Advertisement

جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب 002

بسم الله الرحمن الرحيم
"الفن السابع في تاريخ أدب اللغة العربية"
التاريخ: هو معرفة أخبار الماضين وأحوالهم من حيث معيشتهم، وسياستهم وأدبهم، ولغتهم.
والأدب: (كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل) . وهذه الرياضة كما تكون بالفعل، وحسن النظر، والمحاكاة، تكون بالأقوال الحكيمة التي تضمنتها لغة أي أمة.
واللغة: ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم وهي من الأوضاع البشرية وأدب لغة أي أمة هو ما أودع في شعرها ونثرها من نتائج عقول أبنائها وصور أخيلتهم وطباعهم: مما شأنه أن يهذب النفس، ويثقف العقل، ويقوم اللسان.
وتاريخ أدب اللغة: هو العلم الباحث عن أحوال اللغة: نثرها ونظمها في عصورها المختلفة، وعما كان لنابغيها من التأثير البين فيها.
واللغة العربية: إحدى اللغات السامية. وهي لغة أمة العرب القديمة العهد الشائعة الذكر التي كانت تسكن الجزيرة المنسوبة إليها في الطرف الغربي من آسيا.
وهذه الأمة: منها القدماء، وهم الذين يسكنون تلك الجزيرة وينطقون باللغة العربية سليقة وطبعاً، وهم ثلاث طبقات: أولاها العرب البائدة وهؤلاء لم يصل إلينا شيء صحيح من أخبارهم إلا ما قصه الله علينا في القرآن الكريم، وإلا ما جاء في الحديث النبوي. ومن أشهر قبائلهم طسم، وجديس وعاد، وثمود وعمليق.
(2/2)

وثانيهما العرب العاربة: وهم بنو قحطان الذين اختاروا اليمن منازل لهم. ومن أمهات قبائلهم كهلان، وحمير. وثالثتها العرب المستعربة: وهو بنو اسماعيل الطارئون على القحطانين، والممتزجون بهم لغة ونسباً. والمعرفون بعج بالعدنانيين، ومن أمهات قبائلهم ربيعة، ومضر، وإياد، وأنمار.
ومنها المحدثون: وهم سلائل هؤلاء الأقوام الممتزجون بسلائل غيرهم والمنتشرون بعد الإسلام في بقاع الأرض من المحيط الأخضر (الأطلنطي) إلى ما وراء بحر فارس ودجلة، ومن أعالي النهرين إلى ماوراء جاوه وسومطرة.
(2/3)

"عصور اللغة العربية وآدابها"
لما كان تاريخ أي أمة وأدبها يرتبط كل الارتباط بالحوادث السياسية والدينية والاجتماعية التي تقع بين ظهراني هذه الأمة، ناسب تقسيم تاريخ أدب اللغة خمسة أعصر: الأول: عصر الجاهلية: وينتهي بظهور الإسلام ومدته نحو خمسين ومائة سنة.
الثاني: عصر صدر الإسلام، ويشمل بني أمية ويبتدئ بظهور الإسلام وينتهي بقيام دولة بني العباس سنة (132هـ?) .
الثالث: عصر بني العباس: ويبتدئ بقيام دولتهم، وينتهي بسقوط بغداد في أيدي التتار سنة (656هـ?) .
الرابع: عصر الدول التركية: ويبتدئ بسقوط بغداد، وينتهي بمبدأ النهضة الأخيرة سنة (1220هـ?) .
الخامس: عصر النهضة الأخيرة: ويبتدئ من حكم الأسرة المحمدية العلوية بمصر، ويمتد إلى وقتنا هذا.

"العصر الأول عصر الجاهلية"
"حالة اللغة وآدابها في ذلك العصر"
لغة العرب من أغنى اللغات كلما، وأعرقها قدماً، وأوسعها لكل ما يقع تحت الحس، أو يجول في الخاطر: من تحقيق علوم، وسن قوانين وتصوير خيال، وتعيين مرافق: وهي على هندمة وضعها، وتناسق أجزائها لغة قوم أميين، ولا عجب أن بلغت تلك المنزلة، من بسطة الثروة، وسعة المدى إذا كان لها من عوامل النمو، ودواعي البقاء والرقي، ما قلما يتهيأ لغيرها وما رواه لنا منها أئمة اللغة وجاء به القرآن الكريم والحديث النبوي هو نتيجة امتزاج لغات الشعوب التي سكنت جزيرة العرب ولا شك في أن من أسباب امتزاج هذه اللغات ما يأتي: 1 هجرة القحطانين إلى جزيرة العرب ومخالطتهم فيها العرب البائدة باليمن ثم تمزقهم في بقاع الجزيرة كل ممزق بظلمهم وتخرب بلادهم بسيل العرم.
(2/13)

2 هجرة اسماعيل عليه السلام إلى جزيرة العرب واختلاطه وبينه بالقحطانين بالمصاهرة والمجاورة والمحاربة والمتاجرة: وأظهر مواطن هذا الامتزاج مشاعر الحج والأسواق التي كانت تقيمها العرب في أنحاء بلادها، ومن هذه الأسواق عكاظ ومجنة وذو المجاز.
وأهمها سوق عكاظ: وكانت تقام من أول ذي العقدة إلى اليوم العشرين منه. وأقيمت تلك السوق بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة وبقيت إلى ما بعد الإسلام حتى سنة تسع وعشرين ومائة. وكان يجتمع بهذه السوق أكثر أشراف العرب للمتاجرة، ومفاداة الأسرى والتحكيم في الخصومات وللمفاخرة بالشعر والخطب في الحسب والنسب والكرم والفصاحة والجمال والشجاعة وما شاكل ذلك. وكان من اشهر المحكمين بها في الشعر النابغة الذبياني. ومن أشهر خطبائها قس بن ساعدة الإيادي. وقد لهج الشعراء بذكرها في شعرهم. وحضرها منهم الرجال والنساء.

كلام العرب
الغرض من كلام العرب كغيره الإبانة عما في النفس من الأفكار ليكون مدعاة إلى المعاونة والمعاضدة. وذريعة إلى تسهيل أعمال الحياة.
ولما كانت هذه الأفكار لا تزال متجددة غير متناهية. كانت صور الكلام المبين عنها لا تزال كذلك متجددة خاضعة لقوى الاختراع والابتداع وأنواع الإنشاء والتأليف على حسب ما يقتضيه المقام فقد تصل صورة الكلام إلى الغاية القصوى في البلاغة، وقد تنحط صورة العبارة إلى الدرك الأسفل من الإبانة. بحيث لو انحطت عن ذلك لكانت عند الأدباء بأصوات الحجماوات أشبه، وبين الحالين مراتب، وجل بحث علم الأدب وتاريخه في التفاوت بين هذه المراتب ورجالها.
(2/14)

وكلام العرب بمراتبه: العليا والدنيا وما بينهما تعتوره كغيره أحوال تتغير بتغير حياة أهله العقلية والمعاشية والدينية، وتلك الأحوال تتمثل في "أغراض اللغة، ومعانيها، وعباراتها".

أغراض اللغة في الجاهلية
1 كانت اللغة تستعمل في أغراض المعيشة البدوية، ووصف مرافقها من حل وترحال، وانتجاع كلأ. واستدرار غيث. واستنتاج حيوان.
2 وفي غثارة المنازعات والمشاحنات، وما يتبعها من الحض على إدراك الثأر. والتفاخر بالانتصار، والتباهي بكرم الأصل والنجار.
3 شرح حال المشاهدات والكيفيات والإخبار عن الوقائع والقصص وغير ذلك.

معاني اللغة في الجاهلية
تجمل معاني اللغة (1) في قصر معاني المفردات على ما تقتضيه البداوة والفطرة الغضة الخالية من تكلف أهل الحضر وتأنقهم (2) وفي انحصار أحكامهم في (الخبر) ومطالبهم عن (الإنشاء) إما في التعقل المستنبط من الحس والمشاهدة أو الطبيعة أو التجربة أو الوجدان. من غير مبالغة ولا إغراق. وإما في التخيل المنتزعة صوره من المحسوسات بحيث لا تخرج عن الإمكان العقلي والعادي.

عبارة اللغة في الجاهلية
تلخص أحوال العبارة في الجاهلية فيما يأتي: 1 استعمال الألفاظ في معانيها الوضعية. أو معان مناسبة للمعنى الأصلي بطريق المجاز الذي قد يصبح بعد قليل وضعاً جديداً.
(2/15)

2 كثرة استعمال المترادف، وقلة الأعجمي المعبر عنه بالمعرب، وخلو الكلام العربي من اللحن، وغلبة الإيجاز عليه كما تراه واضحاً في شعرهم.
3 إرسال الأساليب الكلامية على حسب ما تقتضيه البلاغة بدون تكلف.

تقسيم كلام العرب
ينقسم كلام العرب قسمين: نثراً ونظماً. فالنظم هو الموزون المقفى. والنثر ما ليس مرتبطاً بوزن ولا قافية.

النثر المحادثة الخطابة الكتابة
الأصل في الكلام أن يكون منثوراً: لإبانته مقاصد النفس بوجه أوضح وكلفة أقل وهو غما حديث يدور بين بعض الناس وبعض في إصلاح شؤون المعيشة. واجتلاب ضروب المصالح والمنافع وذلك ما يسمى (المحادثة) أو "لغة التخاطب". وإما خطاب من فصيح نابه الشأن يلقيه على جماعة في أمر ذي بال. وهذا ما يسمى "الخطابة". وإما كلام نفسي مدلول عليه بحروف ونقوش لإرادة عدم التلفظ به. أو لحفظه للخلف. أو لبعد الشقة بين المتخاطبين. وذلك ما يسمى (الكتابة) . إذن فأقسام النثر ثلاثة. محادثة. خطابة. وكتابة وكلها إما أن تكون كلاماً خالياً من التزام التقفيه في أواخر عباراته: وذلك ما يسمى "النثر المرسل" وإما أن تكون قطعاً ملتزماً في آخر كل فقرتين منها أو أكثر قافية واحدة. وهذا ما يسمى "السجع" وهو نوع من الحلية اللفظية إذا جاء عفواً ولم يتعمد التزامه. ولحسن وقعه في الأسماع. وحوكه وتأثيره في الطباع كان اكثر ما يستعمل في الخطابة. والأمثال. والحكم. والمفاخرات. والمنافرات.

المحادثة أو لغة التخاطب
لغة التخاطب عند عرب الجاهلية بعد أن توحدت لغاتها هي اللغة المعربة المستعملة في شعرها وخطبها وكتابتها. ولا فرق بينها في البلاغة إلا بقدر ما تستدعيه حال الخطابة والشعر والكتابة: من نبالة الموضوع والتأنق في العبارة.
(2/16)

وأكثر ما وصل إلينا منها كان شريف المعنى. فصيح اللفظ.

الخطابة
لما كان جل العرب في جاهليتها قبائل متبدية. لايربطها قانون عام. ولا تضبطها حكومة منظمة. ومن شأن المعيشة البدوية شن الغارات لأوهى الأسباب. والمدافعة بالنفس عن الروح والعرض والمال. والمباهاة بقوة العصبية وكرم النجار وشرف الخصال. وللقول في ذلك أثر لا يقل عن الصول: كانت الخطابة لهم ضرورية. وفيهم فطرية. وإنما لم تصل إلينا أخبار خطبائهم الأوائل. وشيء من خطبهم كما كان ذلك في الشعر. لحفلهم قديماً بالشعر دون الخطابة. ولصعوبة حفظ النثر.
وما عني الرواة بنقل أخبار الخطباء إلا عندما حلت الخطابة بعد منزلة أسمى من الشعر. لابتذاله بتعاطي السفهاء والعامة له. وتلوثهم بالتكسب به والتعرض للحرم. فنبه بذلك شأن الخطابة. واشتهر بها الأشراف وكان لكل قبيلة خطيب كما كان لكل قبيلة شاعر.
وأكثر ما كانت الخطابة في التحريض على القتال. والتحكيم في الخصومات وإصلاح ذات البين. وفي المفاخرات. والمنافرات. والوصايا وغير ذلك.
وكان من عادة الخطيب في غير خطب الإملاك والتزويج أن يخطب قائماً أو على نشر ومرتفع من الأرض أو على ظهر راحلته. لإبعاد مدى الصوت، والتأثير بشخصه وإظهار ملامح وجهه وحركات جوارحه ولا غنى له عن لوث وعصب العمامة والاعتماد على مخصرة أو عصا أو قناة أو قوس وربما أشار بإحداها أو بيده.
وخطباء العرب كثيرون (من أقدمهم) كعب بن لؤي (وكان ذا نفوذ عظيم من قومه حتى أكبروا موته) وذو الإصبع العدواني وهو حرثان بن محرث.
(2/17)

(ومن أشهلارهم) قيس بن خارجة بن سنان خطيب حرب داحس والغبراء. وخويلد بن عمرو الغطفاني خطيب يوم الفجار وقس بن ساعدة الإيادي خطيب عكاظ. وأكثم بن صيفي زعيم الخطباء الذين أوفدهم النعمان عهلى كسرى: وهم أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميميان والحارث بن عباد وقيس بن مسعود البكريان وخالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل العامريون، وعمرو بن الشريد السلمي، وعمرو
(2/18)

بن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المري) .

قس بن ساعدة الإيادي
هو خطيب العرب قاطبة، وللمضروب به المثل في البلاغة والحكمة كان يدين بالتوحيد، ويؤمن بالبعث، ويدعو العرب إلى نبذ العكوف على الأوثان ويرشدهم إلى عبادة الخالق: ويقال إنه أول من خطب على شرف وأول من قال في خطبه "أما بعد" وأول من اتكأ على سيف أو عصا في خطابته، وكان الناس يتحاكمون إليه وهو القائل "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر"، وسمعه النبي (قبل البعثة يخطب في عكاظ فأثنى عليه وعمر قس طويلاً ومات قبيل البعثة: ومن خطبه خطبته التي خطبها في سوق عكاظ وهي: أيها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات: وكل ما هو آت آت، ليل داج ونهار ساج وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر وجبال مرساه، وأرض مدحاه وأنهار مجراه، إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون أرضوا فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟ يقسم قس بالله قسماً لا إثم فيه إن لله ديناً هو أرضى لكم وأفضل من دينكم الذي انتم عليه، إنكم لتأتون من الأمر منكراً: ويروى أن قسماً أنشأ بعد ذلك يقول:
في الذَّاهبين الأوّل? ... ?ين من القرون لنا بصائر
لمّا رأيت مورداً=للموت ليس لها مصادر
ورأيت قوميَ نحوها ... تمضي الأكابرَ والأصاغر
(2/19)

لايرجع الماضي إليّ ... م ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا مح? ... ?الة حيث صار القومُ صائر

أكثم بن صيفي
هو أعرف الخطباء بالأنساب وأكثرهم ضرب أمثال وإصابة رأي وقوة حجة وقل من جاره من خطباء عصره وهو زعيم الخطباء الذين أوفدهم النعمان على كسرى ولقد بلغ من إعجابه به أن قال له: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى: وقد عمر طويلاً حتى أدرك مبعث النبي (وجمع قومه وحثهم على الإيمان به، وفي إسلامه روايات، وكان في خطبه قليل المجاز حسن الإيجاز حلو الألفاظ دقيق المعاني مولعاً بالأمثال "راجع خطبته في فن المناظرات".

الكتابة
يراد بالكتابة عند الأدباء صناعة إنشاء الكتب والرسائل وإذ كانت الكتابة بهذا المعنى تؤدى بالنقوش المسماة بالخط فأول خلقة من سلسلة الخط العربي هي الخط المصري القديم ومنه اشتق الخط الفينيقي ومن هذا اشتق الآرامي والمسند بأنواعه: الصفوي والثمودي والليحاني شمالي جزيرة العرب والحميري جنوبيها ورواة العرب يقولون إنهم أخذوا خطهم الحجازي عن أهل الحيرة والأنبار.
أما الكتابة: بمعنى إنشاء الكتب والرسائل فهي لازمة لكل أمة متحضرة ذات حكومة منظمة ودواوين متعددة: وقد كان بعض ذلك موفوراً في ممالك التبابعة جنوباً ومأثوراً عن ممالك المناذرة والغساسنة شمالاً، ولذلك استعمل الخط المسند الحميري عند الأولين من عهد مديدي والأنباري الحيري عند الآخرين وإنما لم يصل إلينا شيء من رسائل تلك الأمم ولا من كتب فنونها ودينها غير قليل عثر عليه لتقادم عهد أهلها وعدم استكمال البحث بعد في بلادها.
(2/20)

ولم يعرفنا التاريخ أيضاً بأحد من كتاب هذه الصناعة إلا "بعدي بن ويد العبادي" الذي كان كاتباً ومترجماً عند كسرى.
أما البدو: من سكان أواسط الجزيرة وهم جمهور مضر وبعض القحطانيين فكانوا أميين ومن المعقول أنهم لم يعرفوا الكتابة الإنشائية إلا بعد عرفوا الخط آخر عصور الجاهلية وهو مانقل عنهم فيه: أنهم كانوا يكتبون في بدء رسائلهم باسمك اللهم ومن فلان إلى فلان وأما بعد: ولم تقم لهم دولة بالمعنى السابق إلا بقيام الإسلام فهو الذي أفشى فيهم الخط والكتابة.
ولما كانت علوم كل أمة لها الأثر العظيم في تكوين فكر الأديب وخيال الشاعر وكانت كتابتها قسماً قائماً بنفسه يسمى كتابة التدوين ناسب شرح ذلك.

علوم العرب وفنونها
العلوم والصناعات لازمة لحضارة الأمم ومن العرب أهل حضارة دلت عليها دولهم العظيمة وقدم تاريخهم وآثارهم الخالدة وهم التبابعة فيلا اليمن والمناذرة والغساسنة في الشمال وإذاً تكون هندسة إرواء الأرض وعمارة المدن والحساب والطب والبيطرة والزراعة ونحوها معروفة في الجنوب والشمال مدونة في الكتب وإن لم يحفظ لنا الدهر صوراً منها: أما البدو منهم وإن كانوا أميين يمقتون الصناعات فلا غنى لهم عن تجربة ترشدهم إلى ما ينفعهم ليعرفوا متى تجود السماء وبم يتميز الأقرباء من البعداء فكسبهم ذلك علم النجوم والطب الضروري والأنساب والأخبار ووصف الأرض والفراسة والعيافة والقيافة والكهانة والعرافة والزجر وقرض الشعر.
علم النجوم: هو معرفة أحوال الكواكب وقد كانوا أبرع
(2/21)

في هذا العلم منهم في كل علم سواه، تعرفه عامتهم قبل خاصتهم للاهتداء به من ظلمات البر والبحر، ومعرفة أزمنة الخصب والمحل، وبعض معارفهم فيه مستمد من الكلدان لاختلاطهم بهم ولاتفاق اللغتين في كثير من أسماء الكواكب والبروج ومن أشهرهم فيه (بنو حارثة بن كلب وبنو مرة بن همام الشيباني) .
الطب الإنساني والحيواني (البيطرة) وقد عاناه من الغرب كثيرون ومن مشوريهم (الحارث بن كلدة الثقفي وابن حذيم التيمي) .
الأنساب: علم تتعرف به القرابات التي بين بعض القبائل وبعض فتلحق فروعها بأصولها وإنما دعاهم إلى العناية به حاجتهم إلى التناصر بالعصبية لكثرة حروبهم وتفرق قبائلهم وأنفتهم من أن يكون لغريب عنهم سلطان عليهم وحبهم الافتخار بأسلافهم وممن اشتهر بمعرفة أنساب العرب (دغفل بن حنظلة الشيباني وزيد بن الكيس النمري وابن لسان الحمرة) ولهذا كانوا يحفظون.
الأخبار والتاريخ والقصص: هي معرفة أحوال السابقين وكانوا يعرفون منها ما كان عليه أسلافهم وبعض مجاوريهم من الأحوال المأثورة ووقائع أيامهم المشهورة كقصة الفيل وحرب البسوس وحرب الفجار.
وصف الأرض: هو معرفة كل بقعة وما يجاورها وكيف يهتدي إليها.
ومن قرأ شعر العرب في نسيبهم واطلع على وصفهم وكيف كانوا يحددون الحقير منها بحدود قلما تحد به مملكة عظيمة عرف شدة حذقهم بمعرفة بلادهم.
الفراسة: هي الاستدلال بهيئة الإنسان وشكله ولونه وقوله على أخلاقه وفضائله ورزائله وقد نبغ فيها من العرب من لايحصى عددهم ولهم في ذلك نوادر شتى.
القيافة: ضرب من الفراسة وهي الاهتداء بآثار الأقدام على أربابها أو الاستدلال بهيئة الإنسان وأعضائه على نسبه فقد كانوا يميزون بين أثر الرجل
(2/22)

والمرأة والشيخ والشاب الأعمى والبصير والأحمق والكيس وإذا نظروا عدة أشخاص ألحقوا الابن بأبيه والأخ والقريب بقريبه وعرفوا الأجنبي من بينهم وممن اشتهر بالقيامفة (بنو مدلج وبنو لهب) .
الكهانة والعرافة: وهما القضاء بالغيب وربما خصت الكهانة بالأمور المستقبلة والعرافة بالماضية وطريقهم في ذلك الاستدلال ببعض الحوادث الخالية على الحوادث الآتية لما بينهما من المشابهة الخفية: وللعرب في الكهان اعتقاد عريض لزعمهم أنهم يعلمون الغيب فيرفعون إليهم أمورهم للاستشارة ويستفسرهم عن الرؤى ويستطبونهم في أمراضهم وممن اشتهر من الكهان (شق أتمار وسطيح الذئبي) ومن الكواهن (طريفة الخير ولسمى الهمذانية) ومن العرافين (عراف نجد: الأبلق الأسدي، وعراف اليمامة رباح بن عجلة) .
الزجر: وهو الاستدلال بأصوات الحيوان وحركاته وسائر أحواله على الحوادث بقوة الخيال والاسترسال فيه ومن أشهر الزجارين: بنو لهبر وأبو ذؤيب الهذلي ومرة الأسدي.
ومن العرب من لم يعبأ بالزجر وما شاكله كلبيد بن ربيعة القائل:
لعمرك ما تدري الطوراقُ بالحصى ... ولا زاجراتُ الطير ما الله صانعُ
وكضابئ بن الحارث القائل:
وما عاجلاتُ الطير تدني من الفتى ... نجاحاً ولا عن ريثهنَّ يخيبُ
ورُبَّ أمورٍ لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهنَّ وجيبُ
ولا خير فيمن لايوطّن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوبُ

النظم والشعر والشعراء
النظم عرفه العروضيون بأنه الكلام الموزون المقفى قصداً ويرادفه الشعر
(2/23)

عندهم: أما المحققون من الأدباء فيخصون الشعر بأنه الكلام الفصيح الموزون المقفى المعبر غالباً عن صور الخيال البديع. وإذا كان الخيال أغلب مادته أطلق بعض العرب تجوزاً لفظ الشعر على كل كلام تضمن خيالاً ولو لم يكن موزوناً مقفى، ولجريه وفق النظام الممثل في صورة الوزن والتقفية كان تأثيره في النفس من قبيل إثارة الوجدان والشعور لبسطاً وقبضاً وترغيباً وترهيباً لا من قبيل إقناع الفكر بالحجة الدامغة والبرهان العقلي، ولذلك يجمل أثره في إثارة العواطف وتصوير أحوال النفس لا في الحقائق النظرية، ولا ريب أن النفس ترتاع بصور المحسوس الباهر وما انتزع منه من الخيال الجلي لخفة مؤونته عليها وإراحته لها من المعاناة والكد، فكيف إذا انضم إلى ذلك نغم الوزن والقافية الشديد الشبه بتأثير الإيقاع والتلحين الذي يطرب له الحيوان فضلاً عن الإنسان، والعرب بفطرتهم مطبوعين على الشعر لبداوتهم. وملأمة بيئتهم لتربية الخيال، فالبدوي لحريته واستقلاله بأمر نفسه يغلب على أحكامه الوجدان، ويسلك إليه من طريق الشعور، ومعيشة البدوي فوق أرض نقية التربة وتحت سماء صافية الأديم، ساطعة الكواكب، ضاحية الشمس، جلت لحسه مناظر الوجود، وعوالم الشهود فكان لخياله من ذلك مادة لايغور ماؤها، ولا ينضب معينها، فهام بها في كل واد وأفاض منها إلى كل مراد، وكان له من لغته وفصاحة لسانه أقوى ساعد، وأكبر معاضد. ويشعر الإنسان بطبعه أن الشعر متأخر في الوجود عن النثر وإن كانت واسطة بين النثر والشعر، فليست إلا السجع لما فيه من معادلة الفقر، والتزام القافية والميل إى التغني به فكان من ذلك المقطعات والأراجيز الصغيرة، يحدون بها الإبل، ويعدون بها المكارم ثم لما تمت ملكة الشعر فيهم، واتسعت أغراضه أمامهم، نوعوا الأوزان وأطالوا القوافي، وقصدوا القصيد.
وقد خفي علينا "كأكثر الأمم" مبدأ قول الشعر، وأول من قاله.
(2/24)

أما ما نسب من الشعر إلى آدم وإبليس والملائكة والجن والعرب البائدة فهو حديث خرافة.
والشعر الذي صحت روايته منذ أواسط القرن الثاني قبل الهجرة تنتهي أقدم مطولاته إلى مهلهل بن ربيعة وأقدم مقطعاته إلى نفر لعلهم لم يبعدوا عنه طويلاً مثل العنبر بن عمرو بن تميم ودريد بن زيد بن نهد، وأعصر بن سعد بن قيس عيلان وزهير بن جناب الكلبي والأفوه الأودي وأبو داود الإيادي وقد رووا أنه لم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته وأن أول من قصد القصائد وذكر الوقائع المهلهل بن ربيعة التغلبي في قتل أخيه كليب فهو أول من رويت له كلمة تبلغ ثلاثين بيتاً وتبعه الشعراء مثل امرئ القيس وعلقمة وعبيد ممن أخرجوا لنا الشعر العربي في صورته الحاضرة.
هذا مجمل ما يتعلق بحقيقة الشعر ونشأته في الجاهلية أما ما يتعلق بمادته وجوهره فإنه يرجع إلى أغراضه وفنون ومعانيه وأخيلته وألفاظه وأساليبه وأوزانه وقوافيه.

(1) أغراضه وفنونه
نظم العرب الشعر في كل ما أدركته حواسهم وخطر على فقلوبهم من فنونه وأغراضه الكثيرة كالنسيب ويسمى التشبيب والتغزل ى وطريقته عند الجاهلية يكون بذكر النساء ومحاسنهن وشرح أحوالهن وكان له عندهم المقام الأول من بين أغراض الشعر حتى لو انضم إليه غرض آخر قدم النسيب عليه وافتتح به القصيد: لما فيه من لهم النفس وارتياح الخاطر ولأن باعثه الفذ هو الحب وهو السر في كل اجتماع إنساني والبدو أكثر الناس حباً لفراغهم.
والفخر: هو تمدح المرء بخصال نفسه وقومه والتحدث بحسن بلائهم ومكارمهم وكرم عنصرهم ووفرة قبيلهم ورفعة حسبهم وشهرة شجاعتهم.
(2/25)

والمدح: وهو الثناء على ذي شان بما يستحسن من الأخلاق النفسية كرجاجة العقل والعفة والعجل والشجاعة وإن هذه الصفات عريقة فيه وفي قومه وبتعداد محاسنه الخلقية. وشاع المدح عندما ابتذل الشعر واتخذه الشعراء مهنة ومن أوائل مداحيبهم زهير والنابغة والأعشى.
والرثاء: وهو تعداد مناقب الميت وإظهار التفجع والتلهف عليه واستعظام المصيبة فيه.
والهجاء: هو تعداد مثالب المرء وقبيله ونفي المكارم والمحاسن عنه.

والاعتذار: هو درء الشاعر التهمة عنه والترفق في الاحتجاج على براءته منها واستمالة قلب المعتذر إليه واستعطافه عليه: والنابغة في الجاهلية فارس هذه الحلبة.
والوصف: هو شرح حال الشيء وهيئته على ما هو عليه في الواقع لإحضاره في ذهن السامع كأنه يراه أو يشعر به.
والحكمة والمثل: فالحكمة قول رائع يتضمن حكماً صحيحاً مسلماً. والمثل مرآة تريك أحوال الأمم وقد مضت وتقفك على أخلاقها وقد انقضت فالأمثال ميزان يوزن به رقي الأمم وانحطاطها وسعادتها وشقاؤها وأجبها ولغتها. وأكثر ما تكون أمثال العرب وحكمها موجزة متضمنة حكماً مقبولاً أو تجربة صحيحة تمليها عليها طباعها بلا تكلف راجع فن الأمثال السابق.

(2) معانيه وأخيلته
قصد الشاعر من شعره الإبانة عما يخالج نفسه من المعاني في أي غرض من الأغراض السابقة ونحوها. ومن هذه المعاني ما هو عادي في البدوي والحضري
(2/26)

والعربي والعجمي كالأخبار الصادقة وأوصاف المشاهدات وشرح الوجدانات كما يمليها الخاطر بلا مبالغة ولا إغراق. ومنها ما هو غريب نادر انتزعه الخيال من المرئيات البديعة والأشكال المنتظمة وذلك ما يسمى بالمعنى المخترع الذي تتفاضل الشعراء بالإجادة فيه والإكثار منه وإذا قسنا الشعر الجاهلي بهذا المعيار وجدنا معانيه وأخيلته تمتاز بالأمور التالية: (1) جلاء المعاني وظهورها ومطابقتها للحقيقة والواقع.
(2) قلة البالغة والغلو فيها بما يخرجها عن حد العقل ومألوف الطبع.
(3) قلة المعاني الغريبة المنزع الدقيقة المأخذ المتجلية في صور الخيال البديع والتشبيه الطريف والاستعارة الجميلة والكناية الدقيقة وحسن التعليل وغير ذلك.
(4) قلة تأنقهم في ترتيب المعاني والأفكار على النظام الذي يقتضيه الذوق فيدخلون معنى في معنى وينتقلون من غرض إلى آخر اقتضاباً بدون تخيل ولا تلطف.

(3) ألفاظه وأساليبه
ولما كانت العرب أمما بدوية تنظم الشعر بطبعها من غير معاناة صناعة ولا دراسة علم. غلب على شعرها صراحة القول وقلة المواربة فيه والبعد عن التكلف وصحة النظم والوفاء بحق المعنى أضف إلى ذلك الأمور الآتية: (1) جودة استعمال الألفاظ في معانيها الموضوعة لها: لإحاطة علمهم بلغتهم ومعرفتهم بوجوه دلالتها.
(2) غلبة استعمال الألفاظ الجزلة واستعمال الألفاظ الغريبة التي هجرت عند المحدثين.
(3) القصد في استعمال ألفاظ المجاز ومقت استعمال العجمي إلا ما وقع نادراً.
(4) عدم تعمد المحسنات البديعية اللفظية، ومتانة الأسلوب بحسن إيراد المعنى إلى النفس من أقرب الطرق إليها وأطرافها لديها وإيثار المجاز أو قلة الإسهاب إلا إذا دعت الحال.
(2/27)

(4) أوزانه وقوافيه
العرب لم تعرف موازين الشعر بتعلم قوانين صناعية وتعرف أصول وضعية وإنما كانت تنظم بطبعها على حسب ما يهيئه لها إنشادها وقد هدتهم هذه الفطرة إلى أوزان أرجعها الخليل إلى خمسة عشر وزناً سماها بحوراً وزاد عليها الأخفش بحراً وقد اكثروا النظم من بعضها دون بعض.
(راجع كتابنا "ميزان الذهب في بحور شعر العرب") وشعر العرب رجزه وقصيده يبني على قافية واحدة كيفما طال القول.

الشعراء
شعراء الجاهلية اكثر من أن يحاط بهم. ومن جهل منهم اكثر ممن عرف. وإنما اشتهر بعضهم دون بعض: لنبوغه، أو كثرة المروي من شعره أو قرب عهده من الإسلام زمن الرواية.
وكان للشعراء عند العرب منزلة رفيعة، وحكم نافذ وسلطان غالب، إذ كانوا ألسنتهم الناطقة بمكارمهم ومفاخرهم، وأسلحتهم التي يذودون بها عن حياض شرفهم (وكانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة وأتت النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن حياظهم وتخليد لمفاخرهم، وإشادة بذكرهم، وكانوا لايهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ. أو فرس تنتج) .
وكانت طريقة نظم الشعر ارتجاله فتأتيهم ألفاظه عفوا، ومعانيه رهواً كما وقع للحارث بن حلزة وعمرو بن كلثوم. أما من اتخذه منهم صناعة يستدرها ويلتمس به الجوائز، وينشده في المحافل والمواقف العظام فإنه يتعهده بالتهذيب والتنقيح ليجعله رقيق الحاشية حسن الديباجة يصح أن يقال فيه أنه المثل الأعلى للشعر الجاهلي، كما ترى ذلك واضحاً في حوليات زهير واعتذاريات النابغة.
(2/28)

وقد غبر الناس دهراً طويلاً لايقولون الشعر إلا في الأغراض الشريفة لا يمدحون عظيماً طعماً في نواله، ولايهجون شريفاً تشفياً منه وانتقاماً حتى نشأت فهم فئة امتهنت الشعر وتكسبت به، ومدحت الملوك والأمراء كالنابغة الذبياني وحسان مع النعمان بن المنذر وملوك غسان، وزهير بن أبى سلمى مع هرم بن سنان وأمية بن أبي الصلت مع عبد الله بن جدعان: أحد أجواد قريش والأعشى مع الملوك والسوقة، حتى قصد به الأعاجم، وجعله متجراً به فتحامى الشعر الأشراف، وآثروا عليه الخطابة.

طبقات الشعراء
طبقات الشعراء باعتبار عصورهم أربع: 1 طبقة الجاهلين.
2 طبقة المخضرمين (وهم الذين اشتهروا بقول الشعر في الجاهلية والإسلام) .
3 طبقة الإسلاميين، وهم الذين نشؤوا في الإسلام ولم تفسد سليقتهم العربية، وهم شعراء بني أمية.
4 طبقة المولدين، أو المحدثين، وهم الذين نشؤوا زمن فساد العربية وامتزاج العرب بالعجم، وذلك من عصر الدولة العباسية إلى يومنا هذا.
والشعراء الجاهليون يقسمون باعتبار شهرتهم في الشعر للإجادة أو للكثرة إلى طبقات كثيرة نذكر منها ثلاثا: 1 الطبقة الأولى: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة.
2 الطبقة الثانية: الأعشى، ولبيد، وطرفة.
3 الطبقة الثالثة: عنترة، وعروة بن الورد والنمر بن تولب، ودريد بن الصمة، والمرقش، الأكبر.
ومن الأدباء من يقدم بعض هؤلاء على بعض ويزيدون غيرهم عليهم.

(1) امرؤ القيس
هو الملك أبو الحارث حندج بن حجر الكندي شاعر اليمانية.
وآباؤه من أشراف كندة وملوكها، وكانت بنو أسد من المضرية خاضعة لملوك كندة وآخر ملك عليهم هو حجر أبو امرئ القيس وأمه اخت مهلهل وكليب.
(2/29)

نشأ امرؤ القيس بأرض نجد بين رعية أبيه من بني أسد، وسلك مسلك المترفين من أولاد الملوك يلهو ويلعب ويعاقر الخمر ويغازل الحسان فمقته أبوه ولما لم ينجح فيه القول طرده عنه وأقصاه، حتى جاء نبأ ثوران بني أسد على أبيه وقتلهم له. لأنه كان يعسف في حكمه لهم، فقال (ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليو مخمر، وغداً أمر) وأخذ يجمع العدة ويستنجد القبائل في إدراك ثأره فنازل بني أسد وقتل فيهم كثيراً ثم اشتدت به علة لأنه كان يعسف في حكمه لهم، فقال (ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليو مخمر، وغداً أمر) وأخذ يجمع العدة ويستنجد القبائل في إدراك ثأره فنازل بني أسد وقتل فيهم كثيراً ثم اشتدت به علة قروح فمات منها ودفن بأنقرة وكان ذلك قبل الهجرة بقريب من قرن.
شعره: يعتبر امرؤ القيس راس فحول شعراء الجاهلية والمقدم في الطبقة الأولى فهو أول من أجاد القول في استيقاف الصحب، وبكاء الديار، وتشبيه النساء بالظباء والمها والبيض، وفي وصف الخيل بقيد الأوابد وترقيق النسيب، وتقريب مآخذ الكلام، وتجويد الاستعارة، وتنويع التشبيه.
وقد يفحش في تشبيه بالنساء وتحدثه عنهن، ويشم من شعره رائحة النبل وتلمح فيه شارات السيادة والملك: من ذلك قوله:
فظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل
وقوله:
وظل طهارة اللحم مابين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
ولو أن ماأسعى لأدتنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
ولكنما اسعاى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وشعره وإن اشتمل بشملة البداوة في جفاء العبارة، وخشونة الألفاظ وتجهم المعاني، تراه أحياناً يخطر في حلل من حسن الديباجة، وبديع المعنى، ودقة النسيب ومقاربة الوصف وسهولة المأخذ: مما كان منه لخلفه أجمل مثال في محاكاته.
(2/30)

فمن النوع الأول قوله في معلقته:
وفرع يغش المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل
غدائرة مستشزرات إلى العلا ... تضل المدارى في مثنى ومرسل
وكشح لطيف كالجديل مخصر ... وساق كأنبوب السقي المذلل
(2/34)

وتعطو برخص غير شئن كأنه ... أساريع ظبي أو مسويك إسحل
(2/35)

ومن الثاني قوله:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
كأن قلوب ااتلطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل
ولا مرئ القيس المطولات والمقطعات، وأشهر مطولاته معلقته المضروب بها المثل في الاشتها، وأولها:
قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
ومنها يصف الليل:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم وليبتلى
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي ... بصبح وما الإص2باح منك بأمثل
فيالك من ليل كأون نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل
ومنها يصف فرسه:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل

(2) النابغة الزبياني
هو النابغة الذبياني أبو أمامة زياد بن معاوية: أحد فحول شعراء الجاهلية، وزعيمهم بعكاظ وأحسنهم ديباجة لفظ، وجلاء معنى، ولطف اعتذار ولقب بالنابغة لنبوغه في الشعر فجأة وهو كبير، بعد أن امتنع عليه وهو صغير وهو من أشراف ذبيان إلا أن تكسبه بالشعر غض من شرفه، على أنه لم يتكسب بشعره إلا في مدح ملوك العرب، وكان من أمره في ذلك أنه ااتصل بملوك الحيرة ومدحهم وطالت صحبته للنعمان بن المنذر، فأدناه منه إلى وشى به عند النعمان أحد بطانته فغضب عليه وهو بقتله. فأسر إليه بذلك حاجبه عصام، فهرب النابيغة إلى ملوك غسان المنافين للمناذرة في ملك العرب، فمدح عمرو بن الحارث الأصغر وأخاه النعمان، غير أن قديم صحبته للنعمان جعله يحن إلى معاودة العيش في ظلاله، فتنصل مما رمي به. واعتذر إليه بقصائد عطفت عليه قلبه، وزعمر النابغة طويلاً ومات قبيل البعثة.
(2/39)

شعره يمتاز برشاقة اللفظ ووضوح المعنى، وحسن النظم، وقلة التكلف، حتى عد عند المرفقين من الشعراء جرير أنه أشعر شعراء الجاهلية، وأغراه تكسبه بالشعر أن يفتن في ضروب المدح ومن أبلغ شعره معلقته التي أولها:
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ... ماذا تحيون من نؤى وأحجار
أقوى وأقفر من نعم وغيره ... هوج الرياح بها بي الترب موار
وقفت فيها سراة اليوم أسألها ... عن آل نعم أموناً معبر أسفار
فاستعجمت دار نعم ماتكلمنا ... والفدار لو كلمتنا ذات أخبار
ومن جيد قوله في الاعتذار
آثاني (أبيت اللعن) أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب
فبت كأن العائدات فرشتني ... هراساً به يعلى فراشي وقشب
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب
لئن كنت قد بلغت عني جناية ... لمبلغك االواشي أغش وأكذب
ولكنني كنت امرأ لي جرانب ... من الأرض فيه مستراد ومهرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكرهم ذلك أذنبوا
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب
ألم تر أن الله أعطاك سروة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
وإنك شمسٌ والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
(2/40)

فإن أك مظلوما فبعد ظلمته ... وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب
(2/41)

(3) زهير بن أبي سلمى
هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني، ثالث فحول الطبقة الأولى من الجاهلية، وأعفهم قولاً، وأوجزهم لفظاً، وأغزرهم حكمة، وأكثرهم تهذيباً لشعره نشأ في غطفان وإن كان نسبة في مزينة، كمن بيت جل أهله شعراء: رجالاً ونساءً ت واختص زهير بمدح هرم بن سنان الذبياني المري وأول ما أعجبه من أمره وجب إليه مدحه حسن سعيه هو والحارث بن عوف في الصلح بين عبس وذبيان في حرب داحس والغبراء بتحملهما دامت القتلى التي بلغت ثلاثة آلاف بعير، وقال في ذلك قصيدته إحدى المعلقات السبع التي أولها:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتلثم
ثم تابع مدحه كما تابع هرم عطاءه حتى حلف ألا يمدحه زهير إلاى أعطاه ولا يسأله إلا أعطاه ولا يسلم عليه إلا أعطاه عبداً أو وليدة أو فرساً، فاستحيا زهير منه، فكان إذا رآه في ملأ قال: أنعموا صباحاً غير هرم وخيركم استثنيت وكان زهير سيداً كثير المال حليماً معروفاً بالورع متدنياً مؤمناً بالبعث والحساب كما يظهر من قوله:
فلا تكتمن الله مافي نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم
وعمر زهير ومات قبل البعثة بسنة ومن حكمه في معلقته:
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن عام مافي غد عم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... نمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم
ومن يوف لا يذمم ومن يهد قلبه ... إلى مطمئن البر لا يتجمجم
ومن هاب أسباب المناياينلنه ... وأن يرق أسباب السماء بسلم
ومن يجعل المعروف في غير أهله ... يكن حمده ذما عليه ويندم
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
شعره: اتفق أكثر الشعراء على أن زهيراً يفضل صاحبيه امرأ القيس والنابغة.
وكان زهير صاحب روية وتعمل تهذيب لما يقول ولا سيما مطولاته، حتى قيل إنه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر، ويهذبها في أربعة أشهر، ويعرضها على خواصه في أربعة أشهر فلا يظهرها إلا بعد حول، ولذلك يسمون بعض مطولاته الحوليات، ومكا سبق فيه غيره قوله يمدح هرماً: قد جعل المبتغون الخير في هرم=والسائلون إلى أبوابه طرقاً
من يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة منه والندى خلقاً
لو نال حي من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا
(2/46)

(4) عنترة العبسي
هو عنتر: بن عمرو بن شداد العبسي أحد فرسان العرب وأغربتها وأجوادها وشعرائها المشهورين بالفخر والحماسة وكانت أمه أمة حبشية تسمى زبيبة، وأبوه من سادات بني عبس.
وكان من عادات العرب ألا تلحق ابن الأمة بنسبها، بل تجعله في عداد العبيد ولذلك كاطن عنترة عند أ [يه منوذاً بين عبدانه، يرعى له إبله وخيله فربأ بنفسه عن خصال العبيد، ومارس الفروسية ومهر فيها، فشب فارساً شجاعاً هماماً وكان يكره من أبيه استعباده له عدم إلحاقه به، حتى أغار بعض العرب على عبس واسةتاقوا إبلهم، ولحقتهم بنو عبس وفيهم عنترة لاستنقاذ الإبل، فقال له أبوه: كر ياعنترة فقال: العبد لا يحسن الكر إنما يحسن الحلاب والصر، فقال كر وأنت حر، فقاتل قتالاً شديدياً حتى هزم القوم واستنقذ الإبل، فاستحلقه أبوه. ومن ذلك الوقت ظهر اسمه بين فرسان العرب وساداتها وطال عمر عنترة حتى ضعف جسمه وعجز عن شن الغارات ومات قبيل البعثة.
شعره: لم يشتهر عنترة أول أمره بشعر غير البيتين والثلاثة، وإنما غلبت عليه الفروسية مكتفياً بها حتى عيره يوماً بعض قومه بسواده وأنه لا يقول الشعر فاحتج لسواده بخلقه وشجاعته، واحتج لفصاحته بنظم معلقته المشهورة التي كانت تسمى المذهبة أيضاً وأولها
هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
وقد ضمنها خصاله ومكارم قومه. وحسن دفاعه عنهم ووفرة جوده، معرجاً فيها على أوصاف أمور شتى.
(2/52)

ومن قوله في معلقته:
لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم
يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم
مازلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
(2/59)

والخيل تقتحم الخبار عوابساً ... من بين شيظمة وأجرد شيظم
أثني علي بما علمت فإنني ... سمح مخالطتي إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم
ومن جيد قوله:
بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... لابد أن أسقى بكأس المنهل
فاقني حياءك لا أبالك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
إني امرؤ ن خر عب منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظ ... ت ألفيتُ خيراً من معمّ مخولِ
والخيلُ تعلم والفوارس أنّني ... فرت جمعهم بضربة فيصل
والخيل ساهمة الوجوه كأنما ... تسقى فوارسها نقعَ الحنظلِ
ولقد أبيتُ على الطوى وأظله ... حتى أنالَ به كريمَ المأكل

(5) عمر بن كلثوم
هـ أبو الأسود عمرو بن كلثوم بن مالك التغلبي، وأمه ليلى بنت مهلهل أخي كليب، نشأ عمرو في قبيلة تغلب بالجزيرة الفراتية وساد قومه وهو ابن خمس عشرة ستة، وقاد الجيوش مظفراً وأكثر ما كانت فتن تغلب مع أختها بكر بن وائل بسبب حرب البسوس، وكان آخر صلح لهم على يد عمر ن هند أحد ملوك الحيرة من آل المنذر، ولم تمضِ مدة حتى حدث بين وجوه القبيلتين مشاحة في مجلس عمرو بن هند قام أثناءها شاعر بكر (الحارث بن حلزة اليشكري) وأنشد قصيدته المشهورة، وما فرغ منها حتى ظهر لعمرو بن كلثوم أن هوى الملك مع بكر، فانصرف ابن كلثوم وفي نفسه ما فيها ثم خطر على نفس ابن هند أن يكسر من أنفة تغلب بإذلال سيدها وهو عمرو بن كلثوم فدعاه وأمه ليلى بنت مهلهل وأغرى هند أم أن تستخدمها في قضاء أمر، فصاحت ليلى، فثار به الغضب وقتل ابن هند لفي مجلسه، ثم رحل توا إلى بلاده بالجزيرة وأنشد معلقته التي أولها:
ألا هبيّ بصحنكِ فأصبحينا ... ولا تبقى خمورَ الأندرينا
(2/60)

ومات قبل الإسلام بنحو نصف قرن.
شعر هـ: لم يشتهر إلا بمعلقة الواحدة التي قامت له مقام الشعر الوفير: لحسن لفظها، وانسجام عبارتها، وعلو فخرها ولعلّ شهرته بالخطابة لا تقل عن شهرته بالشعر: ومن سامي فخره في معلقته:
وقد علم القبائلُ من معدّ ... إذا قببب بأبطحها بنينا
بأنّا العاصمون إذا قدرنا ... وإنا المهلكون إذا ابتلينا
وأنّا المانعون لما أردنا ... وأن النازلون بحيث شينا
وأنّا التاركون إذا سخطنا ... وأنّا الآخذون إذا رضينا
ونشرب إن وردنا الماء صفواً ... ويشرب غيرنا كدراً وطينا
(2/66)

إذا ما الملك سام الناس خسفاً ... أبنيا أن نقر الذلّ فينا
لنا الدنيا ومن أمسى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا
بغاةُ ظالمين وما ظلمنا ... ولكنا سنبدأ ظالمينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وكذاك البحر نملاؤه سفينا
إذا بلغ الرضيع لنا فطاما ... تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا
(2/67)

(6) طرفة بن العبد
هـ8وعمرو بن العبد البكري أقصر فحول الجاهلية عمراً ومال إلى قول الشعر الوقوع هـ في أعراض الناس، حتى هجا عمرو بن هند ملك العرب على الحيرة مع أنه كان يتطلب معروفه وجوده، فبلغ عمرو بن هند هجاء طرفة فأصطغنها عليه، حتى إذا ما جاءه هو وخاله المتلمس بتعرضان لفضله أظهر لهما البشاشة وأمر لكل منهما بجائزة وكتب لهما كتابين أحالهما على عامله بالبحرين ليستوفيا منه وبينما هما في الطريق ارتاب المتلمس في صحيفته فعرج على غلام يقرؤها له (مضى طرفة) فإذا الصحيفة الأمر بقتله، فألقى الصحيفة وأراد أن يلحق طرفة فلم يدركه وفر إلى ملوك غسان وذهب طرفة إلى عام البحرين وقتل هناك وعمره نحو ست وعشرين سنة.
شعره: يجيد طرفة الوصف في شعره مقتصراً فيه على بيان الحقيقة بعيداً عن الغلو والإغراق وكذلك كان هجاؤه على شدة وقه ومطلع معلقته:
لخولة أطلالٌ ببرقةٍ ثمهدِ ... تلوح كباقي الوشم على ظاهر اليد
(2/68)

ومنها:
رأيتُ بني غبراءَ لا ينكرونني ... ولا أهلُ هاذاك الطراف الممدد
(2/73)

ألا أيها ذا اللائمي أخضر الوغى ... وأن أشهد اللّذات هل أنت مخلدي
فإن كنت لا تستطيع دفعَ منيّتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي
إلى أن قال:
أرى الموت يعتام الكرامَ ويصطفي ... عقيلةَ مال الفاحش المتشدد
أرى العيش كنزاً ناقضاً كل ليلة ... وما تنقصُ الأيام الدهرُ ينفدِ
لعمرك إن الموت "ما أخطأ الفتى" ... لكا لطول المرخى وثنياه باليد
(2/74)

متى ما يشأ يوماً يقده لحتفه ... ومن يك في حبل المنية ينقد
ومن أبياته السائرة:
وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضة ... على المرء من وقعِ الحسام المهنَّد
(2/75)

أرى الموتَ أعداد النُّفوس ولا أرى ... بعيداً غداً ما أقرب اليومَ من غد
ستبدي لك الأيامُ ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزودّ
(2/77)

(7) أعشى قيس
هو أبو نصير ميمون الأعشى بن قيس بن جندل القيسي نشأ في بدء أمره رواية لخاله المسيب بن علس وقد عمي وطال عمره، حتى كان الإسلام وعظم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بين العرب، فأعدّ له قصيدة يمدحه بها، وقصده بالحجاز، فلقيه كفار قريش وصدّوه عن وجهه على أ، يأخذ منهم مائة ناقة حمراء ويرجع إلى بلده: لتخوفهم أثر شعره ففعل، ولما قرب من اليمامة سقط عن ناقته فدقت عنقه ومات، ودفن ببلدته منفوحة باليمامة.
شعره: يعد الأعشى رابعاً لثلاثة الفحول: امرئ القيس، والنابغة وزهير وإن كان يمتاز عنهم بغزارة شعره، وكثر ما روي له من الول لجياد وتفننه في كل فن من أغراض الشعر واشتهر من بينهم بالمبالغة في وصف الخمر، حتى قيل: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب والأعشى إذا طرب، ولشعره طلاوة وروعة، وليست لكثير من شعره غيره من القدماء ولقوة طعمه وجلبة شعره وسمي صناجة العرب حتى ليخيل إليك إذا أنشدت شعره أن آخره ينشد معك.
ولجلالة شعره كان يرفع الوضيع خاملاً، ويخفض الشريف النابه، ومنم الذين رفعن شعر الأعشى المحلق، وقد كان أبا ثمان بنات عوانس: رغبت عن خطبتهن الرجال لفقرهن فاستضافه على فقره، فمدحه الأعشى ووه بذكره في عكاظ، فلم يمض عام حتى لم تبق جارية منهن إلا هي زوج لسيد كريم وكان الأعشى يتطرف في شعره وده بعضهم من أصحاب المعلقات، وذكر قصيدته التي يمدح بها الأسود الكندي ومطلعها:
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما ترد سؤالي
(2/78)

ومن جيد شعره قصيدته التي أعدها لينشدها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدحه فيها فلم يفز بذلك، وأولها:
ألم تغمض عيناك ليلةَ أرمدا ... وبتَّ كما بات السّليم مسهّدا
وما ذاك من عشق النسّاء وإنّما ... تناسيت قبل اليوم خلّة مهددا
ولكن أرى الدهر الذي هو خائن ... إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا
شبابٌ وشيبٌ وافتقار وثروة ... فلّله هذا الدهر كيف ترددا
وقصيدته في مدح المحلّق أولها:
أرقتُ وما هذا السُّهاد المؤرقُ ... وما بي من سقمٍ وما بي تعشقُ
ومنها:
لعمري لقد لاحت عيونٌ كثيرة ... إلى ضوء نار في اليفاع تحرّق
تشبُّ لمقرورين يصطليانهما ... وبات على النار الندي والمحلّق
رضيعي لبان ذدي أمّ تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرّق
ترى الجود يجري ظاهراً فوق وجهه ... كما زان متنَ الهندواني رونق
يداهُ يدا صدق فكفُّ مبيدةٌ ... وأخرى إذا ما ضنَّ بالمال تنفقُ
(2/79)

(8) الحارث بن حلّزة
وهو الحارث بن حلّزة اليشكري البكريّ يتصل نسه إلى بكر بن وائل ولم يؤثر عنه غي قطع يسيرة وقصيدته المعلقة التي مطلعها:
آذنتنا ببينها أسماء ... ربَّ ثاوٍ يملُّ منه الثواء
وكان أمر هذه المعلقة أن عمرو بن هند أحد ملوك الحيرة أصلح بين بكر وتغلب بعد حرب البسوس وخذ من كلا الفريقين رهائن من أبناهم ليكف بعضهم عن بعض، وليقيد منها للمعتدي عليه من المعتدي فحدث أن سرح الملك ركباً من تغلب في بعض حاجته، فزعمت تغلب أن الركب نزلوا على ماء لبكر فأجلوهم، وحملوهم على المفازة فماتوا عطشاً، وتزعم بكر أنهم سقوهم وأرشدوهم الطريق فتاهوا وهلكوا وذهب الفريقان تدافعان عند عمرو بن هند وكانت ضلعه مع تغلب فهاج ذلك الحارث بن حلزة وكان في المجلس مستوراً عن الملك بستارة لما فيه من البرص فارتجل قصيدته ارتجالاً يفتخر فيها بقومه وفعالهم وحسن بلائهم عند الملك وعظم أيامهم معه فما أتم قصيدته حتى انقلب الملك إلى جانب البكريين وقرب الحارث من مجلسه.
وعمر بن الحارث طويلاً حتى قيل: إنه أنشد هذه القصيدة وعمره خمس وثلاثون ومائة سنة.
(2/82)

شعره: أكثر الرواة معجبون بارتجال الحارث قصيدته على طولها وإحكامها ومن قوله فيها وهو أوجز وصف للتأهب للارتحال وأوضحه تصويراً للحقيقة.
(2/83)

أجمعوا أمرهم عشاءً فلمّا ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
من منادٍ ومن مجيب ومن تصه_هال خيل خلالَ ذاك رغاءُ
(2/84)

(9) لبيد بن ربيعة
هو أبو عقيل لبيد بن ربيعة العامري أحد أشراف الشعراء المجيدين وهو من بني عامر بن صعصعة إحدى بطون هوازن ومضر وأمه عبسية، نشأ لبيد جواداً شجاعاً فاتكاً، أما الجود فورثه عن أبيه الملقب بربيعة المعترين، وأمى الشجاعة والفتك فهما خصلتا قبليته إذا كان عمه ملاعب الأسنة أحد فرسان مضر في الجاهلية وكان من قبليته وبين بني عبس أخواله عداوة شديدة فاجتمع وفداهما عند النعمان بن المنذر وعلى العبسيين الربيع بن زياد وعلى العامريين وملاعب الأسنة وكان الربيع مقرباً عند النعمان يؤاكله وينادمه فأوغر صدره على العامريين فلما دخل وفدهم على النعمان أعرض عند فشق ذك عليهم، ولبيد يومئذٍ صغير يسرح إبلهم ويرعاها فسألهم عن خطبهم فاحتقروه لصغره فألح حتى أشركوه معهم فوعدهم أنه سينتقم لهم منه غداً عند النعمان أسوأ انتقام: بهجاء يجالسه بعده ولا يؤاكله فكان ذلك ومقت النعمان الربيع ولم يقبل له عذراً وأكره العامريين وقضى حوائجهم، فكان هذا أول ما اشتهر به لبيد، ثم قال بعد ذلك المقطعات والمطولات، وشهد النابغة له وهو غلام بأنه أشعر هوازن حين سمع معلقته التي أولها:
عفتِ الديارُ محلُّها فمقامها ... بمنّى تأبّد غولها فرجامها
ولما ظهر الإسلام وأقبلت وفود العرب على النبي صلى الله عليه وسلم جاء لبيد في وفد بني عامر وأسلم وعاد إلى بلاد وحسن إسلامه، وتنسك وحفظ القرآن كله وهجر شعر حتى لم يرو له في الإسلام غير بيت واحد هو:
ما عاتب الحرَّ الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليسُ الصالح
وبعد أن فتحت الأمصار ذهب إلى الكوفة زمن عمر بن الخطاب، واختارها
(2/86)

دار إقامة، وما زال بالكوفة حتى مات في أوائل خلافة معاوية سنة إحدى وأربعين من الهجرة، وقد قيل إنه عاش ثلاثين ومائة سنة.
شعره: نبغ فيه وهو غلام وجرى فيه على سنن الأشراف والفرسان.
ومن جيد شعره وقوه في معلقته مفتخراً بفعاله وقوله وقومه:
إنا إذا التقيت المجامع لم يزل ... منا لزازٌ عظيمة جشامها
ومقسم يعطي العشيرة حقها ... ومغذمرٌ لحقوقها هضامها
فضلاً وذو كرم يعين على الندى ... سمحٌ كسوبٌ رغائب غنّامها
من معشر سنّت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنّة وإمامها
لا يطبعون ولا يبور فعالهم ... إذ لا يميل مع الهوى أحلامها
فاقنع بما قسم المليكُ فإنما ... قسم الخلائق بيننا علاّمها
وإذا الأمانة قسّمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسّامها
فبنى لنا بيتاً رفيعاً سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها
فهم السعادة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها
وهم ربيع للمجاور فيهمُ ... والمرملات إذا تطاول عامها
وهم العشيرة إن يبطئ حاسد ... أو أن يميل مع العدو لئامها
وقال يرثي أخاه أربد:
بلينا وما تبلى النجوم الطوامع ... وتبقى الديار بعدنا والمصانع
وقد كنت في أكناف جار مضنه ... ففارقني جارٌ بأربد نافع
فلا جزعٌ إن فرق الدهر بينا ... فكل امرئ يوماً به الدهر فاجع
وما الناس إلاّ كالديار وأهلها ... بها يوم خلّوها وراحوا بلاقع
وما المرء إلاّ كالشهاب وضوئه ... يحور رماداً بعد إذ هو ساطع
وما المال والأهلون إلاّ ودائع ... ولابدّ يوماً أن تردّ الودائع
وما الناس إلا عاملان: فعامل ... يتبر ما يبني وآخر رافع
فمنهم سعيدُ آخذ بنصيبه=ومنهم شقيّ بالمعيشة قانع
(2/87)

ومنه قوله في النعمان يرثيه:
ألا تسألان ماذا يحاول ... أنحب فيقضي أم ضال وباطل
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... بلى كل ذي لب إلى الله واسلُ
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل
وكل امرئٍ يوماً سيعلم غيبة ... إذا كشفت عند الإله الحصائل
(2/95)

الرّواية _ الرّواة
قد علمنا مما تقدم أن عامة المروي من كلام العرب شعرها ونثرها وأخبارها معزو إلى أهل البدو الأميين، ولذلك لم يصل غلينا كتاب يجمع بين دفتيه الكثير منها، وما روي لنا من كلام فصحاء العرب ليس إلا النزر اليسير بوجوه مختلفة وبالطبع لا يحفظ هذه الوديعة إلاّ أهل الحفاظ عليها والاعتداد بها وهم الشعراء والمتأدبون، فقد كان امرؤ القيس رواية ربي دواد الإيادي، وزهير رواية أوس ن حجر والأعشى رواية المسيب بن علس.
واشتهر من قريش أربعة بأنهم رواة للأشعار وعلماؤهم بالأنساب وهم مخرمة بن نوفل، وأبو الجهم بن حذيفة، وحويطب بن عبد العزى وعقيل بن أبي طالب.

العصر الثاني عصر صدر الإسلام ويشمل بني أميّة
"حالة اللغة العربية وآدابها في ذلك العصر"

كانت العرب أمماً بدوية ليس لها وسائل العمران وأسباب الرخاء ما يحملها على تبحر في علم أو تبصر في دين، أو تفنن في تجارة، أو زراعة أو صنعة أو سياسة، وعلى وفق ذلك كانت اللغة العربية لا تعدوا أغراض المعيشة البدوية
(2/100)

إا أن روحاً من الله تنسم بين أرجائها فأيقظها من ردتها، ونبهها لضرورة التعاون على الخير في معاشها ولغتها وجماعتها، فظهر ذلك بيناً في الأسواق التجارية اللغوية الاجتماعية، وفي الإذعان فيها إلى حكومة الأشراف من قريش وتميم وغيرهما، ة مما هيأهم لأن يجتمعوا تحت لواء واحد ويتفاهموا بلسان واحد، فكان ذلك إيذاناً من الله بإظهار الإسلام فيهم، وما ألفت نفوسهم هذا النمط ويتفاهموا بلسان واحد، فكان ذلك إيذاناً من الله بإظهار الإسلام فيهم، وما ألفت نفوسهم هذا النمط الجديد إلا ود جاء النبي الكريم لاما لشعثهم موحداً لكلمتهم، مهذباً لطباعهم مبيناً طريق الحق، وجادة الصواب، بشريعة عظيمة.
فكان من نتيجة ذلك أن أسست لهم جمعة قومية ملية وملك كبير، وبالتفاف العرب حول صاحب هذه الدعوة وأنصاره، وتفهمهم شرعته وكلامه ثم خضوعهم بعد لزعامة قومه وخلفائه وولاتهم وفتوحهم تحت ألويتهم ممالك الأكاسرة والقياصرة وغيرها ومخالطتهم أهلها بالجوار والمصاهرة.
الأول: شيوع اللغة القرشية ثم توحد لغات العرب، وتمثلها جميعها في لغة قريش واندماج سائر اللهجات العربي فيها، وبعض أسباب هذا يرجع إلى ما قبل بتأثير الأسواق والحج وحكومة قريش وأكثرها يرجع إلى نزول القرآن بلغتهم، وظهور ذلك الداعي العظيم منهم، وانتشار دينه وسلطانه على أيديهم.
وبحكم الضرورة تكون لغتهم هي اللغة الرسمية بين القبائل.
الثاني: انتشار اللغة العربية في ممالك الفرس والروم وغيرهما بالفتوح والمغازي وهجرة قبائل البدو إليها، واستيطانهم، واختلاطهم بأهلها.
الثالث: اتساع أغراض اللغة منهجاً دينياً، واتباعها خطة نظامية تقتضيها حال الملك وسكنى الحضر.
الرابع: ارتقاء المعاني والتصورات وتغير الألفاظ والأساليب.
الخامس: ظهور اللحن في الكلام بين المستعربين: من الموالي وأبناء العرب من الفتيات وبعض العرب المكثرين من معاشرة الأعاجم.
(2/101)

ولما كان معظم هذه التغيرات يرجع إلى القرآن الكريم والحديث النبوي ناسب وصفهما بقليل من مثير مما ينبغي أن يقال فيهما.

القرآن الكريم وأثره في اللغة
القرآن (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: 1] ، فيه آيات بينات، ودلائل واضحات، وأخبار صادقة، ومواعظ رائقة، وشرائع راقية، وآدا عالية، بعبارات تأخذ الألباب.
وأساليب ليس لأحدج من البشر بالغاً مما بلغ
(2/102)

من الفصاحة والبلاغة أن يأتي بمثلها، أو يفكر في محاكاتها فهو آية الله الدائمة، وحجته الخالدة، (لاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 42] ، أنزل الله على رسوله ليبلغه قومنه وهم فحول البلاغة، وأمراء الكلام.
وأباه الضيم، وأربا الأنفة والحمية فيبهرهم بيانه، وأذهلهم افتتانه فاهتدى به من صح نظره واستحصف عقله، ولطف ذوقه، وصد عنه أهل العناد والمكارة واللجاج فتحداهم أن يأتوا بمثله فنكصوا ثم بعشر سور مثله فعجزوا، ثم بسورة من مثله فانقطعوا فحق عليهم إعجازه قال تعالى: (قُل لّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنّ عَلَىَ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هََذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) [الإسراء: 88] .
وللقرآن فضل على اللغة فقد أثر فيها ما لم يؤثره أي كتاب سماوياً كان أو غير سماوي في اللغة التي كان بها، إذا ضمن لها حياة طيبة وعمراً طويلاً، وصانها من كل ما يشوه خلقها ويذوي غضارتها فأصبحت وهي اللغة الحية الخالدة ومن بين اللغات القديمة التي انطمست آثارها، وصارت في عداد اللغات التاريخية الأثرية وأنه قد أحدث فيها علوماً جمة وفنوناً شتى لولاه لم تخطر على قلب، ولم يخطها قلم منها، والنحو، والصرف، والاشتقاق، والمعاني، والبديع، والبيان والأدب والرسم، والقراءات، والتفسير، والأصول، والتوحيد والفقه.

جمع القرآن وكتابته
قد نزل القرآن الكريم على رسول الله صل الله عليه وسلم منجماً تعلى حسب الوقائع ومقتضيات الأحوال في بضع وعشرين سنة، وكان عليه الصلاة والسلام يأمر كتابة وحيه بكتابة ما ينزل وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن كله مكتوب، وفي صدور الصحابة محفوظ، وفي مدة الإمام عثمان كثرت الفتوحات وانتشر القراء في الأمصار فأمر عثمان زيد بن ثابت وعد الله بن الزبير وسعيد بن العاص ونعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوا تلك الصحف في
(2/103)

مصحف واحد مرتب السور واقتصر فيه من جميع اللغات على لغة قريش لنزوله بلغتهم.
(2/104)

الحديث النبوي
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فصح الناس وأبينهم وأحكمهم، وكانت حياته كلها هداية ونوراً وأفعاله وأقواله جميعها مدداً يستمد منه الخلق سدادهم وإرشادهم في معاشهم ومعادهم ولهذا حرص المسلمون على حفظ ذلك الأثر العظيم حرصاً لم توفق مثله أمة في حفظ آثار رسولها فجمعوا من كلامه ووف أفعاله وأحواله الأسفار الضخام ووعوا منها في صدورهم ما لا يدخل تحت حصر وكلامه صلى الله عليه وسلم منزه عن اللغو والباطل وإنما كان في توضيح قرآن
(2/106)

أو تقرير حكم أو إرشاد إلى خيرا أو تنفير من شر أو في حكمة ينتفع الناس بها في دينهم ودنياهم عبارة هي في الفصاحة والبلاغة والإيجاز والبين بالدرجة الثانية بعد القرآن الكريم ولذلك كان تأثيرها في اللغة والأدب بالمنزلة التالية لكلام الله تعالى.

النثر لغة التخاطب الخطابة الكتابة
كانت لغة التخاطب في مبدأ الإسلام بين العرب الخلص والموالي النابتين فيهم هي العربية الفصيحة المعرة وكانت لغة الموالي الطارئين عليهم تقرب من الفصيحة أو تبتعد عنها على حسب طول لبثهم فيهم أو قصر مقامهم عندهم ولما فتح المسلمون الأمصار وكثر عندهم سبي الأعاجم وأسرى الحروب ودخل في الإسلام منهم ألوف الألوف وأصبحوا لهم إخواناً وشركاء في الدين وتم بينهم التزاوج والتناسل، نشأ للعرب ذرية اختلطت عليهم ملكة العربية وكذلك كان الشأن في المتعربين من الأعاجم أما العرب أنفسهم عد الفتوح فكانت لغتهم في جزيرتهم مثلما كانت عليه في جاهليتهم، أما سكان الأمصار منهم وأولادهم من الحرائر، فالعامة منهم المخالطون للأعاجم لم تخل لغتهم من لحن أو هجنة، والخاصة منهم تشددوا فالمحافظة على سلائقهم وتحاموا التزوج بالأعجميات وبالغوا في تربية أبنائهم فكانوا يرسلونهم إلى البادية ليرتاضوا على الفاصحة، أو يحضون لهم المؤدبين والمعلمين كذلك كان يفعل خلفاء بني أمية وأمراؤهم اقتداءً بكبيرهم معاوية بن أبي سفيان في تربية ابنه يزيد، ومن لحن منهم تعدوا ذلك عليه عاراً لا يمحى وسبة لا تزول، ومن هؤلاء اللحانين عبيد الله بن زياد والوليد بن عبد الملك وخالد القشري مع أن بعضهم كان من أبلغ الناس وأبينهم.
ومن هنا يعلم السر في تسرع القوم إلى وضع النحو وتدوينه والشكل والأعجام.
(2/107)

الخطابة في هذا العصر والخطباء
لا كان مبدأ كلا انقلاب عظيم في أي أمة: إما دعوة دينية وإما دعوة سياسية، وكانت تلك الدعوة تستدعي ألسنة قوالة من أهلها لتأييدها ونشرها وألسنة من أعدائها وخصومها لإدحاضها والصد عنها، وذلك لا يكون إلا بمخاطية الجماعات: وكان ظهور الإسلام من أهم الحوادث التي أنشطت الألسن من عقلها وأثارت الخطابة من مكمنها فوق ما كانت عليه في جاهليتها فكان العمل الأكبر لصاحب الدعوة العظمى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بادئ أمره غير تبليغ القرآن وارداً من طريق الخطابة. ولأمر ما جعلها الشارع سعار كل الأمور ذوات البال، كان دعاة النبي صلى الله عليه وسلم ورسله إلى الملوك وأمراء جيوشه وسراياه ثم خلفاءه من بعده عمالهم كلهم خطباء مصاقع ولسنا مقاول وأن الشعر صرفهم عن اللهو والشعر الذي لا ينهض بأعباء الخطابة ولاسيما الدينية لشرحها الحقائق وقرعها الأسماع بالحجج العقلية والوجدانية وترغيبها في الثواب وترهيبها من العقاب بعبارات تفهمها الخاصة والعامة وكان لهم من القرآن أدلته وحجته والاقتباس منه مدد أيما مدد.
ولما حدثت الفتنة بن المسمين بعد مقتل عثمان، وافترقوا إلى عراقيين بزعامة علي وشاميين بزعامة معاوية ولكل منهم دعوة يؤيدها ورغبة يناضل عنها في تلك الحرب الشعواء التي لم ينكب الإسلام بمثلها، ظهر من كلتا الطائفتين خطباء لا يحصى عددهم ولا يشق غبارهم، وعلى رأس العراقيين شيخ الخطباء علي بن أبي طالب وعلى رأس الشاميين معاوية بن أبي سفيان ولم يعدم كل طائفة خطباء يؤيدون دعوتها بما أتوا من البلاغة في الخطابة والفصاحة والبيان.
والخطابة وصلت في هذا العصر إلى أرقى ما وصلت إليه في اللسان العربي حتى ممن يعد عليهم اللحن ولم تسعد العربية بكثرة خطباء ووفرة خطب ومثل
(2/108)

ما سعدت به في هذا الصدر الأول.
إذا كان القوم ورؤساؤهم عرباً خلصاً يسمعون القول فيتبعون أحسنه.
ولم يخرج الخطباء عن مألوفهم من اعتجار العمامة والاشتمال بالرداء واختصار المخصرة والخبطة من قيام.
وليس في عصور أدب اللغة من عصر أحفل بالخطباء من هذا العصر: إذا كانت الخطابة فيه سلسة القياد على خلفائه وزعمائه: لفطرتهم العربية ومحلهم من الفصاحة والبيان وانطباعهم على أساليب القرآن واتساع مداركهم.
(2/109)

أبو بكر الصديق رضي الله عنه
هو أبو بكر عبد الله عتيق بن أبي قحافة عثمان صاحب رسول الله وأول الخلفاء الراشدين.
ويجتمع نسبه مع نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب، ولد بعد مولد رسول الله لسنتين وبضعة أشهر ونشأ من أكرم قريش خلقاً وأرجحهم حلماً وأشدهم عفة وكان أعلمهم بالأنساب وأيام العرب ومفاخرها، صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وكان أول من آمن به من الرجال وصدقه في كل ما جاء به: ولذلك سمي بالصديق وهاجر معه إلى المدينة وشهد
(2/111)

معه أكثر الغزوات وما زال ينفق ماله وقوته في معاضدته حتى انتقل صلى الله عيه وسلم إلى الرفيق الأعلى واختلفت العرب وارتدت عن الإسلام فجرد عليهم الجيوش حتى قمعهم وما مات إا وجيوشه تهزم جيوش الفرس والروم وتسولي على مدائنهم وحصونهم وكانت وفاته سنة 13هـ? ومدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال.
وكان فصيحاً بليغاً خطيباً مفوهاً قوي الحجة شديد التأثير يشهد بذلك خطبته يوم السقيفة (وذلك أنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفت الصحابة فيمن يبايعونه خليفة عليهم: فابت الأنصار إلا أن يكون الخليفة منهم وأبى المهاجرون من ريش إلا أن يكون منهم واشتد النزاع حتى كادت تقع الفتنة فخطبهم خطبة لم يلبث الجمع بعدها أن بايعوه خليفة) وهي: حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس نحن المهاجرون، وأول الناس إسلاماً، وأكرمهم أحساباً، وأوسطهم داراً، وأحسنهم وجوهاً، وأكثر الناس ولادة في العرب وأمسهم رحماً برسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلمنا قبلكم وقدمنا في القرآن قال تبارك وتعالى: (وَالسّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ) [التوبة: 100] فنح المهاجرون وأنتم الأنصار: إخواننا في الدين.
وشركاؤنا في الفيء وأنصارنا على العدو آويتم وواسيتم جزاكم الله خيراً نحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما منحهم الله من فضله.
وخطب أيضاً حين بايع الناس البيعة العامة.
حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني
(2/112)

أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم ألا أتن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
وخطب أيضاً الناس فقال: (بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم) أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الذي شرع لكم وهداكم به فإن جوامع هدي الإسلام بعد كلمة الإخلاص السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم، فإنه من يطع لله وأولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أفلح، وأدى الذي عليه من الحق، وإياكم واتباع الهوى، افقد أفلح من حفظ من الهوى والطمع والغضب وإياكم والفخر! وما فخر من خلق من تراب ثم إلى التراب يعود، ثم يأكله الدود، ثم هو اليوم حي وغداً ميت؟ فاعلموا يوماً بيوم، وساعة ساعة، وتوقوا دعاء المظلوم، وعدوا أنفسكم في الموتى واصبروا، فإن العمل كله بالصبر، واحذروا، والحذر ينفع واعملوا، والعمل يقبل، واحذروا ما حذركم اله من عذابه، وسارعوا فيما وعدكم الله من رحمته وافهموا وتفهموا، واتقوا، وتوقوا فإن الله قد بيتن لكم ما أهلك به من كلن قبلكم، وما نجي به من نجى قبلكم، قد بين لكم في كتابه حلاله وحرامه، وما يجب من الأعمال، وما يكره، فإني لا ألومكم ونفسي، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله، واعلموا أنكم ما أخلصتم لله من قبل أعمالكم فربكم أطعتم وحظكم وحفظتم واعتبطتم، وما تطوعتم به لدينكم فاجعلوه نوافل بين أيديكم تستوفوا سلفكم وتعطوا جرايتكم حيث فقركم وحاجتكم إليها ثم تفكروا عباد الله في إخوانكم وصحابتكم الذين مضوا، قد ردوا على ما قدموا فأقاموا عليه وحلوا في الشقاء أو السعادة فيما بعد الموت، أن الله له شريك وليس بينه وبين أحد من خله
(2/113)

نسب يعطيه به خيراً ولا يصرف عنه سوءاً إلا بطاعته اتباع أمره فلأنه لا خير في خير بعده النار ولا شر في شر بعده الجنة.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه
هو أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب القرشي ثاني خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من تسمى من الخلفاء بأمير المؤمنين وأول من أرخ بالتاريخ الهجري ومصر الأمصار ودون الدواوين.
ولد رضي الله عنه بعد مولد النبي صلى اله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة وحضر مع رسول الله الغزوات كلها، ثم لما قبض أعان أبا بكر على تولية الخلافة، ولما أحسن أبو بكر بالموت، عهد بها غليه، فقام بأعبائها خير قيام وأتم جميع ما شرع فيه أبو بكر: من فتح ممالك كسرى وقيصر.
وقتله أبو لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة: لأنه لم ينصفه على زعمه في تخفيض ما يدفعه لسيده من أجره عمله، وكان قتله سنة 23هـ? ومدة خلافته عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام، وكان رحمه الله من أبين الناس منطقاً، وأبلغهم عبارة وأكثرهم صواباً وحكمة وأرواهم للشعر، وأنقدهم له.
ومن خطبه خطبته إذ ولي الخلافة.
صعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا آيها الناس، إني داع فأمنوا
(2/114)

اللهم إني غليظ فليني لأهل طاعتك بموافقة الحق، ابتغاء وجهك الدار الآخرة وارزقني الغلظة والشدة على أعدائك وأهل الدعارة والنفاق من غير ظلم مني ولا اعتداء عليهم، واتللهم إني شحيح فسخني في نوائب المعروف قصداً من غير سرف ولا تبذير ولا رياء ولا سمعة، واجعلني أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة، واللهم ارزقني خفض الجناح ولين الجانب للمؤمنين، اللهم إني كثير الغفلة والنسيان فألهمني ذكرك على كل حال وكذر الموت في كل حين، اللهم إني ضعيف عن العمل طاعتك فارزقني النشاط فيها، والقوة عليها بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعزتك وتوفيقك، اللهم ثبتني باليقين والبر والتقوى وذكر المقام بين يديك، والحياء منك وارزقني الخشوع فيما يرضيك عني، والمحاسبة لنفسي، وإصلاح الساعات والحذر من الشبهات، واللهم ارزقني التفكير والتدبر لما يتلوه لساني من كتابك، والفهم له والمعرفة وبمعانيه والنظر في عجائبه والعمل بذلك ما بقيت، إنك على كل شيء قدير.
ومن خطبه في ذم الدنيا: إنما الدنيا أمل مخترم وأجل منتقض وبلاغ إلى دار غيرها، وسير إلى الموت ليس فيه تعريج فرحم الله امرأ فكر في أمره، ونصح لنفسه وراقب ربه واستقال ذنبه، بئس الجار الغني يأخذك بما لا يعطيك من نفسه فإن أبيت لم يعذرك، إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة ومفسدة للجسم، ومؤدية إلى السقم، وعليكم في قوتكم فهو أبعد من السرف، وأصح للبدن وأقوى على العبادة، وإن العبد لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.
(2/115)

عثمان بن عفان رضي الله عنه
هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان القرشي الأموي، ثالث الخلفاء الراشدين وموجد نسخ القرآن المبين، ولد في السنة السادسة من مولد النبي صلى الله عليه وسلام وآمن في السابقين الأولين، وبذل ماله الكثير في تأييد الإسلام ومعونة المجاهدين وهد مغازي رسولا الله كلها إلا بدراً وقد كان عمر قبل وفاته عهد إلى ستة هو منهم تنتخب الأمة أحدهم خليفة، فانتبخوا عثمان فأكمل مغازي عمر ثم ثار عليه بعض الأعراب بحجة أنه يؤثر أقرباءه بولاية الأقاليم، فحاصروه في داره بالمدينة وقتلوه وهو يتلو القرآن الكريم سنة 33هـ? ومدة خلافته اثنتا عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً.
وكان رحمه الله من بلغاء الخلفاء وأوجزهم لفظاً وأجزلهم معنى وأسلسلهم عبارة ومن خطبه خطبته بعد أن بويع وهي بعد الحمد والثناء: أما بعد فإني قد حملت وقد قبلت، ألا ,اني متبع ولست بمتدع، ألا وأن لكم علي بعد كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ، والكف إا فيما استوجبتم، ألا وأن الدنيا خضرة وقد شهيت إلى الناس ومال إليها منهم فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها فإنها ليست بثقة واعلموا أنها غير تاركة إلا من تركها.
(2/117)

ومن خطبه أيضاً وهي آخر خطبة خطبها:
أما بعد: فإن الله عز وجل إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها لآخرة ولم يعطكموها لتركنوا إليها، الدنيا تفنى والآخر ة تبقى فلا تبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الدنيا منقطعة وأن المصير إلى الله، اتقوا الله عز وجل فإن تقواه جنة من بأسه ووسيلة عنده واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم ولا تصيروا أحزاباً (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) [آل عمران: 103] .

عليّ بن بي طالب كرّم الله وجهه
هو أمير المؤمنين أبو الحسن علي ن أبي طالب، وابن عم رسول وزوج ابنته ورابع الخلفاء الراشدين ولد رحمه الله بعد مولد النبي باثنتين وثلاثين سنة، وهو أول من آمن من الصبيان، وكان شجاعاً لا يشق له غبار، وشهد الغزوات كلها مع النبي إلا غزوة تبوك، وأبلى في نضرة رسول الله ما لم يبله أحد، ولما قتل عثمان بايعه الناس بالحجاز وامتنع من بيعته عاوية وأهل الشام شيعة بني أمية غضباً منهم لمقتل عثمان وقلة عناية علي بالبحث عن معرفة القتلة على حسب اعتقادهم، فحدث من جراء ذلك الفتنة العظمى بين المسلمين وافتراقهم إلى طائفتين فتحاربوا مجدة من غير أن يستتب الأمر لعلي أو معاوية حتى قتل أحد الخوارج علياً غيلة بمسجد الكوفة سنة 40هـ?.
وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر.
وكان رحمه الله أفصح الناس بعد رسول الله، وأكثرهم علماً وزهداً وشدة في الحق، وهو إمام الخطباء من العرب على الإطلاق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبه
(2/118)

كثيرة: منها خطبته كرم الله وجهه بعد التحكيم وهي: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجلل وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه غله غيره، وإن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم (أما بعد) فإن معصية الناصح الشفيق العالم لمجرب تورث الحيرة وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونخلت لكم مخزون رأيي، ولو كان يطاع لقصير أمر فأبيتم عليّ إباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة حتى ارتاب الناصح وضن الزند بقدحه، فكنت وإياكم كما قال أخو هوزان:
أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى ... فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
ومن خطبه له حين خاطبه العباس وأبو سفيان وفي أن يبايعا له بالخلافة.
أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وتعرجوا عن طريق المنافرة وضعوا عن تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح هذا ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه فإن أقل يقولوا جزع من الموت، هيهات بعد اللتيا والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، بل اندمجن على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة.
(2/119)

سحبان أوائل
هو سحبان بن زفر بن إياد الوائلي، الخطيب المصقع، المضروب به المثل في البلاغة والبيان في الجاهلية ولما ظهر الإسلام أسلم وتقلبت به الأحوال حتى التحق بمعاوية فكان يعده لملمات، ويتوكأ عليه المفاخرة.
قدم على معاوية وفد فطل سحبان ليتكلم فقال: أحضروا لي عصاً قالوا وما تصنع بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين؟ قال: ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربه فضحك معاوية وأمره بإحضارها ثم خطب من صلاة الظهر وإلى أن حانت صلاة العصر، ما تنحنح ولا سعل ولا توقف لا تلكأ
(2/120)

وابتدأ في معنى وخرج منه وقد قي منه شيء حتى دهش منه الحاضرون فقال معاوية: أنت أخطب العرب: قال سحبان: والعجم والجن والأنس.
وكان سحبان إذا خطب يسيل عرقاً، ومات في خلافة معاوية سنة 54هـ? ومما يؤثر من خطبه قوله: إن الدنيا دار بلاغ والآخرة دار قرار، أيها الناس فخذوا من دار ممركم لدار مقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفي عليه أسراركم وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ففيها حييتم ولغيرها ما خلتهم إن الرجل إذا هلك قال الناس ما ترك؟ وقال الملائكة ما قدم؟ قدموا بعضاً يكون لكم ولا تخلفوا كلاً يكون عليكم.

زياد بن أبيه
هو أحد دهاة العرب وساستها وخطاها وقادتها أمه سمية أمة الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب وقد قرنها بعبد له رومي يدعى عبيداً فولدت سمية زياداً علت فراش عبيد هذا (في السنة الأولى من الهجرة) فنشأ غلاماً فصيحاً شجاعاً فما افتتحت العرب الممالك والأمصار حتى عرف منه ذلك فاستكتبه أبو موسى اشعري والي البصرة من قبل عمر.
ولما ولي أمير المؤمنين علي الخلافة اضطرب عليه فارس فسار إليها زياد بجمع وتمكن بخداعه من إيقاع الشقاق بين رؤساء المشاغبين، ومازال يضرب بعضهم ببعض حتى سكنت ثورتهم، وبقي يتولى لعلي الأعمال حتى قتل علي فخافه معاوية فأرسل إليه المغير بن شعبة يستقدمه فقدم عليه فادعاه أخاً له واستلحقه بنبس أبيه أبي سفيان وصار يسمى زياد بن أبي سفيان بدل زياد بن عبيد أو (ابن سمية أو ابن أبيه) .
(2/121)

وولاه معاوية العراقين وهو أول من جمع له بينهما فسار في الناس سيرة لم بها الشعث وأقام بها المعوج وكبح الفتنة واشتط في العقوبة وأخذ بالظنة وعاقب على الشهة حتى شمل خوفه جميع الناس فأمن بعهم بعضاً وكان الشيء يسقط من يد الرجل أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأبى صاحبه فيأخذه بل كان لا يغلق أحد بابه وكان زياد يقول: (لو ضاع حبل بيني وبين خراسان لعرفت آخذه) وكان مكتوباً في مجلس عنوان سياسته وهي (الشدة في غير عنف واللين في غير ضعف المحسن سيجازى بإحسانه والمسيء يعاقب بإساءته) وتوفي بالكوفة في رمضان سنة 53هـ?.
ومن خطه البليغة خطبته حين قدم إلى البصرة وهي: أم بعد فإن الجهلاء والضلالة العمياء والغي والموفى بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم: من الأمور التي بنيت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير كأنكم لم تقرؤوا كتاب الله ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول إنه ليس منكم إلا من طرفت عينه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه: من ترككم الضعيف يقهر والضعيفة المسلوبة في النهار تنصر، والعدد غير قليل، والجميع غير مفترق، ألم يكن منكم نهاة يمنعون الغواة عن دلج الليل وغارة النهار! قربتم القرابة! وباعدتم الدين، تعتذرون بغير لعذر، وتغضون على النكر، كل امرئ منكم يرد عن سفيهه، صنع من لا يخاف عقاباً ولا يرجو معتاداً، فلم يزل بهم ما ترون من قيامكن دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوساً في مكانس الريب،
(2/122)

حرام علي الطعام والشراب حتى أضع هذه المواخير بالأرض هداماً وإحراقاً إني رأيت اجر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله: لينفي غير ضعيف، وشدة في غير عنف، وأني لأقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمطبع بالمعاصي، وتى يلقى الرجل أخاه فيقول: "انج سعد فقد هلك سعيد" ا, تستقيم لي بيني وبين قوم إجن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، غني لو علمت ن أحدكم قد قتلاه السل من بغضي لم أكشف له قناعاً، ولن أهتك له سراً، حتى يبدي لي صفيحته، فإذا فعل ذلك لم أناظره، فاستأنفوا أموركم وأعينوا على أنفسكم فرب مبتئس بقدومنا سيسر، ومسرور بقدومنا سيبئس، أيها الناس أنا قد أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذي حولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ولكم علينا العدل فيما ولينا فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا.

الحجاج
هو أبو محمد الحجاج بن يوسف الثقفي أحد جبابرة العرب وساستها وموطد ملك بني أمية وأحد البلغاء والخطاء ولد سنة 41هـ?.
وخدم الحجاج بولايته عبد الملك بن مروان، وابنيه الوليد وسليمان حتى كان ملكه ما بين الشام والصين ومات سنة 95هـ? في عهد سليمان في مدينة واسط بالعراق.
وكان الحجاج آية في البلاغة وفصاحة اللسان وقوة الحجة، قال الأصمعي أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل، الشعبي وعبد الملك بن موان والحجاج بن يوسف وابن القرية: والحجاج أفصحهم ومن مآثره اهتمامه بوضع النقط والشكل للمصحف وغيره ونسخه عدة مصاحف من مصاحف عثمان وإرسالها إلى بقية الأمصار ومن خطبه المشهورة خطبته لما قدم أميراً على العراق
(2/123)

فإنه دخل المسجد معتماً بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه متقلداً سيفه متنكباً قوساً يؤم المنبر، فقام الناس نحوه حتى صعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم فقال الناس بعضهم لبعض قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق فلما رأى عيون الناس إليه، حسر اللثام عن فيه ونهض ثم قال:
أنا ابن جلا وطلاّع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قال: يا أهل الكوفة إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها وكأني ناظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، ثم قال:
هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم ... قد لفها الليل بسواقٍ حطم
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار علي ظهر وضم
قد لفّها الليل بعصلبيّ ... أروع خرّاج من الدوي
مهاجر ليس بأعرابي
قد شمرت عن ساقها فشدّوا ... وجدّت الحربُ بكم فجدّوا
والقوس فيها وترٌ عرد ... مثل ذراع البكر أو أشد
لابدّ مما ليس منه بدّ
إني والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنان ولا يغمز جانبي كتغماز التين ولقد فررت عن ذكاء وفتشت عن تجربة وإن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، نثر كنانته بين يديه فعجم عيدانها فوجدني أمرها عوداً وأصلبها مكسراً فرماكم ربي لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال، والله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل فإنكم لكأهل (قَرْيَةً
(2/124)

كَانَتْ آمِنَةً مّطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) [النحل: 112] وإني والله ما أقول إلا وفيت ولا أهم إلا أمضيت ولا أخلق إلا فريت.
وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أب صفرة، وأني أقسم بالله لا أجد رجلاً تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه.

طارق بن زياد
هو أحد قواد جيوش الوليد بن عبد الملك، كان خطيباً مصقعاً مقداماً، بعيد الهمة يعشق وتصبو نفسه إلى الفتوحات، خرج من المغرب سنة 92هـ? باثني عشر ألف جندي من مواطنيه يقلهم أسول قوي قد جهز لذلك وعبر البحر إلى إسبانيا لفتحها، وفلما علم رودريك ملكها بقدوم المسلمين إلى بلاده قابلهم بجيش عظيم هالت طارقاً كثرة عدده وكمال عُدده، فبادر وأحرق أسطوله ليقطع أمل أصحابه في الروع وقال لهم (أيها الناس الخ) فاندفعوا على الإسبان اندفاع اليائس وهزموهم شر هزيمة، ثم والى طارق فتوحاته في إسبانيا حتى قبض على رودريك آخر ملوك الفيزيغوط بها وقتله سنة 94هـ? وبعد ذلك بسنة استقدمه الوليد إلى دمشق إلى أن مات سنة 101 وها هي خطبته.
أيها الناس أين المفر، البحر من ورائكم والعدو من أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأسلحته وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم وإن
(2/125)

امتدت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمراً ذهب ريحكم، وتعوضت القلوب من رعبها عنكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذه الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت وإني أحذركم أمراً أنا عنه بنجوة ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس أبداً بنفسي، واعلموا أنكم إن صبرتكم على الأشق قليلاً استمتعتم بالأرفة الألذ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي فما حظكم فيه بأوفر من حظي وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الخيرات العميمة وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عرباناً ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً ثقة منه بارتياحكم للطعان واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان ليكون مغنمها خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين وعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم (لذريق) فقاتله إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي فإن هلكت بعده فقد كفيتم أمره ولم يعوزكم بل عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه فأخلفوني في عزيمتي هذه واحملوا بأنفسكم عليه واكتفوا لهم من فتح هذه الجزيرة بقتله.
الكتابة خطية وإنشائية الكتابة الخطة كان الخط في مبدأ ظهور الإسلام هو الخط الأنباري الحيري، المسمى بعد انتقاله إلى الحجاز بالحجازي، وزهو أصل النسخ، وكان يكتب به النزر اليسير من العرب عامة وبضعة عشر من قريش خاصة، وفلما انتصر النبي صلى الله عليه وسلم على قريش في يوم بدر وأسر منهم جماعة كان فيهم بعض الكتابة، فقبل الفداء من أمييهم وفادى الكاتب منهم بتعليمهم عشرة من صبيان المدينة،
(2/126)

فانتشرت الكتابة بين المسلمين وحض النبي عل تعلمها ومن أشهر كتاب الصحابة زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ولما فتح المسلمون المملك ونزلت جمهرة الكتاب منهم الكوفة عنوا بتجويد لخط العربي وهندسة أشكاله حتى صار خط أهل الكوفة ممتازاً بشكله عن الخط الحجازي واستحق أن يسمى باسم خاص وهو (الكوفي) .
وكان الصحابة وتابعوهم من بني أمية يكتبون بلا إعجام ولا شكل إلا قليلاً اعتماداً منهم على معرفة المكتوب إليهم باللغة واكتفائهم بالرمز القليل في قراءة اللفظ فلما فسد اللسان باختلاط العرب بالعجم وظهر اللحم والتحريف في الألسنة أشفق المسلمون عل تحريف كلم الكتاب الكريم فوضع أبو الأسود الدؤلي علامات في المصاحف (بصبغ مخالف) فجعل علامة الفتحة نقطة فق الحرف والكسرة أسفله والضمة نقطة من الجهة اليسرى وجعل التوين نقطتين، وكان ذلك في خلافة معاوية.
ووضع نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر بأمر الحجاج نقط الإحجام بنفس المداد الذي يكتب به الكلام وكان ذلك في خلافة عبد الملك بن مروان ثم شاع في الناس بعد.

الكتابة الإنشائية قسمان كتابة رسائل ودواوين وكتابة وتدوين وتصنيف
(1) "كتابة الرسائل والدواوين"
كان زعمكاء العرب وفصحاؤهم كلهم كتاباً ينشئون بملكتهم ولو لم خطوا بيمينهم فكان النبي وأصحبه وخلفاؤه يملون كتبهم على كتابهم بعبارتهم وبعضهم يكتبها بيده، ولما اتسعت موارد الخلافة أصبحت في حاجة إلى إنشاء الدواوين لضبط ذلك، فكان عمر أول من دون الدواوين.
وكان كتاب
(2/127)

الرسائل لخلفاء وعمالهم إما عرباً أو موالي يجيدون العربية، أما كتاب الخراج ونحوه فكانوا من كل إقليم من أهله يكتبون بلغتم، ولما نبغ من العرب من يحسن عملهم حولت هذه الدواوين إلى العربية زمن عبد الملك بن مروان والوليد ابنه وجرى الخلفاء بني أمية في كتابة الرسائل على ما كان عليه الأمر زمن الخلاء الراشدين.
ثم اتسعت رقعة المملكة وقرت أمور الدولة ازدادت الأعمال وشغل الخلفاء عن أن يولوا الكتابة بأنفسهم أو بخاصة عشيرتهم، عهدوا بها إلى كبار كتابهم، وكان كثير منهم يعرف اللغة الرومية أو الفارسية أو اليونانية أو السريانية وهي لغات أمم ذات حضارة وعلوم ونظام ورسوم.
ومن هؤلاء سالم مولى هشام بن عبد الملك أحد الواضعين لنظام الرسائل، وأستاذ عبد الحميد الكاتب الذي آلت إليه زعامة الكتابة الآخر الدولة الأموية.

(2) مميزات الكتابة الإنشائية
وتمتاز الكتابة في هذا العصر بالميزات الآتية: (1) الاقتصار في أغراضها على القدر الضروري، والاقتصار في معناها على الإلمام بالحقائق وتوضيحها بلا مبالغة ولا تهويل، واستعمال الألفاظ الفحلة والعبارات الجزلة، والأساليب البليغة إذا كان الكاتب والمكتوب إليه عرباً فصحاء.
(2) مراعاة الإيجاز غالباً إلا حيث يستدعي الحال الإسهاب، وبقي الأمر على ذلك حتى جاء عبد الحميد الكاتب آخر الدولة الأموية، فأسهب الرسائل وأطال التحميدات في أولها، وسلك طريقه من أتى بعده.

الكتاب
كتاب هذا العصر كثيرون، وقد كانت الخلفاء والأمراء والقواد كلهم
(2/128)

كتاباً بلغاء، ولما صارت الكتابة صناعة، تداولها كثير من الأعاجم وغيرهم: واشتهر من بين هؤلاء.

عبد الحميد بن يحيى الكاتب
هو عبد الحميد بن يحيى بن سعيد العامري الشامي شيخ الكتاب الأوائل.
كان عبد الحميد في أول أمره معلم صبيان حتى فطن له مروان بن محمد أيام توليته أرمينية فكتب له مدة ولايته حتى إذا بلغه مبايعة أهل الشام له بالخلافة سجد مروان له شكراً وسجد أصحابه إلا عبد الحميد، فقال مروان لم لا تسجد؟ فقال ولم أسجد؟ أعلى أن كنت معنا فطرت عنا، قال إذا تطير معي قال الآن طاب لي السجود وسجد، فاتخذه مروان كاتب دولته.
لما دهمت مروان جيوش خراسان أنصار الدعوة العباسية وتوالت عليه الهزائم كان عبد الحميد يلازمه في كل هذه الشدة، فقال له مروان قد احتجت أن تصير مع عدوي وتظهر الغدر بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابك يحوجهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي وإلا لم تعجز حفظ حرمي بعد وفاتي، فقال له: إن الذي أشرت به عليّ أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي، وما عندي إلا الصبر حتى يفتح الله عليك أو أقتل معك وأنشد:
أسرُّ وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذرٍ يوسع الناس ظاهره
وبقي معه حتى قتل مروان سنة 132 هـ?، وأخذ عبد الحميد إلى السفاح فقتله سنة 132هـ?.

منزلته في الكتابة
هو الأستاذ الأول لأهل صناعة كتابة الرسائل وذلك أنه أول من مهد سلبها،
(2/129)

وميز فصولها، وأطالها في بعض الشؤون، وقصرها في بعضها الآخر وأطال التحميدات في صدرها وجعل لها صوراً خاصة ببدئها وختمها على حسب الأغراض التي تكتب فيها، ويقال إنه لما ظهر أبو مسلم الخراساني بدعوة بني العباس كتب إليه مروان كتاباً يستجلبه وضمنه ما لو قرئ لأدى إلى وقوع الخلاف والفشل، وقال لمروان: قد كتبت كتاباً متى قرأه بطل تدبيره فإن يك ذلك وإلا فالهلاك، وكان الكتاب لكبر حجمه يحمل على جمل، فلما وصلا الكتاب إلى داهية خراسان أبي مسلم أمر بإحراقه قبل أن يقرأه وكتب على جذاذة منه إلى مروان:
محا السيف أسطارَ البلاغة وانتحى ... عليك ليوثُ الغاب من كلّ جانب

3 التدوين والتصنيف
انقضى زمن الخلفاء الراشدين ولم يدون فيه كتاب إلا ما كان من أمر المصحف، وكان مرجع الناس في أمر دينهم دنياهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فإذا اشتبه عليهم أمر من أمور الدين رجعوا إلى الخلفاء وفقهاء الصحابة.
ثم لما انتشر الإسلام زمن بني أمية واختلطت العرب ففسدت فيهم ملكة اللسان العربي وفشا اللحن وأشفقوا على القرآن من التحريف وعلى اللغة من الفساد دونوا النحو وكان أول من كتب فيه أبو الأسود الدؤلي وقد تلقى مبادئه عن الإمام علي، وأخذ عنه فتيان البصرة وخصوصاً الموالي إذ كانوا أحوج الناس إلى النحو واشتغل أهل الكوفة به ب أن فشا بالبصرة ولم ينقض هذا العصر حتى استغل به طبقتان من البصريين وطبقة من الكوفيين، ثم لما حدثت الفتن وتعددن المذاهب والنحل وكثرت الفتاوى والرجوع فيها إلى رؤساء ومات أكثر الصحابة، خافوا أن يعتمد الناس على رؤسائهم ويتركوا سنة رسول الله فأذن أمي المؤمنين عمر بن
(2/130)

عبد العزيز لأبي بكر محمد بن عمرو بن حزم في تدوين الحديث، انقضى هذا العصر ولم يدون فيه من علوم اللغة والدين غير النحو وبعض الحديث وبعض التفسير، وأما العوم الأخرى فيروى أن خالد بن يزيد بن معاوية حبب إليه مطالعة كتبا لأوائل من اليونان فترجمت له ونبغ فيها ووضع كتباً في الطب والكيمياء، وأن معاوية استقدم عبيد بن شربة من صنعاء فكتب له كتاب "الملوك وأخبار الماضين" وإن وهب بن منبه الزهري وموسى بن عقبة كتباً في ذلك أيضاً كتباً، وأن زياد بن أبيه وضع لابنه كتاباً في مثال قبائل العرب، وأن ماسرجويه متطبب البصرة تولي في الدولة المروانية ترجمة كتاب أهرون بن أعين من السريانية إلى العربية وأن يونس الكاتب بن سليمان ألف كتاباً في الأغاني ونسبتها إلى من غنى فيها ولم يلغ التصنيف شأواً يذكر.

الشعر والشعراء في هذا العصر
جاء النبي الكريم، والشعر ديون العرب، فأتاهم بالأمر العظيم والحادث الخطير، حاملاً بإحدى يديه القرآن يدعو الناس إلى توحيد الله والتمسك بالفضيلة وشاهراً بالأخرى سيف الحق لحماية هذه الدعوة وما كان أشد ذهولهم لخطبهما وانزعاجهم من وقعها، فهبوا يتحسسون الأول ويتمرسون أساليبه ومعانيه ويتفرسون ألفاظه ومغازيه، وما بين معاند تلمس مطعناً فيه، ومؤمن يستبينه ويهديه، وتأهبوا للثاني: ما بين ضال يناوئه، ومهند يعاضده، فصار لك صارفاً لهم عن التشاغل بالشعر محولاً مجرى أفكار المؤمنين منهم عن أكثر فنونه المتحرفة عن سنن الشرف والحق، وبغض إليهم تلك الفنون المرذولة إزراء القرآن على الشعر بقوله: (وَالشّعَرَآءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ {224} أَلَمْ تَرَ أَنّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ {225} وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ {226} إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللهَ كَثِيراً وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء: 224 227] ولهذا لم يكف شعراء المسلمين عن قوله فيما يطابق روح القرآن.
(2/131)

ولبث الحال على ذلك مدة حياة النبي الكريم، حتى إذا ما ثاروا لإسكان فتن أهل الردة وفتح الممالك والأمصار، وأضافوا إلى ما ألفوه من أغراض الشعر الإكثار من التباهي بالنصر، ووصف المعارك، وأحوال الحصار وآلات القتال ولما آل الأمر إلى بني أمية وشغب عليهم كثير من فرق المسلمين أصبح الشعر لساناً يعبر عن مقاصد كل حزب، حتى أصبح حرفة عتيدة، وصناعة جديدة ومورد ثروة وأصبحت دراسته ونقده وروايته ودأب العلماء والأدباء حتى الخلفاء وأولياء عهودهم ويمكن وصف ما كان عليه الشعر في هذا العصر من حيث أغراضه ومعانيه وتصوراته وعبارته بما يأتي:

أغراض الشعر وفنونه
1 نشر عقائد الدين وحكمه ووصاياه والحث على اتباعه.
وخاص زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.
2 التحريض على القتال ووصفه والترغيب في نيل الشهادة رفعاً لكلمة الله، وذلك في أزمان غزوات النبي وحصار المدن وفتحها.
3 الهجاء: وكان أولاً في سبيل الدفاع عن الإسلام بهجو مشركي العرب بما لا يخرج عن حد المروءة، وبما رضيه النبي حسان شاعره في هجاء قريش وعشيرة النبي من بني عبد مناف.
وكان يتحرج عنه المسلمون ولو التعريض زمن النبي وخلفائه: ولذل عاقب عمر أمير المؤمنين الحطيئة وهدده بقطه لسانه لنيله من بعض المسلمين: ثم صار يتساهل في خطبه حتى كان الهجاء غاية براعة الشاعر وإن لم يصل في الإقذاع والفحش إلى الحد الذي وصل إلي في العصر الآتي.
(2/132)

4 المدح: وقلما كان مبدأ الإسلام فير غير النبي من حيث الاهتداء بهديه ونشر الحق على يديه، وكان خلفاؤه يأنفون مدحهم بما تزهي به نفوسهم تواضعاً.
ثم استرسل الشعراء فيه وقبل ذلك منهم الخلفاء إلى أن كان المدح من أهم الدعائم التوطيد أركان الدولة وتفخيم مقام الخلفاء والولاة والإرشاد بعظمتهم.

معانيه وأخيلته وألفاظه وأساليبه وأوزانه
لم يخرج شعراء هذا العصر في جملة تصورهم وتخيلهم عما ألفوه زمن الجاهلية وإن فاقوهم كثيراً في ترتبي الفكر وتقريب المعنى إلى الأذهان والوجدان بما هذب نفوسهم ورقق طباعهم من دراسة كتاب الله وحديث رسول الله، وكذلك لم يخرجوا جملة في هيئة تأليف اللفظ ونسجه ومتانة أسلوبه عن نظائرهم في الجاهلية، وإنما آثروا جزالة اللفظ وفخامته ومؤالفته لسابقته ولاحقه دون غرابته كما آثروا جودة الأسلوب ومتانته وروعة تأثيره ولاسيما أهل النسيب: ولم يطرأ على أوزان الشعر العربي حدث غير ما عرف عنه في الجاهلية وإنما شاع في هذا العصر نظم الأراجيز والتطويل فيها، واستعمالا في جميع أغراض القصيد، حتى في افتتاحها بالنسيب والتخلص منه إلى المدح والذم ونحو ذلك.

الشعراء
شعراء ةهذا العصر ممن خلصت عربيتهم واستقامت ألسنتهم ولم يمتد إليهم اللحن، ولد زادتهم مدرسة القرآن الكريم فصاحة وبلاغة وإحكاماً وإتقاناً حتى فضلهم بعض الرواة على سابقيهم من الجاهلين، ومن أشهر شعراء هذا العصر كعب بن زهير، والخنساء، والحطيئة، وحسان ن ثابت، والنابغة
(2/133)

الجعدي، وعمر بن أبي ربيعة، والأخطل، والفرزدق، وجرير، والكميت، وجميل، وكثير، ونصيب والراعي، وذو الرمة.

(1) كعب بن زهير
هو كعب بن زهير بن أبي سلمى أحد فحول المخضرمين ومادح النبي ولما ظهر الإسلام ذهب أخوه بجير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب كعب لإسلامه وهجاه وهجا رسول الله وأصحابه، فتوعده النبي صلى الله عليه وسلم وأهدر دمه فحذره أخوه العاقبة إلا أن يجيء إلى النبي مسلماً تائباً، فهام كعب يترامى على القبائل أن تجيره فلم يجره أحد، فلما ضاقت الأرض في وجهه جاء أبا بكر رضي الله عنه بالمدينة وتوسل به إلى الرسول فأقبل هو عليه وآمن وأنشده قصيدته المشهورة:
بانت سعادُ فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول
فخلع عليه النبي بردته فبقيت في أهل بيته حتى باعوها لمعاوية بعشرين ألف درهم ثم بيعت للمنصور العباسي بأربعين ألفاً، ومات سنة 24هـ?.
شعره: كان كعب من الشعراء المجيدين المشهورين بالسبق وعلو الكعب في الشعر، وكان خلف الأحمر أحد علماء الشعر يقول: لولا قصائد لزهير ما فضلته على ابنه كعب، وكفاه فضلاً أن الحطيئة مع ذائع شهرته رجاه أن ينوه به في شعره فقال:
فمن للقوافي شأنها من يحوكها ... إذا ما مضى كعب وفوز جرول
(2/134)

ومن شعره قوله في قصيدته بانت سعاد:
(2/135)

وقاتل كل خليل كنت آمله ... لا ألهينّك إني عنك مشغول
فقلت خلّوا سبيلي "لا أبالكم" ... فكل ما قدر الرحمن مفعول
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوماً على آلة حدباء محمول
نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة ال ... قرآن فيها مواعيظٌ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنبْ وقد كثرت فيَّ الأقاويل
ومن قوله:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعيّ الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... والنفس واحدة والهمُّ منتشر
فالمرءُ ما عاش ممدود له أملٌ ... لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر
ومن قوله أيضاً:
إن كنت لا ترهب دمي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهل
فاخش إذ أنا منصت ... فيك لمسوع خنا القائل
فالسّامع الدم شريك له ... ومطعم المأكول كالآكل
مقاله السُّوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل
ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذموه بالحقّ وبالباطل

(2) الخنساء
هي السيدة تماضر الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية، أرقى شواعر العرب، وأحزن من بكى وندب.
كان أبوها عمرو، وأخواها معاوية وصخر، وكانت هي من أجمل نساء زمانها فخطبها دريد بن الصمة فارس جشم، فرغبت عنه، وآثرت التزوج من قومها فتزوجت منهم، وكانت تقول المقطعات من الشعر فلما قتل شقيقها معاوية ثم أخوها لأبيها صخر، جزعت عليهما جزعاً شديداً، وبكتهما بكاءً مراً، وكان أشد وجدها على صخر: لأنه شاطرها هي وزوجها أموالها مراراً ولما جاء الإسلام
(2/139)

وفدت مع قومها على النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلمت وكان يعجبه شعرها ويستنشدها ويقول هيه يا خناس، ويومئ بيده.
وما فتئت تبكي صخراً قبل الإسلام وبعده حتى عميت، وبقيت إلى أن شهدت حرب القادسية مع أولادها الأربعة، فأوصتهم وصيتها المسرة وحضتهم على الصبر عند الزحف فقتلوا جميعاً، فقال: الحمد الله الذي شرفني بقتلهم، ولم تحزن عليهم حزنها على أخويها، وتوفيت سنة 24هـ?.
شعرها: أغلب علماء الشر على أنه لم تكن امرأة قبل الخ=نساء ولا بعدها أشعر منها، ومن فضل ليلى الأخيلية عليها لم ينكر أنها ارثى النساء وكان شار يقول لم تقل امرأة شعراً إلا ظهر العف فيه لقيل وكذلك الخنساء فقيل تلك التي غلبت الفحول، ولم يكن شأنها عند شعراء الجاهلية أقل منه عند شعراء الإسلام فذلك النابغة الذبياني يقول لها وقد أنشدته بسوق عكاظ قصيدتها التي مطلعها:
قذى بعينيك أم بالعين عوّار ... أمة ذرَّفت إذ خلت من أهلها الدارُ
لولا أن أبا بصير (يعني الأعشى) أنشدني قبلك لقلت أنك اشعر من بالسوق، وسئل جرير من أشعر الناس قال أنا لولا الخنساء، قيل فبم فضلتك قال بقولها:
إن الزمان (وما يفنى له عجبُ) ... أبقى لنا ذنباً واستوصل الراس
إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس
ومن جيد شعرها ترثي أخاها صخراً:
أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر النَّدى
ألا تبكيان الجريء الجميل ... ألا تبكيان الفتى السّيدا
رفيع العماد طويل النّجا ... د ساد عشيرته أمردا
(2/140)

إذا القوم مدوا بأيديهم ... إلى المجد مدّ إليه يدا
فنال الذي فوق أيديهم ... من المجد ثم انتمى مصعدا
يحملّه القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
وإذن ذكر المجد ألفيته ... تأزّر بالمجد ثم ارتدى
ومن قولها ترثيه أيضاً:
ألا يا صخر إن أبكيت عيني ... فقد أضحكتني زمناً طويلاً
دفعت بك الخطوب وأنت حيٌّ ... فمن ذا يدفع الخط الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيتُ بكاءك الحسن الجميلا
ومن بديع قولها:
يذكرني طلوع الشمس صخراً ... وأذكره لكل غروب شمس
فلولا كثرةُ الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
ولكن لا أزال أرى عجولاً ... ونائحة تنوح ليوم نحس
هما كلتاهما تبكي أخاها ... عشية رزئه أو غبّ أمس
وما يبكين مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسيّ
فقد ودّعت يوم فراق صخر ... أبي حسان لذاتي وأنسي
فيا لهفي عليه ولهف أمي ... أيصبح في الضّريح وفيه يمسي

(3) الخطيئة
هو أبو بكر جرول الحطيئة العبسي، نشأ كما قال الأصمعي جشعاً سؤولاً ملحفاً دنيء النفس كثير الشر قليل الخير بخيلاً قبيح المنظر رث الهيئة مغموز النسب فاسد الدين، وعاش الحطيئة مدة في الجاهلية وجاء الإسلام فأسلم ولم يكن له صحية برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عاش متنقلاً في القبائل يمدح تارة ويذم تلك أخرى، وينتسب إلى عس طوراً وطوراً إلى ذهل ويهجو
(2/141)

اليوم من يمدحه بالأمس، وكل قبيلة تخطب وده وتنقي شر لسانه حتى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حبس الحطيئة فما زال يستشفع إليه الناس وقول الشعر حتى أطلقه وهدده بقطع لسانه إن هجا أحداً، واشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، وكنه نكث وأوغل في الهجاء بعد موت عمر، وبقي كذلك حتى مات أوائل خلاف معاوية.
شعره: لولا ما وصم به الحطيئة من خسة النفس ودناءة الخلق وجهالة النسب لكان بإجادته في كل ضرب من ضروب الشعر شاعر المخضرمين على الإطلاق إلا أنه لم يقف ببراعته وفصاحته موقفاً لله ولا للشرف، وقلما يوجد في كلام الحطيئة مظنة ضعف أو مغمز لغامز من ركاكة لفظ أو غضاضة معنى أو اضطراب قافية ومن مدحه الذي لا يلحق فيه غبار قوله:
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد
أقلوا عليهم (لا أبا لأبيكم) ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدروا
مطاعين في الهيجا مكاشيف للدجى ... بنى لهم آباؤهم وبنى الجد
ويعذلني أبناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالذي علمت سعد
ومن أبياته التي استعطف بها أمير المؤمنين عمر وهو في سجينه قوله: ط
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الأمين الذي من بعد صاحبه ... ألقي إليك مقاليد النهى البشر
لم يؤثروك بها إذا قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الخير
(2/142)

(4) حسان بن ثابت
هو أبو الوليد حسان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول اله صلى الله عليه وسلم وأشعر شعراء المخضرمين.
وهو من بني النجار من أهل المدينة، نشأ في الجاهلية ونبه شأنه فيها، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأسلم الأنصار، واسلم معهم ودافع عنه بلسانه كما دافع عنه قومه الأنصار بسيوفهم.
وعاش حسان بعد رسول الله محبباً إلى خلفائه مرضياً عنه وعمره قريباً من 120 سنة، وبقي أكثر حياته متمتعاً بحواسه وعقله، وحتى وهن جسمه في أواخر عمره وكف بصره، ومات في خلافة معاوية سنة 54هـ?.
شعره: كان حسان شاعر أهل المدر في الجاهلية وشاعر اليمانية في الإسلام ولم يكن في أصحاب الرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في أعجائه عند عودته إلى الله أشعر منه، ولذلك رم مشركي قريش من لسانه بالداهية لم يكن قبل بها فأوجعهم وأخرسهم من غير فحش لا هجر، ولما أذن له النبي في هجائهم قال له كيف تهجوهم وأنا منهم، قال: اسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصب له منبراً بالمسجد ويسمع هجاءه في أعدائه ويقول: (أجب عني اللهم أيده بروح القدس) وكان في شعر حسان زمن الجاهلية شدة وغرابة لفظ فلما أسلم وسمع القرآن ووعاه وكثر ارتجاله الشعر لأن شعره سهل وأسلوبه، ومن شعره في الجاهلية:
ولقد تقلدنا العشيرة أمرها ... ونسود يوم النائبات ونعتلي
ويسود سيدنا حجاجح سادة ... ويصيب قائلنا سواء المفصل
ونحاول الأمر المهمَّ خطاية ... فيهم ونفصل كلَّ أمر معضل
وتزو أبواب الملوك ركابنا ... ومتى نحكَّم في البرية نعدل
ومن شعره في الإسلام يفاخر وفد تميم بقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(2/143)

إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سننا للناس تتّبع
يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
قومٌ إذا حاربوا ضرّوا عدّوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك فيهم غير محدثة ... إن الخلائق (فاعلم) شرُّها البدعُ
لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رفعوا
إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبعُ
وعفّة ذكرت في الوحي عفّتهم ... لا يطمعون ولا يزري بهم طمعُ
لا يفخرون إذا نالوا عدّوهم ... وإن أصيبوا فلا خورٌ ولا جزعُ

(5) النابغة الجعدي
هو أبو ليلى حسان بن تعبد الله الجعدي العامري أحد القدماء المعمرين ولشعراء المخضرمين، ووصاف الخيل المشهورين.
قال الشعر في الجاهلية ثم أجبل دهراً، ثم نبغ في الشعر عند ظهور الإسلام وبعده: ولذلك سمي النابغة، وهو ممن فكر في الجاهلية، وأنكر الخمر وما تفعل العقل، وهجر الأزلام والأوثان، وذكر دين إبراهيم، وصام واستغفر، ووفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعاش طويلاً في الإسلام، فأقام زمناً مهاجراً حتى أيام عثمان رضي الله عنه فأحس بضعف في نفسه، فاستأذن عثمان في الرجوع إلى البادية فأذن له، ثم كانت خلافة علي شهد معه وقائعه صفين، وظاهره بيده ولسانه، ونال من معاوية وبني أمية، ومكان بأصبهان سنة 58هـ? عد أن عمّر مائة وثمانين سنة.
شعره: كان النابغة الجعدي شاعراً مطبوعاً في الجاهلية والإسلام، وهو أول من سبق إلى الكناية في الشعر عن اسم من يغني إلى غيرها وتبعه الناس بعد، قال:
أكنى بغير اسمها وقد علم لل ... هـ خفيات كلّ مكتتم
(2/144)

وكان ممن يصون الخيل فلا يلحق له في ذلك غبار، حتى ضرب به المثل قال الأصمعي: ثلاثة يصفون الخيل فلا يقاربهم أحد: طفيل الغنوي وأبو داود الإيادي، والنابغة الجعدي، وله في الفخر والهجا والمديح والرثاء شعر كثير ومن أشرفه قصيدته التي مدح بها الرسول الكريم وهي:
خليلي عوجا ساعةً وتهجّرا ... ونوحا على ما أحدث الدهر أو ذرا
ولا تجزعا إن الحياة ذميمة ... فخفَّات لروغعات الحوادث أوقرا
وإن جاء أمر لا تطيقان معه ... فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا
ألم تريا أن الملامة نفعها ... قليل إذا ما الشيء ولّى وأدبر
تهيج البكاء والندامة ثم لا ... تغير شيئاً غير ما كان قدرا
أتيت رسول الله إذا جاء بالهدى ... ويتلو كتاباً كالمجرة نيرا
أقيم على التقوى وأرضي بفعلها ... وكنت من النار المخوفة.. أحذرا
ومنها في الفخر:
وإنا لقوم ما تعوّد خيلنا ... إذا ما التقيا أن تحيد وتنفرا
وتنكر يوم الرّوع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى نحسب الجون أشقرا
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ولا خير في حلم مجدنا إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوة أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم (بلغنا السماء البيت) قال فأين المظهر يا أبا ليلى ثقال الجنة، وقال إن شاء الله، ولما أتم قصيدته قال له الرسول أجدت لا يفضض اله فاك فأتت عليه مائة سنة أو نحواها وما انفضت من فيه سن.

(6) عمر بن أبي ربيعة
هو أبو الخطاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة القرشي المخزومي اشعر قريش وأرثق أصحاب الغزل، وأوصف الشعراء لأحوال النساء.
(2/145)

ولد بالمدينة ليلة مات عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وكانت أمه نصرانية، وكان أبوه تاجراً موسراً وعاملاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولخلفا الثلاثة من بعده فشب في نعيم وترف، وقال الشعر صغيراًُ وسلك فيه طريق الغزل ووصف أحوال النساء وتزاورهن ومداعبة بعضهن لبعض وتعرض للمحصنات المتعففات من نساء قومه من غيرهن، فوقعن منه في بلاء عظيم وصرن يخفن الخروج إلى الحج لأنه كان يتلقاهن مكن ويترقب خروجهن للطوف والسعي ويصفهن وهن محرمات، وحلمت عليه رجالات قريش لمكانه نسبه منهم ولترقب توبته وإقلاعه، فلما تمادى في أمره وشبب ببنات السادات ولخلفاء غضب عمرو بن عبد العزيز ونفاه إلى جزيرة أمام المدينة مصوع، ثم رأى أن الكفر عن سيئاته بالتوبة والجهاد فغزا في البحر فاحترقت السفينة التي كان فيها واحترق هو أيضا سنة 93هـ?.
شعره: رقيق بلفظ رشيق ومعنى أنيق حتى قال فيه جرير هذا والله الذي أرادته الشعراء فأخطأته وقد سلك الغزل طريقاً لم يسلكوه: ومن قوله المشهور:
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد
واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد
(2/146)

(7) الأخطل
هو أبو مالك غياث الأخطل بن غوث التغلبي النصراني، شاعر الأمويين وأمدح ثلاثة شعرائهم المتقدمين والمتفرد بوصف الخمر دون الإسلاميين قال الشعر وهو صبي وما لبث أن زاحم شاعر تغلب وقتئذٍ (كعب بن جعيل) وهجاه وظهر عليه ولما طلب يزيد ن معاوية قبل أن يلي الخلافة من كعب هجاء الأنصار
(2/147)

لتعرض حسان بن ثابت الأنصاري لأخته في شعره أبى عليه ذلك كعب، وقال أأهجو قوماً نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآووه: ولكني أدللك على الأخطل فبعث إليه وأمره بهجائهم فهجاهم بقصيدة منها:
ذهبت قريش بالسَّماحة والنّدى ... واللؤم تخت عمائم الأنصار
فدعو المكارم لستم من أهلها ... وخذوا مساحيكم بني النَّجار
وبلغ الشعر كبار الأنصار فغضبوا وشكوه إلى معاوية فوعدهم بقطع لسانه فاستجار بيزيد، فمازال بأبيه حتى عفا عنه ولما ول يزيد الخلافة قربه غليه وتابعه في ذلك خلفاء بني أمية، وبخاصة عبد الملك إذا كان يستعين هـ على أعدائه فقربه إليه وأدناه وسمح له بالدخول عليه بلا إذن وأجزل له العطايا وسماه شاعر الخليفة.
ولما حدثت المهاجاة بين جرير والفرزدق وحكم فيهما أيهما اشعر عرض بتفضيل الفرزدق، فهجا جرير، فرد عليه الأخطل وكانت الشيخوخة قد بلغت منه فلم يلحق جريراً، وكان الأخطل يقيم أزماناً بدمشق وأحياناً ببلاده منم أرض الجزيرة ومات سنة 95هـ? وقد نيف على السبعين.
شعره: كان الأخطل أحد الشعراء الثلاثة السابقين سواهم من فحول الإسلاميين وكان مطبوعاً على الشعر بعيداً عن التكلف والعمق فيه وامتاز بإجادته المديح والإبداع في معانيه، قال يمدح بني أمية ويخص بشر بن مروان:
إن يحلموا عناك فالأحلام شيمتهم ... والموت ساعة يحمى منهم الغضب
كأنهم عند ذاكم ليس بينهم ... وبين من حاربوا قربة ولا نسب
كانوا موالي حق يطلبون به ... فأدركوه وما ملوا ولا لغبوا
إن يك للحق أسباب يمد بها ... ففي أكفهم الأرسان والسبب
هم سعوا بابن عفان الإمام وهم ... بعد الشماس مروها ثمت احتلبوا
(2/148)

ومنها:
إذا أتيتَ أبا مروان تسأله ... وجدته حاضراه الجودُ والحسب
ترى إليه رفاقَ الناس سائلة ... من كل أوبٍ على أبوابه عصبُ
يحتضرون سجالا من فواضله ... والخيرُ محتضر أبوابه عصبُ
والمطعم الكوم لا ينفك يعقرها ... إذا تلاقى رواق البيت واللهبُ
كأن حيرانها في كل منزلةٍ ... قتلى مجردة الأوصال تستلبُ
ومن أفضل شعره قوله:
والناس همهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال

(8) الفرزدق
هوب أبو فراس همام بن غالب التميمي الدارمي أفخر ثلاثة الشعراء الأمويين وأجزل المقدمين في الفخر والمدح والهجاء.
ولد سنة 15 هـ ونشأ بالبصرة. وأتى بها أبوه يوماً إلى أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه فسأله عنه. فقال ابني يوشك أن يكون شاعراً مجيداً. فقال له أقرئه القرآن فأقرأه وحفظه ثم رحل إلى خلفاء بني أمي بالشام ومدحهم ونال جوائزهم، وأخص من كان يمدحه منهم عبد الملك بن مروان ثم أولاده من بعده. وكان الفرزدق فوق إقذاعه في الهجو وفحشه في السباب وقذف المحصنات يرمى بالفجور وقلة التمسك بشعائر الدين ثم تاب في أواخر شيخوخته على يد حسن البصري. وكان فيه تشيّع يستره أيام اختلافه إلى بني أمية ثم كاشف به آخر حياته حتى أمام الخليفة هشام عندما رأى الناس تفسح طريق الطواف بالكعبة مهابة وإجلالاً لعلي بن الحسين فسأله عنه كالمتجاهل لأمره، فشق ذلك على الفرزدق
(2/149)

وأنشد قصيدته الميمية الآتية يعرّف بعلي وينكر على هشام تجاهله، فحبسه هشام ثم أطلقه. وعاش الفرزدق قريباً من مائة سنة ومات بالبصرة سنة 110 هـ.
شعره: يمتاز شعر الفرزدق بفخامة عبارته، وجزالة لفظه، وكثرة غريبه ومداخلة بعض ألفاظه في بعض، ولذلك يعجب به أهل اللغة والنحو وكان يقال (لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث اللغة) ويعتبر الفرزدق من أفخر شعراء العرب وأشدهم ولوعاً بتعداد مآثر آبائه وأجداده.
ومن جيد شعره قوله يمدح علي بن الحسين:
هذا الذي تعرفُ البطحاء وطأته ... والبيتُ يعرفه والحلُّ والحرمُ
هذا ابن خير عباد الله كلّهم ... هذا التقي النقيُّ الطاهر العلمُ
وليس قولك من هذا بضائره ... العربُ تعرفُ من أنكرتَ والعجمُ
إذا رأته قريشٌ قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ
يغضي حياءً ويغضى من مهابته ... فلا يكلّم إلا حين يبتسمُ
بكفه خيزرانٌ ريحها عبقٌ ... من كف أروع في عرنينه شممُ
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلمُ
ينشقُّ ثوب الدّجى عن نور غرته ... كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلمُ
من معشر حبّهم دينٌ وبغضهم ... كفرٌ وقربهم منجّى ومعتصمُ
إن عُدّ أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

(9) جرير
هو أبو حزرة بن عطية بن الخطفى التميمي اليربوعي: أحد فحول
(2/150)

الشعراء الإسلاميين، وبلغاء المداحين الهجائين، وأنسب ثلاثتهم المفلقين، وهو من بني يربوع أحد أحياء تميم، ولد باليمامة سنة 42 هـ ونشأ بالبادية وفيها قال الشعر ونبغ. وكان يختلف إلى البصرة في طلب الميرة ومدح الكبراء، فرأى الفرزدق وما كسبه الشعر من منزلة عند الأمراء والولاة وهو تميمي مثله وود لو يسبقه إلى ما ناله، وأغراه قومه به للتنويه بشأنهم فوقعت بينهما المهاجاة عشر سنين كان أكثر إقامة جرير أثناءها في البادية، وكان الفرزدق مقيماً بالبصرة يملأ عليه الدنيا هجاء وسبا. فما زال به بنو يربوع حتى أقدموه البصرة واتصل بالحجاج ومدحه فأكرمه ورفع منزلته عنده، فعظم أمره وشرق شعره وغرب حتى بلغ الخليفة عبد الملك فسد الحجاج عليه، فأوفده الحجاج مع ابنه محمد إلى الخليفة بدمشق ومات باليمامة سنة 110هـ.
وكان في جرير على هجائه للناس عفة ودين وحسن خلق ورقة طبع.
شعره: اتفق علماء الأدب وأئمة نقد الشعر على أنه لم يوجد في الشعراء الذين نشأوا في ملك الإسلام أبلغ من جرير والفرزدق والأخطل وإنما اختلفوا في أيّهم أشعر ولكل هوى وميل في تقديم صاحبه: فمن كان هواه في رقة النسيب وجودة الغزل والتشبيه، وجمال اللفظ ولين الأسلوب والتصرف في أغراض شتى، فضل الفرزدق، ومن نظر بعد بلاغة اللفظ، وحسن الصوغ إلى أجادة المدح والإمعان في الهجاء واستهواه وصف الخمر واجتماع الندمان عليها، حكم للأخطل. وإن له في كل باب من الشعر أبياتاً سائرة هي الغاية التي يضرب بها المثل فيقال أن أغزل شعر قالته العرب هو قوله:
(2/151)

إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّب حتى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله إنسانا
وإن أمدح بيت قوله:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
وإن أفخر بيت قوله:
إن غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلّهم غضابا
وإن أهجى بيت مع التصون عن الفحش قوله:
فغضّ الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
وإن أصدق بيت قوله:
إني لأرجو منك خيراً عاجلاً ... والنفس مولعة بحبّ العاجل
وإن أشد بيت تهكماً قوله: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً=أبشر بطول سلامة يا مربعُ ومن جيد شعره قوله من قصيدة يرثي بها امرأته والتي هي ندبت بها نوار امرأة الفرزدق:
لولا الحياءُ لهاجني استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار
ولهت قلبي إذا علتني كبرة ... وذوو التمائم من بنيك صغار
لا يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل ويكرّ عليهم ونهار
صلّى الملائكة الذين تخيروا ... والطيبون عليك والأبرار
فلقد أراك كسيت أحسن منظرٍ ... ومع الجمال سكينة ووقارُ

(10) الكميت
هو الشاعر الخطيب الراوية النسابة أبو المستهل الكميت بن زيد الأسدي الكوفي
(2/152)

أشعر شعراء الشيعة الهاشمية، ومثير عصبية العدنانية على القحطانية ولد سنة 60هـ ونشأ بالكوفة بين قومه بني أسد إحدى قبائل العرب الفصحاء من مضر فلقن العربية، وعرف الأدب والرواية، وعلم أنساب العرب وأيامها ومثالبها بمدارسة العلم والأخذ عن الأعراب، وكان له جدتان أدركتا الجاهلية تقصان عليه أخبارها وأشعار أهلها، فخرج أعلم أهل زمانه في ذلك وأقر له حماد الراوية بالسبق عليه وقال الكميت الشعر وهو صغير وكان لا يذيعه ولا يتكسب به، ويكتفي بحرفته تعليم صبيان الكوفة بالمسجد، ولما حصف شعره وقوي أثره، ولا سيما قصائده التي أعلن فيها تشيعه لبني هاشم وآل علي، أنشده الفرزدق مستنصحاً له في أمر إذاعته إذا أعجبه، فأمره بإذاعته فقال قصائده البليغة المطولة المسماة "بالهاشميات" التي يقول فيها:
طربتُ وما شوقاً إلى البيض أطربُ ... ولا لعباً مني وذو الشيب يلعبُ
ولم يلهني دارٌ ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنانٌ مخضّبُ
ولا السانحات البارحات عشية ... أمرَّ سليم القرن أم مر أعضب
ولكن إلى أهل الفضائل والنُّهى ... وخير بني حواء والخير يطلب
بني هاشم رهط النبي فإنني ... بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب
خفضت لهم مني الجناح مودة ... إلى كنف عطفاه أهل ومرحب
وما لي إلا آل أحمد شيعةٌ ... وما لي إلا مذهب الحقّ مذهب
بأي كتاب أم بأيّة سنة ... يرى حبّهم عاراً علي ويحسب
شعره: لشعره من التأثير السياسي والمذهبي أثر سيئ شتت شملة الوحدة العربية.
(2/153)

الرواية والرواة
ظهر العرب وعمدة العرب في ضبط علومهم وآدابهم على الحفظ والرواية: فجاءهم من كتاب الله وسنة رسوله بالأمر الخطير، والعلم الكثير فكانت عنايتهم بحفظها في الصدور أكثر من كتابتها في السطور. ولما اتسع علم المسلمين بما أضيف إليهما من تفسير الصحابة والتابعين ومن أقوالهم في الدين تعدد طوائف الرواة للقرآن والحديث وفنون الأدب.
وإذا كان الإنسان عرضة للنسيان، وأحوال الناس تختلف في الصدق والكذب تشدد الصحابة والتابعون وتابعوهم في تصحيح الرواية وشدة التوثق من صدق الرواة تحرجاً منهم أن يدخل في الدين ما ليس منه.
ولما خاف سيدنا عمر بن عبد العزيز أن تموت السنة الصحيحة بموت رواتها وبما وضعه الزنادقة والشيعة والخوارج ودسوه فيها، أمر العلماء بتدوين الحديث وبقي الأمر في الشعر والأدب كما كان في الجاهلية: لكل شاعر راو أو عدة رواة. ومن أشهر هؤلاء هدبة بن خشرم رواية الحطيئة، وجميل رواية هدبة، وكثير رواية جميل، وأبو شفقل وعبيد أخو ربيعة بن حنظلة رواية الفرزدق، ومربع رواية جرير والفرزدق معاً، ومحمد بن سهل راوية الكميت، وصالح بن سليمان راوية ذي الرومة وذو الرمة راوية الراعي.
وبقي الأمر كذلك حتى أواخر هذا العصر فاشتعل العلماء بالرواية وصار الراوي منهم يروي لمئات من الشعراء والشواعر وإن لم يكن هو شاعراً وأكثر هؤلاء العلماء من الرواة أدرك عصر بني العباس فيذكر فيه. ومع تشدد الناس في تصحيح الرواية سنة وأدباً حدث في الشعر والخطب كثير من التصحيف والتحريف والنقص والزيادة ونحو ذلك.
(2/154)

العصر الثالث عصر الدولة العباسية من 132 656 هـ "أحوال اللغة العربية وآدابها في ذلك العصر"
كان بنو أمية شديدي التعصب للعرب والعربية، فكان كل شيء في دولتهم عربي الصبغة، وكانت جمهرة العرب منتشرة في كل مكان امتد إليه سلطانها فلما قامت الدولة العباسية بدعوتها، لم تجد لها من العرب أنصاراً وأعواناً مثل من وجدت من الفرس وأمم الأعاجم، فاكتسحت بهم دولة بني أمية وأسست دولة قوية كان أكثر النفوذ فيها للموالي. فاستخدمهم الخلفاء والأمراء في كل شيء من سقاية الماء إلى قيادة الجيوش والوزارة، وابتدأ شأن العرب السياسي يتضاءل من ذلك الحين شيئاً فشيئاً واختلطوا بالأعاجم وكان من المجموع شعب ممتزج لغة وعادة وخلقاً فأثر ذلك في اللغة لفظاً ومعنى، وشعراً ونثراً كتابةً وتأليف ولم يظهر ذلك بالطبع في جميع الممالك بنسبة واحدة بل كان في أواسط آسيا أظهر منه في مصر الشام. أما حال ممالك الغرب والأندلس صدر في هذا العصر فلم يبعد كثيراً عما كان عليه في العصر الماضي ثم سرت إليها عدوى تقليدها للمشارقة في أكثر الأمور.
(2/155)

ويمكن إرجاع جميع هذه التغيرات إلى ثلاثة أمور "الأول" ما يتعلق بالأغراض التي تؤديها اللغة "الثاني" ما يتعلق بالمعاني والأفكار "الثالث" ما يتعلق بالألفاظ والأساليب.

أغراض اللغة
لما قامت الدولة العباسية وتشبّه الخلفاء بملوك الفرس في أكثر أمور السياسة والمعيشة، وحاكتهم العامة في ذلك بتقليد أمثالهم من طبقات الأعاجم، تناولت اللغة في المشرق أغراضاً لم تعهد فيها من قبل بنقل علوم تلك الأمم وآدابها وعاداتها وطرق معيشتها. ثم تناولت هذه الأغراض في الغرب بعدئذٍ بفرق يسير فكان من تلك الأغراض ما يأتي: (1) تدوين العلوم الشرعية واللسانية والعقلية ولم يدون في صدر الإسلام من ذلك إلا نذر يسير، وكذا الترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية.
(2) تأدية مقاصد الصناعات المختلفة، وخاصة بعد دخول العرب في غمار الصناع وبعد تغرب الأعاجم.
(3) تأدية المقاصد التي استدعاها الانغماس في الترف بلذائد الحضارة التي جرت فيها الأمم عصر الدولة العباسية إلى أمد بعيد، أو اقتضاها نظام الملك والدفاع عنه. كالإمعان في وصف الأشياء النفسية مما لم يعرف للعرب في صدر الإسلام أو عرف وكان قليلاً ممقوتاً صاحبه، وكوصف البحر والأساطيل الحربية والمعارك البحرية. وامتاز بأكثر من ذلك المغرب والأندلس كما امتازت الأندلس بالإجادة في وصف مناظر الطبيعة ومحاسن الوجود لملائمة بيئتها لذلك، وكادت تلحق بها في الوصف صقلية وأفريقية إبان ازدهائهما.
(4) تأدية مقاصد أنواع الخلاعة والسخرية مما قل نظيره في صدر الإسلام.
(5) المحاضرة والمناظرة والبحث والجدل وتدريس العلوم.
(2/156)

المعاني والأفكار
إن ما حدث في مشارق الممالك الإسلامية ومغاربها أثناء العصر العباسي من الانقلابات السياسية والاجتماعية كان له نتيجة ظاهرة في الحركة الفكرية للمتكلمين بالعربية ظهر ذلك في عباراتهم وأشعارهم بصور مختلفة. فمنها: (1) ازدياد شيوع المعاني الدقيقة، والتصورات الجميلة، والأخيلة البديعة.
(2) التعويل على القياس والتعليل في الأحكام الفردية: بالإكثار من الحجج والبراهين العقلية وانتحاء مذاهب الفلسفة في الشعر والكتابة والتدريس ولا سيما بعد عصر الترجمة وأكثر ما كان ذلك بالمشرق وقلما عني به أهل المغرب.
(3) التهويل والغلو في التفخيم المقتبس في المشرق من اللغة الفارسية والساري بعضه بالعدوى إلى أهل المغرب والأندلس.

الألفاظ والأساليب
غلب على عبارة اللغة العربية في هذه المدة أمران عظيمان: السهولة والمحسنات البديعية. ويشمل ذلك على ما يأتي: (1) انتقاء الألفاظ الرشيقة السهلة وقلة الحاجة إلى الارتجال.
(2) ازدياد الميل إلى استعمال ألفاظ القرآن والاقتباس منه والاستشهاد به.
(3) الإكثار من ألفاظ المجاز والتشبيه والتمثيل والكناية والمحسنات اللفظية.
(4) التوسع في إدخال ألقاب التعظيم على أسماء الخلفاء والأمراء والعظماء.
(5) تفاقم الخطب في استعمال الكلمات الأعجمية في كثير من الأشياء.
(6) وضع اصطلاحات العلوم والفنون والصناعات ودار الحكومة وغيرها.
(7) التأنق في صوغ العبارات وتوثيق الربط بينهما والميل إلى استعمال السجع.
(8) التطرف إلى غاية حدي الأطناب والإيجاز ولكل منهما مقام.
(9) حدوث لغة تأليفية لتعليم العلوم تقاس بمعيار المنطق لا بمعيار البلاغة.
(2/157)

وإذا كانت اللغة إما نثراً وإما شعراً والنثر محادثة، وخطابة، وكتابة، فاحفظ ما يتلى عليك.

النثر المحادثة أو (لغة التخاطب)
إن لغة التخاطب بين الخاصة من العرب في أواخر العصر الماضي كانت العربية الفصيحة الخالية من اللحن إلا من آحاد عيروا به، وأن لغة العامة والسوقة من العرب المختلطين بالعجم هي العربية المشوبة بشيء من اللحن، ولغة المتعربين من العجم تقل عن هذه في الفصاحة، وتزيد عليها في اللحن بمراتب مختلفة.
فلما تم امتزاج العرب بالعجم عصر الدولة العباسية، تكونت بين العامة في البلاد التي تكثر فيها جمهرة العرب لغات تخاطب علمية، إلا بين أهل جزيرة العرب، فلم يزل تخاطبهم باللسان العربي الفصيح إلى أواسط القرن الرابع. وبقيت لغات التخاطب في البلاد التي تقل فيها جاليتهم هي اللغات الوطنية الأعجمية ممزوجة ببعض الألفاظ العربية التي أدخلها عليها الإسلام.
وخاف الخلفاء والخاصة من هول تغلب العامية على الفصيحة فيستغلق على المسلمين فهم الكتاب والسنة وهما كل الدين، فحرضوا العلماء على تدوين اللغة والإكثار من العناية بضبط النحو وفنون البلاغة، ولكن ذلك كله لم يوقف تيار العامية الزاخر، واستمر في طغيانه إلى أن غلب في النصف الأخير من عصر هذه الدولة على جميع لغات التخاطب، حتى لغة الخلفاء وعلماء العربية أنفسهم وأصبح لكل بلاد عربية لغة تخاطب عامية خاصة بها، ولكن لم تصبح العامية لغة علم وأدب، كما وأن ذلك لم يكن طويل الأمد.

الخطابة والخطباء
لما كان قيام الدولة العباسية في المشرق والإدريسية في المغرب الأقصى
(2/158)

والأموية الثانية في الأندلس، من الأمور التي ينشأ عنها كثير من الانقلابات السياسية والمذهبية والاجتماعية. وكان ذلك يستدعي تأليف العصابات ودعوة الناس إلى التشيع لأصحاب الأحزاب كانت دواعي الخطابة متوافرة لتوافر أسبابها. فكان بين قواد هذه الدول ودعاتها وخلفائها ورؤساء وفودها خطباء مصاقع، ثم لما فترت هذه الدواعي باستقرار الدول. واشتد اختلاط العرب بالأعاجم. وتولى كثير من الموالي قيادة الجيوش وعمالة الولايات والمواسم، ضعف شأن الخطابة لضعف قدرتهم عليها، فلم يمض قرن ونصف من قيام تلك الدول حتى بطل شأن الخطابة إلا قليلاً في المغرب أيام الحفل وقدوم الوفود وبقيت الخطابة قاصرة على خطب الجمعة والعيدين والمواسم وخطب الزواج ونحو ذلك. وقل فيها الارتجال أو عدم جملةً، وحل محل الخطابة في الأمور السياسية نشر المنشورات، وفي الأمور الدينية مجالس الوعظ والتدريس في المساجد والمدارس، واشتهر في صدر الدولة العباسية خطباء أشهرهم داود بن علي، وشيب بن شيبة.

داود بن علي
هو داود بن علي بن عبد الله بن عباس خطيب بني العباس، وأحد مؤسسي دولتهم، نشأ هو وأخوته (وكانوا اثنين وعشرين رجلاً) في قرية الحميمة من أعمال عمّان، وكان الوليد بن عبد الملك أجلى علي بن عبد الله بن عباس وأهل بيته إليها سنة 95 هـ غضباً عليه.
وكان داود أحد النابغين من إخوانه، وكان بليغهم ولسانهم وأخطبهم في وقته. وعاجلته منيته قبل أن يستطير سلطانه في الدولة. ولاه أبو العباس عقب بيعته بالكوفة ولاية الكوفة وسوادها، ثم ولاه إمارة الحج في هذه السنة وولاه معها ولاية الحجاز واليمن واليمامة، فقتل من ظفر به من بني أمية في مكة والمدينة سنة 132هـ وهو أول موسم ملكه بنو العباس وخطبهم الخطبة الآتية وهي
(2/159)

(شكراً شكراً، إنا والله ما خرجنا لنحفر فيكم نهراً ولا لنبني فيكم قصراً أظن عدو الله أن لن نقدر عليه إن روخى له من خطامه، حتى عثر في فضل زمامه، فالآن حيث أخذ القوس باريها وعاد القوس إلى النزعة، ورجع الملك في نصابه، في أهل بيت النبوة والرحمة، (والله قد كنا نتوجع لكم ونحن في فرشنا) أمن الأسود والأحمر لكم ذمة الله، لكم ذمة رسول الله (، لكم ذمة العباس، لا ورب هذه البنية وأومأ بيده إلى الكعبة لا نهيج منكم أحداً) .

شبيب بن شيبة
هو شبيب بن شيبة بن عبد الله المنقري التميمي خطيب البصرة ونشأ بها وامتاز بنبالة نفس وسخاء كف. وحسن تواضع ونزاهة لسان كما امتاز بخطبه القصيرة البليغة القريبة من حد الإعجاز. قال الجاحظ: يقال أنهم لم يروا خطيباً كشبيب بن شيبة. فما ابتدأ بحلاوة ورشاقة وسهولة وعذوبة. فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره وقد يطول حتى يقول فيه الراجز:
إن غدت سعد على شبيبها ... على فتاها وعلى خطيبها
من مطلع الشمس إلى مغيبها ... عجبت من كثرتها وطيبها
وعرف شبيب أبا جعفر المنصور قبل خلافته ثم اتصل به بعدها. فجعله في حاشية ولي عهده المهدي. وبقي كذلك حتى ولي المهدي الخلافة فصار من خيرة سماره وجلسائه إلى أن مات في خلافته سنة 165هـ.
ومن خطبه القصار ما عزى به المهدي يوم ماتت ابنته البانوقة وجزع
(2/160)

عليها جزعاً شديداً: "أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجراً. وأعقبك صبراً ولا أجهد الله بلاءك بنقمه ولا نزع منك نعمه، ثواب الله خير لك منها ورحمة الله خير لها منك، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده".

الكتابة خطية وإنشائية
الخط: تنوع في هذا العصر الخط الكوفي إلى أنواع أربت على خمسين نوعاً ومن أشهرها المحرر والمشجر والمربع والمدور والمتداخل. وبقي مستعملاً في المباني والسكة إلى حدود الألف. ثم نسي جملة وقد جددت منه أنواع في عصرنا أما تاريخ خطنا المستعمل الآن فحدث في آخر الدولة الأموية أن استنبط "قطبة المحرر" من الخط الكوفي والحجازي خطاً هو أساس الخط الذي يكتب به الآن واخترع القلم الجليل الذي يكتب به على المباني ونحوها. وقلم الطومار (الورقة الكبيرة) وهو أصغر أنواع الجليل وحسن عمله غيره من كتاب صدر الدولة العباسية حتى ظهر إبراهيم الشخري وأخوه يوسف من كتاب أواخر القرن الثاني: فولد إبراهيم من الجليل قلم الثلثين وولد يوسف من الجليل القلم الرياسي وهو قلم التوقيع.
وعن إبراهيم أخذ الأحوال المحرر من (صنائع البرامكة) واخترع قلم النصف. هذه هي أشهر الخطوط وقد تولد منها نحو من 20 خطاً يختص كل منها بغرض خاص. واتفقوا على أن طول الألف يعتبر معياراً لارتفاع بقية الحروف. وأن يكون طول الألف مربع مقدار قطعة القلم.
وعن الأحول: أخذ منهدس الخط الأعظم الوزير "أبو علي محمد بن مقلة" وأخوه أبو عبد الله الحسن المتوفى سنة 338هـ وهما اللذان تم على أيديهما هندسة خط النسخ والجليل وفروعه على الأشكال التي نعرفها الآن وأتما العمل الذي بدأ به "قطبة" فهندسا الحروف وقدرا مقاييسهما وأبعادهما وضبطاها
(2/161)

ضبطاً محكماً واخترعا له القواعد وعن الوزير ابن مقلة أخذ أبو عبد الله محمد بن أسد القارئ المتوفى سنة 410هـ. وعنه أخذ أبو الحسن علي بن هلال البغدادي المعروف بابن البواب المتوفى سنة 413هـ وهو الذي أكمل قواعد الخط واخترع عدة أقلام وإليه انتهت الغاية. وكل من جاء بعده فهو تابع لطريقته: كأمين الدين ياقوت الملكي المتوفى سنة 618هـ كاتب السلطان ملكشاه السلجوقي. أم الأندلسيون والمغاربة فلم يعبئوا بهذا الإصلاح وبقوا يكتبون على طريقة الخط الحجازي إلى الآن بنوع من التعديل. واخترع الخليل الشكل المستعمل الآن بان كتب الضمة واواً صغيرة تكتب فوق الحرف والفتحة ألفاً والكسرة ياءً والشدة رأس شين والسكون رأس خاء وهمزة القطع رأس عين ثم اختزل شكلها وزيد عليها حتى آلت إلى الشكل المعروف الآن.
وهاك ترجمة الخطاط المتفنن المشهور.

ابن مقلة
هو الوزير أبو علي محمد بن علي بن الحسن بن مقلة إمام الخطاطين وأحد كبار الكتاب البارعين، أخذ الخط عن الأحوال المحرر صنيعه البرامكة وتم على يديه ويدي أخيه الحسن نقل الخط من الكوفي إلى الشكل المعروف في زماننا. وكان ابن مقلة يتولى في أول أمره بعض أعمال فارس ويجبي خراجها وتنقلت به الأحوال إلى استوزره الإمام المقتدر بالله سنة 316 ثم كاد له أعداؤه عنده، فقبض عليه سنة 318هـ ونفاه إلى فارس. ثم وزر للراضي فوشى به أعداؤه عنده فقبض عليه وعزل ثم أطمعه نحسه أن يكيد لابن رائق أمير الأمراء ببغداد سنة 328هـ ومن قوله في تلك الحوادث:
إذا مات بعضك فابك بعضاً ... فإن البعض من بعض قريب
(2/162)

وقوله:
ما سئمت الحياة لكن توثّق ... ت بأيمانهم فبانت يميني
بعت ديني لهم بدنياي حتى ... حرموني دنياهمو بعد ديني
ولقد حطت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني
ليس بعد اليمين لذة عيش ... يا حياتي بانت يميني فبيني

الكتابة الإنشائية في الرسائل الديوانية والإخوانية
كانت كتابة الرسائل في أوائل حكم بني العباس جارية على نظام كتابتها في أواخر عهد بني أمية، سالكة الطريق التي سلكها عبد الحميد وابن المقفع والقاسم بن صبيح وعمارة بن حمزة ونظراؤهم: من العناية بجمل عبارتها جزلة بليغة متناسقة الوضوع والأسلوب، وبقيت كذلك بل زادت حسناً وجمالاً ومراعاة لمقتضى الحال إلى أوائل القرن الرابع. ثم أخذت الصناعات اللفظية تغلب عليها تدريجياً بتضاؤل ملكة البلاغة في الكتاب وتقاصر هممهم عن استيفاء أداتها: لتغلب الأعاجم من الديلم البويهيين والترك السلجوقيين على سلطان الخلفاء في الشرق، وتغلب البربر على شمالي أفريقية والأندلس في الغرب، فلم يعد في الملوك والأمراء من يعينهم أمر العربية وبلاغتها. ومازالت كذلك حتى سقطت الدولة العباسية على أيدي الأعاجم من التتار فكان ذلك ابتداء اضمحلال الكتابة واللغة.
الكتّاب كان أكثر كتاب المشرق في هذا العصر من سلائل فارسية أو سوادية وقد بلغوا بحذقهم سياسة الملك ونبوغهم في البلاغة أن ارتقوا عند خلفاء العباسيين إلى مرتبة الوزارة. وأول كاتب منهم ارتقى إليها هو أبو سلمة الخلال. وأشهر من
(2/163)

بلغ نفوذه وسلطانه مبلغاً زاحم فيه الخليفة يحيى بن خالد بن برمك وابناه جعفر والفضل، ثم محمد بن الزيات في زمن المعتصم والواثق. وكان كتاب الأندلس والمغرب أكثرهم من سلائل عربية. ومن أشهر كتاب هذا العصر في الشرق ابن المقفع، ويحيى بن خالد بن برمك. وابناه: جعفر والفضل، وإسماعيل بن صبيح، وعمرو بن مسعدة، وأحمد بن يوسف، وابن الزيات. والحسن بن وهب وعلي بن الفرات، وابن مقلة، وابن العميد، والصاحب بن عباد، وأبو بكر الخوارزمي، والبديع، والصابي، والعماد الكاتب، والقاضي الفاضل.
ومن أشهر كتابه في الأندلس ابن شهيد، وأبو المطرف بن عميرة، ولسان الدين بن الخطيب.

ابن المقفع
هو أبو محمد عبد الله بن المقفع أحد فحول البلاغة وثاني اثنين مهدا للناس طريق الترسل. ورفعا لهم معالم صناعة الإنشاء أولهما "عبد الحميد".
نشأ ابن المقفع بين أحياء العرب. فكان أبوه داذويه المقفع الفارسي يعمل في جباية الخراج لولاة العراق من قبل بني أمية، وهو على دين المجوسية وولد له ابنه هذا حوالي سنة 106هـ وسماه (روزبة) فنشأ بالبصرة. وهي يومئذ حلبة العرب ومنتدى البلغاء والخطباء والشعراء. فكان لكل ذلك (فوق ذكائه المفرط تأديب أبيه له) أعظم أثر في تربيته وتهيئته لأن يصير من أكبر كتاب العربية وعلمائها وأدبائها والمترجمين إليها. وقد أسلم بمحضر من الناس وتسمّى (عبد الله) وتكنى بأبي محمد، وكان نادرة في الذكاء غاية في جمع علوم اللغة والحكمة وتاريخ الفرس متأدباً متعففاً قليل الاختلاط إلا بمن على شاكلته كثير الوفاء لأصحابه.
وكان أمة في البلاغة ورصانة القول وشرف المعاني إلى بيان غرض وسهولة
(2/164)

لفظ ورشاقة أسلوب. ولا توصف بلاغته بأحسن مما وصف هو البلاغة حيث يقول: (البلاغة هي التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها) .
ومن رسائله أنه عزى بعضهم فقال: أما بعد: فإن أمر الآخرة والدنيا بيد الله هو يدبرهما ويقضي فيهما ما يشاء لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه فإن الله خلق الخلق بقدرته. ثم كتب عليهم الموت بعد الحياة لئلا يطمع أحد من خلقه في خلد الدنيا ووقت لكل شيء ميقات أجل لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون فليس أحد من خلقه إلا وهو مستيقن بالموت لا يرجو أن يخلصه من ذلك أحد. نسأل الله تعالى خير المنقلب وبلغني وفاة فلان فكانت وفاته من المصائب العظام التي يحتسب ثوابها من ربنا الذي إليه منقلبنا ومعادنا وعليه ثوابنا.
فعليك بتقوى الله والصبر وحسن الظن بالله فإنه جعل لأهل الصبر صلوات منه ورحمة وجعلهم من المهتدين.
وقد ترجم كتباً عديدة من أشهرها كتاب كليلة ودمنة وقيل إن هذا الكتاب من وضع ابن المقفع وهو قول مقبول لا بأس به: وله كتاب الأدب الكبير والأدب الصغير والدرة اليتيمة. وقتله والي البصرة سفيان بن معاوية سنة 142هـ لاتهامه بالزندقة والكيد للإسلام بترجمة كتب الزندقة.

إبراهيم الصولي
هو أبو إسحاق إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول كاتب العراق وأشعر أصحاب المقطعات. نشأ ببغداد فتلقى العلم والأدب عن أئمة زمانه، واشتغل بالشعر في حدثاته، فبرع فيه، وتكسب به. ورحل إلى العمال والأمراء يمدحهم ويستميح جدواهم. ثم قصد الفضل بن سهل وزير المأمون أيام مقامه معه
(2/165)

بخراسان ومدحه فوهب له ولي العهد عشرة آلاف درهم. وجعله الفضل كاتباً لأحد قواده وبقي يتنقل في أعمال النواحي والدواوين حتى كان زمن الواثق عاملاً على الأهواز فتحامل عليه وزيره ابن الزيات فعزله وسجنه بها. فكتب إليه يستعطفه، فلم يزدد بذلك إلا جفاء وغلظة، ثم اطلع الواثق على ذلك فأطلقه. وتولى ديوان الضياع والنفقات في خلافة المتوكل ومات سنة 242هـ ومن رسائل تعزية عن لسان المنتصر بالله إلى طاهر بن عبد الله مولى أمير المؤمنين "أما بعد" تولى الله توفيقك وحياطتك. وما يرتضيه منك ويرضاه عنك إن أفضل النعم نعمة تلقيت بحق الله فيها من الشكر وأوفر حادثة ثواباً حادثة أدي حق الله فيها من الرضا والتسليم والصبر ومثلك من قدم ما يجب الله عليه في نعمة فشكرها وفي مصيبة فأطاعه فيها وقد قضى الله سبحانه وتعالى في محمد ابن إسحاق مولى أمير المؤمنين "عفا الله عنه" قضاءه السابق والموقع. وفي ثواب الله ورضا أمير المؤمنين "أدام الله عزه" وتقديم ما يعدم مثله أهل الحجا والفهم ما اعتاضه معتاض وقدمه موفق فليكن الله "عز وجل" وما أطعته به وقدمت حقة فيه أولى بك في الأمور كلها فإنك تتقرب إليه في المكروه بطاعته يحسن ولايتك في توفيقك لشكر نعمه عندك.

ابن العميد
هو الأستاذ الرئيس الوزير أبو الفضل محمد بن الحسين العميد كاتب المشرق وعماد ملك آل بويه وصدر وزراهم: نشأ شغوفاً بمعرفة العلوم العقلية واللسانية فبرع في علوم الحكمة والنجوم ونبغ في الأدب والكتابة حتى قيل فيه. (بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد) ثم رحل عن أبيه إلى آل بويه وتقلد شريف الأعمال في دولتهم إلى أن تولى وزارة
(2/166)

ركن الدولة سنة 328 فساس دولته ووطد أركانها وتشبه بالبرامكة ففتح بابه للعلماء والفلاسفة والشعراء والأدباء وكان يشاركهم في كل ما يعملون إلا الفقه وما زال في وزارته محط الرحال وكعبة الآمال حتى توفي سنة 360هـ.
ومن رسائله: كتابي إليك وأنا بحال لو لم ينغصها الشوق إليك ولم يرنق صفوها النزوع نحوك لعددتها من الأحوال الجميلة، وأعددت حظي منها في النعم الجليلة. فقد جمعت فيها بين سلامة عامة. ونعمة تامة. وحظيت منها في جسمي بصلاح وفي سعيي بنجاح، لكن ما بقي أن يصفو لي عيش مع بعدي عنك ويخلو ذرعي مع خلوي منك، ويسوغ لي مطعم ومشرب مع انفرادي دونك وكيف أطمع في ذلك وأنت جزء من نفسي وناظم لشمل أنسي وقد حرمت رؤيتك وعدمت مشاهدتك وهل تسكن نفس متشعبة ذات انقسام وينفع أنس بيت بلا نظام، وقد قرأت كتابك جعلني الله فداك فامتلأت سروراً بملاحظة خطك وتأمل تصرفك في لفظك وما أقرظهما فكل خصالك مقرظ عندي. وما أمدحهما فكل أمر ممدوح في ضميري وعقلي.
(2/167)

وأرجو أن تكون حقيقة أمرك موافقة لتقديري فيك فإن كان كذلك وإلا فقد غطى هواك وما ألقي على بصري.

الصاحب بن عباد
هو كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن عباد وزير آل بويه.
ولد سنة 326هـ بطالقان قزوين. وتعلم العلم والأدب من أبيه، ثم اتصل بابن العميد، فلزم صحبته وأخذ عنه الأدب، وتولى له كتابة خاصته ثم تنقلت به الأحوال في خدمة ملوك بني بويه، فكان وزيراً لمؤيد الدولة ثم لأخيه فخر الدولة، وله في ملكهما اليد المطلقة والأمر النافذ حتى مات سنة 385هـ. ويعد ابن عباد في الكتابة ثاني ابن العميد في حلبته وأبلغ من سلك طريقته، غير أنه أولع بالسجع والجناس، ولا يعرف بعدهما من بلغ بشرف العلم والأدب مبلغهما، ولا حل من شرف الملك والسلطان بمهنة الكتابة منزلتهما، ومن رسائله ما كتب به إلى بعض السادة وقد أهدى إلى ابن عباد مصحفاً.
البر "أدام الله السيد" أنواع، تطول به أبواع، وتقصر عنه أبواع فإن لم يكن فيما هو أكرم منصباً وأشرف منسباً فتحفة السيد إذا أهدى ما لا تشاكله النعم ولا تعادله القيم: كتاب الله وبيانه وكلامه وفرقانه ووحيه وتنزيله وهداه وسبيله ومعجز رسول الله (ودليله طبع دون معارضة على الشفاه وختم على الخواطر والأفواه فقصر عنه الثقلان وبقي ما بقي الملوان. لائح سراجه. واضح منهاجه. منير دليله. عميق تأويله يقصم كل شيطان مريد ويذل كل جبار عنيد، وفضائل القرآن لا تحصى في مطولات الأسفار فأصف الخط الذي بهر الطرف وفاق الوصف وجمع صحة الأقسام وزاد في نخوة الأقلام بل أصفه بترك الوصف فأخباره
(2/168)

آثاره وعينه فراره وحقاً أقول إني لا أحسب أحداً ما خلا الملوك جمع من المصاحف ما جمعت وابتدع في استكتابها ما ابتدعت، وإن هذا المصحف لزائد عن جميعها زيادة الفرع على الغرة بل زيادة الحج على العمرة.

أبو بكر الخوارزمي
هو أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي الكاتب الشاعر اللغوي الأديب الرحالة ولد بخوارزم سنة 323هـ ونشأ بها وكان ضليعاً في كل فن من فنون العربية وخاصة الكتابة والشعر.
جاب الأقطار ودخل الأمصار من الشام إلى أقصى خراسان في استفادة العلم والأدب وإفادتهما: وكان كثير الحفظ للشعر غزير المادة من اللغة.
وتقلب الخوارزمي في خدمة كثير من الملوك والأمراء والوزراء حتى ألقى عصا التسيار بمدينة نيسابور وطاب عيشه بها إلى أن مني في آخر أيامه بمساجلة بديع الزمان الهمذاني ومناظرته ومناضلته وأعانه عليه قوم من أعيان البلدة ووجوهها فانخذل الخوارزمي انخذالاً شديداً وكسف باله ولم يحل عليه الحول حتى مات سنة 383هـ.
وكان الخوارزمي ممن يجري على طريقة ابن العميد في الكتابة متوخياً جزالة الألفاظ محتفلاً بصحة المعاني مع ميل فيه إلى الغريب، وتقدم له كثير من الرسائل.

بديع الزمان الهمذاني
هو أبو الفضل أحمد بن الحسين الكاتب المترسل والشاعر المبدع: حافظ عصره. نشأ بهمذان ودرس العربية والأدب ونبغ فيهما وضرب في الأرض يتكسب بأدبه ثم أقام بنيسابور مدة أملى بها أربعمائة مقامة بلفظ رشيق وسجع رقيق، وعلى منوالها نسج الحريري. ثم شجر بينه وبين
(2/169)

الخوارزمي ما كان سبباً في هبوب ريحه وبعد صيته إذ لم يكن في الحسبان أن أحداً يجترئ على الخوارزمي.
وبموت الخوارزمي خلا له الجو عند الملوك والأمراء، فتجول في حواضرهم، ثم استوطن هراة وصاهر أحد أعيانها العلماء، فحسنت حاله، ونعم باله، وبكن المنية عاجلته وهو في سن الأربعين سنة 398هـ وتقدم له كثير من الرسائل والمقدمات.

ابن زيدون
هو الكاتب الشاعر ذو الوزارتين أبو الوليد أحمد بن عبد الله المشهور بابن زيدون المخزومي الأندلسي. نشأ في مدينة قرطبة وتأدب على كبار أئمتها وقال الشعر وأجاده، ولما نبه شأنه بين شعراء قرطبة اتصل بأبي وليد بن جهور أحد ملوك الطوائف، فحظي عنده ومدحه حتى أصبح لسان دولته الناطق، وحسامها المسلول. فأفسد أعداؤه ما بينه وبين ابن جهور، فاعتقله ومكث في محسبه مدة استشفع فيها بقصائد أبدعها، ورسائل استنفذ فيها جهده، فما ألانت له قلباً فأعمل الحيلة في فراره من سجنه، وخلص إلى المعتضد بن عباد ملك إشبيلية إذ كان أشد ملوك الطوائف رغبة فيه وأكثرهم تمسكاً بالأدباء، فألقى إليه مقاليد وزارته، وأصبح صاحب أمره ونهيه، ولما مات المعتضد وخلفه ابنه المعتمد كان له كما كان أبوه. وأغدق عليه بره ونعمته.
ومكث ابن زيدون على هذه الحال حتى مات بإشبيلية سنة 463هـ (راجع رسالة الجدية في فن المكاتبات إذا شئت) .

القاضي الفاضل
هو أبو علي عبد الرحيم البيساني اللخمي ولد بمدينة عسقلان سنة 529 وتعلم على أبيه وغيره. قدم مصر وهو شاب أواخر الدولة الفاطمية
(2/170)

وتعلم في ديوان ابن حديد قاضي الإسكندرية. وظهر فضله فيما كان يرسله إلى القاهرة من الرسائل فاستقدم أيام الظافر إليها، وكان من كتاب ديوانه، ولازم خدمة أكابر القضاة والكتاب في الديوان، وأخذ عنهم، وحاكاهم بل فاقهم فصاحة وبلاغة لسعة اطلاعه وغزارة مادته وسرعة بديهته وصفاء خاطره.
ولما سقطت الدولة الفاطمية تولى وزارة صلاح الدين بن أيوب، وكان يتردد بين مصر والشام في الحروب الصليبية، ودبر المملكة أحسن تدبير وبقي في الوزارة حتى مات صلاح الدين فوزره لابنه العزيز على مصر. ثم وزر من بعده لأخيه ومات سنة 569 هـ.
ومن رسائله القصيرة رسالة كتبها على يد خطيب عيذاب إلى صلاح الدين يتشفع له في توليه خطابة الكرك وهي: أدام الله السلطان الملك الناصر وثبته، وتقبل عمله بقبول صالح وأثبته وأخذ عدوه قائلاً أو بيته، وأرغم أنفه بسيفه وكبته.
خدمة المملوك هذه واردة على يد خطيب عيذاب. ولما نبا بن المنزل عنها وقل عليه المرفق منها. وسمع هذه الفتوحات التي طبق الأرض ذكرها. ووجب على أهلها شكرها، هاجر من هجير عيذاب وملحها. سارياً في ليلة أمل كلها نهار فلا يسأل عن صبحها قد رغب في خطابة الكرك وهو خطيب، وتوسل بالمملوك في هذا المتلمس وهو قريب، ونزع من مصر إلى الشام وعن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب والفقر سائق عنيف، والمذكور عائل ضعيف ولطف الله بالخلق بوجود مولانا لطيف والسلام.

التدوين والتصنيف
كانت الحاجة إلى التدوين قد اشتدت في مبدأ الدولة العباسية لاتساع ممالك الإسلام فهب العلماء إلى تهذيب ما كتب في الصحف المتفرقة وما حفظوه في
(2/171)

الصدور ورتبوه وبوبوه وصنفوه كتباً، وكان من أقوى الأسباب لإقبال العلماء على التصنيف حث الخليفة أبي جعفر المنصور عليه وحمله الأئمة والفقهاء على جمع الحديث والفقه ولم يقتصر على معاضدة العلوم الإسلامية بل أوعز إلى العلماء والمترجمين أن ينقلوا إلى العربية من الفارسية واليونانية فنون الطب والسياسة والحكمة والفلك والتنجيم والآداب، وتابعه في ذلك أولاده وأحفاده حتى زخرت بحور العلم واخترعت الفنون وتفرعت المسائل ودونت الكتب في كل فن.

كتابة التصنيف والتدوين
وكانت كتابة التصنيف والتدوين في القرن الأول وبعض الثاني من النهضة عبارة عن سلسلة من الروايات المسندة إلى رواتها، وبعضها يروى بلفظ أصحابها غالباً: كما في الشعر والخطب والرسائل، وبعضها بلفظ الراوي كما في أخبار الفتوح والتاريخ والقصص، ثم ظهرت بعد ذلك في العلوم الشرعية واللسانية طبقات الاستنباط والتعليل والتفريع والشرح والاختصار وجمع الفروع تحت كليات عامة فلم يكن للمؤلفين بد من حذف أسانيد الروايات وترك المحافظة على نقلها بلفظها إلا في الحديث ونحوه.
أما كتب العلوم المترجمة فكانت عبارتها هي تفسير ألفاظها الأعجمية بالعربية، ولم تكن ترجمتها جيدة في عصر المنصور، ثم صححت ترجمتها في زمن الرشيد والمأمون. ثم لما أتقن كثير من فلاسفة المسلمين هذه العلوم كتبوا فيها بعبارتهم، وكانت أول أمرها بليغة مفهومة ثم عموها على بعض الفقهاء المفكرين لهم والمغرين الأمراء والسلاطين بقتلهم، حتى أصبحت عبارة كتب الفلسفة والتوحيد أصعب ما يقرأ باللسان العربي.

العلوم اللسانية ونشأتها
العلوم اللسانية هي الأدب، والتاريخ، والعروض، والنحو، واللغة، والبلاغة.
(2/172)

علم الأدب: كانت كتبه في أول هذا العصر رسائل يبحث كل منها في ضرب خاص من ضروبه، كرسائل ابن المقفع ورسائل سهل بن هارون في الأخلاق وكتاب النوادر، وكتاب الأراجيز، وكتاب الشعر للأصمعي، وكتاب الشعر والشعراء لأبي عبيدة، وإذا تابعنا من يقول إن ابن المقفع هو الذي ابتدع كتاب كليلة ودمنة ونحلة الهند والفرس كان هذا الكتاب أول كتاب ظهر في الأدب العربي الخاص بموضوع واحد: وأول كتاب ظهر فيه جامع لفنون كثيرة منه كتاب البيان والتبيين. وكتاب الحيوان للجاحظ، واقتفى أثره أحمد بن طيفور في كتابه العظيم المنظوم والمنثور في أربعة عشر جزءاً.
ثم أبو العباس محمد المبرد، في الكامل والروضة، ثم أبو حنيفة الدينوري. وأبو بكر محمد الصولي. وابن قتيبة صاحب أدب الكاتب. وابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، وأبو علي القالي صاحب الأمالي، وأبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني وغيرهم، ومن أشهر المؤلفين في الأدب الجاحظ، وأحمد بن عبد ربه، والحريري: وهاهي ترجمتهم.

الجاحظ
هو إمام الأدب أبو عثمان عمرو بن الجاحظ بن بحر بن محبوب الكناني البصري. ولد حوالي سنة 160 بمدينة البصرة. ونشأ بها فتناول كل فن ومارس كل علم عرف في زمانه مما وضع في الإسلام أو نقل عن الأمم الأوائل فاصبح له مشاركة في علم كل ما يقع عليه الحس أو يخطر بالبال فهو راوية متكلم فيلسوف كاتب مصنف مترسل شاعر مؤرخ عالم بالحيوان والنبات والموات، واصف لأحوال الناس ووجوه معايشهم واضطرابهم وأخلاقهم وحيلهم إلا أنه غلب عليه أمران: الكلام على طريقة المعتزلة: والأدب الممزوج بالفلسفة والفكاهة: وكان غاية في الذكاء ودقة الحس وحسن
(2/173)

الفراسة: وكان سمحاً جواداً كثير المواساة لأخوانه: وكان على دمامة خلقه وتناقض خلقه خفيف الروح فكه المجلس غاية في الظرف وطيب الفكاهة وحلاوة الكلام، وهو على الجملة أحد أفذاذ العالم وإحدى حجج اللسان العربي، وأقام الجاحظ أكثر عمره بالبصرة يعيش معيشة الأدباء والعلماء محسوباً لولاتها وأعيانها محبواً منهم بالعطايا والمنح بما يصنفه لهم من الكتب المتفقه مع أهوائهم المختلفة، وكان كثير الانتجاع للخلفاء ببغداد وسر من رأى حتى فلج بالبصرة وبقي مفلوجاً بها مدة إلى أن انتقل إلى بغداد فمات بها ودفن بمقبرة الخيزران (أم الرشيد) سنة 255 هـ، وله أكثر من مائتي كتاب.

أحمد بن عبد ربه
هو أديب الأندلس وشاعرها أبو عمر أحمد بن محمد به عبد ربه القرطبي ولد سنة 246 هـ ونشأ بمدينة قرطبة ودرس علوم العربية فنبغ في جميعها. وحفظ منها ما لم يحفظه أحد من علماء زمانه وقرأ رسائل المحدثين من المشارقة وما ترجم من كتب الأوائل في أكثر العلوم، وأودع زبدة ذلك في كتابه "العقد الفريد" وكان يشتغل في حداثته بالشعر ويجري في مضمار اللهو والطرب ونظم في ذلك من القصائد والمقطعات الرقيقة الجميلة ما جعل المتنبي على صلفه وكبره حين سمع شعره يسميه (مليح الأندلس) ثم أقلع في كبرته عن صبوته وأخلص لله في توبته: فاعتد أشعاره التي قالها في الغزل واللهو عملاً باطلاً: وعمل على أعاريضها وقوافيها قصائد في الزهد يعارضها بها، وسماها الممحصات، ونال من خلفاء بني أمية بالأندلس قبولاً وحل عندهم في المكان الأسمى، وبقي بقرطبة رئيساً مسوداً حتى فلج وعاش كذلك عدة سنين ثم مات بها سنة 328 هـ.

الحريري
هو أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري
(2/174)

الكاتب الشاعر اللغوي النحوي صاحب البدائع المأثورة في مقاماته المشهورة التي نسجها على منوال مقامات بديع الزمان الهمذاني وأنشأ خمسين مقامة أتى فيها على كثير من مواد اللغة وفنون الأدب وأمثال العرب وحكمها بعبارة مسجعة مزينة بأنواع البديع، ولا سيما الجناس ترغيباً للطلاب في حفظ اللغة وأدبها وتفكيهاً لهم بمطالعتها وتحل وقائعها أبا زيد السروجي وهو أعربي فصيح من سروج كان قد قدم البصرة وأعجب به علماؤها، وسمى راويها عنها لحارث بن همام (يريد نفسه) وأهداها إلى الوزير جمال الدين بن صدفة وزير المسترشد العباسي، وله غير المقامات شعر كثير ورسائل بديعة وكتب في النحو واللغة منها كتابه: درة الغواص في أوهام الخواص، وملحة الإعراب في النحو، وتوفي بالبصرة سنة 515 هـ.

فن التاريخ
أول ما وضع في التاريخ باللغة العربية الكتاب الذي وضعه عبيد بن شرية لمعاوية وفي صدر الدولة العباسية وضع كثير من العلماء كتباً في التاريخ بأقسامه التي من أشهرها: (1) فن السيرة والمغازي: وأشهر من ألف فيه من الأوائل محمد بن إسحاق.
(2) فن الفتوح: وأشهر من ألف فيه منهم الواقدي والمدائني وأوب مخنف.
(3) فن طبقات الرجال: وأشهر علمائه ابن سعد كاتب الواقدي والبخاري.
(4) فن النسب: وأشهر قدماء علمائه الكلي وابنه.
(5) فن أخبار العرب وأيامها: وأشهر علمائه أبو عبيدة والأصمعي.
(6) قصص الأنبياء: وكتب فيه كثيرون.
(7) تاريخ الملوك: ومن أقدم من كتب فيه ابن قتيبة والهيثم ابن عدي وابن واضح اليعقوبي، ثم شيخ المؤرخين وعمدتهم محمد بن جرير الطبري الجامع كتابه هذه الفنون السابقة مرتباً على حسب السنين الهجرية.
وحاكاه بعده ابن الأثير في تاريخه الكامل.
(2/175)

العروض والقافية
أول من اخترع علم العروض الخليل بن أحمد من غير سابقة تعلم على أستاذ أو تدرج في وضع بل ابتدعه وحصر فيه أوزان العرب في خمسة عشر بحراً وزاد عليها تلميذ تلميذه الأخفش بحراً آخر ثم لم يزد عليها أحد شيئاً يعتد به.
أم القافية فقد كان العلماء قبل الخليل يتكلمون فيها، ولكن الخليل هو أول من فصل الكلام فيها وجعلها علماً مدوناً.

النحو
جاءت الدولة العباسية والنحو علم يدرس في المعاهد ولكن البصريين سبقوا الكوفيين في الاشتغال به كما سبقهم الكوفيون في الاشتغال بالشعر وعلم الصرف.
ومن أكثر الأئمة الذين اشتغلوا بالنحو وهذبوه من البصريين أبو عمرو بن العلاء وتلميذه الخليل وتلميذ الخليل سيبويه الواضع لأول كتاب جامع في النحو ثم بعده الأخفش شارح كتابه.
ومن الكوفيين معاذ الهراء والرواسي وتلميذهما الكسائي وتلميذه الفراء.

علم اللغة
ويسمى متن اللغة، ونعني به معرفة معاني ألفاظهم المفردة. وأول ما وضع الأئمة في رسائل وكتب صغيرة في موضوعات خاصة، فلما ظهر الخليل أحصى ألفاظ اللغة بطريقة حسابية في كتاب، ورتبه على حروف المعجم مقدماً حروف الحلق ومبتدئاً منها بالعين ولذلك سمى معجمه "كتاب العين" ثم ألف أبو بكر بن دريد معجمه العظيم الذي سماه (الجمهرة) مرتباً له على حروف المعجم بترتيبها المعروف الآن. وأدرك عصره الأزهري فألف كتاب (التهذيب) على ترتيب
(2/176)

الخليل ثم وضع الجوهري في كتابه المسمى ب (الصحاح) على ترتيب الجمهرة وابن سيده الأندلسي كتابه (المحكم) على ترتيب الخليل وابن فارس كتابه (المجمل) والصاحب بن عباد كتابه (المحيط) وهذه هي أصول كتب اللغة وما بعدها من ("العباب" و"مجمع البحرين") للصاغاني، و"النهاية" لابن الأثير و"لسان العرب" لابن مكرم، و"المصباح" للفيومي و "القاموس" للفيروزابادي، فهو جمع لها أو اختصار منها.

علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع
أول كتاب دون في علم البيان كتاب (مجاز القرآن) لأبي عبيدة تلميذ الخليل ثم تبعه العلماء: ولا يعلم أول من ألف في المعاني بالضبط، وإنما أثر فيها كلام عن البلغاء وأشهرهم الجاحظ في إعجاز القرآن وغيره. وأول من دون كتبا في علم البديع ابن المعتز وقدامة بن جعفر. وقبل ذلك كان البديع يستعمل في الشعر عملاً، وبقيت هذه العلوم تتكامل ويزيد فيها العلماء حتى جاء فحل البلاغة عبد القاهر الجرجاني فألف في المعاني كتابه دلائل الإعجاز وفي البيان كتابه أسرار البلاغة وجاء بعده السكاكي فألف كتابه العظيم مفتاح العلوم.

الخليل بن أحمد
هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي البصري مخترع العروض، ومبتكر المعجمات، وواضع الشكل العربي المستعمل الآن.
ولد سنة 100 بالبصرة ونشأ بها وأخذ العربية والحديث والقراءة عن أئمة زمانه وأكثر الخروج إلى البوادي، وسمع الأعراب الفصحاء، فنبغ في العربية نبوغاً لم يكن لأحد ممن تقدمه أو تأخر عنه، وكان غاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله ولقن ذلك تلميذه سيبويه.
ومما يشهد له بحدة الفكر وبعد النظر اختراعه العروض علماً كاملاً لم يحتج إلى تهذيب بعد، وابتكاره طريقة تدوين المعجمات بتأليف كتاب
(2/177)

"العين" وتدوينه كتاباً دقيقاً في الموسيقى على غير معرفة بلغة أجنبية واشتغال بلهو، وزاد في الشطرنج قطعة سماها جملاً لعب بها الناس زمناً، وبقي الخليل مقيماً بالبصرة طول حياته زاهداً متعففاً مكباً على العلم والتعليم حتى مات في أوائل خلافه الرشيد سنة 174 هـ? بصدمة في دعامة مسجد ارتج منها دماغه.

سيبويه
هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر: إمام البصريين وحجة النحويين.
ولد بالبيضاء من سلالة فارسية ونشأ بالبصرة وكان يطلب أول أمره الحديث والفقه فعيبت عليه لحنة لحنها في مجلس شيخه فخجل، وطلب النحو ولازم الخليل وأخذ عن غيره أيضاً وكان الخليل يؤثره على أصحابه، فدون جميع ما أخذه عنه ونقله عن غيره في كتابه الذي لم يجمع قبله مثله ولولا هذا (الكتاب) الذي رواه عنه وشرحه تلميذه الأخفش ما كان لسيبويه خبر يشهر لوفاته كهلاً ولقلة من أخذ عنه هذا الكتاب ولأنه لا يعرف له كتاب غيره وبحسبك هو، ومات ببلدته البيضاء بفارس سنة 177 هـ?
الكسائي
هو أبو الحسن علي بن حمزة: أحد القراء السبعة وإمام الكوفيين في النحو واللغة: نشأ بالكوفة وتعلم على الكبر بعد لحنة لحنها أمام جمع من طلبة العلم فلازم أئمة الكوفة حتى أنفذ ما عندهم، ثم خرج إلى الخليل بالبصرة وجلس في حلقته، وأعجبه علمه. فقال له: من أين علمك هذا قال من بوادي الحجاز ونجد وتهامة فخرج إليها، وأنفد خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ عنهم. ولما رجع من البادية وجه إليه المهدي فخرج إلى بغداد فحظي عنده وضمه إلى حاشية ابنه الرشيد، ثم جعله الرشيد مؤدب ولده الأمين، فكان يجلسه هو والقاضي محمد بن الحسن صاحب
(2/178)

أبي حنيفة على كرسيين متميزين بحضرته، وما زالا على هذه الكرامة حتى خرج الرشيد إلى الري وهما في صحبته فماتا في يوم واحد فبكاهما وقال دفنت الفقه والعربية بالري وذلك سنة 189 هـ? وقد انتهت إليه إمامة القراءة والعربية بالكوفة وبغداد، وكان يروي الشعر وليس له فيه جيد نظر.

العلوم الشرعية
التفسير: لم يدون في كتب جامعة تجمع سور القرآن الكريم كلها إلا في عصر الدولة العباسية. وكان التفسير عبارة عن نقل روايات عن النبي (وأصحابه تبين المراد من آياته، وأول طبقة من المفسرين أدركت الدولة العباسية أو نشأت في صدرها طبقة سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج وإسحاق بن راهويه ومقاتل بن وسليمان والفراء.

الحديث
أول كتاب جمع في الحديث الكتاب الذي أمر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز بتدوينه ولم يعرف له خبر بعد: ثم أخذ العلماء يدونون فيه بحض الخليفة أبي جعفر وأولاده، فدون الإمام مالك موطأه. ولما اشتدت رغبة الناس في طلب الحديث وضع كثير من الزنادقة واليهود المتظاهرين بالإسلام كثيراً من الأحاديث فتجرد لها الأئمة الأعلام وبينوا صحيحها من فاسدها كإسحاق بن راهويه وتلميذه محمد بن إسماعيل البخاري الذي دون كتابه في الأحاديث الصحاح فقط، وتبعه تلميذه مسلم بن الحجاج، والإمام أحمد بن حنبل وأصحاب كتب السنة الصحاح وهم: الترمذي وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة. هذه هي أصول الكتب في الحديث
(2/179)

الإمام البخاري
هو أبو عبد الله محمد بنم إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، إمام المحدثين وصاحب الجامع الصحيح أجل كتب الإسلام بعد كتاب الله العزيز.
ولد ببخارى من سلالة فارسية سنة 194 هـ? ونشأ بها يتيماً فحفظ القرآن وألم بالعربية وهو صبي وحبب إليه سماع الحديث فكان أول سماعه من علماء بخارى وهو لم يناهز البلوغ حتى حفظ عشرات الألوف من الأحاديث ودخل من أجله أكثر ممالك المشرق وأخذ عنه علماؤها وأئمتها ومنهم أحمد بن حنبل. وتفقه على مذهب الشافعي واستخرج كتابه "الجامع الصحيح" من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة جمع فيه تسعة آلاف حديث مكرر بعضها بتكرر وجوهها وقال إني جعلته بيني وبين الله فأجمع علماء السنة على أنه لم يكن فيها أصح منه ومات سنة 256 هـ?.

علم الفقه
لما كان المروي عن رسول الله وظاهر نص القرآن لا يستوعبان كل أحكام الوقائع المختلفة المتجددة بتجدد الزمان والمكان كان الاجتهاد ضرورياً في الدين وجاءت الدولة العباسية وأهل الحجاز يرجحون جانب الأخذ بالحديث لكثرة رواته بينهم، وإمامهم في مذهبهم مالك بن أنس، وأهل العراق يرجحون جانب الأخذ بالقياس، وإمامهم في مذهبهم أبو حنيفة لكثرة ما وضعه متزندقة العراق في الحديث ثم لما دخل أهل الحجاز العراق وتساوى الفريقان في معرفة الأحاديث عملوا بهما، ونشأ من ذلك عدة مذاهب أشهرها مذهب أبي حنيفة، ومذهب مالك، ومذهب الشافعي، ومذهب أحمد بن حنبل، وهذه المذاهب الأربعة هي التي ارتضاها معظم الأمة في أمر دينها ودنياها ثم كان لكل مذهب أئمة مجتهدون فيه:
(2/180)

الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان
هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت فقيه العراق. ولد سنة 80 هـ? من سلالة فارسية ونشأ بالكوفة بعض الصاحبة وأخذ كل علمه عمن شافه الصحابة ونقل عنهم، وكان من أعبد الناس وأكثرهم تهجداً وقراءة للقرآن الكريم وأكثرهم ورعاً وتوخياً للكسب من وجه حل، رضي أن يعيش تاجر خز ورغب عن وظائف الملوك والخلفاء، وعرض عليه القضاء من قبل أمراء بني أمية ثم المنصور فأبى فسجنه وآذاه حتى قيل أنه مات في سجنه وكان يعتذر بأنه لا يأمن نفسه أن تزل وقرأ عليه الكوفة وبغداد وتخرج عليه منها الأئمة من أصحاب كمحمد بن الحسن وأبي يوسف وزفر، ومات ببغداد سنة 150 هـ? واستنباط فقهه من القرآن والحديث مع استعمال الرأي والقياس.

الإمام مالك
هو أبو عبد الله مالك بن أنس أمام دار الهجرة وسيد فقهاء الحجاز من سلالة عربية ولد سنة 95 هـ? بالمدينة المنورة ونشأ بها وأدرك خيار التابعين ومن الفقهاء والعباد ورحل إليهم وأخذ عنهم وما زال يدأب في التحصيل وجمع السنة حتى صار حجة من حجج الله في أرضه وضرب به المثل فقيل: (لا يفتى ومالك بالمدينة) وعرف الخلفاء قدره فأجلوه، حتى أن الرشيد رحل هو وأولاده إليه بالحجاز ليسمع موطأه فسمعه وأغدق عليه. وكان مالك أول أمره فقيراً فلما كثرت منح الخلفاء له حسن حالة فالظهر نعمة الله عليه ووصل أهل العلم وأشركهم في ماله ومنهم الشافعي. وأخلاقه: من الكرم والطلاقة والوقار والنبل والتواضع والحب
(2/181)

لرسول الله عليه الصلاة والسلام تجل عن الوصف حتى أنه كان لا يركب دابة في المدينة إجلالاً لأرض ضمت جسد رسول الله وتوفي سنة 179 بالمدينة ودفن بالبقيع.

الإمام الشافعي
هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع. عالم قريش وفجرها وإمام الشريعة وحبرها، وهو من ولد المطلب بن عبد مناف ولد بمدينة غزة سنة 150 هـ? وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين ونشأ بها فقيراً تربيه أمه ويواسيه ذوو قرابته من قريش، حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين وأولع بالنحو والشعر واللغة ورحل إلى البادية في تطلبها ولم يناهز سن البلوغ حتى حفظ منها شيئاً كثيراً، ثم تفقه وحفظ موطأ مالك وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة. ثم رحل في هذه السن إلى مالك وقرا عليه الموطأ من حفظه فقال مالك: إن يكن أحد يفلح فهذا الغلام. وأضافه وخدمه بنفسه. ثم رجع إلى مكة، وعلم بها العربية والفقه، وصحح عليه الأصمعي شعر الهذليين ثم دخل بغداد سنة 195 فاجتمع عليه علماؤها وأخذوا عنه. وفي سنة 199 أو سنة 200 هـ? خرج إلى مصر وسكن الفسطاط فكانت دار هجرته، وبها أملى مذهبه بجامع عمرو، وتوفي سنة 204هـ?.

الإمام أحمد بن حنبل
هو الإمام الصابر المحتسب أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني ولد ببغداد من سلالة عربية سنة 164 فتعلم العلم وطلب الحديث وسمع من أئمة وقته حتى حفظ مئات الألوف من الأحاديث وأختار منها نيفاً وأربعين ألف حديث ضمنها كتابه المسند، واستنبط مذهبه من السنة مشوباً بشيء من القياس والرأي وظهرت في مدته فتنة خلق القرآن، فامتحن بها في
(2/182)

مجلس المعتصم ليجيبهم إلى القول بخلق القرآن فلم يفعل، فضرب حتى أغمي عليه، ثم عوفي واشتغل بالعلم والتعليم ببغداد حتى مات سنة 241 هـ?.

علم الكلام
كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يستدلون على عقائدهم بظاهر الكتاب والسنة. وما وقع فيهما من المتشابه أو أوهم التشبيه المنافي لتنزيه المعبود توقفوا فيه خوف أن يحيد بهم فهمهم في التأويل عن القصد. غير أن ذلك لم يقنع من دخل في الإسلام فكثر جدلهم واضطر العلماء أن يعارضوهم وساعدهم الخلفاء وأولهم المهدي الذي حرضهم على تدوين علم الكلام "التوحيد" فافترق المرضي عن مذهبهم من علماء الكلام فرقتين، فرقة اعتقدت ما يقرب من مذهب السلف وسموا الجماعية أو أصحاب الحديث، وفرقة اعتزلها وخالفتها في بعض المسائل وسموا المعتزلة أو أصحاب العدل، وجرى رجال الحكومة العباسية على هذا المذهب ونصروه، حتى ظهر أبو الحسن الأشعري فألف مذهبه الكلامي الذي سمي بعد بمذهب الأشاعرة وغلب على كل مذهب شواء إلا بعض مذاهب قليلة كمذهب الشيعة "وبقي كثير منها إلى الآن" ومذاهب الخوارج وبقي منهم إلى عصرنا بقية في الجبل الأخضر من برقة، وفي جزيرة جربة على ساحل تونس وببلاد البحرين.

أبو الحسن الأشعري
هو أبو الحسن علي بن إسماعيل شيخ طريقة أهل السنة والجماعة وإمام المتكلمين ولد بالبصرة سنة 260 هـ?، ونشأ علم الكلام عن أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة وتبعه في الاعتزال، واحتج له حتى صار لسان المعتزلة أكثر من ثلاثين عاماً، ثم هداه البحث. فرأى أن كلا الفريقين من هؤلاء
(2/183)

ومن المعتزلة غال في نظره، فتوسط وتغيب عن الناس مدة ألف فيها كتبه في نصرة أهل السنة والرد على أكثر عقائد المعتزلة؛ وكان شافعي المذهب، توفي سنة 324 هـ? وممن نصر مذهبه الفجر الرازي والغزالي وقاربه في مذهبه القاضي أبو منصور الماتريدي.

الإمام الغزالي
هو أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي حجة الإسلام ولذ سنة 450 هـ ونشأ بطوس وتعلم بها مبادئ العلوم ثم رحل إلى نيسابور، ولازم إمام الحرمين الجويني وهو يومئذ عالم الشافعية في الشرق فما زال يتلقى عنه العلم حتى صار من أكابر متكلمي الأشاعرة وفقهاء الشافعية. ولما مات الجويني ذهب إلى بغداد ولقي الوزير نظام الملك صاحب المدرسة النظامية الشهيرة وناظر بحضرته العلماء فظهر عليهم وأقر له فحول العراق بالفضل فتولى التدريس بالمدرسة النظامية أربع سنوات، ثم حج وذهب إلى الشام يدرس ويسيح لزيارة بعض مشاهد أنبيائها ثم دخل مصر وأقام بالإسكندرية مدة ثم عاد إلى موطنه طوس واشتغل بتأليف الكتب الجليلة التي في مقدمتها كتاب "إحياء علوم الدين" ثم لزم التدريس بنيسابور ثم عاد إلى موطنه حيث مضى بقية عمره بين التدريس ووعظ الصوفية وعمل البر حتى مات بطوس سنة 505 هـ?.

نشأة العلوم الكونية المنقولة وترجمتها وأشهر المترجمين والمشتغلين بها
وكانت تسمى علوم الفلسفة والحكمة وتشمل أربعة علوم: المنطق، والطبيعيات، والرياضيات، والإليهات، وتشمل الطبيعيات علم الطبيعة والكيمياء وفن المواليد الثلاثة والطب والصيدلة والفلاحة.
(2/184)

وتشمل الرياضيات علم الحساب وعلم الجبر وعلم الهندسة وعلم الآلات والحيل (الميكانيكا) وعلم الفلك الشامل للهيئة والتنجيم، ومن متعلقاته علم الجغرافيا الرياضية. ويلحق بهذه العلوم علم السياسة وتدبير المنزل والمال وعلم الأخلاق والموسيقى: وتشمل الإلهيات علم ما وراء الطبيعة من الروحانيات والمدركات العقلية كالبحث عن صفات الخالق والقوى النفسية والجن والملائكة ونحو ذلك.
وهذه العلوم فطرية في الإنسان من حيث أنه متفكر متمدين لا تختص بها أمة دون أخرى فكان الاشتغال بها ضرورياً لكل أمة أصبحت ذات حضارة ولذلك ترجم المسلمون يعضها في عصر بني أمية، واستقدم المنصور العباسي كثيراً من الأطباء والمترجمين، فترجموا له كتب اليونان والفرس والهنود في الطب والفلك والسياسة، ولما مات المنصور فتر أمر الترجمة إلى زمن الرشيد والبرامكة فحثوا العلماء على ترجمة الكتب اليونانية وصححوا بعض ما ترجم زمن المنصور، ثم جاء عصر المأمون فزخرت بحور الترجمة الترجمة، وبعث إلى بلاد الروم جماعة من المترجمين كابن البطريق، وسلم صاحب بيت الحكمة والحجاج بن مطر وحنين بن إسحاق فاختاروا كتباً حملوها إلى بغداد وترجمت وتعلمها الناس وصححوا أغلاطها واستدركوا عليها ولم يمض قرن من تأسيس الدولة العباسية حتى برع المسلمون في هذا العلوم كلها، وظهر منهم من الحكماء والفلاسفة من كاد يلحق فلاسفة اليونان. ومن هؤلاء فيلسوف الإسلام والعرب أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي وتلميذه أحمد بن الطيب السرخسي وبنو موسى بن شاكر محمد وأحمد والحسن أشهر رياضي هذا العصر، وأول المخترعين من المسلمين في الحيل والهندسة، ومحمد بن موسى الخوارزمي مخترع علم الجبر والمقابلة. ومذيع الحساب الهندي بين العرب.
ثم ذهب طور الترجمة والتصحيح. وتلاه طور التأليف والتكميل والاختراع فأتى فيه بالعجب العجاب
(2/185)

أبو نصر محمد بن محمد طرخان الفارابي الحكيم الكبير مخترع آلة الطرب المسماة بالقانون، والتي استنبط الإفرنج بمحاكاتها آلة المعزف (البيانو) المتوفى سنة 339 هـ? وأبو بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب الكيميائي الشهير المتوفى سنة 313 هـ? والشيخ الرئيس حكيم المشرق أبو علي الحسين بن سينا المتوفى سنة 428 هـ? وأبو الريحان احمد بن محمد البيروني الفلكي الرياضي المقوم المتوفى سنة 430 هـ?.
وكان لدولة الفواطم في مصر اشتغال بهذه العلوم فاشتهر في دولتهم في الفلك والرياضيات ابن يونس، وفي الطب ابن رضوان وغيرهما، ولم يعن أهل الأندلس بهذه العلوم عناية أهل المشرق، وأشهر من نبع منهم فيها أبو الوليد القاضي أحمد بن رشد وأبو القاسم الزهراوي، ومن كتب هؤلاء الأئمة وأمثالهم اقتبس أهل (أوربا) كثيراً من أصول مدينتهم الحاضرة.

الشعر والشعراء
قد كان للشعر عند الخلفاء والوزراء والقواد سوق نافقة حتى عند رؤساء الأعاجم من الديلم والترك، ودام كذلك إلى انتهاء الدولة العباسية. وبهذه العناية العظيمة بل وكثرة قائليه ومنتحليه تفنن الناس وأدخلوا عليه فنوناً لم تعهد فيه واستعملوه في كل غرض حتى التعبد به، وتشكل أسلوبه وتنوعت معانيه بما يطابق أغراض استعماله.
ولم يقصر الشعر على الموالي في صدر الدولة العباسية كالكتابة، بل اشتركوا فيه هم وغيرهم من أعراب البادية أحياناً ومن سلائل العرب بالأمصار أخرى، غير أن بضعة من فحول صدر الدولة كانوا موالي مثل بشار، وأبي نواس، ومسلم، وأبي العتاهية، وابن الرومي.
ومن أشهر شعراء الأمصار من العرب أبو تمام، والبحتري، وابن المعتز، والمتنبي،
(2/186)

وأبو فراس، وأبو العلاء المعري، وابن هانئ الأندلسي، والشريف الرضي.

(1) بشار بن برد
هو أبو معاذ بشار المرعث بن برد: اشعر مخضومي الدولتين ورأس الشعراء المحدثين، وممهد طريق الاختراع والبديع للمتفننين، وأحد البلغاء المكفوفين. وأصله من فرس طخارستان من سبي المهلب بن أبي صفرة فنشأ بشار فيهم وأختلف إلى الأعراب الضاربين بالبصرة حتى خرج نابغة زمانه في الفصاحة والشعر، وكان أكمه مجدور الوجه قبيح المنظر، مفرط الطول، ضخم الجثة، متوقد الذكاء، لا يسلم من لسانه خليفة ولا سوقة، لا يألف ولا يؤلف.
شعره: قد أجمع رواة الشعر ونقدته على أن بشاراً هو رأس المحدثين وأسبقهم إلى معاطاة البديع وطرق أبواب المجون والخلاعة والغزل والهجاء وأنه أول من جمع في شعره بين جزالة العرب ورقة وفتق عن المعاني الدقيقة والأخيلة اللطيفة حتى عد شعره برزخاً بين الشعر القديم والحديث ومجازاً يعبر عليه الشعر من مرابع البدواة إلى مقاصير الحضارة، ومات سنة 167 هـ?.
ومن شعره في المشورة والحكم والنصائح:
إذا بلغ الرأيُ المشورةَ فاستعن ... برأي نصيحٍ أو نصيحةِ حازم
ولا تجعل الشُّورى عليك غضاضةً ... فإن الخوافي قوةٌ للقوادم
وما خيرُ كفّ أمسك الغلُّ أختها ... وما خيرُ سيفٍ لم يؤيّد بقائم
وخلّ الهوينى للضعيف ولا تكن ... نؤوماً فإنّ الحرِّ ليس بنائم
(2/187)

وقوله:
إذا كنتَ في كلّ الأمور معاتباً ... صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبهْ
فعش واحداً أو صلْ أخاك فإنه ... مقارفُ ذنب مرَّةً ومجانبهْ
إذا أنت لم تشربْ مراراً على القذى ... ظمئتَ وأي الناس تصفو مشاربه
وقوله:
خليليَّ إن المالَ ليس بنافع ... إذا لم ينلْ منه أخٌ وصديقُ
وكنتُ إذا ضاقت عليَّ محلة ... تيمّمت أخرى ما عليَّ مضيقُ
وما خاب بين الله والناس عاملٌ ... له في التقى أو في المحامد سوق
وما ضاق فضلُ الله عن متعفِّف ... ولكنَّ أخلاقَ الرجال تضيق

(2) أبو نواس
هو أبو علي الحسن بن هانئ، الشاعر المتفنن الجاد الماجن، صاحب الصيت الطائر، والشعر السائر، ورأس المحدثين بعد بشار، وهو فارسي الأصل.
ولد بقرية من كورة خوذستان سنة 146 هـ? ونشأ يتيماً فقدمت به أمه البصرة بعد سنتين من مولده فتعلم العربية ورغب في الأدب فلم تعبأ أمه بحاله وأسلمته إلى عطار بالبصرة، فمكث عنده لا يفتر عن معاناة الشعر إلى أن صادفه عند العطار "والبة بن الحباب" الشاعر الماجن الكوفي في إحدى قدماته إلى البصرة فأعجب كل منهما بالآخر، فأخرجه والبة معه إلى الكوفة فبقي معه ومع ندمائه من خلعاء الكوفة، وتخرج عليهم في الشعر وفاقهم جميعاً، وبلغ خبره الرشيد فأذن له في مدحه فمدحه بقصائد طنانة، ثم انقطع إلى مدح محمد الأمين وثبت عنده بعض ما يوجب تعزيره فسجنه ولم يلبث بعد خروجه من السجن أن مات ببغداد سنة 198 هـ?.
وكان أبو نواس جميل الصورة فكه المحضر، كثير الدعابة، حاضر البديهة، متيناً في اللغة والشعر والأدب.
(2/188)

شعره: أكثر علماء الشعر ونقدته وفحول الشعراء على أن أبا نواس أشعر المحدثين بعد بشار وأكثرهم تفنناً وأبدعهم خيالاً مع دقة لفظ وبديع معنى وأنه شاعر مطبوع برزفي كل فن من فنون الشعر، وامتاز من كل الشعراء بقصائد الخمريات ومقطعاته المجونيات. وكان شعره لقاح الفساد والقدوة السيئة لنقله الغزل من أوصاف المؤنث إلى المذكر.
ومن قوله لما حضرته الوفاة:
يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرةً ... فلقد علمتُ بأن عفوك أعظمُ
إن كان لا يرجوك إلاَّ محسنٌ ... فبمن يلوذُ ويستجير المجرمُ
أدعوك ربّ كما أمرت تضرُّعا ... فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ؟
مالي إليك وسيلة إلاّ الرّجا ... وجميلُ عفوك ثم إني مسلمُ

(3) مسلم بن الوليد
هو صريع الغواني أبو الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري، أحد الشعراء المفلقين. قال الشعر في صباه ولم يتجاوز به الأمراء والرؤساء مكتفياً بما يناله من قليل العطاء، ثم انقطع إلى يزيد بن مزيد الشيباني قائد الرشيد، ثم اتصل بالخليفة هارون الرشيد ومدحه ومدح البرامكة وحسن رأيهم فيه ولما أصبح الحل والعقد بيد ذي الرياستين: الفضل بن سهل وزير المأمون في أول خلافته، قربه وأدناه وولاه أعمالاً بجرجان، ثم الضياع بأصبهان.
(2/189)

ولما قتل الفضل لزم منزلة ونسك ولم يمدح أحداً حتى مات بجرجان سنة 208 هـ?.
شعره: قد تكلف البديع في شعره واستكثر منه في قوله، ومزج كلام البدويين بكلام الحضريين فضمنه المعاني اللطيفة وكساه الألفاظ الظريفة. فله جزالة البدويتين ورقة الحضريين.
ومن جيد قوله:
تجودُ بالنَّفس إن ضنَّ الجوادُ بها ... والجودُ بالنفس أقصى غايةِ الجود
(4) أبو العتاهية هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد، أطبع أهل زمانه شعراً وأكثرهم قولاً وأسهلهم لفظاً وأسرعهم بديهة وارتجالاً وأول من فتح للشعراء باب الوعظ والتزهيد في الدنيا والنهي عن الاغترار بها وأكثر من الحكمة.
ولد بالكوفة سنة 130 هـ? ونسا في عمل أهله وكانوا باعة جرار إلا أنه ربا بنفسه عن عملهم. وقال الشعر في صباه وامتزج بلحمه ودمه فذاع صيته وسلك طريق خلعاء الكوفة ثم قدم بغداد ومدح المهدي. ثم عرضت له حال امتنع فيها عن قول الشعر حتى حبسه الرشيد لعدم تلبيته ما اقترحه علي من القول فيه ثم أطلقه بعد أن أجاب طلبته وعاد إلى قول الشعر على عادته فيه، وترك الغزل والهجاء وبقي على ذلك مدة الرشيد والأمين وأكثر أيام المأمون حتى مات سنة 211 هـ? ببغداد ومن شعره يمدح المهدي:
أتته الخلافةُ منقادةً ... إليه تجررُ أذيالها
فلم تك تصلح إلاَّ له ... ولم يكُ يصلح إلاَّ لها
ولو رامها أحدٌ غيره ... لزلزلتِ الأرضُ زلزالها
ولو لم تطعهُ بناتُ القلو ... ب لما قبلَ الله أعمالها
وأن الخليفة من بغضِ لا ... إليه ليبغضُ من قالها
وكتب على البديهة في ظهر كتاب:
ألا إنّنا كلّنا بائدُ ... وأيُّ بني آدمِ خالدُ
وبدؤهم كان من ربهمْ ... وكلٌّ إلى ربّه عائدُ
فيا عجباً كيف يعصي الإل ... هـ أم كيف يجحده الجاحدُ
ولله في كلّ تحريكة ... وفي كلّ تسكينةٍ شاهدُ
وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنهُ واحدُ

(5) أبو تمام
هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي أسبق ثلاثة الشعراء الذين سارت بذكرهم الركبان. وخلد شعرهم الزمان. ثانيهم البحتري، وثالثهم المتنبيء ولد سنة 190 هـ? بقرية جاسم من أعمال دمشق ونقل صغيراً إلى مصر فنشأ بها فقيراً وكان يسقي الماء بالجرة في جامع عمرو. وتعلم العربية وحفظ ما لا يحصى من شعر العرب ونبغ في قوله، ثم خرج إلى مقر الخلافة فمدح المعتصم وحظي عنده ومدح وزيره محمد بن الزيات والحسن بن وهب الذي ولاه بريد المصل فأقام بها إلى أن مات سنة 231 هـ?.
شعره: يعد أبو تمام رأس الطبقة الثالثة من المحدثين، انتهت إليه معاني المتقدمين والمتأخرين وظهر والدنيا قد ملئت بترجمة علوم والأوائل وحكمتها
(2/191)

فحصف عقله ولطف خياله بالاطلاع عليها. وهو الذي مهد طريق الحكم والأمثال للمتنبي وأبي العلاء وغيرهما، ولذلك كان يقال إن أبا تمام والمتنبي حكيمان والشاعر البحتري.
وأجاد أبو تمام في كل فن من فنون الشعر، أما مراثيه فلم يعلق بها أحد جاش صدره بشعر، وأشهرها القصيدة التي رثي بها محمد بن الطائي ومنها:
كذا فخليلَّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ ... فليسَ لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ
توفيتِ الآمالُ بعد محمد ... وأصبح في شغلٍ عن السَّفر السفرُ
وما كان إلاَّ مالَ من قلّ ماله ... وذخراً لمن أمس وليس له ذخر
وما كان يدري مجتدى جودٍ كفه ... إذا ما استهلّتْ أنهُ خلق العسرُ
ألا في سبيل الله من عطّلت له ... فجاجُ سبيل الله وانثغرَ الثغرُ
فتى كلّما فاضت عيون قبيلة ... دماً ضحكت عنهُ الأحاديث والذكر
فتى دهره شطران فيما ينوبه ... ففي بأسه شطر وفي جوده شطر
فتى مات بين الطَّعن والضرب ميتة ... تقوم مقامَ النصر إنْ فاته النصرُ
وما مات حتى مات مضربُ سيفه ... من الضرب واعتلّت عليه القنا السُّمر
وقد كان فوتُ الموت سهلاً فرّده ... إليه الحفاظ المرُّ والخلقُ الوعرُ
ونفسٌ تعاف العارَ حتى كأنما ... هو الكفر يوم الرّوع أو دونه الكفر
فأثبتَ في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر
غدا غدوة والحمد نسج ردائه ... فلم ينصرف إلا وأكفانهُ الأجر

(6) البحتري
هو أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي أشعر الشعراء بعد أبي نواس
(2/192)

ولد سنة 206 هـ? بناحية منبج في قبائل طي وغيرها من البدو الضاربين في شواطئ الفرات ونشأ بينهم فغلبت عليه فصاحة العرب وخرج إلى العراف وأقام في خدمة المتوكل والفتح بن خاقان محترماً عندهما إلى قتلا في مجلس كان هو حاضرة فرجع إلى منبج، وبقي يختلف أحياناً إلى رؤساء بغداد وسر من رأى حتى مات سنة 284 هـ?: وكان على فضله وفصاحته من أبخل خلق الله وأوسخهم ثوباً وأكثرهم فخراً بشعره حتى كان يقول إذا أعجبه شعره أحسنت والله، ويقول للمستمعين: ما لكم لا تقولون أحسنت. والكثير على أنه لم يأت بعد أبي نواس من هو أشعر من البحتري، ولا بعد البحتري من هو أطبع منه على الشعر ولا أبدع منه في الخيال الشعري.
شعره: كله بديع المعنى حسن الديباجة صقيل اللفظ، سلس الأسلوب كأنه سيل ينحدر إلى الأسماع مجوداً في كل غرض سوى الهجاء ولذلك اعتبره كثير من أهل الأدب هو الشاعر الحقيقي واعتبروا أمثال أبي تمام والمتنبي والمعري حكماء، ولسهولة شعره ورقته كان أكثر الأصوات التي يتغنى بها في زمنه من شعره المطبوع في ديوان حافل. ومن قوله يمدح الخليفة المتوكل ويصف موكب خروجه لصلاة عيد الفطر وخطبته في الناس:
بالبرِّ صمتَ وأنتَ أفضل صائم ... وبسنَّة الله الرَّضيَّة تفطر
فانعمْ بيوم الفطر عيدا إنهُ ... يوم أغرُّ من الزمان مشهَّرُ
أظهرتَ عز الملك فيه بجحفل ... لجبِ يحاطُ الدّينُ فيه وينصرُ
خلنا الجبالَ تسير فيه وقد غدتْ ... عدداً يسير بها العديدُ الأكثرُ
فالخيلُ تصهلُ والفوارسُ تدّعي ... والبيض تلمع والأسنّةُ تزهرُ
والأرضُ خاشعةٌ تميد بثقلها ... والجوُّ معتكرُ الجوانب أغبرُ
(2/193)

والشمس طالعة توقّدُ في الضحى ... طوراً ويطفئها العجاجُ الأكدرُ
حتى طلعتَ بضوء وجهك فانجلى ... ذاك الدُّجى وإنجاب ذاك العثيرُ
فافتنّ فيك الناظرون فإصبعٌ ... يوماً إليك بها وعينٌ تنظرُ
يجدون رؤيتك التي فازوا بها ... من أنعمِ الله الَّتي لا تكفرُ
ذكروا بطلعتك النبيّ فهلّلوا ... لما طلعتَ من الصفوف وكبّروا
حتى انتهيتَ إلى المصلّى لابساً ... نورَ الهدى يبدو عليكَ ويظهرُ
ومشيتَ مشية خاشع متواضعِ ... لله لا يزهى ولا يتكبَّرُ
فلوَ أن مشتاقاً تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبرُ
أبديتَ من فصل الخطاب بحكمة ... تنبي عن الحق المبين وتخبرُ
ووقفتَ في براد النبيّ مذكّراً ... بالله تنذر تارة وتبشِّرُ

(7) ابن الرومي
هو أبو الحسن علي بن العباس بن جريج الرومي مولى بني العباس الشاعر المكثر المطبوع، صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب، والمعاني المخترعة والأهاجي المقذعة.
ولد ببغداد سنة 221 هـ? ونشأ بها، وأقام كل حياته، وكان كثير التطير جداً وكان القاسم بن عبيد الله وزير المعتز يخاف هجوه وفلتات لسانه فسلط عليه من دس له السم في الدسم إلى أن مات سنة 283 هـ? ببغداد هـ? وآثاره في أبواب هذا الكتاب.
شعره: قاله في كل غرض ولا سيما الوصف والهجاء، ونبغ في الشعر نبوغاً لم يقصر به كثيراً عن درجة البحتري، وربما فاقه في اختراع المعاني النادرة أو توليدها من معاني من سبقه بشكل جديد، ووضعها في أحسن قالب،
(2/194)

وله ديوان كبير.

(8) ابن المعتز
هو أمير المؤمنين أبو العباس عبد الله بن أمير المؤمنين محمد المعتز بالله أشعر بني هاشم، وأبرع الناس في الأوصاف والتشبيهات.
ولد سنة 249 هـ? في بيت الخلافة، وتربى تربية الملوك وأخذ عن المبرد وثعلب ومهر في كل علم يعرفه أئمة عصره وفلاسفة دهره حتى هابه وزراء الدولة وشيخ كتابها وعملوا على أن لا يقلدوه الخلافة خشية أن يكف أيديهم عن الاستبداد بالملك، وولوا المقتدر صبياً، ثم حدثت فتن عظيمة فتسرع محمد بن داود بن الجراح وجمع العلماء وخلعوا المقتدر، وبايعوا ابن المعتز بالخلافة على غير طلب منه. فلما رأى غلمان المقتدر أن الأمر سيخرج من أيديهم تآمروا على قتله وخنق من ليلته سنة 296 هـ?، وآثاره متفرقة في هذا الكتاب.

(9) أبو الطيب المتنبي
هو أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي الكندي الكوفي المتنبي الشاعر الحكيم، وخاتم ثلاثة الشعراء، وآخر من بلغ شعره غاية الارتقاء.
وهو من سلالة عربية من قبيلة جعفي بن سعد العشيرة إحدى قبائل اليمانية. ولد بالكوفة سنة 303 هـ? في محلة كندة ونشأ بها وأولع بتعلم العربية من صباه وكان أبوه سقاء فخرج به إلى الشام ورأى أبو الطيب أن استتمام علمه باللغة والشعر لا يكون إلا بالمعيشة في البادية فخرج إلى بادية بني كلب فأقام بينهم مدة ينشدهم من شعره وبأخذ عنهم اللغة فعظم شأنه بينهم. وكانت الأعراب الضاربون بمشارف الشام شديدي الشغف على ولاتها فوشى بعضهم إلى لؤلؤ أمير حمص من قبل الأخشيدية بأن أبا الطيب ادعى النبوة في بني كلب وتبعه منهم خلق كثير ويخشى على ملك الشام منه. فخرج لؤلؤ إلى بني كلب وحاربهم وقبض على المتنبي وسجنه طويلاً ثم استتابه وأطلقه.
(2/195)

فخرج من السجن وقد لصق به اسم المتنبي مع كراهته له. ثم تكسب بالشعر مدة انتهت بلحاقه بسيف الدولة بن حمدان فمدحه بما خلد اسمه أبد الدهر. وتعلم منه الفروسية وحضر معه وقائعه العظيمة مع الروم حتى عد من أبطال القتال رجاء أن يكون صاحب دولة.
ثم قصد كافوراً الأخشيدي أمير مصر ومدحه ووعده كافور أن يقلده أمارة أو ولاية، ولكنه لما رأى تغاليه في شعره وفخر بنفسه عدل أن يوليه. وعاتبه بعضهم في ذلك فقال: يل قوم، من ادعى النبوة بعد محمد (أما يدعي المملكة بعد كافور، فحسبكم فعاتبه أبو الطيب واستأذن في الخروج من مصر فأبى. فتغفله في ليلة عيد النحر وخرج منها يريد الكوفة ومنها قصد عضد الدولة بن بويه بفارس ماراً ببغداد فمدحه ومدح وزيره ابن العميد فأجزل صلته وعاد إلى بغداد. وخرج إلى الكوفة فخرج عليه إعراب بني ضبة وفيهم فاتك بن أبي جهل، وكان المتنبي قد هجاه هجاء مقذعاً فقاتلهم قتالاً شديداً حتى قتل المتنبي وابنه وغلامه سنة 354 هـ.
شعره: لا خلاف عند أهل الأدب في أنه لم ينبغ بعد المتنبي في الشعر من بلغ شأوه أو داناه. والمعري على بعد غوره وفرط ذكائه وتوقد خاطره وشدة تعمقه في المعاني والتصورات الفلسفية يعترف بأبي الطيب ويقدمه على نفسه وغيره. ومن قوله:
إذا رأيتَ نيوبَ الليث بارزةً ... فلا تظنَّنَّ أن الليثَ يبتسمُ
أعيذها نظراتٍ منك صادقةَ ... أن تحسبَ الشحم فيمن شحمهُ ورم
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرةٍ ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كلَّ شيءٍ بعدكم عدمُ
إن كانَ سرَّكم ما قال حاسدنا ... فما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ
(2/196)

وبيننا لو رعيتمْ ذاك معرفة ... أن المعارفَ في أهل النّهى ذممُ
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرمُ
إذا ترحلتَ عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهمْ فالراحلون همُ
ومن قوله:
ذو العقلِ يشقى في النّعيم بعقله ... وأخو الجهالةِ في الشقّاوة ينعمُ
لا يخدعنكَ من عدوًّ دمعهُ ... وارحمْ شبابك من عدوًّ ترحمُ
لا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى ... حتى يراقَ على جوانبه الدّمُ
والظلمُ من شيمِ النفوس فإن تجدْ ... ذا عفَّة فلعلَّة لا يظلم
ومن البليّة عذلُ من لا يرعوي ... عن غيّة وخطابُ من لا يفهم
ومن العداوة ما ينالك نفعة ... ومن الصّداقة ما يضرُّ ويؤلم
ومن قوله:
ما كنت أحسبُ قبل دفنك في الثَّرى ... أن الكواكبَ في التراب تموزُ
ما كنت آملُ قبل نعيك أن أرى ... رضوى على أيدي الرجال يسير
خرجوا به ولكلّ باكٍ حوله ... صعقاتُ موسى يومَ دكَّ الطُّور
حتى أتوا جدثاً كأن ضريحه ... في كل قلب موجدٍ محفور
كفلَ الثناءُ له بردّ حياتهِ ... لمَّا انطوى فكأنه منشور

(10) ابن هانئ الأندلسي
هو أبو القاسم محمد بن هانئ الأزدي الأندلسي شاعر الغرب ومتنبيه والمؤثر فخامة ألفاظه على رقة معانيه، وأحد المفرطين في غلو المدح واستعمال الاستعارة والتشبيه.
ولد بأشبيلية 326 هـ? ولما نبه شأنه اتصل بعامل أشبيلية زمن المستنصر الأموي، ومدحه بغرر القصائد فأحله منه منزلة سنية وأغدق عليه العطايا فأكب على اللهو والطرب والاستهتار، واتهم بالزندقة والكفر لاشتغاله بالفلسفة.
ولما شاع ذلك عنه نقمة أهل أشبيلية وأشركوا عاملها في التهمة
(2/197)

وكادوا يهمون به فأشار عليه بالهجرة متن أشبيلية فاختار البحر إلى عدوة المغرب ومدح ولاته من قبل المعز الفاطمي، ثم نمي خبره إلى المعز فوجه في طلبه فوفد عليه بأفريقية ومدحه فاصطفاه واتخذ شاعر دولته.
ولما فتح جوهر مصر وبنى القاهرة ورحل إليها المعز ليتخذها دار ملكه شيعه ابن هانئ، ورجع لأخذ عياله والالتحاق به، فتجهز وتبعه، فلما وصل إلى برقة مات بها سنة 362 هـ?، وعمره 36 سنة.
شعره: لم ينبغ في شعراء جزيرة الأندلس ولا بر المغرب جميعهما من يفوق ابن هانئ في صناعة الشعر أو يساويه فقد كان عندهم في الشهرة والإجادة وشرف الشعر بمنزلة المتنبي عند المشارقة ويسميه كثير من الأدباء بمتنبي المغرب.
ومن قوله في وصف الخيل:
وصواهلٍ لا الهضبُ يوم مغارها ... هضبٌ ولا البيدُ الحزون حزون
عرفتْ بساعة سبقها لا أنها ... علقتْ بها يومَ الرّهان عيون
وأجلُّ علم البرق فيها أنها ... مرّت بجانحتيهِ وهي ظنون
ومن قوله الموهم الكفر في مطلع قصيدة يمدح بها المعز:
ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ ... فاحكم فأنت الواحدُ القهّار

(11) أبو العلاء المعري
هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي الشاعر الفيلسوف المتفنن: وهو عربي النسب منى قبيلة تنوخ من بطون قضاعة من بيت علم وقضاء.
ولد بمعرة النعمان سنة 363 هـ? وجدر في الثالثة من عمره فكف بصره وتعلم على أبيه وغيره من أئمة زمانه، وكان يحفظ كل ما يسمعه من مرة: وقال الشعر وعمره إحدى عشرة سنة، ودخل بغداد، وأقبل عليه السيد المرتضى إقبالاً عظيماً ثم جفاه. ولما رجع إلى المعرة أقام ولم يبرح منزلة، ونسك وسمى نفسه رهن المحبسين: محبس العمى ومحبس المنزل وبقي فيه مكباً على التدريس والتأليف ونظم الشعر مقتنعاً بعشرات من الدنانير في العام يستغلها من عقار له، مجتنباً أكل الحيوان وما
(2/198)

يخرج منه مدة 45 سنة، مكتفياً بالنبات متعللاً بأنه فقير وأنه يرحم الحيوان. وعاش عزبا إلى أن مات سنة 449 هـ? بالمعرة. وأوصى أن يكتب على قبره:
هذا جناه أبي عل ... يّ وما جنيتُ على أحد
شعره: وله كثير من الشعر يناقض بعضه في حقيقة العالم والشرائع والمعبود وللناس في اعتقاده أقوال كثيرة والظاهر أنه كان شاكاً متحيراً وهو أحكم الشعراء بعد المتنبي ويفضل عليه في الطبيعيات والاجتماعيات والأخلاق والقوانين والفلسفة والشرائع والأديان. ومن مراثيه قوله:
غير مجدٍ في ملتي واعتقادي ... نوحُ باك ولا ترنُّم شادِ
وشبيهٌ صوتُ النَّعي إذا قي? ... س بصوت البشير في كل ناد
أبكتْ تلكمُ الحمامة أم غنّ ... ?تْ على فرع غصنها المياد
صاح هذي قبرونا تملأ الرُّح ... بَ فأين القبورُ من عهد عاد
خفِّف الوطء ما أظنّ أديم أل ... أرض إلاّ من هذه الأجساد
وقبيحٌ بنا وإن قدم العه ... د هوانُ الآباءِ والأجداد
سر إن استطعتَ في الهواء رويداً ... لا اختيالاً على رفاتِ العباد
ربّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً ... ضاحك من تزاحمُ الأضداد
ودفينِ على بقايا وفين ... في طويل الأزمان والآباد
فاسأل الفرقدين عمن أحسّا ... من قبيل وآنساً من بلاد
كمْ أقاما على زوال نهار ... وأنارا لمدلجِ في سواد
تعبٌ كلها الحياةُ فما أع ... جبُ إلاّ من راغبٍ في ازياد
إنّ حزناً في ساعة الموت إضعا ... فُ سرورٍ في ساعة الميلاد
خلق الناس للبقاءِ فضلّت ... أمةٌ يحسبونهم للنفادِ
(2/199)

إنما ينقلون من دار أعما ... لٍ إلى دار شقوةٍ أو رشاد
ومنها:
بانَ أمرُ الإله واختلف النا ... س فداعٍ إلى ضلالَ وهاد
والذي حارت البريةُ فيه ... حيوان مستحدثٌ من جماد
فاللبيبُ اللبيبُ من ليس يغت ... رُ بكونٍ مصيره للفساد
ومن قوله:
ضحكنا وكان الضحكُ منا سفاهةً ... وحقّ لسكَّان البسيطة أن يبكوا
تحطّمنا الأيام حتى كأننا ... زجاجٍ ولكن لا يعاد لنا سبك

(12) ابن خفاجة الأندلسي
هو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله خفاجة شاعر شرقي الأندلس واشهر وصاف الطبيعة: ولد بجزيرة شقر من أعمال بلنسية سنة 450 فتعلم ونظم الشعر وكتب الرسائل الإخوانية البليغة، الحوداث الجوية ومناظر الطبيعة: وله غزل رقيق ومدح بارع ورثاء بليغ.
شعره: يمتاز بالجزالة وكثرة المعاني وازدحامها في اللفظ حتى يحتاج في فهمها إلى التأمل على خلاف مذهب الأندلسيين في ذلك: توفي سنة 533 هـ?: ومن قوله يصف زهرة:
ومائسة تزهى وقد خلع الحيا ... عليها حلّي حمراً وأودية خضراً
يذوب لها ريقُ الغمائمُ فضّةً ... ويجمدُ في أعطافها ذهباً نضراً
وقوله:
يأهل أندلسٍ لله دركمُ ... ماءٌ وظلٌّ وأنهارٌ وأشجارٌ
(2/200)

ما جنةُ الخلد إلاّ في دياركم ... ولو تخيّرتُ هذي كنتُ أختارُ
لا تخشوا بعدَ ذا أنْ تدخلوا سقراً ... فليس تدخلُ بعد الجنة النّارُ

الرواية والرواة
جاءت الدولة العباسية وقد اتسع نطاق الرواية واختص كل فريق من الناس برواية شيء: فلما دونت الكتب في عصر الدولة العباسية أفرغ الرواة ما حفظوه فيها وأخذ أمر الرواية يضمحل شيئاً فشيئاً في أكثر العلوم ولا شيما الأدب ثم اقتصر في الرواية على تصحيح النطق والأداء: ولكل علم رواة مشهورون وقد سبق الكلام على رواة العلوم والفنون في تاريخ وضعها.
وأما رواة الأدب والشعر خاصة فأشهرهم حماد الرواية الكوفي، وخلف الأحمر البصري، وأبو عمرو الشيباني الكوفي، والسكري البغدادي.
ومن رواة الأدب بجميع فنونه لغة وشعراً وأخباراً أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة معمر بن المثنى، والأصمعي، وأبو زيد الأنصاري، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ومحمد بن سلام الجمجمي، وغيرهم. وهاك ترجمة أشهرهم في الرواية.

الأصمعي
هو شيخ رواة الأدب الإمام الثبت الحجة الثقة التقي أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي أصمع الباهلي البصري.
(2/202)

ولد سنة 123 هـ? ونشأ بالبصرة فأخذ العربية والحديث والقراءة عن أئمة البصرة وأخذ عن فصحاء الأعراب وأكثر الخروج إلى البادية وشافه الأعراب وساكنهم وتعلم من خلف الأحمر نقد الشعر ومعانيه وكان أحفظ أهل زمانه حتى قال مرة إني أحفظ اثني عشر ألف أرجوزة فقال له رجل: منها البيت والبيتان. فقال: ومنها المائة والمائتان. وعمر حتى أدرك زمن المأمون. وأراد المأمون أن يقدمه إليه فاعتذر بكبر السن. ومات سنة 216 هـ? وله مؤلفات كثيرة.

العصر الرابع عصر المماليك التركية 656 1330 هـ?
حالة اللغة العربية وادابها في ذلك العصر
لما اكتسح التتار ممالك الدولة العباسية افترقوا إلى ممالك متعددة بآسيا وشرقي أوروبا، ولم يلبثوا أكثر من نصف قرن حتى أسلموا وشرعوا يخدمون الإسلام: بتقريب العلماء إليهم وترغيبهم في التأليف، ففاد ذلك في إدامة الحركة العلمية في الجملة، وإن لم يفد اللغة العربية فائدة تذكر لمكان العجمة منهم، أما علوم العرب وأدبها فلم يكن لها مباءة ترجع إليها إلا البلاد العربية كالشام ومصر غير أنه أصبحت اللغة التركية العثمانية هي اللغة الرسمية للأعمال الديوانية والسياسية في جميع الممالك العثمانية، فزاحمت اللغة العربية مزاحمة ظهر أثرها بيناً في تحرير الرسائل الديوانية والمعاهدات السياسية، ودخل في اللغة أثناء دولتي المماليك والعثمانيين كثير من الألفاظ التركية والفارسية:

النثر لغة التخاطب
كادت تحل محل اللغة العامية العربية (في أعالي الجزيرة وشرقي العراق) اللغة الفارسية والتركية والكردية ممزوجة بشيء من الألفاظ العربية.
أما في بقية الجزيرة والعراق ومصر والشام فقد بقيت العامية العربية لسان الجميع فيها حتى الملوك والسلاطين لغلبة العناصر العربية فيها. بل دون بها بعض العلماء ونظم بها الشعراء ثم أخذت العناية بها في الانحطاط.

الخطابة
لم تتغير الخطابة هما كانت عليه أواخر الدولة العباسية من حيث قصورها على خطب الجمع والأعياد وتلاوة بعض المرسومات والمنشورات وبقيت لغة الخطابة العربية وحدها أو مع الترجمة إلى الأعجمية.

الكتابة الكتابة الخطية
درج الخط في هذا العصر في الطريق التي مهدها ابن مقلة وابن البواب
(2/203)

وياقوت الملكي وياقوت المستعصمي، واستعملت فيه أكثر أنواعه وما زال الخط يجري في مضماره حتى قبض على عنانه مكتبو الترك العثمانيين فأبدعوا في تحسينه بما جعل جميع العالم يعترف لهم بالسبق: ومن أشهرهم الشيخ حمد الله الأماسي إمام الخطاطين العثمانيين، وجلال الدين، والحافظ عثمان.

الكتابة الإنشائية كتابة الرسائل
اتبعت في كتابة الرسائل أثناء هذا العصر طريقة القاضي الفاضل التي أساسها المعاني الخيالية والتزام السجع والمحسنات البديعة وعضد هذه الطريقة من كتاب هذا العصر شهاب الدين محمود الحلبي المتوفى سنة 755 هـ?. ومحيي الدين بن عبد الظاهر، وابن فضل الله العمري وأولاده، وبقيت هذه الطريقة مرعية في مصر والشام حتى نهاية دولة المماليك وصدر حكومة العثمانيين. ولما غلبت اللغة التركية العثمانية على كتابة الدواوين وأصبحت رسمية في الحواضر والأمصار، أخذ شأن الكتابة العربية في الاضمحلال.

الكتاب

(1) القاضي محيي الدين عبد الظاهر
هو الكاتب الشاعر عبد الله بن عبد الظاهر الجذامي المصري ولد سنة 620 هـ? ورباه والده، وبرع في كتابة الرسائل سالكاً طريقة القاضي الفاضل وخدم في ديوان الإنشاء مدة الملك الظاهر بيبرس وولديه، وبعض أيام المنصور قلاوون ويعتبر محيي الدين وابنه محمد فتح الدين من واضعي اصطلاح الإنشاء ونظام ديوانه الذي ظل مرعياً في مصر والشام حتى نسخة النظام التركي العثماني، وتوفي سنة 692 هـ? وله تأليف ومكاتبات سلطانية كثيرة، وله من رسالة كتبها على لسان الملك المنصور قلاوون يرد على صاحب اليمن في تعزيته على موت ابنه:
(2/204)

"ولنا (والشكر لله) صبر جميل، لا نأسف معه على فائت ولا نأسى على مفقود، وإذ علم الله (سبحانه) حسن الإستنابة إلى قضائه، والاستكانة إلى عطائه، عوض كل يوم ما يقول المبشر به: هذا مولى مولود، وليست الإبل بأغلظ أكباداً ممن له قلب لا يبالي بالصدمات كثرت أو قلت، ولا بالتباريح حقرت أو جلت، ولا بالأزمات إن هي توالت أو تولت ولا بالجفون إن ألقت ما فيها من الدموع والهجوع وتخلت ويخاف من الدهر من لا حلب أشطره، ويأسف على الفائت من لا بات بنبإ الخطوب على أن الفادح بموت الولد الملك الصالح (رضي الله عنه) وان كان منكياً والنافح بشجوه وإن كان مبكياً. والنائح بذلك الأسف وإن لنار الأسف مذكياً. فإن وراء ذلك من تثبيت الله عز وجل ما ينسفه نسفاً، ومن إلهامه الصبر ما يجدد لتمزيق القلوب أحق ما به ترفى. وبكتاب الله (تعالى) وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) عندنا حسن اقتداء يضرب عن كل رثاء صفحاً".

(2) شهاب الدين بن فضل الله العمري
هو الشاعر الكاتب المصنف القاضي أبو العباس شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري سليل عمر بن الخطاب، وصاحب كتاب مسالك الأبصار ولد بمدينة دمشق سنة 700 وتفقه وتأدب على أبيه وغيره،
(2/205)

وكان أعلم أهل القطرين بتاريخ الملوك، وطبقات العلماء، والأدب
(2/206)

اء، وعلم وصف الأرض، فوق الفقه الذي نال فيه مرتبة الإفتاء وتوفي سنة 749 هـ?، ومن إنشائه في وصف قط زباد من رسالة طويلة (وقط الزباد الذي لا تحكيه الأسود في صورها: ولا تسمح غزلان المسك بما يخزنه من عرفه الطيب في سررها كم تنقل في بيوت طابت موطناً، ومشى من دار أصحابه فقالوا: (رَبّنَا عَجّل لّنَا قِطّنَا) [ص: 16] ) .
ومن فصول رسائله فصل كتبه من رسالة عن لسان سلطانه إلى الشام مع طيور صيد جوارح أرسلها إليه: صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي بسلام جميل الافتتاح، وثناء يطير إليه وكيف لا تطير قادمة بجناح، ونعلمه أن مكاتبته المتقدمة الورود تضمنت التذكار من الجوارح بما بقي من رسمه وجرت عادة صدقاتنا الشريفة أن تحسب في قسمه وقد جهزنا له الآن منها ثلاثة طيور لا يبعد عليها مطار، ولا يوقد للقرى في غير حماليقها جذوة نار: ولا تؤم طيراً إلا وترش الأرض بدمه فلا يلحق لها وهي طائركم لها من فتك أخذ الطير من مأمنه، وسلب ما تحلى به من رياش الريش ثم تزيا بأحسنه.

(3) لسان الدين بن الخطيب
هو ذو الوزارتين الكاتب الشاعر. أبو عبد الله لسان الدين محمد بن عبد الله المعروف بابن الخطيب تأدب وتفقه واجتمع له من الحكمة والأدب ملكة يلذ بها أدباء الأندلس كتابة وشعراً وتصنيفاً وسياسة ومات سنة 776 هـ?.
ومن قصار رسائله رسالة في الشوق كتبها إلى ابن خلدون وهي بعد الديباجة (أما الشوق فحدث عن البحر ولا حرج، وأما الصبر فسل به أية درج، بعد أن تجاوز اللوى والمنعرج، لكن الشدة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله الأرج، وأني بالصبر، على إبر الدبر. بل الضرب الهبر. ومطاولة اليوم والشهر حتى حكم القهر، وهل للعين أن تسلو سلو المقصر. عن إنسانها المبصر، أو تذهل ذهول الزاهد. عن سرها الرائي والمشاهد. وفي الجسد مضغة يصلح إذا صلحت فكيف حاله إن رحلت عنه ونزحت، وإذا كان الفراق هو الحمام الأول. فعلام المعول، أعيت مراوضة الفراق على الراق، وكادت لوعة الاشتياق، أن تفضي إلى السياق.

تركتموني بعد تشييعكم ... أوسعُ أمرَ الصبر عصيانا
أقرعُ سنّي ندماً تارةً ... وأستميحُ الدمعَ أحياناً

التدوين
ألف علماء هذا العصر تأليف جمة أخلفت على العربية بعض ما أباده التتار والصليبيون: من الكتب النفسية. ويرجع أكثر الفضل في ذلك إلى علماء مصر والشام وجالية الأندلس. أما أعاجم المشرق وإن ألفوا في العلوم الإسلامية والفلسفية فإن تأثير بيئتهم الأعجمية جعل كتبهم صعبة التناول ضعيفة الأثر في تقدم اللسان العربي مما ستعرفه من أحوال العلوم ومؤلفيها.

الأدب
قد كان لأدباء القاهرة من الكتاب السبق في وضع الكتب الجامعة التي تبحث في عدة علوم أدبية أو ملحقة بها. ومن هؤلاء:
شهاب الدين النويري صاحب "نهاية الأرب"، وابن فضل الله العمري صاحب مسالك الأبصار، وشهاب الدين القلقشندي صاحب صبح الأعشى. وممن ألف في الأدب بمناح مختلفة: جمال الدين الوطواط صاحب الغرر والعرر، وشهاب الدين الحلبي صاحب منازل الأحباب، وحسن التوسل إلى صناعة الترسل، وشهاب الدين أحمد الأبشيهي صاحب المستطرف، والنواجي صاحب حلبة الكميت.

بقية العلوم الإسلامية
لما أباد التتار بقية العلماء والنحاة في الشرق، كاد أفق المشرق والشام ومصر يصفر من النحاة وأهل اللغة، لولا أن تداركها الله بدخول التتار في السلام ومعاضدتهم هم والدول التي خلفتهم للعلم والعلماء، وبجلاء بعض كبار النحاة واللغويين من الأندلس والغرب قبيل حادث التتار وبعده. كابن مالك، والشاطبي، وأبي حيان، وابن منظور الأفريقي، فجددوا والنحو واللغة بمصر والشام، وتخرج عليهم تلاميذ أفاضل كانوا كواكب العصور المتأخرة، فدونوا العلم وحفظوه لمن أتى بعدهم ممن نشؤوا في العصور المظلمة.

كتابة التدوين والتصنيف
أما كتابة التدوين فكانت في المتون ونحوها موجز جداً. وكانت في الشروح والمطولات مبسوطة: ومن أشهر المؤلفين في هذا العصر ابن خلكان: وابن خلدون والسيوطي: وابن مكرم: والفيروز أبادي: وعز اليدين بن عبد السلام المتوفى سنة 660 هـ?، وابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هـ?، وابن هشاالجرجاني، المتوفى سنة 816، والشهاب الخفاجي. م النحوي المتوفى سنة 761 هـ?، ولسان الدين بن الخطيب المتوفى 776 هـ?، وسعد الدين التفتازاني المتوفى سنة 791، والسيد
ابن خلكان
هو قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن أبي بكر خلكان الإربلي ولد سنة 608 هـ? بمدينة أربل وأقام بها إلى سنة 621 هـ? فرحل إلى حلب ومكث بها سنين ثم إلى دمشق وأقام مدة، ثم أقام بمصر وتولى القضاء بها وفيها ألف أكثر تاريخه العظيم "وفيات الأعيان" ثم تقلبت ب الأحوال بين مصر والشام إلى أن مات بدمشق سنة 681: وكان كاتباً بليغاً، وشاعراً مجيداً، حسن المحاضرة، لطيف المعاشرة، وساع الاطلاع، شديد التحري والضبط ("وتاريخه" "وفيات الأعيان" "وأنباء أبناء الزمان") أفضل بأيدي الناس ممن كتب التاريخ لشدة عنايته بضبط الأعلام وأسماء البقاع والبلدان وتحقيق الحوادث بحسب الإمكان.

ابن خلدون
هو حكيم المؤرخين، وعلم المحققين، الفقيه القاضي الكاتب الشاعر المصنف عبد الرحمن ابن محمد المعروف بابن خلدون ولد بتونس سنة 732 هـ?، وتلقى العلم والأدب من أبيه ومن كبار العلماء، وقرأ العلوم العقلية والفلسفية على بعض حكماء المغرب، واحترف بصناعة الكتابة وهو شاب لم يطر شاربه، ثم وصل بعد ذلك إلى ملوك بني الأحمر فحظي عندهم حتى حسده على ذلك صديقه لسان الدين بن الخطيب فأقلع عنها، وذهب إلى صاخب بجاية بالمغرب الأوسط فوزر له، وبقي يتردد بين المغرب الأوسط والأقصى وأفريقية والأندلس حتى حسن في عينه التخلي عن السياسة والانقطاع إلى العلم، فنزل إلى بعض قبائل العرب على حدود الصحراء أربعة أعوام ألف فيها تاريخه ومقدمته التي لم ينسج أحد من المتقدمين ولا المتأخرين على منوالها، ثم عزم على الحج فدخل مص زمن سلطانها برقوق. ثم استقدم أهله وولده من المغرب فغرقت بهم السفينة فأقام بمصر حزيناً، وجلس للتدريس بالجامع الأزهر، وتولى قضاء المالكية سنة 786 هـ? إلى أن مات سنة 808 هـ?.

جلال الدين السيوطي
هو عبد الرحمن جلال الدين بن الإمام كمال الدين الخضيري السيوطي العالم المحدث المفسر صاحب التصانيف المشهورة: واد سنة 849 هـ? ونشأ يتيماً وحفظ القرآن وعمره دون الثمان، ثم حفظ متون الفقه والنحو، وأخذ العلم عن مشايخ وقته وابتدأ في التصنيف وسنه 17 سنة، ثم لازم الأشياخ وطلب العلم في بقاع الأرض فدخل الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور ونبغ في كثير من العلوم، ورزق التبحر في التفسير والحديث والفقه والنحو والمعان والبيان والبديع وتولى التدريس والإفتاء ولم يكن أشهر منه في زمنه. ويعد السيوطي من الأئمة الذين حفظوا العلم للخلف وسهلوا سبيله للمتأخرين، وقد ترك للناس أكثر من ثلاثمائة مصنف، وتوفي ستة 911 هـ? بالقاهرة.

الشعر
لما كان أكثر الملوك والأمراء في هذا العصر أعاجم بالفطرة، كان نيلهم إلى الشعر العربي غير طبيعي، ولذلك انقرض الشعر العربي من أواسط آسيا وبقيت صبابة منه بالعراق والجزيرة: وبقي على كل شيء من الرونق في الشام ومصر والأندلس والمغرب، غير أنه قل التكسب به فيها، فمال أكثر الشعراء إلى انتحال الكتابة والدواوين صناعة واستعملوا الشعر في تملق الملوك والرؤساء وفي إظهار التفصح والتسلية فهجر قوله في الأغراض الهامة وعدل به إلى أغراض أخرى.

الشعراء
ظهر في هذا العصر شعراء كثيرون، من أشهرهم، شرف الدين الأنصاري المتوفى سنة 662 هـ?، وجمال الدين بن نباتة المصري المتوفى سنة 768 هـ?، وشهاب الدين التلغفري المتوفى سنة 675 هـ?، وأبو بكر بن حجة المتوفى سنة 837 هـ?، وصفي الدين الحلي المتوفى سنة 1111 هـ?، وهاك ترجمة بعضهم: 1 البوصيري هو شرف الدين محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري، صاحب البردة والهمزية، ولد بدلاص ونشأ ببوصير ثم انتقل إلى القاهرة، وتعلم علوم العربية والأدب فقال الشعر البليغ في جده وهزله ومن أشهر شعره قصيدة البردة الشهير التي أولها:
أمن تذكُّرِ جيرانٍ بذي سلمِ ... مزجتَ دمعاً جرى من مقلةٍ بدم
أم هبّتِ الريحُ من تلقاءِ كاظمةٍ ... وأومضَ البرقُ في الظّلماء من إضم
فما لعينيك إن قلتَ اكففاهمتا ... وما لقلبك إن قلتَ استفق يهمِ
أيحسب الصبُّ أن الحبّ منكتم ... ما بيَن منسجم منه ومضطرمِ
ومن حكمها البديعة المشوبة بمحاسن البديع قوله:
والنّفس كالطّفل إن تهمله شبّ على ... حب الرّضاع وإن تفطمه ينفطم
فاصرفْ هواها وحاذرْ أن تولّيه ... إن الهوى ما تولَّى يصمِ أو يصمِ
وراعها وهي في الأعمال سائمةٌ ... وإن هي استحلت المرعى فلا تسمِ
كم حسنتْ لذةً للمرء قاتلةً ... من حيث لم يدر أن السُّم في الدَّسم
واخشَ الدسائس من جوع ومن شبع ... فربّ مخمصةٍ شرٌّ من التُّخمِ
واستفرغ الدمعَ من عين قد امتلأتْ ... من المحارمِ والزمْ حميةَ النَّدمِ
وقصيدته الهمزية في مدحه محمد صلى الله عليه وسلم لا تقل عن البردة في فصاحتها، وأولها:
كيف ترقى رقيك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء
لم يساووك في علاك وقد حا ... ل سنا منك دونهم وسناء
وتوفي البوصيري سنة 696 هـ? بالإسكندرية وقبره بها مشهور يزار.

2 صفي الدين الحلي
هو عبد العزيز الملك المنصور بن علي الشهير بابن سرايا الطائي الحلي شاعر الجزيرة ولد سنة 677 هـ?، ونشأ بمدينة الحلة من مدن الفرات فتأدب ونظم الشعر وأجاده وأصبح فيه أشهر شعراء عصره، وخدم به نجم الدين غازي بن قره أرسلان: أحد ملوك الدولة الأرتقية (ديار بكر) .
واتصل بعده بابنه الملك الصالح شمس الدين، ثم ذهب إلى الحج وعرج منصرفه منه إلى مصر فمدح الملك الناصر بن قلاوون وتوفي سنة 750 هـ?.
ويعتبر صفي الدين من أئمة البديع المبتدعين في أنواعه المغالين في استعماله في شعرهم بلا كثير تكلف، وهو أول من نظم القصائد النبوية الجامعة لأنواع البديع المسماة بالبديعيات على مثال بردة البوصيري. ومن وقوله في الأدب:
اسمعْ مخاطبةَ الجليس ولا تكنْ ... عجلاً بنطقك قبلما تتفهَّمُ
لم تعطَ مع أذنيك نطقاً واحداً ... إلا لتسمع ضعفَ ما تتكلمُ

3 ابن نباتة المصري
هو جمال الدين محمد بن محمد المعروف بابن بناتة، أشعر شعراء المصريين زمن المماليك. ولد سنة 686 هـ? ونشأ بالقاهرة، وتلقى العلم والأدب وانكب على قراءة شعر القاضي الفاضل ورسائله، فرسخت في طريقته من الولوع بالتورية والتلميح والطباق، لم يأت بعده من شعراء مصر والشام من بلغ غايته في لطف التصور ورقة اللفظ وانسجام العبارة ومات سنة 768 هـ? ومن شعره قوله:
يا مشتكي الهم دعه وانتظر فرجاً ... ودار وقتك من حين إلى حين
ولا تعاند إذا أصبحت في كدر ... فإنما أنت من ماء ومن طين

4 ابن معتوق الموسوي
هو شهاب الدين بن معتوق الموسوي شاعر العراق في عصره وسابق حلبته في رقة شعره. ولد سنة 1025 ونشأ بالبصرة وبها تعلم وتأدب وقال الشعر وأجاده، وكان في نشأته فقيراً فاتصل بالسيد على خان أحد أمراء البصرة من قبل لدولة الصفوية الإيرانية وكانت وقتئذ تملك العراق والبحرين، ومدحه مدحاً رقيقة، وأكثر شعره مقصور عليه وعلى آل بيته فغمره بإحسانه. وابن معتوق من كبار شعراء الشيعة فمدح علياً والشهيدين بما يرج عن حد الشرع والعقل، ومات سنة 1111 هـ?، ويمتاز شعره بالرقة وكثرة المجازات.

"العصر الخامس عصر النهضة الأخيرة من 1330 إلى الوقت الحاضر"
حالة اللغة العربية وآدابها في هذا العصر كانت حالة البلاد العربية في أوائل القرن الثالث عشر غاية ما وصلت إليه من الفساد والاضمحلال، فلما استولى ساكن الجنان محمد علي باشا على مصر رأى بحكمته أن يربي من يكون خير واسطة لنقل معارف الأوروبيين إليها. فبعث إلى أوروبا ثلاثة بعوث علمية في أزمنة مختلفة كونت بعد ثلاث طبقات من العلماء، والأطباء، والمهندسين، والضباط. فنقلوا إلى اللغة العربية عشرات الكتب الجليلة في العلوم المختلفة فأحدث ذلك في اللغة العربية انقلاباً عظيماً، واكتسبت من سعة الأغراض والمعاني والألفاظ العلمية والأساليب الأجنبية وطرق البرهنة والاستنباط وترتيب الفكر ثروة طائلة، ورأى العلماء والأدباء أنه صارت لهم دولة منظمة متحضرة تقبل منهم بقبول حسن كل كما يحسنونه من نتيجة كدهم وثمرة أفكارهم فالتفوا حولها وصارت للدولة كتاب وشعراء ومنشؤون في جريدتها "الوقائع" أول جريدة عربية، واقتدى بمصر أهل الشام، بل ركدت ريها زمن عباس باشا الأول وزمن سعيد باشا، ثم تنسمت في عصر اسماعيل، وما لبثت أن صارت رخاء طيبة فأعاد سيرة في نشر العلم، وظهرت ثمرة أعماله في حياته وكادت مصر توشك أن تكون قطعة من أوروبا.

النثر المحادثة أو لغة التخاطب
كانت العامية في أوائل هذه العصور غاية في الانحطاط، ثم لما انتشر التعليم بين طبقات المصريين دخل عباراتهم كثير من الفصيح، وانتقل ذلك لمعاشريهم من الأميين وبعض النساء، ومما ساعد على ذلك أيضاً جعل التقاضي باللغة الفصيحة وكثرة الصحف والمجلات والروايات.

الخطابة
كان المصريون والسوريون أوائل هذا العصر لا يستعملون الخطابة في غير الأغراض الدينية، ثم اتسعت ائرة الأفكار في عصر إسماعيل باشا، وصادف ذلك مجيء السيد جمال الدين الأفغاني إلى مصر، والتف خوله لفيف من أدباء المصريين والسوريين، فأدخلهم في عداد جمعيته وألف منهم أندية كانوا ينتابون الخطابة فيها في الأمور الدينية السياسية والاجتماعية، وانتشرت الخطابة بين شبان مصر وفشت بعد عصر إسماعيل في زمن توفيق باشا وصاحب السمو الخديوي عباس باشا الثاني: ومن أشهر خطبائهم السيد عبد الله النديم، والشيخ محمد عبده، ومصفى باشا كامل، ومحمد بك فريد، وسعد باشا غلول، والشيخ عبد العزيز جاويش وغيرهم، حتى بلغت الخطابة في عصرنا هذا مبلغاً عظيماً.

الكتابة الخطية
وقف الخط في سبيل تقدمه عند الحد الذي رسمته له الطبقة الناشئة والحادي والثاني عشر من خطاطي الترك، وكل ما نشأ بعدهم فإنما هو متبع طريقهم. وأشهرهم عبد الله الزهدي، وهو الذي خط بالقلم الجليل جدران المسجد النبوي وجدران سبيل والدة عباس باشا بالصليبية بالقاهرة، ومحمد مؤنس أفندي، وتخرج عليه وعلى تلميذه محمد جعفر بك جميع خطاطي قطرنا المصري.

الكتابة الإنشائية
مضى العصر المتقدم وليس لكتابة الدواوين في أواخره شيء يذكر لجعل التركية هي اللغة الرسمية، وأقبل العصر الحاضر والحال لم تتغير في المماليك العثمانية إلا قليلاً وشرعت تتغير في مصر، ثم لما أنشئت المدارس النظامية نشأت طبقة من كتاب الدواوين رقوا كتابتها. وقد هجر السجع الذي أكثر منه الأقدمون إلا أن عبد الله باشا الفكري أشهر المصلحين للكتابة الديوانية الفصيحة ألم به في كثير من مكاتبته الرسمية، كما سبق ذلك في المكاتبات.
أما كتابة التأليف والصحف فأخذت تنحو منحى كتابة ابن خلدون في "مقدمته". ولما ولت الحكومة الشيخ محمد عبده تحرير الوقائع الرسمية والإشراف على تحرير الجرائد، ترقت كتابتها كثيراً ودرجت في سبيل التقدم إلى الآن:

كتابة التدوين
كان أكثر الكتب التي ألفت أو ترجمت في مصر علمية، لشدة احتياجها إليها. أما سورية فكانت حالة الأدب فيها في لنصف الأول من العصر الحاضر خيراً منها في مصر، ولكن مصر نهضت في النصف الثاني واسترجعت حياتها الأدبية
(2/217)

وأدخلت دراسة أدب اللغة في مدارسها وألف فيها عدة كتب. وانح شأن سورية في العربية فلم ينبغ في اللغة من السوريين في السنوات الأخيرة من يضارع سابقيهم. ومن أشهر العلماء الأزهريين في هذا العصر الشيخ الجبرتي، الشيخ حسن العطار، والشيخ العروسي، والشيخ التميمي، والشيخ الباجوري، والشيخ عليش، والشيخ الأبياري، والشيخ السقا، والشيخ الأنبابي، والشيخ محمد الأشموني، والشيخ الشربيني، والشيخ سليم البشري، والشيخ محمد البحيري، ووالد مؤلف هذا الكتاب وغيرهم: ومن غير الأزهريين من غير النهضة الحديثة رفاعه بك شيخ المترجمين والمؤلفين المصريين، والنطاسي الشهير محمد علي باشا، والسيد صالح مجدي بك ومحمود باشا الفلكي، وأحمد ندا بك، وعبد الله باشا فكري، وقدري باشا، ودري باشا، والشيخ ناصيف اليازجي، والشيخ إبراهيم اليازجي، وأحمد فارس، والشيخ علي يوسف، وأديب أسحاق وغيرهم. وهاك ترجمة النهضة الخديثة.
(2/218)

1 رفاعة بك رافع الطهطاوي
هو الكاتب الشاعر السيد رفاعة بك الحسيني الطهطاوي شيخ الترجمة إمام النهضة الحديثة، ول بطهطا من أسرة شريفة، وتأدب وتعلم في الجامع الأزهر ثم انتخب إماماً لبعض فرق الجيش، ولم يلبث أن اختاره المرحوم محمد علي باشا إماماً ومعلماً لأول بعث علمي أرسل إلى فرنسا سنة 1241 هـ? فراقته علوم أوروبا وعظمتها أكب بنفسه على تعلم اللغة الفرنسية، فلما عاد إلى مصر سنة 1247 اختار محمد علي باشا رئيساً للترجمة بمدرسة أبي زعبل، واشترك هو وأستاذه الشيخ حسن العطار في إنشاء جريدة "الوقائع المصرية" وتحريرها ثم نقل إلى مدرسة المدفعية (الطبجية) ثم صار مديراً لمدرسة الألسن والترجمة، ثم انتخب عضوا بلجنة المدارس وتولى "إدارة مجلة روضة المدارس المصرية" وعكف على الترجمة والتأليف حتى توفي سنة 1290 هـ? تاركاً لمصر كتباً ورجالاً هم أركان النهضة الحديثة، وآخر ما ألفه "نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز".

2 عبد الله فكري باشا
هو عبد الله فكري بن محمد بليغ الضابط بن الشيخ عبد الله: هو أحد أركان النهضة الأدبية في الديار المصرية. ولد سنة 1250 هـ? وأكب على تعلم علومه بالأزهر مشتغلاً أيضاً باللغة التركية واستخدم من أجلها مترجماً للعربية والتركية في عدة مناصب آلت إلى نقله إلى حاشية سعيد باشا ثم إسماعيل باشا، فعهد إلي بتأديب بنية لكرام وغيرهم من أمراء بيت الملكز ثم تقلب في جملة مناصب آخرها نظارة المعارف سنة 1299 هـ?، وبقي بها حتى زمن الثورة العرابية فسقط مع الوزارة، واتهم في الثورة فقبض عليه ثم اتضحت برا ءته فأطلق ورد إليه معاشه بعد أن استعطف الخديوي توفيقاً بقصيدة طويلة وتوفي سنة 1307 هـ?، وكان فكري باشا كاتباً بليغاً سلك في كتابته طريقة كتاب القرن الرابع
(2/219)

كالبديع الهمذاني والخوارزمي من التزام السجع القصير القليل التكلف، ولذل يقول فيه المرحوم الشيخ حسين المرصفي مدرس دار العلوم (لو تقدم به الزمان، لكان فيه بديعان، ولم ينفرد بهذا اللقب علامة همذان) .

3 علي مبارك باشا
هو أبو المعارف المصرية، العالم المؤرخ، المؤلف المترجم، المربي العظيم علي بن مبارك بن سليمان بن ابراهيم، مصلخ العلم والإدارة بالديار المصرية ومؤسس دار العلوم، ودار الكتب العربية: ولد سنة 1239 هـ? وكان والده يرسله إلى معلم قاس يتعلم عليه القرآن الكريم فحفظه، وهرب من المعلم لقسوته وضربه، وأخذ يتعلم الكتابة على بعض الكتاب حتى عثر في بعض خرجاته بتلاميذ ذاهبين إلى مدرسة أبي زعبل فصحبهم ودخل المدرسة.
ثم اختير في جملة من تلاميذها إلى مدرسة قصر العيني وسنه 12 سنة ودرس الرياضة فبرع فيها فاختير طالباً بمدرسة الهندسة فأكمل في خمس سنوات درس فن الهندسة وأرسل إلى أوروبا سنة 1260 ليتمم دراسته بها، فمكث نحو أربع سنوات درس فيها فن الهندسة والحرب، ثم عاد إلى مصر ضابطاً بالجيش، ثم قدم لعباس باشا الأول مشروعاً بنظام المدارس المصرية فأعجبه وعهد إليه رياسة ديوانها فقام به خير قيام، وألف بعض الكتب الدراسية فكان أول من نظم المدارس المصرية، وتزاحمت عليه المناصب فكان مديراً للسكك الحديدية، وناظراً للمعارف وللأشغال وللأوقاف والقناطر الخيرية، فقام بذلك جميعاً خير قيام. ومن أعماله العظيمة إنشاء دار للكتب وإنشاء مدرس دار العلوم ليوفق بين طلبة العلم القديم وطلبة العلم الحديث ويحسن تعليم العربية، فجاءت هذه المدرسة بأحسن ما يطلب منها وتجديد مدينة القاهرة وأمهات مدن القطر إلى أن وافته المنية سنة 1311 هـ.

4 الشيخ محمد عبده
هو المصلح الكبير، والمجتهد الخطير، والكاتب البليغ، والخطيب المصقع، الأستاذ الإمام الحكيم الشيخ محمد عبده، أحد أركان النهضة العربية ومؤسسي الحركة الفكرية، ولد سنة 1266 بإحدى
(2/220)

قرى مدرية الغربية ونشأ بين أسرته بمحلة نصر من مدرية البحيرة، وترك بلا تعليم حتى ناهزت سنه العاشرة، ثم رغب بالتعلم فحفظ القرآن الكريم، وطلب العلم بالجامع الأحمدي، ثم انتقل إلى الأزهر ونبغ في علومه. ولما قدم مصر السيد جمال الدين الأفغاني سنة 1286 وأعاد إلى مصر دراسة الفلسفة وعلوم الحكمة والكلام لزمه الشيخ محمد عبده وكان أنبغ تلاميذه، وأحرصهم إلى الإستفادة منه، ونال درجة العالمية سنة 1294، واختير سنة 1295 مدرساً للأدب والتاريخ العربي بدار العلوم ومدرسة الألسن، ثم اختير لإصلاح لغة الوقائع المصرية، ثم صار رئيس تحريرها وفي هذه المدة جعله رياض باشا مراقباً على كتابة الجرائد وتحريرها: وحدثت عقب ذلك الثورة العرابية ونفي من مصر إلى سورية وتولى التدريس بمدارسها، ثم انتقل إلى أوروبا فالتقى بالسيد جمال الدين بباريس فأنشأ جريدة العروة الوثقى، ثم عفا عنه الخديوي وعاد إلى مصر قاضياً بالمحاكم الأهلية، ثم مفتياً للديار المصرية وتولى التدريس بالأزهر، وما زال كذلك حتى توفي سنة 1323 هـ?.
(2/221)

5 مصطفى باشا كامل
هو الوطني الكبير. مصطفى بن علي أفندي محمد المهندس المولود بالقاهرة في 14 أغسطس سنة 1874. ولما بلغ السادسة من عمره أدخله والده المكاتب الأولية، ثم انتقل إلى مدرسة والدة عباس باش الأول، وفي أثناء وجوده في هذه المدرسة توفي والده فانتقل إلى مدرسة القربية فأتم فيها الدراسة الابتدائية سنة 1887، ثم تحول إلى المدارس الثانوية ونال في نهايتها شهادة البكالوريا بتفوق باهر وذكاء نادر ألفت إليه نظر المرحوم علي باشا مبارك وزير المعارف فاختصه بمرتب شهري يصرف إليه مساعدة له، وكان منظوراً إليه بعين الإجلال والاحترام من إخوانه ومعلميه ورؤسائه لما امتاز به من حسن الإلقاء وفصاحة اللسان وصراحة القول واستقلال الفكر ومناقشته في المسائل العلمية والاجتماعية والكل يعجبون به ويتوقعون له مستقبلاً مجيداً. ثم دخل مدرسة الحقوق الخديوية نهاراً ومدرسة الحقوق الفرنسية ليلاً فكان يتلقى دروسهما حتى نال الكفاية
(2/229)

منها فذهب إلى طولون بفرنسا وأدى فيها الامتحان ونال الشهادة النهائية. وفي أثناء دراسته للحقوق تنبه خاطره للمسائل السياسية وأصبح همه إنقاذ مصر من الاحتلال. وكان يتردد على الجرائد الوطنية ليكتب فيها آيات الوطنية. وأنشأ المجلة المدرسية، وألف كتاب المسألة الشرقية ورواية فتح الأندلس وكتاباً في حياة الأمم والرق عند الرومان. كلها ترمي إلى تحبيب الاستقلال وإحياء الشعور الوطني في أفكار المصريين. واجتمع مصطفى بالمرحوم عبد الله النديم الخطيب المفوه والكاتب البليغ ومشعل نار الوطنية من قبل فاقتبس مصطفى منه الأساليب والتعليمات العظيمة وأضاف إلى معلوماته الماضية. ونهض نهضة الأسد إلى فريسته وأذكى أوار الوطنية في عقول الشباب الناهض وتطورت مصر الفتاة إلى يومنا هذا في مراقي التقدم والنجاح. وقد صار صيته في الآفاق وأصبح اسمه مرادفاً للشمس في رائعة النهار. وحدث عن شجاعته وفصاحته وقوة معارضته مما لا يمكن لقلم وصفه. وقد أنشأ جرائد اللواء العرب والفرنسي والإنكليزي لهذا الغرض. وتوفي يوم الأربعاء 10 فبراير سنة 1908، وشيعت جنازته باحتفال كبير لم يسبق له مثيل، واشترك فيه عشرات الألوف من جميع طبقات القطر المصري، وعم الخزن الشديد على جميع المصريين. ورثاه الكتاب والشعراء وجميع جرائد العالم. وطيرت نعيه الشركات البرقية الأجنبية في الممالك الأوروبية. وخطبه الظنانة كثيرة لا نطيل بذكرها.

6 محمد بك فريد
هو المخلص الأمين. محمد بن أحمد باشا فريد ووالدته أميرة من فضليات سيدات الخلفاء العباسيين. وكان ميلاده في 27 رمضان سنة 1284 هـ? وعاش 52 سنة، ولما كان عمره 7 سنوات أدخله المرحوم والده مدرسة خليل آغا فدرس الدروس الابتدائية، ثم دخل المدرسة الثانوية فجد واجتهد حتى فاق أقرانه وأحرز شهادة البكالوريا، ثم انتقل إلى مدرسة الإدارة والألسن، ومنها دخل مدرسة الحقوق الخديوية حتى نال الشهادة النهائية في شهر مايو سنة 1887 م، وعقب ذلك عينته الحكومة المصرية بقلم قضايا الدائرة السنية الذي لم يلبث فيه إلا قليلاً حتى أصبح رئيسه. وقد أنعم عليه سمو الخديوي بالرتبة الثانية، ثم تدرج في وظائف القضاء إلى أن صار أحد رؤساء النيابة العمومية. وفي خلال ذلك كان يكاتب أمهات الصحف العربية والإفرنجية حتى استقال من خدمة الحكومة في 21
(2/230)

نوفمبر سنة 1896 م، واشتغل بالمحاماة وانضم بكل قواه إلى الحزب الوطني لتحرير مصر والسودان. ولازم صاحبه الزعيم الأكبر المرحوم مصطفى باشا كامل. وقد ألف كتاب البهجة التوفيقية في تاريخ العائلة الخديوية وتاريخ الدولة العثمانية وتاريخ الرومان، وأشنأ مجلة الموسوعات وكتب آلاف المقالات في المؤيد واللواء والصحف الأوروبية، والق مئات من الخطب في الشرق والغرب. وتعرق بكثير من كبار ساسة جميع العالم.
ولما شعر المرحوم مصطفى باشا كامل بدنو الأجل جمع الحزب الوطني وأوصاهم بانتخاب فريد بعده رئيساً فقام برياسته خير قيام وقد ضحى نفسه وأولاده وأهله وماله ومناصبه حباً في الوطن حتى مات غريباً في برلين يوم الإثنين 15 يونيه سنة 1920م. وشيعت احتفال مهيب في اسكندرية ومصر لم تر العيون مثله اشتركت فيه العلماء والأمراء والوزراء وجميع الأعيان والوجهاء. ورثته الكتاب والشعراء وجرائد ومجلات الشرق والغرب فممن رثاه حافظ بك ابراهيم قال من قصيدة طويلة:
من ليومٍ نحنُ فيه من لغدْ ... مات ذو العزمةِ والرأيِ الأسدّ
أيُّها النيل لقد جلّ الأسى ... كن مدداً لي إذا الدّمع نفدْ
فلقد ولّى فريدٌ وانطوى ... ركنُ مصر وفتاها والسَّند
خالدَ الآثار لا تخشى البلى ... ليس يبلى من به ذكرٌ خلدْ
قل لصب النيل إن لاقيته ... في جوارِ الدائم الفرد الصمدْ
إن مصراً لا تني عن قصدها ... رغمَ ما تلقى وإن طال الأمدْ
فاسترحْ واهناً ونمْ في غبطةٍ ... قد بذرتَ الحبَّ والشعبُ حصدْ
(2/231)

معالي الرئيس المحبوب سعد باشا زغلول
هو روح مصر الزعيم الأكبر. سعد ين الشيخ إبراهيم زغلول المولود ببلدة إبيانا التابعة لمديرية الغريبة سنة 1277 هـ?، قرأ القرآن الكريم ودرس العلوم الابتدائية في بلده. ثم رحل إلى مصر ودرس الأزهر الشريف وحضر علوم اللغة والأدب والنحو والمنطق والتوحيد وعلوم التشريع وغيرها على فطاحل العلماء كالشيخ المهدي العباسي. والشيخ أبو النجا الشرقاوي، والشيخ أحمد الرفاعي، والشيخ محمد عبده وخلافهم من كبار الأئمة. ثم تعين محرراً لجريدة الوقائع المصرية الرسمية بالداخلية. ثم انتقل معاوناً بنظارة الداخلية في مدة وزارة محمود سامي باشا البارودي. ثم تعين مديراً لقلم قضايا مديرية الجيزة وذلك في مدة اشتداد الثورة العرابية. ثم استقال واشتغل بالمحاماة وقد انتخبته الجمعية عضواً في لجنة تنقيح قانون الجنايات بالاستئناف. ثم اختاره اللورد كرومر أن يكون وزيراً لوزارة المعارف، ثم وكيلاً للجمعية التشريعية إلى أن تطورت الحالة الوطنية في القطر المصري فانتخبته الأمة وكيلاً عنها في مطالبة انكلترا بالجلاء عن مصر والسودان إلى يومنا هذا.
ومن كلماته المأثورة في الوطنية: (1) لا استعباد.؟ لا استعمار. لا حماية. لا رقابة. لا تداخل لأحد في شأن من شؤوننا. هذا ما نريد وهذا ما لا بد أن نحصل عليه.
(2) أقسم بالوطنية وعزتها لو كنت أعرف أني أقود أمة بلهاء تنقاد لكل زعيم بدون تصور ولا إدراك كما يصفها أعداؤها ما رضيت أن أكون قائداً لها.
(3) إن قوتنا ليست مستمدة من الخارج بل هي في نفوسنا فلتكن نفوسنا قوية نصل إلى غايتنا.
(4) الإدارة متى تمكنت من النفوس وأصبحت ميراثاً يتوارثه الأبناء عن الآباء ذللت كل صعب ومحت كل عقبة وقهرت كل مانع مهما كان قوياً ووصلت عاجلاً أو آجلاً إلى الغاية المطلوبة.
(2/232)

(5) لا يمكن أن نعتبر للحكوميين مذهباً لأن المذهب يقتضي مبادئ وقواعد أما هم فقاعدتهم القوة. وما يعتمد على القوة لا يصح أن يسمى مذهباً.

ومن كلماته المأثورة في الحرية وحدودها
(1) كل أمر يقف في طريق حريتنا لا يصح أن نقبله مطلقاً مهما كانة مصدره عالياً ومهما كان الآمر به.
(2) كل تقييد للحرية لا بد أن يكون له مبرر من قواعد الحرية نفسها وإلا كان ظلماً.
(3) الصحافة الحرة تقول في حدود القانون ما تشاء وتنتقد ما تريد فليبس من الرأي أن نسألها لم تنتقدها بل من الواجب أن نسأل أنفسنا لم نفعل ما تنتقدنا عليه.
(4) نحن نحب الحرية ولكنا نحب أكثر منها أن تستعمل في موضعها.
(5) جميل جداً أن يقال لا تحجروا على الناس ولا تقيدوا حريتهم وإنها لنغمة لذيذة يحسن وقعها في الأسماع والقلوب. ولكنا لا نريد الحجر على الناس ولا تقييد حريتهم بل نريد حماية الحق وصيانته من أن يتمتع به غير صاحبه من حيث يحرم منه صاحبه.
ومن آرائه في التشريع: (1) كل شريعة تؤسس على فساد الأخلاق فهي شريعة باطلة.
(2) لا تصدقوا أن هناك قاعدة يرجع إليها القاضي في تقدير العقوبة، أو أن هناك ميزاناً توزن الجزاءات، وإنما هي أمور اجتهادية يلهم بها القاضي إلهاماً.
(3) الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة.
(4) إننا إذا احترمنا أمراً للحكومة نحترمه لأنه نافع للأمة لا لأنه صادر من تلك القوة المسيطرة.
(5) يجب أن ننقاد للقانون وألا نعتبر الانقياد إليه مهانة ومذلة بل عزاً وشرفاً.
(2/233)

(6) إن كانت الحكومة تريد أن نكون في صفها مدافعين عنها فما عليها إلا أن تتبع الحق والعدل وتحترم القانون.
(7) يعجبني الصدق في القول والإخلاص في العمل وأن تقوم المحبة بين الناس مقام القانون.
(8) الذي يلزمنا أن تفاخر به هو أعمالنا في الحياة لا الشهادات التي في أيدينا.
(9) أعاهدكم عهداً لا أحيد عنه. على أن أموت في السعي إلى استقلالكم فإن فزت فذاك، وإلا تركت لكم تتميم ما بدأت به.
هذا قليل من كثير لا نحيط به جمعاً خصوصاً خطبه المطولة الممتعة التي تكاد أن تكون في درجة الإعجاز ولا غرابة في ذلك، فمعالي الرئيس معروف بالشجاعة والصراحة، ويمتلك في يده أعنة الألفاظ يتصرف فيها كيف يشار، حتى إنه ليعبر عن أقسى المعاني وأخشنها بأرق الألفاظ وأعذبها وأخفها وقعاً على النفوس والأسماع خصوصاً وأنه لقدير على التأثير على نفس السامع وامتلاكه أزمة الأهواء وتلاعبه بالعواطف والقلوب واقتداره على إسناد كل جزئية من جزئيات المسائل الاجتماعية أو القانونية أو الأخلاقية أو السياسية إلى قاعدتها العامة التي توضح طريقها وتكشف الغامض منها.
(2/234)

وبالجملة فمعالي الرئيس متشرع يبحث النظامات ويدققها. وسياسي يبارز خصمه مبارزة الرجل الذي يحسن تقليب الحسام بين يديه، فلا كلماته تخرق حجب الآداب ولا تتجاوز حد اللياقة، ولقد كان كلامه ينزل على السامعين نزول الندى على أكام الزهر فلا يرتفع صوت ولا تبدو حركة مع طول خطابته نحو ساعتين، نسأله سبحانه وتعالى أن يمن على مصر والسودان بالاستقلال التام وأن يمنحها الحرية على يد بطلها العظيم وزعيمها الجليل ورئيسها المحبوب "سعد باشا زغلول" حفظه الله آمين.

8
(2/235)

الغازي مصطفى باشا كمال
أشهر حماة الشرق وداهية أقطاب الساسة البطل الغازي مصطفى كمال باشا المولود في سلانيك سنة 1298 هـ? 1880 م، ولما بلغ السنة السادسة من عمره أدخله والده مدرسة تدرس فيها العلوم الابتدائية على الطراز الحديث. وما لبث أن ترك المدرسة على أثر وفاة المرحوم والده. ثم انتقل إلى قرية مع والدته إلى خاله الذي كفله وعهد إليه القيام بحراسة الحقول والاشتغال بالزراعة مدة ليست بالقصيرة فأوجست والدته خفية من ضياع أيامه الدراسية بدون جدوى، وصحت عزيمته على إرساله إلى دار جدته في (سلانيك) فسافر أليها ودخل في المدرسة الملكية الإعدادية. غير أنه لم يوفق للتعلم بها وذلك لشغفه بحب المدرسة الرشدية العسكرية الابتدائية رغم إرادة والدته التي كانت لا توافقه على الالتحاق بها. وما زال بها حتى استطاع التأثير عليها وتمكن من التغلب على فكرها وأدى الامتحان المؤهل لدخول المدرسة العسكرية بتفوق باهر وكان أحد التلاميذ وأشدهم حباً في الرياضيات. وقد حصل في زمن يسير بجده واجتهاده على معلومات جمة في هذا العلم بدرجة تساوي درجة أستاذه المدعو مصطفى بك القائل له أن بين اسمي واسمك اشتباه فيجدر أن أضيف إلى اسمك يا ولدي لفظة "كمال" للتمييز بيننا.
وقد أتم الدراسة في المدرسة العسكرية الابتدائية وفاق زملائه في العلوم الرياضية بحيث لم يصادف أية صعوبة في المدرسة الإعدادية العسكرية الثانوية في (مناستر) غير أنه كان ضعيفاً في اللغة الفرنسية، فتحين فرصة العطلة المدرسية ودخل مدرسة الفرير وتزود بقسط وافر من اللغة الفرنساوية. وفي خلال ذلك كان يجتمع بالمرحوم الشاعر التركي المشهور (عمر ناجي بك) فارتشف من منهله العذب وتأدب بأدبه ودرس عليه آداب اللغة وضرب بسهم فيها حتى صار الشعر هو المادة
(2/237)

التي تنجذب نفسه إليه وترتاح به رغم النصائح التي كانت لقيها عليه بعض معلميه العسكريين بقولهم "إذا أردت أن تكون جندياً حقيقياً فاترك الأدب وخيال الشعراء" وبعد إتمامه الدراسة في تلك المدرسة سافر إلى الأستانة سنة 1319 هـ? والتحق بالمدرسة الحربية وكان شغفه العظيم بالرياضيات ولا يزال حياً ونامياً نمو اشتغاله بعلوم الأدب ومزاولة الخطابة وأساليبها فتولد من ذلك توقه واسترعاء نظره حب الاشتغال السياسة وخصوصاً وقد وقعت في يده كتب الوطني العظيم "نامق بك كمال" فطالعها مراراً ووقف على ما فيها وأدرك مراميها فرسخت في عقيدته الوطنية وكان ذلك في عهد المرحوم السلطان عبد الحميد الداهية العظيم، ومع ذلك تخرج من هذه المدرسة برتبة "ملازم ثان". ولما انتقل إلى مدرسة أركان الحرب بدأ يتعرف مع بعض إخوانه من الطلبة ما يكشف إدارة البلاد وسياستها من السوء والفساد. فكان أول ما فكر فيه أن يفهم زملاءه البالغ عددهم 5000 طالب موقف البلاد الإداري والسياسي. وقد فكروا جميعاً في تأسيس جريدة تكون لسان حالهم. وقد أخذ على عاتقه تحرير الكثير من مقالاتها وأبحاثها غي أن "اسماعيل باشا" مفتش المدارس وقف على حركتهم وسلط الجواسيس عليهم، ثم وشى بهم إلى المرحوم السلطان الغازي عبد الحميد الثاني وقال لجلالته إن ناظر المدرسة رضا باشا وهو المسؤول عن حركة الطلبة وواجب إدانته فاستدعاه جلالة السلطان فأقنعه بعدم وجود حركة سياسية، واستمر مع ورفاقه على إصدار جريدتهم حتى آخر سنتي مدرسة أركان الحرب. وبعدها خرج من المدرسة برتبة "يوزباشي" في أركان الحرب العامة، واستأجر لنفسه مكاناً خاصاً في "بك أوغلي" رغبة في استئناف العمل وعقد الاجتماعات وإصدار القرارات لصالح الوطن، ولكن لم تمض مدة وجيزة حتى عرف الجواسيس عمله وألقوا القبض عليه واعتقلوه بضعة اشهر ثم أطلق سراحه بواسطة سعي رضا باشا ناظره السابق في المدرسة وأصر على اشتغاله بالسياسة حتى نفته الحكومة إلى ولاية الشام للخدمة في الجيش، وقد أسس هناك "جمعية الحرية" واتخذ بعض التدابير لتوسيع نطاق هذه الجمعية.
فأسس لها فروعاً في بيروت ويافا والقدس وفي كل مدينة حل فيها ونزل بها. ولما
(2/238)

كان انتشار مبادئ الجمعية غير ممكن في تلك المدن عزم على السفر إلى "مقدونيا" حيث هناك الأرض صالحة لبذر تلك المبادئ والعمل على إنمائها وإنباتها حسناً وأطلع جمعيته على رأيه وعلى ذلك سعى أفرادها وتمكن من إصدار إذن يستطيع به السفر في بادئ الأمر إلى "أزمير" وعلى أثر ذلك أرسل رسالة خاصة إلى (شكري باشا) المعروف هناك بوطنيته الحارة وطلب منه مساعدته.
ولما شد الرحال إلى مقدونيا وركب البحر غير وجهته إلى مصر ومنها إلى بلاد اليونان ثم إلى سلانيك رغبة في إخفاء أغراضه عن أعين الجواسيس. وقد أسس في مدينة سلانيك فرعاً عاماً للجمعية، وما كادت حكومة الآستانة تتلقى تقرير الجواسيس عن أعماله وأخذت في البحث عنه حتى سافر على وجه السرعة إلى (يافا) وعلى أثر ذلك ظهرت مسألة العقبة. فاستصدرت جمعية الحرية أمراً بتعينه على الحدود المصرية. وما كاد يصل أمر البحث عنه إلى ولاية الشام حتى كان متولياً شؤون وظيفته الجديدة على حدود مصر.
وقد مكث في سوريا ثلاثة أعوام ثم طلب من الحكومة نقله إلى مقدونيا فقوبل طلبه بالقبول وعلم بعد وصوله إلى سلانيك إن جمعية الحرية غيرت اسمها باسم جمعية الاتحاد والترقي وما وافى إعلان الدستور حتى برز إلى ميادين السياسة بفضل إعلانه جميع الأحرار وقد اقترح على الجمعية انسحاب الجيش في ميادينه فقوبل بالارتياح غير أن الجمعية لم تتمكن من تنفيذه في ذلك الحين.
ولما نشبت الثورة الرجعية في الأستانة سنة 1909: أخمدها واستتب الأمن ثم تعين بمهمة الإصلاح على ولاية طرابلس. ثم شرعت الحكومة التركية في الأنظمة الجديدة لضباط الجيش وهي تقضي بتنزيل درجاتهم ورتبهم، وألحق حسب النظام الجديد برتبة ضابط صغير "قول أغاصي" بهيئة أركان حرب في فرقة "سلانيك" فأخذ يبذل جهده في تعليم الجيش وتدريبه على الأصول الحربية الحديثة والأنظمة الجديدة.
وكان كثيراً ما يكتب من الاقتراحات النافعة والانتقادات المفيدة لإصلاح شأن الجيش فكان ذلك من الأسباب الجوهرية التي بعثت بعض القواد القدماء على حقدهم عليه وكان جزاؤه تعيينه قائداً للآلاي الثلاثين فجاء هذا التعيين على عكس غرضهم الأساسي إذا أفسح له مجالاً واسعاً لإلقاء بعض المحاضرات الفنية وشرح أساليب الخطط الحربية وتوضيح المواقف الهامة وغير ذلك مما يحتاج إليه الضباط والقواد. ثم بعد ذلك دعته حكومة الأستانة وعينته ضمن أركان الحرب العامة فيها وقام بصحبة المرحوم شوكت باشا بالحركات الحربية لإخماد الثورة في بلاد ألبانيا.
(2/239)

وقد ذهب مع جماعة من إخوانه متنكراً إلى مصر على أثر إعلان الحرب الإيطالية سنة 1911 وسافر منها إلى بنغاري. ثم عاد إلى الأستامة بعد نشوب الحرب بين الترك والبلغار وتع ين رئيساً لأركان الحرب، ثم عاد إلى الأستانة وتعين ملحقاً عسكرياً في سفارة "صوفيا" عاصمة بلغاريا ومكث هناك مدة سنة كاملة.
ولما نشبت الحرب العامة سنة 1914 تعين قائداً للفرقة السادسة عشر في (تكفورطاغ) ، ثم تعين لفيلق ديار بكر وبعدها تولى قيادة الجيوش. وعين بعد ذلك قائداً للقوات الحجازية فتوجه إلى الشام وتفاوض مع جمال باشا وأركان حربه وأنور باشا وأركان حربه وبعد أخذ ورد أقنع الجميع بضرورة الجلاء عن الحجاز ثم عاد إلى ديار بكر ومنها عاد إلى الأستانة وأخذ القيادة على عاتقه وحصل بينه وبين كبار القواد الألمانيين مناقشات أدت إلى استقالته وسافر من الأستانة مع ولي العهد (جلالة الخليفة الأعظم الحالي) إلى ألمانيا، وفيها تقابل مع القائدين العظيمين (هندنبورج ولوندرف) وبعد ذلك عاد فرأى ما حل بالبلاد من المصائب فاقترح على الحكومة إسقاط الوزارة وتشكيل وزارة أخرى حسب برنامج قرره لها.
وكان نظره متجهاً نحو نقطتين هامتين: (1) التوسل بالأسباب الناجحة في الحصول على ما تمس الحاجة إليه.
(2) إنشاء قوة قوية للدفاع عن مصالح الوطن.
وقد صحت عزيمته على ترك الأستانة والتوغل في داخلية البلاد وبسط موقف البلاد المحفوف بالمخاطر. ولأجل هذا بذل جهده في العمل على إنقاذ الوطن خاصة والشرق عامة. وبينما كان مشتغلاً بتهيئة الأسباب لذلك إذ تلقى أمراً بتعيينه قائداً ومفتشاً لجيش الصاعقة مع ضرورة ذهابه به الأناضول فتقبل ذلك بالسرور العظيم. وقام إلى الأناضول وهو حاصل على رتبة القائد والمفتش معاً لذلك الجيش، وكان ذلك من أهم العوامل الفعالة للوصول إلى تحقيق إنقاذ الوطن (حاجة في نفس يعقوب قضاها) ولما شعرت الحكومة بخطئها استدعته في الحال إلى الأستانة فرفض واستقال وسعى في جمع نواب الأمة وتأليف المجلس الوطني الكبير في الأناضول وقد افتتح المجلس الوطني يوم 23 فبراير سنة 1920، وأخذ في مباشرة الأعمال والقيام بواجب البلاد وكان شغله الشاغل. (كيف تمثل إرادة الأمة أحسن تمثيل) فاهتدى بعد أبحاث طويلة أنه لا يتم ذلك إلا باجتماع نوابها العظام. وهذا ما دعاه إلى وضع مستقبل الأمة من حريتها واستقلالها في يد وزارة كبيرة تمثل البلاد، وقد تم له ما أراد ففاز بالنصر والسداد وفقه الله إلى ما فيه صلاح العباد.
والغازي على جانب عظيم من الفضيلة ومكارم الأخلاق بعيداً عن الزهو وحب النفس متواضعاً محبوباً محترماً صريحاً في قوله وعمله. فصيحاً بليغاً. من كبار الكتاب ومن فحول الشعراء ينادي المعالي ويناجي الحرية والإخاء والمساواة وقد اجتمع بين يديه إمارة السيف والقلم: وخطبه أشهر من أن تذكر من أقواله: في الوطن: إن وطننا العزيز لايموت ولن يموت.
(2/240)

وإذا فرضنا المحال وسلمنا بموته (لا قدر الله) فكاهل الكرة الأرضية لن يستطيع حمل تابوته الجسيم. نعم يسقط مهمشاً مقطع الأوصال مادام فرد منا يتنسم نسيم الحياة.
ومن آرائه في تعليم المرأة:
تعليم المرأة "أم الوطن" وتثقيف عقلها بالعلوم الدينية والمعارف الأهلية من أهم ما ترمي إليها نهضتنا العلمية الوطنية.
ومن وصفه للفلاح: سيد تركيا بل سيد العالم الحقيقي (الفلاح) لأنه هو العنصر الأول في تكوين عناصر الأمة وكيانها. والوطن بدونه لاشيء بل الوطن هو فيتعين أن نعتني به عناية خاصة، وأن نضع قبل كل شيء سعادته نصب أعيننا.

الشعر
كانت حالة الشعر في النصف الأول من هذا العصر لاتزيد شيئاً مذكوراً على ما كنت عليه في العصر الماضي، إذ كانت حكومة محمد علي باشا في أول أمرها تركية الصبغة، وكان هو أمياً، ولكن الشعر أخذ بعد ذلك في الترقي خصوصاً في عصر اسماعيل باشا، فتقدم خطوات تمثلت في شعر السيد علي أبي النصر المتوفي سنة 1298، والشيخ علي الليثي المتوفي سنة 1309، وعظيم الشعراء البارودي.
ولم يزل العلم والعلماء مع ذلك لهم المقام الأول في مصر حتى كان العصر الحاضر، ونالت مصر بعض حاجاتها من العلم وكتبه فهب أهله يتفكهون بالأدب وكتابته والتأليف فيه ويستمعون الشعر ويحرضون المجامع العظيمة لإنشاده فأقبل الشعراء على نظمه في كل أغراضه القديمة والحديثة ونحوا به نحو الشعر الإفرنجي من وصف المناظر الطبيعية، وأحوال الوجدان والعواطف النفسية ومن وصف القطار والكهرباء والمسرة والبرق وغير ذلك.
ومما يمتاز به شعر هذا الوقت خلوه من تكلف البديع والجناس. والرجوع له إلى حالته القديمة الطبيعية حتى صار شعر فحوله يشبه شعر أهل القرن الرابع والخامس.

الشعراء
شعراء هذا العصر كثيرون وأشهرهم محمود باشا سامي البارودي، وأحمد بك شوقي، ومحمد حافظ بك ابراهيم، واسماعيل باشات صبري، ة وخليل بك مطران وغيرهم.

البارودي
هو رب السيف والقلم أمير الشعراء وشاعر الأمراء، محمود سامي باشا بن حسن حسني بك البارودي، أحد زعماء الثورة العرابية وأشعر الشعراء المتأخرين بالديار المصرية: ولد سنة 1255هـ? وتأدب وأدخل المدرسة الحربية ومازال يترقى حتى ولاه المرحوم الخديوي توفيق باشا نظارتي الحربية والأوقاف. ثم ولي رياسة النظار قبيل الثورة العرابية. فلما اضطرمت نيران الثورة أرغمه زعماؤها على اصطلاء نارها فخب فيها ووضع. وحكم عليه بعد انقضائها بالنفي إلى جزيرة (سيلان) حتى عمي، وشفع فيه فأذن له بالقدوم إلى مصر بعد مضي 17 سنة من منفاه، وبقي في منزله كفيفاً يشتغل بالأدب إلى أن مات سنة 1322هـ?. ومن قوله:
والدهر كالبحر لاينفكّ ذا كدر ... وإنما صفوه بين الورى لمعُ
لو كان للمرء فكر في عواقبه ... ما شأن أخلاقه حرص ولا طمع
(2/241)

وكيف يدرك ما ف الغيب من حدث ... من لم يزل بغرور العيش ينخدع
دهرٌ يغرّ وآمال تسرّ وأع ... مار تمرّ وأيام لها خدع
يسعى الفتى لأمور قد تضرُّ به ... وليس يعلم ما يأتي وما يدع
يأيها السادر المزورُّ من صلف ... مهلاً فإنك بالأيام منخدع
دع ما يريب وخذ فيما خلقت لهُ ... لعلّ قلبك بالإيمان ينتفع
إن الحياة لثوب سوف تخلعهُ ... وكل ثوب إذا مارثَّ ينخلع
ومن قوله في الحماسة والفخر:
أنا مصدرُ الكلمِ البوادي ... بين المحاضر والنّوادي
أنا فارسٌ أنا شاعر ... في كلّ ملحمة ونادي
فإذا ركبت فإنني ... زيدُ الفةوارس في الجلاد
وإذا نطقتُ فغنني ... قسُّ بنُ ساعدة الإيادي
وقال يصف هرمي الجيزة وأبا الهول:
سل الجيزةَ الفيحاء عن هرميْ مصر ... لعلّكَ تدري غيب ما لم تكنْ تدري
بناءان ردّا صولةَ الدَّهرِ عنهما، ... ومنْ عجبٍ أن يغلبا صولةَ الدَّهرَ
أقاما على رغمِ الخطوبِ ليشهدا ... لبانيهما بين البريّة بالفخرِ
فكمْ أمم في الدهر بادتْ وأعصرِ ... خلّتْ وهما أعجوبةُ العينِ والفكرِ
تلوحُ لآثارِ العقولِ عليهما ... أساطيرُ لاتنفك تتلى إلى الحشرِ
رموزٌ لو استطلعتَ مكنونَ سرّها ... لأبصرتَ مجموعَ الخلائق في سطر
فما منْ بناءٍ كانَ أو هو كائنٌ، ... يدانيهما عندَ التأمُّلِ والخبرِ
يقصِّرُ حسناً عنهما صرحُ بابلِ، ... ويعترفُ الإيوان بالعجزِ والبهرِ
كأنهما ثديانِ فاضا بدرَّةٍ ... من النيلِ تروي غلَّةَ الأرض إذ تجري
(2/242)

وبينهما بلهيبُ في زيّ رابضٍ ... أكبَّ على الكفَّينِ منه إلى الصدر
يقلّبُ نحوَ الشرقِ نظرة وامقٍ، ... كأنَّ له شوقاً إلى مطلعِ الفجرِ
مصانعُ فيها للعلومِ غوامضٌ ... تدلُّ على أنَّ ابن آدم ذو قدرِ
رسا أصلها، وامتدَّ في الجوّ فرعها، ... فأصبحَ وكراً للسِّماكين والنَّسرِ
أحمد شوقي بك هو رب القلم محيي دولة الشعر بعد العدم شاعر النيل أحمد بن علي شوقي بك المولود سنة 1285هـ.
شعره، ينظم بين أصحابه فيكون معهم وليس معهم، وينظم حين يشاء، وحيث يشاء، لا يجهد فكره ولايكده في معنى أو في مبنى، فأما المعنى فيجيئه على مرامه أو على أبعد من مرامه ولاينضب عنده لأنه يستخلصه من عقل فوار الذكاء ومعارف جامعة إلى أفانين الآداب في لغات الإفرنج والأعراب، فلسفة الحقوق وحقائق وحقائق التاريخ، وغرائب السير التي يحفظ منها غير يسير إلى مشاركات علمية وتنبيهات فنية استفادها من مطالعته في صنوف الكتب، واتخذها عن ملحوظاته ومسموعاته في جولاته بين بلاد الشرق والغرب. وأما المبني فله فيه اذواق متعددة مقامات القول: ترى فيه من نسج البحتري ومن صياغة أبي تمام ومن ثبات المتنبي، ومن مفاجآت الشريف، ومن مسلسلات مهيار.
ومن قوله: يصف هيكل أنس الوجود:
أيُّها المنتحي "بأسوانَ" داراً ... كالثريَّا تريدُ أن تنقضا
(2/243)

اخلع النَّعلَ واخفض الطرف واخشعْ ... لا تحاولْ من آيةِ الدَّهرِ غمضا
قفْ بتلكَ القصور في اليمّ غرقى ... ممسكاً بعضها في الذُّعرِ بعضا
كعذارى أخفينَ في الماءِ بضّاً ... سابحاتِ به، وأبدين بضّاً
مشرفاتٍ على الزوال. وكانتْ ... مشرقاتٍ على الكواكب نهضا
شابَ من حولها الزمانُ. وشابت ... وشباب الفنونِ ما زالَ غضّاً
ربّ نقشٍ كأنما نفضَ الصّا ... نعُ منهُ اليدينِ بالأمس نفضاً
ودهانٍ كلامعِ الزّيت مرّت ... أعصر بالسّراج والزّيتُ وضّا
وخطوط كأنها هدبُ ريمٍ ... حسنتْ صنعة وطولا وعرضا
وضحايا تكادُ تمشي وترعى ... لو أصابت من قدرة الله نبضا
ومحاريبَ كالبروجِ بنتها ... عزماتٌ من عزمةِ الجنّ أمضى
شيَّدت بعضها الفراعينُ زلفى ... ولني البعضَ أجنب يترضّى
ومقاصيرَ أبدلتْ بفتاتِ ال? ... ?مسك ترباً. وباليواقيتِ قضاً
حظُّها اليومَ هدّةٌ، وقديماً ... صرفت في الحظوظ رفعاً وخفضاً
سقتِ العالمينَ بالسعدِ والنَّح? ... ?سِ إلى أن تعاطتِ النحسَ محضاً
صنعةٌ تدهشُ العقولَ وفنٌّ ... كان إتقانهُ على القومِ فرضا
***
ياقصوراً نظرتها وهي تقضى ... فسكبتُ الدموعَ، والحقُّ يقضى
أنت طغرا، ومجدُ مصرَ كتابٌ ... كيفَ سامَ البلى كتابكِ فضّاً؟
وأنا المحتفي بتاريخِ مصر ... من يصنْ مجدّ قومهِ صانَ عرضا
لم تمت أمَّةٌ، ولا بادَ شعبٌ ... أقرضوا الذِّكرَ والأحاديث قرضا
ربّ سرِّ بجانبيكِ مزالٍ ... كان حتى على الفراعينِ غمضا
(2/244)

قلْ لها في الدُّعاء لو كان يجدي ... يا سماءَ الجلالِ لا صرتِ أرضا
حار فيك المهندسون عقولاً ... وتولَّتْ عزائمُ العلمَ مرضى
أينَ ملْكٌ حيالها وفريدٌ ... من نظامِ النعيمِ أصبحَ فضاً؟
أين فرعونُ في المواكبِ تترى ... يركضُ المالكينَ كالخيلِ ركضا?
ساقَ للفتح في الممالكِ عرضاً ... وجلا للفخارِ في السلمِ عرضا
أين "إبزيسُ" تحتها النيلُ يجري ... حكمتْ فيهِ شاطئينِ وعرضا!
أسدلَ الطّرف كاهنٌ ومليكٌ ... في ثراها وأرسلَ الرأسَ خفضا
يعرضُ المالكون أسرى عليها ... في قيود الهوان عانينَ جرضى
ما لها أصبحتْ بغير مجير ... تشتكي من نوائب الدّهر عضّا
هي في الأسرِ بين صخرٍ وبحرٍ ... ملكة في السّجون فوقَ حضوضى
أين (هوروسُ) بين سيفٍ ونطع ... أبهذا في شرعهم كان يقضى!
ليت شعري! قضى شهيدَ غرامٍ ... أم رماهُ الوشاة حقداً وبغضا
ربُّ ضرب من سوطِ فرعون مضِّ ... دون فعل الفراقِ بالنفسِ مضّا
وهلاكٍ بسيفهِ وهو قانٍ ... دونَ سيفٍ من الّلواحظِ ينضى
قتلوهُ فهل لذاك حديثٌ ... أين راوي الحديثِ نثراً وقرضا
شيمةُ النيل أن يفي، وعجيب ... أحرجوهُ فضيَّعَ العهدَ نقضاً
(2/245)

حاشهُ الماءُ فهو صيدٌ كريمٌ ... ليتَ بالنيلِ يومَ يسقط غيضا
شيّدوا المالَ، والعلومُ قليلٌ ... أنقذوهُ بالمالِ والعلمِ نقضا
(2/246)

محمد حافظ بك ابراهيم
هو الشاعر الكبير محمد حافظ بن ابراهيم أفندي فهمي المولود سنة 1288هـ?. يقول الشعر، في كل مكان يتفق له فيه أن يخلو بنفسه، ويتعب في قرض قريضه تعب النحات الماهر في استخراج مثال جميل من حجره.
يؤثر الجزالة على الرقة، وله فيها آيات، يطرق الموضوع في الغالب من جوهره وربما نظم أكثر الأبيات قبل المطلع شان الصانع القدير الذي يبدأ بأصعب ما
(2/247)

بين يديه آمناً أن تهن عزيمته دون الإجادة بعد ذلك عالماً أن الكلام لابد لأن يأتيه في أي مقام طيعاً ولو بعد حين.
حاضر المحفوظ من أفصح أساليب العرب ينسج على منوالها ويتخير نفائس مفرداتها وأعلاق حلاها. له غرام باللفظ لايقل عن الغرام بالمعنى. وفي أقصى ضميره يؤثر البيت المجاد لفظاً على المجاد معنى. فإذا فاته الابتكار حيناً في التصوير، أولع بالاجتماعيات فقال فيها وأجاد ما شاء، فهو على الجملة أحد الثلاثة الذين هم نجوم الأدب العربي في مصر لهذا العصر، ولكل من تلك النجوم منزلة وإضاءته وأثره الخالد.
أما شعره فشعر البيان وإن من البيان لسحراً. ومن شعره الاجتماعي، قوله:
كم ذا يكابد عاشقٌ ويلاقي ... في حبِّ مصرَ كثيرةِ العشَّاق
إني لأحملُ في هواكِ صبابة ... يامصرُ، قد خرجت عن الأطواقِ
لهفي عليكِ? متى أراك طليقةً ... يحمي كريمَ حماكِ شعبٌ راقٍ
كلفٌ بمحمود الخلالِ، متيمٌ ... بالبذلِ بين يديكِ والإنفاقِ
إني لتطربني الخلالُ كريمةٌ ... طربَ الغريبِ بأوبةٍ وتلاقِ
ويهزُّني ذكرُ المروءةِ والنَّدى ... بين الشّمائلِ هزّةَ المشتاقِ
ما البابليَّةُ في صفاءِ مزاجها ... والشربُ بين تنافس وسباقِ
والشمس تبدو في الكؤوسِ وتختفي ... والبدرُ يشرق من جبين السّاقي
بألذ من خلقٍ كريم طاهرٍ ... قد مازجتهُ سلامةُ الأذواقِ
فإذا رزقتَ خليقة محمودة ... فقدِ اصطفاكَ مقسّمُ الأرزاقِ
فالناسُ هذا حظهُ مالٌ، وذا ... علمٌ وذاك مكارمُ الأخلاقِ
والمالُ إن لم تدَّخرهُ محصناً ... بالعلم كان نهاية الإملاقِ
والعلمُ إن لم تكتنفهُ شمائلٌ ... تعليهِ كان مطية الإخفاق
(2/248)

لا تحسبنَّ العلم ينفعُ وحدهُ ... مالم يتوَّج ربُّهُ بخلاقِ
منْ لي بتربية النساءِ فإنَّها ... في الشرق علَّةُ ذلك الإخفاق
الأم مدرسةٌ إذا أعددتها ... أعددت شعباً طيّب الأعراقِ
الأم روضٌ تعهّدهُ الحيا ... بالريّ، أورقَ إيّما إبراق
الأمُّ أستاذُ الأساتذةِ الألى ... شغلت مآثرهم مدى الآفاق
أنا لا أقولُ: دعوا النساءَ سوافراً ... بين الرجال يجلنَ في الأسواق
يدرجنَ حيث أردنَ، لا من وازعٍ ... يحذرن رقبتهُ، ولا من واق
يفعلن أفعال الرجال لواهيا ... عن واجبات نواعس الأحداق
في دورهنّ شؤونهنّ كثيرة ... كشؤون ربّ السيفِ والمزراق
كلاّ، ولا أدعوكم أن تسرفوا ... في الحجبِ والتضييق والإرهاق
ليست نساؤكمُ حلىّ وجواهراً ... خوفَ الضياع تصانُ في الأحقاقِ
ليست نساؤكمُ أثاثاً يقتنى ... في الدُّور بين مخادع وطباق
تتشكَّلُ الأزمانُ في أدوارها ... دولاً، وهنَّ على الجمود بواق
فتوسَّطوا في الحالتين، وأنصفوا ... فالشرُّ في التقييد والإطلاقِ
ربُّوا البنات على الفضيلةِ، أنّها ... في الموقفين لهنَّ خير وثاق
وعليكمُ أن تستبينَ بناتكم ... نورَ الهدى وعلى الحياءِ الباقي

إسماعيل صبري باشا
أكثر ما ينظم فلخطرة تخطر على باله من مثل حادثة يشهدها أو خبر ذي بال يسمعه أو كتاب يطالعه، ينظم المعنى الذي يعرض له في بيتين عادة إلى أربعة إلى ستة، وقلما يزيد على هذا القدر إلا حيث يقصد قصيدة،
(2/249)

شديد النقد لشعره كثير التبديل والتحويل فيه حتى إذا استقام على ما يريده ذوقه من رقة اللفظ وفصاحة الأسلوب أهمله ثم نسيه، ومن قوله يصف الأهرام:
لا القومُ قومي ولا الأعوان أعواني ... إذا ونى يوم تحصيل العلى وانِ
ولستُ أنْ لم يؤيدني فراعنة ... منكم بفرعونَ عالي العرش والشانِ
ولستُ جبّار ذا الوادي إذا سلمتِ ... جبالهُ تلك من غاراتِ أعواني
لا تقربوا النَّيلَ إن لم تعلموا عملاً ... فماؤهُ العذبُ لم يخلقْ لكسلانِ
ردوا المجرّة كذّاً دون موردهِ ... أو فاطلبوا غيرهُ رياً لظمآنِ
وابنوا كما بنت الأجيالُ قبلكمُ ... لا تتركوا بعدكم فخراً لإنسان
أمرتكم، فأطيعوا أمرَ ربّكم ... لا يئنِ مستمعاً عن طاعةٍ ثانِ
فالملك أمرٌ وطاعاتٌ تسابقهُ ... جنباً لجنب إلى غايات إحسانٍ
لا تتركوا مستحيلاً في استحالته ... حتى يميطَ لكم عن وجه إمكانِ
مقالةً قد هوت من عرش قائلها ... على مناكب أبطال وشجعان
مادتْ لها الأرضُ من ذعرٍ ودان لها ... ما في المقطَّم من صخر وصوَّانِ
لو غير فرعونَ ألقاها على ملأِ ... في غير مصرِ لعدَّت حلم يقظان
لكنّ فرعونَ إن نادى جبلاً ... لبَّت حجارتهُ في قبضةِ الباني
وآزرتهُ جماهير تسيلُ بها ... بطاحُ واد بماضي القوم ملآنِ
يبنون ما تقف الأجيالُ حائرة ... أمامهُ بين إعجاب وإذعانٍ
من كل ما لم يد فكر ولا فتحت ... على نظائره في الكون عينانِ
ويشبهونَ إذا طاروا إلى عمل ... جنّاً تطير أمرٍ من سليمانِ
برّاً بذي الأمر لا خوفاً ولا طمعاً ... لكنّهم خلقوا طلابَ إتقانِ
(2/250)

أهرامهم تلك، حيّ الفنَّ متخذاً ... من الصُّخورِ بروجاً فوق كيوانِ
قد مرَّ دهر عليها، وهي ساخرة ... بما يضعضعُ من صرحٍ وإيوانِ
لم يأخذِ الّليلُ منها والنهارُ سوى ... ما يأخذُ النملُ من أركان تهلانِ
كأنها والعواد، في جوانبها ... صرعى بناءُ شياطين لشيطانٍ
جاءت إليها وفود الأرض قاطبة ... تسعى اشتياقاً إلى ما خلَّدَ الفاني
فصغَّرت كل موجود ضخامتها ... وغضَّ بنيانها من كلّ بنيانِ
وعادَ منكرُ فضل القوم معترفاً ... يثني على القوم في سرَّ وإعلانِ
تلك الهياكل في الأمصار شاهدةٌ ... بأنهم أهلُ سبقٍ، أهلُ إمعانٍ
وأن فرعونَ في حول ومقدرة ... وقومَ فرعونَ في أقدام كفؤانٍ
إذا أقام عليهم شاهداً حجرٌ ... في هيكل قامتْ الأخرى ببرهانٍ
كأنما هي والأقوام خاشعةٌ ... أمامها صحفُ من عالمٍ ثانِ
تستقبلُ العينَ في أثنائها صورٌ ... فصحة الرمز دارت حولَ جدرانِ
لو أنها أعطيتْ صوتاً لكانَ لهُ ... صدّى يروّع الإنس والجان
أين الألى سجَّلوا في الصّخر سيرتهم ... وصغّروا كلَّ ذي ملك وسلطانِ
بادوا، وبادت على آثارهم دولٌ ... وأدرجوا طيَّ أخبار وأكفانِ

خليل بك مطران
هو شاعر الشعور والخيال، وشاعر بعلبك والأهرام، ولد سنة 1871 ببعلبك وتعلم بها قدم مصر سنة 1893 م واشتغل بمكاتبة الصحف وانشأ باسمه "المجلة المصرية" سنة 1899 م وأنشأ أيضاً (جريدة الجوانب المصرية) وله ديوانه المسمى (ديوان الخليل) .
شعره: مجمع الصور وملعب الخيال، ونفسه كالصحيفة الحساسة ينطبع
(2/251)

عليها كل ما يمر بها، بل الغصن الرطب يميل به كل نسيم بل وجه البحيرة الصافي يحركه كل ريح، من قصيدة له يصف ضرب الأسطول الإيطالي سواحل الشام ويستنهض الهمم:
بلادي لا يزالُ هواكِ منّي ... كما كان الهوى قبل الفطام
أقبّل منك حيثُ رمى الأعادي ... رغاماً طاهراً دون الرّغام
وافدي كل جلمود فتيت ... وهي بقنابل القوم اللّئام
لحى الله المطامعَ حيث حلّت ... فتلك أشدّ آفات السلام
تشوبُ الماَء وهو أغرّ صاف ... وتمشي في المشارب بالسّقام
أقول وقد أفاق الشّرق ذعراً ... من الحال الشّبيهة بالمنام
على صخب المدافع في حماه ... ورقص الموت بينَ طلّيً وهامِ
أقول بصوته لحماة دار ... رماها من بغاة الغرب رام
أباةَ الضيَّم من عرب وترك ... نسورَ الشّمّ آسادَ الموامي
قرومَ العصر فرساناً ورجلاً ... نجوم الكرّ من خلف اللثام
بنا مرض النَّعيم فنسمونا ... وغّى يشفي من الصفّو العقام
بنا برد المكوث فأدفئونا ... بحمَّى الوثب حيث الخطب حام
بنا عطلُ السّماع فشنَّفونا ... بقعقعة الحديد لدى الصّدام
على هذا الرّجاء ونحن في ... نسيرُ موفقين إلى الأمام

وقال في نابليون وهو يراقب السماء في آخر أيامه
قالوا لنابليون ذات عشيّة ... إذ كان يرقب في السّماء الأنجما
هل بعد فتح الأرض من أمنيَّة ... فأجاب انظر كيف أفتتح السّما

أبواب الشعر العربي
الباب الأول في المديح
"قال أمية بن أبي الصلت المتوفى سنة 9 هـ? في العزة الإلهية".
(2/252)

لكَ الحمدُ والنّعماء والملك ربُّنا ... فلا شيء أعلى منك مجداً وامجداُ
مليك على عرض السّماءِ مهيمنٌ ... لعزّته تعنوا الوجوه وتسجدُ
فسبحان من لا يعرفُ الخلقُ قدره ... ومنْ هو فوقَ العرش فردٌ موحّدُ
هو الله باري الخلقِ والخلقُ كلّهم ... إماءٌ له طوعاً جميعاً وأعبدُ
مليكُ السَّموات الشّداد وأرضها ... يدومُ ويبقى والخليقةُ تنفدُ

وقال أيضاً

إلهُ العالمينَ وكلَّ أرض ... ورب الرَّاسيات من الجبال
بناها وابتنى سبعا شداداً ... بلا عمدٍ يربنَ ولا رجالِ
وسوَّاها وزينها بنور ... من الشمس المضيئةِ والهلالِ
ومن شهب تلألأ في دجاها ... مراميها أشدُّ من النَّصالِ
وشقّ الأرض فانبجستْ عيونا ... وأنهاراً من العذب الزُّلالِ
وبارك في نواحيها وزكّى ... بها ما كان من حرثٍ ومعالٍ
فكلُّ معمّر لا بدّ يوماً ... وذي دنيا يصيرُ إلى زوالٍ
ويفني بعد جدته ويبلى ... سوى الباقي المقدّس ذي الجلالِ
وسيقَ المجرمون وهم عراة ... إلى ذات المقامع والنَّكالِ
فنادوا ويلنا ويلاً طويلاً ... وعجُّوا في سلاسلها الطّوالِ
فليسوا ميتين فيستريحوا ... وكلهمُ بحرّ النّار صالي
وحلّ المتّقون بدار صدق ... وعيش ناعمٍ تحت الظّلال
لهم ما يشتهون وما تممنا ... من الأفراح فيها والكمالِ

وقال محمود سامي البارودي باشا مادحاً سيد الأمة من كشف الغمة
"محمدٌ" خاتم الرُّسل الّذي خضعت ... له البرية من عرب ومن عجم
سميرُ وحي ومجنى حكمةٍ وندى ... سماحة وقرى عافٍ وريُّ ظم
(2/253)

قد ابلغ الوحيُ عنه قبل بعثته ... مسامعَ الرُّسل قولاً غير منكتم
فذاك دعوةُ إبراهيم خالقه ... وسرَّ ما قاله عيسى من القدمِ
أكرم به وبآباء محجّلة ... جاءت به غرّة في الأعصر الدُّهم
قد كان في ملكوت الله مدّخراً ... لدعوة كان فيها صاحبَ العلم
نورٌ تنقل في الأكوان ساطعة ... تنقلَ البدرِ من صلب إلى رحم

وقال أحمد بك شوقي مادحاً أفضل الخلق على الإطلاق من نهج البردة
محمدُ" صفوة الباري وحمته ... وبغيةُ الله من خلقٍ ومن نسيم
وصاحبُ الحوضِ يوم الرُّسلُ سائلةٌ ... متى الورود وجبريلُ الأمينُ ظمي
سناؤه وسناه الشمس طالعةٌ ... فالجرمُ في فلكٍ والضّوءُ في علم
قد أخطأ النجمُ ما نالت أبوته ... من سؤددٍ باذخٍ في مظهرٍ سنم
نموا إليه فزادوا في الورى شرفاً ... وربّ أصلٍ لفرعِ في الفخار نمي
حواه في سبحات الطُّهر قبلهمُ ... نورانِ قاما مقامَ الصُّلب والرَّحم
لما رآه بحيراً قال نعرفهُ ... بما حفظنا من الأسماء والسَّيمِ

وقال أبو تمام مادحاً المعتضد بالله
إلى قطب الدُّنيا الذي لو بفضله ... مدحت بني الدُّنيا كفتهم فضائله
من البأس والمعروف والجود والتُّقى ... عيالٌ عليه رزقهنَّ شمائله
هو البحرُ من أيّ النواحي أتيته ... فلجتهُ المعروفُ والجودُ ساحله
تعود بسط الكف حتّى لو أنَّه ... ثغاها لقبضٍ لم تعطهُ أنامله
ولو لم يكن في كفه غيرُ روحه ... لجاد بها فليتَّقِ الله سائله
(2/254)

وقال فيه أيضاً

السيف اصدقُ إنباءٌ من الكتبِ ... في حده الحدّ بين الجدّ والّلعبِ
بيضُ الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهنّ جلاء، الشّكَّ والرّيبِ
فتحٌ تفتحُ أبواب السّماء له ... وتبرزُ الأرضُ في أثوابها القشبِ
غادرت فيهم بهيمَ الليل وهو ضحى ... يقلهُ وسطها صبحٌ من الّلهبِ
حتى كأن جلابيبَ الدُّجى رغبت ... عن لونها وكأنَّ الشمس لم تغبِ
أجبتهُ معلناً بالسّيف متصلتا ... ولو أجبت بغير السّيف لم تجب
خليفةَ الله جازى سعيك عن ... جرثومة الدّين والإسلام والحسب
فبين أيامك اللاتي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقربُ النّسب

وقال أبو العلاء المعري
إليك تناهي كلُّ فخرٍ وسؤدد ... فأبلِ الّليالي والأنام وجدد
لجدَّك كلن المجدُ ثم حويته ... ولابنك يبنى منه أشرف مقعدِ
ثلاثة أيامٍ هيَ الدّهرُ كله ... وما هنّ غير الأمسِ واليومِ والغدِ
وما البدرُ إلا واحدٌ غير أنه ... يغيبُ ويأتي بالضيّاءِ المجدّدِ
فلا تحسب الأقمار خلقاً كثيرة ... فجعلتها من نيَّر مترددٍ
وللحسنِ لحسنى وإن جاد غيره ... فذلك جودٌ ليس بالمعتمّد

وقال أبو الطيب المتنبي مادحاً سيف الدولة
ضاق الزمانُ ووجهُ الأرض عن ملك ... ملء الزمان وملء السّهل والجبل
فنحن في جذل والرُّوم في وجل ... والبرُّ في شغل والبحرُ في خجل
ليتَ المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليبٌ وأهل الأعصر الأول
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به ... في طلعة البدرِ ما يغنيك عن زحل
(2/255)

وقد وجدت مكانَ القول ذا سعةٍ ... فإن وجدتَ لساناً قائلاً فقل
إن الإمام الذي فخرُ الأنام به ... خيرُ السُّيوف بكفي خيرةِ الدُّول
تمسي الأماني صرعى دون مبلغهِ ... فما يقول لشيءٍ ليتَ ذلك لي

وقال أيضاً يمدح أبا شجاع
لا خيل عندك تهديها ولا مالُ ... فليسعد النُّطق إن لم تسعد الحال
واجز الأميرَ الذي نغماه فاجئةٌ ... بغير قولٍ ونعمى النَّاس أقوالُ
فربما جرت الإحسانَ موليه ... جريدةٌ من عذارى الحيّ مكسالُ
وإن تكن محكمات الشّكل تمنعني ... ظهور جري فلي فيهن تصهالُ
وما شكرتُ لأن المالَ فرحني ... سيّان عنديَ إكثارٌ وإقلالُ
لكن رأيت قبيحاً أن يجاد لما ... وإننا بقضاء الحقَّ بخالُ
فكنتُ منبتَ روضِ الحزن باكره ... غيثٌ بغيرِ سباخ الأرض هطالُ
غيثٌ يبيّن للنُّظار موقعه ... أن الغيوث بما تأتيه جهّالُ
لا يدرك المجدَ إلا سيّدق فطنٌ ... لما يشقٌ على السادات فعّال
لا وارثٌ جهلتْ يمناهُ ما وهبتْ ... ولا كسوبٌ بغير السّيف سئّال
قال الزمانُ له قولاً فأفهم ... أن الزّمان على الإمساك عذال
تدري القناةُ إذا اهتزت براحته ... أن الشّقيّ بها خيلٌ وأبطالُ
كفاتكِ ودخول الكاف منقصةٌ ... كالشمس قلتُ وما للشمس أمثال
القائدُ الأسدَ غدتها براثنهُ ... بمثلها عداهُ وهي أشبالُ

وقال أيضاً يمدح سيف الدولة
ويذكر بناءه قلعة الحدث سنة 343 هـ?
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
يكلف سيف الدّولة الجيش همّهُ ... وقد عجزت منه الجيوش الخضارم
(2/256)

ويطلب عند الناس ما عند نفسه ... وذلك ما لا تدّعيه الضراغم
يفدَّي أتمُّ الطَّير عمراً سلاحهُ ... نسورُ الفلا أحداثها والقشاعم
وما ضرّها خلقٌ بغير مخالب ... وقد خلقتْ أسيافه والقوائم
هل الحدث الحمراء تعرف لونها ... وتعلم أيُّ الساقيين الغمائم
سقتها الغمام الغرُّ قبل نزوله ... فلما دنا منها سقتها الجماجم
بناها فأعلى والقنا تقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم
وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم
طريدة الّليالي كلّ شيءٍ أخذته ... وهنَّ لما يأخذن منك غوارم
وكيف ترجّى الرُّوم والرُّوس هدمها ... وذا الطعن آساس لها ودعائم
وقال جرير المتوفى سنة 110 هـ? يمدح عبد الملك بن مروان:
تعزّت أمُّ حزرة ثمَّ قالتْ ... رأيتُ الموردين ذوي لقاحِ
ثقي بالله ليسَ له شريك ... ومنْ عندِ الخليفة بالنّجاحِ
سأشكر غنْ رددت إليّ ريشي ... وأنبتَّ القوادمَ في جناحي
ألستمْ خيرَ منْ ركبَ المطايا ... وأندى العالمينَ بطون راحِ
وقال أيضاً يمدح عمر بن عبد العزيز ويستعطفه
إكمْ باليمامةِ منْ شعثاءَ أرملةَ ... ومنْ يتيم ضعيف الصّوت والنّظرِ
ممّن يعدُّكَ تكفي فقد والدهِ ... كالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطرِ
يدعوك دعوة ملهوف كانّ بهِ ... خبلاً من الجنّ أو مسّاً من النُّسرِ
إنّا لنرجو إذا ما الغيثُ اخلفنا ... منَ الخليفةِ ما نرجو منَ المطرِ
أنى الخلافةَ أو كانتْ لهُ قدراً ... كما أتى ربهُ موسى على قدر
هذي الأراملُ قد قضيتَ حاجتها ... فمنْ لحاجةِ هذا الأرمل الذّكرِ
(2/257)

وقال أيضاً يمدحه
يعودُ الفضلُ منكَ على قريشٍ ... وتفرجُ عنهمُ الكربَ الشدادا
وقد أمنتَ وحشهم برفق ... ويعيي النَّاسَ وحشك أن يصادا
وتدعو الله مجتهداً ليرضى ... وتذكر في رعيتكَ المعادا
وما كعبُ بنُ مامة وابنُ سعدى ... بأجود منك يا عمرُ الجوادا

وقال الثعالبي المتوفى سنة 429 هـ? مادحاً الأمير أبا الفضل الميكالي
لك في المفاخر معجزاتٌ جمّة ... أبداً لغيرك في الورى لم تجمع
بحران بحرٌ في البلاغة شابهُ ... شعر الوليدِ وحسن لفظ الأصعمي
وترسُّلُ الصّابي بزين علوهُ ... خط ابن مقلةَ ذو المحل الأرفع
كالنّور أو كالسّحر أو كالبدر أو ... كالوشي في بردٍ عليه موشّع
شكراً فكم من فقرةٍ لك كالغني ... وافي الكريم بعيدَ فقر مدقع
وإذا تفتّق نورُ شعرك ناضراً ... فالحسن بين مرصَّع ومصرَّع
أرجلتَ فرسان الكلام ورضتَ أف ... راس البديع وأنت أمجد مبدعِ
ونقشتَ في فضّ الزمان بدائعاً ... ترزى بآثار الربيع الممرع

وقال أبو محمد اليمني المتوفى سنة 569 هـ?
يمدح الملك الفائز ووزيره الصالح
أقسمت بالفائز المعصومِ معتقداً ... فوز النّجاةِ واجرَ البرّ في القسمِ
لقد حمى الدَّينَ والدنيا وأهلها ... وزيرهُ الصّالح الفرَّاجُ للغمم
الّلابسُ المجد لم تنسج غلائلهُ ... إلا يدُ الصانعين السّيفِ والقلم
قد ملكتهُ العوالي رق مملكةٍ ... تعيرُ أنفَ الثُّريا عزّة الشّمم
أرى مقاما عظيمَ الشان أوهمني ... في يقظتي انّه من جملةِ الحلم
ليتَ الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقودَ مدحِ فما أرضى لكمْ كلمي
خليفة ووزيرٌ فرَّ عدلهما ... ظلاَّ على مفرق الإسلام والأمم
زيادة النّيل نقصٌ عندَ قيضهما ... فما عسى يتعاطى هاطل الدَّيم
(2/258)

وقال حافظ إبراهيم يمدح أستاذنا
الشيخ محمد عبده ويهنئه
رأيتك والأبصار حولك خشَّعٌ ... فقلت أبو حفص ببرديك أم علي
وخفضتَ من حزني على مجد أمة ... تداركتها والخطبُ للخطب يعتلي
طلعت بها باليمن من خير مطلع ... وكنت لها في الفوز قدحُ ابنُ مقبل
وجرّدت للفتيا حسام عزيمة ... بحدَّيه آياتُ الكتاب المنزل
محوتَ به في الدّين كلّ ضلالة ... وأثبتَ ما أثبتَّ غيرَ مضلَّل
لئن ظفر الأفتاءُ منك بفاضل ... لقد ظفر الإسلامُ منك بأفضل

الباب الثاني في الفخر والحماسة
قال السموءل بن عادياء المتوفى سنة 62 قبل الهجرة
إذ المرءُ لمْ يدنسْ من الُّلؤمِ عرضهُ ... فكلُّ رداء يرتديهِ جميلٌ
وإن هوَ لمْ يحمل على النَّفسِ ضيمها ... فليسَ إلى حسنِ الثناءِ سبيلُ
يعيرنا أنا قليلٌ عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرامَ قليلُ
وما قلَّ من كانتْ بقاياهُ مثلنا ... شابٌ نتسامى للعلا وكهولُ
وما ضرَّنا أنا قليلٌ وجارنا ... عزيزٌ وجارُ الأكثرين ذليلُ
لنا جبلٌ يحتلهُ منْ نجيره ... منيعٌ يردُّ الطَّرفَ وهو كليلُ
(2/259)

رسا أصلهُ تحتَ الثرى وسما بهِ ... إلى النجمِ فرعٌ لا ينالُ طويلُ
هوَ الأبلقُ الفردُ الذي شاعَ ذكره ... يعزُّ على منْ رامهُ ويطولُ
وإنا لقومٌ لا نرى القتلَ سبّةٌ ... إذا ما رأتهُ عامرٌ وسلولُ
يقربُ حبُّ الموتِ آجالنا لن ... وتكرمهُ آجالهمْ فتطولُ
وما ماتَ منّا سيّدُ حتفَ انفهِ ... ولا ظلّ منا حيثُ كان قتيلُ
تسيلُ على حدّ الظُّبات نفوسنا ... وليستْ على غيرِ الظَّباتِ تسيلُ
صفونا فلم نكدرْ وأخلصَ سّرنا ... إناثٌ أطابتْ حملنا وفحولُ
علونا إلى خيرِ الظُّهور وحظنا ... لوقت إلى خيرِ البطونِ نزول
فنحن كماءِ المزنِ ما في نصابنا ... كهامٌ ولا فينا يعدُّ بخيلُ
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القولَ حين نقول
إذا سيدٌ منّا خلا قام سيدٌ ... قوولٌ لما قال الكرامُ فعول
(2/260)

وما أخمدتْ نارٌ لنا دون طارقٍ ... ولا ذمّنا في النازلينَ نزيلُ
وأيامنا مشهورةٌ في عدّنا ... لها غررٌ معلومةٌ وحجول
وأسيافنا في كلَ شرقٍ ومغرب ... بها من قراعِ الدَّارعينَ فلول
معوَّدةٌ ألا تسلَّ نصالها ... فتغمد حتى يستباحَ قبيلُ
سلي إن جهلتِ النّاس عنّا وعنهم ... فليسَ سواءٌ عالمٌ وجهولُ
فإن بنى الدَّيَّانِ قطبٌ لقومهمُ ... تدورُ رحاهم حولهمْ وتجولُ

وقال عنترة العبسي
لعمرك إن المجد والفخر والعلاَ ... ونيلَ الأماني وارتفاعَ المراتب
لمنْ يلتقي أبطالها وسراتها ... بقلبٍ صبور عند وقع المضارب
ويبني بحدّ السَّيف مجداً مشيداً ... على فلك العلياء فوق الكواكب
ومنْ لم يرو رمحه من دم العدا ... إذا اشتبكتْ سمرُ القنا بالقواضب
ويعطي القنا الخطيّ في الحرب حقَّه ... ويبري بحدّ السّيف عرض المناكب
يعيشُ كما عاش الذليل بغصة ... وإن مات لا يجري دموع النوادب
فضائلُ عزمٍ لا تباع لضارع ... وأسرارُ حزمٍ لا تذاع لعائب
برزت بها دهراً على كل حادث ... ولا كحل إلا من غبار الكتائب
(2/261)

إذا كذب البرق اللموعُ لشائمِ ... فبرقُ حسامي صادقٌ غيرُ كاذب

وقال أيضاً في الحماسة والفخر
سكت فغرَّ أعدائي السكوتُ ... وظنوني لأهلي قد نسيتُ
وكيف أنامُ عن ساداتِ قوم ... أنا في فضلِ نعمتهم ربيتُ
وإن دارت بهم خيلُ الأعادي ... ونادوني أجبتُ متى دعيت
بسيف حدُّهُ موجُ المنايا ... ورمحِ صدرهُ الحتفُ المميتُ
خلقتُ من الحديد أشدُّ قلباً ... وقد بلى الحديدُ وما بليتْ
وإني قد شربتُ دم الأعادي ... بأقحاف الرُّؤوس وما رويتُ
وفي الحرب العوان ولدت طفلاً ... ومن لبن المعامع قد سقيتُ
فما للرَّمح في جسمي نصيبٌ ... ولا للسّيف في أعضاي قوتُ
ولي بيت علا فلك الثُّريَّا ... تخر لعظم هيبته البيوت

وقال أيضاً في الحماسة والفخر يوم المصانع
إذا كشف الزّمانُ لك القناعا ... ومدّ إليك صرفُ الدّهر باعا
فلا تخش المنية والتقيها ... ودافع ما استطعت لها دفاعا
ولا تختر فراشاً من حريرس ... ولا تبكِ المنازلَ والبقاعا
وحولك نسوة يندبن حزناً ... ويهتكن البراقعَ واللفاعا
يقول لك الطّبيبُ دواك عندي ... إذا ما جسَّ كفّك والذّراعا
ولو عرف الطّبيبُ دواء داءٍ ... يردَّ الموتَ ما قاسى النّزاعا
وفي يوم المصانع قد تركنا ... لنا بفعالنا خبراً مشاعا
أقمنا بالذّوابل سوقَ حرب ... وصيرنا النفوس لها متاعا
حصاني كان دلاّل المنايا ... فخاضَ غبارها وشرى وباعا
وسيفي كان في الهيجا طبيباً ... يداوي رأس من يشكو الصُّداعا
أنا العبدُ الذي خبّرت عنه ... وقد عاينتني فدع السماعا
(2/262)

ولو أرسلتُ رمحي مع جبان ... لكان بهيبتي يلقى السّباعا
ملأتُ الأرضَ خوفاً من حسامي ... وخصمي لم يجدْ فيها اتّساعا
إذا الأبطال فرَّتْ خوفَ بأسي ... ترى الأقطار باعاً أو ذراعا

وقال أيضاً في الفخر والحماسة
أعادي صرفَ دهر لا يعادى ... وأحتملُ القطيعةَ والبعادا
وأظهرُ نصح قوم ضيعوني ... وإن خانت قلوبهم الودادا
أعلّلُ بالمنى قلباً عليلاً ... وبالصبر الجميل وإن تمادى
تعيّرني العدا بسواد جلدي ... وبيضُ خصائلي تمحو السّوادا
وردت الحربَ والأبطالُ حولي ... تهزّ اكفُّها السُّمرَ الصّعادا
وخضتُ بمهجتي بحر المنايا ... ونار الحرب تتَّقدُ الصعادا
وعدت مخضّبا بدم الأعادي ... وكربُ الرّكض قد خضب الجوادا
وسيفي مرهفُ الحدّين ماض ... تقدُّ شفارهُ الصَّحرَ الجمادا
ورمحي ما طعنت به طعيناً ... فعاد بعينه نظرَ الرّشادا
ولولا صارمي وسنان رمحي ... لما رفعت بنو عبس عمادا

وقال يتوعد النعمان بن المنذر ملك العرب ويفتخر بقومه
لا يحملُ الحقدَ من تعلوبه الرُّتبُ ... ولا ينال العلى من طبعه الغضبُ
لله درُّ بني عبس لقد نسلوا ... من الأكارم ما قد تنسلُ العرب
قد كنت فيما مضى أرعى جمالهمُ ... واليومَ احمي حماهم كلّما نكبوا
لئن يعيبوا سوادي فهو لي نسبٌ ... يومَ النّزال إذا ما فاتني النّسب
إن كنت تعلم يا نعمان أنّ يدي ... قصيرةٌ عنك فالأيام تنقلب
إنّ الأفاعي وإن لانت ملامسها ... عند التقلّب في أنيابها العطب
اليومَ تعلم يا نعمان أيُّ فتى ... يلقى أخاك الذي قد غرّهُ العصب
(2/263)

فتى يخوض غبار الحرب مبتسماً ... وينثني وسنان الرَّمح مختضب
إن سلّ صارمهُ سالت مضاربهُ ... وأشرق الجوُّ وانشقت له الحجب
والخيل تشهد لي أني أكفكفها ... والطّعنُ مثل شرار النَّار يلتهب
إذا التقيتُ الأعادي يومض معركةٍ ... تركت جمعهم المغرور ينتهب
ليّ النُّفوس وللطّير اللّحومُ ولل ... وحشِ العظامُ وللخيّالة السلب
لا أبعد الله عن عيني غطارفة ... إنساً إذا نزلوا جنَّا إذا ركبوا
أسودُ غابٍ ولمن لا نيوبَ لهم ... إلاّ الأسنّة والهنديّة القضب
تعدو بهم أعوجيّاتٌ مضمَّرة ... مثل السّراحين في أعناقها القببُ
ما زلت ألقى صدور الخيل مندفقاً ... بالطّعن حتى يضجَّ السّرجُ واللّبب
فالعمي لو كان في أجفانهم نظروا ... والخرس لو كان في أفواههم خطبوا
والنقع يوم طراد الخيل يشهدُ لي ... والضّرب والطّعن والأقلام والكتب

وقال أيضاً في إغارته على بني حريقة
حكّم سيوفك في رقاب العذّلِ ... وإذا نزلتَ بدار ذلّ فارحلِ
وإذا الجبانُ نهاك يومض كريهةٍ ... خوفاً عليك من ازدحام الجحفل
فاعص مقالته ولا تجفل بها ... واقدم إذا حق اللذقا في الأوّل
واختر لنفسك منزلاً تعلو به ... أو مت كريماً تحت ظلّ القسطل
إن كنتُ في عدد العبيد فهمَّتي ... فوق الثُّريَّا والسّماك الأعزل
أو أنكرت فرسانُ عبس نسبتي ... فسنانُ رمحي والحسام يقرُّ لي
وبذا بلى ومهنَّدي نلتُ العلى ... لا بالقرابة والعديد الأجزل
ورميت رمحي في العجاج فخاضه ... والنار تقدحُ من شفار النصل
خاض العجاجَ محجَّلاً حتى إذا ... شهد الوقيعةَ عاد غير محجّل
ولقد نكبت بني حريقة نكبة ... لما طعنت صميم قلبِ الأخيل
وقتلت فارسهم ربيعة عنوةً ... والهيذبان وجابر بنَ مهلهل
(2/264)

لا تستقني ماءَ الحياة بذلّة ... بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل
ماءُ الحياة بذلّةٍ كجهنّمٍ ... وجهنّمٌٌ بالعزّ أطيب منزلِ

وقال هبة الله بن سناء الملك المتوفى سنة 235 هـ?
سوايَ يهابُ الموت أو يرهب الرّدى ... وغيريَ يهوى أن يعيشَ مخلَّدا
ولكنَّني لا أرهب الدَّهر إن سطا ... ولا أحذرُ الموتَ الزؤامَ إذا عدا
ولو مدَّ نحوي حادثُ الدَّهر كفّي ... لحدّثت نفسي أن أمدّ له يدا
توقدُّ عزمي يترك الماءَ جمرةً ... وحلية حلمي تتركُ السَّيف مبردا
وفرط احتقاري للأنام لأنني ... أرى كلّ عار من حلى سؤددي سدى
ويأبى إبائي أنْ يراني قاعداً ... وإني أرى كلّ البريّة مقعداً
وأظمأ إن أبدى ليَ الماءُ منَّة ... ولو كان لي نهرُ المجرة موردا
ولو كان إدراك الهدى بتذلُّل ... رأيت الهدى إلا أميلَ إلى الهدى
وقدماً بغيري اصبح الدهر أشيبا ... وبي وبفضلي اصبح الدَّهر امردا
وإنك عبدي يا زمان وإنني ... على الرَّغم منّي أن أرى لك سيّدا
وما أنا راض أنني واطئ الثّرى ... ولي همةٌ لا ترتضي الأفقَ مقعداً
ولو علمت زهو النجُّوم مكانتي ... لخرَّت جميعاً نحو وجهيَ سجّدا
أرى الخلق دوني إذ أراني فوقهم ... ذكاءً وعلماً واعتلاءً وسؤددا
وبذل نوالي زاد حتى لقد غدا ... من الغيظ منهُ ساكنُ البحر مزبدا
ولي يقلم في أنملي إنْ هززته ... فما ضرّني إلاّ أهزّ المهنَّدا
إذا صال فوق الطّرسِ وقع صريره ... فإنّ صليلَ المشرفيّ له صدى

"وقال حسان بن ثابت الأنصاري المتوفى سنة 54 هـ?"
لعمرك أبيك الخير يا سعثُ ما نبا ... عليَّ لساني في الخطوب ولا يدي
لساني وسيفي صارمان كلاهما ... ويبلغُ ما لا يبلغ السّيف مذودي
وإنْ أذاك ذا مال كثير أحدْ بهِ ... وإن يعتصر عودي على الجهد يحمد
(2/265)

فلا المال ينسيني حياتي وعفَّتي ... ولا واقعات الدّهر يفللن مبردي
أكثّر أهلي من عيالٍ سواهم ... وأطوي على الماءِ القراح المبرّد
وإني لمعط ما وجدت وقائلٌ ... لموقد ناري ليلة الرّيح أوقد
وإني لقَّوالٌ لدى البثّ مرحباً ... وأهلاً إذا ما جاء من غير مرصد
وإني ليدعوني النّدى فأحيبه ... وأضرب بيض العارضِ المتوقّد
وإني لحلوٌ تعتريني مرارةٌ ... وإني لترّاكُ لما لم أعوّد
وإني لمزجٍ للمطيّ على الوجى ... وإني لترّاك الفراشِ الممهّد

وقال الفرزدق
لنا العزّة القعساء والعدد الذي ... عليه إذا عدَّ الحصى يتخلفُ
ومنّا الذي لا ينطق النّاس عندهُ ... ولكن هو المستأذنُ المتصرف
تراهمْ قعودا حوله وعيونهم ... مكسرةٌ أبصارها ما تصرفُ
ترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى النّاس وقَّفوا
ولا عزّ إلاّ عزُّنا قاهرٌ لهُ ... ويسألنا النّصف الذَّليلُ فننصف
وما قام منّا قائمٌ في نديّنا ... فينطق إلاَّ بالّتي هي أعرفُ

وقال وقد نزل في بادية وأوقد ناراً فرآها ذئب فأتاه فأطعمه من زاده وأنشده
وأطلس عسّال وما كان صاحباً ... دعوت بناري موهناً فأتاني
(2/266)

فلمَّا أتى قلتُ بيني وبينه ... على ضوءِ نارٍ مرَّةً ودخان
وقلت لهث لمَّا تكشّر ضاحكاً ... وقائمُ سيفي في يدي بمكان
تعشَ فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل منْ يا ذئبُ يصطحبان
وأنت امرؤٌ يا ذئب والغدرُ كنتما ... أخيينِ كانا أرضعا بلبان
ولوْ غيرنا نبهتَ تلتمسُ القرى ... رماك بسهم أو شباةِ سنان

وقال الشريف الرضي "وقيل لعنترة العبسي"
لغير العلى منّي القلى والتَّجنَّب ... ولولا العلى ما كنت في الحبّ أرغب
إذا الله لم يعذرك فيما ترومه ... فما النّاس إلاّ عاذل أو مؤنب
ملكت بسيفي فرصة ما استرقّها ... من الدّهر مفتول الذّراعين أغلب
لئن تك كفّى ما تطاول باعها ... فلي من وراء الكفّ قلبٌ مدرَّب
فحسبي أني في الأعادي مبغّض ... وأني إلى عزّ المعالي محبّب
وللحلم أوقات وللجهل مثلها ... ولكنَّ أوقاتي إلى الحلم أقربُ
يصولُ عليَّ الجاهلون وأعتلي ... ويعجمُ فيَّ القائلون وأعرب
(2/267)

يرونَ احتمالي غصّة ويزيدهم ... لواعج ضغن أنني لستُ اغضب
واعرض عن كاس النّديم كأنها ... وميض غمام غائر المزن خلّب
وقور فلا الألحان تأسر عزمتي ... ولا تمكر الصّهباء بي حين أشرب
ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها ... ولا انطق العواء والقلب مغضب
تحلم عن كرّ القوارض شيمتي ... كان معيد المدح بالذمّ مطنب
لساني حصاة يقرع الجهل بالحجا ... إذا نال منّي العاضه المتوثب
ولست براض أن تمسّ عزائمي ... فضالاتُ ما يعطي الزّمان ويسلب
غرائبُ آدابٍ حباني بحفظها ... زماني وصرفُ الدّهر نعم المؤدب
تريّشنا الأيام ثم تهيضنا ... ألا نعم ذا البادي وبئس المعقّب
نهيتك عن طبع اللّئام فإنّني ... أرى البخلَ يأتي والمكارم تطلب
تعلّم فإن الجود في النّاس فطنة ... تقومُ بها الأحرار والطبع أغلب
"وقال العميد مؤيد الدين الطغرائي المتوفى سنة 513 هـ?"
أبى الله أن أسمو بغير فضائلي ... إذا ما سما بالمال كلّ مسوّد
وإن كرمت قبلي أوائل أسرتي ... فإنّي بحمد الله مبدأ سؤددي
وما منصبٌ إلا وقدري فوقه ... ولو حطّ رحلي بين نسر وفرقد
إذا شرفت نفسُ الفتى زاد قدره ... على كل أسنى منه ذكراً وأمجدَ
كذاك حديد السّيف إن يصفُ جوهراً ... فقيمتهُ أضعافهُ وزن عسجد
وما المال إلا عارةٌ مستردةٌ ... فهلاّ بفضلي كاثروني ومحتدي
إذا لم يكن لي في الولاية بسطةٌ ... يطول بها باعي وتسطو بها يدي
ولا كان لي حكمٌ مطاعٌ أجيزه ... فأرغمُ أعدائي وأكبت حسّدي
فاعذر إن قصَّرتُ في حقّ مجند ... وآمنُ أن يعتدني كيدُ معتد
ولولا تكاليف العلى ومغارمٌ ... ثقال وأعقاب الأحاديث في غد
لأعطيتُ نفسي في التخلّي مرادها ... فذاك مرادي مذ نشأت ومقصدي

وقال الفضل بن العباس عتبة بن أبي لهب
مهلا بني عمنا مهلاً موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
(2/268)

لا تطعموا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكفَّ الأذى عنكم وتؤذونا
مهلاً بني عمّنا من نحتِ أثلتنا ... سيروا رويداً كما كنتم تسيرونا
الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم إن لم تحبَّونا
كلَّ له نيةٌ في بغض صاحبه ... بنعمة الله نقليكم وتقلونا

وقال محمد بن عبد الله الأزدي
لا أدفع ابن العم يمشي على شفا ... وإن بلغتني من أذاه الجنادعُ
ولن أواسيه وأنسى ذنوبه ... لترجعه يوماً إليّ الرَّواجعُ
وحسبُ من ذلّ وسوءِ صنيعةٍ ... مناواة ذي القربى وإن قيل قاطع

وقال حطان بن المعلى
أنزلني الدّهر على حكمه ... من شامخ عالٍ إلى خفض
وغالني الدهر بوفر الغنى ... فليس لي مالٌ سوى عرضي
أبكانيَ الدّهر ويا ربّما ... أضحكني الدّهر بما يرضي
لولا بنياتٌ كزغب القطا ... رددنَ من بعض إلى بعض
لكان لي مضطربٌ واسعٌ ... في الأرض ذات الطُّول والعرض
وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض
لو هبّت الريحُ على بعضهم ... لامتنعت عيني من الغمض

وقال أوس بن حبناء
إذا المرءُ أولاكَ الهوان فأوله ... هواناً وإن كانت قريباً أواصراه
فإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فذرهُ إلى اليوم الذي أنت قادره
وقاربْ إذا لم تكن لك حيلة ... وصمّم إذا أيقنتَ انك عاقره

وقال سعد بن ناشب
تفنّدني فيما ترى من شراستي ... وشدّةِ نفسي أم سعدٍ وما تدري
(2/269)

فقلت لها إن الكريم وإن خلا ... ليلفى على حال أمرّ من الصبر
وفي اللّين ضعف والشراسة هيبةٌ ... ومن لم يهبْ يحمل على مركب وعر
وما بي على من لان لي من فظاظة ... ولكنّني فظَّ أبيَّ على القسر

وقال إبراهيم بن كنيف النبهاني
تعز فإنَّ الصّبر بالحرّ أجمل ... وليس على ريب الزّمان معوَّل
فلو كان يغني أن يرى المرء جازعاً ... لحادثة أو كان يغني التذلل
لكانَ التّعزّي عندَ كل مصيبة ... ونائبة بالحرّ أولى وأجمل
فكيف وكلَّ ليس يعدوا حمامه ... وما لامرئٍ عما قضى الله مرحلُ
فإن تكن الأيام فينا تبدّلت ... ببؤسى ونعمى والحوادث تفعلُ
فما ليَّنت منَّا قناة صليبةً ... ولا ذللتنا للتي ليس تجملُ
ولكن رحلناها نفوسناً كريمةً ... تحمَّلُ ما لا يستطاع فتحمل
وقينا بحسن الصّبر منّا نفوسنا ... فصحت لنا الأعراضُ والناسُ هزَّلُ

وقال آخر
إن يحسدوني فإنّي غيرُ لائمهم ... قبلي من الناس أهلُ الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهمُ ... ومات أكثرنا غيظاً بما يجدُ
أنا الذي يجدوني في صدورهم ... ولا أرتقي صدراً منها ولا أرد

وقال سالم بن وابصة
عليك بالقصدِ فيما أنتَ فاعله ... إن التَّخلُّقَ يأتي دونه الخلقُ
وموقف مثل حدّ السيف قمتُ به ... أحمي الذّمار وترميني به الحدقُ
فما زلقت ولا أبديت فاحشةً ... إذ الرجال على أمثالها زلقوا

وقال تابط شرا
إذا المرُ لم يحتلْ وقد جدَّ جدُّهُ ... أضاعَ وقاسى أمرهُ وهو مدبرُ
(2/270)

ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً ... به الخطبُ ألا وهو للقصد مبصرُ

وقال حبيب بن أوس أبو تمام الطائي
أنا ابن الذي استرضعَ الجودُ فيهمُ ... وقد ساد فيهم وهو كهلٌ ويافعُ
نجومٌ طواليعٌ جبالٌ فوارعٌ ... غيوثٌ هواميعٌ سيولٌ دوافعُ
مضوا وأنّ المكرمات لديهمُ ... لكثرة ما أوصوا بهنّ شرائعُ
فأيُّ يد في المحل مدَّت فلم يكن ... لها راحةٌ من جودهم وأصابع
هم استودعوا المعروف محفوظ ما لنا ... فضاع وما ضاعتْ لدينا الودائع
بها ليلُ لو عاينت فيض أكفهم ... لأيقنتَ أن الرّزق في الأرض واسع
إذا خفقت بالبذل أرواحُ جودهم ... حداها النَّدى واستنشقتها المدامع
رياحٌ كريح العنبر الغضّ في الندى ... ولكنها يوم اللّقاء زعازع
هي السَّمُّ ما تنفك في كلّ بلدةٍ ... تسيلُ به أرماحهم وهو ناقعُ
أصارت لهم أرض العدوّ قطائعاً ... نفوسٌ لحدّ المرهفات قطائع
بكلّ فتّى ما شاب من روع وقعةٍ ... ولكنه قد شبنَ منه الوقائع
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر ... أغارت عليهم فاحتوتهُ الصّنائع
فتعطي الذي تعطيهم الخيل والقنا ... أكف الإرث المكرمات موانع

وقال أبو فراس الحمداني
ووالله ما قصرّت في طلب العلى ... ولكن كأن الدّهر عني غافل
(2/271)

مواعيد آمال متى ما انتجعتها ... حلبتُ بكيّاتٍ وهنّ حوافل
تدافعني الأيامُ عمّا أريدهُ ... كما دفع الذيّن الغريم المماطل
فمثلي من نال الأعادي بسيفه ... ويا ربما غالته عنها الغوائل
وما لي لا تمسي وتصبح في يدي ... كرام أموالِ الرّجال العقائل
أحكّمُ في الأعداء عنها صوارماً ... أحكمها فيها إذا ضاق نازل
وما زال محميُّ الحمائل عنوةً ... سوى ما أقلت في الجفون الحمائل
ينالُ اختيارُ الصفح عن كل مذنب ... له عندنا ما لا تنال الوسائل
لنا عتب الأمر الذي في صدوره ... تطاولُ أعناق العدىَ والكواهل
أصاغرنا في المكرمات أكابرٌ ... وآخرنا في المأثرات أوائل
إذا صلتُ صولاً لم أجد لي مصاولاً ... وإن قلت قولاً لم أجد من يقاول

وقال أيضاً

أنا إذا اشتد الزّما ... ن ونابَ خطبٌ وادلهمْ
ألفيت حولَ بيوتنا ... عددَ الشجاعة والكرمْ
للقا العدا بيضٌ السُّيو ... فِ وللنّدى وحمر النّعم
هذا وهذا دأينا ... يودى دمٌ ويراقُ دمْ
وقال أيضاً

وغني لنزَّالٌ بكلّ مخوفةٍ ... كثيرٌ إلى نزّالها النَّظر الشّزرُ
وإني لجرّارٌ لالكل كتيبة ... معوَّدةٍ ألا يحل بها النّصر
ولا راحَ يطغيني بأثوابه الغنى ... ولا بات يثنيني عن الكرم الفقرُ
ما حاجتي في المال أبغي وفوره ... إذا لم أفرْ عرضي فلا وفر الوفرُ
أسرتُ وما صحبي بعزلٍ لدى الوغى ... ولا فرسي مهرٌ ولا ربُّه عمرُ
ولكن إذا حمّ القضاءُ على امرئٍ ... فليس له برٌّ يقيه ولا بحر
وقال أصيحابي الفرار أو الرّدى ... فقلتُ هما أمران أحلاهما مرُّ
ولكنّني أمضي لما لا يعيبني ... وحسبك من أمرين خيرهما الأسرُ
(2/272)

ومنها
يمنَّون أن خلوا ثيابي وإنّما ... علي ثيابٌ من دمائهم حمرُ
وقائم سيفٍ فيهم دقَّ نضله ... وأعقاب رمحِ فيهم حطم الصدر
سيذكرني قومي إذ جدّ جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقدُ البدرُ
ولو سدَّ غيري ما سددتُ اكتفوا به ... وما كان يغني التّبر ولو نفق الصُّفر
ونحن أناسٌ لا توسط بيننا ... لنا الصدرُ دون العالمين أو القبر
أعزُّ بني الدنيا وأعلى ذوي العلا ... وأكرم من فوق التُّراب ولا فخر

وقال أيضاً

عيري يغيّره الفعالُ الجافي ... ويحولُ عن شيم الكريم الوافي
لا أرتضي ودّا إذا هو لم يدمْ ... عند الجفاء وقلّة الإنصاف
إنّ الغني هو الغني بنفسه ... ولو أنه عاري المناكب حافٍ
ما كلُّ ما فوق البسيطة كافياً ... وإذا قنعت فبعض شيء كافِ
وتعافُ لي طمع الحريص فتوتي ... ومروءتي وقناعتي وعفافي
ومكارمي عددُ النجومِ ومنزلي ... مأوى الكرامِ ومنزلِ الأضياف
وقال أيضاً

أتدعو كريماً ومن يجود بمالهُ ... ومن جادَ بالنّفس النّفيسة أكرمُ
إذا لم يكن ينجي الفرار من الرّدى ... على حالةٍ فالصّبر أرجي وأحزمُ
لعمري لقد أعذرت لو أن مسعداً ... وأقدمت لو أن الكتائب تقدمُ
وما عابك ابن السَّابقين إلى العلا ... تأخر أقوامٍ وأنت مقدِّم
وما لك لا تلقى بمهجتك الفنا ... وأنتَ ن القومِ الذين همُ هم

وقال أبو الطيب المتنبي
أطاعنُ من فوارسها الدّهر ... وحيداً وما قولي كذا ومعي الصبر
وأشجعُ مني كلّ يومٍ سلامتي ... وما ثبتت إلا وفي فسها أمر
تمرّست بالآفات وحتى تركتها ... تقول أمات الموتُ أم ذعرَ الذعرُ
وأقدمت إقدامَ الأبي كأن لي ... سوى مهجتي أو كان لي عندها وترُ
(2/273)

ذر النّفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما العمر
ولا تحسبنّ المجدَ زقّا وقينة ... فما المجد إلا السّيف والفتكة البكر
وتضربت أعناق الملوك وأن ترى ... لك الهبوات السُّودُ والعسكر المجرْ
وترككُ في الدُّنيا دوياً كأنما ... تداول سمعَ المرءِ أنملة العشر
إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقص ... على هبة فالفضل فيمن له الشكر
ومن ينفق السَّاعات في جمع مالهِ ... مخافة فقرِ فالذي فعل الفقر

وقال صفيّ الدّين الحليّ
سلِ الرماح العوالي عن معالينا ... واستشهد البيض هل خاب الرّجال فينا
وسائل العرب والأتراك ما فعلتْ ... في أ {ضِ فير عبيد الله أيدينا
لقد سعينا فلم تضعف عزائمنا ... عما تروم ولا خابت مساعينا
يا يوْم وقعة زوراء العراقِ وقد ... دنّا الأعادي كما كانوا يدينونا
بضمرِ ما ريطناها مسوَّمة ... إلا لتغزو بها من بات يغزونا
وفتية إن نقل أصغوا مسامعهم ... لقولنا أو دعوناهم أجابونا
قومٌ إذا استخصموا كانوا فراعنة ... يوماً وإن حكموا كانوا موازينا
تدَّرعوا العقل جلاباً فإن حميت ... نار الوغى خلتهم فيها مجانينا
إذا ادعوا جاءت الدنيا مصدقة ... وإن دعوا قالت الأيام آمينا
إن الزّرازير لما قام قائهما ... توهمت أنها صارت شواهينا
ظنت تأتي البُزاةِ الشُّهب عن جزع ... وما درت أنه قد كان تهوينا
ذلّوا بأسيافنا طول الزمان فمذ ... تحكموا وأظهروا أحقادهم فينا
لم يغنم مالنا عن نهب أنفسنا ... كأنهم في أمانٍ من تقاصينا
أخلوا المساجد من أشياخنا وبغوا ... حتى حملنا فأخلينا الدواوينا
ثم أثنينا وقد ظلت صوارمنا ... تميس عجباً وتهنز القنا لينا
والدّماء على أثوابنا علقٌ ... ينشره عن عبير المسك يغنينا
إنا لقومٌ أبت أخلاقنا شرفاً ... أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
بيضٌ صنائعنا سودُ وقائعنا ... خضٌ مرابعنا حمرُ مواضينا
لا يظهر العجزُ منا دون نيل منى ... ولو رأينا المنايا في أمانينا

وقال أبو العلاء المعري
ألا في سبيل المجدِ ما أنا فاعل ... عفافٌ وإقدامُ وحزمٌ ونائلٌ
أعندي وقد مارست كلَّ خفيةِ ... يصدق واشٍ أو يخيّب سائل
تعدٌّ ذنوبي عند قومٍ كثيرةٌ ... ولا ذنب لي إلا العلا والفضائل
(2/274)

كأن إذا كلت الزّمان أهله ... رجعت وعندي للأنام طوائلُ
وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم ... بإخفاء شمسٍ ضوءها متكامل
يهمُّ الليالي بع ما أنا مضمر ... ويثقل رضوى دون ما أنا حامل
وإني إن كنتُ الأخيرَ زمانهُ ... لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل
وأغدو ولو أ، الصباح صوارمٌ ... وأسري ولو أن الظلامَ حجافل
وإني جوادٌ لم يحلَّ لجامه ... ونصل يمانٍ أغفلته الصيَّافل
فإن كان في لبس الفتى شرفٌ له ... فما السَّيف إلا غمده والحمائل
ولي منطقٌ لم يرض لي كنه منزلي ... على أنّني بين السماكين نازلٌ
(2/275)

لدي مواطن يشتاقه كل سيّدٍ ... ويقصر عن إدراكه المتناول
ولما رأيت الجهلَ في الناس فاشياً ... تجاهلتُ حتى ظنَّ أني جاهلٌ
فوا عجباً كم يدَّعي الفضل ناقصٌ ... ووا أسفاكم يظهر النقص فاضل
وكيف تنامُ الطّير في وكناتها ... وقد نصبت للفرقدين الحبائل
ينافسُ يومي في أمس تشرّفاً ... وتحسد أساري عليّ الأصائل
وطال اعترافي بالزمان وصرفهِ ... فلستُ أبالي من تغولُ الغوائلِ
فلو بان عنقي ما تأسف منكبي ... ولو مات زندي ما بكته الأنامل
إذا وصف الطّائي بالبخل مادرٌ ... وعيّر قساً بالفهاهة باقلُ
وقال السُّهى للشمس أنت ضئيلةٌ ... وقال الدُّجى للصُّبح لونك حائل
(2/276)

وطاولتِ الأرض السَّماء سفاهةً ... وفاخرت الشُّهب الحصى والجنادل
فياموت زُر أن الحياة ذميمةٌ ... ويا نفس جدّي أن دهرك هازل

وقال المرحوم محمود باشا سامي البارودي
ولي شيمةٌ تأبى الدَّنايا وعزمةٌ ... تردّ لهامَ الجيش وهو سمورُ
إذا سرتُ فالأرض التي نحن فوقها ... مرادٌ لمهري والمعاقل دور
فلا عجب إن لم يصرني منزل ... فليس لعقبان الهواء وكور
همامة نفس ليس ينفي ركابها ... رواحٌ على طول المدى وبكور
معوَّدةٌ ألا تكف عنانها ... عن الحدِّ إلا أن تتم أمور
لها من راء الغيب أذنٌ سميعة ... وعينٌ ترى ما لا يراه بصير
وفيت بما ظنَّ الكرام ُفراسةً ... بأمري ومثلي بالوفاء جدير
وأصبحت محسود الخلال كأنّني ... على كل نفسٍ في الزَّمان أمير
إذا صلت كفَّ الدَّهر من غلوائه ... وإن قلت غصّت بالقلوب صدور
ملكت مقاليد الكلام وحكمةً ... لها كوكبٌ لفخم الضياء منير
وإني امرؤٌ صعبُ الشَّكيمة بالغ ... بنفسي شأواً ليس فيه نكير

وقال أيضاً

سواي بتحنان الأغاريد يطربُ ... وغيري باللّذات يلهو ويلعب
وما أنا ممن تأسر الخمر لبّه ... ويملك سمعيه اليراعُ المثقلَّب
ولكن أخو همّ إذا ما ترجحتْ ... به سورةٌ نحو العلا راح يدأب
نفى النومَ عن عينيه نفسٌ أبيَّةٌ ... لها بين أطرافِ الأسنةِ مطلب
(2/277)

لبانةُ نفس أصغرت زكلَّ مأرب ... فلا عزني خالٌ ولا ضمني أب
ومن تكن العلياءُ همةِ نفسهِ ... فكلُّ الذي يلقاه فيها محببّ

وقالت السيدة عائشة هانم التيمورية المتوفاة سنة 1320هـ?
بيدِ العفافِ أصونُ عزَّ حجابي ... وبعصمتي أسمو على أترابي
وبفكرةِ وقادةٍ وقريحةٍ ... نقادة قد كلمت زهرة الألباب
ما عاقني خجلي عن العليا ولا ... سدّل الخمار بلمتي ونقابي
عن طيّ مضمار الرّهان إذا اشتكت ... صعبَ السّباق مطامحٌ الرُّكابِ
بل صولتي في راحتي وتفرُّسي ... ف حسن ما أسعى لخير مآب
(2/278)

الباب الثالث في شكوى الزمان والحال
قال الشنفرى المتوقة سنة 510م
أقيموا بني أمي صدود مطيّكم=فإني إلى قوم سواكم لأميل
فقد حمّت الحاداتُ والليل مقمرٌ ... وشدت الطيات مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متعزَّل
لعمرك ما في الأرض ضيقٌ على امرئٍ ... سرى راغباً أو راهباً وهو يعقل
ولي دونكم أهلون سيدُ علَّمسٌ ... وأرقط زهلولٌ وعرفاءُ جيأل
(2/279)

هم الأهل لا مستودع السرَّ ذائعٌ ... ليهم ولا الجاني بما جرّ يخذل
وكلَّ أبي باسلٌ غير أنني ... إذا عرضت أولى الطرائد أبسل
وإن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل
وما ذاك إلا بسطة عن تفضل ... عليهم وكان الأفضل المتفضل
وإني كفاني فقد من ليس جازياً ... بحسني ولا في قربه متعلل
ثلاثةُ أصحابٍ فؤاد مشيِّعٌ ... وأبيض إصليت وصفراء عطّلِ
هتوفٌ من الملس المتون يزينها ... رصائع قد نيطت إليها ومحمل
إذا زلَ عنها السّهم حنت كأنها ... مرزأة ثكلى ترن وتعول
ولست بمهياف يعشّى سوامه ... مجذّعة سقبانها وهي بهَّل
(2/280)

ولا جبَّا أكهى مرّ بعرسه ... يطالعها في شأنه كيف يفعل
ولا خرقٍ هيق كان فؤاده ... يظلّ به المكاء يعلو ويسفل
ولا خالف دارية متعزّل ... يروح ويغدو داهناً يتكحل
ولست بعلّ شرُّه دون خيره ... ألفُّ إذا ما رعته أهتاج أعزل
ولست بمحيار الظلام إذا انتحت ... هدى الهواجل العسف يهماء هوجل
إذا الأمعز الصّوان لاقى مناسمي ... تطاير منه قادحٌ ومفلل
أديم مطال الجوع حتى أميته ... وأضرب عنه الذكر صفحتً فأذهل
(2/281)

وأستفُّ رب الأرض كي لا يرى له ... على من الطول امرؤٌ متطول
ولولا اجتناب الذّام لم يلف مشربٌ ... يعاش به إلا لدي ومأكل
ولكنّ نفساً حرّةٌ لا تقيم بي ... على الضيم إلا ريثما أتحوّل
وأطوي على الخمص كما انطوت ... خيوطة ماري تغار وتفتل
وأغدو على القوتِ الزّهيد كما غدا ... أزلُّ تهاداه التنائف أطحل
غدا طاوياً يعرض الرّيح هافياً ... يخوت بأذناب الشّعاب ويعسل
فلمّا لواه القوت من حيث أمّه ... دعا فأجابته نظائر تحّل
مهللّة شيب الوجوه كأنها ... قداحٌ بكفّني باسرٍ تتقلقل
(2/282)

أو الخشرم المبعوث حثحث دبره ... محابيض أرساهن سام معسل
مهرّتةٌ فوهٌ كان شدوتها ... شقوق العصي كالحاث وبسّل
فضجّ وضجّت بالبراج كأنها ... وإيّاه نوحٌ فوق علياء ثكّل
وأغضي وأغضت وأتسي واتست به ... مراميل عزّاها وعزّته مرمل
شكل وشكت ثم ارعوي بعد وارعوت ... وللصّبر إن يم ينفع الشكو أجمل
وفاءَ وفاءت بادراتٍ وكلّها ... علىنكظٍ ممّا يكاتم مجمل
وتشرب أسآر القطا الكدر بعد ما ... سرتْ رباً أحشاؤها تتصلصل
(2/283)

هممت وهمّت وابتدرنا وأسدلت ... وشمّر مني فارطٌ متمهل
فوليت عنها وهي تكبو لعقره ... يباشره منها ذقونٌ وحوصل
كأنّ وغاها حجرتيه وحوله ... أضاميم من سفر القبائل تزَّل
توافين من شتى إليه فضمّها ... كما ضمَّ ركبٌ من أحاظةُ مجفل
وآلف وجهَ الأرض ند افتراشها ... بأهدأ تنبيه سناسن قحّل
(2/284)

وأعدل منحوضاً كأنّ فصوصه ... كعابٌ دحاها لاعبٌ فهي مثّل
فإن تبتئسْ بالشَّنفرى أم قسطل ... لما اغتبطت بالشنفرى قبلُ أطول
طريد جناياتِ تياسرن لحمه ... عقيرته لأيّها حمّ أوّل
تنام إذا ما نام يقظي عيونها ... حثاثاً إلى مكروهه تتغلغل
وإلفُ همومٍ ما تزال تعوده ... عياداً حمى الربّع أو عي أثقل
إذا وردت أصدرتها ثم إنها ... تؤوب فتأتي من تحيث ومن علُ
(2/285)

فأمّا تراني كابنة الرّمل ضاحياً ... على رقة أحفى ولا أتنعل
فإنّى لمولى الصَّبر أجتاب بزّه ... على مثل قلب السّمع والحزم أفعل
وأعدم أحياناً وأغنى وإنما ... ينال الغنى ذو البعدة المتبذّل
فلا جزعٌ من خلَّة متكشف ... ولا مرحٌ تخت الغنى أتخيّل
ولا تزدهي الأجهال حلمي ولا أرى ... سؤولاً بأعقاب الأقاويل أنمل
وليلة نحسٍ يصطلي القوس ربُّها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبل
دعست على غطش وبغش وصحبتي ... سعارٌ وإيزيزٌ وواجرٌ وأفكل
فأيَّت نسواناً وأيتمت ولدةً ... وعدت كما أبدأت والليل أليل
(2/286)

وأصبح عني لابالغميضاء جالساً ... فريقان مسؤول وآخر يسأل
فقالوا القد هرت بليلٍ كلابنا ... فقلنا الذئبٌ عسَ أم عسَّ فرعل
فلم يكُ إلا نبأةٌ ثم هومت ... فقلنا قطاة ريع أو ريعَ أجدل
فإن يك من جنّ لأبرح طارقاً ... وإن يك إنساً ماكها الإنس يفعل
ويومٍ من الشِّعري يذوب لعابه ... أفاعيه في رمضائه تتململ
نصبت له وجهي ولكن دونه ... ولا ستر إلا الأتحمي المرعبل
وضاف إذا هبّت له الريح طيّرت ... لبائد عن أعطافه ما ترجل
بعيدٌ بمسّ الدُّهن والفلي عهده ... له عبسٌ عافٍ من الغسل محول
(2/287)

وخرق كظهر الترس قفرٍ قطعته ... بغاملتين ظهره ليس يعمل
فألحقت أولاه بأخراه موفياً ... على قنة أقعى مراراً وأمثل
ترود الأرواي الضخم حولي كأنها ... عذارى عليهن الملاءِ المذّيل
ويركدن بالآصال حولي كأنني ... من العصم أدفى ينتحي الكبح أعقل

وقال الطغرائي يواسي معين الملك في نكبته المتوفى سنة 10هـ?
فصبراً معين الملك إن عنَّ حادثٌ ... فعاقبة الصبر الجميل جميلٌ
ألم تر أن الليل بعد ظلامه ... عليه لإسفار الصباح دليلٌ
ألم ترَ أنّ الشمس بعد كسوفها ... لها صفحة تغشى العيون صقيل
وأن الهلال النَّضو يقمر بعدما ... بدا وهو شخت الجانين ضئيل
فقد يعطف الدّهر قياده ... فيشفى عليلٌ أو يبلّ غليل
ويرتاش مقصوصُ الجناحين بعد ما ... تساقط ريشٌ واستطار نسيل
(2/288)

أسأت إلى الأيام حتى وترتها ... فعندك أضعان لها وتبول
وصارمتها فيما أرادت صورفها ... ولولاك كانت تنتحي وتصول
وما أنت إلا السيف يسكن غمده ... ليشقى به يوم النزال قتيل
أمالك بالصّديق يوسفَ أسوة ... فتحمل وطء الدهر وهو ثقيل
وما غضَّ منك الحبسُ والذكر سائر ... طليقٌ له في الخافقين ذميل

وقال محمود باشا سامي البارودي وهو في منفاه
محا البين ما أبقت عيون المها مني ... فشبت ويم أقض اللبانة من سنيّ
عناءٌ ويأس واشتياق وغربة ... ألا شد ما ألقاه في الدهر من غبن
فإن أك فارقت الدّيار فلي بها ... فؤادٌ أضلّته عيون المها عنيّ
بعثت به يوم النوى إثر لحظة ... فأوقعه المقدار في شرك الحسن
فهل من فتى في الدهر يجمع بيننا ... فليس كلانا عن أخيه بمستغني
ولما وقفهنا للوداع وأسبلت ... مدامعنا فوق الترائب كالمزن
أهبتُ بصبري أن يعود فبزني ... وناديتُ حلمي ن يثوب فلم يغن
وما هي إلا خطرةٌ ثم أقلعت ... بنا عن شطوط الحيّ أجنحة السُّفن
فكم من مهجة من زفرة الوجد في لظى ... وكم مقلة عن غزرة الدمع في دجن
وما كنت جربت النوى قبل هذه ... فلما دهتني كدت أقضي من الحزن
ولكنّني راجعت حلمي وردني ... إلى الحزم رأيٌّ لا يحوم على أفن
ولولا بنيّات وشيبٌ عواطلٌ ... لما قرعت نفسي على فائت سنّي
فيا قلب صبراً إن جزعت فربما ... جرت سنحا طيرُ الحوادث باليمن
فقد تورق الأغصان بعد ذنوبها ... ويبدو ضياءُ البدر في ظلمة الوهن
وأيُّ حسام لم تصبه كهامة ... ولهذم رمح لا يفل من الطعن
ومن شاغب الأيام لان مريره ... وأسلمه طولُ المراس إلى الوهن
وما المرء في دنياه إلاكسالك ... مناهج لا تخلو من السهل والحزن
فإن تكن الدنيا تولَّت بخيرها ... فأهون بدنيا لا تدوم على فن
إذا عرف المرء القلوب وما انطوت ... عليه من البغضاء عاش على ضعن
يرى بصري من لا أود لقاءه ... وتسمع أني ما تعاف من المن
تحملت خوف المن كل زريئة ... وحمل زرايا الدهر أحلى من اللحن
وعاشرت أخداناً فلما بلوتهم ... تمنَّيت أن أبقى وحيداً بلا خدن

وقال محمد حافظ بك إبراهيم
لم يبقَ شيءٌ من الدُّنيا بأيدينا ... إلا بقية دمع في مآقينا
كنا قلادة جيد الدهر وانفرطت ... وفي يمن العلا كنّا رياحينا
كانت منازلنا في العزّ شامخة ... لا تشرق الشمس إلا في مغانينا
وكان أقصى منى نهر المجرة لو ... من مائه مزجت أقداح ساقينا
والشهب لو أنها كانت مسخرة ... لرجم من كان يبدو من أغادينا
فلم نزل وصروف الدهر ترمقنا ... شزراً وتخدعنا الدنيا وتلهينا
حتى غدونا ولا جاه ولا نشبٌ ... ولا صديقٌ ولا خلٌ يواسنا
(2/289)

وقال أيضاً في شكوى الزمان
سميتُ إلى أن كدت أنتعل الدما ... وعدت وما أعقبت إلا التندُّما
سلامٌ على الدُّنيا مودّع ... رأى في ظلام القبر أنساً ومغنماً
تبلغ بالصَّبر الجميل وبالأسى ... زماناً وجادته المنى فتأدما
أضرَّت به الأول فهام بأختها ... وإن ساءت الأخرى فويلاه منهما
فهبى رياحَ الموت نكباء واطفئي ... سراج حياتي قبل أن يتحطما
فما عصمتني من زماني فضائلي ... ولكن رأيت الموت للحر أعصما
فيا قلب لا تجزع إذا عضك الأسى ... فإنك بعد اليوم لن تتألما
ويا عين قد آن الجمود لمدمعي ... فلا سيل دمع تسكبين ولا دما
ويا يدُّ ما كلفتك المبسط مرة ... لذي منة أولى الجميل وأنعما
فلله ما أحلاك في أنمل البلى وإن كنت حلى في الطروس وأكرما
ويا قدمي ما سرت بي لمذلة ... ولم ترتق إلا إلى العزّ سلّما
فلا تبطئي سيراً إلى الموت واعلمي ... بأنّ كريم القوم من مات مكرما

وقال فقيد الأدب حنفي بك ناصف
أتقضى معي إن جان حيني تجاربي ... وما نلتها إلاّ بطول عناء
وأبذلُ جهدي في اكتساب معارف ... ويفنى الذي حصلته بفنائي
ويحزنني ألا أرى لي حيلة ... لإعطائها من يستحق عطائي
إذا ورَّث الجهال أبناءهم غنّى ... وجاهاً فما أشقى بني الحكماء
(2/290)

وقال أحمد شوقي بك يصف أبا الهول ويناجيه
أبا الهول طال عليك العصر ... وبلغت في الأرض أقصى العمر
فيالدة الدَّهر لا الدهر شب ... ب ولا أنت جاوزت حد الصغر
إلام ركوبك متن الرّما ... ل لطيّ الأصيل وجوب السَّحر
تسافر منتقلاً في القرو ... ن فأيان تلقى غبار السَّفر
أبينك عهدٌ وبين الجبا ... ل تولان في الموعد المنتظر
ابا الهول ماذا وراء البقا ... ء إذا ما تطاول غير الضَّجر
عجبت للقمانَ في حرصه ... على لبد والنُّسور الأخر
(2/300)

وشكوى لبيد لطول الحيّا ... ة ولو لم تطل لتشكى القصر
ولو وجدت فيك يا ابن الصَّفا ... ة لحقت بصانعكَ المُقتدر
فإن الحياة تفل الحدي ... د إذا لبسته وتبلى الجر
أبا الهول ما أنت في المعضلا ... ت لقد صلت السبل فيك الفكر
تحيزت البدو ماذا تكو ... ن وضلّت بوادي الظنون الحضر
فمكنت لهم صورة العنفوا ... ن وكنت مثال الحجي والبصر
(2/301)

وسرُّك في حجبه كلما ... أطلّت عليه الظنون استتر
وما راعهم غير رأس الرجا ... ل على هيكل من ذوات الظفر
ولو صوروا من نواحي الطّبا ... ع توالوا عليك سباع الصُّور
فيا ربَّ وجهٍ كصافي النّمي ... ر تشابه حامله والنّمر
أبا الهول ويحك لا يستقل ... ل مع الدهر شيءٌ ولا يحتقر
تهزأت دهراً بديك الصّبا ... ح فنقر عينيك فيما نقر
اسأل البياض وسلّ السوا ... د وأوغل منقاره في الحفر
فعدت كأنك ذو المحبسي ... ن قطيعَ القيام سليبَ البصر
كأن الرمال على جانبي ... ك وبين يديك ذنوب البشر
كأنك فيها لواء القضا ... ء على الأرض أو ديدبان القدر
كأنك صاحب رمل يرى ... خبايا الغيوب خلال السطر
(2/302)

أيا الهول أنت نديمُ الزّما ... ن نحي الأوان سميرٌ العصر
بسطت ذراعيك من آدم ... ووليت وجهك شطر الزّمر
تطل على عالم يستهل_لُ وتوفى على عالم يحتضر
فعينٌ إلى من بدار للوجو ... د وأخرى مشيعة من عبر
فحدث فقد يهتدى بالحدي ... ث وخبر فد يؤتى بالخبر
ألم تبل فرعون في عزه ... إلى الشمس وخبر فقد يؤتى بالخبر
ألم تبل فرعون في عوة ... إلى الشّمس معتزياً والقمر
طليل الحضارة في الأوّلي ... ن رفيع البناء جليل الأثر
(2/303)

يؤسس في الأرض للغابري ... ن ويغرس للآخرين الثمر
وراعك ما راع من خيل قمب ... يز ترمي سنابكها بالشرَّر
جوارف بالنار تغزو في البلا ... د وآونةً بالقنا المشتجر
وأبصرت اسكندراً في الملا ... قشيب العلا في الشباب النضر
(2/304)

تبلج في مصر إكليله ... فلم يعد في الملك عمر الزهر
وشاهدت قيصر كيف استبد ... د وكيف أذلَّ بمصرَ القصر
وكيفغ تجبر أعوانه ... وساقوا الخلائقَ سوقِ الحُمر
وكيف ابتلوا بقليل العدي ... د من الفاتحين كريم النّفر
رمى تاج قيصر رميَّ الزّجا ... ج وفلّ الجموع وثلَّ السرر
فدع كل طاغية للزما ... ن فإن الزمان يقيم الصّعر
رأيت الدّيانات في نظمها ... وحين وهي لكها وانتثر
(2/305)

تشاد البيوت لها كالبرو ... ج إذا أخذ الطّرف فيها انحسر
تلاقى أساساً وشمّ الجبا ... ل كما تتلاقى أصولُ الشَّجر
(وإيزيس) خلف مقاصيرها ... تخطى الملوك إليها الستر
تضيء عل صفحات السّما ... ء وتشرق في الأرض منها الحجر
وآبيس في نيره العالمو ... ن وبعض العقائد نير عسر
تساس به معضلات الأمو ... ر ويرجى النعيم وتخشى سقر
ولا يشعر القوم إلا به ... ولو أخذته المدى ما شعر
يقلّ أبو المسك عبداً له ... وإن صاغ أحمدُ فيه الدُّرر
وآنست (موسى) وتابوته ... ونورُ العصا والوصايا الغرر
وعيسى يلّم رداء الحيا ... ء ومريم تجمع ذيلَ الخفر
(2/306)

وعمرو يسوق بمصر الصحا ... ب ويزجي الكتاب ويحددوا السور
فكيف رأيت الهدى والضلا ... ل ودنيا الملوك وأخرى عمر
ونبذ المقوقس عهد الفجو ... ر وأخذ المقوقس عهد الفجر
وتبديله ظلمات الضّلا ... ل يصبح الهداية لما سفر
وتأليفه القبط والمسلمي ... ن كما ألفت بالولاء الأسر
أبا الهول لو لم تكن آية ... لكان وفاؤك إحدى العبر
أطلت على الهرمين الوقو ... ف كثاكلة لا تريم الحفر
ترجى لبانيهما عودةٌ ... وكيف يعودُ الرَّميم النَّخر
تجوس بعين خلال الدّيا ... ر وترمي بأخرى فضاء النهر
تروم (بمنفيس) بيض الظُّبى ... وسمر القنا والخميس الدثر
ومهد العلوم الخطير الجلا ... ل وعهد الفنون الجليل الخطر
فلا تستبين سوى قرية ... أجد محاسنها ما اندثر
(2/307)

تكاد لإغراقها في الجمو ... د إذا الأرض دار بها لم تدر
فهل من يبلغ عنا الأصو ... ل بأن الفروع اقتدت بالسير
وأنّا خطبنا حسان العلى ... وسقنا لها الغالي المدَّخر
وأنا ركينا غمار الأمو ... ر وأنا نزلنا إلى المؤتمر
بكل مبين شديد اللّدا ... د وكل أريب بعيد وانتشر
نطالب بالحق في أمة ... جرى دمها دونه وانتشر
ولم تفتخر بأساطيلها ... ولكت بدستورها تفتخر
فلم يبق غيرك من لم يخفْ ... ولم يبق غيرك من لم يطر
تحرك أبا الهول هذا الزمان ... ن تحرّك ما فيه حتى الحجر

وقال أيضاً يصف ملكة النحل من قصيدة
مملكة مدبرّه ... بامرأة مؤمرَّه
تحمل في العمال والصُ ... نَّاع عبء السَّيطرة
فاعجب لعمال يولو ... ن عليهم قيصره
تحكمهم راهبةٌ ... ذكارة مغبّرة
عاقدةٌ زنارها ... عن ساقها مشمرة
تلثمت بالأرجوا ... ن وارتده مئزر
وارتفعت كأنها ... شرارة مطيرَّة
ووقعت لم تختلجْ ... كأنها مسمَّرة
مخلوقةٌ ضعيفةٌ ... من خلق مصوَّره
(2/308)

قف سائل النحل به ... بأي عقل دبره
حبك قوى الأخلاق ما ... تغني القوى المفكرة
ويرفع الله بها ... من شاء حتى الحشرة
أليس في ملكة الن ... حل لقوم تبصره
ملك بغاه أهله ... بهمة ومجدر
تقتل أو تنفي الكسا ... لى فيه غير منذره
تحكم فيه قيصره ... في قومها موقره
من الرجال وقيو ... د حكمهم محررّه
الملك للإناث في الدّ ... ستور لا للذكره
أنثى ولكن في جنا ... حيها لباةٌ مخدره
(2/309)

ذائدة عن حوضها ... طاردة من كدره
ما الملك إلا في ذرا ... الألوية المنشرة
إن الأمور همة ... ليس الأمور ثرثرة
مالكة عاملة ... مصلحة معمرة
(2/310)

وقال أيضاً يصف مصر قديمها وحديثها
قفي يا أخت (يوشع) خبرينا ... أحاديث القرون الغابرينا
وقصي من مصارعهم علينا ... ومن دولاتهم ما تعلمين
فمثلك من روى الأخبار طراً ... ومن نسب القبائل أجمعينا
نرى لك في السماء خضيب قرن ... ولا نحصي على الأرض الطَّعينا
مشيت على الشباب شواظ نار ... ودرت على المشيب رحى طحونا
تعينين المواد والمنايا ... وتبنن الحياة وتهدمينا
فيا لك هرة أكلت بنيها ... وما ولدوا وتنتظر الجنينا
أأمَّ المالكين بنى (أمون) ... ليهنك أنهم نزعوا (أمونا
(2/312)

ولدت له (المآمين) الدواهي ... ولم تلدي له قط (الأمينا)
فكانوا الشهب حين الأرض ليلٌ ... وحين الناس جد مضللينا
مشت بمنارهم الدهر بالوادي أقاموا ... على (وادي الملوك) محجبينا
فربّ مصفد منهم وكانت ... تساق له الملوك مصفدينا
تقيد في التراب بغير قيد ... وحلّ على جوانبه رهينا
تعالى الله كان السَّحر فيهم ... أليسوا للحجارة منطقينا
غدوا يبنون ما يبقى وراحوا ... وراء الآبدات مخلدينا
إذا عمدوا لمآثرة أعدوا ... لها الإتقان والخلق المتينا
وليس الخلد مرتبة تلقى ... وتؤخذ من شفاه الجاهلينا
ولكن منتهى همم كبار ... إذا ذهبت مصادرها بقينا
وسرُّ العبقرية حين يسري ... فينتظم الصَّنائع والفنونا
وآثار الرّجال إذا تناهت ... إلى التاريخ خير الحاكمينا
(2/313)

وأخذك من فم الدُّنيا ثناءً ... وتركك في مسامعها طنينا
***
فغالي في بنيك الصيّد غالي ... فقد حبّ الغلوّ إلى بنيا
فشيبٌ قنعٌ لا خير فيهم ... وبورك في الشباب الطامحينا
فناجيهم بعرش كان صنواً ... لعرشك في شبيبته سنينا

وكان العزُّ حليته وكانت ... قوائمه الكتائب والسفينا
تاج من فرائده (ابن سيتي) ... ومن خرزاته (خوفو) (ومينا)
على خداً به صعرٌ وجاروا ... على الأجراء أو جلدوا القطينا
فإنا لم نوق النقص حتى ... نطالب بالكمال الأولينا
وما (البستيل) إلا بنت أمسٍ ... وكم أكل الحديد بها سجينا
(2/314)

وربة بيعةٍ عزت وطالت ... بناها الناس أمس مسخرينا
مشيّدة لشافي العمي (عيسى) ... وكم سمل القسوس بها عيونا
***
أخا (اللُّوردات) مثلك من تحلّى ... بحلية آله المتطولينا
لك الأصل الذي نبتت عليه ... فروع المجد من (كرنارافونا)
ومالك لا يعد وكل مالٍ ... سيفني أو سيفني المالكينا
وجدت مذاق كل تليد مجد ... فكيف وجدت مجدَ الكاسبينا
نشرت صفائحاً فجزتك (مصرٌ) ... صحائف سؤودد لا نطوينا
فإن تك قد فتحت لها كنوزاً ... لقد فتحت لك الفتح المبينا
فلا (قارون) فوق الأرض إلا ... تمنى لو رضيت به قرينا
سبيل الخلد كان عليك سهلاً ... وعادته يكد السالكينا
رأيت تنكراً وسمعت عتباً ... فعذراً للغضاب المحنقنا
أبوتنا وأعظمهم تراثٌ ... نحاذر أن يؤول لآخرينا
ونأبى أن يحل عليه ضيم ... ويذهب نهبة للناهبنا
سكت فحام حولك كل ظن ... ولو سرحت لم تثر الظنونا
يقول الناس في سرِّ وجهر ... وما لك حيلة في المرجفينا
أمن سرق الخليفة وهو حيٌّ ... يعفّ عن الملوك مكفنينا
***
خليلي اهبطا الوادي ميلا ... إلى غرف الشموس الغار بينا
وسيراً في محاجرهم رويدا ... وطوفا بالمضاجع خاشعينا
وخصا بالعمار وبالتحايا ... رفات المجد من توتنخمينا
وقبراً كاد من حسن وطيب ... يضيء حجارة العلى من (طور سينا)
وكان نزيله بالملك يدعى ... فصار يلقب الكنز الثمينا
فثم جلالةوٌ قرت ودامت ... على مر القرون الأربعين
جلال الملك أيام وتمضي ... ولا يمضي جلال الخالدين
(2/315)

يجوب البرق باسمك كل سهل ... ويخترق البخار به الحزونا
وأقسم كنت في (لوزان) شغلاً ... وكنت عجيبة المتفاوضينا
أتعلم أنهم صلفوا وتاهوا ... وصدوا الباب عنا موصدينا
ولو كنا نجرُّ هناك سيفاً ... وجدنا عندهم عطفاً وليناً
سيقضي (كرزنٌ) بالأمر عنا ... وحاجات (الكنانة) ما قضينا
تعالى اليوم خبرنا أكانت ... نواك سنات نوم أو سنينا
وماذا جبت من ظلمات ليل ... بعيد الصبح ينضي المدلجينا
وهل تبقى النفوس إذا أقامت ... هياكلها وتبلى إن بلينا
وما تلك القباب وأين كانت ... وكيف أضل حافزها القرونا
ممردة البناء نخال برجاً ... ببطن الأرض محطوطاً دفيناً
تغطى بالأثاث فكان قصراً ... وبالصور العتاق فكان زوناً
حملت العرش في فهل ترجى ... وتأمل دولة في الغابرينا
هل تلقى المهيمن فوق عرش ... ويلقاه الملا مترجلينا
وما بال الطعام يكاد يقدى ... كما تركته أيدي الصانعينا
(2/316)

ولم تك أمس تصبر عنه يوماً ... فكيف صبرت أحقاباً مئيناً
لقد كان الذي حذر الأوالي ... وخاف بنو زمانك أن يكونا
يحبُّ المرء نبشَ أخيه حياً ... وينبشه ولو في الهالكينا
سللت من الحفائر قبل يوم ... يسلَّ من التراب الهامدينا
فإن تك عند بعث فيه شك ... فإن وراءه البعث اليقينا
ولو لم يعصموك لكان خيراً ... كفى بالموت معتصماً حصيناً
يضر أخو الحياة وليس شيءٍ ... بضائره إذا صحب المنونا

الباب الرابع في الوصف
قال علي بن محمد القاضي التنوخي المتوفى سنة 343هـ? واصفاً مكتوباً
وصحيفة ألفاها ... في النظم كالدرُّ النّثير
جاءت إليّ كأنها الت ... وفيق في كل الأمور
بأرقّ من شكوى وأحس ... ن من حياةِ في سرور
لو قابلت أعمى لأصب ... ح وهو ذو زطرف بصير
وكأنها أملٌ تحق ... ق بعد يأس في الصُّدور
أو كالفقيد إذ أتت ... بقدومه بشرى البشير
أو كالمنام لساهر ... أو كالغني عند الفقير
أو كالشفاء لمدنف ... أو كالأمان لمستجير
وكأنما هي من وصا ... ل أو شباب أو نشور
(2/317)

لفظٌ كأسر معاند ... أو مثل إطلاق الأسير
وكأنه إذ لاح من ... فوق المهارق والسطور
وردً الخدود إذا انتقل ... ت به على راح الثغور
غررٌ غدت وكأنها ... من طلعة الظَّبي الغرير
من كل معنى كالسلا ... مة أو كتيسير العسير
كتبت بحبر كالنّوى ... أو كفر عمي من كفور
في مثل أيام التوا ... صل أو كأعتاب الدُّهور
أهدتها يا خير من ... يختار من كرم وخير

وقال أيضاً واصفاً الخط والكتابة والبلاغة
خطٌّ وقرطاس كأن ... هما السَّوالف والشُّعور
وبدائع تدعُ القلو ... ب تكاد من طرب تطيرُ
في كلّ معنى كالغنى ... يحويه محتاجٌ فقير
أو كالفكاك يناله ... من بعد ما يأس أسير
وكأنها الإقبال جا ... ء أو الشقاء أو النُّشور
وكأنها شرخ الشبا ... ب وعيشة الخضل النضير

وقال البحتري في الموضوع نفسه
وإذا دجتْ أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدُّجى في كتبه
فاللفظ يقربً فهمه في بعده ... منّا ويبعدُ نيله في قربه
فكأنهما والسمع معقودٌ بها ... شخص الحبيب بدا لعين محبه

وقال الوزير المهلبي المتوفى سنة 352هـ? في الموضوع نفسه
وردَ الكتاب مبشراً ... نفسي بأنواع السُّرورِ
وفضضته فوجدته ... ليلاً على صفحات نور
مثل السَّوالف والخدو ... د البيض زينت بالشعور
أنزلته منّي بمنز ... لة القلوب من الصدور
(2/318)

الموز، وقال النجم بن إسرائيل يصفه
أنعتهُ موزاً شهيّ المنظر، ... مستحكم النُّضج، لذيذَ المخبرَ
كأنَّ تحت جلده المزعفر ... لفاتِ زبد، عجنت بسكر

وقال البهاء زهير
في ريحه، ولونه وطعمه ... كالمسك، أو كالتبرأ وكالضَّرب
وافت به أطباقه منضدَّاً ... كأنه مكاحهل من ذهب

وقال آخر
تحكي إذا قشرّته ... أنياب أفيال صغار
ذو باطن مثل الإقا ... ح، وظاهر مثل البهار

الكمثرى
وكمثراء بستان ... شهيّ الطعم والمنظر
له طعم إذا ذيق ... كماء الورد والسكرْ
كأنه في شكله، ولونه، ... وطعمه: قوالب من سكر

التفاح قال ابن المعتز
كأنما التفاح لما بدا ... يرفل في أثوابه الحمر
شهدٌ بماء الورد، مستودعَ ... في أكر من جامد الخمر
كأننا حين نحيّا به ... نستنشق النّدمن الجمر

الخوخ
كأنما الخوخ على دوحه ... وقد بدا أحمره العنْدمي
بنادٌ من ذهب على دوحه ... قد خضبت أنصافها بالدم
(2/319)

وخوخة بستان ذكي نسيمها ... من المسك والكافور وقد كسبت نشرا
ملبَّسة ثوباً، من التبر نصفه ... مصوغٌ، وباقيه كياقوتة حمرا

المشمش
ومشمشٍ جاءنا من أعجب العجب ... أشهى إليّ من اللّذات ولطربِ
كأنَّه وهبوبُ الريح ينثره ... بنادقٌ خرطت من خالص الذهب
وكأنما الأفلاك من طرب به ... نثرت كواكبها على الأغصان

وقال محيي الدين بن عبد الظاهر
حبذا مشمش على الدَّوح أضحى ... ذا شعاع يستوقف الأبصارا
شجرٌ أخضر لنا جعل اللّ ... هـ "تعالى" منه كما قال نارا

الرمان
رمانة صبغ الزمان أديمها ... فتبسَّمت في ناضر الأغصان
فكأنما هي حقة من عجسد ... قد أودعت خرزاً من المرجان
كأنها حقة، فإن فتحت ... فصرّة من فصوص ياقوت
حقاق كأمثال العقيق تضمَّنت ... فصوص بلخش، في غشاء حرير
إذا فضَّ عنه قشره فكأنه ... فصوص عقيق، في حقاق من الدرُّ
فدرٌّ، ولكن لم يدنسه عارض ... وماء، ولكن في مخازن من جمر

النخيل والبلح
كأن النخيل الباسقات وقد بدت ... لناظرها حسناً قبابُ زبرجد
وقد علقت من حولها زينةً لها ... قناديلُ ياقوتٍ بأمراس عسجد

وقال السّري الرفاء
(2/320)

فالنخل من باسق فيه وباسقة ... يضاحك الطلعُ في قنواته الرُّطبا
أضحت شماريخه في النحر مطلعة ... إما ثرّيا، وإما معصما خضبا
تريك في الظل عقياناً، إن نظرت ... شمسُ النهار إليها خلتها لهبا

وقال آخر في البلح الأخضر
أما ترى النخل قد نثرت بلحاً ... جاء بشيراً بدولة الرطب
مكاحلا من زمرد خرطت، ... مقمَّعات الرؤوس بالذَّهب

وفي البلح الأحمر
أنظر إلى البسر إذ تبدّى ... ولونه قد حكى الشَّقيقا
كأنما خوصه عليه ... زبرجد مثمرٌ عقيقا

البطيخ
رأيتها في كف جلاّبها ... وقد بدت في غاية الحُسن
كسلّة خضراء مختومة ... عل الفصوص الحمر في القطن

وقال أبو طالب المأموني
ومبيضة فيها طرائق خضرة ... كما اخضرّ مجرى السيل من صيب المزن
كحقة عاج ضببّت بزبرجد ... حوتْ قطعه الياقوت في عصب القطن

وقال في بطيخة صفراء
وبطيخة مسكيّة عسلية ... لها ثوب ديباج وعرف مدام
(2/321)

وإذا فصّلت للأكل كانت أهلّة، ... وإن لم تفصل فهي بدر تمام

وقال ابن التعاويذي
ربّ صفراء أتتنا ... وهي في أحسن حلّة
تعتريها صفرةً في ... لونها، من غير علة
حلوةُ الريق، حلال ... دمها في كل مله
نصفها بدر، وإن ... قسمهتها فهي أهلَّه
وقال آخر

ألا فانظروا البطيخ وهو مشققٌّ ... وفد حاز في التشقيق كل أنيق
تروه كبلّور في زمرد ... مركبة فيه فصوص عقيق

العنب قال ابن المعتزر
كأن عناقيد الكروم وظلَّها ... كواكب در، في سماء زبرجد

وقال السري الرفاء
والكرم مستبك الأفنان، توسعنا ... أجناسه في تساوي شربها عجباً
فكرمة قطرت أغصانها سبجاً، ... وكرمة قطرت أغصانها ذهباً
كأنما الورق المخضر دونهما ... غيران، يكسوهما من سندس حجباً

وقال آخر
كأنما عنقودها ... زنجٌ، جنوا سرقهْ
فأصبحت رؤوسهم ... على الذرى معلَّقة

قصب السكر
تحكيه سمر القنا ولكن ... تراه في جسمه طلاوه
وكلمّا زدته عذاباً ... زادك من ريقه حلاوه

النبق
وسدرة كل يوم ... من حسنها في فنون
كأنما النبقْ فيها ... وقد بدا للعيون
(2/322)

جلاجلٌ من نضار ... قد علقت في الغصون

الجزر قال ابن المعتز
أنظر إلى الجزر الذي ... يحكي لنا لهب الحريق
كمذبة من سندس ... ولها نصابٌ من عقيق

وقال ابن رافع القيرواني
انظر إلى الجور البديع كأنه ... في حسنه قضبُ من المرجان
أوراقه كزبرجد في لونها، ... وقلوبه صيغت من العيقان

اللوز الأخضر قال ظافر الحداد
كأنما قلوبه ... من توأم ومفرد
جواهر لكنما ال ... أصداف من زبرجد

التين قال ابن المعتز
أنعم بتين طاب طعما، واكتسى ... حسناً، وقارب منظراتً من مخبر
في برد ثلج، في نقابير، وفي ... ريح العبير، وطيب طعم السكر
يحكي إذا ما صغّ أطباقه ... خيما، ضربن من الحرير الأحمر

الفستق
والقلب ما بين قشريه يلوح لنا ... كألسن الطير من بين المناقير
زبرجدة خضراء وسط حريرة ... بحقة عاج في غلاف أديم
زبرجدة ملفوفة في حريرة، ... مضمَّنة درا مغشى بياقوت

النارنج قال ابن المعتز
وكأنما النارنج في أغصانه ... من خالص الذهب الذي لم يخلط
(2/323)

كر رماها الصولجان إلى الهوا ... فتعلّقت في جوه لم تسقط
وأشجار نارنج كأن ثمارها ... حقاق عقيق قد ملئن من الدر
وقال آخر

انظر إلى منظر تلهيك بهجته ... بمثله في البرايا يضرب المثلُ
نار تلوح على الأغصان في شجر ... لا النار تطفا، ولا الأغصان تشتعل

وقال أبو الحسن الصقلي
إذا ميَّلتها الريح مالت كأكرة ... بجت ذهباً في صولجان زبرجد

الليمون قال ابن المعتز
يا حبذا ليمونةً ... تحدثُ للنفس الطرب
كأنها كافورة ... لها غشاء من ذهب
القلم: قال "ابن المعتز": القلم مجهز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، ولا يمل استزادة، يسكت واقفاً، وينطلق سائراً، على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضيء، وكأنه يقبل بساط سلطان، أو يفتح نوَّار بستان.

وقال "علي بن عبيد" أصم سمع النحوي، أعيا من باقل، وأبلغ من سحبان وائل، يجهل الشاهد، ويخبر الغائب، ويجعل الكتب بين الإخوان ألسنا ناطقة، وأعيناً لاحظة، وربما ضمنها ودائع القلوب ما لا تبوح به الألسن عند المشاهدة.
ومن كلام "أبي حفص بن برد الأندلسي": ما أعجب شأن القلم يشرب ظلمة، ويلفظ نوراً! قد يكون قلم الكاتب أمضى من شباة المحارب القلم سهم ينقذ المقاتل، وشفرة تطيح بها المفاصل.

وقال "محمود بن أحمد الأصبهاني"
أخرسُ ينبيك بإطرقه ... عن كل ما شئت من الأمر
(2/324)

يذري على قرطاسه دمعة ... يبدي بها السرُّ وما يدري
كعاشق أخفى هواه وقد ... نمَّت عليه عبرةٌ تجري
تبصره في كل أحواله ... عريان يكسو الناس أو يعري
يرى أسيراً، في دواة وقد ... أطلق أقواماً من الأسر
أخرقُ، لو لم تبرهِ لم يكن ... يرشق أقواماً وما يبري
كالبحر إذ يجري، وكالليل إذ ... يغشى، وكالصارم إذ يفري

وقال "أحمد بن عبد ربه"
يخاطب الغائب البعيد مما ... يخاطب الشاهد الذي حضرا
شختُ ضئيلٌ، لفعله خطر ... أعظم به من ملمة خطرا
تمجّ فكَّاه ريقةً صغُرت ... وخطبها في القلوب قد كبرا
يواقع النفسَ منه ما حذرت ... وربما جنبت به الحذرا
مهفهفٌ تزدهي به صحفٌ ... كأنما خليت به دررا

و"لابن المعتز" في قلم الوزير "القاسم بن عبيد الله"
قلمٌ ما أراه، أم فلك يجر ... ي بما شاء "قاسم" ويسير؟
خاشع في يديه يلئم قرطا ... سا كما قبَّل البساط شكور
ولطيف المعنى، جليل، نحيف، ... وكبير الأفعال وهو صغير!
كم منايا، وكم عطايا، وكم حت ... ف وعيش تضم تلك السطور
نقشت بالدُّجا نهاراً، فما أدر ... ي أخط فيهن أم تصوير

وقال "أبو تمام" في قلم "محمد بن عبد الملك الزيات"
لك القلم الأعلى الذي بشباتِهِ ... تصابُ من الأمر الكلى والمفاصل
(2/325)

لعابُ الأفاعي القاتلات لعابُه ... وأري الجنى اشتارته أيد عوامل
له ريقة طلٌّ، ولكن وقعها ... باثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقه وهو راكب، ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللّطاف وأفرغت ... عليه شعابٌ الفكر وهي حوافل
أطاعته أطراف القنا، وتقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل
إذا استغزر الذهن الجليَّ وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافل
رأيتَ جليلاً شأنهُ "وهو مرهف ... ضنا" وسميناً خطبهُ "وهو ناحل"

وقال "ابن الرومي"
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب، دانت خوفه الأممُ
فالموت والموت لا شيء يغالبه ... مازال يتبعُ ما يجري به القلم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم

وقال "المتنبي"
نحيف الشوى يعدو على أمّ رأسه ... ويحفى فيقوى عدوه حين يقطع
يمجّ ظلاماً في نهار لسانه ... ويفهم عمن قال ما ليس يسمع
وقال "ابن نباته السعدي":
يرنو إلى الأفكار غير ملاحظ ... ويخاطب القرطاس غير محابي
ويعلم الآداب أفهام الورى ... وفؤاده صفر من الآداب
وقال "مهيار الديلمي" في وصف الدواة والأقلام:
(2/326)

وأمَ بنين استنبطتهم، فصدرها ... غصيصٌ بهم عند الحضانَ كظيم
يعقونها بالضغط، وهي عليهم ... عطوفٌ بدرات الرضاع رؤوم
يخال الأفاعي الرقش ما ضم منهم ... حشاها، وهم فيها أخ وحميم
فمن ذي لسان مفصح وهو أخرس، ... ومن بائح بالسرّ وهو كتوم

وقال "أبو الفتح البستي"
إذا أقسم الأبطال يوماً بسيفهم ... وعدوه مما يكسب المجد ولكرمْ
كفى قلم الكتاب عزاً ورفعة ... مدى الجهر أن الله أقسم بالقلم

وقال أعرابي من بني الحرث بن كعب يصف الشمس
مخبأةٌ: أما إذا الليل جنّها ... فتخفى، وأما بالنهار فتظهر
إذا انشق عنها ساطع الفجر، وانجلى ... دجا الليل، وانجاب الحجاب المستتر
وألبس عرض الأرض لوناً كأنه ... على الأفق الشرقي ثوبٌ معصفر
تحلّت، وفيها حين يبدو شعاعها ... ولم يجل للعين البصيرة منظر
بلونٍ، كدرع الزعفران يشوبه ... شعاع تلألأ، فهو أبيض أصفر
إلى أن علت وابيضّ منها اصفرارها ... وجالت كما جال المهيج المسَّهر
وجللت الآفاق ضوءاً ينيرها ... فخرَّ لها صدر الضحا يتسعر
ترى الظل يطوى حين يعلو، وتارة ... تراه إا مالت إلى الأرض ينشر
وتدنف حتى ما يكاد شعاعها ... يبين إذا غابت لمن يتبصر
كما بدأت إذا أشرقت في مغيبها ... تعود، كما عاد الكبير المعمَّر
فأفنت قروناً، وهي في ذاك لم تزل ... تموت وتحيا كل يوم وتنشر
(2/327)

وقال الطغرائي يصف طلوع الشمس
وغروب البدر:
وكأنما الشمس المنرة إذ بدت ... والبدر يجنح للغروب وما غرّب
متحاربان: لذ مجنٌّ صاغه ... من فضة، ولذا مجنٌّ من ذهب

وقال ابن خفاجه الأندلسي يصف غروبها في نهر
قد ولَّت الشمس محتثة ... إلى الغرب ترنو بطرف كخيل
كأن سناها على نهره ... بقايا نجيع بسيف صقيل
وقال ابن طاهر الكرخي:
أما تر الأفق كيف قد ضرب ال ... غيم عليه من مزنة قببا
وحاجبُ الشمس من رفافها ... يضرم فيها بوره لهبا
كأنه فضة مطرَّقة ... أطرافها قد تطوَّست ذهبا

وقال ابن مكي
كأن الشمس إذ غربت غريق ... هوى في البحر، أو وافى مغاصا
فأتبعها الهلال على غروب ... بزورقه، يريد لها خلاصا
وقال عبد العزيز القرطبي:
إني أرى شمس الأصيل عليلةً ... ترتاد من نحو المغارب مغربا
مالت لتحجب شخصها فكأنها ... مدَّت على الدنيا بساطاً مذهبا

وقال ابن الرومي
وقد طفلت شمس الأصيل ونفضت ... على الجانب الغربي ورساً مذعذعاً
ولاحظت النّوار وهي ميضة ... وقد وضعت خداً على الأرض أضرعا
(2/328)

كما لحظت عوداه عين مدنف ... توجع من أوصابه ما توجعا

وقال ابن أفلح من قصيدة
والشمس خافضة الجناح مسفةٌ ... في الغرب تنساب انسياب الأرقط
أو كالعروس بدت فأسدل دونها ... جنبات ستر كالجساد مخطط
وأتى الظلام على الضياء ما أتى ... أجلٌ على أمل، فلم يتأبط

وقال معروف الرصافي
نزلت ةتجر إلى الغروب ذيولاً ... صفراء تشبه عاشقاً متبولاً
تهتز بين يد المغيب، كأنها ... صبٌ تململ في الفراش عليلا
ضحكت مشارقها بوجهك بكرة ... وبكت مغاربها الدماء أصيلا
وغدت بأقصى الأفق مثل عرارة ... عطشت فأبدت صفرة وذبولا
غربت فأبقت كالشواظ عقيبها ... شفقاً بحاشية السماء طويلاً
شفق يروع القلب شاحبُ لونه ... كالسيف ضمَّخ بالدما مسلولا
رقت أعليه وأسفله الذي ... في الأفق أشبع عصفراً محلولاً

قال ابن المعتز يصف الهلال
انظر إليه كزو رق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
وكأن الهلال نصف سوار ... والثريا كف تشير إليه
فخ بوسط السماء ملقى ... ينتظر الصيَّد للنجوم
انظر إلى حسن هلال بدا ... يهتك من أنواره الحندسا
كمنجل قد صيغ من فضة ... يحصد من زهر الدجا نرجسا
(2/329)

يتلو الثريا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود
في ليلة أكل المحاق هلالها ... حتى تبدي مثل وقف العاج

وقال شاعر
قلت لما هوت لمغربها الشم ... س ولاح الهلال للنُّظَّار
أقرض الشرق ضده الغرب ودينا ... راً فأعطاه الرهن نصف سوار

وقال ابن طباطبا
وكأن الهلال لما تبدي ... شطر طوق المرآة ذي التذهيب
أو كقوس قد أحنيت أو كنؤي ... أو كنون في مهرق مكتوب

وقال أبو عاصم البصري في الهلال والثريا والزهرة
رأيت الهلال وقد حلَّقت ... نجومُ الثريا لبكي تلحقه
فشيهته وهو في إثرها ... وبينهما الزهرة المشرقة
بقوسٍ لرامٍ: رمى طائراً ... فأرسل في إثره بندقه

وقال في اقتران الثريا بالهلال
فإذا ما تقارنا قلن طوق ... من لجين قد علقت فيه درَّه

وقال إبراهيم بن خفاجة في ذلك أيضاً

وابن الغزالة فوق النجم منعطف ... كما تأود عرجون بعنقود

وقال الطغرائي
فكأنه وكأنها في جنبه ... عنقودة في زرق في عسجد

وقال أبو الفضل الميكالي
كأكرة من فضة مجلوة ... أوفى عليها صولجان من ذهب
وقال شاعر

وكأنّ الهلال تحت الثريا ... ملك فوق رأسه إكليل
كأنما النجم صيغ من ورق ... معلَّقٌ من هلال الأفق في أذن
(2/330)

وقال في شرف الدين الحسين
كأنّ الهلال نزيل السماء ... وقد قارن الزهرة النيرة
سوارٌ لحسناء من عسجد ... على قفله وضعت جوهره

وقال لبدر البشتكي في الهلال والنجوم حوله
ذيالة سمع عوج الريح ضوءها ... فطار لها بالقرب بعضُ شرار

وقال علي بن محمد الكاتب
بدا مستدَّق كأنه ... على الأفق الغربي مخلبُ طائر
ولاح لمسرّى ليلتين كأنما ... تفرق منه الغيم عن إثر حافر
وشمَّر عنه الغيم ذيلاً كأنما ... تكشَّف منه عن جناح محلّق
قال: والبدر كالملك الأعلى وأنجمه ... جنوده، ومباني قصره الفلك

وقال ابن المعتز
وكأن البدر لما ... لاح من تحت الثريا
ملك أقبل في التّا ... ج يفدي ويحيا

وقال في البدر مع الشمس
حتى رأي الشمس تتل ... والبدر في أفق السماء
فكأنها وكأنه ... قد حان من خمر وماء
والبدر في أفق السماء كدرهم ... ملقى على ديباجة زرقا

وقال السلامي
والبدر في أفق السما ... ء كروضة فيها غدير

وقال الشريف العقيلي
والبدر في كبد السماء كوردة ... بيضاء تضحك في رياض بنفسج
(2/331)

وقد برز البدر المنير ووجهه ... كجام لجين فيع آثار عنبر
سوادك من حيث تمسي هلا ... لاً إلى حيث تكملُ بدراً منيراً
نقاب لنركية أسودُ ... تنزل منه يسيراً يسيراً

وقال سهل بن المرزيان
شبهت بدر سمائها لما دنت ... منه الثريا في قميص سندسي
ملكاً فكأنما هو خوذة من فضة ... قد ركبت في هامة من عنبر

وللشريف الرضي في وصف السماء والأرض والليل والبرق
سمائي مذهبة بالبروق=وأرضي مفضَّضة بالحباب وروضي مطارفه غضَّةٌ=تطرَّز أطرافها بالذهاب وليلٌ ترى الفجر في عطفه=كما شاب بعض جناح الغرابُ يغار الظّلام على شمسه=إلى أن يواريها بالحجاب وتصقلُ أنجمه العاصفاتُ=إذا صدئت من عمود السَّحاب

وقال البحتري يصف الغيث
ذات ارتجاز بحنين الرَّعد ... مجرورة الَّيل صدوق الوعد
مسفوحة الدَّمع لغير وجدٍ ... لها نسيمٌ كنسيم الوردِ
ورنة مثل زئير الأسد ... ولمع برق كسيوف الهند
جاءت بها ريح الصَّبا من نجد ... فانتثرت مثل انتثار العقدِ
فراحت الأرض بعيش رغد ... من وشي أنوار الرّبى في بردٍ
(2/332)

كأنما غدرانها في الوهد ... يلعبن من حبابها بالنردِ

ومن قصيدة لصفي الدين الحلي يصف فيها الربيع
خلع الرّبيع علي غصون البان ... حللاً فواضلها على الكثبانِ
ونمت فروع الدوح حتى صافحت ... كفل الكثيب ذوائب الأغصانِ
وتتوّجّت هام الغصون وضرّجت ... خدّ الرياض شقائق النعمانِ
وتنوعت بسط الرياض فزهرها ... متباين الأشكال والألوانِ
من أبيض يققٍ وأصفر فاقعٍ ... أو أزرق صاف وأحمر قانٍ
والظلُّ يسرع في الخمائل خطوهُ ... والغصنُ يخطر خطرة النشوانِ
وكأنما الأغصان سوق رواقصٍ ... قد قيدت بسلاسل الريحانِ
والشمس تنظر من خلال فروعها ... نحو الحدائق نظرة الغيرانِ
والأرض تعجب كيف تضحكُ والحيا ... يبكي بدمعٍ دائم الهملان
حتى إذا افترّت مباسم زهرها ... وبكى السحاب بمدمع هتان
طفح السرور عليَّ حتّى إنّه ... من عظم ما قد سرَّني أبكاني
فاصرف همومك بالرّبيع وفصله ... إن الربيع هو الشباب الثاني

وله من قصيدة في وصف واد
تعانقت الأغصان فيه فأسلبت ... على الرَّوض أستاراً من الورق الخضرِ
إذا ما حبال الشمسِ منها تخلصتْ ... إلى روضه ألقت شراكاً من التبر

ومن قول أبي الفتح كشاجم في وصف الجمر يعلوه الرماد
كأنما الجمر والرماد وقد ... كاد يواري من ناره النّورا
ورد جنيُّ القطاف أحمر قد ... ذرّت عليه الأكف كافورا
(2/333)

ومن قصيدة لأبي الفرج عبد الواحد الببغا في وصف جيش
قاد الجياد إلى الجياد عوابساً ... شعثاً ولولا بأسه لم تنقد
في جحفل كالسّيل أو كالليل أو ... كالقطر صافح موج بحر مزبد
رد الظلام على الضّحى فاسترجع ... الإظلام من ليل العجاج الأربد
وكأنما نقشت حوافر خيله ... للناظرين أهلةً في جلمدٍ
وكأن طرف الشمس مطروف وقد ... جعل الغبار له مكان الإثمدِ

ولأبي الفرج الغساني في وصف البدر
والبدر أوّل ما بدا متلثماً ... يبدي الضياء لنا بخد مسفر
فكأنما هو خوذةٌ من فضةٍ ... قد ركبت في هامة من عنبر

وله من قصيدة في وصف روضة
مداهن يحملن طلّ الندى ... فهاتيك تبرٌ وهذي عقيق
تنظم أوراقها درّهما ... وتنثر منها التي لا تطيق
يميل النسيم بأغصانها ... فبعض نشاوى وبعضٌ مفيق
ويوم ستارته غيمه ... وقد طرّزت رفيفها البروق
جعلتا البخور دخاناً له ... ومن شرر الراح فيه حريق
تظلّ به الشمس محجوبةً ... كأن اصطباحك فيه غبوق
على شجراتٍ رافعات الذيول ... لماء الجداول منها شهيق

ومن قصيدة للحسن بن علي بن وكيع في وصف روض
أسفر عن بهجته الروض الأغر ... وابتسم الدّوح لنا عن الزهر
أبدى لنا فصل الربيع منظراً ... بمثله تفتن الألباب البشر
وشياً ولكن حاكه صانعه ... لا لابتذال اللبس لكن للنّظر
عاينه طرف السماء فانثنى ... عشقاً له يبكي بأجفان المطر
فالأرض في زي عروسٍ فوقها ... من أدمع القطر نئارٌ من درر
(2/334)

***
زمان الفرد يا (فرعون) ولّى ... ودالت دولة المتجبِّرينا
وأصبحت الرعاة بكل أرض ... على حكم الرَّعية نازلينا
وتذهب النحل خفا ... فاً وتجيء موقرة
حوالب الشمع من ال ... خمائل المنورة
جوالب المآذي من ... زهر الرياض النيرة
مشدودة جيوبها ... عل الجني مزررة
وكل خرطوم أدا ... ة العسل المقطرة
وكل أنف قانئ ... فيه من الشهد بره
حتى إذا جاءت به ... جاست خلال الأدوره
وغيبته كالسّلا ... ف في الديان المحضرة
فهل رأيت النحل عن ... أمانة مقصره
ما اقترضت من بقلةٍ ... أو استعارت زهرة
أدت إلى الناس به ... سكرة بسكرة
وشيٌ طواه في الثرى صوانه ... حتى إذا ملّ من الطي انتشر

ومن قصيدة له في وصف الربيع
انظر إلى زهر الربيع وما جلت ... فيه عليك طرائف الأنوار
أبدت لنا الأمطار يه بدائعاً ... شهدت بحكمة منزل الأمطار
ما شئت للأزهار فيه صحرائه ... من درهم بهج ومن دينار
وجواهر لولا تغيّر حسنها ... جلّت عن الأثمان والأخطار

وله أيضاً في وصفه
ألست ترى وشيء الربيع المنمنما ... وما رصّع الربعي فيه ونظما
فقد حكت الأرض السماء بنورها ... فلم أدر في التشبيه أيهما السما
فخضرتها كالجو في حسن لونه ... وأنوارها تحكي لعينيك أنجما
فمن نرجس لما رأى حسن نقشه ... تداخله عجبٌ به فتبسّما
وأبدى على الورد الجنّي تطاولا ... فأظهر غيظ الورد في خده دما
وزهر شقيق نازع الورد فضله ... فزاد عليه الورد فضلاً وقدماً
وظلّ لفرط الحزن يلطم خدّه ... فأظهر فيه اللطم جمراً مضرماً
ومن سوسن لما رأى الصبغ كله ... على كل أنوار الريّاض تقسّما
تجلبب من زرق اليواقيت حلّة ... فأغرب في الملبوس منه وأحكما
وأنوار منثور تخالف شكلها ... فصار بها شكل الربيع متمما
جواهر لو قد طال فينا بقاؤه ... رأيت بها كل الملوك مختّما

وللقاضي محمد بن النعمان في وصف الهلال
انظر إلى حسن ذا الهلال وقد ... بدا لست مضين من عمره
(2/335)

وقد أطافت به كواكبه ... حسناً فبينته لمعتبره
مثل زنادٍ قد صيغ من ذهب ... يقدح ناراً وهنّ من شرره
ثم تولى يريد مغربه ... في شفق الشمس وهي في أثره
فخلته غائصاً ببحر دمٍ ... يقذف بالرائعات من درره
فلم أزل ليلتي أراجعه ... لحظي وأبكي للوقت من قصره
حتى تبدّى الصبّاح منتبهاً ... قبل انتباه المخمور من سكره

ومن قصيدة لسليمان بن حسان الصيبي في وصف شمعة
ومجدولةٍ مثل صدر القنا ... ة تعرّت وباطنها مكتسي
لها مقلة هي روحٌ لها ... وتاج على الرأس كالبرنس
إذا رنقت لنعاس عرا ... وقطت من الرأس لمن تنعس
وإن غازلتها الصبا حرّكت ... لسانها من الذهب الأملس
وتنتج في وقت تلقيحها ... ضياءٌ يجلّي دجي الحندس
فنحن من النور في أسعد ... وتلك في النار في أنحس
توقّدها نزهة للعيو ... ن ورؤيتها منية الأنفسي
تكيد الظَّلام كما كادها ... فتفنى وتفنيه في مجلس
فيا حامل العود حث الغنا ... ويا حامل الكأس لا تحبس
ويا صالح أنعم وعش سالماً ... علي الدهر في عزك الأقعس

ولأبي حسن العقيلي في وصف الصبح والبرق
الصبح ينشر فوق مسك الليل كافور الضياء
والبرق يذهب ما تفضضه الغيوم من السماء
(2/336)

فاشرب على ديباج نبتٍ قد أحاط بشرب ماء
فالعيش في زمن الربيع رقيق حاشية الرداء

وله أيضاً في وصف نارنجة
ونارنجة بين الرّياض نظرتها ... على غصنٍ رطبٍ كقامة أغيد
إذا ميلتها الريح مالت كأكرة ... بدت ذهباً في صولجان زمرد

ولابن أبي عمرو الطرازي في وصف نار
نار جرت في غابةٍ ... ترمي العلى بالشهب
كأنها جيش وغى ... فرسانه من ذهب
ولعلي بن لؤلؤ الكاتب في وصف الصبح والليل
ربّ صبح كطلعة الوصل جلى ... جنحَ ليلٍ كطلعة الهجران
زار في حُلّة البزاة فولّى اللي ... ل عنه في حلة الغربان

ولأبي العباس الكندي في وصف الندى على البحر
كأن الندى في البحر بحران مائع ... على مائعٍ هذا على ذاك مطبق
فهذا لجينٌ سابح مترقرق ... وذلك لجبن في السماء معلّق
إذا أبصرته الشمس بعد احتجابها ... به ساعةٌ أبصرته يتمزّق

وللسري بن أحمد الكندي في وصف الفجر من قصيدة
وركائب يخرجن من غلس الدجى ... مثل السهام مرقن منه مروقا
والفجر مصقول الرداء كأنه ... جلباب خودٍ أشربته خلوقا
(2/337)

وله من أخرى في وصف سحابة

وبكر إذا جنبتها الجنوب ... حسبت العشار تؤم العشارا
ترى البرق يبسم سراً بها ... إذا انتحب الرعد فيها جهارا
يعارضها في الهواء النّس ... يم فينثر في الأرض درّاً صغاراً
فطوراً يشقّ جيوب الحيا ... وطوراً يسخّ الدموع الغزارا
وله من أخرى

غيوم تمسّك أفق السما ... ء وبرقٌ يكتبه بالذهب
وخضراء ينثر فيها الندى ... فريد ندى ماله من ثقب
فأوراقها مثل نظم الحلى ... وأنهارها مثل بيض القضب
حللت بها مع ندامى سلوا ... عن الجد واشتهروا باللعب
وأغنتهم عن بديع السما ... ع بدائع ما ضمنته الكتب
وأحسن شيءٍ ربيع الحيا ... أضيف إليه ربيع الأدب

ولأبي بكر الخالدي في وصف الجو وإدبار الليل وإقبال الفجر
والجوّ يسحب من عليل هوائه ... ثوباً يجود بطله المترقرق
حتى رأينا الليل قوسّ ظهره ... هرماً وأثر فيه شيب المفرق
وكأن ضوء الفجر في باقي الدجى ... سيفٌ حلاه من اللجين المحرق

ولسعيد بن هاشم الخالدي في وصف المطر والصبح والليل والبرق
أما ترى الطلّ كيف يلمع في ... عيون نورٍ تدعو إلى الطربِ
في كل عينٍ للطل لؤلؤة ... كدمعة في جفون منتحبٍ
والصبح قد جردت صوارمه ... والليل قد همّ منه بالهرب
والجو في حلة ممسّكة ... قد كتبته البروق بالذّهب
(2/338)

وللمهلبي الوزير في وصف الربيع
الورد بين مضمّخ ومضرجٍ ... والزهر بين مكللٍ ومتوج
والثلج تهبط كالنثار فقم بنا ... نلتذ بابنة كرمة لم تمزج
طلع البّهار ولاح نور شقائقٍ ... وبدت سطور الورد تلو بنفسجٍ
فكأن يومك في غلالة فضةٍ ... والنبت من ذهب على فيروزج

وللقاضي التنوخي أبي القاسم علي في وصف طول الليل والفجر
وليلة مشتاق كأن نجومها ... قد اغتصبت عين الكرى وهي نوّم
كأن عيون الساهرين لطولها ... إذا شخصت للأنجم الزهر أنجم
كان سواد الليل والفجر ضاحكٌ ... يلوح ويخفى أسودٌ يبتسم

وله أيضاً في وصف وحشة الليل والنجوم والسماء
ربّ ليلٍ قطعته كصدودٍ ... وفراق ما كان فيه وداع
موحشٌ كالثقيل تقذى به العي ... ن وتأبى حديثه الأسماع
وكانّ النجوم بين دجاه ... سننٌ لاح بينهن ابتداع
وكأن السماء خيمة وشي ... وكأن الجوزاء فيها شراع

وله أيضاً في وصف رياض
ورياضٍ حاكت لهنّ الثريا ... حللاً كان غزلها للرعود
نثر الغيث درّ دمع عليها ... فتحلّت بمثل درّ العقود
أقحوان معانقٌ لشقيق ... كثغور تعض ورد الخدود
وعيونٌ من نرجس تتراءى ... كعيون موصولة التسهيد
وكأن الشقيق حين تبدّى ... ظلمة الصدع في خدود الغيد
وكأن الندى عليها دموعٌ ... في جفون مفجوعةٍ بفقيد
(2/339)

وكتب محمد بن عبد الله السلامي إلى صديق له يصف التاريخ
أتنشط للصبوح أبا علي ... على حكم المنى ورضى الصديق
بنهر للرياح عليه درعٌ ... تذهب بالغروب وبالشروق
إذا اصفرّت عليه الشمس صبّت ... على أمواجه ماء الخلوق
وجمرٌ شبّ في الأغصان حتى ... أضاع الماء في وهج الحريق
فدهم الخيل في ميدان تبرٍ ... يصاغ لها كراتٌ من عقيقِ

وكتب إليه في وصف نهر حوله أشجار الجلّنار
ونهر تمرح الأمواج فيه ... مراح الخيل في رهج الغبار
إذا اصفرت عليه الشمس خلنا ... نمير الماء يمزج بالعُقارِ
كأن الماء ارضٌ من لجين ... مغشاةٌ صفائح من نضار
وأشجار محملّة كؤوساً ... تضاحك في احمرارٍ واخضرارِ

وله من قصيدة في وصف الرياض والبرق
نسب الرياض إلى الغمام شريف ... ومحلها عند النسيم لطيف
فاشرب وثقّل وزن جامك إنه ... يومٌ على قلب الزمان خفيف
أو ما ترى طور البروق توسّطت ... أفقاً كان المزنّ فيه شفوف
واليوم من خجل الشقيق مضرجٌ ... خجلٌ ومن مرض النسيم ضعيف
والأرض طرسٌ والرياض سطوره ... والزّهر شكلٌ بينها وحروف

ولأحمد صفي الدين بن صالح بن أبي الرجال يصف بها روضة صنعاء
روضةٌ قد صبا لها السعد شوقاً ... وصفا ليلها وطاب المقيل
(2/340)

جوها سجسجٌ وفيها نسيم ... كل غصن إلى لقاه يميل
صح سكانها جميعاً من الدّا ... ء وجسم النسيم فيها عليل
إيه يا ماء نهرها العذاب صلصل ... حبّذا يا زلال منك الصليل
إيه يا ورقها المرنّة غنى ... فحياة النفوس منك الهديل
روض صنعاء فقت طبعاً ووصفاً ... فكثير الثناء فيك قليل
نهر دافقٌ وجو فتيق ... زهر فائقٌ وظلٌ ظليل
لست أنسى انتعاش شحرور غصن ... طرباً والقضيب منه يميل
وعلى رأس دوحةٍ خاطب الور ... ق ودمع الغصون طلاً يسيل
ولسان الرعود يهتف بالسح ... ب فكان الخفيف منها الثقيل
وفم السحب باسمٌ عن بروق ... مستطير شعاعها مستطيل

ولابن سكرة الهاشمي في وصف روضة
أما ترى الروضة قد نوّرت ... وظاهر الروضة قد أعشبا
كأنما الأرض سماءٌ لنا ... نقطف منها كوكبا كوكبا

ومن زهرية لابن راجح الحلي
نثرت عقوداً سمائها إلا نداء ... بيد النسيم فللثرى إثراء
وبدت تباشير الربيع كأنما ... نشرت مطارف وشيه صنعاءُ
والأرض قد زهيت بحلي نباتها ... والجو حلة سحبه دكناء
والروض في نشوات سكرته وقد ... طافت عليه الديمة الوطفاء
وثنى الحيا عطف الغدير فصفّقت ... أطرافه وتغنّت الورقاء
فكأن أعطاف الغصون منابرٌ ... والورق في أوراقها خطباء
(2/341)

ومن زهرية لبدر الدين الذهبي
ترنّح عطف البان في الحلل الخضر ... وغنّى بألحان على عوده القمري
وراقت أزاهير الحدائق بالضحى ... نواظر أحداق بنوارها النضر
وأشرق خد الورد يبدي نضاره ... وأشرق جيد الغصن في لؤلؤ القطر
وبات سقيط الطل في كل روضةٍ ... ينبه في أرجائها ناعس الزهر
وما ذهبت شمس لأصيل عشيةً ... إلى الغرب حتى أذهبت فضة النهر
وغنّت قيان الطير في كل أيكة ... وقد راق كحل الطل في مقل الغدر
أقامت لها دوح الأراك أرائكا ... وأرخت لها أوراق أستارها الخضر
وأمسى أصيل اليوم ملقى من الضنى ... على فرش الأزهار في آخر العمر
بكته حماما الأراك وشقّقت ... عليه الصبا أثواب روضتها النضر
فكم من نحيب للحمائم بالضّحى ... عليه وللأنواء من دمعة تجري

ولعلي بن أحمد الجوهري من قصيدة في وصف الغيث
زرّ الصباح علينا شملة السحب ... ومدّت الريح منها واهي الطنب
صكّ النسيم فراخ الغيث فانزعجت ... ينفضن أجنحة من عنبر الزغب

ولأبي معمر بن أبي سعيد الإسماعيلي من قصيدة في وصف الثلج
فرحنا وقد بات السماء مع الثرى ... وغاب أديم الأرض عنا فما يرى
كأن غيوم الجو صوّاغ فضة ... تواصو برد الحلي عمداً إلى الورى

ولأبي العلاء السروي في وصف روض
مررنا على الروض الذي قد تبسّمت ... ذراه وأوداج السحائب تسفك
(2/342)

فلم نر شيئاً كان أحسن منظراً ... من الروض يجري دمعه وهو يضحك

وله أيضاً في وصفه من قصيدة
أما ترى قضب الأشجار قد لبست ... أنوارها تتثنى بين جلاّس
منظومة كسموط الدرّ لابسةً ... حسناً يبيح دم العنقود للحاسي
وغرّدت خطباء الطير ساجعة ... على منابر من ورد ومن آسٍ

ولأبي الفياض سعد بن أحمد الطبري من قصيدة في وصف رياض
أصبيحة النيروز خير صبيحة ... حيّت بها الأنواء والأنوار
فبكل شعب روضة معطار ... تفتر عنها ديمة مدرار
ماست بها الأفنان في أسحارها ... نشوى فماست تحتها الأشجار
وتبرّجت أزهارها وتبلّجت ... فكأنما أزهارها أبصار

ولأبي قاسم الدينوري في وصف جواد
ومطهّم طرف العنان معوّدٍ ... خوض المهالك كلّ يوم براز
وإذا توغّل في ذرى متمنّع ... صعب بعيد العهد بالمجتاز
تركت سنابكه بصمّ صخوره ... أثراً يلوح كنقش صدر البازي

وله في وصف سفرجل وتفاح ورمان وأذربون
بعثت إليك ضحى المهرجا ... ن بمعشوقة العرف والمنظرِ
(2/343)

معطرةٍ صانها في الحجا ... ل مطارف من سندس أخضر
وبيضاء رائقة غضّة ... منقطة الوجه بالعصفر
وحق عقيق ملاه الهجي ... ر من الجوهر الرائق الأحمر
وأقداح تبرٍ حشت قعرها ... يد الشمس بالمسك والعنبر
فكن ذا قبول لها إنها ... هدايا مقلٍّ إلى مكثر
وعش ما تشاء كما تشتهي ... بعزٍّ يدوم إلى المحشر

وله في النارنج
أما ترى شجر النارنج طالعة ... نجومها في غصون لدنة ميل
كأنها بين أوراق تحفُّ بها ... زهر المصابيح في خضر القناديل

ولأبي الفضل الميكالي في وصف الشقائق
تصوغ لنا كف الربيع حدائقاً ... كعقد عقيق بين سمط لآلي
وفيهن أنوار الشقائق قد حكت ... خدود عذارى نقطت بغوالي

وله في اقتران الزهرة والهلال
أما ترى الزهرة قد لاحت لنا ... تحت هلالٍ لونه يحكي اللهب
ككرة من فضّة مجلوةٍ ... أوفى عليها صولجان من ذهب

وله في الفجر
أهلاً بفجر قد نضا ثوب الدجى ... كالسيف جرد من سواد قراب

وقال في وصف الثلج الساقط على غصون الشجر
نثر السحاب على الغصون ذرارة ... أهدت لها نوراً يروق ونوراً
شابت ذوائبها فعدن كأنها ... أجفان عين تحمل الكافورا

وقال في الجليد
رب جنين من جنى نمير ... مهتّك الأستار والضمير
(2/344)

سللته من رحم الغدير ... كأنه صحائف البلّورِ
أو أكرٌ تجسّمت من نور ... أو قطع من خالص الكافور
لو بقيت سلكاً على الدّهور ... لعطلت قلائد النّحور
وأخجلت جواهر البخور ... وسميت ضرائر الثغور
يا حسنه في زمن الحدور ... إذ فيضه مثل حشا المهجور
يهدي إلى الأكباد والصدور ... روحاً تحاكي نفثة المصدور

ولأبي طاهر بن الهاشمي في وصف روضة
وروضة زارها الندى فغدت ... لها من الزهر أنجمٌ زهر
تنشر فيها أيدي الربيع لنا ... ثوباً من الوشي حاكه القطر
كأنما شقّ من شقائقها ... على رباها مطارف خضر
ثم تبدّت كأنها حدقٌ ... أجفانها من دمائها حمر

ولأبي نصر سهل بن المرزبان في وصف البدر
كم ليلة أحييتها ومؤانسي ... طرف الحديث وطيب حث الأكؤس
شبهت بدر سمائها لما دنت ... منه الثريا في قميص سندسي
ملكاً مهيباً قاعداً في روضةٍ ... حيّاه بعض الزائرين بنرجس

وللحسن بن أحمد اليروجردي في حوض لبعض الرؤساء
حوض يجود بجوهر متسلسل ... ساد الجواهر كلها بنفاستهِ
لا زال عذباً جارياً ببقاء من ... هو مثله في طبعه وسلآسته

ووصف ابن أنيس سيف عمرو بن معدي كرب فقال
أخضر المتين بين حدّيه نورٌ ... من فرند تحار فيه العيون
(2/345)

أوقدت فيه للصّواعق نارٌ ... ثم ساطت به الزعاف المنون
فإذا ما سللته بهر الشم ... س ضياءً فلم تكد تسبين
فكأن الفرند والرونق الجا ... ري في صفحتيه ماءٌ معين
وكأن المنون نيطت إليه ... فهو من كل جانبيه منون
ما يبالي من انتضاه لحربٍ ... أشمالٌ سطت به أم يمين

وقال ابن عبد ربه في وصف الرمح والسيف
بكل ردينيّ كأنّ سنانه ... شهابٌ بدا في ظلمة الليل ساطعُ
تقاصرت الآجال في طول متنه ... وعادت به الآمالُ وهي فجائعُ
وساءت ظنون الحرب في حسن ظنه ... فهنَّ لحبّات القلوب قوارعُ
وذي شطبٍ تقضي المنايا لحكمهِ ... وليس لما تقضي المنيّةُ دافعٌ

وقال أيضاً في وصف الحرب
ومعتركِ تهزّ به المنايا ... ذكور الهند في أيدي ذكورٍ
لوامعُ يبصر الأعمى سناها ... ويعمى دونها طرفُ البصير
يحوّم حولها عقبانٌ موت ... تخطفّت القلوب من الصدور

ومن قوله في وصف الحرب وأبطالها
سيوفٌ يقيلُ الموتُ تحت ظباتها ... لها في الكلى طعم وبين الطلى شربٌ
إذا اصطفّت الراياتُ حمراً متونها ... ذوائبها تهفو فيهفو لها القلبُ
ولم تنظق الأبطالُ إلا بفعلها ... فألسنها عجمٌ وأفعالها عربُ
إذا ما التقوا في مازقٍ وتعانقوا ... فلقياهم طعنٌ وتعنيفهم ضربُ
(2/346)

ولابن قلاقس في وصف السحاب والبرق والغيث
سرى وجبين بالطّلّ يرشح ... وثوب الغوادي بالبروق موشّحُ
وفي طيّ أبراد النسيم خميلةٌ ... بأعطافها نورُ المنى يتفتح
يضاحك في مثنى المعاطف عارضٌ ... مدامعةُ في وجنة الرّوض تسفحُ
وتورى به كفُّ الصَّبا زندبارقٍ ... شرارته في فحمة الليل تقدحُ

ومن قصيدة لأبي القاسم عبد الصمد بن بابك في الصاحب يصف له فيها إضرام النار في بعض غياض طريقه

وليلةٍ بت أشكو الهمّ أوّلها ... وعدت آخرها أستنجد الطّربا
في غيضةٍ من غياض الحزن دانيةٍ ... مد الظلام على أوراقها طنبا
حتى إذا النار طاشت في ذوائبها ... عاد الزمرّد من عيدانها ذهبا
مرقت منها وثغر الصبّح مبتسمٌ ... إلى أغرّ يرى المذخور ما وهبا
يا أعزر الناس أنواء ومحتلبا ... وأشرف الناس أعراقاً ومنتسبا
أصبحتُ ذا ثقة بالوفر منك وإنْ ... قال العواذل ظنٌّ ربّما كذبا
فحسن ظنّي بك استوفى مدى أملي ... وحسن رأيكَ لي لم يبقِ لي أربا

ومن قصيدة لأبي سعيد الرستمي يصف بها داراً بناها الصاحب بن عباد
وسامية الأعلامِ تلحظُ دونها ... سنا النجم في آفاقها متضائلاً
نسخت بها إيوان كسرى بن هرمُز ... فأصبحَ في أرض المدائن عاطلاً
فلو لحظت جنات تدمُر حسنها ... درتْ كيف تبنى بعدهنّ المجادلا
تناطح قرن الشّمس من شرفاتها ... صفوف ظباءٍ فوقهنّ مواثلا
ولو أصبحت داراً لك الأرض كلّها ... لضاقت بمن ينتاب دارك آملاً
وأغنى الورى عن منزل من بنت له ... معاليه فوق الشعريين منازلا
ولا غرو أن يستحدث الليثَ بالثرى ... عريناً وأن يستطرقَ البحر ساحلا
ولم تعتمدْ داراً سوى حومةِ الوغى ... ولا خدماً إلا القنا والقنابلا
(2/347)

والله ما أرضى لك الدهرَ خادماً ... ولا البدرَ منتاباً ولا البحر نائلاً
ولا الفلك الدوار داراً ولا الورى ... عبيداً ولا زهر النجومِ قبائلاً
فإنَّ الذي يبينهِ مثلكَ خالدٌ ... وسائرُ مابيني الأنامُ إلى بلى

ولخليل مطران بك في وصف روض
أيها الروضُ كنْ لقلبي سلاماً ... وملاذاً من الشقاءِ الملازمْ
زهرٌ ذابلٌ كأني أراهُ ... ثملاً من أنفاسهِ في الكمائمْ
وغديرٌ صافٍ أقام سياجاً ... حولهُ باسقٌ من الدَّوح قائم
تتناغى بيضٌ من الطير فيهِ ... سابحاتٌ وتحتها النجم عائم
كيفما سرن فالطريق عقودٌ ... نظمت من محاجرِ ومباسم
حبذا البدرُ مؤنساً يتجلى ... كحبيبٍ بعدَ التغيبِ قادمُ
حبذا رسمهُ البرايا كأبهى ... ماترى العينُ في صحيفةِ راسمٍ
حبذا الماءُ والمصابيحُ فيهِ ... كبنانٍ يزينها بخواتمْ
جنةٌ بانتِ المكارهُ عنها ... وهي بكرٌ من الأذى والمحارمْ
إنما أهلهل طيورٌ حسانٌ ... إن دعاها الصباحُ قامت تنادمْ
وضياءٌ يموجُ في الماءِ حتى ... لنراهُ كأنهُ متلاطم
ومروجٌ مدبحاتٌ كوشي ... أتقنتْ صنعه حسان المعاصمْ
وغصون تهزها نسمات ... كمهود تزهن روائم

وقال البحتري واصفاً صناعة الكتابة والإنشاء
تفننتَ في الكتابة حتى ... عطل الناس فن عبد الحميد
في نظام من البلاغة ماش ... ك امرؤ أنه نظام فريد
(2/348)

وبديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديد
مشرق في جوانب السمع مايخ ... لقه عوده على المستفيد
ماأعيرت منه بطون القراطي ... س وما حملت ظهور البريد
حجج تخرس الألد بأل ... فاظ فرادى كالجوهر المعدود
ومعان لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختياراً ... وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المراد البعيد
كالعذارى غدون في الحلل البي ... ض إذا رحن في الخطوط السود

وقال ابن حمد يس الصقلي يصف داراً بناها المنصور
أعمرْ بقصر الملك ناديك الذي ... أضحى بمجدك بيته معموراً
قصرٌ لو أنك قد كحلت بنوره ... أعمى لعاد إلى المقام بصيراً
واشتق من معنى الجنان نسيمة ... فيكاد يحدث بالعظام نشوراً
نسي الصبيح مع الفصيح بذكره ... وسما ففاق خورنقاً وسديراً
أبصرته فرأيت أبدع منظر ... ثم اثنيت بناظري محسوراً
فظننت أني حالم في جنة ... لما رأيت الملاك فيه كبيراً
لو أنه بالإيوان قوبل حسنة ... ماكان شيئاً عنده مذكوراً
أعيت مصانعة على الفرس الألى ... لرفعوا البناء وأحكموا التدبير
ومضت على الروم الدهور ومابنوا ... لملوكهم شبهاً له ونظير
أذكرتنا الفردوس حين رأيتنا ... غرفاً رفعت بناءها وقصوراً
ومحصب بالدر تحسب أريتنا ... غرفاً رفعت بناءها وقصورا
ومحصب بالدر تحسب تربة ... مسكاً تضوع نشره وعبيراً

ووصف أعرابي تزوج امرأتين ماوقع له منهما فقال
تزوجتُ اثنتين لفرط جهلي ... بما يشقى به زوج اثنتين
فقلت أصير بينهما خروفاً ... أنعم بين أكرم نعجتين
فصرت كنعجة تضحي وتمسي ... تداول بين أخبث ذئبتين
رضا هذي يهيج سخط هذي ... فما أعري من إحدى السخطتين
وألقى في المعيشة كل ضر ... كذاك الضر بين الضرتين
لهذي ليلة ولتلك أخرى ... عتاب دائم في الليلتين
فإن أحببت أن تبقى كريماً ... من الخيرات مملوء اليدين
فعش عزباً فإن لم تستطعه ... فضرباً في عراض الجحفلين

وقال أبو تمام حبيب بون أوس الطائي في وصف الربيع
با صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوزه الأرض كيف تصور
تريا نهاراً مشمساً قد زانه ... زهر الربا فكأنما هو مقصر
دنيا معاشٌ للورى حتى إذا ... حل اتلربيع فإنما تهي منظر
(2/349)

أضحت تصوغ بطونها لظهورها ... نوراً تكاد له القلوب تنور
من كل زاهرة ترقرق بالندى ... فكأنها عين لديك تحذر

وقال أبو عبادة البحتري يصف قصر المعتز بالله
لما كملتَ رويةً وعزيمةً ... أعملتَ رأيك في ابتناء الكامل
وغدوت من بين الملوك موفقاً ... منه لابمن حلة ومنازل
ذعر الحمام وقد ترنم فوقه ... من منظر خطر المزلة هائل
رفعت لمخترق الرياح سموكه ... وزهت عجائب حسنه المتحايل
وكأن حيطانَ الزجاج بجوه ... لجج يمجن على جنوب سواحل
وكأن تفويتَ الرخام إذا التقى ... تأليفه بالمنظر المتقابل
حبك المغمام رصفن بين منمر ... ومسير ومقارب ومشاكلٍ
لبست من الذهب الصقيل سقوفه ... نوراً يضيء على الظلام الحافل
فترى العيون يجلن في ذي رونق ... متلهب العالي أنيق السافل
وكأنما نشرت على بستانه ... سيراء وشي اليمنة المتواصل
أغنته دجلة إذ تلاحق فيضها ... عن صوب منسحب الرباب الهاطل
وتنفست فيه الصبا فتعطفت ... أشجاره من حول وحواملي

وقال المتنبي في وصف جواد
ويومٍ كلونِ المدنفين كمتنه ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب
وعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب
له فضلة من جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب
شققت به الظلماء أدنى عنانه ... فيطغى وأرخيه مراراً فيلعب
وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب
(2/350)

وما الخيل إلا كالصديق قليلةٌ ... وإن كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب

وقال صفي الدين الحلي المتوفى سنة 750هـ? في وصف الربيع
ورد الربيعُ فمرحبا بورودهِ ... وبنور بهجته ونور وروده
وبحسن منظره وطيب نسيمه ... وأنيق مبسمه ووشى بروده
فصل إذا افتخر الزمان فإنه ... إنسان مقلته وبيت قصيده
يغني المزاج عن العلاج نسيمة ... باللطف عند هبوبه وركوده
ياحبذا أزهاره وثماره ... ونبات ناجمة وحب حصيده
والغصن قد كسي الغلائل بعدما ... أخذت يدا كانون في تجريده
نال الصبا بعد المشيب وقد جرى ... ماء الشبيبة في منابت عوده
والو رد في أعلى الغصون كأنه ... ملك تحف يبه سراة جنوده
ونظر لنرجسه الجني كأنه ... طرف تنبه بعد طول هجوده
وانظر إلى المنثور في منظومة ... متنوعاً بفضوله وعقوده

وقال أيضاً في وصف حديقة
وأطلق الطير فيها سجع منطقه ... مابين مختلف منه ومتفق
والظل يسرق الدوح خطوته ... وللمياه دبيب غير مسترق
وقد بدا الورد مفتراً مباسمه ... والنرجس الفض فيها شاخص الحدق
والسحب تبكي وثغر البرق مبتسم ... والطير تسجع من تيه ومن أنق
فالطير في طرب والسحب في حرب ... والماء في هرب والغصن في قلق

وقال أحمد شوقي بك في وصف الطبيعة
تلك الطبيعة قف بنا ياساري ... حتى أريك بديع صنع الباري
(2/351)

الأرض حولك والسماء اهتزتا ... لروائع الآيات والآثار
ولقد تمر على الغدير تخاله ... والنبت مرآة زهت بإطار
حلو التسلسل موجه وخريره ... كأنامل مرت على أوتار
ينساب في مخضلة مبتلة ... منسوجة من سندس ونضار
وترى السماء ضحى وفي جنح الدجى ... منشقة عن أنهر وبحار
في كل ناحية سلكت ومذهب ... جبلان من صخر وماء جار

وقال محمد حافظ بك إبراهيم يصف المنيل
نظرت للنيل فاهتزت جوانبه ... وفاض بالخير في صهل ووديان
يجري على قدر في كل منحدر ... لم يجف أرضاً ولم يعمد لطغيان
كأنه ورجال الري تحرسه ... مملك سار في جند وأعوان
قد كان يشكو ضياعاً مذ جرى طلقاً ... حتى أقمت له خزان أسوان

وقال أيضاً عن لسان حال اللغة العربية واصفاً لها
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي ... وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني ... عقمت فلم أجزع لقول عداتي
ولدت ولما لم أجد لعرائسي ... رجالاً وأكفاء وأدت بناتي
وسعت كتاب الله لفظاً وغاية ... وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة ... وتنسيق أسماء لمخترعات
أنا البحر في أحشائه الدركامن ... فهل سألوا الغوص عن صدفاتي
فيا ويحكم أبلي وتبلى محاسني ... ومنكم وإن عز الدواء أساتي
فلا تكلوني للزمان فإنني ... أخاف عليكم أن تحين وفاتي
أرى لرجال الغرب عزاً ومنعة ... وكمك عز أقوام بعز لغات
(2/352)

أتوا أهلهم بالمعجزات تفننا ... فيا ليتكم تأتون بالكلمات
أيطربكم من جانب الغرب ناعب ... ينادي بوأدي في ربيع حياني
ولو تزجون الطير يوماً علمتمُ ... بما تحته من عثرة وشتات
سقى الله في بطن الجزيرة أعظماً ... يعز عليها أن تلين قناتي
حفظن ودادي غي البلى وحفظته ... لهن بقلب دائم الحسرات
وفاخرت أهل الغرب والشرق مطرق ... حياءً بتلك الأعظم النخرات
أرى كل يوم بالجرائد مزلقاً ... من القبر يدنيني بغير أناة
وأسمع للكتاب في مصر ضجة ... فأعلم أن الصائحين نعاتي
أيهجرني قومي عفا الله عنهم ... إلى لغة لم تتصل برواتي
سرت لوثة الأعجام فيها كما سرى ... لعاب الأفاعي في مسيل فرات
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة ... مشكلة الألوان مختلفات
إلى معشر الكتاب والجمع حافل ... بسطت رجائي بعد بسط شكاتي
فإما حياة تبعث الميت في البلى ... وتنبت في تلك الرموس رفاتي
وإما ممات لاقيامة بعده ... ممات لنعمري لم يقس بممات

وقال شاعر العراق معرف الرصافي واصفاً قطار البخار
وقاطرة ترمي الفضا بدخانها ... وتملا صدر الأرض في سيرهم رعبا
تمشت بنا ليلاً تجر وراءها ... قطاراً كصف الدوح تسحبه سحباً
فطوراً كعصف الريح شديدة ... وطوراً رخاءً كالنسيم إذا هبا
تساوى لديها السهل والصعب في السرى ... فما استسهلت سهلاً ولا استصعبت صعباً
تدك متون الحزن دكا وإنها ... لتنهب سهل الأرض في سيرها نهبا
يمر بها العالي فتعلو تسلياً ... ويعترض الوادي فتجتازه وثبا
طوت بالمسير الأرض حتى كأنها ... تسابق قرص الشمس أن تدرك الغربا
هو العلم يعلو بالحياة سعادة ... ويجعلها كالعلم محمودة العقبى
(2/353)

وقال ابن حمد يس الأندلسي في وصف

ومصفح الأبواب تبراً نظروا ... بالنقش فوق شكوله تنظيراً
وإذا نظرت إلى غرائب شقفه ... أبصرت روضاً في السماء نضيراً
وضعت به صناعها أقلامها ... فأرتك كل طريدة تصويراً
وكأنما الشمس فيه ليقةٌ ... مشقوا بها التزويق والتشجيرا
وكأنما اللازورد فيه نخزم ... بالخط في ورق السماء سطوراً

وقال المرحوم محمود باشا سامي البارودي يصف حرب سكان جزيرة اقريطش "كريد" حين خرجوا عن الطاعة سنة 1282هـ? ويتشوق إلى مصر

أخذ الكرى بمعاقد الأجفان ... وهفا السرى بأعنة الفرسان
والليل منشور الذوائب ضارب ... فوق المتالع والربى بجران
لاتستبين العين في ظلمائه ... إلا اشتغال أسنة المران
تسري به مابين لجة فتنةٍ ... تسمو غواربها على الطوفان
في كل مربأة وكل ثنية ... تهدار سامرة وعزف قيان
نستن عادية ويصهل أجرد ... وتصيح أجراس ويهتف عان
قومٌ أبى الشيطان إلا خسرهم ... فتسللوا من طاعة السلطان
ملؤا الفضاء فما يبين لناظر ... غير التماع البيض والخرصان
فالبدر أكدر والسماء مريضة ... والبحر أشكل والرماح دوان
والخيل واقفة على أرسانها ... لطراد يوم كريهة ورهان
وضعوا السلاح إلى الصباح وأقبلوا ... يتكلمون بألسن النيران
حتى إذا ماالصبح أسفر وارتمت ... عيناي بين ربى وبين مجان
فإذا الجبال أسنة وإذا الوها ... داعنة والماء أحمر قان
فتوجست فرط الركاب ولم تكن ... لتهاب فامتنعت على الأرسان
فزعت فرجعت الحنين وإنما ... تحنانها شجن من الأشجان
ذكرت م وىاردها بمصر وأين من ماء بمصر منازل الرمان ...
والنفس لاهية وإن هي صادفت ... خلفاً بأول صاحب ومكان
فسقي السماك محلة ومقامة ... في مصر كل مرنة مرنان
حتى تعود الأرض بعد ذبولها ... شتى النماء كثيرة الألوان
بلدٌ خلعت بها عذار شبيبي ... وطرحت في يمنى الغرام عناني
فصعيدها أحوى النبات وسرحها ... ألمى الظلال وزهرها متداني
فارقتها لما هو كائن ... والمرء طوع تقلب الأزمان
حمل الزمان على مالم أجنه ... إن الأماثل عرضة الحدثان
نقموا علي وقد فتكت شجاعتي ... إن الشجاعة حلية الفتيان
فليهنأ الدهر النغيور برحلتي ... عن مصر ولتهدأ صروف زماني
فلئن رجعت وسوف أرجع واثقاً ... بالله أعلمت الزمان مكاني
صادقت بعض القوم حتى خانني ... وحفظت منه مغيبه فرماني
زعم النصيحة بعد أن بلغت به ... غشا وجازى الحق بالبهتان
فليجر بعد كما أراد بنفسه ... إن الشقي مطية الشيطان
وكذا اللئيم إذا أصاب كرامة ... عادى الصديق ومال بالأخوان
كل امرئ يجري على أعرافه ... والطبع ليس يحول في الغنسان
فعلام يلتمس العدو مساءتي ... من بعد ماعرف الخلائق شأني
أنا لاأدل وإنما يزع الفتى ... فقد الرجاء وقلة النإخوان
فليعلمن أخو الجهالة قصره ... عني وإن سبقت به قدمان
فلربما رجح الخسيس من الحصى ... بالدر عند تراجح الميزان
شرف خصصت به وأخطأ حاسدي ... مسعاته فهذي به وقلاني

وقال السيد عبد الله النديم المتوفى سنة 1314هـ? يصف قطاراً بخارياً
نظر الحكيم صفاته فتحيرا ... شكلاً كطود بالبخار مسيرا
دوما يحن إلى ديار أصوله ... بحديد قلب باللهيب تسعرا
ويظل يبكي والدموع تزيده ... وجداً فيجري في الفضاء تستراً
(2/354)

تلقاكه حال السير أفعى تلتوي ... أو فارس الهيجا أثار العثيرا
أو أكرة أرسلتها ترمي بها ... غرضاً فجلت أن ترى حال السرى
أو سبع غاب قد أحس بصائد ... في غابة فعدا عليه وزمجراً
فكأنه المديرون جاء غريمه ... فانسل منه وغاب عن تلك القرى
أو أكنه شهب هوت من أفقها ... أو قبة المنطاد تنبذ بالعرا
لاعجب للنيران إذ يمشي بها ... فمن اللظى تجري الورى كي تحشرا

وقال أحمد بك شوقي يصف الجسر الواصل بين ضفتي البسفور
أمير المؤمنين رأيت جسراً ... أمر على الصراط ولا عليه
له خشب يجوع السوس فيه ... وتمضي الفار لاتأوي إليه
ولا يتكلف المنشار فيه ... سوى مر الفطيم بساعديه
ويبلى فعل من يمشي عليه ... وقبل النعل يدمي أخمصيه
وكم قد جاهد الحيوان فيه ... وخلف في الهزيمة حافريه
وأسمج منه في عيني جباة ... تراهم وسطه وبجانبيه
إذا لاقيت واحدهم تصدى ... كعفريت يشير براحتيه
ويمشي (الصدر) فيه كل يوم ... بموكبه السني وحارسيه
ولكن لا يمر عليه إلا ... كما مرت يداه بعارضيه
ومن عجب هو الجسر المعلى ... على (البسفور) يجمع شاطئيه
يفيد حكومة السلطان مالا ... ويعطيها الغنى من معدنيه
يجود العالمون عليه هذا ... بعشرته وذاك بعشرتيه
وغاية أمره أنا سمعنا ... لسان الحال ينشدنا لديه
(أليس من العجائب أن مثلي ... يرى ماقل ممتنعاً عليه)
(وتؤخذ باسمه الدنيا جميعاً ... وما من ذاك شيء في يديه)
(2/355)

بركة عليها أشجار من ذهب وفضة وعلى حافلتها أسود قاذفة بالمياه
(2/357)

وضراغم سكنت عرين رآسة ... تركت خرير الماء فيه زئيرا
فكأنما غشى النضار جسومها ... وأذاب في أفواهها البلورا
أسدٌ كأن سكونها متحرك ... في النفس لو وجدث هناك مثير
وتذكرت فتكاتها فكأنما ... أقعت على أدبارها لتثورا
وتخالها والشمس تجلو لونها ... ناراً وألسنها اللواحس نوراً
فكأنما سلت سيوف جداول ... ذابت بلا نار فعدن غديراً
وكأنما نسج النسيم لمائه ... درعا فقدر سردها تقديراً
* * *
وبديعة الثمرات تعبر نحوها ... عيناي بحر عجائب مسحوراً
شجرية ذهبية نزعت إلى ... سحر يؤثر في النهى تأثيراً
قد سرجت أغصانها فكأنما ... قبضت بهن من الفضاء طيوراً
وكأنما تأبى لوقع طيرها ... أن تستقل بنهضها وتطيرا
من كل واقعة ترى منقارها ... ماء كسلسال اللجين نميرا
خرس تعد من الفصاح فإن شدت ... جعلت تفرد بالمياه صغيراً
وكأنما في كل غصن فضة ... لانت فأرسل خيطها مجروراً
وتريد في الصهريج موقع قطرها ... فوق الزبرجد لؤلؤاً منثوراً
* * *
ضحكت محاسنه إليك كأنما ... جعلت لها زهر النجوم ثغوراً
(2/358)

وقال حفني بك ناصيف المتوفى سنة 1919م يصف حريق عابدين
وافى يقبل راحتيك العام ... وحنت إليك رؤوسها الأيام
والدهر أقسم لايجيء بغير ما ... ترضى وكم يرت له أقسام
فاقبل معاذير الزمان فطالما ... قبلت معاذير المنيب كرام
واغفر جنايته على القصر الذي ... لم تحو مصر نظيره والشام
شبت به النيران فارتاعت لها ... مهج الأنام وهالها استعظام
لولا الدخان أحاط حول لهيبها ... ماشك فرد أنهما أعلام
أمرٌ به نفذ القضاء وليس في ... أحكامه نقضٌ ولا إبرام
بل حكمة شاء الإله بيانها ... لعبادة ليذيع الاستسلام
حتى يروا أن الملوك وإن علوا ... قدراً تسير عليهم الأحكام
فإذا اقتدى بهم الرعية أحسنوا ... صبراً وخفت عنهم الآلام
عين السماء لعابدين تطلعت ... حسداً عليك وللعيون سهام
وتشوق القصر الكريم لأهله ... والشوق في قلب المحب ضرام
لم يستطع صبراً على طول النوى ... والصبر في شرع الغرام حرام
فتصعدات زفراته وتأججت ... جمراته والصب كيف يلام
لولا الدموع من المطافئ ماانقضى ... منه الهيام ولم يبل أوام
خرقت طباق الجو إلا أنها ... برد قصارى آمرها وسلام
(2/367)

هذا: وكم نعمة في نقمة ... طويت فلم تفطن لها الأفهام

وقال يصف ابتهاج الأمة بالأمير
طاروا سروراً من شهود أميرهم ... فكأنهم حول القطار حمام
يتسابقون إلى اجتلاء سموه ... وبهم زفير نحوه وهيام
لو لم تكن نار القطار لجره ... وجد يجيش بصدرهم وغرام
في كل رستاق وكل مدينة ... شوقاً إليك تجمع وزحام
من كل فج ينسلون فأترعت ... بهم الوهاد وماجت الآكام
والنور أمسى أبحراً غرق الدجى ... فيها ومات بلجها الأظلام
فكأن وجه الأرض وجه أبلج ... بين الكواكب والغمام لثام
والناس من كل الجوانب هتف ... عش ياعزيز يحوطك الإعظام

وقال حافظ بك إبراهيم يصف خزان أسوان ويمدح الحضرة الخديوية
أخزان مصر أنت أم مصر ... أجل وأسمى في المكانة والقدر
أعدت لنا مجد القرون التي مضت ... وجددت من عهد الفراعنة الغر
وهيهات ماأهرام مصر وإن سمت ... بأرفع رأساً من حضيضك لو تدري
وليس سنان بن المشلل خالداً ... بانبه من "عباس"عصرك في الذكر
وماقطرت السحب كالدر تنهمي ... بألطف وقعاً من عقيقك إذ يجري
وماأنت خزان المياه وطميها ... وإبليزها بل خازن الدر والتبر
تدفقت بالخيرات من كل جانب ... وجمعت أقطار المنافع في قطر
فقل للغوادي وال روائح تنجلي ... وفي مصر فلتسمح على قفر
إذا ماجرت أمواهها دون حاجة ... وفاضت جرت منك المياه على قدر
ضربت على آثار مصر ولم يكن ... ليطمسها لولا جلالك من إثر
ألا فلتسد مصر على كل بقعة ... به وليطاول قطرها مسقط القطر
بناءٌ من الدهر استعار بقاءه ... وأقسم ألا يسترد من الدهر

الباب الخامس
في الاستعطاف والمعاتبات والاعتذارات قال النابغة الذبياني
يادار مية بالعلياء فالسند ... أفوت وطال عليها سالف الأبد
وقفت فيها أصيلالا أسائلها ... عيت جواباً وما بالربع من أحد
(2/368)

ألا أواري لأيا ماأبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
ردت عليه أقاصيه ولبده ... ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد
خلت سبيل أتي كان يحبسه ... ورفعته إلى السجفين فالنضد
أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا ... أخني عليها الذي أخنى علي لبد
(2/369)

وقال الغيرة بن حبناء
خذ من أخيك العفو واغفر ذنوبه ... ولاتك في كل الامور تعاتبه
فإنك لن تلقى أخاك مهذباً ... وأي امرئ ينجو من العيب صاحبه
أخوك الذي لا ينقض الناي عهده ... ولا عند صرف الدهر يزور جانبه
وليس الذي يلقاك في البشر والرضا ... وإن غبت عنه لسعتك عقاربه

وقال سعيد بن حميد المتوفى سنة 888هـ?
أقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل مرة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة ألمت فرجة ... ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الصفاء جماعة ... إن حصلوا أفناهم التحصيل
وأجل أسباب المنية والردى ... يوم سيقطع بيننا ويحول
فلئن سبقت لتفجعن بصاحب ... حبل الصفاء بحلبه موصول
لعل أيام البقاء قليلة ... فعلام يكثر عتبنا ويطولا
وقال شاعر الحجاز المخضرمي معن بن أوس المزني المتوفى سنة 29هـ?
لعمرك ماأدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول
(2/370)

وإني أخوك الدائم العهد لم أخن ... إن أبزاك خصم أو نبابك منزل
أحارب من حاربت من ذي عداوة ... وأحبس مالي إن غرمت فأعقل
وإني على أشياء منك تريبني ... قديماً لذو صفح على ذاك مجمل
ستقطع في الدنيا إذا ماقطعتني ... يمينك فانظر أي كف تبدل
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
وكنت إذا ماصاحب رام ظنتي ... وبدل سواء بالذي كنت أفعل
قلبت له ظهر المجن فلم أدم ... على ذاك إلا ريثما أتحول
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل

وقال بهاء الدين زهير معتذراً لتأخيره عن لقاء بعض أصحابه
على الطائر الميمون ياخير قادم ... وأهلاً وسهلاً بالعلا والمكارم
قدمت بحمد الله أكرم مقدم ... مدى الدهر يبقى ذكره في المواسم
قدوماً به الدنيا أضاءت وأشرقت ... ببشر وجوه أو بضوء مباسم
فيا حسن ركب جئت فيه مسلماً ... ويا طيب ماأهدته أيدي الرواسم
أمولاي سامحني فإنك أهله ... وإن لم تسامحني فما أنت ظالمي
ووالله ماحالت عهود مودتي ... وتلك يمين لست فيما بآثم
مقيم وقلبي في رحالك سائر ... لعلك ترضاه لبعض المواسم
ولو كنت عنه سائلاً لوجدته ... على بابك الميمون أول قادم
وإلا فسل عنه ركابك في الدجى ... لقد برئت من لثمه للمياسم

وقال محمد بن زريق البغدادي نادماً على الإفراط في طلب الدنيا وكان قصد الأندلس في طلب الغنى فلم يرجع لبغداد رحمة الله عليه

لتغذليه فإن العذل يولعه ... قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه
جاوزت في لومه حداً أضر به ... من حيث قدرت أن اللوم ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاً ... من عنفه فهو مضني القلب موجعه
قد كان مضطلعاً بالخطب يحمله ... فضيقت بخطوب البين أضلعه
يكفيه من لوعة التفنيد أن له ... من النوى كل يوم مايروعه
(2/371)

ماآب من سفر إلا وأزعجه ... رأي إلى سفر بالعزم يجمعه
كأنما هو من حل ومرتحل ... موكل بفضاء الأرض يذرعه
إذ الزمان أراه في الرحيل غنى ... ولو إلى السند أضحى وهو يزمعه
تأبى المطامع إلا أن تجثمه ... للرزق كداً وكم من يودعه
وما مجاهدة الإنسان توصله ... رزقاً ولا دعة الإنسان تقطعه
والله قسم بين الخلق رزقهم ... لم يخلق اتلله مخلوقاً يضيعه
لكنهم ملئوا حرصاً فلست ترى ... مستربزقاً وسوى الغايات يقنعه
والسعي في الرزق والأرزاق قد قسمت ... بغي ألا إن بغي المرء يصرعه
والدهر يعطي الفتى ماليس يطلبه ... يوماً ويمنعه من حيث يطمعهُ
استودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ فلكِ الأزرار مطلعهُ
ودعتهُ وبودي لو يودعُني ... صفو الحياة وإني لا أودعه
وكم تشفع أني لا أفارقه ... وللضرورات حالٌ لا تشفعه
وكم تشبث بي يومَ الرحيل ضحى ... وأدمعي مستهلات وأدمعه
لا أكذبُ الله ثوبُ العذرُ منخرق ... عني بفرقته لكن أرقعهُ
أني أوسع عذري في جنايتَه ... بالبين عنه وقلبي لايوسعهُ
أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته ... كذاك من لايسوس الملك يخلعهُ
ومن إذا لابساً ثوب النعيم بلا ... شكر الإله فعنه الله ينزعهُ
اعتضتُ عن وجهِ خلي بعد فرقته ... كأساً أجرعُ مكنها ما أجرعهُ
كم قائل ليَ ذنبُ البين قلتُ له ... الذنب والله ذنبي لستُ أدفعه
هلاّ أقمتُفكان الرشد أجمعه ... لو أنني يومَ بانَ الرشدُ أتبعهُ
إني لأقطع أيامي وأنفذها ... بحسرةٍ منه في قلبي تقطعه
بمن إذا جع النوام بتُّ لهُ ... بلوعةٍ منهُ ليلي لستُ أهجعهُ
(2/372)

لا يطمئنُّ لجنبي مضجعٌ وكذا ... لا يطمئنُ له مذْ بنتُ مضجعهُ
ماكنتُ أحسبُ أنّ الدهر يفجعني ... به ولا أن أبي الأيامُ تفجعه
حتى جرى الدهر فيما بيننا بيدِ ... عسراءَ تمنعني حظي وتمنعهُ
* * *
بالله يامنزل القصف الذي درست ... آثارهُ وعفتُ مذ غبتُ أربعهُ
هل الزمان معيدٌ فيك لذيتنا؟ ... أم الليالي التي أمضته ترجعهُ
في ذمة الله من اصبحت منزله ... وجادَ غيثٌ عل مغداكَ يمرعهُ
منْ عنده ليَ عهدٌ لا يضيعهُ ... كما له عهدُ صدقٍ لا أضيعه
ومن يصدع قلبي ذكرُه وإذا ... جرى على قلبه ذكري يصدعه
لأصبرن لدهرٍ لا يمتّعني ... بهِ ولا بيَ في حالٍ يمنّعه
علماً بأنّ اصطباري معقب فرجا ... وأضيقُ الأمر إن فكرتَ أوسعه
علّ اللّيالي التي أضنت بفرقتنا ... جسمي ستجمعني يوماً وتجمعه
وإن تنل أحداً منّا منيّته ... فما الذي بقضاء الله يصنعه

وقال حافظ إبراهيم "بين اليقظة والمنام في استعطاف الزمان"
أشرقْ فدتكَ مشارقُ الإصباحِ ... وأمطْ لثامك عن نهار ضاحِ
بوركتَ يا يومَ الخلاصَ ولا ونتْ ... عنكَ السّعودُ بغدوة ورواحِ
بالله كنْ يمنا وكنْ بشرى لنا ... في ردّ مغتربٍ وفك سراحِ
أقبلتَ والأيامُ حولك مثَّلٌ ... صفّين تخطرُ خطرةً الميَّاح
وخرجتَ من حجبِ الغيوبِ محجّلا ... في كلّ لحظ منك ألفُ صباحِ
لو صحّ في هذا الوجود تناسخٌ ... لرأيتُ فيكَ تناسخَ الأرواحِ
ولكنتَ يومَ "الَّلابرنت" بعينهِ ... في عزةٍ وجلالة وسماح
يومٌ يريك جلالهُ ورواؤهُ ... في الحسن قدرةَ فالقِ الإصباحِ
خلعت عليهِ الشمسُ حلّة عسجدٍ ... وحباه آذار أرقً وشاحِ
(2/373)

الله أثبته لنا في لوحهِ ... أبد إلا بيدِ فما له من ماحِ
حبّيه عنّا يا أزهرُ واملئي ... أرجاءهُ بأريجك الفياّحِ
وانفحهُ عنا يا ربيعُ بكلّ ما ... أطلعتَ من رند ونور أقاحِ
للنيلِ مجدً في الزمانِ مؤثلٌ ... من عهد "آمونٍ" وعهد "فتاحِ"
فسل العصور به وسل آثارهُ ... في مصر كم شهدت من السيّاحِ
قد قال عمروٌ في ثراها آيةٌ ... مأثورةٌ نقشتْ على الألواحِ
بينا تراهُ لآلئاً وكأنما ... نثرت بتربتهِ عقودُ ملاحِ
وإذا بهِ للناظرين زمرد ... يشفيك أخضرهُ من الأتراحِ
وإذا بهِ مسكٌ تشقُ سواده ... شقً الأديمِ محارثُ الفلاّح
قم يا ابن مصرَ فأنت حرَّ واستعدّ ... مجدَ الجدود ولا تعدْ لمراح
شمّرْ وكافحْ في الحياة فهذهِ ... دنياك دارُ تناحرٍ وكفاحِ
وانهل مع النهّال من عذب الحيا ... فإذا رقا فامتحْ مع المتاحِ
وإذا ألح عليك خطبٌ لا تهن ... واضرب على الإلحاح بالألحاحِ
وخض الحياةَ وإن تلاطم موجها ... خوض البحارِ رياضةُ السباحِ
واجعل عيانك قبلَ خطوكَ رائداً ... لا تحسبنَّ الغمر كالضحضاحِ
وإذا احتوتك محلةٌ وتنكّرت ... لك فاعدها وانزحْ مع النزاحِ
في البحر لا تثنيك نار بوارج ... في البرّ لا يلويك غابُ رماحِ
وانظر إلى الغربي كيف سمت به ... بين الشّعوب طبيعة الكداح
والله ما بلغت بنو الغربِ المنى ... إلاّ بنيّاتٍ هناك صحاحِ
ركبوا البحارَ وقد تجمَّدَ ماؤها ... والجو بين تناوحِ الأرواحِ
والبرّ مصهورَ الحصى متأججاً ... يرمي بنزاعِ الشّوى لواحِ
يلقى فتبهم الزمان بهمةٍ ... عجبٍ ووجهٍ في الخطوبِ وقاحِ
(2/374)

ويشقُ أجواز القفار مغامراً ... وعرُ الطريق لديهِ كالصحصاحِ
وأين الكنانةِ راكد ... يرنو بعين غير ذات طماحِ
لا يستغل، كما علمت، ذكاءهُ ... وذكاؤهُ كالخاطفِ اللّماحِ
أمسى كماءِ النّهرِ ضاعَ فراتهُ ... في البحرِ بين أجاجهِ المنداحِ
فانهضْ ودعْ شكوى الزمانِ ولا تنخ ... في فادح البؤسى مع الأنواحِ
واربح لمصرَ برأس مالك عزّةً ... إن الذكاء حبالةُ الأرباحِ
وإذا رزقت رياسةً فانسج لها ... بردين من حزم ومن إسجاجِ
واشرب من الماءِ القراحٍ منعماً ... فلكم وردت الماءَ غيرَ قراحِ

الباب السادس
في التهاني والتهادي والإغراء قال أبو الطيب المتنبي
المجد عوفيَ إذ عوفيتَ والكرمُ ... وزال عنك إلى أعدائك الألمُ
صحّتْ بصحّتك الغارات وابتهجت ... بها المكارم وانهلّت بها الدّيمَ
وراجع الشمسَ نورٌ كان فارقها ... كأنّما فقدهُ في جسمها سقم
ولاح برقك لي من عارضيْ ملك ... ما يسقطُ الغيث إلا حين يبتسمُ
يسمى الحُسام وليست مشابهة ... وكيفَ يشتبه المخدوم والخدم
تفرّد العربُ في الدّنيا بمحتدهِ ... وشارك العربَ في إحسانه العجمُ
وأخلصَ الله للإسلام نصرته ... وأن تقلّبَ في آلائه الأمم
وما أخصّك في برءٍ بتهنئةِ ... إذا سلمتَ فكلّ الناس قد سلموا

وقال الصاحب بن عباد
هذي المكارم والعلياء تفتخرُ ... بيومِ مأثرة ساعاتهُ غررُ
(2/375)

يومٌ تبسّم عنه الدّهر واجتمعت ... له السّعود وأغضت دونه الغير
حتى كأنا نرى في كل ملتفتِ ... روضاً تفتّحَ في أثنائه الزهر
لما تجلّى عن الآمال مشرقةً ... قال العلي بك استعلى وأقتدر
وافى على غير ميعاد يبشرنا ... بأن ستتبعه أمثاله الأخر
أهنا المسرّاتِ ما جاءت مفاجأةً ... وما تناجى بها الألفاظ والفكرُ
لو أن بشرى تلقتها بموردها ... لأقبلت نحوها الأرواح تبتدر
وما تعنّف من يسخو بمهجته ... فإنَّ يومك هذا وحده عمرُ
فما غدوت وما للعين منقلبٌ ... إلا إلى منظر يبهي ويحتبر
ثنت مهابتك الأبصار حاسرة ... حتى تبين في ألحاظها خزر
إذا تأملتهم غضّوا وإن نظروا ... خلال ذاك فأدنى لفته نظروا
في ملبس ما رأته عين معترض ... فشكَّ في أنّه أخلاقك الزّهر
ألبسته منك نوراً يستضاء به ... كما أضاء ضواحي مزنه القمر
وقد تقلّدت عضباً أنت مضربه ... وعنك يأخذ ما يأتي وما يذر
ما زال يزداد من إشراق غرّته ... زهراً ويشرق فيهِ التيه والأشر
والشّمس تحسد طرفاً أنت راكبه ... حتى تكاد من الأفلاك تنحدر
حتى لقد خلت أن الشمس أزعجها ... شوقاً وظلّت على عطفيه تنتشر

وقال أبو أذينة يغري الأسود بن المنذر بقتل آل غسان وكانوا قتلوا أخاً له
ما كلُّ يوم ينالُ المرءُ ما طلبا ... ولا يسوغهُ المقدارُ ما وهبا
وأحزمُ الناس منْ غن فرصة عرضت ... لم يجعل السبب الموصول منقضبا
وأنصفُ الناس في كلّ المواطن منْ ... سقّى المعادين بالكاس الذي شربا
(2/376)

وليس يظلمهم من راح يضربهم ... بحدّ سيفٍ بهِ منْ قبلهم ضربا
والعفو إلا عن الأكفاءِ مكرمةٌ ... من قال غير الذي قد قلته كذبا
قتلت عمراً وتستبقي يزيدَ لقد ... رأيتَ رأياً يجرُّ الويلَ والحربا
لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها ... إن كنت سهماً فأتبع رأسها الذّنبا
هم جرّدوا السّيف فاجعلهم له جزراً ... وأوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا
إن تعفُ عنهم يقول الناس كلهم ... لم يعفُ حلماً ولمن عفوه رهباً
هم أهلّه غسّان ومجدهم ... عالٍ فإن حاولوا ملكا فلا عجبا
وعرّضوا بفداء واصفين لنا ... خيلاً وابلاّ تروقُ العجم والعربا
أيحلبون دماً منّا ونحلبهم ... رسلاً، لقد شرفونا في الورى حلبا

وقال صفي الدين الحلي يحرض السلطان الملك الصالح
على الاحتراز من المفعول ومنافرتهم عند إقبالهم ويهنيه بعيد النحر
لا يمتطي المجدَ منْ يركبِ الخطرا ... ولا ينال العلاَ من قدّم الحذرا
ومن أراد العلاَ عفواً بلاَ تعبٍ ... قضى ولم يقض من إدراكها وطرا
لا بدّ للشَّهد من نحل يمنّعهُ ... لا يجتني النّفع من لم يحملِ الضّررا
لا يبلغ السؤال إلا بعد مؤلمةٍ ... ولا يتمُّ المنى إلاّ لمن صبرا
وأحزم الناس منْ لو مات من ظماءٍ ... لا يقربُ الوردَ حتى يعرف الصدرا
وأغزرُ الناس عقلاً من إذا نظرت ... عيناه أمراً غداً بالغير معتبراً
فقد يقال عثارُ الرّجل إن عثرت ... ولا يقال عثار الرّأي إن عثرا
من دبّر العيش بالآراء دام له ... صفواً وجاء إليه الخطبُ معتذراً
يهونُ بالرّأي ما يجري القضاء به ... من أخطأ الرّأي لا يستذنبُ القدرا
من فاته العزّ بالأقلام أدركه ... بالبيض يقدح من أطرافها الشّررا
بكلّ أبيضَ قد أجرى الفرندَ به ... ماء الردى فلو استقطرتهُ قطرا
خاض العجاجة عرياناً فما انقشعت ... حتى أتى بدم الأبطال مؤتزرا
لا يحسنُ الحلمُ إلا في مواطنه ... ولا يليق الوفا إلاّ لمن شكرا
ولا ينال العلى إلاّ فتى شرفتْ ... خلالهُ فأطاع الدّهرُ ما أمرا
(2/377)

كالصّالح الملكِ المرهوب سطوتهُ ... فلو توعّد قلب الدهر لا نفطرا
لما رأى الشرّ قد أبدى نواجذه ... والغدرَ عن نابه للحرب قد كشرا
رأى القسيّ إناثاً عن حقيقتها ... فعافها واستشارَ الصّارم الذّكرا
فجرّد العزمَ من قبل الصفاح لها ... ملك عن البيض يستغني بما شهرا
يكاد يقرأُ من عنوان همّتهِ ... ما في صحائف ظهر الغيبِ قد سطرا
كالبحر والدهر في يومي ندّى وردّى ... واللّيثِ والغيث في يومي وغى وقرى
ما جاد للنّاس إلاّ قبل ما سألوه ... ولا عفا قطُ إلاّ بعد ما قدرا
لاموه في بذله الموال قلت لهم ... هل يقدر السّحبُ ألاّ ترسلَ المطرا
إذا غدا الغصنُ غضّا من منابته ... من شاء فليجن من أفنانهِ الثمرا
من آل أرتق المشهور ذكرهم ... إذا كان كالمسك إن أخفيتهُ ظهرا
الحاملين من الخطيّ أطوله ... والناقلين من الأسياف ما قصرا
لم يرحلوا عن حمى ارض إذا نزلوا ... إلاّ وأبقوا بها من جودهم أثرا
تبقى صنائعهم في الأرض بعدهم ... والغيثُ إن سار أبقى بعده الزّهرا
لله درُّ سما الشّهباء من فلك ... وكلّما غاب نجمٌ أطلعت قمرا
يا أيها الملك الباني لدولته ... ذكراً طوى ذكر أهل الأرض وانتشر
كانت عداك لها دستٌ فقد صدعت ... حصاةُ جدّك ذاك الدّست فانكسرا
فأوقعْ إذا غدروا سوطَ العذاب بهم ... يظلّ يخشاك صرفُ الدّهر إن غدرا
ظنّوا تأنّيك من عجز وما علموا ... أن التأنيَ فيهم يعقب الظّفرا
أحسنتهم فبغوا جهلاً وما اعترفوا ... بصنعكم ومن جحد النعمى فقد كفرا
واسعد بعيدك ذا الأضحى وضحّ به ... وصلْ وصلّ لربّ العرش مؤتمرا
وانحر عداك فبالإنعام ما انصلحوا ... إن كان غيرك للأنعام قد نحرا

وقال المرحوم عبد الله باشا فكري يهنئ الخديوي توفيق بتوليه مصر
اليومَ يستقبل الآمالَ راجيها ... ويجلي عن سماء العزّ داجيها
وتزدهي مصرُ والنّيل السّعيد بها ... والملك والدّين والدّنيا وما فيها
قد أطلع الله في سعد السّعود سني ... بدرٌ بلألائه ابيضّتْ لياليها
ذو همّة أدنى شأوها قصرت ... غايات من رام في أمر يدانيها
وراحة لو تحاكيها السّحائبُ في ... فيض الندّى هطلت تبراً غواديها
ورأفة بعباد الله كافلة ... بخير ما حدثتْ نفساً أمانيها
تربو على وصف مطريه محاسنهُ ... وهل يعدّ نجومَ الأفق راعيها
توفيق مصر ومولاها وموثلها ... وركنها ومفدّاها وفاديها
وغصنها النّصر أنمته منابتها ... من دوحة أينعت فيها مجانيها
خديوها ابن خديويها ابن فارسها ... أميرها البطل الشّهم ابن واليها
لله يومٌ جلا عن نور غرّته ... كالشّمس مزّق برد الغيم ضاحيها
يسير في مصر والبشرى تسابقه ... من حيث سار وتسري في نواحيها
فلتفتخر مصر إعجاباً بحاضرها ... على محاسن ماضيها وآتيها
هذا الذي كانت الآمال ترقبه ... دهراً وتعتدّه أقصى مراميها
ما زال في قلب مصر من محبّه ... سرٌّ تبوح بهِ نجوى أهاليها
تصبو له وأمانيها تطاوعها ... في حبّه ولياليها تعاصيها
وترتجيه من الرّحمن سائلة ... حتى استجيب بما ترجوه داعيها
فالحمد لله شكرناً لأنعمه ... فالشكر حافظ نعماه وواقيها

وقال مؤلف هذا الكتاب مهنئاً صديقه المرحوم الشيخ علي يوسف بك
صاحب جريدة المؤيد سنة 1320 هـ? بأويته من أوربا
(عليُ) القدرِ ذو الشرف المؤيدْ ... شديدُ العزمِ (يوسفُ) قد تفرّدْ
وحيد الفضل والعلياءِ تشهد ... رفيع المجدِ في عزّ وسؤدد
شريف النفس محمودُ السّجايا ... عريقُ الأصل في المعروف أوحد
همامٌ ما له أبداً مثيلٌ ... بليغُ النطقِ في الكتابِ مفردْ
محبُ العدل مشكور المساعي ... عليمٌ بالسياسةِ بل (مؤيدُ)
قويّ البأس بسّام الثنايا ... سعيد الجدّ ذو قدر ممجدُ
فمن يكُ راقياً شرف المعالي ... كمثلك في الورى لا شكّ يحمد
وكيف وأنت اعظم من تصدّى ... لتأييد الصّحافةِ (بالمؤيّد)
وكيف وأنت أفوق كل رامٍ ... بسهم للكتابةِ قد تجرّدْ
(2/378)

وليس الشمس تخفى عن عيون ... سوى أن كان صاحبهنّ أرمد
وإن البدرَ بالأنوار زاهٍ ... ويأبى الله إلا أن تؤيّد
فسبحان الذي أسرى (عليّ) ... إلى التّاميز والسّين المنضد
تهنّيكَ المناصبَ كلّ وقت ... وتخدمك السعادة ما تجدّد
فدم يا سيّدي بدراً منيراً ... وحصناً للمعالي قد تشيّد
وهاكَ من المحبّ قصيد شعر ... تشيرُ إلى وفائي بل وتشهدْ
تفاخرُ مصرُ أهل الشرق فيها ... تقول الهاشميُ شدا وأنشد

وقال محمد حافظ بك إبراهيم مهنئاً أبناء وطنه بالعام الهجري
أهلاً بنابتةِ البلادِ ومرحباً ... جدتم العهد الذي قد أخلقا
لا تيأسوا أن تستردّوا مجدكم ... فلربَّ مغلوب هوى ثمّ ارتقى
مدّت لهُ الآمال في أفلاكها ... خيط الرّجاء إلى العلا فتسلّقا
فتجشموا للمجد كلّ عظيمةٍ ... إني رأيت المجدَ صعبَ المرتقى
من رام وصلَ الشمس حاك خيوطها ... سبباً إلى آماله وتعلقا
عار على ابن النيل سباق الورى ... مهما تغلبَ دهرهُ أن يسبقا
أوَ كلّما قالوا تجمّع شمله ... لعبَ الخلاف بجمعنا فتفرقا
فتدفقوا حججاً وخوضوا نيلكم ... فلكم أفاض عليكّم وتدفقا
حملوا علينا بالزمان وصرفهِ ... فتأنّقوا في سلبنا وتأنق
فتعلّموا فالعلم مفتاح العلاَ ... لم يبق باباً للسعادة مغلقا
ثم استمدّوا منهُ كل قواكم ... أن القوىَّ بكلّ أرضٍ متّقى
وابنوا حوالي حوضكم من يقظة ... سوراً وخطوا من حذارٍ خندقا
(2/379)

وزنوا الكلام وسدّدوه فإنهم ... خبأوا لكم في الهلاك وحلّقا
وامشوا على حذرٍ فغن طريقكم ... وعرٌ أطاف به الهلاكَ وحلّقا
نصبوا لكم فيه الفخاخَ وأرصدوا ... للسالكين بكل فجّ موبقا
الموتُ في غشيانه وطروقه ... والموتُ كل الموت ألاّ يطرقا
فتحيّنو، فرصُ الحياة ثمينةٌ ... وتعجّلوها بالعزائم والرّقى
أو فاخلقوها قادرين فإنما ... فرصُ الحياة خليقة أن تخلقا

الباب السابع في المراثي
قال المهلهل التغلبي يرثي أخاه كليباً وهو جاهلي توفي سنة 531 م
أهاجَ قذاء عينيّ الادّكارُ؟ ... هدوءاً فالدموع لها انهمارُ
وصار الليل مشتملاً علينا ... كأنّ الليلّ ليسَ لهُ نهار
وبتُّ أراقب الجوزاءَ حتى ... تقاربَ من أوائلها انحدار
أصرّف مقلتي في إثرْ قوم ... تباينت البلادُ بهم فغاروا
وأبكي والنّجومُ مطلّعات ... كأن لم تحوها عنّي البحارِ
على من نعيت وكان حيّا ... لقاد الخيلَ يحجبها الغبار
دعوتك يا كليب فلم تجبني ... وكيف يجيبني البلد القفار؟
أجبني يا كليب خلاك ذمّ ... ضنينات النفوس لها مزار
أجبني يا كليب خلاك ذمُّ ... لقد فجعت بفارسها نزّار
سقاك الغيث إنك كنت غيثاً ... ويسراً حين يلتمس اليسار
وإنك كنتَ تحلمُ عن رجال ... وتعفو عنهم ولك اقتدار
(2/380)

وتمنعُ أن يمسهمُ لسانٌ ... مخافة من يحير ولا يجار
وكنت أعدّ قربي منك ربحاً ... إذا ما عدّت الرّبحَ التّجار
فلا تبعد فكلَّ سوف يلقى ... شعوباً يستدير بها المدار
يعيش المرء عند بني أبيه ... ويوشك أن يصير بحيث صاروا
أرى طول الحياة وقد تولّى ... كما قد يسلب الشيء المعار
كأنّي إذ نعى النّاعي كليباً ... تطاير بين جنبيّ الشّرار
فدرت وقد غشى بصري عليه ... كما دارت بشاربها العقار
سألتُ الحيّ أين دفنتموه ... فقالوا لي بأقصى الحيّ دار
فسرت إليه من بلدي حثيثاً ... وطار النّوم وامتنع القرار
وحادثْ ناقتي عن ظلّ قبرٍ ... ثوى فيهِ المكارم والفخار
لدى أوطان أروع لم يشنهُ ... ولم يحدثْ له في الناس عار
أتغدو يا كليب معي إذا ما ... جبان القوم أنجاه الفرار
أتغدو يا كليب معي إذا ما ... حلوق القوم يشحذها الشَّفار
أقول لتغلب والعز فيها ... أثيرها لذلكم انتصار
تتابعَ أخوتي ومضّوا لأمر ... عليه تتابع القوم الحسار
خذِ العهد الأكيد عليّ عمري ... بتركي كلّ ما حوت الدّيار
ولستُ بخالعٍ درعي وسيفي ... إلى أن يخلع الليلَ النهارُ

وقال صفي الدين الحلي يرثي غريقاً

أصفحُ ماء أم أديمُ سماءُ ... فيهِ تغور كواكب الجوزاءِ
ما كنت أعلم قبل موتك موقناً ... أن البدورَ غروبها في الماءِ
ولقد عجبت وقد هويتَ بلجّة ... فجرى على رسلٍ بغير حياءِ
لو لم يشقَّ لك العباب وطالما ... أشبهتَ موسى باليد البيضاء
أنفَ العلاء عليك من لمس الثّرى ... وحلول باطن حفرة ظلماءِ
وأجلّ جسمك أن بغيّر لطفه ... عفن الثّرى وتكاثف الأرجاءِ
(2/381)

فأحلّه جدثاً طهوراً مشبهاً ... أخلاقه في رقّة وصفاء
ما ذاك أن يضمّ صفاؤه ... نوراً يضنُّ به على الغبراء
فالبحر أولى في القياس من الثّري ... بجوار تلك الدرّة الغرّاءِ

وقال أيضاً يرثي الملك ناصر الدين عمر
بكى عليك الحُسام والقلمُ ... وانفجع العلمُ فيك والعلمُ
وضجَّتِ الأرضُ فالعبادُ بها ... لاطمة والبلادُ تلتطمُ
تظهر أحزانها على ملك ... جلُّ ملوك الورى له خدمُ
أبلجَ غضَ الشبابُ مقتبل ال ... عمر ولكنْ مجدهُ هرمُ
محكّم في الورى وآمله ... يحكمُ في ماله ويحتكم
يجتمع المجدُ والثناءُ له ... وماله في الوفود يقتسم
قد سئمتْ جوده الأنام ولا ... يلقاه من بذله النّدى سأمُ
ما عرفت منه لا ولا نعم ... بل دونهنّ الآلاءُ والنّعمُ
ألواهبُ الألف وهو مبتسمٌ=والقاتل الألفَ وهو مقتحم
مبتسم والكماةُ عابسة ... وعابسٌ والسيوف تبتسم
لم يعلم العالمون ما فقدوا ... منه ولا الأقربون ما عدموا
ما فقد فرد من الأنام كمن ... إن مات ماتت لفقده أمم
يا طالب الجود قد قضي عمرُ ... فكلّ جود وجوده عدمُ
فالناسُ كالعين إن نقدتهم ... تفاوتتْ عند نقدك القيمُ
مضى الذي كان للأنام أباً ... فاليومَ كلُّ الأنام قد يتموا
وحلَّ ضاقت بساكنها ... ودون أدنى دياره إرم
(2/382)

وقال أبو الحسن التهامي يرثي صغيراً له
ويفتخر بفضله ويشكو زمانه وحاسديه
حكمُ المنية في البرية جار ... ما هذه الدّنيا بدار قرار
بينما يرى الإنسان فيها مخبرا ... حتى يري خبراً من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفواً من الأقذار والأكذار
ومكلّف الأيامِ ضد طباعها ... متطلّب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيلَ فإنما ... تبني الرّجاءَ على شفير هار
فالعيش نومٌ والمنية يقظةٌ ... والمرء بينهما خيالٌ سار
فاقضوا مآربكم عجالا إنما ... أعماركم سفرٌ من الأسفار
وتركضوا حيل الشَّباب وبادروا ... أم نسترد فإنهنّ عوار
فالدَّهر يخدع بالمنى ويغصّ إن ... هنّا ويهدمُ ما بنى ببوّار
ليس الزمان وغن حرصت مسالماً ... خلقُ الزّمان عداوة الأحرار
إني وترتُ بصارمٍ ذي رونقٍ ... أعددتهُ لطلابةِ الأوتار
والنّفس إن رضيت بذلك أو أوبتْ ... منقادةٌ بأزمّةِ المقدار
أثنى عليه بأثرهِ ولو أنهُ ... لم يغتبطْ اثنيتُ بالآثار
يا كوكباً ما كانَ أقصرَ عمرهُ ... وكذّاك عمرُ كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يستدر ... بدراً ولم يمهل لوقتِ سرار
عجلَ الخسوفُ عليه قبل أوانه ... فحماهُ قبل مظنّةِ الإبدار
واستلّ من أترابهِ ولدتهِ=كالمقلةِ استلت من الأشفار
فكأنّ قلبي قبره وكأنهُ ... في طيّهِ سرٌّ من الأسرار
أن يعتبط صغراً فربَّ مقمّم ... يبدو ضئيل الشخص للنظّار
إن الكواكب في علوّ محلّها ... لترى صغاراً وهي غير صغار
(2/383)

ولدُ المعزى بعضهُ فإذا مضى ... بعضُ الفتى فالكلّ في الآثار
أبكيه ثم أقولُ معتذراً لهُ ... وفّقت حين تركت ألام دار
جاوزتُ أعدائي وجاور ربّهُ ... شتّان بين جواره وجواري
أشكو بعادكَ لي وأنت بموضع ... لولا الرَّدى لسمعت فيه مزاري
والشّرق نحو الغرب أقرب شقّةً ... من بعد تلك الخمسة الأشبار
هيهات قد علقتك أسباب الرَّدى واغتالَ عمرك قاطعُ الأعمار
ولقد جريتَ كما جريتُ لغايةٍ ... فبلغتها وأبوك في المضمار
فإذا نطقتُ فأنت أوَّلُ منطقي ... وإذا سكت فأنت في أضماري
أخفي من البرحاءِ ناراً مثل ما ... يخفى من النار الزّناد الواري
واخفض الزَّفرات وهي صواعد ... وأكفكفُ العبرات وهي جوار
وشهابُ نارِ الحزنِ إنْ طاوعتهُ ... أورى وإن عاصيتهُ متواري
وأكفُّ نيرانَ الأسى ولربما ... غلب التصبُّرُ فارتمتْ بشرار
ثوبُ الرّياءِ يشفُ عمّا تحته ... وإذا التحفتَ به فإنك عار
قصرت جفوني أن تباعدَ بينها ... أم صوّرتْ عيني بلا أشفار
جفّت الكرى حتى كانّ غراره ... عند اغتماص العين وخزُ غرار
ولو استزارت رقدةٌ لطحا بها ... ما بين أجفاني من التَّيار
أحيي اللّيالي التّيم وهي تميتني ... ويميتهنَّ تبلُّج الأسحار
حتى رأيت الصُّبح تهتك كفُّه ... بالضَّوءِ رفرف خيمة كالقار
والصُّبح قد غمرَ النُّجوم كأنه ... سيلٌ طغى فطفا على النُّوَّار
لو كنتَ تمنعُ خاض دونك فتيةٌ ... منّا بحارَ عوامل وشفار
ودحوا قويق الأرض أرضاً من دم ... ثم انثنوا فبنوا سماء غبار
قومٌ إذا لبسوا الدُّروع حسبتها=خلجاً تمدُّ بها أكفّ بحار لو شرَّعوا إيمانهم في طولها=طعنوا بها عوض القنا الخطَّار
جنبوا الجياد إلى المطيّ وراوحوا ... بين السُّروج هناك وأكوار
وكأنما ملؤوا عيابَ دروعهم ... وغمود أنصلهم سرابَ قفار
وكأنما صنعُ السوابغِ عزَّه ... ماءُ الحديد فصاغ ماءَ قرار
زرداً فأحكم كل موصل حلقةٍ ... بحبابةٍ في موضع المسمار
فتسربلوا بمتون ماءٍ جامدٍ ... وتقنَّعوا بحبابِ ماء جار
أسدٌ ولكن يؤثرون بزادهم ... والأسدُ ليس تدينُ بالإيثار
يتزيَّن النَّادي بحسن وجوههم ... كتزيُّن الهالات بالأقمار
يتعطّفون على المجاور فيهم ... بالمنفسات تعطُّفَ الآظار
من كلّ منْ جعل الظُّبى أنصاره ... وكومنَ واستغنى عن الأنصار
وإذا هو اعتقل الفتاة حسبتها ... صلاَّ تأبطهُ هزبزٌ ضار
والليث إن ثاورتهُ لم يعتمد ... إلا على الأنياب والأظفار
زردُ الدّلاص من الطّعان يريحه ... في الجحفل المتضايق الجرَّار
ما بين ثوب بالدّماء مضمّخٍ ... زلقٍ ونقعٍ بالطّرد مثار
والهونُ في ظلّ الهواينا كامنٌ ... وجلالة الأخطار في الإخطار
تندى أسرّة وجهه ويمينه ... في حالة الإعسار والإيسار
ويمدُّ نحو المكرمات أناملاً ... للرّزق في أثنائهنَّ مجار
يحوي المعاليَ كاسباً أو غالباً ... أبداً يدارى دونها ويداري
قد لاح في ليل الشّباب كواكب ... إن أمهلت آلت إلى الإسفار
وتلهُّبُ الأحشاءِ شيّب مفرقي ... هذا الضياءُ شواظ تلك النار
شاب القذال وكلُّ غصن صائرٌ ... فبنانه الأحوى إلى الإزهار
والشّبه منجذبٌ فلم بيضُ الدُّمى ... عن بيض مفرقه ذوات نفار
وتودّ لو جعلت سوادَ قلوبها ... وسوادَ أعيتها خضابَ عذّار
لا تنفرُ الظبيات عنه فقد رأت ... كيف اختلاف النّبتِ في الأطوار
شيئان ينقشعان أوَّلَ وهلة ... ظلُ الشباب وخلّة الأشرار
(2/384)

لا حبذا الشيبُ الوفيُ وحبذا ... ظلُّ الشّباب الخائنِ الغذَّار
وطري من الدَّنيا الشّباب وروقهُ ... فإذا انقضى فقد انقضت أوطاري
قصرت مسافته وما حسناته ... عندي ولا آلاؤه بقصار
نزداد همَّا كلّما ازددنا غنى ... والفقر كلُّ الفقر في الإكثار
ما زاد فوقَ خلّفَ ضائعاً ... في حادث أو وارث أو عار
إني لأرحم حاسديّ لحرّما ... ضمنتْ صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنَّة وقلوبهم في نار
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي ... فكأنما بزقعتُ وجهَ نهار
وسترتها بتواضعي فتطلّعت ... أعناقها تعلو على الأستار
ومن الرجال معالمٌ ومجاهل ... ومن النجُّوم غوامضٌ ودراري
والناس مشتبهون في إيرادهم ... وتفاضل الأقوام في الإصدار
عمري لقد أوطأتهم طّرق العلا ... فعموا فلم يقفوا على آثاري
لو أبصروا بقلوبهم لاستبصروا ... وعمى البصائر من عمى الأبصار
هلاّ سعوا سعي الكرام فأدركوا ... أو سلّموا لمواقع الأقدار
وفشت خيانات الثّقات وغيرهم ... حتى اتّهمنا رؤية الأبصار
ولربما اعتضدَ الحليم بجاهل ... لا خير في يمنى بغير يسار

ولأبي البقاء صالح بن شريف الرندي المتوفى سنة 798 هـ? يرثي الأندلس
لكلّ شيءٍ إذا ما تمّ نقصانُ ... فلا يغرَّ بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول ... منْ سرّه زمنٌ ساءتهُ أزمان
وهذه الدّار لا تبقى على أحد ... ولا يدوم على حالٍ لها شان
يمزّق الدّهر حتماً كل سابغةً ... إذ انبتْ مشرفيات وخرصانُ
وينتضي كلَّ سيفٍ للفناءِ ولو ... كان ابن ذي يزنٍ والغمدَ غمدان
(2/385)

أين الملوك ذووا التُّيجان من يمن ... وأين منهم أكاليلٌ وتيجان
وأين ما شاده شدّاد في إرمٍ ... وأين ما ساسه في الفرس ساسان
وأين ما حازه قارونُ من ذهب ... وأين عادٌ وشدَّاد وقحطان
أتى على الكلّ أمرٌ لا مردَّ له ... حتى قضوا فكأن القومَ ما كانوا
وصار ما كان من ملكٍ ومن ملكٍ ... كما حكى عن خيال الطيف وسنانُ
دارَ الزمانُ على دارا وقاتله ... وأمّ كسرى فما آواه إيوان
كإنما الصَّعب لم يسهل له سببٌ ... يوماً ولا ملك لدُّنيا سليمان
فجائعُ الدَّهر أنواعٌ منوَّعة ... وللزّمان مسرَّات وأحزان
وللحوادث سلونٌ يسلهلها ... وما لما حلَّ بالإسلام سلون
دهى الجزيرة أمرٌ لا عزاءَ له ... هوى له أحدٌ وانهدّ ثهلان
أصابها العين في الإسلام فارتزأت ... حتى خلت منه أقطار وبلدان
فاسأل بلنسيةً ما شأنُ مرسيةٍ ... وأين شاطبةٌ أم أين جيّان
وأين قرطبةٌ دارُ العلوم فكم ... من عالمٍ قد سما فيها له شان
وأين حمصٌ وما تحويه من نزه ... ونهرها العذب فياض وملآن
قواعد كنّ أركان البلاد فما ... عسى البقاءُ إذا لم تبقَ أركان
تبكي الحنيفيّة البيضاء من أسف ... كما بكى لفراق الإلف هيمان
على ديار من الإسلام خالية ... قد أقفرتْ ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس ما ... فيهنَّ إلاَّ نواقيسٌ وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة ... حتى المنابر ترثي وهي عيدان
يا غافلاً وله في الدّهر موعظة ... إن كنت في سنّة فالدّهرُ يقظان
وماشياً مرحاً يلهيه موطنهُ ... أبعدَ حمصٍ تغزُّ المرء أوطان
(2/386)

تلك المصيبة أنستْ ما تقدّمها ... وما لها من طوال الدَّهر نسيان
يا راكبينَ عتاقَ الخيل ضامرة ... كأنّما في مجال السّبق عقبان
وحاملين سيوفَ الهند مرهفةٌ ... كأنها في ظلام النقع نيران
وراتعين وراءَ البحر في دعةٍ ... لهم بأوطانهم عزٌّ وسلطان
أعندكم نبأٌ من أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم ... قتلى وأسرى فما يهتزّ إنسان
ماذا التّقاطع في الإسلام بينكم ... وأنتم يا عباد الله إخوان
ألا نفوسٌ أبيَّات لها هممٌ ... أما على الخير أنصار وأعوان
يا من لذلّة قومٍ بعد عزوّهم ... أحال حالهم جورٌ وطغيان
بالأمس كانوا ملوكاً في منزلهم ... واليومَ هم في بلاد الكفر عبدانُ
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم ... عليهم ف ثياب الذُّلّ ألوان
ولو رأيت بكاهم عند بيعهمُ ... لهالكَ الأمرُ واستهوتك أحزان
يا ربَّ أمّ وطفل حيل بينهما ... كما تفرقُ أرواح وأبدان
وطفلةٍ مثل حسن الشمس إذ طلعت ... كأنما هي ياقوت ومرجان
يقودها العلج للمكروه مكرهة ... والعين باكية والقلب حيران
لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان

وقال أبو الطيب المتنبي يرثي أبا شجاع فاتكاً

الحزن يقلقُ والتجمُّل يردع ... والدَّمعُ بينهما عصىَّ طيع
يتنازعان دموع عين مسهَّد ... هذا يجيء بها وهذا يرجع
النَّوم بعد أبي شجاع نافر ... والليلُ معي والكواكب طلّع
إني لأجبن من فراق أحبَّني ... وتحسُّ نفسي بالحمام فأشجعُ
ويزيدني غضبُ الأعادي قسوةً ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياةُ لجاهل أو غافل ... عمّا مضى منها وما يتوقع
ولمن يغالطُ في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومهُ ما يومهُ ما المصرع
تتخلفُ الآثار عن أصحابها ... حيناً ويدركها الفناءُ فتتبع
(2/387)

وقال عبد المجيد بن عبدون الفهري المتوفى سنة 520 هـ? راثياً ملوك
بني الأفطس من قصيدة ممتعة في التاريخ والأدب
الدَّهر يفجعُ بعد العين بالأثر ... فما البكاءُ على الأشباح والصُّور
أنهاكَ أنهاكَ لا أنهاكَ واحدةً ... عن نومة بين ناب الَّليث والظفر
فالدَّهر حربٌ وإن أبدى مسالمةً ... فالبيضُ والسمر مثلُ البيض والسُّمر
ولا هوادةً بين الرأس تأخذه ... يدُ الضّراب وبين الصّارم الذكر
فلا يغرَّنك من دنياك نومتها ... فما صناعة عينيها سوى السَّهر
فبالليالي أقال الله عثرتنا ... من الليالي وغالتها يد العير
في كل حين لها في كل جارحة ... منا جراح وإن زاغت عن الصبر
تسر بالشيء لكن كي تغرَّ به ... كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر
كم دولة وليت بالنصر خدمتها ... لم تبق منها وسل دنياك عن خير

وقال أبو ذؤيب يرثي أولاده
أمنَ المنون وريبها تتوجّعُ ... والدّهر ليس بمعتبٍ منْ يجزع
قالت أمامة ما لجسمك شاحباً ... منذ ابتذلت ومثل مالك ينفعُ
ولقد حرصتُ بأن أدافع عنهمُ ... وإذا المنية أقبلتْ لا تدفعُ
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيتَ كلّ تميمة لا تنفعُ
فالعين بعدهمُ كأن جفونها ... كحلتْ بشوكٍ فهي عورٌ تدمعُ
وتجلدي لشامتين اربهمُ ... أني لرّيب الدَّهر لا أتضعضعُ
حتى كأني للحوادث مروةٌ ... نصفَ المشقر كلّ يوم تقرع
لا بدَّ من بلف مقيم فانتظر ... أبأرض قومك أن بأخرى المضجع
ولقد أرى أن البكاءَ سفاهةٌ ... ولسوف يولع بالبكا من يفجع
(2/388)

وليأتينّ عليك يوماً مرّة ... يبكي عليك معنَّفاً لا تسمع
فلئنْ بهم فجع الزَّمان وريبهُ ... أني بأهل مودّتي لمفجع
والنّفس راغية إذا رغّبتها ... وإذا تردُّ إلى قليل تقنعْ

وقال أبو الأنباري المتوفى سنة 328 هـ? يرثي أبا طاهر بن بقية وزير عز الدولة لما قتل وصلب وهي من أعظم المراثي ولم يسمع بمثلها في مصلوب حتى أن عضد الدولة الذي صلبه تمنى لو كان هو المصلوب وقيلت فيه.

علوَّ في الحياةِ وفي الممات ... لحقٌ أنتَ إحدى المعجزات
كأنّ النَّاس حولك حين قاموا ... وفودُ نداك أيام الصلاتِ
كأنكَ قائم فيهم خطيباً ... وكَّلهمُ قيامٌ للصّلاةِ
مددت يديك نحوهم احتفاءً ... كمدّهما إليهمْ بالهباتِ
ولمّا ضاقَ بطنُ الأرضِ عن أن ... يضمَّ علاكَ من بعدِ الوفاةِ
أصاروا الجوَّ قبرك واستعاضوا ... عن الأكفان ثوب السّافيات
لعظمك في النّفوس تبيت ترعى ... بحراَّس وحفّاظ ثقاب
وتوقدُ حولك النّيرانُ ليلاً ... كذلك كنتَ أيَّامَ الحياة
ركبت مطيَّة منْ قبلُ زيدٌ ... علاها في السّنينَ الماضياتِ
وتلكَ قضيّةٌ فيها تاسّ ... تباعدُ عنك تعييرَ العداةِ
ولم أر قبل جذعك قطُّ جذعاً ... تمكّن منْ عتاق المكرمات
أسأتَ إلى النوائبِ فاستثارت ... فأنت قتيل ثأر النائباتِ
(2/389)

وكنت تجيرنا من صرف دهر ... فعاد مطالبا لك بالثّرات
وصيَّرَ دهرك الإحسانَ فيهش ... إلينا منْ عظيمِ السيئاتِ
وكنتَ لمعشرِ سعداً فلمّا ... مضيتَ تفرقوا بالمنحساتِ
غليلٌ باطنٌ لك في فؤادي ... يخفّفُ بالدُّموعِ الجارياتِ
ولو أني قدرتُ على قيام ... بفرضك والحقوق الواجبات
ملأت الأرض من نظم القوافي ... ونحتُ بها خلاف النائحاتِ
ولكنّي أصبّرُ عنك نفسي ... مخافةَ أنْ أعدَّ من الجناةِ
ومالك تربةٌ فأقولُ تسقى ... لأنك نصبَ هطل الهاطلات
عليك تحيةُ الرّحمن تترى ... برحماتٍ غوادٍ رائحات

وقال بهاء الدين زهير المتوفى سنة 656 هـ?
أراكَ هجرتني هجراً طويلاً ... وما عوّدتني من قبلُ ذا كا
عهدتك لا تطيق الصَّبر عنّي ... وتعصى في ودادي من نهاكا
فكيفَ تغيَّرتْ تلك السَّحايا ... ومن هذا الذي عنّي ثناكا
فلا والله ما حاولتَ غدراً ... فكلُّ النّاس يغدر ما خلاكا
وما فارقتني طوعاً ولكن ... دهاك في المنية ما دهاكا
فيا من غابَ عنّي وهو روحي ... وكيفَ أطبق من روحي انفكاكا
بعزُّ عليَّ أدير عيني ... أفتشُ في مكانك لا أراكا
ختمتُ على ودادك في ضميري ... وليس يزال مختوماً هناك
فيا أسفي لجسمك كيف يبلى ... ويذهبُ بعدَ بهجته سناك
يا قبرَ الحبيب وددتُ أنّي ... حملت ولو على عيني ثراكا
ولا زال السّلام عليك منّي ... يزفّ على النّسيم إلى ذراكا
(2/390)

وقال السيدة تماضر الخنساء المتوفاة سنة 24 هـ?
قذّى بعينك أم بالعين عوّارُ ... أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدّار
كأنَّ عيني لذاكرة إذا خطرت ... فيضٌ يسيلُ على الخدّين مدرارُ
تبكي خناسٌ على صخر وحقّ لها ... إذ رابها الدّهر إنّ الدّهر ضرارُ
لا بدّ من ميتةِ في صرفها عبرٌ ... والدَّهر في صرفه حولٌ وأطوارُ
يا يخرُ ورَّاد ماءٍ قد توارده ... أهل الموارد في ورده عارُ
وإنّ صخراً لحامينا وسينا ... وغنَّ صخراً إذا نشتوا لنحّارُ
وإنَّ صخراً لتأتمُّ الهداة بهِ ... كأنهُ علمٌ في رأسه نارُ
لم ترهُ جارةٌ يمشي بساحتها ... لريبة حين يخلى بيتهُ الجارُ
مثل الرُّدينيّ لم تنفد شبيبتهُ ... كأنّه تحت طيّ البردِ أسوارُ
طلقُ اليدينِ بفعل الخير معتمدٌ ... ضخمُ الدَّسعية بالخيرات أمارُ
حمالُ ألوية هبّاط أوديةَ ... شهّاد أندية للجيش جرارُ

وقالت أعرابية ترثي ابنها
أيا ولدي قد زاد قلبي تلهُّبها ... وقد حرقت منّي الشُّؤون المدامعُ
وقد أضرمت نارُ المصيبةِ شعلةُ ... وقد حميت منّي الحشا والأضالعُ
وأسأل عنك الرّكب هل تخبرونني ... بحالك كيما تستكنُّ المضاجع
فلم يكُ فيهم مخبرٌ عنك صادق ... ولا فيهمُ من قال إنّك راجع
فيا ولدي غبت كدَّرت عيشتي ... فقلبي مصدوع وطرفي دامع
وفكري مسقومٌ وعقلي ذاهب ... ودمعي مسفوحٌ وداري بلا قع
(2/391)

وقالت ليلى الأخيلية المتوفاة سنة 80 هـ?
لعمرك ما بالموت عارٌ على الفتى=إذا لم تصبه في الحياة المعابرُ
وما أحدٌ حيٌّ وإن عاشَ سالماً ... بأخلد ممّن غيبتهُ المقابر
ومن كان مما يحدث الدَّهر جازعاً ... فلا بد يوماً يرى وهو صابر
وليس لذي عيش عن الموت مقصر ... وليس على الأيام والدهر غابر
ولا الحيّ مما يحدث الدَّهر معتب ... ولا الميت أن لم يصبر الحيّ ناشرُ
وكل شباب أو جديد إلى بلّى ... وكل امرئ يوماً إلى الله صائر

وقالت عائشة هانم التيمورية المتوفاة سنة 1300 هـ?
إن سألَ من غرب العيون بحور ... فالدَّهر باغ والزمانُ غدورُ
فلكلّ عين حقّ مدرار الدّما ... ولكل قلبٍ لوعةٌ وثبورُ
ستر السنا وتحجَّبت شمس الضّحى ... وتغيّبت بعد الشّروق بدور
ومضى الذي أهوى وجرّعني الأسا ... وغدت بقلبي جذوة وسعير
يا ليته لمَّا نوى عهد النّوى ... وافى العيون من الظّلام نذير
ناهيك ما فعلت بماء حشاشتي ... نارٌ لها بين الضلوع زفير
لو بثّ حزني في الورى لم يلتفت ... لمصاب قيسٍ والمصاب كبير
طافت بشهر الصوم كاسات الرَّدى ... سحراً وأكوابُ الدّموع تدّور
فتناولت منها ابنتي فتغيَّرت ... وجنات خدّ شانها التَّغيير
فذوت أزاهير الحياة بروضها ... وانقدَّ منها مائسٌ ونضير
لبستْ ثيابَ السُّقم في صغرٍ وقد ... ذاقتْ شراب الموت وهو مرير
جاء الطبيب ضحّى وبشّر بالشفا ... إن الطبيب بطبّه مغرور
وصفَ التجرُّع وهو يزعم أنهُ ... بالبرءِ من كل السّقامِ بشير
(2/392)

وارحم شبابي إن والدتي غدت ... ثكلى يشير لها الجوى وتشير
وارأف بعين حرّمت طيب الكرى ... تشكو السُّهاد وفي الجفون فتور
لمّا رأت يأس الطبيب وعجزه ... قالت ودمعُ المقلتين غزير
أماه قد كلّ الطّبيبُ وفاتني ... ممّا أؤمّلُ في الحياة نصير
لو جاءَ عرَّاف اليمامة يبتغي ... يرئي لردّ الطّرف وهو حسير
يا روع روحي حلّها نزعُ الضنّا ... عمّا قليل ورقها ستطيرُ
أمّاه قد عزّ اللقاءُ وفي غدٍ ... سترين نعشي كالعروس يسيرُ
وسينتهي المسعى إلى الّلحد الذي ... هو منزلي وله الجموع تصيرُ
قولي لرب اللحد رفقاً بابنتي ... جاءت عروساً ساقها التّقدير
وتجلّدي بإزاء لحدي برهة ... فتراك روحٌ راعها المقدور
أماه قد سلفت لنا أمنيةً ... يا حسنها لو ساقها التيسير
كانت كأحلامٍ مضتْ وتخلفتْ ... مذْ بان يوم البين وهو عسير
عودي إلى ربعٍ خلا ومآثر ... قد خلّفتْ عنّي لها تأثير
صوني جهاز العرس تذكاراً فلي ... قد كان منه إلى الزّفاف سرور
جرت مصائب فرقتي لك بعدَ ذا ... لبس السّواد ونفّذَ المسطور
والقبرُ صار لغصن قدَّي روضةٌ ... ريحانها عند المزار زهور
أماه لا تنسي بحقّ بنوتي ... قبري لئلا يحزن المقبور
ورجاء عفو أو تلاوة منزل ... فسواك من لي بالحنين يزور
فلعلما أحظى برحمة خالق ... هو راحمٌ برٌّ بنا وغفور
فأجبتها والدّمع يحبسُ منطقي ... والدّهر من بعد الجوار يجور
بنتاه يا كبدي ولوعة مهجتي ... قد زال صفوٌ شانه التكدير
لا توصي ثكلى قد أذاب فؤادها ... حزنٌ عليك وحسرةٌ وزفير
قسماً بغضّ نواظري وتلهفي ... مذ غاب إنسانٌ وفارقَ نور
وبقلتي ثغراً تقضّي نحبه ... فحرمتُ طيب شذاه وهو عطير
والله لا أسلو التلاوة والدُّعا ... ما غرَّدت فوقَ الغصون طيور
كلا ولا أنسى زفير توجعي ... والقدّ منك لدى الثرى مدثور
إني ألفت الحزن حتى أنّني ... لو غاب عنّي ساءني التأخير
قد كنتُ لا أرضى التّباعد برهة ... كيف التّصبّر والبعاد دهور
أبكيك حتى نلتقي في جنّة ... برياض خلد زينتها الحور
(2/393)

إن قيل على "توحيدة" الحسن التي ... قد غاب بدرُ جمالها المستور
قلبي وجفني واللسان وخالقي ... راض وباك شاكرٌ وغفور
متعتِ بالرّضوان في خلد الرّضا ... ما ازّنيت لك غرفة وقصور
وسمعت قول الحقّ للقوم داخلوا ... دار السّلام فسعيكم مشكور
هذا النّعيم به الأحبة تلتقي ... لا عيشَ إلا عيشهُ المبرور

وقالت المرحومة ملك حفني ناصف ترثي عائشة هانم تيمور
ألا يا موت ويحك لم تراع ... حقوقاً للطروس ولا اليراع
تركتَ الكتب بالكيةٌ بكاءً ... يشيبُ الطفل في عهد الرضاع
ولم تهب الفضائلَ والمعالي ... وطول السّعي في خير المساعي
ولم يمنعك ممّا رمتَ نثرٌ ... ولا شعرٌ ولا حسنُ ابتداع
نراك تجودُ بالأرزاء حتى ... عددنا البخلَ من كرم الطّباع
فذبْ يا قلبُ لا تكُ في جمّود=وزد دمع لا تكُ في امتناع
ولا تبخل عليّ وكن جموماً ... فكنز العلم أمسى في ضياع
سنبقى بعد عائشةٍ حيارى ... كسربٍ في الفلاةَ بغير راع
لقد فقدت ولم تفقد علاها ... وهل شمسٌ تغيب بلا شعاع
هي الدُّرّ المصون ببطن أرض ... وقد كانت كذلك في قناع
هي البحرُ الخضمّ ومات سمعنا ... بأن البحرَ يدفن في التّلاع
لها القدحُ المعلّى في العوالي ... وفي نشر المعارف طول باع
فيا شمس المحامد غبت عنّا ... وخلفت البكاءَ لكل ناع
ويا خيرَ النساءِ بلا خوف ... وقدوتنا بلا أدنى نزاع
لقد أحييت ذكر نساء مصر ... وجدّدت العلا بعد انقطّاع
وشدت صروح طهر باذخات ... محصّنةٍ كتحصين القلاع
(2/394)

وقال المرحوم حفني بك ناصف راثياً عبد الله باشا فكري
ليدعِ المدّعون العلم والأدبا ... فقد تغيّبَ عبدُ الله واحتجا
ولينتسب أدعياء الفضل كيف قضت ... آراؤهم إذا قضى من يحفظ النّسبا
وليفخر اليوم قومٌ باليرّاع ولا ... خوفٌ عليهم فمن يخشونه ذهبا
وليرق من شاء أعواد المنّابر إذا ... مات الذي يتقّيهِ كلّ من خطبا
لو عاش لم يطرق الأسماع ذكرهم ... في طلعة الشمس من ذا يبصرُ الشُّهبا
فليسمُ من شاء بالإنشاءِ لا عجبٌ ... مضى الذي كان من آياته عجبا
طودٌ من الفضل من بعد الرُّسوخ هوى ... وكوكب بعد أن أبدي الهدى غربا
أجلْ فقد مات عبدُ الله وا أسفا ... وأوحشتْ مصرُ من فكري فواحربا
فكلّ نفس لمعناه شكتْ وبكت ... وكلُّ فكرٍ بفكري ماجَ واضطربا
قضى الحياة ونصرُ الحقّ ديدنهُ ... لا ينثني رهناً عنه ولا رغبا
لا كان عيدٌ رأينا صفوه كدراً ... بفقدهِ وانثنت راحاته تعبا
سارت جنازتهُ والعلم في جزع ... والفضلُ يندبهُ في ضمن من ندبا

وقال أحمد بك شوقي يرثي مصطفى باشا كامل المتوفى 1326 هـ?
ألمشرقان عليك ينتحبان ... قاصيهما في مأنم والدَّاني
يا خادمَ الإسلام أجرَ مجاهد ... في الله من خلد ومن رضوان
الله يشهد أن موتك بالحجا ... والجدّ والإقدام والعرفان
إن كان للأخلاق ركن قائم ... في هذه الدنيا فأنت الباني
بالله فتَّش عن فؤادك في الثرى ... هل فيه آمالٌ وفيه أماني
وجدانك الحي المقيم على المدى ... ولربّ حيّ ميّت الوجدان
الناسُ جار في الحياة لغاية ... ومضللٌ يجري بغير عنان
(2/395)

والخلد في الدّنيا وليس بهيّن ... عليا المراتب لم تتح لجبان
فلو أن رسل الله قد جبنوا لما ... ماتوا على دين ولا إيمان
المجد والشرف الرّفيع صحيفةٌ ... جعلت لها الأخلاق كالعنوان
وأحبُّ من طول الحياة بذلّه ... قصرٌ يريك تقاصر الأقران
دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائقٌ وثواني
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها ... فالذّكر للإنسان عمرٌ ثاني
للمرء في الدّنيا وجمّ شؤونها ... ما شاء من ربح ومن خسران
فهي الفضاء لراغبٍ متطلّع ... وهي المضيق لمؤثر السُّلوان
النّاس غادٍ في الشفاء ورائح ... يشقى له الرّحماء وهو الأشجان
ومنعّم لم يلقَ إلاّ لذّة ... في طيّها شجنٌ من الأشجان
فاصبر على نعم الحياة وبؤسها ... نعمُ الحياة وبؤسها سيّان
يا طاهر الغدوات والرّوحات وال ... خطرات والأسرار والإعلان
هل قامَ قبلك في المدائن فاتحاً ... غازٍ بغير مهنّد وسنان
يدعو إلى العلم الشريف وعنده ... أنّ العلوم دعائم العمران
لفّوك في علم البلاد منكساً ... جزع الهلالُ على فتى الفتيان
ما احمر من خجل ولا من رتبة ... لكنّما يبكي بدمع قاني
يزجون نعشك في السّناء وفي السّنا ... فكأنما في نعشك القمران
وكأنه نعش (الحسين بكربلا) ... يختال بين بكّي وبين حنّان
في ذمّة الله الكريم وبرّه ... ما ضمّ من عرف ومن إحسان
(ومشى جلال الموت وهو حقيقةٌ ... وجلالك المصدوق يلتقيان)
شقتْ لمنظرك الجيوب عقائلٌ ... وبكتك بالدّمع الهتون غواني
والخلق حولك خاشعون كعهدهم ... إذ ينصتون لخطبة وبيان
(2/396)

يتساءلون بأيّ قلب ترتقي ... بعد المنابر أم بأيّ لسان
فلو أن أوطاناً تصوّر هيكلا ... دفنوكَ بين جوانح الأوطان
أو كان يحملُ في الجوارح ميّت ... حملوكَ في الأسماع والأجفان
أو صيغ من غرر الفضائل والعلى ... كفنَ لبست أحاسن الأكفان
أو كان للذّكر الحكيم بقيّة ... لم تأت بعدُ رثيتَ في القرآن
يا صبَّ مصر ويا شهيد غرامها ... هذا ثرى مصرِ فنم بأمان
اخلع على مصرٍ شبابك عالياً ... والبس شباب الحور والولدان
فلعلَّ مصراً من شبابك ترتدي ... مجداً تتيه به على البلدان
فلو أن بالهرمين من عزماته ... بعض المضاء تحرّك الهرمان
علّمتَ شبّان المدائن والقرى ... كيف الحياة تكون في الشبّان
مصر الأسيفةُ ريفها وصعيدها ... قبرٌ أبرُّ على عظامك حاني
أقسمت أنّك في التّراب طهارة ... ملك يهابُ سؤاله الملكان

وقال ابن هانئ الأندلس يرثي إبراهيم بن جعفر بن علي
وهبَ الدّهر نفيساً فاستردْ ... ربّما جادَ بخيلٌ فحسد
خاب من يرجو زماناً دائماً ... تعرف الباساءُ منه والنَّكد
فلقد أذكر منْ كان سها ... ولقد نبّه منْ كان رقد
قلْ لمنْ شاءَ يقل ما شاءه ... إنّ خصمي في حياتي لألد
منتضٍ نصلاً إذا شاء مضى ... رائشٌ سهماً إذا شاء قصدْ
ماتَ منْ لو عاش سرباله ... غلبَ النّور عليه فاتقد
إنما كان شهاباً ثاقباً ... صعق الّليل له ثم خمد
لا رجاءٌ في خلود كلّنا ... واردُ الماءِ الذي كان ورد
(2/397)

وقال شاعر النيل أحمد بك شوقي راثياً

خلقنا للحياة وللممات ... ومن هذين كلّ الحادثات
ومن يولك يعش ويمت كان لم ... يمرَّ خياله بالكائنات
ومهدُ المرء في أيدي الرواقي ... كنعش المرء بين النائحات
وما سلم الوليد من اشتكاء ... فهل يخلو المعمّر من أداة
هي الدنيا قتالٌ نحن فيه ... مقاصد للحسام وللقنّاة
وكل الناس مدفوع إليه ... كما دفع الجبان إلى الثّبات
نروع ما نروّع ثم نرمى ... بسهم من يد المقدورِ آتٍ

وقال محمد بك حافظ إبراهيم راثياً الإمام الشيخ محمد عبده
سلامٌ على الإسلام بعد محمدٍ ... سلامٌ على أيامه النّضراتِ
لقد كنت أخشى عادي الموت قبله ... فأصبحتُ أخشى أن تطول حياتي
فوالهفي والقبرُ بيني وبينه ... على نظرةٍ من تلكمُ النظراتِ
وفقت عليه حاسرَ الرأس خاشعاً ... كأنّي حيال القبر في عرفاتِ
أبنتَ لنا التنزيلَ حكماً وحكمة ... وفرَّقت بين النور والظلّمات
ووفقت بين الدّين والعلم والدّجى ... فأطلعت نوراً من ثلاث جهات
وقفتَ (لها نوتر ورينان) وقفة ... أمدّك فيها الروح بالنفحاتِ
وخفتَ مقام الله في كل موقفٍ ... فخافك أهل الشكْ والنَّزعاتِ
وأرصدت للباغي على دين أحمد ... شباة يراعٍ ساحر النفثاتِ
مشى نعشه يختال عجباً بربه ... ويخطر بين الّلمس والقبلات
بكى الشرق فارتجت له الأرض رجّة ... وضاقت عيون الكون بالعبراتِ
(2/398)

بكى عالمُ الإسلام عالمَ عصره ... سراج الدَّياجي هادم الشبهات
فيا ويح للشُّورى إذا جدّ جدذها ... وطاشت بها الآراء مشتجرّاتِ
ويا ويح للفتيا إذا قيل منْ لها ... ويا ويح للخيرات والصّدقات
بكينا على فرد وإن بكاءنا ... على أنفس لله منقطعات
تعهدها فضل الإمام وحاطها ... بأحسانه والدّهر غير مؤآني
(2/399)

الباب الثامن
في الحكم والنصائح قال عبيد بن الأبرص
كفى زاجراً للمرء أيّام دهرهِ ... تروح له بالواعظاتِ وتغتدي
إذا أنت طالبت الرجال نوالهم ... فعفّ ولا تطلب بجهد فتنكد
عسى سائل ذو حاجة غن منعته ... من اليوم سؤلاً أن يسرّك في غد
ولا تقعدن عن سعي ما قد ورثته ... وما استطعت من خير لنفسك فازدد
إذا ما رأيت الشرّ يبعث أهله ... وقام جناة الشرّ بالشرّ فاقعد
وبالعدل فانطلق إن نطقت ولا تج ... وذا الذمّ فاذممه وذا الحمد فاحمد
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
(2/400)

ولا ابتغي ودّ امرئ قلّ خيره ... وما أنا عن وصل الصديق بأحيد
إذا أنت حملت الخؤون أمانة ... فإنك قد أسندتها شرّ مسند
ولا تظهرن ودّ امرئ قبل خبره ... وبعد بلاء المرء فاذمم أو أحمد

وقال أبو بكر محمد بن الحسين بن دريد الأزدي المتوفى سنة 321 هـ?
يا ظبيةً أشبهَ شيءٍ بالمها ... ترعى الخزامى بين أشجارِ النَّقا
إما ترى رأسي حاكى لونه ... طرَّة صبحٍ تحت أذيال الدُّجى
واشتعل المبيضُّ في مسوده ... مثل اشتعال النَّار في جزل الغضى
فكان كالليل البهيم حلّ في ... أرجائه ضوء صباحٍ فانجلى
وغاض ماءَ شرَّتي دهرٌ رمى ... خواطر القلب بتبريح الجوى
وآض روضُ الّلهو يبساً ذاويا ... من بعد ما قد كان مجاجَ الثرى
وضرّمَ النّأيُ المشتُّ جذوةٌ ... ما تأتلي تسفعُ أثناءَ الحشى
واتخذ التّمهيد عيني مألفاً ... لمّا جفا أجفانها طيفُ الكرى
(2/401)

فكلُّ ما لاقيتهُ مفتفرٌ ... في جنبٍ ما أسأره شحط النَّوى
لوْ لابسَ الصّخرَ الأصمَّ بعضُ ما ... يلقاه قلبي فضَّ أصلادَ الصّفا
إذا ذوي الغصنُ الرطيبُ فاعلمن ... أنّ قصاراه نفاد وتوى
شجيتُ لا بلْ أجرضتني غصَّه ... عنودها اقتلُ لي من الشجى
إنْ يحمِ عن عيني البكا تجلُّدي ... فالقلب موقوف على سبل البكا
لو كانت الأحلام ناجتني بما ... ألقاهُ يقظانَ لأصماني الرَّدى
منزلة ما خلتها يرضى بها ... لنفسه ذو أدب ولا حجا
شيمُ سحابٍ خلَّب بارقه ... وموقفٌ بين أرتجاء ومنّى
في كل يوم منزلٌ مستوبلٌ ... يشتفُ ماءَ مهجتي أو مجتوي
ما خلت أن الدّهر يثنني على ... ضرَّاء لا يرضى بها ضبُّ الكدى
أرمق العيش على برض فإن ... رمت ارتشافاً فارمت صعبَ المنتسى
أراجعٌ لي الدَّهر حولاً كاملاً ... إلى الذي عوّد أم لا يزتجي
يا دهر إن لم تك عتبى فائتد ... فإنّ إروادك والعتبى سوى
(2/402)

رفه عليّ طالما أنصبتني ... واستبقِ بعض ماءِ غصنِ ملتحى
لا تحسبنْ يا دهر أني ضارعٌ ... لنكبةٍ تعرقني عرقَ المدى
مارستَ من لو هوت الأفلاك من ... جوانب الجوّ عليه ما شكا
لكنها نفثةُ مصدورٍ إذا ... جاش لغامٌ من نواحيها غما
رضيت قسراً وعلى القسر رضى ... من كان ذا سخط على صرف القضا
إن الجديدين إذا ما استوليا ... على جديدٍ أذنياه للبلى
ما كنتُ أدري والزّمان مولعٌ ... بشتَّ ملمومٍ وتنكيث قوي
إنّ القضاء قاذفي في هوَّةٍ ... لا تستبلُّ نفس من فيها هوى
فإن عثرتُ بعدها غن وألتْ ... نفسي من هاتا فقولا لا لعا
وإن تكن مدتها موصولةً ... بالحتف سلّطتُ الأسى على الأسا
إنَّ امرأ القيس جرى إلى مدى ... فاعتاقه حمامهُ دون المدى
(2/403)

وخامرت نفسُ أبي الجبرِ الجوى ... حتى حواه الحتف فيمن قد حوى
وابن الأشجّ القيلُ ساق نفسه ... إلى الرَّدى حذار إشمات العدى
واحترم الوضّاح من دون التي ... أملّها سيفُ الحمامِ المنتضى
فقد سما قبلي يزيدُ طالباً ... شأو العلا فما وهيَ ولا ونى
فاعترضت دون الذي رام وقد ... جدّ به الجدُّ الهيمُ الأربى
هل أنا بدعٌ من عرانين علاَ ... جار عليهم صرف دهر واعتدى
فإن أنالتني المقاديرُ الذي ... أكيده لم آل في رأب الثأى
وقد سما عمرو إلى أوتاره ... فاحتطَّ منها كلَّ عالي المستمى
(2/404)

فاستنزل الرَّبَّا قسراً وهي من ... عقاب لوح الجوَ أعلى منتمى
وسيفٌ استعلتْ به همتهُ ... حتى رمى أبعد شاو المرتمى
فجرّع الأحبوش سمّاً ناقعاً ... واحتلّ من غمدان محراب الدُّمى
ثم ابن هند باشرتْ نيرانه ... يوم أوراتٍ تميماً بالصلا
ما اعتنّ لي بأس يناجي همتي ... إلا تحداهُ رجاءٌ فاكتمى
أليّة باليعملاتِ يرتمى ... بها النَّجاء بين أجوزِ الفلا
خوص كأشباح الحنايا ضمرّ ... يرعفن بالأمشاج منْ جذب البري
(2/405)

يرسبن في بحر الدُّجى وبالضُّحى ... يطفون في الآل إذا الآل طفا
أخفافهنّ من حفّا ومن وجّى ... مرثومةٌ تخضبُ مبيض الحصا
يحملن كلّ شاحبٍ محقوقف ... من طول تدآب الغدوّ والسُّرى
بارٌّ برى طولُ الطوى جثمانه ... فهو كقدحِ النّبع محني القرا
ينوي التي فضلها ربّ العلى ... لما دحا تربتها على البنى
حتى إذا قابلها استعبر لا ... يملك دمع العين من حيث يرى
ثمّت طاف وانثنى مستلماً ... تمَّت جاءَ المروتين فسعى
وأوجب الحجَّ وثنى عمرةً ... من بعد ما عجَّ ولبَّى ودعا
ثمَّت راح في الملبين إلى ... حيث تحجّى المأزمان ومنى
(2/406)

ثم أتى التعريف يقرو مختباً ... مواقفاً بين الآل فالتَّقا
واستأنف السّبع وسبعاً بعدها ... والسَّعى ما بين العقابِ والصُّوى
وراح للتَّوديع فيمن راح قد ... أحرز أجراً وقلى هجر اَّلغا
بذاك أم بالخيل تعد المرطى ... ناشزةً أكتادها قبَّ الكلى
شعثاً تعادى كسراحين الغضا ... ميل الحماليق يبارين الش?با
يحملن كلّ شمَّري ياسل ... شهم الجنانِ خائضٍ غمر الوغى
يغشى صلا الحربِ بحدَّيه إذا ... كان لظى الحرب كريه المصطلى
لو مثّل الحتفُ لهث قرناً لما ... صدتهُ عنهُ هيبة ولا انثنى
ولوْ حمى المقدار عنهُ مهجه ... لرامها يستبيح ما حمى
تغدو المنايا طائعاتٍ أمرهُ ... ترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى
(2/407)

بل قسماً بالشمّ منْ يعربَ هل ... لمقسمٍ من بعد هذا منتهى
همُ الأولى إن فخروا قال العلا ... بفي امرئ فاخركم عفرا البرا
همُ الأولى اجروا ينابيع النّدى ... هاميةً لمنْ عرا او اعتفى
همُ الَّذين دوخوا من انتحى ... وقوموا منْ صعر ومن صغا
همُ الَّذين جرعوا فما حلّوا ... أفارق الضَّيم ممراة الحسا
أزال حشو نثرةِ موضونة ... حتى أورى بين أثناءِ الحثى
وصاحبيَّ صارمٌ في متنه ... مثلُ مدبّ النّمل يعلو في الرُّبى
أبيض كالملح إذا انتصيته ... لم يلق شيئاً حدُّهُ إلاّ فرى
كأنّ بين عيره وغرّ به ... مفتأداً تأكلتْ فيه الجذى
يري المنونَ حين تقفو إثرهُ ... في ظلمِ الأكبادِ سبلاً لا ترى
إذا هوى في جثةٍ غادرها ... من بعدما كانت خساً وهي زكا
ومشرفُ الأقطار خاطٍ نحضهُ ... حابى القصيرى جرشعٍ عردُ النسى
(2/408)

قريبُ ما بين القطاة والمطا ... بعيد ما بين القذال والصُّلا
سامي التَّليل في دسيع مقعمٍ ... رحب اّلليان في أمينات العجى
ركينَ في حواشبٍ مكتنةٍ ... إلى نسور مثل نلفوظ النوى
يرضخ بالبيدِ الحصى فإن رقى ... إلى الرُّبى أورى بها نارَ الحبا
يديرُ إغليطين في ملمومةٍ ... إلى لموحين بألحاظ اللأى
مداخلُ الحلقَ رحيبٌ شجرهُ ... مخلولقُ الصَّهوةِ ممسودٌ وأى
لا صككٌ يشينه ولا فجا ... ولا دخيسٌ واهنٌ ولا شطا
يجري فتكبوا الرّيح في غاياته ... حسرى تلوذ بجراثيم السَّحا
لو اعتسفتَ الأرض فوق متنه ... يجوبها ما خفتَ أن يشكو الوجى
تظنهُ وهو يرى محتجباً ... عن العيون إن دأى أو إن ردى
إذا اجتهدت نظراً في إثره ... قلت سناً أو مض أو برقٌ خفا
(2/409)

كأنمّا الجوزاءٌ في أرساغه ... والنجم في جبهته إذا بدا
هما عتادي الكافيان فقد من ... أعددتهُ فلينأ عنَّي من نأى
فإن سمعت برحّى منصوبة ... للحزب فاعلم أنّني قطب الرَّحى
وإن رأيت نار حرب تلتظى ... فاعلم بأني مسعرٌ ذاك اللظى
خيرُ النفوس الَّسائلاتُ جهرةً ... على ظباتِ المرهفات والقنا
إنّ العراق لم أفارقْ أهله ... عنْ شنآنٍ صدّني ولا قلى
ولا أطّبي عيني مذ فارقتهم ... شيءٌ يروق العين من هذا الورى
هم الشَّناخيبُ المنيفاتُ الذرا ... والناس أدحالٌ سواهم وهوى
همُ البحور زاخرٌ ادبُّها ... والناس ضخضاح ثعابٌ وأضى
إن كنتُ أبصرتُ لهم من بعدهم ... مثلاً فأغضيتُ على وخز السّفا
حاشا الأميرينِ الذين أوفدا ... عليَّ ظلاَّ منْ نعيمٍ قد ضفا
هما الّلذان أثبتا لي أملاً ... قد وقف اليأسُ به على شفا
(2/410)

تلافيا العيش الذي رنَّقه ... صرفُ الزّمان فاستساغَ وصفا
وأجريا ماءَ الحيا لي رغداً ... فاهتزَّ غصني بعدما كان ذوى
هما الّلذان سموا بناظري ... من بعد إغضائي على لذعِ القذى
هما الّلذان عمَّرا لي جانيا ... من الرّجاءِ كان قدماً قدْ عفا
وقلّداني منَّهُ لوْ قرنتْ ... بشكر أهل الأرض عنّي ما وفى
بالعشر من معشارها وكان كال ... حشوة في آديّ بحرِ قد طمى
إنّ ابنَ ميكال الأميرَ انتاشني ... من بعدما قد كنتُ كالشيء الّلقا
ومدَّ ضبعيَّ أبو العبّاس من ... بعد انقباض الدَّرعِ والباعِ الوزى
ذاك الذي ما زال يسمو للعلا ... بفعله حتى علا فوق العلا
لو كان يرقّى أحدٌ بجوده ... ومجده إلى السَّماء لارتقى
ما إن أتى بحرَ نداه معتفٍ ... على أوارى علم إلا ارتوى
نفسي الفداءُ لأميري ومنْ ... تحت السماءِ لأميريّ الفدا
لا زال شكري لهما موصلا ... لفظيَ أو يعتاقني صرفُ المنى
(2/411)

إن الأولى فارقتُ من غير قلى ... ما زاغ قلبي عنهم وما هفا
لكنَّ لي عزماً إذا امتطيتهُ ... لمبهمِ الخطبِ فآهُ فانفأى
ولو أشاءُ ضمَّ قطريه الصَّبا ... عليّ في ظلّ نعيم وغنى
ولا عبتني غاذةٌ وهنانة ... تضني وفي ترشافها برءُ الضنى
تفري بسيفِ لحظها غن نظرتْ ... نظرةَ غضبى منك اثناء الحشا
في خدّها روضٌ من الورد على النَّس ... رين بالألحاظِ منها يجتنى
لو ناجتِ الأعصمَ لانحطّ لها ... طوعَ القياد في شماريخ الذُّرا
أوْ صابت القانتَ في مخلولقِ ... مستصعبٍ المسلكَ وعر المرتقى
ألهاه عنْ تسبيحه ودينه ... تأنيسها حتى تراه قد صبا
كأنّما الصّهباء مقطوبٌ بها ... ماءُ جنى وردٍ إذا الّليلُ عسا
يمتاحهُ راشفُ بردٍ ريقها ... بين بياض الظَّلم منها والَّلمى
سقى العقيق فالحزيز فالملا ... إلى النَّحيت فالقريّات الدُّنا
(2/412)

فالمريد الأعلى الذي يلقى به ... مصارع الأسد بألحاظ المها
محلَّ كلّ مقرم سمتْ به ... مآثر الأباءِ في فرع العلا
من الأولى جوهرهمْ إذا اعتزوا ... منْ جوهر منهُ النبيّ المصطفى
صلَّى عليه ما جنَّ الدُّجى ... وما جرت في فلك شمس الضحى
جونٌ أعارته الجنوبُ جانباً ... منها وواصتْ صوبهُ يدُ الصَّبا
نأى يمانياً فلمَّا انتشرتُ ... أحضانهُ وامتدّ كسراه غطا
فجلّل الأفق فكلُّ جانبٍ ... منها كأن من قطره المرن حبا
وطبّق الأرض فكل بقعةٍ ... منها تقولُ الغيثُ في هاتا ثوى
إذا خبت بروقهُ عنّتْ لها ... ريحُ الصَّبا تشبُّ منها ما خبا
وإنْ ونتْ رعودهُ حدا بها ... راعي الجنوبِ فحدثْ كما حدا
(2/413)

كأنّ في أحضانهِ وبركهِ ... بركاً تداعى بينَ سجر ووحى
لم تر كالمرنِ سواماً بهلاَ ... تحتسبها
مرعيَّة وهي سدا
تقولُ للأجراز لمّا استوسقتْ ... بسوقهِ ثقي بريّ وحيا
فأوسعَ الأحداب سيباً محسباً ... وطبّق البطنان بالماءِ الرّوى
كأنما البيداءُ غيبَّ صوبه ... بحرٌ طما تيارهُ ثمّ سجا
ذاك الجدا لا زال مخصوصاً به ... قوم هم للأرض غيثٌ وجدا
لستُ إذا ما بهظتني غمرةٌ ... ممن يقول بلغ السّيلُ الزُّبى
نهنهتها مكظومةً حتى يرى ... مخضوضعاً منها الذي كان طغا
ولا أقول إن عرتني نكبةٌ ... قول القنوطِ انقدّ في البطن السّلا
(2/414)

قد مارستْ منّي الخطوبُ مارساً ... يساورُ الهول إذا الهولُ علا
طمعي شريُّ للعدوّ تارة ... والرَّاح والأريُ لمن ودّي ابتغي
لدنٌ إذا لوينتُ سهلٌ معطفي ... ألوى إذا خوشنتُ مرهوب الشدّا
يعتصمُ الحلمُ بجنبيْ حبوتي=إذا رياحُ الطّيشِ طارتْ بالحبا
لا يطبيني طمعُ مدنّسٌ ... إذا استعمالَ طمعٌ أواطبى
وقد علتْ بي رتباً تجاربي ... أشفين بي منها على سباِ النُّهى
إن امرؤٌ خيف لإفراط الأذى ... لم يخش مني نزقٌ ولا أذى
من غير ما وهن ولكنّي امرؤٌ ... أصونُ عرضاً لم يدنسهُ الطُّخا
وصونُ عرض المرءِ أن يبذلَ ما ... ضنّ به ممّا حواهُ وانتضى
والحمد قرن ناجم في زمن ... فهو شبيهُ زمن فيه بدا
والناس كالنّبت فمنهمْ رائقٌ ... غضَّ نضيرٌ عوده مرُّ الجنى
ومنهُ ما تقتحم العين فإن ... ذقت جناه انساغ عذاباً في اللها
يقومُ الشارخُ منْ زيغانهَ ... فيستوي ما انعاجَ منهُ وانحنى
والشّيخ إن قومتهُ منْ زيغه ... لمْ يقم التثقيفُ منه ما التوى
كذلك الغصن يسيرٌ عطفه ... لدناً شديدٌ غمزهُ إذا عسا
من ظلمَ الناس تحاموا ظلمهُ ... وعزَّ عنهم جانباه واحتمى
(2/415)

وهم لمنْ لان لهم جانبه ... أظلمُ من حيّاتٍ أنباثِ السّفا
عبيدُ ذي المال وإن لم يطمعوا ... منْ غمره في جرعه تشفي الصدى
وهم لمنْ أملقَ أعداءٌ وإن ... شاركهم فيما أفاد وحوى
عاجمتُ أيامي وما الغرّ كمن ... تأزرَ الدَّهرُ عليهِ واعتدى
لا يرفعُ الّلبُّ بلا جدَّ ولا ... يحطُّكَ الجهل إذا الجدُّ علا
منْ لم يعظهُ الدَّهر لم ينفعه ما ... راحَ به الواعظ يوماً أو غدّاً
من لم تفدهُ عبراً أيامهُ ... كان العمى أولى به من الهدى
منْ قاس ما لم يره بما يرى ... أراهُ ما يدنو إليه ما نأى
منْ ملكَ الحرصَ القيادَ لم يزل ... يكرعُ منْ ماءِ من الذُّلّ صرى
منْ عارض الطماع باليأسِ رنتْ ... إليه عينُ العزّ من حيث رنا
منْ عطف النَّفس على مكروها ... كان الغنى قرينه حيثُ انتوى
من لم يقف عند انتهاء قدره ... تقاصرت عنه فسيحات الخطا
منْ ضيع الحزم جنى لنفسه ... ندامةً ألذع من سفع الذَّكا
من ناط بالعجبِ عرى أخلاقه ... نيطت عرى المقتِ إلى تلك العرى
منْ طالَ فوقَ منتهى بسطته ... أعجزه نيل الدُّنى بله القصا
(2/416)

من رام ما يعجزُ عنه طوقهُ=ملعبء يوماً آض مجزول المطا
والناس ألفٌ منهمُ كواحد ... وواحدٌ كالألف أن أمرق عنى
وللفتى ماله ما قدمتْ ... يداه قبل موتهِ لا ما اقتنى
وإنما المرءُ حديثٌ بعده ... فكن حديثاً حسناً لمن وعى
إنّي حلبتُ الدّهر شطريه فق ... أمرَّ لي حيناً وأحياناً حلا
وفرَّ عن تجربة نابي فقلْ ... في بازلٍ راضَ الخطوبَ وامتطى
والناس للموتِ خلاً يلسُّهمْ ... وقلّ ما يبقى على الَّلسّ الخلا
عجبت منْ مستيقن أنّ الرّدى ... إذا أتاه لا يداوي بالرُّقى
وهو من الغفلةِ في أهويةٍ ... كخابط بين ظلام وعشا
نحن ولا كفران لله كما ... قد قيل للسّارب أخلى فارتعى
إذا أحسَّ نبأةً ريعَ وإنْ ... تطامنتْ عنه تمادى ولها
كثلةٍ ريعت لليثِ فانزوت ... حتى إذا غاب اطمأنَّت إنْ مضى
نهالُ للسّير الذي يروعنا ... ونرتعي في غفلة إذا انقضى
إن الشقاءَ بالشقيّ مولعٌ ... لا يملكُ الرَّدَّ له إذا أتى
والّلوم لحرّ مقيمٌ رادعٌ ... والعبدُ لا يردعهُ إلاّ العصا
وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواهُ عقله فقد نجا
كم من أخٍ مسخوطة أخلاقه ... أضفيتهُ الودَّ لخلق مرتضى
إذا بلوتَ السيَّف محموداً فلا ... تذممه يوماً أن تراه قد نبا
والطّرف يجتاز المدى وربّما ... عنَّ لمعداهُ عثارٌ فكبا
منْ لك بالمهذَّب النّدبِ الذي ... لا يجدُ العيبُ إليهِ مختطى
إذا تصفَّحت أمور الناس لم ... تلف امرأَ حاز الكمال فاكتفى
عوّلْ على الصبّر الجميل أنّه ... أمنعُ ما لاذ به أولوا الحجا
وعطّفِ النّفس على سبلِ الأسى ... إذا استفزّ القلب تبريح الجوى
(2/417)

والدّهر يكبو بالفتى وتارة ... ينهضهُ منْ عثرةٍ إذا كبا
لا تعجبنْ من هالكٍ كيف هوى ... بلى فاعجبن من سالمٍ كيف نجا
إنّ نجوم المجدِ أمستْ أفّلا ... وظلّهُ القالصُ أضحى قد أزى
إلا بقايا منْ أناسٍ بهم ... إلى سبيلِ المكرمات يقتدى
إذا الأحاديث انتضتْ أنباءهم ... كانت كنشر الرَّوض غاداهُ السَّدى
لا يسمع السّامع في مجلسهم ... هجراً إذا جالسهم ولا خنا
ما أنعم العيشة لو أن الفتى ... يقبل منه الموتُ أسنّاء الرُّشا
أو لو تحلَّى بالشبّاب عمرهُ ... لم يستبله الشَّيبُ هاتيك الحلى
هيهات مهما يستعرّ مسترجعٌ ... وفي خطوب الدّهر للناس أسى
وفتية سامرهم طيفٌ السكرى ... فسامروا النَّوم وهم غيد الطّلى
والليل ملقٍ بالموامي بركهُ ... والعيس ينبئن أفاحيص القطا
بحيث لا تهدي لسمع نبأة ... إلاّ نئيمُ البوم أو صوت الصَّدى
شايعتهم على السُّرى حتى إذا ... مالت أداةُ الرّحلِ بالحبس الدّرى
قلت لهم إنّ الهوينا غبُّها ... وهنٌ فجدُّوا نحمدوا غب السرى
وموحش الأقطار طام ماؤهُ ... مدعثر الأعضادِ مزومِ الجبا
(2/418)

كأنما الرّيشُ على أرجائه ... زرقُ نصالِ أرهفت لتمتهي
وردتهُ والذئبُ يعوي حولهُ ... مسنكُّ سمُّ السمع من طول الطّوى
ومنتجٍ أمُّ أبيهِ أمُّهُ ... لم يتخوَّنْ جسمهُ مسّ الضّوى
أفرشتهُ بنتَ أخيه فانثنت ... عن ولد يورى به ويشتوى
ومرقبٍ مخلولقٍ أرجاؤهُ ... مستصعب المسلكِ وعرِ المرتقى
والشّخص في الآل يرى لناظر ... ترمقه حيناً وحيناً لا يرى
أوفيت والشّمس تمجُّ ريقها ... والضّلُّ من تحت الحذاءِ محتذى
وطارقٍ يؤنسهُ الذّئب إذا ... تضورّ عشاءً وانضوى
آوى إلى ناريَ وهيَ مألفٌ ... يدعو العفاةَ ضوؤها إلى القرى
لله ما طيفُ خيال زائرٍ ... تزفُّهُ للقلب أحلام الرُّؤى
يجوبُ أجواز الفلا محتقراً ... هول دجى الّليل إذا الّليل انبرى
(2/419)

سائلهُ إن أفصح عن أنبائه ... أنّى تسدَّى الليل أن أنّى اهتدى
أو كان يدري قبلها ما فارسٌ ... وما مواميها القفار والقرّى
وسائلي بمزعجي في وطني ... ما ضاق بيَ جنابهُ ولا نبا
قلتُ القضاءُ مالكٌ أمرَ الفتى ... من حيث لا يدري ومن حيث درى
لا تسألني واسأل المقدارَ هل ... يعصمُ منه وزرُ ومزدرى
لا بدّ أن يلقى امرؤٌ ما خطه ... ذو العرش مما هو لاقٍ ووحي
لا غرو إن لح زمان جائرٌ ... فاعترق العظم الممخّ وانتقى
فقد ترى القاحلَ مخصرّاً وقد ... تلقى أخا الأقتارِ يوماً قد نما
يا هؤليّا هلْ نشدتنَّ لنا ... ناقية البرقع عن عيني طلا
ما أنصفتْ أم الصَّبيَّين التي ... أصبتَ أخا الحلم ولما يصطبى
استحي بيضاً بين أفوادك أن ... يقتادك البيضُ اقتياد المهتدى
هيهات ما أسفعَ هاتا زلّةً ... أطرباً بعدَ المشيب والجّلا
ياربَ ليل جمعتْ قطريهِ لي ... بنتُ ثمانين عروساً تجتلى
(2/420)

لم يملك الماُء عليها أمرها ... ولم يدنسها الضَّرام المحتضى
حيناً هي الدَّاء وأحياناً بها ... من دائها إذا يهيج يشتفى
قد صانها الخمارُ لمّا اختارها ... ضنّا بها على سواها واختبى
فهي ترى من طول عهدٍ أن بدت ... في كاسها الأعين الناس كلا
كأنّ قرن الشّمس في ذرورها ... بفعلها في الصَّحن والكاس اقتدى
نازعتها أروع لا تسطو على ... نديمهِ شرَّتهُ إذا انتشى
كأن نور الرّوض نظمُ لفظه ... مرتجلاً أو منشداً أو إن شدا
من كلّ ما نال الفتى قد نلته ... والمرءُ يبقى بعده حسن الثّنا
فإن أمت فقد تناهت لذّتي ... وكلُّ شيء بلغ الحدّ انتهى
وغن اعش صاحبت دهري عالماً ... بما انطوى من صرفهِ وما انتشى
حاشا لما أساره فيّ الحجا ... والحلم أن أتبع رواد الخنا
أو أن أرى لنكبة مختضعاً ... أو لابتهاج فرحاً ومزدهى

وقال المثقب العبدي الجاهلي المتوفى سنة 587 م من قصيدة
لا تقولنّ إذا ما ترد ... أن تتمّ الوعد في شيء (نعم)
حسن قول (نعم (من بعد (لا) ... وقبيح قول (لا) بعد (نعم)
إن (لا) بعد (نعم) فاحشةٌ ... فبلا فابدأ إذا خفت الندم
وإذا قلت نعم فاصبر لها ... بنجاز الوعد إن الخلفَ ذم
(2/421)

اكرم الجار وراعٍ حقّه ... إن عرفان الفتى الحقَّ كرم
لا تراني راتعاً من مجلسِ ... في لحوم الناس كالسّبع الضّرم
إن شرّ الناس من يمدحني ... حين يلقاني وإن غبت شتم
وكلام سيءِ قد وقرت ... عنه أذناي بي من صمم
ولبعضُ الصفح والأعراض عن ... ذي الخنا أبقى وإن كان ظلم

وقال الأفوه الأودي الجاهي المتوفى سنة 570 م
البيت لا يبتنى إلا على عمد ... ولا عماد إذا لم ترسُ أوتاد
فإن تجمَّع أوتاد وأعمدة ... يوماً فقد بلغوا الأمر الذي كادوا
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولّت فبالأشرار تنقاد
إذا تولى سراة الناس أمرهم ... نما على ذاك أمر القوم فازدادوا
كيف الرشاد إذا ما كنت في بقر ... لهم عن الرّشد أغلال وأقياد
أعطوا غواتهمُ جهلاً مقادتهم ... فكلهم في حبال الفيّ منقاد

وقال الإمام علي كرم الله وجهه
أما والله الظَّلم شؤمق ... ولا زال المسيءُ هو الظّلومُ
إلى الدّيان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
ستعلم في الحساب إذا التقينا ... غداً عند المليك من الملوم
ستنقطع الّلذاذةُ عن أناسٍ ... من الدُّنيا وتنقطع الهموم
لأمر تصرّمت الليالي ... لأمرٍ ما تحرّمت النّجوم
سل الأيّام عن أمم تقضّتْ ... ستنبيك المعالم والرُّسوم
تروم الخلد في دار الدّنايا ... فكم قد رام غيرك ما تروم
تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبّه للمنيّة يا نؤوم
لهوت عن الفناء وأنتَ تفنى ... فما شيءٌ من الدُّنيا يدوم
تموت غداً وأنت قرير عين ... من الشّهوات في لجج تعوم
(2/422)

وقال أيضاً

عليك ببّر الوالدين كليهما ... وبرّ ذوي القربى وبرّ الأباعد
ولا تصحبن إلاّ تقيّا مهذباً ... عفيفاً ذكياً منجزاً للمواعد
وقارن إذا قارنتَ حرّاً مؤدباً ... فتى من بني الأحرار زين المشاهد
وكفّ الأذى واحفظ لسانك واتّق ... فديتك في ودّ الخليل المساعد
ونافس ببذل المال في طلب العلى ... بهمّة محمود الخلائق ماجد
وكن واثقاً بالله في كل حادثٍ ... يصنكَ مدى الأيام من شرّ حاسد
وبالله فاستعصم ولا ترجُ غيره ... ولا تكُ في النّعماءِ عنه بجاحد
وغضّ عن المكروه طرفك واجتنبْ ... أذى الجارِ واستسمك بحبل المحامد
ولا تبينِ في الدُّنيا بناءَ مؤمل ... خلوداً فما حيَّ عليها بخالد
وقال أيضاً

قدَّم لنفسك في الحياة تزوَّداً ... فلقد تفارقها وأنت مودّع
واهتم للسّفر القريب فإنه ... أنأى منَ السَّفر البعيد وأشنعُ
واجعل تزودُّدك المخافة والتُّقى ... فلعلّ حتفك في مسائك أسرعُ
واقنع بقوتك فالقناع هو الغنى ... والفقر مقرون بمن لا يقنع
وأحذر مصاحبة اللئام فإنهم ... منعوك صفو ودادهم وتصنّعوا
أهلُ المودّة ما أنلتهمُ الرَّضا ... وإذا منّعت فسمُّهم لك منقّع
لا تفش سراً ما استطعت إلى امرئ ... يفشى إليك سرائراً يستودع
فكما تراه بسّرٍ غيرك صانعاً ... فكذا بسرّك لا محالة يصنع
لا تبدأن بمنطق في مجلس ... قبل السُّؤال فإن ذلك يشنع
فالصمت يحسنُ كل ظنّ بالفتى ... ولعلهُ خرقٌ سفيهٌ أرقع
ودع المزاحَ قربَّ لفظةِ مازحٍ ... جلبت إليك بلابلاً لا تدفع
وحفاظَ جارٍ لا تضعهُ فإنه ... لا يبلغُ الشرفَ الجسيمَ مضيّع
(2/423)

وإذا استقالك ذو الإساءةِ عثرةً ... فأقلهُ إن ثواب ذلك أوسع
وإذا ائتمنت على السّرائر فاخفها ... واستر عيوب أخيك حين تطلَّع
لا يجزَعنَّ الحوادث إنما ... خرقُ الرّجال عن الحوادث يجزع
وأطعْ أباك بكل ما أوصى به ... إن المطيع أباه لا يتضعضعُ

وقال أيضاً

صن النّفس واحملها على ما يزينها ... تعشْ سالماً والقول فيك جميلُ
ولا تريَّن الناسَ إلا تجملاً ... نبا بك دهرٌ أو جفاك خليل
وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غدٍ ... عسى نكبات الدّهر عنك تزول
يعزُّ غنيُّ النّفس إن قلّ مالهُ ... ويفنى غنيُّ المال وهو ذليل
ولا خير في وُدّ امرئٍ متلونٍ ... إذا الرّيح مالت مال حيث تميل
جوادٌ إذا استغنيت عن أخذِ مالهِ ... وعند احتمال الفقر عنك بخيل
فما أكثر الأخوان تعدُّهم ... ولكنّهم في النائباتِ قليل

وقال عبد الله بن جعفر الطالبي المتوفى سنة 80 هـ?
إذا كنتَ في حاجةٍ مرسلاً ... فأرسلْ حكيماً ولا توصهِ
وإن بابُ أمرٍ عليك التوى ... فشاورْ لبيباً ولا تعصهِ
وإن ناصحٌ منكَ يوماً دنا ... فلا تنأ عنهُ ولا تقصهِ
ولا تذكر الدهرَ في مجلسٍ ... حديثاً إذا أنت لم تحصهِ
ونص الحديث إلى أهلهِ ... فإن الأمانةَ في نصّه
وكم من فتى عازبٍ لبهُ ... وقد تعجبُ العينُ من شخصهِ
وآخرَ تحسبهُ أنوكاً ... ويأتيكَ بالأمرِ من فصهِ

وقال أبو الأسود الدؤلي
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداءٌ له وخصومُ
(2/424)

وترى اللبيبَ محسداً لم يجترم ... شتمَ الرّجال وعرضهُ مشتوم
وكذاكَ من عظمتْ عليه نعمةٌ ... حساده سيفٌ عليه صروم
فاترك مجاراة السّفيه فإنها ... ندمٌ وغبٌّ بعد ذاك وخيم
فإذا جريتَ مع السّفيه كما جرى ... فكلاَ كما في جرْيه مذموم
وإذا عتبتَ على السّفيه ولمتهُ ... في مثل ما تأتي فأنت ظلوم
أيها الرجلُ المعلّم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصفُ الدّواءَ وذي السّقام وذي الضّنى ... كيما يصحُّ به وأنت سقيم
وأراك تصلحُ بالرّشاد عقولنا ... أبداً وأنت من الرّشاد عقيم
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإذا انتهتْ عنه فأنت حكيم
فهناك يقبلُ ما وعظتَ ويقتدى ... بالعلم منك وينفع التّعليم
لا تكلمنْ عرض بن عمّك ظالماً ... فإذا فعلتَ فعرضك المكلوم
وحريمه أيضاً حريمك فاحمهِ ... كيلا يباع لديك منه حريم
وإذا اقتصصت من ابن عمّك كلمةً ... فكلومهُ لك إن علقتَ كلوم
وإذا طلبت إلى كريم حاجةً ... فلقاؤه يكفيك والتّسليم
فإذا رآك مسلّماً ذكر الذي ... كلّمتهُ فكأنه ملزوم
ورأى عواقب حمدِ ذاك وذمّه ... للمرء تبقى والعظام رميم
فارجُ الكريم وإن رأيتَ جفاءه ... فالعتب منه والكريم كريم
إن كنتَ مضطرّاً وإلا فاتخذْ ... نفقاً كأنك خائفٌ مهزوم
واتركه واحذر أن تمرّ ببابه ... دهراً وعرضك إن فعلتَ سليم
فالناس قد صاروا بهائم كلُّهم ... ومن البهائم قائلٌ وزعيم
عميٌ وبكمٌ ليس يرجى نفعهم ... وزعيمهم في النّائبات مليم
وإذا طلبتَ إلى لئيم حاجة ... فألحّ في رفقٍ وأنت مديم
والزم قبالةَ بيته وفنائه ... بأشدّ ما لزمَ الغريَم غريمُ
وعجبت للدّنيا ورغبة أهلها ... والرّزق فيما بينهم مقسوم
والأحمق المرزوقُ أعجبُ من أرى ... من أهلها والعاقلُ المحروم
ثم انقضى عجبي لعلمي أنّه ... رزقُ موافٍ وقتهُ معلوم

وقال العباس بن مرداس المتوفى سنة 16هـ?
ترى الرجلَ النّحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسدٌ مزيرُ
ويعجبك الطّرير فتبتليه ... فيخلف ظنّك الرّجل الطرير
فما عظمُ الرّجال لهم بفخر ... ولكن فخرهم كرمٌ وخير
بغاثُ الطّير أكثرها فراخاً ... وأم الصَّقر مقلاتٌ نزور
ضعافُ الطّير أطولها جسوماً ... ولم تطل البزاة ولا الصُّقور
لقد عظم البعير بغير لبّ ... فلم يستغن بالعظم البعير
يصرّفه الصبيّ بكل وجهٍ ... ويحسبه على الخسف الجرير
فإن أك في شراركم قليلاً ... فإني في خياركم كثير
(2/425)

وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه
دع الأيّام تفعل ما تشاءُ ... وطب نفساً إذا حكم القضاءُ
ولا تجزع لحادثة الليالي ... فما لحوادث الدنيا بقاء
وكن رجلاً على الأهوال جلداً ... وشيمتك السماح والسّخاء
يغطّى بالسّماحة كلّ عيب ... وكم عيب يغطّيه السّخاء
ولا حزنٌ يدوم ولا سرور ... ولا بأسٌ عليك ولا رخاء
ولا تريَ الأعادي قط ذلاًّ ... فإن شماتة الأعدا بلاء
ولا ترجُ السّماحة من بخيل ... فما في النار للظّمآن ماء
ورزقك ليس ينقصه التأنّي ... وليس يزيد في الرّزق العناء
إذا ما كنت ذا قلب قنوع ... فأنتَ ومالكُ الدنيا سواء
ومن نزلت بساحته المنايا ... فلا أرضٌ تقيهِ ولا سماء
وأرض الله واسعة ولكن ... إذا نزل القضا ضاق الفضاء
دع الأيام تغدر كلّ حين ... ولا يغني عن الموت الدواء

وقال عبدة بن الطيب المتوفى سنة 39 هـ?
أبنيَّ إني قد كبرتُ ورابني ... بصري وفّي لمنظرٌ مستمتعُ
أوصيكم بتقى الإله فإنّه ... يعطي الرغائب من يشاءُ ويمنع
وببّر والدكم وطاعة أمره ... إن الأبرّ من البنين الأطوعُ
إنّ الكبير إذا عصاهُ أهله ... ضاقت يداهُ بأمره ما يصنع
ودعوا الضّغائن لا تكن من شأنكم ... إن الغضائن للقرابة توضع
يزجي عقاربه ليبعث بينكم ... حرباً كما بعث العروقَ الأخدع
إن الذين ترونكم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا
وإذا مضيتُ إلى سبيلي فابعثوا ... رجلاً له قلب حديد أصمع
(2/426)

إنّ الحوادث تخترِمنَ وإنما ... عمر الفتى في أهله مستودع
يسعى ويجمعُ جاهداً مستهتراً ... جدَّا وليس بآكل ما يجمع

وقال قيس بن الخطيم المتوفي سنة 612 م من قصيدة
وما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلا بلاءُ
وبعضُ خلائق الأقوام داءُ ... كداء البطن ليس له دواءُ
يريدُ المرءُ أن يعطي مناهُ ... ويأبى الله إلا ما يشاءُ
وكل شديدة نزلت بقوم ... سيأتي بعد شدّتها رخاءُ
ولا يعطى الحريص غنى لحرص ... وقد يمنى على الجود الثَّراء
غنيُّ النفس ما عمرتْ غنيٌّ ... وفقرُ النّفس ما عمرتْ شقاءُ
وليس بنافع ذا البخل مالٌ ... ولا مزر بصاحبه السّخاء
وبعض الدواء ملتمسٌ شفاءً ... وداءُ النوك ليس له إناء
وبعض القول ليس له غناجٌ ... كمحضِ الماءِ ليس له إناء
ولم أرى كامرئٍ يدنو لخسفٍ ... له في الأرض سيرٌ واستواء
يصوغ لك اللسان على هواهُ ... ويفضحُ أكثر القيل البلاء
ألا من مبلغ الشعراءِ عني ... فلا ظلم لديّ ولا ابتداء
ولستُ بغائظِِ الأكفاء ظلماً ... وعندي للملمّاتِ اجتراء

وقال صالح بن عيد القدوس المتوفى سنة 855 هـ
المرء يجمعُ والزّمان يفرقُ ... ويظل يرقع والخطوب تمزّقُ
لأن يعادي عاقلاً خيٌر له ... من أن يكون له صديقٌ أحمق
فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقاً ... إن الصّديق على الصّديق مصدق
وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدي عقول ذي العقول المنطق
ومن الرّجال إذا استوت أخلاقهم ... من يستشار إذا استشيَر فيطرق
حتى يحلَّ بكل وادٍ قلبه ... فيرى ويعرف ما يقول فينطق
لا ألفينّك ثاوياً في غربةٍ ... إن الغريب بكل سهم يرشق
ما النّاس إلا عاملان فعامل ... قد مات من عطش وآخر يغرق
والناس في طلب المعاش وإنما ... بالجدّ يرزق منهم من يرزق
(2/427)

لو يرزقون الناسُ حسب عقولهم ... ألفيت أكثر من ترى يتصدَّق
لكنه فضل المليك عليهم ... هذا عليه موسعُ ومضيّق
وإذا الجنازة والعروس تلاقيا ... ورأيت دمع نوائحٍ يترقرق
سكت الذي تبع العروس مبهتاً ... ورأيت من تبع الجنازة ينطق
وإذا امرؤٌ لسعته أفعى مرة ... تركتهُ حين يجر حبل يفرق
بقيَ الذين إذا يقولوا يكذبوا ... ومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا

وقال أيضاً

صرمتْ حبالكَ بعد وصلك زينبُ ... والد?ّهر فيه تصرمٌّ وتقلبُ
وكذاك وصلُ الغانيات فإنهُ ... آلٌ ببلقعةٍ وبرقٌ خلبُ
فدع الصّبا فلقد عداك زمانه ... واجهدْ فعمر مرّ منه الأطيبُ
ذهب الشّباب فما له من عودةٍ ... وأتى المشيب فأين منهُ المهرب
دع عنك ما قد فات في زمن الصّبا ... واذكرْ ذنوبكَ وابكها يا مذنب
واخش مناقشة الحسابِ فإنّه ... لا بدّ يحصى ما جنيتَ ويكتب
والليل فاعلم والنهار كلاهما ... أنفاسنا فيه تعدُّ وتحسب
لم ينسهُ الملكان حينَ نسيتهُ ... بل أثبتاه وأنت لاهٍٍ تلعب
والرُّوح فيك وديعة أودعتها ... ستردُّها بالرغَّم منك وتسلبُ
وغرور دنياك التي تسعى لها ... دار حقيقتها متاع يذهب
وجميع ما حصلته وجمعته ... حقّاً يقيناً بعد موتك ينهب
تبَّاً لدار لا يدوم نعيمها ... ومشيدها عمّا قليل يخرب
فاسمع هديتَ نصائحاً أولاكها ... برٌّ نصوح للأنام مجرّب
أهدى النصيحة فاتعظ بمقاله ... فهو التقيُّ اللّوذعيُّ الأدرب
لا تأمن الدّهرَ الخؤون لأنه ... ما زالت قدماً للرجال يهذّب
وكذلك الأيام في غصاتها ... مضضٌ يذلُّ له الأعزّ الأنجب
ويفوز بالمال الحقيرُ مكانةً ... فتراه يرجى ما لديه ويرغب
ويسرُّ بالتّرحيب عند قدومه ... ويقامُ عند سلامه ويقرَّب
فاقنعْ ففي بعض القناعة راحة ... ولقد كسي ثوبَ المذلَّة أشعب
لا تحرصنّ فالحرص ليس بزائدٍ=في الرّزق بل يشقي الحريص ويتعب
كم عاجزٍ في الناس يأتي رزقهُ ... رغداً ويحرمُ كيس ويخيّب
فعليك تقوى الله فالزمها تفزْ ... إن التقيَّ هو البهيُّ الأهيب
(2/428)

واعملْ بطاعته وتنلْ منه الرضا ... إن المطيع لربّه لمقرَّب
أدّ الأمانة والخيانة فاجتنب ... واعدل ولا تظلم يطيبُ المكسبُ
واحذر من المظلوم سهماً صائباً ... واعلم بأن دعاءهُ لا يحجب
واخفض جناحك للأقارب كلّهم ... يتذللٍ واسمح لهم إن أذنبوا
وإذا بليتَ بنكبة فاصبر لها ... من ذا رأيتَ مسلماً لا ينكب
وإذا أصابك في زمانك شدَّةٌ ... وأصابك الخطبُ الكريهُ الأصعب
فادعُ لربّك إنه أدنى لمن ... يدعوه لحبل الوريد وأقرب
واحذر مؤاخاة الدَّني لأنه ... يعدي كما يعدي الصحيحَ الأجرب
واختر صديقك واصطفيه تفاخراً ... إن القرينَ إلى المقارن ينسبُ
ودع الكذوب ولا يكن لك صاحباً ... إن الكذوب لبئس خلاًّ يصحبُ
وذرِ الحقودُ وإن تقادم عهدهُ ... فالحقدُ باقٍ في الصُّدور مغيَّب
واحفظ لسانك واحترز لفظه ... فالمرءُ يسلم باللسان ويعطب
وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارةً في كل ناد تخطب
والسرّ فاكتمه ولا تنطق به ... فهو الأسيُر لديك إذ لا ينشبُ
واحرص على حفظ القلوب من الأذى ... فرجوعها بعد التنافر يصعب
إن القلوب إذا تنافر ودها ... شبهُ الزجاجة كسرها لا يشعب
واحذر عدوّك إذ تراه باسماً ... فالليثُ يبدو نابهُ إذ يغضب
وإذا الصّديق رأيته متملقاً ... فهو العدوُّ وحقُّه يتجنب
لا خير في ودّ امرئ متملّق ... حلو اللّسان وقلبه يتلّهب
يعطيك من طرف اللّسان حلاوة ... ويروغِ منك كما يروغ الثعلب
يلقاك يحلف أنه بك واثقٌ ... وإذا توارى عنك فهو العقرب
إذا رأيت الرّزق ضاق ببلدة ... وخشيت فيها أن يضيق المكسب
فارحل فأرض الله واسعة الفضا ... طولاً وعرضاً شرقها والمغرب
(2/429)

وقال أبو الفتح البستني المتوفي سنة 1122 هـ?
زيادة المرء في دنياه نقصانُ ... وربحه غير محض الخير خسران
وكلُّ وجدان حظّ لا ثبات له ... فإن معناه في التحقيق فقدان
يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً ... بالله هل لخرابِ العمر عمران
ويا حريصاً على الأموال تجمعها ... أنسيتَ أن سرور المال أحزان
دع الفؤاد عن الدّنيا وزينتها ... فصفوها كدر والوصل هجران
وأرعِ سمعك أمثالاً افصلها ... كما يفضّل ياقوت ومرجان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسان
يا خادم الجسم كم تسهى لخدمته ... أتطلب الرّبح ممّا فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنّفس لا بالجسم إنسان
وكن على الدّهر معواناً لذي أملٍ ... يرجو نداك فإن الحرّ عنوان
واشدد يدك بحبل الله معتصماً ... فإنه الركنُ إن خانتك أركان
من يتق الله يحمد من عواقبه ... ويكفه شرّ من عزُّوا ومن هانوا
من استعان بغير الله في طلب ... فإنَّ ناصره عجزٌ وخذلان
من كان للخير منَّاعاً فليس له ... على الحقيقة إخوانٌ وأخدان
من جاد بالمال مال الناس قاطبة ... إليه والمال للإنسان فتَّان
من سالم النَّاس يسلم من غوائلهم ... وعاش وهو قرير العين جذلان
من كان للعقل سلطان عليه غدا ... وما على نفسه للحرص سلطان
ومن مد طرفاً بفرط الجهل نحو هوى ... أغضى على الحقّ يوماً وهو خزيان
من استشار صروف الدهر قام له ... على حقيقة طبع الدهر برهان
من يزرع الشر يحصد في عواقبه ... ندامة ولحصد الزَّرع إبَّان
ومن استنام على الأشرار نام وفي ... قميصه منهم صلٌّ وثعبان
كن ريّق البشر إن الحرّ همته ... صفيحة وعليها البشرُ عنوان
ورافق الرّفق في كل الأمور فلم ... يندم رفيقٌ ولم يذممهُ إنسان
ولا يغرنك حظٌّ جرّه خرقٌ ... فالخرقُ هدم ورفق المرءِ بنيان
أحسن إذا كان إمكانٌ ومقدرة ... فلن يدوم على الإحسان إمكان
فالروض يزدان بالأنوار فاغمه ... والحرُّ بالعدل والإحسان يزدان
صنْ حرّ وجهك لا تهتك غلالته ... فكلُّ حرّ لحرّ الوجه صوّان
دع التكاسل في الخيرات تطلبها ... فليس يسعد بالخيراتِ كسلان
(2/430)

لا ظلّ للمرءِ يعرى من نهى وتقى ... وإن أظلّتهُ أوراق وأفنان
والناس أعوانُ من والته دولته ... وهم عليه إذا عادتهُ أعوان
سبحان من غير مال باقلٌ حصرٌ ... وباقلٌ في ثراء المال سبحان
لا تودع السرّ وشاء بهِ مذلاً ... فما رعى غنماً في الدَّوّ سرحان
لا تحسبِ الناس طبعاً واحداً فلهم ... غرائز لستَ تحصيهنّ ألوان
ما كلّ ماءٍ كصداءٍ لوارده ... نعم ولا كلُّ نبت فهو سعدان
لا تخدشنّ بمطل وجهَ عارفة ... فالبُّر يخدشه مطلٌ وليّان
لا تستشر غيرَ ندب حازمٍ يقظ ... قد استوى فيه أسرارٌ وإعلان
فللتّدابير فرسان إذا ركضوا ... فيها أبرُّوا كما للحرب فرسان
وللأمور مواقيتٌ مقدّرة ... وكل أمرٍ له حدٌّ وميزان
فلا تكن عجلاً في الأمر تطلبه ... فليس يحمدُ قبل النُّضج بحران
كفى للعيش ما قد سدّ من عوزٍ ... ففيه للحرّ قنيانٌ وغنيان
وذو القناعةِ راضٍ من معيشته ... وصاحبُ الحرص إن أثرى فغضبان
حسب الفتى عقله خلاًّ يعاشرهُ ... إذا تحاماه إخوانٌ وخلاَّن
هما رضيعا لبان حكمةٌ وتقى ... وساكنا وطن مالٌ وطغيان
إذا نبا بكريم موطنٌ فله ... وراءه في بسيط الأرض أوطان
يا ظالماً فرحاً بالعز ساعده ... إن كنت في سنةٍ فالدَّهر يقظان
ما استمرأ الظلم لو أنصفت آكلهُ ... وهل يلذُّ مذاق المرء خطبان
يا أيها العالم المرضيُّ سيرتهُ ... أبشر فأنت بغير الماء ريان
ويا أخ الجهل لو أصبحت في لججٍ ... فأنت ما بينها لاشكَّ ظمآن
لا تحسبنَّ سروراً دائماًُ أبداً ... من سرّهُ زمن ساءته أزمان
يا رافلاً في الشَّباب الوحف منتشياً ... من كأسه هل أصاب الرُّشد نشوان
لا تغترر بشباب رائقٍ خضل ... فكم تقدم قبل الشَّيب شبّان
ويا أخا الشَّيب لو ناصحت نفسك لم ... يكن لمثلك في الإسراف إمعان
هب الشَّبيبة تُبلى صاحبها ... ما غذرُ أشيب يستهويه شيطان
وكلُّ كسرٍ فإنَّ الدّين يجبرهُ ... وما لكسر قناةِ الدّين جبران
وقال ابن أبي بكر المقري المتوفى سنة 1001 هـ?
زيادة القول تحكي النّقص في العمل ... ومنطق المرءِ قد يهديه للزّللِ
إن اللّسان صغيرٌ جرمهُ وله ... جرمٌ كبيرٌ كما قد قيل في المثل
عقل الفتى ليس يغني عن مشاورةٍ ... كحدَّة السَّيف لا تغني عن البطل
(2/431)

إن المشاور إما صائبٌ غرضاً ... أو مخطئٌ غير منسوب إلى الخطل
لا تحقر الرّأي يأتيك الحقير به ... فالنحلُ وهو ذبابٌ طائر العسل
ولا يغرنك ودٌّ من أخي أمل ... حتى تجربه في غيبة الأمل
لا تجزعنّ لخطب ما به حيلٌ ... تغنى وإلا فلا تعجز عن الحيل
وقدرُ شكر الفتى لله نعمتهُ ... كقدرِ صبِر الفتى للحادث الجلل
وإن أخوف نهج ما خشيت به ... ذهاب حريةٍ أو مرتضى عمل
لا تفرحنّ بسقطات الرجال ولا ... تهزأ بغيرك واحذر صولة الدُّول
أحقّ شيءٍ بردّ ما تخالفه ... شهادةُ الدّين فافهم صنعة الجدل
وقيمة المرءِ ما قد كان يحسنهُ ... فاطلب لنفسك ما تعلو به وصل
وكلُ علم جناه ممكنٌ أبداً ... إلاّ إذا اعتصم الإنسانُ بالكسل
والمال صنهُ وورثهُ العدوّ ولا ... تحتج حياتك للإخوان في الأكل
فخير مالِ الفتى مال يصون به ... عرضاً وينفقهُ في أشرف السُّبل
وأفضل البّر مالاً منَّ يتبعهُ ... ولا تقدّمه شيءٌ من المطل

فإنما الجود بذلٌ لم تكلف به ... صنعاً ولم تنتظر فيه جزا رجل
إن الصنائع أطواق إذا شكرت ... وإن كفرت فأغلال لمنتحل
وإن عندي الخطا أفضل من ... إصابةٍ حصلت بالمنع والبخل
خير من الخير مسديهِ إليك كما ... شرٌ من الشرّ أهل المطل والدَّخل
ظواهرُ العتب للإخوان أيسر من ... بواطن الحقدِ في التّسديد للخلل
***
دعِ الجموحَ وسامحهُ تغظهُ ولا ... تصحب سوى السّمح واحذر سقطة العجل
والقَ الأحبّة والإخوان قطعوا ... حبلَ الوداد بحبل منك متصل
فأعجزُ الناس حرٌ ضاع من يده ... صديق ودّ فلم يردده بالحيل
من يقظةٍ بالفتى إظهارُ غفلته ... مع التحفُّظ من غدرٍ ومن ختل
وكن مع الخلق ما كانوا لخالقهم ... واحذر معاشرة الأوغاد والسّفل
واخش الأذى عند إكرام اللّئيم ... تخشى الأذى إن أهنت الحرّ ذا النّبل
واصبر لواحدة تأمن توابعها ... فربما كانت الصُّغرى من الأول
ولا يغرَّنك من مرقّى سهولتهُ ... فربما ضقتَ ذرعاً منه في النُّزُل
*** من المروءة تركُ المرء شهوتهُ=فانظر لأيهما آثرت فاحتمل شرُّ الورى من بعيب الناس مشتغل=مثلُ الدُّباب يراعي موضعَ العلل
لو كنت كالرّمح في الأعمال معتدلاً ... لقالت الناسُ هذا غيرُ معتدل
يا ظالماً جار فيمن لا نصير له ... إلا المهيمنُ لا تغترّ بالمهل
غداً تموت ويقضي الله بينكما ... بحكمه الحقّ لا بالزّيغ والميل
وإن أولى الملا بالعفو أقدرهم ... على العقوبة إن يظفر بذي زلل

وقال تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي المتوفى سنة 837 هـ?
"أرجوزة استخلصها من كتاب الصادح والباغم"
العيشُ بالرزق والتّقدير ... وليس بالرأي ولا والتدبير
في الناس من تسعدهُ الأقدار ... وفعلهُ جميعهُ إدبار
من عرف الله أزال التُّهمة ... وقال كلُّ فعلهِ للحكمة
من أنكر القضاءَ فهو مشرك ... إن القضاء بالعباد أملكُ
ونحن لا نشرك بالله ولا ... نقنط من رحمته إذ نبتلى
عارٌ علينا وقبيحُ ذكرِ ... أن نجعل الكفرَ مكان الشكر
وليس في العالِم ظلمٌ جاري ... إذ كان ما يجري بأمرِ الباري
وأسعدُ العالِم عند الله ... من ساعد الناسَ بفضل الجاه
ومن أغاث البائس الملهوفا ... أغاثهُ الله إذا أخفيا
إنّ العظيمَ يدفع العظيما ... كما الجسيم يحمل الجسيما
فإنّ من خلائق الكرام ... رحمةَ ذي البلاء والأسقام
وإنّ من شرائط العلو ... العطفَ في البؤس على العدو
قد قضت العقول أنّ الشفقة ... على الصديق والعدوّ صدقه
وقد علمتَ واللبيب يعلم ... بالطبع لا يرحم من لا يرحم
فالمرءُ لا يدري متى يمتحن ... فإنه في دهره مرتهن
وإن نجا اليومَ فما ينجو غداً ... لا يأمن الآفات إلا ذو الرَّدى
لا تغْترِر بالخفض والسلامة ... فإنما الحياة كالمدامه
والعمرُ مثل الكأسِ والدَّهر القدر ... والصفو لا بدَّ له من الكدر
وكلُّ إنسان فلا بدَّ له ... من صاحب يحمل ما أثقلهُ
جهد البلاء صحبة الأضداد ... فإنها كيٌّ على الفؤاد
أعظم ما يلقى الفتى من جهد ... أن يبتلى في جنسهِ بالضَّدّ
فإنما الرّجال بالإخوان ... واليد بالساعد والبنان
لا يحقر الصُّحبة إلا جاهل ... أو مارقٌ عن الرّشاد غافل
صحبةُ يوم نسبٌ قريب ... وذمَّة يحفظها اللّبيب
وموجب الصّداقة المساعدة ... ومقتضى المودَّة المعاضدة
لا سيّما في النوب الشدائد ... والمحن العظيمة والأوابد
فالمرءُ يحيي أبداً أخاه ... وهو إذا ما عدّ من أعداه
إن من عاشر قوماً يوماً ... ينصرهم ولا يخاف لوما
وإن من حارب من لا يقوى ... لحربه جر إليه البلوى
فحارب الأكفاءَ والأقرانا ... فالمرء لا يحارب السلطانا
واقنع إذا حاربت بالسلامة ... واحذر فعالاً لا توجب النَّدامة
فالتاجر الكيّس في التجارة ... من خاف من متجره الخسارة
يجهد في تحصيل رأس ماله ... ثم يروم الّربح باحتياله
وإن رأيت النّصر قد لاح لكا ... فلا تقصر واحترْز أن تهلكا
واسبق إلى لأجود سبق الناقدِ ... فسبقك الخصم من المكايد
وانتهز الفرصة إن الفرصة ... تصير إن لم تنتهزها غصّة
كم بطر الغالب يوماً فترك ... عنه التوقّي واستهان فهلك
ومن أضاع جنده في السّلم ... لم يحفظوه في لقاء الخصم
وإن من لا يحفظَ القلوبا ... يخذل حين يشهد الحروبا
والجند لا يرعون من أضاعهم ... كلاّ ولا يحمون من أجاعهم
وأضعفُ الملوك طرَّا عقدا ... من غرَّه السلم فأقصى الجندا
والحزم والتّدبير روح العزم ... لاخيرَ في عزم بغير حزم
والحزم كلذ الحزم في المطاولة ... والصّبر ف يسرعة المزاولة
وفي الخطوب تظهر الجواهرُ ... ما غلبَ الأيام إلاّ الصابر
لا تيأسنْ من فرج ولطف ... وقوَّة تظهرُ بعدَ ضعف
فربَّما جاءك بعد اليأس ... روحٌ بلا كدّ ولا التماس
في لمحة الطرف بكاءٌ وضحكْ ... وناجد بادٍ ودمع ينسفك
ينال بالرّفق وبالتأنّي ... مالم تنلْ بالحرص والتّعنّي
ماأحسنَ الثَّباتَ والتجلُّدا ... وأقبح الحيرة والتَّبلُّدا
ليس الفتى إلا الذي إن طرقه ... خطبٌ تلقّاه بصبر وثقة
إذا الرَّزايا أقبلت ولم تقف ... فثمَّ أحوالُ الرّجال تختلف
وكم لقيتُ لذَّة في زمني ... فأصبرُ الآن لهذي المحن
فالموتُ لايكون إلا مرّة ... والموتُ أحلى من حياة مرّة
إني من الموت على يقين ... فأجهدُ الآن لما يقيني
صبراً على أهوالها ولا ضجرْ ... وربّما فاز الفتى إذا صبر
لا يجزع الحرّ من المصائب ... كلاّ ولا يخضع للنَّوائب
فالحرُّ للعبءِ الثّقيل يحملُ ... والصبرُ عند النّائبات يحمل
لكل شيءٍ مدَّةٌ وتنقضي ... ما غلب الأيامَ إلا منْ رضي
قد صدق القائلُ في الكلام ... ليس النُّهى بعظم العظام
لا خيَر في جسامة الأجسام ... بل هو في العقول والأفهام
فالخيل للحرب وللجمال=والإبل للحمل وللتَّرحال
لاتحتقر شيئاً صغيراً يحتقر ... فربمّا أسالت الدّم الإبرْ
لاتحرج الخصم ففي إحراجه ... جميعُ ما تكره من لجاجهِ
لاتطلب الفائتَ باللّجاج ... وكنْ إذا كويت ذا إنضاج
فعاجز من ترك الموجودا ... طماعةً وطلبَ المفقودا
وفتّش الأمور عن أسرارها ... كم نكتةٍ جاءتك معْ إظهارها
لزمتَ للجهل قبيح الظاهرِ ... وما نظرتَ حسن السَّرائر
ليس يضرُّ البدر في سناه ... أنّ الضّرير قطُّ لا يراه
كم حكمةٍ أضحت بها المحافل ... نافقةً وأنت عنها غافل
ويغفلون عن خفي الحكمة ... ولو رأوها لأزالوا التُّهمة
كم حسن ظاهرهُ قبيحُ ... وسمجٍ عنوانهُ مليح
والحق قد تعلمه ثقيلُ ... أبوهُ إلا نفرٌ قليلُ
فالعاقل الكامل في الرّجال ... لا ينثني لزخرف المقال
إن العدوّ قولهُ مردودُ ... وقلّما يصدق الحسود
لا تقبلُ الدعوى بغير شاهد ... لاسيما إن كان من معاند
أيؤخذ البريءُ بالسَّقيم ... والرَّجل المحسن باللّئيم
كذاك من يستنصح الأعادي ... يردونه بالغشّ والفساد
إن أكلَّ من ترى أذهانا ... منْ حسب الإساءة الإحسانا
فادفع إساءة العدى بالحسنى ... ولا تخلْ يسراك مثل اليمنى
وللرجال فاعلمنْ مكايدُ ... وخدعٌ منكرةٌ شدائدُ
فالنَّدب لا يخضع للشّدائد ... قطّ ولا يغتاظ بالمكائد
فرقّع الخرق بلطفٍ واجتهد ... وامك إذا لم ينفع الصّدق وكد
فهكذا الحازم إذ يكيدُ ... يبلغ في الأعداء ما يريد
وهو بريءٌ منهم في الظاهر ... وغيرهُ مختضب الأظافر
والشهمُ من يصلح أمر نفسه ... ولو بقتل ولده وعرسه
فإن من يقصد قلعُ ضرسه ... لم يعتمدْ إلاّ صلاح نفسه
وإن من خصّ اللئيم بالندى ... وجدته كمن يربّي أسدا
وليس في طبعِ اللئيم شكر ... وليس في أصل الدّنيء نصر
وإن من ألزَمهُ وكلّفه ... ضدُّ الذي في طبعه ما أنصفه
كذاك من يصطنع الجهّالا ... ويؤثرِ الأرذال والأنذال
لو أنكم أفاضلُ أحرارُ ... ما ظهرتْ بينكم الأسرار
إن الأصول تجذب الفروعا ... والعرق دساسٌ إذا أضيعا
ما طاب فرعٌ أصله خبيثُ ... ولازكا من مجدهُ حديث
قد يدركون رتباً في الدُّنيا ... ويبلغون وطراً من بقيا
لكنك لا يبلغون في الكرم ... مبلغ من كان له فيها قدم
وكلّ من تماثلتْ أطرافهُ ... في طيبها وكرمتْ أسلافه
كان خليقا بالعلى وبالكرم ... وبرعتْ في أصله حسن الشّيم
لولا بنو آدم بين العالمِ ... ما بان للعقول فضل العالم
فواحدٌ يعطيك فضلاً وكرم ... فذاك من يكفرهُ فقد ظلم
وواحدٌ يعطيك للمصانعة ... أو حاجةٍ له إليك واقعة
لا تشرهنْ إلى حطامٍ عاجلِ ... كم أكلةٍ أودت بنفس الآكل
واحذر أخيَّ يا فتى من الشّره ... وقس بما رأيته مالم تره
فليس من عقل الفتى أو كرمه ... إفسادُ شخص كامل لقرمه
فالبغيُ داءٌ ماله دواء ... ليس لملكِ معه بقاء
لاتعطيْن شيئاً بغير فائدة ... فإنها من السّجايا الفاسدة

"وللإمام علي الرضا المتوفي سنة 77هـ?"
واعجباً للمرء في ذاته ... يجرُّ ذيل التّيه في خطرته
يزجره الوعظ فلا ينتهي ... كأنه الميت في سكرته
يبارز الله بعصيانه ... جهراً ولا يخشاه في خلوته
وإن يقع في شدّة يبتهل ... فإن نجا عاد إلى عادته
أرغب لمولاك وكن راشداً ... وأعلم بأن العز في خدمته
واتل كتاب الله تهدى به ... واتبع الشرع على سنته
لاتحرصن فالحرص يزري بالفتى ... ويذهب الرونق من بهجته
والحظ لا تجلبه حيلة ... كيف يخاف المرء من فوتته؟
(2/432)

مافاتك اليوم سيأتي غدا ... مافي الذي قدر من حيلته
قضاؤه المحتوم في خلقه ... وحكمه النافذ مع قدرته
والرزق مضمون على واحد ... مفاتح الأشياء في قبضته
قد يرزق العاجز مع عجزه ... ويحرم الكيس مع فطنته
لاتنهر المسكين يوماً أتى ... فقد نهاك الله عن نهرته
إن عضك الدهر فكن صابرا ... على الذي نالك من عضته
أو مسك الضر فلا تشتكي ... إلا لمن تطمع في رحمته
لسانك احفظه وصن نطقه ... واحذر على نفسك من عثرته
فالصمت زين ووقار وقد ... يؤتى على الإنسان من لفظته
من أطلق مالقول بلا مهلة ... لاشك أن يعثر في عجلته
من لزم الصمتى نجا سالماً ... لايندم المرء على سكتته
من أظهر الناس على سره ... يستوجب الكي على مقلته
من مازح الناس استحفوا به ... وكان مذموماً على مزحته
كن عن جميع الناس في معزل ... قد يسلم المعزول في عزلته
من جعل الخمر شفاء له ... فلا شفاه الله من علته
من نازع الأقيال في أمرهم ... بات بعيد الرأس عن جثته
من لاعب الثعبان في كفه ... هيهات أن يسلم من لسعته
من عاشر الأحمق في حاله ... كان هو الأحمق في عشرته
لاتصحب النذل فتردى به ... لاخير في النذل ولاصحبته
منة اعتراك الشك في جنسه ... وحاله فانظر إلى شيمته
من غرس الحنظل لا ترتجي ... أن يجتني السكر من غرسته
من جعل الحق له ناصراً ... أيده الله على نصرته
(2/433)

واقنع بما أعطاك من فضله ... واشكر لموليك على نعمته

وقال أبو العتاهية المتوفي سنة 211هـ?
أنلهو وأيامنا تذهب ... ونلعب والموت لايلعب
عجبت لذي لعب قد لها ... عجبت ومالي لا أعجب
أيلهو ويلعب من نفسه ... تموت ومنزله يخرب
نرى كل ما ساءنا دائماً ... على كل سرنا يغلب
+نرى الليل يطلبنا والنها_ر ولم ندر أيهما أطلب
أحاط الجديدان جمعا بنا ... فليس لنا عنهما مهرب
وكل له مدة تنقضي ... وكل له أثر يكتب

"وقال صلاح الدين الصفدي المتوفي سنة 764هـ?
الجد في الجد والحرمان في الكسل ... فانصب تصب عن قريب غاية الأمل
وأصبر على كل مايأتي الزمان به ... صبر الحسام بكف الدارع البطل
وجانب الحرص والأطماع تحظ بما ... ترجو من العز والتأييد في عجل
ولا تكونن على مافات ذا حزن ... ولاتظل بما أوتيت ذا جذل
واستشعر الحلم في كل الأمور ولا ... تسرع ببادرة يوما إلى رجل
وإن بليت بشخص لاخلاق له ... فكن كأنك لم تسمع ولم يقل
ولا تمار سقيها في محاورة ... ولا حليما لكي تقصى عن الزلل
ولايغرك من يبدي بشاشته ... إليك خدعا فإن السم في العسل
وإن أردت نجاحاً في كل آونة ... فاكتم أمورك عن حاف ومنتعل
إن الفتى من بماضي الحزم متصف ... وماتعود نقص القول والعمل
ولا يقيم بأرض طاب مسكنها ... حتى يقد أديم السهل والجبل
ولايضيع ساعات الزمان فلن ... يعود مافات من أيامه الأول
(2/434)

ولايراقب إلا من يراقبه ... ولايصاحب إلا كل ذي نبل
ولايعد عيوبا للورى أبداً ... بل يعتني بالذي فيه من الخلل
ولا يظن بعهم سواءاً ولا حسنا ... بل التجارب تهديه على مهل
ولايؤمل آمالا بصبح غد ... إلا على وجل من وثبة الأجل
ولا يصد عن التقوى بصيرته ... لأنها للمعالي أوضح السبل
فمن تكن حلة التقوى ملابسه ... لم يخش في دهره يوماً من العطل
من لم تفده صروف الدهر تجربة ... لافيما يحاول فليسكن مع الهمل
من سالمته الليالي فليثق عجلاً ... منها بحرب عدو جاء بالحيل
من ضيع الحزم لم يظفر بحاجته ... ومن رمى بسهام العجب لم ينل
من جاد ساد وأحيا العالمون له ... بديع حمد بمدح الفعل متصل من
رام نيل العلى بالمال يجمعه ... من غير حل بلي من جهله وبلي
من لم يصن نفسه ساءت خليقته ... بكل طبع رديء غير منتقل
من جالس الوغد والحمقى جنى ندماً ... لنفسه ورمي بالحادث الجلل
فخذ مقال خبير قد حوى حكماً ... إذ صغته بعد طول الخبر في عملي

"وقال حسام الدين الواعظي المتوفى سنة 990هـ?"
من ضيع الحزم في أفعاله ندما ... وظل مكتئباً والقلب وقد سقما
مالمرء إلا الذي طابت فضائله ... والدين زين يزين العاقل الفهما
والعلم أنفس شيء أنت ذاخره ... فلا تكن جاهلاً تستورث الندما
تعلم العلم واجلس في مجالسه ... ماخاب قط لبيب جالس العلماء
والوالدين فأكرم تنج من ضرر ... ولا تكن نكداً تستوجب النقما
ولازم الصمت لات نطق بفاحشة ... وأكرم الجار لاتهتك له حرما
واحذر من المزح كم في المزح من خطر ... كم من صديقين بعد المزح فاختصما
وصبر النفس وارشدها إذا جهلت ... وإن حضرت طعاما لا تكن نهماً
آس اللهيف إذا ماكنت مقتدراً ... على الزمان وكن للخير مقتسما
وصد نفسك عن لهو وعن مرح ... وإن حضرت مقاماً كنت فيه سما

"وقال عمر بن الوردي المتوفي سنة 749هـ? مخاطباً ولده"
اعتزل ذكر الأغاني والغزل ... وقل الفصل وجانب من هزل
ودع الذكر لأيام الصبا ... فلأيام الصبا نجم أفل
(2/435)

واترك الغادةلاتحفل بها ... تمس في عز رفيع وتجل
وافتكر في منتهى حسن الذي ... أنت تهواه تجدأمراً جلل
واهجر الخمرة إن كنت فتى ... كيف يسعى في جنون من عقل
ولاتق الله فتقوى الله ما ... جاورت قلب امرئ إلا وصل
ليس من يقطع طرقاً بطلاً ... إنما من يتقي الله البطل
كتب الموت على الخلق فكم ... فل من جيش وأنفى من دول
أين نمرود وكنعان ومن ... ملك الأرض وولى وعزل
أي من سادوا وشادوا وبنوا ... هلك الكل ولم تغن القلل
أين أرباب الحجى أهل النهى ... أين أهل العلم والقوم الأول
سيعيد الله كلا منهم ... وسيجزي فاعلاً ماقد فعل
يابني اسمع وصايا جمعت ... لاحكماً خصت بها خير الملل
اطلب العلم ولاتكسل فما ... أبعد الخير على أهل الكسل
واحتفل للفقه في الدين ولا ... تشتغل عنه بمال وخول
واهجر النوم وحصله فمن ... يعرف المطلوب ويحقر مابذل
لاتقل قد ذهبت أربابه ... كل من سار على الدرب وصل
في أزدياد العلم إرغام العدا ... وجمال العلم إصلاح العمل
جمل المنطق بالنحو فمن ... يحرم الإعراب بالنطق اختبل
انظم الشعر ولازم مذهبي ... في اطراح الرفد لاتبغ النحل
فهو عنوان ع لى الفضل وما ... أحسن الشعر إذا لم يبتذل
أنا لاأختار تقبيل يد ... قطعها أجمل من تلك القبل
ملك كسرى عنه تغني كسرة ... وعن البحر اجتزاء بالوشل
(2/436)

اطرح الدنيا فمن عاداتها ... تخفض العالي وتعلي من سفل
عيشة الراغب في تحصيلها ... عيشة الجاهل فيها أو أقل
كم جهول بات فيها مكثراً ... وعليه بات منها في علل
كم شجاع لم ينل فيها المنى ... وجبان نال غايات الأمل
فاترك الحيلة فيها واتكل ... إنما الحيلة في ترك الحيل
لاتقل أصلي وفصلي أبداً ... إنما أصل الفتى ماقد حصل
قد يسود المرء من دون أب ... وبحسن السبك قد ينفى الدغل
إنما الورد من الشوك وما ... ينبت النرجس إلا من بصل
قيمة الإنسان مايحسنه ... أكثر الإنسان منه أم أقل
بين تبذير وبخل رتبة ... وكلا هذين إن زاد قتل
ليس يخلو المرء من ضد ولو ... حاول العزلة في رأس الجبل
دار جار السوء بالصير وإن ... لم تجد صبراً فما أحلى النقل
جانب السلطان واحذر بطشه ... لاتعاند من إذا قال فعل
لا تل الأحكام إن هم سألوا ... رغبة فيك وخالف من عذل
إن نصف الناس أعداءه لمن ... ولي الأحكام هذا إن عدل
قصر الآمال في الدنيا تفز ... فدليل العقل تقصير الأمل
غب وزر غبا تزد حبا فمن ... أكثر الترداد أقصاه الملل
لا يضر الفضل إقلال كما ... لايضر الشمس إطباق الطفل
خذ بنصل السيف واترك غمده ... واعتبر فضل الفتى دون الحلل
حبك الأوطان عجز ظاهر ... فاغترب تلق عن الأهل بدل
فمكث الماء يبقى آسنا ... وسرى البدر به البدر اكتمل
(2/437)

وقال العميد أبو إسماعيل الطغرائي المتوفى سنة 513هـ?
أصالة الرأي صانتي عن الخطل ... ودحلية الفضل زانتني لدى العطل
مجدي أخير ومجدي أولا شرعٌ ... والشمس راد الضحى كالشمس في الطفل
فيم الإقامة بالزوراء لاسكني ... بها ولاناقتي فيها ولاجملي
ناء عن الأهل صفر الكف منفرد ... كالسيف عري متناه عن الخلل
فلا صديق إليه مشتكى حزني ... ولاأنيس إليه منتهى جذلي
طال اغترابي حتى حن راحلتي ... ورحلها وقر العسالة الذبل
وضج من لغب نضوي وعج لما ... ألقى ركابي ولج الركب في عذلي
(2/438)

أريد بسطة كف أستعين بها ... على قضاء حقوق للعلى قبلي
والدهر يعكس آمالي ويقنعني ... من الغنيمة بعد الكد بالقفل
وذي شطاط كصدر الرمح معتقل ... بمثله غير هياب ولاوكل
حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت ... بشدة البأس منه رقة الغول
طردت سرح الكرى عن ورد مقلته ... والليل أغرى سوام النوم بالمقل
والركب ميل على الأكوار من طرب ... صاح وآخر من خمر الكرى ثمل
فقلت أدعوك للجلي لتنصرني ... وأنت تخذلني في الحادث الجلل
تنام عني وعين النجم ساهرة ... وتستحيل وصبغ الليل لم يحل
فهل تعين علي غي هممت به ... والغي يثزجر أحياناً عن الفشل
إني أريد طروق الحي من إضم ... وقد حماه رماةٌ من بني ثعل
(2/439)

فسر بنا في ذمام الليل معتسفاً ... فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل
فالحب حيث العدا والأسد رابضة ... حول الكناس لها غاب من الأسل
نؤم ناشئة بالزع قد سقيت ... نصالها بمياه الغنج والكحل
قد زاد طيب أحاديث الكرام بها ... ما بالكرائم من جبن ومن بخل
تبيت نار الهوى منهن في الكبد ... حرى ونار القرى منهم على القلل
يقتلن أنضاء حب لاحراك بهم ... وينحرون كرام الخيل والإبل
يشفى لديغ العوالي في بيوتهم ... بنهلة منم غدير الخمر والعسل
لعل إلمامه بالجزع ثانية ... يدب منها نسيم البرء في عللي
لاأكره الطعنة النجلاء قد شفعت ... برشقة منم نبال الأعين النجل
(2/440)

ولاأهاب الصفاح البيض تسعدني ... باللمح من خلل الأستار والكلل
ولاأخل يغزلان تغازلني ... ولو دهتني أسود الغيل بالغيل
حب السلامة يثني عزم صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا ... في الأرض أو سلما في الجو فاعتزل
ودع غمار العلى للمقدمين على ... ركوبها واقتنع منهن بالبلل
يرضى الذليل يخفض العيش مسكنة ... والعز عند رسيم الأينق الذلل
فأدرأ بها في نحور البيد جافلة ... معارضات مثاني اللجم بالجدل
عن العلى حدثتني وهي صادقة ... فيما تحدث أن العز في النقل
لو أن في شرف المأوى بلوغ منى ... لم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل
أهبت بالحظ لو ناديت مستمعاً ... والحظ عني بالجهال في شغل
لعله إن بدا فضلى ونقصهم ... لعينه نام عنهم أو تنبه لي
أعلل النفس بالآمال أرقبها ... ماأضيق العيش لولا فسحة الأمل
لم أرتض العيش والأيام مقبلة ... فكيف أرضى وقد ولت على عجل
غالى بنفسي عرفاني بقيمتها ... فصنتها عن رخيص القدر مبتذل
وعادة السيف أن يزهى بجوهره ... وليس يعمل إلا في يدي بطل
(2/441)

ماكنت أوثر أن يمتد بي زمني ... حتى أرى دولة الأوغاد والسفل
تقدمتني أناس كان شوطهم ... وراء خطوي لو أمشي على مهل
هذا جزءاً امرئ أقرانه درجوا ... من قبله فتمنى فسحة الأجل
فإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتال ولاضجر ... في حادث الدهر مايغنيعن الحيل
أعدى عدوك أدنى من وثقت به ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل
فإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لايعول في الدنيا على رجل
وحسن ظنك بالأيام معجزة ... فظن شراً وكن منها على وجل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول والعمل
وشان صدقك عند الناس كذبهم ... وهل يطابق معوج بمعتدل
إن كان ينجح شيءً في ثباتهم ... على العهود فسبق السيف للعذل
ياوارداً سؤر عيش كله كدرٌ ... أنفقت صفوك في أيامك الأول
فيم اقتحامك لج البحر تركبه ... وأنت تكفيك منه مصة الوشل
ملك القناعة لايخشى عليه ولا ... يحتاج فيه إلى الأنصار والخول
ترجو البقاء بدار لاثبات بها ... فهل سمعت بظل غير منتقل
وياخبيراً على الإسرار مطلعاً ... اصمت ففي الصمت منجاةٌ من الزلل
وقد رشحوك لأمر إن فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

وقال المرحوم عبد الله باشا فكري يخاطب نجله أمين باشا
إذا نام غر في دجى الخطب فاسهر ... وقم للمعالي والعوالي وشمر
وحل أحاديث الأماني فإنها ... علالة نفس العاجز المتحير
وسارع إلى مارمت مادمت قادراً ... عليه فإن لم تبصر النجح فاصبر
(2/442)

ولا تأت أمراً لا ترجي تمامه ... ولامورداً مالم تجد حسن مصدر
وأكثر من الشورى فإنك إن تصب ... تجد مادحاً أو تخطئ الرأي تعذر
ولا تستبشر في الأمر غر مجرب ... لأمثاله أو حازم متبصر
ولاتبغ رأياً من خؤون مخادع ... ولا جاهل غر قليل التدبر
فمن يتبع في الخطب خدعة خائن ... يعض بنان النادم المتحسر
ومن يتبع في أمره رأي جاهل ... يقده إلى أمر من الغي منكر
ولاتضع في ود الصديق لكاذب ... نموم وإن يعرض لك الشك فاخبر
ولا تغترز تندم ولاتك طامعاً ... تذل ولا تحقر سواك تحقر
وعود مقال الصدق نفسك وارضه ... تصدق ولا تركن إلى قول مفتري
ودع عنك إسراف العطاء ولايكن ... لكيفك في الإنفاق إمساك مقتر
ولاتقف زلات الرجال تعدها ... فلست على هذا الورى بمسيطر
ولاتتعرض لاعتراض عليهم ... دع الخلق للخلاق تسلم وتؤجر

وقال عبد القيس بن خفاف البرجمي المتوفى سنة 51هـ?
أبني إن أباك كارب يومه ... فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل
أوصيك إيصاء امرئ لك ناصح ... طبن بريب الدهر غير مغفل
الله فاتقه وأوف بنذره ... وإذا حلفت ممارياً فتحلل
والضيق أكرمه فإن مبيته ... حقً ولاتك لعنة للنزل
واعلم بأن الضيف مخبر أهله=بمبيت ليلته وإن لم يسأل
ودع القوارص للصديق وغيره ... كيلا يروك من اللئام والعذل
وصل المواصل ماصفا لك وده ... واجذذ حبال الخائن المتبدد
واحذر محل السوء لاتحلل به ... وإذا نبا بك منزل فتجول
واستأن تظفر في أمورك كلها ... وإذا عزمت على الهدى فتحول
(2/443)

واستغن ماأغناك ربك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتحمل
وإذا افتقرت فلا تكن متخشعاً ... ترجو الفواصل عند غير المنفصل
وإذا تشاجر في فؤادك مرة ... أمران فاعمد للأعف الأجمل
وإذا هممت بأمر سوء فاتئد ... وإذا هممت بأمر خير فاعجل

وقال فقيد اللغة الشيخ ناصيف اليازجي
دع يوم أمس وخذ في شأن يوم غد ... واعدد لنفسك فيه أفضل العدد
واقنع بما قسم الله الكريم ولا ... تبسط يديك لنيل الرزظق من أحد
والبس لكل زمان بردة حضرت ... حتى تحاك لك الأخرى منم البرد
ودر مع الدهر وانظر في عواقبه ... حذار أن تبتلى عيناك بالرمد
متى ترى الكلب في أيام دولته ... فاجعل لرجليك أطواقاً من الزرد
واعلم بأن عليك العار تلبسه ... من عضة الكلب لا من عضة الأسد
لاتأمل الخير من ذي نعمة حدثت ... فهو الحريص عل أثوابه الجدد

وقال السيد علي أبو النصر المتوفى سنة 1298هـ?
بقدر الرأي تعتبر الرجال ... وبالآمال ينتظر المآل
وإفراط البليغ إذا تمادى ... على حالٍ يخالطه ابتذال
وإمساك الأديب يفيد علماً ... بأحوال الغبي كما يقال
ومن عرف الحقائق مات غماً ... وإن طلب الإقالة لايقال
وبالإقدام يسهل كل صعب ... وبالتمويه يتسع المجال
وبالتحقيق تتضح الخفايا ... وعند الشك ينتظر الهلال
ومن لم يتئد في كل أمر ... تخطاه التدارك والمنال
وهضم النفس أقبح كل شيء ... على حرله فيها كمال
ومن لزم القناعة نال عزاً ... وهل بالذل منقبة تنال

وقال مؤلف هذا الكتاب معارضاً لامية الطغرائي
عليك بالصبر والإخلاص في العمل ... ولازم الخير في حل ومرتحال
وجانب الشر وأعلم أن صاحبه ... لابد يجزاه في سهل وفي جبل
واثبت ثبات الرواسي الشامخات ولا ... تركن إلى فشل في ساعة الوهل
وكن كرضوى لما يعروك من نوب ... ولا تكن جازماً في الحادث الجلل
واصبر على مضض الأيام محتملاً ... ففيه قرع لباب النجح والأمل
تأن متئداً فيما تروم ولا ... تعجل وإن خلق الإنسان من عجل
لاتطلب العز في دار ولدت بها ... فالعز عند رسيم الأينق الذلل
شمر وجد لأمر أنت طالبه ... إذ لاتنال المعالي قط بالكسل
(2/444)

واحذر مساوئ أخلاق تشان بها ... وأسوء السوء سوء الخلق والبخل
واخفض جناحك للمولى وجد ونل ... ماأسمج الكبر والإمساك بالرجل
لاتسأل النذل واقصد ماجداً حدبا ... في طلعة الشمس مايغنيك عن زجل
نور بلقياك من تلقى نواظره ... ولا تكن كالقذي في الأعين النجل
ولاتجادل جهولاً ليس يفهم ما ... تقول فالشر كل الشر في الجدل
ولاتكن لنزول الخطب مضطرباً ... في حادث الدهر مايغني عن الحيل
الجود أحسن ماأوليت من خلق ... والعفو أنفى لداء الضغن والدخل
والحلم ملح فساد الأمر يصلحه ... والبذل خير فعال الماجد البطل
لاتقتحم غمرات البحر مرتكباً ... وأنت يكفيك منه مصة الوشل
ولاتعاشر سوى حزم أخا ثقة ... وأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
لا تنخدع لصديق يدعي ملقا ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل
لاتأمنن أحداً واحذر مكائدهم ... وظن سراً وكن منهم على وجل
لا تغرَّنك الدنيا بزهرتها ... فهل سمعت بظل غير منتقل
إن الغني غني النفس في كرم ... بالطبع لاباقتناء الشاء والإبل
إن الصنيعة للأنذال تفسدهم ... كما تضر رياح الورد بالجعل
مرارة النصح تحل لي مضاضتها ... وربما صحت الأجسام بالعلل
دع التكلف لايجديك منفعة ... ليس التكحل في العينين كالكحل
أرى الرعاء رعاء الشاء في ترف ... في أخفض العيش بين الخيل والخول
وسادة العصر قد ألقوا مقالدهم ... إلى الطغاة شرار النماس والسفل
تحكموا في قضايا الناس واحتكموا ... وحكموا كل ذي جهل أخي خبل
من كل غر جهول لايرى رشداً ... كباقل مثلاً في العي والخطل
تعسا لشر زمان ظل طوع يد الل ... ئاميسقيهم علا على نهل
(2/445)

القبض والبسط في أيدي ذوي شطط ... من كل سكران من خمر الهوى ثمل
تسطو الكلاب على أسد الشرى سفها ... والباز الأشهب يخشى صوله الحجل
والقرد يضحك من نمر على هزؤ ... والكلب يوعد ليث الغيل بالغيل
نال المرام علوج لاخلاق لهم ... فوق المؤمل من شب ومكتهل
أملى لهم دهرهم فاستمهلوا أمداً ... مرخى لهم في مروج العيش والطول
شر العصر زمان يستمد به ... خب لئيم غدا في الشر كالثمل
لايعلم الرشد من غي وليس له ... سوى الشرارة في قول وفي جدل
ناهيك من غمة غماء ماسمعت ... بمثلها أذن في الأعصر الأول
أشدد بها أزمة، الله يفرجها ... مااضيق العيش لولا فسحة الأمل
مالي وللبلدة الحمقاء اسكنها ... مساكنها لذوي خرق أولي حيل
وليس لي ناقة فيها ولاجمل ... وليس لي ثم من ثور ولاحمل
ولا يستقيم وفاق لي بمثلهم ... وهل يطابق معوج بمعتدل
قد ذقتهم وبلوت الحال عندهم ... فما حصلت على صاب ولاعسل
ليسوا كراماً ولكن من مكارمهم ... مابالكرائم من جبن ومن بخل
إني ابتليت باخلاق فوصلعهم ... وعد ومطل وارجاء على مذل
لايفعلون إذا قالوا فقد بعدت ... مسافة الخلف بين القول والعمل
أضحت مواعيد عرقوب لهم مثلاً ... ومامواعيدهم غلا على دخل
أخلاقهم صح إنجازاً لموعدهم ... إذ كان وعدهم كذباً من الخجل
أشكو الزمان وأهليه وأمقتهم ... إذ سوء أفعالهم أوفى على القلل
ساءت سريرتهم حالت طريقتهم ... زاغت بصيرتهم عن أقوم السبل
علمٌ بلا عمل حكم بلا حكم ... ظلم على عجل وعدٌ على مهل
الإفك والزور والبهتان عندهم ... والسعي في الأرض بالإفساد والخلل
الكذب مستحسن والصدق عندهم ... مستهجن من صفات العاجز الوكل
أهنى الطعام لحوم الناس عندهم ... ألنم فيما لديهم شربة العسل
(2/446)

نكث العهود سجاياهم ودأبهم ... خلف الوعود وذا من أسوإ الثقل
إن السعاية في التضريب أحسن من ... ضرب من الحذق والعرفان في الزجل
يادهر مالك والأ؛ رار تقهرهم ... تذل كل كريم الأصل مقتبل
حتى متى يازمان السوء تفعل ما ... تشيب فيه النواصي غير محتمل
تؤخر الفاعل المرفوع تحفظه ... مقدما لمفاعيل على البدل
وساقه الجيش قد أضحت مقدمة ... مثل التليل إذا في مؤخر الكفل
فلست أحفظ في ذي الدهر من أسف ... أطال أيام عمري أو دنا أجلي
واهاً لقلبي يوم البين إذا ظعنوا ... فالعين في لجج والقلب في شعل
كيف التصبر من ناري نوى وجوى ... وفي الحشا أنكاء جرح غير مندمل
فقد فقدت الألى كانت ببهجتهم ... نور النواظر في الأحداق والمقل
لم أكتحل بقرار بعد ما ارتحلوا ... ولاابتغيت لهم في الناس من بدل
لم يبق لي الدهر بعد البين من جلد ... ما استطيع به توديع مرتحل
ولا من الغمض ماأقري الخيال به ... ولا من الدمع ماأبكي على طلل
فلبي على لهب والجسم في نصب ... والروح في وصب واللب في ذهل
حسبي الغرام حليف والجوى أبداً ... منادما وسميرٌ غير منفصل
خذها محبرة غيداء غانية ... أتت على عجل كالقابس العجل
جاءت من (الهاشمي) لا تبتغي مهرا ... من خاطب لبنات النظم في عطل

وقال محمد اليمني المقلب بنجم الدين المتوفى سنة 569هـ?
ولا تحتقر كيد الضعيف فربما ... تموت الأفاعي من سموم العقارب
وقد هد قدما عرش بلقيس هدهد ... وخرب حفر الفأر سد مآرب
إذا كان رأس المال عمرك فاحترز ... عليه من الإنفاق في غير واجب
فبين اختلاف الليل والصبح معرك ... يكر علينا جيشه بالعجائب
(2/447)

وماراعني غدر الشباب لأنني ... أنست بهذا الخلق من كل صاحب
وغدر الفتى في عهده ووفائه ... وغدر المواضي نبو المضارب

وقال مهذب الدين المتوفى سنة 48هـ?
وإذا الكريم رأى الخمول نزيله ... في منزل قالحزم أن يترحلا
كالبدر لما أن تضاءل جد في ... طلب الكمال فحازه متنقلا
سفها لحلمك إن رضيت بمشرب ... رنق ورزق الله قد ملأ الملا
ساهمت عيسك مر عيشك قاعداً ... أفلا فليت بهن ناصية الفلا
فارق ترق كالسيف سل فبان في ... متنيه ماأخفى القراب وأخملا
لا تحسبن ذهاب نفسك ميتة ... ماالموت غلا أن تعيش مذللا
للقفر لا للفقر هبها إنما ... مغناك ماأعناك أمن تتوسلا
لا ترض من دنياك مأدناك من ... دنس وكن طيفاً جلاثم انجلى
وصل الهجير بهجر قوم كلما ... أمطرتهم شهدا جنوا لك حظلا
أنا من إذا ما الدهر هم بخفضه ... سامته همته السماك الأعزلا

وقال الحريري المتوفي سنة 516هـ?
سامح أخاك إذا خلط ... منه الإصابة بالغلط
وتجاف عن تعنيفه ... إن زاغ يوماً أو قسط
واحفظ صنيعك عنده ... شكر الصنيعة أو غمط
وأطعه إن عاصى وهن ... إن عز وأدن إذا شحط
واقن الوفاء ولو أخ ... ل بما استرطت وما اشترط
واعلم بأنك إن طلب ... ت مهذبا رمت الشطط
من ذا الذي ماساء قط ... ومن له الحسنى فقط

وقال أيضاً

اسمع أخي وصيةً من ناصح ... ماشاب محض النصح منه بغشه
لا تعجلن بقضية مبتوتة ... في مدح من لم تبله أو خدشه
وقف القضية فيه حتى نجتلي ... وصيفه في حالي رضاه وبطشه
فهناك إن تر ما يشين فواره ... كرماً وإن مايزين فأفشه
وأعلم بأن التبر في عق الثرى ... خاف إلى أن يستثار بنبشه
وفضيلة الدينار يظهر سرها ... من حكه لا من ملاحة نقشه
ومن الغباوة أن تعظم جاهلا ... لصقال ملبسه ورونق رقشه
أو أن تهين مهذباً في نفسه ... لدروس بزته ورثه فرشه
(2/448)

الباب التاسع
قال مؤيد الدين الأصبهاني المعروف بالطفرائي المتوفي سنة 513هـ?
من قاس بالعلم الثراء فإنه ... في حكمه أعمى البصيرة كاذب
العلم تخدمه بنفسك دائماً ... والمال يخدم عنك فيه نائب
والمال يسلب أو يبيد لحادث ... والعلم لايخشى عليه سالب
والعلم نقش في فؤادك رسخ ... والمال ظل عن فنائك ذاهب
هذا على الإنفاق يغزو فيضه ... أبداً وذلك حين تنفق ناضب
العلم أشرف شيء قاله رجل ... من لم يكن فيه علمك لم يكن رجلا
تعلم العلم واعمل ياأخي به ... فالعلم زين لمن بالعلم قد عملا
العلم مبلغ قوم ذروة الشرف ... وصاحب العلم محفوظ من التلف
ياصاحب العلم مهلاً لا تدنسه ... بالموبقات فما للعلم من خلف
العلم يرفع بيتاً لاعماد له ... والجهل يهدم بيت العز والشرف
لو كان نور العلم يدرك بالمنى ... ماكان يبقى في البرية جاهل
أجهد ولاتكسل ولا تك غافلاً ... فندامة العقبى لمن يتكاسل
وفي الجهل قبل الموت موتٌ لأهله ... وأجسادهم دون القبور قبور
وإن أمرأ لم يحي بالعلم قلبه ... فليس له حتى النشور نشور
لكل مجد في الروى نفع فاضل ... وليس يفيد العلم منم دون عامل
يسابق بعض الناس بعضاً بجدهم ... وماكل كر بالهوى كر باسل
إذا لم يكن نفع لذي العلم والحجا ... فما هو بين الناس إلا كجاهل
كذاك إذا لم يكن نفع لذي العلم والحجا ... فما هو بين الناس إلا كجاهل
(2/449)

كذاك إذا لم ينفع المرء غيره ... يعد كشوك بين زهر الخمائل
ياساعياً وطلاب المال همته ... غني أراك ضعيف العقل والدين
عليك بالعلم لاتطلب له بدلاً ... واعلم بأنك فيه غير مغبون
العلم يجدي ويبقى للفتى أبداً ... والمال يفنى وإن أجدى إلى ىحين
هذاك عز وذا ذل لصاحبه ... مازال بىلبعد بين العز والهون
العلم زين وتشريف لصاحبه ... فاطلب هديت فنونه العلم والأدبا
كم سيد بطل آباؤه نجب ... كانوا الرؤوس فأمسى بعدهم ذنباً
ومقرف خامل الآباء ذي أدب ... نال المعالي بالآداب والرتبا
العلم كنز وذخر لا فناء له ... نعم القرين إذا ما صاحب صحبا
قد يجمع المال شخص ثم يحرمه ... عما قليل فيلقى الذل والحربا
وجامع العلم مغبوط به أبداً ... ولا يحاذر منه الفوت والسلبا
ياجامع العلم نعم الذخر تجمعه ... لا تعدلن به دراً ولا ذهباً
بالعلم والعقل لا بالمال والذهب=يزداد رفع الفتى قدراً بلا طلب
فالعلم طوق النهى يزهو به شرفاً ... والجهل قيد له يبليه باللعب
كم يرفع العلم أشخاصاً إلى رتب ... ويخفض الجهل أشرافاً بلا أدب
العلم كنز فلا تفنى ذخائره ... والمرء مازاد علماً زاد بالرتب
فالعلم فاطلب يجديك جوهره ... كالقوت للجسم لا تطلب غنى الذهب
العلم زين فكن للعلم مكتسباً ... وكن له طالباً ماعشت مقتبساً
اركن إليه وثق بالله واغن به ... وكن حليماً رزين العقل محترساً
وكن فتى سالكاً محض التقى ورعاً ... الدين مغتنما في العلم منغمساً
(2/450)

فمن تخلق بالآداب ظل بها ... رئيس قوم إذا مافارق الرؤسا
الناس من جهة التمثال أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء
فإن يكن لهم في أصلهم شرف ... يفاخرون به فالطين والماء
مالفخر إلا لأهل العلم انهموا ... على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ماكان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
وإن أتيت بجود في ذوي نسب ... فإن نسبتنا جودٌ وعلياء
ففز بعلم تعش حياً به أبداً ... الناس موتى وأهل العلم أحياء
العلم يغرس كل فضل فاجتهد ... ألا يفوتك فضل ذاك المغرس
واعلم بأن العلم ليس يناله ... من همه في مطعم أو ملبس
ألا أخو العلم الذي يزهو به ... في حالتيه عارياً أو مكتسي
فاجعل لنفسك منه حظاً وافراً ... واهجر له طيب الرقاد وعبس
فلعل يوماً إن حضرت بمجلس ... كنت الرئيس وفخر ذاك المجلس
(2/451)

الباب العاشر
في العقل
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان
ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران
ألم تر أن العقل زين لأهله ولكن تمام العقل طول التجارب
يقول لك العقل الذي زين الفتى ... إذا لم تكن تقدر عدوك داره
ولا قه بالترحيب والبشر والقرى ... وبادراك له مادمت تحت اقتادره
وقبل يد الجاني التي لست قادراً ... على قطعها وراقب سقوط جداره
العقل حلة فخر من تسربلها ... كانت له نسباً تغني عن النسب
والعقل أفضل مافي الناس كلهم ... بالعقل ينجو الفتى من حومة الطلب
(2/453)

وأفضل قسم الله للمرء عقله ... فليس من الخيرات شيء يقاربه
يعيش الفتى بالعقل في الناس أنه ... على العقل يجري علمه وتجاربه
يشين الفتى في الناس قلة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه
وإذا أكمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومآربه
ماوهب الله لا مرئ هبة ... أشرف من عقله ومن أدبه
هما حياة الفتى فإن عدما ... فإن فقد الحياة أجمل به
يعد رفيع القوم من كان عاقلاً ... وإن لم يكن في قومه بحسيب
وإن حلّ أرضا عاش فيها بعقله ... وما عاقل في بلدة بغريب
ومن كان ذا مال لم يك عاقلاً ... فذاك حمار حملوه من التبر
أرى العقل مرآة الطبيعة إذا به ... نرى صور الأشياء في عالم الفكر
ذو العقل في معترك الأقدار مقتدر ... لكن ذا الجهل مغلوب ومغلول
وعقل ذي الحزم مرآة الأمور بها ... يرى الحقائق، والمجهول مهول
وعقول الأنام لو تستوي لم ... يك فرق بين الغبي والنبيه
محور الأرض لو عدا مستقيماً ... لتساوى النهار والليل فيه

الباب الحادي عشر في الأدب
قال أبو تمام
إذا جاريت في خلق دنيئاً ... فأنت ومن تجاريه سواءُ
رأيت الحر يجتنب المخازي ... ويحميه عن الغدر لالوفاء
(2/454)

وما من شدة إلا سيأتي ... لها من بعد شدتها رخاء
لقد جربت هذا الدهر حتى ... أفادتني التجارب والعناء
يعيش المرء مااستحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء
فلا الله مافي العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستح فاصنع ماتشاء

وقال أيضاً

سأصرف وجهي عن بلاد إذا بها ... لساني معقولاً وقلبي مقفلاً
وإن صريح الحزم والرأي لامرئ ... إذا بلغته الشمس أن يتحولا

وقال أبو فراس الحمداني
لا أشتري بعد التجارب صاحباً ... إلا وددت بأنني لم أشره
وتركت حلو العيش لم أحفل به ... لما رأيت اعزه في مره
والمرء ليس بغانم في أرضه ... كالصقر ليس بصائد في كره

وقال أبو العلا المعري
لئن قدرت فلا تفعل سوى حسن ... بين الأنام وجانب كل ماقبحا
فكم شيوخ غدوا بيضاً مفارقهم ... يسبحون وباتوا في الخنا سبحاً
وليس عندهم دينٌ ولا نسك ... فلا تغرك أيد تحمل السبحا
لو اعقل الأرض ودت أنها صفرت ... مكنهم فلم ير فيها ناظر شبحا

وقال الطغرائي
جامل عدوك مااستطعت فإنه ... بالرفق يطمع في صلاح الفاسد
واحذر حسودك مااستطعت فإنه ... إن نمت عنه فليس عنك براقد
إن الحسود وإن أراد توددا ... منه أضر من العدو الحاقد
ولربما رضي العدو إذا رأى ... منك الجميل فصار غير معاند
(2/455)

ورضا الحسود زوال نعمتك التي ... أوتيتها من طارف أو تالد
فاصبر على غيظ الحسود فناره ... ترمي حشاه بالعذاب الخالد
أو ما رأيت النار تأكل نفسها ... حتى تعود إلى الرماد الهامد
تضغو على المحسود نعمة ربه ... ويذوب من كمد فؤاد الحاسد

وقال ابن الرومي
عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرون من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه ... يحول من الطعام أو الشراب
إذا انقلب الصديق غدا عدوا ... مبيناً والأمور إلى انقلاب
ولو كان الكثير يطيب كانت ... مصاحبة الكثير من الصواب

وقال في الانفراد والوحدة
ذقت الطعوم فما التذذت براحة ... من صحبة الأخيار والأشرار
أما الصديق فلا أحب لقاءه ... حذر القلى وكراهة الأعوار
وأرى العدو قذى فأكره قربه ... فهجرت هذا الخلق عن أعذار
من جود إخوان الزمان سرورهم ... بتفاضيل الأحوال والأخطار
لو أن إخوان الصفاء تناصفوا ... لم يفرحوا بتفاصيل الأعمار
أأحب قوماً لم يحبوا ربهم ... إلا لفردوس لديه ونار

وقال المتنبي
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم
يرى الجبناء أن العجز عقل ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
وكل شجاعة في المرء تغني ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم
وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
(2/456)

وقال بشار بن برد
خبر إخوانك المشارك في المر ... روأين الشريك في المرأينا
الذي إن شهدت سرك في الحي ... ى وإن غبت كان أذنا وعينا
مثل سر الياقوت إن مسه النا ... ر جلاه البلاء فازداد زينا
أنت في معشر إذا غبت عنهم ... بدلوا كل مايزينك شينا
وإذا مالارأوك قالوا جميعاً ... أنت من أكرم البرايا علينا
ماأرى للأنام ودا صحيحاً ... عاد كل الوراء زورا ومينا

وقال أبو العتاهية
خيراٌ أيام الفتى يوم نفع ... واصطناع الخير أبقى ماصنع
ماينال الخير بالشر ولا ... يحصد الزارع إلا مازرع
خذ من الدنيا الذي درت به ... واسل عما بان منها وانقطع
إنما الدنيا متاع زائل ... فاقتصد فيه وخذ منه ودع
وارض للناس بما ترضى به ... واتبع الحق فنعم المتبع
كن ابن من شئت واكتسب أدباً ... يغنيك محموده عن النسب
إن الفتى من يقول هأنذا ... ليس الفتى من بقول كان أبي
لكل شيء زينة في الورى ... وزينة المرء تمام الأدب
قد يشرف المرء بآدابه ... فينا وإن كان وضيع النسب

وأنشد أبو عبد الله نفطويه لنفسه
أراني أنسى ماتعلمت في الكبر ... ولست بناس ماتعلمت في الصغر
وما العلم إلا بالتعلم في الصبا ... وماالحلم إلا بالتحلم في الكبر
ولو فلق القلب المعلم في الصبا ... لألفى فيه العلم كالنقش في الحجر
وماالعلم بعد الشيب غلا تعسف ... إذا كل قلب المرء والسمع والبصر
(2/457)

وما المرء غلا اثنان: عقل ومنطق ... فمن فاته هذا وهذا فقد دمر

وما ينشد لخلف الأحمر
خير ماورث الرجال بينهم ... أدب صالح وحسن ثناء
هو خير من الدنانير والأو ... راق في يوم شدة ورخاء
تلك تفنى والدين والأدب الصا_لح لا يفينان حتى اللقاء
إن تأدبت يابني صغيراً ... كنت يوماً تعد في الكبراء
وإذا ماأضعت نفسك الفي ... ت كبيراً في زمرة الغوغاء
ليس عطفي للعود إن كان رطباً ... وإذا كان يابساً بسواء

ومن شعر المنصور الفقيه
أيها الطالب الحريص تعلم ... إن للحق مذهباً قد ضللته
ليس يجدي عليك علمك إن لم ... تك مستعملاً لما قد علمته
قد لعمري اغتربت في طلب العل ... م وحاولت جمعه فجمعته
ولقيت الرجال فيه وازحم ... ت عليه الجميع حتى سمعته
ثم ضيعت أو نسيت، وماين ... فع علم نسيته أو أضعته
وسواءٌ عليك علمك إن لم ... يجد نفعاً عليك أم ما جهلته
كم إلى كم تخادع النفس جهلاً ... ثم تجري خلاف ماقد عرفته
تصف الحق والطريق إليه ... فإذا ماعلمت خالفت سمته

وقال محمود سامي باشا البارودي
بادر الفرصة واحذر فوتها ... فبلوغ العز في نيل الفرص
واغتنم عمرك إبان الصبا ... فهو إن زاد مع الشيب نقص
(2/458)

وابتدر مسعاك واعلم أن من ... بادر الصيد مع الفجر قنص
واجتنب كل غبي مائق ... فهو كالغير، إذا جد قمص
إنما الجاهل في العين قذى ... حيثما كان، وفي الصدر غصص
واجتز من شئت تعرفه فما ... يعرف الأخلاق إلا من فحص
إن ذا الحاجة إن لم يغترب ... عن حماه مثل طير في قفص

وقال أبو اسحاق إبراهيم الغزي
بمسيره نقص الهلال، وزاد ... فاجعل كراك إذا اعتزمت سهادا
لولا أنصلات البيض من أغمادها ... مشحوذة لم تفضل الأغماد
وفضيلة الحيوان في حركاته ... لولا منافعة لكان جمادا
مالعمر إلا راحل، وأظنه أت ... خذ الشبيبة للمسافة زادا
لا تخلعن عن اللسان لجامه ... وتوق فرط جماحه المعتادا
فالله خص الاستماع بآلةٍ+مثنى وجارحة الكلام فرادى

وقال أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي
حاول جسيمات الأمور، ولا تقل ... إن المحامد والعلا أرزاق
وأرغب بنفسك أن تكون مقصراً ... عن غلاية فيها الطلاب سباق
لا تشفقن فإن يومك إن أتى ميقاته لم ينفع الإشفاق
وإذا عجزت عن العدو فداره ... وأمزج له إن المزاج وفاق
(2/459)

فالنار بالماء الذي هو ضدها ... تعطي النضاج، وطيعها الإحراق
(2/460)

عود بينك على الآداب في الصغر ... كيما تقربهم عيناك في الكبر
فإنما مثل الآداب تجمعها ... في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر
هي الكنوز التي تنمو ذخائرها ... ولا يخاف عليها حادث العبر
إن الأديب إذا زلت به قدم ... يهوى على فرش الديباج والسرر
الناس صنفان ذو علم ومستمع ... واع وسائرهم كاللغو والعكر
من لم يكن عقله مؤدبة ... لم يغنه واعظ من النسب
كم من وضيع الأصول في أمم ... قد سودوه بالعقل والأدب
لا تيأسن إذا ماكنت ذا أدب ... على خمولك أن ترقى إلى الفلك
فبينما الذهب الإبريز مختلط ... بالترب إذ صار إكليلاً على الملك
السبع سبع ولو كلت مخالبه ... والكلب كلب ولو بين السباع ربي
وهكذا الذهب الإبريز خالطه ... صفر النحاس وكان الفضل للذهب
لا يعجبنك أثواب على رجل ... دع عنك أثوابه وانظر إلى الأدب
(2/466)

فالعود لو لم تفح منه روائحه ... لم يفرق الناس بين العود والحطب
وليس يسود المرء إلا بنفسه ... وإن عد آباء كراماً ذوي حسب
إذا العود لم يثمر ولو كان شعبه ... من المثمرات اعتده الناس من حطب
قد ينفع الأدب الأحداث من صغر ... وليس ينفع بعد الشيبة الأدب
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قومتها الخشب
(2/467)

الباب الثاني عشر في الصبر والتأني
تصبر ففي اللأواء قد الصبر ... ولولا صروف الدهر لم يعرف الحر
وإن الذي أبلى هو العون فانتدب ... جميل الرضا يبقى لك الذكر والأجر
وثق بالذي أعطى ولاتك جازعاً ... فليس بحزم أن يروعك الضر
فلا نعم تبقى ولا نقم ولا ... يدوم كلا الحالين عسر ولا يسر
تقلب هذا الأمر ليس بدائم ... لديه مع الأيام حلو ولا مر
اصبر على مضض الأدلاج في السحر ... وفي الرواح إلى الطاعات في البكر
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبه محمودة الأثر
وقل من جد في أمر يؤمله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
إن الأمور إذا اشتدت مسالكها ... فالصبر يفتح كل ما ارتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبه ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
عليك بإظهار التجلد للعدى ... ولا تظهرن منك الذبول فتحقرا
أما تنظر الريحان بشمم ناضراً ... ويطرح في البيدا إذا ماتغيرا
صبراً على نوب الزما ... ن وإن أبى القلب الجريح
فلكل شيء آخر ... إما جميل أو قبيح
الدهر أدبني والصبر رباني ... والقوت أنعني واليأس أغناني
وحنكتني من الأيام تجربة ... حتى نهيت الذي قد كان ينهاني
إني رأيت الصبر خير معول ... رفي النائبات لمن أراد معولاً
ورأيت أسباب القناعة أكدت ... بعرى الغنى فجعلتها لي معقلا
فإذا نبابي منزل جاوزته ... وجعلت منه غيره لي منزلاً
وإذا غلا شيء علي تركته ... فيكون أرخض مايكون إذا غلا
إذا ماأتاك الدهر يوماً بنكبة=فافرغ لها صبراً وأوسع لها صدراً
فإن تصاريف الزمان عجيبة ... فيوماً ترى يسراً ويوماً ترى عسراً
(2/477)

على قدر فضل المرء تأتي خطوبه ... ويحمد منه الصبر مما يصيبه
فمن فيما يتقيه اصطباره ... لقد قل فيما يرتجيه نصيبه
أصبر قليلاً فبعد العسر تيسير ... وكل وقت له أمر وتدبير
وللمهيمن في حالتنا نظر ... وفوق تدبيرنا لله تدبير
اصبر ففي الصبر خيرٌ لو علمت به ... لكنت باركت شكراً صاحب النعم
وأعلم بأنك إن لم تصطبر كرماً ... صبرت قهراً على خط بالقلم
كن حليماً إذا بليت بغيظ ... وصبوراً إذا أتتك مصيبة
فالليالي من الزمان حبالى ... مثقلات يلدان كل عجيبة
تصبر أيها العبد اللبيب ... لعلك بعد صبرك ماتخيب
وكل الحادثات إذا تناهت ... يكون وراءها فرج قريب
أيا صاحبي إن رمت أن لاتكسب العلا ... وترقى إلى العلياء غير مزاحم
عليك بحسن الصبر في كل حالة ... فما صابر فيما يروم بنادم
بنى الله للأخيار بيتاً سماؤه ... هموم وأحزان وحيطانه الضر
وأدخلهم فيه وأغلق بابه ... وقال لهم مفتاح بابكم الصبر
اصبر قليلاً وكن بالله معتصما ... لاتعجلن فإن العجز بالعجل
الصبر مثل اسمه في كل نائبة ... لكن عواقبه أحلى من العسل
إذا جرحت مساويهم فؤادي ... صبرت على الإساءة وانطويت
وجئت إليهم طلق المحيا ... كأني لا سمعت ولا رأيت
تأن ولا تضيق للأمر ذرعاً ... فكم بالنجح يظفر من تأنى
تأن فالمرء إن تأنى ... أدرك لاشك ما تمنى
(2/478)

الباب الثالث عشر في الصدق
الصدق عز فلا تعدل عن الصد ... واحذر من الكذب المذموم في الخلق
عليك بالصدق ولو أنه ... أحرقك الصدق بنار الوعيد
ماأحسن الصدق في الدنيا لقائله ... وأقبح الكذب عند الله والناس

الباب الرابع عشر في الكذب
لي حيلة فيمن ين ... م وليس في الكذب حيلة
من كان يخلق مايقو ... ل فحيلتي فيه قليلة
نعم إنما النمام ذو ضرر ... لكنما الكاذب الجاني أشد ضرر
نعم نعم إنما النام ذو ضرر ... لكنما الكاذب الجاني أشد ضرر
أخو النميمة إن يسمع ينم ومن ... يكذب يقل ما يشا قولاً بغير أثر
لذاك لي حيلة في من ينم وما ... لي حيلة في كذوب ملء فيه شرر
لي حيلة في من ينم فإنني ... أطوي حديثي دونه وخطابي
لكنما الكذاب يخلق قوله ... ماحيلتي في المفتري الكذاب
لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو فعله السوء أو من قلة الأدب
لبعض جيفة كلب خير رائحة ... من كذبة المرء في جد وفي لعب
إياك من كذب الكذوب وإفكه ... فلربما مزوج اليقين بشكه
ولربما كذب امرؤ بكلامه ... وبصمته وبكائه وبضحكه
إذا عرف الإنسان بالكذب لم يزل ... لدى الناس كذاباً ولو كان صادقاً
فإن قال لم تصغ له جلساؤه ... ولم يسمعوا منه ولو كلن ناطقاً

الباب الخامس عشر في التواضع
إن شئت أن تبني بناءً شامخاً ... يلزم لذا البنيان أسّ راسخ
إن البناء هو الكمال وأسه ال ... الصخريّ فهو الإتضاع الباذخ
(2/479)

تواضع لربّ العرش علك ترفع ... فما خاب عبد للمهيمن يخضع
تواضع تكن كالنجم لا لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه ... إلى طبقات الجو وهو وضيع
إذا شئت أن تزداد قدراً ورفعة ... فلن وتواضع واترك الكبر والعجبا
تواضع إذا ما نلت في الناس رفعة ... فإن رفيع القوم من يتواضع
تواضع إذا ما كان قدرك عالياً ... فإن اتضاع المرء من شيم العقل

الباب السادس عشر في الكرم والكرماء
ونكرم ضيفنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا
فتى كملت خيراته غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
أبى الجود في الدنيا سواك لأنه ... تفرع من جود وأنت أبو الجود
وأضدادك الوادي لهم سال واستوت ... سفينة بحر العلم منك على الجودي
إن الكريم الذي لا مال في يده ... مثل الشجاع الذي في كفه شلل
والمال مثل الحصى مادام في يدنا ... فليس ينفع إلا حين ينتقل
لا تراني مصافحاً كفّ يحيى ... إن فعلت ضيعت مالي
لو يمس البخيل راحة يحيى ... لسخت نفسه ببذل النوال
لو أشبهتك بحار الأرض في كرم ... لأصبح الدر مطروحاً على الطرق
أو أشبه الغيث جوداً منك منهملاً ... لم ينج في الأرض مخلوق من الغرق
من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحكاً أبداً ... وهو إذا جاد دامع العين
ما نوال الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير وقت سخاء
فنوال الأمير بدرة مال ... ونوال الغمام قطرة ماء

الباب السابع عشر في البخل والبخلاء
يفنى البخيل بجمع المال مدته ... وللحوادث والأيام ما يدع
كدودة القز ما تبنيه يهدمها ... وغيرها بالذي تبنيه ينتفع
(2/480)

إن هذا الفتى يصون رغيفاً ... ما إليه من ناظر من سبيل
في جراب في جوف تابوت موسى ... والمفاتيح عند ميكائيل
شرابك مختوم وخبزك لا يرى ... ولحمك بين الفرقدين معلّق
نديمك عطشان وضيفك جائع ... وكلبك نباح وبابك مغلق
نوالك دونه شوك القتاد ... وخبزك كالثريا في البعاد
ولو أبصرت ضيفاً في منامٍ ... لحرّمت الرقاد على العباد
قد شاب رأسي ورأس الدهر لم يشب ... إن الحريص على الدنيا لفي تعب
وذي حرص تراه يلم وفراً ... لوارثه ويدفع عن حِماه
ككلب الصيد يمسك وهو طاو ... فريسته ليأكلها سواه
حسبي بعلمي إن نفع ... ما الذل إلا في الطمع
من راقب الله نزع ... عن سوء ما كان صنع
ما طار طير وارتفع ... إلا كما طار وقع
أصبحت أجوع خلق الله كلهم ... وأفزع الناس من خبز إذا وضعا
خبز البخيل لمكتوب عليه ألا ... لا بارك الله في ضيف إذا شبعا
إني أحذّركم من خبز صاحبنا ... فقد ترون اليوم بحلقي ما صنعا
إياك والحرص إن الحرص متعبةٌ ... فإن فعلت فراع القصد في الطلب
قد يرزق المرء لم تتعب رواحله ... ويحرم المرء ذو الأسفار والتعب
فاجزر فؤادك عن حرص وعن نصب ... فما وقّحك يأتي الرزق بالنصب
إذا كسر الرغيف بكى عليه ... بُكا الخنساء إذ فجعت بصخر
ودون رغيفه قلع الثنايا ... وضرب مثل وقعة يوم بدر
تغير إذا دخلت عليه حتى ... فطنت فقلت في المقال
علي اليوم نذر من صيام ... فأشرق وجهه مثل الهلال
رغيف في الحجاب عليه قفل ... وحراس وأبواب منيعة
رأى في بيته ضيفٌ رغيفاً ... فقال لضيفه هذا وديعة
(2/481)

ويظهر عيب المرء في الناس بخله ... ويستره عنهم جميعاً سخاؤه
رأى الصيف مكتوباً على باب داره ... فصحفه ضيفاً فقام إلى السيف
فقلنا له خيراً فظن بأننا ... نقول له خبزاً فمات من الخوف

"وقال أبو محمد إسحاق الموصلي المتوفى سنة 235 هـ في ذم البخل"
وآمرة بالبخل قلت لها أقصري ... فليس إلى ما تأمرين سبيل
أرى الناس خلان الجود ولا أرى ... بخيلاً له في العالمين خليل
وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئاً أن يكون ينيل
عطائي عطاء المكثرين تجملاً ... ومالي كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل

الباب الثامن عشر في وصف الدنيا
أيا من عاش في الدنيا طويلاً ... وأفنى العمر في قيل وقال
وأتعب نفسه في ما سيفنى ... وجمع من حرام أو حلال
هب الدنيا تقاد إليك عفواً ... أليس مصير ذاك الانتقال
إن لله عباداً فطنا ... طلّقوا الدنيا وعافوا الفتنا
فكروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحيّ وطنا
جعلوها لجّة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
عجبت للمرء في دنياه تطعمه ... في العيش والأجل المحتوم يقطعه
يمسي ويصبح في عشواء يخطبها ... أعمى البصيرة والآمال تخدعه
يغتر بالدهر مسروراً بصحبته ... وقد درى أنه للغير يجمعه
تراه يشفق من تضييع درهمه ... وليس يشفق من دين يضيعه
(2/482)

وأسوأ الناس تدبيراً لعاقبة ... من أنفق العمر في ما ليس ينفعه
ألا إنما الدنيا كأحلام نائم ... وما خير عيش لا يكون بدائم
تأمل إذا ما نلت بالأمر لذّة ... فأفنيتها هل أنت إلا كحالم
فمن غافل عنه وليس بغافل ... ومن نائم عنه وليس بنائم
ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسبق إلينا عذبها وعذابها
فلم أرها إلا غروراً وباطلاً ... كما لاح في ظهر الفلاة سرابها
وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلماً لأهله ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
فدع عنك فضلات الأمور فإنها ... حرام على نفس التقي ارتكابها
ومن يحمد الدنيا لشيء يسرّه ... فسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة ... وإن أقبلت كانت كثيراً همومها
هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذارِ حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرركمو مني ابتسام ... فقولي مضحك والفعل مبكي
سألت عن الدنيا الدنية قيل لي ... هي الدار فيها الدائرات تدور
إذا أضحكت أبكت وإن أحسنت أست ... وإن أعدلت يوماً فسوق تجور
يا خاطب الدنيا الدّنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى أضحكت في يومها ... أبكت غداً تباً لها من دار

الباب التاسع عشر في السر
ولست بمبدٍ للرجال سريرتي ... ولا أنا عن أسرارهم بسؤول
لا يكتم السر إلا كل ذي ثقة ... والسر عند خيار الناس مكتوم
فالسر عندي في بيت له غلقٌ ... ضاعت مفاتيحه والباب مختوم
صن السر عن كل مستخبر ... وحاذر فما الرأي إلا الحذر
أسيرك سرّك إن صنته ... وأنت أسيرٌ له أن ظهر
كل علم ليس في القرطاس ضاع ... كل سر جاوز الإثنين شاع
(2/483)

إذا لم يكن في الورى صاحب ... وفيه ثلاث خصال حميدة
وفاءٌ وسرٌ وحفظ الولا=فصحبته قط ليست مفيدة
عليك بكتم السر في كل حالة ... فقد جاء في الأخبار من ألف حجّة
إذا دخل اثنان الحديث فسرّه ... يشيع وصمت المرء أعظم حكمة

الباب العشرون في اللسان
لا يعجبنك من خطيب خطيبة ... حتى يكون مع الكلام أصيلا
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرّجل
فعثرته في القول تذهب رأسه ... وعثرته بالرّجل تبرأ على مهل
احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنك أنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الشجعان
الصمت زين والسكوت سلامة ... فإذا نطقت فلا تكن مكثاراً
فإذا ندمت على سكوتك مرة ... فلتندمن على الكلام مرارا
إن القليل من الكلام بأهله ... حسنٌ وإن كثيره ممقوت
ما زل ذو صمت وما من مكثر ... ألا يزلّ ما يعاب صموت
إن كان ينطق ناطق من فضة ... فالصمت درّ زانه الياقوت
احفظ لسانك واستعذ من شره ... إن اللسان هو العدو الكاشح
وزن الكلام إذا نطقت بمجلسٍ ... فإذا استوى هناك حلمك راجح
والصمت من سعد السعود بمطلع ... تحيا به والنطق سعدٌ رابح
عود لسانك قول الخير تنج به ... في زلّة اللفظ أو من زلة القدم
واحذر لسانك من خل تنادمه ... إن النديم لمشتق من الندم

الباب الحادي عشر في المعاشرة
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه
إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفا ... فدعه ولا تكثر عليه التأسفا
ففي الناس أبدالٌ وفي الترك راحة ... وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
فما كل من تهواه يهواك قلبه ... ولا كل من صافيته لك قد صفا
(2/484)

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة ... فلا خير في ود يجيء تكلفا
ولا خير في خل يخون خليله ... ويلقاه من بعد المودة بالجفا
وينكر عيشاً قد تقادم عهده ... ويظهر سراً كان بالأمس قد خفا
سلام على الدنيا إذا لم يكن بها ... صديق صدوق صادق الوعد منصفا
صاف الكرام فخير من صافيته ... من كان ذا أدب وكان ظريفا
واحذر مؤاخاة اللئيم فإنه ... يبدي القبيح وينكر المعروفا
إن الكريم وإن تضعضع حاله ... فالخلق منه لا يزال شريفا
والناس مثل دراهم قلبتها ... فأصبحت منها فضّة وزيوفا
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... فأبصر بعين منك أمراً فيعتمد
ولن يصبح الإنسان إلا نظيره ... وإن لم يكونا من قبيل ولا بلد
وما الغيّ إلا أن تصاحب غاوياً ... وما الرشد إلا أن تصاحب مرتشد
أخو الفسق لا يغررك منه تودّد ... فكل حبال الفاسقين مهين
وصاحب إذا ما كنت يوماً مصاحباً ... أخا ثقة بالغيب منك أمين
اجعل قرينك من رضيت فاعله ... واحذر مقارنة اللئيم الشائن
كم من قرين شائن لقرينه ... ومهجن منه لكل محاسن
وعينك إن أبدت إليك مساوياً ... من الناس قل يا عين للناس أعين
وعاشر بمعروف وكن متودّداً ... ولا تلق إلا بالتي هي أحسن

الباب الثاني والعشرون في القناعة
وأكل كسيرة في جنب بيتي ... أحب إلي من أكل الرغيف
ولبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف
هي القناعة فالزمها تعش ملكا ... لو لم يكن منك إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن
(2/485)

قنعت بالقوت من زماني ... وصنت نفسي عن الهوان
خوفاً من الناس أن يقولوا ... فضل فلان على فلان
من كنت عن ماله غنياً ... فلا أبالي إذا جفاني
ومن رآني بعين نقص ... رأيته بالتي رآني
ومن رآني بعين ثم ... رأيته كامل المعاني
إذا المرء عوفي في جسمه ... وملكه الله قلباً قنوعا
وألقى المطامع عن نفسه ... فذاك الغني ولو مات جوعا
النفس تجزع أن تكون فقيرة ... والفقر خير من غنىً يطغيها
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت ... فجميع ما في الأرض لا يكفيها
إن القنوع نفيس النفس راشدها ... وهو الغني الذي يحيا بلا نصب
وذو المطامع مغرور ومفتقر ... ولو حوى ملك سلطان وعلم نبي
أفادتني القناعة كل عزّ ... وهل عز أعز من القناعة
ولقد طلبت رضا البرية جاهداً ... فإذا رضاهم غاية لا تدرك
وأرى القناعة للفتى كنزاً له ... والبر أفضل ما به يتمسك

الباب الثالث والعشرون في الحسد
تخلق الناس بالأدناس واعتمدوا ... من الصفات ألدها والمكر والحسدا
كرهت منظرهم من سوء مخبرهم ... فقد تعاميت حتى لا أرى أحدا
اصبر على كيد الحسو ... د فإن صبرك قاتله
كالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله
دع الحسود وما يلقاه من كمد ... يكفيك منه لهيب النار في كبده
إن لمت ذا حسد نفثت كربته ... وإن سكت فقد عذبته بيده
(2/486)

أيا حاسداً لي على نعمتي ... أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه ... لأنك لم ترض لي ما وهب
فأخزاك ربي بأن زادني ... وسد عليك وجوه الطلب
إن شئت قتل الحاسدين تعمداً ... من غير مادية عليك ولا قود
وبغير سم قاتل وصوارم ... وعقاب رب ليس يغفل عن أحد
عظيم تجاه عيونهم محسودهم ... فتراهموا موتى النفوس مع الجسد
ذوب المعادن باللظى لكنما ... ذوب الحسود بحر نيران الحسد

الباب الرابع والعشرون في الحلم
إلا أن حلم المرء أكرم نسبة ... تسامى بها عند الفخار حليم
فيا رب خب لي منك حلماً فإن ... ني أرى الحلم لم يندم عليه كريم
أحب مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعابا
وأصفح عن سباب الناس حلماً ... وشر الناس من يهوى السبايا
ومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
إذا كنت محتاجاً إلى الحلم أنني ... إلى الجهل في بعض الأحيان أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجمٌ ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج
وما كنت أرضى الجهل خذناً وصاحباً ... ولكنني أرضى به حين أحرج
إذا كنت بين الحلم والجهل ناشئاً ... وخيرت أنى شئت فالحلم أفضل
ولكن إذا أنصفت من ليس منصفاً ... ولم يرض منك الحلم فالجهل أمثل

وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه
وعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
ولست بهياب لمن لا يهابني ... ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا
فإن تدن منك مودتي ... وإن تنأ عني تلقني عنك نائيا
كلنا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا
(2/487)

الباب الخامس والعشرون في الحماقة
لكل داءٍ دواءٌ يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها
لا تيأسنّ من اللبيب وإن جفا ... واقطع حبالك من حبال الأحمق
فعداوة من عاقل متجمّل ... أولى وأسلم من صداقة أخرق

الباب السادس والعشرون في الوطن
قال ابن الرومي
ولي وطن آليت ألا أبيعه ... وألا أرى غيري له الدهر مالكا
عمرت به شرح الشباب منعماً ... بصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبب أوطان الرّجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا
قد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسدٌ إن بان غودر هالكا

الباب السابع والعشرون في المال
إن الدراهم كالمرا ... هم تجبر العظم الكسيرا
لو نالهنّ تعليبٌ ... في صبحه أضحى أميرا
إن قلّ مالي فلا خلٌّ يصاحبني ... إن زاد مالي فكلّ الناس خلاني
فكم عدوٍّ لأجل المال صاحبني ... وكم صديق لفقد المال عاداني
لعمرك إن المال قد يجعل الفتى ... سرياً وإن الفقر بالمرء قد يزري
وما رفع النفس الدنية كالغنى ... ولا وضع النفس النفيسة كالفقر
وإذا ما رأيت صعوبة في مطلب ... فاحمل صعوبته على الدّينار
وابعثه فيما تشتهيه فإنه ... حجرٌ يليّن قسوة الأحجار
الناس أتباع من دامع له نعم ... والويل للمرء إن زلت به القدم
(2/488)

المال زينٌ ومن قلت دراهمه ... حي كمن مات إلا أنه صنم
لما رأيت أخلائي وخالصتي ... والكل مستتر عني ومحتشم
أبدو جفاءً وإعراضاً فقلت لهم ... أذنبت ذنباً فقالوا ذنبك العدم
فصاحة حسّان وخط ابن مقلةٍ ... وحكمة لقمان وزهد ابن أدهم
إذا اجتمعت في المرء والمرء مفلس ... ونودي عليه لا يباع بدرهم
إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلفٌ مغرم
فأرسل حكيماً ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدّرهم
أظهروا للناس زهداً ... وعلى الدينار داروا
وله صاموا وصلّوا ... وله حجوّا وزاروا
لو يرى فوق الثريا ... ولهم ريش لطاروا
المال يفرقُ بين الأم والولد ... فذاك أدنى نسيبٍ عند كل يد
عهدي به خادماً كالعبد نملكه ... فما لعيني تراه سيد البلد
مالٌ يميل إلى المرء من صغر ... وكلما شب شبّ الحبّ في الكبد
لو يجمع الله ما في الأرض قاطبة ... عند امرئ لم يقلّ حسبي فلا تزد
كلٌ يروح من الدنيا الغرور كما ... أتى بلا عدد منها ولا عُدّد
لو كان يأخذ شيئاً قبلنا أحد ... لم يبق شيء لنا من سالف الأمد
إذا المرء لم يعتق من المال نفسه ... تملّكه المال الذي هو مالكه
إلا إنما مالي الذي أنا منفقٌ ... وليس لي المال الذي أنا تاركه
من كان يملك درهمين تعلّمت ... شفتاه أنواع الكلام فقالا
وتقدّم الإخوان فاستعموا له ... ورأيته بين الورى مختالا
لولا دراهمه التي يزهو بها ... لوجدته في الناس أسوأ حالا
إن الغنيّ إذا تكلّم بالخطا ... قالوا صدقت وما نطقت محالا
(2/489)

أما الفقير إذا تكلم صادقاً ... قالوا كذبت وأبطلوا ما قالا
إن الدراهم في المواطن كلّها ... تكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحةً ... وهي السلاح لمن أراد قتالا

الباب الثامن والعشرون في السياحة والغربة
وإذا البلاد تغيّرت عن حالها ... فدع المقام وبادر التحويلا
ليس المقام عليك فرضاً واجباً ... في بلدة تدع العزيز ذليلا
تنقّل فلذّات الهوى في التنقل ... ورد كل صافٍ ولا تقف عند منهل
ففي الأرض أحبابٌ وفيها مناهل ... فلا تبك من ذكرى حبيب ومنزل
تغرّب عن الأوطان في طلب العلا ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرّج همٍّ واكتساب معيشةٍ ... وعلم وآداب وصحبة ماجد
وإن قيل في الأسفار ذلٌ ومحنة ... وقطع الفيافي واكتساب الشدائد
فموت الفتى خير له من حياته ... بدار هوانٍ بين واشٍ وحاسد
ارحل بنفسك من أرض تضام بها ... ولا تكن لفراق الأهل في حرق
من ذل بين أهاليه ببلدته ... فالاغتراب له من أحسن الخلق
الكحل نوع من الأحجار منطرحاً ... في أرضه كالثرى ير أي على الطرق
لما تغرّب نال العزّ أجمعه ... وصار يحتمل بين الجفن والحدق

وقال الإمام الشافعي
ما في المقام الذي عقل وذي أدب ... من راحة فدع الأوطان واغترب
سافر تجد عوضاً عمّن تصاحبه ... وانصب فإن لذيذ العيش في النّصب
إني رأيت وقوف المال يفسده ... إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب
الأسدُ لولا فراق الغاب ما قنصت ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلك دائمةً ... لملّها الناس من عجم ومن عرب
والبدر لولا أفول منه ما نظرت ... إليه في كل حين عينٌ مرتقب
والتبر كالتُّرب ملقى في أماكنه ... والعود في أرضه نوعٌ من الحطب
(2/490)

فإن تغرّب هذا عز مطلبه ... وإن أقام فلا يعلو على رتب
إذا ما ضاق صدرك من بلاد ... ترحّل طالباً أرضاً سواها
عجبت لمن يقيم بدار ذلّ ... وأرض الله واسعة فضاها
فذاك من الرّجال قليل عقل ... بليد ليس يعلم ما طحاها
فنفسك فز بها إن خفت ضيمها ... وخلّ الدار تنعي من بناها
فإنك واجد أرضاً بأرضٍ ... ونفسك لم تجد نفساً سواها
ومن كانت منيته بأرضٍ ... فليس يموت في أرض سواها
إن قل نفعك في أرضٍ حللت بها ... سافر لتدرك قصداً أم ترى أملا
فالبيض لو لازمت أغمادها تلفت ... والشمس لو لم تسر ما حلت الحملا

وقال الحريري في الحث على السفر من مقامة له
لا تقعدن عن ضرّ ومسغبة ... لكي يقال عزيز النفس مصطبر
وانظر بعينيك هل أرضٌ معطلة ... من النبات كأرض حفّها الشجر
فعد عما تشير الأغبياء به ... فأيُّ فضلٍ لعود ما له ثمر
وارحل ركابك عن ربع ظمئت به ... إلى الجناب الذي يهمي به المطر
وستنزل الريَّ من در السحاب فإن ... بلت يداك به فليهنك الظفر
بلاد الله واسعة فضاءً ... ورزق الله في الدنيا فسيح
فقل للقاعدين على هوان ... إذا ضاقت بكم أرضٌ فسيحوا
وإذا رأيت الرزق ضاق ببلدة ... وخشيت فيها أن يضيق المكسب
فارحل فأرض الله وسعة الفضا ... طولاً وعرضاً شرقها والمغرب
إذا ما كنت في قوم غريباً ... فعاملهم بفعل يستطاب
ولا تحزن إذا فاهوا بفحش ... غريب الدار تنبحه الكلاب
وما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن ألق دلوك في الدّلاء
تجيء بمثلها طوراً وطوراً ... تجيء بحمأة وقليل ماء
ولا تقعد على كسل التمني ... تحيل على المقعد والقضاء
(2/491)

فإن مقادر الرحمن تجري ... بأرزاق الرّجال من السماء
مقدرة بقبض أو ببسط ... وعجز المرء أسباب البلاء

الباب التاسع والعشرون في الغدر
لا أشتكي زمني هذا فأظلمه ... وإنما أشتكي من أهل ذا الزمن
هم الذئاب التي تحت الثياب فلا ... تكن إلى أحدٍ منهم بمؤتمن
وزهّدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحباً بعد صاحب
فلم ترني الأيام خِلاً تسرني ... مباديه إلا ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمة ... من الدّهر إلا كان إحدى المصائب
أني بلوت الناس أطلب منهمو ... أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
فلم أر فيما ساءني غير شامت ... ولم أر فيما سرني غير حاسد

وقال علي بن الجهم وهو مسجون
قالوا حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد
أو ما رأيت الليث بألف غيله ... كبراً وأوباش السباع تردّد
والشمس لولا أنّها محجوبةٌ ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد
والبدر يدركه السّرار فتنجلي ... أيامه وكأنه متجدّد
والغيث يحسره الغمام فما يرى ... إلا وريقه يراع ويرعد
والزاعبية لا يقيم كعوبها ... إلا الثقاف وجذوةٌ تتوقد
والحبس ما لم تغشه لدنيةٌ ... شنعاء نعم المنزل المتودد
بيت يجدد للكريم كرامةً ... ويزار فيه ولا يزور ويحمد
كم من عليل قد تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعوّد

الباب الثلاثون في الختام بالدعاء
قال البحتري
حاطه الله حيث أمسى وأضحى ... وتولاه حيث سار وحلا
وقال ابن الرومي
لازلت نجماً يهدى ... بك في الضّلال ويستدل
ينبوع عزم يستقى ... منه الصوّاب وستمل
وقال الوزير المهلبي
أراني الله وجهك كل يوم ... صباحاً للتيمّن والسرور
وأمتع مقلتيّ بصفحتيه ... لأقرأ الحسن من تلك السطور
وقال آخر
بقيت مدى الدنيا وملكك راسخٌ ... وطودك ممدودٌ وبابك عامر
يودّ سناك البدر والبدرُ زاهرٌ ... ويقفو نداك البحر والبحر غامر
وهنّئت أياماً توالت سعودها ... كما تتوالى في العقود (الجواهرُ)
(2/492)