Advertisement

حياة الحيوان الكبرى 001



الكتاب: حياة الحيوان الكبرى
المؤلف: محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدميري، أبو البقاء، كمال الدين الشافعي (المتوفى: 808هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت
الطبعة: الثانية، 1424 هـ
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجزء الأول
بسم الله الرّحمن الرّحيم
المقدّمة
عصر «1» المؤلف
أولا:
عاش المؤلف كمال الدين الدّميري، في عصرين متجاورين، هما عصر دولة المماليك البحرية والمماليك البرجية، وقد عاصر من سلاطين الفترتين اثني عشر سلطانا ابتداء من عهد الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون الذي تقلد السلطنة سنة 743 هـ حتى 745 هـ، وانتهاء بالملك الناصر فرج بن برقوق المتوفى سنة 814 هـ.
الحال السياسية:
وإذا كانت الفترة الأولى قد تميّزت بنوع من الاستقرار السياسي، خصوصا في بداياتها أيام بيبرس وقلاوون وابنه حسن، فإن هذا الأمر لم يكن متاحا دائما في الدولة الثانية، ولو أن العصر شهد سلاطين أقوياء مثل برقوق، وبرسباي، وغيرهما. ولكن الاضطرابات الداخلية لم تتوقف طيلة العصر، بسبب الشهرة إلى السلطة والتنافس عليها والحسد، وكثيرا ما كان يثور حاكم المنطقة ضد سلطانه، وكذلك القواد وكبار الأمراء، وكان الاستيلاء على السلطة في أي وقت أمر متاح للقادة الكبار في الجيش لأن السلطة شبه عسكرية، مركزية، والقواد العسكريون، يتمتعون بنفوذ واسع. والخليفة لا يملك إلا الاسم والتوقيع فحسب. وكذلك عامة الناس كانوا أبعد ما يكونون عن المتغيرات السياسية، وهم الذين يتحملون أوزار الانقلابات العسكرية والثورات دائما.
الحروب والأوضاع العسكرية:
خاض المماليك، في الدولة البحرية، ومنذ قيامها، حروبا عدة مشرفة، كان أولها معركة عين جالوت سنة 662 هـ التي أوقفت الزحف المغولي ووضعت له حدا، بل تراجع المغول بعد تلك المعركة منهزمين نحو الشرق، وتوالت المواجهات بعد ذلك، أيام الظاهر بيبرس الذي أمضى
(1/3)

سبعة عشر عاما، وهي مدة سلطنته، مجاهدا مقاتلا ضد الصليبيين والمغول، واستطاع أن يحرر الكثير من المواقع التي احتلها الفرنجة على سواحل الشام. والواقع إن هذه الفترة من حكم المماليك قد انقذت ما تبقى من بلاد الإسلام، وتصدت بشجاعة للغزوين المغولي والصليبي. وقد أعاد السلطان الظاهر بيبرس الخلافة العباسية إلى سابق مجدها وجعل القاهرة مقر الخلافة بعد سنة 656 هـ حيث سقطت بغداد بأيدي المغول، واستمر الوضع العسكري على هذا المنوال في الدولة الثانية، حيث كان الفرنجة يحاولون النزول على سواحل الشام أو مصر بين وقت وآخر، فكانوا يتصدون لهم، وببسالة، حتى إن برسباي تعدى ذلك إلى أن غزا قبرس وأسر ملكها وغنم الغنائم العظيمة.
أما الحجاز، أيام الدولة الثانية، فكان يخضع للسلطة المركزية، في القاهرة، وكان السلاطين، يتدخلون عند الضرورة، لفض النزاعات على الحكم في مكة وما يليها. كما امتدت سلطة الدولة المملوكية إلى اليمن والسواحل الشرقية لشبه الجزيرة العربية.
الحال الاجتماعية:
إن التنافس على السلطة، والمعارك الجانبية التي كانت تشب هنا وهنالك في مصر والشام، بالإضافة إلى المواجهات العنيفة ضد المغول ومن بعدهم الفرنجة الصليبيين، كانت تستنزف الطاقات المالية والاقتصادية في مصر، مما دفع الكثير من الملوك لفرض ضرائب جديدة كلما دعت الحاجة، مما أثقل كاهل الناس، خصوصا في مصر. ولم يقتصر الأمر، على الإنفاق الحربي، لكن اشتركت عوامل أخرى في تعقيد الأحوال المعيشية، من ذلك: الطاعون «1» والأوبئة الأخرى التى كانت تتفشى من وقت لآخر فيذهب آلاف الناس ضحية لذلك، وبالتالي ينعكس الأمر سلبا على البلاد لفقدان الأيدي العاملة في الزراعة وفي الحرف الأخرى، وأكثر ما يلاحظ ذلك في الدولة الثانية، حيث تفاقمت الضرائب «2» ، وازدادت المصادرات، وتغلب الجند على مقدّرات البلاد والعباد، وكثرت ثورات الأعراب، خصوصا في صعيد مصر. ويضاف على ذلك، ما كان يسببه انخفاض النيل من أزمة في ري المزروعات فتقل المواسم وترتفع الأسعار، ويكثر السلب والنهب والمصادرات.
أما طبقات الشعب، فكانت الطبقة الحاكمة، طبقة المماليك السلاطين، والأمراء، والجنود ومعظمهم كانوا يتحدرون من أصول غير عربية، وبعضهم لم يكن يتكلم العربية. وعامة الشعب، وتنقسم إلى تجار متوسطي الحال، والسواد الأعظم من الناس من المزارعين والفقراء.
الحال الثقافية:
إن الأوضاع السياسية، غير المستقرة، والأحوال الاقتصادية المتدهورة، والحروب التي لا
(1/4)

تكاد تتوقف، حتى تشتعل في غير مكان، كل ذلك كان عائقا في وجه أي نهضة علمية شاملة، ولم يكن من السهل تخطي ذلك الواقع، خصوصا وأن بغداد عاصمة العلم والحضارة في المنطقة كلها قد سقطت وضاع بسقوطها تراث أجيال، في العلوم المختلفة، وتشتت أهل العلم، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من هام على وجهه ينشد الأمن والنجاة، وكان لحسن حظ بعضهم أن يمموا شطر مصر، فأفادوا منها وأعطوها من غزير علومهم، وبذلك تحوّلت الحركة العلمية إلى القاهرة فتوافد أهل العلم من جميع الأقطار الإسلامية، والعربية، إلى عاصمة الخلافة، نظرا لما تحتله هذه العاصمة من مكانة في قلوب أهل الإسلام باعتبارها ترفع راية الجهاد ضد قوى الطغيان والغزو، فضلا عن الرعاية التي لقيها أهل العلم في العهود المختلفة وفي الدولتين.
ورعاية المماليك للعلم والعلماء، تتمثل بإقامتهم للمدارس، وقد اوقفوا لها الأوقاف، واجروا الرواتب على المعلمين والمتعلمين، واهتموا بالمساجد، فعينوا لها الخطباء والأئمة حتى غدت هي أيضا مراكز علمية مشعة، فمن المساجد التي لعبت دورا بارزا في النهضة، الجامع الأزهر وقد ساهم في إحياء العلوم المختلفة، علوم اللغة والطب والرياضيات والموسيقى والحديث النبوي وعلوم القرآن وغير ذلك من علوم العصر، ومن المساجد التي لعبت الدور نفسه، جامع العطارين بالاسكندرية، وجامع دمياط، وجامع اسيوط، وقوص، وقفط. كما رعى السلاطين المدارس الدينية التي كانت تدرس الفقه على المذاهب الأربعة، وجامع عمرو بن العاص الذي كان يضم أربعين حلقة.
ومن الجدير بالذكر، أن ديوان الإنشاء كان من المؤسسات التي ساهمت في الإبقاء على العربية كلغة للتأليف والكتابة، باعتبار أن هذا الديون، هو الأكثر نشاطا في حقل الكتابة، فهو السجل الرسمي للدولة وفيه تدون كافة الوثائق الصادرة، والواردة، وكان يقوم بذلك كتاب أدباء بلغاء عملوا على إغناء العربية بأساليبهم الرفيعة، ولو طغى عليها بعض التصنع في بعض الأحيان.
ولا يفوتنا أن ننوه بما كان للقضاء من دور مميز، هو الآخر، حمل عبئا غير قليل في التّمكين للعربية ولأساليب التعبير من خلال ما يدونه القضاة من عهود ومواثيق وأحكام. ونظرا لما تقدم، فباستطاعتنا أن نرصد مئات الأعلام، علماء وأدباء، فمن المؤرخين أبو المحاسن، يوسف بن تغري بردي المتوفى سنة 874 هـ، وشمس الدين السخاوي المتوفى سنة 902 هـ، وتقي الدين المقريزي المتوفى سنة 845 هـ. وابن إياس المتوفى سنة 930 هـ. وفي اللغة والأدب: جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911 هـ والذي تعد مؤلفاته بالعشرات في كل علم وفن: في التفسير والحديث والفقه واللغة والنحو، وابن تيميه المتوفى سنة 728 هـ.
ومن الجدير بالذكر أن أهل السلطة كانوا يقربون أهل المعرفة والأدب، ولكنهم تشددوا مع المنحرفين عن الدين، ومع أهل الفلسفة، ومن أهل الفلسفة التفتازاني سعد الدين، وعبد الرحمن الإيجي ونصير الدين الطوسي، وغيرهم.
(1/5)

وقد تنافس أهل العلم في اقتناء الكتب وجمعها، حتى ليقال إن نجم الدين بن حجي «1» ترك بعد وفاته ثلاثة آلاف مجلد من الكتب النفيسة. وذكر المقريزي، في القاهرة وحدها أربع عشرة مكتبة عامة. ولم تكن دمشق تقل شأنا في هذا المجال، وعرف فيها من المدارس العمرية والناصرية، وخزانة للكتب.
وفي حلب عرفت نهضة علمية، تمثلت بعدد المدارس التي كانت فيها حتى اجتياح تيمور لنك لها سنة 803 هـ. إذ بلغ عدد مدارسها ثلاثمائة مدرسة، دمرها الغزو المغولي في ذلك الوقت، ولكن نشأت مدارس أخرى منها: الشعبانية، والعثمانية، والمنصورية، والخسروية «2» ، وكانت لها أوقاف جارية.
وعلى وجه العموم، فإن العصر المملوكي، بفترتيه، عرف نشاطا ثقافيا ملحوظا، في سائر العلوم والفنون، للأسباب التي أشرنا إليها حتى عدّت المؤلفات بعشرات الآلاف في مدة زمنية لم تتجاوز ثلاثمائة عام، تعاقب خلالها على الحكم سلاطين أشدّاء، وجهوا همهم إلى الحرب والجهاد، ولكنهم لم يغفلوا أبدا عن تشجيع العلوم وتقريب العلماء، فلا يخلو عصر أحد منهم من بناء جامع أو مدرسة، أو مكتبة كما فعل قلاوون، وابنه الناصر، والملك الظاهر جقمق، وبيبرس وقايتباي وقانصوه الغوري. وبعضهم كان مثقفا كالمؤيد شيخ الذي كان «يركز الفن وينظم الشعر، وله أشياء كثيرة من الفن دائرة بين المغنين الآن» «3» .
ترجمة المؤلف «4»
اسمه ونسبه:
محمد بن موسى بن عيسى بن علي الكمال أبو البقاء، الدّميري الأصل، القاهري الشافعي. كان اسمه كمالا بغير إضافة، وكان يكتبه كذلك بخطه في كتبه ثم تسمّى محمدا، وصار يكشط الأول، وكأنه، لتضمنه نوعا من التزكية مع هجر اسمه الحقيقي.
نشأته وشيوخه:
ولد في القاهرة سنة 742 هـ، وتكسّب بالخياطة، ثم أقبل على العلم، فسمع جامع الترمذي على مظفّر الدين العطار المصري، وعلى علي بن أحمد العرضي الدمشقي. كما سمع بالقاهرة من عبد الرحمن بن علي الثعلبي، ومن محمد بن علي الخزاوي: كتاب «الخيل» للحافظ
(1/6)

شرف الدين الدمياطي عنه. كما سمع «العلم» للمرهبي، ومن غيرهما شيوخهما.
وفي مكة المكرمة، سمع من الجمال محمد بن أحمد بن عبد المعطي: صحيح ابن حبّان، وغير ذلك. وسمع فيها سنن ابن ماجه، ومسند الطيالسي، ومسند الشافعي، ومعجم ابن قانع، وأسباب النزول للواحدي، والمقامات الحريرية وغير ذلك، على كمال الدين محمد بن عمر بن حبيب الحلبي.
وممن أخذ عنهم الشيخ بهاء الدين أحمد بن الشيخ تقي الدين السّبكي، وقد أجاز له النويري أبو الفضل كمال الدين بالفتوى والتدريس بناء على طلب السبكي.
ومن شيوخه في الفقه جمال الدين عبد الرحيم الإسنائي، وفي الأدب الشيخ برهان الدين القيراطي.
مؤلفاته:
وقد برع الدميري، في التفسير والحديث والفقه وأصوله، والعربية والأدب، وله تصانيف في العلوم المختلفة منها:
1- الديباجة، في شرح سنن ابن ماجه، وهو في خمس مجلدات.
2- النجم الوهّاج، في شرح المنهاج للنواوي.
3- حياة الحيوان الكبرى، وقد اختصره التقي «1» الفاسي سنة 822 هـ.
4- أرجوزة في الفقه.
5- التذكرة.
6- شعر ونظم.
7- مختصر شرح لامية العجم للصفدي.
سيرته وطلابه:
كان خيّرا عابدا، صائما، وكان تصدى للتدريس والإفتاء في أماكن كثيرة من القاهرة منها:
الجامع الأزهر وكانت له حلقة ودرس أسبوعي. ودرّس الفقه في القبّة من خانقاه بيبرس بالقاهرة.
من أهم تلاميذه، الذين أخذوا عنه الحديث التقي الفاسي، في مصر والإمام صلاح الدين خليل بن الأقفهي، في مكة المكرمة.
وقد ذكّر ووعظ في مدرسة ابن البقري، وجامع الظاهر بالحسينية، كما درّس وأفتى أثناء مجاوراته في مكة المكرمة، وكان نزلها لأول مرة سنة 762 هـ، فجاور ثم حج وكرر ذلك مرارا وتزوّج ورزق اولادا، وكان حجه الأخير سنة 800 هـ، وانصرف من حجه ذلك إلى القاهرة حيث مات فيها سنة 808 هـ، ودفن في مقابر الصوفية بسعيد السعداء.
(1/7)

منهج المؤلف
إن الدميري، قد رتّب كتابه على حروف المعجم، وضمنه من أسماء الحيوانات ما تنامى إلى سمعه، ومن مصادر كثيرة ومختلفة تتراوح ما بين كتب يونانية وعربية قديمة أو ما كان قريبا لعهد المؤلف، الذي اطلع على تلك الكتب، المتخصصة في عالم الطب والحيوان، ووعى ما فيها، ونقّحها، وطرح جانبا ما لم يقتنع به، وأقرّ ما رأى عليه إجماعا لدى العلماء، ومع حذره الشديد، فإنه قد أبقى على معلومات كثيرة، غريبة وعجيبة، ولكنه نقلها على ذمة أصحابها وناقليها، فأيّد كل مروياته بإسنادها إلى رواتها، بالتسلسل المعروف وصولا إلى المنشإ الأساس، ولم يفته أن يرد، حيث يقتضي الأمر، على الأغاليط.
أما طريقته في عرض المعلومات، فإنه يبدأ بوصف الحيوان، بعد أن يضبط اسمه ضبطا تاما بالشكل، ويعرّف بالأصل اللغوي له، ويقدم بعد ذلك عرضا لبعض الأخبار والمرويات التي تدل على طبائع ذلك الحيوان، وفي هذا الإطار يستحضر طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة، والآيات القرآنية الكريمة التي لها علاقة بالموضوع، فضلا عما جاء حوله من أشعار قديمة، وأمثال وحكم. ثم يورد ما قاله الفقهاء في شأن الحيوان المذكور من حيث الحكم الشرعي في أكله أو عدمه، يؤيد ذلك بالأقوال المختلفة، وبأحاديث نبوية وآيات كريمة، وينتهي إلى ذكر الخواص الطبية من المنافع والمضار من لحم ذلك الحيوان أو غيره.
منهج التحقيق
اعتمدت في تحقيق الكتاب، الطبعة المصرية، التي توزعها مكتبة محمود توفيق الكتبي بمصر، وهي طبعة قديمة، لا تخلو من الأخطاء، وتقع في مجلدين كبيرين، وصفحاتها كبيرة يزيد عدد الأسطر في كل صفحة على ثلاثين سطرا، وعدد كلمات كل سطر يتراوح ما بين خمس عشرة إلى عشرين كلمة.
ولقد قمت بضبط نصوص الكتاب، بوضع علامات الوقف، والحركات المناسبة في أواخر الكلمات حيث يلزم. ثم حددت بدايات: للمقاطع والفقرات، وانتقلت بعد ذلك إلى تحقيق الكتاب، بتخريج الأبيات الشعرية من مصادرها في الدواوين، وفي أمهات كتب الأدب والتاريخ، وخرّجت الآيات، والأحاديث النبوية ما أمكنني، ولم اهتد إلى بعض الأحاديث فتركتها، ولم أشر إلى ذلك. كما خرّجت أمثال الكتاب، وعرّفت بأعلامه وخصوصا الشعراء، بإشارات سريعة، ولم اتوقف على الدقائق، والتفاصيل لغير حاجة.
وبعد، فإن ما قمت به، ما هو إلا محاولة متواضعة، أرجو أن أكون قد وفقت في مسعاي، لإخراج هذا الكتاب في حلة جديدة تليق به، داعيا المولى عز وجل أن ينفعنا به، إنه سميع مجيب.
والله الموفق أحمد حسن بسج بيروت في 17 جمادى الأولى 1414 هجرية الموافق 1/11/1993 رومية
(1/8)

بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي شرف نوع الإنسان، بالأصغرين: القلب واللسان، وفضله على سائر الحيوان بنعمتي المنطق والبيان، ورجحه بالعقل الذي وزن به قضايا القياس في أحسن ميزان، فأقام على وحدانيته البرهان. أحمده حمدا يمدنا بمواد الإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي لا يدرك كنه ذاته بالحدود والرسوم ذوو الأذهان، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المخصوص بالآيات البينات كل البيان، صلّى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، صلاة وسلاما يدومان ما دام الملوان، ويبقيان في كل زمان وأوان.
وبعد، فهذا كتاب لم يسألني أحد تصنيفه، ولا كلفت القريحة تأليفه، وإنما دعاني إلى ذلك أنه وقع في بعض الدروس، التي لا مخبأ فيها لعطر بعد عروس، ذكر مالك الحزين والذيخ المنحوس، فحصل في ذلك ما يشبه حرب البسوس، ومزج الصحيح بالسقيم، ولم يفرق بين نسر وظليم، وتحككت العقرب بالأفعى، واستنت الفصال حتى القرعى، وصيروا الأروى مع النّعام ترعى، وقضوا باجتماع الحوت والضب قطعا، واتخذ كل أخلاق الضبع طبعا، ولبس «1» جلد النمر أهل الإمامة، وتقلدها الجميع طوق الحمامة.
والقوم إخوان وشتى في الشيم ... وقيل في شأنهم: اشتدي زيم «2»
وظن الكبير أنه «أصدق من القطا «3» وأن الصغير كالفاختة غلطا، وصار الشيخ الأفيق، كذات التحيين والمعبد ذو التحقيق كالراجع بخفي حنين «4» والمقيد كالأشقر تحيرا، والطالب كالحباري تحسرا، والمستمع يقول: كل الصيد في جوف الفرا «5» والنقيب كصافر يكرر «أطرق كرا» «6» فقلت عند ذلك في بيته يؤتى الحكم، وبإعطاء القوس باريها «7» تتبين الحكم، وفي الرهان سابق الخيل يرى، «وعند الصباح يحمد القوم السّرى» «8» واستخرت الله تعالى وهو الكريم
(1/9)

المنان، في وضع كتاب في هذا الشأن وسميته حياة الحيوان، جعله الله موجبا للفوز في دار الجنان، ونفع به على ممر الأزمان، إنه الرحيم الرحمن ورتبته على حروف المعجم، ليسهل به من الأسماء ما استعجم.
باب الهمزة
الأسد
: من السباع معروف، وجمعه أسود وأسد وآسد وآساد والأنثى أسدة وفي حديث «1» أم زرع: «زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد» . وله أسماء كثيرة، قال ابن خالويه: للأسد خمسمائة اسم وصفة. وزاد عليه علي بن قاسم بن جعفر اللغوي مائة وثلاثين اسما فمن أشهرها: أسامة والبيهس والنآج والجخدب والحارث وحيدرة والدوّاس والرئبال وزفر والسبع والصّعب والضّرغام والضّيغم والطيثار والعنبس والغضنفر والفرافصة والقسورة وكهمس والليث والمتأنّس والمتهيّب والهرماس والورد. وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى. ومن كناه أبو الأبطال وأبو حفص وأبو الأخياف وأبو الزعفران وأبو شبل وأبو العباس وأبو الحارث.
وإنما ابتدأنا به لأنه أشرف الحيوان المتوحش؛ إذ منزلته منها منزلة الملك المهاب، لقوته وشجاعته وقساوته وشهامته وجهامته وشراسة خلقه، ولذلك يضرب به المثل في القوّة والنجدة والبسالة وشدّة الإقدام والجراءة والصّولة. ومنه قيل لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: أسد الله ويقال: من نبل الأسد أنه اشتق لحمزة بن عبد المطلب من اسمه، وكذلك لأبي قتادة، فارس النبي صلى الله عليه وسلم. ففي صحيح مسلم، في باب إعطاء القاتل سلب المقتول. فقال «2» أبو بكر رضي الله عنه: «كلا والله لا يعطيه أضيبعا من قريش، ويدع أسدا من أسد الله تعالى يقاتل عن الله ورسوله» . وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الضاد المعجمة.
وهو أنواع كثيرة، قال أرسطو: رأيت نوعا منها يشبه وجه الإنسان، وجسده شديد الحمرة، وذنبه شبيه بذنب العقرب، ولعل هذا هو الذي يقال له الورد. ومنه نوع على شكل البقر له قرون سود نحو شبر، وأما السبع المعروف فإن أصحاب الكلام في طبائع الحيوان، يقولون: إن الأنثى لا تضع إلّا جروا واحدا تضعه لحمة ليس فيه حسّ ولا حركة، فتحرسه كذلك ثلاثة أيام، ثم يأتي أبوه بعد ذلك فينفخ فيه، المرة بعد المرة، حتى يتنفس ويتحرك وتنفرج أعضاؤه، وتتشكل صورته، ثم تأتي أمه فترضعه، ولا يفتح عينيه إلّا بعد سبعة أيام من تخلقه، فإذا مضت عليه بعد ذلك ستة أشهر، كلّف الاكتساب لنفسه بالتعليم والتدريب. قالوا: وللأسد من الصبر على الجوع، وقلة الحاجة إلى الماء، ما ليس لغيره من السباع. ومن شرف نفسه: أنه لا يأكل من فريسة غيره، فإذا شبع من فريسته تركها، ولم يعد إليها، وإذا جاع ساءت أخلاقه، وإذا امتلأ من الطعام ارتاض، ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب: وقد أشار إلى ذلك الشاعر بقوله:
(1/10)

وأترك حبّها من غير بغض ... وذاك لكثرة الشركاء فيه
إذا وقع الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب ولغن فيه
وقد ألغز بعضهم في القلم فقال «1» :
وأرقش مرهوف الشباة مهفهف ... يشتّت شمل الخطب وهو جميع
تدين له الآفاق شرقا ومغربا ... وتعنو له ملاكها وتطيع
حمى الملك مفطوما كما كان تحتمي ... به الأسد في الآجام وهو رضيع
وإذا أكل نهس من غير مضغ، وريقه قليل جدا، ولذلك يوصف بالبخر، ويوصف بالشجاعة والجبن، فمن جبنه أنه يفزع من صوت الديك، ونقر الطست، ومن السنور، ويتحير عند رؤية النار، وهو شديد البطش، ولا يألف شيئا من السباع لأنه لا يرى فيها ما يكافئه، ومتى وضع جلده على شيء من جلودها تساقطت شعورها، ولا يدنو من المرأة الحائض ولو بلغ الجهد، ولا يزال محموما، يعمّر كثيرا وعلامة كبره سقوط أسنانه؛ روى ابن سبع السبتي، في شفاء الصدور، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أنه خرج في بعض أسفاره، فبينما هو يسير إذ هو بقوم وقوف، فقال: ما لهؤلاء القوم؟ قالوا: أسد على الطريق قد أخافهم، فنزل عن دابته ثم مشى إليه حتى أخذ بأذنه، ونحاه عن الطريق، ثم قال له: ما كذب عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:
«إنما سلطت على ابن آدم لمخافته غير الله، ولو أن ابن آدم لم يخف إلا الله تعالى لم تسلط عليه ولو لم يرج إلا الله تبارك وتعالى لما وكله إلى غيره.
وفي سنن أبي داود، من حديث «2» عبد الرحمن بن آدم، وليس له عنده سواه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام إلى الأرض وكأن رأسه يقطر، ولم يصبه بلل، وأنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويفيض المال وتقع الأمنة في الأرض، حتى يرعى الأسد مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات ولا يضر بعضهم بعضا؛ ثم يبقى في الأرض أربعين سنة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.
وفي الحلية لأبي نعيم، في ترجمة ثور بن يزيد، قال: بلغني أن الأسد لا يأكل إلّا من أتى محرّما. وقصة سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع الأسد مشهورة، رواه البزار والطبراني وعبد الرزاق والحاكم وغيرهم.
وذكر البخاري في تاريخه أنه بقي إلى زمن الحجاج، روى محمد بن المنكدر عنه أنه قال:
(1/11)

«ركبت سفينة في البحر فانكسرت، فركبت لوحا فأخرجني إلى أجمة فيها أسد، فأقبل إلي فقلت:
أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا تائه فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق، ثم همهم، فظننت أنه السلام» .
وفي دلائل النبوة للبيهقي، عن ابن المنكدر أيضا، أن سفينة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخطأ الجيش بأرض الروم، وأسر في أرض الروم، فانطلق هاربا يلتمس الجيش، فإذا هو بالأسد فقال له: «يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان من أمري كيت وكيت، فأقبل الأسد يبصبص، حتى قام إلى جنبه، فلم يزال كذلك حتى بلغ الجيش، فرجع الأسد» .
واختلف في اسم سفينة رضي الله عنه فقيل رومان وقيل مهران وقيل طعمان وقيل عمير.
روى مسلم له حديثا واحدا والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم، على عتبة بن أبي لهب، فقال: «اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك» فافترسه الأسد بالزرقاء من أرض الشأم. رواه الحاكم من حديث أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه وقال صحيح الإسناد.
وروى الحافظ أبو نعيم بسنده إلى الأسود بن هبّار قال: تجهز أبو لهب وابنه عتبة نحو الشأم، فخرجت معهما فنزلنا الشراة قريبا من صومعة راهب، فقال الراهب: ما أنزلكم ههنا؟
هنا سباع فقال أبو لهب: أنتم عرفتم سني وحقي، قلنا: أجل. قال: إن محمدا دعا على ابني فاجمعوا متاعكم على هذه الصومعة، ثم افرشوا لابني عليه، وناموا حوله، ففعلنا ذلك وجمعنا المتاع حتى ارتفع، ودرنا حوله، وبات عتبة فوق المتاع، فجاء الأسد فشم وجوهنا ثم وثب فإذا هو فوق المتاع فقطع رأسه فقال: سيفي يا كلب ولم يقدر على غير ذلك وفي رواية فوثب الأسد فضربه بيده ضربة واحدة فخدشه فقال: قتلني فمات لساعته وطلبنا الأسد فلم نجده. وإنما سماه النبي صلى الله عليه وسلم كلبا لأنه يشبهه في رفع رجله عند البول.
فائدة: روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «1» : «فر من المجذوم فرارك من الأسد» .
وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم وقال «2» : «بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه وأدخلها معه الصّحفة» .
قال الشافعي رحمه الله في عيوب الزوجين: إن الجذام والبرص يعدي وقال: إن ولد المجذوم قلما يسلم منه. قلت ومعنى قول الشافعي رضي الله عنه إنه يعدي، أي بتأثير الله تعالى لا بنفسه، لأن الله تعالى أجرى العادة بابتلاء السليم عند مخالطة المبتلي، وقد يوافق قدرا وقضاء، فيظن أنه عدوى. وقد قال «3» صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة» ، كما سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وأما
(1/12)

قوله في الولد: «قلما يسلم منه» فقد قال الصيدلاني: معناه أن الولد قد ينزعه عرق من الأب فيصير أجذم. وقد قال «1» صلى الله عليه وسلم لرجل قال له: إن امرأتي قد ولدت غلاما أسود «لعل عرقا نزعه» وبهذا الطريق يحصل الجمع بين هذه الأحاديث.
وجاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم «2» : «لا يورد ذو عاهة على مصح» وإنه صلى الله عليه وسلم أتاه مجذوم ليبايعه، فلم يمد يده إليه بل قال «3» له: «أمسك يدك فقد بايعتك» .
وفي مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطيلوا النظر إلى المجذوم، وإذا كلمتموه فليكن بينكم وبينه قدر رمح» .
وقد ذكر الشيخ صلاح الدين العراقي، في القواعد، أن الأم، إذا كان بها جذام أو برص، سقط حقها من الحضانة، لأنه يخشى على الولد من لبنها ومخالطتها، واستدل بقوله «4» : صلى الله عليه وسلم: «لا يورد ذو عاهة على مصح» . والذي ذكره ظاهر وهو المختار. ويؤيد ما أفتى به ابن تيمية «5» صاحب المحرر، من الحنابلة رحمه الله وصرح به أئمة المالكية، أن المبتلي لو أراد مساكنة الأصحاء في رباط أو غيره، منع إلّا بإذنهم. ولو كان ساكنا وابتلي أزعج وأخرج. وأما أصحابنا فصرّحوا بأن الأمة إذا كان سيدها مجذوما وجب عليها تمكينه من الاستمتاع وهذا مع إشكاله قد أورد في الروضة في الزوجة المختارة للمقام مع الزوج المجذوم، وقد يفرق بينهما بقوة الملك. والله أعلم.
وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لامرأة: «أكلك الاسد فأكلها» .
وروى الطبراني وأبو منصور الديلي، والحافظ المنذري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما يقول الأسد في زئيره؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إنه يقول:
اللهم لا تسلطني على أحد من أهل المعروف» .
فائدة أخرى: روى ابن السني، في عمل اليوم والليلة، من حديث داود بن الحصين، عن عكرمة عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أنه قال: «إذا كنت بواد تخاف فيه الأسد، فقل: أعوذ بدانيال وبالجب من شر الأسد اهـ. «6»
أشار بذلك إلى ما رواه البيهقي في الشعب: أن دانيال عليه السلام طرح في جب وألقيت
(1/13)

عليه السباع، فجعلت السباع تلحسه وتبصبص إليه، فأتاه ملك فقال: يا دانيال فقال: من أنت؟ فقال: أنا رسول ربك أرسلني إليك بطعام. فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره. اهـ.
وروى ابن أبي الدنيا أن بختنصر ضرّى أسدين، وألقاهما في جب، وأمر بدانيال فألقي عليهما، فمكث ما شاء الله، ثم إنه اشتهى الطعام والشراب، فأوحى الله تعالى إلى أرمياء، وهو بالشأم، أن يذهب إلى دانيال بطعام وشراب، وهو بأرض العراق، فذهب به إليه، حتى وقف على رأس الجب، وقال: دانيال دانيال، فقال: من هذا؟ فقال: إرميا فقال: ما جاء بك؟ قال:
أرسلني إليك ربك فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله الذي من وثق به لا يكله إلى سواه، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة وغفرانا، والحمد لله الذي يكشف ضرنا بعد كربنا، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين يسوء ظننا بأعمالنا والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل منا.
ثم روى ابن أبي الدنيا من وجه آخر أنّ الملك الذي كان دانيال في سلطانه، جاءه المنجمون وأصحاب العلم، فقالوا له: إنه يولد في ليلة كذا وكذا غلام يفسد ملكك، فأمر بقتل كل من يولد في تلك الليلة. فلما ولد دانيال ألقته أمه في أجمة أسد ولبوة، فبات الأسد ولبوته يلحسانه، فنجاه الله تعالى بذلك حتى بلغ ما بلغ، وكان من أمره ما قدره العزيز العليم.
ثم روى بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أنه قال: رأيت في يد أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه خاتما نقش فصّه أسدان، بينهما رجل، وهما يلحسان ذلك الرجل، فقال أبو بردة: هذا خاتم دانيال، أخذه أبو موسى حين وجده ودفنه فسأل أبو موسى علماء تلك البلدة عن ذلك، فقالوا: إن دانيال نقش صورته وصورة الأسدين، وهما يلحسانه، في فص خاتمه كما ترى لئلا ينسى نعمة الله عليه في ذلك. اهـ. فلما ابتلي دانيال عليه السلام بالسباع، أوّلا وآخرا، جعل الله تعالى الإستعاذة به في ذلك تمنع شر السباع التي لا تستطاع.
وفي المجالسة للدينوري، عن معاذ بن رفاعة، قال: مر يحيى بن زكريا عليهما السلام بقبر دانيال النبي عليه السلام فسمع صوتا من القبر يقول: سبحان من تعزز بالقدرة، وقهر العباد بالموت، فمضى فإذا هو بصوت من السماء أنا الذي تعززت بالقدرة، وقهرت العباد بالموت، من قالهن استغفرت له السموات السبع، والأرضون السبع، ومن فيهن. وكان دانيال عليه السلام، قد أتاه الله تعالى النبوة والحكمة، وكان في أيام بختنصر. قال أهل التاريخ: إن بختنصر أسر دانيال مع من أسر من بني إسرائيل، وحبسهم ثم رأى بختنصر رؤيا أفزعته وعجز الناس عن تعبيرها ففسرها دانيال فأعجبه وأكرمه، قالوا: وقبره بنهر السوس «1» ووجده أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فأخرجه وكفنه وصلّى، ثم قبره في نهر السوس وأجرى عليه الماء.
وفي المجالسة أيضا، قال عبد الجبار بن كليب: كنا مع إبراهيم بن أدهم في سفر فعرض لنا
(1/14)

الأسد فقال إبراهيم: قولوا: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام وارحمنا بقدرتك علينا، لا نهلك وأنت رجاؤنا يا ألله يا ألله يا الله. قال فولى الأسد عنا هاربا.
قال: فأنا أدعو به عند كل أمر مخوف فما رأيت إلا خيرا.
فائدة: قال بعض العلماء المحققين: ومما جرب لإذهاب الخوف والهم والغم أن يكتب هاتين الآيتين، ويحملهما فإن الله تعالى يبارك له في جميع أحواله، وينصره على أعدائه، وهما ينفعان للأمراض الباطنة، وكل ألم يحدث في بدن الإنسان، وكل آية منهما تجمع الحروف المعجمة بأسرها، وتكتب في إناء نظيف وتمحى بدهن ورد، أو زيت طيب، أو شيرج يطلى به الألم كالدمل والطلوع والحرارة والريح والثآليل والنفخ والقروحات بأسرها فإنه يزول ويبرأ من يومه في الغالب كما جرب مرارا وهما من الأسرار المخزونة كذا قاله شيخنا اليافعي رحمه الله.
الآية الأولى من سورة آل عمران قوله «1» تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً
إلى قوله تعالى: عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ*
. الآية الثانية من سورة الفتح قوله تعالى:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
إلى آخر السورة انتهى. وذكر بعض أهل التاريخ، أن ملكا من الملوك خرج يدور في ملكه فوصل إلى قرية عظيمة فدخلها منفردا فأخذه العطش فوقف بباب دار من دور القرية، وطلب ماء فخرجت إليه امرأة جميلة بكوز فيه ماء، وناولته إياه فلما نظرها افتتن بها فراودها عن نفسها، وكانت المرأة عارفه به فعلمت أنها لا تقدر على الامتناع منه، فدخلت وأخرجت له كتابا وقالت انظر في هذا إلى أن أصلح من أمري ما يجب وأعود فأخذ الملك الكتاب ونظر فيه فإذا فيه الزجر عن الزنا، وما أعد الله تعالى لفاعله من العذاب الأليم، فاقشعر جلده، ونوى التوبة، وصاح بالمرأة، وأعطاها الكتاب، ومر ذاهبا وكان زوج المرأة غائبا فلما حضر زوجها أخبرته الخبر، فتحير الزوج في نفسه، وخاف أن يكون وقع غرض الملك فيها، فلم يتجاسر على وطئها بعد ذلك ومكث على ذلك مدة، فأعلمت المرأة أقاربها بحالها مع زوجها فرفعوه إلى الملك فلما مثل بين يدي الملك، قال أقارب المرأة: أعز الله مولانا الملك، إن هذا الرجل قد استأجر منا أرضا للزراعة، فزرعها مدة ثم عطلها فلا هو يزرعها ولا هو يتركها لنؤجرها لمن يزرعها، وقد حصل الضرر للأرض، ونخاف فسادها بسبب التعطيل لأن الأرض إذا لم تزرع فسدت، فقال الملك لزوج المرأة ما يمنعك من زرع أرضك؟ فقال: أعز الله مولانا الملك إنه قد بلغني أن الأسد دخل أرضي، وقد هبته، ولم أقدر على الدنو منها لعلمي بأن لا طاقة لي بالأسد ففهم الملك القصة فقال: يا هذا إن أرضك أرض طيبة صالحة للزرع فازرعها بارك الله لك فيها، فإن الأسد لن يعود إليها ثم أمر له ولزوجته بصلة حسنة وصرفه.
وفي تاريخ ابن خلكان أنه لما دخل المازيار على المعتصم وكان قد اشتد غضبه عليه فقيل له يا أمير المؤمنين لا تعجل، فإن عنده أموالا جمة، فأنشد المعتصم بيت أبي تمام «2» :
(1/15)

إنّ الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب «1»
وقد أحسن خالد الكاتب «2» حيث قال:
علم الغيث الندى حتى إذا ... ما وعاه علم البأس الأسد
فإذا الغيث مقرّ بالندى ... وإذا الليث مقر بالجلد
ومن شعره:
ظفر الحب بقلب دنف ... بك والسقم بجسم ناحل «3»
وبكى العاذل لي من رحمتي ... فبكائي لبكاء العاذل «4»
وكان خالد شيخا كبيرا تأخذه السوداء أيام الباذنجان، وكان الصبيان يتبعونه ويصيحون به يا خالد يا بارد؛ فأسند ظهره يوما إلى قصر المعتصم وقال لهم: كيف أكون باردا وأنا الذي أقول:
بكى عاذلي من رحمتي فرحمته ... وكم مسعد من مثله ومعين «5»
ورقّت دموع العين حتى كأنها ... دموع دموعي لا دموع جفوني
وفي روضة العلماء، أن نوحا عليه السلام، لما غرس الكرمة، جاءه إبليس فنفخ فيها فيبست، فاغتم نوح لذلك وجلس متفكرا في أمرها، فجاءه إبليس وسأله عن تفكيره؟ فأخبره فقال له يا نبي الله إن أردت أن تحضر الكرمة، فدعني أذبح عليها سبعة أشياء فقال: افعل، فذبح أسدا ودبا ونمرا وابن آوى وكلبا وثعلبا وديكا، وصب دماءهم في أصل الكرمة فاخضرت من ساعتها، وحملت سبعة ألوان من العنب، وكانت قبل ذلك تحمل لونا واحدا فمن أجل ذلك يصير شارب الخمر شجاعا كالأسد وقويا كالدب وغضبان كالنمر، ومحدثا كابن آوى، ومقاتلا كالكلب، ومتملّقا كالثعلب، ومصوتا كالديك، فحرمت الخمر على قوم نوح. ونوح اسمه عبد الجبار، وإنما سمي نوحا لنوحه على ذنوب أمته، وأخوه صابىء بن لامك وإليه ينسب دين الصابئين فيما ذكروا والله أعلم.
(تذنيب) كان أبو مسلم «6» الخراساني واسمه عبد الرحمن بن مسلم بعد فراغه من أمر بني أمية ينشد كل وقت:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
(1/16)

ما زلت أسعى بجهدي في دمارهم ... والقوم في غفلة بالشأم قد رقدوا
حتى ضربتهمو بالسيف فانتبهوا ... من نومة لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد
قال «1» ابن خلكان في ترجمته: وكان أبو العباس السفاح شديد التعظيم لأبي مسلم، لما صنعه ودبره، فلما مات السفاح وولي أخوه المنصور، صدرت من أبي مسلم أشياء أوغرت صدر المنصور عليه وهم بقتله، وبقي حائرا بين الاستبداد برأيه في أمره، والاستشارة، فقال يوما لمسلم بن قتيبة: ما ترى في أمر أبي مسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
«2» فقال: حسبك يا ابن قتيبة لقد أودعتها أذنا واعية ولم يزل المنصور يخدعه حتى أحضره إليه، والمنصور بالمدائن فأمر بإدخاله عليه، وكان المنصور قد رتب جماعة لقتله، وقال لهم: إذا رأيتموني قد مسحت بيدي وجهي فاضربوه، فلما أدخل عليه، أخذ المنصور يقرعه بما صدر منه ثم مسح وجهه، فبادروه فصاح استبقني لأعدائك يا أمير المؤمنين، فقال له المنصور وأي عدو أعدى منك يا عدو الله فلما قتل هاج أصحابه، فأمر المنصور بنثر الدراهم والدنانير عليهم فسكنوا! ورمى برأسه إليهم، ثم أدرج في بساط فدخل على المنصور جعفر بن حنظلة، فرأى أبا مسلم في البساط، فقال: يا أمير المؤمنين عد هذا اليوم أول خلافتك فأنشد المنصور متمثلا:
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر «3»
ثم أقبل المنصور على من حضره وأبو مسلم طريح بين يديه وأنشد:
زعمت أن الدين لا يقتضي ... فاستوف بالكيل أبا مجرم «4»
اشرب بكأس كنت تسقي بها ... أمر في الحلق من العلقم
وكان يقال له أبو مجرم أيضا وفيه يقول أبو دلامة «5» :
أبا مجرم ما غيّر الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد
أفي دولة المنصور حاولت غدره ... ألا إن أهل الغدر آباؤك الكرد
أبا مجرم خوفتني القتل فانتحي ... عليك بما خوفتني الأسد الورد
ولما قتله المنصور، خطب الناس فذكر أن أبا مسلم أحسن أولا وأساء آخر. ثم قال في آخر خطبته: وما أحسن ما قال النابغة الذبياني «6» للنعمان بن المنذر «7» :
(1/17)

فمن أطاعك فانفعه لطاعته ... كما أطاعك وأدلله على الرّشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهي الظلوم ولا تقعد على ضمد «1»
والضمد بفتح الضاد المعجمة والميم الحقد. وكان قتله في شعبان سنة ست أو سبع وثلاثين ومائة. قال ابن خلكان وغيره: وكان أبو مسلم قد سمع الحديث وروي عنه، وأنه خطب يوما فقام إليه رجل فقال ما هذا السواد الذي أراه عليك؟ فقال أبو مسلم: حدثني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه عمامة سوداء، وهذه ثياب الهيبة وثياب الدولة. يا غلام اضرب عنقه. قلت: حديث جابر هذا في صحيح مسلم قال ابن الرفعة: وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر، وعلى رأسه عمامة سوداء، قد أرخى طرفها بين كتفيه، وهو أيضا في صحيح مسلم «2» . قال ابن الرفعة: ومن ثم كان شعار بني العباس في الخطبة السواد اهـ.
قيل: أحصي من قتله أبو مسلم صبرا وفي حروبه، فكانوا ستمائة ألف واختلف في نسبه فقيل من العرب، وقيل من العجم، وقيل من الأكراد، وروي «3» أنه قيل لعبد الله بن المبارك رحمه الله: أبو مسلم خير أم الحجاج؟ فقال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيرا من أحد ولكن كان الحجاج شرا منه اهـ. وكان أبو مسلم فصيحا عالما بالأمور ولم يرقط مازحا ولم يظهر عليه سرور ولا غضب، ولا يأتي النساء إلّا مرّة في السنة، وكان يقول: الجماع جنون ويكفي الإنسان أن يجن في السنة مرة واحدة، وروي أنه قيل لأبي مسلم: ما كان سبب خروج الدولة عن بني أمية؟ قال:
لأنهم أبعدوا أولياءهم ثقة بهم، وادنوا أعداءهم تألفا لهم، فلم يصر العدو صديقا بالدنو، وصار الصديق عدوا بالإبعاد. وكان أبو مسلم مميت دولة بني أمية، ومحيي دولة بني العباس.
وذكر ابن الأثير وغيره أن أبا جعفر المنصور لما حاصر ابن هبيرة قال: إن ابن هبيرة يخندق على نفسه مثل النساء. فبلغ ذلك ابن هبيرة، فأرسل إليه أنت القائل كذا وكذا فابرز إلي لترى.
فأرسل إليه المنصور: ما أجد لي ولك مثلا في ذلك إلا كأسد لقي خنزيرا فقال له الخنزير: بارزني فقال له الأسد: ما أنت لي بكفء فإن نالني منك سوء كان ذلك عارا علي وإن قتلتك قتلت خنزيرا فلم أحصل على حمد، ولا في قتلي لك فخر. فقال له الخنزير: إن لم تبارزني لأعرفن السباع، إنك جبنت عني. فقال الأسد: احتمال عار كذبك أيسر من تلطخ راحتي بدمك.
(الحكم) : قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وداود والجمهور: يحرم أكل الأسد لما روى «4» مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل ذي ناب من السباع فأكله حرام» . قال أصحابنا:
المراد بذي الناب ما يتقوى بنابه ويصطاد. وفي الحاوي للماوردي قال: الشافعي:
(1/18)

إنه ما قويت أنيابه فعدا بها على الحيوان طالبا غير مطلوب، فكان عدوه بأنيابه علة تحريمه. وقال أبو إسحاق المروزي: هو ما كان عيشه بأنيابه فإن ذلك علة تحريمه. وقال أبو حنيفة:
هو ما افترس بأنيابه وإن لم يبتدىء بالعدو، وإن عاش بغير أنيابه فهذه ثلاث علل: أعمها علة أبي حنيفة، وأوسطها علة الشافعي، وأخصها علة المروزي، فعلى العلتين الأوليين، يحل الضبع لأنه يتناوم حتى يصطاد، وتحل السنانير على قول الشافعي لأنها لم تتقو بأنيابها، وتكون مطلوبة لضعفها، لكن قد صحح الأصحاب تحريمها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، في باب السين المهملة. ويحل ابن آوى على ما علله الإمام الشافعي لأنه لا يبتدىء بالعدو، ويحرم على ما علله المروزي لأنه يعيش بنابه، وهذا هو الأصح كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى. وقال مالك: يكره أكل كل ذي ناب من السباع ولا يحرم، واحتج بقوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ
الآية «1» . واحتج أصحابنا بالحديث المذكور، قالوا: والآية ليس فيها إلّا الإخبار بأنه لم يجد في ذلك الوقت محرما إلا المذكورات في الآية، ثم أوحي إليه بتحريم كل ذي ناب من السباع فوجب قبوله والعمل به. قال الشافعي رضي الله عنه: ولأن العرب لم تأكل أسدا ولا ذئبا ولا كلبا ولا نمرا ولا دبا، ولا كانت تأكل الفأر ولا العقارب ولا الحيات ولا الحدأ ولا الغربان ولا الرخم ولا البغاث ولا الصقور ولا الصوائد من الطير ولا الحشرات. وأما بيع الأسد فلا يصح لأنه لا ينتفع به وحرم الله أكل فريسته.
(الأمثال) : إنما كانت العرب أكثر أمثالها مضروبة بالبهائم، فلا يكادون يذمون ولا يمدحون إلّا بذلك لأنهم جعلوا مساكنهم بين السباع والأحناش والحشرات، فاستعملوا التمثيل بها لذلك. روى الإمام أحمد بإسناد حسن والحسن بن عبد الله العسكري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل، فلذلك ذكر العسكري في كتابه الأمثال ألف حديث مشتملة على ألف مثل من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فما يخص الأسد من ذلك أنهم قالوا: «أكرم من الأسد» «2» «وأبخر من الأسد» «3» وأكبر من الأسد و «أشجع من الأسد» «4» و «أجرأ من الأسد» «5» . وضربوا المثل بالخوف من الأسد. قال مجنون ليلى «6» واسمه عامر بن قيس على خلاف فيه:
يقولون لي يوما وقد جئت حيهم ... وفي باطني نار يشب لهيبها «7»
(1/19)

أما تختشي من أسدنا فأجبتهم ... هوى كل نفس أين حل حبيبها
وضربوا المثل أيضا بأسد الشرى وهو طريق بسلمى كثيرة الأسد، قال الفرزدق «1» :
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يشتبيلها «2»
قيل: معنى يشتبيلها: يأخذ أولادها وينسب إلى الفرزدق مكرمة يرجى له بها الجنة، وهي أنه لما حج هشام بن عبد الملك، في أيام أبيه، طاف بالبيت، وجهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه فلم يقدر على ذلك، لكثرة الزحام، فنصب له كرسي وجلس عليه ينظر إلى الناس، ومعه جماعة من أعيان أهل الشأم، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم، وكان من أجمل الناس وجها، وأطيبهم أرجا فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم الحجر، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشأم، وكان الفرزدق حاضرا فقال أنا أعرفه: فقال الشامي من هو يا أبا الفوارس؟ فقال «3» الفرزدق:
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقيّ الطاهر العلم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
في كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
ينشق نور الهدى من نور غرّته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم
مشتقة من رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشّيم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجدّه أنبياء الله قد ختموا
الله شرّفه قدما وعظّمه ... جرى بذاك له في لوحه القلم
وليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عمّ نفعهما ... يستوكفان ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره ... يزينه اثنان حسن الخلق والشيم
حمال أثقال أقوام إذا اقترحوا ... حلوا الشمائل يحلو عنده نعم
ما قال لاقط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاؤه نعم
عم البرية بالإحسان فانقشعت ... عنها الغيابة والإملاق والعدم
(1/20)

من معشر حبهم دين وبغضهمو ... كفر وقربهمو منجى ومعتصم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل همو
لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهمو قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
لا ينقص العسر بسطا من أكفهم ... سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا
مقدم بعد ذكر الله ذكرهمو ... في كل بدء ومختوم به الكلم
أي الخلائق ليست في رقابهم ... لأولية هذا أوله نعم
من يعرف الله يعرف أولية ذا ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم
فغضب هشام على الفرزدق، وأمر بحبسه، فأنفذ له زين العابدين اثني عشر ألف درهم فردّهاد وقال: مدحته لله تعالى لا للعطاء؛ فأرسل إليه زين العابدين وقال له: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده، والله عزّ وجلّ يعلم نيتك ويثيبك عليها فشكر الله لك سعيك، فلما بلغته الرسالة قبلها.
والفرزدق، اسمه همام بن غالب، والفرزدق لقب غلب عليه، والفرزدق قطع العجين، الواحدة فرزدقة وإنما لقب به لأنه أصابه جدري وبرىء منه فبقي وجهه جهما محمرا منتفخا، وقيل لقب به لغلظه وقصره. وقال ابن خلكان ومحمد بن سفيان: أحد أجداد الفرزدق هو أحد الثلاثة الذي سموا بمحمد في الجاهلية، فإنه لا يعرف أحد سمي بهذا الإسم قبله صلى الله عليه وسلم إلّا ثلاثة كان آباؤهم قد وفدوا على بعض الملوك، وكان عنده علم من الكتاب الأول فأخبرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وباسمه، وكان كل منهم قد خلف زوجته حاملا، فنذر كل منهم إن ولد له ذكر، أن يسميه محمدا، ففعلوا ذلك. وهم محمد بن سفيان بن مجاشع جد الفرزدق، والآخر محمد بن أحيحة بن الجلاح أخو عبد المطلب لأمه، والآخر محمد بن حمران بن ربيعة وأما أحمد فلم يتسم به أحد قبله صلى الله عليه وسلم.
فائدة: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثنا الليث قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «1» : «لما حمل نوح عليه السلام، في السفينة، من كل زوجين اثنين، قال له أصحابه: وكيف نطمئن أو تطمئن مواشينا ومعنا الأسد؟. فسلط الله عليه الحمى، فكانت أول حمى نزلت في الأرض، فهو لا يزال محموما. ثم شكوا الفأرة، فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا وشرابنا ومتاعنا، فأوحى الله تعالى إلى الأسد فعطس، فخرجت الهرة منه، فتخبأت الفأرة منها» . وهذا مرسل.
وفي الحلية لأبي نعيم في ترجمة وهب بن منبه أنه قال لما أمر نوح عليه السلام، أن يحمل من كل زوجين اثنين قال يا رب كيف أصنع بالأسد والبقر؟ وكيف أصنع بالعناق «2» والذئب؟ وكيف
(1/21)

أصنع بالحمام والثعلب؟ فأوحى الله تعالى إليه: «من ألقى بينهم العداوة؟ فقال: أنت يا رب. قال عزّ وجلّ فإني أؤلف بينهم فلا يتضررون» .
الخواص: قال عبد الملك بن زهير، صاحب الخواص المجربة: من لطخ بشحم الأسد جميع بدنه، هربت منه السباع، ولم ينله منها مكروه، وصوته يقتل التماسيح إذا سمعته ومرارة الذكر منه تحل المعقود عن النساء، إذا سقي منها في بيضة في مستهل الشهر، ومن علق عليه قطعة من جلده بشعرها أبرأته من الصرع، قبل البلوغ، فإن كان الصرع قد أصابه بعده، لم تنفعه. وإذا أحرق من شعره في مكان، هربت منه سائر السباع، ولحمه ينفع من الفالج وإذا وضعت قطعة من جلده، في صندوق مع ثياب، لم يصبها السوس ولا الأرضة، وسنه إذا استصحبها إنسان معه، أمن من وجع الأسنان، وشحمه إذا طلي به اليدان والرجلان، أمنت من مضرة البرد وإذا طلي به البدن لم يقر به القمل وذنبه إذا استصحبه إنسان لا تؤثر فيه حيلة محتال، وقال هرمس:
الجلوس على جلد الأسد يذهب البواسير والنقرس. قال: ومن أخذ من شحم جبهته وذوبه بدهن ورد، ومسح به وجهه، هابه الملوك وجميع الناس. وقال الطبري: الاكتحال بمرارة الأسد يحد البصر. قال: ومرارة الأسد إذا سقي منها وزن دانق لليرقان، بماء برز قطونا ونعنع نفع نفعا بينا وخصيته إذا ملحت ببورق أحمر ومصطكى، وجفّفت وسحقت، وخلطت بسويق وشربت، نفعت من جميع الأوجاع التي في الجوف مثل المغص والقولنج والبواسير والزحير ووجع الأرحام، وتشرب بماء حار على الريق. ودماغ الأسد يداف بزيت عتيق، ويدهن به الاختلاج والارتعاش، يذهبهما ومن دهن وجهه، وجميع بدنه بشحم الأسد، ذهب عنه الكسل والكلف وكل عيب يكون في الوجه. وزبله إذا جفف وخلط به الدلوك الذي يتدلك به، نفع من البهق الظاهر، وهو نافع لذلك جدا. وإن سقي منه أي من زبله إنسان لا يصبر عن الخمر ولا يعلم به وزن دانق، ابغضه حتى لا يشربه ولا يشتهي أن يراه ومرارته تداف بالعسل، ويجعل منها على الخنازير تزول.
وشحمه إذا دق بالثوم وطلى به إنسان جسده لم تقربه السباع والله أعلم.
التعبير: الأسد في المنام سلطان شديد البطش والبأس، ظالم غاشم مجاهر، متسلط بجرأته، لا يأمنه صديق ولا عدو، ويعبر أيضا بعدو مسلط، وربما دل على الموت، لأنه يقبض الأرواح، وربما دلت رؤيته على عافية المريض، فمن رأى أسدا من حيث لا يراه وهرب منه الرائي، فإنه ينجو مما يخاف، وينال حكما وعلما، لقوله «1» : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ
. فإن كان قد استقبله وهرب منه، نال هما من ذي سلطان، ثم ينجو من الهلاك والمرض. ومن رأى أن أسدا صرعه ولم يقتله، فإنه يحم حمى دائمة لأن الأسد لا تفارقه الحمى كما تقدم أو يسجن، لأن الحمى سجن المؤمن، وربما دلت مصارعته على المرض.
ومن رأى أنه أخذ شيئا من شعره أو عظمه أو لحمه، نال مالا من سلطان، أو من عدوّ. ومن رأى أنه ركب أسدا وهو يخافه، فإنه يقع في بلية، فإن كان لا يخافه قهر عدوّا فإن ضاجعه وهو لا يخافه أمن من عدوّه. ومن رأى أسدا يثب على الناس، فإن السلطان يظلم رعيته. ومن رأى أنه أكل
(1/22)

رأس أسد، نال ملكا ومن رأى أنه يرعى أسدا فإنه يؤاخي ملكا ظالما. ومن رأى أنه أخذ جرو أسد في حجره، فإن امرأته تضع غلاما، إن كانت حاملا، وإلّا فإنه يحمل ولد أمير في حجره، كما عبره ابن سيرين رحمه الله. ومن رأى أن أسدا قد زاره فإنه يمرض. ومن رأى أن الأسد قد قتله، فإن كان عبدا فإنه يعتق، وإلّا حصل له خوف من سلطان. وصوت الأسد يدل على تهدد من سلطان. ومن رأى أن أسدا يتملق له، جرى على يديه أمور عجيبة وربما دل على قهر عدوّ والله أعلم.
تتمة: قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: لو يعلم الناس، ما في علم الكلام، من الأهواء لفروا منه، فرارهم من الأسد. قال في الإحياء: فإن قلت تعلم الجدال والكلام مذموم كتعلم النجوم، أو هو مباح أو مندوب إليه، فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا، فمن قائل إنه بدعة وحرام، وإن العبد إن لقي الله تعالى بكل ذنب سوى الشرك، خير له من أن يلقاه بالكلام، ومن قائل إنه واجب وفرض: إما على الكفاية، أو فرض عين وإنه من أفضل الأعمال، وأعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد، ونضال عن دين الله تعالى.
وممن ذهب إلى التحريم الشافعي ومالك والإمام أحمد وسفيان وأهل الحديث قاطبة، قال ابن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يوم ناظر حفصا الفرد، وكان من متكلمي المعتزلة يقول: لأن يلقى الله تبارك وتعالى العبد، بكل ذنب، ما خلا الشرك، خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام. وقال أيضا: قد اطلعت لأهل الكلام، على شيء ما ظننته قط، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه، ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام. وحكى الكرابيسي أن الشافعي سئل عن شيء من الكلام فغضب وقال: يسأل عن هذا حفص الفرد وأصحابه أخزاهم الله. ولما مرض الشافعي رضي الله عنه دخل عليه حفص الفرد، فقال له من أنا؟ فقال: أنت حفص الفرد لا حفظك الله ولا رعاك، حتى تتوب مما أنت فيه. وقال أيضا: إذا سمعت الرجل يقول: الإسم هو المسمى، أو غير المسمى، فأشهد أنه من أهل الكلام ولا دين له، وقال أيضا حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر، والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام. وقال الإمام أحمد رحمه الله: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا ينظر في الكلام إلا وفي قلبه مرض وبالغ في ذمه حتى هجر الحارث المحاسبي، مع زهده وورعه، لتصنيفه كتابا في الرد على المبتدعة، وقال له: ويحك ألست تحكي بدعتهم أولا ثم ترد عليهم؟ ألست تحمل الناس، بتصنيفك على مطالعة كلام أهل البدعة، والتفكير فيه، فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث؟ وقال أحمد أيضا: علماء الكلام زنادقة. وقال مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء. قال بعض أصحابه في تأويل ذلك: إنه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام، على أي مذهب كانوا. وقال أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق. وقد اتفق أهل الحديث من السّلف على هذا، ولا يحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه.
وأما الفرقة الأخرى، فاحتجوا بأن المحظور من الكلام، إن كان هو لفظ الجوهر والعرض، وهذه الاصطلاحات الغريبة، التي لم يعهدها الصحابة رضي الله عنهم فالأمر في ذلك قريب، إذ
(1/23)

ما من علم، إلا وقد أحدث فيه اصطلاحات، لأجل التفهيم، كالحديث والتفسير، وتصنيف الفقه، من موضع الصور النادرة التي لا تتفق، إلا على الندور إما إدخارا ليوم وقوعها. وإن كان نادرا أو تشحيذا للخاطر فنحن أيضا نرتب طريق المحاجة لتوقع الحاجة بثوران شبهة، أو هيجان مبتدع، أو لتشحيذ الخاطر، أو لإدخار الحجة، حتى لا يعجز عنها عند الحاجة إليها على البديهة والارتجال، كمن يعد السلاح قبل القتال ليوم القتال. قال: فإن قلت فما المختار فيه عندك؟ فاعلم أن الحق فيه: أن إطلاق القول بذمه في كل حال، أو بمدحه في كل حال خطأ، بل لا بد فيه من التفصيل: فاعلم أوّلا أن الشيء قد يحرم لذاته، كالخمر والميتة وأعني بقولي لذاته أن علة تحريمه وصف في ذاته وهو الإسكار والموت، وهذا إذا سئلنا عنه، أطلقنا القول بأنه حرام، ولا يلتفت إلى إباحة الميتة عند الاضطرار وإباحة تجرع الخمر لإساغة ما يغص به الإنسان من الطعام، إذا لم يجد ما يسيغه به سوى الخمر وقد يحرم لغيره كالبيع على بيع أخيك المسلم، في وقت الخيار، والبيع وقت النداء، وكآكل الطين، فإنه يحرم لما فيه من الأضرار. وهذا ينقسم إلى ما يضر قليله وكثيره، فيطلق القول عليه بأنه حرام كالسم الذي يقتل قليله وكثيره، وإلى ما يضر عند الكثرة، فيطلق القول عليه بالإباحة، كالعسل فإن كثرته تضر بالمحرور، وكآكل الطين، وكان إطلاق التحريم على الخمر، والتحليل على العسل، التفات إلى أغلب الأحوال، فإن تصدى لشيء تقابلت فيه الأحوال، فالأولى أن نفصل فنرجع إلى علم الكلام، ونقول: إن فيه منفعة، وفيه مضرة، فهو باعتبار منفعته، في وقت الانتفاع حلال، أو مندوب إليه، أو واجب كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته، في وقت الإضرار، حرام. فأما مضرته فإثارة الشبهات، وتحريك العقائد، وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل في حالة الابتداء ورجوعها بالدليل مشكوك فيه وتختلف فيه الأشخاص، فهذا ضرره في الاعتقاد، وله ضرر أيضا في تأكيد اعتقاد المبتدعة للبدعة، وتثبيته في صدورهم، بحيث تنبعث دعاويهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر، يحصل بواسطة التعصب، الذي يثور من الجدل.
وأما منفعته، فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق، ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات هيهات، بل منفعته شيء واحد وهو حراسة العقيدة على العوام، وحفظها عن تشويشات المبتدعة، بأنواع الجدل إذ العامي ضعيف، يستفزه جدل المبتدع، والناس متعبدون بصحة العقيدة، التي أجمع السلف عليها، والعلماء متعبدون بحفظ ذلك على العوام، من تلبيسات المبتدعة، وهو من فروض الكفاية، كالقيام بحراسة الأموال وسائر الحقوق: كالقضاء والولاية وغيرهما، وما لم تستعد العلماء لنشر ذلك، والتدريس فيه، والبحث عنه، لا يدوم ولو ترك بالكلية، لا ندرس. وليس في مجرد الطباع كفاية لحل شبه المبتدعة، ما لم يتعلم فينبغي أن يكون التدريس فيه أيضا، من فروض الكفاية، لكن ليس من الصواب تدريسه على العوام، كتدريس الفقه والتفسير، فإن هذا مثل الدواء، والفقه مثل الغذاء، وضرر الغذاء لا يحذر وضرر الدواء محذور، فإن قيل: قد جعل جماعة التوحيد عبارة عن صناعة الكلام، ومعرفة طريق المجادلة، والإحاطة بمناقضات الخصوم، والقدرة على التشدق فيها، بكثرة الأسئلة، وإثارة الشبهات، وتأليف الإلزامات، حتى لقب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد. فاعلم أن التوحيد، عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر
(1/24)

المتكلمين وإن فهموه، لم يتصفوا به، وهو أن ترى الأمور كلها، من الله رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط، فلا ترى الخير والشر إلا منه تبارك وتعالى.
وهذا مقام شريف، فالتوحيد جوهر نفيس، له قشران: أحدهما أبعد عن اللب من الآخر، وهو أن تقول بلسانك: لا إله إلا الله، وهذا يسمى توحيدا مناقضا للتثليث، الذي تصرح به النصارى. لكنه قد يصدر من المنافق الذي يخالف سره جهره. وأما القشر الثاني فأن لا يكون في القلب مخالفة وإنكار لمفهوم هذا القول بل يشتمل القلب على اعتقاد ذلك والتصديق به، وهذا توحيد عوام الخلق والمتكلمون كما سبق حراس هذا القشر عن تشويش المبتدعة، فخصص الناس الاسم بهذين القشرين، وتركوا لبابهما وأهملوه بالكلية. واللباب هو التوحيد المحض، وهو أن ترى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط، وأن تعبده عبادة تفرده بها فلا تعبد غيره واتباع الهوى يخرج عن هذا التوحيد؛ فكل متبع هواه، قد اتخذ هواه معبوده. قال «1» الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
. وقال «2» صلى الله عليه وسلم: «أبغض إله عبد في الأرض عند الله هو الهوى» . وعلى التحقيق من تأمل عرف أن عابد الصنم ليس يعبد الصنم إنما يعبد هواه، إذ نفسه مائلة إلى دين آبائه، فيتبع ذلك الميل. وميل النفس إلى المألوفات أحد المعاني التي يعبر عنها بالهوى ويخرج عن هذا التوحيد السخط على الخلق والالتفات إليهم. فإن من يرى الكل، من الله تعالى، كيف يسخط على غيره، فالتوحيد عبارة عن هذا المقام، وهو من مقامات الصديقين. فانظر إلى ماذا حول وبأي قشر قنع فالموحّد هو الذي لا يرى إلّا الواحد، ولا يتوجّه وجهه إلا إليه، أي يكون قلبه متوجها إلى الله تعالى على الخصوص. اهـ.
وقد تكلمت على هذا المقام في كتابنا الجوهر الفريد في علم التوحيد، بكلام يشفي النفس، ويزيل اللبس، وهو كلام طويل مشبع، جمعت فيه غالب أقوال الصحابة والعلماء، فليراجع وهو في الجزء الثامن، من الباب الخامس، من كتاب التوحيد فليراجع.
واعلم أنه قد تقدم أن تعلم علم النجوم مذموم. فنقول قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا» .
وقال «3» صلى الله عليه وسلم: «أخاف على أمتي بعدي ثلاثا: حيف الأئمة، والإيمان بالنجوم والتكذيب بالقدر» .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في البحر والبر ثم أمسكوا» وإنما زجر عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها أنه مضر بأكثر الخلق، فإنه إذا ألقي إليهم أن هذه الآثار تحدث عقب سير الكواكب، وقع في نفوسهم أن الكواكب هي المؤثرة، وأنها الآلهة المدبرة، لأنها جواهر شريفة سماوية يعظم وقعها في القلوب، فيبقى القلب ملتفتا إليها، ويرى الشر والخير محذورا من جهتها،
(1/25)

ومرجوا منها، وينمحي ذكر الله تعالى من القلب، فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط، والعالم الراسخ هو الذي يطلع على أن الشمس، والقمر، والنجوم، مسخرات بأمره سبحانه وتعالى.
الوجه الثاني: إن أحكام النجوم تخمين محض، وليس يدرك في حق آحاد الأشخاص، لا يقينا ولا ظنا فالحكم به حكم بجهل، فيكون ذمه على هذا من حيث إنه جهل، لا من حيث إنه علم. وقد كان ذلك علما لإدريس عليه السلام فيما يحكى، وقد اندرس ذلك العلم وانمحق وما يتفق من إصابة المنجم على ندور فهو اتفاق، لأنه قد يطلع على بعض الأسباب، ولا يحصل المسبب عقبها إلا بعد شروط كثيرة، ليس في قدرة البشر الاطلاع عليها. فإن اتفق أن قدر الله تعالى بقية الأسباب، وقعت الإصابة. وإن لم يقدر أخطأ. ويكون ذلك كتخمين الإنسان في أن السماء تمطر اليوم، مهما رأى الغيم يجتمع، وينبعث من الجبال، فيتحرك ظنه بذلك وربما يحمى النهار بالشمس، ويتبدد الغيم وربما يكون بخلافه، فإن مجرد الغيم ليس كافيا في مجيء المطر، وبقية الأسباب لا تدرى. وكذلك تخمين الملاح، أن السفينة تسلم، اعتمادا على ما ألفه من العادة في الرياح، ولتلك الرياح أسباب خفية، لا يطلع عليها الملاح، فتارة يصيب في تخمينه، وتارة يخطىء. ولهذه العلة يمنع القوم عن النجوم.
الوجه الثالث أنه لا فائدة فيه، فأقل أحواله أنه خوض في فضول لا يعني، وتضييع للعمر الذي هو أنفس بضائع الإنسان بغير فائدة، وغايته الخسران، فقد مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل، والناس مجتمعون عليه، فقال: «ما هذا» ؟ قالوا: رجل علّامة فقال: بماذا؟ قالوا: بالشعر وأنساب العرب. فقال: «علم لا ينفع، وجهل لا يضر» وقال «1» صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة» فإذا الخوض في النجوم إنما يشبه اقتحام خطر وخوض جهالة من غير فائدة فإن ما قدر كائن، والاحتراز غير ممكن، بخلاف الطب، فإن الحاجة إليه ماسّة، وأكثر أدلته مما يطلع عليه، وبخلاف التعبير، وإن كان تخمينا لأنه جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، ولا خطر فيه. ولذلك أكثرنا في كتابنا هذا من النقل من هذين العلمين لضرورة الحاجة إليهما، ولقلة الخطأ فيهما لإمكان الاطلاع على أكثر أدلتهما، والله الموفق للصواب.
الإبل
: بكسر الباء الموحدة، وقد تسكن للتخفيف: الجمال وهو اسم واحد يقع على الجمع، وليس بجمع، ولا اسم جمع، إنما هو دال على الجنس، كذا قاله ابن سيده. وقال الجوهري: ليس لها واحد من لفظها وهي مؤنثة لأن أسماء الجموع، التي لا واحد لها من لفظها إذا كالنت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، وإذا صغرتها أدخلت عليها الهاء فقلت: أبيلة وغنيمة ونحو ذلك، وربما قالوا للإبل: إبل بإسكان الباء كما تقدم، والجمع آبال والنسبة إبلي بفتح الباء.
روى ابن ماجه، عن عروة البارقي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «2» قال: «الإبل عز لأهلها، والغنم بركة، والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة» وفي حديث وهب «تأبل آدم على ابنه المقتول
(1/26)

كذا وكذا عاما لم يصب حوّاء أي امتنع من غشيانها أعواما، وتوحش عنها. ويقال للإبل بنات الليل، ويقال للذكر والأنثى منها بعير إذا أجذع ويجمع على: أبعرة وبعران والشارف: الناقة المسنة وجمعها شرف والعوامل: الإبل ذوات السنامين. والإبل من الحيوانات العجيبة وإن كان عجبها سقط من أعين الناس لكثرة رؤيتهم لها، وهو أنها حيوان عظيم الجسم، سريع الانقياد، ينهض بالحمل الثقيل، ويبرك به، وتأخذ زمامه فأرة فتذهب به إلى حيث شاءت، ويتخذ على ظهره بيت يقعد الإنسان فيه، مع مأكوله ومشروبه وملبوسه وظروفه ووسائده، كأنه في بيته ويتخذ للبيت سقف وهو يمشي بكل هذه. ولهذا قال «1» تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ.
وقد جعلها الله تعالى طوال الأعناق لتثور بالأثقال، وعن بعض الحكماء، أنه حدث عن الإبل وعن بديع خلقها وكان قد نشأ بأرض لا إبل فيها، ففكر ساعة ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق، وحيث أراد الله تعالى بها أن تكون سفائن البر، صبرها على احتمال العطش، حتى إن ظمأها ليرتفع إلى العشر. وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز، مما يرعاه سائر البهائم. وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: لقيت شريحا القاضي ذاهبا فقلت له: أين تريد؟
فقال: أريد الكناسة. فقلت: وما تصنع بالكناسة قال: انظر إلى الإبل كيف خلقت. وقال «2» تعالى: عَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ*
قرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفن البر قال ذو الرّمة «3» :
سفينة بر تحت خدي زمامها.
يريد صيدح التي يخاطبها بقوله:
سمعت الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا
وصيدح اسم ناقته. وهذا البيت أنشده سيبويه «4» ورواه برفع الناس على الحكاية، أي:
سمعت هذه الكلمة. ورواه غيره بالنصب، وكل له وجه. وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الصيدح في باب الصاد المهملة. وربما تصبر الإبل عن الماء عشرة أيام وإنما جعل الله تعالى أعناقها طوالا، لتستعين بها على النهوض، بالحمل الثقيل، وفي الحديث: «لا تسبوا الإبل فإن فيها رقوء الدم، ومهر الكريمة» . أي أنها تعطى في الديات فتحقن بها الدماء وتمنع من أن يهراق دم القاتل. هذه عبارة الفصيح وفي الحديث لا تسبوا الإبل فإنها من نفس الله تعالى أي مما يوسع الله تعالى به على الناس حكاه ابن سيده. والذي نعرفه «لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن جل وعلا «5» » وفي
(1/27)

الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم «1» قال: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده، لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها» . وفيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما مثل القرآن مثل الإبل المعقلة إن تعاهدها صاحبها على عقلها أمسكها، وإن أغفلها ذهبت، إذا قام صاحب القرآن بقراءته بالليل والنهار، ذكره وإذا لم يقرأه نسيه» . «2»
وفيهما عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «3» : «الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» . وسيأتي بيان معناه إن شاء الله تعالى في باب الراء المهملة في لفظ الراحلة.
والإبل أنواع: الأرحبية منسوبة إلى بني أرحب من همدان. وقال ابن الصلاح: إنها من إبل اليمن والشذقية إبل منسوبة إلى شذقم، وهو فحل كريم كان للنعمان بن المنذر، والعيدية بكسر العين المهملة، إبل منسوبة إلى بني العيد وهم فخذ من بني مهرة، قاله صاحب الكفاية. والمجدية إبل باليمن منسوبة إلى المجد وهو الشر. والشدنية إبل منسوبة إلى فحل أو بلد قاله في الكفاية.
والمهرية إبل منسوبة إلى مهرة بن حيدان وهو أبو قبيلة والجمع المهاري، قاله ابن الصلاح «4» . وما قاله الغزالي من أن المهرية هي الرديئة من الإبل، ليس كذلك ومنها إبل وحشية تسمى إبل الوحش، يقولون إنها بقايا إبل عاد وثمود. ومن لقب الإبل العيس وهي الشديدة الصلبة والشملال وهي الخفيفة واليعملة وهي التي تعمل والوجناء وهي الشديدة أيضا، والناجية وهي السريعة، والعوجاء وهي الضامرة، والشمردلة وهي الطويلة، والهجان وهي الإبل الكريمة، والكوماء بضم الكاف وهي الناقة العظيمة السنام والحرف وهي الناقة الضامرة قال كعب بن زهير «5» .
حرف أبوها أخوها من مهجّنة ... وعمها خالها قوداء شمليل «6»
والقوداء الطويلة العنق، والشمليل السريعة، وقوله: من مهجنة أي من إبل كرام هجان.
وقوله: أبوها أخوها أي إنها من جنس واحد في الكرم، وقيل: إنها من فحل حمل على أمه فجاءت بهذه الناقة فهو أبوها وأخوها، وكانت الناقة التي هي أم هذه بنت أخرى من الفحل الأكبر فعمها خالها على هذا، وهو عندهم من أكرم النتاج. والقول الأول ذكره أبو علي القالي عن أبي سعيد ومما يستحسن ويستجاد من كلام كعب رضي الله عنه قوله «7» :
(1/28)

لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر
قال أصحاب الكلام: في طبائع الحيوان ليس لشيء من الفحول، مثل ما للجمل عند هيجانه إذ يسوء خلقه، ويظهر زبده ورغاؤه فلو حمل عليه ثلاثة أضعاف عادته حمل ويقل أكله، ويخرج الشقشقة وهي الجلدة الحمراء التي يخرجها من جوفه، وينفخ فيها فتظهر من شدقه لا يعرف ما هي. قال الليث: ولا تكون إلا لعربي: وفيه نظر قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «إن الخطب من شقاشق الشيطان» . شبّه الفصيح المنطيق بالفحل الهادر، ولسانه بشقشقته.
وروى الحاكم في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «1» لها: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو الجهم فإني أخاف عليك من شقاشقه» .
والفحل لا ينزو إلا مرّة واحدة في السنة، ويطول فيها مكثه، وينزل فيها مرارا كثيرة، ولذلك يعقبه فتور ووهن والأنثى تلقح إذا مضى لها ثلاث سنين، ولذلك سميت حقة لأنها استحقت ذلك قالوا: والجمل أشد الحيوان حقدا، وفي طبعه الصبر والصولة. وذكر صاحب المنطق أنه لا ينزو على أمه. قال: وقد كان رجل في سالف الدهر ستر ناقة بثوب، ثم أرسل ولدها عليها، فلما عرف ذلك قطع ذكره، ثم حقد على الرجل حتى قتله. وآخر فعل مثل ذلك فلما عرف أنها أمه قتل نفسه. وكل الحيوان له مرارة إلا الإبل، ولذلك كثر صبرها وانقادت وكني الجمل بأبي أيوب. وإنما يوجد على كبدها شيء يشبه المرارة وهي جلدة فيها لعاب يكتحل به ينفع من العشاء العتيق. ومن طبعها أنها تستطيب الشجر الذي له شوك وتهضمه أمعاؤها، ولا تستطيع في غالب الأوقات أن تهضم الشعير. ومن عجيب ما ذهبت إليه العرب أنها إذا أصاب إبلها العرّ كووا السليم ليشفى العليل. وفي هذا المعنى قال «2» النابغة:
وحملتني ذنب امرىء وتركته ... كذا العر يكوي غيره وهو راتع
وأخذ منه غيره فقال:
غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم
وأنكر أبو عبيد القاسم بن سلام ذلك.
وروى الجماعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «جاء رجل من بني فزارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هل لك من إبل» ؟
قال: نعم فما ألوانها؟ قال: حمر. قال صلى الله عليه وسلم: «هل فيها من أورق» ؟ قال: إن فيها لورقا. قال: هو
(1/29)

ذاك. قال: فأنى أتاها ذلك قال «1» صلى الله عليه وسلم «عسى أن يكون نزعه عرق» .
وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الحديث في الكلام على لفظ الأسد وإنما قال صلى الله عليه وسلم: «عسى أن يكون نزعه عرق» ولم يرخص له النبي صلى الله عليه وسلم في الانتفاء عنه.
والرجل المذكور في هذا الحديث: ضمضم بن قتادة العجلي، ولم يذكره أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب وليس له سوى هذا الحديث، وهو مسمى في بعض المسندات. وذكره عبد الغني في الحديث بزيادة حسنة فقال «2» فقال: «كانت المرأة من بني عجل، فقدم المدينة عجائز من بني عجل، فسئلن عن المرأة التي ولدت الغلام الأسود فقلن: كان في آبائها رجل أسود» . قال: والرجل اسمه ضمضم بن قتادة العجلي. وقال الخطيب أبو بكر: قلن: كان للمرأة جدة سوداء.
والحكم: يحل أكل الإبل بالنص والإجماع. قال «3» الله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
وأما تحريم إسرائيل، وهو يعقوب عليه السلام على نفسه أكل لحوم الإبل، وشرب ألبانها، فكان ذلك باجتهاد منه على الصحيح. والسبب في ذلك أنه كان يسكن البدو فاشتكى عرق النساء، فلم يجد شيئا يؤلمه إلا لحوم الإبل وألبانها فلذلك حرمهما. وإسرائيل لفظة عبرانية.
وقد اختلف العلماء في انتقاض الوضوء بأكل لحومها: فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل لحومها، وذهب الباقون إلى أنه ينتقض الوضوء به. فمن ذهب إلى الأول: الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء وأبو طلحة الأنصاري وأبو أمامة الباهلي وعامر بن ربيعة رضي الله عنهم، وجماهير التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم رحمهم الله. وممن ذهب إلى انتقاض الوضوء به: أحمد وإسحق بن راهويه ويحيى بن يحيى وابن المنذر وابن خزيمة واختاره البيهقي من أصحاب الشافعي، وهو قول الشافعي القديم، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر دليله في باب الجيم في الجزور.
وعن أحمد في أكل سنامها روايتان، ولأصحابه في شرب ألبانها وجهان. وتكره الصلاة في أعطانها وهي الأمكنة التي تأوي إليها بعد الشرب. روى أبو داود والترمذي وابن ماجه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: «توضأوا منها» »
وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: «لا تتوضؤا منها «5» » . وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال «6» : «لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها مأوى الشياطين» وسئل عن
(1/30)

الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: «صلوا فيها فإنها مباركة «1» » وروى النسائي وابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الإبل خلقت من الشياطين «2» » .
وأما زكاتها فالواجب في كل خمس منها سائمة شاة، وفي عشر شاتان وفي خمسة عشر ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، ثم في خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، وفي ست وأربعين حقة، وفي إحدى وستين جذعة، وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان، وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. وبنت المخاض لها سنة، وبنت اللبون لها سنتان، والحقة لها ثلاث سنين، والجذعة لها أربع سنين، والشاة الواجبة لها جذعة ضأن وهي ما لها سنة، أو ثنية معز وهي ما لها سنتان، وبقية أحكام الزكاة معروفة.
تتمة: قال المتولي إذا أوصي لشخص بإبل، جاز أن يعطى ذكرا أو أنثى، فإن أعطي فصيلا أو ابن مخاض لم يلزمه قبوله لأنه لا يسمى إبلا.
الأمثال: روى مسلم والترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«الناس كإبل مائة، ليس فيها راحلة «3» » يعني أن المرضى من الناس قليل وسيأتي معناه إن شاء الله تعالى في باب الراء المهملة في الراحلة. وقال الأزهري: معناه أن الزاهد في الدنيا الكامل في الزهد فيها والرغبة في الآخرة قليل، كقلة الراحلة في الإبل. وقالوا: أشبعهم سبا وراحوا بالإبل قيل:
أول من قاله كعب بن زهير بن أبي سلمى يضرب لمن لم يكن عنده إلا الكلام وقالوا: «ما هكذا يا سعد تورد الإبل» يضرب لمن تكلف أمرا لا يحسنه. وتمثل بذلك علي رضي الله عنه في حديث رواه البيهقي وغيره. وقالوا «يا إبل عودي إلى مباركك «4» » . يضرب لمن يفر من الشيء الذي لا بد منه.
الخواص: قال ابن زهير وغيره: إذا وقع بصر الجمل على سهيل مات لوقته. ولحوم الإبل والكباش الحولية الجبلية رديئة كلها، وإذا أحرق وبر الإبل وذر على الدم السائل قطعه. وقراده يربط في كم العاشق فيزول عشقه وإذا شرب السكران من بول الجمل أفاق من ساعته، ولحمه يزيد في الباه والأنعاظ بعد الجماع. وبول الإبل ينفع من ورم الكبد ويزيد في الباه، ومخ ساق الجمل إذا تحملت به المرأة في قطنة أو صوفة بعد الطهر ثلاثة أيام وجومعت فإنها تحمل وإن كانت عاقرا. وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا في الكلام على لفظ الإنسان قاعدة ذكرها حذاق الأطباء تعرف بها العاقر من النساء.
التعبير: قال أهل التعبير من رأى أنه ملك منها هجمة في منامه فإنه يدل على أنه يحكم على جماعة ذوي أقدار ويملك مالا طائلا. وكذلك إذا رأى أنه نال ثلة أو ثاغية أو راغية والهجمة مائة
(1/31)

من الإبل والثلة قطيع من الغنم والثاغية الشاة والراغية الإبل. قالوا: ومن رأى أنه ملك إبلا في منامه، نال عقبى حسنة وسلامة في دينه ومعتقده لقوله «1» تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
فإن قال: رأيت جمالا فربما دل على الأعمال السيئة لقوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
ولقوله «2» تعالى: إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ
وإن قال: رأيت انعاما وأنا أسرحها في المنام، فإنه يدل على تذلل الأمور الصعاب وظهور النعمة عليه لقوله «3» تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ
، إلى قوله تسرحون. ومن رأى أنه يرعى إبلا عرابا ولي على قوم من الأعراب ومن رأى إبلا كثيرة في بلد فإنها تدل على أمراض وحروب. وقال الجيلي «4» : من رأى أنه يملك إبلا نال مقدرة وسطوة. وقال أرطاميدوس:
من أكل لحم الإبل في منامه مرض. وقال محمد بن سيرين إمام المعبرين: ومن أعلام التابعين لا بأس بأكل لحم الإبل لقوله «5» تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ.
وستأتي بقيته إن شاء الله تعالى في باب الجيم في لفظ الجمل والله أعلم.
الأبابيل
: واحدته ابالة وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لا واحد لها من لفظها. وقيل:
واحدها أبول كعجول وقيل: إبيل كسكّيت. وقيل: إيبال كدينار، ودنانير، وذكر الفارسي أنه سمع في واحده ابالة بالتشديد. وحكى الفرّاء إبالة بالتخفيف. واختلفوا في قوله «6» تعالى:
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ
فقال سعيد بن جبير: هي طير تعشش بين السماء والأرض وتفرخ، ولها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب وعن عكرمة أنها طيور خضر خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع. وقال ابن عباس رضي الله عنهما بعث الله الطير على أصحاب الفيل كالبلسان وقيل: كانت كالوطاويط. وقال عبادة بن الصامت: أظنا الزرازير.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها، هي أشبه شيء بالخطاطيف. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب السين أنها السنونو الذي يأوي الآن في المسجد الحرام الواحدة سنونة، والأبيل راهب النصارى وكانوا يسمون عيسى بن مريم عليهما السلام أبيل الأبيليين قال الشاعر:
أما ودماء مائرات تخالها ... على قنة العزى وبالنّسر عندما
وما سبح الرهبان في كل بيعة ... أبيل الأبيليين عيسى بن مريما
لقد ذاق منا عامر يوم لعلع ... حساما إذا ما هزّ بالكف صمما
والإبالة بالكسر الحزمة من الحطب. وفي المثل: «ضغث على إبالة «7» أي بلية على أخرى كانت قبلها والله الموفق.
الأتان:
بفتح الهمزة وبالتاء المثناة فوق الحمارة، ولا تقل أتانة، ويقال ثلاث آتن مثل عناق
(1/32)

وأعنق، والكثير أتن وأتن. واستأتن الرجل أي اشترى أتانا، واتخذها لنفسه. قال محمد بن سلام: حدثني رجل من قريش قال: خرج خالد بن عبد الله القسري «1» يوما يتصيد، وهو أمير العراق فانفرد عن أصحابه فإذا هو بأعرابي على أتان له هزيل ومعه عجوز فقال له خالد ممن الرجل فقال من أهل المآثر والحسب والمفاخر قال: فأنت إذن من مضر فمن أيها أنت؟ قال من الطاعنين على الخيول، المعانقين عند النزول. قال: فأنت إذن من عامر، فمن أيها أنت؟ قال: من أهل الرفادة، والكرم والسيادة، قال فأنت إذن من جعفر، فمن أيها أنت؟ قال: من بدورها وشموسها وليوثها، في خميسها قال: فأنت إذن من الخواص. فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: تتابع السنين وقلة رفد الرافدين. قال فمن أردت بها؟ قال: أميركم هذا الذي رفعته أمرته وحطته أسرته. قال: فما أردت منه؟ قال: كثرة ماله لا كرم آبائه. قال: ما أراك إلا قد قلت فيه شعرا فقال لامرأته:
أنشديه، فقال:
كم تجشمنا مدح اللئيم ... ة اليوم إن مدح الئيم ذل
قال: أنشديه فأنشدته:
إليك ابن عبد الله بالجد أرقلت ... بنا البيدعيس كالقسي سواهم
عليها كرام من ذؤابة عامر ... أضربهم جدب السنين العوارم
يردن امرءا يعطي على الحمد ماله ... وهانت عليه في الثناء الدراهم
فإن تعط ما تهوى فهذا ثناؤنا ... وإن تكن الأخرى فما ثمّ لا ثم
فقال له خالد: يا عبد الله، ما أعجبك وشعرك، جئت على أتان هزيل، وتزعم إنك جئت على عيس؛ وقد ذكرت الرجل في شعرك، بخلاف ما ذكرت في كلامك. فقال: يا ابن أخي ما تجشمنا من مدح اللئيم، كان أشد من الكذب في شعرنا فقال له خالد: أتعرف خالدا؟ قال: لا قال: فأنا هو خالد. قال: أسألك بالله هو أنت خالد؟ قال إي والذي سألتني به أنا خالد، وأنا معطيك غير مكافئك، فقال: يا أم جحش اصرفي وجه أتانك فقال لها خالد: لا تفعلي وأقيمي أنت وزوجك فقال الرجل: لا والله لا رزأت امرءا درهما بعد أن أسمعته ما يكره، وصرف وجه أتانه ومضى. فقال خالد: بمثل هذا الفعل نال هذا وآباؤه ما نالوا.
وروى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لبس الصوف، وحلب الشاة، وركب الأتن، فليس في جوفه من الكبر شيء» . وهو كذلك في الكامل في ترجمة عبد الرحمن بن عمار بن سعد.
وعن جابر وأبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «براءة من الكبر لباس الصوف ومجالسة فقراء المؤمنين وركوب الحمار واعتقال العنز وأكل أحدكم مع عياله» . وفي الاستيعاب وغيره أن زرارة بن عمرو النخعي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في النصف من رجب سنة تسع «فقال:
(1/33)

يا رسول الله إني رأيت في طريقي رؤيا هالتني! قال: وما هي؟ قال: رأيت أتانا خلفتها في أهلي، قد ولدت جديا أسفع أحوى، ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي، يقال له عمرو، وهي تقول لظى لظى بصير وأعمى. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أخلفت في أهلك أمة مسرة حملا؟ قال: نعم قال صلى الله عليه وسلم: فإنها قد ولدت غلاما وهو ابنك قال: فأنى له أسفع أحوى؟ قال: ادن مني، فدنا منه، فقال: أبك برص تكتمه؟ قال: والذي بعثك بالحق نبيا ما علمه أحد قبلك.
قال: فهو ذاك وأما النار فإنها فتنة تكون بعدي. قال: وما الفتنة يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: يقتل الناس إمامهم، ويشتجرون اشتجار أطباق الرأس، وخالف بين أصابعه، دم المؤمن عند المؤمن، أحلى من الماء، يحسب المسيء، أنه محسن، إن مت أدركت ابنك، وإن مات ابنك أدركتك. قال فادع الله لي أن لا تدركني فدعا له» . «1» وقد قال العلماء: إن هذه الفتنة هي التي قتل فيها عثمان رضي الله تعالى عنه. والأسفع الأحوى الأبلق.
الأمثال: قالوا: «كان حمارا فاستأتن «2» » يضرب لمن يهون بعد العز.
التعبير: الحمارة امرأة معينة على المعيشة، كثيرة الخير، ذات ربح متواتر ونسل. ولفظ الأتان من الإتيان.
الأخطب:
كالأحمر يقال إنه الصرد وأنشد:
ولا أنثني من طيرة عن مريرة ... إذا الأخطب الداعي على الدوح صرصرا
والأخطب حمار يعلو ظهره خضرة، وقال الفراء: الخطباء الأتان التي لها خط أسود في ظهرها، والذكر أخطب.
الأخيضر
: ذباب أخضر على قدر الذباب الأسود قاله ابن سيده.
الأخيل:
طائر أخضر فيه على أجنحته لمع تخالف لونه وسمي بذلك لخيلان فيه. وقيل:
الأخيل
الشقراق الآتي في باب الشين المعجمة، وهو مشؤوم. ولفظه ينصرف في النكرة لا إذا سميت به ومنهم من لا يصرفه في معرفة ولا نكرة ويجعله في الأصل صفة من التخيل ويحتج بقول الشاعر:
ذريني وعلمي بالأمور وشيمتي ... فما طائري فيها عليك بأخيلا
الأربد:
ضرب من الحيات، يعض فيربد منه الوجه، ومنه ما حكاه عبد الملك بن عمير قال: رأيت زيادا «3» واقفا على قبر المغيرة بن شعبة «4» رضي الله عنه وهو يقول:
(1/34)

إن تحت الأحجار حزما وعزما ... وخصيما ألد ذا معلاق
حيّة في الوجار أربد لا ين ... فع منه السليم نفث الراقي
ثم قال: أما والله لقد كنت شديد العداوة لمن عاديت، شديد الأخوة لمن آخيت، والمعلاق بالعين، المهملة قال الجوهري: يقال رجل ذو معلاق أي شديد الخصومة. ثم أنشد قول الشاعر وهو مهلهل «1» :
إن تحت الأحجار حزما وجودا ... وخصيما ألد ذا معلاق
الأرخ:
قال ابن درستويه «2» هي الأنثى الثنية من البقر التي لم ينز عليها الفحل وجمعها أروخ وأراخ. قال: وأنشدني أعرابي من مزينة في طريق مكة لنفسه فقال:
أيام عهدي مي فيك كأنها ... أرخ يرود بروضة مثقال
وقال الجوهري: الأرخ وحش البقر وقال صاحب المغرب: الأرخ ولد البقرة الوحشية.
الأرضة:
بفتح الهمزة والراء والضاد المعجمة دويبة صغيرة كنصف العدسة، تأكل الخشب، وهي التي يقال لها السرفة، بالسين والراء المهملة والفاء. وهي دابة الأرض التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وستأتي إن شاء الله تعالى في باب السين المهملة. ولما كان فعلها في الأرض أضيفت إليها. قال القزويني في الأشكال: إذا أتى على الأرضة سنة، تنبت لها جناحان طويلان، تطير بهما. وهي دابة الأرض التي دلت الجن على موت سليمان عليه السلام، والنمل عدوّها، وهو أصفر منها فيأتيها من خلفها فيحملها ويمشي بها إلى جحره، وإذا أتاها مستقبلا، لا يغلبها لأنها تقاومه، انتهى. ومن شأنها أنها تبني لنفسها بيتا حسنا، من عيدان تجمعها مثل غزل العنكبوت، متخرطا من أسفله إلى أعلاه وله في إحدى جهاته باب مربع، وبيتها ناووس ومنها تعلم الأوائل بناء النواويس على موتاهم. وفي الصحيحين وغيرهما «أن قريشا، لما بلغهم إكرام النجاشي لجعفر وأصحابه، كبر ذلك عليهم وغضبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكتبوا كتابا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم. وكان الذي كتب الصحيفة بغيض بن عامر فشلّت يده، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وحصروا بني هاشم في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من مبعثه صلى الله عليه وسلم، وانحاز إليهم بنو عبد المطلب، وقطعت عنهم قريش الميرة والمادة فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى بلغوا الجهد، وأقاموا على ذلك ثلاث سنين، ثم أطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على أمر الصحيفة، وأن الأرضة قد أكلت ما كان فيها من ظلم وجور.
(1/35)

وبقي ما كان فيها من ذكر الله تعالى فأخبرهم أبو طالب بذلك، فارتقوا إلى الصحيفة، فوجدوها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرجوهم من الشعب» .
وروى ابن سعد وابن ماجه في سننه، من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى جذع، فاتخذ له المنبر، فحن ذلك الجذع إليه حنين العشار، حتى مسحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده «1» فسكن» . فلما هدم المسجد وغير، أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فكان عنده في داره حتى بلي وأكلته الأرضة وعاد رفاتا. وسيأتي إن شاء الله تعالى للأرضة ذكر في باب الدال المهملة في لفظ الدابة وفي دود الفاكهة.
الحكم:
يحرم أكلها لاستقذارها، وإذا استخرجت من الأرض ترابها قال القاضي حسين:
إن استخرجته من مدر جاز التيمم به، ولا يضر اختلاطه بلعابها، فإنه طاهر فصار كتراب عجن بخل، أو ماء ورد، وإن استخرجت شيئا من الخشب أو الكتب لم يجز لعدم التراب.
الأمثال:
قالوا «2» «أكل من أرضة» و «أصنع من أرضة «3» » .
التعبير:
هي في الرؤيا تدل على منازعة في العلم وطلب الجدال.
الأرقم:
الحية التي فيها بياض وسواد، كأنه رقم أي نقش. روى أصحاب الغريب أن رجلا، كسر منه عظم فجاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطلب منه القود، فأبى أن يقيده، فقال الرجل: هو إذن كالأرقم إن يقتل ينقم، وإن يترك يلقم، أي إن تركته أكلك، وإن قتلته قتلت به. وقال ابن الأثير في النهاية: كانوا في الجاهلية يزعمون أن الجن تطلب بثار الجان، وهي الحية الدقيقة، فربما، مات قاتلها وربما أصابه خبل، وهذا مثل لمن يجتمع عليه شران لا يدري كيف يصنع فيهما. يعني أنه اجتمع عليه كسر العظم وعدم القود وقيل: الأرقم الحية التي فيها حمرة وسواد قال مهذب الملك في ذلك مشبها:
كانون أذهب برده كانوننا ... ما بين سادات كرام حذق
بأراقم حمر البطون ظهورها ... سود تلغلغ باللسان الأزرق
الأرنب:
واحدة الأرانب، وهو حيوان يشبه العناق، قصير اليدين طويل الرجلين، عكس الزرافة، يطأ الأرض على مؤخر قوائمه. وهو اسم جنس يطلق على الذكر والأنثى وقال الجاحظ:
فإذا قلت أرنب، فليس إلا الأنثى كما أن العقاب لا يكون إلا للأنثى؛ فتقول: هذه العقاب وهذه الأرنب. وقال المبرد في الكامل: إن العقاب يقع على الذكر والأنثى وإنما يميز باسم الإشارة كالأرنب، وذكر الأرنب يقال له الخزز بالخاء المعجمة المضمومة وبعدها زايان وجمعه خزان كصرد وصردان. ويقال للأنثى عكرشة والخرنق ولد الأرنب، فهو أولا خرنق ثم سخلة ثم أرنب.
(1/36)

وقضيب الذكر من هذا النوع كذكر الثعلب: أحد شطريه عظم والآخر عصب، وربما ركبت الأنثى الذكر عند السفاد، لما فيها من الشبق وتسافدو هي حبلى، وتكون عاما ذكرا، وعاما أنثى فسبحان القادر على كل شيء.
غريبة
: ذكر ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة ثلاث وعشرين وستمائة، أن صديقا له اصطاد أرنبا، له أنثيان وذكر وفرج أنثى. فلما شقّوا بطنه، رأوا فيه ما يدل على ذلك.
قال: وأعجب من ذلك، أنه كان لنا جار له بنت اسمها صفية، بقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة، ثم طلع لها ذكر، ونبت لها لحية، وصار لها فرج رجل وفرج امرأة. وسيأتي إن شاء الله في الضبع نظير ذلك.
والأرنب تنام مفتوحة العين، فربما جاءها القناص، فوجدها كذلك، فيظنها مستيقظة.
ويقال إنها إذا رأت البحر ماتت، ولذا لا توجد في السواحل. وهذا لا يصح عندي. وتزعم العرب، في أكاذيبها، أن الجن تهرب منها لموضع حيضها: قال الشاعر:
وضحك الأرانب فوق الصفا ... كمثل دم الحرب يوم اللقا
فائدة:
الذي يحيض من الحيوان أربعة: المرأة والضبع والخفاش والأرنب. ويقال: إن الكلبة أيضا كذلك.
روى أبو داود في سننه من حديث جابر بن الحويرث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأرنب: «إنها تحيض» .
وجابر بن الحويرث، قال ابن معين: لا أعرفه وذكره ابن حبان في الثقات ولا يعرف له إلا هذا الحديث.
وروى البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم جيء له بأرنب فلم يأكلها ولم ينه عنها» . وزعم أنها تحيض وهي تأكل اللحم وغيره، وتجتر وتبعر، وفي باطن أشداقها شعر، وكذلك تحت رجليها.
الحكم:
يحل أكل الأرنب عند العلماء كافة، إلا ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي ليلى رضي الله عنهم، أنهما كرها أكلها، وحجتنا ما روى الجماعة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أنفجنا أرنبا بمر الظهران، فسعى القوم عليها فغلبوا فأدركتها فأخذتها وأتيت بها أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوركها وفخذها فقبله «1» » .
وفي البخاري في كتاب الهبة «2» : «أن النبي صلى الله عليه وسلم قبله وأكل منه» . ولفظ أبي داود: «كنت غلاما خرورا فصدت أرنبا فشويتها فبعث معي أبو طلحة رضي الله عنه، بعجزها إلى النبي صلى الله عليه وسلم
(1/37)

والحزور بالتشديد والتخفيف: المراهق وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: هي حلال» .
وروى أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان، عن محمد بن صفوان، «أنه صاد أرنبين فذبحهما بمروتين وأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره بأكلهما» . وهو في معجم ابن قانع، عن محمد ابن صفوان أو صفوان بن محمد.
واحتج ابن أبي ليلى ومن وافقه بما روى الترمذي عن حبان بن جزء، عن أخيه خزيمة رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال صلى الله عليه وسلم: لا آكله ولا أحرمه، قال: فقلت: ولم يا رسول الله؟ قال: إني أحسب أنها تدمي. قال: فقلت: يا رسول الله ما تقول في الضبع؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن يأكل الضبيع» ؟
قال الترمذي: إسناده ليس بالقوي. ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وذكر فيه الثعلب والضب أيضا وفي بعض الروايات: «وسألته عن الذئب فقال: لا يأكل الذئب أحد فيه خير» . «1» وليس في شيء من الأحاديث وإن ضعفت ما يدل على تحريم الأرنب وغاية ما في هذين الخبرين استقذارها مع جواز أكلها.
الأمثال:
قالت العرب: «أقطف من «2» أرنب» «وأطعم أخاك من كلية الأرنب» . وهو كقولهم «3» «أطعم أخاك من عقنقل الضب» . يضربان للمواساة. ومن أمثالهم المشهورة في ذلك قولهم «4» : «في بيته يؤتى الحكم» . وهو مما زعمته العرب على ألسنة البهائم. قالوا: إن الأرنب التقطت تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا يختصمان إلى الضب فقالت الأرنب: يا أبا حسل قال: سميعا دعوت، قالت: أتيناك لنختصم إليك، قال: عادلا حكيما، قالت فأخرج إلينا، قال في «بيته يؤتى الحكم» قالت: إني وجدت تمرة، قال: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب، قال لنفسه: بغى الخير، قالت: فلطمته، قال: بحقك أخذت، قالت: فلطمني، قال «5» «حر انتصر لنفسه» قالت: فاقض بيننا، قال: قد قضيت. فذهبت أقواله كلها أمثالا.
ومثل هذا أن عدي «6» بن أرطاة أتى شريحا»
القاضي في مجلس حكمه فقال له: أين أنت؟
قال: بينك وبين الحائط، قال فاسمع مني. قال: للاستماع جلست، قال: إني تزوّجت امرأة،
(1/38)

قال: بالرفاه والبنين، قال: وشرط أهلها أن لا أخرجها من بيتهم، قال: أوف لهم بالشرط، قال:
فأنا أريد الخروج، قال: في حفظ الله، قال: فاقض بيننا، قال: قد فعلت. قال فعلى من حكمت؟ قال: على ابن أمك. قال بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالك.
وشريح هذا هو ابن الحارث بن قيس الكندي استقضاه عمر رضي الله تعالى عنه على الكوفة، وأقام قاضيا بها خمسا وسبعين سنة، لم يبطل إلا ثلاث سنين، امتنع فيها من القضاء، وذلك أيام فتنة ابن الزبير رضي الله عنهما، فاستعفى الحجاج من القضاء فأعفاه، فلم يقض بين اثنين حتى مات رحمة الله عليه.
وكان شريح من سادات التابعين وأعلامهم، وكان من أعلم الناس بالقضاء، وكان أحد السادات الطلس، وهم أربعة: عبد الله بن الزبير «1» ، وقيس «2» بن سعد بن عبادة، والأحنف بن «3» قيس، الذي يضرب بحلمه المثل، ورابعهم شريح هذا والله أعلم.
والأطلس الذي لا شعر بوجهه وروي أن شريحا مرض له ولد، فجزع عليه جزعا شديدا فلما مات لم يجزع. فقيل له في ذلك فقال: إنما كان جزعي رحمة له وإشفاقا عليه، فلما وقع القضاء رضيت بالتسليم. قاله «4» ابن خلكان وغيره.
قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي «5» رحمه الله تعالى: كتب زياد بن أبيه إلى معاوية:
يا أمير المؤمنين قد ضبطت لك العراق بشمالي وفرغت يميني لطاعتك فولّني الحجاز.
فبلغ ذلك عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وهو بمكة، فقال: اللهم اشغل عنا يمين زياد بما شئت فأصابه الطاعون في يمينه فأجمع رأي الأطباء على قطعها، فاستشار شريحا فيما رآه الأطباء، فأشار عليه بعدم القطع، وقال له: لك رزق مقسوم، وأجل معلوم، وإني أكره، إن كانت لك مدة، أن تعيش في الدنيا بلا يمين، وإن كان قد دنا أجلك أن تلقى الله مقطوع اليد، فإذا سألك لم قطعتها؟ قلت: فرارا من قضائك وبغضا في لقائك. قال: فمات زياد من يومه. فلام الناس شريحا على منعه من القطع لبغضهم له، فقال: إنه استشارني، ولولا أن المستشار مؤتمن، لوددت أنه قطع يوما يده ويوما رجله وسائر أعضائه يوما يوما. اهـ.
وفي هذا المعنى قال أبو الفتح البستي من قصيدة طويلة:
(1/39)

لا تستشر غير ندب حازم فطن ... قد استوت منه أسرار وإعلان
فللتدابير فرسان إذا ركضوا ... فيها أبروا كما للحرب فرسان
وسيأتي، إن شاء الله تعالى، ذكر هذه القصيدة في باب الثاء المثلثة في الثعبان، وفي تاريخ ابن خلكان في ترجمة شريح، أنه سئل عن الحجاج أكان مؤمنا؟ قال: نعم بالطاغوت، كافرا بالله تعالى. توفي شريح سنة تسع وسبعين وقيل ثمانين من الهجرة، وهو ابن مائة وعشرين سنة رحمه الله تعالى.
الخواص:
قال الجاحظ «1» : كانت العرب في الجاهلية تقول: من علق عليه كعب أرنب، لم تصبه عين ولا سحر وذلك لأن الجن تهرب منها لمكان حيضها وإذا شوي الأرنب البري وأكل دماغه، نفع من الارتعاش العارض من المرض، وإذا شرب من دماغه، وزن حبتين في أوقيتين من لبن البقر، لم يشب شاربه أبدا. ومن أعجب ما في أنفحته أنك إذا طليت بها داء السرطان رأيت العجب. وإذا شربت المرأة أنفحة الأرنب الذكر ولدت ذكرا، وإذا شربت أنفحة الأنثى ولدت أنثى. وإذا علق زبله على المرأة لم تحمل ما دام عليها. قال أبقراط: لحم الأرنب حار يابس، يغسل البطن ويدر البول، وأجوده صيد الكلاب. وهو ينفع من بهظة السمن، لكنه يحدث أرقا ويولد السوداء، والأبازير الرطبة تدفع ضرره، ويوافق أصحاب الأمزجة الباردة، ودماغه يؤكل مشويا بالفلفل ينفع من الرعشة، وإنما صار يابسا لرعيه الغياض لأن كل ما يرعى الغياض فهو أيبس مما يرعى في البيوت. اهـ.
وإن سقي إنسان من دماغ الأرنب دانقا مدافا، بعد أن يلقى عليه وزن حبتي كافور، لم يلقه أحد إلا أحبه ولم تنظر إليه امرأة إلا شغفت به وطلبت معاشرته. ودم الأرنب إذا شربت منه المرأة لم تحبل أبدا، وإذا طلي به البهق والكلف أزالهما. ودماغه إذا أكلت منه المرأة، وتحملت منه، وباشرها زوجها، فإنها تحبل بإذن الله تعالى. وإذا مزج به مواضع أسنان الصبي، أسرع نباتها ودم الأرنب إذا اكتحل به منع من نبات الشعر في العين قاله القزويني في عجائب المخلوقات.
وقال مهرارس: مرارة الأرنب إذا عجنت بسمن، وديفت بلبن المرأة، واكتحل به أزال البياض من العين، وأبرأ القروح وإذا طلي بدمها البهق الأسود أزاله ولحم الأرنب إذا أطعم من يبول في فراشه نفعه إذا أدامه. وقال أرسطو: إذا شربت أنفحة الأرنب بالخل نفعت من سم الأفاعي.
وإذا شرب منها قدر باقلاة أذهب حمى الربع المتناهية. وإذا شرب منها وزن درهم أسقط الأجنة وسهل الولادة، وإن خلطت أنفحة الأرنب بخطمي، ووضعت على النصل، أخرجته وتخرج الشوكة من البدن، بإذن الله تعالى بسهولة. وزبل الأرنب إذا بخر به في الحمام، وقع الضراط على من شمه ولم يتمالك أسفله. وإذا طلي به القوابي والنمش أذهبهما. وخصية الأرنب تبرىء من السم القاتل إذا طلي موضع اللسعة بها، وشحمه إذا وضع تحت وسادة امرأة، تكلمت في نومها بفعلها.
وضرس الأرنب إذا علق على من يشتكي ضرسه سكن وجعه.
(1/40)

التعبير:
الأرنب في المنام امرأة حسناء، لكنها غير آلفة، فإن ذبحها فإنها زوجة ليست بباقية. وممن رأى أنه يأكل لحم أرنب مطبوخا فإنه يأتيه رزق من حيث لا يحتسب، ومن صار أرنبا أو أهديت إليه أو ابتاعها، حصل له رزق أو تزوج إن كان عزبا، أو رزق ولدا أو ظفر بغريم.
الأرنب البحري:
قال القزويني «1» : هو حيوان رأسه كرأس الأرنب، وبدنه كبدن السمك. وقال الرئيس ابن سينا «2» : إنه حيوان صغير صدفي وهو من ذوات السموم إذا شرب منه قتل.
الحكم:
يحرم أكله لسميته، ويستثنى هذا من قولهم: ما أكل شبهه في البر، أكل شبهه في البحر، لأنه ليس يشبهه في الشكل، وإنما هو موافق له في الإسم.
الأروية
: بضم الهمزة وإسكان الراء وكسر الواو وتشديد الياء: الأنثى من الوعول.
والجمع أراوي وبها سميت المرأة، وهي أفعولة في الأصل إلا أنهم قلبوا الواو الثانية ياء وأدغموها في التي بعدها وكسروا الأولى لتسلم الياء، وثلاث أراوي على أفاعيل. فإذا كثرت فهي الأروي بفتح الهمزة على أفعل بغير قياس وقيل الأروي غنم الجبل. وفي الحديث «أنه صلى الله عليه وسلم، أهدي له أروي وهو محرم» ، وفيه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، لما كان يوم أحد قال: كنت أتوقل كما تتوقل الأروية فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في نفر من أصحابه، وهو يوحى إليه: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
«3» وفي جامع الترمذي في الإيمان، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدين ليأرز إلى المدينة، كما تأرز الحية إلى حجرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريبا ويرجع غريبا، فطوبى للغرباء، الذي يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي «4» » . قوله: «ليعقلن أي ليمتنعن كما تمتنع الأروية من رؤوس الجبال.
وفي تفسير ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: «طرح يونس بن متى عليه السلام بالعراء، فأنبت الله تعالى عليه اليقطينة، وهيأله أروية وحشية ترعى في البرية، وتأتيه فتنفشخ عليه، فترويه من لبنها كل بكرة وعشية، حتى نبت لحمه» . وقال ابن عطية أنعشه الله تعالى في ظل اليقطينة، بأروية تراوحه وتغاديه، وقيل: بل كان يتغذى من اليقطينة ويجد منها ألوان الطعام، وأنواع شهواته وهذا من لطف الله تعالى به ونعمته عليه وإحسانه إليه وحكى ابن الجوزي عن الحسن في قوله تعالى: وفديناه بذبح عظيم أنه ذكر من الأروي، أهبط عليه من ثبير. وفي حديث عوف أنه سمع رجلا تكلم فأسقط، فقال: «جمع بين الأروى والنعام» . يريد أنه
(1/41)

جمع بين كلمتين متناقضتين لأن الأروى تسكن شعف الجبال، والنعام يسكن في السهولة من الأرض، وفي طبعها الحنوّ على أولادها، فإذا صيد منها شيء تبعته، ورضيت أن تكون معه في الشرك وفي طبعه البر بأبويه وذلك أنه يختلف إليهما بما يأكلانه، فإن عجزا عن الأكل مضغ لهما وأطعمهما ويقال: إن في قرنيه ثقبين يتنفس منهما فمتى سدا هلك سريعا.
وحكمها:
الحل كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الوعل.
الأمثال:
قالوا «1» : «إنما فلان كبارح الأروى» . وذلك أن مأواها الجبال، فلا يكاد الناس يرونها سانحة ولا بارحة إلا في الدهر مرة، يضرب لمن يرى منه الاحسان في بعض الأحايين.
وقالو: «تكلم فلان فجمع بين الأروى والنعام» ، كما تقدم. وقالوا: «ما يجمع بين الأروى والنعام» ، يضرب في الشيئين المختلفين جدا أي كيف يتألف الخير والشر.
تنبيه:
روى مسلم أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، رضي الله عنهم، خاصمته أروى بنت أويس إلى مروان بن الحكم وهو والي المدينة في أرض في الحيرة، وقالت: إنه قد أخذ حقي واقتطع قطعة من أرضي. فقال سعيد رضي الله عنه: كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» يقول: «من اقتطع شبرا من أرض ظلما، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين» .
ثم ترك لها الأرض. وقال: دعوها وإياها اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في بئرها.
فعميت أروى، وجاء سيل فأظهر حدود أرضها. ثم لما أعمى الله تعالى أروى، فكانت تلتمس الجدران، وتقول أصابتني دعوة سعيد «3» بن زيد. فبينما هي تمشي إذ وقعت في البئر فماتت.
وروي أنها سألت سعيدا أن يدعو لها، فقال: لا أرد على الله شيئا اعطانيه قال: وكان أهل المدينة إذا دعا بعضهم على بعض، يقولون: أعماه الله كما أعمى أروى، يريدونها. ثم صار أهل الجهل يقولون أعماه الله كما أعمى الأروى يريدون الأروى التي بالجبل يظنونها شديدة العمى والصواب الأوّل.
الخواص:
إذا أخذ قرنه وظلفه وخلطا في دهن، ومسح به الساعي الذي يمشي كثيرا بدنه وساقيه أزال عنه ضرر التعب حتى كأنه لم يمش شيئا.
الأساريع
: بفتح الهمزة، دود أحمر يكون في البقل ينسلخ فيصير فراشا قال ابن مالك قال ابن السكيت: والأصل يسروع بالفتح إلا أنه ليس في الكلام يفعول. وقال قوم: الأساريع دود
(1/42)

حمر الرؤوس، بيض الأجساد، تكون في الرمل يشبه بها أصابع النساء. اهـ.
وبعض الناس يقول: الأساريع شحمة الأرض. والصواب أنها غيرها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الشين المعجمة. قال في الكفاية الأساريع دود تكون في الرمل بيض طوال، يشبه بها أصابع النساء. ويقال لها بنات النقا، وذكر في أدب الكاتب نحوه وقال الأساريع دود في الرمل بيض ملس يشبه بها أصابع النساء واحدها أسروع. وذكر ابن مالك في شرحه المنتظم الموجز فيما يهمز وما لا يهمز، أن اليسروع والأسروع دود يكون في البقل ينسلخ فيصير فراشا، قال: وهذا قول ابن السكيت. وقال غيره: الأساريع واليساريع دود حمر الرؤوس، بيض الأجساد، تكون في الرمل يشبه بها أصابع النساء. اهـ. وما ذكره عن ابن السكيت ليس كذلك، فقد ذكر ابن السكيت في إصلاح المنطق أنها تكون في الرمل تنسلخ فتصير فراشة ولعله تصحف عليه الرمل بالبقل.
الحكم:
يحرم أكلها لأنها من الحشرات.
الخواص:
إذا سحق هذا الدود وضع على العصب المقطوع نفعه من ساعته منفعة عظيمة.
وقال الرازي «1» في الحاوي: إذا غسلت الأساريع، وجففت وسحقت ناعما، ونقعت في دهن السمسم، وطلي بها الذكر فإنه يغلظ.
التعبير:
اليسروع في المنام يعبر برجل لص يسرق قليلا قليلا، ويتزيا بالورع، ولا يخفى حاله ونفاقه، قال أهل التعبير: وهو دود أخضر يكون في المقاثي والكروم.
الأسفع:
الصقر، والصقور كلها سفع. والسفعة بالضم سواد مشرب بحمرة وهي في الوجه سواد في خدي المرأة. وفي الصحيح «2» : «فقامت امرأة سفعاء الخدين» . ويقال للحمامة سفعاء لما في عنقها من السفعة.
الاسقنقور:
قال ابن بختيشوع «3» : إنه التمساح البري: لحمه حار في الدرجة الثانية. إذا ملح وشرب منه مثقال زاد في الباه، وهيج الشهوة، وسخن الكلى الباردة، ونفع من وجعها. وقال ابن زهر: هي دابة بمصر شكلها كالوزغة على عظم خلقته إذا علقت عينه على من يفزع بالليل أبرأته إذا لم يكن من خلط. وقال أرسطاطاليس، في كتاب الحيوان الكبير: إن شربه يهيج الباه، ويزيد في الإنعاظ في سائر البلاد إلا بمصر. وهو أنفس ما يهدى منها الملوك الهند، فإنهم يذبحونه بسكين من الذهب، ويحشونه من ملح مصر، ويحملونه كذلك إلى أرضهم فإذا وضعوا مثقالا من ذلك الملح على بيض أو لحم وأكل نفع في ذلك نفعا بليغا. وسيأتي إن شاء الله تعالى في التمساح
(1/43)

أنه يبيض في البر فما وقع من ذلك في الماء صار تمساحا، وما بقي في البر صار اسقنقورا. وسيأتي إن شاء الله في باب السين المهملة حكمه وحكم السقنقور الهندي.
الأسود السالخ:
هو نوع من الأفعوان شديد السواد، سمي بذلك لأنه يسلخ جلده كل عام، يقال أسود سالخ، ولا يقال للأنثى سالخة. وأسودان سالخ، ولا تثنى الصفة في قول الأصمعي وأبي زيد وحكى ابن زيد تثنيتها والأول أعرف. وأساود سالخة وسوالخ قاله ابن سيده.
روى أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما «1» قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل الليل، قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحيّة والعقرب، ومن ساكن البلد ومن والد وما ولد» . ساكن البلد الجن، وقيل الوالد وما ولد إبليس والشياطين.
وفي الصحيحين «2» : «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة الحية والعقرب» . وأنشد ابن هشام في كتاب التيجان:
ما بال عينك لا تنام كأنما ... كحلت أماقيها بسم الأسود
حنقا على سبطين حلا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم أسود
وللإمام الشافعي رضي الله عنه من أبيات:
والشاعر المنطيق أسود سالخ ... والشّعر منه لعابه ومجاجه «3»
وعداوة الشعراء داء معضل ... ولقد يهون على الكريم علاجه
روى «4» البيهقي في الشعب عن عبد الحميد بن محمود، قال: كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما، فأتاه رجل فقال: أقبلنا حجاجا حتى إذا كنا في الصفاح توفي صاحب لنا، فحفرنا له فإذا أسود سالخ قد أخذ اللحد كله قال: فحفرنا له قبرا آخر فإذا أسود سالخ قد أخذ اللحد كله قال: فحفرنا له ثالثا فإذا أسود سالخ قد أخذ اللحد كله، قال: فتركناه وأتيناك نسألك ماذا تأمرنا به؟ قال: ذاك عمله الذي كان يعمله، اذهبوا فادفنوه في بعضها فوالله لو حفرتم له الأرض كلها لوجدتم ذلك قال: فألقيناه في قبر منها. فلما قضينا سفرنا أتينا امرأته فسألناها عنه، فقالت:
كان يبيع الطعام، فيأخذ قوت أهله كل يوم، ثم يخلط فيه مثله من قصب الشعير، ثم يبيعه فعذب بذلك.
(1/44)

وروى الطبراني في معجمه الأوسط، والبيهقي أيضا في كتاب الدعوات الكبير، من حديث عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة أبعد، فذهب يوما فقعد تحت شجرة فنزع خفيه، قال: ولبس أحدهما فجاء طائر فأخذ الخف الآخر فحلق به في السماء فانسل منه أسود سالخ فقال «1» صلى الله عليه وسلم: «هذه كرامة أكرمني الله بها، اللهم إني أعوذ بك من شر من يمشي على بطنه، ومن شر من يمشي على رجلين، ومن شر من يمشي على أربع» وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الغين المعجمة في الغراب حديث نظير هذا وهو صحيح الإسناد.
وروى أحمد في كتاب الزهد، عن سالم بن أبي الجعد قال: كان رجل من قوم صالح عليه السلام قد آذاهم فقالوا: يا نبي الله ادع الله عليه، فقال: اذهبوا فقد كفيتموه. قال: وكان يخرج كل يوم يحتطب، قال: فخرج يوما ومعه رغيفان فأكل أحدهما، وتصدق بالآخر، قال:
فاحتطب ثم جاء بحطبه سالما يصيبه شيء. فجاؤوا إلى صالح عليه السلام، وقالوا: قد جاء بحطبه سالما لم يصبه شيء. فدعاه صالح وقال: أي شيء صنعت اليوم؟ قال: خرجت ومعي قرصان فتصدقت بأحدهما وأكلت الآخر، فقال صالح: حل حطبك، فحل فإذا فيه أسود سالخ مثل الجذع، عاض على جزل من الحطب، فقال: بهذا دفع عنك يعني بالصدقة. وسيأتي إن شاء الله تعالى نظير هذا في الذئب في باب الذال المعجمة.
وروى الطبراني في معجمه الكبير، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن نفرا مروا على عيسى بن مريم عليه السلام فقال عيسى بن مريم: يموت أحد هؤلاء اليوم إن شاء الله تعالى، فمضوا ثم رجعوا عليه بالعشي ومعهم حزم الحطب، فقال: ضعوا، وقال للذي قال إنه يموت اليوم حل حطبك فحله، فإذا فيه حية سوداء. فقال: ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت شيئا. قال: انظر ما عملت، قال: ما عملت شيئا إلا أنه كان معي في يدي فلقة من خبز مر بي مسكين فسألني فأعطيته بعضها فقال: بها دفع عنك» .
الأصرمان:
الذئب والغراب. قال ابن السكيت: لأنهما انصرما من الناس، أي انقطعا والأصرمان الليل والنهار، لأن كل واحد منهما ينصرم من الآخر.
روى أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة ولم يصل قط؟ فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو؟ فيقول أصيرم بن عبد الأشهل.
قال عامر بن ثابت بن قيس فقلت لمحمود بن لبيد كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه فلما كان يوم أحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد بدا له الإسلام فأسلم، وأخذ سيفه وقاتل حتى قتل فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنه لمن أهل الجنة» رضي الله عنه.
الأصلة:
بفتح الهمزة والصاد واللام، حية كبيرة الرأس قصيرة الجسم، تثب على الفارس
(1/45)

فتقتله. قاله ابن الأنباري. وقيل حية خبيثة لها رجل واحدة تقوم عليها ثم تدور ثم تثب والجمع أصل. وأنشد الأصمعي رحمه الله تعالى:
يا رب إن كان يزيد قد أكل ... لحم الصديق عللا بعد نهل
فاقدر له أصلة من الأصل ... كيساء كالقرصة أو خف الجمل
وقال الجاحظ: الأعراب تقول: إنها لا تمر بشيء إلا احترق وكأنها سميت بذلك لاستهلاكها واستئصالها وفي الحديث «1» في صفة الدجال «كأن رأسه أصلة» . وقيل: وجه الأصلة كوجه الإنسان وهو عظيم جدا. ويقال إنها تصير كذلك إذا مر عليها ألف سنة من العمر ومن خواصها أنها تقتل بالنظر إليها وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الحاء المهملة ذكر شيء من ذلك.
الأطلس:
الذئب الذي في لونه غبرة إلى السواد وكل ما كان على لونه فهو أطلس. قال الكميت «2» يمدح محمد بن سليمان الهاشمي «3» :
تلقى الأمان على حياض محمد ... ثولاء مخرفة وذئب أطلس
لا ذي تخاف ولا لهذا جرأة ... تهدي الرعية ما استقام الريس
استشهد به الجوهري على أن الرئيس يقال فيه ريس مثل قيّم.
الأطوم:
كالأنوق السلحفاة البحرية قاله الجوهري وقيل هي سمكة غليظة الجلد تشبه جلد البعير يتخذ منه الخفاف للجمالين. وقيل الأطوم القنفذ وقيل البقرة قيل إنما سميت بذلك على التشبيه بالسمكة لغلظ جلدها قاله ابن سيده.
الأطيش:
طائر قاله ابن سيده، والطيش خفة العقل. قال إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى:
ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه. وأشهب المذكور هو ابن عبد العزيز بن داود الفقيه المالكي المصري، ولد في السنة التي ولد فيها الشافعي وهي سنة خمسين ومائة وتوفي بعد الشافعي بثمانية عشر يوما قال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت فذكر ذلك للشافعي فقال «4» :
تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيه بأوحد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد
قال: فمات الشافعي، فاشترى أشهب من تركته عبدا فاشتريته من تركته بعد ثلاثين يوما.
وفي مصابيح الظلم قال ابن عبد الحكم: لما حملت أم الشافعي به، رأت كأن المشتري خرج من فرجها، حتى انقض بمصر ووقع في كل بلدة منه شظية، فأوله أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها عالم
(1/46)

يختص علمه بأهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان. واتفق العلماء قاطبة على ثقته وورعه وأمانته وزهده، وهو أول من تكلم في أصول الفقه وهو الذي استنبطه، وكان يؤتى بالرطب، فيقول مخاطبا له: ما أطيبك وأحلاك والعلم أطيب منك وأحلى، ولا يناله. واشترى جارية، فلما كان الليل أقبل على الدرس، والجارية تنتظر اجتماعه معها، فلم يلتفت إليها، فصارت إلى النخاس وقالت: حبستموني مع مجنون، فبلغ ذلك الشافعي فقال: المجنون من عرف قدر العلم وضيعه أو توانى فيه حتى فاته. وكان الشافعي جوادا كريما مفضالا، لا يبقي على شيء ولا يدخر شيئا وكان شجاعا، ومناقبة أكثر من أن تحصى. ولد بغزة في سنة خمسين ومائة كما تقدم، وقيل إنها التي توفي فيها أبو حنيفة. وفي تهذيب الأسماء واللغات، قيل توفي سنة إحدى وخمسين وقيل في سنة ثلاث وخمسين. وقال غيره: توفي في اليوم الذي ولد فيه الشافعي لا في السنة. وقيل: ولد الشافعي بعسقلان، وقيل باليمن. قال ابن خلكان: والأصح الأول. وحمل من غزة إلى مكة وهو ابن ست سنين، ووصل إلى مصر سنة تسع وتسعين ومائة وقيل سنة إحدى ومائتين، وأقام بها إلى أن مات سنة أربع ومائتين وقبره بقرافة مصر مشهور وعاش أربعا وخمسين سنة رحمة الله عليه ورضوانه.
الأغثر:
طائر ملتبس الريش طويل العنق وهو من طير الماء قاله ابن سيده.
الأفال والأفائل:
صغار الإبل من بنات المخاض ونحوها، واحدهما أفيل والأنثى أفيلة، وسيأتي ذكره إن تكون أقوى الناس فتوكل على الله وإن أردت أن يوسع الله عليك الرزق طموما كالمطر فلازم الدوام على الطهارة الكاملة وإن أردت أن تكون آمنا من سخط الله فلا تغضب على أحد من خلق الله وإن أردت أن يستجاب دعاؤك فاجتنب الحرام وأكل الربا وأكل السحت وإن أردت أن لا يفضحك الله على رؤوس الخلائق فاحفظ فرجك ولسانك وإن أردت أن يستر الله تعالى عليك عيبك فاستر على عيوب الناس فإن الله تعالى ستار ويحب من عباده الستارين وإن أردت أن تمحي خطاياك فأكثر من الاستغفار والخشوع والخضوع والحسنات في الخلوات وإن أردت الحسنات العظام فعليك بحسن الخلق والتواضع والصبر على البلية وإن أردت السلامة من السيئات العظام فاجتنب سوء الخلق والشح المطاع وإن أردت أن يسكن عنك غضب الجبار فعليك بإخفاء الصدقة وصلة الرحم وإن أردت أن يقضي الله عنك الدين فقل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين سأله وقال عليه الصلاة والسلام له لو كان عليك مثل الجبال دينا أداه الله عنك قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك وفي الحديث لو كان على أحدكم جبل من ذهب دينا فدعا بذلك لقضاه الله عنه وهو اللهم فارج الكرب اللهم كاشف الهم اللهم مجيب دعوة المضطرين رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أسألك أن ترحمني فارحمني رحمة تغنيني بها عمن سواك وإن أردت أن تنجو إذا وقعت في هلكة فالزم ما في الحديث إذا وقعت في ورطة فقل بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإن الله تعالى يصرف عنك ما شاء من أنواع البلاء والورطة بفتح الواو وإسكان الراء الهلاك وإن أردت أن تأمن من قوم خفت شرهم فقل ما ورد في الحديث اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم ومنه اللهم اكفناهم بما شئت إنك على كل شيء قدير وإن أردت أن تأمن إن خفت من سلطان فقل ما ورد في
(1/47)

الحديث لا إله إلا الله الحليم الكريم رب السموات السبع ورب العرش العظيم لا إله إلا أنت عز جارك وجل ثناؤك لا إله إلا أنت ويستحب أن يقول ما تقدم اللهم إنا نجعلك في نحورهم إلى آخره وفي الحديث إذا أتيت سلطانا مهابا تخاف أن يسطو عليك فقل الله أكبر الله أكبر الله أعز من خلقه جميعا الله أعز مما أخاف واحذر والحمد لله رب العالمين وإن أردت ثبات القلب على الدين فقد أسند مرفوعا أنه كان من دعائه صلى الله عليه وسلم اللهم ثبت قلبي على دينك وفي رواية يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.
فائدة:
مجربة لمن دخل على سلطان يخاف شره فليقرأ الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم وإن أردت كثرة الخير والرزق فداوم على قراءة ألم نشرح وسورة الكافرون وإن أردت الستر من الناس فداوم على قول اللهم استرني بسترك الجميل الذي سترت به نفسك فلا عين تراك وإن أردت عدم الجوع والعطش فداوم على قراءة لإيلاف قريش إيلافهم وقد جرب ذلك مرارا وصح وإن خفت على تجارتك أو مالك فاكتب سورة الشعراء وعلقها في موضع تجارتك يكثر فيه البيع والشراء ومن كتب سورة القصص وعلقها على من يخاف عليه التلف فإنها أمان له من ذلك وهو سر لطيف مجرب.
فائدة:
عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يتول قبض روحه إلا الله تعالى وعن أبي نعيم قال سمعت معروفا الكرخي يقول لما اجتمعت اليهود على قتل عيسى عليه السلام اهبط الله تعالى جبريل عليه السلام مكتوبا في باطن جناحه اللهم إني أعوذ باسمك الأحد الأعز وأدعوك اللهم باسمك الكبير المتعال الذي ملأ الأركان كلها إن تكشف عني ضر ما أمسيت وأصبحت فيه فقال ذلك عيسى فأوحى الله عزّ وجلّ إلى جبريل عليه السلام إن ارفع عبدي إلي.
فائدة:
مما جرب للصداع فصح ما روي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال وجد في بعض دور بني أمية درج من فضة وعليه قفل من ذهب مكتوب على ظهره شفاء من كل داء وفي داخله مكتوب هذه الكلمات بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم:
ولأن يعادي عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق
فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقا ... إنّ الصديق على الصديق مصدق
وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدي عقول ذوي العقول المنطق
ومن الرجال إذا استوت أخلاقهم ... من يستشار إذا استشير فيطرق
حتى يحل بكل واد قلبه ... فيرى ويعرف ما يقول فينطق
لا ألفينّك ثاويا في غربة ... إن الغريب بكل سهم يرشق
ما الناس إلّا عاملان فعامل ... قد مات من عطش وآخر يغرق
والناس في طلب المعاش وإنما ... بالجد يرزق منهم من يرزق
(1/48)

لو يرزقون الناس حسب عقولهم ... ألقيت أكثر من ترى يتصدق
لكنه فضل المليك عليهم ... هذا عليه موسع ومضيق
وإذا الجنازة والعروس تلاقيا ... ورأيت دمع نوائح يترقرق
سكت الذي تبع العروس مبهتا ... ورأيت من تبع الجنازة ينطق
وإذا امرؤ لسعته أفعى مرة ... تركته حين يجر حبل يفرق
بقي الذين إذا يقولوا يكذبوا ... ومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا
ومن محاسن شعره قوله «1» :
ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه «2»
إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذا الضنى عاد إلى نكسه
وإنّ من أدبته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه
قوله: والشيخ لا يترك أخلاقه، البيت والذي يليه، هما كانا سبب قتله وذلك أنّ المهدي اتهمه بالزندقة وأمر بإحضاره، فلما خاطبه أعجبه كلامه، فخلى عنه، فلما ولّى رده، وقال له:
ألست القائل والشيخ لا يترك أخلاقه؟ البيتين المتقدمين، قال: بلى يا أمير المؤمنين. قال: فأنت لا تترك أخلاقك، فأمر به فقتل وصلب على الجسر، وذلك سنة سبع وتسعين ومائة ومن محاسن شعره أيضا قوله «3» :
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وهو كقول ابن دريد:
من لم يقف عند انتهاء قدره ... تقاصرت عنه فسيحات الخطا
وصالح هذا هو صاحب الفلسفة قتله المهدي على الزندقة. كان يعظ ويقص بالبصرة وحديثه يسير، وليس بثقة. قيل: إنه رؤي في المنام، فقال إني وردت على رب لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته وقال: قد علمت لراءتك مما قذفت به.
وقد أحسن بعض الشعراء في وصف القنديل حيث قال مشبها:
وقنديل كأنّ الضوء منه ... محيا من هويت إذا تجلّى
أشار إلى الدجا بلسان أفعى ... فشمر ذيله فرقا وولّى
والأفعوان هو الشجاع الأسود يواثب الإنسان وكنيته أبو حيان وأبو يحيى لأنه يعيش ألف سنة وما أحسن قول بعضهم:
(1/49)

صرمت حبالك بعد وصلك زينب ... والدهر فيه تغير وتقلّب
نشرت ذوائبها التي تزهو بها ... سودا ورأسك كالثّغامة أشيب «1»
واستنفرت لّما رأتك وطالما ... كانت تحن إلى لقاك وترغب
وكذاك وصل الغانيات فإنه ... آل ببلقعة وبرق خلّب «2»
فدع الصبا فلقد عداك زمانه ... وازهد فعمرك مر منه الأطيب
ذهب الشباب فما له من عودة ... وأتى المشيب فأين منه المهرب
دع عنك ما قد كان في زمن الصبا ... واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
واذكر مناقشة الحساب فإنه ... لا بد يحصي ما جنيت ويكتب
لم ينسه الملكان حين نسيته ... بل أثبتاه وأنت لاه تلعب
والروح فيك وديعة أودعتها ... ستردها بالرغم منك وتسلب
وغرور دنياك التي تسعى لها ... دار حقيقتها متاع يذهب
والليل فاعلم والنهار كلاهما ... أنفاسنا فيها تعد وتحسب
وجميع ما خلفته وجمعته ... حقا يقينا بعد موتك ينهب
تبا لدار لا يدوم نعيمها ... ومشيدها عما قليل يخرب
فاسمع هديت نصيحة أولاكها ... برّ نصوح للأمور مجرب
صحب الزمان وأهله مستبصرا ... ورأى الأمور بما تؤوب وتعقب
لا تأمن الدهر الخؤون فإنه ... ما زال قدما للرجال يؤدب
وعواقب الأيام في غصاتها ... مضض يذل له الأعز الأنجب
فعليك تقوى الله فالزمها تفز ... إن التقي هو البهي الأهيب
واعمل بطاعته تنل منه الرضا ... إن المطيع له لديه مقرب
واقنع ففي بعض القناعة راحة ... واليأس مما فات فهو المطلب
فإذا طمعت كسيت ثوب مذلة ... فلقد كسي ثوب المذلة أشعب
وتوق من غدر النساء خيانة ... فجميعهن مكايد لك تنصب
لا تأمن الأنثى حياتك إنها ... كالأفعوان يراع منه الأنيب «3»
لا تأمن الأنثى زمانك كله ... يوما ولو حلفت يمينا تكذب
تغري بلين حديثها وكلامها ... وإذا سطت فهي الصقيل الأشطب «4»
وابدأ عدوّك بالتحية ولتكن ... منه زمانك خائفا تترقب
واحذره إن لاقيته متبسما ... فالليث يبدو نابه إذ يغضب
(1/50)

إن العدوّ وإن تقادم عهده ... فالحقد باق في الصدور مغيب
وإذا الصديق لقيته متملقا ... فهو العدو وحقه يتجنب
لا خير في ود امرىء متملق ... حلو اللسان وقلبه يتلهب
يلقاك يحلف أنه بك واثق ... وإذا توارى عنك فهو العقرب
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ... ويروغ منك كما يروغ الثعلب
وصل الكرام وإن رموك بجفوة ... فالصفح عنهم بالتجاوز أصوب
واختر قرينك واصطفيه تفاخرا ... إن القرين إلى المقارن ينسب
إن الغني من الرجال مكرم ... وتراه يرجى ما لديه ويرهب
ويبش بالترحيب عند قدومه ... ويقام عند سلامه ويقرب
والفقر شين للرجال فإنه ... حقا يهون به الشريف الأنسب «1»
واخفض جناحك للأقارب كلهم ... بتذلل واسمح لهم إن أذنبوا
ودع الكذوب فلا يكن لك صاحبا ... إن الكذوب يشين حرا يصحب
وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارة في كل ناد تخطب
واحفظ لسانك واحترز من لفظه ... فالمرء يسلم باللبان ويعطب «2»
والسر فاكتمه ولا تنطق به ... إن الزجاجة كسرها لا يشعب
وكذاك سر المرء إن لم يطوه ... نشرته ألسنة تزيد وتكذب
لا تحرصن فالحرص ليس بزائد ... في الرزق بل يشقي الحريص ويتعب
ويظل ملهوفا يروم تحيلا ... والرزق ليس بحيلة يستجلب
كم عاجز في الناس يأتي رزقه ... رغدا ويحرم كيس ويخيب
وارع الأمانة والخيانة فاجتنب ... واعدل ولا تظلم يطب لك مكسب
وإذا أصابك نكبة فاصبر لها ... من ذا رأيت مسلما لا ينكب
وإذا رميت من الزمان بريبة ... أو نالك الأمر الأشق الأصعب
فاضرع لربك إنه أدنى لمن ... يدعوه من حبل الوريد وأقرب
كن ما استطعت عن الأنام بمعزل ... إن الكثير من الورى لا يصحب
واحذر مصاحبة اللئيم فإنه ... يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب
واحذر من المظلوم سهما صائبا ... واعلم بأن دعاءه لا يحجب
وإذا رأيت الرزق عز ببلدة ... وخشيت فيها أن يضيق المذهب
فارحل فأرض الله واسعة الفضا ... طولا وعرضا شرقها والمغرب
فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي ... فالنصح أغلى ما يباع ويوهب
تتمة: ذكر الإمام أبو الفرج بن الجوزي، في الأذكياء، وغيره، قال: لما حضرت نزار بن
(1/51)

معد «1» الوفاة، قسم ماله بين بنيه، وهم أربعة: مضر وربيعة وأياد وأنمار، وقال يا بني هذه القبة وهي من أدم حمراء وما أشبهها من المال المضر، وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من المال لربيعة، وهذه الخادم وما أشبهها من المال لإياد، وهذه البدرة «2» والمجلس لأنمار يجلس فيه. ثم قال لهم:
إن أشكل عليكم الأمر في ذلك واختلفتم في القسمة، فعليكم بالأفعى بن الأفعى الجرهمي. وإنه لما مات نزار توجهوا إلى الأفعى، وكان ملك نجران فبينما هم يسيرون إذ رأى مضر كلا قد رعي، فقال: إن البعير الذي رعى هذا أعور، فقال ربيعة: وهو أزور، وقال أياد: وهو أبتر، وقال أنمار:
وهو شرود فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل، فسألهم عن البعير، فقال مضر: أهو أعور؟
قال: نعم، قال ربيعة: أهو أزور؟ قال نعم. قال إياد: أهو أبتر: قال: نعم. قال أنمار: أهو شرود؟ قال: نعم، هذه صفة بعيري دلوني عليه فحلفوا له أنهم ما رأوه، فلزمهم وقال: كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته؟! ثم سار معهم، حتى قدموا نجران ونزلوا بالأفعى الجرهمي. فنادى الشيخ صاحب البعير: هؤلاء أصابوا بعيري فإنهم وصفوا لي صفته، ثم قالوا: لم نره أيها الملك، فقال الأفعى: كيف وصفتموه ولم تروه؟ فقال مضر: رأيته رعى جانبا وترك جانبا، فعلمت أنه أعور. وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر، فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره. وقال إياد: رأيت بعره مجتمعا، فعلمت أنه أبتر، ولو كان ذيالا لمصع به. وقال أنمار:
رأيته رعى الملتف نبته، ثم جاوزه إلى مكان آخر أرق منه، فعلمت أنه شرود. فقال الأفعى للشيخ: ليسوا بأصحاب بعيرك، فاطلبه. ثم سألهم من هم؟ فأخبروه، فرحب بهم. ثم قال أتحتاجون إلي وأنتم كما أرى؟ فدعا لهم بطعام وشراب فأكلوا وشربوا، فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها على مقبرة. وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أجود لولا أنه ربي بلبن كلبة! وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا أثرى منه لولا أنه ليس بابن أبيه الذي يدعى إليه! وقال أنمار لم أر كاليوم خبزا أجود لولا أن التي عجنته حائض! وكان الأفعى قد وكل بهم من يستمع كلامهم، فأعلمه بما سمع منهم فطلب صاحب شرابه، وقال له: الخمرة التي جئت بها ما قصتها؟ قال هي من كرمة غرستها على قبر أبيك، لم يكن عندنا شراب أطيب من شرابها. وقال للراعي اللحم ما أمره؟ قال: من لحم شاة أرضعناها بلبن كلبة، ولم يكن في الغنم أسمن منها فدخل داره، وسأل الأمة التي عجنت العجين؟ فأخبرته أنها حائض. ثم أتى أمه وسأل منها عن أبيه؟ فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك، فأمكنت رجلا نزل بهم من نفسها فوطئها، فأتت به. فعجب من أمرهم، ودس عليهم من سألهم عما قالوا؟ فقال مضر: إنما علمت أنها من كرمة غرست على قبر، لأن الخمر إذا شربت أزالت الهم، وهذه بخلاف ذلك، لأنا لما شربناها دخل علينا الغم. وقال ربيعة: إنما علمت أن اللحم لحم شاة رضعت من لبن كلبة، لأن لحم الضأن وسائر اللحوم، شحمها فوق اللحم إلا الكلاب، فإنها عكس ذلك، فرأيته موافقا له فعلمت أنه لحم شاة رضعت من كلبة،
(1/52)

فاكتسب اللحم منها هذه الخاصية. وقال إياد: إنما علمت أن الملك ليس بابن أبيه الذي يدعى إليه لأنه صنع لنا طعاما ولم يأكل معنا، فعرفت ذلك من طباعه، لأن أباه لم يكن كذلك وقال أنمار: إنما علمت أن الخبز عجنته حائض، لأن الخبز إذا فت انتفش في الطعام، وهو بخلاف ذلك فعلمت أنه عجين حائض.
فأخبر الرجل الأفعى بذلك، فقال: ما هؤلاء إلا شياطين، ثم أتاهم فقال لهم: قصوا قصتكم، فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم، وما كان من اختلافهم. فقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو ملضر، فصارت له الدنانير والإبل وهي حمر فسميت مضر الحمراء. ثم قال وما أشبه الخباء الأسود من دابة ومال، فهو لربيعة فصارت له الخيل وهي دهم فسميت ربيعة الفرس. ثم قال: وما أشبه الخادم، وكانت شمطاء، من مال، فهو لإياد، فصارت له الماشية البلق «1» من الخيل وغيرها وقضى لأنمار بالدراهم والأرض. فساروا من عنده على ذلك.
وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في باب الكاف في الكلام على الكلب، ما نقله السهيلي من أن ربيعة ومضر كانا مؤمنين.
وفي وفيات الأعيان في ترجمة ابن التلميذ «2» شيخ النصارى والأطباء، أنه كان بينه وبين أوحد الزمان «3» هبة الله الحكيم المشهور تنافس، وكان يهوديا فأسلم في آخر عمره، وأصابه الجذام، فعالج نفسه بتسليط الأفاعي على جسده بعد أن جوّعها، فبالغت في نهشه، فبرىء من الجذام وعمي فعمل «4» فيه ابن التلميذ شعرا:
لنا صديق يهودي حماقته ... إذا تكلم تبدو فيه من فيه
يتيه والكلب أعلى منه منزلة ... كأنه بعد لم يخرج من التيه
وكان ابن التلميذ متواضعا وأوحد الزمان متكبرا، فعمل فيهما البديع «5» الاسطرلابي شعرا:
أبو الحسن الطبيب ومقتفيه ... أبو البركات في طرفي نقيض
فهذا بالتواضع في الثريا ... وهذا بالتكبر في الحضيض
وقد ألغز أبو الحسن بن التلميذ في الميزان وأجاد «6» :
(1/53)

ما واحد مختلف الأسماء ... يعدل في الأرض وفي السماء
يحكم بالقسط بلا رياء ... أعمى يرى الإرشاد كل راء
أخرس لا من علة وداء ... يغني عن التصريح بالإيماء
يجيب إن ناداه ذو امتراء ... بالرفع والخفض عن النداء
يفصح إن علق في الهواء
وقوله مختلف الأسماء يعني ميزان الشمس للأسطرلاب، وسائر آلات الرصد، وهو معنى قوله يعدل في الأرض وفي السماء.
وميزان الكلام النحو، وميزان الشعر العروض، وميزان المعاني المنطق، وهذه الميزان وغير ذلك. والأسطرلاب بفتح الهمزة وإسكان السين وضم الطاء ومعناه ميزان الشمس. لأن أسطر اسم للميزان، ولاب اسم للشمس بلسان اليونان، وأول من وضعه بطليموس بفتح الباء واللام وإسكان الطاء والياء وضم الميم وله في وضعه قصة عجيبة، تركناها لطولها.
وكان ابن التلميذ قد جمع أنواعا من العلوم، حتى كان يتعجب من أمره كيف حرم الإسلام، مع كمال فهمه وغزارة عقله وعلمه، وهذا سر قوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ
«1» نسأل الله الوفاة على التوحيد آمين. توفي ابن التلميذ في صفر سنة ستين وخمسمائة.
الخواص:
دمها يكتحل به يجلو البصر، وقلبها يجفف ويشد على الإنسان، فلا يؤثر فيه السحر وإذا علق ضرس الأفعى الأيسر، على من يشتكي ضرسه، نفعه وإن علق على فخذ امرأة لم تحبل ما دام عليها. وقال القزويني، وابن زهر، وابن بختيشوع: إن قلب الأفعى، إذا علق على من به حمى الربع أبرأه. وشحمها ينفع من لسع سائر الهوام دلكا. وإن نتف الشعر من مكان، وطلي ذلك المكان بشحمها، منعه من النبات وإذا أمسك إنسان نوشادرا في فمه، حتى يذوب ثم بصق في فم الحية والأفعى ماتا من وقتهما. وسلخ الأفعى إذا طبخ بالخل، وتمضمض به نفع من وجع الأسنان والأضراس. وإذا سحق بالتراب، واكتحل به نفع من ظلمة البصر. وشحمها ينفع البواسير وبياض العين طلاء وكحلا. ومرارتها سم ساعة. وقال أبقراط: من أكل لحم الأفعى، أمن من الأمراض الصعبة.
حكي: عن عمرو بن يحيى العلوي أنه قال: كنا في طريق مكة فأصاب رجلا منا استسقاء، فاتفق أن العرب سرقوا قطارا منا فيه ذلك الرجل العليل، فلما رجعنا إلى الكوفة، وجدناه معافى، فسألناه عن حاله فقال: إن الأعراب لما انتهوا بي إلى مساكنهم، وهي على فراسخ، طرحوني في أواخر بيوتهم، فكنت أتمنى الموت، إلى أن رأيتهم يوما قد أخرجوا أفاعي اصطادوها، فقطعوا رؤوسها وأذنابها وشووها فقلت في نفسي: هؤلاء اعتادوا أكلها فلا تضرهم فلعلي إن أنا أكلت منها مت واسترحت، فاستطعمتهم فرمى إلي رجل منهم واحدة، فأكلتها فنمت نوما ثقيلا ثم استيقظت وقد عرقت عرقا شديدا واندفعت طبيعتي أكثر من مائة مرة، فلما أصبحت، وجدت
(1/54)

بطني قد ضمر فطلبت منهم مأكولا فأكلت، وأقمت عندهم إلى أن وثقت من نفسي بالشفاء ثم أخذت الطريق مع بعضهم وأتيت الكوفة.
الأقهبان:
الفيل والجاموس قال رؤبة «1» يصف نفسه بالشدة:
ليث يدق الأسد الهموسا ... والأقهبين الفيل والجاموسا «2»
الأملول:
دويبة فتكون في الرمل تشبه القطاة قاله ابن سيده.
الإنس:
البشر الواحد انسي وأنسي أيضا بالتحريك، والجمع أناسي، وإن شئت جعلته إنسانا، ثم جمعته على أناسي فتكون الياء عوضا عن النون. قال «3» تعالى: وَأَناسِيَّ كَثِيراً
وكذلك الأناسية مثل الصيارفة والصياقلة، ويقال للمرأة أيضا إنسان ولا يقال إنسانة والعامة تقوله قال الجوهري وأنشدوا على ذلك:
إنسانة فتانة ... بدر الدجى منها خجل
إذا زنت عيني بها ... فبالدموع تغتسل
الإنسان:
نوع العالم، والجمع: الناس. قال الجوهري وتقدير إنسان على فعلان، وإنما زيد في تصغيره ياء. وقيل أنيسيان كما زيد في تصغير رجل، فقيل: رويجل. وقال قوم: أصله إنسيان على وزن افعلان، فحذفت الياء تخفيفا لكثرة ما يجري على الألسنة، وإذا صغروها ردوها لأن التصغير لا يكبر واستدلوا عليه بقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنه إنما سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي والأناس لغة في الناس، وهو الأصل فخفف، قال «4» تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
، وهو اعتداله، وتسوية أعضائه، لأنه خلق كل شيء منكبا على وجهه، وخلقه سويا وله لسان ذلق، ينطق به ويد وأصابع يقبض بها، مزينا بالعقل مؤدبا بالأمر، مهذبا بالتمييز، يتناول مأكوله ومشروبه بيده.
وروى الطبراني في معجمه الأوسط، بإسناد صحيح، عن أبي مزينة الدارمي، وكانت له صحبة، قال: كان الرجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
«5» .
فائدة:
قال ابن عطية: من الدليل على أن القرآن غير مخلوق، أن الله تعالى ذكر القرآن في كتابه العزيز في أربعة وخمسين موضعا، ما فيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق، ولا أشار إليه، وذكر الإنسان على الثلث من ذلك في ثمانية عشر موضعا، كلها نصّت على خلقه، وقد افترق ذكرهما على هذا النحو، في قوله «6» تعالى: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ
. قال القاضي
(1/55)

أبو بكر بن العربي المالكي الإمام العلامة: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله تعالى خلقه حيا عالما قادرا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما، وهذه صفات الرب جل وعلا وعنها وقع البيان بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى خلق آدم على صورته يعني «1» على صفاته، التي قدمنا ذكرها.
قلت: وهنا مجال رحب لأصحاب الكلام في أصول الدين أضربنا عنه، إذ ليس هو من غرضنا في هذا الكتاب.
وروى أبو بكر المتقدم ذكره، بإسناده أن موسى بن عيسى «2» الهاشمي، كان يحب زوجته حبا شديدا فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا، إن لم تكوني أحسن من القمر، فاحتجبت عنه، وقالت: طلقت. فبات بليلة عظيمة، فلما أصبح أتى المنصور وأخبره بذلك، فاستحضر الفقهاء، وسألهم عن ذلك؟ فأجاب كل منهم بالطلاق، إلا واحدا منهم، فقال: لا تطلق لقوله تعالى «3» :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
. فقال المنصور: الأمر كما ذكرت، ثم أرسل إلى زوجته بذلك. وهذا الجواب ينقل عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، وعندي في قوله: موسى بن عيسى نظر، والذي أظنه أنه عيسى بن موسى فإنه كان ولي عهد المنصور، ثم خلعه من ولاية العهد لولده المهدي، وقد تقدم أن الشافعي رضي الله تعالى عنه، ولد في سنة خمسين ومائة، والمنصور كانت وفاته على ما ذكره ابن خلكان وغيره في سنة ثمان وخمسين ومائة، فكيف يتصور أن يكون الشافعي المفتي في هذه الواقعة؟ فليتأمل ذلك.
قلت: وقد أذكرتني هذه الحكاية، ما ذكره الزمخشري، عند قوله «4» تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ
أن عمران بن حطان «5» الخارجي كان شديد السواد، وكانت امرأته من أجمل النساء، فأطالت نظرها في وجهه يوما وقالت: الحمد لله فقال: ما لك؟ فقالت: حمدت الله تعالى على أني وإياك في الجنة. قال: كيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت وقد وعد الله عباده الصابرين والشاكرين الجنة. وذكر «6» ابن الجوزي في الأذكياء وغيره أن عمران بن حطان هذا كان أحد الخوارج، وهو القائل يمدح عبد الرحمن بن ملجم لعنهما الله على قتل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:
يا ضربة من تقى ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا
(1/56)

أكرم بقوم بطون الأرض أقبرهم ... لم يخلطوا دينهم بغيا وعدوانا
فبلغت القاضي أبا الطيب الطبري «1» هذه الأبيات فقال مجيبا له:
إني لأبرأ مما أنت قائله ... في ابن ملجم الملعون بهتانا
إني لأذكره يوما فألعنه ... دينا وألعن عمران بن حطانا
عليك ثم عليه الدهر متصلا ... لعائن الله إسرارا وإعلانا
فأنتم من كلاب النار جاء لنا ... نص الشريعة برها وتبيانا «2»
أشار أبو الطيب إلى قوله صلى الله عليه وسلم «الخوارج كلاب «3» النار» .
عجيبة:
رأيت في ذيل تاريخ بغداد لابن النجار، في ترجمة علي بن نصر الفقيه ابن أحمد المالكي، والد القاضي عبد الوهاب، وكان ثقة عدلا قال: زوجت أيام عضد الدولة ابن بويه، بعض غلمانه الأتراك صبية في جوارنا، وكان لها ولوالدتها أنس بدارنا، وكانت من الموصوفات بالستر والعفاف، ومضى على ذلك سنتان فحضر إلي الغلام التركي، وقال: يا سيدي هذه المرأة التي زوجتني بها قد ولدت مني إبنا، ولا أشكو شيئا من أمرها، ولا أنكره، غير أنها ما أرتني ولدي منذ ولدته وكلما طالبتها به دافعتني عنه، وأريد أن تستدعيها وتسألها عن ذلك، قال: فاستدعيت والدتها فحضرت وخاطبتها من وراء الستر، على ما قاله زوج ابنتها فأسرّت إلي وقالت: يا سيدي صدق فيما حكاه، وإنما دافعناه عن هذا لأنا قد بلينا ببلية قبيحة، وذلك أن زوجته ولدت منه ولدا أبلق من رأسه إلى سرته أبيض، وبقية بدنه أسود! قال فسمع التركي قولها أبلق فصاح ابني ابني! وهكذا كان جدي ببلاد الترك وقد رضيت ففرحت المرأة بقوله وانصرفت وأظهرت له الولد.
وافتتح ابن بختيشوع ومعناه عبد المسيح كتابه في الحيوان، بالإنسان وقال: إنه أعدل الحيوان مزاجا، وأكمله أفعالا وألطفه حسا، وأنفذه رأيا، فهو كالملك الملط القاهر لسائر الخليقة، والآمر لها، وذلك بما وهبه الله تعالى له من العقل، الذي به يتميز على كل الحيوان البهيمي، فهو بالحقيقة ملك العالم ولذلك سماه قوم من الأقدمين العالم الأصغر.
فائدة:
نقل الشيخ شهاب الدين أحمد البوني رحمه الله في كتابه المسمى بسر الأسرار عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: من كانت له حاجة فليصم الأربعاء والخميس والجمعة، فإذا كان يوم الجمعة تطهر وراح إلى الجمعة وقال: اللهم إني أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم، الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، هو الرحمن الرحيم، وأسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم الذي ملأت عظمته السموات والأرض، وأسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو عنت له
(1/57)

الوجوه، وخشعت له الأبصار، ووجلت القلوب من خشيته، أن تصلي على محمد وعلى آل محمد وأن تعطيني مسألتي وتقضي حاجتي وتسميها برحمتك، يا أرحم الراحمين. وهو سر لطيف مجرب.
وقال: من كتب: محمد رسول الله، أحمد رسول الله خمسا وثلاثين مرة يوم الجمعة، بعد صلاة الجمعة، على طهارة كاملة وحملها معه، رزقه الله تعالى القوة على الطاعة، ومعونة على البركة، وكفاه همزات الشياطين. وإن هو استدام النظر إلى تلك البطاقة كل يوم عند طلوع الشمس، وهو يصلي على محمد صلى الله عليه وسلم، كثرت رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم. وهو سر لطيف مجرب.
وروى الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه، أنه رأى رب العزة في المنام تسعا وتسعين مرة، فقال: إن رأيته تمام المائة لأسألنه، فرآه تمام المائة فسأله وقال: يا رب بماذا ينجو العباد يوم القيامة؟ فقال له: من قال كل يوم، بكرة وعشيا، ثلاث مرات سبحان الأبدي الأبد، سبحان الواحد الأحد، سبحان الفرد الصمد، سبحان من رفع السماء بغير عمد، سبحان من بسط الأرض على ماء جمد، سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، سبحانه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
وقال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، من قال كل يوم، بين صلاة الفجر والصبح، أربعين مرة يا حي يا قيوم، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا ألله لا إله إلا أنت، أسألك أن تحيي قلبي بنور معرفتك، يا أرحم الراحمين. أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب.
فائدة أخرى
: في كتاب البستان عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من أحب أن يحفظ الله عليه الإيمان، حتى يلقاه يوم القيامة، فليصل كلّ ليلة بعد سنّة المغرب، قيل أن يتكلم، ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، وقل أعوذ برب الفلق مرة وقل أعوذ برب الناس مرة، ويسلم منهما، فإن الله تعالى يحفظ عليه الإيمان، حتى يوافي ربه يوم القيامة» .
قال الراوي وهذه فائدة عظيمة غنيمة.
وذكر النسفي هذا الحديث بسند طويل وزاد فيه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ «1»
قبل الإخلاص، ويسبح خمس عشرة مرة بعد السلام، ويقول عقب التسبيح: اللهم أنت العالم ما أردت بهاتين الركعتين، اللهم اجعلهما لي ذخرا يوم لقائك، اللهم احفظ بهما ديني، في حياتي وعند مماتي، وبعد وفاتي، آمنه الله سلب الإيمان. وهذه فائدة عظيمة من أعظم المهمات. وسئل بعض الحكماء وذوي الفصاحة من العلماء، أي الخصال من الإنسان خير؟ قال: الدين قال: فإذا كانت اثنتين؟ قال: الدين والمال. قال فإذا كانت ثلاثا؟ قال: الدين والمال والحياء. قال: فإذا كانت أربعا؟ قال: الدين والمال والحياء وحسن الخلق. قال: فإذا كانت خمسا؟ قال: الدين والمال والحياء وحسن الخلق والسخاء. فمن اجتمع فيه هذه الخصال الخمس فهو تقي نقي لله ولي، ومن
(1/58)

الشيطان بري وقال: المؤمن شريف ظريف، لطيف لا لعان ولا نمام، ولا مغتاب ولا قتات، ولا حسود ولا حقود، ولا بخيل ولا مختال، يطلب من الخيرات أعلاها، ومن الأخلاق أسناها، إن سلك مع أهل الآخرة، كان أورعهم، غضيض الطرف سخي الكف، لا يرد سائلا ولا يبخل بنائل، متواصل الأحزان، مترادف الإحسان، يزن كلامه ويحرس لسانه، ويحسن عمله، ويكثر في الحق أمله، متأسف على ما فاته من تضييع أوقاته، كأنه ناظر إلى ربّه مراقب لما خلق له لا يرد الحق على عدوّه، ويبطل الباطل من صديقه، كثير المعونة قليل المؤونة، يعطف على أخيه عند عسرته لما مضى من قديم صحبته فهذه صفات المؤمنين، الخالصين الموحدين لرب العالمين.
وكان رجل من عباد الله الصالحين الموحدين يصحب إبراهيم «1» بن أدهم رضي الله تعالى عنه، فقال له: علمني اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى فقال: قل هذه الكلمات صباحا ومساء فإنه ما دعا بهن خائف، إلا أمن ولا سائل إلا أعطاه الله مسألته وهي هذه الكلمات: يا من له وجه لا يبلى ونور لا يطفى، واسم لا ينسى، وباب لا يغلق، وستر لا يهتك، وملك لا يفنى، أسألك وأتوسل إليك بجاه محمد صلى الله عليه وسلم أن تقضي حاجتي وتعطيني مسألتي.
وقال بعض العلماء: اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى هو لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الأحد، اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنّان المنّان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم.
وسئل الإمام النووي رحمه الله تعالى، عن اسم الله الأعظم ما هو، وفي أي سورة هو؟
فأجاب رضي الله تعالى عنه: فيه أحاديث كثيرة ففي سنن ابن ماجه، وغيره عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «في ثلاث سور في البقرة وآل عمران وطه» . قال بعض الأئمة المتقدمين: هو الحي القيوم، لأنه في البقرة، في آية الكرسي، وفي أول آل عمران، وفي طه في قوله «2» تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ
. وهذا استنباط حسن والله أعلم.
وقد ثبت في صحيح مسلم رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم «3» قال: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل» قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: «يقول قد دعوت فلم يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء» .
فائدة: فيمن يستجاب دعاؤهم قطعا: المضطر، والمظلوم مطلقا، ولو كان فاجرا أو كافرا، أو الوالد على ولده، والإمام العادل، والرجل الصالح، والولد البار بوالديه، والمسافر حتى يرجع، والصائم حتى يفطر، والمسلم للمسلم ما لم يدع بظلم، أو قطيعة رحم، أو يقل دعوت فلم أجب.
ومن الفوائد المجربة:
العظيمة البركة، الكثيرة الخير، لقضاء الحوائج، وتفريج الهم والغم، وهي من الأسرار المخزونة المكنونة، كما قاله شيخنا اليافعي: أن تقرأ بعد صلاة العشاء،
(1/59)

على طهارة كاملة، في جلسة واحدة، اسمه تعالى «لطيف» ست عشرة ألف مرة وستمائة مرة وإحدى وأربعين مرة، والحذر ثم الحذر من الزيادة والنقص فإنه يبطل السر. والحيلة في معرفة ضبط ذلك أن تأخذ سبحة عدتها 129 فتقرأ الاسم عليها 129، فيحصل المقصود، وهذه أقرب الطرق المستقيمة لمعرفتها فإن عدة حروفه أربعة وهي ل ط ي ف جملتها 129 فاضربها في مثلها، فتكون جملتها ستة عشر ألفا وستمائة وإحدى وأربعين وتسمي حاجتك فإنها تقضى إن شاء الله تعالى لا محالة وفي كل مائة وتسع وعشرين مرة تقول: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وهذه للدعاء على الظالم ومنها لجلب الخير والرزق والبركة، تقول عقب كل صلاة مائة ثم تقول: الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز. ومنها لدفع كيد الظلمة لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير. والدعاء بعد تمام قراءة الاسم المبارك:
اللهم وسع علي رزقي، اللهم عطف علي خلقك كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن ذل السؤال لغيرك، برحمتك يا أرحم الراحمين.
قال سيدنا الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى: كن متمسكا بهذه الصفات الحميدة تفز بسعادة الدارين، لا تتخذ من الكافرين وليا ولا من المؤمنين عدوا، وارتحل بزادك من التقوى في الدنيا، وعد نفسك من الموتى، واشهد لله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة، وحسبك عمل صالح وإن قل، وقل آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فمن كان متمسكا بهذه الصفات الحميدة، ضمن الله عزّ وجلّ له أربعة في الدنيا:
الصدق في القول والإخلاص في العمل والرزق كالمطر والوقاية من الشر وأربعة في الآخرة المغفرة العظمى، والقربة الزلفى، ودخول جنة المأوى، واللحوق بالدرجة العليا.
وإن أردت الصدق في القول، فداوم على قراءة إنا أنزلناه في ليلة القدر، وإن أردت الرزق كالمطر، فداوم على قراءة قل أعوذ برب الفلق، وإن أردت السلامة من شر الناس فداوم على قراءة قل أعوذ برب الناس، وإن أردت جلب الخير والرزق والبركة، فداوم على قراءة بسم الله الرحمن الرحيم الملك الحق المبين هو نعم المولى ونعم النصير، وقراءة سورة الواقعة وسورة يس فإنه يأتيك الرزق كالمطر وإن أردت أن يجعل الله لك من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ويرزقك من حيث لا تحتسب، فالزم الاستغفار وإن أردت أن تأمن مما يروعك ويفزعك، فقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه، وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وإن يحضرون.
وإن أردت أن تعرف أي وقت تفتح فيه أبواب السماء، ويستجاب الدعاء فاشهد وقت نداء المنادي فأجبه ففي الحديث «1» «من نزل به كرب أو شدة فليجب المنادي» ، والمنادي هو المؤذن. وإن أردت أن تسلم من أمر يكربك، فقل: توكلت على الحي الذي لا يموت أبدا، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرا. ففي الحديث «2»
(1/60)

«مما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل، فقال يا محمد قل توكلت على الحي الذي لا يموت أبدا وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبّره تكبيرا» .
وإن أردت أن تنجو من هم أو غم أو خوف يصيبك، فقل: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضائك، أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا، من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي فيذهب عنك همك وغمك وحزنك. وإن أردت أن يداويك الله من تسعة وتسعين داء، أيسرها اللمم، فقل ما ورد في الحديث «1» : «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» فإنها دواء مما ذكر. وإن أردت أن تؤجر بما يصيبك من مصيبة، فقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني فيها وأبدلني خيرا منها. ومنه: حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله، وعلى الله توكلنا. وإن أردت أن يذهب همّك، ويقضى دينك، فقل، إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدّين، وقهر الرجال. وإن أردت أن توفق للخشوع، فاترك فضول النظر. وإن أردت أن توفق للحكمة، فاترك فضول الكلام. وإن أردت أن توفق لحلاوة العبادة، فاترك فضول الطعام، وعليك بالصوم، وقيام الليل والتهجد فيه. وإن أردت أن توفق للهيبة فاترك المزح والضحك، فإنهما يسقطان الهيبة.
وإن أردت أن توفق للمحبة، فاترك فضول الرغبة في الدنيا. وإن أردت أن توفق لإصلاح عيب نفسك، فاترك التجسس عن عيوب الناس، فإن التجسس من شعب النفاق، كما أن حسن الظن من شعب الإيمان. وإن أردت أن توفق للخشية فاترك التوهم في كيفية ذات الله تعالى تسلم من الشك والنفاق. وأن أردت أن توفق للسلامة من كل سوء، فاترك الظن السيء بكل الناس. وإن أردت العزلة، فاترك الاعتقاد في الناس وتوكل على الله وإن أردت أن لا يموت قلبك، فقل كل يوم أربعين مرة: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت. وإن أردت أن ترى النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، فأكثر من قراءة: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت. وإن أردت أن ينور وجهك، فداوم على قيام الليل. وإن أردت السلامة من عطش يوم القيامة، فلازم الصوم. وإن أردت أن تسلم من عذاب القبر، فاحترز من النجاسات، واترك أكل المحرمات، وارفض الشهوات. وإن أردت أن تكون غنيا فلازم القناعة وإن أردت أن تكون خير الناس، فكن نافعا للناس. وإن أردت أن تكون أعبد الناس، فكن متمسكا بقوله «2» صلى الله عليه وسلم: «من يأخذ عني هذه الكلمات فيعمل بهن، أو يعلّم من يعمل بهن؟ قال أبو هريرة: قلت أنا يا رسول الله فأخذ بيدي، وعد خمسا، قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك، تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب لناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب» .
(1/61)

وإن أردت أن تكون من المحسنين الخالصين، فاعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وإن أردت أن يكمل إيمانك، فحسن خلقك. وإن أردت أن يحبك الله فاقض حوائج إخوانك المسلمين. ففي الحديث «إذا أحب الله عبدا صير حوائج الناس إليه» . وإن أردت أن تكون من المطيعين، فأد ما فرض الله عليك، وإن أردت أن تلقى الله تعالى نقيا من الذنوب، فاغتسل من الجنابة، ولازم غسل الجمعة، تلق الله تعالى يوم القيامة، وما عليك من ذنب. وإن أردت أن تحشر يوم القيامة في النور الهادي، وتسلم من الظلمات، لا تظلم أحدا من خلق الله تعالى. وإن أردت أن تقل ذنوبك، فالزم دوام الاستغفار. وإن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله. وإن أردت أن يوسع الله عليك الرزق طموما كالمطر، فلازم الدوام على الطهارة الكاملة. وإن أردت أن تكون آمنا من سخط الله، فلا تغضب على أحد من خلق الله. وإن أردت أن يستجاب دعاؤك، فاجتنب الحرام، وأكل الربا، وأكل السحت. وإن أردت أن لا يفضحك الله على رؤوس الخلائق، فاحفظ فرجك ولسانك. وإن أردت أن يستر الله تعالى عليك عيبك، فاستر على عيوب الناس فإن الله تعالى ستار ويحب من عباده الستارين. وإن أردت أن تمحي خطاياك، فأكثر من الاستغفار، والخشوع، والخضوع، والحسنات في الخلوات. وإن أردت الحسنات العظام، فعليك بحسن الخلق، والتواضع، والصبر على البلية. وإن أردت السلامة من السيئات العظام، فاجتنب سوء الخلق والشح المطاع. وإن أردت أن يسكن عنك غضب الجبار، فعليك بإخفاء الصدقة، وصلة الرحم. وإن أردت أن يقضي الله عنك الدين، فقل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين سأله، وقال «1» عليه الصلاة والسلام له: «لو كان عليك مثل الجبال دينا، أداه الله عنك، قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك» . وفي الحديث: «لو كان على أحدكم جبل من ذهب دينا فدعا بذلك لقضاه الله عنه وهو اللهم فارج الكرب اللهم كاشف الهم اللهم مجيب دعوة المضطرين رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أسألك أن ترحمني رحمة تغنيني بها عمن سواك» . وإن أردت أن تنجو إذا وقعت في هلكة فالزم ما في الحديث «2» ، إذا وقعت في ورطة فقل «بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» . فإن الله تعالى يصرف عنك ما شاء من أنواع البلاء والورطة. بفتح الواو وإسكان الراء الهلاك. وإن أردت أن تأمن من قوم خفت شرهم فقل ما ورد في الحديث «3» : «اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم» . ومنه اللهم اكفناهم بما شئت إنك على كل شيء قدير.
وإن أردت أن تأمن، إن خفت من سلطان، فقل ما ورد في الحديث «4» : «لا إله إلا الله الحليم الكريم رب السموات السبع ورب العرش العظيم لا إله إلا أنت عزّ جارك وجل ثناؤك لا إله إلا أنت» ويستحب أن يقول ما تقدم اللهم إنا نجعلك في نحورهم إلى آخره. وفي الحديث: «إذا
(1/62)

أتيت سلطانا مهابا تخاف أن يسطو عليك، فقل الله أكبر الله أكبر الله أعز من خلقه جميعا الله أعز مما أخاف واحذر، والحمد لله رب العالمين» . وإن أردت ثبات القلب على الدين، فقد أسند مرفوعا أنه كان من دعائه «1» صلى الله عليه وسلم: «اللهم ثبت قلبي على دينك» وفي رواية «2» : «يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك» .
فائدة:
مجربة لمن دخل على سلطان يخاف شره، فليقرأ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ «3»
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
«4» . وإن أردت كثرة الخير والرزق، فداوم على قراءة ألم نشرح وسورة الكافرون.
وإن أردت الستر من الناس فداوم على قول اللهم استرني بسترك الجميل، الذي سترت به نفسك، فلا عين تراك. وإن أردت عدم الجوع والعطش، فداوم على قراءة لإيلاف قريش إيلافهم، وقد جرب ذلك مرارا وصح. وإن خفت على تجارتك أو مالك فاكتب سورة الشعراء وعلقها في موضع تجارتك يكثر فيه البيع والشراء. ومن كتب سورة القصص، وعلقها على من يخاف عليه التلف، فإنها أمان له من ذلك وهو سر لطيف مجرب.
فائدة:
عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يتول قبض روحه إلا الله تعالى» . وعن أبي نعيم قال:
سمعت معروفا الكرخي يقول لما «اجتمعت اليهود على قتل عيسى عليه السلام، اهبط الله تعالى جبريل عليه السلام مكتوبا في باطن جناحه اللهم إني أعوذ باسمك الأحد الأعز وأدعوك اللهم باسمك الكبير المتعال، الذي ملأ الأركان كلها أن تكشف عني ضر ما أمسيت وأصبحت فيه.
فقال ذلك عيسى فأوحى الله عزّ وجلّ إلى جبريل عليه السلام أن ارفع عبدي إلي» .
فائدة:
مما جرب للصداع فصح ما روي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال: وجد في بعض دور بني أمية درج من فضة وعليه قفل من ذهب، مكتوب على ظهره: شفاء من كل داء، وفي داخله مكتوب هذه الكلمات: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اسكن أيها الوجع سكنتك بالذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اسكن أيها الوجع سكنتك بالذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: فما احتجت معه إلى طبيب قط بإذن الله تعالى فإنه هو الشافي.
ومما جرب للصداع أيضا أن يكتب على ورقة بيضاء، وتلصق على المحل الذي فيه
(1/63)

الصداع، فإنه يزول بإذن الله تعالى وهو صحيح مجرب دم 5 م ل 5. ووجد أيضا في ذخائر بني أمية ترس مربع من ذهب، وعليه أزرار من الزمرد الأخضر مملوء بالمسك والكافور والعنبر الخام، وكان من جعله على رأسه، أزال عنه الصداع البتة في الوقت والساعة ففتقوا الترس فوجدوا في باطن أزراره بطاقة مكتوبا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ
«1» بسم الله الرحمن الرحيم: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ، وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
«2» ، بسم الله الرحمن الرحيم: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي، فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ «3»
بسم الله الرحمن الرحيم: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً «4»
. بسم الله الرحمن الرحيم: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «5»
..
ومما جرب للصداع أيضا أن تكتب هذه الأحرف على لوح خشب أو مكان طاهر، وتدق في الحرف الأول مسمارا وتقرأ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا، وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم، وتدق دقا خفيفا فإن سكن الصداع فبالغ، عليه بالدق إلى قرصه، وإن لم يسكن فانقل المسمار من حرف إلى حرف إلى أن يسكن الصداع فلا بد أن يسكن في حرف منها كما جرب ذلك مرارا وهي هذه اح اك ك ح ع ح ام ح والسواد موضع وضع المسمار ويجمعهما قولك:
إني حملت إليك كل كريمة ... حوراء عن حظ المتيم ما حنت
فأوائل الكلمات منها مقصدي ... لصداع رأس يا فتى قد جربت
ثم قال أي ابن بختيشوع: ومما ذكر من الخواص، وشهدت به التجربة، ما قاله الحكيم جالينوس: إذا أخذت شعر ابن آدم وأحرقته، وخلطته بماء الورد، ووضعته المرأة على رأسها، عند الطلق تسهل عليها الولادة. وإن طليت البرص والبهق بمني ابن آدم أبرأه. وإذا حططته في البيت، اجتمعت عليه البراغيث. وبصاق ابن آدم سم الحيات فإنك إن بصقت في فم الحية ثلاث مرات تموت من ساعتها. وإذا أوقدت سراجا من دهن ابن آدم، في ليلة ذات رياح، سكنت الرياح. وشعر المرأة بطوله، إذا طرح في ماء البحر بحيث لا يخرج منه، صار حية مائية. وإذا اكتحل الإنسان بلبن النساء مع سكر طبرزذ ينفع لبياض العين. والطفل الأزرق العينين إذا رضع من لبن الجارية الحبشية أربعين يوما اسودت عيناه. وإذا أخذت بول الصبي وخلط برماد حطب الكرم، وحط على القرحة نفعها. وإذا علقت المرأة عليها سن الطفل الذي وقع في أول سنة لا تحبل. قال جالينوس «6» ويحيى «7» بن ماويشه: مرارة ابن آدم سم قاتل، ومن اكتحل بمرارة
(1/64)

ابن آدم نفعته من بياض العين. وقال ابن ماويشه: سرة الطفل أول ما تقطع إذا علقتها المرأة على يدها، وبها ألم سكن. وإذا أخذ عظم ابن آدم وأحرق وسحق وخلط معه صبر ونفخ في الأنف الذي فيه البسور أبرأه بإذن الله تعالى. وإذا أخذت الحيات التي تخرج من بطن ابن آدم وجففت وسحقت ناعما، واكتحل بها من في عينه بياض ذهب. وإذا أخذ رجيع ابن آدم يابسا وسحق ونخل وعجن بالخل وعسل النحل وطلي به على الأكلة برئت بإذن الله تعالى. وكذلك إذا طليت به الخوانيق التي في الحلق برئت وشعر ابن آدم إذا علق على من يشتكي الشقيقة سكنت. وإذا بل الشعر بالخل ووضع على عضة الكلب برئت. ودم ابن آدم إذا أخذ وعجن بدقيق الحلبة وبماء السذاب وطلي به كل قرحة تتكون في البدن برئت لوقتها البتة لا سيما التي تكون في الساقين، والقروح الرطبة التي يسيل منها الدم والقيح. وإذا أخذ دم الحيض من جارية بكر أو ثيب، وخلط معه خمر عتيق واكتحل به من في عينه بياض أبرأه. وخرقة الحيض إذا علقت على مؤخر السفينة، لا يدخلها ريح ولا زوبعة. وإذا أصاب المرأة وجع السرة، تأخذ خرقة الحيض، فتحرقها حتى تصير رمادا، ثم تأخذ من ذلك الرماد جزءا ومن الكزبرة جزءا ويدق الجميع بماء فاتر ويطلى به ما حول السرة تبرأ بإذن الله تعالى. وكذلك إذا أصابها عند النفاس، فإنه يسكن بذلك بإذن الله تعالى. ورجيع الطفل عند الولادة يجفف ويسحق ويكتحل به من في عينه بياض فإنه يذهب بإذن الله تعالى. وإذا أخذت قلفة الصبيان، وهي طهارتهم، وجففت وسحقت وخلط معها شيء من المسك وماء الورد وسقي من ذلك صاحب البرص والجذام، وقف عنه بإذن الله تعالى. وإذا أحرقت وسحقت وسقيت لمن غلب عليه البرص ذهب عنه بإذن الله تعالى. ويؤخذ من رجيع ابن آدم مقدار حمصة ويسحق ويذاب بماء فاتر ويسقى لصاحب القولنج يبرأ بإذن الله تعالى. وإذا سحق وديف بالخل كان أبلغ وإذا أخذ رجيع ابن آدم، أول ما يخرج وهو حار ويخلط بخمر عتيق، ويسقى للدابة المريضة تبرأ بإذن الله تعالى. وإذا غسلت وسخ رجلي ابن آدم ويديه بالماء، وأسقيته لمن شئت فإنه يحبك محبة شديدة، ولا يكاد يطيق فراقك، وهو سر عجيب مجرب. ومثله إذا أردت أن يحبك إنسان حبا شديدا فاغسل جيب قميصك واسقه ماءه، وهو لا يعلم، فإنه يحبك حبا شديدا. وإن أردت أن تجمع الحمام في البرج فخذ رأس ابن آدم، وهو ميت قد مضى عليه من السنين مدة، وادفنه في ذلك البرج، فإن الحمام يعمره ويجتمع إليه من كل مكان حتى يضيق به. وإذا أصاب إنسانا اللقوة والفالج يسعط بلبن جارية سوداء أو حبشية، مع شيء من دهن الزنبق فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. ومقدار السعوط منه وزن قيراط للرجل الكامل، وللطفل والصبي وزن حبة، ويخلط معه في بعض الأوقات أنزروت أبيض، ويقطر في العين المحمرة تبرأ.
وإذا أخذ الكاشم ودق ناعما وديف ببول صبي لم يبلغ الحلم وسقي للدابة المغولة برئت بإذن الله تعالى وإذا أردت أن لا يقرب المرأة أحدا غيرك، فخذ ما تستخرجه من شعرها من تسريح أو غيره، واحرقه حتى يصير رمادا، ثم اجعل منه على رأس احليلك عند الجماع معها، فلا أحد يجامعها بعد ذلك مثلك، ولا تقبل أحدا غيرك، وهو سر عجيب مجرب، ويؤخذ من مني الرجل جزء ومن الزئبق جزء ويخلط الجميع ويسعط منه صاحب اللقوة ثلاثة أيام متوالية يبرأ بإذن الله تعالى. وإذا أخذ رجيع إنسان، وأحرق وسحق ناعما وخلط معه ملح اندراني وشيء من حزنبل
(1/65)

وخلط الجميع ونفخ في عين الدابة التي فيها البياض برئت، وإذا أخذ بول صبي قبل أن يبلغ الحلم، وجعل في وعاء وترك على النار حتى حمي وغمست صوفة في ذلك البول، وطلي به على العين التي بها ورم أو حمرة برئت. وإذا أخذ مني ابن آدم وهو حار وطلي به البرص غير لونه بقدرة الله تعالى. وإذا أخذ شيء من أبوال، وجعل في قدر نحاس، وطبخ حتى انعقد، ثم جفف وخلط معه ملح الطعام وسحق وعجن بماء الزعفران، وجعل في بودقة وأوقد عليه حتى يدور كما تدور الفضة، فاجعله سبيكة وحكه على المسن بالماء والمسك، وكحل به العين التي غلب عليها البياض، تبرأ بإذن الله تعالى البتة وهو سر لطيف مجرب وكان الحكماء المتقدمون يسمونه الجوهر النفيس ويؤخذ لبن جارية سوداء فيذاب فيه شيء من الزعفران وشيء من لعاب السفرجل ويقطر في العين التي بها الوجع والضربان والنقطة، فإنها تبرأ بإذن الله تعالى. وإذا أردت أن تكون نهود الجارية قائمة لا تنكسر، فخذ دم حيض الجارية من أول حيضها، واطل به رؤوس النهدين، فإنهما لا ينكسران ولا يزالان قائمين، وهذا سر عجيب مجرب. وإذا أخذ دم الحيض وهو حار طري ولطخ به العين يزول ما بها من الحمرة والنقطة والورم. وإن أردت أن تسمن المرأة فخذ شحم وزة أنثى، يدق ويخلط معه بورق وكمون كرماني ودقيق الحلبة يمزج الجميع، ويجعل مثل البنادق، ويبلغ ذلك لدجاجة سوداء سبعة أيام متوالية، ثم تذبح وتصلق «1» ، فكل من أكل من تلك الدجاجة، أو من مرقتها يسمن، حتى يكاد يغلب عليه الشحم، من ذكر كان أو أنثى.
وإن أردت أبلغ من ذلك، فخذ مرارة آدمي وخذ ما تيسر من القمح، وضع تلك المرارة عليه، مع قليل من الماء واصبر على القمح حتى ينتفخ، وبلعه لدجاجة سوداء وافعل ما تقدم ذكره فمن أكل من تلك الدجاجة، رأى العجب العجاب من السمن والشحم حتى لا يستطيع القيام، ذكرا كان أو أنثى، وهو سر لطيف مجرب. وإذا أردت أن تقطع لبن المرأة، فخذ حلبة واسحقها واعجنها بالماء، واطل بها ثدي المرأة ينقطع اللبن البتة بإذن الله تعالى. وإذا أردت أن يدر اللبن، فخذ حنظلة ودقها واعجنها بالزيت، وخذ صوفة زرقاء ولفها على عود واغمسها في الزيت والحنظلة، واطل بها رأس الثدي يدر اللبن بقدرة الله تعالى. وكلاهما صحيح مجرب. ومتى صور صورة صبي حسن الوجه، ونصب قبالة المرأة بحيث تراه وقت الجماع خرج الولد يشبه تلك الصورة في أكثر الأعضاء البتة. قال: وضرس الميت إذا علق على من به وجع الضرس، سكن وجعه. وإذا أخذ ضرس إنسان، وعظم جناح الهدهد الأيمن، وجعلا تحت رأس النائم لم يزل كذلك حتى يؤخذا من تحت رأسه. وبصاق الإنسان ينفع من لدغ الهوام والقوباء والثآليل إذا طلي عليها قبل أن يأكل الإنسان شيئا. ولبن النساء إذا شرب مع عسل، فتت الحصا من المثانة.
وبول الإنسان إذا وضع على عضة الكلب الكلب نفعها نفعا بينا. وقال قوم: إن المكلوب، إذا شرب من دم إنسان شريف، برىء من ساعته وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تبري من الكلب
وقلامة ظفر الإنسان، إذا أحرقت وسقيت لإنسان آخر، أحبه ذلك الإنسان حبا شديدا.
(1/66)

وشرب بول الإنسان ينفع من لسع جميع ذوات السموم، وإن طلي به بعد أن يغلى، رجل صاحب النقرس سكن الوجع والضربان، وينفع من جميع القروح الحادثة في أصابع القدم والقروح التي فيها دود خصوصا البول العتيق. وينفع من عضة الإنسان والقرد وجميع الحيوان السمي وإذا بال رجل على الجرح حين يجرح قطع الدم لساعته وأبرأه. وهو صحيح مجرب. وعرق الإنسان إذا أخذ منه وعجن بغبار الرحا، ووضع على الثدي الوارم نفعه وينفع من جمود اللبن في الضرع والثدي، وتعقده بعد الولادة ومني الإنسان إذا أخذ وهو يابس ومعه سذاب «1» مدقوق، وذر على الأكلة أبرأها البتة وإن عجن بعسل وطلي به الحلق من خارج نفع الخناق. وإذا أخذ نجو صبي حين يولد وو جفف وسحق وكحل به بياض العين نفع، وينفع من الغشاوة نفعا جيدا. وإذا أخذ من نجو إنسان قدر حمصة وديف «2» بخل خمر وسقي لصاحب القولنج وعسر البول نفعهما. وهو إذا كان حارا نفع الفرس الحمراء، وينفع من عضة الإنسان من ساعته ولعاب الصائم إذا قطر في الأذن أخرج الدود منها. وإن خلط مع الرازوند ووضع على البواسير أبرأها. وسرة الصبي عندما تقطع إذا أخذ منها شيء، ووضع تحت فص خاتم، فإنه ينفع لابسه من القولنج. وقال ابن زهر: سن الصبي الذكر أول ولد من المرأة إن جعل تحت فص خاتم ذهب أو فضة بحيث يكون فصه منه لم يصب من لبسه من الرجال القولنج البتة. وإن بخرت المرأة بشعر إنسان، نفعها من جميع أوجاع الرحم وإذا طلت المرأة بدنها بدم النفاس من أول ولدها منعها الحبل ما عاشت وإن جعل سن الصبي، أول ما يسقط، قبل أن يصل الأرض تحت فص خاتم وعلق على امرأة منعها الحبل. وعرق النساء يطلى به الجرب يبرأ وبول الصبي الذي لم يبلع عشرين سنة إذا شربه صاحب البرص برىء. وبول الإنسان مع رماد الكرم يوضع على موضع نزف الدم يقف.
ورماد العيشوم ورماد الشونيز «3» مع الزيت العتيق ينبت اللحية. ودم الحيض إذا طلي به عضة الكب الكلب تبرأ. وكذلك البهق والبرص. وقال القزويني في عجائب المخلوقات: إذا رعف الإنسان فليكتب اسمه بدمه على خرقة وتجعل نصب عينيه فإنه ينقطع رعافه ونطفة الإنسان إذا طلي بها البهق والبرص والقوباء أبرأتها، وإذا خلط بها زهر الغبيراء وجفف واسقاه إنسان لامرأة عشقته.
ودم البكارة حين افتضاضها، إذا طلي به الثدي لا يكبر.
قاعدة:
قال الأطباء: إذا أردت أن تعلم هل المرأة عقيم أم لا؟ فمرها أن تتحمل بثومة في قطنة وتمكث سبع ساعات فإن فاح من فمها رائحة الثوم فعالجها بالأدوية، فإنها تحمل بإذن الله تعالى. وإلا فلا قال الرازي: وهي مجربة لذلك والله أعلم.
التعبير:
الإنسان في المنام كل شخص يعرف فهو ذاك بعينه، ذكرا كان أو أنثى، أو سميه أو نظيره. والشاب المجهول عدوّ. والشيخ جد وسعادة، وربما عبر بالصديق فمن رأى شيخا ضعيفا أو صغير الصورة، فذاك نقص في جد الإنسان وسعده. والكهل إذا لم ينق البياض أقوى لجد الإنسان وسعده. والصبي هم إذا كان طفلا يحمل لقوله «4» تعالى: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ.
(1/67)

والبالغ قوة وبشارة لقوله «1» تعالى: يا بُشْرى هذا غُلامٌ
والصبي الحسن الصورة، إذا دخل مدينة محاصرة، أو كان بها طاعون أو قحط، فرج عنهم وكذلك إذا نزل من السماء أو خرج من الأرض فهو بشارة لكل ذي هم. ويعبر أيضا بملك من الملائكة، مثال ذلك أن يرى المريض أو يرى له كأن صبيا أمرد أخذه أو ضرب عنقه، فإنه ملك الموت والشاب الأشقر عدو شحيح.
والشاب التركي عدو لا أمان له. والشاب الضعيف عدو ضعيف. والشاب الأسمر عدو غني والشاب الأبيض عدو دين.
والمرأة في المنام دنيا، والمجهولة أقوى من المعروفة، وحسنها أحسن شيء، وقبحها أقبح شيء. والزانية زيادة في الخير والصلاح، لقول «2» النبي صلى الله عليه وسلم: «عرضت على الدنيا ليلة أسري بي في صورة امرأة حاسرة الذراعين، فقال لها: طلقتك ثلاثا» . أراد بها الدنيا. والمرأة السوداء تعبر بليلة مظلمة، والبيضاء بالنهار فمن رأى امرأة سوداء غابت عنه، وظهرت له امرأة بيضاء، فإن ذلك دليل الصباح وزوال الظلام. والمرأة التي تكون للسلطان أو هي سلطانة فإنه تعبر بملك ظالم معجب. أو تكون بمنزلة العروس لأهله ومال حرام لغير ذلك. والشابة إذا رأتها المرأة فهي عدو لها، إذا كانت مجهولة. والعجوز المجهولة لها جد وتعبر المرأة بالسنة فإن كانت سمينة فهي خصب، وإن كانت هزيلة فهي جدب. وإنما شبهت المرأة بالسنة لأنها كالأرض. قال «3» الله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
ولأنها ذات نتاج وكذلك الأرض. والمرأة المتنقبة عسر لمن رآها. والمكشوفة الوجه دنيا ليس فيها تعب. والنساء زينة الدنيا، فمن أقبلن عليه، أقبلت عليه الدنيا، ومن أدبرن عنه أدبرت عنه الدنيا. والإنسان القبيح الصورة أمر مكروه، والأسود سوء والخصي المجهول يعبر بملك من الملائكة لانتزاع الشهوة منه. فمن رأى أنه خصي أو كأنه خصي ناله ذل وخضوع. وقالت النصارى: من رأى نفسه خصيا، نال منزلة في العبادة وعفة الفرج. ومن رأى بيده رأس إنسان فإنه ينال ألف دينار أو ألف درهم أو مائة درهم والرؤوس المقطعة في المنام رؤساء الناس، فمن أخذ شيئا من لحمها أو شعرها، نال مالا من قوم رؤساء. ومن رأى رأسه كبيرا حسنا نال رئاسة. ومن قطع رأسه، وكان مملوكا عتق. أو مهموما فرج الله همه. أو مريضا شفي. فإن كان ممن يخدم فارق خدمه. ومن رأى رأسه يرضخ بحجر، فإنه قد نام عن صلاة العشاء. ومن رأى رأسه رأس كلب أو فرس أو جمل أو حمار أو بغل أو غير ذلك من البهائم التي تنالها مشقة التعب والعمل نال تعبا، لأن هذه الحيوانات خلقت للكلف والتعب. وإن رأى رأسه رأس طير، كثر سفره. ومن رأى رأسه بيده، وكان له رأس آخر، فإن ذلك يدل على تدبير الأمور الرديئة وإصلاحها وأكل الرأس من الحيوان مال، لم يكن يرجوه، وطول حياة إذا كان غير نيء. والرأس يعبر بالرئيس، والسيد والأب. ويعبر أيضا برأس
(1/68)

الممال فما رؤي فيه من زيادة أو نقص أو وجع، فهو عائد إلى ما ذكرناه، ومن رأى رأسه تحوّل رأس أسد، فإنه ينال ملكا إن كان من أهله أو رياسة أو ولاية أو وجاهة. ومن رأى أنه يأكل لحم إنسان فإنه يغتابه. ومن أكل لحم نفسه فإنه يغتاب. وقيل: أكل اللحم النيء خسارة في المال.
واللحوم في الرؤيا أموال إذا كانت مطبوخة ناضجة، وإذا أكلت المرأة لحم امرأة فإنها تساحقها.
وإن أكلت لحم نفسها فإنها تزني. وأكل لحم البقر الهزيل مرض. وانسب كل لحم إلى حيوانه فلحم الحية مال من عدو فإن كان نيئا فهو غيبة. ولحم السبع مال من سلطان. وكذلك لحوم السباع الضواري وجوارح الطير ولحم الخنزير مال حرام والله تعالى أعلم.
إنسان الماء:
يشبه الإنسان، إلا أن له ذنبا. قال القزويني: وقد جاء شخص بواحد منها في زماننا، مقدر كما ذكرنا. وقيل: إن في بحر الشأم، في بعض الأوقات من شكله، شكل إنسان وله لحية بيضاء، يسمونه شيخ البحر، فإذا رآه الناس استبشروا بالخصب. وحكي أن بعض المملوك، حمل إليه إنسان ماء، فأراد الملك أن يعرف حاله فزوجه امرأة، فأتاه منها ولد يفهم كلام أبويه، فقال للولد: ما يقول أبوك؟ قال: يقول أذناب الحيوان كلها في أسفلها، فما بال هؤلاء أذنابهم في وجوههم؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الباء الموحدة في بنات الماء قريب من هذا.
الكم: سئل الليث «1» بن سعد رضي الله عنه عن أكله فقال: لا يؤكل على شيء من الحالات والله تعالى أعلم.
الأنقد:
بالنون الساكنة وفتح القاف وبالدال المهملة القنفذ.
الأمثال:
يقال: «بات فلان بليل انقد» ، «2» لأنه لا ينام الليل كله. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب القاف في القنفذ. قال الميداني: أنقد معرفة لا تدخله الألف واللام، يضرب لمن سهر ليله أجمع. قال: وقيل الأنقد الذي يشتكي سنه من النقد، وهو فساد في الأضراس يحركها وصاحبه لا ينام.
فائدة:
ومما جرب لوجع الضرس أن يكتب ويحمل قوله تعالى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
«3» محوصه سمه ولها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، جهكر طكفوم طسم طس طسم حم حم حم حم حم حم حم. أسكن أيها الوجع بالذي سكن له ما في الليل والنهار، وهو السميع العليم، اليقس تقس قسا مسقس أن البهر بهر هرا وراب.
ويكتب لوجع الضرس أيضا، على جدار هذه الأحرف وهي ح ب ر ص لا وع م لا وتأمر الموجوع أن يضع اصبعه على الضرس الضارب ويكون ذلك في حال ضربانه، وتضع مسمارا على
(1/69)

أول حرف من الحروف المتقدمة، وتدق عليه دقا خفيفا، وأنت تقرأ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «1»
في حالتي الدق والكتابة، فإذا علق رأس المسمار يسيرا سله هل سكن الوجع فإن قال نعم فبلغ المسمار بالدق إلى قرصه وإن قال لا، فانقل المسمار إلى الحرف الثاني وافعل ما تقدم ذكره، ولا تزال تنقله حرفا حرفا إلى آخر الحروف ففي أي حرف سكن الوجع، فبلغ المسمار فيه بالدق إلى قرصه فإنه لا بد أن يسكن في حرف منها كما جرب مرارا وما دام المسمار مدقوقا، دام الوجع ساكنا، فإذا قلع المسمار عاد الوجع والنقط الحمر في الحروف موضع وضع المسمار وهو سر عجيب مجرب صحيح. وقد نظم ذلك بعض الفضلاء في أبيات وهي:
وللضرس فاكتب في الجدار مفرقا ... بما جمعه حبر صلاء وعملا
ومره على الموجوع يجعل اصبعا ... وضع أنت مسمارا على الحرف أولا
ودق خفيفا ثم سله ترى به ... سكونا نعم إن قال بلغه موصلا
وإن قال لا فانقله ثاني حروفه ... وفي كل حرف مثل ما قلت فافعلا
وفي سورة الفرقان تقرأ ساكنا ... كذا آية الإنعام فاتل مرتّلا
وتترك ذا المسمار في الحيط مثبتا ... مدى الدهر فالأسقام تذهب والبلا
فخذها أخي كنزا لديك مجربا ... ذخيرة أهل الفضل من خيرة الملا
وقد أحسن الأمير أسامة بن منقذ «2» حيث قال «3» ملغزا في ضرسه وقد قلعه:
وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا فرقة الأبد «4»
وله «5» أيضا في الصبر:
اصبر إذا ناب خطب وانتظر فرجا ... يأتي به الله بعد الريب والياس
إن اصطبار ابنة العنقود إذ حبست ... في ظلمة القار أداها إلى الكاس
وله أيضا فيه:
من يرزق الصبر نال بغيته ... ولا حظته السعود في الفلك
إن اصطبار الزجاج حين بدا ... للسبك أدناه من فم الملك «6»
(1/70)

الإنكليس:
بفتح الهمزة واللام وكسرهما معا سمك شبيه بالحيات، رديء الغذاء وهو الذي يسمى الجري الآتي في باب الجيم إن شاء الله تعالى، ويسمى المارماهي، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الصاد، في لفظ الصيد، فإن البخاري ذكره في صحيحه. وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه أنه بعث عمار إلى السوق فقال: لا تأكلوا الأنكليس من السمك، وإنما كرهه لما تقدم، لا لأنه حرام. وفيه لغتان الأنكليس والأنقليس بفتح الهمزة واللام ومنهم من يكسرهما. قال الزمخشري: وقيل إنه الشلق. وقال ابن سيده: هو على هيئة السمك صغير له رجلان عند ذنبه كرجلي الضفدع، ولا يد له يكون في أنهار البصرة وليس لفظه عربيا.
الأنن:
بضم الهمزة وبالنونين طائر يضرب إلى السواد وله طوق كطوق الدبسي أحمر الرجلين والمنقار مثل الحمامة إلا أنه أسود وصوته أنين أوه أوه حكاه في المحكم.
الأنيس:
وتسميه الرماة الأنيسة طائر حاد البصر، يشبه صوته صوت الجمل، ومأواه قرب الأنهار والأماكن الكثيرة المياه، الملتفة الأشجار، وله لون حسن وتدبير في معاشه. قال ارسطو: إنه يتولد من الشرقراق «1» والغراب، وذلك بين في لونه. وهو طائر يحب الأنس ويقبل الأدب والتربية وفي صفيره وقرقرته أعاجيب: وذلك أنه ربما أفصح بالأصوات كالقمري، وربما ابهم كحمحمة الفرس. وغذاؤه الفاكهة واللحم وغير ذلك ويألف الغياض.
الحكم:
يحمل أكله لأنه من الطيبات، وينبغي أن يخرج فيه وجه بالحرمة لأكله اللحم ولسبب تولده من الغراب والشرقراق.
الأنوق:
على فعول الرخمة أو طائر أسود له شيء كالعرف أو أصلع الرأس أصفر المنقار قيل: إن في أخلاقها أربع خصال: تحضن بيضها، وتحمي فرخها، وتألف ولدها، ولا تمكن من نفسها غير زوجها.
وفي المثل: «أعز من بيض الأنوق «2» » و «أبعد «3» من بيض الأنوق» . فلا يكاد يظفر به، لأن أوكارها في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة وهي تحمق مع ذلك قال الشاعر:
وذات اسمين والألوان شتى ... وتحمق وهي كيسة الحويل «4»
وقال غيره:
وكنت إذا استودعت سرا كتمته ... كبيض أنوق لا ينال لها وكر
وقال رجل لمعاوية: زوجني هندا، يعني أمه، فقال: إنها قعدت عن الولد فلا حاجة لها إلى الزواج. قال فولى ناحية كذا. فأنشد معاوية رضي الله تعالى عنه:
طلب الأبلق العقوق فلما ... أعجزته أراد بيض الأنوق «5»
(1/71)

ومعناه أنه طلب ما لا يكون، فلما لم يجده، طلب ما يطمع في الوصول إليه، وهو مع ذلك بعيد. كذا قاله جماعة ممن تكلم على الأمثال. وهو غلط لأن أم معاوية ماتت في المحرم سنة أربع عشرة. في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما والصواب الذي في نهاية ابن الأثير وغيرها أن رجلا قال لمعاوية رضي الله تعالى عنه: افرض لي قال: نعم قال:
ولولدي: قال: لا، قال: ولعشيرتي، قال: لا. ثم تمثل معاوية رضي الله تعالى عنه بقول الشاعر طلب الأبلق العقوق إلى آخره. والعقوق الخامل من الفوق والأبلق من صفات الذكور، والذكر لا يحمل. فكأنه قال طلب الذكر الحامل وبيض الأنوق، مثل يضرب للذي يطلب المحال الممتنع.
وقال السهيلي في أوائل الروض: الأنوق الأنثى من الرخم يقال في المثل أراد بيض الأنوق إذا طلب ما لا يوجد لأنها تبيض حيث لا يدرك بيضها في شواهق الجبال. وهذا قول المبرد «1» في الكامل ولم يوافق عليه. فقد قال الخليل «2» : الأنوق الذكر نت الرخم. وهذا أشبه بالمعنى لأن الذكر لا يبيض، فمن أراد بيض الأنوق فقد أراد المحال، كمن أراد الأبلق العقوق. وقال القالي في الأمالي: الأنوق يقع على الذكر والأنثى من الرخم.
وحكم الأنوق يأتي إن شاء الله تعالى في باب الراء في الرخمة.
تتمة:
السهيلي اسمه عبد الرحمن بن محمد السهيلي الخثعمي الإمام المشهور قال أبو الخطاب «3» بن دحية: أنشدني السهيلي أبياتا وقال ما سأل الله تعالى بها أحد حاجة إلا قضاها، وفي رواية إلا أعطاه الله إياها وكذلك من استعمل إنشادها وهي «4» :
يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعدّ لكل ما يتوقع
يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقه في قول كن ... امنن فإن الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقري إليك وسيلة ... فبالافتقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلة ... فلئن رددت فأي باب أقرع
ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
حاشا لجودك أن تقنط عاصيا ... فالفضل أجزل والمواهب أوسع
وكان السهيلي مكفوف البصر توفي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة رحمه الله تعالى والله الموفق للصواب.
الإوز:
بكسر الهمزة وفتح الواو البط واحدته إوزة وجمعوا بالواو والنون فقالوا: اوزون.
وقد أجاد في وصفها أبو نواس «5» حيث قال:
(1/72)

كأنما يصفرن من ملاعق ... صرصرة لأقلام في المهارق «1»
وأبو نواس شاعر ماهر، وهو من شعراء الدولة العباسية وله أخبار عجيبة، ونكت غريبة، وخمريات أبدع فيها، واسمه الحسن بن هانىء بن عبد الأول. قال ابن خلكان في ترجمة أبي نواس قال المأمون: لو وصفت الدنيا نفسها لما وصفت بمثل قول «2» أبي نواس:
ألا كلّ حي هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
قال «3» ومن أحسن ما أتى به من المغاني وأغربها ويدل على حسن ظنه بالله تعالى قوله:
تكثر ما استطعت من الخطايا ... فإنك بالغ ربا غفورا
ستبصر إن وردت عليه عفوا ... وتلقى سيدا ملكا كبيرا
تعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار الشرورا
قال محمد بن نافع: رأيت أبا نواس في المنام بعد موته فقلت: يا أبا نواس، فقال: لات حين كنية، فقلت: الحسن بن هانىء قال: نعم، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها في علتي قبل موتي وهي تحت الوسادة، قال: فأتيت أهله فقلت: هل قال أخي شعرا قبل موته؟ قالوا: لا نعلم، إلا إنه دعا بدواة وقرطاس وكتب شيئا لا ندري ما هو قال: فدخلت ورفعت وسادته فإذا أنا برقعة مكتوب فيها «4» :
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يدعو ويرجو المجرم «5»
أدعوك رب كما أمرت تضرعا ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم إني مسلم
قال: وسئل أبو نواس عن نسبه فقال: أغناني أدبي عن نسبي. وتوفي سنة أربع وتسعين ومائة.
والأوز يحب السباحة، وفرخه يخرج من البيضة فيسبح في الحال، وإذا حضنت الأنثى قام الذكر يحرسها لا يفارقها طرفة عين، وتخرج أفراخها في أواخر الشهر. روى الإمام أحمد في المناقب، عن الحسين بن كثير، عن أبيه وكان قد أدرك عليا رضي الله تعالى عنه، قال: خرج علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، إلى صلاة الفجر فإذا إوز يصحن في وجهه، فطردوهن فقال: دعوهن، فإنهن نوائح، فضربه ابن ملجم، فقلت: يا أمير المؤمنين خل بيننا وبين مراد فلا
(1/73)

تقوم لهم ثاغية ولا راغية أبدا، فقال: لا ولكن احبسوا الرجل، فإن أنا مت فاقتلوه، وإن أعش فالجروح قصاص. انتهى.
وسبب ذلك، على ما ذكره ابن خلكان وغيره، أنه اجتمع قوم من الخوارج فتذاكروا أصحاب النهروان، وترحموا عليهم، وقالوا ما نصنع بالبقاء بعدهم؟ فتحالف عبد الرحمن بن ملجم، والبرك بن عبد الله، وعمرو بن بكر التميمي على أن يأتي كل واحد منهم واحدا من علي ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم، فقال ابن ملجم وهو أشقى الآخرين: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب، وقال البرك: وأنا أكفيكم معاوية، وقال ابن بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص. ثم سموا سيوفهم وتواعدوا لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان. فدخل ابن ملجم الكوفة فرأى امرأة حسناء، يقال لها قطام، كان علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قد قتل أباها وأخاها يوم النهروان، فخطبها فقالت لا أتزوجك حتى أشترط، قال: وما شرطك؟ قالت:
ثلاثة آلاف وعبد ووصيفة وقتل علي فقال لها: وكيف لي بقتل علي؟ فقالت: تروم ذلك غيلة فإن سلمت أرحت الناس من شره، وأقمت مع أهلك، وإن أصبت خرجت إلى الجنة ونعيم لا يزول فأنعم لها، وقال: ما جئت إلا لقتله. ثم أقبل ابن ملجم حتى جلس مقابل السدة التي يخرج منها علي رضي الله تعالى عنه: فزت ورب الكعبة، شأنكم بالرجل فخذوه، فحمل ابن ملجم علي رضي الله تعالى عنه: فزت ورب الكعبة، شأنكم بالرجل فخذوه، فحمل ابن ملجم على الناس بسيفه، فأفرجوا له، وتلقاه المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بقطيفة فرمى بها عليه واحتمله، فضرب به الأرض وجلس على صدره. قالوا: وأقام علي رضي الله عنه يومين ومات. وقتل الحسن بن علي عبد الرحمن بن ملجم، فاجتمع الناس وأحرقوا جثته.
وأما البرك فإنه ضرب معاوية رضي الله عنه، فأصاب أوراكه، وكان معاوية عظيم الأوراك، فقطع منه عرق النكاح، فلم يولد له بعد ذلك. فلما أخذ قال: الأمان والبشارة، فقد قتل علي في هذه الليلة، فاستبقاه حتى جاءه الخبر بذلك، فقطع معاوية يده ورجله وأطلقه. فرحل إلى البصرة، وأقام بها حتى بلغ زياد ابن أبيه أنه ولد له، فقال: أيولد له وأمير المؤمنين لا يولد له؟
فقتله قالوا: وأمر معاوية رضي الله عنه باتخاذ المقصورة من ذلك الوقت، وأما ابن بكر فإنه رصد عمرو ابن العاص رضي الله تعالى عنه، فاشتكى عمرو بطنه، فلم يخرج للصلاة، فصلى بالناس رجل من بني سهم يقال له خارجة فضربه ابن بكر فقتله فأخذ ابن بكر فلما أدخل على عمرو رضي الله تعالى عنه، ورآهم يخاطبونه بالإمارة قال: أو ما قتلت عمرا قال له: لا وإنما قتلت خارجة. قال:
أردت عمرا وأراد الله خارجة. فقتله عمرو رضي الله تعالى عنه وقيل: إن عليا رضي الله عنه، كان إذا رأى ابن ملجم يتمثل ببيت عمرو «1» بن معد يكرب بن قيس بن مكشوح المرادي وهو قوله «2» :
(1/74)

أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
فقيل لعلي رضي الله تعالى عنه: كأنك عرفته وعرفت ما يريد أفلا تقتله؟ قال: كيف أقتل قاتلي؟ ولما انتهى إلى عائشة رضي الله تعالى عنها قتل علي رضي الله تعالى عنه قالت «1» :
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
وعلي رضي الله تعالى عنه، أول إمام خفي قبره. قيل: إن عليا رضي الله عنه أوصى أن يخفى قبره لعمله أن الأمر يصير إلى بني أمية فلم يأمن أن يمثلوا بقبره. وقد اختلف في قبره فقيل: في زاوية الجامع بالكوفة وقيل في قصر الإمارة بها، وقيل بالبقيع وهو بعيد، وقيل: إنه بالنجف في المشهد الذي يزار اليوم وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ذكره ابن خلكان في ذلك في باب الفاء في لفظ الفهد والله الموفق.
فائدة أجنبية:
ولما كان الحديث ذا شجون، وإفادة العلم تحقق للطالبين ما يرجون، وتجدد لهم ما ينسى الخليع أيام المجون، أحببت أن أذكر ههنا فائدة غريبة ذكرها المؤرخون، وهو أن كل سادس قائم بأمر الأمة مخلوع، وها أنا أذكر ما ذكروه، وأزيد عليه قدرا يسيرا من سيرة كل واحد منهم، وأيامه وسبب موته ومدة خلافته وعمره، لتكمل بذلك الفائدة، وتحل الجدوى والعائدة.
قال المؤرخون: إن أول قائم بأمر الأمة النبي صلى الله عليه وسلم، بعثه الله تعالى على فترة من الرسل، رحمة للعالمين، فبلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده، ونصح الأمة وعبد ربه حتى أتاه اليقين، فهو أفضل الخلق وأشرف الرسل، نبي الرحمة وإمام المتقين، وحامل لواء الحمد وصاحب الشفاعة، والمقام المحمود، والحوض المورود. آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائه، فهو خير الأنبياء، وأمته خير الأمم، وأصحابه أفضل الناس بعد الأنبياء، وملته أشرف الملل له المعجزات الباهرة، والخلق العظيم والعقل الكامل الجسيم، والنسب الأشرف والجمال المطلق، والكرم الأوفر والشجاعة التامة، والحلم الزائد، والعلم النافع، والعمل الأرفع والخوف الأكمل، والتقوى الباهرة، فهو أفصح الخلق وأكملهم في كل صفات الكمال وأبعد الخلق عن الدناآت والنقائص وفيه قال الشاعر:
لم يخلق الرحمن مثل محمد ... أبدا وعلمي أنه لا يخلق
قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان في بيته في مهنة أهله، أي في خدمتهم، وكان يفلي ثوبه ويرقعه، ويخصف نعله ويخدم نفسه، ويعلق ناضحه، ويقم البيت أي يكنسه، ويعقل البعير ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السوق، وكان عليه الصلاة والسلام متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة. وقد قال علي رضي الله تعالى عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته، فقال: «المعرفة رأس مالي والحب أساسي والشوق
(1/75)

مركبي، وذكر الله أنيسي والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والفقر فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي وقرة عيني في الصلاة.
وأما حلمه صلى الله عليه وسلم، وجوده وشجاعته، وحياؤه وحسن عشرته، وشفقته ورأفته، ورحمته وبره، وعدله ووقاره، وصبره وهيبته، وثقته وبقية خصاله الحميدة، التي لا تكاد تحصر فكثيرة جدا فقد صنف العلماء رضي الله تعالى عنهم في سيرته وأيامه، ومبعثه وغزواته، وأخلاقه ومعجزاته، ومحاسنه وشمائله، كتبا جمة، ولو أردنا ذكر قدر يسير منها لجاء في مجلدات كثيرة، ولسنا بصدد ذلك في هذا الكتاب، قالوا: وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم بعد أن أكمل الله تعالى لنا ديننا وأتم علينا نعمته في وسط يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة أحدى عشرة، وله صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة وتولى غسله علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ودفن صلى الله عليه وسلم في حجرته التي بناها لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.
خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه
ثم قام بالأمر بعده صلى الله عليه وسلم، خليفته على الصلاة أيام مرضه، وابن عمه الأعلى ونسيبه وصهره ومؤنسه في الغار، ووزيره وصديقه الأكبر، وخير الخلق بعده أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. بويع له بالخلافة في اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسقيفة بني ساعدة، ولذلك قصة تركناها لطولها واشتهارها، فقام بالأمر أتم قيام، وفتح في دولته اليسيرة اليمامة وأطراف العراق وبعض مدن الشام. وكان رضي الله عنه كبير الشأن زاهدا خاشعا، إماما حليما، وقورا شجاعا، صابرا رؤوفا، عديم النظير في الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، ومنعت الزكاة، فلما استخلف الصديق جمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وشاورهم في القتال، فاختلفوا عليه وقال له عمر رضي الله تعالى عنه كيف نقاتل الناس وقد قال «1» رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؟ فمن قالها فقد عصم مني دمه وماله إلا بحقه وحسابه على الله عزّ وجلّ؟ فقال الصديق رضي الله عنه:
«والله لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها «2» » . قال عمر رضي الله عنه: «فو الله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق» . «3» وفي رواية قال عمر رضي الله عنه: فقلت تألف الناس وارفق بهم فقال لي: «أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام يا عمر؟ إنه قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي» . ثم خرج لقتالهم.
وذكر جماعة من المؤرخين وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قد وجه أسامة بن زيد رضي الله عنهما
(1/76)

في سبعمائة بطل إلى الشام فلما نزل بذي خشب، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتدت العرب فاجتمعت الصحابة رضي الله عنهم وقالوا للصديق رضي الله عنه: رد هؤلاء أي أسامة ومن معه، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ما رددت جيشا جهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حللت عقد لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية لو علمت أن السباع تجر برجلي إن لم أرده ما رددتته. وأمر أسامة «1» رضي الله عنه أن يمضي لوجهه وقال له: إن رأيت أن تأذن لعمر رضي الله عنه بالمقام عندي أستأنس به وأستعين برأيه، فقال له أسامة رضي الله عنه: قد فعلت. وسار أسامة رضي الله تعالى عنه، فجعل لا يمر بقبيلة تريد الارتداد، إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هذا الجيش من عندهم، فلقوا الروم فقاتلوهم وهزموهم ورجعوا سالمين.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج أبي يوم الردة شاهرا سيفه، راكبا راحلته، فجاء علي رضي الله تعالى عنه حتى أخذ بزمام راحلته، وقال: أقول لك ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: «شم سيفك لا تفجعنا بنفسك فو الله لئن أصبنا بك، لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدا» ومعنى شم اغمد. وقال ابن قتيبة: ارتدت العرب إلا القليل منهم فجاهدهم الصديق حتى استقاموا وفتح اليمامة وقتل مسيلمة الكذاب بها والأسود العنسي الكذاب بصنعاء. وبعث الجيوش إلى الشأم والعراق وقال أبو رجاء العطاردي: دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين ورأيت رجلا يقبل رأس رجل ويقول: أنا فداؤك، والله لولا أنت لهلكنا. فقلت: من المقبل والمقبل؟ فقالوا:
عمر يقبل رأس أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، من أجل قتال أهل الردة. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، واشرأب «2» النفاق، ونزل بأبي ما لو نزل على الجبال الراسيات لهاضها، وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: والله الذي لا إله إلا هو لو لم يستخلف أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ما عبد الله تعالى. ثم قال الثانية ثم قال الثالثة. قالوا:
وكان من اللين والتواضع على جانب عظيم. ولما مرض ترك التطبيب تسليما لأمر الله تعالى فعاده الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقالوا ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟ فقال: نظر إلي قالوا وما قال لك؟ قال: قال لي إني فعال لما أريد.
توفي رضي الله عنه ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وله رضي الله عنه ثلاث وستون سنة وكان سبب موته كمدا لحقه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يذيبه. والكمد الحزن المكتوم ودفن في حجرة عائشة أم المؤمنين مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت خلافته رضي الله عنه سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام.
(1/77)

خلافة عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه
ثم قام بالأمر بعده أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. بويع له بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبوبكر رضي الله تعالى عنه، بوصية من أبي بكر إليه رضي الله تعالى عنهما.
فقام بعده بمثل سيرته وجهاده وثباته، وصبره على العيش الخشن، وخبز الشعير، والثوب الخام المرقع، والقناعة باليسير، وفتح الفتوحات الكبار، والأقاليم الشاسعة. وهو أول من سمي بأمير المؤمنين، وهو من المهاجرين الأولين صلى إلى القبلتين وشهد بدرا وبيعة الرضوان، وجميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما أسلم رضي الله تعالى عنه أعزّ الله به الإسلام وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عنه راض، وبشره بالجنة.
ومناقبه رضي الله عنه كثيرة جدا وحسبك أنه كان وزير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعاش حميدا وتوفي فقيرا سعيدا شهيدا. فما يبغضه إلا زنديق أو حمار مفرط الجهل، وهو أول من عس في عمله رضي الله تعالى عنه، أي كان يمشي ليلا لحفظ الدين والناس، وهابه الناس هيبة عظيمة حتى تركوا الجلوس بالأفنية فلما بلغه رضي الله تعالى عنه هيبة الناس له، جمعهم ثم قام على المنبر حيث كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يضع قدميه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، وصلّى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: بلغني أن الناس قد هابوا شدتي، وخافوا غلظتي وقالوا: قد كان عمر يشتد علينا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، ثم اشتد علينا وأبو بكر رضي الله تعالى عنه والينا دونه، فكيف الآن وقد صارت الأمور إليه؟ ولعمري من قال ذلك صدق كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت عبده وخادمه حتى قبضه الله عزّ وجلّ وهو عني راض، والحمد لله وأنا أسعد الناس بذلك. ثم ولي أمر الناس أبو بكر رضي الله تعالى عنه فكنت خادمه وعونه أخلط شدّتي بلينه، فأكون سيفا مسلولا حتى يغمدني أو يدعني فما زلت معه كذلك حتى قبضه الله تعالى وهو عني راض، والحمد لله وأنا أسعد الناس بذلك. ثم إني وليت أموركم اعلموا أن تلك الشدّة قد تضاعفت، ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، وأما أهل السلامة والدين والقصد فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض، ولست أدع أحدا يظلم أحدا ويتعدى عليه، حتى أضع خده على الأرض، وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن بالحق. ولكم علي أيها الناس أن لا أخبأ عنكم شيئا من خراجكم وإذا وقع عندي، أن لا يخرج إلا بحقه ولكم علي أن لا ألقيكم في المهالك وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
قال سعيد بن المسيب: وفى والله عمر وزاد في الشدة في مواضعها، واللين في مواضعه، وكان رضي الله تعالى عنه أبا العيال، حتى كان يمشي إلى المغيبات أي التي غاب عنهن أزواجهن، ويقول: ألكن حاجة حتى أشتري لكن؟ فإني أكره أن تخدعن في البيع والشراء، فيرسلن بجواريهن معه فيدخل في السوق، ووراءه من جواري النساء غلمانهن ما لا يحصى، فيشتري لهن حوائجهن.
ومن كان ليس عندها شيء، اشترى لها من عنده رضي الله تعالى عنه. وروي أن طلحة، رضي الله تعالى عنه، خرج فرأى عمر رضي الله تعالى عنه، قد دخل بيتا ثم خرج، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت، فإذا عجوز عمياء مقعدة، فقال لها طلحة: ما بال هذا الرجل
(1/78)

يأتيك؟ فقالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا بما يصلحني ويخرج عني الأذى. تعني القذر.
ولما رجع رضي الله تعالى عنه من الشام إلى المدينة، انفرد عن الناس، ليتعرف أخبار رعيته، فمر بعجوز في خبائها فقصدها فقالت: يا هذا ما فعل عمر؟ قال: قد أقبل من الشام سالما فقالت: لا جزاه الله عني خيرا قال: ولم قالت: لأنه والله ما نالني من عطائه منذ ولي أمر المؤمنين دينار ولا درهم. فقال: وما يدري عمر بحالك وأنت في هذا الموضع؟ فقالت: سبحان الله والله ما ظننت أن أحدا يلي على الناس، ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها! فبكى عمر رضي الله تعالى عنه، وقال: واعمراه كل أحد أفقه منك حتى العجائز يا عمر. ثم قال يا أمة الله بكم تبيعيني ظلامتك من عمر، فإني أرحمه من النار، فقالت: لا تهزأ بنا يرحمك الله! فقال: لست بهزاء فلم يزال بها حتى اشترى منها ظلامتها بخمسة وعشرين دينارا، فبينما هو كذلك، إذ أقبل علي بن أبي طالب، وابن مسعود، فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فوضعت العجوز يدها على رأسها، وقالت: وا سوأتاه شتمت أمير المؤمنين في وجهه، فقال لها عمر رضي الله تعالى عنه: لا بأس عليك رحمك الله. ثم طلب رقعة، يكتب فيها فلم يجد، فقطع قطعة من مرقعته وكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي إلى يوم كذا وكذا، بخمسة وعشرين دينارا فما تدعي عند وقوفه في المحشر بين يدي الله تعالى فعمر منه بريء شهد على ذلك علي بن أبي طالب وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، ثم دفع الكتاب إلى ولده، وقال إذا أنا مت فاجعله في كفني، ألقى به ربي وأخباره رضي الله تعالى عنه في مثل هذا كثيرة جدا.
وذكر الفضائلي أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وهو بالقادسية بأن يوجه نضلة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، إلى حلوان العراق ليغير على ضواحيها، فبعث سعد نضلة في ثلاثمائة فارس، فساروا حتى أتوا حلوان العراق، فأغاروا على ضواحيها فأصابوا غنيمة وسبيا، فأقبلوا بذلك حتى أرهقهم العصر، وكادت الشمس تغرب، فألجأ نضلة السبي والغنيمة إلى سفح جبل، ثم قام فأذن فقال الله أكبر الله أكبر فأجابه مجيب من الجبل: كبرت كبيرا يا نضلة، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال: كلمة الإخلاص يا نضلة، ثم قال: أشهد أن محمدا رسول الله فقال: هو الذي بشرنا به عيسى بن مريم عليه السلام، وعلى رأس أمته تقوم الساعة، ثم قال: حي على الصلاة فقال: طوبى لمن سعى إليها وواظب عليها، ثم قال: حي على الفلاح، فقال: قد أفلح من أجاب داعي الله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، قال: أخلصت الإخلاص كله يا نضلة، حرم الله بها جسدك على النار. فلما فرغ من أذانه قام فقال: من أنت يرحمك الله أملك أنت أم من الجن، أم طائف من عباد الله قد أسمعتنا صوتك فأرنا شخصك فإن الوفد وفد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووفد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فانفلق الجبل عن هامة كالرحا، أبيض الرأس واللحية، عليه طمران من صوف فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقالوا: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، من أنت يرحمك الله؟ قال:
أبا رزين بن برثملا وصي العبد الصالح عيسى بن مريم عليه السلام، أسكنني في هذا الجبل، ودعا لي بطول البقاء إلى حين نزوله من السماء فاقرؤوا عمر مني السلام وقولوا له: يا عمر سدد
(1/79)

وقارب فقد دنا الأمر، وأخبروه بهذه الخصال التي أخبركم بها: يا عمر إذا ظهرت هذه الخصال في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فالهرب الهرب إذا استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وانتسبوا إلى غير مناسبهم، وإنتموا إلى غير مواليهم، ولم يرحم كبيرهم صغيرهم، ولم يوقر صغيرهم كبيرهم، وترك الأمر بالمعروف، فلم يؤمر به وترك النهي عن المنكر فلم ينه عنه، وتعلم عالمهم العلم ليجلب به الدنيا، وكان المطر قيظا والولد غيظا، وطولوا المنارات وفضضوا المصاحف، وزخرفوا المساجد وأظهروا الرشا وشيدوا البناء، واتبعوا الهوى وباعوا الدين بالدنيا، وقطعت الأرحام ومنعت الأحكام، وأكلوا الرباء وحاز الغني عزا، والفقير ذلا، وخرج الرجل من بيته، فقام إليه من هو خير منه فسلم عليه، وركبت الفروج السروج. ثم غاب عنهم فلم يروه. فكتب نضلة إلى سعد بذلك، فكتب سعد بذلك إلى عمر، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فكتب إليه عمر رضي الله تعالى عنه: سر أنت بنفسك ومن معك، من المهاجرين والأنصار، حتى تنزلوا بهذا الجبل، فإن لقيته فاقرئه مني السلام، فخرج سعد رضي الله تعالى عنه، في أربعة آلاف فارس من المهاجرين والأنصار وأبنائهم، حتى نزلوا بذلك الجبل، ومكث سعد رضي الله تعالى عنه أربعين يوما ينادي بالصلاة، فلا يجد جوابا ولا يسمع خطابا فكتب بذلك إلى عمر رضي الله تعالى عنه.
وعمر رضي الله تعالى عنه أول من أرخ التاريخ وذلك في سنة ست عشرة، وفيها كان فتح بيت المقدس صلحا. وفيها نزل سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه الكوفة ومصرّها، وهو أول من دون الدواوين ومصر الأمصار وحقق كلمته في إعلاء كلمة الله تعالى، ففتح الله تعالى على يديه مواضع عديدة ففتح رضي الله تعالى عنه دمشق ثم الروم ثم القادسية، ثم انتهى الفتح إلى حمص وحلوان والرقة والرها وحران ورأس العين وخابور ونصيبين وعسقلان وطرابلس، وما يليها من الساحل وبيت المقدس وبيسان واليرموك والأهواز وقيسارية ومصر وتستر ونهاوند والري وما يليها، وأصبهان وبلاد فارس واصطخر وهمذان والنوبة والبرلس والبربر وغير ذلك وكانت درته أهيب من سيف الحجاج، وهابه ملوك فارس والروم وغيرهم، ومع ذلك كله بقي على حاله كما كان قبل الولاية في لبسه وزيه وأفعاله وتواضعه يسير منفردا في حضره وسفره من غير حرس ولا حجاب لم تغيره الإمرة، ولم يستطل على مسلم بلسانه، ولا حابى أحدا في الحق، وكان لا يطمع الشريف في حيفه، ولا ييأس الضعيف من عدله، ولا يخاف في الله لومة لائم. ونزّل نفسه رضي الله تعالى عنه، من مال الله تعالى منزلة رجل من المسلمين، وجعل فرضه كفرض رجل من المهاجرين، وكان يقول: أنا في مالكم كولي مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف أراد بذلك أنه يأكل ما تقوم به بنيته ولا يتعداه، وقال مجاهدا: تذاكر الناس في مجلس ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فأخذوا في فضل أبي بكر ثم في فضل عمر رضي الله تعالى عنهما، فلما سمع ابن عباس ذكر عمر رضي الله تعالى عنه، بكى بكاء شديدا حتى أغمي عليه، ثم قال:
رحم الله عمر قرأ القرآن وعمل بما فيه فأقام حدود الله كما أمر لا تأخذه في الله لومة لائم لقد رأيت عمر رضي الله تعالى عنه، وقد أقام الحد على ولده فقتله فيه. وستأتي الإشارة إلى ذلك في باب الدال المهملة في لفظ الديك، وقتل رضي الله عنه في سنة ثلاث وعشرين، قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، واسمه فيروز، وكان المغيرة رضي الله تعالى عنه، يستغله كل يوم أربعة دراهم،
(1/80)

لأنه كان يصنع الأرحاء، فلقي عمر يوما فقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة قد أثقل على غلتي فكلمه لي ليخفف عني، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه اتق الله وأحسن إلى مولاك.
فغضب أبو لؤلؤة وقال: يا عجباه قد وسع الناس عدله غيري، وأضمر على قتله واصطنع له خنجرا له رأسان، وسمه وتحين به عمر رضي الله تعالى عنه، فجاء عمر إلى صلاة الغداة، قال عمرو بن ميمون: إني لقائم في الصلاة، وما بيني وبين عمر إلا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني الكلب، حين طعنه، وطار العلج «1» بسكين كان ذات طرفين لا يمر على أحد يمينا أو شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات سبعة، وقيل تسعة. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما علم أنه مأخوذ نحر نفسه. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: قاتله الله لقد أمرت به معروفا. ثم قال الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام. وكان أبو لؤلؤة مجوسيا ويقال كان نصرانيا توفي في ذي الحجة لأربع عشرة ليلة مضت منه في السنة المذكورة بعد طعنه بيوم وليلة عن ثلاث وستين سنة، ودفن مع صاحبه في الحجرة النبوية. ولما توفي عمر رضي الله تعالى عنه، أظلمت الأرض فجعل الصبي يقول: يا أماه أقامت القيامة؟ فتقول لا يا بني، ولكن قتل عمر رضي الله تعالى عنه. وسيأتي طرف من هذا، وذكر الشورى في لفظ الديك أيضا قال ابن إسحاق: وكانت خلافته رضي الله تعالى عنه عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال وقال غيره وثلاثة عشر يوما والله أعلم.
خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه
ثم قام بعده بالأمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. اشتور أهل الحل والعقد بعد دفن عمر بثلاثة أيام واتفقوا على مبايعته. وهو ابن عم المصطفى صلى الله عليه وسلم الأعلى، بويع له بالخلافة في أول يوم من سنة أربع وعشرين، قال أهل التاريخ إنه لم يزل اسمه في الجاهلية والإسلام عثمان ويكنى أبا عمرو وأبا عبد الله، والأول أشهر، وينسب إلى أمية بن عبد شمس، فيقال: الأموي، يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، ويدعى بذي النورين، قيل لأنه تزوج بابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقية وأم كلثوم رضي الله تعالى عنهما، ولم يعلم أحد تزوج بابنتي نبي غيره رضي الله تعالى عنه، وقيل لأنه إذا دخل الجنة برقت له برقتين، وقيل لأنه يختم القرآن في الوتر، والقرآن نور وقيام الليل نور، وقيل غير ذلك.
وهو رضي الله تعالى عنه، من السابقين وصلّى إلى القبلتين وهاجر الهجرتين، وهو أول من هاجر إلى الحبشة فارا بدينه، ومعه زوجته رقية رضي الله تعالى عنهما. وعد من البدريين، ومن أهل بيعة الرضوان، ولم يحضرهما، وكان سبب غيبته عن بدر أن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت تحته وهي مريضة، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجلوس عندها ليمرضها، وقال له: لك أجر رجل ممن شهد بدرا، وسهمه. وأما غيبته عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعزّ منه ببطن مكة، لبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال بيده اليمنى هذه يد عثمان. وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1/81)

وهو عنه راض، وبشره بالجنة ودعا له بالخصوصية، غير مرة فأثرى وكثر ماله، وكانت له شفقة ورأفة، فلما ولي زاد تواضعه وشفقته ورأفته برعيته، وكان يطعم الناس طعام الإمارة ويأكل الخل والزيت، وجهز جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيرا بأحلاسها وأقتابها «1» ، وأتم الألف بخمسين فرسا، وقال قتادة: حمل عثمان رضي الله تعالى عنه على ألف بعير، وسبعين فرسا، وقال الزهري:
حمل على تسعمائة وأربعين بعيرا وستين فرسا.
وعن حذيفة بن اليمان، قال «2» : «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان رضي الله تعالى عنه في تجهيز جيش العسرة، فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار، فصبت بين يديه فجعل صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده، ويقول غفر الله لك يا عثمان، ما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة» . وفي رواية: «ما يضر عثمان ما فعل بعد اليوم واشترى بئر رومة بخمسة وثلاثين ألفا وسبلها» .
وله رضي الله تعالى عنه من الخيرات وأفعال البر ما يطول ذكره. قال ابن قتيبة وافتتح في أيامه الإسكندرية وسابور وإفريقية، وقبرس وسواحل الروم، واصطخر الأخرى وفارس الأولى وخوزستان، وفارس الأخرى وطبرستان، وكرمان وسجستان، والأساورة وإفريقية، من حصون قبرص وساحل الأردن ومرو. ولما عمرت المدينة وصارت وافرة الأنام وقبة الإسلام، وكثرت فيها الخيرات والأموال وجبى إليها الخراج، من الممالك وبطرت الرعية من كثرة الأموال والخيل، والنعم، وفتحوا أقاليم الدنيا واطمأنوا وتفرغوا، أخذوا ينقمون على خليفتهم عثمان رضي الله تعالى عنه، لأنه كان له أموال عظيمة، وكان له ألف مملوك ولكونه يعطي المال لأقاربه ويوليهم الولايات الجليلة، فتكلموا فيه إلى أن قالوا: هذا لا يصلح للخلافة وهموا بعزله وثاروا لمحاصرته وجرت أمور يطول ذكرها فحاصروه في داره أياما وكانوا أهل جفاء، ورؤوس شر، فوثب عليه ثلاثة فذبحوه في بيته، والمصحف بين يديه، وهو شيخ كبير، وكان ذلك أول وهن وبلاء على هذه الأمة بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم فإنا لله وإنا إليه راجعون. قتلوه قاتلهم الله، يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة الحرام سنة خمس وثلاثين.
ومناقبه رضي الله تعالى عنه كثيرة جدا. شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وقال: ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة وأخبر صلى الله عليه وسلم، بأنه شهيد وأنه يبتلى، وتفرقت الكلمة بعد قتله رضي الله تعالى عنه، وماج الناس واقتتلوا للأخذ بثاره حتى قتل من المسلمين تسعون ألفا، وقال ابن خلكان وغيره: لما بويع عثمان رضي الله تعالى عنه، نفى أباذر الغفاري «3» رضي الله تعالى عنه إلى الربذة «4» لأنه كان يزهد الناس في الدنيا ورد الحكم بن أبي العاص «5» وكان قد نفاه
(1/82)

رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الربذة ولم يرده أبو بكر ولا عمر فرده عثمان رضي الله تعالى عنهم. قيل: إنما رده بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم، قاله غير واحد. ولى مصر عبد الله بن أبي «1» سرح، وأعطى أقاربه الأموال فكان ذلك مما نقم عليه الناس، فلما كانت سنة خمس وثلاثين، قدم المدينة مالك الأشتر «2» النخعي في مائتي رجل من أهل الكوفة، ومائة وخمسين من أهل البصرة وستمائة من أهل مصر، كلهم مجمعون على خلع عثمان رضي الله تعالى عنه من الخلافة، فلما اجتمعوا في المدينة سير إليهم عثمان رضي الله تعالى عنه المغيرة بن شعبة «3» وعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، يدعوهم إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فردوهما أقبح رد، ولم يسمعوا كلامهما. فبعث إليهم عليا رضي الله تعالى عنه فردهم إلى ذلك، وضمن لهم ما يعدهم به عثمان رضي الله تعالى عنه، وكتبوا على عثمان كتابا بإزاحة عللهم، والسير فيهم بكتاب الله عزّ وجلّ، وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم، وأخذوا عليه عهدا بذلك، وأشهدوا على علي رضي الله تعالى عنه أنه ضمن ذلك، واقترح المصريون على عثمان رضي الله تعالى عنه عزل عبد الله بن أبي سرح، وتولية محمد بن أبي بكر فأجابهم إلى ذلك وولاه وافترق الجمع كل إلى بلده، فلما وصل المصريون إلى إيلة وجدوا رجلا على نجيب لعثمان رضي الله تعالى عنه ومعه كتاب مختوم بخاتم عثمان، مصطنع على لسانه، وعنوانه من عثمان إلى عبد الله بن أبي سرح وفيه إذا قدم محمد بن أبي بكر ومعه فلان وفلان فاقطع أيديهم وأرجلهم وارفعهم على جذوع النخل، فرجع المصريون ورجع البصريون والكوفيون لما بلغهم ذلك وأخبروه الخبر فحلف عثمان رضي الله تعالى عنه أنه ما فعل ذلك، ولا أمر به، فقالوا: هذا أشد عليك يؤخذ خاتمك ونجيب من إبلك وأنت لا تعلم. ما أنت إلا مغلوب على أمرك! ثم سألوه أن يعتزل فأبى، فأجمعوا على حصاره فحاصروه في داره، وكان من أكبر المؤلبين عليه محمد بن أبي بكر. وكان الحصار في سلخ شوال، واشتد الحصار، ومنع من أن يصل إليه الماء قال أبو أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه: كنا مع عثمان وهو محصور في الدار، فقال: «وبم يقتلوني؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «4» لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفسا بغير حق فيقتل بها، فو الله ما أحببت بديني بدلا، منذ هداني الله تعالى، ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت نفسا بغير حق فبم يقتلوني» ؟ رواه الإمام أحمد.
وعن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه أنه قال «لما اشتد الحصار بعثمان رضي الله تعالى عنه، يوم الدار رأيت عليا رضي الله تعالى عنه خارجا من منزله معتما بعمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، متقلدا بسيفه وأمامه ابنه الحسن وعبد الله بن عمر في نفر من المهاجرين والأنصار، رضي الله تعالى
(1/83)

عنهم، فحملوا على الناس وفرقوهم، ثم دخلوا على عثمان رضي الله تعالى عنه، فقال له علي رضي الله تعالى عنه: السلام عليك يا أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلحق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل المدبر، وإني والله لا أرى القوم إلا قاتليك فمرنا فلنقاتل، فقال عثمان: أنشد الله رجلا رأى لله عزّ وجلّ عليه حقا، وأقرأن لي عليه حقا، أن يهريق بسببي ملء محجمة من دم، أو يهريق دمه في. فأعاد علي عليه القول، فأجابه بمثل ما أجابه، قال فرأيت عليا رضي الله تعالى عنه خارجا من الباب، وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنا قد بذلنا المجهود. ثم دخل المسجد فاقتحموا على عثمان رضي الله تعالى عنه الدار، والمصحف بين يديه، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته، فقال له عثمان رضي الله تعالى عنه: أرسل لحيتي يا بن أخي فو الله لو رأى أبوك مقامك هذا لساءه. فأرسل لحيته وولى، فضربه بتار بن عياض وسودان بن حمران بسيفيهما فنضح الدم على قوله «1» تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
وجلس عمرو بن الحمق على صدره، وضربه حتى مات. ووطىء عمير بن صابي على بطنه، فكسر له ضلعين من أضلاعه.
وروى الإمام أحمد عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، قال: «ذكر «2» رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة وعظمها وقربها، ثم مر رجل مقنع في ملحفة، فقال: هذا يومئذ على الحق فإذا هو عثمان رضي الله تعالى عنه» . وروى «3» الترمذي معناه فقال: «هذا يومئذ على الهدى» . وقال إنه حديث حسن صحيح.
وكان لأمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه شيئان ليسا لأبي بكر ولا لعمر رضي الله تعالى عنهما، صبره على نفسه حتى قتل مظلوما، وجمعه الناس على المصحف. قاله ابن مهدي وغيره.
وقال المدائني: قتل رضي الله تعالى عنه يوم الأربعاء بعد العصر، ودفن يوم السبت قبل الظهر. وقيل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وقال المهدوي:
قتل في وسط أيام التشريق وأقام ثلاثة أيام، لم يدفن ولم يصل عليه وقيل صلّى عليه رضي الله تعالى عنه جبير بن مطعم. ودفن رضي الله تعالى عنه ليلا. واختلف في مدة الحصار فقيل: أكثر من عشرين يوما، وقيل تسعة وأربعون يوما، قاله الواقدي، وقال الزبير بن بكار وغيره: ثمانون يوما.
وكانت خلافته رضي الله تعالى عنه اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما، وقتل رضي الله تعالى عنه وهو ابن ثمانين سنة، قاله ابن إسحاق. وقال غيره كانت خلافته إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وأربعة عشر يوما وقتل رضي الله تعالى عنه وعمره ثمان وثمانون سنة. وقيل كانت خلافته اثنتي عشرة سنة وقتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وقيل ابن ثلاث وثمانين سنة وقيل تسعين وقيل غير ذلك والله أعلم.
خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه
ثم قام بعده بالامر أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه. بويع له بالخلافة يوم قتل عثمان
(1/84)

رضي الله تعالى عنه كما سيأتي أن شاء الله تعالى.
وهو رضي الله تعالى عنه يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد المطلب، الجد الأدنى ينسب إلى هاشم فيقال القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبويه. ولم يزل إسمه في الجاهلية والإسلام عليا، ويكنى أبا الحسن وأبا تراب، كناه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحب الكنى إليه.
أسلم رضي الله تعالى عنه وهو ابن سبع، وقيل ابن تسع وابن عشر، وقيل خمس عشرة وقيل غير ذلك. وشهد رضي الله تعالى عنه المشاهد كلها إلا تبوك فإنه صلى الله عليه وسلم، خلفه في أهله.
وكان رضي الله تعالى عنه غزير العلم، ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقام بعده ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الودائع ثم لحق به. ويقال إنه رضي الله تعالى عنه أول من أسلم، وأول من صلى، وزوجه صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، وبعث معها خميلة ووسادة من أدم حشوها ليف، ورحيين وسقاء وجرتين. وشهد له بالجنة صلى الله عليه وسلم. ومناقبه رضي الله تعالى عنه كثيرة جدا ويكفي منها قوله صلى الله عليه وسلم «أنا مدينة العلم وعلي «1» بابها» .
فائدة لطيفة: قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: سادات الأنبياء خمسة «2» نوح وإبراهيم الخليل وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أجمعين.
ذكر أسماء من ولد من الأنبياء مختونا: عن كعب الأحبار رضي الله تعالى عنه أنه قال: هم ثلاثة عشر: آدم وشيث وإدريس ونوح وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ويحي وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. وقال محمد بن حبيب الهاشمي: هم أربعة عشر: آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس، ومحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين.
ذكر أسماء من كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب، وهو أول من كتب له وزيد بن ثابت الأنصاري ومعاوية بن أبي سفيان، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وخالد بن سعيد بن العاص. وكان المداوم له على الكتابة زيدا ومعاوية.
ذكر من جمع القرآن حفظا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبو يزيد الأنصاري وأبو الدرداء وزيد بن ثابت، وعثمان بن عفان وتميم الداري وعبادة بن الصامت وأبو أيوب الأنصاري.
ذكر من كان يضرب الأعناق بين يديه صلى الله عليه وسلم: علي والزبير ومحمد بن مسلمة والمقداد وعاصم بن أبي الأفلح.
ذكر من كان يحرسه صلى الله عليه وسلم: سعد بن أبي وقاص، وسعد بن معاذ، وعباد بن بشر، وأبو
(1/85)

أيوب الأنصاري ومحمد بن مسلمة الأنصاري. فلما نزل قوله «1» تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
ترك الحراسة.
ذكر من كان يفتي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وحذيفة وزيد بن ثابت وسلمان وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري.
ذكر من انتهت الفتوى إليهم من التابعين بالمدينة: سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وقاسم وعبيد الله وعروة وسليمان وخارجة.
ذكر من تكلم في المهد: وهم أربعة: صاحب جريج ببراءته من الزنا، وشاهد يوسف ببراءته من زليخا، وابن الماشطة التي لبنت فرعون حذرها من الكفر، وعيسى بن مريم ببراءة أمه عليهما السلام.
وتكلم بعد الموت أربعة: يحي بن زكريا حين ذبح، وحبيب النجار حيث قال يا ليت قومي يعلمون، وجعفر الطيار حيث قال: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ «2» اللَّهِ
إلخ، والحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما حيث قال: سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ «3» .
ذكر من حملته أمه أكثر من مدة الحمل: سفيان بن حبان ولد لاربع سنين خلون في بطن أمه، ومحمد بن عبد الله بن حسن الضحاك بن مزاحم، ولد وهو ابن ستة عشر شهرا خلون في بطن أمه، ويحي بن علي بن جابر البغوي كذلك، وسلمان الضحاك ولد ابن سنتين خلتا في بطن أمه.
ذكر النماردة: وهم ستة فالأول نمرود بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام، وهو أحد ملوك الأرض الذين ملكوا الدنيا بأجمعها، وقد كان في أيام إبراهيم عليه السلام، الثاني نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام، وهو صاحب النسور وقصته مشهورة. الثالث نمرود بن ماش بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام. الرابع نمرود بن سنجار بن نمرود ابن كوش بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام. الخامس نمرود بن ساروع بن أرغو بن مالخ السادس نمرود بن كنعان بن المصاص بن نقطا.
ذكر الفراعنة: وهم ثلاثة: فأولهم سنان الأشعل بن علوان بن العميد بن عمليق، وهو فرعون إبراهيم عليه السلام. الثاني الريان بن الوليد، وهو فرعون يوسف عليه السلام. الثالث الوليد بن مصعب، وهو فرعون موسى عليه السلام.
ذكر أصحاب المذاهب المتبعة، ووفاتهم من كتاب علوم الحديث للنووي رحمه الله: سفيان الثوري مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، ومولده سنة سبع وعشرين. مالك بن أنس مات بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة، وولد سنة تسعين. وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، مات في بغداد
(1/86)

سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة. وأبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، مات بمصر آخر رجب سنة أربع ومائتين، وولد سنة خمسين ومائة. وأبو عبد الله أحمد بن حنبل، مات في بغداد في شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ذكر أصحاب الأحاديث المعتمدة: أبو عبد الله البخاري، ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، ومات ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين. ومسلم مات بنيسابور لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس وخمسين.
وأبو داود مات بالبصرة في شوال سنة خمس وسبعين ومائتين. وأبو عيسى الترمذي مات بترمذ لثلاث عشر مضت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. وأبو عبد الرحمن النسائي، مات سنة ثلاث وثلاثمائة. وأبو الحسن الدارقطني، مات في بغداد في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وولد في سنة ست وثلاثمائة رحمة الله عليهم أجمعين.
قال أهل التاريخ: ولما قتل عثمان رضي الله تعالى عنه، أتى الناس عليا وضربوا عليه الباب ودخلوا فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل، ولا بد للناس من إمام، ولا نعلم أحدا أحق بها منك، فردهم عن ذلك فأبوا، فقال: إن أبيتم إلا بيعتي فإن بيعتي لا تكون سرا فأتوا المسجد فحضر طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص والأعيان، وأول من بايعه طلحة، ثم بايعه الناس. واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار، وتخلف عن بيعته نفر فلم يكرههم. وقال قوم قعدوا عن الحق ولم يقوموا مع الباطل. وتخلف عن بيعته أيضا معاوية ومن معه بالشام، إلى أن كان منهم ما كان في صفين. ثم خرج عليه الخوارج فكفروه وكل من معه وأجمعوا على قتاله قاتلهم الله. وشقوا العصا يعني عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الدماء، وقطعوا السبيل، فخرج إليهم بمن معه، ورام رجوعهم، فأبوا إلا القتال، فقاتلهم بالنهروان فقتلهم واستأصل جمهورهم، ولم ينج منهم إلا القليل. وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد قال حين طعن: أن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق المستقيم، يعني عليا وكان كما قال سلك بهم والله الطريق المستقيم. وكان له رضي الله عنه شفقة على رعيته متواضعا ورعا ذا قوة في الدين. وكان قوته رضي الله تعالى عنه، من دقيق الشعير يأخذ منه قبضة فيضعها في القدح ثم يصب عليها ماء فيشربه.
وكان قد تفرق عليه الخوارج، واعتقد بعض الناس فيه الإلهية فأحرقهم بالنار، وسأل رجل ابن عباس رضي الله عنهما، أكان علي رضي الله تعالى عنه يباشر القتال بنفسه يوم صفين؟ فقال:
والله ما رأيت رجلا أطرح لنفسه في متلفة، مثل علي رضي الله تعالى عنه، ولقد كنت أراه يخرج حاسرا على رأسه، بيده السيف، إلى الرجل الدارع فيقتله. قال في درة الغواص: ومما يؤثر من شجاعة علي رضي الله تعالى عنه، أنه إذا اعتلى قد، وإذا اعترض قط. فالقد قطع الشيء طولا والقط قطعه عرضا. وقد تقدم ذكر قتله رضي الله تعالى عنه ومن قتله، وكان طعن ابن ملجم له في ليلة الجمعة السابعة عشرة من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة. وثب عليه فضربه بخنجر على دماغه فمات بعد يومين. وأخذوا ابن ملجم، فعذبوه وقطعوه إربا إربا بعد موت علي.
(1/87)

وكان أفضل من بقي من الصحابة رضي الله تعالى عنه، ومناقبه كثيرة جدا جمعها الحافظ أبو عبد الله الذهبي في مجلد. وذكر غير واحد أنه رضي الله تعالى عنه، لما ضربه ابن ملجم، قاتله الله أوصى الحسن والحسين وصية طويلة، وفي آخرها يا بني عبد المطلب، لا تخوضوا دماء المسلمين خوضا تقولون: قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتلن بي غير قاتلي، اضربوه ضربة بضربة ولا تمثلوا به، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول «1» : «إياكم والمثلة» . ولما مات علي رضي الله تعالى عنه، قتل الحسن رضي الله تعالى عنه، عبد الرحمن بن ملجم، فقطع يديه ورجليه وكحل عينيه بمسمار محمى في النار، كل ذلك ولم يتأوه ولم يجزع فلما أرادوا قطع لسانه، تأوه وجزع، فسئل عن ذلك. فقال: والله ما اتأوه فزعا ولا جزعا من الموت، وإنما أتأوه لأن تمر عليّ ساعة من ساعات الدنيا لا أذكر الله تعالى فيها فقطعوا لسانه فمات بعد ذلك وفي الحديث: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله تعالى عنه: يا علي أتدري من أشقى الأولين؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال عاقر ناقة صالح، ثم قال: أتدري من أشقى الآخرين؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: الذي يضربك على هذا فيبل منها هذه، وأخذ بلحيته» وكان علي رضي الله تعالى عنه يقول: والله لوددت لو انبعث أشقاها فضربه ابن ملجم الخارجي قاتله الله كما تقدم. وكانت وفاته رضي الله تعالى عنه في سن سبع وقبل ثمان وخمسين وقيل ثلاث وقيل ثمان وستين. وقال ابن جرير الطبري: مات علي رضي الله تعالى عنه، وعمره خمس وستون سنة. وقال غيره: ثلاث وستون سنة وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر ويوما واحدا وكانت مدة إقامته رضي الله تعالى عنه بالمدينة أربعة أشهر ثم سار إلى العراق، وقتل بالكوفة كما تقدم، وللناس خلاف في مدة عمره وفي قدر خلافته رضي الله تعالى عنه والله أعلم.
خلافة أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه
وهو السادس فخلع كما سيأتي. قالوا: ثم قام بالأمر بعده أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وكنيته أبو محمد ولقبه الزكي، وأمه فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنهما.
بويع له بالخلافة بعد وفاة والده ثم سار إلى المدائن، واستقربها وبينما هو بالمدائن إذ نادى مناد: إن قيسا قد قتل، فانفروا وكان الحسن رضي الله تعالى عنه قد جعله على مقدمة الجيش، وهو قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما، فلما خرج الحسن رضي الله تعالى عنه، عدا عليه الجراح الأسدي قاتله الله، وهو يسير معه فوجأه بالخنجر في فخذه ليقتله، فقال الحسن رضي الله تعالى عنه: قتلتم أبي بالأمس ووثبتم علي اليوم تريدون قتلي زهدا في العادلين، ورغبة في القاسطين، والله لتعلمن نبأه بعد حين، ثم كتب إلى معاوية رضي الله تعالى عنهما بتسليم الأمر إليه واشترط عليه شروطا، فأجابه معاوية رضي الله تعالى عنه، إلى ما التمسه منه وصير له ما اشترط عليه، فسلم الأمر إلى معاوية وبايع له لخمس بقين من شهر ربيع الأول، وذلك لأنه رأى المصلحة في
(1/88)

جمع الكلمة وترك القتال. وظهرت المعجزة في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن ابني هذا سيد وسيصلح «1» الله به» .
وفي رواية «ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» . ويقال أنه أخذ منه يعني من معاوية ألف ألف درهم. وقالت فرقة أنه صالحه بأذرح في جمادى الأولى وأخذ منه مائة ألف دينار، ويقال أربعمائة ألف درهم، ويقال إنه شرط عليه أن يمكنه من بيت المال يأخذ منه حاجته، وأن يكون ولي العهد من بعده ففرح معاوية بذلك، وأجاب فخلع الحسن رضي الله تعالى عنه نفسه وسلم الأمر إلى معاوية وصالحه. ودخل هو وإياه الكوفة فسمي عام الجماعة لاجتماع الأمة بعد الفرقة على خليفة واحد. قال الشعبي: شهدت خطبة الحسن رضي الله تعالى عنه حين صالح معاوية، وخلع نفسه من الخلافة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت أنا ومعاوية فيه، إن كان له فهو أحق مني به وإن كان لي فقد تركته له إرادة لإصلاح الأمة وحقن دماء المسلمين، وأنا أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
ثم رجع إلى المدينة، وأقام بها، فعوتب على ذلك فقال رضي الله تعالى عنه: اخترت ثلاثا على ثلاث: الجماعة على الفرقة، وحقن الدماء على سفكها، والعار على النار.
وفي الحديث الصحيح عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن وإلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة زعليه أخرى، ويقول إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين «2» » .
ويروى عن الحسن رضي الله تعالى عنه أنه قال: إني لأستحيي من ربي عز وجل، أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة على رجليه من المدينة إلى مكة وإن النجائب لتقاد معه.
وخرج رضي الله تعالى عنه من ماله مرتين، وقاسم الله عز وجل ماله ثلاث مرات، حتى إنه يعطي نعلا ويمسك أخرى. قال ابن خلكان: لما مرض الحسن رضي الله تعالى عنه، كتب مروان بن الحكم إلى معاوية بذلك، فكتب إليه معاوية أن أقبل المطي إلي بخبر الحسن، فلما بلغ معاوية موته سمع تكبيرة من الخضراء، فكبر أهل الشام لذلك التكبير، فقالت فاختة بنت قريظة لمعاوية: أقر الله عينك ما الذي كبرت لأجله؟ فقال: مات الحسن، فقالت أعلى موت ابن فاطمة تكبر؟ فقال:
والله ما كبرت شماتة بموته، ولكن استراح قلبي ودخل عليه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال له: يا ابن عباس هل تدري ما حدث في أهل بيتك؟ فقال: لا أدري ما حدث. إلا أني أراك مستبشرا وقد بلغني تكبيرك، فقال: مات الحسن فقال ابن عباس يرحم الله أبا محمد ثلاثا، والله يا معاوية لا تسد حفرته حفرتك، ولا يزيد عمره في عمرك، ولئن كنا قد أصبنا بالحسن، فلقد أصبنا بإمام المتقين وخاتم النبيين، فجبر الله تلك الصدعة، وسكن تلك العبرة، وكان الله الخلف علينا من بعده.
وكان الحسن رضي الله تعالى عنه قد سم، سمته إمرأته جعدة بنت الأشعث، فمكث
(1/89)

شهرين يرفع من تحته في اليوم كذا وكذا مرة طست من دم، وكان رضي الله تعالى عنه يقول:
سقيت السم مرارا ما أصابني فيها ما أصابني في هذه المرة. وكان قد أوصى لأخيه الحسين رضي الله تعالى عنهما. وقال إذا أنا مت فادفني مع جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن وجدت إلى ذلك سبيلا، وإن منعوك فأدفني ببقيع الغرقد. فلما مات رضي الله تعالى عنه، لبس الحسين ومواليه السلاح وخرجوا ليدفنوه مع جده، فخرج مروان بن الحكم في موالي بني أمية، وهو يومئذ عامل على المدينة، فمنع الحسين رضي الله تعالى عنه من ذلك وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين، وقيل سنة خمسين وصلى عليه سعيد بن العاص، ودفن مع أمه فاطمة رضي الله تعالى عنهما، وقيل دفن بالبقيع في قبر في قبة العباس، ودفن في هذا القبر أيضا علي زين العابدين وابنه محمد الباقر وابن ابنه جعفر بن محمد الصادق فهم أربعة في قبر واحد فأكرم به قبرا. وكانت خلافته ستة أشهر وخمسة أيام وقيل ستة أشهر إلا أياما وهي تكملة ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، من مدة الخلافة «ثم يكون ملكا عضوضا، ثم يكون جبروتا وفسادا في الأرض «1» » وكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومات الحسن رضي الله تعالى عنه وعمره سبع وأربعون سنة.
خلافة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه
قالوا: ولما خلع الحسن رضي الله تعالى عنه من الخلافة، تم الأمر لمعاوية رضي الله تعالى عنه واستقام له الملك وصفت له الخلافة، وكان قد بويع له بالخلافة يوم التحكيم بايعه أهل الشام واختلف عليه أهل العراق إلى أن صالحه الحسن رضي الله تعالى عنه، فأجمع الناس على بيعته ومولده رضي الله تعالى عنه بالخيف من منى. أسلم قبل أبيه أبي سفيان، وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب له، وكان في عسكر أخيه يزيد بن أبي سفيان. وكان عاملا لعمر رضي الله تعالى عنه استعمله على إمرة دمشق فلما احتضر استخلف أخاه عليها، فأقره عمر رضي الله تعالى عنه على ذلك في سنة عشرين، فلم يزل متوليا على الشام عشرين سنة، وذلك بقية خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، وخلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، وفي خلافة علي رضي الله تعالى عنه متغلبا عليها إلى أن سلم إليه الحسن رضي الله تعالى عنه الخلافة، فاجتمع له الأمر وبعث نوّابه إلى البلاد، وذلك في سنة إحدى وأربعين، فسمي عام الجماعة لأن الأمة اجتمعت فيه بعد الفرقة، على إمام واحد. وكانت امرأة استشارت النبي صلى الله عليه وسلم في أن تتزوج به فقال «2» : «إنه صعلوك لا مال له» . ثم بعد هذا القول بإحدى عشرة سنة صار نائب دمشق، ثم بعد الأربعين صار ملك الدنيا. وكان مليح الشكل عظيم الهيبة، وافر الحشمة، يلبس الثياب الفاخرة، والعدة الكاملة، ويركب الخيل المسومة، وكان كثير البذل والعطاء، محسنا إلى رعيته كبير الشأن يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد
(1/90)

مناف بن قصي، وينسب إلى أمية بن عبد شمس، فيقال: الأموي. وخرج عليه مرة بن نوفل الأشجعي الحروري وورد الكوفة، وهو أول الخوارج، فكتب معاوية إلى أهل الكوفة ألا لا ذمة لكم عندي حتى تكفوني أمره فقاتلوه وقتلوه. وهو أول من اتخذ المقاصير وأقام الحرسي والحجاب. وأول من مشى بين يديه صاحب الشرطة بالحربة، وأول من تنعم في مأكله وملبسه ومشربه. وكان رضي الله عنه حليما، وله في الحلم أخبار كثيرة، ولما حضرته الوفاة جمع أهله فقال: ألتسم أهلي؟ قلوا بلى فداك الله بنا. فقال: وعليكم حزني ولكم كدي وكسبي، قالوا:
بلى، فداك الله بنا، قال فهذه نفسي قد خرجت من قدمي، فردوها علي إن استطعتم، فبكوا وقالوا ما لنا إلى هذا من سبيل. فرفع صوته بالبكاء، ثم قال: فمن تغره الدنيا بعدي؟ وذكر غير واحد أنه لما ثقل في الضعف وتحدث الناس أنه الموت، قال لأهله: احشوا عيني اثمدا واسبغوا رأسي دهنا ففعلوا، وبرقوا وجهه بالدهن ثم مهدوا له مجلسا وأسندوه، وأذنوا للناس فدخلوا وسلموا عليه قياما، فلما خرجوا من عنده أنشد قائلا:
وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع «1»
فسمعه رجل من العلويين فأجابه:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع «2»
ثم أنه أوصى أن تدق قلامة أظفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجعل من منافذ وجهه، وأن يكفن بثوب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتوفي في دمشق في نصف رجب وقيل في مستهل رجب سنة ستين.
وصلى عليه الضحاك الفهري لغيبة ابنه يزيد ببيت المقدس. واخلف في عمره فقيل ثمانون وقيل خمس وسبعون سنة وقيل خمس وثمانون سنة وقيل ثمان وثمانون سنة وقيل تسعون. وكانت خلافتة منذ خلص له الأمر تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام. وكان أميرا وخليفة أربعين سنة. منها أربع سنين في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه والله تعالى أعلم.
خلافة يزيد بن معاوية
ثو قام بالأمر بعده إبنه يزيد. بويع له بالخلافة يوم مات أبوه، وذلك أن أباه كان قد جعله ولي العهد من بعده وكان بحمص، فقدم منها وبادر إلى قبر أبيه، ثم دخل دمشق إلى الخضراء، وكانت دار السلطنة فخطب الناس بها وبايعوه بالخلافة. وكتب إلى الأقاليم بذلك فبايعوه، ولم يبايعه الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما ولا عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه، واختفيا من عامله، الوليد بن عقبة بن أبي سفيان. وأقاما مصرين على الامتناع إلى أن قتل الحسين رضي الله تعالى عنه بكربلاء، وكان الذي باشر قتله الشمر بن ذي الجوشن، وقيل سنان بن أنس النخعي وقيل أن الشمر ضربه على وجهه، وأدركه سنان فطعنه فألقاه عن فرسه، ونزل خولي بن يزيد
(1/91)

الأصبحي ليحز رأسه، فارتعدت يداه، فنزل أخوه شبل بن يزيد فاحتز رأسه، ودفعه إلى أخيه خولي وكان أمير الجيش عبيد الله بن زياد ابن أبيه، من قبل يزيد بن معاوية. قالوا: ثم إن عبيد الله بن زياد جهز علي بن الحسين، ومن كان مع الحسين من حرمه، بعد أن اعتمدوا ما اعتمدوه، من سبي الحريم وقتل الزراري مما تقشعر من ذكره الأبدان، وترتعد منه الفرائص إلى البغيض يزيد بن معاوية، وهو يومئذ بدمشق مع الشمر بن ذي الجوشن في جماعة من أصحابه فساروا إلى أن وصلوا إلى دير في الطريق، فنزلوا ليلقوا به فوجدوا مكتوبا على بعض جدرانه:
أترجو أمة قتلت حسينا ... شفاعة جده يوم الحساب
فسألوا الراهب عن السطر ومن كتبه؟ فقال إنه مكتوب هنا من قبل أن يبعث نبيكم بخمسمائة عام. وقيل إن الجدار انشق فظهر منه كف مكتوب فيه بالدم هذا السطر. ثم ساروا حتى قدموا دمشق، ودخلوا على يزيد بن معاوية، ومعهم رأس الحسين رضي الله تعالى عنه، فرمي به بين يدي يزيد، ثم تكلم شمر بن ذي الجوشن، فقال: يا أمير المؤمنين ورد علينا هذا يعني الحسين في ثمانية عشر رجلا من أهل بيته، وستين رجلا من شيعته، فسرنا إليهم وسألناهم النزول على حكم أميرنا عبيد الله بن زياد أو القتال فاختاروا القتال، فغدونا عليهم عند شروق الشمس وأحطنا بهم من كل جانب، فلما أخذت السيوف مأخذها جعلوا يلوذون لوذان الحمام من الصقور، فما كان إلا مقدار جزر جزور أو نومة قائل، حتى أتينا على آخرهم فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مزملة وخدودهم معفرة، تسفي عليهم الرياح، زوّارهم العقبان ووفودهم الرخم.
فلما سمع يزيد بذلك، دمعت عيناه، وقال: ويحكم قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة أما والله لو كنت صاحبه لعفوت عنه ثم قال: يرحم الله أبا عبد الله ثم تمثل بقول «1» الشاعر:
يفلقن هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ثم أمر بالذرية فأدخلوا دار نسائه، وكان يزيد إذا حضر غداؤه، دعا علي بن الحسين وأخاه عمر بن الحسين، فأكلا معه ثم وجه الذرية صحبة علي بن الحسين، إلى المدينة ووجه معه رجلا في ثلاثين فارسا، يسير أمامهم حتى انتهوا إلى المدينة، وكان بين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين اليوم الذي قتل فيه الحسين رضي الله تعالى عنه خمسون عاما. وقيل: إن الحسين رضي الله عنه لما وصل إلى كربلاء سأل عن اسم المكان؟ فقيل له: كربلاء فقال ذات كرب وبلاء، لقد مر أبي بهذا المكان عند مسيره إلى صفين، وأنا معه، فوقف وسأل عنه فأخبروه بإسمه، فقال: «ههنا محط رحالهم وههنا مهراق «2» دمائهم» . فسئل عن ذلك فقال نفر من آل محمد ينزلون ههنا، ثم أمر باثقاله فحطت في ذلك المكان. وكان قتله رضي الله تعالى عنه يوم عاشوراء في سنة ستين. ذكره أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، في الأخبار الطوال. وسيأتي إن شاء الله تعالى، في باب الكاف في
(1/92)

لفظ الكلب، ما ذكره ابن عبد البر في بهجة المجالس وأنس المجالس: أنه قيل لجعفر الصادق:
كم تتأخر الرؤيا؟ فقال خمسين سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى كأن كلبا أبقع ولغ في دمه، فأوله بأن رجلا يقتل الحسين ابن بنته. فكان الشمر بن ذي الجوشن الكلب، قاتل الحسين رضي الله تعالى عنه، وكان أبرص فتأخرت الرؤيا بعده صلى الله عليه وسلم خمسين سنة.
وفي هذه السنة أي سنة ستين، دعا ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما، إلى نفسه بالخلافة بمكة وعاب يزيد بشرب الخمر، واللعب بالكلاب، والتهاون بالدين، وأظهر ثلبه وتنقصه، فبايعه أهل تهامة والحجاز، فلما بلغ يزيد ذلك ندب له الحصين بن نمير السكوني، وروح بن زنباع الجذامي، وضم إلى كل واحد جيشا، واستعمل على الجميع مسلم بن عقبة المري، وجعله أمير الأمراء، ولما ودعهم قال: يا مسلم لا نردن أهل الشام عن شيء يريدونه بعدوهم، واجعل طريقك على المدينة فإن حاربوك، فحاربهم فإن ظفرت بهم فأبحها ثلاثا فسار مسلم بن عقبة حتى نزل الحرة، وخرج أهل المدينة فعسكروا بها، وأميرهم عبد الله بن حنظلة الراهب، وهو غسيل الملائكة، فدعاهم مسلم ثلاثا فلم يجيبوه، فقاتلهم فغلب أهل الشام وقتلوا أمير المدينة عبد الله بن حنظلة وسبعمائة من المهاجرين والأنصار، ودخل مسلم المدينة وأباحها ثلاثة أيام وقد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أباح حرمي فقد حلّ عليه غضبي» ثم شخص بالجيش إلى مكة وكتب إلى يزيد بما صنع بالمدينة. فلما بلغ مسلم هرشى اعتل ومات، فتولى أمر الجيش الحصين بن نمير السكوني فسار حتى وافى مكة، فتحصن منه ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما في المسجد الحرام، بجميع من كان معه، فنصب الحصين المنجنيق على أبي قبيس، ورمى به الكعبة المعظمة، فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر إلى الحصين بموت يزيد بن معاوية، فأرسل إلى ابن الزبير يسأله الموادعة، فأجابه إلى ذلك وفتح الأبواب واختلط العسكران يطوفون بالبيت، فبينما الحصين يطوف ليلة بعد العشاء، إذ استقبله ابن الزبير فأخذ الحصين بيده، وقال له سرا: هل لك في الخروج معي إلى الشام، فأدعو الناس إلى بيعتك؟ فإن أمرهم قد مرج، ولا أرى أحدا أحق بها اليوم منك، ولست أعصى هناك. فاجتذب ابن الزبير يده من يده، وقال وهو يجهر بقوله: دون أن أقتل بكل واحد من أهل الحجاز عشرة من أهل الشام؟ فقال الحصين: لقد كذب الذي يزعم إنك من دهاة العرب، أكلمك سرا فتكلمني علانية، وأدعوك إلى الخلافة وتدعوني إلى الحرب.
ثم انصرف بمن معه إلى الشام وتوفي يزيد بن معاوية في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وله تسع وثلاثون سنة ودفن بمقبرة باب الصغير. وكانت خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر، وقد وقع للغزالي والكيا الهراسي فيه كلام وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الفاء في لفظ الفهد.
خلافة معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان
ثم قام بالأمر بعده ابنه معاوية، وكان خيرا من أبيه، فيه دين وعقل، بويع له بالخلافة يوم موت أبيه، فأقام فيها أربعين يوما، وقيل أقام فيها خمسة أشهر وأياما. وخلع نفسه وذكر غير
(1/93)

واحد، أن معاوية بن يزيد لما خلع نفسه صعد المنبر فجلس طويلا، ثم حمد الله وأثنى عليه بأبلغ ما يكون من الحمد والثناء، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، بأحسن ما يذكر به، ثم قال: يا أيها الناس، ما أنا بالراغب في الإئتمار عليكم، لعظيم ما أكرهه منكم، وإني لأعلم أنكم تكرهوننا أيضا لأنا بلينا بكم وبليتم بنا، إلا أن جدي معاوية رضي الله تعالى عنه، قد نازع في هذا الأمر من كان أولى به منه، ومن غيره لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعظم فضله وسابقته، أعظم المهاجرين قدرا، وأشجعهم قلبا، وأكثرهم علما وأولهم إيمانا، وأشرفهم منزلة، وأقدمهم صحبة، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهره وأخوه. زوجه صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة، وجعله لها بعلا باختياره لها، وجعلها له زوجة باختيارها له، أبو سبطيه سيدي شباب أهل الجنة وأفضل هذه الأمة تربية الرسول وابني فاطمة البتول، من الشجرة الطيبة الطاهرة الزكية، فركب جدي معه ما تعلمون، وركبتم معه ما لا تجهلون، حتى انتظمت لجدي الأمور، فلما جاءه القدر المحتوم، واخترمته أيدي المنون، بقي مرتهنا بعمله، فريدا في قبره، ووجد ما قدمت يداه، ورأى ما ارتكبه واعتداه، ثم انتقلت الخلافة إلى يزيد أبي فتقلد أمركم لهوى كان أبوه فيه، ولقد كان أبي يزيد بسوء فعله وإسرافه على نفسه، غير خليق بالخلافة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فركب هواه واستحسن خطاه، وأقدم على ما أقدم من جراءته على الله، وبغيه على من استحل حرمته، من أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت مدته وانقطع أثره، وضاجع عمله، وصار حليف حفرته رهين خطيئته، وبقيت أوزاره وتبعاته، وحصل على ما قدم وندم حيث لا ينفعه الندم، وشغلنا الحزن له، عن الحزن عليه، فليت شعري ماذا قال وماذا قيل له هل عوقب بإساءته؟ وجوزي بعمله وذلك ظني ثم اختنقته العبرة، فبكى طويلا وعلا نحيبه، ثم قال:
وصرت أنا ثالث القوم والساخط علي أكثر من الراضي، وما كنت لأتحمل آثامكم ولا يراني الله جلّت قدرته متقلدا أوزاركم، وألقاه بتبعاتكم، فشأنكم أمركم فخذوه، ومن رضيتم به عليكم فولوه، فلقد خلعت بيعتي من أعناقكم والسلام.
فقال له مروان بن الحكم، وكان تحت المنبر: أسنة عمرية يا أبا ليلى؟ فقال أغد عني أعن ديني تخدعني؟ فو الله ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرع مرارتها، ائتني برجال مثل رجال عمر رضي الله تعالى عنه، على أنه ما كان من حين جعلها شورى، وصرفها عمن لا يشك في عدالته ظلوما، والله لئن كانت الخلافة مغنما، لقد نال أبي منها مغرما ومأثما، ولئن كانت سوءا فحسبه منهاما أصابه. ثم نزل فدخل عليه أقاربه وأمه فوجدوه يبكي، فقالت له أمه: ليتك كنت حيضة، ولم أسمع بخبرك. فقال: وددت والله ذلك، ثم قال ويلي إن لم يرحمني ربي.
ثم إن بني أمية قالوا لمؤدبه عمر المقصوص: أنت علمته هذا ولقنته إياه، وصددته عن الخلافة، وزينت له حب علي وأولاده، وحملته على ما وسمنا به من الظلم، وحسّنت له البدع، حتى نطق بما نطق، وقال ما قال. فقال: والله ما فعلته، ولكنه مجبول ومطبوع على حب علي. فلم يقبلوا منه ذلك، وأخذوه ودفنوه حيا حتى مات.
وتوفي معاوية بن يزيد رحمه الله بعد خلعه نفسه، بأربعين ليلة وقيل بسبعين ليلة، وكان عمره ثلاثا وعشرين سنة، وقيل إحدى وعشرين سنة وقيل ثماني عشرة ولم يعقب.
(1/94)

خلافة مروان بن الحكم
ثم قام بالأمر بعده مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. بويع له بالخلافة بالجابية، ثم دخل الشام فأذعن أهلها له بالطاعة، ثم دخل مصر بعد حروب كثيرة فبايعه أهلها. وكان يقال له ابن الطريد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، كان قد طرد أباه إلى الطائف، فرده عثمان رضي الله تعالى عنه حين ولي كما تقدم قريبا. وتوفي مروان سنة خمس وستين، وثبت عليه زوجته، لكونه شتمها فوضعت على وجهه مخدة كبيرة، وهو نائم، وقعدت هي وجواريها فوقها حتى مات.
وكان قد لحق النبي صلى الله عليه وسلم وهو صبي وولي نيابة المدينة مرات، وهو قاتل طلحة أحد العشرة رضي الله تعالى عنهم. وكان كاتب السر لعثمان رضي الله تعالى عنه، وبسببه جرى عليه ما جرى.
وكانت خلافته عشرة أشهر وكان عمره ثلاثا وثمانين سنة. روى الحاكم في كتاب الفتن والملاحم من المستدرك، عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه. قال: «كان لا يولد لأحد مولود إلا أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدعو له فأدخل عليه مروان بن الحكم، فقال «1» : «هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون» . ثم قال صحيح الإسناد.
ثم روي أيضا عن عمرو بن مرة الجهني، وكانت له صحبة، أن الحكم بن أبي العاص، استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فعرف صوته فقال «2» : «ائذنوا له عليه وعلى من يخرج من صلبه لعنة الله إلا المؤمن منهم وقليل ما هم يترفهون في الدنيا، ويضيعون في الآخرة ذوو مكر وخديعة يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق» . وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في باب الواو في لفظ الوزغ.
خلافة عبد الملك بن مروان
ثم قام بالأمر بعده ابنه عبد الملك. بويع له بالخلافة يوم موت أبيه مروان، وهو أول من سمي بعبد الملك في الإسلام، وأوّل من ضرب الدراهم والدنانير بسكة الإسلام. وكان على الدنانير نقش بالرومية، وعلى الدراهم نقش بالفارسية. قلت: ولهذا سبب وهو أني رأيت في كتاب المحاسن والمساوي، للإمام أبراهيم بن محمد البيهقي ما نصه قال الكسائي: دخلت على الرشيد ذات يوم، وهو في ديوانه، وبين يديه مال كثير، قد شق عنه البدر شقا. وأمر بتفريقه في خدمه الخاصة، وبيده درهم تلوح كتابته، وهو يتأمله وكان كثيرا ما يحدثني، فقال: هل علمت أول من سن هذه الكتابة في الذهب والفضة؟ قلت: يا سيدي هو عبد الملك بن مروان. قال: فما كان السبب في ذلك؟ قلت: لا علم لي، غير أنه أوّل من أحدث هذه الكتابة. فقال: سأخبرك كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانيا على دين ملك الروم، وكانت تطرز بالرومية، وكان طرازها أبا وابنا وروحا، فلم يزل ذلك كذلك صدر الإسلام كله، يمضي على ما كان عليه، إلى
(1/95)

أن ملك عبد الملك بن مروان فتنبه له، وكان فطنا فبينما هو ذات يوم، إذ مر به قرطاس، فنظر إلى طرازه، فأمر أن يترجم بالعربية، ففعل ذلك فأنكره، وقال: ما أغلظ هذا في أمر الدين والإسلام، أن يكون طراز القراطيس، وهي تحمل في الأواني والثياب، وهما يعملان بمصر وغير ذلك مما يطرز من ستور وغيرها من عمل هذا البلد، على سعته وكثرة ماله، والبلد يخرج منه هذه القراطيس تدور في الآفاق والبلاد، وقد طرزت بسطر مثبت عليها، فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز ابن مروان، وكان عامله بمصر، بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك، وأن يأمر صناع القراطيس، أن يطرزوها بصورة التوحيد: شهد الله أن لا إله إلا هو، وهذا طراز القراطيس خاصة، إلى هذا الوقت، لم ينقص ولم يزد ولم يتغير، وكتب إلى عمال الآفاق جميعا بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم، ومعاقبة من وجد عنده بعد هذا النهي شيء منها بالضرب الوجيع، والحبس الطويل. فلما ثبتت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد، وحمل إلى بلاد الروم منها انتشر خبرها ووصل إلى ملكهم وترجم له ذلك الطراز، فأنكره وغلظ عليه واستشاط غيظا، فكتب إلى عبد الملك:
أن عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم، ولم يزل يطرز بطراز الروم، إلى أن أبطلته فإن كان من تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت، وإن كنت قد أصبت فقد أخطؤا، فاختر من هاتين الحالتين أيهما شئت وأحببت، وقد بعثت إليك بهدية تشبه محلك، وأحببت أن تجعل رد ذلك الطراز إلى ما كان عليه، في جميع ما كان يطرز من أصناف الأعلاق، حاجة أشكرك عليها، وتأمر بقبض الهدية، وكانت عظيمة القدر.
فلام قرأ عبد الملك كتابه، رد الرسول وأعلمه أنه لا جواب له، ورد الهدية فانصرف بها إلى صاحبه، فلما وافاه أضعف الهدية ررد الرسول إلى عبد الملك، وقال: إني ظننتك استقللت الهدية فلم تقبلها ولم تجبني عن كتابي، فأضعفت الهدية وإني أرغب إليك إلى مثل ما رغبت فيه، من رد الطراز إلى ما كان عليه أولا. فقرأ عبد الملك الكتاب، ولم يجبه ورد الهدية فكتب إليه ملك الروم يقتضي أجوبة كتبه ويقول:
إنك قد استخففت بجوابي وهديتي ولم تسعفني بحاجتي، فتوهمتك استقللت الهدية، فأضعفتها فجريت على سبيلك الأول، وقد أضعفتها ثالثة وأنا أحلف بالمسيح، لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه، أو لأمرن بنقش الدنانير والدراهم، فإنك تعلم أنه لا ينقش شيء منها إلا ما ينقش في بلادي، ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الإسلام، فينقش عليها شتم نبيك فإذا قرأته أرفض جبينك عرقا فأحب أن تقبل هديتي، وترد الطراز إلى ما كان عليه، ويكون فعل ذلك هدية تودني بها، ونبقى على الحال بيني وبينك.
فلما قرأ عبد الملك الكتاب، صعب عليه الأمر وغلظ، وضاقت به الأرض، وقال: أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام، لأني جنيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من شتم هذا الكافر ما يبقى غابر الدهر، ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب، إذا كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم، فجمع أهل الإسلام واستشارهم، فلم يجد عند أحد منهم رأيا يعمل به، فقال له
(1/96)

روح «1» بن زنباع: إنك لتعلم المخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه، فقال: ويحك من؟
فقال: عليك بالباقر من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم! قال: صدقت، ولكنه ارتج علي الرأي فيه فكتب إلى عامله بالمدينة أن أشخص إلى محمد بن علي بن الحسين مكرما ومتعه بمائة ألف درهم لجهازه، وبثلاثمائة ألف لنفقته، وارح عليه في جهازه وجهاز من يخرج معه، من أصحابه، وحبس الرسول قبله إلى موافاة محمد بن علي فلما وافاه، أخبره الخبر، فقال له محمد رحمه الله تعالى: لا يعظم هذا عليك، فإنه ليس بشيء من جهتين: إحداهما أن الله عز وجل، لم يكن ليطلق ما تهدد به صاحب الروم، في رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخرى وجود الحيلة فيه. قال: وما هي؟ قال: تدعو في هذه الساعة بصناع، فيضربون بين يديك سككا للدراهم والدنانير، وتجعل النقش عليها صورة التوحيد، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحدهما في وجه الدرهم والدينار، والآخر في الوجه الثاني، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه، والسنة التي يضرب فيها تلك الدراهم والدنانير، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهما عددا من الأصناف الثلاثة، التي العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، وعشرة منها وزن ستة مثاقيل، وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل، فتكون أوزانها جميعا إحدى وعشرين مثقالا، فتجزئها من الثلاثين، فتصير العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل، وتصب صنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان، فتضرب الدراهم على وزن عشرة، والدنانير على وزن سبعة مثاقيل. وكانت الدراهم، في ذلك الوقت، إنما هي الكسروية «2» ، التي يقال لها اليوم البغلية، لأن رأس البغل ضربها لعمر رضي الله تعالى عنه، بسكة كسروية في الإسلام مكتوب عليها صورة الملك وتحت الكرسي مكتوب بالفارسية «نوش خور» أي كل هنيئا. وكان وزن الدرهم منها، قبل الإسلام، مثقالا والدراهم التي كان وزن العشرة منها وزن ستة مثاقيل، والعشرة وزن خمسة مثاقيل، هي السمرية والخفاف والثقال، ونقشها نقش فارس ففعل ذلك عبد الملك، وأمره محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام، وأن يتقدم إلى الناس في التعامل بها. وأن يتهدد بقتل من يتعامل بغير هذه السكة من الدراهم والدنانير وغيرها، وأن تبطل وترد إلى مواضع العمل، حتى تعاد إلى السكك الإسلامية ففعل عبد الملك ذلك.
ورد رسول ملك الروم إليه بذلك بقوله: إن الله عز وجل مانعك مما قد أردت أن تفعله، وقد تقدمت إلى عمالي في أقطار البلاد بكذا وكذا، وبإبطال السكك والطروز الرومية. فقيل لملك الروم إفعل ما كنت تهددت به ملك العرب، فقال: إنما أردت أن أغيظه بما كتبت إليه لأني كنت قادرا عليه، والمال وغيره برسوم الروم، فأما الأن فلا أفعل، لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام، وامتنع من الذي قال. وثبت ما أشار به محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه إلى اليوم.
ثم رمى، يعني الرشيد، بالدرهم إلى بعض الخدم، وتمكن عبد الله بن الزبير، فبايعه أهل الحرمين واليمن والعراق، واستناب على العراق وما يليه أخاه مصعب بن الزبير، وتفرقت الكلمة
(1/97)

فبقي في الوقت خليفتان: أكبرهما ابن الزبير رضي الله تعالى عنه، ثم لم يزل عبد الملك إلى أن ظفر به وقتله بعد حروب عظيمة. وذلك أنه سار من دمشق إلى العراق، فبرز إليه نائبها مصعب بن الزبير، وكان عبد الملك قد كاتب جيشه بأمور، فخذلوه وتسللوا عنه، فصار مصعب في نفر يسير، والتحم بينهما القتال، فظهرت من مصعب شجاعة عظيمة، ولم يزل كذلك حتى قتل، فاستولى عبد الملك حينئذ على العراق وخراسان، واستناب عليها أخاه بشر بن مروان، وكر راجعا إلى دمشق، ثم جهز الحجاج بن يوسف الثقفي في جيش لحرب ابن الزبير، فحاصروه وضايقوه ونصبوا المنجنيق على جبل أبي قبيس، فكان يضرب بشجاعته المثل. كان رضي الله تعالى عنه، يحمل عليهم وحده فيهزمهم ويخرجهم، من أبواب المسجد واستمر يقاتلهم أربعة أشهر، ففي آخرها حمل عليهم فسقطت على رأسه شرافة من شراريف المسجد، فخر منها، فبادروا إليه واحتزوا رأسه، رضي الله تعالى عنه. فأمر اللعين الحجاج، أخزاه الله وقبحه، بصلب جسده.
وكان عبد الملك، قبل الخلافة متعبدا ناسكا عالما فقيها واسع العلم، وكان طويل العنق رقيق الوجه مشدود الأسنان بالذهب، حازما لا يكل أمره إلى سواه شديد البخل، يلقب برشح الحجر لبخله، ويلقب أيضا بأبي ذباب لبخره محبا للفخر، ومقداما على سفك الدماء، وكذلك كان عماله: الحجاج بالعراق، والمهلب بن أبي صفرة بخراسان، وهشام بن إسماعيل وعبد الله ابنه بمصر، وموسى بن نصير بالمغرب، ومحمد بن يوسف أخو الحجاج باليمن، ومحمد بن مروان بالجزيرة. وكل من هؤلاء ظلوم غشوم جبار. قاله ابن خلكان.
ومن غريب ما سمع، فيما حكاه ابن خلكان، أن علي بن عبد الله بن عباس ومحمد ابنه، دخلا على عبد الملك بن مروان، وعنده قائف «1» فأجلسهما، ثم قال للقائف: أتعرف هذا؟ قال: لا ولكن أعرف من أمره، إن هذا الفتى الذي معه ابنه، وأنه يخرج من عقبه فراعنة يملكون الأرض، لا يناويهم مناو إلا وقتلوه. فتغير لون عبد الملك. ثم قال: زعم راهب إيليا، وكان قد رآه عنده، أنه يخرج من صلبه ثلاثة عشر ملكا، ووصفهم بصفاتهم. وذكر أبو حنيفة في الأخبار الطوال أن عبد الملك بن مروان، أوصى ابنه الوليد، لما ثقل في مرضه، فقال: يا وليد لا ألفينك إذا وضعتني في حفرتي، تعصر عينيك كالأمة الولهاء، بل اتزر وشمر والبس جلد النمر، وادع الناس إلى البيعة فمن قال برأسه كذا أي لا، فقل بالسيف كذا أي أضرب عنقه.
وكان عبد الملك يلقب بحمامة المسجد، لقبه به ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وجاءته الخلافة وهو يقرأ في المصحف، فطبقه وقال: سلام عليك، هذا فراق بيني وبينك. وقيل إنه قيل لابن عمر رضي الله تعالى عنه: أرأيت لو نفاني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فمن نسأل بعدهم؟
فقال: سلوا هذا الفتى، يعني عبد الملك، توفي عبد الملك بن مروان في شوال سنة ست وثمانين، وله ثلاث وستون سنة، وقيل ستون. وخلف سبعة عشر ولدا ولي الخلافة منهم أربعة. وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة عشر يوما، منها ثمان سنين مزاحما لابن الزبير. ثم انفرد بمملكة الدنيا إلى أن مات رحمة الله عليه.
(1/98)

خلافة عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما وهو السادس فخلع وقتل كما سيأتي
قد تقدم، أن معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، خلع نفسه من الخلافة، فكيف يكون ابن الزبير رضي الله عنهما سادسا؟ وسبق قبل ذلك أن الحسن رضى الله عنه خلع من الخلافة أيضا. فعلى هذا الحال لا يستقيم أن يكون ابن الزبير رضي الله عنهما سادسا، وبويع له يعني ابن الزبير رضي الله عنهما، بالخلافة بمكة لسبع بقين من رجب سنة أربع وستين في أيام يزيد بن معاوية كما تقدم، وبايعه أهل العراق وأهل مصر وبعض أهل الشام، إلى أن بايعوا المروان بعد حروب، واستمر له العراق إلى سنة إحدى وسبعين، وهي التي قتل فيها عبد الملك بن مروان أخاه مصعب بن الزبير، وهدم قصر الإمارة بالكوفة. سبب هدمه أنه جلس ووضع رأس مصعب بين يديه، فقال له عبد الملك بن عمير: يا أمير المؤمنين، جلست أنا وعبيد الله بن زياد في هذا المجلس، ورأس الحسين بين يديه، ثم جلست أنا والمختار بن أبي عبيد فإذا رأس عبيد الله بن زياد بيت يديه، ثم جلست أنا ومصعب هذا فإذا رأس المختار بين يديه، ثم جلست مع أمير المؤمنين فإذا رأس مصعب بين يديه. وإني أعيذ أمير المؤمنين بالله من شر هذا المجلس، فارتعد عبد الملك، وقام من فوره، وأمر بهدم القصر.
وكان مصعب شجاعا جوادا حسن الوجه، كالقمر ليلة البدر، رحمه الله تعالى. ولما قتل مصعب انهزم أصحابه، فاستدعى بهم عبد الملك بن مروان، فبايعوه وسار إلى الكوفة ودخلها، واستقر له الأمر بالعراق والشام ومصر. ثم جهز الحجاج سنة ثلاث وسبعين، إلى عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، فحصره بمكة ورمى البيت بالمنجنيق، ثم ظفر به فقتله، واحتز الحجاج رأسه وصلبه منكسا. ثم أنزله ودفنه في مقابر اليهود، وقيل إن الحجاج قال: لا أنزله حتى تتشفع فيه أمه أسماء، فتم على تلك الحال مدة، فمرت به أمه يوما فقالت: أما آن لهذا الفارس أن يترجل! فبلغ الحجاج ذلك، فأمر بإنزاله، وأن يعطى لأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم، فاخذته ودفنته. وسيأتي ذكر قتله أيضا في باب الشين المعجمة في لفظ الشاة. وكانت خلافته رضي الله تعالى عنه بالحجاز والعراق تسع سنين واثنين وعشرين يوما قتل رضي الله تعالى عنه وله من العمر ثلاث وسبعون سنة وقيل اثنتان وسبعون سنة.
خلافة الوليد بن عبد الملك
ثم قام بالأمر بعد عبد الملك بن مروان ابنه الوليد. فإنه كان ولي عهده، وكان دميما سائل الأنف، يختال في مشيته، قليل العلم. وكان يختم القرآن في ثلاث ليال، قال إبراهيم بن أبي عبلة: كان يختم في رمضان سبع عشرة مرة، وكان يعطيني أكياس الدراهم، أقسمها في الصالحين وعن الوليد قال: لولا أن الله عزّ وجلّ ذكر اللواط في كتابه ما ظننت أن أحدا يفعله.
بويع له بالخلافة يوم توفي والده، ولم يدخل المنزل، حتى صعد المنبر فقال: الحمد لله إنا لله وإنا إليه راجعون، والله المستعان على مصيبتنا بأمير المؤمنين، والحمد لله على ما أنعم به علينا من الخلافة، قوموا فبايعوا.
(1/99)

قال الحافظ ابن عساكر: كان الوليد عند أهل الشام من أفضل خلفائهم، بنى المساجد بدمشق وأعطى الناس، وفرض للمجذومين، وقال: لا تسألوا الناس. وأعطى كل مقعد خادما، وكل أعمى قائدا وكان يبرّ حملة القرآن، ويقضي عنهم ديونهم، وبنى الجامع الأموي، وهدم كنيسة مريوحنا، وزادها فيه، وذلك في ذي القعدة سنة ست وثمانين. وذكر أنه كان في الجامع وهو يبنى إثنا عشر ألف مرخم.
وتوفي الوليد، ولم يتم بناؤه فأتمه سليمان أخوه، فكان جملة ما أنفق على بنائه: أربعمائة صندوق، في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار، وكان فيه ستمائة سلسلة ذهب للقناديل، وما زالت إلى أيام عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، فجعلها في بيت المال، واتخذ عوضها صفرا وحديدا. وبنى قبة الصخرة ببيت المقدس وبنى المسجد النبوي ووسعه، حتى دخلت الحجرة النبوية فيه. وله آثار حسنة كثيرة جدا ومع ذلك فقد روي أن عمر بن عبد العزيز قال: لما الحدت الوليد ارتكض في اكفانه، وغلت يداه إلى عنقه. نسأل الله العافية والسلامة.
وفتح في أيام خلافته الفتوحات العظام، مثل السند والهند والأندلس وغير ذلك من الأماكن المشتهرة. وكان يركب المركوب الحسن الجيد، ويتقي الركوب والسفر والحرب، في هذه الأيام الآتي ذكرها، وينهي عن ذلك، وهي فائدة جليلة عظيمة القدر.
روى علقمة بن صفوان، عن أحمد بن يحي مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «توقوا إثنا عشر يوما في السنة، فإنها تذهب بالأموال، وتهتك الأستار. فقلنا: ما هي يا رسول الله؟ قال:
ثاني عشر المحرم وعاشر صفر ورابع ربيع الأول وثامن عشر ربيع الثاني وثامن عشر جماد الأولى وثاني عشر جمادى الثانية وثاني عشر رجب وسادس عشر شعبان ورابع عشر رمضان وثاني شوّال وثامن عشر ذي القعدة وثامن ذي الحجة» .
وقوله أن الوليد بنى قبة الصخرة فيه نظر. وإنما بنى قبة الصخرة عبد الملك بن مروان في أيام فتنة ابن الزبير لما منع عبد الملك أهل الشأم من الحج، خوفا من أن يأخذ منهم ابن الزبير البيعة له، فكان الناس يقفون يوم عرفة بقبة الصخرة إلى أن قتل ابن الزبير رضي تعالى عنهما. كما سيأتي إنشاء الله تعالى عن ابن خلكان وغيره. ولعلها تشعثت فهدمها الوليد وبناها، والله تعالى أعلم.
وتوفي الوليد بن عبد الملك في خامس عشر جمادى الآخرة سنة ست وتسعين بدير مروان، عن ست وأربعين سنة، وقيل ثمان وأربعين وقيل خمسين سنة وترك أربعة عشر ولدا. وحمل على أعناق الرجال، ودفن في مقابر باب الصغير وتولى دفنه عمر بن عبد العزيز. وكانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر وقيل عشر سنين والله أعلم.
خلافة سليمان بن عبد الملك
ثم قام بالأمر بعده أخوه سليمان، وذلك لأن أباهما عقد لهما جميعا بالأمر من بعده. بويع له
(1/100)

بالخلافة يوم موت أخيه الوليد. وكان سليمان بالرملة، فلما جاءته الخلافة عزم على الإقامة بها، ثم توجه إلى دمشق وكمل عمارة الجامع الأموي كما تقدم، وجهز أخاه مسلمة بن عبد الملك في سنة سبع وتسعين إلى غزو الروم، فانتهى إلى القسطنطينية فنازلها. وستأتي الأشارة إلى شيء من ذلك في باب الجيم في لفظ الجراد.
ومما يحكى من محاسنه رحمة الله تعالى أن رجلا دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين أنشدك الله والآذان. فقال له سليمان: أما أنشدك الله فقد عرفناه، فما الآذان؟ قال: قوله «1» تعالى فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
فقال له سليمان: ما ظلامتك؟ قال ضيعتي الفلانية غلبني عليها عاملك فلان، فنزل سليمان رحمه الله عن سريره ورفع البساط ووضع خده بالأرض، وقال:
والله لا رفعت خدي من الأرض، حتى يكتب له برد ضيعته، فكتب الكتاب وهو واضع خده، رحمه الله لما سمع كلام ربه، الذي خلقه وخوله في نعمه، خشي على نفسه من لعنة الله تعالى وطرده. قيل أنه أطلق من سجن الحجاج ثلاثمائة ألف ما بين رجل وامرأة، وصادر آل الحجاج، واتخذ ابن عمه عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، وزيرا ومشيرا، وإنه أراد أن يستكتب يزيد بن أبي مسلم وزير الحجاج، فقال له عمر بن عبد العزيز: سألتك بالله يا أمير المؤمنين لا تحيي ذكر الحجاج باستكتابك يزيد! فقال له: يا عمر إني لم أجد عنده خيانة في درهم ولا دينار، فقال له: إن إبليس أعف منه في الدرهم والدينار، وقد أغوى الخلق كلهم جميعا فأضرب سليمان عما عزم عليه. وفي كامل المبرد وغيره أن يزيد هذا دخل على سليمان بن عبد الملك، وكان يزيد دميما قبيحا، فقال له سليمان: قبح الله رجلا أجرك رسنه «2» ، واشركك في أمانته فقال: يا أمير المؤمنين لا تقل هذا. قال: ولم؟ قال: لأنك رأيتني والأمر عني مدبر ولو رأيتني والأمر علي مقبل لاستحسنت ما استقبحت مني، ولاستعظمت ما استصغرت مني. فقال له سليمان:
ويحك أو قد استقر الحجاج في قعر جهنم بعد أم لا؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا تقل ذلك في الحجاج قال:
ولم؟ قال: لأن الحجاج وطأ لكم المنابر، وأذل لكم الجبابر، وإنه يأتي يوم القيامة عن يمين أبيك، ويسار أخيك، فحيثما كانا كان.
وكان سليمان رحمه الله، فصيحا أديبا بليغا، مؤثرا للعدل، محبا للغزو، محسنا لعلم العربية. ويرجع إلى دين وخير واتباع القرآن، واظهار شعائر الإسلام، مترفعا عن سفك الدماء.
وكان شرها نكاحا قال ابن خلكان في ترجمته: إنه كان يأكل في كل يوم نحو مائة رطل شامي، وكان به عرج.
ولما ولي، رد الصلاة إلى ميقاتها الأول، وكان من قبله من خلفاء بني أمية يؤخرونها إلى آخر وقتها، ولذلك قال محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: إن سليمان افتتح خلافته بخير واختتمها بخير، افتتحها بإقامة الصلاة لميقاتها الأول، وختمها باستخلافه لعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى
(1/101)

عنه. وذكر المفضل وغيره، أن سليمان بن عبد الملك، خرج من الحمام في يوم الجمعة، فلبس حلة خضراء، واعتم بعمامة خضراء، وجلس على فراش أخضر، وبسط ما حوله بالخضرة، ثم نظر في المرآة وكان جميلا، فأعجبه جماله، فشمر عن ذراعيه وقال: كان فينا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه صديقا، وكان عمر رضي الله تعالى عنه فاروقا، وكان عثمان رضي الله تعالى عنه حييا، وكان علي رضي الله تعالى عنه شجاعا، وكان معاوية رضي الله تعالى عنه حليما، وكان يزيد صبورا، وكان عبد الملك سائسا، وكان الوليد جبارا، وأنا الملك الشاب. ثم خرج لصلاة الجمعة فوجد حظية له في صحن الدار فانشدته هذه الأبيات:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب ... عابه الناس غير أنك فاني
فلما فرغ من الصلاة، ودخل داره، قال لتلك الحظية: ما قلت لي في صحن الدار وأنا خارج؟ قالت: ما قلت لك شيئا، ولا رأيتك، وأني لي بالخروج، إلى صحن الدار؟ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، نعيت إلي نفسي، فما دارت عليه جمعة أخرى حتى مات. وقيل: إنه صعد المنبر وخطب، وإن صوته ليسمع في أقصى المسجد، فأخذته الحمى فما زال صوته يخفى، حتى لم يسمعه من تحته، ثم دخل داره يسحب رجليه بين رجلين، فما دارت عليه جمعة أخرى حتى مات. وقال ابن خلكان: إنه حم ومات في ليلته، وقيل: إنه مات بذات الجنب، وتوفي في صفر في عاشره سنة ثمان وتسعين وقيل سنة تسع وتسعين، بمرج دابق من أرض قنسرين، وله تسع وثلاثون سنة وقيل خمس وأربعون سنة وكانت خلافته سنتين وثمانية شهور رحمة الله تعالى عليه.
خلافة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه
ثم قام بالأمر بعده الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه. بويع له بالخلافة يوم مات سليمان بن عبد الملك، بعهد له منه بذلك، وكان يقال له: إنه أشج «1» بني أمية، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما فعمر رضي الله تعالى جده من قبل أمه، وهو تابعي جليل، روى عن أنس بن مالك، والسائب بن يزيد رضي الله تعالى عنهما.
وروى عنه جماعة. ومولده رضي الله تعالى عنه، بمصر سنة إحدى وستين. قال الإمام أحمد: ليس أحد من التابعين قوله حجة إلا عمر بن عبد العزيز، وفي طبقات ابن سعد عن عمر بن قيس، أنه قال لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، سمع صوت لا يدري قائله:
من الآن قد طابت وقر قرارها ... على عمر المهدي قام عمودها
وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، عفيفا زاهدا ناسكا عابدا مؤمنا تقيا صادقا.
وهو أول من اتخذ دار الضيافة من الخلفاء، وأول من فرض لأبناء السبيل، وأزال ما كانت بنو أمية
(1/102)

تذكر به عليا على المنابر، وجعل مكان ذلك قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
الآية وقال «1» فيه كثير عزة:
ولّيت ولم تسبب عليا ولم تخف ... مريبا ولم تقبل مقالة مجرم «2»
وصدّقت القول الفعال مع الذي ... أتيت فأمسى راضيا كلّ مسلم»
فما بين شرق الأرض والغرب كلها ... مناد ينادي من فصيح وأعجم
يقول أمير المؤمنين ظلمتني ... بأخذك ديناري وأخذك درهمي «4»
فأربح بها من صفقة لمبايع ... وأكرم بها من بيعة ثم أكرم «5»
وكتب إلى عماله أن لا يقيدوا مسجونا بقيد، فإنه يمنع من الصلاة. وكتب إلى عامله بالبصرة عدي بن ارطاة: عليك بأربع ليال من السنة، فإن الله تبارك وتعالى يفرغ فيها الرحمة إفراغا وهي أول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلتا العيدين. وكتب إلى عماله: إذا دعتكم قدرتكم على الناس إلى ظلمهم، فاذكروا قدرة الله تعالى عليكم، ونفاد ما تأتون إليه وبقاء ما يأتي إليكم، من العذاب بسببهم. وذكر غير واحد عن محمد المرزوي قال: أخبرت أن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، لما دفن سليمان بن عبد الملك، وخرج من قبره سمع للأرض هدة أورجة، فقال: ما هذه؟ فقيل: هذه مراكب الخلافة قربت إليك يا أمير المؤمنين لتركبها! فقال:
ما لي ولها نحّوها عني وقربوا إلي دابتي! فقربت إليه فركبها، فجاء صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة، جريا على عادة الخلفاء قبله، فقال له: تنح عني، ما لي ولك إنما أنا رجل من المسلمين، ثم سار مختلطا بين الناس حتى دخل المسجد، فصعد المنبر فاجتمع الناس إليه، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أيها الناس إني ابتليت بهذا الأمر من غير رأي مني فيه، ولا طلبة ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم غيري.
فصاح المسلمون صيحة واحدة قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضيناك أميرنا باليمن والبركة. فلما سكتوا، حمد الله تعالى، وأثنى عليه، وصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله تعالى خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف، واعملوا لآخرتكم، فإنه من عمل لآخرته كفاهه الله أمر دنيه وآخرته، وأصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم، وأكثروا ذكر الموت، واحسنوا له الإستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنه هاذم اللذات، وإني والله لا أعطي أحدا باطلا، ولا أمنع أحدا حقا.
(1/103)

يا أيها الناس، من أطاع الله، وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.
ثم نزل ودخل دار الخلافة، فأمر بالستور فهتكت، وبالبسط فرفعت، وأمر ببيع ذلك، وادخال أثمانه في بيت المسلمين، ثم ذهب يتبوأ مقيلا، فأتاه ابنه عبد الملك فقال: ما تريد أن تصنع يا أبتاه؟ قال: إي بني أقيل: قال: تقيل ولا ترد المظالم، قال: إي بني إني قد سهرت البارحة في أمر عمك سليمان، فإذا صليت الظهر، رددت المظالم. فقال: يا أمير المؤمنين، من أين لك أن تعيش إلى الظهر؟ فقال: أدن مني يا بني، فدنا منه فقبله بين عينيه، وقال: الحمد لله الذي أخرج من ظهري من يعينني على ديني. فخرج ولم يقل، وأمر مناديه أن ينادي: ألا كل من كانت له مظلمة فليرفعها، فتقدم إليه ذمي من أهل حمص فقال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله قال: وما ذاك؟
قال: إن العباس «1» بن الوليد اغتصبني أرضي، والعباس جالس، فقال عمر: ما تقول يا عباس؟
قال: إن أمير المؤمنين الوليد أقطعني إياها، وهذا كتابه. فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى. فقال عمر: كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد، اردد إليه أرضه يا عباس. فردها إليه ثم جعل لا يدع شيئا، مما كان في يد أهل بيته، من المظالم إلا رده مظلمة مظلمة. فلما بلغ الخوارج سيرته، وما رد من المظالم اجتمعوا وقال: ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل، ولما بلغ عمر «2» بن الوليد رد الضيعة على الذمي، كتب إلى عمر بن عبد العزيز:
إنك قد أزريت على من كان قبلك من الخلفاء، وعبت عليهم، وسرت بغير سيرتهم، بغضا لهم وشينا لمن بعدهم من أولادهم، وقطعت ما أمر الله به أن يوصل، إذ عمدت إلى أموال قريش ومواريثهم، فأدخلتها بيت المال جورا وعدوانا، ولن تترك على هذا الحال والسلام. فلما قرأ كتابه، كتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد السلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. أما بعد فقد بلغني كتابك، أما أوّل شأنك يا ابن الوليد، فأمك بنانة أمة السكون، كانت تطوف في سوق حمص، وتدخل في حوانيتها، ثم الله أعلم بها. ثم اشتراها ذبيان، من بيت مال المسلمين، فأهداها لأبيك، فحملت بك فبئس المولود. ثم نشأت فكنت جبارا عنيدا، تزعم أني من الظالمين، إذ حرمتك وأهل بيتك، مال الله، الذي فيه حق القرابة والمساكين والأرامل، وأنّ أظلم مني وأترك لعهد الله من استعملك صبيا سفيها على جند المسلمين، تحكم فيهم برأيك، ولم يكن له في ذلك نية إلا حب الوالد لولده، فويل لأبيك ما أكثر خصماءه يوم القيامة. وكيف ينجو أبوك من خصمائه؟ وإن أظلم مني وأترك لعهد الله، من استعمل الحجاج يسفك الدم ويأخذ المال الحرام، وإن أظلم مني وأترك لعهد الله، من استعمل قرة أعرابيا جافيا، على مصر وأذن له في المعازف واللهو والشرب، وإن أظلم مني وأترك لعهد الله، من جعل لغالية البربرية في خمس العرب
(1/104)

نصيبا فرويدا يا ابن بنانة فلو التقت حلقتا البطان، ورد الفيء إلى أهله لتفرغت لك، ولأهل بيتك فوضعتهم على المحجة البيضاء، فطالما تركتم الحق وأخذتم في الباطل، ومن وراء ذلك ما أرجو أن أكون رأيته من بيع رقبتك، وقسم ثمنك بين اليتامى والمساكين والأرامل، فإن لكل فيك حقا.
والسلام على من اتبع الهدى، ولا ينال سلام الله القوم الظالمين.
وروي أنه وقع في زمانه غلاء عظيم، فقدم عليه وفد من العرب، فاختاروا رجلا منهم لخطابه فتقدم إليه وقال: يا أمير المؤمنين إنا وفدنا إليك من ضرورة عظيمة، وراحتنا في بيت المال، وماله لا يخلو من أن يكون لله أو لعباده أو لك، فإن كان لله فالله غني عنه، وإن كان لعباده فآتهم إياه، وإن كان لك فتصدق به علينا، إن الله يجزي المتصدقين. فتغرغرت عينا عمر رضي الله تعالى عنه بالدموع، وقال: هو كما ذكرت، وأمر بحوائجهم فقضيت فهم الأعرابي بالإنصراف، فقال عمر: أيها الرجل كما أوصلت حوائج عباد الله إليّ، فأوصل حاجتي وأرفع فاقتي إلى الله. فقال الأعرابي: إلهي اصنع بعمر بن عبد العزيز، كصنيعه في عبادك فما استتم كلامه حتى ارتفع غيم عظيم، وأمطرت السماء مطرا كثيرا فجاء في المطر بردة كبيرة، فوقعت على جرة فانكسرت، فخرج منها كاغد مكتوب فيه: هذه براءة من الله العزيز الجبار لعمر بن عبد العزيز من النار.
قال رجاء بن حيوة: كان عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، من أعظم الناس، وأجملهم في مشيته ولبسه، فلما استخلف قومت ثيابه وعمامته، وقميصه وقباؤه، وخفاه ورداؤه، فإذا هن يعدلن إثني عشر درهما.
وذكر ابن عساكر وغيره، أن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، كان قد شدد على أقاربه، وانتزع كثيرا مما في أيديهم، فتبرموا به وسموه، ويروى أنه دعا بخادمه الذي سمه، فقال له: ويحك ما حملك على أن سقيتني السم؟ قال: ألف دينار أعطيتها. قال: هاتها فجاء بها فأمر بطرحها في بيت مال المسلمين، وقال لخادمه: أخرج بحيث لا يراك أحد.
وعن فاطمة بنت عبد الملك، زوج عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، أنها قالت:
والله ما اغتسل عمر من حلم ولا من جنابة منذ ولي هذا الأمر، وكان نهاره في أشغال الناس، ورد المظالم وليله في عبادة ربه تعالى. قال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، أعوده في مرضه الذي مات فيه، فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة بنت عبد الملك: يا فاطمة اغسلي قميص أمير المؤمنين، فقالت نفعل إن شاء الله تعالى، ثم عدت فإذا القميص على حاله، فقلت: يا فاطمة ألم آمرك أن تغسلي قميص أمير المؤمنين؟ فإن الناس يعودونه. فقالت: والله ماله قميص غيره. وكان عمر رضي الله تعالى عنه كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات:
نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم
يغرك ما يفنى وتفرح بالمنى ... كما غر بالذات في النوم حالم
وشغلك فيما تكره غبة ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
(1/105)

واعلم أن مناقب عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، كثيرة جدا. فمن أراد معرفة ذلك فعليه بسيرة العمرين والحلية، وغيرهما. وكان مرضه رضي الله تعالى عنه، بدير سمعان من أرض حمص، ولما احتضر قال: اجلسوني فاجلسوه فقال: إلهي أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله. وتوفي رضي الله تعالى عنه، لخمس وقيل لست مضين وقيل لعشر بقين من رجب الفرد سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وقيل وهو ابن أربعين سنة.
وكان رضي الله تعالى عنه، أبيض مليحا جميلا مهيبا، نحيف الجسم حسن اللحية، بجبهته شجة من حافر فرس ضربه وهو صغير وكان إليه المنتهى، في العلم والفضل، والشرف والورع، والتألف ونشر العدل. جدّد الله تعالى به للأمة دينها وسار فيها بسيرة جده لأمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكانت دولته في طول مدة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وقبره رضي الله تعالى عنه، بدير سمعان ظاهر يزار. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: الخلفاء الراشدون خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وذكر الحافظ ابن عساكر أنه لما وضع في قبره بدير سمعان هبت ريح شديدة فسقطت منها صحيفة مكتوبة بأحسن خط: بسم الله الرّحمن الرحيم براءة من الله العزيز الجبار لعمر بن عبد العزيز من النار. فأخذوها ووضعوها في أكفانه وكانت خلافته رضي الله تعالى عنه سنتين وخمسة أشهر.
خلافة يزيد بن عبد الملك
ثم قام بالأمر بعده يزيد بن عبد الملك بن مروان. بويع له بالخلافة يوم مات ابن عمه عمر بن عبد العزيز، بعهد له من أخيه سليمان في ذلك. ولما ولي قال: خذوا بسيرة عمر بن عبد العزيز، فساروا بسيرته أربعين يوما، فدخل عليه أربعون رجلا من مشايخ دمشق، وحلفوا له أنه ليس على الخلفاء حساب ولا عقاب في الآخرة، وخدعوه بذلك، فانخدع لهم. وكان طائفة من جهال الشاميين يعتقدون ذلك. وكان أبيض جسيما مليح الوجه، وقال بعض المؤرخون: إن يزيد هذا هو المعروف بالفاسق وهو غلط وإنما الفاسق ولده الوليد كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وذكر الحافظ ابن عساكر رحمه الله وغيره، أن يزيد بن عبد الملك كان قد اشترى في أيام أخيه سليمان جارية من عثمان بن سهيل بن حنيف بأربعة آلاف دينار، وكان إسمها حبّابة بتشديد الباء الموحدة، وأحبها حبا شديدا، فبلغ أخاه سليمان ذلك، فقال: هممت أحجر على يزيد، فبلغ ذلك يزيد فباعها خوفا من أخيه سليمان. فلما أفضت الخلافة إليه قالت له زوجته: يا أمير المؤمنين هل بقي في نفسك من الدنيا شيء؟ قال: نعم. قالت: وما هو؟ قال: حبابة. فاشترتها له، وهو لا يعلم، وزينتها وأجلستها من وراء ستر لها، ثم قالت: يا أمير المؤمنين هل بقي في نفسك من الدنيا شيء؟ قال: أو ما أعلمتك إنها حبابة. فرفعت الستر، وقالت: ها أنت وحبابة، وتركته وإياها، فحظيت عنده، وغلبت على عقله، ولم ينتفع به في الخلافة وإنه قال يوما: إن بعض الناس يقولون أنه لن يصفو لأحد من الملوك يوم كامل من الدهر، وإني أريد أن أكذبهم في ذلك.
(1/106)

ثم أقبل على لذاته واختلى مع حبابة، وأمر أن يحجب عن سمعه وبصره كل ما يكره، فبينما هو على تلك الحالة في صفو عيشه وزيادة فرحه وسروره، إذ تناولت حبابة حبة رمان، وهي تضحك، فغصت بها فماتت، فاختل عقل يزيد، وتكدر عيشه وذهب سروره، ووجد عليها وجدا شديدا وتركها أياما، لم يدفنها بل يقبلها ويرتشفها، حتى أنتنت وجافت، فأمر بدفنها ثم نبشها من قبرها ولم يعش بعدها إلا خمسة عشر يوما وكان مرضه بالسل وقال «1» فيها:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد
وكلّ خليل زارني فهو قائل ... من أجلك هذا هالك اليوم أو غد «2»
وسيأتي إن شاء الله تعالى قريب من هذا في باب الدال المهملة في الدابة، عن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، وتوفي يزيد بن عبد الملك بإربل من أرض البلقاء وقيل بالجولان، وحمل على أعناق الرجال إلى دمشق، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير وذلك لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومائة وله تسع وعشرون وقيل ثمان وثلاثون سنة وشهر وكانت خلافته أربع سنين وشهرا.
خلافة هشام بن عبد الملك
ثم قام بالأمر بعده أخوه هشام بن عبد الملك بن مروان. بويع له بالخلافة يوم مات أخوه يزيد بعهد منه إليه. ولما أتته الخلافة، كان بالرصافة فسجد وسجد أصحابه، لما بشر بها وسار إلى دمشق، قال مصعب الزبيري: زعموا أن عبد الملك بن مروان رأى في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات، فدس من سأل سعيد بن المسيب، وكان يعبر الرؤيا، فقال: يملك من صلبه أربعة.
فكان آخرهم هشاما انتهى.
وكان هشام حازما عاقلا، صاحب سياسة حسنة، أبيض جميلا، سمينا أحول، يخضب بالسواد. وكان ذا رأي ودهاء وحزم وفيه حلم وقلة شره. وقام بالخلافة أتم قيام وكان يجمع الأموال، ويوصف بالبخل والحرص، يقال: إنه جمع من الأموال مالا ما جمعه خليفة قبله. فلما مات احتاط الوليد بن يزيد على تركته فما غسل وكفن، إلا بالقرض والعارية وكان به حول.
وتوفي بالرّصافة في شهر ربيع الآخر بدمشق سنة خمس وعشرين ومائة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة وقيل أربع وخمسين سنة. وكانت خلافته تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وقيل عشرين عاما.
خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو السادس فخلع كما سيأتي
ثم قام بالأمر بعده ابن أخيه الوليد بن يزيد الفاسق. كان أبوه حين احتضر عهد بالأمر إلى هشام أخيه بأن يكون العهد، من بعده لولده الوليد بن يزيد. فلما مات هشام بويع له بالخلافة يوم موت عمه هشام وهو إذ ذاك بالبريّة فارا من عمه هشام لأنه كان بينه وبين عمه منافسة،
(1/107)

لأجل استخفافه بالدين وشربه الخمر، واشتهاره بالفسق. فهم هشام بقتله ففر منه وصار لا يقيم بأرض خوفا من هشام، فلما كانت الليلة التي قدم عليه البريد في صبيحتها بالخلافة، قلق تلك الليلة قلقا شديدا فقال لبعض أصحابه: ويحك إنه قد أخذني الليلة قلق فاركب بنا حتى ننبسط، فسارا مقدار ميلين وهما يتحدثان في أمر هشام وما يتعلق به من كتبه إليه بالتهديد والوعيد، ثم نظرا فرأيا من بعد رهجا وصوتا، ثم انكشف ذلك عن برد يطلبونه، فقال لصاحبه: ويحك إن هذه رسل هشام، اللهم اعطنا غيرهم، فلما قرب البرد منهما وأثبتوا الوليد معرفة، ترجلوا وجاؤوا فسلموا عليه بالخلافة فبهت، وقال: ويحكم أمات هشام؟ قالوا: نعم، ثم أعطوه الكتب فقرأها وسار من فوره إلى دمشق، فأقام في الخلافة سنة واحدة، ثم أجمع أهل دمشق على خلعه وقتله، لاشتهاره بالمنكرات وتظاهره بالكفر والزندقة.
قال الحافظ ابن عساكر وغيره: انهمك وليد في شربه الخمر ولذاته، ورفض الآخرة وراء ظهره، وأقبل على القصف واللهو والتلذذ مع الندماء والمغنين، وكان يضرب بالعود ويوقع بالطبل ويمشي بالدف وكان قد انتهك محارم الله تعالى، حتى قيل له الفاسق. وكان أكمل بني أمية أدبا، وفصاحة، وظرفا، وأعرفهم بالنحو واللغة والحديث، وكان جوادا مفضالا. ومع ذلك لم يكن في بني أمية أكثر إدمانا للشراب والسماع، ولا أشد مجونا وتهتكا واستخفافا بأمر الأمة من الوليد بن يزيد. يقال: إنه واقع جارية له وهو سكران، وجاءه المأذنون يؤذنونه بالصلاة، فحلف أن لا يصلي بالناس إلا هي، فلبست ثيابه وتنكرت وصلت بالمسلمين وهي جنب سكرى.
ويقال: إنه اصطنع بركة من خمر وكان إذا طرب ألقى نفسه فيها وشرب منها حتى يبين النقص في أطرافها. وحكى الماوردي، في كتاب أدب الدين والدنيا، عنه أنه تفاءل يوما في المصحف فخرج له قوله «1» تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
فمزق المصحف وأنشأ يقول:
أتوعد كل جبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا رب مزقني الوليد
فلم يلبث إلا أياما يسيرة، حتى قتل شر قتلة وصلب رأسه على قصره، ثم على أعلى سور بلده. اه-. وسيأتي هذا أيضا إن شاء الله تعالى في باب الطاء المهملة في الكلام على الطيرة في لفظ الطير وأخباره في مثل هذا كثيرة مشهورة في كتب التواريخ، فلا نطيل بذكرها. وقد جاء في الحديث: «ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد، هو شر من فرعون» . فتأوله العلماء الوليد ابن يزيد هذا.
ولما خلعه أهل دمشق بايعوا ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فقال: من أحضر رأس الوليد فله مائة ألف درهم. وكان الوليد بالبحرة فحصره أصحاب يزيد، فهم أصحاب الوليد بالقتال، فنهاهم عن ذلك فانفلوا من حوله، ثم دخلوا عليه في قصره، فقال: يوم كيوم عثمان؟ فقيل له: ولا سواء. فقطع رأسه، وطيف به في دمشق ونصب على قصره، ثم على أعلى سور دمشق.
(1/108)

ولما قتل الوليد اضطربت البلاد واستنصر على بني أمية أعداؤهم ولم تقم لهم قائمة بعده.
وقتل في جمادى الأولى سنة ست وعشرين ومائة. وكانت خلافته سنة واحدة وقيل سنة وشهرين.
وكان من أجمل الناس وأحسنهم وأقواهم وأجودهم شعرا وكان فاسقا مشتهرا منهمكا متهتكا فقاموا عليه لفسقه وارتكابه القبائح فخرج عليه تدينا ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك، الملقب بالناقص، وتغلب على دمشق وكان الوليد بناحية تدمر في الصيد فجهز يزيد عسكرا فحاربه إلى أن أحاطوا به بحصن البحرة من أرض تدمر، ثم تسوروا عليه وذبحوه وأتوا برأسه على رمح ثم نصبوه على سور دمشق.
خلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان
ثم قام بالأمر بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك. بويع له بالخلافة يوم خلع ابن عمه الوليد بن يزيد، وهو أول خليفة كانت أمه أمة، وكان بنو أمية يتحرزون ذلك تعظيما للخلافة، ولما سقط إليهم أن ملكهم يزول على يد خليفة كانت أمه أمة، وكانوا يتخوفون من ذلك، إلى أن ولي الخلافة الوليد بن يزيد فعلموا أن ملكهم قد انقضى. وكان يزيد يسمى الناقص وإنما سمي بذلك لأنه نقص أعطيات الناس، وردهم إلى ما كانوا عليه أيام هشام، وقيل النقصان كان في أصابع رجليه، وأول من سماه بهذا مروان بن محمد. وأقام يزيد في الخلافة والأمور مضطربة عليه، وكان مظهرا للنسك، وقراءة القرآن، وأخلاق عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، وكان ذا دين وورع، إلا أنه لم يمتع وبغتته المنية. وتوفي في ثامن عشر جمادى الآخرة من السنة المذكورة وهو ابن أربعين سنة وقيل ست وأربعين وقال الشافعي رحمه الله تعالى: ولي يزيد بن عبد الملك فدعا الناس إلى القدر وحملهم عليه. وكانت خلافته خمسة أشهر ونصفا وقيل ستة أشهر والله أعلم.
خلافة ابراهيم بن الوليد
ولما مات يزيد بويع أخوه إبراهيم بن الوليد، بعهد من أخيه يزيد بن الوليد، ولم يثبت له أمر فكان جمعة يسلم عليه بالخلافة وجمعة بالأمارة وجمعة لا يسلم عليه لا بالخلافة ولا بالإمارة، وما زالت الأمور مضطربة عليه. إلى أن قتله مروان بن محمد وصلبه. وكانت ولايته شهرين وعشرة أيام. وفي هذا نظر لأن مروان بن محمد بن مروان الحمار، لما سمع بمبايعته، وكان نائبا على أذربيجان وتلك النواحي، وصاحب الفتوحات سار لحينه، ودعا إلى نفسه وقدم الشام فجهز له إبراهيم بن الوليد أخويه بشرا ومسرورا، فالتقوا وانتصر عليهم مروان فزحف حتى نزل مرج عذراء فبرز إليه سليمان بن هشام بن عبد الملك، فانكسر فبرز إليه الخليفة إبراهيم بن الوليد وعسكر بظاهر دمشق، فخذله جنده وخامروا عليه بعد أن أنفق عليهم الخزائن فاختفى أمرهم.
فبايع الناس مروان واستوثق له الأمر فظهر إبراهيم ودخل عليه ونزل له عن الخلافة.
(1/109)

خلافة مروان بن محمد
ولما قتل إبراهيم بن الوليد، بويع لمروان بن محمد المنبوز بالحمار، بالخلافة. وفي أيامه ظهر أبو مسلم الخراساني صاحب الدعوة وظهر السفاح بالكوفة، وبويع له بالخلافة، وجهز عمه عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم، لقتال مروان بن محمد فالتقى الجمعان بالزاب، زاب الموصل، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم مروان، وقتل من عسكره وغرق ما لا يحصى. وتبعه عبد الله إلى أن وصل إلى نهر الأردن فلقي جماعة من بني أمية، وكانوا نيفا وثمانين رجلا، فقتلهم عن آخرهم ثم أمر عبد الله بسحبهم فسحبوا، وبسط عليهم بساطا وجلس هو وأصحابه فوقهم واستدعى بالطعام فأكلوا وهم يسمعون أنينهم من تحتهم، فقال عبد الله: يوم كيوم الحسين ولا سواء.
ثم جهز السفاح عمه صالح بن علي على طريق السماوة، فلحق بأخيه عبد الله، وقد نازل دمشق ففتحها عنوة وأباحها ثلاثة أيام، ونقض عبد الله سورها حجرا حجرا، وهرب مروان إلى مصر فتبعه صالح وقتل مروان بأبي صير، قرية من قرى الصعيد كما سيأتي في باب الهاء في لفظ الهر، وكان قد عزم على الدخول إلى الحبشة فبيتوه، فقال حين قتل: انقرضت دولتنا.
وكان بطلا شديدا شجاعا مهابا ذا هيئة أبيض ربعة أشهل ضخما، كث اللحية وكان حازما سائسا. وتمزقت بموته دولة بني أمية. وكان قتل مروان الجعدي في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وهو ابن ست وخمسين سنة، وكانت خلافته خمس سنين قيل وشهرين وعشرة أيام. وهو آخر خلفاء بني أمية وهم أربعة عشر خليفة: أولهم معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وآخرهم مروان الجعدي المنبوز بالحمار وكانت مدة خلافتهم نيفا وثماني وثمانين سنة، وهي ألف شهر ولما انقضت دولتهم على ما قال الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما لما قيل له: تركت الخلافة لمعاوية؟ فقال: ليلة القدر خير من ألف شهر. وبدولة مروان اختل النظام في أن كل سادس يخلع، لأن العدة لم تكتمل، لأن الوليد بن يزيد المخلوع لم يل بعده من بني أمية، سوى ثلاثة يزيد بن الوليد بن عبد الملك ثم أخوه إبراهيم ثم مروان بن محمد بن مروان بن الحكم وبه انقرضت دولة بني أمية، وجاءت الدولة العباسية ثبتها الله تعالى إلى قيام الساعة.
الدولة العباسية خلافة أبي العباس السفاح
قال المؤرخون: ولما أتى الله تعالى بالدولة العباسية، كان أولهم السفاح، وهو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، بويع له بالخلافة في سنة اثنتين وثلاثين ومائة يوم الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الأول واستوزر أبا سلمة حفصا الخلالي، وهو أول من لقب بالوزير واستمر اللقب لمن بعده إلى زمن الصاحب ابن عباد. وإنما سمي بالصاحب، لأنه صحب
(1/110)

ابن العميد واستمر على هذا الوزراء من بعده، إلى زمننا قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي وغيره:
أن السفاح خطب يوما فسقطت العصا من يده، فتطير بذلك، فقام شخص من أصحابه ومسح العصا وناوله إياها وأنشد «1» :
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
فسرّي عنه، وذكر ابن خلكان في ترجمته «2» ، أنه نظر يوما في المرآة، وكان من أجمل الناس وجها فقال: اللهم إني لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك، ولكني أقول: اللهم عمرني طويلا في طاعتك، متمتعا بالعافية، قال: فما استتم كلامه، حتى سمع غلاما يقول لغلام آخر:
الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام، فتطير من كلامه. وقال: حسبي الله ولا حول ولا قوة إلا بالله عليه توكلت وبه استعنت فما مضت الأيام المذكورة حتى أخذته الحمى فمرض ومات، بعد شهرين وخمسة أيام بالجدري، بالأنبار بمدينته التي بناها وسماها الهاشمية. وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة ونصف سنة وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر. وكان أبيض مليحا جميلا حسن اللحية والهيئة.
خلافة أبي جعفر المنصور
ثم قام بالأمر بعده أخوه أبو جعفر، عبد الله بن محمد المنصور. بويع له بالخلافة يوم وفاة أخيه، بعهد منه. وكان السفاح قد ولاه إمرة الحج فأتته الخلافة بمكان يعرف بالصافية، فقال:
صفا أمرنا إن شاء الله تعالى. فبايعه الناس وحج بهم فلما رجع ودخل الهاشمية بايعه الناس البيعة العامة. وإنه حج ثانيا فلما قرب من مكة رأى على جدار سطرين مكتوبين وهما «3» :
أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لا بد واقع
أبا جعفر هل كاهن أو منجم ... لك اليوم من ريب المنية دافع
فلما قرأهما تيقن انقضاء أجله فمات بعد ثلاثة أيام وكان قد رأى في نومه قبل موته قائلا يقول «4» :
كأني بهذا القصر قد باد أهله ... وعّري منه أهله ومنازله
وصار رئيس القوم من بعد بهجة ... إلى جدث تبنى عليه جنادله
وكانت وفاته في سنة ثمان وخمسين ومائة، ببئر ميمونة على أميال من مكة، وهو محرم بالحج وهو ابن ثلاث وستين سنة. وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وأربعة عشر يوما. وأمه بربرية، وكان طويلا أسمر نحيفا، خفيف اللحية رحب الجبهة، كأن عينيه لسانان،
(1/111)

ناطقا صارما مهيبا ذا جبروت وسطوة وحزم ورأي وشجاعة، وكمال عقل ودهاء، وعلم وفقه وخبرة بالأمور، تقبله النفوس وتهابه الرجال. وكان يخلط أبهة الملك بزي النسك وكان بخيلا بالمال إلا عند النوائب.
خلافة محمد المهدي
ثم قام بالأمر بعده ابنه أبو عبد الله محمد المهدي بالله. بويع له بالخلافة يوم وفاة أبيه المنصور، بعهد منه وهو يومئذ ببغداد ثم بويع له بها لإحدى عشرة من ذي الحجة البيعة العامة. وتوفي بقرية من قرى ماسبذان ساق خلف صيد، فدخل خربة فدق ظهره باب الخربة، من قوة سوق الفرس فتلف لوقته، وقيل: بل سمته جاريته، قيل: إنها جعلت السم في طعام لضرتها، فدخل ومديده فأكل، فما جسرت أن تقول له هو مسموم.
وكانت وفاته لثمان بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة، ولم يوجد له نعش يحمل عليه، فحمل على باب ودفن تحت شجرة جوز، وله إثنتان وأربعون سنة ونصف، وقيل ثلاث وأربعون سنة وكانت خلافته عشر سنين وشهرا وكان جوادا ممدوحا محببا إلى رعيته حسن الخلق والخلق يقال: إن أباه خلف في الخزائن مائة ألف ألف درهم وستين ألف ألف درهم ففرقها ويقال أنه أجاز شاعرا بمائة ألف درهم.
خلافة موسى الهادي
ثم قام بالأمر بعده ابنه موسى الهادي بويع له بالخلافة يوم موت أبيه، وكان مقيما بجرجان يحارب أهل طبرستان بويع له بماسبذان ثم أخذ له أخوه الرشيد البيعة ببغداد، وبعث إليه يعزيه بوالده ويهنيه بالخلافة، فقدم بغداد على خيل البريد، فتلقاه الناس وبايعوه ثم عزم على خلع أخيه الرشيد من ولاية العهد فعاجله القضاء، وحال بينه وبين مراده. وكانت وفاة الهادي ببغداد رابع عشر شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة وله أربع وعشرون سنة وقيل نحو خمس وعشرين سنة، بقرحة أصابته. وكانت خلافته سنة واحدة وخمسة وأربعين يوما، وقيل سنة وشهرين وكان طويلا مليحا جسيما ذا ظلم وجبروت سامحه الله تعالى.
خلافة هارون الرشيد
ثم قام بالأمر بعده أخوه هارون الرشيد بن محمد المهدي. وكان أبوهما قد أخذلهما ولاية العهد معا. بويع له بالخلافة في الليلة التي توفي فيها أخوه، وولد له في تلك الليلة المأمون، وكانت ليلة عجيبة لم ير مثلها في بني العباس مات فيها خليفة وولد فيها خليفة. ولما بويع الرشيد قلد يحي بن خالد بن برمك وزارته. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب العين المهملة في لفظ العقاب ايقاع الرشيد بالبرامكة، وقتله جعفر بن يحي بن خالد بن برمك، وتخليد يحي وولده في السجن إلى أن ماتا وسبب ذلك مبينا إن شاء الله.
(1/112)

ومن غريب ما اتفق لهارون الرشيد، إن أخاه موسى الهادي، لما ولي الخلافة، سأل عن خاتم عظيم القدر كان لأبيه المهدي فبلغه أن الرشيد أخذه، فطلبه منه فامتنع من إعطائه، فألح عليه فيه، فحنق عليه الرشيد ومر على جسر بغداد فرماه في الدجلة. فلما مات الهادي وولي الرشيد الخلافة أتى ذلك المكان بعينه، ومعه خاتم رصاص، فرماه في ذلك المكان، وأمر الغطاسين أن يلتمسوه، ففعلوا فاستخرجوا الخاتم الأول. فعد ذلك من سعادة الرشيد وإبقاء ملكه. ونظير هذا ما حكاه ابن الأثير في حوادث سنة ستين وخمسمائة، قال: لما فتح السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، قلعة بانياس وأخذها من الفرنج، ملأها ذخائر وعدة ورجالا، ثم عاد إلى دمشق، وفي يده خاتم بفص ياقوت، قيمته ألف ومائة دينار، فسقط من يده في شجرة بانياس، وهي كثيرة الأشجار ملتفة الأغصان فلما بعد عن المكان الذي ضاع فيه الخاتم، علم به فأعاد بعض أصحابه في طلبه ودلهم على مكانه، وقال: أظنه هناك سقط فرجعوا إليه فوجدوه.
انتهى.
وكان الرشيد، مع عظم ملكه، يعتريه خوف الله تعالى، فمن ذلك ما ذكره الإمام العلامة محمد بن ظفر وغيره أن خارجيا خرج عليه فقتل أبطاله، وانتهب أمواله مرارا، ثم إنه جهز إليه مرة جيشا كثيفا، فقاتلوه فغلبوه، بعد جهد وأمسكوه وأتوا به الرشيد فجلس مجلسا عاما، وأمر بإدخاله عليه فلما مثل بين يديه قال له: يا هذا ما تريد أن أصنع بك؟ قال: ما تريد أن يصنع الله بك إذا وقفت بين يديه، فعفا عنه وأمر بإطلاقه. فلما خرج قال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين رجل قتل أبطالك وانتهب أموالك تطلقه بكلمة واحدة تأمل هذا الأمر، فأنه مما يجرىء عليك أهل الشر. فقال الرشيد: ردوه فعلم الرجل أنه قد تكلم في أمره، فقال: يا أمير المؤمنين لا تطعهم، فلو أطاع الله فيك الناس ما ولاك طرفة عين. قال: صدقت. ثم أمر له بصلة وصرفه. وسيأتي إن شاء الله تعالى، ما اتفق له مع الفضيل بن عياض، وسفيان الثوري في باب الباء الموحدة والفاء.
وتوفي الرشيد في سنة ثلاث وتسعين ومائة بطوس ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة وهو ابن سبع وأربعين سنة وقيل خمس وأربعين. وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرا وقيل ثلاثا وعشرين فقط. وولد بالرى وكان جوادا ممدوحا غازيا مجاهدا شجاعا مهيبا مليحا أبيض طويلا عبل «1» الجسم، قد وخطه الشيب يقال إنه منذ استخلف كان يصلي كل يوم وليلة مائة ركعة ويتصدق من خالص ماله بألف درهم وكان له معرفة جيدة بالعلوم.
خلافة محمد الأمين وهو السادس فخلع وقتل كما سيأتي
ثم قام بالأمر بعده ابنه محمد الأمين. بويع له بالخلافة يوم توفي والده بطوس واستناب أخاه المأمون على ممالك خراسان، وهو إذ ذاك ببغداد فورد بها عليه خاتم الخلافة والبردة والقضيب، ثم بويع له بها البيعة العامة وفي سائر الآفاق. وكان الرشيد قد جدد البيعة بطوس بولاية العهد لابنه المأمون بعد الأمين، وأشهد على نفسه أن جميع ما معه من مال وسلاح وغير ذلك، للمأمون وأوصى أن
(1/113)

يكون ما معه من الجيوش مضمومين إليه بخراسان. فلما مات الرشيد، نادى الفضل «1» بن الربيع في عسكر الرشيد بالرحيل إلى بغداد، وخالف وصية الرشيد فعظم ذلك على المأمون، وكتب إلى الفضل يذكره العهود التي أخذها عليه الرشيد، ويحذره البغي ويسأله الوفاء. فلم يلتفت الفضل إليه فكان هذا الأمر سبب ابتداء الوحشة بين والمأمون.
وذكر أبو حنيفة في الأخبار الطوال وغيره عن الكسائي أنه قال: إن الرشيد ولاني تأديب الأمين والمأمون فكنت أشدد عليهما في الأدب، وآخذهما به أخذا شديدا وخاصة الأمين، فأتتني حاجتي ذات يوم خالصة، جارية زبيدة وقالت: يا كسائي إن السيدة تقرأ عليك السلام، وتقول لك: حاجتي إليك أن ترفق بابني محمد فإنه قرة عيني وثمرة فؤادي وأنا أرقّ عليه رقة شديدة.
فقلت لخالصه: إن محمدا مرشح للخلافة بعد أبيه، ولا يجوز التقصير في أمره. فقالت خالصة:
إن لرقة هذه السيدة سببا أنا أخبرك إياه، إنها في الليلة التي ولدته فيها رأت في منامها كأنّ أربع نسوة أقبلن إليه، فاكتنفنه عن يمينه وشماله وأمامه وورائه، فقالت التي بين يديه: ملك قليل العمر عظيم الكبر ضيق الصدر واهي الأمر كبير الوزر شديد الغدر. وقالت التي من ورائه: ملك قصاف مبذر متلاف، قليل الإنصاف كثير الإسراف. وقالت التي عن يمينه.: ملك عظيم الطخم، قليل الحلم، كثير الإثم قطوع للرحم. وقالت التي عن يساره: ملك غدار كثير العثار، سريع الدمار. ثم بكت خالصة وقالت: يا كسائي وهل ينفع الحذر من القدر؟ ثم إن المأمون خلع الأمين من الخلافة، وجهز لقتاله طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين فسارا إليه وحاصراه ببغداد بعد حروب كثيرة ببغداد وتراموا بالمجانيق وجرت بينهم وقائع في أيام متعددة، وعظم الأمر واشتد البلاء، حتى خرب بسبب ذلك منازل المدينة ووثب العيارون على أموال الناس، فانتهبوها وأقام الحصار مدة سنة فتضايق الأمر على الأمين، وفارقه أكثر أصحابه وكتب طاهر إلى وجوه أهل بغداد سرا يعدهم إن أعانوه، ويتوعدهم إن لم يدخلوا في طاعته، فأجابوه وصرحوا بخلع الأمين.
وتفرّق عنه أكثر من معه فالتجأ إلى مدينة أبي جعفر، فحاصره طاهر بها ومنعه من كل شيء حتى كاد هو وأصحابه يموتون جوعا وعطشا، فلما عاين الأمين ذلك كاتب هرثمة بن أعين، وطلب منه أن يؤمنه حتى يأتيه، فأجابه إلى ذلك. فبلغ ذلك طاهرا فشق عليه، كراهية أن يظهر الفتح لهرثمة دونه، فلما كان يوم الخميس لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة خرج الأمين إلى هرثمة فلقيه هرثمة في حراقة فركب الأمين معه، وكان طاهر قد أكمن للأمين فلما صار الأمين في الحراقة خرج عليه كمين طاهر، ورموا الحراقة بالحجارة فغرق من فيها فشق الأمين ثيابه، وسبح إلى بستان فأدركوه وأخذوه، وحملوه على برذون، وأتوا به طاهرا، فبعث إليه جماعة وأمرهم بقتله، فهجموا عليه وبأيديهم السيوف، فركبوا عليه وذبحوه من قفاه، وأخذوا رأسه وأتوا به طاهرا، فأمر بنصبه. فلما رآه الناس، سكنت الفتنة ثم جهزه طاهر إلى المأمون وصحبته خاتم
(1/114)

الخلافة، وبردة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضيبه، فلما وضع الرأس بين يديه خرّ ساجدا شكرا لله تعالى على ما رزقه من الظفر. وأمر للرسول بألف ألف درهم.
وذكر عن الأصمعي أنه قال: دخلت على الرشيد وكنت قد غبت عنه بالبصرة حولا، فسلمت عليه بالخلافة فأومأ إلى بالجلوس قريبا منه فجلست قليلا ثم نهضت، فأومأ إلي أن اجلس فجلست، حتى خف الناس ثم قال لي: يا أصمعي ألا تحب أن ترى محمدا وعبد الله بني؟ قلت:
بلى يا أمير المؤمنين إني لأحب ذلك، وما أردت القصد إلا إليهما لأسلم عليهما، فقال: يكفي ذلك ثم قال: علي بمحمد وعبد الله، فانطلق الرسول إليهما وقال أجيبا أمير المؤمنين فأقبلا كأنهما قمرا أفق، قد قاربا خطاهما ورميا ببصرهما الأرض، حتى وقفا على أبيهما، فسلما عليه بالخلافة، فأومأ إليهما بالجلوس، فجلس محمد عن يمينه وعبد الله عن يساره، ثم أمرني بمطارحتهما الأدب فكنت لا ألقي عليهما شيئا من فنون الأدب إلا أجابا فيه، وأصابا فقال: كيف ترى أدبهما؟ قلت: يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلهما في ذكائهما وجودة فهمهما وذهنهما، فأطال الله تعالى بقاءهما، ورزق الأمة من رأفتهما ومعطفتهما فضمهما إلى صدره وسبقته عبرته فبكى حتى تحدرت دموعه على لحيته، ثم أذن لهما في القيام فنهضا حتى إذا خرجا قال لي: يا أصمعي كيف بهما إذا ظهر تعاديهما، وبدا تباغضهما ووقع بأسهما بينهما، حتى تسفك الدماء. ويود كثير من الأحياء أنهم كانوا موتى؟ قلت: يا أمير المؤمنين هذا شيء قضى به المنجمون عند مولدهما، أو شيء أثرته العلماء في أمرهما؟ قال: لا بل شيء أثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما. وكان المأمون يقول في خلافته: كان الرشيد سمع جميع ما يجري بيننا من موسى بن جعفر، ولذلك قال ما قال. وذكر صاحب عيون التواريخ وغيره، أن المأمون مرّ يوما على زبيدة أم الأمين، فرآها تحرك شفتيها بشيء لا يفهمه، فقال لها: يا أماه أتدعين علي لكوني قتلت ابنك وسلبته ملكه؟ فقالت: لا والله يا أمير المؤمنين. قال فما الذي قلته؟
قالت: يعفيني أمير المؤمنين، فألح عليها وقال لا بد أن تقوليه، قالت: قلت قبح الله الملاححة.
قال: وكيف ذلك؟ قالت: لأني لعبت يوما مع أمير المؤمنين الرشيد بالشطرنج على الحكم والرضا، فغلبني فأمرني أن أتجرد من أثوابي وأطوف القصر عريانة، فاستعفيته فلم يعفني، فتجردت من أثوابي وطفت القصر عريانة، وأنا حنقة عليه ثم عاودنا اللعب فغلبته، فأمرته أن يذهب إلى المطبخ، فيطأ أقبح جارية وأوشهها خلقة فيه فاستعفاني من ذلك فلم أعفه، فبذل إلى خراج مصر والعراق فأبيت، وقلت: والله لتفعلن ذلك فأبى، فألححت عليه، وأخذت بيده وجئت به للمطبخ، فلم أر جارية أقبح ولا أقذر ولا أشوه خلقة من أمك مراجل، فأمرته أن يطأها فوطئها، فعلقت منه بك فكنت سببا لقتل ولدي وسلبه ملكه. فولى المأمون وهو يقول: لعن الله الملاححة أي التي ألح عليها حتى أخبرته بهذا الخبر.
وقتل الأمين وهو ابن ثمان وعشرين سنة وقيل سبع وعشرين وكان طويلا أبيض بديع الحسن. وكانت خلافة أربع سنين وثمان شهور وقيل ثلاثة أعوام وأياما لأنه خلع في رجب سنة ست. ومن حسب له موته فخلافته خمس سنين خلا أشهرا وكان مبذرا للأموال لعابا لا يصلح للخلافة وكان مشتغلا باللهو والقصف والإقبال على اللذات فقال فيه بعضهم من أبيات:
(1/115)

إذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب
أما ترى الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا وهو برج اللهو والطرب
خلافة عبد الله المأمون
ثم قام بالأمر بعده أخوه عبد الله المأمون. بويع له بالخلافة، البيعة العامة، صبيحة الليلة التي قتل فيها الأمين بإجماع من الأمة على ذلك، خلا ما كان من أمير الأندلس فإنه كان والأمراء قبله وبعده لم يتقيدوا بطاعة العباسيين لبعد الديار. قال في الأخبار الطوال: كان المأمون شهما بعيد الهمة أبي النفس، وكان نجم بني العباس في العلم والحكمة، وكان قد أخذ من العلوم بقسط، وضرب فيها بسهم، وهو الذي استخرج كتاب إقليدس، وأمر بترجمته وتفصيله، وعقد المجالس في خلافته للمناظرة في الأديان والمقالات، وكان أستاذه فيها أبا الهذيل محمد بن الهذيل البصري المعتزلي، الذي يقال له العلاف، وستأتي الإشارة إليه في باب الباء الموحدة في لفظ البرذون وفي أيامه ظهر القول بخلق القرآن. وقال غيره: إن القول بخلق القرآن ظهر في أيام الرشيد، وكان الناس فيه بين أخذ وترك، إلى زمن المأمون، فحمل الناس على القول بخلق القرآن، وكل من لم يقل بخلق القرآن عاقبه أشد عقوبة. وكان الإمام أحمد «1» رضي الله تعالى عنه إمام أهل السنة من الممتنعين من القول بخلق القرآن، فحمل إلى المأمون مقيدا، فمات المأمون قبل وصوله إليه.
وسيأتي ذكر محنته في خلافة المعتصم.
وقالوا: دخل المأمون بلاد الجزيرة والشام، وقام بها مدة طويلة، ثم غزا الروم وفتح فتوحات كثيرة وأبلى بلاء حسنا. وتوفي بنهر بردى لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب، وقيل لثمان مضين منه سنة ثمان عشرة ومائتين، وهو ابن تسع وأربعين سنة وقيل تسع وثلاثين والأول أصح وقيل ثمان وأربعين، وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر ودفن بطرسوس.
قال ابن خلكان: كان المأمون عظيم العفو جوادا بالمال، عارفا بالنجوم والنحو، وغيرهما من أنواع العلوم، خصوصا علم النجوم، وكان يقول: لو يعلم الناس ما أجد في العفو من اللذة لتقربوا إلي بالذنوب. وقال غيره: إنه لم يكن في بني العباس أعلم من المأمون وكان يشتغل بعلم النجوم كثيرا وفي ذلك يقول الشاعر:
هل علوم النجوم أغنت عن المأ ... مون شيئا أو ملكه المأنوس
خلفوه بساحتي طرسوس ... مثلما خلفوا أباه بطوس
وكان أبيض مليح الوجه، مربوعا طويل اللحية، دينا عارفا بالعلم، فيه دهاء وسياسة.
خلافة أبي إسحق ابراهيم المعتصم
ثم قام بالأمر بعده أخوه أبو إسحق إبراهيم المعتصم بن هارون الرشيد. بويع له بالخلافة
(1/116)

يوم موت أخيه بعهد منه فأمر بهدم ما بنوا من طوانة وغزا عمورية وأناخ عليها وحاصرها حصارا شديدا. ولم يكن في بني العباس مثله في القوة والشجاعة والإقدام قيل إنه أصبح ذات يوم برد عظيم وثلج فلم يقدر أحد على إخراج يده ولا امساك قوسه فأوتر المعتصم في ذلك اليوم أربعة آلاف قوس، ولم يزل يحاصرها حتى فتحها عنوة واحتوى على ما فيها من الأموال وغيرها، وأخذ أهلها أسرى.
ولما ولي طلب الإمام أحمد، وكان في سجن المأمون كما تقدم، وامتحنه بخلق القرآن كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وتلخيص ما كان من أمره أن هارون الرشيد لم يقل بخلق القرآن مدة خلافته، ولهذا السبب كان الفضيل بن عياض يتمنى طول عمر الرشيد، لأنه والله أعلم، كان قد كشف له بأن فتنة تحدث بعد موت الرشيد، ولم تحدث في أيام خلافته فتنة، ولكن كان الأمر في زمن ولايته بين أخذ وترك، كما قدمنا قريبا إلى أن ولي ابنه المأمون، فقال بخلق القرآن، وبقي يقدم رجلا ويؤخر أخرى في دعواه الناس إلى ذلك، إلى أن قوي عزمه في السنة التي مات فيها، فمل الناس على القول بخلق القرآن. وكل من لم يقل بخلقه عاقبه أشد عقوبة. وإنه طلب الإمام أحمد بن حنبل، وجماعة فحمل إليه الإمام أحمد فلما كان ببعض الطريق، توفي المأمون وعهد إلى أخيه المعتصم بالخلافة وأوصاه بأن يحمل الناس على القول بخلق القرآن، واستمر الإمام أحمد محبوسا إلى أن بويع المعتصم، فأحضر الإمام أحمد إلى بغداد، وعقد له مجلسا للمناظرة وفيه عبد الرحمن بن إسحاق، والقاضي أحمد بن أبي دؤاد، وغيرهما فناظروه ثلاثة أيام، ولم يزل معهم في جدال، إلى اليوم الرابع، فأمر بضربه، فضرب بالسياط ولم يزل عن الصراط، إلى أن أغمي عليه، ونخسه عجيف بالسيف، ورمي عليه بارية وديس عليه، ثم حمل وصار إلى منزله وكانت مدة مكثه في السجن ثمانية وعشرين شهرا، ولم يزل بعد ذلك يحضر الجمعة والجماعات ويفتي ويحدث إلى أن مات المعتصم وولي الواثق، فأظهر ما أظهره المأمون والمعتصم من المحنة، وقال للإمام أحمدا: لا تجمعن إليك أحدا ولا تساكني في بلد أنا فيه، فأقام الإمام أحمد مختفيا، لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها، حتى مات الواثق وولي المتوكل، فرفع المحنة وأمر بإحضار الإمام أحمد، وإكرامه وإعزازه وأطلق له مالا كثيرا فلم يقبله، وفرقه على الفقراء والمساكين. وأجرى المتوكل على أهله وولده في كل شهر أربعة آلاف درهم، فلم يرضى الإمام أحمد بذلك رحمه الله تعالى وذكر العراقي في مجمع الأخبار وغيره أنه نوظر في الأيام الثلاثة، وأن المعتصم كان يخلو به ويقول له:
ويحك يا أحمد أنا والله عليك شفيق، وإني لا شفق عليك مثل شفقتي على ابني هارون يعني الواثق فأجبني فو الله لئن أجبتني لاطلقن غلك بيدي، ولا طأن عتبتك، ولأركبن إليك بجندي. فيقول:
يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب الله تعالى أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا طال به المجلس، ضجر وقام ورد أحمد في الموضع الذي كان فيه. وتتردد إليه رسل المعتصم يقولون: يا أحمد، أمير المؤمنين يقول لك: ما تقول في القرآن؟ فيرد عليهم كما رد أولا. فلما كان في اليوم الثالث، طلب للمناظرة فأدخل على المعتصم، وعنده محمد بن عبد الملك الزيات، والقاضي أحمد بن أبي دؤاد، فقال المعتصم: كلموه وناظروه فلم يزالوا في جدال إلى أن قالوا: يا أمير المؤمنين اقتله ودمه في أعناقنا. فرفع المعتصم يده ولطم بها وجه الإمام أحمد، فخر مغشيا عليه، فتمعرت وجوه قواد خراسان، وكان عم أحمد فيهم، فخاف الخليفة منهم على نفسه فدعا بماء ورش على وجهه، فلما
(1/117)

أفاق من غشيته، رفع رأسه إلى عمه وقال: يا عم لعل هذا الماء الذي رش على وجهي غصب عليه صاحبه، فقال المعتصم: ويحكم أما ترون ما يتهجم به علي هذا وقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا رفعت السوط عنه حتى يقول القرآن مخلوق. ثم التفت إلى أحمد وأعاد عليه القول، فرد أحمد كالأول. فلم يزل كذلك حتى ضجر وطال المجلس فعند ذلك قال: عليك لعنة الله، لقد كنت طمعت فيك قبل هذا، خذوه اخلعوه اسحبوه فأخذ وسحب ثم خلع. ثم قال المعتصم:
السياط. قال الإمام أحمد: وكان عندي شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم، قد صررتها في كم قميصي فجاء بعض القوم إلى قميصي ليحرقه فقال له المعتصم: لا تحرقوه وانزعوه عنه وإنما درىء عن القميص الحرق ببركة شعر النبي صلى الله عليه وسلم. وشدوا يديه فتخلعت. ولم يزل أحمد يتوجع منها حتى مات. ثم قال المعتصم للجلادين: تقدموا ونظر إلى السياط، فقال: ائتوا بغيرها ثم قال لأحدهم:
أذمه «1» وأوجع قطع الله يدك: فتقدم وضربه سوطين، ثم تنحى. ثم قال لآخر: أذمه وشد قطع الله يدك، فتقدم وضربه سوطين، ثم تنحى. ولم يزل يدعو رجلا رجلا فيضربه كل واحد سوطين ويتنحى. ثم قال المعتصم وجاءه، وهم محدقون به، وقال: يا أحمد تقتل نفسك: أجبني حتى أطلق غلك بيدي وجعل بعضهم يقول له: يا أحمد إمامك على رأسك قائم فاجبه، وعجيف ينخسه بالسيف، ويقول أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم، وبعضهم يقول: يا أمير المؤمنين اجعل دمه في عنقي، فرجع المعتصم إلى الكرسي، ثم قال للجلاد: أذمه قطع الله يدك ثم جاء المعتصم إليه ثانيا، وقال: يا أحمد أجبني: فقال كالأول. فرجع المعتصم وجلس على الكرسي، ثم قال للجلاد: شد عليه قطع الله يدك. قال أحمد: فذهب عقلي فما عقلت إلا وأنا في حجرة مطلق عني. وكل ذلك وهو صائم لم يفطر رضي الله تعالى عنه. وضرب ثمانية عشر سوطا، فلما كان في أثناء الضرب، انحلت وزرته فهمهم بشفتيه، فخرجت يدان فربطتاها. فسئل عن ذلك بعد اطلاقه. فقال: قلت أللهم إن كنت على الحق فلا تفضحني. ثم وجه المعتصم رجلا ينظر الضرب والجراحات ويعالجه، فنظر إليه وقال: والله لقد رأيت من ضرب ألف سوط، فما رأيت ضربا أشد من هذا. ثم عالجه وبقي أثر الضرب بينا في ظهره إلى أن مات رحمة الله تعالى عليه. وقال صالح: سمعت أبي يقول: والله لقد أعطيت المجهود من نفسي، ولوددت أني أنجو من هذا الأمر كفافا لا علي ولا لي.
وحكي أن الشافعي رضي الله تعالى عنه، لما كان بمصر، رأى في المنام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وهو يقول له: بشر أحمد بن حنبل بالجنة، على بلوى تصيبه فإنه يدعى إلى القول بخلق القرآن فلا يجب إلى ذلك، بل يقول هو منزل غير مخلوق. فلما أصبح الشافعي رضي الله تعالى عنه، كتب صورة ما رآه في منامه، وأرسله مع الربيع إلى بغداد إلى أحمد فلما وصل بغداد، قصد منزل أحمد واستأذن عليه فأذن له، فلما دخل عليه قال له: هذا كتاب أخيك الشافعي، فقال له: هل تعلم ما فيه؟ قال: لا ففتحه وقرأه وبكى. وقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله. ثم أخبره بما فيه، فقال:
الجائزة، وكان عليه قميصان أحدهما على جسده، والآخر فوقه. فنزع الذي على جسده ودفعه
(1/118)

إليه. فأخذه ورجع إلى الشافعي. فقال له الشافعي: ما أجازك؟ قال: أعطاني القميص الذي على جسده. فقال: أما أنا فلا أفجعك فيه، ولكن أغسله وائتني بمائة، فغسله وأتاه بالماء، فأفاضه على سائر جسده.
وقال إبراهيم الحربي: جعل الإمام أحمد بن حنبل جميع من ضربه أو حضره أو ساعد عليه في حل، إلا ابن أبي دؤاد. وقال: لولا أنه ذو بدعة لأحللته، ولو تاب من بدعته لأحللته، وقال أحمد بن سنان: بلغنا أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حل، يوم فتح بابل أو فتح عمورية.
وقال: هو في حل من ضربي. قال عبد الله بن الورد: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، في المنام، فقلت له:
يا رسول الله ما شأن أحمد بن حنبل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: سيأتيك موسى بن عمران، فاسأله فإذا أنا بموسى بن عمران صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا كليم الله ما شأن أحمد بن حنبل، فقال: أحمد بن حنبل بلي في السراء والضراء، فوجد صابرا صادقا، فألحق بالصديقين.
والحكمة في إحالة النبي صلى الله عليه وسلم على موسى عليه السلام أمور: منها بيان فضيلة أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الأمم، حتى إن موسى عليه السلام يبين ذلك ويقرره. ومنها بيان فضل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه وما جعل له من الثواب العظيم في المحنة لما جرى عليه، حتى إنه شهد بعظيم فضله وعلو منزلته نبي كريم. ومنها أن محنة الإمام أحمد في كون القرآن مخلوقا، وهو كلام الله تعالى، وموسى بن عمران عليه السلام كليم الله تعالى، كلمه الله تكليما، وهو يعلم أن القرآن كلام الله تعالى ليس بمخلوق. فناسب الإحالة ليعرف الناس ذلك، ليزداد يقينهم بأنه منزل غير مخلوق.
وذكر ابن خلكان في ترجمته «1» أنه ولد في سنة أربع وستين ومائة وتوفي في سنة إحدى وأربعين ومائتين. وحزر من حضر جنازته من الرجال، فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفا، وأسلم يوم موته عشرون ألفا من اليهود والنصارى والمجوس انتهى.
وقال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات: إن المتوكل أمر أن يقاس الموضع، الذي وقف الناس فيه للصلاة على الإمام أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة ألف ووقع المأتم في أربعة أصناف: في المسلمين واليهود والنصارى والمجوس انتهى. قال محمد بن خزيمة: لما بلغني موت الإمام أحمد بن حنبل اغتممت غما شديدا، فرأيت من ليلتي في المنام، وهو يتبختر في مشيته، فقلت: يا أبا عبد الله ما هذه المشية؟ فقال: مشية الخدام في دار السلام. فقلت: ما فعل الله بك؟
فقال: غفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب، وقال يا أحمد هذا بقولك القرآن كلامي غير مخلوق، ثم قال تبارك وتعالى: يا أحمد ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان «2» التي كنت تدعو بهن في دار الدنيا. قال: فقلت يا رب كل شيء أسألك بقدرتك على كل شيء، لا تسألني عن شيء، واغفر لي كل شيء. فقال جل وعلا: يا أحمد هذه الجنة قم فادخلها فدخلتها فإذا أنا بسفيان الثوري له جناحان أخضران، يطير بهما من نخلة إلى نخلة، وهو يقول: الحمد الله الذي
(1/119)

صدقنا وعده، وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين. قال: قلت ما فعل الله بعبد الوهاب الوراق «1» ؟ قال: تركته في بحر من نور، في زورق من نور، يزور ربه الملك الغفور. فقلت: فما فعل ببشر «2» بن الحارث فقال لي: بخ بخ، ومن مثل بشر؟ تركته بين يدي الله جل جلاله، وبين يديه مائدة من الطعام، والجليل جل جلاله مقبل عليه، وهو يقول:
كل يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب، وانعم يا من لم ينعم.
وفي سنة سبع وعشرين ومائتين احتجم المعتصم بسر من رأى، فحم ومات، وذلك لإثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول وهو ابن ثمان أو سبع وأربعين سنة. وكانت خلافته ثمان سنين وثمانية شهور وثمانية أيام، وهو الثامن من خلفاء بني العباسي. وخلف من الذهب ثمانية آلاف دينار، ومن الدراهم ثمانية عشر ألف درهم، ومن الخيل ثمانية آلاف فرس، ومثلها من الجمال والبغال، ومن المماليك ثمانية آلاف مملوك، وثمانية آلاف جارية، وكان يقال له الثماني لأجل ذلك.
وكان أميا وذلك إنه كان له مملوك صغير، يذهب معه إلى الكتاب فمات فقال له الرشيد:
مات مملوكك يا إبراهيم، فقال: استراح من الكتاب يا أمير المؤمنين، فقال: أو بلغ الكتاب منك إلى هذا الحد؟ اتركوا ولدي لا تعلموه. فكان أميا لذلك وكان أبيض أصهب اللحية، مربوعا وكان شجاعا مهيبا، قوي البدن إلى الغاية فتح الفتوحات الكبار مثل عمورية من أقصى بلاد الروم ودانت له الأمم، وكان فيه ظلم وعنف وبذلك أرهب الأعداد سامحه الله تعالى.
خلافة هارون الواثق بالله
ثم قام بالأمر بعده ابنه هارون الواثق بالله بويع له بالخلافة بسر من رأى يوم موت أبيه، ونفذت البيعة إلى بغداد، واستقر له الأمر ببغداد وغيرها. ولما ولي قتل أحمد بن نصر «3» الخزاعي، على القول بخلق القرآن ونصب رأسه إلى الشرق، فدار إلى القبلة فأجلس رجلا معه رمح أو قصبة، فكان كلما دار الرأس إلى القبلة أداره إلى الشرق. وروي أنه رؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي ورحمني إلا أني كنت مهموما منذ ثلاث. قيل: ولم؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر علي مرتين فأعرض بوجهه الكريم عني، فغمني ذلك، فلما مر علي صلى الله عليه وسلم الثالثة، قلت له:
يا رسول الله ألست على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فما بالك تعرض عني بوجهك الكريم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حياء منك إذ قتلك رجل من أهل بيتي.
وقد رأيت حكاية تدل على أن الواثق رجع عن هذا الاعتقاد والامتحان، وذلك فيما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه في ترجمته قال: سمعت طاهر بن خلف يقول: سمعت محمد بن الواثق الذي يقال له المهتدي بالله يقول: كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلا أحضرنا ذلك المجلس،
(1/120)

فبينما نحن ذات يوم عنده إذ أتي بشيخ مصفود مقيد، فقال أبي: ائذنوا لأبي عبد الله يعني ابن أبي دؤاد وأصحابه، وأدخل الشيخ في مصلاه، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال له: لا سلم الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين، بئسما أدبك مؤدبك قال الله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
«1» والله ما حييتني بها، ولا بأحسن منها، فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين الرجل متكلم، فقال: كلمه فقال: يا شيخ ما تقول في القرآن؟ قال: انصفني في السؤال؟
فقال له: سل. فقال الشيخ: ما تقول أنت في القرآن؟ قال: مخلوق. فقال الشيخ: هذا شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم، والخلفاء الراشدون، أم شيء لم يعلموه؟
فقال: شيء لم يعلموه فقال: سبحان الله شيء لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون تعلمه أنت؟ فخجل وقال: أقلني فقال: قد فعلت. والمسألة بحالها قال: نعم قال: فما تقول في القرآن. قال: مخلوق. قال: هذا شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون أم لم يعلموا. قال: علموه ولم يدعوا الناس إليه. فقال أفلا وسعك ما وسعهم؟ قال: ثم قام أبي فدخل مجلس الخلوة واستلقى على قفاه ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: هذا شيء لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون، تعلمه أنت! سبحان الله شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون ولم يدعوا الناس إليه أفلا وسعك ما وسعهم؟ ثم دعا عمارا الحاجب فأمره أن يرفع القيود عنه، ويعطيه أربعمائة دينار، يأذن له في الرجوع وسقط من عينه ابن أبي دؤاد. ولم يمتحن بعد ذلك أحدا، رحمه الله تعالى عليه.
كذا وقع في هذه الرواية، أن المهتدي بالله بن الواثق إسمه محمد وبذلك سماه الحافظ أبو عبد الله الذهبي، في كتاب دول الإسلام، وذكر المؤلف بعد في ترجمته: أن إسمه جعفر، وقد جاء في رواية غير هذه ما يدل على أن إسمه أحمد، وفيها زيادة ونقص ومغايرة في بعض الألفاظ، والمعنى، وذلك فيما ذكره الحافظ أبو نعيم في حليته، قال: قال الحافظ أبو بكر الآجري بلغني عن المهتدي رحمه الله تعالى، أنه قال ما قطع أبي يعني الواثق إلا شيخ جيء به من المصيصة «2» فمكث في السجن مدة، ثم إن أبي ذكره يوما، فقال: علي بالشيخ فأتي به مقيدا فلما وقف بين يديه، سلم عليه فلم يرد عليه السلام، فقال له الشيخ يا أمير المؤمنين ما استعملت معي أدب الله عز وجل، ولا أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم برد السلام، فقال له أبي: وعليك السلام، ثم قال لابن أبي دؤاد: سله فقال:
يا أمير المؤمنين أنا محبوس مقيد أصلي في الحبس وأتيمم للصلاة، فمر لي بحل القيد وبالوضوء، فأمر بحله وأمر بماء فتوضأ وصلى، ثم قال لابن أبي دؤاد: سله، فقال الشيخ: المسألة لي فمره أن يجيبني، فقال سل: فأقبل الشيخ على ابن أبي دؤاد، فقال: أخبرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه، أشيء دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا قال: فشيء دعا إليه أبو بكر رضي الله تعالى
(1/121)

عنه بعده؟ قال: لا قال: فشيء دعا إليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بعدهما؟ قال: لا قال: فشيء دعا إليه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه بعدهم؟ قال: لا قال: فشيء دعا إليه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بعدهم؟ قال لا. قال الشيخ: فشيء لم يدع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي رضي الله تعالى عنهم، تدعو أنت الناس إليه؟ ليس يخلو أن تقول علموه أو جهلوه فإن قلت: علموه وسكتوا عنه، وسعني وإياك من السكوت، ما وسع القوم. وإن قلت: جهلوه وعلمته أنت! فيالكع بن لكع يجهل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم شيئا وتعلمه أنت وأصحابك؟ قال المهتدي: فرأيت أبي وثب قائما ودخل الحجرة، وجعل ثوبه في فيه وهو يضحك، ثم جعل يقول: صدق ليس يخلو من أن يقول علموه أو جهلوه فإن قلنا علموه وسكتوا عنه وسعنا من السكوت ما وسع القوم، وإن قلنا جهلوه وعلمته أنت، فيالكع بن لكع يجهل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا وأصحابه وتعلمه أنت وأصحابك؟ ثم قال: يا أحمد فقلت:
لبيك قال: لست أعنيك إنما أعني المهتدي كان إسمه أحمد لقوله: لست أعنيك لأنه ربما قال قائل: إنما كان استجابة المهتدي لأبيه على طريق الأدب، فقوله إنما أعني ابن أبي دؤاد يبطل، لأن اسمه أحمد وسيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة المهتدي هذه الحكاية بطريقة أخرى، بسياق غير هذا.
وهذا الذي قاله الشيخ إلزام صحيح وبحث لازم للمعتزلة.
وكان الواثق مؤثرا لكثرة الجماع، فقال لطبيبه: اصنع لي دواء للباه، فقال له الطبيب:
يا أمير المؤمنين لا تهدم بدنك بالجماع، واثق الله في نفسك فقال: لا بد من ذلك، فأمره الطبيب أن يأخذ لحم سبع فيغلي عليه سبع غليات بخل خمر، ويتناول منه إذا شرب وزن ثلاثة دراهم ولا يجاوز هذا القدر، فأمر بذبح سبع فذبح وطبخ له من لحمه، وصار يتنقل منه على شرابه فلم يكن إلا قليلا حتى استسقى فأجمع رأي الأطباء على أن لا دواء له إلا أن يبزل بطنه، ثم يترك في تنور قد سجر بحطب زيتون، حتى يصير جمرا، ثم يجلس فيه ففعل ذلك ومنع الماء ثلاث ساعات، فجعل يستغيث ويطلب الماء، فلم يسقوه فصار في جسده نفاطات مثل البطيخ ثم أخرجوه فجعل يقول ردوني في التنور وإلا مت فردوه، فسكن صياحه، ثم انفجرت تلك النفاطات وقطر منها ماء، فأخرج من التنور وقد أسود جسده، ومات بعد ساعة ولما احتضر جعل يقول:
الموت فيه جميع الناس تشترك ... لا سوقة منهم يبقى ولا ملك
ما ضر أهل قليل في مقابرهم ... وليس يغني عن الملاك ما ملكوا
ثم أمر بالبسط فطويت، وألصق خده بالأرض، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، إرحم من قد زال ملكه. ولما مات سجي بثوب. واشتغل الناس بالبيعة للمتوكل، فجاء جرذون من البستان، فاستل عينيه وذهب بهما ولم يعلموا به حتى غسلوه وهذا من أغرب ما سمع.
حكي أن ذلك له سبب، وهو أن الواثقي قال: كنت أمرض الواثق إذ لحقته غشية، فما
(1/122)

شككت أنه قد مات فقال بعضنا لبعض: تقدموا فما جسر أحد منا، فتقدمت أنا، فلما أردت أن أضع إصبعي على أنفه، فتح عينيه فكدت أن أموت فزعا، وتأخرت إلى خلفي، فتعلقت قبيعة «1» السيف بالعتبة، وعثرت فاندق السيف فكاد أن يدخل في لحمي، فخرجت وطلبت سيفا غيره، ثم رجعت فوقفت عنده، فوجدته مات بلا شك. فشددت لحييه، وغمضته وسجيته، وأخذ الفراشون تلك الفرش الثمينة، ليردوها إلى الخزانة، وترك وحده في البيت، فقال لي أحمد بن أبي دؤاد القاضي: إنا نشتغل بعقد البيعة، فاحفظه حتى يدفن، فرجعت وجلست عند الباب، فسمعت بعد ساعة حركة أفزعتني، فدخلت فإذا بجرذون قد جاء فاستل عينيه فأكلهما. فقلت: لا إله إلا الله هذه العين التي فتحها من ساعة، فعثرت واندق سيفي هيبة لها.
وتوفي الواثق بسر من رأى في رجب سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وهو ابن ست وثلاثين سنة وأشهر وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وكان أبيض مليحا، يعلوه اصفرار، حسن اللحية، في عينيه نكتة، عالما أديبا جيد الشعر، شجاعا مهابا حازما، فيه جبروت كأبيه سامحهما الله تعالى.
خلافة جعفر المتوكل
ثم قام بالأمر بعده أخوه جعفر المتوكل. بويع له بالخلافة بسر من رأى، يوم موت أخيه الواثق، بعهد منه في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، فرفع المحنة بخلق القرآن، وأظهر السنة، وأمر بنشر الآثار النبوية، وذكر «2» ابن خلكان في ترجمته أنه قال: ركبت إلى دار الواثق، في مرضه الذي مات فيه لأعوده، فجلست في الدهليز أنتظر الإذن، فبينما أنا جالس إذ سمعت النياحة عليه، وإذا ايداخ ومحمد بن عبد الملك الزيات «3» يأتمران في أمري، فقال محمد: نقتله في التنور، وقال إيداخ «4» . بل ندعه في الماء البارد حتى يموت، ولا يرى عليه أثر القتل، فبينما هما على ذلك، إذا جاء أحمد بن أبي دؤاد القاضي، فدخل وحدثهما كلاما لا أعقله، لما داخلني من الخوف، وشغل القلب بإعمال الحيلة في الهرب. فبينما أنا كذلك، وإذا بالغلمان يتعادون ويقولون: انهض يا مولانا، فلم أشك أني داخل لأبايع ولد الواثق ثم ينفذ في ما قدر، فلما دخلت بايعوني فسألت عن الحال فأعلمت أن ابن أبي دؤاد كان سبب ذلك.
ثم إن المتوكل قتل إيداخ بالماء البارد وابن الزيات في التنور. قال: وهذا من أغرب الاتفاق وعجيب الظفر، ومن العجب أيضا، أن محمد بن عبد الملك الزيات، هو الذي صنع التنور ليعذب فيه الناس، فعذبه الله فيه. وكان التنور من حديد داخله مسامير غير مثنية، وكان يسجر بحطب الزيتون، حتى يصير كالجمر، ثم يدخل الإنسان فيه. نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
(1/123)

ولما ولي المتوكل أحيى السنة، وأمات البدعة، وكتب للآفاق برفع المحنة واظهار السنة.
وتكلم في مجلسه بالسنة وأعز أهلها، وأخمد المعتزلة، وكانوا في قوة ونماء إلى أيام المتوكل فخمدوا.
ولم يكن في هذه الملة الإسلامية أهل بدعة أشر منهم، نعوذ بالله من شر مقالتهم، ونسأل الله السلامة من الزيغ والردى. وكان المتوكل يبغض عليا رضي الله تعالى عنه، ويتنقصه، فذكر عليا رضي الله عنه يوما وغض منه فتمعر وجه ابنه المنتصر لذلك فشتمه المتوكل وأنشد مواجها له:
غضب الفتى لابن عمه ... رأس الفتى في حرامه
فحقد عليه، وأغراه ذلك على قتله، لما كان يغلو في بغض علي رضي الله تعالى عنه، ويكثر الوقيعة فيه والاستخفاف به. فبينما المتوكل في قصره، يشرب مع ندمائه، وقد سكر إذا دخل بغا الصغير، وأمر الندماء بالانصراف فانصرفوا، ولم يبق عنده إلا الفتح بن خاقان، فإذا الغلمان الذين عينهم المنتصر لقتل المتوكل قد دخلوا بايديهم السيوف مصلتة، فهجموا عليه فقال الفتح بن خاقان: ويلكم أمير المؤمنين ثم رمى نفسه عليه، فقتلوهما جميعا ثم خرجوا إلى المنتصر، فسلموا عليه بالخلافة.
وكان قتل المتوكل في شوال سنة سبع وأربعين ومائتين وعمره أربعون سنة. وكانت خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وقيل خمس عشرة سنة. وكان أسمر رقيقا، ملج العينين، خفيف اللحية، ليس بالطويل، فيه قصف وانهماك على اللهو والمكاره، لكنه أحيى السنة، وأمات بدعة القول بخلق القرآن، وله كرم زائد وكان قد عزم على خلع ولده المنتصر من ولاية العهد، وتقديم ابنه المعتز عليه، لفرط محبته لأمه، وأخذ يؤذيه ويتهدده إن لم يخلع نفسه، واتفق مصادرته لوصيف «1» وبغا، فعملوا على قتله، فدخل عليه خمسة نصف الليل وهو في مجلس لهو ففتكوا به وضربوه بسيوفهم وقتلوا معه وزيره الفتح بن خاقان كما تقدم.
خلافة محمد المنتصر بالله
ثم قام بالأمر بعده ابنه محمد المنتصر بالله. بويع له بالخلافة في الليلة التي قتل فيها أبوه، وبويع له من الغد البيعة العامة، فلم تطل دولته، ولم يمتع بالملك. روى إنه بسط بين يديه بساطا، فرأى عليه شيئا مكتوبا فلم يعلم ما هو، فأمر بإحضار من قرأه، فإذا كتابته بقلم اليونان، وإذا عليه مكتوب: عمل هذا البساط للملك قباذ بن كسرى قاتل أبيه، وفرش قدامه، فلم يلبث غير ستة أشهر ومات. فتطير المنتصر واغتم لذلك وأمر برفع البساط ومات في آخر الستة أشهر.
وكانت خلافته ستة أشهر وأياما وعمره ست وعشرون سنة وأمه رومية، وكان مربوعا سمينا أعين أقنى الأنف، مليحا مهيبا، كامل العقل يحب الخير. قيل إن أمراء الترك خافوه، فلما حم دسوا إلى الطبيب بكيس فيه ألف دينار، ففصده بريشة مسمومة وقيل بل سم في طعامه، فقال لأمه: ذهبت عني الدنيا والآخرة عاجلت أبي فعوجلت.
(1/124)

خلافة أحمد المستعين بالله وهو السادس فخلع وقتل
ثم قام بالأمر بعده ابن عمه أحمد المستعين بالله بن محمد المعتصم. بويع له بالخلافة ليلة الإثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر، وعمره إذ ذاك ثمان وعشرون سنة، وكان كثير الجماع، مغرما يحب النساء وكان له ابنة عم بديعة الحسن والجمال، فطلبها من أبيها فامتنع فأحضر الأصمعي «1» والرقاشي «2» وأبا نواس «3» ، وقال: كل من أنشد لي بطبق مرادي في ابنة عمي أعطيته الجائزة العظمى فانشد أبو نواس:
ما روض ريحانكم الزاهر ... وما شذا نشركم العاطر
وحق وجدي والهوى قاهر ... مذغبتمو لم يبق لي ناظر
والقلب لا سال ولا صابر ... قالت: ألا لا تلجن دارنا
وكابد الأشواق من أجلنا ... واصبر على مر الجفا والضنا
ولا تمرن على بيتنا ... إن أبانا رجل غائر
فقلت: إني طالب غرة ... يحظى بها القلب ولو مرة
قالت: بعيد ذاك مت حسرة ... قلت سأقضي غرتي جهرة
منك وسيفي صارم باتر ... قالت: فإن البحر من بيننا
فابرح ولا تأت إلى حينا ... واشرب بكأس الموت من هجرنا
قلت ولو كان كثير العنا ... يكفيك إني سابح ماهر
قالت: فإن القصر عالي البنا ... قلت: ولو كان عظيم السنا «4»
أو كان بالجو بلغت المنى ... قالت: منيع في الورى»
قصرنا
قلت وإني فوقه طائر ... قالت فعندي لبوة والد
فقلت إني أسد شارد ... غشمشم مقتنص صائد
قالت: لها شبل بها لا بد ... قلت: وإني لبثها الكاسر
قالت فعندي إخوة سبعة ... جمعا إذا ما التقوا عصبة
قلت ولي يوم اللقا وثبة ... قالت: لهم يوم الوغى سطوة
قلت: إني قاتل قاهر ... قالت: فإن الله من فوقنا
يعلم ما نبديه من شوقنا ... نمضي إلى الحق غدا كلنا
ونختشي النقمة من ربنا ... قلت: وربي ساتر غافر
(1/125)

قالت فكم أعييتنا حجة ... تجي بها كاملة بهجة
فيا لها بين الورى خجلة ... إن كنت ما تمهلنا ساعة
فائت إذا ما هجّع الساهر ... واسقط علينا كسقوط الندى
إياك أن تظهر حرف الندا ... يستيقظ الواشي ويأتي الردى
وكن كضيف الطيف مسترصدا ... ساعة لا ناه ولا آمر
حاججتها عشرا وصافحتها ... على دنان الخمر صافيتها «1»
رامت مواثيقا فوافيتها ... ملتحفا سيفي ولاقيتها
آخر ليلى والدجى عاكر ... يا ليلة قضيتها خلوة
مرتشفا من ريقها قهوة ... تكر من قد يبتغي سكرة
ظننتها من طيبها لحظة ... يا ليت لا كان لها آخر
فلما أنشد ذلك أبو نواس بحضرة الخليفة، أعجبه ذلك وأمر له بالجائزة العظمى، ووفى بما عهد.
ثم إن المستعين أشهد على نفسه أنه قد خلعها من الخلافة، وأنه قد أحل الناس من بيعته بشروط، وخطب للمعتز بن المتوكل.
فنقل المستعين إلى قصر الحسن بن وهب فاعتقل به تسعة أشهر، ووكل به من يحفظه ثم أحضر به إلى واسط ودس عليه المعتز، سعيدا الحاجب فقتله صبرا في أوّل شهر رمضان سنة إثنتين وخمسين ومائتين وجيء برأسه إلى المعتز، وهو يلعب الشطرنج، فقيل له: هذا رأس المخلوع، فقال: دعوه هناك حتى أفرغ من اللعب. فلما فرغ أحضره ونظره، ثم أمر بدفنه. وكانت خلافته سنتين وتسعة أشهر، وعمره إحدى وثلاثون سنة وكان مربوعا مليح الوجه به أثر جدري، وكان ألثغ يجعل السين ثاء وكان كريما مبذرا للأموال رحمه الله تعالى.
خلافة أبي عبد الله محمد المعتز بالله بن المتوكل
ثم قام بالأمر بعده ابن عمه محمد المعتز بن المتوكل. بويع له بالخلافة لما خلع المستعين نفسه، في أوّل سنة إثنتين وخمسين ومائتين، ثم دبر عليه صالح بن وصيف حاجبه، فجاء إليه ومعه جماعة، وبعثوا إليه أن أخرج، فاعتذر بأنه تناول دواء، فأمر صالح أن يدخل إليه بعضهم، فدخلوا وجروا برجله إلى باب الحجرة، فأقيم في الشمس الحارة، فصار يرفع قدما ويضع أخرى، وهم يلطمونه ويقولون له: اخلعها وهو يتقي بيديه ويأبى، ثم أجابهم وخلع نفسه. فتسلمه صالح بن وصيف، ومنعه من الطعام والشراب ثلاثة أيام، ثم أنزله إلى سرداب مجصص وأطبقه عليه حتى مات. ثم أخرجه وأشهد عليه أنه لا أثر به. وقيل: إنه بعد خلعه بخمسة أيام أدخله الحمام، ومنعه الماء حتى عاين التلف، ثم أتوه بماء
(1/126)

مالح فشربه فسقط ميتا. وذلك في رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، وكان عمره ثلاثا وعشرين سنة وخلافته أربع سنين وستة أشهر وكان بديع الحسن رحمه الله تعالى.
خلافة جعفر المهتدي بالله بن هارون
ثم قام بالأمر بعده ابن عمه، جعفر بن هارون المعتصم. ورأيت في غير هذا الموضع أن المهتدي إسمه محمد بأبي إسحاق. بويع له بالخلافة يوم خلع ابن عمه المعتز بالله ولما ولي أخرج الملاهي وحرم سماع الغناء والشراب، وأمر بنفي المغنيات وطرد الكلاب، والسباع وألزم نفسه الإشراف على الدواوين، والجلوس للناس، وإزالة المظالم، وتغيير المنكرات. وقال: إني أستحيى من الله أن لا يكون في بني العباس مثل عمر بن عبد العزيز في بني أمية. فتبرم به بابك التركي، وكان ظلوما غشوما، فأمر المهتدي بقتله، ولما قتل هاجت الأتراك، ووقعت الحرب بينهم وبين المغاربة، فقتل من الفريقين أربعة آلاف، وخرج المهتدي والمصحف في عنقه، وهو يدعو الناس إلى نصرته، والمغاربة معه وبعض العامة، فحمل عليهم طيبغا أخو بابك فهزمهم. ومضى المهتدي مهزما، والسيف في يده، وقد جرح جرحين، حتى دخل دار محمد «1» بن يزداد، فتجمعت الأتراك وهجموا عليه وأخذوه أسيرا. وحمله أحمد بن خاقان على دابة وأردف خلفه سائسا بيده خنجر، فأدخل إلى دار أحمد بن خاقان، وجعلوا يصفعونه ويقولون اخلعها، فأبى عليهم فسلم إلى رجل، فوطىء مذاكيره حتى قتله، وذلك في رجب سنة ست وخمسين ومائتين، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، وكانت خلافته أحد عشر شهرا، رحمة الله تعالى عليه، وقيل سنة.
وكان أسمر مليح الصورة دينا ورعا عابدا عاد لا حازما شجاعا خليقا للإمارة، لكنه لم يجد ناصرا. يقال: إنه كان يسرد الصوم، وربما كان فطوره في بعض الليالي، على خبز وخل وزيت، وقد كان سد باب اللهو والطرب والغناء، وحسم الأمراء عن الظلم وكان يجلس لحساب الدواوين بنفسه.
ومما يحكى: من محاسنه، ما ذكره الحافظ أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي، في كتابه قال: إن أبا الفضل صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور الهاشمي، وكان من وجوه بني هاشم، وأهل الخلافة والسبق منهم، قال: حضرت المهتدي بالله أمير المؤمنين، وقد جلس ينظر في أمور الناس، في دار العامة، فنظرت إلى قصص الناس تقرأ عليه، من أوّلها إلى آخرها، فيأمر بالتوقيع فيها، وإنشاء الكتب لأصحابها، فتختم وتدفع إلى أصحابها بين يديه. فسرني ذلك وجعلت أنظر إليه، ففطن لي ونظر إلي، فغضضت عنه حتى كان ذلك مني ومنه مرارا إذا نظر إلي غضضت، وإذا اشتغل عني نظرت. فقال: يا صالح قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، وقمت قائما فقال: أفي نفسك مني شيء تحب أن تقوله؟ فقلت: نعم يا سيدي. فقال لي: عد إلى موضعك، فعدت وعاد في النظر حتى قام وقال للحاجب: لا يبرح صالح فانصرف الناس. ثم أذن لي وقد أهمتني نفسي، فقمت فدخلت ودعوت له، فقال لي: اجلس فجلست، فقال: يا صالح تقول ما
(1/127)

دار في نفسك، أو أقول أنا ما دار في نفسي. أنه دار في نفسك. فقلت: يا أمير المؤمنين، ما تعزم عليه وتأمر به، أطال الله بقاءك، فقال: كأني بك، وقد استحسنت ما رأيت منا فقلت: أي خليفة خليفتنا، إن لم يكن يقل القرآن مخلوق؟ فورد على قلبي أمر عظيم وأهمتني نفسي، ثم قلت: يا نفس هل تموتين إلا مرة؟ وهل تموتين قبل أجلك؟ وهل يجوز الكذب في جدّ أو هزل؟
فقلت: والله يا أمير المؤمنين ما دار في نفسي إلا ما قلت. ثم أطرق مليا وقال: ويحك اسمع مني ما أقول: فو الله لتسمعن الحق فسرّي عني. فقلت: يا سيدي من أولى بقول الحق منك، وأنت أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين، وابن عم سيد المرسلين، من الأوّلين والآخرين؟ فقال لي: ما زلت أقول القرآن مخلوق صدرا من خلافة الواثق حتى أقدم علينا أحمد بن أبي دؤاد شيخا من أهل الشام، من أهل أذنة، فأدخل الشيخ على الواثق مقيدا، وهو جميل الوجه، تام القامة، حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق له، فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه، فسلم الشيخ بأحسن السلام، ودعا بأبلغ الدعاء، وأوجز. فقال له الواثق: اجلس ثم قال له: يا شيخ ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك عليه، قال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن ابن أبي دؤاد يقل ويصغر ويضعف عن المناظرة، فغضب الواثق، وعاد مكان الرقة له غضبا، فقال: أبو عبد الله بن أبي دؤاد يقل ويصغر ويضعف عن مناظرتك أنت؟ فقال الشيخ: هون عليك يا أمير المؤمنين ما بك، وائذن لي في مناظرته، فقال الواثق: ما دعوتك إلا للمناظرة، فقال الشيخ: يا أحمد بن أبي دؤاد «1» إلام دعوت الناس ودعوتني إليه؟ فقال: إلى أن تقول القرآن مخلوق لأن كل شيء من دون الله مخلوق. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إني رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نقول. قال: افعل. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه، أواجبة داخلة في عقد الدين، فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه ما قلت؟ قال: نعم. قال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه الله عز وجل هل ستر شيئا مما أمره الله به في دينه؟ قال: لا قال الشيخ: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى مقالتك هذه؟
فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ له: تكلم، فسكت. فالتفت الشيخ إلى الواثق، وقال: يا أمير المؤمنين واحدة. فقال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن آخر ما أنزل الله من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
«2» فقال الشيخ: أكان الله تبارك وتعالى الصادق في اكمال دينه؟ أم أنت الصادق في نقصانه فلا يكون الدين كاملا، حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: أجب يا أحمد.
فلم يجب فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين اثنتان. فقال الواثق. اثنتان فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه، أعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم جهلها؟ فقال ابن أبي دؤاد: علمها. فقال الشيخ: أدعا الناس إليها فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ثلاث. فقال الواثق: ثلاث. فقال الشيخ: يا أحمد فاتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما زعمت، فلم يطالب أمته بها؟ قال: نعم فقال الشيخ: واتسع لأبي بكر رضي الله تعالى عنه، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى
(1/128)

عنهم؟ قال ابن أبي دؤاد: نعم.
فأعرض الشيخ عنه وأقبل على الواثق فقال: يا أمير المؤمنين قد قدمت القول: إن أحمد يقل ويصغر ويضعف عن المناظرة، يا أمير المؤمنين إن لم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم، فلا وسع الله على من لم يتسع له ما اتسع لهم من ذلك. فقال الواثق: نعم إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم فلا وسع الله علينا، اقطعوا قيد الشيخ، فلما قطعوا قيده ضرب الشيخ بيده إلى القيد ليأخذه، فجذبه الحداد إليه فقال الواثق: دع الشيخ ليأخذه فأخذه الشيخ فوضعه في كمه، فقيل للشيخ: لم جاذبت عليه؟ فقال الشيخ: لأني نوبت أن أتقدم إلى من أوصي إليه، إذا أنا مت، أن يجعله بيني وبين كفني، حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة، وأقول: يا رب سل عبدك هذا لم قيدني وروع أهلي وولدي وإخوتي بلا حق أوجب ذلك علي؟ وبكى الشيخ، وبكى الواثق، وبكيت.
ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة مما ناله منه، فقال الشيخ، والله يا أمير المؤمنين قد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كنت رجلا من أهله.
فقال الواثق: لي إليك حاجة. فقال الشيخ: إن كانت ممكنة فعلت. فقال الواثق: تقيم قبلنا فتنفع بك فتياننا. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم، أنفع لك من مقامي عندك. وأخبرك لم ذلك: أصير إلى أهلي وولدي، فأكف دعاءهم عليك، فقد خلفتهم على ذلك. فقال له الواثق أفتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك؟ فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين لا تحل لي، أنا عنها غني وذو ثروة. فقال له: أتسأل حاجة؟ قال: أو تقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: تخلي سبيلي إلى السفر الساعة، وتأذن لي. قال: قد أذنت لك. فسلم عليه الشيخ وخرج. قال صالح: فقال المهتدي بالله: فرجعت عن هذه المقالة منذ ذلك اليوم، وأظن أن الواثق بالله، كان رجع عنها من ذلك الوقت، ولي فيها طرق أخرى، وفيها بعض المغايرة فلهذه وقد سبق في ترجمة الواثق ما يدل على رجوعه والله تعالى أعلم.
خلافة أبي القاسم أحمد المعتمد على الله بن المتوكل
ثم قام بالأمر بعده ابن عمه أحمد، المعتمد على الله بن المتوكل على الله بن المعتصم بالله.
بويع له بالخلافة يوم قتل ابن عمه المهتدي بالله بسر من رأى، وكان له إسم الخلافة ولأخيه الموفق بن المتوكل تدبير الملك ولما مات الموفق، قام بتدبير الملك بعده، ابنه أحمد المعتضد بن الموفق وغلب على عمه المعتمد كما كان أبوه غالبا عليه، فكان المعتمد يطلب الشيء الحقير فلا يناله ولم يكن له سوى الإسم فقال في ذلك:
أليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما قل ممتنعا عليه
وتؤخذ بإسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شيء في يديه
قيل: إنه شرب يوما على الشط شرابا كثيرا فتغشى ومات. وقيل: إنه اغتم ومات وهو نائم
(1/129)

في بساط. وقيل: إنه سم في لحم وذلك في شوال سنة تسع وسبعين ومائتين وله خمسون سنة.
وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وتوفي ببغداد. وكان أسمر ربعة، رقيقا مدوّر الوجه مليح العينين، صغير اللحية أسرع إليه الشيب منهمكا على اللهو واللذات يسكر ويعض يده.
خلافة أبي العباس أحمد المعتضد بالله بن الموفق
بويع له بالخلافة يوم مات عمه المعتمد، فاستقل بالأمر وكان شجاعا عادلا ذا هيبة عظيمة مع سطوة وجبروت وحزم ورأي، وذكاء مفرط في أحكامه، وسيأتي ذكر شيء من ذلك. وكان كثير الجماع فاعتراه فساد مزاج وكان ذلك سبب وفاته. وكان محيا للعدل موثرا له، وله فيه حكايات نادرة توفي سنة تسعين ومائتين، لسبع بقين من شهر ربيع الآخر وهو ابن ست وأربعين سنة، وقيل أربعين سنة. وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وقيل عشر سنين وكان أسمر مهيبا معتدل الشكل.
خلافة أبي محمد علي المكتفي بالله بن المعتضد
ثم قام بالأمر بعده ابنه علي أبو محمد المكتفي بالله بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بويع له بالخلافة يوم توفي أبوه المعتضد. وتوفي ببغداد سنة ثلاث وتسعين ومائتين وهو ابن أربع وثلاثين سنة، وقيل ثلاثين. وخلافته سنتان وثمانية أشهر. هكذا ذكروا وفاته، وعمره وخلافته والذي رأيته في كتب الذهبي «1» أنه كانت وفاته في ذي القعدة سنة تسع وتسعين ومائتين عن إحدى وثلاثين سنة. وكانت خلافته ست سنين ونصفا. وكان وسيما جميلا بديع الحسن، دري اللون معتدل الطول، أسود الشعر، وكان حسن العقيدة، كارها لسفك الدماء.
ووطأ له أبوه المعتضد الأمر، وكان المكتفي مائلا إلى حب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، بارا بأولاده يحكى أن يحيى بن علي «2» الشاعر، أنشده بالرقة قصيدة يذكر فيها فضل أولاد العباس على أولاد علي، فقطع المكتفي عليه إنشاده وقال: يا يحيى كأنهم ليسوا بني عم. ما أحب أن يخاطب أهلنا بشيء من ذلك وإن كانوا خلفاء. ولم يسمع القصيدة ولا أجازه عليها رحمة الله عليه.
خلافة أبي الفضل جعفر المقتدر بالله وهو السادس فخلع مرتين كما سيأتي
ثم قام بالأمر بعده، أخوه أبو الفضل جعفر المقتدر بن المعتضد. بويع له بالخلافة ببغداد يوم وفاة أخيه، وهو ابن ثلاث عشرة سنة وأربعين يوما، ولم يل الخلافة بعده. قيل: ولا قبله أصغر منه وضعف دست الخلافة في أيامه، وذكر صاحب النشوان وغيره، عن صافي مولى المعتضد،
(1/130)

أنه قال: مشيت يوما بين يدي المعتضد وهو يريد دار الحرم، فلما بلغ باب دار المقتدر، وقف وتسمع وتطلع من خلل في الستر، فإذا هو بالمقتدر، وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها، وهو جالس وحوله قدر عشر وصائف، من أترابه في قدر سنه، وبين يديه طبق فضة وفيه عنقود عنب، في وقت فيه العنب عزيز جدا، والصبي يأكل عنبة واحدة ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة على الدور حتى إذا بلغ الدور إليه، أكل واحدة مثل ما أكلوا، حتى فني العنقود، والمعتضد يتمزق غيظا، ثم رجع ولم يدخل الدار. فرأيته مهموما، فقلت: يا مولاي ما سبب فعلته؟ فقال: يا صافي والله لولا العار والنار لقتلت هذا الغلام اليوم! يعني المقتدر، فإن في قتله صلاحا للأمة. فقلت: يا مولاي ما شأنه وأي شيء عمل؟ أعيذك بالله يا مولاي من هذا. فقال: ويحك أنا أبصر بما أقوله، أنا رجل قد سست الأمور، وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد، ولا بد من موتي، وأنا أعلم أن الناس بعدي لا يختارون أحدا على ولدي، وإنهم سيجلسون ابني عليا يعني المكتفي وما أظن أن عمره يطول، للعلة التي به، يعني الخنازير التي كانت في حلقه، فيتلف عن قريب ولا يرى الناس اخراجها عن ولدي، ولا يجدون بعده أمثل من جعفر يعني المقتدر وهو صبي وله من الطبع والسخاء هذا الذي قد رأيته من أنه أطعم الوصائف مثلما أكل، وساوى بينه وبينهم في شيء عزيز في العالم، والشح على مثله في طباع الصبيان غالب، فتحتوي عليه النساء لقرب عهده بهن فيقسم ما جمعته من الأموال كما قسم العنب، ويبدد ارتفاع الدنيا فتضيع الثغور، وتعظم الأمور، وتخرج الخوارج، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس رأسا. فقلت: يا مولاي يبقيك الله، حتى ينشأ في حياة منك، ويصير كهلا في أيامك ويتأدب بآدابك، ويتخلق بأخلاقك، ولا يكون هذا الذي ظننت. فقال: ويحك احفظ عني ما أقول لك: فإنه كما قلت: قال: ومكث يومه مغموما مهموما.
وضرب الدهر ضرباته، ومات المعتضد وولي المكتفي فلم يطل عمره ومات. وولي المقتدر فكانت الصورة كما قال مولاي المعتضد بعينها، فكنت كلما ذكرت قوله أعجب منه، فو الله لقد وقفت يوما على رأس المقتدر وهو في مجلس لهوه، فدعا بالأموال فأخرجت إليه ووضعت البدر «1» بين يديه، فجعل يفرقها على الجواري والنساء، ويلعب بها ويمحقها أو يهبها. فذكرت قول مولاي المعتضد ثم إن الجند وثبوا على العباس وزيره فقتلوه، وأحضروا عبد الله بن المعتز وبايعوه وخلعوا المقتدر.
خلافة عبد الله بن المعتز المرتضي بالله
بويع بالخلافة بعد خلع المقتدر. بعد أن شرط عليهم أن لا يكون في ذلك حرب ولا سفك دم. فلما بويع له كتب إلى المقتدر، يأمره بلزوم دار ابن طاهر «2» بوالدته وجواريه، وأمر الحسن بن حمدان وابن عمرويه، صاحب الشرطة، أن يصير إلى دار المقتدر، فمضيا فخرج إليهما الغلمان
(1/131)

ورموهما بالحجارة، وجرى بينهم حرب شديد، آخره أن أصحاب المقتدر ظهروا عليهما فانهزما وانهزم المرتضي بالله، وتفرق أصحابه واستتر عند ابن الجصاص، ولم يتم له أمر غير يوم وليلة، ولذلك يعد المؤرخون خلافته في هذه المدة. ثم عاد المقتدر إلى ما كان عليه، ثم ظفر بالمرتضي بالله فقتله خنقا، وأظهر أنه مات حتف أنفه، وأخرج وهو ميت من دار الخلافة، فدفنوه في خرابة بازاء داره، وكان عمره خمسين سنة.
قال «1» ابن خلكان في ترجمته كان شاعرا ماهرا، فصيحا مجيدا مخالطا للعلماء والأدباء، وهو صاحب التشبيهات التي أبدع فيها ولم يتقدمه من شق غباره، وكان قد اتفق معه جماعة وخلعوا المقتدر وبايعوه ولقبوه بالمرتضي بالله فأقام يوما وليلة، ثم إن اصحاب المقتدر تحزبوا وحاربوا أعوان ابن المعتز وشتتوهم، فاستخفى ابن المعتز ثم أخذ ليلا، فلما ادخل على المقتدر أمر به فطرح على الثلج عريانا، وحشي سراويله ثلجا. فلم يزل كذلك والمقتدر يشرب، إلى أن مات، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين رحمه الله.
ليس هو بمعدود في الخلفاء لأنه لم يثبت له أمر. واستمر للمقتدر الأمر إلى أن بلغ مؤنسا الخادم أن المقتدر قد عزم على اغتياله، وكان مؤنس مقدم جيش المقتدر فبلغ المقتدر ما نقل إلى مؤنس فحلف على بطلان ذلك. وأسرها مؤنس في نفسه، ثم جرى بين العامة وبين بعض مماليكه حرب، فظن أن ذلك بأمر المقتدر فوافى مؤنس دار الخلافة في اثني عشر ألف فارس، فدخل إلى المقتدر وقبض عليه وعلى والدته السيدة، وحملهما إلى قصره ونهب الجند دار الخلافة وخلع المقتدر نفسه، من الخلافة وكتب بذلك إلى الآفاق فلما كان ثاني يوم خلعه، شغب الجند وقتلوا صاحب الشرطة، وهرب ابن مقلة الوزير، وهرب الحجاب وجاء المقتدر فجلس، وأحضر أخاه القاهر وأجلسه بين يديه، وقبل ما بين عينيه، وقال: يا أخي لا ذنب لك فجعل القاهر يقول: الله الله في نفسي يا أمير المؤمنين، فقال المقتدر: والله وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا جرى عليك مني سوء أبدا وعاد ابن مقلة الوزير وكتب إلى الآفاق بخلافة المقتدر، ثم جرى بين المقتدر وبين مؤنس الخادم حرب فاقتحم المقتدر نهر السكران «2» فأحاط به جماعة من البربر فقتله رجل منهم، وأخذوا رأسه وسلبه وثيابه، ومضوا إلى مؤنس الخادم، فمر بالمقتدر رجل من الاكراد فستر عورته بحشيش ودفنه، وأخفى أثره.
وكان قتله يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال سنة ست عشرة وثلاثمائة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة وشهر. وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة وإحدى عشر شهرا خلع فيها مرتين ثم قتل كما تقدم.
وحكى الذهبي أن خلافته كانت خمسا وعشرين سنة وانه عاش ثمانيا وثلاثين سنة، وإنه كان مسرفا مبذرا للمال ناقص الرأي أعطى جارية له الدرة اليتيمة وكان وزنها ثلاثة مثاقيل، وما كانت تقوم وقيل: إنه محق من الذهب ثمانين ألف ألف دينار في أيامه وإنه خلف من الأولاد عدة منهم الرضي بالله المقتفي بالله وإسحاق والمطيع لله.
(1/132)

خلافة محمد القاهر بالله
ثم قام بالأمر بعده، أخوه أبو منصور محمد بن المعتضد بالله. بويع له بالخلافة ببغداد لليلتين بقيتا من شوال ولما ولي قبض على ابن أخيه المكتفي، وأمر به فأقيم في بيت وسد عليه بالآجر والجص حتى مات غما. وقبض على السيدة أم المقتدر، وطالبها بمال لم تقدر عليه، فتهددها وضربها بيده، وعذبها بأنواع العذاب، وعلقها منكسة حتى كان يجري بولها على وجهها، وهي تقول له: ألست أمك في كتاب الله؟ وخلصتك من ابني في المرة الأولى؟ وأنت تعاقبني بهذه العقوبة! ولم يبق عندي مال. ثم إنها ماتت عقب ذلك.
ثم إن الجند شغبوا عليه، وجاؤوا إلى داره، وهجموا عليه من سائر الأبواب، فهرب إلى سطح حمام واستتر فيه، فأتو إليه وقبضوا عليه وحبسوه وخلعوه من الخلافة، وسملوا عينيه. وذلك في جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. قال ابن البطريق في تاريخه: كان القاهر قد ارتكب أمورا قبيحة لم يسمع بمثلها في الإسلام، وذكر منها طرفا طويلا.
حكي أن رجلا قال: صليت في جامع المنصور ببغداد فإذا أنا بانسان عليه جبة عنابية، وقد ذهب وجهها وبقي بعض قطن بطانتها، وهو يقول: أيها الناس تصدقوا علي، بالأمس كنت أمير المؤمنين وأنا اليوم من فقراء المسلمين. فسألت عنه فقيل لي إنه القاهر بالله في هذه الحكاية أعظم عبرة. نعوذ بالله من سخطه وزوال نعمه.
وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وسبعة أيام، وكان أهوج طائشا سفاكا للدماء يدمن السكر، وكان له حربة يأخذها بيده، فلا يضعها حتى يقتل إنسانا ولولا وجود الحاجب سلامة لأهلك الناس.
خلافة أبي العباس أحمد الراضي بالله بن المقتدر
ثم قام بالأمر بعده أخوه، أبو العباس أحمد الراضي بالله بن المقتدر بن المعتضد. بويع له بالخلافة يوم خلع عمه القاهر. واستوزر أبا علي بن مقلة، وأطلق كل من كان في حبس القاهر، ثم استدعى بالأمير محمد بن رائق، وكان بواسط متغلبا عليها، لأن الضرورة ألجأته إلى ذلك، لاضطراب الأمور عليه، ولضعف من يلي الوزارة عن القيام بها.
فقدم ابن رائق بغداد فجعله الراضي أمير الأمراء وفوض إليه تدبير المملكة، وخلع عليه وأعطاه اللواء. ومن ذلك اليوم بطل أمر الوزارة ببغداد، ولم يبق إلا إسمها والحكم للأمراء والملوك المتغلبين. وكان قدومه لخمس بقين من ذي الحجة سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ثم دخلت سنة خمس والدنيا في أيدي المتغلبين، وهم ملوك الأرض، وكل من حصل في يده بلد ملكه ومانع عنه، فالبصرة وواسط والأهواز في يد عبد الله البريدي وأخويه، وفارس في يد عماد الدولة بن بويه، والموصل وديار بكر وديار ربيعة وديار مضر في يد بني حمدان، ومصر والشام في يد الأخشيد بن طغج، والمغرب وافريقية في يد المهدي، والأندلس في يد بني أمية، وخراسان وما
(1/133)

والاها في يد نصر بن أحمد الساماني، واليمامة وهجر والبحرين في يد أبي طاهر القرمطي، وطبرستان وجرجان في يد الديلم. ولم يبق في يد الراضي وابن رائق سوى بغداد وما والاها فبطلت دواوين المملكة، ونقص قدر الخلافة وضعف ملكها. وعم الخراب لذلك.
وتوفي الراضي ليلة السبت خامس عشر ربيع الأول، سنة تسع وعشرين وثلاثمائة بعلة الاستسقاء والتنحنح. وكان أكبر أسباب علته من كثرة الجماع، وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة وأشهر، وخلافته ست سنين وعشرة أشهر. وكان سمحا جوادا، واسع الصدر أديبا شاعرا، حسن البيان. وقيل: إن عمره كان اثنتين وثلاثين سنة وخلافته ست سنين وعشرة أيام كان قصيرا أسمر نحيفا، وله شعر جيد مدون. وخطب بالناس في سامرا فأبلغ وأجاد، ومرض أياما ثم قاء دما كثيرا ومات.
خلافة ابراهيم المتقي بالله
ثم قام بالأمر بعده، أخوه أبو العباس إبراهيم المتقي بالله بن المقتدر بن المعتضد. بويع له بالخلافة يوم موت أخيه الراضي، فصلى ركعتين وصعد على السرير. وكان ذا دين وورع، ولهذا لقبوه المتقي بالله، فكان تدبير المملكة إلى الأمير حكم التركي وليس للمتقي إلا الإسم. ثم إن نوروز استولى على بغداد وخلع المتقي بالله وسلمه لابن عمه المستكفي بالله، فأخرجه إلى جزيرة بقرب السندية، وأكحله بعد أن أشهد على نفسه بالخلع. وذلك يوم السبت لعشر بقين من صفر، سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. وكانت خلافته ثلاث سنين وأحد عشر شهرا، وقيل: كانت أربع سنين وتوفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. وكان مولده في سنة سبع وتسعين ومائتين فأبوه أكبر بخمس عشرة سنة. وكان كثير الصوم والتهجد يدمن التلاوة في المصحف ولا يشرب مسكرا وعاش بعد خلعه أربعا وعشرين سنة.
خلافة عبد الله المستكفي بالله بن المكتفي
ثم قام بالأمر بعده، ابن عمه أبو العباس عبد الله المستكفي بالله بن المكتفي بن المعتضد.
بويع له بالخلافة يوم خلع ابن عمه المتقي بالله، ولما ولي الخلافة خلع على نوروز وفوض إليه تدبير المملكة. وفي أيامه قدم معز الدولة ابن بويه بغداد، فخلع عليه وفوض إليه ما وراء بابه، وضرب السكة بإسمه، وأمر أن يخطب له على المنابر، ولقبه بمعز الدولة، ولقب أخاء أبا الحسن عليا بعماد الدولة، وهو أكبر بني بوية، له خبر عجيب سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الحاء المهملة، في لفظ الحية. ولقب أخاهم أبا الفتح بركن الدولة، وهو أوسطهم. وله خبر عجيب أيضا يأتي إن شاء الله تعالى في باب الدال المهملة في لفظ الدابة.
وكان قدوم معز الدولة في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وفيها كان خلع المستكفي بالله، وسبب ذلك أن معز الدولة بلغه أن المستكفي قد دبر على هلاكه، فدخل على المستكفي وقبل الأرض ثم قبل يديه، فطرح له كرسي فجلس عليه، ثم تقدم لديه جلان من الديلم ومدا أيديهما
(1/134)

إلى المستكفي، فظن أنهما يريدان تقبيل يده، فمدها إليهما، فجذباه من على السرير وجعلا عمامته في عنقه، ثم سحب إلى معز الدولة واعتقل ثم خلع، وسملت عيناه، وانتهبت دار الخلافة حتى لم يبق فيها شيء. وذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. وتوفي في دار معز الدولة في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وهو ابن ست وأربعين سنة وكانت خلافته سنة وأربعة شهور.
خلافة أبي الفضل المطيع لله ابن المقتدر وهو السادس فخلع
ثم قام بالأمر بعده، ابن عمه أبو الفضل المطيع لله ابن المقتدر بن المعتضد. بويع له بالخلافة وله يومئذ أربع وثلاثون سنة، يوم خلع ابن عمه المستكفي بالله، وتدبير المملكة إلى معز الدولة بن بويه، وفي أيامه توفي معز الدولة ببغداد في سنة ست وخمسين وثلاثمائة. وكانت مدة ملكه بالعراق إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا. كان ملكا شجاعا مقداما قوي القلب، إلا أنه كان في أخلاقه شراسة، فما زالت التجارب تحنكه والسعادة تخدمه وترفعه، إلى أن بلغ الغاية التي لم يبلغها قبله أحد في الإسلام، إلا الخلفاء.
ولما توفي قام ولده عز الدولة بختيار بتدبير المملكة، وقلده المطيع لله موضع والده، وخلع عليه واستقل بالأمور. وفي أيامه أيضا توفي كافور الاخشيدي صاحب مصر، في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وكانت مدة ملكه اثنتين وعشرين سنة، وفيها قدم جوهر القائد، غلام المعز لدين الله صاحب القيروان، مصر. فأقام الدعوة بها للمعز لدين الله وبايعه بها الناس على ذلك. وانقطعت الخطبة بمصر عن بني العباس، وشرع جوهر القائد في بناء القاهرة لإسكان الجند بها، ثم دخل المعز لدين الله مصر لثمان مضين من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثمائة. وهو أول الخلفا الفاطميين، بمصر.
ولما تغلب سبكتكين التركي على بغداد، وكان أكبر حجاب معز الدولة، ولم تزل منزلته ترتفع عند معز الدولة، حتى عظم أمره ونفذت كلمته، وخاف المطيع لله منه على نفسه، وانضاف إلى ذلك أنه لازمه مرض، فخلع نفسه من الخلافة طائعا، وسلمها لولده عبد الكريم وقيل أبي بكر وقيل إنها كنيته، وسماه الطائع لله وذلك لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ثم توفي بدير العاقول «1» ، سنة أربع وستين وثلاثمائة وكان بين خلعه وموته شهران.
وكان عمره ثلاثا وستين سنة وكان وطيء الجانب كثير الصدقات، غير أنه كان مغلوبا على أمره وليس له من الخلافة إلا الإسم وكانت خلافته تسعا وعشرين سنة وأربعة شهور رحمة الله تعالى عليه.
خلافة أبي بكر عبد الكريم الطائع لله
ثم قام بالأمر بعده، ولده عبد الكريم أبو بكر الطائع لله، بويع له بالخلافة يوم خلع أبوه
(1/135)

نفسه، من الخلافة وعمره سبع وأربعون سنة، ولم يل الخلافة من بني العباس من هو أكبر سنا. قال صاحب رأس مال النديم: إنه لم يتقلد الخلافة من أبوه حي، سوء الطائع لله والصدّيق رضي الله تعالى عنه، وكلاهما إسمه أبو بكر. وهو السادس، فخلع كما سيأتي إن شاء الله تعالى وذلك إذا لم يعد ابن المعتز وإن عد فالمطيع هو السادس، وقد خلع نفسه لما حصل له من الفالج، ولما ولي، أعني الطائع خلع على سبكتكين التركي، وولاه ما وراء بابه.
وفي أيام الطائع استولى الملك عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، على بغداد وملكها، فخلع عليه الطائع لله الخلع السلطانية، وتوجه وطوقه وسوره. وعقد له لواءين، وولاه ما وراء بابه.
وتسلم عضد الدولة الوزير أبا طاهر بن بقية «1» وزير عز الدولة وصلبه، فرثاه أبو الحسن بن الأنباري «2» بمرثيه لم يسمع في مصلوب مثلها فلنأت بها وهي هذه «3» :
علو في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات
كأن الناس حولك إذ أقاموا ... وفود نداك أيام الصّلات «4»
كانك قائم فيهم خطيبا ... وكلهم قيام للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاء ... كمدكها إليهم بالهبات «5»
ولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضم علاك من بعد الممات
أصاروا الجو قبرك واسعاضوا ... عن الأكفان ثوب السافيات
لعظمك في النفوس تبيت ترعى ... بحراس وحفاظ ثقات «6»
وتوقد حولك النيران قدما ... كذلك كنت أيام الحياة «7»
ركبت مطية من قبل زيد ... علاها في السنين الماضيات
وتلك قضية فيها تأس ... تباعد عنك تعيير العداة «8»
ولم أر قبل جذعك قط جذعا ... تمكن من عناق المكرمات
أسأت إلى النوائب فاشتثارت ... فأنت قتيل ثأر النائبات
وكنت تجيرنا من صرف دهر ... فعاد مطالبا لك بالترات «9»
وصير دهرك الإحسان فيه ... إلينا من عظيم السيئات
وكنت لمعشر سعدا فلما ... مضيت تفرقوا بالمنحسات
غليل باطن لك في فؤادي ... حقيق بالدموع الجاريات «10»
(1/136)

ولو أني قدرت على قيام ... بفرضك والحقوق الواجبات
ملأت الأرض من نظم القوافي ... ونحت بها خلاف النائحات
ولكني أصبر عنك نفسي ... مخافة أن أعد من الجناة
ومالك تربة فأقول تسقى ... لأنك نصب هطل الهاطلات
عليك تحية الرحمن تترى ... برحمات غواد رائحات
وتوفي الملك عضد الدولة بن بويه في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وهو ابن تسع وأربعين سنة وأحد عشر شهرا أو كان له ملك العراق وكرمان وعمان وخوزستان والموصل وديار بكر وحران ومنيج. وكانت مدة ملكه ببغداد خمس سنين. وكان ملكا فاضلا، جليلا عظيما، مهيبا صارما، كريما شجاعا بطلا ذكيا، وله في الذكاء أخبار عجيبة ونكت غريبة، ليس هذا موضع ذكره. وهو أول من تسمى بملك في الإسلام. ولما احتضر جعل يقول: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
«1» ويرددها حتى مات، ولما مات كتم موته ودفن بدار المملكة ببغداد. ثم ظهر موته وأخرج من قبره، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فدفن به.
وكان عضد الدولة قد بنى المشهد قبل موته، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الفاء في لفظ الفهد. ومما يحكى أن عضد «2» الدولة خرج يوما إلى بستان له متنزها فقال: ما أطيب يومنا هذا لو ساعدنا فيه الغيث فجاء المطر في الوقت فقال «3» :
ليس شرب الراح إلا في المطر ... وغناء من جوار في السّجر
ناعمات سالبات للنهى ... ناغمات في تضاعيف الوتر «4»
مبرزات الكأس من مطلعها ... ساقيات الراح من فاق البشر
عضد الدولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر «5»
سهل الله له بغيته ... في ملوك الأرض ما دار القمر
وأراه الخير في أولاده ... ليساس الملك منهم بالغرر
فلم يفلح بعد هذه الأبيات وعوجل بقوله غلاب القدر، ولما مات عضد الدولة قام بتدبير المملكة بعده ولده بهاء الدولة فخلع عليه الطائع لله وقلده ما كان بيد أبيه.
ثم إن بهاء الدولة أمسك الطائع لله واعتقله، ونهب دار الخلافة ثم أشهد على الطائع بخلع نفسه من الخلافة. وذلك في شهر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وأقام مخلوعا معتقلا إلى أن
(1/137)

توفي في ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وكانت خلافته سبع عشرة سنة وتسعة أشهر.
وعمره ثمان وسبعون سنة وكان مربوعا أشقر كبير الأنف شديد القوة في خلقه حدة، كريما شجاعا بطلا جوادا سمحا إلا أن يده كانت قصيرة مع ملوك بني بويه رحمة الله تعالى عليه.
خلافة أبي العباس أحمد القادر بالله بن إسحاق
ثم قام بالأمر بعده، أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بن المعتضد. بويع له بالخلافة ليلة خلع الطائع لله وعمره يومئذ أربع وأربعون سنة. وكان كثير البرّ والصدقات، مريدا للفقراء مؤثرا للتبرك بهم، لكنه كان مقهورا على أمره. وتوفي في ذي القعدة، ويقال في ليلة الأضحى، ويقال ليلة الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين واربعمائة، وهو ابن ست وثمانين سنة وكانت خلافته إحدى وأربعين سنة وشهورا قيل: هي ثلاثة، وقيل إنه كان ابن سبع وثمانين سنة.
وكان أبيض طويل اللحية. كبيرها يخضبها لشيبه. وكان دائم التهجد كثير الصدقات من الديانة على عفة اشتهرت عليه. له مصنف في السنة وذم المعتزلة والروافض. وكان يقرإ القرآن في كل جمعة مرة ويحضره الناس.
خلافة أبي جعفر عبد الله القائم بأمر الله بن القادر بالله
ثم قام بالأمر بعده، ابنه أبو جعفر عبد الله القائم بأمر الله بن القادر. بويع له بالخلافة يوم موت والده. وفي أيامه كان ابتداء دولة السلاطين السلجوقية، وانقراض دولة بني بويه، وكانت مدة ملكهم مائة وسبعا وعشرين سنة، وذلك في سنة ثلاثين وأربعمائة. ذكر ذلك ابن البطريق في تاريخه في حوادث سنة ست وأربعين.
وكان القائم بأمر الله أبيض اللون مليح الوجه مشربا بحمرة، ورعا زاهدا عابدا، مريدا لقضاء حوائج المسلمين موقرا لأهل العلم، معتقدا في الفقراء والصالحين، حسن الطوية. ولم يقم أحد في الخلافة قدر إقامته، وكان كثير الصدقة، له فضل وعلم، من خيار الخلفاء لا سيما بعد عوده للخلافة، في نوبة البساسيري فإنه صار يكثر الصيام والتهجد. وما كان ينام إلا على سجادة وما تجرد من ثيابه لنوم قط. وتوفي القائم بأمر الله في سنة سبع وتسعين وأربعمائة لعشر ليال مضت من شعبان، وكانت خلافته أربعا وأربعين سنة وثمانية أشهر وقيل تسعة أشهر وقيل خمسا وأربعين سنة وأمه أرمنية رحمه الله تعالى.
خلافة أبي القاسم المقتدي بأمر الله بن محمد بن القائم
ثم قام بالأمر بعده ولد ولده أبو القاسم عبد الله المقتدي بأمر الله بن محمد بن القائم بأمر الله. بويع له بالخلافة يوم وفاة جده القائم بأمر الله، في ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة. وذلك أن جده كان لما مرض افتصد، فانفجر فصاده، وخرج منه دم عظيم، فخارت قوته وعجر. فطلب ابن ابنه وعهد إليه بالأمر ولقبه المقتدي بأمر الله بمحضر من الأئمة والعلماء،
(1/138)

وكان ولد بعد موت أبيه ذخيرة الدين، بستة أشهر وعمرت بغداد في أيامه، وخطب له بالحجاز واليمن والشام.
حكي: أن المقتدي قدم إليه يوما طعام، فتناول منه وغسل يديه، وهو على أكمل حال وأحسن هيئة في نفسه وجسمه، وبين يديه قهرمانته شمس، فقال لها: ما هذه الأشخاص الذين دخلوا بغير إذن؟ فالتفتت فلم تر أحدا، ثم نظرت إليه فرأته قد تغير وجهه، واسترخت يداه وانحلت قواه وسقط إلى الأرض، فظنت أنه قد غشي عليه، فإذا هو قد مات. فأمسكت نفسها عن البكاء، واستدعت الخادم فاستدعى الوزير أبا منصور، فبكيا وأحضرا أبا العباس أحمد المستظهر بن المقتدي وكان قد عهد إليه أبوه فعزياه وهنآه. وكان عمره ثلاثا وثلاثين سنة.
وكانت خلافته تسع عشرة سنة وأشهرا قيل: هي ثلاثة وقيل: إن عمره كان تسعا وثلاثين سنة وكان موته في المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة ويقال: إن جاريته سمته، وقد كان السلطان صمم على إخراجه من بغداد إلى البصرة وكانت حرمته وافرة بخلاف من كان قبله من الخلفاء رحمه الله تعالى.
خلافة المستظهر بالله أبي العباس أحمد
ثم قام بالأمر بعده، ابنه المستظهر بالله أبو العباس أحمد. بويع له بالخلافة يوم موت أبيه بعهد منه. وكان مولده في سنة سبعين وأربعمائة، وكان المستظهر كريم الأخلاق سخي النفس محبا للعلماء، حافظا للقرآن منكرا للظلم. وكان لين الجانب محبا للخير، جيد الأدب والفضيلة، قوي الكتابة مسارعا في أعمال البر.
توفي لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وخمسمائة. وله إحدى وأربعون سنة. وقيل اثنتان وأربعون أو ثلاث بعلة التراقي وهي الخوانيق وخلف أولادا عدة، وتوفيت جدته أرجوان بعده بيسير في خلافة ابنه المسترشد وهي سرية محمد الذخيرة. وكانت خلافته أربعا وقيل خمسا وعشرين سنة وثلاثة أشهر رحمه الله تعالى.
خلافة أبي منصور الفضل المسترشد بالله بن المستظهر
ثم قام بالأمر بعده، ابنه أبو منصور الفضل المسترشد بالله بن المستظهر بالله، بويع له بالخلافة يوم موت والده بعهد من أبيه، وسنه يومئذ سبع وعشرون سنة. وروي أنه ورد إليه رسل، فجلس لهم في جماعة من أهل بيته، فلما أحضروهم بين يديه، هجم عليهم الفداوية بالسكاكين فقتلوه وقتلوا معه جماعة من أصحابه. يقال إن مسعودا أخا السلطان محمود جهز عليه الفداوية.
وذلك في سابع عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وكانت خلافته سبع عشرة سنة وثمانية شهور وقيل سبعة أو ستة أشهر وعاش أربعا وأربعين سنة، وقيل خمسا وأربعين ولم يل الخلافة بعد المعتضد بالله أشهم منه. وكان بطلا شجاعا مقداما شديد الهيبة ذا رأي وفطنة وهمة عالية ضبط الأمور وأحيا مجد بني العباس وجاهد غير مرة.
(1/139)

خلافة أبي منصور جعفر الراشد بالله
هو السادس، فخلع كما سيأتي هذا إذا لم يعد ابن المعتز، وإلا فالسادس المسترشد، وقد هجم عليه قاعدته أي الباطنة، أرسلهم إليه السلطان سنجر الملقب ذا القرنين، فقتلوه ثم قام بالأمر بعده، يعني المسترشد، ابنه أبو منصور جعفر الراشد بالله بن المسترشد بن المستظهر. بويع له بالخلافة يوم موت أبيه بعهد منه، فمكث ما شاء الله ثم وقع بينه وبين السلطان مسعود.
فاستخدم الراشد أجنادا كثيرة وتهيأ للقائه، فكاتب السلطان مسعود أتابك زنكي واستماله، وكذلك فعل بأرتقش فأشارا على الراشد بالتوقف، وأقبل السلطان مسعود بجيوشه، فدخل بغداد في ذي القعدة، وقيل في ذي الحجة سنة ثلاثين وخمسمائة. فنهب دور الجند، ومنع من نهب البلد.
واستمال الرعية وأحضر القضاة والشهود فقدحوا في الراشد بأنه صدرت منه سيرة قبيحة من سفك الدماء المحرمة، وارتكاب المنكرات، وفعل ما لا يجوز فعله، وشهدوا عليه بذلك فحكم قاضي قضاة الممالك وهو ابن الكرخي، والعلم عند الله تعالى بخلعه، فخلعوه لأربع عشرة من ذي القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة.
وكان الراشد قد هرب هو وأتابك زنكي، إلى الموصل فطلبه السلطان مسعود، فهرب إلى فارس ثم دخل أصبهان، فحاصرها وتمرض هناك، فوثب عليه جماعة من الفداوية فقتلوه. وله إحدى وعشرون سنة وقيل ثلاثون سنة. وكانت خلافته إلى أن خلع منها سنة إلا أياما، وكان قتله في سنة اثتنين وثلاثين وخمسمائة وهو صائم، في اليوم السادس والعشرين من شهر رمضان، وقيل:
إنه كان قد سقي أيضا، ودفن في جامع حيي. وخلف بضعا وعشرين ولدا ذكرا، وخطب له بولاية العهد أكثر أيام أبيه، وكان شابا أبيض مليحا تام الشكل شديد البطش، شجاع النفس حسن السيرة شاعرا فصيحا جوادا كريما لم تطل دولته رحمة الله تعالى.
خلافة أبي عبد الله محمد المقتفي لأمر الله
ثم قام بالأمر بعده، عمه أبو عبد الله محمد بن المستظهر بن المقتدي. بويع له بالخلافة يوم خلع ابن أخيه. ولقب بالمقتفي لأمر الله، وسبب لقبه بهذا أنه رأي النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، قبل خلافته بستة أشهر، وقيل بسنة، وهو يقول له: إنه سيصل إليك هذا الأمر فاقتف بي، وكان آدم اللون بوجهه أثر جدري، مليح الشيبة عظيم الهيبة، سيدا عالما فاضلا، دينا حليما شجاعا، فصيحا مهيبا خليقا للإمارة، كامل السودد عظيم المملكة بيده أزمة الأمور كان لا يجري في خلافته أمر، وإن صغر إلا بتوقيعه. وكانت أمه حبشية، كتب في أيام خلافته ثلاث ربعات.
وكانت وفاته بالخوانيق، في شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وهو ابن ست وستين سنة، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وقيل: خمسا وعشرين سنة وقد جدد باب الكعبة، وعمل لنفسه من العقيق تابوتا دفن فيه. وقد رأيت فيما نقلته من خط صاحبنا الحافظ صلاح الدين خليل بن محمد الآقفهسي، فيما نقله من خط الصدر عبد الكريم، العلامة ابن العلامة علاء الدين القونوي أن القائم بالأمر بعد المقتفي المستظهر. كذا ذكره ولا أعلم من هذا المستظهر
(1/140)

فليحرر ذلك وقد ذكر الخلفاء كما هنا الذهبي على هذا الترتيب.
خلافة أبي المظفر يوسف المستنجد بالله بن المقتفي
ثم قام بالأمر بعده، ابنه أبو المظفر يوسف المستنجد بالله بن المقتفي، وكان أبوه ولاه العهد في سنة سبع وأربعين وخمسمائة. بويع له بالخلافة بعد موت أبيه بيوم وقيل بل يوم مات أبوه، قال ابن خلكان في ترجمته: وهنا نكتة لطيفة وهي أن المستنجد رأى في منامه، في حياة والده المقتفي أن ملكا نزل من السماء، فكتب في كفه أربع خاآت، فطلب معبرا وقص عليه ما رآه، فقال له: تلي الخلافة سنة خمس وخمسين وخمسمائة فكان كذلك. وتوفي في سنة ست وسبعين وخمسمائة في ثامن شهر ربيع الثاني وحبس في حمام، وهو ابن ثمان وأربعين سنة وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وكان موصوفا بالعدل والديانة وأبطل المكوس وقام كل القيام على المفسدين وله شعر وسط وأمه طاوس الكوفية أدركت دولته.
خلافة المستضيء بنور الله بن المستنجد
ثم قام بالأمر بعده، ابنه أبو الحسن علي المستضيء بنور الله بن المستنجد. بويع له بالخلافة يوم وفاة أبيه، وخطب له بالديار المصرية واليمن، وكانت الدولة العباسية منقطعة منهما، من زمن المطيع، وكان جوادا كريما مؤثرا للخير كثير الصدقات معظما للعلم وأهله. وتوفي في سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وكانت خلافته تسع عشرة سنة وعاش تسعا وثلاثين. وكان سمحا جوادا محبا للسنة، أمنت البلاد في زمنه، وأبطل مظالم كثيرة، واحتجب عن أكثر الناس ولم يكن يركب إلا مع مماليكه ولم يكن يدخل عليه غير الأمير قيماز «1» .
خلافة أبي العباس أحمد الناصر لدين الله
ثم قام بالأمر بعده، ابنه أبو العباس أحمد الناصر لدين الله بن المستضيء. بويع له بالخلافة في بغداد يوم وفاة أبيه، في أول ذي القعدة سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وعمره ثلاث وعشرون سنة فبسط العدل وأمر باراقة الخمور وكسر الملاهي وإزالة المكوس والضرائب. فعمرت البلاد، وكثرت الأرزاق، وقصد الناس بغداد، وتبركوا به. توفي سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وهو ابن خمسين سنة وذلك في سلخ شهر رمضان، وحمل على أعناق الرجال إلى البدرية ودفن بها رحمة الله تعالى عليه.
وكانت خلافته سبعا وعشرين سنة، وكان أبيض تركي الوجه، أقنى الانف مليحا خفيف العارضين، أشقر اللحية رقيق المحاسن، فيه شهامة وإقدام وله عقل وكان فيه دهاء وفطنة، وتيقظ ونهضة بأعباء الخلافة. وكان في أكثر الليل يشق الدروب والأسواق. وكان الناس يتهيبون
(1/141)

لقاءه، وكان مستقلا بالأمور في العراق، متمكنا من الخلافة، يتولى الأمور بنفسه. وما زال في عز وجلالة، واستظهار وسعادة، أظهر القسي والبندق والحمام في أيامه وهو أطول بني العباس خلافة وكان له عيون على كل سلطان، يأتونه بالأخبار. ويحكى أن بعض الكبار كان يعتقد فيه أن له كشفا، وإطلاعا على المغيبات وفي آخر أيامه أصابه الفالج بقي معه سنتين وذهب عنه وكان فيه عسف للرعية.
خلافة الظاهر بأمر الله بن الناصر لدين الله
ثم قام بالأمر بعده، ابنه محمد الظاهر بأمر الله بن الناصر لدين الله. بويع له بالخلافة يوم موت أبيه، فعمل عزاءه ثلاثة أيام وأحسن إلى الناس وأبطل المكوس وأزال المظالم، وأرسل الخلع إلى أولاد الملك العادل أبي بكر بن أيوب، ثم إن حاجبه قرايغدي بلغه أنه يريد قتله، فهجم عليه وامسكه وأشهد عليه بالخلع، وقتله فعمل له العزاء في البلاد كلها لأجل إحسانه إليهم. وكان ذلك في سنة أربعين وستمائة، وهو ابن ثلاثين سنة. وكانت خلافته ثماني عشرة سنة. هكذا لقيت هذه الترجمة في النسخة التي نقلت منها وفيها تخليط لأنها تحتوي على بعض ترجمة الظاهر بأمر الله وبعض ترجمة المستنصر بالله وأظن أن ذلك من الناسخ. وهذه ترجمة كل واحد منهما على حدته والله الموفق.
فالظاهر بأمر الله، هو أبو النصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بنور الله حسن بن أبي الحسن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد العباسي. كان أبوه قد خطب له بولاية العهد، فلما توفي تسلم الخلافة، وبايعه الكبار في يوم موته.
وكان مولد في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة ووفاته في ثالث عشر رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وله اثنتان أو ثلاث وخمسون سنة، وكانت خلافته تسعة أشهر، وقيل نصفا.
وكان جميل الصورة أبيض مشربا بحمرة، حلو الشمائل شديد القوى، فيه دين وعقل ووقار، وخير وعدل، حتى بالغ فيه ابن الأثير فقال: لقد أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين. قيل له: ألا تتفسح وتتنزه؟ فقال لقد يبس الزرع. فقيل له يبارك الله في عمرك.
فقال: من فتح دكانه بعد العصرايش يكسب؟ ثم قال: إنه أحسن إلى الرعبة، وبذل الأموال وأزال المظالم، وأبطل المكوس، وكان يقول: الجمع شغل التجار، أنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال، اتركوني أفعل الخير فيكم ما بقيت أعيش. وقد فرق ليلة العيد مائة ألف دينار على العلماء والصالحين.
والمستنصر بالله هو أبو جعفر، منصور بن الظاهر بأمر الله بن الناصر لدين الله العباسي، أمه تركية. ولد في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. وبويع له بالخلافة بعد موت أبيه، بايعه إخوته، وكان أكبرهم، وبنو عمه، وهو إذ ذاك ابن خمس وثلاثين سنة. مات في بكرة يوم الجمعة عاشر جمادى الثانية، سنة أربعين وستمائة. وكان مليح الشكل كأبيه، وكان أشقر ضخما قصيرا، وخطه
(1/142)

الشيب فخضب بالحناء ثم ترك قال ابن الساعي «1» : حضرت بيعته فلما رفعت الستارة وشاهدته وقد كمل الله صورته، ومعناه كان أبيض مشربا بحمرة أزج «2» الحاجبين، أدعج «3» العينين سهل الخدين، أقنى الأنف رحب الصدر، عليه ثوب أبيض، وقباء أبيض، وطرحة قصب بيضاء، فجلس إلى الظهر.
وبلغني أن عدة الخلع التي خلعها بلغت ثلاثة آلاف خلعة وخمسمائة خلعة وسبعين خلعة.
وكانت خلافته وافرة الحشمة، وفيه عدل ودين وقمع للمتمردين، ونهضة بأعباء الخلافة، ووقف المدارس والمساجد وبذل الأموال ودانت له الملوك، وكان جده الناصر يحبه ويسميه القاضي لعقله ومحبته للحق. وأنشأ المدرسة التي لا نظير لها في الدنيا، واستخدم عسكرا عظيما إلى الغاية حتى إن جريدة جيشه، بلغت نحو مائة ألف فارس استعدادا لحرب التتار، وقد خطب له بالأندلس وبعض بلاد المغرب.
وكانت خلافته سبع عشرة سنة، فالله يتغمده برحمته ومغفرته فلم يخلع هو ولا أبوه. وبهذا انقضت القاعدة إلا أن التتار كان أمرهم قد عظم في أيامهما، فأخذوا جملة مستكثرة من بلاد الإسلام، وفقد جلال الدين خوارزم شاه في أيام المستنصر في وقعة كانت بينه وبين التتار، وهذا أعظم وأطم من الخلع. ثم لم ينتظم لبني العباس في العراق أمر بحيث إن من ولي بعد هؤلاء لم يكملوا العدة المشروطة، فإن الذي جاء بعدهم واحد وهو المستعصم بالله بن المستنصر وهو الذي قتله التتار. وانقرضت الدولة العباسية من العراق سنة ست وخمسين وستمائة، فإن المستعصم قتل في الثامن والعشرين من المحرم كما ستراه في ترجمته إن شاء الله تعالى.
خلافة المستعصم بالله
ثم قام بالأمر بعده، المستعصم بالله وهو أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله أبي جعفر منصور بن الظاهر محمد بن الناصر العباسي، آخر الخلفاء العراقيين، وكانت دولتهم خمسمائة سنة وأربعا وعشرين سنة.
وكان مولد أبي أحمد في خلافة جد أبيه، قال المؤلف رحمه الله تعالى: بويع له بالخلافة يوم قتل الظاهر البيعة العامة وذلك في جمادى الأولى سنة أربعين وستمائة فظهر بهذه العبارة أن المؤلف جعل الترجمة السابقة للظاهر، ولم يجعل للمستنصر ترجمة وإن الناسخ نقل ذلك كما وجده.
فالإعتماد على ما ذكرته من ترجمتهما، وهو السادس فخلع وقتل، في أيام هولاكو، لما أخذ بغداد، سنة خمس وخمسين وستمائة وكان ذلك بمواطأة وزيره ابن العلقمي، وسوء تدبير المستعصم، واشتغاله بلعب الحمام، وبما لا يليق به. وكان قد خرج إلى هولاكو ومعه الفقهاء والصوفية فقتلوا عن آخرهم. وأخذ المستعصم فخلع ووضع في جوالق وضرب بالمرازب وقيل بمداق الجص إلى أن
(1/143)

مات. ولم ينتظم لبني العباس بعده أمر، وذلك في الثامن والعشرين من المحرم سنة ست وخمسين وستمائة.
وكان السبب في قتله أن الطاغية هولاكو بن قبلاي خان بن جنكز خان المغلي، لما كان في أوائل سنة ست وخمسين وستمائة قصد بغداد بجيش عرمرم، فخرج إليه الدويدار بالعسكر فالتقوا بطلائع هولاكو، وعليهم تايجو فانكسروا لقلتهم ثم أقبل تايجو فنزل غربي بغداد، ونزل هولاكو على شرقيها فأشار الوزير على الخليفة أن يخرج إلى هولاكو في تقرير الصلح، فخرج الكلب وتوثق لنفسه، ثم رجع فقال: إن هولاكو رغب في أن يزوج ابنته بابنك، وأن تكون الطاعة له كالملوك السلجوقية، ويرحل عنك فخرج الخليفة في أكابر الوقت، وأعيان دولته ليحضروا العقد، فضربوا رقاب الجميع، وقتل الخليفة. وكان حليما كريما سليم الباطن، قليل الرأي حسن الديانة، مبغضا للبدعة وبالجملة ختم له بخير. فإن الكافر هولاكو أمر به وبولده أبي بكر فرفسا حتى ماتا. وذلك في حدود آخر المحرم، وكان الأمر أشغل من أن يوجد مؤرخ لموته أو لمواراة جسده. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وبقي الوقت بلا خليفة ثلاث سنين فلما كان في شهر رجب سنة تسع وخمسين وستمائة بايع المصريون بمصر المستنصر بالله.
خلافة المستنصر بالله أحمد بن الخليفة الظاهر بالله
هو أحمد بن الخليفة الظاهر بالله بن محمد بن الناصر العباسي الأسود. كانت أمه حبشية وكان بطلا شجاعا، قدم مصر فعرفوه، وهو عم المستعصم المقتول. نهض بإقامة دولته ومبايعته السلطان الملك الظاهر «1» ففوض أمر الأمة إليه. ثم خرجا إلى الشام ثم إن الخليفة فارقه من ثم، وسار بعسكر نحو ألف ليملك بغداد فكان القتال بينه وبين التتار في آخر السنة فعدم في الوقعة، وكان في خدمته الحاكم أبو العباس أحمد فانهزم إلى الشام.
خلافة الحاكم بأمر الله
فلما كان في ثامن المحرم، سنة إحدى وستين وستمائة، عقد مجلس عظيم لعقد البيعة للخليفة، فأحضروا أبا العباس أحمد ابن الأمير أبي علي بن أبي بكر بن المسترشد بالله بن المستظهر بالله العباسي، فأثبت نسبه فعند ذلك مد السلطان الملك الظاهر يده وبايعه بالخلافة، ثم بايعه القضاة والأمراء. ولقب بالحاكم بأمر الله فلما كان من الغد خطب خطبة أولها: الحمد لله الذي أقام لبني العباس ركنا وظهرا، ثم كتب بدعوته وإمامته إلى الأقطار وبقي في الخلافة أربعين سنة وأشهرا وكانت وفاته في جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة ودفن عند السيدة نفيسة رحمة الله تعالى عليهما.
(1/144)

خلافة المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله
عهد إليه بالأمر أبوه الحاكم بأمر الله، وقرىء تقليده بعد عزائه بوالده، وخطب له على المنابر في جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة واستمر في الخلافة تسعا وثلاثين سنة. ومات بقوص في شعبان سنة أربعين وسبعمائة، وهو ابن بضع وخمسين سنة رحمة الله تعالى عليه.
خلافة الحاكم بأمر الله أحمد بن المستكفي بالله
كانت خلافته في المحرم سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة بويع للحاكم بأمر الله أحمد بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله العباسي. وكان ولي عهد أبيه. هكذا ذكره الحسيني في ذيله على العبر، وذكر الذهبي في آخر ذيله عليه في سنة أربعين وسبعمائة أن المستكفي، لما مات بويع لأخيه إبراهيم بغير عهد واستمر الحاكم في الخلافة إلى أن أتاه حمامه وهو بالقاهرة في سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة.
خلافة المعتضد بالله
بويع له بالخلافة، بعهد من أخيه الحاكم بأمر الله، ولقب بالمعتضد بالله وهو أبو الفتح أبو بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن أبي علي بن المسترشد بالله العباسي، فكانت خلافته نحوا من عشرين سنة ومات في رابع جمادي الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة بالقاهرة.
خلافة المتوكل على الله
بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه بعهد منه، في سابع جمادى الثانية سنة ثلاث وستين وسبعمائة. وكان مولده في سنة نيف وأربعين وسبعمائة أو قريب منها.
وهو أبو عبد الله محمد وقيل حمزة المتوكل على الله بن المعتضد بالله العباسي، فاستقر في الخلافة إلى أن مات في شعبان سنة ثمان وثمانمائة غير أنه تخلل فيها أعوام خلع فيها، وبويع لقريبه زكريا بن إبراهيم في ثالث عشر صفر، سنة تسع وسبعين وسبعمائة ثم أعيد بعد شهر واستمر إلى شهر رجب سنة خمس وثمانين، فخلع وحبس وبويع لعمر بن المعتضد ولقب بالواثق ثم مات، فبويع لأخيه زكريا ولقب بالمستعصم واستمر المتوكل محبوسا إلى صفر سنة إحدى وتسعين، فأفرج عنه ثم ضيق عليه، ومنع الناس من الدخول إليه فلما كان في سابع عشر شهر ربيع الأول أفرج عنه، فلما كان اليوم الأول من جمادى الأولى بويع ونزل إلى داره وفي خدمته الأمراء القضاء وكان يوما مشهودا واستمر إلى أن مات رحمة الله تعالى عليه.
خلافة المستعين بالله
هو أبو الفضل العباس بن المتوكل على الله أبي عبد الله محمد بن المعتضد أبي بكر بن
(1/145)

سليمان بن أحمد العباسي، عهد إليه أبوه بالخلافة، وكان قد عهد قبله لولده الآخر المعتمد على الله أحمد، ثم خلعه وولى هذا واستمر أحمد مخلوعا إلى أن مات، فلما مات المتوكل، بويع ابنه العباس، في شهر رجب سنة ثمان وثمانمائة واستمر في الخلافة إلى أن حوصر الملك الناصر فرج»
بن برقوق بدمشق، وقيل: بويع له بالسلطنة مضافة إلى الخلافة في يوم السبت خامس عشر المحرم، سنة خمس عشرة وثمانمائة، اجتمع أهل الحل والعقد والقضاة والأمراء ومن حضر، فسألوه في ذلك فامتنع واشتد امتناعه وصمم، ثم إنه أجابهم إلى ذلك بعد أن توثق منهم بالأيمان، ولم يغير لقبه.
وضربت سكة الذهب والفضة بإسمه وتصرف بالولاية والعزل وفي الحقيقة إنما كانت إليه العلامة والخطبة فلما توجه العسكر إلى مصر كانت الأمراء كلهم في خدمته على هيئة السلطنة ولكن الحل والعقد للأمير شيخ «2» . فلما كان اليوم الثامن من شهر ربيع الثاني دخل مصر، فشقها والأمراء بين يديه، وكان يوما مشهودا فاستمر إلى القلعة فنزلها ونزل شيخ في الإصطبل بباب السلسلة فلما كان في اليوم الثامن. () «3» دخل شيخ والأمراء إلى القصر، وجلس الخليفة على تخت المملكة، وخلع على شيخ خلعة عظيمة بطراز لم يعهد مثله، وفوض إليه أمر المملكة، ولقبه بنظام الملك. فكان يدعى لهما على المنابر في الحرمين وغيرهما.
وصار الأمراء إذا فرغوا من الخدمة في القصر، نزلوا إلى خدمة شيخ في الإصطبل، فأعيدت الخدمة عنده ووقع الإبرام والنقض، ثم يتوجه دويداره إلى الخليفة، فيعلم على المناشير والتواقيع، واستمر الأمر على ذلك مدة، وكان شيخ يظن أن الخليفة يتوجه إلى بيته ويستعفي من السلطنة، فلما لم يفعل أعرض عنه، ولم يبق عنده إلا من يخدمه من حاشيته، فلما كان في يوم الإثنين مستهل شعبان أحضر شيخ أهل الحل والعقد والقضاة والأمراء والمباشرين، فبايعوه بالسلطنة ولقبوه بالملك المؤيد أبي النصر ثم إنه صعد القصر وجلس على تخت المملكة فقبل الأمراء الأرض بين يديه وصافحه القضاة وأهل الوظائف، وأرسل إلى الخليفة يسأله أن يشهد عليه بتفويض السلطنة له على عادة من تقدمه، فأجابه بشرط أن يذهب إلى بيته، فلم يوافقه على ذلك أياما ثم إنه نقله من القصر، وأنزله في دار من دور القلعة، ومعه أهله ووكل به من يمنع الناس من الدخول إليه، فلما كان في ذي القعدة قطع الدعاء للخليفة على المنابر. وكان قبل أن يلي السلطنة يدعى له مع السلطان واستمر في الخلافة إلى أن خلع في سنة ست عشرة فلما خرج المؤيد إلى نيروز «4» أرسله إلى
(1/146)

الإسكندرية فعقل بها، ولم يزل بها إلى أن استقرططر «1» في المملكة، فأرسل في إطلاقه وأذن له في المجيء إلى القاهرة فاختار الإقامة في الاسكندرية، لأنها لاقت بحاله، واستطابها وحصل له بها مال جزيل، من التجارة فاستمر إلى أن مات فيها شهيدا بالطاعون سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة.
فصل: فيما يجب على من يصحب الخلفاء الراشدين، وأمراء المؤمنين، والملوك والسلاطين.
قال الشعبي: قال لي عبد الله بن عباس، قال لي العباس: اي بني إني أرى هذا الرجل، يعني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، يقدمك على كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني أوصيك بكلمات أربع لا تفشين لهم سرا، ولا تحدثنهم كذبا، ولا تطرين عندهم نصيحة، ولا تغتابن لديهم أحدا. قال الشعبي: فقلت لابن عباس: كل واحدة منهن خير من ألف، قال: إي والله، ومن عشرة آلاف. قال بعض الحكماء: إذا زادك السلطان إكراما، فزده إعظاما وإذا جعلك ولدا فاجعله سيدا، وإذا جعلك أخا فاجعله والدا، ولا تديمن النظر إليه، ولا تكاسر من الدعاء له، ولا تتغير منه إذا سخط، ولا تغتر به إذا رضي ولا تلح في مسألته وقد قيل في المعنى:
قرب الملوك يا أخا البدر السني ... حظ جزيل بين شدقي ضيغم
قال الفضل بن الربيع «2» : من كلم الملوك في حاجة في غير وقتها، جهل مقامه وضاع كلامه، وما أشبه ذلك إلا بأوقات الصلاة، التي لا تقبل إلا في وقتها. قال خالد بن صفوان «3» : من صحب السلطان بالنصيحة والأمانة، كان أكبر عدو له، ممن صحبه بالفسق والخيانة، لأنه يجتمع على الناصح عدو السلطان وصديقه، بالعداوة والحسد، فعدو السلطان يبغضه لنصيحته، وصديقه ينافسه في مرتبته. قال أفلاطون «4» الحكيم: إذا خدمت ملكا، فلا تطعه في معصية ربك، فإن إحسانه إليك أفضل من إحسانه إليك، وإيقاعه بك أغلظ من إيقاعه بك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من تواضع لغني لأجل غناه، ذهب ثلثا دينه» . رواه البيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود وأنس بلفظ: «من أصبح حزينا على الدنيا، أصبح ساخطا على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبته فإنما يشكو ربه، ومن دخل لغني فتضعضع له، ذهب ثلث دينه» .
وأخرج الديلمي، من حديث أبي ذر: «لعن الله فقيرا يتواضع لغني من أجل ماله. من فعل ذلك فقد ذهب ثلثا دينه» . وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه» .
وروى «5» أحمد عن بعض الصحابة مرفوعا «إنك لا تدع شيئا اتقاء الله إلا أعطاك الله خيرا منه» .
(1/147)

وقال افلاطون الحكيم: من لم يعتبر بالتجارب، أوقعه الله في المهالك. وقال: كفى بالتجارب تأديبا وبتقلب الأيام عظة. وقال: الملك كالنهر الأعظم تستمد منه الأنهار الصغار، فإن كان عذبا عذبت، وإن كان مالحا ملحت. وسئل عن الرجل العاقل فقال: من اجتمعت فيه خصال الأدب، ولا يقهره الغضب، لأن العقل أصله التثبت في الأمور، وثمرته السلامة. وقال:
السلطان كالسوق ما راج فيه حمل إليه، وصاحب الملك كراكب الأسد تهابه الناس، وهو لمركوبه أهيب. وقال: من عرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل. ومن أطلق بصره، طال أسفه، ومن طال أمله ساء عمله. ومن أطلق لسانه، قيد نفسه. ومن أصلح فاسده أرغم حاسده. ومن قاسى الأمور، فهم المستور. ومن أحب المكارم اجتنب المحارم. ومن حسنت به الظنون، رمقته الرجال بالعيون. وقال الأدب ينوب عن الحسب. العفو يفسد اللئيم، بقدر ما يصلح الكريم. من شاور ذوي الألباب، دل على الصواب. من أمل إنسانا هابه، ومن قصر عن شيء عابه. من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر عنها ظلم. ولا يستطيع أن يتقي الله من خاصم. من فرط في الأمانة ضدها عمل. من عرض نفسه لما قصر عنه فعله، فقد نقص في عين غيره. من جاد ساد، ومن ساد قاد، ومن قاد بلغ المراد. ظلم الأيامى واليتامى مفتاح العقر. لا يصلح للصدر إلا من يكون واسع الصدر. ما تاه إلا وضيع، ولا فاخر إلا لقيط، ولا تعصب إلا بخيل، ولا أنصف إلا كريم. الحاجة إلى الأخ المعين، كالحاجة إلى الماء المعين. الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا لوطف. أقرب الناس إلى الله، أكثرهم عفوا عند القدرة. وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه. من لم يكن له من نفسه واعظ، لم تنفعه المواعظ. من رضي بالقضاء، صبر على البلاء.
من عمر دنياه ضيع ماله. ومن عمر آخرته بلغ آماله. القناعة عز المعسر، والصدقة كنز الموسر.
من سره فساده ساء معاده. الشقي من جمع لغيره، وبخل على نفسه. الخير أجل بضاعة، والإحسان أفضل صناعة. من استغنى عن الناس، أمن من عوارض الإفلاس. من رفع حاجة إلى الله، استظهر في أمره. ومن رفعها إلى الناس وضع من قدره. من أبدى سر أخيه أبدى الله أسرار مساويه. أعص الجاهل تسلم، وأطع العاقل تغنم. ازدياد الأدب عند الأحمق، كازدياد الماء العذب في أصول الحنظلة، لا يزيدها إلا مرارة. مكتوب في الإنجيل: كما تدين تدان، بالكيل الذي تكيل تكال.
وكان بعض الخلفاء يتلطف في ادخال السرور على إخوانه، فيضع عندهم الصرة فيها ألف درهم، ويقول لبعضهم: امسكها حتى أعود إليك، ثم يرسل إليه بعض غلمانه فيقول له: أنت في حل من ذلك. وقال بعض الحكماء: أحزم الناس: من وقي نفسه بماله، ووفي دينه بنفسه، وأجود الناس: من عاش الناس في فضله. وأفضل اللذات التفضل على الإخوان. وقال: المعروف ذخيرة الأدب، والبر غنيمة الحازم، والخير عطر الأخيار من بذل ماله، استعبد أمثاله. ومن أذل فلسه، أعز نفسه. وإن صاحب المعروف لا يقع وإن وقع وجد متكأ. وقال: إمام عادل خير من مطر وإبل.
وسلطان غشوم خير من فتنة تدوم. وقال: فضل الملوك في الإعطاء، وشرفهم في العفو، وعزهم في العدل. والعدل هو نظام العالم.
(1/148)

وقال «1» صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل» . فبدأ بالعدل، وقال عليه الصلاة والسلام: «عدل السلطان يوما يعدل عبادة سبعين سنة» . وقال عليه الصلاة والسلام: «عدل ساعة في الحكومة خير من عبادة ستين سنة» . وقال صلى الله عليه وسلم: «السلطان ظل الله في الأرض، يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإن عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر، وإن جار كان عليه الإثم وعلى الرعية الصبر» .
خلافة المعتضد بالله أبي الفتح داود
بويع له بالخلافة في سابع عشر ذي الحجة سنة ست عشرة وثمانمائة، عوضا عن أخيه المستعين بالله، لما خلعه الملك السلطان المؤيد، فاستدعاه وأجلسه بينه وبين القاضي الشافعي صالح البلقيني وقرره في الخلافة فاستمر فيها إلى أن مات يوم الأحد الرابع من شهر ربيع الأول سنة خمس وأربعين وثمانمائة وقد قارب السبعين بعد مرض طويل رحمة الله تعالى عليه.
خلافة المستكفي بالله
هو سليمان أبو الربيع بن المتوكل على الله أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن سليمان بن أحمد العباسي. بويع له بالخلافة يوم مات أخيه شقيقه المعتضد بالله بعهد منه في العشر الأول من شهر ربيع الأول من سنة خمس وأربعين وثمانمائة. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي «2» في شرح لامية العجم. قلت: وكذلك العبيديون الذين تسموا بالفاطميين، خلفاء مصر، فأول من ملك منهم بالمغرب المهدي، ثم القائم ثم إبنه المنصور ثم المعز وهو أول من ملك مصر منهم كما تقدم، ثم العزيز ثم كان السادس الحاكم فقتلته أخته. وسيأتي له ذكر ان شاء الله تعالى في باب الحاء المهملة في لفظ الحمار. ثم قال: وإنها لما قتلته ولت ابنه الظاهر، ثم كان المستنصر ثم المستعلي ثم الآمر ثم الحافظ، ثم كان السادس الظافر، فخلع وقتل، ثم ولي ابنه الفائز، ثم العاضد وهو آخرهم.
قال: وكذلك بنو أيوب في ملك مصر، فأولهم صلاح الدين الملك الناصر، ثم ابنه العزيز ثم أخوه الأفضل بن صلاح الدين ثم العادل الكبير أخو صلاح الدين، ثم الكامل ولده، ثم كان السادس العادل الصغير، فقبض عليه أرباب دولته وخلعوه، وولوا الملك الصالح نجم الدين أيوب، ثم ولده المعظم تورانشاه، وهو آخرهم.
قال: وكذلك دولة الاتراك، فأولهم: المعز عز الدين أيبك الصالحي، ثم ابنه المنصور، ثم المظفر قطز ثم الظاهر بيبرس، ثم ابنه السعيد محمد، ثم كان السادس العادل سلامش بن الظاهر بيبرس، فخلع. ثم ملك السلطان المنصور قلاوون الألفي انتهى.
(1/149)

وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى دولة العبيديين، وغيرهم من ملوك مصر، على الإجمال مختصرا. وها أنا أذكرهم مفصلا مبينا، وذلك أن الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله القداح، وذلك أنه كان يعالج العيون، ويقدحها ابن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، قدم إلى سلمية، قبل وفاته، وكان له بها ودائع وأموال، من ودائع جدّه عبد الله القداح، فاتفق أنه جرى بحضرته ذكر النساء، فوصفوا له امرأة يهودي حداد، مات عنها زوجها، وهي في غاية الحسن والجمال، وله منها ولد يماثلها في الجمال، فتزوجها وأحبها وحسن موضعها منه، وأحب ولدها فعلمه فتعلم العلم، وصارت له نفس عظيمة وهمة كبيرة، وكان الحسين يدّعي أنه الوصي، وصاحب الأمر، والدعاة باليمن والمغرب يكاتبونه ويراسلونه، ولم يكن له ولد، فعهد إلى ابن اليهودي الحداد، وهو عبيد الله المهدي أول من ملك من العبيديين. ونسبهم إليه، وعرفه أسرار الدعوة من قول وفعل وأمر الدعاة، وأعطاه الأموال والعلامات، وأمر أصحابه بطاعته وخدمته، وقال: إنه الإمام والوصي، وزوجه بابنة عمه، فوضع حينئذ المهدي لنفسه نسبا: وهو عبيد الله بن الحسين بن علي بن محمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
بعض الناس يقول: إنه من ولد القداح، فلما توفي الحسين، وقام بعده المهدي، انتشرت دعوته، وأرسل إليه داعية بالمغرب يخبره بما فتح الله عليه من البلاد، وإنهم ينتظرونه فشاع خبره عند الناس، أيام المكتفي، فطلب فهرب هو وولده أبو القاسم نزار الملقب بالقائم، وهو يومئذ غلام ومعهما خاصتهما ومواليهما يريدان المغرب. فلما وصلا إلى افريقية أحضر الأموال منها، واستصحبها معه فوصل إلى رقادة في العشر الأخير من شهر ربيع الآخر، سنة سبع وتسعين ومائتين ونزل في قصر من قصورها، وأمر أن يدعى له في الخطبة يوم الجمعة في جميع تلك البلاد ويلقب بأمير المؤمنين المهدي وجلس للدعاء في يوم الجمعة. فأحضر الناس بالعنف، ودعاهم إلى مذهبه، فمن أجاب أحسن إليه ومن أبي حبسه.
فابتداء دولتهم سنة سبع وتسعين ومائتين، فأولهم المهدي عبيد الله ثم ابنه القائم نزار، ثم ابنه المنصور اسماعيل، ثم ابنه المعز معد، وهو أول من ملك مصر من العبيديين، وكان ذلك في سابع عشر شعبان سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة. ودعي له فيها يوم الجمعة العشرين من شعبان على المنابر، وانقطعت خطبة بني العباس من الديار المصرية من يومئذ، وكان الخليفة العباسي إذ ذاك المطيع لله الفضل بن جعفر، وفي يوم الثلاثاء سادس شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، دخل المعز مصر بعد مضي ساعة من اليوم المذكور، وكل هذا جاء بطريق الاستطراد. فإن المقصود خلافه، ثم العزيز بن المعز، ثم ابنه الحاكم أبو العباس أحمد، وهو السادس من العبيديين، فقتل لأنه خرج عشية يوم الإثنين، سابع عشر شوال سنة احدى عشرة وأربعمائة، وطاف على عادته في البلد، ثم توجه إلى شرقي حلوان، ومعه ركابيان، فردهما، وانتظره الناس إلى ثالث ذي القعدة، ثم خرجوا في طلبه، فبلغوا ذيل القصر، وأمعنوا في الطلب فشاهدوا حماره على ذروة الجبل مضروب اليدين بالسيف، فتتبعوا الأثر فانتهوا إلى بركة هناك، ونزل شخص فيها فوجد سبع حبات مزررة، وفيها أثر السكاكين، فلم يشكوا حينئذ في قتله، ثم ابنه الظاهر أبو الحسن علي ثم
(1/150)

ابنه المستنصر، ثم ابنه المستعلي، ثم ابنه الآمر، ثم الحافظ عبد المجيد بن أبي القاسم محمد بن المستنصر، ثم ابنه الظافر وهو السادس، فقتل، ولم يل الخلافة بعده منهم إلا اثنان: ابنه الفائز، ثم العاضد عبد الله بن يوسف بن الحافظ.
وانقرضت دولة العبيديين في سنة سبع وستين وخمسمائة، وذلك في أيام المستضيء بنور الله أبي محمد الحسن بن المستنجد العباسي.
وخلفهم بمصر السلطان السعيد الشهيد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم ابنه الملك العزيز عثمان، ثم أخوه الأفضل، ثم الملك العادل الكبير أبو بكر بن أيوب، ثم ابنه الملك الكامل محمد، ثم ابنه الملك العادل الصغير وهو السادس فخلع، ثم الملك الصالح أيوب بن الكامل، ثم ابنه الملك المعظم تورانشاه، ثم أخوه الأشرف يوسف وهو ابن شجرة الدر، ثم المعز أيبك، ثم ابنه المنصور، علي، ثم المظفر قطز وهو السادس فقتل. ثم الظاهر بيبرس، ثم ابنه السعيد محمد بن بركة خان، ثم أخوه العادل سلامش، ثم المنصور قلاون، ثم ابنه الأشرف خليل، ثم القاهر بيدر وهو السادس أقام نصف يوم وقتل، ثم الناصر بن المنصور فخلع مرة بالعادل كتبغا، وخلع نفسه مرة أخرى فتسلطن مملوك أبيه المظفر بيبرس، ثم العادل كتبغا، ثم المنصور لاجين، ثم المظفر بيبرس، ثم المنصور أبو بكر بن الناصر بن المنصور، ثم أخوه الأشرف كجك فخلع ثم قتل وهو السادس، ثم أخوهم الناصر أحمد، ثم أخوهم الصالح إسماعيل، ثم أخوهم الكامل شعبان، ثم أخوهم المظفر حاجي، ثم أخوهم الملك الناصر حسن، ثم أخوهم الملك الصالح صالح وهو السادس فخلع وسجن، وأعيد الملك لمن كان قبله، وهو الملك الناصر حسن، ثم المنصور علي بن الصالح، ثم الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر، ثم المنصور علي بن الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر، ثم أخوه الصالح حاجي بن الأشرف، ثم الظاهر برقوق، ثم أعيد حاجي ولقّب بالمنصور، ثم أعيد برقوق، ثم ولده الناصر فرج، ثم أخوه العزيز، ثم أعيد فرج فخلع وقتل. ثم الخليفة المستعين بالله العباسي، ثم الملك المؤيد أبو النصر شيخ، ثم ابنه الملك المظفر أحمد فخلع، ثم الملك الظاهر ططر، ثم ولده الملك الصالح محمد فخلع، ثم الملك الأشرف برسباي، ثم ابنه الملك العزيز يوسف فخلع، ثم الملك الظاهر جقمق، ثم ولده الملك المنصور عثمان فخلع، ثم الملك الأشرف أينال، ثم ولده الملك المؤيد أحمد فخلع، ثم الملك الظاهر خشقدم، ثم الملك الظاهر بلباي فخلع، ثم الملك الظاهر تمريغا فخلع، ثم الملك الظاهر خايربك فخلع من ليلته، ثم الملك الأشرف قايتباي، ثم ولده الملك الناصر محمد فقتل، ثم الملك الظاهر قانصوه خال الملك الناصر محمد فخلع، ثم الملك الأشرف جانبلاط فخلع وقتل، ثم الملك العادل طومان باي فخلع وقتل، ثم الملك الأشرف قانصوه الغوري، ثم السلطان سليم بن محمد بن بايزيد بن عثمان، ثم ولده السلطان سليمان، ثم ولده السلطان سليم، ثم ولده السلطان مراد، نصره الله نصرا عزيزا، وفتح له فتحا مبينا، بمحمد وآله صلى الله عليه وسلم والحمد لله وحده، وقد أطلنا الكلام في ذلك ولكن لا يخلو من فائدة أو فوائد.
ولنرجع إلى ما قصدنا من الكتاب، والله تعالى الموفق للصواب، فنقول: وهو أي الأوز يحب السباحة في الماء، وفرخة يخرج من البيض، فيسبح في الحال، وإذا حصنت الأنثى، قام الذكر
(1/151)

يحرسها لا يفارقها طرفة عين وتخرج فراخها في أواخر الشهر. وفي المجالسة للدينوري والأذكياء «1» لأبي الفرج بن الجوزي عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء رجل إلى سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، فقال: يا نبي الله إن لي جيرانا يسرقون أوزي، فنادى: الصلاة جامعة، ثم خطبهم فقال في خطبته: وأحدكم يسرق أوز جاره، ثم يدخل المسجد والريش على رأسه، فمسح رجل رأسه بيده، فقال سليمان: خذوه فإنه صاحبكم.
وحكمه:
حل الأكل بالإجماع.
الخواص:
لحم الأوز والبط كثير الحرارة والرطوبة، وبقراط «2» الحكيم يقول: إنه أرطب الطير الحضري، وأجودها المخاليف، وهو يخصب الأبدان، لكنه يملؤها فضولا ودفع ضررها نفخ البورق «3» في حلوقها، قبل الذبح، وهو يولد خلطا بلغميا، ويوافق أصحاب الأمزجة الحارة، ويختار أن يطلى لحمها قبل الشي بالزيت، لتذهب زهومته، وفي طبخه أن يكثر من الأبازير الحارة ليزول غلظه وزهومته، لأنه كثير الفضول غير موافق للمعدة لعسر انهضامه، وهو لتكثيره الفضول يسرع إلى توليد الحميات. قال القزويني: إذا شويت خصية الأوز وأكلها الرجل وجامع زوجته من وقته فإنها تعلق بإذن الله تعالى. وفي جوفه حصاة تمنع من الاستطلاق، إذا شربها المبطلون نفعته. ودهنه ينفع من ذات الجنب وداء الثعلب، إذا طليا به. وأكل لسانه ينفع من تقطير البول، إذا ديم عليه وغذاؤه جيد إلا أنه بطيء الهضم. وأما بيضه فمعتدل الحرارة، لكنه غليظ وأنفعه النيمبرشت لكنه يضر بأصحاب القولنج «4» ، والرياح والدوار، وأكله بالصعتر والملح يدفع ضرره، وهو يولد دما منتنا، ويوافق أصحاب الأمزجة الحارة. وهو وبيض النعام غليظان بطيآ الانهضام. فمن أحب أكلهما فليقنع بصفرتهما ويجب أن يعلم أن الصفرة، من كل بيض، ألطف من البياض، والبياض أرطب من الصفرة، وأغذى البيض وألطفه ذو الصفرة، وأقله غذاء ما كان من دجاج لا ديك لها، وهذا النوع لا يتولد منه حيوان ولا مما يباض في نقصان القمر على الأكثر، لأن البيض من الاستهلال إلى الإبدار يمتلىء، ويرطب فيصلح للكون، وبالضد من الابدار إلى المحاق وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر بيض الحجل والدجاج في أماكنها.
الإلفة:
السعلاة، وقيل الذئبة، وسيأتيان إن شاء الله تعالى في باب السين المهملة والذال المعجمة.
الإلق:
بالكسر الذئب والأنثى القة وجمعهما الق. وربما قالوا للقردة الالقة ولا يقال للذكر الق ولكن قرد ورباح.
الأودع:
اليربوع. قاله الجوهري: وسيأتي إن شاء الله في باب الياء آخر الحروف.
الأورق
: من الإبل الذي لونه بياض إلى سواد. قاله الجوهري وهو أطيب الإبل لحما وليس بمحمود عندهم في عمله وسيره.
(1/152)

الأوس:
الذئب وبه سمي الرجل. وأويس إسم للذئب جاء مصغرا مثل الكميت واللجين. قال الهذلي:
يا ليت شعري عنك والأمر أمم ... ما فعل اليوم أويس بالغنم
وقال الكميت «1» :
كما خامرت في حضنها أم عامر ... لذي الحبل حتى عال أوس عيالها
لأن الضبع، إذا صيدت ولها ولد من الذئب، لم يزل الذئب يطعم ولدها إلى أن يكبر. قاله الجوهري. قال وقوله: لذي الحبل، أي للصائد الذي يعلق الحبل في عرقوبها. وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في العسبار أيضا.
روى الحافظ أبو نعيم بسنده إلى حمزة بن أسد الحارثي، قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار إلى بقيع الغرقد، فإذا ذئب مفترش ذراعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أويس فافرضوا له فلم يفعلوا» انتهى. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الذال المعجمة في لفظ الذئب قصة وافد الذئاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبهذا سمي أويس بن عامر القرني أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وسكن الكوفة وهو من أكبر تابعيها.
روى مسلم عن أسيد بن جابر عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير التابعين رجل يقال له أويس القرني، يأتي عليكم في أمداد أهل اليمن لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل «2» » . فلما قدم على عمر رضي الله تعالى عنه سأله أن يستغفر له فاستغفر له الحديث بطوله. وقتل أويس يوم صفين مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وروى «3» أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه في الزهد عن الحسن البصري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة ومضر» . قال الحسن: هو أويس القرني، وهو منسوب إلى قرن بفتح الراء، قبيلة من مراد. وللجوهري رحمه الله في ذلك غلط مشهور.
وخرج ابن السماك عن يحيى بن جعفر، قال: حدثنا شبابة بن سوار قال: حدثنا جرير بن عثمان عن عبد الله بن ميسرة وحبيب بن عبيد الرحبي، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي مثل أحد الحيين ربيعة ومضر. قيل: يا رسول الله وما ربيعة من مضر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أقول ما أقول «4» » . قال فكان المشيخة يرون أن ذلك الرجل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. وذكر القاضي عياض في الشفاء عن كعب أن لكل رجل من
(1/153)

الصحابة شفاعة. وذكر ابن المبارك. قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يكون في أمتي رجل يقال له صلة بن أشيم يدخل الجنة بشفاعته كذا وكذا» .
ايلس:
قال القزويني «1» إنه نوع من السمك عظيم جدا وحيوانات البحر كلها تصاد سواه. ومن خواصه إنه إذا شوي وأكل منه شخصان معا بينهما عداوة وخصومة تبدلت ألفة.
الأيم والأين
: الحية وقال الأزرقي في تاريخ مكة الأيم الحية الذكر ثم روى بإسناده عن طلق بن حبيب قال: كنا جلوسا مع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما في الحجر إذ قلص الظل وقامت المجالس، وإذا نحن ببريق أيم طالع من باب بني شيبة، فأشرأبت له أعين الناس، فطاف بالبيت سبعا وصلى ركعتين وراء المقام. فقمنا إليه وقلنا له: أيها المعتمر قد قضى الله نسكك وإن بأرضنا عبيدا وسفهاء، وإنا نخشى عليك منهم، فمر ذاهبا نحو السماء فلم نره.
وفي الحديث «2» : «إنه أمر بقتل الأيم» .
قال ابن السكيت أصله أيم فخفف مثل لين ولين وهين وهين والجمع أيوم وسيأتي إن شاء الله تعالى في الكعيب ما ذكره الأزرقي عقب هذا مما يشابهه.
الأيّل:
بتشديد الياء المكسورة ذكر الأوعال والأيل لغة فية ويقال هو الذي سمي بالفارسية كوزن. وأكثر أحواله شبيه ببقر الوحش وهو إذا خاف من الصياد يرمي نفسه من رأس الجبل ولا يتضرر بذلك وعدد سني عمره عدد العقد التي في قرنه وإذا لسعته الحية أكل السرطان. ويصادق السمك فهو يمشي إلى الساحل ليرى السمك. والسمك يقرب من البر ليراه والصيادون يعرفون هذا، فيلبسون جلده ليقصدهم السمك فيصيدوا منه. وهو مولع بأكل الحيات، يطلبها حيث وجدها وربما لسعته فتسيل دموعه إلى نقرتين تحت محاجر عينيه، يدخل الإصبع فيهما فتجمد تلك الدموع، وتصير كالشمس، فيتخذ درياقا «3» لسم الحيات، وهو الباد زهر الحيواني. وأجوده الأصفر وأماكنه بلاد الهند والسند وفارس. وإذا وضع على لسع الحيات والعقارب نفعها، وإن أمسكه شارب السم في فيه نفعه، وله في دفع السموم خاصية عجيبة. وهذا الحيوان لا تنبت له قرون إلا بعد مضي سنتين عن عمره، فإذا نبتت قرناه، نبتا مستقيمين كالوتدين وفي الثالثة يتشعبان ولا يزال التشعب في زيادة إلى تمام ست سنين، فحينئذ يكونان كالشجرتين في رأسه ثم بعد ذلك يلقي قرنيه في كل سنة مرة، ثم ينبتان فإذا نبتا تعرض بهما للشمس ليصلبا، وقال ارسطو: إن هذا النوع يصاد بالصفير والغناء، ولا ينام ما دام يسمع ذلك، فالصيادون يشغلونه
(1/154)

بذلك ويأتونه من ورائه، فإذا رأوه قد استرخت أذناه أخذوه. وذكره من عصب لا لحم ولا عظم، وقرنه مصمت لا تجويف فيه.
وهو في نفسه جبان دائم الرعب، وهو يأكل الحيات أكلا ذريعا وإذا أكل الحية بدأ بأكل ذنبها إلى رأسها. وهو يلقي قرونه في كل سنة، وذلك الهام من الله تعالى، لما للناس فيها من المنفعة، لأن الناس يطردون بقرنه كل دابة سوء وييسر عسر الولادة وينفع الحوامل، ويخرج الدود من البطن إذا أحرق منه جزء ولعق بالعسل، قاله في النعوت، ويسمن هذا الحيوان سمنا كثيرا فإذا اتفق له ذلك هرب خوفا من أن يصاد.
تتمة: قال الزجاجي سئل ابن دريد «1» عن معنى قول الشاعر:
هجرتك لا قلى مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدود
كهجر الحائمات الورد لما ... رأت أن المنية في الورود
تغيظ نفوسها ظمأ وتخشى ... حماما فهي تنظر من بعيد
تصد بوجه ذي البغضاء عنه ... وترمقه بالحاظ الودود
فقال: الحائم الذي يدور حول الماء ولا يصل إليه. ومعنى الشعر أن الأيايل تأكل الأفاعي في الصيف، فتحمى وتلتهب لحرارتها فتطلب الماء، فإذا رأته امتنعت من شربه، وحامت عليه تتنسمه، لأنها لو شربته في تلك الحالة فصادف الماء السم الذي في أجوافها هلكت، فلا تزال تمتنع من شرب الماء، حتى يطول بها الزمان فيذهب ثوران السم ثم تشربه فلا يضرها.
فيقول هذا الشاعر: أنا في تركي وصالك مع شدة حاجتي إليه بمثابة الحائمات التي تدع شرب الماء مع شدة حاجتها إليه، إبقاء على حياتها.
والزجاجي هو عبد الرحمن بن إسحاق أبو القاسم الزجاجي، إمام النحو صحب أبا إسحاق الزجاج، فعرف به ونسب إليه. وصنف كتاب الجمل وطوله بكثرة الأمثلة ولم يشتغل به أحد إلا انتفع به، لأنه صنفه بمكة المشرفة وكان إذا فرغ من باب طاف أسبوعا وسأل الله تعالى أن يغفر له وأن ينفع به قارئه. ومن كلامه ما حرم الله شيئا إلا وأحل بازائه خيرا منه: حرم الميتة وأباح المذكي، وحرم الخمر وأباح النبيذ، وحرم السفاح وأباح النكاح، وحرم الربا وأباح البيع.
توفي سنة سبع أو تسع وثلاثين وثلاثمائة بدمشق، وقيل بطبرية وما أحسن قول أبي منصور موهوب الجواليقي «2» اللغوي:
ورد الورى سلسال جودك فارتووا ... ووقفت حول الورد وقفة حائم
حيران أطلب غفلة من وارد ... والورد لا يزداد غير تزاحم
وكان الجواليقي إماما في فنون الأدب، وله تصانيف مفيدة وكان إماما للخليفة المقتفي يصلي به الصلوات الخمس. ولما دخل عليه أول دخلة، قال السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله
(1/155)

وبركاته، فقال له الطبيب هبة الله بن صاعد بن التلميذ النصراني «1» : ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ! فلم يلتفت إليه الجواليقي، وقال للمقتفي: يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية. وروى له خبرا في صورة السلام. ثم قال: يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه المعتبر، لما لزمته كفارة الحنث، لأن الله تعالى ختم على قلوبهم، ولن يفك ختمه إلا الإيمان. فقال: صدقت وأحسنت. قال:
فكأنما ألقم ابن التلميذ بحجر مع فضله وغزارة أدبه. ووجدت البيتين لابن الخشاب «2» من أبيات. توفي الجواليقي في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ببغداد.
الحكم:
يحل أكله لأنه مستطاب كالوعل. ولم يذكره الرافعي في باب الأطعمة وإنما ذكره في باب الربا. فقال: وفي لحم الظباء مع الأيل تردد للشيخ أبي محمد، واستقر جوابه على إنهما كالضأن مع المعز، أي فلا يباع أحدهما بالآخر إلا مثلا بمثل. انتهى.
وحكى المتولي في ذلك وجهين من غير ترجيح.
الخواص:
إذا بخر بقرنه طرد الهوام وكل ذي سم، وإذا أحرق قرنه وسحق واستيك به قطع الصفرة والحفر من الأسنان، وشد أصولها، ومن علق عليه شيء من أجزائه لم ينم ما دام عليه وإذا جفف قضيبه وسقي هيج الباه. وإذا شرب دمه فتت الحصاة التي في المثانة والله تعالى أعلم.
ابن آوى:
جمعه بنات آوى وكذلك ابن عرس وابن المخاض وابن اللبون تقول بنات عرس وبنات مخاض وبنات لبون وبنات آوى ولا ينصر قال الشاعر «3» :
ان ابن آوى لشديد المقتنص ... وهو إذا ما صيد ريح في قفص
وكنيته أبو أيوب وأبو ذئيب وأبو كعب وأبو رائل وسمي ابن آوى لأنه يأوي إلى عواء أبناء الشجرة كقاضيان ويقال للبزاة والشواهين وغيرهما مما يصيد صقور، ولفظه مشتق من البزوان وهو طويل المخالب والأظفار يعدو على غيره، ويأكل مما يصيد من الطيور وغيرها. وخوف الدجاج منه أشد من خوفها من الثعلب، لأنه إذا مر تحتها وهي على الشجرة أو الجدار تساقطت وإن كانت عددا كثيرا.
الحكم:
الأصح تحريم أكله، لأنه يعدو بنابه ولو قيل إن نابه ضعيف فيكون كالضبع والثعلب لكان مذهبا. وملخص ما فيه عندنا وجهان: الأصح في المحرر والمنهاج والشرح والحاوي الصغيرين التحريم. والثاني وهو اختيار الشيخ أبي حامد الحل. وسئل الإمام أحمد عنه؟ فقال كل ما نهش بأنيابه فهو من السباع. وبحظره قال أبو حنيفة وصاحباه.
(1/156)

الخواص:
إذا ترك لسانه في بيت وقعت الخصومة بين أهله. ولحمه ينفع من الجنون والصرع العارض في أواخر الشهر، وإذا علقت عينه اليمنى على من يخاف العين أمن ولم تضره عين عائن. وقلبه إذا علق على شخص أمن من سائر السباع بإذن الله تعالى والله تعالى أعلم.
باب الباء الموحدة
البابوس:
الصغير من أولاد الناس وغيرهم. قال ابن أحمر «1» :
حنّت قلوصي إلى بابوسها طربا ... وما حنينك بل ما أنت والذّكر
البازي:
أفصح لغاته بازى مخففة الياء، والثانية باز، والثالثة بازي بتشديد الياء، حكاهما ابن سيده، وهو مذكر لا اختلاف فيه. ويقال في التثنية بازيان، وفي الجمع بزاة كقاضيان وقضاة.
وقضاة. ويقال للبزاة والشواهين وغيرهما مما يصيد صقور، ولفظه مشتق من البزوان وهو الوثب.
وكنيته أبو الأشعث وأبو البهلول وأبو لاحق، وهو من أشد الحيوانات تكبرا وأضيقها خلقا. قال القزويني في عجائب المخلوقات: قالوا إنه لا يكون إلا أنثى وذكرها من نوع آخر كالحدا والشواهين، ولهذا اختلفت أشكالها روينا عن عبد الله بن المبارك إنه كان يتجر ويقول: لولا خمسة «2» ما اتجرت السفيانان وفضيل وابن السماك وابن علية أي ليصلهم فقدم سنة فقيل له: قد ولي ابن علية القضاء فلم يأته ولم يصله بشيء، فأتي إليه ابن علية فلم يرفع رأسه إليه، ثم كتب إليه ابن المبارك يقول «3» :
يا جاعل العلم له بازيا ... يصطاد أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين
فصرت مجنونا بها بعدما ... كنت دواء للمجانين
أين رواياتك في سردها ... لترك أبواب السلاطين
أين رواياتك فيما مضى ... عن ابن عوف وابن سيرين «4»
إن قلت أكرهت فذا باطل ... زل حمار العلم في الطين
فلما وقف إسماعيل بن علية على الأبيات، ذهب إلى الرشيد ولم يزل به إلى أن استعفاه من القضاء فأعفاه.
وعبد الله بن المبارك إمام جليل زاهد عابد جمع بين العلم والعمل. ذكر ابن خلكان في
(1/157)

ترجمته قال: عطس رجل عند عبد الله بن المبارك فلم يحمد الله عز وجل، فقال له ابن المبارك:
أي شيء يقول العاطس إذا عطس؟ قال الحمد لله. فقال ابن المبارك: يرحمك الله. فجعب الحاضرون من حسن أدبه، وقال أيضا: قدم هارون الرشيد الرقة، فانحفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتقطعت النعال، وارتفعت الغيرة، فأشرفت أم ولد الرشيد من قصر الخشب، فلما رأت الناس قالت: من هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان، يقال له عبد الله بن المبارك. فقالت: هذا والله الملك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان. وذكر غيره أن عبد الله بن المبارك استعار قلما من الشام، فعرض له سفر فسافر إلى انطاكية، وكان قد نسي القلم معه فتذكره هناك فرجع من انطاكية إلى الشام ماشيا حتى رد القلم إلى صاحبه وعاد.
وروي أن عند ذكره تنزل الرحمة توفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وثمانين ومائة رحمة الله تعالى عليه.
ومن أخبار الرشيد، أنه خرج يوما إلى الصيد فأرسل بازيا أشهب فلم يزل يحلق حتى غاب في الهواء ثم رجع بعد اليأس منه، ومعه سمكة فأحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك فقال مقاتل: يا أمير المؤمنين روينا عن جدك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الهواء معمور بأمم مختلفة الخلق سكان، فيه دواب بيض تفرخ فيه شيئا على هيئة السمك لها أجنحة ليست بذوات ريش فأجاز مقاتلا على ذلك وأكرمه.
وهو خمسة أصناف البازي والزرق والباشق والبيدق والصقر. والبازي أحرها مزاجا لأنه قليل الصبر على العطش، ومأواه مساقط الشجر العادية الملتفة والظل الظليل وهو خفيف الجناح، سريع الطيران وإناثه أجرأ على عظام الطير من ذكوره، وهذا الصنف تصيبه الأمراض وانحطاط اللحم والهزال. وأحسن أنواعه ما قل ريشه واحمرت عيناه مع حدة فيهما كما قال الناشىء «1» :
لو استضاء المرء في ادلاجه ... بعينه كفته عن سراجه
ودونه الأزرق الأحمر العينين والأصفر دونهما ومن صفاته المحمودة: أن يكون طويل العنق، عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين، شديد الانخراط إلى ذنبه، وأن تكون فخذاه طويلتين مسرولتين بريش، وذراعاه غليظتين قصيرتين. وفرخ البازي يسمى غطريفا ويضرب بالبازي المثل في نهاية الشرف كما قال الشاعر:
إذا ما اعتز ذو علم بعلم ... فعلم الفقه أولى باعتزاز
وكم طيب يفوح ولا كمسك ... وكم طير يطير ولا كباز
قال الشيخ الزاهد أبو العباس القسطلاني: سمعت الشيخ أبا شجاع زاهر بن رستم
(1/158)

الأصبهاني إمام مقام إبراهيم بمكة يقول: سمعت الشيخ أحمد خادم الشيخ حماد يقول:
دخل الشيخ عبد القادر على الشيخ حماد الدباس يزوره فنظر إليه الشيخ، وكان قد رأى أنه قد اصطاد بازيا فأثرت نظرة الشيخ فيه، فخرج من عنده وتجرد عن أسبابه وكان من أكابر أصحابه انتهى. ولهذا كان الشيخ عبد القادر يقول:
أنا بلبل الأفراح أملأ دوحها ... طربا وفي العلياء باز أشهب
قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقاته: كان ابن شريح يقال له الباز الأشهب. وقال الوعيظي في أول قصيدته:
ليس المقام بدار الذل من شيمي ... ولا معاشرة الأنذال من هممي
ولا مجاورة الأوباش تجمل بي ... كذلك الباز لا يأوي مع الرخم
وأما الباشق بفتح الشين وكسرها فأعجمي معرب، وكنيته أبو الآخذ وهو أيضا حار المزاج، يغلب عليه القلق والزعارة، يأنس وقتا ويستوحش وقتا وهو قوي النفس، فإذا أنس منه الصغير، بلغ صاحبه من صيده المراد وهو خفيف المحمل، ظريف الشمائل، يليق بالملوك أن تخدمه، لأنه يصيد أفخر ما يصيده البازي وهو الدراج والحمام والورشان، وهو كثير الشبق وإذا قوي عليه صيده لا يتركه إلا أن يتلف أحدهما. وأحمد صفاته أن يكون صغيرا في المنظر ثقيلا في الميزان، طويل الساقين قصير الفخذين.
وأما البيدق فلا يصيد إلا العصافير، وهو قليل الغناء قريب في الطبع من العقصي قال أبو الفتح كشاجم «1» في المعنى:
حسبي من البزاة والبيادق ... ببيدق يصيد صيد الباشق
مؤدب مدرب الخلائق ... أصيد من معشوقة لعاشق
يسبق في السرعة كل سابق ... ليس له في صيده من عائق
ربيته وكنت غير واثق ... أن الفرازين من البيادق
وأما العقصي فهو أصغر الجوارح نفسا، وأضعفها حيلة، وأشدها ذعرا، وأيبسها مزاجا، يصيد العصفور في بعض الأحايين، وربما هرب منه. وهو يشبه الباشق في الشكل إلا أنه أصغر منه.
الحكم:
يحرم أكله بجميع أنواعه «لنهيه صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطيور» . رواه «2» مسلم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبهذا قال أكثر أهل العلم.
(1/159)

وقال مالك والليث والاوزاعي ويحيى بن سعيد لا يحرم من الطير شيء واحتجوا بعموم الآيات المبيحة، ولم يثبت عند مالك حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، فكان على الإباحة. قال الأبهري «1» : ليس في ذي المخلب عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي صحيح. وقال غيره: لم يثبت حديث النهي عن أكل كل ذي مخلب من الطير لأن ميمون بن مهران رواه عن ابن عباس وسقط بينهما سعيد بن جبير، فصار هذا علة تحطه عن رتبة الصحيح. وقال إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه: يكره للمحرم استصحاب البازي، وكل صائد من كلب وغيره لأنه ينفر الصيد وربما انفلت فقتل صيدا، فإن حمله فأرسله على صيد فلم يقتله ولم يؤذه فلا جزاء عليه، لكن يأثم كما لو رماه بسهم فأخطأه فإنه يأثم بالرمي لقصده الحرام. ولا ضمان لعدم الإتلاف قال: وما فيه مضرة ومنفعة لا يستحب قتله لما فيه من المنفعة ولا يكره لعدوانه على الناس كالبازي والفهد والصقر والعقاب، ونحوها. ويصح بيع البازي وإجارته بلا خلاف لأنه طاهر منتفع به روى الترمذي عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال «2» : «ما أمسك عليك فكل» .
الأمثال
: قالت «3» العرب: «وهل ينهض البازي بغير جناح» . يضرب في الحث على التعاون والوفاق قال الشاعر «4» :
أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح
وان ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح
ومن ملح أمثال أبي أيوب سليمان بن أبي مجالد قال خالد بن يزيد الأرقط: بينما أبو أيوب في أمره ونهيه إذ طلبه المنصور فاصفر وارتعد، فلما خرج من عنده تراجع لونه وكان ذلك دأبه، كلما طلبه، فقيل له: إنا نراك مع كثرة دخولك إلى أمير المؤمنين وأنسه بك تتغير إذا دخلت عليه؟
فضرب لذلك مثلا فقال: زعموا أن بازيا وديكا تناظرا فقال البازي للديك: ما أعرف أقل وفاء منك! فقال: وكيف؟ قال: لأنك تؤخذ بيضة فيحضنك أهلك، وتخرج على أيديهم فيطعمونك بأكفهم، حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت ههنا وههنا وصحت، وإن علوت حائط دار، كنت فيها سنين طرت وتركتها وصرت إلى غيرها، وأنا أؤخذ من الجبال، وقد كبر سني فأطعم الشيء القليل، وأونس يوما أو يومين ثم أطلق، على الصيد فأطير وحدي، فآخذه وأجيء به إلى صاحبي، فقال له الديك: ذهبت عنك الحجة، أما لو رأيت بازيين في سفود ما عدت إليهم أبدا، وأنا كل يوم ووقت أرى السفافيد مملوأة ديوكا، وأقيم معهم فأنا أو في منك لو كنت مثلك، وأنتم لو عرفتم من المنصور ما أعرف، لكنتم أسوأ حالا مني عند طلبه إياكم، ثم إنه قتله في سنة
(1/160)

أربع وخمسين ومائة، بعد أن عذبه وأخذ أمواله وكان قد تمكن من المنصور، غاية التمكن لاحسان فعله مع المنصور قبل خلافته ثم أبغضه، وهم أن يوقع به وتطاول ذلك، وكان كلما دخل عليه ظن أنه سيوقع به ثم يخرج سالما.
قيل: إنه كان معه شيء من الدهن قد عمل فيه سحرا فكان يدهن حاجبيه إذا دخل على المنصور، فصار مثلا في العامة يقولون: دهن أبي أيوب قال في الجواهر الزواهر. وكان المنصور يوده كثيرا ويتبسم إليه وأنشد على ذلك لناصح الدين سعيد بن الدهان «1» سيبويه عصره في النحو قوله: «2»
لا تجعل الهزل دأبا فهو منقصة ... والجد تعلو به بين الورى القيم «3»
ولا يغرنك من ملك تبسمه ... ما سحت السحب إلا حين تبتسم
ومن محاسن شعره قوله «4» :
بادر إلى العيش والأيام راقدة ... ولا تكن لصروف الدهر تنتظر
فالعمر كالكأس يبدو في أوائله ... صفو وآخره في قعره كدر
وله أيضا «5» ويقال إنه لابن طباطبا الطالبي:
تأمل نحولي والهلال إذا بدا ... لليلته في أفقه أينا أضنى
على أنه يزداد في كل ليلة ... نموّا وجسمي بالضنى دائما يفنى
وله أيضا:
والله لولا أن يقال تغيرا ... وصبا وإن كان التصابي أجدرا
لا عدت تفاح الخدود بنفسجا ... لثما وكافور الترائب عنبرا
وكانت وفاته سنة تسع وستين وخمسمائة قال الغزنوي: الترائب جمع تريبة وهو موضع القلادة من الصدر، وزاد الكواشي وقيل: الصدر وقيل: النحر وقيل: أطراف الرجل.
الخواص:
مرارته من اكتحل بها أمن من نزول الماء في عينيه. وإن شربت امرأة من زرق البازي مدافا بماء أعان على الحبل، وإن كانت عاقرا.
وأما الباشق فدماغه ينفع من الخفيقان العارض من السوداء، إذا سقي منه وزن درهم بماء ورد، ومرارته تنفع من ظلمة العين اكتحالا.
(1/161)

التعبير:
البازي في المنام يدل على سلطان لمن هو من أهل الإمارة، فإن ذهب من يديه وبقي منه ساقه، ذهب ملكه وبقي ذكره. وإن بقي في يده شيء من الريش، بقي في يده شيء من المال. وذبح البازي ظفر بلص، وذبح البزاة يدل على موت الملوك، الذين يأخذون الأموال جهارا، ولحوم البزاة أموال السلاطين، والبزاة للرجل السوقي رياسة وشرف. والباشق في المنام لص وقيل ولد ذكر.
البازل:
البعير الذي فطر نابه أي انشق، ذكرا كان أو أنثى، وذلك في السنة الثامنة.
والجمع: بزل وبزل وبوازل.
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، «أن النبي صلى الله عليه وسلم استقرض بكرا فرد بازلا وقال: خيركم أحسنكم «1» قضاء» وروى الخطابي عن ابن خزيمة قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: سئل ابن عيينة عن معنى قول «2» رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استجمر فليوتر» .
فسكت ابن عيينة فقيل: أترضى بما قاله مالك؟ قال: وما قال مالك؟ قال: قال: الاستجمار الاستطابة بالأحجار. قال فقال ابن عيينة إنما مثلي ومثل مالك كما قال الأوّل:
وابن اللبون إذا ما لزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
الباقعة:
الداهية يقال رجل باقعة، إذا كان ذا دهاء. ونقل الهروي عن أبي عمرو أنه طائر حذر إذا شرب الماء يطير يمنة ويسرة. وفي حديث القبائل أن عليا قال لأبي بكر رضي الله تعالى عنهما: لقد عثرت من الأعراب على باقعة وفي حديث آخر ففاتحته فإذا هو باقعة.
بالام:
روى البخاري ومسلم عن أبي الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده، كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلا لأهل الجنة «3» » .
قال: فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن فيك يا أبا القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى. قال: تكون الأرض خبزة واحدة. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: بلى. قال:
بالام ونون. قال: وما هما؟ قال: ثور ونون يأكل من زيادة كبدهما سبعون ألفا» .
هكذا عند البخاري سبعون بتقديم السين.
وفي صحيح مسلم في كتاب الظهار من حديث ثوبان. قال: «كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة، كاد يصدع منها فقال لم تدفعني؟ فقلت لم لا تقول رسول الله فقال اليهودي: إنا ندعوه بإسمه الذي سماه به أهله. فقال
(1/162)

رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن إسمي محمد الذي سماني به أهلي. فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينفعك شيء إن حدثتك؟ فقال: أسمع بأذني فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه وقال: سل. فقال اليهودي أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم في «ظلمة دون «1» الحشر» . فقال: فمن أول الناس إجازة يوم القيامة؟
قال صلى الله عليه وسلم: «فقراء المهاجريين» . قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: «زيادة كبد النون» . قال: فما غذاؤهم على أثرها؟ قال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها» .
قال: فما شرابهم عليه؟ قال: «من عين فيها تسمى سلسبيلا» . قال: صدقت. وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: «أينفعك إن حدثتك؟ قال:
اسمع بأذني. قال: سل. قال: أسألك عن الولد؟ قال صلى الله عليه وسلم: «ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة، كان ذكرا بإذن الله تعالى، وإذا علا مني المرأة مني الرجل، كان أنثى بإذن الله تعالى «2» » . قال: صدقت إنك لنبي، ثم انصرف. فلما ذهب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه، حتى أتاني الله عزّ وجلّ» .
وفي صحيح البخاري من حديث أنس قريب من هذا، وأن اليهودي هو عبد الله بن «3» سلام رضي الله عنه هكذا جاء الحديث مفسرا.
أما النون فهو الحوت وبه سمي يونس عليه السلام ذا النون. وأما بالام، فقد تكلفوا له شرحا غير مرضي، ولعل اللفظة عبرانية. كذا قال في النهاية، وقال الخطابي: لعل اليهودي أراد التعمية فقطع الهجاء، وقدّم أحد الحرفين على الآخر وهي لام ألف وياء، يريد لأي بوزن لعي، وهو الثور الوحشي فصحف الراوي الياء بالباء، قال: وهذا أقرب ما يقع لي فيه. اهـ والصحيح أنها لفظة عبرانية. وأما زيادة كبد الحوت، فهي القطعة المنفردة المتعلقة بها، وهي أطيبها وهؤلاء السبعون ألفا يحتمل أنهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ويحتمل أنه عبر بالسبعين ألفا عن العدد الكثير من غير إرادة حصر ورواه النسائي في عشرة النساء أيضا.
البال: سمكة تكون في البحر الأعظم، يبلغ طولها خمسين ذراعا يقال لها العنبر، وليست بعربية قال الجواليقي: كأنها عربت. وقال في الصحاح: البال الحوت العظيم، من حيتان البحر ليس بعربي. وقال القزويني: البال سمكة طولها خمسمائة ذراع أو أكثر، تظهر في بعض الأوقات، طرف جناحها كالشراع العظيم وأهل المراكب يخافون منها أعظم خوف، فإذا أحسوا بها ضربوا بالطبول لتنفر عنهم، فإذا بغت على حيوان البحر بعث الله سمكة نحو الذراع تلصق بأذنها، فلا خلاص للبال منها، فتطلب قعر البحر وتضرب الأرض برأسها حتى تموت، وتطفو على الماء كالجبل العظيم. ولها أناس من الزنج يرصدونها، فإذا وجدوها طرحوا فيها الكلاليب وجذبوها إلى الساحل، وشقوا بطنها واستخرجوا العنبر منها وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب العين المهملة ذكر هذا الحيوان وما يتعلق بالعنبر من الأحكام.
(1/163)

الببر: بباءين موحدتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة ضرب من السباع يعادي الأسد من العدو لا من العدوان. ويقال له: البريد، ويقال له الفرانق بضم الفاء وكسر النون. وهو هندي معرب شبيه بابن آوى، ويقال إنه متولد من الزبرقان واللبوة ومن طبعه أن الأنثى منه تلقح من الريح، ولهذا كان عدوه كالريح ولا يقدر أحد على صيده، وإنما تسرق جراؤه فتجعل في مثل القوارير من زجاج، ويركض بها على الخيول السابقة، فإذا أدركهم أبوها ألقوا إليه قارورة منها فيشتغل بالنظر إليها، والحيلة في إخراج ولده منها فيفوته بقيتها فيربى حينئذ، ويألف الصبيان ويأنس بالأنس، وهو بألف شجرة الكافور كثيرا فإذا كان عندها لم يستطع أحد أن يأخذ منها شيئا لكنه يفارقها في زمن معلوم، فإذا علم أهل تلك النواحي بذلك أتوا إلى الشجرة وأخذوا منها الكافور.
الحكم:
يحرم أكله لأنه يتقوى بنابه.
الخواص:
من أصابه سرسام أو برسام، يطلي رأسه بمرارة الببر مضروبة بالماء، ينفعه نفعا بينا. وإذا تحملتها المرأة لا تحمل أبدا وإذا كانت حاملا أسقطت، وكعبه يشد على الزند فلا يتعب حامله أبدا، ولو سار كل يوم عشرين فرسخا. وجلده يجلس عليه من به حب القرع يزول عنه.
وذكر في ربيع الأبرار أن الببر على صورة الأسد الكبير وهو أبيض يلمع بصفرة وخطوط سود وقال ارسطو: الببر سبع مهيب يكون بأرض الحبشة خاصة لا بغيرها.
الببغاء
: بثلاث باآت موحدات أولاهنّ وثالثتهنّ مفتوحتان والثانية ساكنة وبالغين المعجمة وهي هذا الطائر الأخضر المسمي بالدرة، بدال مهملة مضمومة، قاله في العباب وضبطها ابن السمعاني «1» في الأنساب بباءين بفتح الأولى وبإسكان الثانية. وقال: لقب بها أبو الفرج «2» الشاعر لفصاحته، وقال القضاعي: للثغة كانت في لسانه، وهي في قدر الحمام يتخذها الناس للانتفاع بصوتها، كما يتخذون الطاووس للانتفاع بصوته ولونه. ومن الببغاء، نوع أبيض وقد أهدي لمعز «3» الدولة بن بويه درة بيضاء اللون، سوداء المنقار والرجلين على رأسها ذؤابة فستقية، وجميع أنواعها معدوم سوى الأخضر فهو الموجود الآن.
وهو حيوان دمث الخلق، ثاقب الفهم، له قوة على حكاية الأصوات وقبول التلقين، يتخذه الملوك والأكابر لينم بما يسمع من الأخبار، ويتناول مأكوله برجله، كما يتناول الإنسان الشيء بيده. والناس يحتالون في تعليمه بطرق عدة: قال أرسطاطاليس: إذا أردت تعليم الببغاء الكلام، فخذ مرآة واجعلها أمامها، فترى صورتها أي صورة نفسها، ثم تكلم من ظاهر المرآة وتعاودها،
(1/164)

فإنها تعيد الكلام. وقال ابن الفقيه «1» : رأيت بجزيرة رانج حيوانات غريبة الأشكال ورأيت فيها صنفا من الببغاء أحمر وأبيض وأصفر، يعيد الكلام بأي لغة كانت قال أبو إسحاق الصابي «2» في وصفها:
أنعتها صبيحة مليحة ... ناطقة باللغة الفصيحة
عدت من الأطيار واللسان ... يوهمني بأنها إنسان
تنهي إلى صاحبها الاخبارا ... وتكشف الاسرار والاستارا
بكماء إلا أنها سميعه ... تعيد ما تسمعه طبيعة
زارتك من بلادها البعيدة ... واستوطنت عندك كالقعيدة
ضيف قراه الجوز والارز ... والضيف في اتيانه يعز
تراه في منقارها الخلوقي ... كلؤلؤ يلقط بالعقيق
تنظر من عينين كالفصين ... في النور والظلمة بصاصين
تميس في حلتها الخضراء ... مثل الفتاة الغادة العذراء
خريدة خدورها الأقفاص ... ليس لها من حبسها خلاص
نحبسها وما لها من ذنب ... وإنما ذاك لفرط الحب
تلك التي قلبي بها مشغوف ... كنيت عنها واسمها معروف
يشرك فيها شاعر الزمان ... الكاتب المعروف بالبيان
ذلك عبد الواحد بن نصر ... تقيه نفسي حادثات الدهر
فأجابه أبو الفرج بقوله:
من منصفي من محكم الكتاب ... شمس العلوم قمر الآداب
أمسى لأصناف العلوم محرزا ... وسام أن يلحق لما برزا
وهل يجارى السابق المقصر ... أو هل يبارى المدرك المغرر
إلى أن قال في وصفها:
ذات شغا تحسبه ياقوتا ... لا ترتضي غير الأرزقوتا
كأنما الحبة في منقارها ... حبابة تطفو على عقارها
وقال «3» القاضي ابن خلكان في ترجمة الفضل بن الربيع: إن أحمد بن يوسف الكاتب كتب إلى بعض إخوانه وقد ماتت له ببغاء، وله أخ كثير التخلف يسمى عبد الحميد:
أنت تبقى ونحن طرا فداكا ... أحسن الله ذو الجلال عزاكا
(1/165)

فلقد جل خطب دهر أتاكا ... بمقادير أتلفت ببغاكا
عجبا للمنون كيف أتتها ... وتخطت عبد الحميد أخاكا
كان عبد الحميد أجمل للمو ... ت من الببغا وأولى بذاكا «1»
شملتنا المصيبتان جميعا ... فقدنا هذه ورؤية ذاكا
قال الزمخشري: إن الببغاء تقول: ويل لمن كانت الدنيا همه.
الحكم:
يحرم أكلها على الأصح في الرافعي، ونقله في البحر عن الصيمري «2» ، وأقره وعلل ذلك بخبث لحمها، وقيل: حلال لأنها تأكل من الطيبات، وليست من ذوات السموم ولا من ذوات المخلب، ولا أمر بقتلها ولا نهي عنه. وقطع المتولي بجواز استئجارها للأنس بصوتها.
وحكى البغوي في ذلك وجهين. وكذا كل ما يستأنس بصوته كالعندليب وغيره.
الخواص:
من أكل لسان الببغاء، صار فصيحا جريئا في الكلام. ومرارتها تثقل اللسان أكلا. ودمها يجفف ويسحق وينثر بين الصديقين، تظهر بينهما العداوة. وذرقها بخلط بماء الحصرم، ينفع من الظلمة والرمد اكتحالا.
التعبير:
الببغاء في المنام رجل نحس كذاب. وقيل رجل فيلسوف، وفرخه ولد فيلسوف وقيل: وهي جارية أو غلام يتيم.
البج:
من طير الماء وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الجنس أجمع في باب الطاء المهملة.
البجع:
الحوصل. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الحاء وقد أحسن الشاعر حيث قال فيه ملغزا:
ما طائر في قلبه ... يلوح للناس عجب
منقاره في بطنه ... والعين منه في الذنب
قال التميمي «3» في منافع القرآن: من كتب على جلد حوصلة البجع بماء ورد أو بماء مطر قوله «4» تعالى: وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ
ثم جعل ذلك على صدر النائم من رجل أو امرأة فإنه يخبر بكل ما عمل.
البخزج:
بالباء الموحدة والزاي والجيم ولد البقرة الوحشية.
البجاق:
كغراب الذئب الذكر.
(1/166)

البخت:
من الإبل معرب. وبعضهم يقول: هو عربي الواحد الذكر بختي، والأنثى بختية، وجمعه بخاتي، غير مصروف لأنه بزنة جمع الجمع، ولك أن تخفف الياء فتقول البخاتي.
وكذا كل ما أشبهها مما واحده مشدد يجوز في جمعه التشديد والتخفيف: كالعواري والسواري والعلالي والأواني والأثافي والكراسي والمهاري وشبهها. وممن ذكر هذه القاعدة ابن السكيت «1» في إصلاحه والجوهري «2» في صحاحه، قال ابن السكيت: والأثفية بثاء مثلثة مفرد الأثافي وهي الأعمدة الثلاثة تتخذ لوضع القدر عليها حال الطبخ ومن كلام العرب رماه الله بثالثة الأثافي يعني الجبل لأن الإنسان إذا لم يجد إلا إثنتين جعل الثالثة الجبل، فعبروا بثالثة الأثافي عن الجبل.
والبخاتي جمال طوال الأعناق.
روى أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد من حديث جنادة بن أبي أمية قال: كنا مع بسر بن أرطاة في البحر فأتي بسارق قد سرق بختية، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «3» : «لا تقطع الأيدي في السفر ولولا ذلك لقطعته» .
وفي صحيح مسلم من حديث زهير عن جرير بن سهل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «4» في صفة النساء، اللائي يأتين في آخر الزمان: «رؤوسهن كأسنمة البخت لا يجدن ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام» .
وفي المستدرك، من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر»
، حتى يأتوا أبواب مساجدهم نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات» .
وفي الكامل في ترجمة فضل بن مختار البصري عن عبيد الله بن موهب عن عصمة بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة طيرا أمثال البخاتي» . قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه:
إنها لناعمة يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها يا أبا بكر «6» » .
البدنة:
جمعها. بدن بضم الدال وإسكانها جاء القرآن وممن ذكر الضم الجوهري رحمه الله.
وهو ما أشعر من ناقة أو بقرة. سميت بذلك لأنها تبدن أي تسمن. وقال النووي: هي البعير ذكرا كان أو أنثى وشرطها أن تكون في سن الأضحية عند الفقهاء وعند اللغويين، أو أكثرهم، تطلق على الإبل والبقر. وقال الأزهري: تكون في الإبل والبقر والغنم، سميت بذلك لعظم أبدانها ويشهد لاختصاصها بالإبل، ما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
(1/167)

قال «1» : «من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة» .
وفي مسند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، «في الساعة الرابعة بطة، وفي الخامسة دجاجة، وفي السادسة بيضة» .
ووصف الكبش بالقرن لأنه أكمل وأحسن صورة وجمع البدنة بدن. قال تعالى:
وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
«2» أي من أعلام دين الله، لكم فيها خير. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هي نفع في الدنيا وأجر في الآخرة.
حج صفوان بن سليم وليس معه إلا سبعة دنانير، فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال:
إني سمعت الله تعالى يقول: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ
وأول من أهدى البدن إلى البيت الحرام الياس بن مضر، وهو أول من وضع مقام إبراهيم عليه السلام للناس بعد غرق البيت وانهدامه، زمن نوح عليه السلام. فكان الياس أوّل من ظفر به فوضعه في زاوية البيت ولم تزل العرب تعظم الياس بن مضر إلى أن مات. ولما مات أسفت عليه زوجته خندف أسفا شديدا وحرمت الرجال، والطيب ونذرت أن لا تقيم ببلدة مات فيها ولا يأويها بيت، فلم تزل سائحة حتى هلكت حزنا. وكانت وفاته يوم الخميس، فنذرت أن تبكيه كلما طلعت شمس يوم الخميس حتى تغيب الشمس. قال السهيلي: ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«لا تسبوا الياس فإنه كان مؤمنا» . وذكر أن الياس كان يسمع من صلبه تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بالحج.
وروى مسلم عن موسى بن سلمة الهذلي قال: انطلقت أنا وسنان بن سلمة معتمرين، قال وانطلق سنان ومعه بدنة يسوقها فأرجفت عليه بالطريق فغمني شأنها إذ هي أبدعت أي كلّت، فأتينا إلى ابن عباس نسأله فقال: على الخبير سقطت بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بست عشرة بدنة، مع رجل وأمره فيها فقال: يا رسول الله وما أصنع بما أبدع على منها قال «3» صلى الله عليه وسلم: «انحرها ثم اصبغ نعلها في دمها ثم اجعله على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك» . وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الهاء الكلام على الهدى.
وروى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال له «4» : «اركبها قال: يا رسول الله إنها بدنة قال: اركبها،
(1/168)

قال: إنها بدنة، قال: اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة وفي رواية ويلك اركبها ويلك اركبها» .
وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال إذا أردت أن تنحر البدنة فأقمها، ثم قل الله أكبر أللهم منك وإليك ثم سم وانحرها وكذلك في الأضحية.
وفي الصحيحين «1» عن زياد بن جبير قال رأيت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها فقال: ابعثها قائمة مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن قرظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «2» : «أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القرو قرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس بدنات أو ست ينحرهن فطفقن يزدلفن إليه أيتهن يبدأ بها» .
وفي ركوب البدنة مذاهب للعلماء: فذهب الشافعي إلى أنه يركبها إذا احتاج ولا يركبها من غير حاجة وإنما يركبها بالمعروف من غير اضرار بها. وبهذا قال ابن المبارك وابن المنذر وجماعة.
وقال مالك وأحمد: له ركوبها من غير حاجة. وبه قال عروة بن الزبير وإسحاق بن راهويه. وقال أبو حنيفة: لا يركبها إلا أن لا يجد منه بدا. وحكى القاضي عن بعض العلماء أنه يجب ركوبها لظاهر الأمر ودليل الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم «أهدي ولم يركب هديه، ولم يأمر الناس بركوب الهدايا» . وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ويلك» هذه الكلمة أصلها لمن وقع في هلكة فقال له ذلك لأنه كان محتاجا قد وقع في جهد وتعب وقيل: هذه الكلمة تجري على اللسان وتستعمل من غير قصد إلى ما وضعت له أولا وهي كقولهم لا أم له، لا أب له، تربت يداه، قاتله الله عقري حلقي وما أشبه ذلك.
البذج:
بالذال المعجمة من أولاد الضأن بمنزلة العتود من أولاد المعز وجمعه بدجان قال الشاعر:
قد هلكت جارتنا من الهمج ... وإن تجع تأكل عتودا أو بذج
قال الجوهري ومراده بالهمج، سوء التدبير في المعاش. وفي الحديث «يخرج رجل من النار كأنه بذج ترعد أوصاله» وروى ابن المبارك عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن وقتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «3» : قال: «يجاء برجل يوم القيامة كأنه بذج من الذل، فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول له: أعطيتك وخوّلتك وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول:
رب جمعته ونميته وتركته أكثر ما كان فارجعني آتك به، فيقول الله تعالى: أرني ما قدمت فإذا هو عبد لم يقدم خيرا فيمضي به إلى النار» . خرجه ابن العربي المالكي في سراج المريدين. وقال:
حديث صحيح من مراسيل الحسن. قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، رواه الترمذي عن إسماعيل بن مسلم المكي، وهو رواه عن الحسن، والبذج بباء موحدة مفتوحة وذال معجمة ساكنة ثم جيم من أولاد الضأن شبه به هذا لما يأتي به من الذل والحقارة انتهى.
(1/169)

وفي مسند أبي يعلى الموصلي، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بابن آدم يوم القيامة، كأنه بذج من الذل فيقول الله تعالى: أنا خير قسيم يا ابن آدم انظر إلى عملك الذي عملت لي فأنا أجزيك به، وانظر إلى عملك الذي عملت لغيري فإن جزاءك على الذي عملت له» . ورواه «1» الحافظ أبو نعيم في ترجمة الربيع بن صبيح مرفوعا.
والبذج كلمة فارسية تكلمت بها العرب وعن بعض الأعراب أنه وجد متعلقا باستار الكعبة وهو يقول أللهم أمتني ميتة أبي خارجة فقيل له: وكيف مات أبو خارجة؟ قال: أكل بذجا وشرب مشعلا ونام شامسا فلقي الله تعالى شبعان ريان دفآن. المشعل أناء ينبذ فيه.
الأمثال:
قالوا «2» : «فلان أذل من بذج» لأنه أضعف ما يكون من الحملان.
البراق:
الدابة التي ركبها سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء وركبها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. مشتقة من البرق الذي يلمع في الغيم. كما روي في حديث «3» المرور على الصراط.
«فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح العاصف، ومنهم من يمر كالفرس الجواد» .
وفي الصحيح أنه دابة دون البغل وفوق الحمار، أبيض يضع خطوه عند أقصى طرفه، ويؤخذ من هذا أنه أخذ من الأرض إلى السماء في خطوة وإلى السموات السبع في سبع خطوات.
وبه يرد على من استبعد من المتكلمين احضار عرش بلقيس في لحظة واحدة، وقال: إنه أعدم ثم أوجد وعلله بأن المسافة البعيدة لا يمكن قطعها في هذه اللحظة، وهذا أوضح دليل في الرد عليه.
قال السهيلي: ومما يسأل عنه شماس البراق حين ركبه صلى الله عليه وسلم فقال له جبريل عليه السلام: أما تستحي يا براق فما ركبك عبد قبل محمد أكرم على الله منه؟ قال ابن بطال: إنما كان ذلك لبعد عهده بالأنبياء، وطول الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. ونقل النووي عن الزبيدي في مختصر العين وعن صاحب التحرير، أنها دابة كان الأنبياء عليهم السلام يركبونها. ثم قال: وهذا الذي قالاه من اشتراك جميع الأنبياء فيها يحتاج إلى نقل صحيح. وقال صاحب المقتفي: والحكمة في كونه على هيئة بغل ولم يكن على هيئة فرس، التنبيه على أن الركوب كان في سلم وأمن لا في حرب وخوف، أو لإظهار الآية في الإسراع العجيب في دابة لا يوصف شكلها بالإسراع فإن قيل: ركب صلى الله عليه وسلم البغلة في الحرب، فالجواب أن ذلك كان لتحقيق نبوّته وشجاعته صلى الله عليه وسلم.
قال: وكان البراق أبيض وكانت بغلته شهباء، وهي التي أكثرها بياض إشارة إلى تخصيصه بأشرف الألوان قال: واختلف الناس هل ركب جبريل عليه السلام معه صلى الله عليه وسلم؟ فقيل: نعم، كان رديفه صلى الله عليه وسلم. قال: والظاهر عندي أنه لم يركب معه لأنه صلى الله عليه وسلم هو المخصوص بشرف الإسراء، لكن روي أن إبراهيم عليه السلام كان يزور ولده إسماعيل على البراق وأنه ركبه هو وإسماعيل وهاجر، حين أتى بهما البيت الحرام. وفي أواخر المستدرك عن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1/170)

«أتيت بالبراق فركبت خلف جبريل «1» » . إلى أن قال: تفرد به أبو حمزة ميمون الأعور، وقد اختلفوا فيه، وفيه في ذكر مناقب فاطمة الزهراء رضي الله عنها عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تبعث الأنبياء عليهم السلام يوم القيامة على الدواب ليوافوا بالمؤمنين من قومهم المحشر، ويبعث صالح على ناقته، وأبعث على البراق خطوها عند أقصى طرفها، وتبعث فاطمة أمامي» وقال أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصفهاني، في كتاب الحجة إلى بيان المحجة: إن قيل لم عرج البراق به صلى الله عليه وسلم إلى السماء ولم ينزل عند منصرفه عليه؟ فالجواب أنه عرج به عليه إظهارا لكرامته، ولم ينزل عليه إظهارا لقدرة الله تعالى. وقيل: دل بالصعود على النزول به عليه كقوله «2» تعالى:
سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
يعني: والبرد وكقوله: بيده الخير أي والشر. وقال حذيفة: ما زايل ظهر البراق حتى رجع.
ثم إن البراق يوم القيامة يركبه النبي صلى الله عليه وسلم دون سائر الأنبياء يدل لذلك ما رواه الحاكم قريبا وما رواه أبو الربيع بن سبع السبتي في شفاء الصدور عن سويد بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حوضي أشرب منه يوم القيامة أنا ومن استسقاني من الأنبياء عليهم السلام، ويبعث الله تعالى لصالح ناقته يحلبها ويشرب هو والذين آمنوا معه، ثم يركبها حتى يوافي بها الموقف ولها رغاء» فقال له رجل يا رسول الله وأنت يومئذ على العضباء؟ قال صلى الله عليه وسلم: «تلك تحشر عليها ابنتي فاطمة، وأنا أحشر على البراق، أخص به دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» .
واختلف الناس في تاريخ الإسراء، فقال ابن الاثير: الصحيح عندي إنه كان ليلة الإثنين لسبع وعشرين من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، وبهذا جزم شيخ الإسلام محي الدين النووي في شرح مسلم وجزم في فتاويه في كتاب الصلاة بأنه كان في شهر ربيع الآخر. وفي سير الروضة أنه كان في رجب وإنما كان ليلا لتظهر الخصوصية بين جليس الملك نهار أو جليسه ليلا.
قال أهل التاريخ: ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وأقام في بني سعد خمس سنين ثم توفيت أمه بالأبواء، وهو ابن ست سنين، وكفله جده عبد المطلب. ثم توفي وهو ابن ثمان سنين فكفله عمه أبو طالب، وخرج معه إلى الشام وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ثم خرج صلى الله عليه وسلم في تجارة لخديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وتزوجها في تلك السنة وبنت قريش الكعبة، ورضيت بحكمه فيها وهو ابن خمس وثلاثين سنة وبعث صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة. وتوفي أبو طالب وهو ابن تسع وأربعين سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما. وتوفيت خديجة رضي الله تعالى عنها بعد أبي طالب بثلاثة أيام، ثم خرج صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة رضي الله عنه بعد ثلاثة أشهر من موت خديجة رضي الله عنها، فأقام به شهرا ثم رجع إلى مكة في جوار المطعم بن عدي. فلما أتت له خمسون سنة قدم عليه جن نصيبين «3» فأسلموا. فلما أتت له إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر أسرى به صلى الله عليه وسلم.
(1/171)

وهاجر إلى المدينة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة وهي السنة الثالثة عشرة من بعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل هاجر في الرابعة عشرة من بعثته صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر الصديق ومولاه عامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط. وهذه السنة عليها مبني التاريخ الإسلامي وهي سنة أحد.
وفيها آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصحابة رضي الله عنهم واتخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه أخا. وفيها أتمت صلاة الحضر، وقصرت صلاة السفر، وفيها تزوج علي فاطمة رضي الله تعالى عنهما وفي سنة اثنتين كانت غزوة ودان وهو إسم مكان، وغزوة بواط وهي من ناحية رضوى، وغزوة العشيرة، وغزوة بدر الأولى وكانت في جمادى الآخرة، وغزوة بدر الكبرى وهي التي قتل فيها صناديد قريش، وأعز الله تعالى بها الدين، وكانت يوم الجمعة ثالث عشر رمضان، وغزوة بني سليم، وكانت في ذي الحجة، خرج صلى الله عليه وسلم يريد أبا سفيان فلم يلفه، وفي سنة ثلاث كانت غزوة بني غطفان وغزوة نجران، وغزوة قينقاع وغزوة أحد وغزوة حمراء الأسد. وفي سنة أربع كانت غزوة بني النضير وغزوة ذات الرقاع وفي سنة خمس كانت غزوة دومة الجندل وغزوة الخندق وغزوة بني قريظة، وفي سنة ست كانت غزوة بني لحيان وغزوة بني المصطلق، وفي سنة سبع اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وغزا غزوة خبيبر، وفيها كانت قصة فدك وهي مشهورة وكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة.
وفي سنة ثمان كانت غزوة مؤتة وفتح مكة المشرفة، وغزوة حنين وغزوة الطائف، وقسمة أموال هوازن. وفي سنة تسع كانت غزوة تبوك، وفي سنة عشر كانت حجة الوداع، ونحر فيها بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بدنة، وأعتق ثلاثا وستين رقبة هي عدد سني عمره. وفي سنة إحدى عشرة كانت وفاته صلى الله عليه وسلم، وكان ابتداء الوجع في مستهل شهر ربيع الأول وتوفي في الثاني عشر منه.
وعاش صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين سنة وكانت مدة مقامه في المدينة عشر سنين، وقد تقدم ذكر ذلك في باب الهمزة في الكلام على الاوز. وكان أولاده صلى الله عليه وسلم كلهم من خديجة رضي الله تعالى عنها، إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية وهم: الطيب والطاهر والقاسم وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم وإبراهيم سلام الله ورضوانه عليهم أجمعين. فأما الذكور فماتوا كلهم أطفالا. ولم يتزوج صلى الله عليه وسلم في حياة خديجة غيرها، فلما ماتت تزوج سودة بنت زمعة رضي الله عنها وعائشة رضي الله تعالى عنها.
ولم يتزوج صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها وماتت رضي الله تعالى عنها في أيام معاوية رضي الله تعالى عنه، سنة ثمان وخمسين عن سبع وستين سنة. وتزوج صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما سنة ثلاث وتوفيت في أيام عثمان رضي الله تعالى عنه. وتزوج صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة وتوفيت في حياته صلى الله عليه وسلم لم يمت عنده من نسائه غيرها، وغير خديجة رضي الله تعالى عنهما. وتزوج صلى الله عليه وسلم أم سلمة رضي الله تعالى عنها سنة أربع، وأمها عاتكة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفيت سنة تسع وخمسين في أيام معاوية أيضا رضي الله تعالى عنده، وقيل توفيت سنة إحدى وستين في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين رضي الله تعالى عنه. وتزوج صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش في سنة خمس وتوفيت في سنة عشرين في أيام عمر رضي الله عنهما، وهي أول أزواجه صلى الله عليه وسلم لحوقا به. وتزوج أم حبيبة وإسمها رملة بنت أبي سفيان وتوفيت سنة أربع وأربعين في أيام أخيها معاوية رضي الله تعالى
(1/172)

عنهما. وتزوج جويرية بنت الحارث المصطلقية، وتوفيت سنة ست وخمسين في أيام معاوية. وتزوج ميمونة بنت الحارث في سنة سبع، وتوفيت سنة أربعين ومات عليه الصلاة والسلام عن تسع.
البرذون:
بكسر الباء وبالذال المعجمة، والجمع براذين والأنثى برذونة وكنيته أبو الأخطل.
كني به لخطل أذنيه وهو استرخاؤهما، بخلاف أذن الفرس العربي، وهو الذي أبو أعجميان، والأعجمي من الناس الذي لا يفصح الكلام عجميا كان أو عربيا ألا تراهم قالوا زياد «1» الأعجم، لعجمة كانت في لسانه، وهو عربي قال صلى الله عليه وسلم: «صلاة النهار عجماء لإخفاء القراءة فيها» . لكن قال النووي إنه حديث باطل ويطلق العجمي والأعجمي على من ليس من أهل الكلام، قال صلى الله عليه وسلم: «العجماء جرحها جبار» وهي «2» الدابة المنفلتة. وإلا فالإجماع على تضمين السائق والقائد. وقال صاحب منطق الطيران: البرذون يقول كل يوم: أللهم إني أسألك قوت يوم بيوم.
وروى الحاكم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «كأني بالترك وقد أتتكم على براذين مجدّعة الآذان حتى تربطها بشط الفرات» . وروي أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه مر بمروان وهو يبني في داره بالمدينة، قال: فجلست إليه، والعمال يعملون فقلت ابنوا مشيدا وأملوا بعيدا وموتوا قريبا. فقال مروان إن أبا هريرة يحدث العمال فماذا تقول لهم يا أبا هريرة؟ قال: قلت ابنوا مشيدا وأملوا بعيدا وموتوا قريبا، يا معشر قريش ثلاث مرات اذكروا كيف كنتم أمس، وكيف أصبحتم اليوم تخدمون، أرقاؤكم فارس والروم، كلوا خبز السميذ واللحم السمين، لا يأكل بعضهم بعضا، ولا تكادموا تكادم البراذين، وكونوا اليوم صغارا تكونوا غدا كبارا، والله لا يرتفع رجل منكم في الدنيا درجة إلا وضعه الله يوم القيامة درجة وانشد السراج الوراق في مناهج الفكر في أوصاف الخيل المذمومة:
لصاحب الأحباس برذونة ... بعيدة العهد عن القرط
إذا رأت خيلا على مربط ... تقول سبحانك يا معطي
تمشي إلى خلف إذا ما مشت ... كأنما تكتب بالقبطي
قال الجاحظ: سألت بعض الأعراب أي الدواب آكل؟ قال: برذونة رغوث.
وفي أواخر الجزء الخامس من الغيلانيات، وفي المستدرك في كتاب اللباس عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أتي رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على برذون وعليه عمامة وقد أرخى طرفها
(1/173)

بين كتفيه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه؟ فقال: «هل رأيته» ؟ قلت نعم. قال «1» : «ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة» . وقال في الكامل، في حوادث سنة خمس عشرة. لما افتتح عمر رضي الله تعالى عنه بيت المقدس، وقدم إلى الشام أربع مرات: الأولى على فرس، والثانية على بعير، والثالثة رجع لأجل الطاعون، والرابعة على حمار، وكتب إلى امراء الأجناد أن يوافوه بالجابية «2» ، فركب فرسه فرأى به عرجا فنزل عنه، وأتى ببزدون فركبه، فجعل يتجلجل به أي يزهو في مشيته، فنزل عنه وصرف عنه وجهه، وقال: لا علّم الله من علّمك هذه الخيلاء. ثم ركب ناقته ولم يركب برذونا بعده ولا قبله أبدا.
وكان عمر رضي الله تعالى عنه لما أراد الخروج إلى الشام، استخلف على المدينة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فقال له علي: أنت تخرج بنفسك إلى هذا العدوّ الكلب؟ فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أبادر بالجهاد قبل موت العباس رضي الله تعالى عنه، إنكم إذا فقدتم العباس رضي الله تعالى عنه انتقض بكم الشر، كما ينتقض الحبل، فمات العباس رضي الله تعالى عنه لست سنين من خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه وانتقض بالناس الشر كما قال عمر رضي الله تعالى عنه.
وفي وفيات الأعيان في ترجمة «3» أبي الهذيل محمد بن الهذيل العلاف البصري شيخ البصريين في الاعتزال، قال: خرجت من البصرة على برذون أريد المأمون ببغداد، فسرت إلى دير هرقل، فإذا رجل مشدود في حائط الدير، فسلمت عليه فرد علي السلام، وحملق إلي وقال: أمعتزلي أنت؟
قلت: نعم. قال: وأمامي أنت؟ قلت: نعم. قال: أنت إذن أبو الهذيل العلاف! قلت: أنا ذاك. قال: فهل للنوم لذة؟ قلت: نعم. قال: ومتى يجدها صاحبها؟ فقلت لقلبي: إن قلت مع النوم أخطأت، فإنه ذاهب العقل، وإن قلت قبل النوم أخطأت أيضا، لأنك أحلت على عدم، وإن قلت بعد النوم غلطت، لأنه شيء قد انقضى، قال: فتحير فهمي، وجال في الخاطر وهمي، وقلت له: قل أنت حتى أسمع منك وأنقل عنك؟ فقال: بشرط أن تسأل امرأة صاحب هذا الدير أن لا تضر بني يومي هذا. فسألتها فاجابت. فقال: إعلم أن النعاس داء يحل بالبدن ودواؤه النوم. فاستحسنت ذلك منه، وهممت بالإنصراف، فقال: يا أبا الهذيل قف وإسمع مسألة عظمى، قال: ما تقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم أمين هو في السماء والأرض؟ قلت: نعم. قال: أتحب أن يكون الخلاف في أمته أم الوفاق؟ قلت: بل الوفاق والاتفاق: فقال: قال تعالى «4» : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
فما باله صلى الله عليه وسلم حين مرض مرض موته ما قال: هذا خليفتكم من بعدي؟ وقد نص صلى الله عليه وسلم على الوصية وحث عليها وحرض. قال أبو الهذيل: فلم أحر جوابا. وسألته الجواب فتنكرت حاله، فقتلت عنان برنوني وانصرفت عنه. فوصلت إلى المأمون فاستخبرني عن طريقي،
(1/174)

فأخبرته بما جرى، فأمر بإحضاره على حالته التي هو عليها، فأحضر فقال له المأمون، أعد السؤال الذي سألت عنه أبا الهذيل؟ فاعاده، وكان في المجلس جماعة من العلماء الأفاضل فما منهم من أجاب، فقال له المأمون: ما الجواب؟ فقال: سبحان الله أكون سائلا ومجيبا في حالة واحدة؟ فقال المأمون: وما عليك أن تفيدنا؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، إعلم أن الله عز وجل حكم في سالف أزله، وقضى وقدر في سابق علمه، وأطلع نبيه صلى الله عليه وسلم من ذلك على حكمه، فلم يكن له أن يتعداه ولا أن يتخطاه، فترك الأمر على ما قدره الله تعالى وقضاه إذ لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، فاستحسن المأمون ذلك، وعرض له شغل فقام داخلا إلى داره فقال له المجنون: يا ابن اللخناء أخذت منفوعنا وفررت منا! فعاد المأمون وقال له: ما تشتهي؟ فقال: ألف دينار. وقال: وما تصنع بها؟ قال: آكل بها كسبا وتمرا، فأمر له بها وحمله إلى أهله وهو على حاله، وتوفي أبو الهذيل العلاف سنة سبع وعشرين ومائتين وذكروا أن السّنة في الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب، وهو غشية ثقيلة تقع على القلب، تمنعه المعرفة بالأشياء. وقد نفى الله ذلك عن نفسه، بقوله «1» تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
لأنه آفة، وهو سبحانه وتعالى منزه عن الآفات. ولأنه تغير ولا يجوز عليه تبارك وتعالى.
وذكر «2» الإمام أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الأذكياء، عن خالد بن صفوان التيمي، أنه دخل على أبي العباس السفاح، وليس عنده أحد فقال: يا أمير المؤمنين إني والله ما زلت منذ قلدك الله الخلافة، أطلب أن أصير إلى مثل هذا الموقف في الخلوة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإمساك الباب، حتى أفرغ فليفعل فأمر الحاجب بذلك، فقال: يا أمير المؤمنين إني فكرت في أمرك، وأجلت الفكر فيك، فلم أر أحدا له قدرة واتساع على الاستمتاع بالنساء مثلك، ولا أضيق فيهن عيشا منك، إنك ملكت نفسك امرأة من نساء العالمين، فاقتصرت عليها، فإن مرضت مرضت، وإن غابت غبت، وإن عركت عركت، وحرمت نفسك يا أمير المؤمنين التلذذ باستطراق الجواري، ومعرفة اختلاف أحوالهن، والتلذذ بما يشتهى منهنّ، فإن منهنّ الطويلة التي تشتهى لجسمها، والبيضاء التي تحب لرؤيتها، والسمراء اللعساء، والصفراء الذهبية، ومولدات المدينة، والطائف واليمامة، ذوات الألسن العذبة والجواب الحاضر، وبنات سائر الملوك، وما يشتهى من نضارتهنّ ونظافتهنّ. وتخلل خالد بلسانه فأطنب في صفات ضروب الجواري وشوقه إليهن، فلما فرغ من كلامه قال له السفاح: ويحك ملأت مسامعي بما شغل خاطري، والله ما سلك مسامعي كلام أحسن من هذا، فأعد علي كلامك فقد وقع مني موقعا فأعاد إليه خالد كلامه بأحسن مما ابتدأه، ثم قال له انصرف فانصرف.
وبقي أبو العباس مفكرا فدخلت عليه أم سلمة زوجته، وكان قد حلف لها أن لا يتخذ عليها زوجة ولا سرية، ووفى لها بذلك، فلما رأته على تلك الحالة قالت له: إني لأنكرك يا أمير
(1/175)

المؤمنين، فهل حدث شيء تكرهه؟ أو أتاك خبرا رتعت له؟ قال لا فلم تزل حتى أخبرها بمقالة خالد، فقالت: وما قلت لابن الفاعلة؟ فقال لها: أينصحني وتشتمينه؟ فخرجت إلى مواليها وأمرتهم بضرب خالد.
قال خالد: فخرجت من الدار مسرورا بما ألقيت إلى أمير المؤمنين، ولم أشك في الصلة، فبينما أنا واقف، إذ أقبلوا يسألون عني فحققت أنه أمر لي بالجائزة، فقلت لهم: ها أناذا، فاستبق إلي أحدهم بخشبة فغمزت برذوني، فلحقني وضرب كفل البرذون، فركضت ففتهم، واستخفيت في منزلي أياما ووقع في قلبي أني أتيت من أم سلمة. فبينما أنا ذات يوم جالس في المجلس، فلم أشعر إلا بقوم قد هموا علي وقالوا: أجب أمير المؤمنين، فسبق إلى قلبي أنه الموت، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لم أر دم شيخ أضيع من دمي، فركبت إلى دار أمير المؤمنين فأصبته جالسا، ولحظت في المجلس بيتا عليه ستور رقاق، وسمعت حسا من خلف الستر فأجلسني، ثم قال:
ويحك يا خالد وصفت لأمير المؤمنين صفة فأعدها فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، أعلمتك أن العرب إنما اشتقت إسم الضرتين من الضرر، وإن أحدا يكون عنده من النساء أكثر من واحدة إلا كان في ضر وتنغيص! فقال السفاح: لم يكن هذا كلامك أولا. قلت: بلى يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الثلاث من النساء يدخلن على الرجل البؤوس، ويشبن الرؤوس! فقال السفاح: برئت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن كنت سمعت هذا منك أو مر في حديثك. قلت: بلى يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الأربع من النساء شر مجموع لصاحبهن، يشيبنه ويهرمنه. قال: والله ما سمعت هذا منك أولا. قلت: بلى والله. قال: أتكذبني؟ قلت: أفتقتلني؟ نعم والله يا أمير المؤمنين إن أبكار الإماء رجال، إلا أنهن ليس لهن خصى، قال خالد: فسمعت ضحكا من خلف الستر ثم قلت:
والله وأخبرتك أن عندك ريحانة قريش، وأنت تطمح بعينيك إلى النساء والجواري؟ فقيل لي من وراء الستر: صدقت والله يا عماه، بهذا حدثته، ولكنه غير حديثك، ونطق بما في خاطره عن لسانك، فقال له السفاح: قاتلك الله. قال خالد: فانسللت وخرجت. فبعثت إلي أم سلمة بعشرة آلاف درهم وبرذون وتخت ثياب.
الحكم
: هو كعموم الخيل.
الخواص:
إذا شربت امرأة دم برذون لم تحمل أبدا وزبله يخرج المشيمة والجنين الميت لخاصية فيه. وإذا جفف، وذر منه في الأنف حبس الرعاف. وإذا ذر على الجراحات حبس الدم.
التعبير:
البرذون في المنام خصومة، وقيل غلام، ويعبر أيضا برجل عجمي. والبراذين رجال أعاجم، ويعبر أيضا بامرأة فمن سرق برذونه طلق زوجته وضياعه فجور المرأة والله أعلم.
البرغش:
بفتح الباء والغين المعجمة نوع من البعوض. وأنشد الحافظ زكي الدين عبد العظيم لشيخه الحافظ أبي الحسن المقدسي شيخ والد الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ووفاته في مستهل شعبان سنة إحدى وعشرين وستمائة بالقاهرة:
ثلاث باآت بلينا بها ... البق والبرغوث والبرغش «1»
(1/176)

ثلاثة أوحش ما في الورى ... يا ليت شعري أيها أوحش «1»
البرغن:
بفتح الباء والغين المعجمة وضمهما ولد البقرة الوحشية.
البرغوث:
بالثاء المثلثة واحد البراغيث. وضم بائه أشهر من كسرها وقولهم: أكلوني البراغيث لغة طيىء، وهي لغة ثابتة خرجوا عليها قوله «2» تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
على أحد المذاهب وقوله «3» عز وجل خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ
ومثل: يتعاقبون فيكم ملائكة، وقوله في صحيح مسلم وغيره: «حتى احمرتا عيناه» واشباهه كثيرة معروفة. وقال سيبويه:
لغة أكلوني البراغيث ليست في القرآن قال والضمير في وأسروا النجوى فاعل والذين بدل منه.
وكنية البرغوث أبو طافر وأبو عدي وأبو الوثاب، ويقال له طامر بن طامر. وهو من الحيوان الذي له الوثب الشديد ومن لطف الله تعالى به، أنه يثب إلى ورائه ليرى من يصيده، لأنه لو وثب إلى أمامه، لكان ذلك أسرع إلى حمامه. وحكى الجاحظ «4» عن يحيى «5» البرمكي، أن البرغوث من الخلق الذي يعرض له الطيران، كما يعرض للنمل. وهو يطيل السفاد، ويبيض ويفرخ بعد أن يتولد، وهو ينشأ أولا من التراب، لا سيما في الأماكن المظلمة، وسلطانه في أواخر فصل الشتاء وأول فصل الربيع، وهو أحدب نزاء. ويقال: إنه على صورة الفيل له أنياب يعض بها وخرطوم يمص به.
وحكمه:
تحريم الأكل واستحباب قتله للحلال والمحرم، ولا يسب لما روى الإمام أحمد والبزار والبخاري في الأدب والطبراني في الدعوات عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يسب برغوثا. فقال: لا تسبه فإنه أيقظ نبيا لصلاة الفجر.
وفي معجم الطبراني عن أنس رضي الله تعالى عنه. قال: ذكرت البراغيث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنها توقظ للصلاة أي لصلاة الفجر» . وفيه عن علي رضي الله تعالى عنه قال: نزلنا منزلا فآذتنا البراغيث فسببناها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ «لا تسبوها فنعمت الدابة فإنها أيقظتكم لذكر الله تعالى» .
ويعفى عن قليل دمها في الثوب والبدن لعموم البلوى به وعسر الاحتراز. وقال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على التجاوز والعفو عن دم البراغيث، ما لم يتفاحش. قال أصحابنا: ولا خلاف في العفو عن قليله إلا إذا حصل بفعله كما إذا قتله في ثوبه أو بدنه ففي العفو عنه وجهان:
أصحهما العفو أيضا. وكذلك كل ما ليس له نفس سائلة كالبق والبعوض وشبههما. وسئل شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام عن ثوب فيه دم البراغيث هل يجوز للإنسان أن يلبسه رطبا ثم يصلي فيه؟ وإذا عرق فيه هل يصلي فيه؟ وهل يتنجس بذلك بدنه أو يعفي عنه؟ وهل يندب له غسله قبل وقته المعتاد؟ فأجاب نعم ينجس الثوب والبدن بذلك ولا يؤمر بغسله إلا في الأوقات المعتادة وغسله في غير ذلك ورع خارج عما كان السلف عليه. وكانوا أحرص على حفظ أديانهم من غيرهم. وأما الكثير من دم البراغيث فالأصح عند المحققين، كما قاله النووي، العفو عنه مطلقا
(1/177)

سواء انتشر بعرق أم لا.
فائدة:
مجربة صحيحة، للبراغيث وهو أن تأخذ قصبة فارسية، وتلطخها بلبن حمارة وشحم تيس وتغرسها في وسط الدار ثم تقول 25 مرة: أقسمت عليكم أيها البراغيث، إنكم جند من جنود الله من عهد عاد وثمود، وأقسمت عليكم بخالق الوجود، الفرد الصمد المعبود، أن تجتمعوا إلى هذا العود، ولكم علي المواثيق والعهود، إن لا أقتل منكم والدا ولا مولود، فإنها تجتمع فإذا اجتمعت إلى العود فخذها وارمها إلى مكان آخر ولا تقتل منها أحدا يبطل السر ثم تكنس البيت وتقول عليه 40 مرة وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ «1»
فإن فعل ذلك، لم يدخل البيت برغوث أبدا وهو سر لطيف مجرب.
فائدة:
سئل مالك رحمة الله عليه، عن البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها؟ فأطرق مليا، ثم قال ألها نفس؟ قالوا: نعم. قال: ملك الموت يقبض أرواحها. ثم قرأ قوله «2» تعالى:
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
الآية. ويدل له ما يأتي في البعوض.
الأمثال:
قالوا «3» : «أطمر من برغوث» . «وأطير من برغوث» .
وخاصيته:
اللسع والأذى. قال بعض «4» الأعراب يصف البراغيث وقد سكن مصر:
تطاول في الفسطاط ليلي ولم يكن ... بأرض الفضا ليل عليّ يطول
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث عليّ سبيل
وقد أجاد مجد الدين أبو الميمون الكناني حيث قال ملغزافي البراغيث:
ومعشر يستحل الناس قتلهم ... كما استحلوا دم الحجاج في الحرم
إذا سفكت دما منهم فما سفكت ... يداي من دمه المسفوك غير دمي
وقال أبو الحسن بن سكرة الهاشمي في مليح يعرف بابن برغوث:
بليت ولا أقول بمن لاني ... متى ما قلت من هو يعشقوه
حبيب قد نفى عني رقادي ... فإن أغمضت أيقظني أبوه
ومن محاسن شعره:
كأن خالا لاح في خده ... للعين في سلسلة من عذار
أسود يستخدم في جنة ... قيده مولاه خوف الفرار
وله «5» أيضا:
وما عشقي له وحشا لأني ... كرهت الحسن واخترت القبيحا
ولكن غرت أن أهوى مليحا ... وكل الناس يهوون المليحا
(1/178)

وله «1» أيضا:
تحمّل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم
فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى ... يفارقك من تهوى وأنفك راغم
وقيل: إن هذين البيتين للعباس بن الأحنف. توفي ابن سكرة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
فائدة:
روى ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل إن عامل افريقية كتب إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يشكو إليه الهوام والعقارب. فكتب إليه وما على أحدكم إذا أمسى وأصبح أن يقول وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ
الآية. قال: زرعة عبد الله أحد رواته. وينفع من البراغيث وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الهاء آية أخرى نظير هذه، ذكرها في فردوس الحكمة.
وفي كتاب الدعوات للمستغفري عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، وشرح المقامات للمسعودي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا آذاك البرغوث، فخذ قدحا من ماء، واقرأ عليه سبع مرات وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ
«2» الآية. ثم تقول إن كنتم مؤمنين فكفوا شركم وأذاكم عنا، ثم ترشه حول فراشك، فإنك تبيت آمنا من شرها. وقال حسين بن إسحاق: والحيلة في طرد البراغيث أن يؤخذ شيء من الكبريت والرواند، فيدخن بهما في البيت، فإنهن يهربن أو يمتن، أو يحفر في البيت حفيرة، ويلقي فيها ورق الدفلى، فإنهن يأوين إليها كلهن فيقعن فيها. وقال الرازي: يرش البيت بطبيخ الشونيز فإنه يقتل براغيثه. وقال غيره:
إذا نقع السذاب في ماء ورش في بيت ماتت براغيثه. وإذا بخر البيت بمشاق الكتان القديم وقشور النارنج لا تعود البراغيث إليه أبدا. وإذا دخل البرغوث في أذن الإنسان اليمنى، فليمسك بيده اليمنى خصية نفسه اليسرى، وإذا دخل في أذنه اليسرى فليسمك بيده اليسرى خصية نفسه اليمنى، فإنه يخرج سريعا.
التعبير:
البراغيث في المنام اعداء ضعاف طعانون، وتعبر أيضا بأوباش الناس، وقال جاماسب: من قرصه برغوث نال مالا.
البرا:
بضم الباء طائر يسمى السمويل وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب السين المهملة.
البرقانة:
الجرادة المتلونة وجمعها برقان قاله ابن سيده.
البرقش:
بكسر الباء الموحدة ثم راء مهملة فقاف فشين معجمة، طائر صغير مثل العصفور، ويسميه أهل الحجاز الشرشور وأما أبو براقش، فسيأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى. وبراقش إسم كلبة ضرب بها المثل فقالوا «على أهلها دلت براقش» . لأنها سمعت وقع حوافر الدواب، فنبحت فاستدلوا بنباحها على القبيلة فاستباحوهم.
(1/179)

البركة:
بالضم طائر من طيور الماء والجمع برك. قال زهير «1» يصف قطاة فرت من صقر إلى ماء جار على وجه الأرض:
حتى استغاثت بماء لا رشاء له ... بين الأباطح في حافاته البرك
قال ابن سيده: البركة من طير المساء، والجمع برك وأبراك وبركان. وعندي إن ابراكا وبركانا جمع الجمع، والبركة أيضا الضفدع، وقد فسر به بعضهم قول زهير في حافاته البرك انتهى كلامه. قال: والبرك: جماعة الإبل الباركة الواحد بارك والأنثى باركة قاله في العباب.
البشر:
الإنسان الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في ذلك سواء. وقد يثنى وفي التنزيل أنؤمن لبشرين مثلنا والجمع أبشر.
البط:
طائر الماء الواحدة بطة، وليست الهاء للتأنيث وإنما هي للواحد من الجنس يقال:
هذه بطة للذكر والأنثى جميعا مثل حمامة ودجاجة وليس بعربي محض والبط عند العرب صغاره وكباره أوز وحكمه، وخواصه كالاوز.
وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن رويس، قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في يوم نحر فقرب إلينا خزيرة، فقلنا: أصلحك الله لو قربت إلينا من هذا البط. يعنون الأوز فإن الله تعالى قد أكثر الخير. فقال: يا ابن رويس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «2» : «لا يحل لخليفة من مال الله تعالى إلا قصعتان: قصعة يأكلها، وقصعة يضعها بين أيدي الناس» .
وفي كامل ابن عدي في ترجمة علي بن زيد بن جدعان قال سفيان بن عيينة: سمعت علي بن زيد بن جدعان سنة سبع وستين يقول: مثل النساء إذا اجتمعن بمنزلة البط إذا صاحت واحدة صحن جميعا.
فرع:
قال الماوردي: البط الذي لا يطير من الاوز لا جزاء فيه إذا قتله المحرم، لأنه ليس بصيد، وقال غيره: الطيور المائية التي تغوص في الماء، وتخرج منه محرمة على المحرم، ومثلوه بالبط. أما الذي لا يعيش إلا في الماء كالسمك فلا يحرم صيده. ولا جزاء فيه والجراد من صيد البريجب الجزاء بقتله على الصحيح.
ومن الأمثال الساشرة بين العامة: «أو للبط تهددين بالشط» قلت: وقد أذكرني هذا ما حكاه القاضي أحمد بن خلكان رحمه الله في ترجمة «3» السلطان نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله، وكان بينه وبين أبي الحسن سنان بن سنان بن سليمان بن محمد الملقب براشد الدين صاحب القلاع الاسماعيلية مكاتبات، فكتب السلطان إليه كتابا يهدده فيه فكتب سنان جوابه أبياتا ورسالة وهما:
يا للرجال لأمر هال مفظعه ... ما مر قط على سمعي توقعه
(1/180)

يا ذا الذي بقراع السيف هدّدنا ... لا قام قائم جنبي حين تصرعه «1»
قام الحمام إلى البازي يهدده ... واستيقظت لأسود الغاب اضبعه «2»
أضحى يسد فم الأفعى بإصبعه ... يكفيه ما قد تلاقي منه إصبعه
وقفنا على تفصيله وجمله، وعلمنا ما تهددنا به من قوله وعمله، فيالله العجب من ذبابة تطن في إذن فيل، وبعوضه تعد في التماثيل، ولقد قالها قبلك آخرون، فدمرنا عليهم وما كان لهم ناصرون، أو للحق تدحضون، وللباطل تنصرون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وأما ما صدرت به من قولك من قطع راسي وقلعك لقلاعي من الجبال الرواسي، فتلك أماني كاذبة، وخيالات غير صائبة، فإن الجواهر لا تزول بالأعراض، كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض. كم بين قوي وضعيف، ودني وشريف؟ وإن عدنا إلى الظواهر والمحسوسات، وعدلنا عن البواطن والمعقولات، قلنا اسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله «3» «ما أوذي نبي ما أوذيت» .
وقد علمتم ما جرى على عترته، وأهل بيته وشيعته، والحال ما حال والأمر ما زال، ولله الحمد في الآخرة والأولى، إذ نحن مظلومون لا ظالمون، ومغصوبون لا غاصبون. وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، وقد علمتم ظاهر حالنا، وكيف قتال رجالنا، وما يتمنونه من الفوت، ويتقربون به إلى حياض الموت، قال: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
«4» .
وفي أمثال العامة السائرة: «أو للبط تهددين بالشط» .
فهي للبلايا جلبابا، وتدرع للرزايا أثوابا، فلأظهرن عليك منك، ولأفنينهم فيك عنك، ولا تكونن كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه، وإذا وقفت على كتابنا فكن لأمرنا بالمرصاد، ومن حالك على اقتصاد، واقرأ أوّل النحل وآخر صاد، ثم اختتمها بهذين البيتين «5» .
بنا نلت هذا الملك حتى تأثلت ... بيوتك فيه واستقرّ عمودها
فأصبحت ترمينا بنبل بنا استوى ... مغارسها قد ما وفينا جديدها
ويشبه هذا ما حكاه أيضا في ترجمة يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب بلاد المغرب، وكان بينه وبين الأدفونش صاحب طليطلة، مكاتبات قال: بعث الأدفونش رسولا إلى الأمير يعقوب يتوعده ويتهدده، ويطلب منه بعض الحصون، وكتب إليه رسالة من إنشاء وزيره ابن النجار وهي:
(1/181)

بإسمك أللهم فاطر السموات والأرض، وصلى الله على السيد المسيح روح الله وكلمته الرسول الفصيح.
أما بعد: فإنه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب، ولا ذي عقل لازب، أنك أمير الملة الحنيفية، كما أني أمير الملة النصرانية، وقد عملت الآن ما عليه رؤساء الأندلس من التخاذل، والتواكل والتكاسل، واهمالهم أمر الرعية، واخلادهم إلى الراحة والأمنية، وأنا أسوسهم بحكم القهر وجلاء الديار، وأسبي الذراري وامثل بالرجال، وأذيقهم عذاب الهون وشديد النكال، ولا عذر لك في التخلف عن نصرتهم إذا أمكنتك يد القدرة، وساعدك من عساكرك وجنودك ذو رأي وخبرة، وأنتم تزعمون أن الله تعالى قد فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم، والآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا رحمة منه ومنا، ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا لا تستطيعون دفاعا، ولا تملكون امتناعا، وقد حدثنا عنك إنك أخذت في الاحتفال، وأشرفت على ربوة القتال، وتماطل نفسك سنة بعد أخرى، وتقدم رجلا وتؤخر أخرى، فلا أدري أكان الجبن أبطأ بك، أم التكذيب بوعد ربك؟ ثم قيل لي: إنك لا تجد إلى جواز البحر سبيلا، ولعله لا يسوغ لك التقحم فيه سبيلا، وها أنا أقول لك، ما فيه الراحة لك، واعتذر عنك ولك، على أن تفي بالعهود والمواثيق، والاستكثار من الرهان، وترسل إلي جملة من عبيدك بالمراكب والشواني، والطرائد والمسطحات، وإلا جزت بجملتي إليك، فأقاتلك في أعز الأماكن لديك، فإن كانت لك فغنيمة كبيرة جلبت إليك، وهدية عظيمة مثلت بين يديك وإن كانت لي كانت لي اليد العليا عليك، واستحقيت إمارة الملتين، والحكم على البرين، والله يوفق للسعادة، ويسهل الإرادة لا رب غيره، ولا خير إلا خيره.
فمزق يعقوب الكتاب وكتب على قطعة منه ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها، وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ
«1» الجواب ما ترى لا ما تسمع واستشهد ببيت المتنبي:
ولا كتب إلا المشرفيّة عنده ... ولا رسله إلا الخميس العرموم «2»
ثم أمر بكتب الاستنفار، واستدعى الجيوش من الأمصار، وضربت السرادقات من يومه بظاهر البلد، وسار إلى البحر المعروف بزقاق سبته فعبر فيه إلى الأندلس، ودخل بلاد الفرنج فكسرهم كسرة شنيعة، وعاد بغنائمهم. وكان الأمير يعقوب متمسكا بالشرع يأمر بالمعروف، ويقيم الحدود في أهل بيته، كما يقيمها في الناس أجمعين وأمر برفض فروع الفقه، وأن الفقهاء لا يفتون إلا بالكتاب العزيز والسنة النبوية، ولا يقلدون أحدا، وأن تكون أحكامهم بما يؤدّي إليه اجتهادهم، من استنباطهم القضايا من الكتاب والحديث، والإجماع والقياس.
وقد وصل إلينا من المغرب جماعة على تلك الطريقة منهم: أبو عمرو وأبو الخطاب ابنا دحية ومحيي الدين بن عربي الصوفي، «صاحب الفصوص» . «والفتوحات المكية» . «وعنقاء مغرب» . وغيرهم. وتوفي الأمير يعقوب في سنة تسع أو عشر وستمائة رحمة الله تعالى عليه.
(1/182)

ولنعد إلى ذكر السلطان محمود، قال ابن الأثير: بلغ من عدل نور الدين الشهيد، أنه أوّل من بنى دارا لكشف الظلامات، وسماها دار العدل، وسببه أنه لما أقام بدمشق بأمرائه وفيهم أسد الدين «1» شيركوه، تعدى كل منهم على من جاوره، فكثرت الشكاوى إلى القاضي كمال الدين السّهروردي «2» ، فأنصف بعضهم من بعض، ولم يقدر على الإنصاف من شيركوه، لأنه كان أكبر الأمراء فبلغ ذلك نور الدين الشهيد، فأمر ببناء دار العدل، فلما سمع شيركوه قال لنوّابه: ما بنى نور الدين هذه الدار إلا بسببي، وإلا فمن يمتنع على القاضي كمال الدين؟ والله لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب أحد منكم لأصلبنه! فامضوا إلى كل من كان بينكم وبينه شيء فافصلوا الحال معه، وأرضوه، ولو أتى على جميع ما بيدي. قال: فظلم رجل بعد موت نور الدين الشهيد فشق ثوبه واستغاث: يا نور الدين فاتصل خبره بالسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، فأزال ظلامته فبكى الرجل أشد من الأول، فسئل عن ذلك فقال: أبكي على سلطان عدل فينا بعد موته.
وتوفي نور الدين الشهيد في شوّال سنة تسع وستين وخمسمائة بقلعة دمشق بعلة الخوانيق، وكان الأطباء قد أشاروا عليه بالفصد فامتنع، وكان مهيبا فما روجع ودفن بالقلعة. ثم نقل إلى تربته بمدرسته التي أنشأها عند باب سوق الخوّاصين. والدعاء عند قبره مستجاب وقد جرب، وكان رحمه الله، ملكا عادلا عابدا ورعا متمسكا بالشريعة، مائلا إلى أهل الخير مجاهدا، كثير الصدقات بنى المدارس بجميع بلاد الشأم، والمارستان بدمشق، ودار الحديث بها وبنى بمدينة الموصل الجامع النوري، وبحماة الجامع الذي على نهر العاصي، وبني الرباطات للصوفية والفنادق في المنازل، وأثر في الإسلام آثارا حسنة لم يسبق إليها وانتزع من أيدي الكفار نيفا وخمسين مدينة، ومحاسنه كثيرة رحمه الله تعالى.
وتوفي السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة بها، قال «3» ابن خلكان: ولما مات كتب القاضي الفاضل «4» ساعة موته بطاقة إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب، مضمونها: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة إن زلزلة الساعة شيء عظيم، كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر أحسن الله عزاءه، وجبر مصابه، وجعل فيه الخلف في الساعة المذكورة وقد زلزل المسلمون زلزالا شديدا وقد حفرت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر، وقد ودّعت أباك مخدومي وداعا لا تلاقي بعده وقبلت عني وعنك خده وأسلمته إلى الله عز وجل مغلوب الحيلة، ضعيف القوّة راضيا عن الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله، وبالباب من الأجناد المجندة والأسلحة والأعمدة ما لا يردّ البلاء، ولا يملك دفع القضاء وتدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا عليك لمحزونون يا يوسف، وأما الوصايا فلا
(1/183)

يحتاج إليها، والآراء فقد شغلتني المصائب عنها، وأما لائح الأمر فإنه إن وقع الاتفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم. وإن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته، وهو البلاء العظيم، والسلام. وكان رحمه الله مع سعة ملكه كثير التواضع، قريبا من الناس، رحيم القلب، كثير الاحتمال والمداراة يميل لأهل الفضل ويستحسن الأشعار الجيدة ويرددها في مجلسه وكان كثيرا ما ينشد قول محمد بن الحسين الحميري «1» :
وزارني طيف من أهوى على حذر ... من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا «2»
فكدت أوقظ من حولي به فرحا ... وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا
ثم انتبهت وآمالي تخيل لي ... نيل المتى فاستحالت غبطتي أسفا
وكان رحمه الله كثيرا ما يتمثل بهذين البيتين وهما «3» :
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... وللمشتري دنياه بالدين أعجب
وأعجب من هذين من باع دينه ... بدنيا سواه فهو من ذين أخيب
وعمر رحمه الله ستا وخمسين سنة وشهورا.
البطس:
أنواع من السمك لها مرارات يكتب بها الكتب فإذا جففت قرئت في الظلام كما نقرأ بالنهار في ضوء الشمس ذكر ذلك صاحب المعطار.
البعوض:
دويبة. قال الجوهري: إنه البق الواحدة بعوضة وهو وهم والحق أنه صنفان، وهو يشبه القراد لكن أرجله خفيفة، ورطوبته ظاهرة ويسمى بالعراق والشأم الجرجس. قال الجوهري: وهو لغة في القرقس، وهو البعوض الصغار، والبعوض على خلقة الفيل إلا أنه أكثر أعضاء من الفيل فإن للفيل أربع أرجل وخرطوما وذنبا. وله مع هذه الأعضاء رجلان زائدتان، وأربعة أجنحة وخرطوم الفيل مصمت، وخرطومه مجوّف نافذ للجوف، فإذا طعن به جسد الإنسان استقى الدم وقذف به إلى جوفه فهو له كالبلعوم والحلقوم، ولذلك اشتد عضها وقويت على خرق الجلود الغلاظ قال الراجز:
مثل السّفاة دائما طنينها ... ركّب في خرطومها سكينها «4»
ومما ألهمه الله تعالى إنه إذا جلس على عضو من أعضاء الإنسان، لا يزال يتوخى بخرطومه المسام التي يخرج منها العرق، لأنها أرق بشرة من جلدة الإنسان فإذا وجدها وضع خرطومه فيها، وفيه من الشره أن يمص الدم إلى أن ينشق ويموت أو إلى أن يعجز عن الطيران، فيكون ذلك سبب هلاكه. ومن عجيب أمره أنه ربما قتل البعير وغيره، من ذوات الأربع، فيبقى طريحا في
(1/184)

الصحراء، فتجتمع السباع حوله والطير التي تأكل الجيف فمن أكل منها شيئا مات لوقته. وكان بعض الجبابرة من الملوك بالعراق يعذب بالبعوض، فيأخذ من يريد قتله فيخرجه مجردا إلى بعض الآجام التي بالبطائح ويتركه فيها مكتوفا، فيقتل في أسرع وقت، وأقرب زمان وما أحسن قول أبي الفتح البستي «1» في هذا المعنى:
لا تستخفن الفتى بعداوة ... أبدا وإن كان العدو ضئيلا
إن القذى يؤذي العيون قليله ... ولربما جرح البعوض الفيلا
وما ألطف ما قال بعضهم:
لا تحقرن صغيرا في عداوته ... إن البعوضة تدمي مقلة الأسد
ونحوه قول أبي نصر السعدي «2» :
ولا تحقرن عدوا رماك ... وإن كان في ساعديه قصر
فإن الحسام يحز الرقاب ... ويعجز عما تنال الإبر
وله أيضا وقيل إنه لجمال الدين بن مطروح «3» :
يا من لبست عليه أثواب الضنا ... صفرا موشحة بحمر الأدمع «4»
أدرك بقية مهجة لو لم تذب ... أسفا عليك رميتها عن أضلعي
ومن محاسن شعره أيضا قوله «5» :
لما وقفنا للوداع وصارما ... كنا نظن من النوى تحقيقا
نثروا على ورق الشقائق لؤلؤا ... ونثرت من ورق البهار عقيقا «6»
ونحوه قول إبراهيم علي القيرواني صاحب «7» زهر الأدب وغيره وكان كلفا بالمعذرين:
ومعذرين كأن نبت خدودهم ... أقلام مسك تستمد خلوقا
(1/185)

نظموا البنفسج بالشقيق ونضدوا ... تحت الزبرجد لؤلؤا وعقيقا «1»
وروى «2» الترمذي، وقال حديث حسن صحيح عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرا شربة ماء» .
وكذلك رواه الحاكم وصححه.
وقال الشاعر في ذلك:
إذا كان شيء لا يساوي جميعه ... جناح بعوض عند من كنت عبده
وأشغل جزء منه كلك ما الذي ... يكون على ذا الحال قدرك عنده
ومعنى هوان الدنيا على الله تعالى أنه سبحانه لم يجعلها مقصودة لنفسها، بل جعلها طريقا موصلة إلى ما هو المقصود بنفسه. وإنه لم يجعلها دار إقامة ولا جزاء إنما جعلها دار محنة وبلاء وإنه ملكها في الغالب الجهلة والكفرة، وحماها الأنبياء والأولياء والأبدال. وحسبك بها هوانا على الله أنه سبحانه وتعالى، صغرها وحقرها وأبغضها، وأبغض أهلها ومحبيها، ولم يرض لعاقل فيها، إلا بالتزود منها، والتأهب للإرتحال عنها.
ويكفي في ذلك ما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه أو عالم أو متعلم» . وهو «3» حديث حسن غريب. ولا يفهم من هذا اباحة لعن الدنيا وسبها مطلقا. لما روى أبو موسى الأشعري، رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر، إن العبد إذا قال: لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله أعصانا لربه» . خرجه الشريف أبو القاسم زيد بن عبد الله بن مسعود الهاشمي وهذا يقتضي المنع من سب الدنيا ولعنها. ووجه الجمع بينهما أن المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبعدا عن ذكر الله وشاغلا عنه، كما قال بعض السلف كل ما يشغلك عن ذكر الله من مال وولد فهو مشؤوم عليك، وهو الذي نبه عليه الله تعالى بقوله «4» : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
وأما ما كان من الدنيا، يقرب من الله ويعين على عبادته، فهو المحمود بكل لسان المحبوب لكل إنسان، فمثل هذا لا يسب، بل يرغب فيه ويحب، وإليه الإشارة بالاستثناء حيث قال: إلا ذكر الله وما والاه أو عالم أو متعلم، وهو المصرح به في قوله «نعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر» ، وبهذا يرتفع التعارض بين الحديثين وفي الإحياء للغزالي في الباب السادس من أبواب العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «5» : «إن العبد لينشر له من الثناء ما بين
(1/186)

المشرق والمغرب ولا يزن عند الله جناح بعوضة» . وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «1» : «ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة اقرؤوا إن شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا» . رواه البخاري في التفسير، ومثله في التوبة. قال العلماء: معنى هذا الحديث أنهم لا ثواب لهم وأعمالهم مقابلة بالعذاب فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو في النار. وقال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: يؤتى بأعمال كجبال تهامة فلا تزن عند الله شيئا، وقيل: المراد المجاز والاستعارة كأنه قال لا قدر لهم عندنا يوم القيامة وفيه من الفقه ذم السمن لمن تكلفه لما في ذلك من تكلف المطاعم الزائدة على قدر الكفاية وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن أبغض الرجال إلى الله الحبر السمين» . قال وهب بن منبه لما أرسل الله تعالى البعوض على النمروذ، اجتمع منه في عسكره ما لا يحصى عددا، فلما عاين النمروذ ذلك، انفرد عن جيشه ودخل بيته وأغلق الأبواب وأرخى الستور ونام على قفاه مفكرا، فدخلت بعوضة في أنفه وصعدت إلى دماغه فعذب بها أربعين يوما حتى إنه كان يضرب برأسه الأرض وكان أعز الناس عنده من يضرب رأسه ثم سقطت منه كالفرخ وهي تقول كذلك يسلط الله رسله على من يشاء من عباده ثم هلك حينئذ. وقال محمد بن العباس «2» الخوارزمي الطبرخزي في الوزير أبي القاسم المزني لما قبض عليه:
لا تعجبوا من صيد صعوبازيا ... إن الأسود تصاد بالخرفان
قد غرقت أملاك حمير فأرة ... وبعوضة قتلت بني كنعان
وروى جعفر «3» الصادق بن محمد الباقر، عن أبيه قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عليه السلام، عند رأس رجل من الأنصار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارفق بصاحبي فإنه مؤمن» .
قال: «إني بكل مؤمن رفيق وما من أهل بيت إلا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات ولو أني أردت قبض روح بعوضة ما قدرت حتى يكون من الله تعالى الأمر بقبضها» . قال جعفر بن محمد بلغني أنه يتصفحهم عند مواقيت الصلاة انتهى.
ومن هذا وما تقدم عن مالك في البراغيث، يعلم أن ملك الموت هو الموكل بقبض كل ذي روح والبعوضة على صغر جرمها قد أودع الله تعالى في دماغها قوة الحفظ وفي وسطه قوة الفكر وفي مؤخره قوة الذكر. وخلق لها حاسة البصر وحاسة اللمس وحاسة الشم، وخلق لها منفذا اللغذاء ومخرجا للفضلة، وخلق لها جوفا وأمعاء وعظاما. فسبحان من قدر فهدى ولم يخلق شيئا من المخلوقات سدى وأنشد الزمخشري «4» في تفسير سورة البقرة:
(1/187)

يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى مناط عروقها في نحرها ... والمخ في تلك العظام النحل «1»
امنن علي بتوبة تمحو بها ... ما كان مني في الزمان الأول «2»
ونقل ابن خلكان عن بعض الفضلاء، أن الزمخشري أوصى أن تكتب هذه الأبيات على قبره. ويروي عوض امنن علي بتوبة كما قال بعضهم:
اغفر لعبد تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول
وفي تاريخ «3» ابن خلكان وغيره أن الزمخشري كان يعتقد الاعتزال ويتظاهر به، وكان إذا استأذن على صاحب له بالدخول، يقول: أبو القاسم المعتزلي بالباب. وأول ما صنف من الكتب الكشاف فكتب في أول خطبته: الحمد لله الذي خلق القرآن فقيل له: إن تركته على هذه الهيئة، هجره الناس فغيره، وقال: الحمد لله الذي جعل القرآن وجعل عندهم بمعنى خلق. ويوجد في كثير من النسخ الحمد لله الذي أنزل القرآن وهو من إصلاح الناس لا من إصلاح المصنف فافهم. توفي الزمخشري ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة وقد تكلم في الإحياء في باب المحبة على خلق البعوضة وصفتها وما أودعه الله تعالى فيها من الأسرار.
فائدة:
رأيت في كتاب الدعاء للشيخ الإمام العلامة أبي بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي «4» ، ويعرف بابن أبي رنده بالراء المهملة المفتوحة وتسكين النون، وهو إمام ورع أديب متقلل، وفاته بالأسكندرية سنة اثنتين وخمسمائة، عن مطرف بن عبد الله بن أبي مصعب المدني أنه قال: دخلت على المنصور فوجدته مغموما حزينا قد امتنع من الكلام، لفقد بعض أحبته فقال لي: يا مطرف طرقني من الهم ما لا يكشفه إلا الله الذي بلا به، فهل من دعاء أدعو به عسى يكشفه الله عني؟ فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني محمد بن ثابت عن عمر بن ثابت البصري قال:
دخلت في أذن رجل من أهل البصرة بعوضة حتى وصلت إلى صماخه فأنصبته وأسهرته ليله ونهاره، فقال له رجل من أصحاب الحسن البصري: يا هذا ادع بدعاء العلاء بن الحضرمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي دعا به في المفازة وفي البحر فخلصه الله تعالى. فقال له الرجل: وما هو رحمك الله؟ فقال قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: بعث العلاء بن الحضرمي في جيش، كنت فيهم، إلى البحرين فسلكنا مفازة فعطشنا عطشا شديدا حتى خفنا الهلاك، فنزل العلاء وصلى ركعتين ثم قال: يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم اسقنا، فجاءت سحابة كأنها جناح طائر، فقعقعت علينا وأمطرتنا حتى ملأنا الانية، وسقينا الركاب ثم انطلقنا حتى أتينا على خليج من البحر، ما خيض قبل ذلك اليوم، ولا خيض بعده، فلم نجد سفنا فصلى العلاء ركعتين، ثم
(1/188)

قال: يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم أجرنا، ثم أخذ بعنان فرسه ثم قال بسم الله جوزوا. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: فمشينا على الماء فو الله ما ابتل لنا قدم ولا خف ولا حافر. وكان الجيش أربعة آلاف. قال فدعا الرجل بها فو الله ما برحنا حتى خرجت من أذنه لها طنين، حتى صكت الحائط وبرأ الرجل.
قال: فاستقبل المنصور القبلة ودعا بهذا الدعاء ساعة ثم أقبل بوجهه إلي وقال: يا مطرف قد كشف الله عني ما كنت أجده من الهم، ودعا بالطعام فأجلسني فأكلت معه. ويقرب من هذا ما حكاه ابن خلكان في ترجمة موسى «1» الكاظم بن جعفر الصادق أن هارون الرشيد حبسه في بغداد ثم دعا صاحب شرطته ذات يوم فقال له: رأيت في منامي حبشيا أتاني، ومعه حربة، وقال: إن لم تخل عن موسى بن جعفر وإلا نحرتك بهذه الحربة فإذهب فخلّ عنه وأعطه ثلاثين ألف درهم، وقل له إن أحببت المقام عندنا فلك عندي ما تحب، وإن أحببت المضي إلى المدينة فامض. قال صاحب الشرطة: ففعلت ذلك وقلت له: لقد رأيت من أمرك عجبا فقال: أنا أخبرك بينما أنا نائم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا موسى حبست مظلوما، فقل هذه الكلمات فإنك لا تبيت هذه الليلة في السجن، قل: يا سامع كل صوت ويا سابق كل فوت ويا كاسي العظام لحما ومنشرها بعد الموت، أسألك بأسمائك العظام وبإسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين يا حليما ذا أناة لا يقدر على اناته يا ذا المعروف الذي لا ينقطع معروفه أبدا، ولا نحصي له عددا، فرّج عني. فكان ما ترى.
وتوفي موسى الكاظم في رجب سنة ثلاث وقيل سنة سبع وثمانين ومائة ببغداد مسموما، وقيل إنه توفي في الحبس وكان الشافعي يقول قبر موسى الكاظم الترياق المجرب، وقد أذكرتني هذه الحكاية ما حكاه الخطيب أبو بكر في تاريخه وابن خلكان أيضا في ترجمة يعقوب «2» بن داود أن المهدي حبسه في بئر وبنى عليها قبة فمكث فيها خمس عشرة سنة وكان يدلي له فيها كل يوم رغيف خبز وكوز ماء، ويؤذن بأوقات الصلاة قال فلما كان في رأس ثلاث عشرة سنة أتاني آت في منامي فقال:
قد حن يوسف إلى رب فأخرجه ... من قعر جب وبيت حوله غمم «3»
قال: فحمدت الله تعالى وقلت: أتاني الفرج، فمكثت حولا لا أرى شيئا، ففي رأس الحول أتاني ذلك الآتي فأنشدني:
عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم خليقته أمر
(1/189)

قال: ثم أقمت حولا آخر لا أرى شيئا، ثم أتاني ذلك الآتي في رأس الحول فأنشدني:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفك عان ... ويأتي أهله النائي الغريب
قال: فلما أصبحت نوديت فظننت أني أوذن بالصلاة فأدلي لي حبل، فربطت نفسي به ونشلت من البئر فانطلق بي، فأدخلت على الرشيد فقيل لي: سلم على أمير المؤمنين، فقلت السلام عليك يا أمير المؤمنين المهدي فقال لي: لست به. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين الهادي. فقال لي: لست به. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: الرشيد، فقلت الرشيد.
فقال: يا يعقوب، ما شفع فيه إلى أحد غير أني حملت الليلة صبية لي على عنقي فذكرت حملك إياي على عنقك، فرثيت لك وأخرجتك. وكان يعقوب يحمل الرشيد على عنقه وهو صغير يلاعبه ثم أمر له بجائزه وصرفه.
الحكم:
يحرم أكلها لاستقذارها.
فائدة:
روى البخاري في الأدب والترمذي في مناقب الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما، من حديث عبد الرحمن بن أبي نعيم قال: كنت عند ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فسأله رجل عن دم البعوض فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. فقال ابن عمر رضي الله عنهما أنظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت الرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعته صلى الله عليه وسلم يقول «1» : «هما ريحانتاي من الدنيا» . قال: ولم يكن أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم، من الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما. وروى ابن حبان والترمذي عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: «كان الحسن أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الصدر والرأس والحسين أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان أسفل من ذلك «2» » .
فائدة أخرى:
ذكر في الروض الزاهر عن الشعبي، قال: لما بلغ الحجاج أن يحيى بن يعمر يقول: إن الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحيى «3» بن يعمر بخراسان. فكتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم والي خراسان أن ابعث إلي يحيى بن يعمر، فبعث به إليه قال الشعبي: وكنت عند الحجاج حين أتي به إليه، فقال له الحجاج: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: أجل يا حجاج. قال الشعبي: فعجبت من جراءته بقوله يا حجاج! فقال له الحجاج: والله إن لم تخرج منها، وتأتني بها مبينة واضحة من كتاب الله تعالى، لألقين الأكثر منك شعرا. ولا تأتني بهذه الآية نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ
«4» قال: فإن خرجت من ذلك، وأتيتك بها واضحة مبينة من كتاب الله تعالى، فهو أماني؟ قال: نعم. فقال: قال الله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا
(1/190)

مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ
«1» ثم قال يحيى بن يعمر: فمن كان أبا عيسى وقد ألحقه الله بذرية إبراهيم؟ وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين. ومحمد صلوات الله عليه وسلامه.
فقال له الحجاج: ما أراك إلا قد خرجت، وأتيت بها مبينة واضحة، والله لقد قرأتها وما علمت بها قط، وهذا من الاستنباطات البديعة. ثم قال له الحجاج: أخبرني عني هل ألحن؟ فسكت. فقال:
أقسمت عليك. فقال: أما إذ أقسمت علي أيها الأمير، فإنك ترفع ما يخفض وتخفض ما يرفع.
فقال: ذاك والله اللحن السيء. ثم كتب إلى قتيبة بن مسلم: إذا جاءك كتابي هذا فاجعل يحيى بن يعمر على قضائك والسلام. وقيل: إن الحجاج قال ليحيى: أسمعتني ألحن؟ قال: في حرف واحد. قال: في أي؟ قال: في القرآن. قال: ذلك أشنع ما هو! قال: تقول قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ
«2» إلى قوله: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ
فتقرأها بالرفع. فقال له الحجاج: لا جرم تسمع لي لحنا. وألحقه بخراسان. قال الشعبي: كان الحجاج لما طال عليه الكلام نسي ما ابتدأ به.
وذكره ابن خلكان في ترجمة يحيى بن يعمر «3» ، وفيه بعض مخالفة. قلت: في كلام يحيى تصريح بأن الضمير في ومن ذريته، يعود على إبراهيم والذي في الكواشي والبغوي وغيرهما أن الضمير يعود إلى نوح، لأن الله تعالى ذكر من جملتهم يونس ولوطا فقال: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ «4»
ويونس ولوط من ذرية نوح لا من ذرية إبراهيم، لكن استدلاله صحيح على القول الثاني أيضا. قال ابن خلكان: كان يحيى بن يعمر تابعيا عالما بالقرآن والنحو، وكان شيعيا من الشيعة الأول، يتشيع تشيعا حسنا، يقول بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لأحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال ابن خلكان: خطب أمير بالبصرة فقال: اتقوا الله فإنه من يتق الله فلا هوارة عليه.
فلم يدروا ما قال الأمير فسألوا أبا سعيد يحيى بن يعمر العدواني، فقال: الهوارة الضياع، كأنه قال من اتقى الله فلا ضياع عليه. والهورات المهالك واحدها هورة. وحدث الأصمعي بهذا الحديث، فقال: إن الغريب لواسع، لم أسمع بهذا قط. وتوفي يحيى بن يعمر سنة تسع وعشرين ومائة ويعمر بفتح الياء والميم بينهما عين مهملة ساكنة وقيل بضم الميم والأول أصح انتهى.
تتمة:
قال نصر الله بن يحيى، وكان من الثقات وأهل السنة: رأيت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في المنام، فقلت له: يا أمير المؤمنين تفتحون مكة فتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يتم على ولدك الحسين ما تم فقال لي: أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا؟ فقلت: لا. فقال: إسمعها منه. ثم انتبهت فبادرت إلى حيص بيص، فذكرت له الرؤيا فشهق وبكى وحلف بالله لم تخرج من فمه ولا خطه إلى أحد وما نظمها إلا في ليلته ثم أنشدني قوله «5» :
ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
(1/191)

وحللتمو قتل الأسارى وطالما ... عدونا على الأسرى فنعفو ونصفح «1»
وحسبكمو هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه ينضح «2»
وإسم الحيص بيص سعد بن محمد أبو الفوارس التميمي شاعر مشهور، ويعرف بابن الصيفي ولقب بالحيص بيص لأنه رأى الناس يوما في حركة مزعجة وأمر شديد، فقال: ما للناس في حيص بيص؟ فبقي عليه هذا اللقب. ومعنى هاتين الكلمتين الشدة والاختلاط، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي وغلب عليه الأدب ونظم الشعر وكان مجيدا فيه وكان إذا سئل عن عمره يقول: أنا أعيش في الدنيا مجازفة لأنه كان لا يحفظ مولده وتوفي سنة أربع وسبعين وخمسمائة.
ومن محاسن شعره:
يا طالب الرزق في الآفاق مجتهدا ... أقصر عناك فإن الرزق مقسوم
الرزق يسعى إلى من ليس يطلبه ... وطالب الرزق يسعى وهو محروم
وله أيضا:
يا طالب الطب من داء أصيب به ... إن الطبيب الذي أبلاك بالداء
هو الطبيب الذي يرجى لعافية ... لا من يذيب لك الترياق في الماء
وله أيضا:
إله عما استأثر الله به ... أيها القلب ودع عنك الحرق
فقضاء الله لا يدفعه ... حول محتال إذا الأمر سبق
وله أيضا:
أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمت ... على العباد من الرحمن ارزاق
لا ينفع البخل مع دنيا مولية ... ولا يضر مع الإقبال إنفاق
الأمثال: قالوا «3» : «أعز من مخ البعوض» وقالوا «4» : «كلفتني مخ البعوض» ، يضرب لمن يكلف الأمور الشاقة. «وأضعف من بعوضة «5» » .
فائدة:
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
«6» . قال الحسن وغيره: سبب نزولها أن الكفار أنكروا ضرب الأمثال، في غير هذه السورة بالذباب والعنكبوت، وقيل لما ضرب الله تعالى المثلين، في أول السورة للمنافقين، يعني قوله «7» تعالى:
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
وقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ
«8» قالوا: والله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال. فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما:
(1/192)

المعنى فما فوقها في الصغر. وقال قتادة وابن جريج وغيرهما: المعنى في الكبر. قال ابن عطية: الكل محتمل والله أعلم.
البعير:
سمي بعيرا لأنه يبعر، يقال: بعر البعير بفتح العين فيهما بعرا بإسكان العين كذبح يذبح ذبحا، قاله ابن السكيت وهو إسم على الذكر والأنثى وهو من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، فالجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والقعود بمنزلة الفتى، والقلوص بمنزلة الجارية، وحكي عن بعض العرب: صرعتني بعيري، أي ناقتي، وشربت من لبن بعيري. وإنما يقال له بعيرا إذا أجذع، والجمع أبعرة وأباعر وبعران. قال مجاهد في قوله «1» تعالى: وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ
أراد بالبعير الحمار، لأن بعض العرب يقول للحمارا بعير، وهذا شاذ، ولو أوصى ببعير تناول الناقة على الأصح. وهو كالخلاف في تناول الشاة الذكر، وإن كان عكسه في الصورة.
والوجه الثاني عدم التناول. وهو المحكي عن النص، والمعروف في كلام الناس خلاف كلام العرب تنزيلا للبعير منزلة الجمل. قال الرافعي: وربما أفهمك كلامهم توسطا بين تنزيل النص، على ما إذا عم العرف باستعمال البعير بمعنى الجمل، والعمل بما تقتضيه اللغة إذا لم يعم لا جرم.
قال الشيخ الإمام السبكي: إن تصحيح خلاف النص في مثل هذه المسائل بعيد، لأن الشافعي رضي الله عنه اعرف باللغة، فلا يخرج عنها إلا لعرف مطرد، فإن صح عرف بخلاف قوله اتبع، وإلا فالأولى اتباع قوله.
فرع:
لو وقع بعيران في بئر، أحدهما فوق الآخر، فطعن الأعلى ومات الأسفل بثقله، حرم الأسفل لأن الطعنة لم تصبه، فإن أصابتها حلا جميعا. فإذا شك هل مات بالثقل أم بالطعنة النافذة، وقد علم أنها اصابته قبل مفارقة الروح حل. وإن شك هل أصابته قبل مفارقة الروح أم بعدها؟ قال البغوي في الفتاوى: يحتمل وجهين، بناء على أن العبد الغائب المنقطع خبره هل يجزىء اعتاقه عن الكفارة أم لا؟ ومن ذلك ما لو رمى غير مقدور عليه، فصار مقدورا عليه، ثم أصاب غير مذبحه لم يحل. ولو رمى مقدورا عليه فصار غير مقدور عليه، فأصاب غير مذبحه لم يحل. فإن أصاب مذبحه حل. وفي سنن أبي داود النسائي وابن ماجه، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى جارية أو غلاما أو دابة، فليأخذ بناصيتها وليقل: أللهم إني أسألك خيره وخير ما جبل عليه، وأعوذ بك من شره وشر ما جبل عليه. وإذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه وليدع بالبركة وليقل مثل «2» ذلك» .
فائدة:
قال ابن الأثير: «خرج خلاد بن رافع وأخوه رضي الله عنهما إلى بدر على بعير أعجف، فلما انتهيا إلى قرب الروحاء، برك البعير. قال فقلنا: أللهم لك علينا، إن انتهينا إلى بدر، أن ننحره فرآنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بالكما» . فأخبرناه، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ ثم بزق في وضوئه ثم أمرهما ففتحا فم البعير فصب في جوفه، ثم على رأسه، ثم على عنقه، ثم على غاربه، ثم على سنامه، ثم على عجزه، ثم على ذنبه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «أللهم احمل رفاعة وخلادا» . فقمنا نرحل،
(1/193)

فأدركنا أول الركب فلما انتهينا إلى بدر برك فنحرناه وتصدقنا بلحمه.
فائدة أخرى:
روى أبو القاسم الطبراني، في كتاب الدعوات، عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، قال: غزونا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنا في مجمع طرق المدينة، فبصرنا بأعرابي أخذ بخطام بعير حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن حوله فقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، وقال: «كيف أصبحت» ؟ فجاء رجل كأنه حرسي فقال: يا رسول الله هذا الأعرابي سرق بعيري هذا، فرغا البعير وحن ساعة، فأنصت له النبي صلى الله عليه وسلم يسمع رغاءه وحنينه، فلما هدأ البعير أقبل النبي صلى الله عليه وسلم على الحرسي وقال: «انصرف عنه، فإن البعير يشهد عليك أنك كاذب» . فانصرف الحرسي وأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على الأعرابي، وقال:
«أي شيء قلت حين جئتني» ؟ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قلت: اللهم صلّ على محمد حتى لا تبقى صلاة، اللهم وبارك على محمد حتى لا تبقى بركة، اللهم وسلم على محمد حتى لا يبقى سلام، اللهم وارحم محمدا حتى لا تبقى رحمة. فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى أبداها لي، والبعير ينطق بقدرته، وإن الملائكة قد سدوا أفق السماء» . وفيه أيضا عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «جاؤوا برجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فشهدوا عليه أنه سرق ناقة لهم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع، فولى الرجل وهو يقول: اللهم صلّ على محمد حتى لا يبقى من صلواتك شيء، وبارك على محمد حتى لا يبقى من بركاتك شيء، وسلم على محمد حتى لا يبقى من سلامك شيء.
فتكلم البعير وقال يا محمد إنه بريء من سرقتي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يأتي بالرجل فابتدر إليه سبعون من أهل بدر، فجاؤوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا هذا ما قلت آنفا؟ فأخبره بما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأجل ذلك رأيت الملائكة يخترقون سكك المدينة، حتى كادوا يحولون بيني وبينك، ثم قال صلى الله عليه وسلم: لتردن على الصراط ووجهك أضوأ من القمر ليلة البدر» . اه-. وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في الناقة حديث رواه الحاكم في هذا المعنى.
وروى «1» ابن ماجه عن تميم الداري رضي الله تعالى عنه قال: «كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل علينا بعير يعدو حتى وقف على هامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها البعير اسكن فإن تك صادقا فلك صدقك، وإن تك كاذبا فعليك كذبك، مع أن الله قد أمن عائذنا، وليس بخائب لائذنا» . فقلنا: يا رسول الله ما يقول هذا البعير؟
فقال صلى الله عليه وسلم: «هذا بعير قد هم أهله بنحره وأكل لحمه، فهرب منهم واستغاث بنبيكم» . فبينما نحن كذلك، إذ أقبل أصحابه يتعادون فلما نظر إليهم البعير، عاد إلى هامة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلاذ بها، فقالوا: يا رسول الله هذا بعيرنا هرب منذ ثلاثة أيام فلم نلقه إلا بين يديك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنه يشكو إلي ويبث الشكاية» فقالوا: يا رسول الله ما يقول؟ قال: يقول:
«إنه ربي في أمنكم أحوالا، وكنتم تحملون عليه في الصيف إلى موضع الكلأ فإذا كان الشتاء، حملتم عليه إلى موضع الدفء فلما كبر استفحلتموه، فرزقكم الله تعالى منه إبلا سائمة، فلما أدركته هذه السنة الخصبة هممتم بنحره وأكل لحمه» . فقالوا: يا رسول الله قد والله كان ذلك: فقال
(1/194)

عليه الصلاة والسلام: «ما هذا جزاء المملوك الصالح من مواليه» . فقالوا: يا رسول الله فإنا لا نبيعه ولا ننحره. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذبتم فقد استغاث بكم فلم تغيثوه، وأنا أولى بالرحمة منكم، فإن الله تعالى قد نزع الرحمة من قلوب المنافقين، وأسكنها في قلوب المؤمنين» فاشتراه عليه الصلاة والسلام منهم بمائة درهم، وقال: «أيها البعير انطلق فأنت حر لوجه الله تعالى» . قال: فرغا البعير على هامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام. «آمين» ، ثم رغا الثانية فقال: «آمين» ثم رغا الثالثة فقال: «آمين» ثم رغا الرابعة فبكى عليه الصلاة والسلام. فقلنا: يا رسول الله ما يقول هذا البعير؟ قال صلى الله عليه وسلم: «قال جزاك الله أيها النبي عن الإسلام والقرآن خيرا فقلت: آمين.
ثم قال: سكن الله رعب أمتك إلى يوم القيامة كما سكنت رعبي، فقلت: آمين. ثم قال: حقن الله دماء أمتك من أعدائها كما حقنت دمي. فقلت: آمين. ثم قال: لا جعل الله بأسها بينها، فبكيت. فإن هذه الخصال سألتها ربي فأعطانيها، ومنعني هذه وأخبرني جبريل عليه السلام، عن الله عزّ وجلّ، أن فناء أمتي بالسيف جرى القلم بما هو كائن» .
تتمة:
قال الطرطوشي في سراج الملوك، وابن بلبان «1» ، والمقدسي في شرح الأسماء الحسنى، وغيرهم عن الفضل بن الربيع قال: حج الرشيد، فبينما أنا نائم ذات ليلة إذ سمعت قرع الباب فقلت: من هذا؟ قيل: أجب أمير المؤمنين: فخرجت مسرعا فوجدت الرشيد، فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. فقال: ويحك قد حاك في نفسي أمر لا يخرجه إلا عالم، فانظر لي رجلا اسأله عنه. فقلت: يا أمير المؤمنين، ههنا سفيان بن عيينة، قال: فامض بنا إليه، فأتيناه فقرعنا عليه الباب فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا وقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. قال: جد لما جئنا له، فحادثه ساعة، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم.
قال: يا عباس اقض دينه. ثم انصرفنا فقال: ما أغنى عني صاحبك هذا شيئا. فانظر لي رجلا أسأله. قال: فقلت: ههنا الفضيل بن عياض، قال: امض بنا إليه. فأتيناه فإذا هو قائم يصلي، يتلو آية من كتاب الله عزّ وجلّ ويرددها فقرعت الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله أما تجب عليك طاعته؟ فقال: أو ليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس لمؤمن أن يذل نفسه «2» » . وفتح الباب ثم ارتقى إلى أعلى الغرفة مسرعا، فأطفأ السراج والتجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة، فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف الرشيد إليه فقال: أواه ما ألينها من يد، إن نجت غدا من عذاب الله! فقلت في نفسي ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي، فقال: جد لما جئنا له، قال: وفيم جئت حملت على نفسك، وجميع من معك حملوا عليك، حتى لو سألتهم عند انكشاف الغطاء عنك وعنهم، أن يحملوا عنك شقصا من ذنب ما فعلوا، ولكان أشدهم حبا لك، أشدهم هربا منك. ثم قال: إن عمر بن عبد العزيز، لما ولي
(1/195)

الخلافة، دعا سالم «1» بن عبد الله بن عمرو محمد بن كعب القرظي «2» ورجاء بن «3» حيوة، وقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا علي؟ فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة.
فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله، فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك فيها على الموت. وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله، فليكن كبير المسلمين لك أبا، وأوسطهم لك أخا، وأصغرهم لك ولدا، فبر أباك، وارحم أخاك، وتحنن على ولدك. وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدا، من عذاب الله، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم متى شئت مت، وإني لأقول لك هذا، وإني لأخاف عليك أشد الخوف، يوم تزل الاقدام، فهل معك، يرحمك الله، مثل هؤلاء القوم، من يأمرك بمثل هذا؟ قال: فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا حتى غشي عليه. فقلت: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه السهر، فكتب إليه عمر يقول: يا أخي اذكر سهر أهل النار في النار، وخلود الآباد فيها، فإن ذلك يطرد بك إلى ربك نائما ويقظان، وإياك أن تزل قدمك عن هذا السبيل، فيكون آخر العهد بك، ومنقطع الرجاء منك، والسلام. فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليه، فقال له عمر: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، لا وليت لك ولاية أبدا حتى ألقى الله سبحانه وتعالى. فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال: زدني يرحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن جدك العباس رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم جاءه، فقال: يا رسول الله أمرني على إمارة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عباس يا عم النبي نفس تحييها خير من إمارة تحصيها إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل «4» » . فبكى هارون بكاء شديدا. ثم قال: زدني يرحمك الله، فقال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عزّ وجلّ يوم القيامة عن هذا الخلق، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح أو تمسي وفي قلبك غش لرعيتك، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة «5» » . فبكى هارون بكاء شديدا ثم قال:
أعليك دين؟ قال: نعم دين لربي يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن لم يلهمني حجتي. فقال: هارون إنما أعني دين العباد. فقال: إن ربي لم يأمرني بهذا، وإنما أمرني أن أصدق وعده، وأطيع أمره، فقال «6» تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
فقال له الرشيد: هذه ألف دينار، خذها فأنفقها على عيالك، وتقو بها على عبادة ربك. فقال فضيل: سبحان الله أنا أدلك على النجاة
(1/196)

وتكافئني بمثل هذا سلمك الله! ثم صمت فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فقال لي الرشيد: إذا دللتني على رجل فدلّني على مثل هذا فإن هذا سيد المؤمنين اليوم. ويروى أن امرأة من نسائه دخلت عليه فقالت: يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال لانفرجنا به. فقال:
إن مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير، يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه وأكلوا لحمه. موتوا يا أهلي جوعا ولا تنحروا فضيلا. فلما سمع الرشيد ذلك، قال: ادخل بنا فعسى أن يقبل المال.
قال: فدخلنا فلما علم بنا الفضيل خرج فجلس على السطح، فوق التراب. فجاء هارون الرشيد فجلس إلى جنبه، فكلمه فلم يرد عليه، فبينما نحن كذلك، إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا قد أذيت الشيخ منذ أتيته، فانصرف يرحمك الله راشدا. فانصرفنا. وقال القاضي ابن خلكان في ترجمة «1» الفضيل رحمه الله: فبلغ ذلك سفيان الثوري، فجاء إليه وقال له: يا أبا علي قد أخطأت في ردك البدرة ألا أخذتها وصرفتها في وجوه البر. فأخذ بلحيته وقال: يا أبا محمد أنت فقيه بالبلد والمنظور إليه وتغلط مثل هذا الغلط! لو طابت لأولئك لطابت لي. اهـ.
ولعل المذكور إنما كان سفيان بن عيينة لا سفيان الثوري والله أعلم.
وقال الرشيد لفضيل بن عياض: يرحمك الله ما أزهدك! فقال: أنت أزهد مني لأني أزهد في الدنيا وأنت تزهد في الآخرة والدنيا فانية والآخرة باقية! وقيل إن الفضيل، كانت له ابنة صغيرة، فوجع كفها فسألها يوما وقال: يا بنية ما حال كفك؟ فقالت: يا أبت بخير والله لئن كان الله تعالى ابتلى مني قليلا، فلقد عافى مني كثيرا ابتلى كفي وعافى سائر بدني فله الحمد على ذلك. فقال: يا بنية أريني كفك فأرته فقبّله، فقالت: يا أبت أناشدك الله هل تحبني؟ قال:
اللهم نعم. فقالت: سوأة لك من الله، والله ما ظننت أنك تحب مع الله سواه. فصاح الفضيل وقال: يا سيدي صبية صغيرة، تعاتبني في حبي لغيرك. وعزتك وجلالك لا أحببت معك سواك.
وشكا رجل إلى الفضيل بن عياض حاله فقال له: يا أخي هل من مدبر غير الله تعالى؟ فقال: لا.
قال: فارض به مدبرا. وقال: إني لأعصى الله تعالى، فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي.
وقال: إذا أحب الله تعالى عبدا أكثر غمه. وإذا أبغضه وسع عليه دنياه. وقال النووي في أذكاره:
قال السيد الجليل فضيل بن عياض رضي الله تعالى عنه: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. وسئل الفضيل بن عياض رضي الله تعالى عنه عن المحبة فقال: هي أن تؤثر الله عزّ وجلّ على ما سواه وقال رضي الله تعالى عنه: لو كان لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا للإمام لأن الله تعالى إذا أصلح الإمام، أمن البلاد والعباد. وقال رضي الله تعالى عنه: لأن يلاطف الرجل أهل مجلسه، ويحسن خلقه معهم، خير له من قيام ليله وصيام نهاره. وقال رضي الله تعالى عنه: ربما قال الرجل: لا إله إلا الله، أو سبحان الله، فأخشى عليه النار. فقيل له: كيف ذلك؟ قال: يغتاب بين يديه أحد فيعجبه ذلك، فيقول: لا إله إلا الله، أو سبحان الله، وليس هذا موضعهما، وإنما هو موضع أن ينصح له في نفسه، ويقول: اتق الله. وبلغه رضي الله تعالى عنه أن ابنه عليا قال: وددت أن أكون بمكان أرى فيه الناس ولا
(1/197)

يروني. فقال: ويح علي لو أتمها فقال: بمكان لا أرى فيه الناس، ولا يروني. وكان رضي الله تعالى عنه، قد جاور بمكة وأقام بها وتوفي في المحرم سنة سبع وثمانين ومائة.
وفي تاريخ ابن خلكان أن سفيان الثوري بلغه مقدم الأوزاعي، فخرج إلى ملتقاه فلقيه بذي طوى، فحل سفيان خطام بعيره من القطار ووضعه على رقبته، فكان إذا مر بجماعة قال:
الطريق للشيخ. والأوزاعي اسمه عبد الرحمن بن عمرو بن بحمد أبو عمرو الأوزاعي، إمام أهل الشأم. قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة. وكان يسكن بيروت وبحمد بضم الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة. وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: بضم الياء المثنات تحت وكسر الميم. والأوزاعي من تابع التابعين. قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: رأيت رب العزة في المنام، فقال لي: يا عبد الرحمن أنت الذي تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر. قلت: بفضلك يا رب. ثم قلت: يا رب أمتني على الإسلام. فقال عزّ وجلّ: وعلى السنة أيضا. وتوفي رحمه الله، في شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين ومائة، وكان سبب موته أنه دخل حمام بيروت، وكان لصاحب الحمام شغل، فأغلق الباب عليه، وذهب ثم جاء وفتح الباب، فوجده ميتا قد وضع يده اليمنى تحت خده، وهو مستقبل القبلة. وقيل: إن امرأته فعلت ذلك به ولم تكن عامدة لذلك. والأوزاع قرية بدمشق، ولم يكن أبو عمرو منهم، وإنما نزل فيهم، فنسب إليهم.
وهو من سبي اليمن. وقال النووي: إنه ولد ببعلبك سنة ثمان وثمانين، وهو مدفون في قبلة مسجد قرية حنتوس، وهي على باب بيروت. وأهل القرية لا يعرفونه، بل يقولون: ههنا قبر رجل صالح ينزل عليه النور، ولا يعرفه إلا الخواص من الناس رحمة الله عليه.
الحكم:
البعير تقدم حكمه في الإبل. ويستحب عند ركوب الإبل، أن يذكر اسم الله تعالى عليها، لما روى أحمد والطبراني عن أبي لاس الخزاعي قال: حملنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبل من الصدقة ضعاف للحج، فقلنا: يا رسول الله ما نرى أن تحملنا هذه! فقال «1» : «ما من بعير إلا وفي ذروته شيطان، فإذا ركبتموها، فاذكروا اسم الله عليها كما أمركم الله، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله عزّ وجلّ» . وقد أشار البخاري، في صحيحه في أبواب الزكاة، إلى بعض هذا الحديث ولم يذكره بتمامه.
الأمثال:
قالوا «2» : «أخف حلما من بعير» . وقالوا «3» : «هما كركبتي بعير» إشارة إلى الاستواء. كما قالوا «4» : «هما كفرسي رهان» . والمثل لهرم بن قطية الفزاري، وقد أطال فيه الميداني
(1/198)

وغيره. وقالوا «1» «كالحادي وليس له بعير» . يضرب للمتشبع بما لم يعط، وأحسن من هذا وأوجز قوله «2» صلى الله عليه وسلم: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» .
وقال بعض المعمرين:
أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إذ نفرا
والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا
من بعد ما قوة أصيب بها ... أصبحت شيخا أعالج الكبرا
تذنيب:
قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي، في الأذكياء «3» وغيره، روي أن الحسن بن هانىء، الشهير بأبي نواس، قال استقبلتني امرأة في هودج على بعير، ولم تكن تعرفني، فأسفرت عن وجهها، فإذا هو في غاية الحسن والجمال، فقالت: ما اسمك؟ فقلت: وجهك.
فقالت: الحسن إذن. ومما يشبه هذا الذكاء، ما نقل أن المأمون غضب على عبد الله بن طاهر، وشاور أصحابه في الإيقاع به، وكان قد حضر ذلك المجلس صديق له، فكتب له كتابا فيه «بسم الله الرحمن الرحيم يا موسى» ، فلما فضه ووجد ذلك فعجب وبقي يطيل النظر إليه ولا يفهم معناه، وكانت له جارية واقفة على رأسه، فقالت له: يا سيدي إني أفهم معنى هذا. فقال: وما هو؟ فقالت: إنه أراد قوله «4» تعالى: يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ
وكان قد عزم على الحضور إلى المأمون، فثنى العزم عن ذلك واعتذر للمأمون في عدم الحضور. فكان ذلك سبب سلامته. وأحسن من هذا ما ذكره ابن خلكان فقال: إن بعض الملوك غضب على بعض عماله، فأمر وزيره أن يكتب إليه كتابا يشخصه به، وكان للوزير بالعامل عناية فكتب إليه كتابا، وكتب في آخره إن شاء الله تعالى، وجعل في صدر النون شدة، فتعجب العامل كيف وقعت هذه الحركة من الوزير، إذ من عادة الكتاب أن لا يشكلوا كتبهم، ففكر في ذلك فظهر له أنه أراد إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ
، فكشط الشدة وجعل مكانها ألفا، وختم الكتاب وأعاده للوزير. فلما وقف عليه الوزير سر بذلك وفهم أنه أراد: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا «5» فِيها
والله تعالى أعلم.
البغاث:
بفتح الباء الموحدة وكسرها وضمها ثلاث لغات، وبالغين المعجمة، طائر أغبر دون الرخمة بطيء الطيران، وهو من شرار الطير، ومما لا يصيد منها، وقال يونس: من جعل البغاث واحدا فجمعه بغثان مثل غزال وغزلان. ومن قال للذكر والأنثى بغاثة فالجمع بغاث مثل نعامة ونعام. وبغاث الطير شرارها وما لا يصيد منها. قال الشيخ أبو إسحق في المهذب في باب
(1/199)

الحجر: لا يسافر الولي بمال المحجور عليه، لما روي أن المسافر وماله لعلي. قلت أي هلاك. ومنه قول العباس بن مرداس السّلمي «1» :
بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور
وقوله مقلات بكسر الميم، والمقلات من النساء التي لا يعيش لها ولد، ومن النوق من تلد ولدا واحدا ولا تلد بعده. وقيل: المقلات التي تعمل وكرها في المهالك. والنزور بفتح النون القليلة الأولاد والنزر القليل.
الحكم:
تحريم الأكل لخبثه.
الأمثال:
قالت العرب: «البغاث بأرضنا يستنسر «2» » أي من جاورنا عز بنا. وقيل: معناه إن الضعيف يستضعفنا، ويظهر قوته علينا.
البغل:
معروف، وكنيته أبو الأشحج وأبو الحرون وأبو الصقر وأبو قضاعة وأبو قموص وأبو كعب وأبو مختار وأبو ملعون. ويقال له ابن ناهق وهو مركب من الفرس والحمار، ولذلك صار له صلابة الحمار وعظم آلات الخيل. وكذلك شحيجه أي صوته مولد من صهيل الفرس ونهيق الحمار، وهو عقيم لا يولد له، لكن في تاريخ ابن البطريق، في حوادث سنة أربع وأربعين وأربعمائة، أن بغلة بنابلس ولدت في بطن حجرة سوداء بغلا أبيض. قال: وهذا أعجب ما سمع. اهـ.
وشر الطباع ما تجاذبته الأعراق المتضادة، والأخلاق المتباينة، والعناصر المتباعدة، وإذا كان الذكر حمارا، يكون شديد الشبه بالفرس، وإذا كان الذكر فرسا، يكون شديد الشبه بالحمار. ومن العجب أن كل عضو فرضته منه يكون بين الفرس والحمار، وكذلك أخلاقه ليس له ذكاء الفرس ولا بلادة الحمار. ويقال: إن أول من أنتجها قارون وله صبر الحمار وقوة الفرس، ويوصف برداءة الأخلاق والتلون لأجل التركيب وينشد في ذلك قوله:
خلق جديد كل يو ... م مثل أخلاق البغال
لكنه، مع ذلك، يوصف بالهداية في كل طريق يسلكه مرة واحدة، وهو مع ذلك مركب الملوك في أسفارها، وقعيدة الصعاليك «3» في قضاء أوطارها، مع احتماله للأثقال، وصبره على طول الإيغال، وفي ذلك يقال:
(1/200)

مركب قاض وإمام عدل ... وعالم وسيد وكهل
يصلح للرحل وغير الرحل.
وفي الكامل لأبي العباس المبرد، قال العباس بن الفرج: نظر إلى عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه وهو على بغلة قد شمط وجهها هرما، فقيل له: أتركب هذه وأنت على أكرم باحرة بمصر؟ فقال: إنه لا ملل عندي لدابتي ما حملت رجلي، ولا لامرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديقي ما حفظ سري. إن الملل من كواذب الأخلاق وفيه أيضا أن رجلا من أهل الشام قال: دخلت المدينة فرأيت رجلا راكبا على بغلة، لم أر أحسن وجها ولا سمتا ولا دابة منه، فمال قلبي إليه، فسألت عنه فقيل لي: هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، فأتيته، وقد امتلأ قلبي له بغضا، فقلت له: أنت ابن أبي طالب؟ فقال لي بل أنا ابن ابنه.
فقلت: بك وبأبيك أسب عليا، فلما انقضى كلامي، قال: أحسبك غريبا قلت: أجل قال: فمل بنا إلى الدار فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال واسيناك، أو إلى حاجة عاوناك على قضائها، فانصرفت من عنده وما على وجه الأرض أحب إلي منه. اهـ.
قلت: وكان علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما، يلقب بزين العابدين، وأمه سلامة، وكان له أخ أكبر منه يسمى عليا أيضا، قتل مع أبيه بكر بلاء، روى الحديث عن أبيه وعن عمه الحسن وجابر وابن عباس والمسور بن مخرمة وأبي هريرة وصفية وعائشة وأم سلمة، أمهات المؤمنين رضي الله عنهم. قال ابن خلكان: كانت أمه سلامة بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس، وذكر الزمخشري في ربيع الأبرار، أن يزدجرد كان له ثلاث بنات، سبين في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فحصلت واحدة منهن لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، فأولدها سالما. والأخرى لمحمد بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، فأولدها قاسما. والأخرى للحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما فأولدها عليا زين العابدين رضي الله تعالى عنهم، فكلهم بنو خالة.
وكان زين العابدين مع أبيه بكر بلاء فاستبقي لصغر سنه، لأنهم قتلوا كل من أنبت، كما يفعل بالكفار قاتل الله فاعل ذلك وأخزاه ولعنه، وكان قد هم عبيد الله بن زياد بقتله ثم صرفه الله تعالى عنه. وأشار بعض الفجرة، على يزيد بن معاوية بقتله أيضا، فحماه الله منه. ثم إن يزيد بن معاوية صار يكرمه ويعظمه ويجلسه معه، ولا يأكل إلا وهو معه ثم بعثه إلى المدينة، فكان بها محترما معظما. قال ابن عساكر ومسجده بدمشق معروف، وهو الذي يقال له مشهد علي بجامع دمشق. قال الزهري: ما رأيت قرشيا أفضل منه. وقال محمد بن سعد: كان زين العابدين ثقة مؤمونا، كثير الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عالما، ولم يكن في أهل البيت مثله. وقال الأصمعي: لم يكن للحسين رضي الله عنه عقب إلا من ابنه زين العابدين، ولم يكن لزين العابدين نسل إلا من ابنة عمه الحسن رضي الله تعالى عنه، فجميع الحسينيين من نسله. وكان إذا توضأ يصفر لونه فإذا قام إلى الصلاة أرعد من الفرق أي الخوف، فقيل له في ذلك فقال: أتدرون بين يدي من أقوم ولم أناجي؟ ويروى أنه احترق البيت الذي هو فيه، وهو قائم يصلي، فلما انصرف، قيل له: ما بالك لم تنصرف حين وقعت النار؟ فقال: إني اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى ويروى أنه لما حج، وأراد أن يلبي أرعد واصفر وخر مغشيا عليه، فلما أفاق، سئل عن ذلك فقال: إني لأخشى أن
(1/201)

أقول لبيك اللهم لبيك، فيقول: لا لبيك ولا سعديك، فشجعوه قالوا: لا بد من التلبية، فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن راحلته. وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، وكان كثير الصدقات، وكان أكثر صدقته بالليل، وكان يقول: «صدقة الليل تطفىء غضب الرب» وكان كثير البكاء، فقيل له في ذلك فقال: إن يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف، ولم يتحقق موته، فكيف لا أبكي وقد رأيت بضعة عشر رجلا يذبحون من أهلي في غداة واحدة؟
وكان إذا خرج من منزله قال: اللهم إني أتصدق اليوم أو أهب عرضي اليوم لمن يغتابني. ومات لرجل ولد مسرف على نفسه، فجزع عليه، فقال له علي بن الحسين إن من وراء ولدك خلالا ثلاثة: شهادة أن لا إله إلا الله، وشفاعة رسول الله، ورحمة الله. واختلف أهل التاريخ في السنة التي توفي فيها زين العابدين والمشهور عند الجمهور أنه توفي سنة أربع وتسعين في أولها. وقال ابن الفلاس: وفيها مات سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن. وقال بعضهم: توفي في سنة اثنتين أو ثلاث وتسعين. وأغرب المدائني في قوله إنه توفي سنة مائة وقيل توفي في سنة تسع وتسعين. وكان عمره ثمانيا وخمسين سنة، ودفن في قبر عمه الحسن رضي الله عنهما، وعن آبائهم الكرام، وعن أصحاب رسول الله أجمعين. وفي وفيات الأعيان في ترجمة جلال الدولة ملك شاه أن المقتدي بأمر الله، جهز الشيخ أبا إسحاق الشيرازي الفيروز أبادي، صاحب التنبيه والمهذب وغيرهما، إلى نيسابور سفيرا له، في خطبة ابنة الملك جلال الدولة فنجز الشغل، وناظر إمام الحرمين هناك، فلما أراد الانصراف من نيسابور، خرج إمام الحرمين إلى وداعه، وأخذ بركابه حتى ركب أبو إسحاق بغلته، وظهر له في خراسان منزلة عظيمة، وكانوا يأخذون التراب الذي وطئته بغلته فيتبركون به. وكان رحمه الله إماما عالما عاملا ورعا زاهدا عابدا. توفي في سنة ست وسبعين وأربعمائة، وتوفي إمام الحرمين في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة وغلقت الأسواق يوم موته، وكسر منبره بالجامع، وكانت تلامذته قريبا من أربعمائة نفر، فكسروا محابرهم وأقلامهم وأقاموا على ذلك عاما كاملا. وفي تاريخ بغداد ووفيات الأعيان أن أبا حنيفة كان له جار اسكافي يعمل نهاره فإذا رجع إلى منزله ليلا تعشى ثم شرب فإذا دب الشراب فيه أنشد يغني ويقول: «1»
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
ولا يزال يشرب ويردد هذا البيت، حتى يأخذه النوم وأبو حنيفة يسمع جلبته كل ليلة.
وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله ففقد أبو حنيفة صوته، فسأل عنه فقيل له: أخذه العسس منذ ليال، فصلى أبو حنيفة الفجر من غده، ثم ركب بغلته وأتى دار الأمير، فاستأذن عليه فقال:
ائذنوا له وأقبلوا به راكبا ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففعل به ذلك، فوسع له الأمير من مجلسه، وقال له: ما حاجتك؟ فشفع في جاره. فقال الأمير: اطلقوه وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا فأطلقوهم أيضا فذهبوا فركب أبو حنيفة بغلته، وخرج والإسكافي معه يمشي وراءه، فقال له أبو حنيفة: يا فتى هل أضعناك؟ فقال: بل حفظت ورعيت، فجزاك الله خيرا عن حرمة الجوار. ثم تاب الرجل ولم يعد إلى ما كان يفعل. واسم أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى بن
(1/202)

ماه، وكان عالما عاملا. قال الشافعي: قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا، لقام بحجته! وكان الشافعي يقول: الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه، وعلى زهير بن أبي سلمى «1» في الشعر، وعلى محمد بن إسحاق «2» في المغازي، وعلى الكسائي «3» في النحو، وعلى مقاتل بن سليمان «4» في التفسير. وكان أبو حنيفة إماما في القياس، وداوم على صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة. وكان عامة ليلة يقرأ القرآن في ركعة واحدة، وكان يبكي في الليل حتى يرحمه جيرانه. وختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة. ولم يفطر منذ ثلاثين سنة، ولم يكن يعاب بشيء سوى قلة العربية. حكي أن أبا عمرو بن العلاء، سأله عن القتل بالمثقل، هل يوجب القود؟ قال: لا، على قاعدة مذهبه خلافا للشافعي. فقال له أبو عمرو: لو قتله بحجر المنجنيق؟ فقال: ولو قتله بأبا قبيس: يعني الجبل المطل على مكة. وقد اعتذر عن أبي حنيفة بأنه قال ذلك على لغة من يعرب الأسماء الستة بالألف في الأحوال الثلاثة وأنشدوا على ذلك:
إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها
وهي لغة الكوفيين، وأبو حنيفة من أهل الكوفة. وتوفي أبو حنيفة في السجن ببغداد سنة خمسين ومائة، وقيل غير ذلك، وقيل لم يمت في السجن، وقيل مات في اليوم الذي ولد فيه الشافعي، وقيل في العام لا في اليوم كما تقدم. وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: توفي في سنة إحدى وقيل ثلاث وخمسين ومائة والله أعلم قلت: البيت المذكور في حكاية الإسكافي المتقدمة، للعرجي عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم. وقد استشهد به النضر بن شميل على المأمون، قال ابن خلكان: دخل النضر «5» بن شميل على المأمون ليلة، فتفاوضا الحديث فروى المأمون عن هشيم بسنده إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال:
قال «6» رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها، كان فيه سداد من عوز» بفتح السين. فقال النضر: يا أمير المؤمنين صدق هشيم حدثنا فلان عن فلان إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قال: قال «7» رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها، فهو سداد من عوز» بكسر السين. قال: وكان المأمون متكئا، فاستوى جالسا وقال: كيف قلت
(1/203)

سداد؟ قال: قلت لأن السداد ههنا لحن. فقال المأمون: أتلحنني قلت إنما لحن هشيم، فتبع أمير المؤمنين لفظه. فقال ما الفرق بينهما؟ قلت: السّداد بالفتح القصد في الدين والسبيل والسّداد بالكسر البلغة وكل ما سددت به شيئا فهو سداد. فقال المأمون: أو تعرف العرب ذلك؟ قال:
قلت: نعم هذا العرجي يقول: «1» :
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فأخذ المأمون القرطاسي وكتب فيه، ثم قال لخادمه: ابلغ معه إلى الفضل «2» بن سهل فلما قرأ الفضل الرقعة قال: يا نضر قد أمر لك أمير المؤمنين بخمسين ألف درهم، فما كان السبب؟
فأخبرته فأمر لي بثلاثين ألف درهم أخرى. فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف واحد استفيد مني.
وتوفي النضر بن شمبل في سنة أربع ومائتين بمرو رحمه الله تعالى. وفي تاريخ بغداد عن أبي يوسف «3» صاحب أبي حنيفة واسمه يعقوب أنه قال: أويت ذات ليلة إلى فراشي وإذا بالباب يدق دقا عنيفا، فخرجت فإذا هرثمة بن أعين «4» فقال: أجب أمير المؤمنين. فركبن بغلتي ومضيت خائفا، إلى أن وصلت دار أمير المؤمنين، فإذا أنا بمسرور فسألته من عند أمير المؤمنين؟ فقال:
عيسى بن «5» جعفر فدخلت فإذا هو جالس وعن يمينه عيسى بن جعفر فسلمت عليه، وجلست فقال الرشيد: أظن أننا روّعناك؟ فقلت: أي والله ومن خلفي كذلك. فسكت ساعة ثم قال:
أتدري يا يعقوب لم دعوتك؟ قلت: لا، قال: دعوتك لأشهدك على هذا، أن عنده جارية، وقد سألته أن يهبها لي، فأبي وو الله لئن لم يفعل لأقتله! قال: فالتفت إلى عيسى وقلت له ما بلغ من قدر الجارية حتى إنك تمنعها من أمير المؤمنين، وتنزل نفسك هذه المنزلة من أجلها؟ ثم هي ذاهبة من يدك على كل حال؟ فقال: عجلت علي بالتوبيخ من قبل أن تعرف ما عندي، قلت: وما هو؟
قال: إن علي يمينا بالطلاق والعتاق، وصدقة ما أملكه لا أبيع هذه الجارية ولا أهبها. فالتفت إليّ الرشيد وقال: هل لك في هذه من مخرج؟ قلت: نعم: وما هو؟ قلت: يهبك نصفها ويبيعك نصفها، فيكون لم يهبها ولم يبعها قال عيسى أو يجوز ذلك؟ قلت: نعم. قال فاشهد، أني وهبته نصفها، وبعته نصفها الباقي بمائة ألف دينار. فقال الرشيد: قد قبلت الهبة، واشتريت النصف بمائة ألف دينار. ثم قال: علي بالجارية والمال فأتي بالجارية والمال. فقال: خذها يا أمير المؤمنين، بارك الله لك فيها. فقال الرشيد: يا يعقوب بقيت واحدة؟ فقلت: وما هي؟ قال: إنها مملوكة ولا
(1/204)

بد أن تستبرأ وو الله لئن لم أبت معها ليلتي هذه، أظن أن نفسي تخرج! فقلت: يا أمير المؤمنين تعتقها وتتزوّجها، فإن الحرة لا تستبرأ. قال: فإني قد أعتقتها. فمن يزوّجنيها؟ قلت له: أنا.
فدعا بمسرور وحسين، فخطبت وحمدت الله تعالى، وزوّجته بها على عشرين ألف دينار، ثم قال:
علي بالمال، فجيء به فدفعه إليها ثم قال لي: يا يعقوب انصرف، وقال لمسرور: احمل إلى يعقوب مائتي ألف درهم، وعشرين تختا من الثياب فحمل ذلك إليه. اهـ.
وكان أبو يوسف يحفظ التفسير والمغازي وأيام العرب فمضى يوما ليسمع المغازي، وأخل بمجلس أبي حنيفة اياما فلما أتاه قال له: يا أبا يوسف من كان صاحب راية جالوت؟ فقال له أبو يوسف: إنك إمام، وإن لم تمسك عن هذا سألتك على رؤوس الناس، أيما كان أول وقعة بدر أو أحد؟ فإنك لا تدري ذلك، وهي أهون مسائل التاريخ، فأمسك عنه. قيل: كان يجلس إلى أبي يوسف رجل فيطيل الصمت ولا يتكلم فقال له أبو يوسف يوما: ألا تتكلم؟ فقال: بلى. متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غابت الشمس. قال: فإن لم تغب إلى نصف الليل كيف يصنع؟ فضحك أبو يوسف وقال له: أصبت في صمتك، وأخطأت أنا في استدعائي نطقك وأنشد «1» :
عجبت لإزراء الغبي بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصمت ستر للغبي وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما
وروي أن رجلا كان يجلس إلى بعض العلماء ولا يتكلم، فقيل له يوما: ألا تتكلم؟ قال:
نعم أخبرني لأي شيء يستحب صيام الأيام البيض من كل شهر؟ فقال: لا أدري: فقال الرجل:
لكني أدري. قال: وما هو؟ قال لأن القمر لا ينكسف إلا فيهن، فأحب الله تعالى أن لا يحدث في السماء آية، إلا حدث في الأرض مثلها. وهذا أحسن ما قيل فيه. وذكر «2» ابن خلكان أن رجلا كان يجالس الشعبي ويطيل الصمت فقال له الشعبي يوما ألا تتكلم؟ فقال: أصمت فأسلم، وأسمع فأعلم، إن حظ المرء في أذنه له، وفي لسانه لغيره. وتكلم شاب يوما عند الشعبي بكلام، فقال الشعبي: ما سمعنا بهذا. فقال الشاب: أكل العلم سمعت؟ قال: لا. قال فشطره؟ قال:
نعم. قال: فاجعل هذا في الشطر الذي لم تسمعه. فأفحم الشعبي. وأبو يوسف هو أول من دعي بقاضي القضاة، وأول من غير لباس العلماء إلى هذه الهيئة التي هم عليها إلى هذا الزمان، وكان ملبوس الناس قبل ذلك، شيئا واحدا لا يتميز أحد عن أحد بلباسه وحكي أن عبد الرحمن بن مسهر، كان قاضيا على بليدة، بين بغداد وواسط، يقال لها المبارك، فبلغه خروج الرشيد إلى البصرة، ومعه أبو يوسف القاضي في الحراقة. فقال عبد الرحمن لأهل المبارك:
اثنوا علي عندهما، فأبوا عليه. فلبس ثيابه وتلقاهما، وقال نعم القاضي قاضينا، ثم مضى إلى موضع آخر وأعاد عليهما هذا القول فالتفت الرشيد إلى أبي يوسف وقال: يا يعقوب قاض في موضع لا
(1/205)

يثني عليه إلا رجل واحد بئس القاضي. فقال أبو يوسف: والعجب يا أمير المؤمنين أنه هو القاضي، وهو يثني على نفسه. فضحك الرشيد وقال: هذا أظرف الناس هذا لا يعزل أبدا توفي أبو يوسف في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائة، وقيل غير ذلك. وأنشد أبو السعادات «1» المبارك بن الأثير لصاحب الموصل وقد زلت به بغلته:
إن زلت البغلة من تحته ... فإنّ في زلتها عذرا
حملها من علمه شاهقا ... ومن ندى راحتيه بحرا
وروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أن البغال كانت تتناسل، وكانت من أسرع الدواب في نقل الحطب لنار إبراهيم، خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام، فدعا عليها فقطع الله نسلها.
فائدة غريبة:
روي عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، قال: كان عندنا طحان رافضي، له بغلان، سمي أحدهما أبا بكر والآخر عمر، فرمحه أحدهما فقتله. فأخبر جدي أبو حنيفة بذلك، فقال: انظروا الذي رمحه فإنه الذي سماه عمر فنظروا فوجدوه كذلك. وفي كامل ابن عدي في ترجمة خالد بن يزيد العمري المكي، عن سفيان بن أبان، عن أنس رضي الله تعالى عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب بغلة فحادت به، فحبسها» وأمر «2» رجلا أن يقرأ عليها قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ «3»
فسكنت وسيأتي، إن شاء الله تعالى، هذا في الدابة. وفيه عنه أيضا أنه روى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ولد له ثلاثة ولم يسم أحدهم محمدا فهو من الجفاء، وإذا سميتموه محمدا فلا تسبوه ولا تعيبوه ولا تضربوه وشرفوه وكرموه وعظموه وبروا قسمه» .
فائدة:
روى أبو داود والنسائي، عن عبد الله بن زرير الغافقي المصري، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: «أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة، فركبها فقالوا: لو حملنا الحمير على الخيل لكان لنا مثل هذه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون «4» » قال ابن حبان: معناه الذين لا يعلمون النهي عنه وقال الخطابي: يشبه أن يكون المعنى في ذلك، والله أعلم، أن الحمير، إذا حملت على الخيل، تعطلت منافع الخيل وقل عددها، وانقطع نماؤها، والخيل يحتاج إليها للركوب والعدو والركض والطلب، وعليها يجاهد العدوّ، وبها تحرز الغنائم.
ولحمها مأكول، ويسهم للفرس كما يسهم للرجل. وليس للبغل شيء من هذه الفضائل، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم، أن ينمو عدد الخيل ويكثر نسلها، لما فيها من النفع والصلاح، فإذا كانت الفحول خيلا، والأمهات حميرا فيحتمل أن لا يكون داخلا في النهي إلا أن يتأوّل متأوّل أن المراد بالحديث
(1/206)

صيانة الخيل عن مزاوجة الحمير، وكراهة اختلاط مائها بمائها لئلا يكون منها الحيوان المركب من نوعين مختلفين. فإن أكثر الحيوانات المركبة من نوعين من الحيوان أخبث طبعا من أصولها التي تتولد منها، وأشد شراسة كالسّمع والعسبار ونحوهما. ثم إن البغل حيوان عقيم ليس له نسل ولا نماء ولا يذكى ولا يزكى ثم قال: ولا أرى لهذا الرأي طائلا، فإن الله تعالى قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً
. «1» فذكر البغال وامتن علينا بها، كامتنانه بالخيل والحمير، وأفرد ذكرها بالاسم الخاص الموضوع لها، ونبه على ما فيها من الأرب والمنفعة. والمكروه من الأشياء مذموم، لا يستحق المدح ولا يقع الامتنان به، وقد استعمل صلى الله عليه وسلم البغل واقتناه وركبه حضرا وسفرا، ولو كان مكروها لم يقتنه ولم يستعمله، انتهى.
وروى مسلم عن يزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار، على بغلة، ونحن معه، إذ حادت به فكادت أن تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال صلى الله عليه وسلم: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر» فقال رجل: أنا فقال: «متى مات هؤلاء» ؟ قال: ماتوا على الإشراك. فقال صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله عزّ وجلّ أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه» . ثم أقبل النبي صلى الله عليه وسلم علينا بوجهه الكريم، فقال: «تعوّذوا بالله من عذاب القبر» . فقالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. فقال:
«تعوّذوا بالله من عذاب النار» . فقالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. فقال: «تعوّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» . فقالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. فقال: «تعوّذوا بالله من فتنة الدجال» . «2» فقالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال.
فائدة أخرى
: كانت بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الدلدل، التي يركبها في الأسفار، أنثى كما أجاب به ابن الصلاح وغيره. وعاشت بعده حتى كبرت وزالت أضراسها، فكان يحش لها الشعير إلى أن ماتت بالبقيع، في زمن معاوية رضي الله تعالى عنه، وكانت شهباء، ونقل الحافظ قطب الدين في شرح السيرة، عن شرح الجامع الكبير، أنه لو حلف لا يركب بغلا فركب ذكرا أو أنثى يحنث، لأنه اسم جنس. وكذلك البغلة والهاء فيها للإفراد، وهاء الإفراد تقع على الذكر والأنثى، كالجرادة والتمرة. وكذا لو حلف لا يركب بغلة فركب ذكرا أو أنثى حنث أيضا. ثم قال: وأجمع أهل الحديث على أن بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ذكرا لا أنثى ثم عد للنبي صلى الله عليه وسلم، خمس بغال. وقال السهيلي: ومما ذكر في غزوة حنين، أن النبي صلى الله عليه وسلم، «أخذ وهو على بغلته حفنة من البطحاء، فرمى بها في وجوه الكفار، وقال: شاهت الوجوه فانهزموا» . وكانت البغلة ضربت ببطنها الأرض، حتى أخذ الحفنة، ثم قامت. قال: وتلك البغلة هي التي تسمى البيضاء. وهي التي أهداها له فروة بن نعامة وفي معجم الطبراني الأوسط، من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، قال: لما انهزم المسلمون
(1/207)

يوم حنين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، على بغلته الشهباء، التي يقال لها الدلدل، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«دلدل أسدى فألصقت بطنها بالأرض حتى أخذ النبي صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب، فرمى بها وجوههم وقال: حم*
«1» لا ينصرون قال: فانهزم القوم وما رميناهم بسهم، ولا طعناهم برمح، ولا ضربناهم بسيف» . وفيه من حديث شيبة بن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين لعمه العباس:
«ناولني من البطحاء» ، فأفقه الله تعالى البغلة كلامه فانخفضت به حتى كاد بطنها يمس الأرض، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحصباء، فنفخ في وجوههم، وقال: «شاهت الوجوه حم لا ينصرون» .
تتمة:
روى الطبراني وأبو نعيم من طرق صحيحه عن خزيمة بن أوس، قال: هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقدمت عليه عند منصرفه من تبوك فأسلمت، فسمعته يقول «2» : «هذه الحيرة قد رفعت لي وإنكم ستفتحونها، وهذه الشيماء بنت نفيل الأزدية، على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود» . فقلت: يا رسول الله إن نحن دخلنا الحيرة، فوجدناها على هذه الصفة، فهي لي. قال عليه الصلاة والسلام: «هي لك» فأقبلنا مع خالد بن الوليد نريد الحيرة، فلما دخلناها كان أول من تلقانا الشيماء بنت نفيل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود» فتعلقت بها، وقلت هذه وهبها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فطلب مني خالد عليها البينة فأتيته بها، فسلمها لي، ونزل إلينا أخوها عبد المسيح فقال لي: أتبيعينها؟ فقلت: نعم، فقال: احتكم ما شئت فقلت: والله لا أنقصها عن ألف درهم. فدفع لي ألف درهم. فقيل لي: لو قلت مائة ألف درهم لدفعها إليك فقلت: لا أحسب مالا أكثر من ألف درهم. قال الطبراني: وبلغني أن الشاهدين كانا محمد ابن مسلمة وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم.
الحكم:
يحرم أكل المتولد منها بين الحمار الأهلي والفرس، لما روى جابر قال: «ذبحنا يوم حنين البغال والحمير والخيل فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمير والبغال، ولم ينهنا عن الخيل ولأنه متولد بين ما يحل وما يحرم» «3» . فغلب جانب التحريم، فإن تولد بين حمار وحشي وفرس حل.
وأما الحديث الذي رواه البزار، بإسناد صحيح، عن أبي واقد «أن قوما لهم بغل، ولم يكن لهم شيء غيره، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، «فرخص لهم فيه» فهذا محمول على أنهم كانوا مضطرين، يحل لهم أكل الميتة.
فرع:
وإذا أوصى لزيد ببغلة، لا تتناول الذكر على الأصح. كما لا تتناول البقرة الثور والثاني تتناوله والهاء للوحدة كبقرة وزبيبة.
الأمثال:
«قيل للبغل: من أبوك؟ قال الفرس خالي «4» » . يضرب للمخلط في أمره. وقالوا:
(1/208)

«أعقر من بغل وأعقم من «1» بغلة» . وقالوا: «أعيب من بغلة أبي دلامة» ، واسمه زند بن الجون كوفي أسود، كان مولى لبني أسد، وكان صاحب نوادر: فمنها أنه مرض له ولد، فاستدعى طبيبا ليداويه وشرط له جعلا معلوما، فلما برىء ولده، قال له: والله ما عندنا شيء نعطيك إياه، ولكن إدّع على فلان اليهودي بمقدار الجعل، وكان ذا مال كثير، وأنا وولدي نشهد لك بذلك. فمضى الطبيب إلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وحمل إليه اليهودي وادعى عليه بذلك المبلغ، فأنكر.
فقيل: ألك بينة؟ قال: نعم، قال: أحضرها، فدخل أبو دلامة وهو ينشد والقاضي يسمع شعره «2» :
إن الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإن بحثوا عني ففيهم مباحث
وإن نبئوا بئري نبئت بئارهم ... ليعلم قوم كيف تلك النبائث
فلما شهدا عند القاضي، قال لهما: شهادتكما مقبولة وكلامكما مسموع. ثم غرم المبلغ من عنده وجمع بين المصلحتين. ومنها أنه خاصم رجلا إلى عافية بن يزيد القاضي فقال:
لقد خاصمتني غواة الرجال ... وخاصمتهم سنة وافية
فما أدحض الله لي حجة ... وما خيّب الله لي قافية
فمن كنت من جوره خائفا ... فلست أخافك يا عافية
فقال له عافية: لأشكونك لأمير المؤمنين، قال ولم؟ قال: لأنك هجوتني. قال: أبو دلامة إن شكوتني ليعزلنك قال: ولم؟ قال: لأنك لا تعرف الهجاء من المدح. ومنها ما قاله الإمام أبو الفرج ابن الجوزي: روي أن أبا دلامة دخل على المهدي، فأنشده قصيدة فقال له: سلني حاجتك، فقال:
يا أمير المؤمنين هب لي كلبا، فغضب المهدي وقال: أقول لك سلني حاجتك، فتقول: هب ليي كلبا!. فقال: يا أمير المؤمنين الحاجة لي أم لك؟ قال: بل لك قال: فإني أسألك أن تهب لي كلب صيد، فأمر له بكلب. فقال: يا أمير المؤمنين هبني خرجت إلى الصيد، أفأعدو على رجلي؟ فأمر له بدابة. فقال: يا أمير المؤمنين فمن يقوم عليها؟ فأمر له بغلام. فقال يا أمير المؤمنين هبني صدت صيدا فأتيت به المنزل فمن يطبخه لي؟ فأمر له بجارية. فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء أين يبيتون؟
فأمر له بدار. فقال: يا أمير المؤمنين قد صار في عنقي جماعة من العيال، فمن أين لي ما يقوت هؤلاء؟ قال: فإن أمير المؤمنين قد أقطعك ألف جريب عامرا وألف جريب غامرا. فقال: أما العامر فقد عرفت. فما الغامر؟ قال: الخراب الذي لا شيء فيه. فقال: أنا أقطع أمير المؤمنين مائة ألف جريب غامرة بالبدو، ولكني أسأل أمير المؤمنين من ألف جريب جريبا واحدا عامرا.
قال: من أين؟ قال: من بيت المال. فقال المهدي حوّلوا المال وأعطوه جريبا. فقال: يا أمير المؤمنين إذا حوّلوا منه المال صار غامرا فضحك المهدي منه وأرضاه.
قلت: وقد أذكرتني هذه الحكاية ما ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الأذكياء، بسنده عن محمد بن إسحاق السراج، قال: أنبأنا داود بن رشيد قال: قلت للهيثم بن عدي: بأي شيء استحق سعيد بن عبد الرحمن أن ولاه المهدي القضاء وأنزله منه تلك المنزلة الرفيعة؟ قال: إن
(1/209)

خبره لظريف، فإن أحببت شرحته لك؟ قلت: قد والله أحببت ذلك. قال: اعلم أنه وافى الربيع «1» الحاجب حين أفضت الخلافة إلى المهدي، فقال: استأذن لي علي أمير المؤمنين فقال له الربيع: من أنت؟ وما حاجتك؟ قال: أنا رجل قد رأيت لأمير المؤمنين رؤيا صالحة، وقد أحببت أن تذكرني له. فقال له الربيع: يا هذا إن القوم لا يصدقون ما يرونه لأنفسهم، فكيف ما يراه لهم غيرهم؟ فاحتل بحيلة غير هذه، تكون أدر عليك من هذه. فقال: إن لم تخبره بمكاني وإلا سألت من يوصلني إليه وأخبره إني سألتك الإذن عليه فلم تفعل. فدخل الربيع على المهدي وقال له: يا أمير المؤمنين إنكم قد أطمعتم الناس في أنفسكم وقد احتالوا لكم بكل ضرب. فقال له المهدي: هكذا صنع الملوك فماذا؟ قال: رجل بالباب يزعم أنه رأى لأمير المؤمنين رؤيا صالحة، وقد أحب أن يقصها على أمير المؤمنين، فقال له المهدي: ويحك يا ربيع إني والله قد أرى الرؤيا لنفسي فلا تصح لي، فكيف إذا ادعاها لي من لعله افتعلها؟ قال: قد قلت له والله مثل هذا فلم يقبل: قال فهات الرجل. فأدخل عليه سعيد بن عبد الرحمن، وكان له رواء وجمال وثروة ظاهرة ولحية عظيمة ولسان طلق، فقال له المهدي: هات بارك الله عليك ما رأيت قال: يا أمير المؤمنين، رأيت كأن آتيا أتاني في منامي، فقال لي أخبر أمير المؤمنين أنه يعيش ثلاثين سنة في الخلافة، وآية ذلك أن يرى في ليلته هذه في منامه، كأنه يقلب ياقوتا فيعده فيجده ثلاثين ياقوتة، كأنها قد وهبت له. فقال له المهدي: ما أحسن ما رأيت! ونحن نمتحن رؤياك في ليلتنا المقبلة، على ما أخبرتنا به، فإن كان الأمر كما ذكرته أعطيناك ما تريد، وإن كان الأمر بخلاف ذلك لم نعاقبك لعلمنا أن الرؤيا ربما صدقت وربما اختلقت. فقال له سعيد: يا أمير المؤمنين فماذا أصنع أنا الساعة إذا صرت إلى منزلي وعيالي، وأخبرتهم أني كنت عند أمير المؤمنين ثم رجعت صفر اليدين. فقال له المهدي:
فكيف نصنع؟ فقال: تعجل لي يا أمير المؤمنين ما أحب، وأحلف لك بالطلاق أني صادق في رؤياي فأمر له بعشرة آلاف درهم، وأمر أن يؤخذ منه كفيل فمد عينيه فرأى خادما واقفا على رأس المهدي، حسن الوجه والزي، فقال: هذا يكفلني. فقال له المهدي: أتتكفل به؟ فاحمر وجهه وخجل، وقال: نعم أتكفله. وانصرف سعيد بالمال. فلما كان في تلك الليلة رأى المهدي ما ذكره له سعيد حرفا بحرف. وأصبح سعيد فوافى الباب قائما واستأذن فأذن له، فلما وقعت عين المهدي عليه، قال له: أين مصداق ما قلت؟ فقال له سعيد: أو ما رأى أمير المؤمنين شيئا؟ فتلجلج في جوابه فقال له سعيد امرأته طالق أن لم تكن رأيت شيئا، فقال له المهدي: ويحك ما أجرأك على الحلف بالطلاق، قال لأني أحلف على صدق. فقال المهدي: قد والله رأيت ذلك بينا. فقال سعيد: الله أكبر أنجز لي يا أمير المؤمنين ما وعدتني. فقال له: حبا وكرامة ثم أمر له بثلاثة آلاف دينار، وعشرة تخوت ثياب، وثلاثة مراكب من أنفس دوابه. وقال غيره: ثلاث بغال شهب. فأخذ ذلك وانصرف، فلحقه الخادم الذي كان تكفل به، وقال له: سألتك بالله الذي لا إله إلا هو هل كان لتلك الرؤيا التي ذكرت حقيقة؟ فقال له سعيد: لا والله. فقال له: وكيف ذلك وقد رأى أمير المؤمنين ما ذكرته؟ فقال: هذه من المخاريق الكبار التي لا يأبه لها أمثالكم، وذلك أني لما
(1/210)

ألقيت إليه هذا الكلام، خطر بباله وحدث به نفسه واشرأب به قلبه، واشتغل به فكره، فساعة ما نام خيل له ما كان في قلبه، مما شغل به فكره، فرآه في منامه. فقال له الخادم: فقد حلفت بالطلاق قال: طلقت واحدة وبقيت معي على اثنتين فأزيد في المهر عشرة دراهم وأحصل على عشرة آلاف درهم وثلاثة آلاف دينار وعشرة تخوت من أصناف الثياب وثلاثة مراكب. فبهت الخادم في وجهه وتعجب من أمره فقال له سعيد: قد والله صدقتك، وجعلت صدقي لك مكافأتك على كفالتك لي، فاستر ذلك علي ففعل. ثم إن المهدي طلبه لمنادمته، فجعل ينادمه وحظي عنده وقلده القضاء على عسكره، فلم يزل كذلك حتى مات المهدي ثم قال ابن الجوزي: هكذا رويت لنا هذه الحكاية وإني لمرتاب من صحتها وما أبعد هذا أن يحكى عن قاض من القضاة.
قلت: وقد سئل الإمام أحمد عن سعيد بن عبد الرحمن هذا فقال: ليس به بأس. وقال يحيى بن معين: هو ثقة، وإنما اتهم بهذا الهيثم بن عدي، فقد قال يحيى بن معين: الهيثم ليس بثقة، كان يكذب. وقال علي بن المديني: لا أرضاه في شيء. وقال أبو داود العجلي: الهيثم كذاب. وقال إبراهيم بن يعقوب الجرجاني:
الهيثم ساقط قد كشف قناعه. وقال أبو زرعة: ليس بشيء. وفي كتاب الفرج بعد الشدة، عن رجل من الجند قال: خرجت من بعض بلدان الشأم، أريد قرية من قراها، فلما صرت في بعض الطريق، وقد سرت عدة فراسخ، لحقني التعب وكان معي بغلة عليها خرجي وقماشي، وكان قد قرب المساء، فإذا بدير عظيم، وفيه راهب في صومعة، فنزل إلي واستقبلني وسألني المبيت عنده، وأن يضيفني ففعلت فلما دخلت الدير لم أجد فيه غيره، فأخذ بغلتي وطرح لها شعيرا، وعزل رحلي في بيت، وجاءني بماء حار، وكان الزمان شديد البرد والثلج يسقط، وأوقد بين يدي نارا عظيمة، وجاء بطعام طيب فأكلت ومضت قطعة من الليل، فأردت النوم، فسألته عن طريق المستراح، فدلني عليه، وكنا في غرفة، فنزلت ومشيت، فلما صرت على باب المستراح، إذا بارية عظيمة، فلما صارت رجلاي عليها، سقطت فإذا أنا بالصحراء، وإذا البارية كانت مطروحة على غير سقف، وكان الثلج يسقط سقوطا عظيما، فصحت بالراهب، فلم يكلمني.
فقمت وقد تجرح بدني إلا أني سالم، فجئت فاستظللت بطق باب الدير من الثلج. فإذا حجارة قد أتتني لو تمكنت من دماغي لطحنته. فخرجت أعدو وأصيح فشتمني. فعلمت أني أتيت من جانبه، وأنه طمع في رحلي فلما خرجت من ظل الدير، وقع الثلج عليّ وبل ثيابي، فنظرت فإذا أنا تالف من البرد والثلج، فولد لي الفكر أن أخذت حجرا قريبا من الثلاثين رطلا، فوضعته على عاتقي وجعلت أعدو به في الصحراء شوطا طويلا، حتى يأخذني التعب، فإذا تعبت وحميت وعرقت طرحت الحجر، وجلست أستريح، فإذا سكنت وأخذني البرد تناولت الحجر وعدوت به فلم أزل على تلك الحالة إلى الصبح. فلما كان قبل طلوع الشمس، وأنا خلف الدير، إذ سمعت حس باب الدير وقد فتح وإذا بالراهب قد خرج وجاء إلى الموضع الذي سقطت منه فلم يرني، فقال: يا قوم ما فعل؟ وأنا أسمعه، ثم مشى فخالفته إلى باب الدير، ودخلت الدير وهو دائر يطلبني حول الدير، ووقفت خلف الباب، وكان في وسطي خنجر لم يشعر به الراهب، فطاف حول الدير فلما لم يقف لي على علم ولا خبر، ولا عرف لي أثرا، عاد ودخل الدير وأغلق الباب،
(1/211)

فجئت عليه ووجأته بالخنجر، فصرعته وذبحته، وأغلقت باب الدير وصعدت إلى الغرفة، واصطليت بنار كانت موقودة هناك، وطرحت عليّ من رحلي ثيابا كثيرة، وأخذت كساء الراهب فنمت فيه، فما أفقت إلا قرب العصر، فلما انتبهت طفت الدير حتى وقفت على طعام فأكلت منه، وسكنت نفسي. ووقعت بمفاتيح بيوت الدير، فوقفت أفتح بيتا بيتا، فإذا أموال عظيمة، من عين وورق، وأمتعة وثياب، وآلات ورحال قوم، وأخراجهم وحمولاتهم، وإذا الراهب كان من عادته ذلك، مع كل من يجتاز به وحيدا ويتمكن منه. قال: فتحيرت في نفسي ولم أدر كيف أعمل في نقل المال فلبست من ثياب الراهب شيئا، وأقمت في صومعته أياما، أتراءى لمن يجتاز بي من بعيد لئلا يشكوا أني أنا هو فإذا قربوا مني لم أبرز إليهم وجهي إلى أن خفي أثري، فنزعت ثياب الراهب، وأخذت جوالقين كانا في الدير من تلك الأمتعة، وجعلتهما على ظهر البغلة وذهبت إلى قرية قريبة من الدير فاكتريت بها منزلا ولم أزل أنقل إليه على البغلة حتى أخذت الصامت كله مما خف حمله وكثرت قيمته ولم أدع فيه إلا الأمتعة الثقيلة، فاكتريت عدة دواب ورجال، وجئت بهم دفعة واحدة، وحملت كل ما قدرت عليه، وسرت في قافلة عظيمة بغنيمة هائلة حتى قدمت على بلدي، وقد حصلت على مال عظيم. وقد ذكر هذه الحكاية الحافظ ابن شاكر في تاريخه عن أبي محمد البطال وفيها بعض مخالفة.
الخواص:
إذا جفف قلب البغل ونحت وسقي من نحاتته امرأة لم تحبل أبدا. وكذلك وسخ أذنه إذا تحملت به المرأة لم تحبل أبدا. وإن علقته في جلد بغل عليها لم تحبل أبدا ما دام عليها.
ورماد حافره إذا سحق وعجن بدهن الآس، وجعل على رأس الأقرع أو الموضع الذي لا ينبت فيه شعر، نبت الشعر. وإذا دفن حافر البغلة السوداء، أو دمها تحت عتبة باب لم يقربه فار. وإذا بخر البيت بحافر بغلة ذكر هرب منه الفأر وسائر الهوام. ونقل ابن زهر عن سقراطيس أن من كان عاشقا وأحب أن يزول عشقه، فليتمرغ في مراغة بغل ذكر إن كان عشقه من ذكر، وإن كان عشقه من أنثى ففي مراغة بغل أنثى. وزبله إذا شمه المزكوم وتفل عليه ورماه على الطريق، فمن تخطاه انتقل الزكام إليه وبرىء التافل عليه. وقال هرمس: إذا أخذ وسخ أذن البغل في بندقة من فضة، وعلق على الحبالى منعهن الولادة ما دام عليهن. وإذا سقي منه إنسان في نبيذ، سكر من وقته. وإن شربت امرأة من بول بغل مقدار ثلاثين درهما لم تحبل أبدا. وإن سقيت المرأة الحامل من دماغ بغل شيئا جاء ولدها مجنونا. وقال ابن بختيشوع: عرق البغلة إذا تحملت به امرأة في قطنة لم تحبل أبدا.
التعبير:
البغل في المنام يدل على السفر براكبه، وعلى طول العمر، ويعبر أيضا بولد زنا لا أصل له. فمن ركب بغلا ولم يكن من المسافرين، فإنه يقهر رجلا شديدا. والبغلة مرتبة. وقيل امرأة عاقر فالسوداء ذات مال والبيضاء ذات حسب. وقيل: البغلة سفر، فمن نزل عن بغلته نزول مفارقة نزل عن مرتبته أو فارق زوجته التي هي مركبه أو يطول سفره والله أعلم.
البغيبغ:
تيس الظباء السمين. وسيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه في الظبي في حرف الظاء.
البقر الأهلي:
اسم جنس يقع على الذكر والأنثى وإنما دخلته الهاء للوحدة والجمع
(1/212)

بقرات. قال «1» الله تعالى: سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ*
قال المبرد في الكامل: إذا أردت التمييز قلت:
هذا بقرة للذكر وهذه بقرة للأنثى كما تقول: هذا بطة للذكر وهذه بطة للأنثى. والبقير والبقران والباقر جماعة البقر. مع رعاتها. والبيقور الجماعة. قال «2» الشاعر:
أجاعل أنت بيقورا مسلعة ... ذريعة لك بين الله والمطر
وأهل اليمن يسمون البقرة باقورة. كتب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم كتاب الصدقة: «في كل ثلاثين باقورة بقرة «3» » واشتق هذا الإسم من بقر إذا شق لأنها تشق الأرض بالحراثة ومنه قيل لمحمد بن علي زين العابدين بن الحسين الباقر، لأنه بقر العلم أي شقه ودخل فيه مدخلا بليغا. وفي الحديث «أنه عليه الصلاة والسلام ذكر فتنة كوجوه «4» البقر» . أي يشبه بعضها بعضا ذهبوا إلى قوله «5» تعالى: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا
وفيه أيضا «رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس «6» » .
وروى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «7» : «إن طابت بك حياة يوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر» . وفيه أيضا «بينما رجل يسوق بقرة، إذ تكلمت فقالوا سبحان الله بقرة تتكلم! قال: آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر» .
وفي سنن أبي داود الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة «8» » . قال الترمذي: حديث حسن وهو الذي يتشدق في الكلام ويفخم به لسانه، ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفا.
وفي سنن أبي داود من حديث عطاء الخراساني، عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم «9» » . وفي نهاية الغريب في باب السين المهملة في الحديث: «ما دخلت السكة دار قوم إلا ذلوا» . والسكة هي التي يحرث بها
(1/213)

الأرض أي إن المسلمين إذا أقبلوا على الزراعة شغلوا عن الغزو، فيأخذهم السلطان بالمطالبات والجبايات. وقريب من هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «العزفي نواصي الخيل والذل في أذناب البقر «1» » . والبقر حيوان شديد القوة كثير المنفعة، خلقه الله ذلولا ولم يخلق له سلاحا شديدا كما للسباع، لأنه في رعاية الإنسان، فالإنسان يدفع عنه ضرر عدوه فلو كان له سلاح لصعب على الإنسان ضبطه. والبقر الأجم يعلم أن سلاحه في رأسه فيستعمله في محل القرن كما يرى في العجاجيل قبل نبات قرونها، تنطح برؤوسها تفعل ذلك طبعا وهي أجناس: فمنها الجواميس وهي أكثرها ألبانا وأعظمها أجساما، قال الجاحظ: الجواميس ضأن البقر وهذا يقتضي أنها أطيب وأفضل من العراب، حتى إنها تكون مقدمة عليها في الأضحية، كما يقدم الضأن فيها على المعز وقال الزمخشري في ربيع الأبرار: أشراف السباع ثلاثة: الأسد والنمر والببر وأشراف البهائم ثلاثة:
الفيل والكركدن والجاموس. ومنها العراب وهي جرد ملس الألوان. ومنها نوع آخر يقال له الدربانة بدال مهملة ثم راء ثم باء موحدة ثم نون وهي التي تنقل عليها الأحمال، وربما كانت لها أسمنة.
والبقر ينزو ذكورها على إناثها، إذا تم لها سنة من عمرها في الغالب. وهي كثيرة المني. وكل الحيوان إناثه أرق صوتا من ذكوره إلا البقر، فإن الأنثى أفخم وأجهر، وهي تقلق إذا ضربها الذكر وتتلوى تحته لا سيما إذا أخطأ المجرى لصلابة ذكره، وهي إذا اشتاقت للذكر، نفرت وأتبعت الرعاة. وبأرض مصر بقر يقال لها بقر الخيس، طوال الرقاب قرونها كالأهلة، وهي كثيرة اللبن.
وقال المسعودي: رأيت بالري بقرا تبرك كما تبرك الإبل، وتثور بحملها كما تثور. وليس لجنس البقر ثنايا عليا فهي تقطع الحشيش بالسفلى.
فائدة:
في آخر كتاب المجالسة لأحمد بن مروان المالكي «2» الدينوري بإسناده إلى عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «مر عيسى عليه السلام ببقرة قد اعترض ولدها في بطنها، فقالت: يا كلمة الله ادع الله أن يخلصني، فقال: يا خالق النفس من النفس ويا مخرج النفس من النفس خلصها فألقت ما في بطنها» قال: فإذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها هذا.
وأسند عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون. قلت: وهذا بعض حديث رواه الطبراني عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم «3» قال: «إذا طلبت حاجة وأحببت أن تنجح فقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي العظيم، لا
(1/214)

إله إلا الله وحده لا شريك له الحليم الكريم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب السموات والأرض ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرّجته، ولا حاجة هي لك رضا إلى قضيتها، برحمتك يا أرحم الراحمين» . ومما جرب لعسر الولادة، أن يكتب ويسقى للمطلقة وهو: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين إلى آخرها. بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد إلى آخرها. بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق إلى آخرها. بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس إلى آخرها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ «1»
اللهم يا مخلص النفس من النفس، ويا مخرج النفس من النفس، يا عليم يا قدير، خلص فلانة مما في بطنها من ولدها، خلاصا في عافية إنك أرحم الراحمين.
فائدة أخرى:
روى صاحب «2» الترغيب والترهيب والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ملكا من الملوك خرج من بلده يسير في مملكته وهو مستخف من الناس، فنزل على رجل له بقرة، فراحت عليه تلك الليلة البقرة، فحلبت مقدار ثلاثين بقرة، فعجب الملك من ذلك، وحدث نفسه بأخذها، فلما كان من الغد غدت البقرة إلى مرعاها، ثم راحت فحلبت نصف ذلك، فدعا الملك صاحبها وقال له: أخبرني عن بقرتك هذه لم نقص حلابها؟ ألم يكن مرعاها اليوم مرعاها بالأمس؟ قال: بلى، ولكن أرى الملك أضمر لبعض رعيته سوءا فنقص لبنها فإن الملك إذا ظلم أو همّ بظلم ذهبت البركة قال: فعاهد الملك ربه أن لا يأخذها ولا يظلم أحدا. قال: فغدت فرعت ثم راحت فحلبت حلابها في اليوم الأول فاعتبر الملك بذلك وعدل، وقال: إن الملك إذا ظلم أو هم بظلم ذهبت البركة. لا جرم لأعدلن ولأكونن على أفضل الحالات.
وذكرها ابن الجوزي في كتاب مواعظ الملوك والسلاطين، على غير هذا الوجه، فقال: خرج كسرى في بعض الأيام للصيد فانقطع عن أصحابه وأظلته سحابة فأمطرت مطرا شديدا، حال بينه وبين جنده فمضى لا يدري أين يذهب، فانتهى إلى كوخ فيه عجوز، فنزل عندها وأدخلت العجوز فرسه، فأقبلت ابنتها ببقرة قد رعتها فاحتلبتها، ورأى كسرى لبنها كثيرا فقال: ينبغي أن نجعل على كل بقرة خراجا فهذا حلاب كثير، ثم قامت البنت في آخر الليل لتحلبها، فوجدتها لا لبن فيها، فنادت: يا أماه قد أضمر الملك لرعيته سوءا. قالت أمها: وكيف ذلك؟ قالت: إن البقرة ما تبز بقطرة من لبن، فقالت لها أمها: اسكتي فإن عليك ليلا فأضمر كسرى في نفسه
(1/215)

العدل والرجوع عن ذلك العزم. فلما كان آخر الليل، قالت لها أمها: قومي احلبي، فقامت فوجدت البقرة حافلا، فقالت: يا أماه قد والله ذهب ما في نفس الملك من السوء. فلما ارتفع النهار، جاء أصحاب كسرى فركب وأمر بحمل العجوز وابنتها إليه، فأحسن إليهما، وقال: كيف علمتما ذلك؟ فقالت العجوز: أنا بهذا المكان منذ كذا وكذا ما عمل فينا بعدل إلا أخصبت أرضنا، واتسع عيشنا، وما عمل فينا بجور إلا ضاق عيشنا، وانقطعت مواد النفع عنا. وذكر الإمام الطرطوشي، في سراج الملوك، أنه كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرادب تمرا ولم يكن في ذلك الزمان نخلة تحمل نصف ذلك فغصبها السلطان، فلم تحمل في ذلك العام ولا تمرة واحدة. قال الطرطوشي: وقال لي شيخ من أشياخ الصعيد: أعرف هذه النخلة في الغربية تجني عشرة أرادب ستين ويبة، وكان صاحبها يبيع في سني الغلاء كل ويبة بدينار. وذكر ابن خلكان، في ترجمة جلال «1» الدولة ملك شاه السلجوقي، أن واعظا دخل عليه، فكان من جملة ما وعظه به أن بعض الأكاسرة اجتاز منفردا عن عسكره، على باب بستان، فتقدّم إلى الباب وطلب ماء يشربه، فخرجت له صبية بإناء، فيه ماء قصب السكر والثلج، فشربه فاستطابه فقال لها: هذا كيف يعمل؟ فقالت: إن القصب يزكو عندنا حتى نعصره بأيدينا فيخرج منه هذا الماء. فقال: ارجعي واعصري شيئا آخر، وكانت الصبية غير عارفة به، فلما ولت قال في نفسه: الصواب أن أعوضهم غير هذا المكان واصطفيه لنفسي، فما كان بأسرع من خروجها باكية وقالت: إن نية سلطاننا قد تغيرت: قال: ومن أين علمت ذلك؟ قالت: كنت آخذ من هذا ما أريد بغير تعب، والآن قد اجتهدت في عصره فلم أستطع، فرجع عن تلك النية، ثم قال لها: ارجعي الآن فإنك تبلغين الغرض، وعقد في نفسه، أن لا يفعل ما نواه. فذهبت ثم جاءت ومعها ما شاءت من ماء القصب، وهي مستبشرة. قال: وكان ملك شاه من أحسن الملوك سيرة، حتى لقب بالملك العادل، وكان قد أبطل المكوس والخفارات في جميع البلاد فكثر الأمن في زمانه، وكان قد ملك ما لم يملكه أحد من ملوك الإسلام. وكان لهجا بالصيد، قيل إنه ضبط ما اصطاده بيده فكان عشرة آلاف، فتصدق بعشرة آلاف دينار وقال: إني خائف من الله تعالى من إزهاق الأرواح لغير مأكله، وكان كلما اصطاد صيدا يتصدق بدينار. وقيل إنه خرج مرة من الكوفة، فاصطاد في طريقه وحشا كثيرا فبنى هناك منارة من حوافر حمر الوحش وقرون الظباء التي صادها في تلك الطريق. قال: يعني ابن خلكان والمنارة باقية إلى الآن تعرف بمنارة القرون.
وكانت وفاته ببغداد سادس عشر شوّال سنة خمس وثمانين وأربعمائة. ومن عجيب الإتفاق أنه المقتدي بالله كان قد بايع لولده المستظهر بولاية العهد من بعده، فلما دخل ملك شاه بغداد المرة الثالثة ألزم المقتدي أن يعزل ولده المستظهر ويجعل ولده جعفر، الذي رزقه من ابنته ولي العهد ويخرج المقتدي إلى البصرة. فشق ذلك على المقتدي، وبالغ في استنزال ملك شاه عن هذا الرأي فلم يفعل، فسأله المهلة عشرة أيام ليتجهز، فأمهله فجعل المقتدي يصوم ويطوى، وإذا
(1/216)

أفطر جلس على الرماد للإفطار، وهو يدعو على السلطان، ملك شاه فمرض ملك شاه ومات في تلك الأيام، ولم تشهد له جنازة، ولا صلّى عليه أحد في الصورة الظاهرة، وحمل في تابوته إلى أصبهان ودفن بها.
أما البقرة التي أمر الله تعالى بني إسرائيل بذبحها، فقصتها مشهورة وستأتي الإشارة إلى شيء منها في باب العين في لفظ العجل إن شاء الله تعالى، فسبحان من فاوت بين الخلق. قيل لإبراهيم عليه الصلاة والسلام: اذبح ولدك، فتله للجبين. وقيل لبني إسرائيل: اذبحوا بقرة فَذَبَحُوها، وَما كادُوا يَفْعَلُونَ «1»
. وخرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه من جميع ماله.
وبخل ثعلبة بن حاطب بالزكاة، وجاد حاتم في حضرة وأسفاره. وبخل الحباحب بضوء ناره، وكذلك فاوت بين الفهوم، فسبحان أنطق متكلم، وباقل أعجز من أخرس. وفاوت بين الأماكن فزرود تشكو العطش، والبطائح تشكو الغرق.
غريبة
: كانت العرب إذا أرادت الاستسقاء في السنة الأزمة جعلت النيران في أذناب البقر وأطلقوها فتمطر السماء لأن الله تعالى يرحمها بسبب ذلك قال «2» الشاعر في ذلك:
أجاعل أنت بيقورا مسلّعة ... ذريعة لك بين الله والمطر
وقال أمية بن أبي الصلت «3» الثقفي يذكر ذلك:
سنة أزمة تخيل بالنا ... من ترى للعضاه فيها صريرا «4»
لا على كوكب ينوء ولا ري ... ح جنوب ولا ترى طخرورا «5»
ويسوقون باقرا لسهل للطو ... دمها زيل خشية أن تبورا «6»
عاقدين النيران في هلب الأذ ... ناب منها لكي تهيج البحورا «7»
سلع مّا ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت البيقورا «8»
وحكى في الإحياء أن شخصا كانت له بقرة يحلبها ويخلط في لبنها الماء ويبيعه، فجاء سيل فغرق البقرة فقال له بعض أولاده: إن تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن اجتمعت دفعة واحدة وأخذت البقرة. وروى الخلال، في المجلس التاسع من مجالسه، عن جابر بن عبد الله
(1/217)

رضي الله تعالى عنهما أن بقرة انفلتت على خمر، فشربت منه فذبحوها. ثم أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال: «كلوها أولا بأس بها» .
الحكم:
يحل أكلها وشرب ألبانها إجماعا. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سمن البقر وألبانها شفاء ولحمها داء» . ورواه «1» ابن عدي في ترجمة محمد بن زياد الطحان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بمعناه. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم «ضحى عن نسائه بالبقر» . وروى «2» الطبراني عن زهير قال: حدثتني امرأة من أهلي، عن مليكة بنت عمرو الزيدية من ولد زيد بن عبد الله بن سعد، قالت: اشتكيت وجعافي حلقي فأتيتها تعني مليكة بنت عمرو فوصفت لي سمن بقر، وقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«ألبانها شفاء وسمنها دواء ولحمها داء» . والمرأة التابعية لم تسم وبقية رجاله ثقات. وفي المستدرك من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «3» «عليكم بألبان البقر وأسمانها، وإياكم ولحومها، فإن ألبانها وأسمانها دواء ولحومها داء» . ثم قال: صحيح الإسناد. وروى الحاكم أيضا وابن حبان عن ابن مسعود أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «4» : «ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء، جهله من جهله، وعلمه من علمه، وفي ألبان البقر شفاء من كل داء، فعليكم بألبان البقر، فإنها ترم من كل الشجر؟ أي تأكل وفي رواية ترتم، وهي بمعناها. ورواه ابن ماجه عن أبي موسى خلا ذكر ألبان البقر ورواه بتمامه البزار وفيه محمد بن جابر بن سيار وهو صدوق عند الأكثرين، وضعيف عند غيرهم وبقية رجاله ثقات. ورواه الحاكم أيضا في تاريخ نيسابور من حديث عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة، عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود.
وفي كتاب ابن السني عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: لم يستشف الناس بشيء أفضل من السمن وإذا أوصى ببقرة لم يتناول الثور على الأصح. لأن لفظها موضوع للأنثى، والثاني يتناوله والهاء للوحدة. قال الرافعي: وقياس تكميل البقر بالجواميس في الزكاة، دخولها هنا وفي العمدة والكفاية لا تدخل إلا إذا قال من بقري وليس له إلا الجواميس ولو لم يكن إلا بقرات وحش فوجهان كما ذكرنا في الظباء والإيل. وأما زكاتها ففي كل ثلاثين منها سائمة تبيع ابن سنة وفي كل أربعين مسنة لها سنتان. لما روى مالك عن طاوس، أن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أخذها كذلك وأتى بما دون ذلك، فلم يأخذ منها شيئا وسمي تبيعا لأنه يتبع أمه في المسرح وقيل لأن قرنه يتبع أذنه ولو أخرج تبيعة أجزأته، بل هي أولى للأنوثة، وسميت مسنة لتكامل سنها.
(1/218)

فلو أخرج عن أربعين تبيعين أجزأه على الصحيح. وقال البغوي: لا، لأن العدد لا يقوم مقام السن.
فائدة:
في الحلية، ترجمة عكرمة، قال: كانت القضاة في بني إسرائيل، ثلاثة: فمات أحدهم، فولّى غيره مكانه، ثم قضوا ما شاء الله أن يقضوا، ثم بعث الله لهم ملكا يمتحنهم فوجد رجلا يسقي بقرة على ماء، وخلفها عجلة فدعاها الملك وهو راكب فرسا، فتبعتها العجلة فتخاصما فجاء إلى القاضي الأوّل فدفع إليه الملك درة كانت معه، وقال له: احكم بأن العجلة لي، قال: بماذا أحكم؟ قال ارسل الفرس والبقرة والعجلة فإن تبعت الفرس فهي لي فأرسلها فتبعت الفرس فحكم له بها. وأتيا القاضي الثاني فحكم كذلك. وأخذ درة وأما القاضي الثالث فدفع له الملك درة وقال: احكم بيننا قال: إني حائض. قال الملك سبحان الله أيحيض الذكر؟
قال: سبحان الله أتلد الفرس بقرة؟ وحكم بها لصاحبها. قلت: هؤلاء كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم:
«قاضيان في النار وقاض في الجنة «1» » .
الأمثال:
قالوا: «تركت زيدا بملاحس البقر أولادها «2» » أي بحيث تلحس البقر أولادها، يعنون المكان القفر. وقالوا: «الكلاب على البقر «3» » . وسيأتي معناه في باب الكاف إن شاء الله تعالى.
الخواص:
شحم البقر إذا بخر به البيت مع زرنيخ أحمر طرد العقارب والحيات وسائر الهوام. وإذا طلي به إناء اجتمعت إليه البراغيث. وقرنه إذا سحق وجعل في طعام صاحب حمى الربع زالت عنه. وإذا شرب زاد في الإنعاظ. ودمه يحبس الدم السائل وإذا طلي بمرارتها مع ماء الكراث البواسير نفعها وسكنها وأزال وجعها. وإذا طلي به الآثار السود من البدن قلعها وأزالها.
وإذا خلطت مع العسل واكتحل بها أزالت الظلمة. وإذا طلي بها مع النطرون والعسل وشحم الحنظل المقعد نفعه. وقال أرسطو: مرارة البقر السوداء إذا اكتحل بها أحدّت البصر وقال كيماس:
إذا فقئت عين البقرة، أو قلعت وكتب بمائها على كاغد لم تبن بالنهار وتقرأ بالليل. وشعورها إذا أحرقت وشربت نفعت من وجع الأسنان. وإذا شربت بالسكنجبين، أزالت الطحال. وإن شربت بالعسل أخرجت حب القرع من البطن. وقال يونس: إذا طليت التواكيل بخثى البقر تناثرت وبرئت من وقتها. وإذا طليت به الأورام الصلبة لينها وإن بخربه قرية النمل، قبل ظهورها لم تظهر. وإن وضع على النقرس نفع صاحبه. وإن بخر به الحامل سهل الولادة، وأخرج الجنين حيا وميتا والمشيمة وإن أحرق في بيت طرد هوامه. وإن سحق المحرق منه ونفخ في الأنف حبس الرعاف. وإن طلي به على البدن مرارا وترك حتى يجف أخرج السهم والشوكة منه. وإن طلي به مع الكبريت، على خرقة كتان، وبسطت على جميع البطن نشف الماء الأصفر. وقال هرمس: إذا طليت منخر البقرة بدهن ورد دهشت وشردت.
(1/219)

التعبير:
البقر في المنام يعبر بالسنين، كما عبرها يوسف الصديق صلى الله عليه وسلم، فالسمان خصب، والضعاف جدب، هذا إذا كانت بيضا أو سودا. وإذا كانت صفرا أو حمرا وهي تنطح الشجر بقرونها فتقلعها أو الأبنية فتسقطها، فإنها فتن تحل بذلك المكان الذي دخلته لقوله «1» عليه الصلاة والسلام: «إن الفتن تكون في آخر الزمان كصياصي البقر وكعيون البقر» والبقرة الصفراء سنة فيها سرور. والغبرة في البقر شدة في أوّل السنة والبلقة في أعجازها شدة في آخر السنة. والنصف من البقرة مصيبة في أخت أو بنت. وكذلك كل سهم ينسب إلى من يرثه كالربع والثمن. ومن حلب بقرة غيره فإنه يخون رجلا في امرأته. ومهما رأى الإنسان ببقرته فذلك عائد إلى زوجته أو بنته.
وحليب البقرة مال حلال جزيل وأصواتها تدل على ناس معروفين بالأدب. وخدشها مرض. ومن وثب عليه بقرة أو ثور ولم يفلته فإنه يموت في تلك السنة، والبقرة في المنام للفلاحين خير وانسب البقر في ألوانها إلى ما تنسب إليه الخيل. ويأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في باب الخاء المعجمة.
ومن رأى بقرة دخلت داره ونطحته فإنه يرى خسرانا في ماله. وقالت النصارى: من أكل لحم بقر في نومه تقدم إلى حاكم. والشحم مال لمن حواه خالص لا يغادره منه شيء وهو بلا تعب. وأما شواء البقر فهو أمن للخائف. ومن كانت له زوجة وهي حامل بشر بولد ذكر.
والشواء بشارة في معيشته فإن كان غير ناضج فهو هم من قبل امرأة. وقيل لحم البقر رزق وخصب لمن أكله مطبوخا أو مشويا. ومن الرؤيا المعبرة قول عائشة رضي الله تعالى عنها: رأيت كأني على تل وحولي بقر ينحر، فقصصتها على مسروق، فقال: إن صدقت رؤياك فإنه يكون حولك ملحمة قتال. فكان كذلك يوم الجمل. ومن رأى بقرة تمص لبن عجلها فإن امرأته تقود على ابنتها. ومن رأى عبدا يحلب بقرة مولاه فإنه يتزوّج امرأة المولى والله تعالى أعلم.
البقر الوحشي
هذا النوع أربعة أصناف: المها والأيل واليحمور والثيتل. وكلها تشرب الماء في الصيف إذا وجدته، وإذا عدمته صبرت عنه، وقنعت باستنشاق الريح، وفي هذا الوصف يشاركها الذئب والثعلب وابن آوى والحمر الوحشية والغزلان والأرانب. فأما الأيل فتقدم ذكره واليحمور وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الياء آخر الحروف.
والكلام الآن في المها فمن طبعه الشبق والشهوة، فلذلك إذا جملت الأنثى هربت من الذكر خوفا من عبثه بها وهي حامل. ولفرط شهوته يركب الذكر ذكرا آخر، وإذا ركب واحد منها شم الباقي منه رائحة الماء فيثبن عليه. وقرون البقر الوحشي مصمتة بخلاف قرون سائر الحيوانات فإنها مجوّفة كما تقدم والبقر الوحشي أشبه شيء بالمعز الأهلية وقرونها صلاب جدا تمنع بها عن نفسها وأولادها كلاب الصيد والسباع التي تطيف بها.
فائدة
: لما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة الجندل، وهو أكيدر «2» بن
(1/220)

عبد الملك رجل من كندة، كان ملكا عليها، وكان نصرانيا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: «إنك تجده يصيد بقر الوحش «1» » . فلما وصل إليه كان في ليلة مقمرة، فأذن الله تعالى للبقر الوحشية أن تأتيه من كل جانب، تحك قصره بقرونها، فأشرف عليها وقال: ما رأيت أكثر منها الليلة ولقد كنت أكمن لها اليومين والثلاثة ولا أجدها. ولكن قدر الله وما شاء فعله. ثم أمر بفرسه فأسرج وركب هو وأخوه حسان، وعليه قباء من الديباج المخوص بالذهب. فلما نزل وافته خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذته أسيرا وأرسلوه بقبائه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعجب منه بعض أصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المناديل سعد في الجنة خير من هذا ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليه الإسلام فأبى، فأقره بالجزية في أرضه في شهر رجب سنة تسع من الهجرة. وأشار إلى هذه البقرات الوحشية بجير بن بجرة الطائي بقوله:
تبارك سائق البقرات إني ... رأيت الله يهدي كل هادي
فمن يك حائدا عن ذي تبوك ... فإنا قد أمرنا بالجهاد
وسيأتي مزيد كلام في المها في باب الميم إن شاء الله تعالى.
الحكم:
يحل أكلها بجميع أنواعها بالإجماع لأنها من الطيبات.
الأمثال:
قالت العرب: «تتابعي «2» بقر» . زعموا أن بشر بن الحارث الأسدي خرج في سنة جهد فيها قومه، فمروا ببقر فنفرت منهم، فقام على رأس جبل فرماها بقوسه، فجعلت تلقي نفسها وهو يقول: «تتابعي بقر» حتى تكسرت ثم رجع إلى قومه، فدعاهم لأكلها. يضرب عند تتابع الأمر وسرعته.
الخواص:
مخه يطعم لصاحب الفالج، ينفعه نفعا شديدا. ومن استصحب معه شعبة من قرونه نفرت منه السباع وإذا دخن بقرنه أو جلده أو ظلفه في بيت نفرت منه الحيات. ورماده يذر على السن المتأكلة المتألمة يسكن وجعها. وشعره يبخر به البيت يهرب منه الفأر والخنافس. وقرنه يحرق ويجعل في طعام صاحب حمى الربع تزول عنه. ويشرب في شيء من الأشربة يزيد في الباه ويقوي العصب ويزيد في الإنعاظ. وينفخ في أنف الراعف يقطع دمه ويحرق قرناه حتى يصيرا رمادا. ويداف في الخل، ويطلى به موضع البرص مستقبلا به الشمس، فإنه يزول ويسف منه مقدار مثقال فإنه لا يخاصم أحدا إلا غلبه.
بقر الماء
: قال القزويني: زعموا أن بقرا يطلع من الماء يرعى الزرع وروثها العنبر، والله أعلم بصحة ذلك، فإن الناس ذكروا أن العنبر نبت بقعر البحر فإن صح ما قالوه فروث هذا الحيوان ينفع الدماغ والحواس والقلب والله أعلم.
بقرة بني إسرائيل:
هي التي يقال لها أم قيس وأم عويف وهي دابة صغيرة لها قرنان تكون
(1/221)

في الرمل فإذا أردت أن تخرجها فاطرح في موضعها قملة فتخرج فتأخذها فإذا صارت في يدك فشق ظهرها، وأدخل فيه ميلا واكحل به من بعينيه بياض ثلاث مرات، فإنه يذهب وإذا دلك بهذه الدابة موضع القرع نبت فيه الشعر.
البق:
قال الجوهري: البقة البعوضة والجمع البق. وأنشد في باب العين والياء واللام لزفر بن الحارث «1» الكلابي:
ألا إنما قيس بن عيلان بقة ... إذا وجدت ريح العصير تغنت
والبق المعروف هو الفسافس الآتي في باب الفاء إن شاء الله تعالى. يقال إنه يتولد من النفس الحار، ولشدة رغبته في الإنسان، لا يتمالك إذا شم رائحته إلا رمى نفسه عليه، وهو كثير بمصر وما شاكلها من البلاد.
وحكمه
: تحريم الأكل لاستقذاره كالبعوض. وهو من الحيوان الذي لا نفس له سائلة أصلا، كما قاله الرافعي رحمه الله في الدم. والدم الذي فيه يمتصه من بني آدم، كما يمتصه القمل والبرغوث. ووقع في كلام الرافعي والنووي وغيرهما تمثيل ما لا نفس له سائلة، بالبعوض والبق.
قال الشيخ: وفي ذكر البق المعروف في بلادنا فيما لا نفس له سائلة نظر. وقد رأيت بعض الناس يذكر أنه في كثير من البلاد اسم للبعوض فلعل من أطلقه أراد به البعوض.
الخواص:
قال القزويني في عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات: إذا بخر البيت بالقلقند والشونيز «2» لم يدخله البق بالكلية، وكذلك إذا بخر بنشارة الصنوبر طرده أيضا. وقال حنين «3» بن إسحاق: إذا بخر البيت بحب المحلب هرب منه البق أجمع. وكذلك إذا بخر بالعلق أو العاج أو بجلد جاموس أو بأغصان شجر السرو. وقال غيره. إذا نقع ورق الحرمل في خل ونضح به البيت هرب منه، وإذا وضع الحرمل «4» عند رأس الإنسان أو رجليه لم يقرب منه البق.
وإذا نقع السداب «5» في خل ونضح به البيت هرب منه. وإذا أخذ كندر وكبريت ودقا وديفا بماء وطلي بذلك قضيب قنب ووضعه إنسان عند رأسه حيث ينام لم يقربه بق البتة. وقال ابن جميع في الإرشاد: دخان الكمون والآس اليابس والترمس يطرد البق والبعوض. ومما جرب فوجد نافعا لطرد البق أن يكتب على أربع ورقات ويلصق في الحيطان الأربع ما صورته 2 1 2 1 1 1.
تذنيب:
قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم البق في حديث رواه الطبراني، بإسناد جيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أذناي هاتان وأبصرت عيناي هاتان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بكفيه
(1/222)

جميعا حسنا أو حسينا وقدماه على قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «حزقة حزقة، ترق عين بقة» فيرقى الغلام فيضع قدميه على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال صلى الله عليه وسلم: «افتح فاك» ثم قبله ثم قال:
«اللهم من أحبه فإني أحبه «1» » ورواه البزار ببعض هذا اللفظ. والحزقة الضعيف المتقارب الخطو ذكر ذلك له على سبيل المداعبة والتأنيس. وترق معناه اصعد وعين بقة كناية عن صغر العين مرفوع على أنه خبر مبتدإ محذوف. وفي كامل ابن عدي وتاريخ ابن النجار في ترجمة محمد بن علي بن الحسين بن محمد عن الأصبغ بن نباتة الحنظلي قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقول في خطبته: ابن آدم وما ابن آدم تؤلمه بقه، وتنتنه عرقه، وتقتله شرقه.
والأصبغ بن نباتة الحنظلي المذكور يروي عن علي رضي الله تعالى عنه أشياء لم يتابعه عليها أحد فاستحق من أجلها الترك روى له ابن ماجه حديثا واحدا: «نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم بحجامة الأخدعين والكاهل «2» » .
الحكم:
يحرم أكل البق لاستقذاره كالبعوض.
الأمثال:
قالوا: «أضعف من بقة «3» » .
التعبير
: البق في المنام أعداء ضعاف طعانون، وهم جندلا وفاء لهم ولا جلد. ويدل أيضا على الهم والحزن لأن البق يمنع النوم والهم والحزن يمنعان النوم والله أعلم.
البكر
: الفتى من الإبل والأنثى بكرة. والجمع بكار مثل فرخ وفراخ وقد يجمع في القلة على ابكر. قال أبو عبيدة: البكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس، والبكرة بمنزلة الفتاة والقلوص بمنزلة الجارية، والبعير بمنزلة الإنسان، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة.
روى مسلم عن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم استلف من رجل بكر، فلما جاءت إبل الصدقة أمرني أن أقضي الرجل بكرا فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملا خيارا رباعيا، فقال «4» صلى الله عليه وسلم: «أعطه فإن خياركم أحسنكم قضاء» . وفي رواية بازلا بدل رباعيا. وروى الحاكم عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: بعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرا فجئت أتقاضاه فقلت: يا رسول الله اقضني ثمن بكري. قال: «نعم ثم قضاني فأحسن قضائي» . ثم جاءه أعرابي فقال: يا رسول الله اقضني بكري فقضاه بعيرا مسنا، فقال يا رسول الله هذا أفضل من بكري! فقال صلى الله عليه وسلم: «هو لك إن خير القوم خيرهم «5» قضاء» . ثم قال صحيح الإسناد.
(1/223)

وروى الحافظ أبو يعلى بإسناده إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتى وادي عسفان قال: «يا أبا بكر أي واد هذا» ؟ قال وادي عسفان. قال صلى الله عليه وسلم:
«لقد مرّ بهذا الوادي نوح وهود وإبراهيم على بكرات لهم حمر خطمهم الليف وأزرهم العباء وأرديتهم النمار يحجون البيت العتيق «1» » . وروى مسلم عن سيرين بن معبد الجهني رضي الله تعالى عنه أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح مكة قال: «فأذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المتعة» .
فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر كأنها بكرة عيطاء أي شابة طويلة العنق في اعتدال فعرضنا عليها أنفسنا فقالت ما تعطيني؟ فقلت: ردائي. وقال صاحبي ردائي. وكان رداء صاحبي أجود من ردائي وكنت أشب منه، فكانت إذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها، وإذا نظرت إلي أعجبتها، ثم قالت: أنت ورداؤك تكفيني. فمكثت معها ثلاثا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع بهن فليخل سبيلها» «2» . وفي رواية فلم أخرج عنها حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى أبو داود والنسائي والترمذي والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة، فعوّضه منها ست بكرات فتسخطها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن فلانا أهدى إلي ناقة فعوضته منها ست بكرات، فظل ساخطا لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي «3» » . وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه «صدقني سن بكره» . وهو مثل تضربه العرب للصادق في خبره. ويقوله الإنسان على نفسه وإن كان ضارا له وأصله أن رجلا ساوم رجلا في بكر يشتريه، فسأل صاحبه عن سنه فأخبره بالحق، فقال المشتري: «صدقني سن بكره» . وفي مسند الشافعي عن مولى لعثمان قال: بينما أنا مع عثمان رضي الله تعالى عنه في يوم صائف إذ رأى رجلا يسوق بكرين، وعلى الأرض مثل الفراش من الحر، فقال: ما على هذا لو أقام بالمدينة حتى يبرد ثم يروح. فدنا الرجل فقال: انظر فنظرت، فإذا هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فقلت: هذا أمير المؤمنين، فقام عثمان رضي الله تعالى عنه فأخرج رأسه من الباب فآذاه نفح السموم، فأعاد رأسه حتى إذا حاذاه قال: ما أخرجك في هذه الساعة؟ قال: بكران من إبل الصدقة تخلفا، وقد مضى بإبل الصدقة فأردت أن ألحقهما بالحمى خشية أن يضيعا فيسألني الله عنهما فقال عثمان: هلم إلى الماء والظل فقال: عد إلى ظلك، فقال: عندنا من يكفيك فقال: عد إلى ظلك ثم مضى. فقال عثمان: من أحب أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا.
الأمثال:
في الحديث «4» : «جاءت هوازن على بكرة أبيها» وقالوا «5» : «جاؤوا على بكرة أبيهم» يصفونهم بالقلة أي جاؤوا بحيث تحملهم بكرة أبيهم قلت: وأصله أن قوما قتلوا وحملوا
(1/224)

على بكرة أبيهم، فقيل فيهم ذلك، ثم صار مثلا لقوم جاؤوا مجتمعين. وقال أبو عبيدة: معناه جاؤوا جميعا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة في الحقيقة. وقال بعضهم: البكرة ههنا هي التي يستقى عليها أي جاؤوا بعضهم في إثر بعض كدوران البكرة على نسق واحد. وقال قوم أراد بالبكرة الطريقة، أراد أنهم جاؤوا على طريقة أبيهم أي يقتفون أثره وقيل: هو ذم ووصف بالقلة والذلة أي يكفيهم للركوب بكرة واحدة وذكر الأب احتقار وتصغير لهم.
وحكمه وخواصه وتعبيره كالإبل.
البلبل:
من أنواع العصافير. ويقال له الكعيت والجميل مصغرات، وهو النغر وسيأتي في بابه وقد أحسن من ألعز فيه بقوله:
وما طائر نصفه كله ... له في ذرا الدوح سير ولبث
رأينا ثلاثة أرباعه ... إذا صحفوها غدت وهي ثلث
وقد أجاد علي بن المظفر أبو الفضل الآمدي «1» قاضي واسط حيث قال:
وأهاله ذكر الحمى فتأوّها ... ودعا به داعي الصبا فتوّلها
هاجت بلابله البلابل فانثلت ... أشجانه تثني عن الحلم النهى «2»
فشكا جوا وبكى أسى وتنبه ال ... وجد القديم ولم يزل متنبها
لا تكرهوه على السلو فطالما ... حمل الغرام فكيف يسلو مكرها «3»
لا عبت يا سعدى عليك فسامحي ... وصلي فقد بلغ السقام المنتهى «4»
وما أحسن قول يوسف «5» بن لؤلؤ حيث يقول:
باكر إلى الروضة تستجلها ... فثغرها في الصبح بسام
والنرجس الغض اعتراه الحيا ... فغض طرفا فيه أسقام
وبلبل الدوح فصيح ... على الأيكة والشحرور تمتام
ونسمة الصبح على ضعفها ... لها بنا مرّ وإلمام
فعاطني الصهباء، مشمولة ... عذراء فالواشون نوّام
واكتم أحاديث الهوى بيننا ... ففي خلال الروض نمّام
(1/225)

ومن محاسن شعره أيضا قوله:
سقى الله أرضا نور وجهك شمسها ... وأحيا بلادا أنت في افقها بدر
وروّى بقاعا جود كفك غيثها ... ففي كل قطر من نداك بها قطر
وله أيضا:
تسلسل دمعي وهو لا شك مطلق ... وصح حقيقا حين قالوا: تكسرا
وفي قلب مائي للقلوب مسرة ... وقالوا سيجزى بالهنا وكذا جرى
وله أيضا:
بعيني رأيت الماء ألقى بنفسه ... على رأسه من شاهق فتكسرا
وقام على إثر التكسر جاريا ... ألا فاعجبوا ممن تكسر قد جرى
وله أيضا:
أنفقت كنز مدائحي في ثغره ... وجمعت فيه كل معنى شارد
وطلبت منه جزاء ذلك قبلة ... فأبى وراح تغزلي في البارد
والعرب تقول: البلبل يعندل، أي يصوّت وروى الحافظ أبو نعيم وصاحب الترغيب والترهيب من حديث مالك بن دينار أن سليمان بن داود صلى الله عليهما وسلم، مر على بلبل فوق شجرة يصفر ويحرك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: إنه يقول:
أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء. وهو بالمد أي على الدنيا الدروس، وذهاب الأثر. وقيل: العفاء التراب. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب العين في لفظ العقعق. عن الزمخشري أنه ذكر في تفسير قوله «1» تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها
عن بعضهم أن البلبل يحتكر القوت. حكى البويطي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه كان في مجلس مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه وهو غلام، فجاء رجل إلى مالك فاستفتاه، فقال: إني حلفت بالطلاق الثلاث إن هذا البلبل لا يهدأ من الصياح. فقال له مالك: قد حنثت. فمضى الرجل، فالتفت الشافعي رضي الله تعالى عنه إلى بعض أصحاب مالك فقال: إن هذه الفتيا خطأ فأخبر مالك بذلك، وكان مالك رضي الله تعالى عنه مهيب المجلس لا يجسر أحد أن يراده، وربما جاء صاحب الشرطة فوقف على رأسه إذا جلس في مجلسه، فقالوا لمالك: إن هذا الغلام يزعم أن هذه الفتيا إغفال وخطأ! فقال له مالك: من أين قلت هذا؟ فقال له الشافعي أليس أنت الذي رويت لنا عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قصة فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها، أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم أن «أبا جهم ومعاوية خطباني، فقال صلى الله عليه وسلم: «أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاقته، وأما معاوية فصعلوك لا مال له «2» » . فهل كانت عصا أبي جهم دائما على عاتقه؟ وإنما أراد من ذلك الأغلب. فعرف مالك
(1/226)

محل الشافعي ومقداره. قال الشافعي: فلما أردت أن أخرج من المدينة جئت إلى مالك فودّعته، فقال لي مالك حين فارقته: يا غلام اتق الله تعالى ولا تطفىء هذا النور الذي أعطاكه الله بالمعاصي يعني بالنور: العلم، وهو قوله «1» تعالى: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
هكذا جاء في هذه الرواية: البلبل. وجاء في رواية أخرى: القمري. وسيأتي إن شاء الله تعالى.
التعبير
: هو في الرؤيا رجل موسر، وقيل امرأة موسرة وقيل ولد قارىء لكتاب الله لا يلحق.
البلح:
بضم الباء وفتح اللام قال ابن سيده: إنه طائر أغبر اللون أعظم من النسر محترق الريش لا تقع ريشة منه وسط ريش طائر آخر إلا أحرقته وقيل: هو النسر القديم الهرم والجمع بلحان.
البلشون:
هو مالك الحزين. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الميم.
البلّصوص:
بضم الباء واللام المشددة طائر وجمعه البلنصي على غير قياس. وقال سيبويه النون زائدة لأنك تقول للواحد البلصوص. والعامة تسمية أبو لصيص. قال البطليوسي في الشرح: وقد اختلف اللغويون في هذين الإسمين أيهما الواحد وأيهما الجمع. فقال قوم:
البلصوص هو الواحد والبلنصي هو الجمع وعكس ذلك آخرون وقال قوم: البلصوص الذكر والبلنصي الأنثى ذكره ابن ولاد «2» وأنشد:
والبلصوص يتبع البلنصي.
قال: وقياس جمع البلصوص بلا صيص. ولم أدر ما حكم هذا الطائر.
بنات الماء:
قال ابن أبي الأشعث: هي سمك ببحر الروم، شبيهة بالنساء ذوات شعر سبط، ألوانهن إلى السمرة، ذوات فروج عظام وثدي، وكلام لا يكاد يفهم، ويضحكن ويقهقهن. وربما وقعن في أيدي بعض أهل المراكب، فينكحونهن ثم يعيدونهن إلى البحر. وحكي عن الروياني صاحب البحر، أنه كان إذا أتاه صياد بسمكة على هيئة المرأة، حلفه أنه لم يطأها.
وذكر القزويني أنه صيد لبعض الملوك رجل إذا تكلم، لا يفهم ما يقول، فزوجه بامرأة فرزق منها ولدا فصار يتكلم بلغة أبيه ولغة أمه. وقد تقدم هذا في باب الهمزة في إنسان الماء.
بنات وردان:
يأتي ذكرها في آخر باب الواو إن شاء الله تعالى.
البهار
: بضم الباء حوت أبيض طيب من حيتان البحر، قال الجوهري: والبهار بالضم شيء يوزن به، وهو ثلاثمائة رطل وقال عمرو بن العاص: إن ابن الصعبة يعني طلحة بن عبيد الله ترك مائة بهار في كل بهار ثلاثة قناطير ذهب فجعله وعاء. قال أبو عبيد القاسم بن سلام والبهار في كلامهم ثلاثمائة رطل وأحسبها غير عربية وأراها قبطية.
(1/227)

البهثة
: بالضم، البقرة الوحشية وقد تقدم ذكرها.
البهرمان: ضرب من العصفور قاله ابن سيده.
البهمة:
بفتح الباء، الصغير من أولاد الغنم والبقر والوحش وغيرها. الذكر والأنثى فيه سواء والجمع بهم وبهم وبهام وبها مات. قال الأزهري في شرح ألفاظ المختصر: أما أسنان الغنم فساعة تضعها أمها من الضأن والمعز، ذكرا كان أو أنثى سخلة، وجمعها سخال، ثم هي بهمة فإذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها، فما كان من أولاد المعز فهو جفار واحدها جفر. فإذا رعى وقوي فهو عريض وعتود وجمعها عرضان وعتدان. وهو في كل ذلك جدي، والأنثى عناق ما لم يأت عليها الحول، وجمعها عنق والذكر تيس إذا أتى عليه الحول والأنثى عنز ثم نجذع في السنة الثانية فالذكر جذع والأنثى جذعة فعلم منه أن ما نقله النووي رحمه الله، عنه في عناق فيه نوع خلل، والله أعلم. وروى الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وأصحاب السنن الأربعة، من حديث لقيط بن صبرة، واللفظ لأبي داود، قال: كنت وافد بني المنتفق، أو في وفد بني المنتفق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدمنا عليه لم نجده في منزله، فصادفنا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فأمرت لنا بحريرة، أو قال بعصيدة، فصنعت لنا وأتينا بقناع، والقناع طبق فيه تمر ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «1» : «هل أصبتم شيئا أو آمر لكم بشيء: قلنا: نعم يا رسول الله. قال:
فبينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ دفع الراعي غنمه إلى المراح، ومعه سخلة تبعر، فقال صلى الله عليه وسلم: ما ولدت يا غلام» ؟ قال بهمة قال: فاذبح لنا مكانها شاة» . ثم قال صلى الله عليه وسلم: «لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة ما نريد أن تزيد فإذا ولدت لنا بهمة ذبحنا مكانها شاة» . قلت:
يا رسول الله إن لي امرأة وإن في لسانها شيئا يعني البذاءة. قال: فطلقها إذن» . قلت:
يا رسول الله إن لها صحبة وإن لي منها ولدا. قال: «فعظها فإن يك فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظعينتك ضربك لأمتك» . قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء، قال: أسبغ الوضوء وخلل الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» .
وفي سنن أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى جدار اتخذه قبلة ونحن خلفه، فجاءت بهمة تمر بين يديه، فما زال صلى الله عليه وسلم «يدرؤها حتى لصق بطنه بالجدار، فمرت من ورائه» . وسيأتي في الجدي نحو ذلك. وفي صحيح «2» مسلم وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث يزيد بن الأصم عن ميمونة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد جافى بين يديه، حتى لو أن بهمة أرادت أن تمر بين يديه مرت» .
البهيمة:
كل ذات أربع من دواب البر والبحر. قاله ابن سيده. والجمع بهائم.
قال «3» صلى الله عليه وسلم: «إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش» . سميت بهيمة لإبهامها، من جهة نقص
(1/228)

نطقها وفهمها، وعدم تمييزها وعقلها. ومنه باب مبهم أي مغلق، وليل بهيم. قال «1» الله تعالى:
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
فأضاف الجنس إلى ما هو أخص منه، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج وما أضيف إليها من سائر الحيوان. يقال له أنعام مجموعة معها وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع.
وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: بهيمة الأنعام الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأمهات، فهي تؤكل من غير ذكاة. ونقل عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما أيضا، وفيه بعد: لأن الله تعالى قال «2» : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ*
وليس في الأجنة ما يستثنى.
وحل بهيمة الأنعام من حكم الله تعالى، إذ لولا الليل ما عرف قدر النهار، ولولا المرض لم يتنعم الأصحاء بالصحة، ولولا النار ما عرف أهل الجنة قدر النعمة. كما أن فداء أرواح الإنس بأرواح البهائم، وتسليطهم على ذبحها ليس بظلم، بل تقديم الكامل على الناقص عين العدل. وكذلك تفخيم النعم على سكان الجنان، بتعظيم العقوبة على أهل النيران، فداء لأهل الإيمان بأهل الكفر هو عين العدل. وما لم يخلق الناقص لم يعرف الكامل، فلولا خلق البهائم لما ظهر شرف الإنسان.
روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه دخل دار الحكم بن أيوب، فإذا قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها، فقال أنس: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم وهو أن يمسك من ذوات الروح شيء حي ثم يرمي بشيء حتى يموت» .
وفي الصحيحين «3» وغيرهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعل ذلك» . ولأنه تعذيب للحيوان، وإتلاف لنفسه، وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته، إن كان يذكى. وفي الحديث «4» أنه صلى الله عليه وسلم «نهى عن المجثمة» وهي كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل. إلا أنها تكثر في الطير والأرانب ونحو ذلك مما يجثم في الأرض أي يلزمها ويلتصق بها. وجثم الطائر جثوما، وهو بمنزلة البروك للإبل. وروى أبو داود والترمذي عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن التحريش بين البهائم «5» » . وفي شفاء الصدور، لابن سبع، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أجل البهائم وخشاش الأرض والقمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب والبقر وما سوى ذلك في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها قبض الله عزّ وجلّ أرواحها» .
فائدة
: قال ابن دحية، في كتاب الآيات البينات: اختلف الناس في حشر البهائم، وفي جريان القصاص بينها فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: لا يجري القصاص بين البهائم لأنها غير مكلفة وما ورد في ذلك من الأخبار نحو قوله صلى الله عليه وسلم: «يقتص للجماء من القرناء ويسأل العود لم
(1/229)


خدش العود «1» » فعلى سبيل المثل والإخبار عن شدة التقصي في الحساب. وأنه لا بد من أن يقتص للمظلوم من الظالم وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: يجري القصاص بينها، ويحتمل أنها كانت تعقل هذا القدر في دار الدنيا. قال ابن دحية وهذا جار على مقتضى العقل والنقل لأن البهيمة تعرف النفع والضر، فتنفر من العصا وتقبل للعلف، وينزجر الكلب إذا انزجر وإذا أشلى استشلى. والطير والوحش تفر من الجوارح، استدفاعا لشرها. فإن قيل: القصاص انتقام والبهائم ليست بمكلفة فالجواب أنها غير مكلفة، إلا أن الله يفعل في ملكه، ما أراد كما سلط عليها في الدنيا التسخير لبني آدم، والذبح لما يؤكل منها فلا اعتراض عليه سبحانه وتعالى. وأيضا فإن البهائم إنما يقتص منها لبعضها من بعض إلا أنها لا تطالب بارتكاب نهي ولا بمخالفة أمر لأن هذا مما خص الله به العقلاء، ولما كثر التنازع رجعنا لما أمرنا به ربنا بقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
«2» ووجدنا القرآن العظيم يدل على الإعادة في الجملة:
قال «3» الله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
إلى قوله:
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
وقال «4» وقال تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
والحشر في اللغة الجمع. وفي الصحيحين. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين، وراهبين، وإثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا.
فهذا يدل على حشر الإبل مع الناس. وروى الإمام أحمد بسند صحيح إلى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقتص للخلق بعضهم من بعض، حتى للجماء من القرناء، حتى للذرة من «5» الذرة» فإذا كانت البهائم والذر يقتص منها فكيف يغفل من هو مكلف مأمور؟
ونسأل الله السلامة من شرور أنفسنا وسيآت أعمالنا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أيضا أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: «لتؤدين الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» . وفيه أيضا وفي غيره:
«ما من صاحب إبل لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر. ثم يؤتى بها أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيل واحد تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها» . الحديث «6» بطوله.
وفي صحيح البخاري: «ليأتين أحدكم يوم القيامة بشاة، يحملها على رقبته لها ثغاء، فيقول: يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت» . وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قال «7» : «ما
(1/230)

من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة فرقا من قيام الساعة إلا الجن والإنس» . وإصاختها بإلهام الله إياها في ذلك اليوم، محمول على ما جبلها الله تعالى عليه من توقيها لما يضرها، وانقيادها إلى ما ينفعها جبلة لا عقلا وإحساسا حيوانيا، لا إدراكا فهميا. وإذا جبل الله النملة على حمل قوتها وإدّخاره لزمن الشتاء فجبله البهيمة على الإصاخة محاذرة يوم القيامة أولى. ومن استقرى أحوال الحيوانات، رأى حكمة الله فيها لما سلبها العقل جعل لها حسا تفرق به بين الضار لها والنافع، وجبلها على أشاء وألهمها إياها لا توجد في الإنسان إلا بعد التعلم وتدقيق النظر فمنها النحلة المحكمة لتسديس مخزن قوتها، حين يتعجب منه أهل الهندسة. والعنكبوت المتقنة لخيوط بيوتها وتناسب دوائرها. وكذلك السرفة في إحكام بيتها مربعا من عيدان وقد ظهرت من البهائم الصنائع العجيبة، والأفاعيل الغريبة، ولم يسلبها رب العالمين سوى العبارة عن ذلك، والنطق به ولو شاء أنطقها كما أنطق النملة في عهد سليمان على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. والبهيم من الخيل الذي لا شية فيه الذكر والأنثى فيه سواء. والبهم من النعاج السود التي لا بياض فيها وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث «1» : «يحشر الناس يوم القيامة بهما» فمعناه أنه ليس بهم شيء مما كان في الدنيا نحو البرص والعرج والعمى والعور وغير ذلك. وإنما هي أجساد مصححة لخلود الأبد في الجنة أو النار. وقيل: بل عراة ليس عليهم من متاع الدنيا شيء وهذا يخالف الأول من حيث المعنى ومن شعر مسعر بن «2» كدام أحد الأعلام:
نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم
وتتعب فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
فرع:
اختلف أصحابنا في نقض الوضوء بمس فرج البهيمة على وجهين: أحدهما ينقض لعموم النقض بمس الفرج. والأصح أنه لا ينقض، إذ لا حرمة لها ولا تعبد عليها. وأما دبرها فلا ينقض قطعا، قال الدارمي: ولا فرق في الخلاف بين البهائم والطير.
الأمثال:
قالوا: «ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة» يضرب في مدح القدرة على الكلام.
البوم والبومة
: بضم الباء طائر يقع على الذكر والأنثى حتى تقول: صدى أو فياد فيختص بالذكر وكنية الأنثى أم الخراب وأم الصبيان ويقال لها أيضا غراب الليل. قال «3» الجاحظ:
وأنواعها الهامة والصدى والضوع والخفاش وغراب الليل والبومة. وهذه الأسماء كلها مشتركة أي تقع على كل طائر من طير الليل يخرج من بيته ليلا قال وبعض هذه الطيور يصيد الفأر وسام أبرص والعصافير وصغار الحشرات وبعضها يصيد البعوض. ومن طبعها أن تدخل على كل طائر
(1/231)

في وكره وتخرجه منه وتأكل فراخه وبيضه. وهي قوية السلطان بالليل لا يحتملها شيء من الطير ولا تنام بالليل، فإذا رآها الطير بالنهار قتلنها ونتفن ريشها، للعداوة التي بينهن، وبينها ومن أجل ذلك صار الصيادون يجعلونها تحت شباكهم ليقع لهم الطير. ونقل المسعودي عن الجاحظ أن البومة لا تظهر بالنهار، خوفا من أن تصاب بالعين لحسنها وجمالها ولما تصور في نفسها أنها أحسن الحيوان لم تظهر إلا بالليل. وتزعم العرب في أكاذيبهم أن الإنسان إذا مات أو قتل، تتصور نفسه في صورة طائر، تصرخ على قبره، مستوحشة لجسدها، والطائر ذكر البوم وهو الصدى. وفي ذلك يقول توبة الحميري «1» أحد عشاق العرب:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
فيقال: إنها مرت بقبره فأنشدت ذلك فارتفع شيء من القبر كالطائر، نفرت منه ناقتها فسقطت ميتة ودفنت إلى جانبه. والبوم أصناف وكلها تحب الخلوة بأنفسها والتفرد وفي أصل طبعها عداوة الغربان. وفي تاريخ ابن النجار أن كسرى قال لعامل له: صد لي شر الطير، واشوه بشر الوقود، وأطعمه شر الناس، فصاد بومة وشواها بحطب الدفلى وأطعمها ساعيا. وفي سراج الملوك للإمام أبي بكر الطرطوشي، في الباب السابع والأربعين أن عبد الملك بن مروان، أرق ليلة فاستدعى سميرا له يحدثه، فكان فيما حدثه به أن قال: يا أمير المؤمنين كان بالموصل بومة وبالبصرة بومة، فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة بنتها لابنها، فقالت بومة البصرة: لا أفعل إلا أن تجعلي لي صداقها مائة ضيعة خراب. فقالت بومة الموصل: لا أقدر على ذلك الآن ولكن إن دام والينا، سلمه الله علينا، سنة واحدة فعلت لك ذلك. قال: فاستيقظ لها عبد الملك، وجلس للمظالم وأنصف الناس بعضهم من بعض، وتفقد أمور الولاة. ورأيت في بعض المجاميع، بخط بعض العلماء الأكابر، أن المأمون أشرف يوما من قصره فرأى رجلا قائما وبيده فحمة وهو يكتب بها على حائط قصره، فقال المأمون لبعض خدمه: اذهب إلى ذلك الرجل، وانظر ما يكتب وائتني به. فبادر الخادم إلى الرجل مسرعا وقبض عليه وتأمل ما كتبه فإذا هو:
يا قصر جمع فيك الشوم واللوم ... متى يعشش في أركانك البوم
يوم يعشش فيك البوم من فرحي ... يكون أول من ينعيك مرغوم
ثم إن الخادم قال له: أجب أمير المؤمنين: فقال له الرجل: سألتك بالله لا تذهب بي إليه.
فقال الخادم: لا بد من ذلك. ثم ذهب به فلما مثل بين يدي المأمون، أعلمه الخادم بما كتب.
فقال المأمون: ويلك ما حملك على هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه لن يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من خزائن الأموال والحلى والحلل والطعام والشراب والفراش والأواني والأمتعة والجواري والخدم وغير ذلك، مما يقصر عنه وصفي ويعجز عنه فهمي، وإني يا أمير المؤمنين قد مررت الآن
(1/232)

عليه وأنا في غاية من الجوع والفاقة، فوقفت مفكرا في أمري، وقلت في نفسي: هذا القصر عامر عال، وأنا جائع ولا فائدة لي فيه، فلو كان خرابا ومررت به لم أعدم منه رخامة أو خشبة أو مسمارا أبيعه، وأتقوت بثمنه أو ما علم أمير المؤمنين ما قال الشاعر؟ قال: وما قال الشاعر؟ قال:
إذا لم يكن للمرء في دولة امرىء ... نصيب ولا حظ تمنى زوالها
وما ذاك من بغض لها غير أنه ... يرجي سواها فهو يهوى انتقالها
فقال المأمون: اعطه يا غلام ألف دينار. ثم قال له: هي لك في كل سنة ما دام قصرنا عامرا بأهله وأنشدوا في معنى ذلك:
إذا كنت في أمر فكن فيه محسنا ... فعما قليل أنت ماض وتاركه
فكم دحت الأيام أرباب دولة ... وقد ملكوا أضعاف ما أنت مالكه
الحكم:
يحرم أكل جميع أنواعها. قال الرافعي: ذكر أبو عاصم العبادي أن البوم حرام كالرخم، وكذلك الضوع. وعن الشافعي رحمه الله قول إنه حلال، وهذا يقتضي أن الضوع غير البوم. لكن في الصحاح أن الضوع طائر من طير الليل من جنس الهام. وقال المفضل: إنه ذكر البوم فعلى هذا إذا كان في الضوع قول، لزم إجراؤه في البوم لأن الأنثى والذكر من الجنس الواحد لا يختلفان في الحل والحرمة اهـ. وقال في الروضة: الأشهر أن الضوع من جنس الهام فنحكم بتحريمه.
فائدة:
روى ابن السني عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان «1» » . وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يفعله. واختلف في أم الصبيان فقيل البومة كما تقدم، وقيل: التابعة من الجن.
الخواص:
إذا ذبح البوم بقيت إحدى عينيه مفتوحة والأخرى مضمومة، فالمفتوحة إذا جعلت تحت فص خاتم، من لبسه سهر ما دام عليه، والأخرى بالعكس.
قال الطبري: فإذا اشتبه عليك المنومة من المسهرة فاجعلهما في الماء فالتي ترتفع على الماء هي المسهرة، والتي ترسب هي المنومة. وقال هرمس: إذا أخذ قلب بومة وجعل على اليد اليسرى من المرأة في حال نومها تكلمت بكل ما فعلته في يومها. والاكتحال بمرارتها ينفع من ظلمة البصر.
وقلب البومة الكبيرة إذا قلع وشد في جلد ذئب وعلق على العضد أمن حامل ذلك من اللصوص وسائر الهوام ولم يخف أحدا من الناس. وإن اكتحل بمذاب شحمها فأي مكان دخله بالليل رآه ميضأ. وهي تبيض بيضتين إحداهما تخلق والأخرى لا تخلق، فإن أردت معرفة التي تخلق من التي لا تخلق فأدخل فيها ريشة فالتي تخلق تبين لك تخلقها الريشة.
التعبير
: البوم في المنام لص مكار، وقيل ملك مهيب تشق مرائر الرعية هيبته. ويدل على البطالة وذهاب الخوف لأنه من طيور الليل والله أعلم.
(1/233)

البوّة:
بضم الباء وتشديد الواو طائر يشبه البوم إلا أنه أصغر منه والأنثى بوهة ويشبه بها الرجل الأحمق قال امرؤ القيس:
أيا هند لا تنكحي بوهة ... عليه عقيقته أحسبا «1»
الأحسب من الناس الذي في شعره شقرة وصفه باللؤم والشح، يقول كأنه لم تخلق عقيقته في صغره حتى شاخ. وقيل: إنه الرجل الضعيف الطائش. والبوهة ما أطارته الريح والبوه ذكر البوم وقيل البوه الكبير من اليوم قال «2» رؤبة يذكر كبره:
كالبوة تحت الظلمة المرشوش.
وقيل: البوه طائر يشبه البوم وقيل: الأحسب الذي ابيض جلده من داء ففسدت شعرته فصار أحمر وأبيض ويكون ذلك في الناس والإبل. وقيل الأحسب الأبرص. وحكمه وخواصه وتعبيره كالبوم في جميع ما تقدم.
بوقير
: قال القزويني: إنه طائر أبيض تجيء منه طائفة كل سنة، في وقت معلوم، إلى جبل يقال له جبل الطير بصعيد مصر بقرب انصنا بلدة مارية أم إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، فتتعلق على هذا الجبل، وفيه كوة يأتي كل واحد منها ويدخل رأسه فيها ثم يخرجه ويلقي نفسه في النيل ثم يخرج ويذهب من حيث جاء. ولم تزل هكذا حتى يدخل واحد منها رأسه فيها فيقبض عليه شيء من تلك الكوة فيضطرب ويبقى معلقا حتى يتلف ثم يسقط بعد مدة فإذا تعلق ذلك الطائر انصرف الباقون في الحال فلا يرى شيء من ذلك الطير في ذلك الجبل إلى مثل ذلك الزمان من العام المقبل. قال أبو بكر الصولي «3» : سمعت من أعيان تلك البلاد أنه إذا كان العام مخصبا قبضت تلك الكوة على طائرين وإن كان متوسطا قبضت على طائر واحد وإن كان مجدبا لم تقبض على شيء.
البينيب:
على وزن فيعيل سمك بحري معروف عند أهل البحر.
البياح:
بكسر الباء مخففا ضرب من السمك وربما فتح وشدد قاله الجوهري.
أبو براقش:
طائر كالعصفور يتلون ألوانا قال الشاعر:
كأبي براقش كل يو ... م لونه يتخيل
يضرب به المثل في التنقل والتحول. وقال القزويني: إنه طائر حسن الصوت، طويل الرقبة والرجلين، أحمر المنقار في حجم اللقلق، يتلون في كل ساعة يكون أحمر وأزرق وأخضر وأصفر.
قال: ولم يحضرني شيء من خواصه.
(1/234)

أبو برا:
طائر يسمى السموأل وسيأتي في باب السين المهملة إن شاء الله تعالى.
أبو بريص:
بفتح الباء هو الوزغ الذي يسمى سام أبرص. وسيأتي الكلام عليه في باب السين والواو في لفظ الوزغ وسام أبرص إن شاء الله تعالى.
باب التاء المثناة
التالب:
الوعل والأنثى تالبة حكاه ابن سيده. وسيأتي الكلام عليه في باب الواو وفي لفظ الوعل إن شاء الله تعالى.
التبيع:
ولد البقرة أول سنة. وبقرة تبيع معها ولدها والأنثى تبيعة والجمع تباع وتبائع مثل أفيل وافال وأفائل. وقد تقدم في باب الهمزة روى الإمام مالك في الموطأ وأبو داود الترمذي والنسائي وآخرون عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة بقرة، ومن كل ثلاثين مسنة تبيعا أو تبيعة «1» » . قال الترمذي:
حديث حسن، وروي مرسلا وهو أصح. والمسنة: ما استكملت سنتين ودخلت في الثالثة.
والتبيع هو الذي يتبع أمه، وإن كان له دون سنة. قال الرافعي: وحكى جماعة أن التبيع الذي له ستة أشهر والمسنة التي لها سنة وهذا غلط ليس معدودا من المذهب.
التبشر
: في أدب الكاتب لابن قتيبة أنه بفتح التاء المثناة من فوق وبالباء الموحدة ثم بالشين المعجمة وقيل بضم التاء وفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة طائر يقال له الصفارية، والتاء فيه زائدة وسيأتي الكلام عليه في باب الصاد المهملة إن شاء الله تعالى.
التثفل:
بضم التاء أوله وسكون الثاء المثلثة كقنفذ ولد الثعلب والتاء فيه زائدة.
التدرج
: كحبرج طائر كالدراج، يغرد في البساتين بأصوات طيبة، يسمن عند صفاء الهواء وهبوب الشمال، ويهزل عند، كدورته وهبوب الجنوب. يتخذ داره في التراب اللين ويضع البيض فيها لئلا يتعرض للآفات. وقال ابن زهر هو طائر مليح يكون بأرض خراسان وغيرها من بلاد فارس.
وحكمه
: الحل لعدم استخباثه، وإن كان نوعا من الدراج وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
الخواص
: لحمه من أفضل لحوم الطير يزيد في الفهم والباه. وإذا أخذت مرارته وسعط بها من به خبل أو وسواس نفعه وإن شوي لحمه وأطعم منه وهو حار ثلاثة أيام أبرأه.
التخس:
كصرد الدلفين وسيأتي في باب الدال المهملة إن شاء الله تعالى.
التفلق:
كزبرج طائر من طير الماء قاله في العباب.
(1/235)

التفه
: ويسمى عناق الأرض، والغنجل: نوع من السباع نحو الكلب الصغير على شكل الفهد، وصيده في غاية الجودة والملاحة، وربما واثب الإنسان فيعقره ولا يطعم غير اللحوم. وربما صاد الكركي وما قاربه من الطير، فيفعل به فعلا حسنا. وقد وصفه الناشيء «1» في أبيات منها:
حلو الشمائل في أجفانه وطف ... صافي الأديم هضيم الكشح ممسود «2»
فيه من البدر أشباه توافقه ... منها له سفع في وجهه سود
كوجه ذا وجه هذا في تدوره ... كأنه منه في الأجفان معدود
له من الليث ناباه ومخلبه ... ومن غرير الظباء النحر والجيد «3»
إذا رأى الصيد أخفى شخصه أدبا ... وقلبه باقتناص الطير مزؤود «4»
الحكم:
يحرم أكله لعموم النهي عن أكل كل ذي ناب ومخلب من السباع. وقال بعض أصحابنا: إنه السنور البري وإنه قريب من الثعلب وإنه على شكل السنور الأهلي وفي حكمه وجهان: أصحهما التحريم لأنه يأكل الفأر.
الأمثال:
قالت «5» العرب: «أغنى من التفه عن الرفه» . والرفه التبن. والأصل فيهما رفهة وتفهة قال حمزة: وجمعهما تفات ورفات قال الشاعر:
غنينا عن حديثكم قديما ... كما غنى التفات عن الرفات
ويقال «6» أيضا: «استغنت التفه عن الرفه» . وذلك أن التفه سبع لا يقتات الرفه أصلا، وإنما يغتذي باللحم فهو يستغني عن التبن، والمعروف في التفه والرفه تخفيف الفاء وقال الأستاذ أبو بكر: هما مشددتان. وقد أوردهما الجوهري في باب الهاء فقال: التفه والرفه، وفي الجامع مثله، إلا أنه قال: ويخففان. وأما الأزهري «7» فإنه أورد الرفه في باب الرفت، بمعنى الكسر. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: الرفت التبن: وفي المثل: «أغنى من التفه عن الرفت» قال الأزهري:
والتفه تكتب بالهاء، والرفت بالتاء قال الميداني: وهذا من أصح الأقوال لأن التبن مرفوت أي مكسور.
التم:
طائر نحو الإوز في منقاره طول وعنقه أطول من عنق الأوز.
وحكمه
: الحل لأنه من الطيبات.
(1/236)

التمساح:
اسم مشترك بين الحيوان المعروف والرجل الكذاب، قال القزويني: وهذا الحيوان على صورة الضب وهو من أعجب حيوان الماء، له فم واسع وستون نابا في فكه الأعلى وأربعون في فكه الأسفل، وبين كل نابين سن صغيرة مربعة ويدخل بعضها في بعض عند الانطباق. وله لسان طويل، وظهر كظهر السلحفاة لا يعمل الحديد فيه، وله أربع أرجل وذنب طويل، وهذا الحيوان لا يكون إلا في نيل مصر خاصة. وزعم قوم أنه في بحر السند أيضا، وهو شديد البطش في الماء لا يقتل إلا من إبطيه، ويعظم حتى يكون طوله عشرة أذرع في عرض ذراعين وأكثر. ويفترس الفرس. وإذا أراد ألسفاد خرج هو والأنثى إلى البر فيلقي الأنثى على ظهرها ويستبطها فإذا فرغ قلبها لأنها لا تتمكن من الإنقلاب لقصر يديها ورجليها ويبس ظهرها.
وهو إذا تركها على تلك الحال، لم تزل كذلك حتى تقلب. وتبيض في البر، فما وقع من ذلك في الماء صار تمساحا وما بقي صار سقنقورا.
ومن عجائب أمره أنه ليس له مخرج فإذا امتلأ جوفه بالطعام خرج إلى البر وفتح فاه، فيجيء طائر يقال له القطقاط فيلقط ذلك من فيه. وهو طائر أرقط صغير يأتي لطلب المطعم، فيكون في ذلك غذاء له وراحة للتمساح، ولهذا الطائر في رأسه شوكة، فإذا أغلق التمساح فمه عليه نخسه بها فيفتحه. وسيأتي ذكر هذا الطائر إن شاء الله تعالى. وزعم بعض الباحثين عن طبائع الحيوان، أن للتمساح ستين سنا وستين عرقا. ويسفد ستين مرة، وتبيض الأنثى ستين بيضة ويعيش ستين سنة. وقال أبو حامد الأندلسي: إن له ثمانين نابا أربعون نابا في الفك الأعلى وأربعون في الفك الأسفل وهو أبدا يحرك فكه الأعلى وفكه الأسفل. عظمه متصل بصدره وليس له دبر وله فرج ينسل منه. وهو شر من كل سبع في الماء. ومن شأنه أنه يغيب في باطن الماء أربعة أشهر، مدة الشتاء كله ولا يظهر. والكلب البحري عدوه فإذا نام فتح فاه فيطرح كلب الماء نفسه في الطين ويتجفف ثم يأتيه مفاجأة فيدخل فاه ويأكل أمعاءه ويخرج من مراق بطنه بعد أن يقتله وكذلك يفعل معه ابن عرس أيضا.
وحكمه
: تحريم الأكل للعدو بنابه كذا علله جماعة من الأصحاب. وقال الشيخ محب الدين الطبري، في شرح التنبيه: القرش حلال. ثم قال: فإن قلت أليس هو مما يتقوى بنابه؟ فهو كالتمساح. والصحيح تحريم التمساح. قلت لا نسلم أن ما يتقوى بنابه من حيوان البحر حرام. وإنما حرم التمساح كما قال الرافعي في الشرح للخبث والضرر نعم كلام التنبيه يقتضي أن تحريمه لكونه مما يتقوى بنابه ولا ينبغي تعليل تحريمه بذلك فإن في البحر حيوانا كثيرا يفترس بنابه كالقرش وغيره وهو حلال ولا ريب في أن البحري مخالف للبري. اهـ وهو الظاهر والله أعلم.
الأمثال:
قالوا «1» «أظلم من تمساح» و «كافأه مكافأة التمساح» .
الخواص:
عينه تشد على صاحب الرمد، يسكن وجعه في الحال، اليمنى لليمنى واليسرى لليسرى. وإذا عجن شحمه بشمع وجعل فتيلة وأسرج في نهر لم تصح ضفادعه. وإذا
(1/237)

قطر شحمه في الأذن الوجعة شفاها. وإذا أدمن تقطيره في الأذن نفع الصمم. ومرارته يكتحل بها للبياض الذي في العين فيذهب. وإذا علق شيء من أسنانه التي في الجانب الأيمن على الرجل، زاد جماعه. وقال القزويني، في عجائب المخلوقات: أول سن من الجانب الأيسر يشد على صاحب القشعريرة يذهبها. وكبده يبخر به صاحب الصرع يزول صرعه. وقطعة من جلده تشد على جبهة الكبش يغلب الكباش. وزبله الذي يوجد في بطنه يزيل البياض الحادث والقديم اكتحالا، ورائحته كرائحة المسك وتقول القبط إنه المسك إلا أنه فيه سهوكة.
التعبير:
التمساح في المنام عدوّ مسلط وهو نظير الأسد وقيل: التمساح لص مكابر ذو مكر وغدر وخديعة.
التميلة:
دويبة بالحجاز على قدر الهرة والجمع تملان قاله ابن سيده.
التنوّط:
في الكفاية لابن الرفعة أنه بضم التاء وكسر الواو ويجوز فتح التاء المشددة وفتح النون وضم الواو المشددة. وقال غيره: هو طائر يجوز في واوه الضم والفتح قال الأصمعي: إنما سمي بذلك لأنه يدلي خيطا من شجرة يفرخ فيها الواحدة تنوطة. ومن شأن هذا الطائر أنه إذا أقبل عليه الليل يتنقل في زوايا بيته ويدور فيها ولا يأخذه قرار إلى الصبح خوفا على نفسه وهذا الطائر هو الصفا. وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
وحكمه:
الحل لأنه من نوع العصافير.
الخواص:
قال القزويني في عجائب المخلوقات: يذبح التنوط بسكين ويسقى دمه لمن يعربد في سكره فلا يعود إلى ذلك أبدا ومرارته تطبخ بالسكر وتسقى لصبي فيحسن خلقه.
وعظمه يعلق على الصبي وقت زيادة القمر فيبقى محبوبا إلى الناس ولو كان كريه اللقاء.
التنين:
ضرب من الحيات كأكبر ما يكون منها وكنيته أبو مرداس وهو أيضا نوع من السمك. وقال القزويني في عجائب المخلوقات: إنه شر من الكوسج، في فمه أنياب مثل أسنة الرماح. وهو طويل كالنخلة السحوق، أحمر العينين مثل الدم، واسع الفم والجوف، براق العينين يبتلع كثيرا من الحيوان، يخافه حيوان البر والبحر، إذا تحرك يموج البحر لشدة قوته وأول أمره يكون حية متمردة تأكل من دواب البر ما ترى، فإذا كثر فسادها، احتملها ملك وألقاها في البحر، فتفعل بدواب البحر ما كانت تفعله بدواب البر، فيعظم بدنها فيبعث الله إليها ملكا يحملها ويلقيها إلى يأجوج ومأجوج. روي عن بعضهم أنه رأى تنينا طوله نحو من فرسخين، ولونه مثل لون النمر مفلسا مثل فلوس السمك بجناحين عظيمين، على هيئة جناحي السمك، ورأسه كرأس الإنسان لكنه كالتل العظيم، وأذناه طويلتان وعيناه مدورتان كبيرتان جدا. روى ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يسلط الله على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينا تنهشه وتلدغه، حتى تقوم الساعة لو أن تنينا منها نفخ على الأرض ما نبتت خضرا» .
ورواه «1» الترمذي عنه مطولا. قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مصلاه، فرأى ناسا كأنهم يكشرون
(1/238)

فقال: أما أنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى، أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحدة، أنا بيت التراب، أنا بيت الدود والهوام. فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا وأهلا، أما إن كنت لمن أحب من يمشي على ظهري إلي فمذ وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك قال: فيتسع له قبره مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة وإذا دفن العبد الكافر أو الفاجر، يقول له القبر: لا مرحبا ولا أهلا أما إن كنت لمن أبغض من يمشي على ظهري إلي فمذ وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك، فيلتئم عليه حتى يلتقي وتختلف أضلاعه. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بأصابع يديه هكذا وشبكها. ثم يقيض له تسعون تنينا أو تسعة وتسعون تنينا لو أن واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا فتنهشه وتخدشه حتى يبعث إلى الحساب «1» » . قال: وقال «2» رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» . وروى الأئمة أن موسى عليه الصلاة والسلام لما قال لشعيب عليه الصلاة والسلام: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ
«3» الآية.
أمره لما جن الليل أن يدخل بيتا عينه له، ويأخذ منه عصا من العصي التي فيه دخل موسى البيت، وأخذ العصا التي أخرجها آدم معه من الجنة، وكانت من آس الجنة، فتوارثها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حتى صارت إلى شعيب عليه السلام، فأمره أن يلقيها في البيت ويدخل ويأخذ عصا أخرى فدخل وأخرجها، كذلك سبع مرات فعلم شعيب أن لموسى شأنا، فلما أصبح قال له سق الأغنام إلى مفرق الطريق، ثم خذ عن يمينك، وليس بها عشب كثير، ولا تأخذ عن يسارك فإنها وإن كان بها عشب كثير، ففيها تنين كبير يقتل المواشي فساق موسى الأغنام إلى مفرق الطريق، فأخذت نحو اليسار ولم يقدر على ردها فسرحها في الكلأ، ثم نام فخرج التنين فحاربته العصا حتى قتلته فلما انتبه موسى رأى العصا مخضوبة بالدم والتنين مقتولا، فعاد إلى شعيب فأخبره الخبر فسر بذلك، وقال: كل ما ولدت هذه المواشي ذا لونين في هذه السنة فهو لك. فقدر الله تعالى أن ولدت كلها في تلك السنة ذا لونين. فعلم شعيب أن لموسى عند الله مكانة، فأقام عنده ثمانيا وعشرين سنة إلى أن تمت له أربعون سنة ثم خرج عنه بأهله.
وأما حكمه
: فعلى ما قال القزويني أكله حرام لكونه من جنس الحيات وعلى أنه سمك يؤذي بنابه فالظاهر التحريم أيضا كالتمساح.
الخواص:
زعموا أن أكل لحمه يورث الشجاعة ودمه إذا طلي به على الذكر وجامع امرأته حصل لها لذة عظيمة.
التعبير:
التنين في المنام ملك فإن كان له رأسان أو ثلاثة فهو أشد لشره. والمريض إذا رأى تنينا دل على موته. ومن الرؤيا المعبرة أن امرأة رأت في منامها كأنها وضعت تنينا فولدت ولدا زمنا وذلك لأن التنين يجر نفسه إذا مشى وكذلك الزمن يجر نفسه.
(1/239)

التورم:
القطقاط: قال ابن بختيشوع: هو على شكل الحمامة، ويقال له طير التمساح قال: وفي جناحه شوكتان هما سلاحه إذا أطبق عليه التمساح فمه تخسه، فيفتح فاه فيخرج كما تقدم قال: ومن خواصه إذا أخذتا يعني الشوكتين أو إحداهما وصيرتا في موضع قد بال فيه إنسان مرض ذلك الإنسان، ولم يزل مريضا حتى تنزع الشوكة من ذلك المكان الذي بال فيه، وإذا علق قلبه على من به وجع المعدة أبرأه الله تعالى.
التولب:
الجحش قالوا «1» «أطوع من تولب» . قال سيبويه: هو مصروف لأنه فوعل.
ويقال للأتان أم تولب وسيأتي حكمه في باب الحاء المهملة إن شاء الله تعالى.
التيس:
الذكر من المعز والوعول والجمع تيوس وأتياس قال الهذلي:
من فوقه أنسر سود وأغربة ... وتحته أعنز كلف وأتياس
والتياس الذي يمسكه، ويقال: في فلان تيسية وناس يقولون تيوسية. قال الجوهري: ولا أعرف صحتها. ويقال للذكر من الضباء أيضا تيس ويقال نب التيس ينب نبيبا إذا صاح وهاج وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فيما روى مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال «2» : «أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قصير أشعث، ذي عضلات عليه إزار قد زنى فرده مرتين ثم أمر به فرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما نفرنا غازين في سبيل الله تخلف أحدكم ينب نبيب التيس يمنح إحداهن الكثبة إن الله لا يمكنني من أحد منهم إلا جعلته نكالا أو نكلته» . وفي كامل ابن عدي في ترجمة إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه بقطيع من غنم يقسمها بين أصحابه فبقي منها تيس فضحى به. وفيه في ترجمة أبي صالح كاتب الليث بن سعد واسمه عبد الله بن صالح عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بالتيس المستعار هو المحلل» . ثم قال: «لعن الله المحلل والمحلل له» . «3» والحديث المذكور رواه الدارقطني وابن ماجه عن كاتب الليث بن سعد عن مشرح بن هاعان المصري عن عقبة بن عامر بإسناد حسن. وكذلك رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. قيل: إنما لعنه النبي صلى الله عليه وسلم مع حصول التحليل لأن التماس ذلك هتك للمروءة والملتمس ذلك هو المحلل له، وإعارة التيس للوطء. لغرض الغير أيضا رذيلة. ولذلك شبهه بالتيس المستعار وإنما يكون كالتيس المستعار إذا سبق التماس من المطلق، والعرب تعير بإعارة التيس قال الشاعر:
وشر منيحة تيس معار.
وفي آخر شفاء الصدور لابن سبع السبتي عن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى
(1/240)

عنهم قال: كنت مع أبي بعد ما كف بصره وهو بمكة فمررنا على قوم من أهل الشام في صفة زمزم، فسبوا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقال لسعيد بن جبير وهو يقوده: ردني إليهم فرده فقال: أيكم الساب لله ولرسوله فقالوا: سبحان الله ما فينا أحد سب الله ورسوله. فقال: أيكم الساب لعلي؟ قالوا: أما هذا فقد كان. فقال ابن عباس إني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «1» : «من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله كبه الله تعالى على منخريه في النار» . ثم ولى عنهم فقال: يا بني ما رأيتهم صنعوا فقلت يا أبت:
نظروا إليك بأعين محمرة ... نظر التيوس إلى شفار الجازر
فقال زدني يا بني فقلت:
شزر العيون منكسي أذقانهم ... نظر الذليل إلى العزيز القاهر
اه- وفي تهذيب الكمال، في ترجمة عبد العزيز بن منيب القرشي، وكان طويل اللحية أن علي بن حجر السعدي نظر إليه وقال:
ليس بطول اللحى ... تستوجبون القضا
إن كان هذا كذا ... فالتيس عدل رضا
قال: ومكتوب في التوراة لا يغرنك طول اللحى فإن التيس له لحية. وسيأتي في المعز بيان حكمه. وفي تاريخ الإسلام للعلامة الذهبي أن في سنة تسع وتسعين ومائتين وردت هدايا مصر على المقتدر فيها خمسمائة ألف دينار وتيس له ضرع يحلب لبنا وضلع إنسان عرض شبر في طول أربعة عشر شبرا، وفي كتاب الترغيب والترهيب في باب ذم الحاسد من حديث نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي على أمتي زمان يحسد فيه الفقهاء بعضهم بعضا ويغار بعضهم على بعض كتغاير التيوس بعضها على بعض» وفي الحلية عن مالك بن دينار أنه قال: تجوز شهادة القراء في كل شيء إلا شهادة بعضهم على بعض فإنهم أشد تحاسدا من التيوس في الزرب. اهـ. قال الجوهري: الزرب والزربية حظيرة الغنم من خشب. وفي مروج الذهب للمسعودي وشرح السيرة للحافظ قطب الدين وغيرهما أن أم الحجاج بن يوسف، وهي الفارعة بنت همام، كانت تحث الحارث بن كلدة الثقفي «2» ، حكيم العرب، فدخل عليها ليلة في السحر فوجدها، تتخلل فطلقها، فسألته عن سبب ذلك؟ فقال: دخلت عليك في السحر فوجدتك تتخللين، فإن كنت بادرت الغداء فأنت شرهة، وإن كنت بت والطعام بين أسنانك فأنت قذرة.
فقالت: كل ذلك لم يكن، لكني تخللت من شظايا السواك. فتزوجها بعده يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، فأولدها الحجاج وكان الحجاج مشوها لا دبر له فثقب دبره وأبى أن يقبل ثدي أمه وغيرها فأعياهم أمره فيقال: إن الشيطان تصور لهم في صورة الحارث بن كلدة فقال: ما خبركم
(1/241)

فقالوا: لنا ولد ليوسف من الفارعة، وقد أبى أن يقبل ثدي أمه. فقال: اذبحوا له تيسا أسود وألعقوه دمه. ثم ذبحوا له أسود سالحا وأولغوه من دمه، وأطلوا به وجهه ثلاثة أيام فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع. ففعلوا به كذلك فقبل الثدي. وكان لا يصبر عن سفك الدماء وكان يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته سفك الدماء. وارتكب أمورا لا يقدر عليها غيره. وفي تاريخ «1» ابن خلكان أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج كتابا يتهدده في آخره بهذه الأبيات:
إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها ... وتطلب رضاي بالذي أنا طالبه «2»
وتخش الذي يخشاه مثلك هاربا ... إليّ فها قد ضيع الدر جالبه
فإن ترمني غفلة قرشية ... فيا ربما قد غصّ بالماء شاربه
وإن ترمني وثبة أموية ... فهذا وهذا كله أنا صاحبه
فلا تأمنني والحوادث جمة ... فإنك تجزي بالذي أنت كاسبه «3»
فأجابه الحجاج وقال في آخر جوابه: وأما ما أتاني من أمريك فألينهما غرة، وأصعبهما محنة، وقد عبأت للغرة الجلد وللمحنة الصبر، فلما قرأ عبد الملك كتابه قال: خاف أبو محمد صولتي ولن أعود إلى ما يكره. وكان الحجاج كثيرا ما يسأل القراء، فدخل عليه يوما رجل فقال له الحجاج: ما قبل قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ
«4» ؟ فقال له الآخر: قوله تعالى «5» قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ
فما سأل أحدا بعدها. وقال الحجاج لرجل من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث «6» : والله إني لأبغضك. فقال الرجل: أدخل الله أشدنا بغضا لصاحبه الجنة. وكان أول ما ظهر من كفاءة الحجاج أنه كان في شرطة روح بن زنباع «7» وزير عبد الملك بن مروان، وكان عسكر عبد الملك لا يرحل برحيله ولا ينزل بنزوله. فشكا عبد الملك ذلك لروح بن زنباع فقال له: يا أمير المؤمنين في شرطتي رجل يقال له الحجاج بن يوسف، لو ولاه أمير المؤمنين أمر العسكر، لأرحل الناس برحيل أمير المؤمنين وأنزلهم بنزوله. فولاه عبد الملك أمر العسكر فأرحل الناس برحيل عبد الملك وأنزلهم بنزوله. فرحل يوما عبد الملك ورحل الناس، وتأخر أصحاب روح بن زنباع عن الرحيل، فمرّ عليهم الحجاج وهم يأكلون، فقال لهم: ما بالكم لن ترحلوا مع العسكر؟ فقالوا له: انزل وتغد ودع عنك هذا الكلام يا ابن اللخناء. فقال: هيهات ذهب ما هناك ثم أمر بهم فضربت أعناقهم، وبخيل روح فعرقبت، وبالفساطيط فأحرقت فبلغ ذلك
(1/242)

روحا، فدخل على عبد الملك وقال: يا أمير المؤمنين انظر ماذا جرى علي اليوم من الحجاج! فقال:
وما ذاك؟ قال: قتل غلماني وعرقب خيلي وأحرق فساطيطي فأمر بإحضار الحجاج، فلما حضر قال له عبد الملك: ويلك ماذا فعلت اليوم مع سيدك روح بن زنباع؟ فقال له: يا أمير المؤمنين إن يدي يدك وسوطي سوطك وما على أمير المؤمنين أن يخلف لروح عوض الغلام غلامين، والفرس فرسين، والفسطاط فسطاطين، ولا يسكرني في العسكر. فقال له: افعل، فتم للحجاج ما يريد وقوي من ذلك اليوم أمره، وعظم شره. وكان هذا أول ما عرف من كفاءته. وللحجاج أخبار كثيرة وخطب بليغة: قال المبرد في الكامل: حدثني التوزي بإسناده عن عبد الملك بن عمير الليثي قال: بينما أنا في المسجد الجامع بالكوفة، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حالة حسنة، يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه إذ قيل: قدم الحجاج أميرا على العراق، فنظرت فإذا به قد دخل المسجد معتما بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه، متقلدا سيفا متنكبا قوسا، يؤم المنبر فمال الناس نحوه، فصعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم فقال الناس بعضهم لبعض: قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق! فقال عمير بن ضابىء البرجمي «1» : ألا أحصبه لكم؟ فقيل: أمهل حتى ننظر. فلما رأى الحجاج أعين الناس ترمقه، حسر اللثام عن وجهه ونهض قائما ثم حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال «2» :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قال يا أهل الكوفة إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى.
هذا أوان الشر فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم «3»
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم
ثم قال:
قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج من الدوي «4»
مهاجر ليس بأعرابي ... معاود للطعن بالخطّي «5»
ثم قال أيضا:
قد شمرت عن ساقها فشدوا ... وجدّت الحرب بكم فجدّوا
والقوس فيها وترعردّ ... مثل ذراع البكر أو أشد
(1/243)

إني والله يا أهل العراق، مما يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي كتغماز التنين، ولقد فررت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وإن أمير المؤمنين نثل كنانته، فعجم عيدانها عودا عودا فوجدني أمرها عودا، وأصلبها مكسرا، وأبعدها مرمى، فرماكم بي، لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة، واضطجعتم في مراقد الضلال، والله لأحزمنكم حزم السلمة، ولأضربنكم ضرب غرابيب الإبل، فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. وإني والله ما أقول إلا وفيت، ولا أهم إلا أمضيت، ولا أحلف إلا بريت وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم، وأن أوجهكم لمحاربة عدوّكم مع المهلب بن أبي صفرة، وإني أقسم بالله لا أجد رجلا تخلف بعد أن أخذ عطائه ثلاثة أيام، إلا ضربت عنقه. يا غلام اقرأ كتاب أمير المؤمنين فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين سلام عليكم فلم يقل أحد شيئا فقال الحجاج: اكفف يا غلام، ثم أقبل على الناس، فقال: أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلم تردّوا سلامه؟ هذا أدب ابن سمية، أما والله لأودّبنكم غير هذا الأدب، أو لتستقيمن. اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين فلما بلغ إلى قوله سلام عليكم لم يبق في المسجد أحد إلا قال وعلى أمير المؤمنين السلام. ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم فجعلوا يأخذون، حتى أتاه شيخ يرعش كبرا فقال: أيها الأمير إني من الضعف على ما ترى ولي ابن هو أقوى مني على الأسفار أفتقبله مني بدلا فقال له الحجاج: نفعل أيها الشيخ. فلما ولى، قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال:
لا، قال: هذا عمير بن ضابىء البرجمي الذي يقول «1» أبوه:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله
ودخل هذا الشيخ على عثمان رضي الله تعالى عنه، يوم الدار وهو مقتول، فوطىء بطنه وكسر ضلعين من أضلاعه، فقال: ردّوه، فلما ردّ قال له الحجاج: أيها الشيخ هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان بديلا يوم الدار. إن في قتلك إصلاحا للمسلمين: يا حرسي اضرب عنقه.
تفسير ما في خطبة الحجاج من الكلام: قوله: أنا ابن جلا إنما أراد المنكشف الأمر، ولم يصرف جلا لأنه أراد الفعل فحكى. والفعل إذا كان فيه فاعله مضمرا أو مظهرا لم يكن إلا حكاية. كقولك قرأت: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «2»
لأنك حكيت وكذلك الابتداء والخبر تقول قرأت: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «3» *
قال الشاعر:
والله ما زيد بنام صاحبه.
وهذه الكلمة لسحيم بن وثيل الرياحي، وإنما قالها الحجاج متمثلا وقوله طلاع الثنايا جمع ثنية والثنية الطريق في الجبل والطريق في الرمل، يقال لها: الجلد وإنما أراد جلد يطلع الثنايا في
(1/244)

ارتفاعها وصعوبتها. كما قال دريد «1» بن الصمة يرثي أخاه عبد الله:
كميش الإزار خارج نصف ساقه ... بعيد من السوآت طلاع أنجد «2»
والنجد ما ارتفع من الأرض وقوله: إني لأرى رؤوسا، قد أينعت، يريد أدركت يقال أينعت الثمرة إيناعا وينعت ينعا وينعا ويقرأ انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه وينعه، وكلاهما جائز قال أبو عبيدة وهذا الشعر مختلف فيه فبعضهم ينسبه إلى الأحوص «3» وبعضهم إلى يزيد بن معاوية «4» وهو:
ولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا
حرقة حتى إذا ارتفعت ... سكنت من جلق نبعا
في قباب عند دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا
وقوله: هذا أوان الشر فاشتدي زيم، يعني فرسا أو ناقة، والشعر للحطيم القيسي. وقوله:
قد لفها الليل بسواق حطم. الحطم الذي لا يبقي من الخبز شيئا، يقال: رجل حطم إذا كان يأتي على الزاد لشدة أكله. ويقال للنار التي لا تبقي على شيء حطمة. وقوله: على ظهر وضم الوضم كل ما قطع عليه اللحم قال الشاعر:
وفتيان صدق حسان الوجوه ... لا يجدون لشيء ألم
من آل المغيرة لا يشهدو ... ن عند المجازر لحم الوضم
وقوله قد لفها الليل بعصلبي: أي شديد أروع أي ذكي. وقوله خراج من الدوي: يقول خراج عن كل غماء وشدة، ويقال للصحراء دوية وهي التي تنسب للدو، والدو صحراء ملساء لا علم بها ولا إمارة قال الحطيئة «5» :
وأني اهتدت والدو بيني وبينها ... وما خلت ساري الدو بالليل يهتدي «6»
والداوية الفلاة المتسعة التي يسمع لها دوي بالليل، وإنما ذلك الدوي من أخفاف الإبل تنفسخ أصواتها فيها وجهلة الأعراب تقول: إن ذلك عزيف الجن. وقوله: والقوس فيها وترعردّ أي شديد ويقال عرند. وقوله: إني والله ما يقعقع لي بالشنان واحدها شن. وهي الجلد اليابس فإذا
(1/245)

قعقع به نفرت الإبل منه فضرب ذلك مثلا لنفسه، قال النابغة الذبياني «1» :
كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع بين رجليه بشن
وقوله: ولقد فررت عن ذكاء يعني عن تمام سن. والذكاء على ضربين: أحدهما تمام السن والآخر حدّة القلب، فما جاء في تمام السن قول قيس «2» بن زهير العبسي جرى المذكيات غلاب وقول زهير «3» :
يفضله إذا اجتهدا عليه ... تمام السن منه والذكاء
وقوله: فعجم عيدانها عودا عودا: أي مضغها لينظر أيها أصلب. يقال: عجمت العود إذا مضغته وعضضته والمصدر العجم. يقال: عجمه عجما، ويقال لنوى كل شيء عجم بفتح الجيم ومن سكن فقد أخطأ قال الأعشى:
وجذعانها كلقيط العجم وقوله: طالما أوضعتم في الفتنة: الإيضاع ضرب من السير وله أخبار كثيرة تركناها كراهية التطويل. قال ابن خلكان: ولما حضرته الوفاة أحضر منجما وقال: هل ترى في علمك أن ملكا يموت؟ قال: نعم، ولست هو. قال وكيف ذلك؟ قال: لأن الملك الذي يموت اسمه كليب. فقال الحجاج: أنا هو والله بذلك الاسم سمتني أمي فأوصى عند ذلك وكان ينشد في مرضه:
يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا ... أيمانهم أنني من ساكني النار
أيحلفون على عمياء ويحهم ... ما ظنهم بعظيم العفو غفار «4»
وتوفي الحجاج سنة خمس وتسعين في خلافة الوليد بواسط، ودفن بها، وعفا قبره وأجري عليه الماء ولما مات لم يعلم بموته، حتى خرجت جارية من قصره وهي تقول:
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا ... واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
فعلم بموته. وقال الحافظ الذهبي وابن خلكان وغيرهما: أحصي من قتله الحجاج صبرا، سوى من قتل في حروبه، فبلغ مائة ألف وعشرين ألفا. وكذا رواه الترمذي في جامعه. ومات في حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألفا مجردات. وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد. وعرضت سجونه بعده، فوجد فيها ثلاثة وثلاثون ألفا لم يجب على أحد منهم لا قطع ولا صلب. وقال الحافظ ابن عساكر: إن سليمان بن عبد الملك، أخرج من كان في سجن الحجاج من المظلومين. ويقال: إنه أخرج في يوم واحد ثمانين ألفا. ويقال: إنه
(1/246)

أخرج من سجونه ثلاثمائة ألف. وقال ابن خلكان: ولم يكن لحبسه سقف يستر الناس من الشمس في الصيف، ولا من المطر في الشتاء، بل كان حوشا مبنيا بالرخام. وكان له غير ذلك من أنواع العذاب. وقيل: إنه سأل كاتبه يوما فقال: كم عدة من قتلنا في التهمة؟ فقال ثمانون ألفا.
وكانت مدة ولايته على العراق عشرين سنة، ومات وله ثلاث وخمسون سنة. روي أنه ركب يوم جمعة، فسمع ضجة، فقال: ما هذا؟ فقيل: المحبوسون يضجون ويشكون مما هم فيه، من الجوع والعذاب. فالتفت إلى ناحيتهم وقال: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
«1» . فما صلى جمعة بعدها. ورأيت على حاشية تاريخ ابن خلكان بخط بعض المشايخ أن بعض العلماء كفره بهذا الكلام وغيره مما وقع منه. وفي الكامل للمبرد: ومما كفر به الفقهاء الحجاج أنه رأى الناس يطوفون حول حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنما تطوفون بأعواد ورمة. قلت: وإنما كفروه بهذا لأن في هذا الكلام تكذيبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم نعوذ بالله من اعتقاد ذلك. فإنه صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله عزّ وجلّ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» أخرجه «2» أبو داود وذكر أبو جعفر الداودي هذا الحديث بزيادة ذكر الشهداء والعلماء والمؤذنين. وهي زيادة غريبة. قال السهيلي:
الداودي من أهل الفقه والعلم. ولكن روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله، أنه رأى الحجاج في المنام بعد موته وهو جيفة منتنة، فقال له: ما فعل الله بك قال: قتلني بكل قتيل قتلته قتلة واحدة إلا سعيد بن جبير «3» فإنه قتلني به سبعين قتلة. فقال له: ما أنت منتظر؟ فقال ما ينتظره الموحدون فهذا مما ينفي عنه الكفر. ويثبت أنه مات على التوحيد وعند الله علم حاله وهو أعلم بحقيقة أمره.
تنبيه:
فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى قتل الحجاج بكل قتيل قتله قتلة واحدة إلا سعيد بن جبير رحمه الله تعالى؟ وهو قد قتل عبد الله بن الزبير «4» رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي وسعيد بن جبير تابعي؟ والصحابي أفضل من التابعيّ فالجواب أن الحكمة في ذلك، أن الحجاج لما قتل عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما كان له نظراء في العلم كثيرون كابن عمر وأنس بن مالك وغيرهما من الصحابة، ولما قتل سعيد بن جبير لم يكن له نظير في العلم في وقته.
وذكر غير واحد من المصنفين أن الحسن البصري رحمه الله لما بلغه قتل سعيد بن جبير، قال: والله لقد مات سعيد بن جبير يوم مات وأهل الأرض من مشرقها إلى مغربها محتاجون لعلمه. فمن هذا المعنى ضوعف العذاب على الحجاج بقتله. والله أعلم. وسيأتي حديث قتل سعيد بن جبير في باب اللام في اللبوة. وقتل عبد الله بن الزبير تقدم في باب الهمزة في الأوز.
(1/247)

الأمثال:
قالوا «1» : «أغلم من تيس بني حمان» بكسر الحاء المهملة، وذلك أن بني حمان تزعم أن تيسهم سفد سبعين عنزا بعد ما فريت أوداجه، ففخروا بذلك والله أعلم. ويقال للتيس قفط وسفد. وفي الأذكياء «2» لابن الجوزي أن مزينة أسرت أبا حسان الأنصاري، وقالوا لا نأخذ فداءه إلا تيسا، فغضب قومه، وقالوا: لا نفعل هذا فأرسل إليهم: أعطوهم ما طلبوا فلما جاؤوا بالتيس، قال أعطوهم أخاهم وخذوا أخاكم فسموا مزينة التيس، وصار لهم لقبا وعيبا.
الخواص:
جميع بدنه منتن كالإبط، ولحيته تشد على صاحب حمى الربع، وعلى من به صداع فيزولان. وطحاله يقطعه صاحب الطحال بيده، ويعلقه في بيت هو فيه، فإذا جف الطحال زال ألم المطحول. ورطوبة كبده حال شقها تقطر في الأذن الوجيعة يزول وجعها. وكعبه إذا سحق وشرب هيج الباه وبوله يغلى حتى يغلظ ويخلط بمثله سكرا ويطلى به الجرب في الحمام فإنه يذهب. وبعره إذا وضع تحت رأس صبي يبكي كثيرا يزول عنه. وسيأتي له منافع أخرى في خواص المعز والله أعلم.
باب الثاء المثلثة
الثاغية:
النعجة قالوا: ما له ثاغية ولا راغية، أي لا نعجة ولا ناقة أي ما له شيء ومثله ما له دقيقة ولا جليلة فالدقيقة الشاة والجليلة الناقة.
الثرملة:
بالضم أنثى الثعالب وسيأتي إن شاء الله تعالى ما في الثعلب في هذا الباب.
الثعبان:
الكبير من الحيات ذكرا كان أو أنثى. والجمع الثعابين والثعبة ضرب من الوزغ وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الواو. وقال الجاحظ، في كتاب الأمصار: وتفاضل البلدان والثعابين بمصر وليست هي في بلد غيرها، وإليها حول الله عصا موسى صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ «3» *
يعني أنه حولها ثعبانا عظيما ومما يتعلق بخبر الثعبان: أن عبد الله بن جدعان «4» ، كان في ابتداء أمره صعلوكا ترب اليدين، وكان مع ذلك شريرا فاتكا لا يزال يجني الجنايات، فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه وحلف لا يؤويه أبدا. فخرج في شعاب مكة حائرا ثائرا، يتمنى الموت أن ينزل به، فرأى شقا في جبل، فظن أن فيه حية فتعرض للشق يريد أن يكون فيه ما يقتله فيستريح، فلم ير شيئا فدخل فيه فإذا فيه ثعبان عظيم له عينان تقدان كالسراجين، فحمل عليه الثعبان. فأفرج له فانساب عنه مستديرا بدارة عند بيت ثم خطا خطوة أخرى، فصفر به الثعبان، فأقبل إليه كالسهم فأفرج له فانساب عنه، فوقف ينظر إليه يفكر في أمره، فوقع في نفسه أنه مصنوع فأمسكه بيديه فإذا هو مصنوع من ذهب، وعيناه ياقوتتان فكسره وأخذ عينيه ودخل البيت، فإذا جثث طوال على سرر لم ير مثلهم طولا وعظما، وعند رؤوسهم لوح من فضة فيه تاريخهم، وإذا هم رجال من ملوك جرهم،
(1/248)

وآخرهم موتا الحارث بن «1» مضاض صاحب العذبة الطويلة، وإذا عليهم ثياب من وشي لا يمس منها شيء إلا انتثر كالهباء من طول الزمان مكتوب في اللوح عظات. قال ابن هشام: كان اللوح من رخام وكان فيه أنا نفيلة «2» بن عبد المدان بن خشرم بن عبديا ليل بن جرهم بن قحطان ابن نبي الله هود عليه السلام عشت من العمر خمسمائة عام وقطعت غور الأرض ظاهرها وباطنها في طلب الثروة والمجد والملك فلم يكن ذلك ينجيني من الموت وتحته مكتوب:
قد قطعت البلاد في طلب الثر ... وة والمجد قالص الأثواب
وسريت البلاد قفر القفر ... بقناة وقوة واكتساب
فأصاب الردى بنات فؤادي ... بسهام من المنايا صياب
فانقضت مدتي وأقصر جهلي ... واستراحت عواذلي من عتابي
ودفعت السفاه بالحلم لما ... نزل الشيب في محل الشباب
صاح هل ريت أو سمعت براع ... رد في الضرع ما قرى في الحلاب
وإذا في وسط البيت كوم عظيم من الياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة والزبرجد فأخذ منه ما أخذ، ثم علم على الشق بعلامة. وأغلق بابه بالحجارة، وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به منه يسترضيه ويستعطفه، ووصل عشيرته كلهم فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز، ويطعم الناس ويفعل المعروف وكانت جفنته، يأكل منها الراكب على البعير وسقط فيها صبي فغرق ومات وفي غريب الحديث لابن قتيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان صكة عمي» . يعني في الهاجرة. وسميت الهاجرة صكة عمي لخبر ذكره أبو حنيفة في الأنوار، وهو أن عميا رجل من عدوان، وقيل: من إياد وكان فقيه العرب في الجاهلية فقدم في قومه، معتمرا أو حاجا، فلما كان على مرحلتين من مكة، قال لقومه، وهم في وسط الظهيرة: من أتى مكة غدا في مثل هذا الوقت كان له أجر عمرتين! فصكوا الإبل صكة شديدة حتى أتوا مكة من الغداة.
وعمي تصير أعمى على الترخيم فسميت الظهيرة صكة عمي. وعبد الله بن جدعان تيمي يكنى أبا زهير، وهو ابن عم عائشة رضي الله تعالى عنها. ولذلك قالت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان يطعم العطام ويقري الضيف ويفعل المعروف فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ قال صلى الله عليه وسلم: «لا إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين «3» » . كذا قاله السهيلي في الروض الأنف. وفي كتاب ري العاطش وأنس الواحش، لأحمد بن عمار «4» أن ابن جدعان ممن حرم الخمر في الجاهلية، بعد أن كان بها مغرى، وذلك أنه سكر ليلة فصار يمد يديه ويقبض على ضوء القمر ليأخذه فضحك منه جلساؤه، فأخبر بذلك حين صحا. فحلف أن لا يشربها أبدا. فلما كبر وهرم، أراد بنو تيم أن
(1/249)

يمنعون من تبذير ماله، ولاموه في العطاء، فكان يدعو الرجل، فإذا دنا منه، لطمه لطمة خفيفة، ثم يقول له: قم فانشد لطمتك واطلب ديتها، فإذا فعل ذلك أعطته بنو تيم من مال ابن جدعان.
ولقد أجاد أبو الفتح علي بن محمد البستي، صاحب النظم والنثر، في هذه القصيدة، وهي قصيدة طويلة طنانة تشتمل على مواعظ وحكم فلنأت بها بتمامها وبما ذيل عليها أهل الفضل. ويقال: إنها لأمير المؤمنين الراضي «1» بالله وهي هذه:
زيادة المرء في دنياه نقصان ... وربحه غير محض الخير خسران
وكل وجدان حظ لاثبات له ... فإن معناه في التحقيق فقدان
يا عامرا لخراب الدهر مجتهدا ... بالله هل لخراب العمر عمران
ويا حريصا على الأموال يجمعها ... أنسيت أن سرور المال أحزان
زع الفؤاد عن الدنيا وزخرفها ... فصفوها كدر والوصل هجران
وأوع سمعك أمثالا أفصلها ... كما يفصل ياقوت ومرجان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان، إحسان
وكن على الدهر معوانا لذي أمل ... يرجو نداك فإن الحر معوان
من جاد بالمال مال الناس قاطبة ... إليه والمال للإنسان فتان
من كان للخير منّاعا فليس له ... عند الحقيقة إخوان وأخدان «2»
لا تخدشن بمطل وجه عارفة ... فالبر يخدشه مطل وليان
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ... أتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس فاستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
من يتق الله يحمد في عواقبه ... ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
حسب الفتى عقله خلا يعاشر ... إذا تحاماه إخوان وخلان
لا تستشر غير ندب حازم فطن ... قد استوى منه إسرار وإعلان
فللتدابير فرسان إذا ركضوا ... فيها أبروا كما للحرب فرسان
وللأمور مواقيت مقدرة ... وكل أمر له حد وميزان
من رافق الرفق في كل الأمور فلم ... يندم عليه ولم يذممه إنسان
ولا تكن عجلا في الأمر تطلبه ... فليس يحمد قبل النضج بحران
وذو القناعة راض في معيشته ... وصاحب الحرص ان أثرى فغضبان
كفى من العيش ما قد سد من رمق ... ففيه للحران حققت غنيان
هما رضيعا لبان حكمة وتقى ... وساكنا وطن مال وطغيان
من مد طرفا بفرط الجهل نحو هوى ... أغضى عن الحق يوما وهو خزيان
من استشار صروف الدهر قام له ... على حقيقة طبع الدهر برهان
من عاشر الناس لاقى منهم نصبا ... لأن طبعهم بغي وعدوان «3»
(1/250)

ومن يفتش على الإخوان مجتهدا ... فجل إخوان هذا الدهر خوان
من يزرع الشر يحصد في عواقبه ... ندامة ولحصد الزرع إبان
من استنام إلى الأشرار نام وفي ... قميصه منهم صل وثعبان
من سالم الناس يسلم من غوائلهم ... وعاش وهو قرير العين جذلان
من كان للعقل سلطان عليه غدا ... وما على نفسه للحرص سلطان
وإن أساء مسيء فليكن لك في ... عروض زلته صفح وغفران
إذا نبا بكريم موطن فله ... وراءه في بسيط الأرض أوطان
لا تحسبن سرورا دائما أبدا ... من سره زمن ساءته أزمان
يا ظالما فرحا بالعز ساعده ... إن كنت في سنة فالدهر يقظان
يا أيها العالم المرضي سيرته ... أبشر فأنت بغير الماء ريان
ويا أخا الجهل لو أصبحت في لجج ... فأنت ما بينها لا شك ظمآن
دع التكاسل في الخيرات تطلبها ... فليس يسعد بالخيرات كسلان
صن حر وجهك لا تهتك غلالته ... فكل حر لحر الوجه صوان
لا تحسب الناس طبعا واحدا فلهم ... غرائز لست تحصيها وألوان
ما كل ماء كصداء لوارده ... نعم ولا كل نبت فهو سعدان
من استعان بغير الله في طلب ... فإن ناصره عجز وخذلان
واشدد يديك بحبل الله معتصما ... فإنه الركن إن خانتك أركان
لا ظل للمرء يغني عن تقى ورضا ... وإن أظلته أوراق وأفنان
سحبان من غير مال باقل حصر ... وباقل في ثراء المال سحبان «1»
والناس إخوان من والته دولته ... وهم عليه إذا عادته أعوان
يا رافلا في الشباب الرحب منتشيا ... من كأسه هل أصاب الرشد نشوان
لا تغترر بشباب ناعم خضل ... فكم تقدم قبل الشيب شبان
ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لم ... يكن لمثلك في الإسراف إمعان
هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها ... ما بال شيبك يستهويه شيطان
كل الذنوب فإن الله يغفرها ... إن شيع المرء إخلاص وإيمان
وكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران
أحسن إذا كان إمكان ومقدرة ... فلا يدوم على الإنسان إمكان
فالروض يزدان بالأنوار فاغمة ... والحر بالعدل والإحسان يزدان
خذها سرائر أمثال مهذبة ... فيها لمن يبتغي التبيان تبيان
ماضر حسابها والطبع صائغها ... إن لم يصغها قريع الشعر حسان
(1/251)

ومن هنا ذيل من ذيل عليها فقال:
وكن لسنة خير الخلق متبعا ... فإنها لنجاة العبد عنوان
فهو الذي شملت للخلق أنعمه ... وعمهم منه في الدارين إحسان
جبينه قمر قد زانه خفر ... وثغره درر غر ومرجان
والبدر يخجل من أنوار طلعته ... والشمس من حسنه الوضاح تزدان
به توسلنا في محو زلتنا ... لربنا أنه ذو الجود منان
ومذ أتى أبصرت عمى القلوب به ... سبل الهدى ووعت للحق آذان
يا رب صل عليه ما همي مطر ... فأينعت منه أوراق وأغصان
وابعث إليه سلاما زاكيا عطرا ... والآل والصحب لا تفنيه أزمان
ومن نثرة، يعني أبا القاسم البستي: من أصلح فاسده، أرغم حاسده. ومن أطاع غضبه، أضاع أدبه عادات السادات سادات العادات. من سعادة جدك، وقوفك عند حدك. الرشوة رشاء الحاجات. أجهل الناس من كان للإخوان مذلا، وعلى السلطان مدلا.
الفهم شعاع العقل. المنية تضحك من الأمنية. حد العفاف الرضا بالكفاف.
توفي البستي رحمه الله سنة أربعمائة.
ثعالة:
كنخالة وزبالة وفضالة ثلاثة أخوة يشبه بعضهم بعضا: اسم للثعلب وهو معرفة وأرض مثعلة بالفتح، أي كثيرة الثعالب كما قالوا: معقرة للأرض من الكثيرة العقارب.
الأمثال:
قالوا «1» : «أروغ من ثعالة» . قال الشاعر:
فاحتلت حين صرمتني ... والمرء يعجز لا محاله
والدهر يلعب بالفتى ... والدهر أروغ من ثعاله
والمرء يكسب ماله ... والشيخ يورثه الفساله
والعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه المقاله
وقالوا: «أعطش من ثعالة» . «2» واختلفوا في تفسيره، فزعم محمد بن حبيب أنه الثعلب، وخالفه ابن الأعرابي فزعم أن ثعالة رجل من بني مجاشع شرب بول رفيق له في مفازة فمات عطشا.
الثعبة
: ضرب من الوزغ قاله الجوهري.
الثعلب:
معروف، والأنثى ثعلبة، والجمع ثعالب وأثعل. روى ابن قانع في معجمه عن وابصة بن معبد، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «شر السباع هذه الأثعل» . يعني الثعالب. وكنية الثعلب أبو الحصين وأبو النجم وأبو نوفل وأبو الوثاب وأبو الحنبص. والأنثى أم عويل والذكر ثعلبان. وأنشد الكسائي عليه:
(1/252)

أرب «1» يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
هكذا أنشده جماعة، وهو وهم. فقد رواه أبو حاتم الرازي: الثعلبان، بالفتح على أنه تثنية ثعلب، وذكر أن بني ثعلب كان لهم صنم يعبدونه، فبينما هم ذات يوم إذ أقبل ثعلبان يشتدان فرفع كل منهما رجله وبال على الصنم، وكان للصنم سادن يقال غاوي بن ظالم. فقال البيت المتقدم، ثم كسر الصنم، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اسمك قال: غاوي بن ظالم.
قال: لا، بل أنت راشد بن عبد ربه» . وفي نهاية الغريب أنه كان لرجل صنم، وكان يأتي بالخبز والزبد، فيضعه عند رأسه، ويقول له: أطعم فجاء ثعلبان فأكل الخبز والزبد، ثم عصل على رأس الصنم، أي بال. والثعلبان ذكر الثعالب. وفي كتاب الهروي: فجاء ثعلبان فأكلا الخبز والزبد،.
أراد تثنية ثعلب. قال الحافظ بن ناصر: أخطأ الهروي في تفسيره، وصحف في روايته. وإنما الحديث فجاء ثعلبان، وهو الذكر من الثعالب، اسم له معروف لا مثنى، فأكل الخبز والزبد ثم عصل، بالعين والصاد، على رأس الصنم. فقام الرجل فضرب الصنم فكسره ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك وقال فيه شعرا وهو:
لقد خاب قوم أملوك لشدة ... أرادوا نزالا أن تكون تحارب
فلا أنت تغني عن أمور تواترت ... ولا أنت دفاع إذا حل نائب
أربّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
والحديث مذكور في معجم البغوي وابن شاهين وغيرهما. والرجل المذكور راشد بن عبد ربه. وحديثه مشروح في كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم الأصفهاني. وأهل اللغة يستشهدون بهذا البيت في أسماء الحيوان والفرق في ذلك بين الذكر والأنثى كما قالوا لأفعوان ذكر الأفاعي والعقربان ذكر العقارب والثعلب سبع جبان مستضعف ذو مكر وخديعة، لكنه لفرط الخبث والخديعة، يجري مع كبار السباع. ومن حيلته في طلب الرزق أنه يتماوت وينفخ بطنه، ويرفع قوائمه حتى يظن أنه مات، فإذا قرب منه حيوان وثب عليه وصاده. وحيلته هذه لا تتم على كلب الصيد. قيل للثعلب: ما لك تعدو أكثر من الكلب؟ فقال: لأني أعدو ولنفسي والكلب يعدو لغيره. قال الجاحظ: ومن أشد سلاح الثعلب عندهم الروغان والتماوت وسلاحه سلحه، فإن سلاحه أنتن وألزج وأكثر من سلاح الحبارى. قالت العرب:
أدهى وأنتن من سلاح الثعلب.
والجاحظ اسمه عمرو بن بحر الكناني الليثي وقيل له الجاحظ، لأن عينيه كانتا جاحظتين، ويقال له الحدقي أيضا، لذلك أصابه الفالج في آخر عمره، فكان يطلي نصفه بالصندل والكافور لشدة حرارته، والنصف الآخر لو قرض بالمقاريض لما أحس به من خدره وشدة برده. وكان يقول: أنا من جانبي الأيمن مفلوج، فلو قرض بالمقاريض ما علمت. ومن جانبي الأيسر منقرس، فلو مر به الذباب تألمت. وقال: اصطلحت على جسدي الأضداد فإن أكلت باردا أخذ
(1/253)

برجلي، وإن أكلت حارا أخذ برأسي وكان ينشد:
أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب
وله التصانيف في كل فن وهو من رؤوس المعتزلة، وإليه تنسب الطائفة الجاحظية من المعتزلة. ومن أحسن تصانيفه كتاب الحيوان. توفي سنة خمس وخمسين ومائتين بالبصرة. قال: ومن العجب في قسمة الأرزاق أن الذئب يصيد الثعلب فيأكله، والثعلب يصيد القنفذ فيأكله، والقنفذ يصيد الأفعى فيأكلها، والأفعى تصيد العصفور فتأكله، والعصفور يصيد الجراد فيأكله، والجراد يلتمس فراخ الزنابير فيأكلها، والزنبور يصيد النحلة فيأكلها، والنحلة تصيد الذبابة فتأكلها، والذبابة تصيد البعوضة فتأكلها. روى صاحب الغيلانيات، في الجزء الأول، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فقال: رأيت كأني أجري مع الثعلب أحسن جري. فقال: أجريت ما لا يجري، أنت رجل في لسانك كذب فاتق الله عزّ وجلّ! ومن شأن الثعلب، إذا دخل برج حمام، وكان شبعان، قتلها ورمى بها لعلمه أنه إذا جاع عاد إليها وأكلها. وهو من الحيوان الذي سلاحه سلاحه، وهو أنتن من سلاح الحبارى كما تقدم.
فإذا تعرض للقنفذ ولقيه كالكرة وتحصن بشوكه سلح عليه فينبسط، فعندها يقبض على مراق بطنه.
ومن ظريف ما يحكى عنه، أن البراغيث، إذا كثرت في صوفه، تناول صوفة منه بفيه، ثم يدخل النهر قليلا قليلا، والبراغيث تصعد فرارا من الماء حتى تجتمع في الصوفة التي في فيه، فيلقيها في الماء ثم يهرب. والذئب يطلب أولاد الثعلب فإذا ولد له ولد، وضع أوراق العنصل على باب وجاره، ليهرب الذئب منها. وفروه أفضل الفراء ومنه: الأبيض والأسود والخلنجي وقال القزويني في عجائب المخلوقات: إنه أهدي إلى نوح بن منصور الساماني «1» ثعلب له جناحان من ريش إذا قرب الإنسان منه نشرهما، وإذا بعد عنه ألصقهما بجانبيه. ثم قال: وكانت الثعالب تطير في الزمن الأول. وفي آخر «2» كتاب الأذكياء لأبي الفرج بن الجوزي عن المعافى بن زكريا قال زعموا أن أسدا وثعلبا وذئبا اصطحبوا، فخرجوا يتصيدون فصادوا حمارا وظبيا وأرنبا، فقال الأسد للذئب: اقسم بيننا صيدنا، فقال: الأمر أبين من ذلك الحمار لك، والأرنب لأبي معاوية يعني الثعلب، والظبي لي. فخبطه الأسد فأطاح رأسه. ثم أقبل على الثعلب، وقال: قاتله الله ما أجهله بالقسمة! هات أنت يا أبا معاوية. فقال الثعلب: يا أبا الحارث، الأمر أوضح من ذلك الحمار لغدائك، والظبي لعشائك، والأرنب فيما بين ذلك. فقال له الأسد: قاتلك الله ما أقضاك! من علمك هذه الأقضية؟
قال: رأس الذئب الطائح عن جثته، وفي رواية عن الشعبي فقال له الأسد: قاتلك الله ما أبصرك بالقضاء والقسمة؟ من أين تعلمت هذا؟ قال: مما رأيت من أمر الذئب. ومما يروى من حيل الثعلب ما ذكره الشافعي قال: كنا في سفر في أرض اليمن، فوضعنا سفرتنا لنتعشى، وحضرت صلاة المغرب، فقمنا نصلي ثم نتعشى، فتركنا السفرة كما هي، وقمنا إلى الصلاة، وكان فيها دجاجتان،
(1/254)

فجاء الثعلب فأخذ إحدى الدجاجتين فلما قضينا الصلاة، أسفنا عليها، وقلنا حرمنا طعامنا فبينما نحن كذلك، إذ جاء الثعلب وفي فمه شيء كأنه الدجاجة فوضعه، فبادرنا إليه لنأخذه ونحن نحسبه الدجاجة. قد ردها، فلما قمنا جاء إلى الأخرى وأخذها من السفرة وأصبنا الذي قمنا إليه لنأخذه فإذا هو ليف قد هيأه مثل الدجاجة. ومما وقع من فطنة البهائم مما يقارب هذا ما يحكى عن القاسم بن أبي طالب التنوخي الأنباري قال: كنت ماضيا إلى انبار في رفقة فيها بازدارية السلطان قد خرجوا يروضونها فأطلقوا بازيا على دراج، فطار الدراج إلى غيضة فدخل فيها، وألقى نفسه بين شوك كان فيها، فأخذ من ذلك الشوك أصلين كبيرين في رجليه، ونام على قفاه ورفع رجليه، فاستتر بذلك من الباز، فلما قرب منه البازداري طار فصاده البازي. فقالوا: ما رأينا قط دراجا أحذق من هذا! وقد أورد هذه الحكاية القاضي أبو علي الحسن بن على التنوخي أيضا في كتاب أخبار المذاكرة ونشوان المحاضرة بألفاظ مخالفة لما سيق هنا فقال وحدثني أبو القاسم بن أبي طالب التنوخي الأنباري قال:
كنت ماضيا إلى الأنبار مع رفقة بازدارية للسلطان، فأطلقوا بازيا على دراج لاح لهم، فطار الدراج ولحقه الباز فأخذوا يهللون ويكبرون ويعجبون، فلحقتهم وسألتهم فإذا بالدراج قد دخل غيضة فألقى نفسه بين شوك كان فيها، وأخذ من ذلك الشوك أصلين كبيرين بين رجليه، ونام على قفاه وشال رجليه وفيهما الشوك، ليختفي به عن الباز، والباز قد طلبه طويلا فلم يره، وقد خفي عليه أمره بذلك الشوك الذي شاله في رجليه حتى ستربه نفسه، إلى أن جاء البازدارية فرأوا الدراج فقصدوه، وقربوا منه فطار، وأحس به الباز فاصطاده، فسمعتهم يقولون: ما رأينا قط دراجا أمكر من هذا، ولا أحذق منه بالتوقي ولا سمعنا بمثل هذا وأسرفوا في التعجب منه. وهذه أخبار تقارب ما تقدم في فطنة الطير وذكائه وقال القاضي أبو علي التنوخي حدثني أبو الفتح البصروي قال: حدثني بعض أهل الموصل ممن كان مغرى بالصيد، وطلب الجوارح، أن صيادا من أهل أرمينية وتلك النواحي حدثه قال: خرجت إلى الصحراء يوما، فنصبت شبكتي وجعلت فيها طائرا مستأنسا، ودخلت في كوخ تحت الأرض يسترني، وجعلت أنظر إلى الشبكة حتى إذا وقع فيها شيء من البزأة أو الصقورة أو الشواهين أو غير ذلك من الجوارح، أخذته فلما كان قريبا من الظهر، وإذا بزمجة لطيفة قد طارت على الشبكة، فلما رأتها نفرت وترجلت قريبا منها، فجلست على الأرض ساعة، فإذا بعقاب جائر فلما رآها ترجل معها وجلسا جميعا، وإذا بطائر يطير في الجو فنهضت الزمجة قبل العقاب وطارت خلف الطائر، فلم تزايله إلى أن صادته وجاءت به فنسرته وصار لحما، وأقبلت تأكل فجاء العقاب وأكل معها، فلما فني اللحم زاف العقاب عليها فضربت وجهه بجناحها، فزاف ثانية فضربته أشد من الأولى، فزاف الثالثة فضربته أشد من ذلك، ولم تزل تضربه بمنسرها إلى أن قتلته وطارت، فتعجبت من نفورها من الشبكة وقلت هي كرزة ويجوز أن تعرف الشبكة بالعادة، ومما سوى ذلك من مناهضتها للطائر قبل العقاب حتى صادته. ثم إنها منعت العقاب من سفادها وأنها أطعمته من صيدها ثم لم ترض بذلك حتى قتلته لما ألح عليها، وطمعت في أن أصيدها لأصيد بها ما لا قيمة له فبت ليلتي في ذلك الكوخ، فلما كان من الغد فإذا هي قد ترجلت قريبا من الشبكة في مثل ذلك الوقت فنزل إليها عقاب فجلس معها وعن لهما صيد فجرت صورتها مع العقاب الثاني كما جرت مع العقاب الأول سواء بلا اختلاف البتة. وطارت فزاد تعجبي وحرصي عليها. وبت ليلتي الثانية في
(1/255)

الكوخ، فلما كان في اليوم الثالث فإذا بها قد ترجلت على الصورة والرسم وإذا بعد ساعة بعقاب لطيف وحشي الريش، قد ترجل فما مضت ساعة حتى عن لهما صيد، فهمت الزمجة بالنهوض فضربها العقاب بجناحه ضربة كاد يقتلها ونهض مسرعا إلى الطيران حتى اصطاد الطائر وجاء به فنسره وطرحه بين يديها، ولم يذق منه شيئا حتى أكلت الزمجة واستوفت، ثم أكل هو بعدها لحم الطائر الباقي وفني. فزاف عليها فزافت له، ولم تمنعه فزاف الثانية فركبها فمكنته حتى سفدها ثم طارا معا.
وحكى: القاضي أبو علي التنوخي أيضا قال: حدثني فارس بن مشغف أحد الجند القدماء المولدين وقد صار بوّابا لأبي محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد قال: كنت أصحب قائدا من قواد السلطان يعرف بأبي إسحاق بن أبي مسعود الأزدي، وكانت إليه إمارة المدائن اسبانين والمدينة العتيقة، وكانت إذ ذاك عامرة آهلة والسلاطين ينزلون بها، وكنت مقيما فيها معه، وكان لهجا بالصيد، فخرج ذات يوم وأنا معه، إلى المدينة المعروفة بالرومية، المقابلة للمدينة العتيقة، وهي إذ ذاك خراب، ومعه صقارته وآلة صيده وجنده حتى مل وسلك الطريق راجعا، وكان معه صقر له فاره وقد شبع مما أطعمه من صيده، فمسح الصقار صدره وحمله على يده وهو يسير إذ اضطرب الصقر اضطرابا شديدا فقال له ابن أبي مسعود: قد شاهد الصقر طريدة، وهذا الاضطراب لأجلها فأرسله، فقال: يا سيدي هو صقر شره واضطرابه ليس لهذا، وقد شبع ولا آمن أن أرسله على طريدة وهو شبعان فيتيه. فزاد اضطراب الصقر فقال: أرسله وليس عليك منه شيء فأرسله فطار وتراكضنا خلفه حتى جاء إلى أجمة صغيرة تستره، ونحن نراه فرفرف عليها وإذا بشيء قد صعد منها مثل النشاب في مقدار زج النشابة فقط فحاص عنه الصقر ثم انحط في الأجمة فدخلنا خلفه فإذا هو قد ترجل على حبارى واصطادها، وإذا هو طلع على يد الصقار. ومن عادة الحبارى أن تذرق على الجارح الذي يصيدها لتجرح جناحه وتعقره بذرقها لحماه وحدته وينسلخ جلده والصقر عارف بذلك، فاحتال عليها الصقر فرفرف عليها كأنه يريد صيدها، فذرقت الحبارى إلى فوق حتى صعدت ذرقتها فلما أخطأت الصقر انحط عليها في الحال فاصطادها، وكان الصقارون، ومن حضر من الجند والمتصيدين المدنيين يعجبون من ذلك، ويعدونه من غرائب ما شاهدوه من أفعال الجوارح. وذكر القاضي التنوخي عن فارس هذا قال: كنت مع هارن بن غريب الحبال، من جملة عسكره ورجاله، ونحن قيام بين يدي حلوان، والجند سائرون وهو يتصيد في طريقه، إذ عن له غزال فأرسل عليه صقرا كان بحضرته، ولم يكن الكلابون بالقرب منه، فيرسلون معه كلبا لأن العادة أن الصقر لا يصيد غزالا إلا إذا كان معه كلب، وذلك أن الصقر يطير فيقع على رأسه فيعقره ويضرب بجناحيه بين عينيه، فيمنعه من شدة العدو فيلحقه الكلب فيصيده. هكذا جرت العادة في صيد الغزلان بالصقور، إلا أن ابن الحبال، لما لاح له الغزال، أطلق الصقر لئلا يفوته الغزال، وغرر به لحوق الكلاب في الحال، وقد رأى أن يشغله الصقر عن العدو، فتلحقه خيلنا ورماحنا فطار الصقر، وتراكضنا خلفه، وأنا ممن ركض، وجرى الغزال فوافى إلى منحدر في الصحراء، فانحدر فيه، فلما حصل منحدرا سقط الصقر على خده وعنقه، فأنشب مخلبيه فيهما وحمله الغزال. فرأينا الصقر قد سدل أحد مخلبيه حتى إنه يخط في الأرض، حتى إذا وصل إلى وضع من الصحراء فيه شوك فعلق بأصل شوك عظيم، ثم جذب
(1/256)

عنق الغزال بالمخلب الآخر الذي كان أمسكه به في خده وأصل عنقه. وإذا به قد دق عنقه وصرعه، فلحقناه وذكيناه ووقعت البشارة فقال ابن الحبال ومن معه: ما رأينا قط صقرا أفره من هذا وخلع على الصقار خلعة حسنة.
وحكى: القاضي أبو علي التنوخي، قال: أخبرني أبو القاسم البصري قال: أخبرني بعض الجمدارية من الجند أنه كان مع قائد من قوادهم في الصيد ومعه عقاب يتصيد به وقد اصطاد واستكفى، إذ اضطرب العقاب، على يد العقاب اضطرابا شديدا فخاف على نفسه، لأن العقاب ربما أتلف عقابه، إذا منعه من إرادته وليس يجري مجرى غيره من الجوارح فأرسله العقاب فطار، وطرد وراءه فإذا به قد سقط على شيخ ضعيف، كان يجر شوكا، وهو يمشي على أربعة فنسره ودق عنقه وأتلفه، وولغ في دمه وأكل من لحمه. وإذا بالعقاب قد جاء إلى القائد فقال له: ما الخبر؟ فقال له: يا سيدي اصطاد العقاب شيخا وحشيا بريا، وكان يسمعنا نقول اصطد لنا وحشيا وسنورا بريا فقد رأن شيخا بريا وحشيا مثله، ولم يفكر أن العقاب أتلف رجلا مسلما.
فقال القائد: ويحك ما تقول؟ وحرك فحركنا وراءه فوجدنا الشيخ فاغتم لذلك غما شديدا وعجبنا من أمر العقاب.
وحكى: القاضي التنوخي في كتابه أيضا، قال: حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان ابن فهد قال: حدثني بعض المتصيدين. وقد تجارينا عجائب ما يجري فيه، فقال: من أحسن وأظرف ما رأينا منه أن بازيا كان لفلان، وسماه أرسله فاصطاد دراجا، وقبض عليه بإحدى يديه، وترجل كما جرت به العادة وأمسكه ينتظر البازداري فيذبحه ويطعمه منه، كما جرت العادة في مثل ذلك. وهو على جانبه إذ أبصر دراجا آخر يطير، فطار والدراج الأول في إحدى يديه حتى قبض على الدراج الآخر فاصطاده وترجل، وقد أمسكهما بيديه جميعا، فاجتمعنا وشاهدناه على هذه الحالة، فاستظرفناه ثم أخذناهما من يديه. وذكر «1» ابن الجوزي في آخر كتاب الأذكياء، والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء، عن الشعبي، أنه قال: مرض الأسد فعاده جميع السباع ما خلا الثعلب، فنم عليه الذئب، فقال الأسد: إذا حضر فأعلمني. فلما حضر أعلمه فعاتبه في ذلك فقال: كنت في طلب الدواء لك. قال: فأي شيء أصبت؟ قال: خرزة في ساق الذئب ينبغي أن تخرج! فضرب الأسد بمخالبه في ساق الذئب، وانسل الثعلب. فمر به الذئب بعد ذلك، ودمه يسيل، فقال له الثعلب: يا صاحب الخف الأحمر إذا قعدت عند الملوك فانظر ماذا يخرج من رأسك. قال الحافظ أبو نعيم: لم يقصد الشعبي، من هذا سوى ضرب المثل وتعليم العقلاء وتنبيه الناس، وتأكيد الوصية في حفظ اللسان، وتهذيب الأخلاق والتأدب بكل طريق. وفي مثل ذلك قيل:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلي ... إن البلاء موكل بالمنطق
وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه «2» قال: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة عن ثلاثة نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب» . وقيل للشعبي: يقال: في المثل إن «شريحا أدهى من الثعلب وأحيل» : فما هذا؟ فقال: خرج شريح أيام
(1/257)

الطاعون إلى النجف، فكان إذا قام يصلي يجيء ثعلب، فيقف تجاهه ويحاكيه، ويخيل بين يديه، ويشغله عن صلاته، فلما طال ذلك عليه نزع قميصه فجعله على قصبة، وأخرج كميه وجعل قلنسوته عليها.
فأقبل الثعلب فوقف بين يديه على عادته فأتاه شريح من خلفه وأخذه بغتة فلذلك يقال: «سريح أدهى من الثعلب وأحيل» . ويقال: ضغا الثعلب والسنو يضغو ضغوا وضغاء، أي صاح وكذلك صوت كل ذليل مقهور. ويقال للإمام العلامة أبي منصور عبد الملك «1» بن محمد النيسابوري، رأس المؤلفين، وإمام المصنفين صاحب التصانيف الفائقة، والآداب الرائقة، كثمار القلوب، وفقه اللغة، ويتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، وغير ذلك من التصانيف، الثعالبي منسوب إلى خياطة جلود الثعالب لأنه كان فراء، ويتيمة الدهر أكبر كتبه وأحسنها، وفيها يقول أبو الفتح نصر الله بن قلاقس الإسكندراني «2» :
أبيات أشعار اليتيمة ... أبكار أفكار قديمة
ماتوا وعاشت بعدهم ... فلذاك سميت اليتيمة
ومن شعر أبي منصور الثعالبي:
يا سيدا بالمكرمات ارتدى ... وانتعل العيوق والفرقدا
مالك لا تجري على مقتضى ... مودة طال عليها المدى
إن غبت لم أطلب وهذا سليم ... ان بن داود نبي الهدى
تفقد الطير على شغله ... فقال ما لي لا أرى الهدهدا
وله في غلام مسافر:
فديت مسافرا ركب الفيافي ... فأثر في محاسنه السفار
فمسك ورد خديه السواقي ... وغبر مسك صدغيه الغبار
توفي سنة تسع وعشرين وقيل سنة ثلاثين وأربعمائة.
الحكم:
نص إمامنا الشافعي رحمه الله، على حل أكله. وقال ابن الصلاح: ليس في حله حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي تحريمه حديثان في إسنادهما ضعف واعتمد الشافعي في ذلك على عادة العرب في أكله فيندرج في عموم قوله «3» تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ
وبحله قال طاوس وعطاء وغيره ونقل في فوائد رحلته عن أبي سعيد الدارمي، الإمام في الحديث والفقه تلميذ البويطي رحمه الله أن الثعلب حرام. وكره أبو حنيفة ومالك أكله وأكثر الروايات عن أحمد تحريمه لأنه سبع.
الأمثال:
قالوا «4» «أروغ من ثعلب» «5» . قال الشاعر:
(1/258)

كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه
كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحة
وفي المجالسة للدينوري، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: وهو على المنبر:
إن الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا ولم يروغوا روغان الثعالب. وفي رواية الثعلب وفي شعب البيهقي وأمثال العسكري عن الحسن بن سمرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يفر من الموت كالثعلب تطلبه الأرض بدين فجعل يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل حجره فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني ديني، فخرج فلم يزل كذلك حتى انقطعت عنقه فمات» .
وقالوا: «أذل ممن بالت عليه الثعالب» . يضرب لمن يستذل كما تقدم. «وأدهى من ثعلب» .
«وأعطش من ثعالة «1» . قال حميد بن ثور «2» :
ألم تر ما بيني وبين ابن عامر ... من الود قد بالت عليه الثعالب
وأصبح صافي الود بيني وبينه ... كأن لم يكن والدهر فيه عجائب
الخواص:
رأسه إذا ترك في برج حمام هربت كلها. ونابه يشد على الصبي الذي به ريح الصبيان يذهب عنه، ولا يفزع في نومه، وتحسن أخلاقه. ومرارته إذا نفخت في أنف المصروع لا يصرع أبدا. ولحمه ينفع من اللقوة والجذام. وشحمه يذاب ويطلى به من به النقرس يزول وجعه في الحال. وخصيته تشد على الصبي فتنبت أسنانه بغير ألم. وفروه أنفع شيء للمرطوبين بخورا ولبسا. ودمه إذا طلي به رأس صبي نبت شعره، وإن كان أقرع. وإذا استصحب دمه إنسان، لا تؤثر فيه حيلة محتال. ورئته إذا سحقت وشربت، نفعت من الريح. وأنيابه إذا علقت على المصروع برىء. وطحاله له إذا شد على ذي الطحال الوجع أبرأه. وقال هرمس: من أمسك كليتي الثعلب بيده لم يخف الكلاب ولم تنبح عليه. وأذنه إذا علقت على الخنازير، التي في العنق أبرأتها. وشحمه إذا أذيب وقطر في الأذن الوجعة سكن وجعها. وذكره ينفع من الصداع إذا علق على الرأس. ومرارته إذا طلي بها الذهب يصير لونه لون النحاس. وخصيته تنفع من الورم الكائن عند الأذنين إذا دلك بها. وكبده إذا سقي منه وزن مثقال بشراب، من به وجع الطحال، أبرأه من ساعته. وشحمه إذا طلي به أطراف اليدين والرجلين أمنت مضرة البرد ودماغه إذا خلط بورس وطلي به الرأس أذهب القرع والحزاز والبثور وسقوط الشعر. وقضيبه إذا علق على الصبي الذي يبكي بالليل ويفزع يذهب ذلك عنه. وكذلك يفعل الناب. وشحمه تجتمع عليه البراغيث حيث كان. وخصيته إذا جففت، وسقي منها رجل وزن درهم زاد في الجماع والإنعاظ. وزبله يسحق بدهن ورد ويطلى به الإحليل وقت الجماع يزيد فيه ما شاء. وفي كتاب الإبدال: إن طلبت شحم الثعلب فلم تجده فبدله شحم الذئب.
التعبير:
الثعلب في المنام امرأة فمن رأى أنه يلاعب ثعلبا فإن له امرأة يحبها وتحبه. وقيل الثعلب رجل ذو مكر وخديعة، فمن نازعه فإنه ينازع غريما كذلك وأكل لحمه يدل على وجع
(1/259)

يصيب الآكل من الرياح ويبرأ وقيل إنه عدو من قبل سلطان وقالت اليهود إنه يدل على الطبيب أو المنجم. وقالت النصارى: من قبل ثعلبا فإنه يصيب امرأة غزيرة. وقيل: من قتل ثعلبا قتل ولد رجل شريف، ومن شرب لبن ثعلب شفي من مرض. وقيل: من نازع ثعلبا في نومه، خاصم بعض أهله أو أصدقائه. والله تعالى أعلم.
الثفا:
بالثاء المثلثة وبالفاء والألف في آخره: السنور البري وهو قريب من الثعلب على شكل السنور الأهلي وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
الثقلان:
الإنس والجن، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض وقيل: لشرفهما، وكل شريف يقال له ثقيل وقيل لأنهما مثقلان بالذنوب.
الثلج:
فرخ العقاب قاله ابن سيده.
الثني
: الذي يلقي ثنيته ويكون ذلك في ذوات الظلف والحافر في السنة الثالثة وفي ذي الخف في السنة السادسة والجمع ثنيان وثنايا والأنثى ثنية والجمع ثنيات.
الثور:
الذكر من البقر. وكنيته أبو عجل. والأنثى ثورة والجمع ثورة وثيران وثيرة. قال سيبويه: قلبوا الواو ياء حيث كانت بعد كسرة، قال: وليس هذا بمطرد. وقال المبرد: إنما قلبوا ثيرة ليفرقوا بينه وبين ثورة الإقط وبنوه على فعلة ثم حركوه. وسمي الثور ثورا لأنه يثير الأرض، كما سميت البقرة بقرة لأنها تبقرها، قال في الإحياء: نظر أبو الدرداء إلى ثورين يحرثان في قرن فوقف أحدهما يحك جسمه، فوقف له الآخر فبكى أبو الدرداء رضي الله عنه. وقال: هكذا الإخوان في الله عزّ وجلّ يعملان لله تعالى، فإذا وقف أحدهما وافقه الآخر، وبالموافقة يتم الإخلاص. ومن لم يكن مخلصا في إخائه فهو منافق. والإخلاص استواء الغيب والشهادة والقلب واللسان.
فائدة:
قال وهب بن منبه: كانت الأرض كالسفينة تذهب وتجيء، فخلق الله تعالى ملكا في غاية العظم والقوة، وأمره أن يدخل تحتها، ويجعلها على منكبيه ففعل، وأخرج يدا من المشرق ويدا من المغرب، وقبض على أطراف الأرض وأمسكها. ثم لم يكن لقدميه قرار فخلق الله تعالى صخرة من ياقوتة حمراء في وسطها سبعة آلاف ثقبة يخرج من كل ثقبة بحر لا يعلم عظمه إلا الله عزّ وجلّ. ثم أمر الصخرة فدخلت تحت قدمي الملك، ثم لم يكن للصخرة قرار، فخلق الله عزّ وجلّ ثورا عظيما له أربعة آلاف عين، ومثلها آذان ومثلها أنوف وأفواه وألسنة وقوائم، ما بين كل اثنتين منها مسيرة خمسمائة عام. وأمر الله تعالى هذا الثور فدخل تحت الصخرة فحملها على ظهره وقرنه. واسم هذا الثور كيوثا، ثم لم يكن للثور قرار. فخلق الله تعالى حوتا عظيما لا يقدر أحد أن ينظر إليه لعظمه وبريق عينيه وكبرهما، حتى إنه لو وضعت البحار كلها في إحدى مناخره لكانت كخردلة في فلاة، فأمر الله تعالى ذلك الحوت أن يكون قرارا لقوائم هذا الثور، واسم هذا الحوت يهموت. ثم جعل قراره الماء، وتحت الماء هواء، وتحت الهواء ماء، وتحت
(1/260)

الماء ظلمات. ثم انقطع علم الخلائق عما تحت الظلمات. هكذا نقله القاضي شهاب الدين بن فضل، في كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأبصار في الجزء الثالث والعشرين منه.
فائدة أخرى:
روى مسلم في كتاب الظهار والنسائي في عشرة النساء، عن ثوبان: «إن أهل الجنة، حين يدخلونها، ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، ويأكلون من زيادة كبد الحوت «1» » وروى هناد بن السري وابن إسحاق بإسناد حسن: «إن الشهداء حين يدخلون الجنة يخرج عليهم حوت وثور من الجنة لغدائهم فيلعبان حتى إذا كثر عجبهم منهما طعن الثور الحوت بقرنه فبقره لهم كما يذبحون، ثم يروحان عليهم أيضا لعشائهم فيلعبان فيضرب الحوت الثور بذنبه فيبقره كما يذبحون» . قال السهيلي: وفي هذا الحديث من باب التفكر والاعتبار، أن الحوت لما كان عليه قرار هذه الأرض وهو حيوان سابح استشعر أهل هذه الدار أنهم في منزل قلعة وبوار، وليست بدار قرار. فإذا نحر لهم قبل أن يدخلوا الجنة فأكلوا من كبده كان في ذلك أشعار لهم بالراحة من دار الزوال وإنهم قد صاروا إلى دار القرار كما يذبح لهم الكبش الأملح على الصراط، ليعلموا أنه لا موت ولا فناء. وأما الثور فهو آلة الحرث وأهل الدنيا لا يخلون من أحد هذين الحرثين: حرث لدنياهم وحرث لأخراهم. ففي نحر الثور هنالك إشعار براحتهم من الكدين وترفيههم من نصب الحرثين.
فائدة أخرى:
روى «2» البخاري في بدء الخلق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشمس والقمر يكوران يوم القيامة» .
انفرد به البخاري وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار بأبسط من هذا السياق فقال: حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد الله القسري، في هذا المسجد، مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة» . فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول وما ذنبهما؟! ثم قال البزار: ولا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه. ولم يرو عبد الله الداناج عن أبي سلمة سوى هذا الحديث. وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي من طريق درست بن زياد، عن يزيد الرقاشي، وهما ضعيفان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشمس والقمر ثوران عقيران في النار» . وقال كعب الأحبار: «3» : يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم ليراهما من عبدهما. كما قال «4» تعالى:
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
الآية. وخرج أبو داود الطيالسي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار» . وفي نهاية الغريب، قيل لما وصفهما الله تعالى بالسباحة في قوله «5» تعالى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
ثم أخبر سبحانه وتعالى على بجعلهما في
(1/261)

النار يهذب بهما أهلها بحيث لا يبرحان بها صار كأنهما ثوران عقيران لا يبرحان. كذلك ذكر ذلك أبو موسى وهو كما تراه. وقيل: إنما يجمعان في جهنم لأنهما عبدا من دون الله عزّ وجلّ ولا يكون لهما عذاب لأنهما جماد وإنما يفعل ذلك بهما زيادة على تبكيت الكافرين وخزيهم. وردّ ابن عباس قول كعب الأحبار، وقال: الله أجلّ وأكرم من أن يعذب الشمس والقمر، وإنما يخلقهما يوم القيامة أسودين مكوّرين، فإذا كانا حيال العرش خرّا ساجدين لله تعالى، ويقولان: إلهنا قد علمت طاعتنا لك وسرعتنا في المضي في أمرك أيام الدنيا، فلا تعذبنا في عبادة الكافرين إيانا.
فيقول الرب تعالى: صدقتما إني قضيت على نفسي أن أبدىء وأعيد وأني أعيد كما إلى ما بدأتكما منه، وإني خلقتكما من نور عرشي فارجعا إليه فيختلطان بنور العرش. فذلك معنى قوله تعالى:
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
«1» . وروى أبو نعيم في ترجمة سعيد بن جبير أنه قال: أهبط الله تعالى إلى آدم ثورا أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه وهو الذي قال الله تعالى فيه: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى
«2» فكان ذلك شقاءه وكان عليه السلام يقول لحواء: أنت عملت بي هذا فليس أحد من ولد آدم يعمل على ثور إلّا قال: حو دخلت عليه من قبل آدم. وكانت العرب إذا أوردوا البقر فلم تشرب إما لكدر الماء، أو لقلة العطش، ضربوا الثور فيقتحم الماء لأن البقرة تتبعه. وقال في ذلك أنس بن مدركة «3» في قتله سليك ابن سلكة «4» :
إني وقتلي سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر «5»
الأمثال:
قالوا «6» : «الثور يحمي أنفه بروقه» والروق القرن. يضرب في الحث على حفظ الحريم. وفي سنن النسائي وسيرة ابن هشام، أما الصديق رضي الله تعالى عنه، لما قدم المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذته الحمى وعامر بن فهيرة وبلالا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فدخلت عليهم، وهم في بيت واحد، فقلت: كيف أصبحت يا أبت؟ فقال:
كل امرء مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
فقلت إنّا لله وإنا إليه راجعون إن أبي ليهذي ثم قلت لعامر كيف تجدك؟ فقال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... والمرء يأتي حتفه من فوقه
كل امرء مجاهد بطوقه ... كالثور يحمي أنفه بروقه
فقلت: والله هذا ما يدري ما يقول. ثم قلت لبلال: كيف أصبحت؟ فقال:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بفخ وحولي أذخر وجليل
(1/262)

وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت: ثم إني دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: «اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، اللهم انقل حماها إلى مهيعة» «1» قول عامر: بطوقه الطوق الطاقة. وقول بلال بفخ هو واد بمكة، ومجنة سوق بأسفل مكة وشامة وطفيل جبلان مشرفان على مجنة. وقوله صلى الله عليه وسلم مهيعة الجحفة وقالت العرب: «أرعى من ثور» . وقالوا: «إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض» «2» . روي عن علي رضي الله تعالى عنه، أنه قال: إنما مثلي ومثل عثمان، كمثل ثلاثة أثوار كانت في أجمة: أبيض وأسود وأحمر، ومعها فيها أسد فكان لا يقدر منها على شيء لاجتماعها عليه، فقال الأسد للثور الأسود وللثور الأحمر إنه لا يدل علينا في أجمتنا إلا الثور الأبيض، فإن لونه مشهور ولوني على لونكما فلو تركتماني آكله خلت لكما الأجمة وصفت! فقالا:
دونك وإياه فكله. فأكله ومضت مدة على ذلك، ثم إن الأسد قال للثور الأحمر: لوني على لونك فدعني آكل الثور الأسود! فقال له: شأنك به. فأكله. ثم بعد أيام قال للثور الأحمر: إني آكلك لا محال فقال: دعني أنادي ثلاثة أصوات، فقال: إفعل فنادى: «إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض» . قالها ثلاثا، ثم قال علي كرّم الله وجهه: إنما هنت يوم قتل عثمان رضي الله عنه يرفع بها صوته.
ومن خواصه:
إنه إذا نزل الثور على البقرة، ثم بال بعد نزوله فمن أخذ من ذلك الطين، وطلى به إحليله هيج الباه وانعظ. ومثانته إذا أخذت وجففت وسحقت وسقيت لمن يبول في فراشه بخل وماء بارد نفعه وأبرأه. وإذا وقف الثور عن السير فاربط خصيتيه فإنه يسير بنشاط وينساق سريعا. وإذا طرح في أذن الثور زئبق مات مكانه. وإن طلي منخره بدهن ورد صرع. وإن كتب ببوله على الحديد أثر فيه حتى يقرأ. وقد تقدم له خواص في باب الباء الموحدة في البقرة.
وأما تعبيره:
فإنه يدل على سيد شديد البأس، كثير النفع والعون، موافق مطواع، وربما دل على الشباب الجميل لأنه من أسمائه. وتدل رؤيته أيضا على ثوران الفتنة، أو العون على ما يذلل الأمور الصعاب، خصوصا لأرباب الحرف والزراعة والإنشاء. وربما دلت رؤيته على البلادة والذهول. ورؤية الثور الأبلق فرح وسرور والأسود سؤدد أو شفاء للمريض وربما دل الثور على الجنون لأنه من أسمائه.
الثول:
بفتح الثاء وسكون الواو ذكر النحل وقيل جماعة النحل وعلى هذا قال الأصمعي:
لا واحد له من لفظه. والثول بالتحريك جنون يصيب الشاة فلا تتبع الغنم وتستدبر مرتعها وشاة ثولاء وتيس أثول.
الثيتل:
الذكر المسن من الأوعال. وفي حديث النخعي: «في الثيتل بقرة» . يعني إذا صاده المحرم أو في الحرم.
(1/263)

باب الجيم
الجأب:
الأسد والحمار الوحشي الغليظ والجمع جؤب.
الجارف:
ولد الحية.
الجارحة:
ما تعلم الاصطياد من كلب أو فهد أو باز أو نحو ذلك. والجمع الجوارح. قال الله تعالى: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ
«1» سمي جارحة لأنه يكسب لصاحبه والجوارح الكواسب قال تعالى: وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ
أي ما كسبتم «2» .
الجاموس:
واحد الجواميس، فارسي معرب، وهو حيوان عنده شجاعة وشدة بأس، وهو مع ذلك أجزع خلق الله يفرق من عض بعوضة ويهرب منها إلى الماء والأسد يخافه وهو مع شدته وغلظه ذكي ينادي راعيه الإناث: يا فلانة يا فلانة فتأتي إليه المناداة ومن طبعه كثرة الحنين إلى وطنه ويقال: إنه لا ينام أصلا لكثرة حراسته لنفسه وأولاده. وإذا اجتمع ضرب دائرة وتجعل رؤوسها خارج الدائرة وأذنابها إلى داخلها، والرعاة وأولادها من داخل، فتكون الدائرة كأنها مدينة مسورة من صياصيها، والذكر منها يناطح ذكر آخر، فإذا غلب أحدهما، دخل أجمة فيقيم فيها حتى يعلم أنه قوي، فيخرج ويطلب ذلك الفحل الذي غلبه فيناطحه حتى يغلبه ويطرده.
وهو ينغمس في الماء غالبا إلى خرطومه.
حكمه وخواصه:
كالبقر، لكن إذا بخر البيت بجلد الجاموس طرد منه البق وأكل لحمه يورث القمل وشحمه إذا خلط بملح أندراني وطلي به الكلف والجرب والبرص أزالها وأبرأها.
وقال ابن زهر، نقلا عن ارسطاطاليس: في دماغ الجاموس دود من أخذ منه شيئا وعلقه عليه أو على غيره لم ينم مادام عليه.
التعبير:
الجاموس في المنام رجل شجاع جلد لا يخاف أحدا يحتمل أذى الناس فوق طاقته، فإن رأت امرأة أن لها قرن جاموس، فإنها تتزوج ملكا وإلا كان ذلك قوة ومنعة لقيمها والله أعلم.
الجان:
حية بيضاء، وقيل: الحية الصغيرة قال الله تعالى: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً*
«3» وقال تعالى في آية أخرى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى
إلى قوله: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
«4» وقال تعالى: فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ*
. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: صارت حية صفراء، لها عرف كعرف الفرس، وصارت تتورم حتى صارت ثعبانا، وهو أعظم ما يكون من الحيات. قال تعالى: فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ*
«5» . فلما ألقى موسى العصا، صارت جانا في الابتداء، ثم صارت ثعبانا في الانتهاء. ويقال: وصف الله تعالى العصا بثلاثة أوصاف: بالحية والجان والثعبان، لأنها كانت كالحية لعدوها، وكالثعبان لابتلاعها، وكالجان لتحركها. قال فرقد السنجي: كان بين لحييها أربعون ذراعا. قال ابن عباس والسدي: إنه لما ألقى العصا، صارت
(1/264)

حية عظيمة صفراء شقراء فاغرة فاها، بين لحييها ثمانون ذراعا، وارتفعت من الأرض بقدر ميل، وقامت على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه. وروي أنها أخذت قبة فرعون بين نابيها، فوثب فرعون من سريره هاربا، وأخذته قبل أخذه البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرة، وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا، ومات منهم خمسة وعشرون ألفا، قتل بعضهم بعضا. ويقال: كانت العصا حية لموسى، وثعبانا لفرعون، وجانا للسحرة. وأما قوله: وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
«1» فكان يحمل عليها زاده وسقاءه وكانت تماشيه وتحادثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج منها ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يرد بها غنمه، وكانت تقيه الهوام بإذن الله تعالى، وإذا ظهر له عدو حاربته وناضلت عنه، وإذا أراد الاستقاء من البئر، صارت شعبتاها كالدلو يستقي به. وكان يظهر على شعبتيها نور كالشمعتين تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصن أغصان تلك الشجرة، وتورق ورقها وتثمر ثمرها. قاله ابن عباس. والله أعلم، وقد تقدم في باب التاء المثناة أن العصا كانت من آس الجنة أهبطت مع آدم إلى الأرض.
الجبهة:
الخيل وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث «2» الزكاة: «ليس في الجبهة ولا في النخة ولا في الكسعة صدقة» . وقيل للخيل ذلك لأنها خيار البهائم كما يقال. وجه السلعة لخيارها، ووجه القوم وجبهتهم سيدهم. والنخة البقر العوامل، مأخوذ من النخ، وهو السوق الشديد، والكسعة الحمير، مأخوذ من الكسع وهو ضرب الادبار. قاله الزمخشري وغيره والله تعالى أعلم.
الجثلة:
النملة السوداء وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب النون في لفظ النملة ما فيه.
الجحل:
بتقديم الجيم على الحاء الحبارى. وستأتي إن شاء الله تعالى وقيل: هو الحرباء، وقيل: هو الجعل، وقيل هو الضب الكبير المسن. وقيل: هو اليعسوب العظيم كالجراد إذا سقط لا يضم جناحه. والجمع جحول وجحلان.
الجحمرش:
الأرنب المرضع والعجوز الكبيرة، والمرأة الثقيلة السمجة. والجمع جحامر والتصغير جحيمر.
الجحش:
ولد الحمار الوحشي والأهلي قيل: وإنما يسمى بذلك قبل أن يعظم، والجمع جحاش وجحشان. والأنثى جحشة. وربما سمي المهر جحشا تشبيها بولد الحمار، والجحش ولد الظبية في لغة هذيل. ويقال للرجل، إذا كان مستبدا برأيه: «جحيش وحده» «3» ، كما قالوا: «عيير وحده» «4» يشبهونه في ذلك بالجحش والعير، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان عمر أجودنا «نسيج وحده» «5» وقد أعد للأمور أقرانها. وروى الدارقطني أن زينب بنت جحش أم المؤمنين،
(1/265)

رضي الله عنها، كان اسم أبيها برة، وقيل كان اسمه برة بالضم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم «لو كان أبوك مؤمنا لسميته باسم رجل منا أهل البيت، ولكني قد سميته جحشا» والجحش أكبر من البرة.
الجخدب:
بضم الجيم وبالخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وجمعه جخادب. ضرب من الجنادب وهو الأخضر الطويل الرجلين وقيل: هو دويبة نحو من العظاءة ويقال له أبو جخادب.
الجدجد:
بالضم صرار الليل، قاله الجوهري، وهو قفاز وفيه شبه بالجراد، والجمع الجداجد وقال الميداني: الجدجد ضرب من الخنافس، يصوت في الصحارى من أول الليل إلى الصبح فإذا طلبه طالب لم يره، ولذلك قالوا: «أكمن من جدجد» «1» . وفي حديث عطاء في الجدجد: يموت في الوضوء قال: لا بأس به. والوضوء بفتح الواو اسم للماء الذي يتوضأ به.
وبالضم اسم للفعل. وسيأتي ذكر الجدجد في باب الصاد المهملة في الكلام على الصرار.
الجداية:
بكسر الجيم وفتحها الذكر والأنثى من أولاد الظباء إذا بلغ ستة أشهر أو سبعة، وخص بعضهم به الذكر منها. قال الأصمعي: الجداية بمنزلة العناق من الغنم. وفي سنن