Advertisement

في تاريخ الأدب الجاهلي



الكتاب: في تاريخ الأدب الجاهلي
المؤلف: علي الجندي
الناشر: مكتبة دار التراث
الطبعة: طبعة دار التراث الأول
1412هـ - 1991م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
اتصلت بالأدب الجاهلي منذ فترة طويلة، وأعجبني ما فيه من صدق العاطفة، وجودة التعبير، فأحببته، وشغفت به فاتجهت لدراسته والبحث فيه، فدرست شعر الحرب في العصر الجاهلي، وفي أثناء دراستي لهذا الموضوع، رجعت إلى كل مراجع الشعر الجاهلي، وبخاصة دواوين الشعراء الجاهليين، فرأيت من له ديوان من الشعراء قد يكون له روايات عديدة تختلف فيما بينها في عدد الأبيات، وترتيبها ومناسباتها، وطول القصائد وقصرها، وبعضها مشروح وبعضها بدون شرح، والمشروح منها، كثيرًا ما يكون فيه ألفاظ تحتاج إلى شرح وتفسير، لأنها كانت لغة عصر غير عصرنا الحاضر، فوددت لو نُسقت روايات كل ديوان، وجمعت في كتاب واحد، ووضعت في ترتيب يسهل على الدارس أو القارئ مهمته، أو يحببه في قراءته، ويساعده على معرفة قصد الشاعر في يسر وراحة؛ فأخرجت ديوان طرفة بن العبد، وقد جمعت فيه ما ظهر له من روايات، ورتبت قوافيه ترتيبا هجائيًّا، وجعلت لكل بيت رقمًا خاصا لتسهل الإشارة والرجوع إليه، ثم شرحته بلغة عصرنا الحاضر؛ ألفاظًا وإجمالًا، وأتبعت ذلك بدراسة تحليلية نقدية لشعره.
وفي أثناء كل هذه الدراسات كنت أرجع إلى كتب الأدب التي عنيت بالعصر الجاهلي، فلم أجد من بينها تاريخًا شاملًا لكل جوانبه، يتضمن كل ما يحتاج إليه القارئ أو الباحث، فكلها تترك موضوعات أساسية، أو تكتفي بإشارة عابرة إلى بعض الموضوعات أو الشخصيات لا تشفي غلة الباحث ولا تطفئ ظمأه، وبعضها يفيض في الحديث عن موضوعات لا تتصل بالأدب الجاهلي إلا عن بعد، مثل الحديث عن"كلمة أدب" وهذا أشد اتصالا بالنقد الأدبي، ومثل الحديث عن الساميين. لأن العرب منهم -والحديث عن الكتابة العربية- لأن الأدب الجاهلي دون بها، وظاهر أن هذين الموضوعين مما يتصل بتاريخ العرب العام، لا بالأدب الجاهلي وحده.
(1/3)

ومن كتبوا في تاريخ الأدب الجاهلي حتى الآن يتفقون جميعهم في اختيار بعض الشخصيات الأدبية ودراستها كنماذج لهذا العصر، يستنتجون منها خصائص هذا الأدب وسماته العامة وبذلك ينتهي عندهم تاريخ الأدب الجاهلي.
حقيقة: إن هذه الموضوعات مفيدة جدًّا، وقد بذل فيها أصحابها جهدًا يستحقون عليه كل شكر وتقدير. ولا شك أنها تعطي فكرة واضحة عن الأدب في هذا العصر بوجه عام، كما أنها تعطي نماذج ممتازة لدراسة الموضوعات والشخصيات الأدبية. ولكنها لا تتضمن كثيرًا مما يحب الباحث أن يعرفه عن تاريخ الأدب الجاهلي، كما لا تغنيه عن الرجوع إلى أمهات الكتب الأدبية والتاريخية لاستجلاء غامض أو استكشاف مجهول.
ففكرت في أن أضيف لبنة في صرح تاريخ الأدب الجاهلي الضخم، لعلها تلبي رغبة في نفس الباحث في هذا الميدان، وبخاصة طلاب الجامعات الذين هم في حاجة إلى معرفة ما في تاريخ الأدب الجاهلي من آفاق واسعة، وجوانب كثيرة متعددة يصلح كل منها لدراسة مستفيضة، فكان هذا الكتاب. وهو ثلاثة أقسام: الأول: عن العرب الجاهليين، وحياتهم وظروفهم من حيث كونها مؤثرات في الأدب، ويتضمن هذا القسم الحديث عن: معنى الجاهلية، وبلاد العرب الجاهليين، والعرب القدامى، وأنسابهم، ومنازلهم، وحياتهم ومعيشتهم، وحالتهم السياسية، والاجتماعية، والدينية، واتصالاتهم، ومعارفهم؛ وأما القسم الثاني ففيه فصول ستة، وهي: حقائق عامة عن الأدب الجاهلي، ولغته، وروايته، وتدوينه، ومصادره، وقضية الانتحال فيه. وفي القسم الأول لم أتحدث عن كل موضوع من موضوعاته إلا فيما يتصل اتصالًا وثيقًا بالأدب الجاهلي بخاصة، وقد يكون هناك ما يتصل بالأدب العربي بعامة لأن الأدب الجاهلي كان وما يزال أساس الأدب العربي في العصور التالية. وقد حاولت بقدر استطاعتي أن أجمع في هذا البحث ما أعتقد أنه سيكون كافيًا لدارس تاريخ الأدب الجاهلي بحيث يغنيه عن الرجوع إلى مصادر أخرى في هذا الموضوع، لاستكشاف مبهم، أو توضيح غامض.
وأما القسم الثالث فيشتمل على دراسة عامة للنثر والشعر وبيان خصائص كل منهما في العصر الجاهلي وأرجو أن أكون قد وفقت في الوصول إلى ما أردت، داعيا الله جل شأنه أن يعينني، ويوفقني في كل أعمالي وحياتي، إنه نعم المولى ونعم النصير.
علي الجندي
(1/4)

الجاهليون
معنى الجاهلية
...
معنى الجاهلية
الجاهلية: الزمان الذي كثر فيه الجهال، ويقول ابن خالويه: إن هذا الاسم حدث في الإسلام للزمن الذي كان قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم1.
وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم في أربعة مواضع:
1- قوله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} 2.
2- قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} 3.
3- قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} 4.
4- قوله تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} 5.
ويبدو من تفسير هذه الآيات، أن المقصود بهذه اللفظة ما كان قبل مجيء الإسلام، ففي تفسير الآية الأولى، يقول الطبري: "ظن الجاهلية" من أهل الشرك بالله، شكًّا في أمر الله، وتكذيبًا لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومحسبة منهم أن الله خاذل نبيه، ومعمل عليه أهل الكفر به. ويقول في الثانية يعني أحكام عبدة الأوثان، من أهل الشرك، وعندهم كتاب الله فيه بيان حقيقة الحكم الذي حكمت به فيهم، وأنه الحق الذي لا يجوز خلافه. وفي الآية الثانية يتعرض لبيان المقصود بالجاهلية الأولى، ويذكر فيها أقوالا كثيرة؛ منها: أنها الزمن بين آدم ونوح؛ ومنها أنها ما بين نوح وإدريس، ومنها أنها ما بين نوح وإبراهيم، ومنها أنها ما بين موسى وعيسى، ومنها أنها ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم مبيِّنًا ما كان في كل فترة من هذه الفترات من المنهيات المقصودة في الآية الكريمة وفي الرابعة، يقول: "حمية الجاهلية حين
__________
1 بلوغ الأرب "ج1" ص16.
2 سورة آل عمران، الآية 154.
3 سورة المائدة الآية 50.
4 سورة الأحزاب: الآية 33.
5 سورة الفتح، الآية 26.
(1/7)

جعل سهيل بن عمرو في قلبه الحمية فامتنع أن يكتب في كتاب المقاضاة الذي كتب بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين، بسم الله الرحمن الرحيم، وأن يكتب له: محمد رسول الله، وامتنع هو وقومه من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عامه ذلك: وقال: حمية الجاهلية، لأن الذي فعلوا من ذلك كان جميعه من أخلاق أهل الكفر، ولم يكن شيء منه مما أذن الله لهم به ولا أحد من رسله.
وفي السنة ورد لفظ الجاهلية كثيرًا، من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم، لأبى ذر حين عير رجلًا بأمه: "إنك امرؤ فيك جاهلية". ومما ورد فيه من الأقوال المأثورة، قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة" وقول عائشة رضي الله عنها: "كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء"، وقولهم: "يا رسول الله كنا في جاهلية وشر"، فالمقصود في هذا كله، حال جاهلية، أو طريقة جاهلية، أو عادة جاهلية ونحو ذلك.
ولفظ الجاهلية وإن كان في الأصل صفة، فقد غلب عليه الاستعمال حتى صار اسمًا، ومعناه قريب من المصدر.
والجاهلية، من حيث الاشتقاق اللغوى: مصدر صناعي، مأخوذ من "الجاهلي" نسبة إلى "الجاهل" المشتق من "الجهل". والجهل، في اللغة نقيض العلم. ويقول الألوسي: هو عدم العلم، أو عدم اتباع العلم.. فمن قال خلاف الحق، عالمًا أو غير عالم، فهو جاهل، ويقول: قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: كل من عمل سوءًا فهو جاهل، وإن علم أنه مخالف للحق. وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول أو فعل، فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب بمقاومة ما يعارضه، وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم، فتصير جهلًا بهذا الاعتبار6. وعلى ذلك "فالناس قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في حال جاهلية، جهلًا منسوبًا إلى الجاهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل، وإنما يفعله جاهل"7. ويستدل على ذلك بما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "إذا سرك أن تعلم جهل
__________
6 بلوغ الأرب جـ1 ص16.
7 المرجع السابق، ص17.
(1/8)

العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} 8.
فالجاهلية من حيث كونها اسمًا لزمن تطلق على الفترة التي كانت قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ولا تطلق على زمن بعد هذه البعثة. أما من حيث كونها صفة فقد يوصف بها بلد غير إسلامي، وقد يوصف بها الشخص قبل أن يسلم، وقد يوصف بها شخص مسلم توجد فيه صفات الجاهليين، فهو جاهلي وإن كان من أهل الإسلام، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن. الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة". وقوله عليه الصلاة والسلام لأبى ذر لما عير رجلًا بأمه: "إنك امرؤ فيك جاهلية".
فالعرب على هذا كانوا قبل الإسلام جاهليين: في زمن جاهلي، وهم كانوا جاهلين، أي غير عالمين، أو غير متبعين ما يقتضيه العلم. وهل كان العرب قبل الإسلام حقا كذلك؟ إن هذا الرأي يفسر الجهل بما يناقض العلم، ويفسر الجاهل بغير العالم، أو بمن يفعل فعل غير العالم، ومقتضى هذا أن العرب قبل الإسلام لم يكن لديهم علم البتة، أو كان لديهم علم ولكن سلوكهم كان على غير مقتضاه. والظاهر أن الاحتمال الثاني هو الأقرب للصواب، بل هو الصواب، فلم يكن العرب في ذلك الوقت جاهلين جهلًا ينافي العلم، فقد ثبت أنهم كانوا أهل ذكاء ودراية وخبرة، وكان فيهم أذهان صافية، ونظرات صادقة في الطبيعة وأحوال الإنسان بما لا يقل عن بعض نظرات الفلاسفة والباحثين والمفكرين. ويحكي لنا التاريخ كثيرًا عما كان في جزيرة العرب في ذلك الوقت، مما يدل على أنهم حينئذ لم يكونوا في جهل تام، بل كانوا على شيء من العلم والتفكير.
فما يروى لهم من الشعر يدل على صفاء نفوسهم، وصدق عواطفهم، ورقة إحساساتهم ومشاعرهم، ووصول شعرهم إلينا وهو على هذه الحال من النضج والكمال يدل على أنهم كانوا قد قطعوا أشواطًا كبيرة، واستعملوا فيها عقولهم وتفكيرهم وأذواقهم في مجال التعبير والتصوير حتى وصلوا بفنهم إلى هذه الدرجة العليا من الدقة والعذوبة والجمال. ثم إن
__________
8 المرجع السابق، ص 17.
(1/9)

ما تضمنه هذا الشعر، وما نسب إليهم من نثر: من معانٍ سامية، وأفكار ناضجة، وإشارات عديدة إلى شيء من العلم، وبخاصة في الطب يدل على عقلية ميالة إلى التفكير، قوية الملاحظة، وربما تكون هذه الإشارات من الأمور البدائية التي تعتمد على المصادفة، أو تستنتج عن طريق التجربة، ولكن هذا، ولا شك، يدل على يقظتهم ووعيهم، وتنبههم إلى ما حولهم، وقدرتهم على استكشاف ما في الكائنات من أسرار، وذلك كله لا يصدر عن جاهل ولا يكون إلا عن طريق العقل الكامل والتفكير السليم.
وأسلوب القرآن الكريم وهو في أرقى درجات الفصاحة، وأقوى مراتب البيان، يدل على ما كان لهم من تقدم ورسوخ في ميادين البلاغة وروعة التعبير، فقد كانوا يفهمونه ويدركون مقاصده، وأكثروا من الجدل والمناقشة حوله، وذلك لا يتسنى لجاهل ليس لديه شيء من علم أو معرفة أو خبرة أو دراية.
ثم إن آثارهم العظيمة التي يتحدث عنها التاريخ من مدن فخمة، ومبان شاهقة، وأعمال هندسية وفنية، ونظم في المعيشة، والسياسة، والتجارة والحروب وأدوات القتال وغيرها، وما قيل عن معارفهم وتجاربهم وخبراتهم في نواحٍ متعددة تدل على تفكير عقلي سليم، وإدارك قوي صحيح.
كل هذا ينفي عن العرب قبل الإسلام الجهل الذي ينافي العلم على الإطلاق، اللهم إلا إذا خصصنا هذا الجهل بناحية معينة، وهي الناحية الدينية، ففي هذه الحالة يكون وصف العرب قبل الإسلام بالجهل الديني وصفًا معقولًا، ومطابقًا للواقع. فالعرب قبل الإسلام كان فيهم المشركون والمجوس واليهود والنصارى وغيرهم، ولكنهم على العموم كانوا، قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم في ضلال ديني، وظلام دامس في العقيدة، وما كانوا يعرفون الدين الصحيح، فلما جاء الإسلام كشف لهم الحقيقة وهداهم إلى الصراط المستقيم، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، فأزاح عنهم جهل العقيدة، وأسبغ عليهم نور العلم بحقيقة الله، والعلم بالعقيدة الصحيحة والدين القويم.
هذا إذا فسرنا "الجاهل" الذي كان وصف العربي قبل الإسلام بغير العالم، أما إذا فسرناه بأنه من يفعل فعل غير العالم أي من يقول قولا، أو يعمل عملا يتنافي مع علمه، فإن هذا الوصف كذلك ينطبق على العربي، بوجه عام، قبل البعثة، فما أثر لهم من أقوال، وحكم، ونصائح، وأعمال، يتنافى مع ما أثر عنهم من سلوك في كثير من مظاهر الحياة،
(1/10)

كالعنف، والظلم، وسيادة القوة والسلاح والإسراف إلى حد الإتلاف، وتقديس ما لا يملك لهم ضرًّا ولا نفعًا.
هذا هو ما يمكن أن يقال عن الجهل الذي وصم به العرب قبل الإسلام إذا فسر الجهل بأنه ضد العلم. ولكن إذا فسر هذا الجهل بأنه ضد الحلم كان كذلك تفسيرًا سليمًا صحيحًا مطابقًا تمامًا لحال العرب قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالحلم سيد الأخلاق، وتندرج تحته جميع الخصال الحميدة، وأرقى درجات السلوك الإنساني الحكيم. والجهل الذى ينافي الحلم معناه: السفه والحمق والتهور وعدم القدرة على ضبط النفس، وسرعة الانفعال، واشتداد ثورة الغضب، والاندفاع في غير تريث ولا تفكير، وهذه كلها كانت صفات منتشرة بين العرب قبل الإسلام، فكان العربي يثور لأتفه الأسباب ويشعل نار الحرب إذا توهم إساءة، أو ظن ظنًّا، ولو خطأ، دون أن يتريث، أو يتحرى الحقيقة. وقد ورد استعمال لفظة "الجهل" ومشتقاتها في هذا المعنى كثيرًا. فمن ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} 9. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل". وقول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فالجهل هنا يقصد به السفه والحمق والتهور وعدم ضبط النفس وفقدان سيطرة العقل، وعدم السلوك الحكيم.
ولكن لا ينبغي أن يغيب عن البال أن ذلك كان حال القوم في مجموعهم، لأنه لم يكن كل واحد منهم موصوفًا بهذه الصفات التي تتنافى مع العقل والحكمة والاتزان والروية، فقد كان هناك أفراد اشتهروا بالعقل السديد والرأي الصائب، وبعد النظر، وحسن السلوك والسيرة، وكانت سمتهم الظاهرة الحكمة، حتى إن العرب اتخذوهم حكامًا، يستشيرونهم في شئونهم ويحكمونهم في أمورهم، ومن هؤلاء، الأفعى بن الأفعى الجرهمي، وهو الذي حكم بين بني مرار في ميراثهم، وأكثم بن صيفي حكيم تميم وعالمها بالأنساب، وحاجب بن زرارة التميمي كذلك، وكان على معرفة تامة بأخبار العرب وأحوالها وأنسابها، وهو من مشاهير الفصحاء والبلغاء، وكذلك الأقرع بن حابس التميمي، وهاشم بن عبد مناف القرشي،
__________
9 سورة الفرقان 3 الآية: 63
(1/11)

وعبد المطلب بن هاشم، وضمرة بن ضمرة النهشلي، وكان ذكيا فطنًا قوي العقل والتفكير، خبيرًا بأحوال العرب وأنسابهم، وذو الإصبع العدواني، وعامر بن الظرب العدواني، وعيلان بن سلمة الثقفي، وهرم بن قطبة الفزاري وسنان بن أبي حارثة المري، وربيعة بن حذار الأسدي، ويعمر بن الشداخ الكناني، والقلمس10 الكناني ومالك بن جبير العامري، وعمرو بن حممة الدوسي، والحارث بن عباد البكري.
ولم يقتصر الأمر على الرجال، بل كان من نساء الجاهلية من اشتهرن بالحكمة وحدة الذكاء وقوة العقل وسداد الرأي، ومنهن: ابنة الخُسّ الإيادية، وأختها جُمْعة، وصُحَر بنت لقمان، وخُصَيلة بنت عامر بن الظرب العدواني، وحذام بنت الريان، وهى التى قيل فيها:
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام11
وكان هؤلاء وأمثالهم يعرفون بين العرب بأنهم الحكام أو الحكماء.
وبهذا يكون الجهل الذي وصم به الجاهليون على وجه العموم، الجهل الديني، أو ما يتنافى مع صفات العالم الرشيد، أو ما ليس من سلوك الحليم ذي الرأي السديد.
__________
10 القلمس: ليس اسم علم، وإنما هي درجة واختصاص، عرف بها من كان ينشئ الشهور. وأول من عرف بها أبو ثمامة جنادة بن أمية الكناني. ومن معانيها السيد العظيم، والرجل الخير المعطاء، والمفكر البعيد الغور، والداهية من الرجال، وذلك من معانٍ تشير إلى صفات عالية في الرجل الذى أطلقت عليه. وقال المرزباني القلمس الأكبر هو عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة ... جاهلي قديم وهو أول من نسأ الشهور في الجاهلية. "الموشح ص 83".
11 راجع بلوغ الأرب للألوسي، وتاريخ اليعقوبي جـ1 ص 258 ويقول المرزباني: إنها زوجة لجيم بن صعب، وهو القائل هذا البيت، ويروى لغيره. ويقول عن لجيم شاعر وأبو شاعر وعمه بلغاء بن قيس شاعر. "الموشح ص 253".
(1/12)

بلاد العرب الجاهليين
تقع بلاد العرب في أقصى الجنوب الغربي من قارة آسيا، وهي التي تعرف بشبه الجزيرة العربية، ويحدها من الشمال بلاد الشام، ومن الشرق الخليج العربي، ومن الجنوب المحيط الهندي، ومن الغرب البحر الأحمر.
وكانوا قديمًا يقسمون هذه البلاد أقسامًا بحسب الارتفاع والانخفاض، وأهم الظواهر الطبيعية البارزة في شبه الجزيرة العربية هي سلسلة جبال السراة، وهي أعظم جبال العرب وأشهرها، وتخترق شبه الجزيرة من الجنوب إلى الشمال، على محاذاة الساحل الغربي، فتمتد من أقصى اليمن حتى تبلغ أطراف بوادي الشام، وتقسم شبه الجزيرة العربية قسمين، قسمًا شرقيًّا وآخر غربيًّا، ونظرًا لقربها من الساحل الغربي فإن انحدارها إليه شديد وقليل، وانحدارها إلى الجهة الشرقية خفيف وتدريجي. فما انحدر منها إلى جهة الغرب إلي شاطئ البحر الأحمر كان يسمى "الغور" أو "تهامة"، وهذه هي المنطقة الساحلية الغربية، وتمتد من أقصى الجنوب إلى خليج العقبة، وتقال أحيانًا مضافة إلى القسم الذي تحاذيه، فيقال: تهامة اليمن، وتهامة عسير، وتهامة الحجاز. وتضيق هذه المنطقة في بعض الأماكن وتتسع في أماكن أخرى، وأقصى اتساعها أربعون ميلًا. وأكثر هذه المنطقة شديد الحرارة، قليل الإنبات، وجميع المدن الساحلية تقع في هذه المنطقة1.
وما ارتفع بعد هذه الجبال إلى جهة الشرق، يسمى نجدًا. ومن هنا كان قولهم: "أغار وأنجد" أي ذهب إلى الغور والنجد.
وسلاسل جبال السراة نفسها سميت: حجازًا لأنها حجزت بين تهامة ونجد2 ويتخلل أرض الحجاز كثبان رميلة وآكام خصبة، وهي مساكن القبائل، وحولها قرى وضياع، وبمنحدراتها توجد عيون مياه تنبت حولها بعض الحبوب ومراعي الماشية.
__________
1 قلب جزيرة العرب، ص9.
2 وقال الأصمعي: إنما سمي حجازًا لكثرة الحرار فيه، لأن أهل الحرة يحتجزون بها من الخيل "مفضليات أوروبا 415".
(1/13)

والجزء الذي ينتهي به نجد في الشرق حتى يصل إلى الخليج العربي، كان يسمى العروض، ويشمل البحرين واليمامة وعمان.
وكان القسم الجنوبي يسمى "اليمن" -وقيل سمي بذلك لأنه عن يمين الكعبة، وأحيانًا يسمى اليمن الخضراء لكثرة أشجارها وزروعها- وكان يشمل حضرموت والشحر.
وطول بلاد العرب من الشمال إلي الجنوب 1400 ميل، وعرضها نحو 800 ميل، ومساحتها نحو 120.000 ميل مربع، وشواطئها قليلة بالنسبة إلى مساحتها لأنها منتظمة غالبًا، قليلة الخلجان والمواني الجيدة، وهي رملية منخفضة على سواحل الخليج العربي، صخرية وعرة تجاوزها الجزائر المرجانية والصخور الغائصة تحت الماء قليلًا أو كثيرًا على البحر الأحمر.
وشبه الجزيرة على العموم نجد كبير واسع الأطراف، يأخذ في الانخفاض التدريجي إلى الشرق، حتى ينتهي إلى أرض العراق والجزيرة والخليج العربي، وقلما تجد ناحية منها يقل ارتفاعها عن 1500 قدم على سطح البحر، وفي اليمن والجهات الوسطى من نجد ما يصل ارتفاعه إلي 7000 قدم، وبها كثير من السلاسل الجبلية3.
وفي القسم الجنوبي الشرقي من داخلية بلاد العرب بادية منخفضة، تعرف بالأحقاف أو الربع الخالي، وهي صحراء رملية، وفي الشمال توجد صحراء النفود وهي متصلة ببادية الشام وهي حصباوية صخرية.
وبلاد العرب قليلة المياه، ليس بها أنهار عظيمة، ويتخلل سلاسل الجبال الغربية بعض الجداول جارية إلى البحر الأحمر، وأكثرها أودية تنضب أيام الجفاف، بل وتذهب معالمها. ومناخ البلاد قاري، شديد الحرارة في أغلب فصول السنة لوقوع أكثر البلاد في المنطقة الحارة، وأكثر أمطار اليمن تقع بين منتصفي يونيه وسبتمبر، وأمطار عمان تسقط عادة بين منتصفي نوفمبر وديسمبر، حيث تكون الرياح الموسمية شمالية شرقية، وبلاد حضرموت توازي شواطئها هذه الرياح في رواحها وغدوها فلا تمطرها4. وجبال الحجاز تهطل فيها الأمطار في الخريف، من أواخر أغسطس إلى أواخر ديسمبر وفي نجد تهطل في ديسمبر ويناير وفبراير5.
والأمطار في بلاد العرب على العموم قليلة، ولذلك قلت فيها الأنهار، أو عدمت والسمة
__________
3 تاريخ العرب القدامى: ص 5.
4 تاريخ العرب القدامى. ص 6
5 قلب جزيرة العرب. ص 60.
(1/14)

الظاهرة في شبه الجزيرة العربية الجفاف، وقلة الزراعة والنباتات، ولذلك يهتم الناس جدًّا فيها بالأمطار، وينتظرونها بفارغ الصبر، ففيها الخير والحياة لهم ولأنعامهم، ومن ثم فهم يترقبون هطولها، ويتناقلون أخبارها، فيتطلعون إلى حركات السحب، والعواصف الجالبة لها، فإذا هطل الغيث سري عنهم، واطمأنوا على سنتهم أنها سنة خير وخصب. والبداة أكثر الناس اهتماما بالأمطار، يتوقعونها، ويستخبرون عن أماكن نزولها، لكي ينتقلوا إليها بماشيتهم التي هي عماد حياتهم، ونظرًا لأنهم أكثر الناس اهتمامًا بالأمطار تراهم يعلمون بالفصول ويقسمونها أقسامًا، ولكل قسم اسمه الخاص به6.
وبطبيعة الحال توجد المراعي في الأماكن التي تسقط فيها الأمطار، ولكن الزراعة التي تستوجب استقرار السكان معها لا توجد إلا في البقاع التي تكثر فيها الأمطار أو ينابيع المياه، وكما في أغلب جهات اليمن، وفي الواحات التي توجد في الأودية والسهول فتبنى القرى حيث يسكنها أصحابها، ويقيمون فيها، ولا يظعنون عنها. وتوجد الأشجار في سفوح الجبال، ولكن ليس في بلاد العرب غابات، لأنها لا توجد إلا حيث تسقط الأمطار بغزارة وعلى الدوام، ويكثر النخيل في الحجاز، ولا يزال شجر اللبان يزدهر على الهضاب المحاذية للساحل الجنوبي لا سيما في مهرة، ويوجد في البادية: عدة أنواع من شجر السنط والأثل والغضا والطلح الذي يستخرج منه الصمغ العربي، كما توجد الكمأة، وأما شجرة البن التى تشتهر بها اليمن اليوم فقد أدخلت إلى بلاد العرب الجنوبية من الحبشة في القرن الرابع عشر7، هذا إلى جانب أشجار الفواكه وغيرها التي تنبت في الأماكن الخصبة، مثل البطيخ، والعنب والتين والخوخ والسفرجل، والزيتون والورود.
ولقلة الغابات فيها قلت حيواناتها الوحشية، وإن كان يوجد في جبالها النمر والضبع والذئب وابن آوي، كما يوجد في صحاريها الحمار الوحشي والنعام والغزلان، وبقر الوحش والظباء.
أما الحيوانات الأهلية، فهى من أهم مصادر الثروة عند العرب، ومن أهمها: الإبل والخيل والغنم والمعز والبقر. كما يوجد فيها الكلاب والقطط.
وفيها من الطيور: الحمام، واليمام، والقطا. والغراب، والحدأة، والصقر، والنسر، والعقاب، والجراد في بلاد العرب كثير.
__________
6 المرجع السابق ص61.
7 فيليب حتى جـ1ص 22.
(1/15)

ومن الزواحف: العقارب والثعابين والسلاحف.
ويصاد السمك من البحار، وهو في شواطئ عمان كثير جدًّا. ومثله السلاحف البحرية، ويستخرج اللؤلؤ من جهات عمان، والمرجان من سواحل البحر الأحمر.
والواحات، باستثناء مكة، منتشرة شرقًا في اليمامة ومنطقة الخليج العربي، أو غربًا في وادي القرى حتى تبلغ يثرب، وتلك هي مراكز القوافل التي تعين مراحل الطرق الطبيعية الكبرى ونهايتها.
وأهم الطرق على العموم طريق التوابل المعروفة منذ القرون الوسطى، وهي التي تبدأ من حضرموت مارة بمأرب، وتقف عند نجران، ثم تنشعب إلى طريقين، طريق تتجه نحو اليمامة فتصل الحيرة والفرات، والثانية تتجه نحو الشمال مارة بمكة ويثرب وواحات وادي القرى منتهية عند البطرة، وهذه أيضًا تنشعب إلى طريقين، تتجه الأولى إلى غزة، والثانية إلى بصرى ودمشق8.
وطرق القوافل معروفة من قديم بين مكة والشام واليمن والعراق ومصر، وكان لتجارة الحبشة طريق مسلوك من جدة على البحر الأحمر إلى القطيف على الخليج العربي لجلب اللؤلؤ9.
وكانت الرياح الموسمية سببًا في رواج الملاحة وتقدم التجارة منذ الأحقاب القديمة، وكانوا أولًا يسيرون بالقرب من الشاطئ، ثم تقدموا إلى جهة إفريقيا الشرقية، وما زالوا يتوغلون حتى بلغوا الهند الشرقي والهند الأقصى.
وكانوا ينقلون من الجنوب "اليمن وحوض المحيط الهندي وإفريقية الشرقية": اللبان والطيب والبخور والجلود وثياب عدن النفيسة وتوابل الهند ورقيق إفريقية والصمغ والعاج، كما كانوا ينقلون من الطائف: الزبيب، ومن مناجم بني سليم: الذهب كل ذلك كانوا ينقلونه إلى حوض البحر المتوسط، ويعودون محملين بالأسلحة والقمح والزيت والخمر والثياب القطنية والكتانية والحريرية10.
__________
8 تاريخ الأدب العربي للدكتور بلاشير، وتعريب الدكتور إبراهيم الكيلاني ص21.
9 تاريخ العرب القدامى ص8.
10 تاريخ الأدب في العصر الجاهلي للدكتور شوقي ضيف ص 76.
(1/16)

وحيث كانت توجد أسباب الرزق الثابتة، استقر القوم، فبنوا المدن والقرى، وأقاموا بها، ومن أشهر هذه المدن:
صنعاء في اليمن وهي العاصمة، وكان اسمها في الجاهلية: أزال. وصنعاء كانت تحاكي دمشق الشام لكثرة مياهها وأشجارها، وكان فيها قصر غمدان، وله غرف شهيرة يسمونها المحاريب، وهو محكم البناء عجيب الارتفاع، وفيه ما لا يوصف من الخزف والصنائع الغريبة. وفي اليمن قصور أخرى كثيرة، منها: ناعظ قصر ملوك همدان، وبينون: قصر بناه تبع الذائد بأرض عنتر، وصرواخ لسعد بن خولان، وقصر العشب، وقصر العنقاء، وقصر موكل في المشرق.
وفي اليمن زبيد، وهي قصبة التهائم، وموضعها في مستوى من الأرض، والبحر عنها أقل من يوم، وفيها نخل، وكان عليها سور دائر فيه ثمانية أبواب، وهي إلى القرب من صنعاء، ولها فرضة على البحر تسمى علافقة، وبينها وبين البحر خمسة عشر ميلًا. وإلى الجنوب منها على شط البحر أيضًا مدينة المخا التي يجلب منها البن.
وكانت توجد مدينة سبأ وهي مدينة مأرب. وتقع إلى الشمال الشرقي من صنعاء، وبينهما ثلاث مراحل، وكان بها سد مأرب ذو الشهرة التاريخية، وكانت مدينة طيبة الهواء، عذبة الماء، موفورة المتنزهات، كثيرة البساتين والخيرات، وبقربها وجد الباحثون من الفرنسيين والإنجليز سنة 1875 الآثار المسطرة على الصخور بالخط المسند المعروف بالخط الحميري.
أما عدن فهي من مدن اليمن التهامية، وهي أقدم أسواق العرب.
ومدينة نجران فيها كعبة نجران، وهي قبة عظيمة، يقال إنها كانت تظلل ألف رجل، وكان إذا نزل بها مستجير أجير، أو خائف أمن، أو جائع أشبع أو طالب حاجة قضيت، أو مسترفد أعطي ما يريد.
ونجران قطعة عظيمة ذات نخيل وأشجار على القرب من صنعاء، ويقال: هي جبال من شمال اليمن إلى شمال صعدة، تبعد من صنعاء نحو عشر مراحل، وكانت من بلاد همدان بين قرى ومدائن وعمائر ومياه11،
وكانت نجران سوقًا مهمة جدًّا، ومركزًا لتوزيع المنتجات، وتصدير التجارة إلى الخارج،
__________
11 بلوغ الأرب جـ1 ص 206.
(1/17)

ومنها تتفرع الطرق البرية التي يسلكها التجار في ذلك العهد إلى بلاد الشام أو العراق، ولمركزها الاقتصادي الخطير وفد إليها الغرباء, فجلبوا معهم اليهودية والنصرانية إلى اليمن، وفي هذا المكان اشتد التنافس بين الديانتين اليهودية والنصرانية، حتى تحول إلى مذابح سقط فيها صرعى من الجانبين، وكانت نجران أيضًا ذات شأن في الصناعة في اليمن12.
وفي اليمن صعدة، وكانت تسمى في الجاهلية "جماع" وتشتهر بالنصال الصاعدية,
وظفار من مشاهير بلاد اليمن، وبينها وبين صنعاء أربعة وعشرون فرسخًا، وعلى شمالها رمال الأحقاف التي كان بها عاد، وهي قاعدة بلاد الشحر ويوجد في أرضها كثير من النبات الهندي، وفيها بساتين، كما يوجد في سواحلها "العنبر"13.
ومن مدن الحجاز14 مكة، وهي بعد ثمانية وأربعين ميلًا من البحر الأحمر، وبها بيت الله الحرام، وكان مقصد جميع القبائل في موسم الحج كل عام، وتحيط بها الجبال فمن الشرق جبل أبي قبيس، ومن الغرب الجبل الأحمر، وكان يسمى الأعرف، وفي شرقيه قيقعان، ومن الجنوب جبل أجياد، ويسلك الناس إليها ومنها شعاب هذه الجبال، وهي في وادٍ صخري وصفه القرآن بأنه غير ذي زرع، فاعتمد أهلها على التجارة وقد كانت صلات تجار مكة بالروم والغساسنة والحبشة حسنة جدًّا15.
كما كان لموقع مكة، وظروفها الدينية وبخاصة عندما ساءت الحالة العامة في اليمن أثر كبير في انتعاش التجارة في مكة وكانت قبيل الإسلام مسكنًا لقريش، فمنهم من نزل حول الكعبة فسموا بقريش البطاح، وهم: هاشم، وأمية، ومخزوم، وتيم، وعدي، وجمح، وسهم، وأسد، ونوفل، وزهرة، وكانوا أصحاب النفوذ فيها، ومنهم من كانوا ينزلون وراءهم في ظاهر مكة فعرفوا بقريش الظواهر، وهم: بنو محارب، والحارث ابنا نهر، وبنو الأدرم بن غالب بن فهر، وعامة بني عامر بن لؤي، وغيره16، وكان معهم أخلاط من صعاليك العرب والحلفاء والموالي والعبيد، وكان أكثرهم من الحبشة17.
__________
1 جواد علي جـ8 ص 199.
13 بلوغ الأرب جـ1 ص 206.
14 يعدها بعض الباحثين من تهامة.
15 الأغاني، دار الكتب، جـ1 ص 65
16 يعدها بعض الباحثين من تهامة.
17 تاريخ العرب لجواد علي جـ4 ص 191.
(1/18)

ومن مدن الحجاز يثرب، وكانت شمالي مكة على بعد ثلاثمائة ميل، وهي من البلاد القديمة الوضع والتأسيس، ففي كتاب نشر المحاسن اليمانية كانت مدينة يثرب للعرب، فخرج إليها قوم من بني إسرائيل في زمن موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام ففتحوها من العرب العاربة، وقتلوا ملكًا لهم يسمى الأرقم وأقاموا فيها ما شاء الله. حتى افترقت الأزد من مأرب في حادثة سيل العرم، فنزل الأوس والخزرج يثرب على الإسرائيليين ولهم ملك يقال لهم القطيعون فقتلوه، وكان قاتله سيد الحيين أعني الأوس والخزرج واسمه مالك بن العجلان. وهو ابن عم سالم بن عوف الخزرجي، فلما قتل الملك وقعت الصيحة باليهود، فقتلوهم أبرح القتل، وأبقوا منهم بعض القوم لعمارة الأراضي18 ويرى الدكتور جواد علي أنه ليس هناك سند على ما يرويه الأخباريون عن مجيء اليهود إلى يثرب في أيام موسى، ويقول: "أما ما يرويه بعض يهود الحجاز عن مجيء اليهود إلى المدينة عند ظهور ملك الروم على إسرائيل ففيه شيء من الحق"19. ويثرب تقع في وادٍ خصب تكتنفه المرتفعات، وتكثر فيه الآبار والعيون فكان جوها معتدلًا وكثرت فيها الزروع والأشجار والنخيل والثمار والخيرات فكانت من أمهات المراكز الزراعية ببلاد العرب.
وفي الحجاز كذلك الطائف، وهي على بعد خمسة وسبعين ميلًا من الجنوب الشرقي لمكة على ارتفاع ستة آلاف قدم، وتعتبر بستان مكة، ولفواكهها شهرة عظيمة، وكانت تنزلها قبيلة ثقيف، وكانت مصيفًا طيبًا للقرشيين، وقد عد الهمداني في كتابه "صفة جزيرة العرب" الطائف من تهامة اليمن، وقال إنها كانت مشهورة بالدباغ. وكانت حاصلاتها تشمل العسل والبطيخ والموز والعنب والتين والزيتون والخوخ والسفرجل واشتهر وردها بالعطر الذي كان يمد أهل مكة بما يحتاجون إليه من الطيب20.
ومن بلاد الطائف عكاظ، وهي نخل في واد بينه وبين الطائف ليلة وبينه وبين مكة زادها الله تعالى شرفًا ثلاث ليالٍ، وبه كانت تقوم سوق العرب بالابتداء وبه كانت أيام الفجار، وكانوا يطوفون بصخرة هناك ويحجون إليها. وذو المجاز: ماء من أصل كبكب وهو لهذيل.
وقال أبو عبيدة الواقدي، عكاظ بين نخلة والطائف وذو المجاز خلف عرفة، ومجنة بمر
__________
18 بلوغ الأرب جـ1 ص 189.
19 تاريخ العرب قبل الإسلام: جـ4 ص 182.
20 تاريخ العرب لفيليب حتى، جـ1 ص143.
(1/19)

الظهران.. وفي الحجاز أيضًا من البلاد خيبر، وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام، وذكر أبو عبيد البكري: أنها سميت باسم رجل من العماليق نزلها. وكان فيها قبائل من اليهود المتعربة، وكانوا يوصفون بالمكر والخبث، وقيل كانت للعمالقة، ثم صارت لبني عنترة بن أسد بن ربيعة، وكانت رديئة الهواء كثيرة الوخامة دائمة الوباء.. وخيبر هذه كانت كثيرة النخل، يحمل منها التمر إلى الجهات القصوى21.. وإلى شرقي المدينة جبلا طيئ وهما أجا وسلمى، وذكروا أنهما اسما شخصين من العرب، وكان أحدهما وهو "أجا يعشق سلمى".
"ومن مدن تهامة: ينبع وهي مدينة قريبة من البحر كانت منزلًا لبني الحسن بن على بن أبي طالب.. وبقربها جبل رضوى الذي يحمل منه حجر المسن إلي الآفاق, وأما جدة فهي على البحر الأحمر، وهي فرضة "ميناء" مكة، والحديبية، قيل بعضها في الحل، وبعضها في الحرم، وتبوك على نصف المسافة بين المدينة ودمشق"22.
وفي العروض: اليمامة، وهي مدينة أقل من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في المقدار.. وهي أكثر نخلا من بلاد الحجاز، وفيها مياه كثيرة ومنها كان مسيلمة الكذاب، ومنها أيضا زرقاء اليمامة، وكانت مشهورة بحدة البصر ومزيد من الفطنة والذكاء.
أما بلاد البحرين: فقطر متسع كثير النخل والثمار، والمشهور فيها من البلاد: هجر، وكانت هذه البلدة قاعدة البحرين، وخربها القرامطة عند استيلائهم على البحرين، وبنوا مدينة الأحساء، وهي مدينة كثيرة المياه والنخيل والفواكه23. وعلى ساحل الخليج العربي كانت توجد الخط24 المشهورة وإليها تنسب الرماح الخطية.
وفي نجد بلاد كثيرة وفيها أرض العالية التي كان يحميها كليب بن وائل، قال ابن الأعرابي: نجد اسمان: السافلة والعالية، فالسافلة ما ولي العراق، والعالية ما ولي الحجاز وتهامة.
__________
21 بلوغ الأرب جـ1 ص 191-192.
22 بلوغ الأرب ص 195.
23 المرجع السابق ص 196.
24 قيل الخط: جزيرة بالبحرين، وقيل غير ذلك "راجع شعر الحرب للمؤلف".
(1/20)

العرب القدامى
مدخل
...
العرب القدامى
العرب أحد الشعوب السامية، نسبة إلى سام بن نوح عليه السلام. وقد تحدث علماء اللغة والأدب والتاريخ عن وجه تسميه العرب بهذا الاسم1: يقول الألوسي: إنهم سموا بالعرب لاشتهارهم بالفصاحة والبيان من قولهم: أعرب الرجل عما في ضميره إذا أبان عنه2. ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي: "إن اللفظة قديمة يراد بها في اللغات السامية معنى البدو والبادية وكانت هذه خاصية العرب في التاريخ القديم، ولكن لما تحضر بعضهم وسكنوا المدن وأقاموا فيها خصوا لفظة "العرب" بهؤلاء الذين يعيشون في المدن، وأطلق على سكان البادية "الأعراب" ولما جاء الإسلام أصبح لفظ الأعرابي يدل على الجفاء وغلظ الطبع، وبذلك خرجت الكلمة عن معنى البادية، ولكن الأعراب كانوا دائمًا معروفين بأنهم أهل الفصاحة، فكان الرواة يلتمسونهم ويحملون عنهم، ويرون فيهم أنهم أهل اللغة العربية الفصحى3". وعلى كل فنحن نقصد هنا في دراستنا هذه بلفظة "العرب" جميع السكان الذين كانوا يعيشون في شبه الجزيرة العربية، سواء أكانوا حضريين أم بدويين، وإن كان من الجائز أن لكل من النوعين سمات خاصة تميزه عن النوع الآخر.
وقد اعتاد المؤرخون بوجه عام أن يقسموا العرب القدامى ثلاثة أقسام4. ولكنهم يختلفون في تسمية كل قسم، فمنهم من يقول: بائدة أو عاربة ومستعربة وتابعة للعرب، ومنهم من يسميها بائدة وعاربة ومستعربة، ومنهم من يطلق عليها: عاربة وقحطانية وعدنانية، ومنهم من يجعلها: عاربة ومتعربة ومستعربة، والحقيقة أن الخلاف لفظي إذ إن المقصود بكل واحد من الأقسام الثلاثة واحد بين الجميع، فلا خلاف بينهم إلا في التسمية اللفظية فقط.
__________
1 راجع القاموس، وشرح القاموس، ولسان العرب.
2 بلوغ الأرب جـ1 ص 7.
3 تاريخ آداب العرب جـ1 ص 43.
4 جعلهم ابن خلدون أربعة أقسام: عاربة، ومستعربة، وتابعة للعرب، وعرب مستعجمة, ويقصد بالقسم الرابع من له ملك بدوي بالمشرق والمغرب، وسموا بذلك لاستعجام لغتهم على اللسان المضري الذي نزل به القرآن الكريم.
(1/21)

ولنأخذ الآن في بيان هذه الأقسام من وجهة نظر التقسيم الأخير، وهو عاربة ومتعربة ومستعربة:5 لخفته وسهولته.
(1/22)

العرب العاربة:
هذا لفظ مشتق من العرب، ربما يقصد به التأكيد للمبالغة، فالعاربة هنا إما بمعنى الراسخة في العروبة، كما يقال "ليل لائل، وصوم صائم"؛ وإما بمعنى الفاعلة للعروبية أو المبتدعة لها، لكونها أول أجيالها6.
وهذا القسم يسمى أيضًا "العرب البائدة" بمعنى الهالكة، لأنهم بادوا ودرست آثارهم، ولم يبق على وجه الأرض أحد من نسلهم. ويذكر المؤرخون أن هذا القسم كان يتكون من شعوب كثيرة منها:
1- عاد: وكانت مساكنهم بالأحقاف "بين اليمن وعمان إلي حضرموت والشحر"، ويقال إنهم كان لهم دولتان عظيمتان: عاد الأولى، وعاد الآخرة، ويقولون إن عادًا الأولى كانوا أيام تحتمس الثالث من ملوك الدولة الثانية عشرة المصرية، ولما عظم أمرهم طغوا وبغوا، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم هودًا عليه السلام، فمنهم من آمن به. ومنهم من كفر، فأرسل الله على الكافرين ريحًا عاتية أهلكتهم ودمرت ملكهم، ونجى الله هودًا ومعه من آمن به وهم عاد الآخرة حتى انقرضوا.
ومن أعظم ملوك عاد: شداد الذى تنسب إليه أعمال عظيمة، وفتوح واسعة، منها بناء مدينة إرم في صحارى بلاد عاد، ويقال إنه كان تشييدها بالحجارة الكريمة، وتزيينها بالجواهر واللآلئ، ويقول ابن خلدون: "ليست هناك مدينة اسمها إرم وإنما هى خرافة، وإرم قبيلة لا مدينة"7.
2- ثمود: وهؤلاء كانت ديارهم في الحجر ووادي القرى بين الحجاز والشام، وكان
__________
5 وقد سار عليه السيوطي: المزهر جـ 1 ص 31.
6 بلوغ الأرب جـ1 ص9.
7 قلب الجزيرة العربية ص 211.
(1/22)

لهم في العلا ومدائن صالح منشآت عظيمة، وكانوا ينحتون بيوتهم في الجبال الصخرية وأرسل الله إليهم صالحًا عليه السلام فكفروا به، وعقروا الناقة، فأخذتهم الرجفة. فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
3- العمالقة: وكان يضرب بهم المثل في ضخامة الأجسام، وكان موطنهم عامة أرض تهامة الحجاز: "وهناك روايات تذكر أنهم كانوا منتشرين في بقاع كثيرة، وتحدث عنهم كثير من المؤرخين، وورد ذكرهم في التوراة في سفر التكوين"8. ويقال إنه كان منهم فراعنة مصر، وجبابرة الشام الكنعانيون9.
4- مَدين: هم القوم الذين أرسل الله إليهم شعيبًا عليه السلام، ومدين أيضًا اسم البلاد التي كان يسكنها قوم مدين، وموطنهم إلى الشرق والجنوب الشرقي من مدينة العقبة، ومن حد وادي عرابة إلي منطقة جبال الحسمة من الشرق وإلي الجنوب حتى بلدة ضبا. وكانوا يعبدون الأوثان، ويقطعون الطرق، ويبخسون المكيال، فأرسل الله إليهم شعيبًا عليه السلام، فكفروا به، فأخذتهم الرجفة فهلكوا.
5 - طَسْمٌ وجديس: كانت ديارهم في اليمامة، ويروي ابن هشام أن طسما نزلوا في اليمامة قبل جديس وذكر ابن خلدون أن ملك طسم كان غشومًا لا ينهاه شيء عن هواه، وكان مضرًّا لجديس ومستذلا لهم، وبلغ من عسفه أنه أمر ألا تزف بكر من جديس إلى بعلها قبل أن تبدأ به أولًا، فأثار ذلك حفيظتهم فقتلوه.
6- عبد ضخم: كانت هذه القبيلة تسكن الطائف، ويقول ابن خلدون إنها أول القبائل العربية التي كتبت بالخط العربي.
7- أميم: اختلف المؤرخون في هذه القبيلة، فمنهم من يعدها من العرب البائدة، ومنهم من يعدها من العرب الباقية، وأنها هاجرت من البلاد العربية إلي بلاد فارس. ويقول الطبرى: "ولحقت أميم بأرض وبار، فهلكوا بها، وهي بين اليمامة والشحر. ويقول عنهم ابن خلدون: "إنهم أول من بنى البنيان، واتحذوا البيوت والآطام من الحجارة وسقفوا بالخشب"10.
__________
8 قلب الجزيرة العربية ص 216.
9 تاريخ العرب القدامى ص 11.
10 قلب الجزيرة العربية ص 224.
(1/23)

8- حضورا: يقال إن بلادهم كانت بالرس وجهات القصيم، وقيل إنهم كانوا بأرض السماوة، وأنها كانت عمائر متصلة ذات جنان ومياه متدفقة11.
9- حضرموت: كانت بالقسم المعروف باسمها من بلاد العرب.
10- جُرهم الأولى: كانوا على عهد عاد فبادوا، وكانت ديارهم باليمن.
(1/24)

العرب المتعربة:
هم والقسم الثالث العرب المستعربة يكونون العرب الباقية، أي الذين عاشوا، وبقي نسلهم حيًّا. والعرب المتعربة يعرفون بعرب الجنوب أو الجنوبيين، أو عرب اليمن، أو اليمنيين، لأنهم كانوا يسكنون اليمن، وهي في جنوب شبه الجزيرة العربية، كما يعرفون بالعرب القحطانية، أو القحطانيين، نسبة إلى أبيهم قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام، ويقال إن قحطان هذا أول جد معروف للعرب، ورئيس ملوك اليمن الذي يروى عنه أنه أول من تكلم بالعربية12 من العرب الباقية، فيقال إنه تعلمها من العرب البائدة الذين كان معاصرًا لهم، فالمتواتر أن أوائل قحطان أدركت أواخر عاد وثمود13 كما يقال إن قحطان أول من اتخذ صنعاء اليمن دارًا للملك وكان ملكه حوالي سنة 1845ق. م وإنه أول من قيل له: أبيت اللعن، وعم صباحًا.
وقام بالملك بعده بنوه وأبناؤهم، فملك بعده ابنه يعرب، ثم ابنه يشجب ثم ابنه عبد شمس الملقب بسبأ وإليه تنسب الدولة السبئية، ويمتد عصرها بين 750، 115 ق. م على وجه التقريب في الحقبة الثانية من هذه الدولة أصبحت مأرب عاصمة المملكة، وهي على ارتفاع 3900قدم فوق سطح البحر14. وكان بها السد المشهور15 وكان "بين ثلاثة جبال" يصب ماء السيل إلى موضع واحد منها! وليس لذلك الماء مخرج إلا من جهة واحدة
__________
11 مروج الذهب للمسعودي جـ2 ص151.
12 راجع كتاب العرب لابن قتيبة.
13 قلب جزيرة العرب ص228.
14 تاريخ العرب، لفيليب حتى جـ1 ص70.
15 يرى "كلاسر" أن عهده يرجع إلي سنة سبعمائة قبل الميلاد، ومن الكتابات الباقية على جدرانه يبدو أنه أدخلت عليه تحسينات وترميمات عدة في أوقات مختلفة. "جواد علي جـ8 ص336 عن دائرة المعارف الإسلامية".
(1/24)

فسدوا ذلك الموضع بالحجارة الصلبة والرصاص. فكانت تتجمع هناك مياه العيون والسيول، ثم إذا أرادوا سقي زرعهم فتحوا من ذلك السد بقدر حاجتهم بأبواب محكمة"16. وظل السد يؤدي مهمته، حتى كانت اليمن بفضله وغيره من مصادر المياه جنة وارفة الظلال17: أرض خصبة، وهواء طيب، وزروع وبساتين كثيرة الخيرات والثمار، ولكن القوم انغمسوا في ملذاتهم ولهوا بدنياهم، وتنازع الأقيال بعضهم مع بعض، ولم يولوا النواحي الداخلية ما تستحق من العناية والاهتمام، ومن هذه النواحي شئون المياه وري الأراضي الزراعية، فأغفلوا ترميم السدود على مر الزمن، حتى تسرب إليها الفساد، فكان سيل العرم الذي خرب البلاد، وهاجر القوم، فتفرقوا في مواطن أخرى.
وكان لسبأ أولاد كثيرون أشهرهم حمير وكهلان، ومن أولاد حمير التتابعة، هؤلاء كانوا ملوكًا في عصور متعاقبة، ولم يكن الملك منهم يسمى تبعًا إلا إذا ملك اليمن والشحر وحضرموت وإلا سمي ملكًا.
وكان منهم بلقيس صاحبة الصرح التي وردت قصتها مع سيدنا سليمان عليه السلام في القرآن الكريم, ومنهم ذو نواس الذي تسمى يوسف وتعصب لليهودية، وأراد إرغام أهل نجران عليها، وقد كانوا -من بين العرب- يدينون بالنصرانية التي جاءتهم على يد أحد أتباع الحواريين، فامتنع أهل نجران عن اعتناق اليهودية، فأضرم لهم النار وحرق كثيرًا منهم، وكان ذلك سببا لاحتلال الحبشة أرض اليمن، ثم احتلها الفرس بعدهم، إلى أن ظهر الإسلام وافتتحها المسلمون.
(1/25)

العرب المستعربة:
وهؤلاء هم عرب الشمال، أو العرب الشماليون، لأنهم كانوا يسكنون شمالي بلاد اليمن، تهامة والحجاز ونجد وما وراء ذلك إلى مشارف الشام والعراق. ويسمون كذلك العرب الإسماعيليين لأنهم ينسبون إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، ويقال إن أصل إبراهيم من بلاد ما بين النهرين، هاجر منها إلى فلسطين ومصر. ثم قدم في وقت من الأوقات إلى الحجاز، وترك فيه ابنه إسماعيل من جاريته هاجر المصرية فنشأ إسماعيل وتربى بمكة بين قبيلة جرهم الثانية وتزوج
__________
16 تاريخ العرب القدامى ص20 وراجع تفصيل ذلك في الجزء الثاني لجواد علي ص337 وما بعدها.
17 مروج الذهب للمسعودي جـ2 ص182.
(1/25)

منهم، وكان له أولاد كثيرون ويذكر النسابون أنهم كانوا اثني عشر ولدًا ذكرًا، وكان من ذريته عدنان، ولذلك يسمى هذا القسم كذلك العرب العدنانية، "وقد نشأ أولاد إسماعيل بين العرب فاستعربوا، ولذلك سموا بالمستعربة18".
وقد ورثنا من تاريخ هذه الحقب البعيدة آثارًا مهمة جدًّا، وهي: البيت وبئر زمزم، ومقام إسماعيل، والمناسك التي قبلها الدين الإسلامي الحنيف19.
وقد تناسل من عدنان شعوب كثيرة انتشروا في الحجاز وتهامة والعراق والجزيرة، ومن أولاد عدنان وقحطان كان العرب الشماليون والجنوبيون، الذين تفرعوا فروعًا كثيرة في شبه الجزيرة العربية.
__________
18 تاريخ العرب القدامى، ص 25.
19 قلب جزيرة العرب، ص 237.
(1/26)

أنساب العرب
مدخل
...
أنسابُ العرب
يتضح مما كتبه المؤرخون عن العرب الجاهليين، أنهم كانوا يهتمون اهتمامًا عظيمًا بأنسابهم، ويقولون إن ذلك راجع لحاجتهم إلى التناصر بالعصبية، فكانوا يحفظون أنسابهم ويروونها أبناءهم: ويحافظون عليها جهدهم، وكانت لهم في ذلك اصطلاحات خاصة، فيروي النويري1: "أن جميع ما بنت عليه العرب في نسبها أركانها، وأسست عليه كيانها عشر طبقات.
1- الجذم: وهو في الأصل، إما إلى عدنان، وإما إلى قحطان.
2- الجماهير: أي الجماعات.
3- الشعوب: وهي التي تجمع القبائل.
4- القبيلة: وهي التي دون الشعب، وتجمع العمائر، وإنما سميت قبيلة لتقابل بعضها ببعض، واستوائها في العدد.
5- العمائر: وهى القبائل، واحدتها عمارة، وتجمع البطون.
6- البطون: وهي التى تجمع الأفخاذ.
7- الأفخاذ: وأحدها فخذ، وتجمع العشائر.
8- العشائر: وهي التي تتعاقل إلى أربعة آباء.
9- الفصائل: واحدتها فصيلة وهي أهل بيت الرجل.
10- الرهط: وهو أسرة الرجل.
ثم ضرب مثلًا لتطبيق ذلك، فقال: وتمثيل التفصيل: عدنان جذم، وقبائل معد جمهور، ونزار بن معد شعب، ومضر قبيلة، وخندف عمارة، وكنانة بطن، وقريش فخذ، وقصي عشيرة، وعبد مناف فصيلة، وبنو هاشم رهط.
ولكن القلقشندي في صبح الأعشى اقتصر على ست طبقات مجاراة للماوردي وغيره من
__________
1 نهاية الأرب "دارالكتب" جـ2 ص 276.
(1/27)

النسابين وهكذا قال الزبير بن بكار2، وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة.
وقد عني المؤرخون والباحثون في اللغة والأدب بدراسة هذه الأنساب، وألفوا فيها كتبًا كثيرة والجميع يحاولون أن يذكروا أنساب القبائل ويرجعوا كلًّا منها إلى جدها الأول، وأصلها الأصيل الذي تفرعت منه. ولكن هذه الأنساب يشوبها كثير من الخلط والتداخل نظرًا لتشابه الأسماء والأمكنة، ولذلك اعتقد بعض الباحثين أن هذه الأنساب ما زالت موضع الشك والارتياب في نظرهم، فمن هؤلاء مرجليوث إذ يقول3: "إن الأبحاث الحديثة أظهرت أن أنساب كل من القبائل العربية يشوبها شيء من الشك". ويقول نيكلسون4 نقلًا عن جولدزيهر: "مما لا شك فيه أن هذه الأنساب خيالية إلى حد ما، لأنه لم يكن هناك قبل الإسلام علم دقيق مضبوط لتسجيل هذه الأنساب، ولذلك لم يرث الباحثون المسلمون الأوائل في هذه الناحية إلا أحاديث مبعثرة ومضطربة، فبنوا عليها أبحاثهم، وكانوا فوق ذلك متأثرين بالسياسة والدين وعوامل أخرى".
ويبدو أن المحاولات التي يقصد بها إثبات النسب إلى الأصول الأولى شيء عسير، بل يكاد يكون مستحيلًا، فقد روي أن مالكًا رضي الله عنه، "سئل عن رجل يرفع نسبه إلي آدم، فكره ذلك، وقال: من يعلم ذلك؟! فقيل له: فإلى إسماعيل، فأنكر ذلك، وقال: ومن يخبره به؟ "5.
ثم إن من يرجع إلى كتب الأدب والتاريخ والنقد يجد أن هناك أسبابًا كثيرة لحدوث الخلط والاضطراب في الأنساب، فمرة ينسب الشخص أو القبيلة إلى أصل ومرة أخرى ينسب إلى أصل آخر. ويرجع أهم هذه الأسباب إلى التبني، والجوار، والزواج، والولاء، ومضي الزمن. وقد ينضم الرجل إلى غير قبيلته فيدخل في قبيلة أخرى، وفي تلك الحالة يجوز
__________
2 العمدة 2/190 والزبير بن بكار من نسل الزبير بن العوام، ويقول عنه ابن النديم: "من أهل المدينة، أخباري، أحد النسابين، وكان شاعرًا صدوقًا راوية نبيل القدر، وولي قضاء مكة.... وتوفي بمكة قاضٍ عليها، في 21 من ذي القعدة سنة 256هـ وكانت سنه 84 سنة,
3 Mohamed and the Rise of Islam
4 Literary History of the Arab
5 فجر الإسلام جـ1 ص5.
(1/28)

أن ينسب إلى قبيلته الأولى، وإلى قبيلته الثانية وأن ينسب إليهما جميعًا، فيقال التميمي ثم الوائلي6.
وحتى بعد تدوين الأنساب: أحدث عدم ضبط قواعد الخط في صدر الإسلام، وعدم استعمال النقط في أول العهد بالتدوين، بعض المشكلات للمتأخرين في ضبط الأعلام، فاختلاف النقط يحدث كما هو معروف اختلافًا في ضبط الأسماء، وهذا ما حدث فعلًا، وإنك لتجد في كتب الأنساب المطبوعة والمحفوظة أمثلة عديدة من هذا القبيل، كذلك أدى إهمال بعض النسابين ذكر الآباء أو الأجداد إلى حدوث شيء من الارتباك في ضبط الأنساب يضاف إلى هذا تشابه بعض القبائل والبطون في قحطان وعدنان.
وقد أشار الهمداني في كتاب الإكليل إلى "العصبية التي كان لها أثر خطير في وضع الأنساب في عهد معاوية وغيره في الشام والعراق، وإلى تقصير نسابي العراق والشام في عدة آباء كهلان وحمير ليضاهوا بذلك -على حد تعبير الهمداني- عدة الآباء من إسماعيل ... ولا يخلو بعض هذه الأنساب من تحامل العصبية والأحقاد التى كانت في نفوس القبائل والبطون"7.
ولكن كثيرًا من الباحثين أجهدوا أنفسهم، وحاولوا تقصي الحقائق وأثبتوا في دراستهم آخر ما استطاعوا أن يصلوا إليه. معتمدين على ما ثبت في أذهان العلماء والرواة، ومقارنة الأخبار بعضها ببعض لمحاولة استخلاص الحقائق من ذلك. وأصبحت هذه الدراسات أساسًا للبحوث التى تتصل بالعرب القدامى. ومن ثم يقول الأستاذ الدكتور أحمد أمين: "وسواء صحت أم لم تصح، فقد اعتنقها العرب، ولا سيما متأخروهم، وبنوا عليها عصبيتهم وانقسموا في كل مملكة حولها إلى فرق وطوائف حسب ما اعتقدوا في نسبهم، وأصبحت هذه العصبية مفتاحًا نصل به إلى معرفة كثير من أسباب الحوادث التاريخية، وفهم كثير من الشعر والأدب، ولا سيما الفخر والهجاء. والإسلام جاء وكان قد تم اعتناق العرب بأنهم في أنسابهم يرجعون إلى أصول ثلاثة: ربيعة ومضر واليمن. وأخذ الشعراء يتهاجون ويتفاخرون طبقا لهذه العقيدة، واستغلها خلفاء بني أمية ومن بعدهم، فكانوا يضربون بعضا ببعض8".
__________
6 الشهاب الراصد ص 112.
7 جواد علي جـ 4 ص 242.
8 فجر الإسلام ص 9.
(1/29)

والحق أن معرفة الأنساب العربية القديمة ضرورية لفهم الأدب العربي القديم، بل إن معرفة الأماكن والمواضع التي كان يرتادها القوم في حياتهم مهمة كذلك للوقوف على المقصود من كثير من النصوص الأدبية القديمة، فقلما تخلو قصيدة أو قصة أو رواية من ذكر كثير من الأسماء والأماكن ومن ثم أرى أنه من اللازم أن نعرف أهم ما في هذه الأنساب مما أصبح معتمدًا ومقررًا لدى الباحثين والمؤرخين.
وقد مر بنا أن العرب الجاهليين الذين ظل نسلهم حيًّا حتى ظهور الإسلام، كانوا قسمين، الجنوبيين أو اليمنيين أو القحطانيين، والشماليين أو الإسماعيليين، أو العدنانيين. وسنحاول أن نبين فيما يلي أهم ما في أنساب كل من هذين القسمين: مما كان له صلة وثيقة بأدباء العرب، وبخاصة في العصور القديمة.
(1/30)

أنساب القحطانيين:
القحطانيون هم اليمنيون أو الجنوبيون، وقد حاول بعض المؤرخين أن يرجع بنسبهم إلى سام بن نوح عليه السلام، ذاكرًا أنهم أولاد قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام، ولكن ابن حزم يقول: "اليمانية كلها راجعة إلى ولد قحطان، ولا يصح ما بعد قحطان"9.
ومن القحطانيين بنو الرس، والرس: ما بين نجران إلى اليمن، ومن حضرموت إلى اليمامة وكان موطن القحطانيين الأصلي اليمن أي في القسم الجنوبي من شبه الجزيرة العربية، ولذلك سموا باليمنيين أو الجنوبيين، وكان كثير من الأماكن والمدن يحمل اسم شخص عظيم منهم، كمدينة نجران التي سميت باسم نجران بن زيدان بن سبأ. ولأسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية هاجر كثير من قبائل الجنوبيين، إلى الشمال، واستقروا هناك، ولكن مع هذا ظلوا يعرفون باليمنيين، وعلى هذا الاعتبار سوف يسير البحث في هذه الدراسة. ومن كتب التاريخ والأنساب يتبين أن من أولاد قحطان هذا يعرب الذي كان ولده يشجب الذي كان من نسله سبأ، ومن أولاد سبأ: حمير وكهلان، ويقول عنهما ابن حزم: "وفيهما العدد والجمهرة"، أما حمير، فهم المشهورون في اليمن، وكان منهم التتابعة وملوك حمير، ومن الحميريين
__________
9 أنساب العرب لابن حزم، نشر برفنسال، طبع دار المعارف سنة 1948. ص 310 وقد اعتمدت في أنساب العرب في هذا البحث على كتاب ابن حزم هذا. ولزيادة الإيضاح وضعت جداول أنساب العرب في آخر هذا الكتاب.
(1/30)

سلامة بن يزيد بن..... غريب الذي مدحه الأعشى، ومنهم يزيد بن مفرغ الحميري الشاعر. ومن قبائل حمير الأوزاع10، ومن التتابعة ذو نواس الذي تهود وقتل أهل نجران النصارى، ومنهم بلقيس بنت أيلى.
ويقول ابن حزم: "وفي أنسابهم اختلاف وتخليط وتقديم وتأخير ونقصان وزيادة، ولا يصح من كتب أخبار التتابعة وأنسابهم إلا طرف يسير لاضطراب رواتهم وبعد العهد"11.
__________
10 أنساب العرب لابن حزم، ص 410.
11 المرجع السابق ص411.
(1/31)

بنو كهلان: منهم القبائل الآتية:
1-الأزد: وهو أدد، وكان منهم فروع كثيرة، وتفرقوا في أماكن متفرقة، فمنهم:
أ- غسان: وهم ذرية الحارث وجفنة ومالك وكعب من أولاد عمرو مزيقياء، وسموا كذلك لأنهم شربوا كلهم من ماء غسان. وموطنهم معروف في شمال شبه الجزيرة العربية، مما يلي أرض الروم في الشام.
ب- الأوس: هم والخزرج من أولاد ثعلبة العنقاء، ويسمون الأنصار وأمهما قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة بن عمرو مزيقياء، وكانوا بيثرب. ومن الأوس: بنو عوف بن مالك بن الأوس، وهم أهل قباء. وبنو عمرو بن مالك، وهو النبيت.
وبنو مرة بن مالك، وهم الجعادرة، ومنهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر.
ومنهم بنو حجحبى، ومنهم الشاعر أحيحة بن الجلاح.
وبنو ظفر، ومنهم الشاعر قيس بن الخطيم، وأخته ليلى بنت الخطيم، ويقال هي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم12.
جـ - الخزرج: ومن بطونهم:
بنو النجار، وهو تيم الله، ومنهم شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت، وابنه عبد الرحمن، وهو ابن خالة إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسمها سيرين أخت مارية13.
__________
12 جواد علي 4 ص260.
13 المرجع السابق ص324.
(1/31)

وبنو مالك الأغر، ومنهم الشاعر عبد الله بن رواحة14.
وبنو عدي بن غنم، ومنهم الشاعر كعب بن مالك15.
ويصنف النسابون قبائل الأزد جميعها في أربعة أصناف من الأزد، هي: أزد عمان، وأزد السراة وهم الذين أقاموا في سراة اليمن، وأزد شنوءه أبناء كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد وهم من سكنة السراة كذلك، وأزد غسان، وهم من شرب من ماء غسان, ويلاحظ أن هذا التصنيف مبني على أسماء مواضع نزلت فيها قبائل الأزد. وكانت مواطن الأزد القديمة.. مثل مواطن بقية القحطانيين- في اليمن وقد تركتها على أثر حادث سيل العرم، فتفرقت مع من تفرق من القحطانيين إلي الأماكن المذكورة16.
ومن الأزد: جبلة بن الأيهم، والسَّمَوْءَل بن عاديا، صاحب تيماء، وكان يهوديًا، ويضرب به المثل في الوفاء، وسطيح الكاهن، وماسخة، وهو الذي تنسب إليه القسي الماسخية، والشنفرى الفاتك.
2- همدان: ومنهم أعشى همدان الشاعر المعروف. ومنازلهم في الأرض التي عرفت ببلد همدان ومن همدان بطون كثيرة لها شأن في الجاهلية والإسلام.
3- طيئ: واسمه جلهمة، ولطيئ فروع كثيرة منها:
بنو الحارث بن طيئ، ومنهم الشاعر حبيب بن أوس، وهو أبو تمام، الشاعر العباسي المعروف.
وبنو ثعل، ومن هؤلاء بحتر ومعن، ومنهم الشاعر البحتري، والطرماح الأكبر، وهو ابن عدى، والطرماح الأصغر، وهو ابن حكيم، وكلاهما كان خارجيًا، ومن طيئ جرم.
وبنو نبهان، ومنهم زيد الخيل، وقد سماه الرسول صلى الله عليه وسلم: زيد الخير، وطيئ كانوا في جبلي أجا وسلمى.
ومن طيئ: إياس بن قبيصة الذي ولي ملك الحيرة بأمر كسرى، ومنهم حاتم الطائي المعروف بجوده، وعمرو بن المشيح وكان من أرمى الناس في زمانه17.
__________
14 المرجع السابق ص 327.
15 المرجع السابق ص 344.
16 المرجع السابق ص 341.
17 جواد علي جـ4 ص 260.
(1/32)

4- مذحج: ومن هؤلاء بنو سعد العشيرة، ويقال إنما سمي سعد العشيرة بذلك لأنه كان يركب في ثلاثمائة فارس من ولده لصلبه. ومنهم مراد، ومنهم زبيد، ومن هؤلاء عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وأخته ريحانة بنت معد يكرب، أم دريد وعبد الله ابني الصمة الجشميين.
ومنهم بنو يزيد بن حرب وهم سبعة: صداء، ومنبه، والحارث، والعلاء، وسيحان، وهفان، وشمران. وقد تحالف هؤلاء الستة على ولد أخيهم صداء فسموا "جنب" ومنهم كان معاوية بن عمرو الذي تزوج بنت المهلهل بن ربيعة التغلبي بنجران، ومهرها أدما, فقال في ذلك أبوها 18:
أنكحها فقدُها الأراقم في ... جَنْب وكان الحباء في أَدَمِ
لو بأبانينَ جاء يخطبها ... ضُرّج ما أنفُ خاطب بِدَمِ
ومنهم بنو الحارث بن كعب الذين منهم الشاعر عبد يغوث الذي أسرته الرباب في يوم الكلاب وقتلته صبرًا، وكان أحد رؤساء اليمن.
ومن بني عنس بن مذحج عمار بن ياسر الصحابي المعروف والأسود العنسي المتنبئ.
5- عاملة: ومنهم الشاعر عدي بن الرقاع، وبنو عاملة هم نسل الحارث بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب. وكانت في بادية الشام.
6- لخم: وهؤلاء منهم جَزِيلة ونُمَارة.
ومن نمارة: جِذْمَة، وهم العِباد، وقصير صاحب الزباء، وتميم الداري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبنو نصر وهم رهط آل المنذر ملوك الحيرة.
7- كندة: ويقال إنه سمي كندة لأنه كند أباه أي عقه. ومنهم الملك الحارث بن عمرو المقصور، وهو ابن حُجْر آكل المرار. وحجر بن الحارث الملك المذكور والد امرئ القيس الشاعر، وهو الذى كان ملكًا على بنى كنانة وأسد، فقتله بنو أسد. ويروى أن إخوته كذلك كانوا ملوكًاَ9: شرحبيل بن الحارث ملك بنى تميم والرباب "قتله أخوه سلمة يوم
__________
18 الأغاني جزء5 صفحة 50.
19 أنساب العرب صفحة 401.
(1/33)

الكلاب"، وسلمة بن الحارث ملك بني بكر وتغلب ابني وائل، ومعد يكرب ملك قيس عيلان. وقيس بن الحارث كان سيارًا، فأي قوم نزل بهم فهو ملكهم. ومن كندة: السكون، والسكاسك، وكان للسكاسك ثروة عظيمة بالشام.
8- الأشعر: وهو نبت بن أدد بن زيد بن يشجب بن زيد بن عريب بن كهلان. وهم الأشعريون، والأشعرون، والأشاعرة، وتقع منازلهم في ناحية الشمال من زبيد20.
10،9- خثعم، وبجيلة: عدهما ابن حزم من القحطانيين، بعد أن ذكر في أول كتابه "ص9": أن هناك رأيًا يعدهما من أبناء أنمار من العرب الشماليين، ويقول ابن حزم في نسبهما إنهما من أولاد عمر بن الغوث بن مالك بن زيد بن كهلان.
وكانت منازل خثعم في الهضبة الممتدة من الطائف إلى نجران عند طريق القوافل الممتد من اليمن إلي الحجاز، أما بجيلة فهم بطون متعددة تفرقت في أحياء العرب منذ حربها مع كلب بن وبرة بالفجار. وقد أعاد شملها وجمعها جرير بن عبد الله البجلي الصحابي المشهور. ومن بجيلة خالد بن عبد الله القسري21.
11- جذام: وهو نسل عمرو بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب ودارهم حوالي أيلة من أول عمل الحجاز، إلى ينبع من أطراف يثرب.
12- بارق: وهم بنو عدي بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء. وقد نزلت في أرض تسمى بارقًا فنسبت إليها22.
13 خولان: وهو فكل بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد. وتقع أرض خولان في المكان الذى عرف بأرض خولان أو عر خولان23.
__________
20 جواد علي جـ4 ص267.
21 المرجع السابق ص262.
22 جواد علي، جـ4 ص255.
23 جواد علي، جـ4 ص227.
(1/34)

قضاعة:
يقول ابن حزم: "قال قوم: هو قضاعة بن عدنان، وقال قوم: هو قضاعة بن
(1/34)

مزلك بن حمير وقال قوم منهم الكلبي: هو قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير. والله أعلم".
"وبعض النسابين يجعلون قضاعة جذمًا مستقلًا مثل جذم قحطان وعدنان. ومرد هذا الاختلاف إلي عوامل سياسية أثرت تأثيرًا كبيرًا في تصنيف الأنساب، ولا سيما في أيام معاوية وابنه يزيد اللذين بذلا أموالًا جسيمة لرؤساء قضاعة في سبيل حملهم على الانتفاء من اليمن والانتساب إلى معد، لكونها قوة كبيرة في بلاد الشام في ذلك العهد، ولا سيما أن منهم بني كلب، فذكر أن زعماءها وافقوا بسبب هذه المغريات على الانتساب إلي معد، غير أن الأكثرية رفضت ذلك، وأبت إلا الانتساب إلى قحطان24".
ويقال إن: "قضاعة كانوا ملوكًا في بلاد الشحر، ثم ملكوا نجران، فغلبهم عليها بنو الحارث ابن كعب بن الأزد، فهاجروا إلى الحجاز من جراء ذلك، ودخلوا في قبائل معد، ومن أجل ذلك نسبوا إلى عدنان. والصحيح أن أم قضاعة مات عنها مالك بن حمير، وهي حامل بقضاعة، فتزوجها معد، وولدت قضاعة في حجره25.
وإذا كان الأمر كذلك فقضاعة من الجنوبيين من نسل حمير، وتناسل من قضاعة الفروع الآتية:
1- مَهْرَة: ومواطنهم في ناحية الشحر من اليمن ببلاد العنبر على ساحل البحر26.
2- بهراء: وهم حي لقاح لا يدينون لأحد، وهم أهل سؤدد وعز، ومن بينهم: بنو هنب، وبنو قاس، وشبيب وهم الذين يقول فيهم الشاعر علقمة:
وحارب من غسان أهل حفاظها ... وهنب وقاس جالدت وشبيب
3- بَليّ: ويقول عنها الهمداني إنها ممن تطرقت إلى بلاد طيئ27، علي مقربة من تيماء بين مواطن جهينة وجذام، أي في المنطقة التي كانت لثمود. ومن بليّ بنو فران، وبنو هنء.
4- عذرة: ومنهم الشاعر جميل بن معمر صاحب بثينة، ويقول الهمداني: "ومن
__________
24 جواد علي، ص238.
25 تاريخ العرب القدامى ص220.
26 أنساب العرب لابن حزم ص412.
27 صفة جزيرة العرب ص130، وجواد علي ج4 ص242.
(1/35)

عذرة من ينزل بجزيرة بالصعيد من مصر" ويعد منهم بنى أبير، وبنى حن. وتقع منازل عذرة في أعالي الحجاز في جوار نهد وجهينة وكلب وبليّ، وفي جوار أرض غطفان، ومن مواضعها وادي القرى وتبوك حتى أيلة.
5- جهينة: ويقول عنهم الهمداني: إنهم كذلك ممن تطرقوا إلى بلد طيئ، وأرضهم يندد ومثغر ووادي غوى ويقال له وادى رشد، وفي وادي إضم، وكانت ديارهم في الأصل في نجد، ثم هاجروا فسكنوا قريبًا من يثرب بين البحر الأحمر ووادي القرى.
6- نَهْد: وهم من أولاد أسلم بن الحافي بن قضاعة. وقد سكنت أكثر بطونها في منطقة نجران.
7- الحارث بن سعد: ومنهم هدبة بن الخشْرَم الشاعر، ويقول عنه إنه من بنى أبير من عذرة.
8- حُلْوان بن عمران: وأمه ضَرِيَّة بنت ربيعة بن نزار بن معد، وإليها ينسب "حمى ضرية" المذكور في الأشعار. ومن بني حلوان حماطة، وهو ضجعم، كانوا ملوكًا بالشام قبل غسان28.
9- جرم: ومن أولاده، جدة الذى ولدته أمه بجدة فسمته جدة29، ويقول الهمداني: إن ديار جرم متفرقة بين العرب، منها باليمامة ومنها بالبصرة ومنها بحضرموت، وصعدة، وما بين صنعاء ومأرب30 ومن جرم كان عصام حاجب النعمان31.
10- تنوخ: وهم بنو فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة، وكانوا عن يسار بهراء بديار الفضيض.
11- بنو القَين بن جسر: واسمه النعمان، حضنه عبد له يقال له القين، فغلب اسمه عليه. وكان للقين جمع عظيم وثروة في أكناف الشام.
12- كلب: يقول ابن حزم32 إن من "نسل كلب هؤلاء: امرؤ القيس بن الحمد بن
__________
28 أنساب العرب ص 421.
29 المرجع السابق ص 422.
30 المرجع السابق ص 163.
31 جواد علي، ج4 ص 243.
32 المرجع السابق ص 425.
(1/36)

مالك بن عبيدة بن هبل وهو ابن حمام الشاعر القديم الذي يقول فيه بعض الناس: "ابن خذام"، وقد قيل إنه من بكر بن وائل، وهو الذى قال فيه امرؤ القيس:
عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حمام33
قال ابن هشام بن السائب: فأعراب كلب إذا سئلوا بماذا بكى بن حمام الديار أنشدوا خمسة أبيات متصلة من أول:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ويقول: إن بقيتها لامرئ القيس، وقد أنشد له الحاتمى أبياتًا في حلية المحاضرة وهو شاعر قديم دثر شعره.
ومن بطون كلب: "بنو عامر بن بكر بن عوف ... وهو بطن عظيم، وعامر هذا هو أخو عامر بن صعصعة لأمه، وأمهما عمرة بنت عامر بن الظرب العدواني ولدت عامر بن صعصعة على رمل، وولدت عامر بن عوف عند أصل جبل، فأخبرها الكاهن أنه سيعظم أمرهما وعددهما34 ومن كلب هذه دحية بن خليفة بن فضالة صاحب رسول الله الذي أتاه جبريل على صورته ومنهم كذلك هشام أبو المنذر محمد بن السائب النسابة35. وكانت مساكن كلب بالسماوة لا يخالط بطونهم فيها أحد36. وكانت تتاخم ديار جذام من الشمال"37.
__________
33 رواه ابن سلام. "ابن خذام" ثم قال. "وهو رجل من طيئ لم نسمع شعره الذي بكى فيه، ولا شعرًا غير هذا البيت الذي ذكره امرؤ القيس". "طبقات الشعراء ص13". وهو في ديوان امرئ القيس ص 114 ب4.
34 المرجع السابق ص 426.
35 المرجع السابق ص 229.
36 المرجع السابق ص230,
37 جواد علي ج4 ص 168.
(1/37)

وتروي كتب الأنساب أن ولد عدنان: معد، وعك، وأن أولاد معد: نزار، وإياد، وقنص. وروى البكري39: عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه سأله رجل عن ولد نزار بن معد، فقال: هم أربعة: مضر وربيعة وإياد وأنمار.
وكانوا في بدء الأمر ينزلون مكة وما والاها، كلما زاد عددهم اتسعت رقعة ديارهم حول موطنهم الأصلي، إلى أن وقعت بينهم الفتن والحروب، بسبب ما حدث بينهم "من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس في الماء والكلأ، والتماس المعاش في المتسع، وغلبة بعضهم بعضًا على البلاد والمعاش، واستضعاف القوي الضعيف، فانضم الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم في ديارهم ومحالهم، وانتشر كل قوم فيما بينهم"40. فتفرقت جماعتهم، وتباينت مساكنهم، وأصبح لكل قبيلة وطن خاص نزلت به.
وعلى رأي ابن عباس يرجع أولاد نزار إلى أصول أربعة، هم مضر، وربيعة، وإياد، وأنمار. وبعضهم ينسب أنمارًا لكهلان وولد له خثعم وبجيلة وقد أشرنا إلي ذلك آنفًا، حيث عدت هاتان القبيلتان "خثعم وبجيلة" من أولاد كهلان من العرب الجنوبيين. وهناك من يقول: أنمار من عدنان، وبعد أن ولد له خثعم وبجيلة صاروا إلى اليمن ويقال إنه "انتسب إلى اليمن لأنه فقأ عين أخيه مضر بن نزار، فهرب وانتسب إليهم"42.
وسوف نتحدث فيما يلي عن مضر وربيعة وإياد.
__________
39 معجم ما استعجم ص5.
40 معجم ما استعجم، ص53.
41 أيام العرب، ص412.
42 مفضليات أوروبا، ص113.
(1/38)

وتروي كتب الأنساب أن ولد عدنان: معد، وعك، وأن أولاد معد: نزار، وإياد، وقنص. وروى البكري39: عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه سأله رجل عن ولد نزار بن معد، فقال: هم أربعة: مضر وربيعة وإياد وأنمار.
وكانوا في بدء الأمر ينزلون مكة وما والاها، كلما زاد عددهم اتسعت رقعة ديارهم حول موطنهم الأصلي، إلى أن وقعت بينهم الفتن والحروب، بسبب ما حدث بينهم "من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس في الماء والكلأ، والتماس المعاش في المتسع، وغلبة بعضهم بعضًا على البلاد والمعاش، واستضعاف القوي الضعيف، فانضم الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم في ديارهم ومحالهم، وانتشر كل قوم فيما بينهم"40. فتفرقت جماعتهم، وتباينت مساكنهم، وأصبح لكل قبيلة وطن خاص نزلت به.
وعلى رأي ابن عباس يرجع أولاد نزار إلى أصول أربعة، هم مضر، وربيعة، وإياد، وأنمار. وبعضهم ينسب أنمارًا لكهلان وولد له خثعم وبجيلة وقد أشرنا إلي ذلك آنفًا، حيث عدت هاتان القبيلتان "خثعم وبجيلة" من أولاد كهلان من العرب الجنوبيين. وهناك من يقول: أنمار من عدنان، وبعد أن ولد له خثعم وبجيلة صاروا إلى اليمن ويقال إنه "انتسب إلى اليمن لأنه فقأ عين أخيه مضر بن نزار، فهرب وانتسب إليهم"42.
وسوف نتحدث فيما يلي عن مضر وربيعة وإياد.
__________
39 معجم ما استعجم ص5.
40 معجم ما استعجم، ص53.
41 أيام العرب، ص412.
42 مفضليات أوروبا، ص113.
(1/38)

أنساب العدنانين:
العدنانيون هم العرب الشماليون، وهم من عدنان الذي هو "من ولد إسماعيل بلا شك في ذلك، إلا أن تسمية الآباء بينه وبين إسماعيل قد جهلت بصلة قاطعة ونقل ثابت إلى إسماعيل، ولا إلى إسحاق عليهما السلام"38.
__________
38 أنساب العرب، ص 6.
(1/37)

مضر
قد تفرع من مضر فرعان عظيمان هما: إلياس، وقيس عيلان. أما إلياس فأولاده ثلاثة، هم: عامر وهو مدركة، وعمرو وهو طابخة، وعمير وهو قمعة، وأم الثلاثة خِندِف، من قضاعة فنسبوا إليها. وقد تفرع من خندف أولاد إلياس، الفروع الآتية:
1- خزاعة: من أولاد قمعة المذكور. ومن أولاد قمعة كثير بن عبد الرحمن الشاعر
(1/38)

صاحب عزة، "ويقال إنه من بني الصلت بن مالك أخي فهد بن مالك، ولذلك كان كثير ينتمي إلي قريش"43. وكانوا بمكة نزلوا فيها على جرهم، ثم استولوا على مكة وأجلوا جرهم عنها44، فكانت منازلهم في أنحاء مكة في مر الظهران45 وما يليه.
2-هذيل بن مدركة، وفيهم نيف وسبعون شاعرًا كلهم مشاهير. وتعد هذيل من القبائل الكبيرة في القرن السادس الميلادي ومنازلهم سراة هذيل بين مكة والمدينة، وفي جوار بني سليم وكنانة، ومن هذيل: عبد الله بن مسعود، والمؤرخ المسعودي.
3- غِفَار: من عبد مناة بن خزيمة بن مدركة، ومنهم أبو ذر الغفاري، وعزة صاحبة كثير.
4- قريش: وهو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، ومن قريش:
أ- بيت هاشم بن عبد مناف بن قصي الذي كان منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب وبنوه، وحمزة، والعباس وبنوه من نسله العباسيون.
ب- عبد شمس بن عبد مناف: ومنه أمية الأصغر وأولاده يسمون العبلات وهم بمكة، منهم أم الحكم والثريا صاحبة عمر بن أبي ربيعة المخزومي الشاعر، وهي سيدة الغريض المغني، تزوجها سهيل بن عبد الرحمن وفيها يقول عمر بن أبي ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عَمْرك الله كيف يلتقيان
هى شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان46
ومن عبد شمس هذا: أمية الأكبر، ومن ذرية أمية هذا أبو العاصي بن أمية ومنه عثمان بن عفان رضي الله عنه، والعرجي الشاعر، ومن ذريته كذلك الحكم بن أبي العاصي، والد مروان بن الحكم والد عبد الملك بن مروان وعبد العزيز بن مروان، وبشر بن مروان.
__________
43 أنساب العرب، ص 227. ويذهب بعض النسابين إلى أن خزاعة من القحطانيين، وأنها فرع من فروع الأزد، وتنسب إلى عمرو بن لحي بين حارثة بن عمرو مزيقياء، وأنها سميت بخزاعة عن بقية قومها، وهم الأزد، أي تخلفت عنهم فلم تذهب معهم، ثم أقامت بمكة، "جواد علي جـ4 ص 257".
44 جواد علي جـ 4 ص 258، 235.
45 مر الظهران: شمالي جدة.
46 المرجع السابق ص 68.
(1/39)

ومن نسل أمية الأكبر هذا كذلك حرب الذي كان من ذريته أبو سفيان وابنه معاوية وابنه يزيد، ومن هؤلاء العتبي الشاعر.
جـ- زهرة بن كلاب بن مرة، ومنهم أم الرسول صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، ومنهم كذلك سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف.
د- تيم بن مرة، ومنهم أم الخير وهي سلمى أم أبي بكر الصديق رضى الله عنه، ومنهم أبوقحافة والد أبي بكر.
هـ- مخزوم: وهو من يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي، ومنهم فاطمة أم عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
و عدي بن كعب بن لؤي، ومنهم نفيل الذي كان من ذريته عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
5- أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ومن أسد الفروع الآتية:
أ- بنو جعدة بن صعب بن أسد.
ب- عمرو بن أسد، ومنهم أيمن بن خريم والأقيشر الشاعران.
جـ- كاهل بن أسد، ومنهم قاتل حجر والد امرئ القيس الشاعر، وهو علياء بن حارثة وكان شاعرًا.
د- دودان بن أسد، ومنهم بنو سعد الذين كان من نسلهم عبيد بن الأبرص الشاعر، وبنو قعين، وفيهم شعراء كثيرون، ومنهم بشر بن أبي خازم وعبد الله بن الزبير بن الأشيم، ودثار الذى يقول فيه امرؤ القيس:
كأن دثارا حلفت بلبونه ... عقاب تنوفي لا عقاب القواعل47
والطماح الذي يقول فيه امرؤ القيس كذلك:
"لقد طمح الطماح من بعد أرضه" ومنهم الشاعران:
الكميت الأول، والكميت الثاني48.
__________
47 ديوان امرئ القيس ص94-2.
48 أنساب العرب ص 179-184.
(1/40)

ومن دودان بنو قعين الذين منهم: عامر بن عبد الله صاحب لواء بني أسد في الجاهلية وطليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة49.
6- الرِّباب: أولاد عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس، وهم خمسة: تيم، وعدي، وعوف، وثور، وأشيب، وسموا بالرباب لأنهم تحالفوا مع بني عمهم ضبة بن أد، على بني عمهم تميم بن مر، فغمسوا أيديهم في رب، ثم خرجت عنها ضبة، واكتفت بعددها، وبقي سائرهم50 وتقع ديار الرباب بالدهناء في جوار بني تميم. ومن ذرية الرباب:
عكل: وهذا اسم حاضنة لهم فغلب على اسمهم
ومنهم الشاعر النمر بن تولب.
ومن بني تيم بن عبد مناة بنو ذهل الذين منهم عمر بن لجأ الشاعر.
ومن بني عدي بن عبد مناة، ذو الرمة الشاعر.
7- ضبّة: أولاد عم الرباب، وتعد ضبة جمرة51 من جمرات العرب، وتقع منازلها في اليمامة، ومنهم المفضل الضبي، وهو المفضل بن محمد بن يعلى صاحب المفضليات.
8- مزينة: وهم بنو عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس، ومزينة اسم أمهم، ومنهم الشعراء، زهير بن أبي سلمى، وابناه بجير، وكعب، ومعن بن أوس.
9- تميم: وهو تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس، وهم من القبائل الكبيرة، وديارهم منتشرة في نجد والعراق، وفي أنحاء مختلفة من جزيرة العرب، وكانوا مجاورين لأسد وغطفان وبني عبد القيس وتغلب، وذرية تميم: الحارث، وعمرو، وزيد مناة.
فمن عمرو: الحكيم المشهور أكثم بن صيفي، والقاضى يحيى بن أكثم وأوس بن حجر الشاعر، وقطري بن الفجاءة، والمازني النحوي، والمقرئ أبو عمرو بن العلاء.
ومن زيد مناة الفروع الآتية:
أ- سعد بن زيد مناة، ومنهم الراجز بن الراجز رؤبة بن العجاج. وعبدة بن الطبيب
__________
49 جواد علي جـ 1 ص339.
50 المرجع السابق، ص187.
51 كانوا يصفون القبيلة بأنها جمرة إذا لم تتحالف مع غيرها، واعتمدت على نفسها فقط فإذا تحالفت بعد ذلك قالوا: "طفئت الجمرة".
(1/41)

الشاعر، وقيس بن عاصم المنقري، والسليك بن السلكة والزبرقان بن بدر، وعوير بن شجنة الذي يقول فيه امرؤ القيس:
عُوَير ومن مثل العوير ورهطه ... أبر بأيمان وأوفى بجيران
وبنو أنف الناقة الذين منهم المخبل الشاعر.
ب- ربيعة بن مالك: بن زيد مناة، ومنهم علقمة بن عبدة وأخوه شاس وحميد الأرقط الراجز.
جـ- يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة، ومن يربوع الفروع الآتية:
ثعلبة بن يربوع: ومنهم مالك ومتمم ابنا نويرة، وداود بن متمم، والشاعر الكلحبة بن هبيرة.
الحارث بن يربوع: ومنهم سليط وضباب.
بنو كليب بن يربوع: ومنهم جرير الشاعر ومن ذريته شعراء:
العنبر بن يربوع: ومنهم سجاح المتنبئة.
رياح بن يربوع: ومنهم الشاعر سحيم بن وثيم وهو القائل:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
والشاعر الأحوص بن عمر بن عتاب الردف بن هرمي بن رياح بن يربوع.
د- مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة، ومن ذرية مالك هذا: نهشل، ومجاشع وعبد الله.
ومن نهشل: الأسود بن يعفر الشاعر.
ومن مجاشع: الأقرع بن حابس والفرزدق الشاعر، والبعيث الشاعر.
ومن عبد الله: عدس، ومن ذريته: زرارة وأولاده عشرة، ومنهم أبو عكرشة حاجب، وأبو نهشل لقيط.
(1/42)

قيس عيلان بن مضر:
وأما قيس عيلان بن مضر بن نزار فهو ثاني فرعي مضر العظيمين. ويقول ابن حزم عن
(1/42)

عيلان إنه كان عبدًا حضن قيسًا52 فينسب قيس إليه، ويعرف نسل قيس عيلان بالقيسيين، وبالقيسية كذلك وهم كتل ضخمة من القبائل. وأولاد قيس: خصفة، وسعد، وعمرو.
ومن أولاد عمرو: فهم وعدوان. ومن فهم تأبط شرًّا ومن عدوان: عامر بن الظرب وذو الإصبع العدواني.
ومن سعد بن قيس عيلان: أعصر، وغطفان، ومن أعصر:
أ- باهلة: ومنهم الأصمعي. وكانت منازلهم في الأصل في اليمامة53.
ب- غنىّ. وأم غنىّ وباهلة همدانية. وكانت ديار غنىّ بنجد في جوار طيئ وعند حمى ضربة54. ومنهم طفيل الغنوي الشاعر، وكعب بن سعد الغنوي.
جـ- الطفاوة: وهم ثعلبة وعامر ومعاوية أولاد أعصر نسبوا إلى أمهم الطفاوة بنت جرم بن زيان.
ومن غطفان: بنو بغيض بن ريث بن غطفان وهم أنمار، وعبس، وذبيان.
ومن أنمار فاطمة بنت الخرشب الأنمارية التي ولدت الكملة.
ومن عبس: زهير بن جذيمة وأولاده قيس صاحب حرب داحس والغبراء والحارث بن زهير "قتله كليب بن عراعر" وشاس بن زهير "قتله رباح بن الأشل من غنيّ"، ومالك بن زهير "قتلته فزارة"، وعون بن زهير "قتلته أيضًا فزارة". وورقاء بن زهير، والحصين وحراش وجرير وكثير أمهم تماضر بنت الشريد السلمية. ومنهم كذلك: الشاعر المساور بن هند بن قيس بن زهير والشاعر الفارس عنترة بن شداد.
ومن ذبيان:
أ- بنو مرة بن عوف، ومنهم الشاعر أرطأة بن سهية وهى أمه، وهرم بن سنان الذى مدحه زهير بن أبي سلمى، ومنهم شبيب بن البرصاء الشاعر، والنابغة الذبياني
__________
52 وقيل إنه اسم فرس لقيس مشهور في خيل العرب، وكان قيس يسابق عليه فعرف قيس به، وقيل إنه كان اسم كلب يقال له عيلان، وقيل غير ذلك "راجع كتاب الاشتقاق، وجواد علي جـ4 ص 312".
53 جواد علي 4 ص 320.
54 جواد علي 4 ص 320.
(1/43)

والحارث بن ظالم الفاتك المشهور، وابن ميادة الشاعر، والحصين بن الحمام الشاعر، وحصين بن ضمضم.
ب- بنو فزارة، ومنهم: حذيفة وحمل ابنا بدر. وتقع منازل غطفان شرقى خيبر وتمتد إلى جبلي طيئ، وكانت منازل أشجع في جوار يثرب، أما عبس وذبيان فتقع منازلهما عند شرية والربذة55.
أما خصفة بن قيس فكان من أولاد بكر بن هوزان الذى كان منه الفروع الآتية:
1- سعد بن بكر: بن هوازن، ومنهم حليمة السعدية مرضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم
2- ثقيف: ومنهم الحجاج بن يوسف، والشاعران أبو محجن وأمية بن أبي الصلت.
وكانت ثقيف بالطائف.
3- جُشم: بن معاوية بن بكر بن هوازن، ومنهم دريد بن الصمة الشاعر وكانت مواطنهم بالسروات.
4- عامر بن صعصعة: وتقع منازل بنيه بين منازل قبائل هوازن وسليم وثقيف، وقد تفرع منه الفروع الآتية:
أ- هلال بن عامر: ومنهم الشاعر حميد بن ثور الأرقط.
ب- نمير: ومنهم الراعي النميري الشاعر.
جـ - كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ومن هؤلاء: القتال الكلابي الشاعر، وشريح قاتل لقيط بن زرارة يوم جبلة، وعلقمة بن علاثة الذي نافر عامر بن الطفيل وأربد بن قيس أخو لبيد الشاعر لأمه، وهو الذي أراد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عامر بن الطفيل فدعا عليه فمات بصاعقة، ومنهم عامر، وهو أبو براء ملاعب الأسنة، والطفيل، وابنه عامر بن الطفيل، وربيعة والد لبيد الشاعر وربيعة الرحال الذى أجار لطيمة الحيرة فقتله البراض الكناني ففيه كانت حرب الفجار، وبنت عروة هذا كبشة أم عامر بن الطفيل ولدته يوم جبلة ومنهم كذلك يزيد بن عمرو بن الصعق الشاعر.
د- كعب بن ربيعة بن عامر، ومنهم: الشاعر تميم بن مقبل، وليلى التي كان يشبب بها قيس المجنون، والنابغة الجعدي، وقيس بن الملوح المجنون، وعويمر بن أبي عدي
__________
55 جواد علي جـ4 ص 176، 314.
(1/44)

فارس بني عقيل بن كعب، ويقال إنه دعا عنترة بن شداد العبسي إلى المبارزة وقال له: "ابرز إليّ أيها العبد، فإن قتلتك فلأضيقن أصحابك بعدك، وإن قتلتنى رجعت بإبل قومى". فلم يقدم عنترة على مبارزته56.
ومن هؤلاء أيضًا: توبة بن الحمير صاحب ليلى الأخيلية. ويروي ابن حزم أن منهم ثور بن أبي سمعان قاتل توبة بن الحمير، ومن أجل قتله جلى جميع بني عوف بن عقيل عن بلادهم، فتحملوا كلهم إلى الجزيرة57.
هـ- عمرو فارس الضحياء: ومنهم خداش بن زهير الذي أجار قيس بن الخطيم حتى قتل العبقسي قاتل أبيه.
ومن أولاد خصفة بن قيس عيلان: سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة. وتعد قبيلة سليم من القبائل المهمة الساكنة في الحجاز في أرض اشتهرت بمعادنها وبخصبها، وبها حرة بني سليم، وحرة ليلى، وبها مياه استفادت منها القبيلة في الزرع وتجاوز قبائل غطفان وهوازن وهلال، وكانوا على صلات حسنة باليهود كما كانوا على صلات وثيقة بقريش، وتحالف معها أشراف مكة وكبارها لما لهم من علاقات اقتصادية بهذه القبيلة. ومن سليم: بنو ذكوان، وبنو بهثة، وبنو بهز، وبنو الشريد، وبنو ظفر. ومنهم العباس بن مرادس الشاعر، والعباس بن الأصم من فرسان الجاهلية58.
__________
56 الأنساب ص272.
57 الأنساب صفحة 275.
58 جواد علي جـ4 ص 176، ص 353.
(1/45)

ربيعة
هذا هو القسم الثاني من أقسام العرب العدنانيين، وقد كان منه الفروع الآتية:
1- ضبيعة بن ربيعة بن نزار. ومنهم الشاعر المسيب، وهو خال أعشى بكر الشاعر.
ومنهم المتلمس الشاعر.
2- عبد القيس: ومن هؤلاء:
أ- شن: ومنهم يزيد بن شن، وهو أول59 من ثقف القنا بالخط, ومنهم الديل.
__________
59 المرجع السابق، ص 282.
(1/45)

ومنهم الأعور الشاعر.
ب- لكيز: ومنهم البراجم، وهم عبد شمس وعمرو وحي: بنو معاوية بن ثعلبة ومن لكيز كذلك. الحطم بن محارب الذي تنسب إليه الدروع الحطمية، والمثقب الشاعر والممزق الشاعر، ويقال إنه سمي كذلك لقوله:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق
3- النمر بن قاسط ومنهم عامر الضحيان، ويقال عنه إنه ساد ربيعة أربعين60 عامًا وأبو حوط الحظائر، وابنه جابر الخير، أخو المنذر بن ماء السماء لأمه61.
4- تغلب بن وائل بن قاسط، ومنهم الأراقم: وهم جشم، ومالك، والحارث، وعمرو، وثعلبة، ومعاوية أولاد بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب.
ومن بني جشم: عمرو بن كلثوم، وبنوه عبد الله والأسود شاعران، وعباد، ومن ولده العتابي الشاعر62، ومنهم كذلك كليب ومهلهل، وليلى بنت مهلهل وهى أم عمرو بن كلثوم. ومن جشم كذلك: القطامي الشاعر والأخطل الشاعر، ومن بني عوف بن بكر بن حبيب: الشاعر كعب بن جعيل. ومن بني عمرو بن بكر بن حبيب. الوليد بن طريف الخارجي وأخته ليلى القائلة.
أيا شجر الخابور مالك مورقًا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
ومنهم الأخنس بن شهاب الشاعر الفارس.
ومن بني ثعلبة بن بكر بن حبيب: عميرة بن جعل الشاعر.
وقد سكنت تغلب في العراق وفي بادية الشام، واتصلت بحكم منازلها بالغساسنة والمناذرة والروم والفرس، وكانت غالبيتها على النصرانية عند ظهور الإسلام63.
5- بكر بن وائل بن قاسط، وهؤلاء منهم الفروع الآتية:
أ- يشكر: ومنهم الحارث بن حلزة وسويد بن أبي كاهل.
__________
60 المرجع السابق ص 284.
61 المرجع السابق ص 284.
62 الأغاني، جـ12 ص 2-10.
63 نهاية الأرب، جـ2 ص 316.
(1/46)

ب- مالك بن صعب بن بكر، ومنهم شهل بن شيبان بن زمَّان، وهو المعروف بالفند الزمَّاني.
جـ - حنيفة بن لجيم: وهو أهل اليمامة، أصحاب نخل وزرع64. ومن حنيفة: عدي بن حنيفة، ومن هؤلاء مسيلمة الكذاب، والعباس بن الأحنف الشاعر.
ومن حنيفة كذلك الدول، ومنهزهوزة بن علي الذى توجه إلى كسرى ومنهم كذلك عمرو بن عبد الله قاتل المنذر بن ماء السماء يوم أباغ.
د-عجل بن لجيم: ومنهم ثعلبة بن حنظلة صاحب القبة يوم ذي قار والأغلب العجلي الراجز، وأبو النجم الراجز، والعديل الفرح الشاعر.
هـ - سعد بن ضبيعة: ومنهم الأعشى، قيس بن ميمون.
و مالك بن ضبيعة: ومنهم المرقش الأكبر، والمرقش الأصغر. وطرفة بن العبد، وعمرو بن قميئة، وعمرو بن مرثد.
ز- عباد بن ضبيعة: منهم الحارث بن عباد، وابنه بجير.
حـ - محلم بن ذهل بن شيبان: ومنهم عوف بن محلم الذي يقال له: لا حر بوادى عوف.
ط - أبو ربيعة بن ذهل شيبان، ومنهم هانئ بن مسعود الذي هاج القتال بين بكر وبين تميم وضبة والرباب يوم ذي قار.
ى- مرة بن ذهل بن شيبان: ومنهم المثنى بن حارثة الذى حارب الفرس أيام أبي بكر رضي الله عنه. وجساس بن مرة "قاتل كليب" وهمام بن مرة. ومن نسل همام هذا: بسطام بن قيس بن مسعود، وابنه زريق بن بسطام، والدحدراء التى تزوجها الفرزدق65.
وبكر من القبائل التى تركت ديارها القديمة في تهامة إلى اليمامة ثم إلى البحرين والعراق.
__________
64 الأنساب، ص 291.
65 الأغاني، جـ7 ص75.
(1/47)

إياد:
هم القسم الثالث من العرب العدنانيين، وكانت منازلهم عين أباغ وما والاها66.
__________
66 صفة جزيرة العرب ص178.
(1/47)

ويقول عنهم ابن قتيبة67: "وكانت إياد أكثر نزار عددًا. وأحسنهم وجوهًا، وأمدهم، وأرشدهم، وأمنعهم وكانوا لقاحًا لا يؤدون خرجًا. "واللقاح: بفتح اللام، يقال: قوم لقاح. وحي لقاح: لم يدينوا للملوك، ولم يصبهم في الجاهلية سباء". وهم أول مَعَدِّي خرج من تهامة. فنزلوا السواد، وغلبوا على ما بين البحرين إلى سنداد والخورنق، وسنداد نهر كان بين الحيرة إلى الأبلة. وكانوا أغاروا على أموال لأنوشروان، فأخذوها، فجهز إليهم الجيوش، فهزموهم مرة بعد مرة. ثم إن إيادًا ارتحلوا حتى نزلوا الجزيرة فوجه إليهم كسرى بعد ذلك ستين ألفًا في السلاح، فنبههم لقيط الإيادي بقصيدة أرسلها إليهم68، فاستعدت إياد لمحاربة جنود كسرى، ثم التقوا، فاقتتلوا قتالا شديدًا، أصيب فيه من الفريقين، ورجعت الخيل، ثم اختلفوا بعد ذلك. فلحقت فرقة بالشام، وفرقة رجعت إلى السواد، وأقامت فرقة بالجزيرة".
ومن إياد لقيط بن يعمر الإيادي الشاعر، وقس بن ساعدة الحكيم المشهور، وأبو دؤاد الشاعر، واسمه جارية بن الحجاج، وكعب بن مامة الجواد المشهور.
__________
67 الشعر والشعراء، نشر أحمد شاكر ص150.
68 راجع الشعر والشعراء، ومختارات ابن الشجري.
(1/48)

منازل القبائل العربية
كثيرًا ما نجد في افتتاحيات القصائد الجاهلية الحديث عن رحلة قبائل الحبيبات، وتركهم ديارًا كانوا يحتلونها إلى ديار أخرى. ولكننا مع ذلك نجد كثيرًا من كتب الأدب والتاريخ والجغرافيا تتحدث عن ديار القبائل عند الكلام على أنسابهم.
ولا شك أن شبه الجزيرة العربية كانت بها مدن وقرى، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، فالقوم الذين كانوا يسكنون هذه المدن والقرى كانوا يعيشون فيها عيشة استقرار، حيث كانت موارد الرزق فيها ثابتة ومنتظمة، أما بقية الأماكن يعيش فيها البدو، وهم من القبائل الذين يتصلون بالبادية أشد اتصال، يعتمدون في حياتهم على الحيوانات، فكانوا مضطرين للبحث عن غذاء لما يملكون من ماشية، ولهذا كانوا يتتبعون مواقع الغيث ومنابت الكلأ لينزلوا بها، حيث يجدون هناك ما يفي بحاجتهم وحاجة حيواناتهم من غذاء وماء. ومن ثم شاع الاعتقاد بأن حياة هؤلاء البدو كانت موزعة بين الإقامة والظعن، تبعًا لوجود الكلأ ونفاده، فإقامتهم في المكان كانت لفترة، تنتهي بانتهاء ما فيه من عشب وماء، فإذا نضب معينه حزموا أمتعتهم وشدوا رحالهم إلى مكان آخر لفترة أخرى، وهكذا باستمرار. وكأن افتتاحيات القصائد في الشعر الجاهلي توحي بذلك وتؤيده.
حقيقة أن البدو من طبيعتهم حب الانتقال، ومن ثم قيل إنهم لم يقيموا لهم دورًا ثابتة، وإنما جعلوها سهلة في البناء، خفيفة في الارتحال، لا تحتاج في إقامتها أو اقتلاعها إلى جهد أو عناء ولكنا لا نعتقد أن هذا الارتحال كان يحدث باستمرار، في كل شهر أو كل عام، ربما كان التنقل السريع في بادئ الأمر حينما كانت كل قبيلة تبحث عن مكان ملائم من شتى الوجوه.
فإذا ما عثرت على ضالتها. وتحققت أمنيتها -وربما كان ذلك بعد محاولات كثيرة من الحل والترحال- كانت تتخذ هذا المكان الملائم دارًا لها. ولا نستطيع أن نتصور كل واحدة من هذه القبائل تنزل بالمكان شهرًا أو شهرين، ثم تقلع عنه بحثًا عن آخر لفترة قصيرة وهكذا، كأنما كانت كل البقاع خالية أمامها، تنزلها حيث شاءت، وكأنما لم يكن في البادية قبيلة أخرى سواها تبحث عن مورد رزق لها، وهل يمكن أن تنزل القبيلة مكانًا خاصًا هذا العام فتقيم به
(1/49)

ما دام فيه الكلأ والعشب، ثم ترحل عنه وتتركه لمن شاء من غيرها أن يحتله كأنما تأكدت هذه القبيلة أن هذا المكان قد أقفر إلى الأبد، وأنه لن ينبت أبدًا بعد تركهم إياه.
ولا شك أن هناك ظروفًا مختلفة تضطر إلى الهجرة والارتحال: فكثرة النسل تؤدي إلى ضيق المكان بأهله، وذلك يجعل القوم يحاولون توسيع الرقعة التي ينزلونها، إما حواليها وفيما يتصل بها إن كان هناك ما يسمح لهم بذلك، وإما بالبحث عن مكان أوسع في بقعة أخرى، وقد يكون ذلك بارتحال الكل أو بعضهم تبعًا لمقتضيات الأحوال، كما حدث في بادئ الأمر عندما تكاثر أبناء القحطانيين والعدنانيين، وسجلته كتب الأدب والتاريخ1.
كما أن الحروب والشقاق والتناحر والتنافس كثيرًا ما ينجم عنها هجرات، واحتلال وارتحال، من ذلك ما يحكيه أبو عبيدة في شرح النقائض2 عن عبس في حرب داحس والغبراء من أنهم بعد جفر الهباءة ظعنوا إلى كلب بعراعر، ثم حدثت موقعة عراعر، فحلوا على بني سعد وهم بالفروق، إلي أن حدثت موقعة الفروق فسار بنو عبس حتى وقعوا باليمامة حيث أرادوا محالفة بني حنيفة، ثم لحقوا ببني عامر بن صعصعة وجاوروهم، حتى غرتهم بنو ذبيان وبنو أسد ومن تبعهم من بني حنظلة يوم جبلة، فتوجهوا نحو تغلب وأخيرًا أشار عليهم قيس بالذهاب إلى قومهم ومصالحتهم.
وقد تحدث الهجرة بسبب ظروف اقتصادية كما حدث للقبائل اليمنية بعد سيل العرم وانهيار سد مأرب.
وسكان البادية كانوا يعتمدون في حياتهم على الماشية، ومن ثم كان أول ما يعنيهم هو البحث عن غذاء لهذه الماشية، فكانوا يخرجون بها إلى الأمكنة التي توجد بها الأعشاب والنباتات التي تصلح غذاء لها. وقد يمكثون في هذه الأماكن المعشبة بعض الوقت، ولكن مهما كان مكثهم فيها، طال أم قصر، فإنهم لم يتخذوها مواطن إقامة ثابتة، بل كانوا إذا انتهى الموسم عادوا إلى موطنهم ينتظرون أن يحول الحول وينزل الغيث.
ولعل مسيرة القبائل إلى مواطن الكلأ في المرتبع، وإقامتهم فيها ما دام العشب هناك،
__________
1 راجع كتب: صفة جزيرة العرب للهمداني. ومعجم ما استعجم للبكري، وشرح النقائض لأبي عبيدة ومعجم البلدان لياقوت، وصبح الأعشى للقلقشندي، وتاريخ الطبري وابن الأثير والمسعودي.
2 نقائض جرير والفرزدق طبعة أوروبا ص 98.
3 فجر الإسلام ص 9.
(1/50)

وارتحالهم عنها بعد انتهائه إلى منازلهم الأصلية، كانت السبب فيما تردد ذكره في افتتاحيات القصائد الجاهلية، وقد ورد في الشعر الجاهلي، وتعليقات الباحثين عليها ما يؤيد ذلك، من ذلك مثلًا ما يقوله الأعلم الشنتمري في شرحه لبيتي امرئ القيس4:
فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رأى من تَفرق ... أَشت وأَنْأَى من فراق المُحَصَّبِ
فريقان، منهم جازعٌ بطن نَخْلَةٍ ... وآخر منهم قاطعٌ نجدَ كَبْكَبِ
فهو يقول: "تفرق القوم فرقتين، فمنهم من أخذ سفلًا، ومنهم من أخذ علوًا، وإنما يعنى افتراق الحيين بعد انقضاء المرتبع الذي كان يجمعهم، فيلقى به كل منهم من كان يحب، ورجوع كل حيّ إلى مائه وموضع إقامته"5.
ولأنهم ما كانوا ينوون الإقامة في مثل هذه المواطن إقامة دائمة أو لمدة طويلة كانوا يصنعون بيوتهم فيها من خشب ضعيف، ويظللونها بالثمام. يقول الشنتمري في تعليقه على البيت6.
أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر
"المرخ: شجر خوار ضعيف يتخذ منه الزناد والخيام، وهو خشب ينصب بالمرتع ويظلل بالثمام، فيسكنونها، فإذا رجعوا إلى المياه تركوها حتى يعودوا إليها، وإنما يفعلون ذلك لأن ظل الثمام أبرد من ظل الأبنية. والعشر شجر ينبت بالغور، ومعنى البيت: يتساءل الشاعر فيقول: أأنجدوا أم أغاروا؟ أي أتوا نجدًا أم الغور أم لم ينزلوهما؟ ".
فديارهم كانت في أماكن معينة، وإنما كانوا يتحركون في أوقات العشب بدوابهم إلى مواطنه، ويتخذون فيها مساكن مما تنبته الأرض هناك من شجر وحشائش، ثم يعودون بعد انتهاء الكلأ إلى منازلهم الأصلية، وكما رأينا في تعليق الأعلم يبدو أن القوم كانوا دائمًا يعاودون الرجوع إلى هذه المواطن التي ينتجعونها في مواسم العشب، مما يؤيد أنهم كانوا يتمسكون بالمكان الذي ينزلونه في أي وقت، وفي أي مكان.
__________
4 ديوان امرئ القيس. دار المعارف، ص43 ب: 11-12، والمحصب، الحصباء الذى يرمى في الحج، ويشبههم به في التفرق والتشتت في اتجاهات مختلفة ومتباعدة.
5 لفظة رجوع: معطوف على افتراق، ويقصد الرجوع إلى موضع الإقامة.
6 ديوان امرئ القيس، ص 154 ب6.
(1/51)

ويبدو أن بعض القبائل كانوا يتخذون لهم ديارًا مختلفة تبعًا لفصول السنة ففي الصيف ينزلون دارًا، وفي الشتاء أخرى، وفي مثل هذا يقول طرفة7:
حيثما قاظوا بنجد وشتوا ... بين ذات الحاذِ من ثِنْبَى وقُر
ويقول بعض العرب: "من قاظ الشريف، وتربع الحزن، وشتا الصمان، فقد أصاب المرعى"8. فإذا ما انتهى الموسم عادت القبيلة إلى منازلها.
فارتحال القبائل البدوية وتنقلها بين ربوع الصحراء، بمعنى تركهم منازلهم إلى غير رجعة، ما كان يحدث باستمرار على فترات قصيرة، كل شهر أو كل عام، إنما كان يحدث بعد فترات طويلة وتحت ظروف كالتي أشرنا إليها، أما ذهابهم المؤقت إلى بعض الأمكنة في موسم من المواسم ثم يعودون بعد انقضاء حاجاتهم هناك إلى منازلهم الأصلية، فهذا لا شك كان يحدث بحكم الظروف التي كانوا يعيشون فيها، ولعل افتتاحيات القصائد في الشعر الجاهلي كان الشاعر يعبر فيها حقيقة عما حدث فعلًا في رحلات الرعي، أو لعله كان في بدء الأمر حقيقة واقعة تحدث عنها الشعراء الأوائل حينما كانت القبائل تبحث عن مكان ملائم تتخذه منزلًا دائمًا لها.
فكانت تقضي في مكان أو أمكنة بعض الوقت، ثم ترحل إلى أن وجدت كل منها مكانًا يحقق رغباتها، فاتخذته لها منزلًا وديارًا. ثم أصبح هذا الافتتاح الشعري تقليدًا جرى عليه الشعراء اللاحقون تبعًا لأسلافهم السابقين.
ومع أننا ذكرنا ديار القبائل في أثناء الحديث عن أنسابها في الفصل السابق، فسنورد فيما يلي مقتطفات مما جاء في كتب الأدب والتاريخ والشعر في هذا الشأن.
فمما جاء في كتب الأدب والتاريخ عن منازل القبائل العربية في الجاهلية، ما يقوله البكري9 عن سكان الحجاز.
"وجاء الله عز وجل بالإسلام، وقد نزل الحجاز من العرب: أسد وعبس وغطفان وفزارة ومزينة وفهم وعدوان وهذيل وخثعم وسلول وهلال وكلاب بن ربيعة، وطيئ -وأسد وطيئ حليفان- وجهينة نزلوا جبال الحجاز: الأشعر الأجرد وقدسا، وآره ورضوى،
__________
7 ديوان طرفة للدكتور علي الجندي، البيت 141.
8 صفة جزيرة العرب ص 173.
9 معجم ما استعجم ص 90.
(1/52)

وأسهلوا إلى بطن إضم. ونزلت قبائل بليّ شغبا وبدا، بين تيماء والمدينة. ونزلت ثقيف وبجيلة حضرة الطائف، ودار خثعم من هؤلاء: تربة وبيشة وظهر تبالة على محجة اليمن من مكة إليها، وهم مخالطون لهلال بن عمرو، وبطن تبالة لبني مازن، ودار سلول في عمل المدينة، ومنازل أزد شنوءة السراة، وهي أودية مستقبلة مطلع الشمس بتثليث وتربة وبيشة، وأوساط هذه الأودية لخثعم على ما تقدم وأحياء مذحج. وهذه الأودية تدفع في أرض بني عامر بن صعصعة. ومن بقي بأرض الحجاز جشم ونصر بن معاوية، ومن ولد خصفة بن قيس فهم بالحرة، حرة بني سليم، وحرة بني هلال، وحرة الربدة، إلى قرن تربة، وهم مخالطون لكلاب بن ربيعة. وهؤلاء كلهم من ساكني الحجاز".
ويقول عن سكان نجد: "ونزل نجدًا من العرب بنو كعب بن ربيعة بن عامر، ودارهم الفلج وما أحاط بها من البادية، ونزل نمير بن عامر، وباهلة بن يعصر وتميم كلها بأسرها باليمامة، وبها دارهم إلا أن حاضرتها لربيعة بن نزار وإخوتهم".
وتحدث عن انتشار ربيعة ومضر ابني نزار. فقال10: "وحدثت حروب بين بني ربيعة فتفرقت وتمايزت، فارتحلت عبد القيس وشن بن أفصى فاختاروا البحرين وهجر، واقتسموها فيما بينهم، فنزلت جذيمة بن عوف بن عبد القيس الخط وأعناءها، ونزلت شن طرفها وأدناها إلى العراق، ونزلت نكرة وسط القطيف وما حوله. ونزلت عامر بن الحارث بن عبد القيس الجوف والعيون والأحساء حذاء طرف الدهناء".
ويقول كذلك11: "وظعنت بنو حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل يتبعون الكلأ والماء، وينتجعون مواقع القطر والغيث على السمت الذي كانت عبد القيس سلكت.. وسكنوا اليمامة".
ويقول أيضاً12: "وأقامت سائر قبائل ربيعة من بكر وتغلب وغفيلة وعنزة وضبيعة في بلادهم من ظواهر نجد والحجاز وأطراف تهامة حتى وقعت الحرب بينهم، فتفرقوا، فتبددت تغلب في البلاد، وانتشر بكر بن وائل وعنزة وضبيعة باليمامة فيما بينها وبين البحرين إلى أطراف سواد العراق ومناظرها وناحية الأبلة إلى هيت وما والاها من البلاد. وانحازت النمر وغفيلة
__________
10 المرجع السابق ص 79.
11 المرجع السابق ص 83.
12 المرجع السابق ص 85.
(1/53)

أطراف الجزيرة وعانات وما دونها إلى بكر بن وائل وما خلفها من بلاد قضاعة من مشارق الأرض".
وقد جاء في الشعر الجاهلي كثير عن منازل القبائل في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. من ذلك في المفضليات قصيدة للأخنس بن شهاب التغلبي وأخرى للأسود بن يعفر النهشلي، وفي صفة جزيرة العرب قصيدة لبعض آل أسعد بن مليكيكرب يذكر فيها منازل من خرج من اليمن في سائر جزيرة العرب وغيرها "ص206" وأخرى لجماعة البارقي "ص 220" تحدث فيها عن الأزد 13.
__________
13 مفضليات أوروبا ص 414.
(1/54)

حياتهم ومعيشتهم
هذه القبائل العربية بفرعيها العظيمين الجنوبي والشمالي، كانت موزعة في شبه الجزيرة العربية بين ربوع صحاريها الواسعة، ومدنها وقراها التي سبق أن أشرنا إلى بعضها. فمن كان يسكن المدن والقرى كانوا يسمون "الحضر" ومن كان ينزل في البادية كانوا يسمون "البدو" وكان لكل من هذين النوعين أسلوب خاص في الحياة المعيشية. أوجدته ظروف البيئة التي كانت تحيط به.
فالحضر، وهم سكان المدن، والقرى كانوا يعيشون على موارد ثابتة من الرزق كالزراعة والتجارة، والأولى تزدهر حيث الأرض الخصبة والمياة الغزيرة اللازمة للإنبات والزرع والسقي والاستثمار، وهذه توجد في الجهات التي تسقط فيها الأمطار بكثرة، أو تفيض فيها العيون والآبار بوفرة، وهذه الأماكن توجد في الجنوب والشرق وواحات الحجاز مثل يثرب والطائف ووادى القرى ودومة الجندل وتبوك وخيبر وتيماء. وقد كانت اليمن جنة وارفة الظلال حتى أجمع المؤرخون على امتداح غنى اليمن، وسموها بالأرض السعيدة1. يدل على هذا قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} .
فكان اليمن على وجه العموم أهل حضر، وكانت لهم مدن وقصور وأثاث ورياش، ولبسوا الخز، وافترشوا الحرير، واقتنوا آنية الذهب والفضة، وغرسوا الحدائق والبساتين، ويحكي المؤرخون عن حضارتهم وأبهتهم ما يفوق الخيال.
ويعزى رقي تلك الربوع الجنوبية السعيدة إلى عوامل عديدة، منها نصيبها الوافر من الأمطار وقربها من البحر، ومركزها الجغرافي الخطير على خط الاتصال بالهند، وكان من حاصلاتها الطيوب والمر وسواهما من طرائف العطور والأفاويه التي تستعمل توابل للطعام، أو تحرق في حفلات البلاط والمراسيم الدينية، وأجدرها بالذكر البخور، وهو أثمن البضائع التي
__________
1 مروج الذهب جـ2 ص 180.
(1/55)

تداولتها التجارة القديمة. وإلى هذه البلاد ترد الحاصلات الغالية والمرغوبة، فكان يرد اللؤلؤ من خليج العجم والأنسجة والسيوف من الهند، والحرير من الصين والأرقاء والقرود والعاج وريش النعام والذهب من الحبشة، وكانت جميعها تجد طريقها إلى أسواق بلاد العرب2.
فحيثما وجدت الزراعة كان الخير الكثير، والحياة المستقرة، فأقام الناس بين مزارعهم، وجعلوا مساكنهم ثابتة في وسطها، فنشأت هناك القرى والمدن. أما التجارة، فكان هناك من السكان من اشتغل بها، وقد مر ذكر هذه الطرق التى كانت تسلكها القوافل التجارية من أطراب شبه الجزيرة العربية وعبرها، "وكان الجزء الجنوبي من بلاد العرب بلد اللبان والطيب والبهار، وكان سكانه همزة الوصل بينهم وبين أسواق الهند وبلاد الصومال"3 وقد تهيأت للمملكة أسباب سياسية ودينية واقتصادية جعلتها مركزًا هامًّا للتجارة في الجاهلية، فكان يوجد في شبه الجزيرة العربية طريقان عظيمان للتجارة بين الشام والمحيط الهندي، إحداهما تسير شمالًا من حضرموت إلى البحرين على الخليج العربي، ومن ثم إلى صور والثانية تبدأ من حضرموت أيضًا، وتسير محاذية للبحر الأحمر، متجنبة صحراء نجد وهجيرها ومبتعدة عن هضاب الشاطئ ووعورتها، وعلى هذه الطريق الأخيرة تقع مكة في المنتصف تقريبًا بين اليمن وبطرة.
وكان اليمنيون ينقلون غلات حضرموت وظفار، وواردات الهند إلى الشام ومصر، وبعد أن انحط اليمنيون حل محلهم عرب الحجاز حوالي القرن السادس الميلادى، فكان الحجازيون يشترون السلع من اليمنيين والحبشيين ويبيعونها على حسابهم في أسواق الشام ومصر. وكانت مكة قاعدة لعرب الحجاز، وعندما اشتدت العداوة بين الروم والفرس اعتمد الرومانيون إلى حد كبير على تجارة مكة.
وكانت السلع التي تتاجر فيها قريش: الأدم والزبيب والصمغ والطيب والتبر والحرير والبرد اليمانية والثياب العدنية والأسلحة ومصنوعات الحديد، والذهب من معدن بني سليم، والسلع المستوردة من إفريقية والهند والشام وحوض البحر المتوسط، ومن المنسوجات النفيسة
__________
2 فيليب حتى، جـ1 ص63.
3 تاريخ العرب لفيليب حتى، جـ1 ص5.
(1/56)

الغالية التي استوردها التجار لبلاد العرب: الديباج والإستبرق والسندس4 التي كان يتنافس الأغنياء وذوو الثراء والجاه في اقتنائها.
وكان في مكة البيت الحرام الذي يقدسه جميع العرب، وكانت قريش سدنة هذا البيت، يقومون بالعناية به والمحافظة عليه، فأكسبهم ذلك احترامًا عظيمًا فكانت لهم منزلة سامية في نفوس العرب جميعًا، ومما كان له أثر كبير في تحسين مركزهم التجاري العظيم، كما أن زمزم كانت تفيض بالقرب من مكة ماءً سلسبيلًا، مما جعلها مركزًا هامًّا للقوافل التجارية، فكانت القوافل تستقي منها، وتأخذ حاجتها من الماء، فنشطت التجارة في مكة نشاطًا عظيمًا، واشتهرت قريش بها، وأثرت بسببها ثراء عظيمًا، حتى إن صاحب لسان العرب قال: إنها سميت بهذا الاسم، لأنهم كانوا أهل تجارة، من قولهم "فلان يتقرش المال" أي يجمعه، وامتن الله عليهم بهذا الثراء وما كانوا فيه من أمن بقوله تعالى: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} . فكان لهم رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى بلاد الشام، ولم تكن قريش تستورد التجارة لتخزنها في مكة وحدها، فمكة وحدها بلد صغير، لا تستوعب أسواقها هذه التجارات، بل كانت تستوردها من الشمال والجنوب لتصرف ما يمكن بيعه في أسواق مكة وهو القليل، ولتصدر -وهى الغالب- ما استوردته من الجنوب إلى الشام، ولتصدر ما استوردته من الشام إلى اليمن، ومنها إلى بقية العربية الجنوبية والسواحل الإفريقية المقابلة، فتستفيد من هذه الصفقات ربحًا حسنًا5.
فحيثما كانت توجد موارد الرزق الثابتة من الزراعة أو التجارة عاش القوم على ما ينتج لهم من ذلك، واستقروا فأقاموا القرى والمدن.
أما الصناعة فكانت قليلة وعلى شيء يسير، ولكن حيثما وجدت كانت تقام البيوت الثابتة وتنشأ القرى، كما يحكى الهمداني عن صعدة مثلًا، فيقول: "قال بعض علماء العراق:
__________
4 الديباج: يعد من أثمن أقمشة الحرير، ويظهر أنه دخل بلاد العرب عن بني إرم، أو من الساسانية رأسًا، وقد ذكر علماء اللغة أن اللفظة أعجمية، غير أن العرب تكلموا بها قديمًا فصارت عربية. والديباج الخسرواني من أحسن أنواع الديباج. أما الإستبرق فهو الديباج الغليظ، وهو من الألفاظ الفارسية المعربة، وكذلك السندس، وهو رقيق الديباج ورفيعه "جواد علي جـ4 ص 175".
5 جواد علي. جـ8 ص 146.
(1/57)

إن النصال الصاعدية تنسب إلى صعدة، وهي كورة بلاد خولان. وموضع الدباغ في الجاهلية الجهلاء، وذلك أنها في موسط بلاد القرظ"6. ويقول عن الطائف: "وهي مدينة قديمة جاهلية، وهي بلد الدباغ، يربغ بها الطائفية المعروفة"7 كما اشتهرت اليمن بدباغة الجلود ومن أهم المواد المصنوعة من الجلود الدلاء والقرب والنعال والخفاف والأنطعة ومواد أخرى تستعمل في البيت. واشتهرت اليمن كذلك بالنسيج والحياكة. ومن أشهر ثيابهم البرود: العصب والسحل والسيراء8.
وأما البدو فكانوا غالبية السكان قبائل متفرقة متناثرة في الصحراء التي تشتهر بالجدب والقحط، وليس فيها من زرع إلا ما ينبت من الشعب غب المطر، فاعتمد أهلها على ما في هذه الصحراء من حيوان، مستأنسًا كان أم متوحشًا، فكانوا يصطادون الوحش، يقتلونه، ويشوون لحمه ويتخذون منه غذاء شهيًا، وتعهدوا المستأنس بالتربية والرعاية والعناية، وكان أهم هذه الحيوانات المستأنسة الإبل والخيل والغنم والمعز، فكانوا يتحذون من الإبل والغنم موارد رزقهم. ووسائل حياتهم، يأكلون لحمها ويشربون لبنها، ويتخذون من أصوافها وأوبارها وأشعارها لباسًا يقيهم الحر والبرد، ومساكن يقيمون فيها، وأثاث بيوتهم وأمتعتهم، واعتمدوا على الخيل في السلم وفي الحرب، يصيدون بها الوحش من الحيوان للغذاء، ويغيرون بها أو يقاتلون. وكانت الإبل كذلك عونًا لهم في الحرب كما كانت في السلم، وكانت ثروة الواحد منهم تقدر بما لديه من هذه الحيوانات، وبخاصة الإبل والخيل، ولذلك كان لهذين النوعين من الحيوانات قيمة عظيمة في نظرهم. ومن ثم كان العربي يميل إلى الإكثار من ماشيته سواء بالتربية والرعاية، أو بالاستيلاء عليها عن طريق الإغارة والحرب. فموارد رزق البدوي، ومصادر ثروته كانت هذه الحيوانات التي يملكها، وما يغنمه من الغارات والحروب إن حالفه الحظ، وما يتقاضاه من جعل يدفعه أصحاب القوافل التجارية التي تخترق الصحراء؛ نظير حمايتها والمحافظة عليها.
__________
6 صفة جزيرة العرب، ص65.
7 المرجع السابق، ص 119.
8 جواد علي جـ 8 ص، والبرود. أنواع مختلفة منه الخال وهو ثوب ناعم. والسيراء، ثوب مخطط، وقيل هو ما فيه خطوط صفر، أو يخالطه حرير والذهب والعصب: ضرب من البرود اليمنية يدرج ثم يحاك. والسحل: ثوب لا يبرم غزله الخالص.
(1/58)

وما كان البدوي يفكر في الاشتغال بمورد ثابت يربطه بمكان لا يبرحه طول حياته، وتستره حيطانه عن نور الفضاء، واتساعه الفسيح الأرجاء، ومن ثم أنف من الاشتغال بالزراعة، أو الصناعة فتركوا ذلك لغيرهم ممن كانوا يعتبرونهم أقل من البدو، أنفة وكبرياء، وكان مبدأ العربي: "الذل بالحراث، والمهانة بالبقر. والعز بالإبل، والشجاعة بالخيل"9. ولهذا تمسكوا بالصحراء، وعاشوا بين جنباتها الواسعة، تحت سقوف خيامهم، وبين حيواناتهم، يتنفسون من هوائها العذب، ونسيمها العليل، يحمل بين هبوبه وحركاته، الحرية والسيادة المطلقة، فكان يغذي روحهم المتعشقة للانطلاق، والمطبوعة على الأنفة من الحدود والقيود.
ولكن بسبب الجدب الضارب أطنابه لم يكن هناك من الموارد ما يكفي لإنعاش هؤلاء البدو، وتوفير عيشة هنيئة لهم جميعًا، لذلك انتشر الفقر والبؤس فيهم، ولم يكن فيهم من الأغنياء إلا قلة، خصوصًا في متاهات هذه الصحراء الواسعة وبين مرتفعاتها ومنحدراتها ومنحنياتها، حيث تضل الطريق وتعمى السبل حتى على كثير ممن لديهم خبرة بطرقاتها ودروبها. ومن ثم وجدت جماعة الصعاليك10 وانتشر قطاع الطرق، وكثرت الغارات، وكان الأمن معدومًا، والقوة فقط هي صاحبة السيادة والسلطان.
ومما كان له أثر كبير في موارد الرزق ومعيشة العرب جميعًا، الحضر منهم والبدو، تبادل السلع، والبيع والشراء، والأخذ والعطاء، ولذلك كانت لهم أسواق كثيرة، منها ما كانت ثابتة مع أيام السنة، ومنها ما كانت موسمية تعقد في مواسم معينة فإذا انتهى الموسم انفضت، وهذه جعلوها في أماكن متفرقة في أنحاء شبه الجزيرة، حتى تنال كل بقعة نصيبها منها، ولا يحرم بعض السكان من وجود هذه الأسواق في ديارهم، كما جعلوا لكل منها وقتًا خاصًّا، بحيث لا يتعارض بعضها مع بعض، ليستطيع كل من شاء أن يحضر جميع هذه الأسواق دون أن تفوته واحدة منها. وقد ذكر الألوسي كثيرًا من هذه الأسواق11 ومواقيتها، فمما ذكره من هذه الأسواق:
__________
9 تاريخ الأدب العربي لبلاشير صفحة 33.
10 الصعلوك هو الفقير. وزاد ابن سِيده: الذي لا مال له. وزاد الأزهري: ولا اعتماد. وتصعلك الرجل افتقر.
11 بلوغ الأرب 1 ص265، وتاريخ اليعقوبي ج1 ص270.
(1/59)

1- دومة الجندل: كانوا ينزلونها أول يوم من ربيع الأول، وكانت تستمر نصف شهر أو شهرًا، ورؤساؤها غسان أو كلب، أي الحيين غلب قام. ويقال إن المبايعة فيها كانت ببيع الحصاة12.
2- سوق هجر: "بالبحرين" كانون ينتقلون إليها في شهر ربيع الآخر.
3- سوق عمان: كانوا يرتحلون من سوق هجر إليها، فتقوم بها سوقهم إلى أواخر جمادى الأولى.
4- سوق المشقر: "وهو حصن بالبحرين" تقوم من أول يوم من جمادى الآخرة. ورؤساؤها بنو تيم رهط المنذر بن ساوي.
5- سوق سحار: تقوم لعشرين يمضين من رجب لمدة خمسة أيام، وكانت لا يحتاج فيها إلى خفارة.
6- سوق الشحر: تقوم في النصف من شعبان، وكانت مهرة تقوم بها.
7- سوق عدن أبين: تقوم إلى أيام من رمضان، ومنها كان يحمل الطيب إلى سائر الآفاق.
8- سوق صنعاء: تقوم في النصف الثاني من رمضان.
9- سوق ذي المجاز: كانت بناحية عرفة إلى جانبها.
10- سوق مجنة: موضع قرب مكة، تقوم سوقها قرب أيام الحج، ويحضرها كثير من قبائل العرب.
11- سوق عكاظ: كانت من أعظم أسواقهم، وعكاظ واد بين نخلة والطائف وهو أقرب إلى الطائف. وكانت تقام أيام موسم الحج، وتحضرها كل القبائل، وبها كانت مفاخرة العرب، وحالاتهم، ومهادنتهم.
ولا شك أن هذه الأسواق كان لها أثر كبير من الناحية الاقتصادية فكانت بطبيعة الحال ذات تأثير فعال في حياة القوم ومعيشتهم، كما كان لها تأثير في النواحي العامة الأخرى للعرب، فإذا كانت القبائل تفد إليها للبيع والشراء، فلا يستبعد بالطبع ورود تجار أجانب من غير
__________
12 انظر ص 197 من هذا الكتاب.
(1/60)

العرب إليها، فقد كان الروم مثلًا يتوغلون في هذه الأرضين إلى مسافات بعيدة للبيع والشراء، كما كان يقصدها أناس من أماكن بعيدة بحثًا عن طلب أو ترويجًا لرأي13.
قد استعمل أهل العربية الجنوبية النقود في معاملاتهم فاستعملوا نقودًا سكت من الذهب ونقودًا سكت من الفضة، وأخرى سكت من النحاس ومن معادن أخرى، وقد عثر على نماذج من كل نوع من هذه الأنواع، كما استعملوا نقودًا أجنبية أيضًا، وصلت إليهم بتعاملهم مع الأسواق الأجنبية. وقد عثر على بعض منها في مواضع من جزيرة العرب أكثرها يوناني أو روماني14.
أما أهل الحجاز15 فقد تعاملوا بالنقود الرومية والساسانية، تعاملوا بالدراهم، وتعاملوا بالدنانير16 ولعلهم كانوا يتعاملون بنقود أهل اليمن كذلك، وبنقود أهل الحبشة، فقد كان أهل مكة تجارًا، يتاجرون مع اليمن، ويتاجرون مع العراق وبلاد الشام، وتجارتهم هذه تجعلهم يستعملون مختلف النقود، خاصة أنهم كانوا في مكان فقير لا يساعد على ضرب النقد فيه.. وقد ذكر أهل الأخبار أن أهل المدينة كانوا يتعاملون بالدراهم عند مقدم الرسول، ويتعاملون بالعدد، فأرشدهم إلى الوزن كما يفعل أهل مكة، ودرهم أهل مكة ستة دوانيق، وعدلت بعد الإسلام، فكانت تعرف بالدراهم المعدلة، وهي بوزن سبعة مثاقيل لكل عشرة دراهم.
__________
13 تاريخ العرب لجواد علي، جـ4 ص413.
14 جواد علي، جـ8 ص200.
15 المصدر السابق ص206.
16 الدرهم، قيل إنه فارسي معرب. وهو نقد من الفضة، وهو معروف في الفارسية والرومية، والظاهر أن العرب أخذوا بالتسمية الفارسية، على أن ذلك لا يعني أنهم لم يكونوا يستعملون دراهم الروم، وقد أطلقوا الدراهم على النقود عمومًا في بعض الأحيان من باب إطلاق الجزء على الكل والدينار من النقود اليونانية اللاتينية وهو مضروب من الذهب، وقد بقي العرب يتعاملون بالدنانير الرومية إلى أيام عبد الملك، حيث أمر بضرب الدنانير، فضربت بدمشق "جواد علي، جـ8 ص207".
(1/61)

حالتهم السياسية
يجتمع المؤرخون على أن اليمن كان فيها نظام الملكية، وقامت فيها دول مختلفة، وكان لها حضارات ومدنيات أشرنا إلى بعض مما حكاه المؤرخون عن أوصافها. ولكن المدن والقرى الأخرى التي كانت في غيرها من شبه الجزيرة يبدو أن النظام السياسي في كل منها كان يختلف في بعضها عن بعض، وفي ذلك يقول الدكتور جواد علي1: "ويلاحظ أن بعض المدن والقرى، ولا سيما في العربية الغربية مثل مكة لم يكن عليها ملك، إنما يحكمها عدة رجال قسمت الأعمال بينهم. ولا يلقب زعيمم والمتنفذ فيهم بلقب ملك و"للملأ" وهم أصحاب الحل والعقد في البلد الحكم في الناس على وفق العادات والأعراف والقوانين الموروثة، ويكون لهم في البلد مجتمع خاص يكون ناديهم ومقر حكمهم، عرف بـ"دار الندوة" في مكة وبـ"المزود" عند أهل اليمن. ويمكن أن نقول إنه مجلس ذلك الزمن و"برلمان" ذلك العهد، وإن نظام الحكم في أمثال هذه المدن هو ما يقال له "حكومات المدن" عند المؤرخين الغربيين".
"أما يثرب حيث تنازع فيها الأوس والخزرج، فقد أراد كل فريق منهما أن يكون الحاكم من رجاله، وبعد جدل وحرب استقروا على أن يكون الحكم بينهما بالمناوبة. فيحكم في كل زعيم من زعماء الحي الواحد، يليه في العام الثانى زعيم من الحي الثاني، وشاءوا أن يكون "ملك" لقب الحاكم عندهم. وبذلك يكونون قد وضعوا لهم نظام التناوب في الحكم، فيكون لهذه المدينة ملك كل عام".
"وأما بقية المدن العربية فقد رأينا أن بعضها كان يحكمها عند ظهور الإسلام حكام يلقبون أنفسهم ملوكًا، وهم في الواقع مشايخ مدن، أو مشايخ مقاطعات، وكذلك كان يحكم العربية الجنوبية مثل حضرموت عدة مشايخ يلقبون بألقاب الملك".
"فكان هناك "ملوك" في اليمن والعراق والشام حيث الخصب الطبيعي وموارد الرزق
__________
1 تاريخ العرب قبل الإسلام جـ3 ص230.
(1/62)

الواسعة واعتدال المناخ، ولكن نوع تلك الحكومات في تلك الدول غير معروف، ويبدو أنها كانت على وجه عام من الحكومات المطلقة الاستبدادية"2.
أما البدو. فكان النظام القبلي هو السائد فيهم، ولم تكن هناك حكومة مركزية ترعى مصالح الشعب بأجمعه، وتنفذ القانون على الجميع، وتنشر العدل والطمأنينة والأمن بين جميع الطبقات، إنما كانت كل قبيلة بمثابة دول مستقلة لها كيانها الذاتي الخاص، شعبها يتكون من أفرادها فقط، ولها وطنها وحرمها الذى تحافظ عليه، وتدافع عنه وتحميه، ولذلك كان يسمى الحمى، وهذا الحمى كان حرمًا للقبيلة لا ينبغي أن يمسه أو يقترب منه أجنبي، مثله مثل حدود الدولة في عصرنا الحاضر. وكان أفراد القبيلة يتعاونون ويتساندون في الحفاظ على شرف القبيلة وحماها وهم متساوون فيما بينهم، ولا يعتبرون غيرهم أعلى منهم، أو حتى مساويًا لهم، ولا يدينون بالطاعة إلا لرئيس قبيلتهم، فوطنيتهم كانت وطنية قبلية لا وطنية شعبية، كما كانت الحرية التي يتغنون بها ويتمسكون بها حرية شخصية لا حرية اجتماعية، وكان على القبيلة في مجموعها أن تحمي كل فرد من أفرادها وتهب كلها للدفاع عنه والأخذ له بحقه والانتصاف له إن أصابه ضيم، أو مست كرامته، ومن هنا كان لهم القول المشهور: "في الجريرة تشترك العشيرة"؛ فالقبيلة كانت تعتمد على أفرادها في قوتها وحياتها وشرفها وهيبتها، وكان الفرد يعتمد على القبيلة في كل ما له من حقوق، نظير ما كان عليه من واجبات، لذلك اشتد تعلق القبائل بأفرادها، كما اشتد تعلق الفرد بقبيلته، ومن هنا وجدت بينهم العصبية قوية، فكان التعصب للدم شديدًا، ووقف الفرد بجانب أخيه من قبيلته في جميع الأحوال ظالمًا كان أم مظلومًا.
ولشدة اهتمامهم بالقرابة والصلة العصبية ولحمة الأبوية اهتموا بالأنساب اهتمامًا عظيمًا. فكان الواحد منهم يعرف نسبه ونسب قبيلته محددًا مضبوطًا، ونرى أثر ذلك في أشعارهم التى تفيض بذكر الأباء والأجداد والبنين والأحفاد، ولشدة اهتمامهم بالنسب عرف قوم منهم كانوا مشهورين بمعرفة أنساب العرب حتى سموا بالنسابين.
ولوجود النظام القبلي بين أهل البادية، وانتشار الفوضى وتهديد الأمن والسلام في أية لحظة كان يهم القبيلة أن يكون أفرادها كثيرين، فمن أقوالهم: "للكثرة الرعب" حتى يمكنها
__________
2 تاريخ العرب القدامى صفحة 88.
(1/63)

أن تواجه الأخطار بما يملأ قلوب الأعداء خوفًا ورهبة. وكثرة الأفراد كانت إما عن طريق كثرة أفراد القبيلة نفسها، أو عن طريق التحالف مع قبيلة أو قبائل أخرى، فيكون أفراد هذا الحلف، وإن اختلفت قبائلهم، متضامنين يشد كل منهم أزر الآخر، فيكونون بمثابة قبيلة واحدة. وأفرادها إخوة كأنهم من دم واحد لا يعتدي أحد منهم على الآخر، ويقف بجانبه في الشدة، ويشاركه في البأساء والضراء، ويكون لكل فرد من أفراد هذا الحلف ما لزميله من الحقوق، وعليه ما على صاحبه من واجبات.
والعربي في النظام القبيلي "كان يتأرجح بين قطبين: فردية تدفعه إلى رفع كل ضغط وتثبيت الحقوق الدائمة لنفسه تجاه الحقوق الجماعية، وتعلق من ناحية أخرى بجماعته بصورة عميقة قد تصل إلي حد التضحية بالنفس"3.
والقبيلة تظل متمسكة بكل فرد من أفرادها، تحافظ عليه، وترعاه، وتنتصف له، ما دام يسير وفق قانونها، وحسب نصائحها، ووفق رغبتها وإرادتها، فإذا ما بدر منه سلوك لا ترضاه، أو اعتاد أمورًا لا توافق عليها، خلعته من جماعتها ونفته من مجلسها، وطردته من بينها. وفي ذلك يقول طرفة:
وما زال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني القبيلة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد4
فتتنصل منه القبيلة على رءوس الأشهاد، وتعلن تبرؤها مما اقترفه من أفعال، وكثيرًا ما كان يحدث ذلك حيث الجميع حضور، ليعرف الناس ذلك فلا يؤاخذوها على جرائم يقترفها، فصبح مخلوعًا5 من القبيلة كأنما سحبت منه جنسيته وعليه حينئذ أن يبحث عن مكان يؤويه أو جماعة ينزل معها أو تساعده والغالب أن ينتقل من مكان إلى مكان، ومن قبيلة إلى أخرى لصعوبة حمايته إذا كان من المشاغبين الأشرار، الذين لا يستطيعون المعيشة بهدوء كسائر الناس.
"وقد يتكتل هؤلاء الخلعاء ويجتمعون مع الصعاليك، فيؤلفون عصابات خطيرة تعيش
__________
3 تاريخ الأدب العربي لبلاشير صفحة 35.
4 انظر معلقة طرفة وديوانه للمؤلف، البيتين: 74، 75.
5 الأغاني جـ9، ص56، 87، 95.
(1/64)

على السلب والنهب وقطع الطرق لكسب الرزق، فتلقي الرعب في النفوس، وتنعم بما في يديها من مال حرام تبدده وتبذره على عادة الشذاذ من الناس، ومن يحصل على قوته بهذه الطرق.
ولعدم مبالاة هؤلاء وشجاعتهم، وعدم اهتمامهم بالحياة استخدم بعضهم في أعمال انتقامية مثل الفتك بالخصوم"6.
"والحقيقة أن التشكيلات القبلية لم تكن محصورة في أهل البدو فقط، بل كانت كذلك موجودة في المدن بين أهل الحضر. فكان على رأس كل قبيلة أو رهط مجلس مؤلف من رؤساء الأسر أو رؤساء الرهط تبعًا لمقياس القبيلة، وإلى هذا المجلس تعود مناقشة جميع القضايا التي تهم القبيلة"7.
"وكان لكل مجلس رئيس، هو شيخ القبيلة، وهو شخصية فذة يختارها الجميع ليكون المعبرة بلسان جماعتهم، والمنفذ لإرادتهم، فكانت أوامره مستمدة من مداولات المجلس، وهو بعبارة أوضح منفذ، مزود بسلطة إيحائية. وعليه بعد استشارة القدماء والذوات أن يقود جماعته إلى المعارك، وأن يستقبل الوفود، وأن يشرف على مفاوضات الصلح والمحالفات وإشهار الحرب وإضافة الضيوف، واتخاذ التدابير في سني القحط، وتحديد حركات الظعون8".
وكان الرئيس يختار من ذوي الشخصيات القوية الممتازة، وتتحقق فيه صفات خاصة أهمها الوقار، والهيبة، وسداد الرأى وبعد النظر، والطموح والحزم والإيثار والتضحية، والغنى، والجود، والسخاء، والشجاعة والقوة، والحلم، والصبر، والرزانة والثبات، فلا يفرح للخير، ولا يكبو للضر، ولا تبطره النعمة، ولا تغمه الشدة، قد أحكمته التجارب، وله خبرة بطبائع النفوس، وحسن معالجة الأمور، ويتسم بالإخلاص، والأمانة، والوفاء، والسهر للمصلحة العامة، والعمل على إعلاء كلمة القبيلة ورفع شأنها، ومن خير ما قيل من شعر في أهم صفات الرئيس قول لقيط الإيادي9:
وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
__________
6 تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي جـ4 ص 224.
7 تاريخ الأدب العربي لبلاشير. ص35.
8 المرجع السابق ص36.
9 مختارات ابن الشجري. ص1.
(1/65)

لا مُتْرفًا إن رَخَاء العيش سَاعده ... ولا إذا عضَّ مكروهٌ به خَشَعا
لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه ... هم يكاد سناه يقصم الضلعا
مسهد النوم تعنيه أموركم ... يروم منها إلى الأعداء مطلعا
ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متبعًا طورًا ومتبعًا
حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم الرأى لا قحما ولا ضرعا10
وليس يشغله مال يثمره ... عنكم، ولا ولد يبغي له الرفعا
وكانوا إذا غنموا أموالًا أخذ الرئيس ما بعده لما قد يطرأ، ولما يتحمل من النفقات، وذلك هو: المرباع والصفي والنشيطة والفضول11.
ولشخصية رئيس القبيلة أثر كبير في مكانة القبيلة، فالزعماء في المجتمعات القبلية رجال السياسة، وبحكمتهم وكفايتهم تقرر الأمور، ورب كلمة من زعيم أو هفوة تصدر منه تثير حربًا أو تسبب كارثة له ولقبيلته، أو للحلف الذي يتزعمه، ذلك أن أعصاب رجال البادية مرهفة حساسة تثيرها الكلمات، ولا سيما إذا كانت تتعلق بالشرف والجاه12.
وكان الشعراء في قبائلهم لسان حالهم، والمذيعين لأخبارهم، والمسجلين لأفضالهم وأمجادهم.
وقد تسبب عن هذه العصبيات القبلية الضيقة عدم وجود مجتمع واحد كبير، كما أن المنافسات بين هذه العصبيات وزعمائها نشأ عنها تفكك اجتماعي، وعدم استقرار، وحروب كثيرة، ومن ثم لم تتكون منهم دولة واحدة قوية وحكومة مركزية عامة تتولى نشر العدل والأمن والطمأنينة بين جميع المواطنين.
__________
10 القحم. الشيخ الهرم. الضرع. الرجل الضعيف.
11 المرباع. ربع الغنيمة. والصفي. ما يصطفيه لنفسه قبل القسمة. والنشيطة. ما أصاب في طريقه إلى الغزو قبل أن يصل إلى من يريد غزوهم. والفضول ما لا تصلح قسمته على عدد الغزاة من بواقي القسمة كالبعير والفرس.
12 تاريخ العرب لجواد علي جـ4 ص215.
(1/66)

حالتهم الإجتماعية
مدخل
...
حالتهم الاجتماعية
لقد كان للبيئة والظروف التي أحاطت بالقبائل العربية قبل الإسلام أثر كبير في حالتهم الاجتماعية، فالنظام القبلي، وعدم وجود حكومة مركزية، وجدب الصحراء وضيق الأفق كان لها دخل كبير في وجود كثير من الصفات والعادات عند العرب الجاهليين.
فحب الفرد لقبيلته وتفانيه في إخلاصه لها، والعمل على رفع شأنها، وإعلاء كلمتها، وتعصبه لها وحدها، كل ذلك جعله يتجاهل غيرها، ولا يعترف بحق الحياة أو الملكية أو المتعة لأحد من سواها، كأنما لم يخلق في الوجود غيره وغير قبيلته، فدفعه هذا الاعتقاد إلى الاعتداء على حقوق الآخرين، ما دام يملك القوة أو الفرصة المواتية، فكانت الغارات والحروب التي ينجم عنها إزهاق الأرواح، ونهب الأموال وأسر الرجال، وسبي النساء، مما يشيع الرهبة في قلوب الآخرين، ويعلي من شأن المنتصرين، وينمي ثروتهم، بما غنموه من مال، أو كسبوه من فداء الأسرى والسبايا، أو احتلال أرضهم، ونزول ديارهم. وما كانوا يكفون عن الغارات والحروب إلا في الأشهر الحرم، ولكن الحمية الجاهلية كانت تشتط بهم فيقاتلون فيها غير مبالين، كما كان في حرب الفجار بين قريش وكنانة، أو يتخذون النسيء فيؤخرون الأشهر الحرم كما يشاءون. وإزهاق الأرواح، وإنزال الخسائر، وإحداث الهزائم، وما كانت لتقف عند حد، فالقبيلة المنهزمة ومن حاقت بهم الخسائر، ما كانوا ليقفوا مكتوفي الأيدي، بل لا بد أن ينتقموا لكرامتهم، ويردوا شرفهم، فكان لابد من الأخذ بالثأر، وكان الاعتقاد السائد أن روح القتيل كانت تخرج من قبره كل يوم في صورة طائر يسمونه "الهامة" وتصيح قائلة "اسقوني، اسقوني" ولا تكف عن الصياح حتى يأخذ بثأره. فكل معركة كانت تتبعها معركة بل معارك، وقد ساعد على انتشار هذه الفوضى، وشيوع الرعب وعدم الطمأنينة والأمن، عدم وجود حكومة مركزية يدين لها جميع القبائل بالولاء والطاعة، وتتولى نشر العدل بين الناس على السواء. وكان التعصب القبلي الأعمى يقوي من نيران العداوة والحروب، فالتزام الوقوف بجانب أي فرد من القبيلة في جميع الأحوال، ظالمًا أو مظلومًا بصرف النظر عن مدى الحق في موقفه، وبدون ترو أو تفكير فيما هو مقدم عليه، زاد الطين
(1/67)

بلة، وأرث الأحقاد في القلوب وعمل على توسيع الهوة بين القبائل، فأصبحوا متفككي الأوصال لا تجمعهم وحدة، ولم يكن لديهم شعور بفكرة نحو التجمع تحت لواء واحد.
وحبه لنفسه وعشيرته جعله يبالغ في فهم معنى الشرف، فالعصبية الجنسية، والأثرة الواضحة في حياتهم وحب الظهور، والمبالغة في معنى الإباء والعزة والشرف، أوجدت فيهم الحمية والجاهلية المشهورة عنهم، فكانوا يثورون لأتفه الأسباب، ويدخلون المعارك والحروب ويزهقون الأرواح في سرعة وتهور، دون أدنى تفكير لمجرد فهم قد يكون خطأ، فرب كلمة لا يريد قائلها بها شرًّا، أو نظرة عابرة غير مقصودة لإحدى فتيات العشيرة، تثير حربًا شعواء بين حيين أو أحياء كثيرة، لاعتقادهم أن شرف القبيلة قد مس أو أن كرامتهم قد أهنيت، وكانت النساء النقطة الحساسة في شرفهم، ومن ثم أحاطوها بسياج متين من القيود والحدود حتى لا يقع لهن أدنى إساءة، وقد بلغ ببعضهم الخوف على شرف نسائهم إلى أن كانوا يقدمون على وأد البنات حتى لا يحدث لهن ما يجلب عليهم العار.
وربما كان من المبالغة في الأثرة والمحافظة على كرامة العرض أن يتزوج الرجل زوجة أبيه بعد وفاته. وأن يجمع بين الأختين أو يتزوج أخت صديقه على أن يزوجه أخته، ونحو ذلك من العادات التي كانت فيهم.
وتنافس القبائل في السيادة والعزة والطموح جعل الفرد منهم محبًّا للزهو ميالًا إلى المباهاة وحب الظهور فدفعهم ذلك إلى ارتكاب كثير من الحماقات التي نتج عنها كثير من المصائب والويلات، ولكن من ناحية أخرى كان داعيًا لتمجيد بعض المثل العليا، فشاع لديهم إكبار الجميل وصنع المعروف ومد يد العون والمساعدة للمحتاجين، أقارب أم أباعد:
أجود على الأباعد باجتداء ... ولم أحرم ذوي قربى وإصر
فأكبروا الإسراع إلي إجابة المستغيث، وحماية اللاجئ وإكرام النازل والدفاع عن الجار، وكانت المبالغة في الإسراف إلى حد الإتلاف، وشرب الخمر، ولعب الميسر، من الأمور التي كان يتباهى بها الجاهليون.
وكان من أثر الحرب وانتشار الفقر والبؤس في البلاد، أن قل الغذاء، وعز الطعام، فأحسوا الجوع ينشب أنيابه بين أحشائهم، ويكاد يفتك بهم، وبخاصة إذا كانوا مسافرين أو عابري سبيل، فقدروا معنى الإنسانية الحقيقية بتقديم ما يحفظ على الإنسان حياته أو يسد
(1/68)

رمقه، أو يروي غلته، لذلك عظموا الكرم وإطعام الطعام، ووصفوا بالكرم عظماء القوم، ومدحوا به، وكان الكرم في مقدمة الفضائل التي يحب العربي أن يتحلى بها.
ومن أعظم المكرمات في تلك الصحراء المترامية الأطراف التي ليس فيها ما يرشد الضال، أو يهدي عابر السبيل، أن يوقدوا نارًا يهتدى بها الضيفان فيعرفون بها منازل القوم، فيفدون إليهم حيث يجدون بينهم النزل السهل، والترحيب الجميل، والمقام الكريم، كأنهم بين العشيرة والأهل.
وفي جنبات الصحراء الواسعة، وبين مرتفعاتها وأوديتها، تجري الحيوانات وتمرح، بين المروج، والأعشاب، فتبدو عليها النضارة والنعمة، مما يسيل لعاب القوم للحومها، فأغراهم ذلك على مطاردتها وقنصها، فكان هناك الصيد والصيادون واشتهر أفراد كثيرون بالصيد.
واقتنوا الجوارح من الحيوانات والطيور كالكلاب والصقور، ودربوها على الطرد والقنص، وقد تردد هذا في الشعر الجاهلي كثيرًا من ذلك قول امرئ القيس1:
فًصبَّحه عند الشروق غُديَّةً ... كلابُ ابن مُرٍّ أو كلابُ ابن سِنْبِسِ
مُغَرَّثَةً، زُرْقًا، كأن عيونها ... من الذَّمرِ والإيحاءِ ثُوارُ عِضْرِسِ
وابن مروان وابن سنبس صائدان من طيئ معروفان بالصيد.
وكان من أثر العصبية القبلية أن وجدت الحرية الشخصية، ولم يكن للحرية الاجتماعية وجود، فشاعت الفوضى، وكانت الغلبة للقوة والبطش، والسيادة للظلم والطغيان. فالضعيف مأكول ومهان، والقوى ظالم ومهاب:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي صولة المستأسد الحامي
ولم تكن القوة في حد ذاتها كافية، بل كان لا بد من ممارستها، حتى تملأ القلوب رهبة، وتمنع كيد الطامعين:
ومن لم يَذدْ عن حَوضِهِ بِسلاحه ... يُهدم، ومن لا يَظلمِ الناسَ يُظْلَمِ
__________
1 ديوان امرئ القيس ص103: 8-9. صبحه: أتاه صباحًا عند الشروق، مغرثة: مجوعة، يعني الكلاب لتحرص على الصيد وتضرى عليه. الذمر: زجرها وإغراؤها بالصيد. الإيحاء: أن يشار لها إلى الشيء. العضرس: شجر أحمر النور، وعيون الكلاب تضرب إلى الحمرة، يريد إذا أغريت بالصيد فتحت عيونها وقلبتها فتبينت عند ذلك حمرتها.
(1/69)

وكان من أثر الحياة القاسية التي كان يحياها الجاهليون، وعدم استعمال العقل والحكمة في كثير من مظاهر الحياة، أن كانوا لا يحسنون ربط الأسباب بمسبباتها، فوجدت لديهم عادات واعتقادات عجيبة بعيدة عن مجال العقل والمنطق الصحيح، من ذلك مثلًا:
(1/70)

1-الكهانة والعرافة:
ويقصدون بالكهانة ادعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع، وقال الأصفهاني في كتاب الذريعة: الكهانة مختصة بالأمور المستقبلة والعرافة بالأمور الماضية.
وذلك بالاستدلال ببعض الحوادث الحالية على الحوادث الآتية بالمناسبة، أو بما يكون بينها من ارتباط أو مشابهة خفية، أو غير ذلك، واشتهر بالكهانة: عزى سلمة، وشق أنمار، وسطيح بن مازن، وخنافر بن التوءم الحميري، وسواد بن غارب الدوسي، وطريفة الكاهنة، وزبراء، وسلمى الهمدانية، وعفيراء الحميرية، وفاطمة بنت مر الخثعمية، ومن العرافين رباح بن عجلة عراف اليمامة، والأبلق الأسدي عراف نجد2.
__________
2 بلوغ الأرب جـ3 ص275 وما بعدها.
(1/70)

2- زجر الطير وضرب الحصى وخط الرمل:
ذلك أنهم كانوا إذا أرادوا فعل أمر أو تركه زجروا الطير حتى يطير، فإن طار يمينًا كان له حكم، وإن طار شمالًا كان له حكم، وإن طار من فوق رأسه كان له حكم، ومن ثم سميت الطيرة، أخذًا من الطير، فما تيامن منها وأخذ ذات اليمين سموه سانحًا، وما تياسر منها سموه بارحًا، وما استقبلهم منها فهو الناطح، وما جاء من خلفهم فهو القعيد. ومن العرب من يتشاءم بالبارح لأنه لا يمكن رميه إلا بأن ينحرف إليه، ويتبرك بالسانح. ومن تبرك بشيء مدحه، ومن تشاءم بشيء ذمه3. وأكثر ما عولوا عليه من ذلك الغراب، ثم تعدوه إلى غير الطير من الحيوان، ثم جاوزوا ذلك إلى ما يحدث في الجمادات من كسر أو صدع، وما يقع من ظواهر الطبيعة المختلفة كالريح والسحاب والرعد والبرق والمطر، وغير ذلك.
كما شاع فيهم طرق الحصى بعضها ببعض عند السؤال. فيدعي الطارق بذلك معرفة الجواب، وكذلك خط الرمل. وكثيرًا ما كان يتخصص في زجر الطير وطرق الحصى وخط الرمل أفراد معينون فاشتهروا بذلك. وقد قيل في الزجر والطرق شعر كثير، من ذلك قول حسل بن عامر الهمداني:
__________
3 قال ابن دريد: السانح يتيمن به أهل نجد ويتشاءمون بالبارح، ويخالفهم أهل العالية، فيتشاءمون بالسانح، ويتمنون بالبارح. العمدة: 2-162.
(1/70)

تخبرني بالنجاة القطاة ... وقول الغراب بها شاهد
يقول: ألا قد دنا نازح ... فداء له الطرف والتالد
ولكن كثيرًا من الشعراء أنكروا الزجر وعارضوا فكرته، من ذلك قول ضابئ بن الحارث البرجمي:
وما أنا ممن يزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب
ولا السائحات البارحات عشية ... أمرَّ سليم القرن أم مرَّ أعضب
وقال لبيد:
لعمرك ما تدرى الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع
(1/71)

3- الاستقسام بالأزلام: وهي نوع من الطيرة، كانوا إذا أرادوا فعل أمر ولا يدرون ما الشأن فيه أخذوا قداحًا مكتوبًا على بعضها "افعل" وعلى بعضها "لا تفعل" وعلى بعضها، "نعم" وعلى بعضها "لا" إلى غير ذلك، فإذا أراد أحدهم سفرًا مثلًا أتى سادن الأوثان، فيضرب له بتلك القداح، ويقول: "اللهم إن كان خيرًا له فأخرجه". فما خرج له عمل به.
وإذا شكوا في نسب رجل أجالوا القداح، وفي بعضها مكتوب "صريح" وفي بعضها "ملحق" فإن خرج الصريح أثبتوا له نسبه وإن خرج الملحق نفوه، حكى أبو الفرج الأصبهاني، أنهم كانوا يستقسمون عند ذي الخلصة وهو صنم مشهور، وأن امرأ القيس لما قتل أبوه وخرج امرؤ القيس يطلب بثأره استقسم عنده بقداحه وهي ثلاثة: الآمر والناهي والمتربص، فأجالها، فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي فجمعها وكسرها، وضرب بها وجه الصنم، وسبه ثم قال.
لو كنت يا ذا الخلص الموتورا ... مثلي، وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا4
__________
4 الأغاني "دار الكتب" جـ9 ص92-93.
(1/71)

4- الميسر: وهو ضرب من القمار، كانوا يقتسمون لحم الجزور التى يذبحونها بحسب
(1/71)

قداح يضربونها، لكل قدح منها نصيب معلوم، والميسر: مصدر ميمي من يسر ييسر، واشتقاقه إما من اليسر أي أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، أو من اليسار لأنه سلب يساره. وكان الميسر من مفاخر العرب لأنهم كانوا يفعلونه في أيام الشدة والقحط والجوع. وكل قصيدة يفخر فيها الشاعر كان الميسر يحتل جزءًا بارزًا فيها.
وقيل: كانت صفة الميسر أن يجتمع الفتيان وذوو اليسار منهم ويشتروا جزورًا وينحرها الجزار ويقسمها عشرة أجزاء، ثم يحضر الأيسار وهم القوم المجتمعون في الميسر، ويؤتى بالقداح، وهي عيدان متساوية الطول، وهى عشرة: القذ والتوءم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى. وهذه لها أنصباء، للأول سهم، وللثاني اثنان، والثالث ثلاثة، وهكذا إلى المعلى له سبعة أسهم، والثلاثة الباقية لا نصيب لها وهي المتيح والسفيح والوغد، فهذه أغفال ليس فيها جزوز ولا علامات لها، وهي للتكثير، ولنفي التهمة وإبعاد المحاباة.
فإذا حضرت القداح وحضر الأيسار أخذ كل منهم من القداح على قدره وطاقته ورياسته، ثم يدفعون القداح إلى رجل كانوا يسمونه "الحرضة" وهو الذي يضرب للأيسار بالقداح -وأكثر ما كانوا يجتمعون للميسر بالليل ويوقدون نارًا لذلك- ثم يؤخذ ثوب شديد البياض فيلف على يد الحرضة ليغشى بصره، فلا يعرف قدح فلان من قدح فلان منعًا للمحاباة، فإذا أخذ القداح لم ينظر إليها، ويجلس خلفه شخص آخر كان يطلق عليه اسم الرقيب، ليعرف ما يخرج من القداح فيخبرهم به ويعتمدون على قوله فيه، ثم يجلس الأيسار حوله دائرين به، ثم يفيض بالقداح، فإذا نشز أي ارتفع منها قدح استسله الحرضة من غير أن ينظر إليه ثم ناوله الرقيب، فينظر الرقيب لمن هو فيدفعه إلى صاحبه، فيأخذ من الجزور على قدر نصيب القدح منها وذلك هو الفوز. وعند انتهاء توزيع أقسام الجزور على أصحاب القداح الفائزة، يعرفون القداح التي لم تفز، ويغرم أصحابها، كل بقدر نصيب قدحه5.
__________
5 تاريخ اليعقوبي: دار صادر بيروت سنة 1960، جـ1 ص259.
(1/72)

5-عبادة الأصنام والأوثان: والمخلوقات التي لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا، وسنتحدث عنها إن شاء الله في الحالة الدينية.
(1/72)

6- البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي6:
وهي أمور خاصة بالحيوانات، وخصوصًا الإبل إذا تم لها أمر معين مثل ولادة بطون معينة أو بلوغ سن مخصوصة:
فكانت الناقة: إذا نتجت خمسة أبطن آخرها ذكر، بحروا أذنها أي شقوها وخلو سبيلها، فلا تركب ولا تحلب.
وكان الرجل منهم إذا مرض يقول: إذا شفيت، فناقتى سائبة، وبجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها. وقيل هي التي تسيب للأصنام فتعطى للسدنة ولا يطعم من لبنها إلا أبناء السبيل ونحوهم. وقيل غير ذلك7.
وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم. وإن ولدت ذكرًا فهو لآلهتهم. وإن ولدتهما معًا قالوا: وصلت الأنثى أخاها. وقيل هي الشاة تنتج سبعة أبطن فإن كان السابع أنثى لم ينتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت فيأكلها الرجال دون النساء. فإذا ماتت اشتركوا فيها.
وإذا نتج من صلب الفحل عشرة أبطن حرموا ظهره، ولم يمنعوه ماء ولا مرعى وقالوا: لقد حمى ظهره،
وكانت بينهم عادة حمل التمائم والتعاويذ للمداواة أو خوفًا من الموت أو البلاء8.
كما كان من عاداتهم ضرب الثور إذا عافت البقر ورود الماء، فهو يضرب ليقتحم الماء، فتقتحم البقر بعده، قال نهشل بن جري:
كذاك الثور يضرب بالهراوى ... إذا ما عافت البقر الظماء
ومثل ذلك ما يفعلونه في العر9 عندما يصيب الإبل، فيكوى الصحيح ليبرأ
__________
6 يقول ابن الكلبي في كتاب الأصنام إن أول من سيب السائبة ووصل الوصيلة وبحر البحيرة وحمى الحامي عمر بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي وهو أبو خزاعة "بلوغ الأرب: جـ2 ص 200، جواد علي جـ4 ص 257".
7 راجع بلوغ الأرب: جـ3 ص37.
8 ديوان امرئ القيس ص128، ب: 1-3.
9 العر: "بفتح العين": الجرب. وبضمها. قرح يأخذ الإبل في مشافرها وأطرافها شبيه بالقرع، وربما تفرق في مشافرها مثل القوباء يسيل منه ماء أصفر.
(1/73)

السقيم10. قال النابغة:
وكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع
وتعليق الحلي والجلاجل على اللديغ ليشفى، ويعللون ذلك بأن اللديغ إن نام سرى السم فيه فيهلك فشغلوه بالحلي والجلاجل وأصواتها عن النوم. وقيل لبعض الأعراب: أتريدون سهره؟ فقال: إن الحلي لا تسهر، ولكنها سنة ورثناها، وإلى ذلك يشير النابغة بقوله:
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السم ناقع
يسهد من ليل التمام سليمُها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
وكانوا يقولون عن اللديغ: السليم: تفاؤلًا بسلامته وشفائه. كما سموا البادية وهي المهلكة بالمفازة تفاؤلًا بالفوز والنجاة.
__________
10 قيل في تعليل ذلك أنهم كانوا يكوون الصحيح لئلا يتعلق الداء به لا ليبرأ السقيم. وقال أبو عبيدة: لم يكن هذا حقيقة وإنما هو مثل يضرب لأخذ البريء وترك المذنب.
(1/74)

حالتهم الدينية
كان في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام أديان ومعتقدات مختلفة، تبعًا لقدرتهم على التفكير الديني، أو تأثرهم بالأديان السابقة، أو اختلاطهم بأهل الأديان التى لها أصل سماوي. فكان فيهم الموحدون، والوثنيون، واليهود، والنصارى، والمجوس، والزنادقة، والصابئة.
أما الموحدون: من العرب قبل الإسلام فكانوا قليلين، عبدوا الله وحده ولم يشركوا معه في عبادته شيئًا آخر، ويقولون إنه كان منهم: ورقة بن نوفل، وخالد بن سنان العيسي، وحنظلة بن صفوان، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة الإيادي، وعامر بن الظرب العدواني، وزهير بن أبي سلمى، وعبيد بن الأبرص، وأمية بن أبي الصلت، ومنهم كذلك النابغة الجعدي الذي يقال عنه إنه أنكر في الجاهلية الخمر، وهجر الأوثان، والأزلام، وقال في الجاهلية:
الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلم1
وأما الصابئة: فهم الذين كانوا يعبدون الكواكب، وهم يعتقدون في الأنواء ويقولون إن أول من دان بذلك من العرب قبائل سبأ الحميرية، إذ كانوا يعبدون الشمس، وقد ورد ذكر ذلك في القرآن الكريم2 كما يقولون إن كنانة كانت تعبد القمر، وكان بنو جرهم ولخم يسجدون للمشترى، وقريش عبدوا الشعرى العبور، وهي الشعرى اليمانية. ويقال إن من آثار عبادة الكواكب ما جاء من أسمائهم مثل عبد شمس. كما يقولون إن من بقايا آثار عبادة الشمس ما يفعله الغلام إذا سقطت سنه.
وأما المجوسية: فهى عبادة النار، وكانت المجوسية في العرب في تميم. ومن آثار هذه الديانة نار الحلف، وحلفهم بالرماد والنار، ومن مذاهبهم زواج البنات.
__________
1 أديان العرب، ص 193.
2 سورة النمل، {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} .
(1/75)

والزندقة: يقول عنها صاحب القاموس: "الزنديق: من الثنوية أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإسلام". وفي اللسان: الزنديق: القائل ببقاء الدهر، فارسي معرب، وهو بالفارسية "زندكراي" يقول بدوام الدهر، وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف عند الكلام على أديان العرب في الجاهلية: كانت الزندقة في قريش، أخذوها عن الحيرة. وقال البلخي في كتاب البدء والتاريخ: كانت الزندقة والتعطيل في قريش. والثنوية يعتقدون أن الصانع اثنان ففاعل الخير نور وفاعل الشر ظلمة. وهما قديمان، لم يزالا ولن يزالا قويين حساسين.. وهما مختلفان في النفس والصورة متضادان في العقل والتدبير، فالنور فاضل حسن تقي طيب الريح حسن المنظر ونفسه خيرة كريمة حكيمة نفاعة، منها الخيرات والمسرات والصلاح، وليس فيها شيء من الضرر والظلمة ضد ذلك3.
أما اليهودية: فهى دين موسى عليه السلام، نسبة إلى يهوذا أحد أسباط إسرائيل الذي تناسل منه أكثر الملوك.
والذى أدخل اليهودية إلى اليمن تبع الأصغر، ومن اليهود الذين نزلوا المدينة بنو قريظة وبنو النضير، وأشهر من دان باليهودية من قبائل العرب: بنو نمير كنانة، وبنو الحارث بن كعب، ولعلها سرت إليها من مجاورة اليهود لهم في تيماء ويثرب وخيبر.
وأما النصرانية: فهي دين المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، نسبة إلى الناصرة أول قرية بث عيسى فيها دعوته، فقال العرب: "ناصري ونصراني".
ودخلت النصرانية بلاد العرب زمن الحواريين، فنقل أن القديس لوقا أول من دعا إليها في بلاد اليمن أثناء مسيره إلى الهند، وبولس دعا إليها في الشام.
وفي تاريخ العصور الوسطى أن عرب غسان تنصروا في أيام القيصر، وقال ابن خلدون: كان أهل نجران "وهم بنو الحارث بن كعب بن مذحج" من بين العرب يدينون بالنصرانية.
وأشهر من تدين بالنصرانية من العرب، قضاعة كأنهم تلقوها عن الروم، فقد كانوا يكثرون من التردد إلى بلادهم للتجارة؛ والغساسنة بالشام لمجاورتهم نصارى الروم، وكثير من
__________
3 بلوغ الأرب، جـ2 ص229.
(1/76)

تنوخ وتغلب وطيئ وحمير، وشاعت النصرانية في قبائل شتى بالحيرة، يقال لهم العباد ومنهم عدي بن زيد العبادي.
وأما الوثنيون، فكانوا أكثرية العرب الجاهليين، وهم عبدة الأصنام والأوثان، والصنم يكون غالبًا تمثالًا، أما الوثن فيكون غالبًا حجرًا، وقد يسمى الصنم بالوثن. يقول ابن الكلبي: المعمول من خشب أو ذهب أو فضة صورة إنسان فهو صنم، وإذا كان من حجارة فهو وثن. وقال السهيلي: يقال لكل ما كان من حجر أو غيره صنم، ولا يقال وثن إلا لما كان من غير الصخر كالنحاس وغيره.
وكانوا في عبادتهم للأوثان يؤمنون بالله، زاعمين أنها تشفع لهم عند الله يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} . {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} .
ويروي ابن الكلبي في كتاب الأصنام: "أن إسماعيل بن إبراهيم صلى الله تعالى عليهما وسلم لما سكن مكة وولد له بها أولاد كثيرة حتى ملئوا مكة ونفوا من كان فيها من العماليق فضاقت عليهم مكة، وقعت بينهم الحروب والعداوات وأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش، وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة صبابة بها وحبًّا، وهم على إرث أبيهم إسماعيل من تعظيم الكعبة والحج والاعتمار، ثم سلخ ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم كقوم نوح، وفيهم بقايا على دين أبيهم إسماعيل، مع إدخالهم فيه ما ليس منه4.
وكان لكل قبيلة صنم أو أكثر وكان منها عند الكعبة كثير، حتى قال الزمخشري إنه كان حولها ثلثمائة وستون صنمًا.
ومن هذه الأصنام: إساف ونائلة: وهما صنمان عبدتهما العرب وكانوا ينحرون ويذبحون عندهما، ويقال إنهما كانا في الأصل رجلًا وامرأة فجرا في الحرم فمُسِخا "فوجدوهما مسيخين
__________
4 بلوغ الأرب ج ص200.
(1/77)

فوضعوهما بوضعهما فعبدتهما خزاعة وقريش، ومن حج البيت من العرب"5 وقيل: هما حجران نحتا ومثلا على هيئة إساف ونائلة وسميا باسميهما6. ومنها ذو الخلصة لخثعم، والشارق؛ وهبل "كان أعظم الأصنام عند قريش، وكان من عقيق أحمر على صورة إنسان" وود "عبدته كلب بدومة الجندل"؛ ونسر "لحمير وهمدان منصوب بصنعاء".
وسواع "لكنانة". والعزى لغطفان، واللات لثقيف وكان بالطائف، ومناة للأوس والخزرج، ويغوث لمذحج7.
إن عبادة الأصنام عند العرب الجاهليين، وممارسة بعض الطقوس الدينية. واعتناق بعض الأفكار، نمت فيهم وشاعت تقليدًا للآباء، سيرًا على ما ورثوه عن أجدادهم السابقين وامتثالًا للعرف والعادة، فقد ورد في القرآن الكريم أنهم كانوا دائمًا يقولون: إننا نتبع ما كان
__________
5 بلوغ الأرب جـ2 ص201.
6 مروج الذهب للمسعودي جـ2 ص2 50.
7- مما قيل أصنام الجاهلية أن:
اللات: "كان بالطائف وقيل بنخلة، وكانت قريش تعبده وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اللات: رجل يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه".
والعزى: قيل هي شجرة لغطفان كانوا يعبدونها.. وقيل هي صنم لغطفان، وضعها سعد بن سالم الغطفاني، وقيل إنه قدم مكة فرأى الصفا والمروة ورأى أهل مكة يطوفون بينهما، فرجع إلي بطن نخلة، فقال لقومه: إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم، ولهم إله يعبدونه وليس لكم، قالوا. فما تأمرنا؟. قال: أنا أصنع لكم ذلك، فأخذ حجرًا من الصفا وحجرًا من المروة، ونقلهما إلي نخلة، فوضع الذي أخذ من الصفا وقال: هذا الصفا، ثم وضع الذى أخذه من المروة، وقال. هذه المروة، ثم أخذ ثلاثة أحجار وأسندها إلى شجرة، وقال: هذا ربكم، فجعلوا يطوفون بين الحجرين. ويعبدون الثلاثة، حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وأمر برفع الحجارة، وأمر خالد بن الوليد بالعزى فقطعها. وقيل: هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف.
ومناة: قيل. هي لخزاعة، كانت بقديد، وقالت عائشة رضي الله عنها في الأنصار. كانوا يهللون لمناة، وكانت حذو قديد. وقيل: هي بيت بالمشلل وكانت تعبده بنو كعب. وقيل: مناة صنم لهذيل وخزاعة، وكانت تعبدها أهل مكة.
وقيل: اللات والعزى ومناة: أصنام من الحجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وفكرة الأصنام كانت قديمة، ففى تفسير قوله تعالى. حكاية عن قوم نوح: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [سورة نوح آية23] . إن هذه أسماء آلهتهم، قال محمد بن كعب: هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح، فلما ماتوا كان لهم أتباع يقتدون بهم ويأخذون مأخذهم في العبادة. فجاءهم إبليس، وقال: لو صورتهم صورهم كان أنشط لكم وأشتق إلى العباد، ففعلوا ثم نشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم. فعبدوهم، فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك وسميت تلك الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك القوم الصالحين من المسلمين. وقيل كان ود على صورة رجل. وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر. "راجع تفسير البغوي والخازن والكشاف للزمخشري" في سورة نوح.
(1/78)

عليه آباؤنا الأقدمون. فعاب عليهم القرآن هذا التقليد الأعمى، وطالبهم باستعمال العقل والتفكير في العقيدة وصفة الإله الذي يستحق العبادة والتقديس، واستهزأ بسلوكهم هذا في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} 8 وقيل إن فكرة الأصنام وتقديسها انتقلت إليهم من خارج بلادهم، فقد ورد أن قريشًا في الأصل كانت على دين إبراهيم يحجون البيت ويقيمون المناسك خرج عمر بن لحي إلى أرض الشام فوجدهم يعبدون الأصنام ويتقربون إليها.
فأحب أن يفعل قومه مثل ذلك، فجاءهم بصنم، ودانت العرب للأصنام ثم وضعوا إسافًا ونائلة، كل واحد منهما على ركن من أركان البيت وكانت العرب إذا حجت ورأت الأصنام سألت قريشًا وخزاعة، فيقولون إنما نعبدها لتقربنا إلى الله زلفى، لما رأت العرب ذلك اتخذت أصنامًا كثيرة فجعلت كل قبيلة لها صنمًا. ويقال إن عمرو بن لحي هذا -وكان رئيسًا- هو الذي أمرهم بعبادة الصخرة التي يلت عليها السويق للحجاج، فاستجابوا لأمره، وبنوا عليها بيتًا هو "اللات" فالوثني في الجاهلية لم يكن يتمسك في دينه بعقيدة قائمة على عقل سديد، أو تفكير سليم، إنما هي عادات تأصلت في نفوسهم تقليدًا لغيرهم أو تمسكًا بسلوك آبائهم وأجدادهم السابقين.
__________
8 سورة البقرة 170.
9 تاريخ العرب القدامى ص98. ومروج الذهب للمسعودي جـ2، ص56. وتاريخ اليعقوبي جـ1، ص54.
(1/79)

اتصالاتهم
كان العرب الجاهليون على اتصال داخلي بعضهم ببعض، واتصال خارجي بغيرهم ممن جاورهم، أو بعد عنهم، ممن كانت تربطهم بهم روابط تستدعي هذا الاتصال. فبجانب المجالس الخاصة التي كانت تعقدها القبيلة للبحث في أمورها، وتبادل الآراء في كل ما يتصل بها وبخاصة ما كان يتطلب بحثًا عميقًا، ورأيًا جماعيًّا كانت هناك مجالس اللهو والسمر، التي يعقدونها حينما ينفضون من مشاكلهم الحيوية، وحاجاتهم اليومية، ترويحًا عن النفس، ورغبة في الإحساس بالهدوء ونعيم الحياة، حيث تكون فيها الطرائف الأدبية، والأحاديث المسلية، والأخبار، والقصص، مع الموسيقى والطرب والرقص والغناء، إلى غير ذلك من وسائل التسلية والترفيه.
كما كانت هناك اتصالات أوسع مدى تجمع بين عدة قبائل بحكم صلات ودية وروابط اجتماعية أو سياسية كالنسب والجوار والتحالف والعداوة المشتركة، أو مفاوضات المصاهرة والمصالحة بعد الحروب والمشاحنات والمنازعات. ثم هناك الاتصالات الداخلية الكبرى التي تضم عددًا كبيرًا من القبائل شماليها وجنوبيها، كلها أو معظمها، في مناسبات عامة أو على نطاق واسع، كالأسواق ومواسم الحج، وفي هذه المناسبات تعقد المجالس والندوات، وتوجد الفرص للتعارف، والتفاهم وتبادل الآراء والمشاعر، ومناقشة الأمور، ومعرفة الميول والاتجاهات، وقضاء المصالح، وتحقيق الرغبات بقدر الإمكان.
ولم يكن الجاهلي ليستطيع أن يعيش بمعزل عن العالم الخارجي، كما أن العالم الخارجي كذلك كان يهمه أن يكون على صلة به، فضرورات الحياة دائمًا تقتضى ذلك في جميع العصور والأحوال، فلدى كل من الجانبين ما يحتاج إليه الآخر، ومن ثم كان لا بد من الاتصال الخارجي تبعًا لاحتكاك المصالح، وتبادل المنافع.
وقد كان في شبه الجزيرة العربية منتجات وبخاصة في الجنوب وعلى الشواطئ وهذه لا بد من تصريف ما يفيض منها على حاجة السكان في مناطق الإنتاج، كما كان العرب محتاجين إلى كثير من منتجات البلاد الخارجية، هذا إلى أن البلاد العربية كانت بحكم موقعها
(1/80)

الجغرافي عامل اتصال بين بعض الأمم الذين لا يمكن اتصالهم إلا عن طريق بلاد العرب. ومن ثم نشطت التجارة في شبه الجزيرة منذ القدم، ووجدت مراكز تجارية هامة في الشمال والجنوب والوسط ومن الشاطئ. وعبرتها القوافل التجارية طولًا وعرضًا، صيفًا وشتاءً تنقل حاصلات اليمن وغيرها من البلاد العربية، وتجارات الهند والحبشة والشام إلى شبه الجزيرة وخارجها، وبالعكس، فكانوا ينقلون من اليمن وحوض المحيط الهندي وأفريقية الشرقية اللبان والطيب والبخور والجلود وثياب عدن النفيسة وتوابل الهند ورقيق إفريقية والصمغ والعاج، كما كانوا ينقلون من الطائف الزبيب.. كل ذلك كانوا ينقلونه إلى حوض المتوسط ويعودون محملين بالأسلحة والقمح والزيت والخمر والثياب القطنية والكتانية والحريرية1، وقد سبق أن ذكرنا السلع التي كانوا يتاجرون فيها.
ثم هذه القوافل التجارية كانت في حاجة إلى من يحافظ عليها ويحميها من غارات الأعداء واللصوص وقطاع الطرق، فاشتدت صلة العرب بغيرهم من الأمم وبخاصة الفرس الروم والحبشة والهند، وقوى هذا الاتصال وبخاصة بينهم وبين الأولين، وجود إمارات عربية في الحيرة وغسان ونجد، فكان ملوك المناذرة والغسانيين وكندة بحكم عربيتهم، وحكم اتصال الأولين بالفرس والغسانيين بالروم، وتأرجح كندة بين هؤلاء وأولئك تبعًا لمصالحهم، غير صلة بين العرب الجاهليين ومملكتي الأكاسرة والقياصرة. واحتلت الحبشة اليمن فترة من الزمن، وحاولت اقتحام الحجاز.
ولا شك أن هذه الاتصالات كان لها أثر كبير في حياة العرب الجاهليين ولغتهم وأدبهم فقد أدخل الحجاج وسائقو القوافل والتجار والأحباش واليمنيون والسوريون والفلسطينيون وأهل ما وراء النهر والإيرانيون مع سلعهم التجارية ألفاظًا وأسماء كثيرة. وبدراسة هذه الأسماء يمكننا أن نعرف أهي من أصل عبراني أو آرامى أو حبشي، أو استعيرت بصفة مباشرة أو غير مباشرة من الإيراني أو اللاتيني، مثل كلمة فردوس "محرفة من اليونانية أو الفهلوية، ومعناها: الحديقة" ودين "من الفهلوية". وسجل "من اليونانية" والصراط "من اللاتينية"، ومن الحبشية: "الرجيم والإنجيل والمنير والحواري".
__________
1 راجع: مكة في دائرة المعارف الإسلامية.
(1/81)

ومن ثم نرى أن تجار الحيرة واليمن لم يجلبوا معهم السلع الغربية فحسب بل طائفة من الأفكار والعادات التي من شأنها توسيع مدارك المحيط العربي"2.
وقد حمل التجار معهم شيئًا أهم وأعظم قيمة من التجارة هو حروف الهجاء، الحروف التي أخذ منها الخط الذي كتب به القرآن الكريم، فصار الخط الرسمي للمسلمين، الخط الذي لم يقتصر استعماله على العرب، بل صار خطا لملايين المسلمين الذين تربطهم بالعرب رابطة الدين3.
ثم إن ارتحال بعض هؤلاء العرب إلى ديار القوم في أعمالهم واتصالاتهم بهم جعل عيونهم تقع على أشياء كثيرة من ظواهر الحضارة والمدنية التي كان يعيش فيها أهل هذه الأمم، وهذا بالطبع يؤثر في حياتهم وتفكيرهم. وقد ظهر هذا الأثر في الإمارات العربية التي كانت شديدة الصلة بالأمم الأخرى كالحيرة وغسان، فقد تحدث التاريخ كثيرًا عن مظاهر الترف والنعيم التي كان يعيش فيها ملوكهما وأمراؤهما لصلتهما الوثيقة بالفرس والروم وسنرى فيما بعد إن شاء الله أن هذا كان له أثر كبير في الأدب العربي، وبخاصة في الشعر والشعراء.
هذا إلى جانب الرقيق الذي كان في ذلك الوقت "بضاعة ضرورية لا بد منها لأهل المال تدر عليهم أرباحًا عظيمة فهم آلات ذلك الزمن، ومصدر من مصادر الاستغلال للحصول على الثروة، كما أنهم سلاح يستخدم للدفاع عن السادة الأثرياء في أيام السلم وفي الحرب". فكان هناك رقيق أسود، ورقيق أبيض، قوم من أصل إفريقي اشتراهم أثرياء مكة للعمل في مختلف الأعمال ولخدمتهم، "والأسرى البيض الذين كانوا يقعون في أيدي الفرس والروم أو القبائل المغيرة على الحدود، فيباعون في أسواق النخاسة، ومنها ينقلون إلى مختلف أنحاء الجزيرة للقيام بمختلف الأعمال. يضاف إلى هؤلاء الرقيق المستورد من أسواق أوروبة لبيعه في أسواق الشرق". ومثل هذه البضاعة "لا بد أن تترك أثرًا في البيئة التي استوردت إليها"4.
__________
2 تاريخ الأدب العربي لبلاشير ص 62.
3 جواد علي جـ8 ص 147.
4 تاريخ الأدب العربي قبل الإسلام لجواد علي جـ4 ص 198-199.
(1/82)

معارفهم
لقد هيأت الظروف التي كان يعيش فيها الجاهليون الفرص لتكوين بعض المعارف لديهم تبعًا لأنواع النشاط الذي كانوا يمارسونه في حياتهم.
وقد سبق أن ذكرنا أن اليمن وبعض واحات الحجاز مثل يثرب وخيبر الطائف ووادي القرى كانوا يعيشون على الزراعة، لوفرة المياه اللازمة لها، ومن ثم فإننا نتوقع أن يكون لمن يتخذونها مهنة لهم خبرة بنواحيها المختلفة مثل البذر والحصاد والري، وإقامة السدود والقناطر، وشق الترع والقنوات والمحافظة على منابع المياه ومصادرها، كذلك لا شك كانت لديهم خبرة بإقامة البيوت والمنازل التي يستلزمها استقرار الناس حول مزارعهم، وقد أوردنا سابقًا بعض ما ذكره المؤرخون القدامى عن مظاهر الترف والنعيم التي كان يعيش فيها أهل اليمن، منذ القدم.
وأما مركز التجارة، فلا شك في أنه كان لدى أصحابها خبرة عن طرق تثمير الأموال، وتصريف البضائع، وترويج سوقها.
ولا شك أن اتصالاتهم التي تحدثنا عنها آنفًا كانت سببًا في معرفة كثير من أخبار الأمم السابقين من العرب وغيرهم بما كانوا يروون من القصص، وما يتناقلونه من أحاديث. ومن ذلك يقول الهمداني:1 "ليس يوصل إلى خبر من أخبار العجم والعرب إلا بالعرب وبينهم، وذلك أن من سكن من العمالقة وجرهم وخزاعة بمكة أحاطوا بأخبار أمم مختلفة من العرب البائدة والفراعين العاتية وأخبار أهل الكتاب، وكانوا يدخلون البلاد للتجارة فيعرفون أخبار الناس. وكذلك من سكن الحيرة وجاور العجم قد حووا علم الأعاجم وأخبارهم وعنهم صار أكثر ما رواه محمد بن السائب الكلبي والهيثم بن عدي من رواة الأخبار. وكذلك من وقع بالشام من مشايخ غسان خبير بأخبار الروم وبني إسرائيل واليونان. ومن وقع بالبحرين من تنوخ وغيرهم، فعنهم أتت طسم وجديس. ومن وقع بعمان من ولد نصر بن الأزد فعنه
__________
1 تاريخ العرب القدامى: ص108 عن كتاب الوشي المرقوم للهمداني. راجع بلوغ الأرب جـ3 ص213.
(1/83)

أتى كثير من أخبار السند والهند، وشيء من أخبار فارس. ومن وقع باليمن أتته أخبار الأمم جميعًا لأنه كان في ظل الملوك السيارة.
ولشدة اتصالهم بالصحراء الواسعة الأرجاء المترامية الأطراف، ومظاهرها الطبيعية المختلفة وسمائها الصافية، وشمسها الساطعة، وقمرها الناصع، ونجومها المتلألئة، عرفوا كثيرًا عن صفات الأرض الصلدة والصلبة والحجرية والصخرية، والسهل والجبل، والقمة، والمنحدر، والوهاد والأودية، ومواقع القطر، ومواطن الغيث، ومواسم المطر، ومسيل الماء، ومنابع العيون، وخصائص الحيوان والطير والحشرات والهوام التي في بلادهم، وأنواع الأشجار والنباتات التي تنمو في أرضهم، وعرفوا شيئًا عن النجوم وأبراجها، والكواكب ومسيرها، والرياح وأنواعها، والأعاصير والزوابع ومهابها، وأحوال السحب وأنواع الأمطار والأنواء، وغير ذلك من مظاهر الطبيعة وأحوالها.
ولاعتمادهم على حيواناتهم في حياتهم، عرفوا ما يتصل بهم، وبخاصة الإبل والخيل، فعرفوا أعضاءها، كبيرها وصغيرها، وتركيب أجسامها، وخصائصها، وعرفوا الكثير من أمراضها وعللها وتحايلوا بتجاربهم الكثيرة المختلفة على شفائها فتكون لديهم شيء من علم البيطرة.
كذلك دفعتهم ظروف الحياة إلى إجراء تجارب على أجسامهم حينما كانت تلم بهم العلل والأسقام، فعرفوا شيئًا من الطب، ولكنها كانت خبرات بسيطة وصلت إليهم عن طريق تجارب قاموا هم بها، أو وصلتهم عن طريق التوارث، فكانوا يعالجون بالأشربة المتخذة من العسل والمركبات المصنوعة من بعض الأخلاط، وكان لهم عناية خاصة باستعمال الكي بالنار في كثير من الأمراض، وكذلك الحجامة، وقد اشتهر منهم أطباء مثل الحارث بن كلدة الثقفي، وأصله من ثقيف من أهل الطائف، رحل إلى فارس وتعلم الطب فيها ومارسه وأجاد هذه الصناعة حتى زاولها في بلاد فارس نفسها، واشتهر بعده ابنه النضر بن الحارث، ثم ابن رومية التميمي، وكان جراحًا ماهرًا، وابن حذيم وهو من تيم الرباب، وكان يضرب به المثل في الطب.
ولما كانت القبيلة تعتبر وحدة سياسية واجتماعية كاملة، تعتمد على أفرادها الحقيقيين، فقد اهتموا بحفظ الأنساب وكان اعتمادهم في ذلك على ذواكرهم لعدم شيوع الكتابة والتدوين عندهم، وشاع فيهم القول المأثور: "من لم يعرف النسب لم يعرف الناس، ومن لم يعرف
(1/84)

الناس لم يعد من الناس"، واشتهر منهم كثير بحفظ أنسابهم وأنساب القبائل الأخرى حتى عرفوا بالنسابين، منهم:
1- دغفل بن حنظلة السدوسي من شيبان، وتحكى عنه منافسته لأبي بكر رضي الله عنه في معرفة الأنساب، فقد كان كل منهما مشهورًا بالإحاطة بأنساب العرب وأحوالهم وصفاتهم.
روى الهيثم بن عدي عن عوانة، قال: سأل زياد دغفلا عن العرب فقال: الجاهلية لليمن، والإسلام لمضر، والفتنة لربيعة. قال: فأخبرني عن مضر. قال: فاخر بكنانة، وكابر بتميم، وحارب بقيس، ففيها الفرسان والنجوم، وأما أسد ففيها ذل وكيد. وقيل له: ما تقول في بني عامر بن صعصعة؟ قال: أعناق ظباء، وأعجاز نساء.. فما تقول في أسد؟ قال: عافة قافة، فصحاء كافة.. فما تقول في خزاعة، قال: جوع وأحاديث.. فما تقول في اليمن، قال: سيود أيوك.
2- ابن لسان الحمرة، وهو خطيب بليغ نسابة، اسمه عبد الله بن حصين أو ورقاء بن الأشقر.
3- زيد بن الكيس النمري: وكان ممن يقارب دغفلا في العلم بالأنساب.
4- والنخر بن أوس بن الحارث بن هذيم القضاعي.
5- صعصعة بن صوحان العبيدي: كان من المشاهير بمعرفة أنساب العرب، ومن المقدمين بعلم أحوال قومه في الجاهلية وقد أدرك الإسلام2.
وأحاديثهم في مجالسهم، وتنافسهم في مجتمعاتهم، وبخاصة في الأسواق وموسم الحج، وحاجتهم إلى التأثير في القلوب، وامتلاك الافئدة كي يصلوا إلى ما يريدون من قضاء الحاجات أو حل المشكلات، أو الزهو والتعالي على سواهم أوجد عندهم نهضة بلاغية ممتازة، حتى اشتهروا بالفصاحة والبيان وما أثر عنهم من أدب وبخاصة الشعر يدل على بلوغهم درجة عليا في حسن التصوير وجودة التعبير، والذوق الأدبي الرفيع.
وما أثر عنهم من حكم وأمثال يبين ما كان لديهم من خبرة قوية بالحياة وأحوال النفس
__________
2 بلوغ الأرب، جـ3 ص198-206
(1/85)

البشرية مما يدل على شدة اليقظة، وحدة الفطنة، وحسن الاستفادة من نواميس الطبيعة وطبائع المخلوقات، ومن أشهر حكمائهم حاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس، ومجاشع بن دارم، وسليط بن كعب بن يربوع، ولؤي بن غالب، وقس بن ساعدة، وقصي بن كلاب، وعامر بن الظرب العدواني، وأكثم بن صيفي.
وكانت أجيال الأدباء، وبخاصة الشعراء، تعكف بشغف ونهم على آثار سابقيهم من العلماء والأدباء والحكماء، إحاطة وشمولًا، ودراسة وفهمًا وحفظًا، لتغذية مواهبهم وتقوية ملكاتهم فكانوا طبقة مثقفة ممتازة، ولذلك نبغ منهم كثير في صغر سنهم كطرفة ولبيد. وقد عودتهم ظروف الحياة الاعتماد على قوة الملاحظة، ودقة التمييز بين كثير من الأشياء المتشابهة فتكونت لديهم الفراسة أو القيافة، وهي الاستدلال بأشياء ظاهرة على أمور خفية كالاهتداء بآثار الأقدام على أربابها، وكانوا يميزون بين آثار كل من الرجل والمرأة، والشيخ والشاب، والبصير والأعمى، والأحمق والكيس، وكذلك كانوا يفعلون في الحيوان، وتوسعوا في هذه المعرفة فكانوا يستدلون بهيئته وأعضائه على نسبه، وكانوا ينظرون إلى أشخاص مجهولي النسب، فيلحقون كلا منهم بعشيرته، وتروى لهم في ذلك حكايات عجيبة أقرب ما تكون إلى الخيال3 ويقال إن عرب اليمن كانوا أوفر حظًّا في الفراسة.
وساعدت الظروف التي عاشوا فيها على كثرة الغارات والحروب. فتكونت لديهم خبرات عملية عن القتال وأدواته وبخاصة الرماح والسيوف والقسي والسهام، والدرع والترس والبيضة، وحركات الكر والفر، والطعن والضرب والرمي، وغير ذلك من فنون القتال: وشعر الحرب خير شاهد على ما كان لديهم من قدرة على اتزان التفكير وحسن التصرف في الظروف الحرجة والأوقات العصيبة4.
وقد كانت بلاد العرب محاطة بالبحار كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، ومن ثم كان منهم من يسكن على سواحل: بحر القلزم في الغرب، وبحر الهند في الجنوب، وبحر العرب في الشرق، ولا شك أن سكان هذه السواحل من العرب كانت لهم صلة وثيقة بالبحر فاشتغلوا بالصيد، والتجارة مع الهند والحبشة والروم وغيرهم، فكانت الحاجة ماسة إلى ركوب البحر، ولهذا
__________
3 راجع بلوغ الأرب، جـ3 ص261 وما بعدها، نقلًا عن كتاب الذريعة لأبي القاسم الأصفهاني، وكتاب أعلام النبوة للماوردي. وكتاب مفتاح السعادة لابن القيم.
4 راجع شعر الحرب للمؤلف.
(1/86)

لا بد أنهم كانوا على شيء من علم الملاحة، وصناعة السفن، ومن ثم ورد ذكرها في الشعر الجاهلي كثيرًا، من ذلك قول عمرو بن كلثوم:
ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وماء البحر نملؤه سفينا
وقال طرفة بن العبد:
كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد
عدولية أو من سفين ابن يامن ... يجور بها الملاح طورًا ويهتدي
ولابد أن الملاحة اضطرتهم إلى معرفة كثير من النجوم والكواكب للاهتداء بها في سيرهم عند ركوب البحر.
ولا شك أن صناعة السفن الكبيرة تحتاج إلى أخشاب وإلى مسامير من حديد تستعمل في ربط الألواح والأخشاب بعضها ببعض، وإلى أيد فنية عاملة، ولم تتيسر هذه الأشياء في جزيرة العرب، ولهذا اقتصرت صناعة السفن على السفن الصغيرة في الغالب5، هذا إلى جانب الصناعات المختلفة التي أشرنا إليها فيما سبق: ولا بد أنهم كانوا على الأقل ذوي خبرة بهذه الصناعات.
ولا شك أن هذه الخبرات العملية التي أشرنا إليها كانت وليدة الحاجة جاءتهم عن طريق التجارب العديدة التي قاموا هم أو أسلافهم بها، وهي وإن كانت بسيطة أو تعتبر خطوات أولى في ميادينها، فإنها تدل على ما كان لديهم من كمال العقل ونضج التفكير، وقوة الملاحظة، وحب الاستطلاع، ويقظة ووعي لما يقع تحت أعينهم ومحاولة للاستفادة منه بقدر ما يستطيعون.
وأما علم الخط والكتابة، فلم يكن منتشرًا بينهم، وإنما كان موجودًا فيهم، وقد ورد في كثير من أشعارهم وأخبارهم ما يؤيد ذلك. ويقول ابن خلدون: "كان الخط العربي بالغًا مبلغه من الإحكام والإتقان في دولة التبابعة، لما بلغت من الحضارة والترف، وهو المسمى بالخط الحميري، وانتقل منها إلى الحيرة لما كان بها دولة آل المنذر نسياء التتابعة في العصبية والمجددين لملك العرب في العراق". ومن الحيرة لقنه أهل الطائف وقريش6
__________
5 جواد علي جـ8 ص73.
6 تاريخ العرب القدامى ص110.
(1/87)

ويقول علماء المسلمين في القرن السابع: "إن مرامر بن مرة الأنباري أول من اخترع الخط العربي"، ويروى عن الأصمعي المتوفى سنة 828م أن الكتابة انتقلت من الأنبار إلى الحيرة ومنها إلى الحجاز7.
قال المدائني: أول من كتب بالعربية مرامر بن مرة من أهل الأنبار، ويقال من أهل الحيرة. قال: وقال سمرة بن جندب: نظرت في كتاب العربية، فإذا هو قد مر بالأنبار قبل أن يمر بالحيرة، ويقال إنه سُئل المهاجرون: من أين تعلمتهم الخط؟ فقالوا: من الحيرة. وسُئل أهل الحيرة: من أين تعلمتم الخط؟، فقالوا: من الأنبار8.
وبلاشير بعد بحث طويل، يرجع أصل الكتابة العربية إلى الخط النبطي المتفرع من الآرامي الذي تفرع من الفينيقي9، ويوافقه على ذلك رينان الذي يقول إن الفضل يرجع إلى المعينيين في اقتباس الأبجدية من الفينيقيين الذين هم أيضًا أمة سامية عريقة، واستعمل المعينيون هذه الأبجدية من الفينيقيين في الكتابة على طرق مختلفة حتى تطورت وتنوعت وانتهت في آخر الأمر إلى الخط المسند المشهور أو القلم الحميري10.
__________
7 تاريخ الأدب العربي لبلاشير، ص70.
8 بلوغ الأرب جـ1 ص179 بالهامش.
9 تاريخ الأدب العربي لبلاشير، ص73.
10 الشهاب الراصد ص124.
(1/88)

حول الأدب الجاهلي
حقائق عامة
...
حقائق عامة
الأدب الجاهلي هو ذلك الأدب الذي ينسب إلى العرب الذين كانوا قبل الإسلام وليس المقصود في دراستنا هذه الأدب بمعناه العام الذي يشمل جميع نتائج القرائح العربية في أي نوع من أنواع النتاج العقلي، فذلك ليس من شأننا الآن، إنما المقصود هنا الأدب بمعناه الخاص، وهو النتاج العاطفي الذي يعبر فيه صاحبه بالألفاظ عن شعور عاطفي، وفيه إثارة للقارئ والسامع، أي ذلك التعبير العاطفي المثير، وهذا يكون عادة في الشعر الرائع والنثر البليغ.
ومن يرجع إلى كتب الأدب والقصص والتاريخ والأخبار والسير يجد أن الأدباء في العصر الجاهلي كانوا أكثر من أن يحيط بهم حصر، فكل قبيلة كان بها عدد كبير من الأدباء الذين روي لهم نتاج أدبي، وبطبيعة الحال كان فيهم المقل والمكثر، وهم يتفاوتون في إنتاجهم كمًّا وكيفًا، وإذا تذكرنا أن عدد القبائل العربية شماليها وجنوبيها كان كثيرًا توقعنا أن نجد لهم نتاجًا أدبيًّا ضخمًا.
وقد كانت ظروف الجاهليين تساعد على إبداع النصوص الأدبية في جودة وإتقان، فالأحداث التي كانت تقع بينهم، والصلات الاجتماعية التي كانت تربط بعضهم ببعض والمجالس التي كانت تعقد إما بين أفراد القبيلة الواحدة أو القبائل المتحالفة للتشاور وحل المشكلات، وإما بينهم وبين خصومهم لإنهاء نزاع أو فض خلاف، والمناسبات المختلفة التي كانت تستدعي بعث الرسل والوفود، والمجتمعات العامة التي كانت تضم أكبر عدد من القبائل، فتعرض فيها الأمور على نطاق واسع -كل هذه الظروف- كان الاعتماد فيها على فصيح القول وبليغ العبارات، ثم إن مجالس السمر التي كانت تعقد ليلًا حينما ينتهون من مشكلاتهم اليومية، فيلتفون حول المواقد، أو في رحاب النسيم العليل، كانت تهيئ فرصًا ذهبية لأصحاب المواهب الفنية ليمارسوا نشاطهم الأدبي، في كل ما يروقهم من قصص أو أخبار، أو تصوير أدبي، نثرًا كان أم شعرًا، كل حسب ميوله واستعداده، يشجعه
(1/91)

على القول والإجادة فيه إرهاف الجميع أسماعهم إليه من صغيرهم إلى كبيرهم، رجالًا كانوا أم نساء.
ولا شك أن مما ساعد على كثرة النصوص الأدبية، والحرص على جودتها، ما كان من تنافس طبيعي بين أصحاب المواهب الأدبية في القبائل المختلفة التي كان يسود بينها النظام القبلي، وكل منها تعمل على أن تحتل الذروة العليا في جميع الميادين، وفي مقدمتها ميدان الفصاحة والبيان الذي يجعل ذكرها على كل لسان، في كل زمان ومكان.
كل هذا يجعلنا نعتقد أن نتاج الجاهليين الأدبي كان وفيرًا غزيرًا، ولكن للأسف لم يحفظ لنا من هذا التراث إلا شيء قليل جدًّا، يدل على ذلك قول أبي عمرو بن العلاء: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير"1. ويستدل ابن سلام على ذهاب هذا العلم وسقوطه، بقلة ما بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعبيد والذي صح لهما قصائد بقدر عشر، وإن لم يكن لهما غيرهن فليس موضعهما حيث وصفا من الشهرة والتقدمة، ويقول: "إن كان ما يروى من الغثاء لهما فليسا يستحقان مكانهما على أفواه الرواة، ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر، وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذلك. فلما قل كلامهما حمل عليهما حمل كثير"2.
كما أننا كثيرًا ما نجد في كتب الأدب والتاريخ شعراء يذكرون في بعض الأخبار والحوادث، ولهم بيت أو أبيات معدودة، ومن المستبعد أن يكون ذلك كل ما قالوه في حياتهم، حقيقة قد يكون هؤلاء أو بعضهم غير مشهورين، ولكن من المحتمل أن يكونوا قد قالوا أكثر من ذلك، ولكنه ضاع أو أهمله الرواة.
والحق أن كثيرًا من نتاج الجاهليين الأدبي قد ضاع، ولعل من أهم الأسباب في ذلك بعد الزمن بين وقت إنشائه ووقت تدوينه وحدوث أحداث جسام في هذه الفترة جعلت رواته وحفظته يتشاغلون عنه أو يقلون. ويؤيد ذلك ما رواه ابن عوف عن ابن سيرين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: "كان الشعر علم قول لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء
__________
1 المزهر جـ2 ص237.
2 طبقات الشعراء لابن سلام، ص10.
(1/92)

الإسلام، فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهيت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يئلوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، فألفوا ذلك، وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم منه أكثره"3.
على أن ما تحدث عنه عمر رضي الله عنه من أدب الجاهليين الباقي ووصفه بالقلة، لم يصل إلينا كله، إذ جاءنا منه جزء قليل بسبب ما حدث عن عوادي الزمن، والاضطرابات السياسية المختلفة، ونهب المراكز الحضرية على يد المغول، فكل ذلك كان له أثر كبير في ضياع جزء كبير مما كان له حظ التدوين من هذا التراث.
ومع قلة التراث الجاهلي، فإننا نجد أن النثر فيه أقل بكثير جدًّا من الشعر فيه، فالغالبية العظمى من هذا التراث شعر، مع أن العكس كان ينبغي أن يكون، فالعادة والواقع يؤيدان أن النثر أكثر من الشعر، وذلك لسهولة الأول وخلوه من الحدود والقيود، والشعر يحتاج إلى موهبة خاصة، ومقدرة لغوية ظاهرة، ومن ثم فالنثر أكثر دورانًا على الألسنة، وأسهل تأليفًا من الشعر، ولعل السبب في قلة الموروث من النثر الجاهلي أن أدب هذه الفترة كان يحفظ ويتناقل بطريق السماع والحفظ والرواية، ولم يدون إلا بعد مرور العصر الجاهلي بفترة طويلة، كما سنرى فيما بعد إن شاء الله. والنثر عادة مما يصعب حفظه، كما أنه لا يبقى في الذاكرة طويلًا، في حين أن الشعر يعلق بالذهن بسهولة، لما فيه من النغمات الموسيقية المنتظمة، وهذه تحبب كلا من القارئ والسامع فيه، وتستهويه لترديده، فيعلق أسرع وأسهل، ويظل في الذاكرة زمنًا أطول من النثر.
والأدب الجاهلي بالصورة التي وصل بها إلينا، يدل دلالة قاطعة على أن العرب في جاهليتهم كانوا قد قطعوا أشواطًا كثيرة متباعدة في سبيل التطور الأدبي، فهو أدب ممتاز في درجة عالية من التقدم والكمال، ولا يستطيع الإنسان معه أن يتصور أن هذا كان أول ما قاله العرب، أو أول محاولة أدبية لهم، حقيقة هو أقدم ما وصل إلينا من تراث أدبي للعرب، ولكن ليس أول ما قالوه في هذا المجال، بل لابد أنهم كانوا قد حاولوا محاولات شتى في التعبير الأدبي، وصوره الفنية حتى وصلوا بأدبهم إلى هذه الدرجة العليا من الكمال. ولو حفظ
__________
3 المرجع السابق، ص 10.
(1/93)

لنا التاريخ جميع الخطوات التي سارها العرب في سلم التدرج نحو الكمال بأدبهم لاستطعنا أن نقف من وراء ذلك على ناحية هامة جدًّا من نواحي التطور العقلي والنفسي والعاطفي لدى الإنسان بوجه عام، والعربي بوجه خاص.
ولا شك أن الأدب الجاهلي كامل من ناحية اللغة والموسيقى والمعنى، ويدل دلالة قاطعة على تطور ناضج عند العرب في مجال التعبير والتصوير الأدبي الممتاز. مما يدل على روعته وعظم شأنه بقاؤه حيًّا خالدًا إلى اليوم بعد مرور هذا الزمن الطويل منذ نشأته إلى عصرنا الحاضر، كما أن الأدباء، كانوا ومازالوا، قديمًا وحديثًا، ينسجون على منواله، ويتخذونه المثل الأعلى، ويتمنون أن يجيء نتاجهم مثله، أو قريبًا منه، قوة، وروعة، وجمالًا، وصدقًا في التعبير والتصوير.
وفي خلال عمره الطويل، قامت عدة محاولات للخروج على تقاليده، أو منهجه، ومن ذلك ما حاوله بعض الأدباء في عصرنا الحاضر من التخلص بعض الشيء من قيود التقليدية، مقلدًا بعض الآداب الأجنبية، ولكن معظم هذه المحاولات لم يكتب لها من التوفيق ما كتب للأدب الجاهلي، ولم تجد من المتشيعين أو المشجعين ما يمكنها من الذيوع والانتشار، وما زال الأدب القديم صاحب السيادة والسلطان، ويحظى بالاحترام والإكبار من الجميع، مما يدل على أنه يتجاوب تجاوبًا تامًّا مع الذوق العربي العام في كل عصر منذ وجوده إلى اليوم، وهذا معناه أن العرب القدماء، كانوا قد وصلوا بحسهم الفني الصادق إلى خبرة عميقة دقيقة بالنفس الإنسانية ومشاعرها المختلفة وعواطفها الحقيقية، فأحسنوا تصويرها، وأجادوا التعبير عنها. والحق أن الإعجاب بالأدب الجاهلي وكماله الفني ليس مقصورًا على العرب والذوق العربي فقط، بل وصل إلى الأمم الأجنبية، فقد قرأ أبناء هذه الأمم الأدب الجاهلي، فوجدوا فيه النضج والكمال، ولمسوا مواطن الحسن والجمال فيه، فترجم كثير منه إلى لغات الأمم الأخرى، وهكذا عرف العرب وغير العرب مكانة الأدب الجاهلي الفنية الممتازة.
والتراث الذي بين أيدينا من الأدب المنسوب إلى الجاهليين ليس إلا تراث فترة قصيرة لا تتعدى قرنين من الزمان، قبل ظهور الإسلام، فأقدم نص فيه يرجع تاريخه إلى أوائل القرن الخامس الميلادي.
(1/94)

لغة الأدب الجاهلي
مدخل
...
لغة الأدب الجاهلي
جاء الأدب الجاهلي كله بلغة عربية واحدة، وصاغه بهذه اللغة الواحدة جميع الذين نسب إليهم أنهم قالوه من العرب شماليهم وجنوبيهم لا فرق بين من أصله قحطاني ومن أصله عدناني. وهنا نحب أن نشير إلى ملاحظة هامة جدًّا، ينبغي ألا تغيب عن البال، هي أن الأدباء الجنوبيين الذين جاءت لهم نصوص أدبية في تراث الجاهليين كانوا قد استقروا في الشمال، أو قريبًا منه في أطراف اليمن المتاخمة للعدنانيين ولم يكن منهم من يسكن في أقاصي اليمن أو أطرافها البعيدة عن الشماليين، وإن ظلت نسبة من استقر منهم بالشمال إلى اليمن، فإنما هي نسبة قبيلة الشاعر منهم إلى أصلها الأول، وهذا بالطبع لا يؤثر على اللغة الأدبية السائدة التي أصبحت لغة الشعر والأدب قبل ذلك بزمن؛ فهذا مثل ما يقال عن أبي الحسن علي بن العباس بأنه الرومي، وعن مهيار بن مرزويه بأنه الديلمي، فكلاهما من أصل غير عربي، وكل منهما شاعر عربي فصيح.
وهذا معناه أن الأدب قبل الإسلام بفترة من الزمن قد أصبحت له لغة خاصة، يستعملها الأدباء في إنشائهم، بصرف النظر عما قد يكون للأديب من لهجة خاصة يستعملها هو وقبيلته في تفاهمهم اليومي العادي؛ والدليل على سيادة هذه اللغة الأدبية قبل ظهور الإسلام بين العرب، نزول القرآن الكريم بها، وكان القرآن الكريم خطابًا عامًّا لجميع العرب على الخصوص، ففهموه وناقشوه، وجادلوه، وحاول بعضهم تقليده، ولكن الفشل حالفهم في هذه المحاولات. ففهم العرب للقرآن الكريم، ومجادلاتهم للنبي صلى الله عليه وسلم دليل على شيوع لغته بينهم قبل نزوله بزمن. ولكن هذه النقطة بالذات دفعت بعض الباحثين إلى الطعن في أصالة الأدب الجاهلي، ورميه بالضعة والانتحال، كما سيأتي الحديث عن ذلك بالتفصيل إن شاء الله.
وقد اختلف الباحثون في أمر هذه اللغة التي جاء بها الأدب الجاهلي؛ تلك اللهجة التي كان لها الحظ، فأصبحت لغة الأدب من بين اللهجات العربية المختلفة في الشمال والجنوب، فالمعروف أن العرب كانوا قسمين: القحطاني والعدناني. والجميع وإن كانوا عربًا من أصل
(1/95)

واحد، ولغتهم في الأصل كانت واحدة، فإن النظام الخاص الذي سار عليه كل منهم في الحياة والمعيشة، كفيل بأن يجعل كُلا منهم يتخذ لنفسه أسلوبًا خاصًّا في التعبير، وكيفية النطق بالألفاظ وأصواتها المختلفة، فلا شك حيئنذ في أن عربية كل من القسمين دخلها بمرور الزمن وظروف الحياة بعض التغييرات، فكان هناك بعض الاختلاف بين عربية الجنوب وعربية الشمال، وقد عبر عن ذلك أبو عمرو بن العلاء بقوله: "ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا"1. وكل من هذين القسمين الكبيرين قد تكاثر فتعددت قبائله، وتبع ذلك أن صار لكل قبيلة لهجة خاصة، بينها وبين غيرها من أخواتها اللهجات الأخرى، بعض الاختلاف في دلالات الألفاظ، ومدلولات المعاني، والأصوات، والنطق بها، كما هو المشاهد في جميع الأقطار في شتى العصور، حتى في أرقى الأمم وأعظمها تقدمًا، ففي كل قسم أو محافظة، أو حي تشيع لهجة محلية خاصة؛ فمرور الزمن، واختلاف الظروف، مع ما في الإنسان من ميل غريزي إلى أن تكون له شخصية مميزة عن غيره، كل ذلك يستلزم حدوث بعض الاختلافات بين اللهجات المحلية، وإن اتحدت جميعها في الأصل الذي نبعت كلها منه. فالعرب قبل الإسلام كانت لهم لهجات كثيرة بسبب تعدد القبائل وانتشارها في بيئات متعددة مختلفة، وكان بين هذه اللهجات المتعددة اختلاف في الحركات أو الإعراب أو الحروف أو الكلمات أو نحو ذلك، وقد حاول ابن فارس في كتابه "الصاحبي" أن يضبط اختلاف لهجات العرب، فقال: "اختلاف لغات العرب من وجوه: وذكر من ذلك:
الاختلاف في الحركات، كقولنا نستعين بفتح النون وكسرها. قال الفراء: هي مفتوحة في لغة قريش وأسد، وغيرهم يقولونها بكسر النون.
والاختلاف في الحركة والسكون، مثل قولهم معَكم ومعْكم، بفتح العين وتسكينها.
والاختلاف في إبدال الحروف، نحو أولئك وأولالك. ومنها قولهم: أن زيدًا وعَنَّ زيدًا، ومن ذلك الاختلاف في الهمزة والتليين نحو مستهزئون ومستهزون.
والاختلاف في التقديم والتأخير نحو صاعقة "في لغة الحجازيين" وصاقعة "في لغة التميميين".
والاختلاف في الحذف والإثبات، نحو استحييت واستحيت. وصددت وأصددت.
__________
1 المزهر، جـ1 ص174.
(1/96)

والاختلاف في الحرف الصحيح يبدل حرفًا معتلًّا نحو أمَّا زيد وأيما زيد.
والاختلاف في الإمالة والتفخيم، مثل قضى ورمى، فبعضهم يفخم وبعضهم يميل.
والاختلاف في الحرف الساكن يستقبله مثله، فمنهم من يكسر الأول، ومنهم من يضم، فيقولون: "اشتروا الضلالة" و "اشتروا الضلالة" بضم الواو وكسرها.
والاختلاف في التذكير والتأنيث. فإن من العرب من يقول: هذه البقر وهذه النخيل، ومنهم من يقول: هذا البقر وهذا النخيل.
والاختلاف في الإعراب نحو: ما زيد قائمًا وما زيد قائم، وإن هذين وإن هذان.
"وهذان بالألف دائمًا لغة لبني الحارث بن كعب".
والاختلاف في صورة الجمع، نحو أسرى وأسارى.
والاختلاف في التحقيق والاختلاس نحو "يأمركم" بضم الراء وتسكينها ونحو "عفي له" بتسكين الفاء وكسرها.
والاختلاف في الزيادة نحو "أنظر وأنظور".
وقال ابن فارس2: "يقع في الكلمة الواحدة لغتان كقولهم الحِصاد والحَصاد بكسر الحاء وفتحها.
ويقع في الكلمة ثلاث لغات. نحو الزُّجاج والزَّجاج والزِّجاج، بضم الزاى وفتحها وكسرها.
ويقع في الكلمة أربع لغات، ويكون فيها خمس لغات، مثل الشَّمال والشَّمَل والشَّمْل والشَّمْأل والشَّمِل بفتح الميم في الأول والثاني وتسكين الميم في الثالث والرابع وجعل ألف المد همزة في الرابع، وكسر الميم في الخامس.
ويكون فيها ست لغات، نحو قُسطاس بضم القاف وكسرها، وبإبدال السين صادا مع ضم القاف، وقُستاط، بضم القاف، وقِساط بكسر القاف، وقُسَّاط بضم القاف.
ومن أثر اختلاف اللهجات العربية وجود الترادف في اللغة العربية مثل القمح والحنطة والبُر، قال الجاحظ في البيان والتبيين: "القمح لغة شامية، والحنطة لغة كوفية، والبر لغة حجازية". ومثل مجيء عدة أسماء لكل من السيف والأسد والفرس والبعير وغيرها3.
__________
2 المزهر جـ1ص 260.
3 المزهر جـ1، ص 389.
(1/97)

وكذلك كان من أثر الاختلاف بين القبائل في اللهجات كلمات الأضداد، فقد نجد كلمة تستعمل بمعنى عند قبيلة، ولكنها تستعمل في معنى مضاد لهذا المعنى عند قبيلة أخرى، مثل "جلل" تستعمل في معنى "عظيم" وفي معنى "حقير"، وكلمة "جون" "بفتح الجيم" يوصف بها الأبيض والأسود، ومثل "شرى" بمعنى "اشترى" وبمعنى "باع". وروي أن أبا زيد الأنصاري قال: "السدفة في لغة تميم الظلمة، والسدفة في لغة قيس الضوء.. ولمقت الشيء ألمقه لمقًا إذا كتبته في لغة بني عقيل، وسائر قيس يقولون لمقته بمعنى محوته".
ولكن مهما تعددت اللهجات في لغة من اللغات، ومهما ضعفت الصلة بين هذه اللهجات بمرور الزمن واختلاف الظروف، فإن ذلك لا يمكن أن يلغي أن الأصل بينها جميعًا واحد، ولا يمكن أن يمنع أن تقوم بين أصحاب هذه اللهجات المختلفة لغة خاصة تكون لغة الأدب والحديث الممتاز مع عدم اختفاء هذه اللهجات المتعددة من الوجود، بل تظل مستعملة ويصبح استعمالها مقصورًا على أغراض الحياة العادية العاجلة. وإذا كان الأمر كذلك فما هذه اللغة التي كانت لغة الأدب بين العرب قبل الإسلام؟ لقد كان البحث عن إجابة لهذا السؤال سببًا في وجود كثير من الآراء: فتشارلز لايل4، يقول: "إن لغة معد وهم العرب الإسماعيليون، كانت لسان وسط شبه الجزيرة، وقد سيطرت في ذلك الوقت على كل اليمن ما عدا شواطئ المحيط الهندي، حينما انتهت سيادة ملوك تبع على بقية شبه الجزيرة العربية واختفت إلى الأبد، وفى القرن السادس الميلادي زالت جميع آثارها من الوجود، حينما رجع ملوك كندة بقومهم من اليمامة وهجر إلى ديارهم الأصلية في حضرموت".
وفي بيانه لسيادة اللغة الواحدة في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، يقول لايل: "فنفس التعبير اللغوي كان يُسمع من الحيرة على الفرات تحت ظلال فارس. ومن غسان في سوريا تحت سيطرة الكنيسة الرومانية بدمشق، إلى صنعاء وعدن في أقصى الجنوب حيث كان الحاكم الفارسي يحكم باسم شاهنشاه، وفي ربوع هذه البلاد كان عمل الشاعر يحظى بالشرف والمكافأة في كل مكان". وبهذا نرى أن سير لايل يرى هنا أن اللغة الشمالية هي التي سادت في أنحاء شبه الجزيرة، ولكنه لم يخصص لهجة من بين اللهجات الشمالية.
__________
4 Charles Lyall: ancient Arabian Poetry P.XV
(1/98)

أما نولدكه، فيقول: إن الاختلافات في الحجاز ونجد وإقليم الفرات كانت قليلة، وأن اللغة الفصحى قد تركبت منها جميعًا، فهو كذلك لا يخصص لهجة معينة من بين لهجات هذه الأقاليم.
و"جويدى" يرى أن اللغة الفصحى ليست لهجة معينة لقبيلة معينة وإنما هي مزيج من لهجات أهل نجد ومن جاورهم.
وأما فيشر فيقول إنها لهجة معينة ولكنه لم ينسبها إلى قبيلة من القبائل.
ويرى فولرز وهارتمان أنها لهجة أعراب نجد واليمامة وقد أدخل فيها الشعر وتغييرات كثيرة5.
وأما نالينو فيقول إنها لغة القبائل التي اشتهرت بنظم الشعر والتي جمع اللغويون والنحاة من أهلها مادتهم اللغوية وشواهدهم، وهي قبائل معد التي جمع ملوك كندة كلمتها تحت لواء حكم واحد قبل منتصف القرن الخامس الميلادي وفي رأيه أن هذه اللغة الفصحى تولدت من إحدى اللهجات النجدية وتهذبت في زمن مملكة كندة، وصارت اللغة الأدبية السائدة بين العرب.
ويأتي بلاشير فيراجع القبائل التي أخذ منها اللغويون مادتهم. وهم تميم وقيس وأسد ثم هذيل وبعض كنانة وبعض طيئ، ثم يذكر الفرق بين هذه القبائل التي أخذت عنهم الفصحى فيورد رأي الفارابي إذ يقول: "إن قيسًا وتميمًا وأسدًا هم الذين أكثر ما أخذ عنهم وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين".
وأما بروكلمان، فيعتقد أن لغة الأدب الجاهلي لغة فنية قائمة فوق اللهجات وإن غذتها جميعا6: وهو يعتقد أن الفصحى تألفت تدريجيًّا بفضل الصلات التجارية التي أوجدها الظعن والحج إلى المراكز الدينية كمكة واستمدت غناها في المفردات من عدد كبير من اللهجات7.
__________
5 راجع في هذه الآراء السابقة: مقالة لجواد علي عن لهجات العرب قبل الإسلام في كتاب الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة: مكتبة النهضة بالقاهرة. وقد لخصها الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ العصر الجاهلي، ص131.
6 تاريخ الأدب العربي لبروكلمان، دار المعارف، جـ1 ص42.
7 تاريخ الأدب العربي لبلاشير ص87.
(1/99)

وقد قال كثير من الباحثين العرب إن اللغة الفصحى هي لغة قريش، لأنها أفصح اللهجات العربية وأصفاها8 ومن أشهر هؤلاء الباحثين: الفارابي وابن فارس وابن خلدون ويؤيدهم من المحدثين الأستاذ لطفي جمعة9 والدكتور شوقي ضيف10 فهم يرون أنها اللغة الفصحى من بين لهجات القبائل العربية، وأنها هي التي سادت في المجال الأدبي فأصبحت لغة الأدب والفصاحة قبل ظهور الإسلام بزمن، ويقولون إن القرآن نزل بها، ذلك أنه هو -أي القرآن الكريم- يمثل العمود اللغوي، وبما أن القرآن قد أُوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم سليل قريش المكية فالقرآن إذن نزل بلغة قريش، ولهذا كان العمود اللغوي الذي يجب أن يحتذى هو في لهجة القبيلة المذكورة11. وقال أبو نصر الفارابي في أول كتابه المسمى بالألفاظ والحروف: كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعًا، وأبينها إبانة عما في النفس12 ويقول ابن فارس في أسباب تفوق لغة قريش على ما عداها: "ذلك لأن الله تعالى اختارهم من جميع العرب، واختار منهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، فجعل قريشًا قُطَّان حَرمه، وولاة بيته، فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في دارهم، وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها فصاروا بذلك أفصح العرب.
فهم يرون أن لهجة قريش تجمع لها من الأسباب، ما جعلها تسير بخطوات حثيثة نحو الرقي والكمال، فتم لها ذلك، فاتخذها العرب لغة رسمية لهم، يتحدثون بها في مجتماتهم الكبيرة، ويقولون بها أدبهم، وينطقون بها في تفاهمهم وأحاديثهم العامة ورسائلهم، وقد أتيحت لقريش ظروف لم تتح لغيرها:
__________
8 راجع في ذلك معجم ما استعجم للبكري ص660، والأغاني والمزهر وأخبار أسواق العرب.
9 كتابه الشهاب الراصد.
10تاريخ العصر الجاهلي، 132.
11 درة الغواص للحريري ص137 والمزهر، للسيوطي جـ 1، ص136.
12 المزهر، جـ1 ص211.
(1/100)

فمن الناحية الدينية: كانت قريش تنزل بمكة، وكانت مكة قبلة العرب الدينية جميعًا
(1/100)

وأقاموا فيها أصنامهم فكان بها -على ما يروى- ثلاثمائة وستون صنمًا يحجون إليها كل عام، وكانت قريش تتولى خدمة البيت الحرام الذي تعظمه العرب وتقدسه، فقريش كانوا سدنته، يحافظون عليه ويتعهدونه بالعناية والرعاية، وهذا يجعلها موضع الاحترام من العرب جميعًا ولا شك أن اختلاطها بهم جعلها تسمع لغات القبائل كلها كل عام فكانت تنتقي أحسن الألفاظ وأعذب الكلمات من كل هذه اللهجات، وتضمها إلى لغتها، ويقولون: إن مما ساعد قريشًا على تقبل ألفاظ غيرها بسهولة كونهم حضريين، وتعود أسماعهم على كثير من الألسنة المختلفة التي كانت تفد إليهم. فطوع ذلك لسان قريش، وجعله مرنًا، يتقبل ألفاظًا غير ألفاظه في غير مشقة ولا عسر، بعكس البدوي الذي يقيم في الصحراء منعزلًا، لم يمرن لسانه على النطق بألفاظ غيره في سهولة ويسر، فاكتسبت لغة قريش بذلك ثروة من اللهجات الأخرى، وصار لسانها سهلًا سلسًا، بجانب ما خلع مركزهم الديني عليهم وعلى لغتهم من سمات الهيبة والاحترام.
(1/101)

ومن الناحية الاقتصادية: كانت مكة موطن قريش، تقع في وسط شبه الجزيرة العربية تقريبًا. وكانت زمزم تفيض بالقرب منها، فكانت مركزًا تجاريًّا هامًّا، تمر بها القوافل التجارية ذهابًا وإيابًا، حيث يجدون بها مكانًا طيبًا للراحة بعد مرحلة طويلة من السفر الشاق بين ربوع الصحراء بمرتفعاتها ومنخفضاتها، وطرقها الملتوية، وسبلها غير الممهدة، فيستريحون من عناء السفر، ووعثاء الطرق ويتزودون بما يجدون فيها من زاد وماء؛ فهذه الحركة التجارية أثرت ولا شك في مركز قريش المالي، مما جعلها غنية ثرية، ثم حببها ذلك أيضًا في الاشتغال بالتجارة13 فكانوا يقومون برحلات تجارية خارج مكة بجانب تجارتها الداخلية بها، مما زادهم غنى وثراء حتى مَن الله عليهم بذلك في قوله تعالى {لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} . ولا شك أن الثروة تخلع على صاحبها مهابة وجلالًا، وتجعله موضع الاحترام والإكبار من الجميع؛ فاختلاط قريش بغيرها في تجاراتهم الخارجية والداخلية لا بد أن يكون قد أكسبها ثروة لغوية مما تسمع من غيرها، سواء عند حلولهم في ديارهم، أو عند ذهاب قريش إليهم في مواطنهم،
__________
13 سبق أن ذكرنا الظروف الجغرافية والداخلية والخارجية التي ساعدت على انتعاش الحركة التجارية في مكة، واشتغال أهلها بالتجارة.
(1/101)

فأخذ القرشيون كثيرًا من ألفاظهم، وعربوا ما ليس عربيًّا مما اقتبسوه من لغات غير العرب، وهذبوا كذلك من ألفاظهم بما يتناسب مع السهولة والرقة. وبذلك جمعوا بين الثروتين المادية واللغوية، فوق ما نالوه من زيادة في المهابة والإجلال.
(1/102)

ومن الناحية الاجتماعية: فقد كان للعرب في جاهليتهم أسواق يجتمعون فيها لتبادل السلع والآراء، وكانوا يقيمونها على مدار السنة في أماكن مختلفة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ولكن قريشًا كانت أكثر القبائل حظًّا في ذلك، إذ كان يقام حولها ثلاث أسواق تمكث مدة طويلة، فكانت ذو المجاز تستمر ثلاثة أيام، وسوق مجنة سبعة أيام، وسوق عكاظ ثلاثين يومًا: وكانت كل القبائل تحضر هذه الأسواق لأنها متوجههم إلى الحج الأكبر، وهذه الأسواق بجانب أهميتها التجارية، كانت لها أهمية اجتماعية، وأهمية أدبية وكان لقريش في ذلك رأي لا يمكن تجاهله، ونصيب لا يستهان به في الميادين فكانت هذه الأسواق تعرض فيها المشكلات، وتتبادل الآراء لفض المنازعات، وتسوية الخلافات كالصلح بين المتخاصمين، وتهدئة الثائرين وإطلاق سراح الأسرى، والحكم بين المتخالفين، كما كانت هذه الأسواق ميدانًا للخطابة والشعر، وفصيح القول: يخطب فيها الخطباء وينشد الشعراء، ويتبارى المتكلمون بما دبجته قرائحهم من بليغ الكلام، وهناك تعقد مجالس النقد للمفاضلة بين المتكلمين في ميادين البلاغة والبيان.
ومن الطبيعي أن تطرق هذه السيول من البلاغة آذان سامعيها من العرب جميعًا، وبخاصة قريش الذين كانوا أهل البلد الذى تنزله هذه الأفواج، ولا شك أن ذلك يستتبع تأثيرًا في لغتهم ولسانهم، مما يزيدهم فصاحة في الأسلوب وثروة في الألفاظ والعبارات.
ومن ثم يعتقد هؤلاء الباحثون أن لغة قريش قد تهيأ لها -دون غيرها من اللهجات العربية الأخرى- من الأسباب والعوامل، ما جعلها تبلغ درجة عليا من التهذيب الكامل والنضج التام، فاتخذها العرب جميعًا قبل الإسلام، لغة الأدب، وحديث المجتمعات، ولغة الوفود كاللغة الرسمية في عصرنا الحديث.
وبجانب أن لهجة قريش أصبحت بذلك أفصح اللغات فإنها تخلو من العيوب التي توجد في كثير من اللهجات الأخرى وهي باختصار:
(1/102)

1- عنعنة تميم: وهي إبدال الهمزة عينا، نحو "عنت وعنك"، في أنت وأنك.
(1/102)

2- قلقلة بهراء: وهي كسر أول المضارع نحو يلعب ويلهو.
(1/102)

3- كسكسة تميم: وهي إلحاق سين بعد كاف المخاطبة نحو رأيتكس.
(1/103)

كشكة أسد أو ربيعة
...
4- كشكشة أسد أو ربيعة: هي إبدال شين من كاف المخاطبة نحو رأيتش.
(1/103)

5- فحفحة هذيل: وهي قلب الحاء عينا مثل: عتى أي حتى.
(1/103)

6- وكم ربيعة: وهي كسر كاف الخطاب بعد الياء الساكنة أو الكسرة نحو عليكم، وبكم.
(1/103)

7- وهم بني كلب: وهي كسر هاء الغيبة إذا لم يكن قبلها ياء ساكنة ولا كسرة نحو بينهم، وعنهم.
(1/103)

8- جمجمة قضاعة: وهي قلب الياء الأخيرة جيما نحو الساعج بدل الساعي.
(1/103)

9- وتم أهل اليمن: وهو قلب السين المتطرفة تاء نحو النات أي الناس.
(1/103)

10- الاستنطاء: في لغة سعد والأزد وقيس، وهو قلب العين الساكنة نونًا قبل الطاء نحو أنطى في أعطى.
(1/103)

11- شنشنة اليمن: وهي قلب الكاف شينًا نحو لبيش اللهم لبيش.
(1/103)

12- لخلخانية الشحر: وهي حذف الألف نحو مشاء الله أي ما شاء الله.
(1/103)

13- طمطمانية حمير: وهي جعل "ال" "أم" نحو "امهواء" في "الهواء".
(1/103)

14- غمغمة قضاعة: وهي إخفاء الحروف عند الكلام فلا تكاد تظهر.
(1/103)

رواية الأدب الجاهلي
مدخل
...
رواية الأدب الجاهلي
سبق أن أشرنا إلى أن العرب الجاهليين أتيحت لهم فرص كثيرة للقول والاحتفال به، والإنصات إليه في وعي وانتباه، والاستمتاع به في شغف واهتمام، فكانت هناك مجالس العشيرة ومجتمعات القبائل على نطاق خاص وعلى نطاق عام، وحلقات المباريات الأدبية، وندوات الأدباء والنقاد، يضاف إلى ذلك خطرات الأديب، وسبحات خياله، وفيض مشاعره حول حياته وأحاسيسه الخاصة، وما هذه الأحوال إلا مصادر الإلهام الأدبي، وروافد سيله وفيضانه، إذ تسبح الخواطر، وتحلق الخيالات، وتتوالى المشاعر، فتفيض المعاني، وتتوارد الصور، ويعمل الحس والذوق، فإذا ما اكتمل الإطار، وتم الإبداع النفسي، انطلقت الألسنة، لتضيف إلى الوجود آثارًا جديدة في عالم الأدب.
ولا نريد أن نبالغ هنا، فندعي -كما قال الكثير عن العرب الجاهليين- أنهم كانوا جميعًا مطبوعين على البلاغة، وكلهم أرباب فصاحة وبيان، فكأنهم كانوا جميعًا شعراء وأدباء، فذلك مما يأباه الواقع؟ فلم يحدث في أمة من الأمم -وإن كان أفرادها كلهم كذلك- كأن حديثهم العادي كان أدبًا، وحاجاتهم اليومية لا تقضى إلا بشعر رائع أو نثر بليغ، إنما نعتقد أنهم كانت فيهم ميول ظاهرة إلى تذوق الأدب والاستمتاع به. كان منهم أفراد منحوا موهبة الأدب، فوجدت منهم طبقة الأدباء الممتازين، شعراء فحول، وناثرون بلغاء، ومحدثون فصحاء، وكان منهم ذواقون للأدب، خبيرون بمواطن حسنه، وأسرار بلاغته، وسماعون للقول الممتاز، يتعشقون سحره، ويطربون لسماعه، ويحلو لهم ترديده وتكراره.
وكان النص الأدبي يلقى شفهيًّا، وربما كان هناك من الأدباء من يدون أثره الأدبي، ولكن يبدو أن ذلك كان قليلًا ونادرًا، نظرًا لشيوع الأمية وعدم معرفة الكتابة بين كثير منهم، وسنشير إلى ذلك فيما بعد إن شاء الله. ومن ثم كان الجميع تقريبًا يعتمدون على ذاكرتهم في تأليف النص الأدبي وإلقائه، وسماعه وترداده.
فكان الأديب يلقي ما دبجته قريحته معتمدًا على ذاكراته، وجمهوره يتلقى عنه معتمدًا على الحافظة، فيسمعونه، ويرددونه بحكم شغفهم بالأدب، وميلهم لحفظه وصيانته،
(1/112)

معتمدين كذلك، لا على قلم يدون، وقرطاس يحفظ، بل على قواهم العقلية الطبيعية الذاكرة الحافظة، أقلامهم الوعى والانتباه ودقة السماع والإنصات، وقراطيسهم صفحات الأفئدة والقلوب. ولكن هل كانوا يحفظونه بمجرد سماعه لأول مرة، كأنهم آلات تسجيل؟ ربما كان الأديب يكرره أكثر من مرة، وربما كان السامعون يعاودون تكراره، بعضهم مع بعض، فيكمل كل منهم لزميله ما قد يكون ندَّ عن ذاكرته، أو غاب عنه وعيه، وهكذا حتى يثبت النص، طبق الأصل، كما ورد عن صاحبه، ويصبح كأنما هو مسطر في كتاب. ومن المعروف أن الموهبة تقوى بالممارسة والتدريب، والعادة تصبح طبيعة بالتكرار والاستمرار، ومن ثم نعتقد أنه كان بين الجاهليين قوة في الذاكرة وحدة في الحافظة، بسبب اعتمادهم الكلي عليها، والمداومة على ممارستها لأداء هذه الوظيفة، مدفوعين إلى ذلك بحكم شغفهم الطبعي لحفظ هذه الآثار وصيانتها، وأرهف قوة الذاكرة عندهم عدم شيوع الكتابة بينهم؛ لندرة من يعرفها، ولأن ظروف الحياة عندهم ما كانت تهيئ لهم أوقاتًا يجلسون فيها لتعلم القراءة والكتابة، فالسعي إلى لقمة العيش التي تقيم أودهم، كان يشغلهم عن هذا وأمثاله مما لا يتصل بصميم الحياة في بيئتهم وظروفهم، كما أن أدوات الكتابة كانت الحجارة والجلود والسعف، وأمثالها مما لا يحبب الكثير في مزاولتها. ومن ثم كان الاعتماد الأساسي في حفظ الآثار وتسجيلها يقوم على الذاكرة والترديد الشفهي.
وكان أكثر الناس اهتمامًا بنصوص الأديب أهله وعشيرته؛ ذلك لأنهم كانوا يعتبرون الأديب لسان حالهم: فهو المعبر عما في نفوسهم، والمذيع لأخبارهم، والمسجل لمآثرهم وأمجادهم، تنطلق منه الكلمات فتدوي في الآفاق، وتخترق الفضاء كالسهام، فتنفذ في الأسماع، وتستقر في القلوب. وتتناقلها الأجيال؛ الخلف عن السلف، فتظل عالقة بالأذهان، خالدة خلود الإنسان، فالعشيرة ومعهم الأصدقاء1 كانوا السجل الأصلي لآثار أدبائهم، يحفظونها عن ظهر قلب، ويذيعونها في الآفاق، ويرددونها في كل مكان، ويتلقاها الأبناء عن الآباء في زهو وافتخار، ويتغنون بها في كل زمان، وقد يبلغ بهم عشق النص الأدبي والإعجاب به إلى درجة تلهيهم عن بعض الأعمال، وفي مثل ذلك يقول بعض بني بكر في بني تغلب لكثرة تردادهم قصيدة عمرو بن كلثوم2:
__________
1 الأغاني ج2 ص 165.
2 الشعر والشعراء ج2 ص 635.
(1/113)

ألهى بني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يروونها أبدًا مذ كان أولهم ... يا للرجال لشعر غير مسئوم
فالرواية الشفهية كانت سبيل النشر والحفظ والبقاء للآثار الأدبية وبخاصة البدو، أما في الحضر فيجوز أن كان من بينهم من دَوَّن آثاره. والرواية الشفهية -مع أن فيها ما فيها من صعوبة واحتمال للخلط أحيانًا- تعتبر وسيلة مضبوطة للنقل الصحيح، فهي ليست إلا النطق والسماع والمشافهة، وفيها تلقى العبارات مضبوطة، وتتلقى صحيحة، وذلك يجعلها بعيدة كل البعد عن التصحيف الذي هو أظهر عيوب الكتابة والنقل عن الكتب، مما دعا اللغويين وثقات الرواة إلى أن يتحاشوا النقل عن صحيفة3 مهما كانت، وبخاصة قبل النقط والشكل.
وكان أشد العشيرة تعلقًا بأدبهم من كان يحس في نفسه أن لديه الموهبة الأدبية فكان الناشئ الموهوب يتعلق بالأديب أشد تعلق، ليتلقى منه كل ما ينتج، وهذا الناشئ بعمله ذلك إنما يغذي موهبته الأدبية، وينمي مقدرتها، حتى يتكامل نموها ويتم نضجها، وبجانب هذه الفائدة الشخصية التي يحققها لنفسه، كان يحفظ هذه الآثار، ويصونها من الضياع، ويعمل على نشرها وإذاعتها بمداومة مدارستها وتكرارها. ومن ثم نشأت السلاسل في كثير من القبائل، مثل:
سلسلة أوس بن حجر الذي كان زوجاً لأم زهير بن أبي سلمى، فنشأ هذا راوية لأوس، وعن زهير أخذ ابنه كعب4.
وسلسلة المسيب بن علس خال الأعشى، راويته5.
وسلسلة المهلهل خال امرئ القيس.
وسلسلة المرقش الأكبر عم المرقش الأصغر عم طرفة بن العبد. وسلسلة الهذليين6.
وبجانب اهتمام أفراد العشيرة بأدبائهم كان يهتم بهم كذلك كثير ممن لا يمتون إليهم بصلة القرابة أو العصبية، حبًّا في الأدب ورغبة في تثقيف عقولهم، وتغذية مواهبهم، وتنمية
__________
3 طبقات فحول الشعراء لابن سلام، ص6.
4 الأغاني جـ8 ص91.
5 الشعر والشعراء جـ1 ص127.
6 الشعر والشعراء، ص635.
(1/114)

قدراتهم الأدبية، كما حدث في سلسلة أوس بن حجر السالفة الذكر، إذ أخذ عن كعب بن زهير وروى له الحطيئة، وعن هذا أخذ هدبة بن خشرم، وعن هدبة أخذ جميل وعن جميل أخذ كثير وروى له. وقد تغنى كثير من الشعراء الأفذاذ بتثقيف عقولهم، وتكوين شخصياتهم الأدبية، بآثار السابقين الفحول، ومن ذلك ما يقوله الفرزدق:
وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرول
والفحل علقمة الذي كانت له ... حلل الملوك كلامه لا ينحل
وأخو بني قيس،7 وهن قتلنه8 ... ومهلهل الشعراء ذاك الأول
والأعشيان كلاهما ومرقش ... وأخو قضاعة7 قوله يتنخل
وابنا أبي سلمى زهير وابنه ... وابن الفريعة حين جد المقول
والجفعري10 وكان بشر11 قبله ... لي من قصائده الكتاب المجمل
ولقد ورثت لآل أوس12 منطقًا ... كالسم خالط جانبيه الحنظل
والحارثي13 أخو الحماس ورثته ... صدعًا كما صدع الصفاة المعول
وبلغ من اهتمام العرب بالأدب أن تخصص قوم في حفظه وروايته، ووجدت في تاريخ العرب طبقات من الرواة منذ العصر الجاهلي14.
وقد وردت الأخبار بما يفيد قوة الذاكرة وسعة المحفوظ لدى كثير من الرواة، فقد روي عن الأصمعي أنه قال: "أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة"15، وجاء في كتاب الأغاني16: أن حمادًا الراوية روى عن نفسه فقال: "قال لي الوليد بن يزيد: أنت حماد
__________
7 هو طرفة بن العبد.
8 أي القصائد.
9 أبو الطمحان القيني.
10 لبيد بن ربيعة.
11 بشر بن أبي خازم.
12 أوس بن حجر.
13 النجاشي الحارثي.
14 الشهاب الراصد ص 258.
15 إنباه الرواة للقفطي. دار الكتب.
16 جـ6 ص92.
(1/115)

الراوية؟ فقلت له: إن الناس ليقولون ذلك، قال: فما بلغ من روايتك؟ قلت: أروي سبعمائة قصيدة أول كل واحدة منها: "بانت سعاد" فقال: "إنها لرواية". وفي موضع آخر يقول صاحب الأغاني17:
"إن الوليد بن يزيد قال لحماد الراوية: بم استحققت هذا اللقب، فقيل لك الراوية؟ فقال: بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لأكثر منهم ممن تعرف أنك لم تعرفه ولم تسمع به، ثم لا أنشد شعرًا قديمًا ولا محدثًا إلا ميزت القديم منه من المحدث، فقال: إن هذا العلم وأبيك كثير، فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟ قال: كثيرًا، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة، سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام قال: سأمتحنك في هذا، وأمره بالإنشاد: فأنشد الوليد حتى ضجر، ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفي عليه، فأنشده ألفين وتسعمائة قصيدة للجاهليين".
ربما كان في بعض هذه الأخبار شيء من المبالغة، ولكنها على كل حال تدل على قوة الذاكرة، وسعة الأفق، لدى هؤلاء الذين خصصوا أنفسهم لهذه المهمة.
كانت المجالس الأدبية كثيرة في العصر الجاهلي، لكثرة المناسبات التي تستدعي هذه المجالس، وكان الأدب قوامها، فحبب الكثير من الناس في حضورها، والمداومة عليها، لشغفهم بالأدب وحبهم له، إما إلقاءً ونشيدًا وإما سماعًا ومتعة، وإما رغبة في حفظه وهضمه، لتغذية مواهب أدبية ناشئة أو لصيانته ونشره في الآفاق بين مختلف الأجيال. كان الأدب يحظى بالاهتمام والعناية والرعاية والنشر عن طريق السماع والمشافهة والرواية. واستمر اهتمام العرب بالأدب كذلك في صدر الإسلام، فكما كان الأدب موضع الاهتمام في العصر الجاهلي، احتل كذلك مكان عالية بين العرب بعد ظهور الدعوة الإسلامية الجديدة، بل كان الأدب عمادًا هامًّا للدعوة منذ جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم وخير شاهد على ذلك القرآن الكريم والحديث الشريف، وهما من الفصاحة في الذورة العليا، فأولهما كلام الله تعالى جل شأنه خالق البلاغة والبلغاء، وثانيهما كلام الرسول عليه الصلاة والسلام أفصح البلغاء أجمعين.
__________
17 جـ6، ص71.
(1/116)

وظلت المجالس والمحافل تعقد في كل مناسبة، وكان الأدب حليتها وبهجتها؛ يترنم الأديب بإلقاء أثره الأدبي، ويتغنى الراوي بترديده، ويستمتع الحاضرون بسحره وجماله، ويكفي شاهدًا على استمرار المجالس الأدبية وترديد الآثار الأدبية عن طريق الرواية والمشافهة وردود الأخبار الصحيحة عن حضور النبي صلى الله عليه وسلم هذه المجالس، وطلبه أن يسمع شيئًا من القطع الأدبية الممتازة، فمن ذلك ما يرويه صاحب الأغاني18 عن أنس بن مالك قال: "جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس ليس فيه إلا خزرجي، ثم استنشدهم قصيدة قيس بن الخطيم، يعني قوله:
أتعرف رسمًا كاطراد19 المذاهب ... لعَمْرةَ وحشًا غير موقف راكب
فأنشده بعضهم إياها، حتى بلغ إلى قوله.
أجالدهم يوم الحديقة حاسرًا ... كأن يدي بالسيف مخراق لاعب
فالتفت إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "هل كان كما ذكر؟ " فشهد له ثابت بن قيس بن شماس، وقال له: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد خرج إلينا يوم سابع عرسه وعليه غلالة وملحفة مورسة20 فجالدنا كما ذكر".
وكذلك كان الخلفاء الراشدون محبين للأدب، يروونه، وينشدون كثيرًا منه قال ابن سلام: "كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر"21. ويروى كذلك أن "عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لبعض ولد هرم: أنشدني بعض مدح زهير أباك. فأنشده، فقال عمر: إنه كان ليحسن فيكم المدح. قال: ونحن إن كنا لنحسن له العطية. قال: قد ذهب ما أعطيتموه، وبقي ما أعطاكم". وفي رواية عمر بن شبة: قال عمر لابن زهير: "ما فعلت الحلل التي كساها هرم أباك؟ قال: أبلاها الدهر، قال: لكن الحلل التي كساها أبوك هرمًا لم يبلها الدهر"22.
__________
18 الأغاني ك3 ص7.
19 الأطراد. التابع. والمذاهب واحدها مذهب. وهو جلد تجعل فيه خطوط مذهبة بعضها في إثر بعض. عمرة: هي عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة. وهي أم النعمان بن بشير "طبقات الشعراء ص56".
20 مورسة: مصبوغة بالورس، وهو نبات أصفر تصبغ به الثياب ويتخذ منه طلاء للوجه.
21 البيان والتبيين، جـ2 ص241.
22 خزانة الأدب للبغدادي جـ2 ص292.
(1/117)

وفي عصر الأمويين، اشتد شغفهم بالأدب، ومما يروى في ذلك أن "الأصمعي ذكر يومًا بني أمية وشغفهم بالعلم، فقال: "كانوا ربما اختلفوا، وهم بالشام، في بيت من الشعر، أو خبر، أو يوم من أيام العرب، فيبردون فيه بريدًا إلى العراق"23. وكان خلفاء بني أمية وحكامهم يشتهرون بحب الأدب وعقد المجالس الأدبية للمنافسة في صنع الأدب وراويته، فمعاوية وهو أولهم كان مولعًا بمعرفة أخبار الماضين فاستدعى عبيد بن شرية الجرهمي من صنعاء اليمن, وأخذ يسأله عن الأخبار المتقدمة والملوك السالفة، وغير ذلك، فأعجب معاوية، وأمر أن يدون وينسب إلى عبيد بن شرية24. وأشرنا آنفا إلى موقف من مواقف الوليد بن يزيد مع حماد الراوية. ويقال إن زياد بن أبيه بعث بولده إلى معاوية، فكاشفه عن فنون من العلم، فوجده عالمًا بكل ما سأله عنه، ثم استنشده، فقال: لم أرو منه شيئًا، فكتب معاوية إلى زياد. ما منعك أن ترويه الشعر، فو الله إن كان العاق ليرويه فيبر، وإن كان البخيل ليرويه فيسخو، وإن كان الجبان ليرويه فيقاتل25.
ولم يكن حال المجالس الأدبية في العصر العباسي أقل شأنًا مما كانت عليه أيام الأمويين، وليس هذا مكان الحديث عن الأدب في العصور التالية للعصر الجاهلي، ولكن لا ينبغي لنا أن نغفل في حديثنا عن رواية الأدب الجاهلي الإشارة إلى أن الاهتمام بالأدب وسماعه رواية ومشافهة كان من أهم مظاهر المجالس والمحافل في العصر الإسلامي وزمن الأمويين والعباسيين، وتزخر كتب الأدب والتاريخ بالكلام المستفيض عن مظاهر الاهتمام بالأدب وروايته في هذه العصور.
فبجانب اهتمام عشائر الأدباء وأصدقائهم بالآثار الأدبية التي ينتجونها، والعمل على نشرها وحفظها، وجد كثير -من غير الأهل والأصدقاء- يعشقون الأدب، يحفظونه ويروونه، حتى اتخذه قوم منهم حرفة ومهنة لهم، فوجدت طبقات من الرواة لم يكن لديهم الموهبة على صنع النصوص الأدبية، ولكن خصصوا أنفسهم لحفظ الأدب، فلم يكونوا منقطعين لأديب خاص أو أدباء معينين، كما سبق أن رأينا في بعض السلاسل الأدبية التي أشرنا إليها آنفاً، ولكنهم، عملوا على أن يحفظوا أكبر قدر مستطاع من الأدب من غير تحديد لأشخاص أو
__________
23 العسكري: التصحيف والتحريف ص4.
24 الفهرست ص 138.
25 العقد الفريد جـ 6ص 125.
(1/118)

قبائل، فكانت مهنتهم الرواية وذلك لما رأوا من اهتمام عظيم بالأدب وروايته، وبخاصة من الخلفاء والأمراء والولاة والحكام. وقد حفلت كتب الأدب والتاريخ بالكتابة عن عشرات من هؤلاء الرواة، ومما ورد إلينا يتبين أنه كان من هؤلاء الرواة، الأمين الثقة، والمتهم المشكوك في نزاهته. وفيما يلي نبذة عن أشهر هؤلاء الرواة ومن بينهم من قام بتدوين الأدب بجانب روايته، ونذكرهم هنا مرتبين ترتيبًا زمنيًّا بحسب وفاتهم:
(1/119)

1-محمد بن السائب الكلبي: من علماء الكوفة بالتفسير والأخبار وأيام الناس، ومقدم الناس بعلم الأنساب: توفي بالكوفة سنة 146هـ26 -763م وكان مصدرًا يعتمد عليه الأخباريون المتأخرون، وهو من أصل عربي قضى حياته بين البصرة والكوفة.
__________
26 الفهرست ص140 ياقوت 6 ص93.
(1/119)

2- عوانة بن الحكم بن عياض: من بني كلب، كان عالمًا بالشعر والأنساب. والأخبار، توفي سنة 147هـ-764م وهو من علماء الكوفيين27.
__________
27 الفهرست ص145 وبروكلمان جـ1 ص 138.
(1/119)

3- محمد بن إسحاق: صاحب السيرة، مطعون فيه، غير مرضي الطريقة، يقال: كان يعمل له الأشعار، ويؤتى بها، ويسأل أن يدخلها في كتابه في السيرة فيفعل، فضمن كتابه من الأشعار ما صار فضيحة عند رواة الشعر، وأخطأ في النسب الذي أورده في كتابه، وكان يحمل عن اليهود والنصارى، ويسميهم في كتبه أهل العلم. وأصحاب الحديث يضعفونه ويتهمونه، مات سنة 150هـ28 ويقول عنه ابن سلام29: وكان ممن هجن الشعر وأفسده، وحمل كل غثاء محمد بن إسحاق، مولى آل مخرمة بن المطلب بن عبد مناف وكان من علماء الناس بالسير، فنقل الناس عنه الأشعار وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، أوتى به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذرًا، فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة، وليس بشعر إنما هو كلام مؤلف، معقود بقوافٍ. أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر، ومن أداه منذ ألوف السنين، والله تبارك وتعالى يقول: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي لا بقية لهم. وقال أيضاً: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى،
__________
28 الفهرس لابن النديم، ص142.
29 طبقات الشعراء ص4.
(1/119)

وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} . وقال في عاد: {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} وقال: {وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} وقال: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ} .
وقال ابن سلام في موضع آخر: "فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحاق، ومثل ما رواه الصحفيون، ما كانت إليه حاجة ولا فيه دليل على علم".
(1/120)

4- أبو عمرو بن العلاء: ولد سنة 70 هـ -689م ومات سنة 154-770، أحد القراء السبعة، وهو رئيس مدرسة البصرة، أمين، ثقة، عالم بالقرآن والعربية والشعر وأيام العرب، وقد وجه عناية كبيرة إلى تدوين كميات هائلة من الشعر الجاهلي والأخبار المتعلقة به ويقال إنه أحرقها فيما بعد تحت تأثير ديني30.
وقد قال عنه الأصمعي: جلست إليه ثماني حجج، فما سمعته يحتج ببيت إسلامي31. وقال عنه ابن سلام: "وكان أبو عمرو أوسع علمًا بكلام العرب ولغاتها32". وقال ابن سلام كذلك: "سمعت يونس يقول: لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله كله كان ينبغي لقول أبي عمرو بن العلاء في العربية أن يؤخذ كله"33.
__________
30 ابن خلكان، جـ1 ص386. وبغية الوعاة للسيوطي ص267، والفهرست ص 48.
31 العمدة: 1/90.
32 طبقات الشعراء، ص 6.
33 المرجع السابق ص 7.
(1/120)

5- حماد الرواية: هو ابن أحد الموالي، من سبي الديلم، سباه عروة بن زيد الخيل، ووهبه لابنته ليلى يخدمها خمسين سنة، ثم ماتت فبيع بمائتي درهم، فاشتراه عامر بن مطر الشيباني وأعتقه34. ولد سنة 75 هـ 794م ولم ينعم في طفولته وحداثته بالاستقرار، حتى عد من الصبيان الأشرار، يروى أنه كان في أول أمره يتشطر، ويصحب الصعاليك واللصوص، فنقب ليلة على رجل فأخذ ماله، وكان فيه جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد، فاستحلاه وتحفظه، ثم طلب الأدب والشعر وأيام الناس ولغات العرب بعد ذلك وترك ما كان عليه فبلغ في العلم ما بلغ35 وطارت شهرته فيما بعد بالكوفة كراوية، وكان رئيس مدرسة
__________
34 الفهرست، ص 140.
35 الأغاني جـ6 ص87. وراجع عن حماد كذلك ابن سلام ص 14-15، كتاب المعارف لابن قتيبة ص 268، وياقوت جـ1 ص 265، والمزهر جـ2 ص 153، جـ3 ص 406.
(1/120)

الكوفة، وقد نال حظوة عند الخليفة الوليد بن يزيد، وكان أحد الثلاثة الذين يقال لهم "الحمادون" بالكوفة: حماد عجرد، وحماد الزبرقان، وحماد الراوية. وكانوا يتنادمون على الشراب ويتناشدون الأشعار، وكانوا يرمون بالزندقة، وكان هؤلاء مع يحيى بن زياد ومطيع بن إياس يعيشون عيشة عبث ومجون يثير نقمة الطبقة المحافظة.
وقد مرت الإشارة إلى ما روي عن قوة حافظته حتى سمي بالراوية، ولكنه كان متهمًا في روايته، غير موثوق به ويرمى بأنه كان يزيد في أشعار الشعراء ويدس عليهم ما ليس لهم، قال ابن سلام: "وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الرواية، وكان غير موثوق به؛ كان ينحل شعر الرجل غيره، ويزيد في الأشعار"36. وروى صاحب الأغاني عن جماعة: أنهم كانوا في دار أمير المؤمنين بعيسا باذ37، وقد اجتمع فيه عدة من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب فدعا بالمفضل الضبي الراوية فدخل، فمكث مليًّا، ثم خرج إلينا ومعه حماد والمفضل جميعًا، وقد بان في وجه حماد الانكسار والغم، وفي وجه المفضل السرور والنشاط، ثم خرج حسين الخادم معهما، فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادًا بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألفا لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعرًا جيدًا محدثًا، فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل. فسألنا عن السبب فأخبرنا أن المهدي قال للمفضل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال:
دع ذا وعد القول في هرم
ولم يتقدم له قبل قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضل ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئًا إلا أني توهمته أنه كان يفكر في قول يقوله، أو يروي في أن يقول شعرًا، فعدل عنه إلى مدح هرم، وقال: دع ذا، أو كان مفكرًا في شيء من شأنه، فتركه، وقال: دع ذا، أي دع ما أنت فيه من الفكر، وعد القول في هرم. فأمسك عنه، ثم دعا بحماد، فسأله
__________
36 طبقات الشعراء، ص14.
37 عيسا باذ: أي عمارة بالفارسية، وكانت محلة شرقي بغداد، منسوبة إلى عيسى بن المهدي، وكانت إقطاعًا له.
(1/121)

عن مثل ما سأل عنه المفضل، فقال: ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين؛ قال: فكيف قال؟ فأنشده:
لمن الديار بقُنّة الحجر38 ... أقوين مُذ حِجج ومذ دهر
قفر بمندفع النحائب39 من ... ضَفْوى40 أولات الضّال والسِّدْر
دع ذا وعد القول في هرم ... خير الكهول وسيد الحضر
قال: فأطرق المهدي ساعة، ثم أقبل على حماد، فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لا بد من استحلافك عليه. ثم استحلفه بأيمان البيعة، وكل يمين محرجة ليصدقنه عن كل ما يسأل عنه، فحلف له بكل ما توثق منه. قال له: اصدقنى عن حال هذه الأبيات من أضافها إلى زهير، فأقر له أنه قائلها، فأمر فيه، وفي المفضل بما أمر به من شهرة أمرهما وكشفه41. ويروى عن صالح بن سليمان42، قال: قدم حماد الراوية على بلال بن أبي بردة البصرة، وعند بلال ذو الرمة، فأنشده حماد شعرًا مدحه به. فقال بلال لذي الرمة: كيف ترى هذا الشعر؟ قال: جيداً: وليس له. قال: فمن يقوله؟ قال: لا أدري إلا أنه لم يقله. فلما قضى بلال حوائج حماد وأجازه، قال له إن لي إليك حاجة، قال: هي مقضية.
قال: أنت قلت ذلك الشعر؟ قال: لا. قال: فمن يقوله؟ قال: بعض شعراء الجاهلية، وهو شعر قديم وما يرويه غيري. قال: فمن أين علم ذو الرمة أنه ليس من قولك؟ قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام.
وروي عن ابن الأعرابي، أنه قال43: "سمعت المفضل الضبي يقول: قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدًا، فقيل له: وكيف ذلك؟ أيخطئ في روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر، يشبه به
__________
38 القنة: أعلى الجبل، وأراد هنا ما أشرف على الأرض. والحجر. موضع بعينه، وهو حجر اليمامة.
39 النحائب، آبار من موضع معروف.
40 ضفوى: مكان دون المدينة.
41 أغاني جـ6 ص90.
42 أغاني جـ6 ص88.
43 المرجع السابق ص89.
(1/122)

مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك! ".
وروي عن الطرماح أنه قال44 أنشدت حمادًا الراوية في مسجد الكوفة -وكان أذكى الناس وأحفظهم- قولي:
بان الخليط بسحْرة فتبددوا
وهي ستون بيتًا، فسكت ساعة ولا أدري ما يريد، ثم أقبل علي، فقال: أهذه لك؟
قلت: نعم. قال: ليس الأمر كما تقول، ثم ردها عليّ وزيادة عشرين بيتًا زادها فيها في وقته، فقلت: ويحك! إن هذا الشعر قلته منذ أيام ما اطلع عليه أحد. قال: قد قلت أنا هذا الشعر منذ عشرين سنة، وإلا فعلىَّ وعلىَّ. فقلت: لله علىَّ حِجَّة حافيًا راجلًا إن جالستك بعد هذا أبدًا. فأخذ قبضة من حصى المسجد وقال: لله علىَّ بكل حصاة من هذا الحصى مائة حجة إن كنت أبالي. فقلت: أنت رجل ماجن والكلام معك ضائع. ثم انصرفت.
وقال فيه الأصمعي: "كان حماد أعلم الناس إذا نصح"، وقال خلف: "كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب، وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها، وكان فيه حمق"45. ومع أنه كان واسع العلم غزير المادة، حاد الذاكرة، فياضًا في الرواية، فقد كان لا يتورع عن الزور والادعاء كما يتبين من الحوادث التي ذكرناها آنفًا عنه، ويظهر أنه كان من الذين يعدون من المهانة ألا يجيبوا على كل سؤال يطرح عليهم، وقد أخذت عليه أبيات مخترعة، وتفسيرات للألفاظ مستغربة. ومن كان مثل حماد عديم التشدد أمام نفسه وأمام غيره فهو يقبل كل شيء من كل الناس دون رادع، فتعجبه الأسطورة، ويهوى النادرة التي يبدع خلقها، ويظهر حماد على مر العصور كآفة للرواية الشعرية، ونادى زعماء المدرسة البصرية بعدم الثقة به، وكان أكثرها ما أخذ عليه إجمالًا وضع الشعر الجاهلي ونسبته إلى غير أهله"46ومات حماد سنة 156هـ-872م.
__________
44 الأغاني جـ6 ص94.
45 المصدر السابق ص70.
46 تاريخ الأدب العربي لبلاشير ص112.
(1/123)

6- المفضل الضبي: هو أبو عبد الرحمن بن محمد يعلى الضبي، من أصل عربي، ولد في فارس حيث كان أبوه من موظفي الديوان وكان شيعيًّا، وهو الذي أجار الإمام إبراهيم المسمى بالنفس الزكية، وكان المفضل من الرواة المشهورين، ويعد من فحول الكوفة في الرواية، فكان من تلاميذه ابن الأعرابي والفراء وخلف الأحمر وأبو زيد الأنصاري، مات في الكوفة سنة 170هـ-786م في بدء خلافة الرشيد وهو الذي عمل الأشعار المختارة للمهدي المسماة بالمفضليات، كان راوية للأدب والأخبار، موثقًا في روايته. قال ابن سلام: أعلم من ورد علينا بالشعر وأصدق من غير أهل البصرة المفضل بن محمد الضبي47 وعرف بصدقه فيما يروي واشتهر بمعرفة الأنساب والأيام ورواية الشعر.
__________
47 إنباه الرواة للقفطي، والفهرست ص108.
(1/124)

7- خلف الأحمر: ولد سنة 115هـ-733م وهو خلف بن حيان ويكنى بأبي محرز، مولى أبي موسى الأشعري، وقيل مولى بني أمية، وأصل أهله من فرغانة. جيء بهم أسرى إلى البصرة، وقيل أصله من خراسان من سبي قتيبة بن مسلم، وذاق طعم الشقاء في طفولته48. وظل بعد عتقه منتسبًا بالولاء لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وقضى أيام حداثته كلها في أوساط البصرة العلمية، وعرف من أساتذته: عيسى بن عمر النحوي المتوفى حوالى سنة 149هـ-766م وأبو عمرو بن العلاء، وقد كان خلف من مريدي حماد الراوية، فهو الذي تولى نقل محفوظاته، وقد أجمع الناس -سواء في الكوفة والبصرة- على الإقرار بمعرفته الصحيحة بالشعر الجاهلي القديم، وحدسه الصحيح الذي يميز به بين الصحيح والموضوع، قال عنه أبو زيد الأنصاري: "لم أر رجلًا أفرس ببيت شعر من خلف"49، ويطيب لكثيرين الاعتراف بموهبته الشعرية. وكان من أعلم الناس بالشعر، ويقال إنه وضع لامية الشنفرى التي أولها:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإنى إلى قوم سواكم لأميل50
وكذلك اللامية المنسوبة إلى تأبط شرا:
إن بالشعب الذي دون سَلْع ... لقتيلا دمه ما يُطَلّ
__________
48 راجع الفهرست ص80، 162 والأغاني جـ3 ص190 وياقوت جـ1 ص179، وبغية الوعاة للسيوطي 242 والمزهر جـ1 ص107، جـ2 ص250
49 الفهرست، ص87.
50 المزهر ج1 ص176-177.
(1/124)

ويقال إنه أيضًا وضع على شعراء عبد القيس شعرًا موضوعًا كثيرًا، وعلى غيره، وأخذ عنه أهل البصرة والكوفة، قال فيه المبرد51 "لم ير أحد قط أعلم بالشعر والشعراء منه، وكان يضرب به المثل في عمل الشعر، وكان يعمل على ألسنة الناس، فيشبه كل شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه، ثم نسك، فكان يختم القرآن في كل يوم وليلة، وبذل له بعض الملوك مالا عظيمًا خطيرًا على أن يتكلم في بيت شعر شكوا فيه، فأبى ذلك وقال: قد مضى لي في هذا ما لا أحتاج أن أزيد فيه. وعليه قرأ أهل الكوفة أشعارهم، وكانوا يقصدونه لما مات حماد، لأنه كان قد أكثر الأخذ عنه، وبلغ مبلغًا لم يقاربه حماد، فلما تقرأ ونسك خرج إلى أهل الكوفة، فعرفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس، فقالوا له: إنه كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة. فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم فكان مطعونًا في روايته، لكذبه وافترائه، مثل حماد الرواية، "ولكن يظهر أن خلفًا كان أقل جرأة من حماد على الكذب"52. ومات خلف حوالي سنة 180هـ.
وهكذا يرمى حماد وخلف بالاختلاق والكذب والانتحال، ويدعى أنهما كانا شاعرين ماهرين في عمل الشعر، وأنه بلغ من حذقهما واقتدارهما على الشعر أن كان كان منهما يقول شعرًا يشبه شعر القدماء، حتى إنه ليشتبه على كبار العلماء والنقاد، ولا يفرقون بينه وبين الشعر القديم.
وأعتقد أن كلا منهما يستحق أن يطعن في صدقه ونزاهته لما شاع عنهما من الكذب وعدم الدقة فيما يرويانه، فيبدو أن أفق محفوظاتهما كان واسعًا جدًّا وتعددت في ذاكرتيهما الأمثلة المتشابهة من القطع الأدبية، مما أوجد عندهما اضطرابًا في الدقة المطلوبة، فكانا يخلطان بين هذه القطع، وينسبان بعض القطع لمن ليست لهم، أو يدعيانها لنفسيهما.
ولا شك أن لمرور الزمن، وكثرة المحفوظ في الذاكرة، وتزاحمه فيها، وتشابه كثير منه، أثرًا كبيرًا في عدم الدقة في روايتي حماد وخلف وشيوع الكذب فيما يدعيان، وربما كان مما ساعدهما على المضي في ذلك ما كان فيهما من التبجح، والمجون وعدم المبالاة، كما شاهدنا في حادثة حماد مع الطرماح التي أشرنا إليها من قبل. ولكنني لا أعتقد أن كلا منهما كان شاعرًا موهوبًا
__________
51 مراتب النحويين، ص47، والمزهر، جـ1، ص177.
52 ضحى الإسلام، جـ2 ص293.
(1/125)

لديه القدرة على قول الشعر الجيد الرصين، إذ لو كانا كذلك، فما الذي منعهما أن يقولا ولو مرة واحدة إن هذا الأثر أو ذاك لأحدهما شخصيا؟ حقيقة كان للرواة والراوية الواسعة تقدير عظيم بين الناس وبخاصة من الخلفاء والولاة والحكام، وكان أصحاب الرواية الواسعة المدى يتلقون جوائز مالية ومادية ضخمة، ولكن الشعراء الفحول أصحاب الشعر الرائع الرصين كانوا يجازون الجزاء الأوفى، فكانت أعطياتهم كثيرة جزيلة، وسير الأمويين والعباسيين في هذه الناحية تفوق الوصف في السخاء الذي يعتبر في كثير من الأحوال إسرافًا كبيرًا. فلو كان كل من هؤلاء الرواة الذين اشتهروا بالكذب في الرواية والاختلاق والانتحال شاعرًا موهوبًا، لنال حظوة عظيمة، وانهالت عليه الأموال من كل جانب، كما حدث مع الشعراء في ذلك الوقت أمثال جرير والفرزدق. ومما يقوي اعتقادي في عدم وجود الموهبة الشعرية عند حماد وخلف أنهما كانا يختاران أروع القصائد ويدعيانهما لهما، كما رأينا مع حماد في قصيدة الطرماح التي كانت موضع إعجاب كل من أبي عبيدة والأصمعي، وكما في لامية العرب التي يدعيها خلف، وهي التي لها ما لها من الشهرة والإعجاب بين جميع الأدباء. ولعل مما يؤيد شبهتي في ادعائهما الشعر قول ابن سلام: "سمعت يونس يقول: العجب لمن يأخذ من حماد، وكان يكذب ويلحن ويكسر". ويستبعد جدا، بل يستحيل، أن يحدث لحن أو كسر من شاعر موهوب.
__________
53 طبقات الشعراء ص15.
(1/126)

8- هشام بن الكلبي: هو ابن محمد بن السائب الكلبي، من علماء الكوفة، عالم بالنسب وأخبار العرب ومثالبها ووقائعها، أخذ عن أبيه وعن جماعة من الرواة. ومات سنة 206هـ 54 وقيل سنة 204. قال إسحاق الموصلي: "ورأيت ثلاثة كانوا إذا رأوا ثلاثة يذوبون: علويه إذا رأى مُخارقًا، وأبا نواس إذا رأى أبا العتاهية، والزهري إذا رأى هشامًا". وقد ذكر له ابن النديم كتبًا كثيرة جدًّا.
__________
54 الفهرست لابن النديم، ص146,
(1/126)

9- الهيثم بن عدي: عالم55 بالشعر والأخبار والمثالب والمناقب والمآثر والأنساب وكان يطعن في نسبه، فهو أبو عبد الرحمن الهيثم بن عدي الطائي، ويقال إنه من أولاد الموالي، ولد بالكوفة حوالي سنة 130-747م، وتوفي ببغداد سنة 207-822، ويستشهد به
__________
55 بروكلمان 1-140، والأغاني 1-12، والفهرست ص151.
(1/126)

صاحب الأغاني على اعتبار أنه حجة ومؤلفاته فيها معلومات ثمينة عن العصر الجاهلى الأدبي.
وذكر له ابن النديم كتبًا كثيرة.
(1/127)

10- أبو عبيدة: معمر بن المثنى، ولد حوالى سنة 110-725 وتوفي سنة 211-825، وهو من أصل أعجمي، من الموالي، وينتسب إلى تيم قريش لا تيم الرباب، واشتهر بشعوبيته، وكان له علم بأخبار الجاهلية والإسلام، وقد حصر اهتمامه في الأنساب والأخبار، ولذا كان محصوله جوهريًّا بالنسبة لمعرفة الأجواء التاريخية56، ومن ثم فهو ثقة يعتمد عليه في هذه الناحية، وكان بينه وبين الأصمعي عداوة شخصية، مع أنهما كانا من علماء البصرة. وشرحه لنقائض جرير والفرزدق يدل على غزارة علم وسعة أفق في ميادين الأدب والأنساب والأخبار. وكان هو واثقًا من نفسه في هذه الناحية، حتى إنه قال: "ما التقى فرسان في جاهلية ولا إسلام إلا عرفتهما وعرفت فارسيهما" وقد ظهر علمه واضحًا في أدب الأيام، فقد جاء في كشف الظنون لحاجي خليفة أن أبا عبيدة كتب كتابين عن الأيام، أحدهما يسمى "كتاب الأيام الصغير" وتحدث فيه عن خمسة وسبعين يومًا، وثانيهما يسمى "كتاب الأيام الكبير" وتحدث فيه عن ألف ومائتي يوم. وفي معجم الأدباء57 يقول ياقوت إن أبا عبيدة بالإضافة إلى كتابيه السابقين عن أيام العرب كتب كتبًا أخرى عن أيام بني مازن وأخبارهم، ومقاتل الفرسان، والغارات. ويقول عنه السيوطي في معرض حديثه عنه وعن الأصمعى وأبي زيد: "وأما أبو عبيدة فإنه كان أعلم الثلاثة بأيام العرب وأخبارهم، وأجمعهم لعلومهم، وكان أكمل القوم، وجميع الكتب التي ألفت في أيام العرب بعده كانت تتخذ أبا عبيدة مصدرًا لها". وقال أبو العباس عن أبي عبيدة: "له علم الإسلام والجاهلية، وكان ديوان العرب في بيته". وذكر له ابن النديم عددًا كبيرًا من المؤلفات.
__________
56 راجع الفهرست 85 وبروكلمان 1-103 ودائرة المعارف الإسلامية 1-115.
57 جـ7 ص 169.
(1/127)

11- أبو عمرو الشيباني: كوفي واسع العلم في اللغة، ثقة في الحديث58 أصله من الموالي، وكان يؤدب في أحياء بني شيبان، فنسب إليهم بالولاء وقيل بالمجاورة59 وبالتعليم لأولادهم، وأخذ عنه دواوين أشعار القبائل كلها، وكان يلزم مجلسه أحمد بن حنبل،
__________
58 ابن خلكان جـ1 ص 65.
59 الفهرست لابن النديم، ص107.
(1/127)

وكتب عنه حديثًا كثيرًا، روي عن ابنه عمرو بن أبي عمرو أنه قال: لما جمع أبي أشعار العرب كانت نيفًا وثمانين قبيلة، فكان كلما عمل فيها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفًا، وجعله في مسجد الكوفة حيث كتب نيفًا وثمانين مصحفًا بخطه، وكان يكتب بيده إلى أن مات. وبلغ 120 سنة ومات سنة 213 وقيل 206، وأخذ عنه يعقوب بن السكيت، واسم أبي عمرو: إسحاق بن مرار ويقال إنه ولد حوالي سنة 100هـ - 719م وهو أحد رؤساء مدرسة الكوفة. وقال ابن السكيت: "مات أبو عمرو الشيباني وله مائة وثمان عشرة سنة وكان يكتب بيده إلى أن مات، وكان ربما استعار مني الكتاب وأنا إذ ذاك صبي، وكنت آخذ منه وأكتب من كتبه".
(1/128)

12- أبو زيد الأنصاري: هو سعيد بن أوس الأنصاري من الخزرج، وكان أعلم من أبي عبيدة والأصمعي بالنحو، ويقول ابن النديم: "ولا أعلم أحدًا من علماء البصريين في النحو واللغة أخذ عن أهل الكوفة شيئًا من علم العرب إلا أبا زيد فإنه روى عن المفضل الضبي".
وقد حدث عن عمرو بن عبيد. وأبي عمرو بن العلاء، وروى عنه: أبوعبيد القاسم بن سلام ومحمد بن سعد الكاتب، وأبو حاتم السجستاني. وأبو زيد عن عمرو بن شبة، وكان ثقة، ثبتًا، من أهل البصرة، وكان أبوزيد أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو، وكان كثير السماع من العرب60. وكان سيبويه إذا قال: "سمعت الثقة" فإنه يريد أبا زيد الأنصاري، وكان من أوثق الرواة، مات بالبصرة سنة 214هـ وله 93 سنة, وله كتب كثيرة أثبتها ابن النديم في كتابه الفهرست.
__________
60 إنباه الرواة جـ2 ص 30، والفهرست ص 87.
(1/128)

13- الأصمعي: هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي، ولد حوالى سنة 122-739 وتوفي سنة 215-830، ينسب إلى باهلة الضاربة في الجنوب الشرقي من البصرة، مكث في الحجاز وبغداد كثيرًا، وقضى معظم حياته في البصرة61. وكان مدققًا في مسائل النحو والألفاظ معتمدًا أحيانا على الشواهد الشعرية، وقد جمع الشعر الجاهلي المبعثر في دواوين ومجموعات، وله كتاب الأصمعيات المشهور. قال المبرد: "كان الأصمعي أنشد للشعر والمعاني، وكان أبو عبيد كذلك، ويفضل على الأصمعى بعلم النسب، وكان الأصمعي
__________
61 بروكلمان 1-104، والفهرست ص 88.
(1/128)

أعلم منه بالنحو62. وقال السيوطي63عنه وعن زميله أبي عبيدة وأبي زيد "وكان في العصر ثلاثة، هم أئمة الناس في اللغة والشعر وعلوم العرب، لم ير قبلهم ولا بعدهم مثلهم، عنهم أخذ جل ما في أيدي الناس من هذا العلم، بل كله، وهم أبو زيد وأبو عبيدة والأصمعي". وهو صاحب اللغة والأخبار والنحو والغريب والملح، وكان مشهورًا بالحفظ: قال عمر بن شبة: "سمعت الأصمعي يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة". وقال عنه القفطي64 "كان الأصمعي بحرًا في اللغة لا يعرف مثله فيها وفي كثرة الرواية، وكان دون أبي زيد في النحو". ويقول عنه كذلك "وعمل الأصمعي قطعة كبيرة من أشعار العرب ليست بالمرضية عند العلماء لقلة غريبها واختصار روايتها". وقال عنه ابن جني: "وهذا الأصمعي هو صناجة الرواة والنقلة، وإليه محط الأعباء والثقلة. كانت مشيخة القراء وأمثالهم تحضره وهو حدث لأخذ قراءة نافع عنه. ومعلوم كم قدر ما حذف من اللغة فلم يثبته؛ لأنه لم يقو عنده إذ لم يسمعه". ويقول عنه أبو الطيب اللغوي "إنه كان لا يفتي إلا فيما أجمع عليه العلماء، ويقف عما ينفردون به عنه، ولا يجوِّز إلا أفصح اللغات ويلج في دفع ما سواه"65. من هذا نجد أن الأصمعي كان من أئمة الرواة المشهود لهم بالأمانة والصدق، وكان ثقة مصدقًا لدى جميع العلماء والنقاد والباحثين النزيهين. وله مؤلفات كثيرة العدد.
__________
62 الفهرست لابن النديم، ص88.
63 المزهر ص401.
64 الخصائص جـ3 ص311.
65 مراتب النحويين ص49.
(1/129)

14- ابن الأعرابي: هو أبو عبد الله محمد بن زياد الملقب بابن الأعرابي، ولد سنة 145-762 وتوفي بسامرا سنة 225-839 وقبل سنة 231، وكان عمره إحدى وثمانين سنة، وهو عالم كوفي، قال عنه أبو عباس: "قد أملى على الناس ما يحمل على أجمال، لم ير أحد في الشعر أغزر منه" 66 وقال ثعلب: "شاهدت مجلس ابن الأعرابي، وكان يحضره زهاء مائة إنسان، وكان يسأل ويقرأ عليه، فيجيب من غير كتاب، قال: ولزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده كتابًا قط، قرأ على القاسم بن معن، وسمع من المفضل بن محمد، وكان يذكر أنه ربيب المفضل".
__________
66 الفهرست، وبروكلمان جـ1 ص116.
(1/129)

15- ابن سلام الجمحي: أبو عبد الله محمد بن سلام67، وهو مولى قدامة بن مظعون الجمحي، كان من أهل اللغة والأدب، وكان له ذوق أدبي ممتاز، وروى عنه مشايخ الأدب: ثعلب وغيره، وكان ثقة، صدوقًا وتتلمذ عليه كثير، منهم يحيى بن معين. مات سنة 232هـ.
__________
67 الفهرست ص171.
(1/130)

16- ابن السكيت: هو أبو يوسف، يعقوب بن السكيت، ولد حوالي سنة 178-802، وتوفي حوالي 245-859م من أصل فارسي، شديد التشيع لعلي وآله، عاش في بغداد، وكان مؤدبًا لأولاد الأمراء، فكان من علماء بغداد، وأخذ من الكوفيين، وكان أبوه السكيت عالمًا، وكان الابن يعقوب متصرفًا في أنواع العلم، وكان يقول: "أنا أعلم من أبي بالنحو، وأبي أعلم مني بالشعر واللغة". وكان يعقوب عالمًا بنحو الكوفيين وعلم القرآن والشعر لقي فصحاء العرب وأخذ عنهم، وحكى في كتبه ما سمعه منهم وله حظ من الستر والدين68وقام بعمل دواوين كثير من الشعراء، منهم: امرؤ القيس، والحطيئة ولبيد، والأعشى الكبير، وبشر بن أبي خازم، ومهلهل، وعدي بن زيد، والخنساء.
__________
68 الفهرست ص113-114.
(1/130)

أبو حاتم السجستائي
...
17- أبو حاتم السجستاني: هو سهل بن محمد، كان كثير الرواية عن أبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي، وكان عالمًا باللغة والشعر، حسن المعرفة، بالعروض، كثير التأليف للكتب في اللغة، يقول الشعر، صادق الرواية، وعليه اعتمد أبو بكر بن دريد في اللغة، توفي سنة 255هـ. قال عنه ابن دريد: "كان يتجر في الكتب، ويخرج المعمى، حاذق بذلك، دقيق النظر في ذلك". وله كتب كثيرة69.
__________
69 الفهرست، ص93.
(1/130)

18- ابن قتيبة: روى عن العلماء، أمثال ابن حاتم السجستانى، وكان ثقة، دينًا، فاضلًا، توفي سنة 270 وقيل سنة 276هـ. وهو قاضي دينور ولذلك نسب إليها فقيل الدينوري، وكان يغلو في البصريين إلا أنه خلط المذهبين وحكى عن الكوفيين، وكان صادقًا فيما يرويه، عالمًا باللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه، والشعر والفقه70 وله مؤلفات مشهورة.
__________
70 الفهرست، ص121.
(1/130)

19- السكري: هو أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري، ولد سنة 212- 827، وتوفي حوالي سنة 275-888، وهو تلميذ ابن حبيب، وهو بصري71. عمل أشعار امرئ القيس والنابغتين، وقيس بن الخطيم، وتميم بن أبي مقبل، وأشعار اللصوص، وأشعار هذيل، وهدبة بن خشرم، والأعشى ومزاحم العقيلي، والأخطل، وزهير، وغيرهم، وكان حسن المعرفة باللغة والأنساب والأيام، مرغوب في خطه لصحته.
__________
72 الفهرست، ص93.
(1/131)

20-المبرد: محمد بن يزيد، من الأزد، ولد سنة 210، ومات سنة 285هـ.72 وقد ذكرنا آنفًا شيئًا من آرائه في بعض الرواة وكان ثقة، ثبتًا، ومن أشهر كتبه: الكامل. وهو من أعلام البصرة، وأحد رؤساء مدرستها.
__________
72 الفهرست، ص93.
(1/131)

21- ثعلب: وهو من العلماء المشهورين. توفي سنة 291، وقال عن نفسه: "ابتدأت بالنظر في العربية والشعر واللغة في سن ست عشرة، وحذقت العربية، وحفظت كتب الفراء حتى لم يشذ عني حرف منها، ولي خمس وعشرون سنة"73. وكان رئيس مدرسة الكوفة، وكان بينه وبين المبرد عداوة شخصية. وقد عمل دواوين كثير من الشعراء74.
__________
73 الفهرست، ص116.
74 الفهرست، ص230.
(1/131)

22- الطبري: هو محمد بن جرير الطبري، وكنيته أبو جعفر، ولد في سنة 224هـ بآمل عاصمة إقليم طبرستان، وهو العالم الفقيه، المقرئ، النحوي، اللغوي، الحافظ الأخباري، له مؤلفات كثيرة، أهمها: تفسير القرآن، وكتاب التاريخ، وقد جمع في الأخير كثيرًا من الشعر والأخبار الأدبية، ومات سنة 310هـ. ويجمع الكل على أنه كان علامة وقته، وكان متفننًا في جميع العلوم: علم القرآن والنحو والشعر والفقه، كثير الحفظ 75.
__________
75 الفهرست، ص340، 365.
(1/131)

23- أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري: قال عنه ابن النديم: كان ورعًا من الصالحين، وكان يضرب به المثل في حضور البديهة وسرعة الخاطر، وأكثر ما كان يمليه من
(1/131)

غير دفتر ولا كتاب76. مات عن دون الخمسين، سنة 328هـ. قال أبو علي القالي: "كان أبو بكر بن الأنباري يحفظ فيما ذكر ثلاثمائة ألف بيت شاهدة في القرآن" وكان ممن يقدم من الكوفيين، ثقة صدوقًا، دينًا. وله كتب كثيرة في القرآن والحديث والنحو والشعر والشعراء، منها شرح القصائد الطوال السبع، شرح المفضليات، كما صنع طائفة من داودين شعراء الجاهلية والإسلام.
__________
76 الفهرست، ص118.
(1/132)

24-الأصبهاني: أبو الفرج، علي بن الحسين بن محمد الأصبهاني، ويتصل نسبه بعبد مناف، فهو من بني أمية. ولد بأصبهان سنة 284هـ. وتوفي سنة 357هـ، وهو الكاتب المعروف، النحوي، اللغوي، الشاعر. تلقى العلم عن أبي بكر بن الأنباري، والأخفش الصغير، وأبي بكر بن دريد، ومحمد بن جرير الطبري، وجعفر بن قدامة، وغيرهم من أساطين العلم والأدب واللغة والتاريخ، فكان عالمًا بأيام الناس والأنساب وكان شاعرًا محسنًا قال التنوخي: "كان أبو الفرج يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة والنسب ما لم أر قط من يحفظ مثله". وكان أبو الحسن البستي يقول: "لم يكن أحد أوثق من أبي الفرج" ومات ببغداد، وله من المؤلفات عشرات الكتب، أهمها كتاب الأغاني المعروف77.
__________
77 الفهرست، ص172.
(1/132)

25- المرزباني: أصله من خراسان، ويقول عنه ابن النديم: "آخر من رأينا من الأخباريين المصنفين. راوية صادق اللهجة، واسع المعرفة بالروايات، كثير السماع ولد سنة 297هـ، ومات سنة 378هـ"78، وذكر له ابن النديم كتبًا كثيرة، منها الموشح، ومعجم الشعراء.
هذه نبذة قصيرة عن أشهر الرواة الذين حملوا لواء الأدب، وحفظوه من الضياع حتى سلموه بقدر ما استطاعوا إلى الأجيال التي أعقبتهم، وقد أوردنا عن كل منهم خاصة آراء النقاد والمؤرخين فيه. بعد ما قاموا به من الفحص والتحري والدراسة الشاملة لهم، وبخاصة فيما يتصل بالأمانة فيما يؤدون ومبلغ الثقة التي نالها كل منهم بقدر ما أثر عن أخلاقه ونزاهته وسيرته وسلوكه. وقد رأينا فيهم الكثير الذي قام بتدوين بعض الأثار الأدبية، لأن الرواية
__________
78 الفهرست، ص196، وقال الخطيب إن المرزباني مات سنة 384هـ. "الموشح، ص1 م من المقدمة".
(1/132)

متصلة بالتدوين، فالذين قاموا بتدوين الأدب أو إملائه إنما هم في الأصل رواة.
ومما ذكرناه عن هؤلاء الرواة يتبين أن أقدمهم مات حوالي منتصف القرن الثاني، أي أن طائفة الرواة المحترفين في الإسلام ظهرت في أواخر القرن الأول عندما استتب أمر الدولة وهدأ روع المسلمين بعد الحركات الأولى، واتسعت رقعة العالم الإسلامي، وقد ساعد على رواج الرواية الأدبية حينئذ محافظة الأمويين على النزعة العربية، وحبهم الظاهر للآثار الأدبية، وتشجعيهم روايتها، ومكافأتهم الأدباء والرواة بسخاء، مع ما في نفس كل منهم -راوية كان أو منتجًا للأدب- من ميل إلى الشهرة وحب الظهور. ثم كان مما شجع على ظهور هؤلاء الرجال وتخصصهم في رواية الأدب أن المسلمين احتاجوا إلى النصوص الأدبية القديمة لما اشتغل علماؤهم بالتفسير، فاهتم الأدباء بجمع النصوص الأدبية لكي يستعينوا بها على فهم ما استغلق عليهم من ألفاظ القرآن وعباراته، لذلك قالوا: "إن علوم الأدب كلها وسيلة لفهم كتاب الله تعالى، وإن حكم البلاغة ومعرفة العلوم الأدبية حكم الوجوب الكفائي، وشرفها بشرف ما يتوصل إليه، فكلها علوم آلية"79، وورد عن ابن عباس أنه قال: "إذا أشكل عليكم الشيء من القرآن فارجعوا فيه إلى الشعر، فإنه ديوان العرب"80. فاهتمام المسلمين بفهم مفردات الكتاب والسنة كان مما شجع على الاشتغال بعلوم الأدب وروايته، ولذلك يقال إن الإمام الشافعي قال إنه طلب اللغة والأدب عشرين سنة ليستعين بهما على الفقه ومن هنا لما أرادوا أن يطرد علمهم في الدين والأدب من ينبوع واحد أوجبوا الإسناد في الأدب أيضًا.
وكان الإسناد في الحديث ينتهي إلى الصحابة ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما في الأدب، فكانت أسانيد الأدباء على اختلاف عصورهم تنتهي إلى الطبقة الأولى كأبي عمرو بن العلاء وحماد الراوية. ولا نجد في كتب الأدب رواية واحدة يتصل سندها بالجاهلية؛ لأن هؤلاء الرواة "يعنى رواة الطبقة الأولى" أكدوا أنهم أخذوا أكثر ما يروونه عن قوم أدركوا عرب الجاهلية؛ أو نقلوا عمن أدركهم. والحقيقة أن أبا عمرو بن العلاء روى عن عرب أدركوا عرب الجاهلية، لأنه ولد سنة 70 وتوفي سنة 159هـ. وكان لا يأخذ إلا عن
__________
79 الشهاب الراصد، ص 259,
80 الفاضل للمبرد، ص10.
(1/133)

العرب في البادية حتى إن الأصمعي جلس إليه عشر حجج ما سمعه يحتج ببيت إسلامي81.
فالطبقة الأولى وهم كبار الرواة: أبو عمرو بن العلاء، والكلبي، وعوانة، وحماد الراوية كانوا يستقون معلوماتهم ممن أدركوا عرب الجاهلية رأسًا، أو مما وثقوا به من كتب مدونة، لكن حماد الراوية أثار الشكوك وسوء الظن، كما أثارها غيره مثل الراوية المدني عيسى بن دأب الذي كان يضع الشعر وأحاديث السمر، وكلامًا ينسب إلى العرب82. وأما من جاء بعد هذه الطبقة فكانوا تلاميذهم، وكانوا يروون عن أساتذتهم من رجال الطبقة الأولى، إلا أنه لكثرة المآخذ التي وجهت ضد حماد وخلف رأى جماعة من العلماء وخاصة جيل الأصمعي أن يقوموا بتصفية الروايات بالاعتماد على التحقيقات الشخصية لدى الأعراب، فكانوا على اتصال وثيق بالصحراء وأطلقوا على سكانها اسم فصحاء العرب وكان الإسناد للطبقة الأولى يتسلسل حتى يصل إلى أحد رجالها، ولكن كل طبقة كانت أوسع معرفة عمن قبلها بما تضيفه من جديد عن سابقيها.
ولما اتسعت الدولة الإسلامية، واختلط العرب بغيرهم من أهل الأمم الأخرى بسبب الفتوح الإسلامية، شاع اللحن والخطأ، فوجدت الحاجة إلى وضع علوم النحو واللغة. فكان ذلك مما ساعد على ازدهار الرواية الأدبية، وجمع النصوص للشواهد التي تستنبط منها القاعدة أو تؤيدها.
وبهذا ازدهرت سوق الرواية الأدبية، فاشتغل بها كثير من العلماء، حتى كان بينهم تنافس، وصل إلى عداء شخصي في بعض الأحيان، وأدى هذا التنافس إلى وجود مدرسة بالبصرة، ومدرسة بالكوفة، وكان على رأس رواة الأولى أبو عمرو بن العلاء، ورئيس الثانية حماد الراوية، وكان التعاون بين هاتين المدرستين ظاهرًا في القرن الثاني، حيث كان بينهما تبادل علمي؛ تلاميذ الكوفة يتلقون عن أساتذة البصرة وبالعكس، فالكوفيون أمثال الكسائي، وتلميذه اللحياني، وابن السكيت كانوا تلاميذ أساتذة البصرة83؛ والبصريون أمثال أبي زيد التوزي والسكري درسوا على أساتذة الكوفة84، وكثير من الرواة الذين تحدثنا عنهم فيما
__________
81 الشهاب الراصد، ص259.
82 راجع المزهر 2/414، والمعارف لابن قتيبة 267 والمسعودي: مروج الذهب 1-138، الأغاني 4-129.
83 راجع السيرافي في 563، والمزهر 2/253.
84 المزهر 2/251، 253: 257.
(1/134)

سبق جمع بين الروايتين البصرية والكوفية. وأما الخلاف الواقع بين هاتين المدرستين، فإنه لا يعود إلى زمن تأسيسها، بل إلى أواخر القرن الثالث للهجرة "التاسع الميلادي" وهو ناشئ عن العداوات الشخصية بين رئيسي المدرستين حيئنذ، وهما: المبرد في البصرة، وثعلب في الكوفة85. ولكن الخلاف كان واضحًا بين المدرستين في المنهج، فالبصريون كانوا يتجهون إلى إدخال كل شيء إلى ضمن قواعد ثابتة، وهم كالفقهاء يلتزمون القياس، ويجعلون ما سواه خطأ، وإذا كان مسموعًا قالوا: شاذ لا يقاس عليه: أما الكوفيون فيفسحون المجال للاستعمال، ورأوا أن يحترموا ما جاء عن العرب، وأجازوا استعماله، ولو كان لا ينطبق على القواعد العامة. ومن ثم "كان 86 البصريون أكثر اعتدادًا بأنفسهم، وأكثر ثقة بما يروون، وأشد ارتيابًا بما يرويه الكوفيون. لذلك كان الكوفي يأخذ عن البصري، ولكن البصري يتحرج عن أن يأخذ عن الكوفي ... وظل الحال كذلك حتى تأسست مدينة بغداد "في أواخر القرن الثالث" وهدأت الأمور السياسية، وأخذ الخلفاء والأمراء يشجعون العلماء، ويدعونهم لتربية أولادهم فتسابق العلماء إلى بغداد.. وكان التقاء الكوفيين والبصريين في بغداد سببًا في عرض المذهبين ونقدهما والانتخاب منهما، ووجود مذهب منتخب كان من ممثليه ابن قتيبة.
وقد أدى التنافس والعداء الشخصي الذي كان بين الرواة كالذي كان بين أبي عبيدة والأصمعي، وهما بصريان، والذي كان بين المبرد البصري وثعلب الكوفي، إلى تدقيق الرواة فيما يأخذون، وتمحيصهم لكل ما يسمعون فكانوا على حذر دائم تجاه ما ينقل إليهم، يحصرون أذهانهم، ويوجهون كل وعيهم لكل ما يسمعون سواء من الأعراب أو من الرواة، فيمحصون ويقابلون بين مختلف الروايات، ولا يقبلون شيئًا إلا بعد التحقيق والتثبت من صدقه وحقيقته، خوفًا من نقد الزملاء، أو تشنيع الأعداء، وحبا في الشهرة بالأمانة والنزاهة والدقة، بل كان كثير من جمهور السامعين لديه من الفطنة وسعة الاطلاع، وقوة الذوق الأدبي ما يمكنه من معرفة الصحة والزيف في كل ما يلقى أمامهم من نصوص. فكان العلماء رقباء على الرواة، كما كان الرواة رقباء على الأعراب الذين ينقلون عنهم، وكتب الأدب فيها
__________
85 تاريخ الأدب العربي لبلاشير صفحة 119.
86 ضحى الإسلام جـ2 صفحة 260.
(1/135)

كثير من الحوادث التي تؤيد ذلك، منها ما أورده ابن سلام إذ يقول: "أخبرني أبو عبيدة أن داود بن متمم بن نويرة قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي في الجلب والميرة، فنزل النحيت، فأتيته أنا وابن نوح العطاردي، فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته، وكفيناه ضيعته، فلما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويصنعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها لمتمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله"87. فلم يكن الرواة على العموم، يقبلون كل ما يلقى إليهم، دون فحص وتمحيص، ولم يكن كل ما يقوله الرواة ليسمع منهم ويقبل دون حجة أو برهان. فالتنافس وما جره في بعض الأحيان من خصومات، أفاد النصوص الأدبية، إذ حمل الرواة على الاستزادة منها بقدر ما يستطيعون، مع التثبت والتحري الدقيق في كل ما ينقلون.
ومما ذكرناه عن الرواة، يتبين أنه كان فيهم بصريون وفيهم كوفيون، وفي كل من الفريقين أمين ثقة، ومنهم مطعون في أمانته، فكما كان في البصريين ثقات عدول، كان ذلك في الكوفيين أمناء مصدقون، وكما كان في الكوفيين من ليس أهلًا للثقة، كذلك كان في البصريين من أثر عنهم الخلط والادعاء، فمسألة الثقة وعدمها ليست متصلة ببلد، ولا بمدرسة معينة، إنما هي تتعلق بطبيعة الشخص وأخلاقه، وميوله ونزعته. ومن ثم فلا ينبغي أن يرمى الرواة كلهم بالطعن والاتهام، لوجود من يطعن في نزاهته من بينهم، كما لا يصح أن نشك في رواة بلد معين أو مدرسة، لأن من بين رجالها من كان موضع الشك والاتهام، فالكل لا يؤخذ بجريرة بعضه، ولا تزر وازرة وزر أخرى، فمن كان ثقة أمينًا، فهو عدل، مصدق، يقبل منه ما يقول، ما دام لا يوجد ضده دليل قوي ولا برهان ثابت محقق.
وواضح أن هؤلاء الرواة الذين ذكرناهم كانوا يعيشون في المدن، فهم من أهل الحضر، وليس معنى هذا أن البدو لم يكن منهم رواة، بل كان منهم رواة كثيرون، وقد ذكر منهم صاحب الفهرست عشرات، ومن بينهم:
أبو البيداء الرياحي88: أعرابي نزل البصرة، وكان يعلم الصبيان بأجر.
__________
87 طبقات فحول الشعراء، ص14.
88 الفهرست، ص72.
(1/136)

وأبو مالك عمرو بن أبي كركرة89: وهو أعرابي كان يعلم في البادية، وهو بصري المذهب.
وأبو سوار الغنوي90: وعنه أخذ أبو عبيدة.
وأبو الجاموس 91 ثور بن يزيد: أعرابي كان يفد البصرة على آل سليمان وعنه أخذ ابن المقفع الفصاحة.
وأبو ملحم الشيباني: أعرابي كان أعلم الناس بالشعر واللغة توفي سنة 248، وقيل أصله ومولده بفارس، لكنه انتسب إلى بني سعد، ويقال إنه كان أحفظ الناس92.
وأبو شبلي العقيلي 93: وقد وفد على الرشيد واتصل بالبرامكة.
والبهدلي: وعنه أخذ الأصمعي.
وفي بدء الرواية العلمية لم يكن الرواة في القرن الأول بحاجة إلى الارتحال إلى البادية إذ كانت الصلة ما زالت شديدة بعرب الجاهلية وأعرابها؛ لأن عرب الجاهلية أو من أخذوا عنهم كانوا لا يزالون أحياء. كما سبقت الإشارة إلى ذلك عند الكلام عن الطبقة الأولى من الرواة، لكن لما اتسعت الدولة، واستقر الناس في المدن، واختلط العرب بغيرهم من الأعاجم، أراد الرواة والعلماء استقاء اللغة والأدب من مصادرهما الأصيلة النقية؛ لذلك رحلت الطبقة الثالثة من الرواة إلى البادية، وقد سبق أن ذكرنا الاحتياطيات الشديدة التي أخذ العلماء أنفسهم بها في جمع اللغة ليكون ما يأخذونه عربيًّا حقًّا وأصيلًا، فحصروا ميدانهم في نطاق معين من القبائل التي تسكن منطقة بعيدة كل البعد عن تأثير الاختلاط الأجنبي، ومن أقدم من رحل إلى البادية يونس بن حبيب الضبي المتوفى سنة 183، وخلف الأحمر المتوفى سنة 180هـ، والأصمعي. وظل شأن العلماء والرواة في الذهاب إلى البادية والأخذ عن أهلها إلى أواخر القرن الرابع 94، وقد أشرنا آنفا إلى أن بعض الأعراب كانوا هم أنفسهم يفدون إلى
__________
89 المرجع السابق، ص72.
90 المرجع السابق، ص73.
91 المرجع السابق، ص73
92 المرجع السابق، ص75.
93 الفهرست، ص74.
94 الشهاب الراصد، ص265.
(1/137)

الحواضر والمدن، يقيمون فيها، أو يملون على الرواة ما يعرفون من اللغة والأدب.
فالطبقات المتأخرة من الرواة كانوا يأخذون عمن سبقهم من الرواة، ومن كان في عصرهم من أعراب البادية الفصحاء الذين يحفظون الأدب. ولم يكن المتأخرون من الرواة ليقبلوا كل ما يلقى عليهم أو يصل إليهم، دون بحث أو تمحيص، بل كانوا يتحرون الحقيقة بالدرس والمقارنة والاستنباط، كما حدث عن أبي عبيدة مع ابن متمم بن نويرة، حين قدم البصرة.
(1/138)

تدوين الأدب الجاهلي
يقصد بالتدوين الكتابة، وكانت الكتابة معروفة للعرب في العصر الجاهلي، بدليل وجود إشارات إليها في الأدب الجاهلي، كقول طرفة1:
كسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشمه
وقول المرقش الأكبر:
الدار وحش والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم2
وقول امرئ القيس3:
لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يمان
وقوله4:
أتت حجج بعدي عليها فأصبحت ... كخط زبور في مصاحف رهبان
وفي هذه الأمثلة نجد الإشارة إلى الأقلام وبعض ما كان يكتب عليها كالأديم، والعسيب، والصحف.
وقد وجدت نقوش للعرب الجنوبيين تدل على وجود الكتابة عند أهل اليمن منذ ألف عام على الأقل قبل الميلاد, كما عثر في آثار الشماليين على نقش النمارة الذي يرجع تاريخه إلى سنة 328م وهو مكتوب بخط مشتق من الآرامي5.
وكانت العهود والمواثيق في غالب الأحيان تدون، تسجيلًا لها، لتكون أقوى ارتباطًا، وأشد إلزامًا، ومن ذلك صحيفة قريش التي علقوها في جوف الكعبة6.
__________
1 ديوان طرفة نشر الدكتور علي الجندي، بيت رقم 407. والرق: الصحيفة، رقشه: زينه وحسنه، وشبه رسوم الدار بسطور الكتاب. بالضحى: أي رقشه بالضحى، وذلك أحكم لصنعة الترقيش. يشمه: ينقشه ويزينه ويجعله كالوشم في المعصم.
2 الأغاني. دار الكتب جـ6 ص127.
3 ديوان امرئ القيس، ص85، ب1.
4 ديوان امرئ القيس، ص89، ب2.
5 بروكلمان، جـ1، ص63.
6 سيرة ابن هشام، جـ1ص375.
(1/139)

كما كانت الرسائل، على وجه العموم، تبعث مكتوبة، كالصحيفة التي وجهها عمرو بن هند ملك الحيرة إلى عامله بالبحرين في شأن طرفة والمتلمس7. ومن ذلك أيضًا القصيدة التي أرسلها لقيط بن يعمر الإيادي8 الذي كان كاتبًا في ديوان كسرى، حين علم أن كسرى مجمع على غزو إياد، فكتب إليهم هذه القصيدة ينذرهم بما يتهددهم من خطر، وهي قصيدة طويلة، وفي آخرها يقول:
هذا كتابي إليكم والنذير لكم ... لمن رأى رأيه منكم ومن سمعا
وأكبر دليل على وجود الكتابة في الجاهلية بين العرب، هذه الكتب التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والرؤساء يدعوهم فيها إلى الإسلام، ثم كتاب الوحي الذي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأمرهم بكتابة آي القرآن الكريم كلما نزل عليه الوحي، كل هذه الأمثلة تدل دلالة قاطعة على أنه كان بين العرب الجاهليين من يعرفون القراءة والكتابة بالعربية.
ولكن وجود الكتابة في زمان أو مكان، ليس بلازم أن يكون معناه شيوعها، وانتشارها، شأنها شأن كل شيء في الوجود، فقد تكون موجودة، ولكنها قليلة أو نادرة، وذلك هو ما كان في العصر الجاهلي، كانت الكتابة موجودة ومعروفة لديهم ولكنها كانت بنسبة قليلة قد تصل إلى حد الندرة أحيانًا، فكانت غالبية الشعب لا تعرف القراءة والكتابة بخاصة بين البدو سكان الصحراء؛ وذلك لأن ضرورات الحياة، ومشاغلها، والسعي لطلب الرزق والقوت كانت تستغرق كل أوقاتهم أو جلها، فلم يكن لديهم فراغ يجلسون فيه منذ الطفولة ليتعلموا القراءة والكتابة، ثم إن وسائلها من الجلود والعظام وسعف النخل، وقطع الخشب وأمثالها كانت غير ميسرة، ولا تحبب في استعمالها والاهتمام بها لكي يسجلوا بها كل آثارهم، ومن ثم كان هناك نفر يسير من بينهم يعرفون القراءة والكتابة، وكان السواد الأعظم من السكان يجهلها، وطبيعي أن تكون الحال كذلك بين الأدباء: كثرة منهم أميون، وقلة منهم يقرءون ويكتبون، ومن هؤلاء: عدي بن زيد العبادي ولقيط بن يعمر الإيادي، وسويد بن صامت الأوسي، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك والربيع بن زياد، ولبيد
__________
7 ديوان طرفة، ص13.
8 شعر الحرب، ص285.
(1/140)

بن ربيعة. وقد وردت الأخبار القاطعة بأن كثيرًا منهم كانوا لا يعرفون القراءة والكتابة، وأظهر مثل لذلك طرفة والمتلمس فقد حمل كل منها صحيفة فيها الأمر بإعدامه ولقى طرفة حتفه بسبب ذلك. وربما كان بعض الأدباء -وبخاصة الشعراء الذين اشتهروا بالحوليات، وأخذهم وقتًا طويلًا في إعداد آثارهم الأدبية، وتحويرها، وتنميقها لتكون في أروع ما يستطيعون، ربما كان هؤلاء- ممن يعرفون القراءة والكتابة، على أنه ليس هناك ما يمنع من أن يقوم الأمي بالتنميق والتحسين في إطار ذاكرته، أو حيز حافظته، لا على قرطاس أو صحيفة فذلك يحدث كثيرًا، حتى بين الذين يحسنون القراءة والكتابة. ولكن على العموم لم نسمع أن وجد بين الأدباء في الجاهلية من كان يلقي نصه الأدبي من صحيفة، بل كان الجميع، حتى من يعرفون القراءة والكتابة. يلقون نتاجهم مشافهة، ومن الذاكرة. ولا شك أن ذلك أدعى للإعجاب والإكبار، فهو يوحي بأن كلامه من فيض الخاطر حين إلقائه، وذلك مشاهد بين ظهرانينا اليوم، فكثير من الخطباء والأدباء يعدون كلماتهم قبل إلقائها، ومعظمهم يسجلها، ويكرر إلقاءها بينه وبين نفسه، لتثبت في ذاكرته، فإذا ما وقف بين الناس، خطيبًا، أو متحدثًا، أو منشدًا، تتابعت العبارات على لسانه في دقة وإحكام، كأنما تنثال عليه البلاغة انثيالًا بالطبيعة والسليقة، هؤلاء الأدباء الذين كانوا يقرءون ويكتبون يحتمل جدًّا أنهم قد قاموا بتدوين آثارهم الأدبية أو بعضها على الأقل. ولكن مما لا شك فيه أن بعض القبائل قد قامت بجمع آثار أدبائهم وتدوينها، بدليل ذكر كتب يحمل كل منها اسم قبيلة معينة يضم أخباره وآثارها، مثل كتاب قريش وكتاب ثقيف9 وكتاب تميم، وغير أولئك، جاء في المفضليات.
وجدنا في كتاب بني تميم ... أحق الخيل بالركض المعار10.
ويبدو أن فكرة تدوين الآثار الأدبية قديمة عند العرب، يقول حماد الراوية: "إن ملك الحيرة النعمان بن المنذر المتوفى سنة 602 أمر فنسخت له أشعار العرب في الطنوج -وهي الكراريس- ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار بن أبي عبيدة الثقفي، قيل له: إن
__________
9 الأغاني جـ6 ص94.
10 المفضليات، ص344، والبيت ينسب إلى بشر بن أبي خازم.
(1/141)

تحت القصر كنزًا، فاحتفره، فأخرج تلك الأشعار، فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة11.
وبعض الباحثين يشك في هذه الدعوى، بسبب أن راويها حماد، وأنه ربما افتعلها ليفضل أهل الكوفة على أهل البصرة في الخلافات التي نشبت بين البلدين12. ولكني أعتقد أن مضمون هذه القصة يغلب عليه أن يكون صحيحًا، فمن الطبيعي أن يعتز الملوك والسادة الكبار بما قيل فيهم من مدائح، وما لهم من آثار، فيعملوا على تسجيلها وتدوينها لتظل خالدة. وفي ذلك يقول ابن سلام في كلامه عن الشعر العربي القديم: "وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول، وما مدح به هو وأهل بيته فصار ذلك إلى بني مروان"13 وقد ورد أنه في زمن الوليد بن عبد الملك تولى الخطاط خالد بن أبي الهياج كتابة المصاحف والشعر والأخبار للخليفة المذكور، كما أن الخليفة الوليد بن يزيد المولود سنة 90-708 والمتوفى سنة 127-744 أمر بجمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها، وأنسابها ولغاتها14.
وكما كان في الأدباء من يقرأ ويكتب، كان من الرواة من يعرفون القراءة والكتابة: فيروى عن أبي عمرو بن العلاء أن كتبه ملأت بيتًا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرأ فأحرقها كلها، فلما رجع بعد إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه15.
وجاء في الأغاني16 أن حمادًا الراوية قال: "أرسل الوليد بن يزيد إليَّ بمائتي دينار، وأمر يوسف بن عمر بحملي إليه على البريد. قال: فقلت: لا يسألنى إلا عن طرفيه: قريش وثقيف، فنظرت في كتابي قريش وثقيف". ويقول صاحب الأغاني في موضع آخر. كان حماد الراوية في أول الأمر يتشطر ويصحب الصعاليك واللصوص فنقب ليلة على رجل فأخذ ماله، وكان فيه جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد فاستحلاه وتحفظه17.
__________
11 المزهر جـ1 ص148-149.
12 راجع الأدب العربي لبلاشير ص105.
13 طبقات الشعراء، ص10.
14 الفهرست، ص91.
15 البيان والتبيين جـ1 ص321.
16 أغاني، دار الكتب 6-94.
17 المرجع السابق، ص87.
(1/142)

كما يروى أن ابن الأعرابي لما بعث إليه أبو أيوب أحمد بن محمد بن شجاع غلامًا من غلمانه يسأله المجيء إليه، عاد إليه الغلام، فقال: قد سألته ذلك، فقال لي: عندي قوم من الأعراب فإذا قضيت أربي معهم أتيت. قال الغلام: وما رأيت عنده أحدًا إلا أني رأيت بين يديه كتبًا ينظر فيها، فينظر في هذا مرة، وفي هذا مرة18.
وقال ابن السكيت عن أبي عمرو الشيباني: مات أبو عمرو الشيباني وله مائة وثماني عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلي أن مات، وكان ربما استعار مني الكتاب وأنا إذ ذلك صبي آخذ عنه وأكتب من كتبه19.
ويقولون عن اختيار أبي تمام لديوان الحماسة إن الثلج عاقه عن السفر وكان في العراق، فاستضافه أبو الوفاء بن سلمة، وأحضره خزانة كتبه فطالعها واشتغل بها، وصنف خمسة كتب في الشعر، منها كتاب الحماسة، والوحشيات20.
ثم إن التصحيف نفسه يدل على وجود الكتب المؤلفة في الأدب، كما أن الأخبار قد وردت بوقوع بعض أئمة الرواة في التصحيف، هذا معناه أنهم كانوا بجانب الأخذ مشافهة كانوا يأخذون كذلك من الكتب، رغبة في ازدياد المعرفة، وسعة أفق الرواية، ومما يروى في هذا الشأن ما حدث من الأصمعي إذ يقول أبو حاتم السجستاني: "قرأ الأصمعي على أبي عمرو بن العلاء الحطيئة، فقرأ قوله:
وغررتنى وزعمت أنّـ ... ـك لابنٌ بالصيف تامر
أي كثير اللبن والتمر، فقرأها. "لا تنى بالضيف تأمر" أي لا تتوانى عن ضيفك تأمر بتعجيل القِرى له. فقال له أبو عمرو: أنت والله في تصحيفك هذا أشعر من الحطيئة21.
وأخبار التصحيف كثيرة، وقد ألفت فيه كتب، منها: التصحيف والتحريف للعسكري، والتنبيه على أغاليط الرواة للبصري.
ولعل الخوف من الوقوع في التصحيف هو الذي جعل الرواة يعتمدون اعتمادًا كليًّا على الأخذ مشافهة، ويتحاشون الأخذ مباشرة من الكتب لأنه عرضة للتحريف، خصوصًا قبل
__________
18 المزهر 10 ص160.
19 الفهرست ص107.
20 التبريزي: شرح الحماسة ص4.
21 المزهر 2-355.
(1/143)

حدوث النقط والشكل. ومن ثم نجد الرواة -حتى من كانوا ينقلون عن كتب- يذكرون روايتهم بسند يوحي بأنهم أخذوها مشافهة وسماعًا، وعدوا النقل من الكتب عيبًا، قال ابن سلام في معرض حديثه عن الشعر القديم: "وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه أن ينقل من صحيفة ولا يروي عن صحفى"22.
هذا طرف من الأخبار التي تؤيد وجود الكتب التي دون فيها الأدب الجاهلي، وكثير من هذه الأخبار التي سقناها يدل على أن تدوين الآثار الأدبية كان موجودًا قبل الإسلام. ولكننا لا نعرف بالضبط متى بدأ، ولا أي الآثار الأدبية كان أسبق في التدوين. ولا شك أن حركة التدوين كانت تتقدم مع الزمن شيئًا فشيئًا فبعد أن كانت قليلة أو في حدود ضيقة في العصر الجاهلي، أخذت تنمو وتطرد في الازدياد بعد ظهور الإسلام، واتساع الدولة الإسلامية، واختلاط العرب بغيرهم، وشيوع القراءة والكتابة، ووقوفهم على ما لدى غيرهم من علوم ومعارف ومدنية وتقدم، فهذه الظروف كلها أوجدت ميادين فسيحة للمجال الفكري والعلمي عند العرب، فاستحدثت علوم كثيرة كالتفسير والحديث والفقه واللغة والنحو، والبلاغة. وهذه كلها تحتاج إلي الأدب، ولهذا لا يخلو كتاب ألف في أحد هذه العلوم من آثار أدبية جاهلية، إذ إن جميع هذه العلوم تعتمد في تقرير أسسها ومبادئها على كلام العرب القدامى الفصيح، وبسبب ذلك دون كثير من الأدب الجاهلي في ثنايا هذه العلوم، وكلما تقدم الزمن، اتسعت آفاق الباحثين، فزاد تبعًا لذلك التأليف في هذه النواحي، ومن ثم اهتموا بالأدب القديم اهتمامًا عظيمًا، فوق ما كان له من الأهمية العظمى في نفوس العرب جميعًا قبل الإسلام، فتخصص بعض العلماء والباحثين في جمعه وتدوينه، وقد أشرنا إلى كثير من ذلك في حديثنا عن الرواة الذين ذكرنا نبذًا يسيرة عن بعضهم فيما سبق. ومما بيناه هناك يتبين أن حركة التدوين كانت في نشاط متزايد خلال القرنين الثاني والثالث وتدل الأخبار الموثوق بها على أن كثيرًا من هؤلاء الرواة قد عنوا بجمع الأدب الجاهلي وتدوينه، كل منهم بقدر ما استطاع، وأن اللاحق منهم كان يحاول أن يزيد عن السابق في هذا الميدان. وبعضهم كانت له تعقيبات وآراء في السابقين وأعمالهم الأدبية، كأنما كانوا يتبارون في الجمع والتدوين
__________
22 طبقات فحول الشعراء ص5.
(1/144)

والدراسة. ونظرة إلى ما ذكرناه عن الرواة ومجهود كل منهم العلمي تبين ذلك بوضوح، فهناك مثلًا أبو عمرو الشيباني المتوفى سنة 213 يروى عنه أنه جمع أشعار القبائل، وكانت نيفًا وثمانين قبيلة، وكان كلما عمل قبيلة كتب مصحفًا، هذا بالإضافة إلى الدواوين التي عملها مثل دواوين: امرئ القيس، والحطيئة، ولبيد، ودريد بن الصمة، والأعشى، وهذا الأصمعي المتوفى سنة 215، يقال عنه إنه جمع الشعر المبعثر في دواوين ومجموعات، ومنها الأصمعيات المشهورة، كما عمل دواوين امرئ القيس، والنابغة، والحطيئة، ولبيد، والأعشى، وبشر بن أبي خازم، والمهلهل، والمسيب بن علس، والمتلمس، وهناك ابن الأعرابي المتوفى سنة 225، وقد قال عنه أبو العباس: قد أملى على الناس ما يحمل على أجمال، ثم ابن السكيت المتوفى سنة 245 الذى يقال عنه إنه جمع دواوين امرئ القيس، والحطيئة، ولبيد، والأعشى، وبشر بن أبي خازم، والمهلهل، والخنساء، وهناك السكري المتوفى سنة 275، وقد قام بعمل دواوين امرئ القيس، وزهير، والنابغتين، والحطيئة، ولبيد، ودريد بن الصمة، والأعشى، وبشر بن أبي خازم، والمهلهل، والمتلمس، والمسيب وعدي بن زيد، والخنساء، وقيس بن الحطيم، وتميم بن مقبل، وأشعار اللصوص وأشعار هذيل، وهدية بن خشرم، ومزاحم العقيلي، والأخطل، وغيرهم، ثم أبو الفرج الأصبهاني، المتوفى سنة 357 قد كتب عشرات الكتب، منها كتاب التعديل والانتصاف في أخبار القبائل وأنسابها، وكتاب الأخبار والنوادر، وكتاب مجموع الآثار والأخبار، وكتاب أيام العرب، وكتاب الأغاني الذي طبقت شهرته الآفاق وهو كتاب يعتبر موسوعة عربية ضخمة، وحكي عن الصاحب بن عباد أنه كان في أسفاره وتنقلاته يستصحب ثلاثين جملا، من الكتب، فلما وصل إليه كتاب الأغاني استغنى به عنها، وقال عنه الصاحب بن عباد إنه "للزاهد فكاهة، وللعالم مادة وزيادة، وللكاتب والمتأدب بضاعة وتجارة، وللبطل رجلة وشجاعة، وللمتظرف رياضة وصناعة، وللملك طيبة ولذاذ، ولقد اشتملت خزانتي على مائة ألف وسبعة عشر ألف مجلد ما فيها سميري غيره، ولا راقني منها سواه".
ومما سبق يتبين أن التدوين كان: إما إملاء من الأستاذ على التلاميذ أو الكتبة كما حدث من ابن الأعرابي الذي قيل عنه إنه أملى ما يحمل على أجمال، وإما كتابة بخط التلميذ بعد السماع من الأستاذ، أو النقل من الكتب، كما قال ابن السكيت عن نفسه إنه كان يأخذ من
(1/145)

أبي عمرو الشيباني ويكتب من كتبه، وإما كتابة بخط الأستاذ نفسه، كما كان من أبي عمرو الشيباني.
ويتضح كذلك أنه منذ القرن الثاني الهجري وجدت نهضة عظيمة في الجمع والتدوين للنصوص الأدبية الجاهلية، ولم يبدأ جمع الشعر العربي إلا في عصر الأمويين، ولم يبلغ هذا الجمع ذروته إلا في عصر العباسيين23.
ولا شك أن مما ساعد على وجود هذه النهضة العظيمة في التدوين شيوع عادة الكتابة العربية وسهولتها في أواخر القرن الأول للهجرة24، حوالى سنة 7000م بعد أن كانت نادرة، وأدواتها صعبة غير ميسرة.
وقد كانت هناك عوامل كثيرة دفعت القوم إلى جمع الأدب الجاهلي وتدوينه، فقد كانت العصبية في الجاهلية هي التي تدفع الناس إلى حفظ آثارهم الأدبية، كل قبيلة تعنى بجمع نصوص أدبها وتعمل على نشره وإذاعته لأنه سجل مفاخرهم وأمجادهم، وضياعه فيه انهيار لمكانة القبيلة، وضياع لشرفها، وهذه العصبية وإن اختفت في عصر صدر الإسلام، إبان ظهور الدعوة الجديدة التي حرمت التباهي بالأحساب والأنساب والتحيز للأقارب والأصحاب بسبب الحمية الجاهلية، فإنها قد عادت بوضوح في أيام الدولة الأموية، بل إن الأمويين أنفسهم كثيرًا ما كانوا يعملون على إثارتها، وإلهاب نار العصيبة بين القبائل، لكي يلهو الناس بها عن التفكير في الحكم والسياسة، وكان لهذا أثره في إنشاء الأدب إذ ذاك وفي جمع الشعر القبلي القديم وتدوينه، لتتباهى كل قبيلة بما كان لها في الماضي من عوامل الزهو والافتخار التي كان الأدب أهم أسسها وأركانها.
ثم إن إنشاء الدولة، وما يتبعه من تنظيمات سياسية وإدارية واجتماعية وتخصيص رواتب وأعطيات معينة لكل فئة ممن يقومون بالأعمال، أو يتولون مناصب خاصة، كل ذلك جعل العرب يهتمون بالأنساب، ومعرفة الأصول والفروع من الآباء والجدود، والأبناء والحفدة، ومن ثم رجعوا إلى الشعر القديم الذي قلما تخلو قصيدة منه من ذكر الأنساب، ومن هنا حوت الكتب التي ألفت في الأنساب كثيرًا من القصائد والمقطوعات الشعرية والقطع
__________
23 بروكلمان، ج1 ص63.
24 الشهاب الراصد ص302.
(1/146)

الأدبية، وأشهر من فعل ذلك في زمن معاوية دغفل وصحار العبدي، ومن تحقيقات النسابين جمعت مقطوعات شعرية كثيرة تحوي إشارات إلى منشأ محالفات القبائل والأرهاط25.
والخلافات السياسية التي حدثت في الدولة الإسلامية منذ نشب النزاع بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان، كانت سببًا في حدوث انقسام بين المسلمين، فكانوا شيعًا وأحزابًا، كل يناصر فريقًا معينًا، وحدثت من جراء ذلك معارك دامية، كل هذا دعا كل فريق إلى الحديث عن نفسه في الماضي والحاضر، مما كان له كذلك أثر في جمع الأدب القديم وتدوينه.
واتساع الدولة الإسلامية، وامتداد حكم العرب إلى أقاليم كثيرة خارج شبه الجزيرة العربية في مصر وسورية والعراق وفارس، واختلاطهم بسكان هذه البلاد، كل هذا كان له أثر في الاهتمام بالأدب القديم، ذلك أن العرب الغالبين، كانوا بحكم عربيتهم الخالصة، يعدونه سجل مفاخرتهم وأمجادهم، يتغنون بها أمام هذه الشعوب المختلفة، كأنما كانوا يريدون أن تعلم هذه الشعوب ما كان لأسلاف حاكميهم من أمجاد خالدة في شتى الميادين، بجانب ما يجدون في إنشاده وترديده من متعة ولذة. ولما رأى أهل هذه البلاد حب السادة الحاكمين للأدب القديم، وأنهم "أي الموالي" في حاجة إلى تعلم اللغة العربية، والتفوق فيها، أقبلوا هم كذلك على الأدب العربي يحفظونه، ويتدارسونه، ويروونه حتى برعوا فيه، وقد مر بنا عدد كبير من هؤلاء الموالي الذين كانوا من الرواة الأفذاذ، وكأنهم بعملهم هذا يرمون إلى إتقان اللغة العربية وآدابها، حفظًا، وفهمًا، ودراسة، فكان منهم العلماء الثقات، الذين يُرجَع إليهم كلما أشكل أمر كما كانوا يتمنون أن يكونوا محدثين ممتازين، فكان منهم الحفظة الأذكياء.
ومما كان له أثر كبير في رواج جمع الأدب الجاهلي وتدوينه، ما كان من الخلفاء والولاة والحكام من ميول أدبية ممتازة، فقد كان فيهم حب شديد للأدب ملك عليهم أفئدتهم، فكان الخليفة كثيرًا ما يتوق إلى سماع قصيدة معينة، أو قطعة أدبية، فيسأل عنها. وقد فعل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أشرنا إلى ذلك سابقًا، وكذلك كان الخلفاء الراشدون وبخاصة عمر بن الخطاب، وفي عصر الدولة الأموية اشتد اهتمام الخلفاء بالأدب، فكثيرًا ما كانوا
__________
25 تاريخ الأدب العربي لبلاشير، ص102.
(1/147)

يرسلون في طلب عالم أو راوية لسؤاله عن خبر أو قصيدة شعرية. وكتب الأدب والتاريخ مملوءة بذكر الأمثلة الكثيرة في هذا الشأن. وقد كانت الفرحة تعم نفوسهم، والبشر يعلو وجوهم حينما يجدون الجواب الشافي عند من يسألونه فتنفرج أساريرهم، وتنبسط أيديهم عن واسع السخاء وكريم العطاء. ومن هنا تسابق الرواة في الحفظ والجمع والتدوين، حبًّا في الشهرة، وطمعًا في الغنى والثراء. وهذا ولا شك كان له أكبر الأثر في شحذ الهمم للبحث والتحصيل، فجمع بذلك شيء كثير من الأدب الجاهلي، وربما كانت الرغبة في حسن الصيت وكثرة الغنى، سببًا في دفع بعض الرواة إلى الاختلاق كما رأينا في سيرة بعضهم، ولكن المتنافسين والعلماء والنقاد كانوا لأمثال هؤلاء بالمرصاد، وقد أوردنا أمثلة لذلك فيما سبق.
وتدوين النصوص الأدبية بالصورة التي وصلت إلينا بها الآثار الجاهلية تبدو فيها ظواهر كثيرة ترجع إلى عوامل شخصية أو نفسية أو عقلية أو وجهات نظر مختلفة لدى الأدباء أنفسهم، أو الرواة أو القائمين بالتدوين.
فمما لا شك فيه أن كل عملية من الحفظ والجمع والتدوين تخضع خضوعًا كبيرًا للذوق الشخصي، فكل فرد له ميول خاصة، وأهواء معينة، فهذا يميل إلى نوع، وذاك إلى آخر وهكذا، بحكم اختلاف الأشخاص في الشخصيات، والميول، والرغبات، ومن ثم نجد الرواة قد يختلفون فيما بينهم اختلافًا كبيرًا في الكم والكيف، فقد يميل بعضهم إلى حفظ شيء معين، وبعضهم يميل إلى شيء آخر، وإن اتحدوا في النوع فقد يختلفون في الكم، فهذا يحب حفظ القطع الطويلة وذاك يحب المقطوعات القصيرة. ومع أن العرب كانوا يحرصون على الآثار الأدبية حرصهم على أعز الأشياء؛ لأنهم كانوا يعدونها من أهم الأشياء الضرورية لهم، فإننا مع ذلك نرى بعض القصائد فيها اختلاف بين الروايات بعضها وبعض، مما يدل على أن الرواة لم يكونوا يتفقون في حفظ القصائد، فنجد مثلًا قصيدة تروى طويلة في بعض الروايات وهي نفسها تروى في رواية أخرى قصيرة، وقد تجيء في رواية ثالثة أقصر من الأوليين، ويعلل بعضهم ذلك بأن النفس يبقى فيها ما ترى أنه أوثق اتصالًا بحالتها القائمة، وأصدق تعبيرًا عنها، أما بقية القصيدة مما لا يمت إلى نفس الذي يحفظها بسبب، فليست في حاجة إليه، ولذلك يكون مثل هذا الجزء أقرب إلى أن يضيع ويذهب أو ينسى من الذاكرة.
وإن النفوس تتباين، والبواعث على قراءة الأدب وحفظه وتدوينه مثل البواعث على
(1/148)

إنشائه وقوله، وتختلف باختلاف الأشخاص، وباختلاف الأحوال للشخص الواحد، ومعنى هذا أن المحفوظ من قصيدة مثلًا قد يختلف باختلاف حالات النفوس، وباختلاف الأفراد، وهذا قد يؤدي إلى أن يتفرق النص الأدبي في عدد من الناس، وقد يذهب من القصيدة أكثرها، ولذلك لا تبقى كلها مجتمعة متصلة الأجزاء، وإنما هي أشلاء متناثرة، تتلقفها أفواه حافظة، ويذهب كل بنصيبه حيث يحلو له، فإذا جاء بعد ذلك دور الجمع والدراسة، كان في لم شتاتها، وترتيب أجزائها ما لا يخفى من عسر، فضلًا عما قد يصيبها به ذلك التفرق من نقص واضطراب واختلاط وتداخل مع غيرها من القصائد التي تتفق معها في الوزن والقافية، وقد تكون القصيدة أو القصائد الأخرى لصاحب القصيدة نفسه، وقد تكون لغيره.
ولا شك أن تدوين ما لم يكن مدونًا من النصوص كان يتوقف على ما في ذواكر الحفاظ والرواة منه، والاعتماد على الذاكرة، مع مرور الزمن، وكثرة المحفوظ، يؤدي أحيانًا إلى حدوث اختلاف بين الرواة في ألفاظ النص الأدبي الواحد. والباحثون يرجعون ذلك إلى أحد الاحتمالات الآتية:
أن الراوي قد يعمد إلى البيت نطق به الشاعر على لغته، فيغير منه الكلمة إلى ما يوافق لغته هو، ما دام ذلك لا يغير من جوهر المعنى شيئًا.
أو أن الراوي قد تسقط منه بعض الكلمات على وجه النسيان، فيحاول أن يضع مكانها بديلًا عنها، وما كانوا يرون في ذلك من بأس ما دام الغرض الذي يرمي إليه الشاعر قائمًا، والمعنى الذي يقصده لم يتغير، والراوي عندما يقدم على ذلك إنما كان يستعمل ألفاظًا فصيحة مستعملة في التعبير الأدبي، ويبدو أن ذلك كان شائعًا ومعروفًا بين الشعراء والرواة، ولذلك نجد بعض الشعراء يطلب كتابة شعره، ولا يتركه للحفظ فقط، كما يروى عن ذي الرمة إذ قال لموسى بن عمرو: "اكتب شعري، فالكتاب أعجب إليّ من الحفظ؛ لأن الأعرابي قد ينسى الكلمة التي تعبت في طلبها ليلة، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى، ولا يبدل كلامًا بكلام"26.
أو أن الشاعر، أو الأديب نفسه قد يكون ألقى نصه الأدبي على وجهين أو وجوه مختلفة في أوقات عدة، وقد يبدو له أن كلمة أليق، أو أحسن، أو تسقط من حافظته الكلمة التي أنشأ
__________
26 العمدة: 1-250.
(1/149)

عليها النص في بادئ الأمر، ثم يتصادف أن يحملها عنه في كل مرة راوٍ أو رواة مختلفون، فيحمل كل منهم عنه ما سمعه منه، ويدعي صادقًا أن ذلك سمعه مشافهة من الأديب نفسه.
ويدعي بعض العلماء أن الرواة كانوا أحيانًا يقومون بتغيير بعض الألفاظ إذا رأوا فيما ورد عن الأديب خطأ كما يروى في بيت امرئ القيس:
فاليوم أشربْ غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
فقالوا: حذف الإعراب، وليس بالحسن، وذهبوا إلى أنه يريد "أشرب" فحذف الضمة، ولذلك غيروه، فجعله بعضهم، "فاليوم فاشرب"، بصيغة الأمر27.
وفي قول عدي بن زيد:
ففاجأها وقد جمعت جموعاً ... على أبواب حصن مُصْلتينا
فقددت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبًا ومَيْنا
فقالوا إن في قوله "مينا" سناد، ولذلك أراد المفضل الضبي أن يفر من هذا السناد فغيرها، وجعلها كذبًا مبينًا28.
فكأن الرواة كانوا يقومون بالإصلاح والتهذيب، بجانب مهمتهم الأساسية التي هي الحفظ والنشر. وإذا كان الأمر كذلك فيبدو أن الذي دفعهم إلى هذا هو حرصهم على صحة اللغة وجمالها.
وهناك ظاهرة واضحة في اختلاف الرواة في ترتيب أبيات القصائد الشعرية فرواية تحكيها بشكل معين، في حين أن أخرى تحكيها بشكل آخر، من حيث تقديم بعض الأبيات أو تأخيرها. وهذه الظاهرة ليس فيها شيء على الإطلاق، فلا تدل على تزوير ولا تحريف؛ لأنها كانت تروى عن الحافظة. والذاكرة عرضة لذلك دائمًا، وبخاصة إذا كان المحفوظ فيها كثيرًا، وقد يكون هناك الشيء الكثير من النوع الواحد، ولا ريب في أن مما ساعد على حدوث ذلك بشكل ملموس استقلال البيت الواحد، ووحدته التي قدسها الشاعر العربي والتزامها، وجعل الخروج عنها عيبًا في الشعر.
__________
27 الموشح للمرزباني، ص85، وزعم قوم أن الرواية الصحيحة: "اليوم أسقي"وبذلك كان المبرد يقول. "العمدة: 2-274".
28 المرجع السابق ص22.
(1/150)

وفي بعض الأحيان نجد أن البيت أو البيتين أو الثلاثة تنسب لقائل مجهول، ويحدث ذلك غالبًا في الشواهد الشعرية، مما دعا الباحثين إلى الاعتقاد باختلاقها لتبرير رأي، وفي كثير من هذه الحالات يحاول الراوي أن يذكر أن القائل رجل أو أمراة، أو من قبيلة كذا.
وفي نسبة الأثر إلى صاحبه، قد يحدث خلط واضطراب، بسبب تشابه الأسماء، فهناك مثلًا أربعة أدباء كل منهم اسمه كثير، وعشرة كل منهم امرؤ القيس، وثمانية باسم النابغة، وستة عشر باسم الأعشى، وقد ألفت في ذلك كتب عديدة، منها: معجم الشعراء للمرزباني، والمؤتلف والمختلف للآمدي، وقد يحدث هذا اللبس بين أدباء القبيلة الواحدة مثل هذيل، إذ فيها عشرات من الشعراء فإذا قيل الهذلي بدون تعيين، لم يعرف أيهم المقصود.
ولذلك كثيرًا ما كانوا يضيفون الشعر المجهول النسب إلى شاعر اشتهر بقوله في الغرض الذي فيه النص، وفي ذلك يقول الجاحظ: "ما ترك الناس شعرًا مجهول القائل، قيل في ليلى إلا نسبوه إلى المجنون، ولا شعرًا هذا سبيله قيل في لبنى إلا نسبوه إلى قيس بن ذريح 29، كما أنهم نسبوا إلى عنترة العبسي كل شعر حوى اسم عبلة".
هذه هي أهم الظواهر التي نراها في تدوين الأدب الجاهلي، ولكن مهما يكن، فإن الرواة قد قاموا بمهمة جليلة، إذ حفظوا لنا هذا التراث الرائع. والرواية الشفهية -وإن ضاع بسببها شيء كثير، بسبب كثرة المحفوظ فيها وتزاحمه، مع تقادم الزمن، واختلاف الميول والأهواء- فقد كان لها الفضل الأكبر في تنقل هذا التراث من جيل إلى جيل، صحيحًا سليمًا في النطق والأداء والتلقي، بعيدًا عن التحريف والتصحيف، كما أن الرواة الذين قاموا بتدوين هذا التراث قد أدوا للأجيال التالية لهم وللأدب نفسه خدمات عظيمة الشأن، فقد حفظوا هذه الكنوز من الضياع وسط تيارات الحياة المضطرمة، ومشاغلها المعقدة المتشابكة التي تلت أيام هؤلاء الحفظة الأفذاذ، فسجلوها في بطون الكتب، فظلت خالدة، وما بقي منها إلى اليوم يعتبر من أمهات المراجع للأدباء والعلماء والباحثين, وإنه لمما يؤسفنا أشد الأسف أن كثيرًا مما دونه هؤلاء الرواة والعلماء في عصر التدوين قد ضاع بسبب عوادي الزمن والاضطرابات السياسية ونهب المراكز الحضرية على يد المغول. ومما بقي لنا من آثار العلماء الأجلاء نجد أنهم بذلوا مجهودًا ضخمًا في الجمع والتدوين، والدرس والبحث، وتمييز
__________
29 الأغاني جـ2 ص8.
(1/151)

الصحيح من الزائف، فأبعدوا النصوص المشبوهة المتهمة، ونصوا عليها، وأوصلوا إلينا -بفضل جهودهم المشكورة- قدرًا عظيمًا من الآثار الأدبية الجاهلية الصحيحة، التي لا يرقى إليها الشك. والكتب الأدبية تفيض بالأمثلة لكل هذا، وهي تشهد لهم بالجهد الكبير، والفضل العظيم.
(1/152)

مصادر الأدب الجاهلي
مدخل
...
مصادر الأدب الجاهلي
مصادر الأدب الجاهلي هي تلك الذخائر الأدبية الباقية لنا من آثار العلماء والأدباء والرواة والباحثين الذين تحدثنا عنهم في الفصل السابق ومن أتى بعدهم من المؤلفين، مشتملة على تراث الجاهليين الأدبي من الشعر والنثر. ولم يحظ النثر الجاهلي حتى الآن بجمعه في مصدر واحد، أو كتاب خاص1، فما جاء إلينا منه مبعثر هنا وهناك في كتب الأدب والقصص والتاريخ، مثل العقد الفريد لابن عبد ربه، والكامل للمبرد، والحيوان، والبيان والتبيين للجاحظ، والأغاني للأصبهانى، والأمالي لأبي علي القالي وكتب الأمثال، وعيون الأخبار لابن قتيبة، وديوان المعاني للعسكري، والمزهر للسيوطي، والمخصص لابن سيده وشروح دواوين الشعراء، وشرح النقائض لأبي عبيدة، وكتب السيرة النبوية، وتاريخ الطبري، وابن الأثير، والمسعودي، وكتب المعاجم. ويأتي النص النثري في كل من هذه الكتب عندما تأتي المناسبة التي تستدعيه.
أما الشعر فقد نال عناية عظيمة، فجمع في كتب خاصة، وحظي كثير منها بالجمع والبحث والدراسة والتحقيق والتعليق، هذا بالإضافة إلى وجود كثير من الأشعار الجاهلية في كتب الدراسات الأدبية، والدينية، واللغة والنحو والبلاغة والنقد والتاريخ والسير، ومن هذه الكتب الخاصة والعامة تتكون مصادر الشعر الجاهلي, ومصادره الخاصة وردت إلينا إما في صورة مجموعات ومختارات، وإما في صورة دواوين لقبائل أو لأفراد: لكل شاعر ديوان خاص وأهم المجموعات والمختارات ما يأتي:
__________
1 جمع بعضًا من الخطب والرسائل الأستاذ أحمد زكي صفوت في بداية الجزأين الأولين من مجموعتيه، جمهرة خطب العرب، وجمهرة رسائل العرب.
(1/153)

1- المعلقات:
هذا اسم مشهور لعدد من القصائد الطوال، وقد اختلف في عددها، وفي أصحابها؛ وأكثر الروايات على أنها سبع: لامرئ القيس، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى،
(1/153)

ولبيد بن ربيعة، وعمرو بن كلثوم، وعنترة بن شداد العبسي، والحارث بن حلزة، ولكن المفضل الضبي يضع مكان الأخيرين النابغة الذبياني، والأعشى، وقال: من زعم أن في السبع التي تسمى السموط لأحد غير هؤلاء فقد أبطل2. وقد سار على رأي المفضل هذا صاحب جمهرة أشعار العرب. والرأي الأول صاحبه في الأصل حماد الراوية، ويرى نولدكه أن السبب الذي حمل حمادًا على ضم الحارث بن حلزة إلى مجموعته3 أن حمادًا كان مولى لقبيلة بكر بن وائل، وكانت هذه القبيلة في عداء دائم مع قبيلة تغلب زمن الجاهلية، ولما كانت قصيدة عمرو بن كلثوم قد لقيت شهرة واسعة لتمجيدها قبيلة تغلب، ولانتشار هذه القبيلة في البلاد لم يسع حمادًا أن يعدل عن اختيارها، ولكن اضطر إلى التفكير في وضع قصيدة أخرى إلى جانبها تشيد بمجد سادته، وهم قبيلة بكر بن وائل، وهكذا اختار قصيدة سليل هذه القبيلة، وهو الحارث بن حلزة.
وهناك بعض الروايات تجمع بين الرأيين فتعد المعلقات تسعة: بإضافة القصيدتين اللتين اختارهما المفضل إلى اختيارات حماد. وأما التبريزي فقد جعل المعلقات عشرًا بإضافة قصيدة لعبيد بن الأبرص.
وكما اختلف في عددها وأصحابها، اختلف في اسمها، فوردت لها أسماء كثيرة هي: المعلقات السبع، والسبع الطوال، والقصائد السبع الطوال الجاهليات، والسبعيات، والمعلقات العشر، والسموط، والمشهورات، والمشهورة، والمذهبات. ولكن الاسم المشهور لها هو: المعلقات.
ويرجع اختيارها في الأصل إلى حماد الراوية، فسماها السموط جمع سمط وهو العقد، وأراد حماد من هذه التسمية الدلالة على نفاسة ما اختاره. والافتخار بخالص اختياره4، وقد اختلف في سبب تسميتها بالمعلقات.
فقيل سميت بذلك الاسم لأن العرب اختارتها من بين أشعارها، لما رأوا من عظيم شأنها، ورفعة قدرها: فأكبروها، وعظموها، حتى بلغ من شدة تعظيمهم لها أنهم كتبوها بالذهب
__________
2 بروكلمان جـ1 ص76.
3 تاريخ الأدب العربي لبروكلمان، ص67.
4 تاريخ الأدب العربي لبروكلمان جـ1 ص67.
(1/154)

على الحرير، ثم علقوها على أركان الكعبة، وقيل بأستارها، يقول ابن عبد ربه5: "لقد بلغ من كلف العرب بالشعر وتفضيلها له أن عمدت إلى سبع قصائد تخيرتها من الشعر القديم فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها بين أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير، والمذهبات السبع، وقد يقال لها المعلقات".
ويقول ابن رشيق"390-463" في كتابه العمدة6: "وكانت المعلقات تسمى المذهبات؛ وذلك لأنها اختيرت من سائر الشعر، فكتبت في القباطي بماء الذهب، وعلقت على الكعبة؛ فلذلك يقال: مذهبة فلان إذا كانت أجود شعره، ذكر ذلك غير واحد من العلماء".
وابن خلدون المتوفى سنة 808 يقول في مقدمته7: "حتى انتهوا إلى المناغاة في تعليق أشعارهم بأركان البيت الحرام موضع حجهم وبيت إبراهيم، كمل فعل امرؤ القيس بن حجر، والنابغة الذبياني، وزهير بن أبي سلمى، وعنترة بن شداد، وطرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، والأعشى. من أصحاب المعلقات السبع وغيرهم، فإنه إنما كان يتوصل إلى تعليق الشعر بها من كان له قدرة على ذلك. بقومه. وعصبيته. ومكانه في مضر، على ما قيل في سبب تسميتها بالمعلقات".
وقال البغدادي8 "1039-1093": "ومعنى المعلقة أن العرب كانت في الجاهلية يقول الرجل الشعر منهم في أقصى الأرض فلا يعبأ به ولا ينشده أحد، حتى يأتي مكة في موسم الحج، فيعرضه على أندية قريش، فإن استحسنوه روي، وكان فخرًا لقائله، وعلق على ركن من أركان الكعبة، حتى ينظر إليه، وإن لم يستحسنوه طرح ولم يعبأ به، وأول من علق شعره في الكعبة، امرؤ القيس، وبعده الشعراء". ثم قال: "وروي أن بعض أمراء بني أمية أمر من اختار له سبعة أشعار، فسماها المعلقات".
وظاهر من هذه الآراء أنهم يعللون سبب تسميتها بالمعلقات بأن ذلك من تعليقها بالكعبة، وهم يؤيدون تفسيرهم ذلك بأن تعليق الأشياء الهامة على الكعبة كان من دأب العرب،
__________
5 العقد الفريد جـ5 ص269 "وعاش ابن عبد ربه 246-328".
6 جـ1 ص96.
7 ص532.
8 خزانة الأدب جـ1 ص61 طبعة بولاق.
(1/155)

جاهلية وإسلامًا فقد علقت قريش بها الصحيفة التي تآمرت فيها على قطيعة بني هاشم، وعلق بها الرشيد عهده بالخلافة للأمين والمأمون، ولما كانت هذه القصائد موضع الاستحسان والإعجاب من العرب، فقد نالت الاهتمام والإكبار منهم، فعلقوها على الكعبة.
وهناك آراء تنكر خبر تعليقها وتعتقد عدم صحته، وقالوا: إنما سميت معلقات لعلوقها بأذهان صغارهم وكبارهم ومرءوسيهم ورؤسائهم؛ وذلك لشدة عنايتهم بها، فقد كانت مشهورة وتجرى بكثرة على أفواه الرواة وأسماع الناس.
وقيل: إنما سميت بالمعلقات لا لتعليقها بالكعبة؛ وإنما لأن الملك9 كان إذا استجيدت قصيدة الشاعر يقول: "علقوا لنا هذه" لتكون في خزانته. وأقدم من أنكر خبر التعليق على الكعبة أبو جعفر النحاس المتوفى سنة 338هـ، فقد قال في شرحه للمعلقات: "وقيل إن العرب كان أكثرهم يجتمعون بعكاظ ويتناشدون الأشعار، فإذا استحسن الملك قصيدة قال: "علقوها وأثبتوها في خزانتي". ويقول أبو جعفر النحاس أيضًا: "إن حمادًا هو الذي جمع السبع الطوال، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة"10.
ويعتمد من يرون إنكار خبر التعليق بالكعبة، على أن من يوثق بروايتهم وعلمهم لم يشيروا إلى هذا التعليق، ولا سموا تلك القصائد بهذا الاسم، كالجاحظ والمبرد وصاحب الأغاني والزوزني والتبريزي. ويقولون إن الأسماء التي وردت بها تلك القصائد فيما لدينا من كتب الأدب واللغة إلى آخر للقرن الثالث هي: السموط والسبع الطوال، والسبعيات. أما التسمية الأولى فهي تسمية حماد، وأما الثانية فمن المفضل، وأما الثالثة فهي للباقلاني في إعجاز القرآن.
وأصحاب هذا الرأي يؤيدون إنكار تعليق هذه القصائد على الكعبة بأن الكعبة حين تهدمت وجددت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد ذكر ولا أثر لتعليق هذه القصائد في الكعبة. لكن من يرون أنها علقت على الكعبة يردون عليهم بأن تعليقها كان لفترة غير طويلة لا تعدو الموسم الذي قيلت فيه.
ومن الذين ينكرون خبر تعليقها على الكعبة من يقول إن تسميتها بالمعلقات لم يكن لتعليقها
__________
9 العمدة 10/96.
10 إرشادات الأريب لياقوت: حماد.
(1/156)

على الكعبة، وإنما لأن العرب في الجاهلية كانت إذا كتبت شيئًا في الرقاع المستطيلة من الحرير أو الجلد أو نحوهما، فخافت عليه قرض فأرة أو تآكل عثة، طوته على عود أو خشبة، وعلقته في جدار البيت، أو الخيمة، بعيدًا عن الأرض، لحرصهم عليه.
فمن ينكر خبر تعليقها بالكعبة يرى أن سبب تسميتها بذلك يرجع إلى علوقها بالأذهان لأهميتها، أو لأمر الملك بتعليقها أي إثباتها في خزانته، أو إلى تعليقها على جدار المنزل، خوفًا عليها.
ومنهم من يرى أنها سميت بذلك لنفاستها، أخذا من العِلق، بمعنى النفيس الثمين من الأشياء والحلى والثياب11.
وقد ورد التعلق بمعنى الكلف والعشق، كما في قول عنترة في معلقته:
عُلِّقْتُها عَرَضًا، وأَقتل قومَها ... زعمًا لعَمْرُ أبيك ليس بمَزعمِ12
فعلقتها هنا من العلق والعلاقة وهما العشق والهوى، يقال علق فلان بفلانة إذا كلف بها.
فلعل هذه القصائد سميت بالمعلقات لكلف الناس بها وحبهم لها فكأنهم عشقوها، وتعلقوا بها. وعلى كل، فهذا الخلاف ليس إلا في التسمية، والجميع يتفقون على أصالتها والثقة بها، وعلو درجتها الفنية، ولذلك كانت موضع اهتمام الأدباء في جميع العصور، فحظيت بالدرس والبحث والشرح، لا بين العرب وحدهم بل اهتم بها الأدباء غير العرب كذلك، وقد أورد بروكلمان في كتابه تاريخ الأدب العربي13 سجلًا لهذه الدراسات والشروح العربية والأجنبية، من بينها: شروح: أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري، المتوفى سنة 327/939، وأحمد بن محمد النحاس المتوفى سنة 338/950 والحسين بن أحمد الزوزني المتوفى سنة 486/1093؛ ويحيى بن علي التبريزي المتوفى سنة 502/1109، ودراسات ونشر كل من: أرنولد، ليبزج 1850، وليدي بلنت، ومستر بلنت، ونولدكه، وجايجر.
__________
11 راجع رأي Lyall في تاريخ الأدب العربي لبلاشير 157.
12 ديوان عنترة ص16: بيروت 1958.
13 جـ ص68-72.
(1/157)

2- المفضليات:
هي مجموعة من القصائد سميت باسم من اشتهر بجمعها، وهو المفضل بن محمد بن يعلى الضبي المتوفى سنة 164/780هـ. وقيل سنة 168: وقيل سنة 170هـ، والشائع المعروف أن المفضل جمعها لتلميذه المهدي حينما جعله والده الخليفة العباسي المنصور مؤدبًا له. وكان المفضل سماها في الأصل كتاب الاختيارات، ولكنها بعد ذلك سميت باسمه.
وهذه كسابقتها اختلف في عددها ومن جمعها. فقيل إنها مائة وست وعشرون قصيدة، أضيفت إليها أربع قصائد وجدت في بعض النسخ، ويقول ابن النديم: "وهي مائة وثمانية وعشرون قصيدة، وقد تزيد وتنقص، وتتقدم القصائد وتتأخر، بحسب الرواية عن المفضل، والصحيحة التي رواها ابن الأعرابي14 تلميذ المفضل وربيبه".
وروى صاحب الأغاني أبو الفرج الأصبهاني في كتابه "مقاتل الطالبيين"15 عن ابن الأعرابي وعن أبي عثمان البقطري وعن علي بن أبي الحسن، ثلاثتهم عن المفضل، قال: كان إبراهيم بن عبد الله بن الحسن متواريًا عندى، فكنت أخرج وأتركه! فقال لي: إنك إذا خرجت ضاق صدري، فأخرج إليّ شيئًا من كتبك أتفرج به: فأخرجت إليه كتبًا من الشعر، فاختار منها السبعين قصيدة التي صدرت بها اختيار الشعراء، ثم أتممت عليها باقي الكتاب.
وأما أبو علي القالي، فقد روى في كتابه الأمالي16 عن أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش عن أبي جعفر محمد بن الليث الأصفهاني، قال: "أملى علينا أبو عكرمة الضبي المفضليات من أولها إلى آخرها، وذكر أن المفضل أخرج منها ثمانين قصيدة للمهدي، وقرئت بعد على الأصمعي، فصارت مائة وعشرين، قال أبو الحسن -يعني الأخفش- أخبرنا ثعلب أن أبا العالية الأنطاكي والسدري وعافية بن شبيب، وهؤلاء كلهم بصريون من أصحاب الأصمعي، أخبروه أنهم قرءوا عليه المفضليات، ثم استقرءوا الشعر، فأخذوا من كل شاعر خيار شعره وضموه إلى المفضليات، وسألوه عما فيه مما أشكل عليهم من معاني الشعر وغريبه، فكثرت جدا".
__________
14 الفهرست ص108.
15 صفحة 339، 372 طبعة القاهرة.
16 جـ3 ص130 دار الكتب.
(1/158)

ويقول أبو محمد القاسم بن محمد بن بشار الأنباري في أول شرح المفضليات: "أملى علينا عامر بن عمران أبو عكرمة الضبي هذه القصائد المختارة المنسوبة إلى المفضل بن محمد الضبي أملاه مجلسًا مجلسًا، من أولها إلى آخرها، وذكر أنه أخذها عن أبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، وذكر أنه أخذها عن المفضل الضبي. قال أبو محمد: وكنت أسأل أبا عمرو بندار الكرخي, وأبا بكر العبدي، وأبا عبد الله محمد بن رستم، والطوسي وغيرهم، عن الشيء بعد الشيء منها، فيزيدونني على رواية أبي عكرمة البيت والتفسير، وأنا أذكر ذلك في موضعه إن شاء الله. فلما فرغنا منها صرت إلى أبي جعفر أحمد بن عبيد بن ناصح، فقرأتها عليه إلى آخرها، شعرها وغريبها، فأنكر على أبي عكرمة أشياء، أنا مبينها في موضعها، ومسند إلى أبي جعفر ما فسر وروى، في موضعه إن شاء الله، والمعين الله عز وجل، والحول والقوة به: وعمود الكتاب على نسق أبي عكرمة وروايته.. وحدثت أن أبا جعفر المنصور تقدم إلى المفضل في اختيار قصائد للمهدي، فاختار له هذه القصائد فلذلك نسبت إلى المفضل"17.
هذه روايات مختلفة، منها ما ينسب اختيارها كلها للمفضل، ومنها ما ينسب إليه اختيار بعضها، ومنها ما يشرك معه فيها الأصمعي، وهي رواية الأخفش. ويرى الدكتور شوقي ضيف أن ذلك كان من الأخفش، وأنه فعل ذلك بعامل التنافس بين البصريين والكوفيين، فالأخفش البصري يريد أن يقول إن المفضليات من صنع البصريين والكوفيين جميعًا لما كان لها من شهرة في عصره فاقت شهرة الأصمعيات. ثم يقول الدكتور شوقي ضيف: ولو أنه اطلع على رواية ابن الأعرابي خصم الأصمعي لزايله هذا الوهم18. ولكن ألا يرى الدكتور شوقي أن في عداوة ابن الأعرابي للأصمعي ما قد يمس النزاهة بين ابن الأعرابي والأصمعي؟ ألا يجوز أن يكون ابن الأعرابي لتحامله على الأصمعي أراد أن يحرم الأصمعى حق مشاركته في الاختيار؟
على كل، هذا خلاف شكلي لا يمس جوهر الموضوع، فالقصائد التي تتضمنها هذه المجموعة أصيلة، وأهل للثقة والاعتماد عليها، سواء نسب اختيارها إلى المفضل، أو إليه والأصمعي، فكلاهما ثقة، أمين، صادق في روايته.
__________
17 المفضليات: دار المعارف سنة 1963، ص12.
18 تاريخ العصر الجاهلي، ص177.
(1/159)

وهي لسبعة وستين شاعرًا معظمهم من الجاهليين، فمنهم ستة شعراء إسلاميون وأربعة عشر شاعرًا من المخضرمين الذين ولدوا في الجاهلية وأدركوا الإسلام، والباقون وهم سبعة وأربعون شاعرًا كلهم جاهليون، عاشوا وماتوا قبل الإسلام.
وقد لقيت المفضليات اهتمامًا كبيرًا من العلماء والأدباء والباحثين في شتى العصور، فكان لها شهرة عظيمة في الأوساط الأدبية والعلمية، وقام بدراستها كثير من الأدباء العرب والمستشرقين، ومن أهم شروحها شرح ابن الأنباري وقد نشره لايل Lyall مع ترجمة إنجليزية في جزأين، وقام بعمل فهرست لها في جزء ثالث المستشرق بيفان Bevan، كما شرحها المرزوقي المتوفى سنة 421-1030 والتبريزي المتوفى سنة 502-1108.
(1/160)

3- الأصمعيات:
وهذه المجموعات تسمى كذلك باسم الذي اختارها وجمعها، وهو الأصمعي الأديب الراوية المشهور، وتشتمل على اثنتين وتسعين قصيدة وقطعة، لواحد وسبعين شاعرًا، منهم ستة إسلاميون، وأربعة عشر مخضرمون، وأربعة وأربعون جاهليون، وسبعة مجهولون.
وأغلب ما تحتويه قطع قصيرة، قد تكون الواحدة منها بيتين فقط، والأصمعيات تلتقي مع المفضليات في تسع عشر قصيدة. وكان ذلك من الأسباب التي دعت بعض الباحثين إلى أن يقولوا إن مجموعة المفضليات ليست كلها من اختيار المفضل الضبي، وإنما اشترك معه في اختيارها الأصمعي بأن زاد في مجموعة المفضل بعده بعض قصائد لم يخترها المفضل الضبي، والحقيقة أن هذه القصائد المشتركة بينهما هي في المفضليات والأصمعيات اللهم إلا في النادر اليسير، فقد تزيد قصيدة بيتًا أو تختلف لفظة في المفضليات عنها في الأصمعيات مما يثير شبهة في أصل الاختيار، أيكون ذلك مرجعه إلى أن المفضل قد اختار بعض القصائد في المفضليات، ثم جاء الأصمعي فزاد في المفضليات؟ أم كانت في الأصمعيات أصلًا ثم أدخلت في المفضليات؟ أم أنهما كانا في كتاب واحد ثم دخل بعضهما في بعض، حتى لم يتبين أيهما هذا وأيهما ذاك؟ اختلفت آراء الباحثين في ذلك19، وهذا كما أشرت إليه سابقًا، ليس إلا خلافًا لفظيًّا يرجع إلى صاحب الاختيار، ولا يمس جوهر الموضوع -وهو المختار
__________
19 راجع في ذلك مقدمة كل من المفضليات والأصمعيات للأستاذين عبد السلام هارون وأحمد شاكر. نشر دار المعارف، وكتاب العصر الجاهلي للدكتور شوقي ضيف.
(1/160)

نفسه- بشيء، فقيمة القصائد والقطع المختارة في كلتا المجموعتين، في الدرجة العليا من الأصالة والصحة، ومن ينسب إليهما اختيارها كانا من الرواة الممتازين وموثوق بصدقهما وأمانتهما العلمية.
والظاهرة الغالبة في الأصمعيات قصر القطع المختارة على وجه العموم.
وربما كان الأصمعي يبغي من وراء اختياره "وجهة لغوية"، ففي الأصمعيات يتجلى مزاج الأصمعي الذي يرجح في نظره الناحية اللغوية والنحوية في كل أثر شعري، على كل الناحية الأدبية20 ولعل هذا هو السبب فيما يقال عن الأصمعيات من أنها لم تلق ما لقيته المفضليات من الانتشار والقبول.
والحق أن الأصمعيات والمفضليات جمع كل منهما ثروة أدبية لغوية ممتازة ولكن المفضليات تفوق زميلتها في كلتا الناحيتين الأدبية واللغوية، ولعل ذلك راجع إلى اختيارها في الأصل كان يقصد منه تثقيف ولي العهد تثقيفًا أدبيًّا لغويًّا يقوي فيه الذوق الأدبي الممتاز الذي يرضي الخليفة وولي العهد. وعلى كل فكلتا المجموعتين من أهم مصادر الشعر الجاهلي، ولها قيمة عالية في عالم الأدب.
وقد نشرها بالقاهرة الأستاذان عبد السلام هارون وأحمد محمد شاكر، نشرة علمية مضبوطة مع شرح موجز.
__________
20 تاريخ الأدب العربي لبلاشير، ص159.
(1/161)

4- جمهرة أشعار العرب:
هذه مجموعة تنسب إلى أبي زيد بن محمد بن أبي الخطاب القرشي، وقد ورد ذكره في كل من خزانة الأدب للبغدادي، والمزهر للسيوطي، والعمدة لابن رشيق. ومن ثم يكون ابن رشيق أقدم من ذكر محمد بن أبي الخطاب القرشي "ونسب إليه كتاب جمهرة أشعار العرب" وإذا كان ابن رشيق مات سنة 456 أو سنة 463هـ فإن محمد بن أبي الخطاب القرشي يكون أقدم من ابن رشيق.
وقد حدث خلاف في هذه المجموعة حول جامعها فقيل هو أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي هذا، وقيل هو المفضل بن عبد الله بن محمد بن المجبر بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب، فمن يرى أنها للأول يحتج بأنه قد كتب على أول الكتاب أنه من تأليف أبي زيد
(1/161)

محمد بن أبي الخطاب القرشي، وأن أكثر الأخبار والروايات في القسم الأول من الكتاب وهو مقدمة مصدرة بقوله: "قال محمد"، ثم إن الكتاب ورد منسوبًا إليه في الكتب الثلاثة التي أشرنا إليها سابقًا وهي: خزانة الأدب، والمزهر، والعمدة.
ومن يرى أن جامعها هو المفضل بن عبد الله الذي هو من سلالة عمر بن الخطاب يعتمد في هذا الرأى على أن المفضل هذا كان سند رواية أبي زيد في هذا الكتاب. وأن أبا زيد بعد أن تحدث عن تقسيم الاختيار في هذا الكتاب قال: قال المفضل فهذه التسع والأربعون قصيدة عيون أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، وأنفس شعر كل رجل منهم. فكأن هذا كله كان من صنع المفضل، وأما محمد بن أبي الخطاب فليس له إلا أنه روى هذا التقسيم والشعر عن المفضل21.
وهذا الخلاف أيضًا كالخلاف في المجموعات السابقة، حول صاحب الاختيار، فهو خلاف لا يمس صميم الموضوع بشيء، فالذى يهمنا هنا هو ما فيه من مادة أدبية.
وهذه المجموعة سباعية في الاختيارات، وفي تقسيمها، فهي سبعة أقسام، وفي كل قسم سبع قصائد، على النحو التالي:
أ- المعلقات: لامرئ القيس وزهير بن أبي سلمى، والنابغة الذبياني، والأعشى، ولبيد بن ربيعة، وعمرو بن كلثوم، وطرفة بن العبد، وظاهر أنه سار في رأيه هذا على رأي المفضل الضبي الذي أسقط من المعلقات معلقتي الحارث بن حلزة، وعنترة العبسي، ووضع مكانهما معلقتي الأعشى والنابغة الذبياني.
ب- المجمهرات: وأصحابها عبيد بن الأبرص، وعنترة بن شداد العبسي، وعدي بن زيد، وبشر بن أبي خازم، وأمية بن أبي الصلت، وخداش بن زهير، والنمر بن تولب.
جـ - المنتقيات: أي المختارات. وهي للمسيب بن علس، والمرقش، والمتلمس، وعروة بن الورد، والمهلهل، ودريد بن الصمة، والمتنخل بن عويمر.
د- عيون المرائي: وأصحابها: أبو ذؤيب الهذلي، وعلقمة بن ذي جدن الحميري، ومحمد بن كعب الغنوي، والأعشى الباهلي، وأبو زيد الطائي، ومالك بن الريب النهشلي، ومتمم بن نويرة اليربوعي.
__________
21 راجع مصادر الشعر الجاهلي للدكتور ناصر الدين الأسد، ص586.
(1/162)

هـ- المذهبات: وربما كان يقصد بهذا الاسم أنها تستحق أن تكتب بالذهب، وهي لشعراء من الأنصار "الأوس والخزرج" خاصة، وهم: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومالك بن العجلان، وقيس بن الخطيم، وأحيحة بن الجلاح، وأبو قيس بن الأسلت، وعمرو بن امرئ القيس.
و المشوبات: وهي للمخضرمين، أي الذين شابهم الكفر والإسلام، وهم: النابغة الجعدي، وكعب بن زهير، والقطامي، والحطيئة، والشماخ، وعمرو بن أحمر، وابن مقبل.
ز- الملحمات: وأصحابها إسلاميون كلهم، وهم: الفرزدق، وجرير، والأخطل، وعبيد الراعي، وذو الرمة، والكميت بن زيد، والطرماح بن حكيم.
ومن ذلك نرى أن هذه المجموعة تضم تسعًا وأربعين قصيدة، ولم يبين لنا صاحب اختيارها سبب تقسيمها سباعيًّا، في نوعيتها وفي وحداتها، كما أنه لم يوضح أسباب هذه التسميات السبعة، ولماذا وضع كلًّا من هذه القصائد في قسم معين دون غيره، وربما كان اختيار هذه الأسماء لأسباب معنوية تكمن في معنى لفظ الاسم مثل المشوبات، التي شاب أصحابها زمن الجاهلية وزمن الإسلام، وظاهر أن اسم المعلقات، اسم تقليدي، تابع فيه غيره، وعلى كل فهذه الأسماء حلي من العناوين المختارة، ويبدو أن وضع كل قصيدة في قسمها من هذه الأقسام -ما عدا المعلقات- راجع لذوق جامع هذه المختارات الأدبي، ورأيه الشخصي.
وعلى كل هي مجموعة طيبة من القصائد الجيدة، لشعراء مشهورين في الجاهلية والإسلام، يدل اختيارها على ذوق أدبي جيد، إذ تتضمن هذه المجموعة نماذج حسنة لأغراض شعرية متنوعة.
وقد طبعت الجمهرة حتى الآن ثلاث طبعات كلها عن أصل واحد، فلا اختلاف بينها، وطبعت دون شرح في "نيل الأرب في فضائل العرب" بيروت سنة 1895، واعتمدت هذه الطبعة على نص غير النص الذي اعتمدت عليه الطبعة الثانية للكتاب الآنف الذكر بعنوان: تزيين نهاية الأرب: بيروت 1862 22.
__________
22 بروكلمان: 1/76.
(1/163)

وقام بدراسة عليها بعض المستشرقين مثل نالينو، ونولدكه في مجلة الجمعية الشرقية الألمانية.
(1/164)

5- مختارات ابن الشجري:
صاحب هذه المختارات هبة الله العلوي بن أحمد بن الشجري، المتوفى سنة 542/1147، وقد جعلها ابن الشجري أقسامًا ثلاثة، وأهم ما في القسم الأول قصائد للشنفرى وطرفة ولقيط الإيادي والمتلمس، القسم الثاني به مختارات من شعر زهير وبشر بن أبي خازم، وعبيد بن الأبرص، وفي القسم الثالث اختيارات من ديوان الحطيئة.
(1/164)

6- دواوين الحماسة:
وهذه عدة مختارات، كل منها يسمى ديوان الحماسة، وفي العادة يقال الواحد منها منسوبًا لصاحبه الذي يقال إنه اختاره، ولعلها جميعًا قد تبعت في التسمية أول ديوان ظهر منها: وهو ما جمعه أبو تمام. وأشهر هذه المجموعات ما يلي:
(1/164)

أ- ديوان الحماسة لأبي تمام:
هو منتخبات جمعها أبو تمام المتوفى سنة 231هـ/845م وقسمها عشرة أقسام، جعل كل قسم منها بابًا، وهي: باب الحماسة، وباب المراثي، وباب الأدب، وباب النسيب، وباب الهجاء، وباب الأضياف والمديح، وباب الصفات، وباب السير والنعاس، وباب الملح، وباب مذمة النساء.
وباب الحماسة، أول أبواب الكتاب وأكبرها، ولعل هذا هو السبب الذي جعل اسمه يطلق على المجموعة كلها، وكان أن أطلق هذا الاسم على ما تلاه من دواوين مماثلة في الاختيار، فيسمى كل منها بديوان الحماسة.
وأبواب الكتاب العشرة متفاوتة الطول، فالأول أطولها، بل إنه يكاد يستغرق نصف الكتاب وحده والأبواب الأربعة الأخيرة قصيرة جدًّا. وقد أخذ أبو تمام هذه المختارات من كتب كانت مدونة. قال التبريزي23: "وكان سبب جمع أبي تمام الحماسة أنه قصد عبد الله بن طاهر وهو بخراسان، فمدحه، وكان عبد الله لا يجيز شاعرًا إلا إذ رضيه أبو العميثل
__________
23 شرح ديوان الحماسة جـ1 ص3-4.
(1/164)

ب- حماسة البحتري:
وهذه المجموعة تلي المجموعة السابقة، وهي لأبي عبادة الوليد بن عبادة البحتري الشاعر المتوفى سنة 284هـ/ 897م ويقال إن البحتري ألفها إجابة لطلب الفتح بن خاقان وزير الخليفة العباسي المتوكل. وهي عبارة عن مختارات كثيرة، وكلها قطع قصيرة، قسمها البحتري على مائة وأربعة وستين بابًا. وكثيرًا ما تأتي القطعة من بيت واحد، وأكثر أبوابها من نزعات خلقية، وقطعها الكثيرة العدد تدور حول مختلف معاني الشعر. ولم تنل حماسة البحتري من الذيوع والاستحسان ما نالته حماسة أبي تمام، ولعل هذا كان السبب في أن القدماء لم يعنوا بشرحها، وقد طبعت في بيروت سنة 1910م عن نسخة ليدن الوحيدة مع مقدمة ونقد من عمل لويس شيخو، كما نشرت في القاهرة سنة 1929م، وكتب بحثًا عنها كل من المستشرقين نولدكه Noldeke وجاير Geyer في مجلة الجمعية الشرقية الألمانية.
(1/166)

جـ- حماسة الخالديين:
وهى مجموعة للأخوين: أبي عثمان سعيد المتوفى سنة 350هـ 961م، وأبي بكر محمد المتوفي سنة 380-990 وهما ابنا هاشم الخالدي، وكانا من قرية من قرى الموصل، تعرف
(1/166)

د- حماسة ابن الشجرى:
صاحبها هبة الله بن الشجري المتوفى سنة 542هـ/ 1147م وهو صاحب المختارات السابقة. وقد طبعها كرنكو Kernkow في حيدر أباد سنة 1345.
(1/167)

هـ - الحماسة المغربية:
جمعها يوسف بن محمد البياسي في تونس سنة 646هـ/ 1248ويوجد، مختصر منها في مكتبة: جوتا 13.
(1/167)

و الحماسة البصرية:
جمعها صدر الدين علي بن الفرج البصري، وقدمها سنة 467هـ/ 1249م إلى الملك الناصر أمير حلب. وفي دار الكتب المصرية مخطوطتان منها.
ودواوين الحماسة على العموم، يظهر فيها بوضوح الميل إلى المقطعات القصيرة، والاختيار فيها من أشعار شعراء غير مشهورين في الغالب، وكثيرًا ما نجد قطعًا مختارة أصحابها مجهولون لجامع الديوان. وهي تضم معاني وأغراضًا كثيرة مختلفة غير الحماسة. وإنما سميت كلها بهذا الاسم مجاراة لديوان الحماسة لأبي تمام الذي كان أولها وأسبقها، وهذا كما أشرنا سابقا، سمي بهذا الاسم؛ لأن الباب الأول فيه كان باب الحماسة، وهو أطول الأبواب فغلب اسمه على كل الكتاب، وظاهر أن الغرض الأساسي من هذه الاختيارات كان أدبيًّا وخلقيًّا، يظهر كذلك أن جامعي هذه المختارات، كانوا يقصدون إبعاد السآمة والملل عن القارئ، فجعلوا المختارات مقطعات صغيرة في مواضيع مختلفة، كما لم ينسوا جانب الفكاهة فيها، فضمنوها بعض الطرائف والملح، ليشيعوا فيها جو المرح والمتعة، ولايتجلى ذلك بوضوح في حماسة أبي تمام، ولم يعن أصحابها بالرواية والسند فلم يهتموا بالتعريف بمصادرهم، وتوثيق ما يذكرون، ومن ثم فقيمة هذه الدواوين أدبية أكثر منها تاريخية, ويعود الفضل إلى دواوين الحماسة في التعريف بكثير من الشعراء. الذين لولا هذه الدواوين، لظلوا مجهولين، وقد بينت هذه الدواوين
(1/167)

بوضوح تام كثرة الشعراء العرب في العصر الجاهلي.
والحق أن المجموعات والمختارات التي تحدثنا عنها، تعتبر من مصادر الشعر الجاهلي المهمة فقد جمعت كثيرًا من القصائد الطوال بأجمعها، وعددًا كبيرًا من القطع القصيرة التي تحتوي على المعاني السامية، والعواطف النبيلة، والصور الرائعة, وهي في مجموعها لو درست دراسة شاملة، لأعطت صورة واضحة عن العصر الجاهلي، كما أنها حفظت لنا أسماء كثير من الشعراء لولاها لضاعوا في زوايا النسيان والإهمال. ويبدو أن أصحاب الاختيارات القصيرة، رأوا أن هناك كثيرًا من المجموعات اهتم جامعوها بالقصائد الطوال. وكأنهم أحسوا أن ذلك ربما كان مدعاة للسأم أو الملل أو انصراف القارئ عنها فأحبوا أن يجددوا في الاختيارات، مع تنويعها وتخليد ذوي المواهب الذين لم يتح لهم من الشهرة والذيوع ما أتيح لأصحاب الطوال المعروفات. فاكتفوا بالبيت الواحد، أو الأبيات المعدودات في كل مقطعة، وأكثروا من ذلك.
وبذلك أصبحت مجموعات الاختيارات كلها تتضمن القصائد الطوال والمقطعات القصار، وتضم الشعراء المشهورين والمغمورين، وجميعهم من ذوي المواهب الأدبية، فاكتسب الجميع الشهرة، وكتب لهم الخلود، ووقفنا على انتشار الروح الفنية الأدبية في العصر الذي نحن بصدد دراسته. وحفظت لنا سجلًّا أدبيًّا ممتازًا لذلك العصر. فهي مصدر من مصادر الأدب في العصر الجاهلي.
الدواوين الشعرية:
أما الدواوين الشعرية للعصر الجاهلي، فهي نوعان: دواوين القبائل، ودواوين الأفراد.
دواوين القبائل:
إذا رجعنا إلى كتب التراجم والأخبار والتاريخ، نجد أنه قد كان هناك كتب كثيرة ألفها الرواة والعلماء، تجمع أشعار القبائل وأخبارها، لكل قبيلة كتاب خاص، وربما كان عدد كبير من هذه الكتب من تأليف شخص واحد بنفسه، كما نرى مثلًا في ترجمة أبي عبيدة
(1/168)

معمر بن المثنى، وأبي عمرو الشيباني، فهذا قد سبق أن ذكرنا أن ابنه قال: "لما جمع أبي أشعار العرب كانت نيفًا وثمانين قبيلة". وفي كتاب الفهرست لابن النديم وكتاب المؤتلف والمختلف للآمدي مثلًا، نجد عشرات من الكتب التي ألفت لتجمع أشعار القبائل فمما ورد في الفهرست مثلًا:
أشعار الأزد، وأشعار بني أسد، وأشعار أشجع، وأشعار بجيلة، وأشعار تغلب، وأشعار بني تميم، وأشعار بني حنيفة، وأشعار بني شيبان، وأشعار بني عدوان، وأشعار مزينة، وأشعار هذيل، وأشعار بني يربوع، وغيرهم.
ومما ذكره الآمدى، أشعار الأزد، وأشعار بني تغلب، وأشعار الرباب، وأشعار فهم، أشعار بني عامر بن صعصعة، وأشعار بني عوف بن همام، وشعر هذيل، وشعر بني يشكر، وغيرهم.
ومعنى هذا أن كل قبيلة كانت تعنى بجمع أشعارها وأخبارها، وجعلها في كتاب خاص ليبقى سجلا خالدًا لها، وأن الرواة والعلماء، لما رأوا اهتمام القبائل بهذه الناحية، تسابقوا في جمع أشعار القبائل وتدوينها، فرأينا من الرواة من قام بعمل عشرات من هذه الكتب كما تحكي كتب الأدب والتاريخ.
ويبدو أن الرواة كانوا يجمعون في كل كتاب، كل ما استطاعوا أن يحصلوا عليه من أشعار القبيلة، سواء أكان الشاعر منهم غزير النتاج أو قليله، فكثرت أسماء الشعراء لدى كل قبيلة؛ والظاهر أن كل قبيلة كانت تحاول أن تنافس غيرها من القبائل في كثرة شعرائها، فحفظوا تراث أبنائهم الشعري، ولو لم يكن للواحد منهم سوى أبيات معدودات، حتى كان الشعراء في كل قبيلة كثيرين، ومن ثم ليس في الإمكان الآن أن تحصى أسماء جميع الشعراء -المكثرين والمقلين- لدى جميع القبائل. يقول ابن قتيبة25: "والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام أكثر من أن يحيط بهم محيط، أو يقف وراء عددهم واقف، ولو أنفد عمره في التنقير عنهم، واستفرغ مجهوده في البحث والسؤال. ولا أحسب أحدًا من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته من تلك القبيلة شاعر إلا عرفه، ولا قصيدة إلا رواها".
__________
25 الشعر والشعراء، جـ1 ص4.
(1/169)

ويمكن أن نفهم مما كتب عن القبائل، في المجال الأدبي وبخاصة الشعر، أن كل قبيلة كانت تحاول أن يكون لها كتاب يجمع أخبارها وأشعارها، يدل على ذلك هذا الثبت الكبير الضخم الذي يذكر في ترجمة أعلام الرواة والعلماء الذين عنوا بجمع الأشعار والأخبار. ومن ثم، نتوقع أن يكون هناك كتب في هذا المجال بعدد القبائل العربية في العصر الجاهلي. وبهذا يكون ما ذكر في كتب التاريخ والأدب منها، ليس إلا جزءًا من تراث القبائل الجاهلية، لأن هناك كثيرًا من القبائل الجاهلية لهم شعراء مشهورون، ولكن لم يرد باسم القبيلة كتاب يجمع أخبارها وأشعارها.
ومع أن المفهوم من كتاب القبيلة أن يجمع أشعار كل شعرائها، فإننا نجد أحيانًا في كتب التاريخ ما يدل على أن كتاب القبيلة قد يخلو من بعض أشعار أبنائها. ومن ذلك مثلًا، ما تجده في كتاب "المؤتلف والمختلف" للآمدي، إذ يذكر بعض الشعراء، ويقول "إنه لم يجد لهم في كتب قبائلهم ذكرًا". وأحيانًا يقول: "وأظن شعره درس فلم يدرك"26.
وإذا كان الأمر كذلك، كان معناه أن هذه الكتب الكثيرة لا تضم جميع النتاج الأدبي لجميع القبائل العربية، بل تنقص منه أشياء رغم حرص القبائل والرواة على ألا يفوتهم من ذلك شيء.
وعناوين الكتب التي ورد ذكرها إلينا تبين أن الواحد منها كان يسمى "كتاب بني فلان" أو "أشعار بني فلان" ويفهم من هذا أن الكتاب إذا كان عنوانه "أشعار بني فلان" كان يقتصر على ذكر الشعر وما يتصل به، كما نرى في الأثر الباقي لنا من ذلك، وهو "شعر الهذليين". أما إذا كان عنوانه "كتاب بني فلان" فيفهم منه أنه يحوي أخباراً، وآثارًا أدبية. وكل ما يتصل بالقبيلة من أمور مهمة كقصص وأحاديث وأنساب.
وإذ كنا -مع هذه الكثرة التي توقعناها في كتب القبائل- لا نجد في كتب الأدب والتاريخ إلا ذكرًا لعدد قليل منها. فإننا كذلك لم يصل إلينا مما ذكر من هذه الكتب إلا شعر الهذليين.
وإذا رجعنا إلى ما قيل عن عدد شعراء هذيل، تبين لنا أن الكتاب الذي وصل إلينا ويحمل عنوان أشعار الهذليين أو ديوان الهذليين، لا يحتوي على شعر جميع شعرائها
__________
26 ص23.
(1/170)

وإنما يضم جزءًا من أشعارهم. والجزء الذي وصل إلينا من أشعار الهذليين، أقل شعرائه جاهليون، وأكثرهم إسلاميون.
وقد طبع ما وصل إلينا من الهذليين في مجموعتين إحداهما في أوروبا والأخرى بالقاهرة. أما مجموعة أوروبا فتتكون من أربع قطع:
الأولى: أشعار الهذليين ج1، مع شرح أبي سعيد الحسن بن الحسين السكري، وقد قام بنشرها وتحقيقها المستشرق كوزجارتن Kosgarten في لندن سنة 1854م.
الثانية: أشعار الهذليين ج2، نشرة فلهاوزن Welhausen مع ترجمة ألمانية في برلين سنة 1887م.
الثالثة: ديوان أبي ذؤيب، نشره المستشرق الألماني يوسف هل Hell في هانوفر سنة 1926.
الرابعة: ديوان ساعدة بن جؤية، وأبي خراش، والمتنخل، وأسامة بن الحارث ونشره كذلك يوسف هل، في ليبزج سنة 1933.
وأما طبعة القاهرة فهى طبعة دار الكتب المصرية، وهي تتداخل مع القطعة الرابعة في مجموعة طبعة أوروبا، واختلطت فيها نسخة السكري بنسخة أخرى مختصرة، ولذلك كان يقل فيها الشرح وإسناد الرواية.
وقد قام بعض المستشرقين بدراسة وأبحاث حول أشعار الهذليين، ومن ذلك: حول شرح ديوان الهذليين بقلم فلهاوزن: ZDWG 39-411.80 وآخر أشعار الهذليين بقلم كاسكل W. Caskel
وما بين أيدينا من أشعار الهذليين يعتبر ثروة أدبية ولغوية ممتازة، ولو درس دراسة فنية لأظهر لنا جوانب قيمة هامة من الناحيتين اللغوية والأدبية بالنسبة للقبائل العربية في العصر الجاهلي.
دواوين الأفراد:
يقصد بها تلك الكتب التي يشتمل كل منها على شعر شاعر خاص، وقد كان لكثير من هذه الدواوين حظ البقاء إلى عصرنا هذا، وبعضها طبع عدة مرات، وبعضها لم يطبع إلا مرة واحدة، وبضعها ما يزال مخطوطًا، كما أن منها ما حظي بالشرح الواسع أو المختصر، ومنها ما لم تمسه يد بعد. ومن هؤلاء الشعراء من روى شعره أكثر من راوٍ واحد، فجاء شعره
(1/171)

عن طريق روايات متعددة، كثيرة أو قليلة، ومنهم من روي شعره عن طريق واحد، ولكن جميعها تتفق في أن السند في هذه الروايات كلها ينتهي إلى أحد رجال الطبقة الأولى من الرواية. كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
ومن أهم من ورد ذكر دواوين خاصة لهم من الشعراء:
امرؤ القيس، وأعشى قيس، وأمية بن أبي الصلت، وابن الدمينة، والأفوه الأودي، وأوس بن حجر، وبشر بن أبي خازم، وحاتم الطائي، السموءل بن عادياء، والشنفرى، وطرفة بن العبد، وطفيل الغنوي، وعامر بن الطفيل، وعبيد بن الأبرص، وعدي بن زيد العبادي، وعروة بن الورد، وعلقمة بن عبدة، وعمرو بن قميئة، وعمرو بن كلثوم، وعنترة بن شداد، وقيس بن الخطيم، ولبيد بن ربيعة، والمتلمس، والمثقب، والمهلهل، والنابغة الذبياني.
ولكن ما يزال شعر كثير من شعراء العصر الجاهلي مبعثرًا في شتى كتب الأدب والتاريخ، مثل عبد يغوث، وأبي قيس بن الأسلت، والحصين بن الحمام، وقيس بن عاصم، وجابر بن حني، وعبد القيس بن خفاف البرجمي، وهؤلاء الشعراء وأمثالهم ينتظرون من يلم شتات نتاجهم، ويجمع تراث كل منهم في ديوان خاص.
وكثير من الدواوين التي وردت إلينا مصنوعة بعمل الرواة المتقدمين، قد حظي بأكثر من رواية واحدة، كما أشرت إلى ذلك آنفا، فمن هذه الدواوين مثلًا: ديوان امرئ القيس، قد رواه كل من الأصمعي، وأبي عمرو الشيباني ومحمد بن حبيب الطوسي، والمفضل الضبي، وأبي عبيدة، وصنعه ابن السكيت، والسكري. وديوان زهير بن أبي سلمى، اشترك في صنعه كل من ابن السكيت، والسكري، وابن الأنباري والشنتمري. وغيرهم.
وديوان عدي بن زيد: صنعه جماعة من الرواة.
وديوان لبيد: عمله الأصمعي، وأبو عمرو الشيباني. والطوسي. وابن السكيت. وديوان الأعشى الكبير: صنعه السكري وأبو عمرو الشيباني والأصمعي، وابن السكيت. وقد حظي بالشرح أو التعليق كثير من دواوين الشعراء القدامى مثل:
شرح ديوان الشعراء الستة للبطليوسي، وشرح ديوان النابغة الذبياني، لابن السكيت، وللأعلم الشنتمري. وشرح ديوان طرفة للأعلم والشنقيطي برواية ابن السكيت. وشرح ديوان
(1/172)

زهير لثعلب والأعلم الشنتمري والسكري. وشرح ديوان علقمة للشنتمري. وشرح ديوان امرئ القيس للسكري، وللبطليوسي، والتبريزي، ولابن النحاس، وللبغدادي. وجمع لويس شيخو أشعار كثير من الشعراء الجاهليين في كتابه: "شعراء النصرانية".
وقد قام كثيرمن العلماء والأدباء والباحثين بنشر كثير من هذه الدواوين نشرًا علميًّا دقيقًا، وإخراجها إخراجًا متقنًا مضبوطًا. وبعضهم يكتفي بنشر رواية معينة. وبعضهم يجمع بين الروايات المختلفة مع المقارنات الدقيقة بينهما، كما فعل الأستاذ أبو الفضل إبراهيم في ديوان امرئ القيس ورواياته الكثيرة.
وبحكم اتصالي بالأدب الجاهلي، وكثرة مطالعتي في نصوصه وشروحها، كثيرًا ما أجد كلمات في أصول النصوص -وفي الشرح كذلك- تحتاج إلى تفسير، لأنها ليست من الألفاظ التي تدور على ألسنة الفصحاء في عصرنا الحاضر، ويصعب فهمها على القراء الآن، فوددت لو تنشر كنوزنا الأدبية الثمينة نشرًا علميًّا دقيقًا، ثم توضح نصوصها بلغة سهلة يسيرة تتناسب مع عصرنا الحاضر، فأخرجت على هذه الطريقة ديوان طرفة بن العبد.
ولا يزال كثير من تراثنا الأدبي مخطوطًا، وإنا لنأمل في شباب أمتنا العربية الطموح، وعلمائها الفضلاء، وباحثيها الأجلاء، أن يزيحوا الستار عن هذه الكنوز الثمينة، ويقدموها للعلم والمعرفة والإنسانية في صور زاهية جميلة، فيظهروا للعالم آثار الأمة العربية الخالدة، وفنها الرائع العظيم.
ودواوين الشعراء التي كان لها حظ الطبع والنشر، لم يقف حجمها عند القدر الذي وردت به أولًا، فقد اعتاد الأساتذة الفضلاء الذين يقومون بنشر هذه الدواوين، أن يراجعوا النسخة التي يريدون نشرها للديوان، ويقارنوها بنسخ أخرى منه إن وجدت، ويضيفوا إليها ما قد يجدونه من زيادات عنها في غيرها من الروايات، منبهين على ذلك في موضعه، ثم هم بعد ذلك قد يضيفون إلى الديوان كثيرًا من الأبيات التي قد يجدونها في كتب أخرى مثل كتب النحو أو اللغة أو التفسير، أو غير ذلك. وهكذا نجد أن الديوان يزيد عن أصله الأول، وكلما تعددت طبعاته ربما زادت الإضافات فيه بما قد يعثر عليه في أثناء المطالعات في كتب أخرى من زيادات جديدة لم تتضمنها الطبعات السابقة.
(1/173)

قضية الانتحال في الأدب الجاهلي
مدخل
...
قضية الانتحال في الأدب الجاهلي
الأدب الجاهلي أدب قديم، كان يلقى، وينشد، ويحفظ، ويروى عن طريق المشافهة، والروايات الشفهية، ولم يدون إلا بعد زمن طويل، كما مر الحديث عن ذلك بالتفصيل فيما سبق.
وكل أثر له قيمته وأهميته وتكتنفه مثل هذه الظروف، يكون عرضة للشك والاتهام، والقيل والقال، والظن، والطعن في أصله، ونسبه، وأصحابه، وصحته، وصدقه، وقيمته، وحجمه، ونقصه، والزيادة عليه، وما إلى ذلك مما قد يعرض لفكر الإنسان وعقله من شكوك وظنون حينما يتصدى لدرس أثر من الآثار لم ينل من وسائل المحافظة عليه والاحتياجات الدقيقة ما يكفل له البقاء سليمًا صحيحًا:
والأدب -في كل أمة من الأمم، وبخاصة ما فيه من نصوص رائعة- من الآثار الفنية الممتازة، التي تعتز بها الأمم وتفتخر، وتعتبرها دليل مجدها، وسجل مفاخرها، ومن ثم تعرضت الآداب القديمة في كل الأمم للشك والاتهام، ورمي كثير منها بالاختلاق والافتعال، فاتهم الأدب الجاهلي بالوضع والانتحال، وحدث مثل هذا للآداب القديمة الأخرى كالآداب اليونانية1 والرومانية والإنجليزية، فقد رمي كل أثر من هذه الآثار القديمة الخالدة، بأنه ليس لأصحابه الذين يدعى أنه لهم، وأنه دخله كثير من التحريف والتزييف والادعاء، فليست الأمة العربية أول أمة رمي أدبها الجاهلي القديم بالوضع والانتحال، وإنما الأمم الأخرى رميت آدابها القديمة بمثل هذا الاتهام.
والأدب بعامة، والشعر منه بخاصة، كانت العرب في جاهليتها وإسلامها تكبره وتجله، وكانت له منزلة سامية في نفوسهم، وكانت القطع الرائعة فيه تحظى بالعناية والاحترام، وكان أصحابها يلقون منهم مهابة وإجلالًا، لذلك نتوقع أن تكون الروائع الأدبية محلًا للادعاء،
__________
1 راجع بحثا طويلًا عن المشكلة الهومرية في كتاب مصادر الشعر الجاهلي الدكتور ناصر الدين الأسد صفحة 87-320.
(1/174)

فيدعي أكثر من واحد أنها له، وكانت القبائل تعتز بما لها من نتاج أدبي، وتتيه على غيرها بالكثير المحفوظ لها منه، ويعتز السادة بما قيل فيهم وفي أسلافهم من روائع القول وفصيح البيان، فتسابق الكل في جمع ما كان لهم ولذويهم وأسلافهم من آثار، وأحس الرواة هذا الاهتمام من الجميع، فتسابقوا هم كذلك، في الجمع والرواية، وتنافسوا في الإكثار من ذلك ليفوق كل منهم سواه في الحظوة، والمنزلة، والمكافأة. وبطبيعة الحال نتوقع كذلك أن يتطرق إلى الأدب شيء من الدخيل، أو ما يظن أنه دخيل، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في حديثنا عن بعض الرواة فيما سبق.
ولم تكن هذه الملاحظة لتغيب عن الثقات من العلماء والرواة والباحثين منذ جمع الأدب الجاهلي وتدوينه، فقد تنبهوا إلى ذلك ووقفوا على كثير من النصوص التي ليست أصيلة، فعرفوها، ولم يقبلوها، واستطاعوا أن يميزوا بين الأصلي والمختلق، ويتبينوا الصحيح من الزائف. وكتب الأدب والتاريخ مملوءة بذكر ملاحظات هؤلاء الثقات وتنبيهاتهم، وقد أشرنا كذلك إلى بعضها في حديثنا عن الرواة، وأمثال المفضل والأصمعي، وأبي عمرو بن العلاء، وأبي عبيدة معمر بن المثنى.
من ذلك مثلًا، ما روي عن أبي عبيدة2 أنه قال: "كان قراد بن حنش من شعراء غطفان، وكان جيد الشعر قليله، وكانت شعراء غطفان تغير على شعره، فتأخذه وتدعيه".
ويروى أن أبا عمرو بن العلاء، ذكر أن ذا الإصبع العدواني قال يرثي قومه3:
وليس المرء في شيء ... من الإبرام والنقض
إذا يفعل شيئا خا ... له يقضى وما يقضي
جديد العيش ملبوس ... وقد يوشك أن ينضي
ثم نص على أنه لا يصح من أبيات ذي الإصبع الضادية هذه إلا الأبيات التي أنشدها، وأن سائرها منحول.
وكان محمد بن سلام المتوفى سنة 231هـ أول من درس قضية الانتحال وآثارها في كتابه "طبقات فحول الشعراء" إذ أورد فيه كثيرًا من الملاحظات والآراء التي تدل على دراسة
__________
1 طبقات ابن سلام ص147-148.
2 الأغاني جـ3 ص106.
(1/175)

وتحقيق، وقد أوردنا فيما سبق بعض ملاحظاته عن محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية، ومما يقوله عن انتحال الشعر4: "فلما راجعت العرب رواية الشعر، وذكر أيامها ومآثرها، استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم، وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار فقالوا على ألسنة شعرائهم، ثم كان الرواة بعد، فزادوا في الأشعار، وليس يشكل على أهل العلم زيادة ذلك، ولأن ما وضع المولدون ... وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من ولد الشعراء أو الرجل ليس من ولدهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال". فهو بهذا النص يبين أن الشعر الجاهلي قد وجد به شيء من الدخيل، الذي صنع ونسب إلى غير قائليه، ثم بين أسباب ذلك، وأرجعها إلى رغبة القبائل في الاستكثار من شعرها. وزيادة الرواة على ما كانوا يروون من محفوظ لديهم. ولكنه لم ينس أن يذكر الفضل لذويه، فاعترف بأن أهل العلم، بفطنتهم وخبرتهم، وعلمهم وذوقهم، كانوا يستطيعون أن يعرفوا الحقيقة، ويميزوا بين الأصيل والدخيل.
وكتابه فيه كثير من الملاحظات والتعقيبات على الشعراء الجاهليين وأشعارهم. من ذلك مثلا قوله، وقد أوردناه سابقًا: "ومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه، قلة ما بقى بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعبيد، اللذين صح لهما قصائد بقدر عشر. ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير، غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر، وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذاك، فلما قل كلامهما حمل عليهما حمل كثير"5.
وقال عن عدي بن زيد "كان يسكن الحيرة ومراكز الريف، فلان لسانه وسهل منطقه، فحمل عليه شيء كثير، وتخليصه شديد، واضطرب فيه خلف وخلط فيه المفضل"6.
وقال عن حسان بن ثابت: "كثير الشعر جيده، وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد، لما تعاضهت قريش، واستبت، وضعوا عليه أشعارًا كثيرة، لا تليق به"7.
ولم يغفل ابن سلام حق الرواة، فذكر كثيرًا من الملاحظات التي تتصل ببعضهم، من
__________
1 طبقات فحول الشعراء، ص4. المزهر جـ1 ص174.
2 طبقات الشعراء ص10.
3 المصدر السابق، ص31.
4 المصدر السابق، ص52.
(1/176)

ذلك ما أورده8 -وقد ذكرناه سابقا- عن أبي عبيدة مع داود بن متمم بن نويرة حين قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي، في الجلب والمبرة.
وكذلك قوله:9 "أخبرني أبو عبيدة عن يونس قال، قدم حماد البصرة على بلال بن أبي بردة، وهو عليها، فقال: ما أطرفتني شيئًا، فعاد إليه، فأنشده القصيدة التي في شعر الحطيئة مديح أبي موسى، قال: ويحك، يمدح الحطيئة أبا موسى ولا أعلم به، وأنا أعلم شعر الحطيئة؟ ولكن دعها تذهب في الناس"10.
وإذا كان ابن سلام قد رأى بعد بحثه ودراسته أن هناك في الشعر ما هو مختلق ومنتحل، وفي الرواة من هو ثقة عدل ومن هو متهم، فقد انتهى إلى أن أهل العلم والدراية لم يكن ليشكل عليهم ما زاده الرواة ولا ما وضعه المولدون، ومن ثم، فعلينا أن نقبل ما قبله الثقات، وأن نرفض ما رفضوه، وفي ذلك يقول11: "وفي الشعر المسموع مفتعل موضوع كثير، لا خير فيه ولا حجة في عربيته ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج ولا مثل يضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب ولا نسيب مستطرف، وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه من أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد، إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه، أن يقبل من صحيفة، ولا يروي عن صحفي. وقد اختلف العلماء في بعض الشعر كما اختلفت في بعض الأشياء، أما ما اتفقوا عليه، فليس لأحد أن يخرج عنه".
فهو هنا يعتقد بوجود دخيل في الشعر، فقد افتعل وصنع صنعًا، ووضع على غير قائليه، وأن هذا الدخيل لا قيمة له، ومن الممكن تبينه ومعرفته لخلوه من نواحي الروعة والجمال في شتى الأغراض الشعرية، وأنه لم يكن مما رواه أهل الثقة عن مصادر موثوق بها من أهل البادية، ويرى أن الثقات من العلماء والرواة ينبغي أن يكونوا محل ثقة منا، فنقبل منهم كل ما ارتضوه، ونرفض كل ما رفضوه.
__________
8 المصدر السابق ص14. والمزهر 1 ص175.
9 المصدر السابق 15، والمزهر ج1 ص176.
10 هذا مايقوله ابن سلام، ولكني ما زلت أعتقد أن حمادًا لم يكن شاعرًا كما أوضحت ذلك في كلامي عن حماد.
ولعل هذه القصيدة للحطيئة أو لغيره، واستغل حماد جهل بلال بصاحبها فادعاها لنفسه أو تظاهر بموافقة بلال بتركها تذيع باسم الحطيئة.
11 ابن سلام: 5-6.
(1/177)

ولا شك أنه على حق في دعوته إلى الاعتماد على من وثق به الرواة الذين قاموا بجمع الأدب وتدوينه، فإذا كان هؤلاء أهلًا للثقة والتصديق في عصرهم فهم أولى بذلك في العصور التالية، وبخاصة في عصرنا الحاضر، فلقد كانوا قريبين في زمن هذا النتاج الأدبي الذين قاموا بجمعه وتدوينه وكان بينهم من يعرف الجاهليين، أو كان على صلة بمن عرف الجاهليين. على أن الظروف التي أحاطت بالرواة والعلماء في زمن الجمع والتدوين -وقد حملتهم على التنافس في الدقة والتحري- تستدعينا أن نجعلهم محل ثقة في جميع ما قبلوه، ما لم يقم لدينا الدليل القاطع على خلاف ذلك. ولا أظن دليلًا مثل ذلك سيحدث إلا إن كان معجزة لطول العهد بين زمن هذا الأدب، وبيننا الآن.
وفي القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، أثار الباحثون من المستشرقين والعرب قضية الانتحال من جديد. ففي سنة 1864م "تناول المستشرق نولدكه الموضوع، فأشار إلى الشكوك التي يثيرها مظهر الشعر الجاهلي. وبعد ثماني سنوات تناول المستشرق أهلوارد المسألة بدون أي تجديد فيها، فعرضها بدقة لم يتناولها سلفه، وقال: إن الوثائق المروية غير موثوق بصحتها، إن من ناحية المؤلف، أو ظروف النظم، أو ترتيب الأبيات، فمن الواجب إذن إخضاع كل أثر من القرن السادس وأوائل السابع لفحص دقيق قبل قبوله".
"وتابع العلماء أمثال موير وباسيه وليال وبروكلمان طوال ثلاثين سنة المستشرقين: نولدكه وأدلوراد في موقفها الحذر"12.
وفي سنة 1916 نشر المستشرق مرجليوث margoliouth بحثا عن الشعر الجاهلي، في المجلة الأسيوية الملكية، وكان قد تحدث عن وضع الشعر الجاهلي قبل ذلك في مادة "محمد" من دائرة معارف الأديان والأخلاق encyclopaedia of religion and ethics وفي كتابه عن "محمد وظهور الإسلام" mohamed and the rise of islam وقد تصدى للرد عليه سير تشارلز ليال lyall في مقدمة ترجمة المفضليات، ولكن مرجيلوث عاد ونشر في المجلة السابقة "عدد يوليو سنة 1925" بحثًا عنوانه: "أصول الشعر العربي" the origins of arabic poetry وقد أطال في هذا البحث، وذكر فيه الشبه التي
__________
1 تاريخ الأدب العربي لبلاشير، ص176.
(1/178)

دعته إلى الشك في الشعر الجاهلي13، وحملته على أن يقول: إن الشعر الذي جمع ونسب إلى الجاهليين مصنوع ومنحول، صنع في العصور الإسلامية، ونسبه واضعوه إلى شعراء جاهليين زورًا وبهتانًا.
وملخص مقالته باختصار: أنه كان قبل الإسلام في الجزيرة العربية شعر وشعراء بدليل ورود الإشارة إلى ذلك في القرآن، ثم يتعرض لوصف القرآن للشعراء، ويشير إلى العدد الكبير من الشعراء الجاهليين الذي وردت لهم أشعار في الأدب الجاهلي، ويشك في أن الشعر الجاهلي قد حفظ بالرواية الشفهية لأن الإسلام -في نظره- ما كان يحث على ذلك، ولكنه في الوقت ذاته يحاول أن ينفي أن الشعر الجاهلي كتب كذلك، إذ إنه لو حفظ بطريق الكتابة، لكان للعرب -في نظره- كتاب أو كتب، والقرآن ينفي أنه كان لهم كتاب، ويزعم أن الشعر الجاهلي الموجود مرحلة تالية للقرآن لا سابقة عليه، ويرى أن التطور من الأسلوب القرآني إلى الأسلوب الشعري المنتظم يبدو -في نظره- متمشيًا مع المألوف، وهو بهذا يعتقد أن الشعر الجاهلي وضع بعد الإسلام بعد أن سمع العرب القرآن، فتأثروا به، فقالوا شعرهم بلغته وساروا بفنهم من الصور الشاذة إلى المنتظمة.
فكأنه يريد أن يقول: إن العرب قبل الإسلام، كان لهم شعر وفيهم شعراء ولكن شعرهم لم يكن كامل النضج، ولا في درجة عالية من التهذب والكمال كالتي نرى عليها الشعر الجاهلي المنسوب إلى الجاهليين، وبعد أن سمع العرب القرآن، تطوروا بفنهم الشعري إلى هذه الدرجة العليا من النضج والكمال. التي نرى عليها الشعر المنسوب إلى الجاهليين.
ويجره الحديث إلى الرواية والرواة، فيتحدث عن سوء أخلاق الرواة أمثال حماد وخلف، ويذكر ما قاله كل من الرواة في الآخرين، ويدعي أنهم لم يكونوا يوثق بعضهم بعضًا، وينكر الرواية بحجة أن الشعراء الجاهليين كانوا لسان الوثنية الناطق، وقد أبطل الإسلام الوثنية وحاربها، فلم يكن هناك مجال -في نظره- لحفظ تلك الأشعار التي قيلت في نظام أبطله الإسلام.
وهو بهذا كله يرى أن الشعر الذي وصلنا منسوبًا إلى الجاهليين، ليس لهم، وإنما قيل بعد الإسلام ونسب إليهم، ويستمر في إيراد الأدلة التي يعتقد أنها تؤيد رأيه هذا، فيدعي أن
__________
13 لخص هذه المقالة تلخيصًا وافيًا الدكتور ناصر الدين الأسد في كتابه "مصادر الشعر الجاهلي" ص352 وما بعدها.
(1/179)

الشعر الجاهلي المنسوب إلى الجاهليين يحمل في طياته دلائل بطلانه، ذلك أن فيه كثيرًا من القصص الديني الذي ورد في القرآن، وفي كلمات إسلامية مثل الحياة الدنيا ويوم القيامة والحساب، وليس فيه ما يشير إلى الآلهة المتعددة التي كانت عند الجاهليين، وأن آراء الشعراء الجاهليين في الموضوعات الدينية تبدو مماثلة لما في القرآن. وأنه لا يرى في الشعر المنسوب إلى الجاهليين أثرًا للاختلاف بين لهجات القبائل، ولهجات الشماليين والجنوبيين، ويرى أنه من الصعب عليه أن يتصور أنه كانت هناك لغة مشتركة في أنحاء الجزيرة العربية قبل الإسلام، وينتهي إلى أن الشعر الذي ينسب إلى العرب قبل العصر الأموي مشكوك فيه، بحجة أن الممالك التي كانت في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام كانت لها حضارة راقية، ولكن النقوش التي عثر عليها لهم وبخاصة في اليمن، لا تدل على وجود أي نشاط شعري لها، فكيف يمكن تصديق أن بدوًا أقل رقيًّا من هذه الممالك المتحضرة بكثير، كان لهم شعر في هذه الدرجة العالية؟ ومن ينظر في كلام مرجليوث السابق يجد أنه تضمن أفكارًا عجيبة، لا تعتمد على سند عقلي سليم.
فهل من المعقول أن التقاليد الشعرية التي كانت لدى العرب قبل الإسلام كانت شاذة وغير منتظمة، ولم تصبح في الدرجة العليا التي نرى عليها الشعر المنسوب إلى الجاهليين إلا بعد أن سمعوا ما في القرآن من سجع، وبعض التراكيب الموزونة؟.
وإذا كان القرآن نفسه يهاجم الشعر والشعراء، فكيف يجيء فيه شعر يحاكي أسلوب الشعراء؟ إن ذلك لبعيد كل البعد عن القرآن. ثم هل من المعقول أن ما تضمنه القرآن من بعض الألفاظ الموزونة، كفيل بأن يجعل العرب في فترة أقل من قرن يطفرون بفنهم الشعري من بدائية وفطرية وشذوذ، إلى أوزان منتظمة موسيقية متنوعة، وإلى أسلوب شعري في درجة عليا من النضج والكمال؟
وإذا كان مرجليوث ينكر الرواية الشفهية، والكتابة، في المحافظة على الشعر الجاهلي، فبأي الوسائل كان يحفظ، أو يتناقل من مكان إلى آخر، ومن جيل إلى جيل؟ إنه لمن البديهي أن نقول: إن الأغاني والأناشيد التي يرتلها الأميون ومن هم على الفطرة، يتناقلونها من جيل إلى جيل عن طريق الرواية الشهفية، إن لم تجد من يدونها، والكتاب الذي ينفي القرآن وجوده بين العرب يقصد به الكتاب الديني المقدس.
ثم إن الطعن في الرواة جميعهم، ورفضهم كلهم بحجة سوء أخلاق بعضهم أو بسبب
(1/180)

بعض كلمات تقال، طعنًا فيهم، بدافع الغيرة والتنافس، أمر لا يستسيغه المنطق، ولا يقبله منصف، ولماذا لا نأخذ في الاعتبار شهادات الاعتراف بالأمانة والصدق والنزاهة التي قيلت في كثير من الرواة الصادقين؟
وهل يتصور عاقل أن الإسلام اخترع ألفاظًا جديدة لم يكن للعرب بها سابق عهد؟ إذن كيف كان العرب يفهمونها لو كان الأمر كذلك؟ المعروف أن الإسلام قد أدخل معاني جديدة، ومفهومات جديدة لبعض ألفاظ كانت معروفة ومستعملة لديهم.
وأما عدم وجود أثر للآلهة المتعددة عند العرب في الشعر المنسوب إلى الجاهليين، فهذا سوف نبحثه مع أشياء أخرى عندما نعرض لآراء بعض الباحثين فيما بعد إن شاء الله، وكذلك الحال في شأن اختلاف اللهجات بين العرب قبل الإسلام.
ومن الأساتذة المستشرقين الذين أفاضوا في الحديث عن قضية الانتحال في الأدب الجاهلي الدكتور ريجيس بلاشير، فقد عقد لذلك فصلًا طويلًا14، بدأه بأن الحديث عن صحة الشعر الجاهلي قديم قدم الشعر نفسه، وأثنى على جهود علماء العراق وقت التدوين في تحريهم الحقيقة، ثم عرض بعد ذلك آراء كثير من المستشرقين أمثال مرجليوث، وبرونليخ، ونولدكه، وأهلوارد، وجولدزيهر، ونوراندريه، ووليم مارسيه، وتريتون، وعقد بعض مقارنات بين آرائهم حول هذه القضية، كما عرض لرأي الدكتور طه حسين، الذي سيأتي الحديث عنه بالتفصيل إن شاء الله، ثم يستعرض هو نفسه الموضوع من جوانب متعددة، فيقول15 عن الجوانب التي تثير الشك في الأدب العربي القديم:
"إننا إذا فحصنا النصوص الشعرية الجاهلية بمجملها، وجدنا أولًا أن الشكوك التي أثارتها يجب أن تمتد إلى آثار معاصرة للإسلام، أو جاءت بعده بقليل. وتجدر الإشارة من جهة ثانية إلى أن الانتحال لا يبقى محصورًا في الشعر، بل يتناول النثر، حتى لنستطيع الجزم أن ليس لدينا -باستثناء القرآن- سطر واحد من النثر يرجع تاريخه إلى هذا العهد، ومن الضروري إذا أردنا أن نتبين حقيقة المسألة، أن نشير إلى أن هناك كمية من الآثار القديمة التي أفسدتها الرواية الشفهية والتدوين، امتزجت بآثار منحولة ذات مظاهر مختلفة، ومنها قطع
__________
14 قضية الشعر الموضوع، تاريخ الأدب العربي لبلاشير، ص176 وما بعدها.
15 المرجع السابق، ص183-184.
(1/181)

أدبية بديعة، صنعت حسب التقاليد الشعرية المتبعة طوال النصف الثاني للقرن السابع، في حين أن مصادرها أقدم من ذلك -دون ريب- وقسم آخر على العكس، قطع منحولة صنعت بسذاجة وقلة دراية، تكفي تجربة قليلة للكشف عن حقيقتها. ولا بد إذن من عمل مزدوج سواء أكان المقصود قطعًا أدبية، أو أشعارًا منحولة.
ثم يذكر طائفة من الشعر المدسوس، فيقول16: "إننا نفرد دون تردد، كمية هائلة من الشعر المدسوس في أساطير وردت في سيرة ابن هشام، وكتاب التيجان لعبيد بن شرية، وكتاب الأغاني. إن هذا الإفراد يتناول قطعًا منسوبة إلى العمالقة، والثموديين، كما يتناول أيضا قصائد ذات طابع ديني، أمثال قصائد ورقة وأمية بن أبي الصلت، أو قصائد متأخرة ذات طابع سياسي، وديني، منسوبة إلى أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم، كأبي طالب، وابنه علي" ويتطرق في حديثه إلى إنكار بعض نصوص فيها طابع ديني.
وظاهر أنه في كلامه هذا، يردد كثيرًا مما قاله الباحثون القدماء من العرب، فهم قد تبينوا صنع كثير مما أشار إليه في كلامه السابق. وأما النصوص الجاهلية ذات الطابع الديني، فلنا عندها وقفة فيما بعد إن شاء الله.
ثم يتحدث عن الطريقة التي يمكن بها معرفة الدخيل من الأصيل، في نصوص الأدب الجاهلي.
ويثير الكلام عن الرواية الشفهية، ولغة الشعر، والرواة، ثم يتحدث عن الناحية الدينية في النصوص الجاهلية، ويعقب على آراء جولدزيهر، ودرونبوج وباسيه وليال، كل هذا سنعرض له فيما بعد إن شاء الله.
أما الباحثون العرب فأشهر من تحدث في قضية انتحال الأدب الجاهلي منهم اثنان، هما الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، والأستاذ الدكتور طه حسين.
فالأستاذ مصطفى صادق الرافعي عرض هذه القضية عرضًا مفصلًا في كتابه "تاريخ آداب العرب" الذي ألفه سنة 1911م، وقد جمع كل ما قاله الباحثون القدماء حول هذا الموضوع، فذكر ما قيل حول استكثار القبائل من أشعارها حينما وجدت أن ما لها منه قليل، وأن أكثرها في ذلك كانت قبيلة قريش17. ثم تحدث عما قيل في الشواهد وأنه دخلها كثير
__________
1 المرجع السابق، ص184.
2 تاريخ آداب العرب جـ1 ص366.
(1/182)

من الوضع والاختلاق، فالعلماء كانوا في حاجة إلى الشواهد في تفسير الغريب ومسائل النحو18 ويذكر أن الكوفيين اتهموا بأنهم كانوا أكثر الناس وضعًا للشعر الذي يستشهدون به لضعف مذهبهم، وتعلقهم بالشواذ، واتخاذهم منها أصولًا يقاس عليها، فكانوا يتخذون من الشاذ أصلًا19، ويقال: إن أول من سن لهم هذه الطريقة شيخهم الكسائي، ولهذا يقولون إن الكوفيين اضطروا إلى الوضع فيما لا يصيبون له شاهدًا إذا كان العرب على خلافهم، ولذلك كثيرًا ما نجد في شواهدهم من الشعر ما لا يعرف قائله، بل ربما استشهدوا بشطر بيت لا يعرف قائله.
ويتعرض كذلك للشواهد التي كان يخترعها بعض المتكلمين والمعتزلة ليستشهدوا بها على آرائهم20، ويذكر ما جاءوا به ليثبتوا أن معنى الكرسي هو العلم في قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض} ، إذ قالوا شطر بيت لشاعر مجهول: هو:
ولا بكرسي علم الله مخلوق
ثم ذكر أثر القصص في انتحال الشعر، فقال: إن القصاصين لما كثروا واضطروا أن يضعوا الشعر لما يلفقونه من الأساطير، ليثبتوا تلك الأساطير في أفئدة العامة، فوضعوا الشعر على آدم، ومن دونه من الأنبياء، ثم جاوزوا ذلك إلى عاد وثمود، كما أن للأعراب شعرًا ينسبونه إلى الجن21.
ثم عرض ما قيل في شأن الرواية، والرواة فقال: إن الاتساع في الرواية كان من أسباب الوضع، فالرواة كانوا يتهافتون على الشعر، ويتسابقون على روايته؛ لأنه عمود الرواية وزينتها، وكان التسابق فيه من جهتين: الاتساع في الرواية، ومعرفة تفسيره والبصر بمعانيه.
ويذكر أن بعض الفحول من الرواة كانوا يحبون أن يتسعوا في روايتهم، فيستأثروا بما لا يحسن غيرهم من أبوابها، إظهارًا لتفوقهم، وأنهم يعرفون ما لا يعرف غيرهم، وأن ذاكرتهم أقوى من سواهم، ولذلك كانوا يضعون على فحول الشعراء قصائد لم يقولوها، ويزيدون في
__________
18 المصدر السابق، ص369.
19 المصدر السابق، ص370.
20 المصدر السابق، ص373.
21 المصدر السابق، ص376.
(1/183)

قصائدهم التي تعرف لهم، ويضرب مثلًا لهؤلاء الرواة بحماد الراوية وخلف، ويذكر نبذًا مما قيل عن رواية كل منهما22.
فالأستاذ الرافعي قد استقصى كل ما قاله الباحثون من العرب القدماء، وجمعه في القسم الذي خصصه لهذا الموضوع.
أما الدكتور طه حسين، فقد ألم بالموضوع من جميع نواحيه، ووقف على ما قاله جميع الباحثين من العرب والمستشرقين حول قضية الانتحال، وكون له في ذلك رأيًا، شرحه في كتاب نشره في سنة 1926، سماه "في الشعر الجاهلي" ثم نشره في السنة التالية باسم "في الأدب الجاهلي"، وقد أحدث هذا الكتاب حينئذ ضجة عنيفة، فألف بعض الباحثين كتبًا في الرد عليه، من أهمها:
1- النقد التحليلي لكتاب "في الأدب الجاهلي" للأستاذ محمد أحمد الغمراوي.
2- نقد كتاب "في الشعر الجاهلي"، للأستاذ محمد فريد وجدي.
3- نقض كتاب "في الشعر الجاهلي"، للأستاذ محمد الخضر حسين.
4- "الشهاب الراشد" للأستاذ محمد لطفي جمعة.
5- "تحت راية القرآن" للأستاذ مصطفى صادق الرافعي.
وكتاب الدكتور طه حسين قسمه سبعة أقسام. سمى كل قسم منها كتابًا.
وهذا الكتاب يدور حول رأي الدكتور طه حسين في الأدب الجاهلي الذي انتهى إليه بعد البحث والتفكير، والقراءة والتدبر، وقد لخص رأيه هذا بقوله23: "إن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبًا جاهليًّا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين. ولا أكاد أشك في أن ما بقي من الأدب الجاهلي الصحيح قليل جدًّا. لا يمثل شيئًا، ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الصحيحة لهذا العصر الجاهلي".
وظاهر أن الدكتور طه حسين في رأيه هذا متأثر بآراء الذين يطعنون في أصالة الأدب الجاهلي من المستشرقين، وعلى الأخص مرجليوث، ويعلق بلاشير على ذلك فيقول24:
__________
22 المصدر السابق، ص379.
23 في الأدب الجاهلي، ص65.
24 تاريخ الأدب العربي لبلاشير، ص182.
(1/184)

وينفرد طه حسين عن مرجليوث في نقطة واحدة، فهو يعلم مبدئيًّا، بأن ليس كل ما يسمى بالشعر الجاهلي مصنوعًا، ولكن ما بقي من القديم منه قليل لا يمثل شيئًا، ولا يدل على شيء، وهكذا فهو بوقوفه موقفًا حذرًا اقترب بفكرته من آراء عدد من المستشرقين، أمثال جولد زيهر، ونور أندريه، ووليام مارسيه، وتريتون، وغود فروا، وديمونتين، وبرونليخ "في نقده الثاني لبحث مارجليوث سنة 1972"، ويعتقد هؤلاء أن نولدكه وأهلوارد، ومدرستيهما يفسحون مجالًا واسعًا للشعر المسمى بالجاهلي. وهم وإن لم يثبتوا نظرية مرجليوث الجريئة، فقد وقفوا موقفًا فيه تحفظ".
ومن رأي الدكتور طه حسين، يتبين واضحًا، أنه لا يشك في كل الأدب المنسوب إلى الجاهليين، بل الشك عنده ينصب على الكثرة المطلقة من هذا الأدب، ومعنى هذا أن هناك قلة منه موضع الثقة والقبول، ولكنه يعود فيقول: إن هذا الجزء القليل الصحيح الباقي من الأدب الجاهلي لا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الصحيحة لهذا العصر.
ولكن إذا كان هذا الجزء -ولو قليلًا- صحيحًا وأصيلًا، فلماذا نهمله ولا نعتمد عليه في أي شيء؟ أعتقد أنه إن لم يكن كافيًا لإعطاء صورة كاملة للعصر الجاهلي، فليس أقل من أن يعطينا صورة صحيحة جزئية تمثل الناحية التي هو نص صريح فيها.
وإذا كانت المسالة مسألة رأى واعتقاد، فهناك آراء كثيرة تجعل هذا الجزء الصحيح الباقي لنا من أدب الجاهليين موضع احترام، وترى أنه مرآة للعصر الجاهلي. وإذا كانت آراء الباحثين من العرب التي تؤيد ذلك موضع جدال، فهناك كثير من المستشرقين يعتقدون ذلك، فمنهم نيكلسون إذ يقول25: "إن مزايا العصر الجاهلي، وخواصه، مرسومة صورها "كما تعكس صورة الأشياء في المرآة" بأمانة ووضوح في الأغاني والأناشيد التي نظمها الشعراء الجاهليون" ويقول26: "إن الأدب الجاهلي، المنظوم منه والمنثور يمكننا من تصوير حياة تلك الأيام الجاهلية تصويرًا أقرب ما يكون من الدقة في مظاهره الكبرى".
ويقول ثوربيكه THORBEKE في كتابه "عنترة أحد شعراء الجاهلية ص14": "لا نملك مصدرًا موثوقًا منها لتدوين تلك الغارات البدوية سوى القصائد والمقطوعات
__________
25 literary history of the arab, p. 26.
26 p. 27.
(1/185)

المحفوظة عن شعراء الجاهلية، ويقول ص29: "يمكن تعريف الشعر الجاهلي بأنه وصف مزين بالشواهد لحياة الجاهلية وأفكارها، فقد صور العرب أنفسهم في الشعر صورة منطبقة على الحقيقة بدون تزويق ولا تشويه"27.
ويقول نولدكه في كتابه من الشعر العربي القديم "ص17، طبع هانوفر سنة 1864": "إن عادات عرب الجاهلية وأحوالهم معلومة لنا بدقة، نقلًا عن أشعارهم"28. وقد كان الباحثون والمؤرخون الذين يتصدون للبحث في تاريخ العرب يتخذون من نصوص الأدب الجاهلي، أهم مصدر يعتمدون عليه في بحوثهم، وما زال الباقي منه إلى اليوم، من أهم المراجع للباحثين في أحوال العرب قبل الإسلام.
وكأن الدكتور طه حينما دعا إلى عدم الاعتماد على البقية الباقية من تراث الجاهليين الأدبي في تصوير حالة الجاهليين، أحس أن الباحثين دائمًا يتطلعون إلى المصادر الهامة التي يعتمدون عليها في بحوثهم، فكان أن وجه الأنظار إلى المصدر الذي يعتقد أنه خير ما يصور حالة العرب قبل الإسلام، فقال29: "إذا أردت أن أدرس الحياة الجاهلية فلست أسلك إليها طريق امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير وقس بن ساعدة وأكثم بن صيفي؛ لأني لا أثق بما ينسب إليهم، وإنما أسلك إليها طريقًا أخرى، وأدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته، أدرسها في القرآن، وأدرسها في شعر هؤلاء الشعراء الذين عاصروا النبي، وجادلوه، وفي شعر الشعراء الآخرين الذين جاءوا بعده، ولم تكن نفوسهم قد طابت عن الآراء والحياة التي ألفها آباؤهم قبل ظهور الإسلام. بل أدرسها في الشعر الأموي نفسه، فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب، ولم تجدد فيه إلا بمقدار، كالأمة العربية. فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة وبشر بن أبي خازم".
ثم يسير في بيان الأسباب التي دعته إلى توجيه الباحثين عن صورة صادقة لحياة الجاهليين
__________
27 "الشهاب الرصد". ص40.
28 الشهاب الراصد، ص41.
29 في الأدب الجاهلي. ص70-71.
(1/186)

أن يلتمسوا ذلك في القرآن: فيحاول أن يشرح أن القرآن صور حالتهم الدينية خير تصوير، ووصف حياتهم العقلية والاقتصادية والاجتماعية أحسن وصف.
فأما عن تصويره لحياتهم الدينية، فيقول30: "فأنت ترى أن القرآن حين يتحدث عن الوثنيين واليهود والنصارى، وغيرهم من أصحاب النحل والديانات، إنما يتحدث عن العرب، وعن نحل وديانات ألفها العرب، فهو يبطل منها ما يبطل، ويؤيد منها ما يؤيد، وهو يلقى في ذلك من المعارضة والتأييد بمقدار ما لهذه النحل والديانات من السلطان على نفوس الناس، وإذن فما أبعد الفرق بين نتيجة البحث عن الحياة الجاهلية في هذا الأدب أو الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين فيظهر لنا حياة غامضة جافة، بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي والعاطفة الدينية المتسلطة على النفوس، والمسيطرة على الحياة العملية، وإلا فأين نجد شيئا من هذا في شعر امرئ القيس أو طرفة أو عنترة؟ أو ليس عجيبًا أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين؟! أما القرآن فيمثل لنا شيئا آخر، يمثل لنا حياة دينية قوية تدعو أهلها إلى أن يجادلوا عنها ما وسعهم الجدال، فإذا رأوا أنه قد أصبح قليل الغناء لجئوا إلى الكيد، ثم إلى الاضطهاد، ثم إلى إعلان حرب لا تبقي ولا تذر".
وواضح أن الدكتور طه حسين في هذا، يوافق مرجليوث في الطعن في أصالة الأدب الجاهلي لخلوه من تصوير الحياة الدينية عند العرب قبل الإسلام.
أما أن القرآن نص ثابت، لا سبيل إلى الشك فيه، فذلك حق، ولا جدال فيه، وأما أن القرآن يصور حياة العرب الدينية قبل الإسلام، فذلك أيضًا مقبول، لأن الناحية الدينية أهم النواحي التي جاء الإسلام لإصلاحها، وبيان الحق فيها، فالدين الإسلامي جاء لهداية الناس، وتبصيرهم بالعقيدة الصحيحة والخلق القويم، وإخراجهم من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإيمان والتوحيد، فكان من الطبيعي أن يبين وجه الفساد والخطأ في المعتقدات الدينية التي لا تتمشى مع هذه المبادئ، ولا تتفق مع العقل السليم والتفكير السديد، ومن ثم كان لا بد أن يفيض في محاربة عبادة الأوثان التي لا تضر ولا تنفع، ومعارضة الذين يتمسكون باتباع آبائهم وأجدادهم بغير استعمال العقل والتفكير الصحيح، ومجادلة أصحاب العقائد التي
__________
30 المرجع السابق، ص72-73.
(1/187)

لا تتمشى مع مبادئه ومناهجه، ومن ثم نتوقع أن نجد في القرآن الكريم تصويرًا تامًّا للحياة الدينية التي يحياها العرب في الجاهلية؛ لأن الدين الصحيح كان الغرض الأساسي من الدعوة الإسلامية.
ولكن مقارنة الشعر الجاهلي بالقرآن الكريم في هذه الناحية، أمر لا ينبغي أن يكون؛ ذلك لأن الشعر ليس من أهدافه الوعظ والإرشاد، ولا الدخول في جدل أيًّا كان نوعه، وبخاصة في النواحي الحساسة التي تمس مشاعر طوائف معينة كمسائل الدين والعقيدة، حقيقة أن الأديب -كغيره من الناس- له إحساسه الديني، وعواطفه الدينية، ولا شك أنه -من المحتمل جدًّا- قد تحركت مشاعره الدينية، فتغنى بشعره ليصور ما يجيش بجوانحه من عواطف دينية فياضة، كما نرى كثيرًا من النصوص الأدبية، في عصرنا الحاضر، وفي غيره من العصور، في جميع الأمم. ولذلك من الجائز -بل من المؤكد- أن كان من الشعراء الجاهليين من تغنى بعاطفته الدينية، وصور أثر عقيدته في نفسه، أو تحدث عن الشعائر الدينية في شعره، ولا شك أن ذلك قد وجد في الشعر الجاهلي، إن قليلًا وإن كثيرًا. ولكننا نعلم أن الشعر الجاهلي ظل يحفظ ويتناقل عن طريق الرواية والمشافهة منذ العصر الجاهلي، وفي العصر الإسلامي إلى أن دون فيما بعد. ومن المعلوم أن الدين الإسلامي الجديد جاء بمبادئ جديدة في العقيدة والدين المعاملات، وأبطل كل ما كان مخالفًا لمبادئه وقوانينه، وطالب متبعيه بتركها، والتمسك بأسس الدين الجديد وقواعده، والقيام بكل ما أمر به، والبعد عن كل ما نهى عنه. ومن ثم، كان من أول الأشياء التي لا يهتم بها الرواة المسلمون تلك النصوص التي تتصل بهذه الديانات والعقائد، التي جاء الدين الإسلامي لإبطالها والنهي عنها، ولذلك لن يكون عجيبًا ألَّا نجد في الأدب الجاهلي عامة والشعر منه خاصة، ما يصور فيض المشاعر الدينية عند العرب الجاهليين، وخلو الأدب الجاهلي من الحديث عن العواطف الدينية التي كانت مسيطرة على العرب الجاهليين لا ينبغي أن يتخذ سببًا للطعن في أصالة الأدب الجاهلي، ولا ينبغي أن يقال فيه لذلك إنه يصور لنا حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني والعاطفة الدينية، المتسلطة على النفس والمسيطرة على الحياة العملية، فمن المقطوع به أن كثيرًا من الشعراء قد تغنوا في قصائدهم بذكر آلهتهم كاللات والعزى وغيرها، وتحدثوا عن شعائرهم الدينية الوثنية وغيرها التي كانت منتشرة بينهم، لكن مثل هذه النصوص لا ينتظر خلودها؛ لأنها كانت في عقيدة فاسدة، وطقوس دينية باطلة جاء الدين الإسلامي
(1/188)

لمحاربتها والقضاء عليها لن ينتظر من العرب أن يحافظوا عليها، وهم قد دخلوا في دين الله أفواجًا، وأعجبوا بتعاليمه ومبادئه، واقتنعوا عن عقيدة وإيمان ببطلان ما كانوا عليه. فمن المؤكد -أو على الأقل مما يغلب على الظن- أن العرب على العموم، والرواة على الخصوص، وكلهم من المسلمين المؤمنين الذين امتلأت قلوبهم بهذا الدين الجديد الصحيح، لم يهتموا بهذه النصوص ولم يحافظوا عليها، فلم يدونوها. ومن ثم، ليس غريبًا أن نسيها العرب أو تناسوها، وأغفلها الذين قاموا بتدوين هذا الأدب.
ومع هذا فالشعر الجاهلي لا يخلو من أبيات فيها إشارات إلى العقائد والشعائر الدينية التي كانت شائعة بين العرب في الجاهلية، وفي كتاب الأصنام لابن الكلبي، ودواوين الشعراء كثير من الأمثلة على ذلك، إذ نجد في ثنايا بعض القصائد ما يشير إلى شيء من النواحي الدينية.
كقول عدي بن زيد31:
سعى الأعداء لا يألون شرًّا ... عليك ورب مكة والصليب
وقول أوس بن حجر في وصف الرمح32:
عليه كمصباح العزيز يشبه ... لفصح ويحشوه الذبال المفتلا
وقوله33:
وباللات والعزى ومن دان دينها ... وبالله إن الله منهن أكبر
وقول امرئ القيس أو التوءم اليشكري34:
أحار ترى بريقًا هب وهنًا ... كنار مجوس تستعر استعارا
وقول طرفة يخاطب عمر بن هند35:
إني وجدك ما هجوتك وال ... أنصاب يسفح بينهن دم
وقوله:
للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه
__________
31 شعراء النصرانية، ص451.
32 شعر الحرب للدكتور علي الجندي.
33 أديان العرب، ص172.
34 ديوان امرئ القيس، ص147 ب: 1. وقيل في شرحه: إنه بالغ في وصف النار بقوله تستعر استعارًا، وخص نار المجوس لأنهم عبدتها، فنارهم أعظم، وأشد استعارًا.
35 ديوان طرفة للدكتور علي الجندي، البيت رقم403.
(1/189)

أخذ الأزلام مقتسمًا ... فأبى أغواهما زلمه
عند أنصاب لها زفر ... في صعيد جمة أدمه36
وقول النابغة الذبياني:
فلا لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصار من جسد
ما قلت من سيئ مما أتيت به ... إذا فلا رفعت سوطي إلي يدي37
وقال جابر بن حني التغلبي النصراني، وكانت النصرانية لا تبيح سفك الدم:
وقد زعمت بهراء أن رماحنا ... رماح نصارى لا تخوض إلى دم
وقول امرئ القيس:
فأدركنه يأخذن بالساق والنسا ... كما شبرق الولدان ثوب المقدس
فهذا يشير إلى أن رجال الدين الرهبان كان يتبرك بهم، فالمقدس هو الراهب، وكان إذا نزل إلى صومعته يجتمع الصبيان إليه، فيخرقون ثيابه، ويمزقونها تمسحًا به وتبركًا38. وأمثلة ذلك كثيرة من الأبيات المنتثرة في ثنايا القصائد يشير كل منها إلى عقيدة، أو شعيرة دينية. ولكنا لن نجد قصيدة كاملة خالصة في الشعور الديني، للأسباب المتقدمة: كما حفظت كتب التاريخ والأدب كثيرًا من الأبيات للمشركين والكفار وبخاصة إبان الدعوة الإسلامية وأيام الغزوات39.
ثم ينتقل الدكتور طه حسين إلى ناحية أخرى، فيقول40: "ولكن القرآن لا يمثل الحياة الدينية وحدها، إنما يمثل شيئًا آخر غيرها لا نجده في هذا الشعر الجاهلي: يمثل حياة عقلية قوية، يمثل قدرة على الجدال والخصام أنفق القرآن في جهادها حظًّا عظيمًا، أليس القرآن قد وصف أولئك الذين كانوا يجادلون النبي بقوة الجدال، والقدرة على الخصام، والشدة في المحاورة؟ وفيم كانوا يجادلون ويخاصمون ويحاورون؟ في الدين وفيما يتصل بالدين من هذه
__________
36 الزلم: واحد من الأزلام. الصعيد: التراب. الأنصاب: الحجارة التي كانوا يذبحون عندها. جمة: كثيرة. أدمه: جلوده، أي جلود ما حمل الرجل إلى الأنصاب.
37 أديان العرب، ص174.
38 ديوان امرئ القيس، ص104، ب14.
39 راجع كتب السيرة والأغاني وغيره من كتب الأدب مثل طبقات الشعراء لابن سلام عند الكلام على الشعراء الكفار كأمية بن أبي الصلت وابن الزبعرى قبل إسلامه.
40 في الأدب الجاهلي، ص173.
(1/190)

المسائل المعضلة التي ينفق الفلاسفة فيها حياتهم دون أن يوفقوا لحلها: في البعث، في الخلق، في إمكان الاتصال بين الله والناس، في المعجزة وما إلى ذلك، أفتظن قومًا يجادلون في هذه الأشياء جدالًا يصفه القرآن بالقوة، ويشهد لأصحابه بالمهارة؟ أفتظن هؤلاء القوم من الجهل والغباوة والغلظة والخشونة بحيث يمثله لنا هذا الشعر الذي يضاف إلي الجاهليين؟ "
وهنا يقول: إن القرآن يصف الحياة العقلية للعرب الجاهليين ويصورهم بأنهم كانوا أقوياء في الجدال والمناظرة كالفلاسفة، في حين أن الأديب الجاهلي يصورهم بأنهم جهلاء أغبياء ولكن العكس هو الصحيح، فالقرآن وصفهم دائمًا في هذه المناسبات بأنهم لا يعقلون ولا يفقهون، وأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلًا وإني أوافق الأستاذ الغمراوي في رده على هذه النقطة إذ يقول41: "فأما الحظ الذي أنفقه القرآن في الجهاد بالحجة فعظيم، لكن عظمه لم يكن ناشئًا عن عظم قدرة على الجدال كانت عند المجادلين، ولا عن حسن بصرهم بمواطن الحجة، بل كان ناشئًا عن عظم رسوخ ما كان يجاهده القرآن فيهم، من اعتقادات وعادات، تأصلت فيهم على مر القرون. فالقرآن أنفق ذلك الحظ العظيم في جهاد العادة لا في جهاد مقدرة على المخاصمة". فلم يكن جدالهم في الناحية الدينية ناشئًا عن قوتهم العقلية في هذه الناحية، ولا عن حجج قوية أوردوها، أو براهين جاءوا بها بل كان عنادًا في الحق ومكابرة في الباطل أخذ القرآن في تخليصهم منها نصيبًا كبيرًا، فالحقيقة أن حججهم وبراهينهم هنا كانت واهية ضعيفة لا سند لها من عقل، أو تفكير سليم، إنما هو تأصل العادة، والتمسك بما كان عليه الآباء والأجداد.
ولا يصور الأدب الجاهلي العرب قبل الإسلام جهلاء أغبياء، بل إن الأدب الجاهلي بعامة والشعر فيه بخاصة من أهم البراهين التي تنفي عن العرب قبل الإسلام الجهل والغباء، فهو يثبت أن العرب الجاهليين كان فيهم الذكاء والفطنة، وسعة الخيال، ورقة الشعور، وفيض العواطف النبيلة بما تضمنه من معانٍ سامية، ونظرات صادقة، في الكون، والإنسان، وحسن التعبير وجمال التصوير.
وبعد ذلك يتحدث عن تصوير اتصال العرب بغيرهم، في القرآن، وفي الشعر الجاهلي فيقول42: "والقرآن لا يمثل الأمة العربية متدينة مستنيرة، فحسب، بل هو يعطينا منها
__________
41 الشهاب الراصد، ص148.
42 في الأدب الجاهلي، ص74-75.
(1/191)

صورة أخرى يدهش لها الذين تعودوا أن يعتمدوا على هذا الشعر الجاهلي في درس الحياة العربية قبل الإسلام. فهم يعتقدون أن العرب كانوا قبل الإسلام أمة معتزلة، تعيش في صحرائها لا تعرف العالم الخارجي، ولا يعرفها العالم الخارجي، وهم يبنون على هذا قضايا ونظريات، فهم يقولون: إن الشعر الجاهلي لم يتأثر بهذه المؤثرت الخارجية التي أثرت في الشعر الإسلامي: لم يتأثر بحضارة الفرس والروم. وأنى له ذلك؟! لقد كان يقال في صحراء لا صلة بينها وبين الأمم المتحضرة، كلا! القرآن يحدثنا بشيء غير هذا، القرآن يحدثنا بأن العرب كانوا على اتصال بمن حولهم من الأمم، بل كانوا على اتصال قوي، قسمهم أحزابًا، وفرقهم شيعًا. أليس القرآن يحدثنا عن الروم وما كان بينهم وبين الفرس من حرب انقسم فيها العرب إلى حزبين مختلفين: حزب يشايع أولئك، وحزب يناصر هؤلاء؟ أليس في القرآن سورة تسمى "سورة الروم" تبتدئ بهذه الآيات: {الم، غُلِبَتْ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ} ؟ لم يكن العرب إذن كما يظن أصحاب هذا الشعر الجاهلي معتزلين.
فأنت ترى أن القرآن يصف عنايتهم بسياسة الفرس والروم، وهو وصف اتصالهم الاقتصادي بغيرهم من الأمم في السورة المعروفة: {لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} وكانت إحدى الرحلتين إلى الشام حيث الروم، والأخرى إلى اليمن حيث الحبشة، أو الفرس".
والحق أن الأدب الجاهلي لا يصور العرب في الجاهلية منعزلين عما سواهم من الأمم، وبخاصة من كانوا يجاورونهم، كالروم والفرس والحبشة، من ذلك ما يقوله ابن سلام:
"وكان أبو الصلت يمدح أهل فارس حين قتلوا الحبشة، في كلمة قال فيها:
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم في الناس أمثالا
بيضا مرازبة غرًّا جحاجحة ... أسدًا تربب في الغيضات أشبالا
لا يرمضون إذا حرت مغافرهم ... ولا ترى منهم في الطعن ميالا
من مثل كسرى وسابور الجنود له ... أو مثل وهرز يوم الجيش إذ صالا
فاشرب هنيئًا عليك التاج مرتفقًا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا"43
__________
43 طبقات الشعراء، ص66.
(1/192)

كما وردت فيه إشارات كثيرة للهند، وبخاصة عند الكلام على السيوف، وقد سبق الحديث عن صلات العرب الخارجية، وما كان له من تأثير في لغتهم وأدبهم، وظهر ذلك واضحًا في كثير من الألفاظ الأجنبية التي عربها الجاهليون، وقد ورد بعضها في القرآن الكريم، فالواقع أن الأدب الجاهلي، وبخاصة الشعر، يدل دلالة قاطعة على صلة العرب الجاهليين بغيرهم من الأمم، فما كان للعرب أن يعيشوا في عزلة تامة، ولا بد أن يظهر أثر هذا الاتصال في لغة العرب الجاهليين وأدبهم. ولا يمكن أن يتجاهل دارسو الأدب الجاهلي هذا الأثر، فيعتقدوا "أن العرب كانوا قبل الإسلام أمة معتزلة تعيش في صحرائها لا تعرف العالم الخارجي ولا يعرفها العالم الخارجي".
حقيقة أن التأثير الخارجي في لغة العرب وأدبهم كان كثيرًا بعد ظهور الإسلام، واتساع رقعة العالم الإسلامي بعد الفتوحات التي تمت للمسلمين، بحكم الاتصال الذي زاد واتسع عما كان الحال عليه قبل الإسلام.
ثم ادعاء أن القرآن الكريم تحدث عن صلة العرب بغيرهم من الأمم الأخرى ليس صحيحًا، لأن القرآن لم يقصد ذلك وكان في آيتين أو آيات معدودات، وجاءت إشارته إلى هذه الصلة في تلك الآيات في معرض حديثه عن أغراض أخرى تتصل بمبادئه وأهدافه، ولم يكن الحديث فيه عن هذه الصلة مقصودًا لذاته. وجاء حديثه عنها مقتضبًا، بحيث لا يمكن أن يقال: إنه صور صلة العرب بغيرهم تصويرًا تامًّا من جميع النواحي. إنما هو صورها من الناحية التي تتصل بأغراضه ومقاصده فقط.
وفي تصوير الحالة الاقتصادية بين العرب في الجاهلية يقارن الدكتور طه حسين بين القرآن الكريم والأدب الجاهلي في هذه الناحية فيقول44: "وأنت إذا قرأت في القرآن رأيت أنه يقسم العرب إلى فريقين آخرين: فريق الأغنياء المستأثرين بالثروة، المسرفين في الربا. وفريق الفقراء المعدمين، أو الذين ليس لهم من الثروة ما يمكنهم أن يقاوموا هؤلاء المرابين، أو يستغنوا عنهم. وقد وقف الإسلام في صراحة وحزم وقوة إلى جانب هؤلاء الفقراء المستضعفين، وناضل عنهم، وذاد خصومهم والمسرفين في ظلمهم، وسلك في هذا النضال والذياد مسالك مختلفة: سلك فيها مسلك القوة والعنف حين حرم الربا وألح في تحريمه، ومثل الذين يأكلون
__________
44 في الأدب الجاهلي ص76-77.
(1/193)

الربا بالذين يتخبطهم الشيطان من المس، وأمر الذين آمنوا أن يتقوا الله ويذروا ما بقي من الربا، وآذنهم بحرب من الله ورسوله إن لم يفعلوا، وسلك فيها مسلك اللين والرفق حين أمر بالصدقة، وأوصى الأغنياء بالفقراء، وضرب هذه الأمثال البينات يرغب بها أصحاب الأموال في البر بالفقراء والعطف عليهم، وجعل الصدقة قرضًا يقدمه صاحبها إلى الله على أن يرد إليه مضاعفًا يوم القيامة، وسلك فيها بين بين، فيه حزم وشدة وفيه لين ورفق، حين شرع الزكاة على أنها تطهير للأغنياء وسد لحاجة الفقراء". ثم يستمر فيقول: "أفتظن أن القرآن كان يعنى هذه العناية كلها بتحريم الربا والحث على الصدقة، وفرض الزكاة لو لم تكن حياة العرب الاقتصادية الداخلية من الفساد والاضطراب بحيث تدعو إلى ذلك؟ فالتمس لي هذا أو شيئًا كهذا في الأدب الجاهلي، وحدثني أين نجد في هذا الأدب الذي لا يمثل فقر الفقير، وما يحمل صاحبه من ضر، وما يعرضه له من أذى، والذي لا يمثل طغيان الغني وإسرافه في الظلم والبطش وامتصاص دماء المعدمين؟ ألم يكن بين هؤلاء العرب البائسين من انطلق لسانه مرة بالشكوى من هذه الحياة السيئة المنكرة؟ ألم يكن بين هؤلاء العرب المسرفين في الظلم من انطلق لسانه مرة بما يمثل كبرياءه وتسلطه على هؤلاء البائسين؟ ".
وهو هنا كذلك يسهب في بيان أن القرآن وصف الحالة الاقتصادية للعرب الجاهليين بالتفصيل، ويستدل على ذلك بحديث القرآن عن الفقراء والأغنياء، وفرض الزكاة، وسن الصدقات، وتحريم الربا، ويذكر أن الأدب الجاهلي ليس فيه ما يشير إلى ذلك، ومن ثم فهو لا يصور حالة العرب الاقتصادية.
حقيقة إن القرآن الكريم تحدث عن الأغنياء والفقراء، وحرم الربا، ونفر من البخل، وكره في الشح والحرص وذم الطمع والجشع؛ لأن من أهم مبادئ الدين الإسلامي، إصلاح الفاسد، وتقويم المعوج، ومحاربة الصفات الذميمة، والقضاء على العادات السيئة. فبجانب اهتمام الدعوة الإسلامية ببيان العقيدة الصحيحة، ودعوة الناس إلى الدين القويم، كانت تهتم بإصلاح النواحي الاجتماعية التي كان الفساد فيها ظاهرًا ومستشريًا، فحارب الإسلام كل المفاسد الخلقية والاجتماعية، ومن بينها الربا، والسرقة، والسلب، والنهب، والاعتداء على حقوق الآخرين، وأعراضهم، ودعا إلى المبادئ التي ترفع من شأن الإنسان
(1/194)

والمجتمع ومن بينها الزكاة والصدقات وبذل الأموال وتداولها فيما هو صالح للأفراد والمجتمعات.
وإذا لم يرد ذكر الربا في الأدب الجاهلي فلا ينبغي أن يعتبر ذلك نقصًا فيه. ولا سببًا للطعن في أصالته، فالمعروف أن الأدب ليس إلا أثرًا لانفعال الأدباء بظاهرة تثير انفعالهم، وليس بلازم أن ينفعل الأدباء بكل الظواهر التي يحتويها الكون والحياة والظروف المختلفة، ومن ثم، ليس بلازم أن ينفعل الأدباء بظاهرة الربا، فقد تكون بين الظواهر التي لم تثر مشاعرهم فلم يقولوا فيها شعرًا، ويجوز أن الشعراء أو بعضهم قد ثارت مشاعرهم بسبب الربا، فقالوا فيه شعرًا، ولكنه ضاع ضمن ذلك الجزء الكبير الذي ضاع من نتاج الجاهليين الأدبي.
ويجوز أنه لم يوجد من الأدباء من تعامل بالربا، فأحس بشاعته، فقال فيه نصًّا أدبيًّا، ويغلب على الظن أن ذلك قد حدث، فلم يكن بين الأدباء، وبخاصة الشعراء، من كان يدين أو يستدين بالربا، ذلك لأن من يقرض ماله بالربا لابد أن يكون غنيًّا، ذا ثراء ظاهر، ومال يفيض عن حاجته، وحقًّا كان في العرب من هذه حاله، ولكنا لا نعتقد أن أحد الشعراء الجاهليين كان من هذه الطبقة الثرية، فكتب التاريخ والأدب تتحدث عن الشعراء الجاهليين، سواء كانوا حضرًا أو بدوًا، وتصفهم بأنهم كانوا فقراء، ولم تصف واحدًا منهم بالغنى الكثير، والمال الفائض الذي يقرضه بربا أو بدون ربا. كما أنا لم نسمع عن أحد من الأدباء أنه اقترض من غنيّ مالًا بالربا، حتى ولا بدون ربا، رغم أنهم كانوا جميعًا فقراء، وإنما نعتقد أن حاجات الأدباء وبخاصة الشعراء كانت تقضى بسهولة ويسر، وكان جميع أفراد القبيلة يتسابقون في سد حاجات شعرائهم، وقضاء مصالحهم، بل ويتسامحون كثيرًا فيما يأخذه شعراؤهم من أموالهم ولو في غيبتهم، وبدون سابق إذن منهم. فالشعراء كانت لهم منزلة في قومهم وفي غير قومهم، جعلتهم موضع الاحترام والتبجيل، من الجميع وبخاصة الأغنياء وذوو الثراء، بل كثيرًا ما كان الناس يتهيبونهم، ويخافون ألسنتهم، ويرهبون تشهيرهم، فكانوا على الأقل، يتملقونهم، ويتظاهرون بإكرامهم وإكبارهم. ومن كانت هذه حالهم، فمن المستبعد جدًّا أن يقرضهم الأغنياء بربا، إن لم يقرضوهم بدون انتظار للوفاء أو السداد ومن ناحية أخرى لن ننتظر من الشعراء أن يقولوا شيئا يمس شعور المرابين ما دام الشعراء يلقون منهم كل احترام وإكبار.
(1/195)

على أن الثراء كان غالبًا يظهر في بعض أشخاص من الحضر الذين يعيشون على التجارة والزراعة، ومن هنا كان الربا يوجد عادة بين أهل المدن ولم نسمع عن أحد من الشعراء الحضريين، أنه كان يشتغل بإحدى هاتين المهنتين، فكان ثريًّا ثراء يمكنه من التعامل بالربا، أو أنه كان فقيرًا اضطر إلى مد يده لأحد الأغنياء ليقرضه على أن يرد أكثر مما أخذ.
واستبعاد التعامل بالربا بين شعراء البدو أكثر احتمالًا؛ ذلك لأن التعامل بالربا لا يكون عادة إلا بين قوم في حياتهم استقرار، وفي ظروفهم ما يعمل على وجود ثقة متبادلة بين الدائن والمدين، فالمقرض، حتى بالربا، لا يعطي ماله لأي شخص دون أن يكون واثقًا من مقدرته على السداد من جهة، ومن إمكان العثور عليه بسهولة وبخاصة عندما يحين ميعاد السداد، من جهة أخرى، وذلك لا يكون إلا بين سكان المدن والقرى، الذين يستقرون فيها، ويعرف بعضهم بعضًا مثل مكة ويثرب والطائف واليمن، بعكس البدو الذين كانوا يسهل عليهم التنقل، ومن ثم يستبعد أن كان هناك تعامل بالربا بين سكان البدو على وجه العموم، وبين الشعراء على وجه الخصوص. وإذا علمنا أن معظم الأدب الجاهلي منسوب إلى شعراء البدو، فلن تكون هناك غرابة إذا لم يوجد ذكر للربا في الأدب الجاهلي، لهذا لا ينبغي أن يكون ذلك نقيصة في الأدب الجاهلي، وسببًا في رميه بأنه لا يصور الحياة الاقتصادية في العصر الجاهلي.
على أن هذه الناحية بالذات، أعني التعامل بالربا ظاهرة موجودة بين الناس في جميع العصور ولم نرها سجلت في دواوين الشعراء، أو احتلت مكانًا بين الظواهر المثيرة الأخرى التي حركت مشاعر الأدباء45، فهل يجوز لنا حينئذ أن نقول: إن أدب عصر من هذه العصور لا يصور الحياة الاقتصادية لأمة ذلك العصر لأنه لم يتحدث عن الربا.
ثم لماذا يخص الربا دون غيره من الموضوعات الاقتصادية الأخرى، فهناك مثلًا: الرهن الضار، والتلاعب بالأسعار، وإخفاء السلع، والإتجار بها في السوق السوداء، وأساليب البيع العجيبة التي كانت منتشرة بين الجاهليين، وهي تتضمن أنواع الخداع والتحايل والمكر
__________
45 حقيقة قد وجد بعض الأمثلة التي تتحدث عن الربا كتاجر البندقية لشيكسبير، ولكن هذه الأمثلة قليلة ونادرة بحيث يمكن أن تعد في حكم المعدوم، مما يجعلنا نقول: إن الحديث عن الربا ليس ظاهرة أدبية عامة بين جميع الأمم في كل العصور.
(1/196)

والغش، مثل: بيع الحصاة46 وبيع الغرر47 وبيع الملامسة48 وبيع النجش49؛ وكذلك التطفيف في الوزن والكيل، وغير ذلك من المفاسد الاقتصادية التي كانت منتشرة بين الجاهليين، وهي تضر بالفرد والمجتمع، وقد نهى الإسلام عن كل ذلك، وحرمه تحريمًا قاطعًا، وأوعد كل من يتعامل بأي نوع من هذه العلامات الضارة بالويل والثبور، والمعروف أن المعاملات بين الناس ضرورية لهم جميعًا؛ لأنها تتصل بحياتهم، ولا يستغني عنها فرد من الأفراد، ولا شك أن الشعراء كانت لهم صلة بها؛ فهل إذا لم نجد للأدباء نتاجًا يصور هذه الحالة الشنيعة، ويصف آثارها السيئة على النفوس، كان ذلك مطعنًا في أصالة الأدب؟ أعتقد أن أصالة الأدب شيء، وتصويره لمثل هذه الحالات وغيرها شيء آخر، ولا صلة لهذا بذلك.
فهناك ظواهر اقتصادية وغير اقتصادية لم يظهر لها أثر في الأدب؛ لأنها لم تثر عواطف الأدباء، كما أن هناك ظواهر أخرى كان لها تأثير في مشاعرهم، فسجلوها في نصوصهم الأدبية. وإن أدب الصعاليك ليصف الفقر في الجاهلية، ويدل دلالة واضحة على الشكوى والتألم من الفقر وآثاره في الإنسان.
ثم يتحدث الدكتور طه حسين في جانب آخر من جوانب الناحية الاقتصادية فيقول50:
"ثم لا يمثل القرآن هذه الناحية وحدها من الحياة الاقتصادية الداخلية، وإنما يمثل ناحية أخرى أقوم وأعظم خطرًا منها: يمثل هذه الناحية التي كنا ننتظر أن يمثلها الشعر لأنها خليقة به، وتكاد تكون موقوفة عليه - نريد هذه الناحية النفسية الخالصة، هذه الناحية التي تظهر لنا الصلة بين العربي والمال، هذه الناحية التي فكرنا فيها قليلًا لم نلبث أن نتساءل عن هذا
__________
46 بيع الحصاة: قيل هو أن يقول أحد المتبايعين للآخر: ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم، أو أن يبيعه سلعة، ويقبض على كف من الحصى، ويقول بكل حصاة درهم، وقيل معناه غير ذلك.
47 بيع الغرر: وهو بيع المخاطرة. وهو الجهل بالثمن أو المثمن أو سلامته، كبيع السمك في الماء. والطير في الهواء.
48 بيع الملامسة: على أنواع، منها أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة، فيلمسه المستام، فيقول له صاحب الثوب بعتكه بكذا، على أن يقوم لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته.
49 بيع النجش: أن يبيع الإنسان سلعة بيعًا صوريًّا لشخص اتفق معه على مساومته فيها بثمن كبير، لينظر إليه ناظر، فيقع فيها.
راجع تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي جـ8 ص176 وما بعدها.
50 في الأدب الجاهلي، ص77.
(1/197)

الشعر الجاهلي: أصادق هو أم كاذب؟ فالشعر الجاهلي يمثل لنا العرب أجوادًا كرامًا مهينين للأموال، مسرفين في ازدرائها، ولكن في القرآن إلحاحًا في ذم البخل، وإلحاحًا في ذم الطمع، قد كان البخل والطمع إذن من آفات الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الجاهلية ... إن العرب في الجاهلية لم يكونوا كما يمثلهم هذا الشعر أجوادًا منفقين للمال، مهينين لكرامته، وإنما كان منهم الجواد والبخيل، وكان منهم المتلاف والحريص، وكان منهم من يزدري المال، ومنهم من يزدري الفضيلة والعاطفة في سبيل جمعه وتحصيله".
وهذه النقطة أيضا لا ينبغي أن تكون سببًا في الطعن في الأدب الجاهلي ورميه بأنه لا يصور هذه الناحية الاقتصادية النفسية من حياة العرب الجاهليين، ففي زعم الطاعنين هنا مغالطة واضحة؛ ذلك لأن الأدب الجاهلي اشترك مع القرآن الكريم في تصويرها تصويرًا دقيقًا، ففي كليهما ذم للبخل، ومدح للجود والكرم. فالقرآن الكريم ذم البخل وذم الطمع، والأدب الجاهلي ذم البخل وذم الطمع كذلك، وحينما يتحدث القرآن الكريم عن هذه الأمور وأمثالها، فإنه لا يقصد العرب وحدهم، وإنما يريد أينما وجدت. ولم يصور الأدب الجاهلي العرب قبل الإسلام أجوادًا كرامًا، مهينين للمال، مسرفين في ازدرائه، بل صور العرب بأنهم كان فيهم أجواد كرماء، وفيهم أشحاء بخلاء، ففي الأدب الجاهلي كثير من النصوص يهجو فيها أصحابنا أعدائهم بالبخل والشح، ويذمونهم بالطمع والجشع، وفيه كذلك كثير من النصوص التي يتغنى فيها أصحابها بالجود والكرم، ولكن لا ينبغي أن يغيب عن البال أن هذه النصوص التي تفيض بذكر الجود والكرم إنما تكون عادة في الفخر والمدح، ومن المعلوم البدهي أن المدح أو الفخر لا يكون له شأن، ولا يؤدي معناه الحقيقي إلا إذا كان بشيء نادر، أو عظيم، وليس شائعًا بين الناس، ولا في متناول الجميع، وإلا لما كان للمدح أو الفخر به أي معنى، وبهذا يتبين أن الجود والكرم، والسخاء والبذل والعطاء والإنفاق والإسراف والإتلاف، وغيرها من الصفات التي يتردد المدح والفخر بها في نصوص الأدب الجاهلي، كانت صفات غير متيسرة للجميع، ولا يتصف حقيقة بها جميع العرب. ولكن ليس هناك ما يمنع من أن يدعيها لنفسه كل فرد وكل قبيلة، وما كل ما ينسبه المرء لنفسه صحيح، ولا كل ما يدعيه واقع وحق، ومن المعروف أن الشعر فيه كثير من الأماني والأحلام.
ثم يذكر الدكتور طه بعد ذلك جزئيات يدعي أنها ذكرت في القرآن الكريم، ولم تذكر في
(1/198)

الشعر الجاهلي، هي البحر، والسفن، والصيد، واللؤلؤ، والمرجان فيقول51: "ولكني ألاحظ أن ذكر القرآن لهذا كله، وامتنانه على العرب بهذا كله، دليل قاطع على أن العرب لم يكونوا يجهلون هذا كله، بل كانوا يعرفونه حق المعرفة، كانت حياتهم تتأثر به تأثرًا قويًّا، وإلا فما عرض القرآن له، وما أقام الحجة به عليهم. فأين تجد هذا أو شيئًا من هذا في الشعر الجاهلي؟ ".
هذا ما يقوله الدكتور طه حسين، وفي هذا تحامل على الشعر الجاهلي فقد ذكرت هذه الأشياء بكثرة في الشعر الجاهلي كلما سنحت الفرصة، أو جاءت المناسبة التي تستدعي ذكر أحد منها، وإليك من هذه الكثرة مثالا جاءت فيه كل هذه الأشياء، وهو من معلقة طرفة المشهورة، إذ يقول فيها52:
كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد
عدولية، أو من سفين ابن يامن ... يجور به الملاح طورًا ويهتدي
يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد
ويقول فيها:
وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن ... مظاهر سِمطي لؤلؤ وزبرجد
تلك هي الشبهات التي أثارها الدكتور طه حسين، وبسببها دعا الباحثين إلى أن يتجهوا -إذا أرادوا صورة صحيحة صادقة للعصر الجاهلي- إلى القرآن الكريم، وأن يتجاهلوا الأدب الجاهلي.
وغني عن البيان أن القرآن الكريم ليس خاصًّا بالعرب وحدهم، وما ورد فيه ليس بلازم أن يكون موجودًا في العرب، فهو لم ينزل مؤرخًا لهم، وحتى إذا كانت الأمور التي أثارها الدكتور طه حسين موجودة بين العرب في الجاهلية، فمما سبق يتبين أن القرآن الكريم لا يصور بها حياة العرب من جميع النواحي، ولكنه يصورها في النواحي التي تعرض لها، وهي تلك
__________
51 في الأدب الجاهلي، 79
52 ديوان طرفة للمؤلف، الأبيات: 25، 26، 27، 28.
(1/199)

التي تتصل بمبادئه وأهدافه، وأهمها الناحية الدينية، وبعض النواحي الاجتماعية التي تنظم حياة الناس، وتجعل مجتمعهم مجتمعًا صالحًا بعيدًا عن المفاسد والعيوب، فنبههم إلى أمثل النظم، ووجوه الفساد وطرق إصلاحها، فبجانب تبيانه للعقيدة الصحيحة والدين القويم، وضح لهم الصفات الذميمة والعادات السيئة التي كانت منتشرة بينهم، وحاول تنفير الناس منها، فأظهر ما فيه من فساد وقبح؛ لكي يبتعدوا عنها، فنهاهم عن الربا، والغيبة، والنميمة، وأكل أموال الناس بالباطل، والاعتداء على الآخرين، والمساس بشرفهم، كما حرم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، ووأد البنات وغير ذلك من الأمور التي تحتاج إلى إصلاح وتهذيب؛ لأن ذلك مما يتصل بغرضه وهو هداية الناس إلى الحياة السعيدة المثلى، أما نواحي الحياة وأحوالها الأخرى التي لا تتصل بأغراض الدين الجديد ومبادئه فلم يتعرض القرآن الكريم لها.
ومن ثم، لم يتحدث القرآن الكريم عن جميع أحوال العرب سيئها وحسنها، وشرها وخيرها، ولا يتوقع منه ذلك أبدًا؛ لأنه لم ينزل واصفًا للعرب ولا مؤرخًا لهم. فمن يقتصر -في البحث عن صورة للعرب قبل الإسلام- على ما ورد في القرآن الكريم خاصًا بهم، فلن يأخذ منه صورة العرب كاملة من جميع النواحي لأنه اقتصر على ذكر علاج النواحي السيئة التي كانت فيهم ولم يتعرض لذكر ما كان فيهم من محاسن؛ ذلك لأن غرضه التهذيب والإصلاح وذلك لا يكون إلا لنواحي النقص والعيب، فهي التي تحتاج إلى تهذيب وإصلاح. أما نواحي الحسن فمسكوت عنها، وإن وعد بالثواب من يفعل الطيب أو يتبع الحسن، كما أوعد بالعقاب من يرتكب إثمًا، أو يقترف جرمًا. فالخلاصة أن القرآن الكريم وحده لا يصور حياة العرب الجاهليين من كل النواحي، وإنما يصور تلك النواحي التي تتصل بالأغراض التي جاء من أجلها الدين الإسلامي.
وفي دعوة الدكتور طه حسين إلى تجاهل الأدب الجاهلي عند البحث عن صورة صحيحة للعرب قبل الإسلام، تحامل على الأدب الجاهلي، الذي جاء إلينا عن طريق أهل العلم والثقة، وإنكار لما تضمنه هذا الأدب من حقائق في غاية الأهمية يجدر بالباحث أن يدرسها، ويستقصيها، لتعينه على تكوين صورة صحيحة صادقة للعرب قبل الإسلام، فقد ثبت أن الأدب الجاهلي في الحقيقة مصدر أساسي من مصادر تاريخ العرب الجاهليين، إذ اعترف بذلك كثير من العلماء والباحثين، من العرب والمستشرقين.
(1/200)

ومما يثير الدهشة أن ينصح الدكتور طه حسين الباحثين والمتطلعين إلى تصوير الحياة الجاهلية بالبحث عنها في الشعر الأموي نفسه؛ لأنه لا يعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب، ولم تجدد فيه إلا بمقدار كالأمة العربية، فحياة العرب الجاهليين في نظره ظاهرة في شعر "الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة وبشر بن أبي خازم".
وسبب هذا الدهش أن الدكتور طه يعترف بأن الأدباء العرب في العصر الأموي كانوا متمسكين بالمحافظة على التقاليد الأدبية التي كان يتمسك بها العرب القدماء، وهذا معناه أنه كانت هناك تقاليد أدبية قبل الإسلام، هي التي استمسك بها الأدباء الأمويون، ومن قبلهم بالطبع. وهذا معناه كذلك اعتراف بنتاج أدبي كان موجودًا في العصر الجاهلي، وأن هذا النتاج ظل موجودًا حيًّا حتى اقتدى به الأدباء في العصر الأموي وساروا على منواله، وترسموا خطاه. وهذا يفيد أنهم عرفوا النصوص الجاهلية الصحيحة، فجاء أدبهم تقليدًا صحيحًا كاملًا من جميع الوجوه، ومعنى ذلك أيضا أن الرواة الذين حملوا هذه النصوص الجاهلية التي قلدها الأدباء الأمويون، كانوا موضع ثقة واحترام من العلماء والأدباء وبخاصة هؤلاء الشعراء الذين سماهم الدكتور طه حسين، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا نثق بالتقليد وهو أدب الشعراء الأمويين ولا نثق بالأصل وهو الأدب الذي استمسك بالمحافظة على مذهبه الأدباء الأمويوين، وساروا على أسسه ومبادئه! وأيهما أولى بالتصديق والقبول: الأصل أم صورته؟
وكيف تكون حياة العرب الجاهليين في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي، أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة وبشر بن أبي خازم؟. أذلك لأنه مختلف ومنحول ولم يقله من نسب إليهم، أم لأن صانعيه لم يوفقوا فيه إلى تصوير الحياة الجاهلية تصويرًا دقيقًا؟ إن كان الاحتمال الأول، فأقصى ما يمكن أن يقال حينئذ إنه اختلق في عصر الجمع والتدوين وذلك كان زمنه حوالي زمن هؤلاء الشعراء الذين سماهم ومن ثم لن يكون هناك فرق بين أدباء الدولة الأموية والأدباء الذين اختلقوا هذا الأدب ونسبوه إلى أدباء العصر الجاهلي، لن يكون هناك من فرق بين هؤلاء وأولئك لا من حيث الاتصال بالحياة العربية القديمة، ولا من حيث الإلمام بالتقاليد الأدبية، ومعرفة أساليب
(1/201)

الكلام، وطرق التعبير الأدبي، والتصوير الشعري في العصر الجاهلي، فهؤلاء الذين اختلقوا بعض النصوص الأدبية، ونسبوها إلى أدباء جاهليين لم يقولوها، وما كانوا ليجرءوا على ذلك، إلا إذا كانوا قد أنسوا من أنفسهم إحاطة تامة بحياة العرب الجاهليين، ومعرفة شاملة لأساليبهم في التعبير الأدبي، بدليل اعتراف بعض العلماء، بأن من المختلق ما قد يلتبس على النقاد الضليعين في اللغة والأدب بحيث لا يستطيعون تمييز الدخيل من الأصيل.
وإن كان الاحتمال الثاني، وهو قصور المزيفين عن التقليد الصحيح، فما أسهل -حينئذ- تمييزه، وما أحقه برميه والضرب به عرض الحائط.
فالدعوة إلى نبذ ما ورد عن طريق الرواة الثقات، فيها تحامل بغير أساس، ولا تعتمد على حجة معقولة.
بعد ذلك يتحدث الدكتور طه حسين عن لغة الأدب الجاهلي، ويتخذ منها سببًا قويًّا للطعن في أصالته، وللقول بأنه لا يمثل اللغة العربية في العصر الجاهلي، فيقول53:
"إن الأدب الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية، ولنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ما هي؟ أو ما إذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن أدبهم الجاهلي هذا قد ظهر فيه؟ أما الرأي الذي اتفق عليه الرواة، أو كادوا يتفقون عليه، فهو أن العرب ينقسمون إلى قسمين: قحطانية، منازلهم الأولى في اليمن، وعدنانية، منازلهم الأولى في الحجاز. وهم متفقون على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله فطروا على العربية، فهم العاربة وعلى أن العدنانية قد اكتسبوا العربية اكتسابًا، كانوا يتكملون لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية، ثم تعلموا لغة العرب العاربة؛ فمحيت لغتهم الأولى من صدورهم، وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة. وهم متفقون على أن هذه العدنانية المستعربة إنما يتصل نسبها بإسماعيل بن إبراهيم ... على هذا كله يتفق الرواة، ولكنهم يتفقون على شيء آخر أثبته البحث الحديث، وهو أن هناك خلافًا جوهريًّا قويًّا بين لغة حمير و"هي العرب العاربة" ولغة عدنان "وهي العرب المستعربة". وقد روي عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: "ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا". ثم يستمر فيقول: "وفي الحق إن البحث الحديث قد أثبت خلافًا جوهريًّا بين اللغة التي كان يصطنعها الناس في جنوب البلاد العربية، واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمال هذه البلاد
__________
53 في الأدب الجاهلي، ص80-81.
(1/202)

ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف في اللفظ وفي قواعد النحو، والتصريف أيضًا".
وبعد أن يتحدث طويلًا عن العرب البائدة والعرب الباقية، يورد نصوصًا من اللغة الحميرية ليتبين الفرق بينها وبين العربية، ثم يقول45: "الأمر إذن أوضح وأبين من أن نبين القول في تفصيله، فالقحطانية شيء، والعدنانية شيء آخر ... وإذن فما خطب هؤلاء الشعراء الذين ينتسبون إلى قحطان، والذين كانت كثرتهم تنزل اليمن، وكانت قلتهم من قبائل يقال إنها قحطانية قد هاجرت إلى الشمال؟ ما خطب هؤلاء الشعراء، وما خطب فريق من الكهان والخطباء يضاف إليهم نثر وسجع، وكلهم يتخذ لشعره ونثره اللغة العربية الفصحى كما نراها في القرآن؟ ".
ويستمر، فيقول: "أما أن هؤلاء الناس كانوا يتكلمون لغتنا العربية الفصحى ففرض لا سبيل إلى الوقوف عنده فيما يتصل بالعصر الجاهلي، قد ظهر أنهم كانوا يتكلمون لغة أخرى، أو قل لغات أخرى. فما يضاف إليهم من الشعر والنثر، في لغتنا الفصحى، كما يضاف إلى عاد وثمود وطسم وجديس ومن إليهم من الشعر والنثر، منحول متكلف لا سبيل إلى قبوله، أو الاطمئنان إليه".
وبعد ذلك يناقش القول بأن اليمنيين قد اتخذوا لغة العدنانيين لغة أدبية لهم، ينشئون بها شعرهم ونثرهم الفنيين، فيقبل هذا القول على أنه "حق لا يحتمل شكًّا ولا جدالًا بعد ظهور الإسلام؛ لأن اللغة العربية الفصحى -وهي لغة هذا الدين الجديد ولغة كتابه المقدس ولغة حكومته الناشئة القوية- أصبحت لغة رسمية، ثم لغة أدبية للدول الإسلامية كلها. أما قبل الإسلام، فلا يقبل هذا الرأي، بل يرفضه وينكره. معتمدًا على أن السيادة السياسية والاقتصادية -التي من شأنها أن تفرض اللغة على الشعوب- قد كانت للقحطانيين دون العدنانيين، ويقول: فما العلة إذن في أن تفرض لغة قوم لا حظ لهم من سيادة ولا ثروة ولا حضارة على قوم هم الساسة، وهم المترفون، وهم المتحضرون؟ وكيف لم تفرض القحطانية لغتها على العدنانية، والقحطانية -فيما يقول الرواة والمؤرخون- قد أذلت العدنانية وأخضعتهم لسلطانها المباشر في اليمن، كما أخضعتهم لسلطانها حين تسلط
__________
54 المصدر السابق، ص88-89.
(1/203)

فريق منها على أطراف العراق والشام، تحت حماية الفرس والروم فيما يقول الرواة والمؤرخون"؟
ثم ينكر كذلك هجرة فريق من القحطانيين إلى شمال البلاد العربية واستقرارهم فيها واتخاذهم لغة الشمال أداة للتخاطب والآثار الأدبية بحجة، أن هذه الدعوى تقوم على أساسين، هما: النسب، وسيل مأرب وهو لا يقبل هذين إلا إذا قام الدليل العلمي البين على صحتهما. فهو لا يصدق ما يقوله النسابون عن أن هذه القبائل التي يقال إنها هاجرت، كانت حقًّا من القحطانيين فذلك في نظره أحاديث "يتكلفها القصاص وأصحاب الأغراض والأهواء للذة والمنفعة". ويرى كذلك أن دعوى هجرة فريق من عرب اليمن اضطرارًا بعد حادثة سيل العرم، من أحاديث القصاص إلى أن تقوم عليها الأدلة العلمية، فيقول: "نعم! ذكر القرآن سيل العرم، وأثبت البحث الحديث أن كان سيل العرم. وذكر القرآن أن هذا السيل قد تمزقت له سبأ كل ممزق، ولم يزد القرآن على هذا، ولم يحدد تاريخ سيل العرم، ولم يقل كيف مزقت سبأ كل ممزق، ولم يسم لنا القبائل السبئية التي مزقت، ولم يبين لنا المواطن التي هاجرت إليها، ولم تستكشف بعد نصوص تسمي هذه القبائل أو تدل على هذه المواطن". وينتهي إلى أن يقول55: "نحن إذن بإزاء لغتين: إحداهما كانت قائمة في الشمال وهي التي نريد أن نؤرخ آدابها، والأخرى كانت قائمة في الجنوب، وهي التي تمثلها النصوص الحميرية والسبئية والمعينية. ونحن لا نسرف، ولا نشتط حين ننكر ما يضاف إلى أهل الجنوب من شعر وسجع ونثر قيل بلغة أهل الشمال قبل الإسلام".
الدكتور طه حسين كما نرى يرفض أدب اليمنيين الذي جاء بلغة الشماليين؛ لأن الجنوبيين كانت لهم لغة مخالفة للغة العدنانيين. حقيقة كان القحطانيون في أول الأمر يتخاطبون بلغة تختلف عن لغة العدنانيين، ولكنا نعتقد أنه ما كان خلافًا أساسيًّا، كاختلاف اللغة العربية عن اللغة الإنجليزية أو الألمانية أو الفرنسية، إنما كان اختلافًا بين أختين تفرعتا من أصل واحد، هو العربية الأصلية، فكل منهما لغة عربية، ولكن تبعا لاختلاف الظروف البيئية والحياة في كل قسم، اختلفت كل منهما عن الأخرى، وبطبيعة الحال لن يكون مثل هذا الاختلاف اختلافًا جوهريًّا، ربما يكون اختلافًا في بعض الألفاظ، أو في المدلولات لبعض الألفاظ، أو في
__________
55 في الأدب الجاهلي، ص29.
(1/204)

طريقة النطق، وما إلى ذلك من الاختلافات غير الجوهرية التي تكون بين الفروع التي جاءت من أصل واحد، بدليل وجود اتفاق كبير بين بعض ألفاظ النقوش التي أوردها، ونظيرها في العربية الفصحى، كما فسرها هو في كتابه، مثل56:
وأخهو- وأخوه.
كلبت - كلبة "بالتاء المربوطة وليس في الكتابة الحميرية تاء مربوطة".
هقنيو - أقنوا ومعناه أعطوا. والفعل الذي على وزن أفعل في اللغة الحميرية تبدل همزته هاء. والمعتل لا يحذف حرف العلة منه عند اتصاله بواو الجماعة.
وسعدهم - ساعدهم "بحذف ألف المد في الكتابة".
نعمتم - نعمة "والميم بدل التنوين".
أخت أمهو - أخت أمه "هو في "أمهو" بدل الهاء في العربية".
بعلتي - صاحبتي.
بعل - صاحب.
فتقارب هذه الألفاظ وتشابه بعض الألفاظ، ليس -كما يدعي- كتقارب الألفاظ وتشابه القواعد بين عربيتنا الفصحى من ناحية، والسريانية والعبرانية من ناحية أخرى. حقيقة، هذه اللغات فروع من الساميات، ولكن عربية الجنوب وعربية الشمال أختان قريبتان، من فرع واحد. فالاختلاف بينهما لن يكون كالاختلاف بين العربية والعبرية أو السريانية، فكلتاهما لغة عربية، وأصيلة في عربيتها، ومثلهما مثل عربية مصر وأخواتها العربيات في سوريا، ولبنان، والعراق، والمملكة العربية السعودية، وباقي أقطار العالم العربي، فلا يمكن أن يقال: إن لغة قطر تختلف اختلافًا جوهريًّا عن كل من أخواتها في الأقطار الأخرى. كلنا -نحن أبناء العالم العربي- يلمس أن هناك اختلافًا بين هذه الأقطار في اللغة، أو طريقة النطق لبعض الكلمات، ولا يمكن أن يقال: إن مثل هذا الاختلاف اختلاف أساسي بحيث يترتب عليه أن تكون كل منها مغايرة مختلفة تمام الاختلاف. ثم إن النص الذي أورده لأبي عمرو بن العلاء، ويعتمد عليه في اعتقاده أن لغة اليمنيين كانت غير
__________
56 في الأدب الجاهلي، ص86.
(1/205)

لغة العدنانيين، بالرجوع إلى المصدر الأساسي الذي جاء فيه هذا النص، تبين أنه هكذا: "ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا"57 وليس كما جاء في استدلال الدكتور طه حسين إذ أورده هكذا: "ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا"58 والفرق بين العبارتين واضح، فالنص في العبارة الثانية يفهم منه أن لسان حمير غير لسان العدنانيين، وأن لغتهم غير لغة العدنانيين، كأن كلا منهما لسان خاص، ولغة مغايرة للأخرى. في حين أن العبارة الأولى تفيد أن كلتا الاثنتين عربية، فهما لغة عربية، وأن الاختلاف بين هاتين الأختين مقصور على الأماكن المتطرفة النائية من بلاد اليمن فقط.
ثم إن تسليم الدكتور طه حسين بأن اللغة الفصحى سادت في جميع القبائل اليمنية بعد الإسلام، دليل على التقارب الشديد بين هاتين اللهجتين، قبل الإسلام بوقت كاف، إذ من غير المعقول أن يحدث ذلك بحيث يستطيع الكتاب والأدباء أن ينشئوا بها أدبهم في فترة وجيزة بعد ظهور الإسلام.
ويؤيد التقارب التام بين اللهجتين الجنوبية والشمالية، نقش النمارة الذي عثر عليه لامرئ القيس وهو من أصل قحطاني، إذ ثبت أنه "بلهجة قريبة من لهجة القرآن.. بلهجة نستطيع أن نقول إنها من الأم التي ولدت عربية القرآن"59.
على أن سيادة اليمنيين على الشماليين التي يتذرع بها، ويرتب عليها أن تسود لغة اليمن على الشمال لم تكن سيادة عامة، إنما كانت سيادة على بعض قبائل من أهل الشمال لا كلهم، ولم تستمر طويلًا لمدة تكفي لفرض اللغة، بل كانت لفترة وجيزة، فلم يلبث الشماليون أن انتقضوا على الجنوبيين، وتخلصوا منهم إلى الأبد.
ثم إنه ليس بلازم مطلقًا في كل فتح أو في كل سيادة، أن يستتبع ذلك فرض لغة الفاتحين أو السادة، بل قد يحدث، ومع ظروف وأسباب، ولكن ليس بلازم أبدًا أن يحدث ذلك، وكتب التاريخ والدراسات اللغوية خير شاهد على ذلك، وأقرب مثل لهذا في تلك البقعة، أن كلا من الفرس والأحباش قد احتلوا اليمن قبل الإسلام، ولكن لم نسمع أن اللغة الفارسية أو اللغة الحبشية قد فرضت سيادتها على اليمنيين المغلوبين وفي العصر الحديث مثلا
__________
57 طبقات فحول الشعراء لابن سلام، ص4-5 والمزهر جـ1 ص174.
58 في الأدب الجاهلي، ص81
59 جواد علي جـ 4 ص342.
(1/206)

احتل الإنجليز بعض الأقطار العربية مدة طويلة ولم تسيطر اللغة الإنجليزية على أهل هذه الأقطار، فسيادة اللغة في إقليم ما إذن تخضع لظروف وعوامل كثيرة مختلفة قد يكون منها الفتح أو الغلبة، ولكن ذلك ما كان ولا يكون السبب الوحيد.
وأما إنكاره هجرة بعض القبائل اليمنية واستقراراها في الشمال؛ لأنه لا يصدق ما قيل عن نسبها، وعن وقت هجرتها بأنه كان بعد سد مأرب. فاعتراضه على النسب غير واضح في هذا المكان؛ لأن هذه القبائل إما أن تكون من القحطانية أو من العدنانية، فإن كانت من العدنانية فلا إشكال حينئذ؛ لأن أدبهم سوف يجيء مطابقًا لما ورد إلينا. وإن كانت من القحطانية فهذا ما يقول به معارضو رأي الدكتور طه حسين، ويحاولون أن يعللوا بسببه مجيء أدبهم بلغة الشماليين.
وأما عن هجرتهم بسبب انهيار سد مأرب، فإنه مصدق بما جاء في القرآن وما أثبته التاريخ من أن سيل العرم قد حدث، وأنه مزق سبأ كل ممزق فمعنى هذا أن هناك قبائل من سبأ تركوا موطنهم الأصلي، واستقروا في مواضع أخرى، كل ذلك يوافق عليه الدكتور طه حسين ومن يعارضهم الدكتور طه حسين. والخلاف الذي يثيره هو بينه وبينهم هو: تحديد سيل العرم، وكيفية تمزيق هذه القبائل وأسماء هذه القبائل التي هاجرت، والمواطن الجديدة التي استقرت فيها، فمعارضوه يذكرون أن سيل العرم حدث في الجاهلية قبل ظهور الإسلام بوقت استقرت فيه هذه القبائل التي هاجرت، في موطنها الجديد، وأنها تفرقت في جهات شتى في الجزء الشمالي من شبه الجزيرة العربية ويذكرون أسماء قبائل معينة يحددون كلا منها بالاسم فإذا كان الدكتور طه حسين لديه معلومات أخرى عن تاريخ سيل العرم، وكيفية الهجرة، وأسماء أخرى غير هذه القبائل التي ذكروها، فإنه يؤدي للعلم والبحث خدمات جليلة بذكرها وتفصيلها.
ولو أصر على اختلاف لغة النقوش التي أوردها عن لغة الشماليين، فليبين لنا أصحابها وأين كانوا يسكنون وفي أي العصور، فلعلهم كانوا من أقاصي اليمن الذي ورد ذكرهم في كلمة أبي عمرو بن العلاء. أو لعل لغة هذه النقوش كانت من اللهجات الدارجة في الجنوب وليست لغة الأدب الفصحى.
والرأي المعقول في هذه المسألة، أن لغة الأدب كانت واحدة بين الجنوبيين والشماليين، فقد كان الأدباء في القسمين يؤلفون بها أدبهم، كما سبق أن وضحنا ذلك عند الكلام على لغة
(1/207)

الأدب، وهذه اللغة العربية الفصحى، وليس بعجيب أن يحدث ذلك بين القسمين وإن اختلفت لهجاتهم، كما هو حادث الآن بين جميع أقطار العالم العربي، فكل قطر يتكلم بلهجة تختلف عن اللهجات الأخرى في أحاديثهم اليومية وقضاء مطالبهم الحيوية، فإذا جاء دور اللغة الأدبية اتحدت على جميع الألسنة في جميع الأقطار، وذلك في جميع اللغات التي يكثر الناطقون بها، وهم في أقطار متعددة كعالم المتحدثين باللغة الإنجليزية مثلًا.
والدليل على أن القسمين كانا متحدين في اللغة الأدبية وهي اللغة الفصحى: نزول القرآن الكريم، وفهم العرب جميعًا له، وجدالهم حوله. والدكتور طه حسين نفسه يعترف بأنهم كانوا يجادلون ويخاصمون في مسائل معضلة. وأن جدالهم كان قويًّا يشهد لأصحابه بالمهارة60، ولم يقل أحد ولا الدكتور طه نفسه، أن هذا الجدال كان عن طريق ترجمته لفريق من العرب، أو للعرب الجنوبيين فقط. إنما الأخبار والتاريخ والمعلومات الوثيقة تؤيد أن العرب جميعهم فهموه حق الفهم، ولم يترجم كله أو بعضه لأحد من الجنوبيين، ومعنى ذلك أنهم جميعًا فهموا نصوصه، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت لغته معروفة لهم جميعًا، ثم إن التحدي الذي وجهه القرآن كان للعرب جميعًا وليس لفريق الشماليين دون فريق الجنوبيين. والتحدي لا يكون له معنى إلا إذا كان في ناحية يدعي المتحدى أن له فيها تفوقًا ونبوغًا، وهذا معناه أن العرب الذين تحداهم القرآن بالفصاحة والبلاغة، كانوا العرب كلهم، لا العرب الشماليين دون الجنوبيين.
ثم إن من الثابت تاريخيًّا، أن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يرسل مبعوثين إلى الجهات النائية في شبه الجزيرة العربية ومن بينها اليمن، وأطرافها، وكانوا يتفاهمون معهم باللغة العربية الفصحى، لغة القرآن، ولغة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت أن الترجمة كانت سبيل تفاهمهم. كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستقبل الوفود من جميع الجهات، ومن بينها اليمن، وكان يحدثهم، ويتفاهمون معه، بلغة يفهمها الجميع، ولم يثبت أن الترجمة كانت الوسيلة في التحدث والتفاهم بينهم، كما يحدث بين الذين تختلف لغاتهم، وهذا ليس معناه إلا أنه كانت هناك لغة مشتركة يفهمها الجميع، الشماليون والجنوبيون من العرب، هذه اللغة هي لغة القرآن وهى اللغة الفصحى، التي هي لغة الأدب الجاهلي.
__________
60 في الأدب الجاهلي ص73.
(1/208)

والدكتور طه يعترف بصراحة ووضوح، أن لغة القرآن كانت اللغة الأدبية التي كان يستعملها الناس في العصر الجاهلي، فهو يقول ما يلي بالحرف61: "وليس من العسير أن نفهم أن العرب قد قاوموا القرآن، وناهضوه، وجادلوا النبي فيه إلا أن يكونوا قد فهموه، ووقفوا على أسراره ودقائقه، وليس من اليسير، بل ليس من الممكن أن نصدق أن القرآن كان جديدًا كله على العرب فلو كان كذلك لما فهموه ولا وعوه، ولا آمن به بعضهم، ولا ناهضه، وجادل فيه بعضهم الآخر. إنما كان جديدًا في أسلوبه، جديدًا فيما يدعو إليه. جديدًا فيما شرع للناس من دين وقانون، ولكنه كان كتابًا عربيًّا، لغته هي اللغة الأدبية التي كان يصنعها الناس في عصره، أي في العصر الجاهلي". وذلك معناه أن هذه اللغة كانت معروفة لهم وشائعة الاستعمال بينهم في الأدب.
ثم إذا لم يكن هذا مقنعًا في إثبات أن الجنوبيين كانوا مع الشماليين يستعملون لغة أدبية واحدة، بل إن القسمين كانا يستعملان لغتين أدبيتين مختلفتين، فكيف غاب ذلك عن إدراك هؤلاء المزيفين الذين قاموا بصنع هذه النصوص الجاهلية المنسوبة إلى الجنوبيين؟ كيف ينسبون إليهم نصوصًا بلغة لم تكن معروفة لهم، ولا يؤلفون بها أدبهم؟ والمعروف أن هؤلاء المزيفين كانوا مشهورين بالذكاء الخارق، والفطنة التامة، والإحاطة الكاملة بكل نواحي الحياة الجاهلية عند العرب جميعًا وبخاصة التقاليد الأدبية التي كانت شائعة عند الجاهليين، جنوبيهم وشماليهم، حتى استطاعوا بمقدرتهم الفائقة أن يختلقوا نصوصًا مزيفة، مشابهة تمام المشابهة للنصوص الأصلية، حتى التبس الدخيل بالأصيل، ولم يتمكن أقدر النقاد، وأقواهم فطنة وذكاء من التمييز بين هذا وذاك.
ثم إذا غفل المزيفون عن هذه الناحية، ووقعوا فيها، ألم يكن هناك من النقاد أو العلماء، أو حتى من عامة الناس من يستطيع لأول وهلة أن يرد عليهم ادعاءهم ويبين كذبهم، بحجة أن ما يختلقونه واضح التزييف؛ لأنه يختلف في لغته عن لغة المنسوب إليهم، المعروفة عنهم؟
على أننا أشرنا فيما سبق إلى أن الأدباء من الجنوبيين الذين جاءت لهم نصوص أدبية في تراث الجاهليين، إنما كانوا من أولئك الذين كانوا يعيشون في وسط العدنانيين أو قريبًا منهم،
__________
61 المصدر السابق ص71.
(1/209)

فكانت ديارهم في الشمال، أو قريبًا منه، وليسوا من أولئك الذين كانوا يعيشون في أقاصي اليمن، فليس هناك من الأدباء الجاهليين الجنوبيين الذين وردت لهم نصوص أدبية جاهلية، من كانت داره في الجهات النائية من القسم الجنوبي. ولعل ذلك مما ينهي الخلاف أو يضيق شقته على الأقل. وبذلك ننتهي إلى أنه من المعقول -وهو الواقع فعلًا- أن يتحد الشماليون والجنوبيون في اللغة الأدبية، قبل ظهور الإسلام للأدلة التي وضحناها آنفًا، ومعظمها واقع وملموس. ولا ينبغي مطلقًا أن يكون اتحاد الجنوبيين والشماليين في لغة الأدب المنسوب إليهما سببًا في الطعن في أصالته.
ويتحدث الدكتور طه حسين عن الشعر الجاهلي واللهجات الشمالية، فيحاول أن يتخذ من ذلك مطعنًا جديدًا في أصالة الأدب الجاهلي، وصدقه، فيقول 62: "فالرواة مجمعون على أن قبائل عدنان لم تكن متحدة اللغة ولا متفقة اللهجة قبل أن يظهر الإسلام، فيقارب بين اللغات المختلفة، ويزيل كثيرًا من تباين اللهجات. وكان من المعقول أن تختلف لغات العرب العدنانيين، وتتباين لهجاتهم قبل ظهور الإسلام. فإذا صح هذا كله كان من المعقول جدًّا أن تكون لكل قبيلة من هذه القبائل العدنانية لغتها ولهجتها ومذهبها في الكلام، وأن يظهر اختلاف اللغات وتباين اللهجات في شعر هذه القبائل الذي قيل قبل أن يفرض القرآن على العرب لغة واحدة ولهجات متقاربة، ولكننا لا نرى شيئًا من ذلك في الشعر الجاهلي، فأنت تستطيع أن تقرأ هذه المطولات أو المعلقات التي يتخذها أنصار القديم نموذجًا للشعر الجاهلي الصحيح، وسترى أن فيها مطولة لامرئ القيس، وهو من كندة أي من قحطان، وأخرى لزهير، وأخرى لعنترة، وثالثة للبيد، وكلهم من قيس، ثم قصيدة لطرفة، وقصيدة لعمرو بن كلثوم، وقصيدة أخرى للحارث بن حلزة، وكلهم من ربيعة. تستطيع أن تقرأ هذه القصائد السبع دون أن تشعر فيها بشيء يشبه أن يكون اختلافًا في اللهجة، أو تباعدًا في اللغة، أو تباينًا في مذهب الكلام: البحر العروضي هو هو، وقواعد القافية هي هي، والألفاظ مستعملة في معانيها كما تجدها عند شعراء المسلمين، والمذهب الشعري هو هو. كل شيء في هذه المطولات يدل على أن اختلاف القبائل لم يؤثر في شعر الشعراء تأثيرًا ما. فنحن بين اثنتين: إما أن نؤمن بأنه لم يكن هناك اختلاف بين القبائل العربية من عدنان وقحطان
__________
62 في الأدب الجاهلي، ص93-94.
(1/210)

لا في اللغة ولا في اللهجة ولا في المذهب الكلامي، وإما أن نعترف بأن هذا الشعر لم يصدر عن هذه القبائل، وإنما حمل عليها بعد الإسلام حملا". ثم يقول: "ونحن إلى الثانية أميل منا إلى الأولى. فالبرهان القاطع قائم على أن اختلاف اللغة واللهجة كان حقيقة واقعة بالقياس إلى عدنان وقحطان".
وظاهر أنه هنا يشك في الأدب الجاهلي المنسوب إلى شعراء من القبائل العدنانية، بحجة أن هذه القبائل كانت تختلف في اللهجات، وأن كل قبيلة كانت لها لهجة خاصة بها، ومن ثم يرفض الشعر الجاهلي المنسوب إليهم؛ لأنه جاء بلغة واحدة، ولا أثر لاختلاف لهجات القبائل فيه، ويعتقد أن هذا الأدب المنسوب إلى الأدباء الجاهليين الشماليين، لم يصدر عنهم، وإنما حمل عليهم حملا.
حقيقة، كانت هناك لهجات بين القبائل العربية، لكل قبيلة لهجتها الخاصة، ولكن اختلاف اللهجات بين العرب العدنانيين -كالاختلاف بين لهجات القبائل القحطانية- كان اختلافًا يسيرًا، ولم يكن اختلافًا جوهريًّا؛ لأنه اختلاف بين أخوات من فرع واحد، وشأن الاختلاف بين هذه اللهجات أقل بكثير من الاختلاف بين عربية الشماليين وعربية الجنوبيين فالاختلاف بين هذه اللهجات العدنانية، بعضها وبعض، ليس إلا اختلافًا بين أخوات بينها تقارب شديد وكبير، مثله كمثل الاختلاف بين اللهجات في مناطق الدولة الواحدة، وإنا لنرى ذلك مشاهدًا في كل أمة وفي كل دولة في جميع العصور، ففي جمهورية مصر العربية مثلًا، هناك لهجة القاهرة، ولهجة الإسكندرية، ولهجة الوجه البحري، ولهجة الصعيد، بل وفي مناطق كل من الوجهين القبلي والبحري اختلاف في اللهجات بين سكانها فهناك لهجة الشرقية، ولهجة الغربية، ولهجة منطقة القنال، وهكذا في كل بلد عربي، وغير عربي، وفي كل دولة من دول العالم، في جميع العصور. ولكن اختلاف هذه اللهجات لا يعدو أن يكون خلافًا يسيرًا قليلًا، وجميع المناطق يفهم كل منها الآخر بسهولة ويسر، وهذا الاختلاف كذلك لا يستلزم اختلافًا في لغة الأدب، بل إن الواقع يثبت -والتاريخ على مر العصور يؤيد- أن سكان كل دولة، مهما اختلفت لهجاتهم المحلية في مناطقهم، فإنهم يتفقون جميعًا في اللغة الرسمية، لغة الأدب، فالجميع يؤلفون بها أدبهم، وكلهم يفهم هذه اللغة، فهم جميعًا متحدون في هذه اللغة، مع اختلاف اللهجات المحلية63. وإذا كانت الأدلة
__________
63 في الأدب الجاهلي، ص104.
(1/211)

الواقعة التي سقناها لبيان إمكانية وجود لغة أدبية تجمع بين الشماليين والجنوبيين، مقبولة ومقنعة، فهي هنا تكون دلالتها أقوى، وإقناعها أشد، وقبولها أوجب. ومن ثم، فلم يكن هناك ما يمنع من أن تتحد جميع هذه القبائل في اللغة الأدبية، خصوصًا أن الإنسان دائمًا مدفوع بغريزته إلى حب الشهرة وبعد الصيت، والأدباء بالذات يحب كل منهم أن تشيع نصوصه في الآفاق، وتجري كلماتها على كل لسان في كل مكان. وهذا يستلزم الاتحاد في التعبير الأدبي ليكون المجال أمام النصوص الأدبية مفتوحًا، وكلما اتسع نطاق هذه الوحدة كانت الشهرة أكبر وأعظم.
ومع ذلك يسوق الدكتور طه حسين دليلًا آخر ليؤيد به اعتقاده أن أدب الجاهليين الشماليين مصنوع ومنحول، فيسوق مسألة تعدد القراءات في القرآن، ويقول64: "إن القرآن الذي تلي بلغة واحدة، ولهجة واحدة، هي لغة قريش ولهجتها، لم يكد يتناوله القراء من القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته، وتعددت اللهجات فيه، وتباينت تباينًا كثيرًا، جد القراء والعلماء المتأخرون في ضبطه وتحقيقه، وأقاموا له علمًا أو علومًا خاصة. ولسنا نشير هنا إلى هذه القراءات التي تختلف فيما بينها اختلافًا كثيرًا في ضبط الحركات سواء أكانت حركات بناء أو حركات إعراب.. إنما نشير إلى اختلاف آخر في القراءات يقبله العقل، ويسيغه النقل، وتقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما كان يتلوه النبي وعشيرته من قريش، فقرأته كما كانت تتكلم، فأمالت حيث لم تكن قريش تميل، ومدت حيث لم تكن تمد، وقصرت حيث لم تكن تقصر، وسكنت حيث لم تكن تسكن، وأدغمت أو أخفت أو ثقلت حيث لم تكن تدغم ولا تخفي ولا تثقل". ثم يقول: "وليست هذه القراءات بالأحرف: جمع حرف، والحرف. اللغة، فمعنى أنزل القرآن على سبعة أحرف، أنه نزل على سبع لغات مختلفة في لفظها ومادتها. يفسر ذلك قول ابن مسعود: "هل ينظرون إلا زقية واحدة" مكان {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} .. فأنت ترى أن هذه القراءات التي عرضنا لها إنما هي مظهر من مظاهر اختلاف اللهجات". وبعد أن يستطرد بحديث طويل عن القراءات للطبري، يقول الدكتور طه65:
__________
64 في الأدب الجاهلي، ص94-96.
65 في الأدب الجاهلي، ص103.
(1/212)

"إن هذا النوع من اختلاف اللهجات له أثره الطبيعي اللازم في الشعر: في أوزانه وتقاطيعه وبحوره وقوافيه بوجه عام، ولسنا نستطيع أن نفهم كيف استقامت أوزان الشعر وبحوره وقوافيه كما دونها الخليل لقبائل العرب كلها على ما كان بينها من تباين اللغات واختلاف اللهجات، وإذا لم يكن نظم القرآن، وهو ليس شعرًا ولا مقيدًا بما يتقيد به الشعر، قد استطاع أن يستقيم في الأداء لهذه القبائل، فكيف استطاع الشعر، وهو مقيد بما نعلم من القيود، أن يستقيم لها؟ وكيف لم تحدث هذه اللهجات المتباينة آثارها في وزن الشعر وتقطيعه الموسيقي، أي كيف لم توجد صلة واضحة بين هذا الاختلاف في اللهجات، وبين الأوزان الشعرية التي كانت تصطنعها القبائل؟ ".
وهو بهذا يريد أن يقول: إن أثر اختلاف اللهجات بين القبائل العربية قد ظهر في قراءات القرآن، فلماذا لم يظهر هذا الأثر في الشعر الجاهلي كذلك؟ إن ظهور أثر هذه الاختلافات بين اللهجات في قراءات القرآن، وعدم ظهورها لا يستحق أن يكون سببًا لإثارة الشبهة والاتهام ضد الأدب الجاهلي.
فالقراءات في القرآن إنما هي في الغالب ترجع إلى كيفية النطق ببعض الحروف والأصوات، فالاختلاف بينها في معظم الحالات راجع إلى كيفية النطق، كالإمالة والمد والقصر والتسكين والإدغام والإخفاء، وما إلى ذلك، كما نص على ذلك الدكتور طه حسين في نصه الذي أوردناه آنفًا. وذلك كان بطبيعة الحال يتلقى بالمشافهة والرواية حتى يستطيع السامع أن يعرف كيفية النطق الصحيح بالقراءة المطلوبة. ولذلك كان من المبادئ المقررة في علوم القرآن أن: "المقرئ هو من علم بالقراءات أداء، ورواها مشافهة، فلو حفظ كتابًا امتنع عليه إقراؤه بما فيه إن لم يشافهه من شوفه به مسلسلا؛ لأن القراءة شيء لا يحكم إلا بالسماع والمشافهة"66. والأدب الجاهلي إنما وصلنا مكتوبًا، ولم يحافظ على الرواية والمشافهة في الانتقال من جيل إلي جيل حتى وصل إلينا بهذه الطريقة، وإنما من وقت تدوينه كتب بلغة واحدة. وإذا كان القرآن الكريم نفسه، وهو النص الكريم المقدس، قد كتب بلغة واحدة منذ زمن عثمان، فهل يتوقع أن يدون الأدب الجاهلي عندما بدأ تدوينه -وذلك كان بعد كتابة القرآن الكريم بزمن طويل- بلهجات العرب جميعًا حتى ولو كانوا فيه مختلفين؟
__________
66 راجع كتاب القراءات واللهجات للأستاذ عبد الوهاب حمودة "النهضة المصرية سنة 1948".
(1/213)

والاختلاف ولا شك كان موجودًا -كما رأينا في قراءات القرآن- في النطق ببعض الحروف والأصوات، فإذا لم يحافظ على تبيين هذا الاختلاف في كتابة القرآن الكريم، فهل يحافظ عليه في تدوين الأدب الجاهلي؟ ونحن الآن نقرأ الأدب الجاهلي، وننطق به وهو مكتوب أمامنا بلغة واحدة، وكل قارئ ينطق ألفاظه حسب عادته وطريقته في الأداء، ومن ثم قد يظهر بين الناطقين به في أقطار العالم العربي اختلاف في نطق بعض الحروف أو الألفاظ أو الأصوات، كل حسب ما تعوده لسانه ونشأ عليه منذ الصغر في بيئته الخاصة، ومثل هذا الاختلاف يصور -في نظري- الاختلاف الذي كان بين القبائل المختلفة في العصر الجاهلي.
أما مسألة الاختلاف في بعض الكلمات واستبدالها بكلمات أخرى في بعض القراءات، فذلك قليل ونادر جدًّا، بل حدث ذلك في كلمات معدودات في القرآن الكريم، وكلها طبعًا كانت بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم أن القرآن الكريم نزل بها، ونظير ذلك نجد في الأدب الجاهلي، فكثيرًا ما نجد بعض الألفاظ في بيت أو قصيدة تختلف باختلاف الروايات، فلعل ذلك أثر من آثار اختلاف اللهجات، فيجوز أن الشاعر قالها بحسب لهجة قبيلته ثم غيرها كل راوٍ حسب لهجته، أو لعل الشاعر قالها بألفاظ مختلفة ليجمع في نصه ما يستطيع من لهجات، وذلك في نظري خير دليل على إثبات ظهور الاختلاف بين اللهجات القبلية في الأدب القديم، وإن دراسة شعر الهذليين في المجموعة التي بين أيدينا الآن من مجموعات القبائل التي دونها الرواة، تدل دلالة واضحة على كثير من الألفاظ القبلية التي جمعها العلماء والرواة القدماء بقيت لنا إلى اليوم، لاستطعنا أن نقف منها على كثير من الألفاظ القبلية الخاصة، وحينئذ كان يمكن أن تقوم عليها دراسات لغوية مقارنة ممتعة.
وأما مسألة البحور والأوزان الشعرية، فهي ناحية موسيقية، وهذه تخضع للذوق السمعي للإنسان بحكم كونه إنسانًا، ولا يختلف الإنسان الطبيعي في شأن النغمات الجميلة المستحسنة، فهي ولا شك تنال منه ارتياحًا واستحسانًا مهما اختلفت ظروفه أو بيئته كما هو مشاهد بيننا، فالإنسان يطرب لسماع الموسيقى العذبة الشجية الصادرة من أي مكان وعن أي الأجناس من البشر فكلها توافق الذوق الإنساني السليم. ومن ثم كان لكل إنسان أن يحب، ويعشق، ويردد، ويكرر، ويستعمل، ما يشار منها ما دام قد وافق منه قبولًا ونال عنده الاستحسان
(1/214)

والإعجاب، ولا شك أن الذوق السمعي العام في كل مجموعة من البشر قد يألف أو يطرب لنوع خاص من الموسيقى والأنغام، فيجب أن يعشق نوعًا خاصًّا منها، وذلك شيء طبيعي لأنه خاضع للميول والرغبات التي تختلف في الأفراد والمجتمعات. ولكن المشاهد أيضًا، أن الذوق السمعي العام في كل أمة يكاد يكون واحدًا بين الأمة الواحدة، وإن اختلفت طبقاتها، أو تعددت مناطقها، أو كثر أفرادها، فإذا لقيت هذه الأوزان والبحور الشعرية قبولًا عامًّا من القبائل العربية في العصر الجاهلي، فذلك شيء طبيعي؛ لأنهم جميعًا قبائل عربية من أصل واحد، وفي بيئة واحدة، وظروف الحياة والمعيشة تكاد تكون واحدة، على أن البحور والأوزان التي استخرجها الخليل من الشعر القديم كانت متعددة وكثيرة، وكان للشاعر أن يختار منها ما يحلو له، وما يراه أنسب لغرضه، فاختلاف اللهجات -في اعتقادي- ليس له شأن في الأوزان الشعرية، فهذه مسألة موسيقية، وليس هناك ما يمنع أن تتفق هذه اللهجات العربية في كثير من النغمات الموسيقية، فتجمع على استحسانها والإعجاب بها، خصوصًا أن هذه اللهجات عربية، والقبائل من أصل عربي واحد. فيغلب على الظن بل إن الواقع الطبيعي يؤيد أن هذه القبائل كانت متفقة في الذوق السمعي. فاتحدت لديهم البحور والأوزان الشعرية.
وختم الدكتور طه حسين حديثه في موضوع الاختلاق والنحل في الأدب الجاهلي بالكلام عن الشواهد الشعرية التي كان يستعملها العلماء، فقال67: "ونلاحظ أن العلماء قد اتخذوا هذا الشعر الجاهلي مادة للاستشهاد على ألفاظ القرآن والحديث، ونحوهما، ومذاهبهما الكلامية، ومن الغريب أنهم لا يكادون يجدون في ذلك مشقة ولا عسرًا، حتى إنك لتحس كأن هذا الشعر الجاهلي، إنما قد على قد القرآن والحديث، كما يقد الثوب على قد لابسه لا يزيد ولا ينقص عما أراد طولًا وسعة، إذن فنحن نجهر بأن هذا ليس من طبيعة الأشياء وأن هذه الدقة في الموازاة بين القرآن والحديث والشعر الجاهلي لا ينبغي أن تحمل على الاطمئنان إلا الذين رزقوا حظًّا من السذاجة لم يتح لنا مثله. إنما يجب أن تحملنا هذه الدقة في الموازاة على الشك والحيرة، وعلى أن نسأل أنفسنا: أليس يمكن ألا تكون هذه الدقة في الموازاة نتيجة من نتاج المصادفة، إنما هي شيء تكلف وطلب، وأنفق فيه أصحابه بياض
__________
67 في الأدب الجاهلي، ص108.
(1/215)

الأيام وسواد الليالي؟ " ثم يستمر فيقول68: "وهذا النحو من التكلف والنحل للأغراض التعليمية الصرفة كان شائعًا في العصر العباسي، ولا سيما في القرن الثالث والرابع.. ومثل هذا كثير شعرًا ونثرًا وسجعًا، نجده في الأمالي والعقد الفريد وديوان المعاني لأبي هلال، وغيرها من الكتب، وأكاد أعتقد أن هذا النحو من النحل هو أصل المقامات، وما يشبهها من هذا النوع من أنواع الإنشاء".
حقيقة استخدمت كثير من الأبيات والعبارات العربية القديمة للاستدلال بها على تفسير لفظ، أو استخدام كلمة في معنى، أو الاستدلال على قاعدة، في كثير من العلوم، فتساق هذه المأثورات القديمة استشهادًا بها على المراد توضيحه من مثل الأغراض السابقة.
والباحثون والمؤلفون في العلوم العربية والإسلامية حينما يستشهدون لا يقتصرون في استشادهم على أبيات الشعر، إنما كل ما كان يحضرهم، أو يعلمونه، ويرونه مناسبًا لغرضهم كانوا يستشهدون به. والحق يقال: إنهم في كل استشهاد يبدءون بالاستشهاد بالقرآن الكريم ثم الحديث الشريف، ثم مأثور الكلام العربي الفصيح، شعرًا ثم نثرًا، من كلمات الأدباء الموثوق بفصاحتهم وتمكنهم في اللغة العربية الفصحى الخالصة. ومن الطبيعي إذا وجد الباحث أو المؤلف اقتباسات من كل هذه المصادر تصلح شواهد على ما يقول أتى بها، فأكثر من شاهد من أكثر من مصدر، أوضح في الدلالة، وأقوى في البيان والإيضاح، ولكن أولها بطبيعة الحال هو القرآن الكريم ثم الحديث الشريف، ثم الشعر، ثم النثر، وذلك واضح تمام الوضوح في الكتب الدينية مثل: التفسير والحديث والفقه والأصول وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية، وفي الكتب العربية الأدبية، وأهمها في الاستشهادات كتب النحو والصرف والبلاغة والمعاجم اللغوية، والمقصود طبعًا من هذه الاستشهادات هو التوضيح وزيادة البيان، وتقرير أن ذلك مستعمل، وشائع ومفهوم الدلالة في اللسان العربي الفصيح. وحينما يستشهد العلماء بالشعر في تفسير القرآن الكريم لا يقصدون من ذلك طبعا الاستدلال على عربية القرآن الكريم وفصاحته بعربية بيت من الشعر وفصاحته، كلا، ما كان هذا أو نحوه مقصودًا، إنما المقصود زيادة إيضاح المعنى، وتقريره في نفس القارئ أو السامع. ثم إن الاستشهاد على ألفاظ القرآن الكريم والحديث الشريف ونحوهما ومذاهبهما الكلامية، لم يقد
__________
68 المصدر السابق، ص110.
(1/216)

عليهما قدًّا، إنما هو مثل يساق لتوضيح جزئية معينة في أحد تعبيرات القرآن ببيان الاستعمال العربي الفصيح لمثل لفظ أو ألفاظ هذه الجزئية المعينة المطلوب توضيحها أو تقريرها.
هذا إلى أن الاستشهاد في كل العلوم على اختلافها إنما يقصد به توضيح المعنى أو القاعدة المطلوب بيانها، بإيراد كلام عربي فصيح. فالاقتباسات أو الاستشهادات التي يؤتى بها لا بد ستكون عربية الألفاظ والاستعمال حتمًا، وهذا بالطبع لا يطعن في أصالة ألفاظ الاستشهادات من ناحية الاستعمال اللغوي، ولا من حيث تصوير اللغة العربية في هذا العصر. فمن يورد هذه الشواهد، لا يستشهد بها إلا إذا كان واثقًا تمام الثقة من أنها كانت مستعملة -بألفاظها ومعانيها المطلوب الاستشهاد بها- في اللسان العربي الفصيح. فهي لا تمس أصالة اللغة العربية الفصحى ومن ثم فهي صالحة لتصوير اللغة الفصحى، تصويرًا تامًّا. غاية ما يقال فيها -إذا كانت مختلفة ومنحولة- أنها لا تصور شخصية الأديب المنسوبة إليه.
ثم إن العلماء والمؤلفين كانوا يبذلون جهودهم بقدر ما يستطيعون ليوردوا شواهدهم منسوبة إلى أصحابها الذين قالوها، ومعظمها منسوب إلى قائلين معينين، والقلة القليلة مجهولة القائل. وقد يكون ذلك بسبب الاعتماد على الذاكرة في حفظ الأدب، ونقله ونشره، وإذاعته، فإذا كثر المحفوظ، أو تشابه بعضه، كان جزء أو أجزاء منه عرضة للنسيان أو الاختلاط أو الاضطراب، أو الضياع.
حقيقة قد تكون بعض هذه الشواهد مختلفة ومنحولة، وقد قال بذلك بعض الباحثين منذ القدم، ولكن ليس من العدل أن نطعن في جميع هذه الاستشهادات، ونرميها بالزيف، ونصفها بأنها تطعن في أصالة الأدب الجاهلي، ولا تصور اللغة العربية في العصر الجاهلي. فالإنصاف يقضي، بأن ما كان منها في قصيدة أو قطعة معينة لشاعر أو أديب معين، وقد تظاهرت الروايات والأخبار الموثوق بها على صحته وأصالته، لا بد أن يقبل، وأن يعد صحيحًا صادقًا، ويصلح لكل ما صلح له النص الكامل الصحيح الصادق، أما ما وضح فيه الاختلاق، أو ما كان مثيرًا للشك والظنة، فيستدعي البحث والتحري حتى تتبين حقيقته، وإن كانت هذه الأنواع كلها صالحة للاستشهاد بها على أنها لغة فصيحة.
وينتقل الحديث بعد ذلك عن أسباب الانتحال، فيحصرها الدكتور طه حسين في كتابه، في: السياسة، والدين، والقصص، والشعوبية، والرواة.
وفي حديثه عن السياسة وتدخلها في اختلاق الأدب ونحله، يتحدث الدكتور عن
(1/217)

الظروف التي لابست الدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية فيذكر ما كان من عداوة بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار، وما حدث من عداوة بعد الهجرة بين مكة ومن فيها من قريش، والمدينة ومن فيها من الأنصار، ثم ما حدث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من خلاف بين المهاجرين وهم من قريش، والأنصار وهم من الأوس والخزرج، وما حدث من شقاق في خلافة عثمان رضي الله عنه، وما أعقب ذلك من فتنة بين علي رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان، وما استمر بعد ذلك من عداوات بين الأمويين والفرق والأحزاب الأخرى.
وهو في أثناء ذلك يذكر ما نتج بسبب هذه الاختلافات والعداوات من تسابق في قول الشعر والنصوص الأدبية فيقول: إن التنافس الذي كان بين قريش والأنصار جعل قريشًا تستكثر من الشعر وبخاصة ذلك النوع الذي يهجى فيه الأنصار، وفي هذا يقول69: "ويستطيع الكاتب في تاريخ الأدب أن يضع سفرًا مستقلًّا فيما كان لهذه العصبية بين قريش والأنصار من التأثير في شعر الفريقين الذي قالوه في الإسلام، وفي الشعر الذي نحله الفريقان شعراءهما في الجاهلية. هذا دون أن يتجاوز المؤرخ السياسي أو الأدبي الخصومة بين قريش والأنصار، فكيف إذا تجاوزها إلى الخصومة بين القبائل الأخرى! ذلك أن العصبية لم تكن مقصورة على أهل مكة والمدينة، ولكنها تجاوزتهم إلى العرب كافة، فتعصبت العدنانية على اليمنية، وتعصبت مضر على بقية عدنان، وتعصبت ربيعة على مضر، وانقسمت مضر على نفسها، فكانت فيها العصبية القيسية، والتميمية، والقرشية، وانقسمت ربيعة، فكانت فيها عصبية تغلب وعصبية بكر، وقل مثل ذلك في اليمن، فقد كان للأزد عصبيتها، ولحمير عصبيتها، ولقضاعة عصبيتها".
ويقول: "وإذا كان هذا تأثير العصبية في الحياة السياسية، قد رأيت طرفًا يسيرًا من تأثيرها في الشعر والشعراء، فأنت تستطيع أن تتصور هذه القبائل العربية في هذا الجهاد السياسي العنيف، تحرص كل واحدة منها على أن يكون قديمها في الجاهلية خير قديم، وعلى أن يكون مجدها في الجاهلية رفيعًا مؤثلًا بعيد العهد. وقد أرادت الظروف أن يضيع الشعر الجاهلي؛ لأن العرب لم تكن تكتب شعرها بعد، وإنما كانت ترويه حفظًا، فلما كان ما كان في الإسلام من حروب الردة، ثم الفتوح، ثم الفتن، قتل من الرواة والحفاظ خلق كثير، ثم
__________
69 في الأدب الجاهلي، صفحة129.
(1/218)

اطمأنت العرب في الأمصار أيام بني أمية، وراجعت شعرها، فإذا قد ضاع أكثره، وإذا أقله قد بقي، وهي بعد في حاجة إلى الشعر تقدمه وقودًا لهذه العصبية المضطرمة، فاستكثرت من الشعر، وقالت منه القصائد الطوال وغير الطوال، ونحلتها شعراءها القدماء".
وينتهي إلى أن يقول: "إن العصبية وما يتصل بها من المنافع السياسية, قد كانت من أهم الأسباب التي حملت العرب على نحل الشعر للجاهليين.. إن مؤرخ الأدب مضطر حين يقرأ الشعر الذي يسمى جاهلياًّ، أن يشك في صحته كلما رأى شيئًا من شأنه تقوية العصبية التي يؤيدها هذا الشعر لدى قبيلة أو عصبية قد لعبت -كما يقولون- دورًا في الحياة السياسية للمسلمين".
وهنا نجد الدكتور طه حسين يخلط السياسة بالعصبية. وحقيقة استغلت السياسة في الفترة التي تحدث عنها العصبية. وكان لهذا أثره في النواحي السياسية والاجتماعية. فكان للعصبية أثر ظاهر في السياسة التي سارت عليها الدولة في العصر الأموي. وفي حديثه الطويل في هذا الفصل، يذكر الأسباب التي كان من شأنها أن جعلت المسلمين يختلفون، ويتعصب كل منهم لفريق، وما نتج عن ذلك من آثار أدبية لدى كل فريق. ويورد بعض الأمثلة التي قالها الشعراء وكلها من الشعر الإسلامي، وليس فيها مثل جاهلي واحد، ويلخص قولًا لمحمد بن سلام في كتابه "طبقات فحول الشعراء" عن رغبة كل فريق من المتخاصمين في التعالي على الآخرين، مما اضطرهم إلى خلق الشعر لتقدمه وقودًا لهذه العصبية.
وهذا الكلام الأخير كلام قاله الأولون، وأثبت التاريخ اشتعال العصبية من جديد بين المسلمين بعد أن كانت الدعوة الإسلامية أخمدتها، وقال بسببها الأدباء نصوصًا أدبية كثيرة. ونحن نعلم أن العصبية كانت سائدة بين العرب في الجاهلية، وكانت لهذا من أهم الأسباب التي دعت الشعراء والأدباء إلى قول الشعر والأدب في العصر الجاهلي، فنكاد لا نجد قصيدة واحدة. وبخاصة الطوال منها، تخلو من عصبية جاهلية. ولهذا كان معظم الشعر الجاهلي يفيض بهذه النغمة إذ إنها كانت الملهم الأول للشعراء والمثير الأقوى لعواطفهم، فإذا نحن أخذنا نشك في كل نص أدبي جاهلي فيه عصبية جاهلية، كان معناه الشك في معظم نصوص الأدب الجاهلي لشيوع العصبية فيه. إنما الذي يقتضيه الإنصاف هنا أن نأخذ في الاعتبار دراسة الثقات من العلماء والنقاد والرواة السابقين، فما ارتضوه وقبلوه على أنه أصيل، فليس لنا أن نشك فيه أو نتهمه، ما لم يقم الدليل الثابت القاطع بخلافه، وأنى لنا ذلك!.
(1/219)

وفي حديثه عن الدين ونحل الشعر يذكر أن الظروف المختلفة التي أحاطت بالحياة الدينية للعرب بخاصة وللمسلمين بعامة دعت إلى نحل الشعر، فيقول70: "كان هذا النحل في بعض أطواره يقصد به إلى إثبات صحة النبوة وصدق النبي، وكان هذا النوع موجهًا إلى عامة الناس: وأنت تستطيع أن تحمل على هذا كل ما يروى من هذا الشعر الذي قيل في الجاهلية ممهدًا لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ما يتصل بها من هذه الأخبار والأساطير التي تروى لتقنع العامة بأن علماء العرب وكهانهم وأحبار اليهود ورهبان النصارى، كانوا ينتظرون بعثة نبي يخرج من قريش أو مكة. وفي سيرة ابن هشام وغيرها من كتب التاريخ والسير، ضروب كثيرة من هذا النوع. وأنت تستطيع أن تحمل على هذا لونًا آخر من الشعر المنحول لم يضف إلى الجاهليين من عرب الإنس، وإنما أضيف إلى الجاهليين من عرب الجن". ويقول معللًا هذه الظاهرة71: "والغرض من هذا النحل -فيما نرجح- إنما هو إرضاء حاجات العامة الذين يريدون المعجزة في كل شيء.
ويقول: "القرآن يحدثنا بأن اليهود والنصارى يجدون النبي مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. وإذن فيجب أن نخترع القصص والأساطير وما يتصل بها من الشعر، ليثبت أن المخلصين من الأحبار والرهبان كانوا يتوقعون بعثة النبي، ويدعون الناس إلى الإيمان به حتى قبل أن يظل الناس زمانه".
ويستمر فيقول: "ونوع آخر من تأثير الدين في نحل الشعر وإضافته إلى الجاهليين، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه إلى قريش".
ويقول72: "ونحو آخر من تأثير الدين في نحل الشعر، وهو الذي يلجأ إليه القصاص لتفسير ما يجدونه مكتوبًا في القرآن من أخبار الأمم القديمة البائدة كعاد وثمود ومن إليهم: فالرواة يضيفون إليهم شعرًا كثيرًا. وقد كفانا ابن سلام نقده وتحليله حين جد في طبقات الشعراء إثبات أن هذا الشعر وما يشبهه مما يضاف إلى تبع وحمير موضوع منحول، وضعه ابن إسحاق ومن إليه من أصحاب القصص. وابن إسحاق ومن إليه من أصحاب القصص، لا يكتفون بالشعر يضيفونه إلى عاد وثمود وتبع وحمير، وإنما هم يضيفون الشعر إلى آدم
__________
70 في الأدب الجاهلي، ص133.
71 المرجع السابق، ص135.
72 المرجع السابق، ص138.
(1/220)

نفسه، فهم يزعمون أنه رثى هابيل حينما قتله أخوه قابيل".
ويتابع حديثه فيذكر أن من تأثير الدين في نحل الشعر ما كان يشعر بالحاجة إلى علماء العرب والموالي في إثبات أن القرآن عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب: "فحرصوا على أن يستشهدوا على أن كل كلمة من كلمات القرآن عربية لا سبيل إلى الشك في عربيتها". ويعقب على ذلك بأنه يعتقد أنه "إذا كان هناك نص عربي لا تقبل لغته شكًّا ولا ريبًا وهو لذلك أوثق مصدر للغة العربية، فهو القرآن، وبنصوص القرآن وألفاظه يجب أن يستشهد على صحة ما يسمونه الشعر الجاهلي، بدل أن نستشهد بهذا الشعر على نصوص القرآن".
ويستمر فيذكر أن الخصومات التي حدثت بين العلماء وأصحاب التأويل على فهم القرآن وتأويل نصوصه، "كان له تأثير غير قليل في مكانة العالم وشهرته، ورأي الناس فيه، وثقة الأمراء والخلفاء بعلمه، ومن هنا كان العلماء حراصًا على أن يظهروا دائمًا بمظهر المنتصرين في خصوماتهم، الموفقين للحق والصواب فيما يذهبون إليه من رأي، وأي شيء يتيح لهم هذا إلا الاستشهاد بما قالته العرب قبل نزول القرآن؟ وقد كثر استغلالهم لهذا الاستشهاد فاستشهدوا بشعر الجاهليين على كل شيء. وأصبحت قراءة الكتب الأدبية واللغوية وكتب التفسير والمقالات تترك في نفسك أثرًا قويًّا، وصورة غريبة لهذا الشعر الجاهلي، حتى ليخيل إليك أن أحد هؤلاء العلماء، على اختلاف ما كان ينظر فيه من فروع العلم، لم يكن عليه إلا أن يمد يده إذا احتاج، فيظفر بما شاء الله من كلام العرب قبل الإسلام، كأن كلام العرب قبل الإسلام قد وعى كل شيء، وأحصى كل شيء ... فالمعتزلة يثبتون مذاهبهم بشعر العرب الجاهليين، وغير المعتزلة من أصحاب المقالات ينقضون آراء المعتزلة معتمدين على شعر الجاهليين".
ثم يتطرق إلى جانب آخر من جوانب الناحية الدينية، فيقول 73: "وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم، ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور، ثم أعرضت عنه لما أضلها المضلون، وانصرفت إلى عبادة الأوثان. ولم يحتفظ بدين إبراهيم إلا أفراد قليلون يظهرون من حين إلى حين، وهؤلاء الأفراد يتحدثون، فنجد من أحاديثهم ما يشبه الإسلام. وتأويل ذلك
__________
73 المرجع السابق ص141.
(1/221)

يسير، أتباع إبراهيم، ودين إبراهيم هو الإسلام، وتفسير هذا من الوجهة العلمية يسير أيضًا، فأحاديث هؤلاء الناس قد وضعت لهم وحملت عليهم حملًا بعد الإسلام، لا لشيء إلا ليثبت أن للإسلام في بلاد العرب قدمة سابقة، وعلى هذا النحو تستطيع أن تحمل كل ما تجده من هذه الأخبار والأشعار والأحاديث التي تضاف إلى الجاهليين، والتي يظهر بينها وبين ما في القرآن والحديث شبه قوي أو ضعيف".
ولهذا يقول74: "ونحن نعتقد أن هذا الشعر الذي يضاف إلى أمية بن أبي الصلت وإلى غيره من المتحنفين الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم أو جاءوا قبله، إنما نحل نحلًا، نحله المسلمون ليثبتوا -كما قدمنا- أن للإسلام قدمة سابقة في البلاد العربية. ومن هنا لا نستطيع أن نقبل ما يضاف إلى هؤلاء الشعراء، والمتحنفين إلا مع شيء من الاحتياط والشك غير قليل".
وينتقل إلى آخر نقطة في الناحية الدينية؛ وهي اليهودية والنصرانية وصلتهما بنحل الشعر، ويدعي أن هاتين الديانتين كانتا منتشرتين في بلاد العرب، ثم يقول75: "مهما يكن من شيء فليس من المعقول أن ينشر هذان الدينان في البلاد العربية دون أن يكون لهما أثر ظاهر في الشعر العربي قبل الإسلام، وقد رأيت أن العصبية العربية حملت العرب على أن ينحلوا الشعر ويضيفوه إلى عشائرهم في الجاهلية بعد أن ضاع شعر هذه العشائر، فالأمر كذلك في اليهود والنصارى: تعصبوا لأسلافهم من الجاهليين، وأبوا إلا أن يكون لهم شعر كشعر غيرهم من الوثنيين وأبوا إلا أن يكون لهم مجد وسؤدد أيضًا، فنحلوا كما نحل غيرهم، ونظموا شعرًا أضافوه إلى السموءل بن عادياء، وإلى عدي بن زيد وغيرهما من شعراء اليهود والنصارى".
وظاهر هنا أن الدكتور طه حسين أثار تحت هذه الناحية كثيرًا من المسائل، يعتقد أن ما قيل فيها من الشعر منحول، وهي: ما قيل من الشعر إرهاصًا لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وما أضيف إلى الجن، وما ينسب إلى الأمم البائدة عند تفسير الآيات التي تتحدث عنهم، وما يستشهد به على تفسير القرآن ومعاني ألفاظه، وما يورده علماء اللغة والدين من
__________
74 المرجع السابق ص145.
75 المرجع السابق ص146.
(1/222)

استشهادات لإثبات سعة علمهم وتأييد آرائهم، وما ينسب إلى من سموا بالموحدين، وما يضاف إلى شعراء اليهود والنصارى.
ولا شك أن فيما ذكره عن هذه المسائل شيئًا من الشعر والنصوص الأدبية قيل بعد الإسلام ونسب إلى أدباء جاهليين، وقد فطن إلى ذلك العلماء والنقاد والقدماء، ونصوا على نحل بعض الآثار الأدبية التي تتصل بهذه المسائل، وقد رأينا فيما اقتبسناه من ابن سلام والرافعي ما يثبت ذلك.
ومن الردود على مسألة النصوص الأدبية التي وردت ممهدة لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم، قول الأستاذ محمد الخضر حسين76: "أما الذين يعتقدون بأن نبوة أفضل الخلق حق، فمن الجائز عندهم أن يسبقها شعر أو خبر يتصل بها، وشأنهم أن يفحصوا ما يرد في هذا الصدد، ويضعوه بمنزلته من الوضع أو الضعف أو الصحة، وكذلك فعل علماء الإسلام فحكموا على جانب مما كان من هذا القبيل بالوضع كالأخبار والأشعار المعزوة إلى قس بن ساعدة".
والمعروف دائمًا أن الثورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحدث عقب تدهور وفوضى وفساد. فسوء الحال في أية ناحية من نواحي الحياة يدفع المفكرين وذوي الفطنة، وأصحاب المواهب إلى البحث عن وسائل الإصلاح، فيضرعون إلى الله أن يلهمهم الصواب، ويفكرون، ويتعمقون في التفكير، فإذا ما هداهم الله سبيل الرشاد, وأنار لهم الطريق، قضوا على الفوضى، وأصلحوا الفاسد، وقوموا المعوج. فتزول الغمة وتستقيم الأمور.
وإذا كان الحال كذلك في نواحي الحياة العملية فلماذا لا يكون ذلك في النواحي الروحية؟ لماذا لا يحدث ذلك في الناحية الدينية، حينما تنتشر فيها الفوضى، ويعم الفساد، ويسود الجهل، ويضل الإنسان الطريق الصحيح إلى الدين القديم؟ إن السنة الطبيعية للإنسان والحياة تؤكد أنه في أثناء الأزمات، وفي أحرج الأوقات توجد في المجتمعات عقول منيرة، وأفكار وضاءة ترسل أشعتها وسط الظلمات، وتتلمس المنافذ إلى آفاق الطمأنينة والاستقرار. وقد رأينا ما كانت عليه الحال من سوء وفساد بين العرب الجاهليين في شتى نواحي الحياة وبخاصة في الدين، فكانوا في الحقيقة يعيشون في فوضى سياسية واجتماعية ودينية؛ أمن
__________
76 نقض كتاب في الشعر الجاهلي ص188.
(1/223)

معدوم، وخطر يتهدد النفوس، وظلم واعتداء، وسلب ونهب، وضلال ديني، وفوضى ضاربة أطنابها في كل شيء: فساد وظلام، وزعزعة واضطراب. ومن الطبيعي حينئذ أن يكون من بين أبنائهم من كانت فيهم بصيرة نافذة، وعقول مفكرة، فرأوا ذلك وأحسوه، فاتجهوا بنفوسهم نحو التفكير السليم، والطريق الصحيحة، يتلمسون النور، ويرجون الحق والصواب، وربما كان من هؤلاء من رزقوا الموهبة الفنية الأدبية، فصوروا مشاعرهم، وخلجات نفوسهم في صورة من يرى النور، ويحدوه الأمل، وينتظر تحقيق الرجاء فكان ذلك إرهاص الخير، وبشير الاطمئنان.
لذلك لا نستبعد أن في الجاهلية، وبخاصة تلك الفترة التي سبقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، قد وجد بين القوم من صفت نفوسهم، وسما تفكيرهم، فوصلوا بتأملاتهم الدينية إلى شيء من الحقيقة في الدين، وتمنوا أن يتحقق لهم الأمل، وتتضح الحقيقة كاملة جلية. ويقول ابن سلام: "وكان أمية "يعنى ابن أبي الصلت" كثير العجائب، يذكر في شعره خلق السموات والأرض، ويذكر الملائكة، ويذكر من ذلك ما لم يذكره أحد من الشعراء، وكان قد شام أهل الكتاب". ثم يقول ابن سلام: "فحدث سفيان وابن دأب، أن أمية مر بزيد بن عمر بن نفيل أخي عدي بن كعب، وكان قد طلب الدين في الجاهلية هو وورقة بن نوفل، فقال أمية: يا باغي الخير، هل وجدت؟ قال: لا"77.
وأما ما ينسب إلى الجن من أشعار، فقد قال عنه الأستاذ محمد لطفى جمعة78: "والحقيقة أن عرب الجاهلية كانوا يعتقدون بالجن ونظموا شعرًا جاهليًّا عن علاقة الجن بالشعر والشعراء ... ولم تكن أمة سامية أو آرية تخلو من الاعتقاد بالجن، أو الأرواح الخيرة والشريرة". ويقول: "نقرأ الكثير عن الشعر المروي عن الجن والأنس، ولم يخطر ببالنا يومًا، أن المقصود أن الجن قالته حقًّا وصدقًا، وأنها تنشر باللغة العربية والأوزان العربية شعرًا عربيًّا في أمور دينية أو سياسية، ولكنا لو قرأنا، وأدركنا، نعلم أن هذا الشعر يتضمن فكرة الشاعر المعلوم أو المجهول الذي نظمه، ولم ينسبه لنفسه، وأن الجن ليست إلا وسيلة لروايته، كما فعل شعراء الإفرنج، مثل غوته، وشكسبير، ودانتي، وميلتون، فقد أنطقوا الجن في دواوينهم بالشعر والنثر، وزاد دانتى وميلتون بالخوض في وصف الجنة والجحيم، ورويا لنا من شعر
__________
77 طبقات الشعراء، ص66.
78 الشهاب الراصد، ص259-212.
(1/224)

الملائكة والأبالسة ما لم يخطر على قلب البشر، فهل صدقنا أن الملائكة والشياطين والجن قالت هذا الشعر حقًّا؟ وهل يؤمن المؤلف بشاعرية الجن.. بل نعد الشعر الذي نسب إلى الجن في مقتل سعد بن عبادة ورثاء عمر بن الخطاب من النوع التمثيلي الفطري الذي لم تتضح مواهب العرب في بابه؛ لأنهم وإن نظموا شعرًا تمثيليًّا، فإن خيالهم اتجه نحو هذا النوع من الأدب، وقد ألف اليونان قطعًا تمثيلية قوامها شخصيات خيالية أمثال ديونيس وجوبتر وباكوس وبروموتيه"، ويقول: "إن الشعر الذي تزعم الأعراب أنه للجن، والأخبار التي عقدوها لها، وتناقلها عنهم الرواة، إنما هو من قبيل الخيال الشعري". ويعلل بعض الباحثين الشعر الذي ينسبه الأعراب إلى الجن، بأن ذلك من أثر الفلاة والخلاء والوحشة والبعد عن الإنس، فأخبار الجن لا تعرف إلا عن رجل من الرواة الذين يقصون للعامة وأشياء العامة. ثم إن "شياطين الشعراء" فكرة، بل عقيدة راسخة عند العرب منذ القدم.
وأما ما ينسب إلى عبد المطلب وهاشم وعبد مناف وقصي من أخبار، فيجوز أن يكون ذلك مما نسب إلى قريش أنها افتعلته فيما بعد، وأما المثال الشعري الذي أورده الدكتور طه حسين79 ليدلل على نحل الشعر الجاهلي في قريش، فهو شعر إسلامي إذ ينسب إلى قائل قاله بعد ظهور الإسلام، ثم إن النقاد عرفوه ونبهوا عنه.
وأما ما يذكره عن الشعر المنسوب إلى الأمم البائدة، فقد نبه عليه القدماء، وبينوا وجه انتحاله، واعترف الدكتور طه بأن ابن سلام كفاه ذلك "حين جد في طبقات الشعراء في إثبات أن هذا الشعر وما يشبهه مما يضاف إلى تبع وحمير.. وعاد، وثمود، منحول وضعه ابن إسحاق ومن إليه من أصحاب القصص".
وأما عن الشعر الذي يساق الاستشهاد به في التفسير، وبين علماء التأويل، فقد سبق أن وضحنا القول في هذا الشأن.
وأما ما ينسب إلى الموحدين من نصوص شعرية، فيجوز أن يكون ذلك من خلجات ذوي النفوس الشفافة الذين أشرنا إليهم سابقًا، ممن يرون بصيص النور في دياجير الظلام، فاهتدوا إلى شيء من الصواب، وجاء ما اهتدوا إليه موافقًا للحق والرشاد.
وما قيل عن أدباء اليهود والنصارى وما نسب إليهم من أدب منحول، فشأنهم في ذلك
__________
79 في الأدب الجاهلي، ص137.
(1/225)

شأن غيرهم من الأدباء المسلمين وغيرهم من الطوائف الأخرى، ينطبق عليهم جميعًا المبدأ العام وهو دراسة آثارهم، ومعرفة آراء الثقات من العلماء والنقاد والباحثين السابقين في ذلك فما كان من نصوصهم موضع ثقة هؤلاء، كان موضع قبول واحترام، ما لم تكن هناك براهين قاطعة على خلاف ذلك.
وفي أثر القصص في انتحال الأدب، يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي80: "فلما كثر القصاصون وأهل الأخبار اضطروا من أجل ذلك أن يصطنعوا الشعر لما يلفقونه من الأساطير حتى يوائموا بين رقعتي الكلام، وليحدروا تلك الأساطير من أقرب طريق إلى أفئدة العوام، فوضعوا الشعر على آدم فمن دونه من الأنبياء وأولادهم وأقوامهم، وأول من أفرط في ذلك محمد بن إسحاق".
وفي هذا الموضوع يتحدث الدكتور حسين عن أهمية القصص عند العرب، ثم يقول81: "وأنت تعلم أن القصص العربي لا قيمة له ولا خطر في نفس سامعيه إذا لم يزينه الشعر.. وإذن فقد كان القصاص أيام بني أمية وبني العباس في حاجة إلى مقادير لا حد لها من الشعر، يزينون بها قصصهم ويدعمون بها مواقفهم المختلفة فيه. وهم قد وجدوا من هذا الشعر ما كانوا يشتهون وفوق ما يشتهون".
ويتحدث عن فطنة العلماء والنقاد لهذه المسألة، فيقول82: "كثر هذا الشعر الذي احتاج إليه القصاص لتزدان به قصصهم من ناحية، وليسيغها القراء والسامعون من ناحية أخرى.. وفطن بعض العلماء إلى ما في هذا الشعر من تكلف حينًا، ومن سخف وإسفاف حينًا آخر، وفطن إلى أن بعض هذا الشعر يستحيل أن يكون قد صدر عن الذين ينسب إليهم. ومن هؤلاء محمد بن سلام الذي أنكر -كما رأيت- ما يضيفه ابن إسحاق إلى عاد وثمود وحمير وتبع، وأنكر كثيرًا مما رواه ابن إسحاق في السيرة من شعر الرجال والنساء سواء منهم من عرف بالشعر، أو لم يقل شعرًا قط، وآخرون غير ابن سلام أنكروا ما روى ابن إسحاق وأصحابه القصاصون، نذكر منهم ابن هشام".
ومن هذا الجانب ينكر الدكتور طه كل شعر يضاف إلى جذيمة الأبرش، وزهير بن
__________
80 تاريخ آداب العرب جـ1 ص375.
81 في الأدب الجاهلي، ص151.
82 المصدر السابق، ص154.
(1/226)

جناب، ومالك وسعد ابني زيد مناة بن تميم، وأعصر بن سعد بن قيس عيلان. ويقول83: "فليس لهذا كله إلا أصل واحد، وهو تفسير طائفة من الأمثال، ذكرت فيها أسماء هؤلاء الناس كلهم أو بعضهم، كقولهم: "لا يطاع لقصير أمر" وقولهم: "لأمر ما جدع قصير أنفه"، وقولهم: "شب عمرو عن الطوق"، أو ذكر فيها ما يتصل بهؤلاء الناس في هذه القصص التي كانت شائعة عند هؤلاء الأخلاط من سكان العراق والجزيرة والشام، وما يتصل بها من بوادي العرب، كفرس جذيمة التي كانت تسمى "العصا"، والبرج الذي بناه قصير على العصا بعد أن نفقت، وكان يسمى "برج العصا"، ودم جذيمة الذي جمعته الزباء في طست من الذهب، وجمال عمرو بن عدي التي احتال قصير في إدخالها تدمر، وعليها الرجال في الغرائر".
ويدخل الدكتور طه حسين في هذا النوع أخبار المعمرين، كالمستوغر بن ربيعة بن سعد، ودريد بن زيد بن نهد.
ثم يتحدث عن أيام العرب، فيقول 84: "والرواة أشد انخداعًا حين يتصل الأمر بالبادية اتصالًا شديدًا، وذلك في هذه الأخبار التي يسمونها "أيام العرب"، أو "أيام الناس" فهم قد سمعوا بعض هذه الأخبار من الأعراب، ثم رأوها تقص مفصلة مطولة، فقبلوا ما كان يروى منها على أنه جد من الأمر، ورووه، وفسروه وفسروا به الشعر، واستخلصوا منه تاريخ العرب، مع أن الأمر فيه لا يتجاوز ما قدمناه. فليست هذه الأخبار إلا المظهر القصصي لهذه الحياة العربية القديمة، ذكره العرب بعد أن استقروا في الأمصار، فزادوا فيه، ونموه، وزينوه بالشعر؛ كما ذكر اليونان قديمهم فأنشئوا فيه "الإلياذة" و"الأوديسا" وغيرهما من قصائد الشعر القصصي التي لم يكن يبلغها الإحصاء. فحرب البسوس، وحرب داحس والغبراء، وحرب الفجار، وهذه "الأيام" الكثيرة التي وضعت فيها الكتب ونظم فيها الشعر، ليست في حقيقة الأمر -إن استقامت نظريتنا- إلا توسيعًا وتنمية لأساطير وذكريات كان العرب يتحدثون بها بعد الإسلام". ثم ينتهي إلى أن يقول 85:
__________
83 المصدر السابق، ص157.
84 المرجع السابق، ص158.
85 في الأدب الجاهلي، ص159.
(1/227)

ومن هنا نستطيع أن نقول مطمئنين: إن مؤرخ الآداب العربية خليق أن يقف موقف الشك -إن لم يقف موقف الإنكار الصريح- أمام هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين؛ والذي هو في الحقيقة تفسير أو تزيين لقصة من القصص، أو توضيح لاسم من الأسماء، أو شرح لمثل من الأمثال".
ثم يسمي ما يندرج تحت هذا، فيقول: "كل ما يروى عن عاد وثمود وطسم وجديس وجرهم والعماليق موضوع لا أصل له، وما يروى عن تبع وحمير وشعراء اليمن في العصور القديمة وأخبار الكهان، وما يتصل بسيل العرم وتفرق العرب بعده موضوع لا أصل له، وكل ما يروى عن أيام العرب وحروبها وخصوماتها وما يتصل بذلك من الشعر، خليق أن يكون موضوعًا، والكثرة المطلقة منه موضوعة من غير شك، وكل ما يروى من هذه الأخبار والأشعار التي تتصل بما كان بين العرب والأمم الأجنبية من العلاقات قبل الإسلام كعلاقاتهم بالفرس واليهود والحبشة، خليق أن يكون موضوعًا، وكثرته المطلقة موضوعة من غير شك". وظاهر من هذا أن الدكتور طه حسين يذكر كثيرًا مما قاله السابقون، ويعترف بأن العلماء والنقاد كانت لديهم فطنة يستطيعون بها أن يميزوا بين الأصيل والدخيل، فقبلوا الأول، ورموا الثاني بالصنعة والزيف.
ولكن الأسماء التي ذكرها أسماء تاريخية، تحدثت عنها كتب التاريخ والأدب، وبعضهم لعب في حياته دورًا هامًّا لفت الأنظار إليه. ثم إن الأمثال العربية لها أصل حتمًا، فالمثل يضرب، لتشبيه الحالة التي يقال فيها، بالحال التي قيل بسببها، غير أن الأسماء السحيقة القدم، مثل أعصر بن قيس عيلان من المستبعد حقًّا -كما يقول الدكتور طه- أن يكون لسانهم الأدبي، هو اللغة الفصحى التي ورد بها الأدب الجاهلي الذي لا يتعدى أقدم نص فيه مدة قرنين قبل الإسلام.
أما الأمم التي بادت، ولم يرد ذكرها إلا في الكتب السماوية، فواضح جدًّا أنهم لم يقولوا هذا الشعر الذي ينسب إليهم, وأن الذين قالوه ونسبوه إليهم، إنما فعلوا ذلك، تصويرًا لحالهم، ونطقًا بلسانهم، كي تتضح قصصهم، وتكون أكثر قبولًا لدى السامعين.
وأما أيام العرب، فهي حقيقة، حدثت بينهم وأثرت في حياتهم، وتحدثوا عنها في الجاهلية، فأثارت مشاعر القوم، وحركت عواطف الشعراء، فقالوا فيها أروع قصائدهم، وأجمل نصوصهم الأدبية، وكان النصر فيها مجال فخرهم، والهزيمة فيها عار لا يمحى إلا بنصر
(1/228)

مؤزر، وكان الحديث عنها مادة شعرهم، ومجال سمرهم، وليست قصصها، وما فيها من أشعار، أساطير وذكريات كان العرب يتحدثون بها بعد الإسلام، فطبيعة الحياة تأبى ذلك؛ فالبيئة التي كان يعيش فيها الجاهليون سببت لهم حروبًا وغارات كثيرة خاضوا غمارها، والحرب دائمًا تقصد القتل والإهلاك، وما أشد مثل هذه الظاهرة إثارة لمشاعر الناس وعواطف الأدباء، ولهذا عد النقاد الحرب أعظم مثير للموهبة الشعرية، فبسببها يكثر الشعر، وتنحل عقدة اللسان. ومن ثم فالطبيعة الإنسانية تأبى إلا تصوير الحرب بما يحرك المشاعر ويثير الوجدان، وذلك هو الأدب.
فالذي لا شك فيه أن الجاهليين قالوا في حروبهم نصوصًا أدبية، شعرًا ونثرًا، بما يصورها تصويرًا عاطفيًّا مثيرًا، ومن غير المعقول أن يظل العرب صامتين إلى أن تصبح هذه الحروب ذكريات عند ذرياتهم وأجيالهم المتأخرة، وهل يجوز أن تثير ذكريات الحرب مشاعر الأبناء، ولا تثير الحرب نفسها مشاعر الآباء؟
حقيقة قد تكون قصص الأيام دخلها شيء من المبالغات، أو الزيادة، بحكم مرور الزمن، وتعاقب الأجيال. ولكن مما لا شك فيه، أن الرواة الذين خصصوا أنفسهم للأخبار، من أمثال أبي عبيدة معمر بن المثنى قد بذلوا مجهودًا عظيمًا في استكشاف الحقائق، وتنقيتها من الشوائب، وشرح النقائض لأبي عبيدة خير شاهد على ذلك.
وهنا يثير الدكتور طه حسين موضوع اتصال العرب بغيرهم من الأمم الأخرى بطريقة تناقض إثارته لهذا الموضوع نفسه من قبل، فقد سبق أن طعن في الأدب الجاهلي، ورماه بالزيف والتزوير، لأنه لم يصور العلاقات الخارجية للعرب، ولكنه هنا يطعن في الأدب الجاهلي، ويرميه بالصنعة والاختلاق لأن فيه نصوصًا تتصل بما كان بين العرب والأمم القديمة من العلاقات قبل الإسلام كعلاقاتهم بالفرس واليهود والحبشة، ألا يبدو ذلك مثيرًا للعجب أيضًا؟ إن لم يوجد نص في هذه العلاقات، فالأدب كله عيوب ونقائص ولا يصلح لشيء فهو كاذب، وإن وجدت هذه النصوص فهي مختلقة ومزيفة، لأنها لم تأت إلا لتفسير خبر أو تزيين قصة، وليست حقيقة لمن تنسب إليهم!!!
فالحقيقة أن صلة العرب الجاهليين بالأمم الأخرى لا شك فيها، وتردد صداها في الأدب الجاهلي وظهر أثرها واضحًا في اللغة العربية وأدبها؛ لذلك ينبغي أن نطمئن إلى ما قيل في أيام العرب من نصوص أدبية، قبلها الثقات؛ أمثال أبي عبيدة معمر بن المثنى، وأبي عمرو بن
(1/229)

العلاء، والمفضل الضبي، والأصمعي، وغيرهم ممن اشتهروا بالتدقيق والتمحيص.
وعن الشعوبية وصلتها بنحل الشعر، تحدث الدكتور طه حسين عن نشأة الشعوبية بعد دخول الموالي في الإسلام، وموقفهم من الأحزاب السياسية منذ قيام الدولة الأموية، واستغلالهم الخصومات السياسية التي كانت بين هذه الأحزاب ليعيشوا من جهة، وليخرجوا من الرق، أو من حياة الولاء إلى حياة تشبه حياة الأحرار والسادة من جهة أخرى، ثم ليشفوا ما في صدورهم من غل، وينفسوا عن أنفسهم ما كانوا يضمرون من ضغينة للعرب من جهة ثالثة86؛ ثم ضرب أمثلة من حقد الموالي المغلوبين، على العرب الغالبين، وأعقب ذلك بأن الشاعر من الموالي كان يكفيه، عندما يحاول الافتخار، أن يثبت أن العرب أنفسهم كانوا قبل أن يتيح لهم الإسلام هذا التغلب يعترفون بفضل الفرس وتقدمهم، ويقولون في ذلك الشعر يتقربون به إليهم، ويبتغون به المثوبة عندهم، ولا سيما إذا كانت الحوادث التاريخية والأساطير تعين على ذلك وتدني منه87: ويضرب أمثلة على سلطان الفرس قبل الإسلام بسيطرتهم على العراق، واحتلالهم اليمن بعد إخراجهم الحبشة منها، وما كان بين العرب والفرس من وقائع، وتبعية ملوك الحيرة لهم.
ويرتب على ذلك أن الموالي أنطقوا العرب بكثير من نثر الكلام وشعره، فيه مدح للفرس وثناء عليهم، وتقرب منهم، وهم زعموا أن الأعشى زار كسرى ومدحه وظفر بجوائزه، وهم أضافوا إلى عدي بن زيد ولقيط بن يعمر وغيرهما عن أياد والعباد كثيرًا من الشعر، فيه الإشادة بملوك الفرس وسلطانهم وجيوشهم، وهم أنطقوا شاعرًا من شعراء الطائف بأبيات رواها الثقات من الرواة على أنها صحيحة لا شك فيها، وهي أبيات تضاف إلى أبي الصلت بن ربيعة، وهو أبو أمية بن أبي الصلت المعروف.
ويتحدث عن الشعوبية عند العرب، فيقول88: "فكان العرب مضطرين إلى أن يجيبوا بلون من النحل يشبه هذا اللون، فيه تغليب للعرب على الفرس، وفيه إثبات لأن ملك الفرس في الجاهلية وتسلطهم على العرب لم يكن من شأنه أن يذل هؤلاء أو يقدم عليهم أولئك. ومن هنا مواقف هذه الوفود التي تتحدث أمام كسرى بمحامد العرب وعزتها ومنعتها
__________
86 في الأدب الجاهلي، ص161.
87 المصدر السابق، ص183.
88 المرجع السابق، ص16.
(1/230)

وإبائها للضيم، ومن هنا هذه المواقف التي تضاف إلى ملوك الحيرة، والتي تظهر الملوك أحيانًا عصاة مناهضين للملك الأعظم، ثم من هنا هذه الأيام والوقائع التي كانت للعرب على الفرس كيوم ذي قار".
ويستمر في الحديث عن الشعوبية، فيقول: "إنها في العصر العباسي تطورت إلى شعوبية عملية، كل من الفريقين يحاول أن يثبت لنفسه تقدمًا، وقدمًا راسخة في العلم والأدب، ويحط من شأن الآخر في هذا الميدان، وألفوا في ذلك كتبًا؛ ومن كتب الشعوبية ضد العرب كتاب "مثالب العرب" لأبي عبيدة معمر بن المثنى، وهو كتاب لا نعرف الآن إلا اسمه، ويقول89: "وأما غير أبي عبيدة من علماء الموالي ومتكلميهم وفلاسفتهم فقد كانوا يمضون في ازدراء العرب إلى غير حد، ينالونهم في حروبهم، وينالونهم في شعرهم، وينالونهم في خطاباتهم، وينالونهم في دينهم أيضًا، فليست الزندقة إلا مظهرًا من مظاهر الشعوبية، وليس تفضيل النار على الطين، وإبليس على آدم، إلا مظهرًا من مظاهر الشعوبية الفارسية التي كانت تفضل المجوسية على النار".
ويقول90: "وأنت تجد في "البيان والتبيين" كلامًا كثيرًا تستبين منه إلى أي حد كان الفرس يعجبون بآثار الأمم الأعجمية، ويقدمونها على آثار العرب، فهم يعجبون بخطب الفرس وسياستهم، وعلم الهند وحكمتها، ومنطق اليونان وفلسفتهم، وهم ينكرون على العرب أن يكون لهم شيء يقارب هذا، والجاحظ ينفق ما يملك من قوة ليثبت أن العرب يستطيعون أن ينهضوا لكل هذه المفاخر الأعجمية وأن يأتوا بخير منها". ويقول: "ولعل أصدق مثال لهذه الخصومة العنيفة بين علماء العرب والموالي هذا الكتاب الذي كتبه الجاحظ في البيان والتبيين، وهو "كتاب العصا".. يثبت فيه أن العرب أخطب من العجم، وأن اتخاذ الخطيب العصا لا يغض من فنه الخطابي. أليست العصا محمودة في القرآن والسنة وفي التوراة وفي أحاديث القدماء؟ ".
ثم يقول91: "والذي يعنينا من هذا كله هو أن نلاحظ أن الجاحظ وأمثاله من الذين كانوا يعنون بالرد على الشعوبية، مهما يكن علمهم ومهما تكن روايتهم، لم يستطيعوا أن
__________
89 المرجع السابق، ص164.
90 في الأدب الجاهلي، ص166.
91 في الأدب الجاهلي، ص167.
(1/231)

يعصموا أنفسهم من هذا النحل الذي كانوا يضطرون إليه اضطرارًا ليسكتوا خصومهم من الشعوبية، فليس من اليسير أن نصدق أن كل ما يرويه الجاحظ من الأشعار والأخبار حول العصا والمخصرة ويضيفه إلى الجاهليين صحيح. ونحن نعلم حق العلم أن الخصومة حين تشتد بين الفرق والأحزاب فأيسر وسائلها الكذب".
ويستمر فيقول: "إن الخصومة بين العرب والعجم، دعت العرب وأنصارهم إلى أن يزعموا أن الأدب العربي القديم لا يخلو ولا يكاد يخلو من شيء تشتمل عليه العلوم المحدثة.. ومن هنا لا نكاد نجد شيئًا من هذه الأنواع الحيوانية التي عرض لها الجاحظ في كتاب الحيوان إلا وقد قالت العرب فيه شيئًا قليلًا أو كثيرًا، طويلًا أو قصيراً، واضحًا أو غامضًا.. هم مضطرون إلى ذلك اضطرارًا ليثبتوا فضلهم على هذه الأمم المغلوبة، واضطراهم يشتد ويزداد شدة بمقدار ما يفقدون من السلطان السياسي، وبمقدار ما ترفع هذه الأمم المغلوبة رءوسها".
هذا هو مجمل ما قيل عن أثر الشعوبية في نحل الشعر الجاهلي، ويتلخص في أن الكراهية التي حدثت بين العرب والفرس بسبب الفتح والغلبة جعلت كلًّا من الفريقين يحاول أن يثبت تفوقه على الآخر قبل الإسلام، فاختلق الأشعار ليؤيد بها دعواه.
والحقيقة أن العرب فتحوا بلادًا كثيرة واسعة، وعاش الجميع إخوة في ظل الإسلام، وتحت لواء قانونه الذي يتساوى بمقتضاه الجميع، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} و "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى". فالإيمان جمع بين قلوبهم، وشد من أزرهم، وكان المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. فاختلط العرب بالعجم، وانتقل كل منهم إلى ديار الآخر، وأقاموا معًا في اتحاد ووئام، وارتبطوا بالأخوة الصادقة، والمصاهرة، ونشأ من تصاهرهم أبناء جمعوا بين الدمين. فكانت الظاهرة العامة إخاءً وتعاونًا، وحبًّا وثقة، حتى أصبح كثير من الموالي مقربين إلى الحكام العرب، وكان منهم مشيرون ووزراء، ومن الناحية العلمية، وبخاصة في النواحي العربية والإسلامية برع فيها كثير من الموالي، وأصبحوا علماء، يرجع إليهم في كثير من المعضلات، وتركوا مؤلفات لا تزال حتى يومنا هذا من أهم المراجع العلمية، فقد كان من الموالي من لا ينكر فضلهم في خدمة اللغة العربية وآدابها، بالرواية والتأليف كسيبويه، وأبي عبيدة، وابن السكيت؛ وكذلك في
(1/232)

النواحي الإسلامية، ومن آثارهم هذه المؤلفات الضخمة في التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية.
ومن الطبيعي أن يحدث في كل مجتمع تنافس بين أفراده ومجموعاته، حتى ولو كانوا من جنس أو أصل واحد، فما بالك إذا كان المجتمع يتكون من عناصر مختلفة الجنس أو الأصل، لا بد أن نتوقع أن يحدث شيء من ذلك في كل مجتمع، ولكنه لن يكون عامًّا، وإنما يكون على صورة حوادث فردية، ولا تشمل الرأي العام بحال من الأحوال. وإلا تفككت أوصال هذا المجتمع، وانقسموا على أنفسهم، فتذهب ريحهم، وينتهي أمرهم.
حقيقة حدثت شعوبية بين العرب والموالي، بطبيعة الحال، وقد تحدث عنها التاريخ والأخبار بما لا يدع مجالًا للشك فيها، ولكنها لم تكن بهذه الصورة المخيفة المفزعة التي تبدو من تصوير الدكتور طه حسين. إنما كانت حوادث فردية، وما كتب فيها من شعر أو مؤلفات كان بحكم ما في هؤلاء الأفراد من غريزة حب الظهور والتعالي بالنفس والجنس، كما كان من أبي عبيدة والجاحظ.
ولا يستطيع أحد أن ينكر صلة العرب بالفرس قبل الإسلام، وقد تحدثت عنها كتب التاريخ والأدب، وكان من الطبيعي أن تؤثر هذه الصلة في الأدب، وأن تؤثر كذلك في لغة العرب، وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق. وقد كانت هذه الصلة سببًا في اتصال بعض الشعراء والأدباء بالفرس بطريق مباشرة أو غير مباشرة عن طريق العرب الذين كانوا يتصلون بالفرس، وقد أثبت التاريخ اتصال بعض أدباء العرب الجاهليين بالفرس كالأعشى وعدي بن زيد ولقيط الإيادي، فكان من الطبيعي حينئذ أن نجد لهم آثارًا أدبية تتصل بهم. ولكنا لا نتوقع بأي حال من الأحوال أن نجد لأديب عربي نصًّا أدبيًّا يمدح فيه أحدًا من الأعاجم مهما علا شأنه مدحا يرفعه فوق قومه، أو يعليه إلى درجة قومه، فذلك غير معهود في العربي، فمثل هذه النصوص إن وجدت يغلب عليها الاختلاق والتزوير.
وكذلك الحال إن وجدنا فيما ينسب إلى العرب ما يدل على علمهم بالجزئيات الدقيقة في محيط العلوم المحدثة، فذلك يبدو افتعاله؛ لأنه لم يؤثر مثل هذه الإحاطة العلمية الدقيقة عنهم قبل الإسلام.
أما الحوادث الثابتة تاريخيًّا، كيوم ذي قار، فالإنصاف يقتضي ألا تكون موضع شك أو جدال، فالعرب والفرس لا بد -بحكم الاتصال والاختلاط- قد حدث بينهم خلاف في
(1/233)

بعض وجهات النظر، أدى في بعض الأحيان، إلى اتساع هوة الشقاق، إلى أن وصل الحال بينهم إلى وقوع صدام مسلح، وهكذا حدثت بينهم مواقع وحروب سجلها التاريخ، وتحدثت عنها الروايات والأخبار.
هذه الحروب والمواقع التي حدثت بين العرب والفرس، شأنها شأن أي صدام مسلح أي قتال يحدث بين فريقين من العرب أو من غيرهم، من حيث روايتها بالحقيقة كما حدثت لا أكثر ولا أقل، أو من حيث تجاوز الحقيقة بالمبالغة ومطالعة الخيال، ومن ثم يجوز أن يكون قد دخلها شيء من المبالغات بحكم طبيعة الإنسان. ولكن مما يغلب على الظن، بل قد يكون من المؤكد أن العرب قد تحدثوا عن هذه الأيام، وقال فيها الأدباء ما يصور عواطفهم ومشاعرهم نحو هذه الأحداث التي كانت ولا شك أبعد أثرا في نفوسهم من حروبهم الداخلية التي تكون بين فريقين من العرب.
وفي الحديث عن الرواة ونحل الشعر، يقول الدكتور طه حسين "ولعل أهم هذه المؤثرات التي عبثت بالأدب العربي، وجعلت حظه من الهزل عظيمًا: مجون الرواة وإسرافهم في اللهو والعبث، وانصرافهم عن أصول الدين وقواعد الأخلاق إلى ما يأباه الدين وتنكره الأخلاق".
ولكنه لا يتحدث هنا إلا عن اثنين من الرواة، فيقول: "ولست أذكر هنا إلا اثنين إذا ذكرتهما فقد ذكرت الرواية كلها والرواة جميعًا فأما أحدهما فحماد الراوية، وأما الآخر فخلف الأحمر".
ويتحدث عنهما فيقول: "كان حماد الراوية زعيم أهل الكوفة في الرواية والحفظ، وكان خلف الأحمر زعيم أهل البصرة في الرواية والحفظ أيضَا، وكان كلا الرجلين مسرفًا على نفسه، ليس له حظ من دين ولا خلق ولا احتشام ولا وقار، وكان كلا الرجلين سكيرًا فاسقًا، مستهترًا بالخمر والفسوق وكان كلا الرجلين صاحب شك ودعابة ومجون".
ويذكر أن حمادًا كان صديقًا لحماد عجرد، وحماد الزبرقان، ومطيع بن إياس، وأن خلفا كان صديقًا لوالبة بن الحباب وأستاذًا لأبي نواس، وأن "هؤلاء جميعًا كانوا من أمصار
__________
92 في الأدب الجاهلي ص168.
93 المرجع السابق ص169.
(1/234)

العراق الثلاثة ومظهر الدعابة والخلاعة، ليس منهم إلا من اتهم في دينه، ورمي بالزندقة، يتفق على ذلك الناس جميعًا، لا يصفهم أحد بخير، ولا يزعم لهم أحد صلاحًا في دين أو دنيا".
ثم يسوق جملة من الأقوال التي قيلت ضد كل منهما، فيذكر ضد حماد، قول المفضل الضبي فيه، ورأي يونس بن حبيب، وحادثة حماد مع بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، ثم يعقب على ذلك، فيقول: "وفي الحق أن حمادًا كان يسرف في الرواية والتكثر منها، وأخباره في ذلك لا يكاد يصدقها أحد، فلم يكن يسأل عن شيء إلا عرفه".
ويقول عن خلف: "وأما خلف فكلام الناس في كذبه كثير". ويتطرق في حديثه هنا إلى أبي عمرو الشيباني فيقول إنه "راوية كوفي، لم يكن أقل حظًّا من صاحبيه هذين في الكذب والنحل ... ويقول خصومه: إنه كان ثقة لولا إسرافه في شرب الخمر".
ويذكر رأيه في أبي عمرو الشيباني فيقول: "وأكبر الظن أنه كان يؤجر نفسه للقبائل، يجمع لكل واحدة منها شعرًا، يضيفه إلى شعرائها، وليس هذا غريبًا في تاريخ الأدب، كان مثله كثيرًا في تاريخ الأدب اليوناني والروماني".
وينتهي الأمر إلى أن يقول: "وإذا فسدت مروءة الرواة، كما فسدت مروءة حماد وخلف وأبي عمرو الشيباني، وإذا أحاطت بهم ظروف مختلفة تحملهم على الكذب والنحل، ككسب المال، والتقرب إلى الأشراف والأمراء وظهور على الخصوم والمتنافسين ونكاية العرب ـ نقول: إذا فسدت مروءة هؤلاء الرواة فأحاطت بهم مثل هذه الظروف، كان من الحق علينا ألا نقبل مطمئنين ما ينقلون إلينا من شعر القدماء".
وبعد أن انتهى من رواة الأمصار التفت إلى رواة الأعراب، فرماهم بأنهم كانوا يتخذون النحل في الشعر واللغة، وسيلة من وسائل الكسب، وقال عنهم: "فليس من شك عند من يعرف أخلاق الأعراب في أن هؤلاء الناس حين رأوا إلحاح أهل الأمصار عليهم في طلب الشعر والغريب وعنايتهم بما كانوا يلقون إليهم منها، قدروا بضاعتهم، واستكثروا منها.
__________
94 المرجع السابق، ص170.
95 المرجع السابق، ص171.
96 المرجع السابق، ص172.
(1/235)

ثم لم يلبثوا أن أحسوا ازدياد حرص الأمصار على هذه البضاعة، فجدوا في تجارتهم، وأبوا أن يظلوا في باديتهم ينتظرون رواة الأمصار.. وكذلك انحدروا إلى الأمصار في العراق خاصة، وكثر ازدحام الرواة حولهم، فنفقت بضاعتهم، وأنت تعلم أن نفاق البضاعة أدعى إلى الإنتاج، فأخذ هؤلاء الأعراب يكذبون، وأسرفوا في الكذب، حتى أحس الرواة أنفسهم ذلك".
ويبدو من ذلك أن الدكتور طه يطعن في الرواة كلهم سواء كانوا من الأمصار أو من البادية بحجة سوء أخلاقهم، ويؤيد ذلك بما قيل في حق الرواة الذين تحدث عنهم.
وقد سبق أن ذكرنا أهم ما قيل عن الرواة، وتبين أن الكثرة منهم كانوا أهل ثقة واشتهروا بالنزاهة والأمانة، وقليل منهم رموا بالاتهام، وقد اختار الدكتور طه من بين هؤلاء اثنين أورد عنهما ما قال فيهما الخصوم والأعداء، وذكر سوء أخلاقهما وفساد سلوكهما، مما كان شائعًا عنهما ثم طعن بقية الرواة وهم الأكثرية؛ لأن في الرواة هذين الراويتين. وأعتقد أنه كان عدلًا أن نقصر الاتهام على من شاع عنهم عدم الصدق والأمانة ولا نأخذ غيرهم بجريرتهم، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك. فالرواة لم يكونوا كلهم أصحاب لهو ومجون، بل فيهم -وهم الأكثرية الغالبة- من كان ثقة صادقًا، مثال النزاهة والأمانة، ومن كان يمحص ويدقق في كل ما يسمع ويأخذ ويروي، فلا يقبل إلا ما ثبتت لديه صحته، كأبي عمرو بن العلاء، والمفضل الضبي، والأصمعي.
على أن ما أورده من أقوال تطعن في نزاهة كل من حماد وخلف، إنما هي من أقوال خصومهما وأعدائهما، والمعروف أن المنافسة في كل شيء كفيلة بتوليد الخصومة والعداوة، خصوصًا إذا كان ما يتنافس عليه الأفراد مما يجلب منفعة، أو يحقق مصلحة، أو يعلي المكانة والمنزلة. وقد كان كل من حماد وخلف من المشهود لهم بالتفوق الكامل، والبراعة الفائقة في ميدان الحفظ والرواية، فليس عجيبًا حينئذ أن يخلق ذلك من منافسيهما، وبخاصة من المعاصرين لهم، خصومًا وأعداء، وتعتبر هفوتهم، ولو هينة، جريمة لا تغتفر، وكبوتهم، ولو مرة، سقوطًا إلى الأبد، وليس هناك من بني الإنسان من هو الكامل في كل شيء، فالكمال المطلق لله وحده، ومن الأقوال المشهورة: " لكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة" فالكل معرض للزلات والهفوات، ومن طبيعة الإنسان: السهو والنسيان. ومن ثم فليس عجيبًا من حماد وخلف أن يجيء منهما بعض الخطأ، أو تحدث منهما زلات وهفوات. وليس
(1/236)

ببعيد أن يستغل خصومهما ذلك فيشيعون عنهما سوء الخلق، والكذب، وعدم الأمانة والبعد عن النزاهة.
على أننا إذا بحثنا في أخبار الرواة جميعًا سوف لا نجد واحدًا منهم لم ينسب له خطأ، أو لم نلتمس له هفوة، حتى أولئك الذين شهد لهم بالثقة والنزاهة التامة، ولا شك أن كلا منهم إنسان، وهو معرض لكل ما يتعرض له الإنسان من السهو والنسيان، وما تجره المنافسة من الخصومة والعداوة، والاتهام والتشهير. ولذلك يجب ألا يغيب عن البال أن "المعاصرة حجاب" والمنافسة على الشهرة قد تدفع إلى الحسد والافتراء والبهتان.
ويبدو أن خصوم حماد وخلف، قد رأوا في سلوكهما، ما ساعدهم على التشهير بهما، ومحاولة إسقاطهما من المجتمع، ذلك أنهما كانا من زمرة اشتهرت في العراق بالخلاعة والمجون والفسوق والسكر والعربدة، وهذه الصفات كفيلة بإسقاط الشخص مهما كان. وواحدة من هذه الصفات تكفي لإهدار كرامة الشخص، ورفض شهادته، وبخاصة الخمر، فهي تذهب العقل، وتفقد الشعور، وتجعل صاحبها يهذي ويخلط في كلامه، ولا يعرف ما يقول. ومن ثم ليس بعجيب ممن يدمن عليها أن يدعي ما ليس له، وأن ينسب الأشياء لغير أصحابها، وأن يشيع في كلامه الاضطراب، ويظهر في سلوكه العوج والفساد وطبيعي إذا كانت هذه صفات كل من حماد وخلف، أن يحدث من كل منهما في روايته خلط واضطراب، ونسيان وهذيان وكذب وادعاء، ويكثر ذلك منهما بكثرة سكرهما وعربدتهما، وفقدهما الوعي والإدراك. ومن العجيب أن كل واحد منهما كان في لحظات وعيه، وتكامل صحوه ويقظته، أعلم الناس وأذكاهم وأصدقهم، ولعل مما يؤيد ذلك قول الأصمعي في حماد: "كان حماد أعلم الناس إذا نصح"، وقال ياقوت في ذلك: "يعني إذا لم يزد وينقص في الأشعار والأخبار". ومن الإسراف في الخمر وأثره في أمانة الرواة، جاء تشنيع خصوم أبي عمرو الشيباني عليه إذ قالوا فيه: "إنه كان ثقة لولا إسرافه في شرب الخمر"؛ ولكن يبدو أن شربه الخمر، لم يكن كعادة حماد وخلف وإسرافهما في ذلك، فإذا أضيف إلى ذلك ما أثر عنهما من الخلاعة والفسق والمجون، كانت الطامة الكبرى، وحق لهما أن يضرب بروايتيهما عرض الحائط.
ومن ثم لا ينبغي أن يكون لقول الخصوم والأعداء أي أثر في الحكم على نزاهة الشخص وأمانته، ما لم تقم البراهين القاطعة على ثبوت الدعوى، وأحقية الاتهام. وما دامت سيرة كل
(1/237)

من حماد وخلف كما وصفت، فليسا حينئذ أهلا للثقة، ولا يصح الاعتماد على روايتهما في أي شيء.
ولكن إذا سقطت عدالة هذين الراويين، فليس معنى ذلك أن تسقط عدالة غيرهما من الرواة؛ فلم يكن الجميع مثلهما في الخلق والسيرة والسلوك، بل كثير منهم شهد له بالورع والتقوى والبعد عن الشبهات، وإذا رفضت روايتهما لاحتمال بعدهما عن الأمانة والنزاهة والصدق، فليس معنى ذلك أن نرفض رواية الآخرين، فكثير منهم شهد له بالأمانة والصدق، والدقة والتحري في كل ما يسمع ويروي، مما جعلهم في نظر النقاد والعلماء والباحثين عدولًا صادقين، وهؤلاء أهل للثقة بهم، والاعتماد عليهم.
وأما رواة الأعراب، فهم كغيرهم من أهل الأمصار، يجوز أن يكون فيهم الأمين النزيه، وأن يكون فيهم المدعي المختلق، فالأولون أهل للثقة، والأخذ عنهم باطمئنان، والآخرون جديرون بالطعن والرفض، وحسن الحظ أن العلماء والنقاد الأوائل كانوا في منتهى الذكاء والفطنة، فكان لديهم مقدرة فائقة تمكنهم من التمييز بين الأصل والدخيل، فبحكم مخالطتهم للأعراب، وكثرة مدارستهم لما يسمعون ويروون، وتحصيل قدر كبير من التراث العربي القديم، ومداومة ترديده وتفهمه ودرسه، تكون لديهم ذوق أدبي حاد، مكنهم من معرفة الصحيح من الزائف. والمثال الذي ساقه الدكتور طه ليطعن به رواة الأعراب في أمانتهم، وهو حادثة أبي عبيد مع داود بن متمم بن نويرة يؤيد ذكاء الرواة الممتازين وفطنتهم؛ إذ إن أبا عبيدة عرف ما زاده داود لوقته. وفي كتب التاريخ والأدب والنقد كثير من الأمثلة على ذلك.
هذا هو ما قيل عن الانتحال في الأدب الجاهلي، أوردناه بإجمال، وعلقنا على كل جزئية بما استطعنا. ومما سبق يمكن أن نستخلص الحقائق التالية:
من الثابت قطعًا أن العرب في الجاهلية كان لهم أدب، فيه شعر ونثر، وكان هذا الأدب في درجة عالية من النضج والكمال في التعبير والتصوير، بدليل نزول القرآن الكريم بلغة فهمها العرب حق الفهم، وتحدي القرآن للعرب يثبت تفوقهم في الفصاحة والبيان، وقد وردت في القرآن إشارات تؤكد وجود الشعر والشعراء عند العرب الجاهليين.
ثم إن الشعراء والأدباء كانوا موجودين وقت ظهور الإسلام، أمثال حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن زهير، والنابغة الجعدي، وأمية بن أبي الصلت،
(1/238)

لا بد أنهم كانوا يسيرون في فنهم الأدبي على نمط أدبي، استقر وضعه منذ أمد بعيد، فآثار هؤلاء وأمثالهم الأدبية، وهي في درجة عالية من الكمال الفني تؤكد أنهم لم يبتدعوا هذا النظم من عندهم، بل لا بد أنهم كانوا ينسجون على منوال معروف، ويتبعون نهجًا واضحًا، وأسلوبًا متفقًا عليه قبل أن يوجدوا، فكانوا يقتفون آثار رجال سبقوهم حينًا من الدهر، في التعبير والتصوير، ومذاهب الكلام، وأساليب الأدب الكامل الرفيع.
وفي الطبيعة الإنسانية عادة ميل إلى التعبير العاطفي "تنفيسًا عما تحسه من عواطف وانفعالات"، وفيها ميل كذلك إلى حفظ شيء من هذه النصوص التي تصور أحوال النفس البشرية، ومن هنا نعتقد أن العرب حتمًا قد حفظوا بعض آثار أدبائهم الذين كانوا قبل الإسلام؛ لكي يتغنوا بها في الأوقات المناسبة، ومنها تغذى الأدباء بعد ظهور الإسلام، وترسموا خطاها، وساروا على تقاليدها، وإذا عرفنا أن العرب كانوا يهتمون بآثار ذويهم الأدبية -وبخاصة الشعر، إذ كان للشعر تأثير كبير في نفوسهم، وكان للشعراء منزلة سامية بين جميع القبائل- إذا عرفنا ذلك، استطعنا أن نتصور مدى اهتمام العرب بحفظ هذه النصوص التي كانت تحظى منهم بالاحترام والتقديس؛ لأنهم كانوا يعدونها سجل مفاخرهم وأمجادهم، ومن ثم قيل: "الشعر ديوان العرب".
وإذا كان للأدب هذه المنزلة في نفوسهم، فلا بد أن نصوصه التي كانت موضع اهتمامهم، قد لقيت منهم عناية كبيرة، فحفظوها بدقة، وعملوا على أن يلقنها الآباء للأبناء، وليس بعجيب أن يتلقاها الخلف عن السلف بشغف واهتمام، إذ كانوا يرون ما لها في نفوس الآباء من إكبار وإجلال فانتقلت هذه الآثار من جيل إلى جيل، ولم تكن الكتابة قد شاعت، فاعتمدوا في ذلك على الذاكرة مدة طويلة، حتى أذن الله لها أن تسجل في بطون الكتب، عندما تهيأت الظروف لهذا التدوين.
وفي أثناء هذه الرحلة الطويلة للنصوص الأدبية الجاهلية منذ إنشائها إلى وقت تدوينها، لا بد أنها قد تعرضت لكثير من الأشياء، كالنقص أو الزيادة، أو التغيير، أو التبديل، أو التحريف، نظرًا للظروف الكثيرة المختلفة التي مرت بالعرب، والدولة الإسلامية على العموم في النواحي السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، ونظرا لاعتماد هذه النصوص في البقاء على المشافهة والذاكرة. ومن ثم ضاعت من آثار العرب الجاهلية أشياء، ودخلها أشياء، وغيرت بعض الكلمات، أو بدلت، بقصد أو بغير قصد، بحكم ما تتعرض له
(1/239)

الذاكرة الإنسانية مع طول العهد، من سهو أو نسيان، وبحكم ما في الطبيعة البشرية من ميل إلى العجب والزهو وحب الظهور والسيادة والسلطان، وميل إلى الشهرة وبعد الصيت.
ومن هنا دخل الأدب الجاهلي -كغيره من الآداب الأجنبية القديمة- بعض النصوص الدخيلة، ورميت بعض نصوصه بالصنعة والاختلاق. واتهم بعض رواته بالتزوير والتزييف، ولكن الكثرة منهم كانوا من الدقة والأمانة بمنزلة جعلتهم أهلًا للثقة بهم والاعتماد عليهم منذ أقدم العصور. ووجد من العلماء والنقاد من كانوا ذوي فطنة قوية، وذوق أدبي ممتاز! ومن طول ممارستهم للنصوص الأدبية القديمة، وترديدها، ومدارستها، تكونت لديهم خبرة فائقة بطبيعة هذه النصوص وخصائصها، لدرجة أنهم كانوا يستطعون تمييز الدخيل من الأصيل، وبهذا صفوا لنا كثيرًا من النصوص الجاهلية، ودونوها بعد أن ثبت لهم بالأدلة القاطعة أنها صحيحة وأصيلة، ونبهوا على ما رفضوه، وما داخلهم شك فيه منها.
وهؤلاء الرواة والعلماء والنقاد الثقات، لا نتوقع منهم إجماعًا على كل نص من نصوص الأدب الجاهلي، وذلك شيء طبيعي، فكلهم لم يكونوا في عصر واحد، وكلهم لم يتلقوا من مصدر واحد، والأمزجة والأذواق تختلف فيما بينهم، فالقبائل العربية كثيرة، ولكل قبيلة شعراؤها، والشعراء لا حصر لهم، والنصوص كل منها يختلف عن غيره طولًا وقصرًا، وغرضًا وموضوعًا، وبحرًا وقافيةً. فقد يحفظ الواحد منهم ما لا يحفظه غيره، وقد يحفظ في غرض، ويحفظ غيره في غرض أو أغراض أخرى، وقد يروق لأحدهم بحر أو قافية معينة، ويعجب غيره ببحر أو قافية أخرى. وقد يحفظ بعضهم القصائد الطوال، بعضهم القطع القصار، وقد يجمع نفر منهم بين هذا وذاك.
وقد تدفع المنافسة في حب الشهرة، ونيل الحظوة، إلى الغيرة والحسد، وربما تقود إلى التشنيع والتشهير عن طريق الادعاء والافتراء، ومن ثم ينبغي ألا يعتمد على أقوال بعض الرواة التي تتضمن طعنًا في نزاهة بعض زملائهم، خصوصًا إذا كانوا من المتعاصرين، فالعبرة في نزاهة الشخص وأمانته بما شاع عنه من ناحية السيرة والسلوك والخلق، وما أجمع الكل على أمر إلا اشتهر وذاع، فمن عرف عنهم الأمانة والنزاهة، أهل للثقة بهم، والاعتماد عليهم.
وما تقبله النقاد الأقدمون بنفس مطمئنة في ثقة ويقين، وما دونه الصدر الأول من العلماء والباحثين الثقات ليس لنا إلا أن نقبله ونصدقه؛ لأنهم كانوا أعرف الناس بصحة الصحيح، وأصالة الأصيل، وزيف الباطل، وتزوير المصطنع، فنفوا خبثه وزوره، وأثبتوا
(1/240)

صحيحه وأصيله، وقد حفظ لنا مما دونوه كثير من المجموعات والدواوين، وعلى هذا المحفوظ من التراث الأدبي الجاهلي المقطوع بصحته -مع نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف- أسس الباحثون في اللغة والأدب علومهم مثل النحو والصرف واللغة، ومن هذه النصوص الأدبية الخالدة استخرج الباحثون البحور والأوزان، وكتبوا في علم العروض والقوافي والبلاغة والنقد الأدبي.
أما ما ثبت وضعه واختلاقه بالدليل القاطع، وقد سبق أن أشرنا إليه، مثل ما ينسب من شعر إلى آدم، وعاد، وثمود، وطسم، وجديس، وغير ذلك، فهذا واضح أمره، وخارج عن دائرة البحث، إذ ليس له إلا أن يضرب به عرض الحائط، ووجود مثل هذه النصوص المزيفة في الأدب الجاهلي لا ينبغي أن يكون سببًا للطعن في أصالة الأدب الجاهلي، ورفضه كله، بل الرفض يجب ألا ينصب إلا على الزائف وحده.
وأما هذه النصوص التي قطع الرواة والعلماء والنقاد والثقات بصحتها وأصالتها فيجب أن تكون موضع احترام، وأن نعتبرها مصدرًا هامًّا نعتمد عليه في تصوير الحياة الجاهلية، وفي تمثيل اللغة العربية في العصر الجاهلي تمثيلًا صادقًا صحيحًا.
بل يمكننا، في تصوير حال العرب واللغة العربية في العصر الجاهلي، تصويرًا دقيقًا، أن نعتمد على نصوص الأدب الجاهلي، ولو كان فيها نصوص مختلفة ومدسوسة التبست بالأصيلة الصحيحة؛ ذلك لأن الذين اختلقوا هذه النصوص ونسبوها إلى الجاهليين، كانوا -ولا بد- يعرفون هذا العصر معرفة تامة، بل كانوا أعرف الناس به، وبحال الأدباء فيه، وبالألفاظ والتراكيب التي كانت شائعة ومستعملة في هذا العصر، وبطرق التعبير الأدبي، والتصوير الفني، والأساليب والتقاليد التي كان يحافظ عليها الأدباء الجاهليون، وينسجون على منوالها، ولا بد، وكذلك أنهم كانوا أقدر الناس على اتباع أساليب الأدباء الجاهليين وتقاليدهم، كأنهم يعيشون في زمنهم وبيئتهم. فكانت لديهم المهارة الفائقة التي استطاعوا بها أن يختلقوا نصوصًا تطابق نصوص الجاهليين الأدبية مطابقة تامة من جميع الوجوه، حتى التبست على النقاد والأدباء والعلماء أصحاب الفطنة والخبرة والذوق الممتاز، وهم كانوا يعرفون ما كان آباؤهم الأقدمون يترسمون في نسجهم الأدبي، فما دام هؤلاء النقاد والعلماء قد قبلوا نصوصًا هذا شأنها؛ لأنهم لم يجدوا فيها أية ظاهرة، ولو تافهة، توحي باختلاقها أو تثير عندهم أدنى شك فيها، فلنا حينئذ أن نعتمد عليها -كنص أدبي جاهلي- في تصوير حالة العرب واللغة العربية
(1/241)

في العصر الجاهلي، بقدر ما تحمل في طياتها من صور لهذا العصر.
حقيقة، يمكن الاعتماد على مثل هذه النصوص في تصوير الحياة واللغة للعرب في الجاهلية، ولكنها لا يمكن الاعتماد عليها في تصوير نفسية الأديب الذي تنسب إليه وفنه، لأنها إذا لم تكن في الحقيقة والواقع لمن نسبت إليه فلن تكون معبرة عن شخصيته وميوله واتجاهاته، ومن ثم تكون الصورة التي تعطيها هذه النصوص لمن تنسب إليه غير مطابقة للحقيقة، ولذلك عند البحث في تراجم الأدباء وفنهم الأدبي، يجب أن نعتمد على ما ثبت بالدليل القاطع أنه لهم -ولو من راوية واحد- ما دام هذا الراوية مشهودًا له بالصدق والأمانة والنزاهة.
وبعد، فما المقياس الذي ينبغي أن نتخذه للحكم على أي نص جاهلي بالأصالة أو الانتحال، وأنه جدير بالقبول أو الرفض، ومستحق للدراسة أو الإهمال؟.
يرى الأستاذ أحمد أمين: أن النصوص الجاهلية ينبغي أن "نمتحنها من ناحيتين: من ناحية السند، أي الرواة الذين رووا الحادثة أو الحديث؛ ومن ناحية المتن، أي المنقول نفسه، فإذا كانت الناحيتان صحيحتين، وجب علينا أن نصدق ما قيل، حتى يظهر وجه للنقد جديد ... فإذا كان الراوي كاذبًا، أو ليس بثقة لم نعتمد على ما روى، وكذلك إذا قام برهان على ضعف المتن، كأن يتشبب شاعر بموضع ثبت تاريخيًّا أنه لم يذهب إليه، ولم يكن له به علاقة، أو نحو ذلك. فإذا لم يكن شيء من هذين صح الاستدلال بالشعر المروي، فالثقات مثلًا ضعفوا ما يروي ابن إسحاق من الشعر. وطعنوا في حماد الراوية وخلف الأحمر، فلندع ما يرويه هؤلاء إن لم يشاركهم غيرهم من الثقات في روايته، ولكنهم وثقوا أبا عمرو بن العلاء، والأصمعي، وأمثالهم، فلنأخذ بما رووا، ما لم يقم دليل من ضعف المتن على كذبه".
وواضح من هذا أن الأستاذ أحمد أمين يرى أن نقتدي بعلماء الحديث، فقد ساروا على هذا المقياس، حينما أخذوا يدرسون الأحاديث النبوية الشريفة.
ويعالج الدكتور طه حسين هذا الموضوع من عدة وجوه، فيقول إن "تصحيح السند وحده لا يكفي، فقد يكون الراوي صادقًا مأمونًا محتاطًا، ولكنه يخدع مع ذلك عن نفسه وعما
__________
97 فجر الإسلام، ص50.
98 في الأدب الجاهلي ص256 وما بعدها.
(1/242)

يروي له". فهو يرى أن العناية بالسند وحده لا تكفي، وأنه لابد لنا أن نتجاوز هذا النقد الخارجي إلى نقد داخلي، "نقصد يتناول النص الشعري نفسه في لفظه ومعناه ونحوه وعروضه وقافيته". ولكنه بعد آرائه في الأدب الجاهلي وبخاصة لغته، يستدرك على هذا المقياس، فيقول: "ولكنه مع الأسف الشديد ليس يسيرًا ولا منتجًا بالقياس إلى الشعر الجاهلي. فنحن لا نستطيع أن نقول في يقين أو ترجيح علمي، إن هذا النص ملائم من الوجهة اللغوية للعصر الجاهلي أو غير ملائم؛ لأن لغة هذا العصر الجاهلي لم تضبط ضبطًا تاريخيًّا ولا علميًّا صحيحًا". ونتيجة لعدم رضاه عن هذا المقياس يسأل قائلًا: "فكيف السبيل إلى تمييز الصحيح من غيره؟ " ثم يجيب بقوله: "هنالك مذهب خداع يذهبه القدماء والمحدثون في تحقيق الشعر الجاهلي، وخلاصته النظر إلى الألفاظ التي يأتلف منها الشعر؛ فإن كانت متينة رصينة كثيرة الغريب قيل إن الشعر جاهلي، وإن كانت سهلة لينة مألوفة قيل إن الشعر مصنوع". ويحلل هذا المذهب بأنه قائم على البداوة والحضارة وأثرهما في الأدب، ويتحدث عن مدى انطباق ذلك على كل من عدي بن زيد، والنابغة الذبياني، والمنخل اليشكري، والأعشى، ثم يسأل بعد ذلك:"أفترى أن نقبل من هذا الشعر ما صلب واشتد فنصححه، ونرفض منه ما سهل ولان؟ " ويستمر فيقول: "وقد يمكن أن يقبل هذا لولا أن في الأمر نظرًا يدعو إلى الوقوف والتردد والاحتياط؛ فلا ينبغي أن يؤخذ الغريب الصعب على أنه صحيح لغرابته وصعوبته، ولا أن يؤخذ اللين السهل على أنه منحول لسهولته ولينه؛ ذلك لأن الغرابة قد تكون متكلفة، وقد يتكلفها الراوي أو العالم، ويتخذها وسيلة إلى خداع العلماء والمتأدبين". ويزيد على ذلك بأن الغرابة قد وجدت في العصر الأموي في رجز رؤبة والعجاج وشعر ذي الرمة، وهنا يسأل فيقول: "أفترى أن رجز رؤبة والعجاج وذي الرمة يجب أن يكون جاهليا لا لشيء إلا أنه غريب اللفظ، مسرف في شدة المتن وقوة الأسر؟ " ويستمر قائلًا: "وما لنا نعرض لرؤبة والعجاج، والقرآن نفسه بين أيدينا نستطيع أن نقرأه وننظر فيه؛ فسنرى أنه على شدة متنه وقوة أسره يسير سهل قليل الغريب بالقياس إلى الشعر الجاهلي. ونحن نستطيع أن نقرأ السورة الطويلة من سوره فنفهمها من الوجهة اللغوية دون أن نحتاج احتياجًا شديدًا إلى المعاجم، أفترى أن سهولة القرآن ويسر ألفاظه وقربه من الأفهام تترك مجالًا للشك في صحة نسبته إلى العصر الذي تلي فيه؟ " وينتهي من ذلك إلى أنه "لا ينبغي أن تتخذ غرابة اللفظ دليلًا على الصحة والقدم، ولا ينبغي أن تتخذ سهولة اللفظ دليلًا على النحل
(1/243)

والجدة"، ولكنه في الوقت ذاته يميل إلى الشك في الشعر الذي يسرف صاحبه في الغريب، والشعر الذي يسرف صاحبه في السهولة واللين.
ويعرض للذين اتخذوا مبدأ البداوة في المعنى مذهبًا لالتماس أسباب الصحة والنحل في المعنى دون اللفظ، ثم يعقب عليه بأن "هذا المذهب ليس أقرب إلى الحق من المذهب الذي سبقه"؛ لأن العرب لم يكونوا كلهم أهل بادية؛ فقد كانت هناك حضارة في اليمن، وفي مدن الشماليين كمكة والمدينة والطائف، ويستمر فيقول، بأنه تبعًا لهذا المذهب كان "يجب أن يكون الفرق ظاهرا بين ألفاظ الشعراء الذين نشئوا وعاشوا في المدن ومعانيهم، وألفاظ الشعراء الذين عاشوا في البادية ومعانيهم، ولكنا لا نجد هذا الفرق، فشعر المكيين والمدنيين موافق كل الموافقة لشعر البدويين من أهل الحجاز ونجد في الخيال والتصور والأغراض والمعاني بوجه عام، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا نستطيع أن نعتمد على هذا المذهب؛ لأن العرب لم يتحضروا كلهم بعد الإسلام، وإنما ظلت كثرتهم بادية في الحجاز ونجد، وظلت تقول الشعر، كما كانت تقوله في البادية، ونحلت الشعر، فكيف تستطيع أن تقطع بأن التصور البدوي والخيال البدوي والمعنى البدوي تكفي ليكون الشعر جاهليًّا؟ " ويرى أنه ليس هناك ما يمنع مهرة الرواة والشعراء المتحضرين أن يتقنوا الحياة البدوية إتقانًا تامًّا، ويحسنوا تقليد شعراء البادية في ألفاظهم ومعانيهم وأغراضهم، ثم ينتهي إلى أن "تزييف المعنى ليس أشد عسرًا من تزييف اللفظ، وليس من الفطنة أن تتخذ بدوية المعنى مقياسًا لصحة الشعر الجاهلي، كما أنه ليس من الفطنة أن نتخذ غرابة اللفظ مقياسًا لصحة هذا الشعر أيضا".
بعد هذا يقترح جديدًا، فيقول: "إننا لا ينبغي أن نعتمد على اللفظ وحده، ولا على المعنى وحده، ولا على المعنى واللفظ فقط، وإنما نعتمد على اللفظ والمعنى وعلى أشياء أخرى فنية وتاريخية. ومن مجموع هذه الأشياء كلها نستخلص لأنفسنا مقياسًا يقرب إلينا صواب الرأي في هذا الشعر الجاهلي". وبعد شرحه لهذا المقياس، يقول: إنه يصل إلى ذلك عن طريق المدارس الشعرية في العصر الجاهلي، فقد كانت مدارس شعرية، وكل مدرسة كانت لها قواعد فنية تقوم عليها وخصائص فنية مشتركة بين جميع أبنائها، فيرى "أنه لا ينبغي أن نبحث عن الشعر الجاهلي الآن من حيث شخصية الشعراء الذين يضاف إليهم، بل من حيث المدارس التي أنشأت هؤلاء الشعراء"، ومن نماذج المدارس التي ذكرها: مدرسة أوس بن حجر، وزهير، والحطيئة، وكعب بن زهير، والنابغة.
(1/244)

مدرسة المدينة: وتتألف من: أبي قيس بن الأسلت، وقيس بن الخطيم، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وعبد الرحمن بن حسان، وسعيد بن عبد الرحمن بن حسان، وشعراء الأنصار في المدينة بعد الإسلام.
مدرسة مكة: وتتألف في نظره "من شعراء لم يكن لهم شأن في الجاهلية، ولكنهم ظهروا عندما اشتد جهاد قريش للنبي، وقويت شخصيتهم، حتى كونوا في مكة سنة شعرية قرشية خاصة، مثلها بعد الإسلام شعراء كعمر بن أبي ربيعة، والعرجي".
مدارس أخرى: في البادية، كمدارس الشماخ بن ضرار وغيره. ثم يقول: "وامض على هذا النحو، خذ الشعراء الجاهليين المضريين جماعات، ولا تأخذهم أفرادا، حتى إذا استطعت أن تحقق لكل جماعة خصائصها، فالتمس خصائص الأفراد ومميزاتهم".
هذا هو المقياس الذي يقترحه الأستاذ الدكتور طه حسين بعد أن عرض وجهات نظر مختلفة حول الموضوع، وعقب عليها، ولا شك أن ما قاله عن المقاييس السابقة معقول ومقبول.
ولكن هل المقياس الذي ارتضاه في النهاية كفيل بأن يميز لنا الدخيل من الأصيل، ويبين لنا الصحيح الحق من المزيف الباطل؟
لا شك أنه كانت هناك مدارس شعرية في العصر الجاهلي، فمن دراسة الأدب الجاهلي يتبين بوضوح أنه كانت هناك مجموعات من الأدباء، كل مجموعة منها كانت لها سمات معينة، وخصائص فنية تميزت بها عما سواها، ولكن إذا أخذنا -في موضوعنا هذا- بفكرة الاعتماد على المدارس، هل يكون ذلك المقياس جامعًا لكل أدباء العصر؟ لا شك أنه -بجانب المجموعات التي كان لكل مجموعة منها سمات فنية معينة- كان هناك أفراد لهم شخصيات مستقلة. وتلك -على ما يبدو- سنة الكون، ولن نجد لسنة الله تبديلًا. فماذا يفعل هذا المقياس مع أمثال هؤلاء؟.
ثم إننا إذا وجدنا نصًّا تتحقق فيه الخصائص الفنية لمدرسة من المدارس، نستطيع حقًّا أن نقول: إنه ينتمي إلى مجموعة هذه المدرسة. ولكن كيف نستطيع أن نثبت أنه لم يكن هناك راوية ماهر قد تخصص في هذه المدرسة، فاستطاع أن يختلق، على غرارها، وبذلك ينحل من يشاء من أبنائها ما يريد؟ إن هذا المقياس لم يتعرض لذلك، ولكن لنفرض جدلًا أننا تحققنا من أن هذا الراوية لم يوجد، فكيف نستطيع أن ننسب هذا النص إلى أحد أفراد هذه المدرسة دون غيره من زملائه المشتركين معه في نفس الخصائص الفنية لهذه المدرسة؟ وهذا
(1/245)

أيضًا لم يتعرض له ذلك المقياس، مع أننا أحيانا نكون في أشد الحاجة لمعرفة صاحب النص الحقيقي، وذلك حينما نبحث في شخصية معينة من الشخصيات الأدبية.
إن موضوع الانتحال في الأدب الجاهلي والبحث عن الحقيقة فيه، موضوع قائم على الشك بسبب ما أثير حوله من الاتهامات، وإذا استرسلنا مع الشك -بدون حدود- فسوف ينتهي بنا الأمر إلى التوقف عن العمل؛ لأننا إذا أخذنا نشك -إلى غير نهاية- في كل شيء يتصل بالنصوص الأدبية الجاهلية، فسوف لا نصل إلى نتيجة، وستكبل عقولنا بسلاسل وأغلال تعوقنا عن البحث في هذه النصوص، بل تصرفنا عن النظر إليها، فنضرب بها عرض الحائط، ونهملها إهمالًا تامًّا.
حقيقة أن الشك يقود إلى اليقين؛ لأنه يدفع إلى البحث، وهنا يؤدي إلى الحقيقة؛ ذلك يحدث إذا اتخذنا لأنفسنا -حيال الشك- مبادئ وأسسًا وحدودًا تكون واضحة المعالم، ينتهي عندها الشك، بحيث لا يمكن أن يمسها أو يتطرق إليها؛ لأننا اتفقنا على أن هذه المبادئ والأسس حقيقة ثابتة، صادقة مصدقة لدى الجميع.
والمسائل التاريخية، وبخاصة تلك التي بعد العهد بيننا وبينها، لا نستطيع أن نبحث عن الحقيقة فيها إلا عن طريق الوثائق المسجلة، وهذه الوثائق قد تكون في بعضها وحيدة فريدة، وقد تكون في بعضها كثيرة وعديدة، وهذه قد يتفق المسجلون لها، وقد يختلفون تبعًا لميولهم وأهوائهم، ومن هنا كان على الباحث في التاريخ أن يعرف كل ما يتصل بهؤلاء المسجلين، وما شاع عن كل منهم فيما يتصل بشخصيته وخلقه، وسلوكه وعادته، ومدى أمانته ونزاهته، ثم يوازن بين الوثائق المختلفة؛ وبعقله الواعي، وتفكيره السديد يستطيع أن يستنبط الحقيقة من بين ثنايا هذه الوثائق، فالمسألة قضايا تعرض أمام القضاء ليفصل فيها؛ فقد تكون هناك قضية يتضح فيها الحق والصدق. وهذه قضية يسهل فيها الحكم لأنها بعيدة كل البعد عن الادعاء والبهتان؛ وقد تكون هناك قضية يتضح فيها التلفيق والتزوير، وهذه قضية يسهل فيها الحكم أيضًا لأنها بينة البطلان؛ وقد تكون هناك قضية يخفي الحقيقة فيها حجب وأستار، وهذه على درجات بحسب ما يغشاها من الحجب والأستار، قلة وكثرة، أو ضعفًا وقوة، وهنا تتجلى مهارة القاضي وفطنته، فهو بخبرته ودرايته، وعقله وتفكيره يستطيع أن ينفذ إلى أعماقها، ويسبر أغوارها، فيميز الخبيث من الطيب، ويفصل بين الباطل والحق.
وعلى هذا الأساس، إذا نظرنا إلى النصوص الأدبية التي تنسب إلى الجاهليين نجد أنها
(1/246)

وثائق قام بتسجيلها قوم منذ أمد طويل، والآن قد يبعد العهد بيننا وبين الزمن الذي أنشئت فيه هذه النصوص. وبيننا وبين الزمن الذي دونت فيه. ولكن لا جدال في أن هؤلاء الذين قاموا بتسجيل هذه الوثائق كانوا أقرب منا عهدًا بالزمن الذي قيلت فيه هذه النصوص، فقد نقلوا -كما سبق أن ذكرنا- إما من أصحابها مباشرة، وإما ممن أخذوا عن أصحابها، ثم إنهم كانوا -ولا شك- أدرى منا بحال العصر الجاهلي الأدبية، وظروف الأدباء الجاهليين وحياتهم، والأساليب التي كانوا يتبعونها، وجميع التقاليد الأدبية التي كانوا يسيرون عليها في العصر الجاهلي، حتى كان لدى كثير منهم ذوق أدبي حاد، استطاع به -عند الحاجة- أن يعرف الأصيل والدخيل.
وهؤلاء الذين اشتركوا في عمل هذه الوثائق -كل في ميدانه- كانوا يختلفون في الشخصيات والصفات، والسلوك والعادات، والميول والاتجاهات، ولكنهم -ككل البشر في جميع العصور- ليس بينهم ما يمنع أن يتفق بعض الأشخاص في قدر مشترك من الأخلاق أو السلوك أو الرغبات. ومن ثم، كان فيهم قوم اتخذوا جانب الحيطة والحذر، وسلكوا سبيل البحث وتحري الحقيقة في كل ما يقومون به من أعمال، فاشتهروا بالأمانة والنزاهة والصدق، ووجد فيهم من ثبت عنه الكذب والادعاء. ومن هنا أعتقد أن الأساس الذي يضع للشك حدًّا يقف عنده ويمنعه أن يجرنا إلى ما لا نهاية في هذا الشأن: أن نتخذ من هؤلاء الذين ثبت عنهم الأمانة والصدق موردًا معينًا، نقبل منه كل ما يمدنا به على أنه نقي، خالص من كل الشوائب والعيوب، ونرفض ما عداه لأنه معرض للشك والاتهام.
وإذا بحثنا الأدب الجاهلي على هذا الأساس فسنجد فيه الأنواع الآتية:
(1/247)

1- نوع مقطوع بصحته وأصالته: وهو ما قبله واعتمده الثقات من الرواة والنقاد، ولم تقم ضده أدلة تقدح في صحته وأصالته، فجاء عن طريق شخص أو أشخاص، كان -أو كانوا- موضع الصدق والأمانة، وأهلا للثقة والاطمئنان، ولم يطعن بشيء حقيقي ثابت، فهذا النوع من النصوص يجب قبوله، والاعتماد عليه في كل شيء: في تصوير ما يتضمنه من مظاهر الحياة الجاهلية، وفي تبيين النواحي الفنية للعصر الجاهلي، والجوانب المختلفة لشخصيات من نسبت إليهم من الأدباء الجاهليين.
(1/247)

2- نوع مقطوع بانتحاله: وهو ما نص الثقات على تلفيقه وتزويره، وقامت الأدلة
(1/247)

3- نوع جاء عن طريق غير موثوق بها: وهو ما انفرد بروايته شخص أو أشخاص، ثبت عنه -أو عنهم- الكذب والادعاء كحماد الرواية، وخلف الأحمر، فإذا لم تشارك هذه الطريق المشبوهة، طريق أخرى موثوق بها، في رواية هذا النوع، ولم يقبله الثقات، بل رفضوه، فليس لنا إلا أن نرفضه ولا نتخذه على أنه يمثل أية ناحية من النواحي الأدبية في العصر الجاهلي، أما إذا لم يرد فيه تجريح أو اتهام من أحد الثقات النزيهين، فحينئذ لنا أن نقبله على أنه نص أدبي يمكن أن يمثل ما يتضمنه من نواحي العصر الجاهلي وهو -حقًّا- محتمل للصدق والكذب، ولكنه ما دام لم يثر أي اتهام فمعناه أنه -ولو كان منتحلًا- يحمل طابع الجاهليين الأدبي من جميع الوجوه، إلا أنه لا ينبغي أن يعتد به في تصوير الشخصية الأدبية التي نسب إليها. ورفضه في هذا المجال -بطبيعة الحال- إنما هو من باب الاحتياط، لا من قبيل التأكد واليقين.
(1/248)

4- نوع جاء عن طريق رواة موثوق بهم: ولكنهم لم يتفقوا على نسبته لأديب معين، فراوية ينسبه لشخص، وراوية ثانٍ ينسبه لشخص آخر، وقد يتعدد المنسوب إليهم -أكثر من ذلك- بعدد الرواة الذين رووا النص. وهذا النوع الذي تعددت رواته ومن نسب إليهم من الجاهليين، يمكن القطع بجاهليته، ما لم يقم دليل ثابت على ضد ذلك؛ وبذلك يصح لنا أن نعتمد عليه في تصوير ما فيه من النواحي الجاهلية؛ لأن جميع من رووه ثقات، وقد أجمعوا على نسبته لجاهلي، ولكنهم اختلفوا على تعيين صاحبه. وواضح أنه لا ينبغي لنا أن نتخذ منه مقاسًا للحكم على شخصية معينة من هذه الشخصيات المتعددة ما لم يقم دليل قطعي على تعيين هذه الشخصية يثبت أحقيتها به.
(1/248)

5- نوع منسوب إلى جاهلي بدون سند: وهذا النوع هو ما نجده مدونا في المصادر منسوبًا إلى أحد الأدباء الجاهليين من غير أن يذكر الراوي أو الرواة الذين وصل إلينا عن طريقهم، ولم يرد فيه طعن، ولم يثر أي شك. فأما من حيث جاهليته، فيجوز لنا أن نعتمده من هذه الناحية، فندرسه ونستفيد به في تصوير الحياة الأدبية في العصر الجاهلي، وأما من حيث نسبته للشخصية التي نسب إليها، فقد تكون نسبته إليها جزافًا، وعندئذ يكون النسب
(1/248)

مزورًا، وقد تكون النسبة حقيقية وأن الشخص المنسوب إليه هو صاحبه، وهذا النوع -ومثله النوع الرابع- إذا رجحت نسبته لشخصية معينة، يجوز لنا أن نستعمل في كل منهما أذواقنا الخاصة. وذلك يكون بعد أن نقرأ نتاج هذه الشخصية الأدبي الذي أجمع الرواة الثقات على أنه لها، ولم يتطرق لذلك أي احتمال. فبعد فهمنا لهذا النتاج الموثوق بصحة نسبه إلى الشخصية. حينئذ نستعرض النص الذي من أحد النوعين المشار إليهما، وندرسه دراسة تحليلية تفصيلية، فإذا أحسسنا أن فيه ما يخالف روح هذه الشخصية الأدبية رفضناه، وإن وجدنا أنه يتفق مع ما تكون لدينا من ذوق وإحساس نحو هذا الأديب، جاز لنا أن نقبله، وندخله -مع ذكر المبررات- ضمن النصوص التي نعتمد عليها في تحليل شخصية هذا الأديب، وتصوير نفسيته وموهبته الأدبية.
(1/249)

النثر والشعر في العصر الجاهلي
تمهيد
...
تمهيد
الكلام مقدرة خص الله بها الإنسان، للتعبير عما في نفسه من مطالب ورغبات وحقائق وتصورات، وعواطف وانفعالات، وبها يكون الاتصال والتفاهم وتبادل الآراء والتعرف على وجهات النظر والحقائق والأفكار بين الإنسان وغيره من الناس.
وطريقة الكلام، ونوعيته، والمقصود منه، ودرجته، وأثره: أمور يتوقف كل منها على المتكلم: عقليته، وبيئته، وظروفه، وأحواله، وثقافته، وثروته اللغوية، وقدرته اللسانية.
والكلام من حيث الألفاظ، ومدلولاتها، واستعمالاتها، واختيارها، ووضعها في أماكنها، ورصفها في جمل وعبارات، بعضها مع بعض، يأتي على درجات متعددة، تتفاوت صحة ودقة وتأثيرًا، وأرقى درجات الكلام الإنساني: الأدب، والأدب الرفيع أعظم الكلام فنًّا وجمالًا وروعة، "وإن من البيان لسحرًا" لهذا يعد الأدب من الفنون الجميلة العليا.
ومن المتفق عليه أن الأدب بمعناه الاصطلاحي الخاص الدقيق: هو ذلك التعبير اللفظي العاطفي المثير، فهو تصوير عواطف الإنسان ومشاعره نحو مظاهر الكون والحياة بألفاظ مختارة منتقاة بدقة وعناية، يشخص فيها كل ما يحسه الأديب من انفعالات، بصدق وقوة، وتوضع وضعًا خاصًّا، بحيث تتحول هذه الألفاظ في نفس مستقبلها، قارئًا كان أم سامعًا، إلى أصلها الأول من مشاعر وإحساسات، ولذلك لا بد أن يكون الأديب ذا موهبة خاصة، قد فطره الله عليها، تجعله حاضر البديهة، قوي الملاحظة، واسع الخيال، سريع التأثر، مرهف الحس، رقيق الشعور، قادرًا على الإبداع الأدبي.
ولكي تؤتي هذه الموهبة ثمارها، يجب على صاحبها أن يعمل دائمًا على تغذيتها وتنميتها من جميع النواحي: علمًا وخبرةً وثقافةً واطلاعًا على أوسع مدى، فمثلها كمثل أي كائن حي، لا ينمو ولا يترعرع، ولا ينتج ولا يثمر إلا بالغذاء والعناية والرعاية.
فالأديب الحقيقي هو الذي لديه موهبة أدبية فطرية ومكتسبة، وسماتها: العقل الصائب،
(1/253)

والفكر الثاقب، والذهن الصافي، والبديهة الحاضرة، والملاحظة الدقيقة، والشفافية الخالصة، والإحساس المرهف، والشعور الفياض، والخيال المبدع، والاطلاع الدائم، والثقافة المتنوعة، والوقوف على آثار السابقين، والإلمام بشتى أنواع النتاج الفكري، والتطور المستمر مع ركب الحياة المتجدد، ولن يتحقق ذلك إلا بعد قضاء وقت طويل في جهد شاق، وعمل متواصل، بدافع الرغبة الطبيعية الحقيقية، والمتعة الروحية المتجددة على الدوام. وبهذه الكفاءة، وبهضم هذا الغذاء وتمثله، والانتفاع به بحكمة وإتقان، يكون النتاج عظيمًا ورائعًا، ولصاحبه مكانة سامية في عالم الأدب الرفيع، فالغرس المعتنى به، في أرض طيبة صالحة، ينمو نباته ويترعرع، ويظل -بدوام العناية والرعاية- ريان ناضرًا، ثم يعطي نتاجًا غزيرًا، وثمارًا شهية، وينال صاحبه خير الثناء وأعظم التقدير.
والأدب نتاج فكري إنساني، فهو من الظواهر الإنسانية، يتأثر بما يتأثر به الإنسان من البيئة والظروف والمناسبات والأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية وغيرها، ولذلك عند دراسة النص الأدبي لا بد من معرفة ما أحاط بصاحبه من ظروف وأحوال. هذا هو ما جعلنا نلقي نظرة عامة على أحوال الجاهليين المختلفة في القسم الأول من هذا الكتاب من حيث كونها مؤثرات عامة في الأدب الجاهلي.
وقد استقرت آراء الباحثين في النهاية -مع اختلاف وجهات النظر- على أنه عند الرغبة في الإلمام بتاريخ أدب أمة من الأمم، يجب أن يعرف تاريخها وأحوالها على مر العصور. لذلك انتهى الأمر بالنسبة لتاريخ الأدب العربي -لكي تكون الإحاطة به أشمل وأكمل- أن قسم إلى عصور تاريخية خمسة، هي:-
1- العصر الجاهلي: وهو الزمن الذي سبق ظهور الإسلام
2- عصر صدر الإسلام وبني أمية: من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية سنة 132هـ
3- العصر العباسي: من قيام الدولة العباسية سنة 132هـ إلى انتهائها على يد التتار سنة 656هـ وقد يقسم هذا الشعر قسمين: العصر العباسي الأول من سنة 132هـ وينتهي سنة 334هـ، والعصر العباسي الثاني من سنة 334 إلى سنة 656هـ.
(1/254)

4- العصر التركي: من سنة 656هـ ينتهي بحكم محمد علي لمصر سنة 1320هـ. وقد يقسم قسمين: عصر المماليك وعصر العثمانيين.
5- العصر الحديث: من عهد حكم محمد علي لمصر سنة 1220هـ إلى اليوم.
وليس معنى هذا التقسيم أن أدب كل عصر ينتهي بانتهاء عصره فذلك مستحيل؛ لأن الأدب نتاج فكري إنساني متصل الحلقات، كل منها تعتمد على ما سبق، فالهيكل العام بناء عام مكون من لبنات، وإن كان لكل لبنة طبيعتها ونوعها وشكلها بحسب الوقت الذي وجدت فيه، فهذا التقسيم زمني فقط، ويقصد به محاولة الإحاطة والشمول بقدر الإمكان وبأقصى تفصيل مستطاع لهذه الظاهرة الإنسانية التي تتأثر بما يتأثر به الإنسان.
والمقصود بدراسة تاريخ الأدب في العصر الجاهلي؛ هو معرفة أحوال النتاج الأدبي للعرب قبل ظهور الإسلام، وهذا العصر لا يمكن تحديد مدته بالضبط، فهو يبدأ من نشأة العرب، وهذه النشأة غير معروفة الزمن، وينتهي بمجيء الدعوة الإسلامية.
وفي هذا العصر بدأ الأدب العربي، وتطور على مر الزمن تبعًا لتطور الإنسان بتعاقب الأجيال. ولو أن هذا النتاج حفظ منذ نشأته إلى نهاية العصر الجاهلي لعرفنا مراحل نموه وتطوره. فما بين أيدينا من التراث الأدبي لهذا العصر، لا يمثل إلا قمة التطور للنتاج الأدبي عند العرب، فما أثر للعرب من هذا العصر إنما هو فن أدبي كامل النضج، ولم يعثر الباحثون على ما سبق للعرب من محاولات أدبية، وأقدم نص في التراث الأدبي للعرب الجاهليين لا يتعدى قرنين من الزمان قبل ظهور الإسلام.
وقد أشرنا -فيما سبق- إلى أن الأدب تختار كلماته اختيارًا دقيقًا، وتوضع وضعًا خاصًّا، ولكن الأديب -مع هذا- حينما يصنع نصه الأدبي، قد يتخذ أسلوبا حرًّا طليقًا من القيود والالتزامات من حيث الإيقاع والتنغيم، وقد ينحو منحى يلتزم فيه بتقسيم معين، وإيقاع خاص، وتنغيم لا يتغير في أية جزئية من النص من أوله إلى نهايته، والنوع الأول هو النثر، والنوع الثاني هو الشعر.
وقد تبين لنا في القسم الثاني من هذا الكتاب أن لدينا عددًا من مصادر الأدب الجاهلي تضم كثيرًا من النصوص الجاهلية التي جاءت إلينا عن طريق الرواة الموثوق بأمانتهم وصدقهم،
(1/255)

وقد حازت القبول والاحترام من العلماء والنقاد والباحثين، واعتمد عليها الجميع في دراساتهم، واعتبرت مصدرًا أساسيًّا في تصوير الأدب واللغة في العصر الجاهلي تصويرًا صادقًا صحيحًا.
تلك النصوص هي تراث الجاهليين الأدبي، وتعتبر الأساس الأول الذي قام عليه صرح الأدب العربي، فقد توارثته الأمم العربية جيلًا بعد جيل، ووجدوا فيه الزاد الفني والثقافة الأدبية الرفيعة، فعلى تراث الجاهليين أقبل أدباء العصر اللاحق، ينهلون من موارده، ويغذون أرواحهم وعواطفهم من زاده فصقل مواهبهم، ونمى مشاعرهم ووسع مداركهم حتى إذا اكتملت شخصياتهم الأدبية أضافوا إليه من نتاجهم ما يعتبر ذخيرة تعتز بها الأمة العربية.
واتبع الخلف سيرة السلف، فكان كل جيل يتربى على ما ورثه من آبائه وأجداده، ويضيف إلى ميراثه ما ينتجه من روائع، واضعًا في صرح الأدب لبنات جديدة، وهكذا سار الأدب العربي منذ العصر الجاهلي إلى اليوم، وسيظل كذلك إلى ما شاء الله.
والشعر في هذا التراث أكبر حظًّا من النثر فيه، فما ورد إلينا من شعر الجاهليين يفوق النثر في الكمية والعدد، وليس السبب في ذلك راجعًا إلى أن النتاج الشعري أسهل من النتاج النثري، بل العكس هو الصحيح، ففي الشعر -كما أشرنا- كلفة ليست في النثر، وهذه تجعله أشق تأليفًا، وأصعب منالًا، والنثر بالقياس إلى ذلك أسهل محاولة، وأيسر تركيبًا، وأقرب منالًا، فالشعر والنثر الأدبيان، كل منهما، تعبير عن العواطف في صورة مؤثرة مثيرة، لكن الشاعر -في نصه الشعري بجانب ذلك- يلتزم وزنًا وقافيةً، يجعلانه مقيدًا، مضطرًا لمراعاتهما في شعره، في حين أن الناثر متحرر منهما، فيجيء كلامه حرًّا خاليًا من القيود والالتزامات، فهو لذلك أيسر من الشعر، ثم إن الشعر -زيادة على ما تقدم- يتطلب موهبة خاصة، لا توجد في جميع الناس، وإنما تكون لدى قوم مخصوصين حباهم الله بها. ولذلك نرى رجال النثر أكثر عددًا من رجال الشعر في جميع الأمم قديمها وحديثها، وتبعًا لذلك يكون النتاج النثري -عادة- أكثر من النتاج الشعري. والقليل أو النادر، يحرص دائمًا عليه الفرد والجماعات، فيلقى من العناية والاهتمام والتقدير أكثر مما يلقى الكثير وما هو في متناول اليد؛ وإذن لا تعجب إذا لقي الشعر عناية واهتمامًا أكثر من النثر في جميع الأمم على مر العصور، ومن ثم حرص الجاهليون، والرواة، والمدونون من بعدهم، على الشعر أكثر من النثر، فوعته الأفهام، وتناقله الرواة؛ في وقت تفشو فيه الأمية، وتندر
(1/256)

الكتابة، التي لا يتسع لقيد النثر وحفظه سواها، ثم إن الشعر أيسر حفظًا، وأطول بقاء في الذاكرة من النثر. فإذا لاحظنا ذلك كله، مع ما سبق بيانه عن الظروف التي أحاطت بالأدب الجاهلي في روايته وتدوينه، تبين لنا بوضوح، السبب في قلة النثر عن الشعر في المدون من الأدب الجاهلي.
وقد سبق أيضًا في القسم الثاني أن الأدب الجاهلي، بفرعيه: الشعر والنثر، جاء بلغة أدبية، فصيحة بليغة، تعهدها الأدباء بأذواقهم، وعنايتهم، واهتامهم، فنمت، وترعرعت، وثبتت أقدامها، وتوطدت دعائمها، حتى أصبحت قوية البنيان، متينة الأركان. فجاءت إلينا نصوصهم الأدبية في صورة لغوية ناضجة، كاملة، بحيث يستحيل معها الاعتقاد بأن النصوص الأدبية الجاهلية، كانت أول نصوص أدبية لهم، حقيقة هي أقدم نصوص أدبية للعرب، ولكنها ليست أول محاولاتهم في ميادين الأدب؛ لأنه لا يمكن أن يصدق العقل أن يخلق الأدب أول ما يخلق في صورة كاملة النضج، فالجنين لا يولد إنسانًا كاملًا، بل إنه لا بد أن يقضي زمنًا طويلًا، ينمو فيه جسمه، وتتكون خلاياه، ويبني لنفسه شخصية تمكنه من ملاقاة الزمن وأحداثه ليقوى على مغالبتها، ويبقى على الرغم منا حيًّا. فالمحاولات الأدبية الأولى قد ضاعت ضياعًا تامًّا من الوجود، وكذلك ضاع كثير مما تبعها من محاولات أرقى منها نوعًا. ولذلك لا يمكننا أن نعرف سلسلة التطور الأدبي عند العرب من بدايتها إلى أن وصلت إلى الحالة التي عليها النصوص الجاهلية. فالأصول الأولى للأدب العربي قد ضاعت، ولم يبق منها إلا هذا الذي طلع علينا من قلب الصحراء -نثرًا وشعرًا- تام الخلقة، ممثلًا الطور الأخير من أطوار نضجه وكماله. وفيما يلي الحديث عن النثر ثم يليه الحديث عن الشعر في العصر الجاهلي.
(1/257)

النثر الجاهلي
مدخل
...
النثر الجاهلي
تؤيد الطبيعة والعقل أن الجاهليين كان لهم نثر أدبي، فليس هناك مانع يجعل ذلك مستحيلًا أو معدومًا، وإذا كان لهم شعر، فلا بد أنه كان لهم نثر، يتحلل فيه القائل من قيود الشعر التي قد تقف أمام الأديب فلا يستطيع أن يلتزمها، والواقع أنه كان لهم نثر، وأنهم حتمًا كانوا يجيدون النثر الأدبي، بدليل نزول القرآن، وفهمهم له، ومجادلتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فيما كان ينزل عليه، وما يتلوه عليهم، وبدليل تحدي القرآن لهم أن يأتوا بمثله أو بعضه، والقرآن الكريم ليس شعرًا، والتحدي لا يكون له معنى إلا إذا كان في الناحية التي يزعم المتحدى أن له فيها نبوغًا، ويدعي لنفسه عليها قوة واقتدارًا، ومن ثم لا بد أن الله قد أعجز أمة ذات قدرة فائقة على النثر.
ونثر الجاهليين لا شك أنه كان كثيرًا، يفوق في الكم ما كان لهم من شعر، وقد سبق أن وضحنا ذلك، ولكن سنة الكون دائما تجعل الشعر أوفر حظًّا من العناية والاهتمام، فيحفظ، ويتناقل، ويروى على مر الأجيال أكثر من الشعر. ولهذا نتوقع أن يكون ما حفظ لنا من نثر الجاهليين أقل بكثير مما حفظ لنا من شعرهم.
وإذا كان في الشعر قافية موحدة، ومقاطع موسيقية منتظمة تجعله أسهل علوقًا بالذهن، وأكثر دوامًا بالذاكرة، فإن ذلك أيضًا جعله يثبت في الحفظ، ويتناقل من جيل إلى جيل بنفس الألفاظ والعبارات اللهم في القليل النادر، فيغلب على الظن؛ حينئذ أن عدم وجود هذه الخاصية في النثر قد أثرت في حفظه وفي روايته، فكان أشق في الحفظ، وأقل دوامًا في الذاكرة، ثم كان عرضة للتغيير أو التحوير، مع المحافظة على المعنى المقصود، بطبيعة الحال، ومن هنا لا شك أن النثر الجاهلي كان من الصعب على الرواة أن يحفظوه كله، وإذا حفظوا بعضه، فالغالب أنه قد ضاعت منهم بعض ألفاظه. ولكن مهما يكن، فمن المؤكد أنه بقيت نصوص منه كان لها حظ الرعاية والاهتمام، فظلت سليمة كما صنعها أصحابها، حتى تسلمتها بطون الكتب وأمهات المراجع، فوصلتنا صحيحة سليمة.
(1/258)

دواعي النثر الجاهلي:
وظروف الحياة التي كان يعيش فيها الجاهليون كانت تدعوهم إلى القول، ولا شك أن هذه الظروف نتج عنها نثر لهؤلاء الموهوبين في صناعة الكلام وليس لديهم موهبة الشعر، وهم ولا شك كانوا أكثر عددًا من الشعراء، بدليل ما نعلمه، وما نشاهده في الأمم القديمة والحديثة في العصور السالفة وعصرنا الحاضر.
لقد كان للعرب اجتماعات خاصة وعامة، وعلى نطاق ضيق وعلى نطاق واسع، وكانت بينهم منافسات وتسابق في المفاخر، والأمجاد، والأفعال، والعادات، وحدثت بينهم مشكلات، وخصومات، وعداوات، كما كانت لهم تجارب في الحياة، فتكونت لديهم خبرات، كانوا يحبون -بطبيعة الحال- أن يضعوها بين أيدي من يحبون، لكي يستفيدوا بها في حياتهم، كل هذه المناسبات كانت تستدعي القول، ولسنا نعني القول العادي، كهذا الذي يتحدث به الشخص لقضاء مصالحه العاجلة، وحاجاته اليومية، إنما نقصد ذلك القول المؤثر الذي يحفل به صاحبه، ويودع فيه من طاقات الإثارة كل ما يستطيع.
فالقبيلة في مجتمعها الخاص، وبخاصة حينما ينتهون من مشاغلهم اليومية، ويجتمعون بالليل في مجالس السمر، ولا شك أنهم كانوا يتجاذبون أطراف الحديث فيما يجري من شئونهم أو شئون غيرهم، أو يستمعون إلى من أوتي حظًّا أوفر من القدرة على الكلام الفصيح، ولا شك أن أحسن ما كان يشوقهم أن يستمعوا إليه أحاديث الآباء والأجداد، وما كان لهم من مفاخر وأمجاد، ومن ثم لا بد أنه كان هناك قصص طريف يحاول فيه القصاص أن يستعيد الحوادث، ويسردها للسامعين بأسلوب شيق أخاذ، ولا ريب أن هؤلاء القصاصين قد اتخذوا من الحوادث الجارية، والأحداث السابقة مادة لقصصهم، ومن هنا وجدت قصص الأيام التي تحكي تاريخ الحروب بين الجاهليين، وقد حفلت بها كتب كثيرة من أهمها شرح النقائض لأبي عبيدة، وغني عن البيان أن ما يحكيه أبو عبيدة وأمثاله عن الأيام وغيرها مما يتصل بالجاهليين، ليس من نثر الجاهليين ولا يمثل أسلوبهم، إلا ما يجيء في ثنايا كلام المؤلفين من محفوظات بنصوصها تنسب إلى قائلين فهذه جاهلية بالطبع، كذلك حفلت كتب التاريخ القديم بقصص الجاهليين عن ملوك المناذرة، والغساسنة، والحميريين, والفرس، وغيرهم، وبأخبار سادتهم، ورؤسائهم، وكهانهم، وعشاقهم، وشعرائهم، وما كان لهم من أساطير.
(1/259)

وهم في اتصالاتهم بعضهم ببعض، ومع غيرهم كانوا يتحدثون عن خبراتهم وتجاربهم في مختلف الاتجاهات، أو يتبارون في السيادة والشرف، أو في القوة والهيبة، أو في المكانة والاحترام، أو يتناقشون ويتبادلون الآراء لحل المشكلات وفض المنازعات، أو يتآلفون بالمحالفات أو المصاهرات، أو يزجون أوقات فراغهم بما يسر آذانهم ويمتع أفئدتهم، كل هذا هيأ فرصًا كثيرة لمن لديهم موهبة أدبية، وليست فيهم مقدرة شعرية لكي يمارسوا فنونًا أدبية نثرية متعددة. ومن ثم وردت لهم في كتب الأدب والتاريخ أنواع من النثر الأدبي، نجد منها: الحكم، والأمثال، والقصص، والمفاخرات، والمنافرات، والخطب، والوصايا، وسجع الكهان.
وقد أشرنا فيما سبق إلى أن النثر الجاهلي لم يلق من العناية والاهتمام مثل ما لقي الشعر، فما بقي منه ما زال مبعثرًا في بطون الكتب، وعند قراءته تبين أنه كان يوجد في جميع المناسبات ومختلف الظروف، ولكن إلى الآن لم نجد من اهتم بجمع هذا النثر وتحقيقه وتصنيفه ودراسته.
ولا شك أن هذا يحتاج إلى رغبة صادقة، وأناة، ومقدرة على البحث والدارسة، والقيام بذلك عمل عظيم يستحق أسمى التقدير. وفيما يلي عرض موجز لأهم ما ورد في كتب الأدب عن أنواع النثر الجاهلي بحسب طبيعة الكلام ومقصده.
(1/260)

الحكم والأمثال:
والحكمة قول رائع يتضمن حكمًا صحيحًا مسلَّمًا به، أما المثل فهو قول يشبه مضربه بمورده فهو يقصد به تشبيه الحال التي حكي فيها بالحال التي قيل بسببها، ولذلك يحكى المثل بلفظه كما هو بدون تغيير مهما كان نوع الخطاب أو نسق الكلام.
وكل من الحكمة والمثل، عبارة قصيرة بليغة، ولكنها غاية في تأدية المعنى المقصود. وكل منهما يكون شعرًا، ويكون نثرًا، لكنهما في النثر أكثر دورانًا، ولذلك يعدان في النثر. وهما ثمار ناضجة من ثمرات الاختبار الطويل، والتجربة الصادقة، والعقل الراجح، والرأي السديد.
وكثيرًا ما تقتبس الحكم والأمثال، وتوضع في الأقوال والأشعار، فتضفي على الكلام زينة؛ فوق ما تؤديه من إصابة المعنى وحسن التشبيه، ولذلك كان من الأدباء من نظم
(1/260)

قصائد، كلها حكم وأمثال كأرجوزة أبي العتاهية التي سماها "الأمثال"1.
وممن اشتهر بالحكمة من العرب: أكثم بن صيفي التميمي، وعامر بن الظرب العداوني، وهما من المعمرين، وكانت العرب تحتكم إليهما، ويقال إن عامر بن الظرب لما كبر واعتراه النسيان أمر ابنته أن تقرع بالعصا إذا جار عن القصد وكانت ابنته من حكيمات العرب مثل هند بنت الخس.
ومن أقوال أكثم2: "ويل للشجي من الخلي، لم يذهب من مالك ما وعظك، رب عجلة تهب ريثًا، ادرعوا الليل فإنه أخفى للويل، إذا فزع الفؤاد ذهب الرقاد، ليس من العدل سرعة العذل، لا تطمع في كل ما تسمع، رب قول أنقذ من صول، حافظ على الصديق ولو في الحريق".
ومن أقوال عامر بن الظرب3: "رب زارع لنفسه حاصد سواه، من طلب شيئًا وجده، وإن لم يجده أوشك أن يقع قريبا منه".
ولا بد للأمثال من أصل تكون قد جاءت بسببه، وقد يكون ذلك الأصل حقيقيًّا، وقد يكون فرضيًّا، وذلك إن قيل عن حيوان أو نبات أو جماد وتسمى أمثال النوع الأول حقيقة والأخرى فرضية.
ومن الأمثال الحقيقة: "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها" يضرب في صيانة الشخص نفسه عن خسيس الكسب، وهو للحارث بن سليل الأسدي، "وسبق السيف العذل". ويضرب للفائت يستحيل تداركه، وقائله ضبة بن أد بن طابخة. وكتب الأمثال في العادة تذكر المثل وقائله وتشرح السبب الذي قيل من أجله.
ومن الأمثال الفرضية: "كيف أعاهدك وهذا أثر فأسك" يضرب لمن لا يجاب إلى عهد لظهور آثار غدره. ويأتي هذا في خرافة الحية والفأس التي تقول4: "إن أخوين كانا فيما مضى في إبل لهما فأجدبت بلادهما، وكان قريبًا منها واد فيه حية، قد حمته من كل أحد، فقال أحدهما للآخر: يا فلان لو أني أتيت هذا الوادي المكلئ فرعيت فيه إبلي وأصلحتها.
__________
1 الأغاني: جـ3 ص143.
2 المزهر للسيوطي جـ1 ص501.
3 البيان والتبيين جـ1 ص1 ص401، 2/199.
4 أمثال العرب للمفضل الضبي. ص81.
(1/261)

فقال له أخوه: إني أخاف عليك الحية، ألا ترى أن أحدًا لم يهبط ذلك الوادي إلا أهلكته. قال: فوالله لأهبطن، فهبط ذلك الوادي. فرعى إبله زمانًا، ثم إن الحية لدغته، فقتلته. فقال أخوه: ما في الحياة بعد أخي خير، ولأطلبن الحية فأقتلها، أو لأتبعن أخي، فهبط ذلك الوادي، فطلب الحية لقتلها، فقالت: ألست ترى أني قتلت أخاك، فهل لك في الصلح، فأدعك بهذا الوادي، فتكون به، وأعطيك ما بقيت دينارًا كل يوم، قال: أفاعلة أنت؟ قالت: نعم. قال: فإني أفعل. فحلف لها وأعطاها المواثيق: لا يضيرها. وجعلت تعطيه كل يوم دينارًا، فكثر ماله ونمت إبله، حتى كان من أحسن الناس حالًا، ثم إنه ذكر أخاه، فقال: كيف ينفعني العيش، وأنا أنظر إلى قاتل أخي فلان؟ فعمد إلى فأس، فأخذها، ثم قعد لها، فمرت به، فتبعها، فضربها فأخطأها، ودخلت الجحر. فرمى الفأس بالجبل فوقع فوق جحرها، فأثر فيه. فلما رأت ما فعل قطعت عنه الدينار الذي كانت تعطيه، ولما رأى ذلك تخوف شرها وندم، فقال: هل لك أن نتوافق، ونعود إلى ما كنا عليه؟ فقالت: كيف أعاهدك وهذا أثر فأسك".
وقد تتضمن القصة الواحدة أكثر من مثل، سواء كانت حقيقية أو فرضية كما في حادثة الزباء وقصير5، فقد ذكروا فيها أقوالًا كثيرة ذهبت أمثالها، منها، "لأمر ما جدع قصير أنفه" و "بيدي لا بيد عمرو" ومن ذلك ما تزعمه العرب من أن أرنبًا التقطت تمرة، فاختلسها ثعلب، فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضب، فقالت الأرنب: يا أبا الحسل. قال: سميعًا دعوت، قالت: أتيناك لنختصم إليك. قال: عادلًا حكمتما، قالت: فاخرج إلينا، قال: في بيته يؤتى الحكم، قالت: إني وجدت تمرة. قال: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب. قال: لنفسه بغى الخير. قالت: فلطمته. قال: بحقك أخذت. قالت: فلطمني. قال: حر انتصف. قالت: فاقض بيننا، قال: قد قضيت، فذهبت أقواله كلها أمثالًا.
وقد عني العرب بالأمثال، فألفت فيها كتب كثيرة، منها كتاب صحار العبدي أحد النسابين في أيام معاوية بن أبي سفيان. وكتاب آخر لمعاصره عبيد بن شرية ومنها كتاب أمثال
__________
5 تاريخ ابن الأثير جـ1، ص149.
(1/262)

العرب للمفضل الضبي، وجمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري، ومجمع الأمثال للميداني المتوفى سنة 518هـ، وكتاب المستقصى للزمخشري المتوفى سنة 538هـ.
(1/263)

المفاخرات والمنافرات:
والمفاخرة: محاورة كلامية بين اثنين أو أكثر، وفيها يتباهى كل من المتفاخرين بالأحساب والأنساب، ويشيد بما له من خصال، وما قام به من جلائل الأعمال، وكانت تحدث بين القبائل كربيعة ومضر، وبكر وتغلب من ربيعة، وقيس وتميم من مضر، وقد تغلغلت المفاخرات في بطونهم حتى كانت بين ابني العم في العشيرة الواحدة مثل ما حدث بين عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة، وقد تنافرا إلى هرم بن قطبة الفزاري6.
والمنافرة كالمفاخرة وأشد، وكان الرجلان إذا تنازعا الفخر، وادعى كل منهما أنه متفوق على صاحبه، نفرا إلى حاكم يرضيانه، ليقضي بينهما، فمن فضله على صاحبه كان له غنم الحكم، وعلى صاحبه غرم الجعل المفروض من الإبل أو غيرها.
ولكن الحكم كثيرًا ما كان يتحاشى الحكم لأحدهما على الآخر، ويعمد إلى الصلح بين المتنافرين، حسمًا للنزاع، وتفاديًا للشر. ويلقي عليهما كلامًا بليغًا يدعوهما فيه إلى الصفاء والسلام والمودة والمحبة. من ذلك ما كان من هاشم بن عبد مناف في خزاعة وقريش حين نفرتا إليه، فقال: "أيها الناس، نحن آل إبراهيم، وذرية إسماعيل، وبنو النضر بن كنانة، وبنو قصي بن كلاب، وأرباب مكة، وسكان الحرم، لنا ذروة الحسب والنسب، ومعدن المجد، ولكل في كل حلف يجب عليه نصرته، وإجابة دعوته، إلا ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم. يا بني قصي، أنتم كغصني شجرة، أيهما كسر أوحش صاحبه، والسيف لا يصان إلا بغمده، ورامي العشيرة يصيبه سهمه. أيها الناس، الحلم شرف، والصبر ظفر، والمعروف كنز، والجود سؤدد، والجهل سفه، والأيام دول، والدهر غير، والمرء منسوب إلى فعله، ومأخوذ بعمله، فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، ودعوا الفضول تجانبكم السفهاء، وأكرموا الجلس يعمر ناديكم، وحابوا الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم، وعليكم بمكارم الأخلاق فإنها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنية، فإنها تضع
__________
6 الأغاني "ساس" 15ص51.
(1/263)

الشرف، وتهدم المجد، ومقام الحليم عظة لمن انتفع به". فأذعن له الفريقان بالطاعة، وتصالحا.
ومن ذلك ما حدث من هرم بن قطبة الفزاري حين نفر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة العامريان، فقد روي: أن عامرًا وقف لعلقمة يومًا، فجعل ينازعه الشرف في قومه، وتفاقم بينهما الأمر، فكان مما قاله عامر: والله لأنا أشرف منك حسبًَا، وأثبت منك نسبًا، وأطول قصبًا! قال علقمة: أنا فرك، وأنا أشرف منك أمة، وأطول قمة، وأبعد همة. وطال بينهما الكلام. فتواعدا على الخروج إلى من يحكم بينهما. وجعلا يطوفان الأحياء. وهاب الناس أن يحكموا بينهما. خيفة أن يقع في حييهما الشر. حتى دفعا إلى هرم بن قطبة الفزاري "وهو غير هرم بن سنان المري ممدوح زهير". فلما علم بأمرهما، أمر بنيه أن يفرقوا جماعة الناس تفاديًا للفتنة، وجعل يطاولها، ويخوف كل واحد منهما من صاحبه حتى لم يبق لواحد منهما هم سوى أن يسوي في حكمه بينهما، ثم دعاهما بعد ذلك، والناس شهود، فقال لهما: أنتما كركبتي البعير، تقعان إلى الأرض معًا، وتقومان معًا". فرضيا بقوله، وانصرفا عنه إلى حييهما.
وقد عمر هرم هذا إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فقال عمر: أيهما كنت منفرًا؟ فقال: يا أمير المؤمنين لو قلتها الآن لعادت جذعة "يعني الحرب أو الفتنة" فقال له عمر: "إنك لأهل لموضعك من الرياسة".
(1/264)

الخطابة:
الخطابة حديث يقصد به إثارة المشاعر وإلهاب العواطف في الحال. والحياة الجاهلية جعلت الخطابة ضرورية لهم، فهم في اجتماعاتهم وفي عرض آرائهم، وفي القيام بواجباتهم في السفارات والوفود كانوا -ولا شك- يحتاجون إلى الإفصاح عما يريدونه؛ رغبة في الوصول إلى مقاصدهم وكلما كان إفصاحهم أقوى وأعذب كان تأثيره في القلوب أشد، فساعد ذلك على وجود الخطابة بينهم.
وقد ثبت أنهم كانوا يخطبون في مناسبات شتى، فبالخطابة كانوا يحرضون على القتال؛ استثارة للهمم، وشحذًا للعزائم، وبها كانوا يحثون على شن الغارات؛ حبًّا في الغنيمة، أو بثًّا للحمية رغبة في الأخذ بالثأر، وبالخطابة كانوا يدعون للسلم؛ حقنًا للدماء، ومحافظة على
(1/264)

أواصر القربى أو المودة والصلة، ويحببون في الخير والتصافي والتآخي، ويبغضون في الشر والتباغض والتنابذ، وبالخطابة كانوا يقومون بواجب الصلح بين المتنافرين أو المتنازعين، ويؤدون مهام السفارات جلبًا لمنفعة، أو درءًا لبلاء، أو تهنئة بنعمة، أو تعزية أو مواساة في مصيبة، فوق ما كانت الخطابة تؤديه هذه المصاهرات، فتلقى الخطب ربطًا لأواصر الصلة بين العشائر، وتحبيب المتصاهرين بعضهم في بعض.
وأشهر الخطباء في الجاهلية: قس بن ساعدة الأيادي، وقد أدركه النبي صلى الله عليه وسلم فرآه في سوق عكاظ على جمل أحمر، وسحبان بن وائل الباهلي الذي ضرب بفصاحته المثل. فقيل: "أخطب من سحبان" ويقال إنه كان إذا خطب يسيل عرقًا، ولا يعيد كلمة ولا يتوقف ولا يقعد حتى ينتهي من كلامه.
ومن خطباء تميم المشهورين: ضمرة بن ضمرة، وأكثم بن صيفي، وعمرو بن الأهتم المنقري، وقيس بن عاصم.
وكان الخطباء يحفلون بخطبهم، ويتخيرون لها أشرف المعاني، وأقوى الألفاظ، وأشدها وقعًا على القلوب؛ ليكون تأثيرها أعظم، ويقال إنهم كانوا يخطبون، وعليهم العمائم، وبأيديهم المخاصر، ويعتمدون على الأرض بالقسي، ويشيرون بالعصي والقنا، راكبين أو واقفين على مرتفع من الأرض7.
وقد أثارت الشعوبية في موقفها من العرب عادة اتخاذهم العصي والمخاصر في أثناء خطابتهم، فرد عليهم الجاحظ في كتابه البيان والتبيين، مبينًا فوائد العصا، ومما قاله: "إن حمل العصا والمخصرة دليل على التأهب للخطبة والتهيؤ للإطناب والإطالة. وذلك شيء خاص في خطباء العرب، ومقصور عليهم، ومنسوب إليهم، حتى إنهم ليذهبون في حوائجهم، والمخاصر بأيديهم إلفًا لها، وتوقعًا لبعض ما يوجب حملها، والإشارة بها"8.
ومن الخطب التي تحرض على القتال: خطبة هانئ بن قبيصة في يوم ذي قار، يحرض قومه بكرًا على القتال، ومنها: "يا معشر بكر، هالك معذور خير من ناج فرور، إن الحذر لا ينجي من القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من
__________
7 البيان والتبيين جـ3 ص7.
8 المرجع السابق، ص117.
(1/265)

استدباره، الطعن في ثغر النحور أكرم منه في الأعجاز والظهور، يا آل بكر، قاتلوا فما للمنايا من بد".
ومن كلمات الوفود: كلمة قبيصة بن نعيم في وفد بني أسد، حين قدموا على امرئ القيس بعد مقتل أبيه، فيروى أنه وفد على امرئ القيس، بعد مقتل أبيه، رجالات من بني أسد، كهول وشبان، وفيهم عبيد بن الأبرص الشاعر، والمهاجر بن خداش، وقبيصة بن نعيم، فلما علم امرؤ القيس بمكانهم، أمر بإنزالهم، وتقدم في إفضالهم، والإكرام عليهم، واحتجب عنهم ثلاثًا، فقالوا لمن يباريه من رجال كندة: ما بال الرجل لا يخرج إلينا؟ فقال: هو في شغل بإخراج ما في خزائن حجر من العدة والسلاح، فقالوا: اللهم غفرًا! إنما قدمنا عليه في أمر نتناسى به ذكر ما فات، ونستدرك ما فرط. فليبلغ ذلك عنا. فخرج عليهم في قباء9، وخف، وعمامة سوداء، وكانت العرب لا تعتم بالسواد إلا في الترات10.
فلما رأوه نهضوا، وبدر قبيصة فقال: إنك في المحل والقدر، والمعرفة بتصرف الدهر، وما تحدثه أيامه، وتنتقل به أحواله، بحيث لا تحتاج إلى تبصير واعظ، ولا تذكرة مجرب. ولك من سؤدد منصبك، وشرف أعراقك، وكرم أصلك في العرب محتمل يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة، والرجوع عن الهفوة، ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك، فوجدت عندك من فضيلة الرأي، وبصيرة الفهم، وكرم الصفح، ما يطول رغباتها، ويستغرق طلباتها؛ وقد كان الذي كان من الخطب الجليل. الذي عمت رزيته نزارًا واليمن، ولم تخصص به كندة دوننا؛ للشرف البارع الذي كان لحجر: التاج والعمة فوق الجبين الكريم، وإخاء الحمد، وطيب الشيم ولو كان هالك يفدى بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا على مثله ببذل ذلك، ولفديناه منه. ولكن مضى به سبيل لا ترجع أولاه على آخره ولا يلحق أقصاه أدناه، فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث: إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتًا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتًا، فقدناه إليك بنسعة11تذهب12مع شفرات حسامك بباقي قصرته13: فيقال: رجل امتحن بهلك
__________
9القباء: جلباب له أكمام.
10 الترات: جمع ترة وهي المصيبة.
11النسعة: سير من الجلد يوضع في أنف الجمل لإذلاله، المراد قدناه إليك ذليلًا مصغرًا كما يأتي البعير الذليل.
12 تذهب أي أنت.
13القصرة: عظام العنق.
(1/266)

عزيز عليه فلم تستل سخيمته إلا بتمكينه من الانتقام، أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها، فهي ألوف تجاوز الحسبة، وكان ذلك فداء ترجع به القضب إلى أجفانها، لم يردده تسليط الإحن على البرآء، وإما أن تواعدنا حتى تضع الحوامل، فنسدل الأزر، ونعقد الخمر فوق الرايات.
قالوا: فبكى امرؤ القيس ساعة؛ ثم رفع طرفه إليهم، فقال: قد علمت العرب أن لا كفء لحجر في دم، وإني لن أعتاض به ناقة أو جملًا، فأكتسب بذلك سبة الأبد، وفت العضد؛ وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببًا، وستعرفون طلائع كندة من بعد، تحمل في القلوب حنقًا14وفوق الأسنة علقًا15.
إذا جالت الخيل في مأزق ... تصافح فيه المنايا النفوسا
أتقيمون أم تنصرفون؟ قالوا: بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار16، لحرب وبلية، ومكروه وأذية. ثم نهضوا عنه، وقبيصة يقول متمثلًا:
لعلك أن تستوخم الورد إن غدت ... كتائبنا في مأزق الموت تمطر
فقال امرؤ القيس: لا، والله لا أستوخمه، فرويدًا ينكشف لك دجاها عن فرسان كندة؛ وكتائب حمير! ولقد كان ذكر غير هذا أولى بي، إذ كنت نازلًا بربعي، ومتحرمًا بزمامي، ولكنك قلت فأجبت، قال قبيصة إن ما نتوقع فوق قدر المعاتبة والإعتاب. قال امرؤ القيس: فهو ذاك، وفي ذلك يقول عبيد بن الأبرص:
يا ذا المخوفنا بقتل أبيه إذلالًا وحينا
هلا على حجر بن أم قطام تبكي لا علينا
نحن الألى فاجمع جموعك ثم وجههم إلينا
نحمي حقيقتنا وبعض القوم يسقط بين بينا
__________
14 حنقا: غيظا.
15 العلق: دم غليظ متجمد.
16 الاجترار: ما يجره الإنسان على نفسه من سوء عمله، ومنه الجريرة، وهي الذنب.
(1/267)

ونجد أمثلة من خطب الجاهليين في كتب الأدب والتاريخ؛ مثل العقد الفريد لابن عبد ربه؛ والأغاني؛ والأمالي؛ والبيان والتبيين للجاحظ، وفتوح الشام لأبي إسماعيل البصري، وفتوح الشام للواقدي، وفتوح البلدان للبلاذري وتاريخ الطبري، وابن الأثير.
(1/268)

الوصايا:
الوصية بمعنى النصح والإرشاد والتوجيه، وهي قول بليغ مؤثر، ويتضمن حثًّا على سلوك طيب نافع، حبًا فيمن توجه إليه الوصية، ورغبة في رفعة شأنه وجلب الخير له. وعادة تكون من أولياء الأمور وبخاصة الأب والأم لأبنائهما عند حلول الشدائد، أو حدوث الأزمات أو الإحساس بدنو الفراق، وهي نتيجة الخبرة الطويلة والملاحظة الدقيقة، والعقل الواعي والتفكير السليم ويدفع إليها المودة الصادقة والحب العميق.
ومن الوصايا: وصية عامر بن الظرب لقومه، ومنها: "يا معشر عدوان: لا تشمتوا بالذلة، ولا تفرحوا بالعزة، فبكل عيش يعيش الفقير مع الغني، ومن يَرَ يومًا يُرَ به، وأعدوا لكل أمر جوابه، إن مع السفاهة الندم، والعقوبة نكال، وفيها ذمامة، ولليد العليا العاقبة، وإذا شئت وجدت مثلك، إن عليك كما أن لك، وللكثرة الرعب، وللصبر الغلبة، ومن طلب شيئا وجده، وإن لم يجده أوشك أن يقع قريبا منه".
ومنها وصية زوجة عوف بن ملحم الشيباني لابنتها حينما زفت إلى زوجها الحارث بن عمرو ملك كندة، وفيها تقول: "أي بنية، إن الوصية لو تركت لفضل أدب؛ تركت لذلك منك؛ ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل، أي بنية إنك فارقت الجو الذي منه خرجت، وخلفت العش الذي فيه درجت إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة يكن لك عبدًا. يا بنية: احملي عني عشر خصال تكن لك ذخرًا وذكرًا، الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهد لموقع عينه، والتفقد لموضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح؛ ولا يشم منك إلا أطيب ريح؛ والتعهد لوقت طعامه؛ والهدوء عند منامه؛ فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله؛ فإن الاحتفاظ بالمال حسن التدبير، والإرعاء على الحشم والعيال جميل حسن التقدير، ولا تفشي له سرًّا، ولا تعصي له أمرًا؛ فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره، ثم اتقي -مع ذلك- الفرح إن كان ترحًا، والاكتئاب عنده
(1/268)

إن كان فرحًا، فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وكوني أشد ما تكونين له إعظامًا، يكن أشد ما يكون لك إكرامًا، وأشد ما تكونين له موافقة، يكن أطول ما تكونين له مرافقة، واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك فيما أحببت وكرهت، والله يخير لك"17.
__________
17 البيان والتبيين جـ2 ص7.
(1/269)

سجع الكهان:
وكانت الكهانة موجودة عند العرب في الجاهلية، وكان للكهان قداسة دينية، ونفوذ كبير، إذ كانوا يوهمون العامة بأنهم يعرفون الغيب عن طريق ما يتلقون من الجن، وكان الناس يتجهون إليهم يحكمونهم في المنازعات. والمنافرات. ويستشيرونهم في أمورهم وبخاصة المستقبلة. ويقصون عليهم أحلامهم لكي يفسروها لهم. وأحيانا كان الكهان ينذرون بعض القوم بأحداث تقع لهم.
ولم تكن الكهانة مقصورة على الرجال، بل كان هناك نساء كاهنات كذلك. ومن أشهر الكهان: شق أنمار.وتحكي الأساطير عن خلقته أنه كان شق إنسان له عين واحدة. ويد واحدة ورجل واحدة. ومنهم سطيح الذئبي: ويقولون عنه إنه لم يكن فيه عظم سوى جمجمته؛ وأن وجهه كان في صدره؛ ولم يكن له عنق. ومنهم المأمور الحارثي: كاهن بني الحارث بن كعب، وعزى سلمة. ومن أشهر الكاهنات: طريفة الكاهنة: وكانت باليمن وفاطمة الخثعمية: وكانت بمكة، والزرقاء بنت زهير، وزبراء كاهنة بني رئام.
وكان الكهان في أحاديثهم يعمدون غالبًا إلى سجع مصطنع، فيه غموض وإبهام، وكأنما كانوا يقصدون زيادة التأثير في السامعين، وإلهاءهم عن التتبع لما يلقى إليهم من الأخبار التي كانت في منتهى الغرابة والعجب.
ومما ورد لهم18 ما يروى أن حجرا أبا امرئ القيس رق لبني أسد، فبعث في أثرهم؛ فأقبلوا حتى إذا كان على مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم وهو عوف بن ربيعة فقال لبني أسد: "يا عبادي! قالوا: لبيك ربنا، قال: من الملك الأصهب، الغلاب غير
__________
18 الأغاني جـ9 ص84.
(1/269)

المغلب، في الإبل كأنها الربرب، لا يعلق رأسه الصخب، هذا دمه ينشعب19، وهذا غدًا أول من يسلب. قالوا: من هو يا ربنا؟ قال: لولا أن تجيش نفس جاشية، لأخبرتكم أنه حجر صاحية، فركبوا كل صعب وذلول، فما أشرق لهم النهار حتى أتوا على عسكر حجر فهجموا على قبته وقتلوه".
ويروى أن شقًّا وسطيحًا اتفقا على تعبير رؤيا رآها ربيعة بن نصر اللخمي أحد ملوك العرب، فأخبره سطيح بإغارة الحبشة على بلاد اليمن بسجع متكلف يبعث على التردد في تصديقه، إذ قال: "أحلف بما بين الحرتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش، وليملكن ما بين أبين إلى جرش"20. وقال شق: "أحلف بين الحرتين من إنسان ليهبطن أرضكم السودان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران".
ويقال إن زبراء أنذرت قومها غارة عليهم، فقالت: "واللوح الخافق والليل الغاسق، والصبح الشارق، والنجم الطارق، والمزن الوادق، إن شجر الوادي ليأدوا ختلًا، ويحرق أنيابًا عصلا24، وإن صخر الطود لينذر ثكلًا، ولا تجدون عنه معلًا"25.
ومن المؤكد أن الكهان كانوا يسجعون في كلامهم بمثل هذا السجع بدليل أنهم لما سمعوا القرآن ظنوه من هذا القبيل، فرد الله زعمهم بقوله تعالى: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ} . وقوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} ، وغير ذلك من الآيات.
وظاهر من نماذج نثرهم أن الكهان كانوا يستعملون السجع المتكلف الغامض، وفي جمل قصيرة، وغير واضحة المعنى، لكي تتحير الأذهان في فهم المقصود منها وأغلب الظن، بل يكاد يكون من المؤكد أنهم لم يكونوا يدركون حقيقة ما يقولون فكانوا يأتون بالألفاظ.
__________
19 ينشعب: يسيل.
20 مخلافان باليمن.
21 اللوح: هنا الريح.
22 الوادق: الممطر.
23 يأدوا: يختل.
24 عصلًا: معوجة.
25 معل: ملجأ.
(1/270)

ويرصفونها بعضها بجانب بعض بدون وعي تام لمعانيها، ما دام السجع موجودا فيها، ويكتنفها الغموض والإبهام، مكتفين بالإيماء والتلميح، متخذين من حال مخاطبيهم النفسية ما يساعدهم على ذلك، كما يفعل ضاربو الرمل والحصى بيننا الآن.
(1/271)

تعليق عام عن النثر الجاهلي:
ومما سقناه من النماذج، نرى أن النثر الجاهلي شمل عدة نواح في الحياة الجاهلية، فطرق جميع المسائل التي تهم الإنسان في حياته واستخدم وسيلة فعالة في التأثير على النفوس، وفعلا كان -وما زال- له أثر كبير لا يقل عن أثر الشعر النفسي فهو بذلك نثر أدبي. ومن الفنون الجميلة الرفيعة.
كما أنه صور كثيرًا من المشاعر الإنسانية، فجاء في أغراض مختلفة وبخاصة ما كان منه في الخطابة والحكم والوصايا وتبعًا لذلك جاء في صور متعددة. وأساليب متباينة. طبقًا للنواحي التي يعالجها.
وفي النماذج النثرية التي سقناها للجاهليين، تجد منها ما هو طويل، ومنها ما هو قصير. ويتجلى القصر بشكل ظاهر في الحكم والأمثال. وتتراوح الخطب والوصايا بين الطول والقصر، ومن عادتهم في الخطب في الزواج يقول الجاحظ: إن الخاطب كان يطيل، ويقصر المجيب26 ويقول عن خطابتهم بوجه عام: "اعلم أن جميع خطب العرب من أهل المدر والوبر والبدو والحضر على ضربين: منها الطوال، ومنها القصار. ولكل ذلك مكان يليق به، وموضع يحسن فيه. ومن الطوال ما يكون مستويًا في الجودة، ومتشاكلًا في استواء الصنعة ومنها ذوات الفقر الحسان. والنتف الجياد. ووجدنا عدد القصار أكثر، ورواة العلم إلى حفظها أسرع"27.
وفي النثر الجاهلي تتجلى العصبية القبيلة. في الفخر بالأحساب والأنساب في المفاخرات والمنافرات، ويظهر الحب والمودة والرغبة في الخير لأفراد الأسرة أو العشيرة الواحدة في النصائح والوصايا. ولئن شاع عنهم الغضب وسرعة التهور والحمق والسفه، فإننا نرى من
__________
26 البيان والتبيين جـ1 ص116.
27 البيان والتبيين جـ2 ص7.
(1/271)

خلال هذه النماذج أنه كان فيهم ميل للصلح وحب للخير كهذا الذي نراه في كثير من تصرفات الحكام في المفاخرات والمنافرات وفي مساعي الصلح بين الأعداء والمتخاصمين لفض النزاع بالطرق السلمية.
وربما تكون القصص والأخبار التي تحكي عن حوادث معينة لم تحتفظ بنفس ألفاظ النص الجاهلي وعباراته فاعتراها التغيير من جانب الرواة والقصاصين لكن لا شك أن الأحداث التي فيها، لها أصل تاريخي. أما الحكم والأمثال المنسوبة إلى الجاهليين، فهي في الغالب صحيحة في نسبتها إليهم، خصوصًا ما جاء عن راوية موثوق به كالمفضل الضبي؛ ذلك لأن الحكم والأمثال -على العموم- سرعان ما تعلق بالذهن، وتظل بالذاكرة مدة طويلة وبخاصة إذا أتيحت لها الفرص لإعادتها وتكرارها؛ ثم إنها دونت في عهد مبكر، منذ القرن الأول، فقد كتب فيها عبيد بن شرية كتابًا. وإن كان هذا الكتاب قد فقد، فغلب على الظن أن من كتب فيها من بعده قد انتفع بكتابه هذا. على أن النصوص الدخيلة يغلب على الظن أن تكون تقليدًا مطابقًا للأصل بحيث نستطيع أن نتبين منها خصائص النثر في العصر الجاهلي.
والقصص الخرافية والأمثال الفرضية لا شك أنها كانت ترمي إلى تصوير حالات وتصرفات إنسانية ولم يرض مؤلفوها أن يكتبوا عن هذه الحالات أو التصرفات بالتصريح والتعيين، فاخترعوا هذه القصص مكتفين للوصول إلى أغراضهم بالتلميح والإشارة من طرف خفي. ولا ريب أنها كانت ترمي كذلك إلى الناحية التهذيبية والتوجيه إلى الخير والنفع وبخاصة ما كان منها حكمًا وأمثالًا. ولا ريب أن تأليفها يدل على الذكاء، وقوة الملاحظة، وخصوبة الخيال لدى مؤلفيها.
وفي النثر الجاهلي ألفاظ وعبارات قد تبدو لنا غريبة. ولكن ذلك ليس لغرابتها في الأصل؛ ولكن لعدم استعمالنا لها، وفي بعض القطع النثرية تبدو السهولة في التعبير والمعنى بشكل واضح، ولا يجوز أن تكون هذه السهولة وحدها سببًا في الطعن في أصالة هذه النصوص، فليست السهولة متعارضة مع الأصالة الجاهلية، فكثير من النصوص الجاهلية شعرية ونثرية، سهلة الأسلوب، وهي مقطوع بصحتها وأصالتها، وفي القرآن الكريم يتجلى الأسلوب السهل الواضح في كثير من آياته، بل في كل سورة من سوره بأكملها.
وواضح جدا أن أصحاب النثر الجاهلي كانوا يعنون عناية ظاهرة بالألفاظ والعبارات فكانوا -على ما يبدو- يختارون ويدققون في الاختيار، ويظهر ذلك في القوة والجزالة،
(1/272)

والتنغيم الموسيقي الذي نراه في الجمل النثرية على اختلاف الأشكال والأساليب ففي جميع أنواع النثر الجاهلي نجد الرصانة والانسجام التام بين الكلمات والعبارات بعضها وبعض، كما تظهر الناحية الموسيقية ظهورًا تامًّا في كل جملة، حتى إن الجملة قد تصلح أن تكون شطر بيت من الشعر لما فيها من النغمات الموسيقية المنتظمة، وبخاصة في الحكم والأمثال، مثل: "وتحت الرغوة اللبن الصريح"، فهي شطر من الوافر.
وجاء في النثر الجاهلي نثر مرسل، ونثر مسجع، ويغلب النثر المرسل في خطب الصلح والمعاهدات، وأما النثر المسجع ففي المفاخرات والمنافرات وفي نثر الكهان، بل إنه التزم في هذا الأخير التزامًا فكان الكهان لا يقولون إلا سجعًا ولذلك أطلق على نثرهم "سجع الكهان" ويظهر أن الجاهليين كانوا يعجبون بالنثر المسجع، حتى إنه كان يجيء أحيانا في الجملة الواحدة، مثل "إذا فزع الفؤاد ذهب الرقاد" و "ليس من العدل سرعة العذل" و "رب قول أنفذ من صول" ولكنه على العموم كان سجعًا لطيفًا وجميلًا في موقعه مما يوحي بأنه طبيعي لا أثر للصنعة فيه، إلا في سجع الكهان، فالتكلف واضح فيه.
ويغلب في النثر الجاهلي الميل إلى الجمل القصيرة وبخاصة في الحكم والأمثال حتى إن الجملة قد تجيء مكونة من لفظتين فقط مثل "حر انتصف" و"سميعًا دعوت".
كما كان يتخلل نثرهم، وبخاصة الخطابة، أبيات شعرية، فتضفي على الكلام جمالًا، وروعة.
وفي النثر الجاهلي الوضوح والصراحة بحيث لا يحتاج إلى كد الذهن أو التعمق في الخيال، وليس هناك غموض إلا في سجع الكهان، وقد ذكرنا آنفًا أن الكهان كانوا يتعمدون الإبهام في سجعهم، فكانوا يقصدون إليه قصدًا.
وقد ورد في النثر بعض المحسنات البلاغية كالتشبيهات والاستعارات، والجناس؛ كما في "العدل" و"العذل" في "ليس من العدل سرعة العذل"؛ وكما في "قول" و"صول" في "رب قول أنفذ من صول".
ومن هذا كله يتبين أن النثر الجاهلي يمكن أن نعتمد عليه في تصوير الحياة واللغة العربية في العصر الجاهلي تصويرًا صادقًا، ومن أنواعه المختلفة يتضح أنه كان متنوع الأغراض متعدد الاتجاهات. وهو يدل دلالة واضحة على قوة الملاحظة، ودقة الإحساس، ورقة الشعور لدى أصحابه، ويتجلى فيه ذوقهم الفني بما تحقق لهم فيه من حسن التعبير وجمال التصوير.
(1/273)

الشعر الجاهلي
مدخل
*
...
الشعر الجاهلي
الشعر لغة العواطف، وترجمان الأحاسيس، ويعنى بإظهار الجمال، وتصويره في صور تسحر القلوب، وتثير الوجدان، وتبعث في النفس الإعجاب والارتياح. ولذلك عد من الآداب الرفيعة، واعتبر فنًّا من الفنون الجميلة.
وقد عرف العرب منذ أقدم عصورهم قيمة الشعر وأثره في النفس، وما له من شأن عظيم في تاريخ الأمم والشعوب، بإظهار مواهبها، وسمو عواطفها، ورقة مشاعرها وتخليد أمجادها ومفاخرها فقدروا الشعر حق قدره، وعظموا الشعراء وأكبروهم فكان للشاعر أعلى منزلة في قومه، وفي ذلك يقول ابن رشيق: "كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعون في الأعراس ويتباشر الرجال والولدان؛ لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم. وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ، أو فرس تنتج".
وإذا كان التاريخ لا يستطيع أن يخبرنا عن أول مخترع للكتابة، فكذلك لا يمكننا أن نعرف أول من قال الشعر، لكن المؤكد أن الإنسانية في طفولتها لا بد أنها قد عبرت عن إحساساتها ومشاعرها بنوع من الكلام يخالف ما تعبر به عن حاجاتها اليومية، ومشاغلها العادية، فكان ذلك -ولا شك- شعرًا، وهو -بطبيعة الحال- كان شعرًا بدائيًّا يتناسب مع الإنسان في ذلك الطور من أطوار سيره في سبيل التقدم نحو الترقي والمدنية والتهذيب. ولئن كانت المحاولات الشعرية الأولى قد ضاعت، فإنه يمكن أن يقال: إنه يغلب على الظن أنها كانت خالية من القيود، ومتحررة من أية التزامات في طريقة التعبير، وأساليب التصوير، ثم أخذت تتدرج وتتطور، شيئًا فشيئًا، شأنها شأن الإنسان، حتى انتهت إلى الصور التي نرى عليها الشعر الآن.
وإن كان لنا أن نتصور بدءًا للشعر العربي فربما ساغ لنا أن نقول: إن أول خطوة خطاها في سبيل الشعر الموزون المقفى كانت متمثلة في الأسجاع بين جملتين، ثم بين أكثر من جملتين وبعدها كان تساوي الفواصل في هذه الأسجاع، ثم أخذ المنشئ يخضع هذا التساوي بين
(1/274)

الفواصل شيئا فشيئًا لأقيسة التفاعيل، فتحقق له الوزن في البيت الواحد، مع اتحاد الحرف الأخير في الشطرين، ثم تلا ذلك التقيد بحرف القافية في الأعجاز، مع التحرر منه في الصدور، وعلى توالي الزمن تنوعت الأوزان وطالت القطع الشعرية، مع اتحاد القافية، ثم أخذت القطع تطول شيئًا فشيئًا حتى أصبحت قصائد.
ويقال: إن أقدم الأوزان الرجز؛ لأنه أبسطها، وفيه كل بيت ينفرد بقافية خاصة، ومما قيل في نشأة الأوزان، إنها في الأصل مأخوذة من توقيع سير الجمال في الصحراء، وتقطيعه يوافق وقع خطاها، فكانوا يقولون كلمات موزونة لسوق الإبل، وهو الحداء، ولكن إذا قيل ذلك في الحال عند العرب، فكيف يقال عن سواهم من الأمم ممن ليس لديهم إبل؟ ومن ثم يبدو أن الأقرب إلى الواقع والخيال، أن ذلك ربما كان مصدره الملاحظة الدقيقة لظواهر الحياة والحالات النفسية والمختلفة، فكثيرًا ما يرى الإنسان وما يفعل أشياء منتظمة الوقع، مرتبة المقاطع، ومتساوية الأجزاء، كما أنه كثيرًا ما يوقع أصواته توقيعًا موسيقيًّا متناسقًا، ولعل حركات الإبل كانت من بين الظواهر الكثيرة التي ساعدت العربي على التنظيم الموسيقي في الشعر فهناك بجانبها مثلًا: وقع أقدام الخيل، وحفيف الشجر، وصفير الرياح، وهديل الحمام، وتغريد الطيور، ثم العامل الأساسي، وهو ميل الإنسان بفطرته إلى سماع النغم الرتيب، واللحن الجميل، مما يشنف الآذان، ويشيع البهجة والنشوة في الجسم والروح، ولعل هذا هو السبب في ميل الإنسان بطبيعته إلى الغناء، ولذلك يرى بعض الباحثين أن الشعر والغناء من أصل واحد عند جميع الأمم، وأن الشعر وضع أولًا للتغني به، حتى إن اليونان والرومان يقولون: "غنى شعرًا" وليس "نظم شعرًا"، والعرب يقولون "أنشد شعرًا"، أي "غناء" ولا شك أن الإنشاد فيه لحن مطرب، ويقال: إن الرشيد كان يطرب للإنشاد أكثر مما يطرب للغناء، وعلى كل، فمما لا شك فيه أن الصلة وثيقة بين الشعر والغناء، ففي كل منهما لحن جميل، ومقاطع موسيقية منتظمة، وإذا غني الشعر كان أكثر جمالًا وأعذب سمعًا.
ومن طبيعة الشعر الوزن، وتتعدد أوزانه في كل أمة تبعًا لذوقها الفني في ذلك.
وإذا نظرنا في الأوزان التي وردت في الشعر الجاهلي الذي يعتبر أقدم ما بقي من الشعر العربي، نجد أنه جمع منها عددًا كبيرًا، وفي صور شتى، منها الطويل ومنها القصير، ومنها ما بين هذين، وعدد الأوزان التي استخرجها الخليل بن أحمد من الشعر الجاهلي، خمسة عشر وزنًا، أضاف إليها أبو الحسن الأخفش واحدًا آخر، وهذا العدد كبير إذا نحن قارناه بعدد
(1/275)

الأوزان الشعرية في الآداب الأخرى، ولا شك أن ذلك يدل على اتساع الذوق الفني والأفق الحسي عند العربي القديم، كما أنه يدل على أن الشعر العربي -في مرحلته التي انتهى بها إلى الحالة التي عليها الشعر الجاهلي- كان حتمًا قد استغرق زمنًا طويلًا مر خلاله بتجارب كثيرة، ومحاولات عديدة، استطاع فيها أن يتم ويكتمل، ويبني هذه الصور الموسيقية المختلفة، وهذا دليل آخر على أن الشعر العربي عريق، لا يقف عمر أقدمه على مائتي سنة قبل الإسلام، إنما هو موغل في الزمن، ومنحدر من أصول سحيقة في القدم.
(1/276)

نوع الشعر الجاهلي:
والشعر الجاهلي ليس فيه شيء من نوع الشعر القصصي Epic ولا الشعر التمثيلي Dramatic وإنما هو من النوع الغنائي Lyric فهو شعر غنائي يهتم بتصوير نفسية الشخص، وما يتصل به من وجدان وعاطفة، وصاحبه يتغنى بحبه وبغضه، وأمله وألمه، وغير ذلك من المشاعر المختلفة التي يحسها الإنسان، وعدم وجود الشعر القصصي أو الشعر التمثيلي بين الجاهليين العرب ليس فيه شيء عليهم من الناحية الفنية، وذلك لا يعني بحال نقصًا في شاعريتهم، أو غضًّا من مقدرتهم الأدبية لأن الشاعرية لا تقاس بالنوع فقط، إنما تقاس كذلك بالدرجة التي بلغتها الأمة في الناحية التي تهيأت لها، فيقال: أوصلت درجة الكمال فيها أم لا؟ وإذا لم تتهيأ لأمة من الأمم الظروف المناسبة لشيء من الأشياء، فلا ينبغي أن تحاسب عليه. والجاهليون لم توجد لهم الأسباب التي تدعو لقول الشعر القصصي أو الشعر التمثيلي، فلم يأت لهم فيهما شيء. وجاء شعرهم كله من النوع الغنائي. وقد بلغوا في هذا النوع درجة ممتازة، وذلك لعوامل كثيرة ساعدتهم على ذلك.
وأهم هذه العوامل: صفاء البيئة التي كان يعيش فيها العربي، مما جعله يحس الجمال الطبيعي، ثم الحرية التي كان يتمتع بها، وحبه لشخصيته، وتعصبه لقبيلته التي هي عماده وملاذه، والاستقلال الذي كانت تتمتع به البلاد، والحروب التي كانت تنشب بينهم، وما كان يتسبب عنها من آثار تلهب العواطف، وتثير المشاعر، هذا إلى ما كانت تتطلبه صِلاتهم ومجتمعاتهم الخاصة والعامة من رصين الشعر، والتنافس بين الأفراد والقبائل في ميادين الفصاحة والبيان، وما كان يقام من مباريات الشعر، ومجالس النقد، وما كان يناله الشعراء الممتازون من تقدير وتكريم.
(1/276)

كثرة الشعراء في العصر الجاهلي:
بسبب هذه العوامل التي مر ذكرها وجدت نهضة شعرية في العصر الجاهلي، فكثر الشعراء كثرة ظاهرة، حتى لم يستطع المؤرخون أن يحصوا جميع الشعراء، فقد فاقوا الحصر وكان في كل قبيلة شعراء، وكان عدد القبائل كثيرًا، كما رأينا في أنسابهم. وبطبيعة الحال لم تتساوَ القبائل في عدد الشعراء، فالناس لا يتساوون جميعًا في المواهب، والشاعرية موهبة يمنحها الله لمن شاء، ومن ثم، فقد كان هناك من القبائل من كثر فيهم الشعراء، ومنهم من كان حظه منهم قليلًا، كما أن الشعراء لا يتساوون في النتاج، كما لا يتساوى الناس في الأعمال والآثار، فمنهم من ذاع صيته، وعلا نجمه، ومنهم من لم يكن له حظ الذيوع والانتشار، وقد ادعت كل قبيلة أنها أكثر القبائل عددا في الشعراء، كما ادعت كل منها أن شعراءها أجود من غيرهم، ومن ثم حاول كثير من النقاد أن يقسموا هؤلاء الشعراء طبقات، وقد اختلف هؤلاء النقاد فيما بينهم على الأسس التي يقسمونهم عليها إلى طبقات، منهم من اتخذ الشهرة أساس التقسيم فراعى ذيوع الاسم، وانتشار الشعر، ومنهم من جعلها مبنية على أساس ما بقي من الشعر جملة، ومنهم من جعلها على أساس ما كان للشعراء من معانٍ وأساليب في طريقة التصوير الشعري؛ ومنهم من أسس التقسيم على الناحية الاجتماعية أو الغرض الشعري، أو الجهات التي كانوا ينزلونها، أو الديانة التي كانوا يعتنقونها، إلى غير ذلك من الاعتبارات التي رآها هؤلاء الدارسون صالحة لتقسيمهم طوائف تتميز كل منها عن الأخرى ببعض الأمور الخاصة حسب ما تبين لهم من دراساتهم.
وقد ذكر الأستاذ جورجي زيدان1 أنه وقف على تقسيم لشعراء الجاهلية استخرجه من كتاب طبقات الشعراء لإسكندر إيكاريوس المطبوع في بيروت، ولم يذكر الأساس الذي اعتمد عليه في هذا التقسيم. وقد أوردهم في جدول ذكر فيه بجانب كل شاعر اسم قبيلته وبلده وسنة وفاته على التقريب. ولفائدة هذا الجدول العلمية رأيت أن أورده بنصه، وهو ما يلي:
(1/277)

شعراء الطبقة الأولى
اسم الشاعر نسبه وطنه
امرؤ القيس الكندي كندي من أهل نجد
أمية بن أبي الصلت الثقفي من الطائف
بشر بن أبي خازم الأسدي من نجد
الحارث بن حلزة اليشكري من العراق
زهير بن أبي سلمى المزني من الحجاز
النابغة الذبياني الذبياني من نجد
طرفة بن العبد البكري من البحرين
عبيد بن الأبرص الأسدي من نجد
المهلهل: عدي بن ربيعة التغلبي من نجد
عدي بن زيد العبادي من الحيرة
عمرو بن كلثوم التغلبي من الجزيرة
عنترة بن شداد العبسي من نجد
لبيد بن ربيعة العامري من نجد
أعشى قيس البكري من اليمامة
شعراء الطبقة الثانية
أحيحة بن الجلاح الأوسي من أهل يثرب
أوس بن حجر التميمي من نجد
الأسود بن يعفر الدارمي من العراق
البراق بن روحان التميمي من نجد
تماضر بنت عمرو "الخنساء" السلمية من الحجاز
(1/278)

اسم الشاعر نسبه وطنه
تميم بن أبي مقبل العامري من أهل نجد
تأبط شرًّا الفهمي من تهامة
الشنفرى الأزدي من اليمن
الحطيئة العبسي من نجد
المتلمس الضبعي من البحرين
حاتم الطائي من نجد
الحارث بن عباد البكري من العراق
حسان بن ثابت الأنصاري من يثرب
أبو دؤاد الأيادي من العراق
خداش بن زهير العامري من نجد
خفاف بن ندبة السلمي من الحجاز
خويلد بن خالد الهذلي من الحجاز
دريد بن الصمة الجشمي من نجد
الربيع بن زياد العبسي من نجد
المرقش الأصغر الضبعي من نجد
المخبل ربيعة بن مالك التميمي من نجد
ربيعة بن مقروم السعدي من نجد
السموءل بن غريض اليهودي من الحجاز
سلامة بن جندل التميمي من نجد
أبو قيس بن الأسلت الأوسي من أهل يثرب
عامر بن حليس التميمي من نجد
عبد الله بن رواحة الأوسي من يثرب
النابغة الجعدي العامري من نجد
عروة الصعاليك العبسي من نجد
عمرو بن أحمد الباهلي من اليمامة
(1/279)

اسم الشاعر نسبه وطنه
عمر بن الأهتم التميمي من أهل نجد
عمرو بن قميئة البكري من العراق
قيس بن الخطيم الأوسي من يثرب
كعب بن زهير المزني من الحجاز
متمم بن نويرة اليربوعي من نجد
المتنخل بن عويمر الهذلي من الحجاز
المثقب العبدي العبدي من العراق
المسيب بن علس البكري من العراق
الشماخ بن ضرار السعدي من نجد
معن بن أوس المزني من تهامة
المنخل بن الحارث اليشكري من العراق
شعراء الطبقة الثالثة
أمية بن الأسكر البكري من العراق
إياس بن الأسكر الطائي من الحجاز
حاجز بن عوف الأزدي من نجد
الحارث بن ظالم المري من نجد
سليك بن السلكة السعدي من نجد
زهير بن جناب الكلبي من نجد
زيد الخيل النبهاني من نجد
الممزق العبدي العبدي من اليمامة
الفند الزماني الزماني من نجد
عامر بن الطفيل العامري من نجد
العباس بن مرداس السلمي من الحجاز
(1/280)

اسم الشاعر نسبه وطنه
عبد الله بن العجلان النهدي من أهل اليمن
عمرو بن معدي كرب الزبيدي من اليمن
قيس بن زهير العيسي من نجد
لقيط بن زرارة الدارمي من نجد
مالك بن نويرة اليربوعي من نجد
المستوغر بن ربيعة السعدي من نجد
يزيد بن ورقاء اليربوعي من نجد
وفي صفحة 88 من كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية جـ1" قسم الأستاذ جورجي زيدان الشعراء الجاهليين من حيث أغراضهم ومراتبهم إلى 13 طبقة. وهذه الطبقات هي "مع عدد الشعراء من كل طبقة":
(1/281)

عدد الشعراء
10 أصحاب المعلقات
14 الشعراء الأمراء
28 الشعراء الفرسان
4 الشعراء الحكماء
8 الشعراء العشاق
7 الشعراء الصعاليك
4 الشعراء اليهود
1 الشعراء المغنون
4 النساء الشواعر
4 الهجاءون
4 الوصافون للخيل
1 الموالي
36 سائر الشعراء
__________
125 الجملة
(1/281)

وذكر الأستاذ جورجي زيدان ص113 وما بعدها من:
(1/282)

الشعراء الأمراء:
1- الأفوه الأودي من مذحج.
2- المهلهل "أخو كلب" من تغلب وهو خال امرئ القيس.
3- عبد يغوث "من بني الحارث بن كعب بن كهلان".
4- زهير بن جناب الكلبي "من قضاعة".
5- عامر بن الطفيل العامري "ابن عم لبيد الشاعر".
6- أبو قيس بن الأسلت "من الأوس".
7- الحصين بن الحمام "من بني سهم بن مرة من قيس".
8- قيس بن عاصم "من تميم".
9- الأخنس بن شهاب "من سادات تغلب".
10- دريد بن الصمة "من هوازن" سيد جشم.
(1/282)

ومن الشعراء الفرسان:
1- حاتم الطائي "من طيئ" وهو من أجواد العرب وله أخبار في السخاء مشهورة.
2- زيد الخيل من طيئ وسمي بذلك لكثرة خيله، وكان رجلًا جسيمًا طويلًا فارسًا مغوارًا.
3- سلامة بن جندل "من تميم".
4- علقمة الفحل "من تميم" وكان معاصرًا لامرئ القيس.
5- عمرو بن معد يكرب "من مذحج" من فرسان اليمن.
6- قيس بن الخطيم "من الأوس".
7- أحيحة بن الجلاح "من الأوس".
8- جحدر بن ضبيعة "من بكر بن وائل".
9- أفنون "من تغلب".
10- جابر بن حني "من تغلب".
(1/282)

ومن الشعراء الحكماء: ص 126 جـ 1
1- أميةَ بن أبي الصلت "ثقيف".
2- زيد بن عمرو "من قريش".
3- ورقة بن نوفل "من قريش".
4- قس بن ساعدة "إياد".
(1/283)

ومن العشاق:
عنترة عشق عبلة. والمخبل السعدي عشق الميلاء، وحاتم الطائي عشق ماوية، والنمر بن تولب عشق ممزة، وسحيم بن الحسحاس عشق عميرة.
(1/283)

ومن أشهر المتيمين:
1- المرقش الأكبر "من بكر" عشق ابنه عمه أسماء.
2- عبد الله بن عجلان "من قضاعة" كان له زوجة يقال لها هند؛ طلقها لأنها لم تلد فتزوجها غيره، ثم ندم على ذلك ومات أسفًا عليها.
3- عروة بن حزام شعره في عفراء بنت عمه.
(1/283)

ومن الشعراء الصعاليك:
1- الشنفرى من الأزد: وهو من العدائين الذين لا تلحقهم الخيل.
2- تأبط شرًّا: ثابت بن جابر "من فهم من قيس" كان أشد العرب سمعًا وأحدهم بصرًا، وكان أعدى رجل ينظر إلى الظباء ثم يعدو خلفها فلا تفوته.
3- السليك بن السلكة: "من تميم" أمه أمة سوداء، ويعده المفضل من أشد رجال العرب، وكان أدل الناس بالأرض، وأعلمهم بمسالكها.
4- عروة بن الورد "من عبس" وكان يلقب عروة الصعاليك؛ لأنه كان رئيسًا عليهم.
(1/284)

ومن الشعراء اليهود:
1- السموءل بن غريض بن عادياء وهو صاحب حصن الأبلق بتيماء ويضرب المثل بوفائه.
(1/284)

ومن النساء الشواعر: "ص137 جـ1 جورجي زيدان":
1- الخنساء: تماضر بنت عمرو بن الشريد "من سليم بن قيس".
2- خرنق بنت بدر بن هفان "أخت طرفة لأمه".
3- ليلى العفيفة بنت لكيز بن ربيعة.
4- جليلة بنت مرة: أخت جساس الشيباني قاتل كليب، وكانت زوجة كليب.
(1/284)

ومن الشعراء الهجائين:
1- الحطئية: جرول بن أوس "من عبس" مخضرم أدرك بني أمية.
2- حسان بن ثابت "من الخزرج".
3- عبد الله بن الزبعرى.
4- كعب بن الأشرف اليهودي.
(1/284)

ومن الشعراء الوصافين للخيل:
1- أبو دؤاد الإيادي.
2- الطفيل الغنوي.
3- النابغة الجعدي "من جعدة من قيس".
4- الشماخ بن ضرار "ذبيان" وصاف للحمير.
(1/285)

ومن الشعراء الموالي:
1- عبد بني الحسحاس وهو حبشي واسمه سهم، اشتراه بنو الحسحاس، وهم بطن من أسد وأراد صاحبه أن يبيعه لعثمان بن عفان، فقال: لا حاجة لي به إذ الشاعر لا حريم له إن شبع تشبب بنساء أهله وإن جاع هجاهم.
(1/285)

ومن سائر الشعراء الجاهليين:
1- ابن الدمينة "أحمد بن عامر من خثعم" وأمه الدمينة من سلول.
2- أوس بن حجر "من تميم".
3- المتلمس "وهو جرير بن عبد المسيح من ضبيعة بن ربيعة" وهو خال طرفة.
4- المثقب العبدي.
5- المخبل اليشكري "من بكر".
6- كعب بن زهير بن أبي سلمى.
7- معن بن أوس "من مزينة. مضر".
8- الأسود بن يعفر "من تميم".
9- ربيعة بن مقروم "من ضبة".
10- عدي بن زيد العبادي "من تميم".
11- عمرو بن شأس "من أسد".
12- عمرو بن قميئة "من ربيعة".
13- لقيط بن يعمر الإيادي.
(1/285)

14- المتنخل "من هذيل".
15- المخبل السعدي "من تميم".
16- الممزق العبدي.
17- النمر بن تولب.
18- هدبة بن الخشرم.
19- يزيد بن عبد المدان.
ومع هذه الأسماء الكثيرة للشعراء الذين ورد ذكرهم في الطبقات والدراسات التي ذكرت آنفًا، فإن هناك عددًا ضخمًا سواهم خلدهم الباحثون في مختاراتهم ودراساتهم، من أمثال أصحاب دواوين الحماسة، وعلى رأسهم أبو تمام، وأصحاب المختارات وعلى رأسهم المفضل والأصمعي، وأصحاب معاجم الشعراء ومن أشهرهم المرزباني.
(1/286)

بناء القصيدة الجاهلية والوحدة فيها:
كان الشاعر الجاهلي يبدأ قصيدته -إذا كانت تتضمن أفكارًا كثيرة متعددة- بافتتاحية يجعلها مقدمة لما سيأتي بعدها، وكان أكثر هذه الافتتاحات دورانًا على ألسنة الشعراء الحديث عن الأطلال وارتحال الحبيبة وأثرهما في نفس الشاعر، وسنتحدث عن ذلك إن شاء الله عند الكلام عن بدء المعلقات.
وكان من بين الافتتاحيات: الحديث عن الصبا والشباب، والشيب، والخمر، والطيف، ثم الحديث عن ذكريات الحبيبة وجمالها، ومحاولة التسلي عنها، وبعد ذلك تتوالى الأفكار حسب ما يراه الشاعر، وسيتبين بمشيئة الله تعالى من تحليل بعض القصائد الطوال، أن الشاعر الجاهلي كان يحاول أن يعرض أفكاره في تسلسل منطقي، كل فكرة ترتبط بسابقتها برباط عقلي، ظاهر أو خفي، حتى الافتتاحية التي كان الشاعر يبدأ بها قصيدته كان يأتي بها مناسبة للفكرة الأساسية في القصيدة، والشعور العام الذي استولى عليه فيها.
ومن أهم ما يمتاز به الشعر العربي اتحاد الوزن والقافية في جميع أبيات القصيدة الواحدة إلى آخرها، مهما كان طولها، كما تمسك العربي في شعره بوحدة البيت الواحد، وضرورة تمامه بنفسه، وأنه يجب ألا يكون معناه التام متوقفًا على شيء في بيت سابق أو بيت لاحق.
(1/286)

وقد ظن قوم أن التزام الوزن والقافية في القصيدة الواحدة إنما هو تشدد من المتزمتين لا مبرر له، يكبل الناشئين من الأدباء، ويقف حجر عثرة في سبيل انطلاقهم بحرية مطلقة نحو الإبداع الفني الذي يتطلبه طموحهم.
والإنصاف يقتضي من أصحاب هذا الظن أن ينظروا إلى هذا نظرة موضوعية عميقة، لا نظرة شخصية ضحلة، فالشعر عمل فني رائع، مثله كمثل أي تخصص علمي أو فني يتطلب مؤهلات عليا وكفاءات ممتازة. والوصول إلى ذلك يحتاج إلى كفاح طويل وعمل متواصل والطريق إلى القمة دائمًا على درجات، يصعدها المتطلع إلى العلا واحدة تلو الأخرى، ولا يمكن أن يحدث ذلك طفرة واحدة. فعلى الطَّمُوح إلى المعالي أن يصعد إليها السلم درجة درجة، وفي كل منها يستجمع من القوة ما يؤهله للصعود إلى أعلى حتى يصل إلى القمة، ويحتل المركز الذي يليق بما بذل من جهد وكفاح، أما من يحاول أن يقفز إلى ما ليس أهلًا له، فلن يتحقق له ما يريد فالوضع الصحيح لكل إنسان يجب أن يكون مناسبًا لقدرته وكفاءته.
فطريق الشعر طويل وشاق يحتاج إلى موهبة وكفاءات ومؤهلات، والشعراء يختلفون في الجودة والمكانة، وبعضهم يجعل الشعراء أربعة أنواع:
1- شاعر خنذيذ وهو الذي يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره.
2- شاعر مفلق وهو الذي لا رواية له، لكنه مجيد.
3- شاعر فقط وهو فوق الرديء بدرجة.
4- شعرور وهو لا شيء.
ومن أطراف ما قيل في ذلك شعرًا:
الشعراء فاعلمنّ أربعة ... فشاعر يجري ولا يجرى معه
وشاعر يخوض وسط المعمعة ... وشاعر لا تشتهي أن تسمعه
وشاعر لا تستحي أن تصفعه2
__________
2 تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان جـ1 ص67 مطبعة الهلال.
(1/287)

وقد ذكر بعض المستشرقين أن اتحاد القافية في القصيدة في الشعر العربي، نشأ عن الحاجة إلى إعانة الذاكرة في عصر كان لا يعتمد في حفظ الأشياء فيه إلا على الذاكرة. كما أرجعوا إلى السبب نفسه تمسك العربي بوحدة البيت الواحد، وضرورة تمامه بنفسه.
ولا شك أن وحدة الوزن والقافية في القصيدة الواحدة، تساعد الذاكرة على تلقيها بسرعة وسهولة، كما تعمل على بقائها فيها مدة أطول، وعلى ترديدها وقت الحاجة في يسر وتتابع.
كما أنه لا ريب في أن وحدة الوزن والقافية في القصيدة الواحدة، وبخاصة إذا كانت طويلة تدل على اتساع الأفق اللغوي، وامتلاك زمام البيان، ودقة الحس الفني، وقوة النفس الشعري لدى الشاعر، وأعتقد أن العرب في تمسكهم بوحدة الوزن والقافية والبيت في شعرهم، كانوا يقصدون السمو بالشعر، والاحتفاظ له بدرجة عليا، بحيث لا يصل إليها إلا من توافرت فيه مؤهلات خاصة، وكفاءات فنية ممتازة، بحيث يكون قادرًا على التزام وحدة الوزن والقافية والبيت، مهما كان طولها، وواضح أن هذا يتطلب ثروة لغوية هائلة، وثقافة أدبية واسعة، ومقدرة فائقة على التنويع والتطوير في التعبير والتصوير.
لكن وحدة البيت الواحد في القصيدة التي تعني استقلاله استقلالًا تامًّا في تركيبه وبنائه عن سابقه وعن لاحقه، ليست مما يعين الذاكرة على حفظ القصيدة بأكملها. بل إن ذلك ربما كان سببًا في حدوث شيء من الخلط في نظام القصيدة ومواضع الأبيات فيها، مما يظهر القصيدة في بعض الأحيان مختلطة مضطربة في الترتيب والنظام، ومن المعلوم، أنه كلما تماسكت أجزاء القصيدة بتشابك كل بيت فيما قبله وفيما بعده بأي نوع من أنواع الترابط، كانت أشد بناءً وأحكم نسجًا، فتجيء القصيدة كلًا واحدًا كالسلسلة الواحدة المتصلة الحلقات، المتينة الأحكام، فتتحقق فيها الوحدة الكاملة. وذلك يجعل القصيدة أسهل حفظًا، وأسرع علوقًا بالذهن، وأكثر بقاء في الذاكرة. وأيسر تذكرًا، وأكمل إلقاء، وأضبط رواية. وهذا الترابط الوثيق بين أبيات القصيدة، وبخاصة إذا كانت طويلة له الفضل الأكبر في حفظها تامة وروايتها كاملة. فحينما تجيء القصيدة مترابطة الأبيات في جميع أجزائها، تأتي كأنها قصة تسوق كل جزئية من الراوي أو القارئ أو السامع إلى ما يليها، كأنما ينتقل إليها من تلقاء نفسه بدون شعور بأدنى عسر أو مشقة.
وإذا وجد اضطراب في ترتيب بعض الأبيات في قصيدة جيدة، فأغلب الظن أن ذلك
(1/288)

حدث من الرواة الذين يعتمدون على الذاكرة فهي عرضة للخلط والنسيان بسبب كثرة المحفوظ فيها.
ومن المستبعد أن يكون هذا الاضطراب من الشاعر صاحبها، فالقصيدة الرائعة لابد أن يكون مؤلفها بارعًا ممتازًا، والشعراء الممتازون دائمًا أصحاب عقول ناضجة، وأذواق فنية مرهفة، تجعل تفكيرهم مرتبطًا منظمًا، لهذا لابد أن يجيء تعبيرهم متقنًا محكمًا في تسلسل منطقي دقيق.
وبسبب هذا تعرضت القصيدة الجاهلية للقيل والقال، من حيث وجود الوحدة فيها وعدمها، وأثارت هذه القضية جدلًا كثيرًا بين النقاد والباحثين.
لهذا رأينا أن نعرض بالتحليل والدراسة بعض القصائد الجاهلية الطوال المشهورة، لنتبين مدى مقدرة الشاعر الجاهلي الفنية في عرض أفكاره متصلة الحلقات في تسلسل فكري محكم. راجين أن يكن نصب أعيننا دائمًا حقيقتان هامتان، الأولى: أن الشعراء في الجاهلية، وبخاصة الممتازون المشهورون، كانوا يعدون من قمم الطبقات المثقفة في العقل والتفكير، والتعبير والتصوير. والثانية: أن من أهم نواحي البلاغة في اللغة العربية الإيجاز بالحذف اعتمادًا على فطنة القارئ وذكائه.
وهذه القصائد هي المعلقات السبع، واخترناها لشهرتها وللوثوق من أصالتها، وفيما يلي عرض لكل منها على حدة، ثم تعليق ودراسة لها.
(1/289)

1- معلقة امرئ القيس
عدد أبياتها 78 بيتًا، موزعة فيما يلي:
9: في ذكرى الحبيبة.
21: في بعض مواقف له.
13: في وصف الجمال الجسمي للمرأة.
5: في وصف الليل.
18: في وصف الفرس والبقر الوحشي ورحلة الصيد.
12: في السحاب والبرق والمطر وآثاره.
بدأ امرؤ القيس معلقته بالحديث عن ذكريات الحبيبة حينما رأى ما آلت إليه ديارها بعد أن هجرتها، فقد درست آثارها وعفت معالمها، وأصبحت موطنًا للحيوانات، تعيش فيها آمنة مطمئنة، وخيمت عليها الوحشة والرهبة، فأثار ذلك مشاعره، وحرك عواطفه، فطلب من رفيقيه أن يتوقفا معه عن السير ليسترجع ما فات من ذكريات، ويذرف الدمع حزنًا على ما مضى، وتخفيفًا مما يجد، ووفاء بحق هذه الديار:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
وهنا عادت به الذاكرة إلى تلك اللحظة القاسية التي بدأت فيها أحزانه، وذلك حين رأى موكب الحبيبة في صباح مبكر يبدأ رحلة الفراق، وظل هو وحيدًا بين شجيرات ذات أشواك وقد تملكه الحزن والألم، وعلاه الهم والغم، وظهر عليه القلق والاضطراب، وأخذ الدمع ينهمر مدرارًا من عينيه حتى بلّ صدره ومحمله، والبكاء يشفي الإنسان أحيانًا، فما يريقه من عبرات كأنما يغسل آثار الحزن من نفسه، ولكن هل يجدي البكاء عند آثار بالية؟ هل يرجع ما كان من أنس وبهجة؟
(1/290)

وإن شفائي عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معول
ثم انطلق في عالم ذكرياته فاسترجع ما كان له من متع ولذات، فأخذ خياله يصور ما يجول بخاطره من مواقف اللهو والمرح، ثم صور ملكة الجمال في نظره، فقال:
مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل
كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل
تصد وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل
وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل
وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل
غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل المداري في مثنى ومرسل
وكشح لطيف كالجديل مخصر ... وساق كأنبوب السقي المذلل
وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسي راهب متبتل
إلى مثلها يرنو الحليم صبابة ... إذا ما اسبكرت بين درع ومجول
(1/291)

وهذه الذكريات تثير الهموم، وما أشد الهموم في الليل، وما أقسى الليل على المهموم، إنه يقض مضجعه ويطير النوم من عينيه، ويلفه في ظلام حالك ويأخذه في دوامة تقلبه هنا وهناك لا يعرف أين هو، ولا كيف يسير، ولا ماذا يفعل، ويلقي عليه بأحماله وأثقاله حتى ليكاد يزهق أنفاسه، ويطول كأنه لا ينتهي، ويقف كأنه لا يتحرك، يتمنى أن يسفر الصبح، ولكن ماذا يفيد الإصباح ذا القلب الحزين:
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح، وما الإصباح منك بأمثل
فالهم في الصبح لا يزال، والحزن كما هو فماذا يفعل؟ إنه لا حيلة له إلا أن يترك هذا المكان في أقرب وقت، وبأقصى سرعة، فينهض منتفضًا، ويسبق الطيور قبل أن تغادر أماكن مبيتها، ويغدو ممتطيًا صهوة جواده في رياضة ممتعة، محببة إلى النفس فيمضي في رحلة جميلة للصيد، وفي هذا الجانب من معرض الشاعر نرى لوحات فنية رائعة: الحصان الجواد الكريم، القوي النشيط السريع، الضخم الجسم، المدرب على الكر والفر والإقبال والإدبار، كميت اللون ناعم الجسم، ضامر الخصر، قصير الساق، طويل وظيف الرجل والذراع، وظهره أملس مستوٍ ينزلق عنه اللبد، وذنبه سابغ قصير العسيب، في جريه تتابع وسهولة واتزان، وسرعته تشل حركة الوحوش، ويقذف براكبه الخفيف ويطيره في الهواء، ويمزق ثياب الثقيل المتشبث بظهره، لشدة ما يثيره من ريح عاتية، واندفاعه عنيف خاطف:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
(1/292)

كأن سراته لدى البيت قائمًا ... مداك عروس أو صلاية حنظل
مسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن الغبار بالكديد المركل
يطير الغلام الخف عن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثقل
ويقترب الحصان من ميدان الصيد، فيظهر سرب من البقر الوحشي، بيض الظهور سود القوائم، يدور بعضه حول بعض، وما كاد السرب يلمحه من بعيد حتى ولى هاربًا بأقصى سرعة، ولكن الحصان اندفع في سرعة خاطفة حتى سد الطريق على أوله، فوقف الجميع لا يتحرك:
فَعَنَّ لَنَا سِرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَه ... عَذَارَى دَوَارٍ في مُلَاء مُذَيَّلِ
فَأَدْبَرْنَ كَالْجِزْعِ المُفَصَّل بينَه ... بجِيدِ مُعَمٍّ في العشيرة مُخْوِلِ
فَأَلْحَقَنَا بالهاديات ودُونَهُ ... جَوَاحِرُهَا فِي صَرَّةٍ لم تزَيَّلِ
فَعَادَى عِدَاءً بينَ ثَوْرٍ ونَعْجَةٍ ... دِرَاكًا ولمْ يُنْضَحْ بماءٍ فَيُغْسَلِ
كأن دِمَاءَ الهاديات بنَحْرِهِ ... عُصَارَةُ حِنَّاءٍ بشَيْبٍ مُرَجَّلِ
وهنا بدأت معركة الحصان مع البقر الوحشي، فأخذ الحصان يصول ويجول، ويضرب الذكور والإناث حتى صرع الكثير منهن، بدون أن يظهر عليه أي أثر للتعب أو الجهد، فلم تخرج منه قطرة عرق، وخضب صدره بدماء المتقدمات من القطيع:
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... داراكًا ولم ينضح بماء فيغسل
(1/293)

ثم أعد مكان الراحة والاستجمام، وجمع الخدم الصيد، وأخذ الطهاة يعدون الطعام وجلس الصياد يرمق حصانه فرحًا وإعجابًا، ويصعد فيه عينيه استحسانًا، وقد انتصب الحصان يفيض قوة ونشاطًا، إلى أن جاءت الموائد وعليها ما لذ وطاب من أنواع اللحم، الصفيف المشوي والمطبوخ المغلي:
فظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه ... متى ما ترق العين فيه تسهل
ويقفل راجعًا من رحلته الممتعة، وفي أثناء عودته يكفهر الجو، وتتجمع السحب، وتتلبد الغيوم، فانتحى هو وصحبه جانبًا، وقعدوا في مكان يحميهم مما يتوقع من مطر غزير، وأخذوا يتتبعون الحال، سحب تتراكم، ويتلاطم بعضها ببعض فيحدث رعد عنيف يملأ الجنبات ويلمح البرق خاطفًا فيضيء جميع الجهات، ثم يهطل المطر منهمرًا كأفواه القرب، فيملأ البطاح والأودية ويعلو الجبال والهضاب، ويعظم الفيضان، فينساب سيلًا عنيفًا، يقتلع الأشجار، ويجتث البيوت والآطام، ويجرف كل ما في سبيله من حيوان ونبات وجماد، وكان ذلك خليطًا هائلًا متنوعًا، ظهر حينما ترسب فوق المنخفضات والمترفعات بعد أن أقلعت السماء وغيض الماء:
أصاح ترى برقًا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل
يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أهان السليط بالذبال المفتل
قعدت له وصحبتي بين ضارج ... وبين العذيب بعد ما متأمل
فأضحى يسح الماء من كل فيفة ... يكب على الأذقان دوح الكنهبل
ومر على القنان من نفيانه ... فأنزل منه العصم من كل منزل
(1/294)

وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أطمًا إلا مشيدًا بجندل
كأن ثبيرًا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل
كأن ذرا رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغشاء فلكة مغزل
كأن السباع فيه غرقى عشية ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل
ويعقب المطر عبق عطري جميل، يملأ البقاع، ويفوح أريجه، ويتضوع شذاه فتشدو له الطيور وتخرج من أوكارها فرحة منتشية، كأنما ثملت من الخمر، وتغمرها البهجة والمتعة، ثم تظهر آثار المطر في الأرض، فتحيا وتهتز وتربو، ويكسوها بساط سندسي جميل فيه الأشجار والأزهار مختلفة الأنواع والألوان:
وألقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزول اليماني ذي العياب المحمل
كأن مكاكي الجواء غدية ... صبحن سلافًا من رحيق مفلفل
هذه معلقة امرئ القيس التي يمكن أن يقال عنها: إنها لوحات فنية تصور أمثلة من مظاهر الجمال في بعض الكائنات.
(1/295)

2- معلقة طرفة بن العبد
مجموع أبياتها 105 موزعة فيما يلي:
2: في الأطلال
3: في موكب الارتحال
5: في وصف الحبيبة
33: في الناقة
39: في الفخر الشخصي.
4: في المسرف والممسك.
7: في الموت والأيام.
12: في موقف ابن عمه منه.
ومن بين هذا حكم تنتثر هنا وهناك في مناسباتها.
بدأ طرفة معلقته بذكر الأطلال ووقوفه بها هو أصحابه، فظهر عليه الأسى، حتى كاد يهلك:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقوفًا بها صحبي عليّ مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد
ثم عاد بذكرياته إلى الماضي، فاسترجع ساعة الفراق وعرض موكب الارتحال وضخامته وسيره السريع يشق الوديان والجبال غير مبالٍ بما يصادفه من عوائق أو عقبات:
كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد
وكانت فيه حبيبته الرشيقة، ذات الشعر المنسدل والشفاه الشديدة الحمرة، وقد نشأت في نعمة ورعاية، وبسمتها تفتر عن لثات ناضرات، وأسنان ناصعة البياض شديدة البريق واللمعان، ووجهها ناضر صافٍ نقي، يشع جمالًا ودفئًا، ويخطف البصر كأنه قرص الشمس:
(1/296)

وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن ... مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد
خذول تراعي ربربًا بخميلة ... تناول أطراف البرير وترتدي
وتبسم عن ألمى كأن منورًا ... تخلل حر الرمل دعص له ند
سقته إياة الشمس إلا لثاته ... أسف -ولم تكدم عليه- بإثمد
ووجه كأن الشمس حلت رداءها ... عليه نقي اللون لم يتخدد
وهنا يحس أن الهم قد تملكه، وأظلم عليه المكان، وضاق الأفق حوله، فلم يجد بدًّا من اللجوء إلى مسلية همومه، تلك هي ناقته، فأخذ يصورها، وكأنما يريد أن يجسمها فتتبعها جزئية جزئية بكل صغيرة وكبيرة من رأسها إلى أرجلها، حتى ذنبها، والشعرات التي تحت لحييها، فتبدو في تصويره: ناقة ضخمة، جسمها قوي محكم البنيان، مفتول العضلات وجمجمتها صلبة شديدة الالتئام، وعنقها طويل مشرف يرتفع إذا سارت، وخدها أبيض مشرق خال من الشعر نقي، ومشفرها طويل جميل الشكل، وعيناها صافيتان لامعتان حادتا النظر نقيتان، وأذناها فيهما حسن ونقاء، تدلان على العتق والكرم، حادتا السمع حتى للصوت الخفي، ومشفرها الأعلى لين مشقوق مما يلي الأنف الذي إذا أومأت به إلى الأرض ازدادت سيرًا، وما تحت لحييها من الشعر أبيض مشوب بحمرة، وظهرها متين محكم، وفقاره قوية متراصة متدانٍ بعضها من بعض، وباطن عنقها شديد محكم، وأطراف أظلافها مقوسة، ويداها مفتولتان بعيدتان عن كركرتها، وفخذاها قد اكتنز لحمهما وفيهما طول ونعومة، وأميلت عضدها نحو جنبين، كأنهما سقف أحكم وضع لبناته، وقلبها حديد، شديد الارتياع، قوي النبض، خفيف، ومجتمع كأنه كتلة من صخر، وذنبها قوي فيه شعر غليظ متين، تدافع به عن نفسها وتحركه دائمًا في نشاط وقوة، فتارة تضرب به خلف الزميل، وتارة تضرب به ضرعها البالي الخالي من اللبن، ولا تترك حبال الرحل في جسمها آثارًا إلا كما يترك وراد الماء آثار سيرهم في صخرة ملساء.
كما تحدث الشاعر عن غذائها وسيرها وجريها ونشاطها وذكائها: فقد ربيت على أحسن الغذاء، وهي معتادة الغدو والرواح. وسريعة السير وراكبها آمن، فإذا ما سلكت طريقًا فيه آثار السير، انطلقت كأنها في سباق مع إبل بيض كرام سراع، وكتفاها تتبعان يديها في سهولة ويسر، وحينما تجري تميل على أحد شقيها في تدفق لفرط نشاطها وهي طوع إرادة صاحبها إن
(1/297)

شاء أسرعت وإن شاء لم تسرع، وتلبي صوت راعيها، وأحيانا تتبختر في مشيها تبختر الأمة أمام سيدها، حين تجر أذيالها وتهز أعطافها.
ثم ختم حديثه عن الناقة بأنه عليها يخترق المسالك الوعرة ويجوب المغاور المهلكة لأنه هو الفتى المرجى عند الشدائد، فكان ذلك افتتاحية للحديث عن نفسه في فخر شخصي:
على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك منها وأفتدي
وجاشت إليه النفس خوفًا وخاله ... مصابًا ولو أمسى على غير مرصد
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
وهنا تحدث عن نفسه بما يصوره شخصًا كريم الأخلاق، ذا مكانة اجتماعية ممتازة، وبطلًا شهمًا ذائع الصيت: فهو لا يحل في بيت متوارٍ من الناس حتى لا يعرفه ابن السبيل ولا الضيف، وهو من بين ذوي الرأي في المجتمعات، وبين الشاربين في الحوانيت، وإن افتخر الناس فهو في ذروة المجد، نداماه من علية القوم، يسرف في الإنفاق والإتلاف حتى غضبت منه العشيرة، ويقصده الفقراء والأغنياء؛ الأولون لأنه يعطيهم، والأغنياء لمكانته وجلالته.
ولا يستمع لمن يلومه على دخوله الحرب والتمتع باللذات لأنه لا ضمان للخلود، وهنا يذكر رأيه في الحياة وهو رأي جاهلي لا يؤمن بالحياة الآخرة، فيرى أن الحياة تنتهي بالموت وخير للإنسان أن يغتنم فرصة حياته ليمتع نفسه بما يستطيع منها ولا يحرص على المال فلن يفيده شيئًا، ولن يتميز قبر الممسك عن قبر المتلف، فكلاهما كومة من تراب وحجارة، فمما يقوله:
ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد
وإن تبغني في حلقة القوم تلقني ... وإن تقتنصني في الحوانيت تصطد
وإن يلتق الحي الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الرفيع المصمد
وما زال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد
رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممد
ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي
(1/298)

فذرني أروي هامتي في حياتها ... مخافة شرب في الحياة مصرد
كريم يروي نفسه في حياته ... ستعلم إن متنا غدًا أينا الصدي
أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد
ترى جثوتين من تراب عليهما ... صفائح صم من صفيح منضد
وهنا يتحدث عن الموت والإنسان وعمره، فيقول:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد
أرى الدهر كنزًا ناقصًا كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر ينفد
أرى الموت أعداد النفوس ولا أرى ... بعيدًا غدًا ما أقرب اليوم من غد
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد
متى ما يشأ يومًا يقده لحتفه ... ومن يك في حبل المنية ينقد
ثم يذكر أمانيه في الحياة ومتعته منها، كأنه يرى من صفاته التي يخلعها على نفسه أنه شخص كريم سمح الأخلاق يريد أن يعيش أيامه في سلام وأمن ومتعة، يحب الناس ويحبونه، ويألفهم ويألفونه، وهنا يتعجب من سلوك الظالمين والمعتدين والوشاة والمفسدين، وبخاصة إذا كانوا من الأقارب الذين يجب أن يكونوا عونًا وسندًا، وملجأ وأمنًا، فسلوكهم المعيب بعضهم مع بعض مؤلم أشد الألم، واعتداء أحدهم على الآخر شديد المرارة وأنكى من ضرب السيوف، ولهذا يحز في نفسه أن يكون له ابن عم يسير إليه، ويعتدي عليه مع أنه لا يستحق ذلك فيقول:
فمالي أراني وابن عمي مالكًا ... متى أدن منه ينأَ عني ويبعد
يلوم وما أدري علام يلومني ... كما لامني في الحي قرط بن أعبد
وأيأسني من كل خير طلبته ... كأنا وضعناه إلى رمس ملحد
على غير ذنب قلته غير أنني ... نشدت فلم أغفل حمولة معبد
وقربت بالقربى وجدك إنني ... متى يك أمر للنكيثة أشهد
وإن أدع للجلى أكن من حماتها ... وإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد
وإن يقذفوا بالقذع عرضك أسقهم ... بكأس حياض الموت قبل التهدد
(1/299)

فلو كان مولاي امرأً هو غيره ... لفرج كربي أو لأنظرني غدى
ولكن مولاي امرؤ هو خانقي ... على الشكر والتسآل أو أنا مفتدي
بلا حدث أحدثته وكمحدث ... هجائي وقذفي بالشكاة ومطردي
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند
وهنا استشاط غضبًا، وثارت حميته لهذا السلوك الذي يتنافى مع ما يستحقه من التكريم والتعظيم، فانطلق ثانية مفتخرًا بنفسه، فصفاته تجعله في مصاف العظماء، فهو وإن كان فقيرًا فإنه شديد نشيط، يتوقد ذكاء وفطنة، ولا يفارق كشحه السيف الذي لا يثني ضربته، وقعه أسرع من الصوت، وهو كريم ترهبه الإبل إذا دخل عليها بسيفه لأنها تعلم أنه لا بد قاتلها وموته خسارة لا تعوض، فلن يملأ فراغه إنسان، وهو كريم طموح، سريع إلى العظائم، بطيء عن الدنايا، نابه الذكر، ذائع الصيت، ويرهبه الجميع، أفرادًا وجماعات، لا يغمه ولا يطول عليه ليل، فلا تستعصي عليه مشكلة يحبس نفسه على الشدائد، وفي الحروب ومواطن الهلاك، ويدخل الميسر بدون انتظار مغنم ومن قوله في هذا:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد
فآليت لا ينفك كشحي بطانة ... لعضب رقيق الشفرتين مهند
حسام إذا ما قمت منتصرًا به ... كفى العود منه البدء ليس بمعضد
أخي ثقة لا ينثني عن ضريبة ... إذا قيل مهلا قال حاجزه قدي
فإن مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد
ولا تجعليني كامرئ ليس همه ... كهمي ولا يغني غنائي ومشهدي
بطيء عن الجلى سريع إلى الخنا ... ذلول بإجماع الرجال ملهد
لعمرك ما أمري علي بغمة ... نهاري ولا ليلي علي بسرمد
ثم يختم قصيدته بأن الحياة كثيرة العجائب، والأيام تظهر الخفي، وتسوق إليك من ينبئك بدون أن تكلفه أو تطلب منه.
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
ويأتيك بالأنباء من لم تبع له ... بتاتًا ولم تضرب له وقت موعد
بهذا ترى أن هذه المعلقة تصوير لشخصية فيها طموح، وتنظر إلى الحياة نظرة خاصة، ولها أمنيات تسعى لتحقيقها ولكن مع مرور الأيام يظهر لها ما ليس في الحسبان.
(1/300)

3- معلقة زهير بن أبي سلمى
عدد أبياتها: 59 موزعة فيما يلي:
6: في الأطلال.
9: في الأظعان.
10: في مدح الساعين في السلام.
21: في الحديث إلى المتحاربين.
13: في الحكم.
بدأ معلقته بالحديث عما صارت إليه ديار الحبيبة، فقد هجرت منذ عشرين سنة، فأصبحت دمنًا بالية وآثارها خافتة، وسكنها البقر والظباء وأولادها، فكن ما بين قائمات ونائمات وماشيات، وحدانًا وأفواجًا، مقبلة مدبرة، وصاعدة ونازلة، وقد تغيرت المعالم تمامًا لدرجة أنه لم يعرفها إلا بعد وقت طويل، فلما تأكد منها، هتف محييًا ودعا لها بالنعيم والسلام.
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم
ديار لها بالرقمتين كأنها ... مراجع وشم في نواشر معصم
بها العين والأرآم يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
وقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلأيًا عرفت الدار بعد توهم
فلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا انعم صباحًا أيها الربع واسلم
ثم عاد بالذاكرة إلى الوراء يسترجع ساعة الفراق، فصور الموكب بأن الرحلة بدأت في السحر واتجهوا مباشرة نحو وادي الرس، فاخترقوا بذلك كثيرًا من الأماكن وكم فيها من الأعداء والأصدقاء، وعلى الموكب دلائل النعيم والترف، فقد حليت الهوادج بالأقمشة الحمراء الثمينة، والستائر الرقيقة الغالية، وفرشت الرحال بالأثاث الفاخر، وفي كل مكان نزلوا فيه للراحة تركوا آثارًا من الصوف الأحمر، إلى أن وصلت الظعائن إلى الماء الغزير الصافي
(1/301)

فنزلن آمنات مطمئنات نزول من هو في أهله ووطنه، وكان منظرهن أنيقًا ساحرًا يخلب لب الباحث عن الجمال:
بكرن بكورًا واستحرن بسحرة ... فهن ووادي الرس كاليد للفم
جعلن القنان عن يمين وحزنه ... وكم بالقنان من محل ومحرم
وعالين أنماطًا عتاقًا وكله ... وراد الحواشي لونها لون عندم
ظهرن من السوبان ثم جزعنه ... على كل قيني قشيب ومفأم
ووركن في السوبان يعلون متنه ... عليهن دل الناعم المتنعم
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم
وفيهن ملهى للطيف ومنظر ... أنيق لعين الناظر المتوسم
وكأنه حينما وصل إلى هذا المنظر الفتان، سبح به خاطره إلى جمال الخلق وروعة السلوك، وحب الخير والتضحية في سبيل الأمن والاستقرار، فشرع يتحدث عن الساعين في الخير، المحبين للسلام، الداعين إلى الإخاء والصفاء، فأشاد بموقف شخصين عظيمين قاما بعمل جليل، فقال إنهما تحملا ديات القتلى في حرب ضروس، بسببها قطعت الأرحام، وتفرق الأهل وتناحر الإخوان، فأصلحا ما أفسد، وجمعا الشمل, وأقسم بالبيت الحرام إنهما نعم السيدان في جميع الأحوال، وأنهما أصبحا في أعلى الدرجات بين العرب جميعهم، وقال لهما: لقد ضحيتما بكل ما تستطيعان في سبيل السلام وأخرجتما من أموالكما خيرها وأجودها، حتى ملأ البقاع صغيرها وكبيرها بدون أن يكون لكما في الحرب أي اتصال، ولكنه حبكما للخير ورغبتكما في السلام:
سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم
يمينًا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم
تداركتما عبسًا وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
وقد قلتما: إن ندرك السلم واسعًا ... بمال ومعروف من القول نسلم
فأصبحتما منها على خير موطن ... بعيدين فيها من عقوق ومأثم
عظيمين في عليا معد هديتما ... ومن يستبح كنزًا من المجد يعظم
(1/302)

فأصبح يجري فيهم من تلادكم ... مغانم شتى من إفال مزنم
تعفى الكلوم بالمئين فأصبحت ... ينجمها من ليس فيها بمجرم
ينجمها قوم لقوم غرامة ... ولم يهريقوا بينهم ملء محجم
ثم وجه الكلام إلى الأحلاف المتحاربين قائلًا: هل أقسمتم أن تفعلوا ما لا ينبغي؟
لا تظهروا الصلح، وفي نيتكم الغدر؛ لأن الله سيدخره لكم ويحاسبكم عليه، إن عاجلًا أو آجلًا وليست الحرب إلا ما علمتموها عن خبرة وتجربة، فقد ذقتموها واكتويتم بنارها، فإذا أثرتموها تأججت وطحنتكم طحن الرحا، ولن تخلف لكم إلا المحن والمصائب والآلام:
ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة ... وذبيان هل أقسمتم كل مقسم
فلا تكتمن الله ما في صدوركم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا ضريتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثقالها ... وتلقحْ كشافًا ثم تنتجْ فتتئم
فتغللْ لكم ما لا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم
ثم قال: إنما نريد الصلح بين قوم كثيري العدد، إذا ائتمروا أمرًا كان عصمة للناس وهم كرام أقوياء، لا ينال الموتور وتره منهم، ولا يسلم من ارتكب في حقهم جريمة، وتركوا الحرب مرة، ثم رجعوا فحاربوا، فدبت المنايا فيهم، وكانت العاقبة وخيمة، وقد جنى أحدهم جناية فجر إليهم ما لا ينبغي، إذ أضمر في نفسه فعلة، فلم يظهرها، ولم يترك تنفيذها، وفعل ما أراد، لا لقصد إثارة العامة ولكن للأخذ بالثأر، من بطل عظيم، قومه يستحقون أحسن الثناء وأعظم التقدير:
لحي حلال يعصم الناس أمرهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم
كرام فلا ذو الظعن يدرك تبله ... ولا الجارم الجاني عليهم بمسلم
رعوا ما رعوا من ظمئهم ثم أوردوا ... غمارًا تفرى بالسلاح وبالدم
فقضوا منايا بينهم ثم أصدروا ... إلى كلأ مستوبل متوخم
(1/303)

لعمري لنعم الحي جر عليهم ... بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم
وكان طوى كشحًا على مستكنة ... فلا هو أبداها ولم يتجمجم
وقال سأقضي حاجتي ثم أتقي ... عدوي بألف من ورائي ملجم
فشد ولم ينظر بيوتًا كثيرة ... لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم
لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم
جريء متى يظلم يعاقب بظلمه ... سريعًا وإن لم يبد بالظلم يظلم
وكأنما خشي الشاعر أن تطل الفتنة برأسها من جديد، فذكر المتحاربين مرة ثانية بأن الذين تحملوا ديات القتلى لم يرتكبوا فيها أية جناية، وإنما تبرعوا بأموالهم حبًّا في السلام ورغبة في الصلح، فدفعوا ديات جميع من طلبت لهم ديات، ومنهم من لم يقتل في الحرب، وقدموا عن طيب خاطر ألوف الإبل أفواجًا بعد أفواج.
لعمرك ما جرت عليهم رماحهم ... دم ابن نهيك أو قتيل المثلم
ولا شاركت في الحرب في دم نوفل ... ولا وهب فيها ولا ابن المخزم
فكلا أراهم أصبحوا يعقلونه ... علالة ألف بعد ألف مصتم
ثم أراد أن يتم المشروع بنجاح عظيم، وينفذ تنفيذًا صحيحًا كاملًا عن رضًا تام واقتناع حقيقي من جميع الأطراف، فساق لهم حكمًا تساعد على ذلك، فيها: أن من يرفض الصلح فسوف يكتوي بنار الحرب، والموفون بالعهود محمودون مكرمون، والميالون للخير يحبون السلام، والحذر لا ينجي من القدر، والبخيل بالفضل على أهله منبوذ ومذموم، ومهين نفسه مهان، ولا عز للمرء إلا بقومه، والضعيف مأكول، والقوي مهاب، وتارك المجاملة للناس في أكثر الأمور يصاب بما يكره. وصانع المعروف حفاظًا على الشرف مصون العرض. محفوظ الكرامة والجزاء من جنس العمل:
ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهذم
ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبه ... إلى مطمئن البر لا يتجمجم
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم
(1/304)

ومن يغترب يحسب عدوًا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لم يكرم
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
ومن لم يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
ثم ختم قصيدته بأن ما قاله إنما هو من واقع تجاربه وخبرته بالحياة. فقد حلب الدهر شطره، وعرك الحياة وعركته، وعرف خيرها وشرها، وخير للمرء أن يفيد من تجارب السابقين، ويجعل من أيام حياته هدوءًا وأمنًا بكل ما يستطيع، فالموت يأتي بغتة فمن مات فلن يعود، ومن عاش فإلى حين وإن عمر وهرم، وكل ما خفي يظهر، ولا مجهول إلا المستقبل:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم
هذه معلقة زهير بن أبي سلمى، وكأنها رمز إلى ميل النفس وارتياحها لكل مظاهر الأمن والسلام، فهي تصوير لروح خيرة، خبرت الحياة، فأحبت السلام، وعظمت أهل السلام، ودعت إلى السلام مهما تغيرت الظروف والأحوال، فمن طبيعة الحياة التقلب والتغير، ولكن لا متعة في الحياة إلا بالسلام العادل الصحيح، وليكن السلام من حق كل من في الوجود من الإنسان إلى الجماد، فالشاعر يرى الديار وما آلت إليه، وقد سكنتها الوحوش في أمن واستقرار، فيدعو للربع بالسلام، ويتابع الظعائن حتى يصلن إلى مكان يصلح للإقامة في أمن وسلام، والساعون في الصلح كرام عظماء لتضحيتهم في سبيل السلام، والمتحاربون عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، ويفتحوا عيونهم على ما نزل بهم ويقف كل منهم عند حده، فيعرفوا أن لا قيمة للحياة إلا بالسلام في ظل العدل والمبادئ القويمة.
(1/305)

4- معلقة لبيد بن ربيعة
عدد أبياتها: 89، موزعة فيما يلي:
11: في ديار الحبيبة.
10: في رحلة الحبيبة وبعدها وأثره
33: في الناقة "منها":
3: في الناقة مباشرة.
11: في الأتان والحمار الوحشي.
19: في البقرة الوحشية.
21: في الفخر الشخصي.
14: في الفخر القبلي.
بدأ لبيد معلقته بالحديث عن حال الديار وما آلت إليه، فقال إنها درست معالمها حتى كادت لا ترى، فقد هجرت منذ سنين وأصبحت لا يدخلها آمن ولا خائف لخرابها، وهطلت عليها سحب الربيع والأمطار الشديدة، في شدة أحيانا، وفي لين أحيانا، وفي الليل، وفي الصباح، وفي العشي، وأيام الدجن، برعود يتجاوب صداها فطال نباتها، وتناسلت فيها قطعان البقر والظباء والشاء، فوقف يسأل الأطلال ولكنه تعجب من سؤاله آثارًا صمًّا لا تستطيع الكلام:
عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها
رزقت مرابيع النجوم وصابها ... ودق الرواعد جودها فرهامها
من كل سارية وغادٍ مدجن ... وعشية متجاوب أرزامها
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها
والعين ساكنة على أطلائها ... عوذا تأجل بالفضاء بهامها
فوقفت أسألها وكيف سؤالنا ... صما خوالد ما يبين كلامها
(1/306)

ثم استعاد وقت الفراق، فتحدث عن الظعائن الجميلات الرشيقات وكانت هوادجهن قد كسيت بالقماش والستائر، وفرشت بالأثاث الفاخر، وسار بهن الموكب حثيثًا، في وسط الوديان والجبال يلفها السراب:
شاقتك ظعن الحي يوم تحملوا ... فتكنسوا قطنًا تصر خيامها
من كل محفوف يظل عصيه ... زوج عليه كلة وقرامها
زجلا كأن نعاج توضح فوقها ... وظباء وجرة عطفا أرآمها
حفزت وزايلها السراب كأنها ... أجزاع بيشة أثلها ورضامها
ثم عاد يسأل نفسه: وماذا تذكر ممن بعدت عنك، وقد تقطع جديد وصلها وقديمه وهي ليست من أهلك، وبينك وبينها مسافات بعيدة شاسعة؟ ثم انتهى إلى قطع الصلة بمن تغير حاله:
بل ما تذكر من نوار وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها
مرية حلت بفيد وجاورت ... أهل الحجاز فأين منك مرامها
فاقطع لبانة من تعرض وصله ... ولشر واصل خلة صرامها
وقطع الصلة يكون بمفارقته والتسلية عنه، وخير ما يكون ذلك بالسفر على ناقة مدربة على الأسفار حتى صارت ضامرة، ومهما نالها من التعب والإعياء فإن نشاطها يظل كما هو، فتجري بسرعة شديدة.
بطليح أسفار تركن بقية ... منها فأحنق صلبها وسنامها
فإذا تغالى لحمها وتحسرت ... وتقطعت بعد الكلال خدامها
فلها هباب في الزمام كأنها ... صهباء راح مع الجنوب جهامها
ثم أراد أن يوضح سرعتها فصورها بصورة أتان قد استبان حملها تجرى هاربة من فحل يطاردها، وهو حمار عنيف فيه آثار طرد الفحول وضربها بأرجلها وعضها، فأخذ يعلو بها الهضاب والمرتفعات، وقد رابه منها امتناعها عليه ورغبتها فيه، وكانت الحجارة التي تجعل أعلامًا ليعرف بها الطريق تثير خوفهما، فينطلقان بسرعة أكثر. ولما انقضى موسم البرد، وكان
(1/307)

قد طال صيامهما عن الماء، وجاء الصيف فتطايرت أشواك السنابل وهبت الريح الشديدة الحرارة، عزما على ورود الماء، فانطلقا مسرعين يثيران غبارًا كثيفًا يغطي الشمس، وقد حرص الحمار على أن تكون الأتان أمامه حتى لا تحاول الفرار أو العدول عن الطريق، إلى أن وصلا إلى جدول فتوسطا ناحية منه، وشققا عينًا محاطة بقصب منه ما هو مائل، ومنه ما هو قائم، وذلك حيث يقول:
أو ملمع وسقت لأحقب لاحه ... طرد الفحول وضربها وكدامها
يعلو بها حدب الأكام مسحجًا ... قد رابه عصيانها ووحامها
حتى إذا سلخا جمادى ستة ... جزءا وطال صيامه وصيامها
رجعا بأمرهما إلى ذي مرة ... حصد، ونجح صريمة إبرامها
ورمى دوابرها السفا وتهيجت ... ريح المصايف سومها وسهامها
فتنازعا سبطًا يطير ظلاله ... كدخان مشعلة يشب ضرامها
فمضى وقدمها وكانت عادة ... منه، إذا هي عردت، أقدامها
فتوسطا عرض السري وصدعا ... مسجورة متجاورًا قلامها
محفوفة وسط اليراع يظله ... منها مصرع غابة وقيامها
ثم أراد أن يزيد السامع بيانًا عن سرعة ناقته، فأورد لها صورة أخرى، وهي صورة بقرة وحشية مذعورة، أكل السبع ولدها، فتخلفت عن القطيع، وظلت في الخميلة تبحث عن ولدها، وتصيح به لئلا يكون النبات قد أخفاه، ولكنه افترسته ذئاب كاسرة، والتهمت أشلاءه على حين غفلة من أمه، وباتت ليلة قاسية، هطل فيها المطر غزيرًا على هذه الخميلة، وتلبدت السماء بالغيوم، فحجبت النجوم، وأطبق الظلام، وكانت البقرة بيضاء، فبدت في وسط السواد الحالك شديدة البياض، وخيمت الرهبة والوحشة على المكان، فامتلأت البقرة فزعًا ورعبًا، وتملكها القلق والاضطراب فتنحت جانبًا، واحتمت بشجرة طويلة الفروع في طرف كثيب رملي، ولكن المطر كان يهطل على ظهرها بغزارة فتزداد رعشة، حتى إذا أسفر الصبح، أسرعت مبكرة لتغادر مأواها، ولكن قوائمها كانت تزلق ولا تثبت على الأرض لكثرة ما بها من الطين، وأخذت تجوب المكان، وتتردد بين الغدران ذهابًا وجيئة سبعة أيام بلياليها في حيرة وفزع، حتى يئست من العثور على ولدها، وجف ضرعها، وبينما هي في
(1/308)


حزنها وكآبتها تسمعت صوتًا خفيفًا لناس لا تراهم، والناس دائما مصدر هلاكها فازدادت رعبًا، وأحست أن الخطر محدق بها من كل جانب، فانطلقت بأقصى سرعة، ولكن الصيادين تبعوها، واستمروا في مطاردتها حتى أعياهم إدراكها أو نيلها برماحهم، فأطلقوا عليها كلابًا مدربة ضارية فلما أحست البقرة أن الكلاب على وشك اللحاق بها، التفتت إليهن وأنشبت فيهن قرونها الطويلة الحادة، فصرعت منهن وأصابت.. فسرعة هذه البقرة صورة لسرعة ناقة الشاعر التي بها يقضي حاجته حين يشتد الحر، ويكسو السراب جميع البقاع والوديان والجبال، وبها يؤدي ما عليه من الالتزامات حتى لا يكون عرضة للوم أو العتاب:
أفتلك أم وحشية مسبوعة ... خذلت وهادية الصوار قوامها
خنساء ضيعت الفرير فلم يرم ... عرض الشقائق طوفها وبغامها
لمعفر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب ما يمن طعامها
صادفن منها غرة فأصبنها ... إن المنايا لا تطيش سهامها
باتت وأسبل واكف من ديمة ... يروي الخمائل دائمًا تسجامها
تجتاف أصلا قالصًا متنبذًا ... بعجوب أنقاء يميل هيامها
يعلو طريقة متنها متواترًا ... في ليلة كفر النجوم ظلامها
وتضيء في وجه الظلال منيرة ... كجمانة البحري سل نظامها
حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت ... بكرت تزل عن الثرى أزلامها
علهت تردد في نهاء صعائد ... سبعا تؤاما كاملا أيامها
حتى إذا يئست وأسحق حالق ... لم يبله إرضاعها وفطامها
وتسمعت رز الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها
حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا ... غضفًا دواجن قافلا أعصامها
فلحقن واعتكرت لها مدرية ... كالسمهرية حدها وتمامها
لتذودهن وأيقنت إن لم تذد ... أن قد أحم مع الحتوف حمامها
فتقصدت منها كساب فضرجت ... بدم وغودر في المكر سخامها
(1/309)

فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أردية السراب أكامها
أقضى اللبانة لا أفرط ريبة ... أو أن يلوم بحاجة لوامها
وكان ذلك تمهيدًا للحديث عن نفسه بدأه بالقول لحبيبته إنه يصل من يستحق المواصلة، ويقطع من يستحق المقاطعة، ثم استمر قائلًا: إنه يترك الأمكنة التي يكرهها، وكثيرًا ما قضى الليالي الحلوة اللذيذة، وطرد البرد والقحط بالطعام والكساء وإيقاد النيران وهو البطل الحامي الذمار، الكامل العدة والسلاح، تناط إليه حراسة أماكن الخطر في الأوقات العصيبة، ليلًا ونهارًا، ومعه فرسه الكريمة السريعة الجري، القوية النشيطة مهما بذلت من جهد، وكم من مواقف عنيفة قاسية، كثيرة الأخطار، مجهولة العواقب، تصدى لها فأزهق باطلها، وتحمل جميع التزاماتها، وكثيرًا ما دعا في الميسر إلى عقر أسمن النوق وأغلاها وبذل لحمها للمحتاجين، وإذا نزل به الضيف أو الجار الغريب وجد عنده النعيم والخيرات.
أو لم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل جذامها
تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها
بل أنت لا تدرين كم من ليلة ... طلق لذيذ لهوها وندامها
قد بت سامرها وغاية تاجر ... وافيت إذ رفعت وعز مدامها
وغداة ريح قد وزعت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
ولقد حميت الخيل تحمل شكتي ... فرط وشاحي -إذ غدوت- لجامها
فعلوت مرتقبًا على ذي هبوة ... حرج إلى أعلامهن قتامها
حتى إذا ألقت يدًا في كافر ... وأجن عوارت الثغور ظلامها
أسهلت وانتصبت كجذع منيفة ... جرداء يحصر دونها جرامها
ترقى وتطعن في العنان وتنتحي ... ورد الحمامة إذ أجد حمامها
وكثيرة غرباؤها مجهولة ... ترجى نوافلها ويخشى ذامها
أنكرت باطلها وبؤت بحقها ... يومًا ولم يفخر عليَّ كرامها
وجزور أيسار دعوت لحتفها ... بمغالق متشابه أعلامها
أدعو بهن لعاقر أو مطفل ... بذلت لجيران الجميع لحامها
والضيف والجار الغريب كأنما ... هبطا تبالة مخصبًا أهضامها
(1/310)

ثم جره حديثه عن نفسه إلى الحديث عن قومه فافتخر بقبيلته، قائلًا: إنهم مأوى الأرامل والأيتام والفقراء، ويقدمون الطعام الكثير في أوقات الجدب، وهم في المحافل عظماء الرجال، يعتمد عليهم، ويحملون الأعباء، ويقومون بكل التكاليف والمشاق، ويؤدون الحقوق، ولا يرد لهم قول، كرماء سمحاء، مجدهم تليد، وهم أبطال، كاملو العدة والسلاح، ولا تخيب أفعالهم، ولا تدنس أعراضهم، ولا تميل عقولهم مع الهوى، وبيتهم عالي الشرف، الكهل منهم والغلام في الذورة، حباهم الله بالأخلاق الحسنة وأعطاهم أفضل الحظ من الأمانة، يسعون في الخير، ويرجع إليهم في كل أمر، وخيرهم كثير فياض، لا ينال منهم حاسد، ولا يلحقهم لوم حاقد:
تأوي إلى الأطناب كل رذية ... مثل البلية قالص أهدامها
ويكللون إذا الرياح تناوحت ... خلجًا تمد شوارعًا أيتامها
إنا إذا التقت المجامع لم يزل ... منا لزاز عظيمة جشامها
ومقسم يعطي العشيرة حقها ... ومغذمر لحقوقها هضامها
فضلا وذو كرم يعين على الندى ... سمح كسوب رغائب غنامها
من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها
لا يطبعون ولا تبور فعالهم ... إذ لا تميل مع الهوى أحلامها
إن يفزعوا تلق المغافر عندهم ... والسن يلمع كالكواكب لامها
فبنوا لنا بيتًا رفيعًا سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها
فاقنع بما كتب المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها
وإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسامها
فهم السعاة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها
وهم ربيع للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها
وهم العشيرة أن يبطئ حاسد ... أو أن يلوم مع العدا لوامها
وتلك معلقة لبيد، ويبدو أنها رمز لحب البقاء، والكفاح في سبيل الحياة، فهي دعوة لمسايرة الواقع وعدم التعلق بالأوهام والخيالات، وتصوير للجد، والعمل المتواصل لتذليل الصعاب والتغلب على العقبات، ومعالجة كل حالة بما تقتضيه مهما كلف ذلك من جهد أو تضحية، في سبيل الحفاظ على الحياة الكريمة.
(1/311)

5- معلقة عنترة العبسي
عدد أبياتها: 80 منها:
5: في الأطلال.
4: في بعد الحبيبة وأثره.
3: في موكب الرحلة.
9: في وصف الحبيبة.
13: في الناقة.
46: في الفخر الشخصي.
بدأ عنترة معلقته بالسؤال عن المعنى الذي يمكن أن يأتي به ولم يسبقه به أحد الشعراء من قبل، ثم شرع في الكلام، فقال: إنه عرف الدار وتأكد منها بعد فترة من الشك والظن، فوقف فيها بناقته الضخمة؛ ليؤدي حقها -وقد رحلت عنها عبلة وصارت بعيدة عنه- فحيا الطلل الذي قدم العهد به وطال، فتخرب، وأصبحت الحبيبة في مكان يصعب عليه طلبها فيه، فقد باعدت بينهما الديار، وهي بين الأعداء، وحقيقة تمكن حبها في قلبه منذ أن وقعت عليها عينه عرضًا وهو يحارب قومها، وأضحت تحتل في قلبه مكانة المحبوب المعزز المصون وكان فراقها مفاجأة له، فقد قرروه في الخفاء، وأفزعه أن رأى الإبل تحمل الأمتعة على وشك الرحيل، وكان ركابها من أجود الإبل وأغلاها:
هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحا دار عبلة واسلمي
فوقفت فيها ناقتي وكأنها ... فدن لأقضي حاجة المتلوم
حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
حلت بأرض الزائرين فأصبحت ... عسرًا عليَّ طلابك ابنة مخرم
علقتها عرضا وأقتل قومها ... زعما لعمر أبيك ليس بمزعم
(1/312)

ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت ركابكم بليل مظلم
ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم
فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودًا كخافية الغراب الأسحم
ثم سرد طرفا من أسباب هيامه فقال: إنها ملكت شغاف قلبه بفم جميل، أبيض الأسنان، طيب الرائحة، يفوح العطر من عوارضه:
إذ تستبيك بذي غروب واضح ... عذب مقبله لذيذ المطعم
وكأن فأرة تاجر بقسيمة ... سبقت عوارضها إليك من الفم
ثم قارن بين حاله وحالها، فهي تعيش منعمة وهو يعيش محاربًا، وتمنى أن توصله إليها ناقة قوية لا تحمل ولا ترضع، وتضرب الآكام بأخفافها فتكسرها، وهي نشيطة سريعة لا ترد الماء كثيرًا، وكلما جرت ازدادت نشاطًا وسرعة، كأنما ربط بجنبها هر كبير الرأس يخدشها، وسال عرقها أسود كثيفًا:
تمسي وتصبح فوق ظهر حشية ... وأبيت فوق سراة أدهم ملجم
وحشيتي سرج على عبل الشوى ... نهد مراكله نبيل المحزم
هل تبلغني دارها شدنية ... لعنت بمحروم الشراب مصرم
خطارة غب السرى زيافة ... تطس الأكام بذات خف ميثم
وكأنما أقص الأكام عشية ... بقريب بين المنسمين مصلم
شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم
وكأنما ينأى بجانب دفها الـ ... وحشي من هزج العشيّ مؤوم
هر جنيب كلما عطفت له ... غضبى اتقاها باليدين وبالفم
وكأن ربًّا أو كحيلًا معقدًا ... حش الوقود به جوانب قمقم
ثم اتجه بالحديث إلى الحبيبة يسرد أخلاقه وسجاياه، قائلًا: إن ترخي قناع وجهك دوني، فإني خبير ماهر بمعاملة الفرسان اللابسين الدروع، وأنا كريم الخلق لين الجانب، إلا إذا ظلمت، فعند ذلك يكون ردي عنيفًا مرًّا، ثم قال لها: إني أستحق الثناء منك لأني سخي
(1/313)

إن تغدفي دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم
أثني علي بما علمت فإنني ... سهل مخالقتي إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم
وحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم
سبقت يداي له بعاجل طعنة ... ورشاش نافذة كلون العندم
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم
ومدجج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هربا ولا مستسلم
جادت يداي له بعاجل طعنة ... بمثقف صدق الكعوب مقوم
برحيبة الفرعين يهدي جرسها ... بالليل معتس الذئاب الضرم
ومسك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حام الحقيقة معلم
بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوءم
(1/314)

عهدي به مد النهار كأنما ... خضب البنان ورأسه بالعظلم
يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت عليَّ وليتها لم تحرم
ثم استمر في حديثه عن نفسه، فذكر سلوكه في المعركة فقال: عند ساعة الخطر حينما يكشر الأبطال عن أنيابهم، ويشتد أوار المعركة ولا تسمع للأبطال إلا غمغمة في صدورهم بأصوات تسمعها ولا تفهمها وحينما يتحاشون الأسنة عن أنفسهم بتعريضهم إياي لها، فأتقدم وألتحم بصفوف الأعداء، وتتعالى النداءات وأصوات التحريض والإثارة ويخيم الموت تحت الألوية كنت أتقدم أكثر وأكثر، وأصوات الاستحسان لي تؤججني غيرة وحماسة فأتقدم وسط الرماح الطويلة التي تنهال من كل مكان وأدفع بحصاني أكثر وأكثر حتى صنع الدم له سربالًا، فالتفت إليّ حصاني، مسترحمًا، وانحدرت من عينه دمعة على خده، وأخرج من صدره صوتًا مقطعا ليس الصهيل، ولكن ما لقيته من التعب، وما حاق بي من السقم، لم يكن له أدنى أثر، فقد أذهبته عني صيحات الأبطال لي بالاستحسان والإعجاب:
ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى ... إذ تقلص الشفتان عن وضع الفم
في حومة الموت التي لا تشتكي ... غمراتها الأبطال غير تغمغم
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي
لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم
يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم
ما زلت أرميهم بغرة وجهه ... ولبانه حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إليّ بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
ثم ختم قصيدته بأنه يعرف كيف يسوس أمره، ويصرف شئونه، فعقله لا يغرب عنه، ورأيه محكم، وعزيمته صادقة ولا يخشى الموت إلا قبل أن يقتص من غريمه:
ذلل ركابي، حيث شئت مشايعي ... لبى، وأحفزه بأمر مبرم
ولقد خشيت بأن أموت ولم تكن ... للحرب دائرة على ابني ضمضم
(1/315)

الشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم ألقهما دمي
إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعم
هذه هي معلقة عنترة، وواضح أنها تصوير للفروسية الحقة التي من أبرز سماتها: البطولة في كل المواقف وخصوصًا أوقات الشدة وميادين القتال، والشهامة مع الجميع وبخاصة المرأة وذلك بحمايتها والدفاع عنها، والمحافظة على شرفها وكرامتها حتى ولو كانت من الأعداء.
(1/316)

6-معلقة عمرو بن كلثوم
عدد أبياتها: 96بيتًا فيما يلي:
7: في الخمر.
7: في الظعينة.
5: في أثر الفراق.
77: في الفخر القبلي.
بدأ قصيدته بطلب الصبوح، جريًا على عادة الجاهليين، وتحدث عن نوعه وأثره، ثم وجه الكلام إلى الظعينة، فرجاها أن تقف قبل الفراق ليخبر كل منهما الآخر حقيقة ما عنده، عن وقت الخطر حين يشتد الطعن والضرب فتقر عيون المنتصرين، ثم سألها عن فراقها: أقطيعة أم خيانة؟:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا
مشعشعة كأن الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا
قفي قبل التفرق يا ظعينا ... نخبرك اليقين وتخبرينا
بيوم كريهة ضربا وطعنا ... أقر به مواليك العيونا
قفي نسألك هل أحدثت صرما ... لوشك البين أم خنت الأمين
ثم تحدث عن بعض أجزاء جسمها، فقال: إنها بيضاء في ريعان الشباب، نشأت في رحاب النعيم، طويلة القامة بضة الجسم، محصنة عفيفة لم يمسسها أحد، وذكر أن موكب الظعائن أثار صبابته، وكلما أسرع الحداة بالموكب فزاد البعد، اشتد حنينه، حتى فاق حنين ناقة ضل ولدها، وبلغت به اللوعة حدا أكثر من لوعة امرأة شمطاء فقدت أولادها التسعة:
تريك إذا دخلت على خلاء ... وقد أمنت عيون الكاشحينا
ذراعي عيطل أدماء بكر ... تربعت الأجارع والمتونا
(1/317)

وثديا مثل حق العاج رخصا ... حصانا من أكف اللامسينا
تذكرت الصبا واشتقت لما ... رأيت حمولها أصلًا حدينا
فما وجدت كوجدي أم سقب ... أضلته فرجعت الحنينا
ولا شمطاء لم يترك شقاها ... لها من تسعة إلا جنينا
ثم ختم حديثه في ذلك بأن قلبه قد تعلق بها، ولكن الأقدار تأتي ولا يدري ما يكون من أمرها، فالمستقبل مجهول ولا يعلم عنه أحد شيئًا، وكأن ذلك كان من ناحية استمالة لقلبها، ومن ناحية أخرى تمهيدًا للانتقال إلى ما سوف يجد من أحداث، وبخاصة ما يتسبب عن تطور الصلة بينه وبين عمرو بن هند الذي وجه إليه الحديث في البيت التالي مباشرة، فطالبه بالتريث والتمهل في تصرفاته إزاء قوم الشاعر، فهم القوم الذين سيخبره بحقيقتهم، ثم انبرى بعد ذلك يعرض أمجاد قومه في فخر قبلي طويل، فكان مما ذكر فيه: أن راياتهم يدخلون بها الحرب وهي بيضاء فيرجعون بها حمراء من دم الأعداء، وأيامهم مشهورة، طويلة على أعدائهم، وكم من ملك قهروه وقتلوه وأخذوا سلبه، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منهم، وميادين حروبهم شاسعة ويقتلون أعداءهم جماعات، حتى تمتلئ الأرض بجماجم الأبطال، وهم حماة الحمى والشرف والمدافعون عن الجيران والحلفاء في أوقات الشدة، يذودون عنهم الأعداء، ويحملون عنهم الأثقال، وهم قادة الناس، وأبطال الحروب شيوخًا وشبانًا.
وإن غدًا وإن اليوم رهن ... وبعد غد بما لا تعلمينا
أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا
بأنا نورد الرايات بيضًا ... ونصدرهن حمرًا قد روينا
وأيام لنا غر طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا
وسيد معشر قد توجوه ... بتاج الملك يحمي المحجرينا
تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلدة أعنتها صفونا
متى ننقل إلى قوم رحانا ... يكونوا في اللقاء لنا طحينا
يكون ثفالها شرقي نجد ... ولهوتها قضاعة أجمعينا
ورثنا المجد قد علمت معد ... نطاعن دونه حتى يبينا
ونحن إذا عماد الحي خرت ... على الأحفاض نمنع من يلينا
(1/318)

ندافع عنهم الأعداء قدمًا ... ونحمل عنهم ما حملونا
نطاعن ما تراخى الناس عنا ... ونضرب بالسيوف إذا غشينا
بسمر من قنا الخطي لدن ... ذوابل أو ببيض يعتلينا
نشق بها رءوس القوم شقًّا ... ونخليها الرقاب فيختلينا
تخال جماجم الأبطال فيها ... وسوقًًا بالأماعز يرتمينا
إذا ما عي بالأسناف حي ... من الهول المشبه أن يكونا
نصبنا مثل رهوة ذات حد ... من الهول المشبه أن يكونا
بفتيان يرون القتل مجدًا ... وشيب في الحروب مجربينا
حديا الناس كلهم جميعًا ... مقارعة بنيهم عن بنينا
فأما يوم خشيتنا عليهم ... فتصبح خيلنا عصبًا ثبينا
وأما يوم لا نخشى عليهم ... فنمعن غارة متلببينا
ثم وجه اللوم العنيف إلى عمرو بن هند لاستماعه للوشاة، وسلوكه مع قومه سلوكًا مزريًا، محاولا النيل من كرامتهم، أو الانتقاص من هيبتهم، وهنا يتهكم به الشاعر ومرة أخرى يطالبه بالتريث، ثم يصف إباء قومه وعزتهم، وعنادهم وصلابتهم، ويذكر عددًا من سادة قومه وعظمائهم، علقمة بن سيف "الذي أنزل بني تغلب الجزيرة" ومهلهل "جد عمرو بن كلثوم من قبل أمه وكان صاحب حرب وائل أربعين سنة"، وكليب "رئيس تغلب المشهور، وهو أخو المهلهل" وعتاب، وكلثوم "أبو الشاعر"، وزهير "جد عمرو بن كلثوم من قبل أبيه"، ويذكر الشاعر أن من يحاول المساس بقومه يدقون عنقه، فهم أقوى الناس، وأشدهم شكيمة، وفي الوقت ذاته أوفى الناس بالعهود:
بأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
بأي مشيئة عمرو بن هند ... نكون لقيلكم فيها قطينا
تهددنا وتوعدنا رويدًا ... متى كنا لأمك مقتوينا
فإن قناتنا يا عمرو أعيت ... على الأعداء قبلك أن تلينا
إذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولتهم عشوزنة زبونا
عشوزنة إذا انقلبت أرنت ... تشج قفا المثقف والجبينا
(1/319)

فهل حدثت في جشم بن بكر ... بنقص في خطوب الأولينا
ورثنا مجد علقمة بن سيف ... أباح لنا حصون المجد دينا
ورثت مهلهلًا والخير منه ... زهيرًا نعم ذخر الذاخرينا
وعتابًا وكلثومًا جميعًا ... بهم نلنا تراث الأكرمينا
ومنا قبله الساعي كليب ... فأي المجد إلا قد ولينا
متى نعقد قرينتنا بحبل ... تجذ الحبل أو تقص القرينا
ونوجد نحن أمنعهم ذمارًا ... وأوفاهم إذا عقدوا يمينا
ثم ذكر طرفًًا من مواقفهم في الشدائد، فهم يصمدون وقت الخطر، وفي حرب خزازى، كانت تضحيتهم فوق تضحية الجميع، وهم الميمنة في الجيش، وبنو أعمامهم في الميسرة، ويعودون من حروبهم بملوك أعدائهم أسرى، في حين يرجع الآخرون بالنهاب والسبايا:
ونحن الحابسون بذي أراطى ... تسف الجلة الخور الدرينا
ونحن غداة أوقد في خزازى ... رفدنا فوق رفد الرافدينا
وكنا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو أبينا
فصالوا صولة في من يليهم ... وصلنا صولة فيمن يلينا
فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا
ثم انتقل إلى تحذير بني بكر خصومهم، ونبههم إلى معرفة حقيقة قومه قبل أن يقدموا على أي تصرف ضدهم، فهم أصحاب الكتائب الخبيرة بالطعن والرمي، المدججة بكل أنواع الأسلحة وبخاصة البيض والترس، والسيوف والدروع السابغة المحكمة التي تترك الصدأ على جلود الأبطال من طول لبسهم إياها، والخيل الكريمة التليدة الخالدة فيهم:
إليكم يا بني بكر إليكم ... ألما تعرفوا منا اليقينا
ألما تعلموا منا ومنكم ... كتائب يطَّعنَّ ويرتمينا
علينا البيض واليلب اليماني ... وأسياف يقمن وينحنينا
علينا كل سابغة دلاص ... ترى فوق النجاد لها غضونا
إذا وضعت عن الأبطال يومًا ... رأيت لها جلود القوم جونا
(1/320)

وتحملنا غداة الروع جرد ... عرفن لنا نقائذ وافتلينا
ورثناهن عن آباء صدق ... ونورثها إذا متنا بنينا
ثم ذكر ما حدث منهم لبني الطماح، ودعمى "وهما حيان من إياد" حينما جاءوا لحربهم فأعجلهم قوم الشاعر بما يستحقون، وهنا استعمل أسلوبًا طريفًا حيث صورهم بالضيوف فقال:
ألا أبلغ بني الطماح عنا ... ودعميًا فكيف وجدتمونا
نزلتم منزل الأضياف منا ... فعجلنا القرى أن تشتمونا
قريناكم فعجلنا قراكم ... قبيل الصبح مرداة طحونا
ثم ذكر أن البطولة فيهم ليست مقصورة على الرجال، بل إن البطولة في نسائهم كذلك، فلهن دور عظيم في الحرب، فهن مع كرمهن وجمالهن وأصلهن وما هن فيه من ترف ورفاهية، وما كفلناه لهن من الحماية والرعاية والاهتمام، إذا دقت ساعة الخطر يمتلئن حمية وثورة، ويتوقدن حماسة وغيرة، ويقمن بإعداد ما يلزم الجيش من مؤن وذخائر، ويطالبن الجنود بالرجوع بأسلاب الأعداء وأسلحتهم، وبالأسرى في الأغلال، ونحن نؤمن إذا لم نحمهن فلا نستحق الحياة، ولا يحميهن إلا ضرب تتطاير منه سواعد الأعداء شظايا:
على آثارنا بيض كرام ... نحاذر أن تفارق أو تهونا
ظعائن من بني جشم بن بكر ... خلطن بميسم حسبا ودينا
إذا ما رحن يمشين الهوينا ... كما اضطربت متون الشاربينا
أخذن على بعولتهن عهدًا ... إذا لاقوا كتائب معلمينا
ليستلبن أبدانا وبيضًا ... وأسرى في الحديد مقرنينا
يقتن جيادنا ويقلن لستم ... بعولتنا إذا لم تمنعونا
إذا لم نحمهن فلا بقينا ... لشيء بعدهن ولا حيينا
وما منع الظعائن مثل ضرب ... ترى منه السواعد كالقلينا
ثم استشاط حمية، ورفع قدر قومه فوق جميع الناس، وقال إن القبائل تعرف أن قومه الحماة في الشدائد، الكرام في القحط، الأوائل المقدمون في كل شيء، يدين لهم الجميع
(1/321)

بالولاء، وفيهم المقدرة والكفاية، وهم الأباة الصناديد، فلا يجرؤ أحد على المساس بكرامتهم وإلا كان جزاءه أنكى وأعنف، وأقر الجميع لهم بالإجلال والتعظيم، وفيهم الكثرة والقوة في البر والبحر:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنا العاصمون بكل كحل ... وأنا الباذلون لمجتدينا
وأنا المنعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا أتينا
وأنا الشاربون الماء صفوًا ... ويشرب غيرنا كدرًا وطينا
لنا الدنيا ومن أمسى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
إذا بلغ الفطام لنا صبي ... تخر له الجبابر ساجدينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وظهر البرح نملؤه سفينا
هذه معلقة عمرو بن كلثوم، وهي تصوير للقبيلة المثالية في العصر الجاهلي، وقد ألهبت العواطف فيها غريزة حب العظمة في النفس البشرية.
(1/322)

7-معلقة الحارث بن حلزة
عدد أبياتها: 85 بيتًا، فيما يلي:
9: في فراق الحبيبة.
5: في الناقة.
51: في الكلام عن الأعداء.
4: في مدح عمرو بن هند.
16: في الفخر القبلي.
بدأ الحارث معلقته بأن الحبيبة أعلمته بفراقها، ومع أن هناك من الأشخاص من تمل إقامتهم، فإنها مهما طالت إقامتها فلن يملها، وقد أصبحت بعيدة، بينه وبينها ديار وقفار، بعد أن كان لهما ذكريات جميلة في مواضع كثيرة، وأنه كثيرًا ما تردد على هذه الأماكن فما كان يرى محبوبته في أي منها، فيبكي، ولكن ماذا كان يجدي البكاء، وكان آخر عهده بها نارًا أوقدتها من بعد شاسع -وهي مرتحلة- فأخذ ينظر إلى هذه النار، ولكنها كانت خافتة لبعدها عنه كثيرًا فلم يحس لها دفئًا:
آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاوٍ يمل منه الثواء
بعد عهد لها ببرقة شما ... ء فأدنى ديارها الخلصاء
فالمحياة فالصفاح فأعلى ... ذي فتاق فعاذب فالوفاء
أرى من عهدت فأبكي الـ ... يوم دلهًا، وما يرد البكاء؟
وبعينيك أوقدت هند النا ... ر أصيلًا تلوي بها العلياء
أوقدتها بين العقيق فشخصيـ ... ن بعود كما يلوح الضياء
فتنورت نارها من بعيد ... بخزاز هيهات منك الصلاء
وزادت عليه الهموم، فاستعان عليها بناقة سريعة تجري جري نعامة ذات أولاد، لا تفارق الصحراء، وأفزعها الصيادون مساء، فانطلقت تعدو مثيرة غبارًا كثيفًا يتطاير في جنبات الصحراء:
(1/323)

غير أني قد أستعين على الهم ... إذا خف بالثوي النجاء
بزفوف كأنها هقلة أمّ ... رئال دوية سقفاء
آنست نبأة وأفرعها القنـ ... اص عصرًا وقد دنا الإمساء
فترى خلفها من الرجع والوقـ ... ع منينًا كأنه أهباء
وطراقًا من خلفهن طراق ... ساقطات تلوي بها الصحراء
ثم قال: إنه بهذه الناقة يتلهى عن الهموم؛ لأن الهم قد يشل حركة الإنسان ويوقعه في حيرة، ويسد أمامه الطرق، وكأن ذلك كان مقدمة للحديث عن هم عنيف استولى عليه هو وقومه، فانبرى يعرضه بطريقة تبين شدة تأثرهم به، فقال: لقد جاءهم من بني تغلب أنباء وأمور خطيرة يتهمونهم بها، وهم بذلك يسيئون إلينا ويظلموننا لأنهم يحملوننا ذنب غيرنا ويكلفوننا ما لا نطيق، ويخلطون البريء بالمذنب، وقد دبروا مؤامرتهم بليل، وكانت لهم في الصباح جلبة ضوضاء، اختلط فيها الصياح بأصوات الخيل والإبل:
أتلهى بها الهواجر إذ كل ... ابن هم بلية عمياء
وأتانا عن الأراقم أنبا ... ء وخطب نعني به ونساء
إن إخواننا الأراقم يغلو ... ن علينا، في قيلهم أحفاء
يخلطون البرئ منا بذي الذنـ ... ب ولا ينفع الخليّ الخلاء
أجمعوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
من منادٍ ومن مجيب ومن تصـ ... هال خيل خلال ذاك رغاء
ثم اتجه بالحديث إلى مثير الفتن والفساد بأن الباطل لا يبقى، وأن وشايته لن تفزعهم، فقال: كثيرًا ما وشى بنا الأعداء، فبقينا على بغضهم ترفعنا الحظوظ والعزة والمنعة، وأعمتهم الضغينة وغطت على بصائرهم، وكأنهم كانوا يرمون جبلًا من صخر، شامخ الطود، صعب المنال، ولا تؤثر فيه الأحداث:
أيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو، وهل لذاك بقاء
لا تخلنا على غراتك إنا ... قبل ما قد وشى بنا الأعداء
فبقينا على الشناءة تنميـ ... نا جدود وعزة قعساء
(1/324)

قبل ما اليوم بيضت بعيون الـ ... ناس فيها تعيط وإباء
وكأن المنون تردي بنا أر ... عن جونًا ينجاب عنه العماء
مكفهرًا على الحوادث ما تر ... توه للدهر مؤيد صماء
ثم وجه الحديث إلى خصوم قومه متحديًا، فقال: ابعثوا إلينا سفراءكم بأية خطة تريدون، وإن أثرتم ما كان بيننا من قتل وأسر فسوف يخزيكم، وإن استقصيتم الأمور فسيكون عارًا عليكم، وإن سكتم فسوف تغمض أعيننا على ما فيها من القذى منكم، وإن رفضتم ما تدعون إليه، فأنتم أدرى بعزتنا ومنعتنا:
أيما خطة أردتم فأدو ... ها إلينا تمشي بها الأملاء
إن نبشتم ما بين ملحة فالصا ... قب فيه الأموات والأحياء
أو نقشتم فالنقش يجشمه النا ... س وفيه الصحاح والأبرياء
أو سكتم عنا فكنا كمن أغـ ... مض عينًا في جفنها أقذاء
أو منعتم ما تسألون فمن حد ... ثتموه له علينا العلاء
ثم انطلق يعرض بعض أمجاد قومه سائلًا خصومه عن مدى علمهم بها، فقال: هل علمتم أننا -أيام شاعت الغارات وكثر النهب، وضج الناس صياحًا وعواءً- سقنا الإبل من البحرين إلى الإحساء وملنا على تميم فسبينا نساءهم، وكففنا عن قتالهم لدخول الأشهر الحرم، وبسبب قوتنا لم يكن للقوي الشديد أن يقيم في البلد السهل لما كان فيه الناس من الغارة والخوف، ولم ينفع الذليل الضعيف الهرب، ولم يحمِ اللاجئ قمة جبل ولا أرض وعر، فدان لنا جميع الناس بالطاعة والولاء حتى ملك المنذر بن ماء السماء وقد شهد بنفسه ما فعلنا في يوم الحبارين:
هل علمتم أيام ينتهب النا ... س غوارًا، لكل حي عواء
إذ رفعنا الجمال من سعف البح ... رين سيرًا حتى نهاها الحساء
ثم ملنا إلى تميم فأحرمـ ... نا وفين بنات مر إماء
لا يقيم العزيز بالبلد السهـ ... ل ولا ينفع الذليل النجاء
ليس ينجي موائلًا من حذار ... رأس طود وحرة رجلاء
(1/325)

فملكنا بذلك الناس حتى ... ملك المنذر بن ماء السماء
وهو الرب والشهيد على يو ... م الحيارين والبلاء بلاء
وأعقب ذلك بأن نصح الخصوم بترك الطيش والحمق والتعامي عن الحق، فذكرهم بما بينهم من عهود ومواثيق ورهائن، منعًا للظلم والعدوان فالعهود تعقد دائمًا بشروط متفق عليها وتسري على الملتزمين بها سواء بسواء، ولا تنقضها الميول والأهواء:
فاتركوا الطيخ والتعدي وإما ... تتعاشوا ففي التعاشي الداء
واذكروا حلف ذي المجاز وما قد ... م فيه العهود والكفلاء
حذر الجور والتعدي ولن ينـ ... قض ما في المهارق الأهواء
واعلموا أننا وإياكم فيـ ... ما اشترطنا يوم احتلفنا سواء
ويبدو أن الغضب قد تملكه من سلوك خصومه، فشرع يسرد بعض مخازيهم تعييرًا لهم وتحقيرًا لشأنهم، بأسلوب استفهام في سخرية لاذعة، قائلًا: إذا كانت كندة قد غزت تغلب وقتلت منهم وسبت، فهل يغنمون هم، وندفع نحن الجزاء؟ هل علينا في العهود التي بيننا أن تأخذونا بذنوب حنيفة وما فعلت بكم لصوص محارب؟ هل علينا جنايات بني عتيق؟ وإنا لنبرأ من كل غادر، وهل علينا جريرة العباد فنحمل نحن الأعباء؟ وهل علينا إثم ما فعلت بكم قضاعة؟ وهل علينا ذنب إياد كما أخذ طسم بذنب أخيه جديس؟
أعلينا جناح كندة أن يغـ ... نم غازيهمُ ومنا الجزاء
أم علينا جرى حنيفة أو ما ... جمعت من محارب غبراء
أم جنايا بني عتيق فمن يغـ ... در فإنا من حربهم برآء
أم علينا جرى العباد كما نيـ ... ط بجوز المحمل الأعباء
أم علينا جرى قضاعة أو ليـ ... س علينا فيما جنوا أنداء
أم علينا جرى إياد كما قيـ ... ل لطسم أخوكم الأباء
واستمر الحارث في تعييره القاسي لبني تغلب، فذكر أسماء أشخاص من التغلبيين ضربوا بالسيف ولم يؤخذ بثأرهم، وقال لهم: إن سلوكهم نحو قومي فيه تعنت ظاهر ورمي بالتهم بدون حق، ووضع الأمور في غير موضعها الصحيح، وعيرهم بما حدث من تميم نحوهم
(1/326)

حيث جاء ثمانون من تميم وقتلوا من بني رزاح التغلبيين، وأخذوا أموالًا كثيرة فحاول هؤلاء استرجاع ما أخذ فلم يفلحوا في شيء فرجعوا أذلاء خائبين، والغل يأكل صدورهم، ولكن الغل لا يبرده الماء، ثم بما حدث من الغلاق وخيله إذ قتلوا من التغلبيين وسبوا في غير لين ولا رحمة وقد نسي القتلى وذهبوا أدراج الرياح، ثم قال الحارث: ومثل ذلك حدث من عمرو بن هند مع التغلبيين حينما حاولوا عصيانه بعد أن قتل عمرو ملك الغسانيين وأخذ بنته ميسون في قبة لها وتجمع تحت رايته جموع كثيرة، فقال التغلبيون: "من عمرو ومن معه؟ إنما معه قراضبة "صعاليك، فقراء، لصوص"، قد جمعوا له من كل مكان لقتالنا، فليتنا قد لقيناهم، فيعلم عمرو غدًا كيف نحن وهو"، ثم استمر الحارث فقال للتغلبيين: فتحققت أمنيتكم التي كلها بطر، وما أتوكم على غرة، لكن ظاهرين، حين ارتفع النهار وانتشر السراب فكان ما حاق بكم من قتل وسبي:
ليس منا المضربون ولا قي
...
س ولا جندل ولا الحداء
غننًا باطلًا كما تعـ
...
تر عن حجرة الربيض الظباء
وثمانون من تميم بأيديـ
...
هم رماح صدورهن القضاء
لم يخلوا بني رزاح ببرقا
...
ءَ نَطَاعٍ لهم عليهم دعاء
تركوهم ملحبين وآبوا
...
بنهاب يصم منه الحداء
ثم جاءوا يسترجعون فلم تر
...
جع لهم شامة ولا زهراء
ثم فاءوا منهم بقاصمة الظهـ
...
ر ولا يبرد الغليل الماء
ثم خيل من بعد ذاك مع الغلا
...
ق، لا رأفة ولا إبقاء
ما أصابوا من تغلبي فمطلو
... ل عليه إذا تولى العفاء
كتكاليف قومنا إذ غزا المنـ ... ذر، هل نحن لابن هند رعاء
إذ أحل العلاة قبة ميسو ... ن فأدنى ديارها العوصاء
فتأوت لهم قراضبة من ... كل حي كأنهم ألقاء
فهداهم بالأسودين وأمر اللـ ... هـ بلغ يشقى به الأشقياء
إذ تمنونهم غرورًا فساقتـ ... هم إليكم أمنية أشراء
لم يغروكم غرورًا ولكن ... يرفع الآل جمعهم والضحاء
(1/327)

ثم خاطب الشاعر من يسعى بينهم وبين عمرو بن هند بالنميمة وطالبه بالإقلاع عن وشايته، وكان ذلك تمهيدًا لمدح عمرو، فقال عنه إنه ملك عادل، وهو أكمل الناس عقلًا ورأيًا، ولا يفي بحقه ثناء، وملكه وطيد، ومجده عظيم، ومفاخره مشهورة:
أيها الشانئ المبلغ عنا ... عند عمرو، وهل لذاك انتهاء
إن عمرًا لنا لديه خلال ... غير شك في كلهن البلاء
ملك مقسط وأكمل من يمـ ... ـشي ومن دون ما لديه الثناء
أرميّ بمثله جالت الجـ ... ـن فأبت لخصمها الإجلاء
واستمر الحارث فذكر أن لقومه ثلاثة مواقف تثبت ولاءهم لعمرو بن هند، وهي:
أولًا: حينما جاء قيس بن معد يكرب على رأس جيش للإغارة على إبل عمرو بن هند فردتهم بنو يشكر، وقتلوا فيهم.
ثانيًا: حين غزا الكندي امرؤ القيس أبا المنذر بن ماء السماء بجمع كثير من كندة، فخرجت بكر مع امرئ القيس وهزموهم شر هزيمة.
ثالثًا: عندما أغارت بكر بن وائل مع عمرو بن هند على الغسانيين لاستنفاد امرئ القيس ابن المنذر بن ماء السماء أخي عمرو بن هند لأبيه، فقتلوا ملك غسان، واستنفدوا امرأ القيس، وأخذ عمرو بن هند ابنة ذلك الملك، وهي ميسون.
ثم قال الحارث بن حلزة: إن عمرو بن هند قريب لهم؛ وذلك لأن هند أمه بنت عمرو بن حجر آكل المرار، وعمرو بن حجر هذا كانت أمه هي أم أناس بنت ذهل بن شيبان بن ثعلبة، فأم أناس هذه جدة أم عمرو بن هند، وهي من قوم الحارث بن حلزة، وذلك دليل مكانتهم العظيمة؛ لأن الملوك يرونهم أهلًا لمصاهرتهم، ثم ختم الحارث كلامه بأن هذه القرابة من عمرو بن هند تجعلنا ناصحين مخلصين له:
من له عندنا من الخير آيا ... ت ثلاث في كلهن القضاء
آية شارق الشقيقة إذ جا ... ءوا جميعًا لكل حي لواء
حول قيس مستلئمين بكبش ... قرظي كأنه عبلاء
(1/328)

فجبهناهم بضرب كما يخـ ... رج من خربة المزاد الماء
وحملناهم على حزن ثهلا ... ن شلالا ودمي الأنساء
وفعلنا بهم كما علم اللـ ... ـه وما إن للخائنين دماء
ثم حجرًا أعني ابن أم قطام ... وله فارسية خضراء
أسد في اللقاء ورد هموس ... وربيع إن شنعت غبراء
فرددناهم بطعن كما تنهـ ... ـز عن جمة الطوي الدلاء
وفككنا غل امرئ القيس عنه ... بعدما طال حبسه والعناء
وأقدناه رب غسان بالمنـ ... ذر كرهًا إذ لا تكال الدماء
وولدنا عمرو بن أم أناس ... من قريب لما أتانا الحباء
مثلها يخرج النصيحة للقو ... م فلاة من دونها أفلاء
وبهذا تنتهي معلقة الحارث بن حلزة، وهي كما نرى تصوير لشعور مغيظ محنق، ينفس عن غضب يقطع نياط قلبه، وثورة تتأجج في صدره، ليرد كيد المعتدي في نحره، في تقريع عنيف، وتهكم مرير، وسخرية قاتلة، ويثأر لكرامته ويصون شرفه.
(1/329)

التعليق على تحليل المعلقات:
هذا عرض تحليلي للمعلقات السبع، ومنه يتبين أن كل معلقة تحتوي على أفكار متعددة، ولكن الشاعر كان يحاول أن يجعل أفكاره في قصيدته متسلسلة، تسلسلًا طبيعيًّا، والروابط بين الأفكار واضحة في جميع المعلقات إلا في معلقة امرئ القيس فإنها تحتاج في تبينها إلى قليل من التأمل:
ففي معلقة امرئ القيس نجد أن الشاعر بدأها بالوقوف على الأطلال، ووصف ما آلت إليه الديار فجره ذلك إلى الحديث عن سبب ذلك وهو ترك الحبيبة لها، فتحدث عن موكب الارتحال، وأثر ذلك في نفسه، فعاد به ذلك إلى تذكر ما كان من مواقف مع الحبيبة وسبب تأثيرها عليه، وهو جمالها فوصفها، فأثار ذلك كله الهموم التي أقضت مضجعه في الليل، فوصف ما يعانيه المهموم الحزين من الليل، وحتى إذا أصبح فلن يسرّى عنه الهم ما دام في جو الذكريات، وحينئذ ليس أمامه إلا أن يترك هذا المكان بأسرع ما يستطيع فيخرج مبكرًا في
(1/329)

رحلة صيد ممتعة يعجبه فيها كل شيء، فيصف الحصان ومنظر البقر الوحشي، ومعركة الصيد، وكيف كانت نهايتها حلوة يتناول ما لذ وطاب من ألوان اللحوم، وفي إحدى روحاته أو غدواته تغير الجو وتلبدت السماء بالغيوم، ونزل المطر، فسالت الأودية والروابي، وعم الخير وعبق العطر، فانتشى الطير، وازينت الأرض فاكتست حللًا جميلة، متنوعة الأشكال والألوان، فالروابط في المعلقة تكاد تكون خفية تحتاج إلى تأمل.
أما في معلقة طرفة فالصلة بين الأفكار واضحة إذ كان الشاعر ينتقل من جزئية إلى أخرى بتمهيد صريح: فقد بدأ بالأطلال والوقوف عليها، فجره ذلك إلى موكب الارتحال، ووصف من كان يحب في هذا الموكب. فعلاه الهم فلم يجد وسيلة لتسليته خيرًا من ناقته القوية السريعة، فيصفها وصفًا بديعًا، مبينًا قوتها وسرعتها وطعامها والعناية بها، ثم نسب إليها أنها هي التي تساعده على القيام بالأمور الخطيرة والأعمال الجليلة، فكان ذلك مدخلًا لطيفًا للحديث عن نفسه، فانطلق في فخر شخصي، وكأنما أحس أنه بما نسبه لنفسه من صفات وأمجاد محبوب من جميع الناس وموضع احترامهم؛ ولذلك تعجب من سلوك ابن عمه معه الذي كله تعنت وعناد وظلم، وقارن بين شعور كل منهما تجاه الآخر فكان ذلك مدعاة للحديث عن نفسه مرة أخرى في فخر شخصي آخر، وفي أثناء حديثه عن سلوكه وأحواله يتخلل كلامه بعض الحكم التي ساقها لمناسبات اقتضتها، فالروابط بين أجزاء معلقة طرفة واضحة صريحة.
وأما زهير فقد بدأ معلقته بالحديث عن ديار الحبيبة وما آلت إليه، فجره ذلك أيضا إلى الحديث عن موكب الارتحال، والعلاقة بين هذين واضحة، ثم انتقل إلى الحديث عن الساعين في الصلح بين المتحاربين، وهذا اقتضاه أن يتحدث إلى المتحاربين لتبصيرهم بمغبة الاندفاع وراء الأهواء، وما ينتج عن الحروب من المحن والآلام، وساق في النهاية حكمًا تدعم ما يتحدث فيه ليتم مشروع الصلح بنجاح، والصلة وثيقة بين الديار وموكب الارتحال، وهي كذلك وثيقة بين الحديث عن الساعين في الصلح والحديث إلى المتحاربين، وقد يبدو أن هناك فجوة في الانتقال من موكب الارتحال إلى مدح الساعين في الصلح، ولكن إذا تأملنا نفسية الشاعر فسوف نجد أن الشاعر قد ألف قصيدته وهو تحت سيطرة الانفعال بحب الأمن والسلام، فكلما تحقق ذلك رضي به واطمأن، وهذا الرباط النفسي وجد في جميع جزئيات القصيدة، فحينما تحدث عن الأطلال وما آلت إليه بعد هجرالحبيبة عنها منذ عشرين سنة وتكاثرت فيها الظباء والبقر والنعام، وظهر عليهن جميعًا الأمن والراحة والاستقرار، سره
(1/330)

ذلك، فرضي به، ودعا للربع في النهاية بالنعيم والسلام، وكذلك حينما تحدث عن موكب الارتحال، ومن كن فيه، وما ظهر عليه من مظاهر الترف والنعيم، وصل بهن إلى منزل طيب جميل نزلن فيه نزول المقيم الآمن الهادئ، فكان منظرًا أنيقًا، أقر عينه وأثلج فؤاده وأرضاه، ولذلك لم نره يسفح دمعة واحدة لا عند الأطلال ولا في أثر الارتحال، وإذا كان ذلك أثار إعجابه وسروره، فلا شك أن من يضحي في سبيل السلام أشد إثارة للإعجاب والسرور، ويستحق المدح والثناء فانتقل إلى الإشادة به، ففكرة الأمن والاستقرار والسلام هي التي سيطرت على الشاعر، فكانت الرباط الوثيق بين جزئيات القصيدة من أولها إلى آخرها.
وأما لبيد فقد بدأ بالحديث عن ديار الحبيبة التي هجرتها من سنين، وتعاورتها الرياح والأمطار فتخربت، وسكنتها الوحوش، ووقف يسألها، ولكنه تعجب من سؤال أصم لا يبين، وجره ذلك إلى الحديث عن الأظعان وابتعادهن، وانقطاع الصلة بينه وبين من كان يحب، وتعجب كذلك من تأثره بفراق من قطع الصلة، وجزاؤه قطع الصلة بالابتعاد عنه على ناقة قوية سريعة، صور سرعتها بسرعة أتان حامل يطاردها حمار عنيف، كلفها عناء ومشقة شديدين، فكانت تولي هاربة منه بسرعة فائقة وكذلك صور سرعة ناقته بسرعة بقرة وحشية حزينة طاردها الصيادون وكلابهم، فانطلقت فزعة بسرعة شديدة لتنجو بحياتها، ثم قال: إن هذه الناقة هي التي تجعله يقوم بجميع ما عليه من واجبات والتزامات، فكان ذلك تمهيدًا للبدء في فخر شخصي انتقل منه إلى فخر قبلي بأنه من قوم شأنهم كيت وكيت، فالترابط واضح في المعلقة من أولها إلى آخرها.
وأما عنترة فقد بدأ بالديار وتحيتها والدعاء لها بالخير لأن حب من سكنها تمكن من قلبه بالرغم من عدواته لقومها، وبعدها عنه، وتمنى أن توصله إليها ناقة قوية شديدة أخذ في وصفها، وكأنه يتخيل أنه وصل فوجدها محجبة دونه، فقال: إنه خبير بتمزيق دروع الأبطال، وانطلق يحكي صفاته وأخلاقه وسلوكه، وأخذ يضرب أمثلة لشهامته ومروءته بما يثبت أنه بطل كريم، ذو مروءة وأخلاق، فهي قصيدة محبوكة تتسلسل فيها الأفكار في تتابع مرتب منسق.
وأما عمرو بن كلثوم فقد بدأ بطلب الصبوح، ثم أعقبه بالحديث عن الظعينة، وسألها عن سبب الارتحال، وما وراءه بالنسبة للصلة بينهما، ثم عقب على ذلك بأن المستقبل غيب، لا يعلم عنه المرء شيئًا، فكأنه بذلك كان يريد أن يعرف حقيقة شعورها نحوه من ناحية، ويترقب ما يجيء به المستقبل من أحداث من ناحية أخرى، وخصوصًا مما يتصل بعمرو بن هند الذي
(1/331)

يبدو أنه حدث بينهما ما لم يكن مرغوبًا فيه، فوجه إليه الحديث في غضب وثورة مهددًا ومتوعدًا، بدأه بنصحه في تهكم بالتريث؛ ليعرف حقيقة قوم الشاعر، ثم أخذ عمرو يعرض مفاخر قومه وأمجادهم وعزتهم وإباءهم وأسلافهم السابقين من ذوي الشهرة والحسب، ثم وجه الحديث إلى بني بكر خصوم قومه محذرًا، واستمر في فخره القبلي إلى آخر القصيدة.
وأما الحارث بن حلزة فقد بدأ بأن الحبيبة أعلمته بالارتحال، وأنها أصبحت بعيدة عنه، ولن يجديه البكاء شيئًا، فتسلى بناقته التي يسلى بها الهموم، ولكن يبدو أن همًّا ثقيلًا عنيفًا قد استحوذ عليه، فأثار حفيظته، فانطلق ينفس عن ثورته، فقد أسيء إلى قومه ظلمًا وعدوانًا، ووشى الوشاة ضدهم بالنميمة حقدًا وضغنًا، وأخذ يعرض أمجاد قومه، ثم انتقل إلى تحقير خصومهم، فسرد مخازيهم، وما حاق بهم من الهوان في تهكم وسخرية، ثم ذكر مواقف معينة عظيمة لقومه تدل على علو شأنهم.
من هذا ترى أن الوحدة الموضوعية متحققة في كل المعلقات، فكان الشاعر ينتقل من جزئية إلى أخرى لمناسبة تقتضيها، وبمجرد أن يبدأ تتوالى عليه الأفكار، فيسير في عرضها متتابعة حتى ينتهي مما يريد.
(1/332)

الشعور العام في المعلقات:
في كل معلقة شعور عام يسيطر عليها من أولها إلى آخرها:
فمعلقة امرئ القيس تصوير لنفسية شاب يعشق الجمال فيقبل على الحياة، باحثًا عن نواحي الجمال فيها، ويحاول بكل ما يستطيع أن يستمتع بكل مظهر من مظاهر الجمال، ويؤلمه أن يعترضه ما يعكر صفو حياته، أو يقلل من سروره ومتعته، حتى ولو كان من مظاهر الفطرة التي لا دخل للإنسان فيها فيحاول التخلص منه، ويبحث عن المتعة والسرور في كل اتجاه.
ومعلقة طرفة يسرد فيها شعور الطموح وحب الظهور، فالأطلال تلمع فهي ظاهرة واضحة، وموكب الارتحال ضخم عظيم، والحبيبة من طبقة مترفة تتحلى بالجواهر الثمينة، ووجهها يشع نورًا ودفئًا وحياة، وناقته ضخمة عظيمة، وشخصيته ذائعة الشهرة والصيت.
وفي معلقة زهير، يشيع نقاء السريرة وحب الخير، فهي تصوير لنفسية رجل حلب الدهر أشطره، فعرف خيره وشره، وحلوه ومره، وثبت لديه أن الحياة لا قيمة لها بدون سلام.
فجدير بالعاقل أن يبحث عنه، ويتمسك به، ويدعو به، حتى للجماد.
(1/332)

وفي معلقة لبيد، نرى الرغبة في الوصول إلى الأهداف والغايات على أساس الحقيقة والواقع لا جريًا وراء الأوهام، ولا تعلقًا بالأماني والأحلام البعيدة المنال، مع اتخاذ الحيطة والحذر، ومعالجة الأمور بالعقل والتدبر، فالأطلال قد درست، والمكان تبدل بأنسه وبهجته الوحوش والوحشية، وأصبحت الأطلال لا خير له فيها، فلا جدوى من الوقوف بها والاستخبار عن أهلها، وكان ارتحال الحبيبة مثيرًا للشوق، ولكن ما فائدة تذكرها وقد بعدت وقطعت الصلة، فخير ما يجب أن يقطع صلة من قطعه، فالجزاء من جنس العمل، وليترك المكان بالسفر على ناقة دائمة النشاط والسرعة، مهما بلغ منها الإعياء، في سبيل الوصول إلى الغاية المنشودة، ولتكن في جريها كأتان حامل تهرب من حمار يطاردها بعنف فتجري، وتسلك مسالك وعرة، وتتحمل ما تتحمل من العناء والتعب في سبيل المحافظة على سلامتها وسلامة جنينها، أو لتكن الناقة في جريها كبقرة وحشية حزينة غفلت عن ولدها فافترسته الذئاب، وفاجأها الصيادون فولت هاربة في عنف وسرعة فائقة، حتى إذا أحست الخطر دخلت معركة عنيفة مع أعدائها فصرعتهم ونجت بحياتها، وناقته التي تلك سرعتها تعينه على إبعاد ما ينغص حياته أو يسبب اللوم أو المؤاخدة؛ لأنه هو وقومه يعرفون قيمة الحياة الكريمة، فيحافظون على ما يحمي شرفهم ويعلي مكانتهم مهما كلفهم من مشقات وتضحيات، فالكل يكافح ويقاسي في سبيل حب البقاء.
أما معلقة عنترة ففيها الشهامة بمثلها العليا ومبادئها النبيلة، فيها الوفاء بالعهد للديار وإن أصبحت أطلالًا، فلها التحية والمهابة والاحترام، والوفاء بالعهد لمن سكنتها وإن باعدت بينهما الظروف، فلها كل محبة واحترام، وهو يدخل الحروب ويجابه الأخطار لأغراض سامية، لا طمعًا في كسب، ولا جريًا وراء نزوة، فيقاتل وينتصر فيتعفف عن الغنائم ولا ينظر إليها، ويقتل حليل الغانية الصنديد ولا يمسها بسوء، ويحافظ على شرف المرأة ولو كانت من الأعداء، ويدعو لحبيبته ألا تكون لأحد إلا عن طريق الحلال، وأمنيته أن تكون هي الحلال له، ويعرض بطولاته وأمجاده أمام حبيبته، ليؤكد لها أنه قادر على حمايتها والمحافظة عليها معززة مكرمة في وقت كانت النساء فيه نهبًا لمن استطاع أخذهن بالقوة حيث لا قانون إلا القهر والغلبة، وهو في أوقات الشدة وساعات الخطر محط الآمال وموطن الرجاء، وموضع الثناء والإعجاب.
ومعلقة عمرو بن كلثوم، تصور الرغبة في التعالي وحب العظمة في النفس البشرية، لا في
(1/333)

فرد واحد، ولكن في مجموعة، فهي تتغنى بصفات القبيلة المثالية تجاوبًا مع التيار العام السائد في العصر الجاهلي، حيث لا أمان إلا بالقوة والإرهاب، فما هي إلا ذكر المفاخر والأمجاد، وحديث عن الأصل والحسب والشرف والقوة والعزة والصلابة والعناد في هذه القبيلة. وقد انطلق الشاعر في كلامه بقوة وحماسة وحمية تجعل كلا من القارئ والسامع تنتفخ أوداجه، ويشمخ برأسه ويتطاول إلى السماء، كأنما يتمنى أن يكون واحدًا من هؤلاء الموصوفين: عزة وإباءً، وكثرة في البر، ورهبة في البحر.
أما معلقة الحارث بن حلزة فيسيطر الغضب فيها؛ فقد امتلأت جوانح الشاعر غيظًا ألهب عواطفه، فثار ثورة عنيفة، فانطلق يروي ويروي مفصلًا ومبينًا حتى لتحس كأنما يهدد، ويرغي، ويزبد، ويتطاير منه الحمم كبركان ثائر يقذف بالجمر: فضح الخصوم وعدد مخازيهم، وسرد معايبهم في عرض قوي مثير، وأشاد بقومه في لباقة تثير العجب، وتجلى ذكاء الحارث، وعبقريته الفنية في مزجه مدح عمرو بن هند بذمه الأعداء وبفخره بقومه.
وأعتقد أن من أسباب خلود المعلقات، أن كلا منها تشبع غريزة من غرائز النفس البشرية، فهناك حب الجمال في معلقة امرئ القيس، والطموح وحب الظهور في معلقة طرفة، والرغبة في الأمن والاطمئنان في معلقة زهير، وحب البقاء والكفاح في سبيل الحياة في معلقة لبيد، والإعجاب بالشهامة والمروءة في معلقة عنترة، وحب التعالي والعظمة في معلقة عمرو بن كلثوم، والغضب للشرف والكرامة في معلقة الحارث بن حلزة.
(1/334)

بدء المعلقات:
كلها تبدأ بالحديث عن الأطلال وموكب الارتحال إلا معلقة عمرو بن كلثوم، فقد استبدل بالأطلال طلب الصبوح، كأنما يريد أن يغيب عن وعيه فلا يرى ارتحال الظعينة ولا يحس ألم الفراق، والحديث عن الأطلال، والارتحال، من أشد مثيرات الوجدان، فالمكان يترك أثرًا عميقًا في الإنسان والارتحال يفرق بين قلبين إلى مدى لا يدرى كلاهما عقباه، وساكن المكان يشتد حنينه إليه بعد تركه، فإذا مر به اعتراه شعور غريب، وملأه إحساس عجيب، وقد يجد نفسه مدفوعًا إلى الوقوف به أو محاولة الدخول فيه، ومعرفة ما آل إليه، والمكان يعيد لصاحبه ما كان له فيه من ذكريات فينتابه الحنين ويعتريه الأسى، ولا شك أن التأثر يكون
(1/334)

أكثر وأقوى إذا كان للإنسان في هذا المكان ذكريات حلوة جميلة لا أمل في استرجاعها، وبقدر ما فقد المرء من المتعة تكون درجة التأثر عمقًا وشدة، وحينئذ لا غرابة أحيانًا إن سيطر الحزن على الإنسان، أو عصرته اللوعة، أو ملأه الهم والغم، ولا عجب إن حاول التفريج عن نفسه بالبكاء، فلعل الدموع تطفئ نار الوجد، أو تقلل من ثقل الحزن، لهذا أعتقد أن الشعراء الجاهليين كانوا صادقين في تصوير انفعالاتهم بآثار الديار وموكب الارتحال، فذلك تعبير عن مشاعر حقيقة للنفس البشرية في هذه المواقف، ولا شك أن الشاعر في هذه الأحوال يكون في أوج التهيج والانفعال، ومن ثم فليس عجيبًا إن تواردت الخواطر وتتابعت الأفكار وجاء الفيض الشعري الذي نراه في المطولات.
وأصحاب المعلقات الذين بدءوها بالأطلال ومواطن الارتحال، إن اتفقوا في الفكرة فقد اختلفوا في الصورة، فقد لمس كل منهم الفكرة من زاوية خاصة، وعرضها بصورة خاصة، ومن يتأمل هذه المطالع فسيتضح له أن كلا منهم كان يحاول أن يجعل الافتتاحية ملائمة للشعور العام الذي يسيطر عليه في القصيدة كلها.
ففي معلقة امرئ القيس، أطلال لديار عفت وسكنتها الآرام، وظعائن تسير، والشاعر يقف باكيًا حزينًا، وفي معلقة طرفة أطلال تكاد آثارها لا ترى والشاعر واقف بها في أسى ولوعة، والظعائن تسير في موكب ضخم عظيم تشق الوديان في سرعة ونشاط، وعند زهير أطلال أصبحت مواطن أمن واستقرار للبقر والظباء وأولادها فيحييها ويدعو لها بالخير. وظعائن مترفات منعمات يصلن إلى مكان أمين مريح، وعند لبيد ديار تخربت وأصبحت مرعى لقطعان الماشية فلا أمل له منها يرتجى، وظعائن فارقن وقطعن الصلة، أما عنترة فديار حبيبته لها واجب التحية والوفاء، والحبيبة وإن بعدت فلها كل محبة وإكرام، وظعينة عمرو بن كلثوم يسألها عن حقيقة شعورها نحوه: قطيعة أم خيانة للعهد، أما الحارث بن حلزة فقد أعلمته الحبيبة بالرحيل، وقد خلت الديار منها فلا جدوى من البكاء عندها، وذلك يوضح أن الشاعر وإن اتفق مع غيره في الفكرة فإن جانب الانفعال لديه كان يختلف، من هنا تأتي الصورة متغايرة.
ومن ناحية مناسبة البدء لفحوى القصيدة، نجد ذلك متحققًا، مما يدل على أن الشاعر كان ذكيًّا دقيق الإحساس، فمعلقة امرئ القيس لوحات لبعض مظاهر الجمال في الطبيعة والإنسان، وافتتاحيتها حسرة وألم لما فاته من متعة بالجمال، ومعلقة طرفة تصوير للطموح.
(1/335)

وحب العظمة، والأطلال فيها وإن قاربت أن تطمس، فإنها تلمع وتبرق، وموكب الحبيبة ضخم عظيم، وفي معلقة زهير روح الأمن والسلام، ومقدمتها أطلال أصبحت مأوى البقر والظباء تعيش فيها آمنة مستقرة فيرضيه هذا ويدعو للربع بالنعيم والسلام، وظعائن تسير حتى تصل إلى مكان الراحة والاطمئنان فيدخل منظرهن في نفسه البهجة والسرور، ومعلقة لبيد رمز للكفاح ومحاولة التصرف مع الواقع بما يناسبه بدون تشبث بالأوهام والخيالات، وأطلاله أصبحت لا جدوى منها فلا ينبغي أن يعيش في الأحلام، والحبيبة قد بعدت وقطعت الصلة، فليعاملها بالمثل، أما عنترة فيصور الشهامة ومن أهم مبادئها الوفاء بالعهد وحماية المرأة وصون شرفها، فالطلل وإن أقوى وأقفر فله التحية، وهي وإن بعدت فهو باقٍ على عهدها قد تمكن حبها في قلبه منذ أن رآها عرضًا، ومع بعدها وعداوة قومها له، فسيظل أمينًا مخلصًا لها.
وأما عمرو بن كلثوم فيصور في معلقته التعالي وحب العظمة، وبدؤه تحقق فيه ذلك، فهو يطلب الصبوح، ويأبى إلا أن يكون من أجود الأنواع، ولا يحب أن يكون فراق الظعينة لقطيعة أو خيانة للعهد، وإلا كان له في ذلك شأن، وأما الحارث بن حلزة فهو في معلقته غضوب ثائر لكرامته، يحب الصراحة، ويحارب التآمر في الخفاء، فكذلك كان بدؤه فصارحته الحبيبة بالرحيل، وبعدت عنه فصرح بأنه لا أمل له في شيء منها، فليتجه نحو ما يهمه وما يعنيه.
(1/336)

العرض الشعري في المعلقات وقيمتها:
رأينا فيما سبق أن كل معلقة كانت أثرًا لانفعال معين لدى الشاعر، سيطر عليه من أول القصيدة إلى آخرها، وكان هذا الانفعال يوجه الشاعر من البدء فيحدد له الزاوية التي يبدأ منها، وبمجرد أن ينتهي من افتتاحيته، كانت تتوالى عليه الخواطر وتتوارد الأفكار من باب تداعي المعاني، والحديث ذو شجون، فكانت الفكرة تسوقه إلى أخرى تتصل بها أو تستدعيها إلى أن ينتهي مما يريد، ومن ثم جاءت الأفكار فيها مترابطة متوالية في تسلسل شعري لطيف، فالحبكة الموضوعية فيها تامة.
وأحيانًا يستطرد الشاعر فيتحدث عن أشياء قد تبدو لأول وهلة أنها خارجة عن الإطار الذي يسير فيه، ولكن بأقل تأمل سوف يتبين أنها وثيقة الصلة بالفكرة التي يعرضها، كوصف مطاردة الحمار للأتان، وفرار البقرة الوحشية الحزينة الفزعة، في معلقة لبيد، فقد أوردهما
(1/336)

الشاعر لبيان سرعة ناقته وكالحديث عن روضة يفوح أريجها في معلقة عنترة فقد أورده لتصوير رائحة الحبيبة، وكان الشاعر يحاول أن يوضح فكرته توضيحًا تامًّا، مستعينًا في ذلك كلما تطلب الإبداع الفني بالتصوير الشعري، فزخرت المعلقات بالصور الشعرية الرائعة، منها؛ على سبيل المثال لا الحصر: قول امرئ القيس:
تصدُّ وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل
فقد صور وجهها وعينيها وذراعيها وحركتها في التفاتها إليه وعنه بحركة فيها جمال ودلال ورقة وحنان وقوله في الإعجاب بالحصان:
ورحنا يكاد الطرف يقصر دونه ... متى ما ترق العين فيه تسهل
وقوله في بهجة الطيور وسرورها ونشوتها في الصباح الباكر وعقب المطر:
كان مكاكي الجواء غدية ... صبحن سلافًا من رحيق مفلفل
وقول طرفة في جمال الوجه ونضرته:
ووجه كأن الشمس حلت رداءها ... عليه نقي اللون لم يتخدد
وقوله في تصوير الخائف من ارتياد الأماكن المجهولة، إذ يتمنى أن يفدي نفسه ومن يحب فلا يضطر للسير فيها وتضطرب نفسه وترتعد فرائصه وتبلغ منه الروح الحلقوم، وتجيش نفسه خوفًا ورعبًا كما تجيش القدر وتصور له الأوهام والخيلاء هلاكًا في كل خطوة قدم:
على مثلها أمضي إذ قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك منها وأفتدي
وجاشت إليه النفس خوفًا وخاله ... مصابًا ولو أمسى على غير مرصد
وقوله في صلة الإنسان بالموت وشدة ارتباطه به متى حان ميعاده جذبه كأنه مربوط بحبل طرفه في يده:
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد
متى ما يشأ يومًا يقده لحتفه ... ومن يك في حبل المنية ينقد
(1/337)

وقوله في وصف سيفه بأنه حادٌّ ماضٍ ضربته قاضية لا تحتاج إلى تثنيتها، وقطعه أسرع من الصوت:
فآليت لا ينفك كشحي بطانة ... لعضب رقيق الشفرتين مهند
حسام إذا ما قمت منتصرًا به ... كفى العود منه البدء ليس بمعضد
أخي ثقة لا ينثني عن ضريبة ... إذا قيل مهلا قال حاجزه قد
وقول زهير في البقر والظباء وهن بين قائمات ونائمات وماشيات مقبلة ومدبرة، وصاعدة ونازلة، زرافات، ووحدانًا، وأولادهن من أماكن رقادهن:
بها العين والأرآم يمشين خلفه ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
وقوله في ارتحال الظعائن في السحر إلى وادي الرس مباشرة بدون خطأ في الاتجاه إليه:
بكرن بكورًا واستحرن بسحرة ... فهن ووادي الرس كاليد للفم
وقوله في منظرهن الوسيم الساحر:
وفيهن ملهى للَّطيف ومنظر ... أنيق لعين الناظر المتوسم
وقوله في فظاعة الحرب وما يتخلف عنها من مصائب ومحن:
فتعرككم عرك الرحى بثفالها ... وتلقحْ كشافًا ثم تنتجْ فتتئم
وقوله في قوة القوم ومنعتهم:
كرام، فلا ذو الضعن يدرك تبله ... ولا الجارم الجاني عليهم بمسلم
وقوله في البطل القوي الكامل السلاح:
لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم
وقوله في حتمية الموت، وأن الحذر لا ينجي من القدر:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم
(1/338)

وقوله في جهل الغريب بما حوله، وفي هوان النفس:
ومن يغترب يحسب عدوًّا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
وقول لبيد في وصف مكان تهطل فيه أنواع الأمطار المختلفة غدوًّا وعشيًّا فطالت أعشابه وكثرت أشجاره وتكاثرت فيه الظباء والنعام:
رزقت مرابيع النجوم وصابها ... ودق الرواعد جودها فرمامها
من كل سارية وغادٍ مدجن ... وعشية متجاوب أرزامها
وقوله في تصوير بقرة وحشية شديدة البياض في ليلة حالكة الظلمة، ينهمر فيها المطر بشدة، فتتحاماه بفروع شجرة قاصية عن طريق:
تجتاف أصلًا قالصًا متنبذًا ... بعجوب أنقاء يميل هيامها
يعلو طريقة متنها متواترًا ... في ليلة كفر النجوم غمامها
وتضيء في وجه الظلام منيرة ... كجمانة البحريّ سل نظامها
وقوله في نزول الربيئة من المرقب بعد أن غربت الشمس وخيم الظلام فستر أماكن المخافة وكان في انتظار فرسه الكريمة الطويلة:
حتى إذا ألقت يدًا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها
أسهلت وانتصبت كجذع منيفة ... جرداء يحصر دونها جرامها
وقول عنترة في وصف روضة فيحاء تتعاورها الأمطار فكثر عشبها وطال نباتها وكثرت أزهارها وفاح عبيرها، وغرد ذبابها:
أو روضة أنقًا تضمن نبتها ... غيث قليل الدمن ليس بمعلم
جادت عليه كل بكر ثرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم
سحًّا وتسكابًا فكل عشية ... يجري عليها الماء لم يتصرم
وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردًا كفعل الشارب المترنم
هزجًا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم
(1/339)

وقوله في وصف طعنة يندفع منها الدم بغزارة وقوة، فيحدث صوتًا تهتدي به الذئاب الجائعة:
برحيبة الفرغين يهدي جرسها ... بالليل معتس الذئاب الضرم
وقوله في وصف المعركة حين جاءت الجيوش، وكل جندي يؤجج حماسة الآخر، والتحم عنترة بالأعداء والقوم يهتفون باسمه، ويعلقون عليه آمالهم، فيزداد التحامًا، وتنهال الرماح عليه وعلى حصانه من كل جانب، ويتقدم بحصانه أكثر وأكثر حتى اكتسى حصانه سربالا من الدم، فانحرف بصدره عن موقع الرماح ونظر إلى فارسه نظرة فيها رجاء واستعطاف أن يشفق به شيئًا ما، وكان ذلك بدمعة من الحصان انحدرت على خده، وصوت مكتوم جاش به صدره، ولكن صيحات الإعجاب كانت تنزل عليه بردًا وسلامًا فتزيل سقمه وتزيده نشاطًا وشجاعة.
لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم
يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم
مازلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إليّ بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
وقول عمر بن كلثوم في الحسناء المصون المترفة العفيفة البعيدة عن الريب:
تريك إذا دخلت على خلاء ... وقد أمنت عيون الكاشحينا
ذراعي عيطل أدماء بكر ... تربعت الأجارع والمتونا
وثديًا مثل حق العاج رخصا ... حصانًا من أكف اللامسينا
وقوله في تصوير وجد الحزين بناقة ضل منها ولدها فرددت الحنين، وبحال امرأة قاربت سن اليأس، وفقدت أبناءها التسعة:
فما وجدت كوجدي أم سقب ... أضلته فرجعت الحنينا
ولا شمطاء لم يترك شقاها ... لها من تسعة إلا جنينا
(1/340)

وقوله في عنف الحرب، وسعة ميدان القتال، وكثرة الضحايا في المعركة الواحدة:
متى ننقل إلى قوم رحانا ... يكونوا في اللقاء لها طحينا
يكون ثقالها شرقي نجد ... ولهوتها قضاعة أجمعينا
وقوله في تصوير قدوم الأعداء وما قوبلوا به:
نزلتم منزل الأضياف منا ... فأعجلنا القرى أن تشتمونا
قريناكم فعجلنا قراكم ... قبيل الصبح مرداة طحونا
أي نزلوا عليهم نزول الأضياف، فعجلوا بإكرامهم خوفًا من أن يسبوهم، فجاءهم سريعًا قبل شروق الشمس، وكأن القرى رحى أبادتهم جميعًا.
وقوله في تصوير عنادهم وإبائهم وأنفتهم وجزاء من يحاول أن يمسهم:
فإن قناتنا يا عمرو أعيت ... على الأعداء قبلك أن تلينا
إذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولتهم عشوزنة زبونا
عشوزنة إذا انقلبت أرنت ... تشق قفا المثقف والجبينا
فهم كالقناة الصلبة العنيفة إذا حاول أحد أن يدخلها الثقاف ليقوم اعوجاجها أبت أن تستقر، وقفزت بصوت مزعج في وجه المثقف فشجت جبهته ودقت عنقه.
ويقول الحارث بن حلزة في تصوير تجمع القوم وما يحدثونه من جلبة وضوضاء بسبب تداخل النداءات واختلاط القوم وصباحهم بصهيل الخيل ورغاء الإبل:
أجمعوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
من منادٍ ومن مجيب ومن تصـ ... ـهال خيل، خلال ذاك رغاء
وقوله في قوة القوم وشدة بأسهم وثباتهم، فلا يرهبون الأخطار، ولا تنال منهم الدواهي التي لا تستمع لمن يسترحمها، حيث صورهم بطود شامخ تنشق عنه السحب ولا تنال أحداث الزمان ولا الأخطار منه شيئًا:
(1/341)

وكأن السنون تردى بنا أر ... عن جونًا ينجاب عنه الغماء
مكفهرًا على الحوادث ما تر ... توه للدهر مؤيد صماء
وقوله فيما حدث للأعداء:
فجبهناهم بضرب كما يخـ ... ـرج من خربة المزاد الماء
وحملناهم على حزن ثهلا ... ن شلالًا ودميّ الأنساء
وفعلنا بهم كما علم اللـ ... ـه وما إن للخائنين دماء
فالقتلى كانوا ينزفون بغزارة كما يندفع الماء من أفواه القرب، والفارون تجشموا الهرب في مسالك وعرة حتى دميت أنساؤهم، وقد فعلوا بهم أفعالًا شنيعة يعلمها الله، وذهبت دماؤهم هدرًا، فجزاؤهم ما حل بهم، فالخائن لا حق له ولا كرامة.
هذه أمثلة في تصوير الأفكار في المعلقات، وهي مملؤة بروائع الصور مما يجعل قيمتها الفنية من ناحية التصوير عظيمة، وقد أشرنا فيما سبق إلى أنها تفيض بالشعور والعواطف المختلفة مما يدل على أن التصوير فيها صادق وصحيح؛ لأنه تصوير لمشاعر إنسانية حقيقة.
والألفاظ فيها مختارة بعناية ودقة، والعبارات متقنة الصياغة محكمة الوضع والتنسيق وملائمة للأفكار، حتى ما يبدو فيه تعقيد، لو تأمل فيه الإنسان لوجد الفكرة التي تعبر عنها هذه الألفاظ ليس فيها تعقيد أو تداخل أو تشابك، مما يدل على أن الشاعر كان صادق التعبير عن هذه الأفكار، حيث اختار لها من الألفاظ ما يناسبها، على أن هناك كثيرًا من الألفاظ لها دلالات قيمة من الناحيتين التاريخية واللغوية مثل: كلمة "السجنجل" وهي لفظة رومية ومعناها المرآة وقيل: سبيكة الفضة، وقد وردت في معلقة امرئ القيس، وكتصوير طرفة ضخامة ناقته بقنطرةالرومي، وكتصويره عنق الناقة في حركتها بسكان "البوصي"، وقد قال العلماء: البوصي: زورق أو ضرب من السفن أو الملاح وهو بالفارسية: "بوزي" وكذكر طرفة الشام واليمن في قوله: "قرطاس الشامي وسبت اليماني" وقد ورد ذكر أنطاكية في بيت لزهير في معلقته كما رواه الأصمعي:
علون بأنطاكية فوق عقمة ... وراد حواشيها مشاكهة الدم
(1/342)

ويقصد بالأنطاكية أنماط أي ثياب من صوف، وتوضع على الخدور نسبها إلى أنطاكية قالوا: وكل شيء جاء من الشام فهو عندهم أنطاكي.
وقد ذكر عنترة في معلقته الأعاجم وطمطمتهم أي كلامهم غير المفهوم في قوله:
تأوي له قلص النعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم
يقال: أعجم طمطم وطمطماني إذا كان لا يفهم كلامه.
وورد ذكر المهارق في قول الحارث بن حلزة:
حذر الجور والتعدي ولن ينـ ... ـقض ما في المهارق الأهواء
قالوا: المهارق: جمع مهرق -بوزن مكرم "اسم مفعول"- وهو الصحيفة البيضاء، وقيل ثوب من حرير أبيض يسقى بالصمغ ويصقل ثم يكتب فيه، وأصله فارسي.
فهذه الألفاظ تؤيد اتصال العرب بغيرهم من الأمم الأخرى، وأخذهم بعض ألفاظ لغاتهم وتعريبها.
هذا والأفكار والصور التي في المعلقات مستقاة كلها من البيئة والحياة في العصر الجاهلي مما يدل على شدة ارتباط العربي بالظروف المحيطة به، وعلى دقة ملاحظته وعمق تأثره بكل ما يجري حوله، وهذا مما يجعل المعلقات كبيرة الشأن تاريخيًّا في نواحٍ متعددة.
ومما تقدم يتبين أن المعلقات عظيمة القيمة من النواحي الفنية واللغوية والتاريخية، واختيارها منذ العصر الجاهلي على أنها نماذج ممتازة من الشعر الجاهلي، اختيار موفق وسديد، يدل على ذوق أدبي رفيع.
(1/343)

أغراض الشعر الجاهلي
مدخل
...
أغراض الشعر الجاهلي:
أثرت البيئة الجاهلية بمظاهرها المختلفة، في نفسية الشاعر الجاهلي، فحركت وجدانه، وألهبت عواطفه، وأثارت مشاعره، فانطلق لسانه مصورًا خلجات نفسه، ونبضات حسه في شتى المناسبات، فجاء الشعر الجاهلي حافلًا بمختلف العواطف الإنسانية، ومن دراسة هذا التراث الشعري، نجد أنهم تغنوا بطيب أعراقهم، ومكارم أخلاقهم، وأشادوا بأبطالهم وخلدوا أيامهم وأمجادهم، وتعالوا بما أحرزوه من نصر وغنائم، وغالوا في الحديث عن هزائم أعدائهم، وما نالهم من خسائر في الأرواح والأموال، وما كبلوا فيه من سلاسل وأغلال.
(1/343)

وما سيموا به من الخزي والعار، وما سببوه لهم من هموم وأحزان بما توعدوهم به من تهديد، وذرفوا الدمع سخينًا على ضحاياهم، ذاكرين أفضالهم ومشيدين ببطولاتهم وتضحياتهم، آخذين العهد على أنفسهم بالثأر لهم في عشرات من أعدائهم، إلى أن تهدأ نفوسهم، ويطمئن بالهم، واعتذروا عما بدر مما لا يناسب الخلق الكريم، أو البطل العظيم، ومدحوا اعترافًا بالفضل، وتخليدًا للشهامة والمروءة ووصفوا كل ما وقعت عليه عيونهم من مظاهر الجمال، فأتوا في كل ذلك بروائع الصور، فامتلأ شعرهم بفنون عديدة من الشعر الغنائي، ففيه الوصف، والغزل، والفخر، والمدح، والهجاء والذم، والتهديد، والرثاء، والإنذار، والاعتذار، والنصح، والحكمة.
وفي الشعر الجاهلي لا نجد الشاعر يؤلف قصيدته في غرض واحد من هذه الأغراض، فيندر أن نجد قصيدة، وبخاصة تلك الطوال، تتكون من غرض واحد، بل إن كل قصيدة كانت في معظم الأحوال تتألف من الحديث في أكثر من فن واحد من هذه الفنون، فتحتوي القصيدة الواحدة مثلًا على الغزل والوصف، والفخر والهجاء، والوعيد، وقد تشتمل على أغراض أكثر من هذه، كل ذلك راجع لهوى الشاعر، وطواعية الشاعرية له، والمثيرات التي تهيج عاطفته، أو تحرك مشاعره.
والقصيدة الطويلة التي تضم أكثر من موضوع ربما كانت تؤلف كلها بموضوعاتها المختلفة دفعة واحدة، أي أن كل موضوع كان يثير ما يليه بمعنى أن أساس القصيدة كان من أول الأمر موضوعًا واحدًا يتناوله الشاعر في قصيدته، ويتحدث عنه باعتباره الغرض الأساسي لها، ثم يجره هذا الموضوع إلى غيره، فالحديث ذو شجون، وهكذا يتوارد على خاطر الشاعر كثير من المواضيع فتتدرج كلها في سياق الحديث تبعًا لمقتضيات الحديث، وطبيعة نفس المتحدث، وطريقتها في التشعيب، ومدى تذكرها للموضوع الأصلي، ومع حسن الربط بين هذه الموضوعات تبدو القصيدة متناسقة، مترابطة الأجزاء، حتى لو كانت هناك غرابة بين هذه الموضوعات.
وربما كانت القصيدة الواحدة التي تشتمل على أكثر من موضوع تؤلف على فترات، بمعنى أن الشاعر كان يؤلف أبياتًا في موضوع واحد، ثم تمضي فترة من الأيام، فتعن له أبيات في موضوع آخر، ويأتي بها على نفس الوزن والقافية، وهكذا في عدة موضوعات، ثم يربط بين هذه الموضوعات بما يراه مناسبًا، فتجيء القصيدة الواحدة متعددة الموضوعات والأغراض.
(1/344)

ويغلب على الظن أن ذلك كان يحدث بين الشعراء الذين يعنون بفنهم الشعري كثيرًا، فيعيدون النظر مرارًا في كل قصيدة يؤلفونها، وبخاصة إذا كانت طويلة، وينوون الدخول بها في مجال التنافس في ميدان الفصاحة، والسبق في الفن الشعري.
ومهما يكن من شيء، فإن ما لدينا من التراث الشعري للجاهليين يدل دلالة قوية على الظواهر العامة والخاصة التي كانت تثير مشاعر العربي وإحساساته، وعلى يقظة العربي، واستجابته للمثيرات التي من شأنها أن تحرك مشاعر النفوس المرهفة، كما يدل على أن الشاعر الجاهلي على العموم قد استطاع بقوته الشاعرية أن يلم بجوانب النفس البشرية كلها، فصور انفعالاتها وأحاسيسها في كل الظروف والأحوال والمناسبات، فغطى جميع نواحي الشعر الغنائي الذي يعنى بتصوير نفسية الإنسان، وما لها من ميول وعواطف ووجدان.
والشعر الجاهلي كله مكون من هذه العواطف والانفعالات، وقد جاءت فيه جميع الموضوعات التي يتألف منها الشعر الغنائي، وسنحاول فيما يلي أن نتحدث عن أغراض الشعر في العصر الجاهلي.
(1/345)

الوصف:
لقد أحاط الشاعر الجاهلي في أوصافه بجميع ظواهر البيئة التي كان يعيش فيها، فوصف الطبيعة الحية والصامتة والساكنة والمتحركة فصور الصحراء وما فيها من جماد وحيوان وما يعتريها من رياح وسحب وأمطار وظواهر المناخ المختلفة، وغير ذلك بحيث يمكن القول معه بأن الشاعر الجاهلي قد صور البيئة العربية تصويرًا عامًّا استوعب فيه جميع ظواهر الحياة في ذلك العصر، فمثلًا في وصف الصحراء وما بها، يقول عميرة بن جمل:
ألا يا ديار الحي بالبردان ... خلت حجج بعدي لهن ثمان
فلم يبق منها غير نؤي مهدم ... وغير أوارٍ كالركي دفان
__________
1 المفضليات: دار المعارف سنة 1964 ص258 ق: 64 ب: 1-6.
2 النؤي: الحاجز الذي يكون حول الخباء لئلا يدخله الماء، كما يقال أيضا للحفيرة التي تحفر حول الخباء لترد الماء عنها، الأواري: جمع آري، هو ما حبس الدابة من وتد ونحوه. الركي: جمع ركية، وهي البئر. دفان: مندفنة، جمع دفين.
(1/345)

وغير حطوبات الولائد ذعذعت ... بها الريح والأمطار كل مكان3
قفار مروراة يحار بها القطا ... يظل بها السبعان يعتركان4
يثيران من نسج التراب عليهما ... قميصين أسماطًا ويرتديان5
وبالشرف الأعلى وحوش كأنها ... على جانب الأرجاء عوذ هجان6
وهنا يبدأ الشاعر قصيدته كما كانت عادة الشعراء بالحديث عن ديار الحبيبة التي تركها، فيصف المكان الذي كانت تسكنه، وما أصبح عليه بعد أن تركه أهلها، وصار قطعة من الصحراء المقفرة المهجورة، فلم يبق به إلا آثار متهدمة وبقايا أطلال عفت وتهدمت أوطمرت، وقليل من الأحطاب فرقتها الريح والأمطار في كل مكان، وامتلأ هذا الوطن بالرهبة والفزع، وطمست معالمه وضاعت منه جميع آثار الحياة حتى أصبح متاهة، يضل بها الساري، ولو كان أخبر الناس بالطرق والجهات، وصار مأوى للسباع المفترسة، وقد خلا من الماء والرزق، حتى إن الحيوانات الضارية لا تجد ما تقتات به، فيتعارك كل منها مع الآخر، ويفترس القوي الضعيف، وقد امتلأت جميع البقاع، وبخاصة الأماكن المرتفعة، بالوحوش الضارية التي اتخذتها لها دارًا تقيم فيها هي وأولادها، كأنما هي عرين لها، يملأ النفوس رعبًا وفزعًا.
وفي مثل هذا يقول سويد بن أبي كاهل اليشكري:
كم قطعنا دون سلمى مهمهًا ... نازح الغور إذا الآل لمع 8
__________
3 الحطوبات: جمع حطوبة، وهو ما يحتطبه الإماء ويجمعنه. الولائد: الإماء، ذعذعت: فرقت.
4 مروراة: لا ماء فيها، ولا تنبت شيئًا، يحار: يضل، يقصد أن القطا يتيه فيها ويضل، ولا يهتدي فيها لشيء وليس في الطير أهدى من القطا، فإذا حار في مكان كان غير القطا فيه أشد حيرة. السبع: المفترس من الحيوان، يعتركان: يلتمس كل منهما أكل صاحبه من الجدب.
5 أسماطًا: لعله يريد أسمالًا أي بالية.
6 الشرف: المرتفع من الأرض، الأرجاء: جمع "رجا" بالألف، وهي النواحي، العوذ: الإبل التي معها أولادها، هجان: كرام
7 المفضليات: ص193، ب: 20-25
8 المهمه: القفر، النازح: البعيد، الغور: معظم بعده، الآل: السراب.
(1/346)

في حرور ينضج اللحم بها ... يأخذ السائر فيها كالصقع9
وتخطيت إليها من عدى ... بزماع الأمر والهم الكنع10
وفلاة واضح أقرابها ... باليات مثل مرفت القزع11
يسبح الآل على أعلامها ... وعلى البيد إذا اليوم متع12
فركبناها على مجهولها ... بصلاب الأرض فيهن شجع13
وشاعرنا هذا في حديثه عن بعد حبيبته يقول: إن بينه وبينها قفارًا كثيرة، مترامية الأطراف، يلمع فيها السراب، حين يشتد الحر، وتهب الريح فيها ساخنة، وتكاد شدة الحرارة تنضج اللحم، وتصيب من يسير فيها بضربة شمس توشك أن تقضي عليه، وهذه المهامه الواسعة مملوءة بالأعداء الذين لا بد لاتقائهم من أخذ الحيطة، والاستعداد لملاقاة الخطر، وتلك القفار الشاسعة كلها مرتفعات ومنخفضات ومتعرجات، ومعالمها بالية لا يستطيع السائر أن يهتدي بها، ويغطي هضابها ووديانها السراب حين ترتفع الشمس، وتزداد اللهفة للشرب من شدة العطش، مما يجعل السفر في منتهى المشقة والألم، ولكن المضطر لا بد له من تجشم الصعاب، وتعسف السير في مجاهل مسالكها وأعلامها.
وهذه الصحراء الواسعة النائية الجهات، مملوءة بشتى الظواهر الطبيعية التي تتعاورها على اختلاف فصول السنة، تبعًا للارتفاع والانخفاض، ولئن كان الحر بها شديدًا في الصيف، فهناك بعض الأمكنة تهطل فيها الأمطار المصحوبة بالبرق والرعد، وبخاصة في أعالي الجبال، ومما قيل في ذلك ما ورد لامرئ القيس، إذ يقول14:
__________
9 الحرور: الريح الحارة التي تهب بالنهار، أما السموم فتكون بالليل والنهار جميعًا، الصقع: حرارة تصيب الرأس.
10 عدى: الأعداء، زماع الأمر: الجد فيه، الكنع: الذي يلازم ولا يفارق.
11 الأقراب: الخواصر، وهي هنا تشبيه، أراد جوانبها وأطرافها التي هي بمنزلة الخواصر من الناس، المرفت: المكسر المتحطم، القزع: جمع قزعة وهي بقايا تبقى من الشعر في الرأس، شبه بها علامات الفلاة.
12 الأعلام: الجبال، البيد: جمع بيداء وهي القفر، متع اليوم: ارتفعت شمسه.
13 ركبناها على مجهولها، سرنا فيها على جهل بمسالكها وأعلامها، وبصلاب الأرض: بخيل صلاب الحوافر، وأرض الفرس: حوافرها. الشجع: جنون من النشاط.
14 المعلقات: دار المعارف سنة 1963.
(1/347)

أصاح ترى برقًا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبيّ مكلل15
يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أهان السليط بالذبال المفتل 16
قعدت له وصحبتي بين ضارج ... وبين العذيب بعد ما متأمل 17
علا قطنًا بالشيم أيمن صوبه ... وأيسره على الستار فيذبل 18
فأضحى يسح الماء في كل تلعة ... يكب على الأذقان دوح الكنهبل19
ومر على القنان من نفيانه ... فأنزل منه العصم من كل منزل20
وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أجمًا إلا مشيدًا بجندل21
كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل 22
كأن ذرا رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغثاء فلكة مغزل23
وألقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزول اليماني ذي العياب المحمل24
__________
15 وميضه: بريقه، كلمع اليدين: حركتهما، حبي: سحاب، مكلل: بعضه فوق بعض.
16السنا: الضوء. أما السناء بالمد فهو الجد والشرف، السليط: الزيت "عند عامة العرب"، ودهن السمسم "عند أهل اليمن"، الذبال: جمع ذبالة وهي الفتلة والجمع فتائل.
17 معناه: قعدت لذلك السحاب أنظر من أين يجيء المطر. وضارج والعذيب: موضعان. بعدما متأمل: أي بعد ما تأملت أي تبينت. وما اسم موصول بمعنى الذي. أو زائدة. ومتأمل مخفوض بإضافة بعد إليه.
18 قطن: جبل في أرض بني أسد. الشيم: النظر إلى البرق أين هو، يقال: شم البرق أي انظر أين هو. الستار ويذبل: جبلان. الصوب: نزول المطر.
19 يسح: يصب، التلعة: مسيل الماء، الأذقان: شجر، ويكب على الأذقان: معناه يقلع الشجر، الدوح: العظام من الشجر، واحدته دوحة، الكنهبل: شجر من أعظم العضاة. وواحد العضاة عضة.
20القنان: جبل بني أسد، النقيان: أصله ما تطاير من الرشاء عند الاستقاء، وهو هنا ما شذ عن معظمه، العصم: تيوس الجبال، واحدها أعصم، وهو الذي يخالط بياضه حمرة.
21 تيماء: قرى بالحجاز معروفة، الأجم والآجام: البيوت المسقفة، يقصد أن هذا السيل مر كذلك بتيماء، فاقتلع جذوع النخل، وجميع البيوت إلا ما كان منها مشيدًا بالحجارة والجص.
22 ثبير: جبل بمكة، عرانين: أوائل، الوبل: المطر العظيم الشديد الوقع، البجاد: كساء للأعراب من وبر الإبل وصوف الغنم مخطط، مزمل: ملتف، يريد أن الجبل حينما غطاه الماء كان يشبه شيخًا في كساء مخطط، وذلك رأس الجبل حينما غطاه الماء كان يشبه شيخًا في كساء مخطط؛ وذلك لأن رأس الجبل يضرب إلى السواد والماء حوله أبيض.
23 المجيمر: أرض لبني فزارة، الغثاء: ما يحمله السيل، فلكة مغزل: ما استدار فوق رأسه.
24 صحراء الغبيط: أرض بني يربوع، بعاعه: ثقله. العياب: الحقائب. جمع عيبة، يقصد أنه ألقى بمياهه فخرج بسببه نبات وزهر مختلف ألوانه، كاختلاف ألوان الثياب اليمانية حتى ينشرها التاجر فيكون بعضها أحمر وبعضها أصفر وبعضها أخضر.
(1/348)

كأن مكاكي الجواء غدية ... صبحن سلافًا من رحيق مفلفل25
كأن السباع فيه غرقى عشية ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل26
وهنا يصف الشاعر البرق بأنه كان يلمع وسط السحاب، في سرعة خاطفة كحركة اليدين ويرسل ضوءه في الجهات كأنما هو مصباح قوي مليء زيتًا، وأخذ الشاعر يتأمل السحاب فإذا به ينزل مطرًا مدرارًا، ويجري على الأرض سيلًا جارفًا يقتلع الأشجار والمنازل، ويخرج الوحوش من أوكارها، فتجري هاربة تبحث عن مأوى بعد أن دمر السيل مواطنها، ولكنها لا تفلت من قوة السيل وقسوته، فيجرفها تياره، وتلقى حتفها، وترى بعد من مخلفات السيل ضمن الغثاء الذي ملأ الأرجاء، ولكن الطيور فرحت به وابتهجت، ففي الصباح الباكر أخذت تغرد وتشدو بأعذب الألحان وقد كان حظ هذا الوادي الذي فاض بسيله أن ازدهر بالخصب، فامتلأ بالنبات والأزهار، وعمت الفرحة جميع الناس.
فإذا ما أردنا تصويرًا للحيوانات التي بصحراء الجاهليين، وجدنا شعراءهم قد أتوا بأوصاف جميع هذه الحيوانات، وبخاصة ما كان شديد الصلة بحياتهم منها، فالخيل والإبل، كان لهما أكبر الأثر في حياتهم، إن في السلم، وإن في الحرب، فأكثروا فيها القول، حتى وصفوا جميع أجزاء أجسامهما، وصوروا كل أحوالهما، وتكاد جميع القصائد الطوال من أشعار الجاهليين لا تخلو من أوصاف لهما، ومن القصائد التي صورت الإبل بجميع جزئياتها صغيرة وكبيرة، معلقتا طرفة ولبيد، وقد بدأ طرفة حديثه عن ناقته بأنها هي التي تنسيه الهم، فكلما نزل بساحته كرب أو غم، التجأ إليها، فذهبت به بسرعة، إذ سرعان ما تحمله وتنتقل به من مكان إلى آخر، فيرى من المظاهر المختلفة ما يبعث في نفسه الراحة والمتعة، ويؤكد ذلك
__________
25 مكاكي: جمع مكاء وهو طائر. الجواء: من الأرض العظيم، وقيل هو ما اتسع من الأرض. وقد يكون جمعًا واحده جو، صبحن: شربن من الصبوح، السلاف: أول ما يعصر من الخمر. والرحيق: صفوة الخمر، والمفلفل: الذي قد ألقيت فيه التوابل، يقصد أن الطيور كانت تغرد كأنها سكارى من الخمر؛ وذلك لأن الطيور حينما ترى الخصب والمطر تفرح وتشدو كأن كلا منها شارب يغني. فهي لا تغرد إلا في الخصب.
26 العنصل: بصل بري يعمل منه خل شديد الحموضة لا يقدر على أكله. والأنابيش جماعات من العنصل يجمعها الصبيان، ويقال: الأنابيش: العروق، وسميت أنابيش لأنها تنبش أي تخرج من الأرض، الأرجاء: النواحي والجوانب واحدها رجا، وهنا يشبه السباع الغرقى بتلك الأنابيش من العنصل.
ولخفاف بن ندبة أبيات في مثل معنى أبيات امرئ القيس مذكورة في الأصمعيات: دار الكتب 1964 ص25ب، 29-38.
(1/349)

بأنها ذلول مطيعة، وتبعث في نفسه الأمن والطمأنينة، وهو على ظهرها؛ لأنها قوية، صبور على السير في كل الأوقات، وفي جميع الجهات، لا تمل السفر ليلًا أو نهارًا، وتجري في الأرض السهلة والصلبة، وفي الطرق معبدة كانت أو مهجورة، معروفة أو مجهولة، وذلك لأنها تعيش على أحسن الغذاء، ومعتنى بها في طعامها وشرابها أشد الاعتناء، فجسمها موثق، محكم العضلات، ومتين البنيان، وأخذ يصف كل جزء من جسمها، فيقول عنها في معلقته27:
وإني لأمضي الهم عند احتضاره ... بعوجاء مرقال تروح وتغتدي28
أمون كألواح الأران نسأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد 29
جمالية وجناء تردي كأنها ... سفنجة تبري لأزعر أربد 30
تباري عتاقًا ناجيات وأتبعت ... وظيفًا وظيفًا فوق مور معبد31
__________
27 راجع ديوان طرفة بن العبد، نشر المؤلف.
28 أمضي الهم: أذهبه وأبعده عني، ويجوز أن يكون "الهم" معناه العزم، فيكون معنى "أمضي": أنفذ. احتضاره: حضوره. عوجاء: ضامرة لحق بطنها بظهرها، أو لا تستقيم في سيرها لفرط نشاطها، مرقال: صيغة مبالغة من الإرقال، وهو أن يسرع وينفض رأسه، وهو بين السير والعدو وإنما خص العوجاء؛ لأنها ذات أظافر قد اعتادت ذلك، فهو أصبر لها وأمضى، تروح وتغتدي: تصل آخر النهار بأوله في السير يقول: إني أبعد الهم عن حضوره، وأنفذ إرادتي بناقة ضامرة نشيطة في سيرها، وتصل الليل بالنهار في أسفارها.
29 أمون: يؤمن عثارها، الأردان: تابوت الموتى، وكانوا يحملون فيه ساداتهم وكبراءهم دون غيرهم. والألواح: جمع لوح، وهي كل خشبة عريضة، وشبه الناقة بالألواح الأران لسعة جنبيها، وشدة خلقها. نسأتها: ضربتها بالمنسأ وهي العصى. لاحب: منقاد. تظهر فيه آثار المشي. برجد: كساء مخطط، شبه الطرائق التي في الطريق بطرائق البرجد والشاعر هنا يقصد أن الطريق كان كبرجد مخطط، ولم يقصد الظهر دون البطن. أي أن الناقة لا تخشى عثراتها، فراكبها آمن وهي قوية موثقة الخلق، وأزجرها بالعصا فتنطلق مسرعة على طريق مألوف مطروق، قد ظهرت آثار المشي فيه.
30 جمالية: ناقة تشبه الجمل في وثاق الخلق. والوجناء: المكتنزة اللحم، والعظمة الوجنات. الرديان: العدو. فتردى: تعدو وتسرع. سفنجة: نعامة. تبري: تعرض. الأزعر: ذكر النعام القليل الشعر. أربد: فيه ربدة، وهي لون إلى الغيرة، أي يميل إلى لون الرماد. يقول: إن هذه الناقة قوية كالجمل، مكتنزة اللحم، وهي في عدوها كأنها نعامة تعرض لظليم قليل الشعر رمادي اللون.
31 المباراة: أن يفعل شخص مثل ما يفعل آخر مغالبًا، فتبارى تسابق وتغلب، عتاقًا: إبلًا كرامًا، ناجيات: مسرعات في السير: والوظيف، في اليد من الرسغ إلى الركبة، وفي الرجل، من الرسغ إلى العرقوب، ومعنى "أتبعت وظيفًا وظيفًا": أنها أتبعت وظيف رجلها وظيف يدها، وقيل: المعنى وضعت وظيف رجلها موضع وظيف يدها، وهو ضرب من السير يعرف بالمناقلة والنقال. مور: طريق. معبد: مذلل. أو وطئ حتى أذهب نبته وأثر فيه المشي، فذلل بالمشي كما يذلل المعبد، والمعنى أن هذه الناقة في مشيها تسابق إبلًا كرامًا سريعات في السير، وتتبع وظيف رجلها وظيف يدها فوق طريق مذلل بالسلوك فيه والوطء عليه بالأقدام والحوافر والمناسم.
(1/350)

تربعت القفين في الشول ترتعي ... حدائق موليّ الأسرة أغيد32
تريع إلى الصوت المهيب وتتقي ... بذي خصل روعات أكلف ملبد33
كأن جناحي مضرحي تكنفا ... حفافيه شكا في العسيب بمسرد34
فطورًا به خلف الزميل وتارة ... على حشف كالشن ذاوٍ مجدد35
لها فخذان أكمل النحض فيهما ... كأنهما بابا منيف ممرد36
وطي محال كالحنيّ خلوفه ... وأجرنة لزت بدأي منضد37
__________
32 التربع: رعي الربيع، والإقامة بالمكان، واتخاذه ربعًا، والقف ما ارتفع من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلًا، وهو هنا موضع بعينه، وهو حران بن تميم وإنما خص القف لأن نبته أحسن من غيره، وثناه هنا لإقامة الوزن باسم موضع آخر ضمه إليه مما يجاوره، فسماه باسمه، الشول: جمع شائلة وهي الناقة التي خف ضرعها، وقل لبنها، وهي التي أتى عليها من وقت نتاجها سبعة أشهر، والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان، وكل شجر ملتف أو نخل، سميت بذلك لإحداق الحوائط بها، مولي: إصابة الولي وهو مطر يلي مطرًا. الأسرة: بطون الأودية وغيرها، جمع سرارة، وهي بقال الأودية. أغيد: ناعم، يتثنى من النعمة، وفي هذا البيت يتحدث عن هذه الناقة، فيقول: إنها ترعى أيام الربيع كلا القفين، وهما مشهوران بنبتهما، وتذهب للرعي وسط نوق خفت ضروعها وقلت ألبانها بما تزيد في الأكل فيؤثر في سمنها وقوتها، وشدة احتمالها، ومرعاها في وادٍ كثير الأمطار، طيب التربة، كثير الخيرات، ناعم النبات.
33 تربع: ترجع، من الريع، وهو الرجوع، المهيب: اسم فاعل من الإهابة، وهي دعاء الإبل، فالمهيب هو الداعي يصيح بالإبل، تتقي: من الاتقاء، وهو الحجز بين شيئين، ذي خصل: فيه خصل من الشعر، روعات: جمع روعة، وهي الفزع، الأكلف في لونه كلفة، وهي لون بين السواد والحمرة، ووصف فحل الإبل يفيد أنه في خصب وخير وأن هذه الناقة مدربة، وذكية، تعود إلى راعيها حينما يدعوها، وهي تدفع أقوى الفحول عنها بذنب قوي كثير الشعر.
34 جناحي: تثنية جناح، مضرحي: نسر أبيض: تكنفا عن يمين الذنب وشماله، حفافيه: جانبيه: شكا: غرزا. العسيب: الذنب. شبه شعر ذنبها بجناحي نسر أبيض ومعنى البيت: كأن جناحي نسر أبيض قد غرزا بإبرة في عظم ذنبها.
35 الزميل: الرديف، حشف: أخلاف متقبضة لا لبن فيها، الشن: القربة الخلق الجافة، ذاو: ذابل، مجدد: ذاهب لبنه، وأصله من جددت الشيء إذا قطعته، أي أن ذنب هذه الناقة تارة تحركه على عجزها خلف رديف راكبها، وتارة تحركه على أخلاف منقبضة لا لبن فيها كقربة بالية: يقصد أن هذه الناقة نشيطة الجسم، قوية، فهي تحرك ذنبها دائمًا إلى أعلى وأسفل من فرط نشاطها، ولم يضعفها حلب اللبن أو إرضاعه.
36 أكمل: أتم، النحض: اللحم، منيف: عالٍ مرتفع، ممدد: مشرف، والمرد: الطول، من قولهم "تمرد" أي تجاوز في الشر، وقيل: المرد: الملس، ومنه "شجرة مرداء"، إذا سقط ورقها فصارت ملساء، ومنه سمي الأمرد أمرد لأنه أملس الخدين، أي أن هذه الناقة لها فخذان كاملتا الخلق، مكتنزتا اللحم، كأنهما مصراعا باب قصر عال مملس.
37 المحال: فقار الظهر، وهي جمع، مفرده محالة وهي الفقرة. طي محال: أي أن هذه الفقار مطوية، متراصة، دانٍ بعضها من بعض، وذلك أشد لها، وأقوى من أن تكون متباينة متباعدة، الحنى: جمع حنية وهي القوس، الخلوف: جمع خلف، وهو الضلع، وشبه الأضلاع بالقسي في الأنحاء، وذلك أوسع لجوفها: أجرنة: جمع جران، وهو من البعير مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره، والناقة لها جران واحد، ولكنه جمعه باعتبار ما حوله، لزت: شدت وضمت، الدأي: فقار العنق، واحدته داية، منضدة: من التنضيد، وهو وضع الشيء على الشيء، أي ملصق بعضه ببعض، والمعنى أن هذه الناقة فقار ظهرها متراصة متداخلة، فهي في منتهى القوة، وأضلاعها المتصلة بهذه الفقار منحنية في صلابة كالقسي، فجوفها واسع، وباطن عنقها وما حوله قد شد إلى فقار عنق نضد بعضها على بعض.
(1/351)

كأن كناسي ضالة يكنفانها ... وأطر قسي تحت صلب مؤيد38
لها مرفقان أفتلان كأنما ... تمر بسلمي دالج متشدد39
كقنطرة الرومي أقسم ربها ... لتكتنفن حتى تشاد بقرمد40
صهابية العثنون مؤجدة القرا ... بعيدة وخد الرجل موَّارة اليد41
أمرت يداها فتل شزر وأجنحت ... لها عضداها في سقيف مسند42
__________
38 الكناس: بيت يحتفره الوحش في أصل الشجر ليستكن فيه من الحر والبرد. والضالة: شجرة السدر البري، يشبه الفراغ الذي بين مرفقيها وزورها بكناسين في السعة، أي أن مرفقيها بعيدان عن إبطيها، وذلك أبعد لها من العثار، وأطر القسي: عطفها وانحناؤها. صلب: ظهر. مؤيد: قوي. إن هذه الناقة واسعة الإبطين، فهي مأمونة العثار، ولها ضلوع قوية منحنية تحت ظهر صلب متين، فهي شديدة، تتحمل مشاق السفر وآلامه.
39 أفتلان: فتلا فتلا، فهما مندمجان قويان. سلمي: مثنى سلم وهو دلو بعروة واحدة. دالج: سقاء يأخذ الدلو من البئر فيفرغها في الحوض. متشدد: شديد قوي. يقول هنا: ولهذه الناقة مرفقان شديدان بعيدان عن جنبيها فكأنها تمر مع دلوين من دلاء الدالجين الأقوياء. شبهها هنا بسقاء حمل دلوين إحداهما بيمناه والأخرى بيسراه فبانت يداه عن جنبيه.
40 القنطرة: الجسر وشبه الناقة بالقنطرة لانتفاخ جوفها، وشدة خلقها. الرومي: واحد الروم؛ وخصه بالذكر لأنه أحكم عملًا، أقسم: حلف. ربها: مالكها، لتكتنفن: ليحاطن بها من جميع نواحيها. تشاد: ترفع، يقال: "أشاد بذكره، إذا رفعه". والقرمد: الأجر، وهو أعجمي معرب. والمعنى: أن هذه الناقة في تراصف عظامها وتداخل أعضائها كقنطرة رومي يحب إتقان العمل، وقد حلف أن تبنى من كل ناحية بدقة وإحكام، ويشاد بناؤها بأقوى المواد وأصلبها، فجاءت متينة قوية محكمة.
41 صهابية: في لونها صهبة، وهي حمرة أو شقرة في الشعر، فتحمر ذفارى الناقة "أي ما خلف أذنيها". وعنقها وكتفاها وزورها وأوظفتها. العثنون: ما تحت لحييها، موجدة: موثقة شديدة، القرا: الظهر. الوخد: أن تزج بقوائمها وتسرع. ومعنى بعيدة وخد الرجل: أن تأخذ رجلها من الأرض أخذًا واسعًا سريعًا. موارة: من المور، وهو التحرك والجريان على وجه الأرض، وموارة اليد: ليست يدها كزة ولا جاسية فجلد كتفيها ومنكبيها لين يموج، فيداها تتحركان بسرعة في سهولة ويسر، فهذه الناقة في عثنونها صهبة، وفي ظهرها قوة، وحركات يديها ورجليها سهلة واسعة سريعة.
42 أمرت يداها: فتلت شديدًا، والفتل الشزر: الفتل عن اليسار، وهو أشد الفتل. أجنحت: أمليت حتى كأنها منكبة، السقيف: صفائح حجارة، والمقصود به هنا الزور، وهو وسط الصدر وما ارتفع منه إلى الكتفين، أي كأن زورها صفائح حجارة. مسند: أسند بعضه إلى بعض، أي شديد الخلق. والمعنى أن يدي هذه الناقة مفتولان فتلا قويًا، وقد أميلت عضداها تحت جنبين كأنها سقف أسند بعض حجارته إلى بعض.
(1/352)

جنوح دفاق عندل ثم أفرعت ... لها كتفاها في معالي مصعد43
كأن علوب النسع في دأياته ... موارد من خلقاء في ظهر قردد44
تلاقى وأحيانًا تبين كأنها ... بنائق غر في قميص مقدد45
وأتلع نهاض إذا صعدت به ... كسكان بوصي بدجلة مصعد46
وجمجمة مثل العلاة كأنما ... وعى الملتقى منها إلى حرف مبرد47
وعينان كالماويتين استكنتا ... بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد48
__________
43 جنوح: تجنح في سيرها، أي تميل نشاطًا وسعرة، دفاق: متدفقة في سيرها. مسرعة غاية الإسراع، عندل: ضخمة الرأس، أفرعت: عوليت وأشرفت، معالي: عال. مصعد: مرتفع، رفع إلى أعلى أي أن هذه الناقة شديدة الميلان في سيرها لفرط نشاطها. مسرعة غاية الإسراع. وهي عظيمة الرأس, وقد ارتفعت كتفاها في خلق معالي مرتفع.
44 علوب: جمع علب، وهي الآثار، والنسع: حبل مضفر من أدم، أو سير ينسج عريضًا على هيئة العنان، تشد به الرحال، الدأيات: فقر الظهر والكاهل، أو غراضيف الصدر وضلوعه، والموارد: طرق الوراد إلى الماء، خلقاء: صخرة ملساء. فردد: أرض مرتفعة. صلبة: شبه آثار النسع بطرق وراد المياه في البياض أوظهور الأثر بوضوح. وجنباها وصدرها كالصخرة الملساء في أرض صلبة غليظة مرتفعة، والمعنى أن آثار النسع في ظهر هذه الناقة وجنبيها كآثار وراد المياه على هضبة في أرض مرتفعة صلبة. أو أن هذه النسوع لا تؤثر في هذه الناقة إلا كما تؤثر الموارد في الصخر الملساء.
45 تلاقي: يعني الموارد، أي يتصل بعضها ببعض، تبين: تتفرق. البنائق: جمع بنيقة، وهي جيب القميص وطوقه. وقيل: البنائق هي الدخاريص، مفردها دخريص، وهو ما يوصل به البدن ليوسعه، غر: بيض، مقدد: قديم خلق شبه هذه الآثار لبياضها بتلك الرقاع في هذا القميص. ومعنى البيت: أن أثر هذه النسوع مثل هذه الطرق تفترق مرة وتلتقي أخرى، وهذه الآثار شديدة البياض كالبنائق البيضاء في قمصان خلقان.
46 أتلع: عنق طويل. نهاض: كثير النهوض. صعدت به: رفعته. البوصي: نوع من السفن. والسكان: سهم السفينة. دجلة: نهر مشهور بالعراق. مصعد: يرتفع؛ وذلك لأنه يعالج الموج. أي أن عنق هذه الناقة طويل، سريع النهوض. وهو في حركته في الارتفاع والانتصاب كسكان سفينة تجري في نهر دجلة.
47 الجمجمة: العظم الذي فيه الدماغ. العلاة: السندان. وهي التي يضرب عليها الحديد. شبه الجمجمة بها في الصلادة. وعى: انضم واجتمع، وتماسك. الملتقى: حيث تلتقي طرف الجمجمة مع فراش الرأس. حرف المبرد: طرفه أي أن ملتقى شئون رأسها ليس فيه نتوء، بل إنه ملتئم كله كالتئام المبرد من تحت حزوزه. وكان الأصمعي يقول: لم يأت أحد بهذا التشبيه غير طرفة. والمعنى: أن هذه الناقة لها جمجمة كالسندان في الصلابة، وموضع التقائها بفراش الرأس لا تظهر فيه نتوء شاخصة؛ وإنما هو ملتئم متين كالمبرد.
48 الماويتان: مثنى ماوية، وهي المرآة، وشبه العين بها في الصفاء، استكنتا: استترتا، يريد أنهما غائرتان، كهفي: مثنى كهف. وهو غار، والمقصود الغار الذي فيه العين: حجاجي: مثنى حجاج وهو العظم المشرف على العين وهي صافية غائرة وسط العظم، بنقرة ماء عميقة في وسط صخرة. فمعنى البيت: أن عينها صافية صفاء المرآة. وصفاء الماء النقي، وغائرة في عظم قوي صلب كقلت في أرض صخرية.
(1/353)

طحوران عوار القذى فتراهما ... كمكحولتي مذعورة أم فرقد49
وخد كقرطاس الشآمي ومشفر ... كسبت اليماني قده لم يحرد50
وصادقتا سمع التوجس في السرى ... لجرس خفي أو لصوت مندد51
مؤللتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي شاة بحومل مفرد52
وأروع نباض أحذ ململم ... كمرداة صخر من صفيح مصمد53
وأعلم مخروت من الأنف مارن ... عتيق متى ترجم به الأرض تزدد54
__________
49 طحوران: أي يدفعان ويطردان، عوار القذى: قطعة من الرمد، والقذى: وسخ العين وما يسقط فيها. وأضاف العوار إلى القذى لأن العين إذا رمدت قذيت، يريد أن عينيها صحيحتان لم يصبهما رمد أو وسخ. مذعورة: بقرة وحشية خائفة. والفرقد: ولد البقرة، وإذا كانت البقرة خائفة ولها ولد كان نظرها أحد وأقوى وأجمل، أي أن عينيها نظيفتان دائمًا، فهما صحيحتان لا ينهالهما أذى أو مرض، وهما عينان واسعتان جميلتان حادتان.
50 القرطاس: الصحيفة، الشآمي: منسوب إلى الشام، ويقال إنه خص الشآمي لأنهم نصارى أهل كتاب. وشبه خد الناقة بالصحيفة في البياض أو لأنه عتيق لا شعر فيه، والشعر في الخد هجنة. والمشفر من البعير كالشفة من الإنسان. والسبت: جلود البقر المدبوغة بالقرظ، يريد أن مشافرها طوال، كأنها نعال من السبت، خص السبت للينه. اليماني: نسبة إلى اليمن، ودباغ اليمن أفضل الدباغ. والقد: ما قد رأى قطع من الجلد، وهو هنا النعل نفسه. لم يحرد: لم يضطرب قطعه. يعني أن خد هذه الناقة أبيض نقي من الشعر، ومشفرها لين مستقيم، لا اعوجاج فيه ولا اضطراب.
51 صادقتا سمع: يعني أذنها لا تكذبها إذا سمعت شيئًا. التوجس: الخوف والحذر من شيء يسمع. للسرى أي في السرى وهو السير ليلًا. الجرس: الصوت الخفي. المندد: الصوت المرتفع البين. والمعنى: أن لها أذنين صادقتي الاستماع في السير ليلًا، لا يخفى عليها الهمس الخفي، ولا الصوت البين.
52 مؤللتان: مثنى مؤلل، أي محدد، من التأليل، وهو التحديد والتدقيق، والدقة والحدة تحمدان في آذان الإبل، العتق: الكرم والنجابة. وتعرف العتق فيهما: تتبين الكرم فيهما إذا نظرت إليهما لتحديدهما وقلة برهما. سامعتي: أذني. شاة: ثور وحشي. حومل: اسم موضع معين. مفرد: منفرد وحيد، وإذا كان الثور كذلك اشتد وحشة وحذرًا؛ لأنه ليس مع وحش يلهيه ويشغله ويؤنسه، فاشتد سمعه وارتياعه. يقصد الشاعر أن أذني هذه الناقة يدلان على كرمها ونجابتها لما فيهما من الدقة والحدة. وهما مرهفتا السمع كأذني ثور وحيد في منتهى الحذر والتيقظ.
53 أروع: قلب حديد، سريع الارتياع لحدته وفرط ذكائه، نباض: كثير الحركة والضرب، أحذ: أملس، أو خفيف ذكي. ململم: مجتمع الخلق، شديد، صلب، مرداة: صخرة تدق بها الحجارة، ولا تكون إلا صلبة، صفيح: صخر عريض. مصمد: محكم موثق. أي ولها قلب يرتاع لأدنى شيء لفرط ذكائه، سريع الحركة، خفيف، صلب، مجتمع الخلق.
54 أعلم: مشفر مشقوق، وهذا لازم لجميع الإبل. وشق المشفر الأعلى يقال لصاحبه "أعلم" أما صاحب المشفر الأسفل المشقوق فيقال له "أفلح" وهذا يكون في الإنسان كذلك، مخروت: مثقوب والمارن: ما لان من قصبة الأنف. عتيق: كريم جميل. ترجم: ترمي. ورجم الناقة الأرض: أن تدني رأسها من الأرض، تزدد: تزيد في سرعتها، أي ولهذه الناقة مشفر مشقوق، ومارن أنفها مثقوب، وإذا أومأت بأنفها ورأسها إلى الأرض ازدادت سيرًا.
(1/354)

وإن شئت سامى واسط الكور رأسها ... وعامت بضبعيها نجاء الخفيدد55
وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوي من القد محصد56
على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك منها وأفتدي57
أما لبيد فقد تحدث كذلك عن ناقته من حيث السرعة، واحتمال الأسفار، وأعضاء جسمها، ولكنه في تصوير سرعتها يقارنها مرة بأتان يطاردها فحل قد اعتاد مطاردة الفحول، فأثر ذلك في جسمه ونشاطه وسرعته، وأخذ يعلو حدب الأكام، وكان الغبار يرتفع في الفضاء من إثر جريهما، كأنه دخان نار ساطعة قد هبت عليها رياح الشمال، واستمرا على ذلك حتى أضناهما التعب، واشتد بهما العطش، ومرة أخرى يقارنها ببقرة وحشية قد أكل السبع ولدها، فذعرت، فأخذت تجري في الفيافي والقفار، وتسمع صوت صياد فتمتلئ رعبًا، وتزداد سرعة، ويحس الصائد أنه لا أمل في أن ينالها بسهامه، فيرسل وراءها كلابًا مسترخية الآذان، معودة للصيد، فلحقتها الكلاب، فرجعت البقرة عليهن تطعنهن لتطردهن عن نفسها.
والشاعر في هذا الوصف قد أفادنا بهذا الاستطراد، بتصوير حمر الوحش، والبقر الوحشية، وكلاب الصيد، وهذه الأوصاف تنبئنا عن أحوال هذه الحيوانات وطبيعتها، كما تدل على دقة الملاحظة، وقوة الإحساس الشعري عند الشاعر الجاهلي.
أما الخيل، فما أكثر الحديث عنها في الشعر الجاهلي، سواء في مجال الصيد، أم في مجال الحرب، وكلاهما يجيء في معرض الفخر بالفتوة والبطولة. وقد اشتهر بنعت الخيل من الشعراء طفيل الغنوي وأبو دؤاد الإيادي. والنابغة الجعدي. ومن خير الأمثلة في وصف خيل الصيد
__________
55 سامى:بارى في السمو وهو العلو. الكور: الرحل. وواسط الكور: وسطه، وهو العود الذي بين مورك الرحل ومؤخرته، وهو كالقربوس للسرج. عامت: سبحت. بضبعيها: بعضديها. النجاء: السرعة. الخفيدد: ذكر النعام. شبه الناقة به في السرعة. يقول: وإذا أردت أن تسرع، جذبت زمامها، فارتفع رأسها إلى أعلى حتى يوازي وسط الرحل، وانطلقت كالظليم في سرعة فائقة دون أن يحس راكبها أي تعب، وكأنها في عدوها تسبح على سطح الماء.
56 الإرقال: نوع من السير السريع. وفيه تنفض رأسها لشدة سيرها. ملوي: سوط مفتول، القد: ما قد من الجلد. محصد: محكم، شديد الفتل. يقول الشاعر: إن هذه الناقة مذللة مروضة، طوع إرادته، إن شئت تركتها تسير سيرًا عاديًّا، وإن شئت أسرعت مخافة سوط شديد الفتل.
57 على مثلها: على مثل هذه الناقة التي تقدم وصفها. أفديك منها، أي من الصحراء، وقد أضمرها ولم يتقدم لها ذكر لأن سياق الكلام وذكر الناقة والسير يدل عليها. أفديك: أعطيك فداءك وتنجو. وأفتدي: أي أنا منها وأنجو.
(1/355)

ما قاله امرؤ القيس عنها في معلقته، وقد ذكرنا هذا الوصف في الكلام عن المعلقة، ومن أمثلة ما جاء في وصف خيل الحرب، ما ورد للمزرد عنها، فقد أجاد في وصفها ذكورًا وإناثًا. وقد بدأ بوصف الذكور فقال في المفضلية 17: 58
وعندي إذا الحرب العوان تلقحت ... وأبدت هواديها الخطوب الزلازل59
طوال القرا قد كاد يذهب كاهلًا ... جواد المدى والعقب، والخلق كامل60
أجش صريحي كأن صهيله ... مزامير شرب جاوبتها جلاجل61
متى ير مركوبًا يقل باز قانص ... وفي مشيه عند القياد تساتل62
تقول إذا أبصرته وهو صائم ... خباء على نشز أو السيد ماثل63
خروج أضاميم وأحصن معقل ... إذا لم تكن إلا الجياد معاقل64
مبرز غايات وإن يتل عانة ... يذرها كذود عاث فيها مخايل65
يرى طامح العينين يرنو كأنه ... مؤانس ذعر فهو بالأذن خاتل66
__________
58المفضلية 17
59 العوان: التي قوتل فيها مرة بعد مرة. تلقحت: أي حملت بالقتال، هواديها: أوائلها، وهو منصوب سكنت ياؤه للضرورة، الزلازل: الأمور التي يصيب الناس منها كالزلزلة لشدتها.
60 طوال: مبتدأ مؤخر، خبره "عندي" في البيت قبله، والطوال: فوق الطويل، مفرد بضم الطاء. ويصف به جواده. القرا: الظهر. قد كان يذهب كاهلًا: يريد أنه عريض من قبل كاهله. جواد المدى: يجود بجريه إلى المدى، وهو الغاية للسبق، العقب: جري بعد الجري الأول.
61 أجش: خشن الصوت. صريحي: منسوب إلى فحل يدعى الصريح. الشرب: بفتح الشين: القوم يشربون. واحدهم شارب.
62 خص باز القانص لأنه أضرى من غيره من البيزان. التساتل: التتابع.
63 الصائم: القائم، النشز: المكان المرتفع. السِّيد: بالكسر: الذئب. المائل: القائم. وهو من الأضداد. يقال أيضًا للاطئ بالأرض. ويقال أيضًا للذاهب.
64 الأضاميم: الجماعة من الخيل. الواحدة منها إضمامة. الخروج: الخارج منها، أي يسبقها.
65الغاية: مدى السباق. العانة: القطعة من إناث الحمير. الذود: ما بين الثلاث إلى العشر من الإبل. عاث: أفسد. المخايل: الرجل الذي يخايل صاحبه، أي يباريه ويفاخره. يريد أن فارسه يعقر العانة فيذرها كالذود التي تعقر عند التفاخر بالجود.
66 الطامح: الذي يرمي ببصره إلى أعلى. الرنو: إدامة النظر وسكون الطرف. المؤانس: الذي يستأنس يستمع شيئًا يحذره. خاتل: أي كأنه يختل ما يستمع لشدة استماعه. وأصل الختل الخداع.
(1/356)

إذا الخيل من غب الوجيف رأيتها ... وأعينها مثل القلات حواجل67
وقلقلته حتى كأن ضلوعه ... سفيف حصير فرجته الروامل68
يرى الشد والتقريب نذرًا إذا عدا ... وقد لحقت بالصلب منه الشواكل69
له طحر عوج كأن مضيغها ... قداح براها صانع الكف نابل70
وصم الحوامي ما يبالي إذا جرى ... أَوَعْثُ نقا عنت له أم جنادل71
وسلهبة جرداء باق مريسها ... موثقة مثل الهراوة حائل72
كميت عبناة السراة نمى بها ... إلى نسب الخيل الصريح وجافل73
من المسبطرات الجياد طمرة ... لجوج، هواها السبسب المتماحل74
صفوح بخديها وقد طال جريها ... كما قلب الكف الألد المجادل 75
__________
67 الوجيف: سير شديد دون العدو. غب: بعده بيوم فأكثر. القلات: جمع قلت بفتح فسكون وهي نقر تكون في الجبل يجتمع فيها الماء. حواجل: جمع حاجلة. من قولهم "حجلت عينه" إذا غارت. أو جمع حوجلة، وهي القارورة شبه عيونها في الغئور بالقلات.
68 قلقلته: أذهبت لحمه من كثرة السير، وهذا المعنى مما لا يذكر في المعاجم. سفيف الحصير: ما سفف منه، أي نسج. فرجته: جعلت فيه الفرج. الروامل: اللواتي ينسجن الحصير.
69 الشد: العدو. والتقريب: ضرب منه. الشواكل: جمع شاكلة، وهي الخاصرة، أراد أنه ضامر.
70 الطحر ههنا: الأضلاع. قال الأصمعي: "اشتق لها من قولهم طحره: إذ دفعه وباعده، لأن اللحم قد ذهب عنها". وهذا المعنى ليس في المعاجم. المضيغ: اللحم، القداح: السهام، صانع الكف: حاذق الكف لطيف. النابل: صانع النبال. أو هو الحاذق.
71 صم: صلاب. الحوامي: ميامن الحافر ومياسره. الوعث: كل لين سهل ليس بكثير الرمل. النقا: مثل الكثيب من الرمل. عنت له: عرضت له. الجنادل: الصخور.
72 وسلهبة: عطف على "طوال القرى" السابق. والسلهبة: الطويلة من الخيل. الجرداء: القصيرة الشعر، مريسها: شدتها وصيرها في السير. يريد أن بها نشاطًا على ما بها. ويقال رجل "مريس" من هذا المعنى. والحروف في هذين المعنيين لم يذكر في المعاجم. موثقة: محكمة الخلق. الهراوة: العصا. والخيل تشبه بالعصا. والحائل: التي لم تحمل، فهو أصلب لها وأشد.
73 الكميت: ما فيه حمرة تضرب إلى السواد: العبناة: الموثقة لخلق الشديدة. السراة ههنا: الظهر. نمى بها: ارتفع بها الصريح وجافل: فحلان ينسب إليهما الخيل.
74 المسبطرة: المنقادة في السير السريعة. الجياد: "فعال" بكسر الفاء من الجودة، فتح الجيم وضمها. وهي السرعة، الطمرة: الواثبة اللجوج: التي تترامى في العنان. السبسب: المتسع من الأرض. المتماحل: البعيد ما بين الطرفين.
75 صفوح بخديها. أي تنظر يمنة ويسرة من النشاط. الألد: الشديد الخصومة.
(1/357)

يفرطها عن كبة الخيل مصدق ... كريم وشد ليس فيه تخاذل76
وإن رد من فضل العنان توردت ... هويّ قطاة أتبعتها الأجادل77
مقربة لم تقتعد غير غارة ... ولم تمتر الأطباء منها السلائل78
إذا ضمرت كانت جداية حلب ... أمرت أعاليها وشد الأسافل79
وقد أصبحت عندي تلادًا عقيلة ... ومن كل مال متلدات عقائل80
وأحبسها ما دام للزيت عاصر ... وما طاف فوق الأرض حاف وناعل81
ومما جاء في وصف النعام ما قاله علقمة الفحل في حديثه عن الناقة82:
كأنها خاضب زعر قوادمه ... أجنى له باللوى شري وتنوم83
يظل في الحنظل الخطبان ينقفه ... وما استطفت من التنوم مخذوم84
__________
76 يفرطها: يقدمها. كبة الخيل: دفعتها في الجري. المصدق، بفتح الميم: الصدق في كل ما كان من عمل أو قول، الشد: العدو
77 الأجادل: جمع أجدل وهو الصقر. يقول: إن حبس من عنانها فهي في ذلك كقطاة تتبعها الصقور، فهو أشد لطيرانها.
78 المقربة: المؤثرة المكرمة. بالتشديد فيها. لم تعتقد: لم تركب. غير غارة: إلا في غارة. لم تمتر: لم ترضع، وأصل المري: أن يمسح الضرع ليدر. الأطباء: جمع طبي، بضم فسكون، وهو من الفرس بمنزلة الثدي من المرأة. السلائل: الأولاد.
79الجداية: الظبي أتى عليه ستة أشهر أو نحوها، تقال للذكر والأنثى. الحلب: نبت يخضر في قبل الصيف. شبه الفرس بالظبي رعى هذا النبت، وقد رعى من قبله الربيع، فاتصل ربيعه بالصيف فسمن وقوي. أمرت: فتلت: أي فتل لحمها وعصبها.
80 التلاد: القديم، يقال للذكر والأنثى والمفرد والجمع، وأصله من ولد عندهم، فتاؤه مبدلة من الواو. العقيلة: الكريمة.
81 أي: أحبسها أبدًا عندي، لا أبيعها ولا أهبها، لضني بها.
82 المفضلية رقم 120
83 الخاضب: الظليم قد احمر جلده وساقاه. والظليم: ذكر النعام، وتشبه به الناقة في السرعة، القوادم: ريشات في مقدم الجناح. أجنى النبات: أدرك أن يجنى. اللوى: ما انعطف من الرمل. الشري: شجرة الحنظل، والظليم يأكله. التنوم: شجر، ورقه يشبه ورق الآس. ينحت ورقه في القيظ، ويرب في الشتاء.
84 الخطبان: الحنظل الذي تضرب فيه خطوط تضرب إلى السواد، وهو أشد ما يكون مرارة. ينقفه: يستخرج حبه. استلطف: ارتفع. مخدوم: مقطوع ليأكله.
(1/358)

فوه كشق العصا لأيًا تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلوم85
حتى تذكر بيضات وهيجه ... يوم رذاذ عليه الريح مغيوم86
فلا تَزَيّده في مشيه نفق ... ولا الزفيف دوين الشد مسئوم87
يكاد منسمه يختل مقلته ... كأنه حاذر للنخس مشهوم88
وضاعة كعصي الشرع جؤجؤه ... كأنه بتناهي الروض علجوم89
يأوي إلى حكسل زعر حواصله ... كأنهن إذا بركن جرثوم90
حتى تلافى وقرن الشمس مرتفع ... أدحيّ عرسين فيه البيض مركوم91
يوحي إليها بأنقاض ونقنقة ... كما تراطن في أفدانها الروم92
صعل كأن جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم93
تحفه هقلة سطعاء خاضعة ... تجيبه بزمار فيه ترنيم94
__________
85 فوه كشق العصا: أي لاصق ليس بمفتوح. لأيًا: بطيئا وبصعوبة. تبينه: تستبينه، أي لا تظهر لك إلا بمشقة. أسك: أصم، أو صغير الأذن لاصقها بالرأس. مصلوم: مقطوع الأذنين.
86 هيجه: أثاره. رذاذ: مطر خفيف. مغيوم: فيه غيم. يقصد أن هذا الظليم كان يرعى الخطبان والتنوم، وفاجأه مطر خفيف في يوم غائم فيه ريح فتذكر بيضه، فراح يجري إلى هذا البيض قبل أوان الرواح.
87 التزيد: سير سريع، نفق: سريع الذهاب، الزفيف: دون الشد قليلا. مسئوم: مملول. أي أنه لا يسأم الزفيف.
88 منسمه: ظفره. يختل: يشك. مشهوم: فزع مروع. يقصد أنه كان سريع الجرى، يزج برجليه زجًّا شديدًا، ويخفض عنقه فيكاد منسمه يشك عينيه.
89 الوضع: عدو سريع من عدو الإبل. والتاء في وضاعة للمبالغة كعلامة ونسابة، وصف للظليم. الجؤجؤ: الصدر. الشرع: الأوتار، واحدها شرعة. العصي: البربط، وهو عود الغناء، شبه صدر الظليم بالبربط في تقوسه. التناهي: جمع تنهية وهي الأماكن المطمئنة ينتهي إليها الماء. العلجوم: البعير الطويل المطلي بالقطران.
90 الحسكل: الفراخ. جرثوم: جمع جرثومة وهي أصول الشجر.
91 تلافى: تدارك. عرسين: أي هو ونعامته. الأدحى: مبيض النعام. مركوم: موضوع بعضه فوق بعض.
92 يوحي إليها: يصوت لها فتفهم عنه. الأنقاض: التصويت. النقنقة: صوت الظليم. الأفدان: القصور، جمع فدن.
93 الصعل: الخفيف الرأس والعنق. خرقاء: حمقاء. مهجوم: ساقط مهدوم، صفة للبيت. يقصد أن هذا الظليم يرفع جناحيه في عدوه ويحطهما، فكأنه بيت شعر أو صوف ترفعه امرأة حمقاء، فمتى ترفعه يسقط.
94 تحفة: تحف الظليم. هقلة: نعامة. سطعاء: طويلة العنق. خاضعة: تميل رأسها للرعي. الزمار: صوت أنثى النعام. العرار: صوت الذكر.
(1/359)

يضرب الشاعر هنا مثلا لسرعة الناقة، بسرعة هذا الظليم، فيحدثنا عن أوصافه، وطبيعته، فهو قد اكتمل جسمًا وقوة، وتوفر له الغذاء الشهي ويتعرض لوصف فمه، وأذنيه، وساقيه، ويذكر أنه من طبيعته الاهتمام بالبيض، وبخاصة في أيام المطر، فإذا أحس أن المطر وشيك الحدوث، أسرع في الرواح ولو كان في غير ميعاد الإياب، وتزداد سرعته إذا كان بعيدًا عن مبيضه، أو إن بدأ سقوط المطر، وفي جريه السريع لا يمل ولا يشعر بالتعب، بل يضاعف من سرعته وتزيد حركة رجليه ورأسه، انخفاضًا وارتفاعًا، حتى ليكاد منسمه يشك عينه، وكلما ازداد جريه انتفخ صدره، فيتراءى كأنه بربط، ويظل يجري ويجري؛ ليصل إلى فراخه، وينقذ بيضاته، فتداركها، وحفظها، ثم نادى نعامته بأصوات معينة لم يفهمها الشاعر فكانت في سمعه كأنها رطانة الروم في قصورهم، وأخذ الظليم برأسه الصغير، وعنقه الخفيف، يرفع جناحيه ويخفضهما بسرعة، فجاءت إليه نعامته، وقد ردت عليه بصوت الأنثى فيه نغم وترنيم.
وهذا وصف بديع لهذا النوع من الحيوان، وتصوير لطيف لبعض عاداته، وقد أشار فيه الشاعر إلى معرفته بشيء عن الروم مما يدل على الصلة بينهم وبين العرب منذ الجاهلية.
ولو أردنا أن نستقصي كل ما قيل عن الحيوانات والطيور والحشرات في الشعر الجاهلي لطال بنا البحث والدرس، ويكفينا أن نذكر أنه قد ألفت في هذا الموضوع كتب، وقام فيه بعض الباحثين بأبحاث ودراسات مختلفة.
وفي وصف الأسلحة قال أوس بن حجر95:
وإني امروء أعددت للحرب بعدما ... رأيت لها نابا من الشر أعصلا
أصم ردينيا كأن كعوبه ... نوى القسب عراصًا مزجًا منصلا96
عليه كمصباح العزيز يشبه ... لفصح ويحشوه الذبال المفتلا97
وأملس حوليًّا كنهي قرارة ... أحس بقاع نفح ريح فأجفلا98
__________
95 شعراء النصرانية ص 494.
96 القسب: التمر اليابس. والقسب: الصلب الشديد. عراصًا: لدنًا.
97 الفصح: عيد النصارى. الذبال: جمع ذبالة وهي الفتيلة. يشبه: يشعله.
98 الحولي: ما أتى عليه حول. وفي رواية "صولى": نسبة إلى موضع معروف. النهي: الغدير. القرارة: المطمئن من الأرض. نفح الريح: هبوبها. أجفل: تحرك واطرد.
(1/360)

كأن قرون الشمس عند ارتفاعها
... وقد صادفت طلعًا من النجم أعزلا99
تردد فيه ضوءها وشعاعها ... فأحصن وأزين لامرئ أن تسربلا
وأبيض هنديا كأن غراره ... تلألؤ برق في حبي تكللا100
إذا سل من غمد تآكل أثره ... على مثل مصحاة اللجين تأكلا101
كأن مدب النمل يتبع الربا ... ومدرج ذر خاف بردًا فأسهلا102
على صفحتيه بعد حين جلائه ... كفى بالذي أبلي وأنعت منصلا
ومبضوعة من رأس فرع شظية ... بطود تراه بالسحاب مجللا
على ظهر صفوان كأن متونه ... عللن بدهن يزلق المتنزلا
يطيف بها راع يجشم نفسه ... ليكلأ فيها طرفه متأملا
فلاقى امرءًا من ميدعان وأسمحت ... قرونته باليأس منها وعجلا103
فقال له: هل تذكرن مخبرًا ... يدل على غنم ويقصر معملا
على خير ما أبصرتها من بضاعة ... لملتمس بيعًا لها أو تبكلا104
فويق جبيل شامخ الرأس لم تكن ... لتبلغه حتى تكل وتعملا
فأبصر ألهابًا من الطود دونه ... يرى بين رأسي كل نيقين مهبلا105
فأشرط فيها رأيه وهو معصم ... وألقى بأسبات له وتوكلا106
وقد أكلت أظفاره الصخر كلما ... تعيا عليه طول مرقى تسهلا
__________
99 قرن الشمس: أعلاها أو أول شعاعها. الطلع: المكان المشرف الذي يطلع منه، والناحية، وكل مطمئن من الأرض. النجم: ما لا ساق له من النبات.
100 الحبي: السحاب الذي يشرف من الأفق على الأرض، أو الذي بعضه فوق بعض. تكلل السحاب عن البرق، تبسم. وتكال البرق: لمع خفيفًا.
101 أثر ال