبت في حادثها، والغُفْرَان لذنوبها"، فقال له الرشيد: "أتضع لي من لسانك، وترفع لي من جنانك؟ هذا كاتبك قمامة، يخبر بغلِّك وفساد نيتك، فاسْمَع كلامه"، فقال عبد الملك: "أعطاك ما ليس في عَقْده3، لعله لا يقدر أن يَعْضَهني4 ولا يَبْهَتَني بما لم يَعْرِفه مني"، وأُحْضِر قمامة، فقال له الرشيد: تكلم غير هائب ولا خائف، قال: "أقول إنه عازم على الغدر بك والخلاف عليك"،
__________
1 عاداه.
2 رجعت.
3 أي ما يعتقده.
4 عضه كمنع: كذب ونم، وعضه فلانا: بهته وقال فيه ما لم يكن.
(3/93)

فقال عبد الملك: أهو كذاك يا قمامة؟ قال قمامة: نعم، لقد أردتَ خَتْل1 أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: وكيف لا يكذب عليَّ مِن خلفي، وهو يبهتني في وجهي؟ " فقال له الرشيد: "وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بِعُتُوِّكَ، وفساد نيتك، ولو أردتُ أن أحتج عليك بحجَّة لم أجد أعدل من هذين لك، فبمَ تدفعهما عنك؟ "، فقال عبد الملك: "هو مأمور، أو عاقّ مجبور، فإن كان مأمورًا: فمعذور، وإن كان عاقًّا: ففاجر كفور، أخبر الله عز وجل بعداوته، وحذَّر منه بقوله: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} ، فنهض الرشيد وهو يقول: "أما أمرك فقد وضح، ولكني لا أعجل حتى أعلم الذي يرضي الله فيك، فإنه الحَكَم بيني وبينك"، فقال عبد الملك: "رضيت بالله حَكَمًا، وبأمير المؤمنين حاكما، فإني أعلم أنه يُؤْثِر كتاب الله على ما هواه وأمر الله على رضاه".
فلما كان بعد ذلك جلس مجلسًا آخر، فسلم لما دخل، فلم يردَّ عليه، فقال عبد الملك: ليس هذا يومًا أحتجُّ فيه، ولا أجاذب منازعًا وخصمًا. قال: ولم؟ قال: لأن أوَّله جرى على غير السنة، فأنا أخاف آخره، قال: وما ذاك؟ قال: لم ترُدَّ عليَّ السلام، أنصف نَصَفة العوام، قال: السلام عليكم اقتداء بالسنة، وإيثارًا للعدل، واستعمالًا للتحية، ثم التفت نحو سليمان بن أبي جعفر فقال: وهو يخاطب بكلامه عبد الملك:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك مِنْ خليلك من مُراد
ثم قال: "أما والله لكأني أنظر إلى شُؤْبُوبِها قد هَمَع2، وعارضها3 قد لَمَع،
__________
1 ختله: خدعه.
2 الشؤبوب: الدفعة من المطر، وهمع: سال وانصب.
3 العارض: السحاب المعترض في الأفق، والضمير الفتنة المفهومة من سياق الحديث.
(3/94)

وكأني بالوعيد قد أَوْرَى نارًا تَسْطَع، فأقلع عن بَرَاجِمَ1 بلا مَعَاصِم، ورءوس بلا غَلَاصِم2 فمهلًا مهلا، فبي والله سَهُل لكم الوَعْر، وصفا لكم الكَدر، وألقت إليكم الأمور أثناء3 أزمَّتها، فنَذار لكم نذارِ قبل حلول داهيةٍ خبوط باليد، لَبُوط4 بالرجل". فقال عبد الملك: "اتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولَّاك، وفي رعيته التي استرعاك، ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، فقد نخلْتُ النصيحة، ومَحَضَت5 لك الطاعة، وشددت أَوَاخِيَ6 ملكك بأثقل من رُكْنَي يَلَمْلَم7، وتركت عدوَّك مشتغلا8، فالله الله في ذي رَحِمك أن تقطعه -بعد أن بَلِلْتَهُ9-بظن أفصحَ الكتاب لي بِعَضْهِه10، أو ببغي باغ يَنْهَس11 اللحم، ويَالَغُ12 الدَّم، فقد والله سهَّلت لك الوُعُور، وذلَّلُت لك الأمور، وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور، فكم من لَيْلِ تِمَامٍ13 فيك كابدتهُ، ومقامٍ ضيِّق لك قُمْتُه، كنت فيه كما قال أخو بني جعفر بن كلاب:
ومقامٍ ضيِّق وفرَّجْتُه ... بِبَناني ولساني وجَدَلْ
لو يقوم الفيل أو فَيَّاله ... زلَّ عن مثل مقامي وزَحَل14
فقال له الرشيد: "أما والله لولا الإبقاء على بني هاشم لضربت عنقك".
__________
1 جمع برجمة كقنفدة: وهي مفاصل الأصابع، أو ظهر القصب من الأصابع، والمعاصم جمع معصم كمنبر: وهو موضع السوار أو اليد.
2 جمع غلصمة بالفتح وهي رأس الحلقوم وهو الموضع الناتئ في الحلق.
3 أثناء الشيء ومثانيه وطاقاته، واحدها ثني كحمل ومثناة بفتح الميم وكسرها.
4 لبط به الأرض ضرب، ولبط البعير كضرب: خبط بيده وهو يعدو.
5 أخلصت.
6 جمع آخية وتشدد: عروة تربط إلى وتد مدقوق وتشد فيها الدابة، وأخيت الدابة تأخية: صنعت لها آخية وربطتها بها.
7 يلملم أو ألملم أو يرمرم: ميقات اليمن: جبل على مرحلتين من مكة.
8 وفي رواية العقد: "وتركت عدوك سبيلًا تتعاوره الأقدام".
9 بللت فلانا: لزمته.
10 العضه بسكون الضاد وفتحها: الكذب والنميمة.
11 نهس اللحم كمنع وسمع: أخذه بمقدم أسنانه ونتفه.
12 ولغ الكلب في الإناء ومنه وبه يلغ كيهب ويالغ: شرب ما فيه بأطراف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه.
13 ليل التمام: أطول ليالي الشتاء.
14 زحل من مقامه: زال كتزحول.
(3/95)

ولم يزل عبد الملك محبوسا حتى تُوُفي الرشيد، فأطلقه محمد الأمين وعقد له على الشام1.
"تاريخ الطبري 10: 89، والعقد الفريد 1: 143، والكامل لابن الأثير 6: 72، وزهر الآداب 2: 283".
__________
1 وقد جعل للأمين عهد الله وميثاقه: لئن قتل وهو حي لا يعطي المأمون طاعة أبدًا، فمات قبل قتل الأمين، فدفن في دار من دور الإمارة، فلما خرج المأمون يريد الروم أرسل إلى ابن له حول أباك من دري، فنهشت عظامه وحولت.
(3/96)

85- قوله بعد خروجه من السجن:
ولما خرج من السجن وذكر الرشيد وفعله به قال:
"والله إن الْمُلك لشيءٌ ما نَوَيته، ولا تمنَّيته، ولا نصبتُ له ولا أرَدْتُه، ولو أردته لكان إليَّ أسرع من الماء إلى الحدور1، ومن النار إلى يبس العَرْفَجِ2، وإني لمأخوذ بما لم أَجْنِ، ومسئول عما لا أَعْرِف، ولكنه حين رآني للملك قَمِينا3، وللخلافة خطيرًا4، ورأى لي يدا تنالها إذا مُدَّت، وتبلغها إذا بُسِطت، ونفسا تكمُل لخِصَالها، وتستحقها بفِعَالها، وإن كنت لم أختَرْ تلك الخِصَال، ولم أصْطَنع تلك الفِعَال، ولم أترشَّح لها في السِّر، ولا أشرتُ إليها في الجهر، ورآها تحِنُّ إليَّ حنين الوالدة الوالهة، وتميل إليَّ ميل الهَلُوك5، وخاف أن ترغب إلى خير مَرْغَب، وتنزع إلى أخصب مَنْزِع، وعاقبني عقاب من سهر في طلبها، وجهد في التماسها، فإن كان إنما حبسني على أني أصلُح لها وتصلُح لي، وأليق بها وتليق بي، فليس ذلك بذنب جنيته فأتوب منه، ولا تطاولت له فأحطُّ نفسي عنه، وإن زعم أنه لا صَرْف لعقابه، ولا نجاة من عذابه، وألا بأن أخرج له من جِدِّ العلم والحلم والحَزْم، فكما لا يستطيع المضْياعُ أن يكون مصلحا، كذلك لا يستطيع العاقل أن يكون جاهلا،
__________
1 المكان المنحدر.
2 شجر.
3 جديرا.
4 عظيم القدر.
5 الفاجرة المتساقطة على الرجال.
(3/96)

وسواء عليه أعاقبني على علمي وحلمي، أم عاقبني على نسبي وسني، وسواء عليه عاقبني على جَمَالي، أم عاقبني على محبة الناس لي، ولو أردتها لأعْجَلْته عن التفكير، وشَغَلْته عن التدبير، ولما كان فيها من الخطب إلا اليسير".
"العقد الفريد 1: 143".
(3/97)

86- وصية عبد الملك بن صالح لابنه:
أوصى عبد المللك بن صالح ابنا له فقال:
"أي بني احْلُم، فإن من حَلُم ساد، ومن تفهَّم ازداد، والقَ أهل الخير فإن لقاءهم عمارةٌ للقلوب، ولا تَجْمَح بك مَطِيَّة اللِّجَاجِ، وفيك من أعتبك1، والصاحب المناسب لك، والصبر على المكروه يعصم القلب، المُِزاح يورث الضغائن، وحسن التدبير مع الكَفاف خيرٌ من الكثير مع الإسراف، والاقتصاد يُثَمِّر2 القليل، والإسراف يُبِير3 الكثير، ونِعْمَ الحظ القناعة، وشر ما صحِب المرء الحسد، وما كل عَوْرَة تصاب، وربما أبصر العميُّ رُشْدَه، وأخطأ البصير قَصْدَه، واليأس خير من الطلب إلى الناس، والعفَّة مع الحرفة4 خير من الغنى مع الفجور، ارْفُق في الطلب وأَجْمِل في المكسب، فإنه رب طلب، قد جرَّ إلى حَرَب5، ليس كل طالب بمُنْجِح6، ولا كل مُلِحٍّ بمحتاج، والمغبون من غُبِنَ نصيبه من الله، عاتب من رجوت عتباه، وفاكِهْ من أمنت بلواه، لا تكن مِضْحَاكًا من غير عجب، ولا مَشَّاء إلى غير أَرَب، ومن نأى عن الحق أضاق مذهبه، ومن اقتصر على حاله كان أنعم لباله، لا يكبُرَن عليك ظُلْمُ من ظلمك، فإنه إنما سعى في مضرته ونفعك، وعَوِّد نفسك السماح، وتخيَّر لها من كل خلق أحسنه، فإن الخير عادة، والشر لَجَاجة، والصُّدود آية المقت، والتعلل آية البخل، ومن الفقه كتمان السر، ولِقَاحُ المعرفة
__________
1 أعتبه: أعطاه العتبى أي الرضا.
2 ينمى ويكثر.
3 يهلك.
4 الحرمان.
5 حربه حربًا كطلبه: سلب ماله.
6 أنجح: صار ذا نجح.
(3/97)

دراسة العلم، وطول التجارب زيادة في العقل، والقناعة راحة الأبدان، والشرف التقوى، والبلاغة معرفة رَتْق الكلام وفَتْقِه، بالعقل تستخرج الحكمة، وبالحلم يستخرج غَوْر العقل، ومن شَمَّر في الأمور، ركب البحور، شر القول ما نقض بعضُه بعضًا، ومن سعى بالنميمة حَذِره البعيد، ومَقَتَه القريب. ومن أطال النظر بإرادةٍ تامة أدرك الغاية، ومن توانى في نفسه ضاع. من أسرف في الأمور انتشرت عليه، ومن اقتصد اجتمعت له، واللَّجَاجة تورث الضَّيَاع للأمور، غِبُّ الأدب أحمد من ابتدائه، مبادرة الفهم تورث النسيان، سوء الاستماع يُعْقِب العِيّ، لا تُحْدِّث من لا يقبل بوجهه عليك، ولا تُنْصِت لمن لا يَنْمِى1 بحديثه إليك. البلادة للرجل هُجْنَة، قل مالك إلا استأثر، وقلَّ عاجز إلا تأخر، الإحجام عن الأمور يورث العجز، والإقدام عليها يورث اجتلاب الحظ، سوء الطُّعمة2 يفسد العِرْضَ، ويُخْلِق الوجه، ويمحق الدين، والهيبة قرين الحرمان، والجسارة قرين الظفر، وَفِيُّك من أنصفك، وأخواك من عاتَبَك، وشريكك من وَفَى لك، وصَفِيُّك من آثرك، أعدى الأعداء العقوقُ، اتباع الشهوة يورث الندامة، وفوت الفرصة يورث الحسرة جميع أركان الأدب التأنِّي للرِّفق، أكْرِم نفسك عن كل دنيَّة، وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لا تجد بما تبذل من دينك ونفسك عوضًا، لا تساعد3 النساء فَيَمْلَلْنك، واستبقِ من نفسك بقيَّة، فإنهن أن يرين أنك ذو اقتدار، خير من أن يطَّلعن منك على انكسار، لا تملِّك المرأة الشفاعة لغيرها، فتميل من شفعت لها عليك معها، أي بني، إني قد اخترت لك الوصية، ومَحضتك النصيحة، وأديت الحق إلى الله في تأديبك، فلا تُغْفِلَنَّ الأخذ بأحسنها، والعمل بها، والله موفقك".
"البيان والتبيين 3: 232".
__________
1 نمى الحديث ونماه بالتشديد: رفعه.
2 الطعمة: وجه المكسب.
3 لعلها "لا تقاعد".
(3/98)

87- وصية أخرى له:
عن يزيد بن عِقَال قال:
وصى عبد الملك بن صالح ابنه وهو أمير سَرِيَّة، ونحن ببلاد الروم فقال له:
"أنت تاجر الله لعباده، فكن كالمضارب الكيِّس، الذي إن وجد ربحًا تَجَر، وألا احتفظ برأس المال، ولا تطلب الغنيمة حتى تجوزَ السلامة، وكن من اجتيالك على عدوِّك، وأشدَّ خوفا من احتيال عدوك عليك1".
"البيان والتبيين 2: 54".
__________
1 أوردت هذه الوصية في الجزء الثاني ص185 معزوه إلى عبد الملك بن مروان كما أوردها صاحب العقد، ويؤيد ذلك ما رواه الطبري، ج 8: 37؛ إذ يقول: "وفي سنة84 كانت غزوة عبد الله بن عبد الملك بن مروان الروم، ففتح فيها المصيصة -كسفينة-" وعزاها الجاحظ إلى عبد الملك بن صالح كما ترى في هذه الرواية.
(3/99)

88- كلمات حكيمة لابن السَّماك:
وقال محمد بن صبح -المعروف بابن السَّماك1:
"خير الإخوان أقلُّهم مصانعة في النصيحة، وخير الأعمال أحلاها عاقبة، وخير الثناء ما كان على أفواه الأخيار، وأشرف السلطان ما لم يخالطه البَطَر، وأغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرًا، وخير الإخوان من لم يخاصِم، وخير الأخلاق أعونها على الورع، وإنما يُخْتَبَر ذلُّ الرجال عند الفاقة والحاجة".
"زهر الآداب 2: 205".
__________
1 كان زاهدًا عابدًا حسن الكلام صاحب مواعظ، وهو كوفي، قدم بغداد زمن الرشيد فمكث بها مدة، ثم رجع إلى الكوفة فمات بها سنة 183هـ.
(3/99)

89- ابن السَّماك والرشيد:
وذكر محمد بن هارون عن أبيه قال: حضرت الرشيد، وقال له الفضل بن الربيع يا أمير المؤمنين قد أحضرت ابن السَّماك كما أمرتني، قال: أدخله، فدخل، فقال له:
(3/99)

عِظْني، قال: يا أمير المؤمنين: اتَّق الله وحده لا شريك له، واعلم أنك واقف غدًا بين يدي الله رَبَّك، ثم مصروفٌ إلى إحدى منزلتين، لا ثالثةَ لهما: جنة أو نار، فبكى هارون حتى اخْضَلَّتْ1 لحيته، فأقبل الفضل على ابن السَّماك، فقال: سبحان الله! وهل يتخالجُ أحدًا شكٌ في أن أمير المؤمنين مصروف إلى الجنة إن شاء الله؟ لقيامه بحق الله، وعدله في عباده، وفضله، فلم يَحْفَل بذلك ابن السَّماك من قوله، ولم يلتفت إليه وأقبل على أمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا -يعني الفضل بن الربيع- ليس والله معك ولا عندك في ذلك اليوم، فاتق الله وانظر لنفسك، فبكى هارون حتى أشفقنا عليه، وأفحم الفضل بن الربيع، فلم ينطق بحرف حتى خرجنا.
قال: دخل ابن السَّماك على الرشيد يومًا، فبينا هو عنده إذ استسقى ماء، فأُتِي بِقُلَّة من ماء، فلما أهوى بها إلى فِيِهِ ليشربها، قال له ابن السَّماك: على رِسْلك2 يا أمير المؤمنين: بقرابتك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لو مُنِعَت هذه الشَّرْبة، بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنَّأَك الله، فلما شربها، قال له: أسألك بقرابتك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لو مُنْعِتَ خروجها من بدنك، بماذا كنت تشتريها، قال: بجميع ملكي، قال ابن السَّماك: إن ملكًا قيمته شربة ماء لجدير إلا يُنَافس فيه، فبكى هارون، وأشار الفضل بن الربيع إلى ابن السَّماك بالانصراف فانصرف".
"تاريخ الطبري 10: 119، وشرح ابن أبي الحديد م1: ص149".
__________
1 ابتلت.
2 الرسل: التؤدة.
(3/100)

الفتنة بين الأمين والمأمون
مدخل
...
الفتنة بين الأمين والمأمون:
وفد الأمين إلى المأمون.
لما عزم محمد الأمين على خلع أخيه عبد الله المأمون من ولاية العهد1، كتب إليه كتابًا يستقدمه، ويُحَبِّب أن يكون بقُرْبِه -وكان المأمون على خراسان- ودفع الكتاب إلى العباس بن موسى، وإلى عيسى بن جعفر، إلى محمد بن عيسى بن نَهِيك، وإلى صالح صاحب المصلَّى، وأمرهم أن يتوجهوا به إلى المأمون، وألا يدعوا وجها من اللين والرِّفق إلا بلغوه، وسهَّلوا الأمر عليه، "وذلك سنة194 هـ" فتوجهوا بكتابه، فلما وصلوا إلى المأمون أذن لهم، فدفعوا إليه الكتاب، ثم تكلم العباس بن موسى:
__________
1 ذكروا أن الفضل بن الربيع وزير الأمين، كان قد خاف المأمون، لما فعله عند موت الرشيد بطوس من إحضار جميع ما كان في عسكره إلى الأمين، بعد أن كان الرشيد قد أشهد به المأمون، وعلم أن الخلافة إن أفضت إلى المأمون يومًا وهو حي لم يبق عليه، فحسن للأمين خلع المأمون والبيعة لابنه موسى -ولم يكن ذلك من رأي الأمين ولا عزمه- واتفق مع الفضل جماعة على ذلك، قال الأمين إلى أقوالهم، ثم إنه استشار عقلاء أصحابه، فنهوه عن ذلك وحذروه عاقبة البغي ونكث العهود، وقالوا له: لا تجرئ القوَّاد على النكث للأيمان وعلى الخلع فيخلعوك، فلم يلتفت إليهم، ومال إلى رأي الفضل بن الربيع، وشرع في خدع المأمون باستدعائه إلى بغداد، فلم ينخدع وكتب يعتذر.
(3/101)

90- خطبة العباس بن موسى
حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الأمير: إن أخاك قد تحمَّل من الخلافة ثقلًا عظيمًا، ومن النظر في أمور الناس عِبْثًا جليلًا، وقد صدقت نيته في الخير، فأعوزَه الوزراء والأعوان والكُفَاة على العدل، وقليل ما يأنَسُ بأهل بيته، وأنت أخوه
(3/101)

وشقيقه1 وقد فزع إليك في أموره، وأمَّلَك للمُوازرة والمكانفة2، ولسنا نستبطئك في بِرِّه، اتهامًا لنصرك له، ولا نحضّك على طاعة، تخوُّفًا لخلافك عليه، وفي قدومك عليه أُنس عظيم، وصلاح لدولته وسلطانه، فأجب أيها الأمير دعوة أخيك، وآثر طاعته وأعِنْه على ما استعانك عليه في أمره، فإن في ذلك قضاء الحق، وصِلَةَ الرحم، وصلاح الدولة وعز الخلافة، وعزم الله للأمير على الرشيد في أموره، جعل له الخِيَرة والصلاح في عواقب رأيه".
__________
1 أمه أم ولد يقال لها مراجل.
2 المعاونة.
(3/102)

91- خطبة عيسى بن جعفر:
وتكلم عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، فقال:
"إن الإكثار على الأمير -الله، الله- في القول خُرْق، والاقتصار في تعريفه ما يجب من حق أمير المؤمنين تقصير، وقد غاب الأمير -أكرمه الله- عن أمير المؤمنين، ولم يَسْتغنِ عن قربه من شهد غيره من أهل بيته، ولا يجد عنده غنى، ولا يجد منه خلفًا، ولا عوضًا، والأمير أولى من بَرَّ أخاه، وأطاع إمامه، فليعمل الأمير فيما كتب به إليه أمير المؤمنين بما هو أرضى وأقرب من موافقة أمير المؤمنين ومحبته، فإن القدوم عليه فضل وحظ عظيم، والإبطاء عنه وَكَف1 في الدين، وضرر ومكروه على المسلمين".
__________
1 الوكف الميل والجور والعيب والإثم.
(3/102)

92- خطبة محمد بن عيسى بن نهيك:
وتكلم محمد بن عيسى بن نهيك، فقال:
"أيها الأمير إنا لا نزيدك بالإكثار والتطويل فيما أنت عليه من المعرفة بحق أمير المؤمنين، ولا نشحَذ نيتك بالأساطير والخُطَب فيما يلزمك من النظر والعناية
(3/102)

بأمور المسلمين، وقد أعوز المؤمنين الكُفَاةُ والنصحاء بحضرته، وتناولك فزعًا إليك في المعونة والتقوية له على أمره، فإن تجب أمير المؤمنين فما دعاك إليه، فنعمة عظيمة يتلافى بها رعيتك وأهل بيتك، وإن تقعد يُغْنِ الله أمير المؤمنين عنك، ولن يضعه ذلك مما هو عليه من البرِّ بك، والاعتماد على طاعتك ونصيحتك".
(3/103)

93- خطبة صالح صاحب المصلى:
وتكلم صالح صاحب المصلى، فقال:
"أيها الأمير: إن الخلافة ثقيلة، والأعوان قليل، ومن يكيد هذه الدولة، وينطوي على غشِّها، والمعاندة لأوليائها، من أهل الخلاف والمعصية كثير، وأنت أخو أمير المؤمنين وشقيقه؟ وصلاح الأمور وفسادها راجع عليك وعليه؛ إذ أنت ولي عهده، والمشارك في سلطانه وولايته، وقد تناولك أمير المؤمنين بكتابه، ووثِق بمعاونتك على ما استعانك عليه من أموره، وفي إجابتك إياه إلى القدوم عليه صلاح عظيم وفي الخلافة، وأنس وسكون لأهل الملَّة والذمَّة، وفَّق الله الأمير في أموره، وقضى له بالذي هو أحب إليه وأنفع له".
(3/103)

94- خطبة المأمون:
فحمد الله المأمون، وأثنى عليه، ثم قال:
"قد عرَّفتموني من حق أمير المؤمنين -أكرمه الله- ما لا أنكره، ودعوتموني من الموازرة والمعونة إلى ما أوثره ولا أدفعه، وأنا لطاعة أمير المؤمنين مقدِّم، والمسارعة إلى ما سرَّه ووافقه حريص، وفي الرَّوية تبيان الرأي، وفي إعمال الرأي نصح الاعتزام، والأمر الذي دعاني إليه أمير المؤمنين أمر لا أتأخر عنه تثبُّطا ومدافعة، ولا أتقدَّم عليه
(3/103)

اعتسافا وعجلة، وأنا في ثَغْر1 من ثغور المسلمين، كَلِب عدوه، شديد شوكته، وإن أهملت أمره لم آمن دخول الضرر والمكروه على الجنود والرعية، وإن أقمت عليه لم آمن فَوْتَ ما أحب من معونة أمير المؤمنين وموازرته وإيثار طاعته، فانصرفوا حتى أنظر في أمري، ويصحَّ الرأي فيما أعتزم عليه من مسيري إن شاء الله".
ثم بعث معهم بكتاب إلى الأمين، يسأله أن يعفيه من الشخوص إليه، وأن يقرَّه على عمله؛ إذ يرى أن ذلك أعظم غناء على المسلمين.
"تاريخ الطبري 10: 146".
__________
1 الثغر: موضع المخافة من فروج البلدان.
(3/104)

95- وصية السيدة زبيدة لعلي بن عيسى بن ماهان:
ونمى الشر بين الأخوين، واستطار شرره، وبعث الأمين جيشًا كثيفًا بقيادة علي بن عيسى بن ماهان لحرب المأمون، وأعد المأمون للقائه جيشًا بقيادة طاهر بن الحسين فلما أراد عليٌّ الشخوص إلى خراسان، ركب إلى باب السيدة زُبَيدة1 والدة الأمين فودَّعها، فقالت له:
"يا عليُّ، إن أمير المؤمنين، وإن كان ولدي، إليه تناهت شفقتي، وعليه تكامل حِذْري، فإني على عبد الله منعطفة مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى، وإنما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه، وغاراه2 على ما في يده، والكريم يؤْكل لحمه، ويميته غيره، فاعرف لعبد الله حق والده وأُخوَّته، ولا تجْبَهه3 بالكلام، فإنك لست نظيره، ولا تقتسِره4 اقتسار العبيد، ولا تُرْهنه بقيد ولاغُلّ5، ولا تمنع منه جارية لا خادمًا، ولا تعنِّف عليه في السير ولا تساوره في المسير، ولا تركب قبله،
__________
1 هي السيدة زُبَيدة أم جعفر بنت جعفر بن المنصور وليس في خلفاء بني العباس مَنْ أمه وأبوه هاشميان سواء.
2 في الأصل: "غاره" وأراه محرفا عن "غاراه" غاريته مغاراة وغراء: لاججته.
3 جبهه كمنعه: لقيه بما يكره.
4 قسره واقتسره: قهره.
5 أرهنه: أضعفه، وفي الفخري: "ولاة توهنه" وأوهنه: أضعفه أيضًا، وللغل: القيد.
(3/104)

ولا تستقِل على دابتك حتى تأخذ بركابه، وإن شتمك فاحتمل منه، وإن سفه عليك فلا ترادَّه".
ثم دفعت إليه قيدا من فضة، وقالت: إن صار في يدك فقيده بهذا القيد، فقال لها: سأقبل أمرك، وأعمل في ذلك بطاعتك.
"تاريخ الطبري 10: 149، والفخري ص195".
(3/105)

96- وصية الأمين لابن ماهان
وخرج علي بن عيسى بن ماهان من بغداد "في7 من شعبان سنة 195هـ" وخرج معه الأمين يشيعه، وأقبل يوصيه، فقال:
"امنع جندك من العبث بالرعية، والغارة على أهل القرى، وقطع الشجر، وانتهاك النساء، وولِّ الريَّ يحيى بن علي1، واضمم إليك جندًا كثيفًا، ومُرْه ليدفع إلى جنده أرزاقهم مما يجيء من خراجها، وولِّ كل كُورة ترحل عنها رجلًا من أصحابك، ومن خرج إليك من جند أهل خراسان ووجوهها فأظهر إكرامه، وأحسن جائزته، ولا تعاقب أخًا بأخيه، وضع عن أهل خُرسان ربع الخراج، ولا تأمن أحدًا رماك بسهم، أو طعن في أصحابك برمح، ولا تأذن لعبد الله في المُقام أكثر من ثلاثة أيام، من اليوم الذي تظهر فيه عليه، فإذا أشخصته، فليكن مع أوثق أصحابك عندك، فإن غرَّه الشيطان فناصبك، فاحرص علي أن تأسره أسرًا، وإن هرب منك إلى بعض كُور خراسان، فتَوَلَّ إليه المسير بنفسك، وأفَهِمْتَ كل ما أوصيك به؟ ".
قال: نعم، أصلح الله أمير المؤمنين، قال: سر على بركة الله وعونه.
"تاريخ الطبري 10: 150".
__________
1هو يحيى بن علي بن عيسى بن ماهان.
(3/105)

97- استهانة ابن ماهان بأمر طاهر بن الحسين:
وخرج ابن ماهان، فلما جاز حُلْوَان، لقيته القوافل من خراسان، فكان يسألها عن الأخبار، فيقال له: إن طاهرًا مقيم بالرَّيّ، يعرض أصحابه، ويرُِمُّ1 آلته، فيضحك ثم يقول:
"وما طاهر؟ فو الله ما هو إلا شوكة من أغصاني، أو شرارة من ناري، وما مثل طاهر يتولَّى على الجيوش، ويلقى الحروب"، ثم التفت إلى أصحابه فقال: "والله ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف، إلا أن يبلغهُ عُبُورنا عَقَبة2 هَمَذَان، فإن السِّخال3 لا تقوى على نِطاح الكباش، والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسد، فإن يقم طاهر بموضعه يكن أول معرَّض لِظُبَات4 السيوف وأسنة الرماح".
وسار حتى صار في أول بلاد الري، وأتاه صاحب مقدِّمته وقال: "لو كنت -أبقى الله الأمير- أذكَيْت العيون، وبعثت الطلائع، وارتدت موضعًا تعسكر فيه، وتتخذ خندقًا لأصحابك يأمنون به، وكان ذلك أبلغ في الرأي، وآنس للجند".
قال: "لا، ليس مثل طاهر يُسْتَعَدُّ له بالمكايد والتحفظ، وإن حال طاهر تئول إلى أحد أمرين، إما أن يتحصَّن بالري، فيَبْهَته5 أهلها، فيكفونا مَئُونته، أو يخلِّيها ويدبر راجعًا لو قربت خيولنا وعساكرنا منه".
وأتاه يحيى بن علي، فقال: "اجمع متفرِّق العسكر، واحذر على جندك البيات، ولا تسرِّح الخيل إلا ومعها كَثْفُ6 من القوم، فإن العساكر لا تُسَاس بالتواني،
__________
1 يصلح.
2 العقبة: مرقى صعب من الجبال.
3 السخال جمع سخلة بالفتح: وهو ولد الغنم ذكرًا أو أنثى.
4 الظبات جمع ظبة: وهي حد السيف.
5 بهته كمنعه: أخذه بغتة، قال تعالى: {بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ} ، وفي مروج الذهب: "فيثب به".
6 الكثف: الجماعة.
(3/106)

والحروب لا تدبَّر بالاغترار، والثقة أن تحترز، ولا تقل: المحارب لي طاهر، فالشرارة الخفيَّة ربما صارت ضِرَامًا1، والثُّلْمة من السيل ربما اغْتُرَّ بها وتُهُوِّن، فصارت بحرًا عظيمًا، وقد قربت عساكرنا من طاهر، فلو كان رأيه الهرب لم يتأخر إلى يومه هذا".
قال: اسكت، فإن طاهرًا، ليس في هذا الموضع الذي ترى، وإنما يتحفظ الرجال إذا لقيت أقرانها، وتستعدّ إذا كان المناوي2 لها أكفاءَها ونظراءها".
"تاريخ الطبري 10: 150، ومروج الذهب 2: 299".
__________
1 الضرام: اشتعال النار في الحلفاء وغيرها، ودقاق الحطب الذي يسرع اشتعال النار فيه.
2 المعادي.
(3/107)

98- حزم طاهر وقوة عزمه:
وعسكر طاهر على خمسة فراسخ من الرّيِّ، وأتاه محمد بن العلاء، فقال: "أيها الأمير، إن جندك قد هابوا هذا الجيش، وامتلأت قلوبهم خوفًا ورعبًا منه1، فلو أقمت بمكانك، ودافعت القتال إلى أن يشامَّهم2 أصحابُك، ويأنسوا بهم، ويعرفوا وجه المأخذ في قتالهم"، فقال:
"لا، إني أوتَى من قِلَّة تجربة وحزم، إن أصحابي قليل، والقوم عظيم سوادهم، كثير عددهم، فإن دافعت القتال، وأخَّرت المناجزة، لم آمَنْ أن يطَّلعوا على قلَّتنا وعورتنا، وأن يستميلوا من معي برغبة أو رهبة، فينفر عن أكثر أصحابي، ويخذُلني أهل الحفاظ والصبر، ولكن أُلْفّ الرجال بالرجال، وأُلْحِم3 الخيل بالخيل، وأعتمد على الطاعة والوفاء، وأصبر صبر محتسب للخير، حريص على الفوز بفضل الشهادة، فإن
__________
1 وكانت عدة عسكر ابن ماهان خمسين ألفًا، وذكر بعض أهل بغداد أنهم لم يروا عسكر كان أكثره رجالًا وأفره كراعًا، وأظهر سلاحًا، وأتم عدة، وأكمل هيئة من عسكره، وروى أن طاهر كان في أقل من أربعة آلاف.
2 شاما وتشاما: شم أحدهما الآخر، والمعنى اقتربا.
3 أي أقرن الخيل بالخيل، من قولهم: ألحمت الحرب فالتحمت، والملحم بضم الميم وفتح الحاء: الملصق بالقوم، ولا حم الشيء بالشيء: ألصقه به.
(3/107)

يرزق الله الظفر والفَلْج1، فذلك الذي نريد ونرجو، وإن تكن الأخرى فلست أول من قاتل فقتل، وما عند الله أجزل وأفضل".
"تاريخ الطبري 10: 151".
__________
1الفوز: الظفر.
(3/108)

99- طاهر يشد عزيمة جنده:
وكتَّب طاهر بن الحسين كتائبه، وكرْدَسَ كراديسه1، وسوى صفوفه، وجعل يمر بقائد قائد، وجماعة جماعة، فيقول:
"يا أولياء الله، وأهل الوفاء والشكر، إنكم لستم كهؤلاء الذين ترون من أهل النَّكْث والغدر، إن هؤلاء ضيَّعوا ما حفظتم، وصغَّروا ما عظمتم، ونكثوا الأيمان التي رَعَيتم، وإنما يطلبون الباطل، ويقاتلون على الغدر والجهل، أصحاب سلب ونهب، فلو قد غَضَضْتم الأبصار، وأثْبَتُّم الأقدام، قد أنجز الله وعده، وفتح عليكم أبواب عزِّه ونصره، فجالِدُوا طواغيت الفتنة، ويَعَاسِيب النار2 عن دينكم، ودافعوا بحقكم باطِلَهم، فإنما هي ساعة واحدة، حتى يحكم الله بينكم وهو خير الحاكمين".
ونشِب القتال بين الفريقين، ودارت الدائرة على جيش ابن ماهان وقُتِل3.
ووجَّه الأمين بعد ذلك لحرب طاهر جيشًا بقيادة عبد الرحمن بن جَبَلة، فهزم وقتل أيضًا.
"تاريخ الطبري 10: 152".
__________
1 الكراديس جمع كردوسة بالضم: وهي القطعة العظيمة من الخيل وكردسي الخيل جعلها كتيبة كتيبة.
2 الطواغيت جمع طاغوت: وهو الشيطان وكل رأس ضلال، واليعاسيب جمع يعسوب: وهو الرئيس الكبير.
3 روى أن نعي علي بن عيسى ورد إلى الأمين وهو على الشط يصيد السمك، فقال الذي أخبره: ويلك دعني، فإن كوثرًا قد اصطاد سمكتين، وأنا ما اصطدت شيئًا بعد -وكان كوثر خادمًا خصيًّا له وكان يحبه.
(3/108)

100- وصف الفضل بن الربيع غفلة الأمين:
وندب أسد بن يزيد بن مزيد لقتال طاهر
وبعث الفضل بن الربيع بعد مقتل عبد الرحمن بن جَبَلة إلى أسد بن يزيد بن مَزْيَد، قال: فأتيته، فلما دخلت عليه وجدته قاعدًا في صَحْن داره، وفي يده رُقعة قد قرأها، واحمرَّت عيناه، واشتد غضبه، وهو يقول:
"ينام نوم الظَّرِبان1، وينتبه انتباه الذئب، همَّتُه بطنه، ولذَّته فرجه، لا يفكِّر في زوال نعمته، ولا يُرَوِّي في إمضاء رأي ولا مكيدة، قد ألهاه كأسه، وشغله قدحه، فهو يجري في لهوه، والأيام تسرع2 في هلاكه، قد شمَّر عبد الله له عن ساقه، وفوَّق له أصْيَب3 أسهمه، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ، والموت القاصد4، قد عبَّى له المنايا على متون الخيل، وناط5 له البلاء في أسنة الرماح، وشِفار السيوف".
ثم استرجع وتمثل بأبيات للبعيث6، ثم التفت إليَّ فقال:
"يا أبا الحارث، إنا وإياك لنجري إلى غاية، وإن قَصَّرنا عنها ذُمِمْنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا، وإنما نحن شُعَب من أصل، إن قويَ قوينا، وإن ضَعُف ضعُفْنا، إن هذا قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوَكْفاء7، يشاور النساء، ويعتمد على الرؤيا. وقد أمكن أهل اللهو والخسارة من سمعه، فهم يَعِدُونه الظفَرَ، ويمنُّونه عُقْب8 الأيام،
__________
1 الظربان: دويبة فوق جرو الكلب منتنة الريح كثيرة الفسو، يضرب بها المثل فيقال: "أفسى من ظربان".
2 في الأصل "تضرع" وأراه محرفا.
3 أصيب: أفعل من صاب السهم يصيب صيبا: أي أصاب، وسهم صيوب كصبور.
4 القاصد أي الكاسر، من القصد بالفتح: هو الكسر بأي وجه كان، أو بالنصف، كالتقصيد، يقال قصد المحة وقصدها: كسرها وفصلها فتقصدت.
5 علق.
6 هو خداش بن بشر المجاشعي، أحد شعراء الدولة الأموية، وكان يهاجي جريرًا.
7 وصف من الوكف بالتحريك: وهو الإثم والعيب والنقص، وكف كفرح إذا أثم، وفي رواية الطبري "الوكعاء" بالعين، وهي الحمقاء.
8 العقب كقفل وعنق: العاقبة.
(3/109)

والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان1 الرمل، وقد خشيت والله أن يهلك بهلاكه، ونعطَب بعطَبه.
وأنت فارس العرب وابن فارسها، وقد فَزِع إليك في لقاء هذا الرجل "طاهر"، وأطمعه فيما قبلك أمران؛ أمَّا أحدهما فصدق طاعتك، وفضل نصيحتك؛ والثاني يمن نَقِيبتك2، وشدة بأسك، وقد أمرني بإزاحة علتك، وبسط يدك فيما أحببت، غير أن الاقتصاد رأس النصيحة، ومفتاح اليمن والبركة، فأنجز حوائجك، وعَجِّل المبادرة إلى عدوك، فإني أرجو أن يوليك الله شرف الفتح، ويَلُمّ بك شعث هذه الخلافة والدولة".
فأجاب بالسمع والطاعة، غير أنه طلب مطالب لم تَرُقْ في عين الأمين فغضب عليه، وأمر بسجنه.
"تاريخ الطبري 10: 158 وزهر الآداب 2: 158".
__________
1 القيعان جمع قاع: وهو أرض مطمئنة سهلة قد انفرجت عنها الجهال والآكام.
2 النقيبة: النفس والطبيعة.
(3/110)

101- وصية الأمين لأحمد بن مزيد:
ثم ندب عمه أحمد بن مزيد، فلما أراد الشخوص دخل على الأمين، فقال: أوصني أكرم الله أمير المؤمنين، فقال:
"أوصيك بخصال عدة، إياك والبغي فإنه عِقَال1 النصر، ولا تقدِّم رجلًا إلا باستخارة، ولا تشهر سيفًا إلا بعد إعذار، ومهما قدرت عليه باللين، فلا تتعدَّه إلى الخَرَق والشَّرَه، وأحسن صحابة من معك من الجند، وطالعني بأخبارك في كل يوم، ولا تخاطر بنفسك في طلب الزُّلْفَة2 عندي، ولا تستقها فيما تَخَوَّف رجوعه علي، وكن لعبد الله أخًا مصافيا، وقرينًا برًّا، وأحسن مجامعته، وصحبته ومعاشرته، ولا تخذله إن استنصرك، ولا تبطئ عنه إذا استصرخك، ولتكن أيديكما3 واحدة، وكلمتكما متفقة".
__________
1 العقال في الأصل: الحبل الذي تقيد به الدابة.
2 الزلفة والزلفى: القربة.
3 أي أنت وعبد الله بن حميد بن قحطبة.
(3/110)

وتوجه أحمد بن مَزْيد في عشرين ألف من الأعراب، وعبد الله بن حميد بن قَحْطَبة في عشرين ألفًا من الأبناء، حتى نزلا خانقين -قريبًا من حُلْوان- ولم يزل طاهر يحتال في وقوع الاختلاف والشَّغب بينهم، حتى اختلفوا، وانتقض أمرهم، وقاتل بعضهم بعضًا، فأخلوا خانقين ورجعوا عنها، دون أن يَلْقَوا طاهرًا.
"تاريخ الطبري 10: 159".
(3/111)

102- مقال عبد الملك بن صالح للأمين:
وكان عبد الملك بن صالح يشكر للأمين تخلية سبيله، ويوجب بذلك على نفسه طاعته ونصيحته، فلما قوي طاهر، واستعلى أمره، وهزم من هزم من قواد الأمين وجيوشه، ودخل عبد الملك على الأمين، فقال:
"يا أمير المؤمنين: إني أرى الناس قد طَمِعوا فيك، وأهل العسكرين قد اعتمدوا ذلك، وقد بذلت سماحتك، فإن تممْتَ على أمرك أفسدتهم وأبطرتهم، وإن كففت أمرك عن العطاء والبذل أسخطَتْهم وأغضبتهم، وليس تملك الجنود بالإمساك، ولا يبقى ثبوت الأموال على الإنفاق والسَّرَف، ومع هذا فإن جندك قد رعبتهم الهزائم ونَهِكَتهم، وأضعفتهم الحرب والوقائع، وامتلأت قلوبهم هيبة لعدوهم، ونكولا1 عن لقائهم ومناهضتهم، فإن سيرتهم إلى طاهر، غلب بقليل من معه كثيرهم، وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ونيَّاتهم، وأهل الشأم قوم قد ضرَّستهم2 الحرب، وأدَّبتهم الشدائد، وجلُّهم منقاد إليَّ، مسارع إلى طاعتي، فإن وجهني أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندًا يعظم نِكايتهم في عدوه، ويؤيِّد الله بهم أولياءه وأهل طاعته".
فقال الأمين: "فإني مُوليك أمرهم، ومقويك بما سألت من مال وعُدَّة، فعجِّلْ الشخوص إلى ما هنالك، فاعمل عملًا يظهر أثَرُه، ويُحْمَد بركته، برأيك ونظرك فيه إن شاء الله، فولاه الشام والجزيرة.
"تاريخ الطبري 10: 161، والكامل لابن الأثير 6: 103".
__________
1 جبنًا وخوفًا.
2 جربتهم وأحكمتهم.
(3/111)

103- الشغب في جيش عبد الملك بن صالح:
ولي عبد الملك بن صالح، فلما قدم الرَّقَّة1، كتب إلى رؤساء أجناد الشأم ووجوه الجزيرة، لم يبقَ أحد ممن يُرْجَى، ويذكر بأسه وغناؤه إلا وعده، وبسط له في أمله وأمنته، فقدموا عليه رئيسا بعد رئيس، وجماعة بعد جماعة، فكان لا يدخل عليه أحد إلا أجازه، وخلع عليه وحمله، فأتاه أهل الشأم، والزَّوَاقيل والأعراب من كل فج، واجتمعوا عنده حتى كثروا، بَيْدَ أنه شبت نار الفتنة بين جند أهل خراسان وبين الزَّوَاقيل2، وأفضى الأمر إلى تلاحمهم واقتتالهم، ثم قام رجل من أهل حِمْص، فقال: "يا أهل حمص، الهرب أهون من العَطَب، والموت أهون من الذل، إنكم بَعُدتم عن بلادكم، وخرجتم من أقاليمكم، ترجون الكثرة بعد القلة، والعزة بعد الذلة؛ إلا وفي الشر وقعتم، وإلى حَوْمَة الموت أُنِخْتُم، إن المنايا في شوارب المسوِّدَة3 وقلانِسِهم، النفير النفير4 قبل أن ينقطع السيل، وينزل الأمر الجليل، ويفوت المطلب، ويعسر المذهب، ويبعد العمل، ويقترب الأجل".
وقام رجل من كلب، فقال:
"يا معشر كلب، إنها الراية السوداء، والله ما وَلَت ولا عَدَلت، ولا ذلَّ
__________
1 بلد على الفرات.
2 وسببها أن بعض جند أهل خراسان نظر إلى دابة كانت قد أخذت منه في إحدى الوقعات تحت بعض الزَّوَاقيل، فتعلق بها، فجرى الأمر بينهما إلى أن اختلفا، واجتمعت جماعة من الزَّوَاقيل والجند فتلاحموا، وأعان كل فريق منهم صاحبهم، ثم اتسع نطاق الفتنة فانشقت وحدة الجيش.
3 كانت الجنود الخراسانية التي تقاتل الأمويين في سبيل نشر الدعوة العباسية يحملون الرايات السود فسموا من أجل ذلك المسودة.
4 نفر إلى الأمر كضرب نفيرًا: أسرع إليه.
(3/112)

نصرها، ولا ضعف وليُّها، وإنكم لتعرفون مواقع سيوف أهل خراسان في رقابكم، وآثار أسنَّتهم في صدوركم، واعتزلوا الشر قبل أن يعظم، تخطَّوه قبل أن يضطرم، شأمَكم، دارَكم دارَكم، الموت الفَِلَسْطِينِي خير من العيش الجَزَرِي، إلا وإني راجع فمن أراد الانصراف فلينصرف معي".
ثم سار وسار معه عامة أهل الشأم، وأقبلت الزَّوَاقيل حتى أضرموا ما كان جُمِع من الأعلاف بالنار، "وكان ذلك في سنة 196هـ".
"تاريخ الطبري 10: 162".
(3/113)

104- خطبة الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان:
يدعو إلى خلع الأمين
ومات عبد الملك بن صالح بالرَّقَّة، وكان معه الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، فأقفل الجند من الجزيرة إلى بغداد، فتلقاه أهلها بالتكرِمة والتعظيم، وضربوا له القباب، واستقبله القواد والرؤساء والأشراف، ثم اجتمع إليه الناس فقام فيهم فقال:
"يا معشر الأبناء، إن خلافة الله لا تُجَاوَز بالبطر، ونعمه لا تستصحب بالتجبُّر والتكبُّر، وإن محمدًا يريد أن يُوتِغ1 أديانكم، وينكُث بيعتكم، ويفرِّق جمعكم، وينقل عزكم إلى غيركم، وهو صاحب الزَّوَاقيل بالأمس، بالله إن طالت به مدة، وراجعه من أمره قوَّةٌ، ليرجِعَنَّ وبال ذلك عليكم، وليُعْرَفن ضرره ومكروهه في دولتكم ودعوتكم، فاقطعوا أثره قبل أن يقطع آثاركم، وضعوا عزه قبل أن يضع عزكم، فوالله لا ينصره منكم ناصر إلا خُذِل، ولا يمنعه مانع إلا قُتِل، وما عند الله لأحد هوادة، ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده، والحنث بأيمانه".
وخلع الحسين بن علي محمدًا الأمين وحبسه2، وأخذ البيعة لعبد الله المأمون.
"تاريخ الطبري 10: 163".
__________
1أوتغ دينه بالإثم: أفسده، وأوتغه الله: أهلكه.
2 وكان حبس الحسين محمد الأمين في قصر أبي جعفر يومين.
(3/113)

105- خطبة محمد بن أبي خالد:
في فض الناس عن اتباع الحسين بن علي بن عيسى
فلما أصبح الناس من الغد، طلبوا من الحسين بن علي الأرزاق، وماج الناس بعضهم في بعض، وقام محمد بن أبي خالد، فقال:
"أيها الناس، والله ما أدري، بأي سبب يتأمر الحسين بن علي علينا، ويتولى هذا الأمر دوننا؟ ما هو بأكبرنا سنا، ولا أكرمنا حسبا، ولا أعظمنا منزلة، وإن فينا من لا يرضى بالدنيَّة، ولا يقاد بالمخادعة، وإني أوَّلُكم، نقض عهده، وأظهر التغيير عليه، والإنكار لفعله، فمن كان رأيه رأيي، فليعتزل معي".
"تاريخ الطبري 10: 164".
(3/114)

106- إطلاق الأمين من سجنه ورده إلى مجلس الخلافة:
وقام أسد الحربِيّ، فقال: "يا معشر الحربية، هذا يوم له ما بعده، إنكم قد نِمْتُم وطال نومكم، وتأخرتم فقدِّم عليكم غيركم، وقد ذهب أقوام بذكر خلع محمد وأسره فاذهبوا بذكر فكِّه وإطلاقه".
فأقبل شيخ كبير من أبناء الكفاية على فرس، فصاح بالناس: اسكتوا، فسكتوا، فقال:
"أيها الناس، هل تعتدُّون على محمد بقطع منه لأرزاقكم؟ قالوا: لا. قال: فهل قصر بأحد منكم، أو من رؤسائكم وكبرائكم؟ قالوا: ما علمنا، قال: فهل عزل أحدا من قوَّادكم؟ قالوا: معاذ الله أن يكون فعل ذلك، قال: فما بالكم خذلتموه، وأعنتم عدوه على اضطهاده وأسره؟ أما والله ما قتل قوم خليفتهم قطّ، وألا سلط الله عليهم السيف القاتل، والحتف الجارف، وانهضوا إلى خليفتكم وادفعوا عنه، وقاتلوا من أراد خلعه والفتك به".
(3/114)

فنهضوا معه وقاتلوا الحسين بن عليّ وأصحابه قتالًا شديدًا، وأكثروا في أصحابه الجراح، وأسروا الحسين، ودخل أسد الحربي على محمد فكسر قيوده وأقعده في مجلس الخلافة.
وأتى الأمين بالحسين بن علي، فلامه على خلافه وقال له: ألم أُقَدِّم أباك على الناس وأولِّهِ أَعِنَّة الخيل، وأملأ يده من الأموال، وأشرِّف أقداركم في أهل خراسان، وأرفع منازلكم على غيركم من القوَّاد؟ قال: بلى، قال: فما الذي استحققتُ به منك أن تخلع طاعتي، وتُؤَلِّب الناس عليَّ، وتَنْدُبهم إلى قتالي؟ قال: الثقة بعفو أمير المؤمنين وحسن الظن بصفحه وتفضله، قال: فإن أمير المؤمنين، قد فعل ذلك بك، وولاك الطلب بثأرك، ومن قتل من أهل بيتك، ثم دعا له بخلعه، فخلعها عليه، وحمله على مراكِبَ، وأمره بالمسير إلى حُلْوان، وخرج الحسين، فهرب في نَفَر من خدمه ومواليه، فنادى محمد في الناس، فركبوا في طلبه فأدركوه وقتلوه.
"تاريخ الطبري 10: 164".
(3/115)

107- خطبة داود بن عيسى يدعو إلى خلع الأمين:
وقام داود بن عيسى1 والى مكة والمدينة -وكان خطيبًا فصيحًا جَهِير الصوت- يدعو إلى خلع الأمين ومبايعة المأمون، فقال:
__________
1 هو داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان الأمين حين أفضت الخلافة إليه بعث به واليا على مكة والمدينة، فأقام واليا عليهما حتى دخلت سنة 196، فكتب الأمين إلى داود بن عيسى يأمره بخلع عبد الله المأمون، والبيعة لابنه موسى، وبعث إلى الكتابين اللذين كان الرشيد كتبهما وعلقهما في الكعبة، فأخذهما، فلما فعل ذلك جمع داود حجبة الكعبة والقرشيين والفقهاء، ومن كان شهد على ما في الكتابين والشهود -وكان داود أحدهم- فقال داود: قد علمتم ما أخذ علينا وعليكم الرشيد من العهد والميثاق، عند بيت الله الحرام، حين بايعنا لابنيه لتكونن مع المظلوم منهما على الظالم، ومع المبغى على الباغي، ومع المغدور على الغادر، فقد رأينا ورأيتم أن محمدا "الأمين" قد بدأ بالظلم والبغي والغدر على أخويه عبد الله المأمون، والقاسم المؤتمن، وخلعهما، وبايع لابنه الطفل رضيع صغير لم يفطم، واستخرج الشرطين من الكعبة عاصيا، فحرقهما بالنار، وقد رأيت خلعه، وأن أبايع لعبد الله المأمون بالخلافة؛ إذ كان مظلوما مبغيا عليه، فقال له أهل مكة: رأينا تبع لرأيك، ونحن خالعوه معك، فجمع الناس، وخطبهم هذه الخطبة.
(3/115)

"الحمد لله مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قائمًا بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالدين، وختم به النبيين، وجعله رحمة للعالمين، صلى الله عليه في الأولين والآخرين.
أما بعد: يا أهل مكة، فأنتم الأصل والفرع، والعشيرة والأسرة، والشركاء في النعمة، إلى بلدكم يفد وفد الله1، وإلى قبلتكم يأتم المسلمون، وقد علمتم ما أخذ عليكم الرشيد هارون -رحمة الله عليه وصلاته- حين بايع لابنيه محمد وعبد الله بين أظهركم من العهد والميثاق، لتَنْصُرُنَّ المظلوم منهما على الظالم، والمبغي عليه على الباغي، والمغدور به على الغادر، إلا وقد علمتم وعلمنا أن محمد بن هارون قد بدأ بالظلم والبغي والغدر، وخالف الشروط التي أعطاها من نفسه في بطن البيت الحرام، وقد حلَّ لنا ولكم خلْعُه من الخلافة وتصييرها إلى المظلوم المبغي عليه، المغدور به، إلا وإني أشهدكم أني قد خلعت محمد بن هارون من الخلافة، كما خلعت قَلَنْسُوتي هذه من رأسي وخلع قلنسوته عن رأسه، فرمى بها إلى بعض الخدم تحته، وكانت من بُرُودٍ وحِبَرَة2 مسلسلة حمراء، وأتى بقلنسوة سوداء هاشميَّة فلبسها -ثم قال: قد بايعت لعبد لله المأمون أمير المؤمنين بالخلافة، إلا فقوموا إلى البيعة لخليفتكم"، فصعد جماعة من الوجوه إليه إلى المنبر رجل فرجل، فبايعه لعبد لله المأمون بالخلافة وخلع محمدا.
"تاريخ الطبري 10: 170".
__________
1 أي لتأدية فريضة الحج.
2 برود حبرة: ضرب من البرود اليمانية؟ يقال: برد حبرة مثل عتبة على الوصف والإضافة، وبرود حبرة، وليس حبرة موضعًا أو شيئا معلوما، إنما هو وشي كقولك: ثوب قرمز، والقرمز: صبغة.
(3/116)

108- خطبة الأمين وقد تولى الأمر عنه:
ولما رأى الأمين الأمر قد تولَّى عنه، وأنصاره يتسلَّلون فيخرجون إلى طاهر، أمر بإحضاره كلُّ من كان معه في المدينة من القواد والجند، فأشرف عليهم وقال:
"الحمد لله الذي يرفع ويضع، ويعطي ويمنع، ويقبض ويبسط، إليه المصير، أحمده على نوائب الزمان، وخذلان الأعوان، وتشتت الرجال، وذهاب الأموال، وحلول النوائب، وتوفد المصائب، حمدا يدَّخِر لي به أجزل الجزاء، ويَرْفِدني1 أحسن العزاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كما شهد لنفسه، وشهدت له ملائكته، وأن محمدا عبده الأمين، ورسوله إلى المسلمين صلى الله عليه وسلم، آمين رب العالمين.
أما بعد: يا معشر الأبناء، وأهل السَّبْقِ إلى الهدى، فقد علمتم غفلتي كانت أيام الفضل بن الربيع وزير علي ومشير، فمادَّت2 به الأيام بما لَزِمَني به من الندامة في الخاصة والعامة، إلى أن نبَّهتموني فانتبهت، واستعنتموني في جميع ما كرهتم من نفسي وفيكم، فبذلت لكم ما حواه ملكي، ونالته مقدرتي مما جمعته وورثته عن آبائي فقوَّدت3 من لم يجز، واستكفيت من لم يَكْفِ، واجتهدت -عَلِمَ الله- في طلب رضاكم بكل ما قدرت عليه، واجتهدتم -عَلِمَ الله- في مساءتي في كل يوم ما قَدِرْتُم عليه، من ذلك توجيهي إليكم علي بن عيسى شيخكم وكبيركم، وأهل الرأفة بكم، والتحنُّن عليكم، فكان منكم ما يطول ذكره، فغفرت الذنب، وأحسنت واحتملت وعزيت نفسي عند معرفتي بشذوذ الظفَر، وحرصي على مُقَامكم مَسْلحةً4 بحلوان مع ابن كبير صاحب دعوتكم، ومَنْ على يدي أبيه5 كان فخركم، وبه تمت طاعتكم
__________
1 رفده وأرفده: أعطاه.
2 طاولته وأمهلته.
3 أي اتخذته قائدا.
4 المسلحة: القوم ذوو سلاح.
5 يعنى جد عبد الله بن حميد بن قحطبة، وهو قحطبة بن شبيب الطائي، أحد الدعاة العباسية والقواد الذين قاتلوا الجيوش الأموية -انظر الجزء الثاني ص513.
(3/117)

عبد الله بن حميد بن قحطبة، فصرتم من التألب عليه إلى ما لا طاقة له به، ولا صبر عليه، يقودكم رجل منكم وأنتم عشرون ألفًا إليَّ عامين، وعلى سيدكم متوثِّبين، مع سعيد الفرد، سامعين له مطيعين، ثم وثبتم مع الحسين عَلَيَّ، فخلعتموني وشتمتموني، وانتهبتموني وحبستموني وقيدتموني، وأشياء منعتموني من ذكرها، حِقْدَ قلوبكم وتلكِّي1 طاعتكم أكبر وأكثر، فالحمد لله حمد من أسلم لأمره، ورَضِيَ بقدره، والسلام".
وكانت عاقبة أمره أن قتل سنة 198هـ وحمل رأسه إلى المأمون بخراسان.
"تاريخ الطبري 10: 205، ومروج الذهب 2: 305".
__________
1 مسهل عن تلكؤ.
(3/118)

استعطاف الفضل بن الربيع للمأمون
...
109- استعطاف الفضل بن الربع للمأمون:
وقال المأمون للفضل بن الربيع1 لما ظَفِر به: "يا فضل، أكان من حَقِّي عيك وحق آبائي ونعمهم عند أبيك وعندك أن تَثْلِبَنِي2 وتَسُبَّني وتُحَرِّض علي دمي؟ أتحب أن أفعل بك ما فعلته بي؟ ".
فقال: "يا أمير المؤمنين، إن عذري يُحْقِدك إذا كان واضحًا جميلًا، فكيف إذا حفَّتْه3 العيوب، وقبَّحته الذنوب، فلا يضيق عني من عفوك ما وسع غيري منك فأنت كما قال الشاعر4 فيك:
صفوح عن الأجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما
وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما
"زهر الآداب 2: 163".
__________
1 توفي سنة 208.
2 ثلبه كضربه: لامه وعابه.
3 هكذا في الأصل، وربما كان "أخفته" لقوله قبل: "إذا كان واضحا".
4 هو الحسن بن رجاء بن أبي الضحاك.
(3/118)

110- خطبة طاهر بن الحسين ببغداد بعد مقتل الأمين:
ودخل طاهر بن الحسين بغداد يوم الجمعة بعد قتل الأمين، فصلى بالناس وخطبهم خطبة بليغة، وقد حضره من بني هاشم والقواد وغيرهم وجماعة كثيرة قال:
"الحمد لله مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين، إن ظهور غلبتنا لم يكن من أيدينا ولا كيدنا، بل اختار الله للخلافة؛ إذ جعلها عمادًا لدينه، وقوامًا لعباده، وضبط الأطراف، وسدِّ الثغور، وإعداد العُدَّة، وجمع الفئ، وإنفاذ الحكم، ونشر العدل، وإحياء السنة بعد إِذْبال البطالات، والتلذذ بِمُوبِق الشهوات، والمُخْلِد إلى الدنيا مستحسن لداعي غرورها، محتلب دِرَّة1 نعمها، وأَلِفٌ لزهرة روضتها، كَلِفٌ برونق بهجتها، وقد رأيتم من وفاء موعود الله عز وجل لمن بغى عليه، وما أحل به من بأسه ونقمته، لما نكَب2 عن عهده، وارتكب معصيته، وخالف أمره، وَغِيَره ناهية، وعظته مؤدِّبة، فتمسكوا بدقائق عُصُمِ3 الطاعة، واسلكوا مناحِي سبيل الجماعة، واحذروا مصارع أهل الخلاف والمعصية، الذين قَدَحُوا زناد الفتنة، وصدعوا شعب الأُلْفَة، فأعقبهم الله خَسَارَ الدنيا والآخرة".
"تاريخ الطبري 10: 206"، والعقد الفريد 2: 155".
__________
1 الدرة: اللبن.
2 عدل.
3 جمع عصام ككتاب، وعصام القربة: رباطها وسيرها الذي تحمل به.
(3/119)

خطب المأمون
خطبته وقد ورد عليه نعي الرشيد
...
خطب المأمون "توفي سنة 218هـ":
111- خطبته وقد ورد عليه نعي الرشيد:
خطب الناس بِمَرْو حين ورد عليه نَعْي الرشيد، فقال:
"إن ثمرة الصَّبْر الأجر، وثمرة الجَزَع الوِزْر، والتسليم لأمر الله عز، فائدة جليلة، وتجارة مُرْبِحة، فالموت حوض مورود، وكأس مشروب، وقد أتي على خليفتكم ما أتي على نبيكم صلى الله عليه وسلم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فما كان إلا عبدا دُعِيَ فأجاب، وأُمِرَ فأطاع، وقد سد أمير المؤمنين ثَلْمه، وقام مَقَامَه، وفي أعناقكم من العهد ما قد عرفتم، فأحسنوا العزاء على إمامكم الماضي، واغتبطوا بالنعماء والوفاء في خليفتكم الباقي، يأهل الدنيا: الموتُ نازل، والأجل طالبٌ، وأمسِ واعظٌ، واليوم مغتنَم، وغَدٌ منتظرٌ".
(3/120)

خطبته وقد سلم الناس عليه بالخلافة
...
112- خطبته وقد سلم الناس عليه الخلافة:
ولما بلغه بخراسان قتل أخيه، وأقبل الناس للتسليم عليه بالخلافة، صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على نبيه، ثم قال:
"أيها الناس: إني جعلت الله على نفسي، إن استرعاني أموركم أن أُطِيعَه فيكم، ولا أسفك دما عمْدا لا تُحله حدوده، وتسفِكه فرائضه، ولا آخذ لأحد مالا، ولا أثاثا، ولا نحلة1 تحرم عليَّ، ولا أحكم بهَوَاي، في غَضَبي ولا رضاي، وألا ما كان
__________
1 نحلة: أعطاه والاسم النحلة.
(3/120)

في الله وله، جعلت كلَّه لله عهدا مؤكدا، وميثاقا مشدَّدا، إني أفي رغبة في زيادته إياي في نعمتي، ورهبة من مسألته إياي عن حقه وخَلْقه، فإن غيَّرت أو بدَّلت كنت للغِيَرِ مستأهلا، وللنكال مُعَرَّضا، وأعوذ بالله من سخطه، وأرغب إليه في المعونة على طاعته، وأن يحول بيني وبين معصيته".
(3/121)

113- خطبته يوم الجمعة
الحمد لله مستخلص الحمد لنفسه، ومستوجبِه على خَلْقه، أحمد هـ وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأوصيكم عباد لله بتقوى الله وحده، والعمل لما عنده، والتنجُّز لوعده، والخوف لوعيده، فإنه لا يَسْلَم إلا من اتقاه ورجاه، وعمل له وأرضاه، فاتقوا الله عباد الله، وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم، وترحلوا فقد جُدَّ بكم، واستعدُّوا للموت فقد أظلَّكم، وكونوا قوما صِيح بهم فانتبهوا، وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا، فإن الله لم يخلقكم عبثا، ولم يترككم سدى، وما بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت أن ينزل به، وإن غاية تنقصها اللحظة، وتهدمها الساعة الواحدة، لجديرة بقصر المدة، وإن غائبًا يحدوه1 الجديدان: الليل والنهار لَحَرِىٌّ بسرعة الأوْبة، وإن قادما يُحِلُّ بالفوز أو بالشِّقوة لمستحقٌ لأفضل العُدَّة، فاتقى عبد ربه، ونصح نفسه، وقدَّم توبته، وغلب شهوته، فإن أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكل به، يزيِّن له المعصية ليركبها، ويمنِّيه التوبة ليسوِّفها، حتى تهجُم عليه منيته، أغفل ما يكون عنها، فيا لها حسرة على ذي غفلة، أن يكون عمره عليه حجة، أو تؤدِّيَه أيامه إلى شِقوة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن لا تُبطرُه نعمة، ولا تقصِّر به عن طاعته غفلة، ولا تحلّ به بعد الموت فَزْعة، إنه سميع الدعاء، وبيده الخير، وإنه فعَّال لما يريد".
"عيون الأخبار م2: ص253، والعقد الفريد 2: 148".
__________
1 يسوقه.
(3/121)

خطبته يوم الأضحى
...
114- خطبة يوم الأضحى:
قال بعد التكبير والتحميد: إن يومكم هذا يوم أبان الله فضله، وأوجب تشريفه، وعظم حرمته، ووفق له من خلقه صفوته، وابتلى فيه خليله، وفدى فيه من الذَّبح نبيه، وجعله خاتم الأيام المعلومات من العَشْر، ومتقدم الأيام المعدودات من النَّفْر1، يوم حرام، من أيام عظام، في شهر حرام، يوم الحج الأكبر، يوم دعا الله إلى مشهده، ونزل القرآن بتعظيمه، قال الله جل وعز: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَألا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} 2.
فتقرَّبوا إلى الله في هذا اليوم بذبائحكم، وعظموا شعائر الله، واجعلوها من طيِّب أموالكم، وبصحة التقوى من قلوبكم، فإنه يقول: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا ولا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} 3، ثم التكبير والتحميد والصلاة على النبي والوصية
__________
1 يوم النفر: اليوم الذي ينفر فيه الناس من منى، وهو بعد يوم القر "يوم القر بالفتح: اليوم الذي بعد يوم النحر، لأن الناس يقرون في منازلهم".
2 رجالا: أي مشاة، جمع راجل كقائم وقيام، وعلى كل ضامر: أي وركبانا على كل ضامر، أي بغير مهزول، يأتين: أي الضوامر، صفة لضامر حملًا على المعنى، من كل فج عميق: أي طريق بعيد ليشهدوا منافع لهم: دينية ودنيوية، في أيام معلومات: هي عشر ذي الحجة، وقيل: أيام النحر، من بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم التي تنحر الضحايا، ثم ليقضوا تفثهم: أي يزيلوا أوساخهم وشعثهم من نحو قص الأظفار، وحلق العانة، وغير ذلك.
3 أي يرفع إليه منكم العمل الصالح.
(3/122)

بالتقوى، ثم قال بعد ذكر الجنة والنار، عظُمَ قدرُ الدارين، وارتفع جزاء العملين1، وطالت مدة الفريقين، الله الله، فوالله إنه الجِدُّ لا اللعب، وإنه الحق لا الكذب، وما هو إلا الموت والبعث، والميزان والحساب والقصاص والصراط، ثم العقاب والثواب، فمن نجا يومئذ فقد فاز، ومن هوى يومئذ فقد خاب، الخير كله في الجنة، والشر كله في النار".
"عيون الأخبار م2: ص254، والعقد الفريد 2: 148".
__________
1 أي عمل الخير والشر.
(3/123)

115- خطبته يوم الفطر:
قال بعد التكبير والتحميد: إن يومكم هذا يوم عيد وسُنَّة، وابتهال ورغبة، يوم خَتَمَ الله به صيام شهر رمضان، وافتتح به حج بيته الحرام، فجعله خاتمة الشهر، وأوَّل أيام شهور الحج، وجعله معقِّبًا لمفروض صومكم، ومتنفَّل قيامكم، أحلَّ فيه الطعام لكم، وحرم فيه الصيام عليكم، فاطلبوا إلى الله حوائجكم، واستغفروه لتفريطكم، فإنه يقال: "لا كبير مع استغفار، ولا صغير مع إصرار" ثم التكبير والتحميد، وذكر النبي عليه الصلاة والسلام، والوصية بالتقوى، ثم قال: فاتقوا الله عباد الله، وبادروا الأمر الذي اعتدل فيه يقينكم، ولم يحتضر1 الشك فيه أحدا منكم، وهو الموت المكتوب عليكم، فإنه لا تستقال بعده عَثْرَة، ولا تحظر قبله توبة، واعلموا أنه لا شيء قبله إلا دونه، ولا شيء بعده إلا فوقه، ولا يعين على جَزَعه وعَلَزه2 وكُرَبه. ولا يعين على القبر وظلمته، وضيقه ووحشته، وهول مطلعه ومسألة ملائكته، إلا العمل الصالح الذي أمر الله به، فمن زلَّت عند الموت قدمه، فقد ظهرت ندامته، وفاتته استقالته، ودعا من الرَّجعة إلى ما لا يجاب إليه، وبذل من الفدية ما لا يُقْبَل منه، فالله الله عباد الله، وكونوا قوما سألوا الرجعة فأعطوها؛ إذ منعها الذين طلبوها،
__________
1 يحضر.
2 العلز: ما يصيب المريض عند حشرجة الموت من رعدة واضطراب.
(3/123)

فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم إلا هذا المَهَل المبسوط لكم، واحذروا ما حذَّركم الله، واتقوا اليوم الذي يجمعكم الله فيه لوضع موازينكم، ونشر صُحُفِكم الحافظة لأعمالكم، فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقُل به، وما يُمِلُّ1 في صحيفته الحافظة لما عليه وله، فقد حكى الله لكم ما قال المفرِّطون عندها؛ إذ طال إعراضهم عنها، قال: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} ، وقال: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} 2 ولست أنهاكم عن الدنيا بأعظم مما نهتكم الدنيا عن نفسها، فإن كل ما بها ينهى عنها، وكل ما فيها يدعو إلى غيرها، وأعظم مما رأته أعينكم من عجائبها ذم كتاب الله لها، ونهي الله عنها، فإنه يقول: {فلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ولا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} ، وقال: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ولا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} ، فانتفعوا بمعرفتكم بها، وبإخبار الله عنها، واعلموا أن قوما من عباد الله أدركتهم عصمة الله فحذِروا مَصَارِعها، وجَانَبوا خَدَائِعَها، وآثَروا طاعة الله فيها، فأدركوا الجنة بما تركوا منها".
"عيون الأخبار م2: ص255، والعقد الفريد 2: 148".
__________
1 يملي.
2 القسط: العدل: مصدر وصف به للمبالغة أو ذوات القسط.
(3/124)

116- خطبة ابن طباطبا العلوي:
وخطب محمد1 بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، حين انتهب قائد جيوشه أبو السرايا السَّرِيُّ ابن منصور قصر العباس بن موسى بن عيسى، فقال:
__________
1 خرج بالكوفة لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة 199هـ يدعو إلى الرضى من آل محمد، والعمل بالكتاب والسنة، وكان القيم بأمره في تدبير الحرب، وقيادة جيوشه أبا السرايا السري بن منصور وكان سبب خروجه صرف المأمون طاهر بن الحسين عما كان إليه من أعمال البلدان التي افتتحها، وتوجيهه إلى ذلك الحسن =
(3/124)

"أما بعد: فإنه لا يزال يبلغني أن القائل منكم يقول: إن بني العباس فيء لنا، ونخوض في دمائهم، ونَرْتَع في أموالهم، ويُقْبَل قولنا فيهم، وتصدَّق دعوانا عليهم، حُكْم بلا علم، وعزم بلا رويَّة! عجبًا لمن يطلق بذلك لسانه، ويحدِّث به نفسه! أبكتاب الله تعالى حكم، أم لسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- اتَّبَع؟ أفي مَيْلِي1 معه طَمِع، أم بسط يدي له بالجود أَمَّلَ؟ هيهات! فاز ذو الحق بما نوى، وأخطأ ذو الباطل بما تمنى، حق كل ذي حق في يده، وكل مدع على حجته، ويل لمن اغتصب حقا، وادعى باطلا، أفلح من رَضِيَ بحكم الله، وخاف من أرغم الحقُّ أنفه، العدل أولى بالأثرة وإن رغم الجاهلون، حق لمن أمر بالمعروف أن يجتنب المنكر، ومن سلك سبيل العدل أن يصبر على مرارة الحق، وكل نفس تسمو إلى هِمَّتها، ونعم الصاحب القناعة.
أيها الناس، إن أكرم العباد الوَرَع، وأفضل الزاد التقوى، واعملوا في دنياكم، وتزوَّدُوا لآخرتكم، واتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون، وإياكم والعصبيَّة وحميَّة الجاهلية، فإنهما يمحقان الدين، ويورثان النفاق، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، يصلح لكم دينكم، وتحسن المقالة فيكم. الحق أبلج، والسبيل منهج، والباطل لَجْلَج2، والناس مختلفون، ولكلًّ في الحق سعة، ومن حاربنا حاربناه،
__________
= ابن سهل، فلما فعل ذلك تحدث الناس بالعراق أن الفضل بن سهل قد غلب على المأمون، وأنه قد أنزله قصرًا حجبه فيه عن أهل بيته، ووجوه قواده من الخاصة والعامة، وأنه يبرم الأمور على هواه، ويستبد بالرأي دونه، فغضب لذلك بالعراق من كان بها من بني هاشم، ووجوه الناس، وأنفوا من غلبة الفضل على المأمون، واجترءوا على الحسن بن سهل بذلك، وهاجت الفتن في الأمصار، فكان أول من خرج بالكوفة ابن طباطبا المذكور، فوجه إليه الحسن بن سهل زهير بن المسيب في عشرة آلاف فواقعهم فهزموه واستباحوا عسكره، فلما كان من غد اليوم الذي كانت فيه الوقعة "وذلك يوم الخميس لليلة خلت من رجب سنة199" مات ابن طباطبا فجأة فذكر أن أبا السرايا سمه، وذلك أن ابن طباطبا لما أحرز ما في عسكر زهير منعه أبا السرايا، وحظره عليه، وكان الناس له مطيعين، فعلم أبو السرايا أنه لا أمر له معه فسمه".
1 في الأصل: "أفي مثلي" وهو تحريف، والصواب ما ذكرته.
2 أبلج: أي واضح بيِّن. والمنهج الطريق الواضح، والباطل لجلج: أي يتردد فيه صاحبه فلا يصيب مخرجا.
(3/125)

ومن سالَمَنَا سالمناه، والناس جميعًا آمنون إلا رجلًا نصب لنا نفسه، وأعان علينا بماله، ولو شئت أن أقول: ورجل قال فينا يتناول من أعراضنا: لقلت، وكفى، وحَسْبُ كل امرئ ما يَصْنَعه، وسيُكْفَي الظالمون".
"مواسم الآدب 2: 113".
(3/126)

117- استعطاف إبراهيم بن المهدي المأمون:
لما ظفِر المأمون بعمه إبراهيم بن المهدي1 أمر بإدخاله عليه، فجيء بإبراهيم يحجُِل2 في قيوده، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له المأمون: لا سلَّم الله عليك، ولا حَفِظك، ولا رعاك، ولا كلأَكَ3 يا إبراهيم، فقال له إبراهيم: على رِسْلِك4 يا أمير المؤمنين، وليُّ5 الثأرِ محكَّم في القصاص، والعَفْوُ أقرب للتقوى، ومن مُدَّ له الاغترار في الأمل، هجمت به الأناة على التلف6 وقد أصبح ذنبي فوق كل ذنب، كما أن عفوك فوق كل7 عفو، فإن تعاقب فبحقِّك، وإن تعفُ فبفضلك"، ثم قال:
ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه
فخذ بحقك أو لا ... فاصفح بفضلك عنه
إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فَكُنه
فأطرق المأمون مليًّا، ثم رفع رأسه فقال: إني شاورت أبا إسحاق8 والعباس
__________
1 كان المأمون قد عهد بالخلافة لعلي الرضا بن موسى الكاظم، فلما سمع العباسيون ببغداد "وكان المأمون بمرو حاضرة خراسان" ما فعله المأمون من نقل الخلافة من البيت العباسي إلى البيت العلوي، وأنكروا منه ذلك، وخلعوه من الخلافة، وبايعوا عمه إبراهيم بن المهدي سنة201 هـ، ولما علم المأمون بذلك جد في المسير إلى بغداد، وهرب عمه إبراهيم وتوارى.
2 حجل المقيد كضرب ونصر: رفع رجلا، وتريث في مشيه على رجله.
3 كلأه: حرسه.
4 المهل والتؤدة.
5 صاحبه.
6 وفي رواية: "ومن تناوله الاغترار بما مده من أسباب الرخاء، أمن عادية الدهر".
7 وفي رواية: "وقد أصبحت فوق كل ذي ذنب، كما أصبح كل ذي عفو دونك" وفي أخرى: "وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذنب دونك".
8 أبو إسحاق هو المعتصم أخو المأمون، والعباس هو ابن المأمون.
(3/126)

في قتلك فأشار عليَّ به، قال: فما قلت لهما يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت لهما: بدأنا له بإحسان، ونحن نستأمره فيه، فإن غيَّره فالله يغيِّر ما به، قال: إما أن يكونا قد نصحاك في عِظَم قدر الملك، وما جَرَت عليه عادة السياسة قد فعلا، ولكن أبيتَ أن تستجلب النصر إلا من حيث عوَّدك الله، ثم استعبر باكيًا، فقال له المأمون: ما يُبْكِيك؟ قال: جَذَلًا؛ إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام، ثم قال: يا أمير المؤمنين إنه وإن كان جُرْمِي يبلغ سَفْكَ دمي، فحلم أمير المؤمنين وتفضله يبلغانني عفوه، ولي بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب، وحُرْمَةُ الأب بعد الأب، قال المأمون: " القدرة تذهب الحَفِيظَة1، والندم توبة، وعفو الله بينهما، وهو أكبر ما يحاول، يا إبراهيم: لقد حَبَّبْت إليَّ العفو، حتى خفتُ أن لا أوجر عليه، أما لو علم الناس ما لنا في العفو من اللذة، لتقربوا إلينا بالجنايات، لا تثريب2 عليك، يغفر الله لك، ولو لم يكن من حق نسبك ما يبلِّغ الصفح عن زلتك، لبلَّغك ما أمَّلْت حسن توصلك، ولطيف تنصُّلك". ثم أمر بردِّ ماله وضياعه، فقال:
رددت مالي، ولم تبخل عليَّ به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي
فأُبْتُ منك -وما كافأتها- بيدٍ ... هما الحياتان من وفر ومن عدم3
وقام علمك بي فاحتجَّ عندك لي ... مقام شاهد عدل غير مُتَّهم
فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمالَ، حتى أسُلَّ النعل من قَدَمي
ما كان ذاك سوى عاريّةٍ رََجَعَتْ ... إليك، لو لم تَهَبْها كنت لم تُلَمِ
"الأغاني 9: 57، والعقد الفريد 1: 142، الأمالي 1: 202، وزهر الآداب 3: 191".
__________
1 الحفيظة: الغضب، وفي رواية الأغاني أن هذه الجملة من قول إبراهيم بن المهدي.
2 لا لوم.
3 اليد: النعمة.
(3/127)

118- إبراهيم بن المهدي وبختيشوع الطبيب:
تنازع إبراهيم بن المهدي هو وبختيشوع الطبيب بين يدي أحمد بن داود القاضي، في مجلس الحكم، في عقار بناحية السَّواد1، فزرى عليه2 ابن المهدي، وأغلظ له بين يدي أحمد بن دواد، فأحفظه3 ذلك، فقال: يا إبراهيم إذا نازعت أحدا في مجلس الحكم، فلا أَعْلَمَنَّ أنك رفعت عليه صوتا، ولا أشرت بيد، وليكن قصدك أمَمًا4، وطريقك نهجًا5، وريحك ساكنة، وكلامك معتدلا، ووفِّ مجالس الحكومة حقوقها، من التوقير والتعظيم والاستكانة والتوجه إلى الواجب، فإن ذلك أشبه بك وأشكل لمذهبك في مَحْتِدك6، وعظيم خطرك7، ولا تعجل، فرب عجلة تَهَبُّ رَيْثًا8، والله يعصمك من الزلل، وخَطَل القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل، إن ربك حكيم عليم".
قال إبراهيم: "أصلحك الله أمرت بسداد، وحضَضْت على رشاد، ولست بعائد إلى ما يَثْلِم9 مروءتي عندك، ويسقطني من عينك، ويخرجني من مقدار الواجب إلى الاعتذار، فهَأَنَا معتذر إليك من هذه البادرة، اعتذار مُقِرّ بذنبه، باخعٍ بجرمه10، فإن الغضب لا يزال يستفزُّني بموادِّه، فيردني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندنا منك، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وقد هبت حقي من هذا العقار لبختيشوع، فليت ذلك اليوم يعول11 بأَرْش12 الجناية، ولم يتلف مال أفاد موعظة وبالله التوفيق".
"العقد الفريد 1: 27، وزهر الآداب 1: 332".
__________
1 سواد العراق، والعقار: كل ملك ثابت له أصل كالدار والنخل، والجمع عقارات.
2 عابه.
3 أغضبه.
4 الأمم: القصد الوسط.
5 واضحا.
6 أصلك.
7 قدرك.
8 إبطاء.
9 يعيب وينقص.
10 مقر.
11 يزيد ويرجح.
12 الأرش: الدية.
(3/128)

119- استعطاف إسحاق بن العباس المأمون:
وقال المأمون لإسحاق بن العباس: "لا تحسبنِّي أغفلت إجلابك مع ابن المهدي، وتأييدك لرأيه، وإيقادك لناره، قال: "يا أمير المؤمنين، ولرَحِمِي أمس من أرحامهم وقد قال لهم كما قال يوسف لإخوته: {قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} 1، وأنت يا أمير المؤمنين أحق وارثٍ لهذه المنة، وممتثل2 لخلال العفو والفضل".
قال: هيهات! تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، جُرْمك جرم في إسلامك وفي دار خلافتك. قال: "يا أمير المؤمنين فوالله للمسلم أحق بإقالة العَثْرَة، وغفران الزَّلة من الكافر، هذا كتاب الله بيني وبينك. يقول الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} فهي للناس يا أمير المؤمنين سُنَّة دخل فيها المسلم والكافر، والشريف والمشروف" قال: صدقت، اجلس، وَرِيَت بك زِنادي، ولا بَرِحْتُ أرى من أهلك أمثالك.
"العقد الفريد 1: 142، وزهر الآداب 2: 193".
__________
1 لا لوم.
2 امتثل طريقته: تبعها فلم يعدها.
(3/129)

120- أحد وجوه بغداد يمدح المأمون حين دخلها:
لما دخل المأمون بغداد، تلقَّاه وجوه أهلها، فقال له رجل منهم: "يا أمير المؤمنين، بارك الله لك في مَقْدَمِك، وزاد في نعمتك، وشكرك عن رعيتك، تقدمتَ َمْن قَبْلَك، وأتبعت من بعدك1، وآيَسْتَ أن يُعَاين مِثْلُك، أما فيما مضى فلا نعرفه،
__________
1 إذ إنه يجهد أن يلحق بك فلا يستطيع.
(3/129)

وأما فيما بقى فلا نرجوه، فنحن جميعًا ندعو لك، ونُثْنِي عليك، خَصِب لنا جَنَابُك، وعذُب ثوابك، وحسنت نظرتك، وكرمت مقدرتك، وجبرت الفقير، وفككت الأسير، فإنك يا أمير المؤمنين كما قال الأول:
ما زلت في البذل والنَّوال وإطـ ... ـلاقٍ لعان بجُرْمِه غَلِق1
حتى تمنى البِرَاء أنهم ... عندك أسرى في القيد والحلق2
"العقد الفريد 1: 137".
__________
1 العاني: الأسير، والغلق: أصله من غلق الرهن إذا استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يفتكك في الوقت المشروط.
2 البراء ككرام جمع بريء.
(3/130)

121- أحد أهل الكوفة يمدح المأمون:
وقد وفد من الكوفة إلى بغداد، فوقفوا للمأمون فأعرض عنهم، فقال شيخ منهم: "يا أمير المؤمنين: يدك أحق يد بتقبيل، لعُلُوِّها في المكارم، وبعدها من المآثم، وأنت يوسفيّ العفو في قلة التثريب، مَنْ أرادك بسوء جعله لله حَصِيد سيفك، وطريد خوفك، وذليل دولتك"، فقال يا عمرو: نعم الخطيب خطيبهم، اقض حوائجهم.
"مروج الذهب 2: 319".
(3/130)

122- محمد بن عبد الملك بن صالح بين يدي المأمون:
ودخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون حين قبض ضياعهم، فقال:
"يا أمير المؤمنين، محمد بن عبد الملك بين يديك، ربَيِْبُ دولتك، وسليل نعمتك، وغصن من أغصان دَوْحَتِك1، أتأذن في الكلام؟ قال نعم. قال: "أَسَتَمْنَح اللهَ حياطة ديننا ودنيانا، ورعاية أدنانا وأقصانا ببقائك، ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا"، وفي أثرك من آثارنا، ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا، هذا مقام العائذ بفضلك، الهارب إلى كَنِفِك وظلك، الفقير إلى رحمتك وعدلك"، ثم تكلم في حاجته، فقضاها.
"العقد الفريد 1: 146".
__________
1 الدوحة: الشجرة العظيمة.
(3/130)

123- الحسن بن سهل يمدح المأمون:
وقال الحسن بن سهل1 يومًا للمأمون:
"الحمد لله يا أمير المؤمنين على جزيل ما آتاك، وسَنِيِّ ما أعطاك؛ إذ قسم لك الخلافة، ووهب لك معها الحجة، ومكنك بالسلطان، وحلاه لك بالعدل، وأيَّدَك بالظفر، وشفعه لك بالعفو، وأوجب لك السعادة، وقرنها بالسيادة، فمن فُسِح2 له في مثل عطية الله لك؟ أم من ألبسه الله تعالى من زينة المواهب ما ألْبَسَك؟ أم من ترادفت نعمة الله تعالى عليه ترادفها عليك؟ أم هل حاولها أحد وارتبطها بمثل محاولتك؟ أم أي حاجة بقيت لرعيتك لم يجدوها عندك؟ أم أي قيِّم للإسلام انتهى إلى عنايتك ودَرَجتك؟ تعالى الله تعالى، ما أعظم ما خصَّ القرآن الذي أنت ناصِرُه، وسبحان الله! أيُّ نعمة طبقت3 الأرض بك إن أُدِّى شكرها إلى بارئها والمنعم على العباد بها؟ إن الله تعالى خلق السماء في فلكها ضياء يستنير بها جميع الخلائق، فكل جوهر زها حسنه ونوره، فهل لَبِسَتْه زِينَتُه إلا بما اتصلَ به من نورك؟ وكذلك كل ولي من أوليائك، سَعِد بأفعاله في دولتك، وحَسُنَت صنائعه عند رعيتك، فإنما نالها بما أيَّدتَه من رأيك وتدبيرك، وأسعدتَه من حسنك وتقويمك".
"زهر الآداب 3: 200".
__________
1 وزر للمأمون بعد أخيه الفضل بن سهل، وتزوج المأمون ابنته بوران؛ وتوفي سنة 236هـ.
2 أي وسع.
3 ملأت وعمت، والاستفهام للتعظيم.
(3/131)

124- يحيى بن أكثم يمدح المأمون:
وقال المأمون ليحيى بن أكُثَم1: صف لي حالي عند الناس، فقال:
"يا أمير المؤمنين، قد انقادت لك الأمور بأَزِمَّتها، وملكتك الأمة فضول
__________
1 من ولد أكثم بن صيفي التميمي، وكان فقيهًا عالمًا بالفقه بصيرًا بالأحكام؛ وقد غلب على المأمون؛ حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعا؛ وقلده قضاء القضاة، وتدبير أهل مملكته؛ فكانت الوزراء لا تعمل في تدبير الملك شيئًا إلا بعد مطالعة يحيى بن أكثم؛ وتوفى سنة 246هـ؛ وعمره 82 سنة.
(3/131)

أَعِنَّتِهَا، بالرغبة إليك، والمحبة لك، والرِّفق منك، والعياذِ بك، بعدلك فيهم، ومنِّك عليهم، حتى لقد أَنْسَيْتَهم سَلَفَك، وآيستهم من خَلَفِك، فالحمد لله الذي جمعنا بك بعد التقاطع، ورفعنا في دولتك بعد التواضع".
فقال: يا يحيى، أتحبيرًا أم ارتجالًا؟ قال: قلت: وهل يمتنع فيك وصف، أو يتعذر على مادحك قول، أو يُفْحَم فيك شاعر أو يتلجلج فيك خطيب؟.
"الصناعتين ص40".
(3/132)

125- أحد بني هاشم والمأمون:
أذنب رجل من بني هاشم ذنبًا، فَعَنَّفَه المأمون، فقال:
"يا أمير المؤمنين من كانت له مثل دالَّتي، ولبس ثوب حُرْمَتي، ومتَّ بمثل قرابتي، غفر له فوق زَلَّتي" فأعجب المأمون كلامه وصفح عنه.
"الأمالي 2: 136، وزهر الآداب 3: 89".
(3/132)

126- رجل يتظلم إلى المأمون:
وتظلَّمَ رجل إلى المأمون من عامل له فقال:
"يا أمير المؤمنين، ما ترك لي فضَّة إلا فضها، ولا ذهبًا إلا ذهب به، ولا غَلَّة إلا غَلَّهَا1، ولا ضيعة إلا أضاعها، ولا عِلْقًا2 إلا عَلِقَه، ولا عَرَضا إلا عَرَضَ له، ولا ماشية إلا امتشَّها3، ولا جليلًا إلا أجلاه، ولا دقيقا إلا دقه"، فعجب من فصاحته وقضى حاجته.
"زهر الآداب 2: 137".
__________
1 المراد احتازها؛ والأصل فيه غَلَّه: أي وضع في عنقه أو يده الغل "بالضم" وهو القيد.
2 العلق: النفيس من كل شيء، وعلق به كفرح أحبه أو هو "علقه" مشددا مبنيا للمجهول؛ علق امرأة: أي أحبها.
3 امتش ما في الضرع: أخذ جميعه.
(3/132)

127- عمرو بن سعيد والمأمون:
وقال عمرو بن سعيد بن سَلْم: كانت على نوبة أَنُوبها في حرس المأمون، فكنت في نوبتي ليلة، فخرج متفقِّدًا من حضر، فعرفته ولم يعرفني، فقال: من أنت؟ قلت: عمرو، عمَّرك الله، ابن سعيد، أسعدك الله، ابن سَلْم، سلَّمك الله، فقال: أنت تَكْلَؤُنَا منذ الليلة؟ قلت: الله يكلؤك قبلي، وهو خير حافظًا وهو أرحم الراحمين، فقال المأمون:
إن أخاك الصَّدْقَ من يسعى معك ... ومن يضرُّ نفسه لينفعك
ومن إذا صَرْفُ الزمان صَدَعَك ... بدَّدَ شَمْلَ نفسه لِيَجْمَعَك
"زهر الآداب 2: 173".
(3/133)

128- الحسن بن رجاء والمأمون:
دخل المأمون بعض الدواوين، فرأى غلامًا جميلًا على أذنه قَلَم، فقال: من أنت يا غلام؟ فقال:
"أنا يا أمير المؤمنين، الناشئ في دولتك، والمتقلِّب في نعمتك، المؤمِّل لخدمتك، خادِمُك وابن خادمك: الحسن بن رجاء"، فقال: أحسنت يا غلام، وبالإحسان في البديهة تفاضلت العقول، وأمر برفع مرتبته.
"زهر الآداب 2: 173".
(3/133)

129- سعيد بن مسلم والمأمون
وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة للمأمون:
"لو لم أشكر الله تعالى إلا على حسن ما أبلاني من أمير المؤمنين، من قَصْدهِ إليَّ بحديثه، وإشارته إليَّ بطَرفْه، لقد كان في ذلك أعظم الرِّفعة، وأرفع ما تُوجِبه الحُرْمَة".
(3/133)

فقال: "يفعل أمير المؤمنين ذلك؛ لأن أمير المؤمنين يجد عندك من حسن الإفهام إذا حَدَّثْتَ، وحسن الفهم إذا حُدِّثَتَ، ما لم يجده عند أحد ممن مضى، ولا يظن أنه يجد عند أحد مِمَّن بَقِي، فإنك لتستقصى حديثي، وتقف عند مقاطع كلامي، وتخبر بما كنت أغفلتُهُ منه".
"زهر الآداب 1: 173".
(3/134)

130- أبو زهمان يعظ سعيد بن مسلم
وقال سعيد بن مسلم: كنت واليا بأرمينيِّة، فَغَبَر1 أبو زَهْمَان العَلَانيّ على بابي أياما، فلما وصل إليَّ مَثَل بين يديَّ قائما بين السِّماطَينِ2 وقال:
"والله إني لأعرف أقواما لو علموا أن سَفَّ التراب يقيم من أَوَد3 أصلابهم لجعلوه مُسْكَةً4 لازما فيهم، وإيثارًا للتنزه عن عيش رقيق الحواشي، أما والله إني لبعيد الوثبة، بطيء العَطْفة، إنه والله ما يثنيني عليك إلا مثلُ ما يَصْرِفني عنك ولأن أكون مقلًا مقرِّبا، أحب إليَّ من أن أكون مكثرًا مبعدا، والله ما نسأل عملًا لا نضبطه، ولا مألا إلا نحن أكثر منه، وهذا الأمر الذي صار إليك في يديك، كان في يد غيرك، فأمسوا والله حديثا، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فتحبَّبَ إلى عباد الله بحسن البشر، ولين الجانب، فإن حُبَّ عباد الله موصول بُحِّب الله، وبغضهم موصول ببغض الله؛ لأنهم شهداء الله على خلقه، ورقباؤه على من اعوجَّ عن سبيله".
"البيان والتبيين 2: 105".
__________
1 مكث.
2 السماطان من الناس: الجانبان؛ يقال: مشى بين السماطين.
3 اعوجاج.
4 المسكة: ما يمسك الأبدان من الغداء والشراب أو ما يتبلغ به منهما.
(3/134)

131- وصية طاهر بن الحسين
لابنه عبد لله لما ولَّاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما1 سنة 206هـ.
"بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فعليك بتقوى الله وحد لا شريك له"
__________
1 أثبتنا هذا الكتاب هنا لأنه في عداد الوصايا.
(3/134)

وخشيته ومراقبته ومزايلة سخطه وحفظ رعيتك، والزَم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك، وما أنت صائر إليه، وموقوف عليه، ومسئول عنه، والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله، وينجيك يوم القيامة من عذابه، وأليم عقابه، فإن الله قد أحسن إليك، وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده، وألزمك العدل عليهم، والقيام بحقه وحدوده فيهم، والذبَّ1 عنهم، والدفع عن حريمهم وبَيْضَتِهِم2، والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم3، وإدخال الراحة عليهم في معايشهم، ومؤاخِذك بما فرض عليك من ذلك، وموقِّفك عليه، ومسائلك عنه، ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت، ففرِّغ لذلك فكرك وعقلك وبصرك ورؤيتك، ولا يذْهَلك4 عنه ذاهل، ولا يشغلك5 عنه شاغل، فإنه رأس أمرك وملاك شأنك، وأول ما يوفقك الله به لرشدك، وليكن أول ما تُلْزِم به نفسك، وتنسب إليه فعالك، والمواظبة على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس، والجماعة عليها بالناس قِبَلَك في مواقيتها على سننها، في إسباغ6 الوضوء لها، وافتتاح ذكر الله فيها، وتَرَتَّل7 في قراءتك، وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك، ولتصدق فيها لربك نيتك، واحضض عليه جماعة من معك وتحت يدك وادأْب عليها فإنها كما قال الله: تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر، ثم أتبع ذلك الأخذ بسنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمثابرة على خلائقه، واقتفاء آثار الصالح من بعده، وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة8 الله وتقواه، ولزوم ما أنزل الله في كتابه من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه وائتمام ما جاءت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قم فيه بما يحق الله عليك،
__________
1الدفع.
2 البيضة: حوزة كل شيء.
3 وفي مقدمة ابن خلدون: لسربهم؛ والسرب: النفس.
4 ذهلت عن الشيء "كفتح" غفلت وقد يتعدى بنفسه. فيقال ذهلته، والأكثر أن يتعدى بالهمزة؛ فيقال: أذهلني فلان عن الشيء.
5 شغله من باب فتح وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة.
6 أسبغ الوضوء: وفي كل عضو حقه.
7 تمهل ولا تعجل.
8 استخار الله: طلب منه الخيرة.
(3/135)

ولا تَمِل عند العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو بعيد، وآثر الفقه وأهله، والدين وحملته، وكتاب الله والعاملين به، فإن أفضل ما تزين به المرء الفقه في دين الله، والطلب له، والحثّ عليه، والمعرفة بما يتقرب به إلى الله، فإنه الدليل على الخير كله، والقائد له، والآمر به، والناهي عن المعاصي والموبقات كلها، وبها مع توفيق الله تزداد العباد معرفة بالله عز وجل، وإجلالًا له، ودَرْكًًًًا للدرجات العلا في المعاد مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك، والأَنَسَة بك، والثقة بعدلك، وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها، فليس شيء أبين نفعا، ولا أحضر أمنا، ولا أجمع فضلًا من القصد، والقصد داعية إلى الرشد، والرشد دليل على التوفيق والتوفيق قائد إلى السعادة، وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد، فآثره في دنياك كلها، ولا تقصر في طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة، والسنن المعروفة، ومعالم الرشد، فلا غاية للاستكثار من البرِّ والسعي له، إذا كان يطلب به وجه الله ومرضاته ومرافقة أوليائه في دار كرامته، واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز ويحصن من الذنوب، وإنك لن تَحُُوط1 نفسك ومن يليك، ولا تستصلح أمورك بأفضل منه، فَأْتِه واهتد به تتمّ أمورك، وتزِدْ مقدرتك، وتصلح خاصتك وعامتك، وأحسن الظن بالله عز وجل تستقم لك رعيتك، والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلها، تَسْتَدِم به النعمة عليك، ولا تتهمن أحدا من الناس فيما توليه من عملك قبل أن تكشِفَ أمره، فإن إيقاع التهم بالبُرَآء، والظنون السيئة بهم مَأْثم، واجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، واطرد عند سوء الظن بهم، وارفضه فيهم، يعينك ذلك على اصطناعهم2 ورياضتهم، ولا يجدنَّ عدو الله الشيطان في أمرك مَفْخَرا، فإنه إنما يكتفي بالقليل من وَهَنِكَ3، فيدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لَذَاذَةَ عيشك، واعلم أنك
__________
1تصون.
2 اصطنعتك لنفسي: اخترتك لخاصة أمر أستكفيك إياه.
3 الوهن بسكون الهاء وفتحها، والضعف.
(3/136)

تجد بحسن الظن قوة وراحة، وتُكْفَى به ما أحببتَ كفايتَه من أمورك، وتدعو به الناس إلى محبتك، والاستقامة في الأمور كلها لك، ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك، أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك والمباشرة لأمور الأولياء، والحِيْاطَة للرعيَّة، والنظر في حوائجهم وحمل مئوناتهم، آثَرَ عندك مما سوى ذلك، فإنه أقوم للدين، وأحيا للسنة، وأخلص نيتك في جميع هذا، وتفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسئول عما صنع، ومجزيّ بما أحسن، ومأخوذ بما أساء، فإن الله جعل الدين حرزا وعزا، ورفع من اتبعه وعززه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين وطريقة الهدى، وأقمْ حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه، ولا تعطِّل ذلك ولا تَهَاون به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن في تفريطك في ذلك لما يفسد عليك حسن ظنك، واعزِم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانب الشُّبَه والبدعات، يَسْلَم لك دينك، وتقم لك مروءتك، وإذا عاهدت عهدا فَفِ به، وإذا وعدت الخير فأَنْجزه، واقبل الحسنة وادفع بها، وأغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور، وأَبْغِضْ أهله، وأَقْصِ أهل النميمة، فإن أول فساد أمرك في عاجل الأمور وآجلها تقريب الكذوب والجرأة على الكذب؛ لأن الكذب رأس المآثم، والزور والنميمة خاتمتها، لأن النميمة لا يسلم صاحبها، وقائلها لا يسلم له صاحب، ولا يستقيم لمطيعها أمر، وأحبَّ أهل الصدق والصلاح وأعِزَّ الأشراف بالحق، وواصل الضعفاء، وصل الرحم، وابتغ بذلك وجه الله وعزة أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة، واجتنب سوء الأهواء والجَوْر، واصرف عنهما رأيك وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك، وأنعم بالعدل في سياستهم، وقم بالحق فيهم، وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى، وامْلِك نفسك عند الغضب، وآثِر
(3/137)

والوقار والحلم، وإياك والحدة والطيش والغرور فيما أنت بسبيله، وإياك أن تقول: إني مُسَلَّطٌ أفعل ما شاء، فإن ذلك سريع بك إلى نقص الرأي، وقلة اليقين بالله وحده لا شريك له، وأخلص الله النية فيه واليقين به، واعلم أن الملك لله، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ولن تجد تغير النعمة وحلول النقمة إلى أحد، وأسرع منه إلى حَمَلَةِ النعمة من أصحاب السلطان، والمبسوط لهم في الدولة، إذا كفروا بنعم الله وإحسانه، واستطالوا بما آتاهم الله من فضله، ودع عنك شره نفسك، ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدَّخر وتكنز البرَّ والتقوى والمعِدَلة، واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم، والتفقُّد لأمورهم والحفظ لِدَهْمَائِهم1 والإغاثة لملهوفهم، واعلم أن الأموال إذا كثرت وذخرت في الخزائن لا تُثْمِر، إذا كانت في إصلاح الرعية وإعطاء حقوقهم، وكف المئونة عنهم، نمت وربت وصلحت به العامة، وتزينت به الولاة، وطاب به الزمان، واعتقد فيه العزة والمنعة، فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، ووفِّر منهُ على أولياء أمير المؤمنين قِبَلك حقوقهم، وأَوْفِ رعيتك من ذلك حصصهم، وتعهد ما يصلح أمورهم ومعايشهم، فإنك إذا فعلت ذلك قرت النعمة عليك، واستوجبت المزيد من الله، وكنت بذلك على جباية خراجك، وجمع أموال رعيتك وعملك أقدر، وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أساس لطاعتهم، وأطيب نفسا لكل ما أردت، فاجْهَد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب، ولتعظم حِسْبتك فيه فإنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل حقه، واعرف للشاكرين شكرهم وأثِبْهم عليه، وإياك أن تُنْسِيك الدنيا وغرورها هَوْل الآخرة، فتتهاون بما يحق عليك، فإن التهاون يوجب التفريط، والتفريط يورث البَوَار، وليكن عملك لله وفيه تبارك وتعالى وارج الثواب، فإن الله قد أسبغ عليك نعمته في الدنيا، وأظهر لديك فضله، فاعتصم بالشكر وعليه فاعتمد، يَزِدْك الله خيرًا وإحسانا، فإن الله يثبت بقدر شكر الشاكرين،
__________
1الدهماء: جماعة الناس "وفي المقدمة: والحفظ لدمائهم".
(3/138)

وسيرة المحسنين، وقضى الحقَّ فيما حمل من النعم، وألبس من العافية والكرامة، ولا تحقرنَّ ذنبا، ولا تمالئَنَّ حاسدا، ولا ترحمنَّ فاجرا، ولا تصلَنَّ كفورا، ولا تداهِنَنَّ عدوا، ولا تصدقَنَّ نمَّاما، ولا تأمننَّ غدَّارا، ولا توالينَّ فاسقا، ولا تتبعنَّ غاويا، ولا تحمدنَّ مرائيا، ولا تحقرنَّ إنسانا، ولا تردنَّ سائلًا فقيرا، ولا تجيبنَّ1 باطلا، ولا تلاحظنَّ مضحكا، ولا تخلفنَّ وعدا، ولا تزهونَّ فخرا، ولا تظهرنَّ غضبا، ولا تأتينَّ بَذَخا2، ولا تمشينَّ مرحا، ولا تركبنَّ سفهًا3، ولا تفرِّطنَّ في طلب الآخرة، ولا ترفع للنمام عينا، ولا تُغْمِضَنَّ عن الظالم رهبة منه أو مخافة، ولا تطلبنَّ ثواب الآخرة بالدنيا، وأكثر مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ عن أهل التجارب، وذوي العقل والرأي والحكمة، ولا تُدْخِلَنَّ في مشورتك أهل الدقة4، والبخل، ولا تسمعنَّ لهم قولا، فإن ضررهم أكثر من منفعتهم، وليس شيء أسرع فسادا لما استقبلت في أمر رعيتك من الشُّح، واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ قليل العطيَّة، وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا، فإن رعيتك إنما تعتقد على محبتك، بالكفِّ عن أموالهم وترك الجور عنهم، ويدوم صفاء أوليائك لك، بالإفضال عليهم وحسن العطيَّة لهم، فاجتنب الشُّح، واعلم أنه أول ما عصى به الإنسان ربه، وأن العاصي بمنزلةِ خزيٍ، وهو قول الله عز وجل: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، فسِّهل طريق الجود بالحق، واجعل للمسلمين كلهم من نيتك حظا ونصيبا، وأيقنْ أن الجود من أفضل أعمال العباد، فأعْدِدْه لنفسك خلقا، وارضَ به عملًا ومذهبا، وتفقد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم، وأدرر عليهم أرزاقهم، ووسِّع عليهم في معايشهم؛ ليذهب بذلك الله فاقتهم، ويقوِّم لك أمرهم، ويزيد به قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصا وانشراحا، وحسب ذي سلطان
__________
1 وفي المقدمة: "ولا تحسنن باطلا".
2 البذخ: الكبر.
3 وفي المقدمة: "ولا تزكين سفيها".
4 وفي المقدمة: "أهل الرأفة".
(3/139)

من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة في عدله، وحِيَطته1 وإنصافه، وعنايته وشفقته، وبره وتوسعته، فزايل مكروه أحد البابين باستشعار تكملة الباب الآخر، ولزوم العمل به، تلقَ إن شاء الله نجاحًا وصلاحًا وفلاحا، واعلم أن القضاء من الله بالمكان الذي ليس به شيء من الأمور؛ لأنه ميزان الله الذي يعتدل عليه الأحوال في الأرض، وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح الرعية، وتأمن السبل، وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدَّي حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقوم الدين، وتجري السنن والشرائع، وعلى مجاريها يتنجَّز الحق والعدل في القضاء، واشتد في أمر الله، وتورع عن النَّطَف2، وامض لإقامة الحدود وأَقْلِل العجلة، وابعد من الضجر والقلق، واقنع بالقسم، ولتسكن ريحك، ويقر جدك وانتفع بتجربتك، وانتبه في صمتك، واسدد3 في منطقك، وأنصف الخصم، وقف عند الشُّبة، وأبلغ في الحجة، ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا محاماة4 ولا لوم لائم، وتثبت وتأنَّ وراقب، وانظر وتدبر، وتفكر واعتبر، وتواضع لربك وارأَف5 بجميع الرعية، وسلِّط الحق على نفسك، ولا تُسرعنَّ إلى سفك دم "فإن الدماء من الله بمكان عظيم" انتهاكا لها بغير حقها، وانظر هذا الخراج الذي قد استقامت عليه الرعية، وجعله الله للإسلام عزا ورفعة، ولأهله سعة ومنعة، ولعدوه عدوهم كَبْتًا6، وغيظا، ولأهل الكفر من مُعاديهم ذلًا وَصَغارا، فوزَّعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم فيه، ولا ترفعنَّ منه شيئا عن شريف لشرفه، ولا عن غني لغناه، ولا عن كاتب لك، ولا أحد من خاصتك، ولا تأخذنَّ منه فوق الاحتمال له، ولا تكَلَّفَنَّ أمرًا فيه شطط، واحمل الناس كلهم على مرِّ الحق، فإن ذلك أجمع لألفتهم،
__________
1 في المقدمة: "وعطيته".
2 النطف: العيب والشر والفساد.
3 سد يسد كضرب: صار سديدا.
4 في المقدمة: "ولا محاملة".
5 من باب كرم وقطع وطرب.
6 كبته: صرعه وأخزاه؛ ورد العدو بغيظه وأذله.
(3/140)

وألزم لرضا العامة، واعلم أنك جُعِلَت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا، وإنما سمي أهل عملك رعيتك؛ لأنك راعيهم وقيِّمهم، تأخذ منها ما أعطَوك من عفوهم ومقدرتهم وتنفقه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أوَدهم، فاستعمل عليهم في كُور عملك ذوي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل، والعلم بالسياسة والعفاف، ووسِّع عليهم في الرزق، فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلَّدت وأسند إليك، ولا يشغلَنَّك عنه شاغل، ولا يصرفَنَّك عنه صارف، فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب، واستدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الأحدوثة في عملك، واحترزت النَّصْحَة من رعيتك، وأُعْنِتَ على الصلاح، فدَّرت الخيرات ببلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخِصْب في كُورك، فكثر خراجك، وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتباط جندك، وإرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم من نفسك، وكنت محمود السياسة، مَرْضِيّ العدل في ذلك عند عدوك، وكنت في أمورك كلها ذا عدل وقوة وآله وعُدَّة، فنافس في هذا ولا تقدم عليه شيئًا، تحمد مغبَّة أمرك إن شاء الله، واجعل في كل كُورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عملك، ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل في عمله، معَاين لأمره كله، وإن أردت أن تأمره بأمر، فانظر في عواقب ما أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع فأَمْضِه، وإلا فتوقف عنه، وراجع أهل البَصَر والعلم، ثم خذ فيه عُدته، فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أمره قد واتاه على ما يهوى فقوَّاه1 ذلك وأعجبه، وإن لم ينظر في عواقبه أهلكه نقض عليه أمره، فاستعمل الحزم في كل ما أردت، وباشِره بعد عون الله بالقوة، وأكثر استخارة ربك في جميع أمورك، وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك، وأكثر مباشرته بنفسك، فإن لغد أمورًا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت، واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، فإذا أخرت عمله
__________
1 في المقدمة: "وقد أتاه على ما يهوى فأغواه ذلك".
(3/141)

اجتمع عليك أمر يومين، فشغلك ذلك حتى تُعْرِض عنه، فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك، وأحكمت أمور سلطانك، وانظر أحرار الناس وذوي الشرف منهم، ثم استيقن صفاء طَوِيتهم، وتهذيب مودتهم لك، ومظاهرتهم بالنصح والمخالطة على أمرك، فاستخلصهم وأحسن إليهم، وتعاهد أهل البيوتات ممن دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مَئُونتهم، وأصلح حالهم، حتى لا يجدوا لخلتهم1 مسًّا، وأفرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمته إليك، والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه، فاسأل عنه أحفى مسألة، ووكلّ بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك؛ لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم، وتعاهد ذوي البأساء وأيتاماهم وأراملهم، واجعل لهم أرزاقًا من بيت المال، اقتداء بأمير المؤمنين -أعزه الله- في العطف عليهم والصلة لهم؛ ليصلح الله بذلك عيشهم، ويرزقك به بركة وزيادة، وأَجْر للأضِرَّاء من بيت المال، وقدِّم حملة القرآن منهم والحافظين لأكثره في الجراية2 على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دورًا تؤْويهم، وقوَّاما يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفْهم بشهواتهم، ما لم يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال، واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيِّهم؛ لم يرضهم ذلك، ولم تطلب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم، طمعًا في نيل الزيادة وفضل الرفق منهم، وربما بَرِم3 المتصفح لأمور الناس، لكثرة ما يرد عليه، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنة ومشقة، وليس من يرغب في العدل، ويعرف محاسن أموره في العاجل، وفضل ثواب الآجل، كالذي يستقبل ما يقرِّبه إلى الله، ويلتمس رحمته به وأكثر الإذن للناس عليك، وأبرز لهم وجهك، وسكن لهم أحراسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشرك ولِنْْْ لهم في المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك، وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس، والتمس الصنيعة والأجر غير مكدِّر ولا منَّان
__________
1 الخلة: الحاجة.
2 في المقدمة: "في الجرائد".
3 ضجر ومل.
(3/142)

فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله، واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومَن مضى من قبلك من أهل السلطان والرياسة في القرون الخالية والأمم البائدة، ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله، والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسنته، وإقامة دينه وكتابه، واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله، واعرف ما تجمع عمَّالك من الأموال، وما ينفقون منها، ولا تجمع حراما، ولا تنفق إسرافا، وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم، وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها، وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك، مَن إذا رأى عيبًا فيك لم يمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سر، وإعلامك ما فيه من النقص، فإن أولئك أنصح أوليائك، ومظاهريك لك، وانظر عمَّالك الذين بحضرتك وكتَّابك، فوقِّت لكل رجل منهم في كل يوم وقتًا يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامرته وما عنده من حوائج عمَّالك، وأمر كُورك ورعيتك، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهملك وعقلك، وكرر النظر إليه التدبير له، فما كان موافقا للحزم والحق فَأَمْضه، واستخِر الله فيه، وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه، ولا تمنُن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور أمير المؤمنين، ولا تضعَن المعروف إلا على ذلك وتفهَّم كتابي إليك، وأكثر النظر في العمل به، واستعن بالله على جميع أمورك، واستخره فإن الله مع الصلاح وأهله، وليكن أعظم سيرتك وأفضل رعيتك، ما كان لله رضا، ولدينه نظاما، ولأهله عزًّا وتمكينا، وللذمة والملة عدلًا وصلاحا، وأنا أسأل الله أن يصلح عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك، وأن ينزل عليك فضله ورحمته بتمام فضله عليك وكرامته لك، حتى يجعلك أفضل أمثالك نصيبًا، وأوفرهم حظًّا، وأسناهم ذكرًا وأمرًا، وأن يُهْلك عدوك ومن ناوأك وبَغَى عليك، ويرزقك من
(3/143)

رعيتك العافية، ويحجز الشيطان عنك وَوَسَاوِسَه، حتى يستعلى أمرك بالعز والقوة والتوفيق، إنه قريب مجيب".
وذكروا أن طاهرا لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد، وتنازعه الناس وكتبوه وتدارسوه، وشاع أمره حتى بلغ المأمون، فدعا به وقرئ عليه فقال: ما بقَّى أبو الطيب -يعني طاهرًا- شيئًا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأي والسياسة، وإصلاح الملك والرعية، وحفظ البَيْضة، وطاعة الخلفاء، وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه وأوصى به وتقدم، وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحي الأعمال.
"تاريخ الطبري 10: 258، ومقدمة ابن خلدون ص339".
(3/144)

132- خطبة عبد الله بن طاهر:
خطب عبد الله بن طاهر الناس، وقد تيسر لقتال الخوارج1 فقال:
"إنكم فئة الله المجاهدون عن حقه، الذابُّون عن دينه، والذائدون عن محارمه، الداعون إلى ما أمر به، من الاعتصام بحبله، والطاعة لولاة أمره الذين جعلهم رعاة الدين، ونظام2 المسلمين، فاستنجزوا موعود الله ونصره، وبمجاهدة عدوه، وأهل معصيته، الذين أشِرُو3 وتمرَّدوا، وشقُّوا العصا، وفارقوا الجماعة، ومَرَقوا من الدين، وسعوا في الأرض فسادًا، فإنه يقول تبارك وتعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
__________
1 الوارد في كتاب "الفرق بين الفرق" أن المأمون بعث طاهر بن الحسين لقتال حمزة بن أكرك -هكذا فيه، وفي الملل والنحل حمزة بن أدرك بالدال- وهو زعيم فرقة الحمزية إحدى فرق الخوارج العجاردة، وقد عاث في سجستان وخراسان ومكران وقوهستان وكرمان، وهزم الجيوش الكثيرة، وكان ظهوره في أيام هارون الرشيد سنة179، وبقي الناس في فتنته إلى أن مضى صدر من أيام خلافة المأمون، فلما تمكن المأمون من الخلافة كتب إليه كتابا استدعاه فيه إلى طاعته، فما ازداد إلا عتوا، فبعث لقتاله طاهر بن الحسين، فدارت بينه وبين حمزة حروب قتل فيها من الفريقين مقدار ثلاثين ألفا، أكثرهم من أتباع حمزة، وانهزم حمزة إلى كرمان، ثم استدعى المأمون طاهرًا من خراسان، فطمع فيها حمزة، وأقبل بجيشه من كرمان، فخرج إليه عبد الرحمن النيسابوري في عشرين ألفا فهزموه، وقتلوا الألوف من أصحابه، وانفلت حمزة جريحًا، ومات في هزيمته -انظر ص79.
2 النظام: السلك ينظم فيه، وملاك الأمر.
3 بطروا.
(3/144)

وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} ، فليكن الصبر مَعْقِلَكم الذي إليه تلجئون1، وعُدَّتكم التي بها تستظهرون، فإنه الوَزَر المنيع، الذي دلكم الله عليه، والجنة2 الحصينة التي أمركم الله بلباسها. غُضُّو أبصاركم، واخفتوا أصواتكم في مصافكم، وامضوا قُدُمًا على بصائركم، فارغين إلى ذكر الله، والاستعانة به كما أمركم الله، فإنه يقول: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أيدكم الله بعز الصبر، ووليكم بالحياطة والنصر".
"العقد الفريد 2: 155".
__________
1 الملجأ والمعتصم؛ وكذا الوزر.
2 كل ما بقي.
(3/145)

133- العباس بن المأمون والمعتصم "المتوفى سنة 227هـ":
قال العباس بن المأمون: لما أفضت الخلافة إلى المعتصم دخلت، فقال: هذا مجلس كنت أكره الناس لجلوسي فيه، فقلت: "يا أمير المؤمنين، أنت تعفو عما تيقنتَه، فكيف تعاقب على ما توهمته؟ "، فقال: "لو أردت عقابك، لتركت عتابك".
"زهر الآداب 3: 91".
(3/145)

134- استعطاف تميم بن جميل للمعتصم:
كان تميم بن جميل السَّدُوسي قد خرج بشاطئ الفرات، واجتمع إليه كثير من الأعراب، فَعَظُم أمره، وبعد ذكره، فكتب المعتصم إلى مالك بن طَوْق في النهوض إليه، فبدد جمعه، فظَفَِر به، فحمله موثَقًا إلى المعتصم، قال أحمد بن أبي دُواد: ما رأينا رجلًا عاين الموت، فمَا هَالَه، ولا أذهله عما كان يجب عليه أن يفعله إلا تميم بن جميل، فإنه أوفى به الرسول باب أمير المؤمنين المعتصم، في يوم الموكب، حين يجلس العامة، ودخل عليه فما مَثَل بين يديه، دعا بالنطع1 والسيف فَأُحضرا، فجعل تميم بن جميل ينظر إليهما ولا يقول شيئًا، وجعل المعتصم يصعِّد النظر فيه ويصوِّبه، وكان جسيمًا
__________
1 النطع كحمل وشمس وسبب وعنب: بساط من الأديم.
(3/145)

وسيما1، ورأى أن يستنطقه لينظر أين جَنَاحه ولسانه من منظره، فقال: يا تميم إن كان لك عذر فأْتِ به، أو حجة فأَدْلِ بها، فقال: أما إذ قد أذن لي أمير المؤمنين فإني أقول:
"الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين" جَبَر بك سبل الحق، وأخمد بك شهاب الباطل، يا أمير المؤمنين إن الذنوب تُخْرِس الألسنة الفصيحة، وتُعْيِي الأفئدة الصحيحة، ولقد عظمت الجزيرة، وانقطعت الحجة، وكبر الذنب، وساء الظن، ولم يبقَ إلا عفوك أو انتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما مني، وأسرعهما إليَّ، أَوْلَاهما بامتنانك، وأشبههما بخلافتك، ثم أنشأ يقول:
أرى الموت بين السيوف والنِّطع كامنا ... يلاحظني من حيثما أتلفَّت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئ مما قضى الله يُفْلِت؟
ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مُصْلَتُ؟ 2
يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يُسَلّ على السيف فيه وأسكت
وما جَزَعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أن الموت شيء موَقَّت
ولكنَّ خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتَّت
كأني أراهم حين أُنْعَى إليهم ... وقد خمَشُوا تلك الوجوه وصوَّتوا3
فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة ... أذُودُ الرَّدَى عنهم وإن مت مَوَّتوا4
فكم قائل لا يبعد الله روحه ... وآخر جذلان يُسَرُّ ويَشْمَتُ
__________
1 جميلا.
2 مسلول.
3 خمش وجهه كنصر وضرب: خدشه ولطمه وضربه.
4 كثر فيهم الموت.
(3/146)

فتبسم المعتصم وقال: "كاد الله يا تميم أن يسبق السيف العَذَل1، اذهب فقد غفرت لك الصَّبوة2، ووهبتك للصِّبية"، ثم أمر بفك قيوده وخلع عليه، وعقد له بشاطئ الفرات.
"العقد الفريد 1: 145، وزهر الآداب 3: 89".
__________
1 العذل كشمس وسبب: اللوم؛ وهو مثل؛ وأول من قاله ضبة بن أد بن طابخة؛ وكان له ابنان يقال لأحدهما سعد؛ وللآخر سعيد؛ فنفرت إبل لضبة تحت الليل؛ فوجه ابنيه في طلبها فتفرقا؛ فوجدها سعد فردها؛ ومضى سعيد في طلبها؛ فلقيه الحرث بن كعب، كان على الغلام بردان؛ فسأله الحرث إياهما فأبى عليه فقتله وأخذ برديه؛ فكان ضبة إذا أمسى فرأى تحت الليل سوادا. قال: أسعد أم سعيد؟ فمكث ضبة بذلك ما شاء الله أن يمكث؛ ثم إنه حج فوافى عكاظ فلقي بها الحرث بن كعب؛ ورأى عليه بردى ابنه سعيد فعرفهما، فقال له: هل أنت مخبري ما هذان البردان اللذان عليك؟ قال بلى: لقيت غلاما؛ هما عليه فسألته إياهما؛ فأبى علي فقتلته؛ وأخذت برديه هذين؛ فقال ضبة: بسيفك هذا؟ قال نعم؛ فقال: فأعطنيه أنظر إليه فإني أظنُّه صارما؛ فأعطاه الحرث سيفه؛ فلما أخذه من يده هزه وقال: الحديث ذو شجون، ثم ضربه حتى قتله؛ فقيل له يا ضبة: أفي الشهر الحرام؟ فقال: سبق السيف العذل.
2 جهلة الفتوة.
(3/147)

135- بين يدي سليمان بن وهب وزير المهتدي بالله:
ولما وَلَّي المهتدي بالله1 بن الواثق بن المعتصم سليمان بن وهب وزارته، قام إليه رجل من ذوي حُرْمته، فقال: "أعز الله الوزير، أنا خادمك، المؤمِّل لدولتك، والسعيد بأيامك، والمنطوي القلب على ودّك، المنشور اللسان بمدحك، المرتهن بشكر نعمتك".
"زهر الآداب 3: 197".
__________
1 تولى الخلافة سنة 255 إلى سنة 256هـ.
(3/147)

أحمد بن أبي داود والواثق
...
136- أحمد بن أبي دُواد والواثق "المتوفي سنة 233 هـ":
دخل أحمد بن أبي دُواد1 على الواثق فقال: ما زال اليوم قوم في ثَلْبك ونقصك، فقال: يا أمير المؤمنين، {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ 2 مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، والله ولي جزائه، وعقاب أمير المؤمنين من ورائه،
__________
1 هو القاضي أبو عبد الله أحمد بن أبي دُواد من كبار أئمة المعتزلة، ونصراء الاعتزال، كان مقربًا من المأمون أثيرًا عنده، ولما ولي المعتصم الخلافة جعله قاضي القضاة: وعزل يحيى بن أكثم، وخص به أحمد، حتى كان لا يفعل فعلًا باطنًا ولا ظاهرًا إلا برأيه، لما مات المعتصم، وتولى بعده ابنه الواثق بالله حسنت حال ابن أبي دُواد عنده، ثم فلج في أول خلافة المتوكل، فقلد ولده محمدا القضاء مكانه، وتوفي سنة240هـ.
2 أي معظمه، وفي قراءة "كبره" بضم الكاف.
(3/147)

وما ذلَّ يا أمير المؤمنين من أنت ناصره، وما صلق مَنْ كنت جارًا له، فما قلت لهم يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت يا أباعبد الله:
وسعى إليَّ بعيب عَزَّةَ معشرٌ ... جعل الإله خدودَهن نعالها
"زهر الآداب 3: 208، والعقد الفريد 1: 141".
(3/148)

ابن أبي داود والواثق أيضا
...
137- ابن أبي دُواد والواثق أيضا:
وقال الواثق يوما لابن أبي دواد تضجُّرًا بكثرة حوائجه: قد أخليتُ بيوت الأموال بطلباتك للَّائِذِين بك، والمتوسلين إليك، فقال:
"يا أمير المؤمنين، نتائج شكرها متصلة بك، وذخائرها موصولة لك، ومالي من ذلك إلا عشق اتصال الألسن بخلود المدح"، فقال: "والله لا منعناك ما يزيد في عشقك، ويقوِّي في همتك فينا ولنا"، وأمر، فأخرج له خمسة وثلاثين ألف درهم.
"زهر الآداب 2: 310".
(3/148)

ابن أبي داود وابن الزيات
...
138- ابن أبي دُواد وابن الزيات:
وكان بين القاضي أحمد بن دُواد وبين الوزير محمد بن عبد الملك الزيات1 منافسة وشحناء، حتى منع الوزير شخصًا كان يصحب القاضي، ويختص بقضاء حوائجه، من التِّرداد إليه، فبلغ ذلك القاضي، فجاء إلى الوزير فقال له:
"والله ما أجيئك متكثِّرًا بك من قِلَّة، ولا متعزرًا بك من ذِلَّة، ولكن أمير المؤمنين رتَّبك مرتبة أوجبت لقاءك، فإن لقيناك فله، وإن تأخَّرنا عنك فلك2".
"وفيات الأعيان 1: 25".
__________
1 وزير للمعتصم، والواثق من بعده، ثم نكبه المتوكل كما سيأتي.
2 وكان الواثق قد أمر إلا يرى أحد من الناس ابن الزيات، إلا قام له، فكان ابن أبي دواد إذا رآه قام واستقبل القبلة يصلي.
(3/148)

139- الجاحظ وابن أبي داود:
وكان الجاحظ مختصًّا بمحمد بن عبد الملك الزيات، منحرفًا عن أحمد بن أبي دواد، فلما نُكب ابن الزيات1، حُمِل الجاحظ مقيَّدًا من البصرة، وفي عنقه سلسلة، وعليه قميص سَمَل2، فلما دخل على القاضي أحمد قال له: "والله ما أعلمك إلا متناسيا للنعمة، كفورًا للصنيعة، مَعْدِنا للمساوئ، وما فتنتني باستصلاحي لك، ولكن الأيام لا تُصْلِح منك، لفساد طويَّتك، ورداءة دخيلتك، وسوء اختيارك، وغالب طباعك".
فقال الجاحظ: "خفِّضْ عليك -أيَّدك الله- فوالله لأن يكون لك الأمر عليَّ، خير من أن يكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن، أحسن في الأُحْدُوثة عليك، من أن أحسن وتسيء، ولأن تعفو عني في حال قدرتك، أجمل بك من الانتقام مني".
فقال أحمد: والله ما علمتك إلا كثير تزويق الكلام، فحلّ عنه الغُلّ والقيد، وأحسن إليه، وصَدَّره في المجلس. "زهر الآداب 2: 106، والمنية والأمل ص39".
__________
1 كان في نفس المتوكل من ابن الزيات شيء كثير؛ وذلك أنه لما مات الواثق -وهو أخو المتوكل- أشار ابن الزيات بتولية ولد الواثق، وأشار ابن أبي دواد بتولية المتوكل، وقام في ذلك وقعد حتى عممه بيده وألبسه البردة، وقبله بين عينيه، وكان المتوكل في أيام الواثق يدخل على ابن الزيات فيتجَهَّمه ويغلظ له في الكلام -يتقرب بذلك إلى الواثق- فحقد المتوكل ذلك عليه، فلما ولي الخلافة، أمهله أربعين يومًا حتى يطمئن إليه، ثم قبض عليه وسجنه، واستصفى أمواله، وكان ابن الزيات إبان وزارته قد اتخذ تنورًا من حديد، وأطراف مساميره إلى داخل، وهي قائمة مثل رءوس المسال، يعذب فيه من يستحقون العقوبة وكان إذا قال أحدهم ارحمني أيها الوزير قال له: الرحمة خور في الطبيعة، فلما اعتقله المتوكل أمر بادخاله في التنور: وقيده بخمسة عشر رطلًا من الحديد، فقال: يا أمير المؤمنين ارحمني، فقال له: الرحمة خور في الطبيعة، وبقي في العذاب أربعين يوما حتى مات سنة 233هـ.
2 السمل: الحلق من الثياب.
(3/149)

أبو العيناء وابن أبي داود
...
140- أبو العَيْنَاء وابن أبي دُواد:
وقال أبو العيناء لابن أبي دواد: إن قومًا من أهل البصرة قَدِمُوا إليَّ "سُرَّ مَنْ رأى" يدا عليَّ، فقال: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} ، فقلت: إن لهم مكرا، فقال: {ولا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ} ، فقلت: إنهم كثير، قال: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} .
"زهر الآداب 2: 310، والعقد الفريد 1: 141".
تم الجزء الثالث، ويليه ذيل الجمهرة.
(3/150)

فهرس الجزء الثالث من جمهرة خطب العرب
الخطب والوصايا في العصر العباسي الأول
...
فهرس الجزء الثالث من جمهرة خطب العرب
الباب الرابع الخطب والوصايا في العصر العباسي الأول
رقم الصفحة رقم الخطبة الخطبة أو الوصية
1 1 خطبة أبي العباس السفاح وقد بويع بالخلافة
3 2 خطبة دواد بن علي
11 3 خطبة داود بن علي وقد أرتج على السفاح
11 4 خطبة أخرى له
12 5 خطبة للسفاح بالكوفة
12 6 خطبة السفاح بالشام حين قتل مروان
13 7 خطبة عيسى بن علي
14 8 خطبة داود بن علي بمكة
15 9 خطبته بالمدينة
15 10 خطبة أخرى له
16 11 خطبته وقد بلغه أن قوما أظهروا شكاة بني العباس
17 12 خطبة وقد أرتج عليه
18 13 خطبة صالح بن علي
18 14 خطبة سديف بن ميمون
20 15 خطبة أبي مسلم الخراساني
23 16 خالد بن صفوان وأخوال السفاح
24 17 خطبة بن صفوان ورجل من بني عبد الدار
(3/151)

رقم الصفحة رقم الخطبة الخطبة أو الوصية
25 18 خالد بن صفوان يرثي صديقا له
25 19 خالد بن صفوان يمدح رجلا
25 20 كلمات بليغة لخالد بن صفوان
26 21 عمارة بن حمزة والسفاح
27 خطب أبي جعفر المنصور
27 22 خطبته بمكة
27 23 خطبته بعد بناء بغداد
28 24 خطبته بمدينة السلام
28 25 خطبته وقد أخذ عبد الله بن الحسن وأهل بيته
30 26 خطبته حين خروج محمد وإبراهيم ابن عبد الله بن الحسن
31 27 خطبته وقد قتل أبامسلم الخراساني
3 28 خطبة آخرى
32 29 قوله وقد قوطع في خطبته
33 30 المنصور يصف خلفاء بني أمية
33 31 المنصور عبد الرحمن الداخل
35 وصايا المنصور لابنه المهدي
35 32 وصية له
36 33 وصية أخرى به
36 34 وصية أخرى له
38 35 خطبة النفس الزكية حين خرج على المنصور
39 36 وصية عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي لابنه
39 37 قوله وقد قتل ابنه محمد
40 38 امرأة محمد بن عبد الله والمنصور
40 39 جعفر الصادق والمنصور
42 40 صفح المنصور عن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب
42 41 استعطاف أهل الشام أبا جعفر المنصور
(3/152)

رقم الصفحة رقم الخطبة الخطبة أو الوصية
43 24 استعطاف أهل الشام المنصور أيضًا
44 43 أبو جعفر المنصور والربيع
45 44 مقام عمرو بن عبيد بين يدي المنصور
46 45 مقام رجل من الزهاد بين يدي المنصور
49 46 مقام الأوزاعي بين يدي المنصور
51 47 نصيحة يزيد بن عمر بن هبيرة المنصور
52 48 معن بن زائدة والمنصور
52 49 معن بن زائدة وأحد زواره
53 50 المنصور وأحد الأعراب
53 51 أعرابية تعزي المنصور وتهنئه
54 52 خطبة محمد بن سليمان
54 53 وصية مسلم بن قتيبة
55 54 خطبة المهدي
57 مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
58 55 مقال سلام صاحب المظالم
59 56 مقال الربيع بن يونس
60 57 مقال الفضل بن العباس
62 58 مقال علي بن المهدي
64 59 مقال موسى بن المهدي
65 60 مقال العباس بن محمد
66 61 مقال هارون بن المهدي
68 62 مقال صالح بن علي
69 63 مقال محمد بن الليث
74 64 مقال معاوية بن عبد الله
72 65 مقال المهدي
74 66 مقال محمد بن الليث
75 67 مقال المهدي
(3/153)

رقم الصفحة رقم الخطبة الخطبة أو الوصية
77 68 ابن عتبة يعزي المهدي ويهنئه
77 69 يعقوب بن داود يستعطف المهدي
78 70 رجل من أهل خراسان يخطب بحضرة المهدي
79 71 مقام صالح بن عبد الجليل بين يدي المهدي
80 72 عظة شبيب بن شيبة للمهدي
80 73 خطبته في تعزية المهدي بابنته
80 74 خطبة أخرى له في مدح الخليفة
81 75 كلمات لشبيب بن شيبة
81 76 خطبة يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب يوم ولي الرشيد الخلافة
83 77 خطبة هارون الرشيد
85 78 وصية الرشيد لمؤدب ولده الأمين
85 79 خطبة لجعفر بن يحيى البرمكي
88 80 استعطاف أم جعفر بن يحيى للرشيد
91 81 خطبة يزيد بن مزيد الشيباني
92 82 خطبة عبد الملك بن صالح
93 83 عبد الملك بن صالح يعزي الرشيد ويهنئه
93 84 غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح
96 85 قوله بعد خروجه من السجن
97 86 وصية عبد الملك بن صالح لابنه
99 87 وصية أخرى له
99 88 كلمات حكيمة لابن السماك
99 89 ابن السماك والرشيد
101 الفتنة بين الأمين والمأمون
وفد الأمين إلى المأمون
101 90 خطبة العباس بن موسى
102 91 خطبة عيسى بن جعفر
102 92 خطبة محمد بن عيسى بن نهيك
(3/154)

رقم الصفحة رقم الخطبة الخطبة أو الوصية
103 93 خطبة صالح صاحب المصلى
103 94 خطبة المأمون
104 95 وصية السيدة زبيدة لعلي بن عيسى بن ماهان
105 96 وصية الأمين لابن ماهان
106 97 استهانة ابن ماهان بأمر طاهر بن الحسين
107 98 حزم طاهر وقوة عزمه
108 99 طاهر يشد عزيمة جنده
109 100 وصف الفضل بن الربيع غفلة الأمين
110 101 وصية الأمين لأحمد بن مزيد
111 102 مقال عبد الملك بن صالح للأمين
112 103 الشغب في جيش عبد الملك بن صالح
113 104 خطبة الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان يدعو إلى خلع الأمين
114 105 خطبة محمد بن أبي خالد
114 106 إطلاق الأمين من سجنه ورده إلى مجلس الخلافة
115 107 خطبة داود بن عيسى يدعو إلى خلع الأمين
117 108 خطبة الأمين وقد تولى الأمر عنه
118 109 استعطاف الفضل بن الربيع للمأمون
119 110 خطبة طاهر بن الحسين ببغداد بعد مقتل الأمين
120 خطب المأمون
120 111 خطبته وقد ورد عليه نعي الرشيد
120 112 خطبته وقد سلم الناس عليه بالخلافة
121 113 خطبته يوم الجمعة
122 114 خطبته يوم الأضحى
123 115 خطبته يوم الفطر
124 116 خطبة ابن طباطبا العلوي
126 117 استعطاف إبراهيم بن المهدي المأمون
(3/155)

رقم الصفحة رقم الخطبة الخطبة أو الوصية
128 118 إبراهيم المهدي وبحتيشوع الطبيب
129 119 استعطاف إسحاق بن العباس المأمون
129 120 أحد وجوه بغداد يمدح المأمون حين دخلها
130 121 أحد أهل الكوفة يمدح المأمون
130 122 محمد بن عبد الملك بن صالح بين يدي المأمون
131 123 الحسن بن سهل يمدح المأمون
131 124 يحيى بن أكثم يمدح المأمون
132 125 أحد بني هاشم والمأمون
132 126 رجل يتظلم إلى المأمون
133 127 عمرو بن سعيد والمأمون
133 128 الحسن بن رجاء والمأمون
133 129 سعيد بن مسلم والمأمون
134 130 أبو زهيان يعظ سعيد بن مسلم
134 131 وصية طاهر بن الحسين لابنه عبد الله لما ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينها
144 132 خطبة عبد الله بن طاهر
145 133 العباس بن المأمون والمعتصم
145 134 استعطاف تميم بن جميل للمعتصم
147 135 بين يدي سليمان بن وهب وزير المهدي بالله
147 136 أحمد بن أبي دواد والواثق
148 137 ابن أبي دواد والواثق أيضا
148 138 ابن ابي دواد وابن الزيات
149 139 الجاحظ وابن أبي دواد
150 140 أبو العيناء وابن أبي دواد
(3/156)

فهرس أعلام الخطباء:
مرتب بترتيب الحروف الهجائية
مع إتباع اسم كل خطيب بأرقام الصفحات التي وردت فيها خطبه
"1"
إبراهيم بن المهدي: 125 – 117
ابن السماك: 99
ابن طباطبا العلوي: 124
ابن عتبة: 77
أبو جعفر المنصور: 27 – 27 – 30 – 31 – 32 – 29 – 33 – 33 – 42
أبو زهمان العلائي: 134
أبو العباس السفاح: 1 – 13 – 14
أبو مسلم الخراساني: 20
أحمد بن أبي دواد: 147 – 148 – 149
إسحاق بن العباس: 128
أم جعفر بن يحيى: 88
الأمين: 105 – 110 – 115
الأوزاعي: 49
"ت"
تميم بن جميل: 145
"ج"
الجاحظ: 149
جعفر الصادق: 40
جعفر بن يحيى البرمكي: 85
"ح"
الحارث بن عبد الرحمن: 42
الحسن بن رجاء: 133
الحسن بن سهل: 131
الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان: 113
"خ"
خالد بن صفوان: 22 – 24 – 25
"د"
داود بن علي:
8 –11- 11 – 12 – 14 – 15 – 15
داود بن عيسى: 115
"ر"
الربيع بن يونس: 44 – 59
"ز"
السيدة زبيدة: 104
"س"
سديف بن ميمون: 8
سعيد بن مسلم: 133
سلام "صاحب المظالم": 55
"ش"
شبيب بن شيبة: 80 - 81
(3/157)

"ص"
صالح "صاحب المصلى": 103
صالح بن عبد الجليل: 79
صالح بن عليّ: 18 – 68
"ط"
طاهر بن الحسين:
107 – 108 – 119 – 134
"ع"
العباس بن المأمون: 145
العباس بن محمد: 65
العباس بن موسى: 101
عبد الله بن الحسن: 39
عبد الله بن طاهر: 144
عبد الله بن صالح:
92 – 93 – 96 – 97 – 111
عثمان بن خزيم: 43
علي بن عيسى بن ماهان: 106
علي بن المهدي: 62
عمارة بن حمزة: 26
عمرو بن سعيد: 133
عمرو بن عبيد: 45
عيسى بن جعفر: 102
عيسى بن علي: 13
"ف"
الفضل بن الربيع: 109 – 118
الفضل بن العباس: 60
"م"
المأمون: 103 – 120 – 121 – 122 – 123
محمد بن أبي خالد: 114
محمد بن سليمان: 54
محمد بن عبد الملك بن صالح: 130
محمد بن عيسى بن نهيك: 102
محمد بن الليث: 69 – 74
مسلم بن قتيبة: 54
معاوية بن عبد الله: 74
معن بن زائدة: 52
المهدي: 55 – 72 – 75
"ن"
النفس الزكية: 38
"هـ"
الهادي: 64
هارون الرشيد: 66 – 83 – 85
"ى"
يحيى بن أكثم: 131
يزيد بن عمر بن هبيرة: 51
يزيد بن مزيد الشيباني: 91
يعقوب بن داود: 77
يوسف بن القاسم بن صبيح: 81
-تم فهرس أعلام خطب العرب-
(3/158)

ذيل جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
فهرس المآخذ
...
فهرس المآخذ
نفح الطيب للمقري: الجزء الأول – الثاني – الرابع
مطمح الأنفس، للفتح بن خاقان:
المعجب، في تلخيص أخبار المغرب:
لمحيى الدين بن علي المراكشي
الإحاطة: في أخبار غرناطة،:
لسان الدين بن الخطيب:
الأمالي: لأبي علي القالي: الجزء الأول – الثاني – ذيل الأمالي
الأغاني: لأبي الفرج الأصبهاني: الجزء الثالث عشر – السابع عشر
صبح الأعشى: لأبي العباس القلقشندي: الجزء الأول
نهاية الأرب: لشهاب الدين النويري: الجزء السابع
عيون الأخبار: لابن قتيبة الدينوري: المجلد الثاني
الكامل: لأبي العباس المبرد: الجزء الأول
العقد الفريد: لابن عبد ربه: الجزء الأول – الثاني – الثالث
زهر الآداب: لأبي إسحق الحضري: الجزء الأول – الثاني – الثالث
البيان والتبيين: الجاحظ: الجزء الأول – الثاني – الثالث
أمالي السيد المرتضى: الجزء الرابع
مجمع الأمثال: لأبي الفضل الميداني: الجزء الأول – الثاني
تاريخ الأمم والملوك: لابن جرير الطبري: الجزء السابع – الثامن
مروج الذهب: للمسعودي: الجزء الثاني
(3/160)

الصناعتين: لأبي هلال العسكري::
بلاغات النساء: لابن أبي طاهر طيفور:
سرح العيون: لابن نباتة المصري:
سيرة عمر بن عبد العزيز: لابن الجوزي:
مواسم الأدب للسيد جعفر البيتي العلوي: الجزء الثاني
بلوغ الأرب: للسيد محمود شكري الألوسي: الجزء الثالث
مفتاح الأفكار: للشيخ أحمد مفتاح
(3/161)

الباب الأول: في خطب الأندلسيين والمغاربة
خطبة عبد الرحمن الداخل "المتوفى سنة 171هـ":
يوم حربه مع يوسف الفِهْري صاحب الأندلس.
لما اشتد الكرب بين يدي عبد الرحمن الداخل1، يوم حربه مع يوسف الفِهْرِي2 صاحب الأندلس، ورأى شدة مقاساة أصحابه قال:
"هذا اليوم هو أس ما يُبْنَى عليه، إمَّا ذلَّ الدهر، وإمَّا عزّ الدهر، فاصبروا ساعة فيما لا تشتهون، وتَرْبحوا بها بقية أعماركم فيما تشتهون".
ولما أنحى أصحابه على أصحاب الفهري بالقتل يوم هزيمتهم على قُرْطبة قال:
__________
1 هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان المعروف بالداخل، وذلك أنه لما أصاب دولتهم بالمشرق ما أصابها، وتتبع السفاح من بقى من بني أمية بالقتل والإهلاك، فر عبد الرحمن إلى الأندلس، واستطاع بهمته أن يؤسس هنالك دولة أورثها عقبه حقبة من الدهر، وهي دولة بني أمية في المغرب من سنة 138 إلى سنة 422هـ، وكانت عاصمة ملكها قرطبة، وهي مدينة على نهر الوادي الكبير.
2 يوسف الفهري هو ابن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع باني القيروان، وأمير معاوية على أفريقية والمغرب، وكانت ولاية يوسف الفهري الأندلسي سنة 129 فدانت له تسع سنين وتسعة أشهر، وعنه انتقل سلطانها إلى بني أمية.
(3/162)

"لا تستأصلوا شَأْفة1 أعداء ترجون صداقتهم، واستبقوهم لأشدّ عداوةً منهم" -يشير إلى استبقائهم، ليستعان بهم على أعداء الدين.
"نفح الطيب 2: 70".
__________
1 الشأفة: قرحة تخرج من أسفل القدم فتكوى فتذهب، أو إذا قطعت مات صاحبها، والأصل، واستأصل الله شأفته: أذهبه كما تذهب تلك القرحة، أو معناه أزاله من أصله.
(3/163)

عبد الرحمن الداخل ورجل من جند فنسرين
...
1- عبد الرحمن الداخل ورجل من جند قنسرين:
ولما أذعن يوسف صاحب الأندلس لعبد الرحمن، واستقر ملكه، واستحضر الوُفُود إلى قرطبة، فانثالوا1 عليه، ووالى القعود لهم في قصره عدة أيام، في مجالس يكلم فيها رؤساءهم ووجوههم، بكلام سَرَّهم، وطيَّب نفوسهم.
وفي بعض مجالسهم هذه مَثَل بيد يديه رجل من جند قِّنِسْرِين2 يستجديه، فقال له:
"يابن الخلائف الراشدين، والسادة الأكرمين، وإليك فَرَرْت، وبك عُذْت، من زمنٍ ظلومٍ، ودهرٍ غَشُوم، قلَّلَ المال، وكثَّر العيال، وشَعَّث3 الحال، فصيَّر إلى نداك المآل، وأنت وليُّ الحمد والمجد، والمرجوَّ للرِّفْد4".
فقال له عبد الرحمن مسرعا:
"قد سمعنا مقالتك، وقضينا حاجتك، وأمرنا بعونك على دهرك، على كُرْهنا لسوء مقامك، فلا تعودَنَّ ولا سِواك لمثله، من إراقة ماء وجهك بتصريح المسألة، والإلحاف في الطِّلْبة5، وإذا أَلَمَّ بك خَطْبٌ، أو حَزَبَك6 أمر، فارفعه إلينا في رقعة لا تعْدُوك، كيما نستر عليك خَلَّتك، ونكُفُّ شمات العدو عنك، بعد رفعك لها إلى مالِكِك ومالِكِنا -عز وجهه- بإخلاص الدعاء، وصدق النية".
__________
1 انثال: انصب، أي تتابعوا وتوافدوا عليه.
2 بالشام.
3 شعث الأمر: نشره وفرقه.
4 الرفد: العطاء والصلة.
5 الطلبة: الطلب.
6 أي اشتد عليك، والخلة الحاجة.
(3/163)

وأمر له بجائزة حسنة، وخرج الناس يتعجبون من حسن منطقه، وبراعة أدبه وكفّ فيما بعدُ ذوو الحاجات عن مقابلته بها شِفَاهًا في مجلسه.
"نفح الطيب 2: 68".
(3/164)

3- عبد الرحمن الداخل ورجل من جنده يهنئه بفتح سرقسطة
ولما فتح عبد الرحمن الداخل سَرَقُسْطَة1، وحصل في يده ثائِرُها الحسين الأنصاري، وانتهى نصره فيها إلى غاية أمله، وأقبل خوَّاصُه يهنئونه، فجرى بينهم أحد من لا يُؤْبَه به من الجند، فهنَّأَه بصوت عالٍ، فقال له عبد الرحمن:
"والله لولا أن هذا اليوم يوم أَسْبَغَ عليَّ فيه النعمة من هو فوقي، فأوجب عليَّ ذلك أن أُنعم فيه على من هو دوني، لأصْلَيْتك ما تعرَّضت له من سوء النَّكال، مَنْ تكون؟ حتى تقبل مهنئًا رافعًا صوتك، غير متلجلج ولا مهيب لمكان الإمارة، ولا عارف بقيمتها، حتى كأنك تخاطب أباك أو أخاك! وإن جهلك ليحملك على العَوْد لمثلها، فلا تجد مثل هذا الشافع في مثلها من عقوبة".
فقال: "ولعل فتوحات الأمير يقترن اتصالها باتصال جهلي وذنوبي، فتشفعَ لي متى أتيت بمثل هذه الزَّلة، لا أعدمنيه الله تعالى".
فتهلل وجه الأمير، وقال: ليس هذا باعتذار جاهل، ثم قال: نبِّهونا على أنفسكم إذا لم تجدوا من ينبهنا عليها، ورفع مرتبته وزاد في عطائه.
"نفح الطيب 2: 70".
__________
1 مدينة على نهر إبره.
(3/164)

4- تأديب عبد الرحمن الأوسط لابنه المنذر:
كان المنذر ابن الأمير عبد الرحمن الأوسط1 سيئ الخلق في أول أمره، كثير الإصغاء إلى أقوال الوشاة، مُفْرِط القَلَق مما يقال في جانبه، معاقبًا على ذلك من يقدر على معاقبته،
__________
1 هو عبد الرحمن الأوسط -الثاني- ابن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، حكم الأندلس من سنة 206 إلى سنة 238هـ.
(3/164)

مكثر التشكي ممن لا يقدر عليه لوالده الأمير عبد الرحمن، فطال ذلك على الأمير، فأمر ثِقَةً من ثقاته أن يبني بجبل منقطع عن العمران بناء يُسْكِن فيه ابنه، وألا يدع أحدًا من أصحابه يزوره، فلما استقر المنذر في ذلك المكان، وبقي وحده، ونظر إلى ما سُلِبَه من الملك، ضَجِر وقال للثقة: عسى أن يصلني غِلماني وأصحابي آنَسُ بهم! فقال له: إن الأمير أمر ألا يصلك أحد، وأن تبقى وحدك، لتستريح مما يرفع لك أصحابك من الوشاية، فعلم أن الأمير قصد بذلك محْنَته وتأديبه، فكتب إليه يشكو استيحاشه1 بمكانه، فلما وقف الأمير على رقعته، وعلم أن الأدب بلغ به حَقَّه استدعاه، فقال له:
"وصلت رقعتك، تشكو ما أصابك من توحُّش الانفراد، في الموضع، وترغب أن تأْنَسَ بخَوَلك2 وعبيدك وأصحابك، وإن كان لك ذنب يترتب عليه أن تطول سكنك في ذلك المكان، وما فعلت ذلك عقابًا لك، وإنما رأيناك تُكثر الضَجَر والتشكِّي من القال والقِيل، فأردنا راحتك بأن نَحْجُب عنك سماع كلام من يرفع لك ويَنِمُّ، حتى تستريح منهم".
فقال له: "سماع ما كنت أضجَرُ منه، وأخفُّ عليَّ من التوحُّد والتوحُّش، والتخلِّي مما أنا فيه من الرفاهية والأمر والنهي".
فقال له: "فَإِذْ قد عرفت وتأدَّبت، فارجع إلى ما اعتدته، وعَوِّل على أن تسمع كأنك لم تسمع، وترى كأنك لم تر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو تكاشفتم ما تدافنتم"، واعلم أنك أقرب الناس إليَّ، وأحبهم فيَّ، وبعد هذا فما يخلو صدرك في وقت من الأوقات عن إنكارٍ عليّ، وسُخْط لما أفعله في جانبك، أو جانب غيرك،
__________
1 ونص الكتاب: "إني قد توحشت في هذا الموضع توحشًا ما عليه من مزيد، وعدمت فيه من كنت آنس إليه، وأصبحت مسلوب العز، فقيد الأمر والنهي، فإن كان ذلك عقابًا لذنب كبير ارتكبته، وعلمه مولاي ولم أعلمه، فإني صابر على تأديبه، ضارع إليه في عفوه وصفحه.
وإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر، لا عار بما فعل الدهر
2 الخول: مثل الخدم والحشم وزنا ومعنى.
(3/165)

مما لو أطلعني الله تعالى عليه لساءني، لكن الحمد لله الذي حفظ ما بين القلوب بستْر بعضها عن بعض، فيما يجول فيها، وإنك لذو همة ومطْمَح، ومن يكن هكذا يصبر ويَغْضِ ويحمل، ويُبٍدل بالعقاب الثواب، ويصيِّر الأعداء من قبيل الأصحاب، ويصبر من الشخص على ما يسوء، فقد يَرَى منه بعد ذلك ما يَسُرّ، ولقد يَخِفُّ عليَّ اليوم مَنْ قاسيتُ من فعله وقوله ما لو قطَّعتهم عضوا عضوا لما ارتكبوه مني، ما شفيتُ منهم غيظي، ولكن رأيت الإغضاء والاحتمال، لاسيما عند الاقتدار أولى، ونظرت إلى جميع من حولي ممن يحسن ويسيء، فوجدت القلوب متقاربة بعضها من بعض، ونظرت إلى المسيء يعود محسنًا، والمحسن يعود مسيئًا، وصرتُ أندم على من سبق له مني عقاب، ولا أندم على من سبق له مني ثواب؛ فالْزَم يا بني معاليَ الأمور، وإنَّ جِمَاعَها في التغاضي، ومن يتغاض لا يسلم له صاحب، ولا يُقْرَب منه جانب، ولا ينال ما تترقَّي إليه همته، ولا يظفر بأمله، ولا يجد معينًا حين يَحْتَاج إليه".
فقبَّل المنذر يده وانصرف، ولم يزل يأخذ نفسهُ بما أوصاه والده، حتى تخلّق بالخلق الجميل، وبلغ ما أوصاه به أبوه ورُفع قدره.
"نفح الطيب 2: 327".
(3/166)

5- عبد الرحمن الأوسط وابنه المنذر أيضًا:
وقال له أبوه يومًا: إن فيك لَتيهًا مُفْرِطًا، فقال له: حُقَّ لفرعٍ أنت أصله أن يعلو، فقال له: يا بني، إن العيون تَمُجُّ التَّيَّاه، والقلوب تَنْفر عنه، فقال: يا أبي، لي من العز والنسب وعلوِّ المكان والسلطان ما يجلّ1 عنك ذلك، وإني لم أر العيون إلا مقبلةً عليّ، ولا الأسماع إلا مصغية إليّ، وإن لهذا السلطان رونقًا يريقه التبذّل، وعلوًّا يخفضه الانبساط، ولا يصونه ويشرِّفه إلا التِّيه والانقباض2، وإن هؤلاء الأنذال،
__________
1 في الأصل: "يجمل"، وأرى صوابه: "يجل".
2 جرى وذلك على سنن أبي مسلم الخراساني، وكان يقول لقواده إذا أخرجهم: "لا تكلموا الناس إلا رمزًا، ولا تلحظوهم إلا شزرًا، لتمتلئ صدورهم من هيبتكم". انظر العقد الفريد 2: 299.
(3/166)

لهم ميزان يَسْبُرُون1 به الرجل منا، فإن رأوه راجحًا؛ عَرَفوا له قدر حاجته، وإن رأوه ناقصًا عاملوه بنقصه، وصيَّروا تواضعه صغِرًا، تخفُّضه خِسَّة"، فقال له أبوه: لله أنت! فَابْقَ وما رأيت.
"نفح الطيب 2: 329".
__________
1 السبر. امتحان غور الجرح.
(3/167)

6- يعقوب بن عبد الرحمن الأوسط وأحد خدامه:
ومدح بعض الشعراء يعقوب بن عبد الرحمن الأوسط، فأمر له بمال جزيل، فلما كان مثل ذلك الوقت، جاءه بمدح آخر، فقال أحد خُدَّام يعقوب: هذا اللئيم له دين عندنا يقتضيه! فقال الأمير:
"يا هذا، إن كان الله تعالى خلقك مجبولًا على كره رب الصنائع، فاجرِ على ما جُبِلْتَ عليه في نفسك، ولا تكن كالأجرب يُعْدي غيره، وإن هذا رجل قصدنا قبلُ، فكان منا ما أَشِر1 به، وحمله على العودة، وقد ظن فينا خيرًا، فلا تخيِّب ظنَّه، والحديث أبدًا يحفظ القديم، وقد جاءنا على جهة التهنئة بالعمر، ونحن نسأل الله تعالى أن يطيل عمرنا، حتى يُكْثر تَرْدَاده، ويُدِيم نعمنا حتى نجد ما نُنْعِم به عليه، ويحفظ علينا مُرُوءتنا، حتى يعيننا على التجمّل معه، ولا يُبْلينا بجليس مثلك، يَقْبِض أيدينا عن إسداء الأيادي".
وأمر للشاعر بما كان أمر له به قبلُ، وأوصاه بالعود عند حلول ذلك الأوان ما دام العمر.
"نفح الطيب 2: 330".
__________
1 أشر: مرح.
(3/167)

7- وفاء الوزير ابن غانم لصديقه الوزير هاشم بن عبد العزيز
واعتذاره عنه لدى الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط:
كان الوزير الوليد بن عبد الرحمن بن غانم صديقًا للوزير هاشم بن عبد العزيز، ثابتًا على مودته، فلما قضى الله على هاشم بالأسر، أجرى السلطان محمد بن عبد الرحمن الأمويّ1 ذكره في جماعة من خُدَّامه، والوليد حاضر، فنسبه إلى الطَيْش والعَجَلة والاستبداد برأيه، فلم يكن فيهم من اعتذر عنه غير الوليد، فقال:
"أصلح الله تعالى الأمير، إنه لم يكن على هاشم التخيُّر في الأمور، ولا الخروج عن المقدور، بل قد استعمل جهده، واستفرغ نصحه، وقضى حقَّ الإقدام، ولم يكن مِلَاك النصر بيده، فخذله من وَثِق به، ونَكَل عنه من كان معه، فلم يزحزح قَدَمَه عن موطن حِفَاظه، حتى ملك مقبلا غير مُدْبِر، مُبْلِيا غير فَشِلٍ، فجوزي خيرًا عن نفسه وسلطانه؛ فإنه لا طريق للملام عليه، وليس عليه ما جنته الحرب الغَشُوم. وأيضًا فإنه ما قصد أن يجود بنفسه إلا رضا للأمير، واجتنابًا لِسُخْطِه، فإذا كان ما اعتمد فيه الرضا جالِبَ التقصير، فذلك معدودٌ في سوء الحظ".
فأعجب الأمير كلامه، وشكر له وفاءه، وأقصر عن تفنيد هاشم، وسعى في تخليصه.
"نفح الطيب 2: 230".
__________
1 هو الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط، حكم الأندلس من سنة 238 إلى سنة 273هـ، وكان غزاه لأهل الشرك والخلاف، وربما أوغل في بلاد العدو ستة أشهر أو أكثر يحرق وينسف وله في العدو وقعة وادي سليط، وهي من أمهات الوقائع لم يعرف مثلها في الأندلس قبلها.
(3/168)

8- خطبة منذر بن سعيد البَلُّوطِي 1 المتوفى سنة 355هـ:
في الاحتفال بقدوم رسل ملك الروم:
روى المؤرخون أن الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله2، بلغ من عزَّة الملك، ورفعة السلطان بالأندلس، أن كانت ملوك الروم والإفرنجة تَزْدَلِف إليه، تطلب مُهَادَنَته، وتهدي إليه أنفس الذخائِر، ومن جملتهم قسطنطين بن ليون صاحب القسطنطينية، فقد رَغِب في موادعته، وبعث إليه سنة338هـ وفدًا من قبله بهدية له، فتأهَّب الناصر لورودهم، واحتفل بقدومهم احتفالًا رائعًا، أحبَّ أن يقوم فيه الخطباء والشعراء بين يديه؛ لتَذْكر جلالة ملكه، وعظيم سلطانه، وتصف ما تهيأ من توطيد الخلافة في دولته، وتقدم إلى الأمير الحَكَم ابنه ووليّ عهده، بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء، فأمر الحكم صنيعَه الفقيه محمد بن عبد البرّ بالتأهَّب لذلك، وكان يدَّعي من القدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسع غيره، وحضر المجلس السلطاني، فلما قام يحاول التكلم، بَهَره هول المقام، وأُبَّهَة الخلافة، فلم يهتد إلى لفظة، بل غُشِى عليه وسقط إلى الأرض، فقيل لأبي عليّ القالي -صاحب الأمالي وهو حينئذ ضيف الخليفة الوافد عليه من العراق: قم فارقع هذا الوَهْيَ3، فقام فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيه -صلى الله عليه وسلم- ثم انقطع به القول، فوقف ساكتا متفكِّرا
__________
1 ولد سنة 265هـ، وتوفي سنة355هـ، وكان خطيبًا بليغًا عالمًا بالجدل حاذقًا فيه، شديد العارضة حاضر الجواب عتيده، ثابت الحجة، ولى بقرطبة قضاء الجماعة -المعبر عنه في المشرق بقضاء القضاة- لعبد الرحمن الناصر، ثم لابنه الحكم المستنصر، ستة عشر عامًا من سنة 339 إلى سنة 355، لم يحفظ عليه فيها جور في قضية، ولا قسم بغير سوية، ولا ميل لهوى.
2 هو عبد الرحمن الثالث ابن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الثاني ابن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وحكم الأندلس من سنة 300هـ إلى سنة 350هـ، وهو أول من تسمى من أمراء بني أمية بالأندلس بأمير المؤمنين عندما الْتَاثَ أمر الخلافة بالمشرق، وغلب موالي الترك على بني العباس، وبلغه أن المقتدر قتله مولاه مؤنس المظفر سنة 317هـ.
3 الوهى: الشق في الشيء.
(3/169)

في كلام يدخل به إلى ذكر ما أريد منه، فلما رأى ذلك منذر بن سعيد البَلُّوطِي -وكان ممن حضر في زُمْرَة الفقهاء- قام من ذاته بدرجة من مِرَقاته، فوصل افتتاح أبي عليّ لأول خطبته بكلام كان يَسُحه سَحًّا، كأنما كان يحفظه قبل ذلك بمدة: فقال:
"أما بعد حمد الله، والثناء عليه، والتَّعْدَاد لآلائه، والشكر لنعمائه، والصلاة والسلام على محمد صفيِّه وخاتم أنبيائه، فإن لكل حادثة مقامًا، ولكل مقام مقال، وليس بعد الحق إلا الضلال، وإني قد قمت في مقام كريم، بين يدي ملك عظيم، فأَصغُوا1 إليَّ معشر المَلَأ بأسماعكم، وأتقِنوا عني2 بأفئدتكم، إن من الحق أن يقال للمُحِقِّ صدقت، وللمُبِطل كذبت، وإن الجليل تعالى في سمائه، وتقدَّس في صفاته وأسمائه، أمر كًلِيمه موسى -صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع أنبيائه- أن يذكِّر قومه بأيام الله جل وعز عندهم، وفيه وفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة، وإني أذكِّركم بأيام الله عندكم، وتَلَافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين، التي لَمَّت شَعْثَكم، وأمنت سِرْبكم3، ورفعت قوتكم، بعد أن كنتم قليلًا فكَّثركم، ومستضعفين فقوَّاكم، ومستذَلِّين فنصركم، ولَّاه الله رعايتكم، وأسند إليه إمامتكم، أيام ضَرَبت الفتنة سُرَادِقُها على الآفاق، وأحاطت بكم شُعَل النفاق، حتى صرتم في مثل حَدَقة البعير، ومن ضيق الحال، ونكد العيش والتغيير، فاستبدلتم بخلافته من الشدة الرخاء4، وانتقلتم بيُمْن سياسته إلى تمهيد كَنَف العافية بعد استيطان البلاء.
أنشُدُكم بالله معاشر المَلَأ، ألم تكن الدماء مسفوكة فحقَنها، والسُّبُل مَخُوفة فأمَّنها
__________
1 الذي في كتب اللغة: "أصغى إليه سمعه: أماله، وأصغى إليه: مال بسمعه نحوه" ولعل زيادة الباء في "بأسماعكم" من النساخ لا من الخطيب.
2 هكذا في نفح الطيب، وفي مطمح الأنفس: "ومنوا علي بأفئدتكم".
3 السرب: النفس.
4 في الأصل "فاستبدلتم بخلافتة من الشدة بالرخاء" والصواب ما ذكرنا:
(3/170)

والأموال منتهبَة فأحرزها وحَضَّنَها؟ ألم تكن البلاد خرابا فعمرها، وثغور المسلمين مُهْتَضَمة فحماها ونصرها؟ فاذكروا آلاء الله عليكم بخلافته، وتلافيه جمع كلمتكم بعد افتراقها بإمامته، حتى أذهب الله عنكم غيظكم، وشفى صدوركم، وصِرْتُم يدًا على عدوكم، بعد أن كان بَأْسُكم بينكم.
فأنْشُدُكم الله، ألم تكن خلافته قُفْل الفتنة بعد انطلاقها من عِقالها؟ ألم يَتَلَاف صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالها؟ ولم يَكِل ذلك إلى القوَّاد والأجناد حتى باشره بالقوَّة والمُهْجَة والأولاد، واعتزل النِّسْوان، وهجر الأوطان، ورَفَض الدَّعة، وهي محبوبة، وترك الرُّكون إلى الراحة، وهي مطلوبة بطويَّة صحيحة، وعزيمة صريحة، وبصيرة ثابتة، نافذة ثاقبة، وريح هابَّة غالبة، ونصرة من الله واقعة واجبة، وسلطان قاهر، وجِدّ ظاهر، وسيف منصور، تحت عدل مشهور، متحمِّلا للنَّصَب، مستقلا لما ناله في جانب الله من التعب، حتى لانت الأحوال بعد شدتها، وانكسرت شوكة الفتنة عند حِدَّتها، ولم يبق لها غاربٌ إلا جَبَّه1، ولا نَجَم2 لأهلها قرن إلا جَدَّه، فأصبحتم بنعمة الله إخوانًا، وبَلَمِّ أمير المؤمنين لشَعَثِكم على أعدائه أعوانًا، حتى تواترت لديكم الفتوحات، وفتح الله عليكم بخلافته أبواب الخيرات والبركات، وصارت وفود الروم وافدة عليه وعليكم، وآمال الأَقْصَيْن والأَدْنَيْن مستخدمة إليه وإليكم، يأتون من كل فجٍّ عميق، وبلد سحيق3؛ لأخذ حبل4 بينه وبينكم جُملةً وتفصيلا، ليقضيَ الله أمرًا كان مفعولًا، ولن يُخْلِف الله وعده، ولهذا الأمر ما بعده، وتلك أسباب ظاهرة بادية، تدل على أحوال باطنة خافية، دليلها قائم، وجِفْنُها غير نائم {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
__________
1 الغارب: الكاهل، أو ما بين السنام والعنق، وجبه: قطعه.
2 في الأصل: "نجح" وهو تحريف، والصواب "نجم" أي ظهر وطلع، وجده: قطعه.
3 سحيق: بعيد.
4 أي معاهدة بينه وبينكم.
(3/171)

فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} ، وليس في تصديق ما وعد الله ارتياب، ولكل نبإ مستقر، ولكل أجل كتاب. فاحمدوا الله أيها الناس على آلائه، واسألوه المزيد من نعمائه، فقد أصبحتم بين1 خلافة أمير المؤمنين -أيده الله بالعِصْمة والسداد، وألهمه خالص التوفيق إلى سبيل الرشاد- أحسن الناس حالًا، وأنعمهم بالًا، وأعزهم قرارًا، وأمنعهم دارًا، وأكثَفهم جمعًا، وأجملهم صنعًا، لا تهاجون ولا تُذادون، وأتم بحمد الله على أعدائكم ظاهرون، فاستعينوا على صلاح أحوالكم بالمناصحة لإمامكم والتزام الطاعة لخليفتكم وابن عم نبيكم -صلى الله عليه وسلم- فإن من نزع يده من الطاعة، وسعى في تفريق الجماعة، ومَرَقَ من الدين، فقد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
وقد علمتم أن في التعلق بعِصْمَتها، والتمسك بعُرْوَتِها، حفظَ الأموال، وحقن الدماء، وصلاح الخاصة والدَّهْمَاء2، وأن بدوام3 الطاعة تقام الحدود، وتوفَّى العهود، وبها وُصِلت الأرحام، ووَضَحت الأحكام، وبها سد الله الخلل، وأمَّن السبل، ووطَّأَ الأكناف، ورفع الاختلاف، وبها طاب لكم القرار، واطمأنت بكم الدار، فاعتصموا بما أمركم الله بالاعتصام به، فإنه تبارك وتعالى يقول: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} ، وقد علمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين، وصنوف المُلْحِدِين الساعين في شقِّ عصاكم، وتفريق مَلَئِكم، والآخذ في مخادلة دينكم، وهَتْكِ حريمكم، وتوهين دعوة نبيكم، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى جميع النبيين والمرسلين، أقول قولي هذا وأختم بالحمد لله رب العالمين، مستغفرًا الله الغفور الرحيم، فهو خير الغافرين".
__________
1 هكذا في نفح الطيب، ومطمح الأنفس، ولعل صوابه: "أصبحتم بخلافة أمير المؤمنين".
2 الدهماء: جماعة الناس.
3 في الأصل: "بقوام"، وأظنه: "بدوام".
(3/172)

وخرج الناس يتحدثون عن حسن مقامه، وثبات جَنَانه، وبلاغة لسانه، وكان الناصر أشدهم تعجبًا منه، فولَّاه الصلاة والخطابة في المسجد الجامع بالزهراء، ثم تُوُفي محمد بن عيسى القاضي، فولَّاه قضاء الجماعة بقرطبة، وأقره على الصلاة بالزهراء.
"نفح الطيب 1: 172، ومطمح الأنفس ص43".
(3/173)

9- خطبة أخرى له
وخطب منذر بن سعيد يومًا -وأراد التواضع- فكان من فصول خطبته، أن قال:
"حتى متى، وإلى متى، أَعِظُ ولا أتعظ، وأَزْجُر ولا أَنْزَجِر، وأدُلُّ الطريق إلى المستدلِّين، وأبقى مُقِيمًا مع الحائرين! كلا، إن هذا لهو البلاء المبين! إن هي إلا فتنتك تضلُّ بها من تشاء، وتهدي بها من تشاء، أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا، وأنت خير الغافرين. اللهم فَرِّغْنِي لما خلقتني له، ولا تشغَلْني بما تَكَفَّلَتَ لي به، ولا تَحْرِمْنِي وأنا أسألك، ولا تعذِّبني وأنا استغفرك، يا أرحم الراحمين".
"نفح الطيب 1: 333".
(3/173)

10- أحد حساد الرمادي الشاعر والمنصور بن أبي عامر:
"المتوفى سنة 394هـ"
وقال المنصور بن أبي عامر المُعَافِرِي1 يومًا لأبي عمر يوسف الرَّمادي الشاعر:
__________
1 هو المنصور أبو عامر محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك المعافري. دخل جده عبد الملك الأندلس مع طارق، وكان عظيمًا في قومه، وله في الفتح أثر، وكان الحكم بن الناصر قد استوزر ابن أبي عامر، وفوَّض إليه أموره، وترقت حاله عنده، ثم توفي الحكم سنة 366هـ، وولي بعده ابنه هشام، وكانت سنه تسع سنين، فحدثت ابن أبي عامر نفسهُ بالتغلب عليه لصغر سنه وتم له ما أمل، فتغلب عليه، وتربع على سرير الملك، وأمر أن يُحَيّا بتحية الملوك، وتسمى بالحاجب المنصور، ونفذت الكتب والمخاطبات والأوامر باسمه، وأمر بالدعاء له على المنابر باسمه عقب الدعاء للخليفة، ولم يبق لهشام من رسوم الخلافة أكثر من الدعاء له على المنابر، وكتابة اسمه في السكة والطرر، وهلك المنصور أعظم ما كان ملكًا سنة 394هـ لسبع وعشرين سنة من ملكه.
(3/173)

كيف ترى حالك معي؟ فقال: "فوق قدري، ودون قدرك1"، فأطرق المنصور كالغضبان، فانْسَلَّ الرَّمادي وخرج وقد نَدِم على ما بدر منه، وجعل يقول: أخطأتُ! لا والله، ما يفلح مع الملوك من يعاملهم بالحق، ما كان ضَرَّنِي لو قلت له: إني بلغت السماء، وتمنطقت بالجوزاء! وأنشد:
متى يأتِ هذا الموت لا يُلْفِ حاجة ... لنفسي إلا قد قضيتُ قضاءها
وكان في المجلس من يحسُده على مكانه من المنصور، فوجد فُرصة فقال:
"وصل الله لمولانا الظفر والسعد، وإن هذا الصنف صنف زور وهَذَيان، لا يشكرون نعمة، ولا يرعَون إلًّا2 ولا ذمةً، كلاب من غَلَب، وأصحاب من أخْصَبَ، وأعداء من أَجْدَب، وحسبك منهم أن الله جل جلاله يقول فيهم: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ} والابتعاد منهم أولى من الاقتراب، وقد قيل فيهم: ما ظنك بقوم الصدق يستحسن إلًّا منهم؟ ".
فرفع المنصور رأسه -وكان محامي أهل الأدب والشعر- وقد اسودَّ وجهه، وظهر فيه الغضب المُفْرِط، ثم قال:
"ما بال أقوام يُشِيرُون في شيء لم يُسْتَشَارُوا فيه، ويُسِيئُون الأدب بالحكم فيما لا يُدْرُون، أيرضي أم يُسْخِط؟ وأنت أيها المبتعِث للشر دون أن يٌبْعَث، قد علمنا غرضَك، في أهل الأدب والشعر عامَّةً، وحسَدك لهم؛ لأن الناس كما قال القائل:
__________
1 يريد "ودون ما ينبغي أن يعطيه مثلك لمثلي".
2 الإل: العهد.
(3/174)

من رأى الناس له فضـ ... ـلا عليهم حَسَدُوه
وعَرَفنا غرضك في هذا الرجل خاصة، ولسنا إن شاء الله نبلِّغ أحدًا غرضه في أحد، ولو بلغناكم بَلَّغنا في جانبكم، وإنك ضربت في حديد بارد1، وأخطأتَ وجه الصواب، فزدت بذلك احتقارًا وصغارًا، وإني ما أطرقت من كلام الرَّمادي إنكارًا عليه، بل رأيت كلامًا يجِلّ عن الأقدار الجليلة، وتعجَّبْتُ من تهدِّيه له بسرعة، واستنباطه له على قلة من الإحسان الغامر، ما لا يستنبطه غيره بالكثير، والله لو حكمت في بيوت الأموال لرأيت أنها ترجح ما تكلَّم به قلبه، وذَرَّة. وإياكم أن يعود أحد منكم إلى الكلام في شخص، قبل أن يؤخذ معه فيه، ولا تحكموا علينا في أوليائنا، ولو أبصرتم منا التغير عليهم، فإننا لا نتغيَّر عليهم بُغْضًا لهم، وانحرافًا عنهم، بل تأديبًا وإنكارًا، فإنا مَنْ نريد إبعاده لم نظهر له التغيُّر، بل ننبذه مرة واحدة، فإن التغيُّر إنما يكون لمن يُرَاد استبقاؤه، ولو كنت ماثل السمع لكل أحد منكم في صاحبه؛ لتفرقتم في أيدي سَبَا2، وجُونِبْتُ أنا مجانبة الأجْرب، وإني قد أَطْلَعْتكم على ما في ضميري، فلا تعدلوا عن مَرْضاتي، فتجنَّبوا سخطي بما جنَّبتموه على أنفسكم".
ثم أمر أن يُرَدَّ الرَّمَادي، وقال له: أَعِدْ عليّ كلامك، فارتاع، فقال: الأمرُ على خلاف ما قدَّرتَ، والثوابُ أولى بكلامك من العقاب، فسَكن لتأنيسه، وأعاد ما تكلم به.
فقال المنصور: "بلغَنا أن النعمان بن المُنْذِر حَشَا فَمَ النابغة بالدرُّ، لكلامٍ
__________
1 من أمثال العرب: "تضرب في حديد بارد" وهو مثل يضرب لمن طمع في غير مطمع.
2 من أمثالهم أيضًا: "ذهبوا أيدي سبا، وتفرقوا أيدي سبا، وأيادي سبا، واليد: الطريق أي فرقتهم طرقهم التي سلكوها كما تفرق أهل سبأ في مذاهب مختلفة ضرب المثل بهم؛ لأنه لما غرق مكانهم، وذهبت جناتهم، تبددوا في البلاد -انظر القصة في الجزء الأول صفحة 108- وقد بنوا أيدي سبا، وأيادي سبا على السكون لسكون مركبا تركيب خمسة عشر.
(3/175)

استملحهُ منه، وقد أمرنا لك بما لا يَقْصُر عن ذلك، ما هو أنْوَهُ وأحسن عائِدةً، وكتب له بمال وخِلَع وموضع يعيش منه، ثم رد رأسه إلى التكلم في شأن الرَّمَادي -وقد كان يغوص في الأرض لو وجد، لشدة ما حلَّ به مما رأى وسمع- وقال: "والعَجَبُ من قوم يقولون: الابتعاد من الشعراء أولى الاقتراب، نعم. ذلك لمن ليس له مفاخرُ، يريد تخليدَها، ولا أياد يرغب في نشرها، فأين الذين قيل فيهم:
على مكثرِيهم رزق من يعتريهِم ... وعند المُقِلِّين السَّمَاحة والبَذْل1
وأين الذي قيل فيه:
إنما الدنيا أبو دُلَفٍ ... بين مَبْدَاه ومُحْتَضَره
فإذا وَلَّي أبو دُلَف ... ولَّتْ الدنيا على أَثَرِه2
أما كان في الجاهلية والإسلام أكرمُ ممن قيل فيه هذا القول؟ بلى، ولكن صُحْبة الشعراء والإحسان إليهم، أحْيَتْ غابِرَ ذكراهم، وخَصَّتْهُم بمفاخر عصرهم، وغيرهم لم تخلِّد الأمداحُ3 مآثِرَهم، فَدَثَرَ ذكرهم، ودَرَسَ فَخْرَهم".
"نفح الطيب 2: 226".
__________
1 البيت لزهير بن أبي سلمى من قصيدة في مدح آل هرم بن سنان.
2 البيتان لعلي بن جَبَلة الأنباري الملقب بالعكوك من قصيدة قالها في مدح أبي دلف القاسم بي عيسى العجلي -وكان جوادًا ممدحًا وفيها يقول:
كل من في الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره
مستعير منه مكرمة ... يكتسبها يوم مفتخره
وهذا البيتان الأخيران أحفظا عليه المأمون، فطلبه حتى ظفر به، فسل لسانه من قفاه، ويقال: بل هرب ولم يزل متواريًا منه حتى مات، قال صاحب الأغاني: "وهذا هو الصحيح من القولين، والآخر شاذ".
3 لم أجد هذا الجمع في كتب اللغة، وإنما الذي فيها: "المدحة بالكسر والمديح والأمدوحة بالضم: ما يمدح به، والجمع مدح كعنب ومدائح وأماديح".
(3/176)

11- ابن اللبانة الشاعر وعز الدولة بن المعتصم بن صمادح:
لما مات المعتصم بن صُمَادِح1 ملك المَرِيَّة ركب البحر ابنه وولي عهده الواثق عِزُّ الدولة، وفارق المُلْكَ كما أوصاه والده المعتصم.
قال أبو بكر بن اللبَّانة الشاعر: ما علمتُ حقيقة جَوْر الدهر، حتى اجتمعت بِبِجَاية2 مع عز الدولة بن المعتصم، فإني رأيت منه خير من يُجْتَمع به، كأنه لم يخلقه الله تعالى إلا للملك والرياسة، وإحياء الفضائل، ونظرت إلى همته تَنِمّ من تحت خُمُوله، كما يَنِمّ فِرِنْدُ3 السيف وكَرَمُه من تحت الصَّدإ، مع حفظه لفنون الأدب والتواريخ، وحسن استماعه وإسماعه ورقَّة طباعه، ولطافة ذهنه، ولقد ذكرته لأحد من صحِبْته من الأدباء في ذلك المكان، ووصفته بهذه الصفات، فتشوَّق إلى الاجتماع به، ورَغِب إليَّ في أن أستأذِنَه في ذلك، فلما أعلمت عزّ الدولة قال:
"يا أبا بكر، إنك لتعلم أنا اليوم في خُمُول وضيق، لا يتَّسع لنا معهما، ولا يجُمل بنا الاجتماع ما أحد، لا سيَّما مع ذي أدب ونباهة، يلقانا بعين الرحمة، ويزورنا بمنَّةِ التفضل في زيارتنا، نكابِد من ألفاظ توجُّعه، وألحاظ تفجُّعه، ما يجدد لنا همًّا قد بلي، ويحيى كمدا قد فني، وما لنا قدرة على أن نجود عليه بما يرضى عن همِّنا، فدعنا كأننا في قبر، نتدرَّع لسهام الدهر، بِدِرْع الصبر، وأما أنت فقد اختلطت بنا اختلاط اللحم بالدم، وامتزجت امتزاج الماء بالخمر، فكأنا لم نكشف حالنا لسِوَانا، ولا أظْهَرْنا ما بنا لغيرنا، فلا نحمل غيرَك بحملك".
__________
1 هو أحد ملوك الطوائف بالأندلس، وكان صاحب المرية "بلد الأندلس على الساحل الجنوبي"، وكان منافسًا للمعتمد بن عباد صاحب أشبيلية مناوئًا له، وقد سعى به لدى أمير المرابطين يوسف بن تاشفين وأفسد ما بينهما، وكان ابن عباد قد استنصر بابن تاشفين لصد غارة الإسبان، فعبر بجيشه من مراكش إلى الأندلس، وأبلى بلاء حسنًا في قتالهم حتى دارت عليهم الدائرة في وقعة الزلاقة، ثم مال على ملوك الطوائف، فاكتسح دولهم، ودانت له الأندلس.
2 بجاية: بلد بالمغرب على ساحل بلاد الجزائر.
3 جوهرة.
(3/177)

قال ابن اللبانة: فملأ والله سمعي بلاغة لا تصدر إلا عن سداد، ونفس أبية متمكنة من أعِنَّة البيان، وانصرفت متمثلًا:
لسان الفتى نصفٌ، ونصفٌ فؤاده ... فلم يبق إلا صُورةُ اللحم والدمِ
وكائن ترى من صامت لك مُعْجِبٍ ... زيادتُه أو نقصُه في التكلم1
"نفح الطيب 2: 228".
__________
1 البيتان لزهير بن أبي سلمى من معلقته.
(3/178)

12- دفاع ابن الفخار عن القاضي الوحيدي:
بحضرة ابن تاشفين
لما تألَّب بنو حسون على القاضي أبي محمد عبد الله الوحيدي قاضي ماَلَقة1، انبرى للدفاع عنه العالم الأصولي أبو عبد الله بن الفخَّار، فقصد إلى حضرة الإمامة "مَرَّاكُش"، وقام في مجلس أمير المؤمنين، يوسف بن تاشفين، وقد غَصَّ بأربَابِه، فقال:
"إنه لمَقَام كريم، نبدأ فيه بحمد الله على الدنوِّ منه، ونصلِّي على خيرة أنبيائه، محمد الهادي إلى الصراط المستقيم، وعلى آله وَصحَابته نجوم الليل والبَهيم2، أما بعد، فإنا نحمد الله الذي اصطفاك للمؤمنين أميرًا، وجعلك للدين الحنيفيّ نصيرا وظهيرًا، ونفزع إليك مما دهَِمنا3 في حماك، ونَبُثُّ إليك ما لحقنا من الضيم، ونحن تحت ظلّ علاك، ويأبى الله أن يُدْهَم من احتمى بأمير المسلمين، ويصاب بضيم من ادَّرعِ بحصنه الحصين، شكوى قمت بها بين يديك، في حق أمرك الذي عَضَده4 مُؤَيِّده، لتسمع منها ما تختبره برأيك وتَنْقُده، وإن قاضِيَك ابن الوحيدي الذي قدَّمته في مالَقَة للأحكام، ورضِيت
__________
1 بلد بالأندلس على الساحل الجنوبي.
2 الأسود.
3 دهمه كسمع ومنع: غشيه.
4 عضده كنصره: أصاب عضده، والمراد بمؤيده بنو حسون، والمعنى: إن بني حسون -وكانوا أحق بتأييد أمرك وتوطيده- قد أوهنوه وأوهوه بتعرضهم لأحكام القاضي، والطعن فيها، أو معنى عضده: نصره، فالمراد بمؤيده القاضي الوحيدي، والمعنى على ذلك، إن القاضي القائم بأمرك يدأب على نصره، وتثبيت دعائمه، بانتهاجه طريق الحق في حكمه، ولو غضب من جراء ذلك فريق من الرعية.
(3/178)

بعدله فيمن بها من الخاصَّة والعوام، لم يزل يدل على حسن اختيارك بحُسن سيرته، ويُرْضى الله تعالى ويرضى الناسَ بظاهره وسريرته، ما عَلِمْنَا عليه من سُوء، ولا دَرَيْنا له موقِف خِزي، ولم يزل جاريًا على ما يُرضي الله تعالى ويرضيك ويرضينا، إلى أن تعرضت بنو حسون للطعن في أحكامه، والهَدِّ من أعلامه، ولم يعلموا أن اهتضام المقدَّم راجع على المقدِّم، بل جمحوا في لجِاجِهِم، فعَمَوا وصَمُّوا، وفعلوا وأمضوا ما به هَمُّوا، وإلى السحب يرفع الكفَّ من قد جَفَّ عنه مَسِيلُ عينٍ ونهر".
فملا سمعه بلاغة أعقَبَتْ نصرَه ونصرَ صاحبه.
"نفح الطيب 2: 240".
(3/179)

13- موعظة ابن أبي رَندقة الطرطوشي المتوفى سنة520هـ:
للأفضل بن أمير الجيوش
دخل ابن أبي رندقه الطُّرْطُوشي1 مرة على الأفضل2 بن أمير الجيوش فوعظه، وقال له:
"إن الأمر الذي أصبحت فيه من الملك، إنما صار إليك بموت من كان قَبْلك، وهو خارج عن يدك، بمثل ما صار إليك، فاتق الله فيما خوَّلك من هذه الأمة، فإن الله عز وجل سا ئِلُك عن النَّقِير والقطمير والفَتِيل3، واعلم أن الله عز وجل آتي سليمان بن داود
__________
1 هو الفقيه العالم أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب الفهري الطرطوشي "بضم الطاءين، وقد تفتح الطاء الأولى، نسبة إلى طرطوشة من بلاد الأندلس" ويعرف بابن أبي رندقة وكان زاهدًا عابدًا متورعًا متقللا من الدنيا قوالا للحق، رحل إلى المشرق، ودخل بغداد والبصرة، وسكن الشأم مدة، ودرس بها، وكان الأفضل بن أمير الجيوش يكرهه، فلما ولي بعده المأمون بن البطائحي أكرم الطرطوشي إكرامًا كثيرًا، وله ألَّف الشيخ "سراج الملوك" وتوفي بالإسكندرية سنة520هـ.
2 هو الوزير الأفضل بن بدر الجمالي أمير الجيوش المشهور، وكان أبوه بدر الجمالي حاكم عكا، فأرسل إليه الخليفة الفاطمي المستنصر يسأله القدوم إلى مصر لإصلاح أحوالها المضطربة إذ ذك، فقدم إليها، وتولى شئونها، وقام معوجَّها، وصارت له فيها الكلمة النافذة، ثم لابنه الأفضل.
3 النقير: النقرة التي في ظهر النواة، والقطمير: القشرة الرقيقة التي بين النواة والتمرة، والفتيل: ما يكون في شق النواة.
(3/179)

ملك الدنيا بحَذَافيرها، فسخَّر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحوش والبهائم، وسخَّر له الريح تجري بأمره رخاءً1 حيث أصاب، ورفع عنه حساب ذلك أجمع، فقال عزَّ من قائل: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ 2 أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ، فما عدَّ ذلك نعمة كما عدَدْتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن يكون استدراجًا من الله عز وجل فقال: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} 3، فافتح الباب، وسَهِّل الحجاب، وانصر المظلوم.
"نفح الطيب 1: 363".0
__________
1 الرخاء: الريح اللينة.
2 أي فأعط منه من شئت.
3 بلاه: اختبره.
(3/180)

14- خطبة ابن تومرت مؤسس دولة الموحدين:
"المتوفى سنة 534هـ"
استدعى محمد بن عبد الله بن تُومَرْت1 مؤسس دولة الموحدين أصحابه، قبل موته بأيام يسيرة، وقد أراد أن يستخلف عليهم عبد المؤمن بن عليّ، فلما حضروا بين يديه قام:
__________
1 هو محمد بن عبد الله بن تومرت من جبل السوس في أقصى بلاد المغرب، ولد سنة 485هـ، ورحل إلى المشرق سنة 501 في طلب العلم، وانتهى إلى بغداد، وقيل إنه لقي أبا حامد الغزالي، ثم رجع إلى المغرب، وقامت دعوته في أول الأمر في صورة آمر بالمعروف، ناهٍ عن المنكر، فاتبعه بعض القوم، وخرج هو وأصحابه إلى السوس، وشرع في التدريس والدعاء إلى الخير: وما زال يستميل القلوب حتى كثرت شيعته، ثم جعل يذكر المهدي ويشوق إليه، وجمع الأحاديث التي جاءت فيه، فلما قرر في نفوسهم فضيلة المهدي، ادعى ذلك لنفسه، وتسمى بالمهدي، ورفع نسبه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وادعى أنه من نسل الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وصرح بدعوى العصمة لنفسه وأنه المهدي المعصوم، وروي في ذلك أحاديث كثيرة حتى استقر عندهم أنه المهدي، فبايعوه على ذلك، ولما كانت سنة 517هـ جهز جيشًا عظيمًا -وكانت مراكش تحت إمرة المرابطين- فقال: "اقصدوا هؤلاء المارقين المبدلين الذين تسموا بالمرابطين، فادعوهم إلى إماتة المنكر، وإحياء المعروف، وإزالة البدع، والإقرار بالإمام المهدي المعصوم، فإن أجابوكم فهم إخوانكم، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وإن لم يفعلوا فقاتلوهم فقد أباحت لكم السنة قتالهم، وأمَّر على الجيش عبد المؤمن بن علي، فخرجوا إلى مراكش فلقيهم المرابطون قريبًا منها بجيش ضخم أميرهم الزبير بن علي بن يوسف بن تاشفين، فدعوهم إلى ما أمرهم به بن تومرت فردوا عليهم أسوأ رد، ثم التقت الفئتان، فانهزم أصحاب ابن تومرت وقتل منهم خلق كثير، فلما رجع القوم إلى ابن تومرت جعل يهون عليهم أمر الهزيمة، ويقرر في نفوسهم أن قتلاهم شهداء، لأنهم ذابُّون عن دين الله، فزادهم ذلك بصيرة في أمرهم، وحرصًا على لقاء عدوهم، وجعلوا يشنون الغارات على نواحي مراكش ويقتلون ويسبون ولا يبقون على أحد ممن قدروا عليه، وكثر الداخلون في طاعتهم، ولم يزل أصحابه ظاهرين، وأحوال المرابطين تختل، وانتقاض دولتهم يتزايد، إلى أن توفي ابن تومرت سنة 534هـ بعد أن أسس الأمور، وأحكم التدبير، وقام بأمر الموحدين من بعده عبد المؤمن بن علي، وقد استوثق له الأمر بموت علي بن يوسف بن تاشفين ملك المرابطين سنة537هـ.
(3/180)

فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهْلُه، وصلَّى على محمد نبيه -صلى الله عليه وسلم- ثم أنشأ يترضَّي عن الخلفاء الراشدين، ورضوان الله عليهم، ويذكر ما كانوا عليه من الثبات في دينهم، والعزيمة في أمرهم، وأن أحدهم كان لا تأخذُه في الله لومةُ لائم، وذكر من حدِّ عمر رضي الله عنه ابْنَهُ في الخمر، وتصميمه على الحق، في أشباه لهذه الفصول، ثم قال:
فانقرضَت هذه العصابة، نضَّر الله وجوهها، وشكر لها سعيها، وجزاها خيرًا عن أمة نبيِّهَا، وخبَطَتِ الناس فتنة تركت الحليم حَيْرَان، والعالم متجاهلا مُدَاهِنًا، فلم ينتفع العلماء بعلمهم، بل قَصَدُوا به الملوك، واجتلبوا به الدنيا، وأمالوا وجوه الناس إليهم، وفي أشباه لهذا القول، إلى هلمَّ جرًا.
ثم إن الله سبحانه -له الحمد- منَّ عليكم -أيتها الطائفة- بتأييده، وخصَّكم من بين أهل هذا العصر بحقيقة توحيده، وقيَّض1 لكم مِنْ2 ألفاكم ضُلَّالًا لا تهتدون، وعميًا لا تبصرون، ولا تعرِفون معروفًا، ولا تنكرون منكرًا، وقد فشت فيكم البِدَع، واسْتَهْوَتْكُم الأباطيل، وزيَّن لكم الشيطان أضاليل وتُرَّهَات3، أنَزِّه لساني عن النطق بها، وأَرْبَا4 بلفظي عن ذكرها، فهداكم الله به بعد الضلالة، وبصَّركم بعد العَمَى، وجمعكم بعد الفُرْقة، وأعزكم بعد الذلة، ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين5، وسيُورثكم أرضَهم وديارهم، ذلك بما كَسَبَته أيديهم، وأضْمَرَتْه قلوبهم، وما ربُّك بظلام للعبيد.
__________
1 أتاح لكم وسبب وهيأ.
2 يعنى نفسه.
3 جمع ترهة: وهي الباطل.
4 ارتفع.
5 يريد المرابطين.
(3/181)

فجدِّدُوا الله سبحانه خالص نيَّاتكم، وأرُوه من الشكر قولا وفعلا ما يزكِّى به سعيكم، ويتقبَّل أعمالكم، وينشر أمركم، واحذروا الفُرْقة، واختلاف الكلمة، وشتات الآراء، وكونوا يدًا واحدةً على عدوكم، فإنكم إن فعلتم ذلك، هابكم الناس، وأسرعوا إلى طاعتكم، وكثر أتباعكم، وأظهر الله الحق على أيديكم، وإلا تفعلوا شَمِلَكم الذل، وعمَّكم الصَّغار1 واحتقرتكم العامة، فتخَطَّفَكُم الخاصة، وعليكم في جميع أموركم بمزج الرأْفة بالغِلْظَة، واللين بالعنف، واعلموا مع هذا أنه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة، إلا على الذي صَلَُح عليه أمر أولها".
وقد اخترنا لكم رجلًا منكم، وجعلناه أميرًا عليكم، هذا بعد أن بلَوْناه2 في جميع أحواله، من ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه، واختبرنا سريرته وعلانيته، فرأيناه في ذلك كله ثبتا3 في دينه، متبصرًا في أمره، وإني لأرجو أن لا يُخْلِف الظن فيه، وهذا المشار إليه هو: "عبد المؤمن"، فاسمعوا له وأطيعوا ما دام سامعًا مطيعًا لربه، فان بدَّل أو نكص على عقبه، أو ارتاب في أمره، ففي الموحِّدين -أعزهم الله- بركة وخير كثير، والأمر أمر الله يقلِّده من شاء من عباده".
فبايع القوم عبد المؤمن، ودعا لهم ابن تومرت.
"المعجب، في تاريخ أخبار المغرب ص108".
__________
1 الذل.
2 اختبرناه.
3 أي ثابتًا.
(3/182)

15- مقال لسان الدين بن الخطيب "المتوفى سنة 779هـ":
في الحضِّ على الجهاد
وقال لسان الدين بن الخطيب1 في الحضِّ على الجهاد2:
"أيها الناس -رحمكم الله تعالى:
إخوانكم المسلمون بالأندلس قد دَهِم العدو -قصمه الله تعالى- ساحَتَهم، ورام الكفرُ -خَذَله الله تعالى- استباحتهم، وزحفت أحزاب الطَّوَاغيت إليهم، ومدَّ الصليب ذراعيه عليهم، وأيديكم -بعزة الله تعالى- أقوى، وأتم المؤمنون أهل البر والتقوى، وهو دينكم فانصروه، وجِوَاركم القريب فلا تُخْفِروه3، وسبيل الرشد قد وضح فلتبصروه، الجهاد الجهاد فقد تعيَّن، الجار الجار فقد قرَّر الشرع حقَّه وبيَّن، الله الله في الإسلام، الله الله في أمة محمد عليه الصلاة والسلام، الله الله في المساجد المعمورة بذكر الله، الله الله في وطن الجهاد في سبيل الله، قد استغاث بكم الدين فأغيثوه، قد تأكد عهد الله وحاشاكم أن تنكُثُوه، أعينوا إخوانكم بما أمكن من الإعانة، أعانكم الله تعالى عند الشدائد، جَدِّدوا عوائِد الخير، يصل الله تعالى
__________
1 هو لسان الدين محمد بن عبد الله بن سعيد المشهور بابن الخطيب خاتمة أدباء الأندلس، ولد بغرناطة سنة713، وكان أول أمره في عداد كتاب السلطان أبي الحجاج يوسف أحد ملوك بني الأحمر، ثم اصطفاه وجعله وزيره، وفوض إليه شئون مملكته، ولما مات أبو الحجاج، وخلفه ابنه محمد أقره عاد الوزارة، ثم وثب إسماعيل أخو السلطان على ملكه، فاضطر أن يغادره إلى المغرب مع وزيره لسان الدين، فلما تحسنت الأحوال عاد محمد إلى ملكه، وبقى مدة كتب له فيها ابن زمرك أحد تلاميذ لسان الدين ثم عاد لسان الدين إلى غرناطة، وحل مكانه من سلطانه، فألهب ذلك نار الحسد في ابن زمرك وأنصاره، فسمعوا به إليه حتى أحفظوه عليه، فهرب إلى المغرب -وكان في حوزة بني مرين، وهم من البربر. حكموا المغرب بعد الموحدين من سنة668 إلى سنة890هـ- فأكرمه سلطان المغرب عبد العزيز، وخاطب ابن الأحمر في أهله وولده، فبعثهم إليه إلى أن مات "عبد العزبز"، وثار أحد أمراء بني مرين على ابن عبد العزيز، وساعده ملك بني الأحمر بشرط تسليمه ابن الخطيب، وتم له أمره، وقبض عليه، وسجن بفاس، ونوظر في كلمات له في كتابه "المحبة" وأفتى الفقهاء بقتله، فدس عليه من خنقه في سجنه سنة776.
2 وكان سلطانه محمد بن أبي الحجاج أسفره إلى ملوك بني مرين يستنجدهم على الإسبان
3 أخفره: غدر به ونقض عهده.
(3/183)

لكم جميل العَوائِد، صِلَوا رَحِم الكلمة1 وَاسُوا بأنفسكم وأموالكم تلك الطوائف المسلمة، كتاب الله بين أيديكم، وأَلْسِنَة الآيات تُنَادِيكم، وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائمة فيكم، والله سبحانه يقول فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ} ، ومما صحَّ عنه قوله: "ومن اغبَرَّت قدماه في سبيل الله حرَّمهما الله على النار" "لا يجتمع غبار في سبيل الله ودُخان جهنم"، "من جهَّز غازيا في سبيل الله فقد غزا" أدركوا رَمَق الدين قبل أن يفوت، وبادروا عليل الإسلام قبل أن يموت، احفظوا وجوهكم مع الله تعالى يوم يسألكم عن عباده، جاهدوا في الله بالألسن والأقوال حقَّ جهاده:
ماذا يكون جوابكم لنَبِيِّكُمْ ... وطريق هذا العذر غير مُمَهَّد
إن قال: لم فرَّطْتُمُوه في أمتي ... وتركتموهم للعدوِّ المعتدي؟
تالله لو أن العقوبة لم تُخفْ ... لكفى الحيا من وجه ذاك السيِّد
اللهم اعطف علينا قلوب العباد، اللهم بُثَّ لنا الحمية في البلاد، اللهم دافع عن الحريم والضعيف والأولاد، اللهم انصرنا على أعدائك، بأحبابك وأوليائك، يا خير الناصرين، اللهم أفرغ علينا صبرًا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
"نفح الطيب 4: 3".
__________
1 أي كلمة التوحيد.
(3/184)

ما خطب به لسان الدين تربة السلطان الكبير أبي الحسن المريني
...
16- ما خاطب به لسان الدين تربة السلطان الكبير أبي الحسن المريني:
وخاطب لسان الدين بن الخطيب تربة السلطان الكبير أبي الحسن المَرِيني لما قصدها عَقِبَ ما شرع في جواره، فقال: "السلام عليك ثم السلام، أيها المَوْلَى الهُمَام، الذي عرف فضله الإسلامُ، وأوجَبَت حقَّه العلماء الأعلام، وخَفَقَت بعزِّ نصره الأعلام، وتنافست في إنقاذ أمره
(3/184)

ونهيه السيوفُ والأقلامُ، السلام عليك أيها المَوْلَى الذي قَسَّم زمانه بين حُكْمٍ فَصْلٍ وإمضاء نصل، وإحراز خصل1، وعبادة قامت من اليقين على أصل، السلام عليك يا مقرِّر الصدقات الجارية، ومُشْبِع البطون الجائعة، وكاسي الظهور العارية، وقادح زناد العزائم الوارية، ومكتِّب الكتائب الغازية في سبيل الله تعالى والسرايا2 السارية، السلام عليك يا حجة الصبر والتسليم، ومتلقى أمر الله تعالى بالخلق المرضي والقلب السليم، ومفوض الأمر في الشدائد إلى السميع العليم، ومعمل البنان الطاهر في اكتتاب الذكر الحكيم، كرم الله تعالى تربتك وقدسها، وطيب روحك الزكية وآنسها، فلقد كنت للدهر جمالا، وللإسلام ثِمَالا3، وللمستجير مجيرا، وللمظلوم وليا ونصيرا، لقد كنت للمحارب صدرا، وفي المواكب بدرا، وللمواهب بحرا، وعلى العباد والبلاد ظِلًّا ظليلا وسِتْرا، لقد فَرَعَت4 أعلام عزك الثنايا، وأجزلت همتك لملوك الأرض الهدايا، كأنك لم تعرض الجنود، ولم تنشر البنود5، ولم تبسط العدل المحدود، ولم توجد الجود، ولم تزين الركَّع السجود، فتوسَّدت الثرى، وأطلت الكَرَى، وشربت الكأس التي يشربها الوَرَى، وأصبحت ضارع6 الخدِّ، كليل الحد، سالكا سنن الأب والجد، لم تجد بعد انصرام أجلك، إلا صالح عملك، ولا صحبت لقبرك إلا رابح تَجْرك7، وما أسلفت من رضاك وصبرك، فنسأل الله تعالى أن يُؤْنس اغترابك، ويجود بسحاب الرحمة ترابك، وينفعك بصدق اليقين، ويجعلك من الأئمة المتقين، ويعلي درجتك في عليين8، ويجعلك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين.
__________
1 الخصل: الغلبة في النضال.
2 السرايا: جمع سرية وهي من خمسة أنفس إلى ثلثمائة أو أربعمائة.
3 الثمال: الغياث الذي يقوم بأمر قومه.
4 فرعت: علت، والثنايا: جمع ثنية كهدية، وهي العقبة، أو الجبل، أو الطريقة فيه.
5 البنود جمع بند كشمس: وهو العلم الكبير.
6 ذليل.
7 تجر تجرًا وتجارة.
8 اسم لأعلى الجنة، أو هو كتاب جامع لأعمال الخير.
(3/185)

وَلْيَهْنِكَ أن صَبَّر الله تعالى ملككَ من بعدك، إلى نيِّر سعدك، وبارق رَعْدك، ومنجز وعدك، أرضى ولدك، وريحانة خَلَدك1، وشِقَّة2 نفسك، والسَّرحة المباركة من غَرْسك، ونور شمسك، وموصِّل عملك البَرّ إلى رَمْسِك، فقد ظهر عليه أثر دعواتك في خَلَواتك، وأعقاب صلواتك، فَكَلِمَتُك -والمنَّة لله تعالى- باقية، وحسنتك إلى محل القبول راقية، يَرْعَى بك الوسيلة، ويتمِّم مقاصِدَك الجميلة، أعانه الله تعالى ببركة رضاك على ما قَلَّده، وعَمَر بتقواه يومه وغده، وأبعد في السعد أَمَدَه، وأطْلَقَ بالخير يده، وجعل الملائكة أنصاره والأقدار عُدَدَه.
وإنني أيها المولى الكريم، البر الرحيم، لما اشتراني، ورَاشَني3 وبَرَاني، وتعبَّدني بإحسانه، واستعمل في استخلاصي خَط بَنَانه، ووصيَّة لسانه، لم أجد مكافأة إلا التقرب إليك وإليه برِثائك، وإغرائك لساني بتخليد عَلْيَائك، وتعفير الوَجْنة في حَرَمك، والإشادة بعد الممات بمجدك وكرمك، ففتحت الباب في هذا الغرض، إلى القيام بحقك المفتَرض، الذي لولاه لاتصلت الغفلة عن أدائه وتمادت، فما يَبِسَت الألسن ولا كادت، متحيِّزا بالسبق، إلى أداء هذا الحق، بادئًا بزيارة قبرك الذي هو رحلة الغرب، ما نَوَيته من رحلة الشرق، وما أَعْرَضت عنه فأقطعه أثر مواقع الاستحسان وقد جمع بين الشكر والتنويه والإحسان، والله سبحانه يجعله عملًا مقبولًا، ويبلِّغ فيه من القبول مأمولًا، ويتغمَّد من ضاجعته من سلفك الكرام بالمغفرة الصيِّبة، والتحيات الطيِّبة، فَنَعِمَ الملوك الكبار، والخلفاء الأبرار، والأئمة الأخيار، الذين كَرُمَت منهم السِّيَر وحسنت الأخبار، وسَعِدَ بِعَزَماتهم الجِهادية المؤمنون وشقِي الكفار، وصلوات الله تعالى عودًا وبدءًا على الرسول الذي اصطفاه واختاره فهو المصطفى المختار، وعلى آله وأصحابه الذين هم السادة الأبرار، وسلم تسليما".
"نفح الطيب 4: 135".
__________
1 الخلد: النفس والقلب.
2 الشقة: نصف الشيء إذا شق والسرحة: الشجرة العظيمة.
3 راش السهم: ألزق عليه الريش، وراش الصديق: أطعمه وسقاه وكساه وأصلح حاله.
(3/186)

17- وصية لسان الدين بن الخطيب لأولاده:
"الحمد لله الذي لا يَرُوعه الحمام المَرْقُوب، إذا شمَ1 نجمه المثقوب، ولا يبْغَتُه الأجل المكتوب، ولا يفْجَؤُه الفراق المعتوب، مُلْهِم الهُدَى الذي تطمئن به القلوب وموضِّح السبيل المطلوب، وجاعل النصيحة الصريحة من قِسْم الوجوب، لا سيما للواليِّ المحبوب، والولد المنسوب، القائل في الكتاب المُعْجِز الأُسْلُوب: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ 2} ، {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ 3} ، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله، أكرم من زُرَّتْ على نوره جُيُوب الغيوب، وأشرف من خُلِعَت عليه حُلَل المهابة والعصمة، فلا تقتحمه العيون، ولا تصمِهُ العيوب4، والرضا عن آله وأصحابه المثابرين على لسان5 الاستقامة بالهَوَى المغلوب، والأمل المسلوب، والاقتداء الموصِّل إلى المرغوب، والعز والأمن من الُّلغُوب6، وبعد: فإني لما علاني المَشِيب بقمَّته7، وقادني الكبر بِرُمَّته8، وادَّكَرْتُ الشباب
__________
1 من شام البرق: نظر إليه أين يقصد، وأين يمطر.
2 وتمام الآية الكريمة:
{إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .
3 وتمام الآية الكريمة: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
4 تزدريه وتحتقره، ووصمه: عابه.
5 اللسان: الرسالة.
6 اللغوب: أشد الإعياء.
7 الغمة: أعلى كل شيء.
8 الرمة بالضم ويكسر: قطعة من حبل.
(3/187)

بعد أُمَّته1، أسِفْتُ لما أضعتُ، وندمْتُ بعد الفِطَام على ما رَضَعْتُ، وتأكد وجوب نصحي لمن لزمني رَعْيُة، وتعلَّق بعيني سَعْيُه، وأمَّلتُ أن تتعدَّى إليّ ثمرة استقامته، وأنا رهين فوات، وفي برزخ أموات، ويأمن العثور في الطريق التي اقتضت عِثارى، إن سلك -وعسى ألا يكون ذلك- على آثاري، فقلت أخاطب الثلاثة الولد، وثمرات الخَلَد2 بعد الضَّراعة إلى الله تعالى في توفيقهم، وإيضاح طريقهم، وجمع تفريقهم، وأن يمُنَّ عليّ منهم بحسن الخَلَف، والتلافي من قبل التَّلف، وأن يرزق خلفهم التمسك بهدي السلف، فهو وليّ ذلك والهادي إلى خير المسالك: اعلموا هداكم الله تعالى الذي بأنواره تهتدي الضُّلَّال، وبرضاه تُرْفَع الأغلال، وبالتماس قُرْبِه يحصل الكمال، وإذا ذهب المال، وأخلَفَتِ الآمال، وتبرَّأَتْ من يمينها الشِّمال، أني مُودِّعكم وإن سَالَمني الرَّدَى، ومُفَارِقُكم وإن طال المَدَى، وما عدا ممَّا بدا، فكيف وأدوات السَّفر تُجْمَع، ومنادي الرحيل يسمع، ولا أقلَّ للحبيب المودِّع، من وصية محتضر، وعجالة مقتصر، ورَتِيمَة3 تعقد في خِنْصَر، ونصيحة تكون نَشِيدَة واعٍ مُبْصِر، تتكفَّل لكم بحسن العواقب من بعدي، وتوضِّح لكم من الشفقة والحنوّ قَصْدي، حسبما تضمن وعد الله من قبل وعدي، فهي أَرَبُكم الذي لا يتغيَّر وقفه، ولا ينالكم المكروه ما رفَّ عليكم سَقْفُه، وكأنِّي بشبابكم قد شاخ، وبراحلكم قد أناخ، وبناشِطِكم قد كَسِل، واستبدل الصَّابَ4 من العسل، ونُصُول5 الشيب تروِّع بِأَسَل، لا بل السَّام6 من كل حدب قد نَسَل، والمعاد
__________
1 الأمة هنا: الحين، اقتبسه من قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} .
2 الخلد: القلب والنفس.
3 الرتيمة: خيط يعقد في الأصبع للتذكير.
4 الصاب: عصارة شجر مر.
5 النصول جمع نصل: وهو حديدة الرمح والسيف. والأسل: الرماح.
6 السام: الموت: والحدب: ما ارتفع من الأرض، ونسل كضرب: أسرع والمعاد: المرجع.
(3/188)

اللحْدُ ولا تَسَلْ، فبالأمس كنتم فراخ حِجْر1، واليوم أبناء عسكر مَجْر، وغدا شيوخ مَضْيَعَةٍ وهَجْر، والقبورة فاغرة2، والنفوس عن المألوف صاغرة، والدنيا بأهلها ساخرة، والأُولى تَعْقُبُها الآخرة، والحازم من لم يَتَّعِظ به في أمر، وقال: "بيدي لا بيد عمرو3"، فاقتنوها من وصيَّة، ومَرَام4 في النصح قَصِيَّة، وخُصُّوا بها أولادكم إذا عَقَلوا، ليجدوا زادها إذا انتقلوا، وحسبي وحسبكم الله الذي لم يخلق الخلق هَمَلا، ولكن ليبْلُوَهُم أيهم أحسن عملا، ولا رَضِيَ الدنيا منزلا، ولا لَطَفَ بمن أصبح عن فئة الخير منعزلا، ولتُلَقَّنُوا تلقينا وتعلموا علما يقينا، وأنكم لن تجدوا بعد أن أنفرِدَ بذنبي، ويفترش التراب جنبي، ويَسُحَّ انسكابي، وتهَرْوِل عن المصلَّى ركابي، أحرص مني على سعادةٍ إليكم تُجْلَب، أو غاية كمال بسببكم تُرْتَاد وتُطْلَب، حتى لا يكون في الدين والدنيا أَوْرَف5 منكم ظلا، ولا أشرف محلا، ولا أَغْبَطَ نَهْلًا وعَلّا6، وأقل ما يوجب ذلك عليكم أن تُصِيخوا7 إلى قولي الآذان، وتستلمِحُوا
__________
1 أي كالفراخ في حجر أمها وحضنها، والمجر: الكثير من كل شيء، وجيش مجر: كثير جدًّا.
2 أي فاتحة أفواهها للموتى.
3 هو مثل قالته الزباء ملكة الجزيرة، وذلك أنها كانت دعت جذيمة الأبرش ملك ما على شاطئ الفرات إلى زواجها. فلما استقر عندها قتلته ثأرًا بأبيها -وكان جذيمة قد قتله- فاحتال مولاه قصير الثأر منها، نجدع أنفه وأثر آثارا بظهره، ثم خرج إلى الزباء، وأظهر أن عمرو بن عدي -ابن أخت جذيمة- فعل ذلك به، وأنه زعم أنه مكر بخاله جذيمة وغره من الزباء، فلما استرسلت إليه ووثقت به، زين لها أن تبعثه إلى العراق ليحمل إليها من طرائقها وثيابها وطيبها، وأنها ستصيب في ذلك أرباحًا عظامًا، فأذنت له وقدم العراق، وأتى الحيرة متنكرًا، وزوده عمرو بصنوف البز والأمتعة، ورجع إلى الزباء، فأعجبها ما رأت وسرها، وازدادت به ثقة، وجهزته ثانية، فسار حتى قدم على عمرو فجهزه وعاد إليها، ثم عاد الثالثة وجمع ثقات رجال عمرو، وحملهم في الغرائر على الجمال، وسار إلى الزباء، ودخلت الإبل المدينة وكانت الزباء قد حذرت عمرا، واتخذت نفقا إلى حصن لها في داخل مدينتها، وقالت: إن فجأني أمر دخلت النفق إلى حصني -ودل قصير عمرو على باب النفق، فلما خرجت الرجال من الغرائر صاحوا بأهل المدينة ووضعوا فيهم السلاح، وقام عمرو على باب النفق، وأقبلت الزباء تريد النفق، فأبصرت عمرا فعرفته بالصورة التي صورت لها -فمصت خاتمها وكان فيه السم، وقالت: "بيدي لا بيد عمرو" فذهبت مثلًا، وتلقاها عمرو فجللها بالسيف وقتلها، وأصاب ما أصاب من المدينة وأهلها، وانكفأ راجعًا إلى العراق.
4 مرام جمع مرمى، وقضية بعيدة.
5 ورف الظل: اتسع وطال وامتد.
6 النهل: الشرب الأول، والعل والعلل: الشرب الثاني أو الشرب بعد الشرب تباعًا.
7 أصاخ له استمع.
(3/189)

صُبْحَ نُصحي فقد بان، وسأعيد عليكم وصيَّة لقمان، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وَلا تُصَعِّر ْ1 خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} ، وأُعيد وصيَّة خليل الله وإسرائيله حُكْم2 ما تضمَّنه حكم تنزيله: {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} والدين الذي ارتضاه واصطفاه، وأكمله ووفَّاه، وقرَّره مصطفاه، من قبل أن يتوفّاه؛ إذا أُعْمِل فيه انتقاد، فهو عمل واعتقاد، وكلاهما مُقَرَّر، ومستمدّ من عقل أو نقل محرر، والعقل متقدم، وبناؤه مع رفض أخيه متهدِّم، فالله واحد أحد، فرد صمد3، ليس له والد ولا ولد، تنزَّه عن الزمان والمكان، وسبق وجوده وجود الأكوان، خالق الخلق وما يعملون، الذي لا يسأل عن شيء وهم يسألون، الحي العليم المدبِّر القدير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، أرسل الرسل رحمة لتدعو الناس إلى النجاة من الشقاء، وتوجِّه الحجَّة في مصيرهم إلى دار البقاء، مؤيَّدةً بالمعجزات التي لا تتَّصف أنوارها بالاختفاء، ولا يجوز على تواترها دعوى الانتفاء، ثم ختم ديوانهم بنبيّ ملَّتنا المرعية الهَمَل، الشاهدة على المِلَل، فتلخَّصت الطاعة، وتعينت الإمْرَةُ المُطاعة، ولم يَبْقَ بعد إلا ارتقاب الساعة، ثم إن الله تعالى قَبَضَه إذ كان بَشَرًا، وترك دينه يضمُّ من الأمة نشرًا4، فمن تَبِعَه لَحِقَ به، ومن تركه نُوِّطَ5 عنه في مَنْسَبِه، وكانت نجاته على قدر سببه، روى عنه عليه الصلاة والسلام
__________
1 صعر خده: أماله كبرا.
2 إسرائيله: يعقوب عليه السلام، والحكم: الحكمة، وهو بدل من وصية.
3 الصمد: السيد، لأنه يصمد أي يقصد في قضاء الحوائج.
4 انتشر: المنتشر، ومنه: "اللهم اضمم نشري".
5 أي أبعد عنه وطرد: يقال ناطت الدار: أي بعدت.
(3/190)

أنه قال: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلُّوا بعدي، كتاب الله وسنتي، فَعَضُّوا عليهما بالنواجذ " 1.
فاعلموا يا بَنِيَّ بوصيَّة من ناصح جاهد، ومشفق شفقة والد، واستشعروا حبه الذي توافرت دواعيه، وعُوا مراشد هديه، فيا فَوْزَ واعيه! وصِلُوا السبب بسببه، وآمنوا بكل ما جاء به، مجملا أو مفصلا على حسبه، وأوجبوا التجِلَّة لصحبه، الذين اختارهم الله تعالى لصحبته، واجعلوا محبتكم إياهم من توابع محبته، واشملوهم بالتوقير، وفَضِّلوا منهم أولي الفضل الشهير، وتبرَّءوا من العصبية التي لم يدعكم إليها داعٍ، ولا تَعِ التشاجر بينهم أذن واعٍ، فهو عنوان السداد، وعلامة سلامة الاعتقاد، ثم اسحبوا فضل تعظيمهم على فقهاء الملة، وأئمتها الجِلِّة2، فهم صَقَلة نُصُولهم، وفروع ناشئة من أصولهم، ووَرَثَتهم وورثة رسولهم، واعلموا أنني قطعت في البحث الزماني، وجعلت النظر شاني، منذ براني الله تعالى وأنشاني، مع نُبْل3 يعترف به الشاني، وإدراك يسلِّمه العقل الإنساني، فلم أجد خابِطَ ورق، ولا مُصَبِّبَ عَرَق، ولا نازِعَ خِطَام، ولا متكلِّفَ فِطَام، ولا مقتحم بحر طَامٍ، إلا وغايته التي يقصدها قد نَضَلتها الشريعة وسبقتها، وفَرَعَت4 ثنيَّتها وارتَقَتْها، فعليكم بالتزام جادَّتها5 السَّابِلة، ومصاحبة رَِفُقتها الكاملة، والاهتداء بأقمارها غير الآفلة، والله تعالى يقول، وهو أصدق القائلين: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، وقد علت شرائعه، وراع الشكوك رائِعُه، فلا تستنزلكم الدنيا عن الدين، وابذلوا دونه النفوس فِعْلَ المهتدين، فلن ينفع متاع بعد الخلود في النار أبد الآبدين، ولا يضر مفقود مع الفوز بالسعادة والله أصدق الواعدين، ومتاع الحياة الدنيا أخسُّ ما وَرِث الأولاد عن الوالدين، اللهم قد بَلَّغْتُ فأنت خير الشاهدين، فاحذروا المَعَاطِبَ التي توجب في الشقاء الخلود، وتستدعي شَوْهَ الوجوه ونضج الجلود، واستعيذوا برضا الله من سُخْطِه، وارْبَئُوا بنفوسكم عن غَمْطِه، وارفعوا آمالكم عن القنوع بغرور قد خدع
__________
1 أقصى الأضراس.
2 جمع جليل.
3 النبل: الذكاء والنجابة، والشاني: المبغض.
4 فرعه: علاه، والثنية: العقبة، أو الجبل أو الطريقة فيه أو إليه.
5 الجادة: الطريق الواضح، والسابلة من الطرق المسلوكة.
(3/191)

أسلافكم، ولا تحمدوا على جيفة العَرَض الزائل ائتلافكم، واقنعوا منه بما تيسَّر، ولا تأْسَوْا1 على ما فات وتعذَّر، فإنما هي دُجُنَّة2 ينسخها الصباح، وصفقة يتعاقبها الخََسَار أو الرَّباح، ودونكم عقيدة الإيمان فَشُدُّوا بالنواجذ عليها، وكَفْكِفُوا الشُّبَهَ أن تدنو إليها، واعلموا أن الإخلال بشيء من ذلك خَرْقٌ لا يَرْفَؤُه3 عمل، وكل ما سوى الراعي همل، وما بعد الرأس في صلاح الجسم أمل، وتمسَّكوا بكتاب الله تعالى حفظًا وتلاوة، واجعلوا حِمْلَه على حِمْلِ التكليف علاوة، وتفكروا في آياته ومعانيه، وامتثلوا أوامره ونواهيه ولا تتأولوه ولا تَغْلُوا فيه، وأشربوا قلوبكم حب من أنزل على قلبه، وأكثروا من بواعث حبه، وصونوا شعائر الله صون المحترم، واحفظوا القواعد التي ينبني عليها الإسلام حتى لا يَنْخَرِم، الله الله في الصلاة ذريعة التَّجِلَّةِ، وخاصة الملة، وحاقنة الدم، وغنى المستأجر المستخدم، وأم العبادة، وحافظة اسم المراقبة لعالم الغيب والشهادة، والناهية عن الفحشاء والمنكر، إن عرض الشيطان عرضها، ووطَّأ للنفس الأمارة سماءها وأرضها، والوسيلة إلى بلِّ الجوانح ببرود الذكر، وإيصال تُحْفة الله إلى مريض الفكر، وضامنة حسن العشرة من الجار، وداعية للمسالمة من الفُجَّار، والواسمة بسمة السلامة، والشاهد للعبد برفع الملامة، وغَسُول4 الطبع إذا شانه طبع، والخير الذي كلُّ ما سواه له تبع، فاصبروا النفس على وظائفها، بين بدء وإعادة، فالخير عادة، ولا تفضِّلوا عليها الأشغال البدنية، وتُؤْثِرُوا على العليَّة الدنية، فإن أوقاتها المعينة بالانفلات تَنْتَبسُّ5، والفلك بها من أجلكم لا يُحْبَس، وإذا قورنت بالشواغل فلها الجاه والأصيل، والحكم الذي لا يغيِّره الغُدُوِّ ولا الأصيل، والوظائف بعد أدائها لا تفوت، وأين حقُّ من يموت من حق الحي الذي لا يموت؟ وأحكموا أوضاعها إذا أقمتموها، وأتبعوها النوافل ما أطلقتموها، فبالإتقان تفاضلت الأعمال، وبالمراعاة
__________
1 ولا تحزنوا.
2 الدجنة: الظلمة.
3 رفأ الثوب كمنع: لأم خرقة، وضم بعض إلى بعض.
4 الغسول كصبور وتنور: الماء يغتسل به، وفي الأصل "غاسول" وهو تحريف، والطبع الشين والعيب.
5 أي تذهب وتضيع، يقال: انبس الرجل إذا ذهب، وفي الأصل "تبتس" وأراه محرفا.
(3/192)

استحقت الكمال، ولا شكر مع الإهمال، ولا ربح ما إضاعة رأس المال، وذلك أحرى بإقامة الفرض، وأدعى إلى مساعدة البعضِ البعضَ.
والطهارة التي هي في تحصيلها سبب مُوَصِّل، وشرط لمشروطه محصِّل، فاستوفوها، والأعضاء نظَّفوها، ومياهها بغير أوصافها الحميدة فلا تصفوها، والحُجُول والغُرَر1 فأطيلوها، والنيَّات في كل ذلك فلا تُهْمِلوها، فالبناء بأساسه، والسيف بمراسه، واعلموا أن هذه الوظيفة من صلاة وطهور، وذكر مجهور وغير مجهور، تستغرق الأوقات، وتنازع شتَّى الخواطر المفترقات، فلا يضبطها إلا من ضبط نفسه بعقال، واستعاض صَدَأَه بِصِقَال2، وإن تراخى قَهْقَر3 الباعُ، وسرقته الطباعُ، وكان لما سواها أضيع. فشمل الضَّياع، والزكاة أختها الحبيبة. ولِدَتُها القريبة. مفتاح السعادة بالعرض الزائل. وشكران المسئول على الضِّدِّ من درجة السائل. وحق الله تعالى في مال من أغناه. لمن أجهده في المعاش وعناه4 من غير استحقاق مَلْء يده وإخلاء يد أخيه. ولا عِلَّةَ إلا القَدَر الذي يخفيه. وما لم يَنْلَه حظ الله تعالى فلا خير فيه، فاسمحوا بتفريقها للحاضر لإخراجها. في اختيار عرضها ونتاجها. واستحيوا من الله تعالى أن تبخلوا عليه ببعض ما بَذَل. وخالفوا الشيطان كلما عَذَل. واذكروا خروجكم إلى الوجود لا تملكون، ولا تدرون أين تسلكون. فوهب وأقدر. وأورد بفضله
__________
1 الحجول: جمع حجل بالكسر والفتح وهو الخلخال، والمراد بها هنا الأطراف، وبإطالتها استيعاب غسلها، والغرر جمع غرة بالضم وهي الوجه، والمراد بتطويلها في الوضوء: غسل مقدم الرأس مع الوجه، وغسل صفحة العنق، وجملة المعنى: أنه يأمر بإسباغ الوضوء، وفي الحديث الشريف: "أمتي الغُرُّ المُحَجَّلُون" والغر جمع الأغر من الغرة، وهي بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم، يقال: فرس أغر وغراء، والمحجل: الفرس الذي يرتفع البياض في قوائمه في موضع القيد، أي بيض مواضع الوضوء من الوجه والأيدي والأقدام، واستعار أثر الوضوء في الوجه واليدين والرجلين من البياض الذي يكون في وجه الفرس ويديه ورجليه.
2 صواب العبارة: "واستعاض بصدئه صقالا" يقال استبدل الشيء بغيره: إذا أخذه مكانه "ومنه ترى أن الباء داخلة على المتروك"، واعتاضه منه واستعاضه "والباء كمن".
3 قهقر وتقهقر: رجع القهقري.
4 أتعبه.
(3/193)

وأصْدَر. ليرتِّب بكرمه الوسائل، أو بقيم الحجج والدلائل. فابتغوا إليه الوسيلة بماله واغْتَنِمُوا رضاه ببعض نواله. وصيام رمضان عبادة السر المقرِّبة إلى الله زُلْفَى. الممحوضة1 لمن يعلم السِّرَّ وأخفى. مؤكَّدة بصيام الجوارح عن الآثام. والقيام ببر القيام، والاجتهاد، وإيثار السُّهاد، على المِهاد، وإن وسع الاعتكاف فهو من سننه المرْعِيَّة، ولواحقه الشرعية، فبذلك تحْسُن الوجوه، وتحصل من الرأفة على ما ترجوه، وتذهب قسوة الطباع، ويمتد في ميدان الوسائل الباع، والحج من الاستطاعة الركن الواجب، والفرض على العين لا يحجُبه الحاجب، وقد بيَّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدره فيما فرض عن ربه وسَنَّه، وقال: "ليس له جزاء عند الله إلا الجنة" ويلحق بذلك الجهاد في سبيل الله تعالى إن كانت لكم قوة عليه، وغنى لديه، فكونوا ممن يسمع نفيره ويطيعه، وإن عجزتم فأعينوا من يستطيعه. هذه عُمُد الإسلام وفروضة، ونقود مهره وعروضه، فحافظوا عليها تعيشوا مبرورين، وعلى من يناويكم ظاهرين2، وتَلْقُوا الله لا مبدِّلين ولا مغيِّرين، ولا تضيعوا حقوق الله فَتَهْلكوا مع الخاسرين.
واعلموا أن بالعلم تستعمل وظائف هذه الألقاب، وتَجَلَّى محاسنها من بعد الانتقاب3 فعليكم بالعلم النافع دليلا بين يدي السامع، فالعلم مفتاح هذا الباب، والموصِّل إلى اللُّباب، والله عز وجل يقول: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} والعلم وسيلة النفوس الشريفة إلى المطالب المُنيفة، وشرطه الخشية لله تعالى والخيفة، وخاصًّة الملإ الأعلى وصفة الله في كتبه التي تُتْلَى، والسبيل في الآخرة إلى السعادة، وفي الدنيا إلى النِّحْلة4 عادة، والذُّخر الذي قليله يشفع، وكثيره ينفع، ولا يغلبه الغاصب، ولا يسلُبُه العدو المناصب، ولا يبتزّه الدهر إذا نال، ولا يستأثر به البحر إذا هال، من لم يَنَلْه فهو ذليل، وإن كثرت آماله،
__________
1 الخالصة.
2 يعاديكم، وظاهرين: غالبين.
3 أي بعد الاختفاء، من انتقبت المرأة: لبست النقاب.
4 نحله: أعطاه، والاسم النحلة.
(3/194)

وقليل، وإن جَمَّ ماله، وإن كان وقته قد فات اكتسابكم، وتَخَطَّى حسابكم فالتمسوه لبنيكم، واستدركوا منه ما خرج عن أيديكم، واحملوهم على جمْعه ودرْسه، واجعلوا طباعهم ثَرَى لِغَرْسِه، واستسهلوا ما ينالهم من تعب من جَرَاه1 وسَهَرٍ يهجر له الجفن كَرَاه، تعقدوا لهم ولاية عز لا تُعْزَل، وتُحِلُّوهم مثابة رفعة لا يُحط فارعها ولا يُسْتَنْزَل، واختاروا العلوم التي يتعقَّبها الوقت، فلا يناها في غيره2 المقت، وخير العلوم علوم الشريعة، وما نجم بمنابتها المريعة3، من علوم لسان لا تستغرق الأعمار فصولها، ولا يضايق ثمرات المعاد حصولها، فإنها هي آلات لغير، وأسباب إلى خير منها وخير، فمن كان قابلًا للازدياد، وألفى فهمه ذا انقياد، فليخصّ تجويد القرآن بتقديمه، ثم حفظ الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه، ثم الشروع في أصول الفقه فهو العلم العظيم المِنَّة، المهدي كنوز الكتاب والسنة، ثم المسائل المنقولة عن العلماء الجِلَّة، والتدرج في طرق النظر بصحيح الأدلة، وهذه هي الغاية القصوى في الملة، ومن قصر إدراكه عن هذا المرمى، وتقاعد عن التي هي أسمى، فليروِ الحديث بعد تجويد الكتاب وإحكامه، وليقرأ المسائل الفقهية على مذهب إمامه، وإياكم والعلوم القديمة، والفنون المهجورة الذميمة، فأكثَرُوا لا يفيد إلا تشكيكا، ورأيا ركيكا، ولا يثمر في العاجلة إلا اقتحام العيون، وتطريق الظنون، وتطويق الاحتقار وسمة الصَّغار، وخمول الأقدار، والخَسْف من بعد الإبدار، وجادة الشريعة أعرق في الاعتدال، وأوفق من قطع العمر في الجِدال، وهذا ابن رشد4 قاضي المصر ومُفْتِيه
__________
1 يقال: فعلت ذلك من جراه ومن جرائه بالتشديد ويخففان، ومن جريرته: أي من أجله، والكرى: النوم.
2 غير الدهر: أحداثه المغيرة، والضمير فيه يعود على الوقت.
3 المخصبة.
4 هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، أعظم فلاسفة الأندلس وأطبائها، ولد سنة 520هـ ودرس علوم الدين والفلسفة والطب، واتصل بيوسف بن عبد المؤمن زعيم الموحدين، وشرح له فلسفة أرسطو، وقد ولاه قضاء إشبيلية؛ ثم استدعاه إلى المراكش، وجعله طبيبه الخاص، ثم جعله قاضي القضاة بقرطبة، ولما ولي بعده ابنه المنصور بالله علت مكانة ابن رشد عنده، فأثار ذلك حسد خصومه، فكادوا له عند السلطان واتهموه أنه يجحد القرآن، وينشط الفلسفة وعلوم الأوائل بدلا من علوم الدين، وينصر مذهب القدماء في القول بألوهية بعض الكواكب، فنزله المنصور فيه من قضاء قرطبة، ثم عفا عنه، واستدعاه إلى مراكش، ولم يطل مقامه بها، فمات سنة 595هـ، وقد ترجم أكثر كتبه إلى اللغات الأجنبية، وعليها عول الأوربيون في نهضتهم الحديثة.
(3/195)

وملتمِس الرشد ومُوليه، وعادت عليه بالسَّخطة الشنيعة، وهو إمام الشريعة، فلا سبيل إلى اقتحامها، والتورُّط في ازدحامها، ولا تخلطوا جامكم1 بجامها، إلا ما كان من حساب ومساحة، ما يعود بِجَدْوَى فلاحة، وعلاج يرجع على النفس والجسم براحة، وما سوى ذلك فمحجور، وضَرَم2 مسجور، وممقوت مهجور، وأمروا بالمعروف أمرا رفيقًا، وانهوا عن المنكر نهيًا حريا بالاعتدال حقيقا، واغبطوا من كان من سِنَة الغفلة مفيقًا، واجتنبوا ما تُنْهَون عنه حتى لا تسلكوا منه طريقًا، وأطيعوا أمر من ولاه الله تعالى من أموركم أمرا، ولا تَقْرَبُوا من الفتنة جمرًا، ولا تدخلوا في الخلاف زيدًا ولا عمرًا، وعليكم بالصدق فهو شعار المؤمنين، وأهمّ ما أضَرَى3 عليه الآباء ألسنة البنين، وأكرم منسوب إلى مذهبه، ومن أكثر من شيء عُرف به، وإياكم والكذب فهو العَوْرة التي لا توارى، والسوءة التي لا يُرْتَاب في عارها ولا يتمارى. وأقل عقوبات الكذاب، بين يدي ما أعَدَّ الله له من العذاب، وأن يقبل صِدْقَه إذا صَدَق، ولا يعول عليه إن كان بالحق نطق، وعليكم بالأمانة فالخيانة لُوم، وفي وجه الديانة كُلُوم4، ومن الشريعة التي لا يُعْذَر بجهلها، وأداء الأمانات إلى أهلها، وحافظوا على الحشمة والصِّيانة، ولا تجزُوا من أقرضكم دين الخيانة، ولا توجدوا للغدر قَبولا ولا تُقِرُّوا عليه طبعًا مجبولا، وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا، ولا تستأثروا بكنز ولا حَزْن، ولا تذهبوا لغير مناصحة المسلمين في سهل ولا حَزْن، ولا تَبْخَسُوا الناس أشياءهم في كيل أو وزن، والله الله أن تُعينوا في سفك الدماء ولو بالإشارة أو الكلام، أو ما يرجع إلى وظيفة الأقلام، واعلموا أن الإنسان في فُسْحَة ممتدَّة،
__________
1 الجام: إناء من فضة.
2 جمع ضرمة بالتحريك: وهي الجمرة والنار وسجر التنور: أحماه.
3 ضرى بالشيء كتعب: اعتاده وأولع به، ويعدي بالهمز والتضعيف، فيقال: أضريته وضريته: أي أغريته به.
4 الكلوم جمع كلم بالفتح وهو الجرح.
(3/196)

وسبل الله تعالى غير مُنْسَدَّة، ما لم ينْبِذْ إلى الله تعالى بأمانه، ويَمَسَّ الدم الحرام بيد أو لسانه، قال الله تعالى في كتابه: الذي هدى به سَنَنًا قويما، وجَلَّي من الجهل والضلال ليلا بهيما: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} . واجتناب الزنا وما تَعَلَّق به، -من أخلاق كرُمَت طباعه، وامتدَّ في سبيل السعادة باعه، لو لم تتلقَ نور الله الذي لم يهْدِ شعاعه، فالحلال لم تَضِقْ عن الشهوات أنواعه، ولا عُدِمَ إقناعه، ومن غَلَبَتْ غرائز جهله. فلينظر: هل يحب أن يُزْنَى بأهله؟ والله قد أعد للزاني عذابا وبيلا. وقال: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} . والخمر أم الكبائر. ومفتاح الجرائم والجرائر1. واللهو لم يجعله الله في الحياة شرطا. والمحرَّم قد أغنى عنه بالحلال الذي سَوَّغ وأعطى. وقد تركها في الجاهلية أقوام لم يرضوا لعقولهم الفساد. ولا لنفوسهم بالمضَرَّة في مرْضَاةِ الأجساد, والله تعالى قد جعلها رجسا محرَّما على العباد: وقَرَنَها بالأَنْصَاب والأزلام في مُبَاينة السَّدَاد2. ولا تقربوا الربا. فإنه من مَنَاهِي الدين. والله تعالى يقول: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . وقال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} في الكتاب المبين. ولا تأكلوا مال أحد بغير حق يبيحه. وانزعوا الطَّعم3 عن ذلك حتى تذهب ريحه. والتمسوا الحلال يسعى فيه أحدكم على قدمه. ولا يَكِلُ خياره إلا للثقة من خَدَمه. ولا تلجَئُوا إلى المتشابه إلا عند عَدَمه. فهو في السلوك إلى الله تعالى أصل مشروط. والمحافظ عليه مَغْبُوط. وإياكم والظلم. فالظالم ممقوت بكل لسان
__________
1 الحرائر جمع حريرة: وهي الجريمة.
2 يشير إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
3 الطعم: الشهوة.
(3/197)

مُجَاهِر الله تعالى بصريح العصيان، "والظلم ظلمات يوم القيامة" كما ورد في الصِّحاح الحسان، والنميمة فساد وشَتَات، ولا يبقى عليه مُتَات1، وفي الحديث: "لا يدخل الجنة قَتَّات" 2 واطرحوا الحسد، فما ساد حسود، وإياكم والغيبة فباب الخير معها مسدود، والبخل، فما رُئِي البخيل وهو مودود، وإياكم وما يُعْتَذَر منه فمواقع الخزي لا تُسْتَقَال عثراتها، ومظنَّات الفضائح لا تؤمن غمراتها، وتفقدوا أنفسكم مع الساعات وأفْشُوا السلام في الطرقات والجماعات، ورقُّوا على ذوي الزمانات3 والعاهات، وتاجروا مع الله بالصدقة يُرْبِحكم في البضاعات، وعوِّلوا عليه وحده في الشدائد، واذكروا والمساكين إذا نَصَبْتُم الموائد، وتقربوا إليه باليسير من ماله. واعلموا أن الخلق عِيال الله، وأحب الخلق إليه المحتاط لعياله، وارعوا حقوق الجار، واذكروا ما ورد في ذلك من الآثار، وتعاهدوا أولي الأرحام، والوشائج4 البادية الالتحام، واحذروا شهادة الزور: فإنها تقطع الظهر، وتفسد السر والجهر، والرَّشا، فإنها تحطُّ الأقدار، وتستدعي المذلة والصغار، ولا تَسَامحوا في لعبة قَمْر5، ولا تشاركوا أهل البطالة في أمر، وصونوا المواعيد من الإخلاف، والأيمان من حنث الأوغاد والأجلاف، وحقوق الله تعالى من الازدراء والاعتساف، ولا تَلْهَجُوا بالآمال العجاف6 ولا تكْلَفُوا بالكهانة والإرجاف، واجعلوا العمر بين معاش ومعاد، وخصوصية وابتعاد، واعلموا أن الله سبحانه بالمرصاد، وأن الخلق بين زرع وحصاد، وأقلوا بغير الحالة الباقية الهموم، واحذروا القواطع عن السعادة كما تُحْذَر السموم، واعلموا أن الخير أو الشر في الدنيا محال أن يدوم، وقابلوا بالصبر أذية المؤذين، ولا تعارضوا مقالات الظالمين، فالله لمن بغى عليه خير الناصرين، ولا تستعظموا
__________
1 المتات: ما يمت به أي يتوصل.
2 القتات: النمام.
3 الزمانة: العاهة.
4 الوشائج جمع وشيجة: وهي اشتباك القرابة.
5 قمره: غلبه في لعب القمار.
6 العجاف جمع عجفاء: وهي المهزولة.
(3/198)

حوادث الأيام كلما نزلت، ولا تَضِجّوا للأمراض إذا أَعْضَلت، فكلٌ منقرض حقير، وكل منقضٍ وإن طال قصير، وانتظروا الفَرَج، وانتَشِقُوا من جناب الله تعالى الأَرَج1، وأوسِعُوا بالرجاء الجوانح، واجنحوا إلى الخوف من الله تعالى فطُوبَى لعبد إليه جانح، وتضرعوا إلى الله تعالى بالدعاء، والجئوا إليه في البأساء والضراء، وقابلوا نعم الله تعالى بالشكر الذي يقيَّده به الشارد، ويعذَّب الوارد، وأَسْهِمُوا2 منها للمساكين وأفضلوا عليهم، وعَيِّنُوا الحظُوظ منها لديهم؛ فمن الآثار: "يا عائشة أحسني جوار نعم الله، فإنها قلَّما زالت عن قوم فعادت إليهم"، ولا تطغوا في النعم وتقصِّرُوا عن شكرها، وتغلبكم3 الجهالة بِسُكْرها، وتتوهموا أن سعيكم جَلَبَها، وجِدّكُم حلبها، فالله خير الرازقين، والعاقبة للمتقين، ولا فعل إلا الله إذا نُظِر بعين اليقين، والله الله لا تنسوا الفضل بينكم، ولا تذهبوا بذهابه زَيْنَكم، وليلتزم كل منهم لأخيه، ما يشتد به تَوَاخيه، بما أمكنه من إخلاص وبِرّ، ومراعاة في علانية وسر، وللإنسان مزِيّة لا تجهل، وحق لا يُهْمَل، وأظهروا التعاضد والتناصر، وصلوا التَّعاهد والتَّزاور، وتُرْغِموا بذلك الأعداء، وتَسْتَكْثِروا الأوِدَّاء، ولا تتنافسوا في الحظوظ السخيفة، ولا تتهارشوا تَهَارُش السباع على الجِيْفَة. واعلموا أن المعروف يَكْدَر بالامتنان، وطاعة النساء شرّ ما أفسد بين الإخوان، فإذا أسديتم معروفًا فلا تذكروه، وإذا برز قبيح فاستروه، وإذا أعظم النساء أمرا فاحْقِرُوه، والله الله لا تنسوا مُقَارَضَة سَجْلِي4، وبَرُّوا أهل مودَّتي من أجلي، ومن رُزِق منكم مالا بهذا الوطن القلق المهاد، الذي لا يصلح لغير الجهاد، فلا يستهلكه أجمع في العَقَار، فيصبح عُرْضَة للمذلَّة والاحتقار، وساعيًا لنفسه -إن تغلَّب العدو على بلده-
__________
1 الأرج: توهج ريح الطيب.
2 أسهم له: أعطاه سهما.
3 في الأصل: "وتلقيكم" وأراه محرفا عن "وتغلبكم".
4 السجل: النصيب. والمعنى: أنكم مدينون لي مما قدمت لكم من معروفي، فلا تنسوا أن تردوه لي بإكرام من أراده.
(3/199)

في الافتضاح والافتقار، ومعوِّقًا عن الانتقال، أمام النُّوَب الثِّقال، وإذا كان رزق العبد على المولى، فالإجمال في الطلب أولى، وازهدوا جهدَكم في مصاحبة أهل الدنيا فخيرها لا يقوم بشرِّها، ونفعها لا يقوم بضرِّها، وأعقاب من تقدَّم شاهدة، والتواريخ لهذه الدعوى عاضِدَة، ومن بُلِيَ بها منكم فليستَظْهِر بِسَعَة الاحتمال، والتقلُّل من المال، وليحذر معاداة الرجال، ومَزَلَّات الإدلال، وفساد الخيال، ومداخلة العيال، وإفشاء السر، وسكر الاغترار، فإنه دَأْب الغِرّ، وليَصُنِ الديانة، ويؤْثِر الصمت ويلازم الأمانة، ويَسِرْ من رضا الله على أوضح الطرق، ومهما اشتبه عليه أمران قَصَدَ أقربهما إلى الحق، وليقفْ في التماس أسباب الجلال دون الكمال غير النقصان، والزعازعُ تسالم اللَّدان1 اللطيف من الأغصان، وإياكم وطلبَ الولايات رغبةً واستجلابًا، واستظهارًا على الخُطُوب وغِلَابًا، فذلك ضرر بالمُروءات والأقدار داعِ إلى النصيحة والعار، ومن امْتُحِنَ بها منكم اختيارًا، أو جُبِر عليه إكراها وإيثارًا، فليتلقَّ وظائفها بسعة صدره، ويبذل من الخير فيها ما يشهد أن قدرها دون قدره، فالولايات فتنة ومِحْنة، وأسر وإِحْنَة، وهي بين إِخْطاءِ سعادة. إخلالٍ بعبادة وتوقُّع عزل. وإدالة2 بإزاء بيع جِدٍّ بهَزل، ومَزَلَّة قدم، واستتباع ندم ومآل العمر كله موت ومعاد، واقتراب من الله وابتعاد. وجعلكم الله ممن نفعه بالتبصير والتنبيه وممن لا ينقطع بسببه عمل أبيه. هذه -أسعدكم الله- وصيتي التي أصدرتها. وتجارتي التي لربحكم أدرتها. فتلقَّوها بالقبول لنصحها. والاهتداء بضوء صبحها. وبقدر ما أمضيتم من فروعها. واستغشيتم من دروعها. اقتنيتم من المناقب الفاخرة. وحصلتم على سعادة الدنيا والآخرة. وبقدر ما أضعتم لآلئها النفيسة القيم. استكثرتم من بواعث الندم. ومهما سئمتم إطالتها. واستغزرتم مقالتها، فاعلموا أن تقوى الله فَذْلَكَةُ3 الحساب، وضابط هذا الباب. كان الله خليفتي عليكم في كل حال. فالدنيا
__________
1 اللدن: اللين.
2 الإدالة: الغلبة.
3 فذلك حسابه كدحرج: أنهاه وفرغ منه، مخترعة من قوله إذا أجمل حسابه: فذلك كذا وكذا.
(3/200)

مُنَاخ ارتحال، وتأميل الإقامة فرض مُحَال. فالموعد للالتقاء دار البقاء. جعل الله من وراء خُطَّته النجاة، ونَفَّق بضائعها المُزْجاة1 بلطائفه المرتجاة. والسلام عليكم من حبيبكم المودِّع. والله سبحانه يُلْئِمه2 حيث شاء من شَمْلٍ متصدِّع. والدكم محمد بن عبد الله بن الخطيب ورحمة الله وبركاته.
"نفح الطيب 4: 419".
__________
1 بضاعة مزجاة: رديئة أو قليلة يردها ويدفعها من رآها رغبة عنها، ونفق السلعة تنفيقًا: روجها.
2 لأم الجرح والصدع كقطع، وألأمه: سده.
(3/201)

18- خطبة وعظية له:
وصدر عنه على لسان واعظ: "الحمد لله الواليّ الحميد. المبدئ المعيد. البعيد في قُرْبه من العبيد, القريب في بُعْده وهو أقرب من حبل الوريد1. محيي ربُوع العارفين بتحيَّات حياة التوحيد. ومُفْنِي نفوس الزاهدين بكنوز احتقار الافتقار إلى العَرَض الزهيد. ومُخَلِّص خواطر المُحَقِّقين من سجون دُجُون2 والتقييد. إلى فُسَح التجريد. نحمده وله الحمد المنتظِمَةُ دُرَرُه في سلوك الدوام. وسُمُوط3 التأييد. حمد من نَزَّه أحكام وحدانيَّته. وأعلام فردانيَّته، عن مَرَابط التقييد، ومَخَابط الطبع البَلِيد، ونشكره شكر من افتتح بشكره أبواب المزيد، ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو شهادة نتخطَّى بها معالم الخلق، إلى حضرة الحق، على كَبِد التَّفْرِيد، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله قِلَادة الجِيد المَجِيد، وهلال العيد، وفَذْلَكَة الحساب، وبيت القصيد، المخصوص بمنشور الإدلال4، وإقطاع الكمال، بين مقام المُرَاد ومقام المُرِيد، الذي جعله السبب الأوصل في نَجَاةِ النَّاجِي وسعادة السَّعِيد، وخاطب الخلائق على لسانه الصادق بِحُجَّتَي الوعد والوعيد، فكان مما أوحى به إليه، وأنزل المَلَك به عليه، من الذكر الحميد، ليأخذ
__________
1 مرق في العنق.
2 أي ظلام التقييد، والدجون جمع دجن بالفتح: وهو إلباس الغيم الأرض وأقطار السماء.
3 سموط جمع سمط بالكسر: وهو خيط النظم.
4 أدل عليه: وثق بمحبته.
(3/201)

بالحجَزِ1 والأطواق من العذاب الشديد: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} ، وصلى الله عليه وعلى آله صلاة تقوم ببعض حقِّه الأكيد، وتَسْري إلى تربته الزَّكية من ظهور المواجد الجاثية على البَرِيد:
قعدت لتذكير، ولو كنتُ منصفا ... لذكرت نفسي فهي أحوج للذِّكرى
إذا لم يكن مني لنفسي واعظٌ ... فيا ليت شعري كيف أفعل في الأخرى؟
آهِ، أي وعظ بعد وعظ الله تعالى يا أحبابنا يُسْمَع، وفي ماذا -وقد تبيَّن الرشد من الغي- يُطْمَع؟ يا من يُعْطِي ويمنع، إذا لم تُقِم الصنيعة فماذ نصنع؟ اجْمَعْنَا بقلوبنا يا من يُفَرِّق ويجمع، وليِّن حديدها بنار خشيتك، فقد استعاذ نبيُّك -صلى الله عليه وسلم- من قلب لا يَخْشَع، ومن عين لا تدمع: اعلموا رحمكم الله أن الحكمة ضالَّة المؤمن يأخذها من الأقوال والأحوال، ومن الجماد والحيوان، وما أملاه المَلَوَان2، فإن الحق نور لا يضرّه أَنْ صَدَر من الخامل ولا يقصِّر بمحموله احتقارُ الحامل، وأنتم تدرون أنكم في أَطْوَار سَفَر لا تستقرّ لها دون الغاية رحلة، ولا تتأَتَّى معها إقامة ولا مُهْلَة، من الأصلاب إلى الأرحام إلى الوجود، إلى القبور إلى النشور إلى إحدى داري البقاء، أفي الله شك؟ فلو أبصرتم مسافرا في البَرِّيَّة يبني ويفرش، ويمهِّد ويعرِّش، ألم تكونوا تضحكون من جهله، وتَعْجَبُون من ركاكة عقلة؟ ووالله ما أموالكم ولا أولادكم وشَوَاغِلُكم عن الله، التي فيها اجتهادكم، إلا بقاءُ سفر3 في قَفْر، أو إعراس
__________
1 الحجز جمع حجزة كفرصة: وهي معقد الإزار، ومن السراويل موضع التكة.
2 الملوان: الليل والنهار.
3 السفر: جماعة المسافرين.
(3/202)

في ليلة نَفْر1، كأنكم بها مُطَّرحة تَعْبُر فيها المواشي، وتنبو العيون عن خبرها المتلاشي {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} ما بعد المَقِيل إلا الرحيل، ولا بعد الرحيل إلا المنزلُ الكريم، أو المنزل الوبيل، وإنكم تَسْتَقْبِلُون أهوالا، سَكَرَاتُ الموت بَوَاكِر حسابها، وعَتَب أبوابها، فلو كشِف الغطاء عن ذَرَّة منها لَذَهَلت العقول وطاشت الألباب، وما كل حقيقة يشرحها الكلام، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} أفلا أعددتم لهذه الوَرْطَة حِيلَة، وأظهرتم للاهتمام بها مَخِيلةً2! أتعويلا على عفوه مع المقاطعة؟ وهو القائل في مقام التهديد: {إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} ، أََأَمْنًا من مكره من المنابذة؟ {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} أطََمَعًا في رحمته مع المخالفة؟ وهو يقول: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} ، أَمُشاقَّةً ومُعَانَدَةً؟ {وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، أشكًّا في الله؟ فتَعَالوا نعيد الحساب، ونقرِّر العَقْد، ونَتَّصف بدعوة الحق "أو غيرها" من اليوم، يُفْقَدُ عَقْدُ العقائِد عند التساهل بالوعيد3، فالعاميُّ يُدْمِي الأصبع الوَجِعَة، والعارف يضمِّد لها مبدأ العَصَب:
هكذا هكذا يكون التَّعامي ... هكذا هكذا يكون الغرور
{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} وما عدا مما بدا، ورسولكم الحريص عليكم الرءوف الرحيم يقول لكم: "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت؛ والأحمق من أتْبَعَ نفسه هواها، وتَمَنَّى على الله الأماني" فَعَلام بعد هذا المعوِّل، وماذا بتأوَّل؟ اتقوا الله تعالى في نفوسكم وانصحوها واغتنموا فرص الحياة وارتجوها، {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ
__________
1 أعرس القوم وعرسوا: نزلوا في آخر الليل للاستراحة، ونفر الحاج من منى كضرب نفرا ونفورا.
2 المخيلة: الظن.
3 أي أن المرء إذا لم يحسب لوعيد الله حسابًا، استرسل في اقتراف المعاصي والموبقات، وأفضى به ذلك إلى زلزلة العقيدة، ولو أنه كان خالص الإيمان لارعوى عما نهى عنه.
(3/203)

فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} ، وتنادي أخرى: {هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ} ، وتستغيث أخرى: {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَل} ، وتقول أخرى: {رَبِّ ارْجِعُونِ} ، فرحم الله من نظر لنفسه، قبل غروب شمسه، وقدَّم لغده من أمسه، وعلم أن الحياة تَجُرُّ إلى الموت، والغفلة تقود إلى الفَوْت، والصحَّة مَرْكَب الألم، والشبيبة سفينة تَقْطَع إلى ساحل الهرم".
وإن شاء قال بعد الخطبة:
"إخواني، ما هذا التواني؟ والكلَف بالوجود الفاني، عن الدائِم الباقي، والدهر يقطع الأماني، وهادم اللذات قد شرع في نقض المباني، ألا معتبر في عالم هذه المعاني، ألا مرتحل عن مَغَابِن هذه المَغَانِي1؟
ألا أُذُنٌ تصغى إليّ سَمِيعة ... أُحَدِّثُها بالصدق ما صَنَع المَوْتُ
مددتُ لكم صوتي فأوَّاه حسرةً ... على ما بدا منكم فلم يُسْمَع الصوت
هو القَدَر الآتي على كل أمة ... فتوبوا سِرَاعًا قبل أن يقع الفَوْتُ
يا كَلِفًا بما لا يدوم، يا مفتونًا بغرور الوجود المعدوم، يا صَرِيع جدار الأجل المهدوم، يا مشتغلا ببنيان الطُّرُق قد ظهر المناخ وقَرُبَ القُدُوم، يا غريقًا في بحار الأمل ما عساك تعوم! يا مُعَلَّل الطعام والشراب، ولَمْعِ السَّرَاب2، لا بد أن تهجُر المشروب وتترك المطعوم، دَخَل سارقُ الأجل بيتَ عمرك فَسَلب النشاط وأنت تنظر، وطَوَى البساط وأنت تُكْرَب3، واقتلع جواهر الجوارح، وقد وقع بك النَّهْب، ولم يَبْقَ إلا أن يجعل الوسادة على أنفك ويقعد:
لو خُفِّفَ الوجْدُ عني ... دعوتُ طالب ثاري
{كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} ، كيف التَّرَاخي والفوتُ مع الأنفاس يُنْتظر،
__________
1 المغاني: جمع مغنى وهو المنزل.
2 السراب: ما يرى وسط النهار كأنه ماء.
3 كربه الغم كنصر: اشتد عليه.
(3/204)

كيف الأمان وهاجِم الموت لا يبقى ولا يَذَر، كيف الركون إلى الطمع الفاضح وقد صَحَّ الخبر؟ من فكَّر في كرب الخُمار1 تَنَغَّصَت عنده لذةُ النبيذ، من أحَسَّ بلفظ2 الحريق فوق جداره، لم يُصْغِ بصوته لنغمة العود، من تَيَقَّنَ بِذُلّ العُزْلَةِ، هان عليه ترك الولاية.
ما قام خيرك يا زمان بشرِّه ... أولى لنا ما قلَّ منك وما كَفَى
أوحى الله سبحانه إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه: أن ضَعْ يَدَك على مَتْنِ ثور فَبِعَدَد ما حاذته من شعره تعيش سنين، فقال يا رب وبعد ذلك؟ قال: تموت، قال: يا ربا فالآن.
رأى الأمر يُفضي إلى آخرٍ ... فصيَّر آخِرَه أوَّلا
إذا شعرت نفسك بالميل إلى شيء فأعرض عليها غُصَّة فِراقه {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} فالمفروح به هو المحزون عليه، أين الأحباب مرُّوا؟ فيا ليت شعري أين استقروا؟ استكانوا والله واضطرُّوا، واستغاثوا من سَبَقَك3 بأوليائهم ففرُّوا، وليتهم إذ لم ينفعوا ما ضرُّوا، فالمنازل من بعدهم خالية خاوية، والعروش ذابلة ذاوية، والعظام من بعد التفاصل متشابهة متساوية، والمساكن تَنْدُب في أطلالها الذئابُ العاوية.
صِحْتُ بالرَّبْع فلم يستجيبوا ... ليت شعري أين يمضي الغريب؟
وبجنب الدار قبر جديد ... منه يستسقى المكان الجَدِيب
غاض قلبي فيه عند التماحي ... قلت: هذا القبر فيه الحبيبُ4
لا تَسَل عن رجعتي كيف كانت ... إن يوم البَيْن يوم عصيب
__________
1 الخمار: صداع الخمر وأذاها.
2 أي برميه.
3 هكذا في الأصل، وكان يمكن أن يقول: "واستغاث من سبقك بأوليائهم" إلا أن يخرج على أن "من" مبتدأ مؤخر كما في قوله تعالى: {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} وقوله: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} أو "من" بدل من واو الجماعة.
4 لمحه وألمحه والتمحه: إذا أبصره بنظر خفيف.
(3/205)

باقتراب الموت علَلتُ نفسي ... بعد إِلْفِي، كلُّ آتٍ قريبُ
أين المعمًّر الخالد، أين الولد أين الوالد، أين الطارف أين التالد، أين المجادل أين المجالد؟ {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} 1 وجوه عَلَاهُنَّ الثَّرى، وصحائف تُفَضّ، وأعمال على الله تُعْرَض، بَحَثَ الزُّهَّاد والعبَّاد، والعارفون والأوتاد، والأنبياء الذين يُهْدَي بهم العباد، عن سبب الشقاء الذي لا سعادة بعده، فلم يجدوا إلا البعد عن الله تعالى، وسببه حبُّ الدنيا، "لن تجتمع أمتي على ضلالة".
هجرتُ حبائبي من أجل ليلى ... فما لي بعد ليلى من حبيبِ
وماذا أرتجى من وصل ليلى ... سَتَجْزِي بالقطيعة عن قريب
وقالوا: ما أورد النفس الموارد، وفتح عليها باب الحَتْفِ إلا الأمل، كلما قَوَّمَتها مَثَاقِفُ الحدود، فتح لها أركان الرُّخَصِ. كلما عَقَدَت صومَ العزيمة، أهداها طُرَف الغُرُور في أطباق "حتى وإذا ولكن وربَّما" فأفرط القلب في تقليبها حتى أفْطَر:
ما أَوْبَقَ الأنفس إلا الأملُ ... وهو غرورٌ ما عليه عمل
يفرض منه الشخص وهمًا مَالَه ... حالٌ ولا ماضٍ، ولا مستقبل
ما فوق وجه الأرض نفس حيَّةٌ ... إلا قد انقضَّ عليها الأجل
لو أنهم من غيرها قد كُوِّنُوا ... لامتلأ السهل بهم والجبل
ما ثَمَّ إلا لقم قد هُيئَت ... للموت، وهو الأكل المستعجل
والوعد حق، والورى في غفلة ... قد خودِعوا بعاجل وضُلِّلُوا
أين الذين شَيَّدُوا واغترسوا ... ومهَّدُوا وافترشوا وظُلِّلوا؟
__________
1 الركز: الصوت الخفي.
(3/206)

أين ذوو الراحات زادت حسرة ... إذ جنبوا إلى الثرى وانتقلوا1
لم تدفع الأحباب عنهم غير أن ... بَكَوا على فراقهم وأعولُوا
الله في نفسك أولى من له ... ذخرت نصحًا وعتابا يُقْبَل2
لا تتركَنْها في عمىً وحيرة ... عن هول ما بين يديها تَغْفُل
حَقِّر لها الفاني، وحاول زُهْدَها ... وشوِّقها إلى الذي تستقبل
وفِدْ إلى الله بها مضطرة ... حتى ترى السير عليها يسهل3
هو الفناء، والبقاء بعده ... والله عن حكمته لا يسأل
يا قرة العين ويا حسرتها ... يوم يُوَفَّى الناس ما قد عَمِلوا
يا طُرُد4 المخالفة، إنكم مُدْرَكون، فاستبقوا باب التوبة، فإن ربَّ تلك الدار يجير ولا يُجَار عليه، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما هداكم، يا طُفَيْلَية الهمَّة، دُسُّوا أنفسكم بزمر التائبين، وقد دعوا دعوة الحبيب، فإن لم يكن أكلٌ فلا أقلَّ من طيب الوليمة، قال بعض العارفين: إذا عَقَدَ التائبون الصلح مع الله تعالى، انتشرت رعايا الطاعة في عمالة الأعمال، {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ} معاني هذا المجلس والله نَسِيم سَحَر، إذ استنشقه مخمور الغَفْلَةِ أفاق، سَعُوط5 هذا الوعظَ يَنْقُضُ6 إن شاء الله زَكْمة البَطالة، إن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، إِكْسِير7 هذا الكتاب يلقَّب بحكمة جابر8، القلوب المنكسرة عين من كان له قلب
__________
1 جنبه: دفعه.
2 أي: اتق الله في نفسك التي هي أولى.. إلخ.
3 فد: أمر من وفد أي أقدم.
4 الطريدة: ما طردت من صيد أو غيره.
5 في الأصل "سوط" وأراه محرفًا عن "سعوط" كما يدل عليه سياق الكلام، والسعوط: الدواء يصب في الأنف.
6 في الأصل "يبغض" وأراه "ينقض" أي يذهب.
7 الإكسير: الكيمياء.
8 يريد جابر بن حيان. قال ابن القفطي في تاريخ الحكماء في ترجمته "هو جابر بن حيان الصوفي الكوفي، وكان متقدمًا في العلوم الطبيعية، وفي صناعة الكيمياء.... إلخ" وذكره ابن زيدون في رسالته الهزلية، فقال: "وأظهرت جابر بن حيان على سر الكيمياء" قال ابن نباتة في سرح العيون: "وأما جابر بن حيان المذكور فلا أعرف له ترجمة صحيحة في كتاب يعتمد عليه، وهذا دليل على قول أكثر الناس أنه اسم موضوع وضعه المصنفون في هذا الفن، وزعموا أنه كان في زمن جعفر الصادق، وأنه إذا قال في كتبه: قال لي سيدي، وسمعت من سيدي، فإنه يعني به جعفرًا الصادق، وقد قدمنا لك أن جعفرًا الصادق توفي سنة 148هـ.
(3/207)

{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} إلهي دُلُّنا من حَيرة يضلُّ فيها -إلا إن هَدَيْتَ- الدليلُ، وأَجِرْنَا من غَمْرة1 وكيف -إلا بإغاثتك- السبيلُ، نفوسٌ صَدِئ من مَرِّ الأزمان منها الصَّقِيل، ونَبَا بِجُنُوبها عن الحق المَقِيل -وآذان أنهضها القول الثقيل، وعَثَرات لا يقبلها إلا أنت يا مُقِيل العثرات يا مُقِيل، أنت حسبُنا ونعم2 الوكيل".
"نفح الطيب 4: 85".
__________
1 الغمرة: الشدة.
2 أورد المقري في نفح الطيب للسان الدين عقب ذلك كلامًا آخر في الوعظ وهو على نمط ما أوردناه لك فانظره هناك إن شئت.
(3/208)

19- وصية موسى بن سعيد العَنْسي 1 لابنه:
قال أبو الحسن علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد العَنْسي:
لما أردت النهوض من ثغر الإسكندرية إلى القاهرة، أول وصولي إلى الإسكندرية رأى أبي أن يكتب لي وصية أجعلها إمامًا في الغربة، فبقي فيها أياما إلى أن كتبتها عنه، وهي هذه:
أُودِعك الرحمن في غربتك ... مرتقبا رحماه في أَوْبَتِك
__________
1 هو الكاتب الشهير أبو عمران موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد العَنْسي، من سلالة عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه، وقد نَوَّه به ابن هود ملك الأندلس، وولاه الجزيرة الخضراء، وهو ممن رحل من علماء الأندلس إلى المشرق، وتوفي بالإسكندرية سنة640هـ عن 67 عاما. وكان أبوه محمد وزيرا جليلا بعيد الصيت، عالي الذكر، رفيع الهمة، كثير الأموال، وكان ذا حظوة لدى الموحدين، وولي لهم أعمالا كثيرة بمراكش وإشبيلية وغرناطة، واتصلت ولايته على أعمال غرناطة، وكان من شيوخها وأعيانها.
وكان جده عبد الملك بن سعيد صاحب قلعة بني سعيد تحت طاعة على بن يوسف بن تاشفين مالك البربر، إلى أن استبد بها سنة 39هـ.
وابنه أبو الحسن علي هو متمم كتاب: "المغرب في أخبار المغرب"، وكان السبب في تأليفه هو جده عبد الملك بن سعيد، ثم تممه ابنه محمد بن عبد الملك، ثم تمم ما بقي منه ابنه موسى بن محمد، ثم أربى على الجميع في إتمامه علي بن موسى، وقد ذكر في خطبته أنه بدئ فيه من سنة 530، ومنها إلى غرة سنة 641هـ، وكان مولد أبي الحسن بغرناطة سنة 610، ووفاته بتونس سنة 685هـ.
(3/208)

وما اختياري كان طَوْعَ النَّوَى ... لكنني أَجْرِي على بُغْيَتِكْ1
فلا تطل حبل النوى، إنني ... والله أشتاق إلى طَلْعَتك
من كان مفتونا بأبنائه ... فإنني أمعَنْتُ في خِبْرَتِك
فاحتضر التوديع أخذا، فما ... لي ناظر يقوِّي على فُرْقتك
واجعل وَصَاتي نصب عين، ولا ... تبرح مدى الأيام من فكرتك
خُلاصة العمر التي حُنِّكَتْ ... في ساعة زُفَّت إلى فِطنتك2
فللتجارِيب أمورٌ إذا ... طالعتها تشحذ من غفلتك
فلا تَنَم عن وعيها ساعة ... فإنها عون إلى يقظتك3
وكلّ ما كابَدْتَه في النَّوَى ... إياك أن يكسر من همَّتك
فليس يُدْرِي أصل ذي غُرْبَة ... وإنما تعرف من شيمتك
وكل ما يفضى لعذرٍ فلا ... تجعله في الغربة من إِرْبَتِك4
ولا تجالس من فشا جهله ... واقصد لمن يرغب في صنعتك
ولا تجادل أبدا حاسدا ... فإنه أدعى إلى هيبتك
وامش الهُوَينى مظهرا عِفَّةً ... وابغِ رضا الأعين عن هيبتك
أفشِ التحيَّات إلى أهلها ... ونَبِّه الناس على رُتْبَتك
وانْطَلِق بحيث العِيُّ مستقبَح ... واصمت بحيث الخير في سكتَتِك
ولا تَزَل مجتمعًا طَالِبا ... من دهرك الفرصة في وثبتك
وكلما أبصرتها أمكنت ... ثب واثقا بالله في مَكْنَتِك5
ولِجْ عَلَى رزقك مِنْ بِابِه ... واقصِد له ما عِشْت في بُكْرتِك
__________
1 النوى: البعد.
2 حنكت: أحكمت.
3 اليقظة بالتحريك وسكنه للشعر.
4 الإربة: الحاجة.
5 المكنة بفتح فكسر: التمكن والقدرة، وسكنه للشعر.
(3/209)

وايأْس من الودِّ لديّ حاسد ... ضدٍّ، ونافسه على خطَّتك1
ووفِّر الجهد، فمن قصده ... قصدك لا تَعْْْْْْتِبْه في بِغْضَتِك
ووفِّ كلًا حقه، ولتكن ... تكسر عند الفخر من حدتك
ولا تكن تحقر ذا رتبةٍ ... فإنه أنفع في غربتك
وحيثما خيَّمت فاقصد إلى ... صُحبةِ من ترجوه من نُصْرَتِكْ
وللرَّزَايا وثبة، ما لها ... إلا الذي تذخر من عُدَّتك
ولا تقل: "أَسْلَمُ لي وَحْدَتِي" ... فقد تقاسى الذلَّ في وحدتك
والتزم الأحوال وزنا ولا ... ترجع إلى ما قام في شهوتك
ولتجعل العقل مِحَكًّا، وخذ ... كلا بما يظهر في نقدتك
واعتبر الناس بألفاظهم ... واصحب أخا يرغب في صحبتك
بعد اختبار منك يقضي بما ... يحسن في الآخذ من خلطتك2
كم من صديق مُظْهِرٍ نصحه ... وفكره وقف على عثرتك
إياك أن تَقْرَبه، إنه ... عون مع الدهر على كربتك
واقنع إذا لم تجد مَطْمَعًا ... واطمع إذا أنعشت من عُسْرَتك
وانْمُ نموَّ النبت قد زاره ... غِبُّ الندى، واسم إلى قدرتك
وإن نبا دهر فوطِّن له ... جاشك، وانظره على مُدَّتك
فكل ذي أمر له دولة ... فَوَفِّ ما وافاك في دولتك
ولا تُضَيِّع زمنا ممكنا ... تَذْكَاره يذْكي لظى حسرتك
والشَّرّ مهما اسطعت لا تأتِهِ ... فإنه حوز على مُهْجَتِك3
__________
1 في الأصل "وأس من الرد......" وقد أصلحته وايأس" "وبه يستقيم المعنى".
2 الخلطة مثل العشرة وزنا ومعنى، والخلطة بالضم: اسم من الاختلاط، مثل الفرقة من الافتراق.
3 حازه حوزا: جمعه وضمه وامتلكه كاحتازه احتيازا، والمعنى: أنك إن أتيت الشر استحوذ على نفسك وتملكك.
(3/210)

يا بُنَيَّ الذي لا ناصح له مثلي، ولا منصوح لي مثله، قد قدمت لك في هذا النظم ما إن أَخْطَرته بخاطرك في كل أوان، رجوتُ لك حسن العاقبة إن شاء الله تعالى، وإن أخفَّ منه للحفظ، وأعلَقَ بالفكر، وأَحَقَّ بالتقدم قول الأول:
يزين الغريب إذا ما اغترب ... ثلاث فمنهن: حسن الأدب
وثانية: حسن أخلاقه ... وثالثة: اجتناب الرِّيب
وإذا اعتبرت هذه الثلاثة، ولَزِمْتَها في الغربة، رأيتها جامعة نافعة، لا يَلْحَقُك إن شاء الله مع استعمالها نَدَم، ولا يفارقك برٌّ ولا كَرَم، ولله دَرُّ القائل:
يُعَدُّ رفيع القوم من كان عاقلا ... وإن لم يكن في قومه بحسيب
إذا حَلَّ أرضا عاش فيها بعقله ... وما عاقل في بلدة بغريب
وما قصَّر القائل حيث قال:
واصبر على خُلُق من نعاشره ... ودَارِه، فاللبيب مَنْ دَارَى
واتَّخِذِ الناس كلهم سكنا ... ومَثِّل الأرض كلها دارا
واصْغِ يا بُنَيّ إلى البيت الذي هو يتيمة الدهر1، وسُلَّم الكرم والصبر:
ولو أنَّ أوطان الديار نَبَتْ بكم ... لسكنتم الأخلاق والآدابا2
إذ حسن الخلق أكرم نزيل، والأدب أرحب منزل، ولتكن كما قال بعضهم في أديب متغرب: "وكان كلما طرأ3 على ملك، فكأنه معه وُلِد، وإليه قُصِد، غير مُسْتَريب بدهره، ولا مُنْكرا شيئًا من أمره"، وإذا دعاك قلبك إلى صحبةِ مَنْ أخذ بمجامع هواه4، فاجعل التكلف له سُلَّما، وهُبَّ في روض أخلاقه هبوب النسيم، وحُلَّ بطرفه حلول الوَسَن5 وأنزل بقلبه نزول المسرة، حتى يتمكن لك ودادُه، ويخْلُص فيك اعتقاده، وطَهَّر من الوقوع فيه لسانَك، وأَغْلِقْ سمعك، ولا تُرَخِّص
__________
1 يقال: درة يتيمة: أي لا نظير لها، وكل شيء مفرد يعز نظيره فهو يتيم.
2 نبابه منزله: إذا لم يوافقه.
3 طرأ عليهم كمنع: أتاهم من مكان، أو خرج عليهم منه فجأة.
4 الضمير فيه يعود على "قلبك".
5 الوسن: النعاس.
(3/211)

في جانبه لحسود لك منه، يريد إبعادك عنه لمنفعته، أو حسود له يغار لتجمُّله بصحبتك ومع هذا فلا تَغْتَرّ بطول صحبته، ولا تتمهَّد بدوام رَقدته، فقد ينِّبه الزمان، ويغَيِّر منه القلب واللسان، ولذا قيل: "إذا أحببت فأحْبِبْ هونًا ما، ففي الممكن أن ينقلب الصديق عدوا، والعدو صديقا" وإنما العاقل من جعل عقله معيارا، وكان كالمرآة يَلْقَى كل وجه بمثاله، وجعل نُصب ناظره قول أبي الطيب:
ولما صار ود الناس خِبًّا ... جزيت على ابتسام بابتسام1
وفي أمثال العامة: "من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل"، فاحْتَذِ بأمثلة من جَرَّب، واستمع إلى ما خَلَّد الماضون بعد جَهْدهم وتَعَبهم من الأقوال، فإنها خلاصة عمرهم، وزُبْدَة تجاربهم، ولا تَتكل على عقلك، فإن النظر فيما تَعِب فيه الناس طول أعمارهم، وابتاعوه غاليا بتجاربهم، ويُرْبِحُك ويقع عليك رخيصًا، وإن رأيت من له مروءة وعقل وتجربة، فاستَفِدْ منه، ولا تضيع قوله ولا فعله، فإن فيما تلقاه تلقيحًا لعقلك، وحثًّا لك واهتداء.
وإياك أن تعمل بهذا البيت في كل موضع: والحُرُّ يُخْدَع بالكلام الطَّيِّب: فقد قال أحدهم: ما قيل أضرُّ من هذا البيت على أهل التجمل، وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه حتى تتدبره، فإن كان موافقًا لعقلك، مُصْلِحًا لحالك، فراعِ ذلك عندك: وإلا فانْبِذْه نَبْذَ النواة، فليس لكل أحد يُتَبَسَّم ولا كل شخص يُكَلَّم، ولا الجود مما يُعَمُّ به، ولا حسن الظن وطيب النفس مما يعامل به كل أحد، ولله دَرُّ القائل:
وما لي لا أُوفي البريَّة قِسْطَها ... على قدر ما يُعْطِي وعقلي ميزان
وإياك أن تعطى من نفسك إلا بِقَدَر، فلا تعامل الدُّون بمعاملة الكفء، ولا
__________
1 الحب: الخداع والخبث.
(3/212)

الكفء بمعاملة الأعلى، ولا تضيع عمرك فيمن يعاملك بالمطامع، ويُنِيبك على مصلحة حاضرة عاجلة، بغائبة آجلة، واسمع قول الأول:
وبِعْ آجلًا منك بالعاجل: وأَقْلِلْ من زيارة الناس ما استطعت، ولا تَجْفُهم بالجملة، ولكن يكون ذلك بحيث لا يَلْحَق منه مَلَل ولا ضَجَر ولا جَفَاء، ولا تقل أيضا: أقْْْعُدُ في كسر بيتي، ولا أرى أحدًا، وأستريح من الناس، فإن ذلك كسل داعٍ إلى الذلِّ والمهانة، وإذا علم عدوٌ لك أو صديق منك ذلك، عاملاك بحسبه، فازدراك الصديق، وجَسَرَ عليك العدو، وإيَّاك أن يَغُرّك صاحب عن أن تَدَّخر غيره للزمان، وتطيعه في عداوة سواه، ففي الممكن أن يتغير عليك، فتطلب إعانة غيره، أو استغناء عنه، لا تجد ذخيرة قَدَّمْتها، وكان هو في أوسع حال، وأعلى رَأْي، بما دَبَّره بحيلته في انقطاعك عن غيره، فلو اتفق لك أن تصحب من كل صناعة ورياسة، مَنْ يكون لك عُدَّة، لكان ذلك أولى وأصوب، وسَلْنِي فإني خبير، طال -والله- ما صحبت الشخص أكثَرَ عمري، لا أعتمد على سواه، ولا أعتدّ إلا إياه، مُنْخَدِعًا بسرابه، مَوْثُوقا في حبائل خِطابه، إلى أن لا يحصل لي منه غير العَضّ على البَنَان، وقول: لو كان ولو كان! ولا يحملنَّك أيضا هذا القول أن تظنه في كل أحد، وتعجِّل المكافأة، وليكن حسن الظن بمقدار ما، والفَطِن لا تخفى عليه مَخَابِل الأحوال، وفي الوجوه دلالات وعلامات، واَصْغِ إلى القائل:
ليس ذا وجه من يضيف ولا يقـ ... ـري ولا يدفع الأذى عن حريم1
فمن يكن له وجه مثل هذا الوجه فَوَلِّ وجهك عنه قبله ترضاها، ولتحرص جهدك على أن لا تصحب أو تخدم إلا رب حِشْمَة ونعمة، ومن نشأ في رفاهية ومروءة، فإنك تنام معه في مِهاد العافية، وإن الجياد على أعْرَاقها2 تجري، وأهل الأحساب
__________
1 ضافه يضيفه: نزل به ضيفًا، وقرى الضيف كرمي: أحسن إليه.
2 الأعراق: جمع عرق بالكسر وهو الأصل.
(3/213)

والمروءات يتركون منافعهم متى كانت عليهم فيها وَصْمَة، وقد قيل في مجلس عبد الملك بن مَرْوان: أَشْرِب مصعب الخمر؟ فقال عبد الملك -وهو عدو له محارب له على الملك: لو علم مصعب أن الماء يفسد مروءته ما شربه؛ والفضل ما شهدت به الأعداء.
يا بني، وقد علمت أن الدنيا دار مفارقة وتغيّر، وقد قيل: "اصحب مَنْ شئت فإنك مفارقه" فمتى فارقت أحدًا فعلى حُسْنَي في القول والفعل، فإنك لا تدري: هل أنت راجع إليه؟ فلذلك قال الأوَّل:
"ولما مضى سَلْمٌ بكيت على سَلْم، وإياك والبيت السائر:
وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بِخِزْيَةٍ وتَرَكْتَ عارا
واحرص على ما جمع قول القائل: "ثلاثة تبقى لك الودَّ في صدر أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتوسّع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه"، واحذر كل ما بيَّنه لك القائل: "كل ما تغرسه تجنيه إلا ابن آدم، فإنك إذا غرسته يَقْلَعُك" وقول الآخر: "ابن آدم يتمَسْكَنُ حتى يتمكَّن"، وقول الآخر: "ابن آدم ذئب مع الضعف، وأسد مع القوة".
وإياك أن تثبت على صُحْبة أحد قبل أن تُطِيل اختباره، فيحكيَ أن ابن المقفع خطب من الخليل صُحْبَتَه، فجاوبه: "إن الصحبة رِقّ، ولا أضع رِقِّي في يدك حتى أَعْرِف كيف مَلَكَتُك1"، واستمْلِ2 من عين مَنْ تعاشره، وتفقَّد في فَلَتَات الألسن وصفحات الأوجه، ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن لا تبيِّنه، فإن الكلام سلاح السلم، وبالأنين يعرف ألم الجرح، واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية تجعلها نهاية لك.
__________
1 ملكه ملكة بالتحريك: وملكا مثلث الميم: ومملكة مثلث اللام: احتواء قادرا على الاستبداد به.
2 من استمليته الكتاب: سألته أن يمليه علي، والمعنى: استرشد وتبين من نظرات عينه أحبيب لك هو أم عدو.
(3/214)

وآكد ما أوصيك به أن تَطْرَح الأفكار، وتُسَلِّم للأقدار.
واقبل من الدهر ما أتاك به ... من قرَّ عينا بعيشه نفعه
إذ الأفكار تجلب الهموم، وتضاعف الغموم، وملازمة القُطوب، عُنوان المصائب والخُطوب، ويستريب به الصاحب، ويشمت العدو المُجَانِب، ولا تضرّ بالوساوس إلا نفسك، لأنك تنصر بها الدهر عليك، ولله دَرُّ القائل:
إذا ما كنت للأحزان عونا ... عليك مع الزمان فَمَنْ تلوم
مع أنه لا يرد عليك الفائِتَ الحَزَن، ولا يرعوى بطول عتبك الزمن، ولقد شاهدت بغرناطة شخصا قد أَلِفَتْه الهموم، وعشقته الغموم، من صغره إلى كبره، ولا تراه أبدا خليًّا من فكره، حتى لُقِّب بصدر الهم، ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكَّد في الشدة، ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج، ويتنكَّد في الرخاء خوفا من أن لا يدوم.
وينشد: توقَّع زوالا إذا قيل تَمَّ، وينشد: وعند التناهي يَقْصُر المتطاول.
وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب، ومثل هذا عمره مخسور يمرّ ضياعا.
ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذُمُّون من العلم ما تُحْسِنُه حسدا لك، وقصدًا لتصغير قدرك عندك، وتزهيدا لك فيه، فلا يَحْمِلك ذلك على أن تزهد في علمك، وتركن إلى العلم الذي مدحوه، فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحَجَلَة1 فرام أن يتعلمه فصَعُب عليه، ثم أراد أن يرجع إلى مشية فَنَسِيَه، فبقى مُخَبَّل المشي، كما قيل:
إن الغراب "وكان يمشي مِشْيَةً ... فيما مضى من سالف الأجيال"2
حسد القَطَا، وأراد يمشي مشيها ... فأصابه ضرب من العُقَّال3
__________
1 الحجل بالتحريك: طائر على قدر الحمام كالقطا أحمر المنقار والرجلين، والواحدة حجلة واسم جمعه حجل بكسر فسكون ففتح ولا نظير له سوى ظربى "ومفرده ظربان بفتح فكسر وهو دويبة منتنة الريح".
2 هذا البيت ليس مثبتا في الأصل، وقد أورده الدميري مع البهتين بعده في حياة الحيوان الكبرى 2: 244.
3 العقال: داء في رجل الدابة إذا مشى ظلع ساعة ثم انبسط.
(3/215)

فَأَضَلَّ مشيته وأخطأ مشيها ... فلذاك سمُّوه أبا مرقالِ1
ولا يُفْسِد خاطرك من جعل يذُمّ الزمان وأهله، ويقول: "ما بقي في الدنيا كريم ولا فاضل، ولا مكان يُرْتَاحُ فيه"، فإن الذين تراهم على هذه الصفة، أكثر ما يكونون ممن صَحِبه الحِرْمَان، واستحقت طلعته للهوان، وأبْرَمُوا2 على الناس بالسؤال فمقتوهم، وعجزوا عن طلب الأمور من وجوهها، فاستراحوا إلى الوقوع في الناس، وإقامة الأعذار لأنفسهم بقطع أسبابهم، وتعذير أمورهم، ولا تُزِل هذين البيتين من فكرك:
لِنْ إذا ما نِلْتَ عِزًّا ... فأخو العز يلينُ
فإذا نابك دهر ... فكما كنت تكون
وقول الآخر:
تِهْ وارتفع إن قيل أقتَرَ ... وانخَفِضْ إن قيل أَثْرَى3
كالغصنِ يسفُل ما اكتسى ... ثمرا، ويعلو ما تَعَرَّى
ولا قول الآخر:
الخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيتَ من زادِ
واعتقد في الناس ما قاله القائل:
ومَنْ يَلْقَ خيرا يحمد الناس أمره ... ومَنْ يَغْوِ لا يَعْدِمْ عَلَى الغَيِّ لَائِمًا
وقريب منه قول القائل:
بقدر الصُّعود يكون الهبوط ... فإياك والرُّتَبَ العاليهْ
وكن في مكان إذا ما سَقَطْتَ ... تقوم ورجلاك في عافِيهْ
وتَحَفَّظْ بما تضمنه قول الآخر:
__________
1 من أرقلت الدابة: إذا أسرعت.
2 أورد الفعل لازما وهو متعد، جاء في كتب اللغة: "أبرمه فبرم كفرح وتبرم: أمله فمل".
3 أنثر: افتقر.
(3/216)

ومن دعا الناس إلى ذَمِّهِ ... ذَمُّوه بالحق وبالباطل
ولله دَرُّ القائل:
ما كل ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قَنِعت فكل شيء كافي
والأمثال يضربها لذي اللُّبِّ الحكيم، وذو البصر يمشي على الصراط المستقيم، والفَطِن يقنع بالقليل، ويستدلّ باليسير، والله سبحانه خليفتي عليك، لا ربَّ سواه".
"نفح الطيب 1: 493".
(3/217)

20- خطبة ابن الزيات المنزوعة الألف "توفي سنة728":
وخطب أحمد بن الحسن بن علي بن الزيات1 خطبة ألغيت الألف من حروفها على كثرة ترددها في الكلام، وهي:
"حمدتُ ربِّي من كريم محمود، وشكرته عزَّ من عظيم معبود، ونزَّهْتُه عن جهل كلِّ مُلْحِد كفور، وقَدَّسْتُه عن قول كل مفسد غرور. كبير لو تَقَوَّم في فهم لُحدّ2، قدير لو تَصَوَّر في رسم لُحدَّ3، لو عَرَتْه4 فِكَرة تصوُّر لَتَصَوَّر ولو حَدَّتْْه فكرة لَتَقَدَّر5، لو فهمت له كيفية لبطل قِدَمه، ولو عُلِمَت له كيفية لحَصَل عَدَمُه، ولو حُصِر في ظرف لقطع بتجسُّمه، ولو قهره وصف لصدع6 بتقسُّمه، ولو فرض له شبح لَرَهِقه7 كيفٌ. عظيم من غير تركيب قٌطْر، عليم من
__________
1 هو أحمد بن الحسن بن علي بن الزيات الخطيب المتصوف، من أهل بلش ما لقة ولد سنة 649هـ، وتوفي سنة 728هـ. قال فيه لسان الدين بن الخطيب: "كان بفتح مجالسه أكثر الأحيان بخطب غريبة، يطبق بها مفاصل الأغراض التي يشرع فيها، وينظم الشعر دائما في مراجعته ومخاطبته وإجازته من غير تأن ولا روية، حتى اعتاده ملكة، واستعمل في السفارات بين الملوك لدحض السخائم، وإصلاح الأمور، فكانوا يوجبون حقه، ويلتمسون بركته ودعاءه" وله تصانيف كثيرة ذكرها ابن الخطيب.
2 أي لعرف، من الحد: وهو التعريف.
3 من التحديد، أي لصارت له ذات محدودة، ولو أنه قال: "قديم" بدل "قدير" لناسب أن يقول بعده: "لجد" بالجيم المفتوحة أي لصار جديدا حادثا.
4 عرته: أي اعترته وتناولته، وفي الأصل "عدته" بالدال وأراه محرفا، وتصور أي تمثل في صورة، يقال: صوره فتصور.
5 لتقدر: أي صار له قدر مجسم، وفي الأصل "لتعذر" وأراه محرفا.
6 صدع به: جهر.
7 رهقه: غشيه ولحقه.
(3/217)

غير ترتيب فكر، موجود من غير شيء يُمْسِكه، معبود من غير وهم يدركه، كريم من غير عوض يَلْحَقُه، حكيم من غير عَرَض يلحقه1، قويّ من غير سبب يجمعه، عليّ من غير سبب يرفعه، لو وجد له جنس لعُورِض في قيُّوميته2، لو ثبت له حس لنُوزِع في ديَمُومِيَّته3.
ومنها: تقدَّس وعزَّ فعله، وتنزَّه عزَّ اسمه وفضله، جلَّ قاهر قدرته، وعزَّ باهرُ عِزَّته، وعظمت صِفَتُه، وكثرت مِنَّتُه، فَتَقَ ورَتَقَ، وصَوَّرَ وخَلَقَ، وقََطَع ووصل ونصر وخذل، حمدْته حمد من عَرَف ربه، ورَهِب ذنبه، وصَفَّت حقيقة يقينه قلبه، وزَكَّت4 بصيرة دينه لُبُّه، وربط سلك سلوكه وشَدَّ5، وهَدَمَ صَرْحَ عُتُوِّه وهَدَّ، وحَرَسَ مَعْقِل عقله وحَدَّ، وطرد غرور غِرَّته6 ورَذَلَه7، عَلِمَ عِلْمَ تحقيق فنحا نحوه، نُقِرُّ له عز وجل بثبوت ربوبيته وقِدَمه، ونعتقد صدور كلِّ جوهر وعرض عن جوده وكَرَمِه، ونشهد بتبليغ محمد صلى ربُّه وسلم عليه، ورسوله وخير خلقه، ونُعْلِن بنهوضه في تبيين فرضه، وتبليغ شرعه، وضرب قُبَّةِ شرعه فنسخت كل شرع، وجدَّدَ عزيمته فَقَمَع عدوه خير قمع، قَوَّم كل مُقَوَّم بقويم سنته، وكريم هديه، وبيَّن لقومه كيف يَرْكَنُون8، ففازوا بقصده وسديد سعيه، بشَّر مُطِيعَه فظَفَر برحمته، وحَذَّر عاصِيَه فَشَقِيَ بنقمته.
وبعد: فقد نصحتكم لو كنتم تعقلون، وهديتكم لو كنتم تعلمون، بُصِّرتم لو كنتم تبصرون، وذُكِّرْتُم لو كنتم تذكرون، ظهرت لكم حقيقة نشركم،
__________
1 يلحقه الأول: أي يناله ويأخذه، ويلحقه الثاني بمعنى يتصف به.
2 القيوم: من أسمائه تعالى، أي الذي لا ند له.
3 الديمومة: الدوام.
4 زكت: ظهرت.
5 في الأصل "وشيد" وأراه محرفا عن "شد" إذ هي التي تلائم قوله قبلها "وربط".
6 الغرة: الغفلة.
7 رذله وأرذله: عده رذلا.
8 ركن إلى الشيء ركونا: مال إليه واطمأن، أي بين لهم كيف يركنون إلى الحق والصواب، وقد كانوا من قبله يعمهون في ضلالتهم ويخبطون.
(3/218)

وبرزت لكم حقيقة حشركم، فكم تَرْكُضُون في طَلَق1 غفلتكم، وتغفلون عن يوم بعثكم، وللموت عليكم سيف مَسْلُول، وحُكْمُ عزم غير معلول، فكيف بكم يوم يُؤْخَذ كل بذنبه، ويُخْبَر بجميع كسبه، ويفرَّق بينه وبين صحبه، ويَعْدَم نُصْرة حزبه، ويشتغل بهَمِّه وكربه، عن صديقه وتِرْبِه، وتُنْشَر له رُقْعَة، وتعيَّن له بقعة؟ فَرَبَح عبد نظر وهو في مَهَلٍ لنفسه، وترسَّل في رَضِيِّ عمل جنة لحلول رمْسِه2 وكَسَر صنم شهوته، ليَقَرَّ في بُحْبُوحة3 قُدْسِه.
ومنها: فتنبًّه -ويحك- من سِنَتك ونومك، وتفكر فيمن هلك من صُحبتك وقومك، وهتف بهم من تعلم، وشَبَّ عليهم منه حرقٌ4 مُظْلِم، فَخَرِبَت بصحبته ربوعهم، وتفرقت لهوله جُمُوعُهم، وذلَّ عزيزهم، وخَسِئَ رفيعهم، وصَمَّ سميعهم، فخرج كل منهم عن قصره، ورُمِيَ غير مُوَسَّد في قبره، فهم بين سعيد في روضة مُقَرَّبٍ، وبين شَقِيٍّ في حفرة معذَّب، فنستوهِبُ منه عز وجل عصمة من كل خطيئة، وخصوصية تقي من كل نفس جريئة5".
"الإحاطة، في أخبار غرناطة 1: 154".
__________
1 يقال: جرى الفرس طلقا أو طلقين: أي شوطا أو شوطين.
2 الرمس: القبر.
3 بحبوحة المكان: وسطه.
4 الحرق: النار ولهبها.
5 يلاحظ أن في الخطبة خمس كلمات فيها ألف وهي: قاهر. باهر. عاصيه. ففازوا. فنحًا
(3/219)

21- خطبة القاضي عياض التي ضمنها سور القرآن:
وخطب القاضي أبو الفضل عياض1 خطبة ضمنها سور القرآن، فقال:
"الحمد لله الذي افتتح بالحمد كلامه، وبيَّن في سورة البقرة أحكامه، ومدَّ
__________

__________
1 هو القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض ولد سنة 476هـ، بسبتة - بلد بمراكش على الساحل الشمالي ودخل الأندلس طالبا للعلم، فأخذ بقرطبة عن جماعة، وجمع من الحديث كثيرا، وكان له به كبير عناية، وكان إمام وقته فيه، وفي النحو واللغة واستقضى ببلده سبتة، ثم نقل منها إلى قضاء غرناطة، وتوفي بمراكش سنة 544هـ، قال المقري بعد أن أورد هذه الخطبة: "وفي نفسي من نسبها له شيء؛ لأن نفس القاضي في البلاغة أعلى من هذه الخطبة، والله تعالى أعلم".
(3/219)

في آل عمران والنساء مائدة الأنعام لِيُتِمَّ إنعامه، وجعل في الأعراف أنفال توبة يونس وألر كتاب أحكمت آياته، بمجاورة يوسف الصِّدِّيق في دار الكرامة، وسبَّح الرعد بحمده، وجعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم؛ ليؤمن أهل الحجر1 أنه إذا أتى أمر الله سبحانه فلا كَهْفَ ولا ملجأ إلا إليه، ولا يُظْلَمُون قُلَامَة، وجعل في حروف كهيعص سرًا مكنونًا، قدَّم بسببه طه -صلى الله عليه وسلم- على سائر الأنبياء ليظهر إجلاله وإعظامه، وأوضح الأمر حتى حجَّ المؤمنون بنور الفرقان، والشعراء صاروا كالنمل ذلًّا وصغارا لعظمته، وظهرت قَصَص العنكبوت فآمن به الروم، وأيقنوا أنه كلام الحيّ القيوم، نزل به الروح الأمين على زَيْن من وَافَى يوم القيامة، وأوضح لقمان الحكمة بالأمر بالسجود لربِّ الأحزاب، فَسَبَا فاطر السموات أهل الطاغوت، وأكْسَبَهم ذلا وخِزْيا وحَسْرة وندامة، وأمدَّ يس -صلى الله عليه وسلم- بتأييد الصَّافَّات2، فصاد الزُّمر يوم بدره، وأوقع بهم ما أوقع صناديدهم في القَليب3 مكدوس ومكبوب، حين شَالَت بهم النَّعامة4، وغفر غافر الذنب وقابل التوب للبدريين -رضي الله عنهم- ما تقدم وما تأخر حين فُصِّلَت كلمات الله، فذلّ من حقت عليه كلمة العذاب وأَيِسَ من السلامة، ذلك بأنَّ أمرهم شورى بينهم، وشغلهم زخرف الآخرة عن دخان الدنيا، فجثوا أمام الأحقاف5 لقتال أعداء محمد -صلى الله عليه وسلم- يمينه وشماله وخلقه وأمامه، فأُعطوا الفتح وبُوِّئُوا حُجُرَات الجنان، وحين تلوا: ق والقرآن المجيد، وتدبَّروا جواب قسم الذاريات6 والطور، لاح لهم نجم الحقيقة وانشقَّ لهم قمر اليقين، فنافروا السآمة، ذلك بأنهم أمَّنهم الرحمن إذا وقعت الواقعة،
__________
1 واد بين المدينة والشام، وهو منازل ثمود.
2 الملائكة تصف نفوسها للعبادة.
3 القليب: البئر.
4 شالت نعامتهم: خفت منازلهم منهم، أو تفرقت كلمتهم، أو ذهب عزهم.
5 واد باليمن به منازل عاد.
6 الذاريات: الرياح تذر والتراب وغيره.
(3/220)

واعترف بالضعف لهم الحديد، وهزم المجادلون، وأُخْرِجوا من ديارهم لأول الحشر يُخْرِبون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، حين نافروا السلامة.
أحمده حمد من امتحنته صفوف الجموع في نَفَق التَّغَابن، فطَّلق الحرمات حين اعتبر الملك وعامَه، وقد سمع صريف القلم وكأنه بالحاقة1 والمعارج يمينه وشماله وخلفه وأمامه، وقد ناح نوح الجن فتزمَّل2 وتدثَّر فَرَقًا من يوم القيامة، وأنس بمُرْسَلَات النبأ، فنزع العُبُوس من تحت كُور العمامة، وظهر له بالانفطار التطفيف، فانشقت بُرُوج الطارق بتسبيح الملك الأعلى وغَشِيَته الشهامة، فوربِّ الفجر والبلد والشمس والليل والضحى، لقد انشرحت صدور المتقين، حين تلوا سورة التين، وعَلِق الإيمان بقلوبهم، فكل على قدر مقامه يُبِين، ولم يكونوا بمنفكين دهرهم، ليله ونهاره وصيامه وقيامه، إذا ذكروا الزلزلة ركبوا العاديات3 ليطفئوا نور القارعة، ولم يلههم التكاثر حين تلو سورة العصر والهمزة، وتمثلوا بأصحاب الفيل فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. أرأيتم كيف جعلوا على رءوسهم من الكور عمامة؟ فالكوثر4 مكتوب لهم، والكافرون خذلوا، وهم نُصِروا، وعدل بهم عن لهب الطَّامَّة، وبسورة الإخلاص قَرُّوا سعدوا، وبرب الفلق5 والناس، استعاذوا فَأُعِيذوا من كل حزن وهم وغم وندامة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، شهادة تُنال بها منازل الكرامة -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه ما غرَّدَتْ في الأَيْكِ حَمَامة".
"نفح الطيب 4: 391".
__________
1 الحاقة: القيامة التي فيها يحق ما أنكر من البعث والجزاء.
2 تزمل بثيابه: تلفف بها، وكذا تدثر.
3 الخيل تعدو في الغزو، والقارعة التي تقرع القلوب بأهوالها.
4 الكوثر: نهر في الجنة.
5 الفلق: الصبح.
(3/221)

22- خطبة سعيد بن أحمد المقري التي ضمنها سور القرآن:
وخطب سعيد بن أحمد المَقَّرِي1 خطبة على هذا النمط نصها:
"الحمد لله الذي افتتح بفاتحة الكتاب سورة البقرة، ليصطفي من آل عمران رجالا ونساء، وفضَّلهم تفضيلا، ومدَّ مائدة إنعامه ورزقه؛ ليعرف أعراف أنفال كرمه حَقَّه على أهل التوبة، وجعل ليونس في بطن الحوت سبيلا، ونجَّى هودا من كربه وحزنه، كما خلَّص يوسف من جُبِّه وسجنه، وسبح الرعد بحمده ويمنه، واتخذ الله إبراهيم خليلا، الذي جعل في حَِجر الحِجْرِ من النحل شرابا نوَّع باختلاف ألوانه، وأوحى إليه بخفيّ لطفه سبحانه، واتخذ منه كهفا قد شَيَّد بنيانه، وأرسل روحه إلى مريم فتمثَّل لها تمثيلا، وفضَّل طه على جميع الأنبياء، فأتى بالحج والكتاب والكنون؛ حيث دعا إلى الإسلام قد أفلح المؤمنون، إذ جعل نور الفرقان دليلا، وصدَّق محمدا -صلى الله عليه وسلم- الذي عَجَزت الشعراء في صدق نَعْتِه، وشهدت النمل بصدق بعثه، وبيَّن قصص الأنبياء في مدة مكثه، ونسج العنكبوت عليه في الغار سِتْر مسدولا، وملئت قلوب الروم رعبا من هيبته، وتعلم لقمان الحكمة من حكمته، وهدى أهل السجدة للإيمان بدعوته، وهزم الأحزاب وسباهم وأخذهم أخذا وبيلا، فلقَّبه فاطر السموات والأرض بيس، كما نفَّذَ حكمه في الصافات وبيَّن ص صدقه بإظهار المعجزات، وفرَّق زمر المشركين، وصبر على أقوالهم وهجرهم هجرا جميلا، فغفر له غافر الذنب ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وفُصِّلَت رقاب المشركين إذ لم يكن أمرهم شورى بينهم، وزخرف منار الإسلام، وخَفِيَ دخان الشرك، وخرَّتِ المشركون جاثية، كما أنذر أهل الأحقاف فلا يهتدون سبيلا، وأذلَّ الذين كفروا بشدة القتال،
__________
1 هو سعيد بن أحمد المقري عم أحمد المقري صاحب نفح الطيب.
(3/222)

وجاء الفتح للمؤمنين والنصر العزيز، وحِجْر الحجرات الحريز، وبِـ"ق" القدرة قُتِّل الخراصون1 تقتيلا، كلَّم موسى على جبل الطور، فارتقى نجم محمد -صلى الله عليه وسلم- فاقتربت بطاعته مبادئ السرور، وأوقع الرحمن واقعة الصبح على بساط النور، فتعجب الحديد من قوته، وكثرة المجادلة في أمته، إلى أن أعيد في الحشر بأحسن مقيلا أمتحنه في صف الأنبياء وصلى بهم إماما، وفي تلك الجمعة مُلِئت قلوب المنافقين من التغابن خسرا وإرغاما، فطلَّق وحرَّم، تبارك الذي أعطاه الملك، وعلم بالقلم، ورتل القرآن ترتيلا، وعن علم الحاقة كم سأل سائل فسأل الإيمان، ودعا به نوح فنجاه الله تعالى من الطوفان، وأتت إليه طائفة الجن يستمعون القرآن، فأنزل عليه: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} ، فكم من مدَّثِّر يوم القيامة شفقة على الإنسان إذا أرسل مرسلات الدمع، فعم يتساءلون أهل الكتاب، وما تقبل من نازعات المشركين إذا عبس عليهم مالك تولاهم بالعذاب، وكورت الشمس وانفطرت السماء، وكانت الجبال كثيبا مهيلا، فويل للمطففين، إذا انشقت السماء بالغمام، وطويت ذات البروج، وطرق طارق الصُّور بالنفخ للقيام، وعز اسم ربك الأعلى لغاشية الفجر، فيومئذ لا بلد ولا شمس ولا ليل طويلًا، فطوبى للمصلين الضحى عند انشراح صدورهم، إذا عاينوا التين والزيتون وأشجار الجنة، فسجدوا باقرأ اسم ربك الذي خلق هذا النعيم الأكبر لأهل هذه الدار ما أحيوا ليلة القدر، وتبتلوا تبتيلا، ولم يكن للذين كفروا من أهل الكتاب من أهل الزلزلة من صديق ولا حميم، وتسوقهم كالعاديات إلى سواء2 الجحيم، وزلزلت بهم قارعة العقاب، وقيل لهم: ألهاكم التكاثر، هذا عصر العقاب الأليم، وحُشِر الهمزة وأصحاب الفيل إلى النار فلا يظلمون فتيلا، وقالت قريش ما أمنتم من هول الحشر، أرأيت الذي يكَذِّبُ بالدين كيف
__________
1 الكذابون.
2 وسط.
(3/223)

طُرِد عن الكوثر؟ وسيق الكافرون إلى النار، وجاء نصر الله والفتح، فتبت يدا أبي لهب: إذ لا يجد إلى سورة الإخلاص سبيلا، فنعوذ برب الفلق من شرِّ ما خلق، ونعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي فسق، ونتوب إليه ونتوكل عليه وكفى بالله وكيلا".
"نفح الطيب 4: 392".
(3/224)

23- خطبة الكفعمي التي ضمنها سور القرآن أيضًا:
وخطب الكفعمي1 خطبة على هذا النمط أيضا نصها:
"الحمد لله شرَّف النبي العربي بالسبع المَثَاني وخواتيم البقرة من بين الأنام، وفضَّل آل عمران على الرجال والنساء، بما وهب لهم من مائدة الأنعام، ومنحهم بأعراف الأنفال، وكتب لهم براءةً من الآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي نجَّى يونس وهودًا ويوسف من قومهم، برعْد الانتقام، وغذَّى إبراهيم في الحجر بلعاب النحل ذات الإسرار، فضاهى كهف مريم عليها السلام، وأشهد أن محمدًا عبد هـ ورسوله الذي هو طه الأنبياء، وحج المؤمنين، ونور فرقان الملك العلَّام، فالشعراء والنمل بفضله تُخْبِر، ولقصص العنكبوت الروم تَذْكُر، ولقمان في سجدته يشكر، والأحزاب كأيادي سَبَا تَقْهَر، وفاطر يس لصافاته ينصر، وصاد مقلة زمره تنظر الأعلام، فآل حم بقتال فتحه في حُجُرات قافه قد ظَهَرت، وذاريات طُوره ونجمه وقمره قد عَطِرَت، وبالرحمن واقعة حديده يوم المجادلة قد نُصِرت وأبصار معانديه في الحشر يوم الامتحان حَسَرت2، وصفَّ جمعته فائز إذ أجساد المنافقين بالتغابن استعرت، وله الطلاق والتحريم ومقام الملك والقلم، فناهيك به من
__________
1 قال صاحب نفح الطيب في ترجمته: "هو إبراهيم بن علي بن حسن بن محمد بن صالح نسبة إلى كفر ... قرية من قرى أعمال سفد كما نقول في النسبة إلى بني عبد الدار عبدري، وإلى حصن كيفا: حصكفي".
2 حسر البصر كضرب: كل فهو حسير.
(3/224)

مقام، وفي الحاقة، أعلى الله له المعارج نوح المطهر، وخصه من بين الأنس والجن بيأيها المزمل، ويأيها المدثر، وشفَّعَه في القيامة إذا دموع الإنسان مرسلات كالماء المتفجر، ووجهه عند نبإ النازعات وقد عبس الوجه كالهلال المتنوِّر، ويوم التكوير والانفطار وهلاك المطففين وانشقاق ذات البروج بشفاعته غير متضجّر، وقد حُرِست لمولده السماء بالطارق الأعلى، وتمت غاشية العذاب إلى الفجر على المَرَدة اللئام، فهو البلد الأمين، وشمس الليل والضحى المخصوص بانشراح الصدر، والمفضَّل بالتين والزيتون، المستخرج من أمشاج1 العلق، الطاهر العليّ القدر، شجاع البرية يوم الزلزال؛ إذ عاديات القارعة تدوس أهل التكاثر ومشركي العصر، أهلك الله به الهمزة وأصحاب الفيل إذ مكروا بقريش ولم يتواصَوْا بالحق ولم يتواصوا بالصبر، المخصوص بالدين الحنيفي والكوثر السَّلسال، والمؤيد على أهل الجحد بالنصر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما تبَّت يدا معاديه، ونعم بالتوحيد مواليه، وما أفصح فلق الصبح بين الناس وامتد الظلام".
"نفح الطيب 4: 395".
__________
1 مشج بينهما كضرب: خلط، والشيء مشيج، والجمع أمشاج كيتيم وأيتام.
(3/225)

الباب الثاني في خطبة ووصايا مجهول عصرها أو قائلها
خطبة أبي بكر بن عبد الله بالمدينة
...
الباب الثاني في خطب ووصايا مجهول عصرها أو قائلها:
1- خطبة أبي بكر بن عبد الله بالمدينة:
لما وَلِيَ أبو بكر بن عبد الله بالمدينة1 وطال مُكْثه عليها، كان يبلغه عن قوم من أهلها أنهم ينالون من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإسعافٌ من آخرين لهم على ذلك، فأمر أهل البيوتات ووجوه الناس في يوم جمعة أن يقربوا من المنبر، فلما فرغ من خطبة الجمعة قال:
"أيها الناس: إني قائل قولا، فمن وَعَاه وأدَّاه فعلى الله جزاؤُه، ومن لم يَعِهِ فلا
__________
1 لا أعرف صاحب هذا الاسم واليًا على المدينة، وإنما الذي قرأته في تاريخ الطبري أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري ولي المدينة من سنة 96 إلى سنة100 في خلافة سليمان بن عبد الله الملك وعمر بن عبد العزيز "انظر تاريخ الطبري، الجزء الثامن، حوادث السنين ص96 إلى 100" وذكر أيضا القلقشندي في صبح الأعشى "ج4: ص296" أن أبا بكر بن محمد هذا ولي المدينة أيام سليمان بن عبد الملك، والظاهر أنه صاحب هذه الخطبة، وإني لأستأنس في ذلك بقوله: "وطال مكثه عليها" فقد تولاها خمس سنين، وبالغرض الذي قيلت فيه الخطبة، وأنت تذكر ما كان في العهد الأموي من اتساع دائرة الاختلاف الحزبي، والنضال السياسي البعيد المدى، وربما كان "عبد الله" اسما آخر لأبيه محمد، تسمى به تواضعا، وكان ذلك من عادة السلف الصالح رضوان الله عليهم كثيرا، انظر مثلا كتاب عمر في صلح أهل إيليا "هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان".
"الطبري 4: 159".
(3/226)

يَعْْدُ من ذمامها1 إن قَصَّرْتم عن تفضيله، فلن تَعْجِزوا عن تحصيله، فأَرْعوه أبصاركم، وأَوْعُوه أسماعكم، وأَشْعِروه2 قلوبكم، بالموعظة حياة، والمؤمنون إخوة {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ 3 السَّبِيلِ} ، {وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} فأتوا الهدى تهتدوا، واجتنبوا الغيّ ترشدوا، {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، والله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، أمركم بالجماعة، ورضيها لكم، ونهاكم عن الفرقة، وسخطها منكم، فـ {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ 4 وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا 5 حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} ، جعلنا الله وإياكم ممن تبع رضوانه، وتجنب سخطه، فإنما نحن به وله.
وإن الله بعث محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بالدين، واختاره على العالمين، واختار له أصحابه على الحق، ووُزراء دون الخلق اختصهم به، وانتخبهم له، فصدَّقوه ونَصَرُوه، وعزَّروه6 ووقَّروه، فلم يقدموا إلا بأمره، ولم يُحْجِمُوا إلا عن رأيه، وكانوا أعوانه بعهده، وخلفاءه من بعده، فوصفهم فأحسن صفتهم، وذكرهم فأثنى عليهم، فقال، وقوله الحق: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ 7، كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ
__________
1 أي فلا يخرج عن حرمتها، وتأنيث الضمير في "ذمامها" باعتبار الموعظة أو المقولة.
2 أي الزقوة به.
3 القصد: استقامة الطريق، أي بيان الطريق المستقيم الموصل إلى الحق.
4 التقاة: التقوى، وجمعها تقي كرطبة ورطب، وأصلها وقيه قلبت واوها المضمومة تاء كما في تؤدة وتخمة، والياء ألفا.
5 الشفا: حرف كل شيء.
6 التقرير: التفخيم والتعظيم "وهو أيضًا أشد الضرب. ضد".
7 أي ذلك مثلهم في الكتاب، والشط: فراخ الزرع، فآزره أي فقواه، فاستوى على سوقه: أي فاستقام على أصواله وسيقانه.
(3/227)

فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} ، فمن غاظه كفر وخاب، وفَجَر وخَسِرَ، وقال الله عز وجل: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ 1 وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} فمن خالف شريطة الله عليه لهم، وأمره إياه فيهم، فلا حق له في الفيء ولا سهم له في الإسلام، في آيٍ كثيرة من القرآن؟
فمَرَقت مارقة من الدين، وفارقوا المسلمين، وجعلوهم عِضِين2، وتشعَّبوا أحزابا، أُشَابَاتٍ وأُوْشَابًا3، فخالفوا كتاب الله فيهم، وثناءه عليهم، وآذَوْا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيهم، فخابوا وخَسِروا الدنيا والآخرة {ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} .
{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} مالي أرى عيونا خُزْرًا4، ورقابا صُعْرًا5، وبطونا بُجْرًا6 شَجًا لا يسيغه الماء7، وداء لا يشرب فيه الدواء {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ} كلا والله، بل هو الهناء8 والطِّلاء، حتى يظهر العُذر، ويبُوح السِّمرُّ، ويَضحَ الغيب،
__________
1 يؤثرون: يفضلون ويقدمون والخصاصة: الحاجة والفقر.
2 جمع غصة كعدة: وهي الفرقة والقطعة.
3 أشابات جمع أشابة: وهي الأخلاط، وأشبه كضربه: خلطه، والأوشاب جمع وشب كحمل، والأوباش جمع وبش كسبب: الأخلاط والسفلة.
4 جمع خزراء مؤنث أخزر وصف من الخزر بالتحريك، وهو النظر في أحد الشقين.
5 الصعر بالتحريك: ميل في الوجه، أو في أحد الشقين، أو داء في البعير يلوي عنقه منه، صعر كفرح فهو أصعر.
6 بجر بطنه كفرح أيضًا فهو أبجر: عظم، والجمع بجر كحمر.
7 الشجا: ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه، لا يسيغه: أي لا يجعله سائغًا سهل المدخل في الحلق.
8 الهناء: القطران، ويريد أنه يعالجهم كما تطلى الإبل الجربى بالقطران لمداواتها.
(3/228)

ويسَوَّس الجُنُب1، فإنكم لم تُخْلَقُوا عبثًا، ولم تتركوا سدىً، ويحكم! إني لست أتاوِيُّا2 أُعَلَّم، ولا بدويا أُفَهَّم، قد حلبتكم أَشْطُرًا3، قلَّبتكم أبطُنًا وأظهرا، فعرفت أنحاءكم وأهواءكم، وعلمت أن قوما أظهروا الإسلام بألسنتهم، وأسرُّوا الكفر في قلوبهم، فضربوا بعض أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببعض، ووَلَّدُوا الروايات فيهم، وضربوا الأمثال، ووجدوا على ذلك من أهل الجهل من أنبائهم أعوانا يأذنون لهم4، ويُصْغُون إليهم مهلًا مهلًا قبل وقوع القَوَارِع5، وطول الروائع، هذا لهذا ومع هذا6، فلست أعتنش7 آئبًا ولا تائبًا، {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} ، فأسِرُّوا خيرا وأظهروه، واجهروا به وأخلصوه، فطالما مَشَيْتُم القَهْقَري ناكصين، وليعلم من أدبر وأصَرَّ أنها موعظة بين يدي نقمة، ولست أدعوكم إلى أهواء تتَّبَع، ولا إلى رأي يبتَدَع، إنما أدعوكم إلى الطريقة المُثْلى، التي فيها خير الآخرة والأولى، فمن أجاب فإلى رشده، ومن عمي فعن قصده، فهلمَّ إلى الشرائع الجَدَائِع8، ولا تُوَلُّوا عن سبيل المؤمنين، ولا تستبدلوا
__________
1 باح السر: ظهر، وباح بسره: أظهره ووضح يضح واتضح واحد، ويسوس: أي يروض ويذلل: مضعف ساسه يسوسه. يقال: سوست له أمرا إذا روضته وذللته، والجنب: الصعب الذي لا ينقاد.
2 الأتاوى: الغريب عن القوم.
3 اقتبسه من المثل المشهور: "حلب الدهر أشطره" والناقة شطران، قادمان وآخران، فكل خلفين شطر بفتح الشين -والخلف للناقة كالضرع البقرة- وأشطره منصوب على البدل، فكأنه قال: حلب أشطر الدهر، والمعنى: اختبر الدهر وعرف خيره وشره.
4 أذن له وإليه كفرح: استمع.
5 القوارع جمع قارعة: وهي الداهية الفاجئة، والروائع جمع رائعة، وهي المفزعة.
6 أي هذا الذي أتهددكم به من القوارع والروائع، لهذا الذي تخوضون فيه، ومقرون به.
7 اعتنشه: ظلمه.
8 الذي في كتب اللغة: "جداع كسحاب وقطام: السنة الشديدة تجدع بالمال وتذهب به" وهذه الكلمة هي التي يسوغ أن تجمع على جدائع، ولكنها لا تناسب المقام هنا، فلعل الأصل "الجوادع" جمع جادعة: وهي المقاطعة، يريد الشرائع الصحيحة الحقة لأنها تقطع الباطل وتزهقه كأنه يقول: اتبعوا الخطة الحاسمة، أو الجدائع جمع جدوع كعجوز صيغة مبالغة من جادعة، وفي التعليق على نهاية الأرب "ولعله الجوامع: أي التي تجمع الناس على اتباعها، كما يدل عليه ما بعده".
(3/229)

الذي هو أدنى1 بالذي هو خير ْ {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} .
إياكم وبُنَيَّاتِ2 الطريق، فعندها التَّرْنيق والرَّهَق3، وعليكم بالجادَّة، فهي أسدٌّ4 وأورَدَ، ودعوا الأماني فقد أَرْدَتْ مَنْ كان قبلكم، وليس للإنسان إلا ما سَعَى، ولله الآخرة والأولى، و {لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ 5 بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} . {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} .
"نهاية الأرب 7: 256؛ وصبح الأعشى 1: 220".
__________
1 أي أخس وأدون قدرا، وأصل الدنو: القرب في المكان استعير للخسة كما استعير البعد للشرف والرفعة، أو هو مسهل عن أدنأ من الدناءة، وقد قرئ في الآية الكريمة: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} .
2 بنيات الطريق: الترهات "جمع ترهة كقبرة وهي الطريق الصغيرة المتشعبة من الجادة، أي اسلكوا الطريق العام طريق الجماعة، ولا تعرجوا في سواء.
3 الترنيق: الضعف في الأمر "وفي البصر والبدن أيضًا"، والرهق: السفه والحمق والخفة، وركوب الشر والظلم، وغشيان المحارم.
4 أفعل، من السداد.
5 أسحته: استأصله.
(3/230)

2- وصية أعمى من الأزد لشاب يقوده:
عن هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال: رأيت بِبِيشَة1 رجلا من أَزْد السَّرَاةِ أعمى، يقوده شاب جميل، وهو يقول له: "يا سُمَىّ، لا يَغُرَّنَّك أن فسح الشباب خَطْوَك، وخَلَّى سَرْبَك، وأَرْفَهَ وِرْدَكَ2، فكأنك بالكِبَر قد أَرَبَ ظَوْفَك، وأثقل أوَقَك، وأوهن طَوْقك3، وأتعب سوقك، فهَدَجْتَ بعد الهَمْلَجَة، ودَجَجْت بعد الدَّعْلَجَة4، فخذ من أيام التَّرْفِيه لأيام الانزعاج، ومن ساعات المُهْمَلَة لساعة
__________
1 بيشة: واد بطريق اليمامة.
2 السرب: الطريق والوجه، ورفهت الإبل كمنع: وردت الماء متى شاءت، وقد أرفهتها ورفهتها بالتشديد.
3 أرب العقد: شدة، والأربة بالضم: العقدة، وظاف البعير يظوفه: إذا داني بين قينيه، والقينان بفتح القاف موضعًا القيد من الوظيف، والأوق: الثقل، والطوق: الوسع والطاقة.
4 الهدجان كخفقان وغراب: مشية الشيخ، وهدج كضرب، والهملجة: سرعة في المشي، ودج كضرب دجيجًا، مرمرًا ضعيفًا، والدعلجة: ضرب من المشي، والتردد في الذهاب والمجيء، والدحرجة.
(3/230)

الإعجال1، يابن أخي: إن اغترارك بالشباب، كالتذاذك بسَمَادِير2 الأحلام، ثم تنقشِع فلا تتمسك منها إلا بالحسرة عليها، ثم تُعَرَّى راحلة الصِّبا، وتشرب سَلْوَةً3 عن الهوى, واعلم أن أغنى الناس يوم الفقر من قَدَّم ذخيرة، وأشدّهم اغتباطًا يوم الحسرة من أحسن سريرة".
"الأمالي 2: 316".
__________
1 رفه عيشه ككرم فهو رفيه ورافه: مستريح متنعم، وأرفهه الله ورفهه ترفيها، ومن ساعات المهملة أي الدنيا المهملة: أي التي ستمهلها وتغادرها، وربما كانت "المهملة".
2 السمادير: ما يتراءى للإنسان في نومه من الأباطيل، وما يتراءاه السكران في سكره.
3 السلوة: اسم السلوان. قال الأصمعي: يقول الرجل لصاحبه: سقيتني سلوة" بالفتح "وسلونا" بالضم، أي طيبت نفسي عنك، وذكروا أيضًا أن السلوة والسلوانة: خرزة شفافة تدفن في الرمل فتسود فيبحث عنها، ويسقاها الإنسان فتسليه.
(3/231)

3- وصية رجل لآخر وقد أراد سفرًا:
عن عبد الرحمن عن عمه قال: سمعت رجلا يوصي آخر وأراد سفرًا، فقال:
"آثر بعملك معادك، ولا تدع لشهوتك رشادك، وليكن عقلك وزيرك الذي يدعوك إلى الهدى، ويعصمك من الرَّدى، أَلْجِم هواك عن الفواحش، وأَطْلِقه في المكارم، فإنك تَبَرُّ بذلك سلفك، وتَشِيد شَرَفَك".
"الأمالي 1: 200".
(3/231)

4- وصية رجل لابنه وقد أراد التزوج:
وقال بعضهم لولده وقد أراد التزوج:
"يا بُنَيّ: لا تتخذها حَنَّانَة، ولا أَنَّانَة، ولا مَنَّانَة1، ولا عُشْبَة الدَّار2، ولا كُبَّةَ القَفَا3".
"الأمالي 2: 26".
__________
1 الحنانة: التي لها ولد من سواه فهي تحن عليهم. والأنانة: التي مات عنها زوجها، فهي إذا رأت الزوج الثاني أنت، وقالت: رحم الله فلانا، لزوجها الأول. والمنانة: التي لها مال، فهي تمن على زوجها، كلما أهوى إلى شيء من مالها.
2 عشبة الدار: يريد الهجينة، وعشبة الدار: التي تنبت في دمنة الدار، وحولها عشب في بياض، فهي أفخم منه وأضخم، لأنها غذتها الدمنة، وذلك "أي العشب" أطيب للأكل رطبا ويبسا، لأنه نبت في أرض طيبة، وهذه نبتت في دمنة، فهي منتنة رطبة، وإذا يبست صارت حتاتا "بالضم" وذهب قفها في الدمنة فلم يمكن جمعه، وذلك يجمع قفه لأنه في أرض طيبة "والقف بالضم: ما يبس من البقل، وسقط على الأرض في موضع نباته".
3 كبة القفا: هي التي يأتي زوجها أو ابنها القوم، فإذا انصرف من عندهم، قال رجل من جبناء القوم: قد والله كان بيني وبين امرأة هذا المولى أو أمه أمر.
(3/231)

5- وصية بعض العلماء لابنه:
وأوصى بعض العلماء ابنه فقال:
"أوصيك بتقوى الله، ولْيَسَعْكَ بيتك، وامْلِك عليك لسانك، وابْك على خطيئتك".
"البيان والتبيين 2: 161".
(3/232)

6- وصية لبعض الحكماء:
وقال بعض الحكماء:
"لا يكونَنَّ منكم المحَدِّث ولا يُنْصَتْ له، والداخل في سِرّ اثنين لم يُدْخَلاه، ولا آتي الدعوة لم يُدَعْ إليها، ولا الجالس المجلس لا يستحقه، ولا الطالب الفضل من أيدي الِّلئام، ولا المتعرِّض للخير من عند عدوِّه، ولا المتحمِّق في الدَّالَّة1".
"البيان والتبيين 2: 58".
__________
1 الدالة: ما تدل به على حميمك.
(3/232)

7- وصية أخرى:
وقال بعض الحكماء:
"وإياك والعجلة، فإن العرب كانت تَكْنِيها: أُمّ الندامة؛ لأن صاحبها يقول قبل أن يَعْلَم، ويجيب قبل أن يَفْهَم، ويعزم قبل أن يفكِّر، ويَقْطَع قبل أن يُقَدِّر، ويحمد قبل أن يُجَرِّب، ويَذُمّ قبل أن يخبر، ولن يصحب هذه الصفة أحد إلا صحب الندامة، واعتزل السلامة".
"زهر الآداب 3: 197".
(3/232)

8- وصية آخرى:
وقال ابن دريد: أوصى بعض الحكماء رجلًا، فقال:
"آمرك بمجاهدة هواك، فإنه يقال: إن الهوى مفتاح السيئات، وخصيم الحسنات وكل أهوائك لك عدو، وأهواها1 هوًى يكتُمك في نفسه، وأعداها هوى يمثِّل لك الإثم في صورة التقوى، ولن تفصل بين هذه الخصوم إذا تناظرت لديك إلا بحزم لا يَشُوبه وَهَنٌ، وصِدْقٍ لا يَطْمَعُ فيه تكذيب، ومضاءٍ لا يقاربه التثبُّط2، وصَبْرٍ لا يغتاله جَزَعٌ، ونية لا ينقسمها التضييع".
"زهر الآداب 3: 129".
__________
1 أي وأشدها.
2 التوقف والإبطاء.
(3/233)

9- عظة لبعض الحكماء:
عن الأصمعي قال: بلغني أن بعض الحكماء كان يقول:
"إني لأعظكم، وإني لكثير الذنوب مسرف على نفسي، غير حامد لها، ولا حاملها على المكروه في طاعة الله عز وجل، قد بَلَوتها فلم أجد لها شكرًا في الرَّخاء ولا صبرا على البلاء، ولو أن المرء لا يَعِظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه، لترك الأمر بالخير والنهي عن المنكر، ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب، وجِلَاء للنفوس، وتذكيرٌ من النسيان، واعلموا أن الدنيا سرورها أحزان، وإقبالها إدبار، وآخر حياتها الموت، فكم من مستقبل يوما لا يَسْتَكمِله، ومُنْتَظِر غدا لا يَبْلُغه، ولو تنظرون إلى الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغُرُورِه".
"الأمالي 2: 57".
(3/233)

10- نصيحة لبعض الحكماء:
وحذَّر بعض الحكماء صديقًا له صَحِبَه رجل فقال:
"احْذَر فلانا، فإنه كثير المسألة، وحَسَن البحث، لطيف الاستدارج، يحفظ أول كلامِك على آخره، ويعتبر ما أَخَّرْتَ بما قدمتَ، فلا تُظْهِرَنَّ له المخافة، فيرى أنك قد تحرَّزْتَ. واعلم أن من يَقَظَه الفطنة إظهار الغفلة مع شدة الحذر، فباثَّه مباثَّة الآمن، وتحفَّظ الخائف، فإن البحث يظهر الخفِيّ الباطن، ويبدي المستكن الكامن".
"زهر الآداب 3: 164".
(3/234)

11- كلمات شتى لبعض الحكماء:
عن الأصمعي قال: قال بعض الحكماء:
"من كانت فيه سبع خصال لم يعدم سبعًا: من كان جوَّادًا لم يعدم الشرف، ومن كان ذا وفاء لم يعدم المِقَة، ومن كان صدوقا لم يعدم القَبُول، ومن كان شكورا لم يعدم الزيادة، ومن كان ذا رعاية للحقوق لم يعدم السُّؤْدُد، ومن كان منصفا لم يعدم العافية، ومن كان متواضعًا لم يعدم الكرامة".
"الأمالي 2: 39".
وقيل لبعض الحكماء: كيف ترى الدهر؟ قال: يخلق الأبدان، ويُجَدِدُّ الآمال، يقَرِّب الآجال، قيل له: فما حال أهله؟ قال: من ظَفِر به نصب، ومن فاته حَزِن، قيل: فأي الأصحاب أبَرّ؟ قال: العمل الصالح، قيل: فأيهم أضرّ؟ قال: النفس والهوى، قيل: ففيم المخرج، قال: في قطع الراحة وبذل المجهود
"الأمالي 2: 59".
(3/234)

وأخبر عبد الرحمن عن عمه قال: سمعت رجلا يقول:
"الحسد مَاحِقُ الحسنات، والزَّهْو جالب لمقت الله ومقت الصالحين، والعُجْب صَارِف عن الازدياد من العلم، داعٍ إلى التخمُّط1 والجهل، والبخل أذَمُّ الأخلاق، وأجْلَبُهَا لسوء الأُحْدُوثَة".
"الأمالي 1: 200".
وقال: قال بعض العرب:
"أولى الناس بالفضل أعودهم بفضله، وأَعْوَن الأشياء على تَذْكِية العقل التعلُّم، وأدَلّ الأشياء على عقل العاقل حسن التدبير".
"الأمالي 1: 217".
وقال الأصمعي: العرب تقول:
"لا ثناء مع الكبر، ولا صديق لذي الحسد، ولا شرف لسيِّئ الأدب".
قال: وكان يقال: "شرّ خِصال الملوك الجُبْن عن الأعداء، والقسوة على الضعفاء، والبخل عند الإعطاء".
"الأمالي 1: 201".
وقال أبو عليّ القالي، وأملى علينا أبو عبد الله قال: من كلام العرب ووصاياها:
"جَالِسْ أهل العلم، فإن جَهِلت عَلَّمُوك، وإن زَلَلت قوَّمُوك، وإن أَخْطَأَت لم يُفَنِّدُوك2، وإن صَحِبَت زانوك، وإن غبت تفَقَّدوك. ولا تجالس أهل الجهل، فإنك إن جهلت عنَّفُوك، وإن زَلَلت لم يقوِّموك، وإن أخطأت لم يثبِّتوك".
"الأمالي 2: 72".
__________
1 تمخط: تكبر وغضب.
2 فنده: ضعف رأيه وخطأه.
(3/235)

12- رجل من العرب والحجاج:
سأل الحجاج رجلا من العرب عن عشيرته قال: أيُّ عشيرتك أفضل؟ قال: أتقاهم لله بالرَّغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا، قال: فأيهم أسْوَد؟ قال: أَرْزَنُهم حِلْمًا حين يُسْتَجْهَل، وأسخاهم حين يُسْأَل، قال: فأيهم أدهى؟ قال: من كتم سِرَّه
(3/235)

ممن أحبَّ، مخافة أن يُشَارَّه يوما، قال: فأيهم أَكْيَس؟ قال: من يُصْلِح ماله ويقتصد في معيشته، قال: فأيهم أرفق؟ قال: من يعطي بِشْرَ وجهه أصدقاءه، ويتلطَّف في مسألته، ويتعاهد حقوق إخوانه في إجابة دَعَوَاتهم، وعيادةِ مَرْضاهم، والتسليم عليهم، والمشي مع جنائزهم، والنُّصح لهم بالغيب، قال: فأيهم أفطن؟ قال: من عرف ما يوافق الرجال من الحديث حين يجالسهم، قال: فأيُّهم أصلبُ؟ قال: من اشتدت عارِضتُه1 في اليقين، وحَزُم في التوكل، ومنع جاره من الظلم.
"مجمع الأمثال 2: 178".
__________
1 العارضة: الجلد والصرامة واللسن.
(3/236)

14- كاتب وأمير:
ودخل بعض الكتاب على أمير بعد نكبة نابَتْه، فرأى من الأمير بعض الازدراء فقال له:
"لا يَضَعْنِي عندك خُمُول النَّبْوَة، وزوال الثروة، فإن السيف العتيق إذا مَسَّه كثير الصَّدَأ استغنى بقليل الجِلَاء، حتى يعود حَدُّه، ويظهر فِرِنْدُه، ولم أصف نفسي عُجْبًا، لكن شكرا، قال صلى الله عليه وسلم: أنا أشرف ولد آدم ولا فخر".
فجهر بالشكر، وترك الاستطالة بالكبر".
"زهر الآداب 3: 91".
(3/236)

15- وصف الهلباجة:
من أمثال العرب: "أعجز من هِلْباجَة" وهو النَّئُوم الكسلان العُطُل1 الجافي، وقد سار في وصف الهِلْبَاجَة فصل لبعض الأعراب المتفصِّحين، وفصل آخر لبعض الحَضَريين، فأما وصف الأعرابي، فقد سئل ابن أبي كَبْشَة بن القَبَعْثَرَى عنه فقال: "الهِلْباجة: الضعيف العاجز، والأخْرق الأحمق، والجِلْف2 الكسلان، الساقط لا معنى فيه، ولا غناء3 عنده ولا كفاية معه، ولا عمل لديه".
وأما وصف الحضري فإن بعض بلغاء الأمصار سئل عن الهِلْبَاجَة فقال:
"هو الذي لا يرعوي لِعَذْل العاذل، ولا يصغِي إلى وعظ الواعظ، ينظر بعين حسود، ويعرض إعراض حقود، إن سأل أَلْحَفَ4، وإن سُئِل سوَّف، وإن حدَّث حَلَف، وإن وَعَدَ أخلف، وإن زَجَرَ عنَّف، وإن قَدِرَ عَسَف5، وإن احتمل أسف6، وإن استغنى بَطِر، وإن افتقر قَنِط، وإن فَرِح أَشِر7، وإن حَزِن يئس، وإن ضحك زَأَر، وإن بكى جَأَر8، وإن حكم جار، وإن قَدَّمته تأخر، وإن أَخَّرته تقدَّم، وإن أعطاك مَنَّ عليك، وإن أعطيته لم يشكرك، وإن أسررت إليه خانك، وإن أسر إليك اتهمك، وإن صار فوقك قهرك، وإن صار دونك حسدك، وإن وَثِقت به خانك، وإن انبسطت إليه شانك، وإن أكرمته أهانك، وإن غاب عنه الصديق سَلَاه، وإن حضره قَلَاه9، وإن فاتَحَه لم يُجِبه، وإن أمسك عنه لم يَبْدَأه، وإن بدأ بالودّ هَجَر، وإن بدأ بالبِرِّ جفا، وإن تكلم فَضَحه العِيُّ، وإن عمِل قَصَّر به
__________
1 عطل كفرج: عظم بدنه، ومن المال والأدب: خلا فهو عطل كقفل وعتق.
2 الجافي.
3 لا غناء: لا كفاية.
4 ألح.
5 ظلم.
6 من أسف الطائر: دنا من الأرض في طيرانه، أي لم يستطع النهوض بما حمل.
7 أشر: مرح.
8 صاح واستغاث.
9 أبغضه وكرهه غاية الكراهة.
(3/237)

الجهل، وإن اؤتُمِنَ غَدَر، وإن أجار أخفر1، وإن عاهد نكث، وإن حلف حنث لا يَصْدُر عنه الآمل إلا بخيبة، ولا يضطر إليه حُرٌّ إلا بمحنة".
قال خلف الأحمر: سألت أعرابيًّا عن الهلباجة، فقال: "هو الأحمق الضَّخْمُ الفَدْم2 الأكُول الذي والذي ... ثم جعل يلقاني بعد ذلك، ويزيد في التفسير كل مرة شيئا، ثم قال لي بعد حين -وأراد الخروج- هو الذي جمع كل شرّ".
"مجمع الأمثال 1: 336".
__________
1 أخفره وخفر به: نقض عهده وغدره.
2 الفدم: العيي عن الكلام في ثقل ورخاوة، وقلة فهم، والغليظ: الأحمق الجافي.
(3/238)

16- بعض البلغاء يصف رجلا:
ووصف بعض البلغاء رجلا فقال:
"إنه بَسِيط1 الكف، رَحْب الصدر، مُوَطَّأ الأكناف، سَهْل الخلق، كريم الطِّباع، غيْثُ مُغَوِّث2، وبحر زَخُور، ضَحُوك السن، بشير الوجه، بادي القَبول3 غير عبوس، يستقبلك بطَلَاقَة، ويحيِّيك ببشر، ويستدبرك بكرم غيث، وجميل بشر، تبهجك طلاقته، ويرضيك بشره، ضحَّاك على مائدته، عبد لضيفانه، غير ملاحظ لأكيله، بطين4 من العقل، خميصٌ5 من الجهل، راجح الحلم، ثاقب الرأي، طَيِّب الخلق، محْصَن الضَّريبة6 مِعْطَاء غير سآل، كاسٍ7 من كل مَكْرُمة، عارٍ من كل مَلْأَمة، إن سئل بذل، وإن قال فعل".
"زهر الآداب 2: 205".
__________
1 أي مبسوط الكف سخي.
2 غوث تغويثا: قال وا غوثاه.
3 القبول بالفتح وقد يضم: الحسن.
4 أي ممتلئ وأصله: عظيم البطن.
5 خميص: خال: وأصله: الجائع.
6 الضريبة: الطبيعة، ومحصن، عف.
7 أي مكسو.
(3/238)

17- خمس جوارٍ من العرب يصفن خيل آبائهن:
عن ابن الكلبي عن أبيه قال:
اجتمع خمس جَوَارٍ من العرب، فقلن: هَلْمُمْن نَصِف خيلَ آبائنا. فقالت الأولى:
"فرس أبي وردة، وما وردة؟ ذات كَفَل مُزَحْلَق، ومَتْنٍ أخلق، وجوف أخْوَق1، ونفس مَرُوح، وعَيْنٍ طَرُوح، ورجل ضَرُوح، ويدٍ سَبُوح2، بُدَاهَتُها إهذَابٌ، وعَقْبُها غِلَابُ3".
وقالت الثانية:
"فرس أبي اللَّعَّاب، وما اللَّعَّاب؟ غَبْيَة سحاب، واضطرام غَاب، مُتْرَص الأوصال، أشمُّ القَذَال، مُلَاحَك المَحَال4، فارسُهُ مُجِيد، وصَيدُه عَتِيد، إن أقبل فظبي معَّاج. وإن أدبر فظليم هدَّاج، وإن أحضر فَعِلْجٌ هَرَّاج5".
وقالت الثالثة:
"فرس أبي حُذَمَة، وما حُذَمَة؟ إن أقبلت فَقَنَاة مُقَوَّمة، وإن أدبرت فَأَثْفِبة
__________
1 المزحلق: المملس الذي كأنه زحلوقه "بالضم" وهي آثار تزلج الصبيان من فوق إلى أسفل.
والأخلق: الأملس، وأخوق: واسع.
2 مروح: كثيرة المرح، طروح بعيدة موقع النظر، ضروح: دفوع، يريد أنها تضرح الحجارة برجليها إذا عدت، سبوح: كأنها تسبح في عدوها من سرعتها.
3 بداهتها: فجاءتها، والبداهة والبديهة واحد، والإهذاب: السرعة، والعقب: جري بعد جري، وغلاب مصدر، غالبته مغالبة وغلابا، كأنها تغالب أخرى.
4 الغبية: الدفعة من المطر، والغاب جمع غابة: وهي الأجمة، مترص: محكم، أترصت الشيء: أحكمته أشم: مرتفع، والقذال: معقد العذار "والعذار من اللجام ككتاب: ما سال على خد الفرس". ملاحك مداخل "بفتح الخاء" كأنه دوخل بعضه في بعض، والمحال جمع محالة: وهي فقال الظهر "كسحاب" جمع فقارة وذكر الأصمعي أنه رأى فقار فرس ميت، فإذا ثلاث فقر من عظم واحد، وكذا تكون العراب فيما ذكروا.
5 مجيد: صاحب جواد. عتيد: حاضر، معج في سيره وعمج: إذا أسرع، والهدج كشمس: المشي الرويد ويكون السريع. والعلج: حمار الوحشي السمين القوي، وهرج الفرس: كضرب إذا كان كثير الجري.
(3/239)

مُلَمْلَمَة، وإن أعْرَضَتْ فَذِئْبة مُعَجْرِمَة1، أرساغُها مُتْرَصَة، وفصوصُها مُمَحَّصَة، جَرْيُهَا انثِرَارٌ، وتقريبها انكدار2".
وقالت الرابعة:
"فرس أبي خَيْفَق، وما خَيْفَق؟ ذات ناهِق مُعْرَق، وشِدْق أشدق، وأديمٍ مُمَلَّق3، لها خلق أشْدَف، ودَسِيع مُنَفْنَف، وتليل مُسَيَّف4، وثَّابَة زَلْوج، خَيْفَانَة رَهُوج، تقريبها إِهْمَاج، وحُضْرها ارتعاج5".
وقالت الخامسة:
"فرس أبي هُذْلُول، وما هذلول؟ طَرِيدُه مَحْبُول، وطالبه مشكول، رقيق المَلَاغِم، أمين المعَاقِم6، عَبْلُ المَحْزِم، مِخَدُّ مِرْجَم7، مُنِفُ الحَارِك، أشمّ
__________
1 حذمة: فعلة من الحذم وهو السرعة أو القطع، فقناة مقومة تريد أنها دقيقة المقدم، وهو مدح في الإناث، والألفية: الحجر توضع عليه القدر، ململمة: مجتمعة، تريد أنها مدورة المؤخر، لأن الأثافي تختار مدورة، معجرمة بكسر الراء اسم فاعل من العجرمة، وهي إسراع في مقاربة خطو. قال الشاعر:
أما إذا يعدو فثعلب جَرْيٍة ... أو ذئب عادية يعجرِم عجرمه
ويقال ناقة معجرمة بفتح الراء: أي شديدة.
2 ممحصة: قليلة اللحم قليلة الشعر! محص الجلد كفرح، إذا سقط شعره واملاس. انثرار: انصباب، كأنه يثره ثرا، والتقريب: ضرب من العدو أو أن يرفع يديه معًا ويضعهما معا، وانكدر: أسرع وانقض، وانكدر عليه القوم: انصبوا.
3 خيفق: فيعل من الخفق كشمس: وهو السرعة. الناهقان: العظمان الشاخصان في خدي الفرس معرق: قليل اللحم. أشدق: واسع الشدق. مملق: مملس.
4 الأشدف: العظيم الشخص. والشدف محركة: الشخص. والدسيع: مغرز العتق في الكاهل. منفنف: واسع من النفنف كجعفر: وهو الهواء بين السماء والأرض. التليل: العنق. مسيف: كأنه سيف.
5 زلوج: سريعة. الزليج والزلجان بالتحريك: السرعة. الخيفانة: الجرادة التي فيها نقط سود تخالف سائر لونها. وإنما قيل الفرس: خيفانة لسرعتها لأن الجرادة إذا ظهر فيها تلك النقط كان أسرع لطيرانها. رهوج كثيرة الرهج. "والرهج بالتحريك: الغبار" أهمج الفرس إهماجًا: إذا اجتهد في عدوه. والحضر: ارتفاع الفرس في عدوه. الارتعاج: كثرة البرق وتتابعه.
6 محبول: في حبالة. مشكول: موثق في شكال "الشكال ككتاب: الحبل تشد به قوائم الدابة" الملاغم من الإنسان: ما حول الفم. أرادت ههنا الجحافل "والجحافل جمع جحفلة بالفتح بمنزلة الشفة للخيل والبغال والحمير" والمعاقم، المفاصل.
7 عبل: غليظ. والمحزم موضع الحزام. مخد: يخد الأرض أي يجعل فيها أخاديد "والأخاديد: الشقوق جمع أخدود". مرجم: يرجم الحجر بالحجر. أو يرجم الأرض بحوافره.
(3/240)

السَّنَابِك، مَجْدُول الخَصَائل، سَبْط الفَلائل1، غَوْج التَّلِيل، صَلْصَال الصهيل، أدِيمُة صافٍ، وسبِيبه ضافٍ2، وعفوه كافٍ".
"الأمالي 1: 190".
__________
1 منيف: مرتفع، والحارك: منبت أدنى العرف إلى الظهر الذي يأخذ به من يركبه، والسنابك: أطراف الحوافر جمع سنبك كقنفد، مجدول: مفتول، الخصائل: جمع خصيلة وهي كل قطعة من اللحم مستطيلة أو مجتمعة، الفليل: الشعر المجتمع، ويقال للقطعة من الشعر: الفليلة، سبط: مسترسل.
2 الغوج: اللين المعطف، والصلصة صوت الحديد، وكل صوت حاد، والسبيب: شعر الناصية: وضاف: سابغ.
(3/241)

18- رجل من العرب يصف مطرًا:
عن عبد الرحمن عن عمه قال:
سئل رجل من العرب عن مطر كان بعد جَدْب فقال:
"نشأ حَمَلا1، سُدًّا متقاذف الأحضان، مَحْمَومِي الأركان، لَمَّاع الأقراب، مكْفَهِرّ الرَّبَاب، تَحِنُّ رُعودُه حنين اضطراب، وتزمجر زمجرة الُّليوث الغِضَاب، لِبَوَارِقِه التهاب، ولِرَوَاعده اضطراب، فجاحَفَت2 صدوره الشِّعَاف، وركبت أعجازُه القِفَاف، ثم ألقي أعباءه، وحطَّ أثقاله، فتألَّق وأصعق3، وانبجس وانْبَعَقَ، ثم أثْجَم فانطلق، فغادر النِّهَاء4 مُتْرَعَة، والغيطانَ مُمْرِعَة، حِبَاءٌ للبلاد، ورزقًا للعباد".
"بلوغ الأرب 3: 250".
__________
1 الحمل: السحاب الكثير الماء، والسد: الذي قد سد الأفق، احمومى: اسود، الأقراب جمع قرب كقف وعنق وهو الخاصرة، والرباب: السحاب الأبيض.
2 جاحفه: زاحمه وداناه، والشعاف جمع شعفة كرقبة: وهي رأس الجبل، والقفاف جمع قف بالضم وهو ما غلظ من الأرض وارتفع لم يبلغ أن يكون جبلا.
3 صعقتهم السماء وأصعقتهم: ألقت عليهم صاعقة، وانبجس: انفجر بالماء وانبعق السحاب: انبعج بالمطر واندفع، والانبعاق: أن يندفع عليك الشيء فجأة وأنت لا تشعر، وأنجمت السماء: أسرع مطرها.
4 النهاء جمع نهى بالكسر والفتح: الغدير، ومترعة: مملوءة، والغيطان جمع غائط: وهو المطمئن الواسع من الأرض، ممرعة: مخصبة، حباء: عطاء.
(3/241)

الباب الثالث في نثر الأعراب قولهم في الوعظ والتوصية:
1- مقام أعرابي بين يدي سليمان بن عبد الملك:
قام أعرابي بين يدي سليمان بن عبد الملك، فقال:
"إني مكَلِّمك يا أمير المؤمنين بكلام فيه بعض الغِلْظَة، فاحْتَمِلْه إن كرهته فإن وراءه ما تحبه إن قبلته"، قال: هاتِ يا أعرابي: إنا نجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه، ولا نأمن غشه، وأرجو أن تكون الناصح جَيْبًا، والمأمون غيبا، قال: "يا أمير المؤمنين أما إذ أمنت بادرة غضبك، فإني سأطلق لساني بما خَرِسَت عنه الألسن من عظتك، تأدية لحق الله وحق إمامتك. إنه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، فابتاعوا دنياك بدينهم، ورضا بسُخْط ربهم، خافوك في الله، ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة، سِلْم للدنيا، فلا تَأْمَنهم على ما ائتمنك الله عليه، فإنهم لا يالونك1 خَبَالًا، والأمانة تضييعًا، والأمة عسفا وخسفا2، وأنت مسئول عما اجترحوا3، وليسوا مسئولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك. فإن أخسر الناس صفقة يوم القيامة، وأعظمهم غَنْبًا من باع آخرته بدنيا غيره". قال سليمان: "ما أنت يا أعرابي، فقد سلَلْت لسانك، وهو أقطع سيفيك"، فقال: "أجل يا أمير المؤمنين لك لا عليك".
"عيون الأخبار م2: ص337، والعقد الفريد 1: 307، ومروج الدهب 2: 164، وزهر الآداب 1: 277".
__________
1 ألا يألو: قصر وأبطأ، والخبال: الفساد.
2 العسف: الظلم. والخسف: الذل.
3 اكتسبوا، وفي رواية: "اجترموا".
(3/242)

2- أعرابي يعظ هشام بن عبد الملك:
ودخل أعرابي على هشام بن عبد الملك، فقال له: عِظْنِي يا أعرابي، فقال:
"كفى بالقرآن واعظًا، وأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ 1، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، ثم قال "يا أمير المؤمنين، هذا جزاء من يُطَفِّف في الكيل والميزان، فما ظنُّك بمن أخذه كله2؟ ".
"العقد الفريد 2: 84".
__________
1 طفف: نقص المكيال.
2 وروى صاحب العقد أيضًا هذه العظة "ج1 ص306" وذكر أنها لابن السماك وعظ بها الرشيد.
(3/243)

3- خطبة أعرابي 1:
وولَّى جعفر بن سليمان2 أعرابيًّا بعض مياههم3 فخطبهم يوم الجمعة فقال:
"الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، أما بعد: فإن الدنيا دار بلاغ4، والآخرة دار قرار، فخذوا لِمَقَرِّكُم في مَمَرِّكم. ولا تَهْتِكُوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسرارُكم، وأَخْرِجوا من الدنيا قلوبكم،
__________
1 قدمنا في الجزء الثاني ص482 أن هذه الخطبة متنازع فيها، فهي تعزي تارة إلى الإمام علي كرم الله وجهه، وأخرى إلى سحبان وائل، وثالثة إلى أعرابي.
2 هو ابن عم أبي جعفر المنصور، وكان واليا على المدينة سنة 146–150هـ.
3 في مجمع الأمثال: "عن الأصمعي قال: حدثني شيخ من أهل العلم قال: شهدت الجمعة بالضرية "ضرية كغنية: قرية بين البصرة ومكة" وأميرها رجل من الأعراب، فخرج وخطب، ولف ثيابه على رأسه، وبيده قوس فقال....وأورد هذه الخطبة"، وفي الكامل للمبرد: "قال الأصمعي فيما بلغني خطبنا أعرابي بالبادية فحمد الله.....".
4 وفي رواية الميداني، وعيون الأخبار "بلاء" وفي رواية العقد "دار ممر والآخرة دار مقر".
(3/243)

قبل أن تخرج منها أبدانكم، فقيها حَيِيتم، ولغيرها خُلِقتم، اليوم عمل بلا حساب، وغدا حساب بلا عمل، إن الرجل إذا هلك، قال الناس ما ترك؟ وقالت الملائكة: ما قَدَّم؟ فلله آباؤكم! قَدِّموا بعضا، يكون لكم قَرْضًا، ولا تخلِّفوا كُلًّا، يكون عليكم كَلًّا1، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، والمحمود الله، والمصلَّى عليه محمد، والمدعوُّ له الخليفة، ثم إمامكم جعفر بن سليمان، قُوموا إلى صلاتكم".
"الأمالي: 1: 248، والعقد الفريد: 2: 164، وتهذيب الكامل: 1: 28، ومجمع الأمثال: 318، وعيون الأخبار م2: ص253، وزهر الآداب 2: 4".
__________
1 الكل: الثقل.
(3/244)

4- خطبة أخرى:
وخطب أعرابي فقال:
"الحمد لله الحميد المستحمَد، وصلى الله علي النبي محمد.
أما بعد: فإن التعمُّق في ارتجال الخطب لمُمْكن، والكلام لا يَنْثَنِي حتى يُنْثَنَي عنه، والله تبارك وتعالى لا يدرك واصف كُنْهَ صفته، ولا يبلغ خَطِيب منتهى مِدْحته، له الحمد كما مدح نفسه، فانْهَضوا إلى صلاتكم" ثم نزل فصلَّى. "العقد الفريد 2: 164".
(3/244)

خبطة أخرى2
...
5- خطبة أخرى:
وخطب أعرابي قومه فقال:
"الحمد لله، وصلى الله على النبي المصطفى وعلى جميع الأنبياء، ما أقبح بمثلي أن ينهى عن أمر ويرتكبه، ويأمر بشيء ويجتنبه، وقد قال الأول:
ودَعْ ما لمت صاحبه عليه ... فذمٌّ أن يلومك من تَلُوم
ألهمنا الله وإياكم تقواه والعمل برضاه".
"العقد الفريد 2: 164".
(3/244)

6- أعرابية توصي ابنها وقد أراد السفر:
قال أَبَان بن تَغْلِب -وكان عابدا من عُبَّاد أهل البصرة توفي سنة141هـ- شَهِدْتُ أعرابية وهي توصي ولدا لها يريد سفرًا وهي تقول له:
(3/244)

"أي بني اجلس أَمْنَحَك وصيَّتي، وبالله توفيقُك، فإن الوصية أَجْدَى1 عليك من كثير عقلك، أي بُنَيّ. إياك والنَّميمة فإنها تزرع الضغينة، وتفرِّق بين المحبِّين، وإياك والتعرض للعيوب فَتُتَّخَذَ غَرَضًا2، وخَلِيق أن لا يثبت الغرض على كثرة السِّهام، وقلما اعتورت3 السِّهام غرضًا إلا كَلَمَته4 حتى يَهِيَ5 ما اشتد من قوَّته، وإياك والجود بدينك، والبخل بمالك، وإذا هززت فاهزُز كريما يلين لهَزَّتك، ولا تهزُز اللئيم فإنه صخرة لا يتفجر ماؤها، ومَثِّل لنفسك مِثَال ما استحسنْتَ من غيرك فاعَمل به، وما استقبحتَ من غيرك فاجْتَنِبْه، فإن المرء لا يرى عيبَ نفسه، ومن كانت مودَّته بِشْرَه، وخالَف ذلك منه فعله، كان صديقه منه على مِثل الريح في تصرُّفها" ثم أمسكت، فدنوتُ منها، فقلت: بالله يا أعرابية إلَّا زِدْتِه في الوصية، فقالت: أوقد أعجبك كلام العرب يا عراقي؟ قلت: نعم. قالت: والغَدْر أقبح ما تعامل به الناس بينهم، ومن جمع الحِلْم والسَّخَاء فقد أجاد الحُلَّة6: رَيْطَتها وسِرْبَالَها.
"الأمالي 2: 81، والعقد الفريد 2: 85، وبلاغات النساء ص57، والبيان والتبيين 3: 221".
__________
1 انفع
2 هدفا.
3 تداولت.
4 جرحته وحطمته.
5 وهي يهي: ضعف.
6 الحلة لا تكون إلا من ثوبين إزار ورداء، والريطة؛ الملاءة كلها نسيج واحد وقطعة واحدة، والسربال: القميص.
(3/245)

7- أعرابية توصي ابنها:
وقالت أعرابية لابنها:
"يا بني، إن سؤالك الناس ما في أيديهم من أشد الافتقار إليهم، ومن افتقرتَ إليه هُنْتَ عليه، ولا تزال تُحْفَظ وتُكْرَم، حتى تَسْأل وترغب، فإذا ألَحَّت عليك الحاجة، ولزِمك سوء الحال، فاجعل سؤالك إلى من إليه حاجة السائل والمسئول، فإنه يعطي السائل".
"العقد الفريد 2: 85".
(3/245)

8- أعرابي يوصي ابنه:
ووصى أعرابيّ ابنه فقال:
"ابْذُل المودَّة الصادقة تستفدْ إخوانًا، وتتخذ أعوانا، فإن العداوة موجودة عَتِيدَة، والصداقة مُسْتَعْرِزَةً1 بعيدة، جنَّب كرامتك اللئام، فإنهم إن أحسنت إليهم لم يشكروا، وإن نزلتْ شديدة لم يصبِرُوا".
"الأمالي 1: 201".
__________
1 مستعرزة: منقبضة شديدة.
(3/246)

9- أعرابي ينصح لابنه:
عن عبد الرحمن عن عمه قال: سمعت أعرابيًّا يقول لابنه:
"لا يَغُرَّنَّك ما ترى من خَفْض العيش، ولين الرِّياش1، ولكن فانظر إلى سوء الظَّعْن، وسوء المُنْقَلَب".
"الأمالي 2: 59".
__________
1 الحصب والمعاش.
(3/246)

10- أعرابي ينصح لابنه:
وقال: سمعت أعرابيًّا يقول لابنه:
"كن للعاقل المُدْبِر أرجَى منك للأحمق المُقْبِل"، وأنشد:
عَدُوُّك ذو الحِلم أبقَى عليك ... وأرعى من الوَامِق الأحمق1
"ذيل الأمالي ص34".
__________
1 الوامق: المحب.
(3/246)

11- أعرابي ينصح لأخيه:
ونصح أعرابي لأخيه، فقال:
"اعلم أن الناصح لك، المشفِقَ عليك، من طالع لك ما وراء العواقب بروّيته ونظره، ومَثَّل لك الأحوال المَخُوفَة عليك، وخَلَط الوَعْر بالسهل من كلامه ومَشُورته ليكون خوفك كِفَاء1 رجائك، وشكرك إزاء النِّعمة عليك، وأن الغاشَّ لك، والحاطب2 عليك، من مدَّ لك في الاغترار، ووطَّأ لك مِهَاد3 الظلم، تابعًا لمرضاتك منقادًا لهواك".
"الأمالي 1: 198".
__________
1 مكافئًا.
2 هو حاطب ليل: أي مخلط في كلامه.
3 المهاد: الفراش.
(3/246)

12- أعرابيّ يعظ أخاه:
ووعظ أعرابيًّا أخًا له أفسد ماله في الشَّراب، فقال:
"لا الدهر يعظك، ولا الأيام تُنْذِرك، ولا الشَّيب يَزْجُرك، والساعات تحصَى عليك، والأنفاس تعدُّ منك، والمنايا تُقاد إليك، أحب الأمور إليك، أعودها بالمضَرَّة عليك".
"العقد الفريد 2: 85، والأمالي 1: 198، وزهر الآداب 3: 115".
(3/247)

13- أعرابي يعظ صاحبه:
وقال أعرابي لصاحبه:
"والله لئن هَمْلَجْت1 إلى الباطل، وإنك لقَطُوف2 عن الحق، ولئن أبطأت ليُسْرِعَنَّ بك، وقد خسر أقوام وهم يظنون أنهم رابحون، فلا تغرنَّك الدنيا، فإن الآخرة من ورائك".
"البيان والتبيين 2: 158، والعقد الفريد 2: 86".
__________
1 من هملج البرذون: مشى مشية سهلة في سرعة.
2 من قطفت الدابة كنصر وضرب: ضاق مشيها، فهي قطوف.
(3/247)

14- أعرابي يعظ أخاه:
وقال أعرابي لأخيه:
"يا أخي: أنت طالب ومطلوب، يطلبك ما لا تَفُوته، وتطلب ما قد كُفِيتَه، فكأن ما غاب عنك، قد كُشِف لك، وما أنت فيه قد نُقِلْتَ عنه، فأمْهَد1 لنفسك، وأعِدّ ذلك، وخذ في جهازك".
"العقد الفريد: 2: 84".
__________
1 أي مهد وأعد.
(3/247)

15- أعرابي يعظ رجلا:
وقال أعرابي لرجل:
"أي أخي: إن يَسَار النفس أفضل من يسار المال، فإن لم تُرْزق غنىً لا تُحْرم تقوى، فربَّ شَبْعَان من النِّعم، عُرْيَان من الكرم، واعلم أن المؤمن على خير: تُرَحِّب به الأرض، وتستبشر به السماء، ولن يُسَاء إليه في بطنها، وقد أحسن على ظهرها".
"العقد الفريد 2: 85".
(3/248)

16- أعرابي يعظ رجلا:
وقال الأصمعي: أعرابيا يعظ رجلا وهو يقول:
"وَيْحَك! إن فلانا وإن ضحك إليك، فإنه يضحك منك، ولئن أظهر الشفقة عليك، إن عقاربه لَتَسْرِي إليك، فإن لم تتخذه عدوا في علانيتك، فلا تجعله صديقًا في سريرتك".
"زهر الآداب 3: 164".
(3/248)

17- أعرابي يعظ رجلا:
وسمع أعرابي رجلا يقع في السلطان، فقال:
"إنك غُفْل لم تَسِمْك التجارب، وفي النصح لَسْعُ العقارب، كأني بالضاحك إليك، وهو باك عليك".
"زهر الآداب 3: 164".
(3/248)

18- كلام أعرابي لابن عمه:
وشاور أعرابي ابن عمٍّ له، فأشار عليه برأي، فقال:
"قد قلت بما يقول به الناصح الشفيق الذي يخلط حلو كلامه بمُرِّه، وحَزْنَه بسهله، ويحرِّك الإشفاق منه ما هو ساكن من غيره، وقد وعيتُ النصح منه وقَبِلته؛ إذ كان مصدره من عند من لا شك في مودَّته، وصافي غيبه، وما زالتَ بحمد الله إلى الخير منهجًا واضحًا، وطريقًا مَهْيَعًا1".
"الأمالي 2: 82".
__________
1 طريق مهيع: بين واضح.
(3/248)

19- كلمات حكيمة للأعراب:
قيل لأعرابي: ما لك لا تشرب النَّبِيذ؟ قال: "لثلاث خلال فيه: لأنه متلف للمال، مذهب للعقل، مسقط للمروءة".
وقال أعرابي: "الدراهم مَيَاسِم1، تسم حمدا وذما، فمن حبسها كان لها، ومن أنفقها كانت له، وما كل مَنْ أُعْطِي مالا أُعْطِي حمدا، ولا كل عديم ذميم".
وقال أعرابي لأخ له: "يا أخي إن مالك إن لم يكن لك كنت له، وإن لم تُفْنِه أفناك، فكُلْه قبل أن يأكلك".
وقال أعرابي: "إن الموفَّق من ترك أرفق الحالات به، لِأَصْلَحِهَا لدينه، نظرا لنفسه، إذا لم تنظر نفسه لها".
وقال أعرابي: "أن الله مُخِلف ما أتلف الناس، والدهر مُتْلِف ما أخلفوا، وكم من ميتة عليها طلب الحياة، وكم من حياة سببها التعرض للموت".
وقال أعرابي: "إن الآمال قطعت أعناق الرِّّجال، كالَّسرَاب غَرَّ من رآه، وأخلَفَ من رجاه".
وقال أعرابي لصاحب له: "أصحب من يتناسى معروفه عليك، ويتذكر حقوقك عليه".
وقال أعرابي: "لا تسأل من يفرُّ من أن تسأله، ولكن سَلْ من أمرك أن تسأله، وهو الله تعالى".
وقال أعرابي: "ما بقاء عُمْرٍ تقطعه الساعات، وسلامة بدن معَرَّض للآفات؟ ولقد عجبت من المؤمن! كيف يكره الموت؟ وهو يَنْقُله إلى الثواب الذي أحيا له ليله وأظمأ له نهاره".
__________
1 مياسم جمع ميسم بالكسر: وهو المكواة.
(3/249)

وذُكر أهل السلطان عند أعرابي فقال: "أما والله لئن عزُّوا في الدنيا بالجَوْر، لقد ذلُّوا في الآخرة بالعدل، ولقد رضوا بقليل فانٍ، عِوَضًا عن كثير باقٍ، وإنما تزلُّ القدم حيث لا ينفع الندم".
وقال أعرابي: "من كانت مطيتَه الليل والنهار، سارا به وإن لم يَسِرْ، وبلغا به وإن لم يبلغ".
وقال أعرابي: "الزهادة في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة، والزهادة في الآخرة مفتاح الرغبة في الدنيا".
وقيل لأعرابي وقد مرض: إنك تموت! قال: "وإذا مُِتُّ فإلى أين يُذْهَب بي؟ " قالوا: " إلى الله تعالى"، قال: "فما كراهتي أن يُذْهَبَ بي إلى من لم أو الخير إلا منه؟ ".
وقال أعرابي: "من خاف الموت بادر الموت، ومن لم يُنَحِّ النفس عن الشهوات، أسرعت به إلى الهَلَكات، والجنة والنار أمامك".
وقال أعرابي: "خير لك من الحياة ما إذا فقدته أبغضتَ له الحياة، وشرٌّ من الموت ما إذا نزل بك أحببت له الموت".
وقيل لأعرابي: من أحق الناس بالرحمة؟ قال: "الكريم يُسَلَّط عليه اللئيم، والعاقل يُسَلَّط عليه الجاهل".
وقيل له: أيُّ الداعين أحق بالإجابة؟ قال: المظلوم، وقيل له: فأي الناس أغنى عن الناس؟ قال: "من أفرد الله بحاجته".
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: "إذا أشكل عليك أمران، فانظر أيهما أقرب من هواك فخالفه، فإن أكثر ما يكون الخطأ مع متابعة الهوى".
وقال أعرابي: "الشرُّ عاجلة لذيذ، وآجله وَخِيم".
(3/250)

وقال أعرابي: "من ولد الخير أنتج له فِراخًا تطير بأجنحة السرور، ومن غرس الشر أنبت له نباتا مُرَّا مَذَاقُه، وقضبانه الغيظ، وثمرته الندم".
وقال أعرابي: "من كساه الحياء ثوبَه، حَفِيَ على الناس عيبه" وقال: بئس الزاد، التَعَدِّي على العباد"، وقال: "التلطُّف بالحيلة، أنفع من الوسيلة"، وقال: "من ثَقُلَ على صديقه، خَفَّ على عُدُوِّه، ومن أسرع إلى الناس بما يكرهون، قالوا فيه ما لا يعلمون".
وقال أعرابي: "أعجزُ الناس من قَصَّر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضَيَّع من ظَفِر به منهم".
وقال أعرابي لابنه: "لا يسرك أن تغلب بالشرِّ، فإن الغالب بالشر هو المغلوب".
وقال أعرابي لأخ له: "قد نهيتك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه، فإن حظَّك من عطيته السؤال".
وقال أعرابي: "إن حب الخير خير وإن عجزتْ عنه المقدِرة، وبغض الشر خير وإن فعلتَ أكثره".
وقال أعرابي: "والله لولا أن المروءة ثَقِيل مَحْمِلُها1، شديدة مُؤْنتها، ما ترك اللئام للكرام شيئا".
واحتُضِر أعرابي، فقال له بنوه: عِظْنَا يا أبت، فقال: "عاشروا الناس معاشرة، إن غِبْتُم حَنُّوا إليكم، وإن مِتُّم بَكَوْا عليكم".
ودخل أعرابي على بعض الملوك في شَمْلة2 شعر، فلما رآه أعرض عنه، فقال له: "إن الشَّمْلَة لا تكلمك، وإنما يكلمك مَنْ هو فيها".
وقال أعرابي: "ربَّ رجل سِرُّه منشور على لسانه، وآخر قد التحفَ عليه قلبه التحافَ الجناح على الخَوَافِي".
__________
1 المحمل في الأصل: شقان على البعير يحمل فيهما العديلان.
2 كساء دون القطيفة يشتمل به.
(3/251)

وقيل لأعرابي: كيف كتمانك للسِّرِّ؟ قال: "ما جوفي له إلا قَبْرٌ".
ومرّ أعرابيان رجل صلبه بعض الخلفاء، فقال أحدهما: أنْبَتَتْه الطاعة، وحَصَدَته المعصية، وقال الآخر: "من طَلَّق الدنيا فالآخرة صاحبته، ومن فارق الحق فالْجِذْع راحلته".
وقال أعرابي: "إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل، ودوام عهده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه".
وقال أعرابي: "إذا كان الرأي عند مَنْ لا يُقْبَل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه، ضاعت الأمور". "العقد الفريد 2: 85 –87"
وقال أعرابي: "إن الدنيا تنطق بغير لسان، فتخبر عما يكون بما قد كان".
"العقد الفريد 2: 80".
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: "غَفَلْنا ولم يَغْفُل الدهر عنا، فلم نتعظ بغيرنا، حتى وُعِظ غيرُنا بنا، فقد أدركت السعادة مَنْ تَنَبَّه، وأدركت الشقاوة من غَفَل، وكفى بالتجربة واعظًا".
"زهر الآداب 2: 5".
وقال أعرابي لرجل: "اشكُر للمنعم عليك، وأَنْعِم على الشاكر لك، تستوجب من ربك زيادته، ومن أخيك مُنَاصَحَته".
"زهر الآداب 2: 6".
وتذاكر قوم صِلَة الرَّحِم، وأعرابيُّ جالس، فقال: "مَنْسَأَة1 في العمر، مَرْضَاةُ للربّ، محبَّة في الأهل".
"الأمالي: 1: 217".
وقال أعرابي: "لا أعرف ضُرًّا أوصَل إلى نِياط القلب، من الحاجة إلى من لم تَثِق بإسعافه، ولا تأَمَنْ ردَّه، وأكْلَمُ المصائب فَقْدُ خليلٍ لا عِوَض منه".
وقيل لأعرابي: أي شيء أمتع؟ فقال: "مُمَازَحَة المحب، ومحادثة الصديق، وأمانيّ تقطع بها أيامَك".
__________
1 إطالة.
(3/252)

وقال أعرابي: "من لم يرضَ عن صديقه إلا بإيثاره على نفسه، دام سَخطُه، ومن عاتب على كل ذنب كثُر عدوّه، ومن لم يؤاخِ من الإخوان إلا مَن لا عيب فيه قَلَّ صَدِيقه".
"الأمالي 1: 218".
عن عبد الرحمن عن عمه قال: قلت لأعرابي ما تقول في المِرَاء؟ قال: "ما عسى أن أقول في شيء يُفْسِد الصداقة القديمة، ويَحُلّ العُقدة الوثيقة، أقل ما فيه أن يكون دُرْبَةً للمغالبة من أمتَنِ أسباب الفتنة".
"الأمالي 1: 258".
عن عبد الرحمن عن عمه قال: سمعت أعرابيًّا يقول: "لا يوجَد العَجُول محمودًا، ولا الغَضُوب مسرورًا، ولا المَلُول ذا إخوان، ولا الحرُّ حريصًا، ولا الشَّرِه غنيًّا".
وقال سمعت أعرابيًّا يقول: "صُنْ عقلك بالحلم، ومروءتك بالعفاف، ونجدَتُك بتجانبة الخيلاء، وخَلَّتك1 بالإجمال في الطلب".
"الأمالي 2: 32".
وقال: سمعت أعرابيًّا يقول: "أقبح أعمال المقتدرين الانتقام، وما اسْتُنْبِطَ الصواب بمثل المشاورة، ولا حُصِّلَت النعم بمثل المواساة، ولا اكتسِبَتْ البغضاء بِمِثْلِ الكِبْر".
"الأمالي 2: 32، وزهر الآداب 2: 3".
وقال أعرابي: "خير الإخوان من يُنِيلُ عُرْفًا، أو يدفع ضُرًّا".
"الأمالي 2: 41".
عن عبد الرحمن عن عمه قال: سمعت أعرابيًّا يقول: "العاقل حقيق أن يُسَخِّيَ بنفسه عن الدنيا؛ لعلمه أن لا ينال أحد فيها شيئا إلا قَلَّ إمتاعه به، أو كَثُرَ عَنَاؤه فيه، واشتدت مَرزِئَتُه2 عليه عند فِرَاقه، وعَظُمَت التَّبِعَة فيه بعده".
"الأمالي 2: 41".
وقال أعرابي: "خَصْلتان من الكرام: إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الإخوان".
"الأمالي 2: 73".
__________
1 الحلة: الفقر.
2 المرزئة والرزء والرزيئة: المصيبة.
(3/253)

وقال أعرابي: "ما غُبِنْتُ قط حتى يغبن قومي"، قيل: وكيف ذلك؟ قال: "لا أفعل شيئا حتى أشاورهم".
"البيان والتبيين 3: 161".
وقال أعرابي لرجل مَطَلَه في حاجة: "إن مِثْل الظفر بالحاجة تعجيل اليأس منها إذا عَسُر قضاؤها، وإن الطلب وإن قَلَّ أعظم قدرًا من الحاجة وإن عَظُمَت، والمطل من غير عُسْرٍ آفة الجود".
"البيان والتبيين 3: 221".
وقال أعرابي: "وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مَطْلٌ وتعطيل".
"البيان والتبيين 3: 231".
وقال أعرابي: "اعتذار من مَنْع، أجمل من وعد مَمْطول".
"الأمالي 2: 198".
وقال أعرابي: "عوِّد لسانك الخير، تسلم من أهل الشرّ".
"ذيل الأمالي ص29".
وقال أعرابي: "خرجت ليلة حين انحدرت أيدي النجوم، وشالت1 أرجلها، فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر، فإذا بجارية كأنها عَلَم، فجعلت أُغازلها، فقالت: يا هذا: أَمَا لَكَ نَاهٍ من كَرَم، إن لم يكن لك زاجر من عقل؟ قال: والله ما يراني إلا الكواكب! قالت: فأين مُكَوْكِبُهَا؟ ".
"العقد الفريد 2: 94، والبيان والتبيين 2: 51، وزهر الآداب 2: 6".
__________
1 ارتفعت: من شالت الناقة بذنها وأشالته: رفعته. فشال هو.
(3/254)

أجوبة الأعراب
مجاربة أعرابي للحجاج
...
أجوبة الأعراب:
20- مجاوبة أعرابي للحجاج:
خرج الحجاج ذات يوم فأَصْحَر1. وحضر غَداؤه، فقال: اطلبوا من يتغدَّى معي، فطلبوا، فإذا أعرابي في شَمْلة: فَأُتِيَ به، فقال السلام عليكم، قال: هَلُمّ أيها الأعرابي، قال: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته، قال: ومن هو؟ قال: دعاني
__________
1 أصحر: برز في الصحراء.
(3/254)

الله ربِّي إلى الصوم، فأنا صائم، قال: وصوم في مثل هذا اليوم الحارّ؟ قال: صمت ليوم هو أحرُّ منه، قال: فأفطر اليومَ وصُمْ غدًا، قال: ويضمن لي الأمير أني أعيش إلى غد؟ قال: ليس ذاك إليه، قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل، وليس إليه سبيل؟ قال: إنه طعام طيِّب، قال: والله ما طيَّبه خَبَّازك ولا طَبَّاخك، قال: فَمَن طيَّبه؟ قال: العافية، قال الحجاج: تالله إن رأيت كاليوم! أخرجوه عني.
"البيان والتبيين 3: 234، والعقد الفريد 2: 87".
(3/255)

21- مساءلة الحجاج أعرابيا فصيحا:
وقال الحجاح لأعرابي كلمة فوجده فصيحًا: كيف تركت الناس وراءك؟ فقال: "تركتهم -أصلح الله الأمير- حين تفرّقوا في الغيطان، وأخَمْدوا النيران. وتَشَكَّت النساء، وعَرَض الشَّاء، ومات الكلب"، فقال الحجاج لجلسائه: "أَخِصْبًا نَعَتَ أم جَدْبًا؟ قالوا: بل جدبا، قال: بل خصبا، قوله: تفرقوا في الغيطان1، معناه: أنها أعشبت، فإبلهم وغنمهم تَرْعَى، وأخمدوا النيران، معناه: استغنوا باللبن عن أن يشتَوُوا لحوم إبلهم وغنمهم ويأكلوها، وتشكَّت النساء أعضادَهن، من كثرة ما يَمْخَضْن2 الألبان، وعَرَض الشاء: استَنَّ3 من كثرة العُشْب والمرعى، ومات الكلب: لم تمت أغنامهم وإبلهم فيأكل جِيَفها".
"ذيل الأمالي ص87".
__________
1 جمع غائط: وهو المطمئن الواسع من الأرض.
2 مخض اللبن من باب قطع ونصر وضرب أخذ زبده.
3 استن: سمن، سن الإبل كنصر: إذا رعاها فأسمنها.
(3/255)

22- مجاوبة أعرابي لعبد الملك بن مروان:
ودخل أعرابي على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا أعرابي صف الخمر، فقال: شَمُول إذا شُجَّت، وفي الكأس مُزَّة لها في عِظام الشاربين دَبِيب1.
__________
1 الشمول: الخمر أو الباردة منها؛ لأنها تشمل بريحها الناس، أو لأن لها عصفة كعصفة الشمال، وشيح الشراب: مزجه.
(3/255)

تُرِيك القَذَى من دونها وهي دُونَه ... لوجه أخيها في الإناء قُطُوب1
فقال: وَيْحَكَ يا أعرابي! لقد اتهمك عندي حُسْنُ صفتك لها، قال: "يا أمير المؤمنين، واتهمك عندي معرفتك بحسن صفتي لها".
"عيون الأخبار م2: ص215".
__________
1 القذى: ما يقع في الشراب، قطب كضرب قطبا وقطوبا: زوى ما بين عينيه وكلح، وأخوها: هو نبيذ الزبيب، والمعنى: أن الشاربين يفضلونها عليه فيشربونها دونه، فهو يقطب من أجل ذلك، وفي أخيها يقول الشاعر:
دع الخمر يشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها
فإلا يكنها أو تكنه فإنه ... أخواها غذته أمه بلبانها
(3/256)

23- مجاوبة أعرابي لخالد بن عبد الله القسري:
وخطب خالد بن عبد الله القَسْرِي فقال:
"يا أهل البادية: ما أخشنَ بلدكم، وأغلظَ معاشكم، وأَجْفَى أخلاقَكم، لا تشهدون جُمْعَه، ولا تُجَالِسُون عالما"، فقام إليه رجل منهم دَمِيمٌ، فقال: "أمَّا ما ذكرت من خشونة بلدنا، وغِلَظ طعامنا، فهو كذلك، ولكنكم معشر أهل الحضر، فيكم ثلاث خصال، هي شَرٌّ من كل ما ذكرت"، قال له خالد: وما هي؟ قال: "تَنْقُبُون الدور، وتَنْبُشُون القبور، وتَنْكِحُون الذكور"، قال: "قَبَّحَك الله، وقبَّح ما جئتَ به".
"العقد الفريد 2: 127".
(3/256)

24- أجوبة شتى:
وقُدِّم أعرابي إلى السلطان، فقال له: قل الحق، وإلا أَوْجَعْتُك ضربًا، قال له: "وأنت فاعمل به، فوالله ما أَوْعَدَك الله على تركه، أعظم مما تُوعِدُني به".
ونظر عثمان إلى أعرابي في شَمْلة، غائر العينين، مُشْرِف الحاجبين، ناتِئ الجَبْهَة، فقال له: أين ربك؟ قال: بالمِرّصاد!
وقيل لأعرابي: إنك تُحْْسِن الشَّارة1، قال: "ذلك عنوان نعمة الله عندي".
__________
1 الشارة: اللباس والهيئة والزينة.
(3/256)

وقيل لأعرابي: "كيف أنت في دينك؟ قال: أَخْرِقُه بالمعاصي، وأُرَّقعه بالاستغفار".
وسئل أعرابي عن القَدَر فقال: "الناظر في قدر الله كالناظر في عين الشمس، يَعْرِف ضوءها، ولا يقف على حدودها".
وسئل آخر عن القدر، فقال: "علم اختصمت فيه العقول، وتقاول فيه المختلفون، وحَقَّ علينا أن يرد إلينا ما التبس علينا من حكمه، إلى ما سبق علينا من علمه".
"العقد الفريد 2: 86 – 87".
وقيل لأعرابي: من أبلغ الناس؟ قال: "أحسنهم لفظًا وأسرعهم بديهة".
وقيل لأعرابي: ملك لا تُطِيل الهجاء؟ قال: "يكيفك من القِلادة ما أحاط بالعُنُق".
وقال معاوية لأعرابية: هل من قِرًى؟ قالت: نعم، قال: وما هو؟ قالت: "خبز خَمِير، ولبن فَطِير، وما نَمير1".
وقيل لأعرابي: فِيم كنتم؟ قال: "كنا بين قِدْر تفور، وكأس تَدْور وحديث لا يَحُور2".
وقيل لأعرابي: ما أعدَدْتَ للبرد؟ قال: "شِدَّة الرِّعْدَة، وقُرْفُصَاء القِعْدَة، ودَرَب المِعْدَة3".
وقيل لأعرابي: "ما لك من الولد؟ قال: "قليل خبيث" قيل له: ما معناه؟ قال: "إنه لا أقل من واحد، ولا أخبث من أنثى".
وقيل لأعرابي -وقد أدخل ناقته في السوق ليبيعها- صف لنا ناقتك، قال:
__________
1 الخمير: الذي اختمر، وما نمير: ناجع، عذبا كان أو غير عذب.
2 أي لا ينقص، وربما كان لا يجور بالجيم.
3 القرفصاء: أن يجلس على أليتيه، ويلصق فخذيه ببطنه، ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه، أو يجلس على ركبتيه منكبا، ويلصق بطنه بفخذيه، ويتأبط كفيه، والذرب: الحدة، والمعدة ككلمة وكسرة.
(3/257)

ما طلبتُ عليها قطّ إلا أدركتُ، ولا طلبتُ إلا فُتُّ، وقيل له: فلم تبيعها؟ قال: لقول الشاعر:
وقد تُخْرِج الحاجات يا أمّ عامرٍ ... كرائِمَ من رَبٍّ بهنَّ ضَنِين
وقيل لأعرابي: ماعندكم في البادية طبيب؟ قال: "حُمُر الوحش لا تحتاج إلى بَيْطَار".
وقيل لِشُرَيْحِ القاضي: هل كلمك أحد قط فلم تُطِقْ له جوابا؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون أعرابيا، خاصم عندي وهو يشير بيديه، فقلت له: أَمْسِك، فإن لسانك أطول من يدك، قال: "أَسَامِرِيٌّ أنت لا تُمَسُّ؟ 1".
"العقد الفريد 2: 97".
وقيل لأعرابي: أيُّ الألوان أحسن؟ قال: "قصورٌ بيض، في حدائق خُضْر".
وقيل لآخر: أي الألوان أحسن؟ قال: "بَيْضة2، في رَوْضة، عن غِب سَارِية، والشمس مُكَبِّدة".
"العقد الفريد 2: 96".
__________
1 يشير إلى قوله تعالى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ، قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ} .
والسامري: هو موسى بن ظفر السامري نسبة إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها: السامرة، وكان من قوم يعبدون البقر، وقع في مصر، فدخل في بني إسرائيل، وآمن بموسى، وكان منافقا لا يزال في قلبه عبادة البقر، فلما ذهب موسى لمناجاة ربه فتن بني إسرائيل، وكانوا حين خرجوا من مصر حملوا معهم من حلي القبط التي أخذوها منهم رهائن على ما يقرضونهم من المال -فاتخذ لهم منها عجلا جسدا له خوار ... إلى آخر ما هو معروف في القصة، من أثر الرسول: أي من أثر حافر الرسول وهو جبريل، والأثر: التراب الذي تحت حافره، والمساس مصدر ماس، وهو نفي أريد به النهي، أي لا تمسني ولا أمسك.
2 البيضة: ساحة القوم ومجتمعهم، والسارية: السحابة تسري ليلا، كبدت الشمس السماء: صارت في كبدها أي وسطها، وفي الأصل "مكيدة" بالياء وهو تصحيف.
(3/258)

وخطب أعرابي إلى قوم فقالوا: ما تبذل من الصدق؟ وارتفع السَِّجف1 فرأى شيئًا كرهه فقال: "والله ما عندي نقد، وإني لأكره أن يكون عليَّ دين".
"عيون الأخبار م2: ص200".
وقيل لأعرابية مات ابنها: "ما أحسن عزاءك عن ابنك! "، قالت: "إن مصيبته آمَنَتْنِي من المصائب بعده".
وقال محمد بن حرب الهلالي: قلت لأعرابي: "إني لك لَوَادٌّ"، قال: "وإن لك من قلبي لرائِدًا".
"البيان والتبيين 1: 146، والبيان والتبيين 2: 92".
وقال الأصمعي: رأيت أعرابيا أمامه شَاءٌ، فقلت لمن هذه الشاء؟ قال: "هي لله عندي".
"العقد الفريد 2: 86، وعيون الأخبار م2 ص209".
__________
1 السجف بالفتح والكسر: الستر.
(3/259)

قولهم في الاستمناح والاستجداء
أعرابي يجتدي عتبة بن أبي سفيان
...
25- أعرابي يجتدي عُتبة بن أبي سفيان:
اعترض أعرابي لعُتبة بن أبي سفيان، وهو على مكة، فقال: أيها الخليفة، فقال: لستُ به، ولم تُبْعِد، قال: يا أخاه، قال: أسَمِعْت فقل، قال:
"شيخ من بني عامر يتقرَّب إليك بالعُمُومة، ويختص بالخئُولة، ويشكو إليك كثرة العيال، ووطأة الزمان، وشدة فقر، وترادُف ضُرّ، وعندك ما يَسَعه ويَصْرِف عنه بؤسه" قال: "أستغفر الله منك، وأستعينه عليك، قد أمرت لك بِغِناك، فليت إسراعنا إليك، يقوم بإبطائنا عنك".
"البيان والتبيين 3: 230، والعقد الفريد 2: 81".
(3/259)

26- أعرابي يجتدي عمر بن عبد العزيز:
وأتى أعرابي عمر بن عبد العزيز، فقال:
"رجل من أهل البادية، ساقته إليك الحاجة، وبلغت به الغاية، والله سائلك عن مقامي غدا، فقال عمر: "والله ما سمعت كلمة أبلغ من قائل، ولا أوعظ لمقول له منها".
"العقد الفريد 2: 83، والأمالي 2: 174، والبيان والتبيين 3: 231".
(3/260)

27- خطبة أعرابي بين يدي هشام بن عبد الملك:
وكانت الأعراب تنتجِع هشام بن عبد الملك بالخُطَب كل عام، فتقدَّم إليهم الحاجب يأمرهم بالإيجاز، فقام أعرابي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
يا أمير المؤمنين، إن الله تبارك وتعالى جعل العطاء محَبَّة، والمنع مَبْغَضَةً، فَلِأَن نحبَّك خير من أن نُبْغِضك1"، فأعطاه وأجزل له.
"العقد الفريد 2: 83".
__________
1 يروى هذا لمحمد بن أبي الجهم العدوي، قاله في حضرة هشام أيضًا. انظر الجزء الثاني ص422.
(3/260)

28- مقام أعرابي بين يدي هشام:
وقام أعرابي بين يدي هشام فقال:
"يا أمير المؤمنين، أتت على الناس ثلاث سنين، أما الأولى: فَلَحَتِ1 اللحم، وأما الثانية: فأكلت الشَّحْم، وأما الثالثة: فهاضَت2 العَظْم، وعندكم فُضُول أموالٍ، فإن كانت لله فاقْسِمُوها بين عباده، وإن كانت لهم فَفِيمَ تَحْظَر3 عنهم؟ وإن كانت لكم فتصدَّقوا عليهم بها، وإن الله يَجْزِي المتصدقين، قال هشام: هل من حاجة غير هذه يا أعرابي؟ قال: "ما ضربت إليك أكباد الإبل، أَدَّرِع الهَجِير، وأخوض الدُّجى لخاصٍّ دون عام"، فأمر هشام بمال، فَقُسِّم بين الناس، وأمر للأعرابي بمال، فقال "أكلُّ المسلمين له مثل هذا؟ " قالوا: "لا، ولا يقوم بذلك بيت مال المسلمين"، قال: "فلا حاجة لي فيما يبعث لأَئِمَة الناس على أمير المؤمنين".
"عيون الأخبار م2: ص338 والعقد الفريد 2: 82".
__________
1 من لحا الشجرة: أخذ لحاءها "بالكسر" وهو قشرها.
2 هاض العظم: كسره بعد الجبور فهو مهيض، وفي رواية: "وعام أنقى العظم" أي وصل إلى نقيه "بالكسر" وهو مخ العظم.
3 تحجب وتمنع.
(3/260)

29- أعرابي يستجدي عبيد الله بن زياد:
وقال العتبيّ: وقف أعرابي بباب عبيد الله بن زياد فقال:
"يأهل الغَضَارة1، حَقِبَ السّحاب، وانقشَع الرَّبابُ2، واستأسَدَت الذئاب وَرُدِمَ الثَّمَدُ3، وقَلَّ الحفَدُ4، ومات الوَلَدُ، وكنت كثير العُفَاةِ5، صَخِبَ6 السُّقَاة، عظيم الدُّلَاة7 لاتصال الزمان، وغَفَلِ8 الحِدْثان، حَيَ حِلَال9، وعدد ومال، فَتَفَرَّقْنا أَيْدِي سَبَا10، بين فقد الأبناءِ والآباء وكنت حَسَن الشَّارة11، خَصِيب الدَّارَة12 سَلِيم الجَارَة13، وكان مَحَلى حِمًى، وقومي أُسًى14، وعزى جَدًا15
__________
1 الغضارة: النعمة والسعة والخصب، وفي الأصل: "الغضاضة" وهو تحريف -والغضاضة للذلة والمنقصة.
2 حقب المطر وغيره: احتبس، والرباب: السحاب الأبيض.
3 الثمد كشمس وسبب: الماء القليل لا مادة له.
4 الحفد: الأعوان مع حافد.
5 العفاة جمع عاف: وهو الوارد والضيف، وكل طالب فضل أو رزق.
6 وصف منه الصخب بالتحريك وهو شدة الصوت، والسقاة جمع ساق كقاض، وفي الأصل "صحب السفاء" وأراه محرفًا.
7 في الأصل: "عظيم الزلات" وأراه محرفا عن "الدلاة"، والدلاة كقضاة جمع دال كقاض، وهو النازع في الدلو المستقي به الماء من البئر. يقال: أدليت الدلو ودليتها: إذا أرسلتها في البئر. ودلوتها أدلوها فأنا دال، إذا أخرجتها.
8 الغفل بالتحريك: الغفلة، والحدثان: نوب الدهر وحوادثه، وفي الأصل: "ولا أعقل الحدثان" وأراه محرفا. وربما كان الأصل "ولإغفال الحدثان" بتكرير لام الجر.
9 الحلة بالكسر: القوم النالون، والجمع حلال وحلل ككتاب وعنب، وتطلق الحلة على البيوت مجازا تسمية للمحل باسم الحال، وهي مائة بيت فما فوقها.
10 يقال: ذهبوا أيدي سبا، وتفرقوا أيدي سبا، وأيادي سبا: أي تبددوا، شبهوا بأهل سبأ لما مزقهم الله في الأرض كل ممزق، فأخذ كل طائفة منهم طريقا على حدة، واليد: الطريق. يقال، أخذ القوم يد بحر، فقيل القوم إذا تفرقوا في جهات مختلفة: ذهبوا أيدي سبا: أي فرقتهم طرقهم التي سلكوها كما تفرق أهل سبأ في مذاهب شتى والعرب لا تهمز سبأ في هذا الموضع، لأنه كثر في كلامهم فاستثقلوا فيه الهمزة وإن كان أصله مهموزًا، وقد بنوا أيدي سبا، وأيادي سبا على السكون لكونه مركبا تركيب خمسة عشر.
11 الشارة: الهيئة والملباس والزينة والجمال.
12 الدارة: الدار.
13 الجارة، من معانيها: الزوجة.
14 الأسى جمع أسوة: وهي القدوة.
15 الجدا: العطية، والمطر الذي لا يعرف أقصاه.
(3/261)

قضى الله -ولا رُجْعَان لما قَضَى- بِسَوَاف1 المال، وشَتَاتِ الرجال، وتغيُّر الحال فأعِينوا من شَخْصُه شاهِدُه، ولِسَانُه وافِدُه، وفقره سائقه وقائده".
"زهر الآداب 3: 307".
__________
1 السواف بالضم وبفتح: مرض الإبل، وساف المال يسوف ويساف: هلك، أو وقع فيه السواف.
(3/262)

30- أعرابية تستجدي عبد الله بن أبي بكرة:
ودخلت أعرابية على عبد الله بن أبي بكرة بالبصرة، فوقفت بين السِّماطين1 فقالت:
"أصلح الله الأمير وأَمْتَعَ به، حَدَرَتْنا إليك سنة اشتد بلاؤها، وانكشف غطاؤها، أقُودُ صِبْيَةً صِغَارًا، وآخرين كبارًا، في بلدة شاسعة، وتَخْفِضنا خافضة، وترفعنا رافعة، لِمُلِمَّاتٍ من الدهر، بَرَيْن عظمي، وأذهَبْن لحمي، وتَرَكْنَنِي والِهَة، أدُور بالحضيض، وقد ضاق بي البلد العريض، فسألت في أحياء العرب: مَنِ الكاملة فضائله، المُعْطَى سائله، المَكْفِيَّ نائله؟ فَدُلِلْت عليك -أصلحك الله تعالى- وأنا امرأة من هوازن، قد مات الوالد، وغاب الرافد، وأنت بعد الله غِياثي، ومُنْتَهَى أملي، فافعل بي إحدى ثلاث خصال: إما أن تَرُدَّني إلى بلدي، أو تُحْسِن صَفَدِي2، أو تقيم أوَدِي فقال: بل أجمعهن لك، فلم يزل يُجْرِي عليها كما يُجْرِي على عياله حتى ماتت".
"زهر الآداب 3: 306".
وروى صاحب العقد قال:
قال الأصمعي: وقفت أعرابية على عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما فقالت:
"إني أتيت من أرض شاسعة، تَخْفِضُنِي خافضة، وترفعني رافعة، في بَوَادِي
__________
1 السماطان من الناس: الجانبان.
2 الصفد: العطاء.
(3/262)

بَرَيْنَ لحمي، وهِضْنَ1 عظمي، وتَرَكْنَنِي وَالِهةً، قد ضاق بي البلد، بعد الأهل والولد، وكثرة من العدد، لا قرابة تُؤْوِينِي، ولا عشيرة
تحميني، فسألت أحياء العرب، من المرتجَى سَيْبُه2، المأمون عَيْبُه، الكثير نائله، المكفِيُّ سائله، فَدُلِلْتُ عليك، وأنا امرأة من هَوَازِن، فقدت الولد والوالد، فاصنع في أمري واحد من ثلاث: إما أن تُحْسِنَ صَفَدِي، وإما أن تُقِيم أَوَدِي، وإما أن تردَّني إلى بلدي"، قال: بل أجمعهن لك، ففعل ذلك بها.
"العقد الفريد 2: 82".
__________
1 هاض العظم: كسره بعد الجبور.
2 السيب: العطاء.
(3/263)

31- أعرابي يستجدي خالد بن عبد الله القَسْرِيّ:
دخل أعرابي على خالد بن عبد الله القَسْرِيّ، فقال:
"أصلح الله الأمير: شيخ كبير، حَدَتْه إليك بارِيةُ العِظَام1، ومُؤَرِّثَة الأسقام، ومُطَوِّلة الأعوام، فذهبَتْ أمواله، وذُعْذِعَت2 آبالُه، وتَغَيَّرت أحواله، فإن رأى الأمير أن يَجْبُرَه بفضله، ويَنْعَشُه بسَِجْله3، ويردّه إلى أهله" فقال: كل ذلك، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
"الأمالي: 2: 49".
__________
1 حدته: ساقته، وبارية العظام: أي النكبات التي تبري العظام، مؤرثة: مهيجة، من التأريث وهو إيقاد النار.
2 ذعذعت: فرقت، وآبال جمع إبل.
3 السجل في الأصل: الدلو العظيمة مملوءة.
(3/263)

32- أعرابي يستجدي معن بن زائدة:
وقَدِم أعرابي من بني كنانة على مَعْن بن زائدة وهو باليمن فقال:
"إني والله ما أعرف سببا بعد الإسلام والرَّحِم، وأقوى من رِحْلة مثلى من أهل السِّن والحَسَب وإليك من بلاده، بلا سبب ولا وسيلة، إلا دعاءَك إلى المكارم، ورغبتك في المعروف، فإن رَأَيتَ أن تضعني من نفسك بحيث وضعتُ نفسي من رَجَائِك فافعل" فوصله وأحسن إليه.
"العقد الفريد 2: 80".
(3/263)

33- خطبة الأعرابي السائل في المسجد الحرام:
عن أبي زيد قال: بينا أنا في المسجد الحرام إذ وقف علينا أعرابيّ فقال:
"يا مسلمون، إن الحمد لله، والصلاة على نبيه، وإني امرؤ من أهل هذا المِلْطَاطِ الشرقي المُوَاصِي أسياف تِهَامَةَ1، عَكَفَتْ على سِنُون مُحُش2، فاجْتَبَّت الذُّرَى، وهَشَمَت العُرَى3، وجَمَشَتْ النجم، وأَعْجَت البَهْمَ4، وهَمَّت الشحمَ، والتَحَبَت اللحم، وأحْجَنَت العظم5، وغادرت التراب مَوْرًا، والماء غَوْرًا، والناس أوزاعا6، والنَّبط قُعَاعًا، والضَّهْل جُزَاعًا، والمقام جَعْجَاعًا7، يُصَبِّحُنا الهاوي، ويَطْرُقنا العاوي8، فخرجت لا أتلفَّع بوَصِيدة، ولا أَتَفَوَّت هَبِيدة9، فَالْبَخَصَات وَقِعَة، والرُّكَبَات زَلِعة، والأَطْراف قَفِعة10، والجسم مُسَلْهِم، والنظر مُدْرَهِم11، أَعْشُو فَأَغْطَشُ، وأضحى فَأَخْفَشُ12، أُسْهِل ظالعًا، وأُحْزِن راكعًا13 فهل من آمرٍ بِمَيْرٍ14، أو داعٍ بخير؟ وقاكم الله سطوة القادِر، ومَلَكة الكاهِر15، وسوء الموارِد، وفُضُوح المصادر"، قال: فأعطيته دينارا وكتبت كلامه، واستفسرته ما لم أعرفه.
"الأمالي 1: 113".
__________
1 الملطاط: كل شفير نهر أو واد، والمواصي والمواصل واحد، يقال تواصى النبت: إذا اتصل بعضه ببعض، وأسياف جمع سيف بالكسر: وهو ساحل البحر.
2 عكفت: أقامت، والسنون الجدوب، ومحش جمع محوش كصبور، وهي التي تمحش "بضم الخاء" الكلأ أي تحرقه.
3 اجتبت: قطعت واستأصلت، وهشمت: كسرت، والعرى جمع عروة، والعروة: القطعة من الشجر لا يزال باقيا على الجدب ترعاه أموالهم.
4 جمشت: احتلقت، والنجم: ما نجم ولم يستقل على ساق، وأعجت: أي جعلها عجايا، والعجى: السيئ الغذاء والمهزول.
5 همت: أذابت، والعرب تقول: "همك ما أهمك" أي أذابك ما أحزنك، والتحبت اللحم: أي عرقته عن العظم، وأحجنت العظم: أي عوجته فصيرته كالمحجن.
6 مار مورا: اضطراب وهاج، والغور: الغائر، أوزاع: فرق.
7 النبط: الماء الذي يستخرج من البئر أول ما تحفر، والقعاع الماء الملح المر: والضهل: القليل من الماء، والجزاع: أشد المياه مرارة، والجعجاع: المكان الذي لا يطمئن من قعد عليه.
8 الهاوي: الجراد، والعاوي: الذئب.
9 التلفع: الاشتمال، والوصيدة: كل نسيجه، والهبيد: حب الحنظل يعالج حتى يطيب فيختبز.
10 البخصات جمع بخصة، وهي لحم باطن القدم، ووقعة: من قولهم: وقع الرجل كفرح إذا اشتكى لحم باطن قدمه، وزلعه: متشققة، وقفعه ومقفعة واحد: وهي التي قد تقبضت ويبست.
11 المسلهم: الضامر المتغير، والمدرهم: الضعيف البصر الذي قد ضعف بصره من جوع أو مرض.
12 أعشو: أنظر: فأغطش: أصير غطشا "بكسر الطاء" والغطش محركة: ضعف في البصر، وضحى للشمس كفرح وسعى: برز لها، والخفش بالتحريك: ضعف البصر خلقة، أو فساد في الجفون بلا وجع أو أن يبصر بالليل دون النهار.
13 أسهل ظالعا: أي إذا مشيت في السهول ظلعت، وظلع كمنع: غمز في مشيه، وأحزن راكعا: أي إذا علوت الحزن ركعت أي كبوت لوجهي.
14 المير: العطية، من قولهم: مارهم يميرهم ميرا.
15 الكاهر والقاهر: واحد، وقد قرأ بعضهم: "فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ".
(3/264)

34- خطبة الأعرابي السائل في المسجد الجامع بالبصرة:
وروى الجاحظ قال:
قال أبو الحسن: سمعت أعرابيًّا في المسجد الجامع بالبصرة بعد العصر سنة ثلاث وخمسين ومائة: وهو يقول:
"أما بعد: فإنَّا أبناء سبيل، وأنْضَاء1 طريق، وفَلُّ2 سَنَةٍ، تَصَدَّقُوا علينا، فإنه لا قليلَ من الأجر، ولا غِنَى عن الله، ولا عمل بعد الموت، وأما والله إنَّا لنقوم هذا المقام، وفي الصدر حزَازة3، وفي القلب غُصَّة".
"البيان والتبيين 2: 46".
__________
1 أنضاء جمع نضو كقرد: وهو المهزول، أي قد هزلنا وأضنانا سلوك الطريق.
2 السنة: الجدب والقحط، وقوم فل: منهزمون، والجمع فلول وأفلال، أي هزمنا القحط.
3 الحزازة: وجع في القلب من غيظ ونحوه.
(3/265)

35- صورة أخرى:
وروى أبو عليّ القالي هذه الخطبة بصورة أخرى، وهَاكَها:
عن يُونُس قال: وقف أعرابيّ في المسجد الجامع في البصرة فقال:
"قَلَّ النَّيْل، ونَقَصَ الكيل، وعَجِفَت1 الخيل، والله ما أصبحنا ننفخ في وَضَح2، وما لَنَا في الديوان وَشْمَة3، وإنا لِعِيَال جَرَبَّة4، فهل من مُعِين، أعانه الله يعين ابن سبيل، ونِضْوَ طريق، وفَلَّ سَنَة؟ فلا قليل من الأجر، ولا غنى عن الله، ولا عمل بعد الموت".
"الأمالي 2: 197".
__________
1 هزلت.
2 الوضح: اللبن، سمي وضحًا لبياضه.
3 الوشمة: مثل الوشم في الذراع، يريد الخط.
4 الجربة: الكثير، أو العيال يأكلون ولا ينفعون.
(3/265)

صورى أخرى2
...
36- صورة أخرى:
ورواها صاحب العقد فقال: وقف أعرابي على حَلْقة يونس فقال:
"الحمد لله، وأعوذ بالله، أن أُذَكِّر به وأنساه، إنا أناس قَدِمنا المدينة ثلاثون رجلا لاندفِن ميتا ولا نتحول من منزل وإن كَرِهناه، فرحم الله عبد تَصَدَّق على ابن السبيل، ونِضو طريق، وفَلَّ سَنة، فإنه لا قليل من الأجر، ولا غنًى عن الله، ولا عمل بعد الموت، يقول الله عز وجل: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} إن الله لا يستقرض من عَوَزٍ، ولكن ليبلوَ خِيار عباده".
"العقد الفريد 2: 82".
(3/266)

37- أعرابي يستجدي:
وقال المدائني: سمعت أعرابيًّا يسأل وهو يقول:
"رحم الله امرأ لم تَمُجَّ أُذُنَاه كلامي، وقَدَّم لنفسه مَعَاذَةً1 من سوء مقامي، فإن البلاد مُجْدِبة، والدار مُضَيَّعة، والحال سيئة2، والحياء زاجر ينهى عن كلامكم، والعُدْم عاذِرٌ يحملني على إخباركم، والدعاء إحدى الصَّدَقتين، فرحم الله امرأ أمَرَ بِمَيْرٍ3، أو دعا بخير"، فقال له بعض القوم: مِمَّن الرجل؟ فقال: "مِمَّن لا تنفعكم معرفَتُه، ولا تضركم جهالته، ذلُّ الاكتساب، ويمنع من عز الانتساب".
"البيان والتبيين 3: 217، والعقد الفريد 2: 81، والأمالي 1: 138".
__________
1 المعاذة والمعاذ والعياذ: الالتجاء.
2 وفي الأمالي "والحال مسغبة" أي مجيعة.
3 مار عياله ميرا: جلب لهم الميرة "بالكسر" وهي الطعام، وفي العقد: فرحم الله امرأ يمير، وداعيًا يجبر".
(3/266)

38- أعرابي يستجدى:
وقال الأصمعي: أصابت الأعراب أعوام جَدْبة وشدة وَجَهْد، فدخلت طائفة منهم البصرة وبين يديهم أعرابي وهو يقول: "أيها الناس، إخوانكم في الدين، وشركاؤكم في الإسلام، عَابِرُو سبيل،
(3/266)

وأفلال بُؤْس، وصَرْعى جَدْب، تتابعت علينا سنون ثلاثة، غَبَّرت1 النِّعَم، وأهلكت النَّعَم، فأكلْنا ما بقيَ من جلودها فوق عظامها، فلم نزل نعلِّل بذلك أنفسنا، ونمنِّى بالغيث قلوبنا، حتى عاد مُخُّنَا عظاما، وعاد إشراقنا ظلاما، وأقبلنا إليكم يصرعنا الوَعْر، ويُكِنّنا2 السهل، وهذه آثار مصائبنا لائحة في سِمَاتنا، فرحم الله متصدقا من كثير، ومُوَاسِيًا من قليل، فلقد عظُمت الحاجة، وكَسَف البال، وبلغ المجهود، والله يَجْزِي المتصدقين".
__________
1 غبره لطخه بالغبار: أو هي "غيرت" بالياء.
2 أي يسترنا.
(3/267)

39- أعرابي يستجدي:
وقال الأصمعي: كنت في حَلْقة بالبصرة إذ وقف علينا أعرابي سائلا، فقال: "أيها الناس، إن الفقر يهتك الحجاب، ويُبْرِزُ الكعاب1، وقد حملتنا سِنُون المصائب، ونَكَبات الدهور، على مركَبِها الوَعْر، فواسُوا أبا أيتام، ونِضْوَ زمان، وطَرِيد فَاقَةٍ، وطريح هَلَكة، رحمكم الله".
__________
1 جارية كعاب: نهد ثديها.
(3/267)

40- أعرابي يستجدي:
وقال الأصمعي: وقف أعرابي علينا فقال:
"يا قوم: تتابعت علينا سِنُون بتغير وانتقاص، فما تركت لنا هُبْعًا ولا رُبَعًا1، ولا عافطة، ولا نافِطَة2، ولا ثاغِيَة ولا راغِبَة، فأماتت الزرع، وقتلت الضَّرع، وعندكم من مال الله فضلُ نعمة، فأعينوني من عطيَّة ما آتاكم الله، وارحموا أبا أيتام، وَنِضْوَ زمان، فلقد خَلّفتُ أقواما يمرَضون ولا يكفّنون ميتهم، ولا ينتقلون من منزل، وإن كَرِهوه، ولقد مشيت حتى انتعلت الدِّماء، وجُعْت حتى أكلتُ الثَّرَى".
__________
1 الهبع: الفصيل ينتج في آخر النتاج، والربع: الفصيل ينتج في الربيع، وهو أول النتاج.
2 النافطة: النعجة، من العفط: وهو الضرط، عفطت كضرب: ضرطت فهي عافطة، والعفط أيضا: نثير الضأن تنثر بأنوفها كما ينثر الحمار، والنافطة: العنز، من النفط، نفطت العنز كضرب: نثرت بأنفها أو عطست فهي نافطة، أو لأنها تنفط ببولها: أي تدفعه دفعًا، أو النافطة إتباع للعافطة، أو العافطة: الأمة الراعية، والنافطة: الشاة.
(3/267)

أعرابي يستجدي5
...
41- أعرابية تستجدي:
وقال الأصمعي: وقفت أعرابية فقالت:
"يا قوم سَنَة جَرَدت، وأيدٍ جَمُدت، وحال جَهَدت1، فهل من فاعلٍ لخير، وآمرٍ بَمَيْر؟ رحم الله من رَحِم، فأقْرَضَ مَنْ لا يظلم".
"العقد الفريد 2: 80 - 84".
__________
1 جهده المرض كمنع: هزله.
(3/268)

42- أعرابي يستجدي:
ووقف أعرابي بقوم فقال:
"أشكوا إليكم أيها المَلَأ زمانًا، كَلَح في وجهه، وأَنَاخ عليّ بِكَلْكَلِه، بعد نعمة من المال، وثروة من المآل، وغِبْطَةٍ من الحال، اعتورتني جَدَائِده1، بِنَبْل مصائبه، عن قِسِيِّ نوائبه، فما تركَا لي ثاغية2 اجْتَدِي ضَرعها، ولا رَاغِيَةً أَرْتِجي نفعها، فهل فيكم من مُعِين على صَرْفه، أو مُعْدٍ3 على حَتْفه؟ "، فرد القوم عليه، ولم يُنِيلوه شيئًا، فأنشأ يقول:
قد ضاع من يأكل من أَمْثَالِكُم ... جودا، وليس الجود من فِعَالِكُم
لا بارك الله لكم في مالكم ... ولا أزاح السوء عن عيالكم
فالفقر خير من صلاح حالكم
__________
1 سنة جداء: محلة مجدبة، والجداء من كل حلوبة: الذاهبة اللبن عن عيب، والجدودة: القليلة اللبن من غير عيب، والجمع جدائد وجداد.
2 الثاغية: الشاة من الثغاء بالضم، وهي صوت الغنم، والراغية: الناقة، من الرغاء، وهو صوت الإبل.
3 معين، أعداه عليه: نصره وأعلفه وقواه.
(3/268)

43- أعرابي يستجدي:
وسَمِعَ عديّ بن حاتم رجلًا من الأعراب وهو يقول:
"يا قوم تَصَدَّقُوا على شيخ مُعِيل، وعابر سبيل، شَهِد له ظاهره، وسَمِعَ شكواه
(3/268)

خالقه، بَدَنُه مطلوب، وثوبه مسلوب"، فقال له: من أنت؟ قال: رجل من بني سعد في دِيَةٍ لَزِمتني، قال: فكم هي؟ قال: مائة بعير، قال: دُونَكها في بطن الوادي.
"العقد الفريد 2: 82 - 83".
(3/269)

44- أعرابي يستجدي:
ووقف أعرابي على قوم فقال:
"إنا -رحمكم الله- أبناء سبيل، وأنضَاء طريق وقاسِية1، رحم الله امرأ أعطى من سَعَة، وَوَاسَى من كَفَاف".
فأعطاه رجل درهمًا فقال: "آجَرَك الله من غير أن يَبْتَلِيَك".
__________
1 أي وحال قاسية، وربما كان الأصل "وفل سنة".
(3/269)

45- أعرابي يستجدي:
ووقف أعرابي بقوم فقال:
"يا قوم: تتابعت علينا سِنُون جَمَاد1 شِدَاد، لم يكن للسماء فيها رَجْع2، ولا للأرض فيها صَدْع3، فَنَضَب العِدُّ4، ونَشِف الوَشَلُ، وأَمْحَل الخِصْبُ، وكَلَح الجَدْب، وشَفَّ5 المال، وكَسَف البال، وشَظِف المعاش، وذهب الرِّياش، وطرحتني الأيام إليكم غريبَ الدار، نَائي المحلّ، ليس لي مال أرجِع إليه، ولا عشيرة أَلْحَق بها، فَرَحِم الله امرأ رَحِم اغترابي، وجعل المعروف جوابي".
"العقد الفريد 2: 80".
__________
1 الجماد: السنة التي لا مطر فيها.
2 الرجع: المطر، لعوده كل حين.
3 أي انشقاق عن النبات، اقتبسه من الآية الكريمة: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ، وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} .
4 العد: الماء الجاري الذي له مادة لا تنقطع كماء العين، ونضب الماء: غار، والوشل: الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة، ولا يتصل قطره، نشف الماء في الأرض: ذهب "ونشف الحوض الماء شربه" وأمحل: أجدب.
5 شف: رق، والشطف بالتحريك: يبص العيش وشدته، والرياش: المال والخصب والمعاش.
(3/269)

46- أعرابية تستجدي:
وخرج المهدي يطوف بعد هَدْأَة1 من الليل، فَسَمِع أعرابية من جانب المسجد، وهي تقول:
"قوم متظلِّمون، نَبَتْ2 عنهم العيون، وفَدَحتهم الديون، وعَظَّتْهُم السِّنُون، بادت رجالهم، وذهبت أموالهم، وكثر عيالهم، أبناء سبيل، وأنضاء طريق، وصية الله ووصية الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فهل من امرئ يجبر؟ كَلَأَه الله في سَفَره، وخَلَفه في أهله".
فأمر نُصَيرا الخادم، فدفع إليها خمسمائة درهم.
"العقد الفريد 2: 80، وزهر الآداب 3: 244"
__________
1 أي حين هدأ الليل، أو هو أول الليل إلى ثلثه.
2 اقتحمتهم وازدرتهم، وفدحتهم: أثقلتهم.
(3/270)

47- أعرابي يستجدي:
ووقف أعرابي في شهر رمضان على قوم فقال:
"يا قوم: لقد خَتَمَتْ هذه الفريضة على أفواهنا من صُبْحِ أمس، ومعي بنتان لي، والله ما عَلِمْتُهُما تحلَّلتا بحلال، فهو رجل كريم يرحم اليوم مقامنا، ويردّ حُشَاشَتَنَا1؟ مَنَعَه الله أن يقوم مقامه، فإنه مقام ذُلّ وعاروصغار".
فافترق القوم ولم يعطوه شيئا، فالتفت إليهم حتى تأمَّلهم جميعًا ثم قال:
"أَشَدُّ والله عَلَيَّ مِنْ سُوءِ حالي وفاقتي، وتوهُّمي فيكم المواساة، انْتَعِلُوا الطريق، لا صَحِبَكُم الله".
"العقد الفريد 2: 82".
__________
1 الحشاشة: بقية الروح في المريض، والصغار: الذل.
(3/270)

48- أعرابي يستجدي
وقام أعرابي ليسأل فقال:
"أين الوجوه الصِّباح1، والعقول الصِّحاح، والأَلْسُنُ الِفصَاح، والأنساب الصِّراح2، والمكارم الرِّياح، والصدور الفِسَاح؟ تُعيذني من مقامي هذا".
"البيان والتبيين 3: 232"
__________
1 جمع صبيحة: وهي الجميلة من الصباحة كفصاحة أي الجمال.
2 جمع صريحة: وهي المحضة الخالصة.
(3/271)

49- أعرابي يستجدي:
ودعا أعرابي في طريق مكة فقال:
"هل من عائدٍ بفَضْل، أو مُوَاسٍ من كفاف؟ 1"، فأُمْسِك عنه فقال: "اللهم لا تَكِلْنا إلى أنفسنا فنعجِزَ، ولا إلى الناس فَنَضيع".
"البيان والتبيين 3: 234".
__________
1 الكفاف من الرزق: ما كف عن الناس وأغنى.
(3/271)

50- أعرابي يستجدي:
وقف أعرابي فسأل قومًا فقالوا له: عليك بالصَّيَارِفة، قال: هُناك والله قَرَارَةُ اللؤم!
"البيان والتبيين 2: 48".
(3/271)

51- أعرابي يستجدي
وسأل أعرابي ناسًا فقال: "جعل الله حظَّكم في الخير، ولا جعل حظَّ السائل منكم عِذْرة1 صادقة".
"البيان والتبيين 215:1".
__________
1 العذرة: اسم من العذر.
(3/271)

52- أعرابي يستجدي:
وسأل أعرابي، فقال له صبي من جوف الدار: "بُورِك فيك، فقال: قَبَّح الله هذا الفَمَ، لقد تعلَّم الشرَّ صغيرًا".
"البيان التبيين 3: 136".
(3/271)

53- أعرابي يستجدي
ووقف أعرابي على قوم فمنعوه، فقال:
"اللهم اشْغَلْنا بذكرك، وأَعِذْنا من سُخْطِك، وأَوْلِجَنا إلى عفوك، فقد ضَنَّ خَلقُك برزقك، فلا تَشْغَلْنا بما عندهم عن طلب ما عندك، وآتِنَا من الدنيا القُنْعان1، وإن كان كثيرها يُسْخِطك، فلا خير فيما يُسْخِطك".
"البيان والتبيين 3: 224"
__________
1 القنعان: القناعة.
(3/272)

54- أعرابي يستجدي:
وقال أبو الحسن: وقف علينا أعرابي فقال:
"أخ في كتاب الله، وجار في بلاد الله، وطالب خير من رزق الله، فهل فيكم من مُوَاسٍ في الله".
وسأل أعرابي رجلا، فاعتلّ عليه فقال: "إن كنت كاذبًا، فجعلك الله صادقا".
"العقد الفريد 2: 84".
(3/272)

55- أعرابي يسأل رجلا حاجة له:
أتى أعرابي رجلا "لم تكن بينه وبينه حُرْمة" في حاجة له، فقال:
"إني امْتَطَيتُ إليك الرجاء، وسِرْت على الأمل، ووفَدْت بالشكر، وتوسَّلتْ يحسن الظن، فحقِّق الأمل، وأَحْسِنْ المثُوبة، وأكرِم القَصْد، وأَتِمّ الودّ، وعَجِّل المُراد".
"العقد الفريد 2: 82، وزهر الآداب 3: 165".
(3/272)

قولهم في بكاء الموتى:
56- أعرابية تبكي ابنها:
وحَجَّت أعرابية ومعها ابن لها فأُصيبت به، فلمَّا دُفن قامت على قَبْرِه وهي وَجِعَة فقالت:
"والله يا بُنَيّ لقد غَذَوْتك رَضِيعًا، وفَقَدْتُك سَرِيعا، وكأنه لم يكن بين الحالين مُدَّة أَلْتَذُّ بعيشك فيها، فأصبحت بعد النَّضَارة والغَضَارَة1، ورَوْنَق الحياة، والتَّنَسُّم في طيب روائحها، تحت أطباق الثرى جسدًا هامدًا، ورُفاتًا سَحِيقًا، وصعيدًا جُرُزًا2.
أي بني لقد سَحَبَتِ الدنيا عليك أذيال الفَنَا، وأسكنتك دار البَلَى، ورَمَتْنِي بعد نَكْبَة الرَّدَى، أي بني لقد أسفر لي عن وجه الدنيا صباح داجٍ ظلامه3، ثم قالت:
أي ربِّ، ومنك العدل، ومن خلقك الجوْر، وهَبْتَه لي قُرَّةً عين، فلم تُمَتِّعني به كثيرًا، بل سَلَبْتَنِيه وَشِيكًا4، ثم أمرتني بالصبر، ووعدتني عليه الأجر، فَصَدَّقَت وعدك، ورضيتُ قضاءك، فَرِحَم الله من ترَحَّم على من اسْتَوْدَعْتَهُ الرَّدْمَ5، ووسَّدْتُه الثَّرَى، اللهم ارحم غُرْبته، وآنِس وحْشَتَه، واسْتُر عَوْرَتَه، يوم تَنْكَشِف الهَنَات6 والسَّوْءَات.
__________
1 النضارة: النعمة والحسن والغنى، والنضارة أيضًا: النعمة والسعة والخصب:
2 أطباق جمع طبق: وهو وجه الأرض، والرفات: الحطام، وسحيقًا: مسحوقًا، والصعيد: التراب، أو وجه الأرض وأرض جرز: لا تنبت، أو أكل نباتها، أو لم يصبها مطر.
3 أسفر الصبح وسفر كضرب: أضاء وأشرق، داج: قال الأصمعي: دجا الليل، إنما هو ألبس كل شيء، وليس هو من الظلمة، قال: ومنه قولهم: دجا الإسلام أي قوي، وألبس كل شيء.
4 سريعا.
5 الردم، السد، وما يسقط من الجدار المتهدم.
6 السيئات.
(3/273)

فلما أرادت الرجوع إلى أهلها وقفت على قبره فقالت:
أي بني: إني قد تزوَّدت لسفري، فليت شِعْرِي، ما زادُك لِبُعد طريقك، ويوم مَعادِك! اللهم إني أسألك له الرِّضا برضاي عنه، ثم قالت:
استودعتك من استودعنيك في أحشائي جنينا، وَاثُكْلَ الوالدات! ما أَمَضَّ1 حرارةَ قلوبهن، وأقْلَقَ مضاجعَهُن، وأطول ليلَهُنَّ، وأقصر نَهَارَهُنَّ، وأقل أُنْسَهُنَّ، وأشد وَحْشَتَهُنَّ، وأبعدهنَّ من السرور، وأَقْرَبَهُنَّ من الأحزان". فلم تزل تقول هذا ونحوه، حتى أبكت كل من سَمِعَها، وحَمِدت الله عزَّ وجل، واسترْجَعَت وصلَّت ركعات عند قبره وانطلقت. "زهر الآداب 2: 7".
__________
1 مضة الشيء: بلغ من قلبه الحزن به كأمضه.
(3/274)

57- حديث امرأة سكنت البادية قريبًا من قبور أهلها:
وروى أبو علي القالي: عن عبد الرحمن عن عمه قال:
"دفعت يومًا في تلمسي بالبادية على وادٍ خَلَاء لا أَنِيسَ به إلا بَيتٌ مُعْتَنِزٌ1، بِفَنَائِهِ أَعْنُزٌ، وقد ظَمِئْتُ فَيَمَّمْته، فسلَّمت فإذا عجوز قد برزت، كأنها نعامة راخم2، فقلت: هل من ماء؟ فقالت: أو لبن، فقلت: ما كانت بُغْيَتِي إلا الماء، فإذا يَسَّرَ الله اللبن فإني إليه فقير، فقامت إلى قُعْب3 فأفرغت فيه ماء، ونظَّفَت عَسْلَه، ثم جاءت إلى الأعنُز، فتغبَّرَتْهُن4 حتى احتلبت قُرَابَ5 مِلْء القَعْب، ثم أفرغت عليه ماء حتى رغا وَطَفَتْ ثُمَالَته6، كأنها غَمَامة بيضاء، ثم ناولتني إياه، فشربت حتى تحبَّبْت7 ريًّا واطمأنَنْت، فقلت:
__________
1 منفرد.
2 الراخم: التي تحضن بيضها، أرخمت الدجاجة على بيضها ورخمته، ورخمت عليه فهي مرخم وراخم.
3 القعب: قدح إلى الصغر، ويشبه به الحافر.
4 أي احتلبت الغير "كقفل": وهي بقية اللبن في الضرع، وجمعه أغبار.
5 قراب وقريب واحد، مثل كبار وكبير وجسام وجسيم.
6 الثمالة: الرغوة "وهي مثلثة الراء".
7 امتلأت.
(3/274)

إني أراك معتَنِزَة في هذا الوادي المُوحِش، والحِلَّة1 منك قريب، فلو انضممتِ إلى جنابهم فَأَنِسْتِ بهم! فقالت:
"يابن أخي، إني لآنس بالوَحْشَة، وأستريح إلى الوَحْدَة، ويطمئن قلبي إلى هذا الوادي المُوْحِش، فأتذكر مَنْ عَهِدْت، فكأني أُخاطب أعيانهم، وأَتَرَاءَى أشباحهم2 وتتخيَّل لي أندية رجالهم، وملاعب وِلْدَانِهِم، ومُنَدَّى3 أموالهم، والله يابن أخي لقد رأيت هذا الوادي بَشِع الَّلدِيدَين4 بأهل أدْواح وقِباب، ونَعَمٍ كالهضاب، وخيل كالذِّئاب، وفتيان كالرِّماح، يبارُون الرياح، ويَحْمُون الصِّبَاح5 فأحال عليهم الجَلَاء فما بِغَرْفَةٍ6 فأصبحت الآثار دارسة، والمَحَال طَامسة، وكذلك سيرة الدهر فيمن وَثِقَ به".
ثم قالت: ارْمِ بعينك في هذا الملا المتباطِن7، فَنَظَرْتُ فإذا قبور نحو أربعين أو خمسين، فقالت: ألا ترى تلك الأَجْدَاث؟ قلت نعم، قالت: ما انطوت إلا عَلَى أخٍ أو ابن أخٍ، أو عمّ أو ابن عمّ، فأصبحوا قد أَلْمَأَتْ8 عليهم الأرض، وأنا أترقب ما غالهم، انصرف راشدًا رحمك الله.
"الأمالي 2: 7".
__________
1 الحلة: جماعة بيوت الناس والجمع حلال ككتاب.
2 أشخاصهم جمع شبح كشمس وسبب.
3 المندية: أن يورد الرجل إبله: ثم يرعاها، ثم يوردها، ثم يرعاها، والمندي: المكان الذي يندى فيه المال.
4 بشع: ملآن، اللديدان: الحالبان، والدوحة: الشجرة العظيمة.
5 الصباح جمع صبيحة: وهي الجميلة من الصباحة كسحابة: الجمال.
6 قم البيت قما: كنسة "والمقمة: المكنسة، والقمامة: الكناسة" والغرفة الواحدة من الغرف: وهي ضرب من الشجر.
7 الملا: الفضاء، والمتباطن: المتطامن.
8 أي احتوت عليهم، وغالهم: أهلكهم.
(3/275)

58- حديث امرأة مات ابنها بين يديها:
عن عبد الرحمن عن عمه قال: دخلت على امرأة من العرب بِأَعْلَى الأرض في خِبَاء لها، وبين يديها بُنَيٌّ لها، قد نزل به الموت، فقامت إليه فأَغْمَضَتْه وعَصَّبَتْه وسَجَّتْه1، ثم قالت:
__________
1 تسجية الميت: تغطية.
(3/275)

"يا بن أخي، قلت: ما تشائين؟ قالت: ما أحق من أُلْبِس النِّعمة وأطِيلَت له النَّظِرَةُ1، أن لا يَدَعَ التوثُّق من نفسه، قبل حلّ عُقدته2، والحلول بِعَقْوَتِه3، والمَحَالَةِ بينه وبين نفسه"، قال: وما يَقْطُر من عينها قطرةٌ صبرًا واحتسابًا، ثم نظرت إليه فقالت: والله ما كان مالك لِبَطْنِك، ولا أمرك لِعِرْسِك4، ثم أنشدت تقول:
رَحِيبُ الذراعِ بالتي لا تَشِينُهُ ... وإن كانت الفَحْشَاء ضَاقَ بِهَا ذَرْعًا5
"الأمالي 2: 282، والبيان والتبيين 3: 231".
__________
1 النظرة: الإمهال.
2 كناية عن الموت.
3 العقوة: المحلة، أي بقبره.
4 العرس: امرأة الرجل.
5 ضاق بالأمر ذرعا: ضعفت طاقته، ولم يجد من المكروه فيه مخلّصًا.
(3/276)

قولهم في الشكوى:
59- أعرابي يشكو حاله:
عن عبد الرحمن عن عمه قال:
"قَدِم علينا البصرة رجل من أهل البادية شيخ كبير، فقصدته فوجدته يَخْضِب لِحْيَتَه، فقال: ما حاجتك؟ فقلت: بلغني ما خَصَّك الله به، فجئتك أقتبس من علمك، فقال: أتيتني وأنا أخضِب، وإن الخِضاب لمن علامات الكِبَر، وطال والله ما غَدَوْتُ على صيد الوحوش، ومشيتُ أمام الجيوش، واخْتَلْت بالرِّدا، وهُؤتُ1 بالنساء، وقَرَيْت الضيف، وأرويتُ السيف، وشربت الرَّاح، ونادمت الجَحْجَاح2، فاليوم قد حَنَانِي الكبر، وضَعُف مني البصر، وجاء بعد الصفو الكدر، ثم قبض على لحيته، وأنشأ يقول:
شيب تُغَيِّبُه كيما تَغُرَّ به ... كبيعك الثوب مَطْوِيًّا على حرق
قد كنت كالغصن ترتاح الرِّياح له ... فصرت عودا بلا ماء ولا ورق
صبرا على الدهر، إن الدهر ذو غيرٍ ... وأهله منه بين الصفو والرَّنَقِ3
"الأمالي 2: 94".
__________
1 هؤت به: فرحت به.
2 الجحجاج: السيد.
3 الرنق: الكدر.
(3/276)

60- كلمات شتى في الشكوى:
قيل لأعرابية أصيبت بابنها: ما أحسن عزاءك! قالت: "إن فقدي إياه أمَّنَنِي كلّ فَقْدٍ سواه، وإن مصيبتي به هَوَّنت عَلَيَّ المصائِبَ بعده"، ثم أنشأت تقول:
من شاء بعدك فَلْيَمُتْ ... فعليك كنتُ أحاذرُ
ليت المنازل والدِّيا ... ر حَفَائِر ومقابر
وقيل لأعرابي: كيف حزنك على ولدك؟ قال: "ما ترك هَمُّ الغداء والعشاء لي حُزْنًا".
وقيل لأعرابي: ما أَنْحَل جِسْمَك؟ قال: "سوء الغذاء، وجُدُوبة المَرْعَى، واختلاف الهموم في صدري"، ثم أنشأ يقول:
الهم ما لم تَمْضِهِ لسبيله ... داءٌ تضمَّنه الضلوعُ عظيم
ولربما استيأستُ ثم أقول: لا ... إن الذي ضَمِنَ النجاح كريم
وقيل لأعرابي قد أخذ به السِّنُّ: كيف أصبحت؟ قال: "أصبحت تقيِّدني الشَّعْرَة، وأَعْثُر في البَعْرة، قد أقام الدهر صَعَري، بعد أن أقمت صَعَره".
(3/277)

وقال أعرابي: "لقد كنت أُنكر البيضاء، فَصِرْتُ أُنكر السوداء، فيا خير مبدول، ويا شَرَّ بدل! ".
وذكر أعرابي منزلا بَادَ أهله فقال: "منزل والله رحلت عنه ربَّات الخُدُود، وأقامت فيه رَوَاحِل1ُ القُدُر، وقد اكتَسَى بالنَّبات كأنما أُلْبِسَ الحُلَلَ، وكان أهله يَعْفُون2 فيه آثارَ الرياح، وأصبحت الريح تَعْفُو آثارهم، فالعهد القريب، والملتقَى بعيد".
وذكر أعرابي قوما تغيَّرت أحوالهم فقال: "أَعْيُنٌ والله كُحِلَت بالعَبْرَة بعد الحَبْرَة3، وأَنْفُسٌ لَبِسَتِ الحزن بعد السرور".
وذكر أعرابي قوما تغيرت حالهم فقال: "كانوا والله في عيش رقيق الحواشي، فطواه الدهر بعد سَعة، حتى لَبِسُوا أيديهم القُرِّ4، ولم أَرَ صاحبًا أغَرَّ من الدنيا، ولا ظالما أَغْشَمَ5 من الموت، ومن عَصَفَ عليه الليل والنهار أرْدَياه6، ومن وُكِّلَ به الموت أفناه".
ووقف أعرابي على دار قد باد أهلها فقال: "دارٌ والله مُعْتَصِرَةٌ للدموع، حَطَّت بها السحاب أثقالَها، وجَرَّت بها الرِّياح أذيالها".
__________
1الرواحل جمع راحلة: وهي في الأصل: الناقة الصالحة لأن ترحل، والمراد هنا الحوامل التي تحمل القدور، أي الأثافي.
2 عفا المنزل: درس، وعفته الريح، يتعدى ويلزم، وبأيهما عدا، وعفته الريح أيضًا بالتشديد للمبالغة.
3 الحبرة: السرور.
4 القر مثلث القاف: البرد.
5 أظلم.
6 أهلكاه.
(3/278)

وذكر أعرابي رجلًا تغيَّرت حاله فقال: "طويت صحيفتُه، وذهب رزقه، فالبلاء مُسْرِع إليه، والعيش عنه قابض كَفَّيه".
وذكر أعرابي رجلا ضاق عيشه بعد سَعَة فقال: "كان والله في ظلّ عيش ممدود، فَقُدِحَت عليه من الدهر زَنْدٌ غير كابِيَة1".
"العقد الفريد 2: 79 – 80".
وذكر أعرابي مصيبة نالته، فقال: "مصيبة والله تركت سود الرءوس بيضًا، وبيضُ الوجوه سودًا، وهَوَّنت المصائبَ بعدها".
"العقد الفريد 2: 79، وزهر الآداب 2: 5".
وذكر أعرابي قَطِيعة بعض إخوانه فقال: "صَفِرتْ عِيابُ2 الود بيني وبينه بعد امتلائها، وأَقْفَرَتْ وجوه كانت بمائها، فأدبر ما كان مُقْبلا، وأقبل ما كان مُدِبرا".
"العقد الفريد 2: 79، وزهر الآداب 2: 4".
وقيل لأعرابي: ما أذهب شبابك؟ قال: "من طال أَمَدُه، وكثر وَلَدُه، وَدَفّ عَدَدُه، وذهب جَلَدُه ذهب شبابه".
"العقد الفريد 2: 79، والبيان والتبيين 2: 57".
وسئل أعرابي عن سفر أَكْدَى3 فيه، فقال: "ما غَنِمْنَا إلا ما قَصَرنا في صلاتنا، فأما ما أكلته الهواجِر4، ولقِيته منا الأباعز، فأَمْرٌ استخففناه لما أمَّلْناه".
__________
1 الزند: العود الذي يقدح به النار، وكبنا الزند: لم يخرج ناره، وفي الأصل "زند عين كابية" وهو تحريف.
2 صفرت: خلت، وعياب جمع عيبة بالفتح: ما يجعل فيه الثياب.
3 أصله من "حفر فأكدى" أي صادف الكدية -والكدية كفرصة: الأرض الغليظة، والصفاة العظيمة الشديدة.
4 الهواجر جمع هاجرة، وهي شدة الحر.
(3/279)

وقالت امرأة من الأعراب: "أصبحنا ما يرقد لنا فرس، وما ينام لنا حرس".
"البيان والتبيين 2: 82"
وقال أعرابي "مضى لنا سلفٌ أهل تَوَاصُل، اعتقدوا1 مِنَنًا، واتخذوا الأيادي ذخيرةً لمن بعدهم، يَرَون اصطناع المعروف عليهم فرضًا لازمًا، وإظهار البرّ واجبا، ثم جاء الزمان ببنينَ، واتخذوا منهم بضاعة، وبِرَّهم مُرَابَحة2، وأياديَهم تجارة، واصطناع المعروف مُقَارَضَةً، كنقدٍ، خُذْ مِنِّي وهات".
وقيل لأعرابي في مرضه: ما تشتكي؟ قال: "تمام العِدَّة، وانقضاء المدة".
ونظر أعربي إلى رجل يشكو ما هو فيه من الضيق والضرّ فقال: "يا هذا أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ ".
"العقد الفريد 2: 85".
ووصف أعرابي الدنيا فقال: "هي رَنْقة3 المشارب، جَمَّة المصائب، لا تُمَتِّعك الدهر بصاحب".
وقال أعرابي: "حسبك من فساد الدنيا أنك ترى أَسْمِنَةً4 تُوضَع، وأخفافًا ترفَع، والخير يُطْلَب عند غير أهله، والفقير قد حلّ غير محلّه".
"العقد الفريد 2: 86".
__________
1 من اعتقد مالا؛ اقتناء.
2 رابحة على السلعة: أعطاه ربحا.
3 كدرة.
4 جمع سنام، والمراد ما كان عاليا.
(3/280)

وقيل لأعرابي: كيف ابنك -وكان به عاقّا- قال: "عذاب لا يقاومه الصبر، وفائدة لا يجب فيها الشكر، فليتني قد استودعته القبر".
"العقد الفريد 2: 97".
عن الأصمعي قال: قيل لأعرابي قَدِم الحَضْرة1، ما أقدمك؟ قال: "الحَيْن2، الذي يُغَطِّي العَيْن".
"الأمالي 1: 202".
وأصيب أعرابي بابن له، فقال وقد قيل له اصْبِر: "أعلى الله أتجلَّد، أم في مصيبتي أتبلَّد؟ والله لَلْجَزع من أمره أحبُّ إليّ الآن من الصبر، لأن الجزع استكانة، والصبر قساوة، ولئن لم أّجْزَع من النقص لم أَفْرَح بالمزيد".
"زهر الآداب 3: 164".
وقيل لأعرابي: لِمَ لا تضرب في الأرض؟ فقال: "يمنعني من ذلك، طفل بارك ولِصّ سانِك، ثم إني لست بعد ذلك واثقًا بِنُجْح طَلِبتي، ولا معتقدا قضاء حاجتي، ولا راجيا عطف قرابتي؛ لأني أُقْدَم على قوم أطغاهم الشيطان، واستمالهم السلطان، وساعدهم الزمان، وأسكرهم حَدَاثَة الأسنان".
"زهر الآداب 3: 244".
وقال بعض الأعراب: "نالنا وَسْمِيٌّ3، وخَلَفَه وليُّ، فالأرض كأنها وَشْي4 عَبْقَريُّ ثم أتتنا غيومُ جَرَادٍ، بمناجلِ حَوادّ5، فخرَّبت البلاد، وأهلكت العباد، فسبحان من يُهْلِك القوي الأَكُول، بالضعيف المأكول".
"زهر الآداب 3: 346".
__________
1 الحضرة: خلاف البادية كالحضر بالتحريك.
2 الهلاك.
3 الوسمى: مطر الربيع الأول، والولي: المطر الذي يأتي بعد المطر.
4 الوشي: نقش الثوب، والعبقري: المنقطع النظير، نسبة إلى عبقر، موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن، ثم نسبوا إليه كل شيء تعجبوا من حذفه، أو جودة صنعته.
5 المناجل جمع منجل كمنبر: حديدة يقضب بها الزرع. وحواد جمع حادة أي قاطعة، وفي الأصل "حراد" وأراه محرفًا.
(3/281)

61- قولهم في العتاب والاعتذار:
عاتب أعرابي أباه فقال: "يا أبت، إن عظيم حقك عليّ لا يُذْهِب صغير حقي عليك، والذي تَمُتُّ به1 إليّ، أَمُتُّ بمثله إليك، ولستُ أَزْعُم أَنَّا سَواءٌ، ولكني أقول: لا يَحِلّ لك الاعتداء".
"البيان والتبيين 3: 231، وزهر الآداب 3: 100".
وقال أعرابي لصديق استبطأه فَلَامَه: "كانت بي إليك زَلَّة يمنعني من ذكرها ما أمَّلْتُ من تجاوزك عنها، وليس أعتذر إليك منها إلا بالإقلاع عنها".
وقال آخر لابن عم له: "والله ما أعرف تقصيرا فَأُقْلِع، ولا ذنبًا فأَعْتِب، ولست أقول إنك كذبت، ولا إنني أذنبت". "زهر الآداب 3، 163".
وقال آخر لابن عمّ له: "سأتخطَّى ذنبك إلى عذرك، وإن كنت من أحدهما على يقين، ومن الآخر على شكّ، ولكن لِيَتِمَّ المعروف منِّي إليك، وتقوم الحُجَّة لي عليك".
"زهر الآداب 3: 164، والعقد الفريد 2: 85".
وعذلت أعرابية أباها في الجود وإتلاف ماله، فقالت: "حَبْسُ المال، أنفع للعيال، من بَذْلِ الوجه في السؤال، فقد قَلَّ النوال، وكثر البُخَّال، وقد أتْلَفْتَ الطارفَ والتِّلادَ، وبقيت تطلب ما في أيدي العباد، ومن لم يحفظ ما ينفعه، أوشكَ أن يسعى فيما يضرّه".
"زهر الآداب 3: 346".
__________
1 تتوسل.
(3/282)

62- قولهم في المدح:
دخل أعرابي على بعض الملوك فقال: "رَأْيْتُني فيما أتعاطى من مدحك، كالمُخْبِر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر، الذي لا يخفى على الناظر، وأيقنت أني حيث انتهى بي القول، منسوب إلى العجز، مُقَصِّر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك، إلى الدعاء لك، وَوَكَلْتُ الإخبار عنك، إلى علم الناس بك".
"الأمالي 2: 73".
وأثنى أعرابي على رجل فقال: "إن خيرك لَسَريح1، وإن منعك لمُرِيح، وإن رِفْدَك لَرَبيح".
"البيان والتبيين 2: 105".
عن عبد الرحمن عن عمه قال: سمعت أعرابيًّا من بني كلاب يذكر رجلا فقال: "كان والله الفَهْمُ منه ذا أُذُنَيْنِ، والجواب ذا لسانين، لم أَرَ أحدًا كان أَرْتَق لخلل رأى منه، ولا أبعد مسافة رويَّةٍ، ومُرَادَ2 طَرْف، إنما يرمي بهمته حيث أشار إليه الكرمُ، وما زال والله يَتَحَسَّى مرارة أخلاق الإخوان، ويسقيهم عُذُوبَة أخلاقه".
"الأمالي 2: 16، والعقد الفريد 2: 89: وزهر الآداب 2: 3".
وقال: سمعت أعرابيًّا ذكر رجلًا فقال: "كان والله للإخاء وصولًا، وللمال بَذُولا، وكان الوفاء بهما عليه كَفِيلا، ومَنْ فاضَلَه كان مفضولًا".
"الأمالي 1: 116، والعقد الفريد 2: 89".
__________
1 أي عطاء بلا مطل ولا إبطاء، ومريح: أي من كد الطلب.
2 رياد الإبل: اختلافها في المرعى مقبلة ومدبرة، والموضع مراد ومستراد.
(3/283)

ووصف أعرابي رجلًا فقال: "ذاك والله مِمَّنْ يَنْفع سِلْمه، ويُتَوَاصف حِلْمُه، ولا يُسْتَمَرَأُ1 ظلمه، إن قال فعل، وإن وَلِي عدل".
"البيان والتبيين 2: 158، والعقد الفريد 2: 89، وزهر الآداب 2: 3".
وذكر أعرابي قومًا فقال: "أدبَّتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تَغْرُرهم السلامة المنطوية على الهَلَكَة، وجانبوا التسويف الذي به قطع الناس مسافة آجالهم، فذلَََََّت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالإنجاز، فأحسنوا المقال، وشَفَعُوه بالفعال".
"الأمالي 2: 23، والبيان والتبيين 3: 231، والعقد الفريد 2: 88".
عن عبد الرحمن عن عمه قال: وصفت أعرابية زوجَها بمكارم الأخلاق عند أمها، فقالت: "يا أُمَّهْ، من نَشَرَ ثوب الثناء، فقد أدَّى واجب الجزاء، وفي كِتْمَانِ الشكر جُحُود لما وجب من الحق، ودخولٌ في كفر النِّعم"، فقالت لها أمها: "أي بُنَيَّة: أَطَبْتِ الثناء، وقمتِ بالجزاء، ولم تَدَعِي للذم موضعًا، إني وجدت من عَقَلَ، لم يَعْجَل بذمّ ولا ثناء إلا بعد اختبار"، فقالت: "يا أمه، ما مدحت حتى اختبرت، ولا وصفت حتى عرفت".
"الأمالي 1: 225".
ووصف بعض الأعراب أميرا فقال: "إذا أوعد أخَّر، وإذا وعد عجَّل، وعيده عفوٌ، ووعده إنجاز".
"البيان والتبيين 3: 217".
ونعت أعرابي رجلا فقال: "كأن الألسن والقلوب رِيضَتْ له، فما تنعقِد إلا على ودِّه، ولا تنطق إلا بحمده".
"البيان والتبيين 3: 231، والعقد الفريد 2: 89، وزهر الآداب 2: 3".
__________
1 لا يستطاب، من استمرأ الطعام: وجده مريئا أي هنيئا حميد المغبة.
(3/284)

وذكر رجل عند أعرابي فوقع فيه قوم فقال: "أما والله إنه لآكَلُكُم للمأدُوم وأعطاكم للمَغْرُور1، وأكسبكم للمعدوم، وأعطفكم على المحروم".
"الأمالي 2: 16، البيان والتبيين 1: 163".
وأعطى رجل أعرابيًّا فأكثر له، فقال له الأعرابي: "إن كنتَ جاوزتَ قَدَرِي عند نفسي، فقد بلغت أَمَلِي فيك". "الأمالي 2: 50".
ومدح أعرابي رجلًا فقال: "كان والله يُعَنَّى2 في طلب المكارم، غير ضالٍّ في معارج طرقها، ولا متشاغل عنها بغيرها".
ودخل أعرابي على رجل من الولاة فقال: "أصلح الله الأمير: اجعلني زمامًا من أَزِمَّتِك يُجَرُّبها الأعداء، فإني مُسْعِر حربٍ3، وركَّابُ نُجُبٍ، شديد على الأعداء ليِّن على الأصدقاء، منطوي الحصيلة4، قليل الثَّمِيلَة، غرار النَّوم، قد غَذَّتني الحرب بأفاويقها5، وحَلَبْتُ الدهر أَشْطُرَه، ولا تمنعك مني الدَّمَامة6، فإن من تحتها شهامة".
"العقد الفريد 2: 89، وزهر الآداب 3: 180".
__________
1 أي للمال المغرور، فمن لزمه غرم حمله عنه.
2 أي يتعب وينصب.
3 أي موقدها، والنجب جمع نجيب.
4 حصل الشيء تحصيلا: جمعه، والاسم الحصيلة، والمعنى مكتّم السر، والثميلة في الأصل: ما يبقى في بطن الدابة من العلف والماء، وما يدخره الإنسان من طعام أو غيره، وفي حديث عبد الملك قال الحجاج: "أما بعد فقد وليتك العرافين، فسر إليها منطوي الثميلة" والمعنى فسر إليها مخفا، والغرار: القليل من النون.
5 الأفاويق جمع أفواق، وهو جمع فيقة بالكسر، والفيقة: اسم اللبن يجتمع في الضرع بين الحلبتين.
6 الدمامة: قبح المنظر.
(3/285)

ومدح أعرابي رجلا فقال: "ذاك والله فسيح الأدب، مستحكم السبب من أي أقطاره أتيتَه، تثني عليه بكرم فعال، وحسن مقال".
"زهر الآداب 2: 6، والعقد الفريد 2: 89".
ومدح أعرابي رجلًا فقال "كان والله يغسل من العار وجوها مُسْوَدَّة، ويفتح من الرأي عيونا مُنْسَدَّة".
"العقد الفريد 2: 89، وزهر الآداب 3: 165".
وذكر أعرابي قومًا عبَّادًا فقال: "تركوا والله النعيم ليَتَنَعَّمُوا، لهم عَبَرَاتٌ متدافقة، وزَفَرَاتٌ متتابعة، لاتراهم إلا في وجهٍ وجيهٍ عند الله".
وذكر أعرابي قوما فقال: "ما رأيت أسرع إلى داعٍ بِلَيْل، على فرس حَسِيب، وجمل نَجِيب1، ثم لا ينتظر الأول السابق، والآخر اللاحق".
وذكر أعرابي قومًا فقال: "جعلوا أموالهم مناديل أعراضهم، فالخير بهم زائد، والمعروف لهم شاهد، يُعْطُونها بِطِيبة أنفسهم إذا طُلبت إليهم، ويباشرون المعروف بإشراق الوجوه إذا بُغِيَ لديهم".
وذكر أعرابي قومًا فقال: "والله ما أنالوا شيئًا بأطراف أناملهم إلا وطِئْناه بأخماص2 أقدامنا، وإنَّ أقصى هِمَهِم لأَدْنَى فِعالنا".
__________
1 النجيب الجمل السريع الخفيف في السير.
2 جمع أخمص كأحمر: وهو من باطن القدم ما لم يصب الأرض.
(3/286)

وذكر أعرابي أميرًا فقال: "إذا ولي لم يُطَابِق بين جُفُونه1، وأرسل العُيُون على عيونه، فهو غائب عنهم، شاهد معهم، فالمحسن راجٍ، والمُسِيء خائف".
وذكر أعرابي رجلًا ببراعة المنطق فقال: "كان والله بارع المنطق، جَزْلَ الألفاظ عربيَّ اللسان، فصيح البيان، رقيق حواشي الكلام، بَلِيلَ الرِّيق، قليل الحركات، ساكن الإشارات".
وذكر أعرابي رجلًا فقال: "رأيت له حِلْمًا وأَنَاة، يُحَدِّثُك الحديث على مَقاطعه، ويُنْشِد الشعر على مَدَارِجِه2، فلا تسمع له لحَنًا ولا إحالة3.
وذكر أعرابي قومًا فقال: "آلت سيوفهم ألَّا تقضي دينا عليهم، ولا تضيِّع حقًّا لهم، فما أُخِذَ منهم مردُودٌ إليهم، وما أَخَذُوا متروك لهم".
وذكر أعرابي قومًا فقال: "ما رأيت عينًا قطٌّ أخرق لِظُلْمَة الليل من عينه، ولَحْظَةً أشبه بلهيب النار من لحظته، له هزَّة كهزَّة السيف إذا طَرِب، وجُرْأَةٌ كجرأة الليث إذا غضب".
ومدح أعرابي رجلًا فقال: "كانت ظلمة ليله كضوء نهاره، آمرا بارتياد، وناهيا عن فساد، لَحبِيب السوء غير منقاد".
__________
1 أي لم يتم عن شئون رعيته، والعيون: الجواسيس.
2 مدارج جمع مدرج ومدرجة: المذهب والمسلك.
3 أحال الكلام إحالة: إذا أفسده، والمحال من الكلام: ما عدل به عن وجهه، وأحال: أتى بالمحال وتكلم به.
4 حلفت.
(3/287)

وذكر أعرابي رجلًا فقال: "اشترى والله عِرْضَه من الأذى، فلو كانت الدنيا له فأنفقها، لَرَأَى بعدها عليه حُقُوقًا، وكان مِنْهَاجًا للأمور المُشْكِلة إذا تناجز الناس باللَّائمة".
وذكر أعرابي رجلًا فقال: "يُفَوِّق1 الكلمة على المعنى، فتمرقُ مُرُوق السَّهم من الرَّمِيَّة، فما أصاب قَتَل، وما أخطأ أَشْوَى2، ما غَطْغَطَ3 له سهمٌ منذ تحرك لسانُهُ في فيهِ".
وذكر أعرابي أخاه فقال: "كان والله رَكُوبا للأهوال، غير أَلُوف للحِجَال4 إذا أُرْعِدَ5 لقوم من غير قُرّ، يهين نفسًا كريمة على قومها، غير مبقية لغد ما في يومها".
ومدح أعرابي رجلًا فقال: "كان والله من شجر لا يُخْلِفُ ثَمَره، ومن بَحْر لا يُخَاف كَدَره".
وذكر أعرابي رجلًا فقال: "ذاك والله فَتًى رماه الله بالخير نَاشِئًا، فأحسن لُبْسَه، وزَيَّنَ به نفسَه".
__________
1 يسدد ويصوب، والرمية: ما يرمى.
2 أشواه: أصاب شواه، والشوى كعصا: اليدان والرجلان والأطراف وقحيف الرأس وما كان غير مقتل.
3 الغطغطة: حكاية صوت القدر في الغليان وما أشبهها، وقد يكون الأصل "وما غطمط" أي ما اضطرب من الغطمطة وهي اضطراب موج البحر.
4 الحجال جمع حجلة بالتحريك: القبة وموضع يزين بالثياب والستور للعروس، والمراد النساء.
5 أرعد: أخذته رعدة.
(3/288)

ومدح أعرابي رجلًا فقال: "يُصِمُّ أُذُنَيْه عن استماع الخَنَا، ويُخْرِس لسانه عن التكلم به، فهو الماء الشَّريب1، والمِصْقَع الخطيب".
وذكر أعرابي رجلًا فقال: "ذاك رجل سبق إليَّ معروفه قبل طَلَبي إليه، فالعِرْضُ وافر، والوجه بمائه، وما أستقلّ2 بنعمة إلا أقْفَلَني بأخرى".
وذكر أعرابي رجلًا فقال: "ذاك رضيع الجود والمفطُوم به، عَقِيم عن الفحشاء، مُعْتَصِم بالتقوى، إذا حَذَفت3 الألسن عن الرأى، حذف بالصواب، كما يَحْذِف الأرنب، فإن طالت الغاية، ولم يكن من دونها نهاية، تَمَهَّل أمام القوم سابقًا".
وذكر أعرابي رجلًا فقال: "إن جليسه لِطِيب عِشْرته أطربُ من الإبل على الحِدَاء، والثَّمِل على الغناء".
وذكر أعرابي رجلًا فقال: "كان له عِلْم لا يخالطه جهل، وصدق لا يشوبه كذب، كأنه الوَبْل عند المَحْل4".
وذكر أعرابي رجلًا فقال: "ما رأيتُ أَعْشَقَ للمعروف منه، وما رأيت المنكَر أبغضَ لأخدٍ بُغْضَه له".
__________
1 الشريب والشرب: ما يشرب. المصقع: البليغ، أو العالي الصوت، أو من لا يرتج عليه في كلامه ولا يتتعتع.
2 أي وما أحمل. وأقفلني: أرجعني وردني.
3 حذفت: رمت.
4 الجدب.
(3/289)

وقدم أعرابي البادية وقد نال من بني برمك، فقيل له كيف رأيتهم؟ قال: "رأيتهم وقد أنِسَت بهم النِّعمة، كأنها من ثيابهم".
وذكر أعرابي رجلًا فقال: "ما زال يَبْني المجد، ويَشْتري الْحَمد، حتى بلغ منهُ الجَهْد".
ودخل أعرابي على بعض الملوك فقال: "إن جهلًا أن يقول المادح بخلاف ما يعرف من الممدوح، وإني والله ما رأيت أعشق للمكارم في زمان اللؤم منك، وأنشد:
مالي أرى أبوابهم مَهْجورَةً؟ ... وكأنَّ بابَك مَجْمَع الأسواق
حابَوْك أم هابوك أم شامُوا النَّدَى ... بيديك فاجتمعوا من الآفاق
إني رأيتك للمكارم عاشقًا ... والمكْرُمَات قليلة العُشَّاقِ
"العقد الفريد 2: 88-90".
وضلَّ أعرابي الطريق ليلًا، فلما طلع القمر اهتدى، فرفع رأسه إليه فقال: ما أدري ما أقول؟ أأقول: رفعك الله؟ فقد رفعك، أم أقول: نوَّرك الله؟ فقد نوَّرك، أم أقول: حسَّنك الله؟ فقد حسَّنك، أم أقول: عمَّرك الله؟ فقد عمَّرك، ولكني أقول: جعلني الله فِدَاك.
"العقد الفريد 2: 97".
وذكر أعرابي قومه فقال: "كانوا والله إذا اصْطَّفُوا تحت القِتَام1، خطرت بينهم السِّهام بوفُود الحمام، وإذا تصَافَحُوا بالسيوف فغَرَت2 المنايا أفواهها، فَرُبَّ
__________
1 القتام: الغبار والحمام: الموت. ورواية العقد: "كانوا إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام" -سفر بين القوم كضرب ونصر: أصلح".
2 فغرت: فتحت.
(3/290)

يوم عارمٍ1 قد أحسنوا أدَبَه، وحربٍ عَبُوس قد ضَاحَكتها أسنَّتُهم، وخطب شئِزٍ2 قد ذلّلوا مَنَا كِبَه، ويوم عَمَاس3 قد كَشَفُوا ظلمته بالصبر حتى ينجلي، إنما كانوا البحر الذي لا يُنْكشُ4 غِمَارُه، ولا يُنَهْنَه نَيَّاره".
"الأمالي 1: 139، والعقد الفريد 2: 88، وزهر الآداب 2: 4".
ووصف أعرابي رجلًا فقال: "هو أطهر من الماء، وأرقُّ طباعًا من الهواء، وأمضى من السيل، وأهدى من النجم". "زهر الآداب 2: 3".
ووصف أعرابي قومه فقال: "لُيُوثُ حرب، ولُيُوث جَدْب، إن قاتلوا أَبْلَوا، وإن بَذَلُوا أَفْنَوا".
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيًّا يقول: "إذا ثبتت الأصول في القلوب، نطقت الألسنة بالفروع، والله يعلم أن قلبي لك شاكر، ولساني ذاكر، ومُحَالٌ أن يظهر الوُدُّ المستقيم، من الفؤاد السَّقِيم".
"زهر الآداب 3: 165".
وسئل أعرابي عن قومه فقال: "يقتلون الفقر، عند شدة القُرّ5، وأرواح6 الشتاء، وهبوب الجِرْبِياء7، بأَسْنِمَةِ الجُزُور، ومُتْرَعات8 القُدُور، تَحْسُن وجوههم عند طلب المعروف، وتَعْبَسُ عند لَمَعان السيوف".
وصف أعرابي قومًا فقال: "لهم جودُ كرامٍ اتسعت أحوالها، وبأس ليوثٍ تتْبَعها أشبالها، وهِهَم ملوكٍ انفسحت آمالها، وفخر صميم آبادٍ شَرُفَت أحوالها".
"زهر الآداب 3: 167".
__________
1 العرامة بالفتح والعرام بالضم: الشراسة والأذى، عرم كنصر وضرب وكرم وعلم.
2 شئز: شديد مقلق.
3 العماس من الليالي: المظلم الشديد، وأمر لا يقام له ولا يهتدي لوجهه.
4 لا ينكش: لا ينزح، والغمار جمع غمر كشمس: وهو الماء الكثير، ونهنهه: كفه وزجره. وفي رواية العقد: "إنما قومي البحر ما ألقمته التقم". ورواية زهر الآداب: "إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف فغر فمه الحمام".
5 القر بتثليث القاف: البرد.
6 جمع ريح كرياح.
7 ريح الشمال أو بردها.
8 جمع مترعة: وهي المملوءة.
(3/291)

63- قولهم في الذم:
وذكر أعرابي قومًا فقال: "أولئك سُلِخَت أقفاؤهم بالهِجاء، ودُبِغَت وجوههم باللؤم، لبأسهم في الدنيا المَلَامة، وزادهم إلى الآخرة النَّدامة".
وذكر أعرابي قومًا فقال: "لهم بيوتٌ تدخل حَبْوًا، إلى غير نَمارق1َ، ولا وسائِدَ، فُصُحُ الألسُن برَدِّ السائل، جِعَاد الأكفِّ عن النائِل2".
وقال أعرابي: "لقد صَغَّر فلانا في عيني عِظَمُ الدنيا في عينه، وكأنما يرى السائل إذا أتاه ملك الموت إذا رآه".
وسئل أعرابي عن رجل فقال: "ما ظنكم بِسكِّير لا يَفِيق، يتَّهم الصديق، ويعصي الشفيق، لا يكون في موضع إلا حَرُمت فيه الصلاة، ولو أفْلتت كلمة سوء لم تَضِر إلا إليه، ولو نزلت لعنة من السماء لم تقع إلا عليه".
__________
1 النمارق جمع نمرقة "بالضم": وهي الوسادة الصغيرة.
2 النائل: العطاء، وهو جعد اليدين أو الأنامل "كشمس": أي بخيل، وقد جمعوا جعد الشعر على جعاد ككتاب كما في اللسان، فليكن هذا مثله، وقد جاء في الأصل "جعد" بدون ألف، وأراه محرفا؛ إذ لا يجمع جعد "بالفتح" على جعد بضم فسكون، ولا على جعد بضمتين.
(3/292)

وذكر أعرابي رجلا فقال: "إن فلانا ليُعْدِي بِإِثْمه، مَنْ تسمَّى باسمه، ولئن خيَّبني فلربَّ باقيةٍ قد ضاعت في طلب رجل كريم".
وذكر أعرابي رجلا فقال: "تغدوا إليه مَرَاكبُ الضلالة، فترجع من عنده ببذور الآثام، مُعْدِم مما تحب، مُكْثِر مما تكره، صاحب السوء قطعة من النار".
وقال أعرابي لرجل: "أنت والله ممن إذا سأل ألحف، وإذا سُئِل سوَّف وإذا حدث حلف، وإذا وعد أخلف، تنظر نظر حسود، وتُعْرِض إعراض حقود".
وسافر أعرابي إلى رجل فحرمه، فقال لمَّا سئل عن سفره: "ما رَبِحْنا في سفرنا إلا ما قصَرنا من صلاتنا، فأما الذي لقينا من الهواجر1، ولقيت منا الأباعر، فعقوبة لنا فيما أفَسْدَنا من حسن ظننا"، ثم أنشأ يقول:
رجعنا سالمين كما خرجنا ... وما خابت سَرَيَّةُ سَالمينا
وذكر أعرابي رجلا فقال: "كان إذا رآني قرَّب من حاجب حاجبا، فأقول له: لا تقبِّح وجهك إلى قبحه، فوالله ما أتيتك لطمعٍ راغبا، ولا لخوف راهبا".
وذمّ أعرابي رجلا فقال: "عبد الفعال، حُرّ المقال، عظيم الرُِّواق، دَنِيء الأخلاق، الدهر يرفعه، ونفسه تضعه".
وقال أعرابي: "دخلت البصرة، فرأيت ثيات أحرار على أجساد عبيد، إِقْبَال
__________
1 الهواجر جمع هاجرة: وهي شدة الحر.
(3/293)

حظهم إدبار حظ الكرام، شجر أصوله عند فروعه، شغلهم عن المعروف رغبتهم في المنكر".
وذكر أعرابي رجلًا فقال: "ذاك سُمّ المجالس، أعيا ما يكون عند جلسائه، أبلغُ ما يكون عند نفسه".
وذكر أعرابي رجلًا فقال: "ذلك من يداوي عقله من الجهل، أحوج منه إلى من يداوي عقله من المرض، إنه لا مرض أوجع من قِلَّة عقل".
وذكر أعرابي رجلًا لم يدرك بثأره فقال: "كيف يُدْرِك بثأره مَنْ في صدره من البَلْغَم حشو مُرَقَّعة، لو دُقَّت بوجهه الحجارة لرَضَّها1، ولو خلا بالكعبة لسرقها".
وذكر أعرابي رجلًا فقال: "تسهر والله زوجته جوعًا إذا سهِر الناس شبعًا، ثم لا يخاف مع ذلك عاجلَ عارٍ، ولا آجل نارٍ، كالبهيمة أكلت ما جمعت، ونكحت ما وجدت".
وسمع أعرابي رجلًا يَزْعَق فقال: "ويحك! إنما يستجاب لمؤمن أو مظلوم، ولست بواحد منهما، وأراك يخِفّ عليك ثِقْل الذنوب، فيَحُسن عندك مقابح العيوب".
__________
1 رضها: دقها.
(3/294)

وذكر أعرابي رجلًا بِضَعف فقال: "سيئ الرَّويَّة، قليل التقيَّة، كثير السِّعاية، ضعيف النكاية".
وذكر أعرابي رجلا فقال: "عليه كل يوم من فعله شاهد بفسقه، وشهادات الأفعال أعدل من شهادات الرجال".
وذكر أعرابي رجلا بِذِلَّة فقال: "عاش خاملا، ومات مَوْتُورا".
وقال أعرابي لرجل شريف البيت دنيء الهمة: "ما أحوجك أن يكون عرضك لمن يصونه، فتكون فوق ما أنت دونه".
وذكر أعرابي رجلا فقال: "إن حَدَّثْتَه يسابقك إلى ذلك الحديث، وإن سكت عنه أخذ في التُّرُّهَات1".
وذكر أعرابي رجلا راكبا هواه فقال: "والله لهو أقصد إلى ما يهواه، من الطُّرق إلى المياه، وأقْفَره ذلك أو أغناه".
وقال أعرابي: "ليت فلانًا أقالني من حسن ظني به، فأختم بصواب إذ بدأت بخطأ، ولكن من لم تُحْكِمْه التجارب، أسرعُ بالمدح إلى من يستوجب الذم، وبالذم إلى من يستوجب المدح".
__________
1 الترهات جم ترهة: وهي الباطل.
(3/295)

وقال أعرابي لرجل: "هل أنت إلا أنت لم تَغَيَّر؟ ولو كنت من حديد مُحْمًى ووُضِعت على عين لم تَذُب".
وقال أعرابي لأخيه: "قد كنت نهيتك أن تدِّنس عرضك بعرض فلان، وأعلمك أنه سمين المال، ومهزول المعروف، من المرزوقين فجأة، قصير عمر الغِنَي، طويل عمر الفقر".
وقلا أعرابي: "لا ترك الله مُخًّا في سُلَامَى1 ناقةٍ حملتني إليك، وللدَّاعِي عليها أحق بالدعاء عليه، إذ كلفها المسير إليك".
وذكر أعرابي رجلا فقال: "لا يُؤْنِس جارا، ولا يُؤْهِل دارا، ولا يبعث نارا".
وذكر أعرابي امرأة قبيحة فقال: "تُرْخِي ذيلها على عُرْقُوبَي نعامة، وتُسْدِل خمارها على وجه كالجِعالة2".
وقال أعرابي لامرأة: "والله إنك لمشرفة الأذنين، جاحظة العينين، ذات خلق متضائل: يعجبك الباطل، إن شبعت بطرت، وإن جعت صخبت3، وإن رأيت حسنا دفنته، وإن رأيت سيئًا أذعته، تكرمين من حَقَرك، وتَحْقِرين من أكرمك".
"العقد الفريد 2: 90- 93".
__________
1 السلاميات: عظام الأصابع.
2 الجعالة: خرقة ينزل بها القدر.
3 الصخب: شدة الصوت.
(3/296)

وسأل أعرابي رجلا فحرمه، فقال له أخوه: "نزلت والله بواد غير ممطور، وأتيت رجلا بك غير مسرور، فلم تُدْرِك ما سألت، ولا نِلْتَ ما أمَّلت، فارتحل بِنَدَم، أو أَقِم على عَدَم".
"العقد الفريد 2: 92، وزهر الآداب 2: 5".
ودخلت أعرابية على حَمْدونة بنت المهدي، فلما خرجت سُئِلت فقالت: "والله لقد رأيتها فما رأيت طائِلا، كأنَّ بطنها قِرْبة، كأن ثديها دُبَّة، كأن استها رفعَة1، كأن وجهها وجه ديك قد نَفَش عِفَريَتَهُ2 يقاتل ديكًا".
"العقد الفريد 2: 92، والأمالي 2: 156".
وذم أعرابي رجلا فقال: "أفسد آخرته بصلاح دنياه، ففارق ما أصلح غير راجع إليه وقَدِم على ما أفسد غيرَ منتقل عنه، ولو صَدَق رجل نفسه ما كَذبته، ولو ألقى زِمَامه أوطأه راحِلته".
"زهر الآداب 2: 6".
قال الأصمعي: سمعت أعرابية تقول لرجل تخاصمه: "والله لو صُوِّر الجهل لأظلم معه النهار، ولو صُوِّر العقل لأضاء معه الليل، وإنك من أفضلهما لمُعْدِم فخفِ الله، واعلم أن من ورائك حَكَما لا يحتاج المُدَّعى عنده إلى إحضار بَيِّنَةٍ".
"زهر الآداب 3: 163".
وقال أعرابي يَعِيب قومًا: "هم أقل الناس ذُنُوبا إلى أعدائهم، وأكثر جُرْمًا إلى أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويُفْطِرون على الفحشاء".
"البيان والتبيين 3: 230، العقد الفريد 2: 90".
__________
1 شجرة عظيمة.
2 عفرية الديك: ريش عنقه.
(3/297)

ووصف أعرابي رجلا فقال: "صغير القدر، قصير الشَّبْر1، ضيِّق الصدر، لئيم النَّجر2، عظيم الكبر، كثير الفخر".
"البيان والتبيين 1: 157، والعقد الفريد 2: 91".
وذكر أعرابي أمير فقال: " يقضي بالعشوة، ويطيل النَّشْوَة، ويقبل الرشْوَة3".
"البيان والتبيين 2: 50، والعقد الفريد 2: 91".
وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أعرابيًّا يقول: "اللهم اغفر لأم أوفَى" قال: "ومَنْ أم أوفى؟ "، قال. "امرأتي، وإنها لحمقاء مِرْغَامَة4، أكُولٌ قامَّةٌ5 لا تَبْقَى لها حامَّة6، غير أنها حسناء فلا تُفْرَك7، وأم غلمان فلا تترك".
"البيان والتبيين 2: 47".
عن عبد الرحمن عن عمه قال: سمعت امرأة من العرب تخاصم زوجها وهي تقول: "والله إن شُرْبك لاشْتِفَاف8، وإن ضِجْعَتَك لانْجِعَاف9، وإن شِمْلَتَك لالْتِفَافَ، وإنك لَتَشْبَع ليلة تُضَاف، وتنام ليلة تخاف"، فقال لها: "والله إنك لَكَرْوَاء الساقين10، قَعْوَاء الفخذين11، مَقَّاء الرُّفْغَيْن12، مُفَاضة الكَشْحَين13 ضَيفُك جائع، وشَرُّك شائع". "الأمالي 1: 104".
__________
1 الشبر: القد.
2 النجر: الأصل.
3 العشوة والنشوة والرشوة بتثليث الشين في الثلاثة، العشوة: ركوب الأمر على غير بيان، والنشوة: السكر، والرشوة: الجعل والبرطيل "بكسر الباء".
4 المرغامة: المغضبة ليعلها.
5 قامة: اسم فاعل، من قم: أي أكل ما على الحوان، وقمه: كنسه.
6 الحامة: الخاصة.
7 فرك زوجته وفركته كسمع، وكنصر شاذ: أبغضته، ورجل مفرك بالتشديد تبغضه النساء وامرأة مفركة: يبغضها الرجال.
8 اشتف ما في الإناء: شربه كله.
9 الانجعاف: الانصراع.
10 الكرواء: الدقيقة الساقين.
11 القعواء: الدقيقة، أو الدقيقة الفخذين، وقيل هي المتباعدة ما بين الفخذين "كالفجواء".
12 الرفغ: أصل الفخذ، والمقاء: الدقيقة الفخذين، أو الطويلة من المقق بالتحريك وهو الطول.
13 المفاضة: المسترخية، والكشحان: الخاصرتان.
(3/298)

عن عبد الرحمن عن عمه قال: مر أعرابي برجل يكنى أبا الغَمر -وكان ضخما جسيما، وكان بوابا لبعض الملوك-فقال: "أَعِنِ الفقير الحسِير، فقال: ما ألحفَ سائِلَكم، أو أكثر جِائَعَكم، أراحنا الله منكم"، فقال له الأعرابي: "لو فُرِّق قوت جسمك في جسوم عشرة منا، لكفانا طعامك في يوم شهرا، وإنك لعظيم السَّرْطَة1، شديد الضَّرْطَة، لو ذُرِّي بَحَبْقَتِكَ بَيْدَر، لَكَفَتْه ريح الجِرْبِيَاء2".
"الأمالي 1: 266".
__________
1 البلعة، من سرطة كنصر وفرح: ابتلعه.
2 الحبقة: الضرطة، والبيدر: الموضع الذي تداس فيه الحبوب، والجربياء: ريح الشمال الباردة.
(3/299)

64- قولهم في الغزل:
سئل أعرابي عن امرأة فقال: "هي أرق من الهواء، وأطيب من الماء، وأحسن من النعماء، وأبعد من السماء". "الأمالي 1: 201، والعقد الفريد 2: 94".
وذكر أعرابي امرأة فقال: "لها جلد من لؤلؤ، مع رائحة المسك، وفي كل عضو منها شمس طالعة".
وذكر أعرابي امرأة فقال: "كاد الغزال أن يكونها، لولا ما تَمَّ منها وما نَقَصَ منه".
وذكر أعرابي نِسْوَةً خَرَجْنَ متنزهات فقال: "وجوه كالدنانير، وأعناق كأعناق اليَعَافِير1، وأوساط كأوساط الزَّنَابير، أقْبَلْنَ إلينا بِحُجُول2 تخفِقُ، وأوشحة تُعَلَّق، وكم أسير لهن وكم مُطْلَق".
__________
1 اليعاقير جمع يعقور: وهو ولد البقرة الوحشية؟
2 الحجول جمع حجل بالكسر والفتح: وهو الخلخال. والأوشحة جمع وشاح بالضم والكسر: أديم عريض يرصع بالجواهر، تشده المرأة بين عاتقها وكشحيها.
(3/299)

ووصف أعرابي امرأة حسناء فقال: "تَبْسِم عن خَمْش1 اللِّثات، كأَقَاحِي النبات، فالسعيد من ذاقه، والشقي من راقه".
وذكر أعرابي امرأة فقال: "هي السُّقم الذي لا برء منه، والبرء الذي لا سقم معه وهي أقرب من الحشا، وأبعد من السَّما".
ووصف أعرابي امرأة فقال: "بيضاء جعدة2 لا يمس الثوب منها إلا مُشَاشَة3 كتفيها، وحَلَمَةُ ثدييها، ورضْفَيْ ركبتيها، ورانِفَتَي أَلْيتيها، وأنشد:
أبت الروادف والثُّديُّ لِقُمْصِها ... مس البطون وأن تمس ظهورا
وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبَّهْنَ حاسدة وهِجْنَ غيورا
وذكر أعرابي امرأة فقال: "تلك شمس باهت بها الأرض شمس سمائها، وليس لي شفيع في اقتضائها4، وإن نفسي لَكًتُوم لدائها، ولكنها تفيض عند امتلائها".
وقال أعرابي في امرأة ودّعها للمسير: "والله ما رأيت دمعة تَرَقْرَق من
__________
1 خدش، والأقاحي جمع أقحوان بالضم: وهو نبت طيب الريح حواليه ورق أبيض، ووسطه صفر، وراقه: أعجبه.
2 الجعد من الشعر: خلاف السبط، أو القصير منه، ورجل جعد الشعر والأنثى جعدة، والجعد أيضًا المدمج الحلق لمجتمع بعضه إلى بعض، والجعد إذا ذهب به مذهب المدح فله معنيان مستحبان: أحدهما أن يكون معصوب الجوارح شديد الأسر والحلق غير مسترخ ولا مضطرب، والثاني أن يكون شعره جعدًا غير سبط لأن سبوطة الشعر هي الغالبة على شعور العجم من الروم والفرس، وجعودة الشعر هي الغالبة على شعور العرب.
3 المشاشة: رأس العظم، والرضف: عظام في الركبة كالأصابع المضمومة قد أخذ بعضها بعضًا، والرانفة: أسفل الألية عند القيام.
4 اقتضى دينه وتقاضاه بمعنى.
(3/300)

عين بإثمد1 على ديباجه خَدّ، أحسن منه عبرة أمطرتها عينها، فأعشت بها قلبي".
وقال أعرابي: "إن لي قلبا مَرُوعا2، وعينا دموعا، فماذا يصنع كل واحد منهما بصاحبه، مع أن داءهما دواؤهما، وسُقمهما شفاؤهما؟ ".
وقال أعرابي: "ما أشد جولة الرأي عند الهوى، وفِطَام النفس عن الصبا! ولقد تقطعت كبدي! لوم العاذلين للعاشقين قِرَطَة في آذانهم، ولوعات الحب نيران في أيدانهم، مع دموع على المَغاني3، كَغُروب السَّوَاني".
وذكر أعرابي امرأة فقال: "لقد نعمت عين نظرت إليها، وشقي قلب تفجَّع عليها، ولقد كنت أزورها عند أهلها، فيرحِّب بي طرفها، ويتجهَّمني لسانها" قيل له: فما بلغ من حُبِّك لها؟ قال: "إني ذاكر لها وبيني وبينها عَدْوَة الطائر، فأجد لذكرها ريح المسك".
وقال أعرابي: "الهوى هوان، ولكن غُلِط باسمه، وإنما يعرف من يقول، من أبكته المنازل والطُلُول".
وذكر أعرابي امرأة فقال: "إن لساني لذكرها لذلول، وإن حبها لقلبي لقتول، وإن قصير الليل بها ليطول".
__________
1 الإثمد: الكحل، والديباجة: الخد.
2 مفزء.
3 المغاني جمع مغنى: وهو المنزل، والغروب جمع غرب كشمس: وهو الدلو العظيمة، والسواني جمع سانية: وهي الناقة يسقى عليها، والغرب وأداته.
(3/301)

ووصف أعرابي نساء ببلاغة وجمال فقال: "كلامهن أقتل من النَّبل، وأوقع بالقلب من الوَبْل بالمَحْل، فروعُهن أحسن من فروع النخل".
"العقد الفريد 2: 93 – 95".
وقال أعرابي: "دخلت البصرة، فرأيت أعينا دُعْجًا1، وحواجب زُجًّا، يَسْحَبْنَ الثياب، ويَسْلُبْنَ الألباب".
"العقد الفريد 2: 93، وزهر الآداب 3: 17".
وذكر أعرابي نساء فقال: "ظَعَائِن2 في سَوَالِفِهن طول، غير قبيحات العُطُول3 إذا مشين أسبلن الذيول، وإن رَكِبن أثقلن الحمول4".
"زهر الآداب 3: 17".
وقال أعرابي: "لقد رأيت بالبصرة بُرُودا كأنها صبغت بأنوار الربيع، فهي تروع5، واللابس لها أروع".
"العقد الفريد 2: 96".
وقال أعرابي: "شيَّعنا الحيَّ وفيهم أدوية السِّقام6، فقرأن بالحدق السلام، وخرست الألسن عن الكلام". "الأمالي 2: 50".
وسئلت أعرابية عن الهوى فقالت: "لا مُتِّع الهوى بملكه، ولا مُلِّيَ7
__________
1 دعجا جمع دعجاء وصف من الدعج بالتحريك: وهو سواد العين مع سعتها وزجا جمع زجاء من الزجج بالتحريك أيضًا: وهو دقة الحاجبين في طول.
2 ظعائن جمع ظعينة: والظعينة في الأصل وصف للمرأة في هودجها ثم سميت بهذا الاسم وإن كانت في بيتها لأنها تصير مظعونة، وهي فعيلة بمعنى مفعولة لأن زوجها يظعن بها، والسوالف جمع سالفة: وهي ناحية مقدم العنق من لدن معلق القرط إلى نقرة الترقوة.
3 عطلت المرأة كفرح عطلا بالتحريك وعطولا: إذا لم يكن عليها حلي.
4 الحمول: الهوادج: أو الإبل عليها الهوادج جمع حمل بالكسر ويفتح.
5 تعجب.
6 أي المحبوبات المداوية للسقام.
7 ملاه الله حبيبه تملية: متعه به وأعاشه معه طويلًا.
(3/302)

بسلطانه، وقبض الله يده، وأوهن عضده، فإنه جائر لا ينصف في حكم، أعمى لا ينطق بعدل، ولا يُقَصِّر في ظلم، ولا يرعوي لذمّ، ولا ينقاد لحقّ، ولا يُبقي على عقل وفهم. لو ملك الهوى وأطيع، لردَّ الأمور على أدبارها، والدنيا على أعقابها".
وسئل أعرابي عن الهوى فقال: "هو داء تداوى به النفوس الصَّحَاح، وتُسَلُّ منه الأرواح، وهو سُقْم مُكْتَتَم، وحَمِيم1 مُضْطَرم، فالقلوب له مُنْضَجة، والعيون ساكِبَة".
"زهر الآداب 3: 18".
ووصف أعرابي امرأة يحبها فقال: "هي زينة الحضور، وباب من أبواب السرور، ولذكرها في المغيب، والبعد عن الرقيب، وأشهى إلينا من كل ولد ونسيب، وبها عرف فضل الحور العين، واشتيق بها إليهن يوم الدين".
"زهر الآداب 3: 244".
ووصف أعرابي نساء فقال:
"يَلْتَثِمْنَ على السبائك2، ويَتَّشِحَنَ على النَّيَازِك3، ويَأْتَزِرْنَ على العَوَانِك4 ويَرْتَفِقْنَ على الأرائك5، ويتهادين على الدَّرَانِك6، وابتسامهن وَمِيض عن وَلِيع كالإغريض7، وهُنَّ إلى الصبا صُوٌر، وعن الخَنَا نور8".
"الأمالي 1: 44، وزهر الآداب 3: 18".
__________
1 الحميم: الماء الحار. وفي الأصل: "وحمى" وأراه محرفًا عن حميم، ويناسبه قوله بعد: "وللعيون ساكبة".
2 اللئام على الفم، واللفام على طرف الأنف، تلثمت المرأة وتلفمت، والسبائك هنا الأسنان شبهها لبياضها بالسبائك.
3 النيازك جمع نيزك كجعفر: وهو الرمح القصير.
4 العوانك جمع عانك: وهو رمل منعقد يشقى فيه البعير لا يقدر على السير.
5 الأرائك جمع أريكة: وهي السرر أو الفراش، وارتفق: اتكأ على مرفق يده، أو على المخدة.
6 يتهادين: يمشين مشيا ضعيفًا، والدرانك: الطنافس جمع درنوك كعصفور، ودرنك كزبرج.
7 الوميض: اللمعان الخفي، والوليع: الطلع، كأنه نظم اللؤلؤ في شدة بياضه. قال الشاعر يصف ثغر امرأة: وتبسم عن نير كالوليع، والإغريض: الطلع حين ينشق عن كافوره، والبرد "بتحريك الراء".
8 صور: موائل، ومنه قيل للمائل العنق أصور، ونور: نافرات من الريبة جمع نورا كسحاب.
(3/303)

قولهم في الوصف:
65- أعرابي يصف مطرا:
عن عبد الرحمن عن عمّه قال: سئل أعرابي عن مطر فقال:
"استقلّ سُدُّ مع انتشار الطفل1، فشصا واحْزَأَلَّ2، ثم اكْفَهَرَّتْ أرجاؤه، واحْمَوْمَت أَرْحَاؤه، وابْذَعَرَّتْ فَوَارِقُه3، وتضاحكت بَوَارِقُه، واستطار وَادِقُه، وارْتَتَقَتْ جُوَبَه، وارْتَعَنَ هَيْدَبُه4، وحَشَكَت أخلافه، واستقلَّت أرافه، وانتشرت أكْنَافه5؛ فالرعد مرتجس، والبرق مختلس، والماء منبجس6، فَأَتْرَع الغدر، وانْتَبَثَ الوُجُر7 وخَلَطَ الأوعال بالآجال، وقَرَن الصِّيران بالرِّئَال8،
__________
1 استقل: ارتفع، والسد: السحاب الذي يسد الأفق: والطفل: العشي إلى حد المغرب.
2 شصا: ارتفع، واحزأل مثله.
3 المكفهر من السحاب: الذي يركب بعضه بعضا، وأرجاؤه: نواحيه جمع رجا كعصا، واحمومت: اسودت، وأرجاؤه: أوساطه: جمع رجا كعصا، وابذعرت تفرقت: والفوارق جمع فارق، وهو السحاب الذي ينقطع من معظم السحاب، وأصله في الإبل، يقال ناقة فارق: وهي التي تندعن الإبل عند نتاجها.
4 استطار: انتشر، والودق الذي يكون فيه الودق "كشمس" وهو المطر العظيم القطر، وارتتقت: التأمت، وجوبه: فرجه، وارتعن: استرخى، والهيدب: الذي يتدلى ويدنو من الأرض مثل هدب القطيفة
5 حشكت: امتلأت، والأخلاف جمع خلف كحمل، وهو الناقة كالضرع للبقرة، أردافه: مآخيره والأكناف: النواحي.
6 مرتجس: مصوت من الرجس كحمل وهو الصوت، مختلس: كأنه يختلس البصر لشدة لمعانه، منبجس: منفجر.
7 أترع: ملأ والغدر جمع غدير، والوجر جمع وجار ككتاب وسحاب: وهو حجر الضبع والثعلب، وانتبث: أخرج نبيشتها وهو تراب البئر والقبر، أي أنه لشدته هدم الوجر حتى أخرج ما بداخلها من التراب.
8 الأوعال جمع وعل، "كشمس وكتف ودئل": التيس الجبلي، والآجال جمع إجل كحمل وهو القطيع من البقر أي أنه لشدته جمع بين الوعول -وهي تسكن الجبال- وبين البقر، وهي تسكن القيعان والرمال، والصيران جمع صوار كشجاع، وصيار ككتاب وهو القطيع من البقر، والرئال جمع رأل كشمس فرخ النعام، فالرئال تسكن الجلد "بالتحريك وهي الأرض الصلبة المستوية المتن" والصيران تسكن الرمال والقيعان، فقرن بينهما.
(3/304)

فللأودية هدير، وللشِّراج خرير، وللتِّلاع زفير1، وحَطَّ النبع والعُتْمُ، من القُلُل الشُّمُّ، إلى القيعان الصُّحْم2، فلم يبقَ في القلل إلا مُعْصِم مُجْرَنْثِم، أو داحض مُجَرْجَم3، وذلك من فضل رب العالمين، على عباده المُذْنِبِين".
"الأمالي: 1: 173".
__________
1 هدير: أي صوت كهدير الإبل، الشراج جمع شرج كشمس وهو مسيل الماء من الحرة إلى السهل. والتلاع: مسايل الماء من الجبال حتى ينصب في الوادي.
2 النبع: شجر يتخذ منه القسي ينبت في الجبال، والعتم: الزيتون الجبلي كقفل وعنق، والقلل: أعالي الجبال جمع قلة كفرصة، والشم: المرتفعة جمع شماء والقيعان جمع قاع: وهي أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام، والصحم: التي تعلوها حمرة جمع أصحم.
3 المعصم: الذي قد تمسك بالجبال وامتنع فيها "ويقال للرجل الذي يمسك بعرف فرسه خوف السقوط: معصم" مجرنثم: متقبض، الداحض: الذي يفحص برجليه عند الموت والمجرجم: المصروع.
(3/305)

66- أعرابي يصف مطرا:
عن الأصمعي قال: سمعت أعرابيًّا من غَنِيٍّ يذكر مطرا أصاب1 بلادهم في غِبِّ جَدْب فقال:
"تدارك ربك خلقه، وقد كَلِبَت الأَمْحَال، وتقاصرت الآمال، وعكف الياس، وكُظِمَت الأنفاس، وأصبح الماشي مُصْرِمًا2، والمُتْرب مُعْدِما، وجُفِيَت الحلائل، وامْتُهِنَت العَقَائل، فأنشأ سحابا رُكَاما3، كَنَهْوَرا سَجَّاما، بُرُوقه متأَلِّقَة، ورُعُوده مُتَقَعْقِعَة، فَسَحَّ ساجيا4 راكدا، ثلاثا غير ذي فواق، ثم أمر ربك الشَّمال، فَطَحَرت5 رُكامَه، وفَرَّقت جَهامَه، فانقشع محمودا، وقد أحيا وأَغنَى، وجاد فأَرْوَى، والحمد لله الذي لا تُكَتّ نعمه، ولا تَنْفَد قِسَمُه، ولا يَخِيب سائله، ولا يَنْزُر6 نائلُه".
"الأمالي 1: 176".
__________
1 صاب: جاد، وكلبت: اشتدت، والأمحال جمع محل كشمس وهو القحط. وعكف: أقام.
2 الماشي: صاحب الماشية، مشى الرجل وأمشى: كثرت ماشيته، والمصرم: المقارب المال المقل، والمترب المغني الذي له المال مثل التراب كثرة، ويقال: أترب الرجل إذا كثر ماله "وقل أيضًا: ضد" وترب كفرح إذا افتقر كأنه لصق بالتراب، وامتهنت: استخدمت واعتملت، والعقائل جمع عقيلة، وأنشأ أحدث، والنشء: السحاب أول ما يخرج.
3 الركام: المتراكم، والكنهور من السحاب قطع كأنها الجبال، أو المتراكم منه، واحدته كنهورة، وسجام: صباب، ومتألقة: لامعة، ومتقعقعة: مصوتة.
4 سح: صب، ساجيا: ساكنا، وراكدا: ثابتا، والفواق: أن يصب صبة ثم يسكن، ثم يصب أخرى ثم يسكن مأخوذ من فواق الناقة وهو ما بين الحلبتين، كأنه يحلب حلبة ثم يسكن، ثم يحلب أخرى ثم يسكن.
5 طحرت: أذهبت وأبعدت، والجهام: السحاب الذي قد هراق ماءه، تكت: تحصى.
6 ينزر: يقل، ومنه قيل: امرأة نزور: إذا كانت قليلة الولد.
(3/305)

67- أعرابي يصف مطرا:
عن الأصمعي قال: "سألت أعرابيًّا من بني عامر بن صَعْصَعْة عن مطر صَابَ بلادهم فقال:
"نشأ عارضًا1، فطلع ناهضًا، ثم ابتسم وامضًا، فًأعَسَّ في الأقطار فأَسْجَاها، وامتدَّ في الآفاق فغطَّاها، ثم ارتجز2 فَهَمْهَمَ، ثم دَوَى فأظلم، فأَرَكَّ وَدَثَّ، وبَغَشَ وطَشَّ ثم قَطْقَطَ3 فأفرط، ثم دَيَّم فأغْمَطَ، ثم رَكَد فأنجم، ثم وَبَل فَسَجَم، وجاد فأنعم، فَقَمَسَ الرُّبا4 وأفرط الزُّبَى، سبعًا تباعًا، ما يريد انقشاعًا، حتى إذا ارتوت الحُزُون5 وتَضَحْضَحَت المتون، ساقه ربُّك إلى حيث شاء، كما جلبه من حيث شاء".
"بلوغ الأرب 3: 249".
__________
1 العارض: السحاب المعترض في الآفاق، وومض البرق كوعد: لمع خفيفًا ولم أجد في كتب اللغة "أعس" وإنما الذي فيها "عسعس السحاب: دنا من الأرض" وأسجاها: غطاها، وفي الأصل "أسحاها" بالماء وهو تصحيف.
2 ارتجز الرعد: صات، وارتجز السحاب: تحرك بطيئًا لكثرة مائه، وهمهم الرعد: إذا سمعت له دويًّا، والهمهمة: كل صوت معه بحح، وأرك: أتى بالرك "بفتح الراء ويكسر" وهو المطر القليل أو هو فوق الدث، والدث بالفتح: المطر الضعيف، والبغشة بالفتح: المطرة الضعيفة وقد بغشت السماء كمنع، والطش: المطر الضعيف وهو فوق الرذاذ، وطشت السماء كنصر وضرب.
3 القطقط بالكسر: المطر المتتابع العظيم القطر، وقد قطقطت السماء، والديمة بالكسر: مطر يدوم في سكون بلا رعد وبرق، أو يدوم أيامًا، وقد ديمت السماء. أغمط: دام ولازم، وأنجمت السماء: أسرع مطرها ودام، والوبل: المطر الشديد الضخم القطر، وقد وبلت السماء كوعد: أمطرته، وسجم كدخل: سال وانصب.
4 قمس الربا: كنصر وضرب: غوصها، وأفرطها: ملأها حتى فاضت، والزبى جمع زبية كفرصة، وهي الرابية لا يعلوها الماء، وحفرة تحقر لصيد الأسد "وهو المراد هنا" سميت بذلك لأنهم كانوا يحفرونها في موضع عال.
5 الحزون جمع حزن كشمس وهو الغليظ من الأرض، والمتون جمع متن كشمس: وهو ما صلب من الأرض وارتفع، والضحضح والمتضحضح والضحضاح: الماء القليل، وقيل هو ما لا غرق فيه، وقيل هو الماء إلى الكعبين أو إلى أنصاف السوق -وفي لغة هذيل الكثير- وقد تضحضح الماء، والتضحضح أيضًا جري السراب، تضحضح إذا ترقرق.
(3/306)

68- ثلاثة غِلمة من الأعراب يصفون مطرا:
عن الأصمعي قال: مررت بغلمة من الأعراب يتماقَلون1 في غدير، فقلت لهم: أيكم يصف لي الغيث وأعطيه درهما؟ فخرجوا إليّ فقالوا: كلنا، وهم ثلاثة، فقلت لهم: صفوا، فأيكم ارتضيت وصفه أعطيته الدرهم، فقال أحدهم:
"عَنَّ لنا عارض قصرًا2، تسوقه الصَّبا، وتَحْدُوه الجنوب، يَحْبُو حَبْوَ المُعْتَنِك3؛ حتى إذا ازْلَأَمَّت4 صدوره، وانتحلت خُصُوره، ورجَّع هديره، وصعق زئيره، واستقل نشاطه5، وتلامّ خصاصه، وارتعج ارتعاصه، وأوفدت سِقَابُه6، وامتدت أطنابه، تدارك ودقه، وتألق برقه، وحفزت تواليه7، وانسفحت عَزَالِيه، فغادر الثَّرى عَمِدًا8، والعَزَاز ثَئِدًا، والحُثُّ عِقَدًا9، والضَّحَاضِح متواصية، والشِّعَاب متداعية".
__________
1 يتغاطون في الماء.
2 عن: عرض، والقصر: العشي، والصبا: ريح تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار.
3 عنك الرمل كنصر: تعقد ارتفع فلم يكن فيه طريق، ورملة عانك: فيها في تعقد لا يقدر البعير على المشي فيها إلا أن يحبو، واعتنك البعير واستعنك: حبا في العانك فلم يقدر على السير. وقال رؤبة:
أفَرُبَّمَا نَجَّيْتَ مِنْ تِلْكَ الدُوَكْ ... أَوْدَيْتُ إِنْ لَمْ تَحْبُ حَبْوَ المُعْتَنِكْ
4 ازلأمت: ارتفعت، والخصور جمع خصر: وهو وسط الإنسان، والترجيع: ترديد الصوت في الحلق.
5 النشاص ككتاب وسحاب: السحاب المرتفع، أو المرتفع بعضه فوق بعض وخصاصه: فرجه، وأصله الفرج بين الأثافي والثقب الصغير وكل خلل أو خرق في باب ومنخل وبرقع ونحوه، وارتعج: ارتعد، وارتعص: تلوى وانتفض، وارتعص الرمح: اشتد اهتزازه.
6 أوفدت: أشرقت، والسقاب جمع سقب كشمس وهو عمود الخباء، والأطناب جمع طنب كعنق وهو حبل طويل يشد به الوتد.
7 حفزه كضربه: دفعه من خلفه، والتوالي: الأعجاز والمآخير، والعزالي بكسر اللام وفتحها جمع عزلاء: وهي مصب الماء من الراوية ونحوها، وانسفحت: انصبت، من سفح الدم أراقه.
8 عمد الثرى كفرح: بلله المطر حتى إذا قبضت عليه تعقد لندوته، والعزاز: الأرض الصلبة مكان ثئد: ند من الثأد بالتحريك وهو الندى.
9 الحث: اليابس الخشن من الرمل، والعقد ككتف وجبل: ما تعقد من الرمل وتراكم، والضحضح كجعفر والضحضاح: الماء اليسير، متواصية: متواصلة، والشعاب جمع شعبة كفرصة: وهي المسيل في الرمل، وما عظم من سواقي الأودية، وصدع في الجبل يأوي إليه المطر.
(3/307)

وقال الآخر: "تراءت المَخَايل1 من الأقطار، تَحِنُّ حَنِين العِشَار، وتَتَرامي بشهب النار، وقواعدها متلاحِكَة2، وبواسِقُها متضاحِكَة، وأرجاؤها متقاذِفَة، وأعجازها مترادِفَة، وأرحاؤها متراصفة، فوصلت الغرب بالشرق، والوَبْل بالوَدْق، سحًّا دراكًا3، متتابعًا لكَّاكًا، فضحضحت الجَفَاجِف4، وأنهَّرت الصفَاصِف، وحوَّضت الأصالف، ثم أقلعت محمودة الآثار، مَوْمُوقة الخِْيار".
فقال الثالث: والله ما خِلْتُه بلغ خُمْسًا، فقال: هلمَّ الدرهم أصفه لك، فقلت: لا، أو تقول كما قالا، قال: لأَبُذَّنَّهَما5 وصفًا، ولأُوقِفَنَّهما رصفًا، فقلت: هاتِ لله أبوك، فقال: "بينما الحاضر بين الباس والإبلاس، قد غَمَرهم الإشفاق، رَهْبَة الإِمْلاق، وقد جفت الأنواء6، ورفرف البلاء، واستولى القُنُوط على القلوب، وكثُر الاستغفار من الذنوب، ارتاح ربك لعباده، فأنشأ سحابًا مُسْتَجْهِرًا7 كَنَهْوَرًا مُعْنَوْنِكًا مُحْلَوْلِكًا، ثم استقل وأخزَأَلَّ، فصار كالسماء دون السماء،
__________
1 مخايل جمع مخيلة "بضم الميم وكسر الخاء" والمخيلة والمخيلة "بتشديد الياء المكسورة" السحابة التي تحسبها ما طرة، والعشار جمع عشراء كنفساء: وهي الناقة التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية، أو هي كالنفساء من النساء، والشهب جمع شهاب ككتاب: وهو شعلة من نار ساطعة.
2 قواعدها: أسافلها، وأصله من قواعد البيت: أي أساسه، متلاحكة: أي قد اشتد التئامها، والمتلاحكة: الناقة الشديدة الخلق، وبواسقها: أعاليها جمع باسقة، من بسق: أي طال وارتفع، ومتضاحكة أي يضحك فيها برقها، متقاذفة: أي يقذف بعضها بعضا بالمطر، وأرحاؤها: أوساطها، متراصفة: متراكمة قد رصف بعضها فوق بعض.
3 أي صبا متتابعة، ولكاكا: متزاحما من اللكاك ككتاب وهو الزحام.
4 الجفاجف جمع جفجف كجعفر: وهي الأرض المرتفعة ليست بالغليظة، وضحضحها: جعلت فيها ضحاضح والصفاصف جمع صفصف كجفر: وهو المحتوى من الأرض، وأنهر الماء: أساله، والأصلف والصلفاء: ما صلب من الأرض، والجمع أصالف، وحوضت جعلت فيها حياضًا.
5 بذة: فاته وغلبه، والحاضر: ساكن الحضر، والباس: العذاب والشدة، والإبلاس: التحير واليأس: والإشفاق: الخوف، والإملاق: الفاقة.
6 الأنواء جمع نوء: وهو في الأصل سقوط النجم في المغرب مع الفجر وطلوع آخر يقابله في ساعته من المشرق، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إليها.
7 مستجهرا: لم أجد هذه الكلمة في كتب اللغة، وربما كان الأصل: "مستنهرا" من استنهر الشيء إذا اتسع، والمحلوك: الشديد السواد، وقد تقدم معنى اعتنك واستعنك: واعنونك افعوعل من هذه المادة، ولم أجده في كتب اللغة.
(3/308)

وكالأرض المَدْحُوَّة1 في لوح الهواء، فأَحْسَبَ السُّهُول وأتْأَقَ الهُجُول، وأحيا الرجاء، وأمات الضَّرَّاء، وذلك من فضل رب العالمين".
قال: فملأَ والله اليَفَعُ صدري، فأعطيت كل واحد درهمًا، وكتبت كلامهم.
"بلوغ الأرب 3: 252".
__________
1 المبسوط، واللوح: الهواء وأحسبها: أرواها، من أحسبه إذا أطعمه وسقاه حتى شبع وروي، وأتأق: ملأ، والهجول جمع هجل كشمس: وهو المطمئن من الأرض، واليفع واليافع: الشاب.
(3/309)

69- أعرابي يصف مطرا:
عن الأصمعي قال: سألت أعرابيًّا عن مطر صابَهم بعد جَدْب فقال:
"ارتاح لنا ربك بعد ما استولى علىّ الظنون، وخامر القلب القُنُوط، فأنشأ بِنَوْء الجَبْهَة1 قَزَعَةً كالفَرْضِ من قِبَل العين، فاحْزَأَلَّت عند ترجُّل النهار، لإِزْمِيم السِّرار2؛ حتى إذا نهضت في الأفق طالعة، أمر مسخِّرها الجنوب فتَنَسَّمَت لها، فانتشرت أحضانها، واحْمَوْمَت أركَانُها، وبَسَقَ عنانها3 واكْفَهَرَّت رحاها، وانبعجت كُلَاها، وذَمَرَت أُخْرَاها أولاها، ثم استطارت عَقَائِقُها، وتَقَعْقَعَت صواعقها، ثم ارْثَعَنَّتْ4 جوانبها، وتداعت سواكبها، ودَرَّت حوالبها فكانت الأرض طَبقًا5، سَحَّ فَهَضَبَ، وعَمَّ فأحْسَبَ، فَعَلَّ القِيعَان، وضَحْضَحَ الغِيطان، وجَوَّخ الأضواج6، وأترع الشراج، فالحمد لله الذي جعل كِفَاءَ إساءتنا إحسانًا، وجزاءً ظلمنا غُفْرَانًا".
"بلوغ الأرب 3: 253".
__________
1 الجبهة: منزل للقمر، قزعة: قطعة من السحاب والفرض: الترس، والعين: القبلة، ترجل النهار: ارتفع.
2 الإزميم: ليلة من ليالي المحاق -والمحاق مثلثة: ثالث ليال من آخر الشهر- والسرار: آخر ليلة من الشهر، وأحضانها جمع حضن كحمل: وهو جانب الشيء وناحيته، واحمومت: اسودت.
3 بسق: ارتفع، والعنان: السحاب، رحاها؛ وسطها، وانبعجت؛ انشقت، والكلية من السحاب: أسفله -ومن المزادة رقعة مستديرة تخرز عليها تحت العروة- وذمرت: حضت، والتذامر: التحاض على القتال، وعقائقها بروقها المشبهة للعقائق.
4 ارثعن المطر: ثبت وجاد.
5 غيث طبق: عام واسع يطبق الأرض، وهضب كضرب:
6 جوخ السيل الوادي: إذا كسر جنبتيه واقتلع أجرافه، وفي الأصل "خوخ" وهو تصحيف والأضواج جمع ضوج كشمس: وهو منعطف الوادي، والشراج جمع شرج كشمس أيضًا: وهو مسيل الماء من الحرة "بفتح الحاء" إلى السهل.
(3/309)

70- أعرابي يصف مطرًا:
عن عبد الرحمن عن عمه قال: سمعت أعرابيًّا من بني عامر بن لُؤَيِّ بن صَعْصَعَةَ يصف مطرًا فقال:
"نشأ عند القصر، بنَوْء الغَفْر1، حَبِيٍّا عارضًا، ضاحكًا وامضًا، فَكَلَا ولا2 ما كان، حتى شَجِيت به أقطار الهواء، واحتجبت به السماء، ثم أطرق3 فاكْفَهرَّ، وتراكم فادْلَهَمَّ، وبسق فازْلَأَمَّ، ثم حَدَتْ به الريح، فحنَّ، فالبرق مُرْتَعِج، والرعد مُتَبَوِّج4، والخَرْج متبعِّج، فأَثْجَم ثلاثًا، متحيِّرًا هثْهَاثًا5، أخلافه حاشِكَة، ودُفَعه متواشكة، وسَوَامُه متعاركة، ثم وَدَّع مُنْجِمًا6، وأقلع مُتْهَمًا، محمود البلاء، مُتْرِع النِّهاء، مشكور النَّعماء، بِطَوْلِ7 ذي الكبرياء".
"بلوغ الأرب 3: 254".
__________
1 القصر: العشي، والغفر: منزل القمر، والحبي: السحاب يشرف من الأفق على الأرض، أو الذي بعضه فوق بعض.
2 قال في اللسان: "والعرب إذا أرادوا تقليل مدة فعل أو ظهور شيء خفي قالوا: كان فعله كلا، وربما كرروا فقالوا كلا ولا، قال الشاعر: يكون نزول القوم فيها كلا ولا:"، والشجا: ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه، وقد شجي به كرضي.
3 هو من أطرقت الإبل: تبع بعضها بعضا، وادلهم: اسود.
4 التبوج: الصياح، والخرج: السحاب أول ما ينشأ، متبعج: متشقق.
5 الثهاث: السريع، حاشكة: كثيرة الماء، متواشكة: يسارع بعضها بعضًا، والسوام: الإبل الراعية.
6 أنجم المطر وغيره: أقلع، ومتهمًا: أي سائر نحو تهامة، والنهاء جمع نهى بالكسر والفتح وهو القدير.
7 أي بفضله وقدرته.
(3/310)

71- أعرابي يصف مطرا:
عن أبي عبيدة قال: خرج النعمان في بعض أيامه في عقب سماء، فلقي أعرابيا على ناقة، فأمر فأُتي به، قال: كيف تركت الأرض وراءك؟ فقال:
"فِيح رُحاب1، منها السهول ومنها الصِّعاب، منشوطة بحبالها، حاملة لأثقالها"، قال: إنما سألتك عن السماء! قال:
"مُطِلَّة2 مستقلة، على غير سقاب ولا أطناب، يختلف عصراها، ويتعاقب سِرَاجاها، قال: ليس عن هذا أسألك! قال: فَسَلْ ما بدا لك، قال: هل صاب الأرض غيث؟ قال:
"نعم: أغمضت3 السماء في أرضنا ثلاثا رَهْوًا، فَثَّرت وأرْزَغَتْ، ورَسَّغَت، ثم خرجت من أرض قومي أقرؤها4، فإذا هي متواصية، لا خَطِيطة بينها، حتى هبطت بعشار، فتداعى السحاب من الأقطار، فجاءنا بالسيل الخرَّار، فعفا5 الآثار، وملأ الجِفَار، وقوَّر عالي الأشجار، فأحجر الحضَّار، ومنع السُّفَّار، ثم أقلع عن نفع وإضرار، فلما اتلأَبَّت6 لي القيعان، ووَضَحَت السُّبُل في الغيطان، وفات العَنَانُ، من أقطار الأعنان، فلم أجد وَزَرًا إلا الغِيران، ففات وِجار الضبُع، فغادرتُ السهول
__________
1 فيح جمع فيحاء: واسعة، وكذا رحاب، منشوطة: مشدودة، من نشط الحبل كنصر عقده "وأنشطه: حله".
2 مطلة: مرتفعة، وكذا مستقلة، والسقاب جمع سقب كشمس: وهو عمود الخباء، والعصران: الليل والنهار، وسراجاها: الشمس والقمر.
3 أي دامت ولازمت، والرهو: السكون والثرة من العيون: الغزيرة كالثرارة، وقد ثرت هي، والرزغة بالتحريك: الوحل، وأرزغ المطر الأرض بلها ولم تسل، ورسغ المطر: كثر وثرى الأرض حتى تبلغ يد الحافر عنه إلى أرساغه.
4 أتتبعها، والخطيطة: الأرض لم تمطر بين ممطورتين، أو التي مطر بعضها، وعشار: موضع.
5 محاها وطمسها، والجفار جمع جفر كشمس: البئر التي لم تطو، وقورها: قطع من وسطها خرقا مستديرا، وأحجر، من أحجر الضب: أي أدخله في جحره، والحضار جمع حاضر وهو المقيم في الحضر، والسفار جمع سافر وهو المسافر لا فعل له.
6 استقامت، والعنان: السحاب والأعنان من السماء: نواحيها والوزر الملجأ، والغيران جمع غار: وهو الكهف في الجبل، والوجار بالكسر والفتح: جحر الضبع وغيرها.
(3/311)

كالبحار، تتلاطم بالتيار، والحزُون متلفِّعة بالغُثَاء1، والوحوش مقذوفة على الأرجاء، فما زلت أطأ السماء، وأخوض الماء، حتى وطِئْت أرضكم".
"بلوغ الأرب 3: 257".
__________
1 الغثاء: البالي من ورق الشجر المخالط لزبد السيل.
(3/312)

72- أعرابي يصف مطرا:
عن أبي عبيد قال: وقف أعرابي على قوم من الحاج فقال:
"يا قومي بدا شأني، والذي ألْفَجَني1 إلى مسألتكم، إن الغيث كان قد قوي عنَّا ثم تكرْفَأ السحاب، وشَصَا الرَّبَاب، وادْلَهَمَّ سَيِّقه2، فارتجس رَيقْه، وقلنا: هذا عام باكر الوَسْمِيِِّ3، محمود السُّمِي، ثم هبَّت له الشمال، فحزَأَلَّت طَخَارِيرُه4، وتفزَّع كِرْفِئُه متباشرا، ثم تتابع لمعان البرق؛ حيث تَشِيمُه الأبصار، وتجده النظَّار، ومَرَتِ5 الجُنُوب ماءه، فقوَّض الحي مُزْلَئِمِيِّن نحوه، فَسَرَّحنا المال فيه وكان وخمًا وَخيمًا، فأساف المال، وأضفَّ الحال، فرحِم الله امرأ جاد بِمَيْر، أو دل على خَيْر".
"بلوغ الأرب 3: 258".
__________
1 ألجأني، وقوى المطر: احتبس، وتكرفأ: تراكم، وشصا: ارتفع، والرباب: السحاب الأبيض
2 ادلهم: اسود، والسيق: السحاب لا ماء فيه، والريق: تردد الماء على وجه الأرض.
3 الوسمي: مطر الربيع الأول، سمي بذلك لأنه يسم الأرض بالنبات، والسمي جمع سماء: وهو المطر أو المطرة الجيدة.
4 الطخارير جمع طخرور كعصفور بالخاء والحاء: اللطخ من السحاب، والكرفئ: السحاب المرتفع المتراكم، وتقزع: تفرق وانقشع، وشام البرق: نظر إليه أين يقصد.
5 هو من مرى الناقة كرمى: مسح ضرعها لتدر، مزلئمين: ماضين مرتحلين إليه، وأساف المال: أهلكه، والسواف كجبان وشجاع: الموت في الناس والمال، ساف سوفا أي هلك، وأسافه الله، ويقال أيضًا أساف الرجل: وقع في ماله السواف أي الموت: وأضف من الضفف كسبب وهو الضيق والشدة، أصابهم من العيش ضفف أي شدة.
(3/312)

73- أعرابي يصف مطرا:
عن عبد الرحمن عن عمه قال:
قال أبو مُجِيب -وكان أعرابيا من بني ربيعة بن مالك: "لقد رأيتُنا في أرضٍ
(3/312)

عَجْفَاء1، وزمان أَعْجَف، وشجر أَعْسَم، في قُفٍّ غليظ فبينما نحن كذلك؛ إذ أنشأ الله تعالى من السماء غيثًا مستكِفًّا2 نَشْؤُه، مُسْبَلَةً عَزَالِيه، ضِخَامًا قطرهُ، جَوْدًا صوبُه زاكيًا، أنزله الله تعالى رزقًا لنا، فَعَيَّش به أموالَنا، ووَصَل به طرقنا، وأصابنا وإنا لَبِنَوْطِةٍ3 بعيدة الأرجاء، فاهْرَمَّعَ مطرها، حتى رأيتنا وما نرى غير السماء والماء وضَهَوَات الطَّلح4، وضرب السيل النِّجَاف، وملأ الأودية فَزَعَبَها، فما لبثنا إلا عشرا، حتى رأيتها روضة تَنْدَى".
"بلوغ الأرب 3: 259".
__________
1 ليس بها نبات، وأصله من العجف بالتحريك وهو الهزال، وأعسم: يابس، وأصله من العسم بالتحريك وهو يبس في مفصل الرسغ تعوج منه اليد والقدم، والقف: ما غلظ من الأرض وارتفع، لم يبلغ أن يكون جبلا: وأنشأ الله السحاب: رفعه.
2 مستكفا: مستديرا كالكفة، "والكفة بالكسر وبضم كل مستدير"، وصوبه: مطره.
3 النوطة: الأرض يكثر بها الطلح "والطلح: شجر عظام" والموضع المرتفع عن الماء، أو ليس بواد ولا تلعة بل بين ذلك، واهرمع: كثر وأسرع.
4 الضهوة: بركة الماء، والنجاف جمع نجف بالتحريك وبهاء: مكان لا يعلوه الماء، أو هي أرض مستديرة مشرفة على ما حولها، وزعبها: ملأها.
(3/313)

74- أعرابي يصف مطرا:
ودخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك فقال:
"أصابتك سماء في وجهك يا أعرابي"، قال: "نعم يا أمير المؤمنين، غير أنها سحَّاء طَحْنَاء وَطْفَاء1، كأن هَوَادِيَها الدِّلاء، مُرْجَحِنَّة النواحي، موصولة بالآكام تكاد تمسُّ هَامَ الرجال، كثير زَجَلُها2، قاصف رعدُها، خاطف3 برقها، حَثِيث وَدْقُها، بَطِيء مسيرها، مُثْعَنْجِرُ قطرها، مظلم نَوْؤُهَا، قد لجِئت الوحش إلى أوطانها، تبحث عن أصولها بأظلافها، متجمعة بعد شتاتها، فلولا اعتصامنا يا أمير المؤمنين
__________
1 سحابة وطفاء: مسترخية لكثرة مائها، أو هي الدائمة السح الحثيثة، هواديها: أوائلها ومقادمها، مرجحنة: ثقيلة مهتزة.
2 الزجل: الجلبة ورفع الصوت، مثعنجر: سائل منصب، ولجأ إليه كمنع وفرح، وأظلاف جمع ظلف بالكسر وهو للبقرة والشاة والظبي وشبهها كالقدم لنا، والقنن جمع قنة، وهي قمة الجبل.
3 زدت هذه الكلمة كي يستقيم بها الكلام والظاهر أنها سقطت من الأصل في الطبع.
(3/313)

بِعِضَاهِ الشجر، وتعلُّقنا بِقُنَن الجبال، لكنا جُفَاء1 في بعض الأودية، ولَقَمِ الطريق، فأطال الله للأمة بقاءك، ونسألها في أَجَلِك ببركتك، وعاد الله بك على رعيتك، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد".
فقال سليمان: "لَعَمْرُ أبيك لئن كانت بديهة لقد أُحسنت، وإن كانت مُحَبَّرَةً لقد أجدت" قال: بل محبرة مَهْدُورة يا أمير المؤمنين، قال: "يا غلام أعطِه، فوالله لَصِدْقه أعجب إلينا من صِفًته".
"العقد الفريد 2: 96".
__________
1 الجفاء: الزبد، ولقم الطريق: معظمه ووسطه، وفي الأصل: "لغم" وهو تحريف.
(3/314)

75- أعرابية تصف مطرا:
عن الأصمعي قال: "كان شيخ من الأعراب في خِبائِه، وابنه له بالفِنا1، إذا سمع رعدًا فقال: ما تَرَين يا بُنَيَّة؟ قالت: أراها حوَّاء قَرْحاء2، كأنها أقرَابُ أتانٍ قَمْرَاء، ثم سمع راعدة أخرى فقال: كيف ترينها؟ قالت: أراها جَمَّة التَّرْجاف3 متساقطةَ الأكناف تتألق بالبرق الوَلَّافِ، قال: هلُمِّي المِغْرَفَة، انْتَئِى4 نُؤْيًا".
"بلوغ الأرب 3: 251".
__________
1 الفناء: ما اتسع أمام الدار.
2 حواء: وصف من الحوة بالضم وهي حمرة إلى السواد، والقرحة بالضم: وجه الفرس دون الغرة، والوصف منه أقرح وقرحاء، والأقراب جمع قرب كقفل عتق: وهو الخاصرة، والقمرة بالضم: بياض فيه كدرة، حمار أقمر، وأتان قمراء.
3 كثيرة الاضطراب، الولاف: المتتابع، من ولف البرق كوعد ولفًا وولافا بالكسر: تتابع.
4 النؤي: الحفير حول الحياء يمنع السيل، وانتأيته عملته.
(3/314)

76- أعرابية تصف مطرا:
عن الأصعمي قال: كان أعرابي ضرير تقوده ابنته، وهي ترعى غُنَيْمات لها، فرأت سحابا فقالت: يا أبت جاءتك السماء، فقال: كيف ترينها؟ قالت: كأنها فرس دَهْمَاء1 تَجُرّ جِلَالَها، قال: ارَعْى غنيماتِك، فرعت مَلِيّا، ثم قالت: يا أبت جاءتك السماء، قال: كيف ترينها: قالت؟ كأنها عين جمل طَرِيف2 قال: ارعَي
__________
1 سوداء، والجلال جمع جل بالضم والفتح: ما تلبسه الدابة لتصان به.
2 الجمل ينتقل من مرعى إلى مرعى.
(3/314)

غنَيْمَاتك، فرعت مليًا، ثم قالت: يا أبت جاءتك السماء، قال: كيف ترينها؟ قالت: سُطِحَت وابْيَضَّتْ، قال: أدخلي غنيماتك، قال فجاءت السماء بشيء شَطَأَ1 له الزرع وأينع، وخَضِرَ ونِضَُر".
"بلوغ الأرب 2603".
__________
1 شطأ الزرع: أخرج شطأه، أي فراخه.
(3/315)

77- أعرابي يصف أرضا:
ووصف أعرابي أرضا أحمدها فقال:
"خَلَع شِيحُها، وأبقل رِمْثُها، وخضب عَرْفَجُها1، واتَّسق نبتُها، واخضرَّت قُرْيَانُها، وأخْوَصَت بُطْنَانها2، وأَحْلَسَت أكمامُها، واعتمَّ نَبْتُ جَراثيمها3، وأجْرَتْ بَقْلَتها وذُرَقتها وخُبَّازَتها4، واحْوَرَّت خَوَاصِر إبلها، وشَكِرت حَلُوبَتُها، وسَمِنَت قَتُوبتها5، وعَمِد ثَرَاها. وعَقِدت تَنَاهِيها، وأماهَتْ ثمارُها. وَوَثِقَ الناس بِصَائِرَتها6".
"البيان والتبيين 2: 77".
__________
1 خلع الشيح: أورق "والخالع من العضاه: الذي لا يسقط ورقه أبدا، والعضاه ككتاب: كل شجر له شوك" والرمث. مرعى للإبل وشجر يشبه الغضا، والعوفج: شجر سهلي، وخضب الشجر كضرب وسمع وعني: اخضر.
2 القريان: مجاري الماء من الربو إلى الرياض جمع قرى كغنى، وأخوص العرفج: تفطر بورق، وأخوصت النخلة: أخرجت الخوص، والبطنان جمع باطن وهو الغامض من الأرض أي المطمئن منها.
3 أحلس النبت: غطى الأرض بكثرته، أحلست الأرض فهي محلسة: صار النبات عليها كالحلس كثرة الحلس كحمل كساء على ظهر البعير -والجراثيم جمع جرثومة بالضم، وجرثومة الشيء: أصله، واعتم: أي كأنه لبس عمامة.
4 أجرت البقلة: صارت لها جراء -وجراء ككتاب جمع جرو بالتثليث وهو صغير كل شيء- والذرقة واحدة الذرق وهو نبات مثل الكرات الجبلي الدقاق في رأسه حلو يؤكل رطبا تحبه الرعاة يأتون به أهليهم: والخبازة والخبازى: النبت المعروف.
5 أحورت: ابيضت وذلك من الشد على خواصرها لئلا تحبط "والحبط بالتحريك: انتفاخ بطنها من مرعى ترعاه" والحلوبة: المحلوبة، وشكرت الناقة: امتلأ ضرعها، والدابة: سمنت، والقتوبة: الإبل التي تقتبها "وأقتب الناقة: شد عليها القتب "بالتحريك" وهو إكاف صغير على قدر سنام البعير".
6 عمد الثرى: بلله المطر حتى إذا قبضت عليه تعقد لندوته، والتناهي جمع تنهية: وهي مستقر السيل حيث ينتهي الماء من الوادي، وعقدت تناهيها: أن يمر السيل مقبلا حتى إذا انتهى منتهاه دار بالأبطح حتى يلتقي طرفا السيل، وأماهت ثمارها: أي كثر ماؤها والصائرة: المطر والكلأ.
(3/315)

78- رائد يصف أرضا جدبة:
قال أبو المجيب: وصف رائد أرضا جدبة فقال:
"اغبرَّتْ جادَّتها1، وذرع مَرْتَعها، وقَضِم شجرها، ورَقَّت كَرِشها، وخَور عظمها. والتقى سَرْحاها2. وتميّز3 أهلها؟ ودخل قلوبهم الوَهَل. وأموالهم الهَزْلُ".
"البيان والتبيين 2: 77".
__________
1 الجادة: الطريق إلى الماء، وذرع المرتع: بعد عن الماء، وقضم شجرها: تكسر، يقال: سيف قضم كفرح: أي طال عليه الدهر فتكسر حده، وقضم السن: انصدع وتثلم، وإذا لم يكن للجمال مرعى إلا الشجر وحده رقت أكراشه.
2 يعني أنه إذا أكل كل ساوح ما يليه، التقيا عند الماء.
3 تفرقوا في طلب الكلأ، والوهل: الفزع، والهزل: موت مواشي الرجل.
(3/316)

79- رائدا يصف أرضا:
عن محمد بن كُناسة قال: أخبرني بعض فصحاء أعراب طيئ قال:
"بعث قوم رائدا. فقالوا: ما وراءك؟ قال: عشب وتعاشيب1، وكَمْأَة متفرقة شِيبٌ، تقلعها بأخفافها النِّيب2"، قالوا: لم تصنع شيئًا، هذا كذب! فأرسلوا آخر، فقالوا: ما وراءك؟ قال: "عشب ثَأْد مَأْدَمَوْلِيُّ3 وعَهْد. متدارك جَعْد4، كأفخاذ نساء بني سعد، تشبَع منه النِّيب وهي تُعَدُّ5".
"البيان والتبيين 2: 79".
__________
1 العشب: الكلأ الرطب، والتعاشيب: القطع المتفرقة منه.
2 النيب جمع ناب: وهو الناقة المسنة.
3 جاء في اللسان: "قال الأصمعي: قيل لبعض العرب: أصب لنا موضعًا أي أطلب فقال رائدها: وجدت مكانا ثئدا مئدا "بفتح فكسر" وقال زيد بن كثوة: بعثوا رائدا فجاء وقال: عشب ثأد مأد "بفتح فسكون" كأنه أسوق بني سعد" وثئد النبت كفرح: ندى فهو ثئد، ومأد كمنع اهتز وتروى وجرى فيه الماء وتنعم ولان والمأد: الناعم من كل شيء، والمولي: الذي أصابه الولى "والمولي: المطر الذي يأتي بعد المطر"، والعهد: أول مطر الوعى "الوسمى: أول مطر الربيع".
4 من قولهم: زبد جعد: أي متراكب مجتمع قد صار بعضه فوق بعض.
5 يعني أن العشب قد طال وتم، والنيب تشبع منه وهي تعد: لأنها تتناوله وهي قائمة لا تبرح مكانها ولا تطأطئ رأسها.
(3/316)

80- رائد يصف أرضا:
وبعث رجل أولاده يرتادون في خِصْب. فقال أحدهم: "رأيت بقلا. وماء غيلا1. يسيل سيلا. وخُوصه تميل ميلا، ويحسبها الرائد ليلا" وقال الثاني: "رأيت دِيمة على دِيمة، في عهدها غير قديمة. وكَلأً تشبَع منه النَّاب قبل الفطيمة".
"البيان والتبيين 2: 79".
وروى هذا الوصف عن ابن الكلبي بصورة أخرى قال:
"خطب هندَ بنة الخُسِّ الإيادية ثلاثةُ نَفَر من قومها، وارتَضَت أنسابَهم وجمالَهم، وأرادت أن تَسْبُر عقولهم، فقالت: لهم: "إني أريد أن ترتادوا لي مرعًى، فلما أتَوْها قالت لأحدهم: ما رأيت؟ قال: رأيت بقلا وبُقِيلا، وماء غَدَقًا2 سَيْلا، يحسبه الجاهل ليلا، قالت: أمْرَعتَ3، قال الآخر: رأيت ديمة بعد ديمة، على عهادٍ غير قديمة، فالناب تشبع قبل الفطيمة، قال الثالث: رأيت غيثا ثَعْدًا مَعْدًا4، متراكما جعدًا، كأفخاذ نساء بني سعد، تشبع منه النِّيب وهي تُعَدّ".
"بلوغ الأرب 2: 256".
__________
1 الغيل: الماء الذي يجري بين الشجر.
2 الغدق: الماء الكثير.
3 أمرعه أصابه مريعًا كخصيب وزنا ومعنى.
4 الغيث: المطر والكلأ، وقيل: الأصل المطر ثم سمي ما ينبت به غيثا، والمراد هنا الثاني، وبقل ثعد معد: غض رطب رخص.
(3/317)

81- أعرابي يصف أرضه وماله:
عن أبي عمرو بن العلاء قال: لقيت أعرابيا بمكة فقلت له: ممن أنت؟ قال: أسدي، قلت: ومن أيهم؟ قال: نَهْدي، قلت: من أي البلاد؟ قال: من عُمان،
(3/317)

قلت: فأنَّي لك هذه الفصاحة؟ قال: "إنا سكنَّا قُطْرًا لا نسمع فيه ناجِخَة التيار1" قلت: صِفْ لي أرضك، قال: "سِيفٌ أَفْيَح، وفضاء صَحْصَح، وجبل صَرْدَح، ورَمْل أصبح2"، قلت: فما مالُك؟ قال: النخل، قلت: فأين أنت من الإبل؟ قال: "إن النخل حَمْلُها غِذاء، وسَعَفُها3 ضِياء، وجِذْعها بناء، وكَرَبُها صِلَاء، ولِيفها رِشَاء، وخُوصُها وِعاء، وقَرْوُها إناء".
"ذيل الأمالي ص17".
__________
1 الناجخة: الصوت، والتيار: الموج.
2 السيف: ساحل البحر، وساحل الوادي، أو لكل ساحل سيف، أو إنما يقال ذلك لسيف عمان، وأفيح: واسع، والصحيح: ما استوى من الأرض، والصردح: الصلب، والأصبح: الذي يعلو بياضه حمرة.
3 السعف: جريد النخل أو ورقه، والكرب: أصول السعف الغلاظ العراض، والرشاء: الحبل، والقرو: أسفل النخلة ينقر فينتبذ فيه -أي يتخذ فيه النبيذ.
(3/318)

82- أعرابي يصف بلدًا:
وذكر أعرابي بلدا فقال: "بلد كالتُّرس، ما تمشى فيه الرياح إلا عابرات سبيل، ولا يمر فيه السفر إلا بأدلّ دليل". "العقد الفريد 2: 80".
وقال أعرابي: "مررت ببلد ألقى به الصيف1 بِقَاعَه، فأظهر غَدِيرا يَقْصُر الطَّرْف عن أرجائِه، وقد نَفَتِ الريح القَذَى عن مائِه، فكأنه سلاسل دِرْعٍ ذات فُضُول2".
"العقد الفريد 2: 96".
وسئل أعرابي عن مسافة ما بين بلدين فقال: "عمر ليلة، وأَدِيم3 يوم".
وقال آخر: "سواد ليلة، أو بياض يوم".
"البيان والتبيين 2: 51، والعقد الفريد 2: 97".
وقال آخر: "إن المسافر ومَتَاعَه لعَلَى قَلَت4 إلا ما وَقَى الله".
"العقد الفريد 2: 52".
__________
1 الصيف كسيد ويخفف: المطر يجيء في الصيف أو بعد الربيع كالصيفي.
2 جمع فضل: وهو الزيادة.
3 أديم النهار: عامته أو بياضه.
4 القلت: الهلاك.
(3/318)

83- أعرابي يصف أشد البرد:
سئل أعرابي فقيل له: ما أشد البرد؟ قال: ريح جِرْبِيَاء، في طلّ عَمَاءٍ، غِبِّ سماء1".
"البيان والتبيين 1: 163".
__________
1 الجربياء: ريح الشمال الباردة، أو الريح بين الجنوب والصبا، والعماء: السحاب المرتفع: أو الكثيف، أو الممطر، في غب سماء، أي عقب مطر.
(3/319)

84- أعرابي يصف إبلا:
وقال: سمعت أعرابيا يصف إبلا فقال:
"إنها لِعَظَام الحناجر، سِبَاطُ المَشَافِر، كُوم بَهَازِر1، نُكْد خَنَاجِر2، أجوافُها رِغَاب3، وأعطانُها رِحَاب، تُمْنَع من البُهَم4 وتُبْذَل للجُمَم".
"الأمالي 1: 52"
__________
1 الحنجرة والحنجور كعصفور: الحلقوم، وجمعه حناجر، والمشافر جمع مشفر كمنبر: وهو البعير كالشقة للإنسان، والكوم: العظام الأسنمة جمع أكوم وكوماء والبهازر جمع بهزرة كبندقة: وهي العظيمة من النوق.
2 النكد: الغزيرات اللبن من الإبل "والتي لا لبن لها أيضا ضد"، والحناجر: الغزيرات اللبن جمع خنجر كجعفر وبهاء وخنجورة بالضم.
3 رغاب: واسعة، وأعطانها: مباركها عند الماء جمع عطن كسبب.
4 البهم جمع بهمة كفرصة: وهو الشجاع الذي لا يدري من أين يؤتى، من شدة بأسه، والجمم جمع جمة كقبة، وهم القوم يسألون في الديات.
(3/319)

85- أعرابي يصف ناقة:
ووصف أعرابي ناقة فقال: "إذا كحالَّت عينها، وألِلَت1 أذنها، وسَجِح2 خدُّها، وهَدِل3 مِشْفَرُها، واستدارت جُمْجُمتها، فهي الكريمة".
"الأمالي 1: 217".
__________
1 أل البعير: نصب أذنيه وحددهما.
2 سجح: سهل وحسن.
3 هدل: استرخى.
(3/319)

86- أعرابي يصف خيلا:
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: "خرجت علينا خيل مستطيرة النَّقْع1، كأن هَوادِيَهَا2 أعلام، وآذانها أطراف أقلام، وفرسانها أُسُود آجام".
__________
1 الغبار.
2 أوائلها.
(3/320)

87- أعرابي يصف خيلا:
وذكر أعرابي خيلا فقال: "والله ما انْحَدَرَتْ في وادٍ إلا ملأت بَطْنَه، ولا رَكِبَت بطن جبل إلا أَسْهَلَتْ حَزْنَهُ".
"العقد الفريد 2: 95".
(3/320)

88- أعرابي يصف خيلا:
عن عبد الرحمن عن عمه قال: سمعت أعرابيا يصف خيلا فقال: "سِبَاط الخَصَائل1. ظِمَاء المَفَاصل، شِدَاد الأبَاجِل2، قُبُّ الأياطِل، كِرام النَّواجِل3".
"الأمالي 1: 52".
__________
1 الخصائل جمع خصيلة: وهي كل قطعة من اللحم مستطيلة أو مجتمعة، وقيل: هي ما انماز من لحم الفخذ بعضه من بعض، وسباط جمع سبط ككتف وشمس، رجل سبط الجسم إذا كان حسن القد والاستواء: وظماء: ضمر.
2 الأباجل جمع أبجل: وهو عرق غليظ في الرجل أو في اليد، يريد أنها شداد القوائم.
3 الأياطل جمع أيطل: وهو الخاصرة، قب جمع أقب، وصف من القبب كسبب وهو دقة الخصر وضمور البطن، والنواجل جمع ناجلة، من نجلته: أي ولدته.
(3/320)

89- أعرابي يصف فرسا:
ووصف بعض الأعراب فرسا فقال: "قد انتهى ضُمُوره، وذَبَُل فَرِيرُه1، وظهر حصيره2، وتفلَّقت غُرُوره3، واسترخت شاكِلَتُه4، يُقبل بزُوْر الأسد، ويدبر بِعَجُز الذئب".
"البيان والتبيين 3: 233، والأمالي 3: 256".
__________
1 الفرير: موضع المجسة من معرفة الفرس.
2 الحصير: عرق يمتد معترضًا على جنب الدابة إلى ناحية بطنها، أو لحمة كذلك.
3 الغرور: الغصون التي في جلده، واحدها غر بالفتح.
4 الشاكلة من الفرس: الخلد بين عرض الخاصرة والثفنة -والثفنة كفرحة: الركبة.
(3/320)

90- أعرابي يصف خاتمًا:
وقال أعرابيا يصف خاتمًا: "شَفَّ1 تقدير حَلْقته، ودُوِّر كرسي فضته، وأحكم تركيبه، وأتقن تدبيره، فبه يتم المُلْك، وينفُذ الأمر، ويَكْرُم الكتاب، ويَشْرُف المكتوب إليه".
"العقد الفريد 2: 97".
__________
1 رق.
(3/321)

91- أعرابي يصف أطيب الطعام:
وقال عبد الملك لأعرابي: "ما أطيب الطعام؟ "، فقال: "بكرة سَنِمَة1، مُعْتَبَطَة غير ضَمِنَة، في قدورٍ رَذِمَة2، بشِفارٍ خَذِمة3، في غداة شبِمة4، فقال عبد الملك: وأبيك لقد أطيبتَ5.
"البيان والتبيين 1: 163".
__________
1 البكرة: الفتية من الإبل، والسنمة: العظيمة السنام، وفعله كفرح، عبط الذبيحة كضرب واعتبطها: نحرها من غير علة وهي سمينة فتية، والضمنة: الزمنة والمتلاة في جسدها من السمنة كفرصة وهي المرض.
2 رذمت القصعة كفرح فهي رذمة ورذوم كصبور: امتلأت وتصببت جوانبها.
3 شفار جمع شفرة "بالفتح": وهي السكين العظيم، وخذمه كضربه: قطعه، وسيف خذم ككتف وصبور ومعظم: قاطع.
4 الغداة: البكرة "بالضم" أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، وشبمة: باردة، وفعلها كفرح.
5 أطاب الشيء وأطيبه: وجده طيبا.
(3/321)

92- أعرابي يصف السويق:
وعاب رجل السَّوِيق1 بحضرة أعرابي فقال: "لا تَعِبْه، فإنه عُدَّة المسافر، وطعام العَجْلَان، وغذاء المُبَكِّر، وبُلْغَة2 المريض، ويَسْرُو3 فؤاد الحزين، ويَرُدُّ من نفس المحدود4، وجيِّد في التسمين، ومنعوت في الطِّبّ، وقَفَارُه5، يحلو البَلْغَم، وملتوته يصفِّي الدم، وإن شئت كان شرابًا، وإن شئت كان طعامًا، وإن شئت فَثَرِيدًا، وإن شئت فَخَبِيصًا6".
"الأمالي 2: 197".
__________
1 السويق: ما يعمل من الحنطة والشعير.
2 ما يتبلغ به.
3 يسرو: يكشف ما عليه.
4 المحدود: الذي قد حد أي قد ضرب الحد.
5 القفار: الذي لم يلت بشيء من أدم، لا زيت ولا سمن ولا لبن. يقال طعام قفار.
6 الخبيص: نقي الدقيق يخلط بالعسل.
(3/321)

93- أعرابي يصف الجمال:
وقيل لأعرابي ما الجمال؟ قال: "طول القامة، وضخم1 الهامة، ورَحْب2 الشِّدق، وبُعْد الصوت". وسئل آخر: ما الجمال؟ قال: "غُثُور العينين، وإشراف الحاجبين، ورُحْب الشِّدقين".
"البيان والتبيين 1: 67".
__________
1 ضخم ككرم ضخمًا وضخامة فهو ضخم.
2 رحب ككرم وسمع رحبًا بالضم ورحابة فهو رحب بالفتح.
(3/322)

94- أبو المِخَشّ يصف ابنه:
وسأل جعفر بن سليمان أبا المخش عن ابنه المخش1 -وكان جزع عليه جزعًا شديدًا- قال: صف لي المخش، فقال: "كان أشدق خُرْطُمَانِيًا2، سائلا لُعَابُه، كأنما ينظر من قَلْتَين3، كأن تَرْقُوته بُِوَان، أو خالِفَه، كأن مَنْكِبه كِرْكِرة جملٍ ثَقَالٍ4، فقأ الله عينيَّ إن كنت رأيت قبله أو بعده مثله".
"البيان والتبيين 1: 67".
__________
1 المخش في الأصل: الجريء على العمل في الليل.
2 أشدق: واسع الشدقين: خرطمانيا: طويلا.
3 القلت: النقرة في الجبل.
4 البوان: عمود الخباء، والخالفة: عمود من أعمدة البيت في مؤخرة، والكركرة: رحى زور البعير وبعير ثقالي: بطيء.
(3/322)

95- أعرابي يصف بنيه:
عن عبد الرحمن عن عمه قال: قلت لأعرابي بِحِمَى الرَّبَذَة: ألك بَنُون؟ قال: نعم، وخالقهم لم تَقُم عن مثلهم مُنْجبَةٌ، فقلت: صِفهم لي، فقال: "جَهْم! وما جَهْم؟
(3/322)

يُنْضِى الوَهْم، ويصُدُّ الدَّهْمَ1، ويَفْرِى الصفوف، ويَعُلُّ السيوف2"، قلت: ثم مَنْ؟ قال: "غَشَمْشَم! وما غشمشم؟ ماله مُقَسَّم، وقِرْنه مَجَرْجَم3، جِذْلُ حِكاكٍ4، ومِدْرَهُ لِكَاك5"، قلت: ثم مَنْ؟ قال: "عَشَرَّب! وما عشرب؟ ليث مُحَرَّب، وسِمَامٌ مُقُشَّب6، ذِكْرُه باهر، وخصمه عائر، وفناؤه رُحَاب7، ودَاعيه مُجاب" قلت: صف لي نفسك، فقال: "ليث أبو رَيَابل8، ركَّاب مُعَاضِل عَسَّاف9 مَجَاهِل، حَمَّال أعباء، نَهَّاض بِبَزْلاء10".
"الأمالي 2: 53".
__________
1 ينضى: يهزل، الوهم: الضخم العظيم من الإبل، والدهم: العدد الكثير.
2 يفري يشق، ويعل: أي يوردها الدماء ثانية، مأخوذ من العلل في الشرب.
3 المجرجم: المصروع.
4 الجذل: أصل الشجرة، وذلك أن الإبل الجرب تحتك به فتجد له لذة، والمعنى أنه ممن يستشفى به في الأمور بمنزلة ذلك الجذل الذي تستشفي به الإبل.
5 المدره: لسان القوم، والمتكلم عنهم، والدافع عنهم، يقال: درهته عني ودرأته: أي دفعته، واللكاز: الزحام.
6 المحرب: المغضب الذي قد اشتد غضبه واحتد، وحربت السكين: إذا أحددته، ومقشب: مخلوط.
7 باهر غالب، ورحاب: متسع.
8 ريابل جمع ريبال بالكسر يهمز ولا يهمز: وهو الأسد، والمعاضل: الدواعي.
9 العساف: الذي يركب الطريق على غير هداية، والأعباء: الأثقال.
10 البزلاء: الرأي الجيد الذي يبزل "بضم الزاي" عن الصواب: أي يشق عنه.
(3/323)

96- أعرابي يصف أخويه:
عن العُتْبَى قال أخْبَرَنِي أعرابي عن إخوة ثلاثة، قال: قلت لأحدهم: أخبرني عن أخيك زيد فقال: "أزيدٍ إِنِيه1؟ والله ما رأيت أحدا أسكن فَوْرا، ولا أبعد غَوْرا، ولا آخَذَ لذنب حُجَّة قد تقدم رأسها من زيد"، فقلت: أخبرني عن أخيك زائدا قال: "كان والله شديد العُقْدة، ليِّن العَطْفةِ، ما يرضيه أقل مما يُسْخِطه، فقلت: فأخبرني عن نفسك، فقال: "والله إن أفضل ما فيَّ لمعرفتي بفضلها، وإني مع ذلك لغير منتشر2 الرأي، ولا مَخْذُول العَزْم".
"الأمالي 2: 14".
__________
1 قال أبو علي القالي: "هذه الزيادة تلحق في الاستفهام في آخر الكلمة إذا أنكرت أن يكون رأي المتكلم على ما ذكر، أو يكون على خلاف ما ذكر" انظر هذا المبحث في الأمالي 2: 15.
2 أي مفرقة.
(3/323)

قولهم في الدعاء:
97- دعاء أعرابي:
قال أبو حاتم: أملى علينا أعرابي يقال له مَرْثَد:
"اللهم اغفر لي، والجِلْد بارد، والنفسُ رَطْبة، واللسان منطلق، والصحف منشورة، والأقلام جارية، والتوبة مقبولة، والأنفس مِرِّيحَة1، والتضرع مرجُوّ، قبل آنِ الفراق، وحَشَكِ النفس2، وعَلَزِ الصدر3، وتَزَيُّل الأوصال4، ونُصُول الشعر، واحتياف5 التراب، وقبل أن لا أقدر على استغفارك حين يَفْنى العمل، ويحضر الأجل، وينقطع الأمل.
أعنِّي على الموت وكُرْبَته، وعلى القبر وغَمَّتِه6، وعلى الميزان وخِفَّته، وعلى الصِّراط وزَلَّته، وعلى يوم القيامة وروعته، اغفر لي مغفرة عَزْمًا، لا تغادر ذنبًا، ولا تدعَ كربا، اغفر لي جميع ما افترضت عليّ ولم أُؤَدِّه إليك، اغفر لي جميع ما تُبْتُ إليك منه ثم عُدْتُ فيه.
يا رب تظاهرتْ7 عليّ منك النِّعم، وتداركتْ عندك منِّي الذنوب، فلك الحمد على النعم التي تظاهرت، وأستغفرك للذنوب التي تداركت، وأمسيت عن عذابي غنيًّا، وأصبحت إلى رحمتك فقيرا.
__________
1 مرح كفرح: أشر وبطر ونشط واختال وتبختر فهو مرح ومريح.
2 الحسك: شدة النزع.
3 العلز: قلق وخفة وهلع يصيب المريض والمحتضر.
4 تزيلت وتزايلت: تفرقت، والأوصال: المفاصل.
5 الاحتياف: افتعال من الحيف وهو الجور، والمراد أكل تراب القبر الجثة، والذي في كتب اللغة "التحيف" تحيفت الشيء: إذا تنقصته من حافاته.
6 فعله من غم الشيء: أي غطاء فانغم، أو هي "غمته" بالضم: أي بلائه وكرب عذابه.
7 من تظاهروا إذا تعاونوا: أي تتابعت
(3/324)

اللهم إني أسألك نجاح الأمل، عند انقطاع الأجل، اللهم اجعل خير عملي ما ولي أجلي، اللهم اجعلني من الذين إذا أعطيتهم شكروا، وإذا ابتليتهم صبروا، وإذا أذْكرتهم ذكروا، واجعل لي قلبًا توَّابًا أوَّابًا، لا فاجرا ولا مُرْتَابًا، اجعلني من الذين إذا أحسنوا ازدادوا، وإذا أساءوا استغفروا.
اللهم لا تحقِّق عليّ العذاب1، ولا تقطع بي الأسباب، واحفظني في كل ما تحيط به شفقتي، وتأتي من ورائه سَبْحَتي2، وتعجَِز عنه قوَّتِي، أدعوك دعاء ضعيفٍ عَمَلُه، متظاهِرَة ذُنُوبه، ضنينٍ على نفسه، دعاءَ مَنْ بَدَنُه ضعيف، ومُنَّتُه3 عاجزة، قد انتهت عُدَّته، وخَلَقَت4 جِدَّته، وتمَّ ظِمْؤُه. اللهم لا تخيِّبني وأنا أرجوك، ولا تعذِّبني وأنا أدعوك، والحمد لله على طول النَّسِيئَة5، وحسن التِّباعة6، وتشنُّج العروق، وإساغة الريق، وتأخر الشدائد، والحمد لله على حِلمه بعد علمه، وعلى عفوه بعد قدرته، والحمد لله الذي لا يُودَي7 قتيله، ولا يخيبُ سُولُه، ولا يُرَدّ رَسُولُه، اللهم إني أعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذلِّ إلا لك، وأعوذ بك أن أقول زورا، أو أغْشَى فُجُورًا، أو أكون بك مغرورا، وأعوذ بك من شماتة الأعداء، وعُضَال الداء، وخَيْبَة الرجاء، وزوال النِّعْمَة".
"العقد الفريد 2: 77، والبيان والتبيين 3: 224-137-138".
__________
1 يشير إلى قوله تعالى: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ} .
2 فعلة من السبح: وهو التقلب والانتشار في الأرض، والإبعاد في السير، والتصرف في المعاش.
3 المنة: القوة.
4 خلق الثوب كنصر وكرم وسمع، بل، والظم: ما بين الشربتين والوردين.
5 الإمهال والتأخير.
6 التباعة مثل التبعة بفتح فكسر. قال الشاعر:
أكلت حنيفة ربها ... زمن التقحم والمجاعة
لم يحذروا من ربهم ... سوء العواقب والتباعة
"لأنهم كانوا قد اتخذوا إلها من حيس فعبدوه زمنا، ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه"، والحيس كشمس: تمر يخلط بالسمن واللبن المخيض فيعجن شديدًا، ثم يندر منه نواه.
7 ودى القتيل كوعى: أعطى ديته، والسول: وهو ما سألته.
(3/325)

98- دعاء أعرابي:
ودعا أعرابي وهو يطوف بالكعبة فقال:
"إلهي مَنْ أولى بالتقصير والزلل مني وأنت خلقتني؟ ومن أولى بالعفو منك عني وعلمك بي ماضٍ، وقضاؤك بي محيط؟ أطعتك بقوتك والمنَّة لك، وعصيتك بعلمك، فأسألك يا إلهي -بوجوب رحمتك وانقطاع حجتي، وافتقاري إليك وغناك عني- أن تغفر لي وترحمني.
إلهي لم أُحْسِن حتى أعطيتني، فتجاوز عن الذنوب التي كتبت عليّ، اللهم إنا أطعناك في أحب الأشياء إليك: شهادة أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، ولم نَعْصِك في أبغض الأشياء إليك: الشرك بك، فاغفر لي ما بين ذلك.
اللهم إنك آنَسُ المُؤْنِسِين لأوليائك، وأحضرهم للمتوكلين عليك، إلهي أنت شاهدهم وغائبهم، والمطلِّع على ضمائرهم، وسِرِّي لك مكشوف، وأنا إليك ملهوف، إذا أَوْحَشَتْنِي الغُرْبَة آنَسَنِي ذِكْرُك، وإذا أَكَبَّت عليّ الغموم لَجَأت إلى الاستجارة بك؛ علمًا بأن أَزِمَّة الأمور كلِّها بيدك، ومصدرها عن قضائك، فأقْلِلْني1 إليك مغفورا لي، معصوما بطاعتك بقية عمري، يا أرحم الراحمين".
__________
1 أقله: حمله.
(3/326)

99- دعاء أعرابي:
وقال الأصمعي: حَجَجت فرأيت أعرابيا يطوف بالكعبة ويقول:
يا خير مَوْفُود سَعَى إليه الوُفَّد1، قد ضَعُفت قوتي، وذهبت مُنَّتي، وأتيت إليك بذنوب لا تغسِلها الأنهار، ولا تحملها البحار، أستجير برضاك من سُخْطِك، وبعفوك من عقوبتك، ثم التفت فقال: "أيها المشفقون، ارحموا من شَمِلته الخَطَايا،
__________
1 وفد إليه وعليه: قدم، وهم وفود ووفد كشمس وركع وأوفاد.
(3/326)

وغمَرَته البلايا، ارحموا من قطع البلاد، وخلَّف ما مَلَك من التِّلاد. ارحموا من وبَّخته الذنوب، وظَهَرت منه العيوب، ارحموا أسير ضُرٍّ، وطريد فقر، أسألكم بالذي أعملتم الرَّغبة إليه، إلا ما سألتم الله أن يهب لي عظيم جُرْمِي"، ثم وضع في حَلْقه بالباب خَدَّه وقال: ضَرَعَ خدِّي لك، وذلَّ مقامي بين يديك، ثم أنشأ يقول:
عظيم الذنب مكروب ... من الخيرات مسلوب
وقد أصبحت ذا فقر ... وما عندك مطلوب
(3/327)

100- دعاء أعرابي:
وسمع أعرابي بعرفات عَشَيَّة عرفة وهو يقول:
"اللهم إن هذه عشية من عشايا محبَّتِك، وأحد أيام زُلْفَتِك1، يأمُل فيها من لَجَأَ إليك من خلقك أن لا يُشْرَك بك شيئًا، بكل لسان فيها يُدْعَى، ولكل خير فيها يُرْجَى، أتتك العُصَاة من البلد السَّحِيق2، ودعتك العُنَاة3 من شُعَب المَضِيق، رجاء ما لا خُلْفَ له من وعدك، ولا انقطاع له من جزيل عطائك، أبدت لك وجوهها المَصُونة، صابرة على وَهَجِ السَّمَائِم4، وبَرْد الليالي، ترجو بذلك رضوانك، يا غفار، يا مُسْتَزَادًا من نعمه، ومُسْتَعَاذًا من نِقَمِه، ارْحَمْ صوتَ حزين دعاك بزفير وشهيق".
ثم بسط كلتا يديه إلى السماء وقال: "اللهم إن كنت بسطتُ يدي إليك داعيًا
__________
1 الزلفة: القربة.
2 البعيد.
3 العناة جمع عان من عنا: أي ذل وخضع، وفي رواية الأمالي: "أتتك الضوامر من الفج العميق، وجابت إليك المهارق من شعب المضيق" والضوامر الإبل المهزولة، والمهارق جمع مهرق "بضم الميم وفتح الراء": الصحراء الملساء.
4 السمائم جمع سموم كصبور: وهي الريح الحارة تكون غالبًا بالنهار، وفي رواية الأمالي: "على لفح السمائم، وبرد ليل التمائم" -وليل التمام "ككتاب" وليل تمامي: أطول ليالي الشتاء- وفي رواية الأمالي: "نعمتك تظاهرها على عند القفلة، فكيف أيأس منها عند الرجعة" -وأصل الغفل "بالتحريك": والرجوع من السفر: ويطلق على الابتداء في السفر كما هنا تفاؤلا بالرجوع.
(3/327)

فطالما كَفَيْتَنِي ساهيًا، بنعمتك التي تظاهرتْ عليَّ عِنْد الغفلة، فلا أيأس بها عند التوبة، لا تقطع رجائِي منك لما قدَّمت من اقتراف1 آثامك، وإن كنت لا أصِل إليك إلا بك، فهب لي يا ربِّ الصلاح في الولد، والأمْنَ في البلد، والعافية في الجسد وعافِنِي من شرّ الحسد، ومن شر الدهر النَّكَد2".
"العقد الفريد 2: 77، والأمالي 2: 323".
__________
1 اقترف الذنب: أتاه وفعله.
2 يقال: رجل نكد ككتف وسبب وشمس وأنكد: شؤم عسر.
(3/328)

101- دعاء أعرابي:
ودعا أعرابي فقال: "يا عِمَاد من لا عماد له، ويا رُكْنَ من لا ركن له، ويا مُجِيرَ الضَّعْفَى1، ويا منقذ الهَلْكَى، ويا عظيم الرجاء، أنت الذي سبَّح لك سَوَادُ الليل، وبياض النهار، وضوء القمر، وشعاع الشمس، وحفيف الشجر، ودَوَيّ الماء2 يا مُحْسِن، يا مُجْمِل، يا مُفْضِل، لا أسألك الخير بخيرهم عندك، ولكني أسألك برحمتك، فاجعل العافية لي شعارا ودثارا3، وجُنَّةً دون كل بلاء".
__________
1 الضعفى جمع ضعيف.
2 المعنى: آن هذه الكائنات تدعوا المتأمل فيها إلى تسبيحه جل شأنه.
3 الشعار: ما يلبس على شعر الجسد، والدثار: ما يلبس فوق الشعار، والجنة: الوقاية.
(3/328)

102- دعاء أعرابي:
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيًّا في فلاة من الأرض، وهو يقول في دعائه:
"اللهم إن استغفاري إياك مع كثرة ذنوبي لَلُؤُم، وإن تركي الاستغفار مع معرفتي بِسَعَة رحمتك لَعَجْز، إلهي كم تحبَّبَت إليّ بنعمتك، وأنت غنيّ عنِّي، وكم أتبغَّض إليك بذنوبي، وأنا فقير إليك، سبحان من إذا توعَّد عفا، وإذا وَعَدَ وَفَى".
(3/328)

103- دعاء أعرابي:
قال: وسمعت أعرابيا يقول في دعائه: "اللهم إن ذنوبي إليك لا تضرك؛ وإن رحمتك إياي لا تَنْقُصُك، فاغفر لي ما لا يضرك، وهب لي ما لا يَنْقُصُك".
(3/329)

104- دعاء أعرابي:
وقال: سمعت أعرابيا وهو يقول في دعائه: "اللهم إني أسألك عمل الخائفين، وخوف العاملين حتى أَتَنَعَّم بترك النعيم1 طمعا فيما وعدت. وخوفا مما أوعدت اللهم أَعِذْنِي من سَطَوَاتك، وأَجِرْنِي من نِقْمَاتك، سبقت لي ذنوب، وأنت تغفر لمن يَحُوب2، إليك بك أتوسَّلُ، ومنك إليك أَفِرُّ".
__________
1 أي في الدنيا
2 حاب يحوب: أثم.
(3/329)

105- دعاء أعرابي:
وقال: سمعت أعرابيا يقول: "اللهم إن قوما آمنوا بك بألسنتهم، لِيَحْقِنُوا دماءهم، فأدركوا ما أمَّلوا، وقد آمنا بك بقلوبنا، لتجيرنا من عذابك، فأَدْرِك منا ما أَمَّلنا".
(3/329)

106- دعاء أعرابي:
قال: ورأيت أعرابيا متعلقا بأستار الكعبة، رافعا يديه إلى السماء، وهو يقول: "ربِّ أتراك معذِّبَنا، وتوحيدُك في قلوبنا؟ وما إخالك نفعل! ولئن فعلت لِتَجْمَعُنا مع قوم طالما أبغضناهم لك".
(3/329)

107- دعاء أعرابي:
وقال: سمعت أعرابيا يقول في صلاته: "الحمد لله حمدا لا يَبْلَى جديده، ولا يُحْصَى عديده1. ولا يبلغ حدوده، اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره، واجعل القبر خير بيت نَعْمُرُه، واجعل ما بعده خيرا لنا منه. اللهم إن عينيّ قد اغْرَوْرَقَتا دموعا من خشيتك، فاغفر الزَّلَّة، وعُدْ بحلمك، على جهل مَنْ لم يرجُ غيرك".
__________
1 عدده
(3/330)

108- دعاء أعرابي:
وقال: رأيت أعرابيا أخذ بحلقتيّ باب الكعبة وهو يقول:
"سائلك عند بابك، ذهبت أيامه، وبقيت آثامه، وانقطعت شهوته، وبقيت تَبَاعَتُه، فارضَ عنه، وإن لم ترضَ عنه فاعفُ عنه غير راضٍ".
(3/330)

109- دعاء أعرابي:
قال: ودعا أعرابي عند الكعبة فقال: "اللهم إنه لا شرف إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، فأعطني ما أستعين به على شرف الدنيا والآخرة".
(3/330)

110- دعاء أعرابي:
عن طاوُس قال: "بينا أنا بمكة إذ دفعت إلى الحجاج بن يوسف، فثَنَى لي وِسَادًا فجلست، فبينا نحن نتحدث إذ سمعت صوت أعرابي في الوادي رافعا صوته بالتلبية،
(3/330)

فقال الحجاج. عليّ بالمُلَبِّي. فأُتِي به فقال: من الرجل؟ قال: من أفناء الناس1 قال: ليس عن هذا سألتك. قال: نعم سألتني. قال: مِن أي البُلدان أنت؟ قال: من أهل اليمن. قال له الحجاج. فكيف خلَّفت محمد بن يوسف -يعني أخاه وكان عامِلَه على اليمن- قال: خلفته عظيما جَسِيما خَرَّاجًا ولَّاجا. فقال: ليس عن هذا سألتك، قال: نعم سألتني، قال: كيف خلَّفت سيرته في الناس؟ قال: خلَّفته ظلوما غشوما2، عاصيا للخالق، مطيعا للمخلوق، فازْوَّر3 من ذلك الحجاج، وقال.
ما أقدمك لهذا، وقد تعلم مكانته مني! فقال له الأعرابي: أَفَتَرَاهُ بمكانةٍ منك أعزَّ مني بمكانتي من الله تبارك وتعالى، وأنا وافد بيته، وقاضي دَيْنِه، ومصَدِّق نبيه صلى الله عليه وسلم؟ فَوَجَم4 لها الحجاج، ولم يُحِر له جوابا5، حتى خرج الرجل بلا إذن.
قال طاوس: فتبعته حتى أتى المُلْتَزِم فتعلق بأستار الكعبة، فقال: بك أعوذ، وإليك ألوذ، فاجعل لي في اللَّهَف إلى جوارك، والرِّضا بضَمَانك، مندوحةً6، عن منع الباخلين، وغِنًى عما في أيدي المستأثِرِين، اللهم عُدْ بِفَرَجك القريب، ومعروفك القديم، وعادتك الحسنة".
قال طاوس: ثم اختفى في الناس، فألفيته بعرفات قائما على قدميه وهو يقول: "اللهم إن كنت لم تقبل حجِّى ونَصَبي7 وتَعَبِي، فلا تَحْرِمْنِي أجر المُصَاب على مُصِيبَته، فلا أعلم مصيبة أعظم ممن ورد حَوْضك، وانصرف محروما من وجه رغبتك".
__________
1 يقال: هو من أفناء الناس" إذا لم يعلم من هو، واحده فنو كحمل أو فنا كعصا.
2 ظلوما.
3 ازور: انحرف ومال: أي غضب منه.
4 وجم: سكت على غيظ.
5 أي لم يرده.
6 أي متسعا.
7 في الأصل "ونسبي" وأراه محرفا عن "نصبي" ويؤيده قوله بعد "وتعبي".
(3/331)

111- دعاء أعرابي:
وقال الأصمعي. رأيت أعرابيا يطوف بالكعبة وهو يقول:
"إلهي عجَّتْ1 إليك الأصوات، بضروبٍ من اللغات، يسألونك الحاجات وحاجتي إليك إلهي أن تذكرني على طول البكاء، إذا نَسِيَني أهل الدنيا، اللهم هب لي حقك، وأرضِ عني خلقك، اللهم لا تُعْيِني في طلب ما لم تقدِّره لي، وما قدرته لي فيسِّره لي".
__________
1 عج يعج بكسر العين وفتحها: صاح ورفع صوته.
(3/332)

112- دعاء أعرابي:
قال: ودعت أعرابيه لابن لها وجَّهته إلى حاجة فقالت: "كان الله صاحبك في أمرك، وخليفتك في أهلك، ووَلِي نُجْح طَلِبتك1، امضِ مُصَاحِبًا مَكْلُوءًا2، لا أشمت الله بك عدوًّا، ولا أرى مُحِبِّيك فيك سوءًا".
"العقد الفريد 2: 76-79".
__________
1 النجح: النجاح، والطلب: ما طلبته.
2 من كلأه كمنعه: حرسه.
(3/332)

113- دعاء أعرابي:
وقال الأصمعي: خرجت أعرابية إلى مِنًى فقطع بها الطريق فقالت:
"يارب. أعطيتَ وأخذتَ، وأنعمتَ وسلبتَ، وكل ذلك منك عدل وفضل، والذي عظَّم على الخلائق أمرك، لا بَسَطْتُ لساني بمسألة أحدٍ غيرك، ولا بذلت رغبتي إلا إليك، يا قُرَّة أعين السائلين: أغْنِنِي بجودٍ منك أتبحبح1 في فَرَاديس
__________
1 تبحبح: تمكن في المقام والحلول، وتبحيح الدار: توسطها، والفراديس جمع فردوس وهو البستان.
(3/332)

نعمته وأتقلب في رواق نضرته1 احملني من الرجلة2، وأغنني من العيلة، واسدل على سترك الذي لا تخرقه الرماح، ولا تزيله الرياح، إنك سميع الدعاء".
"البيان والتبيين: 2: 78، والعقد الفريد 3: 138".
__________
1 في الأصل "راووق" وهو المصفاة، وأراه محرفا عن "رواق" وهو الفسطاط، والنضرة: النعمة والغنى.
2 رجل كفرح فهو راجل ورجلان: إذا لم يكن له ظهير يركبه، والرجلة بالفتح وبكسر: شدة المشي، والعيلة: الفقر.
(3/333)

114- أدعية شتى:
ومات ابن لأعرابي فقال: "اللهم إني وهبت له ما قصر فيه من برى، فهب لي ما قصر فيه من طاعتك، فإنك أجود وأكرم".
"العقد الفريد 2: 79، والبيان والتبيين 3: 138".
ووقف أعرابي في بعض المواسم فقال: "اللهم إني لك عليّ حقوقا فتصدف بها عليّ، وللناس تبعات قبلي فتحملها عني، وقد أوجبت لكل ضيف قرى1، وأنا شيفك الليلة، فأجعل فراي فيها الجنة".
"العقد الفريد 2: 78، والبيان والتبيين 2: 48".
وقال سفيان بن عيينة: سمعت أعرابيا يقول عشية عرفة:
"اللهم لا تحرمني مني خير ما عندك لشر ما عندي، وإن لم تتقبل تعني ونصبي، وفلا تحرمني أجر المصاب على مصيبة".
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول لرجل: "أطعمك الله الذي أطعمتني له، فقد أحييتني بقتل جوعي، ودفت عني سوء ظني، فحفظك الله على كل جنب وفرج عنك كل كرب، وغفر لك كل ذنب".
"العقد الفريد 2: 84".
__________
1 قرى الضيف كرمي، قرى: أحسن إليه، والقرى أيضا: ما قري به الضيف.
(3/333)

عن الأصمعي قال: رأيت أعرابيا يصلي وهو يقول: أسألك الغَفِيرة1 والناقة الغَزِيرة، الشرف في العشيرة، فإنها عليك يسيرة".
"الأمالي 2: 23".
عن عبد الرحمن عن عمه قال: سمعت أعرابيا يدعو لرجل فقال: "جَنَّبَك الله الأمَرَّيْن2، وكفاك شَرَّ الأجْوَفَين3، وأذاقك البَرْدِين4".
"الأمالي 2: 72، والبيان والتبيين 3: 137".
ودعا أعرابي فقال: "اللهم إني أسألكم البقاء، والنَّماء، وطيب الإِتاء5، وحَطَّ الأعداء، ورفع الأولياء".
"البيان والتبيين 1: 163".
وقال أعرابي: "اللهم لا تُنْزِلْنِي ماء سَوء، فأكونَ امْرَأَ سَوْء" وقال أعرابي.
"اللهم قِنِي عَثَرَات الكرام".
"البيان والتبيين 1: 215".
ووهب رجل لأعرابي شيئًا فقال: "جعل الله للمعروف إليك سبيلا، وللخير عليك دليلا، وجعل عندك رِفْدًا6 جَزِيلا، وأبقاك بقاءً طويلا، وأبلاك7 بلاء جميلا".
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يدعو وهو يقول: اللهم ارزقني مالًا أَكْبِت8 به الأعداء، وبنين أصول بهم عَلَى الأقواياء".
"البيان والتبيين 3: 224".
__________
1 الغفيرة: المغفرة.
2 الأمران: الفقر والهرم، أو الجوع والعرى.
3 الأجوفان: البطن والفرج.
4 البردان: برد العين وبرد العافية.
5 الإتاء: الرزق، من أتت الشجرة أتوا وإتاء: طلع ثمرها، أو بدا صلاحها، أو كثر حملها.
6 الرفد: العطاء والصلة.
7 الإبلاء: الإنعام والإحسان، أبليت عنده بلاء حسنا، وأبلاه الله بلاء حسنا.
8 كبته: صرعه وأذله، ورد العدو بغيظه.
(3/334)

ودعت أعرابية على رجل فقالت: "أمكن الله منك عدوّا حسودا، وفَجَع بك صديقا وَدُودا، وسلَّط عليك همّا يُضْنِيك، وجارًا يُؤْذيك".
"العقد الفريد 2: 91".
ودعا أعرابي فقال: "أعوذ بك من الفَوَاقر1 والبَوَاقر، ومن جارِ السوء، في دار المُقَامَة والظَّعْن، ومما يَنْكُس رَأس المرء، ويُغْرِي به لئام الناس".
وقال أعرابي: "أعوذ من سَقَم، وعداوة ذي رَحِم ودَعْوَاه، ومن فاجرٍ وجَدْوَاه2، وعمل لا ترضاه".
"البيان والتبيين 3: 136".
ودعت أعرابية لرجل فقالت: "كَبَتَ الله كلَّ عدو لك إلا نفسَك".
ودعا أعرابي فقال: "اللهم هب لي حَقَّك، وأرضِ عني خلقك".
وقال أعرابي: "اللهم إنك أمرتنا أن نَعْفُوا عمَّنْ ظَلَمْنا، وقد ظلمنا أنفسنا فاعفُ عنا".
"البيان والتبيين 3: 137".
وقال أعرابي: "منحكم الله مِنْحَةً ليست بِجَدَّاء، ولا نكداء، ولا ذات داء".
وقال أعرابي: "اللهم إنك حَبَسْتَ عنا قطر السماء، فذاب الشحم، وذهب اللحم ورقَّ العظم، فارْحَم أنينَ الآنَّة، وحنين الحانّة، اللهم ارْحَم تحيرها في مَرَاتِعِها، وأنينَها في مَرَابضهَا".
__________
1 الفواقر جمع فاقرة: وهي الداهية، والبواقر جمع باقرة: وهي الفتنة الصادعة للألفة الشاقة للعصا.
2 الجدوى: العطية.
(3/335)

وحج أعرابي فقال: "اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأَخْرِجْه، وإن كان نائيًا فَقَرَّبْه، وإن كان قريبا فَيَسِّره".
"البيان والتبيين 3: 138".
ومات ولد لرجل من الأعراب فصلَّى عليه، فقال: "اللهم إن كنت تعلم أنه كريم الجِدِّين، سهل الخَدِّين، فاغفر له وإلاّ فلا".
"الأمالي 1: 202".
وقالت أعرابية لرجل: "رماك الله بليلة لا أُخْتَ لها" أي لا تعيش بعدها.
"الأمالي 1: 217".
ودعا أعرابي فقال: "اللهم إني أعوذ بك أن أفْتَقِر في غناك، أو أضِلَّ في هداك، أو أذِلَّ في عزِّك، أو أُضَامَ في سلطانك، أو أُضْطَهَدَ والأمرُ إليك".
وقال الأصمعي: سمعت أعرابية تقول: "اللهم ارزقني عمل الخائفين، وخوفَ العاملين، حتى أنْعَمَ بِتَرْكِ التنعم، رجاء لما وَعَدْتَ، وخوفا مما أَوْعَدْت".
وقال آخر: "اللهم من أراد بنا سوءا فأَحِطْه به كإحاطة القلائِد، بأعناق الولائد1، وأرْسِخه على هَامَتِه كرسوخ السِّجِّيل2، على هام أصحاب الفيل".
"زهر الآداب 3: 346".
__________
1 الولائد جمع وليدة: وهي الصبية.
2 السجيل: طين مطبوخ، يشير إلى قوله تعالى: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} وأبابيل أي جماعات.
(3/336)

115- نوادر وملح لبعض الأعراب:
"غزا أعرابي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فقيل له: ما رأيت مع رسول الله في غَزاتك هذه؟ قال: وَضع عنا نصف الصلاة1، وأرجو في الغزاة الأخرى أن يضع النصف الباقي".
ودخل أعرابي المسجد، والنبي -صلى الله عليه وسلم- جالس، فقام يصلي، فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا، "فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد تَحَجَّرْت2 واسعا يا أعرابي".
وخرج الحجاج متصيدا بالمدينة، فوقف على أعرابي يرعى إبلا له، فقال له: يا أعرابي، كيف رأيتَ سيرة أميركم الحجاج؟ قال له الأعرابي: غَشُوم ظَلُوم، لا حيَّاه الله، فقال: فَلِمَ لا شَكَوْتُمُوه إلى أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: فأظلم وأغشم! فبينا هو كذلك إذا أحاطت به الخيل، فَأَوْمَأَ الحجاج إلى الأعرابي، فأُخِذَ وحُمِلَ، فلما صار معه، قال: مَنْ هذا؟ قالوا له: الحجاج، فحرَّك دابته حتى صار بالقُرْبِ منه، ثم نَادَاه يا حجاج، قال: ما تشاء يا أعرابي؟ قال: السِرُّ الذي بيني وبينك أُحِبُّ أن يكون مكتومًا، فضحك الحجاج، وأمر بتَخْلِيَةِ سبيله.
"وخرج أبو العباس السفاح متنزِّهًا بالأنبار، فأَمْعَنَ في نزهته، وانْتَبَذَ من أصحابه، فوافى خِبَاءً لأعرابي، فقال له الأعرابي: ممن الرجل؟ قال: من كِنانة، قال: من أيّ كنانة؟ قال: من أبغض كنانة إلى كنانة، قال: فأنت إذن من قريش؟ قال:
__________
1 يعني صلاة القصر.
2 أي ضيقت ما وسعه الله وخصصت به نفسك دون غيرك.
(3/337)

نعم، قال: فمن أي قريش؟ قال: من أبغض قريش إلى قريش، قال: فأنت إذن من ولد عبد المطلب؟ قال: نعم، قال: فمن أي ولد عبد المطلب؟ قال: من أبغض ولد عبد المطلب إلى ولد عبد المطلب، قال: فأنت إذن أمير المؤمنين، السلام عليك يا أمير المؤمنين، ووثب إليه، فاستحسن ما رأى منه، وأمر له بجائزة".
وولَّى يوسف بن عمر الثَّقَفي صاحب العراق أعرابيًّا على عمل له، فأصاب عليه خيانة فَعَزَله، فلما قَدِم عليه، قال له: يا عدوَّ الله، أَكَلْتَ مال الله، قال الأعرابي: فمال مَنْ آكُلُ إذا لم آكُلُ مال الله؟ لقد راوَدْتُ إبليس أن يعطيني فَلْسًا واحدا فما فعل، فضحك منه وخلَّى سبيله.
وأخذ الحجاج أعرابيا لصًا بالمدينة فأمر بضربه، فلما قرعهُ بسَوْط قال: يا رب شكرا، حتى ضربه سبعمائة سَوْط، فلقيه أشْعَب، فقال له: تَدْرِي لِمَ ضربك الحجاج سبعمائة سوط؟ قال: لماذا؟ قال: لكثرة شكرك، إن الله تعالى يقول: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} ، قال: وهذا في القرآن؟ قال: نعم، فقال الأعرابي:
يا رب لا شكرا فلا تَزِدْنِي ... أَسَأْتُ في شكرِيَ فاعفُ عنِّي
بَاعِدْ ثواب الشاكرين مني
ونزل عبد الله بن جعفر إلى خيمة أعرابية ولها دجاجة، وقد دجنت1 عندها، فذبحتها وجاءت بها إليه، فقالت: يا أبا جعفر هذه دجاجة لي كنت أُدْجِنَها وأَعْلِفها من قُوِتي، وأَلْمِسُها في آناءِ الليل، فكأنما ألمس بنتي زَلَّت عن كبدي، فَنَذَرْتُ لله أن
__________
1 دجن الحمام والشاة وغيرهما كنصر: ألفت البيوت.
(3/338)

أدفنها في أكرم بقعة تكون، فلم أجد تلك البقعة المباركة إلا بطنك، فأردت أن أدفنها فيه، فضحك عبد الله بن جعفر، وأمر لها بخمسمائة درهم".
وسُمِع أعرابي وهو يقول في الطواف: "اللهم اغفر لأمي"، فقيل له: مالك لا تذكر أباك؟ قال: أبي رجل يحتال لنفسه، وأما أمي فبائسة ضعيفة".
"وقال أبو زيد: رأيت أعرابيا كأن أنفه كُوز، من عِظَمه، فرآنا نضحك منه، فقال: ما يُضْحِكُكم؟ فوالله لقد كنت في قوم، ما كنت فيهم إلا أفطَسَ! ".
"وجِيء بأعرابي إلى السلطان ومعه كتاب قد كتب فيه قصته، وهو يقول: {هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ} ، فقيل له يقال هذا يوم القيامة، قال: "هذا والله شرّ من يوم القيامة، إن يوم القيامة يُؤْتَى بحسناتي وسيئاتي، وأنتم جئتم بسيئاتي وتركتم حسناتي".
"واشترى أعرابي غلاما فقيل للبائع: هل فيه من عيب؟ قال: لا؛ إلا أنه يبول في الفراش، قال، هذا ليس بعيب، إن وجد فراشا فَلْيَبُلْ فيه".
ومر أعرابي بقوم وهو يَنْشُدُ ابنًا له، فقالوا، صِفْهُ، قال: كأنه دُنَيْنِير، قالوا: لم نره، ثم لم يلبث القوم أن أقبل الأعرابي، وعلى عنقه جُعَل1، فقالوا، هذا الذي قلت فيه دُنَيْنِير؟ قال، القَرَنْبَى2 في عين أمِّها حسناء".
__________
1 الجعل: الحرباء.
2 القرنبى: دويبة من خشاش الأرض فوق الخنفساء إذا مسها أحد تقبضت فصارت مثل الكرة.
(3/339)

وقيل لأعرابي، ما يمنعك أن تغزو؟ قال، والله إني لأُبْغِضُ الموت على فراشي، فكيف أن أمضي إليه رَكْضًا؟ ".
"وخرج أعرابي إلى الحج مع أصحاب له، فلما كان ببعض الطريق راجعا يريد أهله، لقيه ابن عمٍّ له، فسأله عن أهله ومنزله، فقال، اعلم أنك لما خرجت، وكانت لك ثلاثة أيام، وقع في بيتك الحريق، فرفع الأعرابي يديه إلى السماء، وقال: ما أحسنَ هذا يارب! تأمرنا بعمارة بيتك أنت، وتخرب بيوتنا! ".
وخرجت أعرابية إلى الحج، فلما كانت في بعض الطريق عَطِبت راحلتها، فرفعت يديها إلى السماء، وقالت، "يا رب أخرجتني من بيتي إلى بيتك، فلا بيتي ولا بيتك".
وعُرضت السجون بعد هلاك الحجاج، فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفًا، لم يجب على واحد منهم قتل ولا صَلْب، وفيهم أعرابي، أخذ يَبُول في أصل مدينة واسط، فكان فيمن أُطْلِق، فانشأ يقول:
إذا ما خرجنا من مدينة واسط ... خَرِينا وبُلْنَا لا نخاف عِقَابا
ونظر أعرابي إلى قوم يلتمسون هلال شهر رمضان فقال: "والله لئن آثَرْتُمُوه لَتُمْسِكُنَّ منه بِذُنَابِي1 عيش أغبر".
ونظر أعرابي إلى رجل سمين فقال "أرى عليك قَطِيفة من نَسْج أضراسك".
__________
1 الذنابي: الذنب
(3/340)

وقال أعرابي: "اللهم إني أسألك مِيتة كمِيتَة أبي خارِجَة، أكل بَذَجًا1، وشرب مِشْعَلًا2، ونام في الشمس، فمات دفآنَ شبعانَ رَيَّانَ".
وقيل لأبي المِخَشِّ الأعرابي: أَيَسُرُّك أنك خليفة، وأن أمَتَك حُرَّة، قال: لا والله ما يسرُّني، قيل له: ولِمَ؟ قال، "لأنها كانت تذهب الأُمَّة، وتضيع الأَمَة".
وحضر أعرابي سفرة سليمان بن عبد الملك، فجعل يمرّ إلى ما بين يديه، فقال له الحاجب مما يليك فَكُل يا أعرابي، فقال: من أجدب انتجع، فشقَّ ذلك على سليمان وقال للحاجب: إذا خرج عنا فلا يَعُدْ إلينا.
وشهد بعد هذا سُفرته أعرابي آخر، فمرَّ إلى ما بين يديه أيضا، فقال له الحاجب، مما يليك فَكُل يا أعرابي، قال: من أخصب تخيَّر، فأعجب ذلك سليمان، فقربه وأكرمه وقضى حوائجه.
"وحضر أعرابي سفرة سليمان بن عبد الملك، فلما أُتِي بالفَالُوذَج، جعل يُسرع فيه، فقال سليمان: أتدري ما تأكل يا أعرابي، فقال: بلى يا أمير المؤمنين إني لأجد ريقًا هنيئًا، ومُزْدَرَدًا3 ليِّنًا، وأظنه الصراط المستقيم الذي ذكره الله في كتابه، فضحك سليمان وقال: أَزِيدُك منه يا أعرابي؟ فإنهم يذكرون أنه يزيد في الدِّماغ، قال: كَذَبُوك يا أمير المؤمنين، لو كان كذلك لكان رأسك مثل رأس البغل! ".
"وحضر سفرة سليمان أعرابي، فنظر إلى شعره في لقمة الأعرابي، فقال: أرى
__________
1 البذج: ولد الضأن.
2 المشعل: شيء من جلود له أربع قوائم ينبذ فيه، وشرب مشعلا أي شرب ما فيه.
3 ازدرده: ابتلعه.
(3/341)

شعرة في لقمتك يا أعرابي، قال: وإنك لَتراعيني مراعاة من يُبْصِر الشعرة في لقمتي! والله لا واكُلْتك أبدًا"، فقال: استرها يا أعرابي، فإنها زَلة، ولا أعود لمثلها".
وقال الأصمعي: قلت لأعرابي: أَتَهْمِزُ1 إسرائيل؟ قال: إني إذن لَرَجل سوء، قلت له: أفتجرُّ فلسطين؟ قال: إني إذًا لَقَوِي.
وسمع أعرابي إماما يقرأ: {وَلا تُنْكِحُوا 2 الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} –قرأها بفتح التاء- فقال: ولا إن آمنوا أيضا لم نَنْكِحْهم، فقيل له إنه يلحن وليس هكذا يُقرأ، فقال: "أخِّرُوه قَبَّحَه الله! لا تجعلوه إماما، فإنه يحلّ ما حرَّم الله".
"العقد الفريد 2: 100-105".
وخطب أعرابي فلما أعجله بعض الأمر عن التصدير بالتحميد، والاستفتاح بالتمجيد، قال: "أما بعد، بغير مَلَال لذكر الله، ولا إيثار غيره عليه، فإنا نقول كذا، ونسأل كذا" فرارا من أن تكون خطبته بَتْرَاء وشَوْهَاء3.
"البيان والتبيين 212: 215".
ودفعوا إلى أعرابية عِلْكًا4 لتمضُغه، فلم تفعل، فقيل لها في ذلك، فقالت: "ما فيه إلا تعب الأضراس، وخَيْبَة الحَنْجَرة".
"البيان والتبيين 2: 47".
__________
1 من معاني الهمز: الغمز.
2 أي تزوجوا.
3 وكانوا يسمون الخطبة التي لم يبتدئ صاحبها بالتحميد، ويستفتح كلامه بالتمجيد "البتراء" ويسمون التي لم توشح بالقرآن وتزين بالصلاة على النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- "الشوهاء".
4 العلك: اللبان "بالضم".
(3/342)

وقيل لأعرابي: عند مَنْ تحب أن يكون طعامك؟ قال: "عند أم صبي راضع، أو ابن سبيل شاسع، أو كبير جائع، أو ذي رحم قاطع".
"البيان والتبيين 2: 49".
وقال أعرابي:
"لولا ثلاث هُنَّ عيش الدهر ... الماء والنوم وأم عمرو
لما خَشِيتُ من مَضِيق القبر"
"البيان والتبيين 2: 101".
وسمع أعرابي رجلا يقرأ سورة براءة فقال: "ينبغي أن يكون هذا آخر القرآن"، قيل له: ولِمَ؟ قال: "رأيت عهودا تُنْبَذ".
"البيان والتبيين 2: 169".
وسمع أعرابي رجلا يقرأ: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِر} 1، قالها بفتح الكاف، فقال الأعرابي: "لا يكون"، فقرأها عليه بضم الكاف وكسر الفاء، فقال الأعرابي: "يكون".
"البيان والتبيين 2: 174".
__________
1 ذات الألواح والدسر: هي السفينة، والدسر ما تشد به الألواح من المسامير وغيرها جمع دسار ككتاب، بأعيننا: بمرأى منا أي محفوظة، وقد قرئ كفر بالبناء الفاعل، أي الكافرين: أغرقوا عقابا لهم.
(3/343)

الباب الرابع في خطب النكاح:
1- خطبة قريش في الجاهلية:
روى الجاحظ قال:
كانت خُطبة قريش في الجاهلية، يعني خطبة النساء:
"باسمك اللهم، ذُكِرَتْ1 فلانة، وفلان بها مشغوف، باسمك اللهم، لك ما سألت ولنا ما أعطيت".
__________
1 ذكر فلان فلانه ذكرا "بفتح فسكون": خطبها أو تعرض لخطبتها.
(3/344)

2- خُطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- في زواج السيدة فاطمة:
"الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المرهوب من عذابه، المرغوب فيما عنده، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميَّزهم بأحكامه، وأعزَّهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- ثم إن الله تعالى جعل المصاهرة نَسَبًا لاحقًا، وأمرا مفترضا، وَوَشَّجَ1 به الأرحام، وألزمه الأنام، قال تبارك اسمه، وتعالى ذكره:
__________
1 وشجت العروق والأغصان كوعد: اشتبكت والتفت وتداخلت، ورحم واشجة ووشيجة: مشتبكة متصلة، وقد وشجها الله توشيجا، وفي الأصل: "وشيج به الأرحام" وأراه محرفا.
(3/344)

{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} ، فأَمْرُ الله يجري إلى قضائه، ولكل قضاء قَدَر، ولكل قَدَر أجل: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} .
ثم إن ربي أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ بن أبي طالب، وقد زوّجتها إياه على أربعمائة مِثْقَال فِضَّة، إن رضي بذلك عليّ".
(3/345)

3- خطبة الإمام عليّ كرم الله وجهه:
وخطب الإمام عليّ كرم الله وجهه حين تزوَّج بالسيدة فاطمة -رضي الله عنها- فقال: "الحمد لله الذي قَرُبَ من حَامِدِيه، ودنا من سائِلِيه، ووعد بالجنة من يتَّقِيه، وقطع بالنار عدد من يَعْصِيه. أحمده بجميع محامده وأياديه، وأشكره شكر مَنْ يعلم أنه خالقه وباريه، ومصوِّره ومُنْشِيه، ومميته ومحييه، ومقرِّبه ومنجيه، ومُثِيبُه ومجازيه، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه، وأن محمدا -صلى الله عليه وسلم- عبده ورسوله صلاة تُزْلِفُه وتُدْنِيه، وتعزّه وتُعْلِيه، وتشرِّفه وتجتبيه.
أما بعد: فإن اجتماعنا مما قَدَّره الله تعالى ورضيه، والنكاح ما أمر الله به وأذِن فيه، وهذا محمد -صلى الله عليه وسلم- قد زوَّجني فاطمة ابنته على صَدَاق أربعمائة درهم وثمانين درهمًا، ورضيت به فاسألوه، وكفى بالله شهيدا".
(3/345)

4- خطبة عتبة بن أبي سفيان:
خطب عثمان بن عَنْبَسَة بن أبي سفيان إلى عتبة بن أبي سفيان ابنته، فأقعده على فخذه، وكان حَدَثًا فقال:
"أقرب قريب، خطب أحبَّ حبيب، لا أستطيع له رَدَّّا، ولا أجد من إسعافه بُدًّا، قد زوَّجْتُكَها وأنت أعزّ عليّ منها، وهي أَلْصَقُ بقلبي منك، فَأَكْرِمْهَا يَعْذُبْ على لساني ذِكْرُك، ولا تُهِنْهَا فَيَصْغُرَ عندي قَدْرُك، وقد قَرَّبتك مع قُربك، فلا تُبْعِدْ قلبي من قلبك".
(3/345)

5- خطبة شبيب بن شيبة:
وقال العُتْبيّ: زوج شبيب بن شَيْبَة ابنَه بنت سِوَار1 القاضي، فقلنا: اليوم يَعُبُّ عُبَابُه2، فلما اجتمعوا تكلم فقال:
"الحمد لله، وصلى الله على رسول الله، أما بعد: فإن المعرفة منا ومنكم، بنا وبكم3، تمنعنا من الإكثار، وإن فلانا ذَكَرَ فلانة".
__________
1 هو سوار بن عبد الله من قضاة البصرة وخطبائها، انظر البيان والتبيين 1: 161، واقرأ في أمالي السيد المرتضي 4: 22 حديثا غريبا للجاحظ عنه في وقاره، وضبطه من نفسه وملكه من حركته.
2 لأن والدي العروسين خطيبان.
3 أي المعرفة منا بكم؛ والمعرفة منكم بنا.
(3/346)

6- خطبة الحسن البصري:
"وكان الحسن البصري يقول في خطبة النكاح، بعد الحمد لله والثناء عليه:
"أما بعد: فإن الله جمع بهذا النكاح الأرحام المنقطعة، والأنساب المتفرِّقة، وجعل ذلك في سُنة من دينه، ومنهاج واضح من أمره، وقد خَطَب إليكم فلان، وعليه من الله نعمة، وهو يبذل من الصَّدَاق كذا، فاستخِيرُوا الله، ورُدُّوا خيرا، يرحمكم الله".
(3/346)

7- خطبة ابن الفقير:
وقال العتبى: حضرت ابن الفقير خطب على نفسه امرأةً من باهلة فقال:
"وما حسن أن يمدح المرء نفسه ... ولكنَّ أخلاقًا تُذَّمُّ وتُمْدَحُ
وإن فلانة ذُكِرَتْ لي".
(3/346)

8- خطبة عمر بن عبد العزيز:
وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز:
"وقد زَوَّجك أمير المؤمنين ابنته فاطمة"، قال: "جزاك الله يا أمير المؤمنين خيرا، فقد أجزلتَ العطية، وكَفيتَ المسألة".
(3/347)

9- خطبة أخرى له:
وحَدَّث محمد بن عبيد الله القرشي عن أبي المِقْدام قال:
كانت قريش تستحسن من الخاطب الإطالة، ومن المخطوب إليه التقصير1، فشَهِدْت محمد بن الوليد بن عُتْبَة بن أبي سفيان خطب إلى عمر بن عبد العزيز أخته أم عمر بنت عبد العزيز، فتكلم محمد بن عبد الوليد بكلام جاز الحفظ، فقال عمر:
"الحمد لله ذي الكبرياء، وصلى الله على محمد خاتَم الأنبياء، أما بعد: فإن الرغبة منك دَعَتْك إلينا، والرغبة فيك أجابَتْك منا، وقد أحسن بك ظنًّا من أودعك كريمته، واختارك ولم يَخْتَر عليك، وقد زوجتُكها على كتاب الله: {َإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} .
__________
1 وكذلك روى الجاحظ في البيان والتبيين "1: 64" قال: "والسنة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطب، ويقصر المجيب" والحصري في زهر الآداب "2: 31" قال الأصمعي: "كانوا يستحبون من الخاطب إلى الرجل حرمته الإطالة، لتدل على الرغبة، ومن المخطوب إليه الإيجاز ليدل على الإجابة".
(3/347)

10- خطبة بلال:
وخطب بلال إلى قوم من خَثْعَم لنفسه ولأخيه، فحَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أنا بلال وهذا أخي، كنا ضالَّيْن فهدانا الله، عبدين فأعتقنا الله، فقيرين فأغنانا الله، فإن تُزَوِّجُونا فالحمد لله، وإن تَرُدُّونا فالمستعانُ الله".
(3/347)

11- خطبة خالد بن صفوان:
وزوَّج خالد بن صفوان مَوْلَاه من أمته، فقال له العبد: لو دعوْتَ الناس وخَطَبْتَ! قال: ادْعُهُم أنت، فدعاهم العبد، فلما اجتمعوا، تكلم خالد بن صفوان، فقال: "أما بعد: فإن الله أعظمُ وأجلُّ من أن يُذْكَر في نكاح هذين الكلبين، وأنا أُشْهِدكم أني زوَّجت هذه الزانية من هذا ابن الزانية".
(3/348)

12- خطبة أعرابي:
وخطب الفضل الرَّقاشي إلى قوم من بني تميم فخطب لنفسه، فلما فرغ قام أعرابي منهم فقال:
"تَوَسَّلْتَ بحُرْمَة، وأوليتَ بحقّ، واستندت إلى خير، ودعوتَ إلى سُنَّة، فَفَرْضُك مقبول، وما سألتَ مَبْذُول، وحاجتك مقضية إن شاء الله تعالى".
قال الفضل: لو كان الأعرابي حمد الله في أوَّل كلامه، وصلى على النبي -صلى الله عليه وسلم- لفصحني يومئذ".
(3/348)

13- خطبة المأمون:
وقال يحيى بن أكثم: أراد المأمون أن يزوِّج ابنته من علي بن موسى الرضا، فقال: يا يحيى تكلم، فأَجْلَلْته أن أقول: "أنكحت"، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت الحاكم الأكبر، والإمام الأعظم، وأنت أَوْلَى بالكلام، فقال:
"الحمد لله الذي تصاغَرت الأمور بمشيئة، ولا إله إلا هو إقرارًا بربوبيته، وصلى الله على محمد عند ذكره، أما بعد: فإن الله قد جعل النكاح دِينًا، ورضيه حكمًا وأنزله وحيًا؛ ليكون سبب المناسبة، ألا وإني قد زوَّجت ابنة المأمون من علي بن موسى،
(3/348)

وأَمْهَرْتُها أربعمائة درهم، اقتداءً بِسُنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وانتهاء إلى ما دَرَج إليه السَّلَف، والحمد لله ربِّ العالمين".
وخطب رجل إلى قوم، فأُتِيَ بمن يخطُب له، فاستفتح بحمد الله، وأطال، وصلى على النبي -عليه الصلاة والسلام- وأطال، ثم ذكر البَدْءَ وخَلْقَ السموات والأرض، واقتصَّ ذِكْرَ القرون، حتى ضَجِر مَنْ حَضَر، والتفت إلى الخاطب، فقال: ما اسمك أعزَّك الله؟ فقال: والله قد أُنْسِيتُ اسمِي من طول خطبتك، وهي طالِقٌ إن تزوجتها بهذه الخطبة، فضحك القوم، وعقدوا في مجلس آخر.
"مفتاح الأفكار ص62، ومواسم الأدب 2: 120، والعقد الفريد 2: 163، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص28، والبيان والتبيين 1: 215، 217-2: 50: 130-3: 221، وزهر الآداب 2: 30، 31".
(3/349)

الباب الخامس في خطب من أرتج عليهم
نوادر طريفة لبعض الخطباء
...
الباب الخامس في خطب من أرتج عليهم، ونوادر طريفة لبعض الخطباء:
روى الجاحظ قال: صَعِدَ عثمان بن عفان -رضي الله عنه- المنبر، فأُرْتِج عليه، فقال:
"إنا أبا بكر وعمر كانا يُعِدَّان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أَحْوَج منكم إلى إمام خطيب".
وروى ابن عبد ربه قال: أول خطبة خطبها عثمان بن عفان أُرْتِجَ عليه، فقال: "أيها الناس: إن أوَّل كل مَرْكَبٍ صعب، وإن أَعِشْ تأتِكم الخطبُ على وجهها، وسيجعل الله بعد عُسْرٍ يُسْرًا إن شاء الله".
ولما قَدِم يزيد بن أبي سفيان الشأم واليًا عليها لأبي بكر، خطب الناس فأرتج عليه، فعاد إلى الحمد لله، ثم أرتج عليه، فعاد إلى الحمد لله، ثم أرتج عليه، فقال: "يأهل الشأم، عسى الله أن يجعل من بعد عسر يسرا، ومن بعد عِيٍّ بيانًا،
(3/350)

وأنتم إلى إمام فاعل1، أحوج منكم إلى إمام قائل2"، ثم نزل، فبلغ ذلك عمرو بن العاص فاستحسنه.
وكان يزيد بن المُهَلَّب وَلَّى ثابت قُطْنَة3 بعض قرى خُراسان4، فلما صَعِدَ المنبر يوم الجمعة، قال: الحمد لله، ثم أرتج عليه، فنزل وهو يقول:
فإلَّا لا أكن فيكم خطيبًا فإنني ... بسيفي إذا جَدَّ الوَغَى لَخَطِيب
فقيل له: "لو قلتها فوق المنبر، لكنتَ أخطبَ الناس".
وخطب معاوية بن أبي سفيان لما وَلِيَ، فَحَصِر فقال:
"أيها الناس: إني كنت أعددتُ مقالا أقوم به فيكم، فَحُجِبْتُ عنه، فإن الله يَحُول بين المَرْءِ وقلبه، كما قال في كتابه5، وأنتم إلى إمام عَدْل، أَحْوَجُ منكم إلى إمام خطيب، وإني آمُرُكم بما أمر الله به ورسوله، وأنهاكم عما نهاكم الله عنه ورسوله، وأستغفر الله لي ولكم".
وصعد خالد بن عبد الله القَسْرِي يومًا المنبر بالبصرة ليخطب فأرتج عليه، فقال:
__________
1 في عيون الأخبار: "إمام عادل".
2 وفي أمالي السيد المرتضي أن هذا القول يروى لعثمان بن عفان، وفي وفي روايتها: "إما فعال" و"إما قوال" بصيغة المبالغة، وفي الأغاني أنه يروى لثابت قطنة، وفيه: "أمير فعال" و"أمير قوال".
3 هو ثابت بن كعب، ولقب قطنة لأن سهما أصابه في إحدى عينيه، فذهب بها في بعض حروب الترك، فكان يجعل عليها قطنة، وهو شاعر فارس شجاع من شعراء الدولة الأموية، وكان في صحابة يزيد بن المهلب، وكان يوليه أعمالا من أعمال الثغور، فيحمد فيها مكانه لكفايته وشجاعته، وقد مال إلى قول المرجئة، وله قصيدة في الإرجاء، انظر ترجمته في الأغاني ج13 ص47.
4 وفي رواية: أنه خطب على منبر سجستان، وفي رواية الطبري: "فخطب الناس فحصر فقال: "من يطع الله ورسوله فقد ضل" وأرتج عليه فلم ينطق بكلمة، فلما نزل عن المنبر قال البيت المذكور.
5 الآية الكريمة: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَْ} .
(3/351)

"أيها الناس: أما بعد، فإن هذا الكلام يجيء أحيانا، ويَعْزُب أحيانا، فَيَسِيح عند مجيئه سَيْبُه1، ويَعِزّ عند عُزُوبه طَلَبُه، ولربما كُوبر فأبى2، وعُولج فنأى، فالتأتِّي3 لمجيِّه، خير من التعاطي لأبِيِّه، وتركه عند تنكُّره، أفضل من طلبه عند تعذِّره، وقد يختلِج4 من الجريء جِنَانُه، وينقطع من الذَّرِب5 لسانه، فلا يُبْطِره ذلك ولا يَكْسِره، وسأعود فأقول إن شاء الله"، ثم نزل، فما رُئِي حصر أبلغ منه.
وصعد أبو العَنْبَسِ منبرا من منابر الطائف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أما بعد: فأرتج عليه، فقال: أتردون ما أريد أن أقول لكم؟ قالوا: لا. قال: فما ينفعني ما أريد أن أقول لكم، ثم نزل؛ فلما كان في الجمعة الثانية، وصعد المنبر وقال: أما بعد: أرتج عليه، فقال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم؟ قالوا: نعم. قال: ما حاجتكم إلى أن أقول لكم ما عَلِمْتُم؟ ثم نزل؛ فلما كانت الجمعة الثالثة، قال: أما بعد: فأرتج عليه، قال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم؟ قالوا: بعضنا يدري، وبعضنا لا يدري، قال: فليخبر الذي يدري منكم الذي لا يدري، ثم نزل.
وولي اليمامة رجل من بني هاشم يُعْرَفُ بالدَّنْدَان، فلما صعد المنبر أرتج عليه، فقال:
__________
1 السيب: العطاء، وفي رواية: "فيتسبب عند مجيئه سبيه".
2 وفي رواية: "فعا" أي اشتد وصعب.
3 تأتي له: ترفق، وفي رواية: "فالتأني" بالنون.
4 يضطرب.
5 الحاد اللسان: وفي رواية: "ويرتج على البليغ لسانه"، وفي أخرى: "وقد يرتج على اللسن لسانه، ولا ينظره القول إذا اتسع، ولا يتيسر إذا امتنع، ومن لم تمكن له الخطوة، فخليق أن تعن له النهوة" وفي أخرى: "وقد يتعاصى على الذرب لسانه، ثم لا يكابر القول إذا امتنع، ولا يرد إذا اتسع، وأولى الناس من عذر على النبوة, ولم يؤاخذ على الكبوة، من عرف ميدانه، اشتهر إحسانه وسأعود وأقول".
(3/352)

"حَيَّا الله هذه الوجوه، وجعلني فِدَاءها، إني قد أمرت طائِفِي بالليل أن لا يرى أحدًا إلا أتاني به، وإن كنت أنا هو"، ثم نزل.
وخطب عبد الله بن عامر1 بالبصرة في يوم أَضْحَى، فأرتج عليه، فمكث ساعة، ثم قال:
"والله لا أجمع عليكم عِيًّا ولُؤْمًا، من أخذ شاة من السوق فهي له، وثمنها عليّ".
قال الجاحظ: ولما حَصِرَ عبد الله بن عامر على منبر البصرة، شقَّ ذلك عليه، فقال له زياد: "أيها الأمير، إنك إن أقمت عامة من تَرَى، أصابه أكثر مما أصابك".
وكان سعيد بن بَحْدَل الكلبي على قِنَِّسْرِين2، فوثب عليه زُفَر بن الحارث، فأخرجهُ منها، وبايع لابن الزبير3، فلما قعد زفر على المنبر قال: "الحمد لله الذي أقعدني مقعد الغادر الفاجر"، وحَصِرَ، فضحك الناس من قوله.
وصعد عَدِيّ بن أَرْطَاة4 المنبر، فلما رأى جماعة الناس حَصِرَ فقال: "الحمد لله الذي يُطْعِمْ هؤلاء ويُسْقِهم".
وصعد رَوْح بن حاتم المنبر، فلما رآهم شَفَنُوا5 أبصارهم، وفتحوا أسماعهم نحوه،
__________
1 انظر هامش الجزء الأول ص355.
2 كورة بالشأم.
3 انظر هامش الجزء الثاني ص141
4 كان عامل يزيد بن عبد الملك على البصرة.
5 شفته كضربة وعلمه شفونا: نظر إليه بمؤخر عينيه، أو رفع طرفة ناظرًا إليه كالمتعجب أو كالكاره.
(3/353)

حصر فقال: "نكِّسُوا رءوسكم، وغُضُّوا أبصاركم، فإن المنبر مَرْكَبٌ صعب، وإذا يَسَّرَ الله فَتْحَ قُفْلٍ تَيَسَّر".
وكان عبد ربه اليَشْكُرِي عاملا لعيسى بن موسى1 على المدائن، فصعد المنبر، فحمد الله وأرتج عليه، فسكت ثم قال: "والله إني لأكون في بيتي فتجيء على لساني ألف كلمة، فإذا قمت على أعوادكم هذه جاء الشيطان فمَحَاها من صدري، ولقد كنتُ وما في الأيام يوم أحَبُّ إليَّ من يوم الجمعة، فصرتُ وما في الأيام يومٌ أبغض إليَّ من يوم الجمعة، وما ذلك إلا لخطبتكم هذه".
وأرتج على مَعْن بن زائدة فضرب المنبر برجله، ثم قال: "فتى حُرُوب، لا فَتَى منابر".
وحدث عيسى بن عمر قال:
خطب أمير مرةً فانقطع فخَجِل، فبعث إلى قوم من القبائل عابُوا ذلك ولَفَّهم2، وفيهم يَرْبُوعِيٌّ جَلْد، فقال: اخْطُبوا، فقام واحد فمرَّ في الخطبة، حتى إذا بلغ "أما بعد" قال: أما بعد، أما بعد، ولم يدرِ ما يقول، ثم قال: فإن امرأتي طالقٌ ثلاثا لم أُرِدْ أن أُجَمِّع3 اليوم فمنعتني، وخطب آخر، فلما بلغ "أما بعد" بقِي ونظر فإذا إنسان ينظر إليه، فقال: لعنك الله! ترى ما أنا فيه، وتلمحُني ببصرك أيضًا! وقال أحدهم: رأيت القَرَاقِرَ4 من السفن تجري بيني وبين الناس، وصعد اليَرْبُوعِيُّ فخطب فقال: "أما بعد" فوالله ما أدري ما أقول، ولا فيم أقمتموني، أقول ماذا؟ "
__________
1 هو عيسى بن موسى ابن أخي المنصور وكان أمير الكوفة.
2 لفهم: جمعهم.
3 جمع الناس بالتشديد: أي شهدوا الجمعة، كما يقال: عيدوا: أي شهدوا العيد.
4 القراقر: جمع قرقور كعصفور: وهي السفينة أو الطويلة أو العظيمة.
(3/354)

فقال بعضهم: قل في الزيت، فقال: "الزيت مبارك1، فكلوا منه وادَّهِنُوا".
قال: فهو قول الشُّطَّار2 اليوم، إذا قيل لِمَ فعلت ذا؟ فقل في شأن الزيت، وفي حال الزيت.
وروى الجاحظ أنه قيل لرجل من الوُجُوه: قم فاصْعَدِ المنبر وتكلم، فلما صَعِدَ حَصِرَ وقال: "الحمد لله الذي يرزق هؤلاء" وبقي ساكتا فأنزلوه. وصعد آخر، فلما استوى قائمًا، وقابل بوجهه وجوه الناس، وقعت عينُه على صَلعَة3 رجل فقال: "اللهم الْعَنْ هذه الصَّلْعَة".
وقيل لوازع اليَشْكُرِيّ: قم فاصعد المنبر وتكلم، فلما رأى جمع الناس قال: "لولا أن امرأتي -لعنها الله- حَمَلَتْنِي على إتيان الجمعة اليوم ما جَمَّعْتُ، وأنا أُشْهِدُكم أنها مني طالق ثلاثا".
ودُعِي أيوب بن القِرِّيَّة لكلام، فاحتبس القول عليه، فقال: "قد طال السَّمَرُ، وسقط القمر، واشْتَدَّ المطر، فماذا يُنْتَظَرُ؟ " فأجابه فتى من عبد القَيْس فقال: "قد طال الأَرَق، وسقط الشَفَق، وكثر اللَّثَق4 فلينْطِق من نَطَق".
__________
1 يشير إلى الآية الكريمة: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ} .
2 الشطار جمع شاطر: وهو من أعيا أهله خبثًا، والمراد به هنا أهل الدعارة وأصحاب النوادر والتنكيت والفكاهات.
3 الصلع: موضع الصلع.
4 لثق يوما كفرح: ركدت ريحه وكثر نداه.
(3/355)

وجاء في أمالي السيد المرتضي:
روى أن بعض خلفاء بني العباس -وأظنه الرشيد- صعد المنبر ليخطب، فسقطت على وجهه ذبابة، فطردها، فرجعت، فحَصِرَ وأُرْتِجَ عليه، فقال: أعوذ بالله السميع العليم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ 1 مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} ثم نزل، فاستُحْسِن ذلك منه.
وروى أن رجلا صعد المنبر أيام يزيد بن معاوية، وكان واليًا على قوم فقال لهم: "أيها الناس: إني إن لم أكن فارسًا طَبًّا2 بهذا القرآن، فإن معي من أشعار العرب ما أرجو أن يكون خَلَفًا منه، وما أساء القائل أخو البَرَاجم حيث قال:
وما عاجِلَات الطير يُدْنِينَ للفتى ... رشادا، ولا من رَيْثِهِنَّ يَخِيبُ3
ورب أمور لا تَضِيرك ضَيْرَة ... وللقلب من مَخْشَاتِهِنّ وَجِيب4
ولا خير فيمن لا يُوَطِّنُ نفسه ... على نائبات الدهر حين تَنُوب
وفي الشكِّ تفريط وفي الحَزْمِ قُوَّةٌ ... ويُخْطِي الفتى في حَدْسِهِ ويُصِيبُ5
فقال رجل من كلب: إن هذا المنبر لم يُنْصَب للشعر، بل ليُحْمَد الله تعالى.
__________
1 وكانوا يطلون أصنامهم بالطيب والزعفران ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله.
2 ماهرا حاذقا.
3 كانت العرب تتيمن بالطير السانح، وهو ما ولاك ميامنه، بأن يمر من مياسرك إلى ميامنك، وتتشاءم بالبارح، وهو ما ولاك مياسره، بأن يمر من ميامنك إلى مياسرك، وذلك لأنه لا يمكنك رميه إلا بأن تنحرف له، وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير، فيعتمدها، وعاجلات الطير هي أن يخرج الإنسان من منزلة إذا أراد أن يزجر الطير، فما مر به أول ما يبصر فهو عاجلات الطير، وإن أبطأت عنه وانتظرها فقد راثت أي أبطأت، والأول عندهم محمود، والداني مذموم.
4 خشيه خشية ومخشاة: خافه، ووجب القلب وجيبا: خفق واضطرب.
5 الحدس: الظن والتخمين، والأبيات لضابئ بن الحارث البرجمي "انظر زهر الآدب 2: 88".
(3/356)

ويُصَلَّي على النبي وآله عليهم الصلاة والسلام، وللقرآن، فقال: أَمَا لو أنشدتكم شعر رجل من كلب لسَرَّكم، فكُتِب إلى يزيد بذلك فعَزَلَه، وقال: قد كنت أراك جاهلًا أحمق، ولم أحسب أن الحمق يبلغ بك إلى هذا المبلغ، فقال له: أحمق مني مَنْ وَلَّاني!
وخطب عَتَّاب بن وَرْقَاء1 فَحَثَّ على الجهاد فقال: هذا كما قال الله تعالى في كتابه:
كتب القَتْلُ والقِتَالُ علينا ... وعلى الغَانِيَات جَرٌّ الذُّيولِ2
وخطب يومًا فقال: هذا كما قال الله تبارك وتعالى: "إنما يتفاضل الناس بأعمالهم، وكل ما هو آتٍ قريب" قالوا له: "إن هذا ليس من كتاب الله" قال: "ما ظننت إلا أنه من كتاب الله".
وخطب وَكِيع بن أبي سُودٍ3 بخُراسان فقال: "إن الله خلق السموات والأرض في ستة أشهر" فقيل له: "إنها ستة أيام" فقال: "وأبيك لقد قُلتها وإني لأستقلّها".
وصعد المنبر فقال: "إنَّ ربيعة لم تزل غِضَابًا عَلَى الله مذ بعث نبيَّه من مُضَر،
__________
1 انظر الجزء الثاني ص433 و445.
2 البيت لعمر بن أبي ربية، وذلك أن مصعب بن الزبير بعد أن قتل المختار بن أبي عبيد الثقفي دعا امرأته –وهي بنت النعمان بن بشير- إلى البراء من المختار، فأبت فقتلها، فقال في ذلك ابن أبي ربيعة:
إن من أعظم الكبائر عندي ... قتل حسناء غادة عطبول
قتلت باطلا على غير ذنب ... إن لله درها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول
"والعطبول كعصفور: المرأة الفتية الجميلة الممتلئة الطويلة العنق".
3 انظر الجزء الثاني ص312.
(3/357)

ألا وإن ربيعة قوم كُشْفٌ1، فإذا رأيتموهم فاطْعَنُوا الخيل في مَنَاخِرها، فإن فرسا لم يُطْعَن في مَنْخَِره إلا كان أَشَدَّ عَلَى فارسه من عدوّه2".
وضربت بنو مازن الحتاتَ بن يزيد المَجَاشِعيّ، فجاءت جماعة منهم، فيهم غالِبٌ أبو الفرزدق فقال: "يا قوم كونوا كما قال الله: لا يعجِزَ القوم إذا تعاونوا".
وخطب عديّ بن زياد الإِياديّ، فقال: "أقول لكم كما قال العبد الصالح لقومه: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} 3، قالوا له: "ليس هذا من قول عبد صالح، إنما هو من قول فرعون"، قال: من قاله فقد أحسن".
وروى الطبري أن عبد الله بن الزبير كان وَلَّى أخاه عبيدة على المدينة، ثم نزعه عنها، وكان سب عزله إياه أنه خطب الناس، فقال لهم: قد رأيتم ما صُنِع4 بقوم في ناقة قيمتها خَمْسُمَائِة درهم، فسمي مُقَوِّم الناقة، وبلغ ذلك ابن الزبير فقال: إن هذا لهو التكلف.
وروى الجاحظ وابن عبد ربه هذا الخبر فقالا: خطب والي اليمامة5، فقال: "إن الله لا يُقَارُّ6 عباده على المعاصي، وقد أهلك الله أمَّة عظيمة في ناقة ما كانت تساوي مائتي درهم"، فسمي مقوِّم ناقة الله.
__________
1 كشف جمع أكشف: وهو من ينهزم في الحرب، ومن لا ترس معه في الحرب، ومن لا بيضة على رأسه.
2 وروى الطبري أن عبد الله بن خازم قال ذلك القول لأصحابه بخراسان، قال لهم: "إذا لقيتم الخيل فاطعنوها في مناخرها، فإنه لن يطعن فرس في نخزته إلا أدبر أورمى بصاحبه". "الطبري 7: 46".
3 الآية الكريمة: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى....} .
4 يشير إلى ثمود قوم صالح عليه السلام، انظر هامش الجزء الثاني ص352.
5 لعلها المدينة.
6 أي لا يقرهم.
(3/358)

وخطب قُبَيْصَةُ، وهو خليفة أبيه1 على خراسان، وأتاه كتابه، فقال: "هذا كتاب الأمير، وهو والله أهل لأن أطيعه، وهو أبي وأكبر مني".
ودُعِي مُصْعَب بن حَيَّان ليخطب في نكاح فحَصِرَ فقال: "لَقِّنُوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله فقالت أم الجارية، عَجَّل الله موتك، ألهذا دعَوناك؟ ".
وخطب أمير المؤمنين الموالي -وهكذا لَقَبُه- خطبة نكاح فَحَصِرَ، فقال: "اللهم إنا نحمدك ونستعينك ولا نشرك بك".
وخطب قُتَيْبَة بن مسلم على مِنْبَر خُراسان، فسقط القضيب من يده، فتفاءَل له عدوّه بالشرّ، واغتمّ صديقه، فعرف ذلك قتيبة، فأخذه وقال: "ليس الأمر على ما ظن العدو، وخاف الصديق2، ولكنه كما قال الشاعر:
فألقت عَصَاهَا واسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى ... كما قََرَّ عينًا بالإِياب المُسَافِر3
وتكلم صَعْصَعَة عند معاوية فَعَرِق، فقال معاوية: بَهَرك4 القول! فقال صعصعة: إن الجياد نَضَّاحَة بالماء.
وشخص يزيد بن عمر بن هُبَيْرَة إلى هشام بن عبد الملك، فتكلم فقال هشام: ما مات من خَلَّف مثل هذا! فقال الأبرش الكلبي: ليس هناك، أما تَرَاه يَرْشَح جَبِينَه لضِيقَ صدره! قال يزيد: ما لذلك رَشَحَ، ولكن لجلوسِك في هذا الموضع.
__________
1 هو المهلب بن أبي صفرة، وكان واليا على خراسان، انظر الجزء الثاني ص285.
2 وفي رواية: "كما ساء الصديق، وسر العدو".
3 النوى: الغربة البعيدة.
4 أي غلبك.
(3/359)

وقال عبيد الله بن زياد: "نِعْمَ الشيء الإمارة، لولا قَعْقَعَةُ البريد، والتشرُّف للخُطَب".
وقيل لعبد الملك بن مروان: عَجِل عليك المشيب يا أمير المؤمنين، فقال: كيف لا يَعْجَل عليّ، وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين؟ ".
"أو قال: شيبني صعود المنابر والخوف من اللحن".
"العقد الفريد 2: 162-163 و3: 256، وعيون الأخبار م2: ص247 و256 و259، وأمالي السيد المرتضي 4: 19-22، والأغاني 13: 47، 17؛ 111، وتاريخ الطبري ج7: ص90، ج8: 188، والبيان والتبيين 1: 74، 163، 186-2: 122، 126، 127، 129، 130، 131، والأمالي 1: 111، وتهذيب الكامل 1: 17، وسرح العيون ص125، 205، والصناعتين ص21".
(3/360)

بدء الخطب وختامها:
قال ابن قُتَيبة في عيون الأخبار:
تتبعت خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوجدت أوائل أكثرها: "الحمد لله نحمده، ونستعينه ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يَهْدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، ووجدت في بعضها: "أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعته"، ووجدت كل خطبة مفتاحها الحمد، إلا خطبة العيد، فإن مفتاحها التكبير.
"عيون الأخبار م2: ص221".
وروى ابن عبد ربه في العقد قال:
"وكان آخر كلام أبي بكر الذي إذا تكلم به عرف أنه قد فرغ من خطبته:
اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتِمَه، وخير أيامي يوم ألقاك".
وكان آخر كلام عمر الذي إذا تكلم به عرف أنه فرغ من خطبته: "اللهم لا تدعني في غَمْرة، ولا تأخذني على غِرَّة، ولا تجعلني من الغافلين".
وكان عبد الملك بن مروان يقول في آخر خطبته: "اللهم إن ذنوبي قد عَظُمت وجلّت أن تُحْصَى، وهي صغيرة في جنب عفوك فاعف عني".
"العقد الفريد 2: 133، 142".
تم بحمد الله
(3/361)

فهرس ذيل الجمهرة:
الباب الأول
في خطب الأندلسيين والمغاربة
رقم الصفحة الخطبة أو الوصية
162 خطبة عبد الرحمن الداخل يوم حربه مع يوسف الفهري
163 عبد الرحمن الداخل ورجل من جند قنسرين
164 عبد الرحمن الداخل ورجل من جنده يهنئه بفتح سرقسطة
164 تأديب عبد الرحمن الأوسط لابنه المنذر
166 عبد الرحمن الأوسط وابنه المنذر أيضا
167 يعقوب بن عبد الرحمن الأوسط وأحد خدامه
168 وفاء الوزير ابن غانم لصديقه الوزير هاشم بن عبد العزيز
169 خطبة منذر بن سعيد البلوطي في الاحتفال بقدوم رسل ملك الروم
173 خطبة أخرى له
173 أحد حساد الرمادي الشاعر والمنصور بن أبي عامر
177 ابن اللبانة الشاعر وعز الدولة بن المعتصم بن صمادح
178 دفاع ابن الفخار عن القاضي الوحيدي بحضرة ابن تاشفين
179 موعظة ابن أبي رندقة الطرطوشي للأفضل بن أمير الجيوش
180 خطبة ابن تومرت مؤسس دولة الموحدين
183 مقال لسان الدين ابن الخطيب في الحض على الجهاد
184 ما خاطب به لسان الدين تربة السلطان الكبير أبي الحسن المريني
187 وصية لسان الدين لأولاده
201 خطبة وعظية له
208 وصية موسى بن سعيد العنسي لابنه
217 خطبة ابن الزيات المنزوعة الألف
219 خطبة القاضي عياض التي ضمنها سور القرآن
(3/362)

رقم الصفحة الخطبة أو الوصية
222 خطبة سعيد بن أحمد المقري التي ضمنها سور القرآن
224 خطبة الكفعمي التي ضمنها سور القرآن أيضا
الباب الثاني
في خطب ووصايا مجهول عصرها أو قائلها
226 خطبة أبي بكر بن عبد الله بالمدينة
230 وصية أعمى من الأزد لشاب يقوده
231 وصية رجل لآخر وقد أراد سفرا
231 وصية لابنه وقد أراد التزوج
232 وصية بعض العلماء لابنه
232 وصية لبعض الحكماء
232 وصية أخرى
233 وصية أخرى
233 عظة لبعض الحكماء
234 نصيحة لبعض الحكماء
234 كلمات شتى لبعض الحكماء
235 رجل من العرب والحجاج
236 أحد الوافدين على عمر بن عبد العزيز
236 كاتب وأمير
237 وصف الهلباجة
238 بعض البلغاء يصف رجلا
239 خمس جوار من العرب يصفن خيل آبائهن
241 رجل من العرب يصف مطرا
الباب الثالث
في نثر الأعراب
242 قولهم في الوعظ والتوصية
242 مقام أعرابي بين يدي سليمان بن عبد الملك
(3/363)

رقم الصفحة الخطبة أو الوصية
243 أعرابي يصف هشام بن عبد الملك
243 خطبة أعرابي
244 خطبة أخرى
244 خطبة أخرى
244 أعرابية توصي ابنها وقد أراد السفر
245 أعرابية توصي ابنها
246 أعرابي يوصي ابنه
246 خطبة ينصح لابنه
246 خطبة ينصح لابنه
246 خطبة ينصح لأخيه
247 خطبة يعظ أخاه
247 خطبة يعظ صاحبه
247 خطبة يعظ أخاه
248 خطبة يعظ رجلا
248 خطبة يعظ رجلا
248 خطبة يعظ رجلا
248 كلام أعرابي لابن عمه
249 كلمات حكيمة للأعراب
254 أجوبة الأعراب
254 مجاوبة أعرابي للحجاج
255 مساءلة الحجاج أعرابيا فصيحا
255 مجاوبة أعرابي لعبد الملك بن مروان
256 مجاوبة أعرابي لخالد بن عبد الله القسري
256 أجوبة شتى
259 قولهم في الاستمناح والاستجداء
259 أعرابي يجتدي عتبة بن أبي سفيان
260 أعرابي يجتدي عمر بن عبد العزيز
(3/364)

رقم الصفحة الخطبة أو الوصية
260 خطبة أعرابي بين يدي هشام بن عبد الملك
260 مقام أعرابي بين يدي هشام
261 أعرابي يستجدي عبيد الله بن زياد
262 أعرابية تستجدي عبد الله بن أبي بكرة
263 أعرابي يستجدي خالد بن عبد الله القسري
263 أعرابي يستجدي معن بن زائدة
264 خطبة الأعرابي السائل في المسجد الحرام
265 خطبة الأعرابي السائل في الجامع بالبصرة
265 صورة أخرى
266 صورة أخرى
266 أعرابي يستجدي
266 أعرابي يستجدي
267 أعرابي يستجدي
267 أعرابي يستجدي
268 أعرابية تستجدي
268 أعرابي يستجدي
268 أعرابي يستجدي
269 أعرابي يستجدي
269 أعرابي يستجدي
270 أعرابية تستجدي
270 أعرابي يستجدي
271 أعرابي يستجدي
271 أعرابي يستجدي
271 أعرابي يستجدي
271 أعرابي يستجدي
271 أعرابي يستجدي
272 أعرابي يستجدي
272 أعرابي يستجدي
(3/365)

رقم الصفحة الخطبة أو الوصية
272 أعرابي يسأل رجلا حاجة له
273 قولهم في بكاء الموتى
273 أعرابية تبكي ابنها
274 حديث امرأة سكنت البادية قريبا من قبور أهلها
275 حديث امرأة مات ابنها بين يديها
276 قولهم في الشكوى
276 أعرابي يشكو حاله
277 كلمات شتى في الشكوى
282 قولهم في العتاب والاعتذار
283 قولهم في المدح
292 قولهم في الذم
299 قولهم في الغزل
304 قولهم في الوصف
304 أعرابي يصف مطرا
305 أعرابي يصف مطرا
306 أعرابي يصف مطرا
307 ثلاثة غلمة من الأعراب يصفون مطرا
309 أعرابي يصف مطرا
310 أعرابي يصف مطرا
311 أعرابي يصف مطرا
312 أعرابي يصف مطرا
312 أعرابي يصف مطرا
313 أعرابي يصف مطرا
314 أعرابية تصف مطرا
314 أعرابية تصف مطرا
315 أعرابية تصف أرضا
(3/366)

رقم الصفحة الخطبة أو الوصية
316 رائد يصف أرضا جدبة
316 رائد يصف أرضا جدبة
317 رائد يصف أرضا جدبة
317 أعرابي يصف أرضه وماله
318 أعرابي يصف بلدا
319 أعرابي يصف أشد البرد
319 أعرابي يصف إبلا
319 أعرابي يصف ناقة
320 أعرابي يصف خيلا
320 أعرابي يصف خيلا
320 أعرابي يصف خيلا
320 أعرابي يصف فرسا
321 أعرابي يصف خاتما
321 أعرابي يصف أطيب الطعام
321 أعرابي يصف السويق
322 أعرابي يصف الجمال
322 أبو المخشن يصف ابنه
322 أعرابي يصف بنيه
323 أعرابي يصف أخويه
324 قولهم في الدعاء
324 دعاء أعرابي
326 دعاء أعرابي
326 دعاء أعرابي
327 دعاء أعرابي
328 دعاء أعرابي
328 دعاء أعرابي
329 دعاء أعرابي
329 دعاء أعرابي
329 دعاء أعرابي
329 دعاء أعرابي
330 دعاء أعرابي
330 دعاء أعرابي
330 دعاء أعرابي
330 دعاء أعرابي
332 دعاء أعرابي
332 دعاء أعرابي
332 دعاء أعرابي
333 أدعية شتى
337 نوادر وملح لبعض الأعراب
الباب الرابع
في خطب النكاح
344 خطبة قريش في الجاهلية
344 خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في زواج السيدة فاطمة
345 خطبة الإمام عل كرم الله وجهه
345 خطبة عتبة بن أبي سفيان
(3/367)

رقم الصفحة الخطبة أو الوصية
346 خطبة شبيب بن شيبة
346 خطبة الحسن البصري
346 خطبة ابن الفقير
247 خطبة عمر بن عبد العزيز
347 خطبة أخرى له
347 خطبة بلال
348 خطبة خالد بن صفوان
348 خطبة أعرابي
348 خطبة المأمون
الباب الخامس
350 في خطب من أرتج عليهم ونوادر طريفة لبعض الخطباء
361 بدء الخطب وختامها
تم الكتاب بحسن توفيقه وعونه تعالى.
(3/368)