Advertisement

مفيد العلوم ومبيد الهموم



الكتاب: مفيد العلوم ومبيد الهموم
المؤلف: ينسب لأبي بكر الخوارزمي محمد بن العباس (المتوفى: 383هـ)
الناشر: المكتبة العنصرية، بيروت
عام النشر: 1418 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المقدّمة
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحابته ومن اهتدى بهدية القويم، وسار على سنته إلى يوم الدين..
وبعد! فنقدم إلى القراء الأعزاء (كتاب مفيد العلوم ومبيد الهموم) تأليف الشيخ الامام العلامة جمال الدين أبي بكر الخوارزمي، رحمه الله تعالى..
وعند ما نختار كتابا لنقدمه إلى طلبة العلم تكون لنا فيه نظرة تمعن، فإما أن يكون الكتاب في التاريخ الاسلامي وإما أن يكون في الشريعة، واما أن يكون في علوم العربية وآدابها..
وكتابنا هذا الذي نقدمه إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها حوى كل هذه الفنون مجتمعة، ففي التاريخ حوي
(1/5)

فرائد عجيبة يكاد يختص بها في السيرة النبوية الشريفة، وأحكام النبوة ومعجزات النبي، وغزواته، ودار الحرب، وأصناف الكفار، والعهود ... الخ.
كما حوى الكتاب العجائب عن البلاد، وما اختصت به كل بلدة من عجائب فريدة من نوعها بين مثيلاتها.
ثم تعرض المؤلف رحمه الله في أبواب شتى إلى علم النفس مما يجعل له باعا طويلا في هذا الميدان، عند ما تكلم عن أنواع العلاج، فهناك باب لمعالجة الذنوب وآخر لعلاج الكذب، وثالث لعلاج الغضب.. الخ..
بل إنه عدد كل أنواع الاضطرابات النفسية والحسية وسماها بمسميات علمية وذكر لكل نوع ما يراه من علاج ناجع لها..
ثم هناك كتاب شرح السنة، وقسمه إلى تسعة أبواب حوت أبواب الستة المختلفة.
أما عن العربية وآدابها، وصلاتها بهذا السفر القيم الذي نقدمه إلى القراء، فإننا بكل فخر نقول: إنه تحفة فريد ودرة غالية بما حوي من آداب، وشعر، ويكفي أن نقدم نموذجا من هذا السفر..
«هذا وقد شهد سلطان العقل وقضى به حاكم الشرع
(1/6)

ان العالم من العرش إلى الثرى مرآة مجلوة للناظرين ...
وذوات العالم تنادي أنفسها وذواتها، شهد شهادة لا شك فيها بأن الله تعالى ليس له شريك، أشهد، لو نظر واستبصر أهل التلحيد، لوصلوا إلى حقيقة التوحيد، فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية: تدل على أنه واحد.
بهذا الأسلوب الهاديء، السهل الممتنع، وبهذا القلم المتميز بالرصانة والاتزان، سارت جميع أبواب الكتاب وفصوله، فغدا تحفة فريدة لراغبي العلم والمعرفة في كل الفنون، وصار رفيقا طيبا للمتزودين من العلم، خصوصا إذا كان هذا العلم يحض على التقوى، (وخير الزاد التقوى) .
لكل هذه الأسباب أقدمنا على طباعة هذه التحفة النادرة، لتكون هدية من ادارة الشؤون الدينية بدولة قطر إلى جميع الناطقين بالضاد ليروا ماذا كان أسلافهم يكتبون، وكيف كانوا يقدمون العلم لطالبيه، وهيئة هذا العلم الذي أسس لهم حضارة سجلها التاريخ بمداد من ذهب..
فهل لنا أن نعتبر؟؟
وهل آن الأوان لنا لكي ننهل من هذا النبع الصافي؟؟
(1/7)

وهل نحن على خطاهم سائرون لنمكن لديننا في الأرض؟؟
أرجو ذلك.
والله من وراء القصد، وهو ولينا ونعم النصير وهو أيضا حسبنا ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
17 شعبان 1400 هـ 18/6/1980 م عبد الله بن ابراهيم الانصاري.
(1/8)

[ديباجة الكتاب]
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي ما للعالم سواه خالق وصانع ولا له عما يريد مانع ودافع وكل عزيز على بابه بالذل خاشع وكل سلطان لسلطنته خاضع متواضع لا وضيع الا وهو له واضع ولا رفيع الا وهو له رافع ولا متبوع الا وهو في حكمه تابع وما سواه للبلاء عن الخلق دافع ولا شريك له ولا منازع الخير والشر بتقديره لا بتدبير الطوالع والنفع والضر بقضائه لا باقتضاء الطبائع الجماد والحيوان له مطيع وسامع والسلطان والرعية له ساجد وراكع وهو للكل بالموت قامع ثم ليوم الحشر حاشر وجامع وحقا ثم حقا ان ما توعدون لصادق وان الدين لواقع وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سراجه لامع وسيفه قاطع ودينه جامع وهو لأمته شافع فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أبي بكر الطائع وعمر القانع وعثمان الساجد والراكع وعلي الذي بيده باب خيبر قالع وسلم تسليما كثيرا (هذا) وقد شهد سلطان العقل وقضى به حاكم الشرع أن
(1/9)

العالم من العرش الى الثرى مرآة مجلوة للناظرين وآية كاشفة للمتبصرين وكل من ينظر فيها يرى أن الصانع رب العالمين وفي أنفسكم أفلا تبصرون فجواهر العالم تناجي وأجسامه تنادي بلسان الحال فهو أفصح من لسان المقال هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه فجوهر يقول هل من خالق غير الله وجوهر ينادي صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ولقد أصاب لعمر الله صاحبنا المطلبي في المعنى رضي الله عنه حيث قرأ صبغة وجوهر ينطق ويقول رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا وذوات العالم تنادي أنفسها وذواتها شهدت شهادة لا شك فيها بأن الله تعالى ليس له شريك أشهد لو نظر واستبصر أهل التلحيد لوصلوا الى حقيقة التوحيد.
فيا عجبا كيف يعصي الال ... هـ أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
فالدلائل الصامتة والناطقة شاهدة بوحدانيته ولكن الارادة الأزلية فرقت بين المؤمنين والكافرين أنعمت على قوم بالمعرفة والايمان وخصصت قوما بالخذلان والحرمان وأخبر القرآن القديم فقال: «فريق في الجنة وفريق في السعير» .
(1/10)

أتاك المرجفون برجم غيب ... على دهش وجئتك باليقين
ولقد وفق الله أهل الحق من بين البرية وخصهم بهذه الهدية وأكرمهم وعظمهم بالاسلام والسنة والتوفيق والعصمة فعرفوه وعظموه وقالوا جهلوك فجحدوك ولو عرفوك لعبدوك فنادوا هلموا فلله الحجة البالغة حجة العقل فانظروا في وجود الحوادث أولا ثم انظروا في حدوثها ثانيا واستدلوا بحدوثها على قدم محدثها ثالثا واذكروا من الدلائل قليلا كفى بذلك جملة وتفصيلا استدلوا بالتغيرات على المغير وبالحركة والسكون على حدوث العالم واعلموا أن لنا ربّا قوام الأشباح بنعمته وبقاء الأرواح والأجسام برحمته ونحن حيرى في كنه عظمته فأصبحوا وغايتهم العجز والاذعان وجهرهم الأمان الامان يا مزيل الدول والزمان يا من كل يوم هو في شان يا مقلب القلوب والابصار احفظ علينا نعمة الايمان واعصمنا من البدع والكفر والطغيان فاعتقادنا ومكنون فؤادنا هذه الكلمة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار
(1/11)

غيره أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا
يا هذا عميت عين لا تفوز بالنظر الى صنع الله وخاس عقل لم يحتط من حكمة الله وخذل عبد لم ينظر في صنع الله وخاب امرؤ لم يتذكر بأيام الله وخاب الكافرون وخسر المبطلون وضل المتفلسفون وهلك الملحدون فبأي حديث بعده يؤمنون. فالأرواح نوازع والنفوس جوازع والأسرار ضوائع فبم التعلل وحتام التمهل وما هذه الدعوى وعند الصباح يحمد القوم السرى فطوبى لعبد جعل التوحيد سمير فكره ونجّي قلبه ومطية سيره الى ربه فان قدر الآدمي بالدين القويم والهدي المستقيم والنجاة في التوحيد لمن يعتقده وقيمة كل امرىء ما يحسنه ومن ألبس سربال الاسلام فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر الا أولو الألباب فيا لها نعمة على جسد فهو ملك أعطى النعمة الكبرى والفضيلة العظمى فله عز في عز ودولة في دولة فالأمر أمره ولله دره فما أعظم قدره تذكر.
هنيئا لأرباب النعيم نعيمهم ... وللمفلس المسكين ما يتجرع
(1/12)

ومن سلب ثوب ايمانه واتهم في نبيّ زمانه فحق له البكاء فقد بطل وجوده ورب السماء فيعيش بين الورى كما قال تعالى لا يموت فيها ولا يحيا فالنعمة نعمة الدين والدولة للمسلمين والعاقبة للمتقين قال مالك بن برهة بن نهشل المجاشعي سيد وفد بني تميم: يا رسول الله ألست أشرف قومي فقال ان كان لك عقل فلك فضل وان كان لك خلق فلك مروءة وان كان لك دين فلك شرف وان كان لك مال فلك حسب والا فأنت والحمار سواء فالمعاصي في جنب التوحيد تتلاشى وكل الصيد في جوف الفرا هذا وقد علم كل عاقل منصف وفاضل متصف ان الدنيا دار قلعة والحال حال خدعة والعمر كما ترى مار بسرعة فالدنيا حلم والآخرة يقظة والمتوسط بينهما الموت ونحن في أضغاث أحلام فما هي لعمر الله الا أنفاس معدودة وآجال محدودة وآمال ممدودة فكل نفس خطوة وكل خطوة ميل وكل شهر منزلة فرسخ وكل سنة منزلة فاذا بلغ الأجل فقد بلغ المنزل فاذا خطيب ينادي:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالاياب المسافر
فالعاقل يأخذ من نفسه لنفسه ويقيس يومه بأمسه فان مدة العمر قليلة وصحة الجسم مستحيلة والدهر خائن والمرء لا
(1/13)

محالة حائن وكل ما هو آت فكائن وكل يوم يسوق الى غده وكل امرىء مأخوذ بجناية لسانه ويده مسكين ابن آدم انقطعت أسرته يوم قطعت سرته فؤاده طالب وهو مطلوب وجميع ما له مسلوب شبابه الى هرم وسلطانه الى اتضاع وماله الى ذهاب وصحته الى سقم وحياته الى ممات متصل ذلك بعضه الى بعض اتصال الليل والنهار والشتاء والصيف أحسن بامرىء غرته الدنيا هل يبلغن مغرور منها الا خرقة وكسرة ان كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتي عن إخوته فجمع لزوج امرأته أو زوج ابنته أو امرأة ابنه أو لعدو خارق ان في ذلك لآيات فهل من مدكر وهل من عاقل معتبر ينظر الى حوادث الزمان وعواقب السلطان قالعقل يدعو الى الاعتبار والحكمة تحث على الاستبصار الساعات تهدم الأعمار ومنادي الشرع ينادي الاعتبار الاعتبار فاعتبروا يا أولي الأبصار.
نسير الى الآجال في كل ساعة ... وأيامنا تطوى وهن مراحل
ولم أر مثل الموت حقا كأنه ... اذا ما تخطته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب في الرأس شامل
(1/14)

ترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام تعد قلائل
ونقل أن بعض الملوك نظر الى ملكه فأعجبه ذلك فقال انه الملك لولا انه هالك وأنه لسرور لولا أنه غرور وأنه ليوم لو كان يوثق بغده فأبلغ العظات النظر الى محل الأموات فعواقب الأمور فوات وكلنا يا صدر الرؤساء أسراء العبر والممات والمنزل الذي يستوي فيه العبيد والسادات انظروا يمنة ثم اعطفوا يسرة هل ترون أحدا من الرجال والنساء أخذ قبالة البقاء بخطوط مسابح السماء.
عجبا عجبت لغفلة الانسان ... قطع الحياة بغرة وتوان
فكرت في الدنيا فكانت منزلا ... عندي كبعض منازل الركبان
مجرى جميع الخلق فيها واحد ... وكثيرها وقليلها سيان
أبقي الكثير الى الكثير مضاعفا ... ولو اقتصرت على القليل كفاني
لله در الوارثين كأنني ... بأخصهم متبرم بمكان
(هذا) وقد ساقني تقدير الله الى جمع كتاب وتهذيب علم
(1/15)

وترتيب قواعد وترصيع عبارات وإيراد إشارات هو ذخيرة السلطان ويتيمة الزمان ونزهة الاخوان من قال جامع سفيان فقد صدق ومن قال نادرة الزمان فما أغرب فلا غرو وللشمس أن تشرق وللبدر أن يتألق يغازل فيه الشاميون العراقيين وينافس به العراقيين الخراسانيون وكل به متنافسون وفي ذلك فليتنافس المتنافسون عمري من كان له هذا الكتاب لا يضيق صدره أبدا ويعرف به قواعد الشرع وقانون الممالك ونصرة المذهب ورد الخصم وتذكر الآخرة وقاعدة العدل وعاقبة الأمور ونذير العدو الى غير ذلك وأنفقت فيه شطرا من صالح عمري (وسميته) مفيد العلوم ومبيد الهموم ورتبته على اثنين وثلاثين كتابا وهي:
[كتاب في قواعد الدين]
(الكتاب الأول في قواعد الدين) وفيه تسعة أبواب
الباب الأول في النظر والاستدلال
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول فيما يلزم بالنظر
إعلم أن النظر قانون الاستدلال في الأمور وحاكم العدل وقاضي الصدق ومعيار الشريعة ومحك الحق والباطل وبريد المعرفة وسلطان الحقيقة وبرهان الشريعة وترجمان الايمان وجاسوس الكلام وغارس الاسلام وحجة الأنبياء ومحجة الأولياء والسيف القاطع على الأعداء شجرة طيبة أصلها
(1/16)

ثابت وفرعها في السماء ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فالنظر رأس السعادة عند أهل الدنيا والدين فبقاء الدولة وقاعدة الأمور وأساس التدابير وصحة الاعتقاد وخلاصة التوحيد في ناصية النظر كما أن أساس الكفر والشرك في ناصية التقليد وتذكر ساعة في صنع الله وتفكر لحظة في فعل الله أفضل وأحسن من عبادة سبعمائة سنة قيام ليلها وصيام نهارها وإليه إشارة قوله صلّى الله عليه وسلم تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة لأن النظر يوصل العبد الى المعرفة فيعرف الله تعالى ومن عرف الله تعالى فقد نال العز الأبدي والسعادة الكلية يا بردها على الفؤاد والكبد فأهل الدين بالنظر يعرفون حقيقة الدين والمعارف كما أن أهل الدنيا بالنظر يحصلون مقاصد الدنيا ولا يمكن معرفة سبيل النجاة من الهلاك الا بالنظر عرفه من عرفه وجهله من جهله.
(الفصل الثاني في حده وحقيقته)
فأقول حقيقة النظر هو الفكر في حال المنظور فيه لمعرفة حكمه وقيل هو فكر القلب في شاهد يدل على غائب فان قيل أطنبت الخطبة وأحسنت السؤل فما حجتك على صحته وانه مؤد الى العلم فأقول في العالم حق وباطل والناس صنفان أهل الحق وأهل الباطل وأصحاب الصدق وأصحاب
(1/17)

الكذب ولا يتصور معرفة الحق من الباطل الا بالنظر فالآدمي خلق كامل الرأي عظيم التدبير داركا للمعاني وأعطاه الله الادراك وهو العقل فاذا استعمله على وجهه وقع عنده العلم بالمنظور فيه كما يقع العلم بالمدركات عند الادراك فعند فتح الأجفان يبصر الأشياء وعند الاستماع والاصغاء يسمع وعند الاستعمال اللسان يتكلم فعند النظر يعلم ولو كان فاسدا لم يتضمن العلم لأن الفاسد لا يحكم له بقضية صحيحة والدليل على أن النظر يوصل الى العلم وهو طريق الحقائق فزع العقلاء اليه اذا التبس عليهم حكم شيء من الغائبات كما يفزعون الى البصر والسمع في تعريف ما يخفى من أحوال المرئيات والمسموعات واذا التبس عليهم شيء من أحوال الحواس الذوق والشم واللمس رجعوا الى النظر (دليل آخر) عرفنا أن النظر دليل الى العلم ضرورة فان عقلاء العالم وجهابذة المعاني مهما نزلت بهم نازلة أو حدث لهم حادث من المشكلات المهمات فزعوا الى النظر وتفكروا وتدبروا ليعرفوا وجه الصواب من الخطأ والحق من الباطل فعرفنا بضرورة العقل أن النظر طريق العلم فها نحن معاشر المسلمين نعرف الحق من الباطل بالنظر ونعرف الكفر من الايمان بالنظر ونعرف الله ورسوله بالنظر وأن الباطنية شر خليقة الله وهم زنادقة كفار ودهرية ضلال
(1/18)

ونعرف أن التقليد باطل ولا معصوم الا رسول الله صلّى الله عليه وسلم على رغم الباطنية أعداء الله كل ذلك بالنظر وقد قيل كيف نعرف النظر أو نعرف الشيء بالشيء هذا بديع في القياس بعيد يا قاضي العدل اذا حكم عدل فأقول عن صبوح يرفعون عرفت شيئا وغابت عنك أشياء عرفت صحة النظر بما أعلم به صحته في نفسه فتصحيح الشيء بما يدعى له الصحة غير متناقض وافساد الشيء بما يدعى له الفساد متناقض لأني اذا صححت النظر بجزء من المنظور دخل ذلك الجزء من النظر أيضا في جملة ما صححته فعرفت صحته مما به صحته في نفسه.
(الفصل الثالث في وجوبه)
فأقول ان النظر واجب لأن معرفة الله تعالى واجبة ولآن تاركه لا يأمن العقاب وهذا معنى الواجب وبيان أن معرفة الله تعالى واجبة الآيات الدالة عليها واجماع الأمة فاما الآيات فقوله تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله فاعلموا أن الله مولاكم قل انظروا ماذا في السموات والأرض ان في خلق السموات والأرض حتى قال العلماء نزلت ثلاث مئة آية في الحث على النظر والمعرفة والاجماع منعقد على ذلك ولأن شيئا من الشرائع في الصلاة والزكاة والقرب لا يصح التقرب
(1/19)

به الى الله تعالى الا بعد معرفة الله سبحانه لأن العبادة لا يصح أداؤها الا بالنية والنية قصد القلب الى إفراد الرب بالعبادة وقصد من لا يعرف بإفراد العبادة لا يصح واعلم أن الطريق الى المعرفة هو النظر الصحيح فان معرفة الله تعالى ليست ضرورية اذ لو كانت لما تصور فيه الخلاف كمعرفة الليل والنهار ووجود الآدمي فاذا ثبت أن معرفة الله سبحانه لا تمكن الا بالنظر فالنظر واجب لأن ما لم تتأد العبادة الا به كان واجبا في نفسه كالصلاة لا تؤدى الا بالطهارة فلا جرم تكون الطهارة واجبة والأمر بالصعود الى السطح أمر بنصب السلم.
(الباب الثاني في أول ما يجب على العباد المكلفين)
إن أول ما يجب على المكلف القصد الى النظر المؤدي الى معرفة الله تعالى فان قلت انك مدع واذا آل الأمر الى الدعاوى استوى كل طائع وغاو فأقول ما أبين الصبح لذي عينين وان الرحيل أحد اليومين والدليل عليه أن معرفة الله تعالى واجبة بالآيات المتقدمة والسعادة هي اليقين والدنيا هي فتنة الدين وما سواه فضلال مبين. فماذا بعد الحق الا الضلال فأنى تصرفون واعلم أن الواجب اشتقاقه من السقوط واللزوم يقال وجب الحائط اذا سقط وحده في
(1/20)

الشرع المنقول وقضية المعقول ما يستوجب اللزوم والعقاب بتركه وحد النظر هو فكر القلب وتأمله في حال المنظور فيه وأقمت الدليل على أن قاعدة الدين هو النظر لأن المسلمين من لدن آدم عليه الصلاة والسلام الى منقرض العالم اذا نزلت بهم نازلة يرجعون الى النظر والفكر سواء كان في أمر الدين أو الدنيا ويقول بعضهم لبعض انظروا وتفكروا ولا يقولون اسمعوا وتقلدوا خلافا لما يدعيه الباطنية الضلال والملاحدة الجهال وقال تعالى هل عندكم من علم ولم يقل من معلم وقال هاتوا برهانكم ولم يقل معصومكم وبركاتكم وقال اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ولم يقل يسمعوا وقال عربي مبين ولم يقل حبشي فعرفت أن الدين بالحجة والبرهان دون التقليد الذي هو عصا العميان والعقلاء بقضهم وقضيضهم ينظرون في أمر الدين والدنيا لمعرفة الصالح من الفاسد والسار من الضار فلولا أنه طريق واضح ومنهج لائح لما فزعوا إليه.
فالناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... حتى يروا عنده آثار احسان
فإن قيل يا ناصر الدين وفارس المتقين لقد شفيت علتي وأزحت غلتي فمن الموجب الله تعالى أو رسوله صلّى الله عليه وسلم أو
(1/21)

العقل ففي هذا مزلة الأقدام ومدحض الأقوام فأقول:
أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا
الموجب هو الله سبحانه لأنه خالق الأعيان وموجد الخلائق فالأصل في الخطاب خطاب الله تعالى فإنه دليل بنفسه وما بعده من الخطاب فرع خطاب الله صار بخطاب الله دليلا من حيث انه خالق الأعيان له الخلق والأمر وما سواه دليل من وجه ومدلول من وجه مثلا خطاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم فانه مدلول خطاب الله اذ بخطاب الله صار دليلا قال الله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فلولا خطاب الله لما عرفنا خطاب رسول الله وخطاب رسول الله دليل الاجماع والاجماع مدلوله وهو دليل القياس والقياس مدلوله وهو دليل الحكم والخطاب أمر ونهي وهما سيان في حقيقة الطلب والاستدعاء فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم واجب بأمر الله وطاعته معترض لأمر الله فإذا أمرنا الله بشيء ونهانا عن شيء فكأنا نسمع خطاب الله بتبليغ رسول الله وبواسطته لأنا لا نسمع من الله شفاها والرسول مبلغ ومبشر ومنذر بشير للموحدين ونذير للملحدين وكذلك أقوال الصحابة رضي الله عنهم حجة بخطاب رسول الله وأقوال
(1/22)

العلماء حجة بخطاب الرسول وطاعة الأمراء واجبة بقول الرسول وطاعة الزوج على زوجته والسيد على غلمانه واجبة بقول رسول الله فليعلم بأن هذا أصل عظيم (سؤال عظيم) اشتبه على زهاء خمسمائة فلسفي قالوا كيف نعرف النبي أنه نبي فان الله لا يخاطبه مواجهة ولو جاءه ملك احتمل أنه شيطان تصور بصورة ملك فكيف نثق بقوله؟ (الجواب) البراهمة أوتوا حين كفروا من هذه الشبهة وانها لكبيرة الا على الخاشعين فنقول نعرف النبي انه نبي بطرق الأول أن يخلق الله له علما ضروريا فنعرف أنه رسول الله.
الطريق الثاني أن يظهر الله آيات وعلامات فيضطر الرسول الى أنه من قبل الله وأن البشر يعجز عن مثله.
الثالث أن يخبره الله بما في قلبه وصدره فيضطر النبي الى معرفة كلامه لأن الغيب لا يعلمه الا الله عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا.
(الباب الثالث في التوحيد)
فان قيل ما حد التوحيد من الموحد فأقول على الخبير سقطت حد التوحيد العلم بان الله سبحانه واحد بصفاته التي
(1/23)

هو عليها من كونه حيا قادرا عالما مريدا سميعا بصيرا متكلما والموحد هو العالم بأن الله واحد حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم والتوحيد أن يعلم أن الله واحد قديم لم يزل ولا يزال كان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان عالم بعلم أزلي قادر بقدرة أزلية يعلم مثاقيل الجبال وأوزانها وأوراق الأشجار وكمياتها وقطرات البحار ويعلم عدد الحيوان والدواب ومواضعها ويعلم كم المؤمن وكم الكافر وكم الذكر وكم الأنثى وكم الأحياء وكم الأموات يسمع كلام نفسه لا يدخل في الوهم منزه عن التقدير والتحديد مقدس عن خطرات الخاطر لأن كل ما يقدره الوهم يكون متلوّنا مقدرا أو مشبها بشيء والله مقدس عن جميع ذلك وكل ما يخطر بالبال فالله بخلاف ذلك الشيء وخالق ذلك الشيء فمن اعتقد هذا فمؤمن موحد حقا وجملة التوحيد في حرف واحد وهو أن يعلم العبد ان القديم لا يشبه المحدث وان الله سبحانه لا يجوز عليه الاتصال والانفصال والقرب والبعد والحلول والانتقال والطبع والغش وقال بعض العلماء خلاصة التوحيد أن يعتقد العبد أن كل ما يتقدر في الوهم ويتصور في الخاطر فالله بخلاف ذلك وخالق ذلك وأن الله تعالى غير مشبه بالذوات وذاته غير معطلة عن الصفات.
(1/24)

(الباب الرابع في نكت الأئمة في التوحيد)
أول دليل على أجل جليل قال الامام المطلبي رضي الله عنه استقبلني سبعة عشر زنديقا في طريق غزة فقالوا ما الدليل على الصانع فقلت لهم ان ذكرت دليلا شافيا هل تؤمنون قالوا نعم قلت نرى ورق الفرصاد طبعها ولونها وريحها سواء فيأكلها دود القز فيخرج من جوفها الابريسم ويأكلها النحل فيخرج من جوفها العسل وتأكلها الشاة فيخرج من جوفها البعر فالطبع واحد إن كان موجبا عندك فيجب ان يوجب شيئا واحدا لأن الحقيقة الواحدة لا توجب إلا شيئا واحدا ولا توجب متضادات متنافرات ومن جوز هذا كان عن المنقول خارجا وفي التيه والجا فانظر كيف تغيرت الحالات عليها فعرفت انه فعل صانع عالم قادر يحول عليها الأحوال ويغير التارات قال فبهتوا ثم قالوا لقد أتيت بالعجب العجاب فآمنوا وحسن إيمانهم. وجاء رجل الى الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى فقال ما الدليل على الصانع قال أعجب دليل النطفة التي في الرحم والجنين في البطن يخلقه الله في ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة ثم ان كان كما زعم أفلاطون الزنديق ان في الرحم قالبا منطبعا ينطبع الجنين فيه فلزم الحمار أن يكون الولد إما ميناثا أو مذكارا لأن
(1/25)

الحقيقة لا تختلف فلما رأينا المرأة تلد ذكرا ومرة أنثى ومرة توأمين وطورا ثلاثة وتريد أن تلد فلا تلد وتريد أن لا تلد فتلد وتريد الذكر فتكون أنثى وتريد الأنثى فيكون الذكر على خلاف اختيار الأبوين فعرفنا قطعا أنه قدرة قادر عالم حكيم وان الفلاسفة ينادون من مكان بعيد لقد هلكوا وبالله كفروا ووقعوا في الهوى فتبا لمن يدعي الفهم وهو أعمى (دليل) قال الشافعي رضي الله عنه وقد سئل عن التوحيد فقال رأيت قلعة حصينة ملساء ولا فرجة فيها ظاهرها كالفضة وباطنها كالذهب الابريز وجدرانها حصينة محكمة ثم رأيت الجدار ينشق فيخرج من القلعة حيوان سميع بصير مصوت فعلمت ضرورة أن الطبيعة لا تقدر على ذلك وانه فعل صانع حكيم فالقلعة هي البيضة والحيوان هو الدجاجة (دليل آخر) سأل هرون الرشيد الشافعي رضي الله عنه عن التوحيد فقال اختلاف الأصوات وتردّد النغمات وتفاوت اللغات يا أمير المؤمنين دليل على أن المحرك واحد والنيران الموقدة المتضادة في تركيب الآدمي فيألف بعضها على بعض لمصلحة البنية وقوام البشرية دليل على الصانع (دليل آخر) قال حكيم اسأل الأرض من شقق أنهارك وأوتد أوتادك وغرس أشجارك وجنى ثمارك فان لم تجبك جؤارا فقد أجابتك اعتبارا. ويقال شيئان صامتان ناطقان الوقت
(1/26)

والقبر ويقال ما الأشياء الصامتة الناطقة يقال الدلائل المخبرة والعبر الواعظة (دليل آخر) ذكره المقدسي قال من له ملك العالمين والناس أجمعين عنده صواعق الزلزلة وطوارق الحوادث في وقت الاضطرار في البراري والبحار لذي الجوع والعطش الى الله تعالى فهذا دليل على الصانع فان المؤمن والكافر اذا اضطرا في البر والبحر لا يفزعان الى الشجر والحجر بل يفزعان الى الله سبحانه كما يفزع الصبي الى ثدي أمه فأمة الترك تقول يا تكري وأمة الهند تقول يا لاح وأمة المجوس تقول يا يردان وأمة العرب تقول يا الله وأمة العجم تقول يا خداي. قال يزيد بن عمير في الجاهلية:
الى الله أهدي مدحتي وثنائيا ... وقولا رضيا لا يني الدهر باقيا
الى الملك الأعلى الذي ليس فوقه ... إله ولا رب سواه مدانيا
فأنت الذي من فضل منّ ورحمة ... بعثت الى موسى رسولا مناديا
فقلت له اذهب مع هرون فناديا ... الى الله فرعون الذي هو طاغيا
(دليل آخر) سئل الشافعي رضي الله عنه عن التوحيد
(1/27)

فقال بالنوم واليقظة عرفت الرب أريد السهر فيغلبني النوم وأريد أن أنام فيغلبني السهر ترى الرجل العادي الضخم العبل يغلبه النوم من اختياراته وقد أسره وقد قال العلماء النوم واليقظة مثل الحياة والنشور وكما يشتهي أن يبيت لا يشتهي أن يموت وكما لا يشتهي في حال النوم أن يستيقظ لا يشتهي أن يحيا فيحيا إلا باذن الله ذلك تقدير العزيز العليم (دليل آخر) قال الحسن بن عليّ عرفت الله بنسخ العزائم ونقض الهمم وضعف الأركان وتحويل الحالات في الأزمان.
وقال آخر بموت الملوك وابقاء الفقراء. وقال آخر بحظّ الجهول وحرمان العاقل. وقال آخر عرفت الله بليل داج ونهار وهاج وسماء ذات أبراج وبحار ذات أمواج ورياح ذات عجاج وأرض ذات سبل وفجاج وجبال مثبتة بلا درج ومعراج دليل على رب حكيم فراج (دليل آخر) قال شمس براق ومعصرات ذات ابراق وأشجار ذات أوراق وقلوب ذات فرح وانشقاق دليل على حكيم خلاق.
الحمد لله كم في الأرض من حكم ... تنبي اللبيب عن الأيام والقدر
إن شئت في فلك أو شئت في رجل ... أو شئت في مدر أو شئت في حجر
(1/28)

كل يدل بأن الله خالقه ... لا يستطيع دفاع النفع والضرر
فلنمسك عنان القلم فإن هذا الباب لا ينتهي الى حد.
(الباب الخامس في عجائب خلق الانسان)
ولقد أبدع الله سبحانه معاشر المسلمين الآدمي في صورة عجيبة وخلقة بديعة يعلم بعقله ويعي ببصيرته ويتكلم بلسانه فاليدان لاستخدام الأشياء والرجلان للسعي والعينان لمشاهدة الدنيا والمعدة للهضم والكبد لطبخ الغذاء والطحال للفكرة والامعاء للفضول والفرج لاقامة النسل والذكر آلة لذلك فتبارك الله أحسن الخالقين والرأس أشرف الأعضاء ويقال الرأس صومعة الحواس ومضاده من القلب وخلقه بأعضاء مفردة ومزدوجة فالمفرد مذكر في اللغة والمزدوج مؤنث فجعل الرأس مفردا للاكتفاء به فلو جعل له رأسين لكان زيادة من غير فائدة وخلق اليدين مزدوجة لحاجة كل واحدة الى اعانة الأخرى كما قال الصادق رضي الله عنه خلق الله في شبر من الانسان أربع جواهر وهم العينان وماؤهما مالح ولولاه لذابتا لأنهما شحمة والأذن وماؤها مرّ ولولاه لما امتنعت الهوام من دخولها والمنخر وفيه حموضة الاسترواح والاستنشاق والفم وماؤها عذب الاستطعام
(1/29)

فسبحان من أنطقه بلحم وأبصره بشحم وأسمعه بعظم وأعجب من هذا تصور في الرحم في ظلمات ثلاث ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة حيث لا تراه عين ولا تناله يد فيخرج سويا فلو خلق له لسانين لكانا ثقيلين عليه من غير حاجة فلو تكلم بأحدهما كان الآخر معطلا وان تكلم بكلام واحد كان أحدهما لغوا وان تكلم على خلافه لم يدر السامع على أي القولين يقول فتبارك من جعل لمنافذ البول والغائط اشراجا يضبطها لكي لا يجري جريا دائما فيفسد عليه عيشته وفي حسن التدبير أن يكون الخلاء في أستر موضع من الدار فكذا المنفذ المهيأ للخلاء في جسد الانسان في أستر موضع وجعل الريق يجري دائما الى الحلق فلا يجف فلو جف الحلق واللهاة والفم لهلك الانسان فتفكروا معشر العقلاء وتأمل يا صدر المعالي وعلم الرؤساء في الحفظ والفهم فلو عدم الآدمي الحفظ والفهم لا ختل عيشه فلم يحفظ ماله وما عليه وما أخذ وما أعطى وما يتذكر من أحسن اليه ممن أساء وتفكر في النسيان وعظم نعمة الله فيه فلولاه لما سلا أحد عن مصيبته ولا انقضت له حسرة ولا مات له حقد ثم تفكر في الحياء خص به الآدمي دون سائر الأشياء فلولاه لم يقر الضيف ولم يقع الوفاء بالعدات ولم تقض الحوائج ولم يتخير الجميل ولم يتجنب القبيح وتفكر في كتمان الأجل فلو
(1/30)

علم الآدمي مدة حياته وكمية عمره لتنغص عيشه فلو عرف مقداره وكان قصيرا لم يهنأ بعيش مع ترقب الموت بل كان بمنزلة من قد فني ماله وأشرف على الهلاك ولو كان طويل العمر وثق بالعمر فانهمك في اللذات على أنه يبلغ شهوته ثم يتوب وهذا مذهب لا يرضاه الله تعالى من العباد ثم تأمل آخرا في الأشياء المعدة في العالم فالتراب للبناء والحديد للصناعات والخشب للسفن والنحاس للأواني والذهب والفضة للمعاملة والجوهر للذخر والحبوب للغذاء والثمار للتفكه واللحوم للمأكل والطيب للتلذذ والأدوية للتصحح والدواب للحمولة والحطب للوقود والحشيش للدواب والمسك والعنبر للشم فلم يقدر المحصي أن يحصي هذا الجنس ولو صنفنا كتابا في هذا الجنس لما استقصينا أفراده والله تعالى أعلم.
(الباب السادس في مسألة داخل العالم وخارجه)
اعلم أن الملاحدة لعنهم الله استغوت عوام المسلمين وضعفاء المؤمنين بهذه المسألة فقالوا كيف تعرفون الله وهو لا داخل العالم ولا خارجه وقد قال الله تعالى وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
فلا يمكن معرفة الله من جهة العقل وإنما تمكن من جهة المعصوم كما هو مذهبنا. نقول من قال إن معرفة الله
(1/31)

تعالى مستحيلة غير معقولة فقوله إلحاد كقولكم لأنه مخالف للكتاب والسنة وأقوال مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي ومخالف للمعقول أما الكتاب فقال الله تعالى فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ
فلو لم تكن معرفة الله تعالى ممكنة كان الخطاب محالا فان الشرع لا يخالف قضيات المعقول بقول الآدمي لا ينظر والأعمى لا يبصر والأنبياء بعثوا لدعاء الخلق الى الله وأما المعقول فالصنع لا بد له من صانع والعالم مصنوع فلا بد له من هذا أما نحن نعرفه بتأويل عقولنا فمن اجتاز في برية فرأى قصرا مشيدا وبناء رفيعا فجوز من نفسه انه انفعل بنفسه من غير فاعل لم يكن انسانا بل يكون مجنونا بمارستان فالعالم مع تركبه العجيب لا يكون أقل من بناء جص وهذا ظاهر فان قالوا أردنا به انه لا تعرف كيفيته ولا آنيته. الجواب قلنا يا مخاذيل هذا تلبيس ابليس فكيف تدعون كيفية ولا كيفية له وكيف تنسبون آنية ولا آنية له فوصفه بشيء يستحيل في حقه محال وقوله لا داخل العالم ولا خارجه قلنا هذا السؤال في نفسه محال لأن قائله لا يخلو إما أن يكون مقرا بأن العالم محدث أو منكر فان كان مقرا فلا كلام معه لأنه اذا علم أن تفسير العالم كل موجود سوى الله كيف يستجيز أن يكون القديم ملابسا ومشاكلا للحادث وخارج العالم عدم محض فكيف يقال ذات
(1/32)

الباري في العدم فعرفت أن السؤال محال والجواب الصحيح أن تقول الباري واجب الوجود فكان قبل العالم وجوده واجبا لا يعقل زمان لا يكون فكان ولا مكان ولا تقدير مكان فلما خلق العالم كان على ما كان والتغيير انما يرجع الى الحدوث اما من كان واجب الوجود فتغيره محال فلاح من هذا الأصل ان العالم عبارة عن المكان والمكان جوهر والجوهر والعرض مخلوقان والله ليس بمحدود وليس من جنس الجواهر والأعراض حتى يوصف بأنه داخل العالم وخارجه.
(الباب السابع فيما يلزم المكلف اعتقاده)
وذلك أن يعلم حدوث نفسه وحدوث جميع العالم وان الجواهر والاعراض محدثة واخراجه من العدم الى الوجود وجعل أعيان العالم أعيانا وأعراضها أعراضا ويعتقد أن الصانع واحد قديم لم يزل موجودا ولا يزال باقيا ولا يعدم ولا يفنى ولا يجوز عليه التنير والانتقال وانه ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم ولا صورة ولا جسد ولا حركة ولا سكون ولا غم ولا فرح ولا سهو ولا غفلة وانه بلا كيفية ولا آنية وأنه منفرد باحداث الأعيان لا خالق غيره ثم يعتقد قدم الصفات من قدرته وعلمه وحياته بلا روح ولا نفس وقدرته على مقتدراته قدرة واحدة ويدرك بسمعه جميع
(1/33)

المسموعات ويبصر جميع المرئيات ويرى ذاته وكلامه أزليا صفة قديمة قائمة به فيهدي من يشاء ويضل من يشاء لا ضار ولا نافع إلا هو ولا استطاعة مع الفعل ولا حجة على الله ولا حكم بل هو الحاكم له الحكم والأمر بعثه الرسل جائز وأن محمدا رسول الله بالمعجزة الصادقة وشريعته مؤيدة باقية إلى يوم القيامة والاجماع حق والجنة والنار حق والصراط والميزان والحساب ويوم القيامة حق وسؤال الملكين في القبر حق والعذاب في القبر لأهل العذاب حق والشفاعة حق ومن شك في شيء من ذلك فهو كافر ويعتقد أن الامامة لأبي بكر أولا ثم لعمر ثم لعثمان ثم لعليّ ويعتقد في الباطنية والحلولية والناسخية أنهم مرتدون شر من المجوس هذا أقل ما يلزم المكلف اعتقاده.
(الباب الثامن في فرق الأمة)
افترقت الأمة من أهل القبلة على اثنين وسبعين فرقة أهل الحق منهم السنية الأشعرية ومن سواهم فضلال فالطائفة الأولى غلاة المعتزلة ينفون الصفات وغلاة المشبهة يثبتون الجوارح والمكان لله تعالى والقدرية يثبتون القدرة لأنفسهم ويزعمون أن العبد خالق أفعاله والمجبرة ينفون القدرة للعبد والمرجئة والخوارج والنجارية والجهمية
(1/34)

والروافض والحرورية فالمعتزلة عشرون فرقة الواصلية أصحاب واصل بن عطاء والعمروية أصحاب عمرو بن عبيد والهذيلية أصحاب الهذيل علان والنظامية أصحاب نظام والاسوارية والاسكافية والبشرية أصحاب بشر معتمد وبشر موسى والمكارية والهاشمية والحائطية أصحاب أحمد بن حائط والحمارية أصحاب عسكر مكرم والمعمرية أصحاب معمر بن عباد والثمامية أصحاب ثمامة بن أشرس والجاحظية والكعبية والجنانية والبهشمية والشيطانية (فصل) أما المشبهة فتفرقوا على عشرين فرقة الهاشمية أصحاب هشام والمعيرية والمنهالية والرزارية واليولنية والكلابية أصحاب عبد الله بن كلاب والزهيرية والحشرجية والكرامية والمأمونية (فصل) والجبرية ثلاث فرق الجهمية أصحاب جهم بن صفوان الترمذي والبكرية والضرارية (فصل) والمرجئة ثلاث فرق اليونسية الغحانية اليونانية اليومنية (فصل) النجارية البرغوثية الزعفرانية المستدركية (فصل) أما الروافض فأربع وعشرون فرقة أربع فرق الغلاة السبانية والبابية المغيرة الهشامية والجناحية والمنصورية واليونسية والزيدية والصالحية والجارودية الحريرية اليعقوبية البترية الكيسانية الشريكية التناسخية الخليفية يقولون لا تجوز الصلاة خلف غير الامام الرجعية المترفضة (فصل) أما الخوارج فعشرون
(1/35)

فرقة الاباضية المحكمية الازارقة النجدية الصعرية الميمونية العشيبية الخمرية الحارمية المجهولية الصليتية الأخنسية المعيدية الرشيدية السابية اليزيدية الحارثية المكربية الفضيلية السمراخية الضحاكية فهؤلاء فرق الأمة ضلوا وأضلوا وبقي من وفقه الله وعصمه على الحق فماذا بعد الحق الا الضلال.
(الباب التاسع في حكم من تبلغه الدعوة)
قال الشافعي رضي الله عنه ولا أظن أن في وجه الأرض أحدا لم تبلغه دعوة رسول الله صلّى الله عليه وسلم فلو قدر أن أناسا في جزيرة أو بلدة في أقصى العالم من الترك والروم أو الهند لم تبلغه دعوة محمد صلّى الله عليه وسلم فلا يجوز قتالهم ما لم تعرض الدعوة عليهم ولا يجب عليهم أن يسلموا من قبل العقل لأنه آلة وليس بموجب والموجب هو الله تعالى فان قتل منهم أحد تؤخذ ديته وان ماتوا قبل سماع الدعوة فلا عقاب ولا حساب لقوله تعالى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
وقالت المعتزلة يجب عليهم أن يؤمنوا بالله تعالى بناء على أصلهم ان العقل موجب للمعرفة وان عرضت عليهم الدعوة فأبوا وامتنعوا فهم معاندون يجب قتالهم (قاعدة) يتصور عقلا على مذهب أهل السنة أن يكون جماعة في جزيرة لم يأتهم رسول
(1/36)

ولا معصوم فنظروا وتفكروا من قبل أنفسهم فعرفوا الله سبحانه وآمنوا به وان لم يروا نبيا قط وقالت الملاحدة لعنهم الله لا يتصور ذلك وان عمروا ألف سنة ونظروا ألف سنة لأن المعرفة عندهم سمعية تتلقى من النبي أو الامام المعصوم وهذا خزي من قائله قاتلهم الله أنى يؤفكون.
كتاب أحكام النبوة
وفيه أحد عشر بابا
(الباب الأول في تفسير النبوة)
اعلم أن النبوة ليست بمكتسبة ولا هي صفة النبي صلّى الله عليه وسلم وليست بجسم فيوضع على الطبق وأما تفسير النبوة فمعناها تعلق خطاب الله تعالى بشخص أن يقول له أنت رسول وقد بعثتك الى أمة كذا لتدعوهم الى كذا فحينئذ ثبتت رسالته ويجب على الخلق طاعته ولا يتعلق هذا بكسب بشر ولا يحصل بجهد آدمي ولو أنفق عمره في الرياضة وأذاب مهجته فيها فليت شعري ما عمل عيسى في المهد حين قال إني عبد الله وما فعل خليل الله في صباه حين قال إني وجهت وجهي وماذا كسب آدم صلّى الله عليه وسلم ببديع فطرته حين قال من تراب ثم اصطفاه واجتباه واخوة يوسف مع ما فعلوا مع يوسف خصوا بالنبوة وموسى صلّى الله عليه وسلم كان يرعى لشعيب الغنم فأعطاه الله النبوة هيهات هيهات لا كسب ولا رياضة ولا جهد ولا
(1/37)

دراسة بل نبأ عناية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقد ضل في هذا الباب عالم وهلك جماعة وغرق في بحار الفكر جميع الفلاسفة فقالوا النبوة مكتسبة يمكن كسبها بالرياضة فيقال لهم يا ضلال استحيوا من الله حق الحياء فان محمدا صلّى الله عليه وسلم كان في اجارة خديجة رضي الله عنها يعمل لها وكان يرعى فأدرجت النبوة بين كتفيه صلّى الله عليه وسلم ثم منذ استأثر الله تعالى محمدا صلّى الله عليه وسلم ونقله الى جنته قد مضى زهاء خمسمائة سنة وأربعين سنة أما كان رجل من هذا العالم العظيم أن يصفي نفسه ويروض طبعه لينال النبوة ثم أنتم بعد تقشفكم وعزوبكم من طيبات الدنيا يسكن أحدكم حيا فارغا طول الدهر لا يأكل شيئا من الدنيا ومع ذلك لم يكن أحد فيكم ادعى النبوة لا كان ولا يكون الدهر الى يوم القيامة فأمسكوا عن هذيانكم واقصروا عن بهتانكم ومن قال ان الانسان برياضة القلب وبمجاهدته للنفس يصل الى العالم الروحاني فذاك زنديق يقرع باب الزندقة بل صفاء القلب من فضل الله وسواد القلب من خلق الله لا خالق الا الله لا علة ولا معلول ولا طبيعة ولا مصنوع بل الله صانع وما سواه مصنوع فكم رأينا من رجل جاهد وهاجر وراض نفسه بالمجاهدات الشاقة فما حصل الا على السوداء البحت والماليخوليا الصرف وكم رأينا من يتمرغ في النعيم يغدو بجفان ويروح بجفان وقد
(1/38)

حصل له كرامات وولايات وليس باتفاق فحذوا حذركم فأي طاعة أكثر من طاعة ابليس وعاقبته اللعنة وأي معصية فوق معصية سحرة فرعون وخاتمتهم الرحمة قال الأستاذ أبو اسحق ان بعض الفلاسفة خدع بعض الناس وقال انكم تصلون بالرياضة وصفاء القلب الى عالم الروح ومن عالم الروح الى عالم الملكوت ومن عالم الملكوت الى عالم الغيب فالمساكين هجروا الديار والأوطان وأقبلوا على أكل الحشيش ومساكنة الجبال ومرافقة الوحوش فخف دماغهم وأخذتهم الماليخوليا فتعجلوا بالمعد السوداء وذهبت أعمالهم هباء ولم يحصلوا الا على سراب يحسبه الظمآن ماء (قاعدة مفيدة) خاصية النبي صلّى الله عليه وسلم شيئان اثنان احداهما أن لا يكون في نظره خطأ البتة فلا يعتريهم خطأ في دين الله تعالى والله تعالى يعصم نظرهم عن الخطأ والنسيان ويجوز الخطأ والنسيان على الأنبياء الا في موضع واحد وهو تبليغ الرسالة ففي هذا الموضع لا يجوز فتأمل في هذه النكتة والثاني ان الله قد شرفهم وأكرمهم بأخبار الغيب أو بواسطة ملك أو بنفسه أو بأن يخلق لهم علما يعرفون به أنه كلام الله أو غيب يظهره عليه عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول وما سوى ذلك فهو كسائر الآدميين.
(1/39)

(الباب الثاني في الرد على البراهمة)
جميع أهل القبلة من أمة محمد صلّى الله عليه وسلم يجوزون أن يبعث الله أنبياء إلى الخلق بالأمر والنهي فيأمرهم وينهاهم بواسطة رسالتهم لأن الأنبياء مبلغون وليسوا بموجبين وقالت البراهمة من أهل الهند لا يجوز بعثة الأنبياء عقلا ولهم في ذلك شبهتان (الأولى) قالوا لا يخلو ما جاء به الأنبياء اما أن يكون موافقا للعقل أو مخالفا للعقل فان كان موافقا للعقل فلا حاجة الى النبي وان كان مخالفا للعقل فلا يمكن معرفته فما به حاجة الى النبي؟ (الجواب) نقول يا معشر الحمير وأصحاب السعير عرفتم شيئا وغابت عنكم أشياء الشرع مؤكد للعقل مقرر له يرشد الى أشياء لا تدرك بمحض العقل فاذا لم يكن في إرسال الرسل استحالة خروج عن حقيقة فيجب الحكم بجوازه وهذا لأن العقل يقضي بتناول الدواء عند المرض ثم الأطباء يبينون قوانين الأدوية والتفصيل ويعرفون الضار من النافع فالحاجة ماسة الى الأنبياء فالأطباء أصحاب الأبدان والأنبياء أصحاب الأديان وأيضا تفاصيل الشرعيات من اعداد الصلوات والحدود والكفارات لا يهتدي العقل إليها فالحاجة داعية الى الأنبياء في بيان ذلك (الشبهة الثانية) الأنبياء وردت بذبح البهائم من غير جريمة
(1/40)

وهو قبيح فلهذا قلنا لا يجوز بعثة الأنبياء (الجواب) هذه البهائم مملوكة لله تعالى تارة يؤلمها ويسقمها وتارة يميتها وتارة يأمر بذبحها وللمالك أن يتصرف في ملكه كما يشاء لا اعتراض عليه فلما جاز له اماتتها جاز له أن يأمر بذبحها ولأنها اذا تماوتت لا ينتفع بها أحد فأمر بذبحها لينتفع بها عبيده ولأن الآدمي أشرف من البهائم وقد خلق محتاجا الى الأكل والشرب ليكون له قوة ونشطة على عبادة الله وجهاد أعداء الله فالله حكيم وجعل البهائم فداء الآدمي وصيانة لقوته وكفاية لمعيشته ومن جعل الاخس فداء الأشرف يكون حكيما (جواب آخر) معظم أمر المعيشة مرتبط بجلودها من السرج واللجم والسياط والأنطاع والخفاف والمخاد والأخبية فلو لم يجز لأدّى ذلك الى الحرج ولا حرج في الدين
(الباب الثالث في بيان أن محمدا صلّى الله عليه وسلم رسول الله حقا وصدقا)
فان قال لك قائل ما الدليل على أن محمدا رسول الله فقل الدليل عليه أني أعلم ضرورة أن محمدا ادعى النبوة في مكة وتحدى بها وأظهر الله على يديه معجزات وآيات عجز الخلق عن الاتيان بمثلها وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ولم يعارضه معارض ومن أعظم الآيات أنه شخص واحد ظهر والعالم من
(1/41)

الشرق الى الغرب يموج بالكفر فقال يا قوم ها أنا أقول لكم إن دينكم باطل ومذهبكم فاسد وآباؤكم وأمهاتكم في النار وان متم على هذا الاعتقاد فأنتم كلاب النار فها أنا أقول لكم هذا فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون فلم يقدر أحد من العالم على دفعه ومعارضته فهذا من أدل دليل على الحق والقوم على الضلال (دليل آخر) ان الله أنزل عليه القرآن عربيا معجزة له ولو اجتمع الأولون والآخرون على أن يأتوا بمثله لا يقدرون عليه وكما أعلم ضرورة وقطعا ان بلدة في العالم يقال لها بغداد أعلم ان محمد بن عبد الله ادعى النبوة وأظهر الله المعجزة على يده صلّى الله عليه وسلم فأي دليل أدل من هذا فان قال لم يظهر محمد بعد فهو محال لأن هذا معلوم بالضرورة وان قال لم يدع النبوة فمحال لأنه معلوم بالضرورة نقل إلينا تواترا انه ادعى النبوة وكان رجلا فردا أميا خرج وأهل الأرض ذات الطول والعرض كلهم كفار فقال لهم إني رسول الله وأنتم على الباطل وآباؤكم في النار ومعجزتي القرآن فائتوا بسورة مثله وهم أهل الفصاحة والبلاغة فعجزوا عن معارضته واشتغلوا بالقتال فان قلت فلعلهم عارضوه ولم ينقل إلينا قلنا هذا من أمحل المحال فان آحاد الوقائع ومفردات الأمور قد نقلت إلينا تواترا فلو كان ذلك لنقل وهذا مقطوع بصحته.
(1/42)

(الباب الرابع في شروط المعجزة)
والمعجز في الحقيقة خالق المعجزة وهو الله تعالى ولكن على طريق الاصطلاح سميت الخصلة التي يكون ظهورها عند مدعي النبوة معجزة وشروط المعجزة سبعة الأول أن تكون افعالا لأن القديم لا اختصاص له بصادق دون كاذب.
الثاني أن تكون ناقضة للعادة لأن الفعل المعتاد كما يوجد مع الصادق يوجد مع الكاذب. والثالث أن تكون في زمان التكليف لأن الذي يظهر في القيامة من انفطار السماء وتكوير الشمس أفعال ناقضة للعادة ليست بمعجزات لأن الآخرة ليست بدار تكليف. الرابع أن تكون مقرونة بالتحدي لأنه يحصل أحيانا أفعال ناقضة كالزلازل والصواعق وليست بمعجزة. الخامس أن تكون الدعوى مقرونة بالنبوة لأن كرامات الأولياء عندنا جائزة وليست بمعجزة لأنها لا تكون مقرونة بالدعوى. السادس أن تكون متمكنة بصدق من ظهرت على يديه لأنه اذا ادعى النبوة فأنطق الله اصبعا بأنه كاذب لم يكن دليلا له. السابع أن تكون على وجه الابتداء لأنه لو تلقف انسان سورة من القرآن ثم مضى الى قبيلة بعيدة ولم تبلغهم الدعوة وتنبأ هناك لم تكن معجزة فهذه شروط المعجزة لتستمسك بها
(1/43)

وامتحن بها فحول العلماء وأعلام الفضلاء تجد أكبرهم بمعزل عن معرفتها.
(الباب الخامس في معجزاته صلّى الله عليه وسلم)
اعلم أن لنبينا محمد صلّى الله عليه وسلم معجزات كثيرة سوى القرآن وقد جمعها العلماء في مجلدين تبلغ خلاصتها أربعة آلاف وخمسين معجزة وأظهرها القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فمنها دعاؤه على عتبة بن أبي لهب فقال اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فكان في قافلة فقال أبوه احفظوه فان محمدا قد دعا عليه فأخفوه تحت الرحال وأناخوا الجمال حواليه فبعث الله أسدا حتى كان يشم القوم واحدا واحدا وافترسه ورضض عظامه (معجزة أخرى) دعا على أربد وعلى عامر بن الطفيل فأربد أصابته صاعقة من السماء فاحرقته وعامر طعن في بيت عجوز سلولية فمات فيه وكان يقول غدة كغدة البعير (معجزة أخرى) لما أنشد النابغة الجعدي شعرا بين يديه فاستحسنه فقال لا فض الله فاك فعاش مائة وثلاثين سنة لم يسقط له سن وقيل متى سقط واحد من أسنانه نبت مكانه أحسن منه (معجزة أخرى) أخذ كفا من الحصى فكانت تسبح وتهلل على يديه وتقول سبحانه وبحمده. (معجزة أخرى) لما اتخذ له منبر على ثلاث
(1/44)

درج لازدحام الناس كان هناك جذع يستند اليه رسول الله صلّى الله عليه وسلم فحن الجذع مثل حنين المرأة عند الطلق بحيث سمع الناس حنينه فنزل من أعلى المنبر واحتضنه واعتنقه حتى سكن وامتلأ المسجد بالضجيج والبكاء. (معجزة أخرى) في صميم الشتاء دعا بشجرة يابسة فأجابته وشقت الأرض حتى جاءت إليه (معجزة أخرى) نبع الماء من خلال أصابعه حتى روى منه عسكره وتوضأوا. (معجزة أخرى) تفل في بئر قد غار ماؤها فنبع حتى بلغ رأس البئر وتفل مرة أخرى في بئر الحديبية حتى روى ألف رجل وخمسمائة رجل. (معجزة أخرى) قد كمن قريش وهم مائة نفر لقتله وحاشا لصنع الله أن يتغير فخرج ونفض على رؤوسهم التراب ولم يره أحد. (معجزة أخرى) قال لرجال من أصحابه ان ضرس أحدكم في جهنم مثل أحد فخافوا من ذلك وكان يلتفت بعضهم الى بعض وفيهم رجل فارتد والعياذ بالله وقتل على ردته. (معجزة أخرى) أخبر انه يقتل أبي بن خلف الجمحي وكان كما ذكر. (معجزة أخرى) يوم بدر أخبر عن مصارع قتلى قريش ويقول ان فلانا يقتل بهذا الموضع وفلانا يقتل في هذا المكان ويعين موضع كل واحد ومصرعه فكان كما ذكر. (معجزة أخرى) طويت له الأرض حتى رأى مشارقها ومغاربها وأخبر أن ملك أمته سيبلغ اليها. (معجزة
(1/45)

أخرى) قلعت عين قتادة فوضعها في كفه وجاء إليه فوضع يده المباركة عليها وأعادها الى موضعها وتفل فيها فعادت كما كانت ولم ترمد عينه قط فلقب ذا العينين وتفاخر بذلك أبناؤه. (معجزة أخرى) الحكم بن عامر كان يحاكي مشية النبي صلّى الله عليه وسلم على طريق الاستهزاء فدعا عليه فصار مفلوجا مرتعشا باذن الله. (معجزة أخرى) وكان تزوج بامرأة من قبيلة فتعلل أبوها وقال بها برص لا تصلح لك فقال صلّى الله عليه وسلم ليكن كذلك فأصابها برص فسميت أم سبيب البرصاء.
(معجزة أخرى) يوم أحد أصاب علي بن أبي طالب جراحات كثيرة يسيل منها الدم فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمسح بيده عليها وهي تلتحم وتلتئم باذن الله تعالى فكم يحصى من هذا؟.
(الباب السادس في نسب النبي صلّى الله عليه وسلم)
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ابن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن اد بن ادد بن الياس بن مضر بن اليسع بن الهميسع بن سحب بن جميل بن ثبت بن سلمان بن حمد بن قيدار بن اسمعيل بن ابراهيم بن
(1/46)

آزار بن رياح بن ناخور بن اسروع بن ارغو بن فالور بن فالق ابن عاسر بن سبغ بن ارفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن اخنوخ بن يادر بن مهلابيل بن قنان بن انوش بن شيث بن آدم المخلوق من التراب صلّى الله عليه وسلم. (فصل) اسم أمه آمنة بنت وهب توفيت والنبي صلّى الله عليه وسلم ابن ست سنين وتوفي أبوه وهو في بطن أمه وكفله جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين. (فصل) أقام النبي صلّى الله عليه وسلم بمكة بعد الوحي ثلاث عشرة سنة ثم هاجر عشر سنين بالمدينة. ميلاده يوم الاثنين في ربيع الأول ووفاته يوم الاثنين في ربيع الاول في آخر الضحى ودفن ليلة الأربعاء في وسط الليل كانوا يصلون عليه ولم يؤمهم أحد. (فصل) أول امرأة تزوجها خديجة قبل الوحي ثم سودة بنت زمعة ثم عائشة بنت الصديق، ثم زينب بنت خزيمة الهلالية ثم أم سلمة بنت أبي أمية ثم جويرية بنت الحارث الخزاعية، ثم ميمونة بنت الحارث، ثم صفية بنت حييّ، ثم زينب بنت جحش، ثم حفصة بنت عمر، ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان، ثم العامرية بنت ظبيان، طلقها حين دخل بها، ثم الكلابية فاطمة بنت الضحاك، ثم الكندية فهنّ أربع عشرة نسمة. (فصل) وتوفي النبي صلّى الله عليه وسلم عن تسع نسوة عائشة وحفصة وزينب وجويرية وأم حبيبة وسودة وأم سلمة وصفية وميمونة. (فصل) أولاده من خديجة القاسم أكبر
(1/47)

ولده ثم زينب ثم ابنه عبد الله الطاهر ولد في الاسلام فسمي طاهرا ثم ابنته أم كلثوم، ثم ابنته فاطمة، ثم ابنته رقية.
زوّج فاطمة من عليّ ورقية من عثمان رضي الله عنهما فماتت فزوّجه أم كلثوم رضي الله عنها وزوّج زينب من أبي العاص ابن الربيع في الجاهلية فلما نزل الوحي ثبت على كفره فاسترد النبي صلّى الله عليه وسلم ابنته منه على كره ثم أسلم بعد ست سنين فردها عليه ومات جميع أولاد النبي صلّى الله عليه وسلم قبله إلا فاطمة فإنها عاشت بعده ستة أشهر رضي الله عنها.
(الباب السابع في أخلاق النبي صلّى الله عليه وسلم)
سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلّى الله عليه وسلم فقالت خلقه القرآن يخزن لسانه إلا فيما يعنيه ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ولا ينفرهم ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس ويحسن الحسن ويقويه ويقبح القبيح ويوهيه ويحذر الناس ولا يقصر عن الحق ولا يتجاوز ولا يجلس ولا يقوم الا عن ذكر الله ويجلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه ولا يحسب أحد من جلسائه أن احدا أكرم عليه منه ومن جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف ومن سأله حاجة لم ينصرف الا بها أو بميسور من القول مجلسه مجلس علم وحياء
(1/48)

وصدق وأمانة لا ترفع فيه الأصوات ولا تنتهك فيه الحرمات وكان دائم البشر في جلسائه سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب بالاسواق ولا فحاش ولا عياب لا يذم أحدا ولا يطلب عوراته اذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير واذا سكت تكلموا.
يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون. وكان لا يغضبه شيء وكان أبر الناس وأكرم الناس ضحاكا بساما قال أنس ان امرأة كان في عقلها شيء قالت يا رسول الله ان لي إليك حاجة قال يا أم فلان خذي في أي طريق شئت قومي فيه حتى أقوم معك فخلا معها رسول الله صلّى الله عليه وسلم يناجيها حتى قضت حاجتها وقال أنس خدمت رسول الله صلّى الله عليه وسلم فما سبني قط ولا ضربني ضربة قط ولا انتهرني ولا عبس في وجهي ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه فعاتبني عليه فان عاتبني أحد من أهله قال دعوه فلو قدر شيء كان وقال أنس أيضا رضي الله عنه أدرك اعرابي النبي صلّى الله عليه وسلم فأخذ بردائه فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت الى صفحة عنق النبي صلّى الله عليه وسلم وقد أثرت فيه حاشية الرداء من جذبته ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت النبي صلّى الله عليه وسلم وضحك وأمر له بعطاء فلو أن أزهد الناس قال لشحنة بلدة أو واليها اتق الله لأمر بضرب عنقه وكان أشد حياء من
(1/49)

العذراء في خدرها وأتى بقليل من ذهب فقسمه بين أصحابه فقام بدوي وقال يا محمد ان الله أمرك أن تعدل فما عدلت فقال ويحك من يعدل عليك بعدي فلما ولى قال ردوه رويدا عليّ وكان في بعض الغزوات فجاء رجل حتى قام على رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالسيف وقال من يمنعك مني قال الله فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقال من يمنعك مني قال كن خير أحد قدر قال أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال لا غير أني لا أقاتلك ولا أكون معك ولا مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله فجاء الى أصحابه فقال جئتكم من عند خير الناس وقسم يوما قسما فقال أنصاري ان هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فاحمر وجه النبي صلّى الله عليه وسلم وقال رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر وعن أنس أن رجلا أتى النبي صلّى الله عليه وسلم فسأل فأعطاه غنما بين جبلين فأتى قومه فقال اسلموا فان محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر وقدم على النبي صلّى الله عليه وسلم سبعون ألف درهم وهو أكثر مال ما أتى به أحد قط فوضع على حصير ثم قام اليها يقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منها وقال لمعاذ حين بعثه الى اليمن يا معاذ اذا كان الشتاء فغلس بالفجر وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم واذا كان الصيف فأسفر بالفجر فان الليل قصير والناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوا وأعطى اعرابيا
(1/50)

شيئا فقال أحسنت إليك قال لا ولا أجملت فغضب المسلمون وهموا به فقال صلّى الله عليه وسلم كفوا عنه فأعطاه حتى رضي.
(الباب الثامن في كتب النبي صلّى الله عليه وسلم التي أرسلها الى الملوك يدعوهم الى الاسلام)
فأول كتابه الى قيصر الروم رسوله دحية الكلبي. بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى هرقل عظيم الروم.
سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الاسلام اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فان توليت فان عليك إثم الاريسيين يعني المزارعين ويا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. فلما افتض كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال يا معشر الروم إني لأظن هذا الذي بشر به عيسى ولو أعلم أنه هو لمشيت إليه حتى أخدمه بنفسي لا يسقط ضوؤه إلا على يدي قالوا ما كان الله ليجعل ذلك في الاعراب الأميّين ويدعنا نحن أهل الكتاب فقال بيني وبينكم الانجيل نفتحه فإن كان هو إياه آمنا به وعلى الانجيل يومئذ اثنا عشر خاتما من ذهب وكل ملك قد أخبر قومه انه يوم يفتحونه يذهب دينهم ويهلك ملكهم فلما أخذ أحد عشر خاتما وبقي واحد قامت البطارقة فشقوا ثيابهم
(1/51)

ونتفوا رؤوسهم وقالوا اليوم يهلك ملكنا ويتغير دينك قال فأسلم فسبوه وصاحوا فقال يا معشر الروم كنت أريد أن أختبر صلابتكم في دينكم فخروا له سجدا فلعن الله أئمة السوء والبطارقة أئمة الكفر لقد ضلوا وأضلوا وأعطى رسوله مائة مثقال من الذهب. (كتاب آخر) الى كسرى فارس رسوله عبد الله بن حذافة من الحديبية. بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله الى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين اسلم تسلم فان أبيت فعليك إثم المجوس فقرأه ومزقه فلما بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال لرسول كسرى ابلغ صاحبك ان ربي قتل ربه هذه الليلة لتسع ساعات مضت منها وهي ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الاولى سنة سبع وان الله مسلط عليه ابنه شيرويه فقتله وأخبره أن ديني سيظهر على ما ظهر عليه. فمضى الرسول الى باذان وأخبره بما قال وقال ما خفت شيئا قط خوفي إياه قال باذان ويلك له حراس وشرط وسيوف، قال لا ولكنه يمشي في الأسواق وحده. فجاء رسول كسرى وقال اني قتلت كسرى غضبا فأسلم باذان. (كتاب آخر) الى منذر بن ساوى العبدي رسوله
(1/52)

العلاء بن الحضرمي. بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى المنذر بن ساوى سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أما بعد فإني أذكرك الله عز وجل فانه من صلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين ومن أبى فعليه الجزية. (كتاب آخر) الى الحارث بن أبي شمر الغساني بغوطة دمشق. بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى الحارث بن أبي شمر الغساني سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق الله وإني أدعوك الى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك وختم الكتاب فقرأه ورمى به وقال من ينزع مني ملكي أنا سائر اليه لو كان باليمن جئته عليّ بالناس فلم يزل جالسا يعرض عليه حتى الليل وأمر بالخيول أن تنعل ثم قال أخبر صاحبك بما ترى ومات الحرث عام الفتح ووليه جبلة بن الأيهم آخر ملوك غسان فأدركه عمر بالجابية فأسلم ووطىء رجل من مزينة إزار جبلة فانحل فلطم عينه ففقأها فجاء به الى عمر فقال خذ لي بخفي فقال عمر الطم عينه فقال جبلة عيني وعينه سواء قال نعم قال لا أقيم أبدا بهذه الأرض فلحق بعمورية مرتدا ثم ندم على ذلك وله أبيات في ندامته فمات بها. (كتاب آخر) الى فروة الجذامي عامل قيصر على عمان
(1/53)

فأسلم هو وكتب الى النبي صلّى الله عليه وسلم لمحمد رسول الله اني مقر بالاسلام مصدق به أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنت الذي بشر بك عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام وبعث بغلة بيضاء وحماره يعفور وأثواب سندس فلما قرأ النبي صلّى الله عليه وسلم كتابه أمر بلالا أن يكرم رسوله فلما أراد الخروج كتب من محمد رسول الله الى فروة بن عمرو سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فانه قدم علينا رسولك بكتابك وبلغ ما أرسلت به وأخبر عما قلت وأنبأنا باسلامك وان الله قد هداك بهداه ان أصلحت وأطعت الله ورسوله وأقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأعطى رسوله خمسمائة درهم وأعطى البغلة للصديق رضي الله عنه وبلغ قيصر إسلام فروة فحبسه في السجن وقال ارجع الى دينك قال لا أفارق دين محمد صلّى الله عليه وسلم ومات مصلوبا في السجن رحمة الله عليه. (كتاب آخر) الى المقوقس صاحب الاسكندرية رسوله حاطب بن أبي بلتعة بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى المقوقس عظيم القبط سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الاسلام اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فان توليت فان عليك إثم القبط ويا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا
(1/54)

أربابا من دون الله وختم الكتاب فأخذ الكتاب وجعله في حق عاج ودعا كاتبه وكتب لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام عليك واني قرأت كتابك وما تدعو اليه وقد علمت أن نبيا قد بقي وقد كنت أظن أنه يخرج بالشأم وقد أكرمت رسولك وبعثت اليك بجارينين لهما مكان في القبط عظيم وبكسوة وقد أهديت اليك بغلة لتركبها والسلام ولم يسلم والبغلة دلدل ولم يكن في العرب مثلها فبقيت الى زمن معاوية رضي الله عنه ومارية وأختها سيرين وعرض عليها النبي صلّى الله عليه وسلم الاسلام وكانت مارية جميلة فوطئها رسول الله صلّى الله عليه وسلم وسيرين وهبها لحسان بن ثابت رضي الله عنه والدلدل لعليّ رضي الله عنه وقال لحاطب هذا رسول الله والقبط لا يطاوعونني وأنا أضن لملكي أن أفارقه وسيظهر على البلاد ويطأ موضع قدمي هذا قال فأخبرت النبي صلّى الله عليه وسلم فقال ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه ومات في ولاية عمرو ابن العاص بمصر فدفن في كنيسته.
(الباب التاسع في خصائص النبي صلّى الله عليه وسلم)
ولما خص الله سبحانه وتعالى نبيه بوحيه وأبان بينه وبين خلقه خفف أشياء شددها على غيره كرامة وتعظيما وشدد عليه أشياء خففها على غيره زيادة في درجاته فالذي شدد
(1/55)

عليه وأباح لغيره سبعة وعشرين شيئا أوجب عليه أن يخير نساءه وأوجب عليه صلاة الليل وحرم عليه صدقة الفريضة وصدقة التطوع وحرم عليه خائنة الأعين واذا لبس لأمته لم يكن له أن ينزعها حتى يلقى العدو وأوجب عليه النكير على المنكر وليس له أن يكتب ولا يتعلم شعرا وقال لئن أشركت ليحبطن عملك وليس كذلك غيره حتى يموت وكان عليه قضاء دين من مات من المسلمين وكلف وحده من العلم ما كلف العالم بأجمعهم وقال أما أنا فلا آكل متكئا وأمرت بالسواك حتى خفت أن يفرض على أمتي ولا يأكل البصل والثوم والكراث وقال لولا ان الملك يأتيني لأكلته وكان مطالبا بربه ومشاهدة الحق مع معاشرة الناس وكان يغان على قلبه فيستغفر الله تعالى سبعين مرة وكان يؤخذ عن الدنيا عند تلقي الروح وهو مطالب بأحكامها ولا يصلي على من عليه دين ثم نسخ ولا يجوز له أن يبدل من أزواجه أحدا ثم نسخ وأبيح له سبعة وثلاثون حرام على غيره أبيح له من النساء أكثر من أربع والموهوبة والنكاح بلا ولي ولا شاهدين وأبيح له بتزويج الله وجاز له أن يعقد بغير استئمار ولي وجعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأباح له النكاح في الاحرام وتزوج صفية وجعل عتقها صداقها وأباح له الفيء وأربعة أخماس الفيء وخمس خمس الغنيمة والحمى له خاص
(1/56)

ودخول الحرم بغير احرام والقتل في الحرم قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة والقتل بعد اعطاء الأمان واستباح قتل من سبه أو هجاه امرأة كانت أو رجلا وجعل سبه للمسلمين رحمة فهو له مباح والوصال مباح له وكان ينام ولا ينتقض وضوؤه وصلاة التطوع قاعدا كصلاته قائما وإليه تنسب أولاد بناته والأنساب كلها منقطعة يوم القيامة إلا نسبه وأبيح له أن يدعو المصلي فيجيبه وان كان في الصلاة وماله بعد موته قائم على نفقته وملكه ودخول المسجد جنبا وأبيح له الحكم لنفسه وقبول شهادة من شهد له والحكم لولده وشربت أم أيمن بوله فلم ينكر عليها وقال اذا لا ينجع بطنك وشرب ابن الزبير دمه فلم ينكر عليه وقسم شعره بين أصحابه فكانوا يصلون فيه كل ذلك خاص به صلّى الله عليه وسلم.
(الباب العاشر في حلية النبي صلّى الله عليه وسلم)
كان ينسب الى الربعة اذا مشى وحده واذا مشى مع قوم يطول عليهم بالرأس وكان أزهر اللون لم يكن بالآدم ولا بالشديد البياض وقيل انه مشرب بحمرة ما وصفه أحد إلا قال هو كالقمر الطالع والبدر الزاهر لم يكن شعره بالجعد ولا بالسبط وكان بين ذلك وكان أزج الحاجبين عيناه نجلاوان أدعجهما وكان أقنى العرنين مفلج الأسنان سهل
(1/57)

الخدين ليس بطويل الوجه ولا المكلثم كث اللحية يعفو لحيته ويأخذ شاربه عريض الصدر عظيم المنكبين أشعرهما معتدل الخلق كفه ألين من الخز كأن كفه كف عطار يصافح المصافح فيظل اليوم يجد ريحها (فصل) ما بين كتفيه من الجانب الأيمن شامة سوداء تضرب الى الصفرة حولها شعرات متواليات كأنها في عرف فرس وقيل خاتم النبوة مثل بيضة الدّيك مكتوب عليه لا إله الا الله توجه حيث شئت فأنت منصور. قال النبي صلّى الله عليه وسلم لي عند ربي عشرة أسماء أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي، وأنا الحاشر يحشر الله العباد على قدمي، وأنا رسول الرحمة ورسول التوبة ورسول الملاحم والمقفى قفيت الناس جميعا، وأنا قثم وهو الكامل الجامع صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
(الباب الحادي عشر في بيان انه رسول صادق وأن رسالته لم تزل)
ومن علم أن النبوة راجعة الى حكم الله للنبي بأنه نبي وحكمه خبر وخبره قديم علم أن الأنبياء الآن أنبياء في حكمه لأن خبره وقوله لا يجوز عليه العدم والمؤمن اذا مات لا يزول حكم ايمانه فكيف يزول عن النبي المؤيد بالمعجزات
(1/58)

والعالم اذا نام ففي حال نومه لا يحفظ العلم ولا يتذكره وهو عالم فكيف النبي وقد ورد القرآن بأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فكيف الأنبياء وقد شنع المعتزلة الفجرة على أهل السنة بهذه المسألة انكم تقولون إن النبي ليس نبيا في قبره وحاشا لأهل السنة من هذا الاعتقاد. قاتل الله المعتزلة أنى يؤفكون بل الذي قاله أهل السنة إن النبي صلّى الله عليه وسلم رسول على رسالته نبي على نبوّته صادق في رسالته عالم بأمر أمته، مستبشر بطاعاتهم، مستغفر لزلاتهم، وقد قال صلّى الله عليه وسلم تعرض عليّ أعمالكم كل ليلة اثنين وخميس مرة فان كان خيرا حمدت الله تعالى على ذلك وان كان معصية استغفرت الله لكم.
كتاب شرح السنة
وفيه تسعة أبواب
(الباب الأول في مناظرة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين)
اعلم أن السنة في اللغة الطريقة المسلوكة وفي الشرع حقيقة السنة ما واظب النبي على فعله وحث على العمل به ودعا اليه واسم السني يقع على طائفة تعتقد توحيد الله سبحانه وتعالى وصفاته الأزلية وتنزه الله تعالى عن الشبيه وتعتقد أن لا خالق الا الله وان العبد يكتسب الأفعال وكل ما يجري في العالم من خير وشر وضر ونفع وكفر وايمان
(1/59)

صلاح وطغيان بإرادة الله تعالى وقضائه وما جاء به الأخبار من أمور الآخرة من الصراط والميزان والحوض والشفاعة حق وخير الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أبو بكر وهو الامام الحق والصحابة كانوا خير الأمة والامام الحق بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي والقيامة حق وتفسير القيامة ان الله يبعث من في القبور من المؤمنين والكافرين ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. فالسني أن يكون متابعا للكتاب والسنة متبعا للرسول، والمبتدع كل من يعتقد شيئا يخالف الكتاب والسنة ولا يتبع الرسول في أقواله وأفعاله ويحدث قولا أو فعلا مخالفا للرسول صلّى الله عليه وسلم فاذا لا أثبت هذه القاعدة فالقدرية ليسوا من أهل السنة لاعتقادهم أنهم خالقو أفعالهم وينفون رؤية الله سبحانه ويعتقدون أن القرآن مخلوق.
والمشبهة ليسوا من أهل السنة لاعتقادهم أن الله جسم ذو جوارح يغدو ويروح ويعرج فمذهبهم مذهب إخوانهم النصارى في الناسوت واللاهوت. والكرامية ليسوا من أهل السنة لاعتقادهم جواز الحدوث بذات الله تعالى. والروافض ليسوا من أهل السنة لاعتقادهم أن الصحابة وحاشاهم كفروا. والخوارج ليسوا من أهل السنة لاعتقادهم أن المؤمن إذا شرب الخمر أو زنى أو سرق يكون كافرا. فمن اعتقد
(1/60)

هذا فهو المبتدع حقا والبدعة كل قول وفعل يخالف الكتاب والسنة والسلف الصالح. فهؤلاء كلهم مبتدعة لما ثبت أنهم أحدثوا قولا يخالف الكتاب والسنة والسلف بقول أو فعل.
(الباب الثاني في فرض العين)
فلتعلم يا علم الرؤساء صاحب العزة القعساء، والدولة الشماء، والمكارم، أدام الله لك العز والمكارم. ان الفرائض الواجبة على العباد على قسمين، منها ما هو فرض عين وتفسير فرض العين، أن يجب على كل آدمي خاص وعام أمير ووزير، وحر، وعبد، وشيخ، وشاب مسلم، وكافر.
فعلى مذهب أهل السنة الكفار مخاطبون بالشرائع فرضا واجبا على العامة والخاصة ولجميع الناس كافة ففرض العين ما يجب على كل مكلف ولا يسقط بفعل بعض الناس عن بعض وذلك كمعرفة الله تعالى انه واحد لا شريك له وأنه صانع لا شبيه وأنه حي قادر مريد وله بعثة الأنبياء وأنه بعث رسوله محمدا صلّى الله عليه وسلم الى الناس كافة فطاعته فريضة وشريعته مؤيدة وأنه نبي في قبره رسول في روضته، ما بطلت رسالته ولا تراخت نبوته فمعرفة فرض العين أركان الشريعة من الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة وشرائط المعاملات ان كان تاجرا وأحكام النكاح ان كان متأهلا وأحكام الوزارة والامارة ان كان أميرا. فيجب على
(1/61)

كل واحد أن يعلم أن فرض عينه في اليوم والليلة سبع عشرة ركعة من الصلاة وأركانها كذا وكذا ويعرف عددها وشرائطها وكذا كيفية الزكاة ومقاديرها كم يجب وفي أي مال تجب فيه ومتى وجب والى من يجب دفعه. وكذا الصيام في شهر رمضان كم أركانه وما يصححه وأي شيء يبطله ومعرفة أركان المناسك والحج فرض عين ويجب على الأمير والرئيس أن يعرف حقوق الرعية وشرط السياسة اللطف في موضعه وكيفية استيفاء الحقوق ونصرة المظلوم والجري على منهاج السياسة والسوقي يجب عليه أن يعرف الأشياء التي يحرم بيعها والشروط الفاسدة الى غير ذلك وكل من يتولى أمرا يجب عليه فرض عين أن يحصل لنفسه علم ذلك الشيء من الحلال والحرام الذي لا يسعه جهله ومن تركها وغفل عنها فلا يعذر في القيامة ويسأل عنه حرفا حرفا ويجازى عليه ألفا ألفا.
(الباب الثالث في تفسير فرض الكفاية)
وهو يجب على كل الخليقة الا أنه اذا قام به البعض سقط عن الباقين دفعا للحرج كرما ولطفا من الشارع مثال ذلك الجهاد والأمر بالمعروف وتجهيز الموتى وتكفينهم والفتوى والقضاء والامامة وعمارة المساجد والأذان وجواب
(1/62)

السلام واشباع الجائع الى غير ذلك. كل هذا فرض على الكفاية اذا قام به بعض سقط عن الباقين وان تركوه بأجمعهم أثموا جميعا فيجب على الامام أن يبعث كل سنة سرية الى الكفار ويجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بيده فان لم يقدر فبلسانه فان لم يقدر فبقلبه واذا مات واحد لا كفن له كفنوه وان دخل فقير بلدة ولا طعام له فيجب على جميع المسلمين القيام بمؤنته فان قام به بعض سقط عن الباقين والا عمهم الحرج والاثم.
(الباب الرابع في شعار أصحاب الحديث)
اعلم أن الطاعة علم السعادة والمعصية علم الخذلان فمن شعار أصحاب الحديث أنهم لا يكفرون واحدا من أهل القبلة بالذنوب، ومن خرج من الدنيا من غير توبة لا يحكمون عليه بالنار، ولا يجوزون الخروج على السلطان، ولا يكفرون بعضهم وكل دار غلب الظلم والجور عليها وصار ظاهرا على العدل والمعصية على الطاعة لا يقولون انها دار كفر ومن شعارهم تقديم أبي بكر وعمر على سائر الصحابة ويقدمون السنة على القياس ولهذا سموا أصحاب الحديث ويقدمون الشافعي المطلبي على أبي حنيفة النعمان لأن الشافعي قدم الحديث على الرأي والشافعي قرشي يصلح
(1/63)

للخلافة ولم يصلح لها أبو حنيفة والشافعي ابن عم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقد قال تعالى قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
والشافعي أحسن مساقا وأحسن حالا وأقوم قيلا وأسلم منه فقها ومذهبا اذ لم يتناقض مذهبه كما تناقض مذهب الخصم وهو أحمد الناس فعلا وأكثرهم ثناء عند السلف وأعلم الناس بالعربية وطريق اللغة فجاء من هذه القاعدة ان الطاعات علم اذا تقبلها الله أثاب عليها عشرة أمثالها الى سبعين وسبعمائة فكل سلطان وملك ورئيس يتمسك بالدين ويسعى في الخيرات ويجتهد في الصالحات فأبشر له ثم أبشر فالطاعة ليست بعلة للثواب ولا المعصية علة للعقاب بل علامة. فمن كان مطيعا لله مستسلما لقضائه فذلك علامة سعادته ومن كان خليع العذار مسخطا لقضائه فذلك علامة خذلانه والموافاة شرط في ذلك فلو كانت الطاعة علة لكان آدم بالعتاب أولى والسر في هذا أن الفاعل الحقيقي هو الله لكن الأسباب والوسائط مشكورة في وقت ومذمومة في وقت فخلق أقواما مفاتيح للخير ومغاليق للشر، وأقواما بالعكس. طوبى لمن جرب الأمور وأجرى الله الخير على يديه والويل لمن أجرى الشر على يديه فقد سال به السيل لأمه الويل ولا تجوز الشهادة بالجنة ولا بالنار لأحد من الكفار، وأيضا من هؤلاء لأن الموافاة شرط فربما سلب إيمان المؤمن.
(1/64)

ويرزق الكافر الايمان لدى الموت، اللهم الا في حق العشرة المشهود لهم بالجنة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح. فمن حلف بالطلاق انهم في الجنة قطعا فقد برّ في يمينه. أما من سواهم فانا نعرف الظاهر دون الباطن ونعرف الحال دون المآل. ومن مات على الايمان والتوبة فيجوز القطع أنه من أهل الجنة ومن مات على الكفر فيقطع أنه من أهل النار خالدا مخلدا. (فصل) ويجوز للمؤمن أن يقول أنا مؤمن حقا في الحال اذ لا شك له في إيمانه في الحال. وأما في الخاتمة فلا يقول أنا مؤمن وسأموت على الايمان حقا فان العاقبة مخفية ومن مات من أصحاب الكبائر فلا يقطع عليه بالجنة والنار بل أمره في مشيئة الله، والله رؤوف بالعباد هذا مذهب أهل السنة ونعم المذهب وقالت الخوارج من كذب أو فجر أو شرب أو زنى أو سرق أو قذف فقد كفر فيكفرون العبد بالذنب وقالت المعتزلة صاحب الكبيرة يخرج من الايمان ولا يدخل في الكفر يكون في منزلة بين المنزلتين. فان مات قبل التوبة يكون في النار أبدا مع فرعون وهامان وأهل السنة بريئون من هذا المذهب فان الوعد المطلق للمؤمن والوعيد المطلق للكافر. فخذها جواهر منظمة خير لك من خزائن السلطان وفوائد الزمان
(1/65)

وبالله المستعان.
(الباب الخامس في الفرقة الناجية)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها فرقة (اعلم) أن الناجي من هذه الأمة أهل السنة والجماعة وذلك بفتوى النبي صلّى الله عليه وسلم لما سئل من الناجي قال ما أنا عليه وأصحابي وكان على السنة والجماعة دون البدعة والمخالفة والدليل على أن الناجي أهل السنة دون القدرية والمشبهة والروافض، أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال ما أنا عليه لأنه كان يعتقد ويدعو الناس الى أنه لا خالق إلا الله ولا ضار ولا نافع الا هو وما تحرك في العالم بقضائه وقدره والقرآن كلام الله والرؤية حق، وأبو بكر خير الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، والصراط والميزان والحساب والشفاعة حق، وهذا كله اعتقاد أهل السنة دون المبتدعة فإنهم ينكرون ثلثي الشريعة فكيف يكونون ناجين والدليل على أن الناجي أهل السنة سبعة أمور، الأول انه لما سئل عن الفرقة الناجية فقال الجماعة وهي صفة مختصة بأهل السنة لأن الخوارج لا يرون الجماعة والروافض لا يرون الجماعة والمعتزلة لا يرون حجة الاجماع. فكيف يكون بهم هذه الصفة. الثاني ان أهل السنة يستعملون كتاب الله وسنة رسوله واجماع الأمة والقياس ويحتجون بجميعها وما من فريق من
(1/66)

فرق مخالفيهم، الا ويرون شيئا في هذه الأدلة فبان أنهم أهل النجاة. الثالث أنهم لا يكفر بعضهم بعضا فهم اذن أهل الجماعة قائمون بالحق وما من فريق الا ويكفر بعضهم بعضا من المعتزلة، والنجارية، والروافض، والكرامية. الرابع أن فتاوى الأمة تدور على أهل السنة والجماعة وبقي أهل الرأي والحديث ومعظم الأمة ينتحلون مذهبهم فاداهم أهل النجاة. الخامس أنّ عبد الله بن عمر يروي عن النبي صلّى الله عليه وسلم في قول الله يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ان الذين تبيض وجوههم أهل الجماعة والذين تسود وجوههم أهل الأهواء وأهل الأهواء الذين لا يتابعون الكتاب ولا السنة.
السادس، أن الله تعالى قال إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ
فبين أنهم ليسوا على طريق الحق وجميع فرق المخالفين يفرقون فيما بينهم فبان انهم مفارقون الدين وأهل السنة مستمسكون باليمين والحبل المتين ذلك هو الفضل المبين. السابع أن مذهب أهل السنة والجماعة لا غلو ولا قصور، بل هو مذهب بين المذهبين، لا جبر ولا تفويض، لا يعطلون الصفات فيكونون كالمعتزلة، ولا يثبتون الجوارح فيكونون كالمشبهة، ولا يغالون في عداوة الصحابة فيكونون كالروافض، ولا يقصرون في محبة عثمان وعلي فيكونون كالخوارج بل توسطوا في الأمور فأخذوا بالأحسن فالأحسن
(1/67)

وخير الأمور أوسطها.
(الباب السادس في مجانبة أهل البدع وبغضهم ومودة أهل السنة)
فلتكن مجالستك ومخالطتك مع أهل السنة وعليك بالاستقامة في طريق السنة. فإن وجدت شيئا فحافظ صديقك ولو في الحريق، وان بليت بمبتدع فقل بيني وبينك بعد المشرقين. أغربال اذا استودعت سرا. وكانون على المتكلمين. احفظ لسانك عن الكذب وغيبة الناس وخلقك عن الحرام والشبهة ودينك ومذهبك عن السوء والبدعة ولا تجالس المبتدعين ولا تواصلهم ولا تصاحبهم ولا تغتر بعبادتهم فان عبادة المبتدعة كتكبير الحارسين لا ثواب له فان الله عز وجل يسأل عن الدين وعن العمل واذا خلص الاعتقاد ففيه الاعتماد والدين الخالص أن تنظر فيما أمرك الله فتأخذ به وما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه مثل الخلفاء الراشدين فتحفظ هديهم وتلزم سمتهم ولا تجالس أحدا يفسد عليك دينك لأن لكلام المبتدعة حلاوة وطعما في الحلق فان قيل لك من أنت؟ فقل أنا عبد من عباد الله فان قيل من ربك فقل ربي خالق السموات والأرض والجن والأنس، ورازقهم ومحييهم فان قيل كيف تعرفونه فقل بلا كيف ولا كيفية فالجماعة
(1/68)

رحمة والفرقة عذاب وإياك إياك أن تحترم صاحب بدعة فانما أعان على هدم الاسلام ومن انتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنا وايمانا ومن احترم صاحب بدعة يقبح اسمه وذكره ويكون على خطر الهلاك.
(الباب السابع في تعظيم المصحف واحترامه)
من شعار أهل السنة تعظيم المصحف فان القرآن مكتوب فيه حقيقة ومن قال ان ما بين الدفتين من القرآن ليس بقرآن فقد كفر ومن استخف به كفر. ومن حلف به مستحلا فقد كفر. ومن مسه جنبا أو محدثا فقد أثم. ومن عظمه فقد عظم الله، ومن أهانه فقد أهان الله ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ومن زعم أن في المصحف زاجا وسوادا ليس إلا فكافر لأنه يخالف الاجماع المقطوع به ومن قال ان معجزة النبي صلّى الله عليه وسلم ليست فيما بين الخلق فكافر ومن حلف بما في المصحف يقع طلاقه وان حلف بالمصحف فلا يقع طلاقه ولو أن يهوديا كتب مصحفا يجب تعظيمه واحترامه وكان من جملة التابعين رجل يصبح كل يوم ويأخذ المصحف ويقبله ويقول كلام ربي ولا يجوز بيع المصحف من كافر، ولا يجوز دفعه الى دار الحرب ويكره أن يصغر حجمه، ويكره جدا أن يفرط في سطوره
(1/69)

وحواشيه ولا يجوز تصغيره فيقال مصيحف ومسيجد ولا فتيوي وان ابتلي في برية لا ماء معه ولا تراب وأصابه جنابة ومعه مصحف الصحيح انه لا يفارقه عن نفسه بل يضرب يديه على ثيابه وينوي التيمم ويستصحب المصحف حتى يبلغ الى الطهور والنظر في المصحف عبادة وفي الخبر من داوم النظر في المصحف فقد أمن من العمى في حياته. وروي أن رجلا كتب مصحفا فجوّد بسم الله الرحمن الرحيم فغفر الله له بذلك. وفي الخبر أن النبي صلّى الله عليه وسلم رمدت عيناه فسأل جبريل عن ذلك فقال أدم النظر في المصحف.
(الباب الثامن في حكم عوام المؤمنين)
اعلم أن مذهب السنة والجماعة، ان العوام مؤمنون لأنهم يعرفون الله سبحانه بدليل. إلا أنهم يعجزون عن تعبير الأدلة وسردها ولهذا اذا رأوا روضة أو نزهة يعجبون ويتفكرون ويقولون سبحان الله والحمد لله علما منهم بأنه فعل الله. فان قيل كيف يكون لهم علم واذا شكوا فإنه من قبل الطبع والعناصر، قلنا من يرسخ اعتقاده في التوحيد لا يتشكك أصلا ثم المعنى في هذا معقول وهو أنا لو كلفناهم معرفة أحكام الجواهر والأعراض لتعطلت المعايش واختلت أمور الدنيا وفي اختلال أمر الدنيا اختلال أمر
(1/70)

الدين فان الدنيا مزرعة الآخرة فلو استقدروا أعمارهم فيها لما حصلوا على عشر عشير منها مع ملابسة أمور الدنيا فلكل عمل رجال والقاطع للشغب في هذه المسألة ان النبي صلّى الله عليه وسلم يأتيه اجلاف الأعراب وأغمار الناس من الرعاة، وأهل البادية، فيسلمون على يديه. وكان يكتفي منهم باعتقاد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولم يكلف أحدا منهم معرفة الجواهر والأعراض. فلو كان شرطا واجبا عليهم لأمرهم بذلك فان هذا مقام في الدين عظيم لا يسع جهله.
والمعتزلة حيث يشترطون معرفة الجواهر والأعراض فيحكمون بتكفير عوامهم ولا يوجد عامي مسلم في ديارهم في عسكر مكرم وخوارزم وسائر بلاد المعتزلة، ونعوذ بالله تعالى من هذا الاعتقاد.
(الباب التاسع في ذكر كرامات الأولياء)
اعلم أن كرامات الأولياء حق وأصحاب الحديث مخصوصون بهذا دون غيرهم. والدليل عليه كلام عيسى صلوات الله عليه في المهد كرامة لأمه لأنها لم تكن نبية وان اشتبه على بعض الفضلاء أن مريم كانت نبية يدل عليه أنه لا خلاف بين المسلمين في أن الله تعالى لو فعل مع وليه في الآخرة هذه الكرامات كان جائزا فكذا في الدنيا ووجب
(1/71)

أن يصح ثم العجب ممن لا يجوز الكرامات على الأولياء والكرامة نعمة من الله وقد علمنا أنه فعل مع وليه أكثر من هذا وهو نعمة الاسلام والطاعة وهذا أعلى منزلة في العقل من الكرامة. فان قالوا ما الفرق بينها وبين المعجزة؟
الجواب اختلف أهل السنة فيها. فمنهم من قال لا فرق بينهما الا في شيء واحد وهو أن الرسول يدعي ذلك فتظهر عند دعواه مقترنة بها بل الاعجاز فيها والدعوى بغيرها خطأ ومعصية. (فرق أول) النبي مأمون العاقبة من سلب الايمان والاسلام والولي ليس بمأمون. (فرق آخر) لا يجوز أن تكون الكرامة معتادة أبدا. (فرق آخر) وهو الصحيح وذلك ان الكرامة تختص بحال الولي من نفعه وضرره وما يحتاج إليه ولا يؤدي الى فساد في الخلق والمعجزة يجب أن تكون غير معتادة وعلى غاية ما يجوز أن يكون ظاهرا مكشوفا مقترنا بالدعوى ولا تؤدي الى فتنة.
كتاب الغرائب
وفيه عشرة أبواب
(الباب الأول في ماهية الروح)
اعلم يا علم الرؤساء وصدر الوزراء حقيقة لا مجازا ان هذه المسألة من مجازات العقول ضل فيها علماء ولا يعرفها الا محقق عالم ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم والناس قد تكلموا
(1/72)

فيها زهاء خمسمائة قول وشرح ذلك يقتضي كتابا طويلا فنقدم على ذلك سؤالا وجوابا. أما السؤال قالوا قال الله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
فلو كانت الروح معلومة للخلق ما قال الله ذلك وما كان لهذا الكلام معنى. قلنا أجمع العلماء من أصحاب الملل والاعتقادات ان المخلوقات على نوعين لا ثالث لهما، جواهر واعراض. فالروح اما أن تكون من قبل الجواهر أو الأعراض لأنه يستحيل أن يرد الشرع بخلاف ما اقتضاه العقل فقوله وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
أي ما أوتيتم من العلم الذي نص عليه الا قليلا من كثير بحسب ما تحتاجون اليه فالروح من المنزل النص عليه لأنه أراد أن يعرفوا ذلك بالاعتبار ويتوصلوا اليه بالدلائل والاستبصار وهذا بخلاف سؤالهم عن الطاعة لأنه لا طريق للعقل الى معرفة ذلك الا من طريق الأخبار هذا وجه التحقيق. (جواب آخر) ان ابن عباس ترجمان القرآن قال الروح ملك عظيم على بني آدم. وقال قتادة الروح جبريل وقال علي الروح ملك له سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله بكل لسان وهو حافظ على الملائكة كما ان الملائكة حفاظ على الخلق فان كان معنى الروح هذا فكفى الله المؤمنين القتال وان كان غيره فقد اختلفوا فقال قائل نعم في الجملة ان الروح موجودة
(1/73)

عمارة البدن والجسد والانفصال عن خراب القالب ويكفي ذلك القدر من العلم وهذا لعمري منهج قويم ومذهب الاستقامة. وقال جمهور المحققين ان الروح هي الحياة وان الحياة عرض يقوم بالحي. فمتى وجد فيه يكون حيا واذا عدم فيه فقد حصل ضده وهو الموت. والدليل عليه أن المحدثات على نوعين صفة وموصف باتفاق العلماء، ومحال أن تكون الروح موصوفا جسما له لأن الجسم والجوهر لا يصيران صفة الحي وانما يكون مجاورا فالمجاور لا يكتسب صفة ولا وصفا لما جاوره ولا يوجب التغير والتبديل وكان يجب أن يكون القالب خاويا كما كان اذا جاور الحي ميتا أو جمادا فلما كان الأمر بخلافه علمت أن الروح غير جسم والدليل عليه ان الروح لو كانت جسما أو جوهرا لصح أن يكون حيا وقابلا لسائر الأعراض والجواهر. وذلك محال في صفة الروح فاذا ثبت هذا ثبت أن الروح صفة وهذا ظاهر لا إشكال فيه فان قلت بقي أشد من أشده فقد خالفت صاحبك الأشعري الألمعي وخالفت الكتاب، فإن الله تعالى يقول قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
فلو كانت الروح صفة ما صح قبضها لأن الصفة لا تقبض وكيف ترفع في حواصل طيور خضر والجواب أن نقول عرفت شيئا وغابت عنك أشياء. أما صاحبي فما خالفته فانه أحد قوليه المنصور في
(1/74)

بعض كتبه. وأما قبض ملك الموت، فمعناه ان الله تعالى جعل إليه جذب الأنفاس والهواء الذي في مجاري العروق فعنده يخلق الموت الذي يضاد الحياة. ألا ترى أن الأنفاس تتتابع عند النزع ويقع الاضطراب فيحكم فيه بالوفاة فحيث قال الله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
فمعناه يخلق الموت ويأمر به وحيث قال قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
يعني يقبض ويجذب وحيث قال الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
فمعناه يسوقون العباد الى القبض فانظر الى هذا التحقيق والتدقيق الذي يتقاطر عنه ماء التوفيق ولا تلتفت الى قول الفلاسفة الكفار واليونانية الضلال ان الروح نفس ودم وانه قديم فانه من ترهات الدسائس. فما يوجد ويعدم ويتصل وينفصل كيف يكون قديما وما يتغير ويتجدد، كيف ينعت بالقدم ولهم في ذلك خبط طويل ومذهب ثقيل أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
(الباب الثاني في حقيقة العقل)
وهي مسألة عظيم خطبها مهيب شأنها، وكثر القال والقيل فيها، وفيها أغلوطات ومعارضات من المخالفين حتى قال بعض الملحدين ان العقول متفاوتة مختلفة، وقالوا العقلاء بخاصية العقل عرفوا الأشياء والأنبياء بخاصية العقل وصلوا
(1/75)

الى المعجزات ولبسوا على العوام وقالوا نحن انما قلنا العقول متفاوتة تعظيما للأنبياء. فانه كيف يجوز أن يقال ان عقل الأنبياء مثل عقل العوام، والاساكفة والحاكة. ولولا ان العقول متفاوتة لما ورد الخبر بانقسام العقول واذا كانت متفاوتة، فاستواء الكل في التكليف يكون ظلما عظيما فإن البهيمة التي تقدر أن تحمل مائة منّ فلو حملتها مائتين يكون ظلما عظيما. ومقصودهم أن يخرجوا الناس عن دين الله فيقولون ان العقل لا يحصل به معرفة والامام المعصوم لم يخرج بعد فافعل ما شئت ويفتحون على الناس باب الاباحة. وهذه مسألة سأل بعض تلامذتنا الامام محيي الدين يحيى السلماسي فتحير فيها وما نبس بشيء فيها فأقول والحق يشهد له بالعقول يا مخاذيل عن صبوح يرفعون بنيتم قصرا وخربتم مصرا العقول نوع علم ضروري لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يوصف بالزيادة والنقصان، ولكن أنتم عميان. وعن الحجة عارون ودعواكم فيها زور وبهتان، وأكثر المحققين ما وضعوا للعقل حدا لأن الشيء انما يحد لخفائه واستتاره حتى يظهر ويتبين وأما اذا كان الشيء ظاهرا جليا منكشفا يعرفه العقلاء فلا يحتاج الى حد.
وهبني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء
(1/76)

وضعفاء الناس ومساكين الكلاب انما أتوا بالفرق من قلة الفهم بين العقل والعلم فنحن نذكر أنواع العلوم حتى ينكشف لأهل البصائر حدّ العقل فليعلم ان العلوم ثلاثة أنواع: النوع الأول علم ضروري يحصل للعاقل من غير كسب ونظر ولا يقدر على دفعه عن نفسه لا بالنفي ولا بالاثبات، وسمي ضروريا لاشتماله على نوع من الضرر كعلم الانسان بوجود نفسه وعلمه ان الاثنين أكثر من الواحد. والثاني البديهي كعلم الانسان. والثالث علم الاستدلال لا يحصل الا بالتكسب والتذكر وهو علم النظر. فاذا ثبتت هذه القاعدة فاعلم ان لعقل نوع من العلم الضروري وما ذكرناه يعرف به جواز الجائزات واستحالة المستحيلات ويعرف به وجوب واجبات العقل ان الصنع لا بد له من صانع والكتاب لا بد له من كاتب ودليل العقل يدل على المعقول لذاته وصفاته.
فكل عاقل يعلم من نفسه ان الصنع لا بد له من صانع والبناء لا بد له من بان وان الاثنين اكثر من الواحد وان شخصا واحدا لا يكون في مكانين في حالة واحدة سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا والعقل معنى واحد في الآدمي ومع وجود ذلك المعنى يقدر على النظر والاستدلال ولا يجوز أن يوصف المعنى الواحد بالزيادة والنقصان لأن العرض الواحد لا يتجزأ ولا يتبعض ووراء ذلك أوصاف أخر لا
(1/77)

تتعلق بالعقل وتشتبه على الناس مثل البلادة والكياسة والتجربة والاستعمال. فهذه لا تعقل لها بالعقل بل يرجع الى دوام التجربة لأن العقل في حصول العلم به مثل آلة والعمل بذلك الآلة هو التجربة والنظر في وجوه الدليل وهذا يتعلق بكسب الآدمي فهذه متفاوتة جدا فعرفت أن أصل العقل لا يتفاوت وأوصاف أخر يطلق عليها اسم العقل مجازا واستعارة ذلك تتفاوت ويخرج عن هذه القاعدة جميع أسئلة الخصم ان عقل الملك والرسول مستويان متماثلان وتفاوت العقول يرجع الى التجربة والاستعمال. ولذلك تأول الخبر خلق الله العقل ألف جزء يعني استعمال العقل فأحدهم يكون دراكا فطنا وآخر يكون صلدا بليدا. ففي هذا يتفاوتون قوله الأنبياء عرفوا بخاصية عقولهم معجزات (قلنا) يا ملاحدة قد بينا ان العقل لا يتفاوت وان سلمنا جدلا فلم يكن رجل منذ خمسمائة وأربعين سنة يعرف خاصية سلك المعجزة فيدعيها مع كثرة عددكم وشدة وثوبكم على ابطال الحجج فان اليونانيين يقولون النبوة طريقها الرياضة والكسب فلم يكن أحد راض نفسه وهذبها وزكاها حتى بلغ منتهاها قاتلهم الله أنى يؤفكون فحجتنا القرآن فهلموا فعارضوا القرآن يا أخابث بني الزمان ولا يقدرون على ذلك ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
(1/78)

(الباب الثالث في غرائب الفقه)
كل شيء نجس فلا يطهر الا شيئان: جلد الميتة اذا دبغ والخمر اذا صار خلا. ولا يجزىء فرض العبادة كلها بغير نية الا ثلاثة: الحج والعمرة والزكاة في مسألة واحدة اذا أخرجها الولي من غير نية له في دفعها إليه. وكل شيء ينقض الطهارة ففي الصلاة وغيرها سواء الا في شيء واحد وهو رؤية المتيمم الماء في الصلاة ولا تسقط الصلاة عن أحد بالغ الا بثلاث علل: الحيض والنفاس وزوال العقل بجنون أو مرض. كل موضع طاهر صليت فيه جاز الا في موضعين ظهر الكعبة اذا لم يكن بين يده بناء، والثاني اذا صلى داخل الكعبة الى ناحية الباب والباب مفتوح. كل من وجبت عليه الزكاة اذا كان غنيا جاز له أخذ الزكاة اذا كان فقيرا الا اثنين الهاشمي والمطلبي وكل من افتقد ماله حتى لا يصل اليه ولا ينتفع منه بحال فليس عليه الزكاة فيه الا في خلة واحدة وهي أن يدفن ماله في بيته ولا يهتدي الى موضع الدفن ولا يصل اليه فان زكاته في كل سنة. وكل كفارة وجبت في ماله كان أداؤها قبل الوجوب الا واحدة وهي كفارة المجامع في رمضان. وكل شرط في البيع يبطل البيع الا ستة أحدها خيار الثلاثة والثاني اذا باع عبدا أو أمة واشترط على المشتري أن يعتقها والثالث التبري من
(1/79)

العيوب، والرابع اذا باع مملوكا واشترط على المشتري أن يعتقه ويكون الولاء للبائع، والخامس اذا باع وشرط فيه رهنا أو حميلا، والسادس اذا باع ثمرة على شجرة أو زرعا في أرض أو عمارة دون الأرض اشترط على المشتري أن يرفعه.
كل عقود المحجور عليه وهباته باطلة الا ثلاثة: الوصايا، والتدبير، والخلع، واقراره بالمال جائز، والحوالة لا تثبت الا بثلاثة: المحيل والمحتال والمحال عليه الا في مسألة وهي الاب يكون لأحد ابنيه الصغيرين على الآخر مال فأحاله على نفسه جاز وكذلك ان أحاله على ابن صغير. وكل غاصب يرد ما غصب اذا كان موجودا الا في ثلاثة مواضع:
اذا غصب خيطا فخاط به جرح انسان أو حيوان فانه يضمن الخيط ولم ينزع، أو غصب جارية ابنه فأولدها أو غصب طعاما أو شرابا فطولب به وهو مضطر يخاف على نفسه وليس يؤخذ المغصوب منه فيضمن القيمة وكل سلطان أقطع رجلا من حماه أو حمى من كان قبله فاقطاعه جائز الا واحدا وهو حمى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فانه حمى النقيع فمتى أقطعه فعمره نقضت عمارته ويرد الحمى الى أصله وكل مال تلف في يد أمين من غير نقد فلا ضمان عليه الا في واحد وهو السلطان اذا استسلف للمساكين زكاة قبل حولها فتلف في يده ضمنه للمساكين قبله. وكلّ ما أبيح للأحرار من لذات
(1/80)

الدنيا أبيح للعبد الا التسري فانه لا يحل لهم بحال الا على مذهبه الجديد وكل من طلق امرأته بصفة لم يقع بدون الصفة الا في أربعة مواضع أحدها أن يقول لحامل أو صغيرة أو مؤيسة أنت طالق للسنة أو أنت طالق للبدعة لزمه من ساعته لأنه لا سنة في طلاقها ولا بدعة، الثاني أن يقول أنت طالق بتطليقة واحدة قبيحة حسنة أو جميلة فاحشة وقع الطلاق. والثالث أن يقول أنت طالق أمس فإنها تطلق في الوقت الذي تكلم فيه، والرابع أن يقول أنت طالق إذا رأيت هلال كذا طلقت اذا رآه غيرها، والقتل ثلاثة أنواع:
واجب ومحظور ومباح. فالواجب أربعة، قتل المرتد بعد الاستتابة، وقاطع الطريق اذا قتل ولم يتب، والمحصن اذا زنى، وتارك الصلاة بغير عذر. والمحظور قتل من لم يجب قتله، والمباح القتل قصاصا فان شاء قتل وان شاء عفا، وقطع السارق أربعة، فأول ما تقطع يده اليمنى ثم رجله اليسرى ثم يده اليسرى ثم رجله اليمنى، ثم يعذب بعد ذلك ويحبس حتى تظهر توبته ولا يجمع حدّ ومهر على أحد إلا في مسألة واحدة وهي أن يزني بامرأة أبيه قبل أن يدخل بها أبوه ويكرهها على ذلك فان الحد عنها ساقط ويجب لها نصف المهر على الأب ويرجع الأب على ابنه الذي زنى ان كان يعلم ان زناه بامرأة أبيه يفسد
(1/81)

النكاح وان كان لا يعلم فليس عليه الا الحد. والنفي ثلاثة نفي قطاع الطريق، فان كان قتل قتل وان كان أخذ المال قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى من خلاف ومن لم يفعل من ذلك شيئا اذا أخذ حبس حتى تظهر توبته. ومن جمع بين قتل وأخذ مال قتل وصلب ثلاثا ثم دفع الى أوليائه. وقال في القديم يصلب وهو حي ويترك أوقات الصلاة ثم يقتل بعد ثلاثة. والنفي الثاني البكر الزاني ينفى بنفسه وان كان مملوكا جلد خمسين وفي نفيه قولان أحدهما ينفى نصف سنة والآخر لا نفي عليه، والثالث ما يروى في حديث مرسل انه نفى خنثيين من المدينة هيت وماتع وكل من أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بقتله أو نهى عن قتله لم يجزأ كله فقد أمر بقتل ستة في الحرم الحدأة والعقرب والغراب والفأرة والكلب العقور ونهى عن قتل الهدهد والخطاف والصرد والنملة والضفدع وكلما أخطأ القاضي فضمانه على المحكوم له ما عدا الحدود فاذا رجم امرءا فأخطأ كانت ديته على بيت المال وأما سائر الحدود فلا ارش عليه فيها.
(الباب الرابع في قوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
المسلمون كلهم على الهدى فما معنى هذا الاستهداء؟ فيه ثلاثة أقوال في قوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
أي زدنا هداية إلى الاسلام وقد وعد الله الزيادة في الهدى فقال
(1/82)

والذين اهتدوا زادهم هدى وفي قول آخر أرشدنا الى طريق الجنة قال الحطيئة.
تحنن عليّ اليوم هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا
(وفي قول آخر) ثبتنا يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ
نزل لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
يعني الغلمة نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ
لان طالوت كان ابن دباغ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ
أهل السنة والجماعة وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
أهل البدعة لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
يعني من ساء ضيافته فله أن يشكو فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
أي الفعل ولم يكن التعليم رغما للملحدين لعنهم الله الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً
أكلا وشربا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
الدراهم والدنانير حَياةً طَيِّبَةً
القناعة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
بحب أبي بكر وعمر وَجَعَلَنِي مُبارَكاً
نفاعا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. قرأ النبي وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
أعني ورد الكفار دون المؤمنين يَوْمُ الزِّينَةِ
العيد اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
هادي السموات وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
الحاكة والاساكفة لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
أبا بكر وعمر لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً
لأحبسنه مع غير جنسه وَلا تَنْسَ
(1/83)

نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا
القبر والكفن فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ
كانوا يتضارطون في المحفل يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ
الصوت الحسن وقيل الوجه الحسن وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
الاحياء العلماء والاموات العوام أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا
عاقلا نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها
بموت العلماء سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ
العلماء وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ
الشرط والاعوان فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
يعني علمت فاثبت كقوله والرجز فاهجر وقد كان هاجر عن الشرك ومعناه هجرت الشرك ولزمت الاسلام فاثبت عليه والقرآن نزل بلغة العرب وهم يقولون للآكل وللنائم نم وللقائم قم يعني على ذلك أكلك ونومك أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
بنو تميم يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ
من صخرة بيت المقدس كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
لا نسيان ينسيه عُرُباً أَتْراباً
متعشقات لازواجهن غنجات يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ
يعني السلاطين والأمراء ومن تحت أرجلكم الغوغاء والعوام وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
من الحاجين الكعبة تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ
يعني بالكتاب والرسالة سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
يعني لا تنس العمل به وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ
ومن شر الذكر إذا قام لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ
البخل لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
كلب المحلة وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
(1/84)

يعني البخل فتتباخلوا فتهلكوا وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ
قال عبد الله بن الزبير يعني سبل الخلاء والبول.
(الباب الخامس في غرائب الاخبار)
قال أبو ذر العقيلي يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات قال صلّى الله عليه وسلم في غمام فوقه هواء وتحته هواء يعني قبل خلق السماء كان الله ولم تكن الاشياء ولم يكن فوق ولا تحت وقيل في غمام ممدود وهو السحاب الرقيق وقال تعالى لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
أي عليها فلا يصح وصف الله بأنه في مكان يعني كان الله وغيره من الاشياء كان عدما محضا قوله للجارية المنذور عتقها أين الله فأشارت إلى السماء فقال إعتقها فإنها مؤمنة وهذا سؤال عن المكانة لا عن المكان كما يقال أين فلان بن فلان يراد به المكانة والمنزلة لا المكان يعني عظمته في قلبي كعظمة السماء وقيل استراب النبي صلّى الله عليه وسلم بأنها موحدة أو وثنية تعبد الأصنام فلما أشارت الى السماء يعني خالقي الذي خلق السماء قال أعتقها. قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم ورحم الله لوطا إنه كان يأوي الى ركن شديد وهذا طعن على نفسه وعلى ابراهيم قوله أحق بالشك قال قوم شك ابراهيم ولم يشك نبي فقال أنا أحق بالشك من إبراهيم تواضعا منه وتقديما
(1/85)

له على نفسه يريد انا لا نشك ونحن دونه فكيف يشك هو ليطمئن قلبي أي يطمئن بتعيين النظر قوله لا عدوى ولا طيرة ثم قال لا يردن ذو عاهة على مصح، وفر من المجذوم، تشتد رائحته حتى يسقم جليسه وأكيله والمرأة تكون تحت المجذوم فتسقم لرائحته (فصل) قال صلّى الله عليه وسلم إذا نظر الوالد إلى ولده فسره كأن الوالد أعتق نسمة قيل يا رسول الله وإن نظر ثلاثمائة نظرة فقال الله أكبر يعني عطاؤه أكبر وقال ان الله تعالى يحاسب العبد فيما ينفقه إلا في ثلاثة مواطن عند فطوره وعند سحوره وعند حضور ضيفه، وقال صلّى الله عليه وسلم ما من نبت الا وبجنبه ملك موكل به حتى يحصد فأيما امريء وطيء ذلك النبت لعنه ذلك الملك وقال ما أنفق عبد درهما في زنا الا فقد ستمائة درهم لا يعرف لها وجها وما أنعم رجل على رجل بنعم فلم يشكرها فدعا، عليه إلا استجيب له وقال ما عجت الأرض الى ربها عز وجل من شيء كعجها من ثلاثة من دم حرام سفك عليها أو غسل من زنا أو نوم قبل طلوع الشمس وما من امرأة تصدقت على زوجها بشيء من صداقها قبل أن يدخل بها الا كتب الله لها بكل دينار عتق رقبة ما من خطيئة عند الله بعد الكبائر أعظم من خطيئة من يموت وعليه أموال الناس دينا في رقبته لا يجد له قضاء قال ما منكم من أحد يصيبه شيء إلا رآه في
(1/86)

منامه قبل ذلك حفظه من حفظه ونسيه من نسيه ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه سبع ولا طير ولا انس ولا جان الا كان له بذلك صدقة، ما من أحد إلّا ودّ أنه كان بما أوتي من الدنيا فوقاه من أهوال الساعة، من ولد له مولود فسماه محمدا تبركا كان هو ومولوده في الجنة، ومن غرس يوم الاربعاء فقال سبحان الوارث الباعث فإنه يأكلها، ومن بلغ ابنه النكاح وعنده ما ينكحه ثم أحدث حدثا فالاثم عليه، من باع عقدة من داره بغير ضرورة سلط الله على ثمنه تالفا يتلفه، ومن جاوز أربعين سنة ولم يغلب خيره على شره فليتجهز إلى النار، من كانت تجارته الطعام بات وفي صدره غل المسلمين ومن وقر عالما فقد وقر ربه، من قلم أظفاره يوم الجمعة عوفي من السوء كله الى الجمعة الاخرى، من سره أن يحرم الله وجهه ولحمه ودمه على النار فليمت بقزوين، من بني فوق عشرة أذرع نادى مناد من السماء يا عدو الله أين تريد، ومن تختم بالعقيق ونقش فصه وما توفيقي إلا بالله وفقه الله لكل خير وأحبه الملكان الموكلان به، من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الاسلام، ومن زنى زني به ولو بحيطان داره، لما كان الليلة التي ولد فيها أبو بكر الصديق رضي الله عنه أقبل ربكم عز وجل الى جنة عدن فقال وعزتي وجلالي لا أدخلك الا من أحب هذا المولود.
(1/87)

(الباب السادس في سر القدر)
وحقيقة القدر بمعنى التقدير والتضييق كقوله ومن قدر عليه رزقه هذه مسألة تحير فيها العقلاء وتبلد فيها الفضلاء وضل بها العلماء وارتد بسببها جماعة وهو شأن مهول وسر عظيم وخطب جسيم يقولون الله غني فأي حاجة الى التكليف فإنه كان قادرا أن يدخلهم الجنة من غير تكليف وكيف أمر بالرحمة وهو يرى المساكين والمرضى والزمنى ولا يرحمهم وعلم من الكفار الكفر ومن العصاة المعصية وأراد منهم ذلك فإنه لا يجوز أن يكون معلوما دون ارادته ومع ذلك يعذب الكفار والعصاة وهو حكيم ويعذب عباده على ماأراده منهم فالعبد يقول يا رب أنت قضيت وأجريت فهذا والله العجب كل العجب له خزائن وجواهر وعباده يموتون بالجوع ولا يعطيهم ويقول لهم اصبروا وصابروا على الفقر الذي لا أنتفع به وتموتون عليه ثم يقول ان الله لا يسأل عما يفعل وهذا باب تحيرت فيه العقول هل يجوز أن يأمر بشيء يخرج عن الحكمة وينوب عنه العقل ثم ينهى العاقل عن البحث عنه وهل هذا الّا جور وظلم وأنشد قائلهم:
سبحان من أنزل الدنيا منازلها ... وصير الناس مسبوا ومرفوقا
(1/88)

فعاقل فطن أعيت مذاهبه ... وجاهل خرق تلقاه مرزوقا
كأنه من خليج البحر مغترف ... ولم يكن بارتزاق القوت محقوقا
هذا الذي صير الألباب حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا
(وأنشد المسكين اليائس ابن الراوندي)
يا قاسم الرزق لم فاتتني القسم ... ما أنت متهم قل لي من تهم
إن كان نجمي فنجمي أنت منجمه ... وأنت في الحالتين الخصم والحكم
فخذ من العلم شطرا واعطني ورقا ... لا تحوجني الى من شخصه صنم
الجواب أقول يا معشر المسلمين سلوا الله الثبات على الايمان واحفظوا لسانكم عن الطغيان فإنه مزلة الاقدام وحيرة الانام يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك هذه مسألة محي بسببها اسم عزيز من ديوان النبوة وعوتب عليها موسى بن عمران وإذا ذكر القدر فأمسكوا والسر فيه ان تكليف الله عباده يجري مجرى تكليف المريض فإذا غلبت عليه الحرارة أمره بشرب المبردات والطبيب غني عن
(1/89)

شربه لا يتضرر بمخالفته ولا ينتفع بموافقته والضر والنفع يرجعان الى المريض والطبيب هاد ومرشد فان أطاع المريض الطبيب شفي وتخلص وإن لم يوافق وخالف تمادى به المرض وهلك وبقاؤه وفناؤه عند الطبيب سيان فكما أن الله سبحانه خالق الشفاء سببا والفناء سببا وعرفه الاطباء فكذلك خلق السعادة الأخروية سببا يفضي إليها وخلق المعصية سبب الخذلان ففي كل شيء حكمة أحاط علم الباري بها وقصر علمنا عنها والبرهان أنه يتصرف في ملكه لا يجب عليه اعتراض لواحد يدل عليه إنّ أحدنا ينظر من القدرة الحادثة الى القدرة القديمة وهذا قياس الملائكة بالحدادين فقدرته أزلية وقدرتنا حادثة مخلوقة فأين يتساويان؟.
(الباب السابع في القول في الحروف)
إعلم أن هذه مسألة عظيمة ومشكلة داهية لا يعرفها الا الفضلاء ولا يلقاها الا ذو حظ عظيم فالعامي إذا سأل عنها فليزجر فإن سلامة دينه في تركه سؤاله، من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه وكل مترسم بالعقل تراه يدعو الناس الى الخوض في الحروف فاعلم أنه مفتون مضل ليس من أئمة الدين فالامام مالك بن أنس رحمه الله ما يحارب في رد السائل الذي
(1/90)

سأله عن الاستواء، فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة فإن عدت أمرت بضرب رقبتك لان أفهام العوام لا تحتمل هذه الاسرار ولو علم العامي الجلف في ساعة ما علمه العالم بمدار سبعين سنة يكون غنيا عظيما مثال من يدعو العوام الى الخوض في الحروف مثال من يدعو الصبيان الذين لا يعرفون السباحة الى الخوض في البحر ومن يدعو المزمن المقعد الى السير في البراري، يدل عليه قوله قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي، وكلام الله تعالى لا تكفيه البحار السبعة وإن بلغت سبعين ألفا فاعلم أنها شافية كافية ولانك كنت معدوما والحروف موجودة فكيف تكون معدوما وكلامك موجود ويلزمه أن تكون الحروف في المحاسبة والمكاتبة وفي كل حالة قديمة لان الدليل قد قام على ان الجواهر متماثلة وسماع صوت المرأة حرام واستماع القرآن مباح واجب في كل موضع فلو قرأت أجنبية القرآن هل يحل استماعها ان قلت لا يحل فهو كفر لانه يقول لا يحل استماع القرآن وان قلت يجوز فخلاف الاجماع ان صوت المرأة عورة.
(الباب الثامن في ان الثواب والعقاب للروح أم للجسد)
إعلم أن الثواب والعقاب للروح مع البدن ومن قال كل
(1/91)

ذلك للروح دون البدن فقد أمحل وكذب وهو مذهب السوفسطائي لانا نعلم ضرورة ان الأفعال والتدابير والآراء كلها تصدر من الجسد الحي وفي حال النوم كما يخيل له يكون على وجه ما رآه في حال اليقظة حتى ان الاكمه لا يبصر ولا يحس فمن قال ان جميع الافعال تصدر من الروح فقد رفع الضرورة، وأيضا من قال ان الروح هي الحياة التي يخلقها الله تعالى في الشخص فإذا أراد أن يميته لم يخلق تلك الحياة فيموت الشخص فكيف تبقي الروح وان الثواب والعقاب معها هذا محال، وأيضا أن الطاعة والمعصية حصلت منهما جميعا لا من أحدهما فمن قال انه يفرد أحدهما بالنعمة والعقوبة فقد أبعد وظلم، وأيضا اذا نام الانسان لا يكون له خبر بما فعل ودبر في حال اليقظة ولا يكون له خبر من المنامات المتقدمة الماضية فلو كان للروح خبر بعد الموت كان يجب أن يعرف أحوال نفسه وأيضا لو كانت الروح تحس وتؤلم وتتلذذ باللذة والفرح ويعلم قطعا أن البدن إذا تألم وتوجع وتحزن ثم نام ليستريح ويتروح دل انه لا خبر للروح في شيء من ذلك ولا علم لها في أحواله وأفعاله وأن لا يحس ولا يعلم من غير ملابسة الجسد ولا يجوز في دين الله أن لا يكون حاله هو الحساس الدراك الباقي المتنعم والجسد هو المتألم المتوجع فيكون ظلما والحجة الواضحة في ذلك أن
(1/92)

الثواب بالطاعة والعقاب بالمعصية إنما صدر من الجسد بواسطة الروح ولم تنفرد الروح بذلك فإن كانت الطاعة بهما تحصل فيجب أن يكون العقاب والثواب لهما كيلا يكون اجحافا وظلما وأيضا فان خطاب الله تعالى يتوجه على النفوس والأبدان بقوله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ
يا أَيُّهَا النَّاسُ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
ولم يقل يا أيها الروح فإذا كان الامر والنهي والخطاب مع الجسد فيستحيل أن تكون الروح مفردة في ذلك يدل عليه أن الله تعالى حيث ذكر الثواب والعقاب والوعد والوعيد ونعيم الجنة وعذاب الجحيم انما عنى به الجسد يا أَيُّهَا النَّاسُ
فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ
فالله تعالى خلق هذا الجسد من التراب وأمات هذا الجسد ثم يحيي هذا الجسد ثم يخاطب ويحاسب هذا الجسد فدل انه المثاب والمعاقب فانه سبحانه حكيم لا يجوز أن يأخذ زيدا بجناية عمرو ولا يجوز أن يحمل جريمة زيد على عمرو فدل أن الروح لا تحيا بدون الجسد.
(الباب التاسع في بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على العبد)
قال الله تعالى وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً
فالنعمة الظاهرة سلامة البدن والنعمة الباطنة الايمان فأول نعمة الله
(1/93)

عز وجل على العبد أن خلقه حيوانا متميزا على الجمادات دراكا للّذات حساسا للطيبات ومنها العقل الذي يعرف به الخير من الشر والحق من الباطل والكفر من الايمان فيا لها نعمة ما أعظمها فمن شك فيها فلينظر في حالة المجنون يأخذ من أسفله ويضع في فيه ولا يشعر، ومنها نعمة الايمان وما أعظمها فإن الانسان به ينال عز الدين والدنيا وسعادة الآخرة فانظر إلى الكافرين وخزيهم وتفكر في مصارع المتهمين الملحدين في الدنيا ثم انظر في حال مراتبهم بالكفر يكون أذل من اليهود فترى اليهودي آمنا ولا يأمن المتهم بالايمان، والحق هو الايمان وما سواه فكفر وطغيان ولولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ولولا فضلي ونعمتي خصصتكم بالايمان لكنتم مع فرعون وهامان ومنها أن يحفظ عليك الايمان، ويحفظك عن الكفر والشرك والا شددت الزنار في وسطك، ومنها أن وكل على كل مؤمن مائة وثمانين ملكا يحفظونه من الماء والنار والجن والانس ولولا ذلك لاختطفته الجن وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم إن الله قدر على كل مؤمن ومؤمنة خمسة من الملائكة واحد عن يمينه يكتب الحسنات وواحد عن يساره يكتب السيئات وواحد بين يديه يدله على الخيرات ويقوده إليها وواحد من ورائه يصونه عن الآفات وواحد يبلغني صلاته علي لأستغفر له ومنها أن
(1/94)

خلقك رجلا لا امرأة لانه تعالى خلق ألف صنف من الحيوان ليسوا من الجن والانس فيجب على الرجل ألف شكر أن خلقه رجلا ولم يخلقه امرأة ويجب على المرأة ألف شكر أن خلقها أنثى ولم يخلقها خنثى، ومنها أنه جعله من أمة محمد صلّى الله عليه وسلم لان دينه خير الأديان وان أمته خيار الأمم وبنو اسرائيل شدد عليهم في أشياء ولم يشدد على هذه الأمة ومنها أن خلقه سنيا لا مبتدعا، فان السني له فضل على المبتدع ومنها العافية التي انتهت آمال الناس إليها والعافية وثلاثة أشياء دين سليم عن اللغات وقوت حلال عن الشبهات وأمن كامل وقال الشبلي رحمه الله العافية أربعة أشياء، دين قوي واعتقاد صحيح وبدن قانع من الحرص وقلب طاهر من غش المسلمين، ومنها ستر العيوب فإنه لا يكشف عورات عباده لدى الذنوب فما علم الرب من عبده لو أظهره لخلقه لتبرأ الاب من ابنه والزوج من زوجته ومنها النوم الذي هو راحة البدن والقلب قال الله تعالى وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً
ولولا ذلك لاختلت القوى، ومنها الحواس الخمس ونعمة العين مشكورة وقوام الآدمي بها قيل من أراد أن يعرف قدر نعمة الله عليه فليغمض عينه ساعة ومنها اللسان الذي يعبر به الآدمي عن الالم واللذة والفرح والغم وسائر الحيوانات لا يقدرون على ذلك ومنها الأمن الذي استفيد
(1/95)

به الاسلام حتى قذف الرعب في قلوب الكافر فلا يقصدون الاسلام مع أنه بعدد كل مسلم ألف كافر معجزة للنبي صلّى الله عليه وسلم نصرت بالرعب ومنها أنه أغناك عن الناس، وأحوج الناس إليك حتى كنت تتصدر في بيتك ويجيء الناس إليك قال الله تعالى من أغنيته عن طبيب يشفيه وعن سلطان يستعين به عما في يد أخيه فقد أتممت نعمتي عليه ومنها الحرف والصنعة حتى يكتسبوا بها ويعمروا الدنيا وحبب إليهم الدراهم والدنانير عمارة الدنيا، ومنها تسخير الانعام للآدمي فينقاد الجمل العظيم للصبي الضعيف، ولو استصعبت البهائم من كان يطيقها ومنها أنه جعل الماء مركبا للآدمي فيحمل عليه الآلاف من الحديد والحجر ويقضي بها حاجاته.
(الباب العاشر في خاصية الماء)
ولولا تسخير الله سبحانه وتعالى الماء لم يصل أحد الى مقصوده في تلك البلاد ومنها القاء البذر في الارض ينبت بواحدة سبعمائة الى غير ذلك ومنها المدن والبلاد فلو لم تكن البلاد لتضرر الآدمي من السّبع والحر والبرد ومنها أن جعل الآجال مكتومة فلو أظهرها لتنغص عيش الآدمي ومات غما ومنها انه أخرج أمة محمد في آخر الأمم ليقل مكثهم تحت التراب فلا يستوحشون في القبور كثيرا، ومنها أن أحسن
(1/96)

صورتك عظما في عظم وعرقا في عرق ولحما في لحم فلو كنت مشوه الخلق كنت كالقرد والخنزير أو على صورة الخنثى المشكل ما كنت تصنع يا خاطيء ومنها أن خلق الشمس والقمر والسحاب والرياح ونبات الأرض وأمطار السماء والانعام والبهائم والطير والملائكة في شغل شاغل لاجلك وأنت فارغ لا خير لك فأين الشكر ومنها قبول توبتك من ذنوبك في جميع العمر ولم يخسف بعباده الارض لدى الذنوب ولم يمنعهم الرزق فلو جعل البركة في الذباب والحيات، كما جعل في البقر والغنم لم يتلذذ الآدمي من خوف الأسد والذئب ولو جعل في المواشي قوة السباع لما انتفع بها أحد.
فلله على العبد نعمتان نعمة النفع وما يوصلها إليه ونعمة الدفع وما يدفع عنه، وما دفع الله أكبر فنعمة النفع السمع والبصر والنطق ونعمة الدفع كالعمى والخرس والبكم.
كتاب الرد على الكفرة
وهو أربعة عشر بابا
(الباب الاول في حقيقة التعصب)
واشتقاقه من العصيب والعصب وهو الشدة يوم عصيب ويقال للغزال عصاب فكل من كان شديدا غيورا في دينه ومذهبه فمتعصب ذاب عن الدين حافظ للاسلام والاعتقاد (فصل) وأعلم أن التعصب قاعدة الاسلام وقانون الايمان
(1/97)

وأساس الشريعة وشعار الموحدين وعلامة المؤمنين ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة ولو كره الكافرون ولا يبلغ المرء حقيقة الايمان، حتى يكون على دينه أغير منه على محارمه من بناته وأخواته والمداهنة من علامة المنافقين ومن لا غيرة له على الدين والمذهب فلا دين له ومن لا وفاء له فلا دين له والتغافل عن البدعة ينبيء عن قلة الدين وفي الخبر الدّيّوث لا يدخل الجنة فيا معاشر المسلمين تعجبوا من هذا الخبر قال من لا يغار على أهله فلا يدخل الجنة والدين والمذهب خير من بضع امرأة فمن لا يغار على الدين كيف يدخل الجنة وكفى بالله نكالة فلا خلاف بين المسلمين ان المصلي لو رأى أحدا يقع في الحريق والبئر العميق فإنه يجب عليه قطع الصلاة وتخليص الرجل كذلك البدعة تجر إلى النار فمن رأى واحدا يتكلم في البدعة أو يجالس مبتدعا يجب عليه أن يمنعه أوّلا وينصحه ثانيا ويزجره عن البدع، ثالثا وعند هذا يلزم قوله صلّى الله عليه وسلم انصر أخاك ظالما أو مظلوما قيل يا رسول الله هذا المظلوم ننصره حتى يصل الى حقه فكيف ننصر الظالم قال تمنعه عن الظلم فذلك نصرته وهو الأمر العظيم والرضا بالكفر كفر. والرضا بالفسق فسق. ومن اعترضت له شبهة يجب على العلماء حلها وازاحتها فان تواكلوا حرجوا عن آخرهم، وأيضا من لا يغضب في موضعه
(1/98)

فقد رد حكم الله في خلق الغضب فمن استغضب ولم يغضب فهو حمار والأمر بالمعروف ركن الشريعة ولو عمر رجل سبعين سنة وتصدق بألف دينار ذهبا ثم تكلم بالبدعة فعمله هباء منثور ولا يبلغ عبد حقيقة الايمان حتى يحب المؤمن في الله ويبغض المبتدع في الله قال النبي صلّى الله عليه وسلم الحب في الله والبغض في الله فان قلت أسرار العباد بيد الله والخلق كلهم عباد الله خلق قوما للجنة وقوما للنار، يسر قوما للطاعة وقوما للمعصية فدع عباد الله الى الله فكل شاة برجلها ستناط ولا خصومة في دين محمد فمن أنت يا فضولي أنت وصي آدم أم أنت محتسب العالمين فأقول هذا سؤال يقرع باب الاباحة ويخطب الزندقة ويسد باب الامر والنهي وهو إعراض عن الله تعالى ورسوله لان الله أمر ونهى ووعد وأوعد وأحب وأبغض وقال جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ
وقال لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وهذا الرسول ينبيء عن حكم الشرع والذي يقوله الأشعري أمر الله وأمر الله واجب يجب على العبد أن يحفظ أمر الله ولا ينظر الى حكمة الله والذي قال ان محمدا كان حرا لا خصومة في دينه فقد كذب لانه كان حر النفس، لم يكن حرا عن الخصومة إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبيد وقد قتل خلائق جمة وقتل في يوم واحد من بني قريظة والنضير أربعمائة رجل ويدعى في التوراة نبي
(1/99)

القتال والملحمة وهو يقول لو سرقت فاطمة بنت محمد رضي الله عنها لقطعت يدها أعاذها الله من ذلك ولو أن ظالما قصد وليا لقتله فهرب يجب على من رآه أن يكذب ولا يصدق، ولو ترك الاكل حتى كاد أن يهلك يجب عليه الاكل، ولو رأى أعمى يقع في البئر يجب على المصلي الذي لا يتكلم أن ينبهه والسكوت في هذا الموضع حرام، وأيضا ان من قال ان الخصومة بين المسلمين حرام فيلزم أن لا يعترض لمن سلب ثوبه وصفع قفاه ووطيء عياله لان الخصومة حرام، ولو قال كذا يجب فنقول هذه زندقة كبرى ومن فعل هذا فهو مباحي كافر وان قال لا يجوز السكوت، عليه قلنا كذلك أوامر الله لا يجوز السكوت عليها.
(الباب الثاني في حقيقة الكفر)
فلما كان حقيقة الايمان التصديق بالله وبرسوله في مخبراته كان الكفر الذي هو ضده تكذيبا لله ولرسوله، وقيل الكفر هو الجهل بالله وبصفاته فالكافرون وإن قالوا نحن نعرف الله لقول الله تعالى ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
فقد كذبوا الله لقوله تعالى وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
وقوله مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
(فصل) وأصناف الكفرة عشرون صنفا رأسهم ورئيسهم الدهريون القائلون بأن الآدمي كالنبات
(1/100)

والحشيش وهم مفتونون في ذلك فإن الحشيش والنبات لا بد له من منبت ولو جاز نبت من غير منبت لجاز بذر من غير باذر وبناء من غير بان وكتاب من غير كاتب (والثاني) الفلاسفة أصحاب الهيولى والعناصر والسوفسطائية والطبائعية والأزلية والمنجمية والملحدة الذين رأوا الافعال من النجوم والثنوية حين رأوا الفعل من النور والظلمة والمجوس الذين رأوا الخير والشر من بزدان وأهرمن والاباحية أباحوا ما أرادوا وعبدة الأوثان والبراهمة والصابئة والحلولية والتناسخية واليهودية والسامرية، والسابع عشر النصارى وعبدة الأوثان وعبدة الرؤوس والبقر، والمتحيرة الذين لا دين لهم. والمزدكية والباطنية شر من الجميع والاباحية فهؤلاء الأصناف من الكفار لعنهم الله. (الفصل الثاني) في الكلمات تكون كفرا لو قال لا أخاف الله ولا أستحي من الله يصير كافرا، ولو قال ان أمرني الله به لم أفعله يكفر أو قال أنا على رضاك أحرص مني على رضا الله أو قال لا أدري أن الله خلق هذا أو قال هذه بينك وبين الله أو قال لو كان فلان رسول الله لم أطعه أو قال لو جئت بالدرهم الواضح الى رضوان لفتح لك باب الجنة أو قال ان الصلاة لا توافقني أو قال داري وبيتي مثل السماء والطارق أو قيل له هذا حكم الله فيقول لا أعرف حكم الله أو قال لامرأة شدي
(1/101)

الزنار وتخلصي أو قال كافر إعرض عليّ الاسلام فيقول ارجع الى وقت كذا، أو ينتقص نبيا من الانبياء أو قيل له ان النبي كان يحب كذا فيقول لا أو يقول أنا أعلم الغيب أو يقول الرجل لامرأته أحل الله أربع نسوة فتقول أنا لا أرضى بهذا أو هذا عندي ظلم. مثل هذه الكلمات اذا تلفظ بها قصد بها الكفر أو لم يقصد يكون كفرا ولو قال ان كنت رسولا فانتزع الحق منك يكفر ولو قال يجوز وطء الحائض يكفر ولو أن نصرانيا أسلم ثم مات أبوه فيقول ليتني لم أسلم حتى أرث أبي يكفر ولو قال شعيرة رسول الله على وجه التصغير يكفر ولو قال ليت الخمر لم تكن حراما يكفر. ولو قال ليت الزنا والقتل والغصب كان مباحا يكفر. ولو قال عرض لي أمر أردت أن أكفر يكفر ولو قال المجوسية خير من هذا الأمر والدين والمقالة يصير كافرا. ولو قال سآخذ حقي منك في القيامة فقال كيف تعرفني في ذلك الزحام والزحمة يكون كافرا ولو قيل لرجل في الغضب أما تخاف الله فقال: لا، يكفر. ولو علّم امرأة حتى ترتد وتفسخ النكاح بينهما كفر. ولو قيل لرجل لماذا لا تدور حول الحلال فقال إذا وجدت الحرام فلا أدور حول الحلال يكفر (حكاية) قيل للمأمون سئل عالم عن قتل رجل حائك ماذا يلزمه فقال يلزمه طغار زيت فدعا المأمون بالعالم فقال ويحك ما الذي
(1/102)

أفتيت به قال كنت أمزح قال المزح بأحكام الله في دين الله فأمر حتى ضرب بالسياط ومات تحت السياط فلا يجوز التمزح والتهزل بأحكام الله في دين الله فان موقعه عظيم.
(الباب الثالث في الرد على الفلاسفة)
وهم قوم من اليونانيين تحذلقوا في المعقولات حتى وقعوا في وادي الحيرة والخباط وتحيروا في الالهيات وبنوا مقالاتهم على التشهي المحض والدعاوي الصرف ويزعمون انهم أكيس خلق الله وسياق مذهبهم يدل على انهم أجهل خلق الله، وأحمق الناس، وأساس الالحاد والزندقة مبني على مذهبهم والكفر كله شعبة من شعبهم وكانوا يترهبون لقطع النسل ورئيسهم افلاطون الملحد لعنه الله قال لموسى بن عمران رسول الله وكليمه كل شيء تقوله أصدقك فيه إلا قولك كلمني علة العلل، انظر الى اعتقاد هذا الخبيث كان يكذب رسول الله ويعتقد ان الله تعالى لا كلام له البتة، تسميته توجب بنفسها من غير اختيار، ويعتقد ان العالم قديم واخوانه كارسطاطاليس وسقراط وبقراط وجالينوس كلهم ملاحدة العصر، وزنادقة الدهر يقينا فان هذا تعرفه العلماء دون الأمراء ثم ان الله سبحانه علم خبث سرائرهم فأرسل الله عليهم سيلا فغرقهم، وعلومهم المشؤمة عربتها أقوام في
(1/103)

عهد المأمون الخليفة باذنه ووصيته ثم اعتقاد الفلاسفة ان الآلهة ثلاثة المبدأ والعقل والنفس، وقضوا بكون العقل والنفس أزليين وينفون الصفات، ولا يقولون ان الله حيّ عالم قادر مريد سميع متكلم البتة، وزعموا ان الحركات أزلية سرمدية الى غير ذلك، فهم مشركون ملحدون لعنهم الله، وزعموا أن أصل هذا العالم أعني عالم الكون والفساد الهيولى بزعمهم جوهر الشيء كالقطن اصل الثوب وعندهم الهيولى الذي هو أصل العالم أزلي قديم لا أول له كان في الاول جزءا بسيطا لا عرض فيه ولا تركيب ولا اجتماع ولا افتراق ثم دخلها التركيب العام فالدليل على بطلان قولهم ومذهبهم أن يستحيل في العقول وجوب الفلك المتحرك شمسها وقمرها من غير صانع كما يستحيل حدوث كتابة الا من كاتب وبناء الا من بان فالفلك ليس بأقل من الفلك ولا يتصوّر انتظام ألواحها من غير نظام نجار حاذق، دليل نفس الإنسان ونفس كل حيوان في الابتداء كانت قطرة ماء ثم علقة ثم مضغة ثم لحما ودما واحدا يحول نفسه من حال الى حال، فلا بد من محول حكيم. ثم نقول يا أصحاب الهيولى كيف تركيب العالم من الهيولى؟ أبصانع صنعه أم بغير صانع؟ فإن كان بصانع فهو ما قلنا، وان كان بغير صانع فيستحيل في العقل أن تركيب السموات والارض مزينة بالمصابيح والشمس والقمر
(1/104)

من غير تركيب صانع حكيم (دليل آخر) الهيولى شيء واحد وحقيقة واحدة لا يوجب أشياء كثيرة هذا غير معقول فالذات الواحدة لا توجب اجتماعا وافتراقا وحركة وسكونا بذاتها فلو ان سائلا سأل الفلاسفة عن العلة الأولى وما هي وسبب الامتزاج ما يكون وما هو، لا يكون لهم جواب البتة، وإن قالوا أنها كانت أجزاء، اما أن تكون مجتمعة أو مفترقة فإن كانت مجتمعة فاجتماعها لا يخلو إما أن يكون لذاتها أو لمعنى، فإن كان لذات لا يجوز تفرقها لأن اجتماعها اذا كان لذات فتفرقها يوجب تلاشيها فلا يجوز تفرقها بحال ولو كان اجتماعها لمعنى فقد سبق المعنى عليها فبطل أن يكون قديما لأن القديم ما لا يسبقه شيء. (دليل آخر) أي العرضين سبق الى الهيولى الاجتماع أو الافتراق؟ فإن كان الاجتماع فلا بد للاجتماع من افتراق، وان كان الافتراق فلا بد من اجتماع، وعندكم الهيولى خال عن أنواع الاعراض (دليل آخر) لا بد من مخصص يخصصه بالاجتماع دون الافتراق أو بالافتراق دون الاجتماع (إلزام آخر) ما الموجب على الوقوف لتسعة من العقول وتسعة من النفوس وتسعة من الأفلاك وأربعة من العناصر، وهلّا زاد الى ما لا يتناهى وهلّا زاد بعدد معلوم ونقص، فلم يقف في حد معلوم؟ هذا تحكم محض لا جواب لهم أبدا، ثم ما الموجب لمقدر النجوم
(1/105)

الشمس والقمر ما قدرها المعلومة به حتى صار منها ما هو أكبر ومنها ما هو أصغر وما الموجب لتعيين القطبين بالموضع المعلوم ولا جواب لهم عن هذا قط فبطل مذهبهم والسلام.
(الباب الرابع في الرد على الدهرية)
وهم شرذمة قليلة، قالوا العالم في الأزل كان أجزاء مبثوثة تتحرك على غير استقامة فاصطكت اتفاقا فحصل عنها العالم بشكله الذي تراه ودارت الأدوار وكرت الأكوار، ولست أرى أن هؤلاء ينكرون الصانع لكن يعتقدون في حدوث العالم ما ذكرت ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله، ويقولون الآدمي يحدث من نطفة والنطفة من الآدمي والبيضة من الدجاج والدجاج من البيضة (الجواب الأول) بضرورة العقل نعلم ان العالم مصنوع ولا بد للمصنوع من الصانع،، أفي الله شك فاطر السموات والأرض، واعلم قطعا ان الدهري متى يمرض أو يفتقر أو يضطرب به البحر فانه يلجأ الى الله تعالى؛ يا رب فرّج وافعل بي كذا ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع بل ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك (الجواب الثاني) ليس الآدمي نطفة ولا النطفة من الآدمي بل آثار قدرة القديم فقد تكون نطفة ولا يحدث آدمي والدجاجة والبيض من
(1/106)

آثار القدرة الباهرة فتنبهوا خذلهم الله لقولهم الآدمي كالنبت (قلنا) يا حمير الآدمي شخص حي عالم، كيف يكون كالنبت النامي؟ ثم النبات لا بد له من منبت، واعلم ان التعطيل من وجوه، منها تعطيل الصنع عن الصانع، ومنها تعطيل الصانع عن الصنع، ومنها تعطيل الباري عن الصفات الذاتية ومنها تعطيل الباري عن الصفات المعنوية ومنها تعطيل ظواهر الكتاب والسنة. أما تعطيل العالم عن الصانع فلم يذهب اليه سوى الملاحدة لعنهم الله وأما تعطيل سلامة الاعتقاد في هذه المجازات والمعارضات والأودية المظلمة والبحار المغرقة فلم يخلص سوى أهل السنة والجماعة والصدر الأجل سيد الوزراء ورأسهم ورئيسهم في هذا الاعتقاد والحمد لله حق حمده هنيئا وزاد الله فيه زيادة وذلك مجد يملأ العين والصدرا
(الباب الخامس في الرد على الملاحدة لعنهم الله)
الملاحدة شر خليقة الله تعالى وأخبث عباد الله وكفرهم أعظم من كفر فرعون وهامان وثمود وكفر جميع الكفار يتلاشى في جنب كفرهم وإن كان الكفر كله ملة واحدة ولكن أعرفك خبرهم وأصل مذهبهم نشأ من ميمون بن ديمان الثنوي المقيم بكنيسة فارس في سنة ثلاثمائة وعشرين وتقوية
(1/107)

مذهبهم من جهة تاج الملك الملحد المسيحي لعنه الله وأول بلدة ظهرت فيها هذه المقالة أهواز وقيل أصفهان وعود هذا المذهب وعاقبته وخاتمته التعطيل فأوله رفض وآخره تعطيل محض ولا ملك لهم البتة ولا سلطنة ولا مقالة البتة سوى التلبيس ومقصدهم معادلة الاسلام وتشويش الشريعة وافترقت المجوس على سبعمائة فرقة والباطنية شيء منهم والكلب والخنزير يسكنان بلاد الاسلام والباطني لا يقيم بين المسلمين لخبث عقائدهم وداعيتهم في العراق الحسن بن أحمد الصباح الرازي الزنديق كان ساعيا كاتبا بالري وتعلم النجوم والفلسفة بمصر وسمى نفسه صباحا يعني انه صبح طلع بين الدعاة كما أن أبا عليّ بن الحسن كان من قرية ببخارى يقال لها سينا فسمى نفسه إبن سيناء وهو الضياء وصعد هذا الزنديق قلعة الموت في سنة سبعين وأربعمائة أخذ الدعوة من مصر بمعونة تاج الملك الزنديق وأعطاه مالا اشترى به قلعة الموت خربها الله تعالى وكان يدعي التشيع ونصرة أهل البيت ويعدهم الخروج والاستيلاء فجلس يوما على القلعة وقسم جميع البلاد على قومه يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا وكثر هرجه وشرّه وفتكه بالملوك والسلاطين والعلماء والكبراء ولم يحصل على ما أضمره من الخروج والاستيلاء إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء
(1/108)

ففرحت قلوب المسلمين بسببه وكان يقوى بتغافل السلطان والاتراك ومداهنتهم في أمره فمات لعنه الله ومن فضائحهم ان الشرائع لها بواطن غير الذي يعرفه العلماء فالصلاة دعاء إلى الامام والصوم حفظ السر والحج القصد الى الامام وغسل الجنابة يطهر القلب عن المعقول الى غير ذلك مما لا يحصى فنقول القرآن عربي والعرب تفهم من هذا شرائع معقولة وما يقوله تركي أو مصري والقرآن لم ينزل بلغة التركي والمصري فلو خاطبهم بلغة لا يعرفونها كان عبثا وظلما فقولك تحكم محض لم قلت ذلك وأيضا فصاحة العرب منذ خمسمائة سنة يسمعون عنها ولا يعرفون معانيها حتى جعلت من صف البقالين فكيف عرفت يا زنديق ما اشتبه على العرب.
أقصر يحق لمثلك الاقصار ... أتريد تعييرا وأنت العار
وأيضا أولئك صلوا وصاموا وتعبوا فكانوا على الحق دون العالمين يا عجبا عجائب وأيضا بم عرفت هذا ضرورة أم نظرا!؟ وأنت لا تقول بالمعقول يا كافر زنديقا أجبنا، ولا جواب لك، ومن فضائحهم ان حشر الاجساد لا يكون والجنة والنار لهما ظواهر وبواطن والجواب العقل يدل على جواز
(1/109)

ذلك وأخبرنا الصادق صلّى الله عليه وسلم بوقوع ذلك فآمنا وصدقنا فمن أنت يا فضولي يا خبيث يا زنديق ان المسلمين تقلدوا قول النبي صلّى الله عليه وسلم مع ألف معجزة ولا يقبلون قول رسولك الدهري أفلاطون اليوناني وجروين وسروين يقلدون من خرافاتك هذا بادر علم الله ومن قدر على إنشاء شيء لم يكن له ابتداء قدر على اعادته، والجنة والنار عرفنا حقيقتهما من قول الله سبحانه وقول رسوله المعصوم وأقام ألف معجزة حتى قبلنا قوله فأنت يا زنديق بأي دليل تقبل قوله. ومن فضائحهم يستحلون تحريف المصاحف والمساجد وقتل الذراري والصبيان فنقول يا ملاعين الانبياء ما قتلوا الناس ابتداء بل دعوهم الى الحجة والبرهان وأنتم تزعمون أنكم على ملة الانبياء وتفعلون أفعال المجانين فإن كان لكم حجة فأظهروها والا فالكلب خير منكم. ومن فضائحهم شتم الانبياء ولقب أحدهم نفسه رب العزة ويزعمون أن شريعة الرسول وحاش الله أن تتغير منسوخة بمحمد بن اسماعيل والله تعالى يقول وخاتم النبيين وقال صلّى الله عليه وسلم لا نبي بعدي، وختم الشيء آخره الكيس إذا ختم لا يخرج منه شيء وقال النسابون ان محمد بن اسماعيل مات ولا عقب له فكم أحصى ولا أخير له ولقد صنفت كتابا يا معشر الوزراء في الرد عليهم قريبا من خمسين طباقة كاغد فلنقتصر ههنا فلا كلام معهم إلا المشرفي الجام
(1/110)

وقد انقطع الكلام.
(الباب السابع في الرد على الطبائعيين)
قال الطبائعيون سقراط وأفلاطون أئمة الكفر أصل العالم أربعة أشياء هن طبائع العالم الحرارة والبرودة وهما فاعلتان والرطوبة واليبوسة وهما منفعلتان فمن قائل تركيب هذه الاشياء الاربعة من غير صانع ومن قائل هذه الطبائع فاعلات تدبر العالم بطبعها قالوا الطباع تتغالب في الاجسام فربما تغلب الحرارة على البرودة ولا يعلم الطبيب قدر الغلبة فيموت الجسم لجهل الطبيب ولولا تغالب الطباع لم يمت أحد فالقواطع على هؤلاء الزنادقة أن تقول أتقرون بالصانع وإن الصنع لا بد له من صانع أم تشكون فيه فإن أقررتم بذلك فالعالم صنع فلا بد له من صانع وذلك الصانع لا بد أن يكون عالما قادرا مريدا ليتأتى منه الفعل ومن جوّز أن يكون صنعا من غير صانع فلنجوز أن يكون قصرا مشيدا وقلعة حصينة تظهر في برية من غير صانع ولا شك في أن الآدميين يبنون من الارض والزرع ينبت من غير بذر ومن جوّز هذا فلا يكون إنسانا يكون أحمق مجنونا محتاجا من يأتيه بمارستان (دليل آخر) ذو مقدار وأقطار فلا بد من مقدر قدّره ودبّره (دليل آخر) ان الطبائع كانت متفرقة فما الذي جمع بينها
(1/111)

فإن أجابوا إنها اجتمعت بنفسها لا بجامع فهذا محال لما بينا أن الصنع لا بد له من صانع فإن قالوا جمعها جامع فقد نزلت الرحمة ولا جامع إلا الله. (دليل آخر) إن اجتماع الطبائعيين بأولى من الافتراق فلا بد من مخصص وأيضا فإن أحد هذه الطبائع إذا غلب على ضده يفنيه ألا ترى النار تغلب الحطب فتفنيه وأنت تقول تجتمع الطبائع المتنافرة في شخص واحد مع تضادها. (دليل آخر) الطبع إما أن يكون معدوما فيوجد أو موجود فيعدم وكلاهما محال لان المعدوم محال أن يكون له طبع حتى يوجد شيئا إذ لو كان له طبع لم يكن معدوما ومحال أن يكون الطبع موجودا فيوجد العالم بطبع في العالم فكان يجب أن تكون الحوادث كلها على وفق الطبع من جميع الوجوه فلما رأينا الابريسم يحصل من الدود والعسل من النحل، ومن الآدمي الذي يأكل الطيب العذرة المستقذرة عرفتا ان الطبع باطل فتتعجب العقلاء من إلقاء السماء في الارض وخروج الفواكه الطيبة وطيب رائحتها وفي الربيع الذي يشتد الجو وتبلغ الشمس كبد السماء ينزل البرد الصلب أشد من الجليد وفي الشتاء ينزل الثلج مع برودة الهواء فيشتد فسبحان رب العالمين فإن قال يضم شيء إلى الطبع فيوجب تركيب الجو قلنا ذاك الانضمام ما يوجبه ان قلت موجبه الطبع الثاني
(1/112)

يحتاج إلى ثالث وإلى رابع وإلى ما لا يتناهى.
(الباب السابع في الرد على المنجمين)
قال بطليموس الفلك بما فيه من السيارات قديمة أزلية وهذه السيارات مدبرات للعالم كما قال الله تعالى فالمدبرات أمرا وهي زحل والمريخ والمشترى والشمس والزهرة وعطارد والقمر وهن موجبات للسعد والنحس ثم اختلفوا في تأثيرها فمن قائل إنها تفعل بطبعها عند محدثات ومقارنات ومن قائل إنها أحياء عالمون قادرون بفعل الاختيار وقيل السيارات لا تفعل شيئا لكنها دلالات على هذه الحوادث والله هو المستبد بالخلق والاختراع، واختلف المسلمون في النجوم فمن قائل لا أحيل على النجوم شيئا فليست بسبب ولا فاعل البتة ومن قائل يجوز أن يقال سير هذه الكواكب سبب كالصيف أجرى الله السنة فيه بحرارة الهواء وفي الشتاء ببرد الهواء فلو أراد قلب الحر والبرد فلا الصيف موجبه ولا الشتاء لكنها أسباب وأوقات وعبارات والله هو المختص بالخلق والايجاد. والدليل عليهم أن نقول هذا النجم هل هو حي عالم قادر أم لا فإن قال ليس بحي لكن يفعل الشيء بطبعه لا باختيار قلنا هذا محال لان الجماد لا يقع منه الفعل ألا ترى الميت والجماد يستحيل وقوع الفعل منه وأيضا
(1/113)

فإنما يؤثر الطبع عند الاتصال لا عند الانفصال والبعد كالنار تحرق القريب لا البعيد فكذلك النجم وجب أن لا يؤثر ولا يعمل شيئا عند البعد وبزعمك ان زحل في السماء السابعة فكيف يعمل بطبعه بمن هو على وجه الارض؟ (دليل آخر) من ذا الذي أوجد الفلك والسيارات أبنفسها وجدت أم بصانع؟ فإن قلت بنفسها فمحال وإن قلت بصانع فذلك ما تقول بأن النجم حادث فيستدعي نجما آخر إلى ما لا يتناهى فإن قيل أنتم تثبتون صانعا وتقولون لا نهاية له وذلك لا يقتضي نفيا. الجواب نحن نثبت صانعا للعالم على خلاف العالم حيا قادرا لا يشبه العالم وأنت تثبت الحوادث بحادث مثله وهو محال وإن قال الفلك قديم بسياراته فمحال لان السيارات تدور والفلك دوّار من حال إلى حال والقديم كيف يتغير لان الصفة الطارئة حادثة والقديم لا أول له وكما أن ذاته لا أول لها فصفاته كذلك. (دليل آخر) نرى جماعة في سفينة يغرقون مع اختلاف طبائعهم فعلمت أن لا فعل للطالع وإن قالوا السيارات أحياء نقول هذا رد للمشاهدة فان النجم هو مضيء لا علم له وهو مسخر لا علم له بما يعقل من الحركة والسكون والسير فأين الحياة والمعرفة. (جواب) ان قلت النجم حي عالم فاعل باختياره فقد ارتفع الخلاف لاني أثبت الصانع الحي العالم القادر الا انك تسميه نجما وإنما
(1/114)

أسميه ربا وصانعا وأما الله تعالى فموجد ولم يرد التوقف بتسميته نجما وأيضا فإن الصانع واحد وأنت تثبت سبعا فقد أشركت والله تعالى أعلم.
(الباب الثامن في الرد على اليهود لعنهم الله)
واليهود أشد الناس عداوة للمسلمين وأبخل الناس وأنتن الناس وقيل سبب نتنهم أنهم ولدوا من قوم أميتوا ثم أحيوا قال الله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ
وفي الخبر: ما خلا يهودي بمسلم إلا وهم بقتله وقد ادعوا بمعتقدهم أمرا فاسدا ولهم فيه شبهتان (الاولى) أنهم لا يجيزون نسخ الشرائع وهم عميان فكيف يجوز أن يأمر بشيء ثم ينهي عنه لان هذا يوجب البذاء والله لا يجوز عليه البذاء (الجواب) أليس الله نهى أن نعتقد نبوة موسى قبل أن يجعله نبيا ثم أمر أن نعتقد نبوته ولم يوجب ذلك بداء وأرسله بعد ان لم يكن رسولا ولم يكن بدأه وكذلك يأمر بشريعة ثم ينسخها ولا يكون بداء وكذلك يخلق الحياة في الانسان بعد ان كان ميتا ثم يحييه ولا يكون بداء وكذلك أمر آدم بتزويج الاخوة من الاخوات ثم نهاه ولم يكن بداء وكذلك أباح العمل في السبت ثم حرمه في أيام موسى ولم يكن بداء فكذلك اليوم ولا
(1/115)

جواب لهم بل علم أن المصلحة في ذلك الزمان كذا واليوم كذا، كما إذا خرج الرجل الى السوق يغلق الباب ثم يرجع إلى الدار ويفتحها. (الشبهة الثانية) قالوا: قال موسى صلوات الله عليه شريعتي عليكم مؤبدة ما دامت السموات والارض فمن دعاكم الى نسخها فاقتلوه. (الجواب) هل قال مؤبدة في كل وقت ما دمتم أحياء وموتى وأطفالا؟ قالوا لا لأن الدليل قام أن من لا عقل له ولا حياة له لا تكليف عليه قلنا قد قام الدليل عقلا أن المعجزة دليل على صدق المتحدي بالنبوة فلما وجب صحة نبوة موسى وجبت نبوة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلم ومعنى قوله دعاكم الى تركها فاقتلوه ممن لا يقيم الدليل على صدقه لان شريعة موسى تصديق الانبياء لا تكذيبهم وقوله تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والارض لم يصح بل هو من وضع ابن الراوندي ولو صح لادعاء علماء اليهود في عهد النبي صلّى الله عليه وسلم قالوا إنه مبعوث الى العرب دون العجم قلنا قال الله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً
فتناول العرب والعجم وكان نبيا صادقا فقال: بعثت الى الأحمر والأسود فبطلت دعواهم والحمد لله رب العالمين.
(1/116)

(الباب التاسع في الرد على عبدة الأوثان وعبدة البقر والكواكب)
من أصحابنا من قال هؤلاء لا يناظرون مجانين ولا كلام ولا جواب ولا ضرب الرقاب ثم نقول: يا معشر الحمير أما تستحيون تعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون مالكم عقل وحياء!؟ كيف أطعتم الشيطان؟ هذا حجر وذاك بقر وذاك كواكب لا يضرون ولا ينفعون ولا يفهمون صم بكم عمى فهم لا يعقلون، ويلكم لأي معنى تعبدون فبأي حديث بعده يؤمنون فان ابليس يغركم وأنتم لا تشعرون، هذه الأصنام لا ترزقكم ولا تضركم ولا تحفظكم من النوائب ما معنى عبادتها أئفكا آلهة دون الله تريدون!؟ فما ظنكم برب العالمين، هذه البقر لم تكن في العالم ولم تكن معبود كم ثم تخرج من جوف أمها وصارت معبودكم والحجر الذي تنحتون كيف يصير إلها!؟ والبقر كيف تكون آلهة والكواكب جرم مضيء مسخر مهور كيف يصير إلها فالجماد الذي لا روح فيه ولا قدرة ولا إرادة ولا خير ولا شر كيف يكون إلها تالله ان ابليس يضحك بلحاهم ولقد أغواهم وأرداهم، ولقد بلغني أنهم يعبدون حجرا ثم يرون حجرا أحسن منه فيرمون الأول ويستنجون به ثم يأخذون الثاني وهذا ضلال عظيم، وبلغني أن بني حنيفة كان لهم صنم عملوه من التمر والدقيق وركبوا
(1/117)

فيه الجواهر فأصابهم مخمصة فأكلوه فهل رأيت قوما أكلوا إلههم فأصبحوا والعرب يضحكون بهم وإن بعضهم كان يعبد صنما فوضعه ثم ذهب الى أمر له فإذا بثعلب جاء وبال عليه فأدركه التوفيق فكسره وقال أنت لم تحفظ نفسك فكيف تحفظني وأنشد:
ورب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
فلعن الله العزى والمناة ومن يؤمن بهما إلى يوم القيامة فلنا العزيز الجبار ولهم العزى والنار، قالوا هي بنات الله وشفعاؤنا الى الله ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
الجواب: قلنا لهم يا حمير إن كانت بنات الله فمن أمهن وكيف ولدن وأي نسبة بين القديم والحجر!؟ الله تعالى حي عالم قادر مريد سميع بصير وهن أحجار لا تضر ولا تنفع أسلموا كي تسلموا فإن ذلك برهان الدسائس ويضيع العمر بكلب حي خير من حجر منحوت فهل لا يتخذون الكلب إلها لعنهم الله أنى يؤفكون فابشروا بالاسلام يا معاشر المسلمين واحمدوا الله على سلامة الدين فأهل الأوثان فداؤكم من النار يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون.
(1/118)

(الباب العاشر في الرد على اخوانهم المجوس)
أعلم أنهم يقولون بإلهين اثنين نور وظلمة ويسمون النور يزدان والظلمة الشيطان وهو أهرمن. فالنور لا يكون منه إلا الخير، والشيطان لا يكون منه الا الشر فجميع ما يجري في العالم من الخير من فعال النور وجميع ما يجري من الشر فهو فعل الظلمة وهو الشيطان فنقول يا معشر المجوس من أحدث الشيطان؟ فان قالوا أحدثه يزدان قيل فقد أحدث الشيطان الذي هو أعظم الشرور فما أنكرتم أن يحدث سائر الشرور وان قالوا لا يحدث قيل فما أنكرتم أن تكون الحوادث كلها لا محدث لها. (دليل آخر) إذا جاز قدم الباري وهو نور وضياء فما أنكرتم قدم الشيطان الذي هو ظلمة فكل علة أوجبوا بها حدوث الظلام أوجبنا عليهم بمثلها حدوث النور. (دليل آخر) من خلق الظلام؟ فان قالوا النور قلنا فقد علم أنه يفعل الشر أم لا إن قالوا لم يعلم فهو جاهل وإن قالوا علم خلقه للشر يجوز أن يخلق الظالم والجائر والسباع والعقارب وإن قالوا حدث بنفسه فيلزمهم أن تحدث جميع الحوادث بنفسها وذواتها ولا يحتاج فعل إلى فاعل وصنع إلى صانع، وهو محال ثم نقول رجل قتل رجلا ظلما ثم ندم أليس القتل شرا قالوا بلى قلنا أليس الندم خيرا قالوا بلى قلنا فعندكم الذي يفعل الشر لا يفعل الخير فكيف هذا.
(1/119)

(دليل آخر) إن الظلام لا يخلو إما أن يكون موجودا حقيقة أو لم يكن فإن كان وجوده وجودا حقيقيا فقد ساوى النور في الوجود وبطل الامتياز من كل وجه وكذلك ساواه في القدم والوجدة ثم الوجود من حيث هو موجود خير لا محالة فلم يكن الظلام شرا فبطل مذهبهم وإن لم يكن موجودا حقيقة فما ليس بموجود أو كيف يكون قديما وكيف يساوي ضده وكيف يحصل فيه امتزاج فكل ما ذكره باطل لا أصل له.
(الباب الحادي عشر في الرد على البراهمة)
وهم قوم في بلاد الهند منكرون إرسال الرسل ويقولون لا يجوز في العقل إرسال الانبياء الى الخلق ومنهم من قال كان آدم نبيا فقط وقال قوم إبراهيم صلوات الله عليه، وقيل من هذا سموا براهمة، ثم من العجب انهم يعبدون الأوثان ولا يأكلون اللحوم وأبو العلاء المعرّي لعنه الله كان منهم فنقول ان الدليل على جواز بعثة الرسل أن العقل يجوز ذلك فصانع العالم يعلم من مصالح عباده وما لهم في فعله من النفع وفي تركه من الضرر ما لا يعلمه أحد فيرسل الانبياء فيرشدونهم إلى مصالحهم فلا إستحالة في ذلك فمن قال إنه مستحيل فهو كافر معاند فإن المريض يحتاج إلى الطبيب
(1/120)

فمعرفة صلاحهم وفسادهم من قبل الله عز وجل بمنزلة المريض المحتاج إلى معرفة الطبيب ليرشده إلى المصالح.
(دليل آخر) نعلم ضرورة أن الناس يتفاضلون في العلم والادراك ويدرك بعض الناس من العلوم ما لو بقي غيره طول الاعمار لم يبلغه فمن ذا الذي ينكر ان القديم يعلم من ذلك ما لا يعلم مع كون معلوماته لا نهاية لها فيحتاج إليه في معرفة المصالح من المفاسد ونحن لا نشاهد الله عيانا ولا نكلمه كفاحا فنحتاج إلى سفير يخبرنا عنه فقد أرسل إلينا الرسل وأخبرنا بالشرائع فان الجاهل يحتاج إلى معلم والعاقل يحتاج الى منبه فدل على أن ارسال الرسل غير مستحيل ولا يهولنك قول الباطنية لعنهم الله تعالى انا نقول لا بد من نبي أو امام معصوم فلم يتعقلوا فإنهم لا يعتقدون وجوب الصانع فكيف الرسل، والرسل قد جاءت وأظهرت الحجج والعلماء باقون كثرهم الله تعالى. والكتاب والسنة وأحكام الشريعة كلها منظمة بحمد الله ومنه وهم يريدون بزعمهم ومقصودهم انسلاخ الناس من دين الله عز وجل وفتح باب الاباحة وإذا ثبت أن انبعاث الرسل جائز فلا بد للرسول من علم ينبيء به من بين سائر الخلق إذا كانت بينة النبي كبينة المتنبيء والصورة كالصورة والدعوى كالدعوى والعدة بالعدة والثمرة بالثمرة وذلك العلم المعجز فلا يجوز أن يكون مما يقدر عليه
(1/121)

البشر ولا يقدر عليه بالتفرد إلا الله تعالى إذ مقامه مقام الشهادة بالتصديق، فإن قالوا نحن نعرف ذلك بالعقل فلا حاجة الى الرسل. (الجواب) كذبتم بالاحكام الشرعية من الحلال والحرام والواجب والمحظور والمندوب والمكروه ولا يمكن معرفة إلا من جهة الرسل فامسكوا عن هذيانكم ولا تقدرون على ذلك أبدا.
(الباب الثاني عشر في الرد على النصارى لعنهم الله)
فلم قلتم أن المسيح إله؟ فالملكانية قالت: ان الله عز وجل حل في بطن مريم فحدث عيسى من حوله فهو ابن له ومريم أمه زوجة إلههم وقالت النسطورية لعنهم الله: شخصه محدث وروحه قديم، وقالت اليعقوبية: ناسوت ولاهوت اجتمعا في شخص عيسى قلنا فقد كفرتم فالاله كيف تجوز عليه الولادة والشرف والهرب والقتل؟ قالوا العجب مولده وكثرة آياته قلنا مولد آدم أعجب لا أم ولا أب وكذا الملائكة فيجب أن يكون آدم والملائكة آلهة فالروم والهند وفارس يسمون ملوكهم آلهة وما يقوم به الحوادث أو ما يقوم بالحوادث فمحدث فثبت بها أنه ليس باله ولم قلتم ان الباري جوهر؟
قالوا لانه ليس بعرض فهو جوهر قلنا الباري إما أن يكون عرضا أو قابلا للأعراض فلا جواب ثم نقول إذا أثبتم أربعة
(1/122)

أبا وإبنا وحياة وقدرة فلم لم يلزمكم أن تثبتوا اقنوما خامسا هو سمع وسادسا هو بصر وإرادة وبقاء ولا جواب له.
(الباب الثالث عشر في جوابات الروم)
الأول؛ قالوا عيسى أفضل من محمد وقوم قالوا هو إله الجواب: من أحمق ممن يقول هو إله ثم إنه قتل وصلب هل رأيت في عالم الله أحمق من النصارى عيسى يقول أنا عبد الله وهم يقولون كذبت أنت إله وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول أبو بكر: خير الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم والروافض تقول كذبت أنت خير الناس ثم تقول إذا كان عيسى إلها فلم كان يصلي ويصوم فان قالوا ليعلم الناس ذلك قلنا أو ليس رأى الناس يصلون ويصومون ثم نقول إذا كان إلهكم المسيح وهو ابن مريم فوجب أن يكون عمران أبو مريم جده والجد قبل الولد وزعمتم أن مريم امرأة يوسف النجار فيجب أن يكون يوسف تزوّج أم إلهكم ثم نقول أليس زعمتم انه كان ثلاثين سنة على شريعة التوراة ودين اليهودية فيدخل الكنيسة ويحرم السبت، فيجب أن يكون المسيح الاله يهوديا ثلاثين سنة ثم نقول هل كان ينام، فان قالوا نعم قلنا النوم يزيل التدبير وينقضه فكيف يدبر العالم من هو نائم وإن قالوا لا ينام قلنا إذا جاز أن يقتل فلم لا يجوز أن
(1/123)

ينام ثم نقول هل كان في حال قتلهم له حيا، فإن قالوا نعم فما أقروا بقتله وإن قالوا قتلوه من عند أنفسهم قلنا فقولوا صلبوه من عند أنفسهم ومريم ولدت من عند نفسها. (شبهة) كان يحيى الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص وعن الغيب ينبئكم بما تأكلون وما تدخرون. (الجواب) هذا لا يصح لان البشر لا يقدر على إحياء الموتى ولا إبراء الأكمة بل كل ذلك محض فعل الله تعالى لا يقدر البشر عليه بل الله يفعل ذلك عند إدعاء عيسى النبوة تصديقا له وقد أنزل على نبينا قرآنا يحيي به القلوب وقد نسخ شريعته بشريعة محمد صلّى الله عليه وسلم وهو مبشر بمحمد (صلّى الله عليه وسلم) ثم السر فيه انه كان مبعوثا في زمن الاطباء فاحتاج الى معجزة يعجز أهل زمانه عن مثلها ونبينا كان مبعوثا في زمن الفصاحة فلهذا أيد بالقبول (جواب) موسى جعل خشبا مصمتا ثعبانا ذا رؤوس ولم يكن أفضل عندك من عيسى ثم الفضل انما يكون بتفضيل الله تعالى يعني أن ثوابه أكثر بكثرة منافعه وفوائده ومحمد صلّى الله عليه وسلم مبعوث إلى الجن والانس والشرق والغرب وعيسى مبعوث الى طائفة وأن محمدا انسخ شريعته والناسخ أدخل من المنسوخ مثاله السلطان إذا قطع بلدة من غلام ثم بعد ذلك عزله وخص به غيره يعلم أن الثاني عنده أفضل من الاول ثم الانبياء كانوا يأتون بالمعجزات الخوارق فيلزم أن
(1/124)

يكونوا لاهوتا وآلهة ومن حمق النصارى إنهم يجوزون النسخ لعيسى دون محمد صلّى الله عليه وسلم فلو قال تائل لم جاز لعيسى أن ينسخ شريعة موسى ولم يجز لمحمد صلّى الله عليه وسلم أن ينسخ شريعة عيسى ولا يجدون له جوابا ومحمد صلّى الله عليه وسلم أفضل لأن شريعته باقية الى يوم القيامة وشريعة عيسى صلوات الله عليه منسوخة لان عيسى يكون في آخر الزمان على مذهب محمد صلّى الله عليه وسلم ويموت على ملته وأخبرنا المعصوم أن آدم ومن دونه تحت لوائي وهذه الامة أعلم من سائر الامم ولهذا قيل في وصف الامة علماء وحكماء. (شبهة أخرى) قالوا عيسى حي ومحمد صلّى الله عليه وسلم ميت والحي أفضل من الميت. (الجواب) حاشا لنبينا صلّى الله عليه وسلم أن يكون ميتا بل هو حي في أحكام الآخرة عالم بشأن الامة مترقب لمجيء القيامة. (جواب آخر) أبم رفع عيسى لأنكم معشر الروم تقتلونه ومحمد صلّى الله عليه وسلم خير بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة. (جواب آخر) إنما رفع ليكون مبشرا لنبينا صلّى الله عليه وسلم. (جواب آخر) الفضل لا يكون بالحياة والممات فإن ابليس حي ومريم ميتة ولا يدل ذلك على أن ابليس لعنه الله خير منها وحاش لله بل هي صديقة وهو لعين وآدم عمر ألف سنة ونيفا وعمر إبليس مائة ألف سنة ولا يكون ابليس أفضل منه والتفضيل بكثرة الثواب والدرجة ولا خلاف أن درجة محمد صلّى الله عليه وسلم أرفع من درجات النبيين.
(1/125)

(إلزام آخر) لما وضعت مريم حملها انفصل اللاهوت أم الناسوت فإن قالوا انفصل منها اللاهوت فنعوذ بالله ونبرأ من إله يخرج من فرج امرأة وكفاهم هذه فضيحة أن إلههم يخرج من فرج وإن قالوا انفصل منها ناسوت ثم اتصل بها اللاهوت فالتغير والحدوث والانفصال والاتصال من علامات الحوادث والآن هذه مناقضة عظيمة قالوا انه قديم ثم يقولون إن اليهود قتلوه وصلبوه. (شبهة أخرى) قالوا سماه الله تعالى في الانجيل ولدا قال يا عيسى. أنت ابني وأنا ولدتك وقال عيسى أنا ذاهب الى أبي فنحن ندعوه ابن الله على وجه التشريف كما يقولون محمد حبيب الله وابراهيم خليل الله.
(والجواب) روايتكم لا تصح لان كتابكم محرف وكلامكم كذب وإن صح ذلك فأنتم تدعونه في الانجيل أنت ابني أو أنا ولدتك أي ربيتك، ولهذا قيل احكموا العربية فان النصارى كفرت بنقطة واحدة ويجوز أن يقال محمد حبيب الله وابراهيم خليل الله ولا يجوز أن يقال عيسى ابن الله لدقيقة أن المحبة والصداقة لا توجد المجانسة فلا يصح أن يقال هذا الفرس ابني ولا مجانسة بين القديم والمحدث فافهم.
(الباب الرابع عشر في الرد على الاباحية)
ولهم شبه (الاولى) قالت قال الله تعالى
(1/126)

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
ذم قوما اجتنبوا أكل الطيبات، والطيبات في لغة العرب الأكل والجماع وقال الله تعالى خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ
فنعرف ان جميع الطيبات مخلوقة لعباده فقد أعطانا الله تعالى التحرم على أنفسنا فلا ندع كتاب ربنا بقول اعرابي بوال يروي خبرا لا ندري صحته وقال تعالى لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا
رفع الاثم عمن يتناول الطعام والمباشرة في معناه فدل ان كل من فعل فعلا تشتهيه نفسه ويدعو إليه طبعه يحل له. (الجواب) هذه خطبة الزندقة وتحرك سلسلة الالحاد فقوله خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
خطاب لآدم وبنيه وكانوا مؤمنين فلا يتناولكم الخطاب لانكم كفار وهذا لان الله سبحانه وتعالى أباح الطيبات للذين آمنوا ولستم بمؤمنين فلا نصيب لكم فيها لان المؤمن من يصدق الله ورسوله وأنتم لا تصدقونه فانه يقول الخمر رجس وأنت تقول هي طيبات الدنيا ثم هو معارض بقوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
وقال تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ
الآية وقال تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
فمن استحل شريعة واحدة وخصلة واحدة يكفر فما ظنك بنفسك وقد استحللت سبعين
(1/127)

شريعة أفلا تكون زنديقا!؟ ثم يقول هل يعتقد أن محمدا رسول الله فإنه لا يعتقد حتى يقيم عليك دلائل النبوّة وإن اعتقد أنه رسول فقال ان الله تعالى حرّم الخمر وثمنها وقال من ترك الصلاة فقد كفر ولا يخلون أحدكم بامرأة فمن خالفه في هذه النصوص فقد كفر ثم يكفيك هذه أولا. (قاعدة) اعلم ان التربية بدل الاباحة على ان بعض الناس يأخذ بعضهم ويقول أنت أختي ويقول للمرد أنتم أصحابي نقلة ووسيلة الى النظر والشهوة وهو بذر الاباحة فانها تدعو الى النظر والنظر يدعو إلى الخلوة والخلوة تدعو الى الوقاع وهو حرام.
(الشبهة الثانية) قالوا ليس بحكيم من يصنع الطعام المشتهى ويضعه بين يدي الجائع ويمنعه من التناول أو الشعير بين يدي الحمار والنفس بمنزلة الكلب أترى من طرح الطعام إليه ثم يمنعه من ذلك هل يكون حكيما أو هل يطيعه الكلب وهو يقاوم نفسه؟ فكذا خلق النساء للرجال فيجوز مباشرتهن ومن الذي يملك نفسه عند الشهوة نحن لا نتمالك والحكيم عرف ذلك منا، خلق اللذيذة الشهية والنفوس تشتاق إليها ولا نتمالك لأنفسنا التدبير، وما الحكمة في الخلق ثم الخطور وهذا كما قلتم ان الاشياء قبل ورود الشرع حكمها الاباحة ونحن نتضرر بتركها والله لا يتضرر بفعلنا فوجب أن يباح.
(الجواب) عن صبوح يرفعون ان هذا سؤال وخطبة الزندقة
(1/128)

ويلزمكم أن يكون الكفر مباحا فان الباري لا يتضرر بذلك ثم نقول هو حكيم طرح الى البهيمة الشعير المنقى دون المغشوش وأمسك عن الكلب الطعام المسموم لئلا يقتله رحمة وشفقة كالطبيب المشفق يحمي المريض عن الشهوات لئلا تقتله وكذلك أباح لك السكر والعسل وحرّم عليك الخمر لئلا يزيل عقلك فيجعلك بمنزلة الحمار وأباح لك التصرف في ملكك دون ملك غيرك وأباح لك أربعة مهائر وقال لا تطمع في زوجة جارك فإنه يقبح أن تأكل خبزه وتلطخ فراشه، يجتمع عشرة على امرأة فيكون ولد فكل واحد ينازعه هذا يقول لفلان وهذا يقول لفلان فيضيع الولد ويختلط النسب فلا يعرف ابنه من ابن غيره وتبقى المرأة بلا مهر ولا نفقة أجيبوني يا حمير أيها أحسن؟ قال لنا حكيم هذا داء وسم وهذا دواء وترياق ان تناولت السم يقتلك وان تناولت هذا يسمنك فأيهما خير. (الشبهة الثالثة) العبد لا بد أن يكون فقيرا مفلسا لتحقق عبوديته لان الله تعالى وصف العبيد بكونهم فقراء الله تعالى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
والطاعات دعاوى وشرك فالعبد ينبغي أن يكون له شيء والله الغني وأنتم الفقراء فلا يجوز أن يكون غنيا بالصلاة والزكاة. (والجواب) يلزمكم أن تتبرؤا عن الايمان ومعرفة الله تعالى فان من عرف الله تعالى فهو غني
(1/129)

بالله بل هو أغنى الاغنياء أجيبوا يا مخاذيل ولا جواب لهم أبدا، ثم نقول هذا خلاف العقل والشرع والعرف فان العقلاء يتقربون الى الله بالطاعات وأنتم تقولون الطاعة حجاب والعقلاء يغارون على العيال وأنتم تجلسونهم مع الاجانب والعقلاء يحترزون عن العيب والعار وأنتم لا تتحاشون والعاقل اذا رأى أهله مع أجنبي يضربها وأنتم تقولون يا زوجي قد وقفتك على إخواني فأنتم مجانين وقد رددتم الانبياء والكتاب والسنة ونفوسكم بمنزلة الكلاب إذ لا يعتقدون الشريعة. قوله لا يقدر على شيء. (قلنا) شيء بملكه والعباد والبلاد لله وكيف نتصرف في ملكه بغير اذنه والله يقول لا تدفع إليه شيئا فان أعطيته عبدك وأهلك وأنت تخالف ربك فأنت كافر، ان قيل فمن المباحي. (قلنا) من استحل شرب الخمر وترك الصلاة والخلوة مع النساء الاجانب ونعوذ بالله من ذلك فهو مباحي يجب قتله فان قيل لا أحد يقول بأن الخمر حلال والخلوة بهن جائزة فكيف نعرفهم؟ (الجواب) قلنا نعرفهم بلحن القول كما نعرف المنافقين ويتكرر منهم ذلك.
(1/130)

كتاب فوائد الدين
وهو ستة عشر بابا
(الباب الأول في فوائد المال)
وهي أربع (أحدها) دنيوي وهو الأكل والشرب والتمتع والاستغناء عن الناس وصيانة النفس وقوة العين فان الفقير حي كالميت. (الثاني) الانفاق على نفسه واستنفاده في وجوه العبادات كالحج والغزو والرباط والمساجد واقراء الضيف، وكل ما لا يوصل الى العبادة الا به فهو عين العبادة بقدر القوت والكفاية فمن لم يكن له كفاية فيصبح مشغولا بطلبها متحيرا في وجهها فأين يتفرغ الى العبادة. (حكاية الشيخ أبي القاسم كركان) كان فريغ عمره في الزهد وكان له ضيعة منها كفايته فأخذ يوما حفنة من الغلة وقال ترون هذا أحب إلي من توكل المتوكلين يعني فراغ قلبه ذكر سلطان العارفين أبو علي الفارمدي قدس الله روحه وهي اشارة صحيحة ان النفس لا تطمئن ما لم تحرز قوتها. (الثالثة) يتصدق وينفق على الفقراء والغرباء ويستغنم دعاءهم وينفق في وجوه المروآت والحرمات ويسترق الاحرار بالهدايا والمواساة ويستجلب به قلوب العلماء ويدخر به ذكر الجميل والثناء الجزيل ويصون به عرضه باعطائه الشعراء ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلم اقطع عني لسانه يعني بذلك الشاعر الذي مدحه
(1/131)

يعني اعطه شيئا يرضى به. (الفائدة الرابعة) يصرفه الى الخدم والحشم يستميل به قلوبهم ويشتري به أعراضهم فإنهم يكفونه كل خدمة ومؤنة من الغسل والطبخ والكنس والبيع والشراء فلو احتاج أن يتولى ذلك بنفسه لذهب عمره في آحادها دون البلوغ الى كلياتها فاذا تولوا ذلك يتفرغ الى عبادة الله وذلك حظ الآخرة، وأيضا المال يحيى ذكر الرجال ويبقى بناء الناس فانهم إذا وقفوا على الفقراء والعلماء واتخذوا المساجد والرباطات وسائر الخيرات فلا يخفى فائدتها كما قيل الدنيا بالاموال والآخرة بالاعمال.
(الباب الثاني في آفات المال)
وهي ثلاثة. (الآفة الاولى) ان المال سبب المعصية يسهل على صاحبه طريق الفسق والفجور فيبعث الشهوات من صميم قلبه ويتبع الخطرات من سويداء فؤاده فتتلاطم دواعي الفساد من كل جانب اذ يده متسعة وأمواله مجتمعة والنفس أمارة بالسوء فبطلت الرياسة، ومن كان جليس المسجد وينافس الرؤساء ومن كان مخمولا ويباري الاغنياء ومن كان معدودا في جملة الفقراء فيكون ذلك سبب هلاكه.
(الآفة الثانية) من لم يجد المال يمكنه التصبر والقناعة، أيا من استغنى فقد طغى وبغى كما قال الله تعالى
(1/132)

كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
فلا يمكنه أن يحفظ دينه ونفسه فيمرغ في نعيم الدنيا فيأكل حلوا ويلبس ناعما يغدو ببلدة ويروح بأخرى فتصير دنياه جنته فينسى الآخرة ويكره الموت وذكره، لا يتهيأ لأحد أسباب التنعم في الدوام من وجه حلال فان المال غاد ورائح والدنيا اقبال وادبار والايام دول يوم لنا ويوم علينا فتغير الاحوال ولا يمكنه كسب الحلال فيقع في الشبهة ثم في الحرام فيحتاج الى خدمة الاتراك وخدمة السلاطين الشياطين فيداهنهم في الدين خوفا على دنياه ويمازحهم رياء ونفاقا وكذبا فيصبح مرائيا مداهنا ليس ورعا قنوعا وتتشعب به الهموم فمن شغل واحد من أشغال الدنيا تنبعث عدة أشغال فإذا فرغ من واد وقع في واد آخر وجعل الله الفقر بين عينيه فلا يتفرغ من محاسبة الفلاحين والاكارين والبقالين الى نفسه فكيف الى ربه، ولا يتفرغ من دنياه فكيف الى آخرته فيصبح حيران ويمسي سكران جيفة بالليل بطال بالنهار سكارى حيارى لا مسلمون ولا نصارى، وأيضا تكثر خصماؤه وحساده فواحد يحسده وآخر يجرد عليه فيفتح عليه أبواب المعاصي من الكذب والغيبة والطعن والحسد لانه آدمي يقوم بمجازاتهم فيضيع وقته وفي ضياع وقته ضياع عمره فان كنت في ريب من هذا فتأمل في حال السلاطين والامراء والرؤساء فان موتهم أكبر وهمومهم أعظم
(1/133)

على قدر أهل العزم تأتي العزائم والهموم بقدر الهمم وهذا سر قوله صلّى الله عليه وسلم حب الدنيا رأس كل خطيئة، فان شأن الدنيا هاوية لا قعر لها في كلمة منها تنبعث خصومات وأمور لا حصر لها فتأمل في خامل يكثر أشغاله كيف يتمنى الموت في كل ساعة لازدحام الآفات والخصومات وأعوذ بالله من تفرقة القلب. (الآفة الثالثة) ان لم ينفق في المعصية ولم يتمرغ في نعيمها ويكسب من الحلال وينفق من الحلال وهيهات دون عليات العبادة والخرط أليس يحتاج الى حفظه وحرزه فيشتغل قلبه عن ذكر الله فلا يتفرغ الى الله قصيره عن طويله صاحب المال يضيع عمره في محاسبة الوكلاء والغرماء والخراج والحساب فيتنغص عيشه، قرأت في بعض التفاسير في قوله تعالى كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
إنما شبه الحياة الدنيا والمقام فيها بالماء لمعنى دقيق وهو أن في البيت إذا كان بقدر الحاجة ينتفع به صاحب البيت فإذا كثر وغلب على البيت أهلك صاحب البيت كذلك صاحب بيت الدنيا اذا قنع بقدر الكفاية ينتفع بها وإذا تمرغ فيها هلك وأهلك، قال بعض ظرفاء بغداد: الكفر خير من المال فقيل له في ذلك فقال لان من يتهم بالكفر إذا تاب تقبل توبته ومن اتهم بالمال لا تقبل توبته بل يضرب عليه ضربا بعد ضرب حتى يموت فقد علم العلماء أن قدر الكفاية ترياق وما سواه وبال دعاق
(1/134)

ولهذه الآفات قال النبي صلّى الله عليه وسلم: الدنيا رأس كل خطيئة.
(الباب الثالث في رقية المال)
إعلم أن المال كالسم القاتل وهو كالحية ليّن لمسها قاتل سمها ومن لم يحسن الرقية فأخلق به أن يهلك ويهلك، ورقية المال خمسة أشياء. (الاول) أن يعلم أن المال خلق ليكون آلة المسافة الى الآخرة وليكون زادا لعقبى وأنه غير مقصود في نفسه فإنه حجر لا يضر ولا ينفع ولا يؤكل ولا يشرب وان من اتخذه ورصده فهو من الذين قال الله هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا
وقال صلّى الله عليه وسلم: تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم فخلق المال لاجل قوت البيت وترتيبه وخلق الحواس والعقل لاجل القلب وخلق القلب لمعرفة الدين فلا ينوط قلبه به ولا يراه مقصودا في نفسه فيكون عابدا ومعبودا. (والثاني) أن يحفظ وجوه الدخل حتى لا يكون من الحرام والشبهة والرشا. (والثالث) أن يكتفي بمقدار الحاجة فلا يجمع أكثر من ذلك فيكون من الذين قال الله تعالى في حقهم وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ، الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ، يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ
. (والرابع) أن يضبط وجوه اخراجاته حتى لا ينفقه في معصية. (والخامس) أن يصحح نيته في الدخل والخرج فيمسك ما يمسك بنية فراغ
(1/135)

القلب الى العبادات وينفق ما ينفق بنية الزهد والاستهانة بالدنيا ويحفظ لنوائب الدين وحوادث الاسلام دون مقابلة المسلمين وطلب عمل الشيطان فمن جمع بهذه النية فلا يضره جمع المال بحال من الأحوال. (دقيقة) تفتت أكباد الرجال وهي ان جمعه لمهمات الاسلام فعلامته أن يكون الانفاق أحب إليه من الامساك فمن كان صادقا في هذه الدعوى فأكثر الله في الاخوان مثله وإن كان بخلافه فدع ذكر اللئام من الحساب والله تعالى أعلم.
(الباب الرابع في أنه هل يجوز لعنة الظالمين أم لا)
إعلم أن اللعنة في قضية اللغة الطرد ولا يدري أحد أن واحدا مطرود عن رحمة الله أو عن بابه أو عن كرامته ان هذا حكم الغيب عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً
أما اذا أطلق فيجوز لعنة الله على الظالمين والفاسقين والمبتدعين فيجوز، وحيث ورد الشرع بلعن قوم معينين فيجوز لعنتهم ومن مات على الكفر فيجوز لعنتهم مثل فرعون وأبي جهل وإذا عين واحدا من الظالمين. واليهود فيقول عليه لعنة الله ففيه خطر عظيم فربما أسلم ويموت على الاسلام فيكون لاعنا مسلما. فان قيل بهذا يجوز على مذهب أهل السنة لعنة يزيد فأقول يجوز أن يقال لعنة الله على قاتل الحسين ان مات قبل
(1/136)

التوبة فان قتل الأولياء والاوصياء والاصفياء لا يكون أعظم من الكفر، والكافر إذا أسلم لا يجوز لعنته فإن وحشيا قتل حمزة رضي الله عنه ثم أسلم فسقطت عنه اللعنة وأما حال يزيد الشقي فلا يتبين انه قتله أو أمر بقتله. فمن قائل انه قتله ومن قائل أنه أمر به وفي التاريخ انه قتل شمرا وشتم ابن زياد فقال لعن الله ابن مرجانة لقد بغضني الى الناس الى يوم القيامة، وكان قتله بسبب هذه الدنيا الميشومة ومدة خلافته ثلاث سنين ولقد ذهب من الدنيا بخزى عظيم وشأن قبيح وقد صدق جرير حيث قال:
وكنت إذا نزلت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا
واعلم أن لعنة إبليس في المعرض الخطر فإنه يقال يوم القيامة: لم لعنته وماذا أردت به وابن آدم مستغن عن هذا لو لزم سعادته فلو لم يلعن إبليس في مدة عمره يقال له لم لم تلعنه ولو لعنه يقال له لم لعنته وما قصدك فيه والاشتغال فيه والاشتغال بالتسبيح أولى، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا.
(الباب الخامس في الترخيص بالكذب)
أعلم أن الكذب حرام، لكن ان وقعت الحاجة إليه
(1/137)

وقصد به مصلحة لا يكون حراما لأنه إذا أراد به الخير والصلاح فلا يسود قلبه ولا ينكت فيه نكتة سوداء؛ انعند اجماع أمة محمد صلّى الله عليه وسلم أن مسلما لو هرب من ظالم يريد سفك دمه وسأل عن مكانه فلا يجوز أن يصدق بل يجب عليه أن يكذب وقد رخص الشارع في الكذب في ثلاثة مواضع. فقال:
ليس بكذاب من أصلح بين اثنين، وفي الحرب إذ الحرب خدعة، ومن كان له امرأتان، ومن فعل أمرا قبيحا لا يجوز له أن يصدق ويقول فقلت كذا وإن سئل عنه يستره ويخفيه ولقد ستره الله بستره ان لم يهتك على نفسه ستره فان الشرع يستر الامور القبيحة وإذا نشزت امرأته فيجوز أن يعدها بمواعيد كاذبة وإن لم يكن قادرا عليها، والسر فيه أن الكذب قبيح منهي عنه ولكن إذا توالد من الصدق ضرر وشرور فترك هذا بشر هذا بمعيار العقل وميزان الشرع فكل من يرجح جانبه يأخذ به ان صدقا فصدقا وان كذبا فكذبا، ومثاله الخصومة بين اثنين ووقوع الوحشة بين الزوجين وضياع المال وظهور الشر والافتضاح بسبب المعصية فلا خلاف أن الكذب يباح وكذلك الوزراء والرؤساء الذين هم السفراء بين الملوك والرعية مهما اطلعوا على سفك الدماء ونهب الاموال ورفع الحرمة لأقوام أو لامر يرجع إلى الدين والاعتقاد فيجوز لهم الكذب في ذلك
(1/138)

ويجري الاصلح فيه فافهم.
(الباب السادس في بيان أن الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصابر)
اختلف العلماء في ذلك والصحيح أن الفقير الصابر أفضل وتفسير قولنا أفضل أعني درجته فوق درجته وثوابه أكبر والسر فيه أن كل ما يشغلك عن ذكر الله تعالى وعبادته فهو مذموم لان الفقير حسابه أقل وكذا شغله ويتألم قلبه بكل شهوة يهواها فلا يدركها ويتمناها فلا يصل إليها ويكون نفورا عن الدنيا فتكون دنياه سجنه وفي حالة الموت تهون عليه سكراته ولا يلتفت الى الدنيا، الفقير يقل حرصه وحسده وكبره والمال آلة المعصية فإذا عدم الآلة فلا يعصي الله تعالى وأما الغني فهو بضد جميع ذلك لأنه استأنس بالدنيا فشق عليه فراقها ويكره الموت وتكثر حسرته ويعظم حسابه فحلالها حساب وحرامها عقاب فيكون قلبه متعلقا بالدنيا ويكون قلبه إلى ماله وحسن حاله والفقير قلبه إلى ربه وشتان بين من يميل إلى الدنيا ومن يميل الى الدين.
(الباب السابع في رسالة الفقراء الى النبي صلّى الله عليه وسلم)
في الخبر أن الفقراء شكوا الى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقالوا:
(1/139)

الاغنياء فازوا بخيرى الدنيا والآخرة يزكون ويتصدقون ويحجون ويغزون ولهم فضول أموال ينفقونها ولا نجد ذلك فرحب رسول الله صلّى الله عليه وسلم برسول الفقراء وقال جئت من عند أكرم قوم إلى الله تعالى قل لهم ان من صبر على الفقر لاجل الله يكون له ثلاث خصال لا يكون لاحد من الاغنياء مثلها.
(احدها) أن في الجنة قصورا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها ولا يسكنها الا الانبياء والفقراء والشهداء. (والثانية) أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخسمائة عام. (والثالثة) اذا قال الفقير مرة واحدة سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله ويقول الغني ذلك فلا يبلغ درجة الفقراء أبدا، فقال الفقراء: رضينا رضينا. (سئل) أبو حنيفة رحمه الله عن هذا الخبر فقال عنى به النبي صلّى الله عليه وسلم الاغنياء من هذه الامة لتكون على موافقة العقل فانا نعلم قطعا أن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما كانا من الاغنياء ولا يدخل الفقراء قبلهم الجنة.
(الباب الثامن في مزاح النبي صلّى الله عليه وسلم)
كان النبي صلّى الله عليه وسلم يمزح واستدبر رجلا من ورائه وأخذ بعينه وقال من يشتري مني العبد ووقف على وفد الحبشة ينظر إليهم وهم يدفون وعلى أصحاب الدركة وهم يلعبون ثم
(1/140)

قال ما أنا من دد ولا الددمنى والدد هو اللهو، يقول: بعثت بالحنيفية السمحة ووضع عني الاصر والاغلال التي كانت على بني اسرائيل، وما من أحد الا وفيه غريزة والغرائز لا تملك وان ملكها المرء بمغالبة النفس فترجع الى الطبع ويقال الطبع أملك وقد قيل:
ومن يبتدع ما ليس من سوس نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس ختمها
غيره
كل امرىء راجع يوما لشيمته ... وان تخلق أخلاقا الى حين
والناس يؤنسون به فأراد ان يوهم أن ليس فيه نظر وعبوس فلو ترك طريق الهشاشة والدماثة لانفضوا من حوله فمزح ليمزحوا ووقف ليقفوا على أصحاب الدركة وهم يلعبون فقال خذوا يا بني أرفدة لتعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة يريد ما يكون في الاعراس لإعلان النكاح وفي المآدب واللهو لاظهار السرور ولا يناقض قوله ما أنا من دد لان الدد هو الباطل وكان يمزح ولا يقول الا حقا.
(الباب التاسع في محبة الفرس)
إعلم أن الخير معقود بنواصي الخيل وأن الله خلق
(1/141)

الفرس من الريح ثم قال كتبت الخير على ناصيتك وقويتك حتى تطير من غير جناح فأنت تصلح للطلب والهرب وقال ما من امرىء مسلم ينقى لفرسه شعيرا ثم يعلقه عليه الا كتب له بكل حبة حسنة وقالت عائشة رضي الله عنها رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمسح وجه فرسه بطرف ردائه فقلت أكل هذا يا رسول الله فقال ان جبريل عاتبني آنفا في حق الخيل يا عائشة من علق مخلاة على فرس في سبيل الله كتب الله له حجة مبرورة وعمرة متقبلة وقال: الفرس ثلاثة فرس للرحمن وفرس للانسان وفرس للشيطان فأما الذي للرحمن فما اتخذ في سبيل الله وأمنا من أعدائه وأما الذي للانسان فما استطرق عليه طلبا لنتاجها ونمائها ودرها ونسلها وأما الذي للشيطان فما روهن عليه والمنفق عليها كالمتصدق وان الله أقسم بآثارها في سورة وَالْعادِياتِ.
(الباب العاشر في كيفية أكل الشيطان)
قال صلّى الله عليه وسلم الشيطان يأكل بشماله وهو روحاني كيف يأكل ويشرب فنقول أكله تشمم واسترواح لا مضغا ولا بلعا ففي الحديث ان طعامه الرمة وهي العظام وشرابه القذف وهي الرغوة والزبد وليس ينال من ذلك إلا الروائح فيقوم له مقام المضغ والبلع لذوي الجثث ويكون بذلك مشاركته ما لم
(1/142)

يسم على الطعام ولم يغسل يده أو وضع طعاما مكشوفا فتذهب بركة الطعام وقيل هذا مجاز فان الشيطان لا يأكل وهو كما قال: الحمرة زينة الشيطان لا يراد أنه يلبس وإنما المراد أنها الزينة التي يخيل بها.
(الباب الحادي عشر في حكم الشراب على المذهبين)
الخمر حرام بإجماع الامة، والخمر هو عصير العنب والدليل على تحريمه قوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
الى قوله فَاجْتَنِبُوهُ
وهذا تهديد وفيه دلائل أحدها أنه جعله رجسا وهو العين المحرم وجعله من عمل الشيطان وعمل الشيطان حرام وأشار الى العلة في قوله إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
وقال (أبو حنيفة) : الانبذة كلها حلال والمسكر حرام وكذا العصير اذا طبخ حلال، ثم اختلفوا فمن قائل إذا عرض على النار وان قل فهو نبيذ وقيل يجب أن يذهب ثلثه وقيل نصفه وقيل ثلثاه فيقول شراب مسكر فيحرم كالخمر. (فرع) شافعي المذهب إذا شرب النبيذ يفسق به ويجب عليه الحد حنفي المذهب يجب عليه الحد ولا ترد شهادته وقال المزني:
كيف يحد ولا ترد شهادته؟ فقيل الفرق بينهما ان الحد شرع ردعا لما يميل الطبع إليه ولما يدعو قليله الى كثيره فاحتجنا
(1/143)

الى الحد أمّا الشهادة فترد لأجل التهمة لخبث عقيدته، فإذا كان لا يبالي بارتكاب المحظور عنده لا يبالي بالكذب أيضا فإذا كان اعتقاده اباحته فليس في شيء يشغله عن المبالاة وما يستدل به على خبث اعتقاده لانه يستحله وان أكره على شرب الخمر بالسيف يحل له شربه ولا يأثم إذ ليس فيه سفك دم مسلم فان الخمر جائز للضرورة ولتسكين العطش والمداواة وان غص بلقمة وليس عنده الا الخمر حل له أن يسيغها به وإن كان به علة فشهد طبيبان أمينان مسلمان أن علته تزول بشرب الخمر هل يحل شربه وجهان أحدهما وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى يجوز للضرورة كأكل الميتة والثاني لا يجوز لقوله: ان الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم.
(الباب الثاني عشر في بيان طعام المرذكية من الحشيش والكثيرية)
إعلم أن طعام الملحدين والمرذكية حرام لا يجوز أكله ولا تحل ذبيحتهم ولا مناكحتهم فكل سلطان ووزير ينزل بساحتهم ويأتونه بطعام ينبغي أن لا يأكل منه لانه نجس حرام كذبائح المرتدين لانهم مرتدون يستحلون أكل الميتات ويقولون تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله فيقولون بئس قياس الناس بالمقياس نأكل ما ذبحنا بأمر الله ونترك ما ذبحه
(1/144)

الله وأماته بقوله وأمره، فمن اضطر إلى طعامهم يجوز تناوله كالميتة، ومن أراق ذلك الطعام فلا قيمة له وقيل إنهم يخلطون النجاسة به ويطعمون الغرباء ويجوز أكل ثمارهم لانها لا تطبخ.
(الباب الثالث عشر في نظر الخادمين إلى النساء)
أعلم أن النبي صلّى الله عليه وسلم أتى بغلام من بعض الغزوات وكان جميلا فلما نظر إليه أجلسه وراءه وأنهضه من بين يديه لأنه لا يخشى الفتنة لكن تأديبا لأمته لنقتدي به، فلو تجرد رجل في بيت مظلم أو في جوف الليل بحيث لا يراه أحد هل يجوز؟
وجهان: أحدهما يجوز لانه لا أحد ينظر إليه والثاني لا يجوز لأن الهواء لا يخلو من الملك والجن ومعه ملكاه قال النبي صلّى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام الا بالمئزر فقال أبو بكر يا رسول الله اني أدخل أحيانا ولا يكون معي أحد فأدخل بلا إزار فقال الله اولى أن يستحيا، منه والمرأة اذا اشترت عبدا هل يصير محرما لها على قولين. (الاول) في الجديد انه يصير محرما لقوله تعالى إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
ولا يجوز حمله على الأمة لانه يجوز النظر إليها من غير ملك. (والثاني) وهو مذهب الكوفى وهو الاحوط لا يصير محرما لانه ينقل هذه المحرمية بالعتق
(1/145)

ولانه يخشى الفتنة فصار كالاجنبي وقوله تعالى غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ
فمن قائل أراد به الصبيان وقيل أراد به الخصيان، ثم الخصى لا يخلو إمّا أن يكون ممسوحا سلت خصيتاه وذكره أو قطع أنثياه أو على عكسه، لا يجوز لها التجرد عن ثيابها بين يديه لانه يخشى منه الفتنة كما قيل أشد جماع جماع الخصيان، وكذلك إذا سل ذكره دون خصيتيه لانه يمسح ويحتلم وينزل فأما إذا كان ممسوحا فالصحيح من المذهب يجوز لها التجرد عن ثيابها، ومن أصحابنا من قال، على حالين ان مسح في الصغر فيجوز وإن مسح في الكبر لا يجوز، وكل خادم بقي ذكره لا يجوز له الدخول على النساء وينظر إليهن ولا يجوز للرجل أن ينظر إلى أخت زوجته إذ لا محرمية فإنها حرمت إذا طلقها تزوجها ولا يجوز للمرأة أن تنظر الى الأعمى لقوله صلّى الله عليه وسلم أفعمياوان أنتما.
(الباب الرابع عشر في حكم ما نعي الزكاة)
الشافعي رحمه الله تعالى يسميهم مرتدين لا أنهم كفرة ولكن امتنعوا من أداء الزكاة وأعرضوا عنه، والعرب. تقول لمن كان يفعل شيئا ثم صرف عنه وتركه ارتد عنه يقال ارتد فلان عن الطريق إذا حاد عنه والدليل عليه أنه لما قصد أبو بكر رضي الله عنه قتالهم فقال عمر رضي الله عنه تقاتل قوما
(1/146)

قالوا لا اله إلا الله وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل ... ) الخبر؛ وذلك بين في أشعار يقول:
ألا صبحونا قبل نائرة الفجر ... لعل منايانا قريب ولا ندري
أطعنا رسول الله ما دام بيننا ... فواعجبا ما بال ملك أبي بكر
فلما ظفر بهم قالوا ما ارتددنا ولكنا شححنا بأموالنا قال الشافعي رحمه الله أن من وجب عليه حق وامتنع من أدائه مع القدرة عليه فللامام أن يأخذها منه قهرا فمن امتنع عن أداء الزكاة فاذا استحل منعها يكفر وان منعها بخلا يقاتله الامام ويأخذها منه كرها.
(الباب الخامس عشر في حقوق المؤمن)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: للمسلم على المسلم ثلاثون حقا يعفو عنه ويغفر زلته ويرحم ضعفه ويستر عورته، ويقيل عثرته ويرد غيبته ويديم نصيحته ويشمت عطسته ويحفظ خلته ويرعى ذمته ويعود مرضته ويشهد ميتته ويحسن نصرته ويحفظ حليلته ويقضي حاجته ويشفع مسألته ويرشد ضالته ويصدق أقسامه ويجيب لدعوته ويغتم لمصيبته يواليه ولا يعاديه وينصره ظالما ومظلوما ولا يثلمه ولا يخذله ويحب له من
(1/147)

الخير ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه ثم قال إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه الله به فيقضي له عليه.
(الباب السادس عشر في اكرام الشّعر)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم من ربى منكم شعرا فليكرمه قيل يا رسول الله وما اكرامه قال: تدهنه وتمشطه كل يوم قاله لابي قتادة في وفرة له وكان النبي صلّى الله عليه وسلم في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلم بيده أن اخرج فأصلح رأسك ولحيتك ففعل ثم رجع فقال أليس خيرا من أن تلقى أخاك ثائر الرأس كأنه شيطان أو كما قال، وعن أنس كان النبي صلّى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه ويسرح لحيته والحمد لله رب العالمين.
كتاب آداب الاسلام
وفيه سبعة عشر بابا
(الباب الأول في آداب المريد)
يجب على المريد وكل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يراقب أوقاته ويكون على عمره أشح منه على درهمه فقد قيل شيئان صامتان ناطقان الوقت والقبر، وصدق من قال:
(1/148)

الوقت سيف فحقيق لكل عاقل أن يقسم أوقاته ويراقب أنفاسه فالانفاس معدودة والآجال محدودة والأماني ممدودة ومنادي الشرع ينادي: يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر فالليل هادي والقمر بادي والرب ينادي الىّ الىّ عبادي فاشتغلوا معاشر الوزراء وواظبوا أعيان الكبراء واتعظوا بمواعظ الله يا أعلام الرؤساء وبما أنزل الله تعالى في صحف ابراهيم عليه الصلاة والسلام على العاقل ما لم يكن مغلوبا أن يكون له ثلاث ساعات ساعة منها يحاسب فيها نفسه وساعة يناجي فيها ربه وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال وان هذه الساعة عون على هذه الساعات واستجماع للقلوب، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه وعلى العاقل أن يكون طالبا لثلاث مرمة لمعاش وتزوّد لمعاد وتلذذ في غير محرم.
(الباب الثاني في آداب ما بعد طلوع الشمس)
ينبغي أن يصلى ركعتين وإذا أضحى النهار، ومضى منه قريب من ربعه فيصلى صلاة الضحى أربعا أو ستا أو ثمانيا مثنى مثنى ثم اشتغل باصلاح شأنك وقم لله وامش لله واسمع لله وأبصر لله وخذ لله وأعط لله وكل واشرب لله ان كنت عبد الله ولتكن همتك الآخرة التي أنت منتقل إليها دون
(1/149)

الدنيا التي أنت مرتحل عنها واياك ثم إياك أن تكون همتك في ليلك أو نهارك، الأكل والشرب فتكون مثل البهيمة التي ترتع وتأكل فيكون حتفها في سمنها وقد قال المطلبي رضي الله عنه من كان همته ما يدخل الى جوفه فقيمته ما يخرج منها وأعلم أن عمرك ودينك رأس مالك فانظر أي الرجلين أنت وأعرض عملك على كتاب الله تعالى إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
فإن كنت تزداد كل يوم خيرا، وتقدم صالحا وتجالس الصالحين وتعمل للاخرة فابشر ثم ابشر وان كنت تزداد شرّا وترغب في الدنيا وتزهد في الآخرة وتجمع المال وتمنع الحقوق وتكره الموت وتنهمك في الشهوات وتقول فلا تبالي وتفعل فلا تبالي فاعلم أن بطن الارض خير لك من ظهرها لقول الرسول صلّى الله عليه وسلم: من كان في نقصان فالموت خير له من حياته فالعبد في حق دينه اما سالم وهو المقتصر على أداء الفرائض وترك المعاصي أو رابح وهو المتطوع بالقربات والنوافل أو خاسر وهو المقصر عن اللوازم فان لم تقدر أن تكون سالما، فاياك أن تكون خاسرا؛ وللعبد ثلاث وظائف: (الاولى) أن ينزل نفسه مع الناس بمنزلة الملائكة الكرام البررة فيسعى في أغراضهم رفقا بهم وادخالا للسرور على قلوبهم. (الثانية) أن لا ينزل نفسه مع الناس منزلة البهائم والجمادات فيؤذيهم ليلا ونهار ولا ينيلهم نيلا. (والثالثة) أن
(1/150)

لا ينزل نفسه منزلة العقارب والحيات والسباع الضاريات لا يرجى خيره ولا يتقى شرّه. فان لم يقدر أن لا يلتحق بأفق الملائكة فليحذر أن ينزل عن درجة الجمادات الى منازل العقارب والحيات، فان رضي لنفسه النزول من أعلى عليين فلا يرضى لها بالهوى الى أسفل سافلين، فلعلك تنجو كفافا لا لك ولا عليك فعليك في بياض نهارك أن لا تشتغل الا بما ينفعك في معادك ومعاشك الذي لا تستغني عن الاستعانة به على معادك، ولا تكن كالحمقى الذين يفرحون كل يوم بزيادة أموالهم مع نقصان أعمارهم فأي خير في مال يزيد وعمر ينقص والحمد لله رب العالمين.
(الباب الثالث في آداب الزكاة)
وذلك سبعة: (الاول) أن يعجّل أداءها حتى يظهر من نفسه آثار محبة الله تعالى. لأن أداءها بعد مطالبة الساعي يشعر بنوع خوف ولأن في تعجيلها ادخال السرور على المؤمن وبذلك استوجب المغفرة والجنان. (الثاني) يعين لها وقتا إما أول المحرم أو شهر رمضان ليكون أشرف. (الثالث) أن يؤديها الى الفقراء سرّا ليكون أبعد عن الرياء وأقرب الى الاخلاص. (الرابع) ان علم في أدائها جهرا أن يقتدى به فهو الأفضل. (الخامس) لا يعطي من أرذلها وأخبثها ولا يعبس
(1/151)

وجهه مع الفقير لئلا يبطل أجره. (السادس) لا يمن على الفقير. واعلم ان أصل المنة جهل وهو صفة القلب، يظن انه يحسن مع الفقير طول السنة ويسلم عليه ويذكر له ذلك. ومن أنصف وانتصف يعلم أن المنّة عليه للفقير وقد أحسن إليه بقبول صدقته ونجاه من النار من رذيلة البخل الذي هو صفة أهل النار وطهره من الذنوب. فالفقير بمنزلة القصار غسل بدنه من الدنس والخبث، فلو كان الفقير حجاما وفصده لقبل منته في إخراج الدم المهلك. فكذا البخيل تكون المنة له عليه وأيضا فالصدقة تقع في يد الله فيربيها ثم تقع في يد الفقير فيجب أن يقبل منه الفقير فإنه سبب ذلك. (السابع) أن يؤديها من مال حلال طيب عنده فإن الحرام والشبهة لا يصلح التقرب بهما إلى الله تعالى، فان الله طيب لا يقبل الا الطيب وإخراج الأرذل الخبيث دليل على أنه صاحب كراهية غير راض به وكل صدقة لا تعطى بطيب نفس فهو دليل أنها غير مقبولة.
(الباب الرابع في آداب الصوم)
وهما اثنان: (الاول) أن يحفظ جميع جوارحه عن المعاصي ولا يقتصر على البطن والفرج، فيحفظ عينه عما يشغله عن الله تعالى، ولسانه عن اللغو والغيبة والكذب، وأذنه
(1/152)

عما لا يجوز استماعه، ويحفظ يديه ورجليه عما لا يحل له، ومثال من يصوم ولا يحفظ لسانه عن الغيبة والكذب والنظر الحرام مثال مريض يحترز عن الفواكه ولا يحترز عن السمومات القاتلة، ومن علم ان المعصية سم قاتل يحترز عنها.
(والثاني) أن لا يأكل عند افطاره الحرام والسحت ولا يسرف من الحلال أيضا بل يعتقد أن يكون قلبه بين خوف ورجاء فلا يعلم أمقبول صومه أم مردود.
(الباب الخامس في آداب الدعاء)
إعلم أولا أن الدعاء أدب الانبياء وشعار الصالحين والدعاء عند الله بمكان وآدابه ثمانية. (الاول) أن يرصد للدعاء أوقاتا شريفة، مثل عرفة وشهر رمضان ووقت السحر ويوم الجمعة. (والثاني) أن يحفظ الاحوال الشريفة مثل وقت مسايفة ومحاربة الاعداء ووقت مجيء المطر وأوقات الصلوات ففي الخبر أن أبواب السماء تفتح في هذه الاحوال وعند رقة القلب. (الثالث) أن يرفع يده ويمسح بها وجهه ففي الخبر ان الله سبحانه أكرم من أن يرفع العبد إليه يديه فيردهما خائبتين. (الرابع) أن لا يدعو وهو متردد في اجابته بل يجزم باجابة الدعاء ويحسن الظن بربه جل وعلا فان الله تعالى عند ظن عبده به. (الخامس) أن يدعو بالخضوع
(1/153)

والخشوع والافتقار قال صلّى الله عليه وسلم ان الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل. (السادس) أن يلح في الدعاء ويكرر ذلك، فان الله يحب الملحين في الدعاء ولا يقول اني قد دعوت فلم يستجب لي فان الله تعالى أعلم بمصلحته ووقت اجابته.
(السابع) أن يقدم التحميد والتسبيح والثناء على الله تعالى ويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم. فان الدعاء موقوف بين السماء والارض حتى يصلي العبد على النبي صلّى الله عليه وسلم. (الثامن) أن يتوب الداعي من المظالم ويردها على أصحابها ويقبل على الله بكنه قلبه وهمه.
(الباب السادس في آداب قراءة القرآن)
وآداب القراءة ستة: (فالاول) أن يقرأ بحرمة وتعظيم ويكون على طهارة ويستقبل القبلة. (الثاني) أن يقرأه على تؤدة وسكون وتدبّر في معانيه ولا يوظف على نفسه أن يختم في كل يوم، فقراءة عشر آيات بتدبر خير من ختمات، وقد قال صلّى الله عليه وسلم من ختم القرآن دون ثلاثة أيام فلا يدرك فقهه.
(الأدب الثالث) وهو الحزن والبكاء وقد قال عليه الصلاة والسلام: نزل القرآن بحزن فاقرؤه بحزن وقال اقرؤوا وابكوا فان لم تبكوا فتباكوا. (الأدب الرابع) أن يقضي حق كل آية فإذا بلغ الى آية العذاب استعاذ بالله وإذا بلغ
(1/154)

الى آية الرحمة سأل الله الرحمة وفي آيات التنزيه والتقديس يسبح. (الأدب الخامس) ان قرأه جهرا وخاف أن يشوّش على ذا كر أو مصلّ فليقرأ سرّا ففي الخبر أنّ فضل قراءة السر على الجهر كفضل صدقة السر على العلانية. (الأدب السادس) أن يجهر حين يقرأه بصوت طيب فقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم: زينوا القرآن بأصواتكم.
(الباب السابع في آداب الجمعة)
وهي سبعة. (الاول) أن يحضر مجلس عالم رباني يكون كلامه لله وسيرته سيرة السلف يذكركم الله فان حضور مجلس هذا العالم خير من ألف ركعة. (الثاني) أن يراقب الساعة الشريفة التي يستجاب فيها الدعاء في هذا اليوم وهي مبهمة حتى يستغرق العبد جميع اليوم كما أبهمت ليلة القدر.
(الثالث) أن يكثر الصلاة على محمد صلّى الله عليه وسلم في هذا اليوم فإن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: من صلى عليّ في هذا اليوم ثمانين مرة يغفر الله ذنبه ثمانين سنة. (الرابع) أن يخص هذا اليوم بقراءة القرآن وخاصة سورة الكهف. (الخامس) أن يكثر فيه الصلاة فإنها جديرة بالقبول ففي الخبر: من صلى في هذا اليوم أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وخمسين مرة، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
لا يخرج من الدنيا حتى يرى موضعه في
(1/155)

الجنة، والمستحب أن يصلي أربع ركعات بأربع سور الأنعام، والكهف، وطه، ويس. (السادس) أن يتصدق في هذا اليوم ولو برغيف واحد. (السابع) أن يختار هذا اليوم عن الاسبوع بالذكر والصلاة والصدقة ويدع أمور الدنيا ليناله بركة عظيمة.
(الباب الثامن في آداب أكل الطعام)
قال الامام المطلبي رضي الله عنه من أراد أن يضع لقمة في فيه فهو محتاج الى اثنتي عشرة مسألة أربع واجبة وأربع مسنونة وأربع هي آداب، أما الواجبات: (فالاولى) أن يأكل من الحلال. (والثانية) أن يأكل طيبا فان النجس، يحرم تناوله. (الثالثة) أن يعتقد أن الرازق هو الله تعالى.
(الرابعة) يؤدي شكر ذلك، وأما السنن: فأن يقول في أول الطعام بسم الله، وفي آخره الحمد لله، ويجلس على رجله اليسرى، وأن يغسل يديه وأما الآداب: فأن يأكل من بين يديه ويصغر اللقمة وأن يأكل من رأس القصعة ولا ينظر إلى لقمة الغير والمستحب أن يأكل الخبز على السفرة، تذكرة ان المسافرين على أوفاز، وينوي عند الطعام انه يأكل ليقوى به على طاعة الله لا يأكله شهوة ونهمة ومن لم يكن جائعا لا يمد يده الى الطعام فقد قال الحكماء من مد يده الى الطعام وهو
(1/156)

جائع ويمسكها وهو جائع فلا يحتاج إلى الطبيب أبدا، ويستحب أن يكرم الخبز فان قوام الآدمي الخبز، ومن آدابه أن يأكل مع غيره ولا يأكل وحده فإن الخلوة والوحدة في الطعام مذمومان ويبتدىء بالملح ويختم به ويصغر اللقمة وينعمها في المضغ ولا يضع القصعة على الخبز، ولا يمسح يده بالخبز، ولا ينفخ في الطعام الحار وينظف أصبعه بفمه أولا ثم بالمنديل ويلتقط الفتات وكسيرات الخبز. ففي الخبر: من فعل ذلك يطيب عيشه وتسلم أولاده من الآفات ويكون مهور الحور العين وإذا فرغ من الطعام يقول الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا سيدنا ومولانا ويقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
. (فصل) وإذا أكل مع غيره فآدابه سبعة. (الاول) ما لم يمد الشيخ أو العالم يده ان كانا حاضرين لا يمد يده. (والثاني) أن يتكلم على الخوان ولا يسكت فإن السكوت عادة المجوس. (والثالث) أن يراعي أكيله حين لا يظلم عليه فإن الاجحاف عليه في الأكل حرام. (والرابع) أن لا يحلف على الطعام فيقول بالله كل من هذا الطعام. (الخامس) أن لا يلاحظ نفسه ولا ينظر إلى لقمة الغير. (السادس) لا يفعل فعلا ينفر عنه الطباع مثل أن ينثر يده في القصعة، ويقرب فمه إليه وممامسته أسنانه ليلقيه في القصعة. (السابع) أن يريه الطشت في جانب اليمين، قال
(1/157)

الحسن: من كمال الرجل أربعة أشياء. (الاول) أن يكون قادرا على أخلاقه. (الثاني) أن يتكلم بالوزن. (الثالث) أن يعامل بشيء يملك معاملته. (الرابع) أن يأكل قدر ما لا يضره. (فصل) من الأدب أن يأكل بكرة شيئا يطيب به نكهته فإنه يرفع الصفراء ويصفي اللون ويحفظ مروءته فلا يمتد طمعه إلى طعام الغير قال: أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه: من أراد البقاء ولا بقاء فليباكر الغداء وليخفف الرداء وليقلل غشيان النساء قيل تخفيف الرداء أراد به قلة الدين، خير الأطعمة اللحم، في الخبر: من لم يأكل اللحم أربعين يوما يسوء خلقه ومن استدام أكله يسود قلبه وفي الخبر: كل بيت فيه خل لا يفتقر أبدا.
(الباب التاسع في آداب الشرب)
فليأخذ الكوز بيده اليمنى ويقول بسم الله ويمصه مصا ولا يعبه عبا ولا يشرب وهو قائم أو نائم فان غلبه جشاء فليحول رأسه عن الكوز فأما أن يشربه بنفسين فان زاد فثلاثة وليقل كل مرة بسم الله فإذا شربه يقول، الحمد لله الذي جعله عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا ولا يسرف في شرب الماء فإنه يفسد المزاج ومن أفرط في شرب الماء أصابته علة الاستسقاء والماء المفرط في البرودة والحرارة
(1/158)

مضر فليكن متوسطا لا باردا مفرطا ولا حارّا ولكن بين ذلك قواما.
(الباب العاشر في آداب المضيف)
أعلم أن المضيف لو منّ بها على الضيف بعد ضيافته منة عظيمة عليه فلا يحبسه، ومن رأى شبهة في مال أو رأى منكرا في ذلك الموضع أو واحدا يتمسخر ويقول هجوا أو يصور صورا على جداره، أو بحضرة النساء على وجه النظارة. وأن لا يتعلل الضيف بالصوم فيحضره فان طاب قلب المضيف بالصوم يصوم وإن لم يطب قلبه فليفطر وان يجيب على نية الاقتداء بسنة المصطفى صلّى الله عليه وسلم لا على نية أن يملأ بطنه فان ذلك من عادة البهائم.
(الباب الحادي عشر في آداب الضيف)
وهي سبعة: (الاول) أن لا يعتل ببعد الطريق. (الثاني) أن يجلس حيث يجلس فإن صاحب الدار أعلم بعوار داره.
(والثالث) أن لا ينظر الى المطبخ فإنه يشعر بنوع خسة وشرّه. (الرابع) أن يسأل عن القبلة للصلاة والخلاء للطهارة وإن استأذن الضيف للانصراف يأذن له لئلا يستوحش وعلى المضيف أن يري الضيف القبلة وموضع الطهارة ويجيء معه
(1/159)

الى باب داره تطييبا لقلبه ولا يجلس معه في الخوان ثقيلا ينغص عيشه وعلى المضيف أن يعجل احضار الطعام فقد قيل: ثلاثة أشياء تورث السل، رسول بطيء وسراج لا يضيء وانتظار الطعام. وعلى المضيف أن لا يغضب على جاريته وغلامه فإن ذلك مما يوحش الضيف ومن أدب الضيف أن يرضى بكل ما يوضع بين يديه ولا يخرج إلا بإذن المضيف وإذا فرغ من الطعام يدعو له ويقول زاد الله في نعمتكم ولا يقترح على المضيف شهوة سوى الماء والملح وإذا كان على الخوان شيخ موقر أو صاحب صدر فلا يبدأ هو بنفسه فإن كان الضيف جماعة فلا يقوم المضيف حتى يشبع وفاء بحقوقهم وإن كانوا قليلين فليجلس معهم.
(الباب الثاني عشر في آداب النوم)
فلينم على الوضوء قال النبي صلّى الله عليه وسلم من بات على الوضوء يبيت معه ملك فإذا استيقظ الرجل يقول الملك: اللهم ان عبدك فلانا بات على طهارة فاغفر له وينام على جنبه الأيمن مستقبلا به القبلة فإذا أراد أن يتحول بعد ذلك كان جائزا، والكراهية التي لا تخفى، النوم في أول اليوم وآخره بين المغرب والعشاء وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: نوم الصبحة يمنع الرزق والقيلولة مستحب قال النبي صلّى الله عليه وسلم: قيلوا فإن الشياطين لا
(1/160)

تقيل وقال ابن عباس رضي الله عنهما النوم على ثلاثة أضرب خرق وحلق وحمق فالنوم الحلق القيلولة مستحبة والحمق نوم الغداة والخرق نوم الحمقى بعد العصر، وكل من استيقظ من نومه وقال الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور يكون قاضيا لحق ذلك اليوم.
(الباب الثالث عشر في آداب الخلاء)
المستحب أن يبعد في الصحراء عن أعين الناظرين، أو يجلس خلف جدار أو خربة ولا يظهر عورته قبل الجلوس ولا يستقبل بها القبلة في الصحراء وفي البنيان يجوز ذلك ولا يستقبل الشمس والقمر ولا يبول في الماء الراكد ولا في جحر فقد قيل ان سعدا رضي الله عنه بال في جحر فمات وسمع من الجن:
نحن قتلنا سيد الخز ... رج سعد بن عباده
رميناه بسه ... م فلم يخط فؤاده
ويجتنب الموضع الصلب ومقابل الريح وتحت الشجرة المثمرة وإذا دخل الخلاء يقدم رجله اليسرى ولينجّ عن نفسه ما يكون عليه إسم الله تعالى ولا يدخل الخلاء حاسر
(1/161)

الرأس والله سبحانه وتعالى أعلم.
(الباب الرابع عشر في دخول الحمام)
كل من يدخل الحمام يجب عليه أربعة أشياء وسنّتان:
(الاول) ستر العورة من الفخذ الى السرة. (والثاني) أن يحفظ عورته من نظر القيم والحجام. (والثالث) لا ينظر الى عورات الناس. (والرابع) من كشف عورته يزجره ويحتسب عليه فإن لم يحتسب فهو عاص. دخل ابن عمر رضي الله عنهما الحمام، وقد سد عينيه بمئزر، والسنة أن ينوي في دخول الحمام أن ينظف نفسه لاجل العبادة، ويقدم رجله اليسرى فإنه موضع الشيطان ولا يسرف في إراقة الماء، ولا يسلم في الحمام، ولا يتكلم لغوا، ولا يدخل الحمام بين المغرب والعشاء وإذا دخل البيت الحار فليتعوذ بالله من عذاب النار ويستعمل كل شهر النّورة، وإذا أراد الخروج منه فيغسل رجليه بالماء البارد ليكون آمنا من داء النقرس وفي الصيف يصب على رأسه الماء البارد وإذا خرج ثبت ساعة تقوم مقام شربة دواء.
(الباب الخامس عشر في آداب النكاح)
وهي ثمانية. (الاول) أن يتزوج امرأة عفيفة محصنة،
(1/162)

فإن الفاجرة إذا خانت في مال الزوج تشوش حاله وإن خانت زوجها في نفسها فكفى بالله نكاله يصبح ديوثا ويمسي ممقوتا، مسود الوجه عند الخلق مفتضح الأمر وإن طلقها فقد يكون قلبه معها. (الثاني) أن يطلب امرأة حسنة الخلق فان السيئة الخلق والسليطة متحكمة على زوجها وتكون كافرة للنعم فلا يهنأ عيشه معها. (الثالث) أن صفة الجمال هي، سبب الالفة والازدواج ولهذا السبب جواز تقديم الرؤية وقيل كل نكاح وقع قبل النظر فآخره هم وحزن. (الرابع) أن يقلل المهر، في الخبر: ان خيار الناس أيسرهن مهرا وأحسنهن وجها. (الخامس) أن يتجنب العقيم ففي الخبر:
الحصير في جانب البيت خير من امرأة عقيم. (السادس) أن يطلب بكرا فإنها أقرب إلى الالفة والمحبة. (السابع) أن تكون من أصل ونسب وشجرة مباركة حتى تكون متأدبة بالصلاح والاخلاق الحسنة. (الثامن) أن لا يتزوج من القرابة القريبة فان الولد يكون نضوا قيل سببه الحياء فان القريب يستحي من القريب فتضعف الشهوة والله أعلم.
(الباب السادس عشر في معاشرة النساء وصحبتهن)
وله تسعة آداب. (الاول) أن يعلم أن الوليمة سنة فإذا تزوج امرأة فليهيء طعاما للفقراء، وأهل المعارف ولا يؤخر
(1/163)

عن الاسبوع وضرب الدف وإظهار الفرح سنة في النكاح.
(الثاني) أن يعاشرهن بالخلق الحسن والخلق الحسن ليس لشراء نسج واتخاذ دملوج، ولكن احتمال أذاهن والصبر على ما يسمع منهن، خلقن من ضعف وعورة، ودواء ضعفهن السكوت، ودواء ستر عورتهن أن يجعل البيت عليهن سجنا.
(الثالث) أن يمزح معهن ولا يكون متعصبا ويكلمهن على قدر عقولهن. (الرابع) أن لا يتعدى في المزاح واللعب الى حد يسقط هيبته ووقاره ولا يساعدهن في باطل وخيانة فيخرج عن دين الله، إذ قال صلّى الله عليه وسلم: لا دين لمن لا حمية له: ولو أهمل ذلك لا تسع الخرق على الراقع ويستحمرنه ويضعن الإكاف على ظهره، حتى يكون مسخرة للنساء وقد قال الله سبحانه وتعالى الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ
. (الخامس) أن يعدل في الغيرة فخير الامور الاعتدال والاعتزال ويمنعهن عن مواضع التهم والآفات. (السادس) أن يتوسع في النفقة فان ثواب النفقة أكثر من ثواب الصدقة لا يقتر ولا يسرف، وكان بين ذلك قواما. (السابع) يعلمهن كل ما تحتاج إليه النساء من أمر دينهن من أحكام الشرع ومن أحكام الصلاة والحيض وغيره فان لم يفعل فعلى المرأة أن تخرج بغير إذنه فتتعلم. فان قصر الرجل في ذلك فهو عاص، لقوله تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً
. (الثامن) ان كان له امرأتان
(1/164)

فليعدل بينهما ولا يميل الى احداهما كل الميل، فيأثم بل يسوي بينهما في لفظه ولحظه قال صلّى الله عليه وسلم: من كان له امرأتان يميل لاحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل. (التاسع) إذا نشزت المرأة يعظها ويعاتبها فان لم ترجع، فليهجرها وليول عنها ظهره في الفراش فان لم ترجع فليهجرها ثلاث ليال ثم يضربها حتى تفيء الى أمر الله.
(الباب السابع عشر في آداب الجماع)
وهي ستة. (الاول) يمازحها ويلاعبها ولا يقع عليها مثل الحمار على الأتان. (الثاني) أن يقدم رسولا ثم يتبع الرسول كما قالت المرأة للمغيرة قدم خبرك ثم ايرك وأعني بالرسول القبلة والمعانقة والملاعبة ليكون أطيب وألذ. (الثالث) أن تستتر بشيء هكذا كان يفعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: إذا أراد أحدكم أن يجامع امرأته فلا يقع عليها مثل البهيمة وليقدم رسولا قيل يا رسول الله وما ذلك الرسول قال القبلة والمعانقة. (الرابع) أن يقول عند الوقاع:
بسم الله العلي العظيم الله أكبر الله أكبر الله أكبر فان قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
يكون أحسن ويقول اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ومن أراد الولد فليقرأ عند الجماع قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
ثم يقول اللهم ارزقني من هذا
(1/165)

الجماع ولدا اسمه محمد أو أحمد يرزقه الله ولدا هذا مجرب جربه جماعة ثم أرادوا الولد فرزقوا. (الخامس) إذا أنزل يصبر حتى تنال المرأة منه ما نال هو منها من اللذة. (فصل) ويروى عن علي ومعاوية وأبي هريرة رضي الله عنهم انه يكره الجماع، في أول ليلة من الشهر وآخره وليلة النصف لان الشياطين ينتشرون في هذه الليالي ويحضرون في وقت الجماع، ولا يجامع في حال الحيض. (فصل) فان عزل عن الحرة فبإذنها والصحيح انه يجوز العزل بغير اذنها أيضا وتفسير العزل أن يحفظ ماءه لدى الصحة فلا ينزل. وسأل رجل النبي صلّى الله عليه وسلم ان لي خادما فربما أطوف عليها وأكره الحبل فقال إعزل عنها فان قدر الله نسمة فيها فتكون. ثم بعد زمان جاء ذلك الرجل وقال قد تم.
كتاب الاوراد
وفيه أربعة عشر بابا
(الباب الأول في معنى الدعاء)
إعلم أن الدعاء نوع عبادة، قال النبي صلّى الله عليه وسلم: الدعاء هو العبادة وقال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
سمى الدعاء عبادة، والدعاء هو العبادة والدعاء له كشف وإجابة قال النبي صلّى الله عليه وسلم: ما من مسلم يدعو بدعوة لا يكون فيها اثم ولا قطيعة رحم الا أعطاه الله تعالى
(1/166)

بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يكشف له من السوء مثلها، فقالوا إذا نكثر الدعاء فقال: الله أكبر، يعني عطاء الله أكبر فان قلت يجب على المؤمن الرضا بالقضاء فما معنى الدعاء وكل شدة وبلاء سراء وضراء بقضاء الله تعالى (الجواب) عرفت شيئا وغابت عنك أشياء.
إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث يبتسم
فلا تظنن أيها المسترشد ان معنى الرضا بالقضاء ترك الدعاء فالعاقل لا يترك السهم المرسل إليه حتى يصيبه مع قدرته على المعالجة بالترس والحرز عنه بوجه فمن جملة الرضا بالقضاء أن يتوصل الى محبوبه بمباشرة ما جعله سببا بل لا تترك الاسباب مخالفة لمحبوبه ومناقضة لرضاه فليس من الرضا للعطشان أن لا يمد اليد الى الماء البارد زاعما انه رضي بالعطش الذي هو من قضاء الله بل من قضائه ومحبته أن يزيل العطش بالماء فمعنى الرضا بالقضاء ترك الاعتراض ولا يخالف قضية الدعاء، وسئل بعض العلماء لم لا يستجاب دعاؤنا؟ قال: لان الله أنعم عليكم فلا تشكرونه وعصيتموه فلم تستغفروه وسمعتم العلم فلم تستعملوه وصحبتم الزهاد فلم تعملوا بمثل أعمالهم ورأيتم الجبابرة وما لهم فلم
(1/167)

تعتبروا، وقال بعض العلماء لا يمنعكم من الدعاء ما تعرفون من أنفسكم من الشر فإن الله استجاب لعدوه ابليس مع كفره قال أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ
استجاب دعاءه فقال: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ
والدعاء أفضل العبادات لا يتداخله الرياء والدعاء هو الاقتصاد لا يدخله الرياء والعمل يدخله العجب بخلاف الدعاء وقال لا ينجو في آخر الزمان الا من يدعو دعاء الغرق، وللدعاء وقت معلوم فإذا وافق الوقت يستجاب وإن لم يوافق فلا. (حكاية) مر عيسى عليه الصلاة والسلام ببلدة فرأى أهلها مغمومين، فسأل عن ذلك فقيل ابنة الملك مريضة، قد أعيا الاطباء دواؤها وقد أهمل الملك أمور المملكة، فارتحل عيسى فنادته شجرة يا روح الله اني دواء ابنة الملك فاقتطفني لها فاقتطف ثمرتها وسقاها فلم ير فيها أثرا فتعجب من ذلك وارتحل ثم عاد في العام القابل فسأل عن ابنة الملك فنادته الحشيشة من جوفها يا روح الله ما كذبت اني شفاء هذه الجارية الا انك سقيتها في غير وقتها وإن الله تعالى كتب لكل شيء أجلا ووقتا وقد انقضى وقت بلاها وها ترى أعمل عملي في الشفاء فمسح الله ما بها وعادت صحيحة.
(1/168)

(الباب الثاني في الأوراد التي بين الله تعالى في صحيفة شيث)
على العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعة يناجي فيها ربه وساعة يتفكر في صنع الله وساعة يحاسب فيها نفسه فيما قدم وأخر، وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال، من المطعم والمشرب وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا في ثلاث تزود لمعاد ومرمة لمعاش أو لذة في غير محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه.
(الباب الثالث في ورد اليوم)
إعلم أن رأس مال الآدمي عمره وسفره إلى الآخرة وربحه الجنة، والسعيد كل السعيد من اغتنم عمره ولم يضيعه في ترهات الدسائس فلا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقه أو معروف أو إصلاح بين الناس، والعاقل من حفظ لسانه وعرف زمانه ولزم شأنه فكل شاة برجلها ستناط. واعلم أن صاحب الدولة عند التركمانية من كان له مال وجمال وخيل وبغال وصاحب الدولة عند الانبياء والاولياء من يكون له مع الله خبيئة سر وأعمال وأحوال فمن لم يكن له مع الله سر فليس له عند الله قدر ومن لم يكن في زيادة فهو
(1/169)

في نقصان ومن كان في نقصان الذين فهو هالك ولا يشعر وحسبك بهذا الخبر فائدة وعظمة وناهيك به عمرة قوله صلّى الله عليه وسلم: من اشترى يوما فهو به أو كما قال ومن كان غده شرا من يومه فهو ممقوت ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان ومن كان في نقصان فالموت خير له من الحياة لانه يسود صحيفته ويتعب كاتبيه. واعلم أن من عوفي في أول يومه كفي في آخره فليقرأ في كل يوم حتما مقضبا بالغداة ثلاث مرات هذا الدعاء بسم الله وبالله أعددت لكل هول لا إله إلا الله، ولكل هم وغم ما شاء الله لا يخلو مكان من قدرة الله ذل كل شيء لعظمة الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، ففي الخبر: أن من قرأه أمن من السلطان والشيطان وكل ظالم جائر وكل شيء يخاف ويقول كل يوم ثلاث مرات: لا إله إلّا الله الحليم الكبير ثم سبحان الله رب العرش العظيم ورب العالمين اللهم أني أعوذ بك من شر كل ذي شر وأدرأ بك في نحره وأستعينك عليه فاكفني شر كل ذي شر بما شئت يا أرحم الراحمين. ففي الخبر: من قرأه يدفع عنه قضاء السوء وكل يوم يقرأ هذه الكلمات حتى لا تعمل عليه النار يوم القيامة: لا إله إلا الله الملك الجبار لا إله إلا الله الملك القهار لا إله الا الله العزيز الغفار لا إله إلا الله الكبير المتعال وكان الشيخ أبو بكر الكتاني رضي الله عنه من أعلى الناس
(1/170)

في طبقات الصوفية فرأى النبي صلّى الله عليه وسلم في المنام فقال: يا رسول الله ماذا أصنع من الأعمال حتى لا يموت قلبي؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: إذا أردت أن يحيا قلبك فقل كل يوم سبعين مرة يا حي يا قيوم لا إله الا أنت.
(الباب الرابع في صلاة المواسم)
إذ بها يتحقق تذكرة الآخرة فأول ذلك صلاة الرغائب في أول ليلة الجمعة من شهر رجب ما بين المغرب الى العشاء يصلي اثني عشر ركعة بست تسليمات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة القدر إِنَّا أَنْزَلْناهُ
ثلاث مرات وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
اثنتي عشرة مرة فإذا فرغ من الصلاة يصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم سبعين مرة يقول اللهم صل على النبي الأمي محمد وآله ثم يسجد ويقول سبعين مرة سبوح قدوس رب الملائكة والروح ثم يرفع رأسه من السجود ويسأل الله حاجته وسميت صلاة الرغائب، لأن الملائكة ترغب في هذا الطول لشرفها. قال النبي صلّى الله عليه وسلم: والذي بعثني بالحق ما من عبد ولا أمة يصلي هذه الصلاة الا غفر الله له ذنوبه ولو كانت بعدد نجوم السماء ورمل الارض وزبد البحر وشفعه الله تعالى في سبعين من قبيلته ممن استوجبوا النار وإذا كانت الليلة الاولى التي يوضع فيها الميت في قبره يأتيه ثواب هذه الصلاة
(1/171)

ويقول أبشر فإنك قد نجوت من هموم الدنيا وأنا مؤنسك ونور في قبرك وفي القيامة تكون في ظلي، ومن صلى هذه الصلاة خصه الله بثلاثة أشياء، يغفر الله له ذنوبه ويعصمه من المعاصي ويقضي حاجته (صلاة ليلة البراءة) قال الحسن رحمه الله: سمعت سبعين رجلا من الصحابة يروون عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال،: من صلى ليلة البراءة بعد صلاة العشاء مائة ركعة بخمسين تسليمة يقرأ في كل ركعة سورة الفاتحة وسورة الاخلاص عشر مرات، أو يصلي عشر ركعات يقرأ في كل ركعة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
مائة مرة يقضي الله له سبعين حاجة من حوائج الدنيا والآخرة ويدفع عنه سبعين بلاء ويشفعه في سبعين من أهل بيته (صلاة العيد) وفي الخبر من صلى ليلة العيد مائة ركعة يقرأ فاتحة الكتاب مرة وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
إحدى عشرة مرة لا يخرج من الدنيا حتى يرى مقعده من الجنة (صلاة الخوف من السلطان الظالم) في الخبر من خاف سلطانا ظالما أو عدوا يقصده فليصل أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وخمسا وعشرين مرة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
فإذا فرغ يقول خمسا وعشرين مرة يا رب يدك فوق أيديهم، اكفني شر فلان فإن الله يدفع عنه شره ويعطف قلبه عليه بالشفقة.
(1/172)

(الباب الخامس في دعوات الانبياء)
(دعاء آدم عليه الصلاة والسلام) لا إله إلا أنت عملت سوءا أو ظلمت نفسي فاغفر لي يا خير الغافرين لا إله ألا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني يا أرحم الراحمين لا إله الا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يا أرحم الراحمين (دعاء ابراهيم عليه الصلاة والسلام) حسبي الله الخالق من المخلوقين حسبي الرازق من المرزوقين حسبي الله لمن بغى عليّ حسبي الله ونعم الوكيل (دعاء موسى عليه الصلاة والسلام) في الخبر أن فرعون كان يخلط السم بالأدم ويجعله في طعامه كل يوم مرتين ثم يقدم الطعام بين يدي موسى فألهمه الله تعالى هذا الدعاء أعوذ بالذي يمسك السماء أن تقع على الارض الا بإذنه مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ
وذرأ وبرأ ومن شر الشيطان وشركه (دعاء يونس عليه الصلاة والسلام) لا إله ألا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين، من قرأه أربعين مرة مع الاخلاص تقضى جميع حاجاته (دعاء دانيال عليه الصلاة والسلام) الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره ولا يخيب من دعاه والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره والحمد لله الذي هو يقيننا عند انقطاع الحيل (دعاء عيسى عليه الصلاة والسلام) اللهم اغفر لنا وإهدنا
(1/173)

وانصرنا كل نعمة من الله بسم الله لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم فقالوا ادع الله لنا فقال هل تركت شيئا في هذا الدعاء.
(دعاء نبينا وسيدنا محمد صلّى الله عليه وسلم) : يا حي يا قيوم لا إله الا أنت برحمتك أستغيث، اغفر لي ذنوبي وأصلح لي شأني وفرج لي همي برحمتك. (دعاء الصديق رضي الله عنه) :
اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم لقائك، وارزقني من فضلك وعافني واعف عني، اللهم اني ضعيف فقوني اغنني من الفقر ومتعني بسمعي وبصري.
(دعاء عثمان رضي الله عنه) : اللهم احفظ لي ديني واسلامي وأمانتي وإيماني وفرجي. (دعاء علي رضي الله عنه) : اللهم تم نورك فهديت فلك الحمد، وعظم حلمك فعفوت فلك الحمد وجهك أكرم الوجوه ويدك فوق الايدي ارحمنا
(الباب السادس في دعوات الاسبوع)
(دعاء يوم الجمعة) : الحمد لله الذي أطبع فشكر وملك فقدر وأنشأ وأنشر لا شريك له ولا وزير له والله على كل شيء قدير، اللهم اجعلنا للاسلام ثابتين ولفرائضك مؤدين، وبالقضاء راضين. (دعاء يوم السبت) : الحمد لله جبار السموات عالم الخفيات منزل البركات كثير الخيرات لطيف
(1/174)

خبير، اللهم اجعل العلم في قلبي والنور في قبري، والجنة مآبي، والحرير ثيابي. (دعاء يوم الاحد) : الحمد لله الكريم الوهاب الغفور التواب مفتح الأبواب سريع الحساب، ليس له شريك، اللهم اغفر حوبتي واكشف غمتي وارحم غربتي وآمن روعتي. (دعاء يوم الاثنين) : الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار، الذي لا تخفى عليه الاسرار خالق الجنة والنار، اللهم أكرمني بالتقوى وجنبني البلوى، وانصرني على العدا يا لطيف يا خبير يا باعث يا وارث. (دعاء يوم الثلاثاء) : الحمد لله اللطيف الخبير السميع البصير، ليس له شبيه ولا نظير، اللهم اجعلنا بالعلم عاملين، وبالطاعات قائمين واغفر لنا يوم الدين يا خير الناصرين يا جار المستجيرين.
(دعاء يوم الاربعاء) الحمد لله الماجد المنان، الرؤوف الحنان، الملك الديان اللهم ألبسنا العافية في الدنيا والآخرة وآنسني عند الحيرة والغفلة وجملني بالعقل والفطنة. (دعاء يوم الخميس) : الحمد لله القاهر في عزته العادل في بريته العالم في قضيته ماجد شريف، اللهم اجعل قولي بحقك وأعني على ذكرك وشكرك يا أرحم الراحمين.
(الباب السابع في الصلوات)
(صلاة الحاجة) في الخبر: من كانت له الى الله حاجة من
(1/175)

حوائج الدنيا والآخرة فليسبغ الوضوء وليصل اثنتي عشر ركعة بفاتحة الكتاب وما تيسر من القرآن ثم إذا فرغ يصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم عشر مرات ثم يسجد ويقرأ آية الكرسي، في سجوده سبع مرات ثم يقول اللهم أني أسألك بمعاقد العز من عزتك ومنتهى الرحمة من كتابك واسمك الاعظم وجدك الاعلى وكلماتك التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، صل على محمد وعلى آله واقض حاجتي. (صلاة رؤية المصطفى صلّى الله عليه وسلم) : من أراد أن يرى النبي صلّى الله عليه وسلم في المنام فليأكل ثلاثة أيام قوتا حلالا ثم يصلي ركعتين بين المغرب والعشاء يقرأ في إحداهما الفاتحة وإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ
وفي الثانية الفاتحة، وسورة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
فإذا فرغ من صلاته صلى على النبي صلّى الله عليه وسلم ألف مرة ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى كل ملك ونبي فإذا فعل هذه الصلاة على هذا الوجه يرى النبي صلّى الله عليه وسلم في النوم. (صلاة الاستخارة) : روى أبو سعيد الخدري وابن عباس رضي الله عنهم عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه كان يعلمنا صلاة الاستخارة، كما يعلمنا السورة من القرآن وقال: من همّه أمر من أمور الدنيا والآخرة فليصل ركعتين يقرأ في الركعة الأولى، فاتحة الكتاب وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ
الآية؛ وفي الثانية الفاتحة، وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً
إلى قوله وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ
ثم يقول
(1/176)

بعد التسليم، اللهم أني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم ان كنت تعلم أن هذا الامر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، عاجله وآجله فيسره لي ويسرني له وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري عاجله وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به، ثم يسأل حاجته فان الله ييسر حاجته وأما كتابة الرقاع فلم ترد ولو فعل ذلك فلا بأس. (صلاة الخصماء) : عن النبي صلّى الله عليه وسلم: من صلى أربع ركعات بتسلمية واحدة يقرأ في الاولى بفاتحة الكتاب وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
عشر مرات، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وعشر مرات قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وثلاث مرات قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
وفي الثالثة بفاتحة الكتاب وعشر مرات قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وثلاث مرات أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ
وفي الرابعة فاتحة الكتاب وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
خمسا وعشرين مرة وثلاث مرات آية الكرسي، ثم يسلم ويقول: اللهم بلغ ثواب هذه الصلاة الى ديوان الخصماء، فإن الله تعالى يرضى خصمه يوم القيامة. (صلاة قضاء الدّين) :
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: من صلى ركعتين ثم قال، اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير رحمن
(1/177)

الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي منهما من تشاء وتمنع منها من تشاء اقض عني الدين وأغنني من القلة.
(الباب الثامن في أوراد الدعاء)
إذا أراد أن يفعل أمرا من الامور فليقرأ رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً
وإذا أصابه جائحة في ماله يقول: عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ
وإذا اشترى عبدا أو أمة يأخذ بناصيته ويقول:
اللهم أني أسألك خيره وخير ما جبل عليه وأعوذ بك من شره وشر ما جبل عليه، وإذا أصبح يقول: الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور وإذا خرج من البيت يقول: بسم الله توكلت على الله وفوضت أمري إلى الله وإذا ركب على الفرس يقول الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإن سمع صوت الريح يقول اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا وإن ركبه دين فعليه بدعاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم حيث علم معاذا، يروى أن يهوديا كان له دين على معاذ رضي الله عنه وكان يلح عليه في التقاضي، وكان يوم جمعة فاختفى معاذ في بيته ولم يخرج الى الجمعة فلما فرغ النبي صلّى الله عليه وسلم من الجمعة لم ير معاذا، فلما كان الغد جاء معاذ رضي الله عنه، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: يا معاذ أتخلفت عن الجمعة فقال: يا رسول
(1/178)

الله عليّ دين لفلان اليهودي ولم يكن بيدي شيء فخفته فقال:
ألا أعلمك دعاء ان كان عليك مثل أحد ذهبا يقضيه الله تعالى عنك، فقال بلى يا رسول الله. فقال قل اللهم فارج الهم وكاشف الضر ومجيب دعوة المضطرين رحمن الدنيا والآخرة ورحيميهما ارحمني في قضاء ديني رحمة تغنني بها عن رحمة من سواك قال معاذ فواظبت على الدعاء فقضى الله عني ذلك.
وعند الزلزلة تقول: اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وإن سمع صوت الرعد، يقول سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وإن خاف الحية والعقرب يقول: أعوذ بكلمات الله التامات كلها مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ
وذرأ وبرأ وإذا استهل الهلال يقول: اللهم أهله علينا بالامن والايمان والسلامة والاسلام، وإن رأى مبتلى يقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به غيري وإن لبس ثوبا جديدا يقول:
الحمد لله الذي كساني هذا وستر عورتي وامن روعتي، وإن ضل منه شيء من الحيوان أو المال فليقرأ هذا الدعاء أربعين مرة فإن الله سبحانه يرده عليه يقول: يا رب الضالة وهاديا من الضلالة رد عليّ ضالتي ولا تتعبني في طلبها فإنها من رزقك وعطائك وإن خاف عين السوء في نفسه أو على أولاده أو على ماله وبهائمه فليقرأ هذا الدعاء وليثبت عليه أو يكتبه على كاغد ويعلقه على من أحب، وهذا الدعاء الذي
(1/179)

علمه جبريل عليه الصلاة والسلام للنبي صلّى الله عليه وسلم لدفع العين عن الحسن والحسين رضي الله عنهما: اللهم ذا السلطان العظيم والمن القديم والوجه الكريم والكلمات التامات والدعوات المستجابات عاف فلانا من شر أعين الجن والانس برحمتك يا أرحم الراحيمن، وان أراد سفرا فليقرأ هذا الدعاء اللهم بك سافرت وعليك توكلت وبك اعتصمت وإليك توجهت اللهم أنت ثقتي ورجائي زودني التقوى واغفر لي ذنبي، وإن قام من موضع اللهو والغيبة يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله الا أنت أستغفرك وأتوب إليك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب الا أنت، وان دخل السوق يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، ففي الخبر: يكتب لقائلها ألف ألف حسنة ويمحي عنه ألف ألف ويرفع له ألف ألف درجة وإن باشر أهله أو أمته يقول: اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان عني واحفظنا من كيده ومكره وإن نام يقول باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه هذه نفسي لك مطيعة وان استيقظ من نومه يقول: الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور.
(1/180)

(الباب التاسع في أوراد الاولياء والسلف الصالحين)
إعلم أن رجال الآخرة علموا أن الدنيا سفر إلى الآخرة وتجارة ربحها اما الجنة أو النار فشمروا عن ساق الجد بالجهد والاستطاعة فأقبلوا على الآخرة بكنه الهمة فكانوا أشح على أوقاتهم من المتاجرين على درهمهم لا جرم فازوا فوزا عظيما، ومن تخلف عنهم فقد خسر خسرانا مبينا وفي الخبر أن من واظب على هذه الكلمات، فكأنما أعتق أربعة من ولد اسماعيل عليه الصلاة والسلام، ويكون له ثواب سبعين نبيا ويكرمه الله بعشرة أشياء. (الاول) يمحو الله عنه جميع ذنوبه ويزيده درجات. (والثاني) يوسع الله في رزقه ويحفظ عليه الايمان. (والثالث) يعتقه من النار. (والرابع) يبني له قصرا في الجنة. (والخامس) يتوب عليه. (والسادس) يدفع الله عنه شر الخلق والسلاطين ويعصمه عن الآفات. (والسابع) يعصمه عن قضاء السوء. (والثامن) يستجيب دعاءه. (والتاسع) يكتب اسمه في ديوان السعداء. (والعاشر) يرضى عنه. وهي عشر كلمات: (فالاولى) لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. (والثانية) لا إله إلا الله الملك الحق المبين. (والثالثة) سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (والرابعة)
(1/181)

سبحان الله وبحمده. (والخامسة) سبوح قدوس رب الملائكة والروح. (والسادسة) أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله التوبة. والسابعة) يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث لا تكلني الى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله.
(والثامنة) اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. (والتاسعة) اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. (والعاشرة) بسم الله الذي لا يضر مع إسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.
(الباب العاشر في أوراد السفر)
فالسنة لمن يريد سفرا أن يصلي أربع ركعات قبل الخروج من منزله يقرأ فيها ما شاء الله ثم يقول: اللهم اني استودعتك واستحفظتك أهلي وأولادي ومنزلي وأموالي اللهم أنت الخليفة والحافظ في الاهل والولد، وفي الخبر عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: لا حافظ ولا خليفة أكرم عند الله من أربع ركعات يصليها العبد عند سفره، وإذا ركب على دابته يقول سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإذا عزم على السفر يقرأ الدعاء المتقدم ذكره، اللهم بك سافرت وان أبعد بضاعة واستصحب مالا فليكتب هذا الدعاء ويجعله وسط المتاع: اللهم أنت الحافظ في السفر والناصر على العدو أستحفظك ديني ودنياي وعرضي وأموالي بما
(1/182)

استحفظت به كتابك المنزل على رسولك المرسل أنت قلت وقولك الحق إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
وإذا مر بهضبة أو جبل أو حجر أو مدر يذكر الله تعالى ويجتهد أن يتصدق كل يوم ولو برغيف ليكون حارس نفسه وان طرقه وعرض له منزل معور في طريق فليدلج بالليل فإن الارض تطوى بالليل للمسافر ولا يجوز أن يرتحل في أول الليل ولكن في وسطه ويستحب أن يستصحب المسافر ستة أشياء، قدحا، ومقراضا، ومشطا، وابرة، ودواة، وسيفا وان ضل عن الطريق فليتيامن بقدر طاقته.
(الباب الحادي عشر في الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم)
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
اعلم أن الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم من أفضل الطاعات وأعلى القربات والدعاء، محجوب بين السماء والارض ما لم يصل على النبي صلّى الله عليه وسلم والصلاة من الله تعالى الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن المؤمنين الدعاء وقال: رجل يا رسول الله أرأيت ان جعلت صلاتي كلها عليك قال: إذن يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك وقال: حجوا حجة الفرض فإنها تعدل عشرين غزوة وإن غزوة بعد حجة تعدل عشرين حجة وإن
(1/183)

الصلاة علي تعدل هذا كله فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وسلم وقال: ان أحبكم الي وأقربكم مني منزلة يوم القيامة، أكثركم علي صلاة فمن صلى علي ليلة الجمعة، ويوم الجمعة مائة صلاة قضى الله له مائة حاجة سبعين حاجة من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا ويوكل الله له بذلك ملكا يدخله قبره كما تدخل عليكم الهدايا على الاطباق حتى يسمى باسمه واسم أبيه، وقال: إن لله ملكا من تحت العرش اسمه أومائيل عليه من الرؤوس بعدد الخلائق كل رأس منه أكبر من السموات وله من الأجنحة مثل ألوان الجواهر واليواقيت والذهب والفضة، وان الله لم يطلعه على الدنيا فلم ينظر إلى خلق حبسه الله إلى يوم القيامة فإذا مد الصراط على جهنم بسط أجنحته ليجوز عليها من قال في الدنيا صلى الله على محمد وقال: ما من مؤمن يصلي عليّ الا فتح الله عليه بابا من العافية. (حكاية) سافر رجل مع ابن له فمات الأب في الطريق ورأسه في حجر ابنه، بعد موته فإذا قد تحول رأسه رأس خنزير فبهت ولده وخاف الفضيحة في الدنيا وأخذ في الصلاة والبكاء فذهب به النوم فرأى كأن قائلا يقول: لا عليك قد رددنا على والدك صورته التي كان عليها فقال: وما باله؟ قال: إنه كان آكل ربا فكان هذا جزاؤه منا إلا أن محمدا صلّى الله عليه وسلم تشفع فيه
(1/184)

لانه ما سمع من يذكر رسولنا الا صلى عليه صلّى الله عليه وسلم.
(الباب الثاني عشر في أوراد الملك والحراث)
عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلم ان فيما خلق الله سبحانه وتعالى ملكا له ألف ألف رأس في كل رأس ألف ألف وجه في كل وجه ألف ألف فم في كل فم ألف ألف لسان يسبح الله في كل لسان ألف ألف لغة فقال: يا رب هل خلقت خلقا هو أعبد مني؟ فقال: نعم رجل من بني آدم قال: يا رب ائذن لي في زيارته فأذن له فرأى رجلا حراثا يسوق ثورا له فقال: يا عبد الله هل من مبيت الليلة؟ قال: نعم وليالي قال: فاقام عنده حتى فرغ من حرثه ثم انصرف معه وحضر عشاءه فقال: إدن فكل قال: لا أشتهي ثم نام على فراشه حتى أصبح ثم قام فتوضأ وصلى صلاة خفيفة ثم جلس جلسة فأقام عنده الملك ثلاثا ولا يراه يعمل شيئا غير ذلك فقال: يا عبد الله هل من عمل تسره غير ما أرى؟ قال: لا إلّا هذه الجلسة قال: فما تقول فيها؟ قال: أقول الحمد لله أضعاف ما حمده جميع خلقه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجه ربنا عز جلاله وسبحان الله أضعاف ما سبحه جميع خلقه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجه ربنا جل وعلا ولا إله إلا الله أضعاف ما هلله جميع خلقه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجه ربنا عز جلاله والله أكبر
(1/185)

أضعاف ما كبره جميع خلقه وكما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجه ربنا جل وعلا قال بهذا أدركت فضل عملك والله الملهم.
(الباب الثالث عشر في أمانة الله عز وجل)
قال غالب القطان: كنت في جوار الأعمش فسمعته بالليل يقرأ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
فلما فرغ قال: أنا أشهد مثل هذه الشهادة ومثل ما شهد الله والملائكة وأولو العلم وأستودعها إلى وقت الحاجة الى أن قالها مرارا فقلت في نفسي هذا شيء عجيب فلما أصبحت غدوت إليه فقلت أمله علي قال: لا أملي عليك الى سنة فمكثت سنة ثم ذهبت إليه قال: أنت ههنا قد عرفت حق العلم أخبرني فلان عن فلان عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم: من قرأ هذه الآية في التطوع بعد صلاة العشاء يقول الله تعالى يوم القيامة: ملائكتي ان لعبدي عندي عهدا فأنا أولى بإيفاء العهود أدخلوه الجنة فنعم الأمين رب العزة.
(الباب الرابع عشر في الاستعاذة)
كان النبي صلّى الله عليه وسلم يتعوذ من ثمان: من الهم والحزن، ومن العجز والكسل، ومن البخل والجبن، وغلبة الدين، وغلبة
(1/186)

العدو، والهرم وقال: أعوذ بك من الهم والغرق والحرق وأن أموت لديغا وأعوذ بك من المأثم والمغرم وقال: ان الله تعالى يبغض الرجل إذا غرم ولم يوف وحدث فكذب أو وعد فأخلف.
كتاب المناظرات
وفيه تسعة أبواب
(الباب الأول مناظرة الله عز وجل مع العبيد)
يروى ان الله تعالى يخاطب عبده ويقول: ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والابل فيقول: بلى يا رب فيقول: أظننت أنك ملاقيّ فيقول: لا فيقول: اني أنساك كما نسيتني وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: ان الله يدني المؤمن يوم القيامة حتى تقع عليه الهيبة فيقول: أي عبدي أتعرف ذنب كذا وكذا فيقول: نعم أي رب حتى اذا قرره بذنوبه، ورأى العبد في نفسه أنه قد هلك فيقول اني قد سترتها عليك في الدنيا وقد غفر بها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه وقال الله تعالى وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ
، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ
يا موسى بن عمران قل لعبادي اعملوا ما شئتم، فان مع اليوم غدا يا عبادي أنتم رفعتم أنسابكم ووضعتم نسبي، فاليوم أضع أنسابكم وأرفع نسبي
(1/187)

أين المتقون، وقال: يا موسى أشكو إليك جفاء عبادي استقرضتهم فلم يقرضوني ودعوتهم فلم يجيبوني وأعطيتهم فلم يشكروني يا ابن آدم خلقتك لتربح عليّ ولم أخلقك لأربح عليك فاتخذني بدلا من كل شيء يا ابن آدم لو يعلم الناس منك ما أعلم لنبذوك ولكن سأغفر لك، ما لم تشرك بي.
(الباب الثاني في مناظرة النبي صلّى الله عليه وسلم مع النصارى)
جاء وفد نجران إلى النبي صلّى الله عليه وسلم وقالوا: إذا لم يكن عيسى ولد الله تعالى فمن أبوه فقال: النبي صلّى الله عليه وسلم ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه قالوا بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء قالوا بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيوم على كل شيء، يحفظه ويرزقه قالوا بلى، قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا قالوا لا قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل، ولا يشرب ولا يموت قالوا بلى قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته وغذي كما يغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث قالوا بلى قال: فكيف يكون ربنا؟ فسكتوا وانقطعوا.
(الباب الثالث في مناظرة الروح)
قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم تزل الخصومة دائمة
(1/188)

الى يوم القيامة حتى تختصم الروح مع الجسد فيقول الجسد أي رب خلقتني كالجبة ولم تجعل لي يدا أبطش بها ولا رجلا أمشي بها ولا عينا أبصر بها حتى دخل هذا عليّ كالشهاب فبه نطق لساني وسمعت أذني وأبصرت عيني وبطشت يدي فأحل عليه العذاب ونجني من النار، فتقول الروح يا رب خلقتني كالريح، ولم تجعل لي يدا ولا رجلا وعينا وسمعا فلم أتحرك الا بحركته ولم أسكن الا بسكونه فما ذنبي وما جرمي يا رب أحل عليه العذاب ونجني قال: فيضرب الله تعالى لهما مثلا كالأعمى والمقعد يصطحبان أما الاعمى فلا يبصر والمقعد لا يقدر على المشي فبلغا إلى بستان فجلسا وتشاورا وطلبا حيلة فقال الأعمى أنا لا أبصر فمر أنت وائت بالعنب وقال المقعد: بل مر أنت فإني لا أقدر على المشي، ثم تناظرا وتناصفا وقالا هذا أمر لا يتم بأمر دون الآخر، يا أعمى، قم أنت فارفعني حتى أتسلق الحائط وأقطف العنب فلما توافقا قطعا العنب وأكلاه وقال المقعد: لولا أنت يا أعمى لما أكلت وقال الأعمى لولا أنت لما أكلت فكل واحد، محتاج إلى صاحبه لولا الروح لكان القالب خشبا مسندة ولولا القالب لما كان روح فكل واحد فاعل وعامل من وجه فيكون الخطاب والثواب والعقاب لهما جميعا فافهم واعلم.
(1/189)

(الباب الرابع في مناظرة إبليس لعنه الله)
في الخبر أنه جاء إبليس الى النبي صلّى الله عليه وسلم وهو شيخ أعور كوسج ليس في وجهه غير تسع شعرات مشقوق طولا بخلاف الآدمي وله نابان خارجان، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: من أبغض الناس إليك؟ قال: أنت يا محمد قال: ثم من؟ قال: شاب تقي قال: ثم من؟ قال: عالم ورع قال: ثم من؟ قال: سلطان عادل والمقيم على الطهارة قال: ما تقول في أبي بكر؟ قال: لم يطعني في الجاهلية بكذبة فكيف في الاسلام، قال: فمن ضيفك من أمتي؟ قال: مبغض أبي بكر وعمر قال: فمن خازنك؟ قال:
مانع الزكاة قال: فمن خليلك؟ قال: آكل الربا قال: فمن جليسك؟ قال: تارك الصلاة قال: فمن ضجيعك؟ قال:
السكران والسارق قال: فمن صهرك؟ قال: الزاني قال:
فمن رسولك؟ قال: الساحر قال: فمن قرة عينك؟ قال:
الذي يحلف بالطلاق قال: فما يكسر ظهرك؟ قال: صهيل الفرس في سبيل الله عز وجل قال: فما يذيب جسمك؟ قال:
توبة التائب قال: فما يخزى وجهك؟ قال: صدقة السر قال:
فما يطمس عينك؟ قال: صلاة السحر قال: فأي الناس أشقى عندك؟ قال: الاسخياء، والقدرية اخواني والأكراد والأعجام يعملون ما أحب من غير تعب والعلماء والفقهاء يغلبونا مرة ونغلبهم أخرى واني نصحت نوحا فأمره الله
(1/190)

تعالى أن يعمل بنصيحتي فقلت له: إياك والعجلة فان قابيل عجل قتل هابيل، فأصبح من النادمين وإياك والعجب فاني أول من أعجب بنفسه وإياك والحسد، فإني أول من حسد وإياك والكذب فاني أول من حلف بالله كاذبا، ثم قال:
والذي بعثك بالحق اني ألعب بثلثي أمتك كما تلعب الصبيان بالاكرة، ثم قال: ما حبائلك؟ قال: النساء، قال:
وأين بيتك؟ قال: الحمامات قال: وأين مسكنك؟ قال:
الأسواق قال: وما قرآنك؟ قال: الشعر والهجاء قال: وما غناؤك؟ قال: الاوتار والعود والطنبور، قال: ومن رسولك؟
قال: الكهان والمنجمون قال: ومن أمتك؟ قال: الشياطين ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: هل لك أن تتوب يا أبا مرة وأضمن لك الجنة؟ قال: لو أراد مني التوبة لتبت ولكن قضاؤه غلب توبتي.
(الباب الخامس في مناظرة أهل القبور مع أهل القصور)
واعلموا أنهم مناظرون أهل القصور بلسان الحال ولسان الحال أعدل من لسان المقال فيقولون يا أهل القصور لا تنسوا أهل القبور وارحموا ضعفنا ومسكنتنا، يا معشر الاخوان ارحمونا يرحمكم الله فقد أكلنا التراب وقد سالت العيون وتفرقت الخدود وتمزقت القدود مساكين أهل القبور عن يمينهم التراب وعن يسارهم التراب ومن خلفهم التراب ومن
(1/191)

أمامهم التراب، كنا أهل القصور فصرنا أهل القبور كنا أهل النعمة، فصرنا أهل الوحشة والمحنة قد سالت العيون وصدئت الجفون وانقطعت الاوصال وبطلت الآمال. صار الضحك بكاء والصحة داء والبقاء فناء والشهوة حسرات والتبعات زفرات فما بيدنا إلا البكاء والحسرات نفدت الأعمار وبقيت الأوزار، هيهات هيهات ولات حين مناص حسرتنا أن ندرك وقتا نصلي فيه ركعتين ولا نقدر وأنتم تقدرون فاغتنموا معشر اخواننا نحن قوم محرومون وحيل بينهم وبين ما يشتهون فاذكرونا بالخير وواسونا بالصدقة فانا مساكين وأنتم أغنياء ميامين مساكين أهل القبور ما أشد بلاءهم وأعظم حسراتهم، لنا الويل الطويل والحسرة والزفير وأنتم تفعلون ما تشتهون ونحن كما قال الله تعالى وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ
، يا معشر الاصحاب الغياث من التراب، وان نمنا فعلى التراب، وإن استيقظنا فعلى التراب، وان اضطجعنا فعلى التراب، على اليمين تراب، وعلى الشمال تراب، واحسرتاه من التراب، وا وحدتاه من التراب، فكم من حسرة تحت التراب يا حسرة ما أكاد أحملها آخرها مزعج وأولها لنا ما قدمنا وعلينا ما خلفنا تبا للجاه والمال، وتعسا للدنيا وسوء الحال.
(1/192)

أنوح على نفسي وأبكي خطيئة ... نقود خطايا يا أثقلت مني الظهرا
فيا لذة كانت قليلا بقاؤها ... ويا حسرة دامت ولم تبق لي عذرا
غيره
اني أرى هذه الدنيا وزخرفها ... خضاب غانية أو حلم وسنان
غيره
وان امرأ دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور
غيره
اني لأعلم واللبيب خبير ... أن الحياة وان حرصت غرور
غيره
ومن صحب الدنيا على جور حكمها ... فأيامه محفوفة بالمصائب
غيره
عجبا عجبت لغفلة الانسان ... قطع الحياة بغرة وتوان
(1/193)

فكرت في الدنيا فكانت منزلا ... عندي كبعض منازل الركبان
أبغي الكثير على الكثير تضاعفا ... ولو اقتصرت على القليل كفاني
مجرى جميع الخلق فيها واحد ... وكثيرها وقليلها سيان
لله در الوارثين كأنني ... بأخصهم متبرم بمكاني
يا معشر الاخوان لا تنسونا من الدعاء والصدقة فكنا زمانا أحياء بمنزلتكم فصرنا أسراء تحت صدقتكم اخبرونا كيف أيتامنا، انشدكم الله كيف آباؤنا وأبناؤنا كيف معارفنا وأصدقاؤنا أين الآباء والاخوان أين الاصدقاء والولدان.
أبكي فراقهم عيني وأرقها ... ان التفرق للاحباب بكاء
أخبرونا ما حال أزواجنا وما عاقبة أصدقائنا وما عاقبة أموالنا ارحموا أيتامنا وأعطفوا على أطفالنا، هيهات أن يرجع ما قد فات يا أيها المغرور بزهرة الدنيا وسلامة الوقت هلا اعتبرت بتغير الازمان وموت الاخوان هذا والله غاية الظلم والعدوان أصحاب القصور ابكوا علينا يا مالك ليقض
(1/194)

علينا ربك اشتقنا الى أولادنا وسئمنا طول مقامنا وطال حسابنا وعذابنا فما هذه العلل وحتام هذا المهل، يا أهل القصور الأعمال قد انقطعت والحسرات قد بقيت والاموال قد فنيت والازواج قد نكحت والدور قد خربت، فيا أهل القصور: الاعتبار الاعتبار، ويا أهل الدور: الاعتذار، الاعتذار، كل يوم يأتينا خطاب الجبار كيف أنتم يا عبادي كيف أنتم أيها المحبوسون، كيف أنتم يا أهل القبور والسجون أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة. (دخل أمير المؤمنين رضي الله عنه المقبرة) وقال: السلام عليكم ان دياركم قد سكنت، وإن أزواجكم قد نكحت وأموالكم قد قسمت هذا خبركم عندنا فما خبرنا عندكم فهتف به هاتف: عليكم السلام يا ابن أبي طالب خبرنا ما عملنا ربحنا وما قدمنا وجدنا وما خلفنا خسرنا، فأقبل علي على أصحابه وقال: يا أصحابي تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ.
(الباب السادس في مناظرة الاغنياء مع الفقراء ومناظرة الفقراء مع الاغنياء)
وطالت مناظرتهم فقال الفقراء: نحن أفضل منكم فإن محمدا صلّى الله عليه وسلم اختار الفقر على الغنى وقال الاغنياء: بل نحن
(1/195)

أفضل منكم فان الغني صفة الرب والله الغني وأنتم الفقراء قال الفقراء: نحن أفضل فان حسابنا أقل ومن قل شيئه قل حسابه ومن كثر شيئه كثر حسابه ومن طال حسابه طال عذابه ومن نوقش الحساب عذب على قدر جرم الفيل تبنى قوائمه وقال الاغنياء: بل نحن أفضل لان صدقاتنا وزكواتنا أكثر فيكون ثوابنا أكثر قال الفقراء يموت أحدنا وحاجته في صدره ولم تقض ويموت أحدكم وقد قضى منها وطرا فكيف يستويان يقال لكم أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا قال الاغنياء: لا تتهيأ لكم شرائع الاسلام والايمان فلا تحجون ولا تزكون ولنا فضول أموال نحج ونزكي ونغزوا والحسنة بعشر أمثالها وويل لمن غلبت آحاده عشراته فنحن أفضل منكم فقال: الفقراء إذا لم يجب علينا لا نطالب بقضائها وأدائها وأما أنتم فتسألون عن كل ذرة وحبة حرفا حرفا، وتحاسبون ألفا ألفا، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم: لا تزول قدما عبد عن الصراط حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه فنحن أفضل منكم فقال الاغنياء: نحن أفضل منكم نشتري بالمال الاسرى ونتصدق على المساكين ونسر المسلمين والمال سبب لادخال السرور على الاخ المؤمن، قال الفقراء: ان كنتم اكتسبتم بها الاجر والثواب وإدخال السرور فأنا قد استفدنا بالفقر
(1/196)

الراحة والقناعة وقلة الهم والغم، فإن الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن والرغبة في الدنيا تكثر الهم والحزن قال الأغنياء: المال عدة الزمان وعدة الانسان والغنى قرة العين به يتقرب العبد إلى طاعة الله تعالى والنفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت واما الفقير فحي كميت لا عيش له ولا قرار، قال الفقراء: عرفتم شيئا وغابت عنكم أشياء فإن المال سبب الحرص والحسد والكبر والعجب والفتنة والخصومة وأهل الدنيا يتقاتلون عليها ويتناحرون وهذه الآفات بمنزلة العقارب والحيات، فمن سلم من الحيات لدغته العقارب وأما الفقراء فلا حرص ولا حسد ولا كبر ولا عجب طرحوا وفرحوا قال الاغنياء: أخطأتم شتان بين من قدر فترك وبين من لا يقدر فيعجز فأنتم أصحاب العجز ونحن أصحاب القدرة فكيف يتفقان انا وجدنا الاموال واشترينا بها الجنان والثواب وعجزتم عن ذلك فانظروا إلى هذا البيان والبرهان قال الفقراء: المال روح الدنيا والدنيا يبغضها الله أما الفقر فهو غنى والغنى يحبه الله فإن الله موجود حقيقي ومن سواه فموجود مجازي قال الاغنياء: تأملوا ما تقولون فخلق المال من حكمة الله وتخصيص المال من كرامة الله قال الفقراء: إن فرعون كان من الاغنياء المسرفين فهو عند الله من الكافرين وكم من كافر منعم عليه وكم من مؤمن مقتر عليه قال
(1/197)

الاغنياء: هذا القياس ينتقض ولا يصح إلا بقياس فإن سليمان كان من المرسلين وقد ملك الدنيا سنين وهذا داود كان له ثلاثة وثلاثون ألف حارس وكراسي من ذهب وفضة وهذا عثمان وعبد الرحمن وغيرهما، قال الفقراء: القياس صحيح فإن المال كان لهم ولم يكونوا هم للاموال فشتان بين من يكون للمال وبين من يملك المال قال الاغنياء: أهل الجنة أغنياء فرحون وإنهم على أطيب عيش وأعدل حال وأهل النار فقراء مغمومون فنحن أفضل، قال الفقراء: امسكوا فإن آلة المعصية ما أطغى وما أبغى ولم يتبع الهوى الا كل ذي مال وأما الفقراء فحسبهم الخمول والسكون يطيعون ربهم شاؤا أم أبوا قال الاغنياء: غلطتم فإن التقوى مركوزة في طباع المرء أفتقر أو استغنى قال الفقراء: أتسلمون لنا أن قلب المرء مع ماله فالغني قط لا يحب الموت ويكره مفارقة الدنيا وأما الفقير فلم ير خيرا إلا من ربه فيقدم عليه كالغائب. غدا نلقى الاحبة محمدا وحزبه. والفقير قلبه الى ربه فشتان بين من يميل الى ربه وبين من يميل الى الدنيا فلما أورد على الاغنياء هذه الحجة كادوا أن يتقطعوا فقالوا: لا نسلم هذا هواجس وترهات دسائس بل الغني صفة الرب والله الغني وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: من تخلق بخلق من أخلاق الله أو كما قال ونحن أفضل فصاحوا وتهارشوا وقالوا أما غنى
(1/198)

الرب فوصف ذاتي لا يتعدد ولا يتبدل هو واجب الوجود غني بذاته لا بالمال والحال وغناكم عرضي، يزول في حال فهذا قياس الملائكة بالحدادين فتحاكموا الى قاضي العقل فنظر واعتبر وطول وهول ثم قال قد تحيرت فيما بينكم إن قلت الفقر أفضل فيناديني الشرع كاد الفقر أن يكون كفرا وإن قلت الغنى أفضل سمعت القرآن أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
فبعثوا رسولا الى النبي صلّى الله عليه وسلم في مأثور الأخبار ان الفقراء شكوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم الاغنياء وقالوا فازوا بخيري الدنيا والآخرة يزكون ويتصدقون ويحجون ويغزون ولهم فضول أموال ينفقونها ولا نجد شيئا فحالنا أفضل أم حالهم فرحب النبي صلّى الله عليه وسلم برسول الفقراء وقال جئت من عند أكرم قوم على الله قل لهم ان من صبر على الفقر لأجل الله يكون له ثلاث خصال لا تكون لأحد من الاغنياء إحداها أن في الجنة قصورا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها ولا يسكنها الا الانبياء والفقراء والشهداء، والثانية أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الاغنياء بخمسمائة عام، والثالثة إذا قال الفقير مرة واحدة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ويقول الغني مثل ذلك فلا يبلغ درجة الفقراء أبدا فقالت الفقراء رضينا فهذه مناظرة الفقراء مع الاغنياء ولا شك ولا خفاء أن الفقراء
(1/199)

أفضل من الأغنياء قطعا.
(الباب السابع في مناظرة العافية مع النعمة)
قالت العافية أنا أفضل فليس لي نظير في الدنيا كل أحد يحتاج إلي وأنا لا أحتاج إلى أحد، وأنا التي قالوا في حقي لو سألت من الله شيئا ما سألت سوى العافية وأنا التي قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة، قالت النعمة: كل من أصبح في عالم الله يطلبني ويذكرني الناس في المحاريب والمنابر يقولون نسألك الغنى عن الناس قالت العافية: كل العالمين يسألون من الله العافية، فقالت النعمة: ولكنهم يسألون الغنى عن الناس قالت العافية: إذا حضرت في موضع جاء الملك او الرياسة أجابت النعمة: إذا حضرت فقد جاء الفرح والسيادة قالت العافية: لا تتهيأ أمور الخلق الا. معي فقالت النعمة: أنا أكون معك ثم قالت النعمة: والله الغني وأنتم الفقراء ولا يقال والله صاحب العافية فبهتت العافية ثم قالت: تضرب في حديد بارد غنى الله صفة ذاته وهي قديمة وأنت محدثة فالمشاركة في الاسماء لا يوجب المشاركة في المعاني وخصي يفتخر بزب مولاه فمن أنت وهذه الدعوى ثم قالت العافية: ان كان يقنعك التعلق بالأسماء فأنا الذي لا عيب لي ولا قدح في والله بريء من
(1/200)

العيوب، فقالت النعمة: ان صحبت واحدا ألف سنة فما لم أحضر لا يطيب عيشكما ان الجنة تطيب بحضوري وشهودي فقالت العافية: ان الحياة لا تطيب إلا معي وبي فأطنبا الكلام وأطالا المقام فتحاكما الى قاضي العقل الذي لا يحيف فقضى بينهما وقال: أنتما اخوان ورضيعا لبان وفرسا رهان لا يستغني أحدكما عن الآخر فيا صاحب العافية لك البشرى ويا صاحب النعمة لا تقل بشرى ولكن بشريان.
(الباب الثامن في مناظرة السخاء والبخل)
وتناظرا يوما فقال البخل: أنا أفضل فإني سبب الغنى وأنت سبب الفقر فصاحبي يمسكني فيصبح غنيا وصاحبك ينفقك فيصبح فقيرا فأنا قوة القلب وأنا حارس العرض وأنا قائد الغنى وبشير العلا وسائق الجيش وأنا أورث المال والفرج وأحفظ البيوت والدنيا وأغنى عن القرض وأذب عن العرض وأغنى عن الناس والغنى عن الناس هو الغنيمة العظمى والدولة الكبرى وأنا وأنا؛ واحتج عليه السخاء فقال:
يا فل ابن فل يا ملوما بكل لسان يا مذموما عند كل إنسان أتتكلم في هذا الزمان أما تستحي يا ابن الزانية والزاني وأنا ممدوح بكل لسان محمود عند كل إنسان أنا سبب المحبة أنا سبب الذكر الجميل أنا ساتر العيوب أنا الذي اذا عثرت
(1/201)

أخذ بيدي ربي أنا الذي يشار إليّ بالاصابع أنا الذي يحبني كل أحد أنا أنفع في الدنيا والآخرة أنا الذي وجودي للمنفعة وأنت الذي وجودك للمضرة والله جواد كريم وإبليس شحيح بخيل وكل سخي في الجنة وكل بخيل في النار وأنا شجرة في الجنة وأنت شجرة في النار وأنا قريب من الله وأنت بعيد من الله قريب إلى النار وأنا يحبني كل أحد وأنت يبغضك كل أحد وأنا أكون مع المؤمنين وأنت تصبح مع الكافرين ولي منشور توقيعه هذا دين أرتضيه لنفسي ولن يصلحه الا السخاء ولك منشور توقيعه سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة وأنا مع الانبياء وكل نبي وولي سخي وأنت مع اليهود والنصارى. فلما حاجّة بهذه الدلائل فكأنه ألقمه الحجر فهرب البخل إلى ديار الكفر خجلا وجلا نادما سادما منقطعا فأمر الشرع حتى ينادي ألا فاسمعوا وعوا خلق الله الايمان وحفه بالسخاء وخلق الكفر وحفه بالبخل والبخل دهليز الكفر كما أن الرفض دهليز الالحاد والطعن في الصحابة قاعدة الزندقة ومسألة قتل الحسين شجرة الفتنة وكل سخي فيه شعب وخصال من الايمان وكل بخيل فيه خصلة من الكفر فإن قلت حاتم كان سخيا وكان من الكافرين فأقول حاتم قد نفعه السخاء فورب السماء قال النبي صلّى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: ان الله تعالى أمر أن يبنى بيت في
(1/202)

النار من الطين لأجل أبيك ظاهره عذاب وباطنة راحة جزاء على سخاوته فالقاعدة صحيحة فافهم ذلك.
(الباب التاسع في مناظرة الدولة مع العقل)
إعلم أن الدولة سماوية والعقل رباني ولا حظ للعقل بدون الدولة، والدولة قد تصحب من لا عقل له فإذا أقبلت الدولة أعطته محاسن غيره وإذا أدبرت الدولة سلبته محاسن نفسه فمن أقبلت عليه الدولة يصير خطأه صوابا وكذبه يعد صدقا ويجتني من الشجرة اليابسة ثمرا وتبيض الدجاجة على رأس الوتد فإذا أدبرت فقد جاءت المحن والفاقة بحيث لا طاقة له. في الاثر: لما نزل الايمان من السماء استقبلته جميع الطاعات فيقول كل انزل في بيتي فقال أنا أعرف بيتي فنزل في دار السخاء، وكل سخي صاحب إيمان أو فيه خصلة منه ولما نزل الكفر استقبلته جميع المعاصي فقال كل انزل بنا، فقال أنا أعرف بمكاني منكم ثم نزل في بيت البخلاء فلهذا قيل البخل أخو الكفر، وتناظر العقل والدولة فقال العقل:
معي الخطاب وقالت الدولة: لعيش معي وفي ناصيتي الجد والبخت، فقال العقل: بني الاسلام على أساسي فقالت الدولة:
بقاء الدين والدنيا في ناصيتي فقال العقل: وقع على منشوري بك أخاطب وبك آمر، فقالت الدولة: وأعطاني تشريفا بقوله وتلك الأيام تداولها بين الناس فقال العقل
(1/203)

أنا حجة الله فقالت الدولة: أنا عطاء الله فقال العقل: أنا أصحب الانبياء فقالت الدولة: ولا أخلو عن صحبتهم قال العقل: فمن عدمني فمثل البهيمة، فقالت الدولة:
من عدمني فهو حي كميت فقال العقل: لقد ذكرني الله في القرآن بقوله: فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
لمن كان له قلب أي عقل فقالت الدولة: اسمي في القرآن دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ
وقوله تعالى:
نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ
فقال العقل: الدولة تفاقات حسنة فقالت الدولة: هذا من كلام الفلاسفة أنا عطية الله وهدية الله قالت الدولة للعقل:
أنت صاحب الحرمان لأن عقل الرجل محسوب من جملة رزقه وأنا صاحب النعمة والكرامة، يا عقل أنت صاحب الهموم والأحزان فإنه ما رؤى عاقل مسرورا، فقال:
يا دولة عرفت شيئا وغابت عنك أشياء لا تعيرني بامارة خمسة أيام فالدنيا لعب ولهو والولاية وراءها العدل فقالت الدولة: أنا أجعل الخسيس شريفا والفقير غنيا وإذا حضرت وكشفت البرقع فملوك العالم يتبعوني ويعطلون التخوت والسرر، فقال العقل: أنت تجالسين الكفار فإن القرين بالقرين يقتدي، فقالت الدولة: أتشركني في العقل وتفردني باللائمة فقال عقل الملوك: صحبت أياما مع فرعون فأخرت عنه
(1/204)

الصداع والعذاب أربعمائة سنة وصحبت أيام حاتم الطائي فبنيت له بيتا في النار باطنه الرحمة وأنا القوال الفعال وأنا لا أخطىء وما ضاع عرف بين الله والناس فطال بينهما القيل والقال فتحاكما إلى سليمان النبي عليه الصلاة والسلام، فقال:
وحق الله لأفصلن بينكما بحكم الله لا يحسن أحدكما إلا مع الآخر رب هب لي ملكا، فإن العقل لا يطيب الا مع الدولة فمثالكما مثال الروح والنفس لا يحسن أحدهما إلا مع الآخر يا عقل إذا لم تكن مع الرجل فآخرته خراب ويا دولة ان لم تكوني مع الرجل فدنياه مكدرة ومن كل شيء خلقنا زوجين ان ازدواجكما لحسن وإن اجتماعكما لغاية النظام والتمام والفرد هو الله فلم ينطاعا له وتطاولا وتناغصا فحلفت الدولة أنها لا تسكن الارض ولا تحصل بكسب الآدمي فذهبت الى السماء فالدولة سماوية والعقل نور رباني فهذه مناظرتهما ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
كتاب معرفة الجواهر
وفيه ثلاثة أبواب
(الباب الاول في معادنها)
معدن الياقوت في جبال المشرق في عين الشمس ومعدن الزبرجد جبال المشرق ومعدن اللعا جبال خراسان ومعدن الماس بئر استخرج منه حمل بالحيلة بوادي عين الشمس
(1/205)

ومعدن المغناطيس ساحل بحر الهند ومعدن اللآلىء البحر ومعدن الفيروزج يتغير بتغير الهواء ويتكدر بكدورة الهواء والقطران والزرنيخ والكبريت لها معادن.
(الباب الثاني في خاصيتها)
إعلم أن أشرف الجواهر وأكرمها الياقوت وهو على أنواع أبيض وأصفر، وأزرق، ورماني وطبع الياقوت حار يابس وخاصيته أن كل جوهر ينماع ويذوب في النار سوى الياقوت فإنه لا تعمل النار فيه وكلما كان في النار أطول يكون لونه حسن وإذا جعل في الفرج يذهب السوداء ويزيد في الحرارة وإذا استصحب الياقوت ووصل إلى بلدة فيها وباء لا يضره الوباء بإذن الله تعالى وخاصة أخرى لا يعمل فيه شيء سوى الماس. (فصل) والزبرجد والزمرد نوع واحد وإنما العوام يسمونه بإسمين وطبعه بارد رطب ومعدنه جبال المشرق واختلفوا في عينه فقيل إنه بخار الذهب يتصعد من المعدن فإذا كثر ذلك يتحجر وله خاصية واحدة في دفع السموم فإذا سم إنسان، فيؤخذ شعيرة منه تسحق ويسقى المسموم يخرج السم من أعضائه، وإذا جعل الزمرد حذاء عين الافعى تنشق عيناها بإذن الله تعالى وخاصية أخرى لو لدغ العقرب أو الزنبور إنسانا فيؤخذ الزبرجد ويسحق مع
(1/206)

الرائب ويطلى عليه، فيجذب السم بإذن الله تعالى. (فصل في خاصية اللآلىء) إذا بلغت الشمس رأس الحمل وبلغ نيسان يخرج الصدف من البحر المحيط الى بحر عمان ويفتح فاه وتجذب قطرات المطر إلى فيها، ثم يغيب أربعين يوما حتى تبلغ الشمس الجوزاء فتخرج وتدور مع الشمس تذهب وتجيء الى إستكمال أربعين يوما فتصير القطرات في جوفها لآلىء بإذن الله تعالى ومن كان به بهق فيأخذ اللآلىء ويسحقها مع الخل ويطلي على البهق يبرأ بإذن الله تعالى، فتفكروا معشر الأمراء والعلماء في الفيروزج يصفو بصفاء الهواء ويتكدر بكدورة الهواء، فإن كان الهواء صافيا فيكون لونه صافيا وإن كان كدرا فيكون لونه كدرا ذلك تقدير العزيز العليم، فإن تغير الهواء في الساعة مائة مرة يتغير الفيروزج ومتى لقي الدهن يلين ويصفو ولو بقي عشرة أيام في الدهن يزيد وزنه. (خاصية الفيروزج) من أصبح من النوم ووقعت عينه على الفيروزج لا يرى في يومه إلا الفرح والسرور ولا يغتم في ذلك اليوم والحكماء يسمونه المفرح.
(خاصية أخرى) من استصحبه إذا نام لا يرى رؤيا مخوفة وإذا استعمل في الاكحال يزيد في نور البصر. (في خاصية البادزهر) وهو على أنواع أصفر، وأبيض ومعدنه جبال خراسان وخاصيته أن يدفع السموم إذا سحق مع الرائب
(1/207)

وسقي المسموم لان السم يقصد دم القلب المعقود فيحلله.
(وخاصية أخرى) يطلى على الملدوغ بعد ما يسحق مع الرائب. (فصل في خاصية الماس) هو حجر ليس في عالم الله شيء يكسره سوى الآنك فإن الله تعالى جعل كل عزيز مقهورا بذليل خسيس وكل قوي أسيرا بضعيف وأول من استخرج الماس من معدنه اسكندر في حالة اجتيازه إلى المشرق فنزل بوادي عين الشمس وفيه حيات وعقارب وفيه حية عظيمة ارتعد عسكر الاسكندر من هيئتها فعمل مرآة مثل المجن، وجعلها على رأس رمح ووقفه على مقابلة الحية فلما نظرت الحية إلى نفسها ماتت مكانها، ثم ضرب فيها النار ثم بلغ إلى شفير البئر وأرسل الحبال والاطناب فاسترسل في البئر زهاء على خمسة آلاف ذراع ولم يبلغ إلى قعرها ثم جوّع النسور أياما وشوى الاغنام والقاها في البئر بين أيديهن وكانت النسور تدخل وتخرج الشياه من البئر فيلصق بلحومهن شيء مثل النشادر فأقام هناك شهرا حتى استخرج منها وقرا والذي هو في العالم اليوم وقر واحد. (فصل) وحجر المغناطيس حار يابس في بحر الهند ومتى مرت سفينة في بحر الهند مقابل الجبل على عشرة فراسخ يتناثر الحديد والمسامير التي في السفينة ويطير منه مثل الطير، وقيل إنه يقلع النعل من حافر الفرس وخاصيته إذا وقف الحديد في
(1/208)

مقابلته يضرب الحديد ويمشي وان طلي بالثوم تبطل خاصيته ولا يجذب الحديد، انظر الى صنع الله العجيب فإذا غسل بالخل أو بالدم تعود خاصيته ولو سحق وطلي على السموم يجذب السم ولو انحبس النبل والحديد في جراحه ولم يخرج فيوقف على مقابلته يخرج النصل والحديد. (فصل) وحقيقة البلور ما يتحجر في تموز بإذن الله تعالى كما ان الملح في شهر تموز ينحل بإذن الله تعالى وإذا جعل مثل الأكرة ويقابل به الشمس ويوقف القطن مقابل ذلك ينعكس الشعاع عليه فيقع الحريق في القطن ويحترق.
(الباب الثالث في خير ذخائر الملوك)
واختلف الملوك في خير ما يقتنيه المرء فمن قائل كنوز الذهب والفضة فقيل ان في ذلك صيانة العرض وقضاء الحقوق وصلة الرحم، ومعونة على المعيشة غير أنهما حجران ان أمسكا بطل نفعهما، وقال بعض الملوك خير الذخائر الضياع، وقال بعضهم صولة العدو غير مأمونة وأصحابها رهائن لها لا يستطيعون أن يزيلوها وقال آخرون الغنم فإنها كثيرة الدر لخلالها وأوصافها غير أنها تقبل مع الخصب وتدبر مع الجدب وقال بعض الملوك الابل فإنها لتؤدي رحالك وتحمل أثقالك أنسالها مال وألبانها عصمة غير أن ربها ان
(1/209)

حضرها شم بها، وإن غاب عنها ضيعها وقال بعض الملوك الخيل فإنها حصون عند البلاء وزينة في حال السراء لكنها عيال ومال يحتاج الى مال، وقال بعض الملوك خيرها الجواهر فقيل إنها رزينة الأثمان ثقيلة المحمل لا تتغير في طباعها غير أن عليها لاعدائك عيونا وصيتا يضر انتشاره عنك لانفاق لها الا على الملوك تكسد بكسادهم وتنفق بنفاقهم وقال بعض الملوك خير الذخائر الرقيق قوة العضد وزيادة في العدد غير انهم مال يأكل بعضهم بعضا، ثم يعود آخره حرصا إن أحسنت إليهم استنقذوك وان قصرت بهم حاربوك فلما أفسد هذه القواعد والاقوال قالوا: أفدنا قال:
خير القنية العلم واعتقاد الاخوان الصالحين.
كتاب الأقاليم
وفيه أربعة أبواب
(الباب الأول في أقاليم الارض)
أعلم أن الارض من مشرقها إلى مغربها سبع أقاليم منها سبعمائة فرسخ عامر فالأول اقليم الهند والثاني اقليم الحجاز والثالث اقليم البصرة، والرابع اقليم العراق والشام الى نهر بلخ والخامس الروم ونواحي ارمينية والسادس يأجوج ومأجوج، والسابع نواحي الصين والترك، وقيل عمر الدنيا
(1/210)

سبعة آلاف سنة وقيل خمسون وقال بعضهم الاقليم يبتدىء من المشرق الى أقصى بلاد الصين مما يلي الجنوب وفيه مدينة ملك الصين ثم تمر على سواحل البحر والجنوب من بلاد السند وتقطع البحر الى جزيرة العرب ومدائنه المعروفة ظفار وعمان وحضرموت وعدن وصنعاء وما وراء تبالة وجرش وسيناء، ثم يقطع الاقليم القلزم فيمر في بلاد الحبشة ويقطع نيل مصر ومدينة نوبة وينتهي الى بحر المغرب عرضه مسافة أربعمائة وأربعون ميلا. (الاقليم الثاني) ابتداؤه من المشرق، فيمر على بلاد الصين ثم يمر على بلاد الهند وفيه المنصورة والدمل وتمر في بحر البصرة وتقطع جزيرة العرب في أرض نجد وتهامة ومدائنها اليمامة والبحرين أو الطائف ومكة وجدة ومدينة الرسول صلّى الله عليه وسلم ثم تقطع بحر القلزم وتمر بصعيد مصر فتقطع النيل ومدائنها قوص واخميم واسوان وتمر في أرض المغرب على وسط افريقية إلى بحر المغرب ومسافة عرضه أربعمائة ميل. (الأقليم الثالث) يبتدىء من المشرق فيمر على شمال الصين ثم يمر على بلاد الهند وفيه مدينة العبد هار ثم يمر على كابل ومكران وسبحستان وجيرفت وشركان، ثم على سواحل بحر البصرة ومدينة اصطخر وخوزستان وشيراز وشيران وحسانة ويمر بكور الأهواز والعراق ومدائنها بصرة وواسط وبغداد والكوفة وهيت
(1/211)

حتى يمر على بلاد الشام ومدائنها الكبار سلمية وحمص ودمشق وصور وعكة وطبرية وقيسارية وأسوف وبيت المقدس ورملة وعسقلان وغزة والمدائن وقلزم ثم يقطع أرض مصر وفيه الفرما ودمياط وفسطاط ومصر والفيوم والاسكندرية ويمر على بلاد أفريقية ومدائنها قيروان وينتهي الى نحو المغرب عرضه ثلاثمائة وخمسون ميلا. (الاقليم الرابع) يبتدىء من المشرق فيمر ببلاد الست وخراسان ومدائنها فرغانة وحجيل وأشروسنة وسمرقند وبخارى وبلخ وأبو وهرة ومرو ومروزوذ وسرخس وطرمس ونيسابور وفرمس ودباوندوري وقزوين وأصفهان وقم وهمدان ونهاوند ودينوه وحلوان وشهرزور وسر من رأى وموصل ونصيبين وآمد ورأس العين والحرار والرقة وقرقيسيا يمر على شمال الشام ومدائنها لس وسميشاط وملطية ووادي بطن وحلب وانطاكية وطرابلس ومصيصة والكسة السوداء وأدنة وطرطوس ولاذقية وعمورية ثم يمر في بحر الشام وينتهي الى بحر المغرب عرضه ثلاثمائة ميل. (الاقليم الخامس) يبتدىء من المشرق من بلاد يأجوج ومأجوج ثم من بلاد خراسان ومدائنها الطراز وتبوكيد واسيجب وشاش وطرايند وخوارزم وذهبان وجرجان وطبرستان والديلم والاذربيجان وبردعة وشروان وأردن واخلاط ويمر في بلاد الروم على الرومية الكبيرة
(1/212)

وبلاد الاندلس وينتهي الى بحر المغرب وعرضه مائتان وخمسة وخمسون ميلا. (الاقليم السادس) يبتدىء من المشرق ويمر على يأجوج ومأجوج ثم يمر على الحوز فيقطع وسط بحر طبرستان إلى بلاد الروم فيمر على جوزران وأماسيار هرقلة وحلفيذون وقسطنطينية وبلاد برحان فعرضه مائتان وعشرة أميال. (الاقليم السابع) يبتدىء من المشرق من شمال يأجوج ومأجوج ويمر على بلاد الترك ثم على سواحل بحر طبرستان مما يلي الشمال ثم يقطع خليج الروم المتصل ببحر طبرستان فيمر ببلاد بلحسان والصقالبة وينتهي الى بحر المغرب، عرضه مائة وخمسة وثلاثون ميلا فهذا موضع العمران الذي وصل إليه الناس من كل مكان واقليم العراق خلاصة الاقاليم واعتدل ماؤها وهواؤها، وسلم أهلها من شقرة الروم وسواد الحبشة وفي الاتراك غلظة وخشونة وفي أهل الصين دمامة وقال قتادة مسافة الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ فاثنا عشر ألف فرسخ للهند وثمانية آلاف فرسخ للروم وثلاثة آلاف فرسخ للترك وألف فرسخ للعرب والله تعالى أعلم.
(الباب الثاني في هيئة الأرض)
قال قائلون الأرض كرة مدوّرة وقال آخرون مسطحة
(1/213)

وأصحها أن الأرض مدوّرة مسيرة خمسمائة عام كأنها نصف كرة مدوّرة فيكون سطحها أرفع ولذلك كانت الجزيرة التي وسط الارض أعلى الارض وأقطارها أعمق وعمق ذلك سبعة آلاف ميل وستمائة وثلاثون ميلا يحيط به البحر الأعظم المسمى أو قيانوس فيه ماء غليظ متين لا يجري فيه المركب وحول هذا البحر جبل قاف خلق من زمرد أخضر وسماء الدنيا مقبية عليه ومنه خضرتها وهذه الأرض قد عمرت من ناحية المشرق الى قريب من نصفها والنصف الآخر مقسوم بنصفين فأحد الربعين يقابل القطب الجنوبي الذي يدور حول سهيل وهذا الربع خراب لا يسكنه خلق ولا يصبر على شدة حرّه أحد والربع الآخر يقابل القطب الشمالي يدور حوله بنات نعش والخلائق كلهم في هذا الربع وهي كالمثلثة لأنها ربع الدائرة والقطبان للفلك كأنهما محوران لدائرة الفلك تدويرتها الثانية أعظم من الاولى وأوسع ويحيط من حولها البحر وحول ذلك البحر جبل قاف الثاني محيط به السماء الثانية مقبية عليه والأرض الثالثة أسفل من الثانية بخمسمائة عام والبحر الثالث محيط بها والسماء الثالثة مقبية عليه وعلى هذا صفة الأرضين السبع فأوسع الأرض سفلاهن وأوسع السماء أعلاهن خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ.
(1/214)

(الباب الثالث في أحكم بناء في الدنيا)
قيل قصر غمدان في الحصانة بصنعاء اليمن وقيل قبة أزدشير وسط فارس عظيمة مشرفة على البلاد بنيت بالحجارة الصخرة منها نحو ألف من وقيل حصن بيماس الشام والحجاز بناه سليمان عليه الصلاة والسلام بالحجارة والكلس وقيل بناء اهرام مصر بنيت قبل الطوفان وفي ناحية صعيد مصر اهرام كثيرة بالحجارة، على رؤوس الجبال بناها الأوائل وجعلوا هرمين منها أرفعها كل هرم منها أربعمائة ذراع طولا في أربعمائة عرضا في سمكها ارتفاعا في الهواء؛ غلظ كل حجر طوله وعرضه اثنا عشر ذراعا الى ثمان، مهندم لا يستبين هندامه إلا لحادّ البصر منقور عليه اني بنيتها فمن كان يدعي قوّة في ملكه فليهدمها فان الهدم أيسر من البناء وبعض الخلفاء أراد هدمها فإذا خراج الدنيا لا يقوم به فتركها قال أبو معشر المنجم: بناها الأوائل ليعتصموا بها عن الطوفان والماء ويزعم اخوانه ان الطوفان لم يبلغ إليها فكذبوا قاتلهم الله فإن الله سبحانه لا يعجزه شيء في السموات والارض فله القدرة القاهرة تعالى الله علوّا كبيرا.
(الباب الرابع في أطيب البلاد وأنزهها)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم البلاد بلاد الله فكل بلدة وجدت فيها
(1/215)

خيرا فأقم، وقال، الاطباء: أطيب البلاد ما لا يكون فيها البخارات من البحر ويهب فيها الريح وأطيب البلاد ما يكون على سمت ريح الشمال لان هذا الريح يسمن الأبدان ويصفي الوجوه وشر البلاد ما تهب فيه الجنوب وينبغي أن تكون البلد على هضبة مرتفعة وتهب فيه ريح الشمال ويكون ماؤه جاريا حتى يسمن الأبدان وقال بعض أهل التاريخ أطيب البلاد في جميع الدنيا أربع مواضع شعب بخارى وشعب بوان فارس وهراة في خراسان وغوطة دمشق المباركة فهذه أربعة لا خامس لها كما قال بعضهم خمسة لا سادس لهم عمر إذا ساس وأبو حنيفة إذا قاس والشافعي إذا حدث وأحمد إذا أسند وأبو عبيد إذا فسر قال أبو بكر الخوارزمي: رأيت هذه المواضع كلها فأطيبها وأحسنها غوطة دمشق بارك الله فيها.
كتاب معالجة الذنوب
وفيه ثمانية عشر بابا
(الباب الاول في معالجة خوف الخاتمة)
بسم الله الرحمن الرحيم. اعلم أن سوء الخاتمة محذور ولها تفتت أكباد الصديقين فإن الموت أمر عظيم ووداع الدنيا وجع أليم والفطام عن هذه المألوفات شديد وبين يدي كل بر
(1/216)

وفاجر عقبات صعاب فعندها يخشى نزع الايمان ولها أسباب كثيرة ولكن أخوفها وأصعبها شيئان اثنان أحدهما بدعة مترسخة في القلب متشبثة في جوانب الصدر ينقضي عليها طول الدهر ومدة العمر يعتقد أنها حق فإذا هي باطلة، فإذا كشف لصاحبها في وقت الموت وكشف له القناع تبين من بكى ممن تباكى ويظهر له أن ما اعتقده كان باطلا وان ما تركه وهجره كان حقا فيخشى عليه زوال الايمان والثاني أن يكون ايمانه ضعيفا ومحبة الدنيا غالبة على قلبه ومحبة الله ورسوله ضعيفة في قلبه فإذا رأى أنه مسكوب من جميع الشهوات ممنوع من سائر اللذات قهرا ويحمل الى دار لا رغبة له فيها ويذوق شرابا لم يذقه فيكره جميع ذلك ويكره الموت ويكره أمر الله وأمر رسوله ويكره مفارقة الدنيا والموت، فحينئذ يخاف عليه نزع الايمان فكيف يكون ضعيف الايمان يا أشعري؟ قلت الايمان كالشجرة وأغصانها الاعمال فإذا فسدت الاغصان وجفت تفسد الشجرة لا محالة، في الخبر ان جبريل وميكائيل بكيا بكاء شديدا عظيما فأوحى تعالى إليهما مالكما تبكيان أليس قد أمنتكما قالا بلى ولكنا لا نأمن مكرك فقال الله تعالى: هكذا كونا لا تأمنا مكرى يا هذا ومن الذي أعطى له الأمان، هذا عزازيل بعد عبادة سبعة آلاف سنة قد لعن وهجر وهذا هاروت وماروت قد علقا
(1/217)

يعذبان وهذا عزير عوتب فقيل لو راجعت في سر القدر لأمحون اسمك من ديوان الانبياء، وهذا سليمان ابتلى وهذا عيسى قد افتتن بسببه وهذا داوود قد ابتلي وبلعام وبرصيصا قد أشتهر شأنهما وهذا محمد صلّى الله عليه وسلم قد عوتب فالعبد إذا عشق الدنيا وأعرض عن أمر الله صفحا فإذا دعى إلى فراق الدنيا يكره رؤية داعي الله ويكره الموت فتغلب عليه الشقوة فيخسر خسرانا مبينا والله الموفق.
(الباب الثاني في معالجة حب الدنيا)
إعلم أن حب الدنيا ينبعث من طول الامل فإن الانسان يقول الأيام بين يدي وأفعل غدا وسأفعل بعد غد وأتمتع بالدنيا، ثم أتوب وأبني هذا القصر وأجمع الأموال وأجازي وأكافىء فلانا وأتولى أمرا ورياسة وأستنفذ فيه عنفوان شبابي ثم إذا جاء الهرم أتوب وأرجع الى الله وأكون جامعا بين الدنيا والآخرة وهو كل يوم يتمنى هذا والأجل يضحك على الأمل والتقدير على التدبير والمنى رأس أموال المعايش.
يؤمل أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كل ليلة
ولا يعلم المسكين ان دون طلباته القتاد والخرط وكم من
(1/218)

مؤمل يوم لا يستكمله، وكم من مخترم في عنفوان شبابه وكم من حسرة تحت التراب فالآدمي خطاء وسنان لا يذكر الموت البتة فإن كان شابا يقول أهييء أمر المعاد في الكبر، وإن كان شيخا فيقول الأيام بين يدي. (علاج ذلك) أن يقول:
الموت ليس بيدي فكيف أعتمد على الحياة فربنا تعالى قضى والموت لا يتأخر بكراهيتي ولا يقف بارادتي فكيف أسوف نفسي بالتوبة ويقول لذة الدنيا تنقطع بالموت لا محالة، وهي أيام معدودات وأتجر في أيام غير معدودات وأبيع الذهب بالخزف ولذة الدنيا مكدرة ولذات الآخرة صافية مخلدة ومن باع الآخرة بالدنيا فيكون مثاله مثال من يكون درهم واحد أحب إليه في المنام من دينار في اليقظة والدنيا أضغاث أحلام. (علاج آخر) يقول هبني جمعت الدنيا من كيت وكيت، أليس عند الموت يؤخذ الكل منى وأسأل عن الكل فأي مسكين أحوج مني، أجمع الدنيا للاولاد وأبوء بحسابها وسخط ربي تلك إذا قسمة ضيزى ذلك هو الخسران المبين أجمع الدنيا للوارث فيكون له مناه وعليّ وباله هذا هو الضلال المبين. (علاج آخر) ان من كان دنياه أكثر فنزعه وحسرته لدى الموت أشد ومن كان دنياه أخف فأمره أسهل وصاحب الدرهمين أشد، حسابا من صاحب الدرهم ويتذكر قوله حلالها حساب وحرامها عقاب، ومن ترك درهما فقد ترك
(1/219)

كية. (علاج آخر) ينظر في نفسه فيرى أن عمره ينقص وماله يزداد وكل نفس يخرج منه لا بد له من عداد وكل يوم هو قريب الى الآخرة بعيد من الدنيا وهو مترقب أن يخطف في كل لحظة فالتوى قبل.
فالموت آت والنفوس نفائس ... والمستعز بما لديه الأحمق
وان على رأسه ملكين موكلين يقولان: الرحيل، الرحيل. (علاج آخر) يزور أهل القبور وينظر في مصارع الآباء والأمهات ويتفكر أنهم كانوا في مثل مقامه وموضعه ومثل شبابه وآماله فاحترموا ولم يبلغوا ما أملوا وحيل بينهم وبين ما يشتهون فهم اليوم في حسرات وزفرات يقولون يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وينظر الى موت الاخوان والقرناء فلو كان عاقلا فموت الرجل موت قرنائه وينظر إلى نفسه واختلال قوّته وضعفه واشتعال الشيب الذي هو بريد الموت فان لم يعتبر بهذا يعتبر بالذين هم أصل له وهو فرع لهم فما بقاء الفرع مع ذهاب الأصل، وإن لم يتعظ بهذا فقد مات آدم صفي الله ومات نوح ومات ابراهيم خليل الله ومات موسى كليم الله، ومات عيسى روح الله ومات محمد حبيب الله فكيف البقاء بعدهم!؟ ومن يأمن على نفسه فإن لم يعتبر بهذا فاعلم أنه مطبوع على قلبه ما في عالم الله أجهل منه.
(1/220)

(الباب الثالث في علاج الغفلة)
إعلم أن الغفلة ستر الله العظيم وهو حجاب الآخرة ولولا الغفلة لرأى كل مؤمن عيب النفس ولاشتغل كل أحد بشأنه وما تهنى بالعيش والحياة، ولكن الله رحمهم بالغفلة، فلا جرم أصبحوا غافلين فمن كل مائة رجل ترى فيهم رجلا مستيقظا يتناحرون أنفسهم ويتكالبون على الدنيا للغفلة ويتخاصمون للدنيا. (علاج ذلك) أن تقول: الموت يقين، والحياة شك فكيف نترك اليقين بالشك ونحن أقرب الى الموت والقبر منا الى الحياة فان الله سبحانه قدم الموت على الحياة فقال: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
ويقول ان العمر قليل فالجمع والمنع لأي شيء ولأي طلب؟ وإذا انتقص العمر وازداد المال فلأي شيء أحرق نفسي. (علاج آخر) تقول الانبياء والاولياء كانوا أعلم مني قنعوا بالقوت ورضوا بالكفاف وما طلبوا الدنيا فلماذا أحرق نفسي بنار الحرص ومن ساعة إلى ساعة فرج وأين الملوك وأعوانهم وأين الجبابرة وقرناؤهم وأين الاخوان والمعارف أين هم أين هم؟
فرق الدهر بينهم. (علاج آخر) تقول هب انك ملكت الدنيا بأسرها وصفالك عذبها وزلالها وأدركت الاماني أليس آخر ذلك الموت وعاقبته الفوت فكم أصبح غافلا وأمسي جاهلا. (علاج آخر) ينظر الى مصارع الآباء والامهات
(1/221)

ويجلس بين قبرين. ويقول لنفسه انها القبر الثالث كأنك بالدنيا ولم تكن وبالآخرة ولم تزل. كأنك بالحياة لم تحضر وبالممات لم تغب، انتبه فان العيش أضغاث أحلام يا ابن التراب، ومأكول التراب، ما هذا الغرور بالغرور، انظر إلى حسرات اخوانك وانظر إلى أيتامهم المساكين وأموالهم المبددة وأزواجهم المتروكة. (علاج آخر) تنظر في المحاريب وقد خلت عن المتهجدين والدور وقد خلت عن اخوانه وقراباته كأن لم يولدوا ولم يعرفوا ذهبوا ودرجوا فيقول لنفسه إنتبه قبل أن يكون حالي مثل حالهم. (حكاية) مر عيسى صلوات الله تعالى عليه فرأى شيخا هرما في يده مسحاة فتعجب من طول أمله قال: يا رب انزع عنه أمله، فإذا بالشيخ قد طرح المسحاة واستلقى يعاتب نفسه ويقول يا شقي الى متى تقتل نفسك وتخرب آخرتك، وغدا تموت فقال:
يا رب اردد إليه أمله فما تم الدعاء حتى وثب الشيخ الى عمله ويقول: لا بد من القوت مهما تعش، فتعجب فسأله فقال:
خطر لي خاطر انك قد أكلت الدنيا وقد شخت فإلى متى تعمل؟ فتركت العمل، ثم خطر لي أن القوت لا بد منه فقمت وعملت ليعلم أن بقاء الدنيا بالأمل وان الغفلة رحمة للعالمين.
(1/222)

(الباب الرابع في علاج شهوة الفرج)
وقد ركب في الآدمي هذه الشهوة ليكون متقاضيا لالقاء البذر في الارض وفيه تبقية النسل، ويكون أنموذجا للذة الآخرة وآفة هذه الشهوة عظيمة وقد يشتهي الرجل الى حد يلقي جلباب الحياء فلا يستحي من الله ولا من الخلق ويبيع ماله، ودينه ودنياه وحرمته بسببها فيصبح شيطانا مريدا.
(علاج ذلك) أن يكسر سورة هذه الشهوة بالصوم فإن لم تنكسر فيتزوّج ويحفظ عينه فان فتنة ذلك كله للشهوة وفتنة داود عليه الصلاة والسلام كانت من النظر، وقال لقمان لابنه، اتبع الاسود والاسد ولا تتبع المرأة فإن لم يمكنه أن يتزوّج فليحفظ العين.
(الباب الخامس في علاج نظر العين)
كل من استقبله أمرد أو امرأة فإن الشيطان يزينه في عينه ويصبح متقاضيا بأمره بالنظر فيه، والعاقل يناظر الشيطان ويقول لماذا أنظر فإن كان قبيحا أغتم وأتأسف وآثم بالقصد الى النظر وإن كان حسنا فكيف أنظر وليس بحلال فأبوء بعاجل الإثم والحسرة وإذا مشيت خلفه وطلبته فربما أنال بغيتي فقد جاء الإثم ونكبات الدين. (في الخبر) أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقع نظره في الطريق على امرأة حسناء
(1/223)

فذهب الى بيته وجامع بعض نسائه ثم خرج وقال: ان المرأة إذا أقبلت، أقبلت في صورة شيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن معها مثل الذي معها.
(حكاية) اجتمع بعض الشطار، في دار ملك الأمر فخاضوا في بحار الاماني فقال أحدهم: ليت خزائنه لي وقال الآخر ليت أملاكه لي، وقال الآخر ليت امرأته كانت لي، والملك يسمع تناجيهم وكان عاقلا فاتخذ دعوة وطبخ عشر قدور من السكباج ووضعه بين أيديهم وقال: يا فلان تذوّق من هذا، وتناول من هذا وتطعم من هذا حتى ذاق الكل وقال: كيف وجدت طعمه قال: أبقى الله الملك الكل في طعم واحد فقال يا فلان النساء كلهن بمنزلة واحدة وطعم واحد فأخجله.
(الباب السادس في علاج فضول القول)
من كان مهذارا مكثارا لا يطيق السكوت فيجلس طول اليوم ويذكر حكاية سفره وخدمته وشبابه ومطبخه وزوجته وصفة بلده ونقوش حيطانه، كل هذا مما لا يعنيه فيتضرر به دينا ودنيا ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. (دليل) ذلك أن يعلم ان الموت قريب منه وفي كل تسبيح وتهليل كنز من كنوز الجنة فأي عاقل يضيع الكنز ويشتغل بالترهات،
(1/224)

وعلاج العمل أن يعتزل عن الناس فإن السلامة في العزلة، أو يمسك حجرا تحت لسانه، واستشهد شاب من الصحابة رضي الله عنهم فنظروا فإذا بحجر مربوط في وسطه من الجوع فجاءت والدته تنقض التراب عن وجهه وتقول: هنيئا لك الجنة فقال صلّى الله عليه وسلم: ما يدريك لعله بخل بشيء ولا حاجة له إليه أو تكلم بما لا يعنيه؛ ومعنى الحديث انه يطلب منه حساب ذلك، ومن علم ان كل ما يقول ويفعل يكتب عليه، يراقب ألفاظه؛ وقال صلّى الله عليه وسلم: كفارة كل لجاجة مع أحد أن يصلي ركعتين وكل من عادته الفحش فإنه يحشر يوم القيامة في صورة كلب، والفرق بين الفحش والشتم ان الفحش أن يعبر عن المباشرة بعبارة قبيحة والشتم أن ينسب واحدا إلى ذلك.
(الباب السابع في علاج الكذب)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: ان الكذب باب من أبواب النفاق، وقال: ان الكذب ينقص في الرزق، وقال عبد الله: يا رسول الله أيسرق المؤمن؟ قال: نعم، قال: أيزني المؤمن؟ قال: نعم، قال: أيكذب المؤمن؟ قال: لا إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ
وقال بعض الحكماء: ان لم يكن الكذب حراما أو قبيحا لكانت الحرية تقضي أن لا يكذب أحد.
(1/225)

(علاج ذلك) أن يشترط مع النفس أن يصوم لكل كذبة يوما فان صبرت النفس على ذلك فيشترط أن يتصدق عن كل كذبة بطوسج فإنه يشق ذلك عليه ولا يكذب أبدا. (علاج ذلك) أيضا أن يتذكر أن بكل كذبة يقولها يهدي طاعته الى الخصم ويسود جريدته ويحسب المسكين انه في استرباح وهو في خسران فوق كل خسران فإن لم يكن له طاعة يضع ذنوب خصمه على عاتقه وهذه شقاوة عظيمة ومن هذا قيل إن السارق أحسن من الكاذب فإن السارق يحمل شيئا إلى بيته والكذوب يبوء باثم ولعنة، نعوذ بالله من ذلك.
(الباب الثامن في علاج الغيبة)
إعلم أن الله تعالى جعل الغيبة في القرآن بمنزلة أن يأكل لحم أخيه ميتا وقال صلّى الله عليه وسلم: الغيبة أشد من الزنى وحقيقة ذلك أن التوبة تقبل من الزاني ولا تقبل في الغيبة حتى يستحل المغتاب صاحبه. أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن كل من تاب من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة ومن مات قبل أن يتوب من الغيبة فهو أول من يدخل النار، وفي الحديث أن النبي صلّى الله عليه وسلم مر على ميتة ملقاة فقال لأصحابه:
كلوا من هذه فقالوا: يا رسول الله كيف نأكلها وهي ميتة منتنة؟ فقال: ما أكلتم من لحم أخيكم أنتن من هذا (فصل) إن
(1/226)

حقيقة الغيبة أن يحدّث الرجل حديث رجل في الغيبة أن لو سمعه يكره ذلك فإن صدقت فهي غيبة وإن كذبت يكون ذلك بهتانا، والبهتان أثقل من السموات والأرض فكل ما يقول ينقصان رجل يكون غيبة سواء كان في نسبه أو ثوبه أو داره أو فرشه أو أفعاله (فصل) أما علاج الغيبة فأن يقرأ الأحاديث الواردة في الغيبة ويعلم أن بكل غيبة ينقل حسنة من ديوانه إلى ديوان صاحبه حتى يصبح المغتاب مفلسا وتزيد سيئاته بهذه الغيبة ويساق إلى النار (والثاني) أن ينظر في نفسه فإن وجد ذلك العيب في ذاته فيستحي من الله أن يرمي أحدا بما هو فيه.
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
بل يجب أن يعذر غيره بعيب هو فيه وإن لم يعلم من نفسه مثل ذلك العيب فالجهل بعيب نفسه أعظم وأشد وإن كان صادقا فأي عيب أعظم من أكل الميتة فلأي معنى يلوث نفسه الطاهرة فيشتغل بشكر نعمة الله تعالى وأي عبد يخلو عن عيب وتقصير!! (وأي عبد لك لا ألما) وأي عبد يستقيم على حد الشرع ولو كان في الصغائر فإذا لم يطق مع نفسه ولا يسلم في نفسه، فماذا يتعجب من غيره، وإن كان يغتابه لتشوه خلقه فذاك عيب على الصانع ونعوذ بالله (والثالث) أن يعلم
(1/227)

سبب غيبته فإن كان قد غضب منه بسبب ما فأي حمق أعظم من أن يدخل نفسه النار بسبب غيره فإن صلاحه مع نفسه (والرابع) أن يغتابه لأجل موافقة الناس (علاج ذلك) أن يعلم أن التعرض لسخط الله سبحانه وتعالى لأجل رضا المخلوق جهل عظيم وحماقة كبيرة (الخامس) أن يغتابه لأجل الحسد فعلاجه أن يعلم أن هذا اللجاج مع نفسه لأنه يكون في الدنيا في عذاب الحسد وفي الآخرة في عذاب الغيبة فيكون محروما من نعمة الدنيا والآخرة (السادس) أن يقوم يوم القيامة تحمل عليه أوزار الخصم ويساق إلى النار كما يساق الحمار في سوقه، ومن كان حاله هذا يرجى نفسه بالهذيان.
(الباب التاسع في علاج الغضب)
إعلم أن أصل الغضب من النار وله نسبة مرتبطة بالشيطان وأنه مخلوق من النار وصفة النار التحرك والإضطراب فلهذا كل من الغضب يضطرب ويتحرك بحيث لا يملك نفسه، ولقد خلق الله الغضب في الآدمي ليكون له سلاحا في دفع ما يضره عما ينفعه كما خلق فيه الشهوة لتكون آلة له في حذب ما ينفعه ولا بد له من هذين الجنسين الغضب والشهوة، ولكن إذا كان مسرفا في ذلك يضره فإذا فهمت أن الغضب لله فلا يجوز أن يتولى عليه حتى يسلب
(1/228)

اختياره، ولا يجوز أن يقلعه بالرياضة وأنى له التناوش من مكان بعيد ولم يخل عنه رسول صلّى الله عليه وسلم، فقال: إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر. علاج الغضب فريضة فان أكثر الخلق انما يدخل النار بسببه، وعلاجه من وجهين أحدهما أن ينظر في سبب الغضب في باطنه فيقع في هاتيك الاسباب، وأسباب ذلك خمسة. (الاول) الكبر تكسره بالتواضع وتعلم أنه من جنس العذاب والناس كاسنان المشط وإنما يتفاضلون بالاخلاق. (والثاني) العجب وتفسير العجب استعظام نفسه وهو أن يرى نفسه عظيما بين الخلق أعطي شيئا لم يعط لأحد من الخلق وعلاج ذلك أن يعلم نفسه بأنه نطفة قذرة وآخره جيفة مذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة. (الثالث) المزاح فيشتغل بقول الجد والاعمال المهمة. (والرابع) الملامة والتعيير وعلاجه أن يعلم أن كل أحد لا يخلو عن عيب والذي لا عيب له هو الله تعالى فليس لأحد أن يعيب أحدا. (والخامس) الحرص في طلب الجاه والمال فإن البخيل يغضب في حبة واحدة وإذا غضب السوقي فالحبة ترضيه وعلاج الغضب علمي وعملي. (أما العلمي) فإن يعلم آفة ذلك في دينه ودنياه فيقوم بمخالفة هذه الصفات فروح العلاج في كل باب هو المخالفة إذ بضدها تتبين الاشياء. (الثاني) أن يقرأ الآيات والاخبار الواردة في ذلك التي وردت من كظم
(1/229)

الغيظ والعفو عن الناس ويقول في نفسه الله أقدر عليك منك على غيرك فان غضب عليك فما يؤمنك منه ومخالفتك مع الله أكبر من مخالفة هذا المسكين معك. (والثالث) يقول لنفسه إنما تغضب عليه لجريان أمر جرى على خلاف محبتك وهواك وقد أراد الله أن يكون ذلك فأنت لا تريد ولا تحب ارادة الله تعالى فأنت منازع مع الربوبية. (الرابع) أن يقول لنفسه ان شفيت غيظك فيتصدى هو ويقول عن واحدة عشرا ويسقط حرمتك فقد قيل: عظموا أنفسكم بالتغافل، أو يكايد معك بأمر لا تطيقه فتبقى حقيرا مهينا عند الناس فتقول لا عز في عالم الله فوق رضا الله والاقتداء بأنبياء الله فاحلم.
(وأما العلاج العملي) فأن يقول بلسانه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأن يجلس ان كان غضبه في حالة القيام أو يضطجع ان كان في حالة الجلوس فإن لم يسكن بهذا فالماء البارد يتوضأ به يسكنه بفتوى الرسول صلّى الله عليه وسلم فان الغضب من النار وإنما يسكن بالماء: وقيل يسجد على التراب فيذكر أنه مخلوق من التراب لا يستحق الغضب.
(الباب العاشر في علاج الحسد)
فليعلم أولا أن الحقد نتيجة الغضب، والحسد نتيجة الحقد، والحسد من المهلكات قال النبي صلّى الله عليه وسلم: ان الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وقال: ثلاثة أشياء لا
(1/230)

يخلو منها أحد: ظن السوء، والطيرة، والحسد. (فصل) وحقيقة الحسد أن يكون لواحد نعمة فيحب زوال نعمته وهذا حرام لانه كراهية الله سبحانه وهذا دليل خبث الباطن لان نعمته لا تكون لك ولا هي منتقلة إليك، فمحبة زوالها عن صاحبها لا تكون إلا من الخبث أما الغبطة وهي أن تريد أن يكون لك مثل تيك النعمة والدولة والجاه ولا تكره ذلك على صاحبه فلا يكون حسدا بل غبطة ومنافسة، (علاج الحسد) أمران اثنان علمي وعملي. أما العلمي فأن يعلم الرجل الحاسد أن الحسد يضره دنيا وآخرة ومضرّة الحاسد في الدنيا أن يكون مغموما ذا عذاب وحسرة لا يخلو عنه أبد الدهر، فيكون بصفة يهواها عدوّه وخصمه فلا غم ولا هم أعظم من الحسد فأي حمق أعظم من أن يشتغل بقتل نفسه ولا يشعر، وان ظن أحمق أن تزول نعمة المحسود بحسده فالخسارة أيضا ترجع عليه فتزول منه نعمة الايمان بسبب حسد الكفار، وأما مضرة الآخرة فان يعلم ان حسده في قضاء الله وانكاره في قسمة الله وأحب للمسلمين السوء والخسارة وشارك إبليس في استغواء الناس. (فصل) أما الذي ينفع المحسود في الدنيا فهو أن يتمنى طول الدهر أن يرى عدوه في العذاب والحسرة وقد رأى ما أحبه فيه من العذاب الأليم، والكرب العظيم فالذي لم يتيسر له في عسكر قد
(1/231)

تعاطاه الحسد وفعل بنفسه وكفى الله المؤمنين القتال، وأما منفعة الدين للمحسود فانه أصبح مظلوما من جهة الحاسد وقد يتعدى الحسد إلى اللسان والمعاملة فتؤخذ حسناته غدا وتعطى للمحسود، أو تنقل سيئات المحسود فتوضع في رقبة الحاسد، فانظروا يا معاشر الرؤساء إلى هذه المعاملة التي هي السوأة السوأى أراد الحاسد أن يضر المحسود ويزيل نعمته فقد أضر بنفسه وأصبح ذليلا مهينا فقيرا مفلسا كحمار يطلب قوته فجدعت أذناه، أراد أن يضربه فضرب نفسه أو أن يبطش به فأخذ بإذن نفسه، هو في راحة وهذا في عذاب، وقد ظن في نفسه انه عدو المحسود وصديق نفسه فإذا هو صديق عدوه وعدو نفسه (تبت يدا صفقة قد خاب شاربها) ومثال الحاسد مثال من يرمي حجرا الى عدوه فينكسر الحجر فأصاب العين اليمنى من الرامي فاشتد غضبا فرمى ثانيا فعاد إلى عينه اليسرى فعمي بسبب نفسه فرمى ثالثا فعاد وشج نفسه هكذا يرمي ويعود إليه والمرمى إليه جالس بالسلامة يضحك عليه. أما العلاج العملي فان يقلع عن نفسه أسباب الحسد من الكبر والعجب والعداوة ومحبة الجاه والمال ويقوم بمخالفة الحسد ويثني على المحسود في غيبته وهذا مركب شنيع لا يستعمله إلا العظماء ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم.
(1/232)

(الباب الحادي عشر في علاج البخل)
إعلم أن محبة المال فتنة عظيمة ولهذا سماه الله عقبة وما من عقبة من العقبات أصعب من هذه فيه قضاء الشهوة وفيه زاد الآخرة إذ لا بد من القوت واللباس والمسكن، ولا يتيسر هذا إلا بالمال فليس في اعوازه وعدمه صبر ولا في وجوده وحصوله سلامة فليتعجب العقلاء من هذه الداهية الدهياء، فإن أعوزه وافتقر ينادي الشرع كاد الفقر أن يكون كفرا، وان وجده وحفظه يعاتبه القرآن وربنا سبحانه يقول سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
ويقول ان مال البخلاء الاشقياء يصور بصورة أفعى ويطوق ذلك في عنقه حتى يلتوى في صفحات عنقه فيلدغه لدغا وينهشه نهشا وينادي مناد ذق أيها الطاعم الكاسي ذق انك أنت العزيز الكريم وتجعل كنوزه وذخائره سفود او سبائك يكوى به جبينه وجنبه وظهره، مسكين البخيل يظن أنه شيء وما هو شيء فما في عالم الله أشقى منه، قال صلّى الله عليه وسلم: البخيل لا يدخل الجنة وقد قابل الله سبحانه البخل بالكفر في كتابه فقال عز وجل وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى
ورأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بخيلا قد أخذ بحلقة الكعبة يدعو فقال: تنح لئلا يصيبني شؤمك وحريقك فمن لم يؤمن بهذه الآيات فهو إذا دهري فليستأنف الايمان. (علاج آخر) يقول ان الموت حق
(1/233)

وهو آت لا محالة والعمر يذهب كالخيال فما ينفعني أن أموت والمال في الجراب والصرر تحت الأرض وأنا مسؤول عنها.
(علاج آخر) أن يتصدق ويهب لينال بكل درهم أجرا عظيما. (علاج آخر) يتأمل في عاقبة البخلاء كيف ماتوا في الحانات والطرقات مدامير مناحيس، وأخذ ما لهم سلطان ظالم أو عدوهم، جمعه ذليلا مهينا وأكله الوارث هنيئا مريئا من يشتري مني ما ترك عاد وثمود بدرهمين. (علاج آخر) ان البخل نتيجة طول الامل فان البخيل لو علم أن عمره قصير لأنفق ماله فيعالج طول الأمل بالنظر الى اخوانه وأقرانه كيف جمعوا المال وغفلوا عن هازم اللذات فقد جاءتهم المنية فماتوا متحسرين وأكل أموالهم أعداؤهم بالهزء والسخرية وإن كان بخله لأجل حاجة أولاده فيقول: الذي خلقهم يرزقهم ويعطيهم فان قدّر عليهم الفقر فلا يستغنون ببخله وشقاوته وان قدّر لهم الغنى فيستخرج ذلك من وجه آخر، فكم من غني لم يرث من أبيه فلسا واحدا وكم من فقير ورث من أبيه ألوفا وضيع.
(الباب الثاني عشر في علاج الحرص والطمع)
وذلك من خمسة أوجه بضع يمسكه من العيش بلباس خشن وخبز بحت ومسكن مختصر فإذا اختصر على ذلك،
(1/234)

فقد قال صلّى الله عليه وسلم: نجا المخفون، وان أراد التجمل والتمرغ في الدنيا فقد جاءت الاشغال والاهوال. (الثاني) إذا وجد الكفاية فلا ينظر إلى مجيء الغد فإن الشيطان يوسوسه ويقول ماذا تفعل غدا وبعد غد ويجره الى طول الامل، يريد الشيطان أن يوقعه في تعب عاجل مخافة أن يقع في تعب آجل، فقد لا يجيء الغد في حقه، وان جاء فلا يكون تعبه فوق التعب الذي هو فيه، والعلاج الكلي أن يعلم أن الرزق لا يزيد بسبب الحرص. (علاج آخر) أن يعلم انه ان صبر وقنع يعز في ذلك وان طمع ولا يصبر فيصير ذليلا متعبا فمع حيازه أجر هو أولى ممن يكون في خطر العقاب فان التعب مع عز النفس أولى من كنز معه مذلة ومهانة. (علاج آخر) أن يتأمل في هذا الحرص ما سببه وما داعيته فان كان حرصه لاجل شهوة الفرج فالدب والخنزير أكثر نكاحا منه، فلماذا يقتل نفسه لاجل بنيه وبناته فكم من يهودي ونصراني أحسن ثيابا منه وأثاثا فان قنع وارتضى باليسير فنظيره الانبياء والاولياء، فإن كان عاقلا فيقتدي بالانبياء والصالحين دون الكفرة والاشقياء. (علاج آخر) أن يخاف من فتنة المال فإن المال إذا كثر يكون في الدنيا في خطر وفي الآخرة يدخل الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام فلينظر الانسان الى من دونه في الدنيا ولا ينظر الى أثاث المترفين
(1/235)

كي لا يزدري نعمة الله عليه.
(الباب الثالث عشر في علاج الجاه والحشمة)
أعلم أن حقيقة الجاه ملك القلوب، وصاحب الجاه هو الذي تكون قلوب الناس مسخرة له وإذا ملك أزمة القلوب، فالمال تبع لذلك ولا تصير القلوب مسخرة له إلا بخصلة من الخصال المحمودة إما العلم أو العبادات أو الشجاعة أو خلق حسن فتنطاع له الألسنة بالمدح والثناء والابدان بالطاعة والخدمة حتى يبذل ماله في هوى من يحبه، والفرق بين ملك المال وملك الجاه ان معنى المال ملك الاعيان ومعنى الجاه ملك القلوب أما علاج الجاه فصعب شديد لانها مشربة بالنفاق والرياء والكذب والتلبيس والعداوة والحسد وعلاج هذا المرض فريضة وينقسم الى علمي وعملي: أما العلمي فان يتأمل في آفة الجاه في الدين والدنيا فان صاحب الجاه يصبح في غم ويمسي في هم لانه يلزمه مراعات القلوب، ورضا الناس غاية لا تدرك ويقصده الحساد والأعداء، فيكون أبدا في التعب والعذاب في دفع ذلك إذ لا يكون آمنا من مكر الله تعالى ولان الجاه يتعلق بالقلوب وهي كاسمها تتقلب كثيرا كالموج في البحر وأخسس بعز ودولة يكون بناؤه على قلوب جماعة من المرائين وحالة
(1/236)

خاصة وولاية قابلة للعزل وبعزلها ركض البريد فيعزل في لحظة وتبطل ولايته وتزول حشمته فينحل من هذا. ان صاحب الجاه أبدا في تعب ونصب وقد عرف العقلاء قاطبة شارقة وغاربة ان لو تيسرت مملكة الدنيا والرياسة العظمى لوجدانه لا يهنأ عيشه ولا يصفو عن الكدورات والحوادث ولا يسوي جميع ذلك الفرح واللذة حسرة الفوت فإنه إذا مات تقطع قلبه حسرات وعن قريب لا يبقي الخادم والمخدوم ولا الراكب والمركوب.
ومن يك ذا باب منيع وحاجب ... فعما قليل يهجر الباب حاجبه
فأي قدر لولاية ومملكة في أيام معدودة هي عرضة الزوال والابطال، وأي عاقل يبيع ولاية الآخرة بولاية أيام معدودة. وأما العملي فأمران أحدهما أن يهرب من الموضوع الذي فيه جاهه فيذهب الى موضع لا يعرف ليسلم من عاقبة ذلك والآخر أن يسلك طريق الملامتية فيتعاطى أمرا يسقط من أعين الناس جاهه وحشمته لا على وجه يأكل الحرام ويفعل الزنى والفساد وينهمك في الشهوات كقوم يسمون أنفسهم الملامتية مثال ذلك كان زاهد رباني زاره ملك من الملوك فتعلل باسقاط حرمة نفسه فكان يأكل البقل والسمك بالشره والحرص ففسد اعتقاد الامير فيه وانصرف عن
(1/237)

زيارته وآخر كان قد ركب على قصبة مثل الصبيان وطاف في البلد حتى سقط الجاه عن نفسه وآخر جعل في القدح شرابا على لون الخمر حتى يظن أنه خمر فيهجرونه ويعرضون عنه.
(الباب الرابع عشر في علاج الكبر والعجب)
أما الكبر فاستعظام النفس واستكبار حالة نفسه وينظر الى غيره بعين الاحتقار وعلامته على اللسان أنا وأنا وهو خصومة مع الله تعالى، فالكبرياء ردائي والعظمة ازاري، قال صلّى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر والذنب الذي لا ينفع معه طاعة الكبر وهو خلق من أخلاق القلب ينتفخ صاحبه بريح النشاط فينظر الى الناس نظرة البهائم وقيل: يا رسول الله ما الكبر؟ قال: سفه الحق وغمط الناس، وتفسيره أن لا يقبل الحق فينظر إلى الناس بعين الحقارة والازدراء، ومن استولى عليه الكبر وشره النفس فيرضى لنفسه ما لا يرضى للمسلمين ولا يمكنه أن يقلع عن الحسد والحقد ولا يمكنه كظم الغيظ فيكون أبد الدهر في عبادة نفسه واصلاح أمره ولا يستغنى عن الكذب والنفاق، ومثال المتكبر مثال غلام لبس قلنسوة الامير وجلس على سرير الملك فانظر إليه كيف استحق ضرب الرقبة ثم
(1/238)

أعلم ان التكبر على أنواع فمن متكبر بالمال ومتكبر بالقوة ومتكبر بالعلم فلا يخلو متكبر عن هذه الأشياء. (علاج ذلك) أمران اثنان علمي وعملي أما العلمي فان يعرف الله سبحانه بالذات والصفات حتى يعلم أن الكبرياء والعظمة تليق بجلال الله دون العبد الحقير. (والثاني) أن يعرف نفسه حتى يعرف أنه أرذل عباد الله تعالى وأحقر وأضعف الخلق ويتفكر في هذه الآية قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ، فَقَدَّرَهُ
فإن الله سبحانه وتعالى قد عرف الآدمي حالة نفسه ويعلم أنه أقل شيء وأحقر شيء كان عدما محضا لم يكن له إسم ولا جسد ثم خلق من التراب الذي هو أخس الأشياء والنطفة والعلقة قطعة ماء ودم خلقه منها ولا شيء أخس منه فأصله التراب الذليل، والماء المنتن والدم النجس، وكانت قطعة لحم لا نطق ولا سمع ولا بصر، ولا يسمع ولا يبصر ولا يغني من جوع ثم خلق تفضلا منه سمعه وبصره ونطقه، ورزقه وسوى أعضاءه من اليد والرجل فانظر في أول أمره ثم اعطف في آخره حتى يتساهل الكبر والحقد وهو محتاج الى أن يستنكف من نفسه وأحمد أمره أن الله تعالى أدخله في هذا العالم ودفع عنه آفات الجوع والعطش والمرض والبرد والألم والتعب ودفع عنه المحن المختلفة وقضي عليه من البلايا ما تهون عنده المنايا من
(1/239)

العمى والخرس والبكم والجنون والجذام والبرص والصرع والحر والبرد والفقر والفاقة حتى لا يأمن على نفسه ساعة فيخاف أن يموت أو يعمى ويجعل منفعته في الادوية المرة حتى لو استروح في ثاني الحال يتعذب ويتألم في الحال، وجعل مضرته في الاشياء اللذيذة حتى لو استلذ وتنعم في الحال يتألم بمنفعة ذلك في ثاني الحال، وآخره أن يموت وينتن وينتفخ في ساعة يفر منه ابنه وزوجته ووالده، فلا يبقى له سمع ولا بصر ولا قوة ولا جمال فيكون جيفة منتنة ويصير نجاسة في الأرض في بطون الحشرات والهوام ويصير ترابا ذليلا مهينا، ولو بقي على هذا الحال لكان أنفع له وفي هذا المقام يكون مساويا للبهائم ولم توجد هذه الدولة، بل يحشر غدا وينشر ديوانه ثم الى الجنة أو إلى النار بعد أن يسأل عن أعماله حرفا حرفا، فيقال له: لم فعلت ولم قلت ولم جلست ولم نظرت فان لم يخرج عن عهدة ذلك فيقول ليتني كنت كلبا او خنزيرا أو ترابا فإن هؤلاء قد سلموا من عذاب النار.
(الباب الخامس عشر في علاج الرياء)
وحقيقة الرياء طلب المنزلة في قلوب الخلق يفعل العبد عبادة ويبنى مسجدا أو رباطا، ويتصدق بصدقة ويحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه ويكون مقصده رؤية الخلق دون
(1/240)

رضا الرب فإن كان مقصده محمدة الخلق فقط فهو مشرك والرياء كبيرة عظيمة قال صلّى الله عليه وسلم: لا أخاف على أمتي شيئا كما أخاف من الشرك الخفي ألا وهو الرياء. (علاج ذلك) شديد لامتزاجه بقلب الآدمي وترسخه فيه وسبب صعوبته أن الآدمي منذ كبر ونشأ بين الناس رآهم يتراؤون فيما بينهم، ويزين بعضهم بعضا ويمدح بعضهم بعضا، وعلاجه علمي وعملي أما العلمي فأن يعلم ضرورة أن كل ما يفعله الآدمي انما يفعله لوصول لذة إليه في الوقت أو في ثاني الوقت فإذا علم أن العاقبة وخيمة وجب أن يترك تلك اللذة في الحال كما إذا خلط السم في العسل وإن كان حريصا عليه ولكن في الحال يحترز عنه، وأصل الرياء ثلاثة أشياء. (الاول) محبة الثناء. (والثاني) خوف المذمة.
(والثالث) الطمع في الناس أما ثناء الخلق فيكسره بالفضيحة على رؤوس الملأ وينادي مناديا مرائي يا فاجر أما استحيت مني انك بعت طاعة ربك بثناء الناس حفظت قلوب الناس ولم تبال بغضبي اخترت رضا الخلق على رضا ربك وتباعدت من ربك وتقربت الى الخلق مثلك، فالعاقل إذا تأمل في شيء من ذلك يعلم أن ثناء الخلق لا يساوي هذا والآخر يتفكر ويقول لو لم يكن رياء لكنت رفيق الأنبياء والأولياء في الجنة فتأخرت بسبب الرياء إلى منزلة الشياطين
(1/241)

ورضا الخلق لا يحصل، وما الذي بيد الخلق؟ لا الرزق ولا العمر ولا سعادة ولا كرامة، فمن الجهل أن أشتري غضب الله برضا هؤلاء القوم.
(الباب السادس عشر في علاج مذمة الخلق)
فنقول ان كان الله معي فلا يضرني ملامة الخلق، فان كنت مقبولا عند الله فلا يضرني رد الخلق، وان كنت محبوبا عنده فكيف يضرني بعضهم وإن كنت مبغوضا عنده فلا ينفعني ثناء الخلق، فان كنت مخلصا في طاعة الله فيسخر الله القلوب لاجلي، وإن كنت مرائيا فسيفضحني فما أضمر أحد شيئا الا سيظهره على صفحات وجهه يوما.
(الباب السابع عشر في علاج المذموم)
من أراد أن يصلح خلقا من أخلاقه فليس له إلا علاج واحد، فكل ما يأمره الخلق يخالفه ويفعل ضده، مثلا لو كان بخيلا فيجود على خلاف نفسه ليتعود ويتمرن عليه، والشهوة يكسرها بالمخالفة فإن كل شيء ينكسر بضده، مثلا علة الحرارة تنكسر بالبرودة فعلة الغضب تعالج بالحلم وعلة التكبر تعالج بالتواضع والبخل بالسخاء، فمن تعود الأعمال الحسنة وتخلق بأخلاق الكرام يحسن خلقه فالخير عادة والشر
(1/242)

لجاجة، وكل ما يفعله الآدمي تكلفا يصير طبعا له فإن الصبي يهرب من المكتب والمعلم يضر به حتى يصير ذلك التعليم طبعا له، فإذا بلغ فتكون همته ونهمته العلم فترى القوم المشغوفين بالشطرنج والحمام والقمار يتعودون ذلك حتى تزول لذة الدنيا فيها، ومن تعود أكل الطين يعتقد أنه من طيبات الدنيا.
(الباب الثامن عشر في أحضار القلب في الصلاة)
وغفلة القلب في الصلاة لوجهين أحدهما ظاهر والآخر باطن، أما الظاهر فان يصلي في موضع لا يبصر فيه شيئا أو يسمع فيه شيئا فيشتغل قلبه بذلك فعلاجه أن يصلي في الخلوة بحيث لا يسمع شيئا ولا يكون فيها نقش ولا كتابة واتخذت العباد الزوايا في بيوتهم حفظا لقلوبهم. وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أراد أن يصلي يخرج السيف والمصحف والمتاع، عن بيته فإن كان له شغل فالتدبير أن يقدم ذلك الامر حتى يفرغ قلبه للصلاة ولهذه الدقيقة قال صلّى الله عليه وسلم: إذا حضر العشاء والعشاء، فابدأوا بالعشاء ليدخل في الصلاة على بصيرة فارغ القلب ويحضر قلبه للذكر أيضا وقراءة القرآن، فإن غلب أمر على قلبه فليشغل قلبه بالذكر فإن لم يندفع فالعلة صعبة فلا بد من تناول مسهل،
(1/243)

والمسهل ترك ذلك الأمر بالكلية فإن لم يطق ذلك فلا يبرأ عن هذا المرض أبدا فيكون مثاله مثال من جلس تحت شجرة تأوي إليها العصافير ويصوتون فيعد حصا لينفر به العصافير كي لا يسمع أصواتهم فهو سوداء وماليخوليا فإنهم يطيرون وعن قريب يعودون فإن أراد أن يتخلص منهم، فالتدبير أن يقطع الشجرة حتى ينجو منهم، شاتان وخروف والمعنى معروف، تم الكتاب.
كتاب حقيقة الدنيا وآفاتها
وفيه تسعة أبواب
(الباب الاول في صورة الدنيا وأخلاقها)
إعلم يا أمجد الامجاد وأجود الاجواد ان الدنيا معيوبة، وهي رأس الفتن وشجرة المحن أم الخبائث كما قال صلّى الله عليه وسلم:
حب الدنيا رأس كل خطيئة وتسمى والدة الموت تقتل أولادها بنفسها تهب ثم تسترجع تعدو ولا تفي تنادي كل يوم أنا المركب القموس أنا الفتنة الدهياء، أنا بيت الافاعي أنا حية الوادي أنا أهين من أكرمني وأكرم من أهانني وأخذل من توكل علي فالدنيا جيفة وبنوها مثل الكلاب يتكالبون ويتهارشون على جيفها تهارش الكلاب على الجيف فما رؤى في عالم الله تعالى أخلف وأكذب من الدنيا ولقد كان نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام تمنى أن يرى صورتها
(1/244)

وخلقتها حتى كان يوما في ساحل البحر فرأى شخصا على صورة عجوز شمطاء شوهاء محدودبة الظهر منحنية الكتف إحدى يديها ملطخة بالدم، والاخرى مختضبة بالحناء وأنيابها كأنياب الفيل وعليها ثياب معصفرة، وقد عطرت نفسها وعليها برقع قد سترت وجهها به فتعجب عيسى من ذلك فقال من أنت قالت أنا الدنيا التي كنت تسأل من الله عز وجل أن تراني فقال عيسى عليه السلام ما الذي حدب ظهرك قالت، كر الايام والليالي فقال ما هذا الثوب المزعفر قالت حتى يغتر بي الاعداء ويقبلوا علي فلو رأوا باطني ما التفتوا إلي فقال، ما هذا البرقع والنقاب قالت حتى لا ترى عيني فلو أن أحدا رأى صورتي لما نظر إلي فقال لم خضبت هذا الكف قالت أخطب زوجا قال ما هذا الكف الملطخ بالدم قالت قتلت البارحة زوجا فقال هل لزوجك المقتول قود قالت لا ولقد قتلت مثله ألفا وما باليت بذلك ولا أبالي وسأقتل هذا ولا أبالي فالويل لمن اغتر بالدنيا ثم الويل له يا هذا الغمر من اغتر بالعمر وقف رسول الله صلّى الله عليه وسلم على مزبلة فقال: هلموا إلى الدنيا وأخذ رقعة قد بليت على تلك المزبلة وعظاما قد نخرت فقال: هذه الدنيا في الخبر ان ابليس كل يوم يبيع الدنيا ويقول، من يشتري من يضره ولا ينفعه ويهمه ولا يسره فقال: بنو الدنيا نحن نشتريها فقال لا
(1/245)

تعجلوا فإنها معيوبة فقالوا لا بأس فيقول حتى أعلمكم عيبها هي غدارة غرارة وسارقة منغصة لا عهد لها فيقولون لا بأس فيقول حتى أعلمكم ثمنها ان ثمنها ليست الدراهم، لكن ثمنها نصيبكم من الجنة فإني اشتريتها بنصيبي من الجنة ولعنة الابد فيقولون لا بأس فيقول بئست التجارة اذهبوا فقد أحرقتم أنفسكم، وقال الشافعي رضي الله عنه لو أن الدنيا علق يباع في السوق لما اشتريته برغيف لما أعلم فيها من الآفات وصورة الدنيا وحقيقتها تفصح بهذا فقد روى أن غلاما في بني أسرائيل كان ابن ملك فتوفي أبوه وخلف له مالا كثيرا فأنفق الجميع وخرج إلى البادية فأتى على قوم زرعوا زرعا حتى إذا استحصد زرعهم غرقوه ثم مشى فإذا برجل يحاول صخرة ليحملها فثقلت عليه فلم يقدر على حملها فجاء بصخرة ثانية فوضعها عليها فخفت عليه فحملها ثم رأى شاة قد اكتنفها خمسة رجال فرجل راكب عليها وهي راكبة على رجل وآخر قد أخذ بذنبها وآخر قد أخذ بقرنيها وآخر يحلبها، ثم مشى فإذا بكلبه في بطنها جراء يعوون فقال ما أعجب ما رأيت ثم دخل المدينة فإذا شيخ بيده عصا فقال يا شيخ رأيت في طريقي عجائب، قال كيف قال رأيت قوما زرعوا زرعا من صفتهم، كيت، وكيت يزرعون ويغرقون قال هذا مثل أراد الله تعالى أن يريك قوما ما عملوا
(1/246)

الصالحات ثم ختموا بالمعاصي فأحبط الله أعمالهم وأما الذي لا يطيق حمل صخرة فيضم إليها ثانية فيحملها هذا مثل رجل عمل خطيئة عظمت عنده وكبرت لديه فلم يقدر على حملها فإذا عمل خطيئة أخرى هانت عليه، فإذا عمل ثالثا تعود ذلك واسود قلبه فلا يشعر بالختم والطبع وأما الشاة فهذا مثل الدنيا فالراكبون عليها ملوك الزمان والراكبة عليهم هم المساكين والفقراء الذين يتكففون الناس والذي قد أخذ بذنبها هو الذي قصر عمره وأجله ولم يبق منه إلا القليل وهو لا يدري والذي أخذ بقرنيها فالذي لا يصيب المعيشة إلا بالتعب والكد، وأما الحالبون من ضرعها فالتجار وأصحاب الارباح. وأما الكلبة فهو الذي يتكلم في غير أوانه قال الغلام ها قد فهمت فأين منزل الفاجرة قال:
الشيخ أف لك قد وعظت فلم تتعظ وزجرت فلم تنزجر أنا ملك الموت فقبض روحه وعجله إلى النار فهذه صورة الدنيا يا معشر العقلاء فمن يرغب في شرائها.
(الباب الثاني في أمثلة الدنيا)
في الأثر أن أربعين رجلا من الحكماء جلسوا يتفاوضون في أمثلة الدنيا فاستقر رأيهم في الاخير ان أشبه شيء في الدنيا أضغاث أحلام وقد قيل مثل الدنيا كالرباط يحل قوم
(1/247)

ويرحل قوم. وقال العلماء الليل والنهار أربع وعشرون ساعة في كل ساعة ستمائة ألف نفس يموتون وستمائة ألف يولدون ويعز ستمائة ألف ويذل ستمائة ألف. (مثال آخر) هي كالحية لين لمسها قاتل سمها. (مثال آخر) هي كالنائحة كل يوم تنوح في دار. (مثال آخر) هي كالمرأة الفاجرة يوما عند بيطار ويوما عند عطار. (مثال آخر) هي كالثوب يشق من أوله إلى آخره فيبقى معلقا بخيط في آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع، مثال الانسان والامل والاجل كمثل شخص وراءه الاجل وأمامه الامل فبينما هو يطلب الامل إذ أتاه الاجل فاحتبسه. (مثال آخر) هي كالمرأة الساحرة تريك من نفسها انها عاشقة لك وهي هاربة منك وأنت تظن أنها موافقة وهي مفارقة كظل الشمس يعتقد الانسان انه ساكن وهو متحرك على الدوام، وهذا يا معشر العقلاء مثال العمر ينقص في كل ساعة وأنتم لا تشعرون. (مثال آخر) هي كالمرأة الفاجرة تغمز الناس بعينها وترى انها تقضي حوائجهم ثم تحملهم الى بيتها فتهلكهم. (مثال آخر) هي كالمرأة الحسنة وتحت ثيابها سرقين ظاهرها عامر وباطنها خراب، فظاهر الدنيا عيش وجمال وتمتع وأنس وباطنها محن وإحن وفتن ومصائب وشدائد، غم في غم وهم في هم. (مثال آخر) هي كطريق المسافر فأول منزله المهد وآخره اللحد فكل سنة منزل وكل
(1/248)

شهر فرسخ وكل يوم ميل وكل نفس خطوة وهن يمرون على الدوام والناس مسافرون فمن مسافر في المنزلة وآخر بقي له فرسخ وآخر بقي له ميل وآخر خطوة في دار الغرور. (مثال آخر) وكمن أكل طعاما شهيا وأسرف في أكله حتى أتخمه وأفسد معدته ثم جلس خذلان نادما يوبخ نفسه فيما فعل ويقول ذهبت اللذة وبقيت التبعة بذلك فكل طعام يكون أطيب وأشهى، فتفله يكون أنتن وأفضح فكل من كانت لذته في الدنيا أكثر وماله أوفر وعيشه أهنأ فحسرته أعظم ممن دون ذلك، وكل من كانت ضياعة وأملاكه وخدمه وحشمه ودرهمه وديناره أكثر تكون له الغمرات أعظم.
(مثال آخر) مثل أبناء الدنيا كقوم نزلوا دار قوم ضيافة فرأوا دارا مزخرفة وأواني موضوعة وفرشا مبثوثة فمن كان عاقلا يكون همه الانصراف عاجلا ومن كان أحمق يستطيب المكان ويلزم الموضع لا يبرح منه وينسى أنه مدعو وانه ضيف، والضيف مرتحل فكل من طمع في مال المضيف يكون مغموما أبدا وكل من يتبلغ ويخرج يكون مريحا مستريحا فكذلك صاحب الدنيا أمر بالتزود فإذا طمع في الخلود والمقام فقد طمع في غير مطمع والطمع يهدي الى طبع أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
. (مثال آخر) الدنيا كمثل قوم نزلوا في سفينة
(1/249)

فاقتسموا المواضع فبلغوا جزيرة فنزلوا لقضاء حاجة وصاحب السفينة ينادي أنا النذير والموت الموت المغير ألا عجّلوا عجّلوا فقد أزف الرحيل فتفرقوا ثلاثة فرق: فرقة كانوا أعقل الناس تطهروا ورجعوا فوجدوا مكانهم خاليا فجلسوا واستراحوا، وفرقة اشتغلوا بنضارة الجزيرة والنظر الى مزخرفاتها وأعاجيبها من أفانين الطيور والأصوات فلما انصرفوا وجدوها قد امتلأت بالقوم فضاقت عليهم الأرض بما رحبت فجلسوا على التعب الشديد، وفرقة أخرى كانوا أحمق الناس وأجهلهم اشتغلوا بالنضارة والحديث وجمع آلات الجزيرة وأخذها حتى سيقت السفينة ولم يسمعوا نفير صاحبها فبقوا في الجزيرة مقيمين متحيرين حتى هلك بعضهم بالجوع وبعضهم بافتراس السباع، فالفرقة الاولى مثال المؤمنين المتقين، والفرقة المتخلفة مثال الكافرين المتخلفين، والفرقة المتوسطة مثال العاصين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فهذه أمثلة الدنيا ولو طولناها لطالت ولكن خير الكلام ما قل فدل ولم يطل فيمل والله تعالى أعلم.
(الباب الثالث في شدائد الدنيا)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: ارحموا ثلاثة عزيز قوم ذل وغنيا افتقر وعالما تلاعب به الجهال، وتذاكر بعض الصحابة شدائد
(1/250)

الدنيا فقال بعضهم الفقر، وقال آخرون السفر مع الفقر، وقال آخرون الغربة مع المرض والفقر، ثم قال أشدها أن يترك خادم المريض صاحبه على ظهر الطريق ويهرب منه قال الحسن: جهد البلاء أربعة كثرة العيال وقلة المال وجار السوء وزوجة تخونك. وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: الذل في الدنيا أربعة أشياء تذلل الشريف للدنيء لينال منه شيئا، وتذلل الرجل للمرأة لينال من مالها شيئا، وتعير المعير بلا فسحة وحضور المجلس بلا نسخة، وقيل ثلاثة أشياء ليس لطبيب فيها حيلة، الحماقة الطاعون والهرم. وقيل أشد شيء في الدنيا فراق الأحبة، والدليل على أن ألم الفراق أعظم أن زليخا ما قطعت يدها والنساء قطعن أيديهن لما علمن من فراق يوسف عليه السلام، وزليخا علمت أنه مقيم عندها، وقيل أشد شيء في الدنيا الفقر والمرض والهرم. وقيل الهم مع العيال، وقيل الغربة مع العلة، وقيل أشد شيء سؤال اللئام، وقيل رفيق يرافقك ولا يوافقك ولا يفارقك. وقيل أشد شيء مجالسة الأضداد ومعاشرة الأعداء، وقيل أشدها أن ينظر بعينه إلى زوال نعمته، وقيل أشده سوء الخلق فإن صاحبه يكون في جهد البلاء، وقيل جهد البلاء كثرة العيال مع قلة المال والأشياء التي تقتل سراج لا يضيء، ورسول يبطىء وبيت يكشف ودمدمة الخادم (حكاية) لما خلق الله
(1/251)

الأرض كانت ملساء متزلزلة، فأمر جبريل عليه السلام أن يسكنها بقدميه فلم يقدر، فخلق الله الجبال الراسيات مسامير الأرض، فاستقرت فقالت الملائكة: يا رب هل خلقت خلقا أعظم من الجبال؟ قال نعم الحديد يكسر الجبال فقالت: يا رب هل خلقت خلقا أشد من الحديد، قال نعم: النار تذيب الحديد. قالت يا رب هل خلقت خلقا أشد من النار؟ قال نعم: التراب قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من التراب.. قال نعم: الريح يدفع التراب. قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من الريح.. قال: نعم الآدمي يحترس من الريح. قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من الآدمي..
قال: نعم النوم يصرع الآدمى. قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من النوم.. قال: نعم الغم يذهب النوم. قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من الغم.. قال نعم: الموت يبطل الغم والنوم ويبطل كل حركة فلا شيء أشد وأعظم من الموت.
ويقال خوف الهموم والهرم أشد من خوف الموت لأن في الممات راحة من كل شدة والشدائد كلها في الهموم والله أعلم.
(الباب الرابع في المبكيات)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء ولخرجتم إلى الصعداء
(1/252)

تجأرون إلى الله ورسوله. وقال لو تكاشفتم لما تدافنتم. وقال لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أبلاه، وعن شبابه فيم أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه فيم عمل فيه. وقال: من اكتسب مالا من حرام لم تقبل له صدقة، ولا عتق ولا حج ولا عمرة. وكتب الله عليها أوزارها وما بقي بعد موته كان زاده إلى النار. مسكين إبن آدم يؤخذ عن الكل ويسأل عن الكل. وقال: من غش مسلما في بيع أو شراء فليس منّا ويحشر يوم القيامة مع اليهود والنصارى، فكيف بمن يأخذ ماله ويريق دمه، وإياك وشرب الخمر، فقال صلّى الله عليه وسلم: شارب الخمر كعابد وثن، من مات ممن شربها لقى الله سكران ويدخل القبر سكران، ويدخل النار سكران، فإن ابتليت بذلك فتدارك التوبة والكفّارة والإحسان إلى العلماء وكرامة الفقراء. ومن يعلق سوطا بين يدي سلطان جائر جعله الله حية طولها سبعون ألف ذراع، فتسلط عليه في نار جهنم خالدا فيها، ومن اغتاب مسلما بطل صومه ونقض وضوؤه، فإن مات وهو كذلك كات كالمستحل لما حرّم الله ومن شرب الخمر في الدنيا سقاه الله من سمّ الأوساد وسمّ العقارب شربة يتساقط لحم وجهه في الإناء، ويؤمر به إلى النار. وإن الله حرّم الجنة على المنان والبخيل والمختال والقتات ومدمن
(1/253)

الخمر والله تعالى أعلم.
(الباب الخامس في حقيقة الدنيا)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلّا ما كان لله فليعلم أن جميع ما في الدنيا ثلاثة أقسام قسم ظاهره وباطنه من الدنيا ولا يجوز أن يكون من الآخرة وذلك مثل المعاصي والمقاصد السيئة وكذلك التنعم في المباحات والتمرغ في الشهوات كل ذلك من الدنيا المحضة والقسم الثاني في أشياء هي بصورها لله تعالى ولكن لا يجوز أن تكون بمعناها من جملة الدنيا، وذلك ثلاثة أنواع الذّكر والفكر في آلاء الله عز وجل، ومخالفة الشهوات، فإن كانت هذه الأشياء بنية لله فهي سبب الآخرة فتكون لله تعالى وإن كانت بنية أن ينظر الناس إليه بعين الوقار، ويشهدوا له بالصلاح أو مقصوده من الذكر طلب العلم ليكتسب به جاها ومالا أو يترك الدنيا لطمع أن يقال زاهد وورع فهذا كله من الدنيا الملعونة المذمومة. والقسم الثالث ما هو بصورته وظاهره من حظ النفس وحقيقة الدنيا، ويجوز أن يكون بقصده لله تعالى ونيّته مثل أكل الطعام يستعين به على عبادة الله تعالى، ويطلب النكاح على قصد أن يكون له ولد يعبد الله تعالى ويطلب المال بنية أن يستغني به عن الحرام، وعن الحاجة
(1/254)

والسؤال وفراغ القلب. فالدقيقة في الباب أن حقيقة الدنيا ما هو حظ النفس في الحال ومجرد ذلك شهوة ونهمة لا تعلق له بالآخرة أصلا، وكل ما هو عمل الآخرة ومهمات أمرها كعلف الدابة في طريق الحاج. وإعداد الطعام لأجل الافطار، فليس من الدنيا لأن الله عز وجل بيّن الدنيا وبيّن حقيقتها في خمسة أشياء نص عليها في قوله تعالى: أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
فكل ما هو من الآخرة فليس من الدنيا، وما هو لأجل الدنيا وحظ النفس فذلك للدنيا المذمومة فاحذرها فليس للآخرة والسلام.
(الباب السادس في الزهد في الدنيا)
إعلم أنّ الله عز وجل توعد على الرغبة في الدنيا بعظائم لم نجده أوعد في شيء غيره في قوله وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
ثم قال فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
قال العلماء يعذبهم بجمعها وتزهق أنفسهم بحفظها وماتوا وهم كافرون بمنع الحق منها ثم أخبر الله تعالى أن فتنة الدنيا لا يعلمون حقيقتها حتى يتوسدوا في قبورهم على التراب كلّا سوف تعلمون في القبر؛ وقال ابن عباس في
(1/255)

تفسير قوله تعالى قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا
أصحاب الدراهم الذين يضعون الدرهم على الدرهم والدينار على الدينار وقال صلّى الله عليه وسلم: صلاح هذه الأمة الزهد واليقين وآخر فسادها البخل والأمل. وقال صلّى الله عليه وسلم: إنّ الله يبغض كل جموع منوع أكول ضروط شروب وقال: إن لله تعالى ملكا ينادي كل يوم دعوا الدنيا لأهلها ثلاث مرات، فمن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ حتفه ولا يشعر وقال:
إذا عظمت أمتي الدنيا نزعت هيبة الاسلام منهم وإذا تركت أمتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي. وقال: إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج (فصل) إن الرغبة في الدنيا تورث حب المال، وحب المال يورث استحلال محارم الله عز وجل، واستحلال محارم الله عز وجل يورث غضبه وغضب الله تعالى داء لا شفاء له فإن الخلق في الدنيا بين الحسنات والسيئات والشهوات واللذات والتمتعات وفي الآخرة بين الحساب والدرجات والدركات وغير ذلك فاترك السيئات حتى تنجو من الدركات واترك اللذات والشهوات حتى تنجو من الحساب، واعمل الحسنات حتى تبلغ الدرجات. قال القفال الشاشي رحمه الله تعالى ورحم أمواتنا وأموات المسلمين كافة: دخلت بغداد فرأيت الشبلي فقلت في
(1/256)

الدنيا الأشغال وفي الآخرة الأهوال فأين الراحة؟ قال: دع أشغالها تنج من أهوالها فعلمت أنه فاضل فقلت: القسام إذا قسم يتفاوت بين المقسوم فقال إن كان تصرفه في ملكه فيقسم كيف شاء، أشار إلى أنه مالك متصرف في ملكه أغنى قوما وأفقر آخرين وأعز طائفة وأذل قوما، وجاء رجل فقال: يا رسول الله ما الدنيا..؟ قال: حلم المنام وأهلها مجازون معاقبون، قال: كيف يكون الرجل فيها؟ قال:
بمقدار التخلف عن القافلة، فقال: كم بين الدنيا والآخرة؟
قال: غمضة عين. فدخل فلم يره، وقال: هذا جبريل أتاكم يزهدكم في الدنيا فعليكم بالزهد في الدنيا. وكتب إلى أخ له فقال صف لي أمر الدارين فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم.. يا سائلي عن الدارين أما الدنيا فأحلام وأمّا الآخرة فيقظة والمتوسط بينهما الموت ونحن في أضغاث أحلام.
لما توعد الدنيا به من شرورها ... يكون بكاء الطفل
ساعة يولد.
وقيل: الدنيا فرصة والناس حمالون فقوم يحملون أعمالهم إلى الجنة وقوم إلى النار فإن قيل ما العلة في رغبة الناس في الدنيا مع كثرة غمومها، فالجواب قلة معرفتهم بعيوبها فلو كشف الغطاء لهربوا منها، فإن قلت ما علة زهد الأمراء في
(1/257)

أبواب العلماء ورغبة العلماء في أبواب الأمراء فأقول أما زهد الأمراء فلقلة معرفتهم بفضيلة العلم، وأمّا رغبة العلماء فلمعرفتهم بفضيلة المال، وقيل من جمع المال وأقبلت عليه الدنيا، ثم منع المستحقين حقهم وادعى حقيقة أمره وزعم أنه عبد الله كان من المستهزئين بنفسه والله غفور رحيم.
(الباب السابع في سبب رغبة الناس في الدنيا)
اعلم أن سبب ذلك قلة اليقين واستيلاء الغفلة فلو تيقنوا أنّ دار الآخرة هي الحياة، وأن العيش عيش الآخرة وأن الأنبياء أفطن منهم حيث تركوا الدنيا وآثروا الآخرة عليها لزهدوا فيها، ولكنهم اغتروا بعاجل الدنيا يقينا واعتقدوا أن الآخرة خير وأبقى تقليدا. اللهم إلّا رجال الصدق فإنهم كوشفوا تحقيقا فلو كشف الغطاء ما ازدادوا يقينا، قيل الناس عمروا الدنيا وخربوا الآخرة فيكرهون النقلة من العمران إلى الخراب، قول آخر: ان الروح ألف الجسد وتعود صحبته وأشد شيء في الدنيا الفراق وفي رغبة الدنيا الصحبة والاجتماع، وفي رغبة الآخرة التفرق والإفتراق. فلهذا يرغبون في الدنيا. قول آخر: غرهم في ذلك طول امهال الله تعالى واستدراجه لذوي المعاصي فلو عاجلهم عند عظائم الأمور لزهدوا فيها ولكنهم أمهلوا حتى ظنوا أنهم
(1/258)

أهملوا. قول آخر: إنما رغبوا في الدنيا اغترارا بسعة رحمة الله تعالى وتوكلوا على عظم عفو الله، فقالوا هو لا يعذبنا مع قلة عددنا في جنب الكفار ولو عذبنا بذنوبنا فأي الناس ليس له عيوب؟ (وأي عبد لك لا ألما) المصيبة إذا عمت هانت (قول آخر) الأرض أمهم لأنهم خلقوا منها فيكرهون مفارقة الأم والله ذو الفضل العظيم.
(الباب الثامن في حكايات الناس في الدنيا)
رأى سليمان عليه السلام بلبلا يغرد على شجرة فضحك، ثم قال أتدرون ما يقول هذا الطائر؟ قالوا: أنت أعلم يا رسول الله فقال يقول: أكلت نصف ثمرة فشبعت منها: فعلى الدنيا السلام (حكاية) روي أن يهوديا صحب عيسى عليه السلام فأعطاه ثلاثة أرغفة فأكل اليهودي أحدها فقال له عيسى عليه السلام من أكل الرغيف؟ فقال: لا أدري، فذهب حتى استقبله ظبي فدعاه عيسى فجاء إليه فذبحه وشواه وأكلوا ثمّ قال: قم بإذن الله تعالى فقام فتعجب اليهودي. فقال عيسى: بحق الذي أراك هذه المعجزة ألا صدقتني من أكل الرغيف قال: لا أدري، فمرا حتى وصلا إلى البحر فأخذ عيسى عليه السلام يده ومر به على الماء فقال اليهودي: هذا أعجب فأقسم عيسى عليه بذلك من أكل الرغيف. قال: لا
(1/259)

أدري. فانطلقا حتى وصلا إلى أرض رمل فجمع عيسى عليه السلام بعض الرمل ثم قال: كن ذهبا بإذن الله تعالى فكان فقسمه ثلاثة أقسام، فقال: قسم لي وقسم لك وقسم لمن أكل الرغيف. فقال اليهودي من محبة الدنيا: أنا أكلت الرغيف يا رسول الله. فقال عيسى عليه السلام: يا عدّو الله رأيت عدة آيات فلم تقر فلما رأيت الدنيا أقررت يا مشؤوم دنياك هذه كلها لك. ومر عيسى عليه السلام فجاء رجلان فرأيا اليهودي فأرادا قتله فقال: لا تقتلاني نحن ثلاثة فلكل ثلث.
ثم قالوا: نبعث واحدا ليشتري لنا طعاما فذهب واحد فاشترى الطعام وخلطه بالسم وقال في نفسه يأكلان فيموتان ويكون المال كله لي، والرجلان عزما على قتله إذا أتى بالطعام ليكون المال بينهما، فلما رجع شدا عليه وقتلاه ثم جلسا وأكلا الطعام فاستلقى كل واحد ميتا فمر عيسى عليه السلام عليهم فرآهم على تلك الحالة والمال موضوع بينهم فقال: أف لك يا دنيا ما أشأمك. (حكاية) مات رجل في بني اسرائيل وخلف إبنين فاختصما في قسمة جدار فسمعا صوتا: لا تختصما فإني كنت كذا وكذا سنة ملكا، وكذا كذا سنة أميرا وكذا وكذا صاحب مملكة ثم مت وخلطت بالتراب ثم صنع مني فخارة فبقيت كذا كذا سنة ثم كسرت فبقيت كذا كذا سنة. ثمّ عملوا مني لبنة فلم تتخاصمان، لأجل الدنيا المذمومة
(1/260)

والسلام. اللهم ارزقنا رزقا طيبا بغير تعب عليه في الدنيا ولا حساب ولا عقاب عليه في العقبى آمين والله أعلم.
(الباب التاسع في مقالات الناس في الدنيا)
قال الامام الشافعي رضي الله تعالى عنه: لو كانت لي الدنيا بعتها برغيف وذلك لما أعلم من عيوبها وآفاتها، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه الدنيا أحدوثة فكن أنت من أحسن أحاديثها. وقال أحمد رضي الله تعالى عنه: من أراد أن يكون عزيزا في الدارين فليزهد في الدنيا. وقال مالك رضي الله عنه: ما رغب أحد في الدنيا إلّا إنصرف عنها بندم وخجل وحسرة وقال سفيان الثوري: وجدت الراحة والأنس في الخلوة والزهد في الدنيا، ووجدت الغموم والأحزان في مخالطة الناس، والرغبة في الدنيا. وقال داوود الأصفهاني: من رغب في الدنيا حرم الحكمة، وقال الأشعري: من رغب في الدنيا فقد أحب ما أبغضه الله تعالى وأنبياؤه وخالف الأنبياء والصالحين. وقال علي رضي الله عنه: من هوان الدنيا وحقارتها أن الله أخرج أطايبها من خسائسها فالدنيا سبعة أشياء: مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومنكوح ومسموع، ومبصر. أما المأكولات فأشرفها العسل وهو لعاب ذباب وأطيب المشروبات الماء، ويستوي في شربه
(1/261)

الآدمي والكلب، والخنزير. وأفضل الملبوسات الابريسم وهو لعاب دودة. وأشرف المناكح النساء وحقيقتها مبال في مبال وأشرف المشمومات المسك وهو دم غزال. والمسموع والمبصر مشترك بينك وبين البهائم. اللهم ارزقنا من عندك رزقا ولا تجعله استدراجا علينا يا الله.
كتاب في سلوة العقلاء
وفيه ثمانية أبواب
(الباب الأول في تسلية العقلاء بالحوادث)
إعلم يا أمجد الأمجاد وأجود الأجواد، يا صاحب المكارم والمعاني، يا من هو نظام المباني، إن الدنيا دار بلاء ومحنة واحن وبلايا وفتن لا تخلو عن الشوائب والكوارث لأنها دار الحوادث.
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذار والأكدار
وكيف تصفو والخطاب الأزلي مع الرسول القرشي صريح في ذلك، قال الله تعالى: يا محمد بعثتك لأبتليك وأبتلي بك فمعلوم أن الله سبحانه وتعالى يستحيل أن يتغير وقال الحكماء: من قال لأخيه صرف الله عنك المكاره فكأنه دعا عليه بالموت إذ صاحب الدنيا لا بد له من مقاساة المكاره،
(1/262)

وقال آخر: دخلنا الدنيا مضطرين، وعشنا متحيرين، وخرجنا كارهين.
ومن صحب الدنيا على جور حكمها ... فأيامه محفوفة بالمصائب
فالدار دار قلعة ومنزل رحله فمقاساة المكاره في الدنيا ضروري.
ومن عادة الأيام أن صروفها ... إذا سر منها جانب ساء جانب
هي الضلع العوجاء لست تقيمها. وكيف لا، والآدمي مذ دخلها في هدم عمره ونقصان رزقه لا يتنفس فيها نفسا إلّا بنقصان من بدنه، رؤي بعض الكبار وفي يده كاس دواء يتجرعها فقيل: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت في دار البليات أدفع الآفات بالآفات من الذي أذاقته الدنيا كاس حلاوة ولم تجرعه كاسات هموم وغموم؟ وفي الخبر أن طينة آدم عليه الصلاة والسلام، أمطر عليها تسعا وثلاثين سنة من المحن والبليات وسنة واحدة من الرحمة، فذلك إشارة وتنبيه أن أولاده ما لم يتجرعوا أربعين غصة لم يروا راحة. يا ساداتي واخواني أوائل العمر مرّة وآخره عبرة، ولما أراد موسى كليم الله أن يودع الخضر فقال: يا أخي أوصني فقال:
يا موسى في كل شيء خلقه الله بركة سوى خلة واحدة لا
(1/263)

بركة فيها البتة وهي أعمار العباد في كل ساعة تنقضي وتنقص حتى تتلاشى.
فالعيش نوم والمنية يقظة ... والمستعز بما لديه الأحمق
غيره
فالعيش حلم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال ساري
فيجب على العاقل أن يوطن نفسه على مصائبها ولا ينافس في زخارفها ويداري أهلها ويماري قومها.
دنيا تغر فكن منها على حذر ... فالعمر مأوى مخافات وآفات
فإن نالته محنة فيقول ذلك تقدير العزيز العليم، وإن أصابته بلية فيقول سنة الله التي قد خلت في عباده، وإن أحاطت به المكاره فيقول قد بلى فيها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأن سليمان أعطى فشكر، وأن أيوب إبتلى فصبر، وأن محمدا صلّى الله عليه وسلم أوذى فغفر. ويعلم أنه مسجون والعافية من السجون عارية والسلامة منه بعيدة والدنيا سجن المؤمن فالأحمق من طلب الرفاهية والعيش في السجن والعافية للمسجون محال والسلامة معدومة. ثم إن ابتليت
(1/264)

بكريهة فتذكر محنة الله فوق ذلك فيهنأ عيشك واشكر الله تعالى على ذلك فما من بلاء إلّا وفوقه أعظم وأطم، وما يدفع الله أكبر فتذكر حال المرضى والزمنى المجذومين والمفلوجين وأصحاب العلل والعاهات. واشكر الله تعالى. وقال صلّى الله عليه وسلم: لو لم يكن لإبن آدم إلّا الصحة والسلامة لكفاه بهما داء قاتلا للجسد. ويقول إن ابتليت أنا فقد ابتلى الصالحون قبلي.
ويقول لو لم تكن الدنيا دار محنة لما كانت الجنة التي أعدت للمتقين. فإن ابتلى في نفسه فيقول قد ابتلى الأنبياء. وإن مرض فيقول المرض يذكر الموت ويغفر الذنب. وإن ابتلى بأخذ مال، فيقول الحمد لله على سلامة النفس. لا بارك الله بعد العرض في المال. وإن ابتلى في الأهل والأولاد فيقول قد قدمت إلى الآخرة شفيعا واحتسبت أولادي عند الله.
وإن ابتلى في ماله فيقول إذا سلم الدين فالحوادث جبار وإن أصابته بلية من السلطان فيقول الحمد لله الذي أصبح أعدائي بين يدي الله عز وجل وأكون عبد الله المظلوم، ولم أكن عبد الله الظالم. وإن انكشف عيبه فيقول الحمد لله فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة. وإن كفرت صنائعه فيقول الحمد لله ما ضاع عرف صنع بين الله والناس وإن لم يكن هو أهله فأنا أهله، وإن أصيب إخوانه فيقول غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه، وإن مات قريبه فيقول قد مات
(1/265)

رسول الله صلّى الله عليه وسلم وما كان لنفس أن تموت إلّا بإذن الله كتابا مؤجلا. وإن مات خادمه فيقول الله باق وتوكلت على الحي الذي لا يموت. وإن عزل عن ولاية فيقول: الحمد لله الذي لم يعزلني عن الايمان والعز الأبدي في الايمان والسلطنة الكبرى والمملكة العظمى في الاسلام. وإن أكره على مال فيقول قرت ورب الكعبة عيني وثقلت موازيني يوم القيامة فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. وإن شاخ وضعفت قوته فيقول من شاب شيبة في الاسلام كان له نورا يوم القيامة يا نفس أبشري فالشيب نوري وأنا أستحي أن أحرق نوري بناري. وإن نقصت دوابه فيقول وفىّ الله للبار المطيع طلبه وإن جاءه سائل فيقول هدية الله إلى المؤمن.
وإن جاءه عالم فيقول هذا من كرامة الله تعالى علي. فمن أكرم عالما فقد أكرم الله تعالى وإن سمع شيئا في أهل بيته فيثب وثبة الأسد إذ لا دين لمن لا حمية له، وإن أصيب في دينه فيولول ويصيح ويبكي ويستغيث ويقول:
فكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران
(الباب الثاني في مخاطبة النفس)
إن أصابه شدة أو مرض أولاد فيقول: يا نفس إصبري
(1/266)

فقد قال صلّى الله عليه وسلم: لا خير في بدن لا يمرض، ولا في مال لا يصاب. ويقول: أنين المريض تسبيح وحنينه تهليل كم قد نعمت وسلمت، يا نفس، فاصبري وتصبري فقد عشت خمسين سنة أو تسعين في عافية ونعمة فاصبري في هذه الأيام لتنالي أجر الصابرين، فإن صبرت فمأجورة، وإن لم تصبري فجبورة فاشكري الله تعالى اذ لم يجعل سقمك أكثر من صحتك فلو أسقمك جميع عمرك ما كنت تصنعين؟ قولي لي: أتخاصمينه أم تحاربينه، العبد عبده والأمر أمره. وقد قال صلّى الله عليه وسلم ما أصاب المسلم شيء إلّا كان كفارة له. يا نفس اصبري فلعل هذا المرض يكون نصيبك من الدنيا أو من العذاب فقد فسر أبي بن كعب رضي الله عنه وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ
قال: المصيبة في الدنيا. ثم يسلي نفسه بعزاء الله تعالى فيقول أما قال إبن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى جل وعلا وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ
قال أخبر الله عباده أن الدنيا دار بلاء وإنه مبتليهم فيها وأمرهم بالصبر، فقال وبشر الصابرين ثمّ أخبرهم انه هكذا فعل بأنبيائه وأوليائه وصفوته تطييبا لقلوبهم فقال مستهم البأساء والضراء، فالبأساء الفقر، والضراء المرض، وزلزلوا بالفتن وأذى الناس إياهم فعلى العاقل أن يسلي نفسه لدى المصيبة والمرض حتى يجد ثواب الصابرين. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: من
(1/267)

استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلقا صالحا يرضاه؛ وفي الخبر أنه أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون وأصيب من المهاجرين ستة منهم حمزة وقال لصبر: أحدكم ساعة على ما يكره في بعض مواطن الاسلام خير من عبادته خاليا أربعين سنة قال صلّى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يصب منه. قال صاحب الغرتين ومعنى ذلك ابتلاه بالمصائب ليثيبه عليها والله أعلم وإن أعرضت عنه الدنيا ينشد شيئا من الشعر في معنى ذلك.
غدرت وقد عزمت على أن قد تفي ... لا سر من بوصال عهدك يوثق
فتنفست أسفا وعضت كفها ... غضبا وقالت لست ممن يعشق
وتعلقت يوم الوداع بخصمها ... مثل الغريق بمن يجد يتعلق
يا ليت حماه كانت مضاعفة ... يوما بشهر وأن الله عافاه
غيره
قد قلت للسقم كم ذا قد لهجت به ... فقال لي مثل ما تهواه أهواه
(1/268)

حلفت للسقم أني لست أذكره ... وكيف يذكره من ليس ينساه
غيره
لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من هم العداوات
اني أحيى عدوي عند رؤيته ... لأدفع الشر عني بالتحيات
وأظهر البشر للانسان أبغضه ... كأنه قد ملا قلبي مسرات
ولست أسلم ممن لست أعرفه ... فكيف أسلم من أهل المودات
الناس داء، دواء الناس تركهم ... وفي الجفاء لهم قطع الاخوات
فخالق الناس واصبر ما بقيت لهم ... أصم أبكم أعمى ذا تقيات
وإن جفاك اخوانك وكفروا نعمتك وأنكروا صنعك ورأيت ممن أحسنت له سيئة أو مرضت فلم يعدك أو قدمت فلم يزرك أو تشفعت فلم يقبلوا فلا تغتم وتسل بهذه الابيات التي لابي بكر الصديق رضي الله عنه:
(1/269)

تغيرت الاحبة والاخاء ... وقلّ الصدق وانقطع الرجاء
وأسلمني الزمان الى صديق ... كثير الغدر ليس له وفاء
يديمون المودة ما رأوني ... ويبقوا الود ما بقي اللقاء
وكل مودة لله تصفو ... ولا يصفو على الخلق الاخاء
وكل جراحة فلها دواء ... وخلق السوء ليس له دواء
وان ضيع عمره فيمن لا يعرف حقه وجمع علوما فلم ينتفع بها دنيا وأخرى فليرث نفسه بهذه الابيات:
جمعت كنوزا من دنانير حكمة ... بقالب فكر لي مقيما على الذكر
فسر هوى نفسي ستضحك عن غنى ... وعين صفاء الناس تبكي من الفقر
ربحت على علمي كنوز مدائحي ... وإني لمن صدق الحقائق في خسر
فأصبحت مغبوطا بظاهر ما أرى ... وأصبحت مغموما بباطن ما أدري
(1/270)

وخصمي جبار أقر له بما ... فعلت ولا يخفى على علمه أمري
عسى هو بالاقرار يعفو بفضله ... والا فلا يزداد بالجحد في وزري
فأغسل كالقصار ثوبي بحكمتي ... وان مياه البحر تعجز عن طهري
ان قحطت فقل يا نفس الشبع يكنى أبا الكفر جوعي لتشبعي واشبعي لتقنعي واخشي لترفعي إلى ربك وإن عمرت الى الشيخوخة وأنت بعيد في خدمة السلطان فاعلم أنه مصيبة عظيمة أعظم بها من مصيبة، ثم أعظم، فمن لم يتفرغ إلى ربه في آخر عمره متى يتفرغ ومن لم ينته بعد سبعين حجة فمتى ينتهي!؟ وينبغي أن يعاقب نفسه ويقول:
أياذا الشيب مالك لا تتوب ... وقد عالى عوارضك المشيب
أبعد الشيب تعصى ذا المعالي ... جواد ماجد رب قريب
يجود بعفوه والشيخ لاهي ... فأمر الشيخ ويحكمو عجيب
أسكان القبور متى التلاقي ... وقد أودى بشمسكم الغروب
(1/271)

وأعلم أن النفس ما حملتها تتحمل فإذا هذبتها وأدبتها تهون عليك مصائب الدنيا، وإن استرسلتها عقرتك وآذتك فتصبح في هم وتمسي في غم فالجهاد الاكبر معالجة النفس والله أعلم، وأنشد الشبلي رحمه الله.
يمينا صادقا حقا ... برب العرش والكرسي
فما عالجت في عسر ... كمثل العسر في النفس
فإن صارعتها ويل ... وإن صارعتها عرسي
مع الابليس إبليس ... وما الابليس في النفس
فمن يطيق رياضة النفس!؟ وخلق الانسان على خلقة لا سبيل إلى نقضها، خلق عجولا ضعيفا شهوانيا كارها للمصائب نفورا عن الفقر، فخوف الفقر من جبلة النفس والامتناع منها، ولكن أرشدكم الى دقيقة لطيفة تميزون بها بين ما هو لله تعالى وبين ما هو حظ النفس والشيطان، مثاله إنسان صائم قد أجهده العطش فنظر إلى ماء بارد فلا شك انه يشتهيه، فاشتهاؤه من فعل الجبلة وامتناعه من فعل الايمان، ورجل نظر إلى امرأة حسناء فلا يقدر أن لا يشتهيها، ولكن غض
(1/272)

بصره من فعل الايمان، وحب الرئاسة من طبيعة الانسان وكف النفس عن الحرام وسفك الدماء وأخذ المال من الايمان فافهم ذلك وقس عليه، وفي الجملة أفعال الخير تدل على السعادة وأفعال الشر تدل على الشقاوة والعاقبة مخفية والأعمال بخواتيمها والسلام. (حكاية) عن مجاهد رحمه الله تعالى يؤتى بثلاثة يوم القيامة بالغني والمريض والعبد المملوك فيقال للغني: ما شغلك عن عبادتي؟ فيقول: يا رب أكثرت مالي فطغيت، قال: فيؤتى بسليمان عليه الصلاة والسلام في ملكه فيقول: أنت أكثر شغلا من هذا؟ فيقول: لا، فيقول: ان هذا لم يشغله ذلك عن عبادتي، ثم يؤتى بالمريض فيقول: ما منعك عن عبادتي؟ فيقول: شغلت بجسدي فيؤتى بأيوب عليه الصلاة والسلام في ضره فيقول: أنت كنت أشد ضرا من هذا أم هذا قال: بل هذا، فيقال: إن هذا لم يمنعه عن عبادتي، ثم يؤتى بالمملوك فيقال: ما منعك عن عبادتي؟ قال: جعلت عليّ ربا فيؤتى بيوسف عليه الصلاة والسلام فيفعل معه مثل ما تقدم فنسأل الله تعالى العافية مع القبول.
(الباب الثالث في تسلية الله عباده)
قال الله تعالى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
فأخبر الله عز وجل ان سبب
(1/273)

الحوادث وزوال النعمة، إنما حدث بسبب شؤم فعل الآدمي اما بترك الشكر وإما بارتكاب المعصية، ويجوز أن يكون معناه في الأغلب والأكثر فإن الانبياء والاولياء تصيبهم البلايا واللأواء ولا تكون لهم سيئة فارجعوا على أنفسكم باللوم والتوبيخ لكيلا تأسوا على ما فاتكم، يعني أعلموا أن العطية كانت مقدرة بالوقت الذي جاورتكم فيه ومن أعطى شيئا فلا ينله إلا في الوقت المعين، فلا ينبغي له إذا استرجع منه أن يحزن، ولا تفرحوا بما آتاكم أي لا تأشروا ولا تبطروا ولا تتكبروا على من لم يؤت مثل ما أوتيتم لانه عارية عندكم وليس بملك وان حقيقة الملك لله، وليس للمستعير أن يتبجّح بالعارية لانه لا يأمن في كل وقت أن يسترجعها منه صاحبها فيا معشر الفضلاء تفكروا ويا جمهور العقلاء تذكروا فجميع أنواع الدنيا وأملاكها من النفوس والاملاك والاموال والاولاد والجاه والحشمة كلها عوار مردودة فانتفعوا بها قبل أوان استرجاعها، وغير هذا قال العلماء الانبياء لا يورثون مالا وإنما يورثون الاقتداء بهم لانه لا مال لهم حقيقة بل كانت عوار فلما قبضوا استردت لصلابة يقينهم وجوز للأمة القسمة والتوارث لضعف يقينهم ومساس حاجتهم. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
قال: ليس لأحد أن يفرح
(1/274)

ويحزن ولكن إذا أصابته مصيبة صبر وإن أصابه خير جعله شكرا ويسلي نفسه ويقول:
فيا نفس صبرا لست أول وامق ... ورفقا فإن الحب فيه عجائب
كريم أصابته من الدهر نكبة ... وأي كريم لم تصبه النوائب
وإن عوفي من مرضه أو نكبته فلا يأخذه الا شر والبطر فيقول تخلصت واسترحت فالدار دار حوادث وأن القضاء بالمرصاد فهب أنه نجا من النفس والهوى فكيف ينجو من الحكم والقضاء؟ مات رسول الله صلّى الله عليه وسلم وما خلف الا قميصه الذي توفي فيه، ومات أبو بكر رضي الله عنه وما خلف لا درهما ولا دينارا، وأبو ذر في النزع وأهله تقول: تموت وليس عندك أحد من الرجال وليس عندنا ما يكفنك فمن لم يتسل بالنبي وأصحابه فاعلم أنه مطبوع على قلبه ولم يرد الله به خيرا قط، فرحم الله امرأ قصد النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه واقتدى بهم رضي الله عنهم فلو كانت الدنيا خيرا لسبق إليها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ويروى أن يهوديا أتى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: أدع الله لي فقال: أكثر الله مالك وأطال عمرك وأصح جسمك وبدنك وقال: الاكثرون هم الاقلون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وقليل ما هم، قال الضحاك: الاكثرون
(1/275)

هم أصحاب عشرة آلاف دينار، وأعلم انك لو أردت أن تجرب نفسك في ترك ولاية أو نجرع غصص واختيار عزلة لعصت ولو تشفعت إليها بجبريل وميكائيل وكل ولي وزاهد لم تجب حتى تتشفع إليها بالجوع فحينئذ تطيعك وتتسلى عن الشهوات واللذات وتتذكر الأبيات:
أراك على البطالة لا تبالي ... حلالا كان كسبك أم حراما
وتقطع طول عمرك بالتمني ... وبالتسويف عاما ثم عاما
ولو علم الخلائق سوء فعلي ... لما ردوا على مثلي سلاما
وأعظم مصيبة تنزل بالانسان عبادة نفسه فمن ابتلى به قسا قلبه ولم يخرج عن متابعة الهوى ومن كان متابعا للهوى كانت النار له مأوى ومن جزع في المصائب فقد أرغم القضاء والقدر، كما قيل: لا أرضى بالقسمة ولا أشكر على النعمة ولا أستغفر من المعصية ولا أصبر على المحنة فأين حقيقة العبودية؟ قال: الشعبي اني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات، أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها وأحمده إذ وفقني الاسترجاع لما أرجو فيه
(1/276)

من الثواب وأحمده إذ لم يجعلها في ديني. وجيء بنصراني يطبب أبا بكر بن عياش فولى وجهه إلى الحائط وقال: بعد أن صرفت عني ما فيه فاصنع بي ما شئت، وأصاب الربيع ابن خيثم الفالج فقال: والله ما اختاره عن هذا الذي بي أن يعطيني الله عز وجل الديلم، وقيل له: لو تداويت قال قد هممت ثم ذكرت عادا وثمود وأصحاب الرس كانت لهم أطباء فما بقي المداوي ولا المداوى ثم أنشد يقول:
ما للطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبري مثله فيما مضى
هلك المداوي والمداوى والذي ... جلب الدواء وباعه ومن اشترى
قال أخ لابراهيم التيمي وهو في البلاء: لو دعوت الله عز وجل أن يفرج عنك قال: اني لأستحي أن أسأله أن يفرّج عني فيما فيه أجر. وعظ واعظ هارون الرشيد فقال: ما أخلف الليل والنهار ولا دارت نجوم في فلك إلا تنقل النعيم عن ملك قد انقضى ملكه إلى ملك.
(الباب الرابع في بيان أي الناس أشد بلاء)
فإن أصابك وخشيت بلاء فليكن لك في رسول الله أسوة
(1/277)

حسنة فإن أشد الناس بلاء الانبياء، ثم الاولياء، عن سويد بن عبد الله قال: دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكا شديدا فقلت: يا رسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا قال: إني لأوعك كما يوعك رجلان منكم قلت: ذاك بان لك أجرين قال: أجل، وما من رجل مسلم يصيبه أذى من مرض وما سواه إلا حط الله عنه سيئاته كما تحط الشجرة ورقها وقال: أشد الناس بلاء الانبياء ثم الصالحون كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ويبتلى بالقمل حتى يقتله ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء ذلك لعلمهم أن الدنيا لا بقاء لها وأن المبتلي يكاشفهم. وأما نحن فقد قست قلوبنا وطبع على قلوبنا وصدورنا فقد ابتلينا ببلاء كدنا أن نرمي من السماء أولئك الرجال ونحن المتخلفون المبتلون بالبطن والفرج، شتان بين قوي وضعيف وجاء في رواية: يبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان صلب الدين اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب ذلك فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الارض وما عليه خطيئة، وقال: مثل المؤمن كمثل الزرع لا يزال الريح يفيئه ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ومثل المنافق كمثل شجرة الارز لا تزال قائمة حتى تستحصد:
وأصاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم وجع فجعل يشتكي ويتقلب على
(1/278)

فراشه فقالت له عائشة رضي الله عنها: لو فعل هذا بعضنا وجدت عليه، فقال: ان المؤمنين ليشدد عليهم وقال إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط وفي رواية فمن حبه إياه يمسه البلاء حتى يدعوه فيسمع دعاءه، في رواية: وهو يحبه ليسمع تضرعه، وقال: لو كان المؤمن في جحر لقيض الله له فيه من يؤذيه، وعن الحسن: ما من مؤمن إلا له جار منافق، قال قتادة: ابتلي أيوب عليه السلام سبع سنين ملقى على كناسة بيت المقدس حتى قالت امرأته فو الله قد نزل بي الجهد والفاقة حتى إني بعت قرني برغيف فأطعمتك فادع الله أن يشفيك، قال: ويحك كنا في النعمة تسعين عاما فنحن في البلاء سبع سنين، وعن الحسن إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
قال: يذكر المصيبات وينسى النعم ما بين كان فلان وبين كان فلان إلا بمقدار ما ينقضي النفسان قيل للعتبي: مات محمد بن عباد فقال: نحن متنا بفقده وهو حي بمجده، أتى ملك الموت داود عليه الصلاة والسلام وهو يصعد في محرابه فقال: جئت لقبض روحك فقال: دعني حتى أرتقي وأنزل فقال نفدت الايام والشهور والارزاق فما إلى هذا سبيل فقبض روحه.
(1/279)

(الباب الخامس في كفارات الذنوب)
قال الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
فكل سوء عملناه جزينا به، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: غفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا ألست تمرض ألست تنصب ألست تصيبك اللأواء؟ قال: بلى قال: فذاك ما تجزون عنه، وفي رواية: هذا ما يناله الله من العبد مما يصيبه من الحر والحمى والنكبة حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيصرع لها، وقال: ما من مسلم يصاب بمصيبة إلا كفر الله عنه بها حتى الشوكة يشاكها، وفي رواية:
حط الله عنه بها خطيئة ورفع له بها درجة، وقال صلّى الله عليه وسلم:
وصب المؤمن كفارة لخطاياه وقال: إنما مثل المريض إذا برىء أو صح من مرضه كمثل بردة تقع من السماء في ضيائها ولونها وقال: الحمى كير من جهنم فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار في الآخرة وقال:
من ابتلاه الله ببلاء جسده فهو له حظه، وقال: أيكم يحب أن يصح فلا يسقم قالوا: كلنا يا رسول الله قال: أتحبون أن تكونوا كالخمر الضالة ألا تحبون أن تكونوا أصحاب كفارات والذي نفسي بيده ان العبد تكون له الدرجة في الجنة لا يبلغها بعمله حتى يبتليه الله بالبلاء ليبلغ به تلك
(1/280)

الدرجة في الجنة لا يبلغها بشيء من عمله. (قوله: الحمر الضالة) أراد به حمر الوحش وقال صلّى الله عليه وسلم: ان الله ليكفر عن المؤمن خطاياه كلها بحمى ليلة، وقال صلّى الله عليه وسلم: الشهداء خمسة:
المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله وقال: لا تكرهوا أربعة فإنها لاربعة، لا تكرهوا الرمد فإنه يقطع عروق العمى، ولا تكرهوا الزكام فإنه يقطع عروق الجذام، ولا تكرهوا السعال فإنه يقطع عروق الفالج، ولا تكرهوا الدماميل فإنه يقطع عروق البرص وقيل لابي ذر: إنا نحب أن نصح ولا نمرض فقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول ان الصداع والمليلة لا يزالان بالمؤمن وإن كان ذنبه مثل أحد حتى لا يدعان عليه من ذنبه مثقال حبة من خردل. ودخل اعرابي على أبي الدرداء رضي الله عنه وهو أمير، فقال: ماله؟ قلنا: هو شاك قال: والله ما شكيت قط أو قال: ما صدعت قط فقال أبو الدرداء: أخرجوه عني ليمت بخطاياه ما أحب ان لي بكل وصب حمر النعم، إن وصب المؤمن يكفر خطاياه، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لاعرابي: هل أخذتك أم ملدم؟ فقال: وما هي؟ قال حرّ بين الجلد واللحم، قال: فما وجدت هذا قط قال: فهل أخذك الصداع؟ قال: لا فلما ولى قال صلّى الله عليه وسلم: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر الى هذا، وقال رجل: ما رزئت
(1/281)

في مال ولا ولد فقال صلّى الله عليه وسلم: أن أبغض العباد إلى الله عز وجل العقربة الذين لم يرزؤا في مال ولا ولد قال فبايعه بأطراف أصابعه وقال: إن المؤمن إذا أصابه سقم ثم عافاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه وموعظة له وإن المنافق إذا مرض وعوفي كان كالبعير عقله أهله ثم أطلقوه لا يدري فيم عقلوه ولا فيم أطلقوه، فقال رجل: يا رسول الله ما الاسقام؟ قال: أو ما سقمت قط؟ قال: لا، قال: فقم عنا فلست منا، وطلق خالد بن الوليد رضي الله عنه امرأته ثم أحسن عنها الثناء فقيل يا أبا سليمان لأي شيء طلقتها؟ قال:
ما طلقتها لأمر رابني ولا ساءني ولكن لم يصبها عندي بلاء، وكان الرجل منهم إذا مرّ به عام لم يصب في نفسه ولا في ولده ولا في ماله، قال: مالنا وعدنا الله لنا.
(الباب السادس في المريض الذي يكتب ثواب عمله)
قال صلّى الله عليه وسلم ما من أحد من المسلمين يصاب ببلاء في جسده إلا أمر الله عز وجل الحفظة الذين يحفظونه أن اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة مثل ما كان يعمل من الخير ما دام محبوسا في وثاقي، وقال: وكل الله بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله فإذا مات قال الملكان اللذان وكلا به يكتبان عمله: قد مات فتأذن لنا فنصعد الى السماء فيقول الله عز
(1/282)

وجل: سمائي مملوءة بملائكتي يسبحوني، فيقولون: أنقيم في الارض؟ فيقول الله: أرضي مملوءة بخلقي، قوما على قبر عبدي فسبّحاني واحمداني وكبراني وهللاني واكتبا هذا لعبدي إلى يوم القيامة، وفي رواية إذا مرض العبد المسلم نودي صاحب اليمنى ان أجر على عبدي صالح ما كان يعمل ولصاحب الشمال اقصر عن عبدي ما كان في وثاقي عن أنس قال حدثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بشيء ما فرحنا مذ عرفنا الاسلام بشيء فرحنا به قال إن المؤمن يؤجر في هداية السبيل واماطة الاذى عن الطريق وفي تعبيره بلسانه عن الاعجمي وانه يؤجر في اتيانه أهله، واعلم يا سيد الوزراء ان الله تعالى حكيم فإذا أنزل بعبده بلاء أنزل عليه الصبر ثم يعينه عليه، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم ان الله أنزل المعونة مع المؤنة وأنزل الصبر عند البلاء وقال الله تعالى يا داود اصبر على المؤنة تأتك المعونة.
(الباب السابع في تسلية النفس بموت الاقارب)
أعظم مصيبة الآدمي مصيبته في نفسه فإن نفسه مطية إلى ربه وفي كل خلف سوى نفسه فلا خلف له فنفس تنجيها خير من امارة لا تحصيها فإذا بقيت نفسه تمكنه نجاتها اما بتوبة عما سلف أو بطاعة تؤتنف فبقية عمر المرء لا قيمة له
(1/283)

أما إذا بلغت نفسه فقد طويت صحيفته وانقطع عمله الا ما استثنى الشرع وهو ولد صالح يدعو له ثم أعظم مصيبة بعد نفسه في ولده فإنه فلذة كبده وبضعة من نفسه به يحيا اسمه وبولده يبقى بيته وهو البناء المخلد والحياة الثانية وإليه اشارة قوله صلّى الله عليه وسلم ما ولد في أهل بيت ذكر إلا أصبح لهم عز لم يكن، سئل قتادة ما أعظم المصيبة قال مصيبة الرجل في دينه. قال ليس عن هذا أسألك قال فموت الاب قاصمة الظهر وموت الولد صدع في الفؤاد وموت الاخ قص الجناح وموت المرأة حزن ساعة قال من قصر عمره رأى الفجيعة في نفسه ومن طال عمره رأى الفجيعة في أعزته وقال صلّى الله عليه وسلم إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب.
اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بان المرء غير مخلد
وإذا ذكرت مصيبة تشجى بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد
ولما مات ابراهيم بن رسول الله صلّى الله عليه وسلم فجعلت عيناه تذرفان، فقال عبد الرحمن بن عوف وأنت يا رسول الله فقال يا ابن عوف إنها رحمة وقال يا ابن عوف ان العين لتدمع وان القلب ليخشع ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وانا بفراقك يا
(1/284)

ابراهيم لمحزونون. ولما احتضر سعد بن عباده عاده رسول الله صلّى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ثم بكى وبكوا فقال ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ويعذب بهذا وأشار الى لسانه، ونظر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه الى عدي بن حاتم وهو كئيب حزين فقال مالي أراك كئيبا حزينا فقال وما يمنعني يا أمير المؤمنين وقد قتل ابني وفقئت عيني فقال يا عدي بن حاتم انه من رضي بقضاء جرى عليه كان له أجر ومن لم يرض بقضاء جرى عليه حبط عمله، وتوفى ابن الجعفر الصادق فخشي عليه الجزع فخرج هادئا سالما فقال له قائل وخشينا عليك فقال إنا ندعو الله فيما نحب فإذا وقع ما نكره لم نخالف الله فيما نحب، عن قتادة قال: فرح صاحبا موسى بالغلام حين ولد لهما وجزعا عليه حين مات ولو عاش لكان فيه هلاكهما، وعزي عمر بن عبد العزيز على ابنه عبد الملك فقال ان الموت أمر قد كنا وطنا أنفسنا عليه فلما وقع لم ننكره، كان خالد بن أشيم يأكل فجاءه رجل فقال مات أخوك فقال هيهات نعي اليّ اجلس فكل فقال ما سبقني إليك أحد فقال قال الله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون. (كتب عمر بن عبد العزيز) الى عون بن عبد الله يعزيه أما بعد فانا أهل الآخرة سكنا الدنيا أمواتا والعجب من ميت كتب إلى ميت يعزيه
(1/285)

بميت، جزع ابن مهدي على ابن له مات حتى امتنع من الطعام فكتب إليه المطلبي الشافعي رضي الله عنه، أما بعد فعز نفسك بما تعزي به غيرك واستقبح من فعلك ما تستقبح من فعل غيرك وأعلم أن أغص المصائب فقد سرور مع حرمان أجر فكيف إذا اجتمعا على اكتساب وزر وأنشد:
أني أعزيك لا أني على طمع ... من الخلود ولكن سنة الدين
فما المعزي بباق بعد صاحبه ... ولا المعزى وان عاشا الى حين
(وأنشد لابن المعتز)
هو الدهر قد جربته وعرفته ... فصبرا على مكروهه وتجلدا
وما الناس الا سابق ثم لاحق ... وآبق موت سوف يلحقه غدا
(الباب الثامن في بيان العسر واليسر)
خرج النبي صلّى الله عليه وسلم يوما مسرورا فرحا وهو يضحك ويقول لن يغلب عسر يسرين ان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا، وعن أنس رضي الله عنه. كان النبي صلّى الله عليه وسلم جالسا وحياله جحر فقال لو جاء العسر ودخل هذا الجحر
(1/286)

لجاء اليسر فدخل عليه فأخرجه قال فأنزل الله تعالى فان مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا وقال ابن مسعود رضي الله عنه لو أن العسر دخل في جحر لجاء اليسر حتى يدخل معه ثم قال، قال الله تعالى فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
وحصر أبو عبيدة فكتب إليه عمر رضي الله عنه مهما ينزل بامرىء شدة يجعل بعدها فرج، فإنه لن يغلب عسر يسرين وأنشد محمود بن عامر:
يا فارج الهمّ عن نوح وأسرته ... وصاحب الحوت مولى كل مكروب
وفالق البحر عن موسى وشيعته ... ومذهب الحزن عن ذي البث يعقوب
وجاعل النار لابراهيم باردة ... ورافع السقم عن أوصال أيوب
ان الاطباء لا يغنون عن وصب ... أنت الطبيب طبيب غير مغلوب
(وأنشد غيره)
مفتاح باب الفرج الصبر ... وكل عسر معه يسر
والدهر لا يبقى على حالة ... والأمر يأتي بعده الامر
(1/287)

والدهر تفنيه الليالي التي ... يأتي عليها الحشر والنشر
وكيف يبقى حال من حاله ... يسرع فيها اليوم والشهر
(وأنشد آخر)
إذا لاح عسر فارج يسرا فإنه ... قضى الله أن العسر يتبعه اليسر
(وأنشد البستي)
إذا عز أمر فاستعن أنت بالذي ... قدير على تيسير كل عسير
فبين ترقي جوزة وانحدارها ... فكاك أسير وانجبار كسير
قال أبو عمرو بن العلاء: كنا نقرأ أيام الحجاج بصنعاء فسمعت منشدا يقول:
ربما تجزع النفوس من الامر ... لها فرجة كحل العقال
فاستظرفت قوله فرجة فسمعت قائلا يقول: مات الحجاج فما أدري بأي الامرين كنت أشد فرحا بموت الحجاج أم بذلك البيت؛ قال بعضهم: رأيت مجنونا قد ألجأه الصبيان
(1/288)

إلى مسجد فقعد في زاويته حتى تفرقوا فقام وهو يقول:
إذا تضايق أمر فانتظر فرجا ... فأصعب الأمر أدناه من الفرج
وبعض الوزراء كفاه الملك لموجدة وجدها عليه فاغتم لذلك غما شديدا، وفيما هو ذات ليلة في مسيرة إذ أنشده رجل كان معه:
أحسن الظن برب عودك ... حسنا أمسى وسوى أودك
ان ربّا كان يكفيك الذي ... كان بالأمس سيكفيك غدك
فسر عنه وأمر له بعشرة آلاف درهم.
غيره
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفك عان ... ويأتي أهله النائي الغريب
ويروى لأمير المؤمنين كرّم الله وجهه:
كم فرجة مطوّية ... لك بين أثناء النوائب
(1/289)

ومسرّة قد أقبلت ... من حيت تنتظر المصائب
غيره
وكم من حاجة كادت تكون تعسرت ... وأخرى أتت واليأس منها يقودها
(وأنشد آخر)
ما هم عبد من الدنيا بذي حزن ... إلا لذلك مفتاح من الفرج
وقال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: ان للنكبات نهايات لا بد لكل مرتكب من أن ينتهي إليها فينبغي لكل عاقل إذاأصابته نكبة أن ينام لها حتى تنقضي مدتها فإن في دفعها قبل انقضاء مدتها زيادة في مكروهها وأنشد:
الدهر تحنق أحيانا قلادته ... فاصبر عليه ولا تجزع ولا تئب
حتى يفرجها في حال شدتها ... فقد يزيد اختناقا كل مضطرب
(ولابي تمام حبيب بن أوس الطائي)
ومن لم يسلم للنوائب أصبحت ... خلائقه جمعا عليه نوائبا
(1/290)

(وأنشد عبد الرحمن بن محمد بن دوست)
ولا تبغ سرّك غير قلبك موضعا ... فالسرّ بين مضيع ومباحث
وأعد صبرك للنوائب جنة ... فالمرء رهن مصائب وحوادث
واسمح بمالك في الحقوق فإنما ... مال البخيل لحارث أو وارث
واحرث لنفسك حرث خير إنه ... لا يحصد المعروف غير الحارث
لا ينفع التدبير والحزم امرأ ... حتى يعززه القضاء بثالث
بعضهم يقول الطلاق البت له لازم لقد سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول الطلاق الثلاث البت له لازم ان كانت العرب قالت أجود من هذه الاربعة أبيات وهي:
كن للمكاره بالعزاء مقلعا ... فلعلّ يوما لا ترى ما يكره
فلربما استتر الفتى فتنافست ... فيه العيون وإنه لمموه
ولربما خزن الكريم لسانه ... حذر الجواب وإنه لمفوّه
(1/291)

ولربما ابتسم الكريم من الاذى ... وفؤاده من حرّه يتأوّه
(وأنشد آخر)
اصبر لدهر نال منك ... فهكذا مضت الدهور
فرح وحزن مرة ... لا الحزن دام ولا السرور
(وأنشد آخر)
تعودت مس الضر حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر
وصيرني يأسي من الله راجيا ... لسرعة لطف الله من حيث لا أدري
(وأنشد آخر)
إذا كانت الايام أم مصائب ... وهن جميع الدهر لم يبق ممنع
إذا كان دهري كله بذر فرقة ... ففرقة أحبابي هو الربع يرفع
(1/292)

(وأنشد آخر)
إذا كان عمري للفناء مسيرة ... فعمري بلا عتب لعمري يقطع
رويدا أبا سهل فما الدهر صانع ... بل الدهر مصنوع يداوي ويصنع
كتاب الحلال والحرام
وفيه أربعة عشر بابا
(الباب الاول في الحلال المطلق)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: طلب الحلال فريضة على كل مسلم، إعلم أن الحلال موجود والحرام موجود بخلاف قول بعض الحمقاء أن لا حلال في الدنيا فذاك إنما أتى من جهله إذ الغنيمة المأخوذة من الكفار حلال مطلق والجزية حلال مطلق وإن كان ثمن الخمر والصيد حلال مطلق والسمك والجراد حلال وماء الوادي ونبت البراري إذ لم يتملكه انسان حلال مطلق، ومن حلف بالطلاق إن الحلال موجود بالدنيا لا تطلق امرأته، ومن حلف أن لا حلال في الدنيا يقع الطلاق، فالحلال بيّن والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، وتعداد أنواع الحلال يستدعي مجلدات فمن قال لا حلال سوى الصيد والماء فاشهد عليه بالحمق، ومن قال لا أميز بين الحلال والحرام بل آكل كل شيء أجده، كل البقل ولا تسأل عن
(1/293)

المبقلة فاشهد عليه بخطأه الاباحة فإنه عريض القفا كثير الجهل بل الحرام موجود والحلال أعم منه وكما ان الحرام كثر وانتشر، فالحلال أيضا قد انبسط وانتشر، والسر فيه أن الشرع ما كلف الخلق اصابة عين الحلال في علم الله سبحانه وتعالى لانه لا يتصور معرفته حرجا ومشقة وقال تعالى ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
بل كلفوا أن يصيبوا حلاله في اعتقادهم وظنونهم ولا يعرفوا أنه حلال يقينا فاستفت قلبك وإن أفتاك المفتون، وبرهانه بيانه، وأن النبي صلّى الله عليه وسلم توضأ من مطهرة مشرك، وهم يستبيحون شرب الخمور ويتدينون بمخالطة النجاسات ومع ذلك لم يتركه النبي صلّى الله عليه وسلم والغالب من قرائن حاله لو كان عطشانا لشرب من أوانيهم والنجس حرام لا يجوز أكله، وكان الصحابة إذا دخلوا بلدة أكلوا من طعامها وعاملوا أهلها وهم يبيعون الخمر فدل على ان الحلال موجود ومن قال أن الحلال ليس بموجود فقد طعن في الشريعة ورد قول النبي صلّى الله عليه وسلم: (الحلال بين والحرام بين) وهذا كفر فنعوذ بالله منه ونسأله أن يميتنا على الايمان والاسلام والتوحيد وفي زمرة سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلم بمنه وكرمه.
(الباب الثاني في الحرام المطلق)
وهو السحت الذي ذكره الله تعالى في كتابه فقال
(1/294)

سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
وتفسير السحت الربا فلدرهم واحد أشد من ثلاثة وثلاثين زنية. والرشوة حرام والسرقة حرام وأجرة البغي وفي معناه غدر المؤاجر وثمن الخمر والخنزير والكلب وحلوان الكاهن وما يعطى للمنجم والحاكم الظالم وما يغوله السعاة والبغاة وقطاع الطريق والغلول في الغنيمة، قال ابن عباس رضي الله عنهما، السحت خمسة عشر شيئا، الرشوة في القضاء ومهر البغي وحلوان الكاهن وثمن الكلب والخمر والميتة وعسب الفحل وأجرة المنجم وأجرة النائحة والمغنية والساحر وأجرة صورة التماثيل وهدية المسخرة والغلول في الغنيمة وما يأخذه السعاة والبغاة وقطاع الطريق فمن أكل شيئا من هذا يفسق وتسقط عدالته ولا تقبل شهادته البتة. (قاعدة) الحرام يكون خبيثا وقد يكون حراما أخبث منه، والحلال طاهر وقد يكون بعض الحلال أطهر منه، أما الحلال فماء الوادي حلال وماء المطر أطهر منه، وأما الحرام فمثل النجاسة والبول والخمر، فالرشوة حرام والبول والخمر أخبث منه. (قاعدة) كل ما يخرج من المعادن من أجزاء الأرض ويضر الآدمي فأكله حرام مثل الطين إن كان يضره ذلك ويصر على أكله فهو حرام، وإن كان قليلا لا يضره فحلال، وما يزيل العقل مثل البنج والسم وأمثاله فحرام.
(1/295)

(الباب الثالث في أحكام المال الحرام)
إعلم أن جميع أموال السلاطين ومن اجتمع عنده اموال محرمة فالواجب عليه أن يتصدق بجميعها إذا لم يجد أربابها باقين. (لثلاثة معان) الاول أنه لما وضعت الشاة المشوية بين يدي النبي صلّى الله عليه وسلم فتكلمت مع النبي صلّى الله عليه وسلم وقالت لا تأكلني فاني مغصوبة قال النبي صلّى الله عليه وسلم أطعموها الاسارى لانه عرف أنه مال أشرف على الضياع وهناك من يحتاج إليه فأمرهم بالتصدق على الفقراء؛ والثاني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما راهن مع أبيّ بن خلف في غلبة الروم، انهم سيغلبون فارس على جمال معدودة فلما صحح الله قوله أخذ منه الابل وأتى بها إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال النبي صلّى الله عليه وسلم هذا سحت وحرام تصدق بها فتصدق بها. والثالث أن هذا مال ضائع وقد أمكن أن يصرف إلى خير أو فقير ينتفع به فكان الاولى أن يصرف الى الفقراء حتى يلحق صاحبه بركة دعائهم. (قاعدة) كل من يأكل الحرام مثل المرابي وقاطع الطريق والسلطان الظالم فلا يجوز لأحد أن يحضر ضيافته ويأكل من ماله ولا يجوز قبول هديته وكذلك القاضي المرتشي لا يجوز حضور دعوته ويحرم بيع العنب من الخمار والغلام من اللوطي والذي يفجر به والسيف من قاطع الطريق فإن باع
(1/296)

فثمنه حرام. (نادرة) من كان ماله حراما من ربا أو قطع طريق أو السلطان الظالم فلا يجوز لأحد أن يحضر ضيافته ويأكل من ماله ولا يجوز قبول هديته والسلام.
(الباب الرابع في أموال السلطان)
إعلم أن جميع أموال السلاطين حرام إلا ثلاثة، وأموال العمال والاجناد كلها على شفير جهنم وعلى خطر النار إلا هذه الثلاثة فمن أراد يتخلص ويخلص فلا بد من استحلال أربابها فمن اكتسبوا من المصادرة والغصب فحرام، ومال الاقطاعات حرام، ومن اشترى منها قوتا فيأكل الحرام ومال المواريث حرام ومال الخراج على غير الأرض الخراجية حرام، ومال الرصد والنائحات حرام وسحت، ومال الرشوة حرام والمصانعة حرام فكم أعد ولا يمكن احصاؤها، والحلال في أيدي الملوك والامراء على أنواع منها ما يملكونه من الكفار إما بحرب أو غنيمة أو بهدية أو جزية على شرط الشرع وملوك زماننا يرون الجزية حلالا لهم فمنها يأكلون ولا يعلمون أنها حرام عليهم لانهم لا يأخذون على شرط الشرع إما يزيدون أو ينقصون ولا يؤدّون للمستحقين شيئا منها، ومنها مال بيت المال والامراء إذا اتّجروا واشتركوا في الاموال بالاستنماء والزرع والاستنبات فحلال وان اشتروا
(1/297)

الضياع بالمال الحرام فما نبتت عليها فحلال لهم إذا كان البذر حلالا مملوكا لهم وكذلك إذا إستولى ملك أو رئيس في ناحية وأحيا مواتا، لم يكن لاحد فيها ملك يحل له ريعها، ومن أهدى الى الملوك بطيب نفس منه فهو حلال، وإذا اتجروا في مال حلال فالربح حلال وإذا ورثوا من آبائهم وإن اكتسبوا من الحرام فحلال للأبناء لهن المهنأ وعليهم الوبال، وكذلك ما أخذوه في عمارة السبل وجعالة الطريق فحلال لهم، ومال الجزية والمصالح فللعلماء المفتين والقضاة المرتبين وللمتعلمين وللفقراء فيه حق، فلو أن السلطان جعل للعالم أو للقاضي ادرارا، فإن كان على ضياع السلطان وأملاكه الخاصة يجوز وإن كان على مال المصالح والتركات فلا يحل حتى يكون الأخذ في محل يجوز له أخذه وشرطه أن تكون أمور المسلمين متعلقة به مثل المفتي والقاضي والمتعلم والفقير العاجز عن الكسب والطبيب. (دقيقة) السلطان والامير إذا اشتريا قرية أو فرسا أو غلاما بمال المصادرة لا يملكانه إذا عين المال حتى لو كانت جارية لا يحل له وطؤها ولو أولدها يكون الولد ولد شبهة لان ثمنها معين في مقابلتها وهو غير مملوك وإذا اشتراها مطلقا فإن وزن الثمن من مال المصادرة فتلك مسألة أخرى لان الثمن وجب في الذمة والذمة متسعة لجميع الأثمان فأين السلطان من هذا البيان
(1/298)

وأين الملوك من الحلال والحرام ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل فسوف يعلمون.
(الباب الخامس في جواز أكل مال الغير عند الاضطرار)
إعلم أنه إذا اضطر إلى مال الغير، بحيث أنه كاد أن يهلك ان لم يأكله يجب عليه أن يأكله فإن لم يأكل تورعا حتى مات فقد عصى الله ورسوله فترى الطعام مباحا ويجب على المكلف أكله عند مخافة الهلاك وترى الماء مباحا ويحرم عليه شربه عند فساد المعدة وغلبة التخمة فانظر في حكمة الشرع وقضاياه، وإذا حصل في يده مال لا مالك له فله أن يأخذ قدر حاجته وأعجب من هذا كله يجب على المضطر أن يأكل الميتة لئلا يموت لقوله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
وفي قول أنه يباح أكله ولا يجب عليه لقوله تعالى وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ
. (فصل) إذا اضطر الى طعام الغير فعلى المالك بذله بثمن مثله فإن لم يبع منه فله أخذه قهرا لقوله صلّى الله عليه وسلم: من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله تعالى، وهذا إذا لم يعطه هدية ولم يبعه بثمن حتى يموت فقد أعان على قتله والاجماع منعقد على ان الرجل إذا رأى غيره يغرق أو يحترق يجب عليه أن يخلصه ويقطع فريضة الصلاة لحق المسلم،
(1/299)

ولو قصد قتل المسلم وهناك رجل يقدر أن يدفع عنه يجب عليه الدفع عنه، ومن الناس من قال يجب على المالك أن يعطيه من غير ثمن ولا عوض والمذهب الاول، فإن بذله صاحب الطعام بثمن مثله يلزم عليه قبوله لقوله عز وجل وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
وإذا امتنع فقد ألقى نفسه الى التهلكة فلو بذله بأكثر من ثمن المثل لا يلزمه قبوله، فإن أراد قبوله بأكثر من ثمن المثل لا يلزمه قبوله قلنا ينظر هل يمكنه أن يأخذه بعقد فاسد حتى يلزمه قيمته فإن امتنع المالك من دفعه إليه فله أن يكابره قهرا وإن أتى على قتله فلا شيء عليه. (فصل) فإن اضطر الى ثمرة بستان أو زرع فله أن يأكل بشرط أن يكون مضطرا وعليه القيمة فإن لم يكن مضطرا فلا يأكل، وقال الامام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه: إذا مر بحائط غيره واحتاج الى الثمرة فانه ينادي ثلاثا فإن أجابه إنسان، وإلا يدخل ويأكل قدر حاجته ولا يتخذ خبيئة ولا يحمل شيئا، وسواء كان مضطرا أو محتاجا أو لم يكن مضطرا لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: إذا مر أحدكم بحائط غيره فليأخذ ولا يتخذ خبيئة، والخبيئة ما يأخذه الانسان تحت ثوبه وقال الامامان فحلا الشريعة وفرسا الاسلام: هذا منسوخ بقوله صلّى الله عليه وسلم: لا يحل مال امرىء مسلم الا عن طيب
(1/300)

نفس منه، وهو لم تطب نفسه ببذل هذا الطعام فوجب أن لا يحل. (فصل) وإن وجد آدميا ميتا، يجوز له أكله لان حرمة الحي آكد من حرمة الميت ألا ترى أن سفينة لو كانت مثقلة بالاحياء والاموات ترمي الاموات، وإن وجد ذميا لا يجوز له قتله لان له ذمة مؤكدة فأما الحربي فيقتله لانه مباح وهكذا المرتد والزاني المحصن مباحا الدم. (فرع) إذا لم يجد شيئا فهل له أن يقطع بعض بدنه ليأكله وجهان أحدهما له ذلك لانه بقي الجملة بالبعض كما في الأكلة وقيل لا يجوز أن يداوي التلف بالتلف. (قاعدة) إذا اضطر في برية فوجد الخمر أو البول فيشرب البول دون الخمر لانهما جميعا محرمان وللبول مزية وهو أنه لا يذهب بالعقل ولا يسكر فإن وجد الخمر وحدها فلا يجوز تناولها لان الخمر تجوع وتعطش ولا يجوز التداوي بها لانها تذهب العقل وقال أبو حنيفة والثوري: يجوز للمضطر شربها وللمريض التداوي بها وهذا قول الأئمة رضي الله عنهم.
(الباب السادس في تحريم أواني الذهب والفضة)
وهما حرامان على الخاص والعام الذكر والانثى لا يجوز استعمالها والشرب فيهما والتوضؤ منهما قال صلّى الله عليه وسلم: الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم
(1/301)

حتى يموت ومن اتخذ ذلك بامساكه حرام ومن أمر به فيأثم والسر فيه أن الله تعالى خلق الذهب لجوهرية الاثمان فمن اتخذ آنية فقد أبطل حكمة الله تعالى فانه خلقها لقضاء حوائج الناس فإذا اتخذها أواني فكمن حبس القاضي عن القضاء والوصي عن الوصايا ومن يهرق في آنية الذهب، قطرة ماء لا حدّ عليه عند الامام أبي حنيفة لان الماء أصله على الاباحة وأيضا في استعمال الاواني تشبه بالجبابرة والاكاسرة وميل إلى الدنيا فمنع ذلك وأيضا فيه انكسار قلوب الفقراء مهما نظروا إليهم يستعملون أواني الذهب والفضة ولا يجدون أواني الخزف في بيوتهم، فتنكسر قلوبهم ويسيئون الظن بالله تعالى فمنع من ذلك، وأيضا ففي استعمال أواني الذهب تغرير للناس بها فمنع عن التغرير، وأما الديباج والحرير ففيه جمال وزينة، الرجال ليسوا محل الشهوة فحرم عليهم، وأحل للنساء لينضم الجمال إلى الجمال ويكون كمالا في كمال.
(الباب السابع فيمن تحل غيبته وتحرم غيبته)
أعلم أن الغيبة أشد من الزنى والغيبة حرام، إلا عند ستة أمور ففي هذه المواضع لا تكون غيبة ولا يأثم، وعن بعض المشايخ أنه كان يقول: تعالوا حتى نغتاب في الله.
(1/302)

(الاول) المتظلم يتظلّم وينسبه إلى الظلم والجور وكذلك الامير والوزير والقاضي إذا أعلنوا بالجور فمن ذكرهم بالجور فلا غيبة لهم لأن لصاحب الحق مقالا وقال لي الواجد يحل عرضه وعقوبته. و (الثاني) الاستعانة على تغيير المنكر ورد المعارض إلى الصلاح إذا كان قصده أن ينكر عليه.
و (الثالث) الاستفتاء يقول للمفتي قد ظلمني أخي أو زوجي فكيف طريقي في الخلاص، والتصريح مباح، قالت هند:
إنّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فلم يمنعها إذ قصدها الاستفتاء وقيل فلانة صوّامة قوّامة إلا أنها تؤذي جيرانها، قال: هي في النار، وفلانة بخيلة لحاجتهم إلى معرفة الاحكام.
(الرابع) تحذير المسلمين من الشر، مثاله: فقيه يتردد إلى مبتدع أو فاسق وخفت أن تتعدى إليه بدعته فلك أن تكشف بدعته وكذا المدعي إذا سئل عن الشاهد فله الطعن وكذا المستشار في التزويج على قصد النصح، قال النبي صلّى الله عليه وسلم: ثلاثة لا غيبة لهم الإمام الجائر والمبتدع والمجاهر بفسقه. و (الخامس) أن يكون معروفا باسم كالاعرج، والاعمش، لاشتهاره. و (السادس) أن يكون مجاهرا بالفسق كامخنث وصاحب الماخور والمجاهر بشرب الخمر ومضارة الناس ويتظاهر به بحيث لا يستنكف من أن يذكر به لأن
(1/303)

العبرة بالأذى ومن ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له البتة.
(قاعدة) في علاج الغيبة قال بعض العلماء من اغتاب انسانا وندم على غيبته فلا بدّ من الاستحلال واحتج برواية أنس رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم: كفارة من اغتيب أن يستغفر له.
(الباب الثامن في بيان اللعب المباح واللعب الحلال)
إعلم أن اللعب كله باطل إلا ثلاثة أشياء: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا ثلاثة أشياء رمي الرجل بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فانهن من الحق، معناه أن كل ما يتلهى به الرجل مما لا يفيده في العاجل والآجل فباطل والاعراض عنه أولى إلا هذه الثلاثة فإنها حق لاتصالها بما يفيد كالرمي بالقوس وتأديب الفرس فإنه معاون القتال وملاعبة الأهل تؤدي إلى أن يكون له ولد، أما المصارعة واللعب بالصولجان فلا بأس، وسائر الأشياء مما أحدثه الناس فباطل لغو أما اللعب بالنرد شرط أو لم يشرط فحرام لقوله صلّى الله عليه وسلم: من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير وصاحبه يفسق، وأما الشطرنج فمباح بثلاث شرائط أن لا يراهن ولا يداوم ولا يترك الصلاة بالاشتغال به، وأكثر من سمعت من إخواني أنه يورث الفقر والادبار ويشغل عن أمور الدنيا والآخرة، عن
(1/304)

أبي جعفر: تلك المجوسية لا تلعبوا بها يعني الشطرنج، وفي الجملة من لعب بالنرد فترد شهادته ومن لعب بالشطرنج ولم يقامر ولم يغفل عن صلاته لا ترد شهادته واللعب بالاثني عشر باطل عن أم سلمة لأن تضرم نار في بيت أحدكم خير من أن يكون فيه الاثني عشر، وأما المراجيح فمكروه واللعب بالحمام مكروه لأن النبي صلّى الله عليه وسلم رأى رجلا يتبع حمامة فقال:
شيطان يتبع شيطانة وحمله بعض العلماء على ما إذا أدمن اطارته واشتغل بها وأما التحريش بين الكلاب والديوك والبهائم فحرام ومن حضر للمناظرة ففاسق ترد شهادته.
(الباب التاسع في تحريم اقتناء الكلاب)
وذلك حرام في الشرع اللهم إلا ما استثناه الشرع في ثلاث كلاب: كلب صيد، أو كلب ماشية أو كلب زرع فاما غير ذلك إذا اقتناه للتلهي والتنزه فيفسق بذلك وترد شهادته. قال النبي صلّى الله عليه وسلم: من اقتنى كلبا إلا كلب من صيد أو ماشية أو زرع نقص من أجره كل يوم قيراطان كل قيراط بمنزلة أحد، أما قتل الكلاب ففي ابتداء الاسلام كان جائزا ثم نسخ ذلك إلا في الكلب العقور الذي يؤذي فيجوز قتله، وأما الكلب فيتحتم قتله ويثاب على ذلك، وأما إذا أطعم كلبا هل يؤجر عليه أم لا لا خلاف أنه يؤجر عليه
(1/305)

لانه خلق من خلق الله تعالى. قال النبي صلّى الله عليه وسلم: لولا أن الكلاب أمة من الامم لامرت بقتلها، ولكن اقتلوا كل بهيم وإذا وقع في المملحة وصار ملحا هل يحل أكل ذلك الملح اختلفوا فيه والصحيح انه يجوز لانه انعدم وتلاشى والملوحة معنى يخلقه الله فيه ساعة فساعة.
(الباب العاشر في اخصاء الحيوان)
قال بعض الناس اخصاء الحيوان سواء كان آدميا أو فرسا أو هرة أو غيرها من الحيوان حرام على الاطلاق لانه تعذيب للحيوان وتغيير لخلق الله تعالى فلا يجوز ومن فعل ذلك فهو فاسق ومنهم من قال: يجوز ذلك على الاطلاق في كل حيوان سوى الآدمي فإن فيه بقاء النسل وفي ذلك استئصال النسل فحرام وهذا هو الصحيح أما في الفرس والبغل والحمار والسنور فجائز لان الحاجة ماسة إليها بخلاف الآدمي فإنه لا حاجة إليه إذ لا يجوز للخادم النظر إلى النساء جبّ أو لم يجبّ فاحتفظ بهذه الدقيقة، أما كي الفرس والغنم فمكروه وليس بحرام.
(الباب الحادي عشر في اباحة الصيد وكونه حلال)
إعلم أن الصيد مباح أباحه الله عز وجل كرامة للآدمي
(1/306)

حيث سخر له جميع الاشياء فكما ان الخيل والبغال والحمير للزينة، والجمال لحمل الاثقال كذلك الصيد لغذاء الآدمي وطعامه ليتقوا بذلك على طاعة الله تعالى وقالت البراهمة من أهل الهند وهم قوم معتقدهم أن بعثة الانبياء لا تجوز وينكرون الانبياء وهم كفار من أهل النار لا محالة فقالوا:
الصيد حرام وقتله محظور وذبحه خارج عن الحكمة لانها ما جنت جناية تستوجب القتل ومن قتل في بلادهم بقرة يقتلونه بها ومن ذبح شاة أو دجاجة قتلوه وهجروه والشاة والبقر والطير ينتج في بلادهم، ويهلك ولا يقصدهما أحد، وهؤلاء يتعيشون بالالبان والبيوض والحبوب صم بكم عمي فهم لا يعقلون فنقول لهم قال الله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ
وقال تعالى وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا
وندب إلى الاصطياد فلو كان حراما لما ندب إليه ثم الاجماع منعقد على اباحة الصيد وعلى أنه حلال ثم نقول يا معشر الحمير وأصحاب السعير إن البهائم مملوكة لله فأذن بذبحها والتصرف فيها والمالك إذا تصرف في المملوك ليس لاحد الاعتراض عليه بل له أن يتصرف في ملكه كما يشاء يدل عليه انكم تجوزون أن الله يؤلمها بأنواع الآلام والامراض ثم يميتها فإذا جوز تم الايلام والاسقام ابتداء فهلا جوز تم الذبح انتفاعا وكم من وجع وألم أشد من الموت ويدل عليه
(1/307)

أيضا أنه لو لم يجز ذبح البهائم لكان عيش الآدمي منغصا مكدرا ولم يهنأ وما انتظم نظام، ولا حصل بقاء العالم لان بقاءه ببقاء الآدمي وبقاء الآدمي بالقوت كما قيل: قوتك قوّتك فما يكون له قوت وغذاء يكون حلالا ويدل عليه أن معظم معيشة الدنيا جلود الانعام وشعورها فان السرج والانطاع والمخاد والاخبية والخفاف وآلات الحرب من الفراء والصوف فلو كان حراما لاختل عيشهم لان بانعدام هذا انعدام صلاح العالم وأيضا فلو منع الآدمي من أكل اللحم لعدم طيباته في هذه الدنيا وتضعف قواه ويعجز عن الصلاة والصيام. (فرع) إذا كان يوم القيامة يحشر الله جميع البهائم والوحوش والطيور في أصح القولين حتى يعتبروا من فضائح الآدميين وسوء أعمالهم وفي القول الثاني لا يحييهم الله إذ لا فائدة في احيائها وبعثها فإنها غير مكلفة وحشرها موتها. (لطيفة) لو قال قائل لا يحيى الله الموتى يكفر ولو قال لا يحيى الله الوحوش والحشرات لا يكفر بل يكون فاسقا لان ذلك قطع وهذا ثبت باخبار الآحاد.
(الباب الثاني عشر في مستحقي الأموال واستحقاق الغنيمة)
إعلم أن المال المأخوذ من الكفار المجتمع عند الولاة ثلاثة
(1/308)

أحدها مال الصدقات من المواشي والأعيان فهو لأهل الصدقات لا نصيب للملوك فيها الا بجهة الغزاة وقد بينه الله سبحانه بقوله إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ
الآية وشرحها يطول والثاني والثالث الفيء والغنيمة وأموال الخراجات المحدثة لأرض السواد لا البلاد التي استولوا عليها وضربوا عليها الخراج فإنها محرمة قطعا، ومال المواريث الذي يؤخذ من تركة من لا وارث له، ومال الصبيان والمجانين (فصل) تفسير الغنيمة ما غنمه المسلمون من المشركين بالقهر والسيف وإيجاف الخيل والركاب، والفيء ما رد الله على رسوله صلّى الله عليه وسلم من غير قتال ولا إيجاف خيل وهو الجزية وما يصالح عليه الإمام المشركين فتجعل الغنيمة مخمسة، أربعة أخماسها للغانيمن وخمسها يقسم لخمسة فخمس لرسول الله صلّى الله عليه وسلم وخمس لذوي القربى وخمس لليتامى وخمس للمساكين وخمس لابن السبيل على ما قال الله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
فلما توفى النبي صلّى الله عليه وسلم بقي الحكم بعده على ما كان فأربعة أخماس الغنيمة للغانمين وخمس مقسوم على خمسة فخمس للنبي صلّى الله عليه وسلم مصروف على مصالح المسلمين وخمس لذوي القربى يعطى اليهم ولا يسقط بموت النبي صلّى الله عليه وسلم وهو مستحق للقرابة مصروف إلى بني هاشم وبني
(1/309)

المطلب وباقيه على ما كان حال النبي صلّى الله عليه وسلم (فصل) أما الفيء فإن أربعة أخماسه للنبي صلّى الله عليه وسلم ملك له وخمسه مقسوم على خمسة فكما جعلنا في الغنيمة أربعة أخماسها للغانمين وخمسها على خمسة هكذا ههنا نجعل أربعة أخماسه للنبي صلّى الله عليه وسلم ملكا له وخمسه مقسوم على خمسة لأن هذا المال مستفاد بالرعب والرعب كان بالنبي صلّى الله عليه وسلم فأما أربعة أخماس الفيء بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلم لمن هي فيه قولان أحدهما للمقاتلة الذين أرصدوا أنفسهم للقتال لا شغل لهم غيره دون الغزاة الذين يغزون تطوعا، والقول الثاني مصروف إلى مصالح المسلمين، فإن قلنا مصروف إلى مصالح المسلمين فيبدأ بالأهم فالأهم، وأهم الأشياء المقاتلة لأنهم حماة الدين وحفاظ الإسلام وأنصار دين الله وحفاظ بلاد الله فيعطى كل واحد قدر كفايته إلى سنته وتزاح علله حتى إذا قيل له سر سار من غير توان، فإن بقي شيء صرف إلى بناء الحصون وسد الثغور وبناء السور، فإن بقي شيء اشترى به سلاح وفرق على المقاتلة، فإن بقي شيء صرف إلى بناء المساجد والقناطر، فإن بقي شيء صرف إلى العلماء والأئمة والمؤذنين، وإن قلنا أن جميعها للمقاتلة فجميع أربعة أخماس الفيء تقسم بينهم على قدر كفايتهم، وقال مالك وأبو حنيفة: يصرف أربعة أخماس الفيء إلى مصالح المسلمين، فهذا معشر أخواني من
(1/310)

المسلمين مصرف الأموال ومظانها من الخراج والزكوات والإقطاعات والتركات والفيء والغنيمة، أصحابها يموتون جوعا ويضيعون عراة وترى الملوك والوزراء يصرفون ذلك إلى المطربين والمساخرة ويشترون خيلا وغير ذلك من الأواني والفرش والملبوس، ولكن رضوا بشراء الغلام وشرب المدام، رضوا من الدنيا بأهون بلغة بلثم غلام أو شرب مدام فويل لقاضي الأرض من قاضي السماء والله الموفق.
(الباب الثالث عشر في رد المظالم والخروج عن عهدتها)
إعلم أن حرمة مال المسلم كحرمة دمه فمن أخذ دانقا من مسلم مستخفا فقد كفر وباء بغضب من الله ومن أخذه قهرا فهو فاسق على مذهب أهل السنة، وعند المعتزلة من مات وعليه ربع دينار من المظلمة من غير توبة فقد مات لا مؤمنا ولا كافرا ويبقى في النار مع فرعون وهامان وقارون خالدا مخلدا فأيما سلطان أو ملك أو وزير أو رئيس أو عبد أخذ دينارا من مسلم بغير حق فقد فسق وسقطت عدالته وباء بغضب من الله وأيما شرطي أو عون قصد مسلما ليأخذ منه دانقا فله أن يدفعه بلسانه أولا ثم بيده ثانيا فإن لم يندفع فبسيفه ثالثا فإن قتله فلا شيء عليه لا دية ولا كفارة لأن الحق قتله ولا يحزنك دم أراقه أهله، هذا فتوى الشافعي
(1/311)

وأبي حنيفة وهما الحبران الإمامان الفحلان، فليحذر القوم عن مثل هذه الفتوى وليعتصموا بالتقوى فإنها العروة الوثقى.
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس منا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إنّ المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار. يا هذا أرض خصمك في الدنيا قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار فيكون الخروج من الطاعات والسيئات، فكم من أمير تراه أسيرا وكم من فقير تراه يومئذ أميرا وكم من فقير يتعلق يومئذ بذيل الغني ويقول يا رب سله لم منعني حقي، وفي الخبر أن ثلاثة نفر يتعلقون بثلاثة، الفقراء يتعلقون بالأغنياء والمرأة تتعلق بذيل الرجل والجار يتعلق بالجار ويطالبونهم بقضاء حقوقهم فالسلطان والأمير تطالبهما الرعية والخصماء يطالبونهم بمظالمهم والزوجة والعيال يحاكمونه بالحقوق والفقراء يطالبون بمظالمهم والله تعالى يطلب حقه ويحاسبه على النقير والقطمير فتأمل في آفة الامارة ولهذا كانت الصحابة يهربون من الامارة لعلمهم بآفاتها وأما اليوم فيقاتلون عليها لجهلهم بمخبئاتها (فصل) اعلم أن من مات وعليه مظالم لم
(1/312)

يردها على أصحابها فأمره على خطر يخشى عليه في الدنيا نزع الإيمان وفي الآخرة عذاب النار فيكون أمره في مشيئة الله، وقالت الخوارج: هو كافر وقالت المعتزلة: لا مؤمن ولا «كافر له منزلة بين المنزلتين فإن الله ينادي يوم القيامة فيقول أنا ظالم إن جاوزني ظالم وأول سطر في التوراة: من يظلم يخرب بيته، ومعناه في القرآن العظيم فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا
وقد جربنا وجرّب أولونا أن الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم فإياكم والظلم فإنه ظلمات يوم القيامة وإن الله نهى عن معاونة الظالمين ومجالستهم وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: من مشى مع ظالم فقد أعان على هدم الإسلام، تالله إن الظلم شؤم ومغبته وخيمة والظالم ملوم فاستبقوا لأولادكم وانظروا لمعادكم واعتبروا بمصارع الظالمين في بلادكم (فصل) فإن كان عليه مظالم ومات غير تائب عنها فالله يعطي خصمه أجر حسناته حتى يرضى فإن لم يكن له حسنات فيلقى عليه من سيئات خصمه فإن كان خصمه نبيا ولم يكن للمظلوم سيئات يعذب بقدر حقه وإن كان خصمه ذميا فقد أقسم الله أن يأخذ للمظلوم من الظالم فيؤخذ بقدر ذنبه وقيل يخفف من عذاب الذمي، وإن قطع يده وهو كافر ثم أسلم ومات أو قطع يده وهو مسلم ثم ارتد ومات فيوم القيامة كيف يفصل بينهما تبعث اليد إلى الجنة أو إلى النار؟ قيل الحكم للأصل واليد تبع
(1/313)

في الحالين (فصل) فإن أراد أن يرد المظلمة فلا يخلو إما أن يكون المال باقيا والملّاك معدومين أو المال تالفا، فإن كان المال باقيا والملاك معدومين فيرد على ورثتهم فإن لم يكن لهم وارث وكان يعلم بقاض أمين يدفع اليه وإن لم يكن فقيل يتصدق بنفسه على الفقراء وقيل هو حق لبيت المال وسائر المسلمين وإن كان المال تالفا وأصحابه موجودين فيذهب اليهم ويتضرع حتى يحلوه فإن فعلوا فذاك وقد تخلص من حقهم وإن أبوا فينوي إن رزقه الله مالا يرد المظالم فإذا مات على هذه النية فالله قادر على أن يرضي خصماءه وقيل يستكثر من نوافل العبادات فربما يرضي الله خصماءه منها وإن لم يعلم مقدار مظلمته فيأخذ بغالب الظن وكذا في الحل والحرمة يأخذ بغلبة الظن والله سبحانه وتعالى أعلم.
(الباب الرابع عشر في الفرق بين الرشوة والهدية)
وهذه مسألة عويصة طال فيها القيل والقال وخلاصة ذلك أن الهدية تمتاز عن الرشوة بأربعة أمور: الأول أن يدفع إليه مالا بحقه ويهديه ليعوضه على ذلك فهي هبة مباحة فإن عوضه فذاك وإن لم يعوضه وأمسك الأصل فهو سحت، والثاني أن يهدي إليه هدية لصلاحه وعلمه أو شرفه ويكون موصوفا بهذه الأوصاف فذاك حلال له وإن ظن أنه مصلح
(1/314)

فإذا هو مفسد بينه وبين الله أو ظن أنه عالم فإذا هو جاهل أو ظن أنه علوي فإذا هو دعيّ فهو حرام والثالث أن يدفع إلى حجاب الملوك وخواص الأمراء ليعينوه في أمر يطلبه أو عمل يقصده فإن كان يطلب عملا حراما مثل الشرطة ومصادرة الناس وتولى الخراج وتولى الرصد وجباية الإقطاعات فذاك حرام وإن أعطى فقير إلى حاجب الملك فلا يحل له ما لم يعوضه، والرابع أن يعطيه في أمر تعين عليه فعله مثل أداء شهادة تعين عليه أداؤها إلى القاضي ليحكم بينهما أو ليجيب خصمه عنه وغير ذلك فهذا حرام لا يجوز أخذه، وإن كان فعلا مباحا فلا يكون حراما فتباح له الهدية إذا وفى بذلك الفعل وتممه مثل أن يقول له: ادفع هذه القصة إلى السلطان ولك كذا أو أعني في هذا الأمر (قاعدة) متى كان هذا الفعل حراما مثل الظلم وسماع بينة الزور وتقوية الظالم فكل ما يأخذه حرام، وكذا إذا كان الفعل متعينا عليه مثل دفع المظالم وسماع بينة الحق فكل ما يأخذه سحت فلتعرف هذه القاعدة.
كتاب الحقوق
وفيه ثلاثة عشر بابا
(الباب الأول في حق الله على العباد)
اعلم أن الحق إذا أضيف إلى الله تعالى فمعناه أنه
(1/315)

موجده ومظهره أو موجبه له وحقيقة الحق على العباد ومن سواه فحقه مجاز سوى ما أوجب الله تعالى قضاء حقه، فحق الله سبحانه وتعالى على العبد ثلاثة: الأول أن يوحده ولا يشرك به شيئا الثاني، أن يعبده حق عبادته، والثالث أن يطيعه ولا يعصيه. وسأل معاذ بن جبل رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله ما حق الله تعالى على العباد؟ فقال صلّى الله عليه وسلم:
لقد أحسنت السؤال حق الله تعالى على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وأن يطيعوه ولا يعصوه، وأن يشكروا نعمته ولا يكفروا بها، فكل أحد يعرف هذه الحقوق ويقضي حقها فهو مؤمن حقا يدخل الجنة صدقا، ومن أعرض عنها فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
(الباب الثاني في حق العباد على الله تعالى)
هذه مسألة مشكلة فإن الله تعالى خالق الأعيان وموجد الموجودات له الخلق والأمر وليس عليه الحق ولكن حق العبد على الله سبحانه وتعالى حق الكرم والوعد لا حق اللزوم والإلزام، وإنما يجوز إطلاق هذه الكلمة بوعد الله تبارك وتعالى وحكمه على نفسه فإنه أخبر أن الأنبياء يدخلهم الجنة ويكرمهم فلا يجوز أن يخلف وعده، وهذه المسألة سأل عنها معاذ بن جبل رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال:
(1/316)

يا رسول الله ما حق العباد على الله تعالى قال: حق العباد على الله أن يقبل توبتهم إذا تابوا وأن يدخلهم الجنة، وأن يعفو عنهم. أنظر في لطف الله تبارك وتعالى يرزق أعداءه مع عصيانهم له ويستر عليهم، ولا يحبس رزقه عنهم لأجل كفرهم وعتوهم فحق العباد أن يعطيهم ما وعدهم على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبول التوبة والكرامة وإدخالهم الجنة والتجاوز عنهم برحمته ومنّه ولطفه وكرمه.
(الباب الثالث في حق رسول الله صلّى الله عليه وسلم)
وحقه أن يطيعوه في أوامره ونواهيه ويحافظوا على سنته ومراسمه. وأن يحبه فوق محبة نفسه. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده ومن الناس أجمعين، ومن وقف على مآثر رسول الله صلّى الله عليه وسلم: وشفقته على عصاة أمته وحسن آثاره في دين الله فيؤثره على محبة نفسه بنفسه لأنه رسول الله مبلغ عن الله من بين عامة خليقته أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع ومشفع وهو صاحب اللواء المعقود والمقام المحمود والحوض المورود ومن حقه أن ترضى برضاه وتغضب بغضبه وتحب أولياءه وأبناءه وأهل بيته وتعادي أعداءه وتكرم ورثته من العلماء والفقهاء. ومن حقه أن تصلي عليه إذا ذكر بين يديك لا سيما ليلة الجمعة،
(1/317)

ومن حقه أن تزور قبره بعد موته لقوله صلّى الله عليه وسلم: طوبى لمن زارني ورأى من رآني، ومن حقه أن تحب أصحابه وتثني عليهم فإنهم خير أمته، إلى غير ذلك.
(الباب الرابع في حق المسلم)
(حق المسلم على المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويصلي عليه إذا مات ويجيبه إذا دعاه وينصحه إذا غاب ويشمّته إذا عطس) . هذا لفظ الحديث ومدار الباب أن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمن جاره بوائقه، فإن شئت أن تكون مؤمنا حقا فأحب لأخيك ما تحب لنفسك وقال صلّى الله عليه وسلم:
أربع من كن فيه فهو خير البرية وهو بريء من الأهواء: من يعين المحسن على إحسانه، ويفرح بتوبة التائب، ويدعو للمذنب، ويستغفر للمصر ويترك الخيانة والكذب لقوله:
يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب، وتحب للناس ما تحب لنفسك من الخير وتكره لهم ما تكره لنفسك من الشر، والمروءة في الحضر والسفر لقوله صلّى الله عليه وسلم: المروءة في ست خصال ثلاثة في السفر وثلاثة في الحضر أما اللواتي في الحضر فقراءة كتاب الله تعالى وعمارة مساجد الله تعالى واتخاذ الإخوان في الله تعالى، واللواتي في السفر فبذل الزاد وحسن الخلق مع الأصحاب والمزاح في غير معصية الله تعالى
(1/318)

فمن قام بهذه الشرائط فهو مؤمن حقا والله أعلم.
(الباب الخامس في حق الوالدين)
اعلم أيدك الله أن الله سبحانه وتعالى قرن حق الوالدين بحق نفسه فقال تعالى وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين، وقال رجل: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك.
قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك. وقال: لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه فلو أعطى أباه جميع ماله وخدمه عمره وأنفق جهده في رضاه، لكان حق الأب أعظم وحق الأب ذرة في جنب حق الأم فالجنة تحت أقدام الأمهات، فمن بر والديه زاد الله تبارك وتعالى في عمره فابشروا يا معشر الأبرار. وقال الله سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام (يا موسى وقر والديك فإن من وقر والديه مددت في عمره ووهبت له ولدا يبره ومن عق والديه قصرت في عمره ووهبت له ولدا يعقه) والنظر إلى الوالدين عبادة، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: ما من بار ينظر إلى والديه نظر رحمة إلا كتب الله له بكل نظرة حجة مبرورة قالوا: وإن نظر كل يوم مائة مرة قال نعم الله أكبر وأطيب. وقال: من قبل بين عيني أمه كان
(1/319)

له سترا من النار فمن حقهما أن يطيعهما ولا يقل لهما أف وينفق عليهما إذا أعسرا ويزوج أباه إن احتاج، وجاء رجل فقال: يا رسول الله هل بقي عليّ من بر والديّ بعد موتهما شيء أبرهما به؟ قال: نعم الصلاة عليهما والإستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهذا الذي بقي عليك، ومن حقهما أن تزور قبرهما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: من زار قبر أبويه في كل جمعة غفر الله له وكتب له براءة، ومن حقهما قضاء دينهما إن كان عليهما دين، ومن حقهما مواصلة أصدقائهما، وكان عليّ وعمر رضي الله عنهما في الطواف فإذا أعرابي معه أمه يحملها على ظهره ويرتجز ويقول:
أنا لا أزال مطيها لا أنفر ... وإذا الركائب ذعرت لا أذعر
وما حملتني ووضعتني أكثر
لبيك اللهم لبيك فقال عليّ مر بنا يا أبا حفص ندخل في الطواف لعل الرحمة تنزل فتعمنا، فدخل يطوف بها ويقول:
(أنا لا أزال مطيها لا أنفر) وعليّ رضي الله عنه يجيبه:
إن تبررنها فالاله يشكر ... يجزيك ربي بالقليل الأكثر
وكيف أحصي شيئا لا نهاية له والله أعلم بالصواب.
(الباب السادس في حق المولودين)
فليعلم العقلاء أن الولد الصالح نعمة من الله تعالى
(1/320)

وموهبة وكرامة فكل من ولد له ولد ذكر أو أنثى فعليه أن يحمد الله تعالى على أن أخرج من صلبه نسمة مثله يدعو الله تعالى وينسب إليه فيعبد الله تعالى مثل عبادته. فمن حقه أن يؤذّن في أذنه حين يولد ويسميه بأحسن الأسماء كعبد الله وعبد الرحمن ولا يسميه خلف ويسار ويربوع وكلب ويحنكه بتمر فإن لم يجد فبحلو مثله، ويعق عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة ويحلق شعر رأسه الذي ولد عليه ويختنه ويعلمه كتاب الله وسنة رسوله وأقاويل السلف ولسان العرب وأن يرشده إلى أحمد المكاسب ويجنبه قرناء السوء ومقالات الملحدين. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها في عشر وفرقوا بينهم في المضاجع. ويؤدبه إذا أساء، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع. وقال عمر رضي الله عنه: رحم الله رجلا أنجز يتيما بلطمة فإذا بلغ فليزوجه امرأة فإن ترك ذلك فأتى باثم وخطيئة فإثمه على أبيه. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: من ولد له ولد فليحسن اسمه وأدبه فإذا بلغ فليزوجه فإن بلغ ولم يزوجه فأصاب إثما فإنما إثمه على أبيه.
وقال: من كانت له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن وأدبهن دخل الجنة. وقال: من كان له بنات ينفق عليهن حتى يبدن أو يمتن كن له حجابا يوم القيامة من النار والله أعلم.
(1/321)

(الباب السابع في حق الزوج)
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: حاملات والدات رحيمات لولا ما يأتين إلى أزواجهن دخلت مصليتهن الجنة. وقال: أيما امرأة بات زوجها وهو عنها راض دخلت الجنة. وقال لامرأة: كيف أنت لزوجك؟ قالت: يا رسول الله لا آلوه، فقال: أحسني فإنه جنتك ونارك. وقالت امرأة: ما حق زوجي عليّ؟ قال: لو دخلت عليه وهو يسيل دما وقيحا فلحسته بلسانك ما أديت حقه. وقال معاذ سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: أيما امرأة أدخلت على زوجها غما في أمر النفقة أو كلفته ما لا يطيق لا يقبل الله منها صرفا ولا عدلا إلا أن تتوب، وأيما امرأة لحست من جانب أنف زوجها دما والآخر قيحا ما أدّت حق زوجها. وقال: لو كان لأحد أن يسجد لأحد من دون الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. وحق الزوج تسعة أشياء:
أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه، وأن لا تمنع نفسها منه إذا كانت طاهرة، وأن لا تخونه في ماله، وأن تشاركه في الدعاء وتكرم أقرباءه، وأن لا تؤذيه بلسانها، وأن تعينه فيما أمكن، وأن لا تمن بمالها عليه، ولا تمنع مالها منه، والله أعلم.
(الباب الثامن في حق الزوجة)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوار
(1/322)

عندكم أخذتموهن بأمانة الله تعالى، واستحللتم فزوّجهن بكلمة الله تعالى. وحق المرأة ثمانية: أن ينفق عليها، ولا يغيب عنها أكثر من أربعة أشهر، ولا يضربها إلا في شأن المضاجع، ولا يجامعها في دبرها، ولا يظلمها في صداقها، ولا يمنعها من زيارة أبويها، وأن يوسع عليها في النفقة، وليعلمها أمر دينها من الصلاة والصيام وأحكام الحيض، والله أعلم.
(الباب التاسع في حق المماليك)
لقد وصّى الله تبارك وتعالى عباده في حق المماليك ووصى بهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمته وكان آخر ما تكلم به رسول الله صلّى الله عليه وسلم: اتقوا الله تعالى فيما ملكت أيمانكم فأول ذلك أن لا يقول عبدي وأمتي، بل يقول فتاي وفتاتي. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: لا يقل أحدكم عبدي وأمتي فكلكم عبيد الله تعالى وكل نسائكم إماء الله وليقل غلامي وجاريتي ثم لا يكلفه ما لا يطيق ولا يجوعه، ولا يعذبه، فإن فعل فالله خصمه ولا يضربه بما يهلكه إلّا أن يصيب حدا فيقيمه عليه، ولا يغلظ له بالقول والأفضل أن يسوي بين طعامه وطعام رقيقه وكسوته فإن لم يفعل فطعامه وكسوته بالمعروف. وقال الشافعي رضي الله عنه: تفسير المعروف مثله في بلده الذي يكون به وقال صلّى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة رجل سيء الملكة، ملعون من ضار مسلما أو ما كره وقالوا: يا رسول الله كم نعفو عن العبد في
(1/323)

اليوم؟ قال: سبعين مرة وقال: ويل للمالك من المملوك وويل للمملوك من الممالك وويل للغني من الفقير وويل للضعيف من الشديد وسئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير: وهو الحبل (فصل) ثم إن الشرع أكد حقوق السادة، فقال: أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة وقال: ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة ولا يرتفع لهم إلى السماء حسنة: العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه: والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى، والسكران حتى يصحو والله ولي الإعانة وهو حسبي ونعم الوكيل.
(الباب العاشر في حق الأمراء)
إعلم أن طاعة الأمراء لازمة واجبة لقول الله سبحانه وتعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
قرن طاعة الأمراء بطاعة نفسه ورسوله. وقال رسوله الله صلّى الله عليه وسلم:
أطيعوا ولو عبدا حبشيا وقال: أطع كل أمير وضلّ خلف كل أمام ولا تسبن أحدا من أصحابي. وقال: الإمام منك بمنزلة الوالد فلا تضربه إن ضربك، ولا تسبه إن سبك. وقال: من أكرم سلطان الله تبارك وتعالى فقد أكرم الله ومن أهان سلطان الله فقد أهان الله تعالى: وحسبك بهم فخر وناهيك بالولاية عظمة قوله صلّى الله عليه وسلم: عدل ساعة خير من عبادة ستين
(1/324)

سنة، والأمير والوزير والرئيس المطاع والقاضي المتمكن كلهم مستحقون الأمر والطاعة على الرعية، وتكون طاعتهم أقرب من قرط الأذن فمن خرج عليهم بالسيف فقد فسق فإن عاد وتاب فقد تاب الله على من تاب وإن بغى وطغى وأبى فيحل قتاله: فإن أصر فتحل إراقة دمه واستباحة أمواله، فليتعجب العقلاء من هذه العظمة وهذه الخيرة فكادت الولاية أن تكون تلو النبوة، وإذا خرجت الرعية من الطاعة عصت وإذا ظهر له عدو فيلزمهم معاونته وإن استقرضهم أقرضوه وإن استعان بهم أعانوه وإن عدل فيهم مدحوه وإن جار عليهم صبروا إلى أن يفتح الله تعالى لهم فرجا وتنل الأيام دولته، ومن حقه أن تكرم خدمه وعماله ويوصلوا إليه الحقوق الموظفة والمرافق المقننة ويحسنوا إليه قولا وفعلا.
(الباب الحادي عشر في حق الرعية)
إعلم أن الرعية عيال الله سبحانه وتعالى والله تبارك وتعالى خصهم. قال صلّى الله عليه وسلم: من آذى مؤمنا فقد آذى الله تعالى.
وقال صلّى الله عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالرجل راع على أهله وهو مسؤول والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول ألا وكلكم راع وكلكم مسؤول. قال صلّى الله عليه وسلم: يقول الله تبارك وتعالى يوم
(1/325)

القيامة يا رعاة السوء أكلتم السمين وضيعتم الهزيل اليوم أنتقم منكم. وقال: من ولي من أمر الناس شيئا فاحتجب عن أولى الضعف والحاجة احتجب الله عنه يوم القيامة. اعلم أن حق الرعية أن يكف السلطان عنهم الظلم من خاص نفسه ومن عماله ويؤمن السبل وينصف المظلوم ويعين ذا الحاجة ولا يحتجب عنهم ولا يول عليهم من أبغضوه فيبغضونه ببغضهم إياه ويستن فيهم بالسنة المحمدية ويسير فيهم بالسيرة العمرية، وتمام الشفقة أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فعلى الوالي والوزير والرئيس وظائف لا بد من قضائها ممن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومن أعطى النفس هواها وأرداها في مهواها فتلك شقوة بلغت مداها فالمسكين هالك من أصحاب مالك، فالظالم يخرب بيته ولا يشعر ويجني على أولاده ولا يعلم ويضرب على قدميه ولا يحس فدع ذكر اللئام من الحساب فأول الوظيفة أن ينزل نفسه منزل الرعية وكل ما يحب لنفسه يحب لهم وكل ما يكره لنفسه يكره لهم فإن كان بخلاف ذلك فهو خائن والخائن جائر (والثانية) أن ينتظر مجيء أرباب الحاجات ولا يستخف بهم فإن قضاء حاجة المسلم خير من سبعين حجة مبرورة وسبعمائة ركعة نافلة (والثالثة) أن لا يتعود الإنهماك في الشهوات فإن عاقبتها حسرات وندامة والندامة على فقد الطاعات من
(1/326)

الإيمان (والرابعة) أن يبني أمور السلطنة على الرفق دون العنف فإن الإسلام بني على الرفق والكفر بني على الخرق وما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما دخل الخرق في شيء إلا شانه فإن رفق بالرعية فسيرفق الله تعالى به ويلحقه دعاء النبي صلّى الله عليه وسلم فيا سعادة من حظي بدعائه. قال النبي صلّى الله عليه وسلم:
أيما وال رفق بأمتي فارفق اللهم به ومن شدد على أمتي فاشدد اللهم عليه (والخامسة) أن يجهد حتى يرضى عنه جميع رعيته فتكون موافقة للشرع قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: خير أئمتكم من تحبونهم وشر أئمتكم من تبغضونهم (والسادسة) لا يؤثر رضا مخلوق على خلاف الشرع فإن من سخط عن قول الحق وفعل الحق فهو شيطان. قال عمر رضي الله عنه: أصبحت ونصف الناس عليّ غضبان، ورضا الناس غاية لا تدرك وما قولك في جاهل يؤثر رضا المخلوق على سخط الخالق جل جلاله لا يلتفت إليه الله (السابعة) أن يعلم أن خطر الولاية عظيم وشكرها شديد، فمن عدل واعتدل فيا سعادته ومن جاوز وانحرف فيا شقاوته، أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعضادتي الباب، وقال: الأئمة من قريش ما فعلوا ثلاثة أمور إذا استرحموا رحموا وإذا حكموا عدلوا وإذا قالوا أوفوا فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله تعالى منه صرفا ولا عدلا. وقال: من حكم بين اثنين وظلم
(1/327)

فلعنة الله على الظالمين (الثامنة) أن يكون مشتاقا متعطشا إلى لقاء العلماء ومخالطتهم ويكون حريصا على استماع كلامهم والتبرك بأقوالهم ونعني بالعلماء الذين يخافون من الله تعالى وينصحون عباد الله تعالى منهم شقيق البلخي دخل على هارون الرشيد فقال: عظني فقال: إن الله تبارك وتعالى أجلسك مجلس الصديق ويريد منك الصدق وأقامك مقام الفاروق ويريد منك العدل والفرق بين الحق والباطل وأجلسك مجلس ذى النورين ويريد منك الحياء وأجلسك مجلس علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويطلب منك العدل والعلم، فقال: زدني، فقال: إن لله تبارك وتعالى دارا يقال لها الجحيم وأنت بواب تلك الدار وأعطاك ثلاثة أشياء مال بيت المال وسوطا وسيفا وقال لك أيها العبد المأمور ادفع الخلق عن هذه الدار بهذه الأشياء فمن جاءك من المحتاجين فلا تبخل عليه ومن لم يطع الله تبارك وتعالى وخالف أمره فأدّبه بهذا السوط ومن قتل أحدا بغير حق فاقتص منه بهذا السيف قال: زدني، قال: أنت البحر وهم الأنهار إن صفوت صفوا وإن كدرت كدروا (التاسعة) أن يأخذ على أيدي الظالمين، لا يظلم ولا يمكن أحدا من الظلم من عماله ونوابه ولا يرضى بظلمهم فإنه مسؤول عن ظلمهم وهم لا يسألون عن ظلمه، ومن أشقى من أحد يبيع آخرته بدنيا غيرهم يكتسبون
(1/328)

الدنيا بسببه وهو يعذب غدا بذلك. وفي التوراة إذا علم السلطان بظلم عماله فرضي به فكأنما فعله وملوك زماننا بلوا بذلك وهم لا يعلمون، وإذا ذكروا لا يذكرون، باعوا الآخرة بدنيا العمال والحجاب والمطربين ترى المولى على رقاب المسلمين يسومهم سوء العذاب ويسير فيهم بسيرة فرعون وهامان (العاشرة) أن يقلع عن التكبر إذا الغالب عليه التكبر وهو أصل كل عيب ورذيلة فمنها يظهر الحقد والحسد والإنتقام فليتدبر في نفسه إن كان عاقلا إنه ابن التراب ومأكول التراب وإن كان جاهلا فلا كلام معه فإنه هالك وابن هالك يصل إلى مالك، فمن عفا وغفر فهو شبيه الأنبياء والأولياء ومن تكبر وأبى فهو شبيه الأكراد والمجانين وفي الجملة ومن علم أنه مطلوب وعن قريب معزول لا يعجب ولايته وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(الباب الثاني عشر في حقوق العلماء)
اعلم أن درجة العلماء من أمة محمد صلّى الله عليه وسلم مثل درجة أنبياء بني اسرائيل وكرامتهم عظيمة ولحومهم مسمومة من شمها مرض ومن أكلها سقم وأوصيكم معشر الناس والملوك بالعلماء خيرا فمن عظمهم فقد عظم الله سبحانه وتعالى
(1/329)

ورسوله ومن أهانهم فقد أهان الله تعالى ورسوله أولئك ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وصفوة الأولياء شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم؛ وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: لولا العلماء لهلكت أمتي اللهم احفظ العلماء واعف عن الجهال وارحم الناس. وقال: نظرة في وجه العالم أحب إلى الله تبارك وتعالى من عبادة ستين سنة صيام نهارها وقيام ليلها. وقال:
من أكرم عالما فقد أكرمني ومن أكرمني فقد أكرم الله تعالى ومن أهان عالما فقد أهانني ومن أهانني فمأواه النار، ألا وأن الله تعالى ليغضب للعلماء كما يغضب السلطان على من عصاه ألا وإن الله ليسمع دعاء العالم قبل دعاء من دعا ألا فاقتدوا بالعالم خذوا منه ما صفا ودعوا له الكدر، ألا وإن الله تبارك وتعالى يغفر للعالم يوم القيامة سبعمائة ألف ذنب ما لا يغفر ذنبا واحدا للجاهل. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: من زار عالما فكأنما زار بيت المقدس محتسبا لله تبارك وتعالى، ومن زار بيت المقدس محتسبا لله تعالى حرم الله لحمه وجسده على النار ومن أدرك مجلس عالم فليس عليه في القيامة شدة ولا عذاب، وسئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم العالم أفضل أم العابد؟ فقال:
متعلم كسلان أفضل عند الله تعالى من سبعمائة عابد، ثم قال:
العابد عند العلماء كالبرغوث عند الدواب ثم قال: العالم
(1/330)

والمتعلم في الجنة وإن كانا مقصرين، ثم قال: لولا العلماء لم يقدر العباد أن يعبدوا الله تعالى يوما واحدا بغير تخليط وللعلماء شفاعة مثل أنبياء بني اسرائيل، وفضل المتعلم على سائر الناس كفضل أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه على سائر أمتي وكفضل جبريل على سائر الملائكة ثم قال: أخبرني بهذا جبريل صلّى الله عليه وسلم (فصل) من حق العلماء أن يجلسهم في أشرف المواضع ويوصل اليهم حقوقهم ومراسيمهم وأن يجلس بين أيديهم فإنه إنما يعظم العلم الذي هو صفة الله سبحانه وتعالى ومنها أن يستر على زلاتهم إذ لا معصوم إلا رسول الله صلّى الله عليه وسلم خلافا لقول الباطنية أعداء الله، ومنها أن يعطيهم الحلال دون المشوب، ومنها أن يتبرك بدعائهم فإنهم قدوة الشريعة، ومنها أن لا يشرع فيما بينهم في اختلاف مذاهبهم فكل امرىء أحق بشأنه، ومنها أن يتتبع حوائجهم فيقضيها ومنها أن يتحرى ادخال السرور في قلوبهم استمالة وتعطفا لهم ومنها أن يتقرب بمواصلتهم ومصاهرتهم ومنها أن يتحف أولادهم استلطافا لهم ويقدم الشيوخ منهم على الشباب، فمن اجلال الله اجلال ذي الشيبة المسلم. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: من لم يوقر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا فليس منا والله تعالى أعلم.
(الباب الثالث عشر في حق الجار)
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ما زال جبريل عليه السلام يوصيني
(1/331)

بالجار حتى ظننت أنه سيورثه وما زال يوصيني بالنساء حتى ظننت أنه يحرم طلاقهن؛ وفي الخبر أن الجار يتعلق بالجار يوم القيامة ويقول يا رب سله لم أغلق بابه دوني وحرمني رفده، وحرمة الجوار مرعية طوبى لمن حفظها وويل لمن أعرض عنها والجوار ثلاثة جار له ثلاث حقوق وجار له حقان وجار له حق واحد فالجار الذي له ثلاثة حقوق أن يكون حميما قريبا مسلما فله حق الرحم وحق الإسلام وحق الجوار. قال الله سبحانه وتعالى وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى
والجار الذي له حقان أن يكون مسلما جارا، والذي له حق واحد بالجوار هو الكافر واعلم أن العقلاء يتذممون بأذى الجار وما من رجل يصبر على أذى جاره إلا ورثه الله تعالى داره. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
من أذى جاره ورثه الله داره، ذهب الكرام وبقي اللئام كان لعبد الله بن طاهر أمير خراسان جارة عجوز لها ثلاثة بنات فاختل حالها واحتاجت إلى بيع دارها فانتهى الخبر إلى الأمير فدعاها وقال لها: لم تبيعين دارك؟ قالت: يا أمير إن بناتي قد كبرن وأريد أن أزوجهن وما لي شيء، فدعا الدلالة وقال: هؤلاء بناتي زوجيهن وعليّ جهازهن وهيأ لكل واحدة منهن ثلاثة آلاف دينار جهاز العروس. أنشدك الله هل في ملوك زماننا هذا من لم يغصب دار جاره، كف عن عدوانك قليلا واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا
(1/332)

(حكاية) قال بشر الحافي رأيت زبيدة في المنام قد علتها الصفرة، فقلت: ما فعل الله بك؟ قالت: غفر لي ربي جل جلاله، فقلت: وما هذه الصفرة التي علتك؟ قالت: مات بشر المريسي ودفن في جواري فزفرت جهنم زفرة فغيرت ألوان الموتى جميعهم وكان قدريا عفا الله عنا وعنه بمنه.
كتاب المكارم والمفاخر
وفيه أحد عشر بابا
(الباب الأول في فضيلة السخاء والجود)
اعلم أن الدين مبني على الجود والسخاء. قال الله تبارك وتعالى (هذا دين ارتضيه لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فاكرموه بهما ما صحبتموه) والأولياء جبلوا على السخاء وهو أخو الإيمان فقد قرن الله سبحانه وتعالى السخاء بالإيمان فقال تعالى فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: يا زبير أنا رسول الله إليك خاصة وإلى الناس عامة. يقول الله تعالى (أنفق أخلف عليك ولا توك فيوكى عليك ووسع يوسع الله عليك ولا تضيق فيضيق الله عليك واعلم أن فضول الأموال سوى الأرزاق التي قسمها الله بين العباد محتبسة عنده، لا يعطي أحدا منها شيئا إلا من سأله عشية الخميس وليلة الجمعة) وقال: لما خلق الله تعالى الإيمان، قال: اللهم قوني فقواه بحسن الخلق
(1/333)

والسخاء ثم خلق البخل وجعله في الكفر، ثم قال: يا ملائكتي السخي قريب مني قريب من جنتي قريب من ملائكتي بعيد من النار. قال الله تعالى (وعزتي وجلالي لا يجاورني في جنتي بخيل) (وفي حديث آخر) : لا يجتمع الإيمان والشح في قلب رجل مؤمن أبدا؛ يقال ثواب الجواد ثلاثة: خلف ومحبة ومكافأة، وثواب البخيل: ثلاثة حرمان واتلاف ومذمة.
وقال صلّى الله عليه وسلم: سادة الناس في الدنيا الأسخياء وسادة الناس في الآخرة الأنبياء. وقال: إن الله تعالى يبغض البخيل في حياته السخي عند موته وقال: السخي الجهول أحب إلى الله من العابد البخيل، وقال: ألا إن البخل من الكفر والكفر في النار، ألا إن السخاء من الإيمان والإيمان في الجنة. قال الشافعي رضي الله عنه: السخاء والكرم يغطي عيب الناس في الدنيا والآخرة. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ألا أخبركم عن أجود الأجواد قالوا: بلى يا رسول الله قال: الله تبارك وتعالى أجود الأجواد وأنا أجود ولد آدم وأجودهم بعدي رجل علم علما ينشر علمه يبعث يوم القيامة أمة وحده ورجل جاد بنفسه في سبيل الله تعالى حتى يقتل، وقال: إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية، معناه أن صاحب العافية يصبح وحاجته تلك يتمناها الأموات والأحياء، فأما الأموات فمن كان مسيئا فليراجع ومن كان محسنا فليزدد. وقال الله تعالى
(1/334)

لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
جعل الله الجنة باقية والمال فانيا ثم جعل الفانية طلبا للباقة فالعجب كل العجب ممن آثر الفاني على الباقي، وقال: ما أحسن محسن من مسلم ولا كافر إلا أثابه الله تعالى قلنا: يا رسول الله وما إثابة الكافر؟ قال: إن كان قد وصل رحما له أو تصدق بصدقة أثابه الله وإثابته إيتاء المال والولد قلنا يا رسول الله وما إثابته في الآخرة قال: عذاب دون عذاب (نادرة في السخاء) قدم خالد بن الوليد على رسول الله صلّى الله عليه وسلم بأسراء من الروم فعرض عليهم الإسلام فأبوا فأمر بضرب رقابهم حتى إذا جاؤا إلى آخرهم وبقي واحد فما حاكت فيه السيوف فتعجب منه النبي صلّى الله عليه وسلم فجاء جبريل فقال لا تقتله فإنه سخي وإن الله تعالى يحب الأسخياء؛ وهذه بركة السخاء ولما أهلك الله تعالى فرعون قال موسى: يا رب ما بال فرعون كنت أدعو عليه فلم تهلكه حتى الآن فقال يا موسى أما علمت أني آليت على نفسي أن لا أضر الأسخياء في الدنيا والآخرة وإن كانوا كافرين وفرعون لعنه الله كان سخيا فلما اتخذ الحجاب وأظهر الشح والبخل أهلكته؛ ولما سمع حاتم الطائي قول المتلمس. (قيل المال تصلحه فيفنى) . فقال: قطع الله لسانه وأخشم أنفه وأعمى عينه هلا قال:
(1/335)

وما الجود يفنى المال قبل فنائه ... ولا البخل في مال البخيل يزيد
فلا تلتمس مالا تعيش بكده ... لكل غد رزق يعود جديد
(الباب الثاني في اصطناع المعروف)
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: اصنع المعروف إلى من هو أهله وإلى من ليس أهله فإن أصبت أهله فأنت أهله وإن لم تصب أهله فأنت أهله، وسئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن ابن الرشدة وعن غير ابن الرشدة فقال: من كافأ بالإساءة على الإحسان فهو لغير رشدة ومن كافأ عن الإساءة بالإحسان فهو ولد رشدة. فاصطنعوا البر يا معشر الكبراء وأعيان الوزراء وجماعة الرؤساء وقاكم الله الأسواء إلى خلق الله تبارك وتعالى لتحوزوا ثواب الله آدميا كان أو بهيمة فما ضاع عرف بين الله تعالى وبين الناس، أما سمعتم أن الله تبارك وتعالى أدخل امرأة فاجرة الجنة بسبب كلب رأته يلهث عطشا ففتحت خمارها وأسقته الماء، وأدخل الله عجوزا النار بسبب هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي خلتها تأكل من خشاش الأرض، وفي الخبر أنّ الرجل من أهل النار ينظر إلى الرجل من أهل الجنة، فيقول يا فلان ما تذكر يوم اصطنعت اليك
(1/336)

في الدنيا معروفا فيقول اللهم إن هذا اصطنع إلي في الدنيا معروفا فيقول له خذ بيده فأدخله الجنة. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة قلنا يا رسول الله: ما معروف الآخرة، قال إذا كان يوم القيامة يأتي الله بقوم من أمتي فيدخلهم الجنة بغير حساب لقوله تعالى ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ
ويأتي الله تعالى بقوم فيدخلهم النار بغير حساب، ويأتي الله تعالى بقوم فيحاسبهم فتزيد سيئاتهم على حسناتهم، فيقول الله تعالى (يا عبادي من نبيكم) وهو أعلم فيقولون من أمة محمد عليه الصلاة والسلام فيقول هل زيد في سيئاتكم شيء فيقولون لا يا ربنا فيقول هل نقص من حسناتكم شيء، فيقولون لا، فيقول عبادي علام كان اتكالكم، فيقولون على حسن ظننا بك يا رب فعند ذلك يأمر الله تعالى رضوان خازن الجنان أن اخرج الذين أدخلتهم الجنة بغير حساب فدعاهم فخافوا فيقول: هؤلاء اخوانكم من أمة محمد صلّى الله عليه وسلم قد زادت سيئاتهم على حسناتهم فهبوا لهم حسناتكم فيهبون حسناتهم فيدخلهم الجنة فعندها قال النبي صلّى الله عليه وسلم أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة. وقال الله تعالى لعيسى عليه السلام كن في الحلم كالأرض تحمل العباد وفي السخاء كالماء الجاري وفي الرحمة كالشمس والقمر يطلعان على البر والبحر وعلى البر والفاجر،
(1/337)

فقال إني أكره أن أترك أمرا قد وقع لأمر لعله لا يقع.
(الباب الثالث في مذمة البخل والبخيل)
اعلم أن البخل داء لا دواء له وقد قرن الله البخل بالكفر في كتابه العزيز، فقال تعالى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: البخيل لا يدخل الجنة وكان بعض العلماء لا يقبل شهادة البخيل، ورأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم رجلا معلقا بأستار الكعبة يقول يا رب اغفر لي يا رب اغفر لي وما أراك تفعل فقال: ولم تراه لا يفعل ما شأنك؟
قال: إني رجل صوام قوام كثير المال إلا أني إذا نزل بي ضيف أو أتاني سائل فكأنما تشتعل في قلبي شعلة نار، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: تنح عني لا تحرقني بنارك فوالذي أرسلني بالهدى لو صمت ألف عام وصليت ألف عام بين الركن والمقام وجرت من دموعك الأنهار ثم مت وأنت لئيم أكبك الله في النار واللؤم من الكفر والكفر في النار والسخاء من الإيمان والإيمان في الجنة. قال بشر: النظر إلى البخيل يقسى القلب، قالوا جود الرجل يحببه إلى أضداده وبخله يبغضه إلى أولاده، وفي الخبر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال للرجل الذي سأله عمن ترك دينارا قال: ترك كيّة، قال: ترك دينارين قال: كيّتين وهذا من المال الذي ترك حقه الراتب فأما إذا أدى حق
(1/338)

الله تعالى فليس ذلك بكيّ وسئل بعض العلماء لماذا أمر بكيّ ثلاثة مواضع، فقال يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ
قال لأنهم لما قيل لهم لم بخلتم بالزكاة قالوا إنها وجهنا فنضن بها ليتبقى لنا ماء الوجه قال الله تعالى فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ
كي يذهب بشاشتها وماءها في الوقت، ثم قال وَجُنُوبُهُمْ
لقولهم المال للرجل ظهر فمن لا مال له لا ظهر له. فيقال للبخيل هذا مالك الذي كنت تبخل به فيكون لك كيات، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: لما خلق الله تعالى الإيمان قال إلهي قوني فقواه بحسن الخلق ثم خلق الكفر، قال إلهي قوني فقواه بالبخل ثم خلق الجنة ثم قال (يا ملائكتي السخي قريب مني قريب من ملائكتي قريب من جنتي بعيد من النار) وقال عليه السلام: والذي نفسي بيده لفاسق سخي أحب إلى الله تعالى من مسلم بخيل وفي الحديث أن بني اسرائيل سألوا موسى عليه السلام فقالوا: سل ربك متى يرضى عنا ومتى يسخط علينا؟ فأوحى الله تعالى إليه إني إذا أنزلت الغيث في زمانه وأمرت عليكم خياركم وجعلت مالكم عند سمحائكم فإني عنكم راض وإذا أنزلت الغيث في غير أوانه وأمّرت عليكم شراركم وجعلت أموالكم عند بخلائكم فأنا عليكم ساخط، فنسأل الله تعالى الرضا.
(1/339)

(الباب الرابع في حكايات البخلاء)
كان رجل بخيل إذا وقع في يده درهم أو دينار نقره بيده ثم وضعه على كفه ويقول سبحان الله هذا أجل الأشياء إلى الله فيه شفاء ووفاء يا نور عيني وثمرة فؤادي كم مدينة دخلتها وكم يد وقعت فيها فلم يعرفوا قدرك فداك أبي وأمي الآن استقرت بك الدار واطمأن بك المزار ونجوت من خطر الأسفار وأيدي التجار لك البشارة في كيس ملمع وصندوق منقش، وكان يقبله ويضعه في الصندوق (حكاية) اجتمع ثلاثة من البخلاء فقالوا تعالوا ننظر أينا أبخل فقال أحدهم أنا أبخلكم لأني أبخل بمالي على الناس، قال الآخر بل أنا أبخل لأني أبخل بمال الناس على الناس، وقال الثالث أنا أبخل لأني أبخل بمال الناس على نفسي فأجمعوا على أنه أبخل.
(حكاية) شيخ بخيل غلب عليه الدم فأراد أن يحتجم فضاق قلبه في إعطاء دانق فكل يوم يأتي الحجام ويرى الناس يفتصدون ويتحسر فرأى يوما على ظهر رجل قارورتين، فقال بكم تصنع هذه قال بدانق ونصف فأخرج يده وقال اضرب واحدا على هذا الحساب إما باسليقا وإما فيلاقا لا أقل من واحد ولا أكثر فعلم أنه بخيل فقطع عرقه فانتفخت يده ومات فصار مثلا (ما منع من الحجام أعطى الطبيب)
(1/340)

(حكاية) مجوسي بهراة كان شقيا فقال في جميع عمري لم آكل شاة فقام رجل مسلم ونقب سطحه وأخذ له أربعة آلاف دينار ونوى في نفسه إن لم يفضحني الله في هذا الأمر أتوب وأرجع فلم يصل إليه مكروه فتاب وأنفق ماله في سبيل الله تعالى فقيل إنك لا تؤجر عليه، فقال عون الإسلام أحب إليّ من عون الكفر وسبب توبة حبيب العجمي أنه كان بخيلا فطبخ قدرا فجاء سائل فنهره فصار القدر كله دما عبيطا فتاب ولم يرد سائلا (حكاية) كان رجل بخيل فغرق في الماء فأدركه الملاح، فقال كم تعطيني حتى أنجيك؟ قال قيراطا وسدس حبة، فقال بل درهما، قال لا أعطيك إلا قيراطا وحبة دعني أغرق، فقال الملاح يا بغيض الله هذا وقت المصارفة فأرسله فغرق (حكاية) أضاف رجل رجلا بخيلا فأكل أكلا لما فأصابه القولج، فقال الطبيب لا بد من القيء، قال دعني أموت ولا أتقايأ القلية والبيض فلم يتقيأ حتى مات. وكان بقزوين شقي جمع أموالا عظيمة فلم يأكل منها شيئا فطرقته اللصوص في بعض الليالي وخنقوه وأخذوا جميع ماله. وكان بنيسابور بخيل فملك ثلاثمائة جمل بأحمالها وأقتابها وكان يتجر فقتل في الطريق فلما جرح صار يقول احفظوا الجمل الفلاني ومات. فقلت رب مانع لخليله جامع لبعل حليله والله أعلم.
(1/341)

(الباب الخامس في أجواد العرب في الجاهلية)
هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس وعثمان بن عمرو بن كعب بن مرة سمي شارب الذهب لكثرة نفقاته، وعبد الله بن عمرو بن جدعان قومه حجروا عليه من كثرة عطاياه فإذا أتاه زائر منتجع يقول له اقعد إلى جنبي فإني ألطمك ثم طالبني بالقصاص ولا ترض إلا بما تريد. هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم اتخذت قريش موته تاريخا.
فأصبح بطن مكة مقشعرا ... كأن الأرض ليس بها هشام
أبو دوانة قال: قدمت مكة معتمرا فقلت أما من مضيف فقالوا فلان فأتيته فإذا أنا بالحارث بن هشام على سريره وبين يديه جفان فيها خبز ولحم وانطاع عليها زبيب، فقال أصب ثم قال هذا لك ما أقمت فأقمت ثلاثا ثم عدت إلى المدينة فأخبرت النبي صلّى الله عليه وسلم فقال علم الله أنه لسرى وودت أنه أسلم. وخلف بن وهب من بني جمح وأبيّ بن خلف قتله رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم أحد وأمية بن خلف وصفوان بن أمية وسلمى بن نوفل.
(1/342)

تسوّد أقوام وليسوا بسادة ... بل السيد المذكور سلمى بن نوفل
ومالك بن حنظلة لبني تميم والقعقاع بن معبد بن زرارة بن عدي يلقب بنار الفرات، وصعصعة بن ناجية أحيا الموؤدات فبعث الله نبيه وعنده مائة جارية وقال الفرزدق:
وجدى الذي منع الوائدا ... ت فأحيا الوليد ولم يئد
واسمه أبو غالب وجوين بن ظهير ربع ستين مرباعا وقسم ألف ناقة وكأسه في يده قبل أن يشربها فأنشأ وجعل يذكر شعرا في المعنى:
ومناجوين جاء من غير خبثة ... بستين مرباعا وألف مصمم
فقسم عرجا كأسه فوق كفه ... فآت بنهب كالغسيل الملمم
العرج: الألف من الإبل. والحر بن منيع أخو بني ذهل بن بكر بن وائل منح في يوم مائة لقوح وقيل ثمانين ألفا ثم أهداها إلى الكعبة حتى لقحت وفصلت من العام المقبل عليها جلالها فنحرها. والحرث بن مرة بن جشم منح غداة واحدة ألف لقحة. وابن سنان بن أبي حارثة بن قيس. وعامر
(1/343)

بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل. وقيس بن مسعود كان له مائة ناقة معدة للأضياف. وهودة بن مرة الشيباني حلف ليطعمن ما هبت الريح شمالا، ويقال رماده باق بالحيرة بعد. وكعب بن مامة بن إياد. وحاتم بن عبد الله بن سعد الطائي. وأوس بن حارثة وأحاديثهما أكثر من أن تحصى، قال جرير لعمر بن عبد العزيز:
فما كعب بن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا
فهذا يا معشر العظماء خلاق من لا يؤمن بالله واليوم الآخر فهل ترى اليوم في الحنيفية من يباريهم ويساميهم هيهات ذهبت الرجال وبقيت ربات الحجال:
رجال إن يؤملهم لبيد ... بكى الخلف الذي يشكو لبيد
(الباب السادس في أجواد الإسلام)
عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما له أحاديث عجيبة منها أن صرافا قام للناس بتسعة آلاف دينار فلزمه غرماؤه فسألهم أن ينفسوه حتى يتحمل، فقالوا ما نرضى إلا بكفيل هو فلان فقصده الغرماء به فخلى
(1/344)

الصيرفي حاله فقال اضمني إلى وقت كذا فقال لغرمائه ائتوني بصكوككم فأتوه بها فحرقها وقضى عنه تسعة آلاف دينار ولم يكن بينه وبينه حرمة ولا خلطة. والسفاح وهو عبد الله الأصغر ابن محمد بن عليّ وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وله أحاديث عجيبة. أتاه رجل وقد قدمت راحلته ليركبها فقال أنا رجل منقطع بي فأعطاه الراحلة بما عليها فقام الغلام ليأخذ السيف من قرابه فصاح به عبد الله أن دعه وقال يا هذا لا تخدع عن السيف فقد اشتريته بألف دينار. وجاءته امرأة وقالت تقرئك خالتك السلام هذه دجاجة ربيتها وسمنتها فلم أر أحدا أحق بها منك فأخذها وأمر لها بألف درهم، فقالت أبقاك الله فقال زيدوها ألفا، فقالت حفظك الله فقال زيدوها ألفا، فقالت أمتعني الله بك فقال زيدوها ألفا، فقالت جعلني الله فداك قال زيدوها ألفا، فقالت حسبك يا مسرف فقال لو تبت لتبت. وعبد الله بن جعفر كريم الدنيا قال المطيع لمؤلاه اكتب عليّ صحيفة لفلان على عبد الله بن جعفر ثلاثمائة دينار حالة، ثم قال أعرض عليه قال كيف أعرض ولا معاملة ولا معرفة لي، قال افعل ما أمرتك فسلم عليه وألقى الصحيفة، فقال عبد الله كم فيها قال ثلاثمائة دينار قال ادفعها إليه ولم يأخذ الصحيفة فجاء وقال ما رأيت أعجب من هذا، قال احتفظ بالدنانير وارجع إليه
(1/345)

وقل مثل ذلك فرجع، فأعطاه ثلاثمائة أخرى فجاء متعجبا فلما مضى شهر قال ارجع إليه فرجع فأعطاه ثلاثمائة أخرى فركب المطيع ومولاه والمال وقد جمعه، فقال يا أبا جعفر اتق الله وانظر لنفسك وذمتك فإن لك معادا أتاك مولاي هذا يذكر أن له عليك ثلاثمائة دينار ولم يكن بينكما معاملة فلا تزيد على أن تقول كم هو أعطوه حتى أخذ منك تسعمائة دينار فقال إن الله تعالى قد عودني عادة وعودت عباده عادة فإذا غيرت عادتي غير عادته عليّ، أيرجع اليّ شيء خرج من عندي هو له حلال طيب. وطلحة بن الحسن بن عليّ بن طلحة الخير. وعبيد الله بن أبي بكرة ومن بني أمية سعد بن سعيد بن أمية كان ينحر كل يوم جزورا ويطعمها الناس. وعبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة وله حياض عرفات وسوق البصرة اشتراه من ماله ووهبه لأهله. وحمزة بن عبد الله بن الزبير بن العوام وطلحة بن عبد الله بن عوف كان يأتيه الرسول فيسلم عليه ويعده ويأتيه الثاني والثالث إلى أن يجتمع عنده رجال بعدد ما عليه من الثياب ثم يدخل فيخلعها على واحد واحد ويقول ناولني شيئا أستتر به وهو طلحة الندي وعمر بن عبد الله بن معمر بن عثمان وله أحاديث كثيرة اشترى جارية من أبي حراثة التيمي بمائة ألف درهم وكان بها مشغوفا فلما قبض المال ذهبت الجارية لتخرج فتغلق بها وتسمى شباسة
(1/346)

وأنشد:
تذكر من شباسة اليوم حاجة ... أبت كمدا من حاجة المتذكر
فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري
أبوء بحزن من فراقك موجع ... أناجي به قلبا كثير التفكر
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال ابن معمر قد شئت هي لك وثمنها، وطلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن الوليد جواد ممدوح، والحكم بن عبد المطلب، والمغيرة الأعور، وهشام بن المغيرة أجواد يطعمون الناس وعبد الله بن صفوان ومحمد بن عمر بن عطارد حمل ألف رجل على ألف فرس انهزموا إليه في بكر بن وائل في أذربيجان في غداة واحدة ونهشل بن عمرو بن عبد الله وعتّاب بن ورقاء من بني رباح ومن فزارة أسماء بن خارجة بن حصن ومن ربيعة عكرمة الفياض والحرث بن مرة العبدي قسم في يوم واحد ألف رأس من الإبل والله تعالى أعلم.
(1/347)

(الباب السابع في مكارم الكرام)
قيل بنى بعضهم دارا ونقش على بابها شعرا:
يا قارع الباب ادخل غير محتشم ... فإن قرعك عندي أعظم الشان
نصبت بابا لضيفان إذا طرقوا ... فالمال بيني وبين الضيف نصفان
وقال أبو دلف وقد نقش على بساط له هذا الشعر:
منزلنا هذا لمن حله ... نحن سواء فيه والطارق
فمن أتانا فيه فليحتكم ... فينا وفيه يده طالق
سوى أهلينا وأولادنا ... فلم يرخص فيهم الخالق
مكرمة عبيد الله بن أبي بكر من الأسخياء ينفق على جيرانه لأربعين دارا ووسع له رجل في مجلس فأمر له بعشرة آلاف درهم واشترى جارية بعشرة آلاف فطلبوا لها دابة يركبونها عليها فقال رجل هذه دابتي، فقال احملوها إلى داره على دابته. مكرمة عمر بن أبي ربيعة طاف ليلة فرأى رجلا
(1/348)

متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول:
ما دون من أهواه يقنعني ... فأمنن عليّ فأنت ذو كرم
فقال ما هواك يا ابن أخي فاستحيا الرجل وقال كلمة لا معنى لها، فقال أعد عليّ ذلك قال ابنة عم لي عشنا برهة من الدهر وعلق بضعنا بعضا فرغب أبوها عن تزويجها لي لفقري قال فسر معي إلى أبيها قال في هذا الليل، قال انطلق ثم قال للفتى عند الوصول تأخر فتأخر وقرع الباب وقال أنا ابن أبي ربيعة فخرج الرجل عجلا وقال مرحبا وأهلا فقال ما أنا بداخل حتى تقضي حاجتي، جئتك خاطبا ابنتك على ابن أخيك وقد أصدقتها عشرة آلاف درهم. قال قد زوجته. يا معشر الرؤساء ويا أصحاب العلم استحيوا من الله تعالى حق الحياء هذه المكارم لا قعبان من لبن. مكرمة أسماء بن خارجة فسخاؤه وجوده لا يوصفان، تقدم يوما إلى باب داره فوجد فتى، فقال خير قال خير فألح عليه، قال جئت مسلما على صاحب هذه الدار فخرجت إليّ جارية فاختطفت قلبي فجلست حتى أنظر إليها ثانيا. قال أو تعرفها؟ قال نعم، فدعا الجواري فجعل يعرضهن عليه حتى مرت فقال هي تلك. فقال مكانك ثم دخل الدار فأبطأ ثم خرج إليه وقال إنها لم تكن لي كانت لبعض بني فابتعتها
(1/349)

بثلاثة آلاف درهم خذ بيدها بارك الله لك فيها. هذه مكارم الأخلاق لا قعبان من لبن، وقال ما بذل لي رجل ماء وجهه فرأيت شيئا من الدنيا وما فيها عظمت أو قلت بدلا له ثم أنشد:
إذا مامات خارجة بن حصن ... فلا مطرت على الأرض السماء
ولا رجع البشير بغنم جيش ... ولا حملت على الظهر النساء
فيوم منك خير من أناس ... تروح عليهم إبل وشاء
فبورك في بنيك وفي بنيهم ... إذا ذكروا ونحن لهم فداء
مكرمة سعد بن العاص قال ما أدري كيف أكافىء رجلا بات يقسم فطنته فلا يقع الا على أصبح يتخطى الناس والمجالس من الأحياء والأموات حتى يكرمني بنفسه ويؤنسني بحديثه، غدا التجار إلى تجاراتهم وغدا إلي فإن كنت أبخس بحظه أبخس الله تبارك وتعالى بحظي يوم القيامة. مكرمة مورق العجلي كان يتلطف في إدخال الدراهم على أخوانه كان يضع عندهم ألف درهم فيقول امسكوها حتى أرجع
(1/350)

اليكم ثم يرسل إليهم أنتم منها في حل، مكرمة علي بن الفضل كان يشتري من باعة المحلة فقيل له لو دخلت السوق واسترخصت، فقال هؤلاء نزلوا بقريتنا رجاء منفعتنا، مكرمة، بعث رجل إلى رجل جارية وكان بين أصحابه، فقال قبيح إن اتخذتها لنفسي وأنتم حضور وكلكم له حق وحرمة وهذه لا تحتمل القسمة وكانوا ثمانين فأمر لكل واحد بجارية أو وصيف. مكرمة، لما قدم الشافعي من صنعاء إلى مكة ومعه عشرة آلاف دينار، فقيل له تشتري بها قرية فضرب خيمته خارج مكة وصب الدنانير فكل من دخل عليه قبض قبضة وأعطاه فلما جاء وقت الظهر نفض الثوب ولم يبق شيء.
مكرمة، أضاف عبد الله بن عامر رجلا فأحسن قراه فلما هم بالرحيل لم يعنه غلمانه فشق عليه، فقال عبد الله إنهم لا يعينون من يرتحل عنا. مكرمة: كانت عجوز في جوار عبد الله ابن طاهر ولها أربع بنات فقيل لها أنت فقيرة فلو بعت دارك وتوسعت بها على نفسك وعيالك فقالت نعم غير أني لا أبيع جوار عبد الله بن طاهر بالدنانير فانتهى إليه الخبر فدعا عبد الله دلالة النساء وقال إن لي أربع بنات فاطلبي أزواجا كراما فجهزهن كل واحدة بمائة ألف من خزانته. كان لعبد الله بن المبارك جار يهودي فأراد أن يبيع داره فقيل له بكم تبيع، قال بألفين فقيل لا تساوي إلا ألفا، قال صدقتم
(1/351)

ولكن ألف للدار وألف لجوار عبد الله فأخبر ابن المبارك فدعاه فأعطاه ثمن الدار وقال لا تبعها. مكرمة، قيل لامرأة مدنية ألا ترتحلين إلى بغداد للعيش الطيب فقالت لا أبيع جوار هذا القبر بنعيم الدنيا. مكرمة، مر النبي صلّى الله عليه وسلم على أبي بن كعب رضي الله عنه وهو يلازم غريما فقال لأبيّ احسن إلى أسيرك ومضى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال لغريمه قد وهبت منك ألف درهم لوجه الله تعالى وألفا لأجل النبي عليه السلام وألفا لأجلك لأنك مسلم وخلى سبيله ثم قال ما فعلت شيئا فدعاه وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال ألف لوجه الله تعالى وألف لأجل النبي عليه السلام وألف لأجلك، ثم أخبر النبي صلّى الله عليه وسلم فرفع النبي عليه السلام يده وقال اللهم اغفر لأبيّ ثلاثا.
مكرمة، في (كتاب الجواهر) : لما حجّ معاوية رضي الله عنه قال الحسين لأخيه الحسن رضى الله عنهما لا تسلم عليه قال إن علينا دينا فلا بد أن أذهب إليه فتلقاه وسلم عليه وأخبره فمروا بنجيب عليه ثمانون ألف درهم وهو مضطلع فقال اصرفوه إلى أبي محمد. مكرمة جاء أنصاري إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فقال يا ابن عم رسول الله إنه ولد لي في هذه الليلة مولود وإني سميته باسمك وإن أمه ماتت، فقال بارك الله لك في الهبة وأجزل لك أجر المصيبة ثم دعا بوكيله فقال اشتر لهذا المولود جارية ترضعه وخادما يخدمه ومائتي
(1/352)

دينار للنفقة على أمه، ثم قال عد الينا بعد أيام وإنك قد جئتنا وفي المال قلة فقال الإنصاري جعلت فداك إنك لو سبقت حاتما ولو بيوم واحد ما ذكرته العرب وأنا أشهد أن غبار جودك أكثر من مجهود جوده فلم يزل يبر الإنصاري حتى مات. مكرمة نزل الشافعي ببغداد في دار أبي حسان الزيادي سنة في أنعم حال ثم استأذنه في الخروج إلى المدينة فبعث أبو حسان إلى ستة من اخوته ست رقاع فرجع جوابها مع كل رقعة ألف دينار فصبها بين يدي الشافعي رضي الله تعالى عنه ثم بكى أبو حسان فقال له الشافعي ما يبكيك قال ما كنت أقدر أن أكتب إلى أخ من أخواني في أخ مثلك نزل عليّ في شرفك ومنصبك. مكرمة باع الشافعي ضيعة بمائة ألف فقسمها هكذا وهكذا. مكرمة ابن عيينة جاء إليه ابن أخيه، فقال جئتك خاطبا لابنتك فقال كفؤ كريم ثم قال اجلس فجلس، قال يا بني اقرأ عشر آيات من كتاب الله تعالى فلم يستطع فقال ارو عشرة أحاديث فلم يستطع قال انشد عشرة أبيات شعر فلم يستطع. قال سفيان لا قرآن ولا حديث ولا شعر فعلى أي شيء أضع عندك ابنتي ثم قال له لا أخيبك فأمر له بأربعة آلاف درهم. مكرمة كتب الواقدي رقعة إلى المأمون يشكو إليه كثرة دينه فكتب إليه أما بعد فإنك رجل فيك خلتان سخاء وحياء فالسخاء هو الذي
(1/353)

أطلق ما في يدك والحياء هو الذي يمنعك من أن تبلغنا ما أنت عليه وقد أمرت لك بمائة ألف درهم. مكرمة أبي مرثد كان من الكرام مدحه بعض الشعراء فقال وما عندي ما أعطيك ولكن قدمني إلى القاضي وادّع عليّ عشرة آلاف درهم حتى أقر لك واحبسني فإن أهلي لا يتركوني مسجونا ففعل فلم يمس حتى دفع اليه عشرة آلاف درهم. مكرمة سأل رجل الحسن بن علي شيئا فأعطاه خمسة آلاف وخمسمائة درهم وقال ائت بحمال يحملها لك وأعطاه طيلسانه وقال يكون كراء الحمال من قبلي. مكرمة سألت امرأة الليث بن سعد سكرجة عسل فأمر لها بعشرة أزقاق من عسل فقيل له فقال أنها سألت على قدر حاجتها ونحن نعطي على قدر همتنا.
مكرمة أهدت عجوز إلى السلطان محمود الغازي طبق ملح فأمر أن يجعل مكانه من الذهب فقيل له فقال أعطت على قدر همتها ونحن نعطي على قدر همتنا. مكرمة قال بعض الناس صليت في مسجد أشعث في الكوفة أطلب غريما لي فلما سلمت وضع بين يدي كل رجل حلة ونعلان فقلت ما هذا قالوا إن الأشعث قدم من مكة فهذه هديته لأهل جماعة مسجده فقلت أنا أطلب غريما لي فقالوا هو لكل من حضر.
مكرمة صعصعة بن ناجية محي الوئيدات لم يشركه في هذه المكرمة أحد كان ينادي في أحياء العرب لا أسمع برجل
(1/354)

يريد أن يئد ابنته إلا اشتريتها بالقوحين فعمل حتى جاء الاسلام وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
يا هذا استحي من الله تبارك وتعالى من ايراد هذه المكارم. هل من بني زمانك أو من سلطانك واحدة مما عددتها يا عجبا ودهرنا عجائب هذا كافر يأتي بالمكارم والمنتمون إلى الإسلام بمعزل، أين الرجال يا نساء الرجال وربات الحجال قل للوزراء حتى يطالعوا وقل للرؤساء حتى يتهيؤا فقد غاض الكرام ونبغ اللئام وتكدرت الأيام. مكرمة غالب بن صعصعة أبو الفرزدق أقرى مائة ضيف احتمل عشر ديات وهو لا يعرف من هم. مكرمة فقير كان يمشي في شوارع بغداد فنظر إلى جارية الخليفة فشغف بها حتى عجز عن الصبر فكتب قصته ودفعها إليه فقال اطلبوا صاحبها فأحضر، فقال أي شيء حملك على هذا فقال ثقة بكرمك واعتمادا على تفضلك. فقال لا نخالف ظنك فأعتقها وزوجها منه. بعث عبد الله بن جعفر إلى وليمة بخمسمائة دينار واعتذر من حضوره وسأله أن يحلله من ذلك. عطش عبيد الله بن أبي بكر فاستسقى في طريقه من منزل امرأة فأخرجت كوزا وقالت إني امرأة من العرب مات صاحبي منذ أيام فشرب وقال لغلامه احمل اليها عشرة آلاف درهم فقال سبحان الله أتسخر بي فقال أعطها عشرين ألفا قالت أسأل الله العافية. قال يا غلام احمل
(1/355)

اليها ثلاثين ألفا فردت الباب فأعطاها ثلاثين ألف درهم فما مضى الشهر حتى كثر خطابها. مكرمة مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ اخوانه في العيادة فقيل إنهم يستحيون من الدّين الذي لك فقال أخزى الله الدين ثم أمر مناديا من كان لقيس عليه مال فهو في حل فكسرت عتبته بالزحام. مكرمة خرج عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيها غلام أسود فدخل كلب النخيل فرمى إليه الغلام بقرص فأكله ثم رمى بالثاني والثالث وعبد الله ينظر فقال يا غلام كم قوتك قال ثلاثة أرغفة قال فلم آثرت هذا الكلب قال ما هي بأرض كلاب فعلمت أنه جاء من مسافة بعيدة فكرهت رده، قال فما أنت صانع اليوم قال أطوي يومي فقال عبد الله أمدح بالسخاء وإن هذا لأسخى مني فاشترى الحائط والغلام وأعتقه ووهبها له. أين أصحاب الدعاوى فيعتبرون هذه المكارم لا قعبان من لبن. مكرمة أتى رجل صديقا له فدق الباب فخرج فقال لماذا جئتني قال لأربعمائة درهم ركبتني فدخل ووزن أربعمائة درهم ودفعها إليه ودخل الدار باكيا فقالت له امرأته هلا تعللت حين شق عليك فقال إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي به. مكرمة أراد رجل عبد الله بن العباس فأتى وجوه البلد وقال يقول لكم فلان تغدوا عندي اليوم فأتوه
(1/356)

فملؤا الدار فقال ما هذا فأخبر الخبر فأمر بشراء الفواكه والطبيخ فلما فرغوا قال لوكلائه أموجود لنا كل يوم هذا قالوا نعم قال فليتغد هؤلاء عندنا كل يوم. مكرمة أبي سهل الصعلوكي سأله انسان شيئا فلم يحضره فقال اصبر حتى أفرغ من الوضوء فلما فرغ من الوضوء قال خذ القمقمة واخرج ووهب جبته من انسان في الشتاء وكان يلبس جبة النساء حين يخرج إلى التدريس ولم يكن له جبة. مكرمة عبيد الله بن العباس أرعى رجلا إبلا له فأسمنها وردها فقال كيف تراها، قال تسر الناظرين وتخصب الزائرين قال فإنها لك ولك أجرها فبكى الإعرابي، فقال ما يبكيك قال أبكي ضنا بهذا الوجه أن يعفر في التراب قال هذا القول أكرم من هذا الفعل. مكرمة جاء رجل إلى زياد فقال إن لي حرمة أفأذكرها؟ قال ما هي؟ قال رأيتك بالطائف وأنت صغير ذو ذؤابة أحاط بك جماعة من الغلمان وأنت تركض هذا برجلك وتنطح هذا برأسك وتكدم هذا بأنيابك حتى كاثروك فأخرجتك من بينهم وأنت سليم وكلهم جريح فضحك وقال كأني أنظر إلى ما تصف ولقد ذكرتني حالا وددتها بباقي عمري كله ولكن ما حاجتك قال اكفني عن الطلب فدعا خازنه وقال اعطه كل صفراء وبيضاء عندك فبلغت قيمة جميعها أربعة وخمسين ألف دينار. والله إني
(1/357)

لأستحي من رواية هذه المكارم وارتمض في زمان يتباهى فيه باللؤم ويتبجح فيه بالسخف. مكرمة عدي بن حاتم الطائي خطب ابنته عمر فقال أزوجكها على حكمي فخاف عمر أن يميل في الحكم فأمسك وشاور فقيل تزوج على حكمه فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال زوجتك على السنة على أربعمائة درهم فبعث اليه بكرامة ابنته أربعين ألفا وغلمانا وثيابا فقسمها بين جلسائه وجهز ابنته من عنده.
(الباب الثالث في حكايات أهل الفتوة)
(حكاية) كانت امرأة بنيسابور حملت زوجها إلى القاضي تدعي عليه خمسمائة دينار فأنكر الرجل، فاستدعى القاضي منها إحضار الشهود فأحضرتهم فقالوا حتى نكشف عن وجهها ثم نشهد فهمّت أن تسفر عن وجهها فصاح الرجل وأدركته الغيرة وقال أنتم تريدون أن تنظروا إلى وجه زوجتي أيها القاضي أشهد أن لها عليّ حقا واجبا ستمائة دينار فتعجب القاضي والحاضرون من حميته وغيرته فقالت المرأة أيها القاضي أشهدك أنه بريء من حقي وإني قد أحللته من ذلك فتعجبوا غاية العجب ثم قال القاضي اكتبوه وضعوه في باب الفتوة (حكاية) رجل همداني ضيع كيسا به دنانير بمكة فدهش وتعلق بجعفر بن محمد الصادق وقال أنت أخذت
(1/358)

دنانيري وكان لم يعرفه فقال جعفر كم كان فيها قال مائة دينار فحمله إلى بيته وأعطاه من ماله وقال انتفع بها ليقضي الله أمرا كان مفعولا فاتفق أنه وجد ضالته وعرف منزلة جعفر بين الناس فجاء إليه بالدنانير معتذرا فقال جعفر كلا ليس من المروءة أن يرجع الرجل في شيء قد وهبه ولم يأخذه (حكاية) كان رجل نيسابوري يدعي الفتوة فاجتاز يوما بمفرق الطرق فرأى شابا مريضا يتأوّه ويستغيث فتقدم إليه وقال ما تشتهي قال أشتهي رؤية أمي والرجوع إلى وطني قال أين منزلك؟ قال ببلخ، فأخذ الرجل بمجامع لحيته ولطم نفسه وكان اسمه أبا الحسن فقال يا أبا الحسن كنت أظن أنه يشتهي فقاعا أو قصعة هريسة ادعيت الفتوة فهات المعنى فرجع إلى بيته وباع داره واكترى راوية وحمولة وأتى وحمل الرجل وأوصله إلى منزله فرأى عجوزا تبكي وتستغيث وتقول متى ألقاك قرة عيني. فلما رأته غشي عليها من الفرح، فلما أفاقت قالت رضي الله عنك وأدخلك الجنة فرأى الشاب في المنام أن هاتفا يهتف به ابشر فقد رضي الله عنك وكتب اسمك في جريدة السعداء (حكاية) كان أبو حسان الزيادي ببغداد يسعى في مصالح المسلمين فجاءه ذات يوم رجل صالح، فقال إن بيته قد تهدم وأطفاله جلوس في السوق ولا شيء بيدي أنفق عليهم فأدركني، فرق أبو حسان
(1/359)

وحمله إلى أبي غسان بن عباد وأجلسه في ناحية من الدار.
وقص على أبي غسان القصة وكان رجلا كريما مفضالا جوادا قال أوه قد أحرقت كبدي أين الرجل أيها القاضي قد أحزنتني فهناك خمسة آلاف درهم عجل بها إليه ليصرفها إلى وجه النفقة والعمارة وأخبره أنني ما دمت حيا فنفقته وكفايته عليّ فأخبر القاضي أبو حسان الرجل ففرح بذلك فرأى القاضي تلك الليلة في المنام أن ملكا أخذ بيده وأدخله الجنة وأراه قصرا عجيبا مكللا بالدر والياقوت ووراءه قصر أحسن منه، فقال له الملك يا أبا حسان ان الله تعالى خلق هذا القصر وأسسه من ياقوت أحمر لأجلك بسبب سعيك في أمر ذلك الفقير وادخال السرور في قلبه وخلق ذلك القصر باسم أبي غسان واحسانه الذي صنع مع ذلك الرجل. فليعلم أن ادخال السرور في قلب الرجل المسلم من أعظم العبادات وإقامة الكرم والإحسان من شيم أهل المروآت طوبى لمن جرت على يديه الأمور الصالحات.
(الباب التاسع في مكارم الأخلاق)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: مكارم الأخلاق عشرة تكون في الرجل ولا تكون في ابنه وتكون في الابن ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في السيد، ويقسمها لمن أراد به
(1/360)

السعادة: صدق الحديث وصدق الناس واعطاء السائل والمكافأة بالصنائع وحفظ الأمانة وصلة الرحم والتذلل للصاحب واقراء الضيف ورأسهن الحياء. وكان فيه صلّى الله عليه وسلم حلم ابراهيم وزهد عيسى وغلظة موسى وشدة نوح وصبر أيوب وسعة سليمان فجمع من مكارم الأخلاق ما كان متفرقا في الأنبياء صلوات الله عليهم فسماه الله تعالى عظيما. قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
ثم دعا عباده إلى الإقتداء به والتخلق بأخلاقه، فقال تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
(الباب العاشر في الفرق بين الفتوة والمروءة)
إعلم أن أمر الدين موضوع على شيئين ديانة تصحبها ومروءة تحفظها وذلك قوله تعالى وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ
فمن قصد أن يوطن نفسه على صلة من قطعه وإعطاء من حرمه والعفو عمن ظلمه فلا يستمر على ذلك إلا بالصبر، والدين أساس كل خير ومن لا دين له لا مروءة له، ومن لا دين له لا فتوة له، ومن لا دين له لا صبر له ومن لا دين له لا عقل له، ومن لا دين له لا عفة له، ومن كان له دين وعقل ومروءة وصبر ولم يكن له خلق حسن فلا شيء معه. قال معاوية: المروءة في أربع: العفاف في الإسلام
(1/361)

واستصلاح المال وحفظ الأخوان وعون الجار فالفتى صاحب المروءة إذا حدث يحسن، ويحسن الإستماع إذا حدث، ويحسن بشره إذا لقى وييسر المؤنة إذا خولف ويترك ممازحة من لا يثق بعقله وقال: العافية الشباب والصحة والمروءة والصبر على الرجال (سؤال) ما الفرق بين المروءة والفتوة؟ فأقول الفتوة تخالف المروءة في أمر واحد، وهو أن المروءة اصلاح الظاهر من آفات دنيء الأخلاق وسفاسفها ليرتفع بها عند الناس ويحظى عندهم والفتوة اصلاح الباطن من آفات دنيء الأخلاق ليرتفع بها عند الله ويحظى لديه. قال اتخذ لأمير المؤمنين رضي الله عنه حيس فحضره مسكين فأعطاه إياه فقيل يا أمير المؤمنين ما تدري ما هذا المسكين، فقال: رب المسكين يدري، وغلا بالمدينة السعر فجعل عمر يأكل خبز الشعير فجعل جوفه يصوت فيضرب بطنه ويقول والله مالك إلا هذا حتى يوسع الله على المسلمين. واشتهى يوما شربة من عسل فأتى به فجعل يديره ويقول أشر بها فتذهب حلاوتها ويبقى نقمها فدفعها إلى فقير وقال من جاع واحتاج فكتمه الناس وأفضى إلى الله بحاجته كان حقا على الله أن يعين له رزق سنة من حلال؛ وليس من الفتوة الفسق والفجور ولكن بشر مقبول ونائل مبذول وعفاف معروف وأذى مكفوف.
قال هرون الرشيد: المروءة ثلاثة أثلاث فثلثها الفطنة وثلثاها
(1/362)

التغافل. قال رجل للأحنف دلني على مروءة بلا مؤنة فقال عليك بالخلق الفسيح والكف عن القبيح واعلم أن الداء الذي أعيا الأطباء اللسان البذيء والفعل الرديء والله أعلم وأحكم.
(الباب الحادي عشر في حديث نعمان)
أنبأنا هشام بن عمرو عن أبيه قال: أقبل اعرابي على ناقة له حتى أناخ بباب المسجد فدخل على النبي صلّى الله عليه وسلم وحمزة بن عبد المطلب جالس في نفر من المهاجرين والانصار فيهم نعيمان فقالوا له: ويحك ان ناقته سمينة وقد قرمنا الى اللحم فلو نحرتها لغرمها رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأكلنا لحما فقال اني ان فعلت ذلك وأخبرتموه بما صنعت وجد على رسول الله صلّى الله عليه وسلم قالوا: لا نفعل فضرب لبنها ومر بالمقداد بن عمرو وقد حفر حفيرة فقال: يا مقداد غيبني في هذه الحفيرة وأطبق عليّ ولا تخبر أحدا فإني قد أحدثت حدثا ففعل فلما خرج الأعرابي رأى ناقته فصرخ فخرج النبي صلّى الله عليه وسلم وقال من فعل هذا قالوا: نعيمان قال: وأين توجه قالوا: ههنا فتبعه رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومعه حمزة وأصحابه حتى أتوا على المقداد فقال: هل رأيت نعيمان؟ فصمت فقال: لتخبرني به أين هو فقال: مالي به علم وأشار بيده الى مكانه فكشف رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقال: أي
(1/363)

عدو نفسه ما حملك على ما صنعت قال: والذي بعثك بالحق لأمرني به حمزة وأصحابه وقالوا كيت وكيت فأرضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم الأعرابي عن ناقته وقال: شأنكم بها فكلوها فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم اذا ذكر صنعه يضحك حتى تبدو نواجذه.
ولما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصف شرور الدجال وان معه جبلا من خبز وجبلا من لحم، فقال نعيمان: أترى يا رسول الله نحن لا نأكل من خبزه ولحمه فضحك النبي عليه السلام. تم كتاب المكارم والمفاخر والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله.
(كتاب غرور الانسان وعاقبة الزمان
وفيه ثلاثة عشر بابا
(مقدمة الكتاب)
اعلموا يا معشر الكرماء وقاكم الله الأسواء أن الآدمي خلق خطّاء نسّاء جزوعا منوعا يبصر طرق النجاة فلا يقصدها ويرى مهاوي الهلاك فيوقع نفسه فيها ويزعم أنه أكيس الناس والحيوان، لعمري أن الرأي منه بعيد، نذكر بيتا من الشعر:
فكل يسلي النفس عند خلوه ... بزهد ولكن متى تصح العزائم
(1/364)

ويعتقد أن النجاة فيما يفعله والصلاح فيما هو بصدده وكل حزب بما لديهم فرحون وأنا أبين في هذا الكتاب جماع أنواع الغرور ومعالجاته بعون الله تعالى مرتبا على أبواب.
(الباب الاول في غرور العلماء ويتبعه علاجه)
قوم منهم يغترون بكثرة الرواية وحسن الحفظ مع تضييع واجب حقوق الله تعالى تخيل نفس أحدهم إليه أن مثله لا يعذب لانه من العلماء أئمة العباد الحافظين على المسلمين دينهم ويعتقد أن نجاة العباد متعلقة بشفاعته ولولاه لاختل نظام الاسلام وانقطع عرى اليقين وان مثله لا يتكبر ولا يحسد ولا يعجب وانما يفعل ذلك الجاهل فيقل خوفه وحذره من عذاب الله فلا يتهم نفسه بخلق دني فإذا لم يتهمها لم يتفقدها ولم يحذرها فتراه يغتاب ويهمز ويلمز ويتكبر على العباد ويسيء الظن بالمصائب وهو يرى أنه بريء من جميع ذلك ويظن أنه عند الله تعالى من الورعين وهيهات هيهات إنه من الممقوتين (علاج هذا المرض العظيم) وهو أن يعلم أن العلم حجة عليه وأن الله قد حمله ما أعظم به عليه حجته وشدد به يوم القيامة مسألته، فان ضيع العمل فلم يقم بواجب حق الله تعالى في ظاهره وباطنه فيكون أشد عذابا من الجاهل وانما آتاه الله العلم ليعمل به وينزجر عن الحرام
(1/365)

ويعرف به جزيل الثواب ووبيل العقاب فاذا لم ينهه عن الحرام فقد وضع الشيء في غير موضعه فهو ظالم قد ظلم نفسه والقرآن يقول أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
والعالم هو الخائف من الله تعالى ومن لم يخف منه فهو جاهل في العلم لأن الله تعالى وصف العلماء بذلك فقال إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
(تفسيره) أعلمهم بالله أشدهم له خشية وقد شبه الله تعالى من أحكم العلم وضيع العمل بالحمار الذي يحمل العلم فقال كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
فالجاهل هو الذي يجترىء على الله فلو كان هذا عالما لما اجترأ بأعظم من جراءة الجاهل قال أبو الدرداء: ويل للذي لا يعلم مرة ولو شاء الله علمه وويل للذي يعلم سبع مرات أي الحجة عليه أصعب ويعتقد أن حفظه العلم لا يجزئه حتى يعمل به، فالمقصود من العلم هو القيام بما أحب الله وترك ما كره الله تعالى، والله أعلم.
(الباب الثاني في غرور الفقهاء والقضاة ويتبعه علاجه)
يغترون بمعرفة الحلال والحرام والفتيا وانه العالم للامة بدينها ومفزعها اليه ولولا مثله لضاع الدين وما عرف حلال من حرام ويحتقر الوعاظ والمحدثين والمفسرين، اذ لم يفهموا الحلال والحرام فهو عند نفسه العالم بالدين دون غيره وان الله تعالى لا يعذب مثله وأنه لا يعتقد مكر الله تعالى به
(1/366)

(علاج ذلك) أن يعرف أن الفقه عن الله فيما عظم نفسه وأخبر به من حلاله وحرامه وهيبته ونفاذ قدرته وما وعد به من ثوابه وتوعد به من عقابه أعظم الفقه ولن ينتفع الفقيه في الحلال والحرام الا بالفقه في ذلك لان من فقه عن الله تعالى فيما أخبر به من عظمته وهيبته ونفاذ أمره وملكه الاشياء في الضر والنفع دون غيره هاب الله تعالى واستحياه فكأنه شاهد الجنة والنار بقلبه فيشتد خوفه من الله تعالى بما عاين بقلبه من أليم عذابه ويشتد شوقه الى جواره من عظيم ثوابه فيتحمل كل مكروه في القيام بحقه في الدنيا لينال به جزيل ثوابه فالفقيه من فقه عن الله تعالى فعظمه بقلبه وأيقن أنه لا نافع ولا ضار غيره فهان عليه شأن الخلق فلم يخفهم ومطالبة الله اياهم أشد منه على الجهال لان الله تعالى أخذ عليهم الميثاق فيما علمهم أن يبينوه للناس، ولا يكتموه فاذا علم ذلك زال الاغترار باذن الله تعالى.
(الباب الثالث في غرور الزهاد وأهل الصوامع ويتبعه علاجه)
فقوم يتزيون بزي العباد ويكثرون عمل الطاعات ومقصودهم الخلق دون الحق ولا يخلصون الاعمال من الكبر والعجب والغيبة والنميمة ومن أخلص منهم العمل فيعتقد
(1/367)

أنه قد تخلق بأخلاق الله سبحانه وتعالى واجتنب كل خلق مذموم فيرى أنه من الخائفين وهو من الآمنين ومن المتوكلين عليه (علاج ذلك) هو أن يبلو نفسه عند العمل بذلك فيتبين له أنه مغتر فيترك الاخلاق المذمومة وينهج سبل الاخلاق الممدوحة وأن الله هو الخالق الضار النافع وأن الخلق في قدرته حيارى وفي كنه ارادته أسارى ومن خاف غير الله مع الله فقد أشرك وانه لو طالبه بالاخلاص لهلك.
(الباب الرابع في غرور الوعاظ ويتبعه علاجه)
فقوم حبب إليهم أحاديث الزهد وذم الدنيا ولا يعرف معنى ما يقول ويرى أنه من العاملين لله تعالى وان مثله لا يعذب وانه غير مراء ولا يذنب وانما يفعل ذلك العوام (علاج ذلك) أن ينظر في قلبه كيف خوفه من الله تعالى وكف جوارحه فيما نهى الله وأنه أمر بترك الدنيا وهو يؤثرها على الاخرى فكيف تصح له الدعوى فيعلم أنه وصاف للخوف والمحبة غير عامل بهما وينهي عن الدنيا بقوله ويدعو إليها بفعله فهو على شفا جرف هار وعلى خطر عظيم والله تعالى أعلم.
(الباب الخامس في غرور السلطان والامراء ويتبعه علاجه)
اذا رشح أحدهم للسلطنة يعتقد أن الله خصه بذلك
(1/368)

لكرامته عليه وأنه بمنزلة صاحب الوحي وأن بقاء الدين ببقائه وأن الله تعالى أحبه وأمره على العالمين فيلقب نفسه حافظ بلاد الله وفي الحقيقة هو مخرب بلاد الله نهّاب للأموال سفاك للدماء محب للاعداء مضيع للدين والدنيا ولا يدري أنه مستدرج يملى ليزداد دائما فكم من عدو منعم عليه والله تعالى أعلم (علاج ذلك) أن يعتقد أن الله تعالى يحاسبه على القليل والكثير والنقير والقطمير ويسأله حقوق رعيته حرفا، حرفا وانه يؤتى به يوم القيامة مغلولة يداه أطلقه عدله أو أوثقه جوره وكل مسؤول عن رعيته فإن عدل وأخذ عن الحق وأنفق في الحق فذاك، والا فهو أول هالك.
فإن لم يؤمن بهذا فليستأنف الايمان ويذكر معه دلائل الايمان وان آمن بهذا الا أنه يقول والله غفور رحيم فتلك أمنية الحمقى إن المنى رأس مال المفاليس، وأيضا فإن الامهال لا يدل على الاهمال فإن الله تعالى أمهل الكافرين في الدنيا ولكنهم في الآخرة أصحاب النار وفرعون كان مستدرجا أربعمائة سنة لم يصدع فيها يوما واحدا وكان كافرا لعينا ممقوتا وان اغتروا بالمال فملك الموت لا يقبل الرشا وعند الموت لا ينفع الفداء وكل من كان ماله أكثر كان موته أشد وحسرته أكثر وكل من كان ماله أكثر كان خصماؤه أكثر أما من يأخذ من حرام وينفق في حرام فعقابه أشد أو يأخذ من
(1/369)

حلال فحسابه أشد وان اغتر بكثرة التمتع والشهوات فالخنزير والبهائم أكثر تمتعا منه فأي فضيلة له؟ وأنه مطالب بحقوق الله تعالى وحقوق الرعية وحق الفقراء وحق المماليك وحق البلاد فان ظلم في هذا فمعذب في القبر بمنكر ونكير ويجعل ماله حية مطوقة في عنقه ويعذب كل يوم بأنواع العذاب ويسمع في قبره الصياح فهذه تجارة رابحة وصفقة معجبة من يرغب فيها.
(الباب السادس في غرور الوزراء والرؤساء ويتبعه علاجه)
ترى الواحد منهم يحرق الناس، يظلم هذا ويغصب مال هذا ويضع الدرهم على الدرهم والدينار على الدينار وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا يتفاخرون بكثرة الدنانير والضياع وتنفيذ الامر وسلامة الوقت دون العواقب البتة، وآخر يقول أجمعها لنوائب الدهر، وآخر يقول أورثها وارثي، وآخر يقول لروعة السلطان وآخر يقول أنتفع بها في آخر العمر دون عليات الشباب والحرص فالماسكون يشقون بجمعها ويأكلها الوارثون عفوا صفوا لهم الهناء وعليهم الوبال فيرضى من الدنيا بأن يقال انه كريم وله بيت قديم وله صيت وحشمة عند الترك والسلطان ويعتقد أن الله سبحانه وتعالى أعطاه المال لمحبته وكرامته ولا يقرأ قوله تعالى فَأَمَّا الْإِنْسانُ
(1/370)

إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ
وأنه مع قبح فعاله فوق ذوي الاحسان في الآخرة وأن الله حيث أعطاه المال لا يعذبه ولا يحاسبه ولا يعزله البتة (علاج ذلك) أن يعلم أن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولكن لا يعطي الدين الا من يحب وأنه أعطى من حكمته الكافرين وحرم المؤمنين ولا يدل ذلك على كرامة الكافرين وهو ان المؤمنين وربما يكون مستدرجا وعند الموت ينزل الايمان فإن أدركه سابق القدر فيصبح حيران لا دنيا ولا آخرة خسر الدنيا والآخرة وأنه من أهل الشقاوة وأهل بلدته ورعيته يوم القيامة شفعاؤه ان عدل وخصماؤه ان فجر ويتفكر أن الوالي لا يمكنه العدل في القضية والحكم بالسوية فيمسي والايتام يدعون عليه ويصبح والناس يبكون بين يديه ويوم القيامة تؤخذ حسناته وتعطى لخصمائه فإن لم يكن له حسنات تلقى عليه سيئات الخصوم وأي عاقل يرضى بذهاب العمر وازدياد المال ودخول النار. لا بارك الله بعد العرض في المال. اذا مت عطشانا فلا نزل القطر.
(الباب السابع في غرور الأغنياء ويتبعه علاجه)
ترى أحدهم يفتخر بالمال ويرى العزة بالمال وأنه خير من الفقير ومنزلته عند الله خير وفوق منزلة الفقراء فتراه
(1/371)

صلفا معجبا بماله (علاجه) أن تلك والله نكالة فالانبياء خصوا بالفقر والكفار خصوا بالغنى ولا يدل ذلك على هوانهم وكرامة أولئك ثم إن الغنى عرضة الفتن فحلالها حساب وحرامها عقاب فأول عقبة أن زوجاته وأولاده يخاصمونه في القيامة، وعقبة أخرى، الفقراء يخاصمونه في الزكاة والصدقة فان تخلص من هذه العقبة فيقال من أين اكتسبت وفيم أنفقت فان تخلص من هذا فيقال لم جمعت وفيم غرمت فان تخلص فيقال كل ذرة عنها اثنان وسبعون سؤالا ثم الذي يدخره لاولاده قد يكون سبب هلاكهم ينفقونه في معصية الله أو يتهمون بكثرة المال فيؤخذ منهم ويضربون عليه.
(الباب الثامن في غرور العوام ويتبعه علاجه)
أما العوام فكالأنعام يأكلون ويتمتعون ويفعلون ما يشتهون ويقولون ان الله غفور رحيم وان جنته أوسع وكرمه أكثر من أن يعذبنا ولم يحرمنا الايمان فكيف يحرمنا الجنان ومعاصينا لا تضره وطاعتنا لا تنفعه فكيف يعذبنا وهذا منتهى غرورهم (علاج ذلك) أن يقال كما أنه غفور رحيم كذلك بطشه أليم شديد ورحمته وسعت كل شيء ولكن بشرط التقوى ووعدها للمتقين فقال فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
(1/372)

ولم يقل للذين يشربون الخمر ويزنون ويضيعون الصلاة ويمنعون الزكاة ثم الغفور الرحيم أمر بقطع يد قيمتها خمسمائة دينار بربع دينار فما يؤمنك أن يعذبك في النار بسبب الكبائر فان كنت تصدقه في غفران الذنوب فلم لا تصدقه في باب الرزق وقد قسم ذلك فلزمك أن تغلق باب الحانوت وتجلس في حضن أمك فيأتيك رزقك ولا تشتغل بالتجارة والحراثة وطلب الرزق فانه كريم يبعث اليك رزقك ودراهمك من ظهر البيوت فان لم تؤمن بالكرم فلم لا تؤمن بقوله وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
فمثال العوام مثال رجل يشتهي الولد وجلس يسترزق الله الولد ولا يتزوج ولا ينكح، أو يطمع في الربح من غير رأس مال وتجارة فيكون أحمق أبله، فالنكتة فيه أن من ألقى البذر في الارض وجلس يتوكل على الله في دفع الآفات عنه ووصول الريع اليه يكون كيسا عاقلا ومن أمسك البذر في بيته وجلس في بيته ويطمع بوصول الغلات اليه فهو الاحمق المأيوس من عقله كذلك من أطاع الله ورسوله وحفظ حدود الله وانتهى عما حرم الله عليه فهو العاقل السابق ومن لا يفعل ذلك وأتبع نفسه مناها فلا يحزنك دم أهرقه أهله والله أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
(1/373)

(الباب التاسع في غرور المتنسكين والزهاد ويتبعه علاجه)
هو أن قوما لا ترى من الورع في أعمالهم شيئا الا في المطعم والملبس فظنت أنها إذا بلغت أصغر الدرجات من الورع فقد أحكمت التقوى (علاج ذلك) أن يعلم أن الله تعالى لم يرض منه بالحلال وحده وأنه يعذب من طاب مطعمه اذا لم يخف الله تعالى.
(الباب العاشر في غرور أهل العزلة ويتبعه علاجه)
فرقة قد غلب عليها الاستيحاش من الناس والخلوة فتراهم يضيعون الفرائض ويحبون الشهرة به وثناء الناس وإجتماع الناس لديهم ويعجبون بأعمالهم ويفرحون بإجتماع العوام عليهم (علاج ذلك) أن يفكر في حق الله وأنه مطلع عليه يفضح المرائين ويمقتهم وأن قليل الرياء والعجب والكبر والحسد يحبط العمل فيكون من جملة من قال الله فيهم وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
فإذا سمع الناس بعمله سمع الله به أسامع خلقه وفضحه وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: من ترك صلاة العصر حبط عمله فمن يأمن أن يحبط عمله بتضييع ما أوجب الله. عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يقبل الله صلاة من رجل في بطنه لقمة من حرام والله تعالى أعلم.
(1/374)

(الباب الحادي عشر في غرور الحجاج والغزاة ويتبعه علاجه)
وفرقة اغترت بالغزو والحج فتخيل إليه نفسه أنه من المقربين وأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ويعتقد أنه أصبح آمنا من عذاب الله بقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
ولا يعرف الجاهل أن هذا خبر والمراد منه الامر يعني أمنوه مما كانت العرب تفعله من النهب والغارة، ولا يعرف المسكين أن من حج واعتمر بمال حرام لا يقبل منه، ومن حج مرائيا معتديا في مطعمه وملبسه فإذا قال لبيك يقال له لا لبيك ولا سعديك، ولا يعرف المسكين أنه في حجته ضيع الفرائض لتحصيل النوافل مثال ذلك صداق زوجته واجب عليه وإرضاء غرمائه واستحلال معامليه ورد مظلمته كل ذلك واجب عليه فقد ترك الواجب عليه واشتغل بالنفل فيلوح في سفره وعزمه أنه يحج للسمعة ويغزو لطلب الثناء فيكون ممقوتا عند الله وعند رسوله والله تعالى أعلم (علاج ذلك) ما ذكرت أن الله تعالى لا يقبل النوافل لمضيع الفرائض وأن فساد هذا الدين بتضييع الفرائض وتحصيل الفضائل وان من ضيع الفرائض وترك أمر الله فأمره على خطر ولا ينجيه الا الاخلاص.
(1/375)

(الباب الثاني عشر في غرور المستدرجين الظالمين ويتبعه علاجه)
يطول إمهال الله تعالى فترى الظالمين يغترون بطول ستر الله عز وجل وإمهاله لهم.
كما قال الله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
قال علماء التفسير: كلما أحدثوا معصية جددنا لهم نعمة ويرون أن ذلك لكرامتهم على الله وما يدريهم أن الله سبحانه قلاهم وأقصاهم منا وحرمهم التوبة وشكر النعمة وحجبهم عن خدمته وطردهم عن بابه وكتب أسماءهم في جريدة أهل الشقاوة فينزع عنهم إيمانهم لدى الموت في ساعة الحسرة والفوت فيصبحون حيارى لا مسلمون ولا نصارى خسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، وكم قد فعل ذلك ممن كان عند الناس أنه من الاولياء وخواص الاصفياء فالخاتمة مبهمة والامر مشكل والخطب عظيم والبطش شديد (علاج ذلك) إسبال الستر عليه حجة من الله تعالى عليه ليعلمه أنه لم يعجل عليه ولم يهتك ستره ولو أظهر الله للناس ما يعلم منه لابغضه الناس ولهجروه فربما اطلع الله منه على ذنب فمقته فقال له افعل ما شئت فلست مني ولست منك فقد شقي شقاوة لا يسعد بعدها فما يؤمنه ذلك وقد فعل
(1/376)

بالملائكة المقربين عزازيل وهاروت وماروت وخواص الناس بلعم وبرصيصا وجريج الراهب فيجب على العبد أن يكون خائفا من الله سبحانه في كل حال فان الخوف شرط الايمان قال الله تعالى: وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
(الباب الثالث عشر في غرور العلوية من أهل الانساب ويتبعه علاجه)
يقولون انا من أولاد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولنا شرف على كل الناس وأنا فلان بن فلان وكان أبي ملكا وكانت الوزارة في بيتنا والرئاسة في آبائنا كخصي يفتخر بزب مولاه (علاج ذلك) يقال يا مسكين لا شرف أعلى من الاسلام ولا كرم أعز من التقوى فما في عالم الله تعالى أشرف من محمد عليه السلام ولم ينفع شرفه أبويه وحذر عمه العباس وابنته عن النظر الى النسب فقال يا فاطمة بنت محمد اشترى نفسك من الله فإني لا أغنى عنك من الله شيئا ويا عباس عم الرسول صلّى الله عليه وسلم اني لا أغنى عنك من الله شيئا وإن كنعان لم ينفعه نسبه وكونه ابن نوح وأبو طالب لم ينفعه شرف ابنه وأهله فمن ينسج على منوال أبيه يكون ابن أبيه ومن خالف أباه في مذهبه وسيرته فأبوه خصمه يوم القيامة وهو منه بريء، وأنشدت لبعض أهل العلم.
(1/377)

لعمرك ما الانسان الا بدينه ... فلا تدع التقوى اتكالا على النسب
فقد زين الاسلام سلمان فارس ... وقد هجر الشرك الشريف أبا لهب
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: ليدعنّ قوم الفخر بآبائهم وقد صاروا فحما في جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان الذي يدحرج بأنفه القذر. وتفاخر رجلان عند النبي صلّى الله عليه وسلم فقال أحدهما أنا ابن فلان فمن أنت لا أم لك؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلم:
افتخر رجلان عند موسى صلوات الله عليه فقال أحدهما أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة فأوحى الله الى موسى صلوات الله عليه قل للذي افتخر تسعة آبائك في النار وأنت عاشرهم، تم غرور الانسان والله المستعان وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتاب نوادر العلماء
وفيه سبعة أبواب
(الباب الأول في نوادر الصحابة رحمهم الله تعالى)
قال ابن عباس رضي الله عنهما أربعة لا أجد لهم مكافأة رجل اغبرت قدماه للتسليم عليّ ورجل ضاق مجلسي فوسع عليّ ورجل ظمئت فسقاني ورجل وهو الرابع لا يكافئه عني
(1/378)

إلا الله سبحانه وتعالى: رجل طرقه أمر فبات أرقا لحاجته فوجدني لها أهلا. وقال محمد بن الحنفية: لا تلم من لا قوت له على طلب قوته فبعدمه عدم عقله وضجر نفسه وملّه أهله وكان أكثر كلامه عليه لا له فإن كان عاقلا جهلوه وإن كان دينا سفهوه وإن كان أديبا نبذوه وفندوه ولا يسمع كلامه ولا يعرف مقامه ويبغضه أهله وجيرانه. وقال الصديق رضي الله عنه إياكم والفخر فما فخر شيء خلق من التراب ومصيره الى التراب وهو اليوم حي وغدا ميت. وقال ابن عباس رضي الله عنهما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً
يعني العاشر صالحا فإن الله يحفظ الرجل الصالح في ولده ثمانين عاما، وقال كعب إن الله يحفظ العبد الصالح في ولده ثمانين عاما، وقال عبد الله بن جعفر ان الله عودني أن يتفضل عليّ وعودته ان أتفضّل على عباده فأخاف ان قطعت العادة أن يقطع عني المادة، وقال أبو الدرداء أضلّ الضلال من يزيد ماله وينقص عمره، وقال ابن عباس اذا غضب الله على خلق من خلقه فلم يعجل لهم مثل سائر الامم قيض الله لهم خلقا يعذبهم بهم لا يعرفون الله، وقال أبو الدرداء لبعض ملوك الشام وقد بنى دارا وزخرفها ما أحكم ما تبنون وأطول ما تؤملون وأقرب ما تموتون، وقال ما بال أحدكم يقول اللهم ارزقني وقد علم أن الله لا يمطر عليه من السماء دنانير ولا دراهم وإنما يرزق بعضكم من بعض
(1/379)

فمن أعطي شيئا فليقبله فإن كان غنيا فليضعه في ذي الحاجة من إخوانه، وقال أمير المؤمنين على كرم الله وجهه جد على عدوك بالفضل فإنه أحد الظفرين، وقال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لا تحقرن شيئا من الخير وان كان صغيرا فإنك اذا عدمته سرك مكانه، وقال على كرم الله وجهه ارحم من البلاء أخاك واحمد الذي عافاك، وقال من بالغ في الخصومة ظلم ومن قصر فيها ظلم ولا يستطيع من يتقي الله أن يخاصم، وقال كدر الجماعة خير من صفاء الفرقة، وقال اذا أقبلت الدنيا على أحدكم أعارته محاسن غيره وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه، وقال عمر رضي الله عنه تكثروا من العيال فإنكم لا تدرون بمن ترزقون، وعن النبي صلّى الله عليه وسلم ما لح رجل باللواط الا أورثه الله الابنة، وكتب أمير المؤمنين على كرم الله وجهه الى معاوية غرك عزك فصار ذلك ذلّك فاخش فاحس فعلك فلعلّك بهذا تهدي والسلام وقال صلّى الله عليه وسلم ليس الأعمى من تعمى عيناه ولكن الاعمى من تعمى بصيرته عن الآخرة، وقال علي رضي الله عنه لا خير في الدنيا الا لرجلين رجل أذنب ذنبا فتدارك ذلك بتوبة ورجل سارع في الخيرات ولا يقل عمله مع التقوى فكيف يقول ما لا يتقبل، وقال صلّى الله عليه وسلم اذا وضع الخير فارتعوا وخير مراعيكم الخير وكل شيء له مرعى ومرعى بني آدم الخير،
(1/380)

وقال أكرموا البقرة سيدة البهائم فإنها لم ترفع رأسها الى السماء مذ عبد العجل حياء من الله تعالى، وقال علي رضي الله عنه ما أسأت الى أحد ولا أحسنت اليه لان الله تعالى يقول مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ
وقال (من قوي فليقو على طاعة الله ومن ضعف فليضعف عن محارم الله) فليجتهد البلغاء أن يزيدوا في هذا حرفا وسأل النبي صلّى الله عليه وسلم عن الاثم الذي ليس بعده إثم قال عقوق الوالدين وهو دخول النار وقال من كان في بيته حرام لا تنزل عليه الرحمة ولا يدخل في بيته ملك الخير وقال إنك لا تدع شيئا اتقاء الله تعالى الا أعطاك الله تعالى خيرا منه، وقال النبي عليه السلام: اثنتان هما في الناس كفر، نياحة على الميت وطعن في النسب، وقال: لا يبغى على الناس الا ولد بغي أو فيه عرق منه، وقال: خوفوا المؤمنين بالله والمنافقين بالسلطان والمرائين بالناس، وسأل ابن عباس عن رجل كثير العمل كثير الذنوب وآخر قليل العمل قليل الذنوب أيهما خير قال لا أعدل بالسلامة شيئا وقال اذا ظهر السوء في الارض أنزل الله بأهل الارض بأسه قلت يا رسول الله وفيهم أهل طاعته!؟ قال نعم ثم يصيرون الى رحمة الله تعالى، وقال صلّى الله عليه وسلم: اللهم لا يدركني زمان قوم لا يبتغون التعليم ولا يستحيون من الحكيم قلوبهم قلوب الأعجم وألسنتهم ألسنة العرب، (الاعجم الدواب) وتفسيره قوله صلّى الله عليه وسلم جرح العجماء
(1/381)

جبار، وقال أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية، والله تعالى أعلم.
(الباب الثاني في نوادر التابعين)
عن قتادة إنما خلق الله الموت ليعز به نفسه ويذل به عباده، وقال عبد الله بن سعيد بن العاص موطنان لا أستحي من العي فيهما اذا خاطبت جاهلا أو طلبت حاجة لنفسي وقال ميمون بن مهران: لا تطلب من بخيل حاجة وإذا طلبت فأجله حتى يروض نفسه، وقال الزهري: الزهد كف النفس عن محظورات الشهوات، ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة حكيم من أحمق، وبر من فاجر، وشريف من دنيء. قال عبد الله بن الحسن لابنه: إياك وعداوة الرجال فإنه لن يعدمك مكر حكيم أو مفاجأة لئيم، ولما رأى إياس بن قتادة في لحيته شيبا قال: أرى الموت يطلبني وأراني لا أفوته أعوذ بالله من فجأة الامور، يا بني سعد قد وهبت لكم شبابي فهبوا الى شيبي ولزم بيته فقال أهله تموت هزالا فقال لان أموت مؤمنا مهزولا ولا أحب اليّ من أن أموت منافقا سمينا وقال هرم بن حيّان:
ما عصى الله كريم ولا آثر الدنيا على الآخرة حكيم وقال أبو عمرو بن العلاء من عرف فضل من فوقه عرف فضله من دونه، وقال أبو حازم الاعرج أما إبليس فقد عصى فما ضر
(1/382)

وأطيع فما نفع وقال الحسن من لم يكن كلامه حكما فهو لغو ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو ومن لم يكن فكره اعتبارا فهو لهو ومن لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء، وقال جعفر بن محمد كفاك بالنصرة من الله أن ترى عدوك يعصي الله فيك. وقال الحسن بن علي: المؤمن أخذ من الله تعالى أدبا حسنا اذا وسع عليه وسع وإذا أمسك عليه أمسك وقال إذا أردتم أن تعلموا من أين مال الرجل فانظروا فيم ينفقه فان الخبيث ينفق في السرف، وقال مسعر ما نصحت انسانا الا وجدته يفتش عن عيوبي، وقال مطرف عقول الناس على قدر زمانهم وقال الشعبي عيادة النوكى أشد على المريض من وجعه، بعض الصالحين قال لمريض إن الله ذكرك فاذكره فلما بريء قال ان الله أطلقك فاشكره وقال شريح إني أصاب بالمصيبة فأحمد الله تعالى أربع مرات، أحمد اذ لم تكن أعظم منها وأحمد إذ رزقني الصبر عليها وأحمد إذ وفقني لاسترجاع ما أرجو فيه من الثواب وأحمد إذ لم يجعلها في ديني، سأل بعض العلماء عن القدر فقال شيء اختصمت فيه الظنون وغلافيه المحققون فالواجب علينا أن نرد ما أشكل علينا من حكمه إلى ما سبق في علمه، عجبت من ثلاثة رجال رجل يريد تناول رزقه بتدبيره وهو يرى تناقض تدبيره ورجل شغله هم غده عن غنيمة يومه وهو في شك من خبر غده ومن
(1/383)

عالم مفتون يعيب على زاهد مغبوط، قال عطاء السلمي أجمع العلماء والحكماء والشعراء ان النعيم لا يطلب بالنعيم، وقال فضيل ليس الغريب من يمشي من بلد إلى بلد ولكن الغريب صالح بين فساق، عند تصحيح الضمائر يغفر الله الكبائر اذا عزم العبد على ترك الآثام أتاه من الله الفتوح، وقال الثوري أكرموا الناس على قدر تقواهم وتذللوا عند أهل الطاعة وتعززوا عند أهل المعصية، وكان الربيع بن خيثم لا يعطي السائل أقل من رغيف ويقول إني لأستحي أن أرى ميزاني غدا نصف رغيف، وقال داود الطائي اني لأستحي أن أخطو خطوة يكون لبدني فيها راحة والله تعالى أعلم.
(الباب الثالث في نوادر أقوال الامام الشافعي رحمه الله تعالى)
منها: لا تستشيروا أحدا لا يكون في بيته دقيق فان عقله زائل، وقال: لو كانت الدنيا كلها لي لبعتها برغيف لما أعرف من عيوبها وقال: من طلب الدنيا لزمه العبودية لاهلها وقال:
ثلاثة إن أكرمتهم أهانوك العبد والسفلة والنبطى وقال: عبد الله بن مسعود ما من أحد حل خوف الدين في قلبه الا ذهب من عقله ما لا يرجع اليه حتى يموت. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
اللهم أني أعوذ بك من الدين والكفر قال رجل: يا رسول الله
(1/384)

أتعدل الكفر بالدين قال نعم وقال من لم تعزه التقوى فلا عزّله، وقال: أظلم الظالمين من تواضع لمن لا يكرمه. ويرغب في مودة من لا ينفعه وقبل مدحة من لا يعرفه. وقال: لو أن رجلا سوى نفسه مثل القدح لكان له في الناس من يغمزه وقال:
أفسد الناس ذوائب العلوية ومرقعات الصوفية يعني يغترون بهم وإذا شربت الخمر وزنيت وقتلت خير لك من الرفض والاعتزال. وقال: الطرب عقل وكرم فمن لم يطرب فليس بعاقل ولا كريم وقال الفقر في الاوطان غربة والمال في الغربة أوطان وقال سياسة الناس أشد من سياسة الدواب، من المعرفة بالزمان التحامق مع النسوان، الوقار في النزهة سخف، أصل كل عداوة الصنيعة الى الانذال، ان كنت تريد أن تعرف منزلة الدنيا عند الله تعالى فانظر عند من وضعها يعني اليهود والنصارى غرقوا في النعم، الكيس العاقل الفطن المتغافل، صحبة من لا يخاف العار عار، النعمة التي لا يحسد عليها صاحبها التواضع، والبلاء الذي لا يرحم صاحبه فيه العجب، وقال إن الله تعالى جعل البركة، في الصناعات كلها ما خلا الحياكة فإن الله نزع منها البركة وقال احذر كل أزرق وأحول وأعور وأحدب وأعرج فان لهم التواء.
(1/385)

(الباب الرابع في نوادر أقوال أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه)
من كان فقيرا فليأت الي أعطه رأس مال يستغني بذاك ألا وهي الامانة، وقال إذا أتتك معضلة فاجعل جوابها منها، وقال من لم يحترم العلماء ولم يعظم الكبراء فلا تلوموه ولوموا أمه، وقال كل ملك لا يكون له سخاء فلا يصلح لذلك الامر، وقال إذا جاء الحديث عن الصحابة وصغى له لم يخرج عن الدنيا حتى يعيش حياة طيبة، ولم يقل في مدة عمره شعرا سوى هذا البيت:
كفى حزنا أن لا حياة لذيذة ... ولا عمل يرضى به الله صالح
وقال المرأة الصالحة تشبه الوالدة والاخت والصديق، والمرأة السوء تشبه الربة والعدو والسارق، والعاقل من يداري زمانه مداراة السابح للماء المغرق، وقال إذا كان للدار ربتان بقيت غير مكنوسة، اذا كثر الطباخون لم تطب القدر، من لم يستظهر بالاخوان عضه ناب الزمان، بعض الشوك يثمر الترنجبين، معاشرة الاضداد تفتت الاكباد، حق على العاقل أن لا يستخف بثلاثة بالعلماء والسلطان والاخوان فمن استخف بالسلطان ذهبت دنياه ومن استخف بالاخوان
(1/386)

ذهبت مروءته، زر العلماء وجالس الفقهاء اطعمهم طعامك وانفق عليهم من مالك، ونظر بشر إلى أهل السجون فقال حبهم للشهوات أوردهم هذه الموارد، وقال الصادق: العافية موجودة مجهولة والعاقبة معدومة معروفة عجبت للتاجر كيف يسلم وهو بالنهار يحلف، بالليل يحسب، شرار الامراء أبعدهم من العلماء وشرار العلماء أقربهم من الامراء لا تمنع وارثك كدّك، وقال العاقل خادم الأحمق أبدا قيل كيف قال ان كان فوقه لم يجد بدا من مداراته وإن كان دونه لم يجد بدا من إحتماله والله تعالى أعلم.
(الباب الخامس في نوادر مالك وأحمد رضي الله عنهما)
قال مالك رحمه الله: من ترك عيب أخيه نسي عيبه ومن أشتغل بعيب أخيه ظهرت له عيوب، وقال أستاذه كف من بخت خير من أوقار من علم، وقال عبادات المبتدعة كتكبير الحارس لا أجر ولا ثواب، وقال حب العلماء من الايمان، وقال من قال لفقيه أو عالم من أنت وما قدرك فقد استخف بالشريعة، وقال أحمد رحمه الله لا أصحب الناس لخشية الفراق وقال لو كانت الدنيا دما عبيطا كان رزق المؤمن حلالا وقال فر من مساكنة الظالمين فرارك من الاسد، وقال سفيان الثوري: لولا هذه الدريهمات لتمندلوا بديننا وقيل
(1/387)

لمالك ما الداء العضال؟ قال: الخبث في الدين وقال: إذا كان الرجل صادقا في حديثه لا يكذب متع بعقله ولم تصبه خرافة الجاه زكاة الشرف والمعروف زكاة النعم، والمرض زكاة البدن فكلما أديت زكاته فقد أمنت الخسران فيه، ذم العقلاء أشد من ضرب السلطان فإن هذا خذلان وذلك تعزير، ينبغي للمسلم أن يقي روحه بجسده وأن يقي دينه بروحه ومن حزم الرجل أن لا يخادع أحدا وكمال عقله أن لا يخدعه أحد، قال الثوري اني لا تعجب ممن له عيال كيف لا يخرج على الناس بسيفه اذا لم يكن له شيء، وعن السدى لو احتجت الى مؤنة دجاجة لم آمن على نفسي أن أصبح شرطيا وفي مسند أحمد رضي الله عنه قال رجل يا رسول الله ما أجر من علم ولده كتاب الله تعالى فقال كلام الله لا غاية له فجاء جبريل عليه السلام فقال له النبي عليه السلام يا أخي ما أجر من علم ولده كتاب الله فقال جبريل يا محمد القرآن كلام الله لا غاية له ثم ان الله تعالى أنزل جبريل على رسوله صلّى الله عليه وسلم فقال جبريل إن ربك يقرؤك السلام ويقول من علم ولده القرآن فكأنما حج البيت عشرة آلاف حجة وكأنما اعتمر عشرة آلاف عمرة وكأنما أعتق عشرة آلاف رقبة من ولد اسماعيل وكأنما غزا عشرة آلاف غزوة وكأنما أطعم عشرة آلاف مسلم جائع وكأنما كسا عشرة آلاف عار ويكتب الله له
(1/388)

بكل حرف من القرآن عشر حسنات ويمحو عنه عشر سيئات وقال رضي الله عنه عجبت لمن يدخل الحمام قبل أن يأكل ثم يؤخر الاكل بعد ما يخرج كيف لا يموت وعجبت لمن احتجم ثم يبادر الاكل كيف لا يموت قال الثوري عليك بعمل الابطال الكسب من الحلال والأنفاق على العيال، وقال سفيان إذا أردت أن تعرف قدر الدنيا فانظر عند من هي.
(الباب السادس في نوادر المشايخ الصوفية)
قال سرى السقطي رضي الله عنه خمسة أشياء من جوهر النفس فقير يظهر الغنى وجائع يظهر الشبع ومحزون يظهر الفرح ورجل بينه وبين رجل عداوة فيظهر المحبة ورجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يظهر الضعف، وقالوا الندامة أربعة ندامة يوم وندامة سنة وندامة عمر وندامة الأبد فندامة اليوم أن يخرج من المنزل قبل الغداء وندامة سنة الزارع يترك الزرع وندامة العمر أن يتزوج بامرأة غير موافقة فيبقى في الندامة إلى آخر العمر وندامة الأبد أن يترك أمر الله تعالى؛ وقال أبو بكر الواسطي الدول ثلاث دولة الحياة أن يعيش في طاعة الله تعالى ودولة عند الموت وهو أن يموت على الإسلام ودولة في القيامة وهو أن يموت وهو ناج من النار، قال شقيق سألت سبعمائة شيخ عن العاقل
(1/389)

فقالوا العاقل من لا يحب الدنيا وعن الكيس قالوا من لا تغره الدنيا وعن الغني فقالوا هو الراضي بما قسم الله تعالى له وعن الفقير فقالوا من أراد ما سوى الله وعن البخيل قالوا المضيع حق المال؛ ابن آدم مبتلى في أربعة أشياء ضعف البشرية وتكليف العبودية واخفاء السابقة وابهام العاقبة.
وقال حاتم الأصم: مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا ولقد ماتت لي ابنة فعزاني أكثر من عشرة آلاف وفاتتني صلاة الجماعة فلم يعزني أحد، وقال أبو بكر الوراق قرأت في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وأربعين صحيفة في الحكمة، فمحصول جميعها خلتان أحداهما اجلال أوامر الله تعالى ونواهيه والثانية الشفقة على خلق الله، وقال معاذ النّخشبي لم يصعد من الأرض ذنب أعظم من ثلاث الأول أن يقول العبد من يطيق أن يعمل ما يقول له العلماء الثاني من لم يكن له درهم لا يكون له قيمة الثالث من يطيق منع الشيطان. كل شيء له غاية ونهاية يمكن عدها إلا ثلاثة أشياء نعيم الجنة وطيبها والنار وعذابها والنفس وشرها. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: ابرار الدنيا الكذب وقلة الحياء، من طلب الدنيا بغيرهما فقد أخطأ الطريق وابرار الآخرة الحياء والصدق ومن طلب الآخرة بغيرهما فقد أخطأ. سئل بعضهم هل من أحد لا عيب فيه؟ قال لا لأنه لو كان من لا
(1/390)

عيب فيه لكان من لا يموت. وقيل لماذا يحب الإنسان سبطه أكثر مما يحب ولده قيل لأنه عدو عدوه فلهذا يحبه وولد الرجل عدوه. قال الله تعالى إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
وسبطه ليس عدوه، شر الناس من لا يبالي أن يراه الناس مسيئا، أعجب الأشياء نجح الجاهل واكداء العاقل. وقال يحيى بن معاذ جميع الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة، فكيف بغم عمرك فيها مع قليل نصيبك منها، فساد الخلق من ثلاثة أشياء بطن شبعان من ألوان الطعام وقلب فرح مسرور وجوارح مستريحة عن العبادة. تعب في جمع الدنيا. وقال علي بن الموفق، قلت لذي النون بعرفات من أشد هؤلاء الخلق حالا، قال من ظن أن الله لا يغفر له،. وقال لقمان لابنه يا بنيّ استغن بالكسب عن الفقر فما افتقر أحد إلا أصابه ثلاثة خلال مكروهة: رقة في دينه وضعف في عقله وذهاب مروءته وأعظم من هذه الثلاث استحقار الناس له. وسئل بعضهم عن قول النبي صلّى الله عليه وسلم إذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت. فقال قوتها معرفة الله تعالى. وسئل عن الزاهدين فقال كلكم زاهدون في الله تعالى. وقال آخر لو أن الدنيا مملوءة حيات وعقارب وسباعا وأفاعي ما خفتها ولو بقي فيها واحد من البشر لخفته لأن البشر شر منها. وقالوا في قوله صلّى الله عليه وسلم إذا رأيتم أهل
(1/391)

البلاء فسلوا الله تعالى العافية هم أهل الغفلة عن ذكر الله.
وقال: الجاهل ميت والناسي نائم والعاصي سكران والمصر هالك. وقال أبو حفص: المعاصي بريد الكفر كما أن الحمى رائد الموت. وقال فضيل إذا لم تستطع الصوم والصلاة فاعلم أنك مكبل بالذنوب، لا يغرنك طول النسيئة من الله تعالى فإن أخذه أليم شديد.
(الباب السابع في نوادر الحكماء)
ثلاث لا يستصلح فسادهن بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب والتحاسد بين ذوي الأكفاء والركاكة في الملوك.
وثلاث لا يشبع منهن الحياة والعافية والمال. احذر أربع غارات: ملك الموت على روحك وغارة الورثة على ملكك وغارة الدود في القبر وغارة الخصماء على حسناتك. العاقل للسانه عاقل، ومن سعادة الإنسان أن لا يكون عند فساد الزمان مدبر للزمان. الظفر لمن احتج لا لمن ضيع، الخير عند إمكانه يبقى لك حمده بعد زوال أيامه؛ وأحسن والدولة لك يحسن اليك والدولة عليك، إنما يستخرج ما عند الرعية ولاتها وما عند الجند قاداتها وما في الدين والتأويل علماؤه. وكتب سليمان بن داود عليهما السلام على كرسيه بعد ما رد إليه ملكه إذا صحت العافية نزل البلاء وإذا تمت السلامة نجم العطب
(1/392)

وإذا تم الأمن علن الخوف، وقال في منثور الحكم من فعل ما شاء لقي ما ساء. وفي حكم الفرس ما أضعف طمع صاحب السلطان في السلامة، ومن خير الإختيار صحبة الأخيار ومن شر الإختيار صحبة الأشرار، ضرر الجهر أعم من ضرر السر، لأن قانون السر معلوم وقانون الجهر غير معلوم. إذا هب المميز هلك المبرز، وفي أسفار بني اسرائيل الذي يحب الشهوات يبغض نفسه، يعد من البهائم، من كانت غايته نفسه، من كثر صوابه لم يطرح لقليل الخطأ، سوق النفاق دائم النفاق، في الصحف الأولى: القلب الضيق لا تحسن به الرياسة، والرجل الأثيم لا يحسن به الغني، الاغترار بالأعمال من شيم الأغمار، في الصحف الأولى احرص على الإسم الصالح وإلا يصحبك غيره، من ظلم يتيما ظلم أولاده، من لم يتعظ بموت ولد لم يتعظ بقول أحد، من أرضى سلطانا جائرا أغضب ربا قادرا، إذا لم يساعد الجد فالحركة خذلان، غضب الجاهل في قوله وغضب العاقل في فعله.
كثرة مال الميت تعزيهم عنه، الهم قيد الحواس، من زرع العدوان حصد الخسران، من قنع بالرزق استغنى عن الخلق، من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذلّ الآخرة.
العيادة لحظة والزيارة ساعة والضيافة أكلة، فإذا طعمتم فانتشروا. قال دهقان لعبد الله بن جعفر احفظ عني ثلاثا
(1/393)

فإنك في ارض وبيئة: باكر الغداء وأكثر الأدام ولا تنم إلا وبينك وبين السماء سترة ورو قدميك بالدهن.
قيل لحكيم لم تجمع المال وأنت حكيم قال: لأصون به عرضي وأؤدي منه الفرض وأستغني به عن القرض. ومن لم يتحرّز من علمه بعقله هلك من قبل علمه. قال الأحنف العجلة في خمسة أشياء محمودة: في الكريمة إذا خطبها الكفؤ.
وفي الميت حتى يخرجه وفي عيادة المرضى، وفي الصلاة إذا دخلت حتى يؤديها. وفي الضيف إذا نزل حتى يقدم إليه الطعام، أشغلوا نساءكم فإن الدواهي في الفراغ، إذا اتسعت القدرة قلت الشهوة، أسد حطوم خير من سلطان ظلوم وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم، قبل يد عدوك إذا لم يمكنك قطعها.
وقال يجب على من اصطنع معروفا أن يتناساه من ساعته ويجب على من أسدى إليه أن يكتب ذكره بين عينيه أبدا، جمع ملك الهند الحكماء وقال اجمعوا على خصلة واحدة تكفي الإنسان، فقيل الصبر وقيل القناعة. تمّ كتاب نوادر العلماء والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
(1/394)

كتاب عشرة النساء
وفيه سبعة أبواب
(الباب الأول في اختبار النساء وصفة الجميلة منهن)
إذا كانت المرأة حسناء خيرة الأخلاق سوداء الحدقة والشعر كبيرة العين بيضاء اللون محبة لزوجها قاصرة الطرف عليه، فهي على صورة الحور العين. فإن الله تعالى وصف نساء الجنة بهذه الصفة في قوله تعالى فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ
أراد حسن الخلق عُرُباً أَتْراباً
أراد العاشقة لزوجها المشتهية للوقاع وبه تتم اللذة والحور البياض والحوراء شديدة بياض العين شديدة سوادها، في سواد الشعر، والعيناء واسعة العين وحسن الوجه مطلوب واعلم يا سيد الوزراء والرؤساء أن حسن الوجه من عناية الله عز وجل قول النبي صلّى الله عليه وسلم: عليك بذات الدين يريد بذاك النهي زجرا عن النكاح لأجل الجمال المحض مع الفساد في الدين. وسئل سليمان عليه السلام وهو ابن سبع سنين عن تزويج النساء فقال عليك بالذهب الأحمر والفضة البيضاء. فسئل ثانيا فقال أما الذهب الأحمر فالبكر والفضة البيضاء الثيب الشابة، وإياك والعجوز ذات الأولاد.
وقال رجل لموسى صلوات الله عليه سل ربك حتى يعجل لي الجنة في الدنيا، فذكر ذلك عند ربه فقال عز وجل
(1/395)

قد فعلت قد أعطيته امرأة جميلة حسناء موافقة. ويقال إن الله تعالى قرن ثلاثة بثلاثة قرن الشهوة بالتزويج فلولا الشهوة ما تزوج أحد ولولا الرياسة ما طلب أحد العلم ولولا الآمال ما عمرت الدنيا. وقال ينبغي للمرأة أن تكون دون الرجل بأربع أن لا تستحقره بالسن والطول والمال والحسب، وأن يكون فوقها بأربع بالمال والأدب والخلق والحسب. وقال فضلت النساء على الرجال بتسعة وتسعين من اللذة، وما خلق الله ألفة ومحبة بين الناس أعظم من محبة الزوجين لأن كل واحد يفاوض صاحبه في نيات صدره وكل ما خلق الله تعالى يمكن وصفه سوى لذة الجماع فإنه لا يمكن معرفتها إلا بالذوق وفي قول بعض العلماء نساء الدنيا أحسن من الحور العين. ومن دولة الرجل أن تكون له امرأة جميلة ودار فيحاء وله كفاية لا يعرف الناس ولا يعرفونه (تنبيه) خلق الله الرجل من الأرض فنهمته في الأرض والسعي فيها ولا يشبع إلا من التراب. وخلقت المرأة من الرجل فنهمتها في الرجل، وفي الخبر أربع لا تشبع من أربع عين من نظر وأذن من خبر وأرض من مطر وأنثى من ذكر. وخلق الله تعالى الحياء عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء في النساء وجزأ في الرجال وخلق الشهوة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزائها في النساء وجزء في الرجال وإن النساء لا يعجزن
(1/396)

عن حمل الحلى والذهب وحمل الرجل والصبي. وفي الخبر: كل من يكون أزهد فيكون إلى النساء أشوق وأشبق وما رأيت ناقصات عقل ودين أسلب لعقل الرجال منهن. قال عمر رضي الله عنه والله ما استفاد الرجل بعد الإسلام خيرا من امرأة حسنة الخلق ودود ولود وما استفاد الرجل بعد الكفر بالله شرا من امرأة حديدة اللسان سيئة الخلق والله إن منهن لغلاما يفدى منه وغنما ما يجدى. ومن تزوج الغنية كان له منها خمس مغالاة في الصداق وتسويف الزفاف ووفور النفقة وفوت الخدمة ولم يقدر على طلاقها لذهاب المال معها. وقال بعضهم لم يبق في الدنيا شيء أستلذه إلا ملاقاة الأخوان وشم الصبيان والخلوة بالنسوان، وإن محل الزوج من المرأة محل ليس لأب ولا ولد. ويروى أن حمنة بنت جحش جاءها نعي أبيها فقالت: إنا لله، ثم جاءها نعي أخيها فقالت: إنا لله، ثم جاءها نعي ابنها فقالت: إنا لله، ثم جاءها نعي زوجها فقالت: واحزناه فبلغ ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال إن للزوج من المرأة موقعا. وفي الخبر تزوّجوا النساء يأتوكم بالأموال وقال تزوجوا الشواب منهن فإنهن أشد ودّا وحياء، وشباب النساء ما بين خمس وعشرين إلى ثلاثين ومن الثلاثين إلى الأربعين مستمتع فإذا اقتحمت العقبة حسكت. وسئل لقمان عن النساء فقال عليك بالبادنة الحمراء يعني الجارية الحمراء
(1/397)

وإياك وما دنس وأحب الرجال إلى النساء أشبههن خدودا بالنساء يعني المرد. وقيل الشاب العروس ملك سبعة أيام وقال صلّى الله عليه وسلم ثلاث فاتنات: الوجه الحسن والشعر الحسن والصوت الحسن. وسئل ابن المهدي عن تسمين المرأة فقال لا بأس ما لم تفسد الطعام أو تتقيأ. وقيل إذا كان لأجل الزوج يجوز بإذنه وفي الخبر طعام العروس فيه مثقال من ريح الجنة والله تعالى أعلم.
(الباب الثاني في صفات المذمومات منهن والعقيم)
قال صبية سوداء ولود خير من حسناء عقيم وتقول العرب لا تنكحوا من النساء ستا: أنانة ولا منانة ولا حنانة ولا حداقة ولا براقة ولا شداقة. أما الأنانة فالتي تكثر الأنين والتشكي وتعصب رأسها فنكاح المتمرضة لا خير فيه والمنانة التي تمن على زوجها وتقول فعلت لأجلك كذا وكذا والحنانة التي تحن إلى زوج آخر أو إلى ولدها من زوج آخر والحداقة التي ترمي بحدقتها إلى كل شيء فتشتهيه وتكلف الزوج شراءه والبراقة لها معنيان إحداهما إنها لا تزال طول النهار في تصقيل وجهها والثاني أن تغضب على الطعام فلا تأكل إلا وحدها وتستقل نصيبها من كل شيء، هذه لغة يمانية برقت المرأة إذا غضبت والشداقة كثيرة الكلام. وفي الخبر
(1/398)

لا تنكحوا أربعا: المختلعة والمبارية والعاهرة والناشزة. أما المختلعة فالتي تطلب الخلع كل ساعة من غير سبب والمبارية المباهية لغيرها والعاهرة الفاسقة المعاشرة لغير حليل وخدن والناشزة التي تعلو على زوجها في الفعال والمقال. وثلاث خصال في الرجال مذمومة وفي النساء محمودة: الكبر والجبن والبخل فإن المرأة إذا كانت بخيلة حفظت مالها ومال زوجها وإذا كانت متكبرة استنكفت أن تكلم أحدا وإذا كانت جبانة خافت من كل شيء فلا تخرج من بيتها. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من المرأة السوء فقال مثل صاحب المرأة السوء مثل رجل فوق قصر وعليه ثلج وبرد وليس له من سلم أن أقام عليه مات وإن وقع هلك ومثل امرأة السوء مثل حية في رقبتها طوق من ذهب. وقال لقمان لإبنه كيف وجدت أهلك قال خير النساء إلا أنها امرأة سيئة الخلق، فقال فارقها فإنها لا حيلة لها (فصل) اعلم أن المعتقدات لمذهب الإباحية لا يحل نكاحهن وكذلك معتقدة مذهب فاسد مثل المرتدة والباطنية والحلولية لا يحل نكاحها وقد نهى عن التزويج بالمرأة التي تريد الأمر إليها دون زوجها.
وسأل النعمان طبيبه عن السوأة السوآء والداء العياء فقال المرأة التي تعجب من غير عجب وتغضب من غير غضب إن كان مكثرا لم ينفعه ماله وإن كان مقلا عيرته بالفقر. فتلك
(1/399)

التي أراح الله منها بعلها وضيق عليها قبرها. وأما الداء العياء فالشاب القليل الحيلة اللزوم للحليلة إن غضبت ترضاها وإن رضيت فداها فلا كان ذلك في الأحياء. وجاء حسان بن عطية إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن لي امرأة وإنها أحسن الناس وإنها لا ترد يد لامس قال طلقها قال فإني أحبها قال فإذا أمسكها؛ واختلفوا في معناه فقيل إنها كانت مسرفة تبذل ماله. وقيل كانت فاجرة وعليه يدل قوله صلوات الله عليه احفظها لئلا يتبعها قلبه فتتوق نفسه إلى حرام وكل من أحس من زوجته بمحظور يجب أن يزجرها وإن أطاق أن يطلقها فذلك الدين القويم وإن كان يحبها فليحفظها لئلا يقع في حرام بعد طلاقها. وقال صلّى الله عليه وسلم إذا أراد أحدكم أن يتزوج امرأة فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم، أي يؤلف من وقوع الأدمة على الأدمة وهي الجلدة الباطنة، وقال عمر رضي الله عنه إذا أراد أحدكم خطبة امرأة فليطل النظر فإنما هو مشتر. وقيل كل نكاح من غير نظر فإنما آخره غم وحزن، وفي بعض الكتب كل من تزوج من غير هوى حزن إلى يوم القيامة. وقال رجل يا نبي الله إني أريد أن أتزوج فادع الله أن يرزقني زوجة صالحة، فقال لو دعا لك جبريل وميكائيل وأنا ما تزوجت إلا المرأة التي كتب الله لك أن تتزوجها، يقال البكر لك لا عليك وأما
(1/400)

الثيب فلك وعليك. وأما التي لها أولاد فعليك لا لك (حكاية) رجل من بني اسرائيل حلف أن لا يتزوج حتى يستشير مائة رجل فسأل تسعة وتسعين ثم قال غدا أسأل أول من لقيني فرأى رجلا راكبا على قصبة فاغتنم وقال: إنا لله!! مجنون كيف أسأله!؟ ثم قال: أسأله، فسأله فقال: البكر لك والثيب عليك وذات الولد فلا تقربها ثم قال ما أنا بأحمق ولكن تحامقت حتى أخلص من شرهم، والله تعالى أعلم.
(الباب الثالث في وقت النكاح وعقده)
سئل سفيان بن عيينة عن وقت النكاح فقال: الليل، ألم تسمع قول الله تعالى وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً
ووصف النهار بالنشور فقال تعالى وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً
وقال صلّى الله عليه وسلم: زفوا بالسحر وأطعموا بالضحى، وقالت عائشة رضي الله عنها تزوجني رسول الله صلّى الله عليه وسلم في شوال ودخل بي في شوال فأي نسائه أحظى عنده!؟ مني، وأما كراهة العامة النكاح في شوال فباطل من أخلاق الجاهلية يقولون إنه يشول بالمرأة فعافته الجهال. وقال ابن عباس يوم الأحد يوم عرس وبناء ويوم الأثنين يوم السفر ويوم الثلاثاء يوم الدم ويوم الأربعاء لا أخذ ولا عطاء ويوم الخميس يوم الدخول على الملوك ويوم الجمعة يوم تزويج ونكاح ويوم السبت مكر وخداع.
(1/401)

(الباب الرابع في آداب الجماع)
الشهوة تنبعث من اللمس والنظر والمداعبة فينبغي له أن يداعبها ويجاذبها ويقبلها ويعانقها ثانيا ثم يباشرها ثالثا، وفي الخبر لا يقعن أحدكم على أهله كما تقع البهيمة ولكن يقدم رسولا يعني قبلة ولمسا وإذا قضى أحدكم حاجته منها فليصبر حتى تقضي حاجتها منه ويقول بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ويستر نفسه وزوجته بدثار ولا يجامع في ثلاث ليال في أول الشهر وفي ليلة النصف وفي آخر الشهر، قيل إن الشيطان يحضر جماعه وقيل إن الشياطين يجامعون في هذه الليالي، وأولى الأيام بالجماع يوم الجمعة ولا يجامع في أيام الحيض فإن فعل خاطئا يستغفر الله تعالى وإن فعل معتقدا جوازه كفر ولا يعود، ويستعمل الطيب والروائح الفائحة لئلا تصير المرأة نافرة ويقصر شاربه لئلا تتضرر به (فرع) والعزل ليس بحرام ومعنى العزل أن يحفظ ماءه عن الإنزال وقت المباشرة فإن ترك النكاح ليس بحرام فالعزل لا يزيد على عدم النكاح، ولا وطء في حالة الحيض لئلا يكون الولد مجذوما (قاعدة) يجوز للرجل النظر إلى جميع بدن المرأة وكذلك المرأة من الزوج ولكن يكره النظر إلى الفرج والله أعلم.
(1/402)

(الباب الخامس في قدر ما تصبر المرأة عن زوجها)
اعلم أن غاية ما تصبر المرأة عن زوجها أربعة أشهر فما فوق ذلك ينفد صبرها وتخون زوجها. ولهذا ترى نساء الغائبين مائلات إلى الفسق لغيبة أزواجهن وتعطيلهن إياهن وأصل ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس ذات ليلة فسمع امرأة تقول:
ألا طال هذا الليل وازورّ جانبه ... وأرقني أن لا خليل ألاعبه
فو الله لولا الله لا رب غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يكفني ... وأكرم زوجي أن تنال مراكبه
فلما أصبح سأل عنها قالوا فلانة بنت فلان زوجها غائب فذهب إلى ابنته حفصة وقال يا بنية أنت زوج النبي صلّى الله عليه وسلم وأوثق نساء العالمين في نفسي وأني جئتك لأسألك عن مسألة من أمور المسلمين فلا تستحي مني وأصدقيني كم تصبر المرأة عن زوجها؟ قالت أربعة أشهر، قال وخمسة؟ قالت وخمسة، قال وستة؟ قالت لا إلا بمشقة، فأرسل إلى المرأة القائلة
(1/403)

امرأة لتكون معها وكتب إلى أمراء الأجناد أن لا يغيبوا رجلا فوق أربعة أشهر فينبغي لكل أمير أو وزير أن يحفظ هذه القاعدة والله أعلم.
(الباب السادس في شكايات النساء والفرض لهن)
جاءت امرأة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقالت يا أمير المؤمنين هل لك في امرأة لا أيم ولا ذات بعل؟ فعلم ما تعني فقال لزوجها وهو شيخ أما تسمع ثم قال، ولا في السحر قالت لا قال هلكت وأهلكت، قالت ما تأمرني؟ قال آمرك بتقوى الله والصبر، لا أحب أن أفرق بينكما وجاءت امرأة أخرى إلى عمر رضي الله عنه فقالت يا أمير المؤمنين ما تقل الأرض وما تظل السماء رجلا خيرا من بعلي يصوم النهار ويقوم الليل فقال عمر رضي الله عنه لقد أحسنت الثناء فقال كعب بن سور: يا أمير المؤمنين لقد اشتكت فأعرضت الشكاية ثم قضى بينهما؛ وجاءت امرأة رفاعة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإني تزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وفي رواية ما لي إليه من ذنب إلا أن ما معه ليس بأغنى عني من هذه وأخذت هدبة من ثوبها فقال كذبت يا
(1/404)

رسول الله إني لأنفضها نفض الأديم ولكنها تريد رفاعة؛ وشكت امرأة من زوجها إلى عمر رضي الله عنه فقالت ما معه ما مع الرجال قال عمر اسمع ما تقول، قال يا أمير المؤمنين معي ما يمسك العائق ويحنك التائق قال ومن يعلم ذلك؟ قال عشيرتي، فسألهم فقالوا: ولد له، فقال انطلق بامرأتك قاتلك الله ما تريدين إلا أن يكون معه مثل العير.
وفي رواية: يا أمير المؤمنين أما ما يكفي العائق ويفتق التائق فمعي وأما مثل العير فليس معي، قال انطلق فإن هذا أمر أحب إلى إحداهن من الجنة (شكاية) أتت امرأة إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما فقالت إن زوجي لا يدعني حائضا ولا طاهرا فقضى بينهما ابن الزبير أربعة بالليل وأربعة بالنهار فقال الرجل: تمنعني عما أحله الله لي؟ قال نعم إذا أسرفت. وفي رواية فرض عليها في كل يوم وليلة سبع مرات فلما انصرفت حاضت فلم تطهر إلا بعد سبعة أيام فأتاها في تلك تسعا وأربعين مرة فغدت على ابن الزبير فقالت أصلح الله الأمير إن زوجي جاوز فرض الأمير فأحضره، فقال استوفيت منها فرض الأمير فاستلقى ابن الزبير ضاحكا. وجاءت امرأة إلى أنس تشكو زوجها من كثرة الجماع ففرض له بستة، وفرض أبو حنيفة بأربعة في كل ليلة ويستحب أن يطأها في كل أربع ليال ومناسبة ذلك أنه
(1/405)

يملك أربعا من الحرائر فتنتهي نوبتهن في أربع ليال والله أعلم.
(الباب السابع في الغيرة وحكم المقذوفة بالفجور)
اعلم أن الغيرة من الإيمان ومن لا غيرة له لا دين له والديوث لا يدخل الجنة. الفرس يغار على جنسه فتبا للذي لا غيرة له ونكاحه مشوب ونسبه غير طاهر نعوذ بالله، ولا يجوز لأحد أن يدخل الأجانب على نسائه وبناته فإن خلون بهم مع علمه فهو الديوث المستحق للذم وأول باب من أبواب الإباحة عدم الغيرة. وإن الجنة حرام على الديوث والبخيل. قال وهب: الرجل إذا رأى على أهله سوأ فلم يغر على ذلك بعث الله طائرا فيقف على طرف بابه الأعلى أربعين يوما فإن غار وأنكر طار وإن لم يغر جاء يضر به بجناحه على عينه فلو رأى على بطن أهله رجلا لم ينكر ولم يغر على ذلك فذلك الفندع الديوث الذي لم ينظر الله إليه (فصل) المرأة إذا زنت لا يبطل النكاح بينها وبين زوجها عند جميع الفقهاء سوى مذهب عليّ كرم الله وجهه والحسن البصري رحمه الله فإنهما قالا ينفسخ النكاح بينهما ولهما كلام لو ذكرته لطال الكتاب. فقلت أبشروا نساء الروافض (فائدة) لو وجد رجلا أجنبيا مع زوجته يفجر بها فإن قتله
(1/406)

يقتله الشرع وإن سكت يسكت على غيظ وإن ذهب في طلب الشهود فيفرغ اللكع ويذهب. فما حيلة المسكين (وسئل) رضي الله عنه عن هذه المسألة فقال عليه البينة وإلا فليغط برمته وهذه رحمة لأمة محمد صلّى الله عليه وسلم فإنه لو جوّز قتله من غير بينة لقتل كل من شاء ما شاء من حميمه وعدوّه من الناس ويتعلل بالزنا ويجني عليه بالفجور فيؤدي إلى الهرج والفساد (سئل) الأوزاعي في رجل اطلع على امرأته بالزنا أيصلح له امساكها قال: لا يحرم امساكها. وقال أبو قلابة إذا اطلع الرجل من امرأته على الزنا أيصلح له امساكها على فاحشة؟ قال لا بأس أن يضاروها ويشق عليها حتى تختلع منه تم الكتاب بحمد الله تعالى.
كتاب في السلطان
وفيه عشرون بابا
(الباب الأول في بيان حاجة الإنسان إلى السلطان)
اعلم أن السلطنة والإمامة من مهمات الدين وقد يتعين في رجل فيتقدم على نوافل العبادات فبقاء الدنيا ونظام الدين بالسلطان فما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن ولله حارسان في الأرض وفي السماء يحرسان الخلائق فحارسه في السماء الملائكة وحارسه في الأرض الملوك وسر هذا أن الآدمي جبل مدني الطبع بلدي المأوى لا بد له من مطعم
(1/407)

وملبس ومسكن ولا يتأتى المطعم والمسكن إلا بالصناعات إذ الصناعات وسائل إلى الحاجات فقيل أهم الصناعات ثلاثة الحراثة والنساجة والتجارة ثم تفرعت من هذه الثلاثة عدة أشياء كحداد وغزال وحلاج واسكاف فاختلفت مقاصدهم وأغراضهم وامتدت أطماعهم إلى ما في أيدي الناس ولم يرضوا بالعدل والإنصاف فلأنفسهم كانوا ينظرون فإذا أخذوا يستوفون وإذا أعطوا يخسرون وينتصفون ولا ينصفون لأنه مطبوع على الشح والجبن والحرص والكبر، فاحتاجوا إلى واحد يدفع الظالم عن المظلوم والقوي عن الضعيف فقيل لا بد من سلطان في كل زمان ليعمل بالعدل والإحسان وينهى عن البغي والعدوان إذ العدل ميزان الله تعالى وضعه للإنسان. فقال تعالى وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ
فإذا عرفت أنه لا بد من سلطان ورئيس وأعوان فلا بد من العلماء لتقرير الحجج والبيان وقمع المبتدعة والباطنة أهل الزيغ والطغيان إذ السلطان لا يعرف مقادير الحقوق فلهم أيد باطشة ولا بد من بصيرة نافذة فاحتاجوا إلى العلماء ضرورة. فقيل العلم والسيف توأمان والملك والدين اخوان فهل من سامع لهذا الغريب والترتيب العجيب؟ فقيل الله الفرد الجواد الواحد ونظام العالم بالإزدواج ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون
(1/408)

فقيل لا بد من الإزدواج ليكمل أمر هذا العالم فالتوأمان لا يصلح أحدهما إلا بصاحبه ولا غنى لأحدهما عن الآخر فقيل الدين أس والملك حارس وما لم يكن له أس فمهدوم وما لم يكن له حارس فضائع وعند هذا يلوح لأعلام العلماء سر قول النبي صلّى الله عليه وسلم: إثنتان لو صلحا صلح الناس كلهم الأمراء والعلماء فلما كانت مراتبهم علية ومقاماتهم سنية لا جرم كانت أخطارهم عظيمة وطاعاتهم مفترضة. فأنزل الله تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
يعنى العلماء وفي قول الأمراء. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم اللهم ارحم خلفائي فقيل من هم يا رسول الله قال العلماء وقال من أكرم العلماء فقد أكرم الله ومن أهان السلطان فقد أهان الله تعالى وإن لله تعالى أمر بالعدل والإنصاف دون الظلم والإعتساف فمن فعل ذلك فقد فاز فوزا عظيما ومن أبى واعتدى فقد هلك وأودى ولا يحزنك دم أراقه أهله إلا أن يغير الله ما يفعلون وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
(الباب الثاني في فضيلة السلطان)
اعلم ان الله تعالى قال أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
قال المفسرون أراد به الأمراء والملوك.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: الإمام منكم بمنزلة الوالد فلا تضربه إن
(1/409)

ضربك ولا تسبه إن سبك وقال لمعاذ: أطع كل أمير وصلّ خلف كل إمام ولا تسبن أحدا من أصحابي. وقال: السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم من عباده فإذا عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر. وإذا جار كان عليه الإثم وعلى الرعية الصبر؛ وقال: يا أبا هريرة عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة. قيام ليلها وصيام نهارها يا أبا هريرة جور ساعة في حكم الله أشد وأعظم عند الله من معاصي ستين سنة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
قال: لولا السلطان لأكل الناس بعضهم بعضا ولولا العلماء لصار الناس كالبهائم. وقال الله تعالى: لا إله إلا أنا قلوب الملوك بيدي فأي عباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة وأي عباد عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب ولا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع أكفكم أمر ملوككم. وعن بعضهم ان لله تعالى حراسا فحراسه في السماء الملائكة وحراسه في الأرض الذين يأخذون الديوان. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: من أكرم سلطان الله فقد أكرم الله ومن أهان سلطان الله فقد أهان الله تعالى (فصل) اعلم أن السلطنة من مهمات الأمور ومهمات الإسلام
(1/410)

والسلطنة تلو الخلافة وأخوها والخلافة تلو النبوة ولا قوام للدين إلا بإمام مطاع يقيم الحدود يؤمن السبل ويستوفي الحقوق ويوصلها إلى مستحقيها والخلافة واجبة شرعا. وقال قوم واجبة عقلا؛ والسلطنة والإمامة قد تكون من فروض الكفاية وقد تتعين في بعض المواضع فتتقدم على نوافل العبادات، والسيف والقلم توأمان وهما رضيعا لبان وفرسا رهان لا قوام لأحدهما إلا بالآخر فمن أطاع السلطان فقد أطاع الله ومن أهانه فقد أهان الله، عرفه من عرفه وجهله من جهله. والله تعالى أعلم.
(الباب الثالث في خطر السلطان)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: يؤتى بالوالي يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه حتى يبطح على جسر جهنم فإن كان أطاع الله تعالى في حكمه رفعته الملائكة بناصيته إلى منابر من نور تحت العرش فيشفع في اثنين وسبعين من أهل بيته وإن كان عصى الله تعالى في حكمه انحرف به ذلك الجسر حتى يهوي في نار جهنم سبعين خريفا حتى يكون في جب قد حمي منذ خلق الله السموات والأرض فيه حيات وعقارب كأمثال البخت العظام في ناب كل حية وفقار كل عقرب ثلاثمائة قلة من السم وستون قلة. لو أن قلة وضعت على الدنيا لذابت كما يذوب
(1/411)

الرصاص ولا يزال فيما بينهم ما دامت السموات والأرض؛ واعلم أن خطر الولاية عظيم وسكرها مر شديد والسلطان إذا جلس في الديوان فهو بين الجنة والنار على شفيرها فإما إلى الجنة أو إلى النار وذلك أن السلطان والوزير لم يقل لهما أحكما بما شئتما وافعلا ما هو يتما بل قيل للسلطان انصر دين الله واحكم بأمر الله وخالف هواك وأطع مولاك. وهذا سر قوله صلّى الله عليه وسلم: من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين ومعناه أنه أمر أن يحكم على خلاف هواه وطبعه ودون غلبانه القتاد والخرط ولا يمكنه ذلك حتى يلج الجمل في سم الخياط والسلطان إذا أصبح فهو مطالب بمطالبات كثيرة قد احتوشته الخصوم فالله تعالى يقول فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
وقال وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
فلا تغفل اعدل في دين الله والهوى، والنفس يقولان لا تبع النقد بالنسيئة فلعلك لا تبلغ الأمنية وتخترمك المنية، إعط نفسك مناها ولا تخالفها في هواها والله يطالبه بحقه والرعية تطالبه وعياله تطالبه بحقوقهم وأولاده يطالبونه بالحقوق وملك الموت يطلبه والدنيا تفتنه والشيطان يضله والكافر يبغضه والمؤمن يحسده فأين الخلاص ولات حين مناص، وفي الخبر قال الصديق رضي الله عنه: أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك يزهد ما في يده ويرغب فيما في يد رعيته فيحسد على
(1/412)

القليل ويتسخط الكثير، لا يثق بأحد، يحاسبه الله أشد الحساب إلا إن الأمراء هم المرجمون إلا من آمن بكتاب الله وعمل به.
(الباب الرابع في الأوصاف الموجبة للسلطنة والإمامة)
وهي سبعة فكل سلطان وإمام ووزير ورئيس تكون فيه هذه الخصال فأهليته متكاملة وسلطنته مستحقة ومن اختل فيه وصف من هذه الأوصاف فلا يصلح لهذا الأمر: حفظ الدين والمذهب والثاني حفظ البيضة والثالث حفظ عمارة البلدان والرابع مقامات المظالم والخامس تقرير الأموال بحسن الجباية والسادس إقامة الحدود والسابع اختيار العمال فإذا فعل ذلك كان مؤديا لحق الله تعالى ومن قصر فيه كان عاصيا فيجب أن يحفظ الدين والمذهب عن التبديل والتغيير ويزجر المبتدعين ويحفظ حدود الإسلام وعمارة البلدان إذ لا بقاء للناس إلا بالعمارة، ويجلس للمظالم فيأخذ للضعيف من القوي ويقيم الحدود لتبقى النفوس والأموال مصونة ويختار العمل فلا يولي أحدا لا يكون أهلا للولاية فإنه مسئول عن معاملة عماله فيا سعادة من كانت فيه هذه الأوصاف؛ وسئل ذو القرنين عن المعاني التي بها أساس الناس فقال: ثمان خصال لم أهزل في أمر ولا نهى قط ولا أخلفت
(1/413)

وعدا ولا وعيدا قط ووليت أهل الكفاية وأتيت على التقوى لا على الهوى وعاقبت للأدب لا للغضب وأودعت قلوب الرعية المحبة من غير جناية والهيبة من غير صنيعة وعممت بالقوت ومنعت الفضول، والله تعالى أعلم.
(الباب الخامس في الأسباب المانعة للسلطنة)
قلة المبالاة في الدين والمذهب والجنون والغفلة وعدم الرأي والقحة والتلجلج، وكان الفرس متى رأوا من الملك قحة وتلجلجأ وانهماكا في الخمر والزمر عزلوه وقيل كل ملك يكون فيه خمس خصال فلا يصلح للملك، لا ينبغي أن يكون كذابا لأنه إذا كان كذابا فإذا وعد بخير لم يفرح به أو وعد بشر لم يخف منه ولا ينبغي أن يكون بخيلا إذ لا يناصحه أحد ولا يبذل المال للعسكر فلا تصلح الولاية إلا بالمناصحة ولا ينبغي أن يكون حديدا فإنه إذا كان حديدا مع القدرة هلكت الرعية ولا ينبغي أن يكون حسودا فإنه لا يشرف أحدا ولا يصلح الناس إلا على أشرافهم ولا ينبغي أن يكون جبانا فيجترىء عليه عدوه ويملك ثغوره والله تعالى أعلم.
(الباب السادس في أحكام تجب على الملوك)
اعلم أن الناس في التكليف على ثلاثة أصناف
(1/414)

والتكليف ثلاثة أنواع، فنوع منها يجب على كافة الخليقة مثل الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر فهذا يجب على السلطان والأنبياء والأولياء والعلماء والعوام والأمراء، يجب على كل واحد الإقرار بالإيمان والأعيان وباقي الفروض (نوع آخر) من التكليف يجب على العلماء دون السلاطين والملوك والعوام وذلك مثل معرفة الحلال والحرام والتبحر في الأحكام ومعرفة أصول الشريعة وفروعها ومعرفة السنن والمسانيد وحفظ الشريعة والرد على المبتدعين وتعظيم الشريعة في أعين العوام وتبجيل أهلها ودفع شبه الملحدين والمبتدعين وكشف حيلهم. هذا يجب على العلماء فرض كفاية لا فرض عين إذا تولى القيام بها البعض سقط عن الباقين (ونوع آخر) يجب على الملوك والوزراء ولا يجب على العلماء والعوام وذلك مثل إقامة الحدود واستيفاء القصاص وأمن السبل على المسافرين واستيفاء حقوق المسلمين من المعاندين ونصرة المظلومين واستيفاء حق الفقراء من الأغنياء من وظيفة الزكاة، هذه الحقوق وما ضاهاها يتعين على الملوك استيفاؤها وأداؤها ومن أعرض عنها صفحا عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا
وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً
وينبغي للسلطان أن يتخذ وزيرا يكون سفيرا بينه وبين رعيته يرجع إليه في المهمات
(1/415)

ويزيد الوزير في تعظيمه وإقامة ناموسه لتعظيم أبهة الرئاسة في نفوس الناس ويترفع الوزير عن الأمور الجزئية فلا يبيع ولا يشتري بنفسه ولا يباسط الناس كل المباسطة ولا ينقبض كل القبض ولكن خير الأمور أوساطها ويميز مركب السلطان والوزير وكرسيه ومجلسه وكل شيء عن الرعية، ويجب أن يكون الوزير حسن الإعتقاد حسن السمت ولله العظمة والكبرياء والقدرة والجبروت.
(الباب السابع في قضية عدل السلطان)
اعلم أن السلطنة بوصف العدل سعادة عظيمة وبوصف الجور شقاوة عظيمة ما فوقها شقاوة. وقال صلّى الله عليه وسلم: عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة وجور ساعة شر من معصية ستين سنة، والسلطان العادل يكون يوم القيامة في ظل العرش ودعاء السلطان العادل مستجاب والنظر في وجهه عبادة وحديثه شفاء وكلامه دواء، وأنا أستحي من الله ومن عدل السلطان، أين العدل وأين الحق ذهب الناس وبقي النسناس.
وفي الخبر قال ابن عباس رضي الله عنهما، السلطان عز الله في أرضه فمن استخف به ونالته مذلة فلا يلومن إلا نفسه ومن استخف بالسلطان فسد دينه. قال: قال أبو شروان لوزيره بزرجمهر: ما الشيء الذي يعز به السلطان؟ قال الطاعة، قال
(1/416)

فما سبب الطاعة، قال التودد إلى الخاصة والعامة. وفي الخبر ما من يوم يصبح فيه الوالي إلا تقوم الملائكة على يمينه والشياطين على يساره فتقول الملائكة اعدل اقض بالحق حتى تنجو من النار وتدخل الجنة بسلام، إن عدلت نجوت وإن جرت هلكت، وتقول الشياطين لا تبع النقد بالنسيئة واغتنم عاجلة السرور واقض شهوة الدنيا، فإن أخذ بقول الملائكة فقد نجا وإن أخذ بقول الشياطين فقد هلك، وفي رواية إن عدل يظهر الرخص والبركة في ولايته وعمره وإن جار يظهر القحط والغلاء في ولايته، وقد قال بعض العلماء إنما يستحق السلطان السلطنة إذا عدل، فأما إذا جار فهو متغلب جبار. قال زياد: الإمارة في ثلاث خصال شدة في غير إمساك ولين في غير اهمال والسخاء والعدل يوجب البركة والجور يمحق العمر. قال موسى صلوات الله عليه: يا رب أمهلت فرعون حتى ادعى الالهية. قال يا موسى إنه كان يعمر بلادي ويؤمن عبادي فقد أخبر سبحانه وتعالى أنه طول عمر فرعون لأجل عدله واعلم أنه لا سلطان إلا برجال ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا بعمارة ولا عمارة إلا بالعدل وحسن السياسة. وفي وصايا الإسكندر: املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها واعلم أن الرعية إذا قدرت أن تقول قدرت أن تفعل فاجهد أن لا تقول تسلم من أن
(1/417)

تفعل وأكيس الملوك من قاد أبدان رعيته إلى طاعته بقلوبها.
قال زياد: سس خيار الناس بالمحبة وامزج للعامة الرهبة بالرغبة وسس سفلة الناس بالإخافة: وقال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إن هذا الأمر لا يصلح له إلا اللين في غير ضعف والقوة من غير عنف. وقال معاوية: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني وقيل لملك: ما السياسة؟ فقال: هيبة الخاصة مع صدق مودتها وإخافة قلوب العامة بالإنصاف لها واحتمال هفوات الصنائع، كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى إذا عرض لك أمران أحدهما لله والآخر للدنيا فآثر نصيبك من الله فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى وأخيفوا الفساق واجعلوهم يدا يدا ورجلا رجلا وعد مرضى المسلمين وافتح بابك وباشر أمورهم بنفسك فإنما أنت رجل منهم غير أن الله تعالى جعلك أثقلهم حملا فإياك أن تكون بمنزلة البهيمة مرت بواد خصب فلم يكن لها هم إلا السمن وإنما حتفها في السمن واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته وأشقى الناس من شقيت به رعيته. يقال شرار الأمراء أبعدهم من القراء وشرار القراء أقربهم من الأمراء (حكاية) داود بن عباس كان أميرا موصوفا بالعدل فأصابه القولنج فرفع رأسه إلى السماء، فقال يا رب إن كنت تعلم أني أمد عمري ومدة إمارتي
(1/418)

تعاطيت حراما أو أخذت من رعيتي درهما حراما فلا تفرجني من هذا البلاء وإن كنت تعلم أني لم أطف حول الحرام ففرج عني فقام من مرضه كأنما نشط من عقال هذه المكارم، لا قعبان من لبن، فأين سلاطين زمانك قل لهم اذهبوا وتقعقعوا (حكاية) كتب بعض الأمراء ثلاث رقاع وأعطاها لغلام له وقال متى رأيتني أغضب فناولني هذه الرقاع فكان مكتوبا بأعلى احداها اكظم غيظك فإنما أنت مخلوق ولست بخالق، وعلى الثانية: ارحم عباد الله يرحمك الله، وعلى الثالثة:
اعدل فإن الله أمرك بالعدل ويطلب غدا منك العدل والعدل ميزان الله تبارك وتعالى في أرضه وبالعدل قامت السموات والأرض فلنمسك عنان القلم فإنه باب لا غاية له والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
(الباب الثامن في آفات جور السلطان)
قال الله تعالى أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: الظلم ظلمات يوم القيامة. وقال: جور ساعة أشد عند الله من معصية ستين سنة. وتفسيره أن معصية العصاة لازمة لهم لا تتعدى عنهم وظلم الظالم يلزم الرعية ويتعدى عنه فيدخل كل دار وبيت ظلمه ولهذا اشتدت عقوبته فلينصف الظالمون من أنفسهم فالنبي صلّى الله عليه وسلم قابل جور
(1/419)

ساعة بمعصية ستين سنة فكيف حال من ظلم جميع عمره ويل له قال الله تبارك وتعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
قال الحسن رحمه الله: هذا لمن طفف المكيال والميزان فما ظنك بمن أخذ ماله وأخرب داره وأوجع ظهره فيا معشر الظالمين الإعتبار ويا معشر الخاسرين الإعتذار. قال بعض أهل التجارب: الملك إذا أحسن النية ونوى العدل يظهر ذلك في مملكته فيمكث الرخص والسعر، وإن نوى الظلم فقد جاء القحط والغلاء والبلاء في بلاده. وقال بعض العلماء: الزرع من وقت البذر إلى أول الحصاد أو ان ثمانين آفة وأعظم آفة فيها جور الولاة، قيل من قتل أربعين حيوانا قسا قلبه فما ظنك بمن قتل أربعين مسلما بل أربعمائة (وههنا دقيقة) وهي أن القتل الحكمي أشد وأصعب على الآدمي من القتل الحسي فمن قتل ساعة فيألم ساعة ويستريح. ومن أوجع ظهره وسلب ماله وأيتم أولاده وأفقر بعد الغنى وأذل بعد العز فقد قتل قتلات وله في كل نفس حسرات، وفي الخبر أيما وال مات على نية الظلم حرم الله تعالى عليه الجنة وينادي مناد يوم القيامة يا رعاة السوء أمرتكم بنصرة المظلوم ودفع الظلوم وإشاعة العدل فأفقرتم الأغنياء وضيعتم الفقراء والمظلومين وجمعتم الدراهم والدنانير وعزتي وجلالي لانتقمن منكم اليوم فويل لمن شفعاؤه خصماؤه. قال فضيل بن عياض عمارة العالم بأربعة
(1/420)

نفر فمتى صلح هؤلاء صلح الناس ومتى فسدوا فسد الناس وهم العلماء والأغنياء والأمراء والغزاة فالعلماء يعرفون الحلال والحرام فإذا لم يعملوا بالعلم ضل العوام وأضلوا، يعتقدون الشبهة حلالا والحرام مباحا فيضلون من حيث لا يشعرون، والأغنياء أمروا بايفاء الزكاة فإذا ظلموا وجاروا وأمسكوها تضيع الفقراء، والأمراء للعدل والإنصاف فإذا ظلموا وجاروا فقد خربت البلاد وفسد العباد وظهر الفساد، والغزاة للجهاد فإذا تركوا الجهاد فيجترىء العدو، والروم إذا نفروا غزوا، فبشروا يا معشر العقلاء السلطان العادل بطول البقاء ودوام العز في الدنيا والآخرة وبشروا الظالم بنقصان العمر والخسارة في الدنيا والآخرة ولولا خشية الملال لأطلتها ولكن اللبيب يكفيه إيماء ويغنيه انحاء وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
(الباب التاسع في بيان عفو السلطان)
واعلم أن قضية العقل وقضاء الشرع يقضيان أن يكون ميل السلطان إلى جانب العفو أكثر منه إلى جانب العقوبة لأنه قادر لا يعجزه شيء في وقت دون وقت والعفو من شيم الكرام، ولم يذكر أحد في هذا العالم بسوء السيرة ولم ينشر صيت سلطان بالظلم والجور بل انتشر الذكر وارتفع الصيت
(1/421)

بالعفو والغضب غول العقول فمن غضب في جميع حالاته فهو مثل الشياطين، ومن عفا وأصلح فهو شبيه بالأنبياء والملائكة أما أهل الحسب والشرف فلا يغضبون إلا في موضعه والعفو سبب الرحمة، وفي الخبر إذا اصطفت الخلائق يوم القيامة ينادي مناد من الذي له حق على الله فليقم حتى يأخذ جزاء حقه. فيطرق الخلائق رؤوسهم ويقولون إن لله تعالى علينا حقوقا وليس لنا على الله حق فيكرر النداء مرات فلا يقوم أحد ثم ينادي المنادي من الذي عفا عن خصمه في الدنيا أو عفا عن غلامه أو جاريته قوموا فإذا علم الرعية أن الوالي حكيم فيبتغون طاعته ويرجعون إلى أمره وإذا علموا أنه حقود حسود يئسوا من عفوه فنفروا عنه وأخذوا في الشكاية، فقد جاءت الفتن فالفتنة نجوى ثم شكوى ثم بلوى ومن أنصف علم أن العفو واجب على الملوك والوزراء والرؤساء لأنهم إذا غضبوا ونفذ غضبهم لا يبقى من الرعية أحد وتفسد مملكته بل يعفو ويصفح. قال المأمون: لو علم الناس محبتي للعفو لما توسلوا إليّ إلا بالذنوب. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياك أن تعتمد على السلطان ما لم تجربه في حال الغضب ولا تمدحن أحدا في كمال دينه حتى تعاشره وتعرف سره في حال الطمع (فائدة) السلطان والوزير متى أخبرا بجناية أحد فيجب أن لا يعجلا
(1/422)

بالعقوبة بل يتثبتا ويتوقفا. قال الله تبارك وتعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا
من البيان وقرىء فتثبتوا من الثبات فقد يكون مكذوبا عليه إما لعداوة وإما لطمع أو لشهادة أو خطأ أو غلط أو لاشتباه حال وتردد فيبنى الأمر على اليقين لئلا يندم ولا يخجل فإنه إذا كان مستحق القتل فلا يفوته قتله إذ هو في قبضته وإذا قتله ثم بان خطؤه فلا يمكنه احياؤه وليبالغ في تعرف الأمر ولا يعوّل على قول العوام إلا ما شاء الله فقد قال الصاحب بن عباد: كنت أرجع من ديوان الإمارة بأصفهان إلى بيتي فرأيت رجلا والناس يطوفون حوله يقولون يجب أن يقتل فقلت: على ماذا يقتل؟ قالوا لا ندري ذلك ولكن يجب أن يقتل فتعجبت كل العجب منهم، والله أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
(الباب العاشر في بيان ذخائر السلطان)
اختلف الناس في خير ما يقتنيه السلطان فمن قائل كنوز الذهب والفضة، فقيل إن في ذلك الصيانة للعرض وقضاء الحقوق وصلة الرحم ومعونة على المعيشة غير أنهما حجران إن أمسكا بطل نفعهما. وقال آخر الضياع، فقيل صولة العدو غير مأمونة وأصحابها رهائن بها لا يستطيعون
(1/423)

أن يزيلوها. وقال آخر الغنم فإنها كثيرة الدر لسخالها وأصوافها غير أنها تقبل مع الخصب وتدبر مع الجدب. وقال آخر الإبل لأنها تؤدي رحالك وتحمل أثقالك ونسلها مال وألبانها عصمة غير أن ربها إن حضرها سرّ بها وإن غاب عنها ضيعها. وقال آخر الخيل فإنها حصون عند البلاء وزينة في حال السراء لكنها عيال ومال تحتاج إلى مال. وقال آخر الجواهر فإنها عيون رزينة الأثمان خفيفة لا تتغير في طباعها غير أنها عليها عيون لأعدائك وصيت يضر انتشاره عنك لا نفاق لها إلا على الملوك تكسد بكسادهم وتنفق بنفاقهم.
وقال آخر الرقيق فقيل قوة العضد وزيادة في العدد غير أنهم مال يأكل بعضهم بعضا إن أحسنت إليهم استنقذوك وإن قصرت بهم حاربوك، فقيل لهذا القائل أفدنا أيها الحكيم قال خير القنية العلم واعتقاد الأخوان الصالحين.
(الباب الحادي عشر في بيان الحكمة في قصر أعمار الملوك)
اختلف الناس في بيان هذه الحكمة فقال الأطباء سبب ذلك انحلال القوى الغريزية وانطفاء الطبيعة ونتيجة ذلك كله الإسراف في الأكل والجماع فمهما أسرف فيه الإنسان تضعف القوى الغريزية وتنحل الطبيعة فينطفىء الإنسان ولا يعجبني هذا القول فإنه قول بالطبع والطبيعة وهو
(1/424)

مذهب الدهرية وشتان بين الدهري والمحمدي ثم هذا كله باطل بالعرب فإنهم أكثر الناس نكاحا وأطولهم أعمارا ترى الأعرابي النضو النحيل كثير النكاح يمشي في ليلة وغدها خمسين فرسخا وزيادة ويعيش أحدهم مائة وعشرين أو ثلاثين سنة بل الذي يعتقد المسلم الحنيفي في هذا كله ما ذكره ابن رسول الله صلّى الله عليه وسلم جعفر الصادق رضي الله عنه فإنه لما سئل عن هذه المسألة فقال تقصر أعمار الملوك والسلاطين لثلاث معان: الأول بتجاوزهم في تعاطي الظلم والفساد وحكم الله تعالى أن الظالم قصير العمر وإن الظلم يمحق، والثاني أن الدنيا سجن المؤمن والله تبارك وتعالى يبغض الدنيا والملوك يعشقون ما بغضه الله تعالى ويواصلون ما هجره الله تبارك وتعالى فلا جرم يستأصلهم ويقول أنتم تحاربونني بالمكاشفة، والثالث أنه يكثر الدعاء عليه ودعاء المظلوم مستجاب واجتماع الهمم له تأثير عظيم وهو ترياق مجرب. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: الجماعة رحمة وما من جماعة الا وفيها رجل مستجاب الدعوة فإذا كثر ظلمه وتعديه فتعج الأرض إلى الله سبحانه وتعالى وتشكو منه العباد والبلاد فيهلكهم الله تعالى ومن لا يؤمن بهذا فليستأنف الإيمان فإن في هذه الأمة من تمطر السماء بدعوته وتنبت الأرض ببركته. وقد قال العلماء اجتماع الأصوات بصفاء النيات في بيوت العبادات
(1/425)

تحل ما عقدنه الأفلاك الدائرات. وقال قائلون أنه جمعت أرزاقهم فاستوفوها وتفرقت أرزاق الآخرين فلم يصيبوها فهؤلاء سومحوا في المهلة وأولئك عوجلوا واستؤصلوا والله أعلم (قول آخر) قصرت أعمارهم لقطيعة الرحم بقتل الإبن أباه والأخ أخاه ويقول الملك عقيم فقطع الله أعمارهم وقال:
قطع بقطع والبادي أظلم وإن عدتم عدنا. دليله قول النبي صلّى الله عليه وسلم: أشد الأشياء عقوبة قطع الأرحام والبغي على عباد الله وقول آخر: المؤمن بنيان الله والملوك يهدمون بنيان الله سبحانه وتعالى فيقبضهم الله تعالى ويقول هدم بهدم والبادي أظلم (قول آخر) قصرت أعمارهم عظة للعالمين وعبرة للمؤمنين فقد قيل من أعجب الأشياء موت الملوك وبقاء الفقير ليعلم الناس أن الموت لا دافع له وقضاء الله لا مهرب منه والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
(الباب الثاني عشر في بيان النهي عن الخروج على السلطان)
(اعلم) أن مذهب أهل السنة والجماعة لا يجوز الخروج على السلطان الظالم بكل حال بل يجب على الرعية طاعته وإن سامهم خسفا وكلفهم عنفا فلها ما كسبت وعليها ما
(1/426)

اكتسبت اللهم إلا أن يتظاهر بأمر يخالف دين الله سبحانه وتعالى أو حكم يخالف حكم الله تعالى فلا تجب طاعته وما سوى ذلك فالصبر إلى أن يزيل الله تعالى الدول والأيام فإن الله سبحانه وتعالى يمهل للإحتجاج وينظر للإستدراج، وأكثر المعتزلة والروافض والمشبهة يعتقدون جواز الخروج على السلطان والوزير فإذا أخذ ربع دينار ظلما لا يجوز عندهم طاعته وقلنا لا يجوز فإن في الخروج عليه فتنة عظيمة عامة فيحتمل الضرر في الأدنى لدفع الأعلى فسلطان تخافه الرعية خير للرعية من سلطان يخافها. يقال مثل قليل مضار السلطان والوزير في جنب منافعها كمثل الغيث الذي هو سقى الله وبركات السماء وقد يتأدى له السفر ويتداعى له البنيان ويكون فيه الصواعق وتدر سيوله فيهلك الناس ومثل الرياح يكون لقاحا للثمرات وتجري بها المياه ثم يشكوه منها الشاكون ولو كانت الدنيا كلها نعما وعوافي ومسار بغير ضرر لكانت الدنيا الجنة التي لا يشوب مسرتها كدر ويقال هموم الناس صغار وهموم الملوك كبار وألباب الملوك مشغولة بأيسر شيء فمؤنته عظيمة لا جرم أجره جسيم.
(الباب الثالث عشر في حكم قضية أمر السلطان والوزير)
إذا أمر السلطان وزيره والوالي عامله بأمر يكون على
(1/427)

خلاف الشرع فقد تعارض أمر المخلوق والخالق وأمر الله أحق والحق أحقّ أن يتبع ولا تجب طاعته بل يماري ويمارق ولا يفعل إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فإنه لا ينجيه رضا المخلوق من سخط الله عز وجل ولا يسقط عنه تكليف الله تعالى فإن خاف على نفسه من السلطان أن يقتله ومن عادته أنه متى خولف يقتل فينظر فإن كان قتلا لا يباح، ولو فعل ما يجب عليه القصاص فلا وإن كان غير ذلك فقيل يجوز والاثم والضمان عليه، والأصل في الباب أن العامل والجلاد المأمور متى علم أنه يقتله ظلما فلا يجب عليهم قتله فإن قتلوه ظلما بأمر السلطان فلا شيء على السلطان والوزير وعلى المأمور الكفارة والقصاص وورثة المقتول بالخيار إن شاؤا عفوا وإن شاؤا اقتصوا والعلة في هذا أنه أسخط الله سبحانه وتعالى برضا المخلوق وأطاع الأمير على معصيته وباع آخرته بدنياه فرد إليه كيده ونقض فعله وقيل له سلم نفسك للقصاص فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق وهذا لما أطاعه على المعصية وجب أن يعلق الأحكام برقبته والسر فيه أن السلطان والوزير قيل لهم احكموا بما أمر الله تبارك وتعالى والزموا العدل والإنصاف فإذا خانوا أمر الله فقد أسقط الله تعالى أمرهم، وإن علم المأمور أنه يقتله على حق فلا بأس على المأمور وعلى الإمام الكفارة. وورثة المقتول بالخيار إن
(1/428)

أحبوا اقتصوا وإن أحبوا أخذوا الفدية لأن المأمور اعتقد أنه يقتله بالحق والظاهر أنه لا يأمر إلا بالحق فأما إن أكرهه وقال إن لم يقتله وإلا قتلتك أو آخذ جميع أموالك فامتثل أمره وقتله فلا خلاف أن القاتل المباشر للقتل قد فسق وعليه الكفارة، وفي القود قولان على المكره دون المكره وفي قول عليهما جميعا وحكم الوزير والرئيس والسلطان في المسألة سواء فاستمسك بها فلهذه المعاني كره عمل السلطان والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(الباب الرابع عشر في كراهية عمل السلطان)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: أقرب الناس من السلطان أبعدهم من الله تعالى، وأراد به إذا رضي بفعل الجور والظلم وقال: من أرضى سلطانا بما يسخط الله تعالى خرج من دين الله تعالى.
قال سبحانه وتعالى وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
أي لا ترضوا أعمالهم. وقال من استعان بفاجر فقد خان الله تعالى ورسوله ويقال كن ذنبا ولا تكن رأسا فكم من رأس قطع قبل أن يقطع الذنب، والسلطان سوق ما ينفق عنده أتى به الناس والناس على دين الملك إلا القليل فليكن للدين والبر والمروءة عنده نفق؛ مثل صاحب السلطان مثل راكب الأسد تهابه الناس وهو لمركبه أهيب. ويقال
(1/429)

ثلاثة لا يسلم أحد منها صحبة السلطان، وإفشاء السر إلى النساء وشرب السم للتجربة. قال الله تعالى (من أحمق من السلطان وأجهل ممن عصاني وأغر ممن اعتدى، يا راعي السوء دفعت اليك غنمي سمانا صحاحا فأكلت اللحم وشربت اللبن وائتدمت بالسمن ولبست الصوف وتركتها عظاما يتقعقع) قال عمر رضي الله عنه: ما وجدت صلاح ما ولّاني الله تعالى إلا بثلاث أداء الأمانة والأخذ بالقوة والحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى، وصلاح هذا المال بثلاث أن يؤخذ بحق ويعطى في حق ويمنع من باطل، وخطب فقال أيها الناس والله ما منكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه. فمن ابتلى بالسلطان فليخدمه بالحرمة والأدب والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(الباب الخامس عشر في آداب صحبة السلطان)
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال لي أبي يا بني إني أرى أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه يستخليك ويستشيرك ويقدمك على الأكابر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم وإني أوصيك بخلال ثلاث لا تفشين له سرا ولا تجرّأنّ عليه أدبا ولا تغتابن عنده أحدا. قال الشعبي قلت
(1/430)

لابن عباس لكل واحدة خير من ألف، قال أي والله ومن عشرة آلاف. يقال إذا جعلك السلطان أخا فاجعله سيدا.
وقال زياد لابنه إذا دخلت على الأمير فادع له ثم اصفح صفحا جميلا ولا يرين منك تمالكا عليه ولا انقباضا عنه، يقال لمن خدم السلطان ينبغي أن لا يغتر بهم إذا رضوا عنه ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه ولا يستثقل ما حملوه ولا يلح في مسئلتهم. يقال خطر الوالي أعظم من غنمه لأن خير السلطان لا يعدو امرته في الحال وشره قد يجاوز الحال ويتلف النفوس. ويقال السلطان لا يتوخى بكرامته الأفضل فالأفضل ولكن الأدنى فالأدنى كالكرم الذي لا يتعلق بأكرم الشجر ولكن بأدناها منه والله أعلم.
(الباب السادس عشر في حكم المتغلب في البلاد)
إذا تغلب متغلب واستولى انسان في بلد من البلاد وبين أهل الخيام والأكراد بالدعارة والشرازة وصار له قوة ومنعة من غير اجتهاد فأمر رجلا بقتل رجل بغير حق وعلم المأمور أنه يقتله بغير حق فالقصاص على المأمور دون الآمر فإن خفي السبب ولم يعلم بحق قتله أو بالباطل فالقصاص عليهما والفرق بين هذه المسألة وبين الإمام حيث قلنا القود على الآمر دون المأمور وها هنا القود عليهما لأن الإمام إذا أمر
(1/431)

بقتل انسان فإنه تجب طاعة الإمام وامتثال أمره فالظاهر أنه يقتله بحق فإذا قتله بغير حق ولم يعلم القاتل لم يكن عليه شيء بخلاف المتغلب فإنه لا يجوز للإنسان امتثال أمر اللصوص والدعار بل عليه أن يخالفه فإن أطاعه أو جبنا عليه القصاص وإن أكرهه على قتله لا يجوز قتله فإن قتله فالقود عليهما.
(الباب السابع عشر في بيان قتال أهل البغي)
ولا تثبت أحكام البغاة إلا بثلاث شرائط أحدها أن يكون لهم إمام يصدرون عن رأيه وتدبيره الثاني أن يكون لهم شوكة وقوة إما بعدد أو بحصن يتحصنون به، الثالث أن يكون لهم تأويل في المخالفة صحيح أو فاسد كما كان لمعاوية وقبيله فإذا انحزم شرط من هذه الشرائط فلا يثبت لهم حكم البغاة. قيل سموا بغاة من البغي وهو الظلم وقيل من الطلب لأنهم يبغون حكما على الإمام، وقيل لمجاوزة الحد لقوله تعالى غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ
يعني مجاوزة الحد وأهل البغي مؤمنون عندنا إلا أنهم مخطئون وذهب الخوارج إلى أنهم فساق والفسق عندهم منزلة بين الكفر والإيمان دليله قوله تعالى وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
سماهم مؤمنين. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لابن عباس أو لابن مسعود:
(1/432)

أتدري ما حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة فجعلهم من جملة الأمة فلا يبدؤهم الإمام بالقتال بل يلين لهم الكلام ليستميل قلوبهم ويسكنهم عن مخالفتهم، فإذا ذكروا مظلمة وصح ذلك عنده دفع عنهم ويأمرهم أن يرجعوا إلى طاعة الله تبارك وتعالى فإن أبوا ولم يتعظوا قاتلهم، وإذا أراد أن يبدأهم بقتال من غير نصح ووعظ لا يجوز للناس طاعته فيه، فإذا تقاتلوا فأصاب بعض من أموال بعض. إن ظفر به بعينه يلزمه رده عليه سواء كان باغيا أو عادلا فأما إذا أتلفوا إن كان قبل الإشتغال بالقتال يجب الضمان على الفريقين وأما إذا أتلفوه في حال القتال فإن أتلفه أهل العدل على أهل البغي فلا ضمان عليه وما أتلفه أهل البغي على أهل العدل ففيه قولان أحدهما لا يجب كأهل العدل لأنهم اقتتلوا على تأويل الدين كالمسلمين مع المشركين ولأن الله تعالى أمر بالمصالحة بالقسط وإنما يحصل ذلك بترك المطالبة بالحقوق، والقول الثاني يضمنون لأنهم ملتزمون أحكام الإسلام ومخطئون في الإتلاف كقطاع الطريق. قال صاحب التقريب القولان في أهل البغي دون الخوارج الذين يجتنبون الجماعات ويكفرون الناس فإنهم يضمنون المال والقصاص جميعا قولا واحدا، وإن اجتمع فيهم شرائط البغاة، ولو استمتع أهل العدل بأسلحة أهل البغي أو أكلوا طعامهم ففي الضمان
(1/433)

وجهان أحدهما أن أهل البغي يضمنون ما أصابوا من أهل العدل وأما أهل البغي إذا افترقوا فريقين وأتلف بعضهم أموال بعض إن لم يكن لهم شوكة ومنعة ضمنوا كالباغي فإن انهزموا وولوا مدبرين أو وقعوا بين يدي أهل العدل أسارى والحرب قائمة لا يقتلون ولا يذفف على جريحهم. وقال أبو حنيفة إن لم تنكسر شوكتهم تتبع وإن قاتلت امرأة أوصبي منهم أقتل وإذا أسرنا حدا حبسه وليس له حبس المرأة والصبي والعبد إذ ليسوا من أهل القتال والله أعلم.
(الباب الثامن عشر في بيان استعانة السلطان بالكفار)
يجوز للإمام أن يستعين بالمشركين من أهل الذمة على قتال أهل الشرك إذا كان بالمسلمين قوة وشوكة بحيث لو اتفق الطائفتان من أهل الذمة والمشركين قاوموهم وإن لم يكن كذلك فلا يجوز واختلفت الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم في هذا فقد روى أنه لم يستعن بهم في بعض الغزوات وقد روى ابن عباس رضي الله عنه أنه استعان بقوم يهود من بني قينقاع بعد بدر ورضخ لهم، فوجه الجمع لم يستعن حين لم يؤذن، وهل يجوز الإستعانة بنساء المشركين وصبيانهم وجهان الصحيح أنه لا يجوز بخلاف نساء المسلمين لأنه يرجى بركة دعائهم وإذا خرج بهم الإمام ولم يسم أجرة يرضخون من
(1/434)

المرصد للمصالح وسهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الغنيمة، وإن خرجوا بغير إذن من الإمام أو نهاهم الإمام عن الخروج وعلموا النهي لا يعطى سواء قاتل أو لم يقاتل وان خرج بغير إذنه فهل يرضخ له على وجهين.
(الباب التاسع عشر فيما يجب على السلطان في كل سنة)
أقل ما يجب على الإمام أن لا يأتي عام إلا وله فيه غزو ولا يجوز له القعود عن الغزو لأن فيه قطع منفعة الغنيمة عن المسلمين وإغراء الكفار فإنهم يتجاسرون على قتال المسلمين فقد قيل في المثل الروم إذا لم تغز غزت فإن أمكنه الغزو والإغارة في كل موضع فعل وإلا فيجب أن لا يمضي عام إلا وله فيه غزوة وعليه أن يغزو أهل كل ثغر يليه من الكفار ولا يأمر أهل ثغر الروم بالخروج إلى غزو الترك ولا الترك إلى الروم، وعلى هذا القياس، لمعنيين: أحدهما كثرة المؤنة والمشقة ببعد المسافة والثاني كل أعلم بشمس بلده وأرضه فإن أهل ثغر الروم أعلم بغزو الروم من غيرهم، وينبغي أن يكون للأمير على السرية صاحب رأي وتدبير ويحتاط في أمر الجيش والحرب ولا يكلف القوم ما لا يطيقون ولا يثبت على المشركين بحيث لو اشتهوا قتلوا الجيش كله فإن تهاون السلطان والإمام في ذلك خرجوا عن آخرهم، فانظروا إلى
(1/435)

تفاوت الزمان وتغافل السلطان كانوا يغزون ويأخذون الغنيمة ويفتحون البلاد أما اليوم فنسوا الآخرة ورضوا بالحياة الدنيا عن الآخرة حتى توسط الملحدون في دار الإسلام واستولى الإفرنج وظهرت دعوة الباطنية لعنهم الله ولا طالب ولا منكر فليت شعري ما يقول السلطان يوم القيامة للرحمن وكيف تكون خاتمتهم؟
(الباب العشرون في بيان حكم عزل السلطان)
اعلم أن الإمام إذا عزل نفسه إن كان له عذر أو عجز عن القيام بها ينعزل ولو استخلف غيره ثم عزل نفسه يجوز وهو الأولى فأما إذا لم يكن به عجز ينظر فإن عزل نفسه من غير أن يستخلف لا ينعزل وجها واحدا لما فيه من وقوع الفتنة، ولأن تصرف الإمام يجب أن يكون على وجه النظر وليس من النظر أن يعزل نفسه من غير سبب حتى يهيج الفتنة، أما القاضي إذا عزل نفسه ينعزل ولا ينعزل خلفاؤه، ولو عزله الإمام وولى غيره إن كان لمعنى حدث فيه من فسق أو جنون أو عجز لا خلاف أنه ينعزل، وإن عزله من غير سبب وكان صاحا للقضاء ففيه وجهان. قال القفال، لا ينعزل إذ لا نظر فيه فإذا كان مستصلحا للقضاء فصار قاضيا من جهة فهو لو بويع الإمام ثم عزل إن قلنا لا ينعزل وقيل ينعزل لأن الإمام لا يفعل إلا ما فيه المصلحة، وعلى هذا لو
(1/436)

أخبر الإمام بأن القاضي ببلدة كذا أنه غير صالح أو فسق أو جن أو مات وولى آخر مكانه ثم بان الأمر بخلافه وأنه صالح للقضاء فعلى قول القفال لا ينعزل، وإن مات السلطان أو الإمام الأعظم لا تنعزل القضاة في ظاهر المذهب لما فيه من الضرر على المسلمين وتضييع أحكامهم ولأنه بعد ما ولاه الإمام صار قاضيا من جهة الله عز وجل ولا ينعزل بموت الغير فلو أن الإمام استخلف واحدا على أقليم من أقاليم الأرض صار سلطانا وولاه تولية القضاء صح منه التولية وإن لم يكن هو صالحا بنفسه للقضاء، ولو عقد الإمام التولية وكان مستجمعا للشرائط ثم فسق فالمذهب لا ينعزل بخلاف القاضي ينعزل بالفسق لأن عزله يؤدي إلى الفتنة وكثرة الهرج وفيه وجه آخر أنه ينعزل بالفسق وبه قالت المعتزلة، وإذا عقدت الأمة البيعة لإمام ثم جاؤا وعزلوه لا ينعزل بخلاف قول الشيعة وإذا عقدت البيعة لإمام فجاء قاهر وقهره ينعزل.
قال القفال: والفرق أن الإمامة هو القهر فإذا حصل القهر من أحدهما ارتفعت الإمامة بخلاف ما لو عقدوا البيعة له لأنه صار إماما من جهة الله عز وجل فلا يقدرون على حلها بعد ذلك والله تعالى أعلم. تم كتاب السلطان بعون الله وفضله وصلى الله على نبيه محمد أشرف خلقه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
(1/437)

كتاب أسرار الوزارة
وفيه أربعة عشر بابا
(الباب الأول في فضيلة الوزارة)
العرب تقول الوزارة تلو الملك بل الوزارة هي الإمارة والتواضع في الرياسة إحدى شبائك السياسة فالوزير بمنزلة الملك فليكن أكرم الناس وأسخاهم ويجب أن يكون هاديا مهديا متحريا محنكا موصوفا بالدين والأمانة والعفة والديانة مأمون العيب نقي الجيب عن الرشوة والمصانعة فالوزير سفير بين الأمراء والرعية وإذا كذب السفير بطل التدبير والرياسة صنو الإمارة. يقال مثل السلطان كمثل الشمس والرعية بمنزلة الثلج ومثال الوزراء بمنزلة الجبال فلولا الجبال لأتت الشمس على الثلج وأذابته في يوم واحد لكنهم يدفعون البلايا عن الرعية ويصلحون أمورهم من حيث لا يشعرون. قال النبي صلّى الله عليه وسلم: إذا أراد الله تعالى بأمير خيرا جعل له وزيرا صالحا إن نسي ذكره وإن ذكر إعانة والوزارة على نوعين وزارة ملك عاقل رزين كريم خائف لله تعالى مطيع مائل إلى العدل حائد عن الجور فوزارة هذا الملك غنيمة باردة والنوع الآخر وزارة ظالم غشوم وجبار عنيد فوزارته فساد الدين والدنيا وندم وخسارة. قال الحكماء يجب أن يكون الوزير مثل المرآة التي لها وجهان
(1/438)

فبوجه ينظر إلى الرعية والله سبحانه وتعالى أعلم.
(الباب الثاني في خطر الوزارة)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم من اقترب من أبواب السلطان افتتن، مثل وزير السلطان كمثل راكب الفيل تهابه الناس وهو من نفسه أهيب، وقيل أخوف ما يكون الوزراء إذا استقرت المملكة وهلك العدو، وكانت وزراء الفرس متى رأوا اقرار الملك واستبشار الملك هيجوا الفتن من الجوانب ليشتغل قلب السلطان وتضطرب المملكة فلا يتفرغ لهم الملك فالوزراء مرحومون والرؤساء وأيم الله معذورون لأن ألبابهم مشغولة بأشياء تكون الرعية بمعزل عنها أني أرى صاحب السلطان في تعب فإن قتل السلطان أحدا قيل بإشارته وإن أطلقه قيل بمشاورته وإن عدل قالوا من السلطان وان ظلم قالوا من فعل الوزير ورضا الناس غاية لا تدرك فيصبح الوزير ونفسه في تعب ولبه متوزع وفكره بعيد وهمه عظيم ودينه متثلم والخوف مطيف به والأمن عازب عنه والعافية موهومة والسلامة مظنونة والسهر غالب عليه والناس في أمورهم وهو في شغل شاغل لا تنصفهم الرعية يريدون منهم سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولا يسيرون فيهم سيرة رعية أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.
(1/439)

(الباب الثالث فيمن يصلح للوزارة)
إعلم أنه لا يصلح للوزارة ولا يستأهل للرياسة إلا امرؤ راض نفسه وهذبها ومارس الأمور وجربها وخالط العلماء واقتبس منهم، وعرف غوائل الأمور وغور الأشياء، وأنصف من نفسه وانتصف ولم يعتسف، وعلم أنه إنما استوزر لأجل الرعية خاصة وما أريدت الرعية له كالراعي احتيج إليه لأجل الشباه وليست الشياه مطلوبة لأجل الراعي والطبيب مطلوب لأجل المريض والمريض ليس بمطلوب لأجل الطبيب، فالوزير استؤجر بثوابه جنة الفردوس يحفظ الإسلام والمسلمين كالراعي استؤجر يحفظ الأغنام، فهذا الرئيس استؤجر لأجل الأنام فالراعي إذا حفظ الشياه استحق الأجرة وإن ضيعها يؤخذ بالغرامة ويحبس في سجن الملامة كذلك الوزير والرئيس إذا حفظا المسلمين استحقا الأجرة ونالا السعادة وإن ضيعا خسرا الدنيا والآخرة. يقال له يا راعي السوء أكلت السمين وتركت الضعيف الهزيل لانتقمن منك، فمن أوصاف الوزير أن يكون عالما بالله تبارك وتعالى وبصفاته حتى يعرف الحق من الباطل ومنها أن يهذب أخلاقه حتى يهذب الرعية فمن لا يقدر على مصلحة نفسه كيف يصلح غيره، مثاله السراج إذا لم يكن مضيئا في نفسه لا
(1/440)

يضيء البيت، ومنها أن يقرأ سير الملوك والأمراء المتقدمة ويطالع الكتب المصنفة فيها ومنها أن يشاور في كل أمر حدث له ولا يستحي من المشاورة فقد أمر الله تبارك وتعالى سيد الأنبياء وفخر العالمين بالمشاورة مع وجود الوحي ورؤية جبريل عليه السلام، ومنها أن يعلم الوزير أن الشريعة معيار المملكة وميزان السلطنة فيزن نفسه ورعيته بميزان الشريعة، فمن قتله الشرع فهو شهيد وخير الدنيا والآخرة في الشريعة وسلامة الدنيا والآخرة في الإعتدال والإعتزال وفي العدل والإنصاف، وبالعدل قامت السموات والأرض، ومنها أن يكون الوزير عالي الهمة عظيم العطاء. ومعنى علو الهمة أن كل أمر يفعله ويتولاه فينهيه نهايته وإن عفا، عفا عن عظيم.
وإن بطش، بطش عن قوة. وإن حمى أحدا فيبذل النفس على هواه. وإن أعطى يعطي عظيما ومنها أن يكون سنيا حسن المذهب لأن المبتدع مذموم بكل لسان مبغوض عند كل انسان، ومنها أن يكون سخيا مفضالا ومنها أن يكون شجاعا مقداما على الأمور، ومنها أن يكون حسيبا نسيبا ليعظم في القلوب وقعه، ومنها أن يكون عفيفا متورعا فإن المفسد آفة الدين والدنيا، ويجب أن يكون حليما مراعيا للخدم والحشم ويكون له صاحب اخبار ويكون له خبيئة صالحة مع الله سبحانه وتعالى ويحفظ مجلسه عن السخف
(1/441)

والسخرية ويقوي أمور الشرع ويحضر مجالس العلماء ويتقرب اليهم، ويأمر أولاده بالأدب ودراسة العلم ويجب عليه في قضية العقل وكمال الحال أن يجعل للعلم والمناظرة مجلسا مخصوصا فيخص كل إمام بما يستحقه، ويميز في العطاء وتكون محبته لمن أحسن إليه أكثر من محبته له لأن لذته بها لذة فاعلية ولذة الآخذ لذة انفعالية، ومنها أن يحضر العلماء والقراء لختم القرآن في داره ويدرسون سنة النبي صلّى الله عليه وسلم ويناظرون بين يديه، ويجزل العطاء للعلماء لإشاعة ذكره ويجب عليه أن يحدث آثارا يذكر بها إلى يوم القيامة مثل المدارس والرباطات للصوفية ويكون كلامه فصيحا بهيا جهيرا ودائما يوفر على الخيرات، ويجب عليه أن ينزل الناس مراتبهم فيكرم أهل الكرامة فإن النبي صلّى الله عليه وسلم بسط رداءه للكافر وقال إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وقيل من لم يحترم الأخوان تذهب مروءته وحرمته ومن لم يحترم الوزير والرئيس تذهب حرمة دنياه، ومن لم يحترم العلماء تذهب حرمة آخرته، وروي عن عائشة رضي الله عنها، أنه جاءها سائل فأعطته كسرة، وجاءها رجل حسن الهيئة فأمرت له بخوان ووسادة، فقيل لها في ذلك، فقالت إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمرنا أن ننزل الناس منازلهم والله أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
(1/442)

(الباب الرابع في الأسباب الموجبة للوزارة وهي سبعة)
الأول السخاء، والثاني النجدة، والثالث الحلم، والرابع الصبر، والخامس التواضع، والسادس الشجاعة، والسابع العفاف. وقد قالت الحكماء كل وزير ورئيس اجتمع فيه سبع خصال فوزارته بالإستحقاق ومن تعرى عن هذه الأوصاف فولايته بالإتفاق، فدولة العاقل من الواجبات ودولة الجاهل من الممكنات، وتلك الأوصاف حفظ الدين والمذهب عن التبديل. والثاني حفظ البيضة وحدود الإسلام. والثالث حفظ عمارة البلدان والرابع مقامات المظالم. والخامس تقرير الأموال لحسن الجباية. والسادس إقامة الحدود. والسابع اختبار العمال، فمن فعل ذلك فقد استأهل لها حق الله سبحانه وتعالى، وكانت الجاهلية لا يسودون أحدا إلّا من تكاملت فيه هذه الأوصاف المتقدمة فمنها السخاء فمن لا سخاء له لا ذكر له ولا ثناء ولا حمد ولا دعاء ولا تكاد تثبت مملكته. قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه كل ملك لا سخاء له فبشره بزوال ملكه ولقد أصاب لعمر الله في قياسه فإذا لم يجد لا يميل إليه أحد ويتفرق عنه عسكره ويطمع فيه عدوه، ومنها النجدة والرأي والقوة والكفاية والحلم لئلا يغضب في كل شيء فيندم،
(1/443)

والصبر فإنه إذا كان عجولا يضيع الأمور، والتواضع، فإن المتكبر مبغوض عند الناس والشجاعة فإن الجبان والخوار لا تدبير له، والعفاف فإن المفسد المتهتك لا وقار له، أما حفظ الدين فهو الأصل والصراط المستقيم والملك والبقاء والحياة والسلطنة والوزارة كل ذلك لأجل الدين فيه النجاة، وإليه المرجع والمآب، وحفظ البيضة وهو حدود الإسلام والثالث عمارة البلدان والرابع مقامات المظالم ينصف المظلوم ويمنع الظلوم، والخامس تقرير الأموال لحسن الجباية والسادس إقامة الحدود والسابع اختبار العمال وهو تفويض الأمور إلى أربابها فالخوار يعجز عن تمشية الأمور والعاجز يعاقب على كل شيء فإذا لم يكن صبورا لا يدرك الأمور والمتكبر ينفر عنه الناس والعاجز يسقط وقاره. واعلم أن الكلام ذكر وأنثى وحيثما اجتمع الزوجان فلا بد من النكاح ينبغي أن يكون الوزير سمحا بالحقوق لا يطالب بها غيره ويوفي ما يجب لغيره عليه، فإن مرض ولم يعد أو قدم من سفر فلم يزر أو شفع فلم يجب أو أحسن فلم يشكر أو خطب فلم يزوج، وما أشبه ذلك، فليتساهل في هذا ولا يغضب فإنه لم يسود إلا ليغفر الزلة ويستر الخلة ويراعي الحلة إنما سميت هانئا لتهنى. قال أبو الأسود الدؤلي لبعض من يسارره من الوزراء وهو يمتنع من مساررته لبخره لا يستحق السيادة إلا من صبر على مساررة
(1/444)

الشيوخ البخر. وقال بزرجمهر لا يصلح لقيادة الجيوش وسد الثغور وتدبير المملكة إلا رجل تكاملت فيه خلال أربع وثلاث وثنتان وواحدة أما الأربع فحزم يتصون به عند موارد الأمور ومصادرتها وحلم يحجبه عن التهور في المشكلات إلا مع إمكان فرصتها وشجاعة لا تقوم الأعداء بمكانها وجود يهون جلائل الأموال عند سؤالها وأما الثلاث فسرعة مكافأة الإحسان وثقل الوطأة على أهل الزيغ والعدوان والإستعداد للحوادث وأما الإثنتان فتخفيف الحجاب على الرعية والحكم بين القوي والضعيف بالسوية، وأما الواحدة فالتيقظ في الأمور مع ترك تأخير مهم اليوم إلى غد. وقال زياد: كمال السلطان في ثلاثة أشياء شدة في غير امساك، ولين في غير اهمال والسخاء، وأحق الناس بالمملكة أنفعهم للرعية. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الأرض لتزين في أعين الناس إذا كان عليها أمير عادل وإن البلدة لتقبح في أعين الناس إذا كان عليها أمير جائر والله أعلم بالصواب.
(الباب الخامس في أوصاف الكمال)
اعلم أن أوصاف الكمال في الوزير والرئيس والسلطان أربعة: الحكمة والشجاعة والعدالة، وأضدادها أربعة السفه والجبن والشره والجور، فالعدل هو الفضائل كلها والجور هو
(1/445)

الرذائل كلها، فالعدل يكون في اكتساب المال والحرية في انفاقه فإن الحر لا يكرم المال لذاته ولا يجمعه لمحبته بل ليصرفه في الوجوه التي يكتسب بها الثناء والمحمدة ولهذا لا يكون الحر الكريم كثير المال لأنه منفاق ولا فقير ولا كسوب. وقد قال الإسكندر أن سيرة السعداء ثلاثة أشياء الأول معرفة الحق، والثاني فعل الخير، والثالث عدم الآلام التي لا تنبغي لأن الكامل يعرف كل شيء بحقيقته وخاصية وجوده ويفعل الخير لوجوده بذاته ويتوخاه بجوهره لأنه خير فقط لا لغرض، ويختار العفة والراحة واستعمال الأخلاق الجميلة في طلب المعاش ومعاشرة الناس تنفي الأخلاق التي لا تنبغي عن نفسه ليهنأ عيشه ويطيب قلبه أبدا، ويحب الجميل لأنه جميل فحسب ويترك الحقد والحسد واللجاج، وترك الطمع فيما لا يمكنه الإقدام عليه، ويلزم الصمت والعدل في القول والفعل جميعا وإنجاز المواعيد وقلة المبالاة بالفقر والموت الجميل والإشتغال بالمهم لقصر الزمان والتواضع والقناعة وإكرام النفس أولا ثم إكرام غيره وترك التفوه بالقبيح وحسن اللقاء وطلاقة الوجه بكل حال وترك التجني والقيام عن مجلس الخصومات وطلب المعاش بقدر ما لا يطغى، فهذه جملة أوصاف الكمال والله تعالى أعلم.
(1/446)

(الباب السادس في الموانع للوزارة)
وهي سبعة: البخل والجبن والكبر والضعف والظلم وكثرة الخطأ في الرأي والطيش فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فلا يصلح للسيادة والوزارة أصلا بل تكون سيادته اتفاقية من جهة السفه أو بالمال لأن المقصود من الوزارة والرياسة تهذيب البلاد وترتيب أهاليها وحملها على طاعة الله تعالى ورسوله وإحياء السنة وإماتة البدعة وانتشار الصيت وبقاء الذكر الجميل، فإذا كان ذا طيش وفسق فقد ضيع نفسه فكيف يحفظ غيره، ومن خان نفسه فكيف ينصح غيره، وإذا كان جبانا فكيف يهجم على الأمور، وإذا كان متكبرا فكيف يعاشر الناس، وكيف ينزلهم منازلهم، وإذا كان بخيلا فيقتل الناس بالظلم ويسومهم بالحيف، وإذا لم يكن عفيفا فيتبع عورات الناس ويطمع في المخدرات وأولاد الناس هذا ومثاله مما لا يخفي عليك والله تعالى أعلم بالصواب.
(الباب السابع في بقاء الدولة)
اعلم أن الأسباب الموجبة لبقاء الدولة أشياء منها نصرة الدين وتقوية الشرع لقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ
ومنها نصرة المظلوم
(1/447)

والعدل والشفقة على المسلمين لقوله تبارك وتعالى إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا عبادي واطعام الطعام واتخاذ الخوان وتسهيل الحجاب فإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء وقال نبي الله موسى صلوات الله على نبينا وعليه: يا رب انك أمهلت فرعون أربعمائة سنة وهو يقول أنا ربكم الأعلى ويكذب بآياتك ويجحد رسلك فأوحى الله إليه أنه كان يعمر بلادي ويؤمن عبادي، وفي رواية: كان حسن الخلق سهل الحجاب فأحببت أن أكافئه، السخاء شفيع منجح لبقاء الدولة والبخل سبب مؤذن بزوالها فبالسخاء تملك أزمة القلوب، ومنها أن يحدث لكل ذنب توبة ولكل سيئة حسنة وهذا مقتبس من القرآن العظيم وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
ومنها أن يتصدق كل يوم بما يقدر عليه فالصدقة شيء عجيب، ومنها أن يبطل القواعد المحدثة والرسوم المفتنة ويبسط العدل والإنصاف، ومنها أن يرضي الله تبارك وتعالى بسخط المخلوق ولا يرضي المخلوق بسخط الخالق جل وعلا فإنها عمدة العقلاء ومنية الألباء ويتعزز بالتقوى دون الأماني وملازمة الهوى فمن لم تعزه التقوى فلا عز له. ومنها أن يعمم بالإحسان فإن الإنسان عبد الإحسان وإذا عم العدل وأفاض الفضل أحبته القلوب وأطاعته النفوس فيأمن مكر الأعداء، ومنها أن يكون له
(1/448)

صاحب خير ينهى إليه أخبار الممالك، ومنها أن يولي الأمور إلى أربابها وأهاليها فقد سئل حكيم الساسانية عن سبب زوال دولتهم فقال لأنا فوضنا الأمور إلى غير أهلها وغفلنا عن الرعية حتى أكل بعضهم بعضا ولم يكن لنا صاحب خير ينهي إلينا فاجترأ علينا العدو، ومنها أن يتبرك بدعاء الصالحين فكم من دولة أزالتها أدعية الناس وكم من مملكة وطدتها، وقرأت في صوان الحكم وهو كتاب نفيس أن اجتماع الدعوات بصفاء النيات وخلوص الطويات يحل ما عقدته الأفلاك ومن لم يؤمن بهذا فليستأنف الإيمان، ومنها أن يستنجد بالسلاح والكراع والرجال والأموال فإن ذلك مما يرهب العدو ويقمع الحاسد. قال الله عز وجل وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
ومنها أن لا يتخذ الضياع والقرى ولا يشتغل بالحراثة والتجارة فإن ذلك مما يطمع فيه العدو، ومنها أن يوظف على الناس ختم القرآن في داره كل يوم فإن لم يتفرغ فكل أسبوع ففي الخبر ما خربت دار يقرأ فيها القرآن، وما عمر بيت يكون فيه الزنى، ومنها أن يجالس العلماء ويصاحب الفقهاء فإنه بركة وقوة في الدين والملك هم القوم لا يشقى بهم جليسهم فإن الرحمة تنزل عليهم والملائكة تحف بهم فتصيبه الرحمة. فإن كان لله تبارك وتعالى في الناس أصفياء فهم هم، ومن جلس عند العطار فلا
(1/449)

يحرم من نفحات المسك ومحبة العلماء تسوق إلى الخاتمة السعيدة والثناء المخلد والله تعالى أعلم.
(الباب الثامن في الأسباب المزيلات للدول)
وهي التهور والقحة والإنهماك في الشهوات وقلة المبالاة بالعدو وتعاطي الجور، والظلم آفة لا تخطىء فالملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم ومصحف المجد يشهد بهذا فإن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا
وأول ما كتب في التوراة هذه الكلمة من يظلم يخرب بيته، والبخل والكذب والإصرار على شرب الخمر والفساد وإهمال أمر الرعية، قيل السلطان يلعب والوزير يطرب والدنيا تخرب. قال أستاذ الإسكندر له اعلم أن سلطانك على أجساد الرعية ولا سلطان لك على القلوب فاملك القلوب تعن لك الوجوه واعلم أن علامات زوال ملككم إذا أطعتم هواكم واستعملتم شراركم واستثقلتم خياركم وزهدتم في العلم ونقضتم العهد وتهاونتم بأمور رعاياكم واستعملتم الكبر والزهو، واعلم أن أساطين الملك وأعمدة السلطان أربعة أشياء أولها العدل في رعاياهم. والثاني عمارة بلادهم. والثالث ضبط ملكهم من أعدائهم. والرابع منع قويهم عن ضعيفهم، وليس للملك أن يبخل لأن البخل لقاح
(1/450)

الشنآن، ولا يغضب لأن الغضب لقاح الندامة، ولا يحسد لأن الحسد يقلل عدد الرجال.
(الباب التاسع في تدبير العدو)
اعلم، وقاك الله تعالى شر الأعداء، أن العداوة للوزراء والرؤساء تنبعث من شيئين: الأول اكرام السفلة الأندال.
الثاني امتهان أهل الشرف والحسب، فالوزير إذا استعمل السفلة ورفع أقدارهم وسلطهم على رقاب الناس يأمرون وينهون فيجرأ عليه أهل الشرف فيعتقدون الإساءة من الملك لأن السفل لا يعرف قدر نفسه ولا يحفظ الأدب فيجرح القلوب ويؤلم الأجساد ويدخر لنفسه ولمواليه الإحن والأحقاد، فإذا رأى ذلك أهل الشرف يعتقدون الإساءة والبغضاء، كانوا أولياء فيصيرون أعداء فتتحرك الأنف الأبية والدواعي الغضبية فينسلخون في عداوة الوزير من جلد البشرية والإنسانية فيصبحون بعداوة السبعية فقضية الحرية تقتضي أن يكرم أهل الشرف ومراعاة ذوي البيوتات القديمة والمحافظة على شؤونهم ويزجر السفلة وينهاهم ويردع غوائلهم ليأمن مكايدهم.
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
(1/451)

والسبب الثاني التظاهر بالظلم والجور، فإن ذلك مثال العداوة فالوزير الكافي والرئيس الكامل لا يضع الحديدة موضع الإبرة ويصلح باللطف ما لا يصلحه غيره بالعنف فالحر عبد البر والإنسان صنيعة الإحسان. قال سيد القراء أبو عمرو بن العلاء: عجبت لمن يشتري المماليك بأمواله فيعتقهم كيف لا يشتري الأحرار بمعروفه فيسترقهم، فإن كان له عدو في البلد ينازعه في ولايته فليخرجه من البلد فإن الصواب في ذلك، فإن كان عدوا مكاتما خارج ولايته فقمعه من أربعة أوجه: الأحوط له أن يسترقه بالمعروف والإحسان واللطف والكرم فإن لم ينخدع بهذا فبالصفح والمهادنة فإن لم ينخدع بهذا فبالتحصن بالقلاع والخنادق والمواضع الحصينة، فإن لم يتمكن من ذلك فأسوأ التدبير المجاهرة بالحرب وفي ذلك اغرار واخطار إذ الحرب سجال وللسلامة مجال وهذا إذا أحس من قومه مقاومته، أما إذا علم ضعف قومه وشوكة عدوه فإياه وإياه فلا يبدؤه بالحرب إلا إذا رأى ضعفه فيعاجله قبل أن يستجيش الجموع، فإن كان له شوكة فيدع العدو حتى يطأ البلاد والديار فيكون غريبا في الموضع والغريب أعمى لا يهتدي إلى عواقب الأمور والحيلة أنفع الوسيلة، وليحفظ الملك والوزير واحدة وأي واحدة وهي كتمان السر عن العدو والجهد في معرفة سر العدو ولا يحارب
(1/452)

بنفسه وأعظم الأشياء في الحرب التورية يرى شيئا ويفعل شيئا آخر يقصد صوبا ويوري طريقا آخر ومن أحدث أثرا من عسكره فيكرمه ومن نفق فرسه أعطاه عوضه وهذا كله إنما يستقيم بنية الخير ووعد الجميل وإضمار فعل الخيرات والإستعانة بعون الله سبحانه وتعالى.
(الباب العاشر في نصيحة الوزراء)
اعلم أن الملك والوزارة يرادان للذكر الجميل والثناء الحسن والدنيا أحدوثة، فكن حديثا حسنا لمن وعى وكل ما هو فوق التراب تراب. قال المأمون: يطلب الملك للذكر الجميل وإحداث الفعل الصالح واصطناع أهل الخير، أما جمع المال والحرص على الذخائر فمن دأب السوقة. وقال أيضا في بعض وصاياه: إنما امتازت الملوك عن الرعية بقدر الخير والإحسان فالرعية تريد أن تفعل الخير ولا تقدر والملوك إذا أرادوا أن يفعلوا فعلوا فمن لم يفعل فقد أخبر عن لؤم نفسه فأيام الإمكان غنيمة والقدرة على الخير فرصة ولم يكن في الوجود أحسن من فعل الجميل وأنشد عن الكبار.
اختم وطينك رطب للختام فكم ... قد خمر الطين أقوام وما ختموا
(1/453)

ولوا فما عدلوا أيام دولتهم ... حتى إذا عزلوا ذلوا فما رحموا
فليكن الوزير والملك عالي الهمة فإن خساسة الهمة من دأب السوقة، ولا يتكل على القلاع والمال فإنه مسلوب منها عن قريب، فليطلب شيئا لا يسلب عنه لدى الموت وهو العمل الصالح ويحفظ الدين حتى يفلح وليكن جوادا مفضالا ليكون مشهورا وليجعل دنياه فداء لآخرته ولا يجعل آخرته فداء لدنياه، وليعتبر بالملوك السالفة والوزراء المتقدمة كأنهم لاندراس الدهر ما خلقوا.
تفانوا جميعا فلا مخبر ... وماتوا جميعا ومات الخبر
تروح وتغدو بنات الثرى ... فتمحي محاسن تلك الصور
فيا سائلي عن أناس مضوا ... أمالك فيما ترى معتبر
ولنذكر وصاية بهلول لهارون الرشيد هب أن مملكة الدنيا تساق اليك أليس آخر ذلك كله موت فآخر ما ترى القبر واللحد والثرى، وإياك والظلم فإن الملك إذا اشتهر بالظلم بغضته الرعية وإذا بغضته الرعية خالفته والمخالفة سبب المحاربة، فالفتنة نجوى ثم شكوى ثم بلوى والملك إذا
(1/454)

اشتهر بالعدل آنسته القلوب وأحبته الرعية فإذا أحبته أطاعته وخدمته والطاعة توجب المؤانسة، والمؤانسة توجب بذل الروح في هواه، ويصير العدو مقموعا، وإياك والبخل فإن شر خصال الملوك البخل، فالملك إذا كان بخيلا يطمع في أموال الرعية ويدنس عرض نفسه بالأشياء الخسيسة فيظهر خسة نفسه فتسقط حشمته ويبطل وقاره في أعين الناس فليجالس الأكابر والعلماء ليعظم وقعه في القلوب لأنه علم بين الرعية وتمتد إليه العيون فإن صلح صلحت رعيته، وإن فسد فسدت رعيته واعلم أن كمال الملك أن يخافه أهل الجرائم ويأمن منه أهل السلامة، وإياك أن تستحقر العدو وإن فسدت رعيته، واعلم أن كمال الملك أن يخافه أهل الجرائم ويأمن منه أهل السلامة وإياك أن تستحقر العدو وتستصغر الغائب وإن كان حقيرا في نفسه فإن الأمور تبدو صغيرة ثم تكبر والغيث ينزل قطرة قطرة، ثم تكون منه السيول ولا تكونن أسير الشهوة، فإن ذلك من خاصة الخنازير والسباع، ولا يخالف قوله وعده فيصبح كذابا والكذاب لا يصلح أن يكون ملكا واعلم أن الدنيا دول يوم لك ويوم عليك.
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
(1/455)

فلا تقصد أهل البيوتات القديمة فإنه مذموم، وإياك والبغي فإن البغي مصرعه وخيم، ولا تفتخر بالمملكة فإن الملك لا بقاء له ويكرم شجعان عسكره ويضاعف في عطاياهم فإنهم جناح المملكة، وإذا ظفر بالعدو فليعف عنه فإن العفو من شيم الكرام، ويتعاهد أجناد عسكره فإنهم جوارحه وأركان مملكته وقوة الوزير بالعسكر ويواسي القروح قبل أن يحتاج إلى الكي وإذا أظهر العداوة فليثبت عليها ثبات الليث على عداوته. ويعلم أنه إذا صلح خواص مملكته يصلح عوامها، وإذا فسد الخواص يفسد العوام.
واعلم يا علم الوزراء وطراز الرؤساء أدام الله لك المجد والبقاء ما بقيت الأرض والسماء أن القاضي قابل على الذم والثناء، فإن عدل فيدوم الثناء للملك وإن جار فلا يعدم ذاما (فصل) ومن منة الله عز وجل على هذا الصدر الكبير سيد الوزراء أن جعل له قاضيا هو فرد العالم في صورة عالم، ملك في صورة انسان يزين القضاء بمكانه ويشرف الدست بزمانه منزلته من الدين منزلة الصديق من الإسلام فالحمد لله الذي قصر الفضائل عليه حتى أشير بالأصابع اليه، وينبغي للوزير الممكن والرئيس المطاع أن يتحنن ويترحم على البريء ويغضب على الخائن من اللصوص والقطاع فإن الترحم على هؤلاء من طبع النسوان وقد قال الله تبارك
(1/456)

وتعالى وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
ولا تهتك أستار أهل الأقدار، فإن عثر صاحب كرم وشرف فليأخذ بيده ليكون قاضيا لحق آبائه أيها الماجد ابن الماجد كفاك شرفا أن يميل اليك أبناء الملوك وأهل الشرف يطأون بساطك ويقصدون حضرتك والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
(الباب الحادي عشر في مواعظ الحكماء)
قال الإسكندر أي ملك يتطاول على عسكره ورعيته فلا يأمن من الهلاك في أيديهم، فإن من لا يتدارك الأمور الجزئية فإذا باضت وفرخت لا يمكنه تداركها، وأي ملك لا يحترم العلماء يكون في أصله خطأ، وأي ملك يلاحي ويماري عسكره لا يفلح أبدا وأي ملك يتعود رسوم السوقة من البيع والشراء والنقد والوزن فلا يفلح أبدا، وأي ملك يصرّ على رأيه الخطأ فقد سعى في هلاك نفسه، وأي ملك رسم القواعد المحدثة والرسوم الباطلة، فاعلم أنه يموت ولا تموت ذنوبه وأي ملك لا يكون له كرم، فاعلم أنه لا يصلح للملك، وأي ملك انهمك في الخمر والزمر فقد ظفر عليه العدو من حيث لا يشعر وأي ملك اشتهر بالكرم والسخاء فابشر بطول سلامته، واعلم أن الإنسان يحتاج إلى الأصدقاء لأن الإثنين إذا
(1/457)

اجتمعا وتعاونا كانا أقوى على العلم والعمل، ومن تمام السعادة اقتناء الأصدقاء ومن المحال أن يجتاز الإنسان جميع الخيرات مع الوحدة فإنه يحتاج إلى من يضع معروفه عنده ولولا الفقراء بقي الأغنياء ملطخين بالأوضار، فأيام الإنسان لذيذة بالأصدقاء والأخيار الأفاضل والإنسان يحتاج إلى الصديق عند حسن الحال وعند سوء الحال فعند حسن الحال يحتاج إليه للمؤانسة وعند سوء الحال يحتاج إليه للمعاونة، وقيل للإسكندر كن متيقظا فإن علل الصدور كثيرة واعلم يا اسكندر أن مصيرك إلى التراب وأنت غدا مأكول التراب فلا تتكبر على عباد الله تعالى ولا تأخذ أحدا فإن الشقي من لا يتذكر عاقبته، لا تكن حليما بالقول فقط بل بالقول والفعل جميعا، يا اسكندر اذكر اليوم الذي يهتف بك داعي الموت واعدد زادا في كل أيامك فإنك لا تدري متى الرحيل، يا اسكندر الرئاسة تراد للذكر فإن طلبها من جهتها ساقته إلى طلبه، الصدق أصل الممدوحات والكذب أصل المذمومات، يا اسكندر البخل ينتج حب الدنيا ويسوق إلى الندامة والطمع والخيانة يا اسكندر لا تمل إلى الغضب فإنه من أخلاق السباع يا اسكندر كم عساك تعيش، فتيقظ، يا اسكندر من مات محمودا كان أحسن حالا ممن عاش مذموما يا اسكندر أنت موضع مدحي إن عدلت وإن جرت قصر
(1/458)

لساني في ذكر مدحك يا اسكندر اطلب الغنى الذي لا يفنى والحياة التي لا تتغير والملك الذي لا يزول والبقاء الذي لا يضمحل يا اسكندر لا فخر فيما يزول ولا غنى فيما لا يثبت ولا تكلب على الدنيا فإنك قليل البقاء فيها، يا اسكندر من أسرف في الشراب فهو من السفلة، يا اسكندر عند الغضب تعرف الرجال، يا اسكندر اعلم أن الدولة إذا أقبلت إلى الملك فتخدم شهوته عقله، وإذا أدبرت الدولة فيخدم عقل الملك شهوته، يا اسكندر من علامة الدولة اقتناء المناقب واصطناع الأحرار وإذا أدبرت فاصطناع السفلة، يا اسكندر من لم يصلح نفسه كيف يصلح غيره، يا اسكندر السكر على الملك حرام لأنه حارس المملكة فقبيح أن يحتاج الحارس إلى حارس، يا اسكندر إن الظالم يبقى ما حفظ العمارة وحدود الشريعة فإذا تجاوز عنهما فقد حان هلاكه يا اسكندر الأخيار يتقربون إلى الملك بالمناصحة والدعاء إلى الخير والأشرار يتقربون إليه بمساوىء الناس والطعن في أعراضهم وأن الساعي بمنزلة الحريق المشعل، يا اسكندر اعلم أن عيب عمالك وأمرائك منسوب اليك ولك كل ملك يستأصل أشراف رعيته ويبقى السفل بمنزلة رجل يقلع الأشجار المثمرة ويغرس عروق العوسج، يا اسكندر اعلم أن الأيام تهتك الأستار وتغير اللباس وتحوج الناس إلى النار
(1/459)

وتخلق الجديد وتدرس الجميل وتأتي على كل شيء الا على الذكر الجميل والمحبة القديمة وثناء فائح ودعاء صالح وعدل شائع فإنه يبقى مدى الأيام تزود من الذكر الجميل فإنه سيبقى وما فوق التراب تراب.
(الباب الثاني عشر فيما يختص بعقوبته)
اعلم يا علم الوزراء وطراز الرؤساء وصاحب العزة القعساء والدولة الشماء أدام الله أيامك ما رفعت يد بالدعاء أن خطر الوزارة عظيم وخمارها صعب شديد فإن السلطان مسؤول عما يفعله هو بنفسه وعما يفعله نوابه والوزير غدا مسؤول عن عدل نفسه وعدل نوابه وعدل ما ملكت يمينه أن خيرا فخير وإن شرا فشر وبالجملة هو مأخوذ بفعل الغير.
قال الله عز وجل لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
وقد قال جهابذة العلماء في تفسير قول الله تبارك وتعالى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
يعني لا تزر وازرة طوعا واختيارا ولكن تحمل عليه قهرا واقتسارا فإذا ظلم نوابه فهو مأخوذ بظلمهم لأنه ولاهم على رقاب العباد وعلم أنهم يظلمون الناس بغير الحق فلم يمنعهم فكأنه رضي بفعلهم والرضا بالظلم ظلم والرضا بالفسق فسق والرضا بالكفر كفر، فمن تغافل وسكت بعد العلم بذلك فقد
(1/460)

هلك من حيث لا يشعر وإن كان له حسنات وكان له خصوم وتؤخذ منه، ومن لم يكن له حسنة فيطرح عليه أثقال الخصوم وذنوب القوم فيا معشر الوزراء الإعتبار الإعتبار.
ويا أعلام الرياسة الإعتذار الإعتذار وعن سر هذا ألقى عمر درته، وقال لا أريد الخلافة من يأخذها بما فيها، وعن هذا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما من وال إلا ويود يوم القيامة أن لو أعطى قوتا من الدنيا، فمتى ظلم النواب والعمال في الولاية وعلم به الوزير فلم يمنعهم فهو معاقب يوم القيامة ومسؤول عنه فيا عجبا لمن يدعي الفهم وهو أعمى يحرق نفسه لأجل الغير ويسوّد صحيفته لأجل غيره ويبيع آخرته بدنياه إن كان في هذا عقل فما في عالم الله تعالى جهل فإذا قطع الطريق في حدود ولايته فهو مسؤول عنه، فإن قال كنت عاجزا فيقال هلا سلمتها إلى قوي قادر الآن وقد عصيت قبل، وإن رتع النائب فيما لا يحل فهو مسؤول وإن ضاع الفقراء في ولايته فهو معاقب بذلك إذ يجب عليه أن يوصل إليهم حقوقهم، وإن خرب مسجد أو انشرم رباط فيجب عليه أن يعمره، وإن ظلم عبيده وخدمه أو تركوا الصلاة فيجب عليه أن يأمرهم بالصلاة وترك الظلم فإنهم محبوسون تحت يده، وإن تغافل وأبى فقد باء بغضب من الله تعالى ولا يحزنك دم هراقه أهله، وإن تعطل في ولايته حد من حدود
(1/461)

الله تبارك وتعالى أو زيد فهو المطالب به غدا، ويتحاشى الوزير من شيء هو قاصمة الظهر وهو مصادرة الناس وإراقة دمائهم باسم المصلحة للمملكة فإن الولاة يقهرون ويضيعون حكم المواريث ويرفعون آية من كتاب الله تعالى وهي قوله عز وجل يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
ويسمونها مال المصالح وهو مال المفاسد وإياك من شيء أحدثه الظلمة الأجلاف فإنه مؤذن بزوال الدين والدنيا وهو تغيير موجبات الشرع ووضع مراسيم وأحكام من عند أنفسهم، مثاله: الشرع أمر بقطع يد السارق والإقتصاص من القاتل وحد شارب الخمر والقاذف والزاني وقاطع الطريق وزجر النائحة وهجران المنجم فهؤلاء غيروا أوضاع الشرع وعقدوا على كبائر الذنوب ضمانا وقبالة فإن أوتوا بسارق يأخذون منه قليلا ويخلونه وشأنه ثم هو يستوثق بهم فيتخذها حرفة وصناعة، وإن رأوا شارب خمر لا يحدونه وإن بالغوا في الحد كان ذلك دانقا وإن قبضوا على قاتل يأخذون منه دنانير ثم يعفون عنه مع سخط الأولياء ويطالبون الجيران بالجناية والمصادرة وعقدوا على المأجور وبيت القمار في كل بلدة سجلا وقبالة ويشاركون الجباة في بعض جرائمهم، ولقد رأيت سارقا قبض عليه فحملوه إلى السجن فحبس ساعة ثم خلي سبيله ثم قيل إن السارق
(1/462)

شريك الوالي فيما يتعاطاه يقسم معه كلما يسرق، فقلت يا للمسلمين هذا إن كان الحق فأين الباطل وإن كان هو اسلاما فأين الكفر!؟ يا هذا اقصر فما بقي من الإسلام إلا اسمه ثم أقول إن يكن اعتقد استحلال ذلك فقد لزمه الكفر ومن لم يعتقد فهو به فاسق لا يجب التسليم عليه ويعلم أن كل مرسوم محدث في بلده هو مأخوذ به ويلحقه الإثم والحرج في الحياة وبعد الممات لأنه يمكنه تغييره إذ هو تحت ولايته ولم يكن مبتدعا في ولايته حتى تستفيض بدعته فنعوذ بالله من هذه الصفات بل هذا كفر صريح يبوء باثمه بل المفترض عليه أن يزيل البدعة ويهين أهلها فإذا سكت عنها فالسكوت أخو الرضا فكم أحصى من هدى ولا يمكن احصاؤه والله تعالى أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
(الباب الثالث عشر في وظائف الوزارة)
الوظيفة الأولى أن يبتدىء الوزير يومه بالدعاء وقراءة القرآن العظيم، وفي الخبر، من قرأ كل يوم مائة آية عصم ذلك اليوم، الثانية أن يتصدق بشيء وإن كان يسيرا ليكون دافعا لقضاء السوء، الثالثة نية الخير والعزم على الصلاح فيقول لعل هذا اليوم آخر أيامي ولا أعيش بعده فأختم أعمالي بالخير وكل ما يحب لنفسه يحب لرعيته وكل ما يكره لنفسه يكره
(1/463)

لرعيته، الرابعة أن ينتظر مجيء أرباب الحاجات فلا يستخف بهم فإن قضاء حاجة المسلم خير من سبعين حجة مبرورة وسبعمائة ركعة نافلة، الخامسة أن يأخذ في كل أمر بالرفق دون العنف فإنه قادر على العنف فيأخذ بالرفق ليبين فضله ويلحقه دعاء النبي صلّى الله عليه وسلم حيث قال: اللهم أيما وال رفق بأمتي فارفق به ومن شدد على أمتي فشدد عليه، السادسة أن يجتهد حتى يرضى عنه جميع رعيته ليكون خير الوزراء. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: خير أئمتكم من تحبونه وشر أئمتكم من تبغضونه، السابعة لا يؤثر رضا المخلوق على رضا الخالق فإن من سخط من قول الحق فهو شيطان الثامنة يحكم بالعدل ويأمر به. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: من حكم بين اثنين فظلم فلعنة الله على الظالمين، التاسعة أن يحضر العلماء ويجالسهم لينصحوه ويأمروه بالمعروف ويعرف أحكام الله تبارك وتعالى ولا يخطىء في دين الله عز وجل. العاشرة أن يأخذ على أيدي الظالمين ولا يمكن أحدا من الظلم فإنه مسؤول عن ظلمهم وفي التوراة إذا علم السلطان بظلم عماله فرضي به فكأنما فعله والله تعالى أعلم.
(الباب الرابع عشر في مصانعة العمال)
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم من ولي لنا شيئا فلم يكن له امرأة
(1/464)

فليتزوج ومن لم يكن له مسكن فليتخذ مسكنا ومن لم يكن له مركب فليتخذ مركبا ومن لم يكن له خادم فليتخذ خادما فمن اتخذ سوى ذلك كتب خائنا وجاء يوم القيامة غالا سارقا (حكى) أن امرأة من قريش أرادت أن تخاصم غريما لها إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأهدت إلى عمر رضي الله عنه فخذ خروف فتوجه القضاء عليها فقالت يا أمير المؤمنين افصل القضاء بيننا كما يفصل فخذ الخروف فقضى عليها ثم قال اياكم والهدايا وذكر القصة ورد الهدية. واستعمل الحجاج المغيرة بن عبد الله على الكوفة فأهدى اليه رجل سراجا من شبه فبلغ خصمه فبعث ببغلة فلما اجتمع عنده الخصمان جعل يحمل على صاحب السراج وهو يقول أمري أضوأ من السراج، قال له ويلك إن البغلة رمحت السراج فكسرته؛ ولما أتى عمر رضي الله عنه بتاج كسرى جعل يقلبه بعود في يده ويقول والله، إن الذي أهدى هذا لأمين فقال رجل، يا أمير المؤمنين أنت أمين الله يؤدون إليك ما أديت إلى الله فإذا رتعت رتعوا، قال صدقت ولما أتى علي كرم الله وجهه بالمال أقعد بين يديه النقاد والوزان وكوم كومة من ذهب وفضة وقال يا حمراء ويا بيضاء احمرّي وابيضي وغري غيري. وكان عمر رضي الله عنه إذا بعث عاملا اشترط عليه أربعا: لا يركب البراذين ولا يلبس
(1/465)

الرقيق ولا يأكل النقي ولا يتخذ بوابا ولما قدم أبو هريرة رضي الله عنه من البحرين، قال عمر رضي الله عنه يا عدو الله وعدو كتابه أسرقت مال الله تعالى، قال لست بعدو الله ولا عدو كتابه ولكن عدو من عاداهما لم أسرق من مال الله تعالى، قال فمن أين جمعت لك عشرة آلاف، قال خيلي تناسلت وسهامي تتابعت فقبضها منه. وقال أبو هريرة فلما صليت الصبح استغفرت لأمير المؤمنين ثم قال لي ألا تعمل؟
قلت لا، قال قد عمل من هو خير منك يوسف، فقلت نبي ابن نبي، قلت أخشى خمسا: أن أقول بغير علم وأحكم بغير حق وأن يضرب ظهري ويشتم عرضي وينزع مالي، فقال كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة. وقال معاوية لعامل كل قليلا تعمل طويلا والزم العفاف يلزمك العمل وإياك والرشا يشتد ظهرك عند الخصام، وقيل لأعرابي أكلت مال الله عز وجل، قال فمال من آكل، ولما قدم معاذ من اليمن، قال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه ارفع حسابك، فقال حسابان حساب من الله تبارك وتعالى وحساب منكم والله لا وليت لكم عملا أبدا والله أعلم بالصواب.
(كتاب في التواريخ)
وفيه ثلاثة عشر بابا أصولا ويشتمل على اثنين وعشرين
(1/466)

بابا على ما يأتي تفصيله وبالله المستعان.
(الباب الأول في أيام آدم ومن بعده من الأنبياء عليهم السلام)
عاش آدم عليه الصلاة والسلام ألف سنة ونيفا وبين آدم والطوفان ألفا سنة وبين نوح وابراهيم الخليل صلوات الله عليهما وسلم ألف سنة وبين ابراهيم صلوات الله عليه وموسى عليه السلام سبعمائة سنة وبين داود عليه السلام وموسى خمسمائة سنة وبين داود وعيسى صلوات الله عليهما ألف ومائتا سنة وبين عيسى ومحمد صلّى الله عليه وسلم ستمائة وعشرون عاما ومن زمن آدم عليه السلام إلى الهجرة سبعة آلاف وأربعون سنة وبين الإسكندر وأزدشير أربعمائة وخمسون سنة وبين أزدشير إلى يزدجرد المقتول في خلافة عمر رضي الله عنه أربعمائة سنة وبين الإسكندر ونبينا محمد صلّى الله عليه وسلم تسعمائة سنة.
(الباب الثاني في أيام الملوك السالفة)
ملك في بطن أمه سابور ذو الأكتاف لما هلك أبوه هرمز لم يكن له ولد يجعل مكانه فشق على القوم، فقالت امرأته بها حمل فسروا بذلك وعقدوا التاج على بطنها على أن يملكوا ما
(1/467)

فيها كائنا ما كان فولدته، ملك في الإسلام أربعين سنة معاوية رضي الله عنه عشرين سنة أميرا وعشرين سنة خليفة، ليلة ولد فيها خليفة واستخلف خليفة ومات خليفة ليلة ولد المأمون ومات الهادي واستخلف الرشيد، خليفة خلع ثم أعيد إلى الخلافة الأمين أخرجه الحسين بن هامان على رؤوس الناس حافيا حاسرا فجعله وحبسه يومين ثم شغب الجند على الحسين فهرب فقتل وقيل أجلس وكان في حصار سنة وستة أشهر إلى أن قتل وخلع المقتدى بالله وقتل وزيره العباس وبويع لابن المعتز ثم انحل أمره في الغد وردت إليه الخلافة، خليفة جرت أحواله على ثمانية المعتصم بالله لقب بالمثمن لأن الله سبحانه وتعالى قضى له في كل أمر عدد الثمانية فهو ثامن ولد العباس وثامن الخلفاء ومورثه ثمانية آلاف دينار وثمانية عشر ألف دابة وفتوحة ثمان مدن. أربعة أخوة كل واحد منهن أسن من الآخر بعشر سنين على الولاء هم طالب وعقيل وجعفر وعلي بنو أبي طالب. أب وابن بينهم تقارب شديد عمرو بن العاص بينه وبين ابنه عبد الله ثلاث عشرة سنة ولا يذكر مثله والله أعلم بالصواب.
(الباب الثالث في المعمرين)
أربعة نفر عاشوا حتى ولد من صلب كل واحد مائة
(1/468)

مولود خليفة ابن أبي السعدى وأنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه وعبد الله بن عمر الليثي وجعفر بن سليمان الهاشمي، توفي المتوكل عن نيف وخمسين ابنا ونيف وعشرين بنتا، عاش النبي صلّى الله عليه وسلم ثلاثا وستين سنة وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما مثله والمأمون ثمانية وأربعين سنة والمعتصم مثله، ولد النبي صلّى الله عليه وسلم يوم الأثنين وبعث صلّى الله عليه وسلم يوم الأثنين ونزلت هذه الآية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
يوم الأثنين وتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم الأثنين اللهم احشرنا في زمرته ولا تحرمنا شفاعته.
(الباب الرابع في الموالي وظرائف الإتفاق)
كان فقهاء السلف رحمهم الله موال ابن أبي ليلى كوفي والحسن وابن سيرين موليان فقهاء مكة، عطاء ومجاهد وسعيد ابن جبير وسليمان بن يسار موال فقهاء المدينة، ربيعة الرأي وطاوس ومكحول الشامي موال. ومن ظرائف الإتفاق خمسة من الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام ذوو اسمين أحمد ومحمد صلّى الله عليه وسلم وعيسى والمسيح عليه السلام وذو الكفل واليسع واسرائيل ويعقوب ويونس وذو النون وملكان اسلاميان أول اسم كل واحد منهما عين مثل كل واحد منهما ثلاثة من الملوك أول أسمائهم عين عبد الملك بن مروان قتل عبد الله
(1/469)

ابن الزبير وعمرو بن سعيد الأشدق وعبد الرحمن بن الأشعث والمنصور وهو عبد الله بن محمد قتل عمه عبد الله بن علي وعبد الرحمن بن محمد بن مسلم وعبد الجبار بن عدي والي خرسان والله أعلم.
(الباب الخامس فيمن ولد لأكثر من المعهود)
وممن بقي في بطن أمه أكثر من تسعة أشهر الضحاك بن مزاحم ولد لستة عشر شهرا، وشعبة ولد لسنتين وهرم بن حيان بقي في بطن أمه أربع سنين ولذلك سمي هرما ومالك ابن أنس رحمه الله حملت به أمه أكثر من ثلاث سنين ومحمد بن عجلان بقي في بطن أمه أربع سنين وولد وقد نبتت أسنانه وشعره، وامرأة من بني عجلان كانت تضع في أربع سنين فسميت حامل الفيل، وموسى بن عبد الله بن حسين حملت به أمه وهي بنت ستين سنة، وفي بني عجلان امرأة حملت مرة خمس سنين. تم الباب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(الباب السادس فيمن سموا بأسماء آبائهم)
وهم سعيد بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن عبد الله بن الحارث، وعمر بن عمر بن الحسين بن علي بن أبي طالب،
(1/470)

وعتاب بن عتاب بن أسيد وعبد الله بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (فصل) الطائفة التي قتلت عثمان رضي الله عنه أعين البرجمي وتميم ابنا بديل اليحصبي وعمر بن صابىء البرجمي وهذا آخره والله سبحانه وتعالى أعلم.
(الباب السابع فيمن طلب الملك ولم ينله)
سمى أبو بكر الصديق أبا عبيدة بن الجراح يوم السقيفة، وسمى عمر يوم الشوري ستة نفر، فولى الخلافة عثمان وعلي وخالد بن يزيد بن معاوية رضي الله عنه، شرط حسان بن مالك بن بحدل على مروان أن يعهد إليه بعده فوعده ذلك عبد العزيز ابن الوليد سماه أبوه للخلافة ثم لم يف عبد الرحمن بن محمد بن أشعث أخذ البيعة لنفسه بفارس في خلافة عبد الملك فقتل بعد انهزامه من دير الجماجم، عبد العزيز بن عباس بايعه أهل البصرة، ثم طلب فهرب إلى بلاد الهند فمات بها، أبو الحسن زيد بن علي ظهر في أيام هشام فقتل وصلب سنين ثم أحرق وذرى، يزيد بن المهلب غلب على البصرة في خلافة يزيد بن عبد الملك فقتل الحكم وعثمان ابنا الوليد بن يزيد عهد إليهما أبوهما فلما مات حبسهما يزيد بن الوليد وقتلهما في الحبس. عبد الله وعبيد الله ابنا مروان كانا وليا العهد فلما قتل هربا إلى بلاد النوبة، عبد الله بن معاوية
(1/471)

ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ظهر بأصبهان وغلب عليها وعلى فارس في أيام مروان فقتله أبو مسلم (فصل) عيسى بن موسى عقد له التاج فألزمه المنصور خلع نفسه، محمد ابن عبد الله بن حسن بن علي خرج بالمدينة في عسكر جرار فقتله المنصور وخرج أخوه بالبصرة فاجتمع إليه ستون ألف مقاتل فأصابه سهم فقتل وحمل رأسه إلى المنصور فتمثل بقول القائل:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
جعفر بن موسى الهادي رشحه أبوه للأمر بعده فمات قبله، القاسم بن الرشيد عقد له أبوه وسماه المؤتمن فألزمه المأمون خلع نفسه، موسى بن محمد الأمين عقد له أبوه وسماه الناطق بالحق فلما قتل الأمين بطل أمره. علي بن موسى بن جعفر الرضا عقد له المأمون فمات قبله. ابراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة بايعه أهل بغداد وسموه المبارك، العباس ابن المأمون رشحه أبوه ثم رأى المعتصم أقوم منه بالأمر فعدل عنه فلما خرج المعتصم إلى عمورية جمع الناس وأخذ البيعة لنفسه. سرا فعاد المعتصم فقبض عليه وعلى من بايعه فقتلهم جميعا. ابراهيم بن جعفر بن المتوكل عقد له أبوه وسماه
(1/472)

المفوض إلى الله فلم يل الخلافة، عبد الله بن المعتز بويع وسمى المنتصف بالله فجلس يوما ونصفا ثم خلع وحبس ثم قتل في خلافة المقتدر والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(الباب الثامن في المؤلفة قلوبهم)
أبو سفيان وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وهبار بن الأسود والحرث ابن هشام وحكيم بن حزام وصفوان بن أمية وقيس بن عدي، ومن فزارة عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، ومالك بن عوف والعباس بن مرداس السلمى، والعلاء بن الحارث والله أعلم.
(الباب التاسع في كتّاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم)
كان علي وعثمان رضي الله عنهما يكتبان الوحي بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلم فإن غابا كتب أبيّ وزيد بن ثابت، فإن غابا كتب حمزة وخالد بن سعيد بن العاص ومعاوية رضي الله عنهما يكتبان بين يديه في حوائجه، والمغيرة بن شعبة ينوب عنهما إذا لم يحضرا وزيد بن أرقم ربما كتب عنه إلى الملوك، وكان حذيفة بن اليمان يكتب خرص التمر ومعيقيب بن أبي فاطمة حليف بني أسد يكتب مغانم رسول الله صلّى الله عليه وسلم،
(1/473)

وحنظلة بن الربيع بن صيفي بن أخي أكتم بن صيفي خليفة كل كاتب من كتابه، وعبد الله بن أبي سرح يكتب له قديما ثم ارتد، وقال إن محمدا يكتب ما شئت فسمع انصاري فحلف ليضربنه بالسيف فيوم الفتح دخل به عثمان وكان أخاه من الرضاعة. قال يا رسول الله صلّى الله عليه وسلم هذا عبد الله بن أبي سرح قد أقبل تائبا فأعرض عنه والأنصاري يطيف به ومعه سيفه فأعاد عثمان القول فمد يده فبايعه، ثم قال للأنصاري لقد بلغت مناك أن توفي بنذرك، قال هلا أو مضت إليّ يا رسول الله، فقال لا ينبغي لي أن أومض (فصل) الكتاب الذين صاروا خلفاء وهم أبو بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه وعثمان رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاوية ومروان بن الحكم كاتب عثمان رضي الله عنهم أجمعين ثم صار خليفة وعبد الملك كاتب ديوان المدينة ثم صار خليفة والله أعلم.
(الباب العاشر في أعرق الأنبياء في النبوة)
أعرق الأنبياء يوسف الصديق بن يعقوب اسرائيل بن اسحق الذبيح بن ابراهيم الخليل صلوات الله عليهم، وأعرق الأكاسرة في الملك شيرويه بن أبرويز بن هرمز ابن أنوشروان. وأعرق الخلفاء المنتصر بن المتوكل بن المعتصم بن
(1/474)

الرشيد بن المهدي، ومن أعجب الأشياء أن شيرويه قتل أباه واستولى على ملكه فلم يعش بعده الا ستة أشهر. والمنتصر قتل أباه المتوكل واستولى على الخلافة فعاش بعده ستة أشهر وأعرق ملوك العرب النعمان بن المنذر بن امرىء القيس.
وأعرق الناس في الملك والخلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، وأعرق الناس في صحبة رسول الله صلّى الله عليه وسلم محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة فإن أربعتهم رأوه وصحبوه. وأعرق الناس في العمى عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب، فعمي في آخر عمره. وأعرق الناس في القتل عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد ولا يعرف في العرب والعجم ستة مقتولون في نسق إلا في آل الزبير، قتل عمارة وحمزة معا يوم قديد في حرب الإباضية وقتل مصعب بدير الجاثليق في حرب عبد الملك وقتل الزبير بوادي السباع قتله عمرو بن جرموز السعدي وقتل العوام في حرب الفجار، وقتل خويلد في حرب خزاعة وأعرق الناس في القضاء بلال بن أبي بردة الأشعري قاضي البصرة وأبوه على الكوفة وأبوه أبو موسى قاضي عمر رضي الله عنهم (فصل) أعرق الناس في حجابة الخلفاء العباس بن الفضل بن الربيع حجب العباس للأمين والفضل للرشيد والربيع للمنصور والمهدي، وأعرق الناس في الإمارة عمر بن
(1/475)

سعيد بن مسلم بن قتيبة ابن مسلم، وأعرق الناس في الجود عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف كل هؤلاء يضرب بهم المثل، وأعرق الناس في الغدر عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث بن قيس بن معدي كرب، وأعرق الناس في الشعر حسان ستة في نسق شعراء، وأفرس الناس في ثلاثة عزيز مصر تفرس في يوسف، فقال لامرأته: أكرمي مثواه وصفورا بنت شعيب في موسى عليه السلام، قالت: يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله عنهم، وأشرف الناس منكحا مصعب بن الزبير جمع بين سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة وابنة الحميد بن عبد الله ابن عامر بن كرز، وأسماء بنت ريان بن أنيف الكلبي، ثم خالد ابن يزيد بن معاوية تزوج أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وآمنة بنت سعد بن العاص ورملة بنت الزبير يقول:
إذا ما نظرنا في مناكح خالد ... علمنا الذي ينوي وأين يريد
رجل تزوج إليه أربعة من الخلفاء عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان رضي الله عنهما تزوج الوليد بن عبد الملك ابنته عبدة وتزوج أخوه سليمان ابنته عائشة وتزوج يزيد
(1/476)

أخوه ابنته أم سعيد وهشام أخوه ابنته رقية (فصل) لم ير الناس أشد تباعدا من قبور بني العباس بن عبد المطلب قبر عبد الله بالطائف وقبر عبيد الله بالمدينة وقبر الفضل بالشام وقبر قثم بسمرقند وقبر معبد بأفريقية.
(الباب الحادي عشر في ذوي العاهات)
وهم شعيب واسحاق صلوات الله عليهم أجمعين كانا أعميين وعبد الله بن العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وأبو سفيان بن الحرث وأبو سفيان بن حرب والقاسم ابن محمد بن أبي بكر والبراء بن عازب وجابر بن عبد الله وحسان بن ثابت وسعد بن أبي وقاص وغدانة الأوسى وأبو عبد الرحمن السلمي ودريد بن الصمة الجشمي وشهد حنينا وهو يومئذ أعمى، فنسأل الله العظيم المنان أن ينور قلوبنا وقبورنا بالإيمان والقرآن بمنه وكرمه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(الباب الثاني عشر في عاهات الأشراف العور)
أنوشروان وأمية بن عبد شمس والمغيرة بن شعبة ذهبت عينه يوم القادسية، الأشتر النخعي الأشعث بن قيس ذهبت عينه يوم اليرموك. أبو سفيان ذهبت عينه يوم الطائف.
(1/477)

عتبة بن أبي سفيان ذهبت عينه يوم الجمل. جرير بن عبد الله ذهبت عينه بهمذان. عدي بن حاتم ذهبت عينه يوم الجمل. المختار بن أبي عبيد ضربه عبد الله بن زياد في وجهه بالسوط. طلحة الطلحات والمهلب بن أبي صفرة ذهبت عيناهما بسمرقند. عمرو بن معد يكرب ذهبت عينه في اليرموك. الأحنف ابن قيس ذهبت عينه في الجدري. عطاء ابن أبي رباح كان متكئا على وسادة فقال لتلميذه: ناولني شيئا كان بين يديه ذلك الشيء، فقال له: هو بين يديك، فقال: يا بني وما تعجب من هذا فو الله الذي لا اله غيره ولا يعبد سواه لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة ولم يعلم بها أحد إلى هذا اليوم. وكان الخليل وأبو مقتل وابن أحمر كلهم عور، وكذا طاهر بن الحسين وأنشد فيه:
يا ذا اليمينين وعين واحدة ... نقصان عين ويمين زائدة
(الباب الثالث عشر في العاهات أيضا والإضافات)
ويشتمل هذا الباب على سبعة أبواب متوالية في أنواع الإضافات. رؤساء البصرة كانوا أربعة وكانوا عورا، أحنف ابن قيس والمهلب وابن مسمع وعبيد الله بن معمر، أبو لهب، أبو جهل بن هشام، أبان بن عثمان، زياد بن أمية، وأبو بردة بن أبي
(1/478)

موسى كانوا حولا. الصلع عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي وعتبة بن أبي سفيان وعمر بن عبد العزيز. العرج أبو طالب ومعاذ بن جبل وعبد الله بن جدعان والحرث بن أبي شمر الغساني وعمرو بن الجموح وعبد الحميد ابن عبد الرحمن وسليمان بن عبد الملك. البرص جذيمة الأبرش الأزدى ويربوع بن حنظلة وضمرة بن ضمرة وأبيض بن امرىء القيس الكندي ودريد بن الصمة والربيع بن زياد والحسن بن قحطبة والحرث بن بكرة، وزهير قام خطيبا في حرب بكر فضرط، فقيل له كل أبلق ضروط وعمر بن عبد الله بن عمرو بن وهب بن حذافة أسر يوم بدر فأطلقه النبي صلّى الله عليه وسلم وأخذ عليه أن لا يهجوه فعاد يوم أحد فأخذه ثانية، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين فأمر بضرب عنقه وكانت قريش أخرجته من مكة مخافة العدو فيكمن في الليل في شغف الجبال وبالنهار يستظل بالشجر فشكى بطنه فأخذ مدية فوجأ بها معدته فسال الماء فبرىء برصه فقال في ذلك المعنى:
لا هم رب وائل ونهد ... واليعملات والخيول الجرد
ورب من سعى بأرض نجد ... من بعد ما طعنت في مد
(1/479)

أبرأت مني برصا بجلدي ... أصبحت عبد الملك وابن عبد
وأنس بن مالك روى أن عليا كرم الله وجهه سأله عن قول النبي لله: اللهم وال من والاه فقال كبر سني وأنسيت فقال: إن كنت كاذبا فرماك الله ببيضاء وضح لا تواريها العمامة فبرص جلده (فصل) من اجتمع فيه عدة عاهات أبان بن عثمان أصم أبرص أحول مفلوج، أحنف بن قيس أعور متراكب مائل الذقن، أقرع بن حابس أصم أعور وأقرع الرأس، عمرو بن عدس أبخر أبرص ولده أفواه الكلاب، عطاء بن أبي رباح أسود أعور أفطس أعرج ثم عمى في آخر عمره. مسروق بن الأجدع أحدب أسل مفلوج. أبو الأسود الدؤلي أعرج أبخر مفلوج (فصل) الحمقى من قريش عامر بن كريز بن ربيعة ومعاوية بن مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان والعاصي بن هشام وسهل بن عمرو بن العاص بن سعيد بن العاص. ولكل من هؤلاء قصة ذكرها أبو عبيدة في كتاب المثالب (فصل) الزنادقة من قريش أبو سفيان عقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف النضر ابن الحارث بن كلدة ومنبه ونبيه ابنا الحجاج السهميان والعاصي بن وائل السهمي الوليد بن المغيرة المخزومي تعلموا الزندقة من نصارى الحيرة فلم يسلم منهم غير أبي سفيان (فصل) الطوال جذيمة بن علقمة
(1/480)

ابن فراس الكناني وزيد الخيل بن مهلهل وأبو زيد الطائي وعمرو بن معديكرب وربيعة بن عامر يماشي الظعينة فيقبلها فسمي مقبل الظعينة وعدي بن حاتم مالك، الأشتر النخعي وعامر بن الفضيل وعد الله بن أبي بن سلول وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعمر رضي الله عنه كان إذا مشى كأنه راكب والناس يمشون حوله وجرير بن عبد الله وقيس ابن سعد وعبيد الله بن زياد لا يرى ماشيا إلا ظن أنه راكب لطوله وجبلة بن الأيهم طوله اثنا عشر شبرا (فصل) القصار ابن مسعود لا يكاد يجاوز الجالس وابراهيم بن عبد الله بن عوف تزوج سكينة بنت الحسين فلم ترضه فخلعت منه وكثير عزة والحطيئة وثابت بن سنان، في التاريخ أنه احتيج بسبب قصر الوزير أبي جعفر محمد بن القاسم إلى أن نقص من سرير الخلافة أربع أصابع وهذا ما انتهى إلينا والله تعالى أعلم.
(الباب الرابع عشر في صناعة الأشراف)
أبو طالب يبيع العطر، أبو بكر كان بزازا وكذلك عثمان وطلحة وعبد الرحمن، وسعد بن أبي وقاص يبري النبل والعوام كان خياطا وابنه الزبير كان خرازا وعامر بن كرز والوليد بن المغيرة حدادا، وعقبة بن أبي معيط كان خمارا، وأبو سفيان يبيع الزيت والادم، عبد الله بن جدعان نخاس
(1/481)


وله جوار يساعين ويبيع أولادهن، النضر بن الحارث يضرب بالعود وكذلك الحكم بن العاص والد مروان، ابن سيرين كان بزازا وأبو حنيفة كان خرازا، ومالك بن دينار كان وراقا (فصل) في حكام العرب من تميم أكثم بن صيفي حاجب بن زرارة أقرع بن حابس لقريش عبد المطلب وأبو طالب والعاص بن وائل لبني أسد وسويد بن ربيعة وغيلان بن سلمة الثقفي له ثلاثة أيام يوم للحكم بين الناس ويوم لإنشاد الشعر ويوم ينظر في نعمه وجاء الإسلام وله عشرة نسوة فخيره النبي صلّى الله عليه وسلم فاختار أربعا رضي الله عنه دهاة العرب معاوية ابن أبي سفيان وزياد بن أبيه وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وقيس بن سعد بن عبادة وحاجب بن زرارة وأحنف بن قيس.
(الباب الخامس عشر في الإضافات)
أهل الله لقريش مجاورة البيت وتحمسهم في دينهم وصبرهم على لأواء مكة وتعظيم الحرم ومنع الظالم من الظلم وسماهم الحرث قرابين الله تعالى أي يتقرب إليه بهم؛ أسد الله لحمزة بن عبد المطلب، وقال يوم بدر أنا حمزة أسد الله تعالى وأسد رسول الله صلّى الله عليه وسلم سيف الله تعالى لخالد بن الوليد لحسن آثاره في الإسلام وكان إذا نظر إليه وإلى عكرمة بن
(1/482)

أبي جهل قرأ يخرج الحي من الميت لأنهما من خيار الصحابة وأبواهما أعداء الله ورسوله، ولما مات ارتفعت أصوات النساء بالبكاء عليه وأنكر بعض الصحابة ذلك، فقال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: دعوا نساء بني المغيرة يبكين أبا سليمان ويرقن من دموعهن سجلا أو سجلين ما لم يكن نقع ولا لقلقة، قوس الله لما يقل لينه، رمح الله، كان عمر يقول للكوفة رمح الله وفيها جمعة العرب وكنز الإسلام أراد أن أهلها سلاح على أعداء الله، سعد الله يقال لا يدري أسعد الله أكثر أم جذام حيان بينهما نزاع يقال:
لقد أفحمت حتى لست أدري ... أسعد الله أكثر أم جذام
نهر الله ومعناه البحر يقال إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل نهر بالبصرة، خاتم الله للدنانير ففي الخبر أنها كنوز الله في أرضه فمن أراد فليأتها بخاتمه، يقال في كنية العذرة بكر بخاتم ربها عذراء سجن الله الحمى في الخبر الحمى سجن الله في أرضه يحبس فيها عباده إذا شاء ويطلق إذا شاء؛ بنيان الله، قال النبي صلّى الله عليه وسلم: من هدم بنيان الله فهو ملعون يعني من قتل نفسا.
(1/483)

(الباب السادس عشر)
وصيّ آدم، للفضولي فيما لا يعنيه، وخلف آدم في ولده، سفينة نوح للشيء الجامع لأنه جمع فيها من كل زوجين اثنين، غراب نوح للرسول الذي لا يعود:
وندمان بعثت به رسولا ... فكان بحاجتي كغراب نوح
مقام ابراهيم لكل مقام شريف، نار ابراهيم في البرد والسلامة، ضيف ابراهيم للضيف الكريم لأنه قام عليهم بنفسه، وعد اسماعيل للصدق لأن الله تعالى أثنى عليه بصدق الوعد، ذنب يوسف لمن يرمى بذنب جناه غيره، قميص يوسف أجرى الله أمره على ثلاثة أقمصة قميصه الممتزج بالدم والقميص المخروق والقميص الثالث قميص البشارة، ريح يوسف للشيء السار، نار موسى للشيء الهين تطلب العلى فتجد بسببه العلق النفيس، يد موسى للبياض، بقية قوم موسى في الملال وقلة الصبر خليفة الخضر للجوال في الأسفار، حوت يونس للأكول، مزامير داود للطيب وكان له مزامير يزمر بها فيبكي الأنس والجن، سير سليمان في السرعة، حمار عزير للمركوب ينتعش لأن الله أحياه مائة سنة، داء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الفالج واللقوة (فصل) في أسماء من ولد من
(1/484)

الأنبياء مختونا، آدم وشيث وادريس ونوح واسماعيل وهود وصالح ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين.
(الباب السابع عشر)
خط الملائكة للرديء الخط لأن خطهم كان غير بيّن، غسيل الملائكة حنظلة بن عامر وعمران بن الحصين تحافت بهما الملائكة، حربة أبي يحيى هي الموت وأبو يحيى ملك الموت يكنى عنه بذلك، كما كني عن اللديغ بالسليم العرب تسمي الطاعون رماح الجن، قال الصولي في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وقع طاعون عظيم ببغداد فتفانوا بها الناس، كلاب الجن للشعراء، ذبائح الجن أن يذبح ذبيحة للطير ويضيف جماعة، رقى الشيطان هي الشعر، مكيال الشيطان للجور كما يقال للعدل ميزان الباري، ظل الشيطان للمتكبر الضخم، لطيم الشيطان لمن به لقوة، بريد الشيطان الوزغ في قول ابن عباس، وكر الشيطان للسوق، في الخبر: إياكم والأسواق فإن الشيطان قد باض فيها.
(الباب الثامن عشر)
أجسام عاد من عظم خلقها، أكل لقمان صاحب النسور
(1/485)

كان يتغذى بجزور ويتعشى بمثله. صرح هامان بنى لفرعون من الآجر، سد الإسكندر للحصانة والوثاقة، نوم أصحاب الكهف لمن طال نومه، جور سدوم لقاض جائر، درة عمر للشيء المهيب أتى بالهرمز ان ملك خوزستان إلى عمر أسيرا فرآه متوسدا في المسجد، فقال رأيت الأكاسرة والقياصر فما هبت أحدا منهم هيبتي لصاحب هذه الدرة، قميص عثمان لشيء يكون سببا للتحريش بين الناس، أفقه العبادلة عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص، ذكاء، اياس كان قاضيا تقيا، ملاعب الأسنة عامر بن الطفيل ملاعب الرماح أبو براء عامر بن مالك، أزواد الركب ثلاثة نفر من قريش مسافر بن أبي عمرو بن العاص وزمعة بن الأسود وأبو أمية بن المغيرة بن عبد الله سموا بذلك لأنهم كانوا لا يتزود أحد معهم في سفره ويطعمون كل من يصحبهم، يسار الكواعب عبد تعرض لبنت مولاه، فقالت إن صبرت على بخوري صرت إلى ما تريد فعمدت إلى مجمر فأدخلته تحته واشتملت على سكين حديد فجبت بها مذاكيره، فقال صبرا على مجامر الكرام فأرسلها مثلا لكل جان على نفسه فقال الفرزدق:
وإني لاخشى إن خطبت إليهم ... عليك الذي لاقى يسار الكواعب
(1/486)

سحيم الحشاش كان شاعرا يسب بنات مواليه ويصرح بالفاحشة:
وأشهد بالرحمن أني تركتها ... وعشرين منها أصبعا من ورائيا
فهددته بالقتل فقال في ذلك:
فإن تقتليني فاقتليني فقد جرا ... لنا عرق فوق الفراش وطيب
ولما عرض على السيف ضحكت إحداهن فقال:
فإن تضحكي مني فيارب ليلة ... تركتك فيها كالقباء المفرج
جبار بني العباس لهرون الرشيد لأنه أغزى ابنه القاسم الروم فقتل منهم خمسين ألفا وأخذ منهم خمسة آلاف دابة بسروج الفضة ولجمها وأغزى علي بن موسى بن ماهان بلاد الترك فقتل منهم اثنى عشر ألفا وسبى عشرة آلاف وأسر ملكين منهم ثم غزا الرشيد بنفسه الروم فافتتح هرقلة وأخذ الجزية من ملك الروم، قافة بني مدلج عيافة بني لهب رجل من بني لهب حضر الموقف مع عمر فإذا حصاة من الجمار صكت صلعة عمر فأدمته، فقال اللهبي أشعر والله أمير المؤمنين ما يقف هذا الموقف أبدا فقتل عمر في الحول
(1/487)

خطباء إيادقس بن ساعدة وكعب بن مامة وأبو داود وأبو العز أعظم الناس أيرا أنعظ يوما فاستلقى على قفاه فجاء الفصيل فتحكك بأيره يظنه الجزل وأصاب رأس أيره عروسا زفت إليه، فقالت أتهددنا بالركبة، فقال الفرزدق لحا الله هذا من إحليل ومن يقل سوى ذاك لاقاه بأير أبي العز.
مهور كندة لا تزوج بناتها إلا بمائة من الإبل. فقال النبي صلّى الله عليه وسلم اللهم اذهب ملك غسان وضع مهور كندة، رأى سطيح كاهن عظيم جار أبي داود وهو كعب بن مامة إذا جاوره رجل قام بكل ما يصلحه وعياله، وإن هلك له بعير أو شاة أو عبد أخلفه جليس، قعقاع بن سور يجعل لجليسه نصيبا من ماله وأعانه على عدوه، حديث خرافة رجل من عذرة استهوته الجن فلما رجع إلى قومه فجعل يحدثهم بالأعاجيب من حديث الجن فالعرب إذا سمعت ما لا أصل له تقول حديث خرافة، هو على يد عدل، شرطي لتبع فإذا أراد قتل رجل دفعه إليه فقيل للشيء المأيوس منه هو على يد عدل قال أبو بكر الخوارزمي ما وقع في يدي فهو على يد عدل، أبو الحسن من سدوس شؤم طويس يضرب به المثل بالشؤم. ولد في ليلة وفاة النبي صلّى الله عليه وسلم وفطم ليلة مات أبو بكر وبلغ الحلم يوم قتل عمر وتزوج يوم قتل عثمان وولد له في الليلة التي قتل فيها علي، فيقول يا أهل المدينة ما دمت
(1/488)

بين ظهركم فتوقعوا خروج الدجال فإذا مت فأنتم آمنون.
بخت أبي نافع مولى عبد الرحمن بن أبي بكر تاجر مجدود إذا اشترى شيئا غلا وإذا باعه رخص. تيجان العرب العمائم، في الخبر أن العمائم تيجان العرب فإذا وضعوها وضع الله عزهم.
يقال اختصت العرب من بين الأمم بثلاث العمائم تيجانها والسيوف سبحاتها والشعر ديوانها، قبة الإسلام البصرة خضاب الإسلام الحناء حلوبة المسلمين فيهم وخراجهم خريطة شهر لما يجيء له القراء أصحاب أبي حنيفة. يقال أربعة لم يسبقوا: أبو حنيفة في فقهه والخليل في أدبه والجاحظ في تأليفه وأبو تمام في شعره. عنزة الأعمش كان يدرس لعنزلة مخافة النسيان ردافة الملوك في بني عتاب والردافة كالوزارة، أخلاق الملوك للتلون. ويوم كأخلاق الملوك ملون. ميدان الخلفاء عشرون سنة إلى أربعة وعشرين سنة وهو دورة المشتري ولم يستكملها غير الرشيد والمقتدر، جوهر الخلافة يشترى، جوهر واحد بألف دينار، ومن البرامكة لكل شيء حسن ضرطة وهب أفلتت منه في مجلس الوزير وكان المجلس غاصا. ملاحة امرىء القيس للشيء القبيح وهو أنه ورد على قيصر يستنجده على قتلة أبيه فأمده بجيش ثم لما فارقه وشى به الوشاة فندم على تجهيزه فأعقبه بحلة مسمومة فلبسها فتقرح جلده وتساقط لحمه وأنشأ يقول:
(1/489)

وبدلت قرحا دائما بعد صحة ... وبدلت بالنعماء والخير أبؤسا
ولو أن يوما يشترى لشريته ... قليلا كتغميض القطا حين عرّسا
ولو أنها نفس تموت صحيحة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
ولما نزل بهراة مات فسمي ذا القروح، يوم عتيد اليوم المنحوس، حوليات زهير لا يعرضها على أحد حتى يحول عليها الحول، قال الخوارزمي من روى حوليات زهير واعتذارات النابغة وأهاجي الحطيئة وهاشميات الكميت ونقائض جرير وخميرات أبي نواس وتشبيهات ابن المعتز وزهريات أبي العتاهية ومراثى أبي تمام ومدائح البحتري وروضيات الصنوبري ولطائف كشاجم ولم يخرج في الشعر فلا أشب الله قرنه، صحيفة المتلمس لمن يحمل كتابا فيه حتفه، كان طرفة بن العبد وخاله جرير بن عبد المسيح والمتلمس ينادمون عمرو ابن هند فزعم أنهم هجوه فكتب إلى عامل له بالبحرين بقتلهما وأوهم أنها جائزة فخرجا حتى كانا بالنجف فإذا شيخ على رأس الطريق يتحدث ويأكل من خبز في يده ويتناول القمل فيقصعه؛ فقال: لم أر والله كاليوم شيخا أحمق من هذا، فقال وما رأيت من حمقى أخرج خبيثا وأدخل جديدا وأقتل
(1/490)

عدوا أحمق مني من يحمل حتفه بيده ففك صحيفته فإذا فيها. إذا أتاك المتلمس بكتابنا فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيا. فأخذها وقذفها في نهر الحياة ثم قال لطرفة إن صحيفتك مثلها، قال كلا لم يكن يجترىء عليّ وأخذ المتلمس نحو الشام فنجا برأسه وقدم طرفة فقال إن الملك يأمرني بقتلك فاختر أي قتلة تريدها فسقط في يديه ثم قال إن كان لا بد فبقطع الأكحل فأمر بفصده فيّ الاكحل ولم يسد حتى نزف دمه فمات فقال الفرزدق:
وكذاك طرفة حين أوجس حتفه ... في الرأس هان عليه قطع الأكحل
صحيفة الميثاق عهد الرضا، كتب عبد الملك إلى الحجاج:
أما بعد فإنك سالم والسلام فلم يدر ما معناه حتى قيل أراد قول عبد الله بن عمر في ابنه سالم:
يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
حمار القصار فيما يحمل على الخسف وسوء القرى إن جاع شرب وإن عطش شرب، كلب القصار للفقير يجاور الغني فيرى من نعمه ويؤنس نفسه، رغفان المعلم في الإختلاف والله أعلم.
(1/491)

(الباب التاسع عشر)
أبو الضيفان ابراهيم عليه السلام، أبو مرة ابليس، أبو يحيى ملك الموت، أبو البصر الأعمى، أبو سريع لنار العرفج أبو عمرة كنية الإفلاس والجوع أبو مالك للجزع والكبر لأنه يملك الرجل فيلزمه أبو طريف كنية الفرج أبو ليلى كنية من يحمق أبو أيوب وأبو صفوان كنية الجمل أبو الأخطل وأبو قمرص كنية البغل أبو جعدة للذئب أبو خالد الكلب (فصل) أم ذفر كنية الدنيا وأم حبور أيضا أم الطعام الحنطة أم سويد كنية الأست أم ملدم كنية الحمى التي تأكل اللحم مشتقة من اللدم أم المنايا الموت أم طبق هي الداهية الكبرى أم النحل الخمر أم الصبيان الريح تعتري الصبيان أم الفضائل كنية العلم أم الرذائل كنية الجهل (فصل) ابن الليلة للهلال ابن ذكاء للصبح ابن جلا للمشهور ابن حبة للخبز ابن داية للغراب ابن بجدتها الهاء راجعة إلى الأرض يعنون العالم بها ابن الغمد للسيف بنو غبراء للصوص وقيل بل الفقراء اللاصقون بالأرض أبناء الدهاليز لأولاد الزنى أبناء دررة كناية عن السفل والسقاط (فصل) في البنات ابنة الجبل للصدى يجيب المتكلم بنت المنية للحمى بنت نارين للمرقة المسخنة بنات الدهر حوادثه بنات المنايا للسهام بنات
(1/492)

الليل للأحلام وقيل النساء بنات الصدور ما يضمر الإنسان من خير وشر لصاحب زوج بنات صدرك إلى بني علمي ما كلمته ببنت شفة اي بكلمة بنات الفلا للإبل بنات دجلة للمسك بنات القفر للوحش بنات الخدور للعذارى ويقال بنات الحجال بنات التنانير للرغفان قيل لأعرابي تمن طعاما، قال أطعموني بنات التنانير وأمهات الأبازير وحلو الطناجير ثم اسقوني رعاف القوارير من يدي شادن غرير، بنات اللهو للأوتار (فصل) في الأذواء؛ ذو المنار ضرب المنار على طرفه ليستهدي ذو مرحب لأنه أول من رحب به ذو بدن مالك ذو العصائب من ملوك الحبشة ذو كلاع موضعان ذو الأوتاد فرعون ذو القرنين اسكندر دخل الظلمات من ناحية القسطنطينية وقطب الشمال في أربعمائة رجل وسار فيها ثمانية عشر يوما وخرج على طريق خراسان كان أشقر أبرص قصيرا أحنف هلك ببابل، ذو الأعواد محاشى بن معاوية ذو الأكتاف سابور ملك الفرس ذو الرياستين أمية بن جشم بن قيس ذو العينين قتادة بن النعمان ذو اليدين نفيل بن حبيب ذو القلبين حميد بن معمر لدهائه وعقله ذو اللسانين مرار بن كنيف ذو الفرحتين سعد بن عاجز ذو النورين، عثمان بن عفان رضي الله عنه لأن النبي صلّى الله عليه وسلم زوجه رقية وأم كلثوم، ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت، ذو النقاب لعلي بن الحسين
(1/493)

لكثرة سجوده ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر.
(الباب العشرون)
ذنب صخر امرأة هي بنت لقمان بن عاد لطمها لطمة قضى عليها فصارت عقوبتها مثلا لكل من لا ذنب له، رغيف الحولاء خبازة في بني سعد تناول رجل رغيفا من خبز على رأسها فقالت ما أردت بهذا إلا فلانا لرجل كانت في جواره فشكته إليه فثار معه قومه إلى الرجل فقتل منهم ألف قتيل لأجل رغيف، يوم حليمة أشهر أيام العرب ليلة العروس يشبه بها في الحسن، أصابع زينب لضرب من الحلواء، داء البطن للمستور الذي يتعذر مداواته، بول الجمل في الأدبار خبط عشواء لمن يصيب مرة ويخطىء مرة، ذنب الحمار فيما لا يزيد ولا ينقص سنة الحماز لتاريخ مائة سنة من حديث عزيز ولما استكمل ملك بني أمية مائة عام على رأس مروان بن محمد قيل له مروان الحمار، حالب التيس لمن يطمع في غير مطمع، ضرطة عنز لما يهون من الأمر خاصي الأسد لمن يقدم على الأمر العظيم، أجرأ من خاصي الأسد، وخاسي الأسد يقول له اخسأ، راكب الأسد لمن يهاب ويهاب، داء الأسد هو الحمى، داء الذئب الجوع، كلب طبتم في مكافأة المحسن بالإساءة كان له كلب يحسنون إليه فنزل عدوهم عليهم
(1/494)

بنباحه حتى استباحهم، نعاس الملك في المطل، وافية الكلب للخسيس يكون موفيا أست النمر للرجل المنيع راود رجل بدويا عن نفسه فقال الغلام: ما علمت امتناع أست النمر، مجير أم عامر معروف، خصلتا الضبع في الأمرين المكروهين ظباء مكة في الأمن، سنور عبد الله لمن يكون مرجوا في صغره فإذا كبر تراجع، فأرة العزم في الضعيف يقوى على الأمر الكبير، حية الوادي للرجل المنيع شجاع البطن الجوع.
زعمت العرب أن في بطن الإنسان حية يقال لها الصفراء إذا جاع تؤذيه، قال بعضهم في هذا المعنى:
أراد شجاع البطن أن تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم
هدهد سليمان الحقير يدل على الملك.
(الباب الحادي والعشرون)
دود الخل للساقط من العيش في مكان السوء، دود القز فيمن يضر نفسه وينفع غيره. ما هو إلا فتيلة المصباح ودودة القز. بيض النعام في الضياع لأنها تضيع بيضها وتحضن بيض غيرها. صحة الظليم لا يشتكي فإذا اشتكى مات، خطباء الطير الفواخت والقمارى والوراشين، عقاب الجو في الرفعة، غراب الليل لمن لا يأنس بأشكاله، ديك مرثد للحقير يجلب
(1/495)

النفع الكبير أوصى امرأته بذبح الديك في العيد لرقة حاله فانقلب يصيح من جدار إلى جدار فكسر لجار له اعصارة ولآخر قارورة وأراق لآخر سمنا فسألوا المرأة عن قضيتها فأخبرتهم بها وكانوا هاشميين قالوا: والله لا نرضى أن يكون حاله كذا فبعث واحد شاة وآخر بقرة وآخر ذهبا، فرجع فإذا بيته مملوء نعمة وروائح الطبيخ والشواء، فأخبرته فامتلأ سرورا فقال لامرأته: احتفظي بهذا العلق النفيس وأكرمي مثواه فإنه أكرم على الله من فدية اسماعيل، قالت:
وكيف؟ قال: لأن الله لم يفده إلا بذبح واحد وفدى هذا الديك بهذه الشاة والبقرة. دجاجة هلال أهداها هلال بن الحريش على مائدة عبد الرحمن بن الأشعث وهو معه على المائدة، قال: يا غلام أخرج كتابا من ثني فراشي فإذا كتاب الحجاج يأمره بقتل هلال وبعث رأسه إليه فلما قرأه تغير وأرعد قال: لا بأس عليك يا هلال اقبل على طعامك أترانا نأكل دجاجتك ونبعث إليه برأسك لا والله دراجة الحكم ضد دجاجة هلال. بعض عمال الحكم بن أيوب تغدى معه يوما فتناول من بين يديه دراجة فاحتقدها عليه الحكم وعزله عن عمله. نسر لقمان لطول العمر زعمت العرب أنه يعيش خمسمائة عام، ولقمان بن عاد خيّر فاختار عمر سبعة أنسر فأوتي سؤله، وعيد الحبارى مثل للضعيف يتوعد القوي،
(1/496)

كلام الببغاء للّذي يقول عن غير علم.
(الباب الثاني والعشرون)
يوم البسوس بين بكر وتغلب يوم الفجار بين كنانة وقيس، يوم الجعار بين أسد وتميم، يوم ذي فارس بين بكر ووائل، يوم حليمة بين المنذر والحرث، يوم اليمامة لقتل مسيلمة، يوم القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند على الفرس لسعد بن أبي وقاص (فصل) عام الحجاف سيل كان بمكة سنة ثمان عشرة من الهجرة حجف الحجاج وذهب بالحمولة، عام الفيل الذي وردت فيه الحبشة مكة، عام الرمادة لشدة القحط في زمان عمر مفتاح الفتن لقتل عثمان رضي الله عنه مفتاح الأمصار لعمر رضي الله عنه لأنه فتح أكثرها صحبة السفينة للذي لا صداقة معه.
كتاب في سير الملوك
وفيه سبعة أبواب
(الباب الأول في أخبار الملوك المتقدمين)
أول ملك ساس الرعية في الأرض من أولاد آدم وحواء صلوات الله عليهما يسمى حضرموت ملك أربعين سنة وقال يوم ملك أن البرزين الأعمال وأن البر للشكر. ثم ملك ابن لآدم يسمى أوشهنج ملك أربعين سنة وقال يوم ملك: إنا
(1/497)

ملوك على الأنس والجن بإذن الله بديع الخلق أمر بقتل السباع الضارية، ثم ملك طمهورث وقال: نحن فادعون بعون الله عن خليقته الشياطين المردة ملك ثلاثين سنة، ثم ملك حام ابن وبريجهان فقال إن الله أكمل بهاءنا وأحسن تأييدنا وسنوسع على رعيتنا خيرا وتوارى ستمائة سنة وأمر بصنعة السيوف والدروع وبغزل الابريسم واسراج الخيل وحارب الشياطين والجن فانقادوا له وأخذ الأقاليم السبعة ثم ملك هرمز بن درزفرورد بن ماه فسمى الناس ذلك اليوم نوروزا وتأويله اليوم الجديد وأنه بطر وطغى وادعى الألوهية لنفسه فأهلكه الله، ثم ملك بنوراسب ذو الأفواه الثلاثة والأعين الثلاثة فهي ست الداهي الساحر الأثيم جميع الأقاليم، وقال نحن ملوك الدنيا فتوجه إليه أفريدون إلى جبل دناوند وشده هناك وثاقا وأمر الناس باتخاذ مهر ماه مهرور هنالك وهو المهرجان اليوم الذي أوثق بنوراسب فيه جعله عيدا، ثم ملك أفريدون فملك الأقاليم السبعة وقال: نحن القاهرون بأيد الله وإن ابراهيم خليل الله ولد سنة ثلاثين من ملك أفريدون وهو أول من عبد الفيلة وذللها وامتطاها وعالج الترياق وقسم أقاليم الأرض ثلاثة أقسام بين ثلاثة بنين سلم وطوخ وايرخ ثم ملك فراسياب التركي اثنتي عشرة سنة. وأهجر يوم ملك باغيا فقال: نحن ساعون في اهلاك
(1/498)

البرية سعيا واستعان بالسراق والقطاع والقتال وأقحط الناس في ملكه فغارت المياه وهاجت الأعشاب، ثم ملك واب بن طهاسب ثلاث سنين وقال: نحن معمرون بعون الله ثم ملك قياد الجبار مائة وقال: نحن مدوخون لبلاد الترك وجاذبون على بلاد الفرس، ثم ملك قابوس وبنى مدينة من صفر ملك مائة سنة، ثم ملك هراسب الجبار وقال غني البرابقي للغني ثم مثل ملك كسرى الجبار، ثم قال نحن القائلون فراسات واتخذ سريرا من ذهب وبنى مدينة بلخ وسماها بلخ الحسناء وأنه دوّن الدواوين وأخرب بيت المقدس ملك مائة سنة، ثم ملك بستاسب وقال يوم ملك:
نحن صارفون فكرنا، وبني مدينة نسا ورفع بيوت النيران ببلاد الهند ثم ملك بهمن وهو ازدشير اسفنديار وقال يوم ملك: نحن محافظون على الوفاء، ثم ملكت خماني بنت ازدشير وقالت: إن الله خلقنا لنعبده وألهمنا الرأفة برعيتنا وبنت بفارس اصطخر وغزت أرض الروم وملكت ثلاثين سنة ثم ملك أخو هادر بن ازدشير اثنى عشر سنة ثم ملك دارا بن دارا وقال يوم ملك: لن ندفع أحدا في مهوى التهلكة ومن تردى فيه لم نكففه عنه وإن فيلسوف أبا الإسكندر اليوناني من بلد المقدونية، كان ملكا عليها وعلى بلاد أخرى وأنه كان صالح دارا هذا على خراج فكان
(1/499)

يحمله إليه في كل عام فهلك وتولى ابنه اسكندر المملكة فلم يحمل إلى دارا الخراج فبعث إليه بصولجان وكرة وقفيز من سمسم وأعلمه أنه صبي ينبغي أن يلعب بالصولجان والكرة وأنه إذا استعصى عليه بعث إليه جنودا بعدد السمسم، فكتب إليه اسكندر تفاءلت بالصولجان والكرة لإلقاء الملقى الصولجان إلى الكرة واحترازه إياها، وبعث إليه بقفيز من خردل يعني أن جنوده مثله، وأمر الإسكندر فبنيت له اثنا عشرة مدينة سمى كل واحدة اسكندرية بأصبهان مدينة هي المبنية على مثال جنة وبخراسان ثلاث مدائن هراة ومرو وسمرقند ومدينة عظيمة بأرض مصر واسكندرية، ومات ببابل وملك أربعة عشر سنة وإن جثته طليت عسلا لئلا تصدأ وتنتن ووضعت في تابوت من ذهب وحملت إلى الإسكندرية إحدى المدائن التي بناها بأرض اليونانيين، ثم ملك أسد بن أشغان عشر سنين وقال: نتوب إلى الله من سوء فكرنا وسوء قولنا وسوء فعلنا، وفي ملكه ظهر عيسى المسيح بأرض فلسطين ونسف بيت المقدس حتى لم يترك فيه حجرا على حجر، ثم ملك جودر بن شغابان، ثم ملك هرمز الأشغاني سبعة عشر سنة وقال: يا معشر الناس اجتنبوا السيئات فتعدموا الخوف، ثم ملك ازدوان اثنى عشر سنة وقال: نحن طالبون الذكر بالنجدة، ثم ملك كسرى الأشغاني، ثم ملك
(1/500)

بلاش الأشغاني وقال: يا معشر الناس الزموا الطاعة لئلا تحتاجوا إلى الإدلاء بالحجج، ثم ملك ازدشير بن بابل وقال:
نحن مدخرون كنوز البر كيلا يستطيع أحد أن يسلبناها وكان من كورة اصطخر من مدينة بيرود وبابل أبوه ساسان ابن كيرش الجبار بن افنة الجبار بن فنادا الجبار بن قابوس وساسان قيم بيت نار اصطخر وفي ملك سابور شهر الكذاب الضال المضل بابا الزنديق، وملك إحدى وثلاثين سنة، ثم هرمز ابن سابور، ثم بهرام بن هرمز وقال: نحن مدّخرون الآمال للعائدة على رعيتنا والكذاب الزنديق أتاه ليدعوه إلى الزندقة فاستبرأ من أفاعيله فوجده داعية الشيطان فأمر بسلخ جلده وحشاه تبنا وأمر بقتل أصحابه، ثم بهرام بن بهرام وقال: إن يساعدنا الدهر نقبل ذلك بالشكر وإن يخالفنا نرض منه بالقسم، ثم ملك نرسي سبع سنين، ثم ملك هرمز بن نرسي سبع سنين وقال: يا معشر الناس اقتلوا بغيتكم تسلموا من الأسر والحبس، وإن هرمز هلك وأم سابور حامل فعقدوا التاج على بطنها فولدت سابور ذا الأكتاف فطغت العرب وأغارت فلما أتت عليه ستة عشر سنة انتخب ألف فارس وقتل العرب أبرح قتل، وأسر وأعنف الأسر ولم يمر بماء من مياه العرب الا غوره ولا بجب من جبابهم إلا طمه وبنى أنبار وكرخ وغزا أرض الروم فسبى سبيا كثيرا
(1/501)

وبنى نيسابور وملك اثنتين وسبعين سنة، ثم ملك ازدشير الصغير أربعين سنة، ثم ملك سابور بن سابور خمس سنين، ثم ملك بهرام وقال يوم ملك: نحن على ذوي المسكنة عاطفون وللمظلومين منصفون وكتب إلى الملوك أن الله إنما وضع الملك في الأرض ليدل على ملكه لا ليشبهه عظما، ويقام به القسط ويسار فيه بالعدل فمن آثر من الملوك رضا الله يبلغه الله ما أفضى إليه من الملك وفاز بالخير في معاشه ومعاده ونال السعادة والغبطة، ومن آثر منهم محبة نفسه وهواه فيما خالف رضا الله في مصلحة عباده ألصق الله به الشقاء وأعقبه عن عزه ذلا وتخلى عنه ووكله إلى نفسه وبقي بخذلان الله ولمن ابتلى به وسوء المصير، ثم ملك يزدجرد بن سابور الذي ينزه الأثيم وقال يوم ملك: أنا لا نناظر أحدا ولا نحتمل ثقل أحد، ملك إحدى وعشرين سنة وكان بجرجان فرأى على باب داره فرسا كافره ما يكون من الخيل ولم يكن أحدا سراجه والجامه فجاء ليسرجه فرمحه على فؤاده فهلك مكانه، ثم ملك بهرام بن يزدجرد لقبه جور هرم خاقان قال:
وأغار على أرضه، وملك ثمان عشرة سنة، ثم ملك يزدجرد ابن بهرام وملك سبعة عشر سنة، ثم ملك فيروز بن بلاش بن فيروز أربع سنين ثم قباذ بن فيروز وقال: أنا قد سهلنا لكل السبيل الينا ثم ملك هرمز فقال: يوم ملك نحن جانون على
(1/502)

الناس وحامون سفلتهم فخلع وسمل وملك اثنتي عشرة سنة، ثم ملك كسرى بن هرمز وقال: إن من ملتنا ايثار البر ومن رأينا العمل بالخير ومسالمة الكل والله أعلم.
(الباب الثاني في سياسة الملوك للرعية)
فليكن الملك لرعيته بمنزلة الوالد المشفق لأولاده فإن حدث من الرعية حادثة فليتداركها بلطفه وتدبيره لئلا يتسع الخرق على الراقع، وإن أصابهم خلل في أمر المعيشة من الطعام والشراب والكسوة والدواب أو في الذهب والفضة أو في المقام فليوسع عليهم ويلم الشعث الحادث بهم. قرأت في سير السلطان الغازي محمود بن سبكتكين رحمة الله عليه وقد أجدبت رعيته وكان له طعام فقال بعض وزرائه نبيع منهم بثمن عدل فقال: لا بل نوسع ونتصدق عليهم فإنهم رعيتنا ولا نأخذ شيئا فلا يحسن منا أن نكون في الرخاء ورعيتنا في الشدة والغلاء ثم أمر حتى أفيض عليهم فإن ضاقت البلدة بالرعية وشق عليهم المقام لازدحامهم فليزد في البلد فإن لم يمكن فلينقل البلدة إلى بلد ويأمر الملك رعيته بالزراعة والعمارة وينهاهم عن استنفاد الذهب والفضة في الأواني والأطواق واللجم والمناطق لئلا يضيق عليهم أمر المعاش فيه. قيل إن الذهب إنما ينفد من أيدي الناس لأن الملوك
(1/503)

في هذا الزمان يستعملونه في الأشياء المستغنية عنه والملوك المتقدمة لم يفعلوا شيئا من ذلك فكثر في أيامهم، والرعية على خمس طبقات فينزل الملك كل طبقة في موضعها حتى ينتظم أمر مملكته فمن أنزل الناس منازلهم أمن غوائلهم وقد ذكرنا في كتاب أسرار الوزارة من هذه الكتب أن اختلال أمر المملكة وزوال الدول من اصطناع السفل وتضييع أهل الشرف والحسب فالطبقة الأولى خواص الملك، والطبقة الثانية أجنحة الملك وقوادمه، والطبقة الثالثة المحترفة، والطبقة الرابعة أصحاب العاهات العجزة، والطبقة الخامسة البطلة الفسقة الفجرة، أما الطبقة الأولى فخواص الملك وهم خمس نفر الوزراء والكتاب والعارضون وصاحب البريد والحجاب وأحق الناس بأنعام الملك الحجاب والوزراء لأن الوزير نائب الملك ثم الكتاب لأنهم يعرفون أسرار الملك ثم العارضون لأنهم حفاظ العسكر ثم صاحب البريد لأنه بمنزلة سمع الملك ثم الحاجب وهو وجه الملك، فالوزير نائب الملك يحفظ دينه وماله وخزائنه وأمر مملكته ويقاسي من البلاء ما لا يقاسيه الملك، فيستحق الإختصاص والمراتب، والكاتب يحفظ سرّه وخزائنه وأمور مملكته والعارض يعرف مراتب الرجال وأحوالهم وصاحب البريد يطلعه على مصالح المملكة ومفاسدها، وقيل إن المأمون الخليفة رتب لصاحب البريد
(1/504)

أربعة آلاف جمل مع مؤنتها وآلاتها يستخبرون عليها أمور المملكة فكان يعرف أمور العالم في يوم واحد، والحاجب جناح الملك بل وجهه يدخل ويخرج ويولي ويعزل ويكتب وينسخ فيستحق الإنعام. الطبقة الثانية العسكر فإنهم جناح الملك وقوادمه فيشرف على كل خميس منهم أميرا يطيعونه فيما يأمرهم ويعرف ظواهرهم وبواطنهم ومصالحهم من مفاسدهم وليطلق لعسكره الكفاية. الطبقة الثالثة المحترفة يأمرهم بلزوم الحرفة والمبالغة فيها لأن الناس في البلد بمنزلة الأعضاء على البدن فإذا نقص عضو نقص البدن، كذلك إذا نقصت حرفة في البلد تداعى الخلل في البلد، فإن أراد الوزير اجتماع المحترفة في المملكة فالحيلة أن يسابقهم بالعطية والنظر والمسامحة حتى يتسابقوا إلى الحرف في البلد. الطبقة الرابعة أصحاب العاهات أعاذ الله الصدر العالي منها كالعميان والزمنى والمجذومين والمخنثين فليتلطف الملك ويرفق بهم فإنهم أهل البلاء ومنادي الشرع يقول إذا رأيتم أهل البلاء فسلوا الله العافية فيجري عليهم قدر كفايتهم وليعين لهم موضعا على طرف البلد، ويجب على الملك والوزير أن يعقد الغيار على كل ذمي ونصراني ويميزهم عن المسلمين في مملكته لئلا يختلطوا بالمسلمين، فإن تسامح بذلك إما لمصانعة يأخذها منهم أو يتغافل عن ذلك فقد داهن في دين
(1/505)

الله وباء بسخط من الله. الطبقة الخامسة البطلة الفسقة الغوغاء فلا يرحمهم الملك لأنهم يغلون الطعام ويضيقون الطرق، فهم أظلم الناس يأكلون رزق الله ولا يعلمون الله فلا يصلحون للدنيا ولا للآخرة فكل أحد يعمل لنفسه وهم لا ينظرون لأنفسهم فيخرجهم من البلدان، رأى المصلحة أو يترفق بهم لنائبة أو حادثة.
(الباب الثالث في بيان آداب الجلوس)
ينبغي للملك أن ينظر إلى الرعية بعين الرعاية والإكرام وينزلهم منزلة الأولاد والإخوان، فإن الفرس كان من عاداتهم أن ينزلوا الرعية منزلة العبيد لا يرعون لهم حرمة ولا يحفظون لهم ذمة فعاب عليهم الحكماء وكتبوا إلى اسكندر ينبغي لك أن تنظر إلى رعيتك بالعين التي تنظر بها إلى أولادك وإخوانك فأن تكون ملك الأحرار والأشراف خير لك من أن تكون ملك العبيد والأوغاد، فاستحسن ذلك منهم، وليعلم الملك أن الحديث عقل الملك ورسوله فإن سمع منه كلام قبيح يستدل به على عقل الملك فالحديث ذكر لا يغلبه إلا الذكور ولا يبدأ بالكلام الركيك فتسقط حشمته، ولا يأذن للناس كل يوم فيسقط وقاره، ولا يحتجب عن الناس مدة فينسوه، ولا يتباسط مع الناس فيتجرؤا عليه
(1/506)

وينزل الناس منازلهم فيأذن للعلماء أولا ثم للزهاد والصوفية، ويزع إلى غلمانه وخدمه بحفظ الأدب والسكينة ولا يمكن أحدا يقوم على رأسه بالسيف المسلول فإنه خطر عظيم ويحتاط في إدخال الرسل عليه ولا يأذن للعاق أن يدخل عليه والله تعالى أعلم.
(الباب الرابع في الحجاب)
قد ذكرت أن الملك إذا احتجب مدة تنساه الرعية فليبرز أحيانا حتى يستعظموه، فاللبيب في العريش غير مهوب وحاجب الرجل حارس عقله وعرضه. وقال بعض الملوك لحاجبه إنك عين أنظر بها وجنة أستنيم إليها فعليك بالناس، فليكن الحاجب حسن الوجه كامل العقل حسن الخلق لئلا ينفر عنه الناس، ويعرف مراتب الناس حتى ينزلهم منازلهم ولا يقدم من يستحق التأخير فيستوحش منه الناس. قال خالد بن عبد الله لحاجبه: لا تحجب عني أحدا إذا أخذت مجلسي فإن الوالي لا يحتجب إلا عن ثلاث: بخل يكره أن يطلع منه عليه، أو ريبة يخاف أن يطلع عليها، وعي يخاف أن يظهر، منه وقدم رجل على بعض ملوك العجم فأقام ببابه شهرا، فكتب إليه كتابا في أربعة أسطر في السطر الأول:
الضرورة والأمل أقدماني عليك وفي السطر الثاني: إذا لم
(1/507)

يكن لي قدرة لم أقدر على المقام وفي السطر الثالث: شماتة الأعداء لا تدعني أرجع من حيث جئت وفي السطر الرابع:
فإما نعم مثمرة وإما لا مريحة، فانجح طلبته وأنشد في الحجاب:
سأترك هذا الباب ما دام أهله ... على ما أرى حتى يلين قليلا
إذا لم نجد للأذن عندك موضعا ... وجدنا إلى ترك السلام سبيلا
كتب أبو العتاهية:
لئن عدت بعد اليوم إني ظالم ... سأصرف وجهي حيث تبغي المكارم
متى ينجح الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم
غيره:
يا أيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كتب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب
(1/508)

(الباب الخامس في إرسال الرسل)
ومن شهامة الملك أن لا يرسل رسولا إلى أحد البتة فإن آفة الملك منهم يطلعون العدو على عورات المملكة ويتواطئون معهم ويخدعونهم بالمال خصوصا إذا كانوا مشغوفين بالشراب فيغرونهم بالأكل والشرب، والبطنة تذهب الفطنة فيعلمون منهم بنات صدورهم فإذا أرسل رسولا لحاجة فلا بد أن يكون عاقلا فطنا متيقظا ولا يكون حديدا ولا معجبا مكثارا ولا خمريا فيغرونه في الحال ويجب أن يكون الرسول بمعزل عن نية الملك بنات صدره فإن كان عالما بأنفاس الملك فرسالته خطر عظيم ويوصيه أن لا يشرب الخمر فإن الفرس كانوا يخدعون الرسل بالشراب
(الباب السادس في تولية العمال)
فإن أراد أن يولي أحدا عملا فلينظر هل هو أهل لذلك أم لا، فإن محمدة العامل ومذمته منسوبة إلى من ولاه، فإن طغى عامله وبغى فليعزله فإن فتنة ذلك تترشش إلى الملك، وإذا سخط وزيرا أو عاملا فلا يوله ثانيا، ولا يرشح أحدا لعملين فيقصر فيهما فإن كان له وزير صالح فلا يزعجه فإن دولته بما تكون متعلقة به فإن ألف نفر يعيشون في حماية دولة واحدة
(1/509)

وألف دولة تتعلق بدولة واحدة، ولا يولي أحدا يكون له مع القوم عداوة فيستأصلهم بالعداوة، ولا يجوز أن يكون ناشئا فيهم فتزدريه أعينهم بل يولي أحد رجلين إما محمودا وإما مجهولا حتى يشتهر بتوليتك إياه أو حقيرا مستضعفا فيشتهر في عملك، وقد نهى الملك أن يولي كافرا أو يستكتبه أو يستوزره فإن الله سبحانه نهى عن مخالطتهم وصحبتهم، فقال تعالى وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
وأعني بالكافر الذمي وأما الحربي فلا تجوز مكالمته. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: أنا بريء من كل من صادق مع مشرك، ولا يتزيا بأرأسهم يعني لا يستعان بهم في الأمور والمشاورة. وقال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه دلوني على رجل أستعمله إذا كان في القوم وليس أميرهم فكأنه أميرهم وإذا كان أميرهم فكأنه رجل منهم. قالوا هو الربيع بن زياد. وقال الحجاج دلوني على رجل دائم العبوس طويل الجلوس سمين الأمانة أعجف الخيانة لا يحنق في الحق على حده يهون عليه سؤال الأشراف في الشفاعة. وقال اياس ابن معاوية لرجل دلني على قوم من القراء قال القراء رجلان رجل يعمل للآخرة ولا يعمل لك ورجل يعمل للدنيا فما ظنك إذا وليته لا يبقي ولا يذر فعليك بأهل البيوتات الذين يستحيون لأحسابهم. تم الكتاب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1/510)

كتاب في الحرب ومسابقة الملوك
وفيه خمسة عشر بابا
الباب الأول في أدب الحرب من شهامة الملك وكماله أن لا يتولى الحرب بنفسه ولا يتمنى لقاء العدو
إن السلامة من سلمى وجارتها ... أن لا تمر على حال بواديها
ويجتهد في قمع العدو بالحيلة والمكيدة، فالحيلة أنفع وسيلة والرأي قبل شجاعة الشجعان، وقد يبلغ ذو الرأي بحبلته ومكيدته ما يعجز عنه السلطان بمملكته، فإن أمكنه خديعة العدو بالمال فبذل الدرهم أهون من بذل الروح والدرهم حجر له بدل والروح إذا فاتت لا بدل لها. لا بارك الله بعد العرض في المال. فإذا جاءه العدو فلا يجبن عن محاربته لئلا يجترىء العدو، وإذا حضر العدو فيجزل العطاء للعسكر فإنهم يبيعون أرواحهم ويفي بالمواعيد لئلا تنكسر قلوبهم، ولا يجاهرون برفع الأصوات فإنه علامة الفشل والأولى أن لا يبدأهم بالفتك وإذا قال في شيء نعم فيتمه فإن ألف قول لا يكون بمنزلة فعل واحد، ولا يستصغر العدو ولا يتكبر عليه وإن كان ضعيفا، فقد قال الحكماء
(1/511)

العاقل لا يستصغر ثلاثة أشياء العدو والمرض والحريق، وينادي الملك قبل قيام الحرب لا تضربوا الجريح ولا تطلبوا الكسير ولا تتبعوا المنهزم، ولا تقتلوا الصبيان والنسوان ويخوف العدو بما يمكنه فربما رجع، وخير العساكر أربعة آلاف وخير السرايا أربعمائة ومتى بلغ الجند اثني عشر ألفا يكونون منصورين مظفرين، ومن أدب الحرب تنفيذ العيون والجواسيس وأصحاب الاخبار فإن لهم مكيدة عظيمة ولا ينزل في موضع تقابلهم الشمس ومهاب الرياح فإنه يضر بالعسكر ويقهر العدو على الماء ان كان جاريا مجريا فإن كان عسكره أصحاب تجارب والشيوخ المحنكين فيصبر للعدو وان كانوا شبابا أغمارا فالاولى أن يسبق العدو بالحرب، ومن أدب الحرب أن لا يقصد العدو حتى يكون جنده ثلاثة أضعاف العدو ومن أتاك من عسكر الخصم فتجزل عطاءه حتى يرغب الناس فيك ويحترز من مكامن العدو لان نفقة كل سفر المال سوى نفقة الحرب فإنها الارواح، وإن خاف من مكر العدو فلينثر الحسك، في الطرق ليأمن، فإن نزل العدو في عقر الدار فيتعين على الملك المحاربة وإن فاجأه العدو فيأمر واحدا يقول أيها الناس خذوا حذركم، واغتنموا سلامة الارواح فان صاحبكم قد قتل أو أسر حتى تنكسر قلوب القوم فكل من سمع هذا يأخذ أهبة الهزيمة، ومن أدب
(1/512)

الحرب أن يتجرد ولا يستصحب الأثقال كالدواب والمفارش والجواري فيتعلق قلبه بذلك، فيفشل عن الحرب وأنفع المدد للجيش هجوم الليل وينبغي أن تتغدى بالعدو قبل أن يتعشى بك، والاولى أن يقاتل العدو يوم الخميس، قيل لعباد الضمري أي يوم تريد تلقى العدو قال: في يوم وقد بقي أجلي أي وقت يكون.
(الباب الثاني في بيان الحرب المحظور من المباح)
فليعلم أن قتال المسلمين وسل السيوف في وجه أهل القبلة ليس من أخلاق أهل الدين وله خطر عظيم، فإن تقاتل المسلمان فأمرهما على خطر قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله هذا القاتل يدخل النار بقتله فما بال المقتول، قال لانه قصد قتل صاحبه فعرفت أن العزم والنية على قتل مسلم بمنزلة قتله، فإذا تمهدت القاعدة فلا تجوز المحاربة إلا في ست مواضع الأول محاربة المشركين وأهل الحرب والثاني محاربة الملحدين والباطنية لانهم شر الخلائق، والثالث محاربة المرتدين، والرابع محاربة البغاة وقد ذكرنا أحكامهم في كتاب السلطان والخامس محاربة قطاع الطريق، والسادس محاربة القاتلين ليقتص منهم ويتولى هذه المحاربة، الامام دون
(1/513)

الرعية إلا في حرب قطاع الطريق فإنه يجوز للعامة مباشرتها فإن اجتمعت هذه الحروب فالاولى القيام بحرب الملحدين لعنهم الله.
(الباب الثالث في أدب الحصار)
أعظم حيلة في هذا أن يخدع أهل الحصار اما بالمال أو بالمواعيد الحسنة فيعدهم ويمنيهم ويحسن إليهم فإن الانسان عبد الاحسان فخديعة رجلين منهم خير للملك من ألفى فارس لامرين اثنين الاول يعرف من جهتهما أسرار القلعة، الثاني أنهما يرجفان في القلعة بأشياء ويخوفان أهلها ويقولان ان الطرق قد انسدت وانقطعت الميرة عنا وقد بطل أمر القلعة. حكي أن الاسكندر حاصر قلعة سنة واحدة فكتب إليه الحكماء لو جلست سبعين سنة لا تملك فتحها الا بالمكيدة، وأن يكون بأسهم بينهم فبعث إليهم وخدعهم ثم بعث الى آخرين بضد ذلك فتنازعوا وتحاربوا، ثم سلموا القلعة فإذا ظفرت بالقلعة فلا تأخذ العوام بجرائم الخواص فإنهم محمولون على ذلك. ومكره أخاك لا بطل. ومتى استولى العدو فلا دواء سوى المكر أو الخديعة.
(الباب الرابع في أوصاف السلاح)
لبس رسول الله صلّى الله عليه وسلم الدرع يوم أحد تأديبا لامته لان
(1/514)

الله سبحانه وتعالى عصمه من القتل والسلاح حصن حصين وهو خير من الرجال ألا ترى يقال في الحرب السلاح، السلاح، ولا يقال الرجال الرجال، واشترى حاتم بن يزيد يوما أسلحة فقال إنما اشتريت الاعمار والارواح لا السلاح اشارة إلى أنها سبب إلى حفظ المهج والنفوس وأوصى ابن المهلب بنيه فقال: لا تجلسوا في الاسواق فان كان ولا بد فاجلسوا في باب الزرادين والسراجين والوراقين وسأل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه عمرو بن معد يكرب عن الأسلحة فقال: ما تقول في الرمح فقال: أخ قوي وقد يخونك في موضع فينكسر. قال فالرمي قال موت طائر وقد يخطىء ويصيب، قال فالمجن قال موضع الآفة والفتنة، قال فالدرع قال حصن حصين وحمل ثقيل للراجل ومشغلة للفارس، قال فالسيف، قال سالب الأرواح وسافك الدماء، وقال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه لا مجد ولا نسب أعظم من مجد السيف والعرب تسمي السيف ظل الموت. قال الطائي:
السيف أصدق إنباء من الكتب
(الباب الخامس في حيل الحروب)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: الحرب خدعة والعرب تقول الحيلة أنفع من الوسيلة وقد يعمل الإنسان بحيلته ما لا يقدر عليه
(1/515)

السلطان بمملكته. قال رجل: يا رسول الله إنما يؤخذ من الذنوب بما ظهر وأنا أستسر بخلال أربع الزنى والسرقة والخمر والكذب فأيتهن أحببت تركته لك سرا. قال:
الكذب فلما هم بالزنى قال يسألني رسول الله صلّى الله عليه وسلم فإن جحدت نقضت ما جعلته له وإن أقررت حددت ثم هم بالسرقة ففكر في مثله فترك الكل، وتبرم معاوية بالنواقيس، قال فقال من يبلغ كتابي إلى ملك الروم ويؤذن على بساطه وله ثلاث ديات فقال رجل أنا فلما أذن على بساطه هموا بقتله، فقال بحق عيسى لا تقتلوه فإنه احتال، أراد أن يقتل هذا فيهدم كل كنيسة هناك ثم كساه وحمله فلما رجع قال أو قد جئتني سالما (حكاية) أعسر أبو دلامة مرة ولم يكن معه شيء يبيعه ولا يرهنه فقال لامرأته: الحيلة أن أدخل على الخليفة باكيا وأقول ماتت زوجتي ولا كفن لها وتدخلين على أخت الخليفة وتقولين مات زوجي ولا كفن له، ففعلا فحصل لهما ألفان، فلما علم الخليفة كان يضحك شهرا. حيلة أخرى، قال ضحاك بن مزاحم لنصراني لماذا لا تسلم؟ قال لحب الخمر قال أسلم ثم شأنك بها فلما أسلم قال إن شربت حددناك وإن ارتددت قتلناك. حيلة أخرى أخذ المختار سراقة بن مرداس فقال أيها الأمير منّ عليّ ولا أعود فعفا عنه ثم خرج عليه ثانيا فأسره وعفا عنه ثم خرج عليه ثالثا فقال قتلني الله
(1/516)

إذا لم أقتلك فقال نعم ما هؤلاء الذين أخذوني عليهم ثياب بيض على خيل بلق فقال خلوا سبيله يخبر الناس بخبره.
حيلة أخرى، وادعى المختار أنه داعية محمد بن الحنفية وأنه الإمام فلما سمع محمد هم أن يقصده فاحتال فقال إن فيه علامة يضربه الرجل بالسيف فلا يعمل فيه فخاف منه محمد فلم يقصده. حيلة أخرى، المغيرة بن شعبة كان مع النبي صلّى الله عليه وسلم فاستثقل عصاه وكان يطرحه على قارعة الطريق فيأخذها المارة إلى المنزل فيأخذها منه، كانت هذه عادته ففطن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، فقال لأخبرن النبي صلّى الله عليه وسلم فقال إن أخبرته لا ترد ضالة بعدها فأمسك. حيلة أخرى اسكندر لما حارب فور ملك الهند وفي عسكره ألف فيل فنكص عسكره فأعطاه الأمان ومعه ألف صانع يعملون له التماثيل فعملوا ألف تمثال كهيئة الرجال مجوفين وحشوا أجوافها قيرا وكبريتا ونفطا ثم أشعل فيها النار ثم ضرب البوق فحملت تلك الفيلة والسباع وهي تحسبها رجالا فاحترقت مشافرها ومخاليبها فهربت لا تقف لشيء ثم بارز الإسكندر فور ملك الهند فلما دنا منه سمع وجبة في عسكره فنظر إليها فحمل عليه بالسيف وقتله. حيلة أخرى، ملك شمر أي سمرقند ترجمته أن شمر هدمها وسار إلى الصين فجمع ملك الصين وزراءه ثم استشارهم فقال واحد منهم أثر
(1/517)

في أثر فجدع أنفه فسار مستقبلا بشمر على عشر منازل من الصين وقال أتيتك مستجيرا، قال ممن قال من ملك الصين كنت من خاصته فاجمعوا لمحاربتك وخالفتهم في ذلك وأشرت عليهم بأداء الخراج فاتهمني وقال مالأت ملك العرب ففعل بي ما ترى فهربت فأكرمه ووعده خيرا فلما أراد أن يرتحل قال عليك بالطريق، قال أعلم الناس، وبيننا وبين الماء مسيرة ثلاثة أيام فأمر الجنود أن لا يحملوا الماء إلا لثلاثة أيام ثم سار بجنوده وأمامه الرجل فلما كان الرابع انقطع الماء فقال ويحك أين الماء، قال لا ماء فيها وإنما كان مكرا مني لأدفعك عن ملكنا وأقيهم بنفسي فضرب عنقه وعطش عطشا شديدا والمنجمون قالوا له أنه يموت بين جبلي حديد فوضع درقته تحت قدميه من حر الرمصاء وترسا حديدا فوق رأسه، وقال لقومه تفرقوا حيث شئتم وأحببتم ثم مات هو وجميع عسكره ولم يبق منهم مخبر.
(الباب السادس في نسخة كتاب اسكندر إلى دارا ابن دارا)
من الإسكندر الفيلسوف إلى دارا ابن دارا سلام الله على أهل طاعته والمتمسكين بدين الله المجتهدين بأنفسهم في عبادة الله أما بعد فإني أدعوك إلى توحيد الله والإقرار
(1/518)

بفضل الله وخلع النار والشمس والآلهة التي تعبدونها من دون الله فإنك مترف معجب تظن أن الموت لم يكتب عليك وأن ملكك لا يزول عنك فإن تؤمن بالله وتقلع عما تعبد من دونه كنت السعيد بذلك وإن أبيت لم تضر إلا نفسك ولم تمحق إلا ملكك فخذ لنفسك أودع. الجواب من جهة دارا بسم الله ولي الرحمة من الملك دارا إلى الإسكندر أما بعد فقد أتاني كتابك الذي يشبه صباك وجهلك تدعوني إلى ما ليس من شأنك وذلك تعد من طورك في سفاهة من رأيك فاربع على نفسك وقس شبرك بفترك فلولا حفظي لأسلافك وعلمي بأن التجارب لم تحنكك لوجهت اليك من يأتي بك أسيرا في وثاق وقد كان أبوك أعظم سلطانا منك فأقر لنا بالغلبة وصالحنا على الهدنة ويرسل الينا في كل عام ألف بيضة من الذهب ووزن كل بيضة أربعون مثقالا يكفنا عن أرضك. جواب الإسكندر ماتت تلك الدجاجة التي كانت تبيض الذهب والجواب ما ترى لا ما تقرا وسترى ثم حاربه فقتله.
(الباب السابع في حيلة الكمين)
صاحب الحزم يفتح الكمين عند مهاب الرياح أو عند خرير الماء أو في ظلمة الظلماء حتى لا يعلم العدو ويأمر
(1/519)

واحدا من قومه فينادي بأعلى صوته يا أيها القوم النجاة النجاة خذوا حذركم فإن صاحبكم قد قتل، أو قبض حتى يخاف العسكر ويأمر واحدا من قومه حتى يقول لا تقتلني لله وفي الله وآخر يقول اعف عني وآخر يقول زنهار، وآخر يقول أوح وآخر يقول أمان حتى إذا سمع عسكر العدو تعاقب الأصوات والنفير ينهزمون فالحرب خدعة، ومن كمال الرجل أن يقصد العدو قبل أن يقصده العدو فيتغدى بالعدو قبل أن يتعشى هو به، والعاقل يشرب الدواء في الصحة لدفع السقم، ويعد السلاح قبل العدو وقبل الرمي فيملأ الكنائن.
(الباب الثامن في مراتب الجند يوم الحرب)
من شهامة الملك أن لا يقدم الشباب في وجه العدو يوم الحرب ولا الشيوخ ولا الأغنياء ذوي الأملاك فإن حب الحياة والجاه والمال يمنعهم عن الحرب بل يقدم أصحاب الحمية وأهل الحسب والشجعان فإنهم يأنفون أن يظهر عليهم العدو فيبذلون المهج في مكافحته، وإذا التقى الجمعان يعرض على العدو الصلح والأمان حتى يذهب عنه نخوة البغي والكبر وإن ظفرت عليه فاشكر الله تعالى بالصدقات والخيرات، وإن تشاغب الجند فتدارك ذلك قبل أن يتسع الخرق على الراقع فإن خطره عظيم، وإياك من الغرة في
(1/520)

وقت الظفر فاحفظ نفسك وعسكرك في تلك الحالة فكم من منصور أصبح مأسورا، وكم من فرحة صارت ترحة لأن العسكر يشتغلون بشن الغارات فيهجم العدو وحاشا للملك وصاحب الجيش أن يحارب بنفسه فهو مخاطرة عظيمة إن سلم فعن مخاطرة وإن هلك فقد طل دمه وهدر وجرح العجماء جبار وينزل عسكره يوم الحرب على سبع طبقات، الطبقة الأولى الشجعان والمبارزون، والطبقة الثانية من يلي هؤلاء، والطبقة الثالثة أبناء الملوك والأمراء، والطبقة الرابعة أهل البراز الذين يبارزون يوم الحرب، والطبقة الخامسة القادة والأسفهسلارون، والطبقة السادسة العمال وأهل التدبير، والطبقة السابعة سائر القوم ويبدأ يوم المصاف بالخلع والهدايا حتى ينطاع له العسكر، فالإنسان عبد الإحسان ومن قتل في المصاف فيقيم أولاده مقامه ويقرر عليهم عطاياهم ومن أصابه جراحة أو هلك بعض أطرافه فحقيق بالملك أن يحسن إليه في مدة عمره.
(الباب التاسع في بيان أول حرب وقع في الدنيا)
وقعة الجن ثم قتال الملائكة مع الجن فقهروا الجن من سفك الدماء وأول دم سفح في الأرض دم هابيل إذ قتله أخوه قابيل ولم يكن من لدن آدم عليه السلام إلى زمن نوح
(1/521)

عليه السلام حرب وفتنة حتى قسم نوح عليه السلام الأرض على أولاده الثلاثة سام وحام ويافث فلما ملكوها اختصموا فيها وأقبلت الفتن كقطع الليل ثم إن الجهاد والحرب كان مشروعا في بني اسرائيل، وأول من غزا أولاد يعقوب ثم موسى وهرون صلوات الله عليهم وعيسى عليه السلام كان غازيا باللسان دون السيف ولهذا النصارى لا يرون الدم والإفرنج بمعزل عن النصرانية ثم نبينا محمد صلّى الله عليه وسلم: وفرض الجهاد بالمدينة ومن جميع الأنبياء المبعوثين إلى الخلق ثلاثة نفر كانوا أهل حرب فقط داود وموسى ومحمد صلّى الله عليه وسلم يدعى في التوراة والإنجيل نبي القتال.
(الباب العاشر في حيلة فتح القلع)
أعظم مكيدة في ذلك أن يأمر بالنقب والحفر تحتها ويعلقونها بالخشب حتى إذا جعلوها نقبا أضرموا تلك الأخشاب بالنار فتسقط الجرانات وتنهدم. حيلة أخرى يؤخذ ورق الدفلى ويدق دقا ناعما ومثله السم ويخلطه بالماء ويغليه غليانا ثم يصبه في مشرب الماء إن قدر أو في طريق الماء فيموتون جميعا.
(الباب الحادي عشر في بناء قلعة لا يقدر أحد على هدمها)
خذ الصاروخ واضربه مع سرقين البقر والنورة ثم تبنى
(1/522)

بها وإن أردت أن لا يعمل فيها الماء والنار فليطرح على الصاروخ الذي أعلمتك برادة الآنك المسحوق وتبنى به وتطين به، فإذا يبس وجف لا يعمل فيه الحديد وعلاج هدمه يطرح عليه الخل العتيق المخلوط ببول الآدمي.
(الباب الثاني عشر في دفع الفيلة)
فإذا كان مع العدو فيلة ولا تقف الأفراس في مقابلتها فيطرح على أظفارها الأحجار فتنهزم ومن أخذ أرنبا حيا وأرسله بين الفيلة فينهزمن في الحال ومن عمل تجفافا من جلد الخنزير ويصول على الفيلة ينهزمن.
(الباب الثالث عشر في صنعة لبوس ولأمة الحرب لا يعمل فيها السهام ولا الرماح)
خذ نوى التمر قدرا كثيرا وتثقبها وتسردها سردا محكما واجعله وسطها فإنه لا يعمل فيها السهام البتة وإن عملت للفرس تجفافا فلا تعمل فيها السهام البتة.
(الباب الرابع عشر في صفة الدعاء لأهل السجون)
في الخبر أن يوسف عليه السلام دعا لأهل السجن رحمة وعطفا عليهم فقال اللهم عطف عليهم قلوب الناس ولا تعم
(1/523)

عليهم الأخبار فاستجاب الله دعاءه. فكل خبر يجري في البلد يعلمه أهل السجن وكتب على باب السجن هذه مقابر الأحياء ومواضع البلاء وتجربة الأصدقاء والأعداء لا يصبر عليها إلا كل عاقل حفيظ. فسلوا الله العافية يا أولى الألباب.
(الباب الخامس عشر في سقاية السيوف والسلاح من عمل الإسكندر)
فليأخذ الصابون ويجعله في قرع حتى يتقاطر منه الدهن ثم يحفظ ماءه ويطرح الدهن ثم يحمى السيوف بالنار في مواضعها المعلومة حتى تحمر بالغاية ثم تأخذ الصابون المنزوع الدهن وتطرحه على لبد على قدر السيف طوله وعرضه وتضع عليه السلاح من الجانبين وتقلبه على اللبد والصابون المنزوع منه الدهن حتى يستقي ويكون بمنزلة الماس والله أعلم بالصواب. تم الكتاب والحمد لله.
كتاب في التعبير
وفيه ثمانية أبواب
(الباب الأول في أصول الرؤيا)
أما رؤية الله جل وعلا في مكان فيشمل العدل ذلك الموضع ويكون فيه الخصب والفرح، وإن رآه ينظر إليه
(1/524)

فيرحمه وإن أعطاه من متاع الدنيا شيئا فذلك محن ومصائب وأسقام، ورؤية الملائكة خير وبر، ورؤية الأنبياء خصب ونصر وفرج ومن رأى أنه تحول نبيا نالته شدائد الدنيا وغمومها ثم تحمد عاقبته وكذا إذا تحول رجلا صالحا نالته شدائد ولو تحول ملكا أو سلطانا نال جدة وسعة في الدنيا مع فساد في الدين، والكعبة الإمام وصلاح في الدين، فإن صلى فوق الكعبة فهو مبارز لله تعالى بيمين فاجرة أو اتيان كبيرة لأن الله جل اسمه يقول وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
أي نحو البيت والمصلي فوقه لا قبلة له ومن لا قبلة له لا دين له، ومن رأى أنه تحول كافرا فذلك هوى هو عليه فإن رأى أنه يعبد النار فإنه يعصي الله بطاعة السلطان وإن لم يكن للنار لهب فإنه حرام يطلبه بدينه لأن الحرام نار، وقراءة القرآن حكمة يأتي بها إن طلبها وقول حق ورؤية القاضي خير وسلامة فإن تحول قاضيا وليس بأهل لذلك قطع عليه الطريق وإن رأى أنه يؤم القاضي في الصلاة ولي ولاية وكلام الملائكة والذهاب معهم شرف في الدنيا وصيت وصعود السماء شرف ورفعة والشمس ملك عظيم والتغير والكسوف والظلمة حدث بالملك من هم ومرض، والقمر وزير الملك. وقال ابن سيرين القمر ملك وحديث صفية بنت حييّ رضي الله عنها حين لطمها زوجها وقالت في رؤياها
(1/525)

رأيت القمر سقط في حجري فحدثت زوجي فقال لي تتمنين هذا الملك الذي بيثرب ولطمني هذه اللطمة، والنجوم الأشراف وإن رأى القمر في حجره أو عنده أو في بيته تزوج زوجة حسنة.
(الباب الثاني في رؤية الإنسان وأعضائه)
الرجل المعروف هو ذلك بعينه أو سمته وإن كان شابا فهو عدو، العجوز هي الدنيا والجارية خير يرد، والمرأة سنة والصبي هم والمرأة الزانية هي الدنيا والرأس هو الرئيس وشعر الرأس إن رآه طويلا كان هما على قدر الشعث ودهن الرأس زينة والدهن غم، ومن رأى أن رأسه بان منه من غير ضرب لعنقه بان منه رئيسه، وقيل يعتق مملوكا وقيل يموت مولاه وطول اللحية غم والخضاب شين والآذان امرأة الرجل والسمع والبصر دينه والصوت هيبته والقلب مدبره واللسان ترجمانه والأسنان أهل البيت والأقارب والعضد أخ أو ولد بالغ واليد أخ أو ولد بالغ فإن قطعت مات أخوه والأظفار هي الجدة والمقدرة والبطن مال والكبد كنز. قال النبي صلّى الله عليه وسلم: وتخرج الأرض أفلاذ كبدها يعني الكنوز وكذلك الدماغ والمخ مال كنوز ومن رأى أنه يأكل من لحم نفسه أو لحم غيره قل ماله أو مال غيره ومن رأى أنه
(1/526)

مصلوب أصاب رفعة والذكر هو الذكر في الناس وقيل الولد وإن رأى أن الرجل ذبح رجلا فإن الذابح يظلم المذبوح، والعذرة مال حرام وكل زيادة في الجسم من ورم أو سلعة أو غيره فإنه مال، ونكاح امرأة اصابة سلطان، ونكاح رجل مجهول شاب فإنه عدوّ يظفر به، وطلاق المرأة غول السلطان وتاج المرأة زوجها وإذا أخذ الميت منك شيئا فهو شيء يموت وإن رأى أنه مات فهو فساد في الدين فإن لم ير هناك هيئة الأموات فإنه انهدام داره ومن رأى ميتا فأخبره أنه حي فصلاح لحاله وإن رأى أنه دفن في قبر وهو حي يسجن ويضيق عليه أمره وفي الحديث أن يوسف عليه السلام كتب على باب السجن هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وتجربة الأصدقاء وشماتة الأعداء ومن عانق ميتا فإنه طول حياة الحي فإن تبع ميتا ودخل معه دارا مجهولة لحق به (فصل) الأرض دار أو دنيا أو مال أو امرأة والفرج الدنيا وغضارة عيشها، وبناء الآجر عمل النار وطىء الأرض نفاد عمرها وبسطها طول حياته والزلزلة جدب في الناس من قبل الملك، وهدم الدار اصابة هم وغم وشر وبناء الدار إصابة خير والحائط حال الرجل وسقوطه سقوط الرجل من مرتبته (فصل) المطر العام غياث ورحمة وبركة والخاص في دار أو محلة أوجاع وبلاء والطين والوحل والماء الكدر إذا مشى
(1/527)

فيه فإنه هم والسيل عدوّ مسلط والنهر رجل والبحر الملك الأعظم والمشي على الماء قوة اليقين ورؤية البناء عمل صالح يعمله والسفينة نجاة من الكذب، وسقي البستان والزرع مجامعة الأهل، ودخول الحمام غم وهم والجوع حرص والعطش فساد في الدين (فصل) الخمر مال حرام بلا نصب، والسكر منها مال وسلطان ومن اعتصر خمرا خدم السلطان، والألبان مال حلال (فصل) الأشجار كلها رجال فمن أصاب شيئا من ثمارها أصاب مالا من حلال، والزيتون هم والرمان امرأة والعنب الأسود هم وحزن ومرض، وكل ثمرة صفراء فمرض، والرياحين كلها بكاء وحزن والبقول هم وحزن والرياض الإسلام والحنطة مال شريف في كد ونصب والشعير أجود منه والدقيق مال مفروغ منه، والشوك دين والتين مال ومن رأى أنه دخل في بيته وأكل الحنطة فهو مكروه، والرطب رزق طيب (فصل) الثياب قميص الرجل شأنه في مكسبه والسراويل امرأة دنية وكل ما يراه في قميصه من شيء يرى مثله في استقامة شأنه والبياض جمال في الدين، والحمرة مكروهة لأن زينة قارون كانت حمراء والصفرة في الثياب مرض والخضرة جيدة في الدين لأنها لباس أهل الجنة والسود من الثياب صالحة لمن يلبسها في اليقظة وهي سود ومال وسلطان، وثياب الصوف مال كثير
(1/528)

والديباج سلطان مكروه في الدين والطيلسان حياة الرجل وبهاؤه والقلنسوة رئيس، والعمامة ولاية والبساط دنيا والوسائد والمناديل خدم والفراش امرأة حرة والمنبر سلطان يقهر فيه الرجال ومن لا يصلح له فهو شهرة والستور كلها غم شديد والخف غم والنعل سفر وخمار المرأة زوجها (فصل في السلاح) السلاح حصانة في الدين وما حدث في السيف والرمح والعمود فهو حدث في السلطان، ومن رأى أنه ضرب عنق انسان وبان الرأس فإن المفعول به يصيب من الفاعل خيرا فإن رأى أنه سل سيفه ولدت امرأته غلاما وإن تقلد سيفا ولي ولاية وإن انكسر قوسه أصابته مصيبة، والسكين ولد فإن كان مع السلاح فسلطان والسوط سلطان (فصل) في الجواهر، المنطقة ظهر الرجل وقلادة الذهب والفضة أو الجوهر ولاية واللؤلؤ كلام الله تعالى فإن كان كثيرا يصيب مالا، ومن أكل اللؤلؤ فإنه يكتم العلم ومن أعطى ياقوتة أصاب امرأة حسناء والخاتم سلطان صاحبه وقيل امرأة ومن رأى أن عليه خلخالا من ذهب حبس وقيد فخلاخيل الرجال قيودها والحلى كله للنساء زينة، والدراهم الجيدة كلام حسن والرديئة كلام سوء والدنانير الحسنة الصلوات الخمس والدينار المفرد ولد، والتاج سلطان عظيم والطوق فساد في الدين والحديد والصفر والرصاص متاع الدنيا
(1/529)

والقيد ثبات في الدين والغل مذموم (فصل) النار إذا كان لها صوت فهي طاعون وموتان يقع في الأرض فإن لم يكن لها صوت فهي أمراض ومن أصاب النار أحرقت من بدن أو ثوب فغم ومصائب، ومن اقتبس نارا أصاب مالا حراما وكل ما ينسب إلى النار من الخبيص والفالوذج لا خير فيه وجميع الحلواء إن كان كثيرا فهو رزق بتعب وعناء، ومن رأى بيده شعلة من نار أصابته متعبة من سلطان (فصل) الفرس عز وسلطنة والبرذون جد الرجل فمتى ربطه أصاب خادما يكفيه وركوب البغل سفر وطول حياة لصاحبه ومن ركب حمارا أو أخذه يستيقظ للخير، والمال وإن أدخله داره فهو رزق وإن صرع عن حماره فيفتقر والبعير سفر فإن ملك إبلا كثيرة فهي ولاية والناقة امرأة ونحر البعير موت رجل ضخم ومن ركب ثورا أصاب مالا من عمل والثيران عمال تحت يده والبقرة المجهولة أمراض والبقرة سنة والأرواث والعذرة وألبان الغنم مال والكبش سلطان ومال والنعجة امرأة شريفة وقد كنى الله تعالى عن النساء بالنعاج في قصة داود صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا وعلى بقية الأنبياء والمرسلين، والأضحية فك الرقبة فمن ضحى بأضحية وكان عبدا عتق أو أسيرا نجا أو خائفا أمن أو مدينا قضى الله تعالى دينه أو مريضا شفاه الله تعالى، وركوب الفيل سلطان
(1/530)

عظيم وقتله قتل رجل ضخم والخنزير رجل شديد الشوكة وملك الخنزير مال حرام والفأرة امرأة سوء (فصل) الأسد عدوّ مسلط والدب عدوّ دنيء أحمق، والقنفذ عدوّ مظهر للعداوة والكلب عدو ضعيف، والذئب سلطان غشوم كذاب لص والثعلب امرأة، ومن نبح عليه كلب سمع كلاما من رجل دنيء فإن عضه ناله منه مكروه، والنسور لص (فصل) سباع الطير مثل النسور والعقاب والشاهين والبازي سلطان وشرف لمن أصاب منها وأكل لحومها إصابة مال والغراب انسان فاسق كذوب والطاووس الذكر ملك أعجمي والأنثى امرأة والكركي غريب مسكين والحمامة امرأة أبيه ومن رأى أنه يملك منها شيئا كثيرا أصاب رياسة وخيرا والدجاج خدم والديك ملك والعصفور رجل ضخم عظيم والأنثى امرأة، فمن أصاب منها شيئا كثيرا أصاب رئاسة وخيرا والفاختة امرأة غير ألوفة وفي دينها نقص والورشان امرأة والبلبل غلام صغير والخفاش انسان محروم والهدهد انسان كاتب والبقة انسان كسوب والجراد جنود والنمل عدد كثير والسمك أموال والضفدع انسان عابد وإذا كثرت فهي العذاب والحية عدو مكاتم وسائر الهوام أعداء.
(الباب الثالث في رؤية الصناع)
الحداد ذو سلطنة عظيمة والصائغ رجل كذوب لا خير
(1/531)

فيه، والصباغ صاحب بهتان والطبيب فقيه عالم والخياط رجل صالح والإسكاف قسام المواريث والزجاج رجل يألف النساء والنحاس صاحب أخبار والنجار مؤدب، والقصاب ملك الموت إذا كان مجهولا والطباخ والشواء أصحاب كلام والعطار رجل يثنى عليه بالخير، والرفاء صاحب خصومات وصاحب القلانس ذو رئاسة والكحال مصلح للدين والراعي والسائس والمكاري والبقار والجمال أصحاب أمور والمعلم سلطان نفاع ما لم يأخذ أجرا والحطاب ذو تهمة والنباش إن كان ذا دين فرجل غواص في العلم وإلا فهو صاحب دنيا والسيل والطوفان رجل يصيب خيرا كثيرا بعد شدائد، والمصور رجل يكذب على الله تعالى وقارىء القرآن صاحب أحزان وصاحب الجوهر واللؤلؤ صاحب علم والبزاز رجل عظيم الخطر وبائع الخلقان خارج من الغم.
(الباب الرابع في الفأل والطيرة)
في الخبر تفاءلوا بالخير، وقيل الفأل على ما جرى فإذا كان مريضا فيسمع يا سالم أو يا قوي أو يا واجد فتكون عاقبته إلى خير وقالوا أصدق الطيرة الفأل وأراد أبو العالية أن يخرج من البصرة لفتنة فسمع قائلا يقول يا متوكل فأقام وقال النبي صلّى الله عليه وسلم يوم بدر من يحلب ناقتي هذه فقام إليه
(1/532)

رجل فقال ما اسمك قال مرة قال اجلس وقام آخر فقال ما اسمك قال حزن قال اجلس ثم قام الثالث فقال ما اسمك قال يعيش قال عيش وخير إحلب وأنشد بعضهم فقال:
وتعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهي القبور
بلى شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير
ورأى اعرابي يد طلحة وقد أصيبت في بعض مغازي النبي صلّى الله عليه وسلم يبايع عليا فقال أول يد بايعت أمير المؤمنين يد شلاء هذا أمر لا يتم فكان كما زجر، وصور عبد الله بن زياد في دهليز بيته كلبا وكبشا وأسدا فدخل اعرابي يوما بيته فقال كلب نابح وكبش ناطح وأسد كالح لا يلبث صاحبها حتى يخرج منها فكان كما قال، وأوصى بعض العرب فقال أياكم والأسماء السابة فيجد المرء إلى سبكم سبيلا من غير أن تلزمه حجة، أربعة أخوة تسموا بأسماء أحدهم المسحوق والآخر الخسران فمات المسحوق فاتخذ أخوته دعوة فقام الخطيب فقال يا قوم سحق الله طعامكم ورد عليكم النقص وكان مسافرا وأبقى لكم الجدب ولا زال الخسران يعدو عليكم ويروح فأسمعهم سبا من غير أن تلزمه حجة، وكان شخص له ولدان اسم أحدهما هدو السر والثاني اسمه تعب
(1/533)

السر فمات هدو السر فصار الناس يعزونه ويقولون أعظم الله أجرك في هدو السر وأبقى لك تعب السر. وخرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى حرة فلقي رجلا من جهينة فقال ما اسمك قال شهاب قال ابن من قال ابن جمرة قال وممن أنت قال من الحرقة من بني حرام قال أدرك أهلك وما أراك مدركهم إلا وقد احترقوا فأتاهم وقد أحاطت النار بهم والله تعالى أعلم.
(الباب الخامس في مذاهب العجم في الفأل)
إذا تحولت الطيور والسباع الجبلية عن أمكنها دلت على أن الشتاء سيشتد وإذا فشا الموت في البقر وقع الموتان في الناس، وإذا فشا الموتان في الخنازير عمت السلامة، وإذا فشا الموت في السباع أصاب الناس قحط وإذا أكثرت الضفادع النقيق دلت على موتان، وإذا غط الرجل الحسيب في نومه بلغ سناء ورفعة ومن نفخ في نومه أفسد ماله وإذا أكثر البوم الصراخ في دار فيها مريض يبرأ، وإذا أكثرت في النعقان دلت على اتيان العدو لهم.
(الباب السادس في سؤال المعتزلة في الرؤيا)
قالوا كيف يجوز أن يرى ألف انسان في وقت واحد
(1/534)

النبي صلّى الله عليه وسلم وكل واحد منهم في بلد غير بلد صاحبه وهل يجوز أن يكون جسم واحد في ألف مكان فلهذا أجمعنا على إبطال الرؤيا سوى رؤية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجاب الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى تجويزكم صحة رؤيا الأنبياء يبطل قولكم ببطلانها لغير الأنبياء صلّى الله عليه وسلم فإذا جوزتم للنبي فيلزمكم أن تجوزوا للولي لأن الله تعالى قادر أن يرى النبي في منامه ما لا يدخل تحت الوهم ولا يدركه العقل كالمعراج وغيره وأيضا فإن النبي صلّى الله عليه وسلم قال من رآني فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي فنفى أن الشيطان يقدر أن يتمثل بالأنبياء وقيل إن الله تعالى أقدر الجان على أن يتمثلوا في أي صورة شاؤا إلا صورة نبي أو ملك، وقولهم لا يجوز أن يكون جسم في ألف مكان مسلّم ولكن الناس يرونه وهم متفرقون في الأماكن ويريهم الله اياه وهو في مكانه كأنهم يعاينونه وقيل إن النائم روحه ترى فجائز أن يرى بروحه فيريه الله ما شاء عنده أنه في مكان وعن النبي صلّى الله عليه وسلم النوم أخو الموت ولا تنام أهل الجنة وإنما قاله لأن الروح يسري بها وهو في مكانه وهذا جائز في قدرة الله عز وجل والله تعالى أعلم.
(الباب السابع في قلع الآثار عن الثياب)
إذا أصاب الثوب شيء من الأدهان فأهون شيء أن
(1/535)

يطرح عليه الدقيق ويقرصه قرصا ويحكه حكا فإنه سينقلع فإن كان أسود كالمداد فيقلعه بفطير دقيق الأرز ثم يغسله بصابون وإن غسله بالجير الحار والماء الحار انقلع، وإن كان حبرا فتخلعه بالخل الحامض وتغلي معه الأشنان ويعصر عصرا شديدا ثم يغسل بالصابون وإن غسل بماء الأترج يقلعه، وإذا أصاب الثوب الدم وأراد قلعه فيبيته في الماء ليله ثم يغسله بالصابون وإذا جف الدم فيرش عليه الماء الحار حتى يلين ثم يغسله بالماء مع الملح والأشنان المغلي فإن كان لوث الفرصاد الأبيض فيغسله بماء الفرصاد الأسود وبالعكس وكل أثر أسود يصيب الثوب فيدلكه بشيء من ماء الخل أو غيره ثم بالماء ثم يبخر تحته بالكبريت ثم يغسل بالماء والصابون فيطهر وينظف فإن كان زعفرانا فيغسل بالماء ثم بالصابون ثم بالكبريت ثم بالصابون ثانيا. إذا غلا التبن وغسله بمائه فتقلعه وإن بقي أثر النقط فيغسل بالزيت ثم يغسله بماء القلي ثم بالصابون وكل أثر غسله الإنسان بماء الرمان الحامض والأشنان فإنه ينظفه وإن أصاب الثوب دهن اللوز يعلقه في السرقين ثم يغسله بالماء.
(الباب الثامن في الإختلاج)
إذا اختلج وسط رأسه فذلك دليل على أن يجد مالا
(1/536)

واسما وإن كان أهلا للملك فيجد الإمارة وإن اختلج خده الأيمن فيسافر ويرجع بالسلامة وإن اختلج الأيسر فيسافر سفرا طويلا وإن اختلجت الناصية فيسافر وأموره على الإنتظام، وإن اختلجت ناصيته من جهة اليمين يرى خيرا من الأحبة، وإن اختلج قفاه يصيبه غم من جهة المال، وإن اختلجت أذنه اليسرى يذكر بكلام قبيح أو اليمني فيسمع كلاما حسنا واختلاج صماخ اليمين يجد فرحا بغتة واليسار يغتم ويحزن، واختلاج الحاجب من جهة اليمين يصيب فرحا وسرورا من أولاده وأحبائه، وإن اختلج من جانب اليسار فيستغني ويجد المراد وإن اختلج الحاجب اليمين مع العين يصل إلى مقصوده وإن اختلج الحاجب اليسار مع العين يصيبه غم وإن اختلج ذنب عينه اليمنى يصيب مالا ويفرح به، وإن كان من اليسرى فيولد له ولد ذكر، وإن اختلج هدب عينه اليمنى فيفرح، وإن كان من اليسرى يخاصم انسانا ويظفر به، وقيل هدب العين اليمنى يرى صديقا له طالت غيبته، وإن كانت اليسرى يذكر بسوء وان اختلجت الحدقة اليمنى فإن كان في مرض برىء، وإن كان في اليسرى يقع في أفواه الناس (فصل) فإن اختلج أنفه كله كان دالا على أن يصيبه فرح ويسار، وإن اختلج قصبة أنفه يحدث له ذكر واسم حسن، وإن اختلج رأس الأنف يصيبه
(1/537)

ألم ثم يبرأ، وإن اختلج خده الأيمن إن كان مريضا برىء وإن كان صحيحا يفرح وان كان من جانب اليسار قيل يفعل أمرا يخجل منه، وقيل تصيبه جراحة، وإن اختلج طرف فمه من الجانب الأيمن يفرح ومن جانب اليسار يجد سؤددا ومالا، وإن اختلجت شفته العليا يرى غائبا، وإن كانت السفلى يقهر عدوه، وإن اختلجت لحياه يشرع في خصومة ويكون له الظفر. واختلاج قصبة الحلق دليل على أن يأكل طعاما لذيذا، وان اختلج العنق يمينا فيصيب مالا ونعمة، وإن كان من جهة اليسار فيصيب مالا بتعب وإن اختلج جميع العنق يجب عليه أن يتصدق ويزيد في الطاعة ليدفع عنه البلاء وإن اختلج منكبه الأيمن يجد مملكة عظيمة وإن كان من جانب اليسار يخاصم أحدا، وإن اختلج عضده الأيمن يصيبه هم وغم، وإن كان من اليسار يجد ضالته، وإن اختلج مرفقه الأيمن يخاصم الأعداء، وإن كان من جانب اليسار يصيب حشمة. وإن اختلجت يده اليمنى يصيب مالا، وإن اختلجت يده اليسرى يجد حشمة.
واختلاج الكف من اليمين دليل النعمة ومن اليسرى دليل الفرح من المرض والعلة (فصل) واختلاج الأصبع من اليمين دليل على الظفر بحاجته واختلاج الإبط الأيمن دليل على العمر واختلاج الإبط الأيسر دليل على أنه يسر من صديق
(1/538)

له وإن اختلج جميع ظهره يصيبه غم ومهانة وإن اختلج الجانب اليمين يصيبه تعب في طلب النفقات، وإن اختلج جميع ظهره يصيبه غم ومهانة وإن اختلج الجانب اليمين يصيبه تعب في طلب النفقات وإن كان من الجانب الأيسر يولد له ولد ذكر، وإن اختلج وسط الظهر يجد له سؤددا وحشمة واختلاج الجنب الأيمن يصيبه خسران ومرض وإن كان شمالا فيأمن من جميع البلاء واختلاج الصدر علامة رؤيا غائب من ولد أو صديق والمعدة تصيبه مهانة واستهزاء، واختلاج الثدي الأيمن دليل على إطالة جلوسه على موضع ومن اليسار دليل على الخيرات، واختلاج البطن من الجانب الأيمن دليل على المرض ومن اليسار دليل الغنى، واختلاج السرة دليل على الفرح، واختلاج الذكر يجد غنى النفس واختلاج البيضة اليمنى دليل على إصابة المراد واليسرى دليل على إيجاد الفرح من جهة امرأة، والفخذ الأيمن فرح وسرور، الأيسر يدل على أن يرى صديقا غائبا والركبة اليمنى إصابة حزن واليسرى يموت عدوه والساق الأيمن يدل على الكذب أو ينسب إلى الكذب والأيسر انفراج غم واختلاج العقب الأيمن يفرح من جهة صديق له واليسار يدل على الخصومة والبلاء، وظهر القدم من اليسرى دليل على السفر وأصابع رجله اليمنى يقدم غائبه، وإن اختلج جميع
(1/539)

الأصابع يصير آمنا من جميع الهموم والأحزان، واختلاج الأعضاء بحسب التجارب والله أعلم.
كتاب عجائب البلدان
وفيه أربعة عشر بابا
(الباب الأول في عجائب التاريخ)
قال عبد الملك بن عمر الليثي: رأيت رأس الحسين بن علي رضي الله عنهما بالكوفة في دار الإمارة بين يدي عبيد الله بن زياد، ثم رأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان. أعجوبة أخرى، قال الصولي: لما ولي المعتز لم تمض مدة حتى أخرج في نطع والمنادي ينادي: إشهدوا أنه مات حتف أنفه وما به جراحة ثم مضت مدة مديدة وأخرج المهدي والمنادي ينادي: اشهدوا أنه مات حتف أنفه وليس به جراحة فتعجب الناس من لحاق بعضهم بعضا في مدة يسيرة.
أعجوبة أخرى، بعث المعتصم بأنباح إلى الأفشين وقال قل له يا عدو الله فعلت كذا وكذا، فلما بلغه الرسالة قال يا أبا منصور قد ذهبت بمثل هذه الرسالة إلى عجيف بن عنبسة فقال عجيف يا أبا الحسن قد ذهبت بمثلها إلى علي بن هشام، فقال لي علي قد ذهبت بمثلها إلى فلان فقال لي انظر من
(1/540)

يأتيك بمثلها فما مضى إلا أيام حتى حبس انباح وقتل.
أعجوبة أخرى، لما اشتدت علة الواثق بالله دخل أساف عليه فنظر هل مات أم لا فنظر الواثق إليه بمؤخر عينه ففزع أساف ورجع القهقرى إلى أن وقع سيفه فيما بين الباب واندق وسط أساف هيبة له فلم تمض ساعة حتى توفي فعزل في بيت ليغسل فجاء جرذ وأكل عينه التي نظر بها إلى أساف فكثر التعجب في ذلك. أعجوبة أخرى، مروان بن محمد الحمار آخر خليفة في بني أمية عرض بظهر الكوفة سبعين ألف عربي على سبعين ألف عربية فلما انقضت المدة لم تنفع العدة؛ قيل وجيء برأسه إلى عبد الله بن علي فوضع في بيت فجاءت هرة فاقتلعت لسانه وجعلت تمضغه فقال الناس لو لم نر الا هذه من عجائب الدهر لكفى. أعجوبة أخرى في الأعمار عاش النبي صلّى الله عليه وسلم ثلاثا وستين سنة وأبو بكر وعمر مثله والمأمون ثمانية وأربعين سنة والمعتصم مثله وعبد الله بن طاهر مثله. ولد النبي صلّى الله عليه وسلم يوم الإثنين وأنزلت الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
يوم الإثنين وبعث يوم الإثنين وتوفي يوم الإثنين. أعجوبة أخرى قال الصولي كان الناس يرون أن كل سادس يقوم بأمر الناس من أول الخلفاء لا بد أن يخلع فرسول الله صلّى الله عليه وسلم ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم الحسن رضي الله عنهم، فخلع ثم ولي معاوية ثم يزيد ثم معاوية بن
(1/541)

يزيد ثم مروان ثم عبد الملك ثم الوليد بن يزيد فخلع وقتل؛ ثم الدولة العباسية الأول السفاح ثم المنصور ثم المهدي ثم الهادي ثم الرشيد ثم الأمين وهو السادس خلع وقتل ثم المأمون ثم المعتصم ثم الواثق ثم المتوكل ثم المنتصر ثم المستعين وهو السادس فخلع وقتل، ثم ولي المعتز ثم المهدي ثم المعتمد ثم المكتفي ثم المقتدر خلع مرة في فتنة ابن المعتز ثم رد ثم قتل، ثم ولي القائم ثم الراضي ثم المكتفي ثم المطيع ثم الطائع فخلع وهذا من عجائب الدنيا. أعجوبة أخرى، العباس بن عمرو الغنوي أنفذه المعتضد في عشرة آلاف لمحاربة أبي سعيد الجنابي فقبض عليهم أبو سعيد بهجر فنجا العباس وحده وقتل الباقون وعمر بن الليث مر في خمسين ألفا إلى حرب اسماعيل بن أحمد فأخذ هو ونجا الباقون. أعجوبة أخرى عبر ألب أرسلان جيحون في أربعمائة ألف فارس فقتل هو وحده وعاد الباقون.
(الباب الثاني في عجائب الأرض)
قال الأوزاعي: رأيت بأرض بيروت عجائب ثلاثة الأولى رجل من جراد، وإذا رجل راكب على جرادة وعليه خفان أحمران وفي يده قضيب وهو يقول: الدنيا باطل ما فيها إلا ما هو لله ولا تسير الجرادة إلى موضع إلا الذي يشير إليه،
(1/542)

والثانية رجل كان عندنا يتعاطى الصيد وله بغلة دهماء يصطاد عليها فخرج يوم جمعة فقيل له ويحك يوم الجمعة يوم عيد وراحة فخالف وخرج فخسف به فرأيت أذني بغلته في الأرض. والثالثة رأيت شابا يلزم المسجد فأحببت أن أسأله من أين تكون معيشته فجئت فرأيته يصلي في المسجد حتى صلى العشاء ثم خرج فتبعته فجاء إلى باب المدينة وقد أغلق فانفتح له فخرج فإذا معه شجرة بلوط فجعل يأكل منها فقلت: السلام عليكم فقال لي: وعليكم السلام فقال لي: أبو عمرو!؟ فقلت: نعم فقال لي: هاك ثم رمى لي رطبا ثم مر فلم أره.
(الباب الثالث في عجائب المدن الستة التي ببابل)
الأولى حوض إذا أراد الملك يجمعهم لطعامه أتى من أحب منهم بما أحب من الأشربة فصب في الحوض فيختلط جميعا ثم يتقدم صاحب السقاية فيأخذ الأواني فمن صب من إنائه شيئا في الحوض جاء شرابه الذي جاء به. الثانية طبل إذا غاب من العشيرة غائب وأرادوا أن يعرفوا حاله أحي هو أم ميت ضربوا الطبل فإن كان حيا صوت الطبل وإن كان ميتا لم يصوت. الثالثة مرآة من حديد فإذا غاب الرجل في مكان وأرادوا أن يعلموا مكانه وكيف هو نظروا فيها
(1/543)

فأبصروه وعرفوا الذي هو عليه. الرابعة أوزة من نحاس إذا دخل غريب المدينة صوتت الأوزة صوتا يسمع ذلك الصوت جميع أهل المدينة فيعلمون أن قد دخلها غريب. الخامسة قاضيان جالسان على الماء فيجيء صاحب الحق والباطل فيمشي صاحب الحق على الماء حتى يجلس بين يدي القاضيين وأما المبطل فيتعوق، السادسة شجرة كبيرة ضخمة لا يصل إلى ساقها أحد فإذا جلس تحتها أحد وأحد إلى ألف أظلتهم فإذا زاد واحد على الألف جلسوا كلهم في الشمس وقيل: في أرض الروم كنيسة وفيها بيت يدخل فيها إلى أسفل بعشرين درجة وفي البيت سرير وتحت السرير رجل ميت على نطع وصبي ميت على نطع آخر وإلى فوق التخت بقرة معمولة من الرخام وفي بطن البقرة قدح من الرخام فيه زيت يشتعل ويؤخذ منه الزيت فإذا أخرج الميت من تحت السرير انطفأت تلك البقرة وإذا شكّت المرأة هي حامل أم لا تدخل البيت وتضع الصبي في حجرها فإن تحرك الصبي علمت أنها حامل وإلا فلا. وفي البادية على طريق الشام شجرة تترامى جمرات النار من أغصانها بالليل فإذا أخذ منها ورقة واحدة تنكتم، وفي بلاد الهند شجرة يأوي إليها الببغاء فإذا غرس أحد فيها سكينا أو مسمارا ينصب فيه دم الآدمي، وفي بارجين رحاية لها حجران كبيران عظيمان فإذا
(1/544)

وضع الإنسان الحب ودورها يخرج منها دقيق منخول وفي كرمان شجرة تدعى داري ورقها مثل آذان الفيل من شمها رعف في الحال وأما شجرة البلبل فهي من الأعاجيب أوراقها متوحشة بها فإذا جاء المطر تلتحف الأوراق بالشجرة ولا يصل إليها من المطر شيء، وفي بيعة مضر ديك معمول من الذهب معلق وفي منقاره فتيلة وتحت الديك قناديل معلقة أيضا كلما انطفأت تلك القناديل يصوت الديك صوتا قويا فتشتعل تلك القناديل ولا يدري كيفية ذلك أحد. ودير في حد قسطنطينية فيه بيت من حجر وعلى جداره صورة الرجال والنساء والبهائم وكل من مرض يضع يده على تلك الصورة فإن كان المريض رجلا فيضع يده على صورة الرجل والأنثى على الأنثى والبهيمة إذا كانت موجوعة يضع صاحبها يده على صورة البهيمة ويمسح بها البهيمة الموجوعة، فتبرأ بإذن الله تعالى. وبالهند شجرة تدعى عواكس ثمرها من جهة المشرق حلو لذيذ ومن جهة المغرب مر خبيث وكل طائر يطير جاء إليها وأكل منها ثمرة لا بد أن يأكل اثنين وعشرين ثمرة ولو كان عصفورا، وفي رواية ثلاثة وثلاثين، ويؤخذ منه العسل ويفتح القولنج، وفي بلاد الأرمينية بالروم ميزاب وتحته حوض فإذا لم يجىء المطر في الساعة التي يحتاج الإنسان فيها وإلا تهتز أركان الحوض فيجيء المطر لوقته،
(1/545)

وفي ديار الترك عود مصنوع كل من تخلل به تألمت أسنانه فإن بادر وحرق العود ذهب الألم وإن لم يبادر مكث الألم ثم يعود العود بعد حرقه. وحجر في ديار المغرب على صورة الفأرة فكل من وضع ذلك الحجر في بيته تزاحمت الفيران التي في البيت عليه حتى يحل بهم القبض، وفي حد باسان خربة كل من بات فيها تجيء إليه امرأة ولا يعرفها وتضربه وتلكزه ولا يظهر من هو يعرفه ولا تمكنه أن يلبث. وجبل في ديار كرمان من أخذ منه حجرا أو شقفة وشقه نصفين يرى في جوفه صورة آدمي جالسا أو قائما فإن طحن بالماء فالماء يتجمد على صورة آدمي. وفي اليمن حجر يجري الماء من فوقه إلى أسفله ويتحجر في الطريق فالشب اليماني منه، وفي طبرستان جبل يقطر منه الماء تصير كل قطرة قطرت منه حجرا صغيرا أبيض بين مسدس أو مثمن، وفي ديار قزوين جبل يقطر منه ماء يسمى هوفان فإذا صيح عليه بالهيبة ينقطع الماء فإن كرر عليه الصيحة يجري الماء على هذا النسق لا يعلم ذلك إلا الله سبحانه وتعالى. وحوض في أرض مصر يجري ماؤه فإذا دخل فيه جنب أو حائض ينقطع الماء حتى يغسل الحوض وينقى. وفي جبل الطير بأرض الصعيد ثقب كل سنة تجيء إليه طيور لا تحصى ويدخلن رؤوسهن في ذلك الثقب ويخرجن حتى إذا انحبس رأس أحد الطيور
(1/546)

فتطير الباقيات إلى السنة القابلة في ذلك اليوم، وفي أرض الأندلس غار تشتعل فيه النار فكل من أراد يشعل فتيلة يجعلها على رأس خشبة ويقرب إليه ويشعل، وقيل إن بابا من أبواب جهنم مفتوح إلى الأندلس وفي جبله عينان حارّة بحيث تحرق وباردة بحيث لا يشرب منها شربة واحدة. وفي ديار الترك بناحية نخبة عين يفور ماؤها ويتصعد إلى السماء مثل النشاب من القوس، وفي رستاق كرستان عين يجيء من باطنها ماء عظيم وشعر رأس الآدمي وفيها عين إن مر فوقها طائر يقع فيها فيموت. وفي ديار تركستان جبل وفي الجبل بيت كل حيوان يدخل فيه يموت. وقرأت من مفيد العلوم أن الثلج يتراكم بتركستان أربعين ذراعا وفي بلاد جيلان جبل يجيء منه الأحجار على هيئة السهام الحداد. وفي جبل شكران منارة موضوعة على رأس الجبل في كل سنة ثلاث مرات ترى مشتعلة بإذن الله عز وجل. وفي حدود سمرقند جبل يقطر منه ماء يتجمد في الصيف وفي الشتاء يكون حارا يحرق الأيدي. وفي قرية سلارم عين تجمد كل سنة يوما مثل الثلج ولا يدرى سبب ذلك. وفي دامغان عين جارية من طرح فيها قذرا تنبعث رياحا عظيمة بحيث يخشى أن تحرق البلد فما لم تنظف العين لا يسكن. وفي ديار الترك بناحية بكور يكون في جبالهم الذهب فمن أخذ قطعة
(1/547)

صغيرة سلم ومن أخذ قطعة كبيرة إلى بيته يموت ويقع الوباء فيه وإن أخذه غريب سلم من الوباء. وفي قرب البصرة جبل يصعد منه بخار متى وصل إلى آدمي يقتله. وفيه غار يخرج منه نار وعظام الموتى تنثال من الغار ثم تذهب إلى الغار ولا يدري أحد ذلك. وفي جبل دماوند بئر عظيم يفور منه الدخان بالنهار وبالليل النار والناس يأخذون من تلك النار لأجل صنعة الكيمياء. ورؤي في جبال فرغانة أحجار على صورة الآدمي لا يدري ما ذلك. ونبت في جبل طبرستان يدعى كورمائل فمن استحصده ضاحكا فكل من أكله يقع عليه الضحك بحيث يغشى عليه من الضحك وإن استحصده باكيا وأكله يأخذه الرقص بحيث لا يتمالك نفسه. وبحوالي بيت المقدس بيت يتعبد فيه العباد والغرباء فإذا أقبل الليل يستضيء البيت بحيث يظن أن فيه شموعا مشتعلة.
(الباب الرابع في خاصية البلدان)
من دخل بلد تنيس يكون جذلانا فرحا ما دام ضحوكا من غير سبب ومن أقام في الموصل سنة تزداد قوته ومن أقام بأهواز سنة ينقص عقله ورأيه وكل طيب يعجن في انطاكية وأهواز ينتن بعد شهرين ويفسد بحيث لا يصلح لشيء. ومن دخل بلاد الزنج تدعوه نفسه إلى الحرب واتخاذ السلاح ومن
(1/548)

صام في مصيصة في الصيف يصيبه الجنون والعلل، ومن أقام في البحرين يربو طحاله. ومن دخل مدينة رسول الله صلّى الله عليه وسلم يشم رائحة طيبة شهية. ومن أقام بشيراز يطيب عيشه عند جماع النساء واسترخاء المفاصل. وفي ديار الهند بلدة كل غريب يدخلها لا يمكنه الجماع فيها البتة. وبجيلان بلدة في كل سنة يجتمع عليهم الصيود بحيث تزدحم عليهم الأبواب والسطوح. ومن استوطن بغداد يجترىء على الإنفاق ويطيب قلبه وإن كان بخيلا صار سخيا، وحال أصفهان بخلاف ذلك يخاف على المنفقة وإن كان سخيا يصير بخيلا وخاصية بلاد خراسان أن يغلب على ذكورهم وإناثهم الشبق بحيث لا يتمالكن أنفسهن.
(الباب الخامس في عجائب الدنيا)
حيوان السمندل يدخل النار ويخرج ولا يحترق، وفي نواحي كرمان عود متى وضع على النار لا يحترق ويعمل من لحى هذه الشجرة المناديل والمآزر ومتى استقذرت طرحت في النار فابيضت. ومنها حلقة كوكدن بها حيوان مثل الفيل وفي ظهره أربعة بثور مثل الأعمدة وله قرن واحد ورأس القرن أحدّ من السيف والإبرة فيضرب الفيل ويرفعه بقرنه ثم يضرب به الأرض ويلد هذا الحيوان في أربع سنين.
(1/549)

وأعجب من هذا طائر يتخذ وكره على شجر الكافور فتقصده الحيات فيطير الحيوان مخافة الحية فتظفر بالبيض ويضرب نفسه على رأس الحية حتى يقلع عينيها وتموت الحية ثم يجيء إلى موضعه. وأعجب من هذا أن النعامة تبتلع الجمرات من النار. وفي حدود تلو أناس وحشية يدعون بنسناس فإذا قتل منهم واحد تخرب تلك القرية أو البلدة وإن غرق واحد منهم في الماء يجيء قرينه وينوح عليه أربعين ليلة على شاطىء النهر، وفي هذا الموضع ثعبان يصعد الأشجار ويأكل الأثمار. وفي بلاد الهند شجرة أوراقها على صورة الآدمي ويسمع منها أصوات كأصوات الآدمي، وفي البادية فأرة متى أحست بطعام تمر إليه وتنظر فيه فيصير الطعام سمّا فمن أكل منه يموت في الحال. ومن أعجب الأشياء أن النمر إذا كبر وضعف عن الصيد ترحمه أولاده فيصيدون كلبا ويطرحونه إليه، وقيل إن الضبع يكون سنة ذكرا وسنة أنثى ومتى وقع ظله في ليلة قمر على ظل الكلب يتجمد في الموضع. ومن كان معه لسان الضبع يفر منه الكلب. وفي طبرستان تكون السلحفاة في الماء والضفادع في الأشجار. ومن عجائب الدنيا أن الكلب الكلب وهو المجنون إذا عض انسانا يصير مدهوشا مجنونا حتى إذا بال الكلب على الأرض يرى صورة الكلب ولا يطيق أن يشرب
(1/550)

الماء يظن أن فيه خرء الكلب ويموت الرجل إلا أن يعالج بخواص ذلك، وكذا الكلب لا يشرب الماء حتى يموت وفي بحر البصرة سمك يدعى سلائي متى صيد يعيش يومين أو ثلاثة على الأرض ثم يموت وإن جعل في قدر وأميل رأس القدر يطير السمك من القدر. ومن عجائبها الجزر والمد إذا طلع القمر يجيء المد وإذا بلغ حد المغرب تراجع البحر.
(الباب السادس في عجائب البحر)
وفي بحر سلاهة جزيرة فيها طير متى ضلت السفينة أو أخطأ الملاحون فيجيء هذا الطير ويهدي السبيل ويصيح بالسفر والناس ويهتدون به، وفي بحر قيسون سمك متى رفع من البحر ووقع على الأرض يتحجر، وفي بحر المغرب جزيرة فيها ماء كثيف لا تجري فيه السفن لكثافته وغلظه، وفي بحر حبر أناس يجيء مع كل واحد لؤلؤة فيدفعون إلى التجار ويأخذون منهم الحديد ويذهبون ولا يعرف أحد من أين جاؤا وأين ذهبوا، وفي بحر البصرة سمك متى صيد وجفف يكون مثل القطن ونساء تلك الناحية يتخذون منه الغزل والثياب السميكة، وفي بحر الهند ثلاث جزائر متجاورة من جزيرة إلى جزيرة مسيرة سنة يجيء من الأولى الثلج في كل ليلة ومن الثانية المطر ومن الثالثة الريح، وإذا اضطرب
(1/551)

بحر سرنديب فينظر الملاح في طاس ماء فإن رأى فيها وجهه يقول لا تخافوا وإن لم يره يقول ألقوا المتاع وخذوا حذركم، وفي حد الهند جزيرة عشر فراسخ وفيها عين يخرج منها حيوانات وجوار أعلاهن كهيئة الآدمي وأسفلهن كهيئة الحيوان فيلعبن ويرقصن والناس ينظرون إليهن في الليلة المقمرة ولا يكون في بحور الدنيا أناس سوى هذا البحر وقيل أن الخضر بن عاميل قال لأصحابه أدلوني في بحر الصين فأدلوه يوما وليلة ثم صعد فقيل له ما رأيت فقال استقبلني ملك من الملائكة فقال أيها الآدمي الخطاء من أين وإلى أين؟ فقلت أردت أن أنظر إلى عمق هذا البحر فقال لي وكيف وهذا رجل قد رمي في البحر منذ ثلاثمائة سنة ولم يبلغ قعره.
(الباب السابع في عجائب الأنهار)
في أذربيجان نهر جار إذا جرى قليلا يتحجر ويتجمد صحيفة صحيفة. وفي نهر بيل موضع في كل سنة يزدحم فيه السمك بحيث يقبض بالأيدي وإذا غربت الشمس لا يقدر على واحدة، وفي حد اليمن نهر إذا طلع الصبح يجري من المشرق إلى المغرب وإذا غربت الشمس يجري من المغرب إلى المشرق، وعين في نهاوند يذهب الرجل إليها ويصيح أنا محتاج
(1/552)

إلى الماء فيجري الماء بإذن الله عز وجل، والتمساح إذا خرج من النيل فينام على الأرض ويفتح فاه فيجيء طير يسمى الطيطوي ويدخل في فمه وينظفه من الدود، أبد الدهر أرزاق تلك الطيور من ذلك. وفي المغرب موضع يتولد من الطين والماء منه الفأرة. وفي دامغان عين من شرب منه يطلق بطنه فإذا حمل ونقل من موضعه يتحجر وإن احتاجوا إلى الريح وقت الدياس ألقوا خرقة حيض في العين فتهيج الريح، وبحد العراق عين يأوي إليها العباد وكل من به مرض أو ألم يشرب من مائها يبرأ من المرض، وفي أرض سقلاب نهر في كل سبت يجري ماؤه ثم يجف في الباقي، وفي حد أرض الأندلس نهر عظيم لا يعبر به الفارس والراجل إلا يوم السبت وعلى طريق النهر صنم معمول مكتوب على صدره من عبر ورأى لا يرجع. وفي حد الموصل قرية فيها رحى آلاتها من الحجر فإذا أرادوا أن يطرحوا الغلة يقولون بحق يونس إلا وقفت فيقف الحجر. وفي رستاق الطبرية نهر جار نصف مائه حلو ونصفه بارد. وبحد كرمان نهر عليه جسر من الحجر فكل من يعبر عليه يتقيأ ولو كانوا عشرة آلاف رجل.
وبطوس عين من اغتسل بمائها تأخذه الحمى في الحال. وفي نهر كرسمك يدعى طريحا من أكل من ذلك السمك يعمى، وبين البصرة والأهواز نهر في كل وقت يعلو الماء على قدر
(1/553)

منارة ويسمع من جوف الماء الصياح وصوت الطبل والبوق ولا يدري أحد ما ذلك.
(الباب الثامن في عجائب الدنيا من الحيوانات)
إن الحيوان يعرف دواء علة نفسه بإلهام الله سبحانه فالأسد إذا مرض يطلب قردا ويأكله فيبرأ، والكلب إذا مرض يأكل ورق النيل فيبرأ، والخنزير إذا مرض يطلب السرطان البحري ويأكله فيبرأ، والجمل إذا مرض يأكل ورق البلوط، والضبع إذا مرض يأكل نجاسة الكلب فيبرأ.
الببر إذا مرض يأكل الكلب فيبرأ، والدب إذا مرض يأكل النمل فيبرأ والذئب إذا مرض يأكل التراب فيبرأ، والفهد إذا مرض يأكل الدم فيبرأ. والنمر إذا مرض يأكل الفأرة فيبرأ، والأرنب إذا مرض يأكل ورق القصب فيبرأ، والثعلب إذا مرض يأكل ورق القصب البري فيبرأ، والغراب إذا مرض يأكل الشعير فيبرأ، والنسر إذا مرض يطلب مرارة الآدمي فيبرأ، والجراد إذا مرض يطلب اليربوع فيبرأ والهدهد إذا مرض يأكل عقرب الجبل فيبرأ، والحمام الوحشي يأكل الجراد فيبرأ، والهرة إذا مرضت تأكل الحشيش فتبرأ بإذن الله عز وجل.
(1/554)

(الباب التاسع في عجائب الأحجار)
حجر المغناطيس يجذب الحديد إلى نفسه فإذا طلي بالثوم لا يجذب فإذا غسل بالخل عمل عمله، وحجر النوم من استصحبه لا ينام، وحجر المطر متى سحق أحدهما بالآخر تمطر السماء وهذا الحجر في ديار الترك. وحجر بديار مصر من أخذه بيده يقع عليه القيء فلا يزال يتقيّأ حتى يخشى عليه الهلاك فما لم يطرحه لا يسكن. وحجر آخر إذا علق على المصروع برىء، وحجر آخر متى وضع على رأس التنور فكل خبز فيه يتناثر، وحجر بديار مصر من علقه على ظهره يجامع كيف شاء وأي عدد شاء، وحجر الشب من وضعه تحت الوسادة يذهب فزع القلب، وحجر اليرقان إذا علق على صاحب اليرقان يصححه، وحجر الجزع إذا وضع بين يدي المرأة في حالة الطلق يسكن وجعها، وحجر البلّور إذا قوبل به الشمس ومن الجانب الآخر قطن أو ثوب يقع فيه النار ويحترق، وحجر اليشم والأتراك يكرمون هذا الحجر ويقولون أنه مبارك ويتخذون منه أنواع الحلى ومن كان معه حجر اليشم يكون آمنا من العلل ومن وجع المعدة، وحجر حمست من صحبه يكون آمنا من عين السوء ومتى طرح هذا الحجر في جب أوطاس فيه خمر لا يسكر البتة، وحجر سفيلا يعلقه
(1/555)

المستسقي على نفسه فيجذب الماء إلى نفسه والله تعالى أعلم.
(الباب العاشر في الملاحم)
اعلم أن الملاحم في هذه الأمة خمسة: أولها ملحمة رسول الله صلّى الله عليه وسلم وظهوره على العرب والعجم وقتل كل مخالف لدينه إلا من فدى نفسه واشتراها بماله وأخذ المال نوع من الذلة والصغار. والملحمة الثانية قتال أصحاب الجمل وصفين وظهور بني أمية على الطالبية حتى بلغ عدة القتلى في المعترك مائة ألف وأربعة وتسعين ألف رجل.
والملحمة الثالثة ظهور مسلمة بن عبد الملك على الروم حين دخل قسطنطينية وظهور بني العباس على المروانية حتى بلغ عدة من قتل في ذلك الهرج مائة ألف وأربعة وعشرون ألف رجل. والملحمة الرابعة خروج أبي مسلم صاحب الدولة وعبد الله السفاح سمي سفاحا لكثر سفح الدماء فبلغ عدة قتلاهم ثمانين ألفا. والملحمة الخامسة وهي كائنة لم تظهر وتكون في فتح قسطينطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر، وجميع غزوات النبي صلّى الله عليه وسلم مذ بعثه الله سبحانه إلى أن قبضه ستة وثلاثون غزوة وجميع ما غزا بنفسه ستة وعشرون غزوة قاتل في تسع غزوات أولها غزوة بدر وأحد والخندق وقريظة وبني المصطلق وحنين وخيبر والفتح والطائف،
(1/556)

ويقال للسلطان ظل الله، والحجّاج وفد الله، والإبدال أوتاد الله، والعلماء نصحاء الله، والتجار أمناء الله، وأهل القرآن أهل الله، والغزاة جنود الله، والفقراء أحباب الله، عز وجل.
(الباب الحادي عشر في المعراج)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم لما أسرى بي إلى السماء السابعة ورفعت لي مدائن الشرق والغرب رأيت مدينة محفوفة بالرحمة قلت يا جبريل ما هذه المدينة؟ قال: الروحاء يا محمد قلت:
وما الروحاء؟ قال: باب من أبواب الجنة تسميه أهل خراسان أفراوه قلت: لماذا فضلت؟ قال: يكون لهم عدوّ يقال لهم التتر شديد غلبهم قليل سلبهم الشهيد في أيديهم من أمتك له ثواب سبعين بدريا قال: وأقام قدامى علما حوله أعلام سود قلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا رباط بدسجان قلت: فما فضله قال: من صلى فيه ركعتين فكأنما صلى بين الركن والمقام مع ابراهيم الخليل عليه السلام سبعين صلاة وقال: ألا إن المقتول بأرض بدسجان أفضل من الغازي وأن الصلاة فيها بأربعة آلاف ألف وان للجنة بابا مفتوحا بأرض بخارى وبابا مفردا بدسجان، ورأيت قصرا من درّة بيضاء يأوي إليه الطيور فقلت:
لمن هذا القصر؟ قال: يأوي إليه أرواح الشهداء ويأتي
(1/557)

زمان يفتح الله لأمتك كورة يقال لها جرجان يسلط الله عليهم عدوا صغار الأعين كأن وجوههم المجان المطرقة وبقربها باب من أبواب الجنة قلت: ما هذه؟ فقال: سور يقال له دهستان يحشر الله فيها سبعين ألف شهيد للشهيد فيها أجر سبعين شهيدا فطوبى لمن بنى بها دارا أو رباطا أو رابط بها يوما وطوبى لمن صلى وصام؛ وقال صلّى الله عليه وسلم: أربع محفوظات وسبع ملعونات فالمحفوظات مكة والمدينة وبيت المقدس والبحران وأما الملعونات فبردة وصعدة وأيافث وطهر وملك وجيلان وعدن؛ وقال: نهران مؤمنان ونهران كافران وأربع مدائن من الجنة وأربعة قصور من الجنة في الدنيا، فالمدائن التي من الجنة مكة والمدينة وبيت المقدس وقزوين والإسكندرية وعسقلان وملطية ومسجد الكوفة قبة الإسلام وفيها فار التنور، قالوا: أخبرنا عن الأربعة الأنهار التي من الجنة في الدنيا قال سيحان وجيحان والنيل والفرات، والبابان المفتوحان من الجنة في الدنيا مدينة قزوين ومطلع الشمس عند نهر جيحون، يقوم يوم القيامة على حافتيه سبعون ألف شهيد لو أن كل شهيد طلب شفاعة من ربه شفع في سبعين ألفا، قال النبي صلّى الله عليه وسلم لبريدة الأسلمي أنه سيبعث من بعدي بعوث فكن في بعث المشرق ثم في بعث خراسان ثم في بعث أرض مرو فإذا أتيتها فانزل مدينتها فإنه بناها ذو القرنين
(1/558)

وصلى فيها عزير أنهارها تجري بالبركة، على كل نقب منها ملك شاهر سيفه يدفع عن أهلها السوء إلى يوم القيامة.
(الباب الثاني عشر في عجائب قضاء الله تعالى)
فمنها التوسعة على الأعداء والتقتير على الأولياء ومنها اعطاء الجاهل وحرمان العاقل، وفي كتاب اليواقيت أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه أن أصعد شجرة كذا تر عجبا فصعد موسى فجاء رجل وحفر أصل الشجرة ووضع بها بدرة من الدنانير وذهب وجاء رجل آخر وحفر تلك الحفيرة وأخذ الدنانير فذهب بها وجاء رجل آخر وقد لحقه العي فقعد ليستريح فبينما هو كذلك إذ جاء واضع الدنانير فلم يجدها فتعلق بالرجل وقاتله فقتله فتعجب موسى وقال يا رب ما هذه الحال فقال اعلم أن واضع الدنانير كان مديونا للآخذ فتلكأ في قضائه فسلطت عليه صاحب المال فصار دينه مقضيا وأما المقتول فكان قد قتل أبا القاتل فقتله قصاصا فلا يبقى عليه خصومة يوم القيامة.
(الباب الثالث عشر في فتح المدن)
اعلم أن العراق من المدائن وحلوان والري وهمدان
(1/559)

وقزوين وخراسان افتتحت في خلافة عمر رضي الله عنه وبعض خراسان افتتح على يد عبد الله بن عامر وما وراء النهر افتتح بعد عثمان على يد سعيد بن عثمان صلحا وأصفهان افتتحها أبو موسى الأشعري في خلافة عمر رضي الله عنه وطبرستان افتتحها سعيد بن العاص في ولاية عثمان صلحا وطلقان ونهاوند وجرجان افتتحها يزيد بن المهلب في أيام سليمان بن عبد الملك وكرمان وسجستان فتحها عبد الله بن عامر في خلافة عثمان وأهواز وفارس وأصفهان افتتحها عنوة أبو موسى في خلافة عمر رضي الله عنه وأما الشام فافتتحه الصديق صلحا وافتتح عمر بيت المقدس ومدن الشام كلها ومصر فتحت صلحا على يد عمرو بن العاص وأما المغرب فافتتحه عبد الله بن سعد بن أبي السّرح عمان وأذربيجان افتتحها عبد الله بن عمر وأفريقية افتتحت عنوة وأندلس افتتحها طارق بن زياد، وأما بلاد الهند فافتتحها محمد بن القاسم الثقفي وجزيرة العرب افتتحها النبي صلّى الله عليه وسلم.
(الباب الرابع في خراب البلاد)
قال الله تعالى وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ
قال الضحاك من علم الله تعالى أم القرى مكة يخربها
(1/560)

الحبشان فذاك عذابهم، وأما المدينة فالجوع وأما البصرة بالغرق وأما أرمينية فالصواعق والرواجف وأما خراسان فتخرب بأنواع العذاب وأما مدينة بلخ فيغلب عليها الماء فيهلك أهلها، وأما بدسجان فأقوام يخربونها لهم روائح منتنة ومدينة حلب فطاعون جارف وأما الصنعانيات واسحور فيقتلون بقتل ذريع من عدو وأما سمرقند فيغلب عليهم بنو قنطوراء بن كركر فيقتلون أهلها وكذا فرغانة وشاش واسبيجاب وخوارزم فتصير المدن كلها كجيفة حمار من النتن وأما مدينة بخارى فهي أرض الجبابرة تهلك بالعدو وثم يموتون قحطا وجوعا ومدينة زوقالة تخرب بالرمل وأما مدينة هراة فيمطرون الحيات تأكلهم أكلا وتقتلهم قتلا وأما مدينة نيسابور فيصيبها رعد وبرق وظلمة فيهلك أكثرهم، وأما مدينة الري فيغلب عليها الطبرية والديلمية مرة هؤلاء ومرة هؤلاء ويأسرون أهلها وأما أرمينية وأذربيجان فبسنابك الخيول والصواعق ويلقون من الشدة ما لا يلقى غيرهم وأما مدينة همدان فجيوش من ناحية الديلم يخربونها وأما حلوان فيهلكون بهلاك الزوراء وتمر بها ريح ساكنة وأهلها نيام فيصبحون قردة وخنازير وأما الكوفان فيقصدها عنبسة بن سفيان فيخربها ويأخذ جارية شابة من آل علي بن أبي طالب وشابا من أهله فيقتلهما ويجعل العيدان
(1/561)

في دبرهما ويصلبهما للناس ويقول هذا عليّ وهذه فاطمة ويخرج رجل من جهينة يقال له ناجية فيصل إلى مصر فويل لأهل مصر وويل لأهل دمشق وويل لأهل أفريقية وويل لأهل الرملة لا يدخل بيت المقدس ويمنعه الله منه وأما سجستان فرياح تعصف أياما بظلمة شديدة وهذه تنصدع لها الجبال ويموت فيها عالم كثير وأما كرمان وأصفهان وفارس فيقبل إليهم عدوهم فإذا قربوا منهم يصيحون صيحة تنخلع لها القلوب وتموت الأبدان ذلك قوله تعالى وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ما أهلك الله أهل قرية قط حتى يظهر فيهم الربا والزنا، قال وهب خراب الأندلس والجزيرة من سنابك الخيل وخراب العراق من قبل الجوع والسيف وخراب الكوفة من قبل العدو وخراب الري من الديلم وخراب خراسان من تنبت وخراب تنبت من قبل السند وخراب السند من قبل الهند وخراب اليمن من قبل الجراد والسلطان وخراب مكة من قبل الحبشة والمدينة من الجوع حتى ينزلوا بلدا من بابل مدينة الزوراء فيقاتلون أهلها أربعة أشهر فيبلع الفقير مائة دينار. تم كتاب عجائب الدنيا.
(1/562)

كتاب في الخواص
وفيه تسعة أبواب
(الباب الأول في خواص المعدنيات)
القطران إن طليت به الأسنان المتأكلة يسكن الوجع وإن خلط مع الخل في أذن فيها الدود يقتله ويسكن الوجع وإن خلط مع دم ورجيع فرخ الحمام ويطلى على البرص يغير لونه وإن استعمله الرجل وقت المباضعة يمنع الحبل والمرأة إذا تحملت بالملح لا تحبل ومن كان لها مريض مشرف على الموت وأراد أن يعلم موته أو برأه فليأخذ قطعة من الخزف ويجعل فيها النار ويلقي عليها قطعة من الملح ويوضع على باب البيت الذي فيه المريض فإن انقلب الملح إلى البيت فذلك علامة الصحة وإن انقلب إلى خارج البيت فذلك دليل موته وإن بقي مدة على النار فذلك علامة طول مرضه وإن حمل الزرنيخ المسحوق بالماء في إناء مكشوف الرأس فكل ذباب يقع عليه يموت وإن بخر به مع الجاوشير في البيت ينفر العقارب والحيات والهوام والأسفيداب إذا أكله انسان ينتفخ لسانه ويصير علة فإن لم يدرك يموت صاحبه، والنورة إذا عجنت بمرارة سام أبرص وماء الملوخيا ويرش في موضع فيه الحيات تجتمع الحيات كلهنّ. والكبريت إذا بخرت به الشجرة المثمرة يتساقط
(1/563)

الثمر وإن خلط مع النبيذ وخضب به الشعر الأسود بيضه وإن دق مع اللوز المر ويلقى إلى الكلب فإذا أكله غشى عليه وصاحب الثآليل إذا ترصد النجم الساقط من السماء فمسح يده في تلك الحالة على الثآليل تناثر عنه، ومن تناول الثوم فأكله ثم أكل بعده الفجل لا يشم بعده رائحة الثوم، وكل سكران يشرب ماء البصل مع الخل فإنه يصحو ويفيق في الحال والمخمور إن شرب الخل ينكسر خماره ومن أراد أن لا يشم منه روائح الخمر فيشرب قدر درهم واحد من السعد المسحوق أو قطعة من خبز الباقلا تشرب مع الزيت.
(الباب الثاني في علاج الوباء)
كل أرض وبئة يخاف منها الوباء فيأكل لحم الجمال مشويا ويشرب الطيب الفائح يبرأ من الوباء، وقيل من دخل بلدة فأكل من بصلها وخلها ثلاثة أيام يأمن من الوباء ومن سافر في الشتاء وخاف على نفسه البرد فيطلي بدنه بشحم الثعلب ومن دفن جلد الضبع في أسكفة باب داره لا يدخل في ذلك الدار كلب ما دام فيه مدفونا، وإن طلي بدن الكلب بشحم الضبع يجن ويموت، والحمار إذا أكل سرقين الثعلب يموت ومن عجائب الخواص من قال عند استهلال الشهر برب هذا القمر لا آكل في هذا الشهر لحم الفرس ولا الهندبا يصير آمنا
(1/564)

من الرمد ووجع الضرس وإن قال ذلك في رأس كل شهر يأمن جميع السنة من الوجع وكل سكران شرب ماء البصل والخل يصحو من سكره ومن عجائب الخواص أنّ البندق متى مضغ وطرح في الزيت ثم يجعل منه فتيلة يقع النوم على أصحاب المجلس، ومن كان به سهر فليوضع على مسقط رأسه منارة من غير علمه أو قدح مملوء من الماء (خاصية) الفرس الكريم لا ينزو على أمه ولا بنته، وخاصية الحمار يموت إذا أكل سرقين الثعلب ويغشى عليه إذا علقت الخنفساء على ذنبه وخاصية البقر ان مسح يده على ثدي بقرة ثم عرض يده على البسور يسكن، وخاصية الإبل أنّ من شرب من لعابه الممزوج بشراب يجترىء على الناس ويقوي، وخاصية الحية أن تموت ببصاق الآدمي إذا تفل في فيها بغتة وخاصية الفأرة متى قطع ذنبها ويخلى سبيلها تلدغ سائر الحيات حتى ينفرن خاصية الحشرات إذا وقعت في الزيت يمتن ومن طلى بدنه بدهن الجاوشير لا تلدغه الهوام.
(الباب الثالث في علاج البق والبعوض)
إذا جعل الترمس في ماء ثم يرش ذلك الماء على الجدار وعرصة البيت لا يدخل فيه البعوض ولا البق البتة وإن بخر البيت بالآس والكمون يمتن وإن دق أصل الحنظل
(1/565)

ورش ماؤه في موضع يخاف منه الجراد يأمنون وإن جعل رماد البلوط وخشبه في جحر الفأرة يهربن ويقتلن بعضهم بعضا وإن سحق الصدف وألقي في جحر الفأرة يهربن ويقتلن بعضهم بعضا وإن سحق الصدف و. ألقي في جحر النمل يهربن ويمتن ومن أخذ الزرنيخ وخلطه مع الكندس والرائب ثم يرش في البيت فكل ذباب يجلس عليه يموت ومن أراد أن لا يظهر عليه القمل فليأخذ الكندس ويدقه ناعما ويخلطه مع الشيرك ويمسح به نفسه في الحمام لا يكون له قمل البتة وإن عصر الرمان الحامض وطلي به نفسه في الحمام لا يكون له قمل البتة.
(الباب الرابع في لطائف الطب)
دواء الأسنان المسودة كما ما ثلاثة دراهم شادنج هندي درهمان فلفل أربعة دراهم عفص محرق ثمانية دراهم يدق وينخل ويستعمل، دواء يسقط الأظفار الفاسدة يؤخذ زبيب منزوع العجم يدق مع الجاوشير ويوضع عليه، دواء الشقاق تحدث في الرجلين يؤخذ داخل البصل الأصقيل غير مشوي ويطبخ بدهن السمسم والزرنيخ ويصب عليها، دواء لقطع شهوة الطين يؤخذ كمون كرماني ونخوة أجزاء سواء ويؤكل على الريق.
(1/566)

(الباب الخامس في السمنة)
لب اللوز خمسة دراهم لب البندق ثلاثون درهما لب الفستق ولب البطم من كل واحد ثلاثون درهما جوز هندي عشرون درهما سمسم ثلاثون درهما خشخاش وبزر الأنجرة من كل واحد عشرون درهما كرام دانه ثلاثون جوز كندر وقرست من كل واحد ثلاثون درهما مستعجل وحب الفلفل من كل واحد عشرة دراهم لعبة خمسة دراهم أبو زيدان خمسة دراهم بزر الخس ثلاثة دراهم بزر البقلة عشرة دراهم كثيرا عشرة قواليب مائة وزنه يستعمل ويعجن ويتناول كل يوم قدرا منه نافع إن شاء الله تعالى. تم كتاب الخواص بحمد الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتاب في المناظرات
وفيه خمسة أبواب
(الباب الأول في مناظرة النبي صلّى الله عليه وسلم مع وفد نجران)
اعلم أن وفد نجران قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلم إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلم ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه قالوا بلى قال ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء قالوا بلى قال
(1/567)

ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه قالوا بلى قال فهل يملك عيسى من ذلك شيئا قالوا لا قال فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يموت قال ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته ثم غذي كما يغذى الصبي ثم كان يطعم ويسقى ويحدث قالوا بلى قال فكيف يكون هذا كما زعمتم أنه إله وأنه ابن الله فانقطعوا لعنهم الله.
(الباب الثاني في حمق النصارى)
اعلم وفقك الله سبحانه أنه ليس على بسيط الأرض أحمق ولا أجهل ولا أكفر من النصارى، قال عيسى عليه السلام إني عبد الله آتاني الكتاب وهم يقولون كذبت بل أنت ابن الله، رضي الخصمان وأبى القاضي، وهذا كقول أخوانهم من الروافض حيث قالوا خير الناس بعد رسول الله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وقد سئل أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه من خير الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال أبو بكر ثم عمر ثم عثمان فقال الروافض كذبت أنت خير الناس فقد كذبوه ثم يدعون محبته وهذا خزي ونكال ثم العجب من النصارى الضلال والإفرنج الكفرة يزعمون أن عيسى بن الله أو أنه الله تعالى، تعالى الله عما يقولون ثم قالوا إن اليهود أسروه
(1/568)

وقتلوه فهل رأيت إلها مأسورا مصلوبا يعجز عن حفظ نفسه فكيف يحفظ خلقه قاتلهم الله أنى يؤفكون، وأنت ترى في مذهب النصارى من المناقضة والمخالفة ما لا تجده في أمة من الأمم ويكفر بعضهم بعضا يزعم أنه اله ويزعم آخرون أنه شريك وبعضهم يقول أنه ابنه.
(الباب الثالث في فضائح مذاهبهم وقولهم إن الله ثالث ثلاثة)
اعلم أن هذه الطوائف الثلاثة من الملكانية واليعقوبية والنسطورية لا يختلفون أن المسيح عيسى بن مريم ليس بعبد صالح ولا نبي ولا رسول، وأنه إله في الحقيقة، وأن الله في الحقيقة خلق السموات والأرض وأرسل الرسل وأنه غير مولود وأنه قديم خالق رازق حي وإله وأن الذي نزل هو ابن من في السماء وتجسم من روح القدس ومن مريم البتول وصارت هي وابنها إلها واحدا ومسيحا واحدا، وصلب ومات ودفن وقام بعد ثلاثة أيام، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الرب ولهم تسبيحة الإيمان وضعت في بلاد الروم بعد المسيح بخمسمائة سنة حين جمعهم قسطنطانوس بن فيلاطس ملك الروم الذي أمه هيلانة الحرانية لتقرير الإيمان فمن أبى قتلوه لا يتم لأحد منهم إيمان إلا بها وهي
(1/569)

تؤمن بالله الأب الواحد وبالرب الواحد اليسوع المسيح ابن الله لعنهم الله، بكر أبيه وليس بمصنوع، إله حق من جواهر أبيه الذي بيده ألفيت العوالم وخلق كل شيء من أجلنا معشر الناس وحبلت به أمه مريم البتول وولدته وأخذ وصلب وقتل ومات ودفن وقام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه، فالملكانية تقول أنه إله حق من جوهر أبيه والقتل والصلب والولادة وقعت عليه بكماله، واليعقوبية تقول حبلت مريم بالإله وولدت الإله، والنسطورية تقول مركب من أقنومين وطبيعتين من إله وإنسان والولادة والقتل وقع بالإنسان الذي يسمونه الناسوت فهذا يا معشر المسلمين قولهم في الإله وخزيهم وفضيحتهم في المعبود.
الجواب يكفيهم من الخزي والنكال إن إلهكم خرج من فرج امرأة والولادة قد أحاطت به من كل وجه لاهوته من قبل الأب وناسوته من قبل الأم، وإن مريم قد حملت بالإله والإنسان وولدت الاله والإنسان وهي أم الإله وقتل الإله ومات الإله وإن اليهود في زمن أفلاطيس الرومي اجتمعوا وقالوا ها هنا رجل أفسد أحداثنا فقال لأعوانه اذهبوا وأتوا بالخصم فجاؤا فلقوا سر خوطا من خواص المسيح وواحدا من الأثنى عشر، فقال لهم تطلبون يسوع الناصري؟
قالوا: نعم، قال: فما لي عليكم إن دللتكم عليه، فأعطوه ثلاثين
(1/570)

درهما فدلهم عليه فأخذوه وقد خرج وهو يبكي، فقال الملك:
أنت المسيح فأنكر ذلك وقال كذبوا عليّ وتقوّلوا، فقال اذهبوا به إلى الحبس فلما كان من الغد بكر اليهود وأخذوه وشهروه وعذبوه ثم ضربوه بالسياط وجاؤا به منبطحا ومغلولا وصلبوه وطعنوه بالرماح ليموت بالسرعة وما زال يصيح وهو مصلوب على خشبة يا إلهي لم خذلتني لم تركتني.
الجواب هذا كله سراح لا يشتبه على الحمير أن مثل عيسى يتبرأ من النبوة ومثل أصحابه يأخذ ثلاثين درهما فكيف وهو عندكم إله رب العالمين، والنصارى يعتقدون أن الله اختار مريم لنفسه ولولده وتحظاها كما يختار الرجل المرأة ويتحظاها لشهوته، حكاه العلماء عنهم وإنما يفصحون بهذا عند من يثقون به، اعلم أن من يكون اعتقاده هذا ومعبوده الذي يخرج من فرج امرأة لا يكلم ولا يناظر ولا يكون له عقل ولا دين ولا ملة ولا تمييز ولا دنيا لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم، فالمساكين قد اعترفوا أن إلههم قد صلب ومات فليس لهم إله وأنهم في تعزية الهم ولا دين ولا دنيا ولا جنة ولا نار، والمسلمون يقولون أن الله سبحانه حي عالم قادر مريد سميع بصير وأنه لا يموت وأن عيسى بن مريم صادق وعبد الله أمين بعثه الله عز وجل إلى الناس رسولا فبلغ الرسالة ثم رفعه الله إليه يعني إلى محل كرامته ومنزلته
(1/571)

وأنه كان يتدين بالطهارة ويغتسل من الجنابة ويوجب غسل الحائض، ولا خلاف عند النصارى أنه ليس بواجب عندهم ولا أصول لهم ولا فروع وقالوا يجوز أن يصلي وهو غير متطهر وجنب، والجنابة والبول والغائط لا يقطع الصلاة بلا خلاف، وللمصلي أن يبول ويتغوط ويجامع ولا يقطع الصلاة ويقرأون في صلاتهم كلاما مثل النوح والأغاني وضعه بعضهم لهم ويصلون إلى المشرق، وما صلى المسيح إلى أن توفاه الله إلا الى المغرب وبيت المقدس، وما صام صوم الحسوم وصوم العذارى ولا اتخذ الأحد عيدا ولا بنى بيعة قط ولا أكل خنزيرا قط بل حرمه ولعن آكله، وقال: جئتكم لأعمل بالتوراة وبوصايا الأنبياء قبلي وما جئت ناقضا بل متمما، وكان أصحابه كذلك إلى أن خرج من الدنيا، فأما النصارى فضلوا وأضلوا وكفروا وغيروا وبدلوا لعنهم الله، وللروم والنصارى دخن وبخورات يسمونها دخنة بخور مريم وما عرفته مريم قط ساعة ولا المسيح، والروم كانت تعظم الأصنام قبل ذلك وتصورها في الهياكل فبقيت على ذلك بعد إضافتها إلى المسيح فصوروا المسيح وأمه عوضا عن الأصنام، وكانوا يستبيحون الزنا وبقوا على ذلك إلى اليوم، وفي بلادهم يقولون المرأة إذا لم يكن لها زوج وآثرت الزنى لها ذلك فإنها أملك بنفسها، والملك يستعد ذلك ويقيم لهم الحكام فكل
(1/572)

انزالة تكون من الرجل بفلس واحد إلى أربعة أفلس ويقع الخلاف بين الزواني فيجيئون إلى الحكام فتقول هذا وطأني كذا وكذا مرة وما أعطاني شيئا فخذ لي حقي منه فربما يقول أنا فقير ما معي شيء فيقول القاضي المشؤوم تصدقي عليه فانه فقير يكون لك ثوابه عند المسيح، والحرة تزف إلى زوجها راكبة مكشوفة الوجه والرأس ومن جاء من الزناة بولد حملته إلى البيعة وسلمته البترك والقس وتقول وهبت هذا للمسيح ليكون له خادما فيجزونها خيرا بيا قدسية يا مباركة هنيئا لك من المسيح وثوابه، فإن كان هذا دينا لهم فأين الإلحاد والزندقة، وإن كانت شريعة فأين الكفر، ثم أن هؤلاء الحمير يدعون أنهم أهل كتاب ورسول وشرع وكل عاقل يعلم بطلان هذا المذهب ويتبرأ من هذه المقالة، ومن فضائح الروم والإفرنج أن النساء الديرانيات العابدات المنقطعات إلى البيع يقمن على الرهبان والغرباء ليزنوا بهن ابتغاء وجه الله والدار الآخرة وللرحمة بالغرباء والعزاب، ومن فضائحهم أن لا تغطي المرأة وجهها البتة وتقول لست ببخيلة كالمسلمين، ومن فضائحهم خصاء الأطفال والخصي كالذبح للكسب والفوز والشح والبخل وهم مع خصب بلادهم يشحون بأموالهم ويرتفقون بأصدقاء نسائهم ويبخلون بالمال ويجودون بالعيال، أنظروا معشر المسلمين إلى هذا
(1/573)

الخزي والنكال، فإن قالوا هذا مبتدع في النصرانية كما ابتدع في الإسلام البدع والمنكرات. الجواب من قديم يرفقون فإن الروم قبل التنصر كانت تأكل الخنزير وتستعمل الخصي وتقتل ولما تنصرت دامت على ذلك فمتى كان هذا الإبتداع يا ضلال فبان كذبهم لعنهم الله وأخزاهم في الدارين.
(الباب الرابع في شبههم الأولى)
قالوا إتصل الفيض الإلهي ذات الباري بذات عيسى فصار لاهوتيا، الجواب هذا الفيض لما اتصل به انفصل عن ذات الباري أم لا، فإن قالوا انفصل عن ذات الباري فهو باطل لأنه يؤدي إلى تغيير القديم وخلوه عن صفته، وأيضا يؤدي إلى جواز انتقال معنى من محل إلى محل آخر وهذا محال وإن قالوا هذا الفيض ما انفصل عن ذات الباري واتصل بذات عيسى ويعنون به العلم قلنا هذا أمحل المحال كيف يكون المعنى قائما في محل وحكمه وأثره في محل آخر، وقيام صفة واحدة في محلين مستحيل، فإن قالوا يجوز أن يتصل المعنى بذات عيسى من غير أن ينفصل عن ذات الباري كنور الشمس وشعاعه يتصل بالعالم وهو غير منفصل عنه. الجواب هذا باطل فإن النور القائم بجرم الشمس
(1/574)

يستحيل أن يتصل بنا ولكن الله أجرى العادة بخلق النور والشعاع في أجزاء العالم عند طلوع الشمس فهو سبب وعادة فافهم. شبهة أخرى قالوا إنما قلنا أنه إله لأنه ظهر على يديه أفعال عظيمة مثل خرق العادات ونقض المألوفات من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والأخبار عن الغيب ولم يجر هذه الأفعال على يد غيره من الأنبياء فبهذه الأفعال عرفنا أنه إله وأن فيه جزأ لاهوتيا. الجواب إذا قلنا هذه شبهة مشتركة الدلالة يلزمكم أن تقولوا أن الأنبياء كلهم أرباب وآلهة لأنه ظهر على أيديهم أفعال عظيمة فإن موسى صلوات الله عليه جعل العصا ثعبانا ذا رؤوس سبعة وألقى ابراهيم في النار فلم يحترق وأن جرجيس عوقب مرات وقتل فأحياه الله تعالى فإن قالوا جميعهم فعلوا بقوة عيسى عليه السلام قلنا لقائل أن يقول عيسى فعل بقوة أولئك لأن لهم فضل السبق والقدوة. والجواب الصحيح أن عيسى عليه السلام ما فعل شيئا من ذلك ما أبرأ الأكمه والأبرص وما أحيا الموتى بل الله يفعل ذلك عند تصديق أنبيائه فعيسى بشر ورسول وليس بخالق فإن الموت والحياة من قدرة الله تعالى فإن قالوا كتابكم فيه أن عيسى فعل ذلك بقوله وأحيا الموتى بإذن الله عز وجل (الجواب) هذا إضافة سبب كإضافة سائر الأفعال ولهذا قال بإذن الله يعني بحكم الله تعالى وقدرته، فإن الله
(1/575)

سبحانه وتعالى كان يحيى الموتى عند دعاء عيسى ودعوته للناس. شبهة أخرى إنما قلنا أنه إله لأن الله سماه ابنا فقال في الإنجيل يا عيسى أنت بني وأنا ولدتك، وقال عيسى عليه السلام أنا أذهب إلى أبي وأنتم غدا مع أبي فيدعوه ابنا على وجه التشريف كما قيل لابراهيم خليل الله ولموسى كليم الله ولمحمد حبيب الله تعالى (الجواب) هذه الرواية باطلة لأن كتابكم محرف مبدل لا اعتماد عليه، وهذا إنما وضعه المطران والقس خديعة لأموال الناس وإن صحت الرواية فمضمون أنت بني وأنا ولدتك يعني أنت نبي ورسولي وأنا ربيتك ولهذا قيل كفرت النصارى بترك التشديد الواحد ويجوز أن يقال محمد حبيب الله وابراهيم خليل الله ولا يجوز أن يقال عيسى ابن الله لفرق ظاهر ومعنى جلي، وهو أن النبوة توجب المجانسة والمشابهة من كل وجه وأما المحبة والخلة فلا توجب ذلك ألا ترى أن الملك من الملوك يجوز له أن يقول أني أحب الفرس الفلاني ولا يجوز أن يقول أن الفرس الفلاني ابني وأخي لما ثبت فاعلم، والله تعالى أعلم.
(الباب الخامس في سؤالات الإفرنج لعنهم الله وأخزاهم)
قالوا عيسى جاءنا بالحق أو بالباطل إن جاءنا بالحق فلا يجوز للحكيم أن يبطل الحق وإن قلتم جاءنا بالباطل فنعوذ
(1/576)

بالله فالنبي لا يأتي بالباطل (الجواب) يقلب عليكم فنقول موسى جاءنا بالحق أم بالباطل لا شك أنه جاء بالحق وجاء عيسى ونسخت شريعته فإذا جاز لعيسى أن ينسخ شريعته جاز لمحمد أن ينسخ شريعة عيسى (جواب آخر) إن قول القائل أن النبي نسخ شريعة موسى هذا قول خراف فإن الناسخ هو الله تعالى وهو عالم بمصالح العباد فتارة يثبت وتارة ينسخ كالطبيب الحاذق يعرف طباع المريض فيعالج كل مريض بدواء يصلحه كذلك ينسخ الله تعالى الشرائع يعلم مصالح العباد في الأزمان والأحكام فيتعبدهم بما شاء، كما شاء قالوا جاء بالحق وأمر بالحق وكتابه حق فما لنا نترك عيسى ونعرض عن شريعته ونتبع محمدا وأنتم تقرون أن عيسى كان حقا وتؤمنون به ونحن لا نؤمن بمحمد والمتفق عليه أولى من المختلف فيه، لأن بالإتفاق تعمر الآفاق وبالموافقة يكون صلاح العباد والبلاد والإختلاف سبب الفساد والفساد حرام وما يكون سبب الفساد يكون حراما (الجواب) يا معشر النصارى ما أنتم إلا حيارى أسارى لا مسلمون ولا نصارى فالأنبياء كلهم جاؤا بالحق وعيسى نبي صادق جاء بالحق، ولكن صاحب الحق هو الله تعالى لأنه مبدع الأعيان وخالق الأنبياء له إرسال الرسل مبشرين ومنذرين وصاحب الحق إذا اختار عبدا من عبيده لطلب
(1/577)

حقه فليس لعبده أن يسخط ويقول للسيد هلا اخترتني وهلا بعثتني فإن سخط وفعل يستوجب الملامة والأدب معلوم يا معشر الروم والإفرنج أن الدين لله والعباد عباد الله والبلاد بلاد الله (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا) فإن اختار موسى لرسالته فله ذلك ثم اختار عيسى فقد فعل صوابا ثم اختار محمدا فقد فعل حقا وعيسى عليه السلام قد رضي بذلك وأقر به وقال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا فمن أنتم يا كلاب النار وشر العبيد وأصحاب النار حتى لا ترضون بذلك وهل مثلكم إلا كما قيل رضي الخصمان وأبى القاضي، وقولكم ان كان دين عيسى حقا فلم نترك الحق فنقول يا حمير ودين موسى كان حقا وقد دعاهم عيسى الى شريعته وهلا تركهم على شريعة موسى اخسؤا يا معاشر الحمير، وكيف تجيبون ولا جواب لكم البتة، فلما جاز لعيسى أن يدعو قوم موسى الى شريعته ويأمرهم بترك شريعة موسى جاز لمحمد أن يدعو قوم عيسى الى شريعته، يأمرهم بترك شريعة عيسى والحق مع المسلمين.
كتاب في الباه
وفيه عشرة أبواب
(الباب الاول في مصالح الباه ومفاسده)
ول